{"ً":{"ٌ":30623,"ٍ":"الأمالي الشارحة لمفردات الفاتحة","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/amshrh/amsh.pdf"]},"ّ":"الكتاب: الأمالي الشارحة لمفردات الفاتحة\n(يطبع لأول مرة محققا على نسختين خطيتين)\nالمؤلف: عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم القزويني أبو القاسم الرافعي\nالمحقق: محمد بكر زهران\nالناشر: الفاروق الحديثة للطباعة والنشر، القاهرة - مصر\nالطبعة: الأولى، ١٤٣٢ هـ -٢٠١١ م\nعدد الصفحات: ٤٧٠\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"2.0","ٔ":434,"ٕ":3,"ٖ":1770154686,"ٗ":41},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"إسنادي لكتاب الأمالي","level":1,"page":3},{"title":"مقدمة التحقيق","level":1,"page":4},{"title":"الفصل الأول: \"التعريف بكتب الأمالي\"","level":2,"page":6},{"title":"الفصل الثاني: التعريف بالإمام الرافعي","level":2,"page":9},{"title":"أولا: اسمه ونسبه.","level":2,"page":9},{"title":"ثانيا: مولده.","level":2,"page":9},{"title":"ثالثا: شيوخه.","level":2,"page":10},{"title":"رابعا: تلامذته.","level":2,"page":11},{"title":"خامسا: أولاده","level":2,"page":12},{"title":"سادسا: مكانته العلمية","level":2,"page":13},{"title":"سابعا: ثناء أهل العلم عليه","level":2,"page":15},{"title":"ثامنا: مصنفاته.","level":2,"page":18},{"title":"(١) أربعون حديثا في الرحمة.","level":2,"page":18},{"title":"(٢) الأمالي الشارحة لمفردات الفاتحة.","level":2,"page":19},{"title":"(٣) الإيجاز في أخطار الحجاز.","level":2,"page":19},{"title":"(٤) التدوين في أخبار قزوين.","level":2,"page":19},{"title":"(٥) التذنيب.","level":2,"page":19},{"title":"(٦) تفسير القرآن.","level":2,"page":19},{"title":"(٧) سواد العينين في مناقب الغوث أبي العلمين.","level":2,"page":20},{"title":"(٨) الشرح الصغير.","level":2,"page":20},{"title":"(٩) شرح مسند الإمام الشافعي.","level":2,"page":21},{"title":"(١٠) عقيدة الإمام الرافعي.","level":2,"page":21},{"title":"(١١) الفتح العزيز شرح الوجيز المسمى بـ \"الشرح الكبير\".","level":2,"page":21},{"title":"(١٢) القول الفصل في فضل أبي الفضل.","level":2,"page":22},{"title":"(١٣) المحرر في فروع الشافعية.","level":2,"page":22},{"title":"(١٤) المحمود في الفقه.","level":2,"page":22},{"title":"تاسعا: وفاته","level":2,"page":23},{"title":"الفصل الثالث: التعريف بكتاب الأمالي","level":2,"page":24},{"title":"أولا: أهمية كتاب الأمالي.","level":2,"page":24},{"title":"ثانيا: ثناء العلماء على كتاب الأمالي","level":2,"page":26},{"title":"ثالثا: منهج الإمام الرافعي في كتابه الأمالي","level":2,"page":26},{"title":"الفصل الرابع: منهج العمل في تحقيق الأمالي","level":2,"page":29},{"title":"المبحث الأول: التوصيف العلمي للنسختين الخطيتين","level":2,"page":29},{"title":"النسخة \"س\"","level":2,"page":29},{"title":"النسخة \"د\"","level":2,"page":30},{"title":"المبحث الثاني: توثيق الكتاب","level":2,"page":31},{"title":"المبحث الثالث: منهج التحقيق","level":2,"page":35},{"title":"المجلس الأول","level":1,"page":41},{"title":"الفصل الأول","level":2,"page":41},{"title":"الفصل الثاني","level":2,"page":47},{"title":"الفصل الثالث","level":2,"page":48},{"title":"الفصل الرابع","level":2,"page":54},{"title":"المجلس الثاني","level":1,"page":56},{"title":"في الشرح فصول: الفصل الأول","level":2,"page":56},{"title":"الفصل الثاني","level":2,"page":61},{"title":"الفصل الثالث","level":2,"page":65},{"title":"المجلس الثالث","level":1,"page":69},{"title":"في الشرح فصول: الفصل الأول","level":2,"page":69},{"title":"الفصل الثاني","level":2,"page":74},{"title":"الفصل الثالث","level":2,"page":75},{"title":"المجلس الرابع","level":1,"page":81},{"title":"في الشرح فصول: الفصل الأول","level":2,"page":81},{"title":"الفصل الثاني","level":2,"page":86},{"title":"الفصل الثالث","level":2,"page":87},{"title":"فصل","level":2,"page":89},{"title":"المجلس الخامس","level":1,"page":92},{"title":"الفصل الأول","level":2,"page":93},{"title":"الفصل الثاني","level":2,"page":98},{"title":"الفصل الثالث","level":2,"page":99},{"title":"المجلس السادس","level":1,"page":103},{"title":"في الشرح فصول: الفصل الأول","level":2,"page":105},{"title":"الفصل الثاني","level":2,"page":111},{"title":"الفصل الثالث","level":2,"page":114},{"title":"المجلس السابع","level":1,"page":120},{"title":"في الشرح فصول","level":2,"page":120},{"title":"الفصل الأول","level":2,"page":126},{"title":"الفصل الثاني","level":2,"page":127},{"title":"المجلس الثامن","level":1,"page":132},{"title":"الفصل الأول","level":2,"page":133},{"title":"الفصل الثاني","level":2,"page":137},{"title":"الفصل الثالث","level":2,"page":144},{"title":"المجلس التاسع","level":1,"page":146},{"title":"في الشرح فصول: الفصل الأول","level":2,"page":146},{"title":"الفصل الثاني","level":2,"page":151},{"title":"الفصل الثالث","level":2,"page":155},{"title":"المجلس العاشر","level":1,"page":158},{"title":"في الشرح فصول: الفصل الأول","level":2,"page":158},{"title":"الفصل الثاني","level":2,"page":163},{"title":"الفصل الثالث","level":2,"page":165},{"title":"المجلس الحادي عشر","level":1,"page":170},{"title":"في الشرح فصول: الفصل الأول","level":2,"page":170},{"title":"الفصل الثاني","level":2,"page":178},{"title":"الفصل الثالث","level":2,"page":179},{"title":"الفصل الرابع","level":2,"page":185},{"title":"المجلس الثاني عشر","level":1,"page":187},{"title":"في الشرح فصول: الفصل الأول","level":2,"page":187},{"title":"الفصل الثاني","level":2,"page":194},{"title":"الفصل الثالث","level":2,"page":195},{"title":"المجلس الثالث عشر","level":1,"page":201},{"title":"في الشرح فصول: الفصل الأول","level":2,"page":201},{"title":"الفصل الثاني","level":2,"page":210},{"title":"الفصل الثالث","level":2,"page":213},{"title":"المجلس الرابع عشر","level":1,"page":216},{"title":"في الشرح فصول: الفصل الأول","level":2,"page":216},{"title":"الفصل الثاني","level":2,"page":221},{"title":"الفصل الثالث","level":2,"page":223},{"title":"المجلس الخامس عشر","level":1,"page":228},{"title":"في الشرح فصول: الفصل الأول","level":2,"page":228},{"title":"الفصل الثاني","level":2,"page":236},{"title":"الفصل الثالث","level":2,"page":237},{"title":"المجلس السادس عشر","level":1,"page":242},{"title":"في الشرح فصول: الفصل الأول","level":2,"page":242},{"title":"الفصل الثاني","level":2,"page":249},{"title":"الفصل الثالث","level":2,"page":250},{"title":"المجلس السابع عشر","level":1,"page":257},{"title":"في الشرح فصول: الفصل الأول","level":2,"page":257},{"title":"الفصل الثاني","level":2,"page":262},{"title":"الفصل الثالث","level":2,"page":263},{"title":"المجلس الثامن عشر","level":1,"page":270},{"title":"الأول","level":2,"page":272},{"title":"الثاني","level":2,"page":278},{"title":"الفصل الثالث","level":2,"page":280},{"title":"الفصل الرابع","level":2,"page":285},{"title":"المجلس التاسع عشر","level":1,"page":288},{"title":"في الشرح فصول: الفصل الأول","level":2,"page":290},{"title":"الفصل الثاني","level":2,"page":295},{"title":"الثالث","level":2,"page":300},{"title":"الفصل الرابع","level":2,"page":304},{"title":"المجلس العشرون","level":1,"page":307},{"title":"في الشرح فصول: الفصل الأول","level":2,"page":307},{"title":"الفصل الثاني","level":2,"page":315},{"title":"الفصل الثالث","level":2,"page":316},{"title":"المجلس الحادي والعشرون","level":1,"page":322},{"title":"في الشرح فصول: الفصل الأول","level":2,"page":322},{"title":"الفصل الثاني","level":2,"page":326},{"title":"الفصل الثالث","level":2,"page":327},{"title":"المجلس الثاني والعشرون","level":1,"page":335},{"title":"الفصل الأول","level":2,"page":336},{"title":"الفصل الثاني","level":2,"page":340},{"title":"الفصل الثالث","level":2,"page":342},{"title":"المجلس الثالث والعشرون","level":1,"page":347},{"title":"في الشرح فصول: الفصل الأول","level":2,"page":348},{"title":"الفصل الثاني","level":2,"page":353},{"title":"الفصل الثالث","level":2,"page":354},{"title":"فصل","level":2,"page":358},{"title":"المجلس الرابع والعشرون","level":1,"page":365},{"title":"في الشرح فصول: الفصل الأول","level":2,"page":365},{"title":"الفصل الثاني","level":2,"page":369},{"title":"الفصل الثالث","level":2,"page":371},{"title":"المجلس الخامس والعشرون","level":1,"page":377},{"title":"في الشرح فصول: الفصل الأول","level":2,"page":378},{"title":"الفصل الثاني","level":2,"page":384},{"title":"الفصل الثالث","level":2,"page":386},{"title":"المجلس السادس والعشرون","level":1,"page":391},{"title":"في الشرح فصول: الفصل الأول","level":2,"page":392},{"title":"الفصل الثاني","level":2,"page":398},{"title":"الفصل الثالث","level":2,"page":399},{"title":"المجلس السابع والعشرون","level":1,"page":405},{"title":"في الشرح فصول: الفصل الأول","level":2,"page":405},{"title":"الفصل الثاني","level":2,"page":410},{"title":"الفصل الثالث","level":2,"page":411},{"title":"المجلس الثامن والعشرون","level":1,"page":417},{"title":"في الشرح فصول: الفصل الأول","level":2,"page":417},{"title":"الفصل الثاني","level":2,"page":424},{"title":"الفصل الثالث","level":2,"page":426},{"title":"المجلس التاسع والعشرون","level":1,"page":430},{"title":"في الشرح فصول: الفصل الأول","level":2,"page":430},{"title":"الفصل الثاني","level":2,"page":434},{"title":"الفصل الثالث","level":2,"page":435},{"title":"المجلس الثلاثون","level":1,"page":442},{"title":"في الشرح فصول: الفصل الأول","level":2,"page":442},{"title":"الفصل الثاني","level":2,"page":449},{"title":"الفصل الثالث","level":2,"page":450},{"title":"خاتمة لما لي من هذه الأمالي","level":1,"page":457},{"title":"الفصل الأول","level":2,"page":457},{"title":"الفصل الثاني","level":2,"page":460},{"title":"الفصل الثالث","level":2,"page":460},{"title":"سماعات الكتاب","level":1,"page":469}],"ٛ":{"1,1":1,"1,3":2,"1,4":3,"1,5":4,"1,6":5,"1,7":6,"1,8":7,"1,9":8,"1,10":9,"1,11":10,"1,12":11,"1,13":12,"1,14":13,"1,15":14,"1,16":15,"1,17":16,"1,18":17,"1,19":18,"1,20":19,"1,21":20,"1,22":21,"1,23":22,"1,24":23,"1,25":24,"1,26":25,"1,27":26,"1,28":27,"1,29":28,"1,30":29,"1,31":30,"1,32":31,"1,33":32,"1,34":33,"1,35":34,"1,36":35,"1,37":36,"1,38":37,"1,39":38,"1,40":39,"1,41":40,"1,42":41,"1,43":42,"1,44":43,"1,45":44,"1,46":45,"1,47":46,"1,48":47,"1,49":48,"1,50":49,"1,51":50,"1,52":51,"1,53":52,"1,54":53,"1,55":54,"1,56":55,"1,57":56,"1,58":57,"1,59":58,"1,60":59,"1,61":60,"1,62":61,"1,63":62,"1,64":63,"1,65":64,"1,66":65,"1,67":66,"1,68":67,"1,69":68,"1,70":69,"1,71":70,"1,72":71,"1,73":72,"1,74":73,"1,75":74,"1,76":75,"1,77":76,"1,78":77,"1,79":78,"1,80":79,"1,81":80,"1,82":81,"1,83":82,"1,84":83,"1,85":84,"1,86":85,"1,87":86,"1,88":87,"1,89":88,"1,90":89,"1,91":90,"1,92":91,"1,93":92,"1,94":93,"1,95":94,"1,96":95,"1,97":96,"1,98":97,"1,99":98,"1,100":99,"1,101":100,"1,102":101,"1,103":102,"1,104":103,"1,105":104,"1,106":105,"1,107":106,"1,108":107,"1,109":108,"1,110":109,"1,111":110,"1,112":111,"1,113":112,"1,114":113,"1,115":114,"1,116":115,"1,117":116,"1,118":117,"1,119":118,"1,120":119,"1,121":120,"1,122":121,"1,123":122,"1,124":123,"1,125":124,"1,126":125,"1,127":126,"1,128":127,"1,129":128,"1,130":129,"1,131":130,"1,132":131,"1,133":132,"1,134":133,"1,135":134,"1,136":135,"1,137":136,"1,138":137,"1,139":138,"1,140":139,"1,141":140,"1,142":141,"1,143":142,"1,144":143,"1,145":144,"1,146":145,"1,147":146,"1,148":147,"1,149":148,"1,150":149,"1,151":150,"1,152":151,"1,153":152,"1,154":153,"1,155":154,"1,156":155,"1,157":156,"1,158":157,"1,159":158,"1,160":159,"1,161":160,"1,162":161,"1,163":162,"1,164":163,"1,165":164,"1,166":165,"1,167":166,"1,168":167,"1,169":168,"1,170":169,"1,171":170,"1,172":171,"1,173":172,"1,174":173,"1,175":174,"1,176":175,"1,177":176,"1,178":177,"1,179":178,"1,180":179,"1,181":180,"1,182":181,"1,183":182,"1,184":183,"1,185":184,"1,186":185,"1,187":186,"1,188":187,"1,189":188,"1,190":189,"1,191":190,"1,192":191,"1,193":192,"1,194":193,"1,195":194,"1,196":195,"1,197":196,"1,198":197,"1,199":198,"1,200":199,"1,201":200,"1,202":201,"1,203":202,"1,204":203,"1,205":204,"1,206":205,"1,207":206,"1,208":207,"1,209":208,"1,210":209,"1,211":210,"1,212":211,"1,213":212,"1,214":213,"1,215":214,"1,216":215,"1,217":216,"1,218":217,"1,219":218,"1,220":219,"1,221":220,"1,222":221,"1,223":222,"1,224":223,"1,225":224,"1,226":225,"1,227":226,"1,228":227,"1,229":228,"1,230":229,"1,231":230,"1,232":231,"1,233":232,"1,234":233,"1,235":234,"1,236":235,"1,237":236,"1,238":237,"1,239":238,"1,240":239,"1,241":240,"1,242":241,"1,243":242,"1,244":243,"1,245":244,"1,246":245,"1,247":246,"1,248":247,"1,249":248,"1,250":249,"1,251":250,"1,252":251,"1,253":252,"1,254":253,"1,255":254,"1,256":255,"1,257":256,"1,258":257,"1,259":258,"1,260":259,"1,261":260,"1,262":261,"1,263":262,"1,264":263,"1,265":264,"1,266":265,"1,267":266,"1,268":267,"1,269":268,"1,270":269,"1,271":270,"1,272":271,"1,273":272,"1,274":273,"1,275":274,"1,276":275,"1,277":276,"1,278":277,"1,279":278,"1,280":279,"1,281":280,"1,282":281,"1,283":282,"1,284":283,"1,285":284,"1,286":285,"1,287":286,"1,288":287,"1,289":288,"1,290":289,"1,291":290,"1,292":291,"1,293":292,"1,294":293,"1,295":294,"1,296":295,"1,297":296,"1,298":297,"1,299":298,"1,300":299,"1,301":300,"1,302":301,"1,303":302,"1,304":303,"1,305":304,"1,306":305,"1,307":306,"1,308":307,"1,309":308,"1,310":309,"1,311":310,"1,312":311,"1,313":312,"1,314":313,"1,315":314,"1,316":315,"1,317":316,"1,318":317,"1,319":318,"1,320":319,"1,321":320,"1,322":321,"1,323":322,"1,324":323,"1,325":324,"1,326":325,"1,327":326,"1,328":327,"1,329":328,"1,330":329,"1,331":330,"1,332":331,"1,333":332,"1,334":333,"1,335":334,"1,336":335,"1,337":336,"1,338":337,"1,339":338,"1,340":339,"1,341":340,"1,342":341,"1,343":342,"1,344":343,"1,345":344,"1,346":345,"1,347":346,"1,348":347,"1,349":348,"1,350":349,"1,351":350,"1,352":351,"1,353":352,"1,354":353,"1,355":354,"1,356":355,"1,357":356,"1,358":357,"1,359":358,"1,360":359,"1,361":360,"1,362":361,"1,363":362,"1,364":363,"1,365":364,"1,366":365,"1,367":366,"1,368":367,"1,369":368,"1,370":369,"1,371":370,"1,372":371,"1,373":372,"1,374":373,"1,375":374,"1,376":375,"1,377":376,"1,378":377,"1,379":378,"1,380":379,"1,381":380,"1,382":381,"1,383":382,"1,384":383,"1,385":384,"1,386":385,"1,387":386,"1,388":387,"1,389":388,"1,390":389,"1,391":390,"1,392":391,"1,393":392,"1,394":393,"1,395":394,"1,396":395,"1,397":396,"1,398":397,"1,399":398,"1,400":399,"1,401":400,"1,402":401,"1,403":402,"1,404":403,"1,405":404,"1,406":405,"1,407":406,"1,408":407,"1,409":408,"1,410":409,"1,411":410,"1,412":411,"1,413":412,"1,414":413,"1,415":414,"1,416":415,"1,417":416,"1,418":417,"1,419":418,"1,420":419,"1,421":420,"1,422":421,"1,423":422,"1,424":423,"1,425":424,"1,426":425,"1,427":426,"1,428":427,"1,429":428,"1,430":429,"1,431":430,"1,432":431,"1,433":432,"1,434":433,"1,435":434,"1,436":435,"1,437":436,"1,438":437,"1,439":438,"1,440":439,"1,441":440,"1,442":441,"1,443":442,"1,444":443,"1,445":444,"1,446":445,"1,447":446,"1,448":447,"1,449":448,"1,450":449,"1,451":450,"1,452":451,"1,453":452,"1,454":453,"1,455":454,"1,456":455,"1,457":456,"1,458":457,"1,459":458,"1,460":459,"1,461":460,"1,462":461,"1,463":462,"1,464":463,"1,465":464,"1,466":465,"1,467":466,"1,468":467,"1,469":468,"1,470":469},"ٜ":{"1":[1,470]},"ٝ":["1,1","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470"],"ٞ":{"3":[1],"4":[2],"6":[3],"9":[4,5,6],"10":[7],"11":[8],"12":[9],"13":[10],"15":[11],"18":[12,13],"19":[14,15,16,17,18],"20":[19,20],"21":[21,22,23],"22":[24,25,26],"23":[27],"24":[28,29],"26":[30,31],"29":[32,33,34],"30":[35],"31":[36],"35":[37],"41":[38,39],"47":[40],"48":[41],"54":[42],"56":[43,44],"61":[45],"65":[46],"69":[47,48],"74":[49],"75":[50],"81":[51,52],"86":[53],"87":[54],"89":[55],"92":[56],"93":[57],"98":[58],"99":[59],"103":[60],"105":[61],"111":[62],"114":[63],"120":[64,65],"126":[66],"127":[67],"132":[68],"133":[69],"137":[70],"144":[71],"146":[72,73],"151":[74],"155":[75],"158":[76,77],"163":[78],"165":[79],"170":[80,81],"178":[82],"179":[83],"185":[84],"187":[85,86],"194":[87],"195":[88],"201":[89,90],"210":[91],"213":[92],"216":[93,94],"221":[95],"223":[96],"228":[97,98],"236":[99],"237":[100],"242":[101,102],"249":[103],"250":[104],"257":[105,106],"262":[107],"263":[108],"270":[109],"272":[110],"278":[111],"280":[112],"285":[113],"288":[114],"290":[115],"295":[116],"300":[117],"304":[118],"307":[119,120],"315":[121],"316":[122],"322":[123,124],"326":[125],"327":[126],"335":[127],"336":[128],"340":[129],"342":[130],"347":[131],"348":[132],"353":[133],"354":[134],"358":[135],"365":[136,137],"369":[138],"371":[139],"377":[140],"378":[141],"384":[142],"386":[143],"391":[144],"392":[145],"398":[146],"399":[147],"405":[148,149],"410":[150],"411":[151],"417":[152,153],"424":[154],"426":[155],"430":[156,157],"434":[158],"435":[159],"442":[160,161],"449":[162],"450":[163],"457":[164,165],"460":[166,167],"469":[168]},"ٟ":[1,2,3,4,5,6,7,8,9,10,11,12,13,14,15,16,17,18,19,20,21,22,23,24,25,26,27,28,29,30,31,32,33,34,35,36,37,38,39,40],"numbers":{"1":3,"2":4,"3":5,"4":6,"5":7,"6":8,"7":9,"8":11,"9":12,"10":14,"11":15,"12":16,"13":17,"14":18,"15":19,"16":21,"17":22,"18":23,"19":25,"20":26,"21":27,"22":29,"23":30,"24":32,"25":33,"26":34,"27":36,"28":38,"29":40,"30":41,"31":43,"32":44,"33":45,"34":47,"35":48,"36":49,"37":51,"38":52,"39":54,"40":55,"41":56,"42":57,"43":59,"44":60,"45":61,"46":63,"47":64,"48":65,"49":67,"50":68,"51":69,"52":70,"53":72,"54":74,"55":75,"56":77,"57":78,"58":79,"59":81,"60":84},"number_max":"60","number_pages":{"3":"1","4":"2","5":"3","6":"4","7":"5","8":"6","9":"7","11":"8","12":"9","14":"10","15":"11","16":"12","17":"13","18":"14","19":"15","21":"16","22":"17","23":"18","25":"19","26":"20","27":"21","29":"22","30":"23","32":"24","33":"25","34":"26","36":"27","38":"28","40":"29","41":"30","43":"31","44":"32","45":"33","47":"34","48":"35","49":"36","51":"37","52":"38","54":"39","55":"40","56":"41","57":"42","59":"43","60":"44","61":"45","63":"46","64":"47","65":"48","67":"49","68":"50","69":"51","70":"52","72":"53","74":"54","75":"55","77":"56","78":"57","79":"58","81":"59","84":"60"}},"pages":[{"text":"الْأَمَالِي الشَّارِحَةُ لِمُفْرَدَاتِ الفَاتِحَةِ\n\nتَأْلِيفُ\nالْإمَامِ الفْقَيِهِ العَلَّامَة حُجَّةِ الِإْسلام شيخ المذهب الشافعي\nعبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم القزويني أَبِي الْقَاسِمِ الرَّافِعِيِ\n\nتَحقِيقُ\nوَائِل مُحَمَّد بَكْر زُهْرَان\n\nيطبع لأول مرة محققًا على نسختين خطيتين\n\nالنَّاشِرُ\nالفَارُوق الحدِيثَة لِلطَّبَاعَةَ والنَّشِرِ","vol":"1","page":1},{"text":" [إهداء]\nإلى أبي ﵀ رحمةً واسعة، وأسكنه الفردوس الأعلى.\nوإلى خالتي أم عبد الحميد رحمها الله رحمةً واسعةً فقد كانت أمًّا حنونًا لي.\nوإلى أمي أم وائل بنت عبد العاطي السيد أبو سِعْدة حفظها الله تعالى ورعاها وبارك في عمرها ورزقني برها.\nوإلى أختي أم هاجر، وأم مودة حفظهما الله تعالى وبارك فيهما.\n* * *","vol":"1","page":3},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1>إسنادي لكتاب الأمالي</span>\nقال وائل محمد بكر: أروي كتاب الأمالي للإمام الرافعي ﵀ عن شيخي الفاضل أبي عبد الله صبري بن عبد الخالق بن محمد بن علي الشافعي إجازةً قال: أخبرني فضيلة الشيخ الدكتور يوسف بن عبد الرحمن المرعشلي حفظه الله إجازةً، عن شيخه المعمر محمد بن عبد الرزاق بن محمد الخطيب، عن محمد أبي النصر بن عبد القادر الخطيب الدمشقي، عن الوجيه عبد الرحمن بن محمد الكُزبري، عن القطب مصطفى بن محمد الرحمتي الشامي، عن العارف عبد الغني النابلسي، عن النجم محمد بن محمد الغَزِّي، عن أبيه البدر الغَزِّي، عن أبي الفتح محمد بن محمد العوفي، عن الحافظ ابن حجر العسقلاني.\nقال حفظه الله: وأجازني أيضًا عن الشيخ أحمد العجوز البيروتي، عن بدر الدين الحسني الدمشقي، عن أبيه يوسف بن بدر الدين الحسني البيباني، عن عبد الله حجازي الشرقاوي، عن محمد بن سالم الحفني الكبير، عن الشمس محمد البُدَيْريِّ الدمياطي، عن قريش بنت عبد القادر الطبرية الملكية، عن عبد الواحد بن إبراهيم الحِصَاري، عن الشرف عبد الحق السنباطي، عن الحافظ ابن حجر، عن ولد العلائي المعمَّر أحمد، وعن أبي هريرة ابن الذهبي، وعن الزين العراقي، ثلاثتهم عن الحافظ صلاح الدين أبي سعيد خليل بن كيكلدي العلائي الدمشقي الشافعي قال: أخبرني الأئمة: أثير الدين أبو حيان، وعبد الكريم الحلبي، وبدر الدين محمد بن أحمد الفارقي قالوا: أخبرنا فخر الدين أبو محمد عبد العزيز بن قاضي القضاة عماد الدين ابن السكري، الأولان سماعًا والثالث إجازةً، قال: أنبأنا الإمام أبو القاسم الرافعي ﵀.","vol":"1","page":4},{"text":"﷽\nإِنَّ الْحَمْدَ لله نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهْ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَلَّا إلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ (آل عمران).\n﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ (النساء).\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ (الأحزاب).\nأما بعد:\nفإنَّ أصدقَ الحديث كتابُ الله، وخيرَ الهدي هديُ محمدٍ ﷺ، وشرَّ الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nالحمد لله على أن رزقنا نعمة الإسلام وكفي بها نعمة، ثم جعلنا ممن يعمل في خدمة سُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ حمدًا لك يا رب حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا على ذلك، وبعد:\nفقد قمت بتحقيق كتاب \"شرح مسند الشافعي\" للإمام الرَّافِعِيِّ ﵀ وتشرفت بتقديم فضيلة الأستاذ الدكتور الشيخ أحمد معبد عبد الكريم، ونشرته وزارة الأوقاف القطرية جزاها الله خيرًا.","vol":"1","page":5},{"text":"وراجعه معي أستاذي الحبيب: الشيخ حسين بن عكاشة.\nثم وقفت على كتاب \"الْأمَالِي الشَّارِحَة لِمُفْرَدَاتِ الْفَاتِحَةِ\" فقرأت فيه فإذا هو كتاب عظيم النفع غزير الفوائد كما سيراه القارئ إن شاء الله فتوكَّلت على الله وقمت بتحقيقه.\nوقد قمت بعمل مقدمة له، احتوت على فصول:\nالفصل الأول: التعريف بكتب الأمالي.\nالفصل الثاني: التعريف بالإمام الرافعي.\nالفصل الثالث: التعريف بكتاب الأمالي.\nالفصل الرابع: منهج العمل في تحقيق الكتاب.","vol":"1","page":6},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3>الفصل الأول: \"التعريف بكتب الأمالي\"</span> (^١)\nإِمْلَاءُ الْحَدِيثِ طَرِيقَةٌ مَسْلُوكَةٌ فِي الْقَدِيمِ وَالْحَدِيثِ، وَفِيهِ:\n- نَيْلُ فَضِيلَةِ التَّبْلِيغِ وَالرِّوَايَةِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى مَا أَمَرَ بِهِ وَنَدَبَ إِلَيْهِ، كَمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ حِدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: \"بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ\" (^٢).\nوَأَيْضًا فَفِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ عنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: \"نَصَّرَ اللهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَحَمَلَها، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ\" (^٣).\n- وَفِيهِ أَيْضًا فَائِدَةُ تَقْيِيدِ الْعِلْمِ بِالْكِتَابِ:\nرُويَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّا لَنَسْمَعُ مِنْكَ أَحَادِيثَ أَفَتَأْذَنُ أَنْ نَكْتُبَهَا؟\nقَالَ: \"نَعَمْ\" (^٤).\nوَأَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَاَل رَسُولُ اللهِ ﷺ: \"قَيِّدُوا الْعِلْمَ\".\n_________\n(^١) هذا كلام الإمام الرافعي في خاتمة كتاب الأمالي بتصرفٍ مني.\n(^٢) رواه البخاري (٣٤٦١) من طريق الأوزاعي.\n(^٣) رواه أبو داود (٣٦٦٢)، والترمذي (٢٨٦٨)، والنسائي في الكبرى (٥٨٤٧)، وابن ماجه (٢٣٥)، وابن حبان (٦٧) من حديث زيد بن ثابت ﵁.\nوقال الترمذي: حديث حسن.\n(^٤) رواه النسائي في الكبرى (٥٠٢٧)، وعبد الرزاق (٨/ ٤١)، وابن حبان (٤٣٢١) من طريق ابن جريج.","vol":"1","page":7},{"text":"قُلْتُ: وَمَا تَقْيِيدُهُ؟ قَالَ: \"كِتَابَتُهُ\" (^١).\nوهاتان الفائدتان الجسيمتان تحصلان في الإملاء متعاونتين، لا كالتبليغ والسماع بلا كتابة، أو الكتابة بلا سماع.\nثم يختصُّ الإملاء بفوائد أخر:\nإحداها وهي العظمي: صِحَّة السَّمَاعِ، وبُعْدُهُ عن الخطأ والتصحيف؛ لأن الْمُمْلِي يَتَثَبَّتُ أولًا ويضبط، ثم يتأنَّي عند الإملاء لتنصبَّ الكلمةُ بعد الكلمةِ في آذان السَّامعين ثم ليكتبوها. وأين يبلغ من ذلك سماع ما يُسْرِعُ القارئُ بقراءته فَتَزِلَّ عن لفظه الكلمة أو بعضها أو إعرابها أو عن سمع السامعين أو عنهما جميعًا. وقد تُصحف فيما يقرأ إمَّا عن جهلٍ أو غلطٍ والتباسٍ أو غفلةٍ وذهولٍ ولا يَتَنَبَّهُ له السامعون من الشيخ وغيره، ولا يتميز موضع التصحيف عن غيره وسواء تميَّز أو لم يتميَّز فمن سمعه مُصحفًا وروى: فإما أن يروي كما سمع فقد سمع غَلَطًا وروى غَلَطًا، وإن روى على الصَّواب فقد كذب في قوله: أخبرني فلان بكذا، أو سمعت منه كذا، وهذا كلُّه في الرَّاوي والسَّامع اللَّذين لهما دِراية وتمييز، وإلَّا فلا يدري هذا ما يَسْمَع وهذا ما يُسْمِعُ، وما أقل فائدة مثل هذا السماع.\nوالثانية: إنَّ الإملاءَ يشتملُ غالبًا بعد رواية الحديث على تَصَرُّفٍ إمَّا من جهة جمع طرقه وشواهده، أو ذكر أحوال رواته، أو الفوائد المتعلقة بِمَتْنِهِ، فيكون نشاط النفس لأخذها والانتفاع بها أكثر وأتم.\nوالثالثة: ما فيه من زيادة التَّفهيم والتَّفهم للمذاكرة والمراجعة في تضاعيف\n_________\n(^١) رواه الحاكم (١/ ١٨٨) من طريق سعيد بن سليمان.\nوصححه الألباني في \"السلسلة الصحيحة\" (٢٠٢٦).","vol":"1","page":8},{"text":"الإملاء والكتابة والمقابلة، وقد يدعو إليهما التَّأمُّل والفكر في تلك المهلة.\nوننشد للحافظ أبي طاهر السِّلَفِيِّ (١):\nوَاظِبْ عَلَى كَتْبِ الْأَمَالِي جَاهِدًا … مِنْ أَلْسُنِ الْحُفَّاظِ وَالْفُضَلَاءِ\nفَأَجَلُّ أَنْوَاعِ السَّمَاعِ بِأَسْرِهَا … مَا يَكْتُبُ الْإِنْسَانُ فِي الْإِمْلَاءِ\nوقد استحبَّوا لِلْمُمْلِي أن يقرأَ قبلَ الإملاءِ سورةً خفيفةً من القرآن ويخفيها في نفسه، وأن يكون له مُسْتَمْلٍ عند الحاجة، وأن يستنصت الْمُسْتَمْلِي الحاضرين قبل الإملاء، وأن يقول بسم الله الرحمن الرحيم ويحمد الله تعالى، ويُصَلِّي على نَبِيِّهِ، ثم يقول: من ذكرتَ رحمك الله ولا يقول: من حدثك أو أخبرك أو من سمعت فإنه لا يدري بأية لفظة يبتدئ، وأن يُمْلِيَ الْمُمْلِي ما يراه أنفع وأعمَّ فائدة، وأن يُفَسِّرَ ما يحتاج إلى تفسيره وبيانه، فعن أبي أسامة أنَّ تفسير الحديث ومعرفته خير من سماعه، وأن يختمَ المجلس بالحكايات والإنشادات الْمُرِقَّة، وأن لا يطيل الإملاءَ إلَّا إذا عرف أنَّ الحاضرين لا يَتَبَرَّمُونَ به، وأن يدعو ويستغفر عند تمامه سرًّا وجهرًّا.","vol":"1","page":9},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4>الفصل الثاني: التعريف بالإمام الرافعي </span>(^١)\n<span data-type='title' id=toc-5>أولًا: اسمه ونسبه.</span>\nهو الإمام العالم العلامة المجتهد إمام الملة والدين حجة الإسلام والمسلمين شيخ المذهب الشافعي:\nعبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم بن الفضل بن الحسن بن الحسين أبو القاسم الرَّافِعِيُّ الْقَزْوِينِيُّ.\nوالرَّافِعِيُّ نسبة إلى رافع بن خديجٍ ﵁ كذا كتب الإمامُ الرَّافِعِيُّ بِخَطِّ يده في كتاب \"التدوين في أخبار قزوين\" كما نقله ابن الملقن عن القاضي مظفر الدين قاضي قزوين (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-6>ثانيًا: مولده.</span>\nقال الذَّهبيُّ: مولده سنة خمس وخمسين وخمسمائة (^٣).\n_________\n(^١) انظر ترجمته في:\n\"سير أعلام النبلاء\" (٢٢/ ٢٥٢) \"العبر\" (٥/ ٩٤) كلاهما للذهبي، \"تهذيب الأسماء واللغات\" للنووي (٢/ ٢٦٤)، \"طبقات الشافعية\" للسبكي (٨/ ٢٨٢)، \"طبقات الشافعية\" لابن قاضي شهبة (٢/ ٩٤)، \"طبقات الشافعية\" للإسنوي (١/ ٥٧١)، \"تاريخ ابن الوردي\" (٢/ ١٤٨)، \"فوات الوفيات\" للكتبي (٢/ ٣٧٦)، \"مرآة الجنان\" لليافعي (٤/ ٤٥)، \"طبقات المفسرين\" للسيوطي (ص ٦٠ رقم ٦٣)، \"طبقات المفسرين\" للأدنه وي (ص ٢٢٥)، \"ديوان الإسلام\" لابن الغزي (ص ٤٥)، \"النجوم الزاهرة\" (٦/ ٢٦٦)، \"شذرات الذهب\" لابن العماد (٥/ ١٠٨)، \"الأعلام\" (٤/ ٥٥).\n(^٢) \"البدر المنير\" (١/ ٣١٨).\n(^٣) \"سير أعلام النبلاء\" (٢٢/ ٢٥٢).","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7>ثالثًا: شيوخه.</span>\nكان والدُ الإمام الرافعي ﵀ حريصًا على تعليم ولدهِ الإمامِ الرَّافِعِيِّ العلمَ منذ الصِّغر؛ فقد سمع الإمام الرافعي من والده رحمهما الله في الثامنة، قال ﵀ في المجلس الثلاثين: قَرَأْتُ عَلَى والِدِي وَأَنَا ابْنْ ثَمَانِ سِنِينَ.\nولعلَّ هذا كان من أسباب تفوقه ﵀ وعلوِّ شأنه وكثرة تحصيله للعلم، نفعنا الله وإياه به.\nوأيضًا فهو من بيت علمٍ فإنَّ أمَّه ووالده وأخاه وابنه وخاله وجده كلهم ﵏ جميعًا كانوا من أهل العلم.\nوقد ترجم ﵀ لشيوخه في هذا الكتاب، لذلك أذكرهم باختصارٍ ومن أراد مزيد فائدة فليرجع إلى ترجمته من كتاب \"الأمالي\".\nروى ﵀ عن:\nوالدته (^١) صفية بنت الإمام أسعد الزاكاني رحمها الله وجعل ابنتي حبيبة مثلها.\nوالده محمد بن عبد الكريم بن الفضل (^٢).\nأحمد بن إسماعيل بن يوسف بن محمد بن العباس أبو الخير الطالقاني ثم القزويني (^٣).\nأحمد بن حسنويه بن حاجي بن حسنويه أبو سليمان الزبيري (^٤).\n_________\n(^١) ترجم لها في المجلس الثلاثين.\n(^٢) ترجم له في المجلس الأول.\n(^٣) ترجم له في المجلس السادس.\n(^٤) ترجم له في المجلس التاسع.","vol":"1","page":11},{"text":"حامد بن محمود بن علي الماوراء النهري ثم الرازي أبو نصر الخطيب (^١).\nالحسن بن أحمد بن الحسن بن أحمد بن محمد العطار أبو العلاء الهمذاني (^٢).\nشهردار بن شيرويه بن فناخسروا الهمداني أبو منصور الدَّيْلَمِيُّ (^٣).\nطاهر بن محمد بن طاهر بن محمد بن عليٍّ أبو زرعة المقدسي (^٤).\nعبد العزيز بن الخليل بن أحمد بن الواقد بن الخليل بن عبد الله أبو بكرٍ الخليليُّ (^٥).\nعبد الله بن أبي الفتوح بن عمران أبو حامد الْعِمْرَانِيُّ (^٦).\nعلى بن عبيد الله بن الحسن بن الحسين بن بابويه أبو الحسن الرازي (^٧).\nمحمد بن أبي طالب أو طالب بن ملكويه بن أبي طالب الضرير، أبو بكر المقرئ الجصاصي (^٨).\nمحمد بن عبد الباقي بن أحمد بن سلمان أبو الفتح ابن البطي (^٩).\n\n<span data-type='title' id=toc-8>رابعًا: تلامذته.</span>\n_________\n(^١) ترجم له في المجلس الرابع.\n(^٢) ترجم له في المجلس التاسع عشر.\n(^٣) ترجم له في المجلس الثامن.\n(^٤) ترجم له في المجلس الثاني عشر.\n(^٥) ترجم له في المجلس الحادي عشر.\n(^٦) ترجم له في المجلس الثالث.\n(^٧) ترجم له في المجلس السابع.\n(^٨) ترجم له في المجلس التاسع.\n(^٩) ترجم له في المجلس التاسع عشر.","vol":"1","page":12},{"text":"من أشهر تلاميذ الإمام الرافعي ﵀:\n١ - المهلبي (^١).\nأحمد بن الخليل بن سعادة بن جعفر بن عيسى المهلبي، قاضي القضاة شمس الدين أبو العباس الخويي.\nولد سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، ودخل خراسان وقرأ بها الأصول على القطب المصري صاحب الإمام فخر الدين، وقيل: بل على الإمام نفسه، وقرأ الفقه على الإمام الرافعي.\nوكان فقيهًا إمامًا مناظرًا دَيِّنًا كثيرَ الصلاة والصيام.\n٢ - المنذري (^٢).\nعبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله أبو محمد زكي الدين المنذري صاحب \"الترغيب والترهيب\".\nعالم بالحديث والعربية، تولى مشيخة دار الحديث الكاملية بالقاهرة وانقطع بها نحو عشرين سنة عاكفًا على التصنيف والتخريج والإفادة والتحديث.\nولد سنة إحدى وثمانين وخمسمائة، وتوفي سنة ستٍّ وخمسين وستمائة بمصر.\n\n<span data-type='title' id=toc-9>خامسًا: أولاده</span>\nذكر ابن الملقن أنَّ له من الأولاد رحمة الله عليه:\nمحمد ولقبه عزيز الدين.\nروي عن والده ﵀.\n_________\n(^١) انظر ترجمته في \"سير أعلام النبلاء\" (٢٣/ ٦٤)، \"طبقات الشافعية\" للسبكي (٨/ ١٦).\n(^٢) انظر ترجمته في \"سير أعلام النبلاء\" (٢٣/ ٣٢٠) \"طبقات الشافعية\" للسبكي (٥/ ١٠٨).","vol":"1","page":13},{"text":"وله ابنة تزوجها رجل من مشايخ قزوين وأولدها أولادًا كثيرة (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-10>سادسًا: مكانته العلمية</span>\nإنَّ الإمام الرَّافِعِيَّ إمامٌ مجتهدٌ في الفقه الشافعي والإسلامي، حرَّرَ المذهب الشافعي ونقَّح مسائله وكان له أسلوبه ومنهجه في ذلك، فقد اتبع طريقة جديدة وأسلوبًا جديدًا لم يسبقه إليه أحدٌ من الفقهاء في المذهب الشافعي، فكانوا قبله يقتصرون على رواية الآراء والأقوال ونقلها، حتى جاء الإمام الرَّافِعِيُّ فجمع ما احتوته كتبهم من الآراء والأقوال، وهذَّبَ المسائل الموجودة بها، وجمع طرقها، وفنَّد أدلتها ومَحصها وصححها، وهو في ذلك يسير على منهجٍ ذي ضوابط خاصة قد وضعها، هذا المنهج لم يسبقه إليه أحد، وهو بذلك قد أعاد للفقه الشافعي حيويته ونشاطه بعدما أصابه التقليد والاتباع، وبعدما كان قبله العمل في المذهب يقتصر على نقل الآراء والأقوال فقط، حتى وجدنا في المسألة الواحدة القولين والثلاثة وربما أكثر من ذلك، ولا نعرف ما عليه المذهب منها، والتبس هذا الأمر على الفقهاء وطلبة العلم، فجاء الإمام الرَّافِعِيُّ فصحَّح المذهب وعرَّف المعتمد من الأقوال والراجح منها.\nوَالرَّافِعِيُّ في عمله هذا لم يكن مُقَلِّدًا ولم يكن يتبع في ترجيحاته واختياراته ما كان عليه المعظم كما قال البعض، وإنما كان فقيهًا حافظًا واعيًا مُجتهدًا في فقهه، لا يُقَلِّدُ أحدًا من الفقهاء السابقين، ولم يَسِرْ على أقوال أكثر أصحاب المذهب، كما لم\n_________\n(^١) \"البدر المنير\" (١/ ٣٣٦).","vol":"1","page":14},{"text":"يُقَلِّدِ الإمام الشَّافعي ﵀ صاحب المذهب في أقواله وآرائه، وإنما اجتهد في المسائل، ونظر في أدلتها من حيث القوة والضعف، فرجَّح ما كان الدليل فيه أقوى وأرجح، وضعَّف ما كان الدليل فيه مرجوجًا أو ضعيفًا.\nوقد اجتهد في الفقه الشافعي وهو في اجتهاده لم يَخْرُجْ عن الذهب وأصوله ومنهجه، فوافق الإمام الشَّافِعِيَّ ﵀ في مسائل كثيرة، كما خالفه في مسائل أخرى أدَّاه اجتهاده إلى ذلك، كما رجَّح في بعض المسائل القولَ القديم وترك الجديد، لأنَّ الدليل أقوى أو أنَّ في المسألة حديثًا لم يطلع عليه الإمام الشَّافِعِيُّ ﵀ وهو في ذلك يسير على قول الشَّافِعِيِّ ﵀: \"إذا صحَّ الحديثُ فهو مذهبي\".\nوقد وافق الإمام الرَّافِعِيُّ أكثرَ الأصحاب في مسائل كثيرة وخالفهم في مسائل أخرى، كما أنه وافق الأئمة الثلاثة وخالفهم، وهو في مخالفاته لهؤلاء الأئمة لم يكن يقصد الخلاف، ولكنه كان يبحث عن الدليل في المسألة ويسير معه فيؤديه ذلك إلى مخالفتهم.\nقال السبكي: وقد أطبق المحققون في المذهب الشافعي على أنَّ الكتب المقدمة على الشيخين الرَّافِعِيِّ والنَّوَوِيِّ لا يُعْتَدُّ بشيءٍ منها إلَّا بعد البحث والتمحيص والتدقيق حتى يغلب على الظنِّ أنه راجح في المذهب هذا في حكم لم يتعرض له الشيخان أو أحدهما، فإن تعرض له الشيخان فالمعتمد ما اتفقا عليه، فإن اختلفا ولم يوجد لهما مرجح أو كان المرجح على السواء فالمعتمد قول المرجح (^١).\n_________\n(^١) \"طبقات الشافعية\" (٨/ ٢٨٢).","vol":"1","page":15},{"text":"<span data-type='title' id=toc-11>سابعًا: ثَنَاءُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَيْهِ</span>\nلقد كان لهذا العالم الجليل الحظ الأكبر من ثناء العلماء عليه بذكر صفاته وشيمه وأخلاقه؛ فلقد كان ﵀ إمامًا جامعًا بين العلم والعمل فحسنت من أجل ذلك سيرته، ودونك بعض من يقوله عند بعض المترجمين له والمؤرخين لحياته:\nقال أبو عبد الله الإسفراييني: هو شيخنا إمام الدين حقًّا، وناصر السُّنَّةِ صدقًا، كان أوحد عصره في العلوم الدينية أصولها وفروعها، ومجتهد زمانه في مذهب الشافعي ﵄ وفريد وقته في تفسير القرآن والمذهب، وكان له مجلس للتفسير وتسميع الحديث بجامع قزوين (^١).\nوقال أبو عمرو بن الصلاح: أظنُّ أنِّي لم أر في بلاد العجم مثله، كان ذا فنون حسن السيرة، جميل الأمر (^٢).\nوقال زكريا بن محمد القزويني: كان عالمًا فاضلًا ورعًا، بالغًا في النقليات كالتفسير والحديث والفقه والأدب.\nوله تصانيف كثيرة كلها حسن، كان يعقد مجلس العلم في جامع قزوين كلَّ يومٍ بعد العصر، ويحضر عنده أكثر من مائتي نفس يذكر لهم تفسير القرآن (^٣).\nوقال الإمام الذهبيُّ: هو شيخ الشافعية، عالم العجم والعرب، إمام الدين أبو القاسم عبد الكريم … الخ.\n_________\n(^١) انظر \"تهذيب الأسماء واللغات\" (٢/ ٢٤٦).\n(^٢) انظر \"طبقات الشافعية\" للسبكي (٨/ ٢٨٢).\n(^٣) \"آثار البلاد وأخبار العباد\" (ص ١٧٩).","vol":"1","page":16},{"text":"ثم قال: وكان من العلماء العاملين، يذكر عنه تعبُّدٌ ونسكٌ وأحوالٌ وتواضعٌ، انتهت إليه معرفة المذهب (^١).\nوقال أيضًا في \"تاريخ الإسلام\": يظهر عليه اعتناء قويٌّ بالحديث وفنونه في \"شرح المسند\".\nوقال ابن الملقن: الإمام العالم العلامة المجتهد، إمام الملة والدين، حجة الإسلام والمسلمين، خاتم الأئمة من أصحابه المرجوع إلى قولهم (^٢).\nوقال أيضًا: وكان ﵀ طاهرَ اللِّسانِ في تصنيفه، كثير الأدب، شديد الاحتراز في النقول.\nصنَّف ﵁ وأعاد علينا من بركاته وبركات سلفه كتبًا أضحت للدين والإسلام أنجمًا وشهبًا (^٣).\nوقال أيضًا: هو إمامٌ في الفنِّ المذكور (أي الحديث) وأحد فرسانه (^٤).\nوقال النَّوويُّ: الإمام البارع، المتبحِّرُ في المذهب وعلومٍ كثيرةٍ، من الصالحين المتمكنين، كانت له كرامات كثيرة ظاهرة (^٥).\nوقال السبكي: كان ﵀ ورعًا زاهدًا تقيًّا نقيًّا طاهرَ الذَّيل مُراقبًا لِلهِ له السِّيرة الرَّضية المرضيَّة والطريقة الزكية والكرامات الباهرة.\n_________\n(^١) \"سير أعلام النبلاء\" (٢٢/ ٢٥٢ - ٢٥٣).\n(^٢) \"البدر المنير\" (١/ ٣١٧).\n(^٣) \"البدر المنير\" (١/ ٣٢٩).\n(^٤) \"البدر المنير\" (١/ ٢٨١).\n(^٥) \"تهذيب الأسماء واللغات\" (٢/ ٢٤٦).","vol":"1","page":17},{"text":"أما الفقه فهو فيه عمدة المحققين وأستاذ المصنفين كأنما كان الفقه ميتًا فأحياه ونشره وأقام عماده بعدما أماته الجهل فأقبره.\nوكان الإمام الرَّافِعِيُّ مُتضلِّعًا من علوم الشريعة تفسيرًا وحديثًا وأصولًا، مترفعًا على أبناء جنسه في زمانه نقلًا وبحثًا وإرشادًا وتحصيلًا (^١).\nوقال الإسنوي: صاحب \"شرح الوجيز\" الذي لم يصنَّف في المذهب مثله.\nوكان إمامًا في الفقه، والتفسير، والحديث، والأصول، وغيرها، طاهرَ اللِّسانِ في تصنيفه، كثير الأدب، شديد الاحتراز في المنقولات، ولا يطلق نقلًا عن أحد غالبًا إلَّا إذا رآه في كلامه، فإن لم يقف عليه فيه عبَّر بقوله: وعن فلان كذا، شديد الاحتراز أيضًا في مراتب الترجيح (^٢).\nوقال ابن قاضي شهبة: صاحب الشرح المشهور كالعلم المنشور وإليه يرجع عامة الفقهاء من أصحابنا في هذه الأعصار في غالب الأقاليم والأمصار، ولقد برز فيه على كثير مِمَّنْ تقدمه وحاز قصب السبق (^٣).\nوقال القاضي البهنسي: كان ﵀ أحد أعلام الدنيا الجامعين لأشتات الفضائل، ومِمَّنْ يرجع إليهم في جمِّ المحافل، وكان إمامًا بارعًا في العلوم والمعارف والزهد والكرامات واللطائف (^٤).\nوقال اليافعيُّ: الإمام الكبير العلَّامة البارع الشهير، الجامع بين العلوم والأعمال الصالحات، والزهد والعبادات، والتصانيف المفيدات النَّفيسات،\n_________\n(^١) \"طبقات الشافعية\" (٨/ ٢٨٢).\n(^٢) \"طبقات الشافعية\" (١/ ٥٧١).\n(^٣) \"طبقات الشافعية\" (٢/ ٥٤).\n(^٤) \"الْكَافِي فِي مَعْرِفَةِ عُلَمَاءِ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ\"، بتحقيقي (ترجمة ١٣٤).","vol":"1","page":18},{"text":"صاحب \"الشرح الكبير\" المشتمل على معرفة المذهب ودقائقه الغامضات، الجامع الفائق التَّصانيف السَّابقات واللَّاحقات (^١).\nوقال الصفدي: الإمام العلامة إمام الدين، كان زاهدًا، ورعًا، متواضعًا (^٢).\nوقال الكتبي: الإمام العلامة إمام الدين (^٣).\nوقال ابن الغزي: الإمام الخبر الفقيه عمدة المحققين وأستاذ المصنفين محرر المذهب (^٤).\nوقال ابن العماد: انتهت إليه معرفة المذهب ودقائقه، وكان مع براعته في العلم صالحًا زاهدًا ذا أحوالٍ وكراماتٍ ونسكٍ وتواضعٍ (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-12>ثامنًا: مصنفاته.</span>\n<span data-type='title' id=toc-13>(١) أربعون حديثًا في الرحمة.</span>\nذكرها ابن الملقن ﵀ في كتابه \"البدر المنير في تخريج الأحاديث الواقعة في الشرح الكبير\" فقال: خرَّج لنفسه أربعينًا حديثًا ساق فيها الحديث المسلسل بالأولية من عشرة طرق يذكر مع كلِّ طريقٍ منها أربعة أحاديث فيما يتعلق بالرحمة (^٦). وذكرها أيضًا الذهبي (^٧)، والسبكي.\n_________\n(^١) \"مرآة الجنان\" (٤/ ٤٥).\n(^٢) \"الوافي بالوفيات\" (٦/ ٢٢٤).\n(^٣) \"فوات الوفيات\" (٢/ ٣٧٦).\n(^٤) \"ديوان الإسلام\" (ص ٤٥).\n(^٥) \"شذرات الذهب\" (٥/ ١٠٨).\n(^٦) \"البدر المنير\" (١/ ٣٣٢).\n(^٧) \"سير أعلام النبلاء\" (٢٢/ ٢٥٣)، \"طبقات الشافعية\" (٨/ ٢٨٢).","vol":"1","page":19},{"text":"قلت: ولم أقف عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-14>(٢) الأمالي الشارحة لمفردات الفاتحة.</span>\nوهو الكتاب الذي نحن بصدده، وسيأتي الكلام عليه في موضعه إن شاء الله تعالى.\n\n<span data-type='title' id=toc-15>(٣) الإيجاز في أخطار الحجاز.</span>\nقال ابن السبكي: ذكر أنه أوراق يسيرة ذكر فيها مباحث وفوائد خطرت له في سفره إلى الحجِّ، وكان الصواب أن يقول: خطرات أو خواطر الحجاز، ولعله قال ذلك والخطأ من الناقل.\nوقال ابن الملقن: صنَّفه في سَفْرَتِه إلى الحجِّ (^١).\nقلت: ولم أقف عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-16>(٤) التدوين في أخبار قزوين.</span>\nوهو مطبوع في أربعة مجلدات، وهو كتاب كثير النفع.\n\n<span data-type='title' id=toc-17>(٥) التذنيب.</span>\nمجلد علق فيه المصنف على الوجيز للغزالي.\nقال الذهبي: وهو فوائد على الوجيز (^٢). وطبع بدار الكتب العلمية.\n\n<span data-type='title' id=toc-18>(٦) تفسير القرآن.</span>\nقال الأدنه وي: وصنَّف تفسيرًا للقرآن العظيم (^٣).\n_________\n(^١) \"البدر المنير\" (١/ ٣٣٢).\n(^٢) \"سير أعلام النبلاء\" (٢٢/ ٢٥٣).\n(^٣) \"طبقات المفسرين\" (ص ٢٢٥).","vol":"1","page":20},{"text":"قلت: ولم ينسبه له غيره إلّا ما ذكروه في ترجمته أنَّه كان يعقد مجلسًا لتفسير القرآن، ولم أقف عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-19>(٧) سواد العينين في مناقب الغوث أبي العلمين.</span>\nقال الزركلي: وفي نسبة هذا الكتاب إليه شكٌّ (^١).\nقلت: ولم ينسبه له أحد من الذين ترجموا له ولا أشاروا إليه، ولم يرو فيه عن شيوخه المعروفين؛ إلَّا أنه نُسِبَ إليه في كتاب \"هدية العارفين\" (١/ ٣٢٢) وأيضًا \"إيضاح المكنون\" (٢/ ٣٠). ولعله لغيره، والله تعالى أعلم.\nوقد وقفت على نسخةٍ مطبوعةٍ بالمطبعة الأميرية ببولاق لعام ٣٠١ هـ في واحدٍ وثلاثين ورقة.\n\n<span data-type='title' id=toc-20>(٨) الشرح الصغير.</span>\nوهو في الفقه على مذهب الشافعي دون الشرح الكبير.\nقال أبو محمد الإسفراييني: وقع موقعًا عظيمًا عند الخاصَّة والعامة.\nونقل ابن الملقن أنَّ سبب تصنيف الإمام الرَّافِعِيّ كتاب \"الشرح الصغير\" أنَّ بعض الفقهاء قصد أن يختصرَ \"الشرح الكبير\" فبلغَ ذلك الرَّافِعِيَّ فخاف أن يفسده عليه بالتَّغيير لقصور عبارة ذلك الرجل فقال له الرَّافِعِيُّ: أنا أختصره لك ولكن لا أقدر على الورق، وكان ذلك الرجل أيضًا فقيرًا فلم يمكنه إلَّا أن أحضر للإمام الرَّافِعِيِّ من الورق المكتوب الذي يباع شيئًا كثيرًا فكتب الرافعي \"الشرح الصغير\" في ظهوره حتَّى أكمله ثُمَّ نُقِلَ من تلك الظهور (^٢).\n_________\n(^١) \"الأعلام\" (٤/ ٥٥).\n(^٢) انظر \"البدر المنير\" (١/ ٣٣٠).","vol":"1","page":21},{"text":"وذكر لي بعض إخواني أنه قيد التحقيق.\n\n<span data-type='title' id=toc-21>(٩) شرح مسند الإمام الشافعي.</span>\nقال ابن الملقن: وهو من جملة ما يُعْرَفُ به قدر الإمام الرافعي في هذا الفنِّ.\nوقد طبع بتحقيقي في أربع مجلدات بتقديم فضيلة الشيخ العلامة الدكتور: أحمد معبد عبد الكريم، ونشرته وزارة الأوقاف القطرية.\n\n<span data-type='title' id=toc-22>(١٠) عقيدة الإمام الرافعي.</span>\nذكره ابن الملقن فقال: قرأت على الشيخ صلاح الدين وهو العلائي قال: رأيت بدمشق سنة أربعين وسبعمائة امرأة حضرت عند قاضي القضاة تقي الدين السبكي عجمية فصيحة اللِّسان ذَكَرتْ أنَّها من نسل الإمام الرَّافِعِيِّ وكانت تحفظ \"عقيدته\" التي صنَّفها فقرأت منها قطعة، وهي عقيدة بديعة على طريقة أهل السنَّة بعبارةٍ فصيحةٍ على عادته رحمة الله عليه (^١).\nقلت: ولم أقف عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-23>(١١) الفتح العزيز شرح الوجيز المسمى بـ \"الشرح الكبير\".</span>\nوهو من أهم كتب الإمام ﵀ ومن كتب المذهب المعتمدة.\nقال ابن الصلاح: لم يَشرح \"الوجيز\" مثله.\nوقال ابن الملقن: لم يُصنَّف في المذهب مثله.\nوقال إبراهيم بن عبد الرحمن أبو إسحاق الفزاري: ما يُعرف قدرُ الشرح للرافعيِّ إلَّا بأن يجمع الفقيه المتمكن في المذهب الكتب التي كان الإمام الرَّافِعِيُّ\n_________\n(^١) \"البدر المنير\" (١/ ٣٣٦).","vol":"1","page":22},{"text":"يستمدُّ منها ويصنِّف شرحًا للوجيز من غير أن يكون كلام الرَّافِعِيِّ عنده؛ فحينئذٍ يعرف كلُّ أحدٍ قصورَه عمَّا وصل إليه الإمام الرَّافِعِيُّ (^١).\nوقال ابن الملقن أيضًا: كتاب لم يصنَّف في المذهب على مثل أسلوبه، ولم يجمع أحدٌ سلفه كجمعه في ترتيبه وتنقيحه وتهذيبه، ومرجع فقهائنا في كلِّ الأقطار اليوم في الفتوى والتدريس والتصنيف إليه، واعتمادهم في هذه الأمور عليه (^٢).\nومدحه الإسنوي فقال:\nيَا مَنْ سَمَا نَفْسًا إِلَى نَيْلِ الْعُلَا … وَنَحَا إِلَى الْعِلْمِ الْغَزِيرِ الرَّافِعِ\nقَلِّدْ سَمِيَّ الْمُصْطَفَى وَنَسِيبَهُ … وَالْزَمْ مُطَالَعَةَ الْعَزِيزِ الرَّافِعِي\n\n<span data-type='title' id=toc-24>(١٢) القول الفصل في فضل أبي الفضل.</span>\nذكره الإمام الرافعي في \"الأمالي\" في المجلس الأول في ترجمته لوالده رحمهما الله فقال: ولعل الله يوفق لما في عزمي من جمع مختصرٍ في مناقبه أسميه بـ \"القول الفصل في فضل أبي الفضل\".\nقلت: ولم أقف عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-25>(١٣) المحرر في فروع الشافعية.</span>\nقال ابن الملقن: هو كاسمه، وما أكثر نفعه مع صغر حجمه.\nوطبع بدار الكتب العلمية في مجلدٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-26>(١٤) المحمود في الفقه.</span>\nقال ابن السبكي: لم يتمَّه.\n_________\n(^١) انظر \"البدر المنير\" (١/ ٣٣٠).\n(^٢) \"البدر المنير\" (١/ ٢٨١).","vol":"1","page":23},{"text":"وذكر لي أنه في غاية البسط وأنه وصل فيه إلى أثناء الصلاة في ثمان مجلدات.\n\n<span data-type='title' id=toc-27>تاسعًا: وفاته</span>\nتوفي الإمام الرافعي شيخ الشافعية في ذي القعدة سنة ثلاث وعشرين وستمائة.","vol":"1","page":24},{"text":"<span data-type='title' id=toc-28>الفصل الثالث: التعريف بكتاب الأمالي</span>\n<span data-type='title' id=toc-29>أولًا: أهمية كتاب الأمالي.</span>\n- يكفي كون مصنف هذه الأمالي هو الإمام الرافعي ﵀ شيخ المذهب الشافعي ليكون للكتاب أهمية كبيرة.\n- ترجم الإمام الرافعي ﵀ لرجال الأحاديث الثلاثين التي رواها عن شيوخه بإسناده معلِّقًا عليها بذكر طرفٍ من حالهم، كما أنه تكلَّم على بعضهم جرحًا وتعديلًا، وقد بلغت هذه التراجم أكثر من مائتين وسبعين ترجمة ما بين صحابيٍّ وتابعيٍّ وغيرهما، وبعض هذه التراجم موجودة في كتابه \"التدوين في أخبار قزوين\" إلَّا أنه زاد عليها.\nقلت: وهذا مما يفرد بالتصنيف.\n- وفيه فائدة كبيرة وهي رواية الإمام الرافعي الأحاديث الثلاثين من طريق كتب السُّنَّة المشهورة وهي: \"الموطأ\"، \"صحيح البخاري\"، \"صحيح مسلم\"، \"سنن أبي داود\"، \"جامع الترمذي\"، \"سنن ابن ماجه\"، \"مصنف عبد الرزاق\"، \"مصنف ابن أبي شيبة\"، \"مسند الشافعي\"، \"مسند أحمد\"، \"مسند الطيالسي\"، \"مسند أبي يعلى\"، \"مستدرك الحاكم\"، \"مسند الشاميين\" للطبراني، \"سنن البيهقي\"، \"حلية الأولياء\" لأبي نعيم.\n- كما بيّنَ الإمام الرَّافِعِيُّ غريبَ الحديث وأوضحه إيضاحًا جيِّدًا مع ذكر نقولٍ لأهل العلم في ذلك كـ: سيبويه والمبرد والخليل والكسائي وثعلب وعبد الرحمن بن كيسان وقطرب والنضر بن شميل والأخفش والشماخ وغيرهم.","vol":"1","page":25},{"text":"- كما أبرز الإمام الرافعي معاني الأحاديث وأوضحها، واستنبط الفوائد العظيمة النافعة بإذن الله تعالى في التَّفسير والحديث والفقه والزهد والرَّقائق وغير ذلك، كما سيراه القارئ إن شاء الله.\n- كما يمتاز الكتاب بكثرة الفوائد التي ذكرها الإمام الرَّافِعِيُّ عن أئمة السلف كابن ماجه وأبي عبد الله المغربي والبيهقي وبكر بن عبد الله المزني والقفال الشاشي والحَليمي والحسين بن الفضل وغيرهم من الأئمة.\n- كما علَّق الإمام الرافعي على بعض الأحاديث فقواها، وتبعه على ذلك بعض الأئمة، انظر مثلًا الحديث التاسع والعشرين من \"الأمالي\" وانظر \"التلخيص الحبير\" لابن حجر حديث (٧٥٤)، وانظر \"إرواء الغليل\" للألباني حديث (٧٠٧).\n- استشهد الإمام الرَّافِعِيُّ خلال الكتاب بأبيات شعرٍ، كما خَتَمَ كلَّ مجلسٍ بأبيات شعرٍ لنفسه كما هو عادة مجالس الإملاء، وهذا الأبيات لا توجد في تصنيفٍ من تصانيف الإمام الرافعي ﵀ إلَّا في كتاب \"الأمالي\" بلغت هذه الأبيات أكثر من مائة بيتٍ، فكانت فائدة كبيرة، والحمد لله تعالى.\n- ولأهمية كتاب \"الأمالي\" وكثرة فوائده استفاد الكثير من العلماء منه وسأذكر بعضهم في توثيق الكتاب، بل وجعله بعض الأئمة الكبار مصدرًا رئيسيًّا في تجميع مادة كتابه، منهم:\nالإمام ابن الملقن ﵀ في كتابه \"البدر المنير\".\nوأيضًا الإمام السيوطي ﵀ في كتابه \"الإتقان في علوم القرآن\":","vol":"1","page":26},{"text":"قال في مقدمة كتابه \"الإتقان\": وهذه أسماء الكتب التي نظرتها على هذا الكتاب ولخصته منها … ثم ذكر \"أمالي\" الرافعي.\n\n<span data-type='title' id=toc-30>ثانيًا: ثَنَاءُ الْعُلَمَاءِ عَلَى كِتَابِ الْأَمَالِي</span>\nقال ابن الملقن ﵀:\nهِيَ مفيدةٌ جدًّا، لَمْ أَرَ أَحَدًا مَشَى عَلَى مِنْوَالِهَا؛ فإنه أملاها في ثلاثين مجلسًا ذكر في أَوَّلِ كلِّ مجلسٍ منها حديثًا بإسناده على طريقة أهل الفنِّ، ثُمَّ تكلَّم عليه بما يتعلَّق بإسناده وحال رواته وغريبه وعربيته وفقهه ودقائقه، ثُمَّ يختمه بفوائد وأشعار وحكاياتٍ.\nوَرتَّبَهَا ترتيبًا بديعًا على نظم كلمات الفاتحة بإرداف كلمة \"آمِينَ\" لأنَّها بها ثلاثون كلمة، فاشتمل الحديث الأول على كلمة \"الاسم\" والثاني على اسم الله العظيم والثالث على \"الرحمن\" وهلمَّ جرًّا إلى آخرها.\nوهذا ترتيبٌ بديعٌ. ومن نظر في الكتاب عرف قدر هذا الإمام وحكم له بتقدُّمه في هذا العلم خصوصًا. اهـ\n\n<span data-type='title' id=toc-31>ثالثًا: منهج الإمام الرافعي في كتابه الأمالي</span>\nالكتاب ثلاثون مجلسًا أملاها الإمام الرَّافِعِيُّ أحاديث بأسانيدها عن أشياخه على سورة الفاتحة وتكلم عليها.\nقال الإمام الرَّافِعِيُّ في آخر كتاب الأمالي:\nهذه ثلاثون مجلسًا أمليتها مبنيِّة على ثلاثين حديثًا من الصِّحاح والحسان تأسيًا بالأئمة الأولين وتبركًا بمقالات سيد المرسلين، ورويتها بالروايات التي حضرتني وقت الإملاء، وفيها ما رويته بالإجازة وهو مسموعٌ إليَّ بطريقٍ آخر،","vol":"1","page":27},{"text":"وما رويته بالسماع وهو مسموعٌ بأعلى من ذلك الإسناد لكنِّي لم أتفرغ للفحص، وتكلَّمت في كلِّ حديثٍ من وجوه وقعت في فصول:\nإحداها: ما يتعلق بإسناد الحديث وبعض أحوال رواته.\nوثانيها: فيما يتعلق بالعربية.\nوثالثها: في الفوائد والمعاني والشواهد والحكايات وما يناسبها من الأشعار.\nورتبتها على نظم كلمات الفاتحة وترتيبها مردفة بالتأمين وهي مع كلمة \"آمين\" ثلاثون، فاشتمل الحديث الأول على كلمة \"الاسم\" والثاني على اسم \"الله\" العظيم والثالث على \"الرحمن\" وهلم جرًّا إلى آخر الكلمات، وصرفت أكثر العناية في كلِّ مجلسٍ إلى الكلمة التي انتهت النوبة إليها فيما يتعلق بالعربية وبالمعاني وما ينساق إليه الكلام من الآثار والحكايات أدرته على تلك الكلمة حتى قلَّما أخلي عنها الشعرين المنقول والمقول المختوم بهما المجلس إلَّا أن يتفق خلاف ذلك نادرًا؛ فإن وُسِمَتْ هذه المجالس بـ \"الأمالي الشارحة لمفردات الفاتحة\" كانت سِمَةً صادقة وللحقيقة مطابقة.\nويمكن أن نجمل منهج المصنف في التالي:\n١ - يروي الإمام الرافعي حديثًا مسندًا يحتوي على إحدى كلمات الفاتحة.\n٢ - ثم يبدأ في الشرح فيبدأ بتخريج الحديث والكلام عليه.\n٣ - ثم يبدأ في التعريف برجال الإسناد وذكر طرفٍ من حالهم.\n٤ - ثم يقوم بشرح الحديث شرحًا وافيًا مبرزًا المعاني اللغوية وغيرها، وخلاله يقوم بشرح هذه الكلمة المتضمنة عليها الفاتحة.","vol":"1","page":28},{"text":"٥ - يستشهد المصنف خلال الشرح كثيرًا بالآيات والأحاديث وكلام السَّلف والأشعار لذا فإنَّ شرحه كان مليئًا بالفوائد.\n٦ - ثم يقوم باستنباط الفوائد التي يمكن استنباطها من الحديث من فقهٍ وعربيةٍ.\n٧ - ثم يختم المجلس بشعر له.","vol":"1","page":29},{"text":"<span data-type='title' id=toc-32>الفصل الرابع: منهج العمل في تحقيق الأمالي</span>\n<span data-type='title' id=toc-33>المبحث الأول: التوصيف العلمي للنسختين الخطيتين</span>\nاعتمدت في تحقيقي لكتاب \"الأمالي\" على نسختين خطيتين لم أظفر بغيرهما، والحمد لله على ذلك.\nنسخة من دار الكتب المصرية ورمزت لها برمز \"د\".\nونسخة من مكتبة الاسكوريال قام بتصويرها لي الدكتور أكرم المكي جزاه الله خيرًا، وهي من محفوظات مكتبة الإسكندرية ورمزت لها برمز \"س\".\n\n<span data-type='title' id=toc-34>النسخة \"س\"</span>\nوهي النسخة الخطية المحفوظة بمكتبة الإسكندرية عن نسخة مكتبة الاسكوريال.\nوهي نسخة خطية جيدة كُتبت بخطٍّ واضحٍ عليها تصحيحات وفوائد، وقد اعتمدت عليها في تحقيق الكتاب.\nاسم الناسخ: عبد الرحمن بن عمر بن أحمد بن محمد بن أبي القاسم الشهيد الكرخي القزويني.\nوهو ناسخ المجلد الأول من النسخة الخطية التي اعتمدت عليها في تحقيق \"شرح مسند الشافعي\" للمؤلف ﵀.\nتاريخ النسخ: قال ناسخها: وافق الفراغ من إتمامها يوم العيد غرة شوال سنة تسع وستين وستمائة.\nعدد أوراقها: ١٤٣ ورقة.","vol":"1","page":30},{"text":"<span data-type='title' id=toc-35>النسخة \"د\"</span>\nوهي النسخة الخطية المحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم (٦١ حديث).\nوهي نسخة خطية كثيرة التحريف بها بياض في بعض أوراقها، وقد جعلتها نسخة مساعدة ولم أعلِّق على ما كان منها واضحًا كالشمس أنه تصحيف أو تحريف حتى لا أثقل الحواشي بما لا فائدة منه.\n- اسم الناسخ: أحمد بن علي.\n- تاريخ النسخ: في القرن السادس الهجري.\n- نوع النسخ: نسخ معتاد.\n- عدد الأوراق: ١٥٧ ورقة.","vol":"1","page":31},{"text":"<span data-type='title' id=toc-36>المبحث الثاني: توثيق الكتاب</span>\nلا شكَّ إن شاء الله تعالى في أن هذا الكتاب وهو \"الأمالي\" من تأليف الإمام الرافعي، والكتاب مشهورٌ معروفٌ بين أهل العلم، وإليك بعض ما يوثق الكتاب ويوثق النسختين الخطيتين:\n١ - ذكر الإمام الرَّافِعِيُّ منهجه في نهاية كتاب \"الأمالي\" ثم قال ﵀: فإن وُسِمَتْ هذه المجالس بـ \"الأمالي الشارحة لمفردات الفاتحة\" كانت سمة صادقة وللحقيقة مطابقة.\nوقد جاء اسم الكتاب على النسخة الخطية (د): \"الأمالي الشارحة على مفردات الفاتحة\" وأثبتُّ ما جاء في النسخة (س) لموافقته ما ذكره الرَّافِعِيُّ وكذا ما نسبه له أهل العلم.\n٢ - وُجِدَ على طرَّة النسختين الخطيتين نسبة الكتاب للإمام الرَّافِعِيِّ.\n٣ - نسبه إليه الكثير من العلماء أذكر منهم:\n- الذهبي في \"سير أعلام النبلاء\" (٢٢/ ٢٥٢ - ٢٥٣).\n- ابن السبكي في \"طبقات الشافعية\" (٨/ ٢٨١).\n- ابن العماد في \"شذرات الذهب\" (٥/ ١٠٨).\n- حاجي خليفة في \"كشف الظنون\" (١/ ٦٤).\n٤ - نقل الكثير من العلماء واستفاد من \"الأمالي\" وهو موجود في النسخة الخطية بتمامه، أذكر منهم:\nابن السبكي في \"طبقاته\" فقال:","vol":"1","page":32},{"text":"وهذه فوائد من الأمالي … ثم ذكر فوائد كثيرة عن الأمالي هي عندنا بتمامها في النسخة الخطية.\nكما استفاد هو منه في \"طبقاته\" انظر مثلًا (٦/ ١١).\nالسيوطي في \"الديباج\" (٢/ ٣٢).\nالحافظ في \"التلخيص\" (حديث ١٦٨٥).\nابن الملقن في \"التحفة\" (٢/ ٢١)، وكذا في \"الخلاصة\" (حديث ٩٠٢)، وكذا في مقدمة \"البدر المنير\".\nالمناوي في \"فيض القدير\" (٢/ ٢٨٣).\nابن قاضي شهبة في \"طبقاته\" (٢/ ٢٤).\nالإسنوي في \"طبقاته\" كثيرًا.\nالبهنسي في \"الكافي في معرفة علماء مذهب الشافعي\" وهو بتحقيقي.\nقال ابن قاضي شهبة في \"طبقاته\" في ترجمة ملكداد بن علي: ذكر له الرافعي في الأمالي ترجمة حسنة وقال: إمام خطير قنوع، ملازم لسيرة السلف الصالحين وهديهم، وأفتى بقزوين على الصواب.\nوأيضًا البهنسي في \"الكافي في معرفة علماء مذهب الشافعي\" بتحقيقي نفس الترجمة برقم (٢٥٣).\nوهو في المجلس الثالث عشر.\nوفي ترجمة محمد بن عبد الكريم بن الفضل القزويني، والد الإمام الرافعي:\nقال: وقد ترجمه ولده في كتابه الأمالي وقال: إنه خص بالصلابة في الدين، والبراعة في العلم، حفظًا وضبطًا، وإتقانًا وبيانًا وفهمًا ودراية، ثم أداء ورواية.","vol":"1","page":33},{"text":"قال: وأقبل عله المتفقهة في قزوين فدرس وأفاد، وصنف في الحديث والتفسير والفقه …\nوهو في المجلس الأول.\nوفي ترجمة أحمد بن إسماعيل بن يوسف بن محمد بن العباس، أبو الخير القزويني الطالقاني.\nقال: ذكره الإمام الرافعي في \"الأمالي\" وقال: كان إمامًا كثير الخير، وافر الحظ من علوم الشرع حفظًا وجمعًا ونشرًا بالتعليم والتذكير والتصنيف.\nوهو في المجلس السادس.\nقال ابن حجر في \"التلخيص الحبير\" (١/ ٤٦٦): احتجَّ الرافعي بحديث وائل على استحباب الجهر بـ \"آمين\" وقال في \"أماليه\": يجوز حمله على أنه تكلم بها على لغة المد، دون القصر من جهة اللفظ، ولكن رواية من قال: رفع صوته، تبعد هذا الاحتمال، ولهذا قال الترمذي عقبه: وبه يقول غير واحد، يرون أنه يرفع صوته.\nوهو في المجلس الثلاثين من الأمالي.\nوفي \"التلخيص الحبير\" (٢/ ٣١): واحتج الرافعي في الأمالي بحديث عائشة الصحيح: \"وكان يختم الصلاة بالتسليم\".\nوهو في المجلس الثامن.\nونقل أيضًا (٢/ ٣٤٤) عند الكلام على حديث علي ما مات أبو طالب … الحديث: قال الرافعي: إنه حديث ثابت مشهور، قال ذلك في أماليه.\nوهو في المجلس التاسع والعشرين.","vol":"1","page":34},{"text":"ونقل أيضًا (٤/ ٢٩٧) في الكلام على حديث أنس أن الربيع كسرت ثنية: وقال البيهقي: الأظهر أنهما قضيتان، وكذا قال الرافعي في أماليه.\nوهو في المجلس السابع والعشرين.\nوفي فتح الباري (١١/ ٢٩٧) في الكلام على حديث: لن ينجي أحدا منكم عمله:\nوسبق إلى تقرير هذا المعنى الرافعي في أماليه فقال لما كان أجر النبي صلى الله عليه وسلم في الطاعة أعظم وعمله في العبادة أقوم قيل له ولا أنت أي لا ينجيك عملك مع عظم قدره فقال لا إلا برحمة الله\nوهو في المجلس السادس عشر.","vol":"1","page":35},{"text":"<span data-type='title' id=toc-37>المبحث الثالث: منهج التحقيق</span>\n* قمت بنسخ الكتاب بمشاركة أبي مهاب محمد فاروق رشاد.\n* قابلت الكتاب على النسخة الخطية \"د\" مع حسام عبد الله حلمي، وقابل أبو مهاب محمد فاروق رشاد الكتاب على النسخة الخطية \"س\".\n* قابلت بعض المواطن المشكلة مرة ثانية على النسخة الخطية \"س\" وذلك للتَّثبُّتِ وضبط ما أشكل.\n* عزوت الآيات القرآنية الكريمة لمواضعها من المصحف الشريف.\n* ضبطت الأحاديث الثلاثين سندًا ومتنًا وأيضًا ضبطت كلَّ ما رواه الإمام الرَّافِعِيُّ بسنده خلال شرحه، وكذا قمت بضبط الأنساب والألقاب وما استغلق من الأسماء الواردة في الكتاب.\n* ضبطت النَّص وصححته وذلك بالرجوع في الغالب إلى المصادر التي يعزو إليها المؤلف، فما كان من خطأٍ واضحٍ صَحَّحْتُهُ، وما كان مُشكلًا تركته على ما جاء في النسختين وعلقت عليه في الهامش:\nوقد قام أ/ حسام عبد الله حلمي بتخريج النصف الثاني من الكتاب ومراجعته على النسخة \"د\" فقط.\nوالحقّ أنَّ النسخة \"د\" نسخة ضعيفة فلم أستطع ضبط الكتاب اعتمادًا عليها فقط فتركته إلى أن رزقني الله بعد عامين بنسخة الاسكوريال فحققت الكتاب كلَّه مرة ثانية عليها.","vol":"1","page":36},{"text":"* عزوت تخريج الأحاديث الثلاثين التي رواها الإمام الرَّافِعِيُّ للمصادر التي ذكرها المصنف ولم أزد عليه إلَّا لحاجةٍ أوضحها، وكذا الأقوال التي ذكرها المصنف عن بعض الأئمة قدر الإمكان.\n* خرَّجت الأحاديث الواردة خلال الكتاب من الكتب الستة، \"صحيح ابن خزيمة\"، \"صحيح ابن حبان\"، \"المستدرك\" مع الاستشهاد لها إن أمكن بالصحة والاستحسان أو الضعف من كلام الأئمة المعتبرين.\n* راجعت تراجم الرجال وضبطتها، فعزوت تراجم الصحابة لـ \"معرفة الصحابة\" لأبي نعيم، \"الإصابة\" لابن حجر، وباقي التراجم إلى \"تهذيب الكمال\"، \"سير أعلام النبلاء\" إذا أمكن وإلَّا فقد عزوت لبعض الكتب الأخرى كـ \"التدوين في أخبار قزوين\" للمصنف، وغير ذلك.\n* راجعت المعاني اللغوية التي شرحها الإمام الرافعي من كتب اللغة وخاصة \"الصحاح\" للإمام الجوهري؛ إذ هو المصدر المعتمد عند الإمام الرافعي في ذلك.\n* نسَّقت فقرات الكتاب، ووضعت علامات الترقيم المناسبة، فأبرزت نَصَّ الحديث ليسهل الوقوف عليه.\n* دفعت الكتاب إلى أخي الحبيب: الأستاذ رأفت حمدي فراجع الأبيات الشعرية التي وردت في الكتاب وقام بضبطها، ثم دفعتها أيضًا إلى أخي الحبيب الدكتور هاشم محمود درويش فراجع ضبطها وقام بصنع فهرس الأشعار بارك الله فيه.\n* وضعت فهارس علمية للكتاب اشتملت على الآتي:","vol":"1","page":37},{"text":"- فهرس الآيات.\n- فهرس الأحاديث.\n- فهرس الآثار.\n- فهرس الرواة المترجم لهم.\n- فهرس الأشعار.\n- فهرس الأعلام.\n- فهرس الموضوعات.\nوقد بذلت قصارى جهدي في إخراج هذا الكتاب، فما كان من خطأ فمنّي ومن الشيطان، وما كان من توفيقٍ فمن الله ﷿ وحده، وأسأل الله ﷿ أن يجعل العمل في ميزان حسناتنا، آمين.\nوأتقدم بالشكر إلى زوجتي الحبيبة أم حبيبة على مساعدتها لي في بعض أعمال هذا الكتاب، فجزاها الله خيرًا، وبارك الله فيها وفي أولادها.\nوأخيرًا لا أدعي كمالًا ولا أنّي أتيت بكلِّ ما هو مطلوب لكن حسبي أنّي بذلت قصار جهدي على حسب الطاقة، ومن الله نستمد العون والسداد؛ فإن أحسنت ووفقت فذاك من الله؛ وإن أسأت فمن نفسي ومن الشيطان، وما التوفيق إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.\nوكتبه\nأبو أحمد\nوائل محمد بكر زهران\nشنشور / أشمون / المنوفية / مصر الحبيبة","vol":"1","page":38},{"text":"نماذج من النسخ الخطية\nظهرية النسخة س","vol":"1","page":39},{"text":"نماذج من النسخ الخطية\nالورقة الأولى من النسخة س","vol":"1","page":40},{"text":"نماذج من النسخ الخطية\nخاتمة الأمالي من النسخة س","vol":"1","page":41},{"text":"﷽\nوما توفيقي إلا بالله عليه توكلت\n\n<span data-type='title' id=toc-38>المجلس الأول </span>من أمالي الشيخ الإمام السعيد العلامة المجتهد، إمام الملة والدين، حجة الإسلام والمسلمين أبي القاسم عبد الكريم بن محمد الرافعي تغمده الله بغفرانه: أملاه يوم الثلاثاء الثامن والعشرين من رجب سنة إحدى عشرة وستمائة\nقال: قَرَأْتُ على والدي أَسْكَنَهُ الله الْفَرَادِيسَ وَأَنَالَ رُوحَهُ التَّقْدِيسَ: أَنَبَا عبد الله بن محمد، ثَنَا أحمد بن عَلِيٍّ الْأَدِيبُ، أَنَبَا محمد الزِّيَادِيُّ، أنبا مُحَمَّدُ بن الْحُسَيْنِ، ثَنَا أحمد بن يوسف، ثنا عبد الرَّزَّاقِ، ثَنَا مَعْمَرٌ، عن هَمَّامٍ قال: هذا ما حَدَّثَنَا أبو هُرَيْرَةَ عن مُحَمَّدٍ رسول الله ﷺ قَالَ: \"لِلَّهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْمًا مِائَةٌ إِلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ، إِنَّهُ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ\" (^١).\nالكلام في شرح الحديث إِسْنَادًا وَمَتْنًا يَقَعُ في فُصُولٍ\n\n<span data-type='title' id=toc-39>الفصل الأول</span>\nهذا حديث متفقٌ على صِحَّتِهِ:\nرواه البخاري في \"صحيحه\" عن ابن المديني عن ابن عيينة (^٢)، وعن أبي اليَمان\n_________\n(^١) رواه عبد الرزاق (١٠/ ٤٤٥) كما رواه الرافعي من طريقه، والبيهقي (٦/ ٨٤) من طريق أحمد بن يوسف.\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٦٤١٠).","vol":"1","page":42},{"text":"عن شعيب بن أبي حمزة، بروايتهما عن أبي الزِّنَادِ، عن الْأَعْرَجِ، عن أبي هريرة (^١).\nومسلم عن عمرو الناقد وزهير وابن أبي عمر عن ابن عيينة، وأيضًا عن محمد بن رافع، (عن عبد الرزاق) (^٢) عن معمر بروايته بطريقين:\nأحدهما: عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة وليس فيه: \"إِنَّهُ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ\".\nوالثاني: عن همام عن أبي هريرة، وهو الذي سقناه (^٣).\nورواه الحافظُ أبو بكرٍ الْبَيْهَقِيُّ عن ابن (بشران) (^٤) عن أبي عليٍّ الصفار، عن الرمادي) (^٥) عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين (^٦).\nفكأنَّ والدي سمعه من الْبَيْهَقِيِّ، وقد أجازني من أجاز له الأديب كطاهر بن محمد المقدسي، فإن رويت بالإجازة فكأنِّي سمعته من الْبَيْهَقِيِّ.\nوأبو هريرة ﵁ دوسيٌّ أبًا وأمًّا، ودوس من الأزد، وفي اسمه واسم أبيه\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٢٧٣٦).\n(^٢) سقط من س. وأثبته من د، \"صحيح مسلم\".\n(^٣) \"صحيح مسلم\" (٢٦٧٧).\n(^٤) في س، د: بشر. خطأ. والمثبت من \"الأسماء والصفات\" للبيهقي (٣).\nوابن بشران: هو الشيخ العالم المعدل المسند أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران بن محمد بن بشر الأموي البغدادي. انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٧/ ٣١١).\n(^٥) في س: الزيادي. وهو تحريف، والمثبت من د، \"الأسماء والصفات\" للبيهقي (٣).\nوالرمادي هو: الإمام الحافظ الضابط أبو بكر أحمد بن منصور بن سيار الرمادي البغدادي، حدث عن عبد الرزاق بكتبه. انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٢/ ٣٨٩).\nانظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٢/ ٣٨٩).\n(^٦) \"الأسماء والصفات\" (٣).","vol":"1","page":43},{"text":"اختلاف كبير:\nفقيل: هو عبد الرحمن، ثم قيل: ابن صخر، وقيل: ابن غنم.\nفقيل: هو عبد الله، ثم قيل: ابن عائذ، وقيل: ابن عمرو.\nوقيل: هو سكين، ثم قيل: ابن عامر، وقيل: ابن ملٍّ، وقيل: ابن هانئ.\nوقيل: هو برير، ثم قيل: ابن عشرقة، وقيل: ابن عشيرقة.\nوقيل: هو سكن بن صخر، وقيل: سعد بن الحارث، وقيل: عمير بن عامر، وقيل: هو عبد شمس، وقيل: عبد نهم، وقيل: عبد غنم، وقيل: عمرو، وقيل: المحرر؛ والأصح عند جماعة من الحفاظ من اسمه واسم أبيه ما ذكرناه أولًا.\nوأما كنيته فيقال: إنه كان يكنى أبا الأسود، فكنَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ بأبي هريرة، ويقال: إنَّه في صباه جمع في كُمِّه أولاد هِرَّةٍ وحشيَّة فقال له أبوه لما اطلع عليها: أنت أبو هريرة فلزمته الكنية.\nواختلف أيضًا في وفاته مكانًا فقيل: توفي بالمدينة، وقيل: بالْعَقِيقِ؛ وزمانًا فقيل: سنة سبع وخمسين، وقيل: سنة ثمان، وقيل: سنة تسع.\nوكان من أحفظ أصحاب رسول الله ﷺ وأحرصهم على حديثه، وأكثرهم رواية عنه، دعا له رسول الله ﷺ بالحفظ وبأن يحبب إلى عباده المؤمنين، ولازم بعد إسلامه صُفَّةَ المسجد، وكان عريف أهلها، ويذكر أنه أسلم سنة سبع (^١).\nوهَمَّامُ بن مُنَبِّهٍ بن كامل بن سيج الصنعاني.\nسمع: أبا هريرة، ومعاوية. روي عنه: معمر، وأخوه وهب بن منبه.\nمات سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وقيل: سنة إحدى وثلاثين. وله صحيفة\n_________\n(^١) انظر \"معرفة الصحابة\" (٦/ ترجمة ٣٤٩٧)، و\"الإصابة\" (٧/ ترجمة ١٠٦٧٤).","vol":"1","page":44},{"text":"تعرف به مخرجة في \"الصحاح\" وكان والدي ﵀ يحفظنيها في صغري (^١).\nوَمَعْمَرٌ: أبو عروة بن راشد بن (أبي) (^٢) عمرو الأزدي الصنعاني مولى عبد السلام بن عبد القدوس أخي صالح، وقيل: مولى المهلب بن أبي صفرة.\nسمع: الزهري بالمدينة، وعمرو بن دينار وقتادة بالبصرة، ويحيى بن أبي كثير باليمامة، وأبا إسحاق السَّبِيعِيَّ والأعمش بالكوفة، ويقال: لم يجتمع هؤلاء السِّتة لأحدٍ غيره.\nروى عنه: ابن جريج، وابن عيينة، وابن المبارك.\nمات سنة اثنتين وخمسين ومائة، وقيل: سنة ثلاث، وقيل: سنة أربع (^٣).\nوعبد الرزاق: أبو بكر بن همام بن نافع الحميري الصنعاني.\nسمع: مالكًا، وابن جريج، وسفيان الثوري، والأوزاعي.\nروى عنه: ابن عيينة فيما قيل حديثًا واحدًا، وأحمد، وإسحاق.\nوكثرت الرحلة إليه من الأقطار، وكُفَّ في آخر عمره، توفي سنة إحدى عشرة ومائتين (^٤).\nوأحمد بن يوسف: هو أبو الحسن بن يوسف بن خالد بن سالم النيسابوري ويُشتهر بالسُّلمِيِّ؛ لكنه فيما يقال: سُلميُّ الأمِّ أَزديُّ الأب.\nسمع: يحيى بن يحيى، وعَبْدان، وأبا النَّضْرِ، وأبا عامر العَقَدِيَّ، وعبد الرزاق.\nروى عنه: يحيى بن يحيي، والبخاري، ومسلم، وابن خُزيمة.\n_________\n(^١) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (٥/ ترجمة ١٤٨)، \"تهذيب الكمال\" (٣٠/ ٢٩٨).\n(^٢) سقط من س، د. والمثبت من مصادر التخريج.\n(^٣) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (٧/ ترجمة ١)، \"تهذيب الكمال\" (٢٨/ ٣٠٣).\n(^٤) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (٩/ ترجمة ٢٢٠)، \"تهذيب الكمال\" (١٨/ ٥٢).","vol":"1","page":45},{"text":"توفي سنة أربع وستين ومائتين، وقيل: سنة ثلاث (^١).\nومحمد (^٢) بن الحسين: هو أبو بكر بن الحسين بن الحسن بن الخليل القطان.\nسمع: محمد بن يحيي الذُّهْلِيَّ، وأبا الْأَزْهَرِ، وأحمد بن يوسف.\nروى عنه: أبو بكر بن إسحاق، وأبو عليٍّ الحافظُ.\nقال الحاكم أبو عبد الله: كان القطان أسند أهل عصره، أحضروني مجلسه غير مَرَّةٍ، ولم يصح لي منه سماع. توفي سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة.\nوالزِّياديُّ: أبو طاهر محمد بن محمد بن مَحْمِشٍ بن علي بن داود بن أيوب بن محمد الفقيه الشُّرُوطِيُّ.\nسمع: أبا حامد بن بلال، وأبا العباس الأصم، وأبا عبد الله الصفار، وأبا بكر القطان.\nوكان أبوه من العُبَّادِ الْمُتَبَرَّكِ بِدُعَائِهِمْ، وهو من فقهاء أصحاب الشافعيِّ ﵁ المشهورين المخصوصين بِعُلُوٍّ الإسناد في الفقه والحديث.\nتَفَقَّهَ على الأستاذ أبي الوليد. توفي سنة عشر وأربعمائة (^٣).\nوالأديب: أبو بكر أحمد بن علي بن عبد الله بن خلف، شيرازي الأصل، نيسابوري المنشأ.\nمُتْقِنٌ، صحيحُ السماع، جمع وروى وأملى الكثير.\nسمع: الحاكم أبا عبد الله، وأبا القاسم بن حبيب، وحمزة بن عبد العزيز،\n_________\n(^١) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٢/ ترجمة ١٦٨)، \"تهذيب الكمال\" (١/ ٥٢٢).\n(^٢) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٥/ ترجمة ١٥٧).\n(^٣) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٧/ ترجمة ١٦٩).","vol":"1","page":46},{"text":"والزِّياديَّ. توفي سنة سبع وثمانين وأربعمائة (^١).\nوعبد الله بن محمد: هو أبو البركات عبد الله بن محمد بن (الفضل) (^٢) بن أحمد الصَّاعِدِيُّ الْفُرَاوِيُّ.\nوهو وأبوه وجده معروفون بالعلم والديانة، من أئمة نيسابور، واستشهد سنة خمسين وخمسمائة (^٣).\nووالدي ﵀:\nالإمام أبو الفضل محمد بن عبد الكريم بن الفضل بن الحسن بن الحسين الرَّافِعِيُّ.\nمِمَّنْ خُصَّ بِعِفَّةِ الذَّيْلِ، وحسن السيرة، والجدّ في العلم والعبادة، وذلاقة اللسان (^٤)، وقوة الجنان، والصلابة في الدين، والمهابة عند الناس، والبراعة في العلوم حفظًا وضبطًا، ثم إتقانًا وبيانًا وفهمًا ودرايةً، ثم أداءً وروايةً.\nسمع الحديث وتفقه بِقَزْوِينَ في صباه، ثم سافر إلى الرَّيِّ فسمع وتفقه، ثم ارتحل إلى بغداد فسمع وتفقه وحجّ منها، ثم انتقل إلى نيسابور فحصَّل على الإمام محمد بن يحيى، وسمع الحديث الكثير، وكان مشايخه يُوَقِّرُونَهُ لحسن سيره وشمائله، وَوُفُورِ فضله وفضائله، ولما عاد إلى قَزْوِينَ أقبلت عليه المتفقهة، فدرس وأفاد وناظر وذاكر وذكر وفَسَّرَ وروى وأملى، وصَنَّفَ في التفسير والحديث والفقه، وانتفع به الخواص والعوام، ثم استأثر الله تعالى به في شهر رمضان سنة\n_________\n(^١) انظر \"تاريخ الإسلام\" (١/ ٣٣٩٠)، \"التقييد\" (١/ ترجمة ١٧٩).\n(^٢) في د: أبي الفضل. والمثبت من س، \"سير أعلام النبلاء\".\n(^٣) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (٢٠/ ٢٢٧).\n(^٤) أي: فصاحة اللسان.","vol":"1","page":47},{"text":"ثمانين وخمسمائة.\nولعل الله يوفق لما في عزمي من جمع مختصر في مناقبه أسميه بـ \"القول الفصل في فضل أبي الفضل\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-40>الفصل الثاني</span>\nفي الاِسْمِ لُغَاتٌ: سِمٌ وسُمٌ واسْمٌ، وهو مشتقٌّ في أحد القولين من الوَسْمِ والسِّمَةِ وهي العلامة؛ لأنه علامة على المعنى، واعترض عليه بأنه لو كان كذلك لقيل في تصغيره \"وُسَيْمٌ\" كما قيل في تصغير عِدَةٍ: وُعَيْدَةٌ، وتصغير الاسم: سُمَيٌّ لا وُسَيْمٌ، واعتذر عنه بأنَّ الواو فيه نقلت من الأول إلى الآخر كما قيل: إنَّ أصل حادي عشر: واحد عشر، فكذلك: سُمَيٌّ.\nوفي القول الثاني وهو الأصح عند الأكثرين: مشتقٌّ من السُّمُوِّ وهو الارتفاعُ والعلوُّ؛ لأنه يعلو ويصير عَلَمًا على المعنى تحته، وعلى هذا قالوا: الذاهب من الاسم الواو، والألف زائدة، ووزنه \"افع\".\nواختلف في أصله: فقيل: فِعْل، وقيل: فُعْل، وجمعه وهو أسماء يجيء في جمع الوزنين، يقال: جِذْعٌ وأجْذَاعٌ، وقُفْلٌ وأَقْفَالٌ، وجمع الأسماء أَسَامِي.\nوذكر أنَّ أصل اسم: أُسْم على الأمر من سَمَا يَسْمُو، فبنوا من هذا الفعل اسمًا، كما قالوا للبعير: مَحْمِلٌ؛ لأنه يحمل.\nويقال: سَمَّيْتُ فلانًا كذا، وسَمَّيته بكذا، وهو سَمِيِّ إذا توافق اسماهما.\nوالنِّسْبَةُ إلى الاسم: سَمَوِيٌّ، وقد يترك بحاله فيقال: اسْمِيٌّ.\nوفي قوله: \"أَحْصَاهَا\" وجوه:\n_________\n(^١) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (٢١/ ترجمة ٤٤)، \"التدوين في أخبار قزوين\" (١/ ٣٢٨).","vol":"1","page":48},{"text":"قِيلَ: حَفِظَهَا، وكذلك ورد في بعض روايات \"الصحيح\" (^١) ومنه: \"أَكُلَّ الْقُرْآنَ أَحْصَيْتَ\" (^٢) أي: حَفِظْتَ، ويقرب منه قول من يقول: \"أَحْصَاهَا\" أي: عَدَّها ليحفظها.\nوَقِيلَ: أَطَاقَهَا، ومنه: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ (^٣) أي: أطاق العمل بها والطاعة بمقتضاها.\nوَقِيلَ: عَقلَهَا وَأَحَاطَ عِلْمًا بِمَعَانِيهَا، مِنْ قَوْلِهِمْ: \"فُلَانٌ ذُو حَصَاةٍ\" أي: عَاقِلٌ.\nوَقِيلَ: أراد حفظ القرآن فأحصاها بحفظه للقرآن.\nو\"الْوِتْرُ\": الْفَرْدُ، وقد تفتح الواو منه.\n\n<span data-type='title' id=toc-41>الفصل الثالث</span>\nمن الأصحاب من يقول: الاسم: المسمى، وقد يرد بمعنى التسمية مجازًا.\nوقال الأستاذ أبو منصور الأيوبيُّ الأشعريُّ (^٤): إنه مشترك موضوع لهما، وَمَثَلُ وروده بمعنى المُسَمَّى فقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ (^٥) فالمُسَبَّح: الرَّبُّ لا غيره، ووروده بمعنى التَّسْمِيَة فقوله ﷺ: \"لله تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْمًا\".\nوقالوا: العدد راجع إلى التَّسميات والله تعالى واحد.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٦٤١٠).\n(^٢) رواه مسلم (٨٢٢) ضمن حديث عن أبي وائل قال: جاء رجل يقال له نهيك بن سنان إلى عبد الله فقال: يا أبا عبد الرحمن كيف تقرأ هذا الحرف … الحديث.\n(^٣) المزمل: ٢٠.\n(^٤) هو محمد بن الحسن بن أبي أيوب الأستاذ المتكلم النيسابوري، إمام باهر ذكي. انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٧/ ٥٧٣).\n(^٥) الأعلى: ١.","vol":"1","page":49},{"text":"وقيل: \"الاسم\" اللَّفْظُ الدَّالّ على المُسَمَّي.\nوالأسماء التسعة والتسعون مجملة في هذه الرواية، وقد وردت مفصلة بطرق أشهرها وأكثرها دورانًا على الألسنة:\nما رواه الإمام أبو عيسى في \"جامعه\" (^١) فقال: حَدَّثَنَا إبراهيم بن يَعْقُوبَ، حَدَّثَنِي صَفْوَانُ بن صالح، ثَنَا الوليد بن مُسْلِمٍ، ثَنَا شُعَيْبُ بن أبي حَمْزَةَ، عن أبي الزِّنَادِ، عن الْأَعْرَجِ، عن أبي هُرَيْرَةَ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن لله تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً غير واحد من أَحْصَاهَا دَخَلَ الجنة هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ المُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ الْغَفَّارُ الْقَهَّارُ الْوَهَّابُ الرَّزَّاقُ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الْخَافِضُ الرَّافِعُ المُعِزُّ المُذِلُّ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ الْحَكَمُ الْعَدْلُ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٣٥٠٧).\nقال الترمذي: هذا حديث غريب حدثَنَا به غير واحد عن صفوان بن صالح ولا نعرفه إلا من حديث صفوان بن صالح وهو ثقة عند أهل الحديث.\nوقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ولا نعلم في كثير شيء من الروايات له إسناد صحيح ذِكْرَ الأسماء إلا في هذا الحديث.\nوقد روي آدم بن أبي إياس هذا الحديث بإسنادٍ غير هذا عن أبي هريرة عن النبي ﷺ وذكر فيه الأسماء وليس له إسناد صحيح.\nقال ابن حزم في \"المحلى\" (٨/ ٣١): جاءت أحاديث في إحصاء التسعة والتسعين اسمًا، وهي مضطربة لا يصح منها شيء أصلًا؛ فإنما تؤخذ من نص القرآن.\nوقال الصنعاني في \"سبل السلام\" (٤/ ١٠٨): والتحقيق أن سردها إدراج من بعض الرواة، فقد اتفق الحفاظ من أئمة الحديث على أن سردها إدراج من بعض الرواة.\nوضعفه الألباني بسرد الأسماء في \"ضعيف الجامع\" (١٩٤٥).","vol":"1","page":50},{"text":"الْحَلِيمُ الْعَظِيمُ الْغَفُورُ الشَّكُورُ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ الْحَفِيظُ الْمُقِيتُ الْحَسِيبُ الْجَلِيلُ الْكَرِيمُ الرَّقِيبُ الْمُجِيبُ الْوَاسِعُ الْحَكِيمُ الْوَدُودُ الْمَجِيدُ الْبَاعِثُ الشَّهِيدُ الْحَقُّ الْوَكِيلُ الْقَوِيُّ الْمَتِينُ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ المُحْصِي الْمُبْدِئُ الْمُعِيدُ الْمُحْيِي الْمُمِيتُ الْحَيُّ الْقَيُّومُ الْمَاجِدُ الْوَاجِدُ الْوَاحِدُ الصَّمَدُ الْقَادِرُ الْمُقْتَدِرُ الْمُقَدِّمُ الْمُؤَخِّرُ الْأَوَّلُ الْآخِرُ الظَّاهِرُ الْبَاطِنُ الْوَالِيَ المُتَعَالِي الْبَرُّ التَّوَّابُ الْمُنْتَقِمُ الْعَفُوُّ الرَّءُوفُ مَالِكُ الْمُلْكِ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ الْمُقْسِطُ الْجَامِعُ الْمَانِعُ الْغَنِيُّ الْمُغْنِي الضَّارُّ النَّافِعُ النُّورُ الْهَادِي الْبَدِيعُ الْبَاقِي الْوَارِثُ الرَّشِيدُ الصَّبُورُ\".\nأَخْبَرَنَا غير واحد عن أبي الْفَتْحِ الْكَرُّوخِيِّ (^١)، عن أبي عَامِرٍ (^٢)، عن أبي مُحَمَّدٍ (^٣)، عن أبي الْعَبَّاسِ (^٤)، عن أبي عِيسَى وقال: لا نعرفه إلَّا من حديث صفوان وهو ثقةٌ.\nوقد بُنِيَتْ على هذه الأسامي بهذا الترتيب كتب كـ \"التحبير\" للأستاذ أبي القاسم القشيري، و\"المقصد الأسني\" للإمام أبي حامد الغزالي وغيرهما.\nوالثاني أورده الحافظ محمد بن يزيد القزويني في \"سننه\" (^٥) فقال: ثَنَا هشام بن عَمَّارٍ، ثَنَا عبد المَلِكِ بن مُحَمَّدٍ، ثَنَا زُهَيْرُ بن مُحَمَّدٍ، ثنا مُوسَى بن عُقْبَةَ، ثَنَا الْأَعْرَجُ، عن أبي هُرَيْرَةَ أن رسول الله ﷺ قال: \"إن لله تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا من حَفِظَهَا دَخَلَ الجنة الله الْوَاحِدُ الصَّمَدُ الْأَوَّلُ الآخر الظَّاهِرُ الْبَاطِنُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ\n_________\n(^١) هو عبد الملك بن أبي القاسم، انظر ترجمته في المجلس الثالث.\n(^٢) هو محمود بن القاسم الأزدي، انظر ترجمته في المجلس الثالث.\n(^٣) هو عبد الجبار بن محمد الْجَرَّاحِيُّ، انظر ترجمته في المجلس الثالث.\n(^٤) هو محمد بن أحمد بن محبوب الْمَحْبُوبِيُّ، انظر ترجمته في المجلس الثالث.\n(^٥) \"سنن ابن ماجه\" (٣٨٦١). وهو ضعيف بسرد الأسماء كما سبق.","vol":"1","page":51},{"text":"المُصَوِّرُ المَلِكُ الْحَقُّ السلام المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ الْعَلِيمُ الْعَظِيمُ الْبَارُّ (^١) الْمُتْعَالِي الْجَلِيلُ الْجَمِيلُ الْحَيُّ الْقَيُّومُ الْقَادِرُ الْقَاهِرُ الْعَلِيُّ الْحَكِيمُ الْقَرِيبُ الْمُجِيبُ الْغَنِيُّ الْوَهَّابُ الْوَدُودُ الشَّكُورُ الْمَاجِدُ الْوَاجِدُ الْوَالِي الرَّاشِدُ (الْعَفُوُّ الْغَفُورُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ التَّوَّابُ الرَّبُّ الْمَجِيدُ) (^٢) الْوَلِيُّ الشَّهِيدُ الْمُبِينُ الْبُرْهَانُ الرَّءُوفُ الرَّحِيمُ الْمُبْدِئُ الْمُعِيدُ الْبَاعِثُ الْوَارِثُ الْقَوِيُّ (الشَّدِيدُ) (^٣) الضَّارُّ النَّافِعُ الْبَاقِي الْوَاقِي (^٤) الْخَافِضُ (^٥) الرَّافِعُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الْمُعِزُّ الْمُذِلُّ الْمُقْسِطُ الرَّزَّاقُ (^٦) ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ الْقَائِمُ الدَّائِمُ الْحَافِظُ الْوَكِيلُ الْفَاطِرُ (^٧) السَّامِعُ الْمُعْطِي الْمَانِعُ الْمُحْيِي الْمُمِيتُ الْجَامِعُ الْهَادِي الْكَافِي الْأَبَدُ الْعَالِمُ الصَّادِقُ النُّورُ الْمُنِيرُ التَّامُّ الْقَدِيمُ الْوِتْرُ الْأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ\".\nثَنَا والدي، عن أبي بكر بن عَلِيٍّ، عن أبي مَنْصُورٍ، عن أبي طَلْحَةَ، عن أبي (الْحَسَنِ) (^٨) عَنْ مُحَمَّدٍ صَاحِبِ \"السنن\".\nقوله: \"الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ\" كالتفسير للصمد أو التابع له.\n_________\n(^١) في د: الوالي. وفي س: الباري، والمثبت من السنن.\n(^٢) سقط من س، د. والمثبت من السنن.\n(^٣) سقط من د، س. والمثبت من السنن.\n(^٤) في س: الوافي. والمثبت من د، السنن.\n(^٥) في س: الحافظ، والمثبت من د، السنن.\n(^٦) في س: الرزاق. والمثبت من د، السنن.\n(^٧) في س، د: الناظر. والمثبت من السنن.\n(^٨) في س، د: الحسين. وهو أبو الحسن علي بن إبراهيم بن سلمة القطان، ترجمته في المجلس الثالث عشر.","vol":"1","page":52},{"text":"والصمد تكرر (^١) في الرواية والرحيم كذلك؛ فهو في أحد الموضعين تابع، ويمكن أن يكون المنير تفسيرًا للنور غير معدودٍ لنفسه، وأن يكون المتين صفة للقوة لا اسمًا آخر.\nوالثالث: روى عبد العزيز بن الْحُصَيْنِ بن التَّرْجُمَانِ، عن أَيُّوبَ وهشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أبي هُرَيْرَةَ عن رسول الله ﷺ الأسماء التسعة والتسعين مُفَصَّلَةً على ترتيبٍ آخر، وفيها تبديل بعض الأسماء ببعض، ومما ذكر فيها: ذو المعارج، وذو الفضل، والخلاق، والكفيل، والمولى، والنصير، والقديم، والفاطر، والوفي، وغيرها (^٢).\nوفي هذه الطّرقِ اختلافٌ في أعيان الأسماء وفي التقديم والتأخير، ولاختلافها ذهب ذاهبون إلى أنه ليس المقصود تسعة وتسعين اسمًا بأعيانها؛ بل الغرض أن يستخرج المتأمل بنظره تسعة وتسعين اسمًا من الكتاب والسنة، وقد يميل كلام الحاكم الْحَلِيمِيِّ والحافظ الْبَيْهَقِيِّ إلى هذا، ويتوجه عليه أن يقال: قوله: \"أَحْصَاهَا\" أي: استوفي هذا العدد ملتقطًا من الكتاب والسنة.\nوقد يسبقُ إلى الفهم من لفظ الخبر انحصار أسماء الله تعالى في تسعة وتسعين، لأنَّ تخصيص هذا العدد بالذكر إنَّما يحسن إذا انحصرت الأسماء فيه، ألا ترى أنَّ من يملك ألفًا لا يحسن أن يقال: له تسعة وتسعون مثلًا، لكن أسماءه لا تنحصر\n_________\n(^١) في س: مكرر. والمثبت من د.\n(^٢) رواه الحاكم من طريقه (١/ ٦٣).\nوعبد العزيز بن الحصين: قال البخاري: ليس بالقوي عندهم، وقال ابن معين: ضعيف، وقال مسلم: ذاهب الحديث، وقال ابن عدي: الضعف على رواياته بين.\nانظر \"لسان الميزان\" (٤/ ٢٨).","vol":"1","page":53},{"text":"فيه.\nويدلّ عليه دعاءُ رَسُول الله ﷺ: \"أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسمٍ هو لك سَمَّيْتَ به نفسك أو أَنْزَلْتَهُ في كتابك أو عَلَّمْتَهُ أَحَدًا من خَلْقِكَ أو اسْتَأْثَرْتَ به في عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ … \" (^١).\nفقال العلماءُ: قوله: \"لله تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْمًا\" مع قوله: \"مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّة\" قضية واحدة لا قضيتان، وهو كقول القائل: \"لفلان مائة درهم أعدها للصدقة\" ولا يقتضي أن لا يكون له دراهم غيرها.\nوأما تخصيص التسعة والتسعين؛ فقد ذكر الإمام الغزالي فيه احتمالين:\nأحدهما: أنَّ المعاني الشَّريفة الدَّالة على الكمال والعظمة بلغت هذا المبلغ اتفاقًا، كما أنَّ الصفات عند أهل الحقِّ سبع أو ثمان؛ لأنَّ دلالة الدليل عليها وافقت هذا العدد لا أنَّ المقصد العدد.\nوالثاني: ما أشار إليه في آخر الخبر وهو أنه وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ فسمَّى نفسه بتسعةٍ وتسعين اسمًا شرَّفها ولم يكملها مائة رعاية للإيتار.\n_________\n(^١) رواه أحمد (١/ ٣٩١)، وابن حبان (٩٧٢)، والحاكم (١/ ٥٠٩) من طريق أبي سلمة الجهني، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه.\nقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم إن سلم من إرسال عبد الرحمن.\nقلت: قال الحافظ في \"لسان الميزان\" (٧/ ٥٦): أبو سلمة الجهني حدث عنه فضيل بن مرزوق لا يدري من هو انتهى. وقد ذكره ابن حبان في \"الثقات\" وأخرج حديثه في \"صحيحه\" وأحمد في \"مسنده\" والحاكم في \"مستدركهـ\" وتعقبه الذهبي بما ذكره هنا فقط، وقرأت بخط ابن عبد الهادي يحتمل أن يكون هو خالد بن سلمة وفيه نظر لأنَّ خالد بن سلمة مخزومي وهذا جهني.\nوالحق أنه مجهول الحال، وابن حبان يذكر أمثاله في \"الثقات\" ويحتج به في الصحيح إذا كان ما رواه ليس بمنكر. أهـ.","vol":"1","page":54},{"text":"وذكر بعضهم أنَّ الأسماءَ التسعة والتسعين مفاتيح خزائن الرحمة المدخرة للمؤمنين في الآخرة من مائة رحمةٍ لله تعالى، قسم منها واحدة بين خلقه في الأرض بها يتعاطفون ويتراحمون فجعل العدد وفق العدد.\nوقوله: \"مِائَةٌ إِلَّا وَاحِدًا\" بعد قوله: \"تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ\" توكيدٌ للعدد المذكور لئلَّا يتوهم أنه على التقريب، وفيه فائدة رفع الاشتباه فقد يشتبه في الخط تسعة وتسعون بسبعة وسبعين.\n\n<span data-type='title' id=toc-42>الفصل الرابع</span>\nك ثرت أسماؤه تعالى لعظمته وكبريائه وتوالي آلائه ونعمائه، واتصافه بالكمالات، وتنزهه عن الآفات، وكلٌّ في الدرجة التي ليست وراءها غاية، ولا لها في نفسها نهاية، فاستحقَّ لأصولها أسماءً ولكمالها أسماءً؛ وذلك كالعالم والعليم والعلام، وأيضًا فليكثر ذكرها والذاكرون لها فإن غفلوا عن بعضها أو في بعضها لم يحرموا عن بعضها أو عن الالتذاذ في بعضها، وإذا تأملتها وجدتها أساميًا لم تزده معرفة وإنما لذَّة ذكرناها.\nثم انقسمت أسماؤه باعتبارات:\nإلى أسماء تدلُّ على فعله ليستروح إليه المؤمن طالبًا راغبًا أو راهبًا.\nوإلى أساء تدلُّ على صفاته ليتخلَّقَ بها العالم ويتخذ من كلٍّ منها لنفسه صاحبًا.\nوإلى أسماء تخصُّ دلالتها بذاته ليستغرق في ذكرها العارف، ويذهب في الله ذاهبًا. وباعتبار آخر إلى ما يختص به ليبوح به المذكور تارة كما قيل: [طويل]\nفَبُحْ بِاسْمِ مَنْ تَهْوَى وَلَا تَكُ كَاتِمًا … فَلَا خَيْرَ فِي اللَّذَّاتِ مِنْ دُوْنِهَا سِتْرُ","vol":"1","page":55},{"text":"وإلى ما يقع على غيره ليوري به الغيور أخرى (^١) كما قيل:\nوَسَمَّيْتُهَا مِنْ خَشْيَةِ النَّاسِ زَيْنَبَا\nقَرَأْتُ على والدي ﵀: أَنَبَا هِبَةُ الرحمن بن عبد الْوَاحِدِ قال: أَنَبَا مُحَمَّدُ بن عبد الْعَزِيزِ، أنبا أبو عبد الرحمن السُّلَمِيُّ قال: قال أبو عبد الله المَغْرِبيُّ: من ادَّعَى الْعُبُودِيَّةَ وله مُرَادٌ بَاقٍ فهو كَذَّابٌ في دَعْوَاهُ، إنما تَصِحُّ الْعُبُودِيَّةُ لمن أَفْنَي مُرَادَاتِهِ وَقَامَ بِمُرَادِ سيده لِيَكُونَ اسْمُهُ ما سُمِّيَ به إذا دُعِيَ بِاسْمٍ أَجَابَ عن الْعُبُودِيَّةِ، ولا يُجيِبُ إِلَّا من يَدْعُوهُ بِالْعُبُودِيَّةِ، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: [سريع]\nيَا عَمْرُو ثَارِي عِنْدَ أسْمَائِي … يَعْرِفُهُ السَّامِعُ وَالرَّائِي\nلَا تَدْعُنِي إلَّا بِيَا عَبْدَهَا … فَإِنَّهُ أَصْدَقُ أَسْمَائِي (^٢)\nوفي قَرِيبٍ منه أُنْشِدُكُمْ لِنَفْسِي: [سريع]\nسِمْنِيَ مَا شِئْتَ وَسِمْ جَبْهَتِي (^٣) … بِاسْمِك ثُمَّ اسْمُ بَأَسْمَائِي\nفَسَمِّنِي عَبْدَكَ أَفْخَرْ بِهِ … وَيَسْتَوِي عَرْشِي عَلَى الْمَاءِ (^٤)\nآخر المجلس الأول، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله أجمعين.\n* * * * *\n_________\n(^١) كذا في س، د.\n(^٢) \"طبقات الصوفية\" لأبي عبد الرحمن السلمي (ص ٢٤٤) كما رواه من طريقه الرافعي.\n(^٣) في د: جهتي. والمثبت من س، \"طبقات الشافعية\" للسبكي، \"البدر المنير\" لابن الملقن.\n(^٤) نقل هذه الأبيات عن الإمام الرافعي: السبكي في \"طبقات الشافعية\" (٨/ ٢٨٦)، ابن الملقن في \"البدر المنير\" (١/ ٣٣٢).","vol":"1","page":56},{"text":"﷽\nوما توفيقي إلا بالله عليه توكلت\n\n<span data-type='title' id=toc-43>المجلس الثاني </span>من أماليه رحمة الله عليه\nقَالَ: قَرَأْتُ على والدي ﵀ ثُمَّ قُرِئَ عليه لِتَارِيخٍ آخر وأنا أَسْمَعُ قال: أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ محمد بن يَحْيَى، حَدَّثَنَا أحمد بن عَلِيٍّ، أَنَبَا عبد الرَّحْمَنِ بن حَمْدَانَ، أَنَبَا أحمد بن جَعْفَرٍ، ثَنَا عبد الله بن أَحْمَدَ، ثَنَا أَبِي، ثَنَا عَفَّانُ (ح)\nوَأَخْبَرَنَا والدي عَالِيًا، عن سَعْدِ الْخَيْرِ بن محمد، ثَنَا حَمْزَةُ بن مَكِّيٍّ قال: أَنَبَا عبد الْمَلِكِ بن محمد، أَنَبَا أبو بكر بن الْآجُرِّيِّ، ثَنَا أبو شُعَيْبٍ، ثنا عَفَّانُ، ثنا هَمَّامٌ، عن ثَابِتٍ، عن أَنَسٍ ﵁ أن أبا بكر ﵁ حَدَّثَهُ قال: قُلْتُ للنبي ﷺ ونحن في الْغَارِ: يا رسول الله، لو أن أَحَدَهُمْ يَنْظُرُ إلى قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنَا تحت قَدَمَيْهِ. فَقَالَ: \"يَا أَبَا بَكْرٍ مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ الله ثَالِثُهُمَا\".\n\n<span data-type='title' id=toc-44>في الشرح فصول: الفصل الأول</span>\nهذا حديثٌ صحيحٌ باتفاق الإمامين المقدمين:\nأخرجه البخاري عن محمد بن سِنان الْعَوَقِيِّ البصري وموسى بن إسماعيل، عن همام، عن ثابت. وعن عبد الله بن محمد، عن أبي حبيب حَبَّانَ بالباء وفتح الحاء- بن هلال البصري، عن همام (^١).\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٣٦٥٣، ٣٩٢٢، ٤٦٦٣).","vol":"1","page":57},{"text":"ومسلم عن عبد بن حميد وغيره، عن حَبَّانَ، عن همام (^١).\nوهو عالي الإسناد من جهة أن الْآجُرِّيَّ يقع في درجة مسلم، وكذا في درجة البخاري في طريقه الأخير، وبين والدي ﵀ وبينه ثلاث رجال، وحضور عزيز من جهة رواية الصديق ﵁ ثم من جهة رواية الصحابي عن الصحابي، وليس في متفق \"الصحيحين\" من رواية أنسٍ عن أبي بكر الصديق ﵄ إلَّا هذا الحديث، وانفرد البخاري (^٢) بحديث بهذه الترجمة، ومسلم بآخر (^٣).\nوخليفة رسول الله ﷺ أبو بكر (^٤) ﵁ قرشيٌّ تيميٌّ أبًا وأمًّا.\nوهو عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، وأمه بنت عمِّ أبيه أم الخير سلمى بنت صخر بن عامر بن عمرو.\nوَلُقِّبَ بِعَتِيقٍ لما روي أنه ﷺ قال: \"مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى عَتِيقٍ مِنَ النَّارِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ\" (^٥).\nومنهم من جعل عَتِيقًا اسمه.\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (٢٣٨١/ ١).\n(^٢) وهو حديثه في الزكاة المشهور؛ أن أبا بكر كتب له التي أمر رسول الله ﷺ \"ومن بلغت صدقته … \" رواه البخاري (١٤٤٨).\n(^٣) وهو حديثه: أن أبا بكر كان يصلي لهم في وجع رسول الله ﷺ الذي توفي فيه. رواه مسلم (٤١٩).\n(^٤) انظر \"معرفة الصحابة\" (١/ ترجمة ١)، \"الإصابة\" (٤/ ترجمة ٤٨٢٠).\n(^٥) رواه الحاكم (٣/ ٦١) من طريق صالح بن موسى الطلحي، عن معاوية بن إسحاق، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين. قال الحاكم: صحيح الإسناد، وردَّه الذهبي فقال: صالح ضعفوه. وقال الهيثمي (٩/ ٤١): فيه صالح بن موسى. وهو ضعيف.","vol":"1","page":58},{"text":"تَوَلَّى خلافة رسول الله ﷺ اليوم الثاني من وفاته لاثنتي عشرة خلت من شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة.\nوتوفي ليلة الأربعاء، وقيل: يوم الثلاثاء، وقيل: يوم الاثنين لثمان بَقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة وهو ابن ثلاث وستين، وكانت مُدَّةُ خلافته سنتين وثلاثة أشهر وعشرة أيام، ويقال: وأربعة أشهر كأنَّه على التقريب.\nوأما فضائله فليست مما تجعل علاوة مجلس، والحديث أصل في فضائله.\nوأنس (^١) ﵁ خزرجيٌّ أبًا وأمًّا: وهو أبو حمزة بن مالك بن النَّضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار النجاري الأنصاري، وأمُّهُ أمُّ سُليمٍ مُليكة بنت مِلحان بن خالد بن زيد بن حرام.\nقدم رسول الله ﷺ المدينة وهو ابن عشر، وقيل: ابن تسع، وقيل: ابن ثمان، فأهدته أمُّهُ إليه فخدمه عشرًا، وقيل: تسعًا.\nتُوفي بالبصرة وهو ابن مائة وسنتين سنة تسعين، وقيل: سنة إحدى وتسعين، وقيل: سنة اثنتين، وقيل: سنة ثلاث، وكان آخر الصحابة موتًا بالبصرة، ودعا له رسول الله ﷺ بكثرة المال والولد واستجيب دعاؤه فيه.\nوفي الصحابة آخر يقال له: أنس بن مالك وهو الكعبي القشيري، يروي عنه: أبو قلابة، وفي غير الصحابة من الرواة جماعة يشاركونهما في الاسم واسم الأب.\nوثابت: هو أبو محمد بن أسلم البُنَاني البصري، ثابتٌ في الزهد والعبادة.\nسمع: أنسًا، وابن عمر، وابن الزبير، وأبا رافع، ومن التابعين أبا عثمان النَّهْدِيَّ، ومعاوية بن قُرَّةَ، وغيرهما.\n_________\n(^١) انظر \"معرفة الصحابة\" (١/ ترجمة ٧٩)، \"الإصابة\" (١/ ترجمة ٢٧٧).","vol":"1","page":59},{"text":"روى عنه: حُميد الطويل، وشعبة، وسليمان التيمي، وعبيد الله بن عمر.\nمات سنة ثلاث وعشرين ومائة، وقيل: سنة سبع وعشرين وهو ابن ست وثمانين، وكان يسمع من قبره قراءة القرآن (^١).\nوهَمَّامٌ: هو ابن يحيي بن دينار أبو عبد الله، ويقال: أبو بكر الْعَوْذِيُّ البصري مولى عوذ بن سود بن الحجر بن عمران.\nسمع: الحسن، وقتادة، ويحيى بن أبي كثير، ونافعًا، وثابتًا.\nروى عنه: ابن المبارك، ووكيع، ويزيد بن هارون.\nتُوفي سنة ثلاث وستين ومائة، وقيل: سنة أربع (^٢).\nوعَفَّانُ: هو ابن مسلم الصَّفَّارُ البصريُّ الأنصاريُّ مولى عزرة. سمع: صخر بن جُويرية، والحمادين، وشعبة، وهمام بن يحيي.\nروى عنه: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وابن المديني، وأبو كريب، والبخاري.\nسكن بغداد ومات بها سنة عشرين ومائتين (^٣).\nثم نذكر رجال الطريق العالي:\nفأبو شُعيب: هو عبد الله بن الحسن بن أحمد بن أبي شعيب عبد الله بن مسلم المؤدب المعروف بالحراني.\n_________\n(^١) انظر \"تهذيب الكمال\" (٤/ ٣٤٢)، \"سير أعلام النبلاء\" (٥ / ترجمة ٩١).\n(^٢) انظر \"تهذيب الكمال\" (٣٠/ ٣٠٢)، \"سير أعلام النبلاء\" (٧/ ترجمة ٩٣).\n(^٣) انظر \"تهذيب الكمال\" (٢٠/ ١٦٠)، \"سير أعلام النبلاء\" (١٠/ ترجمة ٦٥).","vol":"1","page":60},{"text":"سمع: أباه، وجده أحمد، وعفان بن مسلم، وغيرهم.\nروى عنه: أبو عبد الله المحاملي، وأبو بكر الشافعي.\nسكن بغداد ومات بها سنة خمس وتسعين ومائتين، وقيل: سنة سِتٍّ (^١).\nوأبو بكر الْآجُرِّيُّ: هو محمد بن الحسين بن عبد الله.\nمن أهل الحديث المشهورين، صاحب تصانيف.\nسمع: أبا مسلم الْكَجِّيَّ، وأحمد بن يحيى الْحُلْوَانِيُّ، وأبا شُعيب.\nمات بمكة سنة ستين وثلاثمائة (^٢).\nوعبد الملك: هو ابن محمد بن عبد الله بن بِشْرانَ بن محمد بن بشر بن مهران أبو القاسم.\nمن أهل بغداد، وَاعِظٌ مُحَدِّثٌ.\nسمع: أحمد بن سلمان، وحمزة بن محمد الدِّهقان، وَالْآجُرِّي.\nمات سنة ثلاثين وأربعمائة (^٣).\nوحمزة بن مكي: يكنى بأبي طاهر. سمع: ابن بِشْرَانَ، وأقرانه (^٤).\nوَسَعْدُ الْخَيْرِ (^٥): هو ابن محمد بن سهل أبو الحسن الأنصاري المَغْرِبِيُّ الأندلسي، سافر من الأندلس إلى بلاد الصين، ثم قدم بغداد وتفقه على الإمام أبي حامد الغزالي.\n_________\n(^١) انظر \"تاريخ بغداد\" (٩/ ترجمة ٥٠٥٢).\n(^٢) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٦/ ترجمة ٩٢) وهو صاحب كتاب \"الشريعة\".\n(^٣) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٧/ ترجمة ٣٠٣).\n(^٤) انظر \"تاريخ الإسلام\" (١/ ٣٤٦٥).\n(^٥) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (٢٠/ ترجمة ٩٣).","vol":"1","page":61},{"text":"وسمع الحديث من طِرَادِ بن محمد الزَّيْنَبِيِّ، وابن الْبَطِرِ، وغيرهما، وحَصَّل الأدب على أبي زكريا التبريزي.\nتُوفي سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، وسمع والدي منه الكثير، وكان ﵀ غلب عليه في آخر عمره ما يغلب على (المشتاقين) (^١) وكنت أتولى خدمته في مرض وفاته، ودعا لي بالسعادة غير مرَّةٍ فيه، وأرجو أن يستجيب الله دعاءه، وكان كثيرًا ما ينشد في تلك المرضة ﵀: [خفيف]\nأَنَا إِنْ مِتُّ فَالْهَوَى حَشْوُ قَلْبِي … وَبِدَاءِ الْهَوَى تَمُوتُ الْكِرَامُ\nويروى هذا البيت في مثل تلك الحالة عن أبي الحسين التَّوزِيِّ أو غيره.\n\n<span data-type='title' id=toc-45>الفصل الثاني</span>\n\"الْغَارُ\" الْكَهْفُ في الْجَبَلِ، وإن شئت قلت: النَّقْبُ العظيم فيه، والجمع: الغِيْرَان، وتصغيره \"غُوَيْرٌ\" ويقال للغار: مُغَارٌ ومَغَارَةٌ أيضًا، ويقال: إنَّ أصلَ الكلمة: الاِطمئنانُ في الأرض والبعدُ فيها، والغَوْرُ: الأرضُ المطمئنةُ، وَقَعْرُ كُلِّ شَيْءٍ: غَوْرُهُ، ويقال للفم والفرج: الغَارَان، والغَارُ في غير هذا الجيش، وأيضًا ضربٌ من الشَّجَرِ، وأيضًا الغيرة.\nوقوله: \"مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ\" اثنان من عدد المذكر، واثنتان للمؤنث والألف فيها ألف وصل، وقد يقطعهما الشاعر كما قال:\nأَلَا لَا أَرَى إِثْنَيْنِ أَحْسَنَ شِيمَةً … عَلَى حَدَثَانِ الدَّهْرِ مِنِّي وَمِنْ جُمْلِ (^٢)\n_________\n(^١) في د: المسافر.\n(^٢) البيت من الطويل، وهو لجميل، انظر: \"صبح الأعشى\" (٢/ ٣٠١)، \"لسان العرب\"، \"تاج العروس\" (ثني).","vol":"1","page":62},{"text":"وقوله: \"اللهُ ثَالِثُهُمَا\" اللهُ أَشْهَرُ أَسْمَاءِ الرَّبِّ تعالى، وَاخْتَلَفُوا فِيِه من جِهَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: في أَصْلِهِ. وفيه ثلاثة مذاهب:\nأَظْهَرُهَا: إِنَّ أصله \"إله\" على وزن إمامٍ وكتابٍ، ثم أدخلوا عليه الألف واللَّامِ فقالوا: \"الإله\" ثم حذفت الهمزة طلبًا لِلْخِفَّةِ لكثرة وقوع الكلمة في الكلام واحتياج الهمزة في خلال الكلمة إلى ضغطة شديدة، ونقلت حركتها بعد حذفها إلى لام التعريف فبقي \"اللاه\" بلامين متحركتين ثم سكنت الأولى وأدغمت في الثانية ليسهل التفوه بالاسم فقيل \"الله\".\nوَالثَّانِي: عن المبرد، وجوز سيبويه أنَّ أصله \"لَاهٌ\" كجارٍ ودارٍ، أو \"لَوْهٌ\" كجورٍ ودورٍ، فقلبت واوه ألفًا ثم ألحق به الألف واللام للتعريف فقيل \"الله\" فعلى هذا فاللام الأولى لام التعريف والثانية فاء الكلمة، ومن القائلين بهذا القول من قال: أصله \"لاها\" بالسُّرْيانية فطرحت العرب المدة من آخره.\nوَالثَّالِثُ: عن بعضهم أنَّ أصل الكلمة \"ها\" الكناية، وذلك لأنَّ الخلق بالفطرة شاهدون بأنَّ لهم خالقًا ومُدَبِّرًا مفطورون على الالتجاء إليه عند الشدائد، فأشاروا إليه ب \"هو\" إذ لم يعلموا له اسمًا موضوعًا، ثم أدخلوا عليه لام الملك فصار \"له\" أي: له الخلق والأمر، ثم مدّوا الصوت بالكلمة تبجيلًا وتعظيمًا فصار \"لاه\" ثم أدخلوا عليه الألف واللام للتعريف.\nثُمَّ إِنَّهُمْ على الاختلاف في أصله قالوا: أشبعت حركة اللام وفُخِّمَتْ حتى طبق اللسان الحنك تَفخيمًا، وليفرق بينه وبين اللات عند الوقف على قول من يقف عليه بالهاء.\nوَالثَّانِيَةُ: هَذَا الاِسْمُ مَوْضُوعٌ أَوْ مُشْتَقٌّ؟","vol":"1","page":63},{"text":"فِيهِ قَوْلَانِ:\nأَحَدُهُمَا وهو أشهر الروايتين عن الخليل: إِنَّهُ مَوْضُوعٌ عَلمًا وَدَلِيلًا عَلَى القَدِيمِ الَّذِي تَمَّتْ قُدْرَتُهُ وَعَمَّتْ عَظَمَتُهُ لَا يُطْلَبُ لَهُ اشْتِقَاقٌ وَسَبَبٌ.\nوهذا ما اختاره أكابر العلماء منهم: الحسين بن الفضل البجلي، ومحمد بن إسماعيل القَفَّالُ الشَّاشِيُّ، والحسين بن الحسن الْحَلِيمِيُّ، وأبو القاسم بن حبيب، وأحمد بن الحسين الْبَيْهَقِيُّ، ومن هؤلاء من يجعل الألف واللام من نفس الكلمة ولا يجعلهما للتعريف، ويحتجُّ عليه بأنَّهما يجتمعان مع حرف النداء حتى يقال يا الله، ومنهم من يقول: قد يدخلان في الأعلام عباس والعباس وحسين والحسين.\nوَالثَّانِي: إِنَّه مُشْتَقٌّ والألف واللَّام داخلتان للتعريف واجتمعتا مع حرف النداء بخلاف ما في سائر الأسماء؛ لأنَّهم قصدوا تفخيم هذا الاسم فوقفوا على حرف النِّداء، ثم ابتدءوا بالاسم.\nثم أكثر هؤلاء فيما منه اشتقاق الكلمة؟\nفقيل: هي من الإلاهة وهي العبادة، وفي قراءة ابن عباس ﵁ \"ويذرك وإلاهتك\".\n\"والتَّأَلُّةُ\" التَّعَبُّدُ سُمِّيَ به لأنه المستحقُّ للعبادة، ويحكي هذا عن النضر بن شميل.\nوَقِيلَ: هِيَ مِنْ قَوْلِهِمْ: \"أَلِهْتُ إلى فُلَانٍ\" أي: فَزِعْتُ إِلَيْهِ وَاعْتَمَدْتُ عَلَيْهِ، سُمِّىَ بِهِ لَأنَّ الْخَلْقَ يَفْزَعُونَ إِلَيْهِ عِنْدَ النَّوَازِلِ، ويروى هذا عن ابن عباس ومقاتل.\nوَقِيلَ: من \"أَلِهِ الشَّيْءَ يَأْلَهُ أَلَهًا\" إذا تَحَيَّر، وأصله \"وَلِهَ يَوْلَهُ\" سُمِّيَ به لأنَّ","vol":"1","page":64},{"text":"الْقُلُوبَ تَتَحَيَّرُ عِنْدَ التَّفَكُّرِ فِي عَظَمَتِهِ وَتَعْجَزُ عَنْ بُلُوغِ كُنْهِ جَلَالِهِ.\nوقِيلَ: من \"الوَلَه\" وَهُوَ الْحَيْرَةُ وَذَهَابُ الْعَقْلِ مِنْ شَدَّةِ الْوَجْدِ، يُقَالُ: \"وَلَه ولَهَا ووَلَهَانًا\"، \"وَامْرَأَةٌ وَالِهٌ وَوَالِهَةٌ\"، \"وَنَاقَةٌ وَالِه\": إِذَا اشْتَدَّ وُجْدُهَا على وَلَدِهَا، \"وَالْمِيلَاهُ\": الَّتِي اعْتَادَتْ شِدَّةَ الْوَجْدِ.\nومن قال بهذا قال: أصل \"إلَهٍ\" \"وِلَاةٌ\" فقلبت الواو همزة كوِشَاح وإِشَاح ووقتت وأقتت، سُمِّيَ به لَأَنَّ الخلق يَوْلَهُون عند ذكره لمحبتهم له.\n\"وإِلَهٌ\" على هذه الأقوال فِعَالٌ بمعني مَفْعُول، كقولهم: \"إِمَامٌ\" للَّذِي يؤتمُّ به. ومنهم من قال: إنَّ الكلمة من \"لَاهَ يَلُوهُ لَوْهًا\"، ويقال أيضًا: \"يَلِيهُ لَيْهًا\". وَفُسِّرَ \"لَاهَ\" بِمَعْنَيَيْنِ:\nأحدهما: ارْتَفَعَ، ومنه قيل للشمس: \"إِلْهَةٌ\" بلا ألف ولام، وَالْإِلَاهَةٌ بالألف واللام، سُمِّيَ بِهِ لِعَظَمَتِهِ وَعُلُوِّهِ.\nوالثاني: احْتَجَبَ وَتَسَتَّرَ، سُمِّيَ به لأنَّهُ لَا يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ.\nوالاشتقاق من \"لَاهَ\" يتفرَّع على قول من قال: أصل الكلمة لَاهٌ أَو لَوْهٌ، كأنه يقول: لَاهٌ أَوْ لَوْهٌ معناه: ذُو لَوْهٍ كما يقال: رَجُلٌ مَالٌ أي: ذُو مَالٍ.\nوقوله ﷺ: \"ثَالِثُهُمَا\" يقال: ثَلَثْتُ الْقَوْمَ أَثْلِثُهُمْ بالكسر إذا كُنْتَ ثَالِثَهُمْ أَوْ كَمَّلْتَهُمْ بِنَفْسِكَ ثَلَاثَةً، وكذلك تقول إلى العشرة، لكن تقول: أربَعُهم وأسبَعُهم وأتسَعُهم، ولا تكسر لحرف الحلق، وكذلك يقوله: كانوا تسعة وعشرين فَثَلَثْتُهُمْ أي: كملتهم ثلاثين، ويقال: هو ثاني اثنين، وثالث ثلاثة على الإضافة ولا يُنَوَّن، فإن اختلف اللَّفظان فلك أن تضيف فتقول: ثالث اثنين ورابع ثلاثة، وأن تنوِّن فتقول: ثالثٌ اثنين ورابعٌ ثلاثة.","vol":"1","page":65},{"text":"وَيُقَالُ: ثَلَثْتُ الْقَوْمَ أثْلُثُهُمْ بالضَّمِّ أي: أَخَذْتُ ثُلُثَ مَالِهِمْ.\n\n<span data-type='title' id=toc-46>الفصل الثالث</span>\nالْغَارُ المذكور في الخبر هو الذي اسْتَخْفَى فِيهِ رَسُولُ الله ﷺ وَأَبُو بَكْرِ ﵁ فِي مَسِيرِهِمَا إِلَى المدينة مهاجرين، ويقال له: غار ثور، وثور من جبال مكة، وقد ينسبُ فيقال: ثور أطحل (^١)، ويذكر أنَّ اسم الجبل أطحل، وثور هو ثور بن عبد مناة بن أدّ بن طابخة رهط سفيان الثوري نسب إلى ذلك الجبل لأنه نزله، ويقال: ثور أطحل غيره.\nوكان ذلك الْغَارُ في منحدرٍ من الجبل أو كالنفق في الأرض والطريق فوقه، ألا ترى إلى قول أبي بكر ﵁: \"لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ يَنْظُرُ إِلَى قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ\" وفي بعض الروايات: \"نَظَرْتُ إِلَى أَقْدَامِ المُشْرِكِينَ على رُءُوسِنَا وَنَحْنُ فِي الْغَارِ\".\nوكان مُكْثُ النَّبِيِّ ﷺ وصاحبه فيه ثلاث ليالٍ، وكان يأتيهما ليلًا ابنٌ لأبي بكر ﵄، ويأتي بخبر ما يُكَادان به، ويأتيهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر الصِّدِّيقِ ﵁ كلَّ ليلةٍ بعد ساعة من العشاء بِرِسْلٍ، وارتحلا بعد ثلاث من الغار ومعهما عامر ودليلٌ استأجراه ليهديهما الطريق، وصرف الله المشركين بعد انتهائهم إلى الغار، وعصمهما بنسج العنكبوت على باب الغار، وبحمامتين باضتا في فمه.\nوَاسْتَدَلَّ الْعُلَمَاءُ بِالْحَدِيثِ عَلَى أُمُورٍ:\nمنها فَضْلُ الصِّدِّيقِ حيث قَرَنَهُ النَّبِيُّ ﷺ بنفسه حيث قال: \"مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ الله ثَالِثُهُمَا\" ومعناه أنَّهُ ثالثهما بالحفظ والعصمة، قالوا: وهو معنى قوله تعالى: ﴿إِذْ\n_________\n(^١) انظر \"معجم البلدان\" (٢/ ٨٦ - ٨٧).","vol":"1","page":66},{"text":"يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (^١).\nومنها عِظَمُ قَدْرِ النَّبِيِّ ﷺ وارتفاع شأنه عن التَّأثُّرِ بنوائب الدنيا؛ حيث اهتمَّ أبو بكر بوصولهم إلى باب الغَارِ مُتبعين لأثرهما وخاف من اطلاعهم عليهم ولم يهتم ولم يخف رسول الله ﷺ وَثبَّتَ أبا بكر ﵁.\nقَالَ المُفَسِّرُونَ: وكان كِبْرُ خَوْفِهِ لرسول الله ﷺ لَا لِنَفْسِهِ، ويُروى أنَّهُ قال لَمَّا خَافَ الطَّلَبَ: \"يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ قُتِلْتُ فَأَنَا رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ أُصِبْتَ هَلَكَتِ الْأُمَّةُ\".\nومنها كراهة المُكْثِ بين الذين لا يتدينون بالحقِّ ولا يمكن حملهم عليه، ومنها جواز التَّحَصُّنِ بالقلاع عند الخوف من العدو، ومنها أنَّ تمهيد الأسباب في الحاجات لا يقدح في التوكل والاعتماد على الله، ومنها أنه يجوز الأخذ بالحزم، وإظهار ظنِّ الشرِّ المتوقع من العدو، وليس ذلك من الظَّنِّ المنهي عنه؛ لأنَّ أبا بكر ﵁ قال: \"لَأَبْصَرَنَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ\" ولم ينكر عليه النبي ﷺ.\nوَلَكَ أَنْ تَزِيدَ وَتَحْتَجَّ بِهِ عَلَى أُمُورٍ:\nمِنْهَا أنه يجوز المسافرة بالرَّفيقِ الواحدِ عند الحاجة بلا كراهة، وإن ورد: \"خَيْرُ الرُّفَقَاءِ أَرْبَعَةٌ\" (^٢) فإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يستصحبَّ إلَّا أبا بكر.\nوَمِنْهَا أنه يجوز لأحد الرفيقين أن يظهر لصاحبه خوفه مما يخاف منه؛ ليخفف عن نفسه ببثِّ الشكوى وليكون صاحبه واقفًا على الحال مستعدًّا لدفع ما عَساهُ\n_________\n(^١) التوبة: ٤٠.\n(^٢) رواه ابن ماجه (٢٨٢٧) من حديث أنس بن مالك.\nقال صاحب \"مصباح الزجاجة\" (١٠٠٥): إسناده ضعيف.","vol":"1","page":67},{"text":"يَعْرِضُ\nوَمِنْهَا أنه ينبغي للمشكو إليه أن يُسَكِّنَ جأش الشَّاكي، ويَعِده الجميلَ من الله تعالى ويحثّه على حسن الظَّنِّ به.\nوَمِنْهَا أنه يجوز إطلاق اللَّفظ على المجاورة والقرب؛ فإنه قال: \"لَأَبْصَرَنَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ\" وأراد: لأبصرنا من تحت قدميه أو قريبين مما تحت قدميه.\nوَمِنْهَا استعمالُ الأدبِ في المخاطبة بالكنية، حيث قال: \"يَا أَبَا بَكْرٍ\".\nوَمِنْهَا أنه يجوز التكنية بأبي فلان وإن لم يكن للمكنى ابن مُسمّي بذلك الاسم؛ إذ لم يكن لأبي بكر ابنٌ يُسمى بكرًا.\nأَنَبَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَبَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنَبَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ، أَنَبَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْوَرَّاقُ، أَنَبَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ، حدثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثَنَا عَمْرُو بَنُ زِيَادٍ، حدثَنَا غَالِبُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: شَهِدْتُ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ: \"قُلْتَ فِي أَبِي بَكْرٍ شَيْئًا، قُلْ حَتَّى أَسْمَعَ\".\nقال: قلت: [بسيط]\nوَثَانِيَ اثْنَيْنِ فِي الْغَارِ الْمُنِيفِ وَقَدْ … طَافَ العَدُوُّ بِهِ إِذْ صَاعَدَ الْجَبَلَا\nوَكَانَ حِبَّ رَسُولِ اللهِ قَدْ عَلِمُوا … مِنَ الْخَلَائِقِ لَمْ يَعْدِلْ بِهِ بَدَلَا\nفَتَبَسَّمَ رَسُولُ الله ﷺ (^١).\n_________\n(^١) \"مستدرك الحاكم\" (٣/ ٦٧) كما رواه من طريقه الرافعي.","vol":"1","page":68},{"text":"وَأُنْشِدُكُمْ لِنَفْسِي:\n[طويل]\nفَخُصَّ بذِكْرِ اللهِ خَيْرَ مَغَارِ … وَلَا تَتَغَافَلْ عَن هُجُومِ مُغَارِ\nوَكُنْ حَذِرًا مِنْ غَيْرَةِ اللهِ وَاسْتَقِمْ … لَدْيهِ لَئِلَّا تُبْتَلَى بِصَغِارِ\nآخر المجلس الثاني والحمد لله رب العالمين وصلواته على محمد خير خلقه\n* * * * *\n_________\nوفيه عمرو بن زياد، قال الذهبي في \"التلخيص\": عمرو بن زياد يضع الحديث.","vol":"1","page":69},{"text":"﷽\n\n<span data-type='title' id=toc-47>المجلس الثالث </span>من أماليه رحمة الله عليه: أملاه ﵀ يوم الجمعة بعد الصلاة السادس عشر من شعبان سنة إحدى عشر وستمائة\nحَدَّثَنَا ﵀ إِمْلَاءً مِنْ نَفْسِهِ الشَّرِيفِ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى عَبْدِ اللهِ الْعِمْرَانِيِّ قُلْتُ لَهُ: أَخْبَرَكُمْ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ قَالَ: أَنَبَا مَحْمُودُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ: أَنَبَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَرَّاحِيُّ قَالَ: أَنَبَا الْمَحْبُوبِيُّ قَالَ: أَنَبَا أَبُو عِيسَى قَالَ: ثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ قَالَ: ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عُمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي قَابُوسَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: \"الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ، الرَّحِمُ شُجْنَةٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلَهُ اللهُ وَمَنْ قَطَعَهَا قَطَعَهُ اللهُ\".\n\n<span data-type='title' id=toc-48>في الشرح فصول: الفصل الأول</span>\nقال الإمام أبو عيسى الترمذيُّ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ (^١).\nوالأشهر رواية جملتي الحديث وهما ذكر الرحمة وذكر الرحم مفصولتين بإسنادين مختلفين، والجملة الثانية أشهر من الأولى، وتروي عن النبي ﷺ برواية جماعة من الصحابة منهم: أبو هريرة (^٢)، وعبد الرحمن بن عوف برواية أَبِي الرَّدَّادِ\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (١٩٢٤) كما رواه من طريقه الرافعي.\n(^٢) رواه البخاري (٥٩٨٨).","vol":"1","page":70},{"text":"اللَّيْثِيِّ عنه (^١)، وغيرهما.\nوعبد الله بن عمرو: هو أبو محمد، ويقال: أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل بن (هاشم) (^٢) السهمي القرشي، من مشاهير أصحاب النبي ﷺ وفقهائهم وعُبَّادِهِم، كان يسكن مكة ثم خرج إلى الشام، وانتقل إلى مصر.\nروى عنه: مسروق، وأبو الخير مرثد، وأبو العباس الشاعر.\nوكان بينه وبين أبيه في السن عشرون سنة في رواية بعضهم، وثلاث عشرة في رواية آخرين، واثنتا عشرة في رواية آخرين.\nمات سنة ثلاث وستين، وقيل: سنة خمس، وهو ابن اثنتين وسبعين (^٣).\nوأبو قابوس مولى لعبد الله هذا، لا يُشْتَهَرُ بأكثر من ذلك (^٤).\nوعمرو بن دينار: هو أبو محمد الأثرم المكي من علماء التابعين (^٥).\nسمع: ابن عباس، وابن عمر، وجابرًا.\nروى عنه: ابن جريج، والثوري، وابن عيينة، وشعبة.\nمات سنة ست وعشرين ومائة (^٦).\n_________\n(^١) رواه أبو داود (١٦٩٥)، والترمذي (١٩٠٧).\nقال الترمذي: وفي الباب عن أبي سعيد، وابن أبي أوفي، وعامر بن ربيعة، وأبي هريرة، وجبير بن مطعم.\n(^٢) في س، د: هشام. والمثبت من مصادر التخريج، وغيرها.\n(^٣) انظر \"معرفة الصحابة\" (٣/ ترجمة ١٦٩٩)، و\"الإصابة\" (٤/ ترجمة ٤٨٥٠).\n(^٤) انظر \"تهذيب الكمال\" (٣٤/ ١٩١).\n(^٥) انظر \"تهذيب الكمال\" (٢٢/ ٥)، \"سير أعلام النبلاء\" (٥/ ترجمة ١٤٤).\n(^٦) في س، د: ومائتين. خطأ، والمثبت من مصادر التخريج.","vol":"1","page":71},{"text":"وسفيان: هو ابن عيينة بن أبي عمران أبو محمد الهلالي.\nسمع: الزهري، والأئمة.\nروى عنه: أبو نعيم، وأبو الوليد، والحميدي.\nمات سنة ثمان وتسعين ومائة ودفن بالحجون.\nويروى عنه أنه قال بجمع في آخر حجة حجها: قد وافيت هذا الموضع سبعين مرة: أقول في كل سنة: اللهم لا تجعله آخر العهد من هذا المكان، وقد استحييت من الله تعالى من كثرة ما أدعو به فلم يدع به فتوفي قبل الموسم الآخر (^١).\nوابن أبي عمر: هو محمد بن يحيى بن أبي عمر أبو عبد الله العدني، سكن مكة.\nسمع: أباه، وابن عيينة، والدَّرَاوَرْدِيَّ. وروى عنه: مسلم بن الحجاج، وغيره.\nتوفي سنة ثلاث وأربعين ومائتين (^٢).\nوأبو عيسى: هو الإمام محمد بن عيسى بن سورة الترمذي الحافظ من كبار العلماء المشهورين الذين تُقْرن مجاميعهم بكتابي البخاري ومسلم.\nوَقَد أَنَبَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: أَنَبَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَاهِرٍ الْحَافِظُ قَالَ: سَمِعُتُ أَبَا إِسْمَاعِيلَ الْأنَصَارِيَّ يَقُولُ: كِتَابُ أَبِي عِيسَى التِّرْمِذِيُّ عِنْدِي أَفْيَدُ مِنْ كِتَابَي الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، يَعْنِي أَكَثَرَ فَائِدَةً؛ لِأَنَّ كِتَابَ البُخَارِيِّ وَكِتَابَ مُسْلِمٍ لَا يَصِلُ إِلَى الْفَائِدَةِ مِنْهُمَا إِلَّا مَنْ يَكُونُ خَبِيرًا بِالْحَدِيثِ، وَفِي هَذَا\n_________\n(^١) انظر \"تهذيب الكمال\" (١١/ ١٧٧)، \"سير أعلام النبلاء\" (٨/ ترجمة ١٢٠).\n(^٢) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٢/ ترجمة ٢٨).","vol":"1","page":72},{"text":"الْكِتَابِ شَرَحَ الْأَحَادِيثَ وَبَيَّنَهَا فَتَصِلُ الْفَائِدَةُ إِلَى الْفُقَهَاءِ وَالمُحَدِّثِينَ وَغَيْرِهِمْ (^١).\nويروي عن أبي عيسى أنه قال: صَنَّفْتُ هَذَا الْكِتَابَ وَعَرَضْتُهُ عَلَى عُلَمَاءِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ وَخُرَاسَان فَرَضِيَ بِهِ كُلُّهُمْ (^٢).\nوتُوفِّي مَكْفُوفًا في آخر عمره سنة تسع وسبعين ومائتين (^٣).\nوَالْمَحْبُوبِيُّ: هو أبو العباس (^٤) محمد بن أحمد بن محبوب بن فضيل المروزي.\nسمع: أحمد بن سَيَّارٍ، وأبا الْمُوَجِّهِ، وكان مُحَدِّثَ مرو في عصره ومزكيها. روى عنه: أبو العباس المَعْدَانِيُّ، وأبو عبد الله بن منده، والحاكم أبو عبد الله. ويقال: كان إذا دخل رجب تصدق بمائة ألف، وفي شعبان بمائتي ألف، وفي رمضان بثلاثمائة ألف (^٥).\nوأبو محمد الْجَرَّاحِيُّ: هو عبد الجبار بن محمد بن عبد الله بن أبي الجراح بن الجنيد بن هشام بن المرزبان المروزي.\nقدم هراة وحدَّثَ بها بالجامع وهو من الثِّقَاتِ (^٦).\n_________\n(^١) انظر \"فضائل الكتاب الجامع\" (ص ٢٣) للإسعردي، \"سير أعلام النبلاء\" (١٨/ ٥١٣).\nوأبو إسماعيل الأنصاري: هو عبد الله بن محمد بن علي بن محمد الأنصاري الهروي، مصنف كتاب \"ذم الكلام\".\n(^٢) انظر \"فضائل الكتاب الجامع\" (ص ٣٣) للإسعردي، \"سير أعلام النبلاء\" (١٣/ ٢٧٤).\n(^٣) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٣/ ٢٧٠).\n(^٤) زاد في س، د: أحمد بن. والمَحْبُوبِيُّ هو الشيخ المحدث محمد بن أحمد بن محبوب راوي \"جامع الترمذي\".\n(^٥) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٥/ ترجمة ٣١٥).\n(^٦) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٧/ ترجمة ١٥٤).","vol":"1","page":73},{"text":"ومحمود بن القاسم: أبو عامر محمود بن القاسم بن محمد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن الحسن الأزدي من ولد المهلب بن أبي صفرة.\nوكان سلفه من رؤساء أصحاب الشافعي ﵁ بهراة وهو في نفسه موصوف بالعفة والعلم.\nتوفي سنة سبع وثمانين وأربعمائة (^١).\nوعبد الملك: هو أبو الفتح عبد الملك بن عبد الله (أبي) (^٢) القاسم بن أبي سهل بن أبي منصور بن ماحٍ الهروي الْكَرُّوخِيّ الصُّوفي.\nوَكَرُّوخُ: بُليدةٌ على فَرَاسِخَ من هراة (^٣).\nكان قَنُوعًا حَسَنَ السِّيرةِ، ينسخ بعض كتب الحديث ويبيعه ويتعيش بثمنه، أقام ببغداد مدة، ثم انتقل إلى مكة مجاورًا، ومات بها سنة ثمان وأربعين وخمسمائة ودفن في المعلى (^٤).\nوَعَبْدُ اللهِ الْعِمْرَانِيُّ: هو أبو حامد عبد الله بن أبي الفتوح بن عمران.\nكان من فقهاءِ البلدِ المعتبرين، ومن تفقه عليه وتخرج به جماعة، ومن شركاء والدي رحمها الله في التفقه وسماع الحديث ببغداد ونيسابور، وبقيت بينهما المصافاة والمودة سنين بعدما رجعا إلى قزوين، ثم حدثت بالأخرة منافسة بينهما كما يكون مثلها بين أهل العلم، ويقال: إن التحاسد بين أهل العلم من أسباب بقاء العلم فيهم.\n_________\n(^١) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٩ ترجمة ١٩).\n(^٢) في د: بن. خطأ، والمثبت من س، مصادر الترجمة.\n(^٣) انظر \"معجم البلدان\" (٤/ ٤٥٨).\n(^٤) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (٢٠/ ترجمة ١٨٣).","vol":"1","page":74},{"text":"وكان يَتَوَرَّعُ عن الفتوى احتياطًا ويسمع الحديث بعدما طعن في السِّنِّ حتى من أقرانه، ويسمع الأحداث.\nوكان حسنَ الْخُلُقِ، طيِّبَ النَّفسِ، مُحسنًا إلى الفقهاء والضعفاء، نَقيًّا عن المطامعِ الفاسدةِ، رقيقَ القلبِ، وربما بكي وصرخ في مجامع الناس لفكرٍ يعتريه.\nتوفي في ذي القعدة سنة خمس وثمانين وخمسمائة (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-49>الفصل الثاني</span>\n\"الرَّحْمَةُ\" الرِّقَّةُ والتَّعَطُّفُ، والمَرْحَمَةُ والرُّحْمُ كذلك، يقال: رَحِمَهُ رَحْمَةً ورُحْمًا، وقد يحرك الرُّحْم كَعُسْرٍ وعُسُر، ويقال: تَرَحَّم عليه، وَتَراحَمَ القوم: رَحِمَ بعضُهم بعضًا، والرَّحَمُوتُ من الرَّحْمَةِ، ورجل مَرْحُومٌ ومُرَحَّمٌ، وفلان رَاحِمٌ، والرحيم أبلغ منه، والرَّحْمَنُ أَبْلَغُ مِنَ الرَّحِيمِ، ويقال: هما بمعنى واحد كندمان ونديم، والرحمن اسم مخصوص بالله تعالى، وكان يقال لمسيلمة الكذاب: رَحْمَنُ اليمامة بالإضافة، وجمع الرَّحِيْمِ: الرُّحَمَاء والرَّحِيْمُون.\nقال أبو منصورٍ الْجَبَّانُ: ولا تعرض لجمع الرحمن؛ لأنه لا يوصف به إلا رب العالمين، ولو كان يجري مجرى العطشان لقيل في الجمع: رِحَامُ كعطاش، أو رَحامي كسكارى.\nوقد يجيء الرَّحِيمُ بمعنى المَرْحُوم، قال الشاعر:\nفَإِمَّا إِذَا عَضَّتْ بِكَ الحَرْبُ عَضَّةً … فَإِنَّكَ مَعْطُوْفٌ عَلَيْكَ رَحِيمُ (^٢)\n_________\n(^١) انظر \"التدوين في أخبار قزوين\" (٣/ ٢٣٣).\n(^٢) البيت من الطويل، وهو لعَملَّس بن عَقيل، انظر \"محاضرات الأدباء\" (١/ ١٦٥)، \"ديوان الحماسة\" (٢/ ١٧٦)، \"الصحاح\"، \"لسان العرب\"، \"تاج العروس\" (رحم).","vol":"1","page":75},{"text":"والرَّحِمُ: رَحِمُ الْأُنْثَى وهي مُؤَنَّثَةٌ، والرَّحِمُ أيضًا: الْقَرَابَةُ، وكذلك الرِّحْمُ، ورَحِمَتْ رَحَمًا: إِذَا اشْتَكَتْ رَحِمَهَا، ورَحُمَتْ رَحَامَةً أَيْضًا، وَالرَّحُومُ: النَّاقَةُ الَّتِي بِهَا هَذِهِ الشَّكَاةُ.\nويقال: بيني وبين فلان شجنة رحم، وشجنه رحم، أي: قرابة مشتبكة.\nوَالشِّجْنَةُ: عُرُوقُ الشَّجَرِ الْمُشْتَبِكَةُ، والشِّجْنَةُ بالكسر: اسْمُ رَجُلٍ، والشَّجْنُ: وَاحِدُ شُجُونِ الْأَوْدِيَةِ وَهِيَ طُرُقُهَا.\n\n<span data-type='title' id=toc-50>الفصل الثالث</span>\nذكر أئمة التفسير تفريعًا على اختصاص اسم الرحمن بالله تعالى:\nإنَّ الرحمن خاص اللفظ عام المعنى، والرحيم عام اللفظ خاص المعنى، وأرادوا بعموم معنى الرحمن أنه رحمن باعتبار النعم العاجلة وهي تَعُمُّ المؤمن والكافر، وبعموم لفظ الرحيم وقوعه على غير الله تعالى، وبخصوص معناه أنه رحيم باعتبار النعم الآجلة وهي تختصُّ بالمؤمنين؛ وكذلك قيل في الدعاء: يا رحمن الدنيا ورحيم الآخرة.\nقالوا: والذي روي أنَّ شاعرهم قال لمسيلمة: [بسيط]\nسَمَوْتَ فِي المَجْدِ يَا ابْنَ الْأَكْرَمِينَ أَبَا … وَأَنْتَ غَيْثُ الْوَرَي لَا زِلْتَ رحْمَانَا\nلا يقدح فيما ذكرنا من اختصاص الاسم، لأنه كان يقال له رحمان اليمامة كما مرّ، والشاعر يفعل ما لا يفعله غيره فحذف المضاف إليه (^١).\n_________\n(^١) قال الحافظ في \"الفتح\" (١٠/ ٥٨٧): وما ورد من رحمان اليمامة غير وارد؛ لأنه مضاف، وقول شاعرهم: \"وأنت غيث الوري لازلت رحمانًا\" تغالي في الكفر وليس بوارد؛ لأنَّ الكلام في أنه لم يُسَم به أحد ولا يرد إطلاق من أطلقه وصفًا؛ لأنه لا يستلزم التسمية بذلك، وقد لقب غير","vol":"1","page":76},{"text":"وعن الحسين بن الفضل (^١) أنَّ سبب اختصاص اسم الرحمن بالله تعالى دون الرحيم: أنَّ الرحمن الذي يرحم صاحب الضُّرِّ ويملك كشفه وإدامته، والرحيم الذي يرقّ ويرحم لا غير، فالرحمن رحيم ولا ينعكس.\nوقيل: سببه أنهم أرادوا بالرحمن ذا الرحمة الدائمة أو الرحمة العامة وهو الذي تسع رحمته كل شيء وليس ذلك إلَّا لله تعالى.\nواختلفوا في أنَّ اسم الرحمن هل كانوا يعرفونه ويستعملونه في الجاهلية:\nفعن الكسائي وطائفة: نعم، ونقلوا في شعرٍ جاهليٍّ: [طويل]\nأَلَا قَطَعَ الرَّحْمَنُ مِنْهَا يَمِينَهَا\nوعن عبد الرحمن بن كيسان وأحمد بن يحيى ثعلب وغيرهما: أنَّ العرب ما كانت تعرفه في الجاهلية، وكان يختص به أهل الكتاب، وعلى ذلك نزل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ (^٢) الآية، وأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ (^٣).\nوفي الحديث بَيَانُ فَضِيلَةِ العطف والرحمة على الْخَلْقِ، وفي الْعَطْفِ على عامة الْخَلْقِ فَضْلٌ كَثِيرٌ.\nقَرَأْتُ على الْإِمَامِ أحمد بن إسماعيل، أَنْبَأَكُمْ عبد المُنْعِمِ بن عبد الْكَرِيمِ، ثنا\n_________\nواحد الملك الرحيم، ولم يقع مثل ذلك في الرحمن، وإذا تقرر ذلك كانت إضافة العبودية إلى كل منهما حقيقة محضة فظهر وجه الأحبية، والله أعلم.\n(^١) هو العلامة المفسر الإمام اللغوي المحدث الحسين بن الفضل بن عمير أبو علي البجلي الكوفي ثم النيسابوري. انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٣/ ٤١٤).\n(^٢) الفرقان: ٦٠.\n(^٣) الإسراء: ١١٠.","vol":"1","page":77},{"text":"والدي، ثَنَا أبو عبد الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، أنبا عبد الله بن محمد الرَّازِيُّ، ثنا محمد بن عبد الرحمن، ثَنَا خالد بن الْهَيَّاجِ، ثَنَا أبي، عن الْحَسَنِ بن دِينَارٍ، عن خَصِيبِ بن جَحْدَرٍ، عن النَّضْرِ، عن أبي أسماء، عن ثَوْبَانَ ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"إِنَّ أَرْفَعَكُمْ دَرَجَةً فِي الجَنّةِ أَشَدُّكُمْ رَحْمَةً لِلْعَامَّةِ\" (^١).\nوقوله: \"يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ\" مجزومٌ على جواب الأمر بمعني: ارحموا لترحموا، وقوله: \"يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ\" يمكن حمله على الملائكة يعني: أنهم يرحمون العاطفين بالاستغفار لهم، ويدلُّ عليه ما روي في بعض الروايات: \"ارْحَمُوا أَهْلَ الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ أَهْلُ السَّمَاءِ\" (^٢).\nويمكن أن يقال: المعنى يرحمكم الله تعالى الذي في السماء أمره وحكمه (^٣) كقوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ (^٤).\nيُوَافِقُهُ حديث جَرِيرِ بن عبد الله أن النَّبِيَّ ﷺ قال: \"مَنْ لَا يَرْحَمِ النَّاسَ لَا\n_________\n(^١) قال الذهبي في \"الميزان\" (٨/ ٢٠١): روى الرافعي في المجلس الثالث في \"أماليه\" … فذكره ثم قال: واجتمع في إسناده جماعة من الضعفاء فهو من رواية خالد، عن أبيه، عن الحسن بن دينار، عن الْخَصِيبِ، وكلهم ضعفاء.\n(^٢) رواها الحاكم (٤/ ١٧٥).\n(^٣) هذا تأويل، وأمر الله تعالى وحكمه في السماء والأرض، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢].\nومعنى الحديث: ارحموا من في الأرض يرحمكم الله الذي في السماء، فالله سبحانه على عرشه استوي، والعرش فوق السماء فهو سبحانه فوق السماء، واعتقاد أهل السنة والجماعة أن الله تعالى على الذات على خلقه كماله علو القهر وعلو الشأن، سبحانه هو العلي العظيم.\n(^٤) الملك: ١٦.","vol":"1","page":78},{"text":"يَرْحَمْهُ الله\" (^١).\nوحديث أبي هُرَيْرَةَ أن النبي ﷺ قال: \"لَا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلَّا مِنْ شَقِيٍّ\" (^٢).\nوحديث أُسَامَةَ بن زَيْدٍ أن النبي ﷺ قال: \"إِنَّ الله لَا يَرْحَمُ مِنْ عِبَادِهِ إِلَّا الرُّحَمَاءَ\" (^٣).\nوفي الحديث تَرْغِيبٌ ظَاهِرٌ في صلة الرَّحِمِ، وَتَرْهِيبٌ من الْقَطِيعَةِ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ: بِالْهَدِيَّةِ إلى الأقارب وَالزِّيَارَةِ وَالاِسْتِزَارَةِ، والقيام بِالْأَشْغَالِ السَّانِحَةِ، وَبِقَضَاءِ الحاجات، وَبِالْإِعَانَةِ فيها، وَبِالمُكَاتَبَةِ عند الْغَيْبَةِ ونخوها، وَقَطْعُ الرَّحِمِ بِأَضدادِهَا.\nوقوله: \"شِجْنَةٌ مِنَ الرَّحْمَنِ\" يجوز أن يقال: معناه أنَّ بين لفظتي الرحمن والرحم اشْتِبَاكًا وَتَقَارُبًا في الاِشْتِقَاقِ على ما اشْتُهِرَ في الْخَبَرِ عن رسول الله ﷺ أن الله تعالى قال: \"أَنَا الرَّحْمَنُ وَهِيَ الرَّحِمُ شَقَقْتُ\" وَيُرْوَي: \"اشْتقَقْتُ لها من اسمي فمن وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ ومن قَطَعَهَا بَتَتُّهُ\" (^٤) وَفَسَّرَهُ الْعُلَمَاءُ بأن الرحمن وَالرَّحِمَ مُشْتَقَّانِ من الرَّحْمَةِ؛ فقال الله تعالى: \"أَنَا الرَّحْمَنُ\" لأن رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شيء \"وَهِيَ الرَّحِمُ\" لأن صِلَتَهَا تُوجِبُ الرَّحْمَةَ، فمن رَاعَي حَقَّ الرَّحِمِ أَكْثَرْتُ خَيْرَهُ، ومن أَغْفَلَهُ حَرَمْتُهُ الْخَيْرَ.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٧٣٧٦)، ومسلم (٢٣١٩/ ٦٦).\n(^٢) رواه أبو داود (٤٩٤٢)، والترمذي (١٩٢٣)، وابن حبان (٤٦٦)، والحاكم (٤/ ٢٧٧). قال الترمذي: حسن، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، وحسنه الألباني في \"صحيح الجامع\" (٧٤٦٧).\n(^٣) رواه البخاري (٥٦٥٥) ضمن حديث.\n(^٤) رواه أبو داود (١٦٩٤)، والترمذي (١٩٠٧) وابن حبان (٤٤٣)، والحاكم (٤/ ١٧٤) من حديث عبد الرحمن بن عوف، وقال الترمذي: حديث صحيح.","vol":"1","page":79},{"text":"ويجوز أن يكون قوله: \"شِجْنَةٌ مِنَ الرَّحْمَنِ\" على معنى أنَّ الرحم علقة ولحمة مشتبكة أثبتها الله تعالى وأمر بصلتها، وعلى هذا فقوله: \"مِنَ الرَّحْمَنِ\" أي: من أمره وحكمه، وقد يشعر به أنه روي في بعض الروايات: \"الرَّحِمُ شِجْنَةً مِنِّي … \" (^١) وفي رواية عائشة ﵂: \"الرَّحِمُ شُجْنَةٌ مِنَ الله فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلَهُ الله\" (^٢) فليس في الروايتين لفظ \"الرَّحْمَن\".\nوفي الأخبار والآثار في صلةِ الرَّحِمِ كَثْرَةٌ.\nوَقَرَأْتُ على محمد بن أحمد النَّيْسَابُوريِّ، أَنَبَا عبد الرَّحْمَنِ بن عبد الصَّمَدِ، أَنَبَا أبو سَعِيدٍ الْحِيرِيُّ، أَنَبَا أبو الْحَسَنِ الطَّرَازِيُّ، أَنَبَا الْأَصَمُّ، ثَنَا محمد بن عَوْفٍ، ثَنَا صالح بن محمد، ثَنَا صالح بن نُوحٍ، ثَنَا ابن أَبي عَرُوبَةَ، عن قَتَادَةَ، عن أَنَسٍ ﵁ قال: قال رسول ﷺ: \"صِلُوا أَرْحَامَكُمْ؛ فَإِنَّهُ أَبْقَى لَكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ\" (^٣).\nوَأَنَبَا أبو بكر الضَّرِيرُ المُقْرِئُ بقراءة والدي رحمهما الله، أَنَبَا إسماعيل بن محمد، أَنَبَا سَعْدُ بن الْحَسَنِ، أَنَبَا عَلِيُّ بن إبراهيم، أَنَبَا مُحَمَّدُ بن يَحْيَى، ثَنَا أبو\n_________\n(^١) رواه أبو يعلى (٧١٩٨) من حديث عامر بن ربيعة. قال الهيثمي (٨/ ٢٧٤): رواه الطبراني وأبو يعلى. وفيه عاصم بن عبيد الله ضعفه الجمهور.\n(^٢) رواه البخاري في \"الأدب المفرد\" (٥٥)، والحاكم (٤/ ١٧٥)، والبيهقي (٧/ ٢٦) وصححه الألباني.\n(^٣) رواه الطبري (٤/ ٢٢٧) عن قتادة مرسلًا، ولم أقف على من وصله عن أنس بهذا اللفظ، والله أعلم.\nوروى ابن حبان (٤٣٦) عن قتادة عن أنس أن رسول الله ﷺ قال في مرضه: \"أرحامكم أرحامكم\". وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" (٨٩٤).\nوروي الحديث بلفظه عن ابن عباس، رواه عبد بن حميد (٥٧٧).","vol":"1","page":80},{"text":"خَلِيفَةَ، ثَنَا عبد الله بن محمد بن أسماء، ثَنَا جُوَيْرِيَةُ بن أسماء، عن مَالِكٍ، عن الزُّهْرِيِّ.\nوأَنَبَا عاليًا أحمد بن الْحُسَيْنِ، أَنَبَا أحمد بن سَعْدٍ، أَنَبَا إبراهيم بن عَلِيٍّ، أَنَبَا الْحَسَنُ بن أحمد، أَنَبَا أحمد بن سُلَيْمَانَ، أَنَبَا عَلِيُّ بن حَرْبٍ، ثَنَا سُفْيَانُ، ثَنَا الزُّهْرِيُّ، عن محمد بن جُبَيْرِ بن مُطْعِمٍ، عن أبيه ﵁ أن النبي ﷺ قال: \"لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَاطِعٌ\" (^١).\nأَنْبَأَنَا رَجَبُ بن مَذْكُورِ بن أَرْنَبَ قال: أَنْشَدَنَا أبو عبد الله كثير بن سَعِيدِ بن الْحَسَنِ بن شَمَالِيقَ قال: أَنْشَدَنَا أبو الْفَضَائِلِ محمد بن أحمد بن عبد الْبَاقِي بن طَوْقٍ قال: أَنْشَدَنِي الْقَاضِي أبو عَلِيٍّ محمد الْمَعْرُوفُ بِزورَانَ لِنَفْسِهِ: [طويل]\nأَيَا ذَا الَّذِي يُرْجَي وُيُطْلَبُ فَضْلُهُ … وَيَا ذَا الَّذِي يُخْشَى وَيُرْهَبُ عَدْلُهُ\nتَطَوَّلْ بِإِحْسَانٍ إِلَيَّ وَرَحْمَةٍ … عَلَيَّ وَجُدْ ليِ بِالَّذِي أَنْتَ أَهْلُهُ\nوفي الحكايات أن بعضهم قال في الْمُنَاجَاةِ ما مَعْنَاهُ: إلهي وَسِعَتْ كُلَّ شيء رحمتك، وَعَمَّتِ الْبَرَّ وَالْفَاجِرَ نِعْمَتُكَ، فإن كنت شيئا فَاجْزلْ لي من رَحْمَتِكَ النَّصِيبَ، وإلا فقد عَظُمَتْ مُصِيبَتِي ومن رَحِمَ الْمُصَابَ فهو مُصِيبُ.\nوَأُنْشِدُكُمْ في هذا الْمَعْنَى لِنَفْسِي: [كامل]\nإِنْ كُنْتُ شَيْئًا رَبِّ فَاسْمَحْ بِالْمُنَي … مِنْ رَحْمَةٍ قَدْ عَمَّتِ الْأَشْيَاءَ\nأَوْ لَمْ أَكُنْ شَيْئًا فَلَيْسَ بِضَائِرٍ … أَنْ تَشْمَلَ مُقْلَةً عَمْيَاءَ\nآخر المجلس الثالث من أماليه، والحمد لله رب العالمين\n* * * * *\n_________\n(^١) رواه البخاري (٥٩٨٤)، ومسلم (٢٥٥٦) من طريق الزهري.","vol":"1","page":81},{"text":"﷽\nوما توفيقي إلا بالله\n\n<span data-type='title' id=toc-51>المجلس الرابع </span>من أماليه ﵀ يوم الجمعة بعد الصلاة الثالث والعشرين من شعبان سنة إحدى عشرة وستمائة\nحَدَّثَنَا ﵀ إِمْلَاءً من لفظه قال: أَنَبَا الْخَطِيبُ الْإِمَامُ حَامِدُ بن مَحْمُودٍ كِتَابَةً، وَقَرَأْتُ على والدي رحمهما الله بِسَمَاعِهِ منه قَالَ: أَنَبَا (عَبْدُ الْغَافِرِ) (^١) بن إسماعيل قَالَ: أَنَبَا أحمد بن الْحَسَنِ قال: أَنَبَا الْحَسَنُ بن أَحْمَدَ قال: أَنَبَا أبو الْعَبَّاسِ قال: أَنَبَا أبو هَمَّامٍ وعبد الله بن عُمَرَ قالا: أَنَبَا عبد الرَّحِيمِ بن سُلَيْمَانَ، عن الْمُخْتَارِ بن فُلْفُلٍ، عن أَنَسِ بن مَالِكٍ ﵁ قال: بَيْنَا رسول الله ﷺ (مَعَنَا) (^٢) إذ أَغْفَى إِغْفَاءَةً فَرَفَعَ رَأْسَهُ مُتَبَسِّمًا، فإما قَالُوا له وَإِمَّا قال لَهُمُ: \"هَلْ تَدْرُونَ مِمَّ ضَحِكْتُ\"؟\nفَقَالُوا: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمْ.\nفَقَرَأَ: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ حتى خَتَمَ السورة، فلما قَرَأَهَا قَالَ: \"أَتَدْرُونَ مَا الْكَوْثَرُ؟ إنه نَهْرٌ في الجنة وَعَدَنِيهِ ربي فيه خَيْرٌ كَثِيرٌ، لذلك النَّهْرُ حَوْضٌ تَرِدُ عليه أُمَّتِي يوم الْقِيَامَةِ آنِيَتُهُ عدد الْكَوَاكِبِ، فَيُخْتَلَجُ منهم الْعَبْدُ فَأَقُولُ رب إنه من أُمَّتِي، فَيُقَالُ: إنك لا تَدْرِي ما أَحْدَثُوا بَعْدَكَ\".\n\n<span data-type='title' id=toc-52>في الشرح فصول: الفصل الأول</span>\n_________\n(^١) في س، د: عبد الغفار. خطأ، وسيأتي تصحيح المصنف له في الشرح.\n(^٢) ليست في د، وفي \"صحيح مسلم\": \"ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى … \".","vol":"1","page":82},{"text":"هذا حديثٌ صحيحٌ أخرجه مسلم (^١) عن أبي بكر بن أبي شيبة وعلي بن حُجر، عن علي بن مُسْهرٍ، عن المختار.\nوروى حديث الحوض عن أنس غير المختار كقتادة والحسن، وغير أنسٍ من الصحابة كحذيفة ﵃.\nوأنس ﵁ مذكور في المجلس الثاني، ويقال: إنه رأي من صلبه أكثر من مائة وعشرين نفسًا، وأن نخيله كانت تحمل في السنة مرتين، وإنما لما طال عمره كان يشد أسنانه بالذهب، وأنه كان يجيد الرمي على كبر سنه، وعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: ما رأيت أحدًا أشبه صلاة بصلاة رسول الله ﷺ من ابن أم سليم يعني أنسًا (^٢).\nوالمختار: مولى عمرو بن حريث يعد في أهل الكوفة.\nسمع: أنسًا.\nروى عنه: زائدة، وسفيان الثوري، ومحمد بن فضيل، وعلي بن مسهر، وجرير بن عبد الحميد، وهو من أفراد مسلم (^٣).\nوعبد الرحيم بن سليمان: أبو علي الأشلّ الطائي، ويقال: الكناني، كوفي أيضًا.\nروي عن: زكريا بن أبي زائدة، وعبد الملك بن (أبي) (^٤) سليمان، وهشام بن حسان، وهشام بن عروة، وأشعث بن سوار.\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (٤٠٠/ ٥٣).\n(^٢) رواه الطبراني في \"الأوسط\" (٧٧٤٥)، وحسنه الهيثمي في \"المجمع\" (٢/ ١٣٥).\n(^٣) انظر \"تهذيب الكمال\" (٢٧/ ٣١٩)، \"سير أعلام النبلاء\" (١/ ترجمة ٣٤).\n(^٤) سقط من س، د. وأثبته من مصادر الترجمة، وانظر ترجمته في \"تهذيب الكمال\" (١٨/ ٣٢٢).","vol":"1","page":83},{"text":"روى عنه: محمد بن سعيد الأصبهاني، وعلي بن عبد الحميد الشيباني، وأبو بكر بن أبي شيبة (^١).\nوأبو همام: هو الوليد بن شجاع بن الوليد بن قيس السكوني، سكن بغداد.\nسمع: أباه، وابن وهب، وحجاج بن محمد، وإسماعيل بن عياش، وعلي بن مسهر، وابن المبارك.\nروى عنه: مسلم.\nمات سنة ثلاث وأربعين ومائتين (^٢).\nوعبد الله بن عمر: أبو عبد الرحمن بن عمر بن محمد بن أبان بن صالح بن عمير القرشي الكوفي مولى عثمان بن عفان، ويقال له: الجعفي؛ لأن جده محمدًا تزوج فيهم فنسب إليهم، ولم يكن منهم، وكان يلقب مشكدانة، لقبه به أبو نعيم الفضل بن دكين.\nسمع: عبدة بن سليمان، وابن المبارك، وأبا الأحوص، والحسين بن علي الجعفي.\nروى عنه: مسلم. وهو وأبو همام من أفراده.\nمات سنة ثمان أو سبع وثلاثين ومائتين (^٣).\nوأبو العباس: هو محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن مهران بن عبد الله الثقفي السراج.\n_________\n(^١) انظر \"تهذيب \"الكمال\" (١٨/ ٣٧)، \"التاريخ الكبير\" (٦/ ترجمة ١٨٣٨).\n(^٢) انظر \"تهذيب الكمال\" (٣١/ ٢٢).\n(^٣) انظر \"تهذيب الكمال\" (١٥/ ٣٤٥)، \"سير أعلام النبلاء\" (١١/ ١٥٥).","vol":"1","page":84},{"text":"إمامٌ من أئمةِ الحديثِ.\nسمع بخراسان والعراق والحجاز.\nوروي عنه: البخاري، ومسلم، وأبو حاتم، وأبو بكر بن أبي الدنيا، وأبو العباس بن عقدة.\nوصنف \"المسند\" و\"التاريخ\" وعظم انتفاع أهل العلم بتاريخه.\nويذكر عنه أنه ختم عن رسول الله ﷺ أكثر من عشرة آلاف ختمة، وضحى عنه مثل ذلك.\nوولد له ولد بعد ثلاث وثمانين سنة ابنه أبو عمرو محمد، ويقال: كان إذا دخل عليه وهو في مسجده قال ممازحًا: عملت هذا بعد ثمانين سنة في ليلة.\nتوفي سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة (^١).\nوالحسن: هو أبو محمد بن أحمد بن الحسن بن علي بن مخلد بن شيبان المَخْلَدِيُّ العدل.\nقال الحاكم أبو عبد الله: هو شيخ العدالة، وبقية أهل البيوتات، صحيح الكتب والسماع.\nسمع: أبا العباس الثقفي، وأبا الوفاء الماسرجسي.\nتوفي سنة تسع وثمانين وثلاثمائة (^٢).\nوأحمد: هو أبو حامد بن الحسن بن محمد بن الحسن بن محمد الأزهريُّ الشُّرُوطِيُّ.\n_________\n(^١) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٤/ ترجمة ٢١٦).\n(^٢) انظر \"سير أعلام النبلاء \" (١٦/ ترجمة ٣٩٥).","vol":"1","page":85},{"text":"كان من العدولِ، وكُتَّابِ الوثائقِ، وأولادِ المحدِّثين.\nسمع: المَخْلَدِىَّ، وأقرانه. وتوفي سنة ثلاث وستين وأربعمائة (^١).\nوعبد الغافر: هو أبو الحسن بن إسماعيل بن (عبد الغافر) (^٢) بن محمد الفارسي الفسوي ثم النيسابوري.\nمن بيتِ العلمِ والحديثِ أبًا وأمًّا، وله في نفسه الفضل الغزير والشعر الحسن.\nوَفِيمَا قَرَأْتُ عَلَى وَالِدِي قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الْخَالِقِ بنُ زَاهرٍ قال: أَنْشدَنِي أَبُو الْحَسَنِ لِنْفسِهِ: [خفيف]\nاغْتَنِمْ مَوْسِمَ الرَّغَائِبِ وَاعْمَلْ … غَيْرَ وَانٍ فَإِنَّهُ غَيْرُ بَاقِ\nإِنَّمَا النَّاسُ فِي السِّبَاقِ فَبَادِرْ … وَاجْتَهِدْ أَنْ تَنَالَ فَضْلَ السِّبَاقِ\nوكان خطيب نيسابور مُدَّةً، وصنَّفَ كتبًا مفيدةً كـ \"مجمع الغرائب ومنبع الرغائب\"، و\"المفهم لصحيح مسلم\".\nسمع: أباه، وأبا بكر البيهقي، وأبا بكر الْمَغْرِبيّ (^٣).\nوالخطيب (^٤): هو أبو نصر حامد بن محمود بن علي الماوراء النهري ثم الرازي.\nفقيهٌ، مفتٍ، مناظرٌ، محدثٌ، متقنٌ، متفننٌ.\nدرس بالرَّي مُدَّةً، وتفقه عليه طائفةٌ كثيرةٌ.\n_________\n(^١) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٨/ ترجمة ١٢٧).\n(^٢) في س، د: عبد الغفار. والمثبت من مصادر الترجمة.\n(^٣) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (٢٠/ ترجمة ٨)، و\"التقييد\" (١/ ترجمة ٤٣٠).\n(^٤) انظر \"التدوين في أخبار قزوين\" (٢/ ٤٦٧).","vol":"1","page":86},{"text":"وكان أصيلًا نبيلًا بَهِيًّا حَييًّا حسنَ السَّمتِ والأخلاقِ، ولَخَّصَ \"صحيح البخاري\" في كتابين أَتْعَبَ فيهما نفسه.\nوُلِدَ سنة ثلاث وخمسمائة، وتوفي سنة ست وستين وخمسمائة في ربيعها الأول.\n\n<span data-type='title' id=toc-53>الفصل الثاني</span>\nقوله: \"بَيْنَا رسول الله ﷺ مَعَنَا إِذْ أَغْفَى\" أي: أَغْفَى بين أَوْقَاتِ كَوْنِهِ مَعَنَا وَاجْتِمَاعِنَا في حَضْرَتِهِ، يُقَالُ: بَيْنَا أنا أَرْقبُهُ أَتَانِي أي: أَتَانِي بين أَوْقَاتِ رُقُوبِي إِيَّاه، وَيُقَالُ: جَلَسْتُ بين القوم أي: وَسَطُهُمْ.\nو\"بَيْنَا\" هو \"بَيْنَ\" أُشْبِعَتْ فتحةَ النُّونِ فتولَّدَ من إشباعها الألف، وقد تزاد \"مَا\" على \"بَيْنَ\" فيقال: \"بَيْنَمَا\" والمعنى واحد، ويرفع ما بعد \"بَيْنَ\" و\"بَيْنَمَا\" على الابتداء والخبر.\nو\"أَغْفَى إِغْفَاءَةً\": أي نام، وقيل: بدأ به النوم ولم يستحكم، ولا يقال: غفًا.\nويقال: تَبَسَّمَ وبَسَمَ يَبْسِمُ بَسْمًا، ورجلٌ مِبْسَامٌ وبَسَّامٌ، ويُفَسَّرُ التَّبَسُّمُ بما دون الضحك، لكن نظم الحديث يدلُّ على وقوع الضحك على التَّبَسُّمِ.\nوقوله: \"فَإِمَّا قَالُوا له وإما قَالَ لَهُمْ: هل تَدْرُونَ\" فيه إضمار؛ المعنى: فإما قالوا له: مِمَّ ضحكت وإما قال لهم: هل تدرون مِمَّ ضحكت؟\nوقد مرَّ بعض ما قال أهل اللغة في الأسماء الثلاثة التي تشتمل عليها آية (التسمية) (^١).\nو\"الْكَوْثَرُ\": نهر في الجنة سمي به؛ لما فيه من الخير الكثير على ما نطق به الخبر،\n_________\n(^١) في د: البسملة.","vol":"1","page":87},{"text":"وهو فَوْعَلُ من الكثرة.\nو\"الْكَوْثَرُ\" من الرجال: السيد الكثير الخير والعطاء، و\"الْكَوْثَرُ\" من الغبار: الكثير، يقال تَكَوْثَرَ.\nواخْتَلَجَهُ وخَلَجَهُ يَخْلِجُهُ ويَخْلُجُهُ خَلْجًا: إِذَا جَذَبَهُ وَانْتَزَعَهُ، وخَلَجَ بِحَاجِبِهِ: أَشَارَ، واخْتَلَجَتْ عَيْنُهُ وخَلَجَتْ تَخْلِجُ خُلُوجًا وخَلَجَانًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-54>الفصل الثالث</span>\nالحديثُ أصلٌ في إثبات الحوض، والخوض في أحاديث الحوض وشرحها يحوج إلى بسطٍ وتطويل لا يليق بالسياق الذي نسوقه، وبالجملة فالأحاديث صحيحةٌ، والإيمان بالحوض واجبٌ.\nيُرْوَى عن حُمَيْدٍ عن أَنَسٍ ﵁ قال: دَخَلْنَا عَلَى عُبَيْدِ الله بن زِيَادٍ وهم يَتَذَاكَرُونَ الْحَوْضَ فقال: يا أبا حَمْزَةَ ما تَقُولُ في الْحَوْضِ؟\nفقال: ما كنت أَرَى أن أَعِيشَ حَتَّي أَرَي أَمْثَالَكُمْ يَتَمَارَوْنَ في الْحَوْضِ، لَقَدْ تَرَكْتُ خَلْفِي عَجَائِزَ ما تُصَلِّي امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ إلا سَأَلَتِ الله أن يَسْقِيَهَا من حَوْضِ محمد ﷺ (^١).\nوفيه يقول الشاعر: [بسيط]\nيَا صَاحِبَ الْحَوْضِ مَنْ يُدَانِيكَا … وَأَنْتَ حَقًّا حَبِيبُ بَارِيكَا\nوَفَهِمَ فاهمون أن السورة نزلت في تلك الإغفاءة، ويقويه ما في بعض الروايات أنه قال بعد قولهم: \"الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمْ\": \"إِنَّهُ نَزَلَتْ عَلَيَّ سُورُةٌ، فَقَرَأَ\n_________\n(^١) رواه الحاكم (١/ ١٥٠)، وابن المبارك في \"الزهد\" (١٦٠٩) من طريقه.\nقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.","vol":"1","page":88},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\".\nقالوا: ومن الوحي ما كان يأتيه في النوم، وقد ذكر أن رؤيا الأنبياء وحي، وهذا صحيح، لكن الأشبه أن يقال: إن القرآن كله نزل في اليقظة، وكان خطر له في النوم سورة الكوثر الْمُنَزَّلَة في اليقظة، أو عُرِضَ عليه الكوثر الذي وردت فيه السورة فقرأها عليهم وفسَّرها لهم، وورد في بعض الروايات أنه أغمي عليه، وقد يحمل ذلك على الحالة التي كانت تعتريه عند نزول الوحي، ويقال لها برحاء الوحي، وكان تبسمه لفرحه واستبشاره بما أعطي من الكوثر.\nوفيه دليلٌ على جواز التَّبَسُّمِ عند الفرح، وعلى أنه لا بأس لجلساء المبتسم بالفحص عما عرض له، وعلى أن المراد من الكوثر في السورة الحوض، وقد فسره بعضهم بالقرآن والنبوة والأمة الكثيرة، وعلى أنَّ هناك نهرًا يجري فيه الماء وحوضًا يجتمع فيه، وعلى أن النهر والحوض في الجنة، وإذا كانا في الجنة فقوله: \"تَرِدُ عَلَيْهِ أُمَّتِي\" و\"يُخْتَلَجُ مِنْهُمْ الْعَبْدُ\" يحمل على أنهم يقصدون وروده فيزاد بعضهم ويحال بينه وبين مقصده، وإلا فمن دخل الجنة لا يخرج منها.\nوقوله: \"آنِيَتُهُ عَدَدُ الْكَوَاكِبِ\" أشار بكثرة الأواني إلى كثرة الواردين، وفي بعض الروايات: \"لَهُ قِدْحَانِ بِعَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ\".\nوقوله: \"فَيُخْتَلَجُ مِنْهُمْ الْعَبْدُ\" أي: يُنْتَزَعَ وَيُمْنَعَ من وروده.\nوقوله: \"لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ\" كأن المراد رِدّة من ارتد عن الدِّينِ بعد رسول الله ﷺ، وفي بعض روايات \"الصحيح\": \"إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ؛ إِنَّهُمُ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمُ الْقَهْقَرَى\".\nوحمل بعضهم قوله: \"مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ\" على ما أُحْدِثَ من البدع وغُيِّرَ من","vol":"1","page":89},{"text":"السنن\nوفي الحديث إخبارٌ عمَّا وقع بعد انقراض زمان النبي ﷺ بمدة فيدخل في دلائل نبوته.\n\n<span data-type='title' id=toc-55>فَصْلٌ</span>\n\"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\" آيةٌ من أوائل السُّور على الصَّحيحِ من مذهبنا، فلما أراد قراءة السورة عليهم افتتح بآية التسمية لأنها من السورة، ومن لم يجعلها من السورة قال: افتتح بها للتيمن العام، ثم لمناسبتها معنى السورة؛ فإنه بإلهيته أبدع النعمة والمنعَم عليه، وبرحمته مَتَّعَ المنعَم عليه بالنِّعمةِ.\nورحمة الله تعالى المشتق منها الرحمن والرحيم تُفَسَّرُ بمعنيين:\nأحدهما: إرادة الإنعام.\nوالثاني: نفس الإنعام.\nوهي على المعنى الثاني صفة فعل، وقد قدمنا أن منهم من جعل الاسمين: \"الرحمن الرحيم\" بمعنى واحد، ومنهم من جعل \"الرحمن\" أبلغ؛ لأنه رحمن باعتبار الرزق والنعم الدنيوية التي تعم البرَّ والفاجر.\nوعكس بعضهم فجعل الرحيم أبلغ؛ لأنه رحيم باعتبار النعم الأخروية وهي أعظم؛ لأنها دائمة لا انقطاع لها، وصافية لا تبعة ولا مؤاخذة بها.\nوعن عكرمة أنَّ الرحمن برحمة واحدة، والرحيم بمائة رحمة؛ فالرحيم أبلغ.\nوقد يُسأل فيُقال: إن كان معنى الاسمين واحدًا فَلِمَ جمع بينهما في آية التسمية؟\nوإن كان أحدهما أبلغ فهلَّا اقتصر عليه وهو مؤدٍّ لمعنى الآخر؟","vol":"1","page":90},{"text":"وأجيب عنه: بأنَّ الكلام قد يؤكد بالاسمين المختلفين وإن كانا راجعين إلى معني واحد كقولهم: جادٌّ مجدٌّ، وبأن نِعَمَمه عاجله وآجلة، والرحمن يشير إلى العاجلة ومنها البشارة بما أعدّ من الكوثر، وتمهيد السبيل التي تؤدي إليه التوفيق لسلوكها، والرحيم يشير إلى الآجلة ومنها التي تخصص بها رسول الله ﷺ من حوضه الذي يسقى منه أمته، وهذا مثل ما يروى عن بكر بن عبد الله المزني أنه قال: الرحمن بنعيم الدنيا من الأهل والأولاد ونحوها، والرحيم بنعيم الدين من الإيمان والأعمال الصالحة وثمراتها.\nوعن يحيى بن معاذ أنَّ الرحمن بمصالح معاشهم، والرحيم بمصالح معادهم.\nوقد عَمَّت رحمة الرحيم المؤمنين عمومًا على ما قال تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ (^١) ثم خصص هذه الأمة بأن جعلها مرحومة، ونبيها نبي الرحمة والله الذي بيده الإعادة والإنشاء يختص برحمته من يشاء.\nقَرَأْتُ على والدي ﵀ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مَنصُورٍ الشَّحَّامِيُّ، حَدَّثَنَا أحمد بن سَهْلٍ، حَدَّثَنَا عبد الرَّحْمَنِ بن حَمْدَانَ، أَنَبَا أبو بكر الْمُفِيدُ، أَنَبَا أحمد بن عبد الرَّحْمَنِ، ثَنَا يَزِيدُ بن هَارُونَ، أَنَبَا أبو جَنَابٍ، عن خَيْثَمَةَ بن عبد الرَّحْمَنِ، عن سَعْدِ بن مَالِكٍ ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"إِنَّ أُمَّتِي أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ، إِنَّ الله ﷿ يَدْفَعُ عَنْهُمْ بِضَعْفِهِمْ وَإِخْلَاصِهِمْ وَدُعَائِهِمْ\" (^٢).\nوَحَدَّثَ الْقَاضِي أبو بكر مُحَمَّدُ بن الْقَاسِمِ الشَّهْرُزُورِيُّ قَالَ: أَنشَدَنَا الشَّرِيفُ\n_________\n(^١) الأحزاب: ٤٣.\n(^٢) رواه أبو داود (٤٢٧٨) من حديث أبي موسى الأشعري: \"أمتي هذه أمة مرحومة ليس عليها عذاب في الآخرة-\".","vol":"1","page":91},{"text":"أبو عَدْنَانَ الْقَاسِمُ بن عَلِيٍّ الْقُرَشِيُّ بِبَلْخٍ لِبَعْضِهِمْ: [كامل]\nلَمَّا عُدِمْتُ وَسِيْلَةً أَلْقَي بِهَا … رَبِّي تَقِي نَفْسِي شَدِيدَ عِقَابِهَا\nصَيَّرْتُ رَحْمَتَهُ لَدَيْهِ وَسِيلَتِي … وَكَفَى بِهَا وَكَفَي بِهَا وَكَفَي بِهَا\nوَأُنْشِدُكُمْ لِنَفْسِي: [خفيف]\nيَا خَلِيلَيَّ (^١) إِنَّ قَلْبَكُمَا … ظَلَّ مِمَّا أَضَلَّ مَهْمُومَا\nلَا تَخَافَا وَلَا يَكُنْ بِكَمُا … مَا يَرُدُّ الرَّجَاءَ مَرْمُومُا\nوَاقْصِدَا حَضْرَةَ الرَّحِيْمِ فَتُو … بَا إِلَيْهِ وَحَوْلَهُ حُومَا\nفَيَمِينَاهُ سَحَّتَا كَرَمًا … وَلَمَنْ دُونَهُ اليَدُ شُومَا\nخَابَ مَنْ مَاتَ مِنْ شَقَاوَتِهِ … مِنْ حَرِيمِ الرَّحِيمِ مَحْرُومَا\nآخر المجلس الرابع، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين\n* * * * *\n_________\n(^١) في د: صاحبي.","vol":"1","page":92},{"text":"﷽\nوما توفيقي إلا بالله عليه توكلت\n\n<span data-type='title' id=toc-56>المجلس الخامس </span>من أماليه ﵀ يوم الجمعة سلخ شعبان سنة إحدى عشرة وستمائة\nحَدَّثَنَا ﵀ إمْلَاءً قال: قَرَأْتُ على والدي ﵀ سنة تِسْعٍ وَسِتِّينَ وَخَمْسِمِائَةَ قال: قَرَأْتُ على سَعِيدِ بن مُحَمَّدٍ ببغداد سنة سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَخَمْسِمِائَةَ قال: ثنا أبو الْفَضْلِ الْمَقْدِسِيُّ سَنَةَ سِتٍّ وثمانين وأربعمائة قال: حدثَنَا أبو (مُضَر) (^١) الْعِجْليُّ سنة اثْنَتيْنِ (وَثَلَاثِين) (^٢) قال: ثَنَا عَلِيُّ بن أحمد قال: ثَنَا محمد بن عَبْدٍ قال: ثَنَا عِصَامُ بن يُوسُفَ قال: ثَنَا سُفْيَانُ، عن أبي إِسْحَاقَ، عن أبي الْأَحْوَصِ، عن عبد الله ﵁ قَالَ:\nعَلَّمَنَا رسول الله ﷺ خُطْبَةَ الصلاة وخُطْبَةَ الْحَاجَةِ وَالنِّكَاحِ: الحمد لله نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بالله من شُرُورِ أَنْفُسِنَا من يَهْدِه الله فلا مُضِلَّ له ومن يُضْلِلْ فلا هَادِيَ له وَأَشْهَدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شَرِيكَ له وَأَشْهَدُ أن محمدا عبده ورسوله ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.\nفِي الشرح فصول\n_________\n(^١) في د: نصر. تحريف، والمثبت من س، وستأتي ترجمته.\n(^٢) في س، د: وثمانين. تحريف فإن أبا مضر توفي سنة ست وأربعين وأربعمائة، والتصحيح من حاشية س.","vol":"1","page":93},{"text":"<span data-type='title' id=toc-57>الفصل الأول</span>\nهذا حديثٌ صحيحٌ: أخرجه أبو داود الطيالسي (^١) عن شعبة عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن أبيه عبد الله، والسجستاني (^٢) عن محمد بن سليمان، عن وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص وأبي عبيدة عن عبد الله، واللَّفْظُ: \"عَلَّمَنَا رسول الله ﷺ خُطْبَةَ الْحَاجَةِ: الْحَمْدُ لله … \".\nوفي رواية الطيالسيِّ بعد الْآيَاتِ: \"ثُمَّ تَتَكَلَّمْ بِحَاجَتِكَ\".\nقَالَ شُعْبَةُ: قُلْتُ لأبي إِسْحَاقَ: هذه في خُطْبَةِ النِّكَاحِ أو في غَيْرِهَا؟\nقَالَ: فِي كُلِّ حَاجَةٍ.\nورواه الترمذيُّ عن قتيبة، عن عبثر بن القاسم، عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص (^٣).\nوابن ماجه عن هشام بن عمار، عن عيسي بن يونس، عن أبيه، عن جده أبي إسحاق، عن أبي الأحوص (^٤)، وفي روايتهما ذكر التشهد قبل خطبة الحاجة.\nوعبد الله ﵁: هو ابن مسعود بن الحارث بن شمخ بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل أبو عبد الرحمن الهذلي.\nشهد بدرًا وغيره من المشاهد وهو من أكابر الصحابة والمفتين منهم، ومن السابقين إلى الإسلام، يقال: إنه سادس ستة، وهو أخو عتبة بن مسعود، وأمهما أم عبد بنت عبد ودّ.\n_________\n(^١) \"مسند الطيالسي\" (٣٣٨).\n(^٢) \"سنن أبي داود\" (٢١١٨).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (١١٠٥) وقال: حديث حسن.\n(^٤) \"سنن ابن ماجه\" (١٨٩٢).","vol":"1","page":94},{"text":"سكن الكوفة بإشارة عمر ﵁، وانتشر بها حديثه وفقهه، ورجع بالأخرة إلى المدينة، وبها مات سنة اثنتين وثلاثين ودفن بالبقيع (^١).\nوأبو الأحوص: هو عوف بن مالك بن نضلة الجشمي.\nسمع: ابن مسعود، وأبا مسعود البدري، وأبا موسى الأشعري، وأباه مالكًا وهو صحابي.\nروى عنه: أبو إسحاق السَّبيعي، وعبد الملك بن عمير، وعبد الله بن مرة.\nقتلته الخوارج شهيدًا، وكان حسن الكلام معروفًا بالصدق، حدث مسلم في صدر \"كتابه\" (^٢) عن أبي كامل، عن حماد بن زيد، عن عاصم قال: كنا نأتي أبا عبد الرحمن السلمي ونحن غلمة أيفاع فكان يقول لنا: لا تجالسوا القصاص غير أبي الأحوص (^٣).\nوأبو إسحاق: هو عمرو بن عبد الله السَّبِيعِيُّ الهمداني، وسبيع بطن من همدان، تابعي مشهور.\nسمع: البراء بن عازب، وحارثة بن وهب، والنعمان بن بشير، وغيرهم من الصحابة.\nروى عنه: شعبة، والثوري، وزهير.\nوكان يقال: من جالس أبا إسحاق فقد جالس عليًّا وعبد الله، وذلك لانتهاء علمهما إليه.\n_________\n(^١) انظر \"معرفة الصحابة\" (٤/ ترجمة ١٧٤٩)، و\"الإصابة\" (٤/ ترجمة ٤٩٥٧).\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (١/ ٢٠).\n(^٣) انظر \"تهذيب الكمال\" (٢٢/ ٤٤٥)، \"سير أعلام النبلاء\" (٢/ ترجمة ١٠١).","vol":"1","page":95},{"text":"وكان أولاده وأولادهم من أهل العلم والحديث. توفي سنة ست أو سبع أو تسع وعشرين ومائة (^١).\nوسفيان: هو ابن سعيد بن مسروق بن حبيب بن رافع بن عبد الله، أبو عبد الله الثوري.\nمن مشهوري علماء الأمة وعبادهم، وكان يقال له: أمير المؤمنين في الحديث.\nسمع: أبوي إسحاق السَّبِيعِيَّ والشَّيْبَانِيَّ، والأعمش.\nروى عنه: وكيع، ويحيى القطان.\nوهو أشهر من أن يُعَرَّف، توفي بالبصرة سنة إحدى وستين ومائة (^٢).\nأَنْبَأَنَا غير واحد، عن أبي عَلِيٍّ الْحَدَّادِ، عن أبي نُعَيْمٍ، ثَنَا محمد بن إبراهيم، ثَنَا أحمد بن الْحَسَنِ الْمَيْمُونِيُّ، ثَنَا مُوسَي بن هَارُونَ، ثَنَا الْحُسَيْنُ بن أحمد بن مَيْمُونٍ قَالَ: سَمِعْتُ أبا حَاتِمٍ الرَّازِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ قَبِيصَةَ يَقُولُ: رَأَيْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ في النَّوْمِ فَقُلْتُ: ما فَعَلَ بك رَبُّكَ؟\nفَقَالَ: نَظَرْتُ إلى ربي كفاحًا وقال لي: هَنِيئًا رِضَائِي عنك يا ابن سَعِيدٍ فَقَدْ كُنْتَ قَوَّامًا إذا أَقْبَلَ الدُّجَي بِعبْرَة مُشْتَاقٍ وَقَلْبٍ عَمِيدٍ، فدونك فَاخْتَرْ أَيَّ قَصْرٍ أَرَدْتَهُ وَزُرْنِي فإني منك غير بَعِيدٍ (^٣).\nورواة الحديث إلى سفيان كُوفِيُّون.\nوعصام بن يوسف: هو القاضي أبو محمد بن يوسف بن ميمون بن قدامة\n_________\n(^١) انظر \"تهذيب الكمال\" (٨/ ٥٦)، \"سير أعلام النبلاء\" (١/ ترجمة ١٨٠).\n(^٢) انظر \"تهذيب الكمال\" (١١/ ١٥٤)، \"سير أعلام النبلاء\" (٧/ ترجمة ٨٢).\n(^٣) رواه أبو نعيم في \"حلية الأولياء\" (٧/ ٧٤) كما رواه من طريقه الرافعي.","vol":"1","page":96},{"text":"الباهلي البلخي.\nسمع: شعبة، والحمَّادين، وسفيان، وإسرائيل بن يونس.\nوهو مشهور لكنَّ البخاري لم يذكره في \"التاريخ\" وكان يرى رأي الكوفيين، وله أخوان إبراهيم ومحمد ابنا يوسف.\nسمع إبراهيم: حماد بن زيد، وسفيان بن عيينة. وكان عظيم المحلِّ عند أصحاب أبي حنيفة ﵏ (^١).\nومحمد بن عبد: هو أبو بكر محمد بن عبد بن عامر بن مرداس بن هارون التميمي السعدي ويشهر بالسَّمرقندي.\nروي عن: يحيى بن يحيى، وإسحاق بن راهويه، وعصام البلخي، وقتيبة بن سعيد، وحدث ببغداد وهمدان، وذكره أبو بكر الخطيب في \"التاريخ\" (^٢) وورد قزوين سنة ثلاثمائة وحدث بها الكثير.\nروى عنه: أحمد بن عثمان الْآدَمِيُّ، وأبو بكر الشَّافِعِيُّ، وأبو الحسن القطان.\nوتوفي سنة ثلاث وثلاثمائة.\nوتكلَّمُوا فيه وفي إدراكه عصامًا وغيره من الذين حدَّث عنهم (^٣).\nوعلي: هو أبو الحسن علي بن أحمد بن صالح بن حماد المقرئ القزويني المعروف ببيَّاع الحديد.\nمُكْثِرٌ مَشْهُورٌ. سمع: يوسف بن عاصم، ومحمد بن مسعود، وإبراهيم\n_________\n(^١) انظر \"الثقات\" (٨/ ٥٢١) وقال: كان ثبتًا في الرواية وربما أخطأ.\n(^٢) \"تاريخ بغداد\" (٢/ ترجمة ٩٠٥) وقال: حدث أحاديث منكرة وباطلة.\n(^٣) انظر \"لسان الميزان\" (٥/ ٢٧١) وقال ابن حجر: معروف بوضع الحديث، وقال الدراقطني: كان يكذب ويضع الحديث.","vol":"1","page":97},{"text":"الشَّهْرُزُورِيَّ، وجعفر بن أبي الليث.\nوأخذ القراءة عن أبي عبد الله الأزرق، والعباس بن الفضل بن شاذان، وقرأ عليه أبو الفضل الخزاعي والمعتبرون من القراء، ورضيه ابن مجاهد.\nتوفي سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة (^١).\nوأبو مُضر: هو عبد الواحد بن هبيرة بن عبد الملك العجلي القزويني.\nحدث عنه: أبو الفضل الْقُومَسَانِيُّ، وأحمد بن عمر الصُّندُوقِيُّ، وعلي بن محمد الْمَيْدَانِيُّ.\nروي عن: (ابن) (^٢) صالح، وأبي الحسن الصقبلي، ومحمد بن إسحاق القزوينيين، وأبي عمر بن مهدي.\nقال الكياشيرويه الديلمي: وكان صدوقًا، مات بهمدان سنة ست وأربعين وأربعمائة (^٣).\nوأبو الفضل: هو عبد الملك بن إبراهيم بن أحمد المقدسي الفرضي الزاهد ويعرف بالهمداني.\nسمع بتُسْتُرَ: الحسن بن علي السقطي، وبآمل: الحسن بن أحمد الصفاري، وبهمدان: الفقيه أبا الفضل بن عبدان، وأبا مضر العجلي (^٤).\nوسعيد: هو أبو منصور سعيد بن محمد بن عمر بن الحسين الرزاز البغدادي.\nفقيهٌ مرجوعٌ إليه ببغداد، درس بالنظامية مدة، وهو ممن تفقه عليه والدي\n_________\n(^١) انظر \"التدوين في أخبار قزوين\" (٣/ ٣٣٠).\n(^٢) في د: أبي. والمثبت من س، \"التدوين في أخبار قزوين\". وهو علي بن أحمد بن صالح.\n(^٣) انظر \"التدوين في أخبار قزوين\" (٣/ ٢٧٨).\n(^٤) انظر \"طبقات الشافعية الكبرى\" (٥/ ترجمة ٤٧٥).","vol":"1","page":98},{"text":"﵀. توفي سنة تسع وثلاثين وخمسمائة في ذي القعدة (^١).\nووالدي (^٢) ﵀ كان جيِّدَ الحفظِ، سمعته صبيحة بعض الأيام يقول:\nسهرت البارحة فَأَجَّلْتُ الفكر فيما أحفظه من الأبيات المفردة والمقطعات فبلغ آلافًا ذكر عددًا كثيرًا.\nورأيت بِخَطِّهِ على ظهر بعض تعاليقه: سمعت أبا منصور بن الرزاز يقول: سئل بعضهم: ألك مال؟\nقال: لا، فِيَّ قناعة أستر بها خلتي، وتدبير أُكَثِّرُ به القليل، وصبر أُزَجِّي به الأيام.\n\n<span data-type='title' id=toc-58>الفصل الثاني</span>\n\"الْخُطْبَةُ\" اسْمٌ وَمَصْدَرٌ، يُقَالُ: خَطَبَ على الْمِنْبَرِ خُطْبَةً واخْتَطَبَ مثله، وخَطَبَ خَطَابَةً صَارَ خَطِيبًا.\nو\"الْحَمْدُ\" نَقِيضُ الذَّمِّ، يُقَالُ: حَمِدْتُ الرَّجُلَ أَحْمَدُهُ فَهُوَ حَمِيْدٌ ومَحْمُودٌ، وَرَجُلٌ حُمَدَةٌ إِذَا كان يُكْثِرُ حَمْدَ الْأَشْيَاءِ وَيَصِفُهَا بِأَكْثَرَ مِمَّا فِيهَا، وأَحْمَدْتُهُ: وَجَدْتُهُ مَحْمُودًا، وَالتَّحِمْيدُ تَفْعِيلٌ من الْحَمْدِ، والْمُحَمَّدُ: من اجْتَمَعَتْ فيه الْخِصَالُ الْمَحْمُودَةُ وَاسْتَحَقَّ الحمد بها، وَصَارَ ذلك اسْمُ رسول الله ﷺ لِتَنَاهِيهِ فيها، وَالْجَمْعُ: المُحَمَّدُونَ والمَحَامِدُ وَالمَحَامِيدُ، وقولهم: حَمَادِ لفلان أي: حَمْدًا له، بُنِيَ لأنه مَعْدُولٌ عن الْمَصْدَرِ، وَحُمَادَاكَ أن تَفْعَلَ كذا أي: قُصَارَاكَ وَغَايَتُكَ الْمَحْمُودَةُ.\nوَيُقَال: اسْتَعَانَهُ وَاسْتَعَانَ بِهِ، وَوَرَدَ بِهِمَا الْقُرْآنُ؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِيَّاكَ\n_________\n(^١) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (٢٠/ ١٦٩).\n(^٢) سبقت ترجمته في المجلس الأول.","vol":"1","page":99},{"text":"نَسْتَعِينُ﴾، وَقَالَ: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ (^١).\nوَقَوْلُهُ تعالى: ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾ أي: تَتَسَاءَلُونَ، أدغمت التاء في السين، ومنهم من استبقى خفة السين فحذف التاء ولم يدغم، والمعنى: الذي تتساءلون به فيما بينكم حقوقكم وحوائجكم فيقول بعضكم لبعض أسألك كذا بالله.\nوقوله: ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ أي: اتَّقُوا الْأَرْحَامَ أَنْ تَقْطَعُوهَا؛ فلفظ الأرحام معطوف على اسم الله، ولم يستحسن النحاة قراءة من قرأ: \"وَالْأَرْحَامِ\" (^٢) فقالوا: يقبح عطف الظاهر على المكنّى إلا بإظهار العامل كقوله تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-59>الفصل الثالث</span>\nقوله: \"عَلَّمَنَا رَسُولُ الله ﷺ خُطْبَةَ الصَّلَاةِ\" قد يسبق إلى الفهم منه الخطبة المضمومة إلى الصلاة إما فرضًا في الجمعة أو استحبابًا كما في العيدين، لكن في سائر الروايات ما يدل على أنه لم يُرِدْ ذلك وإنما أراد التشهد، ففي رواية ابن ماجه (^٤) بالإسناد السابق: \"عَلَّمَنَا خُطْبَةَ الصَّلَاةِ وَخُطْبَةَ الْحَاجَةِ، خُطْبَةُ الصَّلَاةِ: التَّحِيَّاتُ لله … إلى آخر التشهد، وَخُطْبَةُ الْحَاجَةِ: الْحَمْدُ لله نَحْمَدُهُ .... \".\nوفي الحديث بيان أنَّ الأدبَ والمستحبَّ تقديم الخطبة أمام الحاجات من النكاح وغيره؛ لما فيه من التَّبَرُّكِ بذكر اسم الله تعالى وذكر رسوله، والتَّفاؤلِ\n_________\n(^١) البقرة: ٤٥.\n(^٢) انظر \"السبعة في القراءات\" (ص ٢٢٦)، \"الحجة في القراءات السبعة\" (ص ١١٨).\n(^٣) القصص: ٨١.\n(^٤) \"سنن ابن ماجه\" (١٨٩٢).","vol":"1","page":100},{"text":"بالافتتاح بالحمد لتكون عاقبة الأمر محمودة، وكان رسول الله ﷺ إذا أراد إعلام القوم حدوث حادثٍ كقدوم وفدٍ أو بشارتهم بخبر سار أو تنشيطهم لغزوٍ خَطَبَ.\nوفيه بيان ما عليه مدار الخطب في الشريعة وهو حمد الله تعالى، وكلمتا الشهادة، والموعظة والوصية بالتقوى، ففي الآيات الثلاث أمر بالتقوى والسداد في القول وتنبيه على ما نِيطَ بهما من إصلاح العمل وغفران الذنب.\nوفيه بيان أنه يجوز استعمال آيات القرآن في المخاطبات والمحاورات من غير أن يضاف إلى القرآن أو يحكي عن قول الله تعالى.\nوالخطبة في الحديث على قصر ألفاظها كاملة المعاني، وجملها مرتبة أحسن ترتيب، فالوصية مؤخرة عن الحمد والتشهد؛ لأن ذكر الله تعالى وذكر رسوله أحق بالتقديم؛ ولأنهم إذا أصغوا إلى الثناء على الله وتذكروا ما أنعم به عليهم وأعانهم عليه مما فيه إصلاح معاشهم ومعادهم وما قصروا به في أداء حقوقه ودعتهم شرور نفوسهم إليه على خلاف أمره، وتفرده بالهداية والإضلال، وما وفقهم له من التوحيد، ومَنَّ عليهم ببعثة الرسول؛ كانت الوصية أشد تأثيرًا فيهم، والوعظ أنفع لهم.\nوالحمد لله تعالي مقدم على ما سواه؛ لأنه الأول فالثناء عليه والشكر له أولى بأن يجعل أولًا، ثم نعم الله تعالى دارَّة على العبد قبل أن يحمده العبد بل قبل أن يتأهل للحمد، فحق عليه أن يفتتح الكلام بالحمد شكرًا لتلك النعم، ثم إذا أتمّ النعمة عليه في الآخرة استأنف حمدًا آخر، فيقع الحمد تارةً أولًا، ولذلك افتتح النطق به أبو الناس عند إصابة العطاس وتارةً أخرى ولذلك يقول الله تعالى:","vol":"1","page":101},{"text":"﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (^١).\nومن نِعَمِ الله تَعَالَى أن سَهَّلَ على عِبَادِهِ الشُّكْرَ بأن جَعَلَ هذه الْكَلِمَةَ شُكْرُ كل نِعَمِهِ على ما ورد في الْخَبَرِ، وَصَيَّرَهَا من عِظَمِ الشَّأْنِ ملء الْمِيزَانِ.\nقَرَأْتُ على والدي ﵀ قال: أَنَبَا أحمد بن الْحُسَيْنِ، أَنَبَا عبد المَلِكِ بن عبد الله، أَنَبَا محمد بن إبراهيم المُزَكِّي، أَنَبَا أبو عَمْرِو بن مَطَرٍ، أَنَبَا أحمد بن داود السِّمْنَانِيُّ، ثَنَا هُدْبَةُ، ثَنَا أَبَانُ بن يَزِيدَ، عن يَحْيَى بن أبي كثير، أن زَيْدًا حَدَّثَهُ، أن أبا سَلَّامٍ حَدَّثَهُ، عن أبي مالك الأَشْعَرِيِّ، عن رسول الله ﷺ قال: \"الطُّهُورُ شَطْرُ الإيمان والحمد لله تَمْلَأُ الْمِيزَانَ\" (^٢).\nولما كانت النِّعَمُ كُلُّهَا مِنَ الله تعالى قيل: الحمد لله بالألف واللام على النظم المشير إلى الاستغراق كما يقال: القضاء في البلد لفلان.\nوَأُنْبِئْنَا عن محمد بن الفضل، عن أبي عُثْمَانَ الصَّابُونِيِّ قال: أَنْشَدَنَا أبو الْعَلَاء بِمَعَرَّةِ النُّعْمَانِ لِنَفْسِهِ: [بسيط]\nمَحْمُودٌ (^٣) الله وَالمَسْعُودُ خَائِفُهُ … فَعَدِّ عَنْ ذِكْرِ مَحْمُودٍ وَمَسْعُودِ\nمَلْكَانِ لَوْ أَنَّنِي خُيِّرتُ مُلْكَهُمَا … وَعُوْدَ صُلْبٍ أَشَارَ الْعَقْلُ بِالعْودِ\nومن مَشْهُورِ الكلام أن الإنسان إِمَّا أن يَكُونَ في رَخَاءٍ وَنِعْمَةٍ أو بَلَاءٍ وَشِدَّةٍ؛ فَإِنْ كان في نِعْمَةٍ فَحَقُّهُ أن يَحْمَدَ الله تعالى عليها، أو شِدَّةٍ فَأَنْ يَحْمَدَهُ بأن صَرَفَ\n_________\n(^١) يونس: ١٠.\n(^٢) رواه مسلم (٢٢٣) من طريق أبان بن يزيد العطار.\n(^٣) في ديوانه: محمودنا.","vol":"1","page":102},{"text":"وَزَوَى ما هو أَشَدّ منها.\nوَأُنْشِدُكُمْ لنفسي مَنْظُومَ هذا الْمَعْنَى: [بسيط]\nإِنْ كُنْتَ فِي الْيُسْرِ فَاحْمَدْ مَنْ حَبَاكَ بِهِ … فَلَيْسَ حَقًّا قَضَى لَكِنَّهُ الْجُودُ\nأَوْ كُنْتَ فِي الْعُسْرِ فَاحْمَدْهُ كَذَلِكَ إِذْ … مَا فَوْقَ ذَلِكَ مَصْرُوْفٌ وَمَرْدُودُ\nوَكَيْفَمَا دَارَتِ الْأَيَّامُ مُقْبِلَةٌ … وَغَيْرَ مُقْبِلَةٍ فَالْحَمْدُ مَحْمُودُ (^١)\nآخر المجلس الخامس والحمد لله رب العالمين والصلاة على نبيه محمد وآله\n* * * * *\n_________\n(^١) نقل هذه الأبيات عن الإمام الرافعي: السبكي في \"طبقات الشافعية\" (٨/ ٢٨٦)، ابن الملقن في \"البدر المنير\" (١/ ٣٣٢).","vol":"1","page":103},{"text":"﷽\nوما توفيقي إلا بالله عليه توكلت\n\n<span data-type='title' id=toc-60>المجلس السادس </span>من أماليه ﵀ أملاه يوم الجمعة السابع من شهر رمضان سنة إحدى عشرة وستمائة\nحَدَّثَنَا ﵀ إِمْلَاءً من لفظه قال: أَنَبَا الإمام أحمد بن إسماعيل فيما قَرَأْتُ عليه قال: أَنَبَا محمد بن الفضل قال: أنبا (عبد الْغَافِرِ) (^١) قال: أَنَبَا محمد بن عيسى قال: أَنَبَا أبو إِسْحَاقَ قال: أَنَبَا أبو الحُسَيْنِ (^٢) قال: حَدَّثَنِي أحمد بن جَعْفَرٍ قال: أَنَبَا النَّضْرُ بن محمد قال: ثَنَا عِكْرِمَةُ بن عَمَّارٍ قال: ثَنَا شَدَّادٌ ويحيى بن أبي كَثِيرٍ، عن أبي أُمَامَةَ قال: قال عَمْرُو بن (عَبَسَةَ) (^٣) ﵁:\nكُنْتُ وأنا في الجاهلية أَظُنُّ أن الناس على ضَلَالَةٍ وأنهم ليسوا على شيء وَهُمْ يَعْبُدُونَ الأوثان قال: فَسَمِعْتُ برجل بمكة يُخْبِرُ أَخْبَارًا، فَقَعَدْتُ على رَاحِلَتِي فَقَدِمْتُ عليه فإذا رسول الله ﷺ مُسْتَخْفِيًا جُرَآءُ عليه قومه فَتَلَطَّفْتُ حتى دَخَلْتُ عليه بمكة فَقُلْتُ له: ما أنت؟\nقال: \"أنا نَبِيٌّ\". فَقُلْتُ: وما نَبِيٌّ؟\nقال: \"أَرْسَلَنِي الله\". فَقُلْتُ: وبأي شيء أَرْسَلَكَ؟\nقال: \"أَرْسَلَنِي بِصِلَةِ الأرحام، وَكَسْرِ الأوثان، وأن نُوَحِّدَ الله لا نُشْرِكَ به شَيئًا\" (^٤).\n_________\n(^١) في س، د: عبد الغفار. خطأ، وستأتي ترجمته في الشرح.\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (٨٣٢/ ٢٩٤) كما رواه من طريقه الرافعي.\n(^٣) في د: عنبسة. والمثبت من س، وستأتي ترجمته.\n(^٤) في \"صحيح مسلم\": \"وَأَنْ يُوَحَّد الله لَا يُشْرَكُ بِهِ شَيْءٌ\".","vol":"1","page":104},{"text":"قُلْتُ له: فَمَنْ مَعَكَ على هذا؟\nقال:\"حُرٌّ وَعَبْدٌ\".\nقال: وَمَعَهُ يومئذ أبو بكر وَبِلَالٌ ﵄ مِمَّنْ آمَنَ به.\nفَقُلْتُ: إني مُتَّبِعُكَ.\nقال: \"إِنَّكَ لا تَسْتَطِيعُ ذلك يَوْمَكَ هذا ألا تَرَى حَاليِ وحال الناس؟ ولكن ارْجِعْ إلى أَهْلِكَ إذا سَمِعْتَ بي قد ظَهَرْتُ فَأْتِنِي\".\nقال: فَذَهَبْتُ إلى أَهْلِي وَقَدِمَ رسول الله ﷺ المدينة وكنت في أَهْلِى فَجَعَلْتُ (أَتَحَيَّنُ) (^١) الأَخْبَارَ وَأَسْأَلُ الناس حتى قَدِمَ الْمَدِينَةَ وقَدِمَ عَلَيَّ نَفَرٌ من أَهْلِ يَثْرِبَ من أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَقُلْتُ: ما فَعَلَ هذا الرجل الذي قَدِمَ الْمَدِينَة؟ فقالوا: الناس إليه سِرَاعٌ، وقد أَرَادَ قَوْمُهُ قَتْلَهُ فلم يَسْتَطِيعُوا ذلك.\nفَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَدَخَلْتُ عليه فقلت: يا رسول اله أَتَعْرِفُنِي؟\nقال: \"نَعَمْ، أنت الذي لَقِيتَنِي بِمَكَّةَ\".\nفَقُلْتُ: بلى يا نبي الله أَخْبِرْنِي عَمَّا عَلَّمَكَ الله وَأَجْهَلُهُ، أَخْبِرْنِي عن الصَّلَاةِ؟\nقال: \"صَلِّ صلاة الصبح، ثم أَقْصِرْ عن الصَّلَاةِ حين تَطْلُعُ الشمس حتي تَرْتَفِعَ فإنها تَطْلُعُ حين تَطْلُعُ بين قَرْنَيْ شيطان وحينئذ يَسْجُدُ لها الكفار، ثم صَلِّ فإن الصلاة مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حتى يَسْتَقِلَّ الظل بالرمح، ثُمَّ أَقْصِرْ عن الصلاة فإن حينئذ تُسَجَّرُ جَهَنَّمُ، فإذا أَقْبَلَ الْفَيْءُ فَصَلِّ فإن الصلاة مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حتي تُصَلِّىَ العصر، ثم أَقْصِرْ عن الصلاة حتى تَغْرُبَ الشمس فإنها تَغْرُبُ بين قَرْنَيْ شيطان وحينئذ يَسْجُدُ لها الكفار\".\n_________\n(^١) في \"صحيح مسلم\": \"أتخبر\".","vol":"1","page":105},{"text":"قُلْتُ: يا نبي الله فَالْوُضُوءُ حَدِّثْنِي عنه؟\nقال: \"ما مْنْكُمْ رَجُلٌ يُقَرِّبُ وضوءه فَيُمَضْمَضُ وَيَسْتَنْشِقُ فَيَنْتَثِرُ إلا خَرَّتْ خَطَايَا وجهه وفيه وَخَيَاشِيمِهِ (مع الْمَاءِ) (^١)، ثُمَّ إذا غَسَلَ وجهه كَمَا أمره الله خَرَّتْ خَطَايَا وجهه من أَطْرَافِ لِحْيَتِهِ مع الْمَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ يديه إلى الْمِرْفَقَيْنِ إلا خَرَّتْ خطَايا يَدَيْهِ من أَنَامِلِهِ مع الْمَاءِ، ثُمَّ يَمْسَحُ رأسه إلا خَرَّتْ خَطَايَا رَأْسِهِ من أَطْرَافِ شَعْرِهِ مع الماء، ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ إلى الْكَعْبَيْنِ إلا خَرَّتْ خطايا رِجْلَيْهِ من أَنَامِلِهِ مع الماء، فإن هو قَامَ فَصَلَّى فَحَمِدَ الله وَأَثْنَى عليه وَمَجَّدَهُ بِالَّذِي هُوَ أَهْلٌ له وَفَرَّغَ قَلْبَهُ لله انْصَرَفَ من خَطِيئَتِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أمه\".\nوَحَدَّثَ عمرو بن عَبَسَةَ بهذا الْحدِيثِ أبا أُمَامَةَ صاحب رسول الله ﷺ فقال له أبو أُمَامَةَ: يا عَمْرَو انْظُرْ ما تَقُولُ؟\nفقال عَمْرٌو: لقد كَبِرَتْ سِنِّي وَرَقَّ عَظْمِي واقْتَرَبَ أَجَلِي وما بي حَاجَةٌ أن أَكْذِبَ على الله ولا على رسوله لو لم أَسْمَعُهُ إلا مَرَّةً أو مَرَّتَيْنِ أو ثَلَاثًا- حتي عَدَّ سَبْعًا- ما حَدَّثْتُ به (أَحدًا) (^٢) ولكني سَمِعْتُهُ أكثر من ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-61>في الشرح فصول: الفصل الأول</span>\nهذا حديثٌ صحيحٌ وعزيزٌ من رواية الصحابي عن الصحابي أخرجه مسلم (^٣) هكذا وانفرد به، وليس لعمرو بن عبسة في كتاب مسلم إلا هذا الحديث،\n_________\n(^١) ليست في د، \"صحيح مسلم\". وأثبته من س.\n(^٢) في \"صحيح مسلم\": أبدًا.\n(^٣) \"صحيح مسلم\" (٨٣٢/ ٢٩٤).","vol":"1","page":106},{"text":"ولم يُخَرِّجِ البخاري من روايته شيئًا، وروى الحديث أو بعضه عن أبي أمامة: لقمان بن عامر، وعن عكرمة: أبو الوليد الطيالسي، وروي عن شداد عن عمرو من غير توسيط أبي أمامة.\nوعمرو: هو ابن عَبَسَة بن عامر بن خالد بن غاضرة بن عتاب أبو نجيح السلمي، من السابقين الأولين من أصحاب رسول الله ﷺ كان يقال له: ربع الإسلام، لأنه رابع من أسلم، نزل الشام.\nروى عنه: أبو أمامة الباهلي، ومعدان بن أبي طلحة، وعدي بن أرطاة.\nوفي الحديث بيان بعض حاله (^١).\nوأبو أمامة: هو صُدَيُّ بْنُ عَجْلَانَ بن وهب بن عمرو بن عامر الباهلي، من الصحابة المشهورين.\nروى عنه: خالد بن معدان، وأبو سلام مَمْطُورٌ، وشداد.\nسكن مصر ومات بالشام سنة ست وثمانين، وهو ابن إحدى وتسعين (^٢).\nوشداد بن عبد الله: أبو عمار القرشي الأموي الدمشقي مولى معاوية بن أبي سفيان.\nسمع: وَاثِلَةَ بن الأَسْقَعِ، وعبد الله بن فَرُّوخَ.\nروى عنه: الأوزاعي، وعكرمة بن عمار (^٣).\nيحيى بن أبي كثير: أبو نصر اليماني الطائي من أهل البصرة، سكن اليمامة،\n_________\n(^١) انظر \"معرفة الصحابة\" (٤/ ترجمة ٢٠٣٩)، \"الإصابة\" (٤/ ترجمة ٥٩٠٧).\n(^٢) انظر \"معرفة الصحابة\" (٥ / ترجمة ٣١٠٥)، \"الإصابة\" (٣ / ترجمة ٤٠٦٣).\n(^٣) انظر \"تهذيب الكمال\" (١٢/ ٣٩٩).","vol":"1","page":107},{"text":"ويقال: إن اسم أبي كثير صالح بن المتوكل.\nرأى أنسًا، وسمع: أبا قِلابة، وأبا سلمة بن عبد الرحمن.\nروى عنه: حُسَيْنُ الْمُعَلِّمُ، وهشام الدَّسْتُوَائِيُّ، وأيوب.\nمات سنة تسع وعشرين ومائة، وقيل: سنة اثنتين وثلاثين (^١).\nوعكرمة بن عمار أبو عمار العجلي اليامي.\nسمع: أبا زُمَيْلٍ سِماكًا، وإياس بن سلمة، وسالم بن عبد الله، ويحيى بن أبي كثير.\nروى عنه: مصعب بن المقدام، وعبد الرحمن بن مهدي، وابن المبارك، وزيد بن الحباب، ونصر بن محمد (^٢).\nوالنَّضْرُ: هو أبو محمد بن محمد بن موسي الجرشي اليمامي.\nسمع: صخر بن جويرية.\nوروى عنه: شجاع بن الوليد، وعباس العنبري، وأحمد بن يوسف السلمي (^٣).\nوأحمد بن جعفر: هو المَعْقِري ويقال: الْمعقَري.\nسمع: نضر بن محمد.\nوروي عنه: مسلم وهو من أفراده، وكذلك عكرمة، وشداد (^٤).\nوأبو الحسين: هو الإمام المشهور مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري\n_________\n(^١) انظر \"تهذيب الكمال\" (٣١/ ٥٠٤)، \"سير أعلام النبلاء\" (١٦/ ترجمة ٩).\n(^٢) انظر \"تهذيب الكمال\" (٢٠/ ٢٥٦)، \"سير أعلام النبلاء\" (٧/ ترجمة ٤٩).\n(^٣) انظر \"تهذيب الكمال\" (٢٩/ ترجمة ٦٤٣٤).\n(^٤) انظر \"تهذيب الكمال\" (١ / ترجمة ١٩).","vol":"1","page":108},{"text":"النيسابوري صاحب \"الصحيح\".\nسمع: أحمد بن حنبل، وعبيد الله القواريري، وغير واحدٍ.\nوله سوى \"المسند الصحيح\": \"المسند الكبير\" على الرجال، و\"الجامع الكبير\" على الأبواب، وكتاب \"الأسماء والكني\" ومصنفات كثيرة، وكان يقول العلماء في عصره من أقرانه وممن هو أكبر منه: لن نعدم الخير ما أبقى الله أبا الحسين للمسلمين.\nتوفي سنة إحدى وستين ومائتين (^١).\nوأبو إسحاق: هو إبراهيم بن محمد بن سفيان الفقيه النيسابوري.\nكان من العُبَّادِ المجتهدين، يقال: كان مجاب الدعوة.\nلازم مُسْلِمًا، وسمع أيضًا: محمد بن رافع، ومحمد بن مقاتل، ومحمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ.\nتوفي سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة (^٢).\nومحمد بن عيسي: هو أبو أحمد بن عيسي بن محمد بن عبد الرحمن، الصوفي الزاهد ويشتهر بِالْجُلُودِيِّ بضمِّ الجيم، ومنهم من فتح الجيم ولا اعتماد عليه.\nصحب أبا حفص والمشايخ وكان يورق ويأكل من كسب يده، وكان ينتحل مذهب سفيان الثوري.\nسمع: عبد الله بن شيرويه، وابن خزيمة، وغيرهما.\n_________\n(^١) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٢/ ترجمة ٢١٧).\n(^٢) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٤/ ترجمة ٢٠٣).","vol":"1","page":109},{"text":"روى عنه: الحاكم أبو عبد الله.\nتوفي سنة ثمان وستين وثلاثمائة (^١).\nوعبد الغافر: هو أبو الحسين عبد الغافر بن محمد بن عبد الغافر بن أحمد بن محمد بن سعيد الفارسي.\nمن أهلِ الحديثِ والعلمِ، وكانَ قليلَ السَّماعِ، لكنَّ اللَّه تعالى بارك في سماعه وروايته، وصار راوية \"صحيح مسلم\" و\"غريب الخطابي\".\nسمع: بِشْرَ بن أحمد الإسفراييني، وأبا العباس الْمِيكَالِيَّ، وأبا عمرو بن حَمْدَانَ.\nتوفي سنة ثمان وأربعين وأربعمائة في شوالها (^٢).\nومحمد بن الفضل: هو أبو عبد الله محمد بن الفضل بن أحمد الصاعدي الْفُرَاوِيُّ.\nفقيهٌ مناظرٌ محدثٌ واعظٌ، رُزِقَ السماعات والإجازات العالية، وأدرك الأئمة الكبار كَالصَّابُونِيِّ والبيهقي والأستاذ أبي القاسم، ولازم درس إمام الحرمين أبي المعالي ما عاش، ويقال: إن الإمام لما حضر الموت سئل عمن يراجَع من أصحابه في المشكلات فأشار إلى الْفُرَاوِيِّ.\nولد سنة إحدى وأربعين وأربعمائة، وتوفي سنة ثلاثين وخمسمائة في شوالها (^٣).\nوشيخي ﵀: هو أحمد بن إسماعيل بن يوسف بن محمد بن العباس الطَّالْقَانِيُّ ثُمَّ الْقَزْوِينِيُّ أبو الخير.\n_________\n(^١) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٦/ ترجمة ٢١١).\n(^٢) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٨/ ترجمة ١٣).\n(^٣) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٩/ ترجمة ٣٦٢).","vol":"1","page":110},{"text":"إمامٌ كثيرٌ الخيرِ، موفر الحظ من علوم الشرع حفظًا وجمعًا ونشرًا بالتعليم والتذكير والتصنيف، وكان لا يزال لسانه رطبًا من ذكر الله تعالى ومن تلاوة القرآن، وربما قرئ عليه الحديث وهو يصلي ويصغي إلى القارئ وينبهه إذا زَلَّ، واجتمع له مع ذلك القبول التام عند الخواص والعوام، والصيت المنتشر، والجاه والرفعة، وتولى تدريس النظامية ببغداد مدة، محترمًا في حريم الخلافة مرجوعًا إليه، ثم آثر العود إلى الوطن واغتنم الناس رجوعه إليهم واستفادتهم من علمه، وتبركوا بأيامه.\nوسمع الكثير من الْفُرَاوِيِّ، وزاهر، وفهرست مسموعاته متداول، ومما سمع من الْفُرَاوِيِّ بقراءة تاج الإسلام أبي سعد السمعاني، ومن خطة نقلت سماعه: \"دلائل النبوة\" وكتاب \"البعث والنشور\" وكتاب \"الأسماء والصفات\" وكتاب \"الاعتقاد\" للبيهقي، وبقراءة الحافظ عبد الرزاق الطَّبَسِيِّ: \"التفسير الوجيز\" للواحِدِيِّ، وبقراءة الحافظ أبي القاسم الدمشقي \"جزء من حديث يحيي بن يحيى\" وغيره، وذلك في سنتي تسع وعشرين وثلاثين وخمسمائة.\nوكان يعقد المجلس للعامة في الأسبوع ثلاث مرات: إحداها: صبيحة يوم الجمعة فتكلم على عادته يوم الجمعة الثاني عشر من المحرم سنة تسعين وخمسمائة في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُو﴾ (^١) وذكر أنَّها من أواخر ما نزل من القرآن، وعدَّ الآيات المنزلة أجزاء منها: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (^٢)، ومنها سورة النصر، وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى\n_________\n(^١) التوبة: ١٢٩.\n(^٢) المائدة: ٣.","vol":"1","page":111},{"text":"اللَّهِ﴾ (^١).\nوَذُكِرَ أنَّ رسول الله ﷺ ما عاش بعد نزول هذه الآية إلا سبعة أيام.\nولما نزل من المنبرِ حُمَّ وانتقل إلى جوار رحمة الله تعالى في الجمعة الأخرى، ولم يعش بعد ذلك المجلس إلَّا سبعة أيام، وهذا من عجيب الاتفاقات، وكأنه أُعْلِمَ بالحال، وبأنه حان وقت الارتحال، ودُفن يوم السبت، ولقد خرجت من الدار بكرة ذلك اليوم على قصد التعزية، وأنا في شأنه متفكرٌ، وما أصاب متكسرٌ؛ إذ وقع في خلدي من غير نيةٍ وفكرٍ ورويةٍ: [كامل]\nبَكَتِ الْعُلُومُ بِوَيْلِهَا وَعَوِيلِهَا … لِوَفَاةِ أَحْمَدِهَا بْنِ إِسْمَاعِيلِهَا\nكأنَّ أحدًا يكلمني بذلك ثم أضفت إليه حينئذٍ بالروية أبياتًا ذهبت عنِّي.\nوكانت ولادته سنة اثنتي عشرة وخمسمائة وهو ﵀ خال والدتي وأبوها من الرضاع (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-62>الفصل الثاني</span>\nقوله: \"أَظُنُّ أَنَّ النَّاسَ عَلَى ضَلَالَةٍ\" يجوز أن يحمل على المشهور بمعنى الظن ويجوز أن يحمل على اليقين، وقد يرد الظن بمعنى اليقين كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ (^٣).\nوقوله: \"يُخْبِرُ أَخْبَارًا\" يعني أخبارًا تناسب ما ظننته من ضلالة عُبَّادِ الأوثان، فارتحلت إليه لأبحث عما عنده.\n_________\n(^١) البقرة: ٢٨١.\n(^٢) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (٢١/ ترجمة ٩٤)، \"التدوين في أخبار قزوين\" (٢/ ١٤٤).\n(^٣) البقرة: ٤٩.","vol":"1","page":112},{"text":"وقوله: \"فإذا رَسُولُ الله ﷺ مُسْتَخْفِيًا\" أي: صادفته أو ما أشبه ذلك، وَالْمُسْتَخْفِي: المُتَوَارِي، وَالاخْتِفَاءُ: الإِخْرَاجُ.\nوقوله: \"جُرَآءُ عَلَيْهِ قَوْمُهُ\" أي: غالبون متسلطون غير هائبين له، جمع جَرِيءٍ وهو الْجَسُورُ.\nوقوله: \"إِنِّي مُتَّبِعُكَ\" أي مصاحب وملازم لك، وليس المراد الاتباع إيمانًا، ولو أراد ذلك لما أَخَّرَهُ ولما قال: \"لا تَسْتَطِيعُ ذلك يَوْمَكَ هَذَا\".\nوقوله: \"قَدْ ظَهَرْتُ\" يجوز أن يُحْمَلَ على البروز؛ لأن قد سبق ذكر الاستخفاء، ويجوز أن يحمل على الغلبة والعلو يقال: ظَهَرَ على الرجل أي: غلبه، وظَهَرَ على السطح أي: علاه وظهره أيضًا.\nوقوله: \"أَتَحَيَّنُ الأَخْبَارَ\" أي: أرقب حينها، يقال: تَحَيَّنَ طعامه أي: وقت أكله.\nوقوله: \"مِنْ أَهْلِ يَثْرِبَ مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ\" يمكن أن يُجْعَلَ قوله: \"من أهل الْمَدِينَةِ\" بدلًا وتفسيرًا لأهل يثرب، ويمكن أن يقدر أن لسانه سبق إلى لفظ يثرب ثم أعرض عنه لما روي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ غير الاسم لما فيه من التَّثْرِيبِ وسماها (طابةً) (^١) فتداركهـ باللفظة الأخرى (^٢).\nوقوله: \"ثُمَّ أَقْصِرْ عن الصَّلَاةِ\" أي: أَمْسِكْ، يقال: أَقْصِرْ عن الشيء أي: كُفَّ، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾ (^٣) والمقصود الصلاة التي تكره في أوقات الكراهة لا كل صلاة على ما هو مبينٌ في المذهب.\n_________\n(^١) في د: طيبة. وكلاهما مروي.\n(^٢) رواه أحمد (٥/ ٩٦، ١٠٦).\n(^٣) الأعراف: ٢٠٢.","vol":"1","page":113},{"text":"وقوله: \"حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ حَتَّى تَرْتَفِعَ\" أي: عند الطلوع إلى الارتفاع وهذا أحد أوقات الكراهة، وفي بعض الروايات وتنسب إلى الْجُلُودِيِّ: \"حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَتَّى تَرْتَفِعَ\" وهو صحيح المعنى أيضًا أي: أقصر بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس بل حتى ترتفع، ويشتمل ذلك وقتين من أوقات الكراهة.\nوقوله: \"بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ\" قيل: قَرَنَاهُ: نَاحِيتَا رَأْسِهِ، ويذكر أنه يدني رأسه حينئذٍ من الشمس ليكون الساجد لها ساجدًا له، وقيل: الْقَرْنُ: الْقُوَّةُ، أي: تطلع حين يقوي الشيطان ويتسلط، وذلك لنفوذ وسوسته وإغوائه عابديها.\nوقوله: \"مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ\" أي: تحضرها الملائكة ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (^١).\nوقوله: \"حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظِّلُّ بِالرُّمْحِ\" أي: حتى يتراجع الظل ويتناهي نقصانه ويقل.\nوقوله: \"تُسْجَّرُ جَهَنَّمُ\" الأغلب في اللفظ التشديد، ويروى \"تُسْجَرُ\" بالتخفيف، يقال: سَجَرَ التَّنُّور يَسْجُرُهُ أي: أحماه، وكأن التشديد للتكثير، ويقال: المعنى أنها تملأ نارًا كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ (^٢): ملئت.\nوقوله: \"فَإِذَا أَقْبَلَ الْفَيْءُ\" أي: أقبل من جهة المغرب إلى المشرق وتحول إليه.\nوالْوَضُوءُ بفتح الواو: الماءُ الذي يتوضأ به.\nوقوه: \"فَيَنْتَثِرُ\" يقال: نَثَرَ وانْتَثَرَ واسْتَنْثَرَ إذا حرك النَّثْرَة وهي طرف الأنف؛\n_________\n(^١) الإسراء: ٧٨.\n(^٢) التكوير: ٦.","vol":"1","page":114},{"text":"وذلك لاستخراج ما فيه، وفي اللفظ دليل على أن الاستنثار غير الاستنشاق خلافًا لقول من فَسَّر الاستنثار بالاستنشاق.\nوقوله: \"إِلَّا خَرَّتْ\" أي: سقطت فذهبت، ويروي \"جَرَتْ\" بالجيم وتخفيف الراء أي: جرت مع الماء، وجاء في غير هذا الحديث: \"خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مَعَ المَاءِ\".\nوقول أبي أمامة لعمرو: \"انْظُرْ مَا تَقُولُ\" ليس على وجه الاتهام لكنه توكيد واستثبات منه.\nوَقَدِ اشْتَمَلَ الْحَدِيثُ على ثَلَاثِ جُمَلٍ:\nإحداها: بيان ابتداء شأن الرسول ﷺ.\nوالثانية: بيان أوقات الكراهة.\nوالثالثة: بيان الوضوء وثوابه.\nوأورده الحافظ أبو نعيم الحداد في \"الجمع بين الصحيحين\" كذلك مفرقًا في الأبواب الثلاثة.\n\n<span data-type='title' id=toc-63>الفصل الثالث</span>\nكان عمرو بن عَبَسَةَ ﵁ قد آمن أولًا، فلما انتهى إلى حضرة النبوة ثانيًا سأل عن الصلاة؛ لأنَّ الصلاة تلو الإيمان، ولم يسأل بقوله: \"أَخْبِرْنِي عَنِ الصَّلَاةِ\" عن كيفيتها ولو سأل عنها لم يكن الجواب مطابقًا، فكأنه كان قد بلغته الكيفية وعرف أن الصلاة خير موضوع فمن شاء استقلَّ منه ومن شاء استكثر، فأراد أن يعرف وقت فعلها فقال: \"أَخْبِرْنِي عَنِ الصَّلَاةِ\" أي: عن شأنها فيما يرجع إلى وقت الفعل والترك، والجواب يشمل الأوقات الخمسة المكروهة على رواية من روي: \"حَتَّي تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَتَّى تَرْتَفِعَ\" ثم سأل بعد الصلاة عن الوضوء، وإن كان الوضوء","vol":"1","page":115},{"text":"وسيلة إلى الصلاة؛ لأنَّ المقصود هو الذي يخطر أولًا ثم يقع النظر في المقدمات والوسائل، ولذلك قيل: أول الفكر آخر العمل.\nوالحديث يَدُلُّ على أن الوضوء في نفسه عبادة يُثَابُ عَلَيْهَا، وأنه لِلذَّنْبِ مُكَفِّرٌ كما أنه لِلْحَدَثِ مُطَهِّرٌ، وإذا وُصِلَ به الصلاة زَادَ الثَّوَابُ وَالدَّرَجَاتُ.\nأنبا والدي سَمَاعًا وَإِجَازَةً، أنبا سَعْدُ الخير، أنبا أبو بكر التَّمَّارُ، أنبا أبو الْقَاسِمِ السِّمْسَارُ، أنبا حمزه الدِّهْقَانُ، أنبا عبد الْكَرِيمِ بن الْهَيْثَمِ، ثنا عبد الله بن جَعْفَرٍ، ثنا عُبَيْدُ الله بن عَمْرٍو، عن زَيْدِ بن أبي أُنَيْسَةَ، عن عَدِيِّ بن ثَابِتٍ، عن أبي حَازِمٍ الْأَشْجَعِيِّ، عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النبي ﷺ قال: \"مَنْ تَطَهَّرَ في بيته ثُمَّ مَشَى إلى بَيْتٍ من بُيُوتِ الله لِيُؤَدِّيَ فريضة الله عليه فَخَطْوَتَاهُ إِحْدَاهُمَا تَحُطُّ خَطِيئَةُ والأخرى تَرْفَعُ دَرَجَةً\" (^١).\nوإذا وَقَعَ الوضوء كَامِلًا كما أَمَرَ الله تعالي به وَنَدَبَ إليه كَانَتِ الصلاة الْمُؤَدَّاةُ به أَبْلَغَ في جَلْبِ الْحَسَنَاتِ وَتَكْفِيرِ السِّيِّئَاتِ.\nقَرَأْتُ على عبد الْوَاحِدِ بن عَلِيِّ بن محمد قال: أَنَبَا محمد بن الْحَسَنِ الطُّوسِيُّ قال: أَنَبَا عبد الْوَاحِدِ بن الْفَضْلِ، أنبا محمد بن أحمد الْحَدَّادِيُّ، ثنا محمد بن عبد الْوَاحِدِ السِّمْنَانِيُّ، أنبا عُبَيْدُ الله بن محمد، ثَنَا أبو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ، ثنا عَلِيُّ بن الجَعْدِ، ثنا شُعْبَةُ، عن جَامِعِ بن شَدَّادٍ قال: سَمِعْتُ حُمْرَانَ يُحَدِّثُ أبا بُرْدَةَ في مسجد الْبَصْرَةِ وأنا قَائِمٌ معه، أنه سَمِعَ عُثْمَانَ بن عفان ﵁ يُحَدِّثُ عن النبي ﷺ قال: \"مَنْ أَتَمَّ الْوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ الله تعالى فَالصَّلَوَاتُ الخَمْسُ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ\" (^٢).\n_________\n(^١) رواه مسلم (٦٦٦/ ٢٨٢) من طريق عبيد الله.\n(^٢) \"مسند ابن الجعد\" (٤٧٢) كما رواه من طريقه الرافعي.","vol":"1","page":116},{"text":"وكانوا كما يَحْتَاطُونَ في الوضوء الذي هو مُقَدِّمَةُ الصلاة وَيُرَاعُونَ مَأْمُورَاتِهِ يَحْتَاطُونَ في تَحْصِيلِ الْمَاءِ الَّذي هو مُقَدِّمَةُ الْوُضُوءِ وَيَتَوَخَّوْنَ الإِخْلَاصَ وَالاجْتِهَادَ فِيهِ.\nقَرَأْتُ على عَلِيِّ بن عبيد الله قال: أنبا محمد بن عبد العزيز الزَّعْفَرَانِيُّ إِجَازَةً قال: أنبا الْقَاضِي أبو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بن عَلِيٍّ الصَّفَّارُ، ثنا أبو عبد الله الْحُسَيْنُ بن جَعْفَرٍ الْجِرْجَانِيُّ قال: ثنا أبو بكر أحمد بن محمد الْحَدَّادُ بِتِنِّيسَ وَمُسْلِمُ بن الْفَضْلِ الآدَمِيُّ بِمِصْرَ قالا: ثنا محمد بن عُثْمَانَ قال: ثنا عبد الله بن عُمَرَ بن أَبَانَ قال: ثنا النَّضْرُ بن مَنْصُورٍ، عن أبي الْجَنُوبِ (^١) قال: رأيت عَلِيًّا ﵁ يَسْتَسْقِي الْمَاءَ لِطُهُورِهِ فَبَادَرْتُ أَسْتَسْقِي له فقال: مَهْ يا أبا الْجَنُوبِ فإني رَأَيْتُ عُمَرَ بن الْخَطَّابِ ﵁ يَسْتَسْقِي الماء للوضوء فَبَادَرْتُ أَسْتَسْقِي له فقال: مَهْ يا أبا الْحَسَنِ فإني رَأَيْتُ رسول الله ﷺ يَسْتَسْقِي الْمَاءَ لَوُضُوئِهِ فَبَادَرْتُ أَسْتَسْقِي له فقال: \"مَهْ يا عُمَر أو يا ابن الخَطَّابِ فَإِنِّي لا أُرِيدُ أن يُعِينَنِي على صَلَاتِي أَحَدٌ\" (^٢).\n_________\nوالحديث رواه مسلم (٢٣١) من طريق شعبة.\n(^١) في س، د: زيد أبي الجنوب. وهو خطأ، وأبو الجنوب اسمه عقبة بن علقمة اليشكري الكوفي. راجع \"تهذيب الكمال\" (٢٠/ ٢١٣) وملحقاته،\n(^٢) رواه أبو يعلى (٢٣١)، والبزار كما في \"مجمع الزوائد\".\nقال الهيثمي (١/ ٢٢٧): أبو الجنوب ضعيف.\nوقال البوصيري في \"اتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة\" (٥٤٣): هذا إسناد ضعيف؛ لضعف أبي الجنوب، واسمه عقبة بن علقمة.\nقلت: وفيه أيضًا النضر بن منصور، قال الذهبي في \"المغني في الضعفاء\" (٦٦٤٨): مجهول، وقد ضعفه النسائي وغيره.","vol":"1","page":117},{"text":"وقوله: \"وَفَرَّغَ قَلْبَهُ لِلَّهِ\" كلمةٌ سهلةٌ في المعتاد ومعناه صعبُ المنالِ، وتفريغ القلب لله تعالى هو إحضاره الذي هو سِرُّ الصلاة وتصفية الوقت والإخلاص الذي هو روح العبادات، ويروي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: \"إِنَّ الْعَبْدَ لَيُصَلِّي الصَّلَاةَ وَلَا يُكْتَبُ لَهُ سُدْسُهَا وَلَا عُشْرُهَا، وَإِنَّمَا يُكْتَبُ لِلْعَبْدِ مِنْ صَلَاتِهِ مَا عَقَلَ مِنْهَا\" (^١).\nوما لَمْ يفرغ القلب لله تعالى لا يتمكن فيه تعظيم الله تعالى، والالتذاذ بذكره، واتباع أمره، ولا يمتلئ من رجائه وخوفه فما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه، وقال قائلهم: [طويل]\nأَتَانِي هَوَاهَا قَبْلَ أَنْ أَعْرِفَ الْهَوَى … فَصَادَفَ قَلْبًا فَارِغًا فَتَمَكَّنَا\nوالمقصود من التفريغ مِمَّا سواه أن يمتلئَ بِهِ.\nذُكر أنَّ الله تعالى أوحي إلى موسي ﵇: \"فرغ لي (بيتًا) (^٢) أسكنه\" وأراد به قلبه.\n_________\nوقد روى البخاري (٢٠٣)، ومسلم (١٤٩) من حديث الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عن رسول الله ﷺ أنه خَرَجَ لِحَاجَتِهِ فَاتَّبَعَهُ الْمُغِيرَةُ بِإِدَاوَةٍ فيها مَاءٌ، فَصَبَّ عليه حين فَرَغَ من حَاجَتِهِ، فَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ على الْخُفَّيْنِ.\nقال النووي ﵀ في شرح مسلم: وفي هذا الحديث دَلِيلٌ على جَوَازَ الاسْتِعَانَة في الوضوء. وقد ثَبَتَ أَيْضًا في حديث أُسَامَة بْن زَيْد ﵁ أنه صَبَّ على رسول الله ﷺ في وُضُوئِهِ حين انْصَرَفَ من عَرَفَة. وقد جَاءَ في أحاديث لَيْسَتْ بِثَابِتَةٍ النَّهْي عن الاسْتِعَانَة. أهـ.\n(^١) رواه أبو داود (٧٩٦)، وابن حبان (١٨٨٩) عن عمار بن ياسر بنحوه. وحسنه الألباني في \"صحيح الجامع\" (١٦٢٦).\n(^٢) في د: شيئًا.","vol":"1","page":118},{"text":"وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ (^١) فارغًا إلَّا من ذكر موسي كأنَّه لامتلائه بذكره لم يسع غيره.\nواللَّام الدَّاخلة في قوله: \"لِلَّهِ\" قد تكون بمعنى الملك والاستحقاق كقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ (^٢)، وقول الواحد مِنَّا: الحمد لله، وقد تكون لام العلة كقول المصلي: أُصلي لله أي: لأمره أو طلبًا لرضاه.\nويمكن تنزيل قوله: \"وَفَرَّغَ قَلْبَهُ لله\" على الوجهين أما على الأول فالمعنى أنه فَرَّغَهُ ليصير لله أو جعله خالصًا لله، وأما على الثاني فالمعنى أنه فرغه لأمر الله تعالى بذلك وطلب به رضاه ورحمته، وعلى المصلي الاجتهاد في دفع الشواغل ما أمكنه، فإن لم يتيسر التفريغ في جميع الصلاة فلا ينبغي أن تخلو عنه جميع الصلاة، وحقٌّ على مَنْ عرف مِنْ ربه أن بيده الخير وله الخلق والأمر لا غير أن يفزع إليه في الحاجات ويفرغ له القلب في المناجاة ولا أن يعتز بمن سواه ويعتز به وبما أولاه.\nوقد أنبأنا أحمد بن إسماعيل، أنبا أبو زيد الْفَزَارِيُّ (^٣) سَمَاعًا أو إِجَازَةً، أنبا عَلِيُّ بن مُحَمَّدٍ، أنبا عبد الرحمن بن محمد الْفَامِيُّ، أنبا الْأُسْتَاذُ أَبُو الْقَاسِمِ الْحَسَنُ بْنُ محمد بن حَبِيبٍ قال: أَنْشَدَنِي أبو سَعِيدٍ محمد بن سَعِيدٍ الْقَزْوِينِيُّ الصُّوفِيُّ ﵀: [وافر]\n_________\n(^١) القصص: ١٠.\n(^٢) البقرة: ٢٨٤.\n(^٣) في د: الفراوي. والمثبت من س. وهو محمد بن الفضل بن علي أبو زيد الفزاري. ترجمته في \"التدوين في أخبار قزوين\" (١/ ١١٦).","vol":"1","page":119},{"text":"أَلَا بِالله جَاهِي وَاعْتِرَازِي … وَمَا أَحَدٌ سِوَاهُ بِهِ أُبَاهِي\nوَفِي عِصْيَانِهِ ذُلِّي وَجُبْنِي … وَعِزِّيِ فِي مُجَانَبَةِ الْمَنَاهِي\nوَأُنْشِدُكُمْ هذه الرُّبَاعِيَّةَ وليست هي بِسَمَاعِيَّة:\nيَا مَنْ هُوَ لِلْحَقِّ وَدُوْدٌ وَوَصُولُ … الْعارِفُ فِي السُّلُوكِ بالله يَصُولُ\nوَاسْتَغْنِ بِهِ وَكُنْ لَهُ وَارْضَ وَثِقْ … بِالله فَمَا لِمَنْ سِوَاهُ مَحْصُولُ\nآخر المجلس السادس، والحمد لله رب العالمين وصلواته على نبيه محمد وآله وصحبه\n* * * * *","vol":"1","page":120},{"text":"﷽\nوما توفيقي إلا بالله\n\n<span data-type='title' id=toc-64>المجلس السابع </span>من أماليه ﵀ أملاه يوم الثلاثاء الثامن عشر من رمضان سنة إحدى عشرة وستمائة\nحدثنا ﵀ إِمْلَاءً من لفظه قال: قَرَأْتُ عَلَى عَلِيِّ بن عُبَيْدِ الله، أَنَبَا ابن الْحَصِينِ كِتَابَةً قال: أَنَبَا أبو طَالِبٍ الْبَزَّازُ قال: أَنَبَا أبو بكر الشَّافِعِيُّ قال: ثنا جَعْفَرُ بن محمد قال: ثنا قُتَيْبَةُ، ثنا اللَّيْثُ، عن يَزِيدَ بن عبد الله، عن محمد بن إبراهيم، عن عَامِرٍ، عن الْعَبَّاسِ ﵁ أنه سَمِعَ رسول الله ﷺ يَقُولُ: \"ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بالله رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا\".\n\n<span data-type='title' id=toc-65>في الشرح فصول</span>\nهذا حديثٌ صحيحٌ أخرجه مسلم (^١) عن ابن أبي عمر، عن عبد العزيز الدَّرَاوَرْدِيِّ، عن يزيد، واللفظ: \"وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا\".\nوأخرج مسلم (^٢) والترمذي (^٣) وأبو داود (^٤) وابن ماجه (^٥) والنسائي (^٦) من رواية حُكَيْمٍ بضم الحاء وفتح الكاف، عن عَامِرِ بن سَعْدٍ، عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: \"من قال حين يَسْمَعُ المُؤَذِّنَ: وأنا أَشْهَدُ أن لا إله إلا الله وَحْدَهُ لا\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (٣٤).\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (٣٨٦).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (٢١٠).\n(^٤) \"سنن أبي داود\" (٥٢٥).\n(^٥) \"سنن ابن ماجه\" (٧٢١).\n(^٦) \"سنن النسائي\" (٢/ ٢٦).","vol":"1","page":121},{"text":"شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ رَضِيتُ بِالله رَبًّا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ\".\nوالعبَّاسُ: هو عمُّ رسولِ الله ﷺ أبو الفضل بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف ﵁.\nروى عنه: عبد الله بن الحارث بن نوفل، ونافع بن جبير، ومالك بن أوس، وابنه كثير.\nوكان الْعَبَّاسُ أَسَنَّ من النبي ﷺ بِثَلَاثِ سِنِينَ.\nوعن أبي رِزيَن أنه قيل لِلْعَبَّاسِ: أنت أَكْبَرُ أو رَسُولُ الله ﷺ؟\nقال: هو أَكْبَرُ مِنِّي وَوُلِدْتُ أَنَا قَبْلَهُ (^١).\nوَاسْتَسْقَي عُمَرُ ﵁ بِالْعَبَّاسِ عام الرَّمَادَةِ (^٢) فقال: اللَّهُمَّ إن هؤلاء عَبِادُكَ وَبَنُوا إِمَائِكَ أَتَوْكَ راغبين مُتَوَسِّلِينَ إليك بعم نَبِيِّكَ، اللهم إنا نَسْتَسْقِيكَ بِعَمِّ نَبِيِّكَ، وَنَسْتَشْفِعُ إليك بِشَيْبَتِهِ فَسُقُوا (^٣).\nوفي ذلك يقول بعض بني هاشم في أبياتٍ له:\n_________\n(^١) رواه ابن أبي شيبة (١٣/ ٦١)، والحاكم (٣/ ٣٦٢).\n(^٢) الرَمَادَةُ: الْهَلَاكُ.\nوسُمِّيَ بعام الرمادة لأنّه هَلَكَتْ فيه الناس وهلكت الأموال وهي أعوام جدب تتابعت على الناس في أيام عمر بن الخَطّابِ ﵁. \"الصحاح\" (رمد).\n(^٣) رواه اللالكائي في \"كرامات الأولياء\" (ص ١٣٦) بتمامه من حديث ابن عباس.\nوروى البخاري (١٠١٠) من حديث أَنَسِ بن مَالِكٍ أن عُمَرَ بن الْخَطَّابِ كان إذا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ بن عبد الْمُطَّلِبِ فقال: اللَّهُمَّ إنا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إليك بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا وإنا نَتَوَسَّلُ إليك بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا قال فَيُسْقَوْنَ.","vol":"1","page":122},{"text":"بِعَمِّي سَقَى اللهُ الْحِجَازَ وَأَهْلَهُ … عَشِيَّةَ يَسْتَسْقِي بِشَيْبَتِهِ عُمَرْ (^١)\nتوفي فيما حكي عن الواقدي سنة اثنتين وثلاثين وهو ابن ثمان وثمانين (^٢).\nوعامر: هو ابن سعد بن أبي وقاص مالك بن وهيب أو أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة الزهري القرشي المدني.\nسمع: أباه، والعباس بن عبد المطلب، وأبا سعيد الخدري، وأسامة بن زيد.\nروى عنه: الزهري، وسعيد بن المسيب، وسعد بن إبراهيم، ومحمد بن المنكدر، وعطاء بن يسار، وغيرهم.\nمات سنة أربع ومائة بالمدينة (^٣).\nومحمد بن إبراهيم: هو أبو عبد الله بن إبراهيم بن الحارث بن خالد بن صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مُرَّةَ بن كعب التيمي القرشي المدني.\nروي عن: ابن عمر، وأنس، وعلقمة بن وقاص، وأبي سلمة، وعروة بن الزبير، وعامر بن سعد.\nروى عنه: يحيى بن سعيد الأنصاري، ويحيى بن أبي كثير، وهشام بن عروة، وعمارة بن غزية، والأوزاعي.\nمات سنة عشرين ومائة، وأبوه وجده صحابيان معدودان في المهاجرين (^٤).\nويزيد: هو ابن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي المدني.\n_________\n(^١) البيت من الطويل، وهو للفضل بن عباس بن عتبة بن أبي لهب، انظر \"نهاية الأرب في فنون الأدب\" (٥/ ١٠٥).\n(^٢) انظر \"معرفة الصحابة\" (٤/ ترجمة ٢٢١٢)، و\"الإصابة\" (٣/ ترجمة ٤٥١٠).\n(^٣) انظر \"تهذيب الكمال\" (١٤/ ٢١)، \"سير أعلام النبلاء\" (٤/ ترجمة ١٢٢).\n(^٤) انظر \"تهذيب الكمال\" (٢٤/ ٣٠١)، \"سير أعلام النبلاء\" (٥/ ٢٩٤).","vol":"1","page":123},{"text":"سمع: عبد الله بن دينار، وأبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، والزهري، ومحمد بن إبراهيم التيمي.\nروى عنه: عبد العزيز الدَّرَاوَرْدِيُّ، وابن عيينة، وحَيْوةُ بن شُريح، ومالك، وغيرهم.\nمات سنة تسع وثلاثين ومائة (^١).\nواللَّيث: هو أبو الحارث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي، مولاهم المصري من أئمة الأمة.\nسمع: الزهري، ونافعًا مولى ابن عمر، وسعيدًا المقبري، ويزيد بن الهاد.\nروى عنه: أحمد بن يونس، وأبو الوليد الطيالسي، والخلق الكثير.\nوكان يُضْرب به المثل في الْجُودِ، وظهرت آثار أفضاله على كثير من علماء عصره منهم مالك، وابن لهيعة، ومنصور بن عمار؛ أعطى كل واحد منهم ألف دينار، ويقال: أنه كان يستغلّ في كل سنة خمسين ألفًا ويحول الحول وعليه دَين.\nمات سنة اثنتين وسبعين ومائة، وكان أصله من أصفهان (^٢).\nوقتيبة: هو أبو رجاء بن سعيد بن جميل بن طريف بن عبد الله الثقفي مولاهم البغلاني.\nسمع: ابن عيينة، وحماد بن زيد، ومالكًا، وجرير بن عبد الحميد، والليث.\nروى عنه: البخاري، ومسلم، وأصحاب الجوامع.\n_________\n(^١) انظر \"تهذيب الكمال\" (٣٢/ ١٦٩)، \"سير أعلام النبلاء\" (٦/ ترجمة ٨٨).\n(^٢) انظر \"تهذيب الكمال\" (٢٤/ ٢٥٥)، \"سير أعلام النبلاء\" (٨/ ١٣٦).","vol":"1","page":124},{"text":"مات في شهر رمضان سنة أربعين ومائتين (^١).\nوجعفر: هو أبو بكر جعفر بن محمد بن الحسن بن المستفاض الْفِرْيَابِيُّ القاضي.\nمُحَدِّثٌ أمينٌ معروفٌ بالمعرفةِ والرحلةِ الواسعةِ وحسنِ الفهمِ والتصنيفِ.\nروي عن: محمد بن أبي عمر، وأبي مصعب، وهشام بن عمار، وعلي بن المديني، وأبي كريب، ومحمد بن بشار، وإسحاق بن إبراهيم، وعمرو بن زرارة.\nتوطن بغداد وسمع منه بها من لا يحصى كثرة.\nحَدَّثَ أبو بكر الخطيب عن أحمد بن محمد، عن أبي الفضل الزهري قال: لما سمعت من جعفر كان في مجلسه من أصحاب المحابر حدود عشرة آلاف سوي من كان لا يكتب.\nتوفي ببغداد سنة إحدى وثلاثمائة (^٢).\nوأبو بكر الشافعي: هو محمد بن عبد الله بن إبراهيم البزاز، من كبار شيوخ بغداد.\nسمع: محمد بن الجهم، ومحمد بن الفرج الأزرق، والباغندي، والفريابي، وكان كثير الحديث، يقال: انتقي عليه عمر بن جعفر البصري عشرين جزءًا فكمَّلها الدارقطني مائة.\nروى عنه: الدارقطني، وابن شاهين، والحاكم أبو عبد الله، وأبو سعيد النَّقَّاش، ووثقوه. ويذكر أنه لما منعت الديلم من ذكر فضائل الصحابة ببغداد\n_________\n(^١) انظر \"تهذيب الكمال\" (٢٣/ ٥٢٣)، \"سير أعلام النبلاء\" (١١/ ١٣).\n(^٢) انظر \"تاريخ بغداد\" (٧/ ١٩٩)، \"سير أعلام النبلاء\" (١٤/ ٩٦).","vol":"1","page":125},{"text":"كان الشافعي يتعمد إملاء الفضائل في جامع المدينة وفي مسجده حِسْبَةً.\nمات سنة أربع وخمسين وثلاثمائة (^١).\nوأبو طالب: هو محمد بن محمد بن إبراهيم بن غيلان بن عبد الله بن غيلان البزاز.\nسمع: أبا إسحاق إبراهيم بن محمد الْمُزَكِّي، وأبا بكر الشافعي.\nقال أبو بكر الخطيب: كتبنا عنه وكان صدوقًا.\nمات سنة أربعين وأربعمائة (^٢).\nوَابنُ الْحَصِينِ: هو الرئيس أبو القاسم هبة الله بن محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن الحصين مشهور من شيوخ بغداد.\nسَمَّعه أبوه من: ابن غيلان، وابن الْمُذْهِبِ، وأبي القاسم التَّنُّوخِيّ، والقاضي أبي الطيب، وأملي في جامع القصر مجالس خرجها له محمد بن ناصر.\nوتوفي سنة خمس وعشرين وخمسمائة (^٣).\nوالشيخ الذي قرأت عليه:\nهو أبو الحسن علي بن عبيد الله بن الحسن بن الحسين بن بابويه الرازي، ويكنى أبوه (بالقاسم) (^٤) وجده (بعبد الله) (^٥) ولهما رواية.\nكان مُكثرًا شديدَ الحرص على جمع الحديث وكتابته وسماعه، واجتمع عنده\n_________\n(^١) انظر \"تاريخ بغداد\" (٥/ ٤٥٦)، \"سير أعلام النبلاء\" (١٦/ ٤٠).\n(^٢) انظر \"تاريخ بغداد\" (٣/ ٢٣٤)، \"سير أعلام النبلاء\" (١٧/ ٥٩٨).\n(^٣) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٩/ ٥٣٦).\n(^٤) كذا في س، د. وكنية أبيه أبو القاسم.\n(^٥) كذا في س، د. وكنية جده أبو عبد الله.","vol":"1","page":126},{"text":"من الكتب والأجزاء المتفرقة من هذا الفن شيء كثير، وسمع من العدد الجم على قلة الرحلة، وأدرك الإجازات العالية، وممن أجاز له: ابن الحصين، ومحمد بن عبد الباقي الأنصاري، وهبة الله الواسطي، والحريري، وعبد الوهاب الأنماطي، وأبو جعفر الحافظ الهمداني، والحسين الخلال، وفاطمة الجوزدانية، وأئمة البلاد المتباعدة.\nوكان له حفظٌ ومعرفةٌ بطرق الحديث وأسماء الرجال والتواريخ، وكان يُسَوِّدُ \"تاريخ الري\" في أجزاء كبيرة وكثيرة، ولم يتفق له نقله إلى البياض، وسمع منه أهل بلده والغرباء.\nوروى عنه الحافظ أبو موسى المديني في بعض أماليه.\nلقيته بالرّي غير مرة وكثرت استفادتي من مكتوباته وتعاليقه.\nوكان ولادته سنة أربع وخمسمائة، وتوفي قريبًا من سنة تسعين وخمسمائة (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-66>الفصل الأول</span>\nرَبُّ كُلِّ شَيْءٍ: مَالِكُهُ، وفي الحديث: \"أَرَبُّ إِبِلٍ أنت أم رَبُّ غَنَمٍ\" (^٢).\nوَالرَّبُّ: السَّيِّدُ، وَعَلَيْهِ يُحْمَل قوله تعالى: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ (^٣).\nوَالرَّبُّ: الرَّئِيسُ قَالَهُ الْخَلِيلُ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ السَّيِّدِ، يُقَالُ: رَبَبْتُ الْقَوْمَ أَيْ: سُسْتُهُمْ وَكُنْتُ فَوْقَهُمْ. وَالرَّبُّ: المُرَبِّي، يُقَالُ: رَبَّ فُلَانٌ وَلَدَهُ يَرُبُّه ربًّا ورِبَابَةً،\n_________\n(^١) انظر \"التدوين في أخبار قزوين\" (٣/ ٣٧٢).\n(^٢) رواه النسائي في \"الكبري\" (١١١٥٥)، وأحمد (٤/ ١٣٦)، والحميدي (٨٨٣) من حديث أبي الأحوص عوف ابن مالك عن أبيه قال: أتيت النبي ﷺ فصعّد فيّ النظر وصوبه وقال: أرب-\".\n(^٣) يوسف: ٤٢.","vol":"1","page":127},{"text":"وربَّبَهُ وتَرَبَّبَهُ ورَبَّاهُ كُلُّ ذَلِكَ بِمَعْنى وَاحِدٍ.\nوَالرَّابُّ: زَوْجُ الْأُمِّ، وَالرّابَّةُ: زَوْجَةُ الْأَبِ، وَرَبِيبُ الرَّجُلِ: ابْنُ امْرَأَتِهِ من غيره وهو بمعني مَرْبُوبٍ، والأنثى رَبِيْبَةٌ، والرَّبِيْبَةُ أيضًا من الْغَنَمِ: التي تُرَبِّيهَا الناس في البيوت، ويقال: رَبَّ الضَّيْعَةَ أَيْ: أصْلَحَهَا وَأَتَمَّهَا، وَرَبَبْتُ الْحَبَّ بِالْقَارِ: أَصْلَحْتُهُ به، وَتَقُولُ العرب: أَسْدَيْتَ إِلَىَّ نِعْمَةٌ فَرَبَّهَا أي: لا تَقْطَعْهَا.\nوفي ديوان الأدب: فُلَانٌ يَرُبُّ النَّاسَ أي: يَجْمَعُهُمْ، وَأَرَبَّتْ الْإِبِلُ بمكان كذا أَيْ: لَزِمَتْهُ وَأَقَامَتْ به، وَأَرَبَّتْ الْجَنُوبُ: دَامَتْ.\nوفي التفاسير أنَّ رَبَّ وأَرَبَّ لغتان في معني دام وثبت.\n\"والرَّبُّ\" من أسماء الله تعالى، ولا يطلق في حق غيره إلا بالإضافة، وكانوا ربما أطلقوه في الجاهلية على الملك، ومعناه أنه تعالى مالك الأشياء وخالقها وسيدها، وأيضًا فهو رَبٌّ بمعنى أنه المُرّبِّي، وبمعنى أنه المصلح لشأن الخلق، وبمعنى أنه مُتِمُّ النعمة عليهم، ويسمى المُربِّي والمُصْلِح رَبًّا ورابًّا كما يقال: برّ وبار، وإلى هذا يرجع ما ذكر الْحَلِيمِيُّ في معنى الرَّبُّ أنه الذي يبلغ ما أبدعه حدّ كماله المقدر له كالنطفة يجعلها علقة ثم مضغة إلى أن تصير خلقًا سويًّا وإنسانًا ينطق ويفهم ويعمل الأعاجيب.\nويجوز أن يقال أنه ربٌّ بمعنى أنه يجمع الناس بخلقهم في الدنيا وبالبعث والحشر في العقبي، فهو جامع الناس ليوم لا ريب فيه.\nوعن الحسين بن الفضل أنه رَبٌّ بمعنى أنه دائمٌ ثابتٌ من غيرِ إثباتِ أحدٍ، من قولهم: ربَّ بالمكان وأَرَبَّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-67>الفصل الثاني</span>","vol":"1","page":128},{"text":"قوله ﷺ: \"ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ\" فيه دليلٌ على جواز التوسع باستعمال الاستعارات إذ ليس للإيمان في الحقيقة طعمٌ يذاق، وهو كناية عن إدراك لذَّةِ الإيمان والإحساس بها، ويقرب منه قوله: \"ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فيه وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ\" (^١).\nوقوله \"رَضِيَ بالله رَبًّا\" يقال: رضيتُ فلانًا صاحبًا وبه صاحبًا أي: حمدت صحبته، ووافقني أمره، والمعنى مَنْ رضي بالله مالكًا وسيدًا قاهرًا فلم يعترض على حكم من لا يضام ولم يجزع ولم يضطرب مما أجرى من الأحكام، أو رضي بالله مُرَبِّيًا ومبلغًا النعمة حدَّ التمام، وجامعًا للناس وباقيًا بعد فناء الأنام، وحقيق بمن رضي به مالكًا وسيدًا وَمُرَبِّيًا ومتمًّا للنعمة أن يعرض عن تصرفه وتدبيره، ولا يعترض على حكمه وتدبيره، والرضا بما أُمِرَ العبدُ بالرضا به من قضاء الله تعالى أصل عظيم في الدين.\nأَنْبَأَنَا والدي، عن أبي أَسْعَدٍ الْقُشَيْرِيِّ قال: ثنا محمد بن أحمد الطَّبَسِيُّ قال: ثَنَا أبو سَعِيدٍ قال: أنبا عبد الرحمن قال: أنبا أبو يَحْيَى الْبَزَّازُ. قال: ثَنَا أحمد بن حَفْصٍ قال: حَدَّثَنِي إبراهيم بن سَالِمٍ، ثَنَا هِشَامٌ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابن عَبَّاسٍ أن رسول الله ﷺ قال: \"إن أَوَّلَ شَيْءٍ كَتَبَهُ الله في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ: بسم الله الرحمن الرحيم إنه من اسْتَسْلَمَ لِقَضَائِي ورضي بِحُكْمِي وَصَبَرَ على بَلَائِي؛ كَتَبْتُهُ صديقا وَبَعَثْتُهُ مع الصديقين\" (^٢).\n_________\n(^١) رواه البخاري (٢١)، ومسلم (٤٣) من حديث أنس بن مالك.\n(^٢) قال الشيخ الألباني في \"السلسلة الضعيفة\" (٥٤٢٩): موضوع. وقال: أخرجه الديلمي في مسند الفردوس.","vol":"1","page":129},{"text":"وقالت المشايخ ﵏: الرضا بالقضاء باب الله الأعظم.\nوفسَّرَهُ الأستاذ أبو القاسم القشيريُّ بأنَّ من أُكْرِمَ بالرضا فقد لُقِيَ بالتَّرحيب الأوفي، وَشُرِّفَ بالتَّقريب الأعلى.\nويجوز أن يُفَسَّرَ أنَّ الباب الأعظم من أبواب الوصول يدخل منه الخواص المكرمون بالقبول؛ ولذلك قال الأستاذ أبو علي الدقاق: طريق السالكين أطول وهو طريق الرياضة، وطريق الخواص أقرب لكنه أشق وهو العمل بالرضا والرضا بالقضاء.\nوَاعْلَمْ أن الناس في الرِّضَا بِالْقَضَاءِ ثَلَاثَةُ أصناف:\nفَقَوْمٌ يُحِسُّون بالبلاء وَيَكْرَهُونَهُ لكنهم يَصْبِرُونَ على حُكْمِهِ، وَيَتْرُكُونَ تَدْبِيرَهُمْ وَنَظَرَهُمْ حبا لله تعالى؛ لأن تدبير العقل لا يَنْطَبِقُ على رُسُومِ الْمَحَبَّةِ والهوى، قال قَائِلُهُمْ:\nلَنْ يَضْبِطَ الْعَقْلُ إِلَّا مَا يُدَبِّرُهُ … وَلَا تَرَى لِلْهَوَى فِي العَقْلِ تَدْبِيرَا\nكُنْ مُحْسِنًا أَوْ مُسِيْئًا وَابْقَ لِي أَبَدًا … فَكُنْ لَدَيَّ عَلَى الْحَالَيْنِ مَشْكُورَا (^١)\nوَفِرْقَةٌ ثانية يَضُمُّونَ إلى سكون الظاهر سُكُونَ القلب بالاجتهاد والرياضة وإن أَتَى الْبَلَاءُ على أنفسهم بل: [بسيط]\nيَسْتَعْذِبُونَ بَلَايَاهُمْ كَأَنَّهُمُ … لَا يَيْأَسْونَ مِنَ الدُّنْيَا إِذَا قُتِلُوا\nولذلك قال ذُو النُّونِ: الرضا سُرُورُ القلب بِمُرُورِ القضاء.\nوقالت رَابِعَةُ: إنما يَكُونُ العبد رَاضِيًا إذا سَرَّتْهُ الْبَلِيَّةُ كما سَرَّتْهُ النِّعْمَةُ.\n_________\n(^١) الأبيات من البسيط، وهي لأبي بكر الأصبهاني، انظر \"أمالي الزجاجي\" (ص ٢٦).","vol":"1","page":130},{"text":"وطائفة ثالثة يَتْرُكُونَ الاختيار وَيُوَافِقُونَ الأَقْدَارَ فلا يَبْقَى لها تَلَذُّذٌ (^١) ولا اسْتِعْذَابٌ ولا رَاحَةٌ ولا عَذَابٌ، وَتَقْضِي بهم دَوَاعِي الْمُوَافَقَةُ والْمُسَاعَدَةُ.\nقال أبو الشِّيصِ وأحسن:\n[كامل]\nوَقَفَ الْهَوَي بِي حَيْثُ أَنْتَ فَلَيْسَ لِي … مُتَأَخَّرٌ عَنْهُ وَلَا مُتَقَدَّمُ\nأَجِدُ الْمَلَامَةَ فِي هَوَاكَ لَذِيذَةً … حُبًّا لِذِكْرِكَ فَلْيَلُمْنِي اللُّوَّمُ\nأَشْبَهْتَ أَعْدَائِي فَصِرْتُ أُحِبُّهُمْ … إِذْ كَانَ حَظِّي مِنْكَ حَظِّي مِنْهُمُ\nوَأَهَنْتَنِي فَأَهَنْتُ نَفْسِي صَاغِرًا … مَا مَنْ يَهُونُ عَلَيْكَ مِمَّنْ أُكْرِمُ\nقَرَأْتُ على والدي ﵀ قال: أَنَبَا أبو الأَسْعَدِ قال: أَنَبَا الصَّفَّارُ قال: أنبا السُّلَمِيُّ قال: سُئِلَ الْمُرْتَعِشُ (^٢): بماذا تُنَالُ المَحَبَّةُ؟\nفقال: بِمُوَالَاةِ أَوْلِيَاءِ الله وَمُعَادَاةِ أعدائه، وأصله المُوَافَقَةُ، ثُمَّ نَظَرَ إلى بعض جُلَسَائِهِ فقال: أَنْشِدْنِي الْأَبْيَاتَ التي كنت تُنْشِدُهَا (^٣).\nفأنشده البيتين الأخيرين من القطعة.\nوَأُنْشِدُكُمْ لِنَفْسِي:\n[سريع]\n_________\n(^١) في س: تكدر. والمثبت من د، \"طبقات الشافعية\" للسبكي.\n(^٢) هو: أبو محمد عبد الله بن محمد النيسابوري الحيري تلميذ أبي حفص النيسابوري. انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٥/ ترجمة ٨٧).\n(^٣) \"طبقات الصوفية\" لأبي عبد الرحمن السلمي (ص ١٠٠).","vol":"1","page":131},{"text":"إِلَى رِضَا الرَّبِّ نَسُوقُ الرِّضَا … بِالله رَبًّا فَارْضَ فِيمَا قَضَى\nوَلَا تَكُنْ عَنْ شَأْنِهِ غَافِلًا … فَالْوَقْتُ سَيْفٌ صَارِمٌ مُنْتَضَى (^١)\nآخر المجلس السابع، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبيه محمد وآله وصحبه\n* * * * *\n_________\n(^١) نقل هذه الأبيات عن الإمام الرافعي: ابن الملقن في \"البدر المنير\" (١/ ٣٣٢).\nوجاء في \"البدر المنير\": \"ينتضى\" بدلًا من: \"منتضى\".","vol":"1","page":132},{"text":"﷽\nوما توفيقي إلا بالله\n\n<span data-type='title' id=toc-68>المجلس الثامن </span>من أماليه ﵀ في يوم الجمعة ثامن عشرين من شهر رمضان المبارك سنة إحدى عشرة وستمائة\nقال: أنبا الْحَافِظُ أبو مَنْصُورٍ الدَّيْلَمِيُّ في كتابه أنه قَرَأَ على أبي الْقَاسِمِ الْبُرْجِيِّ قال: أنبا أبو نُعَيْمٍ (^١) قال: أَنَبَا عبد الله بن جَعْفَرٍ قال: أَنَبَا يُونُسُ قال: أنبا أبو دَاوُدَ (^٢) قال: ثنا عبد الرحمن بن بُدَيْلٍ، عن أبيه، عن أبي الْجَوْزَاءِ، عن عائشة ﵂ قالت:\nكان رسول الله ﷺ يَسْتَفْتِحُ الصلاة بالتكبير والقراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فإذا رَكَعَ لم يُشْخِصْ رأسه ولم يَخْفِضْهُ ولكن بين ذلك، فإذا رَفَعَ رأسه لم يَسْجُدْ حتى يَسْتَوِيَ قَائِمًا، وإذا سَجَدَ فَرَفَعَ رأسه لم يَسْجُدْ حتى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا، وكان يَفْرُشُ قدمه اليسري قدمه اليمنى، وكان يَقُولُ في كل ركعتين التَّحِيَّات، وكان يَنْهَى عن عَقِبِ الشيطان، وعن افْتِرَاشٍ كَافْتِرَاشِ السبع أو الكلب، وكان يَخْتِمُ الصلاة بِالتَّسْلِيمِ.\nفي الشرح فصول\n_________\n(^١) \"حلية الأولياء\" (٣/ ٦٣).\n(^٢) \"مسند الطيالسي\" (١٥٤٧).","vol":"1","page":133},{"text":"<span data-type='title' id=toc-69>الفصل الأول</span>\nهذا حديثٌ صحيحٌ عالٍ: أخرجه مسلم (^١) عن محمد بن عبد الله بن نمير عن أبي خالد الأحمر. وعن إسحاق بن إبراهيم عن عيسى بن يونس، بروايتهما عن حسين المعلم، عن بُدَيْلٍ، لكن قال: \"وَلَمْ يُصَوِّبْهُ\" بدل \"وَلَمْ يَخْفِضْهُ\" وقال في إحدى الروايتين: \"عَنْ عُقْبَةِ الشَّيْطَانِ\" بدل \"عَقِبِ الشَّيْطَانِ\" وقال: \"وكان يَنْهَي عن أن يَفْتَرِشَ الرَّجُلُ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ السَّبُعِ\".\nوليس لأَبِي الْجَوْزَاءِ في كتابِ مسلمٍ إلَّا هذا الحديث، وله في كتاب البخاري حديثٌ واحدٌ أيضًا عن ابن عباسٍ.\nوروى الحديث أبو داود (^٢) عن مسدد عن عبد الوارث بن سعيد عن حسين المعلم. وابن ماجه (^٣) مفرقًا في مواضع عن أبي بكر بن أبي شيبة عن يزيد بن هارون عن المعلم.\nفعبد الله بن جعفر في درجة مسلم وأبي داود وابن ماجه.\nوعائشة ﵂ بنت الصديق ﵁ وأم المؤمنين، وكانت تكني أم عبد الله بابن أختها عبد الله بن الزبير، وقيل: غيره.\nوكانت أحبَّ أزواجِ رسول الله ﷺ إليه وأفصحهنَّ لسانًا، وأكثرهنَّ علمًا، وتزوجها بكرًا ولم يتزوج بكرًا غيرها، وَبَنَى بها وهي بنت تسع، وكانت في صُحْبَتِهِ\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (٤٩٨/ ٢٤٠).\n(^٢) \"سنن أبي داود\" (٧٨٣).\n(^٣) \"سنن ابن ماجه\" (٨٦٩).","vol":"1","page":134},{"text":"ﷺ تسعًا.\nروى عنها كثير من الصحابة والتابعين، فمن الصحابة: أبو هريرة، وابن عمر، وابن الزبير، ومن التابعين: عروة، ومسروق، وغير واحد.\nتوفيت سنة ثمان وخمسين، وقيل: سنة سبع، وأوصت بأن تدفن بالبقيع (^١).\nوَأَبُو الْجَوْزَاءِ: هو أوس بن عبد الله ويقال: أوس بن خالد الربعي البصري -منسوب إلى رَبَعَة وقد تسكن الباء- ابن الغطريف الأصغر بن عبد الله بن الغطريف الأكبر وهو بطن من الأزد.\nروي عن: ابن عباس، وعائشة، وأبي هريرة.\nوروي عنه: أبو الأشهب، وعمرو بن مالك النُّكْرِيِّ، وَبُدَيْلُ بْنُ مَيْسَرَةَ (^٢).\nويشتبه أبو الْجَوْزَاءِ بأَبِي الْحَوْرَاءِ بالحاء والراء وهو تابعي أيضًا واسمه ربيعة بن شيبان (^٣).\nوَبُدَيْلٌ: هو ابن مَيْسَرَةَ العقيلي بصريٌّ.\nروي عن أنس بن مالك، وأبي العالية، وحماد بن زيد، وقتادة.\nروى عنه: إسماعيل بن أبي خالد، وليث بن أبي سليم، وحسين المعلم، وابنه عبد الرحمن\nمات سنة ثلاثين ومائة، وقيل: سنة خمس وعشرين (^٤).\nوابنه عبد الرحمن. روي عنه: عبد الواحد بن واصل، وأبو داود الطيالسي،\n_________\n(^١) انظر \"معرفة الصحابة\" (٦/ ترجمة ٣٧٤٧، ٣٩٤٧).\n(^٢) انظر \"تهذيب الكمال\" (٣/ ٣٩٢)، \"سير أعلام النبلاء\" (٤/ ٣٧١).\n(^٣) انظر \"تهذيب الكمال\" (٩/ ١١٧).\n(^٤) انظر \"تهذيب الكمال\" (٤/ ٣١).","vol":"1","page":135},{"text":"وَلَمَّا روى عنه هذا الحديث قال: بصريٌّ ثقةٌ صدوقٌ، وله أخ يقال له: عبد الله، يروي عن أبيه بُدَيْلٍ أيضًا (^١).\nوأبو داود: هو سليمان بن داود بن الجارود الطَّيَّالِسِيُّ القرشي مولى آل الزبير بن العوام.\nسمع: شعبة، وهشامًا الدستوائي، وأبا عوانة، وإبراهيم بن سعد.\nروى عنه: المحمدان ابن بشار وابن المثنى، والأحمدان ابن حنبل والدورقي (^٢)، وأبو بكر وعثمان ابن أبي شيبة.\nوهو إمامٌ معروفٌ.\nعن عبد الرحمن بن مهدي أنه قال: أبو داود أصدقُ النَّاسِ.\nوعن ابن المديني أنَّهُ قال: ما رأيت أحفظ من أبي داود، ويقال: كتب عنه بأصبهان أربعون ألف حديث وليس معه كتاب.\nمات سنة أربع ومائتين وهو ابن إحدى وسبعين (^٣).\nويونس: هو أبو بشر بن حبيب بن عبد القاهر بن عبد العزيز بن عمر بن قيس العجلي.\nمن ثقاتِ مشايخِ أصبهان\nسمع: بكر بن بكار، وأبا داود الطَّيَالِسِيَّ.\nروى عنه: أبو بكر بن أبي داود، وعبد الرحمن بن أبي حاتم.\n_________\n(^١) انظر \"تهذيب الكمال\" (١٦/ ٥٤٣).\n(^٢) هو: أحمد بن إبراهيم الدورقي الإمام الحافظ.\n(^٣) انظر \"تهذيب الكمال\" (١١/ ٤٠١)، \"سير أعلام النبلاء\" (٩/ ترجمة ١٢٣).","vol":"1","page":136},{"text":"توفي سنة سبع وستين ومائتين (^١).\nوعبد الله بن جعفر: هو أبو محمد بن جعفر بن فارس بن الفرج الأصبهاني.\nثقةٌ موصوفٌ بالزُّهدِ.\nسمع: أبا مسعود الرازي، وأحمد بن عصام، ويونس بن حبيب.\nروى عنه: أبو عبد الله ابن منده، وأبو سعيد النَّقَّاشُ.\nوعن أبي جعفر الخيَّاط قال: كُنَّا جلوسًا عند عبد الله بن جعفر وقد احتضر، فقال: هذا ملك الموت قد جاء، ثم قال له: اقبض روحي كما تقبض روح رجل يقول سبعين سنة: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ذكره بالفارسية.\nتوفي سنة ست وأربعين وثلاثمائة، وقيل: سنة خمس (^٢).\nوأبو نُعيمٍ: هو الحافظُ المشهورُ أحمد بن عبد الله بن إسحاق بن مهران الأصبهاني.\nكثيرُ التَّصنيفِ والإفادةِ.\nسمع بأصبهان وبغداد والكوفة والبصرة ومكة وجرجان ونيسابور، وعُمِّرَ فعظم الانتفاع بعلمه ومصنفاته.\nوُلِدَ سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، ومات سنة (ثلاثين) (^٣) وأربعمائة (^٤).\nوَالْبُرْجِيُّ: هو أبو القاسم غانم بن محمد بن عبيد الله بن عمر بن أيوب بن\n_________\n(^١) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٢/ ترجمة ٢٢٧).\n(^٢) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٥/ ٥٥٤).\n(^٣) في س، د: ستين. وهو خطأ، والمثبت من \"سير أعلام النبلاء\"، \"الوافي في الوفيات\"، \"البداية والنهاية\" (١٢/ ٤٥).\n(^٤) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٧/ ٤٥٣).","vol":"1","page":137},{"text":"زياد الأصبهاني.\nمن أصحاب أبي نعيمٍ مُكثرٌ عنه وعن غيره، وكان يُعْرف بالصَّالِحِ الْبَكَّاء لكثرة عبادتهِ وبكائهِ من خشية الله تعالى.\nمات سنة إحدى عشرة وخمسمائة (^١).\nوأبو منصور الدَّيْلَمِيُّ: هو الحافظ شهردار بن شيرويه بن فناخسروا الهمداني.\nمتقنٌ حسنُ (الخطِّ) (^٢) والحديث.\nسمع: أبا بكر الزَّنْجُوِيَّ (^٣)، وعبد الغفار بن طاهر، والسلار مكي بن منصور، وأبا علي الحداد، وأبا محمد الدُّونِيُّ، وغانمًا الْبُرْجِيَّ.\nوله الجامع الكبير المعروف بـ \"مسند الفردوس\". توفي سنة ستين وخمسمائة (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-70>الفصل الثاني</span>\nقوله: \"يَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ\" الاستفتاح يستعمل في الأكثر بمعنى الاستنصار (^٥)، ويقال أيضًا: استفتح الباب ففتح، وقد يوضع موضع الافتتاح وهو المقصود ها هنا، ويمكن أن يحمل على استفتاح باب الصلاة ويجعل التكبير كالمفتاح لها، ومفتاح الشيء قد يعدُّ من ذلك الشيء، ألا ترى أن مفتاح الدار يدخل في بيع الدار على الأصح.\n_________\n(^١) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٩/ ترجمة ٢٠٣).\n(^٢) في د: الحفاظ، خطأ.\n(^٣) هو الفقيه أبو بكر أحمد بن محمد بن زنجويه فقيه زنجان.\n(^٤) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (٢٠/ ٣٧٥).\n(^٥) هو طلب نصرة الله ﷿.","vol":"1","page":138},{"text":"وقوله: \"وَالْقِرَاءَةَ بِ الْحَمْدِ لله رب الْعَالِمَينَ\" قولنا: (الْحَمْدِ لله رب الْعَالِمَينَ) أربع كلمات قد تكلمنا في الثلاث الأول منها في المجالس السابقة.\nوأما العالم:\nفعن قُطْرب أن فيه لغتين: عألم بالهمزة وعالم بلا همزة كطائع وخاتم، والعالمين جمع عالم.\nثم عن أحمد بن يحيى ثعلب: إن العالم صنف من الناس، يقال: العرب عالم، والعجم عالم، ثم مضر من العرب عالم، وربيعة عالم.\nويقرب منه قول النضر بن شميل: إنَّ هذه كلمة تكلمت بها العرب للجمع الكثير.\nعن أبي معاذ النحوي أنَّ العالمين بنو آدم.\nوعن أبيِّ بن كعبٍ ﵁ أنَّ العالمين الملائكة.\nوعن الأخفش وغيره أنَّ العالمين الجن والإنس.\nوعن أبي عبيدة أنَّ العالمين الذين يعقلون وهم أربع أمم: الملائكة والإنس والجن والشياطين.\nوذكر على هذا أنَّ اللفظ مأخوذ من العلم.\nويقال: كلّ ذي روح، ويروى نحوه عن ابن عباس ﵄.\nويقال: العالمون المخلوقون، وذكر على هذا أنَّ اللَّفظَ مأخوذٌ من العَلَمِ والعلامة؛ لأنَّ كلَّ مخلوقٍ عَلَمٌ ودليلٌ على الصَّانعِ المدبر، ويحكي هذا عن الحسن وقتادة ومجاهد، ويوافقه قول المتكلمين أن العالمين عبارة عن كل مُحْدَثٍ.\nثُمَّ استدلَّ مُستدلُّون بقوله: \"وَالْقِرَاءَةَ بِ الْحَمْدِ لله رب الْعَالِمَينَ\" على ترك","vol":"1","page":139},{"text":"الجهر بالتسمية تارة، وعلى ترك أصلها أخرى.\nوَحَمَلَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵁ ذلك فيما نقله أبو عيسى الترمذي وغيره على التعبير عن السورة بذكر أولها بعد آية التسمية المشتركة كما يقال: قرأت طه ويس.\nثم هذا الاستدلالُ لا يتضح على قول من يذهب إلى أنَّ التسمية في أوائل السور ليست من القرآن؛ لأنَّ المراد من قوله: \"يستفتح القراءة\": قراءة القرآن لا مطلق القراءة، وحينئذٍ فالافتتاح بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ لا ينافي قراءة التسمية أَوَّلًا كما لا ينافي قراءة التعوذ ودعاء الاستفتاح.\nوقوله: \"لَمْ يُشْخِصْ رَأْسَهُ\" أي: لم يرفعه، ومنه قولهم: شَخَصَ شُخُوْصًا أي: ارتفع، وشَخَصَ من البلد أي: ذهب، وأَشْخَصَ الرامي إِذا جَازَ سَهْمُه الغَرَضَ من أَعْلاه.\n\"وَلَمْ يُصَوِّبْهُ\" في بعض الروايات بمعنى \"لَمْ يَخْفِضْهُ\" أيضًا، يقال: صَعَّد النظر إذا صَوَّبَهُ أي: رفعه وخفضه.\nوقوله: \"بَيْنَ ذَلِكَ\" أي: بين الأشخاص والخفض، وكلمة: \"بَيْنَ\" تستدعي شيئين لكنها تدخل على اللفظة الواحدة المتناولة لشيئين، كما يقال: جلس بين القوم، وعلى ذلك حمل قول امرئ القيس:\nبَيْنَ الدُّخُولِ فَحَوْمَلِ (^١)\nوقيل: الدخول مواضيع مختلفة وليس المراد بين الدخول وبين حومل.\nوالمقصود أنه يستحب في الركوع تسوية الرأس والظهر، يروى عن وَابِصَةَ بْنِ\n_________\n(^١) \"خزانة الأدب\" (١/ ٣٣٢) هذا جزء من عجز بيت وهو بطوله:\nقِفا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ ومَنْزِل … بسِقْطِ اللِّوى بَيْنَ الدَّخولِ فحَوْمَل","vol":"1","page":140},{"text":"مَعْبَدٍ قال: رأيت رسول ﷺ يُصَلِّي فكان إذا رَكَعَ سوى ظَهْرَهُ حتى لو صُبَّ عليه الْمَاءُ لَاسْتَقَرَّ (^١).\nوقوله: \"كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ … \" إلى آخره يبين أنه ينبغي أن يراعى في الاعتدال عن الركوع الانتهاء إلى حدِّ القيام، وفي رفع الرأس من السجود الانتهاء إلى حدِّ الجلوس.\nوقوله: \"وَكَان يَفْرُشُ\" يقال: فَرَشَ وافْتَرَشَ ذراعيه أي: بسطها، وافْتَرَشَ لسانه: إذا تكلم كيف شاء كأنه بسطه بالكلام، وافْتَرَشَ الشيء: انبسط أيضًا؛ وأما مستقبل \"فَرَشَ\" فاللفظة في \"ديوان الأدب\" وغيره من أصول اللغة في باب فَعَلَ يَفْعُلُ، وذكر بعض من شرح الحديث: \"يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى\" بفتح الياء وكسر الراء وهذا أكثر استعمالًا في الفقه، ويمكن أن تكون فيه لغتان.\nوقوله: \"رِجْلُهُ الْيُسْرَى بِرِجْلِهِ الْيُمْنَى\" هكذا يوجد اللفظ في \"سنن الطيالسي\" (^٢) ونقل بعضهم: \"وَرِجْلُهُ الْيُمْنَى\" وقد تحذف الواو تخفيفًا واقتصارًا على إفهام المقصود كما يقال: فلان يعطي زيدًا يعطي عمرًا ويراد العطف، وحينئذٍ\n_________\n(^١) رواه ابن ماجه (٨٧٢). قال صاحب \"مصباح الزجاجة\": إسناده ضعيف لضعف طلحة بن زيد، وله شاهد من حديث ابن عباس رواه الطبراني وأبو يعلى.\nوقال الهيثمي في \"المجمع\" عن حديث ابن عباس: رجاله موثقون.\nقلت: فيه سلام الطويل قال البخاري: تركوه، وزيد العمي وهو ضعيف.\nوللحديث شاهد أيضًا من حديث أبي برزة الأسلمي.\nوالحديث صححه الألباني في \"صحيح الجامع\" (٤٧٣٢).\n(^٢) قلت: الرواية في \"مسند الطيالسي\": \"وينصب رجله اليمني\" كما في \"صحيح مسلم\" وغيره. والله أعلم.","vol":"1","page":141},{"text":"المعنى أنه يفرش كل واحد منهما.\nوعلى هذا فيمكن حمله على ما رُوِيَ عن أنس أن النبي ﷺ قال: \"إذا رَفَعْتَ رَأْسَكَ من السُّجُودِ فلا تُقْعِ كَمَا يُقْعِي الكلب ضَعْ أَلْيَتَيْكَ بين قَدَمَيْكَ وَأَلْزِقْ ظاهر قَدَمَيْكَ بالأرض\" (^١).\nويمكن أن يُحمل على ما يقع في هيئة الافتراش من البسط في أطراف أصابع اليمنى وحرف القدم، ولو رُوِيَ \"وكان يُفرش قدمه اليسرى اليمني\" لكان وجهًا، أي: يجعل رجله اليسرى فَرْشًا لليمني؛ لأن أطراف اليمني قد تقع على اليسرى في هيئة الافتراش من تفرش الدار وهو تبليطها، وفي \"الجمع بين الصحيحين\" للحافظ الحميدي في هذا الحديث: \"وكان يَفْرِشُ رجله الْيُسْرَي ويَنْصِبُ الْيُمْنَى\" (^٢) وهذا يزيح كل إشكال والمقصود من اللفظ هيئة الجلوس بين السجدتين.\nوقوله: \"وكان يَقُولُ في كُلِّ رَكْعَتَيْنِ التَّحِيَّات\" أي: يقرأ التشهد في كل ركعتين إذا زادت الصلاة على ركعتين.\nوقوله: \"وكان يَنْهَى عن عَقِبِ الشيطان أو عُقْبَةِ الشيطان\" فَسَّره أبو عبيد\n_________\n(^١) رواه ابن ماجه (٨٩٦).\nقال في الزوائد: في إسناده العلاء قال ابن حبان والحاكم فيه: إنه يروي عن أنس أحاديث موضوعة. وقال فيه البخاري وغيره: منكر الحديث. وقال ابن المديني: كان يضع الحديث.\nوقال الألباني في \"ضعيف الجامع\" (٥٢٢): موضوع.\n(^٢) قلت: والرواية كذلك في \"صحيح مسلم\" وأبي داود، وابن ماجه، وابن حبان، و\"مسند الطيالسي\"، وسائر الكتب، والله أعلم.","vol":"1","page":142},{"text":"وغيره بأن يضع أليتيه على عقبيه بين السجدتين والقدمان منصوبتان (^١). وذلك مما يفعله المستعجل، وهذا أحد الوجوه في تفسير الإقعاء المنهي عنه.\nوالْعُقْبَةُ في الأَصْلِ: النَّوْبةُ، والجمع الْعُقَبُ، وكأنَّ المراد به نوبة من نوب الجلوس، ويجوز أن تؤخذ اللفظة من عُقْبَةِ الطائر: وهي ما بين ارتفاعه وَانْحِطَاطِهِ؛ لأن في هذه الْهيئةِ ارتفاعًا.\nوأما النسبة إلى الشيطان فسببها أن الشيطان يأمر بمكروه الشرع ويدعو إليه ويفرح به، ويقرب منه ما رُوِيَ أنه ﷺ قال: \"إذا تَوَضَّأْتُمْ فلا تَنْفُضُوا أَيْدِيَكُمْ فإنها مَرَاوِحُ الشيطان\" (^٢).\nوقوله: \"عَنْ افْتِرَاشٍ كَافْتِرَاشِ السَّبُعِ\" قال في \"الغريبين\": هو أن يبسط ذراعيه ولا يُقِلَّهُمَا عن الأرض مُخَوِّيًا إذا سجد كما يفترش الذئب ذراعيه.\nوقوله: \"السَّبُعِ أو الْكَلْبِ\" يجوز أن يكون شكًّا من بعض الرواة، ويجوز أن يريد بالسبع ما يتوحش وبالكلب هذا الألوف.\nوقوله: \"وكان يَخْتِمُ الصَّلاةَ بِالتَّسْليِمِ\" يبين أنه ﷺ كان يسلم في آخر الصلاة، وقد روي أنه قال: \"صَلُّوا كما رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي\" (^٣) فقد يحتج بذلك\n_________\n(^١) \"غريب الحديث\" (٢/ ١٠٩).\n(^٢) رواه ابن حبان في \"المجروحين\" (ترجمة ١٥٨)، والديلمي في \"مسند الفردوس\" كما عزاه له في كنز العمال من حديث أبي هريرة.\nقال ابن أبي حاتم في \"العلل\" (٧٣): سألت أبي عن حديث رواه هشام بن عمار عن البختري بن عبيد عن أبيه عن أبي هريرة … فقال: هذا حديث منكر والبختري ضعيف الحديث وأبوه مجهول.\nوقال الألباني في \"الضعيفة\" (٢/ ٣٠٣): موضوع.\n(^٣) رواه البخاري (٦٣١).","vol":"1","page":143},{"text":"لوجوب السلام.\nوَقَدِ اشْتَمَلَ الْخَبَرُ عَلَى جُمَلٍ من وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ وآدابها التي بها تمامها، وفيه بيان ما به الدخول في الصلاة والخروج منها، والقراءة المرعية في القيام، والهيئة المحبوبة في الركوع والاعتدال والسجود والجلوس بين السجدتين، والتشهد في كل ركعتين.\nوالصلاة المَقْبُولَةُ عند رب الأَرْبَابِ هي التَّامَّة بِتَمَامِ الأركانِ والآداب:\nأُنْبِئْنَا عن أبي محمد الْحَافِظِ السَّمَرْقَنْدِيِّ قال: أنبا أبو بكر بن أبي زَكَرِيَّا الْبَلْخِيُّ بها، قال: ثَنَا أبو إسحاق المُسْتَمِلِيُّ قال: ثنا عُثْمَانُ بن إسماعيل السُّكَّرِيُّ قال: ثنا عبد الله بن شَبِيبٍ قال: ثَنَا الوليد بن عَطَاءٍ، عن عبد الله بن عبد الْعَزِيزِ، عن يَحْيَى بن سَعِيدٍ، عن سَعِيدِ بن الْمُسَيَّبِ، عن عمر بن الخَطَّاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما من مُصَلٍّ إلا وَمَلَكٌ عن يمينه وَمَلَكٌ عن يَسَارِهِ، فإن أَتَمَّهَا عَرَجَا بِهَا، وإن لم يُتِمَّهَا ضَرَبَا بها وجهه\" (^١).\nوعن حُذَيْفَةَ ﵁ أنه رَأَى رجلًا لا يُتِمُّ الركوع والسُّجود فقال: مُنْذُ كَمْ تُصَلِّي بهذه الصَّلاة؟\nفقال: مُنْذُ أربعين سنة. قال: ما صَلَّيْتَ، ولو مُتَّ على غير الفِطرَةِ التي فَطَرَ الله عليها محمدًا ﷺ (^٢).\n_________\n(^١) رواه الدارقطني في \"الأفراد\" وابن الجوزي في \"العلل\" (٧٥٥) من طريقه.\nقلت: فيه عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عامر الليثي. قال البخاري وأبو حاتم: منكر الحديث، وقال أبو زرعة: ليس بالقوي. وقال النسائي ضعيف.\nوضعفه الألباني في \"ضعيف الجامع\" (٥٢٢٢).\n(^٢) رواه البخاري (٣٨٩) مختصرًا بنحوه.","vol":"1","page":144},{"text":"وعن أبي ذَرٍّ ﵁ قال: نَهَانِي رسول الله ﷺ عن ثَلَاثٍ يعْني في الصلاة: عن إِقْعَاءِ الْقِرْدِ وَتَلَفُّتِ الثَّعْلَبِ ونَقْرَةِ الْغُرَابِ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-71>الفصل الثالث</span>\nلما كان العبادُ مأمورين بإقامة العبادات تعظيمًا للمعبود، وكانت الصلاة أفضل العبادات وأكثرها تكررًا، دُعُوا إليها أولًا باللفظة الدالة على الكبرياء والعظمة فقال لهم المؤذنون: الله أكبر الله أكبر، ثم أمروا بالدخول فيها بكلمة التكبير، وقرر أمرها بأن يأتوا بها في انتقالات الصلاة على التكرير لعلهم ينتبهوا لمعناها مرة فيوفّوا حق الطاعة بحسب الاستطاعة، ويأتوا بواجب التعظيم على قدر الطاقة التي تمتد إليها أيدي أولي الضعف والفاقة، ثم أمروا بعد الدخول في الصلاة بأن يفتتحوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إشارة إلى شكر نعمة الله تعالى حيث أهَّلَهُم لمناجاته وتلاوة آياته وأذن لهم في الثناء عليه والقيام بين يديه.\nوفي كلمة: \"رب العالمين\" ثناءٌ كاملٌ وبيان أنَّ الكلَّ في تربيته قائمون به ومحتاجون إلى نِعَمِهِ، وأنه الوافي ميعاده والقاهر فوق عباده.\nويُروي عن شعر عبد الله بن رواحة الأنصاري ﵁: [وافر]\nشَهِدْتُ بِأَنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ … وأنَّ النَّارَ مَثْوَى الكَافِرينَا\nوَأَنَّ العَرْشَ فَوْقَ الْمَاءِ طَافٍ … وَفَوقَ العَرْشِ رَبُّ العَالِمَينَا\n_________\n(^١) لم أجده من حديث أبي ذر.\nورواه أحمد (٢/ ٣١١)، والبيهقي (٢/ ١٢٠)، والطبراني في \"الأوسط\" (٥٢٧٥) ضمن حديث من رواية أبي هريرة ﵁. قال المنذري في \"الترغيب والترهيب\" (٧٨٨): وإسناد أحمد حسن.\nوكذا حسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب.","vol":"1","page":145},{"text":"وَتَحْمِلُهُ مَلَائِكَةٌ شِدَادٌ … مَلائِكَةُ الْإِلَهِ مُسَوَّمِينَا (^١)\nوهذه الفوقيَّةُ هي فوقيَّةُ العظمة والاستغناء في مقابلة ضعة الموسومين بِسِمَةِ العجز والفناء (^٢)، فالخليقة على اختلاف الأحوال خاضعون له بلسان الحال أو المقال، والعابدون عن حقِّ عبادته قاصرون، والشاكرون في واجب شكره مُقَصِّرون.\nوفي هذا المَعْنَى أَقُولُ: [كامل]\nالْعَالَمُونَ ضَعِيفُهُمْ وَقَوِيُّهُمْ … لِجَلَالِ عِزَّتِهِ سُجُودٌ رُكَّعُ\nلَوْ كُلِّفُوا أَنْ يَعْبُدُوهُ عُمْرَهُمْ … حَقَّ الْعِبَادَةِ لَحْظَةً لَتَكَعْكَعُوا (^٣)\nوإن شِئْتَ قُلْتَ: خُضَّعٌ وَتَضَعْضَعُوا\nهذا آخر المجلس الثامن من أماليه والحمد لله رب العالمين والصلاة على نبيه محمد وآله وصحبه أجمعين\n* * * * *\n_________\n(^١) روي هذا في قصةٍ مشهورةٍ له مع زوجته، قال ابن عبد البر في \"الاستيعاب\": رويناها من وجوهٍ صحاحٍ وذلك أنه مشى ليلة إلى أَمَةٍ له فنالها وفطنت له امرأته فلامته فجحدها، وكانت قد رأت جِماعَهُ لها فقالت له: إن كنت صادقًا فاقرأ القرآن فالجنب لا يقرأ القرآن فقال … ثم ساق الأبيات.\n(^٢) قلت: إن لله تعالى فوقية القهر وفوقية العظمة وفوقية الذات، فإذا أضيفت الفوقية إلى العرش علم أنها فوقية الذات. والله أعلم.\n(^٣) نقل هذه الأبيات عن الإمام الرافعي: ابن الملقن في \"البدر المنير\" (١/ ٣٣٢ - ٣٣٣).","vol":"1","page":146},{"text":"﷽\nوما توفيقي إلا بالله\n\n<span data-type='title' id=toc-72>المجلس التاسع </span>من أماليه ﵀ أملاه يوم الثلاثاء التاسع من شوال المبارك سنة إحدى عشرة وستمائة\nحَدَّثَنَا مولانا إِمَامُ الْمِلَّةِ والدِّين حُجَّةُ الإسلام والمسلمين أبو الْقَاسِمِ الرَّافِعِيُّ قال: أنبا أحمد بن حَسْنُوَيْهِ ومحمد بن أبي طالبٍ - أمَّا أحمد فَإِجَازَةً، وأما محمدٌ فَسَمَاعًا بقراءة والدي ﵏ قالا: أنبا إسماعيل بن محمدٍ قال: أنبا سعد بن الْحَسَنِ قال: أنبا أبو الْقَاسِمِ الْبَزَّازُ قال: أنبا ابن أبي زَكَرِيَّا قال: أنبا عَلِيُّ بن صالحٍ قال: أنبا سَهْلُ بن زَنْجَلَةَ قال: ثنا الوَليد بن مسلم قال: ثنا عبد الرحمن بن يزيد، حَدَّثَنيِ بُسْرٌ الْحَضْرَمِيُّ قال: حَدَّثَنِي أبو إِدْرِيسَ؛ أنهُ سمع النَّوَّاسَ بن سَمْعَانَ ﵁ يقول: إنه سَمِعَ رسول الله ﷺ يقول: \"ما من قَلْبٍ إلا وهو بين إِصْبَعَيْنِ من أَصَابعِ الرَّحْمَنِ إن شاء أن يُقِيمَهُ أَقَامَهُ وإن شاء أن يُزِيغَهُ أَزَاغَهُ\".\nوكان يقول ﷺ: \"يا مُثَبِّتَ القلوب ثَبِّتْ قلبي على دينك\".\nقال: \"والميزان بيد الرحمن يَرْفَعُ وَيَخْفِضُ\".\n\n<span data-type='title' id=toc-73>في الشرح فصول: الفصل الأول</span>\nهذا حديثٌ حسنٌ رواتُهُ أثباتٌ مشهورون.\nوأنْبَأَنَا به عَالِيًا غير وَاحِدٍ عن أبي بكرٍ الشِّيرُويِيُّ قال: أنبا محمد بن موسى الصَّيْرَفِيُّ قال: أنَبَا الأَصَمُّ قال: ثنا مُحَمَّدُ بن عبد الله بن عبد الْحَكَمِ قال: ثنا بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ، عن ابن جَابِرٍ، عن بُسْرٍ، وقال في آخره: \"يَرْفَعُ أَقْوَامًا وَيَضَعُ آخرين إلى يوم","vol":"1","page":147},{"text":"الْقِيَامَةِ\" (^١).\nقال ابن عبد الْحَكَم: وَثَنَا الْمُقْرِئُ، ثَنَا حَيْوةُ، أنَبَا أبُو هَانِيءٍ، أنهُ سَمِعَ أبا عبد الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيَّ يقول: إنَّه سَمِعَ عبد الله بن عَمْروٍ يقول: إنه سَمِعَ رسول الله ﷺ … الحديث، وَلَفْظُ الدُّعَاءِ: \"يَا مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا إلى طَاعَتِكَ\" (^٢).\nورواه الوليد بن (سليمان) (^٣) عن بُسْر، والوليد بن مزيد عن ابن جابر، عن بُسْر.\nوالدُّعاءُ من الحديث مرويٌّ عن رسول الله ﷺ برواية جابر بن عبد الله أيضًا (^٤).\nوأول الحديث برواية أبي هريرة ﵁ (^٥).\nوراويه الأول: هو النَّوَّاسُ بن سَمعان الكلابي الأنصاري من أصحاب رسول الله ﷺ سكن الشام.\nروى عنه: جُبير بن نُفير، وأبو إدريس الْخَوْلَانِيُّ (^٦).\n_________\n(^١) ومن طريق الأصم رواه الحاكم (٤/ ٣٥٧).\n(^٢) ومن طريق المقرئ رواه مسلم (٢٦٥٤) مختصرًا.\n(^٣) في د: مسلم. خطأ، والمثبت من س، \"الآحاد والمثاني\" (١٢٧٨)، \"مسند الشاميين\" (١٢٣٣) فقد أخرجاه من طريق الوليد عن بُسْر عن أبي إدريس عن نعيم بن همار.\nوالوليد هو ابن سليمان بن أبي السائب القرشي ترجمته في \"تهذيب الكمال\" (٣١/ ١٨).\n(^٤) رواه أبو يعلى (٢٣١٨)، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" (٧٥٦) من طريق سفيان عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر ﵁.\n(^٥) رواه الطبراني في \"الأوسط\" (٨/ ٣٠٦).\n(^٦) انظر \"معرفة الصحابة\" (٥/ ترجمة ٢٩٢١)، و\"الإصابة\" (٦/ ترجمة ٨٨٢٨).","vol":"1","page":148},{"text":"وأبو إدريس: هو عائذ الله بن عبد الله بن عمرو الْخَوْلَانِيُّ الدمشقي، قاضي دمشق من كبار التابعين.\nسمع: عبادة بن الصامت، وأبا ذر، وأبا هريرة، وأبا الدرداء، وأبا ثعلبة، وَوَاثِلَةَ.\nروى عنه: الزهري، وربيعة بن يزيد، وبُسْر، وغيرهم (^١).\nوبُسر: هو ابن عبيد الله الحضرمي الشامي.\nسمع: وَاثِلَةَ.\nروى عنه: عبد الله بن العلاء بن زَبْر، وزيد بن واقد، وعبد الرحمن بن يزيد (^٢).\nوعبد الرحمن: هو ابن يزيد بن جابر الأزدي الشامي.\nروى عن: عُمير بن هانئ، والقاسم بن مُخَيْمِرَةَ.\nروى عنه: ابن المبارك، وابنه عبد الله بن عبد الرحمن.\nمات سنة ثلاث وخمسين ومائة (^٣).\nوالوليد بن مسلم: هو أبو العباس القرشي الأموي مولاهم الدمشقي\nسمع: ابن جابر، والأوزاعي، وابن أبي ذئب، وسعيد بن عبد العزيز.\nروى عنه: داود بن رشيد، ومحمد بن المثنى.\nمات سنة خمس وتسعين ومائة مُنْصَرَفَهُ من الحج قبل أن يصل إلى دمشق (^٤).\n_________\n(^١) انظر \"تهذيب الكمال\" (١٤/ ٨٨)، \"سير أعلام النبلاء\" (٤/ ترجمة ٩٩).\n(^٢) انظر: \"تهذيب الكمال\" (٤/ ٧٥)، \"سير أعلام النبلاء\" (٤/ ترجمة ٢٢٩).\n(^٣) انظر \"تهذيب الكمال\" (١٨/ ٥)، \"سير أعلام النبلاء\" (٧/ ترجمة ٥٧).\n(^٤) انظر \"تهذيب الكمال\" (٣١/ ٨٦)، \"سير أعلام النبلاء\" (٩/ ترجمة ٦٠).","vol":"1","page":149},{"text":"وآخر يقال له الوليد بن مسلم: وهو أبو بشر العنبري بصري (^١).\nوسهل: هو ابن أبي سهل أبو عمرو الخياط الرازي، يقال له: سهل بن زنجلة.\nثقةٌ معروفٌ.\nسمع: جرير بن عبد الحميد بالري، وسفيان بن عيينة بالحجاز، ووكيع بن الجراح بالكوفة، ويحيى القطان بالبصرة، وأقران هؤلاء بهذه البلاد وغيرها.\nروى عنه: أبو زرعة، وأبو حاتم، ومحمد ابن ماجه (^٢).\nوأبو صالح: هو علي بن صالح بن أبي صالح المعدل الكرابيسي.\nروى عن: الحارث بن عبد الله، وسلمة بن شبيب، وحميد بن زنجويه، وعبد العزيز بن يحيي، وابن زنجلة.\nوابن أبي زكريا: هو أبو بكر محمد بن يحيى بن أحمد بن يحيى بن النعمان الهمذاني.\nكان فقيهًا بارعًا من أصحاب ابن سُريج، ويقال: إنه أول من أظهر مذهب الشافعي ﵁ بهمذان، وله مصنفات عزيزة منها كتاب \"السنن\" ذكر الأئمة أنه ما سبق إلى مثله.\nسمع: أبا خليفة، وأبا يعلى، وأبا بكر بن أبي داود.\nروى عنه: ابن لَال، وابن تُركان، وغيرهما.\nمات سنة سبع وأربعين وثلاثمائة (^٣).\n_________\nوالوليد في هذا الإسناد هو هذا وليس أبو بشر العنبري، والله تعالى أعلم.\n(^١) انظر \"تهذيب الكمال\" (٣١/ ٨٥).\n(^٢) انظر \"تهذيب الكمال\" (١٢/ ١٨٦)، \"سير أعلام النبلاء\" (١٠/ ترجمة ٢٥٦).\n(^٣) انظر \"الإرشاد\" للخليلي (٢/ ٦٥٩).","vol":"1","page":150},{"text":"وأبو القاسم البزاز: هو علي بن إبراهيم بن محمد بن حامد.\nشيخ همذاني وبها سمع: ابن أبي زكريا، وغيره.\nوسعد: هو أبو الوفاء بن الحسن بن محمد بن الحسين القصري.\nسمع: البزاز. وكان إمام الجامع بأسد أباذ.\nوإسماعيل: هو أبو القاسم إسماعيل بن محمد بن حمزة بن الربيع المخلدي القزويني.\nيوصف بالحفظ والمعرفة، وله مجموعات كما يكون للإخباريين.\nسمع بقزوين: محمد بن إبراهيم الْكَرْخِيَّ، وهبة الله بن زاذان، والأستاذ الشافعي، وبهمذان: الْقَصْرِيَّ، وأبا بكر محمد بن الحسين بن فَنْجُوَيْهِ الدِّيْنَوَرِيَّ (^١).\nوأما شيخاي رحمة الله عليهما:\nفأحمد: هو الإمام أبو سليمان أحمد بن حسنويه بن حاجي بن حسنويه بن القاسم بن عبد الرحمن بن سهل بن السري بن سليمان بن عباد بن عبد الملك بن يحيي بن عباد بن عبد الله بن الزبير بن العوام الزبيري.\nومن خَطِّهِ نقلتُ هذا النسبَ.\nشريفٌ، أديبٌ، فقيهٌ، مناظرٌ، وفي كلِّ فنٍّ من علوم الشرع ناظرٌ، وبِحَظٍّ صالحٍ منها آخذٌ، وله في أكثرها قريحةٌ (^٢) جيدةٌ وبصرٌ نافذٌ.\nسمع: أباه، وإسماعيل المَخْلَدِيَّ، وغيرهما، وله الإجازة المطلقة من أبي\n_________\n(^١) انظر \"التدوين في أخبار قزوين\" (٢/ ٥٠٤).\n(^٢) قولهم: لفلان قريحة جيدة: يراد به استنباط العلم بجودة الطبع. \"الصحاح\" (قرح).","vol":"1","page":151},{"text":"منصور المُقَوِّمِيّ، ومن جده لأمه الواقد بن الخليل الحافظ، سمعت منه جزءًا من الحديث.\nتوفي سنة أربع وستين وخمسمائة وهو ابن ست وثمانين (^١).\nومحمد: هو الأستاذ محمد بن أبي طالب أو طالب بن ملكويه بن أبي طالب الضرير، أبو بكر المقرئ الجصاصي.\nكان مُتَعَبِّدًا حَسَنَ الطَّرِيقَةِ، قَنُوعًا، عَالِمًا بالقراءات بَحُوثًا عن طُرُقِهَا، أَقْرَأَ الناس مُدَّةً طويلةً.\nسمع: الأستاذ الشافعي، وَذَا الفَقَارِ الْحَسَنِىَّ، وإسماعيل الْمَخْلَدِيَّ، وغيرهم.\nتوفي سنة أربع وسبعين وخمسمائة (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-74>الفصل الثاني</span>\n\"الْقَلْبُ\" الْعُضْوُ الْمَعْرُوفُ، وقد يُعَبَّرُ به عن العقل لأنه محله، وذكر في قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ (^٣) أي: فهم وعقل.\nوَالْأُصْبعُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ، وفيه لغات: إِصْبَعُ وأُصْبَعٌ، وقد تتبع الكسرة الكسرة (^٤) فيقال: إِصبعٌ، والضَّمة الضَّمة فيقال: أُصْبُعٌ، ويقال: أَصْبعٌ أيضًا، وصَبَعْتَ على فلان وبه صَبْعَا إذا أشرت نحوه بأصبعك، وصَبَعْتَ الإناء إذا وضعت أصبعك عليه ليسيل ما فيه في إناءٍ آخر، ويقال للرَّاعي ماشيته إِصْبَع أي:\n_________\n(^١) انظر \"التدوين في أخبار قزوين\" (٢/ ١٦٠).\n(^٢) انظر \"التدوين في أخبار قزوين\" (١/ ٣٠٦).\n(^٣) سورة ق: الآية ٣٧.\n(^٤) أي: تتبع الهمزة المكسورة بالباء المكسورة.","vol":"1","page":152},{"text":"أثرٌ حسنٌ. وننشد:\nضَعِيفُ العَصَا بَادِي الْعُرُوقِ تَرَي لَهُ … عَلَيْهَا إِذَا ما أَجْدَبَ النَّاسُ إِصْبَعًا (^١)\nأي: أثرًا حسنًا، وكَنَّي بِضَعْفِ العصا عن قلة ضربه للمواشي شفقةً عليها.\nوقوله: \"بَادِي الْعُرُوقِ\" أي: بدت عروقه من التَّعب وكثرة التردد في رعيها.\nوقوله ﷺ: \"بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ\" اختلف المئولون فيه بحسب اختلاف معنى الأصبع:\nفقال قائلون: هو كناية عن غاية القوة والاستيلاء، يعني: إن القلوب في قبضته نافذة عليها قدرته، يقال: فلان في يد فلان، وبين أصبعيه أي: يقلبه كيف يشاء؛ وذلك لأنَّ أقدر ما يكون الرجل على الشيء إذا كان في يديه وبين أصابعه؛ لسهولة تحريك الأصابع للطفها لا كتحريك اليد من الساعد أو من العضد؛ ولأن البطش التام في الأصابع دون الكف وما فوقها.\nواعلم أنَّ قدرة الله تعالى واحدة، والتثنية والجمع في الحديث على هذا راجعان إلى أنَّ تلك القدرة تتعلق بكل مقدور فتعمل عمل القُدَر المتعددة.\nوقال آخرون: \"بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ\" أي: بين نعمتين وأثرين من آثار صنعه، وجعل بعضهم قوله: \"إِنْ شَاءَ أَنْ يُقِيمَهُ أَقَامَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يُزِيغَهُ أَزَاغَهُ\" تفسيرًا للأصبعين (^٢).\n_________\n(^١) البيت من الطويل وهو للأصمعي، انظر \"الصحاح\"، \"لسان العرب\"، \"تاج العروس\" (صبع).\n(^٢) في كلام المؤلف تأويل لصفة أصبع الله تعالى، وأهل السنة يثبتون صفات الله تعالى من غير تأويل ولا تكييف ولا تعطيل ولا تشبيه، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.","vol":"1","page":153},{"text":"ثم منهم من يقول: المقصود الشخص، وإنما خُصَّ القلب بالذكر؛ لأنه أمير الجسد والجوارح الظاهرة، والإدراكات الباطنة، والجنود المسخرة له، صلاحها في صلاحه وفسادها في فساده.\nأنبأنا غير واحد، عن أبي عَلِيٍّ المُقْرِئِ، عن الخليل الْحَافِظِ قَالَ: أَنَبَا عَبْد الله بن مُحَمَّد الْفَارِسِيُّ قَالَ: ثَنَا مُحَمَّد بن عَبْد الله بن بكار قَالَ: ثَنَا عُثْمَانَ بن خُرَّزَاذ، ثَنَا سُوَيْدُ بن سَعِيدٍ قَالَ: حدثني الْحَكَمُ بْنُ الْفَصِيلِ (^١) الْعُبَيْدِيُّ، عَنْ عَطِّيَةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رِسُولُ الله ﷺ: \"الْيَدَانِ جَنَاحَانِ، وَللرِّجْلَانِ بَريدَانِ، والأُذُنَانِ قِمْعَانِ، وَالْعَيْنَانِ دَلِيلَانِ، واللِّسَانُ تَرْجُمَان، وَالْكَبِدُ رَحْمَةٌ، والْقَلْبُ مَلِكٌ، فَإِذِا فَسَدَ الْقَلْبُ فَسَدَ سَائِرُهُ\" ويروي: \"فَإِذِا فَسَدَ المَلِكُ فَسَدَ جُنُودُهُ، وَإِذَا صَلَحَ صَلَحَ جُنُودُهُ\" (^٢).\nومنهم من قال وهو الظَّاهر: المقصود القلب خاصة لسرعة تقلبه وتغيّره وخطور الخواطر المختلفة له بحسب الجواذب والبواعث، فيجذبه الملك تارة فيلتفت إليه، والشيطان أخرى فيلتفت إليه، ويقع أخرى في تجاذب ملكين يدعوه\n_________\n(^١) في س، د: الفضل. والتصويب من حاشية س، وانظر \"الإكمال\" (٧/ ٥٢)، \"تبصير المنتبه\" (ص ٢٥٠)، \"توضيح المشتبه\" (٧/ ٦٠).\nقال الذهبي في \"ميزان الاعتدال\" (٢/ ٣٤٤): قال أبو زرعة: ليس بذاك، وقال الأزدي: منكر الحديث.\n(^٢) رواه ابن عدي (٢/ ٢١٥) من طريق سويد، وأبو الشيخ في \"العظمة\" (٥/ ٦٣٠) من طريق عطية العوفي.\nقال ابن عدي: وهذا الحديث لا أعلم يرويه عن عطية غير الحكم بن فَصِيلٍ والحكم هذا قد روي عن غير عطية مثل خالد الحذاء وغيره وهو قليل الرواية وما تفرد به لا يتابعه عليه الثقات.\nوقال الألباني في \"ضعيف الجامع\" (٣٩٠٣) وكذا في \"الضعيفة\" (٣٩٥٦): ضعيف جدًّا.","vol":"1","page":154},{"text":"هذا إلى خير وهذا إلى آخر، وفي تجاذب شيطانين أو ملك وشيطان، ولسرعة تقلبه كان رسول الله ﷺ يقول في حلفه: \"لَا وَمُقَلِّبُ الْقُلُوبِ\" (^١).\nوَيُرْوَى أَنَّه ﷺ قَالَ: \"مَثَلُ الْقَلْبِ فِي تَقَلُّبِهِ مَثَلُ الْقِدْرِ إِذَا اسْتَجْمَعَتْ غَلَيَانًا\" (^٢).\nوعَن أَبِي مُوسَى الأَشْعَريِّ عَنِ النَّبِيّ ﷺ: \"إِنَّ مَثَلُ الْقَلْبِ كَرِيشَةٍ بِأَرْضِ فَلَاةٍ تُقَلِّبُهَا الرِّيَاحُ ظَهْرًا لِبَطْنٍ\" (^٣).\nوقوله: \"وَالْمِيزَانُ بِيَدِ الرَّحْمَنِ\" الميزان أصله مِوْزَان قلبت الواو ياءً لكسر ما قبلها كميلاد وميعاد.\nواليدُ أصلها يدي لسكون عينها، والجمع أيدٍ كفلسٍ وأفلس، ومنهم من يقول في يد: يَدّي كرحًى، ويقول في تثنيتها: يديان.\nولليد الجارحة المعلومة معان في \"الغريبين\" اليد: النعمة، واليد: القدرة والقوة، واليد: الملك، واليد: الطاعة والاستسلام، ومنه قول عثمان لعمار ﵄: \"هذه يدي لعمار\" (^٤) أي: أنا مستسلمٌ له منقادٌ، واليد: الحفظ والوقاية.\nومعنى قوله: \"الْمِيزَانُ بِيَدِ الرَّحْمَنِ\" أنه الذي يمنح القلوب الأخلاق والجسوم الأعمال، ويمنعها من شاء، وهو القابض الباسط في مقاديرها فيزيد وينقص كما\n_________\n(^١) رواه البخاري (٦٦١٧) من حديث ابن عمر.\n(^٢) رواه أحمد (٦/ ٤)، والحاكم (٢/ ٣١٧) بنحوه من حديث المقداد بن الأسود.\nوصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" (٥١٤٧).\n(^٣) رواه ابن ماجه (٨٨)، وأحمد (٤/ ٤١٩)، والبيهقي في \"الشعب\" (٧٥٣)، وليس عند ابن ماجه: \"ظَهْرًا لِبَطْنٍ\" وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" (٥٨٣٣).\n(^٤) رواه ابن أبي شيبة (٧/ ٥٢١) ضمن حديث.","vol":"1","page":155},{"text":"يريد، ويبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، ويرفع من يشاء ويخفض (^١).\nوليس غرض الحديث الميزان الذي يوضع في القيامة لوزن الأعمال، ألا تراه قال في الرواية الأخرى: \"يَرْفَعُ أَقْوَامًا وَيَضَعُ آخَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ\".\n\n<span data-type='title' id=toc-75>الفصل الثالث</span>\nحَقُّ على من عرفَ سرعةَ تقلُّب القلبِ وتبدُّلِ أحواله، وتَحَقَّقَ تفاوت حظِّهِ من الأخلاقِ الحسنةِ والسيئةِ، وتَيَقَّنَ أنَّ ذلك كلَّهُ من تدبيرِ اللَّطيف الخبيرِ، وأنَّ بيد الرحمن ميزان ما شان وما زان؛ أن يُكْثِرَ الالتجاء إليه، ويطلب السعادة والخير مما عنده ولديه، على ما قال ﷺ إثر ذكر القلب: \"يَا مُثَبِّتَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ\" وأن ينقِّيَ قلبه عن الشَّهوات الداثرة، وعن طلب الدنيا بعمل الآخرة.\nروي عن عمر ﵁ في تفسير قوله تعالى: ﴿امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ (^٢) أذهب عنها الشهوات.\nوعن الحسن: إن طلب الدنيا بعمل الآخرة موت القلب، وإذا صفي القلب انفتح بصره الذي يدعي البصيرة وصار كالمرآة يتمثل فيه كل شيء (^٣).\nعَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ أَنَّهُ قَالَ: في وجه الإنسان عينان يُبْصِرُ بهما أمر دُنْيَاهُ، وفي قلبه عينان يُبْصِرُ بهما أَمْرَ آخِرَتِهِ، فإذا أراد الله بِعَبْدٍ خيرًا فَتَحَ عَيْنَيْهِ التي في قلبه،\n_________\n(^١) بقي على المؤلف إثبات أن الله تعالى يدًا ليست كأيدي المخلوقين، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤] وقال تعالى: ﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [سورة ص: ٧٥].\n(^٢) الحجرات: ٣.\n(^٣) رواه ابن المبارك في \"الزهد\" (١٥١٤) بنحوه.","vol":"1","page":156},{"text":"وإذا أَرَادَ به غير ذلك لم يَفْتَحْهَا، ثُمَّ قَرَأ: ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (^١).\nوكَمَا أَنَّ صَاحِبَ الْبَصَرِ الظَّاهِرِ إذا لَمْ يَفْتَحْ أَجْفَانَهُ أو ذهب عُمْرُهُ في ظُلْمَةٍ ضَاعَتْ عَيْنُهُ وَنُورُهَا، فَصَاحِبُ الْبَصِيرَةِ الْبَاطِنَةِ إذَا لَمْ تَنْفَتِحْ أَجْفَانُ بَصِيرَتِهِ ضَاعَ قَلْبُهُ وبَطَلَتْ فائِدَتُهُ، وَسَبِيلُ مَنْ أَشْرَفَ قَلبُهُ وَنُورُ بَصِيرَتِهِ على الضَّيَاعِ أَنْ يَسْتَغِثَ بِالرَّحْمَنِ رَجاء أَن يَتَدارَكَ أَمْرَهُ بِالرَّحْمَةِ والاِصْطِنَاعِ، وَيَتَضَرَّعَ بِمَا أَنْشَدَ عَبْد اللهِ بْنُ الْحَسَنِ الْفَقِيرُ: [بسيط]\nلَوْ شِئْتَ دَاوَيْتَ قَلْبًا أَنْتَ مُسْقِمُهُ … وَفِي يَدَيْكَ مِنَ الْبَلْوَى سَلَامَتُهُ\nإِنْ كَانَ يُجْهَلُ مَا فِي الْقَلْبِ مِنْ حُرَقٍ … فَدَمْعُ عَيْنِي عَلَى خَدِّي عَلَامَتُهُ\nوَقَرَأْتُ على والدي ﵀ قَالَ: أَنَبَا هِبَةُ الرَّحْمن قَالَ: أَنَبَا أبو سَعِيدٍ قَالَ: أنَبَا السُّلَمِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أبَا نَصْرٍ الطُّوسِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ أبَا الطَّيِّب الْعَكِّيَّ يقُولُ: ذُكِرَ لي أَنَّ سَمْنُونَ كان جَالِسًا على الشَّطِّ وَبِيَدِهِ قَضِيبٌ يَضْرِبُ به فَخِذَهُ وَسَاقَهُ حَتَّى تَبَدَّدَ لَحْمُهُ وَهُوَ يَقُولُ: [مديد]\nكَانَ لِي قَلْبٌ أَعِيشُ بِهِ … ضَاعَ مِنِّي فِي تَقَلُّبِهِ\nرَبِّ فَارْدُدْهُ عَلَيَّ فَقَدْ … ضَاقَ صَدْرِي فِي تَطَلُّبِهِ\nوأَغِثْ مَا دَامَ بِي رَمَقٌ … يَا غِيَاثَ الْمُسْتَغيثِ بِهِ (^٢)\nوَمَن الْتَجَأَ إِلَيْهِ فَلَمْ يُقْبَلْ ولَمْ يُفْتَح لَه البَابُ فَقَد قَضَى عَلَيْهِ ما عَلَيْهِ، ولم يَلُمْ نَفْسَهُ إذَا استْقبَلَهُ مَا بَينَ يَدَيْهِ.\n_________\n(^١) محمد: ٢٤.\n(^٢) \"طبقات الصوفية\" لأبي عبد الرحمن السلمي (ص ٦٦) كما رواه من طريقه الرافعي.","vol":"1","page":157},{"text":"عَلَى المَرْءِ أَنْ يَسْعَي وَيَبْذُلَ جُهْدَهُ … وَيَقْضِي لَهُ الرَّحْمَنُ مَا كَان قَاضِيَا (^١)\nعلى أنَّه أَكْرَمُ من أنْ يُخَيِّبُ الَّذي رجَاهُ ولا يُجِيبَ الَّذِي دَعَاهُ، فَاصْدُقْ فِي الاِسْتِعَانَةِ وَالْإِنَابَةِ وَلَا تَرْتَبْ فِي الْإِغَاثَةِ وَالْإِجَابَةَ.\nونَظَمتُ في خِلالِ تَلفيقِ الفَصْلَيْنِ الأَخِيرَينِ اليَومَ:\n[خفيف]\nرَبَّنَا لَا تُزِغْ وَلَا تَخْذُلْ … قَلْبَنَا الْمُطْمَئِنَّ بِالْإِيمَانْ\nوَأَقِلْنَا عِثَارَنَا كَرَمًا … وَاصْطَنِعْنَا بِرَحْمَةٍ وَأَمَانْ\nرُبَّ قَلْبٍ أُزِيغَ بَعْدَ هُدًى … الْأَمَانَ الأَمَانَ يَا رَحْمَنْ\nآخر المجلس التاسع، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبيه محمد وآله وصحبه وسلم\n* * * * *\n_________\n(^١) البيت من الطويل وهو لإبراهيم بن المهدي، انظر \"التمثيل والمحاضرة\" (ص ٣)، \"المستطرف في كل فن مستظرف\" (٢/ ١٢٧).","vol":"1","page":158},{"text":"﷽\nوما توفيقي إلا بالله\n\n<span data-type='title' id=toc-76>المجلس العاشر </span>من أماليه رحمة الله عليه أملاه يوم الثلاثاء بكرةً السادس عشر من شوال سنة إحدى عشرة وستمائة\nحَدَّثَنَا ﵀ إِمْلَاءً من لَفْظِهِ الشَّريفِ قَالَ: قَرَأْتُ على والدي رحمة الله عَلَيْه: حدَّثَكُمْ أبو عُثْمَانَ العَصَائِدِيُّ قَالَ: أبنَا إسماعيل النَّوْقَانِيُّ قَالَ: أنَبَا أبو الْحُسَيْنِ بن بِشْرَانَ قَالَ: أَنَبَا أبو عَلِيٍّ الصَّفَّارُ قَالَ: ثَنَا سَعْدَانُ بن نَصْرٍ قَالَ: ثَنَا أبي قَالَ: ثَنَا حَفْصُ بن سُلَيْمَان قَالَ: حَدَّثَنَا عَلقَمَةُ بن مَرْثَدٍ، عن أبي عَبْد الرَّحْمَنِ، عن عُثْمَانَ بنْ عَفَّانَ ﵁ قَالَ:\nمَرِضْتُ مَرَضًا وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعُودُنِي فَعَوَّذَنِي يَوْمًا فَقَالَ: \"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (أَعوذُ بِكَ) (^١) بِالْأَحَدِ الصَّمَدِ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد مِنْ شَرِّ مَا تَجِد\".\nفَبَرَأْتُ فَشَفَانِي الله، فَلَمَّا شُفِيتُ قَالَ لي: \"يَا عُثْمَانُ، تَعَوَّذْ بِهِنَّ فَمَا تَعَوَّذْتُمْ بِمِثْلِهِنَّ\".\n\n<span data-type='title' id=toc-77>في الشرح فصول: الفصل الأول</span>\nهذا حديثٌ عزيزٌ من رواية أمير المؤمنين عثمان ﵁، أورده الحافظ\n_________\n(^١) في د: عوذتك. وكتب في حاشية س: الصواب: أعوذك، وسيأتي كلام المصنف عليه خلال الشرح.","vol":"1","page":159},{"text":"أبو بكر البيهقي في \"الدعوات الكبير\" (^١) عن عبد الله بن يوسف، عن أبي سعيد بن الأعرابي، عن سعدان.\nوعثمان (^٢) ﵁ أبو عمرو، وقيل: أبو عبد الله بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قُصَي الأموي القرشي.\nصاحب رسول الله ﷺ وختنه على ابنتيه رقية وأم كلثوم.\nولم يتَّفق لأحد من لدن آدم ﵇ نكاح بنتي نبيٍّ إلَّا لعثمان ﵁، وبذلك لُقب بذي النُّورين في قول بعضهم.\nوأُمُّهُ أَرْوَي بنت كُرَيز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، يقال: إنها أسلمت، وَأُمُّ أُمُّهِ (^٣) عَمَّةُ رسولِ الله ﷺ وهي البيضاء بنت عبد المطلب توءمة عَبْد الله.\nوفضائلُ عثمانَ ورسوخُ قَدَمِهِ في صُحبةِ رسول الله ﷺ تغني شُهرتها عن بَسطها ولا تَفِي مجالسُ بضبطها.\nقُتِلَ شهيدًا صائمًا في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين وهو ابن ست وثمانين، وقيل: ابن ثمان، وقيل: ابن تسعين، وقيل غير ذلك.\nوكانت مدة خلافته اثني عشر سنة، ويقال: إلا اثنتي عشرة يومًا.\nوَدُفِنَ بِالبَقِيعِ.\nوأبو عبد الرحمن: هو عبد الله بن حبيب السُّلَمِيُّ الكوفي.\n_________\n(^١) \"الدعوات الكبير\" (٥٢٥)، ورواه الخطيب (١٣/ ٢٨٦ - ترجمة نصر والد سعدان) من طريق أبي علي الصفار.\nقلت: وهذا إسناد ضعيف فيه نصر والد سعدان، وحفص بن سليمان، وكلاهما ضعيفان.\n(^٢) انظر \"معرفة الصحابة\" (١/ ترجمة ٣، ٤ ترجمة / ٢٠١٣)، و\"الإصابة\" (٤/ ترجمة ٢٤٥٢).\n(^٣) أي: جدة عثمان بن عفان.","vol":"1","page":160},{"text":"من كبار التَّابعين فقهًا وقراءة وعربية، أقرأ الناس من زمن عثمان ﵁ إلى زمن الحجاج.\nسمع: عثمان، وعليًّا، وابن مسعود، وأبا موسى الأشعري، وحُذيفة.\nروى عنه: أبو إسحاق الهمداني، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، وسعد بن عبيدة، وعاصم بن بَهْدَلَةَ.\nولأبيه حبيبٍ صحبة.\nتوفي سنة أربع وسبعين، وقيل: سنة اثنتين (^١).\nوعَلْقمةُ بن مَرْثَدٍ: هو أبو الحارث الحضرمي الكوفي.\nسمع: طارق بن شهاب، وأبا عبد الرحمن السُّلَمِيَّ وربما روي عن سعد بن عبيدة عنه.\nوسمع أيضًا: الشعبي، ومجاهدًا، وسليمان بن بريدة.\nروى عنه: الثوري، وشعبة، ومسعر (^٢).\nوحفص بن سليمان: هو أبو عمر الأسدي الكوفي القارئ، ويقال له: حفص بن أبي داود.\nروي عن: عاصم، وعلقمة بن مرثد (^٣).\nوآخر يقال له: حفص بن سليمان، بصري منقري.\nروي عن: الحسن. وعنه: حماد بن زيد (^٤).\n_________\n(^١) انظر \"تهذيب الكمال\" (١٤/ ٤٠٨)، \"سير أعلام النبلاء\" (٤/ ٢٦٧).\n(^٢) انظر \"تهذيب الكمال\" (٢٠/ ٣٠٨)، \"سير أعلام النبلاء\" (٥ / ترجمة ٨١).\n(^٣) انظر \"تهذيب الكمال\" (٧/ ١٠).\n(^٤) انظر \"تهذيب الكمال\" (٧/ ١٦).","vol":"1","page":161},{"text":"وآخر يقال له: حفص بن سليمان، بصري أيضًا.\nسمع: معاوية بن قرة، وربما قيل: سليمان بن حفص (^١).\nوآخر يقال له: حفص بن سليمان (الأزدي) (^٢).\nروى عنه: خليد بن حسان.\nونصر والد سَعدان: هو نصر بن منصور الثقفي.\nروى عنه: ابنه (^٣).\nوسَعْدان: هو أبو عثمان الثقفي المخرمي البزاز من أهل بغداد، وكان اسمه سعيدًا فغلب عليه سَعدان.\nروي عن: سفيان بن عيينة، ومعاذ بن معاذ، وأبي معاوية.\nسمع منه: عبد الرحمن، وأبوه أبو حاتم ووثَّقه (^٤)، وأثنى عليه الدارقطني أيضًا (^٥).\nتوفي سنة خمس وستين ومائتين (^٦).\nوأبو عليٍّ الصَّفَّارُ: هو إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن صالح بن عبد الرحمن النحوي من أهل بغداد، صاحب المبرد.\nسمع: الحسن بن عرفة، وزكريا بن يحيى المروزي، وأحمد بن منصور\n_________\n(^١) انظر \"التاريخ الكبير\" (٢/ ترجمة ٢٧٦٦).\n(^٢) في س، د: الأودي. والمثبت من \"التاريخ الكبير\" (٢ / ترجمة ٢٧٦٥)، \"الثقات\" (٦/ ١٩٧).\n(^٣) انظر \"ميزان الاعتدال\" (٧ / ترجمة ٩٠٥٥).\n(^٤) \"الجرح والتعديل\" (٤/ ٢٩٠).\n(^٥) انظر \"تاريخ بغداد\" (٩/ ٢٠٥).\n(^٦) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٢/ ٣٥٧).","vol":"1","page":162},{"text":"الرَّمادي، وسعدان بن نصر.\nروى عنه: أبو الحسين بن المظفر، وأبو بكر الجوزقي، والدارقطني ووثقه.\nتوفي سنة إحدى (وأربعين) (^١) وثلاثمائة (^٢).\nوأبو الحسين: هو علي بن محمد بن عبد الله بن (بشران) (^٣) بن محمد بن بشر -أو بشران- بن مهران السُّكَّرِيُّ الأموي مولاهم.\nمن مُحَدِّثي بغداد، أخو أبي القاسم بن بشران المذكور في المجلس الثاني وكان أكبر منه وتوفي قبله.\nروى عنه: أبو بكر البيهقي، والأئمة (^٤).\nوإسماعيل النُّوقَانِيُّ: هو أبو القاسم بن زاهر بن محمد بن عَبْد الله بن محمد بن على (المعقلي) (^٥).\nثقةٌ صدوقٌ من أهل نيسابور، فَقِيهٌ، تفقه على أبي بكر الطوسي، ودرس بنيسابور مدة، وكان قد خرج في عنفوان الشباب إلى الحجاز في رفقة فيها الأئمة: أبو محمد الجُويني، وأبو القاسم القُشيري، وأبو بكر البيهقي.\nفسمع ببغداد: محمد بن الحسين القطان، وأبا الحسين بن بشران، وبالكوفة: جناح بن نذير، وبمكة: ابن نظيف المصري، وأملي في المدرسة النِّظامية سنين، وكان قد سمع عبد الله بن يوسف وأبا طاهر الزِّيادي أيضًا.\n_________\n(^١) في د: وثلاثين. والمثبت من س، مصادر الترجمة.\n(^٢) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٥ / ترجمة ٢٥٠).\n(^٣) في د: مسلم. والمثبت من س، مصادر الترجمة.\n(^٤) انظر \"تاريخ بغداد\" (١٢/ ٩٨)، \"سير أعلام النبلاء\" (١٧ / ترجمة ١٨٩).\n(^٥) في د: النفلي. ولم أجد من نسبه كما في النسختين س، د. والله أعلم.","vol":"1","page":163},{"text":"توفي سنة تسع وسبعين وأربعمائة (^١).\nوأبو عثمان الْعَصَائِدِيُّ: هو إسماعيل بن عبد الرحمن بن سعيد.\nكان شيخًا من أهل نيسابور، بَهِيًّا صاحبَ ثروةٍ ومروءةٍ وحديثٍ ومعرفةٍ، لقي المشايخ وأملى الكثير. توفي سنة تسع وأربعين وخمسمائة (^٢).\nووالدي ﵀ مذكور في المجلس الأول وغيره.\nوسمعت عبد الرحيم بن الحسين المؤذن -وكان رجلًا صالحًا يؤذن في مسجده- يحكي أنَّ الوالد ﵀ خرج في ليلةٍ مظلمةٍ لصلاةِ العشاءِ قال: وأنا على باب المسجد أنتظره، فحسبت أن في يده سراجًا وتعجبت منه؛ لأنه لم يكن من عادته استصحاب السراج، فلما بلغ المسجد لم أجد السراج فدهشت، وذكرت له ذلك من الغد فلم يعجبه وقوفي على الحال، وقال: أقبل على شأنك (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-78>الفصل الثاني</span>\nيُقَالُ: عَادَ المَرِيضَ يَعُودُه إِذَا زَارَهُ وتَفَقَّدَهُ عَوْدًا وَعِيَادَةً، والياء واو منقلبة، وَعَادَ إِلَى الشَّيْءِ يَعُودُ عَوْدًا وَعَوْدَةً، وَذُكِرَ أَنَّ الْعِيَادَةَ سُمَّيَتْ عِيَادَةً لِلْعَوْدِ إِلَى الْمَرِيضِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى.\nوَيُقَالُ: أَعَذْتُ فُلَانًا بِكَذَا وَعَوَّذْتُهُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَعُذْتُ بِفُلَانٍ وَاسْتَعَذْتُ بِهِ: أي لَجَأْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ عِيَاذِي، وَالْعُوَّدُ: النَّبْتُ فِي الْمَكَانِ الْحَزْنِ أَوْ أَصْلِ الشَّوْكِ لَا تَنَالُهُ السَّائِمَةُ كَأَنَّهُ عَاذَ بِهِ، وَيُقَالُ: أَطْيَبُ اللَّحْمِ عُوَّذُهُ وَهُوَ مَا عَاذَ بِالْعَظْمِ وَلَزِمَهُ.\n_________\n(^١) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٨ / ترجمة ٢٢٩).\n(^٢) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (٢٠/ ٢٧١).\n(^٣) انظر \"طبقات الشافعية\" (٢/ ١٧).","vol":"1","page":164},{"text":"و\"الْأَحَدُ\" مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى:\nقِيلَ: هو مختصٌّ بالله تعالى بخلاف الواحدِ، فلا يقال: رجل أحد وإن كان يقال: واحد، نعم يستعمل في النفي فيقال: ما في الدار أحد، ومضافًا فيقال: أحد القوم.\nوَقِيلَ: هما بِمعنى واحد، وهو الَّذي لا شبيه له ولا شريك.\nوَقِيلَ: الواحدُ المنفردُ بالذَّاتِ، والأحدُ المنفردُ بالمعاني والصِّفات، وأصل أَحَدَ وَحَدَ.\nو\"الصَّمَدُ\" هو السَّيِّدُ الَّذي يُصْمَدُ إِلَيْهِ فِي الْحَوَائِجِ، أيْ: يُقْصَدُ، يقال: صَمَدَه يَصْمِدُه بِالضَّمِّ إِذَا قَصَدَهُ، وهو فعل بمعنى مفعول كقبض بمعني مقبوض.\nوَقِيلَ: الصَّمَدُ: الدَّائِمُ.\nوَقِيلَ: الَّذِي لَا جَوْفَ لَهُ، ويقرب منه قول من قال: الذي لا يطعم.\nوَقِيلَ: الَّذِي لَا عَيْبَ فِيهِ.\nوَقِيلَ: الْكَامِلُ في صِفَاتِهِ.\nوفي \"الكُفْؤ\" لغات: كُفُؤٌ بضم الكاف والفاء، وكُفْؤٌ بضم الكاف وتسكين الفاء، والكلمة مهموزة في اللغتين، وكُفُؤٌ الكاف والفاء وإبدال الهمزة بالواو، وورد بها القراءة في سورة الإخلاص، وَكُفْؤٌ كَحُلْو، وكِفَاءً بكسر الكاف والمد، قال حسان ﵁:\nوُرُوْحُ الْقُدُسِ لَيْسَ لَهُ كِفَاءُ (^١)\nوكَفِيءٌ على فعيل: وهو المثل والنظير.\n_________\n(^١) هذا عجز بيت وصدره: وجبريل رسول الله فينا انظر \"خزانة الأدب\" (١/ ٤١٦).","vol":"1","page":165},{"text":"وَيُقَالُ: بَرَأْتُ مِنَ الْمَرَضِ بَرْءًا بالفتح، وَبَرِثْتُ بُرْءًا فَأَنَا بَارِئٌ، وقد يُسهل فيقال: بَرِيتُ، وحكي بُرْءًا بالضم أيضًا، وأَبْرَأَنِي الله مِنَ الْمَرَضِ وَيُقَالُ: بَرِئْتُ من الدَّين بَرَاءَةً وليس فيه إِلَّا الكسر، وَبَرَأَ الله الْخَلْقَ بَرْءًا وليس فيه إِلَّا الفتح.\nوَيُقَالُ: شَفَاهُ اللهُ مِنْ مَرَضِهِ شِفَاءً، وَاسْتَشْفَى: طَلَبَ الشِّفَاءَ، وَأَشْفَاهُ اللهُ عَسَلًا: أي جَعَلَ لَهُ شِفَاءً.\n\n<span data-type='title' id=toc-79>الفصل الثالث</span>\nقوله: \"وكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعُودُنِي فَعَوَّذَنِي يَوْمًا\" فيه إشعارٌ ظاهرٌ بأنَّهُ عاده مرة بعد مرة، والعيادةُ من سنن رسول الله ﷺ وآدابه التي أمرَ بها.\nقَرَأْتُ عَلَى أَحْمَد بن الْحُسَيْنِ الْعَطَّارِ، أَنَبَا أَبُو بَكْرٍ الدَّاغُونِيُّ، أَنَبَا مُحَمَّد بن أَبِي نَصْرٍ الْحُمَيْديُّ.\nوأَبَنَا مُحَمَّد بن عَبْد الْبَاقِي، عن الْحُمَيْدِيِّ، أَنَبَا أبو الْقَاسِم عَبْد الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُظَفَّرِ، أَنَبَا أَحْمَد بن مُحَمَّدٍ الذَّارعُ، ثَنَا أبو بِشْرٍ الدُّولَابِيُّ، ثَنَا مُحَمَّد بن بشَّارٍ، ثَنَا مُحَمَّد بن جَعْفَرٍ، ثَنَا شُعْبَةُ، عن الأَشْعَثِ، عَن مُعَاوِيَةَ بن سُوَيْدِ بنِ مُقَرِّنٍ، عَنِ الْبَرَاءِ بن عَازِبٍ قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ الله ﷺ بِسَبْعٍ: أَمَرَنَا باتِّباع الْجَنَائِزِ، وَعِيَادَةِ الْمَرْضَي، وتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَإِجَابَةِ الدَّاعي، ونُصْرَةِ المَظْلُومِ، وَإِبْرَارِ الْمُقْسِم، وَرَدِّ السَّلَامِ (^١).\nوَيُسْتَحَبُّ لِلْعَائِدِ أَنْ يَتَلَطَّفَ وَيَرْفُقُ بِالْمَرِيضِ بِوَضْعِ الْيَدِ عَلَيْهِ والسُّؤَالِ عَنْ\n_________\n(^١) رواه الترمذي (٣٠٣٩) من طريق محمد بن بشار، ورواه البخاري (١٢٣٩)، ومسلم (٢٠٦٦) كلاهما من طريق الأشعث.","vol":"1","page":166},{"text":"حَالِهِ وَتَطْيِيبِ نَفْسِهِ:\nفَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: \"مِنْ تَمَامِ الْعِيَادَةِ أَنْ تَضَعَ عَلَى المَرِيضِ يَدَكَ فَتَقُولُ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟ كَيْفَ أَمْسَيْتَ؟ \" (^١).\nوَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: \"إِذَا دَخَلْتُمْ عَلَى مَرِيضٍ فَنَفِّسُوا فِي أَجَلِهِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَرُدُّ شَيْئًا وَهُوَ يُطَيِّبُ نَفْسَهُ\" (^٢).\nوقوله: \"أَعُوذُ بِكَ\" الباء في \"بِكَ\" باء التعدية، والمعنى: أعوذك أو أعيذك، وبلفظة \"أُعِيذُكَ\" روي أبو بكر السُّنِّي الحديث في \"يوم وليلة\" (^٣) والحافظ\n_________\n(^١) رواه العقيلي (٣/ ٦١) وابن السني في \"عمل اليوم والليلة\" (٥٣٥) من طريق عبد الأعلى بن محمد التاجر عن يحيى بن سعيد، عن الزهري، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن أبي أمامة بتمامه.\nقال العقيلي: عبد الأعلى بن محمد التاجر يروي عن يحيى بن سعيد بواطيل لا أصول لها.\nوقال الحافظ في \"لسان الميزان\" (٣/ ٣٨٢): روي عن يحيى بن سعيد الأنصاري مناكير لا يتابع عليها ولا أصول لها. ثم ذكر منها هذا الحديث.\nورواه الترمذي (٢٧٣١) بنحوه قَالَ: \"تَمَامُ عِيَادَةِ الْمَرِيضِ أَنْ يَضَعَ أَحَدُكُمْ يَدَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ أَوْ قَالَ عَلَى يَدِهِ، فَيَسْأَلُهُ كَيْفَ هُوَ\".\nقال الترمذي: إسناده ليس بالقوي، وضعفه الألباني في \"ضعيف الجامع\" (٣٦٦٨).\n(^٢) رواه الترمذي (٢٠٨٧)، و\"ابن ماجه\" (١٤٣٨)، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" (٩٢١٣) من طريق موسي بن محمد بن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي سعيد الخدري.\nقال الترمذي: حديث غريب.\nوقال البيهقي: موسي بن محمد بن إبراهيم يأتي من المنكرات بما لا يتابع عليه والله أعلم.\nوقال ابن الجوزي في \"العلل المتناهية\" (٢/ ٨٧٠): هذا حديث لا يصح، قال يحيى: محمد بن إبراهيم ليس بشيء لا يكتب حديثه، وقال الدارقطني: متروك.\nوضعفه الألباني في الضعيفة (١٨٤) فقال: ضعيف جدًّا.\n(^٣) \"عمل اليوم والليلة\" (٥٥٢).","vol":"1","page":167},{"text":"البيهقي (^١).\nوالباء في قوله: \"بِالْأَحَدِ\" صلة العياذ.\nوقوله: \"فَبَرِأْتُ فَشَفَانِيَ اللَّهُ\" يشبه أن يريد بالبرء مبادئ الصحة والقوة، وبالشفاء نهايتها، ويمكن أن يقال: البُرْءُ نعمة محبوبة، وليس في قوله: \"بَرَأْتُ\" ذكر المنعم، فلما قال: \"فَبَرأْتُ\"، قَالَ: \"فَشَفَانِيَ اللَّهُ\" ليضيف النعمة إلى المنعم وذلك نوع من الشكر.\nوكتب بعضهم \"فَقَرَأْتُ\" بدل \"فَبَرِأْتُ\" وهذا إن كان عَنْ تَثَبُّتٍ فقوله: \"فَعَوَّذَنِي\" أي ألقى عليَّ الكلمات لأَتَعَوَّذَ بِهَا، كما رُوِيَ أنَّ عثمان بن أبي العاص الثَّقَفِيَّ شَكَا إلى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَجَعًا يَجِدُهُ، قَالَ: \"ضَعْ يَدَكَ عَلَى الَّذِي يَأْلَمُ مِنْ جَسَدِكَ وَقُلْ بِاسْمِ اللَّهِ ثَلَاثًا وَقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ أَعُوذُ بِاللَّهِ وَقُدْرَتِهِ\" وَيُرْوَي: \"بِعِزَّةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ\" (^٢).\nوقوله: \"تَعَوَّذْ بِهِنَّ فَمَا تَعَوَّذْتُمْ بِمِثْلِهِنَّ\" يدل على فضيلة هذه العُوذَةِ.\nوَوَرَدَتْ كَلِمَاتٌ أُخَر يُعَاذُ بِهَا الْمَرِيضُ:\nفَعَن رِوَايَةِ عَائِشَةَ (^٣) وأَنَسٍ (^٤) ﵄: \"اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ (أَذْهِبِ) (^٥) البَاسَ اشْفِ أَنْتَ الشَّافِي لَا شَافَي إِلَّا أَنْتَ، اشْفِ شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سُقْمًا\".\nوَعَنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ: \"أَسْأَلُ اللهَ الْعَظِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أَنْ\n_________\n(^١) الذي في \"الدعوات الكبير\": أعوذك. والله أعلم.\n(^٢) رواه \"مسلم\" (٢٢٠٢).\n(^٣) رواه \"البخاري\" (٥٦٧٥)، \"مسلم\" (٢١٩١).\n(^٤) رواه \"البخاري\" (٥٧٤٢).\n(^٥) في س: مُذهب.","vol":"1","page":168},{"text":"يَشْفِيَكَ\" (^١).\nوَعَن رِوَايَةِ سَلْمَانَ: \"شَفَى اللَّهُ سُقَمَكَ وَغَفَرَ ذَنْبَكَ وَعَافَاكَ فِي دِيْنِكَ وَجِسْمِكَ إِلَى مُدَّةِ أجَلِك\" (^٢).\nوَعَن رِوَايَةِ عَبْد الله بن عَمْرٍو: \"اللَّهُمَّ اشْفِ عَبْدَكَ يَنْكَأُ لَكَ عَدُوًّا أَوْ يَمْشِي لَكَ إِلَى صَلَاةِ\" (^٣).\nوفي افتتاحِ العُوذةِ بالتَّسْمِيَةِ تَيَمُّنٌ وَتَبَرُّكٌ بِهَا، وإشارةٌ إلى أنَّهُ يحسن لمن طلب كشف الكروب في الدنيا وغفران الذنوب في العقبي أن يدعو ربه على التعظيم باسميه الرحمن الرحيم ليكشف عنه بالرحمة ما أصابه من الغمة، ومن عهد ذكره اليوم واتخذ عند الرحمن عهدًا، فسيحشر غدًا في المتقين إليه وفدًا إذا عُرِضَ عليه\n_________\n(^١) رواه أبو داود (٣١٠٦) والترمذي (٢٠٨٣)، وابن حبان (٢٩٧٥). وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" (٥٧٦٦).\n(^٢) رواه الحاكم (١/ ٧٣٤) من طريق شعيب بن راشد بياع الأنماط، ثَنَا أبو هاشم الرماني، عن زاذان، عن سلمان.\nورواه ابن السني (٥٤٧) من طريق شعيب بن أبي راشد عن عمرو بن خالد عن أبي هاشم.\nقال ابن أبي حاتم وسأل أبا حاتم عنه فقال: حدث بثلاثة أحاديث بإسناد واحد عن عمرو بن خالد منكرة، فقلت: ما تقول فيه؟ قال: هو شيخ مجهول.\nوعمرو بن خالد الواسطي:\nقال عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه: متروك الحديث، ليس بشيء. وقال عباس الدوري عن يحيى بن معين: كذاب غير ثقة، ولا مأمون. وقال إسحاق بن راهويه، وأبو زرعة: كان يضع الحديث. وقال أبو حاتم: متروك الحديث، ذاهب الحديث، لا يشتغل به.\n(^٣) رواه أبو داود (٣١٠٧)، وابن حبان (٢٩٧٤)، والحاكم (١/ ٤٩٥).\nوصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" (٦٨١).","vol":"1","page":169},{"text":"وأتاه يوم القيامة فردًا فسيجعل له من فضله وُدًّا.\nوفي التَّفاسير أنَّ فارعة أخت أمية بنت أبي الصلت أنشدت رسول الله ﷺ من شعر أخيها فيما أنشدت: [خفيف]\nعِنْدَ ذِي الْعَرْشِ تُعْرَضُونَ عَلَيهِ … يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَالسِّرَارَ الْخَفِيَّا\nيَوْمَ يَأْتِي الرَّحْمَنُ وَهُوَ رَحِيمٌ … إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيَّا\nيَوْمَ تَأْتِيهِ مِثْلَ مَا قَالَ فَرْدًا … ثُمَّ لَا بُدَّ رَاشِدًا أَوْ غَوِيَّا\nرَبِّ إِنْ تَعْفُ فَالْمُعَافَاةُ ظَنِّي … أَوْ تُعَاقِبْ فَلَمْ تُعَاقِبْ بَرِيَّا\nوهذه الباء الواقعة في أول التسمية تسمى باء الإلصاق لإلصاقها الفعل بالمفعول، والفعل محذوف فيها، وكأن حذف الفعل للتنبيه على أن كل فعل ينبغي أن يكون بالله ولله، ولا يختص ذلك ببعض الأفعال حتى تخصص بالذكر، وكأنَّ الذاكر إذا استغرق في الذكر يقول: بك أتمسك، وبذكرك أتبرك، وعليك أتوكل، وبأسمائك أتوسل، وذكرك أُديم، وعلى بابك أُقيم.\nوَأُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِمَا أَنْشَدْتُكُم لِنَفْسِي: [طويل]\nأَقِيمَا عَلَى بَابِ الرَّحِيم أَقِيمَا … وَلَا تَنِيَا في ذِكْرهِ فَتَهِيمَا\nوَللِنَّفَحَاتِ الطَّيِّبَاتِ تَعَرَّضَا … لَعَلَّكُمَا تَسْتَنْشِقَانِ نَسِيمَا\nهُوَ الرَّبُّ مَنْ يَقْرَعْ عَلَى الصِّدْقِ بَابَهُ … يَجِدْهُ رَءُوفًا بِالْعِبَادِ رَحِيمًا (^١)\nآخر المجلس العاشر بحمد الله ومنه وفضله، والحمد لله وحده، وصلِّ اللهم على سيدنا محمد وآله وسلم\n_________\n(^١) نقل هذه الأبيات عن الإمام الرافعي: ابن الملقن في \"البدر المنير\" (١/ ٣٣٣).","vol":"1","page":170},{"text":"﷽\nوَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ\n\n<span data-type='title' id=toc-80>المجلس الحادي عشر </span>من أماليه قَدَّسَ الله روحه أملاه يوم الثلاثاء الثالث والعشرين من شوال سنة إحدى عشر وستمائة\nحدثَنَا ﵀ إِمْلَاءً مِنْ لَفْظِه الشَّرِيفِ قَالَ: أَنَبَا عَبْد الْعَزِيزِ (بْنُ الْخَلِيلِ) (^١) بِقِرَاءَتِي عَلَيْه قَالَ: أَنَبَا الشَّافِعِيُّ بْنُ دَاوُدَ، أَنَبَا إِبْرَاهِيمُ الْعِجْلِيُّ، أَنَبَا مُحَمَّدُ بن الْمَكِّيُّ، أَنَبَا مُحَمَّد بن يُوسُفَ، أنَبَا مُحَمَّد بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا مُقَدَّمُ بْنُ مُحَمَّدِ، ثَنَا عَمِّي، عن عُبَيْد اللهِ، عَن نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قَالَ: \"إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقْبِضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الأَرْضَ وَتَكُونُ السَّمَاوَاتُ بِيَمِينِهِ ثُمَّ يَقُولُ أَنَا المَلِكُ\".\n\n<span data-type='title' id=toc-81>في الشرح فصول: الفصل الأول</span>\nهذا حديثٌ صحيحٌ: أخرجه البخاري (^٢) هكذا، ورواه أيضًا مُعَلَّقًا فقال: وَقَالَ عُمَرُ بْنُ حَمْزَةَ، سَمِعْتُ سَالِمًا، سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا (^٣).\nوأخرجه مسلم (^٤) من حديث عمر بن حمزة، عن سالِمٍ واللفظ: \"يَطْوِي اللهُ السَّمَاوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى ثُمَّ يَقُولُ أَنَا المَلِكُ أَيْنَ الْجَبَّارُونَ أَيْنَ المُتَكَبِّرُونَ\". وأخرجه أيضًا من حديث عبيد الله بن مقسم وغيره، عن ابن\n_________\n(^١) في د: الخليلي. وكلاهما صواب.\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٧٤١٢).\n(^٣) \"صحيح البخاري\" (٧٤١٣).\n(^٤) \"صحيح مسلم\" (٢٧٨٨/ ٢٤).","vol":"1","page":171},{"text":"عمر (^١).\nورواه عنِ النَّبِيِّ ﷺ: ابن مسعود (^٢)، وأبو هريرة (^٣) وزِيد في رواية أبي هريرة بعد قوله: \"أَنَا الْمَلِكُ\": \"أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ\".\nوابن عمر (^٤) ﵄: هو عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبدٍ العزى، أبو عبد الرحمن العدوي، وأمه زينب بنت مظعون بن حبيب بن وهب بن حذيفة أخت عثمان بن مظعون.\nوُلِدَ قبل الوحي بسنة وهاجر مع أبيه، وأولُ مشاهدِهِ مع النَّبِيِّ ﷺ الخندق، وهو من مشاهير علماء الصحابة وكان عابدًا ناصحًا للأُمَّةِ متحرزًا عن الفتنة كثيرَ البرِّ والصَّدقةِ.\nيُروي عن سفيان الثوري أنَّهُ كان يقول: اقتدوا بعمر في الجماعة، وابن عمر في الفتنة.\nوعن سالم بن أبي الجعد قال: ما رأيت أحدًا إلَّا وقد مالت به الدنيا غير ابن عمر (^٥).\nوعن مَيمون بن مِهْرَانَ أنَّ ابن عمر أتاه اثنان وعشرون ألف دينار في مجلسٍ\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (٢٧٨٨/ ٢٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (٧٤١٤، ٧٤١٥)، ومسلم (٢٧٨٦/ ١٩).\n(^٣) أخرجه البخاري (٨٣٨٢)، ومسلم (٢٧٨٧/ ٢٣).\n(^٤) انظر \"معرفة الصحابة\" (٣/ ترجمة ١٦٩٥)، و\"الإصابة\" (٤/ ترجمة ٤٨٣٧).\n(^٥) رواه أحمد في \"فضائل الصحابة\" (١٦٩٩)، والحاكم (٣/ ٦٤٥) من حديث سالم، عن جابر بن عبد الله قال: ما رأيت ....","vol":"1","page":172},{"text":"فلم يقم حتى فرقها (^١).\nوعن نافع أنه ما مات حتى أعتق ألف نسمة أو زاد (^٢).\nتوفي بمكة سنة ثلاث وسبعين، ويقال: سنة أربع.\nونافع (^٣) أبو عبد الله مولاه من أهل المدينة أعتقه بعدما كان يُعْطَى به عشرة آلالف درهم فلم يقبلها.\nروي عن: ابن عمر، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وعائشة ﵃.\nوروي عنه: الزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وأيوب، ومالك، والأوزاعي، والكبار.\nوكان سالم يقدمه على نفسه في الفتوى. توفي سنة تسع عشرة ومائة.\nوعبيد الله (^٤): هو أبو عثمان، وقيل: أبو عمرو بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري العدوي، من أكابر علماء المدينة.\nسمع: نافعًا، وسالمًا، والقاسم بن محمد، والزهري، وأبا الزناد.\nروى عنه: أيوب، وابن جريج، ويحيى بن سعيد القطان، والثوري، وشعبة، وأخوه عبد الله.\nوعن أحمد بن حنبل أنه أثبت في نافع من مالك.\nتوفي سنة خمس وأربعين ومائة.\nوَعَمُّ مُقَدَّمٍ: هو القاسم بن يحيى بن عطاء بن مُقَدَّمٍ، أبو محمد الهلالي\n_________\n(^١) رواه ابن أبي عاصم في \"الزهد\" (١/ ١٩٢).\n(^٢) رواه أبو نعيم في \"الحلية\" (١/ ٢٩٦)، وصحح إسناده الذهبي في \"السير\" (٣/ ٢١٨).\n(^٣) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (٥/ ترجمة ٣٤).\n(^٤) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (٦/ ترجمة ١٢٩).","vol":"1","page":173},{"text":"الواسطيُّ.\nسمع: عبيد الله بن عمر.\nتوفي سنة سبع وتسعين ومائة أو نحو ذلك (^١).\nوَمُقَدَّمُ (^٢): هو ابن محمد بن يحيى بن عطاء بن مُقَدَّمٍ الهلالي الواسطي.\nسمع: عمه.\nوهو وعمه من أفراد البخاري، وهما قليلا الذكر والرواية.\nومحمد بن إسماعيل (^٣): هو صاحب الصحيح الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه الجعفي البخاري، أشهر من أن يعرف بشيخ أو تلميذ.\nيروى عن إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة أنه قال: ما رأيت تحت أديم السماء أعلم بحديث رسول الله ﷺ ولا أحفظ له من محمد بن إسماعيل.\nوعن أحمد بن حنبل أنه قال: ما أخرجت خراسان مثل محمد بن إسماعيل.\nوعن محمد بن الفضل البلخي أن محمد بن إسماعيل كان قد ذهب بصره في صباه وكانت له والدة متعبدة فرأت إبراهيم الخليل ﵇ في المنام فقال لها: إن الله قد ردَّ بصر ابنك بكثرة دعائك وبكائك، فأصبحت وقد ردَّ الله عليه بصره.\nوعن البخاري أنه قال: أحفظ مائة ألف حديث صحيح، ومائتي ألف غير صحيح.\n_________\n(^١) انظر \"تهذيب الكمال\" (٢٣/ ٤٥٩).\n(^٢) انظر \"تهذيب الكمال\" (٢٨/ ٤٦٠).\n(^٣) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٢/ ترجمة ١٧١).","vol":"1","page":174},{"text":"وجامعه الصحيح أعظمُ مَرجوعٍ إليه في سُنَّةِ رسول الله ﷺ، يروى عنه أنَّهُ قال: أخرجت الصحيح من زهاء ستمائة ألف حديث.\nصنَّفه في ست عشرة سنة.\nويقال: إنه ما وضع في الصحيح حديثًا إلَّا اغتسل قبله وصلى ركعتين، وأنه صنفه أو أكثره في المسجد الحرام، وأنه ترجم الأبواب بين قبرِ النَّبِيِّ ﷺ وبين مِنْبَرِهِ، وكان يصلي لكل ترجمة ركعتين، وذكر أنَّ أحاديث الصَّحيح سبعة آلاف ومائتان وخمسة وسبعون، وأنشد لأبي عامر الْجُرْجَانِيُّ: [متقارب]\nصَحِيْحُ الْبُخَارِيِّ لَوْ أَنْصَفُوا … لَقَدْ كَتَبُوهُ بِمَاءِ الذَّهَبْ\nأَسَانِيدُ مِثْلُ نُجُومِ السَّمَاءِ … أَمَامَ مُتُونٍ كَمِثْلِ الشُّهُبْ\nوَسِتْرٌ رَقِيقٌ إِلَى الْمُصطَفَى … وَنُورٌ مُبِينٌ لِكَشْفِ الرِّيَبْ\nفَيَا عَالِمًا أَجْمَعَ الْقَائِلُونَ … عَلَى فَضْلِ رُتْبَتِهِ فِي الرُّتَبْ\nنَفَيْتَ السَّقِيمَ مِنَ النَّاقِلِينَ … وَمَنْ كانَ مُتَّهَمًا بِالْكَذِبْ\nوَأَثَبْتَّ مَنْ عَدَّلَتْهُ الرُّوَاةُ … وَصَحَّتْ رِوَايِتُهُ فِي الْكُتُبْ\nفَأَعْطَاكَ رَبُّكَ خَيْرَ الْعَطَاءِ … وَأَجْزَلَ حَظَّكَ فِيمَا يَهَبْ\nوُلد في شوال سنة أربع وتسعين ومائة، وتوفي سنة ست وخمسين ومائتين ليلة الفطر، ودُفن بخَرْتَنْك قرية من قرى سمرقند على فرسخين منها، وقبره معروف يُزار.\nرَأَيْتُ بِخَطِّ الشَّيْخِ أَبِي الْفَتْحِ المُحْسِنُ بْنُ الْحُسَيْنِ الرَّاشِدِيُّ: أَنْشَدَنَا أَبُو سَعْدٍ","vol":"1","page":175},{"text":"الْإِدْرِيِسِيُّ الْحَافِظُ عِنْدَ قَبْرِ الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ ﵀ بِخَرْتَنْك (^١) يُخَاطِبُهُ وَيَرْثِيهِ: [طويل]\nأَلَا أَيُّهَا الْحَبْرُ الْإِمَامُ المُفَضَّلُ … وَعَالِمُ قَوْلِ المُصْطَفَى ومُحَصِّلُ\nلِأَخْبَارِهِ إِذْ قَدْ جَمَعْتُ صِحَاحَهَا … لِعِلْمِكَ بالتَّصْدِيقِ مِمَّنْ تَحَمَّلُوا\nعَنِ المُصْطَفَى وَالتَّابِعِينَ وَبَعْدَهُمْ … كَأَنَّهُمُ فِي نُصْبِ عَيْنِكَ مُثِّلُوا\nكِتَابُكَ قَدْ فَاقَ الْجَوَامِعَ كَلَّهَا … وَمَا هُوَ إِلَّا حَاكِمٌ أَو مُعَدِّلُ\nجُزِيتَ عَنِ الإِسْلَامِ خُلْدًا وَجَنَّةً … وَأُعْطِيتَ مَا قَدْ كُنْتَ تَهْوَى وَتْأمَلُ\nفي أبياتٍ هذه أجودها.\nومحمد بن يوسف (^٢): هو أبو عبد الله بن يوسف بن مطر بن صالح بن بشر الْفِرَبْرِيُّ ومنهم من يفتح الفاء.\nسمع: علي بن خَشْرَمٍ، وحاشد بن إسماعيل، ومحمد بن إسماعيل.\nوهو راوية الصحيح وبروايته اشتهر.\nيروى عنه أنه قال: سمع الصحيح من البخاري تسعون ألفًا فما بقي من يرويه غيري، ويقال: إنه سمع الكتاب مرتين مرة بفربر، ومرة ببخاري، وفي تاريخ السماعين اختلاف رواية، توفي سنة عشرين وثلاثمائة.\nومحمد بن المكي (^٣): هو أبو الهيثم بن المكي بن محمد بن زَرَّاع الْكُشْمِيهَنِيُّ.\n_________\n(^١) قرية بينها وبين سمرقند ثلاثة فراسخ بها قبر إمام أهل الحديث محمد بن إسماعيل البخاري. انظر \"معجم البلدان\" (٢/ ٣٥٦).\n(^٢) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٥/ ١٠).\n(^٣) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٦/ ٤٩١).","vol":"1","page":176},{"text":"الفقيهُ الأديبُ.\nسمع: محمد بن يوسف، وأبوي العباس الدَّغُولِيَّ والأصمَّ، وإسماعيل الصفار، وأبا سعيد بن الأعرابي.\nويقال: إنه آخر من روى الصحيح عن الْفَرَبْرِيِّ.\nوعن الشيخ عبد بن أحمد الهروي أنه قال: أملى علينا الْكُشْمِيهَنِيُّ عند ختم الصحيح: الحمد لله حمدًا حمد معترف بذنبه، ومستأنس بربه، جعل فاقته إليه، واعتمد بالعفو عليه، بره يعتقه، وذنوبه تقلقه، رَوَّح قلبه بذكره، وطاش عقله من جُرمه، لا يوجد في أحواله إلا قلقًا، وطائر القلب فرقًا خوفًا من النار وفضيحة العار، وغضب الملك الجبار، إذا ميَّز الأخبار والأشرار، وجيء بالجنة والنار، وبدلت الأرض وانشقت السماوات، وتناثر النجوم الزاهرات، وانتظر المحشورون ما يكون في ذلك اليوم، يوم يفزع من هوله المحسنون، ويغرق في بحاره المسيئون، يومٌ تلاحقت أوجاله، وترادفت أهواله، ونادي المنادي باسمك تدعى إلى الحساب، وإلى قراءة ما حصلته في ذلك الكتاب، إما مغفور لك فصرت إلى الجنة مسرورًا، وإما مسخوط عليك فصرت إلى النار مأسورًا، نعوذ بالله من النار ونسأله البعد منها فإنه ملك كريم.\nوهذه خطبةٌ حسنهُ اللَّفْظِ متينةٌ المعنى تدلُّ على فضله، ولها مناسبة مع متن الحديث من جهة تبديل الأرض وانشقاق السماوات على ما سنذكر في معنى قبض الأرض وطي السماء.\nتوفي الْكُشْمِيهَنِيُّ سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة يوم عرفة.\nوإبراهيم العجلي: هو القاضي أبو إسحاق بن حمير بن الحسن بن حمير","vol":"1","page":177},{"text":"الحميري الخيارجي القزويني.\nرحل وجمع وسمع الكثير، وله في التذكير وغيره مجموعات.\nسمع: الْكُشْمِيهَنِيَّ، وأبا بكر بن عاصم، وأبا سعيد السمان، وأبوي الحسن: ابن زرقويه ومحمد بن القاسم الفارسي.\nروى عنه: هبة الله بن زاذان، وأبو علي بن أحمد بن طاهر الْقُومَسَانِيُّ (^١).\nوالشَّافعي (^٢): هو الأستاذ أبو عمرو بن داود بن المختار بن العباس التميمي القزويني.\nسمع: أحمد بن الحضر، وإبراهيم بن حمير وغيرهما، وكان عالمًا بالقراءات وعلوم القرآن، وفي سلفه وخلفه قراء وفقهاء مبرزون، وكان طول عمره في التعبد والقراءة والإقراء، عاش خضوعًا بعيدًا من الإعجاب ومات بعد التعمير والإنجاب.\nوذكر شيخنا أبو محمد النجار في عرض كلام له في رسالة صنفها في حرف \"ما\" فقال: سيما أستاذي الأشهر، وإمامي الأكبر، الشافعي بن أبي سليمان أعلى الله درجته وأوضح محجته، وهو الإمام الذي تعقد له الخناصر، ويقصده البادي والحاضر، قد قارب المائة فما اختل له حسٌّ ولا فات عنه درس، وقرأ في شرخ شبابه على أبيه، وكان أستاذ العالم وشيخ المشايخ، واسع الفضل، غزير العلم، بادي الزهد، صنف كتابه \"الأنوار في القراءات\" فجاء فيها بآية من الآيات، وأخذ العلم والقراءة عن أبي الفضل بن أحمد الرازي وغيره، هذا كله كلام أبي محمد\n_________\n(^١) انظر \"التدوين في أخبار قزوين\" (٢/ ١٠٩).\n(^٢) انظر \"التدوين في أخبار قزوين\" (٣/ ٧٠).","vol":"1","page":178},{"text":"النجار.\nوعبد العزيز (^١) الذي رَوَيْتُ عنه: هو ابن الخليل بن أحمد بن الواقد بن الخليل بن عبد الله الخليلي أبو بكر، من أسباط الخليل الحافظ.\nشيخٌ كانَ لهُ هيئةٌ ووقارٌ وعبادةٌ، وكان يحفظُ طرفًا من الأمثالِ والأشعارِ ويوردها في محاوراته.\nسمع الأستاذ الشافعي وغيره، وكان له إجازة أبي بكرٍ الشَّيرُويِيِّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-82>الفصل الثاني</span>\nيُقَالُ: قَبَضَ الشَّيْءَ قَبْضًا: أَخَذَهُ، وَالْقَبْضُ خِلَاف الْبَسْطِ، وقَبَّضَ الشَّيْءَ تَقْبيضًا: جَمَعَهُ. وقبضه أيضًا، وَالْقَبْضُ: الْمَالُ الْمَقْبُوضُ، وَالْقَبْضَةُ وَالْقَبْضَةُ: مَا قَبَضْتَ عَلَيْهِ بِجَمِيعِ كَفِّكَ، وَالْقَبْضُ: السُّوقُ السَّرِيعُ، وَالقَبْضُ: الإسْرَاعُ، وَمِنْهُ قَوله تعالى: ﴿صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾ (^٢) وقُبِضَ فُلَانٌ أَيْ مَاتَ كَأَنَّهُ قُبِضَ رُوحُهُ كَمَا يُقَالَ تُوُفِّيَ.\nوَالْيَمِينُ: يَمِينُ الإِنْسَانِ وَغَيْرِهِ، وَالْيَمِينُ: الْقُوَّةُ، قَالَ الشَّمَّاخُ:\nإِذَا مَا رَايَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ … تَلَقَّاهَا عَرَابَةُ بِالْيَمِينِ (^٣)\nوَالْيَمِينُ: القَسَمُ، وَالْجَمْعُ: أَيْمُنٌ وأيْمانٌ، وَيُقَالُ: سُمِّيَ يَمِينًا؛ لِأَنَّهُمْ عِنْدَ التَّحَالُفِ كَانَ يَضْرِبُ بَعْضُهُمْ يَمِينَ بَعْضٍ.\nوَفُلَانٌ مَلْكٌ ومَلِكٌ ومالِكٌ ومليكٌ، ويذكر أن مَلْكًا تخفيف مَلِكٍ، وأن مَلِكًا\n_________\n(^١) انظر \"التدوين في أخبار قزوين\" (٣/ ١٩٠).\n(^٢) الملك: ١٩.\n(^٣) البيت من الوافر، انظر \"الصحاح\"، \"تهذيب اللغة\"، \"لسان العرب\"، \"تاج العروس\" (يمن).","vol":"1","page":179},{"text":"مقصور من مالِكٍ أو مليك، وجمع مَلِكٍ: ملوك وأملاك، وجمع مَلْكٍ: أَمْلُكٌ، وجمع مَالِكٍ: مَالِكُونَ ومُلَّاك ومُلَّكٌ، وَجَمْعُ مَلِيكٍ: مُلَكَاءٌ.\nوالمصدر من الملك: المُلْكُ بالضَّمِّ، يقال: مَلِكٌ عَظِيمُ الْمُلْكِ، وَمِنَ الْمَالِكِ الْمِلك بالكسر، يقال: مَالِكٌ صَحِيحُ المُلْكِ، ومَلَكَ الشَّيْءَ مُلكًا ومِلكًا، ومَلَكَ العَجِينَ يَمْلِكُهُ مَلْكًا: شَدَّ عَجْنَهُ وَأَجَادَهُ، ومِلْك الطَّرِيقِ: وَسَطُه، وهذا مِلْكُ يَمِينِي ومَلْكُ يَمِينِي.\nوَالْإِمْلَاكُ: التَّزْوِيجُ، يُقَالُ: أمْلَكْنَا فُلَانًا فُلَانَةً، وموضع الْمُلك مملكة، ويقال: فلان عبد مَمْلَكَةٍ إذا مُلِكَ ولم يُمْلَك أبواه، والقِنُّ الذي مُلِكَ ومُلِكَ أبواه كذلك روي عن الكسائي.\nوَفُلَانٌ حَسَنُ الْمَلَكَةِ: إِذَا كَانَ يُحْسِنُ الصَّنِيعَ إِلَى مَمَالِيكِهِ، وَمِلَاكُ الأَمْرِ وَمَلَاكُهُ: مَا يَقُومُ بِهِ، وَمَا لَهُ مِلَاكٌ أي: تَمَاسُكٌ، وما تَمَالَكَ: أي ما تَمَاسَكَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-83>الفصل الثالث</span>\nقوله: \"يَقْبِضُ اللهُ الأَرْضَ\" قيل: يأخذها إمَّا بإبطال دعوى المدعين أو بإفنائها، فالإيجاد نوع بسط، والإفناء قبض، وقد يُجْعل من قولهم: قُبض فلان أي: مات.\nوقيل: يجمعها بنسف الجبال وتبديل هيئتها، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (^١) أي: في ملكه واستيلائه، يقال: ناحية كذا في قبضة فلان أي: يملكها.\nوقوله: \"وَتَكُونُ السَّمَاوَاتُ بِيَمِينِهِ\" أي مطوية بيمينه، كما قال: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ\n_________\n(^١) الزمر: ٦٧.","vol":"1","page":180},{"text":"مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (^١) وكما قال في الرواية الأخرى: \"يَطْوِي السَّمَاوَاتِ بِيَمِينِهِ\".\nوللطيّ وراء إدراج القرطاس ونحوه معاني:\n\"الإخفاء\" يقال: اطو هذا الحديث عنه أي: استره.\n\"والإعراض\" يقال: طويت عن فلان أي: ولَّيت ظهري عنه.\n\"والإفناء\" يقال: طويته بالسيف أي: أفنيته.\nوالمعنى أن السماوات مدرجات ومبدلات أي مصنوعات (^٢) أو مُفْنَيَات.\nوقوله: \"بِيَمِينِهِ\" من الأصحاب من لا يأوِّل اليد واليمين ونحوهما ويسميها صفات خبرية، وذلك بعد التنزيه والتحرز عن التشبيه وهذا قول الشيخ أبي الحسن الأشعري.\nوالمأولون منهم من حمل على القدرة والقوة، ويقال: سميت القوة يمينًا؛ لأن اليمينَ مخصوصةٌ بمزيد القوة، ومنهم من حمل اليمين ها هنا على القسم وقال: يفنيها بموجب قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (^٣) كأنَّه حكمَ به وأقسمَ به، وقد ذكر القولان في قوله تعالى: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ (^٤) قيل: بالقوة، وقيل: بقسمه حيث قال: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ (^٥).\nوهناك قول ثالثٌ: وهو الحمل على الجارحة.\n_________\n(^١) الزمر: ٦٧.\n(^٢) في الحاشية وفوقه رمز نسخة: مظبوطات.\n(^٣) القصص: ٨٨.\n(^٤) الصافات: ٥٧.\n(^٥) الأنبياء: ٥٧.","vol":"1","page":181},{"text":"وأمّا معنى \"المَلِك\" في أسماء الله تعالى:\nفقد قال أهلُ الأصولِ: المَلِكُ: ذو المُلْك، والمْلِك: هو القدرة على الإبداع، ولا مَلِكْ في الحقيقة إلَّا الله تعالى.\nوقال الْحَلِيمِيُّ: الملك: استحقاق السياسة وذلك فيما بيننا، يصغر ويكبر بحسب قدر المسُوس وقدر السَّائس، وأما مُلك الباري تعالى فلا يتوهم ملك يدانيه، ولا يخشى أن ينزع منه فهو الملك حقًّا.\nوقال الإمام الغزالي ﵀: معناه أنه يستغني عن كل شيءٍ ويحتاج إليه كل شيءٍ، والملك: الاستغناء؛ فإذا انضم إليه حاجة ما سواه فلا غاية وراءه.\nوقوله بعد قبضِ الأرضِ وطيِّ السماوات: \"أَنَا المَلِكُ أَيْنَ مُلُوكُ الأَرْضِ\" يشير إلى أن ملكه (لا يبسط) (^١) بوجود المخلوقات وانتظامها، ولا (يقبض) (^٢) بفنائها وانخرامها، ويبين أن ملكه دائم وملك غيره داقر (^٣) وسبيله سبيل قوله تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (^٤)، وقوله تعالى: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ (^٥) وقوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (^٦).\nوَفِي جُزْءِ الْحَسَنِ بْنِ عَرَفَةَ وَقَدْ أَذِنَ لَنَا فِي رِوَايَتِهِ جَمَاعَةً مِنْهُمْ عَلِيُّ بِنْ أَبِي سَعْدٍ\n_________\n(^١) في س: قدرته.\n(^٢) في س: ينقص.\n(^٣) حاشية في س: قال ابن سيدة: الدقرارة: الحديث المفتعل، وقال الجوهري: ويقال فلان يفتري الدقارير أي: الأكاذيب والفحش، ورجل دقرارة أي: نمام.\n(^٤) غافر: ١٦.\n(^٥) الانفطار: ١٩.\n(^٦) الفاتحة: ٤.","vol":"1","page":182},{"text":"الْخَبَّازُ، عَنِ ابْنِ بَيَانِ الرَّزَّارِ (^١)، عَنِ ابْنِ مَخْلَدٍ الْبَزَّازِ (^٢) قال: أَنْبَا أَبُو عَلِيٍّ الصَّفَّار، عَنِ الْحَسَنِ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْوَاسِطِيُّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ أَبِيهِ قال: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: رَأيْتُ رَسُول الله ﷺ قَائِمًا عَلَى المِنْبَرِ وَهُوَ يَحْكِي عَنْ رَبِّهِ ﷿ فَقَالَ: \"إِنَّ اللهَ تعالى إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ جَمَعَ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَالأَرَضيِن السَّبْعِ فِي قَبْضَتِهِ ثُمَّ قَالَ هَكَذَا وَشَدَّ قَبْضَتَهُ ثُمَّ بَسَطَهَا ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا اللهُ أَنَا الرَّحْمَنُ، أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الْقُدُّوسُ، أَنَا السَّلامُ، أَنَا الْمُؤْمِنُ، أَنَا الْمُهَيْمِنُ، أَنَا الْعَزِيزُ، أَنَا الْجَبَّارُ، أَنَا الْمُتَكَبِّرُ، أَنَا الَّذِي بَدَأْتُ الدُّنْيَا وَلَمْ تَكُنْ شَيْئًا، أَنَا الَّذِي أَعِيدُهَا، أَيْنَ الْمُلُوكُ؟ أَيْنَ الْجَبَابِرَةُ؟ \" (^٣).\nوَأَنْبَأَنَا يَحْيَى بْنَ ثَابِتٍ الْبَقَّالُ، عَن أَبِيهِ قَالَ: أَنَبَا عُبَيْدُ اللَّهُ الأَزْهَرِيُّ، أَنَبَا الدَّارَقُطْنِيُّ، ثَنَا يُوسُف بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ بُهْلُولٍ، حَدَثَنِي جَدِّى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ زِيَادٍ مِنْ بَنِي سَامَةَ بْنِ لُؤَيٍّ، عَن شَبِيبِ بْنِ شَيْبَةَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ صَفْوَانَ بْنِ الأَهْتَمِ قَالَ:\nأوفدني يوسف بن عمر إلى هشام بن عبد الملك في وفد العراق فقدمت عليه وقد خرج متبديّا بأهله وَغَاشِيَتِهِ (^٤) من جُلسائه فنزل في قاع أفيح في عام قد بكّر\n_________\n(^١) هو: علي بن أحمد بن محمد بن بيان أبو القاسم بن الرزاز البغدادي.\n(^٢) هو: محمد بن محمد بن مخلد أبو الحسن الأزدي الواسطي البزاز.\n(^٣) \"حزء ابن عرفة\" (٩) كما رواه من يطريقه الرافعي.\nورواه البيهقي في \"الأسماء والصفات\" (٣٢٣)، وأبو الشيخ في \"العظمة\" (١٦)، والخطيب (٥/ ٣٥٥) جميعًا من طريق الحسن بن عرفة.\n(^٤) غَاشِيةُ الرجُلِ: مَنْ يَنْتابُه من زُوَّارِه وأَصْدقائه. لسان العرب: غشا.","vol":"1","page":183},{"text":"وسميُّه (^١) وتتابع وَلَيُّهُ (^٢) وأخذت الأرض من أنواع (زينتها) (^٣) من نَور ربيع مونق وقد ضرب له سرداق حبرة، وأخذ الناس مجالسهم، فنظر إليّ شبه المستنطق لي، فقلت: أتم الله عليك يا أمير المؤمنين من نعمته، ولا كدر عليك ما صفي، ولا خالط مسروره الردي، وما أجد يا أمير المؤمنين شيئًا هو أبلغ من قضاء حقك، وتوقير مجلسك ممن أذكرك نِعَم الله عليك، وأنبهك لشكرها، ولا أجد شيئًا أبلغ من حديث من سلف من قبلك من الملوك، فإن أذن لي أمير المؤمنين أخبرته عنه، فاستوى جالسًا وكان متكئًا فقال: هات يا ابن الأهتم.\nفقلت: إن ملكًا من الملوك قبلك خرج في عام مثل عامنا هذا إلى الخورنق والسدير، وكان قد أعطي فتاء السن من الغلبة والقهر، فقال لجلسائه: هل رأيتم مثل ما أنا فيه وهل أعطي أحد مثل ما أُعطيت؟\nقال: وكان عنده رجل من بقايا حملة الحجة والمضيّ على أدب الحق ومنهاجه، فقال: أيها الملك قد سألت أفتأذن في الجواب؟ قال: نعم.\nقال: أرأيت ما أنت فيه أشيء لم تزل فيه أم شيء صار إليك ميراثًا عن غيرك وهو صائر إلى غيرك؟ فقال: هو ميراث لي وصائر إلى غيري.\nقال: فقد أعجبت بشيء يسير تكون فيه قليلًا وتغيب عنه طويلًا، وتكون غدًا بحسابه مرتهنًا. قال: ويحك فأين المهرب وأين المطلب؟\nفقال: إما أن تقيم في ملكك تعمل فيه بطاعة ربك على ما ساءك وسرَّك\n_________\n(^١) الوَسْمِيُّ: مطر الربيع الأوَّل، لأنَّه يسِمُ الأرض بالنبات، نُسِبَ إلى الوَسْم.\n(^٢) الْوَلِيُّ: المطر يأتي بعد المطر المعروف بالوسمى، سمي به لأنه يلي الوسمي. الصحاح: ولى.\n(^٣) في س: نبتها.","vol":"1","page":184},{"text":"ومضّك وأرمضك، وإما أن تضع تاجك وتلبس أطبارك وتعبد ربك في هذا الجبل حتى يأتيك أجلك؛ فوضع الملك من سَحَرِ الغد تاجه ولبس أمساحه وتهيأ للسياحة ولزم مع الذي وعظه الجبل حتى أتاهما أجلهما.\nوفيه يقول أخو تميم عدي بن سالم المرائي: [خفيف]\nأَيُّهَا الشَّامِتُ الْمُعَيِّرُ بِالدَّهُـ … ــرِ أَأَنْتَ الْمُبَرَّأُ المَوْفورُ\nأَمْ لَدَيْكَ الْعَهدُ الْوَثِيقُ مِنَ الْـ … أَيَّامِ بَلْ أَنْتَ جَاهِلٌ مَغْرُورُ\nمَنْ رَأيْتَ المَنُونَ خَلَّدْنَ (^١) أَمْ مَنْ … ذَا لَدَيْهِ مِنْ أَنْ يُضَامَ خَفِيرُ\nأَيْنَ كِسْرَى كِسْرَى المُلُوكِ أَبُو سَا … سَانُ أَمْ قَبْلَهُ سَابُورُ\nوَبَنُو الأَصْفَرِ الْكِرَامُ مُلوكُ الرُّ … ومِ لَمْ يَبْقَ مِنْهُمُ مَذْكُورُ\nوَأَخُو الحَضْرِ إِذْ بَنَاهُ وَإِذْ دِجْـ … ـلَةُ تُجْبَى إِلَيْهِ وَالخَابُورُ\nشاده مَرْمَرًا وَجَلَّلَهُ كِلْـ … ـسًا فَلِلطَّيْرِ في ذُرَاهُ وُكورُ\nلم يَهَبْهُ رَيْبُ المَنُونِ فَبادَ الْـ … مُلْكُ عَنْهُ فَبَابُهُ مَهْجُورُ\nوَتَذَكَّرْ رَبُّ الْخَوَرْنَقِ إِذْ أَشْـ … ـرَفَ يَوْمًا وَلِلْهُدى تَفْكِيرُ\nسَرَّهُ مَالُهُ وكَثْرَةُ مَا يَمْـ … ــلِكُ والبَحْرُ معرضٌ والسَّدِيرُ\nفَارْعَوى قَلْبُهُ فَقَالَ وَمَا غِبطَةُ … حَيٍّ إلى المَمَاتِ يَصِيرُ\nثُمَّ أَضْحَوْا كَأَنّهُمْ وَرَقٌ جَفَّ (^٢) … فَأَلْوَتْ به الصَّبَا والدُّبُورُ\nثُمَّ بَعَّدَ الفَلَاحِ وَالمُلْكِ … وَالْإِمَّةِ (^٣) وارْتَهَمَ هُنَاكَ الْقُبُورُ\n_________\n(^١) في س: خلد.\n(^٢) في س: حت.\n(^٣) الإمَّةً لغةٌ في الأُمَّةِ، وهي الطريقةُ والدينُ. الصحاح: أمه.","vol":"1","page":185},{"text":"قال: فبكى هشام حتى اخْضَلَّتْ لحيته، وفي الحكاية طول اقتصرت على مقصودها (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-84>الفصل الرابع</span>\nلاختصاص الملك الحقيقي بالله تعالى، وقصور ملك العبد يحسن به رعاية أمرين:\nأحدهما: أن يُحْسِنَ المملوكية إذا لم يأت منه المالكية ولم تكمل له الملكية.\nحَدَّثَ الشَّرِيفُ أَبُو السَّعَادَاتِ هِبَةُ اللهِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ الْعَلَوِيُّ قَالَ: أَنْشَدَنِي الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْمَاعِيلَ الْمُنْشِئُ لِنَفْسِهِ: [وافر]\nإِذَا لَمْ تَكُنْ مَلِكًا مُطَاعًا … فَكُنْ عَبْدًا لِمَالِكِهِ مُطِيعَا\nوَإِذْ لَمْ تَمْلِكِ الدُّنْيَا جَمِيعًا … كَمَا تَهْوَاهُ فَاتْرُكْهَا جَمِيعَا\nهُمَا سَبَبَانِ مِنْ مُلْكٍ وَنُسْكٍ … يُنِيلَانِ الفَتَى الشَّرَفَ الرَّفِيعَا\nفَمَنْ يَقْنَعْ مِنَ الدُّنْيَا بِشَيْءٍ … سِوَى هَذَينِ يَحْيَى بِهَا وَضِيعَا\nوالثاني: أن يحترزَ عن المناوأة وعن ما لا يليق به من الأسماء والسمات.\nرُوِيَ في \"الصحيح\" عن أبي هريرة قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: \"إِنَّ أَخْنَعَ الأَسْمَاءِ عِنْدَ اللهِ رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِك الأَمْلَاكِ\" (^٢).\nقال سفيان بن عيينة: هو شاها نشاه (^٣).\n_________\n(^١) رواه ابن عساكر (١٦/ ١٠٠) من طريق الدارقطني.\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٦٢٠٦)، \"صحيح مسلم\" (٢١٤٣). قال الحافظ في \"الفتح\" (١٠/ ٥٩٠): وهو المشهور في روايات هذا الحديث، وحكي عياض عن بعض الروايات: \"شاه شاه\".\n(^٣) في د: \"شاه شاه\".","vol":"1","page":186},{"text":"قوله: \"أَخْنَعَ\" أي: أذل، والخانع: الذليل، ويروى: \"أَخْنَى\" أي: أفحش، والخنا: الفحش.\nوَأَخْبَرَنَا وَالِدِي قِرَاءَةً عَلَيْهِ قَالَ: أَنَبَا أَبُو الْفَتْحِ الصَّابُونِيُّ، أَنَبَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْقَادِرِ، أَنَبَا ابْنُ بِشْرَانَ، أَنَبَا أبو عَلِيٍّ بْنُ صَفْوَانَ، أَنَبَا ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ حَسَّانَ، عَنْ مَسْرُورٍ الْخَادِمِ قَالَ: أَمَرَنِي هَارُونُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لَمَّا احْتُضِرَ أَنْ آتِيَهُ بِأَكْفَانِهِ فَأَتَيْتُهُ بِهَا، ثُمَّ أَمَرَنِي فَحَفَرْتُ قَبْرَهُ، ثُمَّ أَمَرَ فَحُمِلَ إِلَيه فَجَعَلَ يَتَأَمَّلُهُ وَيَقُولُ: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (٢٩)﴾ (الحاقة) (^١).\nوعَنْ بَعْضِ الْخُلَفَاءِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لَمَّا احْتُضِرَ: يَا مَنْ لَا يَزُولُ مُلْكُهُ ارْحَمْ مَنْ قَدْ زَالَ مُلْكُهُ.\nوَأُنْشِدُكُمْ لِنَفْسِي: [كامل]\nالمُلْكُ لله الَّذي عَنَتِ الْوُجُو … هُ لَهُ وَذَلَّتْ عِنْدَهُ الْأَرْبَابُ\nمُتَفَرِّدٌ بِالْمُلْكِ والسُّلْطَانِ قَدْ … خَسِرَ الَّذِينَ تَجَاذَبُوهُ وَخَابُوا\nدَعْهُمْ وَزُعْمَ الْمُلْكِ يَوْمَ غُرُورِهِمْ … فَسَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الكَذَّابُ (^٢)\nآخر المجلس الحادي عشر بِمَنِّهِ وفضله، والحمد لله رب العالمين وصلواته على محمد وآله وصحبه.\n* * * *\n_________\n(^١) \"المحتضرين\" لابن أبي الدنيا (ص ٨٨) كما رواه من طريقه الرافعي.\n(^٢) نقل هذه الأبيات عن الرافعي السبكي في \"طبقات الشافعية\" (٨/ ٢٨٨ - ٢٨٩).","vol":"1","page":187},{"text":"﷽\n\n<span data-type='title' id=toc-85>المجلس الثاني عشر </span>من أماليه قدس الله روحه أملاه يوم الجمعة بعد الصلاة الثالث من ذي القعدة سنة إحدى عشرة وستمائة\nحَدَّثَنَا ﵀ قَالَ: أَنَبَا كِتَابَةً طَاهِرُ بن مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَبَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ بِنَيْسَابُورَ، وَلِطَاهِرٍ إِجَازَةٌ عَن أَحْمَدَ.\nوقَرَأْتُ على عَلِيِّ بْنِ عُبَيْدِ الله، أَنَبَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بن عَلِيٍّ، ثَنَا مُحَمَّدٌ وَهُو والِدُ طَاهِرٍ، أَنَبَا أَحْمَد، أَنَبَا أبو عَبْد الله الْحَافِظُ، أخبرني أبو الْوَلِيدِ، ثَنَا إبراهيمُ بن مَحْمُودٍ، ثَنَا دَاوُدُ بن عَلِيٍّ، ثَنَا عَمْرُو بن مَرْزُوقٍ، ثَنَا شُعْبَةُ، عن عَمْرِو بن مُرَّةَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، سَمِعَ الْأَغَرَّ ﵁ يُحَدِّثُ ابْنَ عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيِّ ﷺ، يَقُول: \"يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى رَبِّكُمْ فَإِنِّي أَتُوبُ إِلَى رَبِّي كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ\".\nوبالطريقين عن والد طَاهِرٍ قَالَ: أَنَبَا أبو الْحُسَيْنِ الْبَزَّازُ، أنَبَا مُحَمَّد بن عَبْد اللهِ الدَّقَّاقُ، ثنا الْبَغَويُّ، ثَنَا أبو نَصْرٍ التَّمَّارُ، ثنا حَمَّادٌ يعني ابن زَيْدٍ، عن ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بُرْدَةَ، يُحَدِّثُ عَنِ الْأَغَرِّ المُزَنِيِّ، قَال: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي فَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ\".\n\n<span data-type='title' id=toc-86>في الشرح فصول: الفصل الأول</span>\nهذا حديثٌ صحيحٌ أخرجه مسلم في \"صحيحه\" (^١) من طريق شعبة عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن محمد بن جعفر، عنه. وعن محمد بن المثنى، عن أبي داود\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (٢٧٠٢/ ٤٢).","vol":"1","page":188},{"text":"الطيالسي وعبد الرحمن بن مهدي، كليهما عن شعبة (^١).\nومن رواية ثابت: عن أبي الربيع الزهراني، عن حماد بن زيد، عنه (^٢).\nوليس للأغرِّ في كتاب مسلمٍ إلا هذا الحديث، ولم يخرِّج البخاري عنه في \"صحيحه\" شيئًا.\nويُروى الحديثُ عن النبي ﷺ برواية حُذيفة بن اليمان (^٣)، وأبي موسى الأشعري (^٤) وأبي هريرة، وهو من رواية أبي هريرة متفق عليه (^٥).\nوأما رواية الأغرِّ فقد قال الحافظ الدارقطني: لم يروه عن الأغرِّ غير أبي بُردة من وجهٍ يصحُّ مثله (^٦).\nورواه عن أبي بردة كما رواه عمرو وثابت: حميد بن هلال وزياد بن المنذر، وعن عمرو بن مرة كما رواه شعبة: زيد بن أبي أنيسة وأبو خالد الدالاني عن ثابت، كما رواه حماد بن سلمة وهشام بن حسان.\nوالأغرُّ (^٧) ﵁ رجل من أصحاب رسول الله ﷺ يعدُّ من أهل الكوفة.\nوكان من مُزينةَ كذلك نسبه في الإسناد الثاني كما بيَّنَّا في رواية حماد بن سلمة،\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (٢٧٠٢).\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (٢٧٠٢/ ٤١).\n(^٣) رواه النسائي في \"الكبري\" (١٠٢٨٢ - ١٠٢٨٧)، وابن ماجه (٣٨١٧)، وابن حبان (٩٢٦)، والحاكم (١/ ٦٩١) وقال: صحيح على شرطهما.\n(^٤) رواه النسائي في \"الكبري\" (١٠٢٧٤ - ١٠٢٧٥)، وابن ماجه (٣٨١٦).\n(^٥) رواه البخاري (٦٣٠٧) فقط. والله أعلم.\n(^٦) راجع \"علل الدارقطني\" (٧/ ٢١٦).\n(^٧) انظر \"معرفة الصحابة\" (١ / ترجمة ٢١٤)، و\"الإصابة\" (١/ ترجمة ٢٢٣).","vol":"1","page":189},{"text":"عن ثابت عن الأغرِّ أغر مزينة.\nوبهذا اللفظ أورد البخاري الحديث في غير \"الصحيح\" (^١).\nوقال تاج الإسلام أبو بكر السمعاني: هو الأغر بن يسار المزني، ويقال: الجهني.\nروى عنه: أبو بردة، ومعاوية بن قرة.\nقال: وهو الذي جاء إلى رسول الله ﷺ يشكو غريمًا له، فبعث معه أبا بكر للاقتضاء، وهذا الذي ذكره يُشْعِرُ بأن الرجل واحد وأنه ابن يسار والاختلاف في كونه من مزينة أو جهينة، لكنَّ الحافظ أبا عبد الله بن منده جعل الأغرَّ بن يسار الجهني رجلًا، والأغرَّ المزني من غير تسميةِ أبيهِ آخر، وذكر أن الجهني روى عنه: أبو بردة، والمزني روى عنه: معاوية بن قرة، وجعل الحديث الذي نحن فيه من رواية الجهني دون المزني، والظاهر أنه من رواية المزني إن كانا اثنين والله أعلم.\nوأبو بردة (^٢): هو عامر بن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري، من علماء التابعين كان قاضيًا بالكوفة.\nسمع: عليًّا، وأباه أبا موسي، وابن عمر.\nروى عنه: الشعبي، وحميد بن هلال، وأبو إسحاق الشيباني، والهمداني، وابنه سعيد بن أبي بردة، وناقلته يزيد بن عبد الله بن أبي بردة.\nتوفي سنة أربع ومائة، وقيل: سنة ثلاث.\nوعمرو بن مُرَّةَ: هو أبو عبد الله بن مرة بن عبد الله بن طارق بن الحارث\n_________\n(^١) رواه البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٢/ ٤٣).\n(^٢) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (٤/ ترجمة ١١٨).","vol":"1","page":190},{"text":"الجملي المرادي الأعمى، من تابعي الكوفة.\nسمع: عبد الله بن أبي أَوْفَى، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وسعيد بن المسيب، وأبا بُردة.\nروى عنه: الأعمش، والثوري، ومِسعر.\nمات سنة ستٍّ عشرة ومائة، وقيل: سنة ثمان عشرة (^١).\nوشُعبة (^٢): هو أبو بسطام بن الحجاج بن الورد العتكي مولاهم واسطي الأصل.\nسكن البصرة، وجمع بين علم المِصريْنِ الكوفة والبصرة، وهو من أعاظم أئمة الحديث.\nسأل عنه سفيان الثوري بعضُ أهل البصرة فقال: ما يفعل أستاذنا شعبة؟ وكان كثير العبادة يقال أنه عَبَدَ الله حتى جَفَّ جلده على عظمه.\nوجرى ذكره عند أبي زيد الأنصاري فقال: هل العلماء إلا شعبة، من رأي شعبة رأي الحسن وابن سيرين.\nوسمع: قتادة، ويونس بن عبيد، وأيوب، وعمرو بن مرة، ومَنْ لا يُحْصَونَ.\nروى عنه: السُّفيانان، وشريك، وابن المبارك، ومن لا يُحصون.\nولد سنة ثلاث وثمانين، وتوفي بالبصرة سنة ستين ومائة.\nوعمرو بن مرزوق: هو أبو عثمان البصري مولى باهلة.\nسمع: عمران القطان، وشعبة.\n_________\n(^١) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (٥/ ترجمة ٧٤).\n(^٢) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (٧ / ترجمة ٨٠).","vol":"1","page":191},{"text":"توفي سنة أربع وعشرين ومائتين (^١).\nوآخر يقال له: عمرو بن مرزوق البصري (^٢) الواشحي.\nسمع: يحيى بن عبد الحميد بن رافع بن خديج.\nوداود (^٣): هو أبو سليمان داود بن علي بن خلف الفقيه.\nإمامُ أهلِ الظَّاهرِ وكان صاحبَ مذهبٍ وتَبَعٍ، وهو عزيزُ الحديثِ.\nسمع: سليمان بن حرب، ومُسَدَّدَ بنَ مُسَرْهَدٍ، ومحمد بن كثير، والقَعْنَبِيَّ، وابن مَرزوق، وإسحاق الحنظلي، وأخذ الفقه عنه، وعن أبي ثور.\nوكان من المتعصبين للشافعي ﵁، وصَنَّفَ في فضائله كتابين.\nويُروى عنه أنه قال: دخلت على إسحاق وهو يحتجم فأشار إليَّ فجلست، فرأيت كتب الشافعي ﵁ عنده فتناولت بعضها وجعلت أنظر فيه، فصاح إسحاق: إيش تنظر، قال: فقلت: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾ (^٤).\nويعرف داود بالأصبهاني، لأنَّ أصله من أصبهان، وولد بالكوفة سنة اثنتين ومائتين، ونشأ ببغداد وتوفي بها سنة سبعين ومائتين، وَقَبْرُهُ في الشُّونِيزِيَّةِ (^٥).\nوإبراهيم (^٦): هو أبو إسحاق بن محمود بن حمزة المالكي القطَّان نيسابوري.\n_________\n(^١) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٠ / ترجمة ١١٧) وهو المراد في الإسناد.\n(^٢) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٠ / ترجمة ١١٨).\n(^٣) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٣/ ٩٧).\n(^٤) يوسف: ٧٩.\n(^٥) مقبرة ببغداد بالجانب الغربي دفن فيها جماعة كثيرة من الصالحين. \"معجم البلدان\" (٣/ ٣٧٤).\n(^٦) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٤/ ترجمة ٣٨).","vol":"1","page":192},{"text":"كان يُدَرِّسُ بها للمالكية ولم يكن بعده لهم مدرس بها، تفقه بمصر على عبد الله بن عبد الحكم.\nوسمع: هارون بن إسحاق، وأحمد بن مَنِيعٍ، ومحمد بن رافع، ويوسف بن مسلم.\nتوفي سنة تسع وتسعين ومائتين.\nوأبو الوليد (^١): هو حسَّان بن محمد بن أحمد بن هارون بن حسان بن عبد الله بن عبد الرحمن بن عنبسة الأموي الفقيه.\nأَخَذَ الفقهَ عن ابن سُريج، وسمع: أبا عبد الله العبدي، وأبا بكر الإسماعيلي، والحسن بن سفيان.\nقال الحاكم أبو عبد الله: سمعت الأستاذ أبا الوليد يقول: حكت لي والدتي قالت: كنت حاملًا بِكَ فحضرت مجلس العباس بن حمزة، فقام في آخر المجلس والناس معه فأخذ في الدعاء فقلت: اللهم هَبْ لي ابنًا عالمًا، فرأيت تلك الليلة في منامي رجلًا يقول لي: أبشري فقد استجاب دعوتك يعيش ابنك كما عاش أبوك.\nقالت: وكان أبي قد عاش اثنتين وسبعين سنة، قال الأستاذ: وقد تمت لي اثنتان وسبعون سنة، وعاش بعد هذه الحكاية أربعة أيام. توفي سنة تسع وأربعين وثلاثمائة.\nروى عنه: الحاكم، وأبو عبد الرحمن السلمي، والأئمة.\nوأبو عبد الله الحافظ: هو محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نعيم بن الحكم الضبي النيسابوري.\n_________\n(^١) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٥/ ترجمة ٢٧٧).","vol":"1","page":193},{"text":"كان يعرف بابن البَيِّع.\nزعيمٌ عظيمٌ، وقدوةٌ لأهلِ الحديثِ في عصرهِ وبعدهِ، مليءٌ بالعلمِ والدِّيانةِ، كثيرُ الإفادةِ والتصنيفِ.\nويقال: إنَّه شربَ ماء زمزم لتجيء مصنفاته حسنة مهذبة فجاءت كذلك، وأنه تفقه على أبي الوليد، وأبي سهل الصعلوكي، وبالعراق على ابن أبي هريرة، وأملى الحديث بالعراق، وخراسان، وما وراء النهر.\nورأيت في \"المنثور في الحكايات\" مِنْ جَمْعِ أبي الفضل المقدسي: سألت أبا القاسم سعد بن علي الحافظ عن أربعة من الحفاظ تعاصروا: الدارقطني ببغداد، وعبد الغني بمصر، وأبو عبد الله بن مندة بأصفهان، والحاكم أبو عبد الله بنيسابور، فامتنع من الجواب فألححت عليه فقال: أما الدارقطني فأعلمهم بالعلل، وأما عبد الغني فأعلمهم بالأنساب، وأما ابن مندة فأكثرهم حديثًا مع معرفة تامة، وأما الحاكم فأكثرهم تصنيفًا.\nوُلِدَ سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، ومات سنة خمس وأربعمائة (^١).\nوأحمد (^٢) الذي روى عن الحافظ أبي عبد الله مذكور في المجلس الأول: وهو أبو بكر أحمد بن علي بن عبد الله بن عمر بن خلف الأديب الصوفي.\nكانَ عارفًا بالأدبِ والحديثِ، سَمَّعه أبوه من مشايخ عصره، ثم عُمِّرَ فروي الكثير، قال أبو الحسن الفارسي: لم أر في المشايخ الذي سمعنا منهم أكثر إتقانًا ولا أضبط في الرواية منه.\n_________\n(^١) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٧ / ترجمة ١٠٠).\n(^٢) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٨ / ترجمة ٢٤٢).","vol":"1","page":194},{"text":"سمع: حمزة بن يوسف السهمي الحافظ، والأستاذ أبا سعيد الخركوشي، والسيد ظفرًا، وغيرهم.\nومحمد والد طاهر (^١): هو الحافظ أبو الفضل بن طاهر بن محمد بن علي المقدسي، من متأخري الحفاظ المتقنين، المكثرين للجموع والتَّصانيف، المجيدين فيها.\nوذكر أنه كان داودي المذهب، وُلد ببيت المقدس سنة ثمان وأربعين وأربعمائة، وتوفي ببغداد سنة سبع وخمسمائة ودُفن بالجانب الغربي.\nوابنه طاهر (^٢): هو أبو زرعة المقدسي.\nشيخٌ صالحٌ صحيحُ السَّمَاعِ، رُزِقَ الإجازات العالية من مشايخ بغداد وأصبهان ونيسابور بتحصيل والده ورفقائه.\nوسمع: السلار مكي بن منصور، وأبا منصور المُقَوِّمِيّ، وأبا القاسم بن بيان، وغيرهم.\nوُلد سنة إحدى وثمانين وأربعمائة، وتوفي سنة ثمان وستين وخمسمائة.\n\n<span data-type='title' id=toc-87>الفصل الثاني</span>\nالتَّوْبَةُ: الرُّجُوعُ، وتشهر في الرُّجوعِ من الذنب، يقال: تَابَ إِلَى اللهِ تِوْبَةً وَمَتَابًا، والتَّوْبُ كَالتَّوْبَةِ، وَقِيلَ: التَّوْبُ جَمْعُ تَوْبَةٍ، وَتَابَ اللهُ عَلَيْهِ: وَفَّقَه لِلتَّوْبَةِ، واسْتَتَابَهُ: سَأَلَهُ أَنْ يَتُوبَ.\nوالْيَوْمُ معروفٌ وجمعه أيامُ وأصلهُ أَيْوامٌ.\n_________\n(^١) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٩ / ترجمة ٢١٣).\n(^٢) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (٢٠ / ترجمة ٣٢٠).","vol":"1","page":195},{"text":"وحكي شيخنا أبو محمد النجار أنه قد قيل: إنَّ أصلَ اليومِ: أليم وأنَّ اللفظتين قريبتان من الذَّيم والذَّمّ سُمِّيا به لما يشتركان فيه من الامتداد؛ فإن للنهر امتدادًا واليوم أيضًا مُدّة لها امتداد، وأصل الكلمتين الامتداد، وكذلك النهر والنهار يتقاربان في اللفظ ويشتركان في السّعة والامتداد، وقد يعبر باليوم عن الشّدة، ونحو ذلك يفسر قوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ (^١).\nويقال: غَانَ الْهَمُّ الْقَلبَ غَيْنًا أي: غَشِيَهُ وغَطَّاهُ، وغَانَ السَّحَابُ السماءَ، وغِينَتِ السَّمَاءُ، وغِينَ عَلَى كَذَا: أي غُطِّي عَلَيْهِ، وَالْغَيْنُ لُغَةٌ في الْغَيْمِ، وَيُقَالُ: السَّحَابُ الرَّقيقُ، وأغَانَ الْغَيمُ السَّمَاءَ أي: أَلبَسَهَا وَغَطَّاهَا، وَالْغَيْنُ: الْعَطَشُ أَيْضًا، تَقُولُ مِنْهُ: غِنْتُ أَغِينُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-88>الفصل الثالث</span>\nذكر أبو أحمد العسكري في \"التصحيف والتحريف\" أنَّ كلمة \"لَيُغَانُ\" مما صَحّفَ فيه مصحفون، فرواه بعضهم \"يغار\" بالراء، وبعضهم \"يعان\" بالعين، والصواب: الغين والنون كما سبقت الرواية (^٢).\nثُمَّ يجوز أن يجعل قوله: \"لَيُغَانُ\" من \"غِين\" وهو أكثر استعمالًا عند أهل اللُّغة، ويجوز أن يجعل من \"أغين\" والإغانة أكثر دورانًا في لسان المشايخ.\nوكتب الشيخ أبو عبد الرحمن السُّلمي في شرح الحديث أوراقًا وسمَّاها \"مسألة الإغانة\".\nوَمِمَّ كاَن يَتُوبُ النَّبِيُّ ﷺ وَعَلَامَ يُحْمَلُ الْغَيْنُ فِي قَلْبِهِ؟\n_________\n(^١) إبراهيم: ٥.\n(^٢) \"تصحيفات المحدثين\" (١/ ١٥٨).","vol":"1","page":196},{"text":"النَّاس فِيهِ فِرْقَتَانِ:\nفرقةٌ أنكرت الحديثَ من أصله واستعظمت أن يغانَ قلبُ رسول الله ﷺ حتى يستغفر مما أصابه، وعلى ذلك جرى أبو نصر السراج صاحب كتاب \"اللمع في التصوف\" فروى الحديث وقال عقيبه: هذا حديثٌ منكرٌ.\nوهذا مذهبٌ مهجورٌ، وأنكر علماء الحديث استنكار السراج وقالوا: الحديث صحيح، وكان من حقِّه أن لا يتكلمَ فيما لا يعلم.\nوالمُصَحِّحُونَ له تَحزَّبُوا: فتَحَرَّج من تفسيره مُتَحَرِّجُون.\nوعن شعبة أنه قال: سألت الأصمعيَّ فقلت: ما معنى قوله: \"إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلبِي\"؟\nفقال: عَمَّن يروي ذلك؟ قلت: عن النَّبيِّ ﷺ.\nقال: لو كان غير قلب النَّبِيِّ ﷺ فَسَّرْتُ لك، وأما قلب النَّبيِّ ﷺ فلا أدري، فكان شعبة يتعجب منه.\nوعن الجنيد أنه قال: لولا أنه حال النَّبِيِّ ﷺ لتكلمت فيه، ولا يتكلم في حالٍ إلَّا من كان مشرفًا عليها، وجَلَّت حاله عن أن يشرف على نهايتها أحدٌ من الخلق، وتَمنَّي الصديق ﵁ مع علوِّ رتبته أن يشرف عليها فروي عنه أنه قال: ليتني شهدت ما استغفر منه رسول الله ﷺ.\nفهذه طريقة للمصححين (^١).\nوتكلم فيه آخرون على حسب ما انتهى إليه فهمهم، ولهم منهاجان:\nأحدهما: حملُ الغينِ على حالةٍ جيملةٍ ومرتبةٍ عاليةٍ اختصّ بها الرسولُ ﷺ\n_________\n(^١) في \"طبقات الشافعية\" للسبكي (٨/ ٢٩٠): المصححين. فقد نقل الكلام بتمامه عن الرافعي.","vol":"1","page":197},{"text":"والمراد من استغفاره: خضوعُهُ وإظهارُ حاجته وافتقاره إلى ربه أو ملازمتُهُ للعبودية والعبادة إقامة لشكر النعمة التي أعطيها على ما قال: \"أَفَلَا أكُونُ عَبْدًا شَكُورًا\" (^١).\nومن هؤلاء من نَزَّل الغينَ على السَّكينةِ والاطمئنانِ التي نزلت على قلبه المطهر، على ما قال تعالى: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ (^٢).\nوعن أبي سعيد الخرَّاز أنَّ الغينَ شيءٌ لا يجده إلَّا الأنبياء وأكابر الأولياء، وذلك بصفاء الأسرار ومدد الذكر، وهو كالغيم الرَّقيق الذي لا يدوم، وقد يُفْهم من هذا أنَّ الغيم نعمة جسيمة، وقد يعرض لعزتها عوارض تطرق إليها ضربًا من الفترة، فيستغفر الله لتعود كما كان وتزول فترتها.\nوعن الخرَّاز أيضًا أنَّ الغين هو رؤية التقصير في الشكر والعبادة، والاستغفار: الخضوع وإبداء العجز عن القيام بواجب الحق.\nوالمنهج الثاني: حَمْل الغينِ على عارضٍ يطرأ وغيره أكمل وأليق به، فيبادر إلى الاستغفار إعراضًا وتبرءًا عنها، وعلى هذا كثرة التنزيلات والتعبيرات، وفي هذا القسم يقع أكثر ما أورده السُّلَمِيُّ:\nفقيل: كان سبب الغين النظر في حال الأمة واطلاعه على ما يكون منهم، فكان يستغفر لهم.\nوقيل: السبب ما كان يحتاج إليه من التبليغ ومشاهدة الخلق فيستغفر منه؛ ليصل إلى صفاء وقته مع الله تعالى.\n_________\n(^١) رواه البخاري (١١٣٠)، ومسلم (٢٨١٩) من حديث المغيرة بن شعبة.\n(^٢) الفتح: ٢٦.","vol":"1","page":198},{"text":"وقيل: السبب ما كان يشغله من تمادي قريش وطغيانهم.\nوقيل: ما كان يجد في نفسه من محبة إسلام أبي طالب والله يريد غيره.\nوقيل: ما اطمأنَّ إلى أصحابه في بعض مغازيه بقوله: \"لَنْ تُغْلَبُوا الْيَوْمَ مِنْ قِلَّةٍ\".\nوقيل: لم يزل رسول الله ﷺ مترقيًا من رتبةٍ إلى رتبةٍ فإذا انتهى إلى درجةٍ عاليةٍ والتفت في عروجه إلى الدرجة تحتها بمرتبة أو مراتب؛ وجد منها وحشة لقصورها بالإضافة إلى التي انتهى إليها، وذلك هو الغين، فيستغفر منها، ويشكر الله تعالى على ما أعطاه من قوة الرقي، وهذا ما كان يستحسنه والدي ﵀ ويقرره، ويمثله بحال من انفتحت عينه في فنٍّ هو مشغول به فإنه إذا التفت إلى ما كان يتخيل ويتوهم في مبدأ الأمر استنكف منه وخجل.\nوقوله: \"مِائَةَ مَرَّةٍ\" الظاهر أنه ليس على سبيل التقدير بل المقصود المبالغة في كثرة استغفاره، كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ (^١).\nوَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ عن ابن عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ قال: كُنَّا نَعُدُّ لِرَسُولِ الله ﷺ في المجلس الواحد مِائَةَ مَرَّةٍ قَبلَ أَن يَقُومَ أن يَقُولَ: \"رَبِّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ\" (^٢).\n_________\n(^١) التوبة: ٨٠.\n(^٢) رواه أبو داود (١٥١٦)، والترمذي (٣٤٣٤)، والنسائي في الكبري (١٠٢٩٢)، وابن ماجه (٣٨١٤)، وابن حبان (٩٢٧). قال الترمذي: حسن صحيح غريب.","vol":"1","page":199},{"text":"ومن المعلوم أنه كان يتفق له في اليوم الواحد مجالس.\nوفي الحديث نَدْبٌ ودعاءٌ إلى التَّوْبَةِ، وإلى الإكثار منها يومًا بيومٍ، وإذا كان الغَدرُ سَجِيَّةٌ ونكث العهد طبيعة في البشر كان الاحتياط للمتيقظ أن يكرر الاستغفار والتوبة كل يوم، فلا يكتفي بتوبة الأمس لما يعلم من العوارض الناقضة لها، ولا يؤخر التوبة إلى الغد حذرًا من أن يعوق عنها عائق، بل ينتهز الفرصة ساعة بعد ساعة.\nوقد قال بعض البلغاء: أمس قد مات وأيس منه، وغدًا لم يولد ولعلك لا تشهد ولاده، واليوم الذي أنت فيه في النزع فبادر قبل أن يموت.\nوكما أنَّ ذكر المائة جارٍ على التقريب فذكر اليوم كذلك، فلا يختص استحباب التوبة والاستغفار بالنهار، ألا ترى الله تعالى أثني على المستغفرين بالأسحار، وإذا داوم العبد على الذكر وهو لربه مراقب ولنفسه محاسب استنار قلبه فصار ليله كنهاره وسره كجهاره، وعلى ضده إذا استمرت الغفلة والإعراض ودام النكوص والانقباض، سال بصاحب الواقعة السيل، وصار نهاره مظلمًا كالليل، فلم يتوقع لليله صباح، ولا لارتجاج بابه انفتاح، ومدار الأمر نورًا وظلمة وأُنسًا ووحشة على أن يُقَرِّب الربُّ عبده ويجذبه رحمته، وبه يحصل التهذيب، أو يُبعده ويُبعد عنه حفظًا وعنايةً، ومنه يجيء التعذيب، وقد أجاد من قال: [بسيط]\nوالله مَا سَهَرِي إِلَّا لِبُعْدِهِمُ … وَلَوْ أَقَامُوا لَمَا عذِّبْتُ بِالسَّهَرِ\nعَهْدِي بِهِمْ وَرِدَاءُ الْوَصْلِ يَشْمَلُنَا … وَاللَّيُلُ أَطْوَلُهُ كَاللَّمْحِ فِي البَصَرِ\nوَالآنَ لَيلِيَ إِذْ ضنَّوا بِرُؤْيَتِهِمْ … لَيْلُ الضَّرِيرِ فَنَومِي غَيْرُ مُنْتَظَرِ (^١)\n_________\n(^١) نقل هذه الأبيات عن الإمام الرافعي: السبكي في \"طبقات الشافعية\" (٨/ ٢٩١).","vol":"1","page":200},{"text":"وَأُنْشِدُكُمْ لِنَفْسِي: [طويل]\nتَنَبَّهْ فَحَقٌّ أَنْ يَطُول بِحَسْرَةٍ … تَلَهُّفُ مَنْ يَسْتَغْرِقُ العُمْرَ نَوْمُهُ\nلَقَدْ نِمْتَ فِي لَيلِ الشَّبِيبَةِ غاَفِلًا … فَهُبَّ لِصُبْحِ الشَّيْبِ إذْ جَاءَ يَوْمُهُ (^١)\nوَأَيْضًا في مَعْنَاهُ: [متقارب]\nسَوَادُ الشَّبَابِ كَلَيْلٍ مَضَي … وَقَدْ نِمْتَ فِيهِ لَقىً غَافِلًا\nوَصُبْحُ المَشِيبِ بَدَا فَانْتَبِهْ … فَعَمَّا قَلِيلٍ تُرَى آفِلًا (^٢)\nآخر المجلس الثاني عشر والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليمًا\n* * * * *\n_________\n(^١) نقل هذه الأبيات عن الإمام الرافعي: السبكي في \"طبقات الشافعية\" (٨/ ٢٩٢)، ابن الملقن في \"البدر المنير\" (١/ ٣٣٣).\nوفي \"طبقات الشافعية\": \"وقد\" بدلًا من \"لقد\". وفيه: \"عصر\" بدلًا من \"ليل\". وفيه أيضًا: \"نصيح\" بدلًا من \"لصبح\".\n(^٢) نقل هذه الأبيات عن الإمام الرافعي: ابن الملقن في \"البدر المنير\" (١/ ٣٣٣).","vol":"1","page":201},{"text":"﷽\nوما توفيقي إلا بالله\n\n<span data-type='title' id=toc-89>المجلس الثالث عشر </span>من أماليه ﵀ أملاه يوم الجمعة بعد الصلاة العاشر من ذي القعدة سنة إحدى عشرة وستمائة\nقال: أَنَبا والِدِي ﵀ قِرَاءَةً عَلَيْهِ، أنَبَا ملكداد بنُ عَلِيٍّ، أَنَبَا المُقَوِّمِيُّ\nوأَنْبَأَنَا عَالِيًا جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ: أَبُو مَنصُورِ الدَّيْلَمِيُّ، عن المُقوِّمِيِّ، أَنَبَا أبُو طَلحَة، أَنَبَا عَلِيٌّ القطَّانُ، أَنَبَا مُحَمَّدٌ، ثنَا أَبُو كُرَيْبٍ، ثَنَا عبدُ الرَّحْمَنِ المُحَاربِيُّ وجَعفرُ بنُ عونٍ، عن الأَفْرِيقِيِّ، عن عبد الله بن يَزِيدَ، عن عَبْدِ الله بن عَمْرٍو ﵄ قال: قَالَ رسُولُ الله ﷺ: \"لَا تَزَوَّجُوا النِّسَاءَ لِحُسْنِهِنَّ فَعَسَي حُسْنُهُنُّ أَنْ يُرْدِيَهُنَّ، ولَا تَزَوَّجُوهُنَّ لأَمْوَالِهنَّ عَسَى أَمْوَالُهنَّ أن تُطْغِيهُنَّ، ولكن تَزَوَّجُوهُنَّ عَلَى الدِّينِ، وَلأَمَةٌ خَرْمَاءُ سَوْدَاءُ ذاتُ دينٍ أَفْضَلُ\".\n\n<span data-type='title' id=toc-90>في الشرح فصول: الفصل الأول</span>\nهذا حديثٌ ثابتٌ أخرجه ابن ماجه (^١) هكذا.\nوأخرجه محمد بن أسلم في \"مسنده\" عن عبد الله بن يزيد، عن عبد الرحمن بن زيادٍ وهو الأَفْرِيقيُّ.\nومقصودُ الحديثِ ومعناه متفقٌ عليه في \"الصحيحين\" من رواية جابرٍ واللَّفْظُ: \"إِنَّ المرأَةَ تُنْكَحُ على دِيِنِهِا ومَالِهَا وجَمَالِهَا فَعَلَيْكَ بذاتِ الدِّين تَرِبَتْ\n_________\n(^١) \"سنن ابن ماجه\" (١٨٥٩). والحديث ضعفه الشيخ الألباني في \"ضعيف الجامع\" (٦٢١٦)، و\"الضعيفة\" (١٠٦٠).","vol":"1","page":202},{"text":"يَدَاكَ\" (^١).\nوعبد الله بن عمرو مذكور في المجلس الثالث، ولنذكر مكانه حال جابر ﵁ المتفق على روايته لئلَّا يخلو مجلسٌ عن ذكرِ صحابيٍّ وبعض أحواله.\nوهو أبو عبد الله (^٢) وقيل: أبو محمد جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام بن عمرو بن سواد بن سلمة الأنصاري الخزرجي.\nشَهِدَ بدرًا وغيره (^٣).\nوهو من مشاهير الصحابة المكثرين عن رسول الله ﷺ.\nوروي عن: عمر بن الخطاب، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وأبي حميد الساعدي، وغيرهم.\nروى عنه: أبو سلمة، وعمرو بن دينار، ومحمد بن المنكدر، وغيرهم.\nويروى أنه استغفر رسول الله ﷺ لجابرٍ في ليلة واحدةٍ سبعًا وعشرين\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٢٠٩٧) ليس فيه \"تنكح المرأة … \"، \"صحيح مسلم\" (٧١٥) واللفظ بتمامه له. وكتب في حاشية س: حاشية: قلت: لم يخرجه البخاري من حديث جابر وإنما اتفق عليه الشيخان من حديث أبي هريرة.\n(^٢) انظر \"معرفة الصحابة\" (٢/ ترجمة ٤٤٦)، و\"الإصابة\" (١/ ترجمة ١٠٢٧).\n(^٣) كتب في حاشية س: حاشية: قلت: لم يشهد بدرًا ولا أحدًا وإنما شهدهما أبوه والذي شهد بدرًا إنما هو جابر بن عبد الله بن رئاب كما ذكره ابن عبد البر. أهـ\nقلت: قال ابن عبد البر في \"الاستيعاب\" (ص ٦٥): شهد العقبة الثانية مع أبيه وهو صغير ولم يشهد الأولى، ذكره بعضهم في البدريين ولا يصح لأنه قد روي عنه أنه قال: لم أشهد بدرًا ولا أحدًا منعني أبي، وذكر البخاري أنه شهد بدرًا وكان ينقل لأصحابه الماء يومئذٍ ثم شهد بعدها مع النبي ﷺ ثمان عشرة غزوة ذكر ذلك أبو أحمد الحاكم.","vol":"1","page":203},{"text":"مرة (^١).\nتوفي مكفوفًا سنة أربع أو سبع أو ثمان أو تسع وسبعين بالمدينة، ويروى أنه آخر من مات بها من الصحابة (^٢).\nوعبد الله بن يزيد: هو أبو عبد الرحمن الحُبُلِيُّ يعدُّ في المصريين.\nروي عن: عبد الله بن عمرو، وعقبة بن عامر، وأبي أيوب، وجابر، وأبي عبد الله الصُّنَابجِيِّ.\nروى عنه: عقبة بن مسلم، وشرحبيل بن شريك، وأبو هانئ الخولاني (^٣).\nوَالْأَفْرِيقِيُّ (^٤): هو عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، أبو خالد الشعباني.\nسمع: أباه، وبكر بن سوادة، وأبا عبد الرحمن الْحُبُلِىَّ.\nوذكر أنه أول مولود في الإسلام بإفريقية وتولى القضاء بها، وأنه كان عابدًا قوالًا بالحق، وأنه ورد بغداد على أبي جعفر المنصور وشكي عماله وخشَّن له القول.\nوغَمَزَهُ بعضهم في الحديث، لكن وثَّقَهُ أحمد بن صالح المصري وآخرون.\n_________\n(^١) رواه الترمذي (٣٨٥٢)، والنسائي في \"الكبري\" (٨٢٤٨)، وابن حبان (٧١٤٢)، والحاكم (٣/ ٦٥٣). وعندهم جميعًا \"خمسًا وعشرين مرة\".\nقال الترمذي: حسن صحيح غريب، وقال الحاكم: صحيح الإسناد.\n(^٢) كتب في حاشية س: حاشية: قلت: القول بأنه آخر من مات بالمدينة من الصحابة قول ضعيف، حكي عن قتادة والذي عليه الجمهور أن آخرهم موتًا بها سهل بن سعد، لكن قد تأخر بعده بالمدينة محمود بن الربيع وتوفي سنة تسع وتسعين وهو آخرهم بها موتًا من الصحابة. أهـ\n(^٣) انظر \"التاريخ الكبير\" (٥/ ترجمة ٧٣٩)، و\"التهذيب\" (١٦/ ترجمة ٣٦٦٣).\n(^٤) انظر \"التاريخ الكبير\" (٥/ ترجمة ٩١٦)، و\"التهذيب\" (١٧/ ترجمة ٣٨١٧).","vol":"1","page":204},{"text":"توفي سنة ست وخمسين ومائة.\nوجعفر (^١): هو أبو عون بن عون بن جعفر بن عمرو بن حريث المخزومي القرشي الكوفي.\nسمع: أبا العُميس، ومِسعرًا، والثوري، والأعمش.\nروى عنه: إسحاق الكوسج، وإسحاق الحنظلي، وعبد بن حميد، وأبو كريب.\nمات منصرفًا من الحج سنة سبع ومائتين.\nوعبد الرحمن (^٢) الذي شاركه في الرواية: هو أبو محمد بن محمد المحاربي الكوفي.\nسمع: فُضيل بن غَزْوان، وصالح بن حيان الهمداني.\nروى عنه: محمد بن سلام، وأبو سعيد الأشج، وأبو كريب.\nمات سنة خمس وتسعين ومائة.\nوأبو كريب (^٣): هو محمد بن العلاء بن كريب الهمداني الكوفي.\nسمع: ابن المبارك، وأبا أسامة، ومحمد بن فضيل.\nروى عنه: البخاري، ومسلم، وأصحاب المسانيد.\nمات سنة ثمان وأربعين ومائتين.\n_________\n(^١) انظر \"التاريخ الكبير\" (٢/ ترجمة ٢١٧٩)، \"الجرح والتعديل\" (٢/ترجمة ١٩٨١) \"تهذيب الكمال\" (٥/ ترجمة ٩٤٨).\n(^٢) انظر \"التاريخ الكبير\" (٥/ ترجمة ١١٠٢)، \"الجرح والتعديل\" (٥/ ترجمة ١٣٤٢) \"تهذيب الكمال\" (١٧/ ترجمة ٣٩٤٩).\n(^٣) انظر \"التاريخ الكبير\" (١/ ترجمة ٦٤٤)، \"الجرح والتعديل\" (٨/ ترجمة ٢٣٩) \"تهذيب الكمال\" (٢٦/ ترجمة ٥٥٢٩).","vol":"1","page":205},{"text":"ومحمد (^١): هو أبو عبد الله بن يزيد القزويني، ويعرف يزيد بماجه.\nإمامٌ من أئمة الحديث المعتبرين الموثوق بقولهم وكتابهم.\nصنَّفَ \"التفسير\"، و\"التاريخ\"، و\"جامع السنن\"، ويقرن كتابه الجامع بالجوامع المشهورة وهي: الصحيحان، وسنن أبي داود، وجامع الترمذي، ونحوها.\nسمع بقزوين: عليًّا الطَّنَافِسِيَّ، وعمرو بن رافع، وبالعراق: ابن أبي شيبة، وبالشام: هشام بن عمار، وابن المُصَفَّى، وبمصر: محمد بن رُمح، وبالرَّيِّ: محمد بن حميد، وبنيسابور: محمد بن يحيي.\nروى عنه: ابن سَمُّوَيْهِ (^٢)، ومحمد بن عيسى الصفار، وإسحاق بن محمد؛ وسليمان بن يزيد الْفَامِيُّ، وميسرة بن علي.\nوُلد سنة تسع ومائتين، ومات سنة ثلاث وسبعين ومائتين، وصلى عليه أخوه أبو بكر، ودفنه هو وأخوه الآخر أبو محمد الحسن وابنه عبد الله.\nورثاه يحيي بن زكريا الطرائقي بأبياتٍ منها: [وافر]\nأَيَا قَبْرَ ابنِ مَاجَةَ غُثَّ قَطْرًا … مُلِثًّا بِالْغَدَاةِ وبِالْعَشِيِّ\nومنها: [وافر]\nفَقِيْهٌ كَانَ مِنْ سُفْيَانَ أَوْسٌ … وَمَا النُّعْمَانُ كَانَ لَهُ بِشَيْءٍ\nوعلي القطَّان (^٣): هو أبو الحسن بن إبراهيم بن سلمة بن بحر القزويني\n_________\n(^١) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٣/ ٢٧٧)، \"التدوين في أخبار قزوين\" (٢/ ٤٩ - ٥١).\n(^٢) هو إسماعيل بن سمويه.\n(^٣) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٥/ ٤٦٣)، \"التدوين في أخبار قزوين\" (٣/ ٣١٨).","vol":"1","page":206},{"text":"الفقيه.\nمُتَفَتِّنٌ صاحبُ قراءةٍ وفقهٍ وتفسيرٍ وحديثٍ وتاريخٍ ولغةٍ.\nسمع بقزوين: يحيى بن عبد الأعظم، وعمرو بن سلمة الجعفي، وكثير بن شهاب، وموسي بن هارون بن حيان، وابن ماجه، وغيرهم من البلدين والغرباء الطارئين، وبالري: أبا حاتم، وبهمدان: ابن ديزيل، وبنهاوند: إبراهيم بن نصر، وبحلوان: محمد بن موسى الدقيقي، وببغداد: محمد بن الفرج الأزرق، والحارث بن أبي أسامة، وبمكة: علي بن عبد العزيز، وبصنعاء: إسحاق بن إبراهيم الدبري.\nوسمع وروى عنه الجمُّ الغفيرُ.\nوكتب وألَّف ما يعظم وقعه حجمًا من جهة الصورة، وقدرًا من جهة المعني، ومما جمعه الطوالات من الأحاديث والمغازي وقصص الوفود تقع في مجلدات كثيرة.\nويقال: إنه صام خمسًا وأربعين سنة وفطوره الخبز والملح البحت في الأغلب، وأنه اجتمع معه أبو موسى الحياني، وعلي بن عمر الصيدلاني، وسليمان بن يزيد الْفَامِيُّ، فقالوا: تعالوا نتمنّ، فتمنى الحياني الرئاسة، والصيدلاني العدالة، والْفَامِيُّ الرواية، وأبو الحسن السلامة والمغفرة، فبلغ الثلاثة ما تمنوه، والظن القوي أنَّ أبا الحسن لا يُحرم أمنيته من بينهم، ومثل هذه الحكاية تحكي عن بني الزُّبير بن العوام ﵃.\nوُلد أبو الحسن سنة أربع وخمسين ومائتين، ومات سنة خمس وأربعين وثلاثمائة.\nورثاه بعضهم فقال في قصيدةٍ: [طويل]","vol":"1","page":207},{"text":"خَلِيليَّ إِنِّي مُشْتَكٍ مَا أَلَمَّ بِي … أَظَلُّ شَبِيه الوَالِدِ (^١) الْمُتَلَدِّدِ\nإلى أن قَالَ:\nسَلَامٌ عَلَى قَزْوِينَ مِنْ بَعْدِ شَيْخِهَا … أَبِي الْحَسَنِ القَطَّانِ حِلْفِ التَّعَبُّدِ\nقَرِيعِ بَنِي الدُّنَيا وَوَاحِدِ عَصْرِهِ … وَوَارِثِ أَخْبَارِ النَّبِيِّ مُحَمَّدِ (^٢)\nوأبو طلحة (^٣): هو القاسم بن أبي المنذر محمد بن أحمد بن منصور القطان الخطيب القزويني.\nسمع: علي بن أحمد البغدادي، وأبا الحسن القطان.\nروى عنه: علي بن أحمد بن المرزبان بن منجويه، ومحمد بن الحسين بن عبد الملك البزاز، ومحمد بن أحمد بن زيتارة.\nوأبوه أبو المنذر وعَمَّاه أبو منصور وأبو الزبير فقهاء مُحَدِّثُون كبار، وأبو منصور أشهرهم وأفقههم.\nصَنَّفَ وأملى الكثير وكان يقال له أسد السنة، وأبوهم أحمد خال أبي الحسن القطان.\nتوفي أبو طلحة سنة عشر وأربعمائة.\nوَالْمُقَوِّمِيُّ (^٤): هو أبو منصور محمد بن الحسين بن أحمد بن الهيثم الهيثمي القزويني.\n_________\n(^١) في س: الواله. والمثبت من د، \"التدوين في أخبار قزوين\".\n(^٢) انظر \"التدوين في أخبار قزوين\" (١/ ٤٣٦).\n(^٣) انظر \"التدوين في أخبار قزوين\" (٤/ ٤٧).\n(^٤) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٨/ ٥٣٠)، و\"التدوين في أخبار قزوين\" (١/ ٢٦٣).","vol":"1","page":208},{"text":"شيخٌ مكثرٌ، عارفٌ بالحديثِ والأدبِ والأشعارِ والأمثالِ مشغوفٌ بجمعها وتسويدها.\nسمع: أبا الفتح الرَّاشِدِيَّ، والزُّبير بن محمد، وعبد الرحمن بن أحمد الصُّوفي، وأبا الحسن بن إدريس.\nوسمع عنه: شيرويه بن شهردار، ومحمد بن الفضل المقدسي، والمثني بن إسحاق القرشي القاضي، والأئمة.\nتوفي سنة سبع أو ثمان وثمانين وأربعمائة.\nوملكداد (^١): هو أبو بكر بن علي بن أبي عمرو بن إلياس العمركي الخباز القزويني، وربما سمى نفسه عبد الله، رأيت في مواضع بخطه وكتب عبد الله بن علي القزويني.\nإمامٌ خطيرٌ قنوعٌ ورعٌ ملازمٌ لسيرةِ السلفِ الصالحين وهديهم، وأفتى بقزوين سنتين على الصواب.\nوذكره الإمام أبو سعد السمعاني في التاريخ فقال: مفتٍ ورعٌ حسنُ السِّيرةِ.\nسمع بنيسابور: أبا بكر بن خلف، وبهراة: أبا عطاء المليحي، وبأصفهان أبا علي الحداد، وببغداد البَانِيَاسِيَّ.\nكتب لي بجميع مَسموعاته، وسمعت أبا الحسن علي بن محمد بن جعفر الكاتب يقول: كان إذا أراد أن يكتب الفتوي استخار الله تعالى وقرأ آيات من القرآن وسأل الإصابة، هذا كلام السمعاني.\nويشبه ما حكاه من حسن سيرته وعقيدته أنه كان يكتب في كل صفحة على\n_________\n(^١) انظر \"التدوين في أخبار قزوين\" (٤/ ١٠٩).","vol":"1","page":209},{"text":"الحاشية العليا: \"رب يسر\" لا يُغْفل ذلك على كثرة ما كتب من تعاليقه في الأصول والفروع مذهبًا وخلافًا، ومن كتب الحديث واللغة وغيرها.\nومات ابنه محمد بن ملكداد في عنفوان الشباب قبله، وهو فاضل حسن المنظر والمخبر فبلغني من قوة الشيخ وتسليمه أنه حضر الجامع بكرةً على عادته لإلقاء الدروس على أصحابه -وابنه الشاب الواجد لما به- فأتته زليخا بنت القاضي أبي سعد الطالقاني وهي جدتي أم أمي وكانت تحته حينئذٍ، فأخبرته بوفاته فأمرها بالقيام بتجهيزه ولم يذكر الحال للحاضرين حتى فرغ من درسه ثم قال: إن محمدنا قد دعي فأجاب، فمن أراد فليحضر الصلاة عليه.\nتفقه على محيي السنة صاحب \"التهذيب\" وعلَّق مجموعه عليه بعبارة أبسط مما يوجد في التصنيف وبزيادة فروع ومسائل، وتفقه أيضًا على القاضي أبي سعد الهروي، وكان مُحَصِّلًا طول عمره حافظًا كثيرَ البركةِ، تخرَّج به جماعةٌ من أهل البلد وغيرهم.\nومدحه محمد بن أبي الربيع الغرناطي الأندلسي بقصيدة قال فيها:\n[طويل]\nإِذَا مَا تَلَا التَّنْزِيلَ أَذْعَنَ حَاسِدٌ … لِحَبْرٍ إِمَامٍ لَا يَنُوهُ بِالدَّعْوَي\nوَإِنْ أَسْنَدَ الْأَخْبَارَ عَنْ سَيِّد الوَرَى … يَقُولُ لهُ الإِسْلَامُ فَخْرًا كَذَا يُروَي\nوَإِنْ قَامَ في مِحْرَابِهِ بَادِيَ الضَّنَا … وَطَوَّلَ قُلْتَ الغُصْنَ جَفَّ فَمَا يُلوَي\nيَمُدُّ يَديهِ شَاكِيًا سُوءَ مَا جَنَي … إِلَى خَيرِ مَرْفُوعٍ إِلَيهِ يَدُ الشَّكْوَى\nيَقُولُ إِلَهِي هَبْ لي الْآنَ زَلَّتِي … وَمَا اسْتَدْرَجَ الشَّيطَانُ مِنِّيَ وَمَا اسْتَهَوي\nفَذَاكَ الفَتَي كُلُّ الفَتَي لَيْسَ عِنْدَهُ … يسُودُ لَدَى التَّحصِيلِ إِلَّا فَتىَ التَّقوَى","vol":"1","page":210},{"text":"توفي ﵀ سنة (^١) خمس وثلاثين وخمسمائة.\nوكان والدي ﵀ يديم ذكره والثناء عليه والدعاء له ويقول: إنه رباني كما يري الوالد الشفيق ولده، وكان أستاذه في الأدب وجميع السير في الأخلاق، كما كان أستاذه في الفقه والحديث، ولم يسافر مدة حياته احترامًا له وتبركًا بأنفاسه.\nووالدي ﵀ مذكور في المجلس الأول وبعده.\nوكتب سعد بن الحسن الْكِرْمَانِيُّ إليه رحمها الله وكان سعدٌ من أهل الفضل والبيوتات الشريفة: [خفيف]\nيَا أَبَا الفَضْلِ قَدْ تَأَخَّرْتَ عَنَّا … فَأَسَأْنَا بِحُسْنِ عَهْدِكَ ظَنَّا\nكَمْ تَمَنَّتْ نَفْسِي صَدِيْقًا صَدُوقًا … فَإِذَا أَنْتَ ذَلِكَ الْمُتَمَنَّى\nفَبِغُصْنِ الشَّبَابِ لَمَّا تَثَنَّى … وَبعَهدِ الصِّبَا وَإِنَ بَانَ عَنَّا\nكُنْ جَوَابِي إِذَا قَرَأْتَ كِتَابِي … لَا تَقُلْ لِلرَّسُوِل كَانَ وَكُنَّا\nفَبُلِّغْتُ أنه كان جوابه (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-91>الفصل الثاني</span>\nيقال: تزوجت امرأة، وعن الفراء أنَّ \"تزوجت بها\" لغة في أزد شنوءة، ومنهم من أنكر ذلك وحمل قوله تعالى: ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ (^٣) على قرنائهم، وقد يسمى القرين زوجًا.\nوأَرْدَاهُ: أَهْلَكَهُ، ورَدِيَ يَرْدَى رَدىً: هَلَكَ، ورَدَي الصَّبِيُّ يردى إذا رفع\n_________\n(^١) في س: قبل سنة، والمثبت من د، التدوين.\n(^٢) نقل هذه الحكاية عن الإمام الرافعي: ابن الملقن في \"البدر المنير\" (١/ ٣٣٩).\n(^٣) الدخان: ٥٤.","vol":"1","page":211},{"text":"إحدى رجليه وقفز بالأخرى.\nويقال: ما أَدْرِي أين رَدَى أي: أين ذهب، ورَدَيْتُ على كذا سَنَة وأَرْدَيْتُ أي: زِدْتُ، وَتَرَدَّى إِذَا سَقَطَ فِي بِئْرٍ أَوْ مِنْ جَبَلٍ.\nوطَغَى يَطْغُو أو يَطْغَى طُغْيانًا أي: جَاوَزَ الْحَدَّ، وَطَغَي الْبَحْرُ: هَاجَ مَوْجُهُ، وَطَغَى الدَّمُ: تَبَيَّغَ. والطغوان والطغوى كالطغيان.\nوالدِّينُ: الْجَزَاءُ، يُقَالُ: دِنْتُهُ بِمَا فَعَلَ أي: جَازَيْتُهُ، ومنه قوله تعالى: ﴿أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ (^١) أي: مجزيون، وقوله: ﴿يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ (^٢) أي: جزاءهم الواجب، وقوله: ﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾ (^٣).\nوأيضًا الحساب، ومنه قوله تعالى: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (^٤) أي: الحساب المستقيم.\nوأيضًا الملة، ومنه قوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ﴾ (^٥)، ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (^٦) ويقال منه: دان دينًا أي: اتخذ.\nوأيضًا الدِّينُ اسم لجميع ما تعبَّد الله به خلقه، وقد يحمل عليه قوله تعالى:\n_________\n(^١) الصافات: ٥٣.\n(^٢) النور: ٢٥.\n(^٣) الذاريات: ٦.\n(^٤) التوبة: ٣٦.\n(^٥) الكافرون: ٦.\n(^٦) آل عمران: ١٩.","vol":"1","page":212},{"text":"﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (^١).\nوأيضًا الدِّينُ: الطاعة والخضوع، ومنه: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (^٢) ويقال منه: دَانَ لَهُ أي: أطاعه.\nوأيضًا: الحكم ومنه قوله: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ (^٣) أي: حكمه.\nوأيضًا: الملك وقد قيل كل منهما في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ (^٤).\nوأيضًا: القهر والغلبة، يقال: دَانَ فلانٌ قومَ كذا دينًا أي: أذلهم وقهرهم.\nوأيضًا: الدأب والعادة يقال: ما زال ذلك دينه وهجيراه أي: عادته وعمله المعهود.\nوكلٌّ منها محتملٌ في قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (^٥) وقد قيل بأكثرها، أما الجزاء والحساب وما في معناهما فظاهرة؛ وأما الملَّة فعلى معنى أنه اليوم الذي لا ينفع فيه إلا الدِّين الحق؛ وأما الطَّاعة والخضوع فعلى معنى أن النجاة فيه بالطاعة والعمل الصالح، أو على معنى أنه يطيع فيه كل عاصٍ ويخضع كل عاتٍ؛ وكذلك معنى القهر فإن الكلَّ مقهورون يومئذٍ؛ وأما العادة والعمل المعهود فعلى معنى أنه تجد كل نفس ما عملت من خير محضرًا، وقد ورد أن الرجل يموت على ما عاش\n_________\n(^١) المائدة: ٣.\n(^٢) العنكبوت: ٦٥.\n(^٣) النور: ٢.\n(^٤) يوسف: ٧٦.\n(^٥) الفاتحة: ٤.","vol":"1","page":213},{"text":"عليه ويحشر على ما مات عليه.\nوتَرِبَ الشَّيْءُ: أَصَابَهُ التَّرَابُ، وتَرِبَ الرَّجُلُ: افْتَقَرَ كأنه لصق بالتراب، وَرَجُلٌ تَرِبٌ: فَقِيرٌ، وتَرِبَتْ يَدُكَ: دُعَاءٌ على الرَّجُلِ أي: افْتَقَرَ ولا أصاب خَيْرًا، وتَرَّبْتُ الشَّيْءَ تَتْرِيبًا فَتَتَرَّبَ أي تَلَطَّخَ بالتراب، وأَتْرَبْتُهُ: أي جعلت عليه التُّرَابَ، وأَتْرَبَ الرَّجُلُ أي اسْتَغْنَى كأنه كَثُرَ مَالُهُ كَالتُّرَابِ.\nوَيُقَالُ: خَرَمْتُهُ أخْرِمهُ: إذا قَطَعْتُهُ وَنَقَضْتُهُ، وما خَرمَ عن الطريق أي ما عَدَلَ، وَرَجُلٌ أَخْرَمٌ: الذي قُطِعَ طرف أَنْفِهِ، والمرأة خَرْمَاء.\n\n<span data-type='title' id=toc-92>الفصل الثالث</span>\nيُرَغَبُ فِي النِّكَاحِ لفوائده الدينية والدنيوية، والفوائد المتعلقة بمطلق النكاح تحصل بنكاح أية امرأة كانت، ثم نكاح المرأة المعينة يرغب فيه تارة لتعيّنها بحكم الحال، وتارة لأسباب تمتاز بها عن غيرها، فمن الدعاوي القوية الغالبة الحسن، وقد نهى الحديث عن تزوج المرأة لحسنها، وليس المراد النهي عن رعاية الجمال على الإطلاق؛ ألا ترى أنه يستحب النظر إلى المخطوبة ليكون النكاح عن موافقة الطبع، ولكنه محمول على أحد وجهين:\nالأول: أن يكون مجرد القصد إلى الحسن ويكتفى به عن سائر الخصال ولا يبالي بها حصولًا وفواتًا.\nوالثاني: الحسن التام والجمال البارع؛ لأنه يخاف بسببه أمور محذورة:\nمنها: الإفراط في الدلال الذي يورث الوحشة ويبطل البلغة.\nومنها: بلوى المنازعة والأطماع الفاسدة، فالمشرب العذب مظنَّةُ الزَّحمة، وقال قائلهم:","vol":"1","page":214},{"text":"وَلَنْ تُصَادِفَ مَرْعًى مُمْرَعًا أَبَدًا … إِلَّا وَجَدْتَ بِهِ آثَارَ مَأْكُولِ (^١)\nومنها: شدَّة الصبوة والميل، ولا يؤمن منها تولد أمور:\nأحدها: أن تتحكم عليه وتلتمس منه ما يوقعه في مداخل السوء.\nوثانيها: أن تنجرَّ به شدَّة الميل إلى الإغضاء في غير موضعه.\nوثالثها: أنها تشغله عن صرف الأوقات إلى العبادات، أو عن استغراب القلب فيها بالله تعالى.\nويقال: إنَّ بعضهم رأى صيَّادًا يُكلَّم امرأة فقال له: يا صياد احذر أن تصاد.\nومن الدَّواعي الغالبة: المال، وإذا كان الداعي إلى النكاح تحصيل المال، والمال غادٍ ورائح، لم يوثق بدوام الألفة عند فناء المال سيما إذا قلَّ الوفاء، وقد قيل: من أَعْظَمَكَ لاستقلالك استَقَلَّك عند إقلالك.\nوقوله: \"وَتَزَوَّجُوهُنَّ عَلَى الدِّينِ\" أي: على ابتغاء الدين أو للدين، وهذه الحروف يقام بعضها مقام بعض، والدين ها هنا يمكن أن يحمل على الملة والتوحيد أي: ارغبوا عن نكاح الكتابيات فهو مكروه، والأظهر حمله على الطاعات والأعمال الصالحة والعفة التي هي من مواجب الملة، وهذا ما يعنيه الفقهاء بقولهم: \"إن الدين من خصال الكفاءة\".\nونظمها الْبَنْدَنِيجِيُّ منهم فقال: [طويل]\nنَسَبٌ وَدِينٌ ثُمَّ حُرٌّ وَصَنْعَةٌ … سَلَامَةُ عَيْبٍ وَالْيَسَارُ خِلَافِي\nفَمَا تِيكهَا سِتُّ شُرُوطِ كَفَاءةٍ … شُرُوطُ ابْنِ إِدْرِيسَ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ\n_________\n(^١) البيت من البسيط، وهو للأحنف بن قيس، انظر \"المنتحل\" (ص ٥٦)، \"محاضرات الأدباء\" (١/ ٤١١).","vol":"1","page":215},{"text":"وَإِذَا كَانَ أَقْوَمُ الدَّوَاعِي الدِّينُ كَانَ العَقْدُ أَدْوَمُ وَعَاقِبَتُه أَحْمَدُ.\nوقوله: \"وَلَأَمَةٌ سَوْدَاءُ خَرْمَاءُ\" إلى آخره أي: أفضل من حرَّةٍ سليمة ليست ذات دين، فحذف لفهم المقصود، ثم يجوز أن يريد أن الأمة على نقصانها رقًّا وخلقةً إذا كانت ذات دين أفضل من الحرة السليمة إذا لم تكن ذات دين، لأن الكرم التقوى، ويجوز أن يريد أنَّ تسريها أفضل من نكاح الحرة، أو أن نكاحها لمن له نكاح الأمة أكثر بركة.\nوقوله في الرواية الأخرى: \"تَرِبَتْ يَدَاكَ\" قيل: هو دعاء (^١).\nآخر المجلس الثالث عشر، والحمد لله وحده، وصلواته على محمد وآله وصحبه وسلم\n* * * * *\n_________\n(^١) كذا جاء في النسختين لم يختم الرافعي المجلس بشعر له كعادته، إلا أنه ترك الناسخ في النسخة س موضع بياض بمقدار نصف لوحة ولم يذكر فيها: آخر المجلس إنها ذكر في النسخة د. والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":216},{"text":"﷽\nوما توفيقي إلا بالله\n\n<span data-type='title' id=toc-93>المجلس الرابع عشر </span>من أماليه رحمة الله عليه أملاه يوم الثلاثاء بعد الصلاة السابع عشر من ذي القعدة سنة إحدى عشرة وستمائة\nحَدَّثَنَا إِمْلَاءً مِنْ لَفْظِهِ الشَّرِيفِ قَالَ: أَنَبَا أَبُو زُرْعَةَ الْمَقْدِسِيُّ وَغَيْرُهُ وَفِي كِتَابِهِمَا عَنْ نَصْرِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ، أَنَبَا أَحْمَدُ بْنُ (الْحَسَنِ) (^١) ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، ثَنَا أَبُو عُتْبَةَ، ثَنَا بَقِيَّةُ، عَنْ بَحِيرِ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ الْعِرْبَاضِ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَعَظَهُمْ يَوْمًا بَعْدَ صَلَاةِ الْغَدَاةِ مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَمَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟\nقال: \"أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ فَإِنَّهَا ضَلَالَةٌ، وإنَّ مَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاِء الرَّاشِدِينَ عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ\".\n\n<span data-type='title' id=toc-94>في الشرح فصول: الفصل الأول</span>\nهذا حديثٌ عالٍ حسنٌ، صحيحٌ معناه ومقصوده من رواية ابن مسعود وغيره من الصحابة.\nورواه عن العِرباض سوى عبد الرحمن بن عمرو: حُجر بن حُجر، ومُهَاصِرُ\n_________\n(^١) في س، د: الحسين. وهو تصحيف، وهو أبو بكر الحيري الحرشي وستأتي ترجمته خلال الشرح.","vol":"1","page":217},{"text":"بن حبيب، وعبد الرحمن بن أبي بلال الخزاعي، ويحيى بن أبي المطاع القرشي.\nوعن عبد الرحمن سوى خالد: ضمرة بن حبيب. وعن خالد سوى بحير: ثور بن يزيد. وعن بحير سوى بقية: إسماعيل بن عياش. وعن بقية سوى أبي عتبة: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، وعلي بن حُجر، وحيوة بن شريح.\nأخرجه الترمذيُّ في \"الجامع\" (^١) عن بقية.\nوالسجستاني في \"سننه\" (^٢) عن أحمد بن حنبل، عن الوليد بن مسلم، عن ثور.\nوابن ماجه في \"سننه\" عن إسحاق بن إبراهيم (السواق) (^٣) وغيره عن عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية، عن صالح، عن ضمرة بن حبيب، عن عبد الرحمن بن عمرو (^٤).\nوعن عبد الله بن أحمد بن ذكوان، عن الوليد بن مسلم، عن عبد الله بن العلاء، عن يحيى بن أبي المطاع عن العرباض (^٥).\nومحمد بن أسلم عن حفص، عن خارجة، عن ثور بن يزيد.\nورواه بعضهم عن بَحِير، عن خالد، عن العرباض من غير توسيط عبد الرحمن (^٦).\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٢٦٧٦) عن علي بن حجر عن بقية، وقال: حديث صحيح.\n(^٢) \"سنن أبي داود\" (٤٦٠٧).\n(^٣) في س، د: الوراق. تحريف، والمثبت من \"السنن\" وانظر ترجمته في \"تهذيب الكمال\" (٢/ ٣٦٣).\n(^٤) \"سنن ابن ماجه\" (٤٣).\n(^٥) \"سنن ابن ماجه\" (٤٢).\n(^٦) وكذا أخرجه البيهقي في \"الشعب\" (٦/ ٦٧).","vol":"1","page":218},{"text":"والعِربَاضُ (^١): هو أبو نجيح بن سارية السلمي من بني سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن غيلان من أصحاب رسول الله ﷺ لا سَمِيّ له فيهم، وله في الرواية سَميٌّ يقال له: عرباض القرشي.\nوهو معدودٌ من أصحاب الصُّفَّةِ، ومن الذين نزل فيهم قوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ (^٢).\nنزل الشام وتوفي بها على كبر السنِّ سنة خمس وسبعين.\nروى عنه سوى من ذكرنا: جبير بن نفير، وأبو رُهم السماعي، وابنته أم حبيبة بنت العرباض.\nوعبد الرحمن بن عمرو (^٣): هو السلمي.\nمن ثقات التابعين بالشام مات سنة عشر ومائة.\nوخالد بن مَعدان (^٤) تابعي أيضًا حمصي وكنيته أبو عبد الله.\nسمع: أبا أمامة، وأبا هريرة، وواثلة بن الأسقع، ومن التابعين جبير بن نفير، وكثير بن مرة.\nويقال: إنه أدرك سبعين من أصحاب النَّبِيِّ ﷺ، وأنه كان يسبِّحُ في اليوم أربعين ألف تسبيحة، وأنه لما وُضع على المغتسل كان يحرك أصبعه كما كان يعتاد تحريكها عند تسبيحه.\n_________\n(^١) انظر \"معرفة الصحابة\" (٤/ ترجمة ٢٣٤٣)، و\"الإصابة\" (٤/ ترجمة ٥٥٠٥).\n(^٢) التوبة: ٦٢.\n(^٣) انظر \"التاريخ الكبير\" (٥/ ٣٢٥)، و\"التهذيب\" (١٧/ ٣٠٤).\n(^٤) انظر \"التاريخ الكبير\" (٣/ ١٧٦)، و\"التهذيب\" (٨/ ١٦٧).","vol":"1","page":219},{"text":"توفي بطرسوس سنة ثلاث ومائة، وقيل: سنة أربع، وقيل: سنة ثمان.\nوبَحير أبو خالد بن سعد حمصي (^١) أيضًا.\nروى عنه: معاوية بن صالح، وإسماعيل بن عياش، وثور بن يزيد.\nأَثْنَى عليه أحمد بن حنبل والأئمة.\nوبقية (^٢): هو أبو محمد بن الوليد الحمصي، مشهور من أهل الحديث.\nسمع: محمد بن زياد الْأَلْهَانِيَّ، والأوزاعي، وعبيد الله بن عمر العُمَريّ.\nروى عنه: شعبة، وحماد بن زيد، وابن المبارك، ومن بعدهم.\nقال الأئمة: وكان ثِقَةً إلَّا أنه كان يكتب ويروي عن كلِّ أحدٍ.\nمات سنة تسع أو سبع وتسعين ومائة.\nوأبو عتبة (^٣): هو أحمد بن الفرج بن سليمان الكندي الحمصي ويعرف بالحجازي.\nروى عن: بقية، وضمرة بن ربيعة، ومحمد بن إسماعيل بن أبي فديك.\nروى عنه: عبد الله بن أحمد بن حنبل، ومحمد بن عبد الله الحضرمي، ومحمد بن جرير الطبري، والبغوي، وابن صاعد، وعبد الرحمن بن أبي حاتم وأثنى عليه.\nتوفي بحمص سنة إحدى وسبعين ومائتين.\nومحمد بن يعقوب (^٤): هو أبو العباس بن يعقوب بن يوسف بن معقل بن سنان بن عبد الله الأموي مولاهم الأصم النيسابوري.\n_________\n(^١) انظر \"التاريخ الكبير\" (٢/ ١٣٧)، و\"التهذيب\" (٤/ ٢٠).\n(^٢) انظر \"التاريخ الكبير\" (٢/ ١٥٠)، و\"التهذيب\" (٤/ ١٩٢).\n(^٣) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٢/ ٥٨٤).\n(^٤) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٥/ ٤٥٢).","vol":"1","page":220},{"text":"مَرْحُولٌ إليه من الأقطار.\nسمع ببلده أصبهان، وبغداد، والكوفة، ومصر، ودمشق، وبيروت، ودمياط، وعسقلان، والرقة.\nوروى عنه الكبار كأبي عمرو الْحِيرِيِّ، وأبي بكرٍ الصِّبْغِيِّ، وأبويّ على الثّقَفِيّ والحافظ، وعبد الله بن عليٍّ الجُرْجَانِيِّ.\nوعُمِّرَ، سمع منه ناسٌ بطنًا بعد بطنٍ، وألحق الأحفاد بالأجداد.\nولد في عهد صاحبي \"الصحيحين\" وتوفي سنة ست وأربعين وثلاثمائة.\nوعن روايته اشتهرت كتب الشافعي ﵁ بخراسان كـ \"الأم\" و\"المسند\" سمعها من الربيع بن سليمان.\nوذكر الحاكم أبو عبد الله أنه رؤي الأصمُّ في المنام فسئل عن حاله، فقال: نحن في جوار محمد بن إدريس الشافعي ﵁ نحضر كلَّ يومٍ ضيافته.\nوأحمد بن الحسن (^١): هو القاضي أبو بكر بن الحسن بن أحمد بن محمد بن أحمد بن حفص الْحَرَشِيُّ الْحِيرِيُّ.\nمن فقهاء أصحاب الشافعي ﵁.\nتَفَقَّهَ على أبي الوليد، وتولى قضاء نيسابور مُدَّةً، وسمع بها: أبا علي الْمَيْدَانِيَّ، والأصم، وببغداد: أبا بكر الشافعي، وأبا سهل بن زياد، وبالكوفة أبا بكر بن أبي دارم، وابن دحيم، وبمكة بكيرًا الحداد.\nتُوفي سنة إحدى وعشرين وأربعمائة.\nونصر الله: هو أبو علي بن أحمد بن عثمان بن محمد بن خشنام الْخُشْنَامِيُّ\n_________\n(^١) انظر \"طبقات الشافعية الكبرى\" (٤/ ٦).","vol":"1","page":221},{"text":"النيسابوري.\nمُحَدِّثٌ فقيهٌ أديبٌ.\nسمع: القاضي أبا بكر الْحِيرِيّ، وأبا سعيد محمد بن موسى الصَّيْرَفِيَّ، وأبا الحسن علي بن أحمد بن عبد الله الْأَهْوَازِيَّ، وأباه أبا مسعود، وكان أفضل منه.\nتوفي سنة ثمان وتسعين وأربعمائة (^١).\nوأبو زرعة مذكور في المجلس الثاني عشر.\n\n<span data-type='title' id=toc-95>الفصل الثاني</span>\nالمَوْعِظَةُ: ما يُوعَظُ به، والْمَصْدَرُ: الْوَعْظُ والْعِظَةُ.\nوَذَرَفَ الدَّمْعُ يَذْرِفُ ذَرْفًا وَذَرَفانّا: سَالَ، ويُقَالُ أيضًا: ذَرَفَتْ عَيْنُهُ إذا انْصَبَّ دَمْعُهَا، وَالذَّرَفَانُ: الْمَشْيُ الضَّعِيفُ، وَذَرَّفَ عَلَى الْمِائَةِ أَيْ زَادَ.\nوَالوَجَلُ: الْخَوْفُ، يُقَالُ منه: وجل وجلًا وموجلًا، والْمَوْجِلُ بالكسر: الْمَوْضِعُ، والأمر منه إِيْجَلْ، وَرَجُلٌ أَوْجَلُ، ولا يُقَالُ لِلْمَرْأَةِ وَجْلَاءُ لكن وَجِلَةٌ.\nوَيُقَالُ: عَهِدْتُ إليه أي أَوْصَيْتُ، وَالْعَهْدُ: الأَمَانُ وَالْيمِينُ والحفاظ والزمان وَالْوَصِيَّةُ، وَعَهِدْتُ فُلَانًا بمكان كذا أي لَقِيتُهُ، وَالتَّعَهُّدُ: التَّحَفُّظُ بالشيء وَرِعَايَتُهُ.\nويقال في التحذير: \"إيَّاك والأسد\" وهو بدلٌ من فعلٍ كأنك تقول: احذره أو تباعد منه. وهيَّاك لغة، وربما قالوا: إيَّاك الأسد بلا واو، وإنما يذكر ذلك عند الخطاب، ووَردَ نادرًا في غير الخطاب كما يروى عن عمر ﵁: \"إيَّاي ونَعَم ابن عفان\" (^٢).\n_________\n(^١) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٩/ ١٦٧).\n(^٢) رواه ابن أبي شيبة (٦/ ٤٦١).","vol":"1","page":222},{"text":"و\"إِيَّا\" أيضًا لفظة تخصص بوصف في المضمرات التي هي في موضع النصب تقول: إيَّاك، وإيَّاه، وإيَّاي، وإيَّانا، وجُعِلَتْ الكاف والهاء بيانًا يُعلمُ به المخاطب من الغائب عند بعضهم مع ما بعده كالشيء الواحد.\nومنهم من قال: \"إيَّا\" مضافة إلى ما بعده، واستدلَّ عليه بما روي عنهم: \"إذا بلغَ الرجلُ السِّتِّينَ فَإِيَّاهُ وَإِيَّا الشَّوابِّ\" فأضافوها إلى الشَّوابِّ وَخَفَضُوا.\nوقيل: الكاف والهاء والياء والنون هي الأسماء و\"إيَّا\" عماد لها؛ لأنها لا تقوم بنفسها وتتأخر تقول: ضربك وضربه، وإذا قدَّمت الكاف والهاء وصلتهما بـ \"إيَّا\" ولا يجوز أن يقال: ضربت إيَّاك؛ لأن الكاف تتصل بالفعل فلا حاجة إلى \"إِيَّا\" نَعَمْ لو وقعت فاصلة بين الفعل وبين الكاف جاز، كما تقول: ما ضربت إلا إيَّاك، ويجوز أن يقال: ضربتك إيَّاك؛ لأنَّ الكاف الأولى اتصلت بالفعل فإذا أعدتها احتاجت إلى عماد.\nوالمُحْدَثُ والْحَدَثُ فِي الدِّينِ: الْبِدْعَةُ.\nوَالسُّنَّةُ: السِّيرَةُ وَالطَّرِيقَةُ، قَالَ الْهُذَلِيُّ:\nفَلَا تَجْزَعَنْ مِنْ سِيرَةٍ أَنْتَ سِرْتَهَا … فَأَوَّلُ رَاضٍ سُنَّةً مَنْ يَسِيرُهَا (^١)\nأي: جَعَلْتَهَا سَائِرَةً فِي النَّاسِ.\nيُقَالُ: سَارَتِ الدَّابَّةُ وَسَارَهَا صَاحِبُهَا أي سَيَّرَهَا، لازمٌ ومتعدٍّ.\nويقال: عَضَّهُ، وَعَضَّ به، وَعَضَّ عليه، وعضِضتُ بِاللُّقْمَةِ أَعَضُّ، وَعَضَضْتُ لُغَةٌ أيضا، وَعَضَّ الرَّجُلُ بِصَاحِبِهِ يَعَضُّ عَضِيضًا أي لَزِمَهُ، وما لنا في هذا الأمر مَعَضٌّ أي مُسْتَمْسكٌ.\n_________\n(^١) البيت من الطويل، انظر \"لسان العرب\"، \"تاج العروس\" (سنن).","vol":"1","page":223},{"text":"وَالنَّاجِذُ: آخِرُ الْأَضْرَاسِ، وللإنسان في أقصى الأسنان أربعة نواجذ وتسمي ضرس العقل؛ لأنها تنبت بعد البلوغ وكمال العقل، ويقال: النَّوَاجِذُ: الْأَضْرَاسُ وَالْأَنْيَابُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-96>الفصل الثالث</span>\nقوله: \"بَعْدَ صَلَاةِ الْغَدَاةِ\" يشير إلى أنَّه يستحسن تحري ذلك الوقت للوعظ؛ لحدَّة الذِّهن وصفاء الخاطر حينئذٍ.\nوقوله: \"ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ\" يُبَيِّنُ حسنَ فكرهم ونظرهم، وتأثرَ قلوبهم بالموعظة البليغة حتى تصاعدت بخارات (^١) الأحزان والأفكار المقطرة للدموع.\nقال أبو بكر الْآجُرِّيُّ: ولم يقل صرخنا من موعظته، ولا زعقنا، ولا زفنَّا، ولو كان ذلك محمودًا لكانوا أولى الناس به؛ لأنهم أرق قلوبًا، والرسول ﷺ أصدق الخلق موعظة وأنصح للأمة.\nوقول الرجل: \"هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ\" كأنه جرى فيها ما يفهم التوديع إما من جهة اللفظ أو المبالغة في النُّصح والوعظ، ولما فهم ذلك أخذ بالحزم وبحث عمَّا يوصيهم به ليراعوه.\nوقوله ﷺ: \"أُوصِيكُمْ بِتَقْوى اللَّهِ\" يدلُّ على أنَّ أهمَّ ما يحافظ عليه المؤمن التقوى؛ وذلك بأداء الفرائض واجتناب المحارم، ولا يتأتَّى ذلك إلا بالعلم، ثم أمرهم بالسمع والطاعة لمن يلي أمرهم كيف كان؛ لتتفق الكلمة ويجتمع الشمل.\nقال الإمام أبو سليمان الخطابيُّ: وقوله: \"وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا\" يعني الذي\n_________\n(^١) كذا في س، د.","vol":"1","page":224},{"text":"ينصِّبه الإمام لا أن يكون الإمام عبدًا حبشيًّا، فالأئمة من قريش على أنه قد يضرب المثل عند المبالغة بما لا يكاد يوجد كقوله ﷺ: \"مَنْ بَنَى لِلَّه مَسْجِدًا وَلَوْ مِثْلَ مَفْحَصِ قَطَاةٍ بَنَى اللهُ له بَيْتًا في الجَنَّة\" (^١) وفي ذلك القدر لا يصلح مسجدًا للناس (^٢).\nوقد يُفْهَمُ مِنَ الْأَمْرِ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِلْوَالِي أن قول الرَّجُلِ: \"مَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟ \" كان بَحْثًا عَمَّنْ يلي الْأَمْرَ بَعْدَهُ فلم يُعَيِّنْهُ وَلَكِنْ قال: \"مَنْ وَلِيَ الْأَمْرَ فَأَطِيعُوهُ\".\nوقوله: \"مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا\" عُدَّ من دلالات نُبُوَّتِهِ حيث عرف ما يكون بعده فأخبر عنه.\nوقوله ﷺ: \"وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ\" تحذيرٌ عن الأخذ بالبدع واتباعها، وهي مردودةٌ على ما وردت به الأحاديث الصِّحاح.\nقَرَأْتُ على الإمام أحمد بن إسماعيل، أَنَبَا أبو الْفُتُوحِ الزَّيْنَبِيُّ، ثَنَا أبو بكرٍ الْأَدِيبُ، أَنَبَا الحَاكِمُ أبو عبد الله، أَنَبَا أبو الْعَبَّاسِ السَّيَّارِيُّ، ثَنَا أبو الْمُوَجِّهِ، ثَنَا عَبْدَانُ، عن إبراهيم بن سَعْدٍ، عن أبيه، عن الْقَاسِمِ، عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ: \"مَنْ أَحْدَثَ فِي دِينِنَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ\" (^٣).\nوهذا في غالب ما يقع عليه اسم البدع والمحدثات، وقد تكون البدعة\n_________\n(^١) رواه ابن ماجه (٧٣٨)، وابن خزيمة (١٢٩٢) من حديث جابر بن عبد الله، ورواه ابن حبان (١٦١٠، ١٦١١) من حديث أبي ذر.\n(^٢) \"معالم السنن\" (٤/ ٣٠٠).\n(^٣) لم أجده في \"المستدرك\". ورواه البغوي في \"شرح السنة\" (١/ ٩٨) من طريق الحاكم كما رواه من طريقه الرافعي.\nورواه البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨) من طريق إبراهيم بن سعد.","vol":"1","page":225},{"text":"مستحسنة كما ورد في التراويح، قال عليٌّ: \"هذه بدعة حسنة\".\nوكلّ مُحدث هو مستندٌ إلى أصلٍ من أصول الدين أو مقيسٌ به فليس بمردودٍ.\nوقوله: \"مَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ\" يعني: الاختلاف والمحدثات.\nوقوله: \"وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ\" المراد من الخلفاء الراشدين على ما اشتهر عند الخاصة والعامة الأربعة الذين ولوا الأمر بعد رسول الله ﷺ ورضي عنهم.\nواستدلَّ بالحديث على جواز إطلاق اسم السنة على طريقتهم كإطلاقه على طريقة النَّبِيِّ ﷺ، وعلى الفضيلة التامة لهم حيث سماهم خلفاء ووصفهم بكونهم راشدين، وعلى أنَّ الواحد منهم إذا قال قولًا وخالفه غيره من الصحابة كان المصير إلى قول الخليفة أولى، وعلى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان عالمًا بأنَّهم الذين يلون الأمر بعده، وقد يستدلُّ به على أنَّ قولهم وطريقتهم حجةٌ مأخوذٌ بها؛ وذلك لأنَّ قوله: \"عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ\" ليس المراد منه أن يكون الشيء الواحد سنته وسنتهم؛ لأنَّ سُنَّتَهُ وحدها حجةٌ مأخوذٌ بها، فأشعر بأنَّ سُنَّتَهُم أيضًا كذلك.\nوقوله: \"عَضُّوا عَلَيْهَا بالنَّوَاجِذِ\" ندبٌ إلى التَّمَسُّكِ الشَّديد كما يعضُّ الإنسان بأسنانه على الشيء احتياطًا وتحرزًا من أن يضيع، والعضُّ بالأضراس أبلغ في المنع من الانتزاع فإنَّ المأخوذ بمقاديم الأسنان أسهل تناولًا.\nقال الخطابي: وقد يكون معناه الأمر بالصبر على ما يصيب من المضض عند مشاهدة العدول عن أمر الله تعالى واتباع سنة رسوله ﷺ، كما يفعله المتألم بما يصيبه من الوجع (^١).\nواعلم أنَّ اتباعَ سُنَّةِ رسولِ اللهِ ﷺ جالبٌ لِمَحَبَّةِ الله تعالى على ما قال تعالى:\n_________\n(^١) \"معالم السنن\" (٤/ ٣٠١).","vol":"1","page":226},{"text":"﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (^١).\nوبالسمع والطاعة تحصل السلامة عن الفتن، والتحرز عن الآفات، وبتقوى الله تحصل النَّجاة في الدَّارين عن الهلكات، فاشتمل ما أوصاهم به على بيان أهم المهمات.\nوأنشد الحافظ عبد الخالق بن أحمد بن عبد القادر بن يوسف -وقد أجاز لنا غير واحد ممن أجاز لهم- قال قرأت على أبي محمد جعفر بن أحمد السراج قوله من كتابه:\n[سريع]\nيَا خَاطِبَ الدُّنْيَا إِلَى نَفْسِه … إِيَّاكَ أَنْ تَمْنَحَهَا نَظْرَهْ\nسِيقَ إِلَى الْخُلْدِ الَّذِينَ اتَّقَوا … تَتْبَعُ مِنْهُمْ زُمْرَةٌ زُمْرَهْ\nوَسِيقَ لِلنَّارِ فَرِيقٌ عَصَوْا … خَالِقِهَمْ إِذْ خَالَفُوا أَمْرَهْ\nولله درُّ من قَصَرَ بصرَه ونظرَه على من ليس منه بدٌّ، ولا لحكمه ردٌّ، ولا ينفع منه جدٌّ، ولا يحويه قُطرٌ ولا حدٌّ، وقطع همه عما سواه، ولم يطلب إلا إياه.\nحَدَّثَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ فِي \"أسامي الأولياء\" عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ مَطَرٍ قَالَ: ثَنَا مَحْمُودُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنَا أَبُو بَكْرٍ الصَّفَّارُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْبَزَّازِ، عَنْ خَلَفٍ الْبَزَّازِ قَالَ: رَأَيْتُ شَيْبَانَ الرَّاعِي ذَاتَ لَيْلَةٍ صَلَّى ثَلَاثَمِائَةِ رَكْعَةٍ، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: مِنْكَ أَهْرَبُ، وَإِيَّاكَ أَطْلُبُ، وَلَيْسَ لِي مِنْكَ بُدٌّ.\n_________\n(^١) آل عمران: ٣١.","vol":"1","page":227},{"text":"وَأُنْشِدُكُمْ لِنَفْسِي هذه الرباعية:\nمَا أَطْلُبُ مَا حَيِيْتُ إِلَّا إِيَّاكَ … إِيَّاكَ وَإِنْ تَقْطَعْ عَنِّي رَيَّاكَ\nرَيَّاكَ وَإِنْ بَلِيتُ تُحْيِي رِمَّتِي … حَيَّاكَ اللهُ مِنْ مُسَبِّحٍ حَيَّاكَ\nآخر المجلس الرابع عشر والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين\n* * * * *","vol":"1","page":228},{"text":"﷽\nوما توفيقي إلا بالله\n\n<span data-type='title' id=toc-97>المجلس الخامس عشر </span>من أماليه ﵀ أملاه يوم الجمعة بعد الصلاة الرابع والعشرين من ذي قعدة سنة إحدى عشرة وستمائة\nحَدَّثَنَا ﵀ إِمْلَاءٌ مِنْ لَفْظِهِ الشَّرِيفِ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى وَالِدِي وَعَلَى عَبْدِ اللهِ\nبْنِ أَبِي الْفُتُوحِ رَحِمَهُمَا اللهُ لِتَارِيخَيْنِ قَالَا: أَنَبَا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنَبَا أَبُو عَلِيٍّ الْخُشْنَامِيُّ،\nأَنَبَا أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ، أَنَبَا الْأَصَمُّ، أَنَبَا الرَّبِيعُ، أَنَبَا الشَّافِعِيُّ، أَنَبَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ،\nحَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ الله بْنَ الزُّبَيْرِ ﵄ يَقُولُ:\nكَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا سَلَّمَ مِنْ صَلَاتِهِ يَقُولُ بِصَوْتِهِ الْأَعْلَى: \"لَا إِلَهَ إِلَّا الله\nوَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ\nإِلَّا بِالله، وَلَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاهُ، لَهُ النِّعْمَةُ وَالْفَضْلُ، وَلَهُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ لَا إِلَهَ إِلَّا الله\nمُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-98>في الشرح فصول: الفصل الأول</span>\nهذا حديثٌ صحيحٌ أخرجه مسلم (^٢) عن محمد بن سَلَمَةَ المُرَادِيِّ، عن ابن وهب، عن يحيى بن عبد الله بن سالم، عن موسى بن عقبة.\n_________\n(^١) \"مسند الشافعي\" (ص ٤٤) كما رواه من طريقه الرافعي.\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (٥٩٤).","vol":"1","page":229},{"text":"ورواه عن أبي الزبير أيضًا: حجاج بن (أبي) (^١) عثمان الصَّوَّافُ، وأخرج مسلم (^٢) الحديث من روايته أيضًا.\nورواه أحمد بن حنبل (^٣) عن إسماعيل بن عُلَيَّةَ، عن حَجَّاجٍ، واللَّفْظُ حَدَّثَنِي أبو الزُّبَيْرِ قال: سَمِعْتُ عبد الله بن الزُّبَيْرِ يُحَدِّثُ على هذا الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَقُولُ: كان رَسُولُ الله ﷺ إذا سَلَّمَ في دُبُرِ الصَّلَاةِ أو الصَّلَوَاتِ يَقُولُ: \"لَا إِلَهَ إلا الله … \" إِلَى آخِرِهِ إلَّا أنه قَالَ: \"أَهْلُ النِّعْمَةِ وَالْفَضْلِ وَالثَّنَاءِ الْحَسَنِ\".\nوعبد الله بن الزُّبَيْرِ (^٤): أبو بكر -ويقال: أبو خبيب، ويقال: أبو بكير- بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي الأسدي القرشي.\nأبوه الزُّبَيْرُ حَوارِيّ رسول الله ﷺ، وَأُمُّهُ أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄.\nسمع: النَّبِيَّ ﷺ وأباه، وعمر بن الخطاب، وعائشة ﵃.\nوروي عنه: ابنه عامر، وأخوه عروة، وغيرهما.\nوُلد بعد الهجرة، وذُكر أنه أول مولود للمهاجرين بالمدينة، وحُمل إلى النبي ﷺ فحنَّكه بتمرةٍ مضغها وليَّنها له بريقه ﷺ.\nقتل سنة ثلاث وسبعين.\nوأبو الزبير (^٥): هو محمد بن مسلم بن تدرس المكي القرشي مولى حكيم بن\n_________\n(^١) سقط من س، د. ومثبت من مصادر التخريج، وانظر ترجمته في \"تهذيب الكمال\" (٥/ ٤٤٣).\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (٥٩٤).\n(^٣) \"مسند أحمد\" (٤/ ٥).\n(^٤) انظر \"معرفة الصحابة\" (٣/ ترجمة ١٦٣٧)، و\"الإصابة\" (٤/ ترجمة ٤٦٨٥).\n(^٥) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (٥/ ترجمة ١٧٤).","vol":"1","page":230},{"text":"حِزام من علماء التابعين.\nسمع: جابرًا، وابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير.\nروى عنه: هشام بن عروة، والزهري، وسلمة بن كهيل، والثوري، وابن عيينة، ومالك.\nروى عنه ولم يحتج به البخاري؛ لكن مسلمًا احتج به وأكثر عنه، وأثنى عليه يحيى بن معين والأئمة.\nتوفي سنة ثمانٍ وعشرين ومائة.\nوموسى بن عقبة (^١): هو أبو محمد بن عقبة بن أبي عياش الأسدي مولى الزبير بن العوام تابعي.\nسمع: أم خالد وهي صحابية، وأدرك ابن عمر، وسهل بن سعد، وسمع نافعًا، وكريبًا، وأبا الزبير.\nروى عنه: أنس بن عياض، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ومالك، وابن المبارك، والثوري، وشجاع بن الوليد.\nمات سنة إحدى وأربعين ومائة وكان له أخوان من أهل الرواية وهما: محمد وإبراهيم ابنا عقبة وهم مدنيون.\nوإبراهيم بن محمد (^٢): هو أبو إسحاق بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي المدني.\nتَكَلَّمَ فيه مالك بن أنس وغيره، فروى عنه الشافعي ﵁ وَزَكَّاهُ في الرِّوايةِ.\nوفي أهل ذلك العصر آخر يقال له: أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن العباس\n_________\n(^١) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (٦/ ترجمة ٣١).\n(^٢) انظر \"التاريخ الكبير\" (١/ ترجمه ١٠١٣)، \"تهذيب الكمال\" (٢/ ترجمة ٢٣٦).","vol":"1","page":231},{"text":"بن عثمان الشافعي (^١) ابنُ عمِّ الشافعي ﵁ لَحًّا (^٢).\nروى الأسلمي عن: أبي الحويرث عبد الرحمن بن معاوية، ومحمد بن عمرو بن علقمة، وعمارة بن غزية، ومحمد بن عجلان.\nروي عن ابن عمِّ الشافعيِّ: أحمد بن (عمرو) (^٣) بن أبي عاصم النبيل.\nوالشافعي (^٤) إمام الأئمة أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب المطلبي القرشي.\nابنُ عَمِّ النَّبِيِّ ﷺ، وابنُ عَمَّتِه، وأفضل علماء أُمَّتِهِ علمًا ونسبًا وورعًا وأدبًا.\nأمَّا أنَّه ابن عمه فلأنَّ رسول الله ﷺ محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، فيلتقي مع الرسول في عبد مناف والمطلب بن عبد مناف عم عبد المطلب الذي هو جدّ رسول الله ﷺ.\nوأمَّا أنَّه ابن عَمَّتِه فلأن أم عبد يزيد بن هاشم بن المطلب أخت عبد المطلب الذي هو جدّ رسول الله ﷺ وَلِهَذَا يقال: إنَّ الشافعيَّ ولده الهاشمان: هاشم بن عبد مناف، وهاشم بن المطلب.\nونظمتُ نسبَ الشَّافعيِّ إلى عبد مناف ليسهل حفظه على من يريد حفظ\n_________\n(^١) انظر \"تهذيب الكمال\" (٢/ ترجمة ٢٣٠).\n(^٢) قولهم: هو ابن عمِّي لَحًّا أي لَاصقُ النسب. وإِذا لم يكن ابنُ العمِّ لَحًّا وكان رجلًا من العشيرة قلت: هو ابنُ عَمِّ الكلالةِ وابنُ عَمٍّ كلالةً. الصحاح: لحح، كلل.\n(^٣) في س، د: عمر. خطأ.\n(^٤) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٠/ ٥).","vol":"1","page":232},{"text":"نسب صاحب مذهبه فقلت:\nمُحَمَّدٌ إِدْرِيسُ عَبَّاسٌ وَمِنْ … بَعْدِهِمُ عُثْمَانُ ثُمَّ شَافِعْ\nوَسَائِبٌ ثُمَّ (^١) عُبَيدٌ سَابِعٌ … عَبْدُ يَزِيدَ ثَامِنٌ والتاسِعْ\nهَاشِمٌ المَولَودُ ابنُ الْمُطَّلِبْ … عَبْدُ مَنَافٍ لِلْجَمِيع تَابِعْ (^٢)\nوالكلامُ في فضائل الشَّافعيِّ ﵁ لا يهون الخطب فيه، وقد صنَّف في مناقبه المتقدمون والمتأخرون من المحدثين والفقهاء كتبًا مطوَّلة ومختصرة منهم: داود بن علي الأصبهاني، وزكريا بن يحيى الساجي، وعبد الرحمن بن أبي حاتم، ومحمد بن إبراهيم العبدي، ومحمد بن الحسين السجستاني، وأبو عبد الله الحاكم، وأحمد بن الحسين البيهقي الحافظ، وأبو سعيد النقاش، وانتقى من فضائله مختصرًا: أبو علي الحسن بن أحمد المعروف بابن البناء، والحافظ أبو عبد الله محمد بن أبي النصر الحميدي بالشركة.\nوقد انتشر علمه في أقطار الأرض ذات الطول والعرض، واعترف بفضله وسبقه كلُّ مفارقٍ وموافقٍ، واستفاد من علمه كلُّ مخالفٍ ومحالفٍ، وأثنى عليه علماء عصره من أترابه، ومن كان أقدم سنًّا منه.\nفعن مالك بن أنس أنه كان يتعجب من فصاحته وذكائه وحسن إعرابه، ولا يملّ من قراءته.\nوعن ابن عيينة: أنه كان إذا جاء شيء من التفسير والفقه التفت إلى الشافعيِّ\n_________\n(^١) في \"تاج العروس\"، \"القاموس المحيط\": ابن.\n(^٢) نقل هذه الأبيات عن الإمام الرافعي: الزبيدي في \"تاج العروس\"، الفيروز آبادي في \"القاموس المحيط\": شفع.","vol":"1","page":233},{"text":"وقال: سلوا هذا.\nوعن يحيى بن سعيد القطان أنه قال: أنا أدعو الله للشافعي في كل صلاة منذ أربع سنين.\nوعن عبد الرحمن بن مهدي أنه قال: ما أصلي صلاة إلا وأدعو للشافعي فيها.\nوعن يحيى بن حسان أنه قال: ما رأيت مثل الشافعي.\nوعن أبي عبيد القاسم بن سلامٍ: ما رأيت رجلًا أعقل ولا أورع ولا أفصح ولا أنبل رأيًا من الشافعي.\nوعن أحمد بن حنبل أنه قال لإسحاق بن راهويه: تعالى حتى أريك رجلًا لم تر عيناك مثله، فذهب إلى الشافعي.\nوعنه أنه قال: إني لأدعو الله للشافعي في كلِّ صلاة منذ أربعين سنة.\nوعن أبي إسحاق أنه قال: الشافعيُّ خطيب العلماء.\nوعن مسلم بن خالد الزَّنْجِيِّ أنه قال للشافعيِّ: أَفْتِ فقد آن لك أن تفتي، وله يومئذٍ خمس عشرة سنة.\nوسئل الفراء أبو زكريا: أيؤخذ بما ذكره الشافعي من اللغة ولا يعرف الآلة؟!\nفقال: هو قرشيٌّ مطلبيٌّ فقيهٌ، واللغة من مثله أوثق لعلمه وفصاحته وصراحة نسبه.\nويروى عن ورعه أنه قال: ما شبعت منذ ستة عشر سنة إلا شبعة ثم أدخلت يدي فتقيأت.\nوضبط الحافظ الدارقطني من روى الشافعي عنه، ومن روى عن الشافعي في عددٍ كثيرٍ.","vol":"1","page":234},{"text":"وُلد ﵁ بغزَّة، وقيل: بعسقلان سنة خمسين ومائة، وحُمل إلى مكة وهو ابن سنتين فنشأ بالحجاز، وحفظ القرآن وهو ابن سبع و\"الموطأ\" وهو ابن عشر، وورد العراق وأقام بها مدة، ومات بمصر سنة أربع ومائتين في آخر يوم من رجب.\nوأنشد منصور بن إسماعيل الفقيه التميمي (^١) لنفسه فيه:\nإِنِّي أُمِرتُ بِنُصْحِ المُسْلِمِينَ فَمِنْ … نُصْحِي لَهُمْ وَاتِّبَاعي مَا أَمَرْتُ بِهِ\nأَمْرِي لَهُمْ بِاتِّبَاعِ الشَّافِعِيِّ … فَقَدْ أَتَاهُمْ بِبَيَانٍ غَيْرِ مُشْتَبِهِ\nوَحَدَّثَ الحافظ حمزة بن يوسف السهمي قال: حضرت يومًا باب دكَّة الإمام أبي بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي، فخرج وبيده جزء وهو مستبشرٌ، فقال: أنشدني ابني أبو سعد:\n\"إِنِّي ذَخَرْتُ لِيَوْمِ مَنِيَّتِي\" كذا وجدته، والأولى أن يقال:\nإِنِّي جَعَلْتُ الذُّخْرَ يَوْمَ مَنِيَّتِي … أَوْ نَحْوَهُ عِنْدَ الْإِلَهِ مِنَ الْأُمُورِ خَطِيرًا\nوَهُوَ الْيَقِينُ بِأَنَّهُ الْأَحَدُ الَّذِي … مَا زِلْتَ مِنْهُ بِفَضْلِهِ مَغْمُورَا\nوَشَهَادَتِي أَنَّ النَّبِيَّ مُحَمَّدًا … كَانَ الرَّسُولَ مُبَشِّرًا وَنَذِيرَا\nوَمَحَبَّتِي آلَ النَّبِيِّ وَصَحْبَهُ … كُلًّا أَرَاهُ بِالْجَمِيلِ جَدِيرَا\nوَتَمَثُّلِي بِالشَّافِعيِّ وَعِلْمِهِ … ذَاكَ الَّذِي فَتَقَ الْعُلَومَ بُحُورَا\nوَجَمِيلُ ظَنِّي بِالإِلَهِ لِمَا جَنَتْ … نَفْسِي وَإِنْ جَرَّتْ عَلَيَّ شُرُورَا\nإِنَّ الظَّلُومَ لِنَفْسِهِ إِنْ يَأْتِهِ … مُسْتَغْفِرًا يَجِدِ الْإِلَهَ غَفُورَا\nفَاشْهَدْ إِلَهِي أَنَّنِي مُسْتَغْفِرٌ … لَا أَسْتَطِيعُ لِمَا مَنَنْتَ شُكُورَا\nهَذَا الَّذِي أَعْدَدْتُهُ لِشَدَائِدِي … وَكَفَى بِرَبِّي هَادِيًا وَنَصِيرَا\n_________\n(^١) انظر ترجمته في \"سير أعلام النبلاء\" (١٤/ ترجمة ١٤١).","vol":"1","page":235},{"text":"قال: ثم أنشدناها الإمام أبو سعد بعدما أنشدنا والده عنه.\nوالربيع (^١): هو أبو محمد بن سليمان بن كامل وكامل لقب واسمه عبد الرحمن المرادي المصري المؤذن.\nصاحب الشافعي والقائم بخدمته، وبرواية كتبه الجديدة، وكان الشافعيُّ ﵁ يكرمه.\nويُذكر أنه قال: لو استطعت أن ألقملك العلم لقمة لفعلته.\nسمع: الشافعي، وعبد الله بن وهب، وبشر بن (بكر) (^٢)، وأيوب بن سويد، وغيرهم.\nروى عنه: أبو عبد الرحمن النسائي، وابن خزيمة، وأبو نعيم بن عدي، وابن أبي حاتم، والأصم.\nتوفي سنة سبعين ومائتين في شوال.\nوالأصم، وأبو بكر الْحِيرِيُّ، وأبو علي الْخُشْنَامِيُّ مذكورون في المجلس التالي له هذا المجلس.\nوعمر بن أحمد (^٣): هو أبو حفص بن أحمد بن منصور بن محمد بن القاسم بن حبيب بن عبدوس الصفار، من أهل نيسابور.\nمشهورٌ بالفقه والحديث ومنجبٌ فيهما، وتفقه على أبي نصر القشيري، وروى الحديث عنه وعن غيره، وسمع منه حين حجَّ ببغداد وغيرها.\n_________\n(^١) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٢/ ٥٨٧).\n(^٢) في س، د: بكير. خطأ. والمثبت من مصادر الترجمة.\n(^٣) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (٢٠/ ٣٣٧).","vol":"1","page":236},{"text":"وُلد سنة سبع وسبعين وأربعمائة وتوفي يوم عيد الأضحى سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة.\nوعبد الله بن أبي الفتوح ذكرته في المجلس الثالث.\nووالدي ﵀ مذكور في غير موضعٍ، وكتب إليه الإمام أبو سليمان الزُّبَيْرِيُّ رحمة الله عليه حين عزم للسفر للتفقه: [متقارب]\nأَبَا الفَضْلِ هَجْرُكَ لَا يُحْمَلُ … وَلَسْتَ مَلُومًا بِمَا تَفْعَلُ\nوَإِنَّكَ مِنْ حَسَنَاتِ الزَّمَانِ … وَقدَمًا عَلَيْنَا بِهَا يَبْخَلُ\n\n<span data-type='title' id=toc-99>الفصل الثاني</span>\nتقول: جاءني فلان وحده، ورأيته وَحْدَهُ وهو منصوب عند بعضهم على الظَّرف وعند الآخرين على المصدر، كأنه أَوْحَدَ نفسه بالمجيء، أو أَوْحَدتُهُ بالرؤية إيحادًا.\nوقيل: المعنى جاءني أو رأيته منفردًا انفرادًا، ثم وضعت \"وَحْدَهُ\" موضعه.\nولا يضاف إلَّا في قولهم: نَسِيجُ وَحْدِهِ، وَجُحَيْشُ وَحْدِهِ، وَعُيَيْرُ وَحْدِهِ أي: مُعْجَبٌ بِرَأْيِهِ، الأول مدحٌ، والآخران ذمٌّ.\nوربما قالوا أيضًا: رُجَيْلُ وَحْدِهِ. ويقال: وَحَّدَهُ وأَحَّدَهُ، وَرَجُلٌ وَحَدٌ وَوَحِيدٌ أي: مُنْفَرِدٌ، وهو وَاحِدُ دهرِهِ، وَأَوْحَدُ أَهْلِ زمانِهِ، والجمع: أُحْدَانٌ كأسود وسُودان، والأصل وُحْدَانٌ.\nوَأَعْطِ كُلَّ وَاحِدٍ عَلَى حِدَةٍ أي: عَلَى حِيالِهِ وَاسْتِقْلَالِهِ.\nوَالْحَوْلُ: الْقُوَّةُ، وأيضًا الْحَرَكَةُ، يقال: حَالَ الشَّخْصُ إِذَا تَحَرَّكَ، واسْتَحلَّهُ أي انْظُرْ أَتَحَرَّكَ أَمْ لَا، وأيضًا الْحِيلةُ والْمَحَالةُ والْحَيْلُ: الْحِيلةُ أيضًا، وَفُلَانٌ أَحْوَلُ مِنْكَ","vol":"1","page":237},{"text":"وَأَحْيَلُ أي أَكْثَرُ حِيلَةً.\nوالأولى أن يحملَ الْحَوْل في قولنا: \"لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ\" على الحركة أي: لا حركة ولا استطاعة إلا به، أو على الحيلة فيكون المعنى: لا حيلة في دفع المكروه ولا قوة على جلب المطلوب إلا بتيسير الله تعالى، ويروى: لَا حَيْل وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ.\nوَالْعِبَادَةُ: الْخُضُوعُ والطَّاعَةُ، يُقَالُ: عَبَدْتُ فُلَانًا أي خَضَعْتُ له، وَعَبَّدْتُهُ: ذَلَّلْتُهُ وَقَهَرْتُهُ، وَطَرِيقٌ مُعَبَّدٌ: مُذَلَّلٌ بِكَثْرةِ الْوَطْءِ، وَبَعِيرٌ مُعَبَّدٌ: مَطْلِيٌّ بِالْقَطِرَانِ وَمُذَلَّلٌ بالعمل، وَقَدْ يُقَالُ: بَعِيرٌ مُعَبَّدٌ بمعنى مُكَرَّم، وعَبْدٌ بَيِّنُ الْعُبُودَةِ والْعَبْودِيِة، وَأَصْلُهُ التَّذْلِيلُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-100>الفصل الثالث</span>\nالدُّعَاءُ عُقَيبِ الصَّلَاةِ مُسْتَحَبٌّ، ويكره أن يثبَ المصلي من موضعه كما يسلِّم فيكون كالبعير المعقول يُحلّ أو المحبوس يطلق.\nوفي الأدعية والأذكار المروية عن رسول الله ﷺ في أدبار الصلوات المكتوبة كثرة:\nفَعَنْ رواية المُغِيرَةِ بن شُعْبَةَ ﵁ أنَّه ﷺ كان يَقُولُ: \"لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الْمُلْكُ، وله الْحَمْدُ، وهو على كُلِّ شَيْءٍ قَديرٌ، اللَّهُمَّ لا مانع لما أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لما مَنَعْتَ، ولا يَنْفَعُ ذا الْجَدِّ منك الْجَدُّ\" (^١).\nوَعَنْ رِوَايَةِ ثَوْبَانَ ﵁ \"اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ تَبَارَكْتَ يَا ذَا\n_________\n(^١) رواه البخاري (٨٤٤)، ومسلم (٥٩٣).","vol":"1","page":238},{"text":"الجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ\" (^١).\nوعن رواية زَيْدِ بن أَرْقَمَ ﵁: \"اللَّهُمَّ رَبَّنَا ورب كُلِّ شَيْءٍ أنا شَهِيدٌ أَنَّكَ أَنْتَ الرَّبُّ وَحْدَكَ لا شريك لك، اللَّهُمَّ أنت رَبُّنَا وَرَبُّ كل شيء أنا شَهِيدٌ أن مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ، اللَّهُمَّ ربنا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ أنا شَهِيدٌ أن الْعِبَادَ كُلَّهُمْ إِخْوَةٌ، اللَّهُمَّ ربنا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ اجْعَلْنِي مُخْلِصًا لك وَأَهْلِي في كُلِّ سَاعَةٍ في الدُّنْيَا والآخرة يا ذا الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ\" (^٢).\nوعن رواية صُهَيْبٍ ﵁: \"اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لي دِينِي الذي جَعَلْتَهُ عِصْمَةً لي، وَأَصْلِحْ لي دُنْيَايَ التي جعلت فيها مَعَاشِي، اللَّهُمَّ إني أَعُوذُ بِرِضَاكَ من سَخَطِكَ، وَأَعُوذُ بِعَفْوِكَ من نِقْمَتِكَ، وَأَعُوذُ بك منك لا مانع لما أَعْطَيْتَ، ولا مُعْطِيَ لما مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ\" (^٣).\nوعن رواية سَعْدِ بن أبي وَقَّاصٍ ﵁: \"اللَّهُمَّ إني أَعُوذُ بك من البخْلِ، وأَعُوذُ بك من الْجُبْنِ، وَأَعُوذُ بك من أن أُرَدَّ إلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ، وَأَعُوذُ بك من فِتْنَةِ الدُّنْيَا، وَأَعُوذُ بك من عَذَابِ الْقَبْرِ\" (^٤).\nوعن رواية مُسْلِمِ بن الحارث التَّمِيمِيِّ في دُبُرِ صلاة الصُّبْحِ والْمَغْرِبِ: \"اللَّهُمَّ أَجِرْنيِ من النَّارِ سَبْعَ مَرَّاتٍ\" (^٥).\n_________\n(^١) رواه مسلم (٥٩١).\n(^٢) رواه أبو داود (١٥٠٣)، والنسائي في \"الكبرى\" (٩٩٢٩).\n(^٣) رواه النسائي (٣/ ٧٣)، وابن خزيمة (٧٤٥)، وابن حبان (٢٠٢٦).\n(^٤) رواه البخاري (٦٣٧٠، ٦٣٧٤).\n(^٥) رواه أبو داود (٥٠٣٩)، والنسائي في \"الكبرى\" (٩٩٣٩)، وابن حبان (٢٠٢٢).\nوضعفه الألباني في \"السلسلة الضعيفة\" (١٦٢٤).","vol":"1","page":239},{"text":"وَعَنْ رِوَايَةِ عائشة ﵂ \"اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ أَعْذْنِي مِنْ حَرِّ النَّارِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ\" (^١).\nوعن رواية أبي هُرَيْرَةَ ﵁ \"سُبحانَ الله ثلاثًا وثلاثين مرة، والله أكبرُ مثل ذلك، والحمد لله مثل ذلك، وَتَمَامُ الْمِائَةِ لا إله إلا الله وحده لا شَرِيكَ له له الْمُلْكُ وله الْحَمْدُ وهو على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ\" (^٢).\nولو أوردنا أسانيد هذه الأذكار أو استوعبنا ما ورد في هذا الباب لَأَطَلْنَا، ولم يكن رسول الله ﷺ يجمع بينها جميعًا، ولكن كان يأتي بهذا وقتًا وبهذا وقتًا، واتباعه في الجميع حسنٌ، وحسنٌ أن يختار منها ما يليق بالوقت.\nوفي قوله: \"بِصَوْتِهِ الأَعْلَى\" بيان أنه يستحب للإمام رفع الصوت بالدعاء ليسمع القوم فيتنبَّهوا ويوافقوه فتجتمع الهمم ويزداد رجاء الإجابة، وليُحمل قوله: \"بِصَوْتِهِ الأَعْلَى\" على العلى أو على الأعلى مما كان يأتي به، فالإسراف في رفع الصوت مكروهٌ خاصة عند الدعاء.\nوقوله: \"لَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاهُ\" أي: لا نخضع إلا له، ولا نطيع أو لا نوحِّد إلا إياه، كما قيل في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ (^٣).\n\"وَالثَّنَاءُ الْحَسَنُ\" يُمكن حمله على الثَّنَاءِ البليغ في اللَّفظ والكامل في المعنى، وعلى الثَّنَاءِ الكثير، وعلى الثَّنَاءِ الصَّادر عن الإخلاص وحضور القلب، والمعنى: أنه مستحق لذلك.\n_________\n(^١) رواه النسائي (٣/ ٨٢).\n(^٢) رواه \"مسلم\" (١/ ٤١٨، ٥٩٧/ ١٤٦).\n(^٣) الفاتحة: ٥.","vol":"1","page":240},{"text":"وقوله: \"لَا إِلَهَ إِلَّا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ\" أي نقول: لا إله إلا الله مخلصين، والدِّينُ يصحُّ حمله على الملة وعلى الطاعة وغيرها.\nواعلم أنَّ الكلمات المذكورة تشتمل على التوحيد ونفي الشركة، وعلى تخصيص الملك والحمد به، وعلى وصفه بالقدرة على الممكنات، وعلى التبرؤ من الحول والقوة، والاعتراف بأنَّ الكلَّ بتيسير الله وتقديره، وعلى تخصيصه بالخضوع والطاعة له، وعلى الإقرار بالنِّعمة الأخروية والفضل في الدنيا منه، وعلى أنه المستحق للشكر والثَّناء، وعلى إظهار الإخلاص في جميع ذلك على مراغمة الكافرين والجاحدين، وصاحب الكلمات إذا لم يأت بها عن قلبٍ لاهٍ ووافق قوله حاله وَرَّثه هذا الذِّكْرُ السُّكون والطمأنينة وصار من الذين تطمئنُّ قلوبهم بذكر الله وتستأنس، فالمحبُّ يستأنس بأن يُذكر له محبوبه أو يُذكر بين يديه، كان قيسٌ المجنون إذا ذُكِرت له ليلى سكن وانتظم كلامه، وإذا سئل عن غيرها اضطرب وخُولط في عقله، ثم إذا استحكمت المحبة ارتفعت المباينة، وسقطت المفارقة، وقام المحبُّ بصفات المحبوب، وفني عن صفات نفسه.\nيروى أن قيسًا سئل: أتحب ليلى؟\nفقال: لا. قيل: ولم؟\nقال: لأنَّ المحبَّةَ ذريعة الْوُصْلَةِ، وقد حَصَلَتِ الْوُصْلَهُ، وسقطت الذَّريعةُ، فأنا ليلى وليلى أنا، وأنشد له: [كامل]\nوَلَقَدْ هَمَمْتُ بِقَتْلِهَا مِنْ أَجْلِهَا … كَيْ مَا تَكُونَ خَصِيمَتِي في الْمَحْشَرِ\nحَتَّى يَطُولَ عَلَى الصِّرَاطِ وَقُوفُنَا … فَتَلذُّ عَينِي مِنْ فُنُونِ الْمَنْظَرِ\nثُمَّ ارْتَجَعْتُ فَقُلْتُ رُوحِي رُوحُهَا … فَإِذَا هَمَمْتُ بقِتْلِهَا لَمْ أَقْدِرِ","vol":"1","page":241},{"text":"وإذا حَصَلَتِ الْوُصْلَةُ استمرَّ ذكرُ القلب ومناجاته وإن عجز اللسان وانقطعت عباراته، ودامت العبادة وأنوارها وإن فترت الحواس وظهرت آثارها، وفي مثل ذلك يقال: نوم العالم عبادة، وآية ذلك أن يعود إلى الذِّكر والعبادة وينشط له على عادته المعتادة، إذا ارتفع الكلال وحصل الاستقلال، فيقول كُلَّما انتبهَ: الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور، ثم لا يزال ذاكرًا وحامدًا وشاكرًا.\nوقد ورد أنَّ أولَّ من يدخل الجنَّةَ الحمَّادون اللهَ على كلِّ حالٍ (^١).\nوَقُلْتُ مُنْذُ مُدَّةٍ:\nالْحَمْدُ للهِ الَّذي بِتَعَالِيهِ أَشْهَدُ … اللهُ مَنْ بِرَحْمَتِهِ الْعَبْدُ يَسْعَدُ\nرَبُّ الْأَنَامِ مَالِكُهُمْ يَومَ دِيْنِهِمْ … إِيَّاهُ نَسْتَعِينُ وَإيَّاهُ نَعْبُدُ\nرَبِّ اهْدِنَا الصِّرَاطَ صِرَاطَ الَّذِيَن هُمْ … رُبُّوا بِنِعَمِهِ وَعَلَى الْحَقِّ سُدِّدُوا\nغَير الَّذِين غَضَبتُكَ اسْتَدْرَجَتْهُمْ … وَالْفِرْقَةِ الَّتِي بِضَلَالَاتِهَا رَدُوا\nآخر المجلس الخامس عشر بمنه وفضله والحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبيه محمدٍ وآله وصحبه وسلم\n* * * * *\n_________\n(^١) رواه الحاكم (١/ ٥٠٢)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٢/ ١٩)، وأبو نعيم في \"حلية الأولياء\" (٥/ ٦٩) من حديث ابن عباس مرفوعًا: \"أول من يدعي إلى الجنة الذين يحمدون الله في السراء والضراء\".\nوضعفه الألباني في \"السلسلة الضعيفة\" (٦٣٢).","vol":"1","page":242},{"text":"﷽\n\n<span data-type='title' id=toc-101>المجلس السادس عشر </span>من أماليه ﵀ أملاه يوم الجمعة بعد الصلاة غرة شهر الله الحرام ذي الحجة حجة إحدى عشرة وستمائة\nحَدَّثَنَا ﵀ إِمْلَاءً مِنْ لَفْظِهِ الشَّرِيفِ قَالَ: أَنَبَا وَالِدِي ﵀، أَنَبَا الْحَافِظُ أحمد بن محمد، أَنَبَا عبد الْوَهَّابِ بن محمد، أَنَبَا والدي، أنبا أحمد بن إسماعيل، أنبا يُونُسُ بن عبد الأعلى؛ أنبا عبد الله بن وهب، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عن بُكَيْرِ بن عبد الله، عن بُسْرِ بن سَعِيدٍ، عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"لَا يُنجِي أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ\".\nفَقَالَ رَجُلٌ: وَلَا إِيَّاكَ؟\nفَقَالَ: \"وَلَا إِيَّايَ إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ الله تَعَالَي بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-102>في الشرح فصول: الفصل الأول</span>\nهذا حديثٌ صحيحٌ عن رسول الله ﷺ برواية أبي هريرة، ورواه جابر أيضًا (^٢). اتفق الإمامان على إيراده في الكتابين من رواية أبي هريرة ﵁ التي أوردناها:\n_________\n(^١) في س: رحمةً منه وفضلًا.\n(^٢) أخرجه \"مسلم\" ٤/ ٢١٧٠ (٢٨١٧).","vol":"1","page":243},{"text":"فأخرجه مسلم (^١) عن يونس بن عبد الأعلى.\nوالبخاري (^٢) من حديث سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة ﵁ واللَّفْظُ: \"لَنْ يُنْجِيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ\".\nقَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟\nقَالَ: \"وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللهُ بَرَحْمَتِهِ\"، وزاد: \"سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلُجةِ، الْقَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلُغُوا\".\nورواه ابن ماجه (^٣) من حديث الأعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁.\nوأبو هريرة (^٤) من المشهورين بِصُحْبَةِ رسول الله ﷺ وشدَّةِ ملازمته وكثرة الرواية عنه وحفظ حديثه.\nوَيُرْوَى أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ بَكَي، فَقِيلَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟\nقَالَ: بُعْدُ الْمَفَازَةِ وَقِلَّهُ الزَّادِ وَعَقَبَةٌ كَؤودٌ يُهْبَطُ مِنْهَا إِلَى الجَنَّةِ أَوْ إِلَى النَّارِ (^٥).\nوقد تقدم ذكر بعض أحواله في المجلس الأول وأنه كان دوسيًّا أبًا وأمًّا وأمُّه تسمي أمية.\nوفي \"صحيح مسلم\" عَنْ أَبِي كَثِيرٍ يَزِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أُذَيْنَةَ السُّحَيْمِيِّ\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" ٤/ ٢١٦٩، ٢٨١٦/ ٧١.\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٦٤٦٣).\n(^٣) \"سنن ابن ماجه\" (٤٢٠١).\n(^٤) انظر \"معرفة الصحابة\" (٤/ ترجمة ١٩٢٧)، و\"الإصابة\" (٧/ ترجمة ١٠٦٧٤).\n(^٥) انظر \"صفة الصفوة\" (١/ ٦٩٤).\nوالمفازة من فَوَّزَ الرجل إِذا مات، ويقال: فَوَّزَ إِذا مضى وفَوَّزَ تَفْوِيزًا صار إِلى المَفازة، وقيل: فَوَّزَ خرج من أَرضٍ إِلى أَرضٍ. \"لسان العرب\" فوز.","vol":"1","page":244},{"text":"الْغُبَرِيِّ قال: حَدَّثَنَا أبو هُرَيْرَةَ ﵁ قال: كنت أَدْعُو أُمِّي إلى الإسلام وهي مُشْرِكَةٌ فَدَعَوْتُهَا يوما فَأَسْمَعَتْنِي في رسول الله ﷺ ما أَكْرَهُ فَأَتَيْتُهُ وأنا أَبْكِي فَذَكَرْتُ له ذلك وَقُلْتُ: ادْعُ الله أن يَهْدِيَ أُمَّ أبي هُرَيْرَةَ، فقال ﷺ: \"اللَّهُمَّ اهْدِ أم أبي هُرَيْرَةَ\" فَخَرَجْتُ مُسْتَبْشِرًا بِدَعْوَتِهِ فلما صِرْتُ إلى الباب إذا هو مُجَافٍ، فَسَمِعَتْ أُمِّي خَشْفَ قدمي فقالت: مَكَانَكَ يا أبا هُرَيْرَةَ، وَسَمِعْتُ خَضْخَضَةَ الماء.\nقال: فَاغْتَسَلَتْ وَلَبِسَتْ درعها وَعَجِلَتْ عن خِمَارِهَا فَفَتَحَتِ الباب ثُمَّ قَالَتْ يا أبا هُرَيْرَةَ أَشْهَدُ أن لا إله إلا الله وَأَشْهَدُ أن محمدا رسول الله فَرَجَعْتُ إلى رسول الله ﷺ وأنا أَبْكِي من الْفَرَحِ، فَقُلْتُ: يا رسول الله أَبْشِرْ فقد اسْتَجَابَ الله دَعْوَتَكَ وَهَدَى أم أبي هُرَيْرَةَ؛ فَحَمِدَ الله وَقَالَ خَيْرًا.\nفَقُلْتُ: يا رسول الله ادْعُ الله أن يُحَبِّبَنِي وَأُمِّي إلى عَبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَيُحَبِّبَهُمْ إِلَيْنَا.\nفَقَالَ رسول الله ﷺ: \"اللَّهُمَّ حَبِّبْ عُبَيْدَكَ هَذَا وَأُمَّهُ إلى عِبَادِكَ المُؤْمِنِينَ وَحَبِّبْ إِلَيْهِمَا المُؤْمِنِينَ\".\nقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَمَا خُلِقَ مُؤْمِنٌ يَسْمَعُ بِي وَلَا يَرَانِي إِلَّا أَحَبَّنِي (^١).\nقوله: \"مُجَافٍ\" أي: مردود.\nوالْخَشْفُ وَالْخَشْفَةُ: صَوْتُ حَرَكَةٍ ليس بالشَّدِيدِ، وقيل: الْخَشْفُ: الصَّوْتُ، والْخَشَفُ بالتحريك: الْحَرَكَةُ، ويُقَالُ: الْخَشْفَةُ: الْحِسُّ وَالإِدْرَاكُ، وَيُقَالُ: خَشَفَ فِي الْأَرْضِ يَخْشِفُ أي: ذَهَبَ.\nوالْخَضْخَضَةُ: التَّحْرِيكُ، المعني: سَمِعْتُ خَضْخَضَتَهَا الْمَاءَ.\nوبُسْرُ بن سعيد: هو المدني مولى ابن الحضرمي كان من المتعبدين.\n_________\n(^١) رواه مسلم (٢٤٩١).","vol":"1","page":245},{"text":"سمع: زيد بن خالد، وزيد بن ثابت، وأبا هريرة، وعبد الله بن عمرو، وسعد (^١) بن أبي وقاص، وأبا سعيد الخدري.\nروى عنه: أبو سلمة بن عبد الرحمن، وزيد بن أسلم، ومحمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي. مات سنة مائة (^٢).\nوبُكير (^٣): هو ابن عبد الله بن الأشجّ، أبو عبد الله ويقال: أبو يوسف الأشجعي مولاهم، ويقال: المخزومي، ويقال: الزهري.\nكان من صلحاء أهل المدينة.\nسمع: نافعًا، وسليمان بن يسار، وكُريبًا، وحُمران مولى عثمان، وأبا سلمة، وأبا بُردة، وابن المسيب، وبُسْر بن سعيد.\nروى عنه: الليث، ومحمد بن عجلان، وابنه مخرمة.\nمات سنة سبع عشرة ومائة، وقيل: عشرين، وقيل: اثنتين وعشرين وهو أخو يعقوب بن عبد الله بن الأشج.\nوعمرو (^٤): هو ابن الحارث بن يعقوب الأنصاري مولاهم أبو أمية (المصري) (^٥) المؤدب.\nسمع: هشام بن عروة، وعبد ربه بن سعيد، وبُكيرًا.\nروى عنه: بكر بن مُضَرَ، وموسي بن أَعْيَنَ.\n_________\n(^١) في س، د: وسعيد. وهو تحريف.\n(^٢) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (٤/ ترجمة ٢٣٣).\n(^٣) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (٦/ ترجمة ٨٠).\n(^٤) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (٦/ ترجمة ١٥٠)، \"تهذيب الكمال\" (٢١/ ٥٧٠).\n(^٥) في س، د: البصري. والمثبت من مصادر التخريج.","vol":"1","page":246},{"text":"مات سنة ثمان أو تسع وأربعين ومائة.\nوعبد الله (^١): هو ابن وهب بن مسلم أبو محمد المصري ويقال: القرشي الفهري مولاهم.\nسمع: يونس بن يزيد، ومالكًا، والثوري، وعمرو بن الحارث.\nروى عنه: سعيد بن كثير (^٢) بن عُفَيْرٍ، وسعيد بن أبي مريم، وأحمد بن صالح.\nمات سنة تسع أو سبع وتسعين ومائة.\nويونس (^٣): هو ابن عبد الأعلى بن ميسرة الصدفي المصري أبو موسي.\nسمع: الشافعي، وابن وهب.\nروى عنه: مسلم، وابن ماجه، وبكر بن أحمد الشعراني، ومحمد بن الربيع بن سليمان الجيزي.\nوأحمد بن إسماعيل: هو العسكري من شيوخ مصر، وبها سمع منه أبو عبد الله بن منده، والأئمة (^٤).\nومحمد والد عبد الوهاب (^٥): هو الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده، واسمه (^٦) إبراهيم بن الوليد العبدي الأصبهاني.\nمِنَ الْعُلَمَاءِ وَالْحُفَّاظِ المَعْرُوفِينَ، كَثِيرُ الْحَدِيثِ وَالشُّيُوخِ وَالرِّحْلَةِ وَالتَّصْنِيفِ،\n_________\n(^١) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (٩/ ترجمة ٦٣).\n(^٢) في س: أبي كثير. والمثبت من د، وانظر ترجمته في \"تهذيب الكمال\" (١١/ ٣٦).\n(^٣) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٢/ ترجمة ١٤٤).\n(^٤) انظر \"تاريخ الإسلام\" (٦/ ٥٧).\n(^٥) انظر \"سير أعلام النبلاء\" ١٧/ ٢٨.\n(^٦) أي: اسم منده.","vol":"1","page":247},{"text":"وكان عريقًا في العلمِ والحديثِ، فأبوه إسحاق حافظٌ.\nوجدُّه محمد بن يحيى بن منده. من كبار الحفاظ سمع منه: عبد الرحمن بن أبي حاتم، وإسحاق بن محمد القزويني.\nوعمُّ أبيه عبد الرحمن بن يحيى بن منده. سمع: يونس بن حبيب.\nوإبراهيم بن محمد بن يحيى بن منده عمه. سمع: أباه، وأبا زكريا الساجي.\nوجده الأعلى يحيى بن منده. سمع: النعمان بن عبد السلام.\nوأخو يحيى محمد بن منده. سمع: الحسين بن حفص، وبكر بن بكار.\nوكان في نسله حُفَّاظٌ ومُحدِّثون أيضًا.\nويحكي عن أبي عبد الله أنه قال: كتبت صحيح مسلم بقلمٍ واحدٍ لم أصلحه.\nوعن أبي بكر بن عبد الله بن محمد بن أحمد بن موسي الخطيب نافجان قال: رأيت في المنام رسول الله ﷺ وكنت في دهشةٍ من أمر المذهب فظننت أنه عرف ما بي.\nفقال ﷺ: عليك بأبي عبد الله وأبي عبد الله وأبي عبد الله وأبي عبد الله وأبي عبد الله.\nقلت: يا رسول الله من الخامس؟ فقال: أبو عبد الله بن منده.\nوالأربعة الأولون: مالك والثوري والشافعي وأحمد بن حنبل.\nمات أبو عبد الله بن منده سنة خمس وتسعين وثلاثمائة.\nوابنه عبد الوهاب (^١) كنيته أبو عمرو.\nسمع مشايخ أصبهان ونيسابور ومكة، وتفرَّد في آخر عمره بروايات كان\n_________\n(^١) انظر \"سير أعلام النبلاء\" ١٨/ ٤٤٠.","vol":"1","page":248},{"text":"يُرحل لها إليه.\nتوفي سنة أربع أو خمس وسبعين وأربعمائة.\nوأحمد بن محمد (^١): هو المعروف بابن البغدادي الحافظ أبو سعد بن محمد بن أبي سعد بن الحسن بن علي.\nكان من الرُّواة المتقنين، وسمع الكثير وحجَّ إحدى عشرة حجة وأملي بمكة والمدينة وغيرهما، وكان بغدادي الأصل أصبهاني المولد.\nوُلد سنة ثلاث وستين وأربعمائة، ومات بِنَهَاوَنْد مُنصرفًا من بغداد إلى أصبهان سنة أربعين وخمسائة، وحُمِل إلى أصبهان ودُفن بها وفي هذه السَّنة كان سماع والدي رحمهما الله وإيانا.\nووالدي لحرصه على العلم والاستفادة كثيرًا ما يعلق على ظهور الكتب والأجزاء الفوائد التي يشافهه شيوخه بها، فمِمَّا رأيته في معلقاته وسمعته منه أنَّ الإمام عبد الرحمن الإكاف سأله بعضهم فقال: قلت للإمام أبي نصر الأَرْغَيَانِيِّ: أعرف الله تعالى كما تعرفه؟\nفقال: نعم.\nفقلت: وأعرفه وتعرفه كما عرفه رسول الله ﷺ؟\nفقال: نعم.\nفيما تقول في هذا؟\nفقال عبد الرحمن: بلغني أن أبا سعيد بن أبي الخير سُئل عن المعرفة فقال: مرَّت غير المعرفة بِخبْرَان وكانت مَيْهَنةً تُسمي بِخبْرَان فطرق سمع أبي سعيد\n_________\n(^١) انظر \"سير أعلام النبلاء\" ٢٠/ ١١٩.","vol":"1","page":249},{"text":"صوت جرس فهو نصيبه من المعرفة.\nثم قال عبد الرحمن: الذي يدعيه أهل الأصول من تساوي الأقدام في المعرفة، وتقوله المشايخ من التفاوت صحيحان باعتبارين، وهو في المثال كما يقول العامّي: أعرف الشافعي كما يعرفه المزني، وهو صحيح بمعنى أنه أعرفه بالفضل والتقدم في الاجتهاد كما يعرفه المزني بذلك، ولو قيل المزني أَعْرَفُ بالشافعي من العامّي فهو صحيح على معنى أنَّ اطلاعه على ما استنبطه من الدقائق والتفاريع أتمّ، وهذا التحقيق مشهورٌ في كلام الإمام الغزالي.\n\n<span data-type='title' id=toc-103>الفصل الثاني</span>\nتَقُولُ: نَجَوْتُ من المكروه أَنْجُو نَجَاءً وَنَجَاةً أي: خَلَصْتُ، وَنَجَّيْتُهُ وَأَنْجَيْتُهُ: خَلَّصْتُهُ، وَنَجَوْتُ الْجِلْدَ عنه إذا سَلَخْتَهُ كَأَنَّكَ خَلَّصْتَهُ منه، وَنَجَوْتُ غُصُونَ الشَّجَرَةِ: قَطَعْتُهَا، وَنَجَوْتُ نَجَاءً: أَسْرَعْتُ وَسَبَقْتُ، وقد يُقْصر.\nوَالنَّجَاةُ: النَّاقَةُ السَّرِيعَةُ تَنْجُو بِمَنْ رَكِبَهَا، ويمكن ردّ الأول إلى هذا كأنَّ النَّاجي سبق المكروه وفاته.\nوقوله: \"إلا إِيَّاكَ\" (^١) قد تكلمنا في كلمة \"إِيَّاكَ\" من قبل.\nويقال: تَغَمَّدَنِي الله بِرَحْمَتِهِ أي: سَتَرَنِي بِهَا وَأَلْبَسَنِيهَا.\nقال في \"الغريبين\" (^٢): كأنَّه من غِمْدِ السَّيْفِ لأنَّه يستره ويصونه. يقال: غَمَدْتُ السَّيْفَ وَأَغْمَدْتُهُ فَهُوَ مَغْمُودٌ وَمُغْمَدٌ. وَتَغَمَّدْتُ فُلَانًا: سَتَرْتُ مَا كَانَ مِنْهُ. وَاغْتَمَدَ فُلَانٌ الليلَ: دخل فيه كأنَّه صار كالغمد له.\n_________\n(^١) كذا. وفي الحديث: \"ولا إياك\".\n(^٢) انظر \"غريب الحديث\" (غمد).","vol":"1","page":250},{"text":"وقوله: \"سَدِّدُوا\" أي: اقصدوا السَّدَادَ، والسَّدادُ والسِّدادُ: الصَّوابُ والاستقامةُ. وأمرٌ سَدِيدٌ: قاصدٌ مستقيمٌ، واسْتَدَّ: اسْتقامَ، وسَدَّهَ: وَفَّقَهُ للسَّدادِ.\nوقوله: \"وقَارِبُوا\" أي: اقربوا من السداد ولا تغلوا، والْمُقَارَبةُ: القصدُ في الأمور وترك الغلوِّ والتقصير، وشيءٌ مُقارِبٌ: أي بين الجيد والرديء.\nوالرَّوحةُ: من زوال الشمس إلى الغروب.\nوالغَدْوَةُ: من أوَّل النَّهار إلى الزوال.\nوالدُّلْجَةُ بضم الدال وقد تفتح اللام مع فتح الدال: وهي سيرُ الليل، ويقال: سَارَ دُلْجَةً من اللَّيلِ أي: ساعةً من اللَّيلِ.\nويقال: أَدْلَجَ وادَّلَج، قيل معناهما: سار ليلًا، وقال أكثرهم: أَدْلَجَ: سَارَ من أوَّلِ اللَّيلِ، وادَّلَج: سَارَ من آخر اللَّيلِ.\nوَالْقَصْدُ: الاِعْتِدَالُ وَالاِسْتِقَامَةُ، يقال: فُلَانٌ مُقْتَصِدٌ فِي النَّفَقَةِ أي لَا يُسْرِفُ وَلَا يُقَتِّرُ، والمُقْتَصِدُ بين السَّابِقِ والظَّالِمِ.\nوفي الحديث: \"كَانَتْ صَلَاتُهُ قَصْدًا وَخُطْبَتُهُ قَصْدًا\" (^١) أي: لم تكونا قصيرتين بِمرَّةٍ ولا طويلتين بِمَرَّةٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-104>الفصل الثالث</span>\nفي الحديث بيان أنَّ العامل ينبغي أن لا يتكل على عمله في ابتغاء النَّجاة ونيل الدرجات؛ لأنَّه إنَّما عمل الطاعة بتوفيق الله، وإنَّما ترك المعصية بعصمة الله، وهما من فضله ورحمته فبهما ينال ما ينال، والسعي في العمل لامتثال الأمر وكلٌّ يعمل\n_________\n(^١) رواه مسلم (٨٦٦) من حديث جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كُنْتُ أَصَلِّي مَعَ رَسُولِ الله ﷺ فَكَانَتْ صَلَاتُهُ قَصْدًا وَخُطْبَتُهُ قَصْدًا.","vol":"1","page":251},{"text":"ما يُسِّرَ لَهُ، ولما كان اجتهاد رسول الله ﷺ في الطَّاعة أعظم وسعيه وعمله أقوم وأدوم قيل له: \"وَلَا إِيَّاكَ\"؟\nأي: لا ينجيك عملك.\nقال: \"لَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللهُ بِرَحْمَتِهِ\".\nوَخَتَمَ الحافظُ أبو بكر البيهقي كتاب \"الآداب\" المضاف إلى \"مختصر السنن\" بهذا الحديث، فقال (^١): من وفقه الله تعالى لاعتقاد ما ذكرنا في كتاب \"الاعتقاد\" وأعانه على عبادته بما ذكرنا في \"مختصر السنن\" ثم على استعمال (الآداب) (^٢) المذكورة في هذا الكتاب كان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقد قال تعالى: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ (^٣) فالله نسأل عونه على عبادته وإليه نرغب في حسن توفيقه، ولا وصول إلى معرفته وطاعته إلا بفضله ورحمته على ما قال: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ (^٤) ونسأله الجنة ونعوذ به من النار، فلا سبيل إلى الفوز بِجَنَّتِهِ والنَّجَاةِ مِنْ عُقُوبَتِهِ إِلَّا بِسِعَةِ رَحْمَتِهِ ثم ساق الحديث.\nورأيت بِخَطِّ والدي ﵀ أنَّ عبد الرحمن الإكاف رحمهما الله سُئل عن علامة قبول العمل فقال: أما القبول الأدني فعلامته أن يشتغل كُلَّمَا فَرَغَ من عملٍ بآخر، وأما القبول الأعلى فعلامته أن يستنكف من عمله كما يستنكف من الكفر.\n_________\n(^١) \"الآداب\" (ص ٥٢٨).\n(^٢) في كتاب \"الآداب\": الآيات.\n(^٣) الكهف: ٣٠.\n(^٤) النور: ٢١.","vol":"1","page":252},{"text":"وقوله: \"سَدِّدُوا وَقَارِبُوا\" أي: اجتنبوا التَّفْريَط والغُلوَّ واعملوا بالسَّدادِ.\nوقوله: \"وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ\" أي: خَصِّصوا الوقتين بالجدِّ والعمل وخفِّفوا عن أنفسكم فيما بينهما.\nوقوله: \"وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ\" أي: لا تعملوا الليل كلَّه ولا تغفلوا في كلِّه وسيروا في طرفٍ منه ولا أقول استوعبوه، وعليكم بالقصد والاعتدال تبلغوا المقصد.\nوَالاِعْتِدَالُ مَحْمُودٌ فِي كُلِّ بَابٍ.\nيُروي عن أبي بكر الصديق ﵁ أنَّه سئل عن الإزار، فقال: سَدِّدْ وَقَارِبْ (^١).\nأي: لا تُرخِ إزاركَ فتفرط في إسباله ولا تقلِّصه فتفرط في تشميره ولكن بين ذلك.\nوَالْعُدُولُ عَنِ الاِعْتْدَالِ إِلَى الْغُلُوِّ وَالْإِفْرَاطِ يُفرَضُ مِنْ وُجُوهٍ وَرَدَ الْمَنْعُ مِنْ جِمِيعِهِا:\nمنها الْإِسْرَافُ فِي الْقَدْرِ:\nعن جابر ﵁ قال قَالَ رَسُول اللهِ ﷺ: \"إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ فَأَوْغِلْ فِيهِ بِرِفْقٍ وَلَا تُبغِضْ إِلَى نَفْسِك عِبَادَةَ اللهِ فَإِنَّ المَنْبَتَ لَا أَرْضًا قَطَعَ وَلَا ظَهْرًا\n_________\n(^١) روى أبو نعيم في \"حلية الأولياء\" (٤/ ٣٦١) من طريق ضرار بن مرة الشيباني، عن عبد الله بن أبي الهذيل عن أبي بكر الصديق قال: سألت رسول الله ﷺ عن الإزار، فأخذ بوسط عضلة الساق. فقلت: يا رسول الله زدنا. قال: فأخذ بمقدم العضلة. فقلت: يا رسول الله زدني. قال: لا خير فيما هو أسفل من ذلك. قال: فقلت: هلكنا يا رسول الله. قال: يا أبا بكر سدد وقارب تنج.\nثم قال: غريب من حديث عبد الله لم يروه إلا ضرار بن مرة أبو سنان.","vol":"1","page":253},{"text":"أَبْقَى\" (^١).\nومنها المُبالَغَةُ في تَرْكِ اللَّذَّاتِ وَقَطْعِ آلات الشَّهَوَاتِ:\nأَتَي عُثْمَانُ بن مَظْعُونٍ ﵁ رسول الله ﷺ فقال: أُرِيدُ أن أخْصِي نَفْسِي.\nفقال: \"مَهْلًا يا عُثْمَانُ خِصَاءُ أُمَّتِي الصَّوْمُ وَالصَّلَاةُ\".\nقال: أُرِيدُ أَلَّا أمس الطِّيبَ.\nقال: \"مَهْلًا يا عُثْمَانُ فإن جِبْرِيلَ أَمَرَنِي بِالطِّيبِ غبًّا وفي كُلِّ جمعة، إن الله تعالى بَعَثَنِي بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ ننام وَنَقُومُ وَنَأْكُلُ وَنَشْرَبُ وَنَضْحَكُ وَنَبْكِي وَنَأْتِي النساء، يا عُثْمَانُ لا تَرْغَبْ عن سُنَّتِي، فإن مَنْ رَغِبَ عن سُنَّتِي صَرَفَتِ الْمَلَائِكَةُ وَجْهَهُ عن حَوْضِي\" (^٢).\nومنها تَرْكُ التَّرَخُّصِ في مَظَنَّةِ الْحَاجَةِ:\n_________\n(^١) رواه البيهقي ٣/ ١٨. قال الهيثمي ١/ ٦٢: رواه البزار وفيه يحيى بن المتوكل وهو كذاب. قلت: روى أحمد ٥/ ٦٩ من حديث أنس بن مالك: \"إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق\". وحسنه الحافظ في \"الفتح\" ١/ ٩٤.\n(^٢) رواه ابن الجوزي في \"تلبيس إبليس\" (ص ٢٧١).\nوروى البخاري (٥٠٧٤)، ومسلم (١٤٠٢) من حديث سَعْدِ بن أبي وَقَّاصٍ قال: رَدَّ رَسُولُ الله ﷺ على عُثْمَانَ بن مَظْعُونٍ التَّبَتُّلَ ولو أَذِنَ له لَاخْتَصَيْنَا.\nوأيضًا البخاري (٥٠٦٣)، ومسلم (١٠٤١) من حديث أنسٍ قال: جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إلى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النبي ﷺ يَسْأَلُونَ عن عِبَادَةِ النبي ﷺ فلما أُخْبِرُوا كأنهم تَقَالُّوهَا فَقَالُوا: وأين نَحْنُ من النبي ﷺ قد غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وما تَأَخَّرَ. قال أَحَدُهُمْ: أما أنا فإني أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا. وقال آخر: أنا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ. وقال آخر: أنا أَعْتَزِلُ النساء فلا أَتَزَوَّجُ أبدا. فجاء رسول الله ﷺ إليهم فَقَالَ: \"أنتم الذين قُلْتُمْ كذا وكذا أما والله إني لَأَخْشَاكُمْ لله وَأَتْقَاكُمْ له لكني أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النساء فمن رَغِبَ عن سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي\".","vol":"1","page":254},{"text":"رَأَى رسول الله ﷺ في بَعْضِ أَسْفَارِهِ رَجُلًا ازْدَحَمَ عَلَيْهِ نَاسٌ يَرُشُّونَ عليه الْمَاءَ وقد ظَلَّلُوا فَوْقَهُ، فَسَأَلَ عَنْهُ فَقِيلَ: إِنَّهُ صَائِمٌ.\nفَقَالَ: \"إن الله غَنِيٌّ عن تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ إِنَّ الله يُحِبُّ أن تُؤْتَي رُخَصَهُ (^١).\nوالأمرُ المهمُّ أن يكون العبد مصروف الهمِّ إلى الله تعالي مشغول القلب به، فأما البدن فيستعمل في العبادة تارة ويرفَّهُ فيما أحلّ ورخّص فيه أخرى.\nأَنَبَا محمد بن أبي طالب الْبَصِيرُ، أَنَبَا إسماعيل بن محمد، ثنا سَعْدُ بن الْحَسَنِ، أَنَبَا أبو الْقَاسِمِ الْبَزَّارُ، أَنَبَا محمد بن يَحْيَي، ثنا الْحَسَنُ (الخشاب) (^٢) ثَنَا هَارُونُ بن عبد الله، ثَنَا سَيَّارٌ، عن جَعْفَرٍ، عن الْجُرَيْرِيِّ، عن أبي عُثْمَانَ، عن حَنْظَلَةَ الْأُسَيِّدِيِّ أَنَّهُ مَرَّ بأبي بكر ﵄ وَهُوَ يَبْكِي، فَقَالَ: ما لك يا حَنْظَلَةُ؟\nقَالَ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ يا أبا بكر نَكُونُ عند رسول الله ﷺ يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ كأنا نُعَايِنُهَا، فإذا رَجَعْنَا عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالضَّيْعَةِ وَنَسِينَا كَثِيرًا.\nفَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: والله إِنَّا (لَنَلْقَى) (^٣) ذلك، انْطَلِقْ بنا إلى رسول الله ﷺ فَانْطَلَقْنَا فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ.\nفقال له رسول الله ﷺ: \"لَوْ تَدُومُونَ على الحال الَّتِي تَقُومُونَ بها من عندي لَصَافَحَتْكُمُ المَلَائِكَةُ في مَجَالِسِكُمْ وعلى فُرُشِكُمْ، ولكن يا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً سَاعَةً وَسَاعَةً سَاعَةً وَسَاعَةً\" (^٤).\n_________\n(^١) رواه البخاري (١٩٤٦)، ومسلم (١١١٥) من حديث جابر بن عبد الله بنحوه. ووقع في س: يؤتي برخصه.\n(^٢) في د: بن الحباب.\n(^٣) في س، د: سنلقي. والمثبت من مصادر التخريج.\n(^٤) رواه مسلم (٢٧٥٠)، والترمذي (٢٥١٤).","vol":"1","page":255},{"text":"وإذا كان التَّرفيهُ والتَّخفيفُ لطلبِ النَّشاطِ واستجدادِ الاستنباطِ؛ فالعبد في الحالين مقبلٌ عليه ومقيمُ القلب لديه، وحينئذٍ فالتحايا تأتيه والعطايا تحلُّ بناديه، وإن كان في الحال عن العبادة خاليًا وعن الذكر نائيّا.\nوقد قيل: [سريع]\nأَتَتْ عَلَى النَّائي تَحَايَاكُمْ … حَاكِيَةً طيبَ سَجَايَاكُمْ\nحُيِّيتُمْ عَنَّا بأَضْعَافِهَا … فَقَدْ أَنِسْنَا بِتَحَايَاكُمْ\nنُعَلِّل القَلْب بِبَدْرِ الدُّجَى … وَأَينَ للبَدْرِ مُحَيَّاكُمَ\nوَنَكْتَفِي بِالْمِسْكِ عَنْ نَشْرِكُمْ … وَأَينَ لِلْمِسْكِ كَرَيَّاكُمْ\nزَعَمْتُمْ أنَّا نَسِينَاكُمْ … حَمْلًا عَلَى الظَّنِّ وَحَاشَاكُمْ\nلَمْ نَنْسَكُمْ مُنْذُ عَرَفْنَاكُمْ … لَسْنَا بِنَاسٍ إنْ نَسِينَاكُمْ\nقُولُوا بِحَقِّ اللهِ منْ كُنْتُمْ … أَقَصَى مُنَاهُ كيفَ يَنْسَاكُمْ\nعَسَى الَّذِي قَدَّرَ مَا بَيْنَنَا … بِالْهُجْرَانِ يَرْزُقُ لُقْيَاكُمْ\nواستطبت هذه الأبيات في أثناء إثباتها البارحة وزنًا وقافية فقلت:\n[سريع]\nطُوبَا لِمَنْ طَيَّبَ أَوْقَاتَهُ … إِذَا نَأَى عَنْكُمْ بِذِكْرَاكُمْ\nوَإنْ دَنَا عِطْرُ أَرْدَانِهِ … بَما يَغيظُ الْمِسْكُ رَيَّاكُمْ\nكُلُّ فُؤَادٍ بِكُمْ مُغْرَمٌ … وَكُلُّ عَيْنٍ تَتَرَضَّاكُمْ\nإذَا حَيِيتُمْ فَدَعُونِي أمُتْ … فَإِنَّمَا مَحْيَايَ مَحْيَاكُمْ\nرِفْقًا بِمَنْ صَارَ أسيرًا لَكُمْ … أَمَا تَرِقُّونَ لِأَسْرَاكُمْ","vol":"1","page":256},{"text":"أَمَا لَكُمْ في وَجْهِهِ بَسْمَةٌ … رُوحِي فدًا لِثَنَايَاكُمْ\nأمَا لَكُمْ في شَأنِهِ رَحْمَةٌ … يَرْحَمُنَا اللهُ وَإِيَّاكُمْ\nهذا آخر المجلس السادس عشر بمنه وفضله والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم\n* * * * *","vol":"1","page":257},{"text":"﷽\nوما توفيقي إلا بالله\n\n<span data-type='title' id=toc-105>المجلس السابع عشر </span>أملاه في يوم الجمعة عرفة سنة إحدى عشرة وستمائة\nثَنَا مَوْلَانَا حُجَّةُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّافِعِيُّ رحمة الله عليه قَالَ: أَنَبَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ الْمُقْرِئُ بِقِرَاءَةِ وَالِدِي عَلَيْهِ رحمهما الله قَالَ: أَنَبَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: أَنَبَا سَعْدُ بْنُ الْحَسَنِ، أَنَبَا عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبَزَّازُ، أَنَبَا ابْنُ أَبِي زَكَرِيَّا قَالَ: ثَنَا أَبُو يَعْلَى المَوْصِلِيُّ قَالَ: ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَزْرَةَ قَالَ: ثَنَا يَحْيَى بْنُ مَيْمُونٍ، ثَنَا عَلَيُّ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيد ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ لاِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄:\n\"يَا غُلَيِّمُ يَا غُلَامُ أَوْ يَا غُلَامُ يا غُلَيِّمُ احْفَظْ عَنِّي كَلِمَاتٍ لَعَلَّ الله أنْ يَنْفَعَكَ بِهِنَّ: احْفَظِ الله يَحْفَظْكَ احَفَظِ الله تَجِدْهُ أَمَامَكَ، احَفَظْ الله فِي الرَّخَاء يَحْفَظْكَ فِي الشِّدِّةِ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ الله وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ باللهِ، جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَلَوْ جَهدَ الخَلَائِقُ أَنْ يُعْطُوكَ شَيْئًا لَمْ يُقَدِّرْهُ اللهُ لَكَ مَا اسْتَطَاعُوا ذَلِكَ، أَوْ يَمْنَعُوكَ شَيْئًا قَدَّرَهُ اللهُ لَكَ مَا اسْتَطَاعُوا ذَلِكَ، اعْمَلْ بِالْيَقِينِ مَعَ الرِّضَا، وَاعْلَمْ أنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-106>في الشرح فصول: الفصل الأول</span>\nهذا حديثٌ مشهورُ المتنِ ومحفوظٌ في مسندِ ابن عباسٍ ﵄ بروايات متَّصلةٍ\n_________\n(^١) \"مسند أبي يعلى\" (١٠٩٩) كما رواه من طريقه الرافعي.","vol":"1","page":258},{"text":"وغير متَّصلةٍ (^١)، ومستغربٌ في مسند أبي سعيد الخدري (^٢)، ويروى في مسند سهل\nبن سعد أيضًا.\nأَخْبَرَنَا بِهِ مِنَ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الإمام أحمد بن إسماعيل بِقِرَاءَتِي عليه قال: أَنَبَا الْفُرَاوِيُّ إِجَازَةً، عن أبي بكر الْبَيْهَقِيِّ قال: أَنَبَا أبو الْحُسَيْنِ بن بِشْرَانَ قال: ثَنَا أبو عَلِيِّ بن صَفْوَانَ قال: أَنَبَا عبد الله بن محمد قال: ثَنَا عَلِىُّ بن الجَعْدِ قال: أَخْبَرَنِي عبد الْوَاحِدِ بن (سُلَيْمٍ) (^٣) قال: حَدَّثَنِي عَطَاءُ بن أبي رَبَاحٍ، عن عبد الله بن عَبَّاسٍ قال: بينا أنا رِدْفٌ لرسول الله ﷺ إذ قال لي: \"احْفَظِ يا غُلَامُ: احْفَظِ الله يَحفَظْكَ احْفَظِ الله تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إذا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ الله وإذا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بالله، جَفَّتِ الْأَقْلَامُ وَرُفِعَتِ الصُّحُفُ، والذي نفسي بِيَدِهِ لو جَهدَتِ الْأُمَّةُ لِتَنْفَعَكَ بِغَيْرِ ما كَتَبَ الله لك لمَا اسْتَطَاعَتْ، وَلَوْ أَرَادَتْ أن تَضُرَّكَ بِغَيْرِ ما قُدِّرَ لك لما اسْتَطَاعُوا\" (^٤).\nوَرَوَاهُ عن ابن عَبَّاسٍ: عبد المَلِكِ بن عُمَيْرٍ أَيْضًا وَزَادَ في أَوَّلِهِ: أُهْدِي إلى النبي ﷺ بَغْلَةً أَهْدَاهَا كِسْرَى فَرَكِبَهَا بِحَبْلٍ من شَعْرٍ ثم أَرْدَفَنِي خَلْفَهُ ثم سَارَ مَلِيًّا\n_________\n(^١) رواه الترمذي (٢٥١٦)، وأحمد (١/ ٢٩٣، ٣٠٣، ٣٠٧)، وأبو يعلى (٢٥٥٦) من طريق حنش الصنعاني عنه.\nقال الترمذي: حسن صحيح.\n(^٢) ومن حديثه رواه أبو يعلى (٩٦).\n(^٣) في س مضببًا عليه، د: سليمان. وهو تحريف، والمثبت من \"مسند ابن الجعد\".\nوكتب في حاشية س: قلت: صوابه \"سليم\" هو الذي روى عن عطاء وروى عنه علي بن الجعد، قال أحمد: أحاديثه موضوعة. اهـ\nوانظر ترجمته في \"تهذيب الكمال\" (١٨/ ٤٥٥).\n(^٤) \"مسند ابن الجعد\" (٣٤٤٥) كما رواه من طريقه الرافعي.","vol":"1","page":259},{"text":"ثُمَّ الْتَفَتَ فقال: \"يَا غُلَامُ\".\nفَقُلْتُ: لَبَّيْكَ يا رسول الله.\nفَقَالَ: \"احْفَظِ الله … \". وَقَالَ في آخِرِهِ بعدما ذَكَرَ عَجْزَ النَّاسِ عن النَّفْعِ وَالضُّرِّ بما لم يُقَدِّرْهُ الله: \"فإن اسْتَطَعْتَ أن تَعْمَل بِالصَّبْرِ مع الْيَقِينِ فَاعْمَلْ، فإن لم تَسْتَطِعْ فَاصْبِرْ، فإن في الصَّبْرِ على ما تَكْرَه خَيْرًا كَثِيرًا، وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ مع الْكَرْبِ الْفَرَجَ، وَأَنَّ مع الْعُسْرِ الْيُسْرَ\" (^١).\nوَأَمَّا رِوَايَةُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ (^٢):\nفَأَنَبَا أبو مَنْصُورٍ الدَّيْلَمِيُّ، عن طِرَادٍ الزَّيْنَبِيِّ، قال: أَنَبَا ابن بِشْرَانَ، قال: أَنَبَا ابن صَفْوَانَ قال: أَنَبَا ابن أبي الدُّنْيَا قَالَ: ثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْمَدِينِيُّ قال: ثَنَا أبو بكر بن شَيْبَةَ الْحِزَامِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي محمد بن إبراهيم بن المُطَّلِبِ بن أبي وَدَاعَةَ قال: حَدَّثَنِي زُهْرَةُ بن عَمْرٍو، عن أبي حَازِمٍ، عن سَهْلِ بن سَعْدٍ ﵁ أن رسول الله ﷺ قَالَ لعبد الله بن عَبَّاس: \"يَا غُلَامُ أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ تَنْتَفِعْ بِهِنَّ\"؟\nقَالَ: بَلَى يا رسول الله. قَالَ: \"احْفَظِ الله … \" (^٣).\nوذكر قريبًا من رواية عبد الملك بن عمير عن ابن عباس.\nوروى بعض الحديث والدي ﵀ عن رسول الله ﷺ في المنام، سمعته يقول ورأيت بخطِّهِ في وُرَيْقَةٍ أثبت فيها عدَّةَ مناماتٍ له رأيت رسول الله ﷺ في المنام وأنا بنيسابور أقبل عليَّ وقال: \"احْفَظِ الله يَحْفَظْكَ احْفَظِ الله تَجِدْهُ أَمَامَكَ،\n_________\n(^١) رواه الحاكم (٣/ ٥٤١).\n(^٢) في س، د: سعد بن سهل. وهو سهو من الناسخ.\n(^٣) \"الفرج بعد الشدة\" لابن أبي الدنيا (٧) كما رواه الرافعي من طريقه.","vol":"1","page":260},{"text":"تَعَرَّفْ إِلَى الله فِي الرَّخَاءِ يَعرِفكَ فِي الشِّدَّةِ\" (^١).\nولفظتا: \"تَعَرَّفْ\" و\"يَعْرِفكَ\" مرويتان في كثير من الروايات.\nوأبو سعيد (^٢) ﵁: هو الخدري سعد بن مالك بن سنان، وقيل: مالك بن الشهيد بن عبيد بن ثعلبة بن عبيد بن الأبجر، وهو خدرة بن عوف بن مالك بن الحارث بن الخزرج، وخُدرة وخَدارة بطنان من الأنصار، وهو من مشاهير الصحابة.\nروى عنه: جابر بن عبد الله، وأبو سلمة، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وحميد بن عبد الرحمن، وعطاء بن يزيد، وأبو المتوكل الناجي، وأبو الودّاك، وسعيد بن المسيب، وأبو عثمان النهدي، وكثير من التابعين.\nتوفي سنة أربع وسبعين.\nوأبو نضرة (^٣): هو المنذر بن مالك بن قطعة الْعَوَقِيُّ العبدي البصري، والعوقة بطن من عبد القيس.\nسمع: أبا سعيد الخدري، وابن عمر، وجابرًا، وابن عباس.\nروى عنه: قتادة، وأبو الأشهب، وسليمان التيمي، وغير واحد.\nمات قبل الحسن بقليل، وأوصى أن يصلي عليه الحسن فصلى عليه.\nوعلي بن زيد (^٤): هو أبو الحسن بن زيد بن عبد الله بن جُدْعَانَ التيمي القرشي الأعمى سكن البصرة.\n_________\n(^١) انظر \"التدوين في أخبار قزوين\" ١/ ٣٩٩.\n(^٢) انظر \"معرفة الصحابة\" ٣/ ترجمة ١١١٠، و\"الإصابة\" ٣/ ترجمة ٣١٩٨.\n(^٣) انظر \"سير أعلام النبلاء\" ٤/ ترجمة ٢١٤.\n(^٤) انظر \"سير أعلام النبلاء\" ٥/ ترجمة ٨٢.","vol":"1","page":261},{"text":"سمع: أنس بن مالك، وأبا عثمان، وأبا نضرة.\nسمع منه: حماد بن سلمة، والثوري، وعبيد الله بن عمر، ويحيي بن ميمون.\nرأيت في بعض أسانيد هذا الحديث الرواية عن أحمد بن زيد بن هارون، عن عبد الأعلى بن حماد قال: ثَنَا يحيى بن ميمون بن عطاء، قال: ثَنَا علي بن زيد بن جدعان.\nوفي التواريخ ذكر ثلاثة رجال من متقدمي الرواة قيل لهم يحيي بن ميمون:\nأولهم: يحيى بن ميمون الحضرمي (^١) قاضي مصر.\nسمع: سهل بن سعد، ووداعة. روى عنه: عمرو بن الحارث، وعياش بن عقبة.\nوالثاني: يحيي بن ميمون أبو المعلى (^٢) العطار سمع: سعيد بن جبير.\nوالثالث: يحيي بن ميمون التمار (^٣) مصري. عن: عبد الله بن المثنى.\nتكلَّموا فيه.\nويشبه أن يكون راوي الحديث: الأوسط (^٤) والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر \"التاريخ الكبير\" ٨/ ترجمة ٣٠٩٢، \"التهذيب\" ٣٢/ ترجمة ٦٩٣٢.\n(^٢) انظر \"التاريخ الكبير\" ٨/ ترجمة ٣١١٢، و\"تهذيب الكمال\" ٣٢/ ترجمة ٦٩٣٣.\n(^٣) انظر \"التاريخ الكبير\" ٨/ ترجمة ٣٠٩٣، و\"تهذيب الكمال\" ٣٢/ ترجمة ٦٩٣١.\n(^٤) كتب في حاشية س: قلت: الصواب أن راوي الحديث هو الثالث وهو ضعيف جدًّا؛ فإن إبراهيم بن عزرة لم يدرك الأوسط فإنه توفي سنة اثنتين وثلاثين ومائة وأما الثالث فبقي إلى سنة تسعين ومائة فتوفي فيها، قال عمرو بن علي الفلاس: كتبت عنه وكان كذَّابًا، وقال أحمد بن حنبل: خرَّقنا حديثه. اهـ","vol":"1","page":262},{"text":"وإبراهيم بن عَزْرَةَ يقال له: السَّامي. روى عنه: أبو يعلى الموصلي (^١).\nوَعَزْرَةُ في الأسماء ويشتبه بغرزة وعزرة أكثر، فمن المسمين بِعَزْرَةَ:\nعَزْرَهُ بن تميم. يروي عن: أبي هريرة.\nوَعَزْرَةُ بن قيس البجلي. سمع: خالد بن الوليد.\nوَعَزْرَةُ بن قيس. سمع: أمَّ الفَيضِ.\nوَأَبُو يَعْلَى المَوْصلِيُّ (^٢): هو أحمد بن علي بن المثنَّي.\nقال الخليل الحافظ: ثقةٌ متفقٌ عليه صاحب \"المسند\" و\"المعجم\" رضيه الحفاظ وأخرجوا له في صحاحهم: أبو بكر الإسماعيلي، وأبو علي الحافظ النيسابوري، وأبو منصور الفقيه القزويني، وابن عدي الجرجاني.\nمات سنة ست وثلاثمائة (^٣).\nوسائر الرواة مذكورون في المجلس التاسع.\n\n<span data-type='title' id=toc-107>الفصل الثاني</span>\nيقال للصَّبيِّ من وقت ولادته إلى أن يبلغ غُلامًا وللأنثي غُلامة وهو من الغُلُومَةِ والغُلُوميَّةِ، وتصغير غُلَامٍ غُلَيِّمٌ وجمعه غِلْمانٌ وغِلْمَةٌ، وتصغير غِلْمة أُغَيْلمَةٌ على غير مكبرة كأنهم صغَّروا أَغْلِمَة وإن لم يقولوا أَغْلِمَة، ويقال للرجل\n_________\n= قلت: وهو كذلك إن شاء الله؛ فقد رواه الآجري في \"الشريعة\" (٤٢٥)، وابن بطة في \"الإبانة\" (١٤٨٨) منسوبًا هكذا: حدثنا يحيي بن ميمون بن عطاء أبو أيوب، والعقيلي في \"الضعفاء\" في ترجمته.\n(^١) انظر \"الإكمال\" لابن ماكولا (٦/ ٢٠٢).\n(^٢) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٤/ ١٧٤).\n(^٣) \"الإرشاد في معرفة علماء الحديث\" (٢/ ٦١٩ - ٦٢٠).","vol":"1","page":263},{"text":"المستحكم القوة غُلامٌ أيضًا.\nوالرَّخَاءُ ضِدُّ الشِّدَّةِ، يقال: رَجُلٌ رَخِيُّ الْبَالِ أي: وَاسِعُ الْحَالِ، وَشَيْءٌ رَخْوٌ أي: هَشٌّ، وَفَرَسٌ رِخْوَةٌ أي: مُسْتَرْسِلَةٌ، والإِرخَاءُ: أن تُخَلِّيَهَا وشهوتها في العَدْوِ من غير إتعابٍ، ويمكن رد الجميع إلى شيءٍ واحدٍ.\nواسْتَعَانَ بِفُلَانٍ واسْتَعَانَه يستعينُ فَأَعَانَه وعَاوَنَهُ، وَتَعَاوَنَ القَوْمُ وَاعْتَوَنُوا إذا عَاوَنَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَرَجُلٌ مِعْوَانٌ: كَثِيرُ الْمَعُونِةِ للنَّاسِ، وَالْمَعُونَةُ: الْإِعَانَةُ، يقال: ما عِنْدَكَ مَعُونَةٌ وَمَعَانَةٌ وَعَوْنٌ، وقيل معون أيضًا، ويقال: مَعُونٌ جمع معُونة، والعَوْنُ: الظَّهِيرُ، والجمع الأَعْوانُ، وَاسْتَعَانَ أيضَا: حَلَقَ عَانَتَهُ.\nوَيُقَالُ: جَهَد الرَّجُلُ في كذا إذا جَدَّ فيه وَبَالَغَ، وعن الفرَّاء أن الْجُهْدُ: الطَّاقَةُ، وَالْجَهْدُ بالفتح مِنْ قَوْلِكَ: اجْهَد جَهْدَك (فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ) (^١) أي: ابْلُغْ غَايَتَكَ. وَجَهِدَ عَيْشُهُ بالكسر أي: اشْتَدَّ، والاِجْتِهَادُ وَالتَّجَاهُدُ: بَذْلُ الْوُسْعِ والْمَجْهُودِ.\nوَسَارَ مليًّا أي: سَاعةً طَويلةً، يقال: مَضَى مَلِيٌّ مِنَ النَّهار، وَأقَامَ مَليًّا من الدَّهْرِ أي: حِينًا، وقال تعالى: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ (^٢) أي: طَوِيلًا.\nوَيُقَالُ: تَعرَّفْ إليه أي: توصَّل بما أمكنك حتى يعرفك، وكذلك اسْتَعْرِفْ إليه حتى يَعْرِفَكَ، ويقال أيضًا: تَعَرَّفْتُ ما عند فلان أي: تَطَلَّبْتُ حتى عرفت.\n\n<span data-type='title' id=toc-108>الفصل الثالث</span>\nقوله: \"احْفَظِ الله\" أي: احْفَظْ حُقُوقَهُ وَأَوَامِرَهُ كَقَوْلِهِ: \"احْفَظُونِي فِي\n_________\n(^١) في \"الصحاح\" والإمام الرافعي كثير النقل منه، \"لسان العرب\"، \"تاج العروس\" (جهد): في هذا الأمر.\n(^٢) مريم: ٤٦.","vol":"1","page":264},{"text":"أَصْحَابِي\" (^١)، وقوله: \"احْفَظُونِي فِي عِتْرَتِي\" (^٢) أي: احفظوا حَقِّي فيهم، وقد كرَّرَ الأمرَ بالحفظِ، وذكر في كلِّ مرةٍ جزاءً فيُحتمل أن يقال: المأمور به واحدٌ ورتب عليه شيئين:\nأحدهما: أن يحفظ الله تعالى العبدَ بحفظه حقوقه عن آفات الدنيا وعقوبات الآخرة.\nوالثاني: أن يعينه ويغيثه إذا تضيق عليه الأمر فيجده عنده بالإجابة والإغاثة إذا دعاه.\nوأحسن بعضهم فحمل الحفظ الأول على حفظ الحدود والأوامر بأن لا يجاوزها ولا يقصر فيها، وهو المراد في قوله تعالى: ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ (^٣) وجزاؤه المرتب عليه حفظ الله إياه من آفات النَّفس والشَّيطان حتى لا يُعْجب بعمله ولا يفسده بالقصود الفاسدة المحبطة له، وحمل الحفظ الثاني على حفظ العبد سريرته ومراقبته ربه حتى يعبده كأنَّه يراه وجزاؤه أن يجد الله قبلة قلبه ويُعْصَم عن الافتتان بغيره حتى لا ينظر في شيءٍ إلا ويرى الله فيه أي: ويرى الله قِبَله، وأنشد: [طويل]\nلَئِنْ حَالَتِ الْأَسْفَارُ دُونَ لِقَائِنَا … فَنَحْنُ بِعَيْنِ الْفِكْرِ مَلْتَقِيَانِ\nتَصَوَّرْتَ فِي قَلْبِي لِفَرْطِ صَبَابَتِي … كَأَنَّكَ ليِ نُصْبٌ بِكُلِّ مَكَانِ\n_________\n(^١) رواه ابن ماجه (٢٣٦٣) من حديث عمر ﵁. وصححه الشيخ الألباني في \"الصحيحة\" ٣/ ١٠٩.\n(^٢) رواه القضاعي في \"مسند الشهاب\" (٧٢١) من حديث أنسٍ ﵁.\n(^٣) التوبة: ١١٢.","vol":"1","page":265},{"text":"وقوله: \"احْفَظِ الله فِي الرَّخَاءِ يَحْفَظْكَ فِي الشِّدَّةِ\" أو \"تَعَرَّفْ يَعْرِفكَ\"\nأي: تقرب إليه بأعمال البرِّ والمعروف في أوقات الدِّعة والأمن بحسن الطَّاعة وصدق الالتجاء إليه ليراعيك في نوبة الشِّدَّةِ والخوف ويعرف لك ما قدَّمت في الرخاء فيكشف عنك وينجيك.\nقال تعالى في قِصَّةِ ذي النُّونِ ﵇: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ (^١) قيل معناه: فلولا أنه كان من المسبحين قبل نزول البلاء والتقام الحوت إياه ﴿لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (^٢).\nولذلك كان من آداب الاستسقاءِ أن يذكرَ كلُّ أحدٍ في نفسه ما عَمِلَ من خيرٍ فيجعله شافعًا.\nفَأَخْبَرَنَا جَمَاعَةٌ في كُتُبِهِمْ مِنْهُمْ: أبو الْفَتْحِ محمد بن عبد الْبَاقِي بن سُلَيْمَانَ، عن أبي عَلِيٍّ الْحَدَّادٍ قال: ثَنَا أبو نُعَيْمٍ، ثَنَا أبو عَمْرٍو الْحِيرِيُّ، ثَنَا عبد الله بن محمد، ثنا إِسْحَاقُ بن إبراهيم، أَنَبَا النَّضْرُ بن شُمَيْلٍ، ثَنَا حماد بن سَلَمَةَ، عن سِمَاكِ بن حَرْبٍ، عن النُّعْمَانِ بن بَشِيرٍ ﵁ موقوفًا أو مرفوعًا إلى رسول الله ﷺ أنَّ ثلاثة نفر ممن كان قبلكم ساروا في يومٍ فاشتدَّ عليهم الحرُّ فانطلقوا إلى غارٍ فانهدم الجبل فسدَّ عليهم باب الغار، قال: فقالوا: إنه قد نزل بكم أمرٌ عظيم فليخبر كل واحدٍ منكم بخيرِ عَملِه.\nفقال أحدهم: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أبوان وولد وامرأة ولي غنم، فكنت أبدأ بأبويَّ ثم أسقي امرأتي وولديّ فأعْتَمْتُ الغنم ذات ليلة حتي نام\n_________\n(^١) الصافات: ١٤٣.\n(^٢) الصافات: ١٤٤.","vol":"1","page":266},{"text":"أبواي فجئت فقمت على رءوسها وكرهت أن أوقظهما وولدي وامرأتي يقولون: اسقنا، فأبيت عليهم، فلم أزل كذلك حتى طلع الفجر فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك فافرُج عنا ففرج عنهم حتى أبصروا الشمس.\nفقال الآخر لصاحبه: ما عملت، أخبر بخير عمل عملته.\nفقال: اللهم إنك تعلم أني كان لي حائط فيه عنب وشجر فانهدم الحائط فجعلت الوحوش والسباع تأكله فأخذت أربعين أجيرًا كل أجير بأربعين درهمًا على أن يرفعوه في السماء كذا وكذا وأجعل يعني المال صررًا وأسميهم وأوفيهم، وكان فيهم رجل يعمل عمل رجلين، فقال: كنت أعمل عمل رجلين فيما أنا بآخذٍ هذه، فقلت: ما أنا بمعطيك غيرها فذهب فاشتريت بها بقرة فركبها الفحل فولدت بقرًا كثيرًا، ثم جاء الرجل يسأل أجره، فقلت له: خذها جميعًا فإنما أخذتها بدراهمك فأعطيتها إياه، اللهم إن كنت تعلم أني فعلت هذا من خشيتك فافرج عنا ففرج عنهم حتى جعل الرجل يخرج رأسه.\nثم قالا لصاحبهما: أخبر بخير عمل عملته.\nقال: اللهم إنك تعلم أن أبي مات وترك مالًا ولي أخ فاحتوى على المال وتزوج امرأة جميلة وأنفق عليها فانطلقت أبتغي الخير وتوفي أخي واحتاجت امرأته فرجعت فجاءت، فقالت: إني قد احتجت فأنفق عليَّ وعلى بني أخيك، فقلت: إن أخي ذهب بمالي وماله ولست بمنفق عليك حتى تبذلي نفسك لي، فقالت: فائتني، قال: فبينما هي قاعدة عند السراج إذا هي ترعد، فقلت لها: ما يرعدك؟! فقالت: إن هذا العمل لولا الشقاء ما عملته.\nفقال الرجل: أفلا أدعه أنا ولست أُكرَهُ عليه فتركتها، فإن كنت تعلم أني","vol":"1","page":267},{"text":"فعلت هذا من خشيتك فافرج عنا ففرج عنهم حتى خرجوا (^١).\nوإنَّما قال: \"إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ الله\" لأنه لا معطي ولا مانع سواه، ويجيب المضطرَّ إذا دعاه، وما يفتح للناس من رحمةٍ فلا مُمسك لها وما يُمسك فلا مُرسل له من بعده، وأيضًا فلأنَّه أمَرَهُ بالسَّؤال ويغضب إذا لم يسأل.\nأَنْبَأَنَا أبو الْفَتْحِ بْنُ سَلْمَانَ، عن الْقَاسِمِ بن الْمُفَضِّلِ الثَّقَفِيِّ قال: أَنَبَا محمد بن عبد الله قال: أَنَبَا أبو سُلَيْمَانَ بن الْخَطَّابِيِّ قال: أَنْشَدَنَا الْخُزَيْمِيُّ: [كامل]\nاللهُ يَغْضَبُ إِنْ تَرَكْتَ سُؤَالَهُ … وَبُنَيَّ آدَمَ حِينَ يُسْأَلُ يَغْضَبُ\nوينسب هذا البيت إلى عبد الله بن المبارك.\nوأنشد: [رجز]\nارْفُضِ النَّاسَ فَكُلٌّ مُشْغِلهْ\nقَدْ بَخِلَ النَّاسُ بمِثْلِ الْخَرْدَلَهْ\nلَا تَسّأَلِ النَّاسَ وَسَلْ مَنْ أَنْتَ لَهْ\nوإنما قال: \"وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بالله\" لأنَّه إنَّما استعان بالقادر الغنيِّ دون العاجز الفقير، فعليه التعويل، والاعتمادُ على غيره عدولٌ عن سواء السبيل.\nأنشد الحافظ أبو عبد الله محمد بن علي الصوري لنفسه: [كامل]\nيَا مَنْ إِلَيْهِ بِجُودِهِ أَتَوَسَّلُ … وَعَلَيْه فِي كُلِّ الْأُمُورِ أُعَوِّلُ\nأَدْعُوكَ رَبِّ تَضَرُّعًا وَتَذَلُّلًا … فَإِذَا رَدَدْتَ يَدِي فَمَنْ ذَا أَسْألُ\nقَدْ قَادَني أمَلِي إِلَيْكَ وَدَلَّنِي … فَقْرٌ عَليْكَ وَفَاقَةٌ وَتَذَلُّلُ\nوَعَلِمْتُ أَنَّكَ لَا تُخِّيبُ آمِلًا … أَضْحَى لِفَضْلِكَ يَا كَرِيمُ يُؤَمِّلُ\n_________\n(^١) الحديث أصله في البخاري (٢٢١٥)، ومسلم (٢٧٤٣) من حديث ابن عمر بألفاظٍ مختلفة.","vol":"1","page":268},{"text":"وقوله: \"جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ\" أي: نفذت الأقضية، وقُدِّرت المقدَّرات، وهو تمثيلٌ بما نعهده فإنَّا إذا كتبنا الشيء منه بقي القلم جافًا لا مداد عليه، وما قُدِّرَ لا يَقْدر الخلق على تغييره تيسيرًا أو تعسيرًا، وعليهم الصَّبر والرِّضا كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ (^١) ولذلك قال بعده: \"اعْمَلْ بِالْيَقِينِ مَعَ الرِّضَا\" أي: مستيقنًا بقدره راضيًا بقضائه.\nوقوله: \"وَاعْلَمْ أَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا\" يُبَشِّرُ بالفرجِ بعد الشِّدَّةِ، وانتظار الفرج عبادةٌ كما ورد في الحديث (^٢)، وقد يمنُّ الله تعالى على النَّاس عند أشدِّ البأسِ وأتمِّ اليأسِ، وأنشد: [وافر]\nإذَا اشْتَمَلَتْ عَلَى الْيَأْسِ الْقُلُوبُ … وَضَاقَ لِمَا بِهَا الصَّدْرُ الرَّحِيبُ\nأَتَاكَ عَلَى قُنُوطٍ مِنْكُ غَوْثٌ … يَمُنُّ بِهِ اللَّطِيفُ الْمُسْتَجِيبُ\nوُكُلُّ الْحَادِثَاتِ إِذَا تَنَاهَتْ … فَمَوْصُولٌ بِهَا فَرَجٌ قَرِيبُ\nوفي الحديثِ إشارةٌ إلى حَدَاثَةِ سنِّ ابن عبَّاسٍ حيث قال: \"يَا غُلَامُ يَا غُلَيِّمُ\" وكانت ولادته قبل هجرة رسول الله ﷺ بسنتين وقيل: بثلاث، وكان ابن ثلاث عشرة سنة حين توفي رسول الله ﷺ هذا هو الأصح وقيل غيره.\nوذكر إردافه في بعض الروايات يُبَيِّنُ حُسن خلقه ﷺ ومواساته مع الناس وتواضعه في الإرداف.\n_________\n(^١) الفرقان: ٢٠.\n(^٢) روى الترمذي (٣٥٧١) من حديث ابن مسعودٍ مرفوعًا: \"سَلُوا الله من فَضْلِهِ فَإِنَّ الله ﷿ يُحِبُّ أَنْ يُسْأَلَ وَأَفْضَلُ الْعِبَادَةِ انْتِظَارُ الْفَرَجِ\". قال الألباني في \"السلسلة الضعيفة\" (٤٩٢): ضعيف جدًّا.","vol":"1","page":269},{"text":"وقد يستفادُ من الحديث أنَّه يحسن أن يحدِّث الرفقاءُ في السَّفر بعضهم بعضًا ترفيهًا وتنشيطًا، وأنَّ الأحسن أن يكونَ التحديثُ بما هو فائدة ونصيحة يقضي فيها حق المرافقة.\nوقد يستدلُّ بما اختلفت به الروايات في الخبر على أنَّه يجوز نقل الخبر بالمعنى، وعلى أنَّه يسوغ رواية بعض جمل الحديث دون بعضٍ.\nحَفَّظَنِي والدي ﵀ أيام صباي في قصيدة أبي الفتح البستي الكاتب المعروفة التي أولها: [بسيط]\nزِيَادَةُ المَرْءِ فِي دُنْيَاهُ نُقْصَانُ … وَرِبْحُهُ غَيْرَ مَحْضِ الْخَيْرِ خُسْرَانُ\nمَنْ كَانَ لِلْخَيْرِ مَنَّاعًا فَلَيْسَ لَهُ … عَلَى الْحَقِيقَة إخْوَانٌ وَأَخْدَانُ\nمَنِ اسْتَعَاَنَ بغَيْرِ اللهِ فِي طَلَبٍ … فَإنَّ نَاصِرَهُ عَجْزٌ وَخُذْلَانُ\nوَأنُشِدُكُم لِنَفْسِي: [متقارب]\nمَنْ يَسْتَعِنْ باللهِ سُبْحَانَهُ ..... وَيَطْلُبُ الْعُوذَةَ مِمَّا يُعِينْ\nيُعِنْهُ بالْفَضْلِ عَلَى مَا بهِ … يَقَرُّ عَيْنًا وَيَفِرُّ اللَّعِينْ\nفَحَسْبُنَا اللهُ لِمَا نَابَنَا … إيَّاهُ نَرْجُو وَبِهِ نَسْتَعِينْ (^١)\nهذا آخر المجلس السابع عشر من أماليه رحمة الله عليه والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم\n* * * * *\n_________\n(^١) نقل هذه الأبيات عن الإمام الرافعي: ابن الملقن في \"البدر المنير\" (١/ ٣٣٣).\nوفيه: \"فيما\" بدلًا من: \"مما\".","vol":"1","page":270},{"text":"﷽\nوما توفيقي إلا بالله\n\n<span data-type='title' id=toc-109>المجلس الثامن عشر </span>من أماليه ﵀ أملاه من لفظه يوم الجمعة بعد الصلاة سادس عشر ذي الحجة سنة إحدى عشرة وستمائة\nحَدَّثَنَا مولانا إِمَامُ الدِّينِ حُجَّةُ الإسلام أبو الْقَاسِمِ الرَّافِعِيُّ قال: كَتَبَ إِلَيْنَا طَائِفَةٌ غير يَسِيرَةٍ ممن سَمِعَ \"مسند الإمام أحمد بن حنبل\" من الرَّئِيس ابن الْحَصِينِ الشَّيْبَانِيِّ منهم: الْحَافِظُ أبو الْعَلَاءِ الْعَطَّارُ قال: أَخْبَرَنَا أبو عَلِيٍّ بن الْمُذْهِبِ، أَنَبَا أبو بَكْرٍ القَطِيعِيُّ، أنبا عبد الله بن أحمد، عن أبيه، ثَنَا أَبُو نُوحٍ قُرَادٌ، ثَنَا عِكْرِمَةُ بن عَمَّارٍ، ثَنَا أَبُو زُمَيْلٍ قال: حَدَّثَنِي ابن العباس ﵁ قال: حَدَّثَنِي عمر بن الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ:\nلَمَّا كان يَوْمُ بَدْرٍ نظر النبي ﷺ إلى أَصْحَابِهِ وَهُمْ ثَلَاثُ مائة وَنَيِّفٌ وَنَظَرَ إلى الْمُشْرِكِينَ فإذا هُمْ أَلْفٌ وَزِيَادَةٌ، فَاسْتَقْبَلَ النبي ﷺ الْقِبْلَةَ ثم مَدَّ يَدَيْهِ وعليه رِدَاؤُهُ وَإِزَارُهُ ثُمَّ قال: \"اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لي ما وَعَدْتَنِي اللَّهُمَّ إِنَّكَ إن تُهْلِكْ هذه الْعِصَابَةَ من أَهْلِ الْإِسْلَامِ لا تُعْبَدْ في الأَرْضِ أَبَدًا\".\nقال: فما زَالَ يَسْتَغِيثُ ربه وَيَدْعُوهُ حتى سَقَطَ رِدَاؤُهُ فَأَتَاهُ أبو بكر ﵁ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَرَدَّاهُ ثم الْتَزَمَهُ من وَرَائِهِ ثُمَّ قال: يا نَبِيَّ الله كفاك مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ فإنه سَيُنْجِزُ لك ما وَعَدَكَ وأَنْزَلَ الله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)﴾ (الأنفال).\nفَلَمَّا كان يَوْمُئِذٍ والْتَقَواْ فَهَزَمَ الله الْمُشْرِكِينَ فَقُتِلَ منهم سَبْعُونَ رَجُلًا وأُسِرَ","vol":"1","page":271},{"text":"منهم سَبْعُونَ رَجُلًا، اسْتَشَارَ رسول الله ﷺ أبا بكر وَعَلِيًّا وَعُمَرَ.\nفَقَالَ أبو بكر: يا نَبِيَّ الله هؤلاء بنو الْعَمِّ وَالْعَشِيرَةُ وَالِإخْوَانُ وَإِنِّي أرى أن تَأْخُذَ منهم الْفِدْيَةَ فَيَكُونُ ما أَخَذْنَا منهم قُوَّةٌ لنا على الْكُفَّارِ، وَعَسَى الله أن يَهْدِيَهُمْ فَيَكُونُونَ لنا عَضُدًا\nفقال رسول الله ﷺ: \"مَا تَرَى يا ابن الخَطَّابِ؟ \".\nقال: قُلْتُ: والله ما أَرَى ما رَأَى أبو بكر ولكني أرى أن تُمَكَّنَنِي من فُلَانٍ قَرِيبًا لِعُمَرَ فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ، وَتُمَكِّنَ عَلِيًّا من عَقِيلٍ فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ، وَتُمَكِّنَ حَمْزَةَ من فُلَانٍ أَخِيهِ فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ؛ حتى يَعْلَمَ الله أنه لَيْسَتْ في قُلُوبِنَا هَوَادَةُ لِلْمُشْرِكِينَ هؤلاء صَنَادِيدُهُمْ وَأَئِمَّتُهُمْ وَقَادَتُهُمْ.\nفَهَوِيَ رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر ولم يَهْوَ ما قُلْتُ فَأَخَذَ منهم الْفِدَاءَ.\nفَلَمَّا كان من الْغَدِ قال عُمَرُ: غَدَوْتُ إلى النبي ﷺ فإذا هو قَاعِدٌ وأبو بكر يَبْكِيَانِ فَقُلْتُ: يا رسول الله أَخْبِرْنِي ماذا يُبْكِيكَ أنت وَصَاحِبَكَ فإن وَجَدْتُ بُكَاءٌ بَكَيْتُ وإن لم أَجِدْ بُكَاءٌ تَبَاكَيْتُ لِبُكَائِكُمَا.\nقال (فَقَالَ) (^١) النبي ﷺ: \"أَبْكِي للَّذِي عَرَضَ عَلَيَّ أَصْحَابُكَ من الْفِدَاءِ، لقد عُرِضَ عَلَيَّ عَذَابُكُمْ أَدْنَي من هذه الشَّجَرَةِ لِشَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ، وَأَنْزَلَ الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ …﴾ (الأنفال: ٦٧ - ٦٨) الآيات (^٢)\nفي الشرح فصول\n_________\n(^١) ليست في س، د. وأثبتها من \"المسند\".\n(^٢) \"مسند أحمد\" (١/ ٣٠، ٣٢) كما رواه من طريقه الرافعي.","vol":"1","page":272},{"text":"<span data-type='title' id=toc-110>الأول</span>\nهذا حديثٌ شريفٌ لرواية صحابِيٍّ عن صحابِيٍّ، وصحيح أخرجه مسلم في \"كتابه\" عن هناد بن السري عن ابن المبارك، عن عكرمة (^١).\nوعمر (^٢) ﵁ أمير المؤمنين أبو حفص: عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب العدوي القرشي.\nيلتقي مع رسول الله ﷺ في كعب بن لؤي.\nوأمه حنتمة بنت هشام بن المغيرة أخت أبي جهل (^٣).\nبَشَّرَه رسول الله ﷺ بالجنَّةِ، وأعزَّ الله به الدين، واستبشرت الملائكة بإسلامه، وهو أول من سُمِّي أمير المؤمنين، وبه تَمَّ المؤمنون أربعين (^٤) وأنزل الله\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (١٧٦٣).\n(^٢) انظر \"معرفة الصحابة\" (١/ ترجمة ٢، ٣/ ترجمة ١٩٩٦)، و\"الإصابة\" (٤/ ترجمة:٥٧٤٠).\n(^٣) قال ابن عبد البر في \"الاستيعاب\": أمه حتمة بنت هاشم بن المغيرة.\nوقالت طائفة في أم عمر: حتمة بنت هشام بن المغيرة. ومن قال ذلك فقد أخطأ ولو كانت كذلك لكانت أخت أبي جهل بن هشام والحارث بن هشام بن المغيرة وليس كذلك؛ وإنما هي ابنة عمهما؛ فإن هاشم بن المغيرة وهشام بن المغيرة أخوان، فهاشم والد حنتمة أم عمر وهشام والد الحارث وأبي جهل، وهاشم بن المغيرة هذا جد عمر لأمه كان يقال له ذو الرمحين.\n(^٤) روى في ذلك الطبراني (١٢/ ٦٠) من حديث ابن عباس قال: أسلم مع النبي ﷺ تسعة وثلاثون رجلًا وامرأة وأسلم عمر تمام الأربعين فأنزل الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤)﴾ (الأنفال).\nقال الهيثمي (٧/ ١٠١): رواه الطبراني وفيه إسحاق بن بشر الكاهلي وهو كذاب.","vol":"1","page":273},{"text":"تعالى: ﴿حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^١).\nوالأربعون على ما روي عن ابن عباس ﵁ هم:\nأبو بكر، عمر، عثمان، علي، طلحة، الزُّبير، سعد، سعيد، عبد الرحمن، أبو عُبيدة، حمزة بن عبد المطلب، عبيدة بن الحارث، جعفر بن أبي طالب، مصعب بن عمير، ابن مسعود، عياش بن أبي ربيعة، أبو ذر، أخوه أنيس، أبو سلمة بن عبد الأسد، عثمان بن مَظْعون، ابنه السَّائب، زيد بن حارثة، بلال، خَبَّاب، المقداد، صهيب، عمار، عمرو بن عَبَسَةَ، نعيم بن عبد الله بن النَّحَّام، حاطب بن الحارث، خالد بن سعيد، خالد بن بكير، عبد الله بن جحش، أبو أحمد بن جحش، عامر بن بكير، عُتْبة بن غَزوان، الأرقم بن أبي الأرقم، واقد بن عبد الله، عامر بن ربيعة، عامر بن فُهيرة ﵃.\nبقي في الخلافة عمر ﵁ عشر سنين وأشهرًا، قتله أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة لأربع ليالٍ بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، وصلَّى عليه صهيب ﵁.\nواختلف في سِنَّةِ يوم استشهد أكان ابن خمس وخمسين، أو ستٍّ وخمسين، أو ستين، أو إحدى وستين، أو ثلاث وستين، أو ستٍّ وستين، أو ثمان، أو تسع؟\nوبِكُلٍّ قال القائلون.\nوكان قد سأل الله الشهادة في المدينة فقال: اللهمَّ قتلًا في سبيلك ووفاةً في بلدِ نبيك (^٢).\n_________\n(^١) الأنفال: ٦٤.\n(^٢) رواه ابن سعد (٣/ ٣٣١)، وأبو نعيم في \"حلية الأولياء\" (١/ ٥٣).","vol":"1","page":274},{"text":"فاستجابَ اللهُ لهُ.\nوكان ابن مسعود ﵁ يقول: كان إسلامُ ﵁ عمر فتحًا، وإمارته رحمةً، وما كُنَّا نستطيع أن نصلي بالبيت حتى أسلم عمر ﵁ (^١).\nروى عنه: ابنه عبد الله، وابن عباس، وابن الزبير، وأكابر التابعين.\nوابن عباس (^٢): هو أبو العباس عبد الله بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي، ابنُ عمِّ النَّبِيِّ ﷺ وأمُّه لُبَابة بنت الحارث الهلالية.\nحَنَّكَهُ رسول الله ﷺ بِرِيقِهِ، ودعا له بالحكمة وعلم التَّأْويلِ، وسُمِّيَ حَبْرَ الأمَّةِ لتسمية جبريل ﵇ إياه بذلك، ويقال له: البحر أيضًا، وترجمان القرآن.\nتوفي بالطَّائف سنة ثمان وستين وقيل غيره.\nوعن ميمون بن مِهران قال: شهدت جنازة ابن عباس بالطَّائف فلمَّا أرادوا الصلاة عليه جاء طائرٌ أبيض فدخل في أكفانه فالتمس فلم يوجد وسمعنا عند دفنه صوتًا ولا نرى شخصًا: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ …﴾ (^٣) الآية (^٤).\nروى عنه: السعيدان ابن المسيب وابن جُبير، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، والقاسم بن محمد بن أبي بكر.\nوأبو زُميل: هو سماك بن الوليد الحنفي اليمامي. سمع: ابن عباس.\n_________\n(^١) رواه ابن أبي شيبة (٦/ ٣٥٥).\n(^٢) انظر \"معرفة الصحابة\" ٣/ ترجمة ١٦٩٤، و\"الإصابة\" ٤ /ترجمة ٤٧٨٤.\n(^٣) الفجر: الآية ٢٧ - ٢٨.\n(^٤) رواه أبو نعيم في \"حلية الأولياء\" (١/ ٣٢٩).","vol":"1","page":275},{"text":"روى عنه: عكرمة بن عمار، وغيره، وهو من أفراد مسلم (^١).\nوعكرمة مذكور في المجلس السادس.\nوقُرَّادٌ أبو نوح ابن غزوان يقال له: البغدادي وهو مولى نصر بن مالك الخزاعي.\nوذكر الدَّراقطنيُّ وغيره أن اسمه عبد الرحمن وقراد لقب، وأن له ابنًا يقال له: محمد بن قراد.\nروى أبو نوح عن: مالك بن أنس، وعكرمة بن عمار (^٢).\nوأحمد (^٣): هو الإمام أبو عبد الله ابن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس الشيباني الذهلي.\nأحد الأئمة المقدمين، مروزي الأصل بغدادي المولد، يقال: إنَّ أمه دخلت بغداد وهي حاملٌ به.\nسمع: مُعتمر بن سليمان، ومحمد بن جعفر، وابن عيينة، وإبراهيم بن سعد الزهري.\nروى عنه: البخاري، ومسلم، وابناه صالح وعبد الله، وابن عمه حنبل بن إسحاق، وأئمة الدنيا.\nيحكى عن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي أنه قال: أحمد بن حنبل حُجَّةٌ بين الله وبين عباده (^٤).\n_________\n(^١) انظر \"سير أعلام النبلاء\" ٥/ ترجمة ١١١.\n(^٢) انظر \"سير أعلام النبلاء\" ٩/ ترجمة ٢٠١.\n(^٣) انظر \"سير أعلام النبلاء\" ٥/ ٢٤٩.\n(^٤) انظر \"تاريخ بغداد\" (٤/ ٢١٧).","vol":"1","page":276},{"text":"وأنه كان يصلي في كل يوم وليلة ثلاثمائة ركعة، ويختم القرآن في كل سبعة أيامٍ.\nوعن قتيبة بن سعيدٍ: لو أدرك أحمدُ عصر الثوري ومالك والأوزاعي والليث بن سعد لكان هو المقدَّمُ.\nوعن عبد الله بن أحمد أنه قال: ما حدَّث به الشافعيُّ ﵁ في كتابه، فقال: حدَّثني الثِّقة، فإنما يريد به أبي (^١).\nوهذا في الكتب القديمة أكثر.\nولد أحمد سنة أربع وستين ومائة، ومات سنة إحدى وأربعين ومائتين.\nويقال أنه لما جاءَ عليَّ بن حُجْرٍ نعيُ أحمدَ ذكر أبياتًا منها: [طويل]\nسَلَامٌ عَدِيدُ الْقَطْرِ وَالنَّجْمِ وَالثَّرَى … عَلَى أَحْمَدَ الْبرِّ التَّقيِّ بْنِ حَنْبَلِ\nإِمَامٍ عَلَى قَصْدِ السَّبِيلِ وَسَّنة النْـ … ـنَّبِيِّ أمِينِ اللهِ آخِرِ مُرسَلِ\nأَلَا فَتَأَهَّبْ لِلْمَنَايَا فَإِنَّمَا الْـ … بَقَاءُ قَلِيلٌ بَعْدَ ذَلِكَ أيْ عَلِي (^٢)\nوقد أفردت في مناقب أحمد كتبٌ.\nوابنه أبو عبد الرحمن: عبد الله بن أحمد من أكابر أهل الحديث.\nسمع: أباه، وعبد الأعلى بن حماد، ويحيى بن معين، وأبا بكر وعثمان ابني أبي شيبة. روى عنه: أبو القاسم البغوي، ويحيى بن محمد بن صاعد، وسليمان الطبراني، والكبار.\nوشهدوا له بمعرفة علوم الحديث والتقدم فيها.\n_________\n(^١) \"العلل\" (١/ ٤٦٩).\n(^٢) رواه ابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (١/ ٣١٣) (باب ما رثي به أحمد بن حنبل).","vol":"1","page":277},{"text":"ولد سنة ثلاث عشرة ومائتين ومات سنة ستين ومائتين (^١).\nوأبو بكر القَطِيعِيُّ (^٢): هو أحمد بن جعفر بن حَمْدَانَ بن مالك بن شبيب بن عبد الله.\nيُنسب إلى قطيعة الدقيق؛ لأنه كان يسكنها (^٣).\nسمع: إبراهيم بن إسحاق الحربي، وبشر بن موسى الأسدي، وأبا مسلم الكجّي، وعبد الله بن أحمد.\nروى عنه: \"المسند\"، و\"الزهد\"، و\"التاريخ\"، وغيرها.\nوحَسَّنَ حاله: أبو بكر الْبَرْقَانِيُّ، والحاكم أبو عبد الله.\nقال أبو بكر الخطيب: ولم نر أحدًا امتنع من الرواية عنه ولا ترك الاحتجاج به (^٤).\nروى عنه: الدَّارقطنيُّ، وابن شاهين، وأبو نعيم الحافظ، ومحمد بن أبي الفوارس، وعبد الملك بن محمد بن بِشران، وغيرهم.\nتوفي سنة ثمان وستين وثلاثمائة.\nوابنُ الْمُذْهِبِ (^٥): هو أبو علي الحسن بن علي الواعظ التميمي.\nشيخ معروف وبروايته يشهر \"مسند أحمد\".\nسمعه منه: أبو طالب عبد القادر بن محمد بن عبد القادر اليوسفي، وابن\n_________\n(^١) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٣/ ٥١٦).\n(^٢) انظر \"سير أعلام النبلاء\" ١٦/ ٢١٠.\n(^٣) انظر \"الأنساب\" للسمعاني (٤/ ٥٢٨).\n(^٤) \"تاريخ بغداد\" (٤/ ٧٣).\n(^٥) انظر \"سير أعلام النبلاء\" ١٧/ ٦٤٠.","vol":"1","page":278},{"text":"الحصين، وغيرهما.\nتوفي سنة أربع وأربعين وأربعمائة.\nوابنُ الْحَصِينِ: هو هبة الله بن عبد الواحد أبو القاسم سبق ذكره في المجلس السابع.\nوالحافظ أبو العلاء (^١): هو الحسن بن أحمد بن الحسن بن أحمد بن محمد العطار الهمذاني.\nغزيرُ العلمِ، مشهورٌ في الآفاق بعلمِ القرآن والحديث والتواريخ والأنساب والعربية، وممن يعزُّ في المتأخرين مثله روايةً ودرايةً وجمعًا وتصنيفًا.\nولد سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، وتوفي سنة تسع وستين وخمسمائة.\n\n<span data-type='title' id=toc-111>الثاني</span>\n\"بَدْرٌ\" يُذكر ويؤنث وهو اسم موضع، ويقال: اسم ماء، ويقال: اسم بئرٍ كانت لرجل يُسَمَّى بدرًا، وذُكر أنَّ الرجلَ كان من غفار رهط أبي ذر ﵁ (^٢).\nالنَّيْفُ: الزِّيَادَةُ، يُقَالُ: عشرة ونَيْفٌ، ومائة ونَيْفٌ، وما زَادَ على عَقْدٍ فهو نَيْفٌ حتى يَبْلُغَ عَقْدًا آخر، وقد يُشَدَّدُ فيقال: نَيِّفٌ، ونَيَّفَ فُلَانٌ على السَّبْعِينَ أي: زَادَ، وَأَنَافَتِ الدَّرَاهِمُ على المائة: زَادَتْ.\nوَالْعِصَابَةُ: الْجَمَاعَةُ من الناس يَتَعَصَّبُ بعضهم لبعض، وَيُقَالُ لِلْجَمَاعَةِ من الْخَيْلِ وَالطَّيْرِ عِصَابَةٌ أيضًا، وَالْعُصْبَةُ من الناس ما بين العشرة إلى الأربعين، وقيل:\n_________\n(^١) انظر \"سير أعلام النبلاء\" ٢٠/ ٤٠.\n(^٢) انظر \"معجم البلدان\" (١/ ٣٥٧).","vol":"1","page":279},{"text":"كُلُّ جَمَاعَةٍ عُصْبَةٌ إذا كَانُوا قطعًا قطعًا.\nوَالتَّرْدِيَةُ: إِلبَاسُ الرِّدَاءِ وأيضًا جَعْلُ الشَّيْءِ رِدَاءً أَوْ كَالرِّدَاءِ، ومنه أزَّرَتْنِي بنصف خِمَارِهَا وَرَدَّتنِي بِنِصْفِهِ، وارْتَدَى وَتَرَدَّى: لَبِسَ الرِّدَاءَ.\nوالالْتِزَامُ: الضَّمُّ والاِعْتِنَاقُ.\nوَيُقَالُ: نَشْدتُكَ الله وَنَاشَدْتُكَ وَأَنْشَدْتُكَ أي: سَأَلْتُكَ بالله، وقيل: ذَكَّرْتُكَ بالله، وقيل: سَأَلْتُ الله برفع صوتي، وَالنَّشِيدُ: الصَّوْتُ، وَإِنْشَادُ الشِّعْرِ سُمِّيَ إِنْشَادًا لما فيه من رَفْعِ الصَّوْتِ، وَنَشَدْتُ فُلَانًا أَنْشُدُهُ نَشْدًا: إذا قلت له نَشَدتُكَ الله، وَأَنْشَدَ الضَّالَّةَ: عَرَّفَهَا، وَنَشَدَهَا: طَلَبَهَا.\nوَالْهُدَى: الرَّشَادُ والدلالة، يؤنث ويذكر، يُقَالُ: هَدَاهُ الله للِديِّنِ هُدًى، وَهَدَيْتُهُ الطَّرِيقَ وَالْبَيْتَ أي: عَرَّفْتُهُ، ومنهم من يقول: هَدَيْتُهُ إلى الطَّرِيقِ والْبَيْتِ.\nوَهَدَى قد تَكُونُ بمعنى اهْتَدَى، وتقول: هُدِيَتِ الْمَرْأَةَ إلى زَوْجِهَا هِدَاءً فَهِيَ مَهْدِيَّةٌ وَهَدِيٌّ، وأَهْدَيْتُ له وإليه وهي الْهَدِيَّةُ، وَالْمِهْدَاءُ الذي يُهْدِي كَثِيرًا، والْمِهْدَي: الظَّرفُ الذي يُهْدَى فيه، والْهَدِيُّ: ما يُهْدَى إلى الْحرم وكذا الهدْي الْوَاحِدُ هَدِيَّةٌ وهَدْيَةٌ، ويقال للأسير: هَدِيٌّ أيضًا، والْهَدْيَةُ والْهِدْيَةُ: السِّيرَةُ، والجمع: الْهَدْيُ كَتَمْرَةٍ وَتَمْرٍ.\nوَالْهَوَادَةُ: المُحَابَاةُ وَالمُسَامَحَةُ وَالمَيْلُ، وأصلها التَّهْوِيدُ: وهو المَشْيُ في تُؤَدَةٍ وسُكُونٍ. وَمَنْطِقٌ مُهَوَّدٌ، وغناء مُهَوَّدٌ: سَاكِنٌ، والتَّهْوِيدُ: النَّوْمُ أيضًا، وَتَصْيِيرُ الإِنْسَانِ يَهُودِيًّا، والْهَوَدَةُ بالتحريك: السَّنَامُ، والجمع هَوَدٌ. ويمكن أن يُرَدَّ ذلك إلى الأَوَّلِ لما فِيهِ من المَيْلِ.\nوَالصَّنَادِيدُ: الْعُظَمَاءُ وَالسَّادَةُ، الْوَاحِدُ: صِنْدِيدٌ، وَالصَّنَادِيدُ أَيْضًا: الدَّوَاهِي،","vol":"1","page":280},{"text":"وغَيْثٌ صِنْديدٌ: عَظِيمٌ.\nوقوله: ﴿حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ (^١) أي: يكثر الإيقاع بالعدو، ويبالغ فيه، ويقال: أثْخَنَهُ المَرَضُ أي: اشْتَدَّ عليه وكذلك أَثْخَنَتْهُ الْجِرَاحُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-112>الفصل الثالث</span>\nالمشهورُ أنَّ المؤمنين يوم بدر كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر، والنَّيِّفُ المبهمُ ذِكرهُ ثلاثة عشر:\nقَرَأْتُ على والدي ﵀ قَالَ: قَرَأْتُ على عبد الملك بن أبي الْقَاسِمِ، عن أبي عَامِرٍ، عن أبي محمد، عن أبي الْعَبَّاسٍ، عن أبي عيسى قَالَ: ثَنَا واصل بن عبد الأعلى قال: ثَنَا أبو بكر بن عَيَّاشٍ، عن أبي إِسْحَاقَ، عن الْبَرَاءِ ﵁ قال: كُنَّا نَتَحَدّثُ أن أَصْحَابَ بَدْرٍ كانوا كَعِدَّةِ أصحاب طَالُوتَ ثلاث مِائَةٍ وثلاثة عشر (^٢).\nويروي عن ابن عباس ﵄ أيضًا.\nوفي \"صحيح مسلم\" (^٣) في هذا الحديث: \"وَهُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا\".\nويروى \"تِسْعَةَ عَشَرْ\" (^٤) والله أعلم.\nوكأنَّهم ذكروا ما ذكروا على التَّقريبِ، وأما المشركون ففي الخبر أنهم كانوا ألفًا وزيادة، ووراءه قولان:\nأحدهما: أنَّهم كانوا ألفًا أوَّلًا فردَّ الأخنس ثلاثمائة من بني زهرة وبقي\n_________\n(^١) الأنفال: ٦٧.\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (١٥٩٨) وقال: حسن صحيح. كما رواه من طريقه الرافعي.\n(^٣) \"صحيح مسلم\" (١٧٦٣).\n(^٤) رواها الطبراني في \"المعجم الكبير\" (١١/ ٣٨٨).","vol":"1","page":281},{"text":"سبعمائة، وهذا ما أورده مقاتل في \"التفسير\" (^١).\nوالثاني: في المغازي أنَّهم كانوا دون الألف وفوق تسعمائة.\nولعلَّ بعضهم عدَّ المقاتلة وبعضهم عدَّ الجميع، وبالجملة فلما نظر رسول الله ﷺ إلى قلَّةِ عِدَّةِ المسلمين وعُدَّتهم، وكثرة عِدَّةِ المشركين وعُدَّتهم؛ اغتمَّ لذلك فالتجأ إلى الله تعالى وتضرَّع ليكشف الغُمَّةَ بأن يؤيدَ المؤمنين بنصره، ويتمَّ النِّعمة بأن يخذلَ الكافرين بقهره، وهكذا ينبغي أن يفعلَ المؤمنُ إذا نابه ما يحزنه ويخاف منه.\nوفيه ما يدلُّ على أنَّه يستحبُّ استقبال القبلة عند الدُّعاء ورفع اليد والإلحاح فيه.\nوقد رُوِيَ أن الطُّفَيْلَ بن عَمْرو الدَّوْسِيِّ قدم على رسول الله ﷺ فقال: إن دَوْسًا عَصَتْ وَأَبَتْ فَادْعُ الله؛ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ وقال: \"اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا وَأْتِ بِهِمْ\" ثَلَاثًا (^٢).\nوعن سَلْمَانَ ﵁ قال: قال النَّبِيُّ ﷺ: \"إِنَّ الله يَسْتَحْيِي مِنَ الْعَبْدِ أن يَرْفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ فَيَرُدَّهُمَا خَائِبَتَيْنِ\" (^٣).\nوانتهت مُبَالَغَةُ رسول الله ﷺ في القصَّةِ في رفعِ اليد وإطالةِ الدعاءِ إلى أن\n_________\n(^١) \"تفسير مقاتل\" تفسير الآية ١٣ من سورة آل عمران.\n(^٢) رواه البخاري (٢٩٣٧)، ومسلم (٢٥٢٤) من حديث أبي هريرة.\n(^٣) رواه أبو داود (١٤٨٨)، والترمذي (٣٥٥٦)، وابن ماجه (٣٨٦٥)، وابن حبان (٨٨٠)، والحاكم ١/ ٧١٨.\nقال الترمذي: حسن غريب، وقال الحاكم: صحيح على شرطهما.\nوصححه الشيخ الألباني في \"صحيح الجامع\" (١٧٥٧).","vol":"1","page":282},{"text":"سقطَ الرداءُ من منكبهِ.\nوفي حديث أَنَسٍ أن رسول الله ﷺ كان يَرْفَعُ يَدَيْهِ في الدُّعَاءِ حتى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ (^١).\nوالتزامُ أبي بكر ﵁ كأنَّه كان إشفاقًا منه أو لِرَقَّةِ أخذته حين شاهد جدَّ رسول الله ﷺ واجتهاده وتضرُّعه، وتفرَّس آثار الإجابة علمًا منه بأنَّه أكرم على الله من أن لا يجيبه، وقد انتهى اجتهاده إلى ذلك الحدِّ فقال: أجيب لك يا رسول الله فدع الإلحاح والمناشدة.\nوفي \"صحيح البخاري\" من رواية ابن عَبَّاسٍ أن أبا بَكْرٍ أَخَذَ بِيَدِهِ وقال: حَسْبُكَ يا رسول الله فقد أَلْحَحْتَ على رَبِّكَ (^٢).\nورأيت في بعض الأجزاء: \"كَفَاكَ مُنَاشَدَتُكَ\" (في الحديث بدل كذلك) (^٣) وهو صحيحُ المعني.\nولَمَّا فرغَ رسول الله ﷺ منَ الدُّعاءِ وما كانَ مُستغرقًا بهِ منَ الإلحاحِ عرفَ الإجابةَ كما تفرَّسَ أبو بكرٍ فخرجَ منْ قُبَّتهِ وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ (^٤)، وأنزل الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ (^٥).\nوالنَّاظرُ إلى اللَّاعبِ بالشطرنج قد يرى ما لا يراه اللَّاعبُ لتعمُّقِهِ وإعمالِهِ الفكر فيه.\n_________\n(^١) رواه البخاري (١٠٣١)، ومسلم (٨٩٥).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٢٩١٥).\n(^٣) في د: وفي الحديث ما يدل لذلك.\n(^٤) القمر: الآية ٤٥.\n(^٥) الأنفال: الآية ٩.","vol":"1","page":283},{"text":"وقوله: \"اسْتَشَارَ رَسُولُ الله ﷺ\" يعني: في شأنِ الأُسَراءِ، فمالَ رأيُ أبي بكرٍ إلى التخفيفِ لداعية الرحمة، ورأيُ عمرَ إلى التشديد لداعية الغيرة، وشبههما النَّبِيُّ ﷺ في اختلاف رأييهما وقوليهما بمثله فيما بين الأنبياء.\nفَأَخْبَرَنَا الإمام أحمد بن إسماعيل سَمَاعًا أو إِجَازَةً، عن عبد الْجَبَّار الْخُوَارِيُّ، عن عَلِيِّ بن أحمد (^١) قال: أَنَبَا أبو بكر الْحِيرِيُّ، ثنا حَاجِبُ بن أحمد، ثنا محمد بن حَمَّادٍ، ثنا أبو مُعَاوِيَةَ، عن الْأَعْمَشِ، عن عَمْرِو بن مُرَّةَ، عن أبي عُبَيْدَةَ، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ يوم بَدْرٍ: \"مَا تَقُولُونَ في هَؤُلَاءِ الْأَسْرَى؟ \".\nفقال أبو بكر: قَوْمُكَ (وَأَصْلُكَ) (^٢) اسْتَبْقِهِمْ واسْتَأْنِ بِهِمْ لَعَلَّ الله يَتُوبُ عَلَيْهِمْ.\nوقال عُمَرُ: كَذَّبُوكَ وَأَخْرَجُوكَ قَدِّمْهُمْ واضْرِبْ أَعْنَاقَهُمْ.\nوقال ابن رَوَاحَةَ: انْظُرُوا وَادِيًا كثير الْحَطَبِ فَأَدْخِلْهُمْ فيه ثُمَّ أَضْرِمْ عليهم النَّارَ.\nفَسَكَتَ رسول الله ﷺ ولم يُجِبْهُمْ.\nفقال نَاسٌ: نَأْخُذُ بقول أبي بكر، وقال نَاسٌ: نَأْخُذُ بِقَوْلِ عُمَرَ، ثم خَرَجَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ:\n\"إن مَثَلَكَ يا أبا بكر كَمَثَلِ إبراهيم قال: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (إبراهيم ٣٦)، وَكَمَثَلِ عيسى قال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (المائدة ١١٨).\n_________\n(^١) هو: أبو الحسن الواحدي. والحديث رواه في \"أسباب النزول\" (ص ١٣٣).\n(^٢) في \"المسند\": وأهلك. والمثبت من س، د، \"أسباب النزول\"، \"تاريخ دمشق\".","vol":"1","page":284},{"text":"وإن مَثَلَكَ يا عُمَرُ كَمَثَلِ مُوسَى قال: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ (يونس ٨٨) الآية، وَكَمَثَلِ نُوحٍ قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦)﴾ (نوح). ثُمَّ أَمَرَ بِأَخْذِ الْفِدَاءِ (^١).\nوقوله: \"حَتَّى يَعْلَمَ الله\" أي: حتى يرى الله، وقيل: حتى يعلم ملائكة الله، وهو مثل قوله تعالى: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ (^٢).\nثُمَّ إنَّ الله تعالى عاتبهم على أخذ الفداء ولِمَ عاتب؟\nعن الحسن أنَّه عاتب لأنَّه لم يأمر به وإن لم ينه عنه.\nوعن ابن عباسٍ وقتادةَ أنَّ هذا كان في مبدأ الأمر وفي المسلمين قلَّة، فلما كثروا واشتدَّ سلطانهم أنزل الله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ (^٣) والإمام يختار ما يراه أصوب وأليق بالحال.\nوفي الحديثِ دلالةٌ ظاهرةٌ على فضيلةِ عمر ﵁، ويروى عن ابن عباس أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: \"لَوْ نَزَلَ عَذَابٌ مَا سَلِمَ مِنْهُ إِلَّا عُمَرُ\" (^٤).\nوقوله: \"فَإِنْ وَجَدْتُ بُكَاءً بَكَيْتُ\" إلى آخره قولٌ صدرَ عنْ حسنِ الاتباعِ ورعايةِ الأدبِ، يقول: إذا وقفت على سبب بكائكما فإن جاءني البكاء ساعدتكما\n_________\n(^١) رواه أحمد (١/ ٣٨٣) عن أبي معاوية الضرير بنحوه، وابن عساكر (٤٤/ ٥٦) من طريق علي بن أحمد الواحدي.\n(^٢) محمد: الآية ٣١.\n(^٣) محمد: الآية ٤.\n(^٤) رواه الطبري (١٤/ ٧١) بنحوه عن غير ابن عباس.","vol":"1","page":285},{"text":"وأسعدتكما وإلا حملت نفسي على المساعدة وتشبهت بكما بما قدرت عليه.\nوقد ورد \"فَإِنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَبَاكَوْا\" (^١)، و\"مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-113>الفصل الرابع</span>\nقول أبي بكرٍ ﵁: \"عَسَى الله أَنْ يَهْدِيَهُمْ\" أي: يرشدهم ويوفقهم للإيمان، والهداية: قد تكون بمعنى الإرشاد والدلالة كقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ (^٣) أي: بَيَّنَّا لهم ودللناهم.\nوقد تكون بمعنى التوفيق والتسديد، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ (^٤) ثم قولنا: إنَّه هداه قد يكون بتيسير ابتداء الأمر له، وقد يكون بمعنى الإِدَامَةِ والتَّثْبِيتِ كما في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (^٥) على قول عامة المفسرين.\nواستحقَّ المؤمنُ المواظبةَ على سؤال الهداية بمعنى التثبيت على الاعتقاد الحقِّ والإرشاد إلى الأعمال والأخلاق المحمودة سيما في الصلاة:\nفمنها ما يكرره من قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ﴾ (^٦) بحسب تكرير الفاتحة.\n_________\n(^١) رواه ابن ماجه (٤١٩٦) من حديث سعد بن أبي وقاص. وضعفه الألباني في \"ضعيف الجامع\" (٢٠٢٥).\n(^٢) رواه أبو داود (٤٠٣١) من حديث ابن عمر. وصححه الألباني في \"الإرواء\" (٥/ ١٠٩).\n(^٣) فصلت: الآية ١٧.\n(^٤) القصص: الآية ٥٦.\n(^٥) الفاتحة: الآية ٦.\n(^٦) الفاتحة: الآية ٦.","vol":"1","page":286},{"text":"ومنها ما وَرَدَ عند اسْتِفْتَاحِ الصلاة برواية عَلِيِّ ﵁ عُقَيْب دُعَاءِ الاسْتِفْتَاحِ: \"اللَّهُمَّ أنت المَلِكُ لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عَبْدُكَ ظَلَمْتُ نَفْسِي وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لي ذُنُوبِي فإنه لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلا أنت، وَاهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ لا يَهْدِي لأَحْسَنِهَا إلا أنت\" (^١).\nومنها عن رواية ابن عَبَّاسٍ أن النبي ﷺ كان يَقُولُ بين السَّجْدَتَيْنِ: \"اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَاهْدِنِي وَعَافِنِي وَارْزُقْنِي\" (^٢).\nوفي دُعَاءِ القُنُوتِ من رواية أبي إِسْحَاقَ، عن بُرَيْدِ بن أبي مَرْيَمَ -بالباء المضمومة والراء- عن أبي الْحَوْرَاءِ -بالحاء المهملة والراء- عن الْحَسَنِ بن عَلِيٍّ ﵁ عن رسول الله ﷺ: \"اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ … \" (^٣) إلى آخره.\nوكان ﷺ يَقُولُ في دُعَائِهِ في رواية ابن عَبَّاسٍ: \"رَبِّ أَعنِّي وَلَا تُعِنْ عَلَيَّ، وَاهْدِنِي وَيَسِّرِ الهُدَى لِي\" (^٤).\nوفي رواية ابن مَسْعُودٍ: \"اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الهُدَى وَالتُّقَى\" (^٥).\n_________\n(^١) رواه مسلم (٧٧١).\n(^٢) رواه أبو داود (٨٥٠)، والترمذي (٢٨٤)، وابن ماجه (٨٩٨)، والحاكم (١/ ٣٩٣).\nقال الترمذي: هذا حديث غريب. وقال الحاكم: صحيح الإسناد.\n(^٣) رواه أبو داود (١٤٢٥)، والترمذي (٤٦٤)، والنسائي (٣/ ٢٧٥)، وابن ماجه (١١٧٨).\nقال الترمذي: حديث حسن.\n(^٤) أبو داود (١٥١٠)، والترمذي (٣٥٥١)، والنسائي في \"الكبرى\" (١٠٤٤٣)، وابن ماجه (٣٨٣٠). قال الترمذي: حسن صحيح.\n(^٥) رواه مسلم (٢٧٢٠).","vol":"1","page":287},{"text":"وفي رواية عَلِيٍّ ﵁: \"اللَّهُمَّ اهْدِنِي وَسَدِّدْنِي\" (^١).\nولا يزالُ العبدُ يرغبُ إليهِ ويسألهُ الهدايةَ حتى يزيد الله الذينَ اهتدوا هدى، وإنَّ الله لهادي الذين آمنوا إلى صراط مستقيم، وإنَّ هدى الله هو الهدى، ومن يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.\nوقال أبو يزيد البسطامي: إذا طَلَعَتْ في القلب أَنْوَارُ عِنَايَة، وَانْكَشَفَتْ له أَسْرَارُ الرِّعَايَة، اسْتَحْكَمَتْ فيه قَوَاعِدُ الْهِدَايَة، وَتَوَلَّدَ منه صِدْقُ الْوَلَايَة، وننشد: [طويل]\nوَإِنَّكَ لَلنَّجْمُ الَّذِي بِكَ أَهْتَدِي … وَإِنَّكَ لَلْمَوْلَى الَّذِي بِكَ أَقْتَدِي\nوَأَنْتَ الَّذِي عَلَّمْتَنِي طُرُقَ الْعُلَى … وَأَنْتَ الَّذِي بَلَّغْتَنِي كُلَّ مَقْصِدِ\nوَأَنْتَ الَّذِي بَلَّغْتَنِي كُلَّ رُتْبَةٍ … مَشَيْتُ بِهَا مِنْ فَوْقٍ أَعْنَاقِ حُسَّدِي\nأَيَا مُلبِسِي النُّعْمَى الَّتِي جَلَّ قَدْرُهَا … لَقَدْ خَلُقَتْ تِلْكَ الثِّيَابُ فَجَدِّدِ\nوتلفقت هذه الكلمات سحرَ اليوم وأنا أتردد بين اليقظة والنوم: [سريع]\nوَاقِيةً مِثْلَ الَّتِي قَدْ مَضَتْ … وَنَحْنُ مَقْمُوطُونَ فِي مَهْدِنَا\nعَهِدتَ مِنْ قَبْلُ عُهُودًا إِلَى … ذَرَّاتِنَا رَبِّ بِلَا جَهْدنَا\nوَأَنْتَ تَدْرِي ضَعْفَنَا رَبَّنا … فَقَوِّنَا نَجْرِي عَلَى عَهْدِنَا\nارْفُقْ بِنَا وامْنُنْ عَلَى عَجْزِنَا … بِرَحْمَةٍ وَاغْفِرْ لَنَا وَاهْدِنَا\nآخر المجلس الثامن عشر من أماليه رحمة الله عليه والحمد لله وحده وصلواته على سيدنا محمد وآله وسلامه\n_________\n(^١) رواه مسلم (٢٧٢٥).","vol":"1","page":288},{"text":"﷽\nوما توفيقي إلا بالله\n\n<span data-type='title' id=toc-114>المجلس التاسع عشر </span>من أماليه ﵀ أملاه يوم الجمعة بعد الصلاة التاسع عشر من شهر الله الحرام ذي الحجة سنة إحدى عشرة وستمائة\nحَدَّثَنَا المَوْلَي الْمُمْلِي ﵀ إِمْلَاءً من لَفْظِهِ الشَّرِيفِ قال: قَرَأْتُ على الإمام أحمد بن إسماعيل، أنَبَا أبو عبد الله الْفُرَاوِيُّ، أنبا أحمد بن الحُسَيْنِ (^١)، أنبا أبو عبد الله الحَافِظُ، أنبا محمد بن عَلِيٍّ، ثَنَا الدَّبَرِيُّ، أنبا عبد الرَّزَّاقِ (^٢)، أنبا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ.\nوَأَنْبَأَنَا عَالِيًا محمد بن عبد الْبَاقِي، عن أبي عَلِيٍّ، أنبا أبو نَعَيْمٍ، ثَنَا سُلَيْمَانُ بن أحمد (^٣)، ثَنَا أبو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ، ثَنَا أبو الْيَمَانِ، أَنَبَا شُعَيبٌ، عن الزُّهْرِيِّ -وَالاعْتِنَاءُ بألفاظ هذه الرواية أَكْثَرُ- أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ وَعَطَاءُ بن يَزِيدَ؛ أَنَّ أبا هُرَيْرَةَ ﵁ أَخْبَرَهُمَا قال: قَالَ نَاسٌ: يا رسول الله هل نَرَى رَبَّنَا ﷿ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟\nقَالَ: \"هَلْ تُضَارُّونَ في رُؤْيَةِ الشَّمْسِ ليس دُونَهَا سَحَابٌ؟ \".\nقَالُوا: لا يا رسول الله.\nقَالَ: \"فَهَلْ تُضَارُّونَ في الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَيْسَ دُونَهُ سَحَابٌ؟ \".\n_________\n(^١) هو البيهقي والحديث في كتابه \"الاعتقاد\" (باب القول في الشفاعة) (١٦١).\n(^٢) \"المصنف\" (١١/ ٤٠٧).\n(^٣) \"مسند الشاميين\" (٣٠٧٢).","vol":"1","page":289},{"text":"قَالُوا: لَا.\nقال: \"فإنكم تَرَوْنَهُ يوم القيامة كذلك يَجْمَعُ الله الْعِبَادَ يوم القيامة فَيَقُولُ من كان يَعْبُدُ شيئًا فَلْيَتْبَعُهُ؛ فَيَتْبَعُ من كان يَعْبُدُ الشَّمْسَ الشَّمْسَ ومن كان يَعْبُدُ الْقَمَرَ الْقَمَرَ ومن كان يَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ الطَّوَاغِيتَ، وَتَبْقَى هذه الأُمَّةُ فيها مُنَافِقُوهَا فَيَأْتِيهِمُ الله تعالى في غير صُورَتِهِ التي يَعْرِفُونَ فَيَقُولُ أنا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونُ: هذا مَكَانُنَا حتى يَأْتِيَنَا ربنا فإذا جاء ربنا عَرَفْنَاهُ، فَيَأْتِيهِمُ الله تعالى في صُورَتِهِ التي يَعْرِفُونَ فَيَقُولُ أنا رَبُّكُمْ فَيَقُولُونَ أنت رَبُّنَا فَيَتْبَعُونَهُ فَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بين ظَهْرَانَيْ جهنَّم، فَأَكُونُ أنا أَوَّلَ زُمْرَةٍ تَجُوزُ -وفي رِوَايَةٍ تُجِيزُ- ولا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ إلا الرُّسُلُ وَدَعْوَى الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ وبه كَلَالِيبُ مثل شَوْكِ السَّعْدَانِ هل رَأَيْتُمْ شَوْكَ السَّعْدَانِ؟ \"\nقَالُوا: نَعَمْ.\nقال: \"فإنَّها مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ غير أنَّه لا يَدْرِي قَدْرَ عِظَمِهَا إلَّا الله ﷿ فَيُخْتَطَفُ النَّاسُ بأَعْمَالِهِمْ فَمِنْهُمُ الْمُوبَقُ أو الْمُوثَقُ بعمله ومنهم الْمُخَرْدَلُ وَالْمُجَازَى، فإذا أَرَادَ الله أن يُخْرِجَ من شَاءَ برحمته أمر الملائكة أن يُخْرِجُوا من النَّارِ من لا يُشْرِكُ بالله شَيْئًا ممن أَرَادَ الله أن يَرْحَمَهُ فَيَعْرِفُونَهُمْ في النار بِأَثَرِ السُّجُودِ تَأْكُلُ النار ابن آدم إلا أثر السُّجُودِ، قال: فَيُخْرِجُونَهُمْ (^١) من النار قد امْتَحَشُوا فَيُصَبُّ عليهم ماء الحياة فَيَنْبُتُونَ تَحْتَهُ كما تَنْبُتُ الْحِبَّةُ في حَمِيلِ السَّيْلِ وَيَبْقَى رَجُلٌ مُقْبِلُ بِوَجْهِهِ على النار فَيَقُولُ أي رب اصْرِفْ وجهي عن النار فإنه قد قَشَبَنِي رِيحُهَا وَأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا فَيَدْعُو الله ما شاء أن يَدْعُو، فَيَقُولُ الله تعالى: هل عَسَيْتَ إن\n_________\n(^١) في س: فيخرجوا منهم.","vol":"1","page":290},{"text":"أَعْطَيْتُكَ ذلك أَنْ تَسْأَلَ غَيْرَهُ؟\nفَيُعْطِي رَبَّهُ ما شَاءَ من عُهُودٍ وَمَواثِيقَ فَيَصْرِفُ الله وَجْهَهُ عن النَّارِ، فَيَسْكُتُ ما شاء الله أن يَسْكُتَ ثُمَّ يَقُولُ: أَيْ ربِّ قَرِّبْنِي إلى الْجَنَّةِ.\nفَيَقُولُ الله: أليس قد أَعْطَيْتَ يعني عُهُودَكَ وَمَوَاثِيقَكَ أن لا تَسْأَلَنِي غيره؟ وَيْلَكَ ما أَغْدَرَكَ يا ابن آدم فلا يَزَالُ يَدْعُو حتى يَقُولَ هل عَسَيْتَ إن أَعْطَيْتُكَ ذلك أن تَسْأَلَ غَيْرَهُ؟\nفَيَقُولُ: لا وَعِزَّتِكَ لا أَسْأَلُ غَيْرَهُ فَيُقَدِّمُهُ إلى بَابِ الْجَنَّةِ فإذا قَامَ على بَابِ الْجَنَّةِ انْفَهَقَتْ له الْجَنَّةُ فَرَأَى ما فيها من الْخَيْرِ والسُّرُورِ فَيَقوُلُ: أَيْ ربِّ أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ.\nفيقول الله تعالى: وَيْلَكَ يا ابن آدم ما أَغْدَرَكَ أَلَيْسَ قدْ أَعْطَيْتَ عُهُودَكَ وَمَوَاثِيقَكَ أَنْ لا تَسْأَلَنِي غير ما أُعْطِيتَ؟\nفَيَقُولُ: يا ربِّ لا أَكُونُ أَشْقَى خَلْقِكَ فلا يَزَالُ يَدْعُو حتى يَضْحَكَ الله منه فإذا ضَحِكَ الله مِنْهُ قال له: ادْخِلَ الْجَنَّةَ فإذا دَخَلَهَا قال الله تعالى لَهُ تَمَنَّ فَيَتَمَنَّى حتى إن الله تعالى لَيُذَكِّرُهُ فَيَقُولُ: وَمِنْ كذا وَمِنْ وكذا فإذا انْقَطَعَ به الأَمَانِيُّ قال الله تعالى: لكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ\".\nقال أبُو هُرَيْرَةَ ﵁: ذلك الرَّجُلُ من آخِرِ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا.\nوالحديث أطول من هذا.\n\n<span data-type='title' id=toc-115>في الشرح فصول: الفصل الأول</span>\nهذا حديثٌ صحيحٌ باتِّفاقِ أهل النَّقل والنَّقْدِ والحلِّ والعَقْدِ، مُخرَّجٌ في دواوين الدِّينِ:","vol":"1","page":291},{"text":"أخرجه البخاري في الصلاة عن أبي اليمان (^١).\nوفي التوحيد عن عبد العزيز الأويسي عن إبراهيم بن سعد عن الزهري (^٢)، وفي صفة الجنة عن محمود بن غيلان عن عبد الرزاق عن معمر (^٣).\nومسلم عن عبد الله بن عبد الرحمن عن أبي اليمان، وعن زهير عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه (^٤).\nويروي الحديث عن رسول الله ﷺ من رواية أبي سعيد الخدري بطرقٍ صحيحة (^٥)، وبعضه برواية جابر (^٦) وابن مسعود (^٧) والمغيرة بن شعبة (^٨) كذلك.\nوأبو هريرة ﵁ مذكورٌ في المجلس الأول ثُم في السادس عشر.\nوعطاء بن يزيد: أبو يزيد الليثي الجندَعي، وقد تُضم الدال أيضًا.\nسمع: أبا أيوب، وأبا سعيد، وأبا هريرة، وتميمًا الداري.\nروى عنه: الزهري، وأبو صالح ذكوان، وابنه سهيل (^٩).\nوسعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي المخزومي المديني، أبو محمد من\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٨٠٦).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٧٤٣٧).\n(^٣) \"صحيح البخاري\" (٦٥٧٣).\n(^٤) \"صحيح مسلم\" ١٨٢/ ٢٩٩، ٣٠٠.\n(^٥) رواه مسلم ١٨٣/ ٣٠٢.\n(^٦) رواه مسلم ١٩١/ ٣١٦.\n(^٧) رواه مسلم ١٨٧/ ٣١٠.\n(^٨) رواه مسلم ١٨٩/ ٣١٢.\n(^٩) انظر \"التاريخ الكبير\" ٦/ ترجمة ٢٩٩٠، \"تهذيب الكمال\" ٢٠/ ترجمة ٣٩٤٥.","vol":"1","page":292},{"text":"كبار التابعين.\nكان خَتْنَ أبي هريرة على ابنته، وأعلم الناس بحديثه.\nسمع: عثمان، وعليًّا، وأباه، وحكيم بن حزام، وأبا سعيد، وسعد بن أبي وقاص، ومعاوية، وعائشة ﵃.\nروى عنه: عمرو بن مرة، وقتادة، وطارق بن شهاب، وشريك بن أبي نمر.\nولد لسنتين خَلَتَا من خلافةِ عمر ﵁، ومات سنة ثلاث وتسعين أو أربع أو خمس (^١).\nوالزُّهري (^٢): هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب، أبو بكر القرشي المدني من أئمة التابعين.\nسمع: أنسًا، ومحمود بن الربيع، وسهل بن سعد، وغير واحدٍ من الصحابة والتابعين.\nروى عنه: عمرو بن دينار، وصالح بن كيسان، وعقيل، ومالك، ويونس.\nوكان من أحفظ الناس في وقته ومات سنة أربع وعشرين ومائة بالشام.\nثم نذكر رجال أعلى الطريقين:\nفشعيب: هو ابن أبي حمزة دينار الأموي مولاهم الحمصي.\nسمع: أبا الزناد، ومحمد بن المنكدر، ونافعًا، والزهري.\nيروي عنه: علي بن عياش، وابنه بشر.\n_________\n(^١) انظر \"سير أعلام النبلاء\" ٤ / ترجمة ٨٨.\n(^٢) انظر \"سير أعلام النبلاء\" ٥/ ترجمة ١٦٠.","vol":"1","page":293},{"text":"مات سنة اثنتين وستين ومائة (^١).\nوأبو اليَمَانِ: هو الحكم بن نافع البهراني الحمصي.\nسمع: شعيب بن أبي حمزة.\nروى عنه: البخاري، وروى مسلم عن عبد الله الدَّارمي ومحمد بن إسحاق الصغاني وغيرهما، عنه.\nولد سنة ثمان وثلاثين ومائة، ومات سنة إحدى وعشرين ومائتين (^٢).\nوأبو زرعة الدمشقي: هو عبد الرحمن بن (عمرو) (^٣) بن عبد الله بن صفوان. ثقةٌ حافظٌ مصنفٌ كبيرٌ من أهل الشام.\nسمع: أبا مسهر، ويحيى بن صالح الوُحاظي، وأحمد بن خالد، وأبا اليمان، وعلي بن عياش الألهاني.\nكتب عنه: أبو حاتم الرازي فمن بعده.\nتوفي سنة إحدى وثمانين ومائتين (^٤).\nوسليمان (^٥): هو أبو القاسم بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الطَّبَرَانِيُّ.\nإمامٌ حافظٌ مقدمٌ في الحديث، شاميُّ الأصل سكن أصفهان ونشر بها العلم ستين سنة على الاتفاق، وصنَّف كتبًا مشهورةً، ومات بها سنة ستين وثلاثمائة، ويقال: إنه وُلد سنة ستين ومائتين وقد استوفي مائة سنة.\n_________\n(^١) انظر \"سير أعلام النبلاء\" ٧/ ترجمة ٦٥.\n(^٢) انظر \"سير أعلام النبلاء\" ١٠/ ترجمة ٧٧.\n(^٣) في س: عمر، خطأ، والمثبت من د، مصادر الترجمة.\n(^٤) انظر \"تهذيب الكمال\" (١٧/ ٣٠١)، \"سير أعلام النبلاء\" ١٣/ ترجمة ١٤٦.\n(^٥) انظر \"سير أعلام النبلاء\" ٢٠/ ترجمة ٨٦.","vol":"1","page":294},{"text":"سمع: أبا زرعة الدمشقي، وأبا يزيد القراطيسي، وبشر بن موسى، ومن لا يحصون.\nوأبو نعيم هو أحمد بن عبد الله الحافظ سبق ذكره في المجلس الثامن.\nوأبو علي: هو الحسن بن أحمد بن الحسن بن أحمد بن محمد بن مهرة الحداد المقرئ الأصفهاني.\nشيخٌ ثقةٌ صدوقٌ، قرأ القرآن بروايات.\nوسمع: أبا نعيم، وأبا بكر بن ريذة، وأبا أحمد محمد بن علي المكفوف، وأبا طاهر محمد بن أحمد بن عبد الرحيم الكاتب، وغيرهم.\nوعُمّر حتى ارتحل طلبة الحديث إليه وسمعوا منه الكثير.\nولد سنة تسع عشرة وأربعمائة، وتوفي سنة خمس عشرة وخمسمائة، وقال الإمام أبو سعد السمعاني: سنة ست عشرة (^١).\nومحمد بن عبد الباقي: هو أبو الفتح بن عبد الباقي بن أحمد بن سلمان المعروف بابن البَطِّي.\nشيخٌ مكثرٌ صحيحُ السَّماعِ، تفرَّد في وقته بالرواية عن جماعةٍ من الشيوخ.\nسمع: البَانِيَاسِيَّ، وحمدًا الحداد، وابن الْبَطِرِ، وأبا طاهر الباقلاني، وأجاز له الرئيس أبو عبد الله الثقفي، وأبو مطيع المصري وأقرانهما. وُلِدَ سنة سبع وسبعين وأربعمائة، وتوفي سنة أربع وستين وخمسمائة. والله أعلم (^٢).\n_________\n(^١) انظر \"سير أعلام النبلاء\" ١٩/ ترجمة ١٩٣، \"التحبير\" للسمعاني (١/ ١٧٧) وفيه أنه توفي سنة خمس عشرة. والله أعلم.\n(^٢) انظر \"سير أعلام النبلاء\" ٢٠/ ترجمة ٣٠٤.","vol":"1","page":295},{"text":"<span data-type='title' id=toc-116>الفصل الثاني</span>\nقوله: \"هَلْ تُضَارُّونَ\" روي بتشديد الراء مع رفع التاء وفتحها:\nأمَّا على الرفع فهو من المضارّة، وأصله تُضارِرُون أو تُضارَرُون في إبصار بعضكم بعضًا بالزَّحمة على الرؤية كما يكون عند رؤية الهلال. وقيل: لا يجادل بعضكم بعضًا ولا يخالف، يقال: ضَارَرْتُه مضارة: إذا خالفته وضايقته.\nوأما على الفتح فهو من التَّضارّ والأصل تتضارون فحذفت إحدى التاءين.\nويروى بتخفيف الراء ورفع التاء من الضير.\nويروى بدل اللَّفظة: \"لَا تُضَامُّونَ\" برفع التاء ونصبها أيضًا والميم مشددة من الضَّمِّ أي: ينضمُّ بعضكم إلى بعضٍ للرؤية كما يُفعل عند رؤية الهلال، وقد تخفف الميم والتاء مرفوعة من الضَّيْم وهو الظلم والنقص أي: لا ينالكم في رؤيته ضيمٌ بأن يراه بعضكم دون بعضٍ بل تستوون في ذلك.\nوقوله: \"فَإنَّكُمْ تَرَوْنَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ\" أي: بلا شبهة كما ترون الشمس والقمر بلا شبهةٍ، فالمقصود تشبيه الرؤية بالرؤية لا المرئي بالمرئي.\nوقوله: \"مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتْبَعُهُ\" مقصوده أنَّ كلَّ عابدٍ يحال على معبوده ليأيس من عَبَدَ غير الله من رحمته ويعلم أنَّ عبادة غيره تودي به إلى الهلاك مع الهالكين، ويروى في الحديث من بعض الروايات أنه لا يبقى من كان يعبد غير الله أحدٌ إلَّا تساقط (^١) أي: في النار.\nوالطَّوَاغِيتُ جمع طَاغُوتٍ وهي الأصنام، ويقال: الطَّاغُوتُ: الشَّيطان والكاهن وكُلُّ رأسٍ في الضَّلال، ويقال: الطَّاغُوتُ: كلُّ ما عُبِدَ من دون الله.\n_________\n(^١) وردت في رواية أبي سعيد الخدري في \"مسند الطيالسي\" (٢١٧٩). بنحوه.","vol":"1","page":296},{"text":"وقوله: \"وَتَبْقَى هَذِهِ الْأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا\" يدلُّ على أنَّ المنافقين في القيامة يتبعون الأمة ويخلطون أنفسهم بهم إلى أن يُحرَموا، كما كانوا يُظهرون في الدنيا الاتباع والموافقة إلى أن فُضحوا.\nوقوله: \"فَيَأْتِيهِمُ الله\" ولفظ الصورة والضحك في الحديثِ من المتشابهات التي يمتنع طائفةٌ من علماء الأصول وغيرهم من تأويلها بعد التنزيه والتحرز عن التشبيه، ويَكِلون علمها إلى الله تعالى (^١).\nومنهم من يذهب إلى التأويل ويقول: قد تطلق الصورة بمعنى الصفة كما يقال: صورة الحال والمسألة كذا، والمعنى أنه يُظهر لهم شدَّةَ بَأْسِهِ وقُوَّةَ قهره ومؤاخذته، وقد عرفوه سَتَّارًا حليمًا فيقولون: ما عهدنا من ربِّنا إلا السّتر والرّحمة فنثبت في مكاننا رجاء أن يظهر لنا ما عرفناه وعهدناه، فيأتيهم بالعفو والمغفرة، فيقولون: هذا ما عرفنا به ربنا.\nومنهم من قال: يأتيهم الله في صورة أي بصورة؛ وذلك أنَّ عابدي الصور والأجسام أحيلوا على ما عبدوها، فتوجه كلُّ واحدٍ منهم وجهة كان هو موليها، وبقي الذين عبدوا الله منزهين له عن تماثل الصور والأجسام، فأراد الله تعالى أن يُظْهر صحَّةَ إيمانهم لملائكته أو لعبَدَةِ الطَّواغيتِ فأراهم صورة أبدأها وأبداها لهم وأجرى على لسان تلك الصورة أني ربكم فتنفَّروا وقالوا: كنَّا نعبدُ من يَجِلُّ عن الصُّور والأشكال فلا نبرح حتى نراه فإذا تجلى لهم ورأوه كما علموه قالوا: أنت ربنا.\n_________\n(^١) وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ فهم يثبتون له ما أثبته لنفسه دون تعطيل أو تشبيه أو تجسيم.","vol":"1","page":297},{"text":"ويروى في الحديث أنه يقال لهم: أوَتعرفونه إذا رأيتموه؟\nفيقولون: نعم. فيقال: وبماذا تعرفونه؟\nفيقولون: بيننا وبينه علامة إذا رأيناها عرفناه.\nقيل: تلك العلامة تنزهه عن مشابهة المخلوقات (^١).\nوقوله: \"فَيَتْبَعُونَهُ\" أي: يتبعون أمره أو الطريق الذي يهديهم فيه إليه إلى الجنَّةِ.\nوقوله: \"فَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ\" الصراط والسراط والزراط: الطريق، قال الشاعر: [الوافر]\nشَحَنَّا أَرْضَهُمْ بِالْخَيْلِ حَتَّى … تَرَكْنَاهُم أَذَلَّ مِنَ الصِّرَاطِ\nوقيَّدَ بعضهم فقال: الصِّرَاطُ: الطَّرِيقُ الوَاضِحُ، وقرئ قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ﴾ باللُّغات الثَّلاث، ويذكر أنَّ أصلها السراط بالسين وأن الكلمة من الاستراط كأنَّ الطريق تسترط المارة أي: تبتلعهم.\nوقوله: \"بَيْنَ ظَهْرَانَيْ جَهَنَّمَ\" ويروى: \"بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ\" يقال: نزلت بين ظَهْري القوم وظَهْرانَيْهم أي: بينهم وبين أظهرهم، وقد يضع العرب الاثنين موضع الجمع ويقال: لقيته بين الظَّهْرانَيْنِ والظَّهْرَيْن أي: في اليومين والأيام مرة.\nوقوله: \"فَأَكُونُ أَنَا أَوَّلَ زُمْرَةٍ تَجُوزُ\" أي: أنا وأمتي، أو أنا بقومي أول من يقطع الصِّراط، وجاز وأجاز يقال: هما لغتان، وعن الأصمعي أنه يقال: جازَ الوادي أي: مشى فيه، وَأَجَازَهُ: قطعه.\nقوله: \"وَدَعْوىَ الرُّسُلِ\" أي: دعاؤهم، وكذا هو في بعض الروايات،\n_________\n(^١) بل هذه العلامة هي الساق كما جاء في الحديث الصحيح السالف: فيقول: هل بينكم آية تعرفونه؟ فيقولون: الساق، فيكشف عن ساقه ....","vol":"1","page":298},{"text":"والغرض أنَّ الرسل مع ما لهم من الفضل لما يلاقون من الأهوال يسألون السلامة ويخافون.\nوقوله: \"وَبهِ كَلَالِيبُ\" أي: بالصِّراط، ويروي: \"فِي جَهَنَّمَ كَلَالِيبُ\" والكَلَاليبُ جمع كَلُّوبُ: وهو الحديدة المُعَقَّفةُ الأطرافِ يعلَّقُ عليها اللَّحمُ، فإن كانت مستقيمة فهي سَفُّودٌ، ويقال للكلُّوب كلَّاب أيضًا، والكُلّابُ: الْمِهْمَازُ أيضًا.\nوالسَّعْدَانُ: نبتٌ له شوكٌ عظيمٌ يقال له: حَسَكُ السَّعْدَانِ، وقد يُشبَّهُ به حَلَمَةُ الثَّدي فيقال: سَعْدَانَةُ الثَّدْيِ، ويشبه أن يكون تشبيه الْحَلَمَةِ له من جهة استدارتها وانبجاس اللَّبن من ثُقْبِهَا كاستدارة الْحَسَكِ وانشعاب طاقات الشوك منه وأن يكون تشبيه الكَلُّوبِ به من جهة كثرة معاقفه ككثرة شعب الشَّوك ومن جهة تعلقه بمن يلاقيه كتعلق الشَّوك.\nوالسَّعْدَانُ مع عظم شوكهـ تحبُّه الإبل وتَسْمَنُ عليه وهو من أفضل ما تَرْعَى، ولذلك يقال في المثل: مَرْعَي ولا كالسَّعْدان.\nوَالمُوبَقُ: المُهْلَكُ، يقال: وَبِقَ يَوْبَقُ وَوَبِقَ يَبِقُ، وأوبقه غيره، والموثق: المشدود.\nوَالمُخَرْدَلُ قيل: هو المطروح المصروع، والأشهر أنه المقطع يقال: خَرْدَلْتُ اللَّحْمَ أي: قَطَعْتُهُ، وخَرْذَلْتُهُ بالذال كذلك، والمعنى أنَّ كلاليبَ الصِّراطِ تقطعه حتى تتساقط القطع في النار. ويروى \"الْمُجَردَلُ\" بدل \"الْمُخَرْدَلُ\" ويذكر أنَّ الْجَرْدَلَةَ: الإشرافُ على السُّقُوطِ.\nو\"امْتَحَشُوا\" أي: اسْوَدُّوا واحْتَرَقُوا، يقال: مَحَشَتْهُ النَّارُ فامتحش، وعن الليث أنَّ الْمَحْشَ تَنَاوُلٌ من اللَّهَبِ يَحْرِقُ الْجِلْدَ وَيُبْدِي الْعَظْمَ، وروى بعضهم:","vol":"1","page":299},{"text":"\"وَامْتُحِشُوا\" وجعل الِامْتِحَاشَ كالمَحْشِ.\nو\"مَاءُ الْحَيَاةِ\" يُصَبُّ عليهم من الجنَّةِ سُمِّيَ ماء الحياة لأنَّهم يَحْيَوْنَ بِهِ.\nو\"الْحِبَّةُ\" بُذُورُ البُقُولِ، ويقال: حبُّ الرياحين، وأما الحنطة ونحوها، فيقال لها: الْحَبُّ والْحَبَّةُ، وشبه نباتهم بنبات الْحِبَّةِ إشارة إلى سرعته فإنَّ الْحِبَّةَ يسرع نباتها لارتوائها من الماء وتهيؤها للنبات إذا صادفت التُّراب.\nو\"الْحَمِيلُ\" ما احتمله السيل من غُثاءٍ وطينٍ وغيرهما، فعيل بمعنى مفعول.\nوقوله: \"قَشَبَنِي رِيحُهَا\" الأشهر من معناه: سَمَّنِي، وكُلُّ مَسْمُومٍ قَشِيبٌ ومُقَشَّبٌ. والقِشْبُ: السُّمُّ، والقَشْبُ: خَلْطُ السُّمِّ بِالطَّعَامِ.\nوقوله: \"وَأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا\" هكذا يروى في الأكثر بالفتح والمد وهو قضية صورة الخط؛ لأنَّهم أثبتوا بعد الألف واوًا، والذي يصحُّ في اللغة من شِدَّةِ حَرِّ النَّارِ وتوقدها القصر، يقال: ذَكَتِ النَّارُ تَذْكُو ذَكًا وذُكُوًّا، والذَّكاء بالمد: تمامُ السِّنِّ وبُلوغُ كُلِّ شيءٍ مُنتهاه، وأيضًا ذكاء القلب وحدّة الخاطر، فإن ثبت رواية القصر فذاك وحق الواو أن تُطرح وإلَّا فيمكن أن يراد به تمام الاشتعال ونهايته، وقد يُرد إلى ذلك ذكاء الخاطر أيضًا.\nوقوله: \"انْفَهَقَتْ لهُ\" أي: انْفَتَحَتْ وَاتَّسَعَتْ، يقال: أَفْهَقْتُ الْإِنَاءَ فَفَهِقَ فَهَقًا، وهو الِامْتِلَاءُ، وبئرٌ مِفْهَاقٌ: كَثِيرُ الْمَاءِ، ومنه الثَّرْثَارُونَ المُتَفَيْهِقُون: وهم الذين يتوسعون في الكلام ويفتحون به الأفواه.\nوفي بعض الروايات بدل \"الْخَيْرِ وَالسُّرُورِ\": \"الْحَبْرَةِ وَالسُّرُورِ\".\nوقوله: \"حَتَّى يَضْحَكَ الله مِنْهُ\" أي: يظهر له الرضا والقبول، يقال للراضي المستبشر: ضَاحِكٌ، ويزاد في الاستعارة فيقال الانبساط والانجلاء والظهور:","vol":"1","page":300},{"text":"ضَحِكٌ، يقال طَرِيقٌ ضَاحِكٌ أي: ظَاهِرٌ، وفي الحديث: \"يُبْعَثُ السَّحَابُ فيضحك أحسن الضحك\" (^١) جعل انجلاءه عن البرق ضَحِكًا على الِاسْتعارةِ. وقال الشاعر:\nكُلَّ يَومٍ بِأُقْحُوانٍ جَدِيدٍ … تَضْحَكُ الْأَرْضُ مِنْ بُكَاءِ السَّمَاءِ (^٢)\n\n<span data-type='title' id=toc-117>الثالث</span>\nالحديثٌ أصلٌ في إثباتِ رؤية الله تعالى في الآخرة ومن هذه الجهة أورده البخاري في باب: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ (^٣) من كتاب التوحيد (^٤)، وأصلٌ في إثبات الصِّرَاطِ ومن هذه الجهة أورده البخاري في باب عقيب صفة الجنة والنار (^٥)، واللفظ \"وَيُضْرَبُ جِسْرُ جَهَنَّمَ\" وكذلك وردَ في رواية أبي سعيد الخدري وفي روايته زيادات يتَّضح بها معنى الحديث:\nحَدَّثَ البخاري في \"الصحيح\" عن يحيى بن (بُكَيْرٍ) (^٦) عن اللَّيْثِ بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هِلالٍ، عن زَيْدٍ وهو ابن أَسْلَمَ، عن عَطَاءِ بن\n_________\n(^١) رواه أحمد (٥/ ٤٣٥) بنحوه.\n(^٢) البيت من الخفيف، وهو للحسين بن مطير الأسدي، انظر \"الأغاني\" (١٦/ ٢٥)، \"خزانة الأدب\" (٢/ ٢٦٠).\n(^٣) القيامة: الآية ٢٢ - ٢٣.\n(^٤) \"صحيح البخاري\" (٧٤٣٨).\n(^٥) \"صحيح البخاري\" (٦٥٧٤).\n(^٦) في س، د: أبي بكير. وهو خطأ، والمثبت من \"صحيح البخاري\".\nويحيى هو: ابن عبد الله بن بكير القرشي المخزومي أبو زكريا المصري، وقد ينسب إلى جده. ترجمته في \"تهذيب الكمال\" (٣١/ ٤٠١).","vol":"1","page":301},{"text":"يَسَارٍ، عن أبي سعيد ﵁ قال: قُلْنَا: يا رسول الله هل نري ربنا؟\nفقال: \"هل تُضَارُّونَ في رُؤْيَةِ الشمس إذا (^١) كانت صَحْوًا؟ \".\nقُلْنَا: لَا.\nقال: \"فإنكم لا تُضَارُّونَ في رُؤْيَةِ ربكم يومئذٍ إلا كما تُضَارُّونَ في رؤْيَتِهِمَا\" ثم قال: \"يُنَادِي مُنَادٍ ليذهب كُلُّ قوم إلى ما كانوا يعبدون، فيذهب أصحاب الصليب مع صليبهم وأصحاب الأوثان مع أوثانهم وأصحاب كُلِّ آلِهَةٍ مع آلِهَتِهِمْ حتى يبقى من كان يعبد الله ﷿ من بَرٍّ أو فَاجِرٍ وغُبَّرَاتٌ من أهل الكتاب ثم يُؤْتَى بجهنم تُعْرَضُ كأنها السراب، فيُقَالُ لليهود: ما كنتم تَعْبُدُونَ؟\nقالوا: كُنَّا نعبد عُزَيْرَ ابن الله، فيقال: كذبتم ليس لله صاحبه ولا ولدٌ فما تُرِيدُونَ؟\nقالوا: نُرِيدُ أن تَسْقِيَنَا، فَيُقَالُ: اشربوا. فيتساقطون في جهنم.\nثم يُقَالُ للنصارى: ما كُنْتُم تَعْبُدُونَ؟\nفَيَقُولُونَ: كُنَّا نَعْبُدُ المسيح ابن الله، فَيُقَالُ: كذبتم لم يكن لله صاحِبَةٌ ولا وَلَدٌ فما تُرِيدُونُ؟\nفَيَقُولُون: نُرِيدُ أن تَسْقِيَنَا، فَيُقَالُ: اشربوا.\nفيتساقطون في جهنم حتى يبقى من كان يعبد الله من برٍّ أو فَاجِرٍ، فيُقَالُ لَهُمْ: ما يُجْلِسُكُمْ (^٢) وقد ذهب الناس؟\nفَيَقُولُونَ: إنَّا سمعنا مُنَادِيّا يُنَادِي لِيَلْحَقْ كُلُّ قوم بما كانوا يَعْبُدُونَ وَإِنَّا نَنْتَظِرُ\n_________\n(^١) في س: إذ.\n(^٢) في \"صحيح البخاري\": يحبسكم. وكلاهما رواية، انظر \"فتح الباري\".","vol":"1","page":302},{"text":"رَبَّنَا.\nفَيُقَالُ: هل بينكم وبينه آية تَعْرِفُونَهَا؟\nفَيَقُولُونَ: السَّاقُ.\nفَيَكْشِفُ عن ساقه فيسجد له كُلُّ مؤمن ويبقى من كان يسجد لله رِيَاءً وسُمْعَةً يعود ظهره طَبَقًا وَاحِدًا، ثم يُؤْتَى بِالْجَسْرِ فَيُجْعَلُ بين ظَهْرَيْ جهنم.\nقُلْنَا: يا رسول الله وما الْجَسْرُ؟\nقال: مَدْحَضَةٌ مَزَلَّةٌ عليه خَطَاطِيفُ وكَلَالِيبُ وَحَسَكٌ مُفَلْطَحَةٌ لها شَوْكَةٌ عقيقةٌ تكون بِنَجْدٍ يُقَالُ لها السَّعْدَانُ يَمُرُّ المؤمن عليها كَالطَّرْفِ وكالبرق وكالريح وَكَأَجَاوِيدِ الخيل والركاب فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ وَنَاجٍ مَخْدُوشٌ ومَكْدُوسٌ في نار جهنم … \" (^١) وذكر باقي الحديث.\nوَالغُبَّرَاتُ: البقايا، وكذلك الغُبَّر.\nوالسَّاقُ (^٢): الشِّدَّةُ على ما هو مبينٌ في تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ (^٣).\nوالإضافة في قوله: \"عَنْ سَاقِهِ\" كإضافةِ العرش والبيت والنَّاقةِ إليه.\nوقوله: \"فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًا وَاحِدًا\" أي: فَقَارَةٌ وَاحِدَةٌ حتى لا يقدر على الاِنْحِنَاءِ والسُّجودِ.\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٧٤٤٠).\n(^٢) الساق هي ساق الله ﷿، ومذهب أهل السنة والجماعة إثبات صفات الله تعالي كما جاءت بدون تعطيل أو تمثيل أو تكييف أو تأويل. والله تعالى أعلم.\n(^٣) القلم: ٤٢.","vol":"1","page":303},{"text":"و\"مَدْحَضَةٌ\" من الدَّحضِ وهو الزَّلق.\nو\"مَزَلَّةٌ\" بمعناه بفتح الزاي وكسرها من الزَّلل.\nو\"الْخَطَاطِيفُ\" جمع خطاف وهو الكُلَّاب أو نوع منه.\nو\"الْحَسَكُ\" الشَّوك الصلب الحديد.\nو\"المُفَلْطَحَةُ\" الموسعة وقد يوجد في الرواية: \"الْمُفَلْحَطَةُ\" بتقديم الحاء ولا يعرفه أهل اللغة.\nو\"أَجَاوِيدُ الْخَيْلِ\" جمع الأجواد، والأجواد جمع الجواد، قال أبو سليمان الخطابي: إلا أنه يقال في جماعة الخيلِ الجيادُ وفي جماعةِ النَّاسِ الأجوادُ.\nو\"الْمَكْدُوشُ\" المطروح، ويقال: الْكَدْشُ: السَّوْقُ.\nوفي الحديث بيان فضل السجود إذ قال: \"تَأْكُلُ النَّارُ ابْنَ آدَمَ إِلَّا أَثَر السُّجُودِ\" فتعرفهم الملائكة بِسِيماهم في وجوههم من أثر السجود، ومن هذه الجهة أوردهُ البخاري في كتاب الصلاة (^١).\nوفيه بيانُ شدَّة أحوالِ القيامةِ وأهوالها، وغير الرسل لا يتكلمون من الخوف والحيرة والرسل يسألون السلامة، وبيان فضل الله ولطفه بذلك العبد في إجابته إلى ما سأل ثم في تطميعه فيما فوقه ثم في تذكيره ما يتمنَّاه، ثم في تضعيف غاية أمنيته.\nوكان أبو سعيد الخدري حاضرًا حتي روي أبو هريرة ﵄ الحديث فقال: شهد أني حفظت من رسول الله ﷺ قوله: \"ذَلِكَ لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ\".\nوفيه بيانُ سعةِ الجنةِ حيث يُعطى آخرُ أهلِ الجنَّةِ دُخولًا الجنَّةِ جميعَ ذلكَ.\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٨٠٦).","vol":"1","page":304},{"text":"<span data-type='title' id=toc-118>الفصل الرابع</span>\nقال العلماء: الصِّراطُ صِراطانِ: حِسِّيٌّ وَعِلْمِيٌّ، وإن شئت قلت: صُوري ومعنوي.\nفالأول: الجسر الممدود على مَتْنِ جهنَّم الموصوف في الخبر بأنه أَحَدُّ من السيف وأدقُّ من الشعر يلجأ النَّاسُ في القيامة إلى المرور عليه، ويوقفون للحساب لديه، والمارُّون مختلفون بحسب أعمالهم وأحوالهم، فمن مَارٍّ كالبرق الخاطف، وآخر كالجواد المضمر، ومن ساعٍ وزاحفٍ، ومن هاوٍ في النَّار لا انتعاش له بعد العثار، وهذا الصراط هو المراد في الحديث.\nوالثاني: جسرٌ ممدودٌ على متن الكفر وأنواع البدع والأهواء، وهو الدين القيم دين الإسلام، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (^١).\nوَيُرْوَى أَنَّهُ ﷺ قَالَ: \"إِنَّ الله تعالى بَعَثَنِي عَلَى طَرِيقٍ كَحَدِّ السَّيْفِ إِنْ زُغْتُ (عنه) (^٢) هَلَكْتُ\" (^٣).\nوهذا الثاني هو المراد بقوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ في أشهر الأقوال، وبه قال جابر بن عبد الله، وشهر بن حوشب، والضحاك، والسُّدِّي، وغيرهم.\nوَوَرَدَ به الحديث: أجاز لنا علي بن المختار بن عبد الواحد الغَزْنَوِيُّ لفظا في غَالِبِ الظَّنِّ، عن عبد القاهر بن شَاهفور، عن محمد بن سعيد، عن أحمد بن محمد\n_________\n(^١) الأنعام: ١٥٣.\n(^٢) ليس في س، د. وأثبته من \"الدر المنثور\".\n(^٣) عزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٥/ ٣٣٤) للحكيم الترمذي من حديث ابن عباس.","vol":"1","page":305},{"text":"قال: أخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمد، حدثني أبي، ثنا محمد بن إسحاق السَّرَّاجُ، ثنا أبو كُرَيْبٍ، عن بَقِيَّةَ بن الوليد، عن (بَحِيرِ بن سعد) (^١) عن خالد بن معدان، عن النَّوَّاسِ بن سَمْعَانَ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ضرب الله مثلا صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا وعلى كَنَفَيِ الصراط سُورٌ فيه أبواب مُفَتَّحَةٌ وعلى تلك الأبواب سُتُورٌ مُرْخَاةٌ، وعلى رأس الصراط دَاعٍ يدعو ويقول: ادْخُلُوا الصراط ولا تعْوَجُّوا، فالصراط المُسْتَقِيمُ هو الإسلام، وَالسُّورُ حدود الله تعالى، والأبواب المُفَتَحَةُ مَحَارِمُ الله، والدَّاعِي القرآن\" (^٢).\nوَأَحْسَنَ وَصْفَ الصِّراطين شيخنا أبو محمد النجار ﵀ في مناجاةٍ له فقال: سبحان من جعل بين القلب والقالب ارتباطًا، وجعل لكلِّ واحدٍ منهما صراطًا، فصراط القلب خطٌّ مُستوٍ مُمتدٌّ بين الشِّرك والإيمان، وصراط القالب جِسْرٌ مَمدودٌ على متن النِّيرانِ، وكلاهما أدقُّ من الشعر، وأحدُّ من حدِّ السَّيفِ الذكر، والمرور عليهما من أعظم الخطر، فمن اعتاد المرور في دنياه على صراط الإسلام هان عليه المرور في أخراه على صراط الأقدام، ومن نكب عنه في هذه الدار كُبَّ هناك في الدَّار، إلهي (أَجْرِنَا على) (^٣) هذين الصراطين ولا تُزِلَّ أقدامنا في البَين يا دليل المتحيرين ومالك يوم الدين.\nومن خشي طول الوقوف غدًا على الصِّراط سلك اليوم طريق الاحتياط، حتى يسامح بحقه طلبًا لِخِفَّةِ الحساب عن نفسه وغيره، ورغبًا في حُسْنِ الْمُنقلبِ\n_________\n(^١) في س، د: يحيي بن سعيد. وهو تحريف، والمثبت من \"جامع الترمذي\".\n(^٢) رواه الترمذي (٢٨٥٩) من طريق بقية بن الوليد، عن بحير بن سعد، عن خالد، عن جبير بن نفير، عن النواس بنحوه. وقال: حسن غريب.\n(^٣) في س: أجرنا عن.","vol":"1","page":306},{"text":"والمآب، وطمعًا في خيره، وينشد: [طويل]\nلَئِنْ رِفْقَةٌ مِنْ نَحْوِ نَجْدٍ أتَتْكُمُ … وَفِيهَا لِسُؤْلِي صُحْبَةٌ وَكِتَابُ\nفَقُولُوا أَسِيرُ الشَّوْقِ فيكُمْ مُسَلَّمٌ … وَهَلْ لِسَلَامِ الْعَاشِقِينَ جَوَابُ\nأَبَحْتُ لَهُمْ قَتْلِي مَخَافَةَ أَنْ أُرَى … وَلِي مَعَهُمْ عِنْدَ الصِّرَاطِ حِسَابُ\nوأنشدكم هذه الأبيات وقد انتظمت عقيب وصف الصراطين على تشعبٍ وتشعثٍ في البال والله المحمود على الأحوال:\nخَلَقْتَ فِي أَحْسَنِ التَّقْوِيمِ رَبِّ … وَبِالْإِحْسَانِ وَالْفَضْلِ قَدْ رَبَّتَ تَرْبِيتَا\nحَتَّى تبَلَّغَ أَقْصَى العُمْرِ مُرْتَزَقًا … مَنْ لَمْ يَجِدْ دَهْرَهُ فِي بَيْتِهِ بِيتَا\nكَمَا هَدَيْتَ إِلَى النَّجْدَينِ فَاقْضِ لَنَا … عَلَى الصِّرَاطَيْنِ تَقْوِيمًا وَتَثْبِيتَا\nهذا آخر المجلس التاسع عشر بحمد الله وحسن توفيقه وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم","vol":"1","page":307},{"text":"﷽\n\n<span data-type='title' id=toc-119>المجلس العشرون </span>من أماليه ﵀ أملاه يوم الثلاثاء الرابع من الشهر الحرام المحرم سنة اثنتي عشرة وستمائة\nحدثنا المَوْلى المُمْلِي ﵀ إِمْلَاءً من لفظه الشريف قال: روى لنا الإمام والدي ﵀ قال: أنبا هبة الرحمن بن عبد الواحد، أنبا جدي الأستاذ أبو القاسم، أنبا محمد بن الحسن، ثنا عبد الله بن جعفر، ثنا يونس، ثنا أبو داود، ثنا شعبة، عن الأَعْمَشِ، عن سالم، عن ثَوْبَانَ ﵁ قال: قال النبي ﷺ: \"اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا وَاعْلَمُوا أن خير دينكم الصلاة ولا يُحَافِظُ على الوضوء إلا مؤمن\". وَيُرْوَى: \"أن خَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصلاة\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-120>في الشرح فصول: الفصل الأول</span>\nهذا حديثُ ثابتُ مرويٌّ عن النبي ﷺ برواية جماعةٍ من الصحابة منهم: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عَمرو (^٢)، وأبو أمامة (^٣).\nومشهورٌ من رواية ثوبان ﵁ روي عنه (^٤) سوي سالم: أبو كبشة (^٥)، ورواه\n_________\n(^١) \"مسند الطيالسي\" (٩٩٦) كما رواه من طريقه الرافعي.\n(^٢) رواه ابن ماجه (٢٧٨).\n(^٣) رواه ابن ماجه (٢٧٩).\n(^٤) أي: روى عنه هذا الحديث سوي سالم.\n(^٥) ومن طريق أبي كبشة رواه أحمد (٥/ ٢٨٢)، وابن حبان (١٠٣٧)، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" (٣/ ٥) جميعًا من طريق عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، عن حسان بن عطية، عنه.","vol":"1","page":308},{"text":"عن سالم سوى الأعمش: منصور، وعن الأعمش سوي شعبة: أبو معاوية ووكيع بن الجراح.\nأخرجه أبو داود الطيالسي كما رويناه (^١)، وابن ماجه من رواية منصور عن سالم (^٢).\nوثوبان ﵁ (^٣): هو ابن بُجدد ويقال: ابن جحدر، من أصحاب رسول الله ﷺ ومواليه وأصله من اليمن من حمير، ويقال: كان من السراة موضع بين مكة واليمن.\nروى عنه: شداد بن أوس، وأبو أسماء الرَّحَبِىُّ، وجُبير بن نُفير، ومَعدان بن أبي طلحة أو طلحة.\nسكن حمص ومات سنة أربع وخمسين بها.\nوَيُرْوَى عن ثَوْبَانَ ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"من يَتَكَفَّلُ لي بِوَاحِدَةٍ أَتَقَبَّلُ أو أَتَكَفَّلُ له بِالجَنَّةِ\"؟\nقال ثَوْبَانُ: فقلت: أنا يا رسول الله. فقال: \"لا تَسْأَلِ أَحَدًا شَيْئًا\".\nفَيُقَالُ: كان ثَوْبَانُ ربما وقع سَوْطُهُ فينزل حتى يتناوله (^٤).\n_________\nقال البيهقي ﵀: هذا إسناد موصول، وحديث سالم بن أبي الجعد منقطع فإنه لم يسمع من ثوبان، والله أعلم.\n(^١) \"مسند الطيالسي\" (٩٩٦).\n(^٢) \"سنن ابن ماجه\" (٢٧٧).\n(^٣) انظر \"الإصابة في معرفة الصحابة\" (١/ ٤١٣)، \"تهذيب الكمال\" (٤/ ٤١٣).\n(^٤) رواه أبو داود (١٦٤٣)، وأحمد (٥/ ٢٧٦)، والحاكم (١/ ٥٧١)، والطيالسي (٩٩٤) واللفظ له.","vol":"1","page":309},{"text":"وسالم: هو ابن أبي الجعد رافع الغطفاني الأشجعي مولاهم الكوفي.\nوله إخوة: عبيد وزياد وعبد الله بنو أبي الجعد، ولجميعهم رواية.\nسمع سالم: جابر بن عبد الله، والنعمان بن بشير، وأنس بن مالك، وابن عمر.\nروى عنه: قتادة، وعمرو بن مُرَّة، ومنصور، وغيرهم.\nمات سنة سبع أو ثمان وتسعين (^١).\nوالأعمش: هو سليمان بن مِهران الكاهلي أبو محمد الأسدي مولاهم الكوفي، يقال: أصله من طبرستان وولد بدنباوند (^٢) وحمل إلى الكوفة فاشتراه رجل من بني كاهل من بني أسد فأعتقه.\nإمامٌ في القرآن والحديث.\nرأى أنس بن مالك بمكة وعبد الله بن أبي أَوْفَى بالكوفة، وسمع: أبا صالح، وأبا وائل، وإبراهيم النخعي، وسعيد بن جبير، والجمّ الغفير.\nروى عنه: شعبة، والثَّوري، وابن عيينة، وأبو معاوية، وحفص بن غِياث، والخلق العظيم.\nولد سنة إحدى وستين، ومات سنة ثمان وأربعين ومائة.\nوعن عبد الله بن داود قال: مات الأعمش يوم مات ولم يُخلق في الناس أعبد منه.\nوعن وكيع بن الجرَّاح قال: إنَّ الأعمش لم يفته التكبيرة الأولى قريبًا من\n_________\nقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.\n(^١) انظر \"تهذيب الكمال\" (١٠/ ١٣٠)، \"سير أعلام النبلاء\" (٥/ ١٠٨).\n(^٢) كورة من كور الري بينها وبين طبرستان فيها فواكهـ وبساتين وعدة قرى عامرة وعيون كثيرة وهي بين الجبال. \"معجم البلدان\" (٢/ ٤٣٦).","vol":"1","page":310},{"text":"سبعين سنة.\nوعن يحيى بن سعيد القطان قال: الأعمش عَلَّامَةُ الإسلام (^١).\nوشعبة مذكور في المجلس الثاني عشر.\nويحكى من زهده ونصحه عن أبي نوح قُرَّادٍ قال: رأي شعبة عليَّ قميصًا فقال: بكم اشتريت هذا؟\nقلت: بثمانية دراهم.\nفقال: أما تتق الله، هلَّا ابتعت قميصًا بأربعة وتصدقت بأربعة وكان خيرًا لك مما صنعت (^٢).\nوأبو داود ويونس وعبد الله مذكورون في المجلس الثامن.\nومحمد بن الحسن: هو الأستاذ أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك الأصبهاني الأديب، الواعظ المتكلم.\nأقام بالعراق مدَّةً وسمع الحديث من عبد الله بن جعفر الأصفهاني، وسمع ببغداد والبصرة، وورد نيسابور وبُني له بها الدار والمدرسة ونشر بها العلوم سيما علم الأصول.\nوله المصنفات الكثيرة منها: المدخل إلى علم الكلام، والمختصر، وأوائل الأدلة، والنقض على إسماعيل بن عباد، والنقض على عبد الجبار بن أحمد فيها اعتراض به على اللمع، وشرح اللمع ومقالات الشيخ أبي الحسن، والمدخل إلى أصول الفقه، وتفسير القرآن، ومناهج السالكين وطرق القاصدين للتوجه إلى رب\n_________\n(^١) انظر \"تهذيب الكمال\" (١٢/ ٧٦)، \"سير أعلام النبلاء\" (٦/ ٢٢٦).\n(^٢) رواه أبو نعيم في \"حلية الأولياء\" (٧/ ١٤٥).","vol":"1","page":311},{"text":"العالمين.\nوبلغني أنه حضر مجلس الأستاذ أبي علي الدقَّاق يومًا فذكر الأستاذ الحاضرين ودعا لهم ولم يذكره فقيل له: نسيت فلانًا؟\nفقال: ما نسيته ولكن أيُّ حاجةٍ به إلى دعائي وقد أقسمت بإيمانه على الله تعالى أن يشفي علتي وكان بي وجعٌ شديدٌ البارحة فشفاني.\nتوفي سنة ستٍّ وأربعين وأربعمائة، ويقال: إنه سمَّ (^١).\nوالأستاذ أبو القاسم: هو عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك بن طلحة بن محمد القشيري.\nوصفه أبو الحسن الفارسي فقال: إمامٌ مفسرٌ فقيهٌ متكلمٌ أصوليٌّ أديبٌ شاعرٌ صوفيٌّ، كان لسان عصره وسيد وقته وسرَّ الله في خلقه ومقدم الطائفة، جمع بين علمي الشريعة والحقيقة.\nوكان من ناحية أُسْتُوا (^٢) من العرب الذين سكنوا خراسان، وقدم نيسابور بعد أن تعلَّم الأدب والخطَّ والحساب ليصون ضَيعَتَه بناحيته عن الخراج والمؤن فحضر مجلس الأستاذ أبي علي الدقاق مُغَافَصَةً (^٣) فتعلَّق قلبه بكلامه وسلك طريق الإرادة؛ فأشار عليه الأستاذ بتعلم العلم فدرس الفقه على أبي بكر محمد بن بكر الطوسي والأصول على الأستاذ أبي بكر بن فورك ثم على الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني.\n_________\n(^١) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٧/ ٢١٤)، \"طبقات الشافعية\" للسبكي (٤/ ١٢٨).\n(^٢) انظر \"معجم البلدان\" (١/ ١٧٥).\n(^٣) أخذت الشيء مُغَافَصَةً: أي: مغالبة. \"المصباح المنير\" (غفص).","vol":"1","page":312},{"text":"وكان يحضر مجالس الأستاذ أبي عليٍّ ويتردَّدُ إليه وارتقت حاله إلى أن زوَّجه الأستاذ أبو علي ابنته فاطمة فرُزق منها أولادًا نجباء أئمة.\nصنَّف الكثير في علم الصُّوفية وغيرها وأملى الحديث مذنبًا مجالس أماليه بأشعاره، وسمع الحديث بنيسابور وبغداد والكوفة ومكة.\nروى عنه: أبو بكر الخطيب، والكبار.\nولد سنة ستٍّ وسبعين وثلاثمائة في ربيعها الأول، وتوفي سنة خمسٍ وستين وأربعمائة في ربيعها الآخر، ودُفِنَ عند شيخه الأستاذ أبي علي في خانقاه (^١).\nوسبطه: هبة الرحمن (^٢) بن عبد الواحد بن عبد الكريم أبو الأسعد، وكان يعرف بأسعد القشيري.\nمن شيوخ الشَّريعة والحقيقة، وكان يتولى الخطابة بنيسابور، وأملى الحديث الكثير.\nولد سنة ستين وأربعمائة، وتوفي سنة ستٍّ وأربعين وخمسمائة (^٣).\nوقد أنبأنا والدي عنه رحمها الله عن جده الأستاذ أنه أنشد لنفسه: [مخلع البسيط]\nالْقَلْبُ وَالْعَهْدُ وَالْوِدَادُ … كَالصَّخْرِ وَالصَّدِّ وَالْبُعَادِ\nوالْوَجْهُ والثَّغْرُ والتَّلَاقِي … كَالْبَدْرِ وَالدُّرِّ وَالرُّقَادِ\nيَا أُنْسَ قَلْبِي مَلَكْتَ رِقِّي … قُدْنِي عَلَى مُقْتَضَى المُرَادِ\n_________\n(^١) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٨/ ٢٢٧)، \"طبقات الشافعية\" للسبكي (٥/ ١٥٣).\n(^٢) زاد بعده في س، د: بن عبد الرحمن. وهو خطأ، والمثبت من مصادر ترجمته.\n(^٣) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (٢٠/ ١٨٠)، \"طبقات الشافعية\" للسبكي (٧/ ٣٢٩).","vol":"1","page":313},{"text":"ووالدي ﵀ مذكورٌ في مجالس.\nوقد أنبأنا سماعا أو إِجَازَةً قال: أنبا سعيد بن محمد قال: أنبا أحمد بن عبد القادر، أنبا أبو محمد الْخَلَّالُ، أنبا عُمَرُ بن أحمد بن عثمان، ثنا إبراهيم بن عبد الصمد، ثنا الحسين بن الحسن المَرْوَزِيُّ، ثنا ابن المُبَارَكِ (ثنا حَيْوَةُ بن شُرَيْحٍ) (^١) ثنا الوليد بن أبي الوليد، عن عبد الله بن ديِنَارٍ، عن ابن عُمَرَ ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إِنَّ أَبَرَّ الْبِرِّ أَنْ يَصِلَ الرَّجُلُ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ بَعْدَ أَنْ يُوَلِّيَ الأَبُ\" (^٢).\nوَيُرْوَى الحديث من رواية أنس ﵁ واللفظ: \"إن أَبَرَّ الْبِرَّ أَنْ تَصِلَ صَدِيقَ أَبِيكَ وابْن صَدِيقِ أَبِيكَ\" (^٣).\nفأردت بموجب هذا الخبرِ أن أبرَّ والدي ﵀ بِصِلَةِ من كان الفرد الباقي من أصدقائه وأهل ودّه وشركائه الذي لقي في هذه الأيام ربَّهُ وَقَضَى نَحْبَهُ:\nوهو الشيخ الإمام: أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن المعالي بن منصور بن الحسين بن أحمد الواريني القزويني (^٤).\n_________\n(^١) سقط من س، د. وأثبته من \"أمالي إبراهيم بن عبد الصمد\"، \"مسند الشهاب\" للقضاعي (٩٩٤) فقد رواه من طريقه إبراهيم بن عبد الصمد، \"جامع الترمذي\".\n(^٢) \"أمالي أبي إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد\" (١٩) كما رواه من طريقه الرافعي.\nوالحديث رواه مسلم (٢٥٥٢)، وأبو داود (٥١٤٣)، من طرقٍ عن عبد الله بن دينار، والترمذي (١٩٠٣) من طريق ابن المبارك عن حيوة.\n(^٣) رواه الطبراني في \"المعجم الأوسط\" (٧/ ٢١٣) دون قوله: \"وابن صديق أبيك\".\nقال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط وفيه عنبسة بن عبد الرحمن القرشي وهو متروك.\n(^٤) انظر \"التدوين في أخبار قزوين\" (١/ ٣١٤).","vol":"1","page":314},{"text":"بإثباتِ كلماتٍ تشرحُ بعض أحواله فأقول:\nكان له ﵀ حظٌّ موفورٌ من العربية والتفسير والفقه والفرائض والشّروط والشِّعر والترسُّل وغيرها، وعبارة وكتابة جيدتان، وطبع مستقيم، وقريحة صائبة، وهِمَّةٌ وعِزَّةُ نفسٍ يحفظ بهما علمه وجاهه، ووقعٌ فيما بين الناس، ورأيٌ يستمدُّ منه في المشاورات، وكان يجيد كتابة الوثائق، ويؤدي فيها المعاني الكثيرة في ألفاظٍ مختصرةٍ وقريبةٍ من الأفهام، وعلم الشروط كان (فنه وفن) (^١) أبيه، وكان محمودَ الأثرِ فيما يكتبه، وعلى قلمه في شبابه وكهولته اعتماد معارف البلد والقضاة.\nولما انقرض أقرانه في سماع الحديث وغيره وبقي بعدهم سنين صالحة؛ سمع منه البلديون والغرباء وترددوا إليه، وراجعه الخواص والعوام في الفتاوى وغيرها إلا أنه ضَعُفَ في آخر العهد أعوامًا وفترت حواسه فصار لا يخرج من بيته ولا يُنتفع به، وكان قد رُزِقَ كفافًا فقنع به ولم يطمع في غيره، ولم يشرع قطُّ فيما لا يليق بأهل العلم.\nفسمع: الإمام أبا بكر ملكداد بن علي وهو آخر من روى عنه، وأبا خليفة الفضل بن إسماعيل بن عبد الجبار بن مالك وأقرانها بقزوين، وأبا مسعود المعروف بكوتاه بأصبهان، وكانت له إجازة الْفُرَاوِيِّ، وأبي نصر الأَرْغَيَانِيِّ، وهبة الله السَّيِّدِيِّ وغيرهم من مشايخ خراسان، وهذه إجازات يعزُّ وجودها اليوم.\nوُلِدَ في المحرم سنة عشرين وخمسمائة، ومات آخر يوم من سنة إحدى عشرة وستمائة.\nوكان فيما بُلِّغْتُ رطب اللسان بذكر الله تعالى إلى أن بَرَدَ، وقلت فيه: [طويل]\n_________\n(^١) في د: وفق أبيه.","vol":"1","page":315},{"text":"تَفَجَّعْ بِمَنْ فِي الْعِلْمِ أَنْفَقَ عُمْرَهُ … فَغَادَرَهُ رَيَبُ الْمَنُونِ مُجَدَّلَا\nوَكَانَ كَرِيمَ الْخُلقِ سَهْلًا مُوَقَّرًا … وَفِي الْعِلْمِ مِقْدَامًا أَغَرَّ مُحَجَّلَا\nوَصَارَ صَرِيعًا إثْرَ طُولِ انْتِعَاشِهِ … وَعَادَ لَقًى مِنْ بَعْدِ مَا كَانَ حُوَّلَا\nوَمِنْ فَضْلِ أَهْلِ الْفَضْلِ يَا رَبِّ إِنَّهُمْ … رَأَوْا فَضْلَكَ الْمَأْمُولَ كَهْفًا ومَوْئِلَا\nفَمُنَّ عَلَى الشَّيْخِ الضَّعِيفِ بِرَحْمَةٍ … وأوْسِعْهُ إِحْسَانًا وَزِدْهُ تَطَوُّلَا\n\n<span data-type='title' id=toc-121>الفصل الثاني</span>\nالاِسْتِقَامَةُ: الإِعْتِدَالُ، يُقَالُ: اسْتَقَامَ الْأَمْرُ وَقَوَّمْتُهُ فَهُوَ مُسْتَقِيمٌ وَقَوِيمٌ، وأصل مستقيم مستقوم، واستقمت السلعة أيضًا وقومتها بمعنى، وأقام بمكان كذا وأقامه من موضعه، وَأَقَامَ الشيء: أَدَامَهُ، وَقَامَ: وقف وثبت، والْمَقَامُ والْمُقَامُ اسمان لموضع القيام ثم توسعوا فاستعملوهما استعمال المكان والمجلس، قال تعالى: ﴿خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ (^١) ثم زادوا في التوسع فسموا الجالسين في المقامة مَقَامة، قال الشاعر:\nوَفِيهِمْ مقَامَاتٍ حِسَانٌ وُجُوهُهُمْ\nثم زادوا في التوسع فسموا ما يقام به في الْمُقَامَةِ من خطبةٍ وموعظةٍ ونحوهما مَقَامة كما سَمَّوهُ مجلسًا، وعلى هذا يقال: مَقَامَاتُ فلان ومجالس فلان.\nوالمُقَامُ: الْإِقَامَةُ، والْمُقَامُ: المَوْضِعُ أيضًا، وربما حُمل على قوله تعالى: ﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ (^٢).\n_________\n(^١) مريم: ٧٣.\n(^٢) الفرقان: ٧٦.","vol":"1","page":316},{"text":"وَالْقَوَامُ: الْعَدْلُ، وَقَوَامُ الرَّجُلِ: قَامَتُهُ، وَقِوَامُ الْأَمْرِ: عِمَادُهُ، وفلان قِوامُ بيته وقِيامُهم أي: الذي يقيم شأنهم.\nوَأَحْصَيْتُ الشَّيْءَ: عَدَدْتُهُ، ونحن أكثر منهم حصًى أي عدَدًا، وَالْحَصَاةُ وَاحِدَةُ الْحَصَى، وِأَحْصَى الشَّيْءَ: أَطَاقَهُ.\nوَالصَّلَاةُ: الدُّعَاءُ، قال الله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ (^١) والصلاة من الله: الرَّحْمَةُ، والصلاة واحدة الصلوات المفروضة، وتوضع موضع المصدر وإن كانت اسمًا فيقال: صَلَّى صَلَاةً، ولا يقال: تَصْلِيَةً، والأشهر أنَّها سُمِّيَتْ صَلَاةً من الدُّعَاءِ، ويقال: هي من الصَّلَوَيْنِ وهما عظمان يَنْحَنِيَانِ في الرُّكوعِ، ويسمى التالي من الخيل السَّابِقِ مُصَلِّيًا؛ لأنَّ رأسه يكون عند صَلَوَي (^٢) السَّابِقِ.\nويقال: سُمِّيَتْ صَلَاةً؛ لأنَّ المأموم فيها يتبع الإمام كما يتبع المُصَلِّي من الخيل السابق.\nويقال: سُمِّيَتْ صَلَاةً لما فيها من الرحمة.\nوقولنا: \"الصَّلَوَاتُ لله\" أي: يتقرب بها إلى الله.\nوقيل: معناه أنَّ الرحمةَ لله تعالى ومنه وهو المتفضل بها.\n\n<span data-type='title' id=toc-122>الفصل الثالث</span>\nقوله: \"اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا\" قيل: معناهُ ولن تطيقوا القيام بشرطِ الاستقامة ورعاية حدودها؛ وذلك لدقَّةِ أمرها وعسر المحافظة عليها.\n_________\n(^١) التوبة: ١٠٣.\n(^٢) وهما اللذان عن يمين الذنب وشِماله. \"الصحاح\" (صلو).","vol":"1","page":317},{"text":"أُخْبِرْنَا كِتَابَةً عَنْ أَبِي الْأَسْعَدِ الْقُشَيْرِيِّ وَغَيْرِهِ، عَنْ أَبِي الْفَضْلِ الطَّبَسِيِّ قال: أَنَبَا أَحْمَدُ بن محمد التَّمِيمِيُّ، أَنَبَا أَبُو عَبْدِ الله بن مَنْدَه، ثَنَا عبد بْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فَارِسٍ الْبَلْخِيُّ، ثَنَا حَاتِمٌ الْأَصَمُّ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْبَلْخِيِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: \"لَوْ صَلَّيْتُمْ حَتَّى تَكُونُوا كَالحَنَايَا، وَصُمْتُمْ حَتَّى تَكُونُوا كَالْأَوْتَارِ، ثُمَّ كَانَ الاثْنَانِ أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ الْوَاحِدِ لَمْ تَبْلُغُوا حَدَّ الاسْتِقَامَةِ\" (^١).\nالْحَنِيَّةُ: الْقَوْسُ.\nوقيل: \"وَلَنْ تُحْصُوا\" أي: لن تعدُّوا ولن تحيطوا علمًا بما تجدون من ثواب الاستقامة؛ وذلك لعظم خطرها ووفور فضلها:\nعَنْ ثَوْبَانَ أَنَّ رَسُول الله ﷺ قال: \"اسْتَقِيمُوا تُفْلِحُوا\" (^٢).\nوَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ أَنَّهُ أَرَادَ سَفَرًا فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله أَوْصِنِي.\n_________\n(^١) \"مسند إبراهيم بن أدهم\" لابن منده (٢٣) كما رواه من طريقه الرافعي.\nورواه ابن الجوزي في \"العلل المتناهية\" (٤١٧) وابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (٤٢/ ٦٦) من طريق عثمان بن عبد الله الشامي، وابن عساكر أيضًا في \"تاريخ دمشق\" (٢٣/ ١٣٢) من طريق محمد بن فارس البلخي.\nقال ابن عدي: هذا لا يرويه غير عثمان، وله أحاديث موضوعات.\nقال ابن حبان: يضع الحديث على الثقات.\nوقال الذهبي في \"الميزان\" (٦/ ٢٩٣): محمد بن فارس البلخي لا يعرف، وقد أتى بخبر باطل مسلسل بالزهاد. وقال في \"المغني في الضعفاء\" في ترجمته (٥٨٩٣): لا يعرف، جاء في خبر موضوع.\n(^٢) رواه أحمد (٥/ ٢٨٠). وصححه الألباني في \"الإرواء) (٤١٢).","vol":"1","page":318},{"text":"فقال: \"اسْتَقِمْ وَلْيَحْسُنْ خُلُقُكَ\" (^١).\nوقوله: \"وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ دِينِكُمُ الصَّلَاةَ\" يبيِّنُ شرفَ هذه العبادة وكونها أفضل الطاعات.\nوقوله: \"وَلَا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلَّا مُؤْمِنٌ\" يتوجه للمحافظة معانٍ:\nأحدها: مراقبة أوقاته حتى لا يقع فيه إهمال كما قيل في قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ (^٢).\nوالثاني: إدامته بالاستئناف مهما عرض ناقض.\nوالثالث: إسباغهُ والاعتناءُ بآدابه.\nوقد يُشعِرُ ذكرَ الصَّلاة والوضوء عقيب الأمر بالاستقامة بأنَّ الاستقامةَ بالمحافظة عليهما تتمُّ.\nوقد قيل: إنَّ لفظ الصَّلاة مأخوذٌ من الاستقامة، يقال: صلَّيت العود إذا قومته بالتليين والتثقيف.\nوَالاِسْتِقَامَةُ مِنْ أَرْفَعِ الدَّرَجَاتِ وَالمَرَاتِبِ:\nقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ (^٣).\nوقال: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ﴾ (^٤).\n_________\n(^١) رواه ابن حبان (٥٢٤)، والحاكم (٤/ ٢٤٤). قال الحاكم: صحيح الإسناد، وحسنه الألباني في \"صحيح الجامع\" (٩٥١).\n(^٢) البقرة: ٢٣٨.\n(^٣) فصلت: ٣٠.\n(^٤) فصلت: ٦.","vol":"1","page":319},{"text":"والسين فيها سين الموافاة والمطاوعة، كما يقال: أرخيته فاسترخى.\nوعن الأستاذ أبي بكر بن فورك أنَّ سينها سين الطلب والمعنى أنَّهم طلبوا من الله أن يقيمهم على التوحيد وحفظ الحدود.\nوَالْأَخْبَارُ وَالْآثَارُ فِي فَضَائِلِ الاسْتِقَامَةِ لَا تُحْصَى:\nأَنَبَا السَّيِّدُ أَبُو الْكَرَمِ الْهَاشِمِيُّ، أَنَبَا إسماعيل بن أحمد بن عبد المَلِكِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَبَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، أَنَبَا محمد بن عبد الله بن إبراهيم، ثنا إبراهيم بن عَلِيٍّ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، عن عبد الرَّحْمَنِ بن أبي الزِّنَادِ، عن أبيه، عن عُرْوَةَ قَالَ: قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عبد الله الثَّقَفِيُّ لِلنَّبِيِّ ﷺ: قُلْ لِي فِي الْإِسْلَامِ قَوْلًا لَا أسأل فيه أحدًا بعدك.\nقال: \"قُلْ آمَنْتُ بالله ثُمَّ اسْتَقِمْ\" (^١).\nوعن أبي عبد الرحمن السَّلَمِيِّ قال: سَمِعْتُ أَبَا عَلِيِّ الشَّبُّوِيَّ يقول: رأيتُ رَسُولَ الله ﷺ في المنام فقلت له: رُوِيَ عنك أنك قلت: شيبتني هود فما الذي شيبك منها قصص الأنبياء وهلاك الأمم؟\nقال: لا ولكن قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ (هود ١١٢) (^٢).\nوعن الضَّحَّاك في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ\n_________\n(^١) رواه ابن حبان (٩٤٢)، وأحمد (٣/ ٤١٣). وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" (٤٣٩٥).\n(^٢) رواه البيهقي في \"شعب الإيمان\" (٢/ ٤٧٢).\nووقع فيه \"أبو علي السري\" بدلًا من \"أبو علي الشبوي\" وهو تصحيف. وأبو علي الشبوي هو الشيخ الثقة الفاضل محمد بن عمر بن شبويه الشبوي المروزي. ترجمته في \"سير أعلام النبلاء\" (١٦/ ٤٢٣).","vol":"1","page":320},{"text":"صَالِحًا﴾ (^١) قال: استقام.\nويروى أنَّه قيل لابن المبارك: بِمَ ارتفع ابن عون؟ قال: بالاستقامة.\nوعن يوسف بن الحسين الرازي أنه قال: بقدر الاستقامة على الحقِّ تُنال الهيبة عند الخلق.\nوقال شيخ الإسلام عبد الله الأنصاري: الاستقامة روح تحيى بها الأحوال، ولها درجات:\nالأولى: الاستقامة على الاجتهاد في الاقتصاد لا عاديًا رسم العلم، ولا متجوزًا حدَّ الإخلاص، ولا مخالفًا نهج السنة.\nوالثانية: استقامة الأحوال، وهي شهود الحقيقة ورفض الدعوى والبقاء مع نور اليقظة.\nوالثالثة: الاستقامة بترك رؤية الاستقامة، وبالغيبة عن تطلب الاستقامة بشهود إقامة الحق وتقويمه (^٢).\nثُمَّ الرُّكنُ الأعظمُ في الاستقامةِ استقامةُ القلبِ واللسان؛ ففي الخبر أَنَّهُ \"لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ\" (^٣).\nوَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا: \"إِذَا أَصْبَحَ ابْنُ آدَمَ قَالَتْ أَعْضَاؤُهُ لِلِّسَانِ: اتَّقِ الله فِينَا فَإِنِ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا، وَإِنِ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا\" (^٤).\n_________\n(^١) طه: ٨٢.\n(^٢) \"منازل السائرين\" (ص ٤٣).\n(^٣) رواه أحمد (٣/ ١٩٣) من حديث أنس ﵁. وصححه الألباني في \"السلسلة الصحيحة\" (٢٨٤١).\n(^٤) رواه الترمذي (٢٤٠٧)، وأحمد (٣/ ٩٥). وروي موقوفًا وقال الترمذي: وهو أصح.","vol":"1","page":321},{"text":"واعلم أنَّ الدنيا وأحوالها سريعة التقلب، بعيدة عن الاستقامة والاستقرار، قريبة من الزوال والبوار، وأنَّ الآخرة هي دار القرار، وأنت لا تزال تتقلب في دنياك من طور إلى طور، ويعتريك حور بعد كور، وكور بعد حور، وماضيها ومستقبلها في نقصان اللَّذَّةِ والفائدة قريبان من السَّواء، فالماضي بطلت منفعته وتنغصت لذته بالانقضاء، والمستقبل بين وحشة الانتظار وخطر الفناء، وجودها مشوب بالعدم، ولذاتها مستعقبة للنَّدم. وأنشد لبعضهم:\nعَجِبْتُ لِبُرْدٍ لِلشَّبَابِ قَشِيبِ … وَلَوْنِ شَبَابٍ بَالْمَشِيبِ مَشُوبِ\nوَلَمْ يَسْتَقِمْ فِي الخَدِّ خَطُّ شَبِيبَتِي … إِلَى أَنْ بَدَا فِي الحَطِّ وَخَطُّ مَشِيبِ\nوإذا تحققت ذلك فعدِّ عنها، ولا تملأ عينك وقلبك منها، واسلك سبيل الاستقامة المفيدة للكرامة يوم القيامة.\nوَتَأَمَّلْ عَنْ رَويَّةِ وَأَنَاةٍ فِي هَذِهِ الْكَلِمَاتِ الَّتِي قُلْتُهَا: [رمل]\nلَيْسَ لِلدُّنْيَا اسْتَقامَهْ … وَلِمَنْ فِيْهَا إِقَامَهْ\nهِيَ إلْمَامَةُ طَيْفٍ … وَانْتِشَاءٌ مِنْ مُدَامَهْ\nهِيَ مِثْلُ الْبَرْقِ يَبْدُو … مِنْ تَجَاوِيفِ غَمَامَهْ\nنَائِلٌ مَا أَنْتَ فِيهِ … مِنْ هَوَانٍ وَكَرَامَهْ\nحَاصِلُ الْمَأْمُولِ مِنْهَا … تَبِعَاتٌ وَغَرَامَهْ\nتَعَبٌ فِي الْحَالِ صَعْبٌ … ثُمَّ فِي العُقْبَى نَدَامَهْ\nجَافِ عَنْهَا الْجَنْبَ صَفْحًا … تَنْجُ مِنْهَا بِسَلَامَهْ\nآخر المجلس والحمد لله رب العالمين\n* * * * *","vol":"1","page":322},{"text":"﷽\nوما توفيقي إلا بالله\n\n<span data-type='title' id=toc-123>المجلس الحادي والعشرون </span>من أماليه ﵀ ابتدأ بإملائه يوم الجمعة التاسع عشر من المحرم سنة اثنتي عشرة وستمائة\nثَنَا المَوْلَى المُمْلِى أَبُو الْقَاسِمِ الرَّافِعِيُّ ﵀ إِمْلَاءً مِنْ لَفْظِهِ الشَّرِيفِ قال: أَنَبَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْخَلِيلِ، أَنَبَا الشَّافِعِيُّ بْنُ عَمْرٍو، أَنَبَا الْقَاضِي إِبْرَاهِيمُ، أَنَبَا محمد بْنُ الْمَكِّيِّ، أَنَبَا محمد بْنُ يُوسُفَ قَالَ: ثَنَا الْبُخَارِيُّ قَالَ: ثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ: ثَنَا الْوَلِيدُ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِى عُمَيْرُ بْنُ هَانِئٍ قَالَ: حَدَّثَنِي جُنَادَةُ بْنُ أَبِى أُمَيَّةَ قال: حَدَّثَنِي عُبَادَةُ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: \"مَنْ تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، الحَمْدُ لله وَسُبْحَانَ الله والله أَكْبَرُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِالله. ثُمَّ قال: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي ودَعَا اسْتُجِيبَ له، فَإِنْ تَوَضَّأَ قُبِلَتْ صَلَاتُهُ\".\nثُمَّ قال الْبُخَارِيُّ: قال لنا محمد بْنُ يُوسُفَ: أَجْرَيْتُ لَيْلَةَ هَذَا الدُّعَاءَ عَلَى لِسَانِي عِنْدَ انْتِبَاهِي مِنَ النَّوْمِ ثُمَّ جَاءَنِي جَاءٍ يَعْنِي فِي النَّوْمِ فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ (الحج: ٢٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-124>في الشرح فصول: الفصل الأول</span>","vol":"1","page":323},{"text":"هذا حديثٌ صحيحٌ، أخرجه البخاري هكذا (^١).\nورواه عليُّ بن عبد الله المديني، عن الوليد وقال: \"سُبْحَانَ الله وَالْحَمْدُ لله وَلَا إِلَهَ إِلَّا الله والله أَكْبَرُ\" فزاد التَّهليل، وقال في آخره: \"فَإِنْ هُوَ قَامَ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى قُبِلَتْ صَلَاتُهُ\" (^٢).\nوكذلك رواه أبو عيسى التِّرمذي عن محمد بن عبد العزيز بن أبي رِزْمَةَ (^٣)، وابن ماجه (^٤) عن عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي بروايتهما، عن الوليد، عن الأوزاعي.\nولم يورد مسلمٌ الحديثَ ولكن احتجَّ بهذا الإسناد وأورد به غير هذا الحديث.\nوعبادة ﵁: هو أبو الوليد عبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم بن فهر بن غنم بن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج الأنصاري.\nشهد بدرًا وكان عقبيًّا، وهو أخو أوس بن الصامت وابن أخت عبد الله بن رواحة.\nروى عنه: محمود بن الربيع، وأبو أدريس الخولاني، وابنه الوليد بن عبادة، وأبو الأشعث الصنعاني، وحِطَّان بن عبد الله.\nسكن الشَّامَ ومات سنة أربع وثلاثين وهو ابن اثنين وسبعين سنة، قيل: مات بالرَّملة من الشام، وقيل: بِقُبْرُسَ وهو الأشهر، وكان واليًا عليها من قبل عمر (^٥).\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (١١٥٤) وليس فيه قوله: قال لنا محمد بن يوسف ....\n(^٢) رواه البيهقي (٣/ ٥).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (٣٤١٤).\n(^٤) \"سنن ابن ماجه\" (٣٨٧٨).\n(^٥) انظر \"معرفة الصحابة\" (٤/ ترجمة ١٩٧٣)، و\"الإصابة\" (٣/ ترجمة ٤٥٠٠).","vol":"1","page":324},{"text":"وجُنادة بن أبي أمية يقال له: الدَّوسيُّ، واسم أبيه (كبير) (^١).\nأكثر حديثه في المصريين والشاميين.\nسمع: عمارة. وروى عنه: بُسر بن سعيد وغيره.\nتوفي سنة سبع وستين (^٢).\nوعُمير (^٣) بن هانئ: أبو الوليد العنسي الشامي الدمشقي.\nسمع: ابن عمر، ومعاوية بن أبي سفيان، وجُنادة، ويقال أنه أدرك ثلاثين من أصحاب النَّبِيِّ ﷺ.\nروى عنه: عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وغيره.\nوعمل لعمر بن عبد العزيز في بعض النواحي.\nوَأُخْبِرْنَا عن أبي الفتح الْهَرَوِيِّ، عن أبي عَامِرٍ الْأَزْدِيِّ، عن الْجَرَّاحِيِّ، عن المَحْبُوبِيِّ، عن محمد بن عيسى قال: ثنا عَلِىُّ بن حُجْرٍ قال: ثنا مَسْلَمَةُ بن عَمْرٍو قال: كان عُمَيْرُ بن هَانِئٍ يُصَلِّى كُلَّ يَوْمٍ أَلْفَ سَجْدَةٍ وَيُسَبِّحُ مائة أَلْفِ تَسْبِيحَةٍ (^٤).\nوالأوزاعيُّ: هو عبد الرحمن بن عمرو أبو عمرو الشامي.\nإمامُ أهلِ الشَّامِ وفقيههم، واختلف في الأوزاع فقيل: الأوزاع قوم من حمير، وقيل: قرية بدمشق على باب الفراديس، وقيل له: الأوزاعي؛ لأنه من أوزاع القبائل.\n_________\n(^١) في س: كثير، وهو تصحيف، والمثبت من د، مصادر التخريج. وكذا ضبطه ابن ماكولا في \"الإكمال\"، وابن ناصر الدين في \"توضيح المشتبه\" (٧/ ١٦٤).\n(^٢) انظر \"التاريخ الكبير\" (٢/ ترجمة ٢٢٩٧)، \"تهذيب الكمال\" (٥/ ترجمة ٩٧١).\n(^٣) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (٤/ ترجمة ٢٧).\n(^٤) \"جامع الترمذي\" (٣٤١٥).","vol":"1","page":325},{"text":"سمع: الزهري، وعمير بن هانئ. وروى عنه: عبد الله بن المبارك، وغير واحد. مات سنة سبع وخمسين ومائة (^١).\nوالوليد: هو ابن مسلم القرشي الأموي، مولاهم الدمشقي أبو العباس.\nسمع: محمد بن مطرف، وابن أبي ذئب، وبكر بن مُضر، والأوزاعي.\nروى عنه: داود بن رُشَيد، ومحمد بن المثنَّى، وغيرهما. مات سنة خمس وتسعين ومائة منصرفه من الحج قبل أن ينتهي إلى دمشق (^٢).\nوآخر يقال له الوليد بن مسلم أبو بشر العنبري البصري.\nسمع: أبا الصديق، وحمران بن أبان. وروى عنه: خالد الحذاء (^٣).\nوآخر يقال له الوليد بن مسلم مولى آل أبي ذباب.\nروى عن: المطلب بن عبد الله بن حنطب (^٤).\nوصدقة بن الفضل: هو أبو الفضل المروزي.\nسمع: ابن عيينة، ويحيى القطان، والوليد بن مسلم.\nروى عنه: البخاري، وهو من أفراده. مات سنة ثلاث وعشرين ومائتين (^٥).\nوالبُخَارِيُّ: هو الإمام محمد بن إسماعيل الجعفي، مذكور في المجلس الحادي عشر مع سائر الرواة.\nوأنبئنا عن أبي بكر بن خلف قال: أَنَبَا أبو طاهر أحمد بن عبد الله بن مهرويه\n_________\n(^١) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (٧/ ترجمة ٤٨).\n(^٢) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (٩/ ترجمة ٦٠).\n(^٣) انظر \"التاريخ الكبير\" (٨/ ترجمة ٢٥٣٠)، و\"تهذيب الكمال\" (٣١/ ترجمة ٦٧٣٦).\n(^٤) انظر \"التاريخ الكبير\" (٨/ ترجمة ٢٥٣٤).\n(^٥) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٠/ ترجمة ١٦٣).","vol":"1","page":326},{"text":"الفارسي قال: أَنَبَا أحمد بن عبد الله بن محمد بن يوسف الْفَرَبْرِيُّ قال: ثَنَا جدي قال: سمعت محمد بن أبي حاتم البخاري قال: سمعت حاشد بن إسماعيل وآخر يقولان: كان أبو عبد الله يعنيان محمد بن إسماعيل يختلف معنا إلى مشايخ البصرة وهو غلامٌ فلا يكتب حتى أتى على ذلك أيام، فكنا نقول له: إنك تختلف معنا ولا تكتب فما معناك فيما تصنع؟\nفقال لنا بعد ستة عشر يومًا: إنكما قد أكثرتما عليَّ وألححتها فاعرضا عليَّ ما كتبتما، فأخرجنا ما كان عندنا فزاد على خمسة عشر ألف حديث، فقرأها عن ظهر القلب حتى جعلنا نُحكم كتبنا من حفظه، فعرفنا أنه لا يتقدمه أحد (^١).\nوعن بعضهم قال: كنت عند محمد بن سلام البِيكندي فقال: لو جئت قبل لرأيت صبيًّا يحفظ سبعين ألف حديث يعني محمد بن إسماعيل. قال: فخرجت في طلبه فلحقته فقلت: أنت الذي تحفظ سبعين ألف حديث؟\nقال: نعم وأكثر، ولا أجيئك بحديث من الصَّحابة والتَّابعين إلَّا وأعرف مولد أكثرهم ووفاتهم ومساكنهم (^٢).\nويشتهر أنَّ أهل بغداد كتبوا إلى محمد بن إسماعيل رحمة الله عليه: [بسيط]\nالمُسْلِمُونَ بِخَيْرٍ مَا بَقِيتَ لَهُمْ … وَلَيْسَ بَعْدَكَ خَيْرٌ حِينَ تُفْتَقَدُ\n\n<span data-type='title' id=toc-125>الفصل الثاني</span>\nعن ثعلب حكاية اختلاف في معنى \"تَعَارَّ\":\nفقيل: انْتَبَهَ، وقيل: تَكَلَّمَ، وقيل: تَمَطَّى، وأنَّ كما يعتاده النَّائِمُ عند الاستيقاظ.\n_________\n(^١) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٢/ ٤٠٨).\n(^٢) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٢/ ٤١٧).","vol":"1","page":327},{"text":"ويقال: \"تَعَارَّ\": سهر وتقلب في فراشه.\nويذكر أنَّ التعارَّ لا يكون إلا مع كلامٍ ورفع صوتٍ وأنَّه من عِرَارِ الظَّلِيمِ وهو صَوْتُهُ، يقال: عَرَّ الظَّلِيمُ يَعِرَّ عِرارًا: أي صَاحَ.\nومنهم من لا يجوز إلَّا \"عَار\" ويقال: عَرَّهُ يَعُرُّهُ بِمَعْنَى عَرَاهُ يَعْرُوهُ وَاعْتَرَاهُ يَعْتَرِيهِ: أي أَتَاهُ.\nوفي الحديث: مَا عَرَّنا بِكَ أَيُّهَا الشَّيْخُ أي: مَا جاءَنَا بِكَ.\nويمكن أن يُجعل التَّعَارُّ منه.\nوَعَرَّهُ: سَاءَهُ، وَعَرَّهُ بِشَرٍّ: لَطَخَهُ بِهِ، وَعَرَّ أَرْضَهُ: (سَمَّدَهَا) (^١). والمستقبل في ثلاثيها يَعُرُّ أيضًا.\nوَعَرَّ الْبَعِيرُ مِنْ بَابِ فَعِلَ يَفْعَلُ فهو أَعَرّه: وهو الذي لا يطول سنامه.\nوَالْعَرُّ: الْجَرَبُ تقول منه: عَرَّتِ الْإِبِلُ تَعِرُّ فهي عَارَّةٌ.\nوَالْعُرُّ: قُرُوحٌ تَخْرُجُ بِهَا مفترقة في مَنَاخِرِهَا وَمَشَافِرِهَا يسيل منها ماءٌ أصفر، يقال منه: عُرَّتِ الإِبِلُ فهي مَعْرُورةٌ، وتكوى الصِّحَاحُ منها لِئلَّا (تعديها المراض) (^٢)، قال النَّابِغَةُ:\nفَحَمَّلْتَنِي ذَنْبَ امْرِئٍ وَتَرَكْتَهُ … كَذِي العُرِّ يُكْوَى غَيْرُهُ وَهْوَ رَاتِعُ (^٣)\n\n<span data-type='title' id=toc-126>الفصل الثالث</span>\nفي الحديثِ دليلٌ على استحبابِ ذِكرِ الله تعالى عند الانتباهِ منِ النَّوْمِ،\n_________\n(^١) في د: سدمها. وفي س: سرتتها، والمثبت من \"الصحاح\"، \"لسان العرب\" (عرر).\n(^٢) في س، د: تعدى بها المرض. والمثبت من \"الصحاح\"، \"لسان العرب\" (عرر).\n(^٣) البيت من الطويل، انظر \"أدب الكاتب\" (ص ٢٤٠)، \"الصحاح\"، \"لسان العرب\" (عرر). والعُرُّ: قُروحٌ تخرج في مَشافرِ الإبل وقَوائمها.","vol":"1","page":328},{"text":"واستحسانِ المبادرةِ إلى الذِّكر حينئذٍ.\nوأخبرنا والدي ﵀ قِرَاءَةٌ عليه قال: أنَبَا سَعْدُ الْخَيْرِ المَغْرِبِيُّ قال: أَنَبَا أَبُو محمد (الدُّونِيُّ) (^١) ح.\nوَأَنْبَأَنَا أبو مَنْصُورٍ الدَّيْلَمِيُّ، عن (الدُّونِيِّ) (^٢) قال: أَنَبَا أحمد بن (الْحُسَيْنِ) (^٣) عن أبي بكر السُّنِّيِّ قال: حَدَّثَنِي أحمد بن هشامٍ الْبَعْلَبَكِّيُّ، ثنا سليمان بن عبد الرَّحْمَنِ الْحَرَّانِيُّ، ثنا يعقوب بن الْجَهْمِ، عن عمرو بن جرير، عن عبد العزيز بن صُهَيْبٍ، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا نام العبد على فراشه فَتَقَلَّبَ في لَيْلَتِهِ على جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ أو جَنْبِهِ الْأَيْسَرِ ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يُحْيِي وَيُمِيتُ وهو حَيٌّ لا يَمُوتُ، بِيَدِهِ الخير وهو على كل شيء قدير، يقول الله تعالى لِمَلَائِكَتِهِ انْظُرُوا إلى عبدي هذا لم يَنْسَنِي في هذا الوقت، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قد رَحِمْتُهُ وَغَفَرْتُ له\" (^٤).\nوفي الحديث ثلاثةُ أذكارٍ ضُمَّ بعضها إلى بعضٍ، وكلُّ واحدٍ منها مذكورٌ بالفضلِ الكثيرِ والثَّوابِ الغزيرِ:\nأحدها: \"لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ\" إلى قوله: \"قَدِير\".\n_________\n(^١) في د: الروبي. وهو تصحيف. وأبو محمد عبد الرحمن بن أحمد بن الحسن بن عبد الرحمن الصوفي الدوني، راوي السنن عن أبي نصر الكسار. ترجمته في \"سير أعلام النبلاء\" (١٩/ ٢٣٩).\n(^٢) في د: الروبي. انظر التعليق السابق.\n(^٣) في س، د: الحسن. وأبو نصر أحمد بن الحسين بن محمد بن عبد الله بن بوان الكسار الدينوري. سمع سنن النسائي المختصر من الحافظ أبي بكر بن السني. ترجمته في \"سير أعلام النبلاء\" (١٧/ ٥١٤).\n(^٤) \"عمل اليوم والليلة\" (٧٥٧).","vol":"1","page":329},{"text":"وفي الصِّحَاحِ عن رواية المُغِيرَةِ بن شُعْبَةَ أن النبي ﷺ كان إذا قَضَى صَلَاتَهُ قال: \"لا إله إلا الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ له … \" (^١) إلى آخره.\nوفي رواية أبي هُرَيْرَةَ أن النبي ﷺ قال: من قَالَهُ عَشْرَ مَرَّاتٍ حين يُصْبِحُ، كُتِبَتْ له بها مِائَةُ حَسَنَةٍ وَحُفِظَ بها يَوْمَهُ (^٢).\nوالثاني: \"سُبْحَانَ الله وَالْحَمْدُ لله وَلَا إِلَهَ إِلَّا الله والله أَكْبَرُ\" (^٣).\nوالأحاديث في فضلها كثيرة، وفُسِّر بها قوله تعالى: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا﴾ (الكهف ٤٦).\nوعن أبي هُرَيْرَةَ أن رسول الله ﷺ قال: \"خُذُوا جُنَّتَكُمْ\".\nقُلْنَا: يا رَسُول الله مِنْ عَدُوٍّ حَضَرَ؟\nقال: \"لا، ولكن خُذُوا جُنَّتَكُمْ مِنَ النَّارِ قُولُوا: سُبْحَان الله والحَمْدُ لله ولا إِلَه إِلَّا الله والله أكبر، وَهُنَّ الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ\" (^٤).\nوالثالث: \"لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بالله\".\nواشتهر في الخبر أنَّ هذه الكلمة كنزٌ من كنوز الجنَّةِ (^٥).\nوَوَرَدَ عند التَّعَارِّ أذكارٌ أُخَر سِوى مَا فِي الحديث:\n_________\n(^١) رواه البخاري (٨٤٤)، ومسلم (٥٩٣).\n(^٢) رواه أحمد (٢/ ٣٦٠).\n(^٣) روى في فضلها مسلم (٢٦٩٥) من حديث أبي هريرة مرفوعًا أنه قال: \"لأن أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أحب إلي مما طلعت عليه الشمس\".\n(^٤) رواه النسائي في \"الكبرى\" (١٠٦٨٤)، والحاكم (١/ ٧٢٥). قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" (٣٢١٤).\n(^٥) روى في ذلك البخاري (٤٢٠٥)، ومسلم (٢٧٠٤) من حديث أبي موسى الأشعري.","vol":"1","page":330},{"text":"فَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا اسْتَيْقَظَ مِنَ اللَّيْلِ قَالَ: \"لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَغْفِرُكَ لِذَنْبِي وَأَسْأَلُكَ رَحْمَتَكَ اللَّهُمَّ زِدْنِي عِلْمًا وَلَا تُزِغْ قَلْبِي بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنِي وَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ\" (^١).\nوَعَنْ رِوَايَتِهَا أَيْضًا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ قَالَ: \"لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ، رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ\" (^٢).\nوقد تُشْعِرُ الأذكار المختلفة بأنَّ المقصدَ أن لا تغفل عن الله تعالى، ولا تخلو عن ذكره، وكلٌّ منها مؤدٍ لهذا الغرض، ثم يُؤثر ويختار في كلِّ وقتٍ ما هو أليق به.\nقوله: \"ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ ليِ ودَعَا\" فيه ترغيبٌ في الدُّعاءِ والِاستغفارِ عقيب ذكر الله تعالى والثَّناء عليه.\nوَيُرْوَي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: \"إِذَا رَدَّ اللهُ إِلَى الْعَبْدِ المُسْلِمِ نَفَسَهُ مِنَ اللَّيْلِ فَسَبَّحَهُ وَاسْتغْفَرَهُ وَدَعَاهُ؛ تُقُبِّلَ مِنْهُ\" (^٣).\nوقوله: \"فإِنْ تَوَضَّأَ قُبِلَتْ صَلَاتُهُ\" يعني وصَلَّي، على ما هو مبينٌ في الروايات الأخر، واكتفى ها هنا بدلالة قوله: \"قُبِلَتْ صَلَاتُهُ\".\nومحمد بن يوسف صاحب الرؤيا، أحد شيوخ البخاري، وهو أبو أحمد الْبِيكَنْدِيُّ.\n_________\n(^١) رواه أبو داود (٥٠٦١)، وابن حبان (٥٥٣١)، والحاكم (١/ ٧٢٤) وقال: صحيح الإسناد. وضعفه الألباني في \"ضعيف أبي داود\"، و\"المشكاة\" (١٢١٤).\n(^٢) رواه النسائي في \"الكبري\" (١٠٧٠٠)، وابن حبان (٥٥٣٠)، والحاكم (١/ ٥٤٠) وقال: صحيح على شرطهما. وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" (٤٦٩٣).\n(^٣) رواه ابن السني في \"عمل اليوم والليلة\" (٧٥١). وقال الألباني في \"ضعيف الترغيب والترهيب\" (٣٥٢): ضعيف جدًّا.","vol":"1","page":331},{"text":"سمع: ابن عيينة، وأبا أسامة، وعبد الأعلى بن مُسهر (^١).\nوالرُّؤيا دالةٌ على أنَّ الأذكارَ الواردةَ في الحديث من القول الطَّيِّبِ، وأنَّها من صراط الله تعالى الذي هو كناية عن الأعمال الصالحة والأقوال الصادقة.\nوعن ابن عباسٍ تفسير القول الطيب بكلمتي: \"لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَالْحَمْدُ للهِ\". وزاد بعضهم التكبير.\nوفُسِّر ﴿صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ (^٢) بدين الإسلام وشرائعه.\nواعلم أنَّ هذا الصراط قد يُنسَبُ إلى العبد باعتبار أنه يسلكه أو أنه مأمورٌ بسلوكهـ كما قال تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾.\nوقد يُنسَبُ إلى الله تعالى باعتبار أنَّهُ الشَّارع والآمر بسلوكه، كما قال: ﴿إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾، وقال: ﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (^٣).\nوقد يوصف الربُّ تعالى بكونه على الصِّراط المستقيم، كما حكي في مقالة هود ﵇ لقوله: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (^٤).\nوَقَرَأْتُ على اللَّيْثِ بن سَعدٍ الكثبيني (^٥) الْهَمْدَانيِّ -وَكَانَ رَجُلًا يَجْمَعُ بَيْنَ التِّجَارةِ وَطَلَبِ الْعِلْمِ وَسَمَاعِ الْحَدِيثِ، وَيُحِبُّ الْعِلْمَ وَأَهْلَهُ وَقَدْ حَصَّلَ طَرَفًا مِنْهُ،\n_________\n(^١) انظر \"تهذيب الكمال\" (٢٧/ ترجمة ٥٧١٨).\n(^٢) الحج: ٢٤.\n(^٣) الشوري: ٥٣.\n(^٤) هود: ٥٦.\n(^٥) كذا في س، د. وفي \"البدر المنير\" لابن الملقن (١/ ٣٢١): الكشميهني. وقد ترجم له الرافعي في \"التدوين في أخبار قزوين\" (٤/ ٥٨) ولم يذكر أي نسبة له.","vol":"1","page":332},{"text":"وَسَافرَ إلى خُرَاسَانَ وَمَا وَرَاءِ النَّهْرِ غَيْرَ مَرَّةٍ وَسَمِعَ مَشَايِخَهُمَا- قال: أنَبا حمَّادُ بنُ إبراهيم قال: ثنا إسماعيلُ بن محمدٍ، ثنا مُحمَّدُ بن عبد العزيز، ثنا الخليلُ بنُ أحمَدَ، ثنا أبو الْقَاسِمِ المَنِيعِيُّ، ثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ الأَغْلَبِ بْنِ تَمِيمٍ، عنِ الْحَجَّاجِ بنِ فَرَافِصَةَ، عن طَلْقِ بنِ حَبِيبٍ قال: جَاءَ رجُلٌ إلى أبي الدَّرْدَاءِ ﵁ قال: يا أبَا الدَّرْدَاءِ احْتَرَقَ بَيْتُكَ.\nقال: ما احْتَرَقَ.\nثُمَّ جاء آخَرُ فقال: انْبَعَثَتِ النَّارُ فلما انْتَهَتْ إلى بَيْتِكَ طُفِئَتْ.\nفقال: قد عَلِمْتُ أنَّ الله لم يَكُنْ لِيَفْعَلْ.\nقالوا: يا أبا الدَّرْدَاءِ ما نَدْرِي أيّ كَلَامَيْكَ أَعْجَبُ: قَوْلُكَ: ما احْتَرَقَ، أو قَوْلُكَ: إنَّ اللهَ لم يَكُنْ لِيَفْعَلْ؟\nقال: ذلك بكلِمَاتٍ سَمِعْتُهُنَّ من رسولِ اللهِ ﷺ يقُولُ: \"مَن قَالَهَا أوَّل النَّهَارِ لَم تُصِبْهُ مُصِيبَةٌ حَتَّى يُمْسِي، وَمَنْ قَالَهَا آخِرَ النَّهَارِ لَمْ تُصِبْهُ مُصِيبَةٌ حَتَّى يُصْبِحَ: اللَّهُمَّ أَنتَ رَبِّي لا إِلَهَ إلَّا أَنتَ عَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، مَا شَاءَ اللهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأ لَمْ يَكُنْ، لا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، أَعْلَمُ أنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير، وأنَّ اللهَ قد أَحَاطَ بكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي، ومِن شَرِّ كُلِّ ذِي شَرٍّ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ إِنَّ رَبِّي على صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ\" (^١).\nوقوله: \"إنَّ رَبِّي على صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ\" قيل: معناه أنه وإن كان قادرًا عليهم\n_________\n(^١) رواه البيهقي في \"دلائل النبوة\" (٣٠٤٦)، وابن الجوزي في \"العلل\" (١٤٠٠) وقال: حديث لا يثبت، وآفته الأغلب بن تميم. قال البخاري والعقيلي: منكر الحديث، وقال ابن معين: ليس بشيء.","vol":"1","page":333},{"text":"فهو لا يظلمهم ولا يلحقهم بقدرته عليهم إلَّا ما يوجب الحقّ وقوعه بهم.\nوعن ابن عباس ﵁ أنَّ معناه أنَّ الذي بعثني الله به دين مستقيم - يعني في قول هود ﵇ والمعنى على هذا أنَّ دين ربي على صراط مستقيم.\nوقد عرفت من قبل أنَّ الصِّراطَ هو الطريقُ، والصِّراطُ المستقيمُ هو المعبّر عنه بسبيل الله وسبيل رسوله وسبيل الدار الآخرة على ما قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (^١)، وقال: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ (^٢)، وقال: ﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (^٣) وهو الذي يؤدي بصاحبه إلى رحمة الله تعالى.\nويقال: طريقُ طالبِ الدُّنيا المعبّر عنه بسبيل الشيطان وسبيل الطاغوت، قال تعالى: ﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ (^٤) وهذا طريقٌ ينقطع بصاحبه ولا ينتهي فيه إلى بغيته ويصير عظةً لمن (اغترَّ) (^٥).\nحَدَّثَ عَبدُ السَّلام البَصْرِيُّ، عَنِ ابنِ الْجَرَادِيِّ (^٦) عَن أَبي بَكْرِ بْنِ الْأَنْبَارِيِّ، عَن عُمَرَ بنِ عُبَيدِ اللهِ التَّمَّارِ أَنَّهُ أَنشَدَ: [خفيف]\nأَيْنَ أَهْلُ الدِّيَارِ من قَومِ نُوحٍ … ثُمَّ عَادٌ من بَعْدِهِمْ وَثَمُودُ\n_________\n(^١) البقرة: ١٩٥.\n(^٢) يوسف: ١٠٨.\n(^٣) النساء: ٧٦.\n(^٤) النساء: ٧٦.\n(^٥) في د: اعتبر.\n(^٦) في د: المرادي. وهو تصحيف، وهو عبيد الله بن محمد بن على أبو محمد الكاتب ابن الجرادي. انظر \"الأنساب\" (٢/ ٣٧)، \"المنتظم\" لابن الجوزي (٧/ ١٧٥).","vol":"1","page":334},{"text":"بَيْنَمَا الْقَوْمُ فِي النَّمَارِقِ وَالدِّيبَاجِ … م أَفْضَتْ إِلَى التُّرَابِ الْخُدُودُ\nثُمَّ لَمْ يَنقَضِ الحَدِيثُ ولَكِنْ … بَعْدَ هَذَا الْوَعِيدُ والْمَوْعُودُ\nوَأَطِبَّاءُ بَعدَهُم لَحِقُوهُمْ … ضَلَّ (^١) عَنْهُمْ سُعُوطُهُم واللّدُودُ\nوَصَحِيحٌ أَضْحَى يَعُودُ مَرِيضًا … وهُوَ أدْنَي لِلْمَوْتِ مِمَّنْ يَعُودُ (^٢)\nوقصدتُ البارحةَ نظم بيتين أو أبيات أختم بها المجلس على المعهود وعرتني فكرة في النياف الخطوب وتشعث الأمور فتخيلت بعد مجاوزة حدِّ اليقظة وقبل استحكام النَّوم كأنِّي في قوم، وكأنَّ منشدًا ينشدهم: [وافر]\nعَسَى اللهُ اللَّطِيفُ بِكُمْ وشِيكًا … يُدَاوِي مِنْكُمُ الْقَلْبَ السَّقِيمَا\nعَسَاهُ بِمَا يَسُرُّكُمُ جَمِيعًا … يَجِيءُ وَيُولِهُ الدَّهرَ العَقِيمَا\nوَيَفْتَحُ فَضْلَهُ فَتْحًا مُبِينًا … وَيَهْدِيكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمَا\nوكان في الْخَاطِرِ بعض معناه ولفظه في اليقظة.\nآخر المجلس الحادي والعشرين، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين\n* * * * *\n_________\n(^١) في س: ظل. والمثبت من د، \"المنتظم\".\n(^٢) انظر \"المدهش\" لابن الجوزي (ص ٥٤٠).","vol":"1","page":335},{"text":"﷽\nوما توفيقي إلا بالله\n\n<span data-type='title' id=toc-127>المجلس الثاني والعشرون </span>من أماليه ﵀ ابتدأ بإملائه يوم الجمعة الحادي والعشرين من المحرم سنة اثنتي عشرة وستمائة\nحَدَّثَنا ﵀ إِمْلَاءً من لَفظِهِ الشَّرِيفِ قال: كتَبَ إِلَيْنَا مُحمَّد بنُ عَبدِ البَاقِي وغَيرِهِ عن أبِي سَعدٍ الْمُطَرِّزِ قال: أنَبَا أبُو نُعَيْمٍ ح.\nوأَنَبَا عَلِيُّ بنُ عُبَيدِ اللهِ بِقِراءَتِي عَلَيْهِ قال: أَنَبَا مُبَشِّرُ بنُ أحمَدَ الصَّحَّافُ قال: أنَبَا عُمرُ بنُ أحمَدَ السِّمْسَارُ قال: ثنَا أبُو بَكرٍ مُحَمَّدُ بنُ أحمَدَ بنِ عبدِ الرَّحمَنِ قالا: ثَنَا فَارُوقٌ الْخَطَّابِيُّ قال: ثَنَا أبو مُسْلِمٍ قَالَ: ثنَا (عبدُ اللهِ) (^١) بنُ رَجَاءٍ قال: ثَنَا عَبدُ الحَمِيدِ بنُ بَهْرَامَ، عن شَهرِ بنِ حَوْشَبٍ قال: حدَّثنِي أبو طَيْبَةَ أنَّ شُرَحبِيلَ بنَ السِّمْطِ دَعَا عَمرَو بنَ عَبَسَةَ ﵁ فقَالَ: هَل أنتَ مُحَدِّثِي حدِيثًا سَمِعتَهُ من رسول الله ﷺ ليس فيه تَزَيُّدٌ ولا تَكَذُّبٌ ولا تُحَدِّثْنِي عَن أحَدٍ سَمِعَهُ غَيْركَ؟\nقال: سَمِعتُ رسول الله ﷺ يَقُولُ: \"قَالَ (^٢) اللهُ تَعَالَى: حُقَّتْ مَحَبَّتِي لِلَّذِينَ يَتَحَابُّونَ مِنْ أَجْلِي، وَحُقَّتْ مَحَبَّتِي لِلَّذِينَ يَتَصَافَونَ مِنْ أَجْلِي، وَحُقَّتْ مَحَبَّتِي لِلَّذِينَ يَتَزَاوَرُونَ مِنْ أَجْلِي، وَحُقَّتْ مَحَبَّتِي لِلَّذِينَ يَتَوَاصَلُونَ مِنْ أَجْلِي\" (^٣).\nفي الشرح فصول\n_________\n(^١) في س: عبيد الله. والمثبت من د، مصادر ترجمته كما سيأتي.\n(^٢) قوله: قال. ليس في س، د. وأثبته من مصادر التخريج.\n(^٣) رواه أحمد (٤/ ٣٨٦)، وابن المبارك في \"الزهد\" (٧١٦) من طريق أبي طيبة. والبيهقي في \"شعب الإيمان\" (٦/ ٤٨٥)، والطبراني في \"المعجم الأوسط\" (٩/ ٤٠) من طريقٍ آخر.","vol":"1","page":336},{"text":"<span data-type='title' id=toc-128>الفصل الأول</span>\nهذا حديثٌ ثابتٌ محفوظٌ عن رسول الله ﷺ من رواية معاذ بن جبلٍ وعبادة بن الصامت، أورده حميد بن زنجويه النسوي والأئمة من روايتهما.\nوهو عزيزٌ من الرواية المسوقة، وشريفٌ لاشتمالها على سماع الصَّحابي عن الصَّحابي على الاختلاف في شرحبيل، ورواية التَّابعي عن التَّابعي.\nوليس في الإسناد رواية شرحبيل عن عمرو، ولا رواية أبي طيبة عن شرحبيل، وإنَّما الأشبه باللَّفظ رواية أبي طيبة عن عمرو؛ ولذلك قلت: إنَّ الرواية تشتمل على سماع الصَّحابي عن الصَّحابي ورواية التَّابعي عن التَّابعي.\nوعمرو بن عَبَسَةَ أبو نجيح السلمي، وربما يقال: عنبسة، من السابقين الأولين من الصَّحابة، ذكرناه في المجلس السادس.\nروى عنه: ابنه عبد الرحمن بن عمرو، وغيره، وعدَّهُ أبو سعيد بن الأعرابي في أهل الصُّفَّةِ.\nوحَدَّثَ الْحَافِظُ أبُو نُعَيْمٍ الأَصْبَهَانِيُّ في \"الْحِلْيَةِ\" عَن مُحَمَّدِ بنِ عَلِيِّ بنِ حُبَيْشٍ قال: ثَنَا أَحْمَدُ بنُ يَحْيَى الْحُلْوَانِيُّ قال: ثَنَا سَعِيدُ بنُ سُلَيْمَانَ، عَن عَبَّادِ بْنِ العَوَّامِ، عَن حُصَيْنٍ عَن (^١) عِمْرَانَ بْنِ الْحَارِثِ أنَّهُ رَأَى عَمرَو بنَ عَبَسَةَ نَائِمًا فِي بَرِّيَّةٍ (^٢) نِصْفَ النَّهَارِ وَقَد أظَلَّتْهُ سَحَابَةٌ مَا فِيهَا فَضْلٌ، قال: فأَيْقَظْتُهُ.\nفَقَالَ: إِنَّ هَذَا شَيْءٌ أُتِينَا بِهِ، لَئِنْ عَلِمْتُ أنَّكَ أخْبَرْتَ بِهِ لَا يَكُونُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ\n_________\n(^١) في س، د: بن. وهو خطأ، والمثبت من \"حلية الأولياء\": وحصين هو ابن عبد الرحمن السلمي أبو الهذيل الكوفي ترجمته في \"تهذيب الكمال\" (٦/ ٥١٩).\n(^٢) البَرِّيَّةُ: الأَرضَ المنسوبةُ إِلى البَرِّ، وهي بَرِّيَّة إِذا كانت إِلى البرِّ أَقربَ منها إِلى الماء. \"لسان العرب\" (برر).","vol":"1","page":337},{"text":"خَيْرٌ.\nقال: فَوَاللهِ مَا أَخْبَرْتُ بِهِ حَتَّى مَاتَ (^١).\nوشُرحبيل (^٢) بن السِّمط كندي.\nقال أبو عبد الله بن منده: اختُلِفَ في صحبته.\nوأطلق الإمام البخاري القول بأنَّ له صحبة، وذكر له رواية عن النَّبِيِّ ﷺ.\nوعن حَارثة بن مُضرِّب أنَّ عمر ﵁ أمَّره على الجيش.\nوذكر أنه كان أميرًا على حِمْصَ (^٣).\nروى عنه: عمرو (^٤) بن الأسود، وكثير بن مرة.\nوأبو طيبة الكلاعي تابعي.\nيروي عن: عمرو بن عَبَسَةَ، وأبي أمامة، والمقداد.\nروى عنه: محمد بن سعد، وشَهر بن حَوشب.\nويكني أبا طيبة بالطاء وتقديم الياء وهو كنية جماعة، منهم: أبو طيبة الحجام، وأبو طيبة الجرجاني وغيرهما (^٥).\nوشهر (^٦) بن حَوشب أبو عبد الرحمن الأشعري.\nروي عن: أم سلمة، وعبد الله بن عمرو، وابن عمر، وابن عباس، وأبي\n_________\n(^١) \"حلية الأولياء\" (٢/ ١٦) وفيه عن عمران بن الحارث عن مولى لكعب ....\n(^٢) انظر \"معرفة الصحابة\" (٣/ ترجمة ١٤٠٦)، \"الإصابة\" (٣/ ترجمة ٣٨٧٤).\n(^٣) \"التاريخ الكبير\" (٤/ ٢٤٨).\n(^٤) في س: عمير. وكلاهما صحيح، انظر \"تهذيب الكمال\" (٢١/ ٥٤٣).\n(^٥) انظر \"تهذيب الكمال\" (٣٣/ ٤٤٧).\n(^٦) انظر \"التاريخ الكبير\" (٤/ ترجمة ٢٧٣٠)، \"تهذيب الكمال\" (١٢/ ترجمة ٢٧٨١).","vol":"1","page":338},{"text":"هريرة.\nروى عنه: قتادة، وشمر بن عطية.\nوعن يحيى بن معين، وأبي زرعة الرازي توثيق شهر والثناء عليه.\nوتكلَّمَ شعبة فيه.\nوعن ابن عون أنه قال: إن شهرًا نَزَكُوهُ أي: عَابُوهُ يقال: نَزَكَهُ يَنْزُكُهُ إذا عابه، وأصل النَّزْكِ: الطَّعْنُ بالنَّيْزَكِ وهو أصغر من الرُّمْحِ.\nوروى بعضهم \"تَرَكُوهُ\" وعُدَّ ذلك تصحيفًا وإن كان صحيحًا في المعنى.\nوعبد الحميد بن بِهرام: هو المدائني.\nسمع: شهر بن حوشب. وسمع منه: ابن المبارك، ومحمد بن يوسف.\nوكانوا يقولون: من أراد حديث شهر فعليه بعبد الحميد (^١).\nوعبد الله: هو أبو عمرو بن رجاء بن المثنَّى الغداني البصري، مولى بني غدانة.\nمن ثقاتِ مُحَدِّثي البصرة.\nسمع: شعبة، وإسرائيل، والمسعودي، وهمام بن يحيى.\nروى عنه: محمد بن المثنَّى، وعمرو الناقد، وأبو حاتم الرازي، وأبو مسلم.\nوروى البخاري تارةً عنه، وتارةً عن رجل عنه.\nتوفي سنة تسع عشرة ومائتين في ذي الحجة (^٢).\nوأبو مسلم: هو إبراهيم بن عبد الله بن مسلم بن ماعز بن المهاجر البصري،\n_________\n(^١) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (٧/ ترجمة ١١٩).\n(^٢) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٠/ ترجمة ٩٩).","vol":"1","page":339},{"text":"ويعرف بِالْكَجِّيِّ وَبِالْكَشَّيِّ (^١). مشهورٌ بالفضلِ والأمانةِ.\nسمع: محمد بن عبد الله الأنصاري، وأبا عاصم النبيل، وحجاج بن المنهال، وأبا الوليد الطيالسي، وسليمان بن حرب، والقعنبي.\nوروي عنه: أبو القاسم البغوي، وإسماعيل الصفار، وأبو عمرو السَّماك، والطبراني، وأبو عمرو بن نُجيد، وأخرج عنه محمد بن إسحاق السراج في \"صحيحه\".\nويذكر أنه لما قدم أبو مسلم بغداد وأملى حضر مجلسه الخلق الكثير، حتى كان فيهم سبعة مستملين يُبَلِّغُ كُلُّ واحد منهم صاحبه، وإن طائفة من الناس كانوا يكتبون قيامًا لشدة الزحمة.\nولد سنة مائتين، ومات سنة اثنتين وتسعين ومائتين هذا هو الأشهر.\nوذكر الخليل الحافظ أنه نَيَّفَ على المائة (^٢).\nوتولى أبو مسلم بعض الأعمال بالشام، ومدحه البحتري بأشعارٍ منها قوله في قصيدةٍ: [وافر]\nوَلَعَمرِي لَئِنَ دَعَوْتُكَ لِلْجُودِ … لقَدمًا (^٣) لَبَّيْتَنِي بِالنَّجَاحِ\nخُلُقٌ كَالغَمَامِ لَيْسَ لَهُ بَرْقٌ … سِوَي بِشْرِ وَجْهِكَ الوَضَّاحِ\nارْتَيِاحًا لِلطَّالِبِينَ وَبَذْلَا … وَالْمَعَالِي لِلْبَاذِلِ المُرْتَاحِ (^٤)\n_________\n(^١) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٣/ ترجمة ٢٠٩).\n(^٢) \"الإرشاد في معرفة علماء الحديث\" (٢/ ٥٢٩).\n(^٣) قوله: لَئِنَ دَعَوْتُكَ لِلْجُودِ لقدمًا. في س، د: دعوت أنا الجود. والمثبت من \"تاريخ بغداد\"، \"الوافي بالوفيات\".\n(^٤) انظر \"تاريخ بغداد\" (٦/ ١٢٣)، \"الوافي بالوفيات\".","vol":"1","page":340},{"text":"وفاروق: هو أبو حفص بن عبد الكبير الخطابي البصري، من أئمتها المشهورين.\nأكثر عنه أبو نعيم الحافظ.\nوروي عنه: أبو زرعة عبد الله بن الحسين الماكي القزويني، وغيرهما.\nوهو آخر من روي سنن أبي مسلم (^١) عنه بالبصرة (^٢).\nوأبو نعيم مذكور في المجلس الثامن.\nوأبو سعد المُطَرِّزُ: هو محمد بن محمد بن عبد الله الأصبهاني، من مشاهير الرواة والمحدثين بها والمختصين بالرئيس أبي عبد الله الثقفي.\nسمع: أبا نعيم، وأبا الحسن بن عبدكويه، وأبا عصمة نوح بن نصر الفرغاني. وُلد سنة إحدى عشرة وأربعمائة، وتوفي سنة ثلاث وخمسمائة في شوال (^٣).\nومحمد بن عبد الباقي مذكور في المجلس التاسع عشر.\n\n<span data-type='title' id=toc-129>الفصل الثاني</span>\nالتَّزَيُّدُ في الْحَدِيثِ: هُوَ الْكَذِبُ، وَتَزيَّدَ السِّعرُ: غَلَا، والتَّزيُّدُ فِي السَّيْرِ فوق العنَقِ. والتَّكَذُّبُ: تَكلُّفُ الكَذِبِ.\nوقوله: \"حُقَّتْ مَحَبَّتِي\" يجوز أن يُقرأ بضمِّ الحاء، ويجوز أن يُقرأ \"حُقَّتْ\" بالفتح.\nفالضَّمُّ على معنى أنَّ الحبَّ حَقيقٌ بهم: أي خَلِيقٌ، يقال: حَقِيقٌ بك كذا\n_________\n(^١) يعني سنن أبي مسلم الكجي.\n(^٢) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٦/ ١٤٠).\n(^٣) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٩/ ٢٥٤).","vol":"1","page":341},{"text":"ومَحْقوقٌ، وحُقَّ لك أن تفعل كذا، وحُقِقْتَ أن تفعله.\nوالفتح على معنى الوجوب والثبوت. يقال: حَقَّ يَحِقُّ بالكسر: أي وَجَبَ، وأَحْقَقْتُ الشَّيْءَ: أَوجَبْتُهُ، وَاسْتَحْقَقْتُهُ: اسْتَوْجَبْتُهُ، وَأَحْقَقْتُ الرَّجُلَ أيضًا إِذَا تَحَقَّقْتُهُ وَصِرْتُ مِنْهُ علَى يَقِينٍ، وَتَحَقَّقَ عِنْدَهُ الْخَبَرُ: صَحَّ.\nوالَّذِينَ: جمع الَّذِي وهو اسمٌ مبهمٌ لا يتمُّ إلا بصلةٍ، وأصله \"لذي\" فأدخل عليه الألف واللام وفيه أربع لغات:\nأشهرها: الَّذِي، والثانية: اللَّذْ بإسكان الذال، والثالثة: اللَّذِ بالكسر، والرابعة: الَّذِيّ كالنَّبِيّ.\nويقال في تثنية الَّذِي: اللَّذانِ واللَّذانِّ بتشديد النُّون، والجمع وهو \"الَّذِينَ\" لا يختلف في موضعِ الرَّفعِ والنَّصب والجرِّ، ومنهم من يقول في موضع الرفع \"الذون\" وقد تحذف منه النون فيقال: \"الذي\" يراد به الجمع، قال الشَّاعرُ:\nوَإِنَّ الَّذِي حَانَت بِفَلْجٍ دِمَاؤُهُمْ … هُمُ القَوْمُ كُلُّ القَوْمِ يَا أُمَّ خَالِدِ (^١)\nوقيل: إنَّه جمع اللَّذِ أو اللَّذْ. وتثنية الَّذِيّ: اللَّذيان، والجمع اللَّذيُون، كالنَّبِيِّ والنَّبِيِّينَ.\nوَيُقَالُ: فَعَلْتُ ذَلِكَ مِن أَجْلِ كَذَا وَمِنْ أَجْلِهِ أي مِن جَرَّائِهِ وَسَبَبِهِ، تفتح الهمزة وتكسر.\nوتَصَافَيْنَا الْوُدَّ أي: تَخَالَصْنَا، وصَافَيْتُهُ الوُدَّ وَأَصْفَيْتُهُ أي أَخْلَصْتُهُ.\n_________\n(^١) البيت من الطويل وهو لأشهب بن رميلة، انظر \"البيان والتبيين\" (ص ٥٨٤)، \"خزانة الأدب\" (٢/ ٢٦٩)، \"لسان العرب\" (فلج).","vol":"1","page":342},{"text":"<span data-type='title' id=toc-130>الفصل الثالث</span>\nقَوْلُهُ: \"أَنَّ شُرَحْبِيلَ دَعَا عَمْرًا\" كَأَنَّ دُعَاءَهُ إِيَّاهُ كَانَ لإِمَارَتِهِ وَإِجَابَةُ عَمْرٍو لِبَذلِ الطَّاعَةِ.\nوَقَوْلُهُ: \"لَيْسَ فِيهِ تَزَيُّدٌ وَلَا تَكَذُّبٌ\" لَا يَنْبَغِي أَنْ يُتَوَهَّمَ مِنْهُ نِسْبَةُ عَمرٍو إِلَى التَّسَاهُلِ فِي الْحَدِيثِ وَالْمُجَازَفَةِ بِالزِّيَادَةِ والنُّقْصَانِ، ولَكِنْ يَتَّجِهُ فِيهِ شَيْئَانِ: أحَدُهُمَا: أَنْ يُرِيدَ حَدِّثْنِي حَدِيثًا بَرِئًا عَنِ التَّزَيُّدِ والتَّكَذُّبِ، كَمَا هُوَ شَأْنُكَ فِيمَا تُحَدِّثُ بِهِ.\nوَالثَّانِي: أن يُقَالَ: إِنَّهُ اقْتَرَحَ (^١) مِنْهُ مَزِيدَ احْتِيَاطٍ، والْتَمَسَ أَلَّا يُحَدِّثَ بمَا سَمِعَهُ مِنْ غَيْرِهِ فِإِنَّ فِيهِ مَجَالَ الزِّيَادَةِ والنُّقْصَانِ مِنَ الْمَسْمُوعِ مِنهُ، بَلْ يُحَدِّثُ بِمَا سَمِعَهُ مِنْ رسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ غَيْرِ واسِطَةٍ.\nوالجمعُ بين لفظتي التَّزَيُّدِ والتَّكَذُّبِ يُمكن أن يكون على التأكيدِ والمبالغةِ، ويُمكن أن يقال: التَكَذُّبُ يشملُ الزيادةَ والنُّقصانَ فلذلك ضَمَّهُ إلى التَّزَيُّدِ، ويُمكن أن يحملَ التَّزَيُّدُ على الوَهَمِ والغَلَطِ التَّكَذُّبُ على تَعمُّدِ الكَذِبِ وتَكَلُّفِهِ، وَقَدْ يُفْهَمُ ذَلكَ مِمَّا رُويَ لنَا عَنْ أبي الأَسْعَدِ الْقُشَيْرِيِّ، عن أبي الْفَضْلِ الطَّبَسِيِّ قال: أنَبَا أحْمَدُ بنُ مُحَمَّدٍ الْكَرَابِيسِيُّ قال: أنَبَا أَبُو سَعِيدٍ الْخَلَّاليُّ (^٢) قال: ثنَا أحمَدُ بْنُ خالِدٍ الْحَرَّانِيُّ قال: ثنا عمِّي الوَلِيدُ بنُ عبدِ المَلِكِ، حدَّثَنِي أبي، حَدَّثَنَا أبُو صَخْرٍ الْبَاهِلِيُّ، عَن شُرَحْبِيلَ، عَنْ عَمرِو بْنِ عَبَسَةَ قَالَ لَهُ شُرَحْبِيلُ: قَالَ: يَا عَمْرو هَلْ\n_________\n(^١) في د: اقتراح.\n(^٢) في د: الجلالي. وهو تصحيف، والمثبت من س. وهو أبو سعيد إسماعيل بن أحمد بن محمد التاجر الخلالي الجرجاني. \"الأنساب\" (٢/ ٤٢٣).","vol":"1","page":343},{"text":"تُحَدِّثَنَا حدِيثًا لَيْسَ فِيهِ وَهَمٌ وَلَا زِيَادَةٌ؟\nفقال لهُ عَمْرٌو: واللهِ لَقَدْ كَبُرَ سِنِّي، ودنَا أجَلِي، وإنِّي لَغَنِيٌّ عَنِ الْكَذِبِ عَلَى اللهِ وَرسُولِهِ، ولَقَدْ سَمِعتُ هَذَا الْحَدِيثَ مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ سَبْعَ مَرَّاتٍ سَمِعتُهُ يَقُولُ: \"إنَّ اللهَ تعالى يَقُولُ: حُقَّتْ مَحَبَّتِي عَلَى المُتَحَابِّينَ فِيَّ، وَحُقَّتْ مَحَبَّتِي عَلَى المُتَبَاذِلِينَ فِيَّ، وَحُقَّتْ مَحَبَّتِي عَلَى المُتَصَادِقِينَ فِيَّ، وَحُقَّتْ مَحَبَّتِي عَلَى المُتَزَاوِرِينَ فِيَّ، وَحُقَّتْ مَحَبَّتِي عَلَى المُتَنَاصِرِينَ فِيَّ\" (^١).\nوفي هذه الرواية زياداتٌ، وروايةُ شُرَحْبِيلَ عن عمرو، وفائدةٌ أخرى وهي تأكيدُ عمرٍو بالسَّمَاعِ من رسول الله ﷺ مراتٍ، واستبعاده التَّرَخُّصَ بالزِّيادةِ والنُّقصانِ على كِبَرِ السِّنِّ.\nوقَولُهُ: \"وَلا تُحَدِّثنِي عَن أحَدٍ سَمِعَهُ غَيْركَ\" قَدْ يُسْتَأنَسُ بِهِ لِلرَّغْبَةِ فِي عُلُوِّ الْإِسْنَادِ.\nوقوله: \"حُقَّتْ مَحَبَّتِي\" يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ مَعنَاهُ حُقَّتْ مَحَبَّةُ الْعَبْدِ إيَّايَ، ويَجُوزُ أنْ يُقَالَ: المَعنَي حُقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْعَبْدِ.\nولَفْظُ المَحَبَّةِ مَشْهُورٌ في الطَّرَفَينِ، قال اللهُ تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ (^٢):\nأمَّا مَحَبَّةُ العَبدِ للهِ تعالى: فكلُّ مذكورٍ بعلمٍ كاملٍ أو حِذْقٍ في صناعةٍ أو إحسانٍ أو تربيةٍ أو تَنَزُّهٍ عن أخلاقٍ رذيلة محبوبٌ في نفوس ذوي العقول السليمةِ والطِّباعِ المستقيمةِ، ولله تعالى العلم الشامل الذي لا يعزب عنه شيء والقدرة الكاملة التي لا يفوتها ممكن، والإحسان بإسداء النِّعم التي لا ينالها الإحصاء ولا\n_________\n(^١) لم أقف على هذه الرواية. والله تعالى أعلم.\n(^٢) المائدة: ٥٤.","vol":"1","page":344},{"text":"يحيط بها الاستقصاء، والتَّنَزُّهُ عن الاستواء، والتَّقَدُّسُ عن مُشاكلةِ النظر، فأولى أن يكونَ محبوبًا، ومن عرف جماله وجلاله بقدر ما رُزِقَ أحبه لا محالة، كما قيل:\nومَا كُنْتُ مِمَّن يَدخُلُ العِشْقُ قَلْبَهُ … ولَكِنَّ مَن يُبْصِرْ جُفُونَكِ يَعْشَقِ (^١)\nأمَّا مَحَبَّةُ اللهِ تعالى الْعَبْدَ: فقد قيل: هي راجعةٌ إلى الثَّوابِ والثَّناءِ.\nوقال الإمام الغزالي ﵀: هي تصفيةُ قلبِ العبدِ، ورفعُ الحجابِ عنه حتى يرى بقلبه ربه.\nوفي الحديث أنَّ المَحَبَّةَ والمصافاة الباطنة والمزاورة والمداخلة الظاهرة، والمواصلة التي هي أعمّ منها مهما كانت لله تعالى رتبةً عظيمةً وفضيلةً جسيمةً، والأحاديث بذلك متظاهرةٌ والترغيبات متوافرةٌ.\nأنَبَا طَاهِرُ بنُ مُحمَّدٍ في كِتَابِهِ، عن أبِيهِ قَالَ: أنَبَا أبو مُحَمَّدٍ بنُ الخَطِيبِ، أنَبا أبو القَاسِمِ، أنَبَا عَبدُ اللهِ بنُ مُحمَّدٍ، ثَنَا عَلِيُّ بنُ الجَعدِ، ثَنَا شُعبَةُ، عَن يَحيَى بنِ أَبِي سُلَيْمٍ، عَن عَمرِو بنِ مَيمُونٍ، عَن أبي هُرَيرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: \"مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَجِدَ طَعْمَ الْإِيمَانِ فَلْيُحِبَّ المَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ ﷿\" (^٢).\nوأنَبَا طَاهِرٌ كَذَلِكَ عَن أبِيهِ قال: أنبا إبراهيمُ بنُ عُثمَان المُعَدَّلُ قال: أنبا أبو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بنُ أحمَدَ الإِسْمَاعِيلِيُّ، أنبا أحمَدُ بنُ عَبدِ اللهِ الْوَرَّاقُ قال: ثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ\n_________\n(^١) البيت من الطويل، وهو للمتنبي من قصيدته: \"لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي\".\n(^٢) مسند ابن الجعد (١٧٠٨) كما رواه من طريقه الرافعي.\nوالحديث رواه أحمد (٢/ ٢٩٨، ٥٢٠)، والطيالسي (٢٦٠٨)، والحاكم (٤/ ١٨٦).\nقال الحاكم: صحيح الإسناد.\nوفي الصحيحين من حديث أنسٍ ﵁: ثَلَاثٌ مَن كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ … وفيه وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ.","vol":"1","page":345},{"text":"الْعَزِيزِ قَالَ: ثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: ثَنَا مُعْتْمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ، عَنْ حَنْشٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: \"أَيُّ عُرَى الْإِسْلَامِ -أَظُنُّهُ قَالَ- أَوْثَقُ؟\nقَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.\nقال: \"المُوَالَاةُ فِي اللهِ، وَالمُعَادَاةُ فِي اللهِ، وَالحُبُّ فِي اللهِ، وَالْبُغْضُ فِي اللهِ\" (^١).\nوَإِنَّمَا أُمِرَ اْمُؤْمِنُ بِأَنْ يُحِبَّ لله وَيُبْغِضَ للهِ؛ ليكون الله هو المحبوب والمقصود، فإنه إن كان الحبُّ لغير الله فإما أن لا يحب لله فقد قصر المحبة على غير الله، وإما أن يحب الله أيضًا فقد جعل له في المحبَّةِ شريكًا، فأما إذا أحبَّ غيرَ اللهِ للهِ يرجع الأمر إلى محبَّةِ اللهِ تعالى فِي الْمحَبَّةِ بِحُبِّ مَا هُوَ بِسَبِيلٍ مِنَ الْمَحْبُوبِ أَوْ لَهُ تَعَلُّقٍ بِهِ، قال خالد بن يزيد: [طويل]\nتَجُولُ خَلَاخِيلُ النِّسَاءِ وَلَا أَرَي (^٢) … لِرَمْلَةَ خَلْخَالًا يَجُولُ وَلَا قَلْبَا\nأُحِبُّ بَنِي العَوَّامِ طُرًّا لِأَجْلِهَا … وَمِنْ أَجْلِهَا أَحْبَبْتُ أَخْوَالَهَا كَلْبَا\nفَإِنْ تُسْلِمِي نُسْلِمْ وَإِنْ تَتَنَصَّري … يُعَلِّقْ رِجَالٌ بَيْنَ أَعْيُنِهِمْ صُلْبَا (^٣)\n_________\n(^١) رواه الطبراني في \"الكبير\" (١١/ ٢١٥ رقم ١١٥٣٧) من طريق علي بن عبد العزيز، والبيهقي في شعب الإيمان ٧/ ٧٠ من طريق معتمر.\nوقال الألباني في \"الصحيحة\" (٩٩٨): وهذا سند ضعيفٌ جدًّا، حنش هذا متروك، لكن للحديث شواهد عدة يتقوى بها.\n(^٢) في د: أدري. والمثبت من س، \"الأغاني\" (١٧/ ٣٤٦)، \"المنتظم\".\n(^٣) ذكر هذه الأبيات ابن الجوزي في المنتظم ثم قال: وقد زاد بعض أعدائه في هذه الأبيات: فإن تسلمي نسلم …","vol":"1","page":346},{"text":"وخالد هذا ابن يزيد بن معاوية يقال: كان أفضل بني أمية في زمانه.\nورملة من ولد الزبير بن العوام كان خالد قد تزوجها وأحبَّها حبًّا شديدًا، وأمها الرباب الكلبية.\nوقد قيل: يكفي المحبَّ ما يلتذُّ به من هوى المحبوب وذكره وإن لم ينل منه غير ذلك.\nوَفِي مَعْنَاهُ أَقُولُ: [بسيط]\nأُفْدِي الَّذِينَ سَقَوْنِي كَأْسَ حُبِّهِمُ … وَإِنْ جَفَوْنِي وَإِنْ جَارُوا وَإِنْ غَدَرُوا\nأَلَيْسَ قَدْ جَعَلُونِي أهْلَ وُدِّهِمُ … فَفِي فُؤَادِيَ مِنهُ الْوِرْدُ وَالصَّدَرُ\nأَلَيْسَ لَمْ يَسْلُبُونِي مَا أَلَذُّ بِهِ … ذِكْرًا وَحُبًّا وَإِضْمَارًا وَقَدْ قَدَرُوا (^١)\nآخر المجلس الثاني والعشرين، والحمد لله وحده وصلواته على نبيه محمد نبي الرحمة وآله وصحبه أجمعين\n* * * * *\n_________\nفلما سمع البيت خالد قال: من قاله لعنة الله عليه وعلى من يجيبه.\n(^١) نقل هذه الأبيات عن الإمام الرافعي: ابن الملقن في \"البدر المنير\" (١/ ٣٣٤).","vol":"1","page":347},{"text":"﷽\nوما توفيقي إلا بالله\n\n<span data-type='title' id=toc-131>المجلس الثالث والعشرون </span>من أماليه ﵀ ابتدأ بإملائه يوم الجمعة الثامن والعشرين من المحرم سنة اثنتي عشرة وستمائة\nثَنَا الْإِمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ الرَّافِعِيُّ المُمْلِي إِمْلَاءً مِنْ لَفْظِهِ الشَّرِيفِ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى وَالِدِي ﵀ قَالَ: أَنَبَا أَبُو الْفَتْحِ (^١) الْهَرَوِيُّ قَالَ: أَنَبَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: أَنَبَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: ثَنَا الْمَحْبُوبِيُّ ح.\nوَأنَبا عَالِيًا أَبُو مَنْصُورٍ الدَّيْلَمِيُّ، عَنْ أَبِي الْفَتْحِ الْحَدَّادِ، عَنِ ابْنِ يَنَالٍ المْرَوَزِيِّ، عَنِ المَحْبُوبِيِّ قَالَ: أَنَبَا مُحَمَّدُ بِنُ عِيسَي (^٢) قَالَ: ثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ قَالَ: ثَنَا دَاوُدُ بْنُ الزِّبْرِقَانِ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَائِشَةَ ﵄ قَالَتْ:\nلَوْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَاتِمًا شَيْئًا مِنَ الْوَحْيِ لَكَتَمَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ (^٣) يَعْنِي بِالْإسْلَامِ ﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ يَعْنِي بِالْعِتْقِ فَأَعْتَقْتَهُ ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ وَإِنَّ رَسُولَ الله ﷺ لَمَّا تَزَوَّجَهَا قَالُوا: تَزَوَّجَ بِحَلِيلَةِ ابْنِهِ؛ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ\n_________\n(^١) في نسخة على حاشية س: أبو سهل. وقد تقدمت ترجمته في المجلس الثالث.\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٣٥١٢) وقال: حديث غريب. كما رواه من طريقه الرافعي.\n(^٣) الأحزاب: ٣٧.","vol":"1","page":348},{"text":"رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ (^١) وَكَانَ رَسُولُ الله (^٢) ﷺ تَبَنَّاهُ وَهُوَ صَغِيرٌ فَلَبِثَ حَتَّى صَارَ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ زَيْدُ بِنُ مُحَمَّدٍ فَأَنْزَلَ اللهُ تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ (^٣) فُلَانٌ مَوْلَي فُلَانٍ وَفُلَانٌ أَخُو فُلَانٍ ﴿هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ يَعْنِي: أَعْدَلُ عِنْدَ اللهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-132>في الشرح فصول: الفصل الأول</span>\nهذا حديثٌ صحيحٌ مقصودهُ ثابتٌ مضمونهُ: أورد محمد بن جرير الطبري في \"تفسيره\" بعضه من رواية داود عن الشعبي عن عائشة ﵂ هكذا (^٤).\nوالظاهرُ أنَّ رواية الشعبي عن عائشة مرسلة، وقد أخرج الشيخان طرفًا من الحديث في \"الصحيحين\" (^٥) من رواية الشعبي عن مسروق عن عائشة.\nوأيضًا فإنَّ الأئمة لَم يذكروا في تعريف حال الشعبي سماعه عن عائشة في جملة الصحابة الذين سمع منهم الشعبي.\nوعائشة ﵂ مذكورة في المجلس الثامن وبعده.\nوزيد المُسمَّى في الحديث: هو ابن حارثة بن شراحيل بن كعب بن عبد العزي بن زيد بن امرئ القيس، أبو أسامة الكلبي من كلب اليمن.\n_________\n(^١) الأحزاب: ٤٠.\n(^٢) قوله: وكان رسول الله. ليس في س، د. وأثبته من \"جامع الترمذي\".\n(^٣) الأحزاب: ٥.\n(^٤) \"تفسير الطبري\" (٢٢/ ١٣).\n(^٥) \"صحيح البخاري\" (٧٤٢٠)، \"صحيح مسلم\" (١٧٧/ ٢٨٨).","vol":"1","page":349},{"text":"مولي رسول الله ﷺ وحِبّه.\nيُروى عن بُرَيْدَةَ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"مَنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ مَنْ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأنْعَمْتُ عَلَيْهِ\" يعني زيدًا (^١).\nوكان زيد مع أمه سُعدي بنت ثعلبة في طيء فأغارت عليهم خيل لِبَنِي القَيْنِ فأخذوه وأتوا به مكة، وكانت خديجة بنت خويلد ﵂ أعطت ابن أخيها حكيم بن حزام بن خويلد أربعمائة درهم ليشتري لها غلامًا فاشترى لها زيدًا، ثُمَّ إنَّ رسول الله ﷺ استوهبه منها فقالت: هو لك على أنك إن أعتقته كان ولاؤه لِي فقال ﷺ: لا أحب أن يكون لي فيه شريك فوهبته منه بلا شرط.\nثُمَّ إنَّ أباه وعمَّه عرفا مكانه فأتيا رسول الله ﷺ يريدان فداءه فقال ﷺ: أُخَيِّرُهُ، فإن اختاركما فهو لكما، وإن اختارني فيها كنت بالذي أختار على من يختارني أحدًا. قالا: أنصفتنا. فقال زيد: فإني أختارك. فقالا: تختار الرق على الحرية! وجزِعَا، فلمَّا رأى رسول الله ﷺ جزعهما أخرجه إلى الْحِجر وأشهد النَّاس على إعتاقه.\nولزم رسول الله ﷺ وشهد بدرًا وغيره، واستشهد في حياة رسول الله ﷺ في غزاة مؤتة وهو أمير الجيش، ومُؤْتَة (^٢) موضع يُهمز ولا يُهمز.\nوباقي أحواله يأتي في شرح متن الحديث (^٣).\n_________\n(^١) لم أقف عليه من رواية بريدة ﵁. والله تعالى أعلم.\nوروى الترمذي (٣٨١٩) وغيره ضمن حديث من رواية أسامة بن زيد ﵁ قال: \"أحب أهلي إلى من قد أنعم الله عليه وأنعمت عليه أسامة بن زيد\".\n(^٢) انظر \"معجم البلدان\" (٥/ ٢١٩).\n(^٣) انظر \"معرفة الصحابة\" (٣/ ترجمة ١٠٠٤)، \"الإصابة\" (٢/ ترجمة ٢٨٩٢).","vol":"1","page":350},{"text":"ومسروق (^١) الذي أسند إليه رواية الشعبي: هو ابن الأجدع، والأجدع هو عبد الرحمن بن مالك بن أمية بن عبد الله الهمداني الكوفي، ويكني مسروق بأبي عائشة، رأى أبا بكر وعمر ﵄.\nوروي عن: ابن مسعود، وعائشة، وزيد بن ثابت، وكان من أفاضل أصحاب ابن مسعود.\nروى عنه: إبراهيم، والشعبي، وأبو الشعثاء، وأبو إسحاق السبيعي.\nتوفي سنة اثنتين وستين، وقيل: سنة ثلاث.\nوكان يقول كثيرًا في كلامه: مَا امْتَلَأَتْ دَارٌ حَبْرَةً إِلَّا امْتَلَأتْ عَبْرَةً (^٢).\nوالشَّعبي (^٣): هو عامر بن شراحيل، ويقال: عامر بن عبد الله بن شراحيل، أبو عمرو الكوفي، من كبار فقهاء التابعين.\nسمع: جابًرا، وابن عباس، والنعمان بن بشير، وجريرًا، وغيرهم من الصحابة والتابعين.\nوروي عنه: منصور، وإسماعيل بن أبي خالد، وأبو إسحاق السبيعي.\nمات أول سنة ست ومائة، وقيل: خمس، وقيل: أربع وهو ابن سبع وسبعين سنة، وَأُخْبِرَ الحسن البصري بِموتهِ فقال: ﵀ إنه كان من الإسلام\n_________\n(^١) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١/ ترجمة ١٧).\n(^٢) روي ابن المبارك في \"الزهد\" (٢٦٣) من حديث يحيي بن أبي كثير مرسلًا أن رسول الله ﷺ قال: \"والذي نفس محمد بيده ما امتلأت دار حَبْرَةً إلا امتلأت عَبْرَةً وما كانت فرحةٌ إلا تبعتها تَرْحَةٌ\nوَحَبْرَةٌ: أي نعمة وسعة عيش. وَعَبْرَةٌ: أي دمعة. وتَرْحَةٌ: أي حزن.\n(^٣) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٩/ ترجمة ١٤٠).","vol":"1","page":351},{"text":"لَبِمَكَانٍ (^١).\nودواد (^٢) بن أبي هند: هو أبو بكر، وقيل: أبو محمد القشيري مولاهم البصري، واسم أبي هند دينار، من المتقنين الأثبات.\nسمع: سعيد بن المسيب، والشَّعْبِيَّ، وعاصمًا الأحول، والحسن، وابن سيرين، وأبا عثمان النَّهْدِيَّ.\nروى عنه: حماد بن سلمة، وحفص بن غياث، وابن أبي عدي، وإسماعيل بن علية، ويزيد بن زريع.\nويقال: إن داود قد رأى أنس بن مالك ﵁.\nوعن الفضل بن موسى السِّينانِي قال: كنت أساير ابن المبارك فدفُعنا إلى ثَلْمَةٍ (^٣) فقال لِي: تقدم، فقلت: نعم أتقدم فلي داود بن أبي الهند وليس لك داود. وذلك لعظم رتبته عندهم.\nوداود بن الزِّبْرِقَانِ لَم يُعرف إلا بالرواية عن داود بن أبي هند (^٤).\nوعلي (^٥) بن حُجر: هو ابن إياس بن مقاتل بن مُشَمْرَج السَّعدي المروزي.\nسمع: إسماعيل بن عُلية، وجرير بن عبد الحميد، وابن المبارك، والفضل بن موسي، وابن عيينة.\nروى عنه: البخاري، ومسلم، والأئمة.\n_________\n(^١) في د: بمكان.\n(^٢) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (٦/ ترجمة ١٥٨).\n(^٣) الثَّلْمَةُ: الخلل في الحائط وغيره. \"الصحاح\" ثلم.\n(^٤) انظر \"التاريخ الكبير\" (٣/ ترجمة ٨٣٥)، و\"تهذيب الكمال\" (٨/ ترجمة ١٧٥٩).\n(^٥) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١١/ ترجمة ١٣٩).","vol":"1","page":352},{"text":"توفي سنة أربع وأربعين ومائتين.\nومحمد بن عيسي: هو أبو عيسى الترمذي، أحد أئمة الحديث المرجوع إلى قولهم وكتابهم، ذكرناه في المجلس الثالث، وذكرنا هناك أيضًا أبا العباس المَحْبُوبي، وعبد الجبار بن محمد وهو الْجَرَّاحِي وأبا الفتح الْهَرَوي.\nوكانت ولادة الْمَحْبُوبِي سنة تسع وأربعين ومائتين، ووفاته سنة ستٍّ وأربعين وثلاثمائة، وبروايته اشتهر كتاب أبي عيسي.\nوابن يَنَال (^١): هو أبو إبراهيم إسماعيل بن يَنَال المَحْبُوبِي.\nشَيْخٌ مُوَثَّقٌ.\nسمع: أبا العباس الْمَحْبُوبِي -وكان يَنَال مولاه- وأحمد بن جعفر القَطِيعِيُّ.\nولد سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، وتوفي سنة إحدى وعشرين وأربعمائة.\nوعبد العزيز بن محمد (^٢): أبو نصر بن محمد بن علي بن إبراهيم بن ثمامة بن داود التِّرْيَاقِيُّ، وَتِرْيَاقُ (^٣) من قرى هراة.\nذُكِرَ أنه كانَ ثقةً مكثرًا، وأنه وُلد سنة تسع وثمانين وثلاثمائة، وتوفي سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة، وقبره بقريته.\nوأبو الفتح الحداد (^٤): هو أحمد بن محمد بن أحمد بن سعيد بن إبراهيم بن الحسين بن يوسف الأصبهاني التاجر، من مشاهير شيوخ أصبهان المكثرين.\nسمع: أبا نعيم، وأبا سعيد النَّقَّاش، وغيرهما.\n_________\n(^١) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٧/ ٣٧٦).\n(^٢) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٩/ ٦).\n(^٣) انظر \"معجم البلدان\" (٢/ ٢٨).\n(^٤) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٩/ ٢١٦).","vol":"1","page":353},{"text":"وُلد سنة ثمان وأربعمائة، وتوفي سنة خمسمائة.\n\n<span data-type='title' id=toc-133>الفصل الثاني</span>\nأَنْعَمَ اللهُ عَلَيْكَ نِعْمَةً أي: آتاكَهَا، والنِّعْمَةُ: الْيَدُ وَالْمِنَّةُ وَمَا أُنْعِمَ بِهِ عَلَيْكَ، وَكَذَا النُّعْمَى وَالنَّعْمَاءُ وَالنَّعِيمُ، وفُلانٌ وَاسِعُ النِّعْمَةِ أي: الْمَالُ، والنُّعْمَةُ بِالضَّمِّ: الْمَسَرَّهُ، وَالنَّعْمَةُ بِالْفَتْحِ: التَّنْعِمُ؛ قَالَ تعالى: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ﴾ (^١)، وَنَعُمَ الشَّيْءُ بِالضَّمِّ نُعُومَةً: صَارَ نَاعِمًا لَيِّنًا، وَكَذَلِكَ نَعِمَ يَنْعَمُ، وَأَتَيْتُ أَرْضَ كَذَا فتَّنَعَّمَتْني أي: وَافَقْتَنِي، وَنَعَّمَكَ اللهُ أي: أَعَاشَكَ فِي النِّعْمَةِ، وَأَنْعَمَ اللهُ صَبَاحَكَ مِنَ النُّعُومَةِ، وأَنْعَمَ أي: قَالَ لَهُ نَعَمْ، وأَنْعَم اللهُ عَيْنَكَ: أَقَرَّهَا بِمَنْ (^٢) تُحِبُّهُ، وَدَقَقْتُ الدَّوَاءَ فَأَنْعَمْتُ دَقَّهُ أي بَالَغُتُ فِيهِ، وَفَعَلَ كَذَا وَأَنْعَمَ أي: زَادَ عَلَيْهِ؛ وَعَلَى ذَلِكَ حُمِلَ قَوْلُ مَنْ قَالَ فِي زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ: [طويل]\nرَشِدْتَ وَأَنْعَمْتَ ابْنَ عَمْروٍ وَإِنَّمَا … تَجَنَّبْتَ تَنُّورًا مِنَ النَّارِ حَامِيَا (^٣)\nوَتَبَنَّي فُلَانًا أي: اتَّخَذَهُ ابْنًا.\nوَالْقِسْطُ: الْعَدْلُ، يُقَالُ مِنْهُ: أَقْسَطَ فَهُوَ مُقْسِطٌ، وَالْقُسُوطُ: الْجَوْرُ وَالْعُدُولُ عَنِ الْحَقَّ، يُقَالُ مِنْهُ: قَسَطَ يَقْسُطُ قسُوُطًا، قال تعالى: ﴿يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (^٤) وقال: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ (^٥).\n_________\n(^١) المزمل: ١١.\n(^٢) في س: ممن.\n(^٣) انظر \"الأغاني\" (٣/ ١١٩)، \"الغريب\" لأبي عبيد (١/ ١٤٢).\n(^٤) المائدة: ٤٢، الحجرات: ٩، الممتحنة: ٨.\n(^٥) الجن: ١٥.","vol":"1","page":354},{"text":"<span data-type='title' id=toc-134>الفصل الثالث</span>\nقول عائشة ﵂: \"لَوْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَاتِمًا شَيْئًا مِنَ الْوَحْي لَكَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ\" سببه ما فيها من المعاتبة الظَّاهرة، وهو ما يُروى عنها وعن ابن مسعود ﵁ أنه ما نزلت على الرسول آية أشد من هذه.\nوقوله: ﴿لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ (^١) المراد زيد بن حارثة وكان من سبي الجاهلية، قيل: انتقل من خديجة إلى رسول الله ﷺ كما مرَّ، وقيل: إنه ﷺ اشتراه بسوق عكاظ في الجاهلية.\nوكانت تحته زينب بنت جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كثير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة بن حكيم الأسدية، أمها أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ وقد كان خطبها النَّبِيُّ ﷺ لزيد وهي وأخوها عبد الله بن جحش يظنَّان أنما (^٢) يخطبها لنفسه، فلما علما الحال كرها ذلك؛ فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (^٣) فرضيا وسلَّما وزُوجت منه ومكثت عنده حينًا.\nثُمَّ اتفق أنه وقع بصرُ النَّبِيِّ ﷺ عليها ووقعت في قلبه فقال: سبحان مقلب القلوب، وصرف النظر عنها، ثم قيل: إن الله كرهها إلى زيد حتي رغب في طلاقها.\nويروى عنها أنها قالت: لَمَّا وَقَعْتُ فِي قلب رسول الله ﷺ لَم يقدر عليَّ زيدٌ\n_________\n(^١) الأحزاب: ٣٧.\n(^٢) في س: أنها.\n(^٣) الأحزاب: ٣٦.","vol":"1","page":355},{"text":"وما أمتنع منه.\nوقيل: إن زيدًا تفطَّن لذلك فأتى النَّبِيَّ ﷺ فقال: إني أريد أن أُطلق زوجتي فإن فيها كِبرًا وإنها تؤذيني بلسانها.\nفقال ﷺ: أمسك عليك زوجك واتق الله فأنزل الله تعالى فيه هذه الآية (^١).\n_________\n(^١) قلت: وكلَّ ذلك كلامٌ لا يصحُّ، وقد علق الحافظ ابن حجر على هذه المسألة فقال ﵀:\nأخرج ابن أبي حاتم هذه القصة من طريق السُدِّي فساقها سياقًا واضحًا حسنًا ولفظه: بلغنا أنَّ هذه الآية نزلت في زينب بنت جحش وكانت أمها أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ وكان رسول الله ﷺ أراد أن يزوجها زيد بن حارثة مولاه فكرهت ذلك ثم أنها رضيت با صنع رسول الله ﷺ فزوجها إياه، ثم أعلم الله ﷿ نبيه ﷺ بعدُ أنها من أزواجه فكان يستحي أن يأمر بطلاقها وكان لا يزال يكون بين زيد وزينب ما يكون من الناس فأمره رسول الله ﷺ أن يمسك عليه زوجه وأن يتقي الله وكان يخشى الناس أن يعيبوا عليه ويقولوا: تزوج امرأة ابنه وكان قد تبنَّي زيدًا.\nووردت آثار أخرى أخرجها ابن أبي حاتم والطبري ونقلها كثير من المفسرين لا ينبغي التشاغل بها والذي أوردته منها هو المعتمد.\nقال ﵀: والحاصل أن الذي كان يخفيه النَّبِيُّ ﷺ هو إخبار الله إياه أنها ستصير زوجته، والذي كان يحمله على إخفاء ذلك خشية قول الناس: تزوج امرأة ابنه وأراد الله إبطال ما كان أهل الجاهلية عليه من أحكام التَّبَنِّي بأمر لا أَبْلَغَ في الإبطال منه وهو تزوج امرأة الذي يُدعى ابنًا ووقوع ذلك من إمام المسلمين ليكون أدعي لقبولهم.\nوكذا قال الإمام القرطبي في \"تفسيره\": وهذا القول أحسن ما قيل في تأويل هذه الآية، وهو الذي عليه أهل التحقيق من المفسرين والعلماء الراسخين، كالزهري والقاضي بكر بن العلاء القشيري والقاضي أبي بكر بن العربي وغيرهم.\nقال: فأما ما روي أنَّ النبي ﷺ هوي زينب امرأة زيد وربما أطلق بعض المجان لفظ عشق فهذا إنما يصدر عن جاهل بعصمة النبي ﷺ عن مثل هذا، أو مستخف بحرمته.","vol":"1","page":356},{"text":"في قوله: ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ بيان فضيلة زيد وما أوتي من النعمة، ومن خصائصه أنه سمي في القرآن باسمه الخاص من بين سائر الصحابة.\nوقوله: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ﴾ أي: تسرّ وتضمر إرادة تزوجها وما في قلبك منها، وتأمر زيدًا بإمساكها والله مظهر ما تخفيه.\nوقوله: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾ أي: تخاف لائمتهم وأن يقولوا أمر رجلًا بطلاق زوجته ثم نكحها.\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ أي: أحقّ بأن تخشى منه في جميع الأحوال، إلا أنه لم يخش في القصة، ولكن لما جرى ذكر الخشية من الناس بيَّن أنَّ الله أحق بأن يخشى من عذابه.\nوقوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ قيل: فيه إضمار المعني: وطلقها زوجناكها، وقيل: هو كناية عن الطلاق؛ لأن قضاء الوطر من الشيء بلوغ منتهي ما في النفس منه، وإنَّما يُطَلِّقُ الرجلُ زوجته إذا لم يبق له فيها حاجة، ولما انقضت عدَّتُها أعلمها رسول الله ﷺ نزول القرآن في أمرها، ثم جاء ودخل عليها من غير استئذان اكتفاءً بقوله تعالى: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾.\nواحتجَّ في القصة على استغناء نكاح رسول الله ﷺ عن الولي والشهود.\nوكَانَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشِ تَفْخَرُ على أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ بأنَّ الله زَوَّجَهَا؛ حَدَّثَ الْبُخَارِيُّ في \"الصحيح\" عَنْ خَلَّادِ بْنِ يَحْيَى بْنِ صَفْوَانَ السُّلَمِيِّ الْكُوفِيِّ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَهْمَانَ الْكُوفِيِّ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ تَفْخَرُ عَلَى","vol":"1","page":357},{"text":"نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ وَتَقُولُ: زَوَّجِنِي اللهُ فِي السَّمَاءِ (^١).\nويقال: إنه نكحها سنة ثلاث من الهجرة، ولما نكحها قال المنافقون ومن نَحَي نَحوهم: تزوج بِحليلة ابنه؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان قد تَبَنَّاهُ على ما كانوا يعتادون في الجاهلية، وكان يُدعى زيد بن محمد، ومضت على ذلك مُدَّةٌ حتى أَنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (^٢) وأنزل: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ (^٣).\nوالدَّعِيُّ الذي يُدْعَي ابْنًا لِغَيْرِ أَبِيهِ؛ حَدَّثَ الْبُخَارِيُّ (^٤) عن مُعَلَّى بِنْ أَسَدٍ وَهُوَ أَبُو الْهَيْثَمِ الْعَمِّي، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ المُخْتَارِ وَهُوَ أَبُو إسماعيل البْصْرِيُّ، عن مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عن سَالمٍ، عن ابْنِ عُمَرَ ﵁ أنَّه قَالَ: مَا كُنَّا نَدْعُو زَيْدَ بن حَارِثَةَ إلَّا زَيْدَ بن مُحَمَّدٍ حتى نَزَلَ فِي الْقُرْآنُ ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ (^٥).\nفأبان بالآيتين أنَّ المُتَبَنِّى ليس بابنٍ حتى تحرم حليلته.\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ أي: فهم إخوانكم ﴿وَمَوَالِيكُمْ﴾ قيل: بنوا عمكم. وقيل: أنصاركم وأولياؤكم في الدين.\nوكانت زينب بنت جحش عند رسول الله ﷺ إلى أن توفي عنها وهي أول من ماتت بعده من أزواجه، توفيت سنة عشرين في خلافة عمر ﵁.\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٧٤٢١).\n(^٢) الأحزاب: ٤٠.\n(^٣) الأحزاب: ٤.\n(^٤) \"صحيح البخاري\" (٤٧٨٢).\n(^٥) الأحزاب: ٥.","vol":"1","page":358},{"text":"قال العلماء: ولا مطعنَ فِي القصةِ على النَّبِيِّ ﷺ؛ فإنَّ النَّظرَ الأول من غير قصدٍ لا مؤاخذة به، ولا بِما يتولد منه من ميل النفس وهواها؛ وإِنَّمَا القبيح السَّعي في التفريق.\nوفي قوله ﷺ: \"سُبْحَانَ مُقَلِّب الْقُلُوبِ\" حينئذٍ كالإشارة إلى أنَّ من ابتلي بشيءٍ من ذلك فَحقُّهُ أن يستعيذَ بالله تعالى؛ ليدفع عنه ما عرض له قبل أن يستحكم ويحول بينه وبين مصالحه وتتركه مبهوتًا ذاهلًا عن مهماته، كما قيل:\nوَكُنْتُ أَرَي مِنْ وَجْهِ مَيَّةَ لَمْحَةً … فَأبرقُ مُغْشِيًّا عَلَيَّ مَكَانِيَا\nوَأَسْمَعُ مِنْهَا لَفْظَةً فَكَأَنَّمَا … يُصِيبُ بِهَا سَهْمٌ طَرِيرٌ فُؤَادِيَا\nهِيَ السِّحْرُ إِلَّا أَنَّ لِلسِّحْرِ رُقْيَةً … وَأَنِّيَ لَا أَلْقَى مِنَ الْحُبِّ رَاقِيَا (^١)\nوقد شفع رسول الله ﷺ إلى بريرةَ وقد عتقت تحت مغيث لعلها لا تفارقه، حيث قيل له: إن مُغيثًا يتبعها في سكك المدينة ودموعه تسيل على لحيته، وقال للعباس ﵁: \"أَمَا تَعْجَبُ مِنْ حُبِّ مُغِيتٍ لِبَرِيرَةَ وَمِنْ بُغْضِ بَرِيرَةَ لِمُغِيثٍ\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-135>فَصْلٌ</span>\nقوله تعالى: ﴿لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ (^٣) فسرت عائشة وغيرها إنعامه عليه بالهداية والإسلام، وهو يوافق أظهر الأقوال في قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ (^٤):\n_________\n(^١) الأبيات من الطويل وهي لغيلان بن عقبة في \"الزهرة\" لابن داود الأصبهاني (ص ٩).\n(^٢) رواه البخاري (٥٢٨٣).\n(^٣) الأحزاب: ٣٧.\n(^٤) الفاتحة: ٧.","vol":"1","page":359},{"text":"فعن الضحاك أنه قال: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بقول (^١): لا إله إلا الله الذي به حُقِنَتِ الدِّمَاءُ.\nوعن ابن كيسان: بالهدى. وعن مقاتل: بالدين. وعن السُّدِّي: بالإسلام. وعن عكرمة: بالثبات على الإيمان والاستقامة.\nوالأقوال متقاربةٌ، ويناظر الآيتين قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ (^٢) فقد فسر ذلك بالدين الحق، ويقرب منه قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ (^٣) فقد فُسِّرَتِ النِّعْمَةُ بأحكام الدين وشرائعه.\nوالتعرض لنعمة الله على زيد، ونعمة رسوله ﷺ في القصة كالتذكير له والحمل على الشكر على النِّعَمِ والانقياد لحكم الله ورسوله والخضوع لأمرهما.\nوقد قيل: إنَّ شكر النعمة تربية لها، وترك الشكر إضاعة.\nوقال بعضهم: [طويل]\nلَعَمْرُكَ مَا المَعْرُوفُ فِي غَيْرِ أَهْلِهِ … وَفِي أَهْلِهِ إِلَّا كَبَغْضِ الْوَدَائِعِ\nفَمُسْتَوْدَعٌ ضَاعَ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ … وَمُسْتَودَعٌ مَا عِنْدَهُ غَيْرُ ضَائِعِ\nوَمَا النَّاسُ فِي شُكْرِ الصَّنِيعَةِ عِنْدَهُمْ … وَفِي كُفْرِهَا إِلَّا كَبَعْضِ الْمَزَارعِ\nفَمَزْرَعَةٌ طَابَتْ وَأَضْعَفَ نَبْتُهَا … وَمَزْرَعَةٌ أَكْدَتْ عَلَى كُلِّ زَارعِ (^٤)\nويقال: إنَّ الله تعالى أوحي إلى موسي ﵇: ارحم عبادي، المبتلى والمعافي.\n_________\n(^١) في د: بأن يقولوا.\n(^٢) إبراهيم: ٢٨.\n(^٣) المائدة: ٣.\n(^٤) انظر \"روضة العقلاء ونزهة الفضلاء\" لابن حبان (ص ٢٥٦).","vol":"1","page":360},{"text":"قال: فما بال المعافي؟ قال: لقلة شكره على عافيتي إياه.\nومن جسيم نعم الله تعالى ألَّا تقطع النعمة لترك الشكر، ويزيدها بالشكر.\nرُئِيَ الحسنُ بْنُ عليٍّ ﵄ وقد التزم الركن وهو يقول: إلهي، نَعَّمْتَنِي فلم تَجدني شاكرًا، وابتليتني فلم تجدني صابرًا، فلا أنت سلبت النعمة بترك الشكر، ولا أنت زدت في البلية بترك الصبر، إلهي ما يكون من الكريم إلا الكرم.\nوقرأت على أبي محمد المبارك بن عبد الرحمن قال: أَنَبَا عبد الوهاب بن صالح، أَنَبَا أبو الوفا الهمداني، أَنَبَا أبو صالح المؤذن، أَنَبَا أبو عبد الرحمن السلمي، أَنَبَا علي بن الحسن القطان، ثَنَا علي بن الحسن المحتسب، ثَنَا محمد بن هارون، ثَنَا محمد بن أحمد القيسي، ثَنَا موسي بن سهل، عن الربيع حاجب المنصور قال: لَما استوت الخلافة لأبي جعفر قال: يا ربيع ابعث إلى جعفر بن محمد من يأتيني به.\nقال: فتنحيت من بين يديه وقلت: أي بلية تريد أن تفعل به؟ وأوهمته أني أفعل ثم أتيته بعد ساعة فقال: ألمَ أقل لك أن تبعث إلى جعفر بن محمد، وذكر في حقه ما يكره.\nفذهبت إليه فقلت: أبا عبد الله أجب أمير المؤمنين، فقام معي، فلما دنونا من الباب قام فحرك شفتيه ثم دخل فسلم فلم يرد عليه، ووقف فلم يُجلسه ثم رفع رأسه فقال: يا جعفر كنت ألَّبت علينا وأكثرت، وحدثني أبي عن أبيه عن جده أنَّ رسول الله ﷺ قال: \"يُنْصَبُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُعْرَفُ بِهِ\" (^١).\nفقال جعفر بن محمد: وحدثني أبي عن أبيه عن جده أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: \"يُنَادِي مُنَادٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ بُطْنَانِ الْعَرْشِ: أَلَا فَلْيَقُمْ مَنْ كَانَ أَجْرُهُ عَلَيَّ، فَلَا يَقُومُ\n_________\n(^١) رواه البخاري (٣١٨٧)، ومسلم (٤٦٣٤) من حديث أنس ﵁.","vol":"1","page":361},{"text":"إِلَّا مَنْ عَفَا عَنْ أَخِيهِ\" (^١).\nفما زال يقول معه حتى سكن ما به ولان له فقال: اجلس أبا عبد الله، ارتفع أبا عبد الله، ثم دعا بِمُدْهُنِ (^٢) غاليةٍ فجعل يغلفه (^٣) بيده، والغالية تقطر من بين أنامل أمير المؤمنين، ثم قال: انصرف أبا عبد الله في حفظ الله وقال لي: يا ربيع أتبع أبا عبد الله جائزته وأضعفه.\nقال: فخرجت فقلت: يا أبا عبد الله تعلم محبتي لك؟\nقال: نعم، أنت يا ربيع منا.\nقلت: شهدت ما لم تشهد، وسمعت ما لَم تسمع، وقد دخلت عليه ورأيتك تحرك شفتيك عند الدخول عليه.\nقال: نعم، دعاء كنت أدعو به.\nفقلت: دعاء كنت تلقنته عند الدخول عليه أو شيء تأثره عن أبائك الطيبين؟\nقال: لا، بل حدثني أبي عن أبيه عن جده أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان إذا حَزَبَهُ أَمْرٌ دعا بهذا الدعاء، وكان يقال له دعاء الفرج: \"اللهم احْرُسْنِي بِعَيْنِكَ التي لا تنام، وَاكْنُفْنِي بِرُكْنِكَ الذي لا يُرَامُ، وارحمني بِقُدْرَتِكَ عَلَيَّ، ولا تُهْلِكْنِي وأنت رجائي، فَكَمْ من نعمة أَنْعَمْتَ بها عَلَيَّ قل لك عندها شُكْرِي، وكم من بَلِيَّةٍ ابْتَلَيْتَنِي بها قَلَّ عندها صبري، فيا من قَلَّ عند نعمته شُكْرِي فلم يَحْرِمْنِي، ويا من قَلَّ عند بَلِيَّتِهِ صَبْرِي فلم يَخْذُلْنِي، ويا من رَآنِي على الْخَطَايَا فلم يَفْضَحْنِي، يا ذا المَعْرُوفِ الذي\n_________\n(^١) رواه الخطيب البغدادي (١١/ ١٩٩) من حديث ابن عباس. وضعفه الألباني في \"ضعيف الجامع\" (٦٦٩).\n(^٢) هو ما يُجْعل فيه الدُّهن.\n(^٣) أي يدهنه.","vol":"1","page":362},{"text":"لا يَنْقَطِعُ أَبَدًا، ويا ذا النِّعْمَةِ التي لا تُحْصَى أَبَدًا، أَسْأَلُكَ أن تُصَلِّي على محمد وعلى آل محمد كما صَلَّيْتَ وَبَارَكْتَ وَرَحِمْتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وأَدْرَأُ بك يا رب في نَحْرِهِ وَأَعُوذُ بك من شَرِّهِ، اللهم أَعِنِّي على دِينِي بِالدُّنْيَا وعلى آخِرَتِي بِالتَّقْوَى، وَاحْفَظْنِي فيما غِبْتُ عنه، ولا تَكِلْنِي إلى نفسي فيما حَضرْتُ، يا من لا تَضُرُّهُ الذنوب ولا تُنْقِصُهُ الْمَغْفِرَةُ هَبْ لي ما لا يَنْقُصُكَ واغْفِرْ ما لا يَضُرُّكَ، اللهم إني أَسْأَلُكَ فَرَجًا قَرِيبًا وَصَبْرًا جَمِيلًا، وَأَسْأَلُكَ العافية من كُلِّ بَلِيَّةٍ، وَأَسْأَلُكَ تَمَامَ الْعَافِيَةِ، وَأَسْأَلُكَ دَوَامَ الْعَافِيَةِ، وَأَسْأَلُكَ الشُّكْرَ عَلَى الْعَافِيَةِ، وَأَسْأَلُكَ الْغِنَى عن الناس، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلا بالله الْعَلِيِّ الْعَظيمِ\" (^١).\nقال الربيع: فكتبته من جعفر بن محمد في رقعة وها هو ذا في جيبي (^٢).\nوذكر مثله كل الرواة لمن رواه له، وأورده أبو صالح المؤذن في \"مسلسلاته\".\nوقوله: \"أَلَّبْتَ\" يقال: أَلَّبَ الْجَيْشَ أي: جَمَعَهُ.\nوَبُطْنَانِ الْعَرْشِ: وَسَطُهُ.\nوَحَزَبَهُ أَمْرٌ يَحْزُبُهُ: إِذَا غَشِيَهُ وَعَلَاهُ.\nوقوله: \"أَدْرَأُ بِكَ\" أي: أَدْفَعُ بِكَ، وَكَذلِكَ وَرَدَ فِي أَكْثَرِ الْأَدْعِيَةِ: \"أَدْرَأُ بِكَ فِي صُدُورِ أَعْدَائِي\" أَدْفَعُ بِكَ لِتَكْفِينِي شَرَّهُمْ، وَالدَّرْءُ: الدَّفْعُ.\nوقوله في الدعاء: \"يَا ذَا النِّعَمِ الَّتِي لَا تُحْصَى\" يوافق قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا\n_________\n(^١) دعاء الفرج هذا قال الحافظ العراقي في \"تخريج أحاديث إحياء علوم الدين\" (١/ ٢٧٧): أخرجه أبو منصور الديلمي في \"مسند الفردوس\" من حديث علي بسندٍ ضعيفٍ.\n(^٢) رواه الحافظ ابن عساكر مسلسلًا من طريق علي بن الحسن القطان في \"تاريخ دمشق\" (١٨/ ٨٨) ترجمة الربيع بن يونس بن محمد أبو الفضل حاجب المنصور، وابن أبي الدنيا في \"الفرج بعد الشدة\" (٧٥).","vol":"1","page":363},{"text":"نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ (^١).\nوشكر الخلق على ضعفهم لا يفي ما لا يحصى، بل لا يوجد منهم الشكر إلا بأنْ يوفقهم له وهو نعمة منه أيضًا؛ ولذلك قال الشافعي ﵁ في خطبة الرسالة (^٢): الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي لَا يُؤَدَّي شُكْرُ نِعَمِهِ إِلَّا بِنِعْمَةٍ مِنْهُ.\nوأنشد المنصور بن إسماعيل الفقيه: [رجز]\nشُكْرُ الْإِلَهِ نِعْمَةٌ مُوجِبَةٌ لِشُكْرِهِ\nفَكَيْفَ شُكْرِي بِرَّهُ وَشُكْرُهُ مِنْ بِرِّهِ\nومن نعمته أن اكتفى من العبد من شكره بأن يعرف أن النعمة منه وأنه عاجز عن شكرها والقيام بحقها.\nروي أنَّ موسى ﵇ قال في مناجاته: خلقت آدم بيدك وأسجدته ملائكتك وفعلت وفعلت فكيف شَكَرَكَ؟\nفقال: عرف أن ذلك كله مني فكانت معرفته شكرًا لي.\nوبالجملة فلا ينبغي للمتيقظ أن يغفل عن الشكر الذي يأتي منه ويمكنه، فالكفران مؤذن بزوال النعم وحلول النقم. وأنشد: [سريع]\nمَنْ جَاوزَ النِّعْمَةَ بِالشُّكْرِ لَمْ … يَخْشَ عَلَى النِّعْمَةِ مُغْتَالَهَا\nلَوْ شَكَرُوا النِّعْمَة زَادَتْهُمُ … مَقَالَةُ اللهِ الَّتِي قَالَهَا\nلَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيْدَنَّكُمْ … لَكِنَّمَا كُفْرُكُمْ (^٣) غَالَهَا\n_________\n(^١) إبراهيم: ٣٤، النحل: ١٨.\n(^٢) \"الرسالة\" (١/ ٧).\n(^٣) في د: كفرها.","vol":"1","page":364},{"text":"وَالكُفْرُ بِالنِّعْمَةِ يَدْعُو إِلَى … زَوَالِهَا وَالشُّكْرُ أَبْقَى لَهَا\nورأيتُ في بعضِ كتبِ أقضي القضاة الماوردي ﵀ نسبة هذه الأبيات إلى عليٍّ ﵁.\nوَأُنْشِدُكُمْ لِنَفْسِي:\nصَافَيْتُكَ لَا تَشُبْ بِمَطْلٍ وَبَلىّ … مِيعَادَكَ وَاحْتَكِمْ بِمَا شِئْتَ عَلَيَّ\nأَتْمِمْ نِعَمًا أَنْتَ تَطَوَّلْتَ بِهَا … مِنْكَ الْيَدُ وَالْقُصُورُ مِنِّي وَإِلَيَّ (^١)\nآخر المجلس الثالث والعشرين، والحمد لله رب العالمين، والصلاة على محمد وعلى آله وصحبه وسلم\n* * * * *\n_________\n(^١) نقل هذه الأبيات عن الإمام الرافعي: ابن الملقن في \"البدر المنير\" (١/ ٣٣٤).","vol":"1","page":365},{"text":"﷽\nوما توفيقي إلا بالله\n\n<span data-type='title' id=toc-136>المجلس الرابع والعشرون </span>من أماليه ﵀ ابتدأ بإملائه يوم الثلاثاء العاشر من صفر سنة اثنتي عشرة وستمائة\nثَنَا الإمام الْمُمْلِي ﵀ وأنا أسمع أَخْبَرَكُمْ ملكدادُ بن عَلِيٍّ (^١)، عن محمد بن الْحُسَيْنِ قال: أَنَبَا الْقَاسِمُ بن محمد قال: أخبرنا عَلِيُّ بن إبراهيم قال: أنبا محمد بن يزيد قال: ثَنَا أبو بكر بن أبي شَيْبَةَ قال: ثَنَا يحيي بن آدم، عن عمار بن رُزَيْقٍ، عن أبي إسحاق، عن الْأَغَرِّ أبي مسلم، عن أبي هُرَيْرَةَ وأبي سعيد ﵄ يَشْهَدَانِ على النبي ﷺ أنه قال: \"مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا يَذْكُرُونَ الله فِيهِ إِلَّا حَفَّتْهُمُ المَلَائِكَةُ وَتَغْشَاهُمُ الرَّحْمَةً وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَذَكَرَهُمُ الله فِيمَنْ عِنْدَهُ\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-137>في الشرح فصول: الفصل الأول</span>\nهذا حديثٌ صحيحٌ أخرجه أبو داود الطيالسي (^٣) عن شعبة هكذا، ومسلم في \"صحيحه\" (^٤).\nوأخرجه أيضًا في الصحيح من حديث الأعمش، عن أبي صالح ذكوان، عن\n_________\n(^١) حاشية في س: قلت: إنها سمع الرافعي سنن ابن ماجه على والده لسماع والده من ملكداد كما تقدم في المجلس الثالث عشر.\n(^٢) \"المصنف\" (٧/ ٧٥)، \"سنن ابن ماجه\" (٣٧٩١) كما رواه من طريقهما الرافعي.\n(^٣) \"مسند الطيالسي\" (٢٢٣٣، ٢٣٨٦).\n(^٤) \"صحيح مسلم\" (٢٧٠٠/ ٣٩).","vol":"1","page":366},{"text":"أبي هريرة مع زيادةٍ في أوله وزيادة في آخره، واللفظ مع الزيادتين: قال رسول الله ﷺ: \"من نَفَّسَ عن مؤمن كُرْبَةً من كُرَبِ الدنيا نَفَّسَ الله عنه كُرْبَةً من كُرَبِ يوم القيامة، ومن يَسَّرَ على معسر يَسَّرَ الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ الله في الدنيا والآخرة، والله في عون الْعَبْدِ ما كان الْعَبْدُ في عَوْنِ أخيه، ومن سَلَكَ طريقا يَلْتَمِسُ فيه عِلْمًا سَهَّلَ الله له طَرِيقًا إلى الجنة، وما اجْتَمَعَ قَوْمٌ في بيت من بُيُوتِ الله يَتْلُونَ كتاب الله وَيَتَدَارَسُونَهُ بينهم إلا نزلت عليهم السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الملائكه، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بَطَّأَ به عَمَلُهُ لم يُسْرِعْ به نَسَبُهُ\" (^١).\nورُوي الحديث من غير الزيادتين عن أبي إسحاق: معمر (^٢) وأبو الأحوص (^٣) أيضًا، ومن رواية أبي الأحوص أخرجه أبو عبد الله بن أبي حفص البخاري في جامعه (^٤)، ورواه عن شعبة: عبد الرحمن بن مهدي أيضًا (^٥).\nوأبو هريرة ﵁ مذكورٌ في ثلاثة مجالس منها الأول، وفي \"صحيح البخاري\" ما يدلُّ على حسن خلقه ومعرفته بقدر نعم الله تعالى وقيامه بشكرها ما روي عن محمد بن سيرين قال: كنا عند أبي هريرة وعليه ثَوْبَانِ مُمَشَّقَانِ من كَتَّانٍ فَتَمَخَّطَ قال بَخْ بَخْ أبو هريرة يَتَمَخَّطُ في الْكَتَّانِ لقد رأيتني وإني لأخِرُّ ما بين مِنْبَرِ رسول الله ﷺ إلى حُجْرَةِ عائشة ﵂ مَغْشِيًّا عَلَيَّ فَيَجِيءُ الْجَائِي فيضع رِجْلَهُ على عُنُقِي\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (٢٦٩٩).\n(^٢) ومن طريقه رواه أحمد (٣/ ٩٤).\n(^٣) ومن طريقه رواه ابن حبان (٨٥٥)، وأبو يعلي (١٢٥٢).\n(^٤) كذا في الأصل.\n(^٥) رواه مسلم (٢٧٠٠/ ٣٩).","vol":"1","page":367},{"text":"وَيُرَى أَنِّي مَجْنُونٌ وَمَا بِي جُنُونٌ مَا بي إِلَّا الْجُوعُ (^١).\nالمُمَشَّقُ: الْمَصْبُوغُ بِالْمِشْقِ وَهُوَ طِينٌ أَحْمَرٌ، وَيُقَالُ لَهُ: المَغْرَةُ.\nوَعَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمَّا قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ قُلْتُ فِي الطَّرِيقِ: [طويل]\nيَا لَيْلَةً مِنْ طُوْلِهَا وَعَنَائِهَا … عَلَى أَنَّهَا مِنْ دَارَةِ الكُفْرِ نَجَتْ (^٢)\nالدَّارَةُ أَخَصُّ مِنَ الدَّارِ.\nوأبو سعيد الخدري ﵁ مذكورٌ فِي المجلس السابع عشر.\nولأبي هريرة وأبي سعيد بالشركة أحاديث في \"الصحيح\" سوى هذا، منها: \"يُنَادِي مُنَادٍ\" يَعْنِي أهْلَ الْجَنَّةِ \"إِنَّ لَكُمْ أن تَصِحُّوا فلا تَسْقَمُوا أَبَدًا، وإنَّ لكم أن تَحْيَوْا فلا تَمُوتُوا أَبَدًا، وإنّ لكم أن تَشِبُّوا فلا تَهْرَمُوا أَبَدًا، وإِنَّ لكم أن تَنْعَمُوا فلا تَبْأَسُوا أَبَدًا فَذَلِكَ قوله تعالى: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ (الأعراف) (^٣).\nوالأَغَرُّ (^٤) كنَّاه بعضهم أبا مسلم كما في الإسناد، وبعضهم يقول: هو أبو عبد الله، وذُكر أنه كان عبدًا مملوكًا لأبي هريرة وأبي سعيد بالشركة فأعتقاه، يُعَدُّ فِي أهل المدينة.\nروى عنه: أبو إسحاق. قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: وأبو جعفر الفراء،\n_________\n(^١) رواه البخاري (٧٣٢٤).\n(^٢) رواه البخاري (٢٥٣٠).\n(^٣) رواه مسلم (٢٨٣٧).\n(^٤) انظر \"التاريخ الكبير\" (٢/ ترجمة ١٦٣٠)، \"تهذيب الكمال\" (٣/ ترجمة ٥٤٤).","vol":"1","page":368},{"text":"وعطاء بن السائب سمعت أبي يقول ذلك (^١). وعن شعبة أنَّ الأغرَّ كان قاصًّا.\nويقال له: الأغر بن عبد الله، وقيل: الأغر بن سليك، والأظهر أن ابن سليك غيره.\nويروي عن: أبي سعيد وأبي هريرة آخر يقال له: سلمان الأغر (^٢)، وقد أوهم كلام بعضهم أنه والأغر الذي روى الحديث واحد، والظاهر أنه غيره، فقد ذكر الأئمة أبا مسلم الأغر في باب الألف، وسلمان في باب السين وذكروا أن سلمان روى عنه: الزهري، وابنه عبيد الله بن سلمان، وعبد الله بن دينار.\nوأبو إسحاق: هو السَّبيعي، ذكرناه في المجلس الخامس.\nوعمار بن رُزَيق (^٣) بتقديم الراء على الزاي التيمي الضَّبِّي الكوفِي.\nسمع: الأعمش، ومنصورًا، وأبا إسحاق السَّبيعي.\nروى عنه: أَبُو الْجَوَّابِ، وأبو أحمد الزبيري، وأبو الأحوص سلام.\nوهو والأغرُّ من أفراد مسلم.\nويحيى بن آدم بن سليمان الكوفي القرشي مولاهم أبو زكريا.\nسمع: الثوري، وزهير بن معاوية، وإسرائيل، وعمار بن رزيق.\nروى عنه: إسحاق الحنظلي، وعبد الله المُسْنَدِيُّ، وإسحاق بن نصر، ومحمد بن رافع، وأبو كريب، والحسن الحلواني، وابن أبي شيبة (^٤).\nوأبو بكر بن أبي شيبة: هو عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن عثمان العبسي\n_________\n(^١) \"الجرح والتعديل\" (٢/ ترجمة ١١٥٢).\n(^٢) انظر \"التاريخ الكبير\" (٤/ ترجمة ٢٢٣٨)، \"تهذيب الكمال\" (١١/ ترجمة ٢٤٣٩).\n(^٣) انظر \"التاريخ الكبير\" (٧/ ترجمة ١٢٩)، \"تهذيب الكمال\" (٢١/ ترجمة ٤١٥٩).\n(^٤) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (٩/ ترجمة ٢٠٤).","vol":"1","page":369},{"text":"الكوفي، وأبو شيبة كنية إبراهيم، من أئمة الحديث المشهورين.\nسمع: أبا أسامة، وسفيان بن عيينة، وجعفر بن عون، وغيرهم.\nروى عنه: البخاري، ومسلم، وأصحاب الجوامع والمسانيد.\nتوفي سنة خمس وثلاثين ومائتين (^١).\nومحمد بن يزيد فمن دونه مذكورون في المجلس الثالث عشر وغيره.\n\n<span data-type='title' id=toc-138>الفصل الثاني</span>\n\"نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَتَهُ\" أي: فَرَّجَهَا، وَالتَّنْفِيسُ: التَّرْفِيهُ، ويمكن تقريب ذلك من قولهم: لفلان في هذا الأمر نُفْسَةٌ: أي مُهْلَةٌ.\nوَالْكُرْبَةُ: الْغَمُّ الذي يأخذ بالنفس، وكذلك الْكَرْبُ يقال: منه كَرَبَهُ الْغَمُّ إذا اشتدَّ عليه. وَالْكَرَائِبُ: الشَّدَائِدُ، الواحدة: كَريبَةٌ، وَكَرَبْتُ الْقَيْدُ أي: ضَيَّقْتُهُ عَلَى الْمُقَيَّدِ.\nوَحَفُّوا حَوْلَهُ يَحُفُّونَ حَفًّا أي: طَافُوا بِهِ وَاسْتَدَارُوا، وَحَفَّهُ بالشيء يَحُفُّهُ أيضًا وهو مثل ما يُحَفُّ الهودج بالثياب.\n\"وَنَزَلَتْ عَلَيْهُمْ السَّكِينَةُ\" في كلمة \"عَلَيْهِمُ\" لغات وقراءات في القرآن:\nمنها \"عَلَيْهُمْ\" بضم الهاء وجزم الميم، رد الكلمة إلى أصلها فإن الهاء من كلمة \"هم\" لو ابتدئ بها مضمومة.\nومنها وهي الأشهر \"عَلَيْهِمْ\" بكسر الهاء وجزم ميم، لاستثقال الضَّمَّةِ بعد الياء الساكنة.\nومنها \"عَلَيْهُمُ\" بضم الهاء والميم، إبقاء لضمَّةِ الهاء على الأصل وإتباعًا\n_________\n(^١) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١١/ ١٢٢).","vol":"1","page":370},{"text":"للضَّمَّةِ الضَّمَّةِ.\nومنها \"عَلَيْهُمُو\" بإلحاق واو بعد الضَّمَّتين وهي واو الجمع كما وصلوا الكلمة في التثنية بالألف فقالوا \"عليهما\".\nومنها \"عَلَيْهِمِ\" بكسرتين واختلاس الثانية، أما الكسرة الأولى فلأنَّ الضَّمَّةَ بعد الياء الساكنة ثقيلة، وأما الثانية فلاتباع الكسرة الكسرة.\nومنها \"عَلَيْهِمِي\" بإلحاق الياء بعد الكسرتين ليسهل التَّلفظُ بِها.\nومنها \"عَلَيْهِمُو\" بكسر الهاء وضمِّ الميم وإلحاق الواو.\nوذكر المبرد وغيره أنَّ \"علا\" قد تكون اسمًا وهو بمعنى: فوق، تقول: أتيته من علا، وأخذت الشيء من علا: من فوق.\nوقد تكون فعلًا تقول: علا زيدًا ثوبٌ يعلوه عُلوًّا.\nوقد تكون حرفًا تقول: على زيد ثوبٌ.\nوعن سيبويه أن ألف علا منقلبة عن الواو، وتقلب مع المضمر ياء فتقول: عليك وعليهم، ومن العرب من يتركها بحالها فيقول: علاك وعلاهم بدل عليك وعليهم.\nوقال أهل اللغة: على للاستعلاء تقول: على فلان ثوب، وزيد على السطح.\nوتَجيء بِمعني \"عَنْ\" كما قال الشَّاعرُ: [وافر]\nإِذَا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْرٍ … لَعَمْرُ اللهِ أَعْجَبَنِي رِضَاهَا\nأي: عَنِّي.\nوبِمعنى \"فِي\" كما في قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ","vol":"1","page":371},{"text":"سُلَيْمَانَ﴾ (^١) أي: فِي ملكه.\nوبِمعني \"مِنْ\" كما في قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢)﴾ (المطففين) أي: من النَّاسِ.\nوبِمعني \"مَعَ\" كما يقال: فلانٌ على صغر السن يقول الشعر.\nوبِمعنى \"العزيمة\" تقول: أنا على الْحجِّ العام.\nوبِمعنى \"الثبات على الأمر\" كما يقال: أنا على ما كنت عليه.\nوبِمعنى \"المخالفة\" تقول: زيدٌ على عمرٍو أي: يُخالفه.\nوبمعنى \"الثبوت والوجوب\" يقال: على فلان كذا.\nويمكن رد بعض هذه المعاني إلى بعض.\n\"والسَّكِينَةُ\" الطَّمَأْنِينَةُ والسُّكُونُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-139>الفصل الثالث</span>\nقوله: \"عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وأبي هُرَيْرَةَ يَشْهَدَانِ على النَّبِيِّ ﷺ\" يريد: يرويان عنه بلفظ الشهادة، وفيه مزيد تأكيدٍ وتحقيقٍ، وفي غير هذه الرواية أنَّ الأغرَّ قال: أشهد على أبي سعيد وأبي هريرة أنهما قالا: قال رسول الله ﷺ (^٢).\nوفي الحديث بيانُ فضلِ الذِّكْرِ وَمَجْلِسِ الذِّكْرِ، وقد ورد فِي فضلِ كلِّ واحدٍ منهما غير حديث:\nففي \"جامع أبي عيسى الترمذي\" عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ، عَنْ مَرْحُومِ بْنِ عبدِ\n_________\n(^١) البقرة: ١٠٢.\n(^٢) هو في رواية شعبة عن أبي إسحاق عن الأغر أخرجها أبو يعلى (١٢٥٢)، وأبي الأحوص عن أبي إسحاق رواها ابن حبان (٨٥٥).","vol":"1","page":372},{"text":"الْعَزِيزِ الْعَطَّارِ، عن أبي نَعَامَةَ وهو عَمْرُو بن عيسى السَّعْدِيُّ -كذلك ذكره الترمذي، وفي \"التاريخ\" (^١) عن يحيى بن معين أن أبا نَعَامَةَ السَّعْدِيَّ عبد ربه، وعمرو بن عيسى هو أبو نَعَامَةَ الْعَدَوِيُّ والله أعلم-\nعن أبي عُثْمَانَ وهو عبد الرحمن بن مُلٍّ النَّهْدِيُّ، عن أبي سعيد الْخُدْرِيِّ قال: خرج مُعَاوِيَةُ ﵁ إلى الْمَسْجِدِ-\nوهو أبو عبد الرحمن بن صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي، كاتب يكتب لرسول الله ﷺ الوحي.\nروى عنه: ابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وحميد بن عبد الرحمن، وسعيد بن المسيب، وهمام بن منبه، وغيرهم.\nاستوى له الأمر بتسليم الحسن بن علي ﵄ ومصالحته إياه سنة إحدى وأربعين، ومات سنة ستين (^٢).\nويروى أنَّه كان ينشد عند وفاته: [خفيف]\nإِنْ تُنَاقِشْ يَكُنْ نِقَاشُكَ يَا رِبِّ … م عَذَابًا لَا طَوْقَ لِي بِالْعَذَابِ\nأَوْ تُجَاوزْ فَأَنْتَ رَبٌّ غَفُورٌ … عَنْ مُسِيءٍ ذُنُوبُهُ كَالتُّرَابِ\nقال أبو سعيد: فَقَالَ يعني معاوية: مَا يُجْلِسُكُمْ؟\nفقالوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ الله تعالى. قال: آلله ما أَجْلَسَكُمْ إلا ذاك؟\nقالوا: آلله ما أَجْلَسَنَا إلا ذاك. قال: أما إني لم أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لكم وما كَانَ أَحَدٌ بِمَنْزِلَتِي من رسول الله ﷺ أَقَلَّ حَدِيثًا عنه مِنِّي إِنَّ رسول الله ﷺ خرج\n_________\n(^١) \"تاريخ يحيى بن معين رواية الدوري\" (٢/ ١٢٣ - ١٢٤).\n(^٢) انظر \"تهذيب الكمال\" (٢٨/ ١٧٦).","vol":"1","page":373},{"text":"على حَلْقَةٍ من أَصْحَابِهِ فقال: \"ما يُجْلِسُكُمْ\"؟\nقالوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ الله تعالى وَنَحْمَدُهُ على ما هَدَانَا لِلِإسْلَامِ وَمَنَّ عَلَيْنَا به.\nقال: \"آلله ما أَجْلَسَكُمْ إلا ذَاكَ\"؟\nقالوا: آلله ما أَخْرَجَنَا إلا ذَاكَ.\nقال: \"إني لم أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، إنه أَتَانِي جبريل فَأَخْبَرَنِي أن الله تعالى يُبَاهِي بكم الملائكة\" (^١).\nوفيما يروي لنا عن أبي بكر بن خلف، عن أبي عبد الله الحافظ، ثنا محمد بن يَعْقُوبَ، ثَنَا الرَّبِيعُ، ثَنَا عبد الله بن وَهْبٍ، أخبرني سُلَيْمَانُ بن بِلَالٍ، عن سُهَيْل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما من قَوْمٍ جَلَسُوا مَجْلِسًا وَتَفَرَّقُوا منه لم يَذْكُرُوا الله فيه إلا كأنما تَفَرَّقُوا عن جِيفَةِ حِمَارٍ وكان عليهم حَسْرَةً يوم الْقِيَامَةِ\" (^٢).\nوقوله: \"إِلَّا حَفَّتْهُمُ المَلَائِكَةُ\" احتفافُ الملائكة بهم للتبرك بهم والرغبة فيما عندهم، وأيضًا لحفظهم والارتفاق بهم.\nومن مشهور الحديث وقد رَوَاهُ أبو داود الطَّيَالِسِيُّ عن وُهَيْبٍ، عن سُهَيْلٍ، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن لله تعالى ملائكة سيَّارةً فُضُلًا يَلْتَمِسُونُ مجالس الذِّكْرِ فإذا أَتَوا على قَوْمٍ يَذْكُرُونَ الله جلسوا فَأَظَلُّوهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ ما بينهم وبين سَمَاءِ الدنيا، فإذا قَامُوا عَرَجُوا إلى ربهم فَيَقُولُ الله تعالى\n_________\n(^١) رواه مسلم (٢٧٠١)، والترمذي (٣٣٧٩). وعندهما: \"أجلسنا\" بدل \"أخرجنا\".\n(^٢) \"المستدرك\" (١/ ٦٦٨) كما رواه من طريقه الرافعي. وقال: صحيح على شرط مسلم.\nوالحديث رواه أبو داود (٤٨٥٥)، والنسائي في \"الكبرى\" (١٠٢٤١)، وأحمد (٢/ ٣٨٩) جميعًا من طريق سهيل بن أبي صالح.","vol":"1","page":374},{"text":"وهو أَعْلَمُ بهم من أين جِئْتُمْ؟\nفَيَقُولُونَ: من عند عبادك يُسَبِّحُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ وَيَسْتَجِيرُونَ مِنْ عَذَابِكَ وَيَسْأَلُونَكَ جَنَّتَكَ.\nفَيَقُولُ الله تعالى: قد أَجَرْتُهُمْ مما اسْتَجَارُوا وأَعْطَيْتُهُمْ ما سَأَلُوا.\nفَيُقَالُ: إن فيهم رجلًا مرَّ بهم فَقَعَدَ معهم.\nفَيَقُولُ: وله قد غَفَرْتُ هم الْقَوْمُ لا يَشْقَى بهم جَلِيسُهُمْ\" (^١).\nوقوله: \"عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ\" يُبَيِّنُ أن الذكر سببَ الطمأنينة على ما قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد: ٢٨) وإذا اطمأنَّ القلبُ أنس به وزالت عنه الوحشة.\nقيل لمحمد بن النضر: كأنك تكره مجالس الناس؟ قال: نعم. قيل: أفما تستوحش؟ قال: فكيف أستوحش وهو يقول: أنا جليس من ذكرني (^٢).\nوقوله: \"وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ\" يعني الملائكة المقربين من رحمته المواظبين على طاعته، ويقرب منه ما روي أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: \"يَقُولَ الله تَعَالَى أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ\" (^٣).\nومن رحمة الله تعالى ولطفه بعباده أن أَذِنَ لَهم في ذِكَرِهِ على ما يعتريهم من الغفلات ويعترض لهم من الحالات؛ قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا\n_________\n(^١) \"مسند الطيالسي\" (٢٤٣٤). والحديث رواه مسلم أيضًا (٢٦٨٩).\n(^٢) رواه أبو نعيم في \"حلية الأولياء\" (٨/ ٢١٧).\n(^٣) رواه البخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥) من حديث أبي هريرة.","vol":"1","page":375},{"text":"وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ (^١).\nوعن محمد بن عَلِيٍّ الْكِتَّانِيِّ أنه قال: لولا أن ذِكْرَهُ فَرْضٌ عَلَيَّ ما ذَكَرْتُهُ إِجْلالًا له، مِثْلِي يَذْكُرُهُ ولم يَغْسِلْ فمه بألف تَوْبَةٍ مُتَقَبَّلَةٍ (^٢).\nوروي لنا عن أبي الأَسْعَدِ القُشَيْرِيِّ قال: أنبا محمد بن أحمد بن أبي جَعْفَرٍ قال: سَمِعْتُ ابن بَاكُويَه قال: ثَنَا نَصْرُ بن أبي نَصْرٍ، ثَنَا الحسين بن محمد التَّمِيمِيُّ، عن الْفَيْضِ بن إسحاق قال: أَنْشَدَنَا ذو النُّونِ:\n[طويل]\nرِجَالٌ أَطَاعُوا الله فِي السِّرِّ وَالْجَهْرِ … فَمَا بَاشَرُوا اللَّذَّاتِ حِينًا مِنَ الدَّهْرِ\nيُرَاعُون نَجْمَ اللَّيلِ مَا يَرْقُدُونَهُ … بِإِدْمَانِ حِفْظٍ لِلتَّعَبُّدِ فِي الضُّرِّ\nأُنَاسٌ عَلَيْهِمْ رَحْمَةُ الله أُنْزِلَتْ … فَظَلَّوا سُكُونًا فِي السُّهُولِ وَفِي القَفْرِ\nومن خصائصِ الذِّكْرِ أنَّ الْمحبَّةَ تدعوا إليه، وأنه يُفْضِي إلى الْمحبَّةِ ويزيد فيها، أما الأول فمن أحبَّ شيئًا أكثر ذكره، وأما الثاني فلأنَّ الذِّكْرَ ينبه على قديم إحسانه وجميل صنعه وامتنانه، ثم على كريم جماله وعظيم جلاله، وذلك يزيد في المحبة ويقطع في المحبة لسان الاعتراض وإن عرض لبعض نعمة إعراض.\nوَأُنْشِدُكُمْ لِنَفْسِي:\nنَفْسِي فِدًا لَهُمُ خَيَّبُوا أَمْ نَوَّلُوا (^٣) … تَحَوَّلُوا عَنْ حَالِهِم أَوْ ثَبَتُوا فَخُوِّلُوا\nإِنْ حَرَمُوا فَطَالَمَا بِفَضْلِهِمْ تَطَوَّلُوا … فتحت عيني بهم ما عنهم مُحَوّلُ\n_________\n(^١) آل عمران: ١٩١.\n(^٢) رواه الخطيب البغدادي في ترجمته في \"تاريخ بغداد\" (٣/ ٧٥).\n(^٣) في \"البدر المنير\": أحبوا أم تولوا.","vol":"1","page":376},{"text":"إِعْرَاضُهُم إِنْ أَعْرَضُوا وَشَدَّدُوُا وهَوَّلُوا … وَعَرَّضُونِي لِلتَّوَي بِمَا (^١) عَلَيّ طَوّلُوا\nلَيْسَ بِثَانٍ عَنْهُمُ إِنَّ الْحَبِيبَ الْأَوَّلُ … عَلَيهمُ فِي كُلِّ مَا أَقْصُدُهُ الْمعوّلُ (^٢)\nآخر المجلس الرابع والعشرون، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين\n* * * * *\n_________\n(^١) في \"البدر المنير\": وما.\n(^٢) نقل هذه الأبيات عن الإمام الرافعي: ابن الملقن في \"البدر المنير\" (١/ ٣٣٥).\nوالتوى: هلاك المال.","vol":"1","page":377},{"text":"﷽\nوما توفيقي إلا بالله\n\n<span data-type='title' id=toc-140>المجلس الخامس والعشرون </span>من أماليه ﵀ ابتدأ بإملائه يوم الجمعة التاسع عشر من صفر سنة اثنتي عشرة وستمائة\nحدثنا الإمام المُمْلِي ﵀ إِمْلَاءً من لفظه الشريف قال: قرأت على والدي ﵀ قال: قَرَأْتُ على حامد بن محمود الْخَطِيبِ قال: أنبا محمد بن الْفَضْلِ الصَّاعِدِيُّ.\nوكتب إلينا حَامِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عن الصَّاعِدِيِّ قال: أنبا سعيد بن محمد قال: أنبا زَاهِرُ بن أحمد قال: أنبا عبد الله بن محمد قال: ثَنَا مُصْعَبُ بن عبد الله قال: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عن عبد الرحمن بن الْقَاسِمِ، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت:\nخَرَجْنَا مع رسول الله ﷺ في بَعْضِ أَسْفَارِهِ حتى إذا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ أو بذات الجيش انقطع عِقْدِي فأقام رسول الله ﷺ على الْتِمَاسِهِ وأقام الناس معه وَلَيْسُوا على ماء فَأَتَى الناس أبا بكر ﵁ فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة أَقَامَتْ برسول الله ﷺ وبالناس وَلَيْسُوا على مَاءٍ وليس معهم مَاءٌ فجاء أبو بكر ورسول الله ﷺ وَاضِعٌ رَأْسَهُ على فَخِذِي قد نَامَ فقال: حَبَسْتِ رسول الله ﷺ والناس وَلَيْسُوا على مَاءٍ وليس مَعَهُمْ مَاءٌ.\nقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَعَاتَبَنِي أبو بكر وقال ما شاء الله أن يقول وجعل يَطْعُنُ بِيَدِهِ في خَاصِرَتِي فلا يَمْنَعُنِي من التحرك إلا مكان رسول الله ﷺ على فَخِذِي، فَنَامَ رسول الله ﷺ حتى أصبح على غير مَاءٍ فَأَنْزَلَ الله تعالى آيَةَ التَّيَمُّمِ فَتَيَمَّمُوا.\nفَقَالَ أُسَيْدُ بن حُضَيْرٍ ﵁ وهو أَحَدُ النُّقَبَاءِ: ما هي بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يا آل أبي","vol":"1","page":378},{"text":"بَكْرٍ.\nقالت: فَبَعَثْنَا الْبَعِيرَ الذي كنت عليه فَوَجَدْنَا الْعِقْدَ تَحْتَهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-141>في الشرح فصول: الفصل الأول</span>\nهذا حديثٌ صحيحٌ عالٍ متفقٌ عليه مدونٌ في \"موطأ مالك\" (^١)، وفي \"صحيح البخاري\" بروايته عاليًا في \"التفسير\" (^٢) عن إسماعيل، عن مالك. وفي \"الطهارات\" (^٣) عن عبد الله بن يوسف أبي محمد التنيسي، وفي \"فضل أبي بكر\" (^٤) عن قتيبة بن سعيد بروايتهما عن مالك.\nونازلًا (^٥) عن يحيى بن سليمان أبي سعيد الجعفي الكوفي ساكن مصر عن عبد الله بن وهب أبي محمد المصري، عن أبي أمية عمرو بن الحارث بن يعقوب الأنصاري مولاهم المؤدب، عن (عبد الرحمن بن القاسم) (^٦).\nوفي \"صحيح مسلم\" (^٧) بروايته عن يحيى بن يحيى، عن مالك.\nورواه أبو عوانة الحافظ في \"مسنده\" (^٨) عن محمد بن إسماعيل السّلمي، عن\n_________\n(^١) \"الموطأ رواية يحيي\" (١/ ٥٣ رقم ١٢٠). وفيه وكذا في باقي المصادر: \"عقد لي\".\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٤٦٠٧).\n(^٣) \"صحيح البخاري\" (٣٣٤).\n(^٤) \"صحيح البخاري\" (٣٦٧٢).\n(^٥) \"صحيح البخاري\" (٤٦٠٨).\n(^٦) في س: مالك. وهو خطأ، والمثبت من د، \"صحيح البخاري\".\n(^٧) \"صحيح مسلم\" (٣٦٧/ ١٠٨).\n(^٨) \"مسند أبي عوانة\" (٨٧٠).","vol":"1","page":379},{"text":"القعنبي، عن مالك.\nورواه أبو داود السجستاني (^١)، وابن ماجه (^٢) مختصرًا من رواية هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂.\nوروى أبو داود (^٣) القصة أيضًا من حديث ابن شهاب الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن عمار بن ياسر.\nوعائشة ﵂ مذكورة في المجلس الثامن وبعده.\nوَأُسَيْدُ (^٤) المشتمل على ذكره الحديث: هو أبو عيسى وأبو عتيق أو أبو عتيك أو أبو يحيي أو أبو حضير أُسَيْدُ بن حُضَيْرٍ بن سماك بن عتيك بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل بن جشم بن الحارث بن الخزرج الأشهلي الأنصاري.\nأحد نُقباء الأنصار، شهد بدرًا وأحدًا وغيرهما.\nوتحدث عند رسول الله ﷺ في ليلة ظلماء وبقي عنده حتى ذهب بعض الليل، فلما خرج أضاءت له عصاه فمشى في ضوئها حتى بلغ منزله (^٥).\nوكان يقال لأبيه: حضير الكتائب.\nروي عن أُسَيْد: أنس بن مالك، وأبو سعيد الخدري، وعائشة.\n_________\n(^١) \"سنن أبي داود\" (٣١٧).\n(^٢) \"سنن ابن ماجه\" (٥٦٨).\n(^٣) \"سنن أبي داود\" (٣١٨).\n(^٤) انظر \"معرفة الصحابة\" (١/ ترجمة ١١٦).\n(^٥) رواه النسائي في الكبرى (٨٢٤٥)، وأحمد (٣/ ١٣٧، ١٩٠، ٢٧٢)، وابن حبان (٢٠٣٠)، والحاكم (٣/ ٣٢٦) من طرق عن ثابت عن أنس ﵁.\nوقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.","vol":"1","page":380},{"text":"مات سنة عشرين، وصلى عليه عمر ﵁ ودفن بالبقيع.\nوالقاسم: هو ابن محمد بن أبي بكر الصديق أبو محمد ويقال: أبو عبد الرحمن، من فقهاء المدينة.\nسمع: عمته عائشة ﵂، وابن عباس، وصالح بن خوات، وغيرهم.\nروى عنه: الزهري، ونافع، وابن أبي مليكة، وأيمن بن نابل، وأبو الزناد. توفي سنة اثنتين ومائة، وقيل: سنة ثمان ومائة، وقيل: سنة اثنتي عشرة (^١).\nوعبد الرحمن بن القاسم ابنه: أبو محمد، يقال: كان أفضل أهل زمانه.\nروى عنه: يحيى بن سعيد الأنصاري، وعبد العزيز بن أبي سلمة.\nمات سنة ستٍّ وعشرين ومائة بالمدينة، وقيل: بالشام (^٢).\nومالك (^٣): هو إمام أهل المدينة، وأول من صَنَّفَ فِي الإسلام منهم، أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي.\nمن أئمة المسلمين المقتدي بهم في آفاق الأرض، وكان لا يُحَدِّثُ إلا عن ثقةٍ.\nيروى عن الشافعي ﵁ أنَّه قال: إذا وجدت لِمالكٍ حديثًا فشدّ يديك به فإنه حُجَّةٌ.\nوأنه قال: لولا مالك ما تفقهت، ولولا ابن عيينة ما سمعت الحديث، ولولا معونة أحمد بن حنبل ما رددت على أهل العراق.\nويقال إن بعض الكبار من أهل المدينة رأى رسول الله ﷺ في المنام كأنه\n_________\n(^١) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (٥/ ترجمة ١٨).\n(^٢) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (٦/ ترجمة ١).\n(^٣) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (٦/ ترجمة ١٠).","vol":"1","page":381},{"text":"جالس والناس يقولون له: أعطنا.\nفقال لهم: إني كنزت تحت المنبر كنزًا وقد أمرت مالكًا أن يقسمه فيكم فاذهبوا إلى مالك (^١).\nوعلى مَالِكٍ حَمَلَ حَامِلُونَ ما روى عبد الرَّزَّاقِ، عن سفيان، عن ابن جُرَيْجٍ، عن أبي الزُّبَيْرِ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"يَضْرِبُ النَّاسُ أَكْبَادَ الإِبِلِ فَلَا يَجِدُونَ عَالِمًا أَعْلَمَ مِنْ عَالِمِ المَدِينَةِ\" (^٢).\nسمع: نافعًا، والزهري، وهشام بن عروة، وغير واحد من التابعين.\nوروى عنه: ابن المبارك، وابن مهدي، والقعنبي، ومن لا يحصون.\nوقال فيه بعض أهل المدينة: [طويل]\nأَلَا إِنَّ فَقْدَ الْعِلْمِ فِي فَقْدِ مَالِكٍ … فَلَا زَالَ فِينَا صَالِحَ الْحَالِ مَالِكُ\nيُقِيمُ طَرِيقَ الْحَقِّ وَالْحَقُّ وَاضِحٌ … وَيهْدِي كَمَا تَهْدِي النُّجُومُ الشَّوابِكُ\nفَلَوْلَاهُ مَا قَامَتْ حُقُوقٌ كَثِيرَةٌ … وَلَوْلَاهُ لانْسَدَّتْ عَلَيْنَا الْمَسَالِكُ\nعَشَوْنَا إِلَيْهِ نَبْتَغِي ضَوْءَ رَأْيِهِ … وَقَدْ لَزِمَ الْغَيَّ اللَّحُوحُ الْمُمَاحِكُ\nفَجَاءَ بِرَأْيٍ مِثْلُه يُقْتَدَى بِهِ … كَنَظْمِ جُمَانٍ زَيَّنَتْهُ السَّبَائِكُ\nوُلِد مالك سنة ثلاث وتسعين، وقيل: سنة أربع، وقيل: سنة خمس.\nوعن الواقدي أنَّ أمه حملت به ثلاث سنين. وتوفي سنة تسع وسبعين ومائة.\nومُصعب: هو مصعب بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير\n_________\n(^١) انظر \"المجروحين\" لابن حبان (ص ٤٣).\n(^٢) رواه الترمذي (٢٦٨٠) وأحمد (٢/ ٢٩٩)، وابن حبان (٣٧٣٦)، والحاكم (١/ ١٦٨) من طريق ابن عيينة.\nقال الترمذي: حديث حسن. وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.","vol":"1","page":382},{"text":"بن العوام الأسدي القرشي.\nروي عن: أبيه، وعن عبد العزيز بن محمد الدَّرَاوَرْدِيِّ، ومالك، وغيرهم.\nوهو عَمُّ الزبير بن بكار صاحب كتاب \"النسب\" وأكثر الزبير الرواية عنه (^١).\nوعبد الله (^٢) هو أبو القاسم ابن محمد بن عبد العزيز بن المرزبان بن سابور بن شاهنشاه الْبَغَوِيُّ.\nمُحَدِّثٌ كبيرٌ مشهورٌ، بغدادي المولد والمنشأ، ثقةٌ مُعمر سمع الناس منه قرنًا بعد قرن.\nأنبا الإمام أبو سعد السَّمْعَانِيُّ بالإِجَازَةِ الْعَامَّةِ قال: أنبا أبو مَنْصُورٍ عبد الرحمن بن محمد بن عبد الواحد الشَّيْبَانِيُّ قال: أنبا أحمد بن عَلِيٍّ الخَطِيبُ، حدثني الحسن بن محمد الدَّرْبَنْدِيُّ، سمعت أبا محمد عَبْدَانُ بن أحمد الْخَطِيبُ ابن بنت أحمد بن عَبْدَانَ الشِّيرَازِيّ يَقُولُ: سمعت جدي يَقُولُ: اجْتَازَ أبو الْقَاسِمِ عبد الله بن مُحَمَّدٍ الْبَغَوِيُّ بِنَهْرِ طَابَقِ (^٣) على باب المسجد قال: فسمع صوت مُسْتَمْلٍ فقال: من هذا؟\nفَقَالُوا: ابْنُ صَاعِدٍ. فقال: ذاك الصَّبِيُّ؟! قَالُوا: نَعَمْ.\nقال: والله لا أَبْرَحُ من موْضِعِي هذا حَتَّى أُمْلِي ها هنا.\nقال: فَصَعِدَ الدّكَّةَ وجلس وَرَآهُ أصحاب الحديث فَتَرَكُوا ابن صَاعِدٍ. ثُمَّ قال: ثَنَا أبو عبد الله أحمد بن حَنْبَلِ الشَّيْبَانِيُّ قبل أن يُولَدَ المُحَدِّثُونَ قال: ثَنَا\n_________\n(^١) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١١/ ٣٠).\n(^٢) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٤/ ٤٤٠).\n(^٣) نهر الطابق: محلة ببغداد من الجانب الغربي. \"معجم البلدان\" (٥/ ٣٢١).","vol":"1","page":383},{"text":"طَالُوتُ بن عباد قبل أن يُولَدَ الْمُحَدِّثُونَ، ثَنَا أبو نَصْرٍ التَّمَّارُ قبل أن يُولَدَ الْمُحَدِّثُونَ. فَأَمْلَى سِتَّةَ عشر حَدِيثًا عن سِتَّةِ عشر شَيْخًا ما كان في الدُّنْيَا من يَرْوِي عنهم غَيْرُهُ (^١).\nوعن الحسن بن عبد الرحمن بن خَلَّادٍ: لا يُعْرَفُ في الإسلام مُحَدِّثٌ يُوَازِي عبد الله بن محمد في قدم السَّمَاعِ؛ فإنا سَمِعْنَاهُ يقول: حَدَّثَنَا إسحاق بن إسماعيل الطَّالْقَانِيُّ سنة خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ (^٢).\nومات البغوي سنة سبع عشرة وثلاثمائة، وقد استتمَّ مائة وثلاث سنين.\nوزاهر (^٣): هو أبو علي بن أحمد بن محمد بن عيسى السَّرَخْسِيُّ الفقيه.\nإمامٌ مشهورٌ في الفقه والحديث.\nقرأ القرآن على ابن مجاهد، وتفقه عند أبي إسحاق المروزي، وسمع: أبا لبيد، والبغوي، وابن صاعد، ودَرَسَ الأدب على أبي بكر بن الأنباري.\nوحدّث عنه أنَّه أملى عليهم بإسنادٍ له أنَّ زينب بنت علي بن أبي طالب يوم قتل الحسين أخرجت رأسها من الخباء وهي رافعة عَقِيرَتهَا (^٤) تقول:\n[بسيط]\nمَاذَا تَقُولُونَ إِنْ قَالَ النَّبِيُّ لَكُمْ … مَاذَا فَعَلْتُمْ وَأَنْتَمْ آخِرُ الْأُمَمِ\nبِعِتْرَتِي وَبِأَهْلِي بَعْدَ مُفْتَقَدِي … مِنْهمْ أُسَارَي وَمِنْهُمْ ضُرِّجُوا بِدَمِ\n_________\n(^١) رواه الخطيب البغدادي في \"تاريخ بغداد\" (١٠/ ١١٤) كما رواه من طريقه الرافعي.\n(^٢) \"المحدث الفاصل بين الراوي والواعي\" للرامهرمزي (ص ٦٢٣).\n(^٣) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٦/ ترجمة ٣٥٢).\n(^٤) قولهم: رفع فلانٌ عَقيرتَهُ أي: صوته. \"الصحاح\" (عقر).","vol":"1","page":384},{"text":"مَا كَانَ هَذَا جَزَائِي إِذْ نَصَحْتُ لَكُمْ … أَنْ تَخْلُفُونِي بِشَرٍّ في ذَوِي رَحِمِي (^١)\nوسعيد بن محمد (^٢): هو أبو عثمان بن أبي عمرو محمد بن أحمد بن محمد بن جعفر بن بحير بن نوح الْبَحِيرِيُّ.\nمن كبار المحدِّثين، ومن بيت العلم والحديث، وفي سلفه وخلفه جماعة من العلماء والصالحين.\nسمع: زاهر، وأبا عمرو الْبَحِيرِيّ، وغيرهما.\nومحمد بن الفضل الصاعدي، وحامد الخطيب، ووالدي ﵏ مذكورون من قبل:\nأما الصاعدي ففي المجلس السادس، ويقال: إنه كان مُكرمًا للغرباء، صَبُورًا على القراءة، سمع: شيخ الإسلام الصَّابُونِيّ، وأخاه أبا يعلى، وابن مسرور، وَالْبَحِيرِيُّ، ومن لا يُحْصون.\nوأما الخطيب ففي المجلس الرابع؛ وأما والدي ففي غير مجلسٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-142>الفصل الثاني</span>\n\"الْبَيْدَاءُ\" موضع بين مكة والمدينة، ويقال: إنه أقرب إلى مكة من ذي الحليفة، وذو الحليفة على عشر مراحل، وعلى ميل من المدينة.\nو\"ذَاتُ الْجَيْشِ\" على بريد من المدينة. و\"الْعِقْدُ\" القلادة.\nو\"الطَّعْنُ\" يكون باليد والرمح والقول.\nو\"المكان\" الموضع وكذا المكانة قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى\n_________\n(^١) انظر \"تاريخ دمشق\" (٦٩/ ١٧٨).\n(^٢) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٨/ ترجمة ٤٩).","vol":"1","page":385},{"text":"مَكَانَتِهِمْ﴾ (^١).\nوَالْمَكَانَةُ: المَنْزِلَةُ، يُقَالُ: فُلَانٌ مَكِينٌ: بَيِّنُ المَكَانَةِ، وتُوُهِّمَ الميم أصلية لكثرة لزومها الكلمة فقالوا: تَمَكَّن، كما قالوا من المسكين: تَمَسْكَن.\nوأرادت ما يمنعني من التحرك إلا موضع رسول الله ﷺ من فخذي لئلا يستيقظ.\nو\"غير\" كلمة مخالفة والجمع: أغيار، ويوصف بها ويستثني:\nفالوصف كما تقول: زيد غير بخيل، وإذا وصفت بها أعربتها بإعراب ما قبلها، ومنه قول تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ أي: اهدنا صراطَ الْمُنْعَمِ عليهم الذين من صفتهم أنهم غير مغضوب عليهم.\nويقال: إنَّ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ بدل من ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾.\nوالاستثناء كما تقول: رأيت القوم غير زيد، وإذا كانت للاستثناء خفضت ما بعدها وتُعْربُ هي بإعراب الاسم الواقع بعد \"إلا\" لو استعملت بدلها \"إلا\" تقول: ما جاءني غير زيد، كما تقول: \"إلا زيد\" وما رأيت غير زيد، كما تقول: إلا زيدًا.\nوقد ترد بمعني \"لا\" كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ (^٢) أي: لا باغيًا ولا عاديًا.\nوقولها: \"حَتَّى أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ\" يمكن أن يحمل عليه أي: أصبح على منزل بلا ماء، ويمكن أن تقدر صفة، يقال: نزل على ماء وعلى غير ماء، أي: منزل فيه\n_________\n(^١) يس: ٦٧.\n(^٢) البقرة: ١٧٣.","vol":"1","page":386},{"text":"ماء ومنزل خال عن الماء.\n\n<span data-type='title' id=toc-143>الفصل الثالث</span>\nقولها ﵂: \"حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ أَوْ بِذَاتِ الجَيْشِ\" يُمكن أن يكون شكًّا من عائشةَ، ويُمكن أن يكون شكًّا من بعض الرواة عنها، وفي بعض الروايات ذكرُ \"ذَاتِ الْجَيْشِ\" على التَّعيين.\nوالْعِقْدُ على ما رواه بعضهم كان من جَزْع ظِفَارٍ وهي مدينة باليمن (^١)، والكلمة مبنيَّةٌ على الكسر مثل فِطَام، ويحكى أنه كان مستعارًا من أسماء ﵂ وكانوا قد نزلوا في آخر الليل فبقوا على التماس العقد إلى أن أصبحوا.\nأَنْبَأَنَا مُنْبِئُونَ عن أبي عمرو المُقْرِئ، عن محمد بن أحمد الْفَقيهِ، عن الْقَاسِمِ بن جَعْفَرِ، عن أبي عَلِيٍّ اللُّؤْلُؤِيُّ، عن أبي داود قال: ثنا محمد بن يحيى في آخرين قالوا: ثنا يعقوب قال (أَخْبَرَنَا) (^٢) أبي، عن صَالِحٍ، عن ابن شِهَابٍ قال: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن عَمَّارِ بن يَاسِرٍ ﵁ أن النبي ﷺ عَرَّسَ بِأُولَاتِ الجيش ومعه عائشةُ ﵂ فانقطع عِقْدٌ لها مِنْ جَزْعِ ظِفَارِ، فَحُبِسَ الناس ابْتِغَاءَ عِقْدِهَا ذَلِكَ حتى أَضَاءَ الْفَجْرُ وليس مع الناس مَاءٌ فَتَغَيَّظَ عليها أبو بكر ﵁ عليها وقال: حَبَسْتِ الناس وليس معهم مَاءٌ فَأَنْزَلَ الله تعالى رُخْصَةَ التَّيَمُّمِ بِالصَّعِيدِ الطَّيِّبِ، فَقَامَ الْمُسْلِمُونَ فَضَرَبُوا بِأَيْدِيهِمُ عَلَى الأرض فَمَسَحُوا بها وُجُوهَهُمْ وَأَيْدِيَهُمْ (^٣).\n_________\n(^١) انظر \"معجم البلدان\" (٤/ ٦٠).\n(^٢) سقط من س، د. وأثبته من \"سنن أبي داود\".\n(^٣) \"سنن أبي داود\" (٣٢٠).","vol":"1","page":387},{"text":"ويقال: إنَّهم تيمموا لصلاة الصُّبح أول ما تيمموا\nوالتَّعْرِيسُ: النُّزولُ في آخرِ الليل للقوم هذا معناه الأشهر، وقد يسمى النُّزولُ عند القائلة تعريسًا أيضًا. وعن الخليل أنَّ كلَّ نزولٍ تعريسٌ، ويمكن أن يكون النزول وقتئذٍ لابتغاء العِقْدِ، ويمكن أن يكون التوقف بعد النزول لذلك.\nوقولها: \"فَأَقَامَ رسول الله ﷺ عَلَى الْتِمَاسِهِ\" إضافة الإقامة إليه، لكن إقامته كانت بسؤال عائشة أو لمراقبته إياها لعلمه بتعلق قلبها بالعقد، ولولا ذلك لم يلمها أبو بكر والناس.\nوقوله: \"حَبَسْتِ النَّاسَ\" من قبيل نسبة الفعل إلى المتسبب.\nوفي القصَّةِ دليلٌ على أنه يحسن من الزوج رعاية جانب الزوجة واستمالة قلبها وإن كان في الشَّيء الحقير، وأنه لا بأس بأن يُظهر ذلك للنَّاس، وإن لحق الأجانب مشقة في تلك الرعاية، وعلى أنَّ الشيء الضائع يجوز الاهتمام به وتفقده، ولا يمنع منه قوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ (^١) وعلى أنه يجوز للمرأة التَّزين والتَّحلي في السفر وإن كان السفر مظنة تكشفات يؤدي إليها السير والنزول والركوب، وعلى أنَّه لا منع من استصحاب النِّسوة في الغزوات فإن السفر كان في غزوٍ على ما سيأتي، وعلى أنه يجوز عند النَّوم وضع الرأس على فخذ الغير وإن ثقل الرأس في النَّوم ولم يتحقق وقت الانتباه وقد يُفضي ذلك إلى تألم العضو، وعلى أنَّ للأب تعزير الولد وتأديبه باللِّسان واليد، وعلى أنَّه يرخص في حفظ المال بما يغرر بالعبادة ويفوتها فإنه لو لم تنزل آية التيمم لما صلوا أو لصلوا بلا طهارة.\nوفي بعض الروايات أنَّ النبي ﷺ بعث أُسَيْدًا وأُناسًا معه في طلب القِلادة\n_________\n(^١) الحديد: ٢٣.","vol":"1","page":388},{"text":"فحضرت الصلاةُ فصلُّوا بغيرِ وضوءٍ ثمَّ أتوا النبي ﷺ وذكروا ذلك له فنزلت آية التيمم (^١).\nوقولها: \"مَا شَاءَ الله أَنْ يَقُولَ\" أشارت به إلى تطويله العتاب أو تخشينه القول.\nوفي قولها: \"فلا يَمْنَعُنِي من التَّحَرُّكِ إلا مكان رسول الله ﷺ\" إشارة إلى أنَّه يطعن طعنًا مؤلِمًا إلَّا أني كنت أثبت نفسي ولا أضطرب.\nوقولها: \"فَأَنْزَلَ الله تعالى آيَةَ التَّيَمُّمِ فَتَيَمَّمُوا\" كلمة: \"فَتَيَمَّمُوا\" يجوز أن تجعل حكاية عن لفظ القرآن، ويجوز أن تجعل خبرًا عن فعلهم.\nوَقَوْلُ أُسَيْدِ بن حُضَيْرٍ يُبَيِّنُ كَثْرَةَ الْبَرَكَةِ واليمن في أبي بكر ﵁ وآله للمسلمين واعْتِرَافَهُمْ له بِالْفَضْلِ وَالتَّقَدُّمِ.\nواعلم أن التَّيَمُّمَ رُخْصَةٌ خُصَّتْ بها هذه الْأُمَّةُ على ما بَيَّنَهُ ﷺ بقوله: \"جُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ مَسْجِدًا، وَجُعِلَ تُرَابُهَا لَنَا طَهُورًا\" (^٢).\nوالأمر بالتَّيمُّمِ ورد في سورة النِّساء وفي سورة المائدة، وبين نزول السورتين مدة فسورة النساء من أوائل ما نزل بالمدينة وسورة المائدة من أواخر ما نزل، بل روي أنه ﷺ قال: \"إن سورة المائدة آخر ما نَزَلَ عَلَيَّ من القرآن، فَأَحِلُّوا حَلَالَها وَحَرِّمُوا حَرَامَهَا\" (^٣).\nوإذا كان كذلك فقضية القصة أن يكون استفتاح الرخصة بالآية التي في\n_________\n(^١) رواه البخاري (٣٧٧٣)، ومسلم (٨٤٣).\n(^٢) رواه مسلم (٥٢٢/ ٤)، والبيهقي واللفظ له (١/ ٢١٣) من حديث حذيفة.\n(^٣) رواه أبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" (٢٤٩) بإسنادٍ ضعيف.","vol":"1","page":389},{"text":"النساء وأنها التي وردت في إقامتهم لطلب القلادة.\nوفي \"تفسير مقاتل\" وغيره في سورة المائدة أنَّ الآية نزلت في عائشة ﵂ وكانت مع النبي ﷺ في غزوة بني أنمار حيٍّ من قيس غيلان (^١).\nويشبه أن يكون المراد رخصة التيمم من أصلها لا آية المائدة بخصوصها.\nوفي القصة بيانُ لطف الله تعالى بِخواص عباده عند اشتداد الأمر بكشف الضُّرِّ وفتح الباب المغلق، وبحسب ذلك يوفقهم لحسن الالتجاء إليه والاعتماد عليه، فلا يطمعون فيمن سواه ولا يحمدون إلا إياه ولا يرون النعمة إلا منه، ألا ترى إلى قول عائشة ﵂ حين برأها الله تعالى مما رماها به أهل الإفك قالت: \"بِحَمْدِ الله لَا بِحَمْدِهِ\" تريد رسول الله ﷺ.\nوفيما يُرْوَي لنا عن عبد الْخَالِقِ بْنِ زَاهِرٍ قال: أَنَبَا أحمد بن علي الأَدِيبُ قال: أنبا الْحَاكِمُ أبو عبد الله قال: أنبا ابن كَامِلٍ الْقَاضِي قال: أَنْشَدَنَا إبراهيم بن عبد الله النَّحْوِيُّ للحسين بن عَلِيٍّ ﵄: [سريع]\nاغْنَ عَنِ المَخْلُوقِ بِالْخَالِقِ … تَغْنَ عَنِ الْكَاذِبِ وَالصَّادِقِ\nوَاسْتَرْزِقِ الرَّحْمَنَ مِنْ فَضْلِهِ … فَلَيْسَ غَيْرُ الله مِنْ رَازِقِ\nمَنْ ظَنَّ أَنَّ النَّاسَ يُغْنُونَهُ … فَلَيْسَ بِالرَّحْمَنِ بِالوَاثِقِ\nأَوْ ظَنَّ أَنَّ الْمَالَ مِنْ كَسْبِهِ … زَلَّتْ بِهِ النَّعْلَانِ مِنْ حَالِقِ (^٢)\nوَخُيِّلَ إِلَيَّ في بعضِ الْغَفَوَاتِ في سنةِ سِتٍّ وستمائة أنَّ رجلًا يُلَقِّنُنِي هاتين\n_________\n(^١) \"تفسير مقاتل\" (١/ ٣٨٢).\n(^٢) رواه ابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (١٤/ ١٨٦).\nوالْحَالِقُ: الجبل المرتفع. الصحاح حلق.","vol":"1","page":390},{"text":"الكلمتين: \"أنلني من خيرك ولا تشغلني بغيرك\" فَنَقَشْتُهُمَا على خَاتَمٍ، وأقصر من الثانية: وأَمِلني أو أَقِلني مِنْ غيرك.\nوَأُنْشِدُكُمْ لنفسي: [متقارب]\nتَيَمَّمْتُ بَابَكَ لَا غَيْرَهُ … فَمَا الْخَيْر عِنْدِي سِوَى خَيْرِكُمْ\nلَئِنْ لَمْ أُصِبْ مِنْكُمُ وَابِلًا … فَمَا أَرْتَجِي الطَّلَّ مِنْ غَيرِكُمْ (^١)\nآخر المجلس الخامس والعشرين، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وسلم\n* * * * *\n_________\n(^١) نقل هذه الأبيات عن الإمام الرافعي: ابن الملقن في \"البدر المنير\" (١/ ٣٣٤).\nوالوابلُ: المطر الشديد الضَّخْم القطْرِ. والطلُّ: أضعفُ المطرِ.","vol":"1","page":391},{"text":"﷽\nوما توفيقي إلا بالله\n\n<span data-type='title' id=toc-144>المجلس السادس والعشرون </span>من أماليه ﵀ ابتدأ بإملائه يوم الجمعة بعد الصلاة السابع والعشرين من صفر سنة اثنتي عشرة وستمائة\nثَنَا الإِمَامُ الْكَبِيرُ السعيد المُمْلِي ﵀ إِمْلَاءً من لفظه الشريف قال: أنبا أبو زُرْعَةَ الْمَقْدِسِيُّ في كتابه عن الحسن بن أحمد قال: أنبا أبو عثمان الصَّابُونِيُّ سنة أربع وأربعين وَأَرْبَعِمَائةٍ ومرة أخرى سنة سبع وَأَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِمَائةٍ وَأُخْرَى سَنَةَ ثَمَانٍ وأربعين قال: أنبا أبو عليٍّ الْفَقِيهُ قال: أنبا مُحَمَّدُ بن وَكِيعٍ قال: ثنا محمد بن أسلم قال: ثنا الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن الْعَلَاءِ بن عبد الرَّحْمَنِ؛ أنه سمع أبا السَّائِبِ يقول: سَمِعْتُ أبا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قال رسول الله ﷺ: \"مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ فَهِيَ خِدَاجٌ فَهِيَ خِدَاجٌ غَيْرُ تَمَامٍ\".\nفقلت: يا أبا هُرَيْرَةَ إني أكون أَحْيَانًا وَرَاءَ الإِمَامِ.\nقال: فَغَمَزَ ذِرَاعِي وقال: اقْرَأْ بها يا فَارِسِيُّ في نفسك؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"قال الله تعالى: قَسَمْتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فَنِصْفُهَا لي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدي ما سَأَلَ\".\nقال رسول الله ﷺ: \"اقْرَءُوا يَقُولُ الْعَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يَقُولُ الله تعالى: حَمِدَنِي عَبْدِي.\nيَقُولُ الْعَبْدُ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ يَقُولُ اللهُ تعالى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي.\nيَقُولُ الْعَبْدُ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ يَقُولُ الله تعالى: مَجَّدَنِي عَبْدِي.","vol":"1","page":392},{"text":"يَقُولُ الْعَبْدُ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فهذه بيني وبين عَبْدِي وَلِعَبْدِي ما سَأَلَ.\nيَقُولُ الْعَبْدُ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فهؤلاء لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ\".\n\n<span data-type='title' id=toc-145>في الشرح فصول: الفصل الأول</span>\nهذا حديثٌ صحيحٌ من رواية أبي السائب عن أبي هريرة: أخرجه مالك في \"الموطأ\" (^١)، ومسلم في \"الصحيح\" (^٢) ولم يورده البخاري في \"صحيحه\" ولكنه أورده في كتاب \"وجوب القراءة خلف الإمام\" (^٣) ورواه عن القعنبي كذلك.\nوروى الحديث محمد بن إسحاق وابن جريج (^٤) عن العلاء كما رواه مالك عنه.\nورواه روح بن القاسم، وسفيان بن عيينة، وشعبة، وإسماعيل بن جعفر، والدراوردي عن العلاء \"عن أبيه\" بدلًا \"عن أبي السائب\" عن أبي هريرة، وهذا الطريق صحيحٌ أيضًا أخرجه مسلم (^٥).\nوقال أبو عيسى الترمذي: سألت أبا زرعة عن هذا الحديث فصحَّحه بكلا\n_________\n(^١) \"الموطأ برواية القعنبي\" (ص ٥).\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (٣٩٥/ ٣٩، ٤٠).\n(^٣) \"القراءة خلف الإمام\" (٧٢).\n(^٤) ومن طريقه رواه ابن ماجه (٨٣٨)، وأحمد (٢/ ٢٨٥، ٢٥٠)، وابن خزيمة (٤٧١).\n(^٥) \"صحيح مسلم\" (٣٩٥/ ٣٨).","vol":"1","page":393},{"text":"الطريقين (^١).\nوروى صدر هذا الحديث إسماعيل بن أبي أويس، عن أبيه، عن العلاء بن عبد الرحمن قال: حدثني أبي وأبو السائب عن أبي هريرة فجمع بينهما (^٢).\nوكأنَّ العلاء سمع من أبيه وأبي السائب، فكان يرويه مرة عن هذا ومرة عن هذا ومرة عنهما.\nورواه عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة: ابن سمعان - وهو (عبد الله) (^٣) بن زياد بن سمعان المديني، فنقص وزاد: أما النقصان فليس في روايته ما قبل قوله: \"قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبيْنَ عَبْدي نِصْفَيْنِ\" وأمَّا الزيادة فإنَّه روى هذه الكلمة: \"فإذا قال العبد: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قال الله تعالى: مجدني عبدي، وإذا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال: حمدني عبدي … \" وساق الحديث.\nأورد الأستاذ أبو القاسم بن حبيب في \"تفسيره\" رواية ابن سمعان: عن أبي زكريا العنبري، عن جعفر بن أحمد بن نصر الحافظ، عن أحمد بن نصر المقرئ، عن آدم بن أبي إياس، عن ابن سمعان.\nورواها الحاكم أبو عبد الله: عن أحمد بن الخضر أبي الحسن الشافعي، عن جعفر الحافظ (^٤).\nوأوردها الحافظ أبو الحسن الدارقطني في \"السنن\" عن أبي بكر يوسف بن\n_________\n(^١) \"علل الترمذي\" (ص ٧٤).\n(^٢) رواه الترمذي (٢٩٥٣).\n(^٣) في س: عبيد الله. وهو خطأ، والمثبت من د. وهو عبد الله بن زياد بن سليمان بن سمعان، متروك الحديث. انظر \"تهذيب الكمال\" (١٤/ ٥٢٦).\n(^٤) \"معرفة علوم الحديث\" (١/ ١٣٢).","vol":"1","page":394},{"text":"يعقوب بن إسحاق بن بهلول (عن جده عن أبيه) (^١) عن ابن سمعان (^٢).\nأَنَبَا الإمام أحمد بن إسماعيل قِرَاءَةً عليه، عن عبد الْجَبَّارِ الْبَيْهَقِيِّ وغيره، عن أبي الحسنِ الْوَاحِدِيِّ قال: أنَبَا أبو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بن مُحَمَّدُ الْمَنْصُورِيُّ قال: أنَبَا عليُّ بن عمر وهو الدَّارَقُطْنِيُّ\nوأبو هريرة ﵁ ذكرنا بعض أحواله من قبل.\nوأبو السَّائبِ: هو مولى هشام بن زهرة، ويقال: مولى عبد الله بن هشام بن زهرة، وكان من جلساء أبي هريرة من التابعين.\nروى عنه: العلاء بن عبد الرحمن، وغيره.\nوله عن أبي هريرة في الصحيح غير هذا الحديث (^٣).\nووالد العلاء: هو عبد الرحمن بن يعقوب المديني الْحُرَقِيُّ مولى الْحُرَقَةِ، والْحُرَقَةِ من جهينة، يقال: هو الْحُرَقَةِ بن عامر بن مودعة بن جهينة بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة.\nسمع عبد الرحمن: أبا هريرة، وأبا سعيد. وروى عنه: ابنه العلاء (^٤).\nويكنى العلاء أبا شبل (^٥).\nسمع: عبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وعباس بن سهل بن سعد، وأبا\n_________\n(^١) في س، د: عن أبيه عن جده، والمثبت من \"سنن الدارقطني\"، \"إتحاف المهرة\" لابن حجر \"١٥/ ٢٦٩\".\n(^٢) \"سنن الدارقطني\" (١/ ٣١٢ رقم ٣٥). وقال: عبد الله بن زياد بن سمعان متروك الحديث.\n(^٣) انظر \"تهذيب الكمال\" (٣٣/ ترجمة ٧٣٨٠).\n(^٤) انظر \"التاريخ الكبير\" (٥/ ترجمة ١١٥٨).\n(^٥) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (٦/ ترجمة ٨٦).","vol":"1","page":395},{"text":"السائب.\nروى عنه: الدَّرَاوَرْدِيُّ، ومالك، وشعبة، وسليمان بن بلال، وغيرهم.\nمات سنة اثنتين وثلاثين ومائة.\nومالك مذكورٌ في المجلس الذي تلاه هذا المجلس.\nوالقَعْنَبِيُّ (^١): هو عبد الله بن مسلمة بن قعنب الحارثي المدني، سكن البصرة.\nسمع: أباه، وإبراهيم بن سعد، والليث بن سعد، ومالك بن أنس.\nروى عنه: محمد بن يحيى الذهلي، والبخاري، ومسلم، وروى مسلم أيضًا عن عبد بن حميد عنه.\nوكان موصوفًا بالفضل والعبادة. توفي بمكة سنة إحدى وعشرين ومائتين.\nوابن أسلم (^٢): هو أبو الحسن محمد بن أسلم بن سالم بن زيد الكندي الطوسي إمام دين ورع، يقال: إنه كان من الأبدال\nسمع: يحيى بن يحيى، وعبدان، وعبد الله بن يزيد المقرئ، والحميدي، وأبا نعيم، وطلق بن غنام، ويزيد بن هارون.\nوروي عنه: علي الهلالي، ومحمد بن عبد الوهاب، وإبراهيم بن أبي طالب، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة، وربما قال في روايته عنه: حدثنا رباني هذه الأمة محمد بن أسلم.\nوكان محمد بن أسلم شديد الاتباع لِمَا بلغه من سُنَنِ رسول الله ﷺ، ويذكر\n_________\n(^١) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٠/ ترجمة ٦٨).\n(^٢) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٢/ ترجمة ٧٠).","vol":"1","page":396},{"text":"أنه خرج على كبر سِنِّهِ إلى مكة بعد ما حج مرارًا وغرضه أن يطوف بالبيت ويستلم الركن بِمِحْجَنٍ (^١) وهو على بعيره، وأنه كان إذا مرض لا يتداوي ولا يُخْبِرُ أحدًا بعِلَّتِهِ. وعن محمد بن عباسٍ السَّلِيطيِّ قال: سمعت مُحَمَّدَ بْنَ أسْلَمَ يُنْشِدُ: [كامل]\nإِنَّ الطَّبِيبَ بِطِبِّهِ وَدَوَائِهِ … لَا يَسْتَطيعُ دِفَاعَ مَقْدُورٍ أَتَي\nمَا لِلطَّبِيبِ يَمُوتُ بِالدَّاءِ الَّذِي … قَدْ كَانَ يُبْرِئُ مِثْلَهُ فِيمَا مَضَى\nهَلَكَ الْمُدَاوَى والْمُدَاوِي وَالَّذِي … جَلَبَ الدَّوَاءَ وَبَاعَهُ وَمَنِ اشْتَرَي (^٢)\nتوفي سنة اثنتين وأربعين ومائتين.\nوابن وكيع (^٣): هو محمد بن وكيع بن دواس بن الشرقي الطوسي شيخ من أهل طوس. وروى عن محمد بن أسلم \"مسنده\" و\"الأربعين\" له.\nروى عنه: أبو عليٍّ زاهر السَّرخْسِيُّ، وأحمد بن منصور بن عيسى الزاهد.\nوزاهر بن أحمد مذكور في المجلس الذي تقدم.\nوأبو عثمان (^٤): هو إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن عامر الصَّابُونِيُّ.\nمن أكابر أئمة نيسابور المشهورين بِالْحَظِّ الوافر من العلوم والقبول التام عند الخاص والعام، وكان يلقب بالأستاذ الإمام شيخ الإسلام.\nسمع: أبا طاهر بن خزيمة، وأبا نعيم عبد الملك بن محمد، والأستاذين أبا بكر بن مهران، وأبا طاهر الزيادي، وجده أحمد بن إسماعيل، وأبا عبد الله\n_________\n(^١) هُوَ عَصَا مَحْنِيَّة الرَّأْسِ.\n(^٢) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٢/ ٢٠٤).\n(^٣) انظر \"تكملة الإكمال\" (٤/ ترجمة ٤٧٨١).\n(^٤) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٨/ ترجمة ١٧).","vol":"1","page":397},{"text":"الحافظ.\nونشر العلم إملاءً وتذكيرًا وتصنيفًا، واستفاد منه الناس على اختلاف الطبقات.\nوالحسن بن أحمد (^١): هو الحافظ أبو محمد الحسن بن أحمد بن محمد بن القاسم بن جعفر القَاسِمِيُّ السَّمَرَقَنْدِيُّ.\nمن أئمة الحديث المشار إليهم حفظًا وإتقانًا، ولزومًا لطريقة السلف وقناعة وتركًا للتكلف في الطعام واللباس والفراش.\nسمع: أبا العباس جعفر بن محمد المُسْتَغْفِريَّ، ومنصور بن نصر الْكَاغِدِيُّ، وعبد الله بن محمد بن هارون الوَرَّاقُ.\nوجمع وكتب وصنف الكثير، ويقال: إنه سمع \"صحيح مسلم\" على (عبد الغافر) (^٢) أكثر من ثلاثين مرة، وأنه صنف كتابًا سماه \"بحر الأسانيد\" بلغ ثمانمائة جزء بخط دقيق، وأن حجرته كانت مملوءة بالكتب والأجزاء وهو قاعد وسطها ولا يكاد يكنسها لاشتغاله بما هو أهم منه.\nيذكر أنه قيل لبعضهم وقد تشعثت لحيته: أما تتعهد لحيتك وتسرحها فقال: إني إذًا لفارغ.\nتوفي سنة إحدى وتسعين وأربعمائة، ويقال: إنه ولد سنة تسع وأربعمائة.\nوَرَأَيْتُ بِخَطِّهِ ﵀ أنه سمع الأُسْتَاذَ أبَا عثمان الصَّابُونِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ\n_________\n(^١) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٩/ ترجمة ١٢٥).\n(^٢) في س، د: عبد الغفار. وهو خطأ، وهو الشيخ الإمام الثقة المعمر الصالح: عبد الغافر بن محمد بن عبد الغافر بن أحمد بن محمد بن سعيد، أبو الحسين الفارسي ثم النيسابوري. ترجمته في \"سير أعلام النبلاء\" (١٨/ ١٩). وذكر الذهبي في ترجمة عبد الغافر هذا القول.","vol":"1","page":398},{"text":"الْقَاضِي أبا زَيْدٍ عبد الرحمن بن محمد بن حَبِيبٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ يَحْيَى بن مَنْصُورٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أحمد بن سَلَمَةَ يَقُولُ: سَمِعُتُ الدُّورِيُّ يقول: سَمِعْتُ أَعْرَابِيًّا يَطُوفُ بالكعبة فلما حاذى الْمِيزَابَ رفع طَرْفَهَ فقال: إليك مَدَدْتُ يَدَيْه، وفيما عِنْدَكض عَظُمَتْ رَغْبَتيْه فاقبل تَوْبَتَيْه.\nوَسَمِعْتُ الْقَاضِي أبا زَيْدٍ قال: أَنْشَدَنِي محمد بن عبد الأعلى، أَنْشَدَنَا لُؤْلُؤٌ (القيصري) (^١): [مجتث]\nمَا أَقرْبَ المَوْتَ منَّا … تَجَاوَزَ اللهُ عَنَّا\nكَأَنَّه قَدْ سَقَانَا … بِكَأْسِهِ حَيْثُ كُنَّا\nوأبو زرعة المقدسي ذكرته في المجلس الثاني عشر.\n\n<span data-type='title' id=toc-146>الفصل الثاني</span>\nالْخِدَاجُ: النُّقْصَانُ، يُقَالُ: خَدَجَتِ النَّاقَةُ تَخْدُجُ خِداجًا فَهِيَ خَادِجٌ: إِذَا أَلْقَتْ وَلَدَهَا قَبْلَ تَمَامِ الْأَيَّامِ وَإِنْ كَانَ تَامَّ الْخَلْقِ، وَأَخْدَجَتْ: إذَا جَاءَتْ بِوَلَدِهَا نَاقِصَ الْخَلْقِ وَإِنْ كَانَتْ الْأَيَّامُ تَامَّةً فَهِيَ مُخْدِجٌ وَالْوَلَدُ مُخْدَجٌ. وَفُلَانٌ مُخْدَجُ الْيَدِ أي: نَاقِصُهَا.\nوَقَوْلُهُ: \"فَهِيَ خِدَاجٌ\" قيل: أي ذات خِدَاجٍ: أي نُقصان، وقيل: أي مُخْدَجَةٌ، أقيم المصدر مقام الاسم.\nوَقَوْلُه: \"وَرَاءَ الْإِمَامِ\" أي: خلفه، والكلمة من الأضداد فقد ترد بمعنى الأمام كما في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ (الكهف: ٧٩).\n_________\n(^١) في س، د: المصري. والمثبت من \"التدوين في أخبار قزوين\" (١/ ٦٤). وانظر ترجمته في \"تاريخ بغداد\" (١٣/ ترجمة ٦٩٧٨).","vol":"1","page":399},{"text":"وقوله: \"غَمَزَ ذِرَاعِي\" أي: طعن بإصبعه فيها أو قرصها.\nوَالتَّمْجِيدُ النِّسْبَةُ إلى المَجْدِ: وهو الْكَرَمُ، وَالمَجِيدُ: الْكَرِيمُ، يُقَالُ: مَجُدَ فهو ماَجِدٌ وَمَجِيدٌ، وَمَاجَدْتُهُ فَمَجَدتُهُ: غَلَبْتُهُ بِالْمَجْدِ، وفي الْمَثَلِ: في كُلِّ شَجَرٍ نَارٌ، واسْتَمْجَدَ الْمَرْخُ (^١) والعَفَارُ (^٢) أي: يُورِيَانِ سَرِيعًا. (وَيُقَالُ: اسْتمْجَدَ) (^٣) لِمَنْ يُكْثِرُ الْعَطَاءَ طَلَبًا لِلْمَجْدِ.\nوَيُقَالُ غَضِبَ عَلَيْهِ يَغْضَبُ غَضَبًا ومغْضَبَةً، وأَغْضَبَهُ فَتَغَضَّبَ، وَرَجُلٌ غَضْبَانُ وامْرَأَةٌ غَضْبَى، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: غَضْبانَةٌ. وَقَوْمٌ غَضْبَى وغَضَابَى كَسَكْرَى وَسَكَارَى، وَرَجُلٌ غُضبَّةٌ بتشديد الباء: الَّذي يَغْضَبُ سَرِيعًا، وامْرَأةٌ غَضُوبٌ: عَبُوسٌ، وَغَاضِبَةٌ: رَاغِمَةٌ. وَالْغَضْبُ: الأحمر الشَّديدُ الحُمْرَةِ، يقال: أَحْمَرُ غَضْبٌ، وَغَضْبَي: مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ لا تُنَوَّنُ الْكَلِمَةُ ولا يَدْخُلُهَا الأَلِفُ واللَّامُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-147>الفصل الثالث</span>\nأمُّ القرآن اسم من أسماء الفاتحة وردت به أحاديث، ولم سميت به؟\nقيل: لأن الأم أصل الشيء وهي أصل سائر السور؛ لاشتمالها على شرف الربوبية وإقامة العبودية، وإليهما يرجع مفصل سائر السور.\nوقيل: لتقدمها على سائر السور في المصحف ولتقدمها بالفضل والشرف كما سُمِّيت مكة أم القرى؛ لشرفها وتقدمها فقد روي أنها خلقت قبل الأرض بأربعين عامًا.\n_________\n(^١) المَرْخُ: شجرٌ سريعُ الوَرْيِ. الصحاح مرخ.\n(^٢) العَفَارُ: شجرٌ تقدح منه النار. الصحاح عفر.\n(^٣) ليس في س. ومثبت من د. وفي \"الصحاح\" للجوهري والمصنف كثير النقل عنه: لأنَّهما يُسرعان الوَرْيَ، فَشُبِّها بمن يكثر من العطاء طلبًا للمجد.","vol":"1","page":400},{"text":"وقيل للراية التي ينصبها العسكر ليفزعوا إليها تسمى أمًّا كأنَّه للتشبيه بالوالدة التي يفزع إليها الصبي، فسميت الفاتحة أم القرآن؛ لأن أهل القرآن يفزعون إليها.\nوقيل: إنَّ القارئَ يعودُ إليها مرَّة بعد أخرى في الصلاة والاستشفاء واستنجاح سائر الحاجات، فَسُمِّيت أمًّا كما تُسمى الأرضُ أمًّا؛ لأنها معاد الخلق في حياتهم وبعد مماتهم. قال أمية بن أبي الصلت: [كامل]\nوَالْأَرْضُ مَعْقِلُنَا وَكَانَتْ أُمَّنَا … فِيهَا مَقَابِرُنَا وَفِيهَا نُولَدُ\nوَقَوْلُه: \"فَهِيَ خِدَاجٌ فَهِيَ خِدَاجٌ\" تكرار اللفظ للتأكيد، وَقَوْلُه: \"غَيْرُ تَمَامٍ\" تفسير ومزيد تأكيد، ولما كانت المخدج عبارة عن ناقص اليد أو سائر الأعضاء التي هي أجزاء البدن أشعر اللفظ بأن قراءة الفاتحة أحد الأركان التي هي أجزاء الصلاة.\nوَقَوْلُه: \"إِنِّي أَكُونُ أَحْيَانًا وَرَاءَ الْإِمَامِ\" يعني: إذا كنت خلف الإمام كيف أفعل أقرأ أم يكفيني قراءة الإمام، وأشار به إلى قول من يقول إن المأموم لا يقرأ، ويُحْتَجُّ بِمَا رُوِيَ أَنَّه ﷺ قال: \"مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ\" (^١).\nوَقَوْلُه: \"فَغَمَزَ ذِرَاعِي\" هو كَالرِّفق والتَّلَطُّفِ بِهِ أو كالتسكيت له ليصغي إلى\n_________\n(^١) رواه جابر، وابن عمر، وأبو سعيد الخدري، وأبي هريرة ﵃.\nأما حديث جابر فرواه ابن ماجه (٨٥٠)، وأحمد (٣/ ٣٣٩)، والبيهقي (٢/ ١٦٠)، والدارقطني (٣/ ٣٣٦، ٤/ ١٧٩) من طرقٍ معلولةٍ عن جابر ﵁ أعلها الدارقطني والبيهقي وغيرهما.\nوقال الحافظ في \"فتح الباري\" (٢/ ٢٤٢): حديث ضعيف عند الحفاظ وقد استوعب طرقه وعلله الدارقطني.","vol":"1","page":401},{"text":"قوله ويأخذ بموجب الحديث الذي رواه له.\nوَقَوْلُه: \"اقْرَأْ فِي نَفْسِكَ\" أمرٌ له بالإسرارِ بالفاتحةِ كي لا يشوش على الإمام والقوم، وفيه بيان أنه لا بدَّ منها، ويستحب الإصغاء إلى قراءة الإمام في غيرها، وهذا كما روي أَنَّهُ ﷺ قَضَى الصَّلَاةَ يَوْمًا ثُمَّ قَالَ: \"أَتَقْرَءُونَ وَالإِمَامُ يَقْرَأُ؟ \". قَالُوا: إنَّا لَنَفْعَلُ.\nقال: \"فلا تفعلوا إلا أن يقرأ أحدكم فاتحة الكتاب في نفسه\" (^١).\nوقوله: \"يا فارسيُّ\" إنَّما قال ذلك لأنَّ أبا السائب كما عرفت لم يكن عربيًا وإنما كان مولى، وقد يروي مثله في رواية العلاء عن أبيه وكان هو أيضًا مولى الْحُرَقَةِ.\nوقوله: \"سمعت رسول الله ﷺ يقول: قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين\" تعليل الأمر بقراءة الفاتحة بما سمعه من رسول الله ﷺ من القسمة، وقد يوجه التعليل به بطريقين:\nأحدهما: أن يقول أنَّ الفاتحة مشتملةٌ على هذه الفضيلة الجسيمة فلا ينبغي للمأموم أن يرغب عنها ويقنع بقراءة الإمام.\nوالثاني: إنَّ المراد من الصلاة في قوله: \"قَسَمْتُ الصَّلَاةَ\": الفاتحة على ما بَيَّنَهُ في التفصيل، وهو كما قيل في قوله تعالى: (ولا تجهر بصلاتك) (^٢) أي: بقراءتك، وقد قيل: إنَّ الفاتحة لملازمتها الصلاة تسمى صلاة مرة وتسمى الصلاة قرآنًا أخري كما\n_________\n(^١) رواه أحمد (٥/ ٨١)، والبيهقي (٢/ ١٦٦) من طريق خالد الحذاء عن أبي قلابة عن محمد بن أبي عائشة عن رجل من أصحاب النبي ﷺ.\nورواه ابن حبان (١٨٧٦) من حديث أبي قلابة عن أنس بن مالكٍ.\nقال البيهقي: هذا إسنادٌ جيدٌ، وقد قيل: عن أبي قلابة عن أنس بن مالكٍ وليس بمحفوظٍ.\n(^٢) الإسراء: ١١٠.","vol":"1","page":402},{"text":"قال تعالى: (وقرآن الفجر) (^١) أي: صلاة الفجر، فكأنَّه يقول اقرأ بها في نفسك فإنَّها سميت صلاة في القسمة المذكورة لملازمتها الصلاة.\nوقوله: \"نِصْفَيْنِ\" قيل: أراد بالنصف البعض لا النصف المحقق، وإطلاق التنصيف في مثله لاشتماله على قسمين، وهي ترجع إلى قسمين: حق الله، وحق العبد.\nوقوله: \"يَقُولُ الْعَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يقول الله تعالى: حَمِدَنِي عَبْدِي\" فيه إشارةٌ إلى ارتضاء كلمة الحمد منه والثناء عليه بثنائه على الله، وكذلك الحال في الكلمتين بعده.\nوقوله: \"يَقُولُ الْعَبْدُ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فهذه بيني وبين عبدي\" أي: يقول الله تعالى: هذا بيني وبين عبدي، فالعبادة منه سعيٌ في قضاءِ حقي، والإعانة منِّي له هداية إليه وإجابة له.\nوقوله ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ …﴾ إلى آخره سؤال وعرض حاجة وهي محض حق العبد.\nوقوله \"فهؤلاء لعبدي\" أي: يقول الله هؤلاء الكلمات.\nواحتجَّ من لم يجعل التسمية آية من الفاتحة بأنَّهُ لم يذكرها في التفصيل وبيان القسمين، وإنَّما افتتح بذكر ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ وأجيب عنه بأنَّ المراد أول السورة وآية التسمية منه، كما يقال ابتدأ فلان بالبقرة وآل عمران؛ وبأنَّ التسمية مذكورة في رواية ابن سَمعان على ما سبقت.\nوقوله \"ولعبدي ما سَأَلَ\" في مواضع من الحديث بشارة من الله تعالى بإجابةِ\n_________\n(^١) الإسراء: ٧٨.","vol":"1","page":403},{"text":"سؤال العبد وبتحقيق مأموله.\nوذلك في السياق المذكور من أمارات الرضا، وفيه بيان فضيلة الفاتحة، وأنَّ قراءتها سببٌ جالبٌ للرضا مُخْرجٌ للعبد عن حيز المغضوب عليهم.\nومن وقف على عظم رتبة الرضا أدام قرع بابها، ولم يَكِعّ (^١) عنها بِمكروهٍ، ولم يشتغل عنها بإصابة مطلوبٍ، بل يستقصر في جنب مطلوب الرضا كل مطلوب، ويقوم في نظره كل مكروه جاء من عند المحبوب مقام ألف محبوب.\nقال الأمير أبو فراسٍ وكان لطيفَ الطَّبْعِ رقيق الكلام ﵀: [طويل]\nيَعُدُّ عَلَيَّ الْوَاشِيَانِ ذُنُوبَهُ … وَمِنْ أَيْنَ لِلْوَجْهِ المَلِيحِ ذُنُوبُ\nأَسَاءَ فَزَادَتْهُ الإِسَاءَةُ حُظْوَةً … حَبِيبٌ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ حَبِيبُ\nفَيَا أَيُّهَا الْجَانِي وَنسْأَلُهُ الرِّضَا … وَيَا أَيُّهَا الْمُخْطِي وَنَحْنُ نَتُوبُ\nوإذا اشْتَمَّ العبدُ رائحة الرِّضا من الله تعالي ارتوى منها ولم يبال بسخط غيره، وتَمَثَّل بقول من قال: [طويل]\nإِذَا رَضِيَتْ عَنِّي كِرَامُ عَشِيرَتِي … فَلَا زَالَ غَضْبَانًا عَلَيَّ لِئامُهَا\nوقال أبو فراس: [طويل]\nفَلَيْتَكَ تَحْلُو وَالْحَيَاةُ مَرِيرَةٌ … وَلَيْتَكَ تَرْضَى وَالْأنَامُ غِضَابُ\nوَلَيتَ الَّذِي بيْنِي وَبَيْنَكَ عَامِرٌ … وَبَيْنِي وَبَيْنَ الْعَالِمَينَ خَرَابُ\nعلى أنَّ من ﵁ أَرْضَى عنه غيره؛ ففي الْخَبَرِ أنَّ من طَلَبَ رِضَا الله بِسَخَطِ النَّاسِ ﵁ وَأَرْضَى عَنْهُ النَّاسَ (^٢).\n_________\n(^١) كَعَّ يَكِعُّ كُعُوعًا: جَبُنَ وضَعُفَ. القاموس المحيط كعع.\n(^٢) رواه الترمذي (٢٤١٤)، وابن حبان (٢٧٦، ٢٧٧) من حديث عائشة بنحوه.","vol":"1","page":404},{"text":"وأخذ الوزير أبو العلاء حمد بن أحمد الكَاكُويِيُّ ﵀ هذا المعنى فقال في مناقضة بيتي أبي فراس ﵀ وأحسن: [طويل]\nفَلَوْ كُنْتَ تَحْلُو لِي حَلَا عَيْشِيَ الذَّي … يَمِرُّ وَأَرْضَانِي الَّذي هُو يُغْضِبُ\nوَلَوْ كَانَ مَا بَيْنِي وَبَيْنَكَ عَامِرًا … لَمَا كَانَ مَا بَيْنِي وَغَيْركَ يَخْرَبُ (^١)\nوَأُنْشِدُكُمْ لِنَفْسِي فِيمَا يُقَارِبُ هَذِهِ المَعَانِي:\nسَلَتْ سُعْدَى مِنَ الْجُفُونِ الغَضْبَى … لَكِنِّي رَاضٍ بِهَوَاهَا خِضْبًا\nقَدْ أَبْذُلُ فِي نَيْلِ رِضَاهَا مِنَ الْإِبِلِ … لَا يَهْنِئُنِي الْعَيْشُ وُسُعْدَى غْضْبَي\nآخر المجلس السادس والعشرين والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليمًا كثيرًا\n* * * * *\n_________\n(^١) انظر \"التدوين في أخبار قزوين\" (١/ ٣٢١).","vol":"1","page":405},{"text":"﷽\nوما توفيقي إلا بالله\n\n<span data-type='title' id=toc-148>المجلس السابع والعشرون </span>من أماليه ﵀ ابتدأ بإملائه يوم الجمعة بعد الصلاة الرابع من ربيع الأول سنة اثنتي عشرة وستمائة\nحدثنا الإمام المُمْلِي ﵀ إملاء من لفظه الشريف قال: قلت لأبي الحسين علي بن عبيد الله بن بابويه: أخبرك أبو بكر البزاز كتابة؟ قال: نعم وأَرَانِي كتابه قال: أبنا إبراهيم بن عمر سنة خمس وأربعين وأربعمائة قال: أَبنَا عبد الله بن إبراهيم سنة ثمان وستين وثلاثمائة قال: أبنا إبراهيم بن عبد الله قال: ثنا الأنصاري قال: ثنا حميد، عن أنس ﵁ أن الربيع بن النضر عمته لَطَمْتُ جارية فكسرت سِنَّهَا، فعرضوا عليهم الأَرْشُ فَأَبَوْا، فطلبوا العفو فأَبَوْا، فَأَتَوُا النبي ﷺ فأمرهم بالقصاص، فجاء أخوها أنس بن النضر فقال: يا رسول الله أَتُكْسَرُ سِنُّ الرُّبَيِّعِ والذي بعثك بالحق لا يُكْسَرُ سِنُّهَا.\nفقال: \"يا أنس كتاب الله القِصَاصُ\" فَعَفَا القوم، فقال رسول الله ﷺ: \"إن من عباد الله من لو أَقْسَمَ على الله لَأَبَرَّهُ\".\n\n<span data-type='title' id=toc-149>في الشرح فصول: الفصل الأول</span>\nهذا حديثٌ صحيحٌ عالٍ، أخرجه البخاري (^١) على اختصارٍ عن الأنصاري عن حميد.\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٢٧٠٣).","vol":"1","page":406},{"text":"وأخرج مسلم (^١) القصَّةَ من وجهٍ آخر فروى عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عفان، عن حماد، عن ثابت، عن أنس أن أخت الربيع أم حارثة جرحت إنسانًا فاختصموا إلى النبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ: \"الْقِصَاصَ الْقِصَاصَ\".\nفقالت أُمُّ الرَّبِيعِ (^٢): يا رسول الله أَيُقْتَصُّ مِنْ فُلَانَةَ والله لا يُقْتَصُّ منها.\nفقال النبي ﷺ: \"سبحان الله يا أُمَّ الرَّبِيعِ القصاص كتاب الله\".\nقالت: لا والله لا يُقْتَصُّ منها أَبَدًا.\n(قال) (^٣): فما زالت حتى قَبِلُوا الدِّيَةَ.\nفقال رسول الله ﷺ: \"إنَّ من عباد الله من لو أقسم على الله لأَبَرَّهُ\".\nوأنس ﵁ مذكور في المجلس الثاني وفي الرابع.\nوالرُّبَيِّعُ وأنس المذكوران في الحديث عمته وعمه، وهما ولد النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب.\nوالرُّبَيِّعُ (^٤) أم حارثة الذي استشهد يوم أحد، وأتت رسول الله ﷺ لما استشهد فقالت: قد علمت مَنْزِلَةَ حَارِثَةَ منِّي يا رسول الله فإن يكن في الجنة صبرت، وإن يكن غير ذلك ترى ما أصْنَعُ؟\nفقال رسول الله ﷺ: \"جنَّةٌ واحدةٌ! إنها جِناَنٌ كَثِيرةٌ، وإنه في الفِرْدَوُسِ\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (١٦٧٥).\n(^٢) قال النووي في شرح مسلم: أمَّا \"الرُّبَيِّع\" الْجَارِحَة في رِوَايَة البخاري، وأخت الْجَارِحَة في رواية مسلم فهي بضمِّ الراء وفتح الباء وتشديد الْيَاء.\nوأما \"أم الرَّبِيعِ\" الْحَالِفَة في رواية مُسْلِمٍ فَبِفَتْحِ الرَّاء وكسر الباء وتخفيف الْيَاء.\n(^٣) في س، د: قالت. والمثبت من \"صحيح مسلم\".\n(^٤) انظر \"الإصابة\" (٨/ ١٢٠١٨).","vol":"1","page":407},{"text":"الْأَعْلَى\" (^١).\nوهو حارثة (^٢) بن سُراقة بن الحارث من بني عدي بن النجار، ويذكر أنه شهد بدرًا.\nوأنس بن النَّضْرِ (^٣) استشهد يوم أحد أيضًا.\nوفي \"الصحيح\" (^٤) عن حميد، عن أنس بن مالك؛ أن عمه أنس بن النضر غاب عن قتال بدر فلما قدم قال: غبت عن أول قِتَالٍ قَاتَلَ رسول الله ﷺ لئن أشهدني الله قِتَالًا ليرينَّ ما أصنع، فلما كان يوم أُحُدٍ انكشف النَّاسُ فقال: اللَّهُمَّ إني أَبْرَأُ إليك مما جاء به هؤلاء يعني المشركين وأعتذر إليك مما صنع هؤلاء يعني المسلمين ثم مشي بسيفه فلقيه سعد بن معاذٍ فقال: أي سعد والذي نفسي بيده إني لأجد ريح الجنة دون أُحُدٍ وَاهًا لريح الجنة.\nقال سَعْدٌ: فما استطعت يا رسول الله ما صنع.\nقال أَنَسٌ: فوجدناه بين القتلى به بِضْعٌ وَثَمَانُونَ جراحة من ضَرْبَةٍ بِسَيْفٍ وطعنة برمح وَرَمْيَةٍ بِسَهْمٍ وقد مَثَّلُوا به، قال: وما عَرَفْنَاهُ حتى عَرَفَتْهُ أخته بِبَنَانِهِ.\nقال أَنَسٌ: فكنا نقول أُنْزِلَتْ هذه الآية ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ (^٥) فيه وفي أَصْحَابِهِ.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٢٨٠٩).\n(^٢) انظر \"الإصابة\" (١/ ترجمة ١٥٢٦).\n(^٣) انظر \"الإصابة\" (١/ ترجمة ٢٨٣).\n(^٤) رواه البخاري (٢٨٠٦). ورواه البيهقي (٩/ ٤٤) واللفظ له.\n(^٥) الأحزاب: ٢٣.","vol":"1","page":408},{"text":"وَحُمَيدٌ (^١): هو أبو عبيدة حميد بن أبي حميد الطويل من تابعي البصرة مولى طلحة الخزاعي.\nواختلف في اسم أبيه فقيل: تيرويه، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: مهران، وَعَدَّ بعضهم تيرويه لقبًا، وقال: اسمه طرخان.\nوفي أنه لِمَ سُمِّيَ طويلًا؟ فقيل: لطول يديه، وقيل: على الضد؛ لأنه كان قصيرًا.\nسمع: أنسًا، ويذكر أن جملة ما سمعه منه أربعة وعشرون حديثًا، وسمع من التابعين: عكرمة، وثابتًا البناني، والحسن. روى عنه: يحيى بن سعيد الأنصاري، ومالك، والثوري، ويزيد بن زريع، وشعبة.\nولد سنة ثمان وستين، وتوفي سنة اثنتين وأربعين ومائة، وقيل: سنة ثلاث.\nوالأنصاري (^٢): هو أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن المثنى بن أنس بن مالك الأنصاري البصري، ولي القضاء بالبصرة.\nسمع: أباه، وهشام بن حسان، وحميدًا، وابن جريج، وتفقه عند سَوَّار القاضي، وعثمان الْبَتِّيِّ، وزفر بن الهذيل.\nولد سنة ثمان عشرة ومائة، وتوفي سنة خمس عشرة ومائتين.\nوإبراهيم بن عبد الله: هو أبو مسلم الكجي مذكور في المجلس الثاني والعشرين.\nوعبد الله بن إبراهيم: هو أبو محمد عبد الله بن إبراهيم بن أيوب بن ماسي\n_________\n(^١) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (٦/ ترجمة ٧٨).\n(^٢) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (٩/ ترجمة ٢٠٦).","vol":"1","page":409},{"text":"البزاز، من أهل بغداد.\nثِقَةٌ صَدُوقٌ.\nوُلِدَ سنة أربع وسبعين ومائتين وتوفي سنة تسع وستين وثلاثمائة (^١).\nوإبراهيم بن عمر (^٢): هو أبو إسحاق إبراهيم بن عمر بن أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن مهران الْبَرْمَكِيُّ الحنبلي.\nمن فقهاء الحنابلة ومفتيهم، كان له حلقة في جامع المنصور ويقال له الْبَرْمَكِيُّ؛ لأن سلفه كانوا يسكنون في محلة أو قرية تعرف بالبرمكية (^٣).\nولد سنة إحدى وستين وثلاثمائة، وتوفي سنة خمس وأربعين وأربعمائة.\nوأبو بكر البزاز (^٤): هو القاضي أبو بكر محمد بن عبد الباقي بن محمد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الأنصاري الفرضي\nيذكر أنه من ولد كعب بن مالك الأنصاري أحد الثلاثة الذين تيب عليهم.\nإمامٌ من أهل بغداد فاضلٌ متقنٌ ماهرٌ في الفرائض والحساب مصنفٌ.\nبها سمع: الحافظ أبا بكر الخطيب، وجماعة من شيوخه بقراءته، وسمع بمصر: أبا إسحاق الحبَّال الحافظ، وكان آخر من حدث عن أبي إسحاق الْبَرْمَكِيِّ والقاضي أبي الطيب الطبري وأبي طالب الْعُشَارِيِّ وكانت له إجازة أبي القاسم التَّنُّوخِيِّ، ومحمد بن سلامة الْقُضَاعِيُّ.\nوُلِدَ سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة وسكن النصرية إحدى المحال العربية\n_________\n(^١) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٦/ ٢٥٢).\n(^٢) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٧/ ٦٠٥).\n(^٣) انظر \"معجم البلدان\" (١/ ٤٠٣).\n(^٤) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (٢٠/ ٢٣).","vol":"1","page":410},{"text":"ببغداد، وقد يقال له النصري لذلك.\nوتوفي سنة خمس وثلاثين وخمسمائة، وأوصى بأن يُكتب على لوح قبره: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨)﴾ (^١).\nوأبو الحسن (^٢) علي بن عبيد الله هو ابن بابويه ذكرته في المجلس السابع أو غيره.\n\n<span data-type='title' id=toc-150>الفصل الثاني</span>\nاللَّطْمُ: الضرب على الوجه بالراحة وبطون الأصابع، وفي المثل: لوْ ذَاتُ سِوارٍ لَطَمَتْنِي. قالته امرأة لطمتها من لا تُكَافِئُهَا تريد: لو لطمتني ذات سِوارٍ لَهَانَ عَلَيَّ، واللَّطِيمُ من الخيل: الذي سَالَتْ غُرَّتُهُ في أحد شِقَّي وجهه، يقال منه: لطم الفرس على ما لم يُسَمّ فَاعِلُهُ.\nوَالْجَارِيَةُ: الفتاة، وليس المراد: الرَّقِيقَةُ، يقال جَارِيَةٌ من الْجَرَايَةِ بالفتح، والْجَرَاءُ والْجِرَاءُ بالفتح والكسر، وكان ذلك في أَيَّامِ جرائها أي: صِبَاهَا.\nوقوله: \"فَعَرضُوا عليهم الأَرْشُ\" قد تكلمنا من قبل في كلمة \"عَلَيْهِمُ\" وما فيها من اللغات، وهي ها هنا من صلة العرض كما في قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ وقوله: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾.\nواعلم أنَّ الحروف إذا كانت جارة يوصل بها الفعل إلى المفعول لا تؤدي معناها إذا لم تقع صلة، فإذا قلنا: \"غضب عليه\" لَم تُؤَدّ كلمة \"عليه\" معناها في قولنا: \"هو على السطح، أو عليه دين\" وإنما هي كالهاء المجردة في قولنا \"ضربه\".\n_________\n(^١) انظر \"التدوين في أخبار قزوين\" (١/ ٤٥٤).\n(^٢) سورة ص: ٦٧ - ٦٨.","vol":"1","page":411},{"text":"وَالْأَرْشُ: دية الجراحات.\nوالكتاب معروفٌ وهو مصدرٌ أيضًا، يقال: كتب كتبًا وكِتَابًا وكتابةً، وَالْكِتَابُ أيضًا: الْفَرْضُ وَالحُكْمُ والْقَدَر.\nقال الْجَعْدِيُّ: [بسيط]\nيَا بِنْتَ عَمِّي كِتَابُ اللهِ أَخْرَجَنِي … عَنْكُمْ وَهَلْ أَمْنَعَنَّ الله (^١) مَا فَعَلَا\nوَالْقِصَاصُ: الْقَوَدُ، يقال: أقصَّ الأمير فُلَانًا من فلانٍ: إذا اقتصَّ له مِنْهُ، وَاسْتَقَصَّهُ طَلَبَ أَنْ يُقِصَّه.\nوَأَقْسَمَ: حلف، وَالْقَسَمُ: الْيَمِينُ، وكذلك المُقْسَمُ، والمُقْسَمُ: مَوْضِعُ القسم أيضًا، ويقال: أصل اللفظ من الْقَسَامَةِ: وهي الْأَيْمَانُ تُقْسَمُ على أولياء الدَّم، وَأَبَرَّ قَسَمَهُ أي أَمْضَاهُ (^٢) على الْبِرِّ وَصَدَّقَهُ وَبَرَّهُ أيضًا، وَأَبَرَّ الله حَجَّهُ أي قَبِلَهُ، وَبَرَّ الله حَجَّهُ أَيْضًا برًّا، وَحَجٌّ مَبْرُورٌ أي خالص لا تُخَالِطُهُ مَآثِمٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-151>الفصل الثالث</span>\nالرواية التي سقناها تُخالفُ روايةَ مسلمٍ من جهة:\nأنَّ في هذه الرواية اللَّطْم والكسر منسوبانِ إلَى الرُّبَيِّعِ، وفي تلك الرواية الجراحة منسوبة إلى أختها.\nوأيضًا ففي هذه الرواية أنس بن النضر هو الذي حلف على أن لا يقتص منها، وفي تلك الرواية أمها هي التي حلفت عليه.\n_________\n(^١) لفظ الجلالة ليس في س، د. وأثبته من \"الصحاح\"، \"لسان العرب\"، \"تاج العروس\" (كتب).\n(^٢) في س: أقصاه.","vol":"1","page":412},{"text":"وفي هذه الرواية أُطْلِقَ لفظُ العفوِ، والمذكور في الرواية الأخرى قبولُ الديةِ. وهذه الرواية تعرضت للَّطم وكسرِ السِّنِّ، وفي الرواية الأخرى المذكورة مطلق الجراحة والقصاص.\nفإن تعددت الواقعة فذاك والجاني والحالف في كل واحدةٍ منها غير الجاني والحالف في الأخرى، وإن اتحدت فيمكن أن يقال: نُسبت الجراحة إلى إحداهما بالمباشرة وإلى الأخرى بالتسبب، ونسب القصاص إلى إحداهما من جهة أنها المباشرة للجناية وإلى الأخرى من جهة تأثرها بالاقتصاص من هذه، فكأنَّ ما نِيلَ منها نِيلَ من أختها، والعفو في هذه الرواية يُحمل على العفو على الدية، وكلُّ واحدٍ من الأخ والأم رُبَّما حلف على أنه لا يُقْتَصَّ منها.\nوقوله: \"كَسَرتْ سِنَّهَا\" إلى قوله: \"فأمرهم بالقصاص\" يقتضي جريان القصاص في كسر السِّنِّ، وفيه وجهان في المذهب:\nأحدهما: المنع كما لا قصاص في كسر سائر العظام، وعلى هذا فليحمل الكسر على القلع.\nوالثاني: أنه يجب إذا أمكن استيفاء مثله بلا زيادة ولا صدع بالباقي، ويخالف\nسائر العظام؛ لأنها مستترة والسِّنُّ عظمٌ مشاهدٌ من أكثر الجوانب، ولأهل الصنعة آلاتٌ قَطَّاعَةٌ يعتمد عليها في الضبط.\nوقوله: \"كِتَابُ الله القصاص\" أي: حكم الله أو فرض الله أو ما جاء به كتاب الله.\nوقوله: \"إنَّ من عباد الله من لو أقسم على الله لأَبَرَّهُ\" أي: أمضى الأمر على الوجه الذي يَبَرُّ به المُقْسِمُ إِكْرَامًا لَهُ.","vol":"1","page":413},{"text":"وفي الحديث دليلٌ على أنَّهُ يجوز الحلف على الأمر المستقبل بالظنِّ.\nوعلى أنه يجوز استنزال مستحق القصاص والتأخير في التمكين بعرض الدية والحمل على العفو، وفيه فضيلةٌ ظاهرةٌ لأنس بن النضر، وقد ورد مثله في حقِّ غيرِ واحدٍ.\nروي لنا عن إسماعيل بن أحمد السَّمَرْقَنْدِيِّ قال: أَبَنَا أبو الحسين بن النَّقُورِ، ثنا محمد بن عبد الرحمن المُخَلِّصُ، ثنا عبد الله بن مُحَمَّدِ بن زياد، ثنا محمد بن عُزَيْزٍ، ثنا سلامة بن روح، عن عُقَيْلٍ، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"كم من ضعيف مُتَضَعِّفٍ ذي طِمْرَيْنِ (^١) لو أقسم على الله لَأَبَرّ قَسَمَهُ منهم البراء بن مالك\" (^٢) وهو مدفونٌ بِتُسْتُرَ.\nوعن بعضهم أنه قال: زرت قبر البراء بها وهو في قبة عليها مشبك، وكان قد دخل منه تراب وغبار كثير واجتمع على القبر، فعزمت أن أسد ذلك المشبك، فرأيت البراء في المنام فقال لي: تريد أن تسلبني تاجًا توجنيه رسول الله ﷺ يعني قوله: \"رُبَّ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لَا يُؤْبَهُ لَهُ لو أَقْسَمَ على الله لَأَبَرَّهُ\".\nوروي لنا عن أبي بكر بن خَلَفٍ، عن أبي عبد الرحمن السُّلَمِيِّ، أَبَنَا محمد بن عبد الله الشَّيْبانِيُّ، ثنا محمد بن الحسين الْخَثْعَمِيُّ، ثنا محمد بن يحيى، ثنا محمد بن إبراهيم السُّلَمِيُّ، ثنا عيسى بن قِرْطَاسٍ، ثنا عمرو بن صُلَيْعٍ قال: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂ عن النبي ﷺ قال: \"كم من ذي طِمْرَيْنِ لَا يُؤْبَهُ له لو أقسم على الله لأَبَرَّهُ\n_________\n(^١) الطِّمْر: الثوبُ الخَلَقُ القديم.\n(^٢) رواه الحاكم (٣/ ٣٣١)، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" (٧/ ٣٣١) من طريق محمد بن عزيز بأتم منه، ورواه الترمذي (٣٨٥٤) من طريق آخر عن أنس.\nقال الترمذي: صحيح حسن. وقال الحاكم: صحيح الإسناد.","vol":"1","page":414},{"text":"منهم عمار بن ياسر\" (^١). وعمرو بن صُلَيْعٍ يعدُّ من الصحابة (^٢).\nوسَمَّى النبي ﷺ الذين هم بهذه الصِّقة مُلُوك أهل الجنة:\nحدثنا والدي ﵀ عن محمد بن جامع، أَبَنَا أحمد بن عليٍّ، عن محمد بن الحسين قال: أَبَنا عبد الله بن محمد بن عليٍّ، ثنا محمد بن إسماعيل بن مهران، ثنا دحيمٌ، ثنا سويد بن عبد العزيز، ثنا زيد بن واقدٍ، عن (بُسْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ) (^٣) عن أبي إدريس الخَوْلانِيِّ، عن مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، عن النبي ﷺ قال: \"ألا أخبركم عن مُلُوكِ أهل الجنة، كُلُّ ضعيف مُسْتَضْعَفٍ ذي طِمْرَيْنِ لا يُؤْبَهُ له لو أقسم على الله لأَبَرَّهُ\" (^٤).\nوروي لنا عن إسماعيل بن أحمد بن عمر الحافظ قال: أَبَنَا محمد بن عليِّ بن الحسين، قال: أَبَنَا أبو بكر بن شاذان، ثَنَا جعفر بن محمد الْخُلْدِيُّ، ثنا أحمد بن محمد وهو أبو العباس بن مَسْرُوقٍ، ثَنَا محمد بن الْحُسَيْنِ، ثنا أبو خالد الأُمَوِيُّ، عن\n_________\n(^١) رواه الطبراني في \"المعجم الأوسط\" (٥٦٨٦) من طريق علي بن شبابة، عن يحيى بن إبراهيم السلمي، عن عيسى بن قرطاس. قال الهيثمي (٩/ ٢٩٤): فيه عيسى بن قرطاس وهو متروك. وقال الألباني في \"السلسلة الضعيفة\" (٤٣٩٧): ضعيف جدًّا.\n(^٢) انظر \"معرفة الصحابة\" (٤/ ٢٠٣٤).\n(^٣) في د: بشر بن عبد الله. تحريف، والمثبت من س، \"المعجم الكبير\"، \"شعب الإيمان\". وبسر بن عبيد الله هو الحضرمي.\n(^٤) رواه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (٢٠/ رقم ١٥٩)، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" (٧/ ٣٣٣) من طريق سويد بن عبد العزيز.\nقال أبو حاتم في \"العلل\" (١٨١٤): هذا حديث خطأ، إنما يروي عن أبي إدريس كلامه فقط.\nقلت: وسويد بن عبد العزيز: قال عباس الدوري وأبو بكر بن أبي خيثمة، وعبد الله بن أحمد عن يحيى بن معين: ليس بشيء. وقال أحمد: متروك الحديث. وقال النسائي: ضعيف.","vol":"1","page":415},{"text":"مسلمة العابد، عن عبد الحميد بن جعفر أن الحسن ﵀ كان يقول:\nإن لله عبادًا قلوبهم مَحزْوُنَةٌ، وشرورهم مَأْمُونَةٌ، حوائجهم عند الله مَقْضِيَّةٌ ونفوسهم عن الدنيا عَفِيفَةٌ، صبروا أياما قِصَارًا لِعُقْبَى راحةٍ طويلةِ، أما الليل فَصَفُّوا أقدامهم تَسِيلُ دموعهم على خُدُودِهِمْ يَجْأَرُونَ إلى ربهم ربنا ربنا، وأما النهار فعلماء حُلَمَاءُ بَرَرَةٌ أَتْقِيَاءُ (^١).\nوقوله: \"حَوَائِجُهُمْ عند الله مَقْضِيَّةٌ\" من قبل قوله ﷺ: \"من لو أَقْسَمَ على الله لَأَبَرَّهُ\".\nوقوله: \"وأنفسهم عن الدنيا عَفِيفَةٌ\" يشير إلى قِلَّةِ حرصهم وقصر أملهم علمًا منهم بأنَّ الدار داثرة، وأن دار القرار في الدار الآخرة.\nرأيتُ بِخَطِّ والدي ﵀ وغالب ظَنِّي أنِّي سمعته منه قال: كنا جلوسًا في المسجد الجامع عند الإمام أبي سليمان الزبيري يوم جمعة بعد العصر فقال لنا: هل لكم في زيارة الشيخ علك بطريق الجوسق؟ فقلنا: نعم. فقام وقمنا وأتينا قبره وزرناه، ثم أتينا قبر الشيخ أبي زيد وزرناه ومَنْ حوله، فوجدنا جفرات (^٢) ترتع على قبورهم. فقال أبو سليمان: كم فوقها من جفرات، وتحتها من حسرات، ثم قال ونحن وقوف متفكرون من يجعل هذه الكلمة نظمًا ثم أنشدنا بعد لحظة: [طويل]\nأَيَا سَعْدُ أَبْصِرْ وَاعْتَبِرْ مُتَعَجِّبًا … قُبُورًا عَلَيْهَا تَرْتَعِي جَفَرَاتُ\nوَكَمْ تَحْتَهَا مِن أَلْمَعِيٍّ مُطَهَّمٍ … يَحُومُ عَلَيْهِمْ فِي الثَّرَى حَسَرَاتُ\n_________\n(^١) رواه أبو نعيم في \"حلية الأولياء\" (٢/ ١٥١) من طريق مسلمة.\n(^٢) الْجَفْرُ من أَولاد الشاء إِذا عَظُمَ واستكرشَ، والأنثى جفرة والجمع جفرات.","vol":"1","page":416},{"text":"وَأُنْشِدُكُمْ لِنَفْسِي: [مجتث]\nقُولُوا لَهَمْ ثُمَّ قُولُوا … مَا عَنْهُمُ لِي عُدُولُ\nأَحَمَّلُونِي أُمُورًا … تَنْهَدُّ مِنْهَا الْعُقُولُ\nأَوْ نَوَّلُونِي (^١) بِخَيْرٍ … يَطُولُ فِيهِ الْفُصُولُ (^٢)\nلَا أَجْعَلُ الْقَلْبَ رَهْنًا … فَالرَّهْنُ مِمَّا يَزُولُ\nوَقْفٌ عَلَيْهِمْ فُؤَادِي … وَالْوَقْفُ مَا لَا يَحُولُ (^٣)\nهذا آخر المجلس السابع والعشرين والحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبيِّهِ نبيّ الرحمة وعلى آله الطَّيِّبين\n* * * * *\n_________\n(^١) في \"البدر المنير\": تولَّوني.\n(^٢) في \"البدر المنير\": الفضول.\n(^٣) نقل هذه الأبيات عن الإمام الرافعي: ابن الملقن في \"البدر المنير\" (١/ ٣٣٥).","vol":"1","page":417},{"text":"﷽\nوما توفيقي إلا بالله\n\n<span data-type='title' id=toc-152>المجلس الثامن والعشرون </span>من أماليه ﵀ أملاه يوم الجمعة بعد الصلاة الحادي عشر من ربيع الأول سنة اثنتي عشرة وستمائة\nحدثنا الإمام المُمْلِي ﵀ إملاء من لفظه الشريف قال: قرأت على الإمام أحمد بن إسماعيل من أول \"التاريخ\" للحاكم أبي عبد الله إلى ذِكْرِ النَّضْرِ بن شُمَيْلٍ الْمَازِنِيِّ وأجاز لي الباقي، قال: أَبَنَا زَاهِرٌ الشَّحَّامِيُّ، عن أبي بكر الْبَيْهَقِيِّ إِجَازَةً.\nح وَأَنْبَأَنَا من رواه عن أبي نصرٍ الْقُشَيْرِيِّ، عن الْبَيْهَقِيِّ سماعًا قال: أَبَنَا الحَاكِمُ، قال: ثنا إبراهيم بن محمد قال: ثنا إِسْحَاقُ بن حمدان قال: ثنا أحمد بن عَنْبَرٍ قال: ثنا مكي بن إبراهيم قال: ثنا أبو حَنِيفَةَ، عن محمد بن الزُّبَيْرِ، عن الْحَسَنِ، عن عِمْرَانَ بن حُصَيْنٍ ﵁ أَنَّ رسول الله ﷺ قال: \"لا نَذْرَ في معصية، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ\".\nوفي غير هذا الْخَبَرِ عن رسول الله ﷺ: \"لا نَذْرَ في معصية الله، ولا فيما لا يَمْلِكُهُ ابن آدم\".\n\n<span data-type='title' id=toc-153>في الشرح فصول: الفصل الأول</span>\nهذا حديثٌ يُؤْثَرُ عن رسولِ الله ﷺ من رواية عمران (^١)، وجابر بن عبد\n_________\n(^١) رواه النسائي (٧/ ٢٩)، والحاكم (٤/ ٣٣٩).\nوهو حديث ضعيف، ضعفه الألباني في \"إرواء الغليل\" (٢٥٨٧).","vol":"1","page":418},{"text":"الله (^١)، وابن عمر (^٢)، وعائشة ﵃.\nأخرجه أبو عيسى (^٣) من حديث عائشة من رواية الزهري عن أبي سلمة عنها. ومن رواية الزهري أيضًا عن سليمان بن أرقم، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة عنها.\nوقال: الطريق الثاني أصح ولم يسمع الزهري هذا الحديث عن أبي سلمة.\nوأخرج أبو داود (^٤) السجستاني حديث عائشة من الطريقين أيضًا.\nويروي الحديث عن محمد بن الزبير \"عن أبيه\" بدلًا \"عن الحسن\" عن عمران بن الحصين (^٥).\nوعمران (^٦): هو أبو نُجَيد بن حصين بن عبيد بن خلف بن عبد نُهم بن سالم بن غاضرة الخزاعي، من مشاهير الصحابة وفقهائهم.\nنزل البصرة بأَمْرِ عمر بن الخطاب لِيُفَقِّهَ أهلَها ويعلمهم، وابْتُلِيَ ببعض العلل فبقي ثلاثين سنة على سريرٍ مثقوب صابرًا راضيًا بقدر الله، وكانت الملائكة تسلم عليه من زوايا البيت حتى اكتوى قبل وفاته بسنتين ففقد التسليم مدة ثم عاد فكان يقول: اكتوينا فما أفلحنا، يعني المكاوي. روى عنه: أبو رجاء العطاردي، ومطرف\n_________\n(^١) رواه أحمد (٣/ ٢٩٧).\n(^٢) رواه البخاري (٦٦٩٣) واللفظ له، ومسلم (١٦٣٩): نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ النَّذْرِ وَقَالَ: \"إِنَّهُ لَا يَرُدُّ شَيْئًا وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ\".\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (١٥٢٤، ١٥٢٥).\n(^٤) \"سنن أبي داود\" (٣٢٩٠، ٣٢٩٢).\n(^٥) أخرجه رواه النسائي (٧/ ٢٧)، والحاكم (٤/ ٣٣٩).\n(^٦) انظر \"معرفة الصحابة\" (٤/ ترجمة ٢٢٠٤)، و\"الإصابة\" (٤/ ترجمة ٦٠١٤).","vol":"1","page":419},{"text":"بن الشِّخِّير، والحسن، وابن سيرين.\nتوفي سنة اثنتين وخمسين، وقيل: سنة ثلاث.\nوالحسن (^١): هو ابن أبي الحسن يسار البصري، أبو سعيد مولى زيد بن ثابت. من حكماء العلماء الملهمين المخصوصين بالمقامات السنية.\nروى عن: جُندب بن عبد الله، وأنس بن مالك، وعبد الرحمن بن سمرة، ومعقل بن يسار، وأبي بكرة، وغيرهم من الصحابة.\nوروى عنه: يونس بن عبيد، وأيوب السختياني، وقتادة، وجرير بن حازم، ومنصور بن زاذان، وخالد الحذاء.\nمات سنة عشر ومائة.\nومحمد بن الزبير (^٢): هو الذي يقال له الحنظلي إن شاء الله.\nسمع: عمر بن عبد العزيز، وروي عن: أبيه، وعن الحسن.\nروى عنه: حماد بن زيد، وغيره.\nوأبو حنيفة (^٣): أحد أئمة المسلمين المتبوعين النعمان بن ثابت الكوفي ﵁.\nوُلِدَ بالكوفة سنة ثمانين، ويعد في التابعين؛ لأنه رأى أنس بن مالك حين نزل الكوفة، ويقال أنه سمع منه، وكذلك حكاه محمد بن عبد الله المعروف بربيب\n_________\n(^١) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (٤/ ترجمة ٢٢٣).\n(^٢) قلت: وهو كذلك كما قال الإمام الرافعي فقد جاء منسوبًا في بعض الروايات: محمد بن الزبير الحنظلي، وانظر ترجمته في \"التاريخ الكبير\" (١/ ترجمه ٢٣٦)، \"تاريخ دمشق\" (٥٣/ ٢٥)، \"ميزان الاعتدال\" (٣/ ٥٤٧).\n(^٣) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (٦/ ترجمة ١٦٣).","vol":"1","page":420},{"text":"الوزير، وذكر روايته عن ستَّةِ نفرٍ من الصحابة سوى أنس وهم: عبد الله بن أنيس، وعبد الله بن جَزْءِ الزبيدي، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن أبي أوفي، وواثلة بن الأسقع، وعائشة بنت عجرد ﵃.\nوسمع: عطاء بن أبي رباح والزهري، وقتادة.\nعرض عليه المنصور القضاء فامتنع منه، فألحَّ عليه وضربه عليه ثلاثين سوطًا ثم اعتذر منه، وأمر له بثلاثين ألفًا فلم يقبلها.\nويروى أنَّه كان في صباه يختلف إلى الخزَّازين فرأى أستاذُهُ في المنام أنَّ أبا حنيفة ينبش القبور حتى أتى قَبْرَ النَّبِيَّ ﷺ فنبشه وأخرجه، فأنهى الرجل رؤياه إلى ابن سيرين فقال: إن عاش هذا الغلام ليبثنَّ علمًا ما يبثُّه أحدٌ، وليحيينَّ سنَّةَ النَّبِيِّ ﷺ.\nوأنَّه كان يختم القرآن في كلِّ شهرٍ ثلاثين مرة، وأنه قام ليلة بهذه الآية: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (٤٦)﴾ (القمر).\nوأنه كان يُسْمَعُ وقعُ دموعهِ على الحصيرِ وهو يصلي بالليل.\nوعن عبد الله بن داود الْخُرَيْبِيِّ أنَّه كان يقول: ما يتكلم في أبي حنيفة إلَّا حاسدٌ أو جاهلٌ. وعن خارجة بن مصعب أنه كان يقول: أبو حنيفة قطب العلم عليه تدور الرَّحَا. وعن الشَّافعيِّ ﵁ أنَّه قال: من أراد أن يَتَبَحَّرَ فِي الفقه فهو عيال على أبي حنيفة.\nوَحَدَّثَ الخطيب أبو بكر الحافظ، عن علي بن أبي علي، عن طلحة بن محمد، قال: حدثني مُكرَم بن أحمد القاضي، ثنا أحمد بن محمد بن المغلس، ثنا سليمان بن أبي الشيخ، حدثني ابن أبي رجاء القاضي قال: سمعت محمويه وكنا نعده من","vol":"1","page":421},{"text":"الأبدال يقول:\nرأيت محمد بن الحسن في المنام فقلت: يا أبا عبد الله إلى ما صرت؟\nقال: قال لي: إني لم أجعلك وعاءً للعلم وأنا (^١) أريد أن أعذبك.\nفقلت: فما فعل أبو يوسف؟ قال: فوقي.\nقلت: فما فعل أبو حنيفة؟ قال: فوق أبي يوسف بطبقات (^٢).\nتوفي سنة خمسين ومائة. وقيل: سنة إحدى وخمسين ببغداد، ويقال: إنَّ مسعرًا لَمَّا بلغه وفاته قال: مات أفقه المسلمين.\nويذكر أنَّ أبا حنيفة أنشد لنفسه: [مخلع البسيط]\nمَنْ طَلَبَ العِلْمَ لِلْمَعَادِ … فَازَ بِفَضْلٍ مِنَ الرَّشَادِ\nفَيَا لَخُسْرَانَ طَالِبِيهِ … لِنَيْلِ فَضْلٍ منَ العِبَادِ\nوأنَّه كان ينشدُ كثيرًا: [طويل]\nكَفَي حَزَنًا أَلَّا حَيَاةَ هَنِيَّةٌ … وَلَا عَمَلٌ يَرْضَي بِهِ الله صَالِحُ\nومَكِّي (^٣) بن إبراهيم بن (بشير) (^٤) أبو السَّكن البلخيُّ الحنظليُّ.\nسمع: جعفر بن محمد الصادق، ويزيد بن أبي عبيد، وابن جريج، وروى عن: أبي حنيفة. روى عنه: يحيى بن يحيى، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، والبخاري. مات سنة أربع عشرة ومائتين.\n_________\n(^١) في س: وإني. والمثبت من د، \"تاريخ بغداد\".\n(^٢) \"تاريخ بغداد\" (٢/ ١٨٢).\n(^٣) انظر \"التاريخ الكبير\" (٨/ ٧١)، \"تهذيب الكمال\" (٢٨/ ٤٧٦)، \"سير أعلام النبلاء\" (٩/ ٥٤٩).\n(^٤) في س: بشر. والمثبت من د، مصادر الترجمة.","vol":"1","page":422},{"text":"وأحمد بن عنبر النيسابوري (^١).\nسمع: عصام بن يوسف، ومكي بن إبراهيم.\nروى عنه: زنجويه بن محمد، وإسحاق بن حمدان.\nوإسحاق (^٢): هو أبو يعقوب بن حمدان بن العباس النيسابوري، سكن بلخ وبها مات.\nسمع: محمد بن رافع، وإسحاق بن منصور.\nروى عنه: أبو بكر بن علي الرازي، ويحيى بن منصور، وكتب عنه أبو علي الحافظ ببغداد.\nوإبراهيم (^٣): هو أبو إسحاق بن محمد بن يحيى المزكي.\nشيخٌ مقدمٌ من مشايخ نيسابور.\nسمع: أبوي العباس الثقفي وَالْمَاسَرْجِسِيُّ، وعبد الرحمن بن أبي حاتم، ومحمد بن الربيع الجيزي، والدغولي.\nوَعُقِدَ له مجلس الإملاء وحضر مجلسه الكبار كأبي العباس الأصم، وأبي عبد الله الصفار.\nتوفي سنة اثنتين وستين وثلاثمائة.\nوالحاكم: هو أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ، مشهور مذكور في المجلس الثاني عشر.\n_________\n(^١) كذا في س، د. ولم أقف على ترجمته، والله تعالى أعلم.\nوفي هذه الطبقة: أحمد بن نصر المقرئ النيسابوري. روى عن مكي، وروى عنه: زنجويه بن محمد.\n(^٢) انظر \"تاريخ بغداد\" (٦/ ترجمة ٣٤٣٦).\n(^٣) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٦/ ترجمة ١١٨).","vol":"1","page":423},{"text":"وأبو بكر البيهقيُّ (^١): هو الحافظ أحمد بن الحسين بن علي.\nإمامٌ موفقٌ في تصانيفه الكثيرة المفيدة التي أوضحت السُّبُلَ وأبانتِ المناهجَ، وتَتَبَّعَ نصوصَ الشافعيِّ ﵁ في كتبه القديمة والجديدة فجمع بينها، ونصر مذهبه، وأتي بها لم يأت به من قبل من العلماء جزاه الله أحسن الجزاء.\nتوفي سنة ثمان وخمسين وأربعمائة.\nوأبو نصرٍ القشيريُّ (^٢): هو الإمام عبد الرحيم بن الأستاذ أبي القاسم، صاحب الصَّيتِ المنتشر والتَّصانيف الحسان في التفسير والأصول والفقه والتذكير.\nووصفه أبو الحسن الفارسي في \"الذيل\" فقال: كان أبو نصر أشبه الناس بأبيه خلقًا كأنَّهُ شُقَّ منه شقًّا، ربَّاه أحسن تربية، وَزَقَّهُ (^٣) العَرَبِيَّةَ في صِبَاهُ زَقًّا حتي برع فيها وكمل في النظم والنثر وحاز فيها قصب السبق، وكان يبث السحر بأقلامه على الرق، استوفي الحظَّ الأوفي من علمي الأصول والتفسير تَلقِّيًا من والده، وَرُزِقَ سُرعةً في الكتابة حتى كان يكتب في اليوم طاقات بلا مشقة، وَحَصَّلَ أنواعًا من العلوم الدقيقة والحساب الذي يُحتاج إليه في علم الشريعة.\nوانتقل بعد وفاة أبيه إلى مجلس إمام الحرمين، وواظب على درسه ليلًا ونهارًا حتى حَصَّلَ طريقته مذهبًا وخلافًا، وكان الإمام يعتدُّ به ويستفرغ أكثر اليوم معه، ويستفيد منه في الفرائض والدور والوصايا، وخرج إلى الحج فعقد له المجلس\n_________\n(^١) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٨/ ترجمة ٨٦).\n(^٢) انظر \"التدوين في أخبار قزوين\" (٣/ ١٦٩).\n(^٣) زَقَّه أي: أَطعمه بفِيه. وهو كناية عن شدة حرصه على تعليمه العربية.","vol":"1","page":424},{"text":"ببغداد، وبدا له من القبول ما لم يُعهد مثله، وعاد والقبول غضٌّ وزائدٌ على ما كان، وكاد التعصب له يؤدي إلى الفتنة، فاستحضره الصاحب نظام الملك من بغداد إلى أصبهان وهو بها، وأكرم مورده لما انتهى إليه، ووصله بصلات سنية، ورد إلى خراسان وكان أكثر صَغْوِهِ (^١) في آخر أيامه إلى الحديث وإملائه.\nتوفي في سنة أربع عشرة وخمسمائة في جمادى الآخرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-154>الفصل الثاني</span>\n\"لا\" قد تكون للنهي: إما لنهي الحاضر كقولك \"لا تقم\" أو الغائب كقولك \"لا يقم زيد\".\nوقد تكون جوابًا عن السؤال على مضادة نعم وبلى.\nوقد تقع زائدة كما في قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ (الأعراف:١٢) أي: أن تسجد، وقال تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ (الحديد: ٢٩) أي: لأن يعلم.\nوقد تكون للنفي: وتدخل تارة على الفعل كما يقال: هو يفعل كذا غدًا فنقول: لا تفعل.\nوتارة على الاسم: وهو إما نكرة كقولك: \"لا رجل في الدار\" والمقصود نفي الجنس، وتجعل النكرة والحالة هذه مع \"لا\" كالشيء الواحد، وتبني على الفتح ويحذف منه التنوين كما حذف من خمسة عشر.\nوإما مضاف كقولك: \"لا غلامَ زيد عندك\"، \"ولا ثوبَ خزٍّ لك\" ونصبوا الغلام والثوب بإعمال \"لا\" فيه تشبيهًا لها بأن؛ لأن \"أن\" للتحقيق والإثبات، و\"لا\" للنفي، فحمل النقيض على النقيض، ومعلوم أنك تقول: أن غلام زيد عندك\n_________\n(^١) أي: ميله.","vol":"1","page":425},{"text":"فَأُجْرِيَ مجراه، وانحذاف التنوين ها هنا على قاعدة الإضافة\nوإذا كررت \"لا\" وأدخلتها على نكرةٍ بعد نكرةٍ فلك أن تفتحهما فتقول: \"لا حولَ ولا قوةَ إلا بالله\"، وأن ترفعهما فتقول: \"لا حولٌ ولا قوةٌ\" وأن تفتح الأول وترفع الثاني فتقول: \"لا حولَ ولا قوةٌ\"، وأن تفتح الأول وتنصب الثاني فتقول: \"لا حولَ ولا قوةً\" وعلى ذلك أنشد: [رمل]\nلَا نَسَبَ الْيَوْمَ وَلَا خُلَّةً … اتَّسَعَ الْخَرْقُ عَلَى الرَّاقِعِ\nوإذا وصفت النكرة فلك أن تنصب فتقول: \"لا رجل عالمًا في الدار\" وأن تحذف التنوين من الصِّفة فتقول: \"لا رجل عالم في الدار\" كما حذفت من الموصوف، وأن ترفع فتقول: \"لا رجل عالم\" حملًا على الموضع؛ لأن موضع \"لا\" مع ما نفي بها رفع بالابتداء كخمسة عشر إذا ابتدأت به.\nولذلك قالوا: إنَّ \"لا\" مع ما بعدها تفتقر إلى خبر، لكنه قد يحذف الخبر لفهم المقصود بدلالة الحال عليه كما تقول: \"لا درهم ولا مال\" وتريد لي، ولا يجوز أن يقال: \"لا رجل\" ويراد: في الدار؛ إذ لم يسبق لها ذكر، وعلى هذا قالوا: قولنا: \"لا إله إلا الله\" الخبر منه محذوف والتقدير: لا إله لنا إلا الله أو في الوجود، وكذا قولنا: \"لا حول ولا قوة إلا بالله\" المعنى لا حول ولا قوة لنا إلا بالله.\nوقد لا تعمل \"لا\" فيما بعدها وترفع على الابتداء فيقال: \"لا رجل في الدار\" وعلى هذا فيجوز أن تدخل على المعرفة فيقال: \"لا زيدٌ عندي، ولا عمرو، ولا زيدٌ قائم، ولا عمرو خارجٌ\" ولم يُجوزوا إعمال \"لا\" في المعرفة فلا نقول: \"لا زيد عندي، ولا عمرو\" إلا أن تكرر العلم وتريد: لا أحد عندي يسمى زيدًا.\nوقد تجعل \"لا\" عاملة معنى \"لا\" لفظًا كقولهم: \"أمسي ببلدة لا عمٍّ ولا خالٍ\"","vol":"1","page":426},{"text":"فالعم والخال مجروران بإضافة البلدة إليها، كما تقول: ببلدة عمٍّ وخالٍ، ودخول \"لا\" كسقوطها في اللفظ لكنها عملت من جهة المعنى فنفت كون البلدة التي هي بلدة عم وخال، ويقال أيضًا: \"بلا مالٍ وعشيرةٍ\" هما مجروران بالباء، كما لو لم تدخل فيه \"لا\" إلَّا أنها عملت في المعنى فنفته.\nوقد يعد \"لا\" في مثل قولهم \"فلان غير محسن ولا مجمل\" تأكيدًا وزيادة، وقد قيل به في قوله تعالى: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ ويقرب منه قول القائل: ما رأيت زيدًا، ولا عمرًا.\nوفيه فائدة وهي أن قول القائل: \"ما رأيت زيدًا وعمرًا\" ويحتمل أن يريد به أنَّ الرؤية ما جمعتهما أو أنَّه ما رآهما معًا، وإدخال \"لا\" يقطع هذين الاحتمالين.\nويقال: نَذَرتُ لله كذا، ونَذَر على نفسه، ونذر ماله يَنْذِرُ ويَنْذُر نَذْرًا، والإنذار: الإبلاغ، ولا يكون إلا في التخويف، ونَذِرَ القومُ بكسر الذال إذا علموا، وَتَنَاذَرُوا: خَوَّف بعضهم بعضًا.\nوَتَكْفِيرُ الْيَمِينِ: الإتيان بيا يَجُبُّ الحنث فيها، والاسم الكفارة، والتكفير في السيئات كالإحباط في الحسنات.\n\n<span data-type='title' id=toc-155>الفصل الثالث</span>\nالنَّذْرُ نوعان:\nنَذْرُ تَبَرُّرٍ: وهو التزام قُرْبَةٍ في مقابلة نيل مطلوبٍ، كشفاء مريضٍ وغيرِهِ.\nوَنَذْرُ لَجَاجٍ: وهو أن يمنع نفسه من فعلٍ، أو يَحْمِلَهَا عليه بتعليق التزامِ قُربةٍ، مثل أن يقول: إن فعلت كذا أو لم أفعل فعلي صوم أو صلاة أو عتق.\nوالمعصية لا يصحُّ التزامها بحالٍ لا مُعَلّقة بشفاء المريض ولا بشيء من","vol":"1","page":427},{"text":"الأفعال.\nروت عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: \"من نَذَرَ أن يُطِيعَ الله فَلْيُطِعْهُ ومن نَذَرَ أن يعصي الله فلا يَعْصِهِ\" (^١) وعليه يحمل قوله ﷺ: \"لا نَذْرَ في معصية الله\".\nوأمَّا تعليق القُربة بالمعصية نفيًا وإثباتًا فيتصور على صورة التَّبَرُّرِ بأن يقول: إن لم أشرب الشهر فلله عَلَيَّ كذا يعني: إن وفقني الله للتَّحَرُّزِ عنه، وهذا نذرٌ صحيحٌ، ويتصور على فعل اللَّجَاجِ بأن يقول: إن شربت فعليَّ كذا، يريد منع نفسه منه، وكذا لو قيل له: لا تشرب، فقال لَجَاجًا: إن لم أشرب فلله عَلَيَّ كذا.\nوفيما يلزم في نَذْرِ اللَّجَاجِ على الإطلاق ثلاثة أقوال للشافعي ﵁:\nأصحها: أن فيه كفارة اليمين؛ لما رُوِيَ عن عقبة بن عامر أن النبي ﷺ قال: \"النَّذْرُ يَمِينٌ وكفارته كفارة يَمِينٍ\" (^٢) وقد يحمل قوله في الخبر: \"وكفارته كفارة يَمِينٍ\" على هذا.\nوالثاني: إنَّ عليه الوفاء بما التزم.\nوالثالث: يتخير بين الوفاء والكفارة.\nوحكى الأصحابُ وجهين فيما إذا التزم ما ليس بقُربةٍ في مقابلة نعمة، أو عَلَّقَهُ بفعلٍ من أفعاله فقال: إن شفي الله مريضي، أو إن دخلت الدار فعليَّ أن آكل الطعام كذا، وكذا لو كان المُلتزم فرضًا أو معصية بأن قال: إن فعلت كذا فعليّ أن\n_________\n(^١) رواه البخاري (٦٦٩٦).\n(^٢) رواه أحمد (٤/ ١٤٨)، وأبو يعلى (١٧٤٤) بلفظه من طريق عبد الرحمن بن شماسة عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر ﵁.\nورواه مسلم أيضًا من طريقه لكن بلفظ: \"كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ\".","vol":"1","page":428},{"text":"أصلي الظهر، أو أن أشرب الخمر، هل يجعل ذلك يمينًا حتى إذا خالف لزمته الكفارة؟\nوالأظهر على ما ذكره جماعةٌ أنه يجعل يمينًا.\nواعلم أنَّ الوفاء بالنَّذر حسنٌ أثنى الله تعالى على الوافين به فقال: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ (الإنسان: ٧) وأمر بالوفاء بالعهد فقال: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (المائدة: ١) وإذا كان من قضايا الكرم أن لا يجاب السائل بـ \"لا\" ولم يسبق من المسئول وعدٌ ولا تقدم عهدٌ حتى قال بعضهم يمدح ويصف الممدوح بأنه يمنح: [بسيط]\nمَا قَالَ لَا قَطُّ إِلَّا فِي تَشَهُّدِه … لَوْلَا التَّشَهُّدُ لَمْ يُسْمَعْ لَهُ لَا\nفَالوَفَاءُ بِالنَّذْرِ بَعْدَ التِزَامِه تَوكيدٌ للعهد وإحكامه أولى بالمحافظة عليه.\nوقول جميلٍ: [طويل]\nبُثَيْنَ الْزَمِي لَا إنَّ لَا إِنْ لَزِمْتِهِ … عَلَى كَثْرَةِ الْوَاشِينَ خَيْرُ مَعُونِ\nلم يقصد به تحقيقُ نفيٍ؛ وإنما قصد نفي ما يشغل ويعوق من صنع الواشين، لتستقرَّ قدمُهُ في المحبة ويوفي حقوقها.\nوقد يقصد بالنَّفي سيما إذا تكرر تناول نوعين أو التعرض لطرفين تحقيقُ وسط معتدل وإثباته كما قال تعالى: ﴿لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ﴾ (البقرة: ٦٨) ويقرب منه قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فإنَّ المعنى صراط الذين أنعمت عليهم، لا الذين غضبت عليهم، ولا الذين ضلُّوا، وفي ذلك تحقيق النعمة والمنعم عليهم بنفي أضدادها.\nويذكر أنَّ مريضًا أتى ابن سيرين فقال: رأيت في المنام كأنَّ قائلًا يقول لي: إن","vol":"1","page":429},{"text":"شئت الشفاء من مرضك فخذ لا ولا وكله.\nفقال ابن سيرين: إنَّما دلك على الزيتون، قال تعالى: ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ (النور: ٣٥).\nوإذا كنت ترجو الوفاء بوعد الله تعالى وهو مستغنٍ عنك، فبالحري أن تفي بعهده فأنت مفتقرٌ إليه، وإن عَرَضَتْ فَتْرَةٌ في بعض نعمه فعليك أن تلزم الباب مستشعرًا وتثبت وهي بشؤم إعراضٍ منك أو هي بملاطفة من الرب تعالى لئلا تغفل ولا تتكل.\nقرأت على والدي ﵀ أبنا أبو الأسعد القُشَيْريُّ، أبنا أبو سعيد الصَّفَّارُ، عن السُّلميِّ قال: سمعت علي بن عبد الله البصري يقول: سمعت الشِّبْلِيِّ يقول: المعارف تبدو فتطمع ثم تخفى فتؤيس فلا سبيل إلى تحصيلها يعني بِمَرَّةٍ، ولا طريق إلى الهرب منها، فإنها تطمع الآيس، وتؤنس الطامع، وأنشأ يقول: [طويل]\nأَظَلَّتْ عَلَيْنَا مِنْكَ يَومًا غَمَامَةٌ … أَضَاءَتْ لَنَا بَرْقًا وَأَبْطَا رَشَاشُهَا\nفَلَا غَيْمُهَا يَجْلُو فَيَيْأَسَ طَامِعٌ … وَلَا غَيْثُهَا يَأْتِي فَيَرْوَي عِطَاشُهَا\nوقلت في أحوال سانحة نرجو من الله كشفها: [رجز]\nحِرْتُ وَلَا حَرَاكَ بِي … وَزَادَنِي بَلَابِلَا\nإِنْ كُنْتُ أَدْعُوهُ … فَلَا يُجِيبُنِي يَوْمًا بِلَا\nوَالْآنَ أَدْعُو فَأَرَى … إِجَابَتِي بَلَابَلَى\nآخر المجلس الثامن والعشرين من أماليه والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليمًا كثيرًا\n* * * * *","vol":"1","page":430},{"text":"﷽\nوما توفيقي إلا بالله\n\n<span data-type='title' id=toc-156>المجلس التاسع والعشرون </span>من أماليه أملاه يوم الجمعة بعد الصلاة السابع عشر من ربيع الأول سنة اثنتي عشرة وستمائة\nأخبرنا الإمام المُمْلِي ﵀ قال: روى لنا رَاوُونَ منهم: محمد بن عبد الْبَاقِي، وحامد الخطيب، عن أبي علي الحداد، عن أبي نُعَيْمٍ قال: كتب إلى أبو بكر الْبَصْرِيُّ قال: أَبَنَا أبو داود قال: ثَنَا مُسَدَّدٌ، ثنا يحيى، عن سفيان قال: حدثني أبو إسحاق، عن ناجية بن كعب، عن علي ﵁ قال: قلت للنبي ﷺ: إن عمك الشيخ الضَّالَّ قد مَاتَ.\nفَقَالَ: \"اذْهَبْ فَوَارِ أَبَاكَ ثُمَّ لَا تُحْدِثَنَّ شَيْئًا حَتَّى تَأْتِيَنِي\" فَذَهَبْتُ فَوَارَيْتُهُ وَجِئْتُهُ فَأَمَرَنِي فَاغْتَسَلْتُ وَدَعَا ليِ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-157>في الشرح فصول: الفصل الأول</span>\nهذا حديثٌ ثابتٌ مشهورٌ مدونٌ في التفاسير ودواوين الحديث، أورده أبو داود الطيالسي عن شعبة، عن أبي إسحاق واللفظ: لما تُوُفِّيَ أبي أتيت رسول الله ﷺ فَقُلْتُ: إن عمك قد تُوُفِّيَ. فَقَالَ: \"اذهب فَوَارِهِ\".\nفقلت: إنه مات مُشْرِكًا.\nفقال: \"اذهب فَوَارِهِ ولا تُحْدِثَنَّ شيئا حتى تَأْتِيَنِي\" ففعلت ثم أَتَيْتُهُ فَأَمَرَنِي أن\n_________\n(^١) \"سنن أبي داود\" (٣٢١٤) كما رواه من طريقه الرافعي.","vol":"1","page":431},{"text":"أغتسل (^١).\nوأيضًا عن شعبة قال: وأخبرني الفضيل أبو معاذ وهو الفضيل بن مَيْسَرَةَ الأَزْدِيُّ ختن بديل بْنِ ميسرة، عن أبي حَرِيزٍ السِّجِسْتَانِيِّ وهو عبد الله بن الحسين قَاضِيهَا، عن الشَّعْبِيِّ قال: قال عَلِيٌّ ﵁: لما رجعت إلى النَّبِيِّ ﷺ وقد دَفَنْتُهُ قال لي قولا ما أحب أن لي به الدُّنْيَا (^٢).\nوعليٌّ (^٣) ﵁ أمير المؤمنين وَمُبِيرُ (^٤) المشركين أبو الحسن بن أبي طالب واسمه عبد مناف بن عبد المطلب واسمه شيبة بن هاشم واسمه عمرو بن عبد مناف واسمه المغيرة بن قصي واسمه زيد بن كلاب.\nابنُ عَمِّ رسول الله ﷺ لَحًّا (^٥).\nوأمُّهُ فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف وهي أول هاشمية ولدت هاشميًا، وكانت قد أسلمت وهاجرت وتوفيت بالمدينة، فتولَّى رسول الله ﷺ دفنها وألبسها قميصه، واضطجع معها في قبرها وقال:\n\"أَلْبَسْتُهَا قَمِيصِي لِتَلْبَسَ مِنْ ثِيَاِب الجَنَّةِ، وَاضْطَجَعْتُ مَعَهَا لِأُخَفِّفَ عَنْهَا مِنْ ضَغْطَةِ الْقَبْرِ، وَإِنَّهَا كَانَتْ أَحْسَنَ خَلْقِ الله إِلَيَّ صَنِيعًا بَعْدَ أَبِي طَالِبٍ\" (^٦).\n_________\n(^١) \"مسند الطيالسي\" (١٢٠). وصححه الشيخ الألباني في \"أحكام الجنائز\" (١٣٤ - ١٣٥).\n(^٢) \"مسند الطيالسي\" (١٢١).\n(^٣) \"معرفة الصحابة\" (١/ ترجمة ٤).\n(^٤) أي: مهلك المشركين ومبيدهم.\n(^٥) قولهم: هو ابن عمِّي لَحًّا أي لَاصقُ النسب. \"الصحاح\": لحح.\n(^٦) رواه أبو نعيم في \"معرفة الصحابة\" (٦/ ٣٤٠٨)، والطبراني في \"المعجم الأوسط\" (٧/ ٨٧) من طريق سعدان بن الوليد بياع السابري، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس.","vol":"1","page":432},{"text":"وكانت سَمَّتْ عليًّا ﵁ حَيْدَرَة، ومشهورة عنه أنه كان يقول في بعض حروبه: [رجز]\nأَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ\nكَلَيْثِ غَابَاتٍ كَرِيهِ الْمَنْظَرهْ\nأَكِيلُكُمْ بِالسَّيْفِ كَيْلَ السَّنْدَرَهْ\nوكان يكنى بأبِي تراب أيضًا ويحبُّ أن يدعي بهذه الكنية؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ دعاه بها، وقال له النبي ﷺ: \"لا يُحِبُّكَ إلا مُؤْمِنٌ، ولا يُبْغِضُكَ إلا مُنَافِقٌ\" (^١).\nوَشَهِدَ له بالجنة، وفضائله أشهر وأكثر من أن تحصي.\nاستخلف بعد قتل عثمان ﵁ وذلك في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، وقتل بالكوفة سنة أربعين صبيحة يوم الجمعة لسبع بقين من رمضان.\nونَاجية (^٢) بن كعب هو الأسدي، أخو سلمى بنت كعب، يعدُّ فِي الكوفيين.\nروي عن: علي ﵁، وعبد الله.\nوروي عنه: أبو إسحاق، وأبو حسان الأعرج.\nوأبو إسحاق: هو السَّبِيعِيُّ عمرو بن عبد الله. وسفيان: هو الثوري مذكوران\n_________\nقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٩/ ٢٧٢): وفيه سعدان بن الوليد ولم أعرفه وبقية رجاله ثقات. وقال الحاكم في \"المستدرك\" (٤/ ١١٦) وقد روى حديثًا من طريقه: سعدان بن الوليد البجلي كوفي قليل الحديث.\nوقال الألباني في \"إرواء الغليل\" (٦/ ٣٢٢): سعدان هذا لم أعرفه.\n(^١) رواه مسلم (٧٨/ ١٣١) ولفظه: قَالَ عَلِيٌّ: وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ إِنَّه لَعَهْدُ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ إِلَيَّ أَنْ لَا يُحِبَّنِي إِلَّا مُؤْمِنٌ وَلَا يُبْغِضَنِي إِلَّا مُنَافِقٌ.\n(^٢) انظر \"التاريخ الكبير\" (٨/ ترجمة ٢٣٦٥)، و\"تهذيب الكمال\" (٢٩/ ترجمة ٦٣٥٢).","vol":"1","page":433},{"text":"في المجلس الخامس.\nويحيي (^١): هو ابن سعيد بن فروخ القطان، أبو سعيد التميمي البصري.\nمن أكابر أئمة الحديث المتقدمين.\nسمع: هشام بن عروة، وحميد الطويل، ويحيى بن سعيد الأنصاري.\nروى عنه: محمد بن المثنى، وَبُنْدَارٌ، وعلي بن المديني، ومحمد بن أبي بكر المُقَدَّمِيُّ، وأبو بكر بن أبي شيبة، وغيرهم.\nولد سنة عشرين ومائة، ومات سنة ثمان وتسعين ومائة.\nوَمُسَدَّدٌ (^٢): هو ابْنُ مُسَرْهَدٍ بن مُسَرْبَلٍ بن مُغربل بن أرندل بن ماهك أبو الحسن الأسدي البصري.\nيقال: إنه ذكر نسبه لأبي نعيم وقال: لو كانت في هذه النسبة بسم الله الرحمن الرحيم لكانت رقية العقرب.\nسمع: أبا عوانة، وابن علية، ويزيد بن زريع، وحماد بن زيد، ويحيى القطان. روى عنه: البخاري، والأئمة.\nمات سنة ثمان وعشرين ومائتين.\nوأبو داود (^٣): هو سليمان بن الأشعث السجستاني.\nأحد العلماء الكبار المرجوع إلى قولهم وكتابهم، واعتناؤه بالأحاديث التي يبني عليها الأحكام الشرعية أكثر من اعتناء غيره.\n_________\n(^١) انظر \"التاريخ الكبير\" (٨/ ترجمة ٢٩٨٣)، \"تهذيب الكمال\" (٣١ / ترجمة ٦٨٣٤).\n(^٢) انظر: \"التاريخ الكبير\" (٨/ ترجمة ٢٢٠٩)، \"تهذيب الكمال\" (٢٧/ ترجمة ٥٨٩٩).\n(^٣) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٢/ ٢٠٣).","vol":"1","page":434},{"text":"سمع بمصر والشام والحجاز والعراق وخراسان.\nوعن محمد بن إسحاق الصَّغَانِيُّ أنه كان يقول: لُيِّنَ لأبي داود الحديث كما لُيِّنَ لداود الحديد.\nوروى عنه: علان بن عبد الصمد فقال: سمعت أبا داود السجستاني وكان من فرسان هذا الشأن. توفي سنة خمس وسبعين ومائتين بالبصرة.\nوأبو بكر البصري (^١): هو محمد بن بكر بن محمد بن عبد الرزاق التمار المعروف بِابْنِ دَاسَةَ.\nمن الثِّقات المرضيِّينَ، وممن اشتهر \"سنن أبي داود\" بروايته.\nروى عنه: الحسن بن داود السمرقندي، وأبو علي الحسين بن محمد الرُّوذْبَارِيُّ، وغيرهما.\nومن بعد هؤلاء في الإسناد مذكورون من قبل.\n\n<span data-type='title' id=toc-158>الفصل الثاني</span>\nجَمْعُ الشَّيْخِ: شُيُوخٌ وأَشْيَاخٌ وشِيَخَةٌ وشِيخانٌ ومَشْيَخَةٌ ومَشايخُ ومَشْيُوخاءُ. وَالْمَرْأَةُ شَيْخَةٌ، وشَاخَ يَشِيخُ شَيَخًا بِالتَّحْرِيكِ، وَشَيْخُوخَةً، وشَيَّخَ بِمَعْنَاهُ، وشَيَّخَهُ: دَعَاهُ شَيْخًا تَبْجِيلًا، وَتَصْغِيرُ الشَّيْخِ شُيَيْخٌ بِالْيَاءِ.\nوَضَلَّ الشَّيْءُ يَضِلُّ ضَلَالًا: ضَاعَ وَهَلكَ، وَيُسَمَّى الْكَافِرُ ضَالًّا لِهَلَاكِهِ بِالْكُفْرِ.\nوَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧)﴾ (القمر) أي في هلاكٍ. وَضَلَّ الماءُ في اللَّبَنِ أَيْ ضَاعَ. والضَّالَّةُ: ما ضَلَّ مِنَ الْبَهِيمَةِ، وأَضَلَّهُ: أضَاعَهُ وأَهْلَكَهُ.\n_________\n(^١) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٥/ ترجمة ٣١٧).","vol":"1","page":435},{"text":"وَأُضِلَّ المَيِّتُ إِذَا دُفِنَ.\nوأضللت بعيري إذا ذهب منك. وَضَلَلْتُ عن المسجد والدار إذا لم تَهْتَدِ إليهما. وتضليل الرجل: نِسْبَتُهُ إلى الضَّلَالِ. ورجل ضليل ومضلل إذا كان كثير التَّتَبُّعِ لِلضَّلَالِ، وأنشد: [وافر]\nأَلَمْ تَسْأَلْ تُخَبِّرُكَ الدِّيَارُ … عَنِ الْحَيِّ المُضَلَّلِ أَيْنَ سَارُوا\nوَأَرْضٌ مَضِلَّةٌ وَمَضَلَّةٌ: التي يُضَلُّ فيها الطريق كثيرًا. وَضَلِلْتُ أَضَلُّ وَضَلَلْتُ أَضِلُّ لُغَتَانِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-159>الفصل الثالث</span>\nأبو طالب أحد أعمام النَّبِيِّ ﷺ وكان في حجره حين توفي جده عبد المطلب، ويروى أنَّ عبد الله أباه توفي وهو ابن شهرين، وأنَّ أمه توفيت وهو ابن أربع سنين، وأنَّ جده توفي وهو ابن ثمان، فأوصى به إلى أبي طالب وقال: يا بني قد علمت شدَّةَ حُبِّي لمحمدٍ فانظر كيف تحفظني فيه. فقال أبو طالب: يا أبت لا توصني بمحمدٍ فإنه ابني وابن أخي، فلما مات عبد المطلب كان أبو طالب يؤثره بالنفقة والكسوة وعلى جميع أهله، واستصحبه مع نفسه إلى الشام، وكان يَذُبُّ بعد البعثة عن رسول الله ﷺ وعن أصحابه، ويشفق عليه ويمنعه عن مشركي قريش. (ومشوا إليه) (^١) بعمارة بن الوليد فقالوا له: قد عرفت حال عمارة في قريش، ونحن ندفعه إليك مكان محمد، فادفعه إلينا فمنعهم وقال: [طويل]\nكَذَبَتُمْ وَبَيْتِ الله يُبْزَي مُحَمّدٌ … وَلَمَّا نُطَاعِنْ دُوْنَهُ وَنُنَاضِلِ\n_________\n(^١) ليس في س، د. والسياق يقتضيه فأثبته من \"سيرة ابن هشام\" (٢/ ١٠١ - ١٠٢)، \"تاريخ الطبري\" (١/ ٥٤٥).","vol":"1","page":436},{"text":"وَنُسْلِمُهُ حَتَّى نُصَرَّعَ حَوْلَهُ … وَنَذْهَلَ عَنْ أَبْنَائِنَا وَالْحَلَائِلِ\nوَيَنْهَضُ قَوْمٌ نَحْوَكُمْ غَيرَ عُزَّلٍ … بِبِيضٍ حَدِيثٍ عَهْدُهَا بِالصَّقَائِلِ\nوَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ … ثِمَالَ الْيَتَامَي عِصْمَةً لِلأرَامِلِ\nيُبْزَي أي: يقهر ويغلب، والمعنى أنَّه لا يُبْزَي بلا طعان ولا نضال، ولا نسلمه حتي نُصَرَّعُ. والعزل: جمع أَعْزَلٍ وهو الذي لا سلاح معه.\nو\"ثِمَالُ القوم\": غياثهم وملجأهم.\nومع ذلك لم يُرزق الاهتداء، ويروى أنَّ عليًّا ﵁ كان يصلي مع النَّبِيِّ ﷺ ابتداء الحال وهما يُخْفِيَانِ عبادتهما من أبي طالب، فعثر عليهما يوما فقال: ما هذا الذي أرى؟ فقال النَّبِيُّ ﷺ: \"يا عم هذا دينُ الله دينٌ لأبينا إبراهيم ﵇ وبهذا بُعِثْتُ، وأنت يا عم أحق من بَذَلْتُ له النصيحة\". فقال: إني لا أستطيع أن أُفَارِقَ دين آبَائِي (^١).\nوفي \"الصحيحين\" (^٢) من رواية سعيد بن المُسَيَّبِ، عن أبيه المُسَيَّبِ بْنِ حَزْنٍ قال: حضرت أبا طالب الوفاة فجاء رسول الله ﷺ فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة فقال: \"أي عَمِّ قل لا إله إلا الله كلمة أُحَاجُّ لك بها عند الله\". فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: ترغب عن ملة عبد المطلب، فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها عليه وَيَعُودَانِ بتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كَلَّمَهُمْ: أنا على ملة عبد المطلب وَأَبَى أن يقول لا إله إلا الله.\n_________\n(^١) ذكره ابن إسحاق عن بعض أهل العلم، انظر \"سيرة ابن هشام\" (٢/ ١٠٢)، \"تاريخ الطبري\" (١/ ٥٣٩)\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (١٣٦٠)، \"صحيح مسلم\" (٢٤/ ٣٩).","vol":"1","page":437},{"text":"فقال رسول الله ﷺ: \"والله لَأَسْتَغْفِرَنَّ لك ما لم أُنْه عنك\".\nفأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ (التوبة: ١١٣) وَأَنْزَلَ الله في أبي طَالِبٍ ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (القصص: ٥٦).\nوكانت وفاة أبي طالب قبل الهجرة بثلاث سنين وأربعة أشهر، ولم يكن حينئذٍ بَعْدُ أَمْرٌ بالقتالِ ولا انقسام الكفار إلى من يقرر ويعقد معه الجزية، وإلى من لا يقرر ويقتل، وكان حكم الكفار جميعًا حكم أهل الذِّمِّةِ والمعاهدين.\nوذكر الأصحابُ أنه يجوز للمسلمين غسلَ الكفارِ ذميًّا كان أو حربيًّا، لكن لا يجب.\nوفي تَكْفِينِ الذِّمِّيِّ ودفنه وجهين: أظهرهما الوجوب، فكذلك أمر النَّبِيّ ﷺ بمواراته، والحديث صريحٌ في الدلالة على أن أبا طالب مات مشركًا ولذلك رَاجَعَ عليٌّ رسولَ الله ﷺ ليعلمَ ما يفعلُ به، ولم يحضر رسول الله ﷺ دفنه، ولو كان مسلمًا لحضره وشيَّع جنازته كما فعل بأمِّ عليٍّ ﵁ وبل أولى فإنَّه كان أقربَ إليه وأحسنَ صنيعًا منها.\nوقد ورد في غير هذه الرواية أنَّه أمره بغسله كما أمره بدفنه، ولذلك أمره بالاغتسال في هذه الرواية.\nومن الأغسال المستحبَّةِ الغسلُ من غسلِ الميتِ؛ رُوِيَ أنَّهُ ﷺ قال: \"مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ\" (^١).\n_________\n(^١) رواه أبو داود (٣١٥٣)، والترمذي (٩٩٣)، وابن ماجه (١٤٦٣)، وابن حبان (١١٦١) من حديث أبي هريرة.","vol":"1","page":438},{"text":"وقوله: \"لَا تُحْدِثَنَّ شَيْئًا حَتَّى تَأْتِيَنِي\" يحتمل معنيين:\nأحدهما: أنَّه أراد أن يسرع العود إليه ليأمره بالاغتسال فيبادر إلى هذه السنة، ولم يأمره به في الحال لئلَّا يتأخر دفنه.\nوالثاني: أنَّه كان يظهر عند دفن المشركين أعاجيب سيِّما في زمان انخراق العادات كما روي أن بعضهم دفن مرارًا فكانت الأرض تقذفه، فأراد أن يُخْبِرَ عن السَّلامة ليشكر الله تعالى على ذلك، وأيضًا فليفرغ قلبُهُ عن أمر دفنه وتكفينه اللذين كانا لازمين، ولم يستحسن أن يقوم بهما بنفسه، والدعاء له عند ذلك كان سببه أنه أحسن إلى من أحسن إليه فكافأه.\nوفي القِصَّةِ ما يُذَكِّرُ صاحبَ الفهمِ والاعتبارِ أنَّ اللَّهَ يفعل ما يشاء بالاقتدار، ويحكم ما يريد من العفو والاقتهار، يدني من يشاء ويهديه وإن كره المصطفي المختار كما فعل بوحشيٍّ، ويبعد من يشاء على قرابته منه ويجعله من أهل النار كما فعل بأبي طالب، ليعلم أنَّ الأمرَ إليه، وزمام الخير والشر بيديه.\nوفيما أخبرنا به عن أبي بكر الشِّيرُويِيِّ، عن القاضي الْحِيريِّ، ثنا الأَصَمُّ (^١) قال: ثنا محمد بن هشام بن ملاسٍ، ثنا مروان بن معاوية، ثنا حُمَيْدٌ، عن أنس بن مالك ﵁ قال: رُمِيَ رسول الله ﷺ يوم أُحُدٍ فكسرت رباعيته، وَأُدْمِيَ وجهه، فجعل يمسح الدم عن وجهه وَيَقُولُ: \"كيف يُفْلِحُ قوم خَضَبُوا وَجْهَ نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى ربهم\" فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ\n_________\nونقل الحافظ في \"التلخيص\" (١٨٢) تضعيف الأئمة له البيهقي والبخاري وابن المديني وأحمد وابن المنذر وأبو حاتم.\n(^١) في س: ابن أبي صمة. وهو خطأ، والمثبت من د. وكتب بحاشية س: صوابه أبو العباس الأصم.\n\nـ","vol":"1","page":439},{"text":"يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨)﴾ (آل عمران) (^١).\nومن الحكمة في ذلك أن يترك العبد اختياره لاختياره، ويدع إيثاره لإيثاره، ويعرض عن مناه، ولا يتبع هواه قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (^٢).\nوفي كلام الكبار: لا بارك الله في الهوى.\nقرأت على المبارك بن عبد الرحمن، أخبركم عبد الوهاب بن صالح بن أبي الوفا، عن أبي صالح، أخبرنا أبو سعيد، أَبَنَا أبو نَصْرٍ الْوَزِيرِيُّ، أبنا منصور بن محمد، ثنا سعيد بن صالح قال: سمعت أبا الوليد الْخَزَّازِ قال: أَنْشَدْتُ بين يدي الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه:\n[طويل]\nوَأَحْوَرُ مَحْمُودٍ (^٣) عَلَى حُسْنِ وَجْهِهِ … يَزِيدُ كَمَالًا حِينَ يَبْدُو عَلَى البَدْرِ\nدَعَانِي بِعَيْنَيْهِ فَلَمَّا أَجَبْتُهُ … رَمَانِي بِنُشَّابِ الْمَنِيَّةِ وَالْهَجْرِ\nوَكَلَّفَنِي صَبْرًا عَلَيْهِ فَلَمْ أُطْقْ … كَمَا لَمْ يُطِقْ مُوسَى اصْطِبَارًا عَلَى الْخَضْرِ\nشَكَوْتُ الْهَوَى يَوْمًا إِلَيْهِ فَقَالَ ليِ … مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ جَاءَ مِنَ الْقَبْرِ\nأَطَعْتُ الْهَوَى لَا بَارَكَ الله فِي الْهَوَى … فَأَنْزَلَنِي دَارَ الْمَذَلَّةِ وَالصُّغْرِ\n_________\n(^١) رواه الترمذي (٣٠٠٢)، وابن ماجه (٤٢٠٧)، والنسائي في الكبرى (١١٠٧٧)، وأحمد (٣/ ١٧٨، ٢٠٦) من طريق حميد.\nورواه مسلم (١٧٩١) من طريق ثابت عن أنس ولفظه: \"كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهُمْ وَكَسَرُوا رَبَاعِيَتَهُ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى الله\".\n(^٢) ص: الآية ٢٦.\n(^٣) في س: محسود. والمثبت من د، \"طبقات الشافعية\" للسبكي.","vol":"1","page":440},{"text":"فقال أحمد بن حنبل: صدق الشاعر لا بارك الله في الهوى (^١).\nوالواقف على الباب لنيل خيرٍ، أو صرف ضيرٍ، واقف لنفسه غيرٍ قاضٍ حق التعظيم، ولا قائم بعبادة العزيز العليم.\nوروي لنا عن أبي نصر القشيريِّ، عن أبيه الأستاذ أبي القاسم أنه قال في عُرْضِ كلام له: ليس كل من يحضر الملك يحضره لماله بل ربما يحضره لمشاهدة جماله وليس كل من يجاور أحدًا يجاوره لطلب رفده وفضله بل ربما يجاوره ليعيش في ظله.\nوأنشد: [طويل]\nخَلِيَلَيَّ عُوجَا بَارَكَ الله فِيكُمَا … وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَيْلَى لَأرْضِكُمُ قَصْدَا\nوَقُولَا لَهَا لَيْسَ الضَّلَالُ (^٢) أَجَارَنَا … وَلَكِنَّنَا جُرْنَا لِنَلْقَاكُمُ عَمْدَا\nوَبِالْجُمْلَةِ فَمَنْ جَاوَرَهُ سَعِدَ وَجَلَّ، وَمَنْ جَاوَزَهُ بَعُدَ وَضَلَّ، وَمَنْ جَاهَدَ فِيهِ وَلَمْ يِتَعَلَّلْ بِعَسَى وَلَعَلَّ؛ حَلَّ الْمَحلَّ الْأَسْنَي وَاسْتَقَلَّ.\nوَأُنْشِدُكُمْ لنفسي: [مجتث]\nقَدْ ذَلَّ مَنْ مِنْهُ مَلَّا … وَبعَدَ ذَلِكَ ضَلَّا\nوَفَازَ مَنْ فِيِه يَسْعَى … وَخَابَ مَنْ عَنْهُ وِلَّي\nمَنِ اسْتَقَلَّ سِوَاهُ … فَفِي هُدَاهُ اسْتَقَلَّا\nوَالْمُعْرِضُ المُتَوَانِي … يُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى\n_________\n(^١) نقله السبكي في \"طبقات الشافعية\" (٢/ ٥٦) عن الإمام الرافعي.\n(^٢) في س: الظلال.","vol":"1","page":441},{"text":"وَإِنْ خَضَعْتَ تَرَاهُ … بِفَضْلِهِ يَتَجَلَّى\nيَا رَبِّ عَبْدُكَ يَرْجُو … مِنْ ظِلِّ فَضْلِكَ ظِلَّا\nوَأَنْتَ رَبٌّ رَحِيمٌ … تُسْدِي الْجَمِيلَ فَهَلَّا (^١)\nآخر المجلس التاسع والعشرين والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا دائمًا أبدًا.\n* * * * *\n_________\n(^١) نقل هذه الأبيات عن الإمام الرافعي: ابن الملقن في \"البدر المنير\" (١/ ٣٣٥ - ٣٣٦).","vol":"1","page":442},{"text":"﷽\nوما توفيقي إلا بالله عليه توكلت\n\n<span data-type='title' id=toc-160>المجلس الثلاثون </span>من أماليه أملاه يوم الجمعة بعد الصلاة الرابع والعشرين من ربيع الأول سنة اثنتي عشرة وستمائة\nحدثنا الإمام الْمُمْلِي ﵀ إملاء من لَفْظِهِ الشريف قال: قرأت على والدي: الإمام محمد بن عبد الكريم وصفية بنت الإمام أسعد الزَّاكَانِيُّ (^١) رحمهما الله كما رَبَّيَانِي صَغِيرًا وَيَسَّرَ لي تَأْدِيَةَ حقوقهما تَيْسِيرًا لتاريخين قديم وجديد قالا: أخبرنا عبد الملك بن عبد الله -أما هو فَسَمَاعًا وَأَمَّا هي فَإِجَازَةً- قال: أَنَبَا أبو بكر التاجر، أنبا أبو محمد الْمَرْوَزِيُّ، أنبا أبو العباس التَّاجِرُ، أنبا محمد بن عيسي، ثنا بُنْدَارٌ، ثنا يحيي بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي قالا: ثنا سفيان، عن ابْنِ كُهَيْلٍ، عن حجر بن عَنْبَسٍ، عن وائل بن حجر ﵁ قال: سمعت النَّبِيِّ- ﷺ قَرَأَ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقال: \"آمِينَ\" وَمَدَّ بها صَوْتَهُ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-161>في الشرح فصول: الفصل الأول</span>\nهذا حديثٌ حسنٌ ثابتٌ عن رسول الله ﷺ رواه عنه كما رواه وائل:\nعليٌّ ﵁ واللَّفظ: سَمِعْتُ رسول الله ﷺ إذا قَرَأَ ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: \"آمِينَ\".\n_________\n(^١) في س: الزكاني. والمثبت من د، \"التدوين في أخبار قزوين\"، \"لب اللباب\" للسيوطي (١/ ٣٩).\n(^٢) رواه الترمذي (٢٤٨) كما رواه من طريقه الرافعي، وقال: حديث حسن.","vol":"1","page":443},{"text":"رواه سلمة بن كُهَيْلٍ، عن حُجَيَّةَ بْنِ عَدِيٍّ، عن عَلِىٍّ.\nوأبو هريرة ولفظه: تَرَكَ الناس التأمين وكان رسول الله ﷺ إذا قال ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: \"آمينَ\".\nورواه عن وائل سوي حُجْرٍ: ابنه عبد الجبار بن وائل أخرجه ابن ماجه في \"كتابه\" من رواية عبد الجبار، عن أبيه (^١). وأخرجه أيضًا من رواية عليٍّ (^٢) وأبي هريرة (^٣) ﵄.\nوروى الحديث عن ابن كُهيل كما رواه سفيان: العلاء بن صالح الأسدي.\nوروي عنه شعبة أيضًا لكن ذكر أبو عيسى الترمذي (^٤) عن محمد يعني البخاري وعن أبي زرعة أنَّ حديث سفيان أصحُّ، وأنَّ شعبة أخطأ في مواضع من إسناد الحديث ومتنه فمنها:\nقال: \"عن حُجْرٍ أَبِي الْعَنْبَسِ\"؛ وإنَّما هو \"حُجْرُ بنُ الْعَنْبَسِ\".\nومنها قال: \"عن حُجْرٍ، عن علقمة بن وائل، عن أبيه\" وليس فيه علقمة إنما هو \"حُجْرٌ عن وائل\".\nوقال \"وخفض بها صوته\" وإنما هو \"ومدَّ بها صوته\".\nوروى أبو داود الطيالسي (^٥) الحديث من رواية شُعبَةَ، عن سلمة قال: سَمِعْتُ حُجْرًا أبا الْعَنْبَسِ قال: سَمِعْتُ علقمة بن وَائِلٍ، يُحَدِّثُ عن وَائِلٍ وقال:\n_________\n(^١) \"سنن ابن ماجه\" (٨٥٥).\n(^٢) \"سنن ابن ماجه\" (٨٥٤).\n(^٣) \"سنن ابن ماجه\" (٨٥٣).\n(^٤) \"جامع الترمذي\" (٢٤٨).\n(^٥) \"مسند الطيالسي\" (١٠٢٤).","vol":"1","page":444},{"text":"سَمِعْتُهُ من وائلٍ، أنَّه سمع رسول الله ﷺ فلما قَرَأَ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قَالَ: \"آمِينَ\".\nفإن أراد بقوله \"وقال سمعته من وائل\" حُجْرًا، فهو صريحٌ في أنَّ حُجْرًا سمعه من علقمة عن وائل، وسمعه من وائل أيضًا، ومثل ذلك كثيرًا ما يقع، وأيضًا فالزيادةُ من الثَّقَةِ مقبولةٌ، فليحمل على أنه سمع منهما.\nويجوز أن يكون حُجْرًا أبا الْعَنْبَسِ وابنُ عَنْبَسٍ أيضًا.\nووائل (^١) بن حُجْرٍ: هو الكندي الحضرمي يكنى أبا هنيدة من أصحاب رسول الله ﷺ سكن الكوفة.\nروى عنه: ابناه علقمة وعبد الجبار، وكليب بن شهاب، وعبد الرحمن اليحصبي.\nوكان من أبناء ملوك اليمن، ويروى أنه قدم المدينة حين بلغه ظهور النَّبِيِّ ﷺ وترك ملكًا عظيمًا فلقي أصحاب رسول الله ﷺ قبل أن يلقاه فَقَالُوا: لقد بَشَّرْنَا بك رسول الله ﷺ قبل أن تُقْدِمَ بثلاثة أيام وقال: \"قد أَتَاكُمْ وائل بن حُجْرٍ من بلاد بعيدة من حضرموت\" قال وَائِلٌ: ثم لَقِيتُهُ فرحب بي وَأَدْنَي مجلسي وَبَسَطَ لي رَدَاءَهُ وَأَجْلَسَنِي عليه وقال: \"هذا وَائِلٌ أَتَاكُمْ من حضرموت طَائِعًا في الإسْلامِ غير مُكْرِهٍ، بقيه أبناء الملوك، بارك الله فيك يا وَائِلُ وفي وَلَدِكَ، وفي قومك وفي ولد وَلَدِكَ\" ولما أردت الرجوع إلى قومي كتب لي كِتَابًا وأكرمني (^٢).\n_________\n(^١) انظر \"معرفة الصحابة\" (٥/ ترجمة ٢٩٤١).\n(^٢) رواه البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٨/ ١٧٥)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (٢٢/ ٤٦) من طريق محمد بن حجر.","vol":"1","page":445},{"text":"وحُجْرٌ: هو ابن عَنْبَسٍ أبو السكن الكوفي.\nوقال شعبة: أبو الْعَنْبسِ. سمع: عليًا، ووائل بن حجر (^١).\nوابن كُهَيْلٍ (^٢): هو سلمة بن كُهيل بن حصين بن كادح بن أسد بن يحيى الحضرمي الكوفي، تابعي\nسمع: جُندبًا وأبا جُحيفة، والشعبي، وسويد بن غَفَلَةَ.\nوروي عنه: منصور، والأعمش، والثوري، وشعبة، وإسماعيل بن أبي خالد، وحماد بن سلمة.\nعن عبد الرحمن بن مهدي أنه قال: لَم يكن بالكوفة أثبت من أربعة أحدهم سلمة.\nمات سنة إحدى وعشرين ومائة.\nوسفيان هو الثوري مذكور في المجلس الخامس.\nويحيى بن سعيد في المجلس السابق.\nوعبد الرحمن (^٣): هو ابن مهدي بن حسان أبو سعيد البصري الأزدي مولاهم.\nمن أجلَّةِ العلماء. سمع: الثوري، وشعبة، ومالكًا، والدستوائي.\nروى عنه: أبو موسى، وإسحاق الحنظلي، وعمرو بن علي.\nوعن علي بن المديني قال: لو حلفت بين الركن والمقام أني لم أر أحدًا أعلم\n_________\nقال الهيثمي: وفيه محمد بن حجر وهو ضعيف.\n(^١) انظر \"التاريخ الكبير\" (٣/ ترجمة ٢٥٩)، و\"تهذيب الكمال\" (٥/ ترجمة ١١٣٥).\n(^٢) انظر \"التاريخ الكبير\" (٤/ ترجمة ١٩٩٧)، و\"تهذيب الكمال\" (١١/ ترجمة ٢٤٦٧).\n(^٣) انظر \"التاريخ الكبير\" (٥/ ترجمة ١١٢٣)، و\"تهذيب الكمال\" (١٧/ ترجمة ٣٩٦٩).","vol":"1","page":446},{"text":"من ابن مهدي لصدقت.\nوكان أبو حاتم يقول: هما الجهبذان يحيى بن سعيد، وعبد الرحمن.\nولد سنة خمس وثلاثين ومائة، وقيل: سنة ست. ومات سنة ثمان وتسعين ومائة.\nوَبُنْدَارٌ (^١): هو محمد بن بشار بن عثمان بن داود بن كيسان العبدي البصري أبو بكر، يلقب بندارًا؛ لأنه كان بندارًا في الحديث، وكان بينه وبين محمد بن المثنى أبي موسى تنافس فكان أهل البصرة يقولون: يا مَنْ أَلَّفَ بين الثلج والنار أَلِّفْ بين قلب أبي موسي وَبُنْدَارٍ.\nسمع: محمد بن جعفر، وابن أبي عدي، وعبد الوهاب الثقفي.\nوروي عنه: البخاري، ومسلم، وأصحاب السنن والمسانيد.\nوُلِدَ سنة سبع وستين ومائة. ومات سنة اثنتين وخمسين ومائتين بالبصرة.\nومحمد بن عيسى هو أبو عيسى الترمذي. وأبو العباس التاجر هو المحبوبي.\nوأبو محمد المروزي هو الْجَرَّاحِيُّ. وعبد الملك: هو أبو الفتح الهروي الْكَرُّوخِيُّ. وقد ذكرناهم من قبل.\nوأما أبو بكر التاجر (^٢): فهو أحمد بن عبد الصمد بن أبي الفضل بن أبي حامد الْغُورَجِيُّ.\nثِقَةٌ صدُوقٌ.\nسمع \"جامع أبي عيسي\" من الْجَرَّاحِيِّ، وكانت وفاته سنة إحدى وثمانين\n_________\n(^١) انظر \"التاريخ الكبير\" (١/ ترجمة ٩٨)، \"تهذيب الكمال\" (٢٤/ ترجمة ٥٠٨٦).\n(^٢) انظر \"سير أعلام النبلاء\" (١٩/ ترجمة ٣).","vol":"1","page":447},{"text":"وأربعمائة.\nووالدتي رحمها الله تروي الحديث عن إجازة جماعةٍ من مشايخ بغداد وأصبهان، ونيسابور عني بتحصيل أكثرها خالها الإمام أحمد بن إسماعيل، ولا أعرف امرأة في البلد كريمة الأطراف في العلم مثلها (^١).\nفأبوها (^٢) كان حافظًا للمذهب والأقوال والوجوه فيه المستقرب منها والمستبعد، ماهرًا في الفتوى مرجوعًا إليه.\nوأمُّها زليخا بنت القاضي إسماعيل بن يوسف كانت فقيهة تراجعها النساء فتفتي لهن لفظًا وخطًّا سيما فيما ينوب لهن ويستحيين منه كالحيض والعدة.\nوأخواها من معتبري الأئمة المشهورين في البلد درج أكبرهما وأنسأ الله في أجل الآخر.\nوزوجها الإمام والدي ﵀ قد أشرت إلى جملٍ من أحواله في مجالس من هذه الأمالي.\nوجدها القاضي إسماعيل بن يوسف (^٣) من أهل العلم والحديث، والْجِدِّ في العبادة، وكان قد تفقه على القاضي الشهيد أبي المحاسن الروياني وسمع منه الحديث.\n_________\n(^١) قلت: هذا إن شاء الله تعالى من برِّ الإمام الرافعي ﵀ بوالديه.\nاللهم ارزقني برَّ والدتي حفظها الله ورعاها ورزقها العافية في الدنيا والآخرة، ووالدي ﵀ وأسكنه الفردوس الأعلى، اللهم اسقه يا رب من يد حبيبك النبي ﷺ شربة لا يظمأ بعدها أبدًا، وتقبل عملي في هذا الكتاب يا رب ليكون أجره بينهما، اللهم آمين.\n(^٢) انظر \"التدوين في أخبار قزوين\" (٢/ ٢٨٢).\n(^٣) \"انظر التدوين في أخبار قزوين\" (٢/ ٣٠٧).","vol":"1","page":448},{"text":"وخالها الإمام أحمد بن إسماعيل (^١) مشهور في الآفاق.\nوابنها المملي لا يخرج عن زمرة أهل العلم، ويحشر فيهم إن شاء الله، وكذلك سائر بنيها.\nثُمَّ هي في نفسها متدينةٌ خائفةٌ، وبما لا بد منه من الفروض عارفة، قارئة لكتاب الله، كثيرة الخير، رقيقة القلب، سليمة الجانب، تحمل الكَلَّ، وترغب في المعروف، وتحسن إلى اليتامى والأيامي، تلي خيرًا وتولي جميلًا ما استطاعت إليهما سبيلًا.\nوكانت قد ابتليت بعدة بنات أنفقت واسطة العمر عليهنَّ حتى استكملن أدبهن، ثم مضين لسبيلهن، فتركنها ملهوفة ثكلى بهنَّ، ولله ما أخذ وما أعطى، ولا رادَّ لما حكم وقضى.\nوَمَشْهُورٌ من رواية عائشة ﵄ عن النبي ﷺ أنَّه قال: \"مَنِ ابْتُلِيَ من هذه البنات بِشَيْءٍ فصبر عَلَيْهِنَّ كُنَّ له حِجَابًا من النَّارِ\" (^٢).\nومن رواية أبي سعيد الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: \"لا يكون لأَحَدِكُمْ ثَلَاثُ بناتٍ أو ثلاث أَخَوَاتٍ فَيُحْسِنُ إليهن إلا دَخَل الجنة\" (^٣).\nوفي الحديث الصحيح عن مَالِكٍ، عن ابن شِهَابٍ، عن ابن المُسَيَّبِ، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله- ﷺ قال: \"لَا يَمُوتُ لأَحَدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ\n_________\n(^١) انظر \"التدوين في أخبار قزوين\" (٢/ ١٤٤)، \"سير أعلام النبلاء\" (٢١/ ترجمة ٩٤).\n(^٢) رواه البخاري (١٤١٨٩، ومسلم (٢٦٢٩)، والترمذي (١٩١٣) واللفظ له من طريق عروة عنها.\n(^٣) رواه أبو داود (٥١٠٤، ٥١٠٥)، والترمذي (١٩١٢) بمعناه.","vol":"1","page":449},{"text":"فَتَمَسُّهُ النار إلا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ\" (^١).\nوقد يُبَغِّضُ إلى النفس الحياة فقدان من كان يحببها إليها، ذكر أبو سليمان الخطابي في كتاب \"العزلة\" (^٢) أن ابن الزِّيبَقِيِّ أنشده قال: أَنْشَدَنِي الْكُدَيْمِيُّ قال: أَنْشَدَنِي الْأَصْمَعِيُّ: [وافر]\nلَقَدْ زَادَ الْحَيَاةَ إِلَىَّ حُبًّا … بَنَاتِي إنَّهُنَّ مِنَ الضِّعَافِ\nمَخَافَةَ أَنْ يَذُقْنَ الْفَقْرَ بَعْدِي … وَأَنْ يَشْرَبْنَ رَنْقًا بَعْدَ صَافِ\n\n<span data-type='title' id=toc-162>الفصل الثاني</span>\nفي \"آمين\" لغتان مشهورتان: قصر الألف ومدها.\nوعلى لغة القصر قيل:\nتَمَنَّيتُمُ مِنَّا الْبِعَادَ لِتَبْعَدُوا … أَمِينَ فَزَادَ الله مَا بَيْنَنَا بُعْدَا\nأي: كان لكم ما تمنيتم، ثم أكَّد معنى قوله \"أمين\" بقوله فزاد الله ما بيننا بعدًا.\nوعلى لغة المدِّ قيل: [بسيط]\nيَا رَبِّ لَا تَسْلُبَنِّي حُبَّهَا أَبَدًا … وَيَرْحَمُ الله عَبْدًا قَالَ آمِينَا\nوالأصل القصر؛ لأنه على وزن فعيل، وأما آمين فوزنه فاعيل، وهذا البناء من أبنية العجم كقابيل وهابيل، وكذلك قال عطية العوفي: \"آمين\" كلمة ليست بعربية، إنما هي عبرية أو سريانية، ومن قال أنها عربية قال: إنَّ الألف متولدة من إشباع فتحة الهمزة.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٦٦٥٦)، ومسلم (٢٦٣٢/ ١٥٠).\nوقوله: \"إِلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ\" معناه: قال النووي في شرح مسلم: ما ينحل به القَسَمُ وهو اليمين.\n(^٢) \"العزلة\" (ص ٨٣).","vol":"1","page":450},{"text":"وعن ثعلب أنَّه أنكر لغة القصر إلَّا في ضرورة الشعر، والميم على اللغتين مخففة هذا هو المشهور.\nوعن الحسين بن الفضل في تفسير \"آمين\": قصدناك بهذا الدعاء فأجبه لنا.\nقال الأستاذ أبو القاسم بن حبيب: فعلى هذا الميم تكون مشددة، ويكون اللفظ كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ (المائدة: ٢) والنُّون على اللُّغتين مبنيَّةٌ على الفتح كما في كيف وليت.\nويقال: أَمَّنَ الرجلُ تأمينًا إذا قال آمين، كما يقال: سوَّفَ: أي قال: سوف أفعل.\nومعنى الكلمة ليكن كذلك.\nوإذا قال الداعي لك: غفر الله لك. قلت: آمين أي: كان ما دعوت كما دعوت. وإذا قلت: تمنيت أني في الجنة فقيل: آمين، فالمعنى كان ما تمنيت.\nوتقول العرب: \"آمين\" و\"بَسْلًا\" تؤكد بهما الدعاء، ومعنى \"بَسْلًا\" معني \"آمين\". وقد يفرد \"بَسْلًا\" عن \"آمين\".\nقَالَ الطِّرِمَّاحُ: [رجز]\nلَا خَابَ مِنْ نَفْعِكَ مَنْ رَجَاكَا\nبَسْلًا وَعَادَي اللهُ مَنْ عَادَاكَا\nوهو بمعنى \"آمين\".\n\n<span data-type='title' id=toc-163>الفصل الثالث</span>\nفي الحديثِ دليلٌ على استحبابِ التَّأمينِ عُقيبِ قراءة الفاتحة، وَرُوِيَ عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قَالَ: \"لَقَّنَنِي جبريل ﵇ آمين عند فَرَاغِي من فاتحة الْكِتَابِ وَقَالَ: إِنَّه","vol":"1","page":451},{"text":"كالختم على الكتاب\" (^١).\nوعن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: \"ما حَسَدَتْكُمُ اليهود على شيء ما حَسَدَتْكُمْ على آمين فأكثروا قول آمين\" (^٢).\nوينبغي أن يفصلَ القارئ بين كلمة \"آمين\" وبين قوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ بسكتة لطيفةٍ تمييزًا للقرآن عمَّا ليس منه.\nوقوله: \"وَمَدَّ بِهَا صَوْتَهُ\" يجوز حمله على أنه تكلم بها على لغة المد دون القصر من جهة اللفظ، ولكن ليس المراد ذلك، وإنما المراد أنه رفع بها صوته؛ ولذلك قال أبو عيسى الترمذي عقيب رواية الحديث: هذا حديث حسن، وبه يقول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين ومن بعدهم يرون أن يرفع الرجل صوته بالتأمين ولا يخفيها، وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق رضوان الله عليهم (^٣).\nوقد ورد لفظ الرفع في بعض الروايات.\nأَخْبَرَنَا والدي ﵀ أَنَبَا العباس بن محمد، عن محمد بن سعيد، عن أبي إسحاق، أنبا عبد الله بن حامد، أنبا عبدوس بن الحسين، أنبا أبو حاتم الرَّازِيُّ، ثنا ابن كثير، ثنا سُفيان، عن سَلَمَةَ، عن حُجْرٍ أبي الْعَنْبَسِ يعني الْحَضْرَمِيَّ، عن وائل بن حُجْرٍ قال: كان رسول الله ﷺ إذا قرأ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: \"آمِينَ\" ورفع بها صوته.\n_________\n(^١) نقله جماعة من المفسرين في كتبهم، ولم أقف على من خرجه. والله أعلم.\n(^٢) رواه ابن ماجه (٨٥٧) بإسنادٍ ضعيفٍ. وضعفه الألباني في \"ضعيف الجامع\" (٥٠٥٣).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (٢٤٨).","vol":"1","page":452},{"text":"وأخرجه أبو داود السجستاني عن محمد بن كثير هكذا (^١).\nوهذه الروايةُ تُقَوِّي قول شعبة في تكنية حُجْرٍ بأبي الْعَنْبَسِ.\nوفي بعض الروايات عن وائل أن النبي ﷺ جَهَرَ بِـ \"آمِينَ\" (^٢).\nواعلم أن كلمة \"آمِينَ\" تابعة للفاتحة، ففي الصلاة الجهرية يجهر بها الإمام والمنفرد كما يجهران بالفاتحة، وفي المأموم قولان للشافعي ﵁ أظهرهما أنه يجهر؛ لما روي عن عطاء قال: كنت أسمع الأئمة ابن الزبير وغيره يقولون: آمين، وَيَقُولُ من خَلْفَهُمْ آمين حتى إن للمسجد لَلَجَّةً (^٣).\nوالأحبُّ أن يكون تأمينُ المأمومِ مع تأمينِ الإمام لا قبله ولا بعده؛ ففي الخبر الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: \"إذا أَمَّنَ الإِمَامُ فَأَمِّنُوا فإنه من وافق تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الملائكة غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ من ذنبه\" (^٤).\nقال العلماء: قوله \"إذا أَمَّنَ فَأَمِّنُوا\" لا يقتضي تأخير تأمينهم عن تأمينه وإن رَتَّبَهُ عليهم؛ وإنما هو كما يقال: إذا رحل الأمير فارحلوا أي: إذا همَّ بالرحيل فتأهَّبُوا ليكون ارتحالكم مع ارتحاله.\nوذكر بعضهم أن قوله: \"إِذَا أَمَّنَ الإِمَامُ\" أي: إذا دعا بقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ …﴾ إلى آخره.\nويسمّى كلُّ واحدٍ من الداعي والمُؤَمِّنِ داعيًا وَمُؤَمِّنًا، قال تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ\n_________\n(^١) \"سنن أبي داود\" (٩٣٢).\n(^٢) رواه أبو داود (٩٣٣).\n(^٣) رواه الشافعي (١/ ٥١، ٢١٢).\n(^٤) رواه البخاري (٧٨٠)، ومسلم (٤١٠).","vol":"1","page":453},{"text":"دَعْوَتُكُمَا﴾ (يونس: ٨٩) وكان أحدهما داعيًا والآخر مُؤَمِّنًا.\nوقوله: \"فإنه من وَافَقَ تَأْمِينُهُ تأمين الملائكة\" قيل: أراد موافقة القول القول، وقد روي في بعض الروايات: \"إِذَا أَمَّنَ الإِمَامُ أمَّنَتِ المَلَائِكَةُ فَأَمِّنُوا\" (^١).\nوقيل: المراد الموافقة في صفة الخشية والإخلاص.\nوقيل: المراد أن يقصد بالدعاء التأمين عامة المؤمنين كالملائكة.\nوقيل: معناه من استجيب له كما يستجاب للملائكة.\nولأهل التفسير في معني \"آمِينَ\" عبارات (^٢):\nفعن رسول الله ﷺ أنه سُئل عن معني \"آمِينَ\" فقال: \"ربِّ افْعل\".\nوعن ابن عباس وقتادة كذلك يكون. وقيل: آمنا بخير. وقيل: اللهم استجب دعاءنا. وقيل: لا يقدر على ما سألنا أحد سواك.\nوعن مجاهد أنَّ \"آمِينَ\" اسم من أسماء الله ﷿.\nوعن عبد الرحمن بن زيد عن أبيه أنه قال: \"آمِينَ\" كنز من كنوز العرش لا يعلم تأويله أحد إلا الله تعالى.\nوبالجملة فكلمة \"آمِينَ\" قوة للدعاء واستنزال للرحمة.\nومن لطف الله تعالى بعباده أن أذن لهم في الذكر والدعاء واستحب منهم الإلحاح فيه وحثَّهُم عليه، وأكثر لهم البركة في الحاجات التي يكثرون الدعاء لها:\nفعن النُّعْمَانِ بن بَشِيرٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الدُّعَاءَ هو العبادة\n_________\n(^١) هو في رواية البخاري (٦٤٠٢) من حديث أبي هريرة ولفظه: \"إِذَا أَمَّنَ الْقَارِئُ فَأَمِّنُوا فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تُؤَمِّنُ … \".\n(^٢) انظر \"تفسير البغوي\" (١/ ٥٥)، \"تفسير ابن كثير\" (١/ ١٤٥)، \"تفسير القرطبي\" (١/ ١٢٨).","vol":"1","page":454},{"text":"ثُمَّ قَرَأَ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (غافر: ٦٠) (^١).\nوعن جابر أنه قال: قال رسول الله ﷺ: \"لقد بارك الله لِرَجُلٍ في حَاجَةٍ أكثر الدعاء فيها أُعْطِيَهَا أو مُنِعَهَا\" (^٢).\nوعن أَنَسٍ ﵁ أن النبي ﷺ قال: \"لا تعْجِزُوا في الدُّعَاءِ فإنه لا يَهْلِكُ مع الدُّعَاءِ أَحَدٌ\" (^٣).\nوأنه ﷺ قال: \"الدُّعَاءُ سِلَاحُ المُؤْمِنِ\" (^٤).\nفَعَلَيْكُمْ بِالدُّعَاءِ، وَأَنْشَدَ بعضهم: [سريع]\nطُوبَى لِمَنْ زَالَتْ مُدَاجَاتُهُ … وَطَال للهِ مَنَاجَاتُهُ\n_________\n(^١) رواه أبو داود (١٤٧٤)، والترمذي (٣٢٤٧)، والنسائي في الكبرى (١١٤٦٤)، وابن ماجه (٣٨٢٨)، وأحمد (٤/ ٢٧١)، وابن حبان (٨٩٠)، والحاكم (١/ ٦٦٧).\nوقال الترمذي: حسن صحيح.\n(^٢) رواه البيهقي في \"شعب الإيمان\" (١١٣٥)، والخطيب (٣/ ٢٩٩). وضعفه الألباني في \"ضعيف الجامع\" (٤٧٠٢).\n(^٣) رواه ابن حبان (٨٧١)، والحاكم (١/ ٤٩٣) من طريق عمر بن محمد، عن ثابت، عن أنس.\nوقال الألباني في \"السلسلة الضعيفة\" (٨٤٣): ضعيف جدًّا.\n(^٤) رواه من حديث علي ﵁ أبو يعلى (٤٣٩)، والحاكم (١/ ٤٩٢)، وابن عدي في \"الكامل\" (٦/ ١٧٢).\nقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١٠/ ٢٢١): وفيه محمد بن الحسن بن أبي يزيد وهو متروك.\nوقال الألباني في \"السلسلة الضعيفة\" (١٧٩): موضوع.\nورواه أبو يعلى (١٨١٢) من حديث جابر ﵁ بإسنادٍ ضعيف.\nقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١٠/ ٢٢١): وفيه محمد بن أبي حميد وهو ضعيف.\nوكذا ضعفه الألباني في \"السلسلة الضعيفة\" (١٨٠).","vol":"1","page":455},{"text":"بَاتَ يُنَاجِي رَبَّهُ سَاهِرًا … فَقُوبِلَتْ بِالنُّجْحِ حَاجَاتُهُ\nيَا رَبِّ مَنْ أَوْبَقَهُ ذَنْبُهُ … فَفِي مُنَاجَاتِكَ مَنْجَاتُهُ\nثم من لُطْفِهِ أن أَذِنَ لَهُمْ في تأكيد الدعاء بـ \"آمِينَ\" تَارَةٌ ممن يُصْغِي إلى الدعاء، وَأُخْرَى من الداعي إذا ختم الدعاء، وفي الْخَبَرِ: \"إذا دعا أحدكم فَلْيَخْتِمْهُ بِآمِينَ فإنه كالطابع على الصحيفة\" (^١).\nوَيُقَالُ: إن \"آمِينَ\" أَمَانٌ من الرد، وَبَدْرَقَةٌ (^٢) للدعاء إلى مَوْقِعِ الاستجابة.\nاللَّهُمَّ وَفِّقْنَا للدعاء الصالح والتَّأْمِينِ، واجعلهما مُؤَدِّيين إلى الْمَقَامِ الأمين، إنك بالإجابة جَدِيرُ قَمِينٌ، ولعمري إن البعيد عن فنائه، الْمُعْرِضَ عن ذِكْرِهِ وَدُعَائِهِ، مُظْلِمُ الأمر، ضَائِعُ الْعُمْرِ، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ (^٣).\nفَلِمِثْلِهِ يُقَالُ إِذَا عَثَرَ: [بسيط]\nفَإِنْ تُصِبْكَ مِنَ الْأَيَّامِ جَائِحَةٌ … لَمْ نَبْكِ مِنْكَ عَلَى دُنْيَا وَلَا دِينِ\nوَلَا نَقُولُ إِذَا يَوْمًا نُعِيتَ لَنَا … إِلَّا بِآمِينَ رَبَّ الْعَرْشِ آمِينِ\nعن ابن الأنباري أنَّ كسرَ النُّونِ للإضافة (^٤).\nوقيل: كسرُ النُّونِ للقافية.\n_________\n(^١) رواه أبو داود (٩٣٨) بنحوه. وضعفه الألباني في \"ضعيف الجامع\" (٢١١١).\n(^٢) البَدْرَقَةُ: الْجَمَاعَةُ الَّتِي تَتَقَدَّمُ الْقَافِلَةَ وَتَكُونُ مَعَهَا تَحْرُسُهَا وَتَمْنَعُهَا الْعَدُوَّ. \"المغرب في ترتيب المعرب\" للمطرزي: بدرق.\n(^٣) طه: ١٢٤.\n(^٤) \"الزاهر في معاني كلمات الناس\" لابن الأنباري (١/ ٦٣ - ٦٤) والأبيات منسوبة فيه لأبي حُرّة.","vol":"1","page":456},{"text":"وَأُنْشِدُكُمْ لِخَتْمِ المجلس على المَعْهُودِ: [كامل]\nيَا ظَاهِرًا مَا فِيهِ رَيْبٌ لِلَّذِي … مِنْ خُرْفِهِ يَدْعُو الْيَسَارَ يَمِينَا\nيَا بَاطِنًا فِيهِ يَحَارُ أُولُو النُّهَى … وَيَعُودُ تَحْقِيقُ الْفَتَى تَخْمِينَا\nأَشْكُو إِلَيْكَ الْبَثَّ فَاجْعَلْ سَيِّدِي … رَثِّي قَشِيبًا وَالْغَيْثَ سَمِينَا\nأَنْتَ الَّذِي إِنْ شَاءَ صَارَ بِفَضْلِهِ … وَجَمِيلِ صُنْعٍ لِلضَّعِيفِ ضَمِينَا\nحَتَّى يُعِيدَ الرَّنَقَ مِنْهُ صَافِيًا … وَالْخَائِنَ الْمَجْفُوَّ فِيهِ أَمِينَا\nارْحَمْ تَضَرُّعَنَا إِليكَ وَفَقْرَنَا … آمِينَ رَبَّ العَالَمِين أَمِينَا\nهذا آخر المجلس الثلاثين من أماليه رحمه الله تعالى، والحمد لله رب العالمين، وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين\n* * * * *","vol":"1","page":457},{"text":"﷽\nوما توفيقي إلا بالله عليه توكلت\n\n<span data-type='title' id=toc-164>خاتمة لما لي من هذه الأمالي</span>\nأحمد الله سبحانه أولًّا وأخيرًا وأستهديه وأستنصره وكفي به هاديًا ونصيرًا، وأصلي على رسوله محمدٍ المبعوث بالحقِّ بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، وعلى آله وأصحابه المنتجبين وسلم تسليمًا كثيرًا، وَأُذَنِّبُ هذه المجالس بفصولٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-165>الفصل الأول</span>\nإِمْلَاءُ الحديث طَرِيقَةٌ مَسْلُوكَةٌ في القديم والحديث، وفيه نَيْلُ فضيلة التَّبْلِيغ والرواية عن رسول الله ﷺ على ما أَمَرَ به وَنَدَبَ إليه:\nكما رَوَى لنا غَيْرُ واحد عن أبي طاهر الصُّوفِيِّ، عن أبي بكر الخَطِيبِ (^١) قال: ثنا محمد بن علي، ثنا عمر بن إبراهيم، أنبا عبد الله بن محمد، ثنا أبو خيثمة، أنبا الوليد بن مسلم، ثنا الأَوْزَاعِيُّ، عن حسان بن عَطِيَّةَ، عن أبي كَبْشَةَ، أن عبد الله بن عمرٍو حَدَّثَهُ أَنَّهُ سمع رسول الله ﷺ يَقُولُ: \"بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً وَحَدِّثُوا عن بني إسرائيل ولا حَرَجَ، ومن كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ من النَّارِ\" (^٢).\nوفي الحديث المشهور والذي يعتني أهل الصنعة بجمع طرقه ويروي من رواية السعدين ابن أبي وقاص والخدري، والجابرين ابن عبد الله وابن سمرة، والعبادلة: ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وابن عمرو، ومعاذ، وأبي الدرداء،\n_________\n(^١) \"شرف أصحاب الحديث\" كما رواه من طريقه الرافعي (١٢).\n(^٢) رواه البخاري (٣٤٦١) من طريق الأوزاعي.","vol":"1","page":458},{"text":"وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وجبير بن مطعم، وأبي هريرة، وأنس وغيرهم، عن النبي ﷺ أنه قال: \"نَضَّرَ الله امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَحَمَلَهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقهُ\" (^١).\nوفيه أيضًا فائدةُ تقييد العلم بالكتاب:\nوقد قَرَأْتُ على والدي وأنا ابن ثمان سنين قال: أنبا أبو الأَسْوَدِ الْقَشَيْرِيُّ، أنبا السيد أبو الحسن الْبَغْدَادِيُّ، أنبا أبو عَلِىٍّ شَاذَانَ، أنبا أحمد بن محمد بن زياد، ثنا عبد الكريم بن الْهَيْثَمِ الدَّيْرَ عَاقُولِيُّ، ثنا محمد بن الصَّبَّاحِ، ثنا الوليد، عن ابن جُرَيْجٍ، عن عطاء، عن عبد الله بن عمرٍو (^٢) أنه قال: يا رسول الله إنا لنسمع منك أحاديث أَفَتَأْذَنُ أن نَكْتُبَهَا؟ قال: \"نَعَمْ\" (^٣).\nوبه عن ابن شَاذَانَ، أنبا أحمد بن إسحاق، ثنا الحسن بن عَلِىِّ بن زِيَادٍ، ثنا سعيد بن سليمان، ثنا عبد الله بن الْمُؤَمَّلِ، ثنا ابن جُرَيْجٍ، عن عَطَاءٍ، عن عبد الله بن عَمْرٍو قال: قال رسول الله ﷺ: \"قَيِّدُوا الْعِلْمَ\".\nقُلْتُ: وما تَقْيِيدُهُ؟ قال: \"كِتَابَتُهُ\" (^٤).\nوهاتان الفائدتان الجسيمتان تحصلان في الإملاء متعاونتين، لا كالتبليغ\n_________\n(^١) رواه أبو داود (٣٦٦٢)، والترمذي (٢٨٦٨)، والنسائي في الكبرى (٥٨٤٧)، وابن ماجه (٢٣٥)، وابن حبان (٦٧) من حديث زيد بن ثابت ﵁. وقال الترمذي: حديث حسن.\n(^٢) في د: عمر. خطأ. والمثبت من س، مصادر التخريج.\n(^٣) رواه النسائي في الكبري (٥٠٢٧)، وعبد الرزاق (٨/ ٤١)، وابن حبان (٤٣٢١) من طريق ابن جريج.\n(^٤) رواه الحاكم (١/ ١٨٨) من طريق سعيد بن سليمان. وصححه الألباني في \"السلسلة الصحيحة\" (٢٠٢٦).","vol":"1","page":459},{"text":"والسماع بلا كتابة، أو الكتابة بلا سماع.\nثم يختص الإملاء بفوائد أخر:\nإحداها وهي العُظْمَى: صِحَّةُ السَّمَاعِ، وبُعْدُهُ عن الخطأ والتَّصْحِيفِ؛ لأن المملي يَتَثَبَّتُ أولًا ويضبط، ثم يتأنَّي عند الإملاء لتنصبَّ الكلمةُ بعد الكلمةِ في آذان السَّامعين ثم ليكتبوها. وأين يبلغ من ذلك سماع ما يُسْرِعُ القارئُ بقراءته فَتَزِلَّ عن لفظه الكلمة أو بعضها أو إعرابها أو عن سمع السامعين أو عنهما جميعًا.\nوقد تُصحف فيما يقرأ إما عن جهل أو غلطٍ والتباسٍ أو غفلةٍ وذهولٍ ولا يَتَنَبَّهُ له السامعون من الشيخ وغيره، ولا يتميز موضع التصحيف عن غيره وسواء تميز أو لم يتميز فمن سمعه مصحفًا وروي: فإما أن يروي كما سمع فقد سمع غلطًا وروى غلطًا، وإن روي على الصواب فقد كذب في قوله: أخبرني فلان بكذا، أو سمعت منه كذا، وهذا كله في الرَّاوي والسَّامع اللَّذين لها دراية وتمييز، وإلَّا فلا يدري هذا ما يَسْمَعُ وهذا ما يُسْمِعُ، وما أقل فائدة مثل هذا السماع.\nوالثانية: إنَّ الإملاء يشتملُ غالبًا بعد رواية الحديث على تصرفٍ إمَّا من جهة جمع طرقه وشواهده، أو ذكر أحوال رواته، أو الفوائد المتعلقة بمتنه، فيكون نشاط النفس لأخذها والانتفاع بها أكثر وأتم.\nوالثالثة: ما فيه من زِيَادَةِ التَّفْهِيمِ وَالتَّفَهُّمِ للمذاكرة والمراجعة في تَضَاعِيفِ الإملاء والكتابة والْمُقَابَلَةِ، وقد يدعو إليهما التَّأمُّلُ والفكر في تلك الْمُهْلَةِ، وَنُنْشِدُ لِلْحَافِظِ أبي طاهر السِّلَفِيِّ (^١):\n_________\n(^١) انظر \"أدب الإملاء والاستملاء\" (١/ ١١).","vol":"1","page":460},{"text":"وَاظِبْ عَلَى كَتْبِ الأَمَالِي جَاهِدًا … مِنْ أَلْسُنِ الحُفَّاظِ وَالْفُضَلَاءِ\nفَأَجَلُّ أَنْوَاعِ السَّمَاعِ بِأَسْرِهَا … مَا يَكْتُبُ الْإِنْسَانُ فِي الْإِمْلَاءِ\n\n<span data-type='title' id=toc-166>الفصل الثاني</span>\nاستحبُّوا لِلْمُمْلِي أن يقرأَ قبل الإملاءِ سورةً خفيفةً من القرآن ويخفيها في نفسه، وأن يكون له مستمل عند الحاجة، وأن يستنصت المستملي الحاضرين قبل الإملاء، وأن يقول بسم الله الرحمن الرحيم ويحمد الله تعالى، ويصلي على نبيه، ثم يقول: من ذكرتَ رحمك الله ولا يقول: من حدثك أو أخبرك أو من سمعت فإنه لا يدري بأية لفظة يبتدئ، وأن يُمْلِيَ الْمُمْلِي ما يراه أنفع وأعمَّ فائدة، وأن يفسر ما يحتاج إلى تفسيره وبيانه، فعن أبي أسامة أن تفسير الحديث ومعرفته خير من سماعه، وأن يختم المجلس بالحكايات والإنشادات الْمُرِقَّةَ، وأن لا يطيل الإملاء إلا إذا عرف أنَّ الحاضرين لا يَتَبَرَّمُونَ به، وأن يدعو ويستغفر عند تمامه سرًّا وجهرًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-167>الفصل الثالث</span>\nهذه ثلاثون مجلسًا أمليتها مبنية على ثلاثين حديثًا من الصحاح والحسان، تأسِّيًا بالأئمة الأولين، وتَبَرُّكًا بمقالات سيد المرسلين.\nورويتها بالروايات التي حضرتني وقت الإملاء، وفيها ما رويته بالإجازة وهو مسموع لي بطريقٍ آخر، وما رويته بالسماع وهو مسموع بأعلى من ذلك الإسناد، لكني لم أتفرغ للفحص.\nوتكلمت في كلِّ حديثٍ من وجوهٍ وقعت في فصولٍ:\nأحدها: ما يتعلق بإسناد الحديث وبعض أحوال رواته. وثانيها: فيما يتعلق بالعربية. وثالثها: في الفوائد والمعاني والشواهد والحكايات، وما يناسبها من","vol":"1","page":461},{"text":"الأشعار.\nورتبتها على نظم كلمات الفاتحة وترتيبها مردفة بالتأمين، وهي مع كلمة آمين ثلاثون، فاشتمل الحديث الأول على كلمة الاسم، والثاني على اسم الله العظيم، والثالث على الرحمن، وهلمَّ جرًّا إلى آخر الكلمات، وصرفت أكثر العناية في كلِّ مجلسٍ إلى الكلمة التي انتهت النوبة إليها فيما يتعلق بالعربية وبالمعاني، وما ينساق إليه الكلام من الآثار والحكايات أدرته على تلك الكلمة حتى لم أخل عنها الشعرين المنقول والمقول المختوم بها المجلس إلا أن يتفق خلاف ذلك نادرًا، فإن وُسِمَتْ هذه المجالس بـ \"الأمالي الشارحة لمفردات الفاتحة\" كانت سِمَةً صادقةً، وللحقيقة مطابقة.\nوَتَبَرَّكْتُ بذكر ثلاثين من الصحابة على عدد المجالس، وبيان جُمَلٍ من أحوالهم، وذلك مع إيراد حديثين وأكثر برواية الواحد منهم.\nورأيت أن أذكر ترجمة أسماء سائر الرواة المذكورين في هذه المجالس مرتبة على حروف المعجم ومن كلِّ حرفٍ على ترتيب ذكرهم الأول فالأول ليكونا فهرستين يرجع إليهما عند الحاجة، وأشرت إلى المجلس المشتمل عليه اسم كل واحد بإعلام العدد فوقه بالأحرف الهندية.\n\nأما الصحابة فهم:\nأنس بن مالك، الأغر المزني، أسيد بن حضير، أنس بن النضر، ثوبان، جابر بن عبد الله، الرُّبَيِّعُ بنت النضر، زيد بن حارثة، سعد بن مالك أبو سعيد الخدري، شرحبيل بن السمط، صدي بن عجلان أبو أمامة، عبد الرحمن بن صخر أبو هريرة، عبد الله بن عثمان أبو بكر الصديق، عبد الله بن عمرو، عبد الله بن","vol":"1","page":462},{"text":"مسعود، عمرو بن عبسة، العباس بن عبد المطلب، عائشة، عثمان بن عفان، عبد الله بن عمر، العرباض، عبد الله بن الزبير، عبد الله بن عباس، عمر بن الخطاب، عبادة بن الصامت، عمران بن الحصين، علي بن أبي طالب، معاوية، النواس بن سمعان، وائل بن حجر ﵃ وعن الصحابة أجمعين.\n\nوأما من بعدهم:\nالألف:\nأحمد بن علي أبو بكر بن خلف. أحمد بن يوسف السلمي. أحمد بن محمد أبو العباس المحبوبي. أحمد بن الحسن أبو حامد الأزهري. أحمد بن إسماعيل الطالقاني. إبراهيم بن محمد بن سفيان الفقيه. أحمد بن جعفر المعقري. أوس بن عبد الله أبو الجوزاء. أحمد بن عبد الله بن إسحاق أبو نعيم الحافظ. أحمد بن حسنويه الزبيري. إسماعيل بن محمد المخلدي. إسماعيل بن عبد الرحمن أبو عثمان العصائدي. إسماعيل بن زاهر أبو القاسم النوقاني. إسماعيل بن محمد أبو علي الصفار. إبراهيم بن حِمْيَر العجلي. إبراهيم بن محمود المالكي. أحمد بن الحسن أبو بكر الحيري. أحمد بن الفرج أبو عتبة الحمصي. إبراهيم بن محمد الأسلمي. أحمد بن محمد أبو سعد البغدادي. أحمد بن إسماعيل العسكري. إبراهيم بن عَزْرة. أحمد بن علي أبو يعلى الموصلي. أحمد بن جعفر أبو بكر القطيعي. أحمد بن حنبل. إبراهيم بن عبد الله أبو مسلم الكجي. إسماعيل بن ينال. أحمد بن محمد أبو الفتح الحداد، الأغر أبو مسلم. إسماعيل بن عبد الرحمن أبو عثمان الصابوني. إبراهيم بن عمر أبو إسحاق البرمكي. أحمد بن عنبر. إسحاق بن حمدان. إبراهيم بن محمد المزكي. أحمد بن الحسين البيهقي. أحمد أبو بكر التاجر الغُورجي.","vol":"1","page":463},{"text":"الباء:\nبُديل بن ميسرة. بسر بن عبد الله الحضرمي. بقية الحمصي. بحير بن سعد. بسر بن سعيد. بكير بن عبد الله الأشج.\n\nالثاء إلى الدال:\nثابت البناني. جعفر بن محمد الفريابي. جعفر بن عون. جنادة بن أمية. حمزة بن مكي. الحسن بن أحمد المخلدي. حامد بن محمود الماوراء النهري. حفص بن سليمان. حسان بن محمد أبو الوليد القرشي. الحسن بن علي بن المذهب. الحكم بن نافع أبو اليمان. الحسن بن أحمد الحداد أبو علي. الحسن بن أحمد السمرقندي. حميد الطويل. الحسن البصري. حجر بن عنبس. خالد بن معدان.\n\nالدال إلى السين:\nداود بن علي الأصفهاني. داود بن الزبرقان. داود بن أبي هند. الربيع بن سليمان. زاهر السرخسي.\n\nالسين إلى العين:\nسعد الخير المغربي. سفيان بن عيينة. سفيان الثوري. سعيد بن محمد الرزاز أبو منصور. سليمان بن داود أبو داود الطيالسي. سهل بن زنجلة. سعد بن الحسن القصري، سعدان بن نصر. سماك بن الوليد أبو زُميل. سعيد بن المسيب. سليمان بن أحمد الطبراني، سالم بن أبي الجعد. سليمان بن مهران الأعمش. سعيد بن محمد أبو عثمان البحيري. أبو السائب مولى هشام بن زهرة. سليمان بن الأشعث السجستاني أبو داود. سلمة بن كهيل. شداد بن عبد الله. شهردار بن شيرويه، الشافعي بن داود. شعبة. شعيب بن أبي حمزة. شهر بن حوشب. صدقة بن","vol":"1","page":464},{"text":"الفضل. صفية والدتي. طاهر بن محمد المقدسي. أبو ظبية الكلاعي.\n\nالعين:\nعبد الله بن محمد أبو البركات الفراوي. عبد الرزاق الصنعاني. عبد الملك بن بشران. عبد الله أبو شعيب الحراني. عفان بن مسلم. عبد الله أبو الفتح العمراني. عبد الملك الكروخي. عبد الجبار الجراحي. عمرو بن دينار. عبد الغفار بن إسماعيل الفارسي. عبد الله بن عمر بن أبان. عبد الرحيم بن سليمان عبد الملك أبو الفضل المقدسي. عبد الواحد بن هبيرة العجلي. علي بن أحمد بن صالح. عصام بن يوسف. عمرو أبو إسحاق السبيعي. عوف أبو الأحوص. عبد الغفار بن محمد الفارسي. عكرمة بن عمار. على بن عبيد الله بن بابويه. عامر بن سعد بن أبي وقاص. عبد الله بن جعفر الأصبهاني. عبد الرحمن بن بديل. علي بن إبراهيم الهمداني أبو القاسم. علي بن صالح الكرابيسي. عبد الرحمن بن يزيد الأزدي. عائذ الله أبو إدريس الخولاني. علقمة بن مرثد. عبد الله أبو عبد الرحمن السلمي. عبد العزيز بن الخليل. عبيد الله بن عمر، عمرو بن مرزوق. عمرو بن مرة. عامر بن أبي موسى أبو بردة. على بن إبراهيم القطان أبو الحسن. عبد الرحمن المحاربي. عبد الرحمن الأفريقي. عبد الله أبو عبد الرحمن الحبلي. عبد الرحمن بن عمرو السلمي. عمر الصفار. عبد الوهاب بن محمد بن منده. عبد الله بن وهب. عمرو بن الحارث. علي بن زيد بن جدعان. عبد الله بن أحمد بن حنبل. عبد الرحمن أبو زرعة الدمشقي. عطاء بن يزيد. عبد الكريم بن هوازن القشيري. عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي. عمير بن هانئ. عبد الله بن رجاء البصري. عبد الحميد بن بهرام. عبد العزيز الترياقي. علي بن حجر، عامر بن شراحيل الشعبي. عبد الله أبو","vol":"1","page":465},{"text":"بكر بن أبي شيبة. عمار بن رزيق. عبد الله بن محمد البغوي. عبد الرحمن بن القاسم. عبد الله القعنبي. العلاء بن عبد الرحمن. أبوه عبد الرحمن. عبد الله بن ماسي. عبد الرحيم أبو نصر القشيري. عبد الرحمن بن مهدي.\n\nالغين إلى الميم:\nغانم البرجي. فاروق بن عبد الكبير أبو قابوس. قتيبة بن سعيد. القاسم بن يحيى. القاسم بن أبي المنذر الخطيب. قراد أبو نوح. القاسم بن محمد بن أبي بكر. الليث بن سعد. محمد بن عبد الكريم والدي. محمد أبو طاهر الزيادي. محمد بن الحسين السلمي. معمر الصنعاني. محمد أبو بكر الآجري. محمود أبو عامر الأزدي. محمد بن عيسى الترمذي. محمد بن أبي عمر العدني. محمد أبو العباس الثقفي. المختار بن فلفل. محمد بن عبدٍ السمرقندي. محمد الفراوي. محمد الجلودي. مسلم بن الحجاج. محمد أبو طالب بن غيلان. محمد أبو بكر الشافعي. محمد بن إبراهيم التيمي. محمد بن أبي طالب المقرئ. محمد بن يحيى بن أبي زكريا. محمد الكشميهني. محمد الفربري. محمد البخاري. مقدم بن محمد. محمد بن عبد الله الحاكم. ملكداد العمري. محمد أبو منصور المقومي. محمد بن يزيد ماجه. محمد أبو كريب. محمد أبو العباس الأصم. محمد الإمام الشافعي. موسى بن عقبة. محمد أبو الزبير. محمد بن إسحاق بن منده. المنذر أبو نضره. محمد بن عبد الباقي بن البطي. محمد الزهري. محمد أبو بكر بن فورك. مصعب بن عبد الله. مالك. محمد بن أسلم. محمد أبو بكر الأنصاري القاضي. محمد بن عبد الله الأنصاري. مكي بن إبراهيم. محمد بن الزبير. محمد بن بكر بن داسة. مسدد. محمد بن بشار بندار.","vol":"1","page":466},{"text":"باقي الحروف:\nالنضر بن محمد القرشي. نصر بن منصور. نافع مولى ابن عمر. نصر الله الخشنامي. النعمان أبو حنيفة. ناجية بن كعب. همام بن منبه. همام بن يحيى. هبة الله بن الحصين. هبة الرحمن القشيري. الوليد أبو همام السكوني. الوليد بن مسلم. يحيى بن أبي كثير. يزيد بن الهاد. يونس بن حبيب. يونس بن عبد الأعلى. يحيى بن ميمون. يحيى بن آدم. يحيى بن سعيد.\n﵏ وإيانا وأحيانا برحمته، وجعلنا من السعداء بفضله آمين آمين.\n\nالأحاديث الثلاثون هي هذه:\nأبو هريرة \"إن لله تسعة وتسعين اسمًا\". أبو بكر \"ما ظنك باثنين الله ثالثهما\". عبد الله بن عمرو \"الراحمون يرحمهم الرحمن\". أنس \"قرأ عليهم بعد إغفائه سورة الكوثر\". ابن مسعود \"خطبة النكاح\". عمرو بن عبسة \"قصة إسلامه وفضل الوضوء\". العباس \"ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًّا\". عائشة \"كان يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين\". النواس \"ما من قلب إلا وهو بين أصبعين\". عثمان \"مرضت فعوذني يومًا فقال: بسم الله الرحمن الرحيم\". ابن عمر: \"إن الله يقبض يوم القيامة الأرض\". الأغر \"توبوا فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة\". عبد الله بن عمرو \"ولا تزوجوا النساء لحسنهن\". العرباض \"وعظهم يومًا بعد صلاة الغداة موعظة بليغة\". ابن الزبير \"كان إذا سلم من صلاته يقول: لا إله إلا الله\". أبو هريرة \"لا ينجي أحدًا عمله\". ابن عباس \"احفظ الله يحفظك\". عمر \"قصة بدر وقوله: وإن تهلك هذه العصابة\". أبو هريرة \"هل تضارون في رؤية الشمس\". ثوبان \"استقيموا ولن تحصوا\". عبادة \"من تعار من","vol":"1","page":467},{"text":"الليل\". ابن عبسة \"حقت محبتي\" عائشة \"لو كتم شيئًا من الوحي لكتم وإذ تقول\". أبو هريرة وأبو سعيد \"ما جلس قوم مجلسًا يذكرون الله فيه\". عائشة \"نزول آية التيمم وقول أسيد\". أبو هريرة \"قسمت الصلاة بيني وبين عبدي\". أنس \"لطمت الربيع جارية\" عمران \"لا نذر في معصية\". علي \"إن عمك الشيخ الضال\". وائل \"قرأ ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقال آمين\".\nوَأَخْتِمُ هَذِهِ الْجُمْلَةَ بِقَوْلِي:\nعَبْدُ الْكَرِيمِ الْمُرْتَجِي رَحْمَةً … تَكْنُفُهُ مِنْ كُلِّ أَرْجَائِهِ\nأَمْلَى ثَلَاثِينَ حَدِيثًا عَلَى … مَا وَفَّقَ الله بِنَعْمَائِهِ\nلَيْسَ يُزَكِّيهَا وَلَكِنَّهُ يَقُولُ … قَوْلَ الْحَائِرِ التَّائِهِ\nفَازَ أَبُو الْقَاسِمِ يَا رَبِّ لَوْ … قَبِلْتَ حَرْفَيْنِ مِنْ إِمْلَائِهِ (^١)\nربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم والحمد لله رب العالمين\nوالصلاة والسلام على خير خلقه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين واتفق الفراغ من إتمامها يوم العيد غرة شوال سنة تسع وستين وستمائة على يدي عبد الله الفقير إليه عبد الرحمن بن عمر بن أحمد بن محمد بن أبي القاسم الشهيد الكرخي القزويني.\nوقد نقل هذه النسخة من نسختين سقيمتين فيهما من الترك والتصحيف ما\n_________\n(^١) نقل هذه الأبيات عن الإمام الرافعي: ابن الملقن في \"البدر المنير\" (١/ ٣٣٦).","vol":"1","page":468},{"text":"شاء الله والذي قدر عليه أصلح والذي ما قدر على تصحيحه ترك على ما كان أن يوفق الله ﷾ تصحيحها من نسخةٍ أخرى عند المقابلة، والله تعالى ولي التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل.","vol":"1","page":469},{"text":"<span data-type='title' id=toc-168>سماعات الكتاب</span>\nقرأت جميع الأحاديث المملاة في هذا الكتاب وعدتها ثلاثون حديثًا في صدر كلِّ مجلسٍ حديثًا على الشيخ الإمام العالم الفاضل المسند المكثر بدر الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد بن خالد الفارقي أبقاه الله قلت له: أخبرك الشيخ الإمام العالم فخر الدين أبو محمد عبد العزيز بن الشيخ الإمام قاضي القضاة عماد الدين عبد الرحمن المعروف بابن السكري المصري الشافعي إجازة قال: أنبأنا المملي الشيخ الإمام الحبر العلامة إمام الدين أبو القاسم عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم الرافعي القزويني تغمده الله برحمته فسمع محمد بن عبد الله بن يعقوب الخطيب … القليوبية، ورجب بن يوسف بن درغام التاجر في التين وصحَّ وثبت في يوم الأربعاء الخامس والعشرين من شهر رمضان المعظم من شهور سنة ستٍّ وثلاثين وسبعمائة بزاوية ابن منظور طاهر القاهرة المحروسة، وأجاز لنا جميع يجوز له روايته والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى.\nكتبه سليمان بن جعفر بن الحسن بن أحمد الإسنائي عفا الله تعالى عنهم بِمنِّه وكرمه ولطف بهم.\nصحيحٌ ذلك كتبه محمد بن أحمد بن خالد بن محمد بن أبي بكر الفارقي (^١).\n_________\n(^١) ترجمته في \"الدرر الكامنة\" (١/ ٤٥١) لابن حجر.","vol":"1","page":470}]}