{"ً":{"ٌ":30866,"ٍ":"فصل الخطاب في شرح مسائل الجاهلية ت علي مخلوف","َ":1,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: فصل الخطاب في شرح (مسائل الجاهلية، التي خالف فيها رسول الله ﷺ أهل الجاهلية لمحمد بن عبد الوهاب ﵀)\nالمؤلف: أبو المعالي محمود شكري بن عبد الله بن محمد بن أبي الثناء الألوسي (ت ١٣٤٢هـ)\nتقديم وتعليق: علي بن مصطفى مخلوف\nالطبعة: الأولى، ١٤٢٢هـ\nعدد الصفحات: ١٦٠\nعدد الأجزاء: ١\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"[فصل الخطاب في شرح مسائل الجاهلية]\n\n- مسائل الجاهلية: التي خالف فيها رسول الله أهل الجاهلية\nألف أصلها محمد بن عبدالوهاب\n- توسع فيها محمود شكري الآلوسي","ٓ":"1.0","ٔ":166,"ٕ":1,"ٖ":1770154063,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة الطبعة الأولى","level":1,"page":1},{"title":"شيء من ترجمة العلامة الشيخ محمود شكري الألوسي ﵀","level":1,"page":15},{"title":"مقدمة العلامة الألوسي","level":1,"page":17},{"title":"الأولى التعبد بإشراك الصالحين في عبادة الله تعالى","level":1,"page":18},{"title":"الثانية أنهم متفرقون ويرون السمع والطاعة مهانة ورذالة","level":1,"page":20},{"title":"الثالثة أن مخالفة ولي الأمر وعدم الانقياد له عندهم فضيلة","level":1,"page":21},{"title":"الرابعة أن دينهم مبني على أصول أعظمها التقليد","level":1,"page":22},{"title":"الخامسة الاقتداء بفسقة أهل العلم وجهالهم وعبادهم","level":1,"page":23},{"title":"السادسة الاحتجاج بما كان عليه أهل القرون السالفة","level":1,"page":24},{"title":"السابعة الاعتماد على الكثرة والاحتجاج بالسواد الأعظم","level":1,"page":25},{"title":"الثامنة الاستدلال على بطلان الشيء بكونه غريبا","level":1,"page":26},{"title":"التاسعة الاستدلال على المطلوب والاحتجاج بقوم أعطوا من القوة في الفهم والإدراك وفي القدرة والملك ظنا أن ذلك يمنعهم من الضلال","level":1,"page":27},{"title":"العاشرة الاستدلال بعطاء الدنيا على محبة الله تعالى","level":1,"page":29},{"title":"الحادية عشرة الاستدلال على بطلان الشيء بأخذ الضعفاء به","level":1,"page":31},{"title":"الثانية عشرة رمي من اتبع الحق بعدم الإخلاص وطلب الدنيا","level":1,"page":32},{"title":"الثالثة عشرة الإعراض عن الدخول في الحق الذي دخل فيه الضعفاء تكبرا وأنفة","level":1,"page":33},{"title":"الرابعة عشرة الاستدلال على بطلان الشيء بكونهم أولى به لو كان حقا","level":1,"page":34},{"title":"الخامسة عشرة الاستدلال بالقياس الفاسد وإنكار القياس الصحيح وجهلهم بالجامع والفارق","level":1,"page":35},{"title":"السادسة عشرة الغلو في الصالحين من العلماء والأولياء","level":1,"page":37},{"title":"السابعة عشرة اعتذارهم عن اتباع الوحي بعدم الفهم","level":1,"page":38},{"title":"الثامنة عشرة أنهم لا يقبلون من الحق إلا ما تقول به طائفتهم","level":1,"page":40},{"title":"التاسعة عشرة الاعتياض عن كتاب الله تعالى بكتب السحر","level":1,"page":41},{"title":"العشرون تناقضهم في الانتساب","level":1,"page":42},{"title":"الحادية والعشرون تحريف كلام الله من بعد ما عقلوه وهم يعلمون","level":1,"page":42},{"title":"الثانية والعشرون تحريف العلماء لكتب الدين","level":1,"page":43},{"title":"الثالثة والعشرون معاداة الدين الذي انتسبوا إليه أشد العداوة وموالاتهم لمذهب الكفار","level":1,"page":43},{"title":"الرابعة والعشرون عدم قبولهم من الحق إلا ما قالته طائفتهم والكفر بما مع غيرهم من الحق","level":1,"page":44},{"title":"الخامسة والعشرون ادعاء كل فرقة أنها هي الناجية","level":1,"page":45},{"title":"السادسة والعشرون أنهم أنكروا ما أقروا أنه من دينهم","level":1,"page":46},{"title":"السابعة والعشرون التعبد بكشف العورات","level":1,"page":47},{"title":"الثامنة والعشرون التعبد بتحريم الحلال","level":1,"page":49},{"title":"التاسعة والعشرون الإلحاد في أسمائه وصفاته","level":1,"page":51},{"title":"الثلاثون نسبة النقائص إليه سبحانه كالولد والحاجة","level":1,"page":54},{"title":"الحادية والثلاثون تنزيه المخلوق عما نسبوه للخالق","level":1,"page":58},{"title":"الثانية والثلاثون القول بالتعطيل","level":1,"page":59},{"title":"الثالثة والثلاثون الشركة في الملك","level":1,"page":60},{"title":"الرابعة والثلاثون إنكار النبوات","level":1,"page":61},{"title":"الخامسة والثلاثون جحود القدر والاحتجاج به على الله تعالى","level":1,"page":62},{"title":"السادسة والثلاثون مسبة الدهر","level":1,"page":68},{"title":"السابعة والثلاثون إضافة نعم الله إلى غيره","level":1,"page":70},{"title":"الثامنة والثلاثون الكفر بآيات الله","level":1,"page":72},{"title":"التاسعة والثلاثون اشتراء كتب الباطل واختيارها على الآيات","level":1,"page":73},{"title":"الأربعون القدح في حكمته تعالى","level":1,"page":74},{"title":"الحادية والأربعون الكفر بالملائكة والرسل والتفريق بينهم","level":1,"page":78},{"title":"الثانية والأربعون الغلو في الأنبياء والرسل ﵈","level":1,"page":79},{"title":"الثالثة والأربعون الجدال بغير علم","level":1,"page":79},{"title":"الرابعة والأربعون الكلام في الدين بلا علم","level":1,"page":80},{"title":"الخامسة والأربعون الكفر باليوم الآخر والتكذيب بلقاء الله وبعث الأرواح","level":1,"page":82},{"title":"السادسة والأربعون التكذيب بقوله تعالى مالك يوم الدين","level":1,"page":83},{"title":"السابعة والأربعون التكذيب بقوله تعالى لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة","level":1,"page":84},{"title":"الثامنة والأربعون التكذيب بقوله تعالى ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون","level":1,"page":85},{"title":"التاسعة والأربعون قتل أولياء الله وقتل الذين يأمرون بالقسط من الناس","level":1,"page":86},{"title":"الخمسون الإيمان بالجبت والطاغوت وتفضيل المشركين على المسلمين","level":1,"page":95},{"title":"الحادية والخمسون لبس الحق بالباطل وكتمانه","level":1,"page":97},{"title":"الثانية والخمسون التعصب للمذهب والإقرار بالحق للتوصل إلى دفعه","level":1,"page":98},{"title":"الثالثة والخمسون تسميه اتباع الإسلام شركا","level":1,"page":99},{"title":"الرابعة والخمسون تحريف الكلم عن مواضعه ولي الألسنة بالكتاب","level":1,"page":100},{"title":"الخامسة والخمسون تلقيب أهل الهدى بالصابئة والحشوية","level":1,"page":102},{"title":"السادسة والخمسون افتراء الكذب على الله والتكذيب بالحق","level":1,"page":107},{"title":"السابعة والخمسون رمي المؤمنين بطلب الغلو في الأرض","level":1,"page":108},{"title":"الثامنة والخمسون رمي المؤمنين بالفساد في الأرض","level":1,"page":109},{"title":"التاسعة والخمسون رمي المؤمنين بتبديل الدين","level":1,"page":110},{"title":"الستون كونهم إذا غلبوا بالحجة فزعوا إلى السيف والشكوى إلى الملوك","level":1,"page":110},{"title":"الحادية والستون تناقض مذهبهم لما تركوا الحق","level":1,"page":111},{"title":"الثانية والستون دعواهم العمل بالحق الذي عندهم","level":1,"page":114},{"title":"الثالثة والستون الزيادة في العبادة","level":1,"page":115},{"title":"الرابعة والستون النقص من العبادة","level":1,"page":116},{"title":"الخامسة والستون تعبدهم بترك أكل الطيبات من الرزق وترك زينة الله التي أخرج لعباده","level":1,"page":116},{"title":"السادسة والستون تعبدهم بالمكاء والتصدية","level":1,"page":118},{"title":"السابعة والستون دعواهم الإيمان عند المؤمنين فإذا خرجوا خرجوا بالكفر الذي دخلوا به","level":1,"page":119},{"title":"الثامنة والستون دعاؤهم الناس إلى الضلال بغير علم","level":1,"page":120},{"title":"التاسعة والستون دعاؤهم الناس إلى الكفر مع العلم","level":1,"page":120},{"title":"السبعون المكر الكبار","level":1,"page":121},{"title":"الحادية والسبعون أئمتهم إما عالم فاجر وإما عابد جاهل","level":1,"page":122},{"title":"الثانية والسبعون زعمهم أنهم أولياء لله من دون الناس","level":1,"page":123},{"title":"الثالثة والسبعون دعواهم محبة الله مع ترك شرعه","level":1,"page":126},{"title":"الرابعة والسبعون تمنيهم على الله تعالى الأماني الكاذبة","level":1,"page":127},{"title":"الخامسة والسبعون اتخاذ قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد","level":1,"page":130},{"title":"السادسة والسبعون اتخاذ آثار أنبيائهم مساجد","level":1,"page":133},{"title":"السابعة والسبعون اتخاذ السرج على القبور","level":1,"page":136},{"title":"الثامنة والسبعون اتخاذ القبور أعيادا","level":1,"page":136},{"title":"التاسعة والسبعون الذبح عند القبور","level":1,"page":137},{"title":"الثمانون التبرك بآثار المعظمين كدار الندوة","level":1,"page":139},{"title":"الفخز بالأحساب والاستسقاء بالأنواء والطعن في الأنساب والنياحة","level":1,"page":140},{"title":"الخامسة والثمانون تعيير الرجل بفعل غيره لا سيما أبوه وأمه","level":1,"page":142},{"title":"السادسة والثمانون الافتخار بولاية البيت","level":1,"page":143},{"title":"السابعة والثمانون الافتخار بكونهم من ذرية الأنبياء ﵈","level":1,"page":144},{"title":"الثامنة والثمانون الافتخار بالصنائع","level":1,"page":146},{"title":"التاسعة والثمانون عظمة الدنيا في قلوبهم","level":1,"page":147},{"title":"التسعون ازدراء الفقراء","level":1,"page":149},{"title":"الحادية والتسعون عدم الإيمان بملائكة الله وكتبه ورسله واليوم الآخر","level":1,"page":152},{"title":"الثانية والتسعون الإيمان بالجبت والطاغوت وتفضيل دين المشركين على دين المسلمين","level":1,"page":153},{"title":"الثالثة والتسعون كتمان الحق مع العلم به","level":1,"page":153},{"title":"الرابعة والتسعون القول على الله بلا علم","level":1,"page":154},{"title":"الخامسة والتسعون التناقض الواضح","level":1,"page":154},{"title":"العيافة والطرق والطيرة والكهانة والتحاكم إلى الطاغوت","level":1,"page":155}],"ٛ":{"1,3":2,"1,4":3,"1,5":4,"1,6":5,"1,7":6,"1,8":7,"1,9":8,"1,10":9,"1,11":10,"1,12":11,"1,13":12,"1,14":13,"1,15":14,"1,16":15,"1,17":16,"1,18":17,"1,19":18,"1,20":19,"1,21":20,"1,22":21,"1,23":22,"1,24":23,"1,25":24,"1,26":25,"1,27":26,"1,28":27,"1,29":28,"1,30":29,"1,31":30,"1,32":31,"1,33":32,"1,34":33,"1,35":34,"1,36":35,"1,37":36,"1,38":37,"1,39":38,"1,40":39,"1,41":40,"1,42":41,"1,43":42,"1,44":43,"1,45":44,"1,46":45,"1,47":46,"1,48":47,"1,49":48,"1,50":49,"1,51":50,"1,52":51,"1,53":52,"1,54":53,"1,55":54,"1,56":55,"1,57":56,"1,58":57,"1,59":58,"1,60":59,"1,61":60,"1,62":61,"1,63":62,"1,64":63,"1,65":64,"1,66":65,"1,67":66,"1,68":67,"1,69":68,"1,70":69,"1,71":70,"1,72":71,"1,73":72,"1,74":73,"1,75":74,"1,76":75,"1,77":76,"1,78":77,"1,79":78,"1,80":79,"1,81":80,"1,82":81,"1,83":82,"1,84":83,"1,85":84,"1,86":85,"1,87":86,"1,88":87,"1,89":88,"1,90":89,"1,91":90,"1,92":91,"1,93":92,"1,94":93,"1,95":94,"1,96":95,"1,97":96,"1,98":97,"1,99":98,"1,100":99,"1,101":100,"1,102":101,"1,103":102,"1,104":103,"1,105":104,"1,106":105,"1,107":106,"1,108":107,"1,109":108,"1,110":109,"1,111":110,"1,112":111,"1,113":112,"1,114":113,"1,115":114,"1,116":115,"1,117":116,"1,118":117,"1,119":118,"1,120":119,"1,121":120,"1,122":121,"1,123":122,"1,124":123,"1,125":124,"1,126":125,"1,127":126,"1,128":127,"1,129":128,"1,130":129,"1,131":130,"1,132":131,"1,133":132,"1,134":133,"1,135":134,"1,136":135,"1,137":136,"1,138":137,"1,139":138,"1,140":139,"1,141":140,"1,142":141,"1,143":142,"1,144":143,"1,145":144,"1,146":145,"1,147":146,"1,148":147,"1,149":148,"1,150":149,"1,151":150,"1,152":151,"1,153":152,"1,154":153,"1,155":154,"1,156":155,"1,157":156},"ٜ":{"1":[3,157]},"ٝ":[null,"1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157"],"ٞ":{"1":[1],"15":[2],"17":[3],"18":[4],"20":[5],"21":[6],"22":[7],"23":[8],"24":[9],"25":[10],"26":[11],"27":[12],"29":[13],"31":[14],"32":[15],"33":[16],"34":[17],"35":[18],"37":[19],"38":[20],"40":[21],"41":[22],"42":[23,24],"43":[25,26],"44":[27],"45":[28],"46":[29],"47":[30],"49":[31],"51":[32],"54":[33],"58":[34],"59":[35],"60":[36],"61":[37],"62":[38],"68":[39],"70":[40],"72":[41],"73":[42],"74":[43],"78":[44],"79":[45,46],"80":[47],"82":[48],"83":[49],"84":[50],"85":[51],"86":[52],"95":[53],"97":[54],"98":[55],"99":[56],"100":[57],"102":[58],"107":[59],"108":[60],"109":[61],"110":[62,63],"111":[64],"114":[65],"115":[66],"116":[67,68],"118":[69],"119":[70],"120":[71,72],"121":[73],"122":[74],"123":[75],"126":[76],"127":[77],"130":[78],"133":[79],"136":[80,81],"137":[82],"139":[83],"140":[84],"142":[85],"143":[86],"144":[87],"146":[88],"147":[89],"149":[90],"152":[91],"153":[92,93],"154":[94,95],"155":[96]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>[مقدمة الطبعة الأولى]</span>\nمسائل الجاهلية\nالتي خالف فيها رسول الله ﷺ أهل الجاهلية","vol":"1","page":null},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nمقدمة الطبعة الأولى إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا - يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]\nأما بعد: فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nوبعد أيضا: فعن جابر بن عبد الله قال: «كنا عند النبي ﵌ فخط خطا، وخط خطين عن يمينه، وخط خطين عن يساره، ثم وضع يده في الخط الأوسط فقال: هذا سبيل الله، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]\n» وكان من عهده ﵌ إلى أصحابه رضوان الله تعالى عليهم: «وسترون من بعدي اختلافا شديدا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة»، ومحدثات الأمور هي الأمور المخترعة في الدين التي يراد بها التقرب إلى الله سبحانه، وكل محدثة فهي بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة فصاحبها في النار، ولو كان قد رآها حسنة.","vol":"1","page":3},{"text":"وقال ﵌: «قد تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك» . روى الأحاديث الثلاثة آنفة الذكر ابن ماجه في أوائل سننه.\nإن الاقتداء بالسلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم في أمور الدين لهو أمر واجب، جاء التصريح به في مثل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]\nفالله ﷾ قد ذكر في هذه الآية الكريمة تحذيرا شديدا عن مخالفة رسول الله ﵌، ومشاققته، ثم عطف على ذلك فقال: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] ولا شك أن هذا السبيل هو سبيل الله الذي حذر الله سبحانه المؤمنين أن يخالفوه، وهو ما كان عليه المهاجرون والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، وهم الذين أثنى الله ﷾ عليهم في قوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠]\nإن على كل مسلم أن يعلم ما هو المنهج الصحيح من ضمن المناهج الكثيرة التي تنتسب إلى الإسلام، هذا المنهج الذي طالما غفل عنه جماعات من المسلمين قديما وحديثا، ولم يتنبهوا له، أو أنهم تنبهوا له ولم يرعوه حق رعايته.\nهذا المنهج هو منهج الفرقة الناجية، التي ذكرها رسول الله ﵌ في الحديث الذي رواه ابن أبي عاصم في كتاب السنة: «ألا وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة في الأهواء، كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة» .\nوفي الحديث المروي في المسانيد والسنن تفسير لهذه الرواية وهي قوله ﵌ «حين سئل عن الفرقة الناجية: من هي يا رسول الله؟ قال ﵌: ما أنا عليه وأصحابي» .\nفمن استمسك بهذا السبيل: سبيل المؤمنين الأوائل من المهاجرين والأنصار كان من الناجين يوم القيامة ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ - إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩]","vol":"1","page":4},{"text":"وطالما أن الأمر كذلك فإنه لا بد للدعوة الإسلامية في هذا العصر خاصة من أمرين:\nأولهما: تصفية دين الإسلام مما هو غريب عنه مما هو مخالف للكتاب والسنة، وما كان عليه سلف الأمة رضوان الله عليهم كالشرك، وجحد الصفات الإلهية وتحريفها باسم التأويل، والاجتهادات الخاطئة، والأحاديث الضعيفة والموضوعة والمنكرة وغير ذلك.\nأما الأمر الثاني: فهو تربية الناس - والجيل الناشئ خصوصا - على هذا الإسلام المصفى من كل شائبة تربية إسلامية صحيحة منذ نعومة أظفاره، ورأس ذلك وأساسه وأسه: توحيد الله سبحانه، وإفراده بالعبادة وحده لا شريك له، والكفر بما يعبد من دونه، فإن حاجة الخلق إلى ذلك وإلى العلم بالله وأسمائه وصفاته فوق كل حاجة، وضرورتهم إليه فوق كل ضرورة، فحاجتهم إليه فوق حاجتهم للطعام والشراب، بل وإلى النَّفَس الذي لا حياة إلا به.\nهذا الأمر المهم العظيم الذي لأجله انقسم الناس إلى مؤمنين وكفار، ودخلوا به الجنة أو النار، هو أجل ما يقضى فيه الأوقات، وتصرف في سبيله الأموال، بل وتبذل النفوس الغالية رخيصة لأجل إعلاء كلمة الله، فحري بنا أن نحرص كل الحرص على تعلم توحيد الله تعالى وتعليمه، والحرص على الابتعاد عما يناقضه من الشرك واتخاذ الصالحين والأنبياء والملائكة وغيرها معبودات مع الله، كما كان عليه أهل الجاهلية، الذين جاء نبينا محمد ﵌ بمخالفتهم في هذا الأمر العظيم، وفي غيره؛ ذلك أن جميع الرسل والأنبياء بعثوا بالتوحيد وهو إفراد الله بالعبادة، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] وقال عز اسمه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ٢] وقال سبحانه: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]\nوقد بقي الناس بعد آدم عشرة قرون على التوحيد، ثم حدث الشرك بشبهة تعظيم الصالحين، والدليل قول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣] قال ابن عباس ﵄: «أسماء رجال صالحين من","vol":"1","page":5},{"text":"نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وتَنَسَّخَ العلم عُبِدَتْ» (١) .\nوهذا يدل على أهمية العلم الشرعي، والخسارة العظيمة بفقدانه، فلما حصل هذا أرسل الله نبيه نوحا ﵇ إلى قومه لما غلوا في الصالحين، ونُسي العلم، فأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له، ونهاهم عن الشرك، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ - قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الأعراف: ٥٩ - ٦٠] وقد ذكر الله في سورة نوح وغيرها قصته معهم، واستكبارهم عن الإيمان، وإفراد الله بالعبادة، وأنه ﵇ نوَّع الدعوة لهم؛ ليكون أنجع فيهم، فلم يؤمن معه إلا قليل، ثم أغرقهم الله، فأدخلهم جهنم، أعاذنا الله منها.\nوقد أخبر سبحانه أنه أرسل إلى عاد أخاهم من القبيلة هودا، وإلى ثمود أخاهم صالحا، وشعيبا إلى مدين، قال تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ٦٥] وقال: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٧٣] وقال عز من قائل: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ٨٥] فكل الأنبياء بعثوا بالتوحيد كما تقدم.\nولما أرسل الله نبينا محمدا ﵌ كسر تلك الأصنام بعينها التي عبدها قوم نوح ﵇، والتي توارثها المشركون، وغيرها من الأصنام، وقد أرسل إلى قوم يتعبدون\n_________\n(١) رواه البخاري في صحيحه (كتاب التفسير باب: (ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق) برقم: ٤٩٢٠) .","vol":"1","page":6},{"text":"ويحجون ويتصدقون، ويحبون الله ويذكرونه كثيرا، ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات وسائط بينهم وبين الله، يقولون: نريد منهم التقرب إلى الله، ونريد شفاعتهم عنده مثل الملائكة وعيسى ومريم، وأناس غيرهم من الصالحين، قال تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: ٣] فجدد لهم نبينا محمد ﵌ دين أبيهم إبراهيم ﵇، وأخبرهم أن هذا التقرب حق لله وحده، ولا يصلح منه شيء لغير الله، لا لملك مقرب، ولا لنبي مرسل، ولا غيرهما.\nقال تعالى آمرا نبيه محمدا ﵌: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ - وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ - قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ - قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي - فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر: ١١ - ١٥]\nوقد كان هؤلاء المشركون يقرون بأن الله هو الخالق وحده لا شريك له، وأنه لا يرزق إلا هو، ولا يحيي ولا يميت إلا هو، ولا يدبر الأمر إلا هو، وأن جميع السماوات السبع وما فيهن، والأرضين السبع وما فيهن، كلهم عبيده، وتحت تصرفه وقهره.\nوالدليل على ذلك قول الحق ﵎: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١] وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ - سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ - قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ - سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ - قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ - سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٩] وغير ذلك من الآيات.\nفإذا تحققت أنهم مقرون بهذا، وأنه لم يدخلهم في الإسلام، وعرفت أن التوحيد الذي جحدوه هو توحيد العبادة، بأن لا يعبد إلا الله، ويكفر بما يعبد من دونه من","vol":"1","page":7},{"text":"الأنبياء والملائكة والصالحين والمقبورين وغيرهم، وعرفت أن رسول الله ﵌ قاتلهم على هذا الشرك، ودعاهم إلى إخلاص العبادة لله وحده، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] وقال سبحانه: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [الرعد: ١٤] وتحققت أن رسول الله ﵌ قاتلهم ليكون الدعاء كله لله، والنذر كله لله، والذبح كله لله، والاستغاثة كلها بالله، وجميع أنواع العبادة كلها لله، وعرفت أن إقرارهم بتوحيد الربوبية لم يدخلهم في الإسلام، وأن قصدهم الملائكة أو الأنبياء أو الأولياء لا يريدون إلا شفاعتهم، والتقرب إلى الله بذلك هو الذي أحل دماءهم وأموالهم، عرفت حينئذ التوحيد الذي دعت إليه الرسل، وأبى عن الإقرار به المشركون.\nوهذا التوحيد هو معنى قولك (لا إله إلا الله) فإن الإله هو الذي يقصد لأجل هذه الأمور سواء كان ملكا أو نبيا أو وليا صالحا، أو شجرة أو قبرا أو جنيا، فإن مشركي العرب لم يريدوا أن الإله هو الخالق الرازق، فإنهم يعلمون أن ذلك هو الله وحده كما تقدم، وإنما أرادوا بالإله: الذي يقصد بالعبادة، فأتاهم النبي ﵌ يدعوهم إلى كلمة التوحيد (لا إله إلا الله)، وأن يكفروا بما يُعبد من دون الله، فأبوا عليه ذلك، وجرى ما هو معروف من نصر الله نبيه عليهم، والتمكين لدينه في الأرض، كما بينت ذلك في كتابي \" سيرة المصطفى ﵌ \" (١) .\nإذا علمت ذلك، وعلمت الشرك بالله الذي حرمه الله أشد من تحريم الزنى، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، والذي قال الله فيه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨] وعرفت دين الرسل من أولهم إلى آخرهم، الذي لا يقبل الله من أحد سواه، وعرفت ما وقع فيه فئام (٢) من أمة محمد ﵌ من الشرك، وضممت إلى ذلك قوله ﵌: «لا تقوم\n_________\n(١) هو فصول فيما صح من السيرة النبوية الشريفة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، وذكر اهتمامه بتوحيد الله، وذكر أيامه وغزواته وسراياه، وأخلاقه الرفيعة، وشمائله الفاضلة، أسأل الله العظيم أن ييسر طباعته قريبا.\n(٢) أي: جموع كثيرة.","vol":"1","page":8},{"text":"الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان» (١) .\nوعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﵌ قال: «لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس على ذي الخلصة» وذو الخلصة: طاغية دوس التي كانوا يعبدون في الجاهلية (٢) وروى مسلم عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﵌ يقول: «لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى» (٣) .\nإذا علمت ذلك أفادك فائدتين:\nالأولى: الفرح بفضل الله وبرحمته، قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨]\nالثانية: الخوف العظيم من الشرك، فإن سادات الأولياء خافوا منه كمثل نبي الله وخليله إبراهيم ﵌ فقد قال الله عنه أنه دعا ربه بقوله: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] وقال نبي الله وخليله محمد ﵌: «اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم» (٤) وخصوصا أن الله قص علينا في القرآن الكريم عن قوم موسى ﵇ مع صلاحهم وعلمهم، وأن الله فضلهم على أهل زمانهم، بدليل قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٤٧] مع ذلك طلبوا من نبيهم أن يجعل لهم إلها غير الله يعبدونه، كما أن للمشركين آلهة يعبدونها، قال تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨] يعني: تجهلون عظمة الله، وما ينبغي أن ينزه عنه من الشريك.\nواعلم أن الله سبحانه من حكمته أنه جعل لكل نبي عدوا، والدليل قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢]\n_________\n(١) صحيح: رواه أبو داود في (الفتن والملاحم ذكر الفتن ودلائلها: ٤٢٥٢) .\n(٢) متفق عليه: رواه البخاري في (الفتن باب: تغير الزمان حتى تعبد الأوثان: ٧١١٦) واللفظ له، ومسلم في (الفتن: ٧٢٩٨) وفيه: \". . حول ذي الخلصة \"، وكانت صنما تعبدها دوس في الجاهلية، بتباله.\n(٣) رواه في (كتاب الفتن: ٧٢٩٩) .\n(٤) رواه البخاري في \" الأدب المفرد \" (٧١٦) .","vol":"1","page":9},{"text":"[الأنعام: ١١٢]، وقال تعالى في الحديث القدسي: «إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا» (١) إذا علمت ذلك كله عظم فرحك بفضل الله وبرحمته، وزاد خوفك من طرائق الشياطين في صد الناس عن سبيل الله، فقد قال إمامهم إبليس لربك ﷿: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ - ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٦ - ١٧] فقد قعد إبليس وجنوده من الشياطين على الطريق الموصلة إلى الله، ومعهم فصاحة وتزيين وشبه، فالواجب عليك أن تتعلم من دين الله ما يصير سلاحا لك تقاتل به هؤلاء الشياطين.\nولا تخف ولا تحزن إذا أقبلت على الله، وتوكلت عليه، وأصغيت إلى حجته وبيناته ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٧٦] و﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] أي: كافيه، والموحد الواحد يغلب ألفا من علماء المشركين، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣] فجند الله هم الغالبون بالحجة واللسان، كما أنهم هم الغالبون بالسيف والسنان، وإنما الخوف على المسلم الذي يسلك الطريق وليس معه سلاح، وقد من الله تعالى علينا بكتابه الذي جعله ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩] فلا يأتي صاحب باطل بحجة أو شبهة إلا وفي القرآن ما ينقضها ويبين بطلانها، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٣] قال بعض المفسرين: هذه الآية عامة في كل حجة يأتي بها أهل الباطل إلى يوم القيامة.\nومن ذلك أن تعلم ما كان عليه أهل الجاهلية من أمور خالفهم فيها رسول الله ﵌، فإن ذلك من أهم المهمات التي وردت في الكتاب والسنة الصحيحة، وذلك\n_________\n(١) رواه مسلم في (الجنة: ٧٢٠٧)، قال في \" لسان العرب \": فاجتالتهم الشياطين أي: استخفتهم فجالوا معهم في الضلال، وجال واجتال إذا ذهب وجاء، ومنه الجولان في الحرب، واجتال الشيء إذا ذهب به، وساقه، والجائل: الزائل عن مكانه.","vol":"1","page":10},{"text":"لتحذر منها، ثم تحذر منها، وتكون معرفتها زادا لك وسلاحا في وجه المشركين.\nفلقد كان البشر قبل البعثة المحمدية في جاهلية وشر، ثم أتى الله سبحانه بهذا الخير العظيم (دين الإسلام) كما روى البخاري ومسلم - واللفظ له- عن حذيفة بن اليمان قال: «كان الناس يسألون رسول الله ﵌ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير شر؟ قال: \" نعم \" فقلت: هل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: \" نعم، وفيه دَخَن \" قال: قلت: وما دَخَنه؟ قال: \" قوم يستنُّون بغير سنتي، ويهتدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر \" قلت: هل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: \" نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها \" فقلت: يا رسول الله، صفهم لنا، قال: \" نعم، هم قوم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا \" قلت: فما ترى إن أدركني ذلك؟ قال: \" تلزم جماعة المسلمين وإمامهم \" فقلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: \" فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض على أصل شجرة، حتى يدركك الموت، وأنت على ذلك» (١) وفي رواية أخرى لمسلم (٤٧٨٥): «يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي، ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس» .\nفالجاهلية كانت قبل البعثة، وقد يتلبس الإنسان المسلم بشيء من صفات الجاهلية، فيقال فيه: «إنك امرؤ فيك جاهلية» (٢) وكمثل الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والنياحة على الميت، ويأتي الكلام على ذلك في أبواب الكتاب بإذن الله، وهذه لا يكفر صاحبها، فهي من أبواب الكبائر، أما التي يكفر صاحبها فمثل: دعاء غير الله، وطاعة العلماء والحكام في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله.\nويأتي الكلام على هذا مفصلا بمشيئة الله، ويعرف كل من النوعين المكفِّر وغير المكفِّر بالدليل الشرعي من كتاب وسنة، وما كان عليه سلف الأمة رضوان الله عليهم.\n_________\n(١) متفق عليه: رواه البخاري في (المناقب علامات النبوة في الإسلام: ٣٦٠٦)، ومسلم في (الإمارة: ٤٧٨٤) .\n(٢) قال رسول الله ﵌ ذلك لأبي ذر، وتأتي القصة في المسألة [٨٥] من هذا الكتاب.","vol":"1","page":11},{"text":"الأدلة على وجوب مخالفة أهل الجاهلية: الأدلة كثيرة، فمنها قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [المائدة: ٤٨] وقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٩] وقوله: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [الشورى: ١٥] وقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية: ١٨] فنهى الله تعالى نبيه ﵌ أن يتبع أهواء الذين لا يعلمون، ويدخل فيه (كل من خالف شريعته، وأهواؤهم هو ما يهوونه، وما عليه المشركون من هديهم الظاهر، الذي هو من موجبات دينهم الباطل وتوابع ذلك، فهم يهوونه، وموافقتهم فيه اتباع لما يهوونه) (١) .\nوقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٠٤] (راعنا): حافظنا، من راعيته إذا تأملته وتعرفت أحواله، وكانت اليهود تقوله لرسول الله ﵌ تشبها بالمؤمنين، وهو بلغتهم سب بالرعونة، فينوونه، فنهى الله عنه المؤمنين (٢) .\nبيان سوء عاقبة من اتبع أهل الجاهلية: جاءت أدلة صريحة في بيان العاقبة الشنيعة التي أعدها الله تعالى لمن خالف أمره، وتشبه بأعدائه، مما يدل على قبح الفعل، وشناعته، ومن هذه الأدلة:\n_________\n(١) اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم (١ / ٨٥) .\n(٢) \" التفسير الوجيز على هامش الكتاب العزيز \" لكاتب هذه السطور، ص (١٦) .","vol":"1","page":12},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٢٠] ففي هذا تهديد شديد ووعيد أكيد للأمة عن اتباع طرائق اليهود والنصارى بعدما علموا من القرآن والسنة، والخطاب مع الرسول ﵌، والمراد أمته (١) .\nوقوله: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠] ولم يقل: دينهم؛ لأن ما هم عليه مجرد أهواء نفس، ومن ترك الدين اتبع الهوى لا محالة (٢) .\nقال أبو العباس ﵀: (ومتابعتهم فيما يختصون به من دينهم وتوابع دينهم اتباع لأهوائهم، بل يحصل اتباع أهوائهم بما هو دون ذلك) (٣) .\nقال الله تعالى: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [التوبة: ٦٩]\nقال أبو العباس: (ثم قوله: فاستمتعتم وخضتم خبر عن وقوع ذلك في الماضي، وهو ذم لمن يفعله إلى يوم القيامة، كسائر ما أخبر الله به عن الكفار والمنافقين عند مبعث محمد ﵌، فإنه ذم لمن حاله كحالهم إلى يوم القيامة) (٤) .\nوصف المتشبهين بما يفيد شناعة فعلهم: كما في قوله ﵌: «أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم، ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية، ومطلب دم امرئ بغير حق ليهريق دمه» (٥) .\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن كثير عند تفسير الآية الكريمة.\n(٢) التفسير الوجيز ص (٢٢) .\n(٣) اقتضاء الصراط المستقيم (١ / ٨٥ - ٨٦) .\n(٤) الاقتضاء (١ / ١٠٤ - ١٠٥) .\n(٥) رواه البخاري في (الديات من طلب دم امرئ بغير حق: ٦٨٨٢) .","vol":"1","page":13},{"text":"قاعدة كلية عامة: أن هذه الأمة ستتبع سَنَن من كان قبلها. ودليل ذلك قوله ﵌: «لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها: شبرا بشبر، وذراعا بذراع. \" فقيل: يا رسول الله كفارس والروم؟ فقال: \" ومن الناسُ إلا أولئك؟» (١) وقوله: «لَتَتْبَعُنَّ سَنَن من كان قبلكم شبرا شبرا، وذراعا ذراعا، حتى لو دخلوا جُحْر ضَبٍّ تبعتُموهم» (٢) .\nوفي ذلك مسائل:\nالأولى: العلم بذلك.\nالثانية: الحذر الشديد من مشابهة المشركين في أي شيء.\nالثالثة: الخوف الشديد من أن يتشبه بهم من غير قصد، ففيه:\nالرابعة والخامسة: أهمية العلم، والخسارة العظيمة بفقدانه.\nالسادسة: أنه ﵌ يخاف على أمته اتباعهم، فلذلك قال ما قال على جهة التعيير والتوبيخ.\nالسابعة: قوله ﵌: «شبرا بشبر، وذراعا بذراع» كناية عن شدة الموافقة لهم في الكفر والمعاصي، وهو خبر معناه النهي عن اتباعهم، ومنعهم من الالتفات لغير دين الإسلام، وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﵌: «من تشَبَّه بقوم فهو منهم» (٣) .\nوالتشبه يشمل كل شبه يكون في الأعياد والأخلاق والملابس والكلام وغير ذلك.\nوعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: «رأى رسول الله ﵌ عليَّ ثوبين معصفرين فقال: \" إن هذه من ثياب الكفار، فلا تلْبَسْها» (٤) والأمر يطول في هذا، ولعل فيما ذكرنا كفاية إن شاء الله.\n_________\n(١) رواه البخاري: في (الاعتصام قول النبي ﵌: \" لتتبعن سنن من كان قبلكم \": ٧٣١٩) .\n(٢) متفق عليه: رواه البخاري - واللفظ له - برقم (٧٣٢٠)، ومسلم في (العلم: ٦٧٨١) .\n(٣) حسن صحيح: رواه أبو داود في (اللباس في لبس الشهرة: ٤٠٣١) .\n(٤) رواه مسلم: في (اللباس: ٥٤٣٤)، والعصفر: نبات يصبغ به، وقد عصفرت الثوب فتعصفر. انظر: \" لسان العرب \" مادة: \" عصفر \".","vol":"1","page":14},{"text":"إذا علمت هذا زاد حرصك على تعلم ذلك وتعليمه، وتفهمه وتفهيمه، خصوصا أن علماء هذه الأمة الخاتمة حذروا من سلوك مسالك الجاهلية النكراء، بعدما رأوا ما وقع فيه فئام الناس من البدع والمحدثات، والتشبه بأهل الجاهلية الجهلاء من الأميين والكتابيين، ووقعوا فيما حذر منه رسول الله ﵌، فكان من نتائج ذلك تأليف الكتب المحذرة من الوقوع في ذلك، فألفت في ذلك مؤلفات عديدة، منها ما يتحدث عن البدع عموما، وفي ضمنه التحذير من مشابهة الكفار، ومنها ما هو خاص بالتحذير من مشابهة الكفار.\nومن هذه المؤلفات هذا المؤلف الذي بين يديك، وهو \" مسائل الجاهلية التي خالف فيها رسول الله ﵌ أهل الجاهلية \" ألف أصله الشيخ أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد ﵀، وتوسع فيها على هذا النحو علامة العراق: الإمام أبو المعالي محمود شكري بن عبد الله الألوسي رحم الله الجميع.\nوقد كنت عزمت على طباعته سنة ١٤١٣ هـ لكن ما يسر الله ذلك، ثم عزمت ثانية هذا العام ١٤٢٢ هـ، فكانت هذه الطبعة، ومن رأى فيها شيئا من الخطأ فليبادر إلى نصيحتي مشكورا، بأن يبينه لي، وليكن رائده في هذا المجال وغيره النصح والإرشاد، والتواصي بالحق، ورحم الله عبدا دلني على خطئي، وأهدى إلي عيوبي، وليكن النصح مقرونا بالدليل من كتاب وسنة، وما كان عليه سلف الأمة، وجزاه الله خيرا.\nهذا وصلى الله على عبده ونبيه محمد وعلى النبيين من قبله وسلم تسليما كثيرا.\nكتبه\nعلي بن مصطفى خلوف\nالخميس ٢ / ٢ / ١٤٣٢هـ\nعنوان المراسلات: دمشق: ص. ب ٢٦٢٥","vol":"1","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>[شيء من ترجمة العلامة الشيخ محمود شكري الألوسي ﵀]</span>\nشيء من ترجمة العلامة الشيخ\nمحمود شكري الألوسي ﵀ - هو أبو المعالي محمود شكري بن عبد الله بن محمد بن أبي الثناء الألوسي.\n- ولد ﵀ في ١٩ / ٩ / ١٢٧٣ هـ في بغداد من بلاد العراق.\n- نشأ ﵀ في بيت علم ودين، فقد كان كثير من أسرته علماء وأدباء، فأبوه عبد الله (ت ١٢٩١) كان عالما، وكذلك جده أبو الثناء محمود صاحب \" روح المعاني \"، وإن كان عنده شيء من البدع، فالله يسامحه، ومن هؤلاء عمه نعمان خير الدين (١) صاحب \" جَلاء العينين \"، فقد كان خيِّرا دَيِّنا عالما وقورا.\n- بدأ أبو المعالي ﵀ في طلب العلم في سن مبكرة جدا، فأخذ عن أبيه مبادئ العربية والخط، ثم بعد وفاة أبيه كفله عمه خير الدين فأخذ عنه، كما أخذ عن مشايخ بلده، ومنهم الشيخ إسماعيل بن مصطفى.\n- أَلَّفَ أبو المعالي ﵀ مؤلفات كثيرة نافعة إن شاء الله، ومن هذه المؤلفات:\n* فتح المنان، وهو كتاب أتم به منهاج التأسيس في الرد على داود بن جرجيس للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن.\n* بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب.\n* شرح مسائل الجاهلية، وهو كتابنا هذا.\n* شرح منظومة عمود النسب.\n- لقد كان الشيخ ﵀ على عقيدة ومنهج السلف الصالح رضوان الله عليهم،\n_________\n(١) لا يجوز التسمية بـ \" خير الدين \" ونحوها لما فيها من تزكية النفس المنهي عنها.","vol":"1","page":16},{"text":"يظهر ذلك جليا في مؤلفاته، وخاصة في \" شرح مسائل الجاهلية \" و\" فتح المنان \".\n- تُوُفِّيَ أبو المعالي ﵀ في اليوم الرابع من شهر شوال عام ١٣٤٢ هـ على أثر مرض ألم به في أواخر شهر رمضان من العام نفسه، نسأل الله تعالى له الرحمة والنجاة من النار، وجزاه على ما قدم للمسلمين خير الجزاء.","vol":"1","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>[مقدمة العلامة الألوسي]</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\nالحمد لله الذي هدانا للدين المبين، وأنار لنا الصراط المستقيم بأوضح البراهين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، الذي أنقذ بشريعته الغراء من جهل الجاهلين، وعلى آله وأصحابه الغر الميامين، الذين جاهدوا في الله حتى أتاهم اليقين.\nأما بعد:\nفيقول العبد المفتقر إلى عفو الله وغفرانه: محمود شكري الألوسيُّ البغداديُّ - كان الله تعالى له، وأحسن عمله، وأناله من الخير أمله-: إني وقفت على رسالة صغيرة الحجم، كثيرة الفوائد، تشتمل على نحو مائة مسألة من المسائل التي خالف فيها رسول الله ﵌ أهل الجاهلية من الأميين والكتابيين، وهي أمور ابتدعوها ما أنزل الله بها من سلطان، ولا أُخِذَتْ عن نبي من النبيين، ألفها الإمام العالم العلامة، القدوة الفَهَّامة محيي السُّنَّة السَّنِيَّة، ومجدد الشريعة النبوية، محدث عصره، وحافظ دهره، تذكرة السلف، وعمدة الخلف (١) تغمده الله تعالى برحمته، وأسكنه فسيح جنته.\nبيد أن مسائل تلك الرسالة في غاية الإيجاز، بل كادت تعد من قبيل الألغاز، قد عبر عن كثير منها بعبارة مجملة، وأتى فيها بدلائل ليست مشروحة ولا مفصلة، حتى أن من ينظرها يظن أنها فهرس كتاب، قد عدت فيه المسائل من غير فصول ولا أبواب، ولاشتمالها على تلك المسائل المهمة، الآخذة بيد المتمسك بها إلى منازل الرحمة، أحببت أن أعلق عليها شرحا يفصل مجملها، وتكشف معضلها،\n_________\n(١) سقط بمقدار سطر، ومؤلف الأصل هو: أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد ﵀.","vol":"1","page":18},{"text":"من غير إيجاز مخل، ولا إطناب ممل، مقتصرا فيه على أوضح الأقاويل، ومبينا ما أورده من برهان ودليل، عسى الله أن ينفع بذلك المسلمين، ويهدي به من يشاء من عباده المتقين، فيكون سببا للثواب، والفوز يوم العرض والحساب، والأمن من أليم العذاب، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>[الأولى التعبد بإشراك الصالحين في عبادة الله تعالى]</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى:\n\nبسم الله الرحمن الرحيم\nهذه مسائل خالف فيها رسول الله ﵌ ما عليه أهل الجاهلية الكتابيين والأميين، مما لا غناء لمسلم عن معرفتها.\nوَالضِّدُّ يُظْهِرُ حُسْنَهُ الضِّدُّ ... ًًًوَبِضِدِّهَا تَتَبَيَّنُ الْأَشْيَاءُ\nوأهم ما فيها وأشده خطرا عدم إيمان القلب بما جاء به الرسول ﵌، فإن انضاف إلى ذلك استحسان دين الجاهلية والإيمان به تمت الخسارة والعياذ بالله تعالى، كما قال عز ذكره: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٢]","vol":"1","page":19},{"text":"المسألة الأولى أنهم يتعبدون بإشراك الصالحين في عبادة الله تعالى، ويرون ذلك من تعظيم الصالحين الذي يحبه الله، ويريدون - أيضا - بذلك شفاعتهم؛ لظنهم أنهم يحبون ذلك\nكما قال تعالى في أوائل \" الزمر \" [٢ - ٣]: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ - أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٢ - ٣]\nوقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]\nوهذه أعظم مسألة خالفهم فيها رسول الله ﵌، فأتى بالإخلاص، وأخبرهم أنه دين الله الذي لا يُقْبَلُ من أحد سواه، وأن مَنْ فَعَلَ ما استحسنوا حرَّم الله عليه الجنة، ومأواه النار.\nوهذه المسألة هي الدين كله، ولأجلها تفرق الناس بين مسلم وكافر، وعندها وقعت العداوة، ولأجلها شرع الجهاد، كما قال تعالى في \" البقرة \" [١٩٣]: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣]","vol":"1","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>[الثانية أنهم متفرقون ويرون السمع والطاعة مهانة ورَذالة]</span>\nالثانية\nأنهم متفرقون، ويرون السمع والطاعة مهانة ورَذالة\nفأمرهم الله بالاجتماع، ونهاهم عن التفرقة:\nفقال عز ذكره: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ - وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢ - ١٠٣]\nيقال: أراد سبحانه بما ذُكِرَ ما كان بين الأوس والخزرج من الحروب التي تطاولت مائة وعشرين سنة، إلى أن ألف سبحانه بينهم بالإسلام، فزالت الأحقاد، قاله ابن إسحاق، وكان يوم بُعاث آخر الحروب التي جرت بينهم، وقد فصل ذلك في \" الكامل \" (١) .\nومن الناس من يقول: أراد ما كان بين مشركي العرب من التنازع الطويل والقتال العريض، ومنه حرب البسوس، كما نقل عن الحسن ﵁.\nوقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ [التغابن: ١٦]\nإلى غير ذلك من الآيات الناصَّة على النهي عن الاستبداد والتفرق وعدم الانقياد والطاعة مما كان عليه أهل الجاهلية.\n_________\n(١) انظر: الكامل في التاريخ لابن الأثير (١ / ٣١٢) وما بعدها.","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>[الثالثة أن مخالفة ولي الأمر وعدم الانقياد له عندهم فضيلة]</span>\nالثالثة أن مخالفة ولي الأمر، وعدم الانقياد له - عندهم - فضيلة، وبعضهم يجعله دينا\nفخالفهم النبي ﵌ في ذلك، وأمرهم بالصبر على جور الولاة والسمع والطاعة والنصيحة لهم، وغلظ في ذلك، وأبدى وأعاد.\nوهذه الثلاث هي التي ورد فيها ما في الصحيح عنه ﵌: «يرضى لكم ثلاثا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم» .\nوروى البخاري عن ابن عباس عن النبي ﵌ قال: «من كره من أميره شيئا فليصبر، فإنه من خرج من السلطان شبرا مات ميتة جاهلية» (١) .\nوروى - أيضا - «عن جُنادة بن أبي أمية، قال: دخلنا على عُبادة بن الصامت وهو مريض، فقلنا: أصلحك الله، حدث بحديث ينفعك الله به سمعته من رسول الله ﵌، قال: دعانا النبي ﵌ فبايَعَنا، فكان فيما أخذ علينا: \" أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان» (٢) .\nوالأحاديث الصحيحة في هذا الباب كثيرة، ولم يقع خلل في دين الناس أو دنياهم إلا من الإخلال بهذه الوصية.\n_________\n(١) متفق عليه: أخرجه البخاري في (الفتن باب قول النبي ﵌: \" سترون بعدي أمورا تنكرونها \": ٥٣ ٧٠) واللفظ له، ومسلم في (الإمارة: ٤٧٩١) .\n(٢) متفق عليه: أخرجه البخاري في (الفتن باب قول النبي ﵌: \" سترون بعدي أمورا تنكرونها \": ٧٠٥٥ و٧٠٥٦) وبنحوه مسلم في (الإمارة: ٤٧٧١) .","vol":"1","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>[الرابعة أن دينهم مبني على أصول أعظمها التقليد]</span>\nالرابعة أن دينهم مبني على أصول: أعظمها التقليد، فهو القاعدة الكبرى لجميع الكفار من الأولين والآخرين\nكما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ - قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣ - ٢٤]\nفأمرهم الله تعالى بقوله: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣]\nوقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [البقرة: ١٧٠] قال: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠]\n. . . إلى غير ذلك مما يدل على أن أهل الجاهلية كانوا في ربقة التقليد، لا يُحكِّمون لهم رأيا، ولا يُشغِلون فكرا؛ فلذلك تاهوا في أودية الجهالة، وهكذا كل من سلك مسلكهم في أي عصر كان (١) .\n_________\n(١) وقد مشى على هذا المسلك الجاهلي من يفرض تقليد الأئمة والعلماء على المسلمين، ويقول إنه واجب شرعي، من المنتسبين للعلم والفتوى أصلحهم الله، فلا حول ولا قوة إلا بالله.","vol":"1","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>[الخامسة الاقتداء بفسقة أهل العلم وجهالهم وعبادهم]</span>\nالخامسة الاقتداء بفسقة أهل العلم وجهالهم وعبادهم فحذرهم الله تعالى من ذلك بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤]\nوقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧]\n. . . إلى آيات أُخَرَ تنادي ببطلان الاقتداء بالفساق وأهل الضلالة والغي، وذلك من سَنَن الجاهلية وطرائقهم المعوجة (١) .\n_________\n(١) قريب من هذه المسألة: المسألة الثانية والسبعون.","vol":"1","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>[السادسة الاحتجاج بما كان عليه أهل القرون السالفة]</span>\nالسادسة الاحتجاج بما كان عليه أهل القرون السالفة من غير تحكيم العقل، والأخذ بالدليل الصحيح وقد أبطل الله تعالى ذلك بقوله في \" طه \" [٤٩ - ٥٤]: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى - قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى - قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى - قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى - الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى - كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ﴾ [طه: ٤٩ - ٥٤] إلخ.\nوقال تعالى في \" القصص \" [٣٦ - ٣٧]: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ - وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [القصص: ٣٦ - ٣٧]\nوقال عز ذكره في سورة \" المؤمنين \" [٢٣ - ٢٥]: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ - فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ - إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٢٣ - ٢٥]\nوقال تعالى في \" ص \" [٦ - ٧] ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ - مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص: ٦ - ٧]\nفجعلوا مدار احتجاجهم على عدم قبول ما جاءت به الرسل أنه لم يكن عليه أسلافهم، ولا عرفوه منهم، فانظر إلى سوء مداركهم، وجمود قرائحهم، ولو كانت لهم أعين يبصرون بها، وآذان يسمعون بها، لعرفوا الحق بدليله، وانقادوا لليقين من غير تعليله، وهكذا أخلافهم وَوُرَّاثهم، قد تشابهت قلوبهم.","vol":"1","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>[السابعة الاعتماد على الكثرة والاحتجاج بالسواد الأعظم]</span>\nالسابعة الاعتماد على الكثرة، والاحتجاج بالسواد الأعظم، والاحتجاج على بطلان الشيء بقلة أهله فأنزل الله تعالى ضد ذلك وما يُبْطِله، فقال في \" الأنعام \" [١١٦ - ١١٧]: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ - إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١١٦ - ١١٧]\nفالكثرة على خلاف الحق لا تستوجب العدول عن اتباعه لمن كان له بصيرة وقلب، فالحق أحق بالاتباع وإن قل أنصاره كما قال تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ [ص: ٢٤] فأخبر الله عن أهل الحق أنهم قليل، غير أن القلة لا تضرهم:\nتُعَيِّرُنَا أَنَّا قَلِيلٌ عَدِيدُنَا ... فَقُلْتُ لَهَا إِنَّ الْكِرَامَ قَلِيلٌ\nفالمقصود أن من له بصيرة ينظر إلى الدليل، ويأخذ ما يستنتجه البرهان وإن قل العارفون به، المنقادون له، ومن أخذ ما عليه الأكثر، وما ألِفَتْهُ العامة من غير نظر الدليل فهو مخطئ، سالك سبيل الجاهلية، مقدوح عند أهل البصائر.","vol":"1","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>[الثامنة الاستدلال على بطلان الشيء بكونه غريبا]</span>\nالثامنة الاستدلال على بطلان الشيء بكونه غريبا فرد الله تعالى ذلك بقوله في \" هود \" [١١٦]: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [هود: ١١٦]\nومعنى الآية: ﴿فَلَوْلَا كَانَ﴾ [هود: ١١٦] تحضيض فيه معنى التفجُّع، أي: فهلَّا كان ﴿مِنَ الْقُرُونِ﴾ [هود: ١١٦] أي: الأقوام المقتربة في زمان واحد ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ﴾ [هود: ١١٦] أي: ذَوُو خصلة باقية من الرأي والعقل، أو ذوو فضل، على أن يكون البقية اسما للفضل، والهاء للنقل، ومن هنا يقال: فلان من بقية القوم أي: من خِيارهم، ومنه قولهم: \" في الزوايا خبايا، وفي الرجال بقايا \"، ﴿يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ﴾ [هود: ١١٦] الواقع فيما بينهم حسبما ذكر في قَصَصهم، وفُسِّر الفساد بالكفر وما اقترن به من المعاصي، ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ [هود: ١١٦] استثناء منقطع أي: ولكن قليلا ممن أنجيناهم؛ لكونهم كانوا ينهون.","vol":"1","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>[التاسعة الاستدلال على المطلوب والاحتجاج بقوم أُعْطوا من القوة في الفهم والإدراك وفي القدرة والْمُلْك ظَنًّا أن ذلك يمنعهم من الضلال]</span>\nفرد الله تعالى ذلك عليهم بقوله سبحانه في \" الأحقاف \" [٢٤ - ٢٦]: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ - تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ - وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٤ - ٢٦]\nومعنى الآية: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٦] أي: قوَّيْنا عادا وأقدرناهم، و\" ما \" في قوله تعالى: ﴿فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾ [الأحقاف: ٢٦] موصولة أو موصوفة، و\" إن \" نافية أي: في الذي، أو في شيء ما مكناكم فيه من السعة والبسطة وطول الأعمار وسائر مبادي التصرفات، كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ [الأنعام: ٦] ولم يكن النفي بلفظ \" ما \" كراهة لتكرير اللفظ، وإن اختلف المعنى، ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً﴾ [الأحقاف: ٢٦] ليستعملوها فيما خلقت له، ويعرفوا بكل منها ما نِيطَتْ به معرفته من فنون النعم، ويستدل بها على شؤون منعمها ﷿، ويداوموا على شكره جل ثناؤه، ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٦] حيث لم يستعملوه في استماع الوحي ومواعظ الرسل، ﴿وَلَا أَبْصَارُهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٦] حيث لم يجتلوا بها الآيات الكونية المرسومة في صحائف الأعمال، ﴿وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٦] حيث لم يستعملوها في معرفة الله تعالى ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٦] أي: شيئا من الأشياء، و\" من \" مزيدة للتوكيد، وقوله: ﴿إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٢٦] تعليل للنفي، ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٦] من العذاب الذي كانوا يستعجلونه بطريق الاستهزاء، ويقولون: ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٢]\nفهذه الآية تُبْطل الاحتجاج بقوم أُعْطوا من القوة في الفهم والإدراك وفي القدرة والملك؛ ظَنًّا أن ذلك يمنعهم من الضلال، ألا ترى أن قوم عاد - لما أخبر عنهم","vol":"1","page":28},{"text":"التنزيل - كانوا من القوة والبسطة في الأموال والأبدان والإدراك وسعة الأذهان وغير ذلك ما لم يكن مثله للعرب الذين أدركوا الإسلام، ومع ذلك ضلوا عن سواء السبيل، وكذبوا الرسل بالأباطيل، فالتوفيق للإيمان بالله ورسله، والإذعان للحق، وسلوك سبله، إنما هو فضل من الله - تعالى - لا لكثرة مال ولا لحسن حال، ومن يرد الحق ويستدل بكون من هو أحسن حالا منه لم يقبله، ولم يحكم عقله، ويتبع ما يوصل إليه الدليل، فقد سلك سبيل الجاهلية، وحاد عن الحجة المرضية.\nومثل هذه الآية: قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩]\nكان اليهود يعلمون من كتبهم رسالة محمد ﵌، وأن الله سيرسل نبيا كريما من العرب، وكانوا من قبل يستفتحون على المشركين ببعثته، ويقولون: يا ربنا أرسل النبي الموعود إرساله؛ حتى ننتصر على الأعداء، فلما جاءهم ما عرفوا، وهو محمد ﵌ كفروا به؛ حسدا منهم أن تكون النبوة في العرب، وهم - بزعمهم - أحسن أثاثا ورِئْيا، ولم يعلموا أن النبوة والإيمان بها فضل من الله يؤتيه من يشاء.\nومثلها - أيضا - قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ - الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [البقرة: ١٤٦ - ١٤٧]\nالضمير في قوله: (يعرفونه) عائد على العلم في قوله: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٤٥] فكتمانهم الحق، وعدم جريهم على مقتضى علمهم لما فيهم من الجاهلية، والاعتقاد أن فضل الله مقصور عليهم، لا يتعداهم إلى غيرهم.\nوآية \" الأنعام \" موافقة لهذه الآية لفظا ومعنى، وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ - الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٩ - ٢٠]","vol":"1","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>[العاشرة الاستدلال بعطاء الدنيا على محبة الله تعالى]</span>\nالعاشرة الاستدلال بعطاء الدنيا على محبة الله تعالى قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ - وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ - قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ - وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ - وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ - قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٤ - ٣٩]\nوقال في سورة \" القصص \" [٤٦ - ٥٠]: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ - وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ - فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ - قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ - فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٤٦ - ٥٠]\nوفي آيات أخرى في سورة \" القصص \" [٧٦ - ٧٨] يقول الله سبحانه: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ - وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ - قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٦ - ٧٨]","vol":"1","page":30},{"text":"إلى آخر الآية.\nفقد كفانا الله تعالى إبطال هذه الْخَصلة الجاهلية بقوله في الآية الأولى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [سبأ: ٣٦] وفي الآية الأخرى بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ﴾ [القصص: ٧٨] فعلمنا من ذلك أن محبة الله ورضى الله إنما يكون بطاعته والانقياد لرسله، والإذعان للحق باتباع البرهان.\nوأما كثرة المال، وسعة الرزق، وعيش الرخاء، فلا دليل فيه على نجاة المنعَم عليه بمثل ذلك، ولو كانت الدنيا وما فيها تعادل عند الله جناح بعوضة ما سقى مَنْ عصاه شربة ماء.\nقال سبحانه: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٣]\nوعلى ذلك قول القائل:\nكَمْ عَالِمٍ عَالِمٍ أَعْيَتْ مَذَاهِبُهُ ... وَجَاهِلٍ جَاهِلٍ تَلْقَاهُ مَرْزُوقَا\nومما ينسب لبعض الأكابر:\nرَضِينَا قِسْمَةَ الْجَبَّارِ فِينَا ... لَنَا عِلْمٌ وَلِلْأَعْدَاءِ مَالُ\nفَإِنَّ الْمَالَ يَفْنَى عَنْ قَرِيبٍ ... وَإِنَّ الْعِلْمَ بَاقٍ لَا يَزَالُ\nوالشواهد كثيرة.\nوالمقصود أن ما كان عليه أهل الجاهلية من كون زخارف الدنيا من الأدلة على قرب من حازها من الله وقبوله عنده، فقول بعيد عن الحق، ومذهب باطل لا ينبغي لمن له بصيرة أن يُعَوِّلَ عليه.","vol":"1","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>[الحادية عشرة الاستدلال على بطلان الشيء بأخذ الضعفاء به]</span>\nالحادية عشرة الاستدلال على بطلان الشيء بأخذ الضعفاء به، وضعف فهم من أخذ به، على ما يدل عليه قول قوم نوح له كما حكاه عنهم الكتاب الكريم\nقال تعالى في سورة \" الشعراء \" [١٠٥ - ١١٥]: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ - إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ - إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ - فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ - وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ - فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ - قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ - قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ - إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ - وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ - إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الشعراء: ١٠٥ - ١١٥]\nفانظر إلى قوم نوح كيف استنكفوا من اتباع نبيهم لسبب اتباع الضعفاء له، وذلك لكون مطمح أنظارهم الدنيا، وإلا لو كانت الآخرة همهم لاتبعوا الحق أينما وجدوه، ولكن لجاهليتهم أعرضوا عن الحق لاتباع شهواتهم.\nوانظر إلى هِرَقْلَ لما كان من العقل والبصيرة على جانب عظيم اعتقد اتباع الضعفاء دليلا على الحق، «فقال في جملة ما سأل أبا سفيان عن رسول الله ﵌. \" وسألتك عن أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم، فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل» (١) .\nومثل ذلك قوله تعالى في سورة \" هود \" [٢٥ - ٢٧]: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ - أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ - فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ [هود: ٢٥ - ٢٧] الآيات.\n_________\n(١) متفق عليه: رواه البخاري في (بدء الوحي: ٧) واللفظ له، من غير لفظه: \" عن \"، وبنحوه مسلم في (الجهاد: ٤٦٠٧) .","vol":"1","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>[الثانية عشرة رميُ من اتبع الحق بعدم الإخلاص وطلب الدنيا]</span>\nالثانية عشرة من خصال أهل الجاهلية: رميُ من اتبع الحق بعدم الإخلاص، وطلب الدنيا\nفرد الله عليهم بقول نبيهم الذي حكاه الله عن نوح في الآية الأولى المذكورة في المسألة الحادية عشرة بقوله: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ - قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ - إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ [الشعراء: ١١١ - ١١٣] الشعراء: [١١١ - ١١٣] .\nومقصودهم أن أتباعك فقراء، آمنوا بك؛ لينالوا مقصدهم من العيش، لا أن إيمانهم كان لدليل يقتضي صحة ما جئت به؛ فلهذا رد عليهم بما رد.","vol":"1","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>[الثالثة عشرة الإعراض عن الدخول في الحق الذي دخل فيه الضعفاء تكبرا وأنفة]</span>\nالثالثة عشرة من خصال أهل الجاهلية: الإعراض عن الدخول في الحق الذي دخل فيه الضعفاء؛ تكبرا وأنفة\nفرد الله تعالى عليهم ذلك بقوله في سورة \" الأنعام \" [٥٢ - ٥٣]: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ - وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٢ - ٥٣]\nومثل ذلك قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى - أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ [عبس: ١ - ٢] وغير ذلك.\nوحاصل الرد أن من آمن من هؤلاء الضعفاء إنما كان إيمانه عن برهان، لا كما زعم خصومهم، ولست أنت بمسؤول عنهم، ولا هم مسؤولون عن حسابك، فطردُهم عن باب الإيمان من الظلم بمكان.","vol":"1","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>[الرابعة عشرة الاستدلال على بطلان الشيء بكونهم أولى به لو كان حقا]</span>\nالرابعة عشرة الاستدلال على بطلان الشيء بكونهم أولى به لو كان حقا قال تعالى في سورة \" الأحقاف \" [١١]: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [الأحقاف: ١١]\nبعد قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأحقاف: ١٠]","vol":"1","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>[الخامسة عشرة الاستدلال بالقياس الفاسد وإنكار القياس الصحيح وجهلهم بالجامع والفارق]</span>\nالخامسة عشرة الاستدلال بالقياس الفاسد، وإنكار القياس الصحيح، وجهلهم بالجامع والفارق قال تعالى في سورة \" المؤمنين \" [٢٤ - ٢٥]: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ - إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٢٤ - ٢٥]\nومعنى الآية: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [المؤمنون: ٢٣] شروع في بيان إهمال الناس، وتركهم النظر والاعتبار فيما عدد سبحانه من النعم قبل هذه الآية، وما حاقهم من زوالها، وفي ذلك تخويف لقريش، وتقديم قصة نوح ﵇ على سائر القصص مما لا يخفى وجهه، فقال متعطفا عليهم، ومستميلا لهم إلى الحق: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [المؤمنون: ٢٣] أي: اعبدوه وحده، ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [المؤمنون: ٢٣] استئناف مسوق لتعليل العبادة المأمور بها، ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٣] الهمزة لإنكار الواقع واستقباحه، والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام، أي: أتعرفون ذلك، أي: مضمون قوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [المؤمنون: ٢٣] فلا تتقون عذابه تعالى الذي يستوجبه ما أنتم عليه من ترك عبادته سبحانه وحده، وإشراككم به ﷿ في العبادة ما لا يستحق الوجود لولا إيجاد الله إياه، فضلا عن استحقاق العبادة، فالمنكر عدم الاتقاء مع تحقق ما يوجبه، ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ﴾ [المؤمنون: ٢٤] أي: الأشراف الذين كفروا من قومه، وُصِفَ الملأ بالكفر مع اشتراك الكل فيه: للإيذان بكمال عراقتهم وشدة شكيمتهم فيه، وليس المراد من ذلك إلا ذمهم دون التميز عن أشراف آخرين آمنوا به ﵇، أو لم يؤمن به أحد من أشرافهم، كما يفصح عنه قوله: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾ [هود: ٢٧] وهذا القول صدر منهم لعوامهم، ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [المؤمنون: ٢٤] أي: في الجنس والوصف من غير فرق بينكم وبينه، وصفوه ﵇ بذلك مبالغة في وضع رتبته العالية، وحطها عن منصب النبوة، ووصفوه بقوله ﷾: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ [المؤمنون: ٢٤] إغضابا للمخاطبين عليه ﵇، وإغراء لهم على معاداته، والتفضل: طلب الفضل، وهو كناية عن السيادة، كأنه قيل: يريد أن يسودكم","vol":"1","page":36},{"text":"ويتقدمكم بادعاء الرسالة مع كونه مثلكم، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾ [المؤمنون: ٢٤] بيان لعدم رسالة البشر على الإطلاق على زعمهم الفاسد بعد تحقيق بشريته ﵇.\nأي: ولو شاء الله تعالى إرسال الرسل لأرسل رسلا من الملائكة، وإنما قيل: لأنزل لأن إرسال الملائكة لا يكون إلا بطريق الإنزال، ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٤] هذا إشارة إلى الكلام المتضمن الأمر بعبادة الله ﷿، خاصة والكلام على تقدير مضاف، أي: ما سمعنا بهذا الكلام في آبائنا الماضين قبل بعثته ﵇، وقدر المضاف لأن عدم السماع بكلام نوح المذكور لا يصلح للرد؛ فإن السماع بمثله كاف في القبول، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [المؤمنون: ٢٥] أي: ما هو إلا رجل به جنون أو جن يخبلونه؛ ولذلك يقول ما يقول، ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٢٥] أي: فاحتملوه، واصبروا عليه، وانتظروا لعله يفيق مما هو فيه: محمول على مرامي أحوالهم في المكابرة والعناد، وإضرابهم عما وصفوه ﵇ به من البشرية، وإرادة التفضل، إلى وصفه بما ترى، وهم يعرفون أنه ﵇ أرجح الناس عقلا، وأرزنهم قولا، وهو محمول على تناقض مقالاتهم الفاسدة - قاتلهم الله تعالى أنى يؤفكون -.\nوالقياس الفاسد والصحيح، والجامع والفارق مفصل في كتب الأصوليين.\nفبين الرسل ﵈ وسائر الناس مشابهة من جهة البشرية ولوازمها الضرورية، فيصح حينئذ قياس الرسل على غيرهم فيها، وعليه قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف: ١١٠]\nوبين الرسل والأنبياء ﵈ وغيرهم من البشر فروق كثيرة:\nمنها: أن الله تعالى اصطفاهم على الناس برسالاته وبكلامه ووحيه، فلا يقاس أحد من الناس بهم حينئذ من هذه الجهة، كما لا يصح قياس غيرهم بهم في سائر خصائصهم التي فُصِّلَتْ في غير هذا الموضع، فالجاهلية لم يميزوا بين القياس الصحيح والفاسد، ولا عرفوا الجامع ولا الفارق، كما سمعت من قياسهم الرسل على غيرهم، وهكذا أتباعهم اليوم ومن هو على شاكلتهم.","vol":"1","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>[السادسة عشرة الغلو في الصالحين من العلماء والأولياء]</span>\nالسادسة عشرة الغلو في الصالحين من العلماء والأولياء كقوله تعالى في سورة \" التوبة \" [٣٠ - ٣٢]: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ - اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ - يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٠ - ٣٢]\nفاتخاذ أحبار الناس أربابا يحللون ويحرمون، ويتصرفون في الكون (١) ويُنادَون في دفع ضر أو جلب نفع من جاهلية الكتابيين، ثم سرى إلى غيرهم من جاهلية العرب، ولهم اليوم بقايا في مشارق الأرض ومغاربها؛ تصديقا لقول النبي ﵌: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كان قبلكم. . .» الحديث (٢) حتى نرى غالب الناس اليوم معرضين عن الله، وعن دينه الذي ارتضاه، متوغلين في البدع، تائهين في أودية الضلال، مُعَادين للكتاب والسنة ومن قام بهما، فأصبح الدين منهم في أنين، والإسلام في بلاء مبين، وحسبنا الله ونعم الوكيل.\n_________\n(١) حسب ما يزعمون.\n(٢) رواه البخاري في (الاعتصام باب قول النبي ﵌: \" لتتبعن سنن من كان قبلكم \": ٧٣٢٠) واللفظ له، ومسلم في (العلم: ٦٧٨١) .","vol":"1","page":38},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>[السابعة عشرة اعتذارهم عن اتباع الوحي بعدم الفهم]</span>\nالسابعة عشرة اعتذارهم عن اتباع الوحي بعدم الفهم قال تعالى في سورة \" البقرة \" [٨٧ - ٨٨]: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ - وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٨٧ - ٨٨]\nوفي سورة \" النساء \" [١٥٥]: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٥٥]\nالغُلْفُ: جمع أَغْلَفَ، كأحمر وحمر، وهو الذي لا يفقه، وأصله ذو القَلَفَة: الذي لم يختن، أو جمع غِلاف، ويجمع على غُلُف بضمتين أيضا.\nوأرادوا على الأول: قلوبنا مغشَّاة بأغشية خلقية مانعة عن نفوذ ما جئت به فيها.\nوهذا كقولهم: ﴿قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ [فصلت: ٥] قصدوا به إقناط النبي ﵌ عن الإجابة، وقطع طمعه عنهم بالكلية.\nومنهم من قال: معنى غُلْف: مغشَّاة بعلوم من التوراة تحفظها أن يصل إليها ما تأتي به، أو بسلامة من الفطرة كذلك.\nوعلى الثاني: أنها أوعية العلم، فلو كان ما تقوله حالا وصدقا لوعته.\nقال ابن عباس (١) وقتادة والسُّدي (٢) أو مملوءة علما، فلا تسع بعدُ شيئا، فنحن مستغنون بما عندنا عن غيره.\n_________\n(١) أخرجه - بنحوه - ابن جرير في تفسيره (١ / ٤٠٧)، وابن أبي حاتم في تفسيره (١ / ٢٧٢) .\n(٢) نسب هذا التفسير إليهما الألوسي في روح المعاني (١ / ٣١٩)، ولم يذكر من أخرجه.","vol":"1","page":39},{"text":"ومنهم من قال: أرادوا أنها أوعية العلم؛ فكيف يحل لنا اتباع الأمي؟ (١) ولا يخفى بُعْدُهُ (٢) .\nوقال تعالى في سورة \" هود \" [٨٩ - ٩١]: ﴿وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ - وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ - قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ [هود: ٨٩ - ٩١]\nوهذه الآية بمعنى الآية الأولى، وقد كذَّبهم الله تعالى في دعواهم هذه في الناس كثيرة، وذكر أن السبب في عدم الفهم إنما هو الطبع على القلوب بكفرهم، لا القصور في البيان والتفهيم.\nوما أحسن قول القائل:\nوَالنَّجْمُ تَسْتَصْغِرُ الْأَبْصَارُ صُورَتَهُ ... وَالذَّنْبُ لِلطَّرْفِ لَا لِلنَّجْمِ فِي الصِّغَرِ\n_________\n(١) وهو عطية العوفي كما في تفسير ابن جرير (١ / ٤٠٧)، وابن أبي حاتم (١ / ٢٧٢) .\n(٢) روح المعاني (١ / ٣١٩) .","vol":"1","page":40},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>[الثامنة عشرة أنهم لا يقبلون من الحق إلا ما تقول به طائفتهم]</span>\nالثامنة عشرة من خصال الجاهلية: أنهم لا يقبلون من الحق إلا ما تقول به طائفتهم\nقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩١]\nومعنى: ﴿نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ٩١] أي: نستمر على الإيمان بالتوراة وما في حكمها مما أنزل في تقرير حكمها، ومرادهم بضمير المتكلم إما أنبياء بني إسرائيل - وهو الظاهر فيه - إيماء إلى أن عدم إيمانهم بالقرآن كان بغيا وحسدا على نزوله على من ليس منهم، وإما أنفسهم، ومعنى الإنزال عليهم: تكليفهم بما في المنزل من الأحكام.\nوذُمُّوا على هذه المقالة لما فيها من التعريض بشأن القرآن، ودسائس اليهود مشهورة، أو لأنهم تأولوا الأمر المطلق العام، ونزلوه على خاص هو الإيمان بما أنزل عليهم، كما هو دَيْدَنهم في تأويل الكتاب بغير المراد منه.\n﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ٩١] أي: هم مقارنون لِحَقِّيَّتِهِ، أي: عالمون بها.\n﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾ [البقرة: ٩١] لأن كُتُب الله يُصَدِّق بعضها بعضا، فالتصديق لازم لا ينتقل، وقد قررت مضمون الخبر؛ لأنها كالاستدلال عليه، ولهذا تضمنت رد قولهم: ﴿نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ٩١] حيث إن من لم يصدق بما وافق التوراة لم يصدق بها.\n﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩١] أمر للنبي ﵌ أن يقول ذلك تبكيتا لهم، حيث قتلوا الأنبياء مع ادعاء الإيمان بالتوراة، وهي لا تُسَوِّغُهُ.","vol":"1","page":41},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>[التاسعة عشرة الاعتياض عن كتاب الله تعالى بكتب السحر]</span>\nالتاسعة عشرة من خصالهم: الاعتياض عن كتاب الله تعالى بكتب السحر\nكما قال تعالى في سورة \" البقرة \" [١٠١ - ١٠٢]: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ - وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠١ - ١٠٢]\nوالكلام على هذه الآية في التفاسير مشهور.\nوهذه الخصلة الجاهلية موجودة اليوم في كثير من الناس، لا سيما من انتسب إلى الصالحين وهو عنهم بمراحل، فيتعاطى الأعمال السحرية من إمساك الحيات، وضرب السلاح، والدخول في النيران، وغير ذلك مما وردت الشريعة بإبطاله، فأعرضوا ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، واتبعوا ما ألقاه إليهم شياطينهم، وادعوا أن ذلك من الكرامات، مع أن الكرامة لا تصدر عن فاسق، ومن يتعاطى تلك الأعمال فسقهم ظاهر للعيان، ولذا اتخذوا دينهم لعبا ولهوا، وفي مثلهم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤]","vol":"1","page":42},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>[العشرون تناقضهم في الانتساب]</span>\nالعشرون تناقضهم في الانتساب فينتسبون إلى إبراهيم ﵇ وإلى الإسلام مع إظهارهم ترك ذلك، والانتساب إلى غيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>[الحادية والعشرون تحريف كلام الله من بعد ما عقلوه وهم يعلمون]</span>\nالحادية والعشرون تحريف كلام الله من بعد ما عقلوه وهم يعلمون ولكم في هذا العصر من هو على شاكلتهم، تراه يصرف النصوص ويؤولها إلى ما يشتهيه من الأهواء.","vol":"1","page":43},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>[الثانية والعشرون تحريف العلماء لكتب الدين]</span>\nالثانية والعشرون تحريف العلماء لكتب الدين قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ - فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٨ - ٧٩]\nومن نظر إلى قضاة هذا الزمان وما تلاعبوا به من الأحكام، وصرف النصوص إلى ما تهواه أنفسهم، وتبديل الحق وإبطاله، بما ينالونه من الرِّشا وغير ذلك مما هم عليه اليوم، تبين لهم من ذلك بحر لا ساحل له.\nوهكذا بعض المبتدعة وغلاة القبور، وقد بُيِّنَ حالهم في غير هذا الموضع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>[الثالثة والعشرون معاداة الدين الذي انتسبوا إليه أشد العداوة وموالاتهم لمذهب الكفار]</span>\nالثالثة والعشرون وهي من أعجب المسائل والخصال: معاداة الدين الذي انتسبوا إليه أشد العداوة، وموالاتهم لمذهب الكفار الذين فارقوفم أكمل الموالاة\nكما فعلوا مع النبي ﵌ لما أتاهم بدين موسى، واتبعوا كتب السحر، وهو من دين آل فرعون.\nومثل هؤلاء في الأمة الإسلامية كثير، هجروا السُّنَّة، وعادوها، ونصروا أقوال الفلاسفة وأحكامهم.","vol":"1","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>[الرابعة والعشرون عدم قبولهم من الحق إلا ما قالته طائفتهم والكفر بما مع غيرهم من الحق]</span>\nالرابعة والعشرون أنهم لما افترقوا - وكل طائفة لا تقبل من الحق إلا ما قالته طائفتهم - كفروا (١) بما مع غيرهم من الحق\nقال تعالى في \" سورة البقرة \" [١١٣]: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [البقرة: ١١٣]\nولا شك أن هذه من الخصال الجاهلية، وعليه اليوم كثير من الناس، لا يعتقد الحق إلا معه، لا سيما أرباب المذاهب، يرى كل أهل مذهب أن الدين معه لا يعدوه إلى غيره، و﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٣]\nوَكُلٌّ يَدَّعِي وَصْلًا لِلَيْلَى ... وَلَيْلَى لَا تُقِرُّ لَهُمْ بِذَاكَا (٢)\nوالحزم أن ينظر إلى الدليل، فما قام عليه الدليل فهو الحق الحريُّ أن يُتَلَقَّى بالقبول، وما ليس عليه برهان ولا حجة يُنْبَذ وراء الظهور، وكل أحد يؤخذ من قوله ويُرَد إلا من اصطفاه الله لرسالته.\n_________\n(١) في الأصل: \" وكفروا \" ولعل الصواب ما أثبته.\n(٢) لا أرى الاستشهاد بمثل هذه الأبيات، خصوصا في الكتب الشرعية، ففي ترتيب القاموس المحيط (ص ٦٢٠) جـ ٤، مادة: \" وصل \": ووَصَلَهُ وَصْلًا وَصِلَةً. وَوَاصَلَهُ مُوَاصَلَةً وَوِصَالًا: كلاهما يكون في عفاف الحب ودعارته اهـ.","vol":"1","page":45},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>[الخامسة والعشرون ادعاء كل فرقة أنها هي الناجية]</span>\nالخامسة والعشرون أنهم لما سمعوا قوله ﵌ في حديث الافتراق: «وستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة» ادعى كل فرقة أنها هي الناجية\nكما حكى الله عن اليهود والنصارى في قوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [البقرة: ١١٣]\nمع أن النبي ﵌ بَيَّنَ في آخر الحديث المراد من الفرقة الناجية، فقال: «وهم ما كنت أنا عليه وأصحابي» أو كما قال (١) .\nورد الله تعالى عليهم بقوله: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ - بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ١١١ - ١١٢]\nوالمقصود أنهم ليس لهم برهان على هذه الدعوى، بل الدليل على خلاف ذلك.\nوأبو العباس تقي الدين تكلم على حديث الفِرَق في كتابه \" منهاج السنة \" بما لا مزيد عليه، حيث استدل به الرافضي على حقية (٢) مذهبه وبطلان مذهب أهل السنة، فراجعه إن أردته (٣) .\n_________\n(١) رواه بلفظ: \" ما أنا عليه وأصحابي \" الترمذي في جامعه (كتاب الإيمان باب ما جاء في افتراق هذه الأمة: ٢٦٤١) - وهو حديث حسن - وغيره في غيره.\n(٢) في الأصل: حقيقة، ولعل الصواب ما أثبته.\n(٣) منهاج السنة النبوية (٣ / ٤٤٣ - ٥٠٦) .","vol":"1","page":46},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>[السادسة والعشرون أنهم أنكروا ما أقروا أنه من دينهم]</span>\nالسادسة والعشرون أنهم أنكروا ما أقروا أنه من دينهم كما فعلوا في حج البيت، فتعبدوا بإنكاره والبراءة منه مع ذلك الإقرار.\nكما قال تعالى في سورة \" البقرة \" [١٢٥]: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] إلى أن قال: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ - إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ - وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِي إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٠ - ١٣٢]\nيقال: إن سبب نزول قوله: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ﴾ [البقرة: ١٣٠]) إلخ ما رُوِيَ أن عبد الله بن سلَام دعا ابني أخيه: سَلَمَةَ ومهاجِرا إلى الإسلام، فقال: قد علمتما أن الله تعالى قال في التوراة: إني باعث من ولد إسماعيل نبيا اسمه أحمد، فمن آمن به فقد اهتدى ورشد، ومن لم يؤمن به فهو ملعون، فأسلم سلمة، وأبى مهاجر، فنزلت (١) انتهى (٢) .\n_________\n(١) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير (١ / ١٤٧) ونسبه لمقاتل.\n(٢) من أدلة هذه المسألة: قوله تعالى: \"وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب\" [البقرة: ١١٣] . قال ابن عباس: إن كلا يتلو في كتابه تصديق من كفر به، أن يكفر اليهود بعيسى، وعندهم التوراة فيها ما أخذ الله عليهم على لسان موسى بالتصديق بعيسى ﵇، وفي الإنجيل ما جاء به عيسى بتصديق موسى ﵇، وما جاء من التوراة من عند الله، وكل يكفر بما في يد صاحبه. اهـ. ذكره ابن كثير في \" تفسيره \"، وهذا من تناقضهم وتباغضهم وتعاديهم وتعاندهم، وهو من مسائل الجاهلية.","vol":"1","page":47},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>[السابعة والعشرون التعبد بكشف العورات]</span>\nالسابعة والعشرون التعبد بكشف العورات قال تعالى في سورة \" الأعراف \" [٢٨ - ٢٩]: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ - قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٨ - ٢٩]\nقال بعض المفسرين: الفاحشة هنا: الفعلة القبيحة المتناهية في القبح، والتاء إما لأنها مُجراة على الموصوف المؤنث، أي: فعلة فاحشة، وإما للنقل من الوصفية إلى الاسمية، والمراد بها هنا: عبادة الأصنام، وكشف العورة في الطواف، ونحو ذلك.\nوعن الفراء تخصيصها بكشف العورة.\nوفي الآية حذف، أي: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ [الأعراف: ٢٨] فنهوا عنها ﴿قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ [الأعراف: ٢٨] محتجين بأمرين: بتقليد الآباء، والافتراء على الله.\nوكان من سُنَّة الْحُمْس (١) أنهم لا يخرجون أيام المواسم إلى عرفات، إنما يقفون بالمزدلفة، وكانوا لا يسلأون، ولا يأقطون، ولا يرتبطون عنزا ولا بقرة، ولا يغزلون صوفا ولا وبرا، ولا يدخلون بيتا من الشعر والْمَدر، وإنما يكتنُّون بالقباب الحمر في الأشهر الحرم، ثم فرضوا على العرب قاطبة أن يَطَّرحوا أزواد الحل إذا دخلوا الحرم، وأن يتركوا ثياب الحل، ويستبدلوها بثياب الحرم، إما اشتراء، وإما عارية، وإما هبة، فإن وجدوا ذلك فيها وإلا طافوا بالبيت عَرايا.\n_________\n(١) الحمس: قريش وما ولدت، ومن دان بدينها، وقد سموا كذلك من باب أنهم تحمسوا في دينهم، وهو الشدة في الدين والصلابة.","vol":"1","page":48},{"text":"وفرضوا على نساء العرب مثل ذلك، غير أن المرأة كانت تطوف في درج مُفَرَّج القوائم والمواخير.\nقالت امرأة وهي تطوف بالبيت:\nاليوم يبدو بعضه أو كله ... وما بدا منه فلا أحله\nأختم مثل القعب باد ... ظله كأن حمى خيبر تمله\nوكلفوا العرب أن يفيضوا من مزدلفة، وقد كانوا يفيضون من عرفة، إلى غير ذلك من الأمور التي ابتدعوها وشرعوها مما لم يأذن به الله.\nومع ذلك كانوا يدعون أنهم على شريعة أبيهم إبراهيم ﵇، وما ذلك إلا لجاهليتهم.\nوغالب من ينتمي إلى الإسلام اليوم ابتدعوا في الدين ما لم يأذن به الله، فمنهم من اتخذ ضرب المعازف وآلات اللهو عبادة يتعبدون بها في بيوت الله ومساجده، ومنهم من اتخذ الطواف على القبور والقصد إليها والنذور أخلص عبادته وأفضل قرباته، ومنهم من ابتدع الرهبانية والحيل الشيطانية، وزعم أنه سلك سبيل الزهاد وطريق العباد، ومقصده الأعلى نيل شهواته الحيوانية، والفوز بهذه الدنيا الدنية، إلى غير ذلك مما يطول، ولا يعلم ماذا يقول.\nإِلَى دَيَّانِ يَوْمِ الدِّينِ نَمْضِي ... وَعِنْدَ اللَّهِ تَجْتَمِعُ الْخُصُومُ (١) .\n_________\n(١) هذا البيت لأبي العتاهية كما في ديوانه (ص ٢٠٩) .","vol":"1","page":49},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>[الثامنة والعشرون التعبد بتحريم الحلال]</span>\nالثامنة والعشرون التعبد بتحريم الحلال فَرَدَّ الله تعالى ذلك عليهم بقوله في سورة \" الأعراف \" [٣١ - ٣٣]: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ - قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ - قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣١ - ٣٣]\nومعنى الآيات: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] أي: ثيابكم لمواراة عوراتكم عند طواف أو صلاة.\nوسبب النزول: أنه كان أناس من الأعراب يطوفون بالبيت عراة، حتى إن كانت المرأة لتطوف بالبيت وهي عريانة، فتعلق على سُفْلها سُيورا مثل هذه السيور التي تكون على وجه الْحُمْر من الذباب، وهي تقول:\nاليوم يبدو بعضه أو كله ... وما بدا منه فلا أحله\nفأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [الأعراف: ٣١] مما طاب لكم (١) .\nقال الكلبي: كان أهل الجاهلية لا يأكلون من الطعام إلا قوتا، ولا يأكلون دسما في أيام حجهم، يعظمون بذلك حجهم، فقال المسلمون: يا رسول الله نحن أحق بذلك، فأنزل الله تعالى الآية.\nوفيه يظهر وجه ذكر الأكل والشرب هنا.\n_________\n(١) روى مسلم في (التفسير: ٧٥٥١) عن ابن عباس ﵄: كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة، فتقول: مَنْ يُعيرني تطوافا؟ تجعله على فرجها، وتقول:\nاليوم يبدو بعضه أو كله ... فما بدا منه فلا أحله\nفنزلت هذه الآية: (خذوا زينتكم عند كل مسجد) .","vol":"1","page":50},{"text":"﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١] بتحريم الحلال، كما هو المناسب لسبب النزول.\n﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١] بل يبغضهم، ولا يرضى أفعالهم.\n﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ [الأعراف: ٣٢] من الثياب وكل ما يُتَجَمَّل به، وخلقها لنفعهم من الثياب كالقطن والكتان والحيوان كالحرير والصوف.\n﴿وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢] أي: المستلذَّات، وقيل: المحلَّلات من المآكل والمشارب كلحم الشاة وشحمها ولبنها.\n﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الأعراف: ٣٢] أي: هي لهم بالأصالة لمزيد كرمهم على الله تعالى والكفرة - وإن شاركوهم فيها - فبالتبع، فلا إشكال في الاختصاص.\n﴿خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: ٣٢] أي: لا يشاركهم فيها غيرهم.\n﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٢] أي: مثل تفصيلنا هذا الحكم نفصل سائر الأحكام لمن يعلم ما في تضامينها من المعاني الرائقة.\n﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ﴾ [الأعراف: ٣٣] أي: ما تزايد قبحه من المعاصي، ومنه ما يتعلق بالفروج.\n﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأعراف: ٣٣] بدل من الفواحش، أي: جهرها وسرها.\nوعن البعض: ﴿مَا ظَهَرَ﴾ [الأعراف: ٣٣] الزنى علانية، ﴿وَمَا بَطَنَ﴾ [الأعراف: ٣٣] الزنى سرا (١) وكانوا يكرهون الأول، ويفعلون الثاني، فنهوا عن ذلك مطلقا.\nوعن مجاهد: ﴿مَا ظَهَرَ﴾ [الأعراف: ٣٣] التعري في الطواف، ﴿وَمَا بَطَنَ﴾ [الأعراف: ٣٣] الزنى.\nوالبعض يقول: الأول: طواف الرجال بالنهار، والثاني: طواف النساء بالليل عاريات.\n﴿وَالْإِثْمَ﴾ [الأعراف: ٣٣] أي: ما يوجب الإثم، وأصله الذم، ثم أطلق على ما يوجبه من مطلق الذنب، وذكر للتعميم بعد التخصيص بناء على ما تقدم من معنى الفواحش.\n_________\n(١) وهذا أحد أقوال ابن عباس في الآية، وبه قال سعيد بن جبير، كما في زاد المسير (٣ / ٣٤) .","vol":"1","page":51},{"text":"ومنهم من قال: إن الإثم هو الخمر، وعليه أهل اللغة (١) وأنشدوا له قول الشاعر:\nنهانا رسول الله أن نقرب الزنى ... وأن نشرب الإثم الذي يوجب الوزرا\nوقول الآخر:\nشربت الإثم حتى ضل عقلي ... كذاك الإثم يذهب بالعقول\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>[التاسعة والعشرون الإلحاد في أسمائه وصفاته]</span>\nالتاسعة والعشرون الإلحاد في أسمائه وصفاته قال سبحانه في سورة \" الأعراف \" [١٨٠]: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠]\nتفسير هذه الآية: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠] تنبيه للمؤمنين على كيفية ذكره تعالى، وكيفيه المعاملة مع المخلين بذلك الغافلين عنه سبحانه، وعما يليق بشأنه إثر بيان غفلتهم التامة، وضلالتهم الطامة.\n﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] إما من الدعوة بمعنى التسمية كقولهم: دعوته زيدا، أو بزيد، أي: سميته، أو الدعاء بمعنى النداء كقولهم: دعوت زيدا، أي: ناديته.\n﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف: ١٨٠] أي: يميلون وينحرفون فيها عن الحق إلى الباطل، يقال: أَلْحَدَ إذا مال عن القصد والاستقامة، ومنه: لَحْد القبر لكونه في جانبه بخلاف الضريح، فإنه في وسطه.\nوالإلحاد في أسمائه سبحانه أن يسمى بلا توقيف فيه، أو بما يُوهِم معنى فاسدا، كما في قول أهل البدو: يا أبا المكارم، يا أبيض الوجه، يا سخي، ونحو ذلك، فالمراد بترك المأمور به الاجتناب عن ذلك، وبأسمائه ما أطلقوه عليه تعالى وسموه به على زعمهم، لا أسماؤه تعالى حقيقة، وعلى ذلك يحمل ترك الإضمار بأن\n_________\n(١) أنكر بعض أهل اللغة أن يكون الإثم من أسماء الخمر، انظر: اللسان \" أثم \"، وتاج العروس \" أثم \".","vol":"1","page":52},{"text":"يقال: يُلْحِدون بها (١) .\nوقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ [الرعد: ٣٠]\nوهذه الآية في سورة \" الرعد \".\nعن قتادة وابن جريج ومقاتل أن الآية نزلت في مشركي مكة لما رأوا كتاب الصلح يوم الحديبية، وقد كتب فيه علي ﵁: \" بسم الله الرحمن الرحيم \"، فقال سهيل بن عمرو: ما نعرف الرحمن إلا مسيلمة.\nومنهم من قال: «سمع أبو جهل قول رسول الله ﵌: \" يا الله يا رحمن \"، فقال: إن محمدا ينهانا عن عبادة الآلهة وهو يدعو إلهين، فنزلت» (٢) .\nوعن بعضهم أنه لما قيل لكفار قريش: ﴿اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان: ٦٠] قالوا: ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠] فنزلت (٣) .\nوقيل غير ذلك مما يطول.\nوقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ - وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ - وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢١ - ٢٣]\nوهذه الآية إخبار أن أهل الجاهلية كانوا يلحدون في صفاته، كما كانوا يلحدون في أسمائه تعالى.\n_________\n(١) ومن ذلك قول بعضهم: يا أبا غيمة زرقاء، يا ساتر، يا ستار، يا معطي، يا معين، يا مجير، يا هو، يا موجود في كل وجود - وهذا كفر أكبر نسأل الله العافية، ومثلها في الكفر: يا من لا هو إلا هو - وعلة الوجود، والعلة الأولى، والذات الإلهية.\n(٢) ذكر هذا الأثر البغوي في تفسيره (٣ / ١٩)، وابن الجوزي في تفسيره (٤ / ٣٢٩) .\n(٣) ذكره البغوي في تفسيره (٣ / ١٩)، والواحدي في أسباب النزول (ص ٢٧٣)، وابن الجوزي في زاد المسير (٤ / ٣٢٩)، ونسبوه لابن عباس.","vol":"1","page":53},{"text":"أخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وجماعة عن ابن مسعود، قال: «كنت مستترا بأستار الكعبة، فجاء ثلاثة نفر: قرشي وثقفيان، أو ثقفي وقرشيان، كثير لحم بطونهم، قليل فقه قلوبهم، فتكلموا بكلام لم أسمعه، فقال أحدهم: أترون الله يسمع كلامنا هذا؟ فقال الآخر: إذا رفعنا أصواتنا يسمعه، وإذا لم نرفع لم يسمع، فقال الآخر: إن سمع منه شيئا سمعه كله. قال: فذكرت ذلك للنبي ﵌ فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [فصلت: ٢٢]) إلى قوله: ﴿مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٣]» (١) .\nفهذا هو الإلحاد في الصفات.\nوأنت تعلم أن ما عليه أكثر المتكلمين المسلمين من الإلحاد في الأسماء والصفات فوق ما كان عليه أهل الجاهلية، فسموا الله بأسماء ما أنزل الله بها من سلطان، ومنهم من قال: ليس لله صفات قامت به، ومنهم من قال: صفاته ليست عين ذاته ولا غيره، ومنهم من قال: إن صفاته غيره، ومنهم من قال: إن الله لم يتكلم بالكتب التي أنزلها، وأثبتوا له الكلام النفسي، وأنه لم يكلم أحدا من رسله، إلى غير ذلك من الإلحاد الذي حشوا به كتبهم، وملؤوها من الهذيان، وظنوا أن الآية مختصة بأهل الجاهلية، وما دروا أنهم الفرد الكامل لعمومها (٢) على العرش استوى [طه: ٥]؟ لا حول ولا قوة إلا بالله. .\nومن بصره الله تعالى ونور قلبه أعرض عن أخذ عقائده من كتب هؤلاء الطوائف، وتلقى معرفة إلهه من كتب السلف المشتملة على نصوص الكتاب والسنة.\n_________\n(١) رواه أحمد في المسند (١ / ٣٨١ - ٤٠٨ - ٤٢٦ - ٤٤٢ - ٤٤٣)، والبخاري بنحوه في (التفسير وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين: ٤٨١٧)، وفي (التوحيد وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم: ٧٥٢١)، ومسلم بنحوه في (صفات المنافقين وأحكامهم: ٧٠٢٩)، والترمذي بنحوه برقم (٣٢٤٨ و٣٢٤٩)، والنسائي في السنن الكبرى (كتاب التفسير قوله تعالى: وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم: ١١٤٦٨) (٦ / ٤٥١) .\n(٢) وقد قال بعض هؤلاء الملاحدة: إن الله في الكون كالزبدة في الحليب يعني (مبعثر) تعالى الله عن ذلك، وقالوا لوالدي - حفظه الله - يوما وقد كان معهم: أترى هذا الكلب، فقال: نعم، قالوا: فيه جزء من الله، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وأين هم من عقيدة الأنبياء والمؤمنين في علو الرحمن فوق عرشه فوق سماواته، وأنه.","vol":"1","page":54},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>[الثلاثون نسبة النقائص إليه سبحانه كالولد والحاجة]</span>\nالثلاثون نسبة النقائص إليه سبحانه كالولد والحاجة فإن النصارى قالوا: ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠] وطائفة من العرب قالوا: الملائكة بنات الله، وقوم من الفلاسفة قالوا بتوليد العقول، وقوم من اليهود قالوا: العزير ابن الله (١) إلى غير ذلك.\nوقد نزه الله نفسه عن كل ذلك ونفاه بقوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ - اللَّهُ الصَّمَدُ - لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ - وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١ - ٤]\nوقوله: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ - وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الصافات: ١٥١ - ١٥٢]\nوقوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ - بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٠٠ - ١٠١]\nوهذا يعم جميع الأنواع التي تذكر في هذا الباب عن بعض الأمم، كما أن ما نفاه من اتخاذ الولد يعم - أيضا - جميع أنواع الاتخاذات، لا اصطفاؤه.\nكما قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [المائدة: ١٨]\nقال السُّدِّيُّ: قالوا: إن الله تعالى أوحى إلى إسرائيل: أن ولدك بِكْري من الولد، فأُدْخِلُهم النارَ، فيكونون فيها أربعين يوما حتى تطهرهم، وتأكل خطاياهم، ثم ينادي مناد: أخرجوا كل مختون من بني إسرائيل.\n_________\n(١) هذا قولهم كلهم، قال تعالى: وقالت اليهود عزير ابن الله [التوبة ٣٠] .","vol":"1","page":55},{"text":"وقد قال الله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ [المؤمنون: ٩١]\nوقال: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ [الإسراء: ١١١]\nوقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا - الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ١ - ٢]\n﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ - لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ - يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ - وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٩]\nوقال ﷾: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ - وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ [النحل: ٥١ - ٥٢] إلى قوله: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا﴾ [النحل: ٥٦] إلى قوله: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [النحل: ٥٧]\nوقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا - أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا - وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا - قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٩ - ٤٢]\nوقال: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ - أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ - أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ - وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ - أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ - مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ - أَفَلَا تَذَكَّرُونَ - أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ - فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ - وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ - سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ - إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ - فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ - مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ - إِلا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ١٤٩ - ١٦٣]","vol":"1","page":56},{"text":"وقال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى - وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى - أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى - تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى - إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٣] إلى قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى﴾ [النجم: ٢٧]\nوقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ [الزخرف: ١٥]\nقال بعض المفسرين: ﴿جُزْءًا﴾ [الزخرف: ١٥] أي: نصيبا وبعضا.\nوقال بعضهم: جعلوا لله نصيبا من الولد.\nوعن قتادة ومقاتل: عدلا.\nوكلا القولين صحيح، فإنهم يجعلون له ولدا، والولد يشبه أباه.\nولهذا قال: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ [الزخرف: ١٧] أي: البنات.\nكما قال في الآية الأخرى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى﴾ [النحل: ٥٨]\nفقد جعلوها للرحمن مثلا، وجعلوا له من عباده جزءا، فإن الولد جزء من الوالد، قال ﵌: «إنما فاطمة بضعة مني» (١) .\nوقوله في \" الأنعام \" [١٠٠]: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٠]\nقال الكلبي: \" نزلت في الزنادقة، قالوا: إن الله وإبليس شريكان، فالله خالق النور والناس والدواب والأنعام، وإبليس خالق الظلمة والسباع والحيات والعقارب \".\nوأما قوله: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨]\nفقيل: هو قولهم: الملائكة بنات الله، وسمي الملائكة جنا؛ لاختفائهم عن الأبصار، وهو قول مجاهد وقتادة.\n_________\n(١) رواه مسلم في (فضائل الصحابة: ٦٣٠٨)، وله تتمة: \" يؤذيني ما آذاها \".","vol":"1","page":57},{"text":"وقيل: قالوا لحي من الملائكة يقال لهم: الجن، ومنهم إبليس: هم بنات الله (١) .\nوقال الكلبي: قالوا - لعنهم الله -: بل بذور يخرج منها الملائكة.\nوقوله: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٠]\nقال بعض المفسرين: هم كفار العرب، قالوا: الملائكة والأصنام بنات الله، واليهود قالوا: عزير ابن الله، والذين كانوا يقولون من العرب: إن الملائكة بنات الله، وما نقل عنهم من أنه صاهَرَ الجن، فولدت له الملائكة، فقد نفاه عنه بامتناع الصاحبة، وبامتناع أن يكون منه جزء، فإنه صمد.\nوقوله: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠١] وهذا لأن الولادة لا تكون إلا من أصلين، سواء في ذلك توالد الأعيان - وتسمى الجواهر - وتوالد الأعراض (٢) والصفات، بل ولا يكون تولد الأعيان إلا بانفصال جزء من الوالد، فإذا امتنع أن تكون له صاحبة امتنع أن يكون له ولد، وقد علموا كلهم أن لا صاحبة له، لا من الملائكة، ولا من الجن، ولا من الإنس، فلم يقل أحد منهم: إن له صاحبة؛ فلهذا احتج بذلك عليهم، وما حُكِيَ عن بعض كفار العرب أنه صاهر الجن فهذا فيه نظر، وذلك إن كان قد قيل فهو مما يعلم انتفاؤه من وجوه كثيرة، وكذلك ما قالته النصارى من أن المسيح ابن الله، وما قاله طائفة من اليهود أن العزير ابن الله، فإنه قد نفاه سبحانه بهذا وهذا.\nوتمام الكلام في هذا المقام في كتاب \" الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح \" (٣) و\" تفسير سورة الإخلاص \" (٤) وغيرهما من كتب شيخ الإسلام تقي الدين قدس الله روحه.\n_________\n(١) ذكره البغوي في تفسيره (٤ / ٤٤) ونسبه لابن عباس، لكن الحق أن إبليس لم يكن من الملائكة، بل إبليس \"كان من الجن ففسق عن أمر ربه\" [الكهف: ٥٠] .\n(٢) الجواهر والأعراض من مصطلحات وكلام المتفلسفة، فليته أعرض عنها، واستعمل بدلا منها الألفاظ الشرعية.\n(٣) (٣ / ٢٠٢ - ٢١٢) .\n(٤) مجموع الفتاوى (١٧/ ٢٦٨ - ٢٧٦) .","vol":"1","page":58},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>[الحادية والثلاثون تنزيه المخلوق عما نسبوه للخالق]</span>\nالحادية والثلاثون تنزيه المخلوق عما نسبوه للخالق مثل: تنزيه أحبارهم عن الولد والحاجة؛ لأنهم يقولون: إن الراغبين في استحصال الكمالات كالرهبان وأضرابهم يترفعون عن أن يتدنسوا بدناءة التمتع بالنساء، اقتداء بالمسيح ﵇.\nفانظر إلى سخافة العقول، وما قادهم إليه ضلالهم حتى اعترضوا على سيدنا ومولانا محمد ﵌ في زواجه.\nومن أحسن ما قاله الفاروقيُّ ردا على بعض أحبار النصارى:\nقُلْ لِلْفِرِسْنَلِ قُدْوَةِ الرُّهْبَانِ ... الْجَاثَليق (١) البتْرِكِ الرَّبَّاني (٢)\nأنت الذي زعم الزواج نقيصة ... ممن حماه الله عن نقصان\nونسيت تزويج الإله بمريمٍ ... في زعم كل مُثَلِّثٍ نصراني (٣)\nومن جعل من العرب الملائكة بنات الله كان يأنف منهن، وسن وأدهن وقتلهن، ونسبوا لله ما يكرهون.\nوالمقصود أن هذه المقالات وأشباهها منشؤها الجهل بما جاءت به الرسل، وعدم تحكيم العقل، وإلا فأهل البصائر لا يتطرق إليهم هذا الخلل، والله الموفق.\n_________\n(١) الجاثليق - بفتح الثاء المثلثة - رئاسة دينية للنصارى في بلاد المسلمين.\n(٢) هذا عندهم طبعا.\n(٣) بل يؤمنون بنبوة داود وسليمان وغيرهما ﵈ ويعلمون أنهما كان لديهما نساء كثيرات، لكنه الكفر بمحمد ﵌ عنادا، وقد ذكر هذه الأبيات نعمان الألوسي في \" الجواب الفسيح لما لفَّقَه عبد المسيح \" (١ / ٥١٢) ونسبها للفاروقي.\nوالفرسنل الذي ذكره الفاروقي كان من مشهوري مدرسي النصارى، ورد بغداد عام ١٢٦٩هـ، وأورد على محمد الألوسي والد نعمان أسئلة كان من ضمنها سؤاله عن زواج النبي ﵌، وزعمه أن ذلك ينافي الكمال، فأجابه الألوسي بأجوبة مفحمة. انظر: الجواب الفسيح (١ / ٥١١ - ٥١٢) .","vol":"1","page":59},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>[الثانية والثلاثون القول بالتعطيل]</span>\nالثانية والثلاثون القول بالتعطيل، كما كان يقوله آل فرعون والتعطيل: إنكار أن يكون للعالم صانع (١) كما قال فرعون لقومه: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] ونحو ذلك.\nولم يخل العالم عن مثل هذه الجهالات في كل عصر من العصور، وأبناء هذا الزمان إلا النادر على هذه العقيدة الباطلة، ولو نظروا بعين الإنصاف والتدبر لعلموا أن كل موجود في العالم يدل على خالقه وبارئه:\nوَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ... تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدُ\nومن أين للطبيعة إيجاد مثل هذه الدقائق التي نجدها في الآفاق والأنفس، وهي عديمة الشعور لا علم لها ولا فهم - تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا -.\n_________\n(١) انظر في التعطيل وأنواعه: الجواب الكافي لابن القيم (ص ١٥٣) .","vol":"1","page":60},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>[الثالثة والثلاثون الشركة في الملك]</span>\nالثالثة والثلاثون الشركة في الملك، كما تقوله المجوس والمجوس أمة تعظم الأنوار والنيران والماء والأرض، ويقرون بنبوة زرادِشْتَ، ولهم شرائع يصيرون إليها.\nوهم فرق شتى:\nمنهم الْمَزْدَكِيَّة أصحاب مَزْدَكَ الْمُوبَذ، والموبذ - عندهم -: العالم القدوة، وهؤلاء يرون الاشتراك في النساء والمكاسب كما يشترك في الهواء والطرق وغيرها.\nومنهم الْخُرَّمية: أصحاب بابِكَ الْخُرَّمِيِّ، وهم شر طوائفهم، لا يقرون بصانع ولا معاد ولا نبوة ولا حلال ولا حرام.\nوعلى مذهبهم طوائف (١) يجمعهم هذا المذهب، ويتفاوتون في التفصيل.\nفالمجوس شيوخ هؤلاء كلهم، وأئمتهم وقدوتهم، وإن كان المجوس قد يتقيدون بأصل دينهم وشرائعهم، وهؤلاء لا يتقيدون بدين من ديانات العالم، ولا بشريعة من شرائعه.\n_________\n(١) سقط بمقدار سطرين.","vol":"1","page":61},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>[الرابعة والثلاثون إنكار النبوات]</span>\nالرابعة والثلاثون إنكار النبوات وكانوا يقولون: ما حكى الله عنهم بقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ - وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾ [الأنعام: ٩٠ - ٩١] (يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون) (١) ﴿كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام: ٩١]\nتفسير هذه الآية: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ﴾ [الأنعام: ٩١] شروع في تقرير أمر النبوة، بعدما حكى الله سبحانه عن إبراهيم ﵇ أنه ذكر دليل التوحيد وإبطال الشرك، وقرر سبحانه ذلك بأوضح الدليل وبأوضح وجه.\n﴿حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١] أي: حق معرفته (٢) .\nوعن بعضهم: ما عظموا الله حق تعظيمه (٣) ﴿إِذْ قَالُوا﴾ [الأنعام: ٩١] منكرين لبعثة الرسل وإنزال الكتب، كافرين بنعمة الله الجليلة فيهما: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١] أي: شيئا من الأشياء.\nواختلف في قائلي ذلك القول الشنيع: فعن مجاهد أنهم مشركو قريش، والجمهور على أنهم اليهود، ومرادهم من ذلك الطعن في رسالته ﵌ على سبيل المبالغة.\nفقيل لهم على سبيل الإلزام: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ [الأنعام: ٩١] فإن المراد أنه تعالى قد أنزل التوراة على موسى ﵌، ولا سبيل لكم إلى إنكار ذلك، فلم لا تُجَوِّزون إنزال القرآن على محمد ﵌؟\n_________\n(١) قوله تعالى: (يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون) كذا في المخطوط، وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو.\n(٢) وهذا قول أبي عبيدة معمر بن المثنى كما في زاد المسير (٣ / ٨٣) .\n(٣) وهذا قول ابن عباس كما في زاد المسير (٣ / ٨٣)، واعتمده ابن كثير في تفسيره.","vol":"1","page":62},{"text":"والكلام في إثبات النبوة مفصل في غير هذا الموضع.\nوالمقصود أن إنكارها من سَنَن الجاهلية ومعارفهم، وفي الناس كثير ممن هو على شاكلتهم ومعوج طريقتهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>[الخامسة والثلاثون جحود القدر والاحتجاج به على الله تعالى]</span>\nالخامسة والثلاثون جحود القدر، والاحتجاج به على الله تعالى، ومعارضة شرع الله بقدر الله وهذه المسألة من غوامض مسائل الدين، والوقوف على سرها عَسِر إلا على من وفقه الله تعالى.\nولابن القيم كتاب جليل في هذا الباب سماه \" شفاء العليل في القضاء والقدر والحكمة والتعليل \".\nوقد أبطل الله سبحانه هذه العقيدة الجاهلية بقوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ - قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٨ - ١٤٩]\nتفسير هذه الآية: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [الأنعام: ١٤٨] حكاية لفن آخر من أباطيلهم.\n﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨] لم يريدوا بهذا الكلام الاعتذار عن ارتكاب القبيح؛ إذ لم يعتقدوا قبح أفعالهم، بل هم كما نطقت به الآيات - ﴿يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤] وأنهم إنما يعبدون الأصنام ليقربوهم إلى الله زلفى، وأن التحريم إنما كان من الله ﷿، فما مرادهم بذلك إلا الاحتجاج على أن ما ارتكبوه حق ومشروع ومرضي عند الله تعالى على أن المشيئة والإرادة تساوي الأمر، وتستلزم الرضى كما زعمت المعتزلة (١) فيكون حاصل\n_________\n(١) المعتزلة: فرقة ضالة ظهرت في الإسلام أوائل القرن الثاني، وسلكت منهجا قائما على اتباع الهوى في العقائد الإسلامية، ولهم بدع كثيرة، من أهمها التحكم بعقولهم وأفهامهم القاصرة في الوحيين الشريفين: الكتاب والسنة، بدل السمع والطاعة، وقد ضلوا بذلك ضلالا بعيدا.","vol":"1","page":63},{"text":"كلامهم أن ما نرتكبه من الشرك والتحريم وغيرهما تعلقت به مشيئته سبحانه وإرادته، فهو مشروع ومرضي عند الله تعالى.\nوبعد أن حكى ﷾ ذلك عنهم، رد عليهم بقوله - عز من قائل -: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٤٨] وهم أسلافهم المشركون.\nوحاصله: أن كلامهم يتضمن تكذيب الرسل ﵈، وقد دلت المعجزة على صدقهم.\nأو نقول: حاصله: أن ما شاء الله يجب، وما لم يشأ يمتنع، وكل ما هذا شأنه فلا تكليف به؛ لكونه مشروطا بالاستطاعة، فينتج: أن ما ارتكبه من الشرك وغيره لم يتكلف بتركه، ولم يبعث له نبي، فرد الله تعالى عليهم بأن هذه كلمة صدق أريد بها باطل؛ لأنهم أرادوا بها أن الرسل ﵈ في دعواهم البعثة والتكليف كاذبون، وقد ثبت صدقهم بالدلائل القطعية، ولكونه صدقا أريد به باطل ذمهم الله تعالى بالتكذيب.\nووجوب وقوع متعلق المشيئة لا ينافي صدق دعوى البعثة والتكليف؛ لأنهما لإظهار المحجة وإبلاغ الحجة.\n﴿حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨] أي: نالوا عذابنا الذي أنزلناه عليهم بتكذيبهم، وفيه إيماء إلى أن لهم عذابا مدخرا عند الله تعالى؛ لأن الذوق أول إدراك الشيء.\n﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨] أي: هل لكم من علم بأن الإشراك وسائر ما أنتم عليه مرضي لله تعالى فتظهروه لنا بالبرهان؟\nوهذا دليل على أن المشركين أمم استوجبوا التوبيخ على قولهم ذلك؛ لأنهم كانوا يهزؤون بالدين، ويبغون رد دعوة الأنبياء ﵈، حيث قرع مسامعهم من","vol":"1","page":64},{"text":"شرائع الرسل ﵈ تفويض الأمور إليه ﷾، فحين طالبوهم بالإسلام، والتزام الأحكام، احتجوا عليهم بما أخذوه من كلامهم مستهزئين بهم - عليهم الصلاة والسلام -، ولم يكن غرضهم ذكر ما ينطوي عليه عِقدهم، كيف لا والإيمان بصفات الله تعالى فرع الإيمان به - عز شأنه - وهو عنهم مناط العَيُّوق (١)؟\n﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٨] أي: تكذبون على الله تعالى.\n﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ [الأنعام: ١٤٩] أي: البينة الواضحة التي بلغت غاية المتانة والقوة على الإثبات، والمراد بها في المشهور: الكتاب والرسول والبيان.\n﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩] بالتوفيق لها، والحمل عليها، ولكن شاء هداية البعض الصارفين اختيارهم إلى سلوك طريق الحق، وضلال آخرين صرفوه إلى خلاف ذلك.\nومن الناس من ذكر وجها آخر في توجيه ما في الآية، وهو أن الرد عليهم إنما كان لاعتقادهم أنهم مسَلِّمون اختيارهم وقدرهم، وأن إشراكهم إنما صدر منهم على وجه الاضطرار، وزعموا أنهم يقيمون الحجة على الله تعالى ورسوله ﵊ بذلك، فرد الله تعالى قولهم في دعواهم عدم الاختيار لأنفسهم، وشبههم بمن اغتر قبلهم بهذا الخيال، فكذب الرسل، وأشرك بالله ﷿، واعتمد على أنه إنما يفعل ذلك بمشيئة الله تعالى، ورام إفحام الرسل بهذه الشبهة.\nثم بين سبحانه أنهم لا حجة لهم في ذلك، وأن الحجة البالغة له تعالى لا لهم، ثم أوضح سبحانه أن كل واقعٍ واقعٌ بمشيئته، وأنه لم يشأ منهم إلا ما صدر عنهم، وأنه تعالى لو شاء منهم الهداية لاهتدوا أجمعين.\nوالمقصود أن يَتَمَحَّضَ وجه الرد عليهم، وتتخلص عقيدة نفوذ المشيئة وعموم\n_________\n(١) العَيُّوق: كوكب أحمر مضيء بحيال الثريا من ناحية الشمال، ويطلع قبل الجوزاء: لسان العرب \" عيق \".","vol":"1","page":65},{"text":"تعلقها (١) بكل كائن عن الرد، وينصرف الرد إلى دعواهم سلب الاختيار لأنفسهم، وأن إقامتهم الحجة بذلك خاصة.\nوإذا تدبرت الآية وجدت صدرها دافعا لصدور الجبرية، وعجزها معجزا للمعتزلة، إذ الأول مثبت أن للعبد اختيارا وقدوة على وجه يقطع حجته وعذره في المخالفة والعصيان، والثاني مثبت نفوذ مشيئة الله تعالى في العبد، وأن جميع أفعاله على وفق المشيئة الإلهية، وبذلك تقوم الحجة لأهل السنة على المعتزلة، والحمد لله رب العالمين.\nومنهم من وجه الآية بأن مرادهم رد دعوة الأنبياء ﵈ على معنى أن الله تعالى شاء شركنا، وأراده منا، وأنتم تخالفون إرادته، حيث تدعونا إلى الإيمان، فوبخهم ﷾ بوجوه عدة:\nمنها: قوله سبحانه: ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ [الأنعام: ١٤٩] فإنه بتقدير الشرط، أي: إذا كان الأمر كما زعمتم ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ [الأنعام: ١٤٩]\nوقوله سبحانه: ﴿فَلَوْ شَاءَ﴾ [الأنعام: ١٤٩] بدلا منه على سبيل البيان، أي: لو شاء لدل كلا منكم ومن مخالفيكم على دينه، لو كان الأمر كما تزعمون لكان الإسلام - أيضا - بالمشيئة، فيجب أن لا تمنعوا المسلمين من الإسلام، كما وجب بزعمكم ألا يمنعكم الأنبياء عن الشرك، فيلزمكم أن لا يكون بينكم وبين المسلمين مخالفة ومعاداة، بل موافقة وموالاة.\nوحاصله: أن ما خالف مذهبكم من النِّحَل يجب أن يكون عندكم حقا؛ لأنه بمشيئة الله تعالى، فيلزم تصحيح الأديان المتناقضة.\nوفي سورة \" النحل \" [٣٥]: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النحل: ٣٥]\n_________\n(١) في الأصل: نفوذ السنة وعموم تغلغلها، والتصويب من روح المعاني.","vol":"1","page":66},{"text":"الكلام على هذه الآية كالكلام على الآية السابقة، ولا تراهم يتشبثون بالمشيئة إلا عند انخذال الحجة، ألا ترى كيف ختم بنحو آخر مجادلاتهم في سورة \" الأنعام \" في الآية السابقة، وكذلك في سورة \" الزخرف \" [١٩ - ٢٢]، وهو قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ - وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ - أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ - بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ١٩ - ٢٢]\nويكفي في الانقلاب ما يشير إليه قوله سبحانه: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ [الأنعام: ١٤٩] والمراد بما حرموه: السوائب والبحائر وغيرها.\nوفي تخصيص الاشتراك والتحريم بالنفي لأنهما أعظم وأشهر ما هم عليه، وغرضهم من ذلك تكذيب الرسول - ﵊ - والطعن في الرسالة رأسا؛ فإن حاصله: أي: ما شاء الله يجب، وما لم يشأ يمتنع، فلو أنه ﷾ شاء أن نوحده، ولا نشرك به شيئا، ونحلل ما أحله، ولا نحرم شيئا مما حرمنا - كما تقول الرسل وينقلونه من جهته تعالى - لكان الأمر كما شاء من التوحيد، ونفي الإشراك، وتحليل ما أحله، وعدم تحريم شيء من ذلك، وحيث لم يكن كذلك ثبت أنه لم يشأ شيئا من ذلك، بل شاء ما نحن عليه، وتحقق أن ما يقوله الرسل ﵈ من تلقاء أنفسهم.\nفرد الله تعالى عليهم بقوله: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٤٨] من الأمم، أي: أشركوا بالله تعالى، وحرموا من دونه ما حرموا، وجادلوا رسلهم بالباطل ليدحضوا به الحق.\n﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النحل: ٣٥] أي: ليست وظيفتهم إلا البلاغ للرسالة، الموضح طريق الحق، والمظهر أحكام الوحي التي منها تَحَتَّمَ تَعَلُّقُ مشيئته تعالى باهتداء من صرف قدرته واختياره إلى تحصيل الحق؛ لقوله تعالى:","vol":"1","page":67},{"text":"﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩]\nوأما إلجاؤهم إلى ذلك، وتنفيذ قولهم عليه شاؤوا أو أبوا - كما هو مقتضى استدلالهم - فليس ذلك من وظيفتهم، ولا من الحكمة التي يتوقف عليها التكليف، حتى يُسْتَدَلَّ بعدم ظهور آثاره على عدم حَقِّيَّة الرسل ﵈، أو على عدم تعلق مشيئته تعالى بذلك، فإن ما يترتب عليه الثواب والعقاب من الأفعال لا بد في تعلق مشيئته تعالى بوقوعه من مباشرتهم الاختيارية، وصرف اختيارهم الجزئي إلى تحصيله، وإلا لكان الثواب والعقاب اضطراريين.\nوالكلام على هذه الآية ونحوها مُسْتَوْفًى في تفسير \" روح المعاني \" (١) وغيره.\nفجحود القدر، والاحتجاج به على الله، ومعارضة شرع الله بقدره، كل ذلك من ضلالات الجاهلية.\nوالمقصود أنه لا جبر ولا تفويض، ولكن أمر بين أمرين، فمن زلت قدمه عن هذه الجادة كان على ما كان عليه أهل الجاهلية، وهي الطريقة التي رد عليها الله سبحانه ورسوله ﵌.\n_________\n(١) (٨ / ٥١ - ٥٣) .","vol":"1","page":68},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>[السادسة والثلاثون مسبة الدهر]</span>\nالسادسة والثلاثون مسبة الدهر كقولهم في سورة \" الجاثية \" [٢٤]: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤]\nوذلك أن الله تعالى أراد بيان أحكام ضلالهم، والختم على سمعهم وقلوبهم، وجعل غشاوة على أبصارهم، فحكى عنهم ما صدر عنهم بقوله ﷾: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ [الجاثية: ٢٤] التي نحن فيها ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ [الجاثية: ٢٤] أي: تموت طائفة، وتحيا طائفة، ولا حشر أصلا.\nومنهم من قال: إن كثيرا من عُبَّاد الأصنام كان يقول بالتناسخ، وعليه فالمراد بالحياة: إعادة الروح لبدن آخر.\n﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤] أي: طول الزمان.\nوإسنادهم الإهلاك إلى الدهر إنكار منهم لِمَلَك الموت وقبضه الأرواح بأمر الله تعالى، وكانوا يسندون الحوادث مطلقا إليه؛ لجهلهم أنها مقدرة من عند الله تعالى، وأشعارهم لذلك مملوءة من شكوى الدهر (١) .\nوهؤلاء معترفون بوجود الله تعالى، فهم غير الدهرية، فإنهم - مع إسنادهم الحوادث إلى الدهر - لا يقولون بوجوده، سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا.\n_________\n(١) جاء في حاشية الأصل ما نصه: \" مثل قولهم:\nأَشَابَ الصَّغِيرَ وَأَفْنَى الْكَبِيرَ ... كَرُّ الْغَدَاةِ وَمَرُّ الْعَشِيِّ\nومثل قول الآخر:\nمنع البقاء تقلب شمس ... وطلوعها من حيث لا تمسي\nوقول الآخر:\nرماني الدهر بالأرزاء حتى ... فؤادي في غشاء من نبال\nوكنت إذا أصابتني سهام ... تكسرت النصال على النصال\nوالشعر في ذلك قديما وحديثا كثير.","vol":"1","page":69},{"text":"والكل يقول باستقلال الدهر بالتأثير.\nوقد جاء النهي عن سب الدهر.\nأخرج مسلم: «لا يسب أحدكم الدهر، فإن الله هو الدهر» (١) .\nوفي رواية لأبي داود والحاكم (٢) «قال الله ﷿: يؤذيني ابن آدم يقول: يا خيبة الدهر، فلا يقل أحدكم: يا خيبة الدهر، فإني أنا الدهر، أُقَلِّبُ ليله ونهاره» (٣) .\nوروى الحاكم (٤) - أيضا -: «يقول الله ﷿: استقرضت عبدي فلم يقرضني، وشتمني عبدي وهو لا يدري، يقول: وادهراه! وأنا الدهر» .\nوروى البيهقي (٥) «لا تسبوا الدهر، قال الله ﷿: أنا الأيام والليالي، أجددها وأُبْليها، وآتي بملوك بعد ملوك» .\nومعنى ذلك أن الله تعالى هو الآتي بالحوادث، فإذا سببتم الدهر على أنه فاعل وقع السب على الله ﷿.\n﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٤] أي: ليس لهم بما ذُكِرَ من قصر الحياة على ما في الدنيا، ونسبة الإهلاك إلى الدهر علم مستند إلى عقل أو نقل.\n﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية: ٢٤] أي: ما هم إلا قوم قصارى أمرهم الظن والتقليد من غير أن يكون لهم ما يصح أن يُتَمَسَّك به في الجملة.\nوقد ذكرنا في غير هذا الموضع ما يتعلق بالدهريين.\n_________\n(١) رواه مسلم في (الألفاظ من الأدب وغيرها: ٥٨٦٧) .\n(٢) أبو داود في سننه بنحوه برقم (٥٢٧٤)، وهو آخر حديث في السنن عنده، والحاكم في مستدركه (كتاب التفسير تفسير سورة حم الجاثية: ٢ / ٤٥٣)، وقال: \" هذا حديث صحيح على شرطهما ولم يخرجاه هكذا \".\n(٣) وفي رواية لمسلم في (الألفاظ: ٥٨٦٤): \" قال الله ﵎: يؤذيني ابن آدم يقول: يا خيبة الدهر، فلا يقولن أحدكم: يا خيبة الدهر، فإني أنا الدهر، أقلب ليله ونهاره، فإذا شئت قبضتهما \" فاستدراك الحاكم وهم منه أن مسلما لم يخرجه.\n(٤) في مستدركه (كتاب التفسير باب تفسير سورة حم الجاثية: ٢/ ٤٥٣)، وقال: \" هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه بهذه السياقة \".\n(٥) في السنن الكبرى (٣ / ٣٦٥) .","vol":"1","page":70},{"text":"والمقصود أن من يقول بإسناد الحوادث إلى غير الله تعالى كالدهر، فليس له مستند عقلي ولا نقلي، بل هو محض جهل، وقائله جاهل في أي عصر كان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>[السابعة والثلاثون إضافة نِعَم الله إلى غيره]</span>\nالسابعة والثلاثون إضافة نِعَم الله إلى غيره قال الله تعالى في سورة \" النحل \" [٨٣]: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [النحل: ٨٣]\nوقد عدد الله تعالى نعمه على عباده في هذه السورة إلى أن قال: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ - فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ - يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [النحل: ٨١ - ٨٣]\n﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٨٣] إلخ، استئناف لبيان أن تولي المشركين وإعراضهم عن الإسلام ليس لعدم معرفتهم نعمة الله ﷾ أصلا، فإنهم يعرفون أنها من الله تعالى، ثم ينكرونها بأفعالهم، حيث لم يفردوا منعمها بالعبادة، فكأنهم لم يعبدوه ﷾ أصلا، وذلك كفران منزل منزلة الإنكار.\nوأخرج ابن جرير وغيره عن مجاهد أنه قال: \" إنكارهم إياها قولهم: ورثناها من آبائنا \" (١) .\nوأخرج هو وغيره - أيضا - عن عون بن عبد الله أنه قال: \" إنكارهم إياها أن يقول الرجل: لولا فلان أصابني كذا وكذا، ولولا فلان لم أصب كذا وكذا \" (٢) .\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في تفسيره بنحوه (١٤/ ١٥٨) .\n(٢) أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٤/ ١٥٨) .","vol":"1","page":71},{"text":"وفي لفظ: \" إنكارها: إضافتها إلى الأسباب \".\nوبعضهم يقول: إنكارهم: قولهم: هي بشفاعة آلهتهم عند الله تعالى.\nومنهم من قال: النعمة - هنا - محمد ﵌ (١) أي: يعرفون أنه - ﵊ - نبي بالمعجزات، ثم ينكرون ذلك، ويجحدونه عنادا.\n﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [النحل: ٨٣] أي: المنكرون بقلوبهم، غير المعترفين بما ذكر، والتعبير بالأكثر إما لأن بعضهم لم يعرف الحق؛ لنقصان عقله، وعدم اهتدائه إليه، أو لعدم نظره في الأدلة نظرا يؤدي إلى المطلوب، أو لأنه لم تقم عليه الحجة؛ لكونه لم يصل إلى حد المكلفين لصغر ونحوه، وإما لأنه يقام مقام الكل، فإسناد المعرفة والإنكار المتفرع عليها إلى ضمير المشركين على الإطلاق من باب إسناد حال البعض إلى الكل.\nومما يجري هذا المجرى قوله تعالى في سورة \" الواقعة \" [٨١ - ٨٢]: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ - وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨١ - ٨٢] أي: تقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا.\nروى مسلم وغيره عن ابن عباس، قال: «مُطِرَ الناس على عهد رسول الله ﵌، فقال - ﵊ -: أصبح من الناس شاكر، ومنهم كافر، قالوا: هذه رحمة وضعها الله، وقال بعضهم: لقد صدق نوء كذا، فنزلت هذه الآية: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] حتى بلغ: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢]» .\nإلى غير ذلك من الآثار.\nوقد ذكرنا مذهب العرب في الأنواء في غير هذا الموضع، وفصلناه تفصيلا، وذكرنا شعرهم الدالَّ على مذهبهم هذا، والله الموفق.\n_________\n(١) وهذا قول الفراء كما في معاني القرآن له (٢ / ١١٢)، وقول ابن قتيبة كما في زاد المسير (٤ / ٤٧٩)، وعزاه ابن جرير في تفسيره (١٤/ ١٥٧) إلى السدي.","vol":"1","page":72},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>[الثامنة والثلاثون الكفر بآيات الله]</span>\nالثامنة والثلاثون الكفر بآيات الله والنصوص الدالة على ذلك في القرآن كثيرة:\nمنها قوله تعالى في \" الكهف \" [١٠٥ - ١٠٦]: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا - ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا﴾ [الكهف: ١٠٥ - ١٠٦] بعد قوله سبحانه: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا - الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا - أُولَئِكَ﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٥] إلخ.\nفقوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ [الكهف: ١٠٥] كلام مستأنف منه مسوق لتكميل تعريف الأخسرين، وتبيين خسرانهم وضلال سعيهم وتعيينهم، بحيث ينطبق التعريف على المخاطبين، أي: أولئك المنعوتون بما ذكر من ضلال السعي والحسبان المذكور.\n﴿الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ [الكهف: ١٠٥] بدلائله سبحانه الداعية إلى التوحيد، الشاملة للسمعية والعقلية.\n﴿وَلِقَائِهِ﴾ [الكهف: ١٠٥] هو كناية عن البعث والحشر وما يتبع ذلك من أمور الآخرة، أي: لم يؤمنوا بذلك على ما هو عليه.\n﴿فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥] أي: فنزدري بهم، ونحتقرهم.\nومن النصوص ما يدل على أن منهم من كان ينكر بعض الآيات، ومنهم من كان معرضا عنها، وهاجرا لها.\nولا يخفاك أن من الناس اليوم من هو أدهى وأمر مما كان عليه أهل الجاهلية في هذا الباب.","vol":"1","page":73},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>[التاسعة والثلاثون اشتراء كتب الباطل واختيارها على الآيات]</span>\nالتاسعة والثلاثون اشتراء كتب الباطل، واختيارها عليها، أي: على الآيات\nقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ - أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ - وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ - وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ٩٩ - ١٠٢]\nإلى قوله: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢]\nومعنى قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ [البقرة: ١٠٢] أي: استبدل ما تتلو الشياطين بكتاب الله.\n﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢] أي: نصيب.\n﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٢] أي: والله لبئس شيئا شروا به حظوظ أنفسهم، أي: باعوها أو شروها في زعمهم ذلك الشراء.\n﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾ [البقرة: ١٠٣] أي: بالرسول أو بما أنزل إليه من الآيات أو بالتوراة.\n﴿وَاتَّقَوْا﴾ [البقرة: ١٠٣] أي: المعاصي التي حُكِيَتْ عنهم.\n﴿لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٣] أي: أن ثواب الله تعالى خير لهم.\nوبمعنى هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ - فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٨ - ٧٩] البقرة: [٧٨ - ٧٩] .\nوهذه الآية نزلت في أحبار اليهود الذين خافوا أن تذهب رئاستهم بإبقاء صفة النبي ﵌ على حالها، فغيروها.","vol":"1","page":74},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>[الأربعون القدح في حكمته تعالى]</span>\nالأربعون القدح في حكمته تعالى أقول: من خصال أهل الجاهلية: القدح في حكمته تعالى، وأنه ليس بحكيم في خلقه، بمعنى أنه سبحانه يخلق ما لا حكمة له فيه، ويأمر وينهى بما لا حكمة فيه.\nوقد حكى الله تعالى ذلك بقوله في سورة \" ص \" [٢٧]: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص: ٢٧]\nوقال سبحانه في سورة \" المؤمنين \" [١١٥ - ١١٦]: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ - فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [المؤمنون: ١١٥ - ١١٦]\nوفي سورة \" الدخان \" [٣٨ - ٣٩]: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ - مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الدخان: ٣٨ - ٣٩]\nوفي سورة \" الأنبياء \" [١٦ - ١٧]: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ - لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٦ - ١٧]\nوفي سورة \" الحجر \" [٨٥]: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥]\nإلى غير ذلك من الآيات الناصة على أن الله تعالى لم يخلق شيئا من غير حكمة ولا علة، على خلاف ما يعتقده أهل الباطل من الجاهليين، ومن نحا نحوهم من هذه الأمة ممن نفى الحكمة عن أفعاله ﷾.\nوهذه مسألة طويلة الذيل، قد كثر فيها الخصام بين فِرَق المسلمين، والحق ما كان عليه السلف من إثبات الحكمة والتعليل.","vol":"1","page":75},{"text":"وقد أطنب الكلام عليهما الحافظ ابن القيم في كتابه \" شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل \"، وعقد بابا مفصلا في طرق إثبات حكمة الرب تعالى في خلقه وأمره، وإثبات الغايات المطلوبة والعواقب الحميدة التي فعل وأمر لأجلها.\nومن جملة ما قال في هذا الباب: \" إنه ﷾ أنكر على من زعم أنه لم يخلق الخلق لغاية ولا بحكمة كقوله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥] وقوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ - مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلا بِالْحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٨ - ٣٩] والحق: هو الحِكَم والغايات المحمودة، التي لأجلها خَلَقَ ذلك كله، وهو أنواع كثيرة:\nمنها: أن يُعْرَف الله بأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وآياته.\nومنها: أن يحب، ويعبد، ويشكر، ويطاع.\nومنها: أن يأمر، وينهى، ويشرع الشرائع.\nومنها: أن يدبر الأمر، ويبرم القضاء، ويتصرف في المملكة بأنواع التصرفات.\nومنها: أن يثيب ويعاقب، فيجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، فيكون أثر عدله وفضله موجودا مشاهَدا، فيحمد على ذلك ويشكر.\nومنها: أن يُعْلِم خلقه أنه لا إله غيره، ولا رب سواه.\nومنها: أن يَصْدُق الصادق فيكرمه، ويكذب الكاذب فيهينه.\nومنها: ظهور آثار أسمائه وصفاته على تنوعها وكثرتها في الوجود الذهني والخارجي، فيعلم عباده ذلك علما مطابقا لما في الواقع.\nومنها: شهادة مخلوقاته كلها بأنه وحده ربها وفاطرها ومليكها، وأنه وحده إلهها ومعبودها.\nومنها: ظهور آثار كماله المقدس، فإن الخلق والصنع لازم كماله، فإنه حي","vol":"1","page":76},{"text":"قدير، ومن كان كذلك لم يكن إلا فاعلا مختارا.\nومنها: أن يُظْهِر أثر حكمته في المخلوقات بوضع كل منها في موضعه الذي يليق به، ومجيئه على الوجه الذي تشهد العقول والفطر بحسنه، فتشهد حكمته الباهرة.\nومنها: أنه سبحانه يحب أن يجود وينعم، ويعفو ويغفر ويسامح، ولا بد من لوازم ذلك خلقا وشرعا.\nومنها: أنه يحب أن يُثْنَى عليه، ويمدح ويمجد، ويسبح ويعظم.\nومنها: كثرة شواهد ربوبيته ووحدانيته وإلهيته.\nإلى غير ذلك من الحِكَم التي تضمنها الخَلْق، فخَلَقَ مخلوقاته بسبب الحق، ولأجل الحق، وخلقها ملتبس بالحق، وهو في نفسه حق، فمصدره حق، وغايته حق، وهو يتضمن الحق.\nوقد أثنى على عباده المؤمنين حيث نزهوه عن إيجاد الخلق، لا لشيء ولا لغاية، فقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ - الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١]\nوأخبر أن هذا ظن أعدائه، لا ظن أوليائه، فقال: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [ص: ٢٧]\nوكيف يتوهم أنه عرفه من يقول: إنه لم يخلق الخلق لحكمة مطلوبة له، ولا أمر لحكمة، ولا نهى لحكمة، وإنما يصدر الخلق والأمر عن مشيئة وقدرة محضة، لا لحكمة ولا لغاية مقصودة؟!\nوهل هذا إلا إنكار لحقيقة حمده؟!","vol":"1","page":77},{"text":"بل الخلق والأمر إنما قام بالحكم والغايات، فهما مظهران لحمده وحكمته.\nفإنكار الحكمة إنكار لحقيقة خلقه وأمره، فإن الذي أثبته المنكرون من ذلك يُنَزَّه عنه الرب، ويتعالى عن نسبته إليه، فإنهم أثبتوا خلقا وأمرا لا رحمة فيه ولا مصلحة ولا حكمة، بل يجوز عندهم - أو يقع - أن يأمر بما لا مصلحة للمكلَّف فيه البتة، وينهى عما فيه مصلحة، والجميع بالنسبة إليه سواء.\nويجوز - عندهم - أن يأمر بكل ما نهى عنه، وينهى عن جميع ما أمر به، ولا فرق بين هذا وهذا إلا بمجرد الأمر والنهي.\nويجوز - عندهم - أن يعذب من لم يعصه طرفة عين، [بل أفنى عمره في طاعته وشكره] (١) ويثيب من عصاه، بل أفنى عُمُره في الكفر به والشرك والظلم والفجور، فلا سبيل إلى أن يعرف خلاف ذلك منه إلا بخبر الرسول، وإلا فهو جائز عليه.\nوهذا من أقبح الظن وأسوئه بالرب سبحانه، وتنزيهه عنه كتنزيهه عن الظلم والجور، بل هذا هو عين الظلم الذي يتعالى الله عنه.\nوالعجب العجاب أن كثيرا من أرباب هذا المذهب ينزهونه عما وصف به نفسه من صفات الكمال ونعوت الجلال، ويزعمون أن إثباتها تجسيم وتشبيه، ولا ينزهونه عن هذا الظلم والجور، ويزعمون أنه عدل وحق، وأن التوحيد - عندهم - لا يتم إلا به، كما لا يتم إلا بإنكار استوائه على عرشه، وعلوه فوق سماواته، وتكلمه وتكليمه، وصفات كماله! فلا يتم التوحيد عند هذه الطائفة إلا بهذا النفي وذلك الإثبات، والله ولي التوفيق \" (٢) .\nانتهى المقصود من نقله، وتمام الكلام في هذا الباب من ذلك الكتاب، وإليه سبحانه المآب.\n_________\n(١) ما بين المعكوفتين زيادة من شفاء العليل.\n(٢) انظر: شفاء العليل (١٩٨ - ١٩٩) .","vol":"1","page":78},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>[الحادية والأربعون الكفر بالملائكة والرسل والتفريق بينهم]</span>\nالحادية والأربعون الكفر بالملائكة والرسل والتفريق بينهم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ - وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ - وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ - بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ - وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨٧ - ٩١]\nإلى أن قال: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ - مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ - وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾ [البقرة: ٩٧ - ٩٩]\nفقد تبين من هذه الآيات أن بعض الكتابيين كانوا يكفرون بالملائكة والرسل، يفرقون بينهم، أي: يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض، وهم طائفة من جاهلية اليهود، ولهذا أمرنا الله تعالى بالإيمان بهم وعدم التفرقة بينهم، فقال: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥]","vol":"1","page":79},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>[الثانية والأربعون الغلو في الأنبياء والرسل ﵈]</span>\nالثانية والأربعون الغلو في الأنبياء والرسل ﵈ قال تعالى في سورة \" النساء \" [١٧١]: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧١]\nوالغلو في المخلوق أعظم سبب لعبادة الأصنام والصالحين، كما كان في قوم نوح من عبادة نسر وسواع ويغوث ونحوهم، وكما كان من عبادة النصارى للمسيح ﵇.\nومثل ذلك القول على الله بغير الحق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>[الثالثة والأربعون الجدال بغير علم]</span>\nالثالثة والأربعون الجدال بغير علم كما ترى كثيرا من أهل الجهل يجادلون أهل العلم عند نهيهم عما ألفوه من البدع والضلالات، وهي صفة جاهلية، نهانا الله تعالى عن التخلق بها.\nقال تعالى في سورة \" آل عمران \" [٦٥ - ٦٦]: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ - هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٥ - ٦٦]\nأخرج ابن إسحاق وابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال:","vol":"1","page":80},{"text":"«اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود عند رسول الله ﵌، فتنازعوا عنده، فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهوديا، وقالت النصارى: ما كان إبراهيم إلا نصرانيا، فأنزل الله فيهم هذه الآية» المنادية على جهلهم وعنادهم، كما لا يخفى على من راجع التفسير.\nقال الشيخ:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>[الرابعة والأربعون الكلام في الدين بلا علم]</span>\nالرابعة والأربعون الكلام في الدين بلا علم أقول: أجمل الشيخ رحمه الله تعالى الكلام في هذه المسألة كل الإجمال، كما فعل مثل ذلك في كثير من المسائل، وما أحقها بالتفصيل.\nوذلك أن أهل الجاهلية من العرب وغيرهم من الكتابيين شرعوا في الدين ما لم يأذن به الله:\nأما العرب فقد كان الكثير منهم على دين إبراهيم وإسماعيل ﵉ إلى أن ظهر فيهم الخزاعي فغير وبدل، وابتدع بدعا كثيرة، وأغرى العرب على عبادة الأصنام، وبحر البحيرة، وحمى الحام، واستقسم بالأزلام، إلى غير ذلك مما فصلناه في غير هذا الموضع (١) .\nوإن شئت أن تعرف جهل العرب، وما ابتدعوه فاقرأ سورة \" الأنعام \" فإن فيها كثيرا من ضلالاتهم ومبتدعاتهم.\n_________\n(١) انظر في ذلك صحيح البخاري: (المناقب قصة خزاعة: ٣٥٢٠ و٣٥٢١) و(التفسير المائدة: ٤٦٢٣) .","vol":"1","page":81},{"text":"وأما الجاهليون من اليهود والنصارى، فقد ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة: ٣١] وذلك أن أحبارهم ورهبانهم ابتدعوا لهم في الدين بدعا، وحللوا وحرموا ما اشتهته أنفسهم، فقبلوا ذلك منهم وأطاعوهم عليه، مع أن الدين إنما يكون بتشريع الله ووحيه إلى أنبيائه ورسله، ولا يكون بآراء الرجال وبحسب أهوائهم، فكل ما لا دليل عليه من كتاب ولا سنة مردود على صاحبه (١) .\nوقد ذم الله تعالى اليهود على مثل ذلك، فقال - عز اسمه - في سورة \" آل عمران \" [٧٨]: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٨]\nفمن أول نصوص الكتاب والسنة على حسب شهواته وبمقتضى هواه فهو - أيضا - من قبيل الذين يلوون ألسنتهم بالكتاب.\nوأنت تعلم ما اشتمل عليه - اليوم - كثير من كتب الشريعة من الآراء التي ليس لها مستند من دلائل الشريعة (٢) فإلى الله المشتكى من صولة الباطل، وخمول الحق.\n_________\n(١) عن عدي بن حاتم: أنه سمع النبي ﵌ يقرأ هذه الآية: \"اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ\" فقلت له: إنا لسنا نعبدهم، قال: \" أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ \"، فقلت: بلى. قال: \" فتلك عبادتهم \" رواه أحمد والترمذي بنحوه - وحسنه - في سننه: (تفسير القرآن ومن سورة التوبة: ٣٠٩٥) . فمن أطاع العلماء أو الأمراء في تحريم ما أحل الله، أو تحليل ما حرم الله فقد اتخذهم أربابا من دون الله.\n(٢) بل بعضها مضاد تماما للشرع الشريف، بل بعضها يقول فيها من ألفها من الملاحدة: الكتاب والسنة من أصول الكفر، وبعضهم تنازل قليلا فقال: ظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر.","vol":"1","page":82},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>[الخامسة والأربعون الكفر باليوم الآخر والتكذيب بلقاء الله وبعث الأرواح]</span>\nالخامسة والأربعون الكفر باليوم الآخر، والتكذيب بلقاء الله، وبعث الأرواح، وببعض ما ذكرته الرسل من صفات الجنة والنار\nقال تعالى في سورة \" الكهف \" [١٠٣ - ١٠٥]: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا - الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا - أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٥] الآية، وقد مر الكلام عليها قريبا.\nوقال تعالى في سورة \" النحل \" [٣٨ - ٣٩]: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ - لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾ [النحل: ٣٨ - ٣٩]\nإلى غير ذلك من النصوص الواردة في ذلك كله.\nولقوم عصرنا من هذا الاعتقاد الجاهلي حظ وافر، ونصيب كامل، و﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٦] نسأله تعالى التوفيق للهداية.","vol":"1","page":83},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>[السادسة والأربعون التكذيب بقوله تعالى مالك يوم الدين]</span>\nالسادسة والأربعون التكذيب بقوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]\nوهو اليوم الذي يدين الله تعالى العباد فيه بأعمالهم، فيثيبهم على الخيرات، ويعاقبهم على المعاصي والسيئات.\nوالتكذيب بهذا اليوم متفرع على إنكار البعث والحساب والجنة والنار.","vol":"1","page":84},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>[السابعة والأربعون التكذيب بقوله تعالى لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة]</span>\nالسابعة والأربعون التكذيب بقوله تعالى: ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤]\nمن قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]\nوالخلة: المودة والصداقة.\nومعنى ﴿وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤] أي: لا أحد يشفع لأحد إلا من بعد أن يأذن الرحمن لمن يشاء ويرضى.\nوأراد بذلك يوم القيامة.\nوالمراد من وصفه بما ذُكِر: الإشارة إلى أنه لا قدرة لأحد فيه على تحصيل ما يُنْتَفَع به بوجه من الوجوه؛ لأن من في ذمته حق - مثلا - إما أن يأخذ بالبيع ما يؤديه به، وإما أن يعينه أصدقاؤه، وإما أن يلتجئ إلى من يشفع له في حطه (١) والكل منتف، ولا مستعان إلا بالله ﷿.\n_________\n(١) في الأصل: حظه، ولعل الصواب: ما أثبته.","vol":"1","page":85},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>[الثامنة والأربعون التكذيب بقوله تعالى ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون]</span>\nالثامنة والأربعون التكذيب بقوله تعالى في سورة \" الزخرف \" [٨٦]: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦]\nقوله: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] أي: ولا يملك آلهتهم الذين يدعونهم من دونه الشفاعة، كما زعموا أنهم شفعاؤهم عند الله ﷿.\n﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ [الزخرف: ٨٦] الذي هو التوحيد.\n﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] أي: يعلمونه، والمراد بهم: الملائكة وعيسى وعزير وأضرابهم.\nوأنت ترى الناس اليوم عاكفين على أصنام لهم يدعونهم من دون الله، وعذرهم عند توبيخهم أن هؤلاء شفعاؤهم - تعالى الله عما يشركون -.","vol":"1","page":86},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>[التاسعة والأربعون قتل أولياء الله وقتل الذين يأمرون بالقسط من الناس]</span>\nالتاسعة والأربعون قتل أولياء الله، وقتل الذين يأمرون بالقسط من الناس. قال تعالى في سورة \" البقرة \" [٦١]: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٦١]\nوقال في سورة \" آل عمران \" [١٨٣]: ﴿قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٨٣]\nإلى آيات أخر في هذا المعنى صرحت بما لاقاه الأنبياء والرسل ﵈ وأتباعهم المخلصون ودعاة الحق، وبما كابدوه من أعداء الله والجهلة الطغاة، مما تَنْهَدُّ له الصياصي، وتبيض منه النواصي.\nهؤلاء أكابر الأمة المحمدية وعلماؤها الأعلام، قد صادفوا عند دعوتهم إلى الحق والمحافظة عليه ما يسود منه وجه القرطاس، وتَشِيب منه لمم المداد.\nوالأنبياء - صلوات الله عليهم - وأتباعهم المؤمنون - وإن كانوا يبتلون في أول الأمر - فالعاقبة لهم، كما قال تعالى لما قص قصة نوح: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: ٤٩]\nوفي الحديث المتفق على صحته «لما أرسل النبي ﵌ رسولا إلى ملك الروم، فطلب من يخبره بسيرته - وكان المشركون أعداءه، لم يكونوا آمنوا به - فقال: \" كيف الحرب بينكم وبينه؟ قالوا: الحرب بيننا وبينه سجال، يُدال علينا المرة، وندال عليه الأخرى. فقال: كذلك الرسل تُبْتلى، وتكون لها العاقبة» (١) .\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب الجهاد باب دعاء النبي ﵌ إلى الإسلام والنبوة، وأن لا يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله: ٢٩٤١)، ورواه مسلم في (الجهاد: ٤٦٠٧) كلاهما بألفاظ قريبة من هاهنا، ولفظ البخاري أقرب إليه.","vol":"1","page":87},{"text":"فإنه كان يوم بدر نصر الله المؤمنين، ثم يوم أحد ابتلي المؤمنون، ثم لم يُنْصَر الكفار بعدها، حتى أظهر الله تعالى الإسلام.\nفإن قيل: ففي الأنبياء من قد قُتِل، كما أخبر الله تعالى في الآيات السابقة أن بني إسرائيل يقتلون النبيين بغير الحق، وفي أهل الفجور من يؤتيه الله ملكا وسلطانا، ويسلطه على المتدينين كما سلط بُخْتَ نَصَّرَ على بني إسرائيل، وكما سلط كفار المشركين وأهل الكتاب - أحيانا - على المسلمين.\nقيل: أما من قتل من الأنبياء فهم كمن يقتل من المؤمنين في الجهاد شهيدا.\nقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ - وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ - فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦ - ١٤٨]\nومعلوم أن من قتل من المؤمنين شهيدا في القتال كان حاله أكمل من حال من يموت حتف أنفه.\nقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]\nولهذا قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: ٥٢] أي: إما النصر والظفر، وإما الشهادة والجنة.\nثم إن الدين الذي قاتل عليه الشهداء ينتصر ويظهر، فيكون لطائفته السعادة في الدنيا والآخرة، من قتل منهم كان شهيدا، ومن عاش منهم كان منصورا سعيدا، وهذا غاية ما يكون من النصر، إذ كان الموت لا بد منه، فالموت على الوجه الذي تحصل به سعادة الدنيا والآخرة أكمل، بخلاف من يهلك هو وطائفته، فلا يفوز لا هو ولا هم بمطلوبهم، لا في الدنيا ولا في الآخرة.","vol":"1","page":88},{"text":"والشهداء من المؤمنين قاتلوا باختيارهم، وفعلوا الأسباب التي بها قتلوا كالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فهم اختاروا هذا الموت، إما أنهم قصدوا الشهادة، وإما أنهم قصدوا به ما يصيرون شهداء، عالمين بأن لهم السعادة في الدنيا والآخرة، وفي الدنيا بانتصار طائفتهم، وببقاء لسان الصدق لهم ثناء ودعاء، بخلاف من هلك من الكفار، فإنهم هلكوا بغير اختيارهم هلاكا لا يرجون معه سعادة الآخرة، ولم يحصل لهم ولا لطائفتهم شيء من سعادة الدنيا، بل أُتْبِعوا ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص: ٤٢] وقيل فيهم: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ - وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ - وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ - كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ - فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٥ - ٢٩]\nوقد أخبر سبحانه أن كثيرا من الأنبياء قتل معه ربيون كثير، أي: ألوف كثيرة، وأنهم ما ضعفوا ولا استكانوا لذلك، بل استغفروا من ذنوبهم التي كانت سببا لظهور (١) العدوِّ، وأن الله تعالى آتاهم ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة، فإذا كان هذا قَتْلَ المؤمنين فما الظن بقتل الأنبياء؟ ففيه لهم ولأتباعهم من سعادة الدنيا والآخرة ما هو من أعظم الفلاح.\nوظهور الكفار على المؤمنين - أحيانا - هو بسبب ذنوب المسلمين كيوم أحد، فإن تابوا انتصروا على الكفار، وكانت العاقبة لهم، كما قد جرى مِثْل هذا للمسلمين في عامة ملاحمهم مع الكفار.\nوهذا من آيات النبوة وأعلامها ودلائلها، فإن النبي ﵌ إذا قاموا بعهوده ووصاياه نصرهم الله، وأظهرهم على المخالفين له، فإذا ضيعوا عهوده ظهر أولئك عليهم.\nفمدار النصر والظهور مع متابعة النبي ﵌ وجودا وعدما من غير سبب يزاحم ذلك، ودوران الحكم مع الوصف وجودا وعدما من غير مزاحمة وصف آخر يوجب\n_________\n(١) في الأصل: بسبب ظهور، ولعل الصواب ما أثبته.","vol":"1","page":89},{"text":"العلم بأن المدار علة للدائر، وقولنا: \" من غير وصف آخر\": يزيل النقوض الواردة.\nفهذا الاستقراء والتتبع يبين أن نصر الله وإظهاره هو بسبب اتباع النبي، وأنه سبحانه يريد إعلاء كلمته ونصره ونصر أتباعه على من خالفه، وأن يجعل لهم السعادة، ولمن خالفهم الشقاء، وهذا يوجب العلم بنبوته، وأن من اتبعه كان سعيدا، ومن خالفه كان شقيا.\nومن هذا ظهور بُخْتَ نَصَّرَ على بني إسرائيل، فإنه من دلائل نبوة موسى؛ إذ كان ظهور بُخْتَ نَصَّرَ إنما كان لما غيروا عهود موسى، وتركوا اتباعه، فعوقبوا بذلك، وكانوا - إذ كانوا مُتَّبعِين لعهود موسى - منصورين مؤيدين، كما كانوا في زمن داود وسليمان وغيرهما.\nقال تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا - فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا - ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا - إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا - عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء: ٤ - ٨]\nفكان ظهور بني إسرائيل على عدوهم تارة، وظهور عدوهم عليهم تارة من دلائل نبوة موسى ﷺ وآياته، وكذلك ظهور أمة محمد ﵌ على عدوهم تارة، وظهور عدوهم عليهم تارة هو من دلائل رسالة محمد ﵌ وأعلام نبوته.\nوكان نصر الله لموسى وقومه على عدوهم في حياته وبعد موته، كما جرى لهم من يوشع وغيره من دلائل نبوة موسى، وكذلك انتصار المؤمنين مع محمد ﵌ في حياته وبعد مماته مع خلفائه من أعلام نبوته ودلائلها.\nوهذا بخلاف الكفار الذين ينتصرون على أهل الكتاب أحيانا، فإن أولئك لا يكون مُطاعُهم إلى نبي، ولا يقاتلون أتباع الأنبياء على دين، ولا يطلبون من أولئك","vol":"1","page":90},{"text":"أن يتبعوهم على دينهم، بل قد يصرحون بأنا نصرنا عليكم بذنوبكم، وأن لو اتبعتم دينكم لم ننصر عليكم.\nوأيضا فلا عاقبة لهم، بل الله يهلك الظالم بالظالم، ثم يهلك الظالمين جميعا، ولا قتيلهم يطلب بقتله سعادة بعد الموت، ولا يختارون القتل ليسعدوا بعد الموت.\nفهذا وأمثاله مما يظهر الفرق بين انتصار الأنبياء وأتباعهم، وبين ظهور بعض الكفار على المؤمنين، أو ظهور بعضهم على بعض، ويبين أن ظهور محمد ﵌ وأمته على أهل الكتاب: اليهود والنصارى، هو من جنس ظهورهم على المشركين: عبدة الأوثان، وذلك من أعلام نبوته ودلائل رسالته، ليس هو كظهور بخت نصر على بني إسرائيل، وظهور الكفار على المسلمين.\nوهذه الآية مما أخبر به موسى، وبين أن الكذاب المدعي للنبوة لا يتم أمره، وإنما يتم أمر الصادق.\nفإن من أهل الكتاب من يقول: محمد وأمته سُلِّطوا علينا بذنوبنا مع صحة ديننا الذي نحن عليه، كما سُلِّط بخت نصر وغيره من الملوك.\nوهذا قياس فاسد، فإن بخت نصر لم يَدَّع نبوة، ولا قاتل على دين، ولا طلب من بني إسرائيل أن ينتقلوا عن شريعة موسى إلى شريعته، فلم يكن في ظهوره إتمام لما ادعاه من النبوة ودعا إليه من الدين، بل كان بمنزلة المحاربين قطاع الطريق إذا ظهروا على القوافل، بخلاف من ادعى نبوة ودينا، ودعا إليه، ووعد أهله بسعادة الدنيا والآخرة، وتوعد مخالفيه بشقاوة الدنيا والآخرة، ثم نصره الله، وأظهره، وأتم دينه، وأعلى كلمته، وجعل له العاقبة، وأذل مخالفيه.\nفإن هذا من جنس خرق العادات المقترن بدعوى النبوة، فإنه دليل عليها.\nوقد تغرق في البحر أمم كثيرة، فلا يكون ذلك دليلا على نبوة نبي، بخلاف غرق فرعون وقومه فإنه كان آية بينة لموسى.","vol":"1","page":91},{"text":"وهذا موافق لما أخبر به موسى - ﵊ - من أن الكذاب لا يتم أمره، وذلك بأن الله حكيم لا يليق به تأييد الكذاب على كذبه من غير أن يبين كذبه.\nولهذا أعظم الفتن: فتنة الدجال الكذاب، لما اقترن بدعواه الألوهية بعض الخوارق، كان معه ما يدل على كذبه من وجوه:\nمنها: دعواه الألوهية، وهو: «أعور، والله ليس بأعور»، «مكتوب بين عينيه: كافر»، يقرؤه كل مؤمن قارئ وغير قارئ، والله تعالى لا يراه أحد حتى يموت، وقد ذكر النبي ﵌ هذه العلامات الثلاث في الأحاديث الصحيحة (١) .\nفأما تأييد الكذاب، ونصره، وإظهار دعوته دائما، فهذا لم يقع قط، فمن يستدل على ما يفعله الرب سبحانه بالعادة والسنة فهذا هو الواقع على ذلك - أيضا - بالحكمة، فحكمته تناقض أن يفعل ذلك، إذ الحكيم لا يفعل هذا.\nوقد قال تعالى: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا - سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا﴾ [الفتح: ٢٢ - ٢٣]\nفأخبر أن سنة الله التي لا تبديل لها: نصر المؤمنين على الكافرين.\nوالإيمان المستلزم لذلك يتضمن طاعة الله ورسوله، فإذا نقص الإيمان بالمعاصي كان الأمر بحسبه، كما جرى يوم أحد.\nوقال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا - اسْتِكْبَارًا فِي الأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلا سُنَّتَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلا﴾ [فاطر: ٤٢ - ٤٣]\n_________\n(١) عن أنس ﵁ عن النبي ﵌ قال: \" ما بعث الله من نبي إلا أنذر قومه الأعور الكذاب، إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، مكتوب بين عينيه كافر \" رواه البخاري في (التوحيد قول الله تعالى ولتصنع على عيني [طه: ٣٩]، واللفظ له، ورواه مسلم في (الفتن: ٧٣٦٣) . وعن حذيفة قال: قال رسول الله ﵌: \" مكتوب بين عينيه كافر، يقرؤه كل مؤمن، كاتب وغير كاتب \". وقال نبي الله ﵌: \" تعلموا أنه لن يرى أحد منكم ربه ﷿ حتى يموت \" رواهما مسلم في (الفتن: ٧٣٦٧ و٧٣٥٦) .","vol":"1","page":92},{"text":"فأخبر أن الكفار لا ينظرون إلا سنة الأولين، ولا يوجد لسنة الله تبديل، لا تُبَدَّل بغيرها، ولا تتحول، فكيف النصر للكفار على المؤمنين الذين يستحقون هذا الاسم؟\nوكذلك قال في المنافقين - وهم الكفار في الباطن دون الظاهر - ومن فيه شعبة نفاق: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا - مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا - سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا﴾ [الأحزاب: ٦٠ - ٦٢]\nوالسنة هي العادة، فهذه عادة الله المعلومة، فإذا نصر من ادعى النبوة وأتباعه على من خالفه، إما ظاهرا وإما باطنا نصرا مستقرا، فإن ذلك دليل على أنه نبي صادق، إذ كانت سنة الله وعادته نصر المؤمنين بالأنبياء الصادقين على الكافرين والمنافقين، كما أن سنته تأييدهم بالآيات البينات، وهذه منها.\nومن ادعى النبوة وهو كاذب فهو من أكفر الكفار وأظلم الظالمين:\nقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٩٣]\nوقال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ﴾ [الزمر: ٣٢]\nوقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ﴾ [العنكبوت: ٦٨]\nوقال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٤]","vol":"1","page":93},{"text":"ومن كان كذلك كان الله يمقته، ويبغضه، ويعاقبه، ولا يدوم أمره، بل هو كما قال النبي ﵌ في الحديث الصحيح عن أبي هريرة قال: «إن الله يُملي للظالم، فإذا أخذه لم يُفْلِته \"، ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢]» (١) [هود: ١٠٢]، وقال - أيضا - في الحديث الصحيح عن أبي موسى أنه قال: قال رسول الله ﵌: «مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع، تُفَيِّؤُهَا الرياح، تقيمها تارة وتميلها أخرى، ومَثَل المنافق كمثل شجرة الأرز، لا تزال ثابتة على أصلها حتى يكون انجعافها مرة واحدة» (٢) .\nفالكاذب الفاجر وإن عظمت دولته فلا بد من زوالها بالكلية، وبقاء ذمه ولسان السوء له في العالم، وهو يظهر سريعا، ويزول سريعا كدولة الأسود العنسي، ومسيلمة الكذاب، والحارث الدمشقي، وبابك الخرمي ونحوهم.\nوأما الأنبياء فإنهم يُبْتَلون كثيرا ليمحصوا بالبلاء، فإن الله تعالى يُمَكِّن للعبد إذا ابتلاه، ويُظْهِر أمره شيئا فشيئا كالزرع، قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ [الفتح: ٢٩] أي: فراخه ﴿فَآزَرَهُ﴾ [الفتح: ٢٩] أي: قَوَّاهُ ﴿فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩]\nولهذا كان أول من يتبعهم ضعفاء الناس باعتبار هذه الأمور.\nوسنة الله في أنبياء الله وأوليائه الصادقين وفي أعداء الله والمتنبئين الكذابين مما يوجب الفرق بين النوعين، وبين دلائل النبي الصادق ودلائل المتنبي الكذاب.\nوقد ذكر ابتلاء النبي والمؤمنين ثم كون العاقبة لهم في غير موضع:\n_________\n(١) أخرجه البخاري في (التفسير سورة هود: ٤٦٨٦)، ومسلم في (البر: ٦٥٨١) واللفظ له، عن أبي موسى الأشعري.\n(٢) رواه مسلم في (صفات المنافقين: ٧٠٩٥) بلفظ قريب مما ذكر هاهنا.","vol":"1","page":94},{"text":"كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٤]\nوقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]\nقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ - حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ - لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ١٠٩ - ١١١]\nوالمقصود أن إيذاء القائمين بالحق، والناصرين له من سَنَن أهل الجاهلية، وكثير من أهل عصرنا على ذلك، والله المستعان.","vol":"1","page":95},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>[الخمسون الإيمان بالجبت والطاغوت وتفضيل المشركين على المسلمين]</span>\nالخمسون الإيمان بالجبت والطاغوت، وتفضيل المشركين على المسلمين قال تعالى في سورة \" النساء \" [٥١]: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء: ٥١]\nهذه الآية نزلت في حُيَيِّ بن أخطب وكعب بن الأشرف في جمع من يهود، وذلك أنهم خرجوا إلى مكة بعد وقعة أحد؛ ليحالفوا قريشا على رسول الله ﵌، وينقضوا العهد الذي بينهم وبين رسول الله ﵌، فنزل كعب على أبي سفيان، فأحسن مثواه، ونزلت اليهود في دور قريش، فقال أهل مكة: أنتم أهل كتاب ومحمد ﵌ صاحب كتاب، فلا يؤمن هذا أن يكون مكرا منكم، فإن أردت أن نخرج معك فاسجد لهذين الصنمين وآمن بهما، ففعل، ثم قال كعب: يا أهل مكة ليجئ منكم ثلاثون ومنا ثلاثون، فنلزق أكبادنا بالكعبة، فنعاهد رب البيت لنجهدن على قتال محمد، ففعلوا ذلك، فلما فرغوا قال أبو سفيان لكعب: إنك امرؤ تقرأ الكتاب وتعلم، ونحن أميون لا نعلم، فأينا أهدى طريقا وأقرب إلى الحق: أنحن أم محمد؟ قال كعب: اعرضوا علي دينكم، فقال أبو سفيان: نخن ننحر للحجيج الكوماء (١) ونسقيهم اللبن، ونقري الضيف، ونفك العاني، ونصل الرحم، ونعمر بيت ربنا، ونطوف به، ونحن أهل الحرم، ومحمد فارق دين آبائه، وقطع الرحم، وديننا القديم، ودين محمد الحديث، فقال كعب: أنتم والله أهدى سبيلا مما عليه محمد، فأنزل الله في ذلك الآيات (٢) .\nوالجبت في الأصل: اسم صنم، فاستعمل في كل معبود غير الله.\n_________\n(١) الكوماء: الناقة عظيمة السنام. انظر: لسان العرب \" كوم \".\n(٢) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٥ / ١٢٣)، وابن شبة في أخبار المدينة (٢ / ٥٩)، والبيهقي في دلائل النبوة (٣ / ١٩٣)، والطبراني في المعجم الكبير (١١ / ٢٥١) .","vol":"1","page":96},{"text":"والطاغوت: يطلق على كل باطل من معبود أو غيره.\nومعنى الإيمان بهما: إما التصديق بأنهما آلهة، وإشراكهما بالعبادة مع الله تعالى، وإما طاعتهما وموافقتهما على ما هما عليه من الباطل، وإما القدر المشترك بين المعنيين كالتعظيم مثلا.\nوالمتبادر المعنى الأول، أي أنهم يصدقون بألوهية هذين الباطلين، ويشركونهما في العبادة مع الإله الحق، ويسجدون لهما (١) .\n_________\n(١) قال عمر: الجبت: السحر، والطاغوت: الشيطان. ذكره البخاري في صحيحه تعليقا في (كتاب التفسير باب: قوله: وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط [النساء: ٤٣]: قبل رقم ٤٥٨٣) فكل من عبد غير الله فالداعي هو الشيطان، فيكون الشيطان هو المعبود؛ لأنهم عبدوا غير الله بأمر الشيطان وتزيينه، والعياذ بالله تعالى.","vol":"1","page":97},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>[الحادية والخمسون لبس الحق بالباطل وكتمانه]</span>\nالحادية والخمسون لبس الحق بالباطل، وكتمانه قال تعالى في سورة \" آل عمران \" [٧١]: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧١]\nوفي المراد أقوال:\nأحدها: أن المراد تحريفهم التوراة والإنجيل.\nثانيها: أن المراد إظهارهم الإسلام، وإبطانهم النفاق.\nثالثها: أن المراد الإيمان بموسى وعيسى، والكفر بمحمد ﵇.\nورابعها: أن المراد ما يعلمونه في قلوبهم من حقيقة رسالته ﵌، وما يظهرونه من تكذيبه (١) .\n_________\n(١) انظر الأقوال الأربعة في \" روح المعاني \" (٣ / ١٩٩) .\nقال ابن كثير في \" تفسيره \" أي: تكتمون ما في كتبكم من صفة محمد ﵌، وأنتم تعرفون ذلك، وتتحققونه.","vol":"1","page":98},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>[الثانية والخمسون التعصب للمذهب والإقرار بالحق للتوصل إلى دفعه]</span>\nالثانية والخمسون التعصب للمذهب، والإقرار بالحق للتوصل إلى دفعه قال تعالى في سورة \" آل عمران \" [٧٢ - ٧٤]: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ - وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ - يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [آل عمران: ٧٢ - ٧٤]\nقال الحسن والسُّدِّيُّ: تواطأ اثنا عشر رجلا من أحبار يهود خيبر وقرى عرين، وقال بعضهم لبعض: ادخلوا في دين محمد أول النهار باللسان دون الاعتقاد، واكفروا آخر النهار، وقولوا: إنا نظرنا في كتبنا، وشاورنا علماءنا، فوجدنا محمدا ليس بذاك، وظهر لنا كذبه، وبطلان دينه، فإذا فعلتم ذلك شك أصحابه في دينهم، وقالوا: إنهم أهل كتاب، وهم أعلم به، فيرجعون عن دينهم إلى دينكم (١) .\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٣ / ٣١١) .","vol":"1","page":99},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>[الثالثة والخمسون تسميه اتباع الإسلام شركا]</span>\nالثالثة والخمسون تسميه اتباع الإسلام شركا قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ - وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩ - ٨٠]\nأخرج ابن إسحاق بسنده: «حين اجتمعت الأحبار من اليهود والنصارى من أهل نجران عند رسول الله ﵌، ودعاهم إلى الإسلام، قالوا: أتريد يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى ابن مريم؟ فقال رجل من أهل نجران نصراني يقال له الرئيس: أَوَذَاكَ تريد منا يا محمد؟ فقال رسول الله ﵌: \" معاذ الله أن نعبد غير الله، أو نأمر بعبادة غيره، وما بذلك بعثني، ولا بذلك أمرني \"، فأنزل الله تعالى هذه الآية» (١) .\n_________\n(١) قال محمد بن إسحاق: حدثنا محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جُبير، عن ابن عباس قال: قال أبو رافع: حين اجتمعت. . . الحديث. ذكره ابن كثير في \" تفسيره \".","vol":"1","page":100},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>[الرابعة والخمسون تحريف الكلم عن مواضعه وَلَيُّ الألسنة بالكتاب]</span>\nالرابعة والخمسون تحريف الكلم عن مواضعه، وَلَيُّ الألسنة بالكتاب قال تعالى في سورة \" آل عمران \" [٧٨]: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٨]\nرُوِيَ أن الآية نزلت في اليهود والنصارى جميعا، وذلك أنهم حرفوا التوراة والإنجيل، وألحقوا بكتاب الله تعالى ما ليس منه.\nواختلف الناس في أن المحرف هل كان يكتب في التوراة أم لا؟ فذهب جمع إلى أنه ليس في التوراة سوى كلام الله تعالى، وأن تحريف اليهود لم يكن إلا تغييرا وقت القراءة، وتأويلا باطلا للنصوص، وأما أنهم يكتبون ما يرومون في التوراة على تعدد نسخها فلا.\nواحتجوا لذلك بما رُوِيَ أن التوراة والإنجيل كما أنزلهما الله تعالى لم يُغَيَّرْ منهما حرف، ولكنهم يُضِلون بالتحريف والتأويل وكتب كانوا يكتبونها من عند أنفسهم، ويقولون: إن ذلك من عند الله، وما هو من عند الله، فأما كتب الله تعالى فإنها محفوظة لا تُحَوَّلُ.\nوبأن النبي ﵌ «كان يقول لليهود إلزاما لهم: \" ائتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين»، وهم يمتنعون عن ذلك، فلو كانت مغيرة إلى ما يوافق مرامهم ما امتنعوا، بل وما كان يقول لهم ذلك رسول الله ﵌؛ لأنه يعود على مطلبه الشريف بالإبطال.\nوذهب آخرون إلى أنهم بدلوا، وكتموا ذلك في نفس كتابهم، واحتجوا على ذلك بكثير من الظواهر.","vol":"1","page":101},{"text":"ولا يمنع من ذلك تعدد النسخ؛ لاحتمال التواطؤ، أو فُعِل ذلك في البعض دون البعض، وكذلك لا يمنع منه قول الرسول لهم ذلك؛ لاحتمال علمه ببقاء بعض ما يفي بغرضه سالما عن التغيير، إما لجهلهم بوجه دلالته، أو لصرف الله تعالى إياهم عن تغييره.\nوتمام الكلام في تفسير الجد عند الكلام على هذه الآية، وكذا في \" الجواب الصحيح \" (١) لشيخ الإسلام.\nوكثير من الأمة المحمدية سلكوا مسلك الكتابيين في التحريف، والتأويل، واتباع شهواتهم.\nوقال تعالى في سورة \" النساء \" [٤٦]: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٤٦]\nوالكلام على هذه الآية - أيضا - مستوفًى في التفسير.\n_________\n(١) (٢ / ١٨ - ٢٨)، وانظر: إغاثة اللهفان لابن القيم (٢ / ٣٥١ - ٣٥٤) .","vol":"1","page":102},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>[الخامسة والخمسون تلقيب أهل الهدى بالصابئة والحشوية]</span>\nالخامسة والخمسون تلقيب أهل الهدى بالصابئة والحشوية فقد كان أهل الجاهلية يلقبون من خرج عن دينهم بالصابئ، كما كانوا يسمون رسول الله ﵌ بذلك، كما ورد في عدة أحاديث من \" صحيح البخاري \" و\" مسلم \" (١) وغيرهما (٢)؛ تنفيرا للناس عن اتباع غير سبيلهم.\nوهكذا تجد كثيرا من هذه الأمة يطلقون على من خالفهم في بدعهم وأهوائهم أسماء مكروهة للناس.\nوالصابئة أمة قديمة على مذاهب مختلفة، قد تكلم عليها أهل المقالات بما لا مزيد عليه.\nوأما الحشوية فهم قوم كانوا يقولون بجواز ورود ما لا معنى له في الكتاب والسنة كالحروف في أوائل السور، وكذا قال بعضهم، وهم الذين قال فيهم الحسن البصري لما وجد قولهم ساقطا، وكانوا يجلسون في حلقته أمامه: \" رُدُّوا هؤلاء إلى حشا الحلقة \"، أي: جانبها.\nوخصوم السلفيين يرمونهم بهذا الاسم؛ تنفيرا للناس عن اتباعهم والأخذ بأقوالهم، حيث يقولون في المتشابه: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧]\nوقد أخطأت اسْتُهم الحفرةَ، فالسلف لا يقولون بورود ما لا معنى له لا في الكتاب ولا في السنة، بل يقولون في الاستواء مثلا: \" الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإقرار به إيمان، والجحود به كفر \".\n_________\n(١) رواه البخاري في (المناقب قصة زمزم: ٣٥٢٢ م) ومسلم في (فضائل الصحابة: ٦٣٥٩) وعندهما أنهم قالوا ذلك عن أبي ذر أيضا ﵁، وقالوا ذلك عن عمر أيضا فيما رواه البخاري في (مناقب الأنصار إسلام عمر بن الخطاب ﵁: ٣٨٦٤ و٣٨٦٥) .\n(٢) مثل أحمد في \" المسند \" (٣ / ٤٩٢، و٤ / ٣٤١) والطبراني في \" الكبير \" (٤٥٨٢) .","vol":"1","page":103},{"text":"وقد أطال الكلام في هذه المسألة شيخ الإسلام ابن تيمية في كثير من كتبه (١) ولخص ذلك في كتابه \" جواب أهل الإيمان في التفاضل بين آيات القرآن \".\nومن الناس من فرق بين مذهب السلف ومذهب الحشوية، بأن مذهب الحشوية ورود ما يتعذر التوصل إلى معناه المراد مطلقا، فالاستواء - مثلا - عندهم له معنى يتوصل إليه بمجرد سماعه كل من يعرف الموضوعات اللغوية، إلا أنه غير مراد؛ لأنه خلاف ما يقتضيه دليل العقل والنقل، ومعنى آخر يليق به - تعالى - لا يعلمه إلا هو ﷿.\nوكيف يكون مذهب السلف هو مذهب الحشوية وقد رأى الحسن البصري الذي هو من أكابر السلف سقوط قول الحشوية، ولم يرض أن يقعد قائله تجاهه؟!\nوالمقصود أن أهل الباطل من المبتدعة رموا أهل السنة والحديث بمثل هذا اللقب الخبيث.\nقال أبو محمد عبد الله بن قتيبة في \" تأويل مختلف الأحاديث \": \" إن أصحاب البدع سموا أهل الحديث بالحشوية، والنابتة، والمتجبرة، والجبرية، وسموهم الغثاء، وهذه كلها أنباز لم يأت بها خبر عن رسول الله ﵌ كما أتى:\nفي القدرية (٢) «أنهم \" مجوس هذه الأمة، إن (٣) مَرِضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوا جنائزهم» (٤) .\nوفي الرافضة: «يكون قوم في آخر الزمان يسمون الرافضة، يرفضون الإسلام،\n_________\n(١) ومنها رسالة \" الإكليل في المتشابه والتأويل \"، و\" الفرقان بين الحق والباطل \" ضمن مجموع الفتاوى (١٣ / ١٤٣ - ١٤٧)، و\" الرسالة التدمرية \".\n(٢) القدرية ليست طائفة مستقلة، وإنما تطلق على كل من نفى القدر.\n(٣) في الأصل: (فإن)، وفي سنن أبي داود (إن) .\n(٤) حسن بمجموع طرقه: رواه أبو داود في (السنة باب في القدر: ٤٦٩١) .","vol":"1","page":104},{"text":"ويلفظونه، فاقتلوهم، فإنهم مشركون» (١) .\nوفي المرجئة: «صنفان من أمتي لا تنالهم شفاعتي، لعنوا على لسان سبعين نبيا: المرجئة والقدرية» (٢) .\nوفي الخوارج (٣) «يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية» (٤) و«كلاب أهل النار» (٥) .\nهذه أسماء من رسول الله ﵌، وتلك أسماء مصنوعة \" (٦) انتهى.\nوفي \" الغُنْيَة \" أن الباطنية تسمي أهل الحديث \" حشوية \" لقولهم بالأخبار وتعلقهم بالآثار (٧) .\nوفي كتاب \" حجة الله البالغة \": \" واستطال هؤلاء الخائضون على معشر أهل\n_________\n(١) ضعيف: أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٢ / ٤٧٥) ح ٩٨١ وغيره.\n(٢) لا يصح عن رسول الله ﵌: قاله ابن الجوزي ﵀، وأخرجه في \" العلل المتناهية \" (١ / ١٥٦) برقم (٢٤٩) من حديث أنس، وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٢ / ٤٦١) ح ٦٤٩، من حديث ابن عباس مرفوعا بلفظ: \" صنفان من أمتي لا تنالهما شفاعتي: المرجئة والقدرية\".\n(٣) الخوارج: إحدى الفرق الضالة، نشأت قديما، وحذر النبي ﵌ من فتنتها، وحث على قتلهم، خرجوا على حين فرقة من المسلمين، ومنشؤهم التشدد والهوى، وصرف النصوص وتحريفها حسب هواهم، وهم طوائف كثيرون، يجمعهم القول بالتبري من عثمان وعلي، وتكفير صاحب الكبيرة، والخروج على الإمام إذا فعل كبيرة.\nانظر في شأنها: مقالات الإسلاميين (١ / ١٦٧)، وخبيئة الأكوان (ص ٥٧) .\n(٤) متفق عليه: أخرجه البخاري في (استتابة المرتدين من ترك قتال الخوارج للتألف: ٦٩٣٤) عن يسير بن عمرو قال: قلت لسهل بن حنيف: هل سمعت النبي ﵌ يقول في الخوارج شيئا؟ قال: سمعته يقول: وأهوى بيده قِبَل العراق: \" يخرج منه قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقِيَهُم، يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية \"، وبرقم (٦٩٣٣ و٣٦١٠ و٤٣٥١ و٥٠٥٨) بلفظ: \" يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية \". ورواه مسلم بهذا اللفظ في (الزكاة: ٢٤٦٢) .\n(٥) صحيح: أخرجه ابن ماجه في (السنة في ذكر الخوارج: ١٧٣) ولفظه عنده: \" الخوارج كلاب النار \"، وأحمد في مسنده (٤ / ٣٥٥)، وابن أبي عاصم في السنة (٢ / ٤٣٨) رقم (٩٠٤)، وغيرهم.\n(٦) تأويل مختلف الحديث (ص ٥٥) .\n(٧) \" الغنية \" لعبد القادر الجيلاني (١ / ٨٥) .","vol":"1","page":105},{"text":"الحديث، وسموهم مجَسِّمة، ومشَبِّهة، وقالوا: هم المتسترون بالبَلْكَفة (١) وقد وضح لديَّ (٢) وضوحا بَيِّنًا أن استطالتهم هذه ليست بشيء، وأنهم مخطئون في مقالتهم (٣) رواية ودراية، وخاطئون في طعنهم أئمة الهدى \" (٤) انتهى.\nوقد قال العلامة ابن القيم في \" كافيته الشافية \": \" فصل في تلقيبهم أهل السنة بالحشوية، وبيان من أَوْلى بالوصف المذموم في هذا اللقب من الطائفتين، وذكر أول من لَقَّب به أهل السنة من أهل البدع:\nومن العجائب قولهم لمن اقتدى ... بالوحي من أَثَر ومن قرآن\nحشوية يعنون حشوا في الوجو ... د وفضلة في أمة الإنسان\nويظن جاهلهم بأنهم حشوا ... رب العباد بداخل الأكوان\nإذ قولهم فوق العباد وفي السما ... ء الرب ذو الملكوت والسلطان\nظن الحمير بأن في للظرف والرحـ ... ـمن مَحْوِيٌّ بظرف مكان\nوالله لم يسمع بذا من فرقة ... قالته في زمن من الأزمان\nلا تبهتوا أهل الحديث به فما ... ذا قولهم تَبًّا لذي البهتان\nبل قولهم: إن السماوات العلى ... في كف خالق هذه الأكوان\nحقا كخردلة ترى في كف ممـ ... ـسكها تعالى الله ذو السلطان\nأترونه المحصور بعد أم السما ... يا قومنا ارتدعوا عن العدوان\nكم ذا مشبهة وكم حشوية ... فالبهت لا يخفى على الرحمن\nتدرون من سَمَّتْ شيوخكم بهـ ... ـذا الاسم في الماضي من الأزمان\n_________\n(١) البلكفة: يعنون بها عبارة \" بلا كيف \"، وذلك أن المتبعين ﵌ والصحابة والسلف رضوان الله عليهم يقولون مثلا: نثبت استواء الله على العرش بمعنى أنه علا وارتفع، لكن بلا كيف، فأتت عبارة بكلفة من عبارة \" بلا كيف \".\n(٢) في حجة الله البالغة: \" علي \".\n(٣) في الأصل: \" روايتهم \"، وما أثبته من حجة الله البالغة.\n(٤) حجة الله البالغة لشاه ولي الله الدهلوي (١ / ٦٤) .","vol":"1","page":106},{"text":"سمى به ابنُ عبيدٍ عبدَ الله ذا ... ك ابنَ الخليفة طارد الشيطان (١)\nفورثتم عَمْرًا كما ورثوا لعبـ ... ـد الله أَنَّى يستوي الإرثان\nتدرون من أولى بهذا الاسم وهـ ...\n_________\nومناسب أحواله بوزان\nمن قد حشا الأوراق والأذهان من ... بدع تخالف مقتضى القرآن\nهذا هو الحشوي لا أهل الحديـ ... ـث أئمة الإسلام والإيمان\nوَرَدُوا عِذاب مناهل السنن التي ... ليست زبالة هذه الأذهان\nوَوَرَدْتُمُ الْقَلُّوطَ (٢) مجرى كل ذي الْـ ... أوساخ والأقذار والأنتان\nوَكَسِلْتُمُ أن تصعدوا للوِرد من ... رأس الشريحة خيبة الكسلان (٣) .\nوحاصل هذه الأبيات أن أعداء الحق وخصوم السنة وأضداد الكتاب والسنة يلقبون سلف الأمة المتمسكين بالكتاب والسنة بلقب \" الحشوية \":\nفالخواص منهم يقصدون بهذا الاسم أن المسمى به حشو في الوجود، وفضلة في الناس، لا يُعْبَأ بهم، ولا يقام لهم وزن؛ إذ لم يتبعوا آراءهم الكاسدة، وأفكارهم الفاسدة.\nوأما العوام منهم فيظنون أن تسمية السلف بالحشوية لقولهم بالفوقية، وكون الإله في السماء، بمعنى أنهم اعتقدوا - وحاشاهم - أن الله تعالى حَشْوُ هذا الوجود، وأنه داخلَ الكون - تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا -، وهذا بهتان عظيم على أهل الحديث.\nعلى أن هذا القول لم يقل به أحد (٤) .\n_________\n(١) انظر: منهاج السنة النبوية (٢ / ٥٢٠)، حيث ذكر أن عمرو بن عبيد سمى عبد الله بن عمر حشويا.\n(٢) قال ابن عيسى في شرح الكافية الشافية (٢ / ٨٦): \" القلوط - بفتح القاف وتشديد اللام وبالطاء المهملة - هو نهر بدمشق الشام يحمل أقذار البلد وأوساخه وأنتانه، ويسمى في هذا الوقت: قليطا بالتصغير \". قلت: وقد أصبح الآن اسمه قليط من غير تصغير.\n(٣) الكافية الشافية (ص ١٠٨)، وبشرح العلامة ابن عيسى (٢ / ٧٩)، وبشرح د. محمد خليل هراس (١ / ٣٣٣ - ٣٣٥) .\n(٤) أما كونه تعالى في السماء فمما لا شك فيه، لأدلة كثيرة وكثيرة جدا، منها أنه \" على العرش استوى \" [طه: ٥]، ومعلوم أن العرش فوق السماء، فهو سقف الجنة، ومنها سؤال النبي ﵌ الجارية: \" أين الله؟ \" قالت: \" في السماء \" كما في مسلم في (الصلاة: ١١٩٩)، بل قد ألف الحافظ الذهبي كتابا كاملا في إثبات العلو لله تعالى، وهو كتاب \" العلو للعلي الغفار \".","vol":"1","page":107},{"text":"وأعداء الحق في عصرنا هذا على هذا المسلك الجاهلي، فتراهم يرمون كل من تمسك بالكتاب والسنة بكل لقب مذموم بين المسلمين، والله المستعان على ما يصفون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>[السادسة والخمسون افتراء الكذب على الله والتكذيب بالحق]</span>\nالسادسة والخمسون افتراء الكذب على الله، والتكذيب بالحق وشواهد هذه المسألة من الكتاب والسنة كثير، وهذا دأب المخالفين للدين المبين كاليهود والنصارى، يدعون أن ما هم عليه هو الحق، وأن الله أمرهم بالتمسك به، وأن الدين المبين ليس بحق، وأن الله تعالى أمرهم بتكذيبه، كل ذلك لاتباع أسلافهم، لا ينظرون إلى الدليل، وهكذا أهل البدع والضلالات يعتقدون بدعهم الحق، وأن الله أمرهم بها، وأن ما عليه أهل الحق مُفْتَرًى، لا يصدقون به (١) .\n_________\n(١) وهذا دليل على هذه المسألة وهو ما رواه البخاري في (المناقب باب قول الله تعالى: \"يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون\" [البقرة: ١٤٦]: ٣٦٣٥) عن عبد الله بن عمر ﵄: أن اليهود جاؤوا إلى رسول الله ﵌ فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله ﵌: \" ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ \" فقالوا: نفضحهم ويجلدون، فقال عبد الله بن سلام: كذبتم، إن فيها الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفع يده فإذا فيها آية الرجم، فقالوا: صدقت يا محمد، فيها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله ﵌ فرُجما، وعند مسلم في (الحدود: ٤٤٣٧) فقال ﵌: \" ما تجدون في التوراة على من زنى؟ \" قالوا: نسوِّد وجوههما ونحمِّلهما، ونخالف بين وجوههما، ويطاف بهما، قال: \" فأتوا بالتوراة إن كنتم صادقين \" فجاؤوا بها، فقرؤوها حتى إذا ما مرُّوا بآية الرجم وضع الفتى الذي يقرأ يده على آية الرجم، وقرأ ما بين يديها وما وراءها، فقال له عبد الله بن سلام - وهو مع رسول الله ﵌: مُرْهُ فليرفع يده، فرفعها فإذا تحتها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله ﵌ فرجما.\nفأين هم من قولهم: \"نؤمن بما أنزل علينا\" [البقرة: ٩١]؟!\nويأتي الكلام على هذه الآية في المسألة الثانية والستين.","vol":"1","page":108},{"text":"وَكُلٌّ يدَّعي وصلا لِلَيْلَى ... وليلى لا تُقِرُّ لهم بذاكا\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>[السابعة والخمسون رمي المؤمنين بطلب الغلو في الأرض]</span>\nالسابعة والخمسون رمي المؤمنين بطلب الغلو في الأرض قال تعالى في سورة \" يونس \" [٧٨]: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٧٨]\nهذا الكلام مسوق لبيان أن موسى ﵇ ألقمهم الحجر، فانقطعوا عن الإتيان بكلام له تعلق بكلامه ﵇ فضلا عن الجواب الصحيح، واضْطُرُّوا إلى التشبث بذيل التقليد الذي هو دَأَب كل عاجز محجوج، ودَيْدَن كل معالج لجوج.\nعلى أنه استئناف وقع جوابا عما قبله من كلامه ﵇ على طريقة: قال موسى، كأنه قيل: فماذا قالوا لموسى ﵇ حين قال لهم ما قال؟ فقيل: قالوا عاجزين عن المحاجَّة: ﴿أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ﴾ [يونس: ٧٨] أي: الْمُلْك.\nكما رُوِيَ عن مجاهد (١) وعن الزَّجَّاج أنه سُمِّيَ الْمُلْكُ كبرياءَ، لأنه أكبر ما يُطلَب من أمر الدنيا (٢) .\nفكل من دعا إلى الحق رماه من كان على المسلك الجاهلي أن قصده من الدعوة طلب الرئاسة والجاه، من غير أن ينظروا إلى ما دعا إليه، وما قام عليه من البراهين.\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ كما في الدر المنثور (٣ / ٣١٤) .\n(٢) معاني القرآن وإعرابه للزجاج (٣ / ٢٩) .","vol":"1","page":109},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>[الثامنة والخمسون رمي المؤمنين بالفساد في الأرض]</span>\nالثامنة والخمسون رمي المؤمنين بالفساد في الأرض شاهد هذه المسألة آيات كثيرة، حاصلها أن المخالفين لهم من المؤمنين مفسدون في الأرض.\nانظر إلى قولهم في أوائل سورة \" البقرة \" [الآية: ١١]، كيف ادَّعَوْا أنهم هم مصلحون، وقد رد الله عليهم بقوله: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٢]\nوهكذا من هو على شاكلة أولئك من الذين استحلوا غيهم، وتمكنت بدعهم من قلوبهم.\nومن يَكُ ذا فَمٍ مُرٍّ مَرِيضٍ ... يَجِدْ مرا به الماء الزُّلَالَا\nنسأله تعالى أن يثبت قلوبنا على دينه القويم، وأقدامنا على الصراط المستقيم (١) .\n_________\n(١) قال الله تعالى: \"وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك قال سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون\" [الأعراف: ١٢٧] .\nيخبر تعالى عما تمالأ عليه فرعون وملؤه، وما أضمروه لموسى ﵇ وقومه من الأذى والبغضة، (وقال الملأ من قوم فرعون) أي: لفرعون (أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض)، أي: يفسدوا أهل رعيتك، ويدعوهم إلى عبادة ربهم دونك، يا لله العجب! صار هؤلاء يشفقون من إفساد موسى وقومه! إلا إن فرعون وقومه هم المفسدون، ولكن لا يشعرون، ولهذا قالوا: (ويذرك وآلهتك) قاله ابن كثير في \" تفسيره \".\nوقال تعالى: \"قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا\" [الأعراف: ١٢٨]، فالمطلوب إذا عند شدة الأذى من الحكام: الاستعانة بالله والصبر؛ حتى يجعل الله للمؤمنين المتقين مخرجا، ويمكِّن للمؤمنين في الأرض. انتهى نقلا من \" التفسير الوجيز على هامش الكتاب العزيز \" (ص ١٦٥) .","vol":"1","page":110},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>[التاسعة والخمسون رمي المؤمنين بتبديل الدين]</span>\nالتاسعة والخمسون رمي المؤمنين بتبديل الدين قال تعالى في سورة \" غافر \" [٢٦]: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر: ٢٦]\nاعتقدوا أن ما هم عليه من الضلال هو الدين الحق، ومن أراد تحويلهم عن اعتقادهم الكاسد، وصرفهم عما هم عليه من الغي، فقد أراد إخراجهم من الدين، وإفسادا في الأرض.\nوهكذا ديدن أعداء الحق في كل عصر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>[الستون كونهم إذا غُلِبوا بالحجة فزعوا إلى السيف والشكوى إلى الملوك]</span>\nالستون كونهم إذا غُلِبوا بالحجة فزعوا إلى السيف والشكوى إلى الملوك، ودعوى احتقار السلطان، وتحويل الرعية عن دينه\nقال تعالى في سورة \" الأعراف \" [١٢٧]: ﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٢٧]\nفانظر إلى شكوى آل فرعون وقومه إليه، وتحريشهم إياه على مقاتلة موسى ﵇ وتهييجه، وما ذُكِرَ في آخر الآية من احتقار ما كانوا عليه (١) .\n_________\n(١) قال تعالى: \"وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك قال سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون\".","vol":"1","page":111},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>[الحادية والستون تناقض مذهبهم لما تركوا الحق]</span>\nالحادية والستون تناقض مذهبهم لما تركوا الحق قال تعالى في سورة \" ق \" [٤ - ٥]: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ - بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق: ٤ - ٥]\nفقوله: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ﴾ [ق: ٥] إلخ إضراب أُتْبِعَ الإضراب الأول للدلالة على أنهم جاؤوا بما هو أفظع من تعجبهم، وهو التكذيب بالحق، الذي هو النبوة الثابتة بالمعجزات في أول وهلة من غير تفكر ولا تدبر.\n﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق: ٥] مضطرب، وذلك بسبب نفيهم النبوة عن البشر بالكلية تارة، وزعمهم أن اللائق بها أهل الجاه والمال كما ينبئ عنه قولهم: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] تارة أخرى، وزعمهم أن النبوة سحر مرة أخرى، وأنها كهانة أخرى، حيث قالوا في النبي ﵌ مرة: ساحر، ومرة: كاهن، أو هو اختلاف حالهم ما بين تعجب من البعث واستبعاد له، وتكذيب وتردد فيه، أو قولهم في القرآن: هو شعر تارة، وهو سحر أخرى (١) .\nوقال تعالى في سورة \" الذاريات \" [٧ - ١١]: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ - إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ - يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ - قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ - الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾ [الذاريات: ٧ - ١١]\n(الحبك): جمع حبيكة كطريقة، أو حِباك كمِثال ومُثُل، والمراد بها إما الطرق المحسوسة التي تسير فيها الكواكب، أو المعقولة التي تدرك بالبصيرة، وهي ما يدل على وحدة الصانع وقدرته وعلمه وحكمته إذا تأملها الناظر.\nوقوله: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ [الذاريات: ٨] أي: متخالف، متناقض في أمر الله ﷿، حيث تقولون: إنه جل شأنه خلق السماوات والأرض، وتقولون بصحة عبادة الأصنام\n_________\n(١) وهكذا فكل من ترك الهدى وقع في الهوى لا محالة، وكان أمره متناقضا مضطربا مختلطا.","vol":"1","page":112},{"text":"معه سبحانه، وفي أمر الرسول، فتقولون تارة: إنه مجنون، وأخرى: إنه ساحر، ولا يكون الساحر إلا عاقلا، وفي أمر الحشر، فتقولون تارة: لا حشر ولا حياة بعد الموت أصلا، وتزعمون أخرى أن أصنامكم شفعاؤكم عند الله تعالى يوم القيامة إلى غير ذلك من الأقوال المتخالفة فيما كُلِّفوا بالإيمان به.\nوقوله: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [الذاريات: ٩] أي: يُصْرَف عن الإيمان بما كُلِّفوا الإيمان به.\n﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ [الذاريات: ١٠] أي: الكذابون من أصحاب القول المختلف.\n﴿الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾ [الذاريات: ١١] الغمرة: الجهل العظيم يغمرهم ويشملهم شمول الماء الغامر لما فيه، والسهو: الغفلة.\nوقال تعالى في أواخر سورة \" الأنعام \" [١٥٩]: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٩]\nهذه الآية استئناف لبيان أحوال أهل الكتابَيْن إثر بيان حال المشركين، بناء على ما رُوِيَ عن ابن عباس وقتادة: أن الآية نزلت في اليهود والنصارى.\nأي: بَدَّدوا دينهم، وبَعَّضوه، فتمسك بكل بعضٍ منه فرقةٌ منهم.\n﴿وَكَانُوا شِيَعًا﴾ [الأنعام: ١٥٩] أي: فرقا تُشايع كل فرقة إماما، وتتبعه، أي: تقويه، وتظهر أمره.\nأخرج أبو داود والترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، كلهم في الهاوية إلا واحدة، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، كلهم في الهاوية إلا واحدة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلهم في الهاوية إلا واحدة» .\nواستثناء الواحدة من فِرَق كل من أهل الكتابَيْن إنما هو بالنظر إلى العصر الماضي قبل النسخ، وأما بعده فالكل في الهاوية، وإن اختلفت أسباب دخولهم.\n﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩] أي: من السؤال عنهم، والبحث عن تفرقهم، أو من عقابهم، أو أنت بريء منهم.","vol":"1","page":113},{"text":"﴿إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٥٩] تعليل للنفي المذكور، أي: هو يتولى وحده أمرهم: أُولاهم وأُخراهم، ويدبره حسبما تقتضيه الحكمة.\nومن الناس من قال: المفرِّقون: أهل البدع من هذه الأمة:\nفقد أخرج الحكيم الترمذي وابن جرير والطبراني وغيرهم «عن أبي هريرة عن النبي ﵌ في قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا﴾ [الأنعام: ١٥٩] إلخ: \" هم أهل البدع والأهواء من هذه الأمة» (١) .\nفيكون الكلام - حينئذ - استئنافا لبيان حال المبتدعين إثر بيان حال المشركين، إشارة إلى أنهم ليسوا منهم ببعيد.\nوالمقصود أن أهل الجاهلية سواء كانوا أميين أو كتابيين قد فرقوا دينهم، وتغايروا في الاعتقاد، فكان عُبَّاد الأصنام كل قوم لهم صنم يدينون له، ولهم شرائع مختلفة في عبادتها، ومنهم من كان يعبد كوكبا، ومنهم من كان يعبد الشمس، ومنهم، ومنهم، وكذلك الكتابيون على ما بَيَّنَّا.\nفالافتراق ناشئ عن الجهل، وإلا فالشريعة الحقة في كل زمان لا تعدد فيها ولا اختلاف، ولذلك ترى القرآن يوحد الحق ويعدد الباطل:\n_________\n(١) قال ابن كثير ﵀ في \" تفسيره \": لكن هذا إسناد لا يصح، فإن عباد بن كثير متروك الحديث، ولم يختلق هذا الحديث، ولكنه وهم في رفعه، اهـ.\nثم قال بعد ذلك: والظاهر أن الآية عامة في كل من فارق دين الله، وكان مخالفا له، فإن الله بعث رسوله \" بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله\" [التوبة: ٣٣] وشرعه واحد لا اختلاف فيه، ولا افتراق، فمن اختلف فيه (وكانوا شيعا) أي: فرقا كأهل الملل والنحل، وهي الأهواء والضلالات، فالله قد برَّأ رسوله مما هم فيه، وهذه الآية كقوله تعالى: \" شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك\" الآية [الشورى: ١٣] اهـ. قلت: معنى (فرقوا دينهم) أي: بمخالفتهم له، واختلافهم فيه، (وكانوا شيعا): فرقا كأهل الملل والنحل والأهواء والضلالات، وكل الفرق إلا الفرقة الناجية، وهي الملتزمة بما كان عليه رسول الله ﵌ وأصحابه (لست منهم في شيء) أي: أنت والرسل برآء منها. . انتهى نقلا عن \" التفسير الوجيز على هامش الكتاب العزيز \" (ص ١٥٠) .","vol":"1","page":114},{"text":"قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]\nفانظر كيف أفرد النور الذي هو الحق، وجمع الظلمات التي هي الباطل والزيغ، فتفرقة الآراء، والاختلاف في الاعتقاد من خصال الجاهلية وما كان عليه أهل الباطل، والاتفاق على العقيدة الحقة هو من دأب أتباع الرسل والمتمسكين بما شرعه الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>[الثانية والستون دعواهم العمل بالحق الذي عندهم]</span>\nالثانية والستون دعواهم العمل بالحق الذي عندهم كما قال تعالى في سورة \" البقرة \" [٩١]: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩١]\nأي: نستمر على الإيمان بالتوراة وما في حكمها مما أُنْزِل لتقرير حكمها، ومرادهم بضمير المتكلم إما أنبياء بني إسرائيل - وهو الظاهر، وفيه إيماء إلى أن عدم إيمانهم بالقرآن كان بغيا وحسدا على نزوله على من ليس منهم - وإما أنفسهم، ومعنى الإنزال عليهم: تكليفهم بما في الْمُنَزَّل من الأحكام.\nوذُمُّوا على هذه المقالة لما فيها من التعريض بشأن القرآن، ودسائس اليهود مشهورة، وتمام الكلام في التفسير (١) .\n_________\n(١) يكذب دعواهم العمل بالحق الذي عندهم، تركهم رجم الزاني مع اعترافهم أنه في كتابهم، كما يأتي في هامش ص (١٢٩) .\nوقد تقدم أيضا في هامش المسألة السادسة والعشرين أنهم كفروا بعيسى وفي كتابهم التصديق به.","vol":"1","page":115},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>[الثالثة والستون الزيادة في العبادة]</span>\nالثالثة والستون الزيادة في العبادة كفعلهم يوم عاشوراء (١) .\n_________\n(١) وهذه الخصلة الجاهلية لا تزال موجودة إلى يومنا هذا، فأنت ترى البدع الكثيرة المنتشرة في شرق العالم الإسلامي وغربه، والبدع في تكاثر مستمر، حتى أصبح بعض المنتسبين للعلم والمشيخة يخترعون ويبتدعون ما لم يأذن به الله، وصار هذا عائقا كبيرا أمام من يريد معرفة الإسلام على وجهه الصحيح، كما جاء به رسول الله ﵌، فاللهم يا ولي الإسلام وأهله اهدهم وأصلح قلوبهم.\nأما بالنسبة لبدع يوم عاشوراء فهي لا تزال مثل ضرب الرؤوس بالسيوف وجرحها، وإسالة الدماء، وضرب الظهور بالسلاسل ضربا مبرحا.\nكما يوجد كثير من البدع في ذلك اليوم، بعضها مستند إلى أحاديث واهية، وأكثرها \"إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون\" [الزخرف: ٢٣] .","vol":"1","page":116},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>[الرابعة والستون النقص من العبادة]</span>\nالرابعة والستون النقص منها كتركهم الوقوف قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩] أي: من عرفة، لا من مزدلفة (١) .\nوالخطاب عامٌّ، والمقصود إبطال ما كان عليه الْحُمْس من الوقوف بِجَمْعٍ.\nفقد أخرج البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: «كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يسمون الحمس، وكانت سائر العرب يقفون بعرفات، فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه ﵌ أن يأتي عرفات، ثم يقف بها، ثم يفيض منها، فذلك قوله سبحانه: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]» (٢) .\nومعناها: ثم أفيضوا أيها الْحُجَّاج من مكان أفاض جنس الناس منه قديما وحديثا، وهو عرفة، لا من مزدلفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>[الخامسة والستون تَعَبُّدُهم بترك أكل الطيبات من الرزق وترك زينة الله التي أخرج لعباده]</span>\nالخامسة والستون تَعَبُّدُهم بترك أكل الطيبات من الرزق، وترك زينة الله التي أخرج لعباده قال تعالى في سورة \" الأعراف \" [٣١ - ٣٢]:\n_________\n(١) فكانوا يتركون الوقوف بعرفة مع علمهم أنها من مشاعر إبراهيم ﵇، لكن ابتدعوا من عندهم الوقوف بمزدلفة، وقالت عائشة ﵂: \" كان الناس يُفيضون من عرفات، وكانت الحمس يفيضون من المزدلفة، يقولون: لا نفيض إلا من الحرم، فلما نزلت (ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس) رجعوا إلى عرفات \" رواه مسلم في (الحج: ٢٩٥٥) . وكان من توفيق الله تعالى لنبيه ﵌ قبل البعثة أنه كان يقف بعرفة مع الناس كما رواه مسلم برقم (٢٩٥٦) .\n(٢) رواه البخاري في (التفسير سورة البقرة: ٤٥٢٠)، ومسلم في (الحج: ٢٩٥٤) .","vol":"1","page":117},{"text":"﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ - قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣١ - ٣٢]\nوسبب النزول - على ما رُوِيَ عن ابن عباس - أنه كان أناس من الأعراب يطوفون بالبيت عراة، حتى إن كانت المرأة لتطوف بالبيت وهي عريانة فتعلق على سُفْلها سُيُورا مثل هذه السيور التي تكون على وجه الحمر من الذناب، وهي تقول:\nاليوم يبدو بعضه أو كله ... وما بدا منه فلا أحله\nفأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ٣١] إلخ.\n﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [الأعراف: ٣١] مما طاب لكم.\nقال الكلبي: \" كان أهل الجاهلية لا يأكلون من الطعام إلا قوتا، ولا يأكلون دسما في أيام حجهم، يعظمون بذلك حجهم، فقال المسلمون: يا رسول الله نحن أحق بذلك، فأنزل الله تعالى الآية \".\nومنه يظهر وجه ذكر الأكل والشرب هنا.\n﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١] بتحريم الحلال، كما هو المناسب لسبب النزول أو بالتعدي إلى الحرام.\n﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ [الأعراف: ٣٢] من الثياب وكل ما يُتَجَمَّل به.\n﴿وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢] أي: من المستَلَذَّات، وقيل: المحَلَّلَات من المآكل والمشارب كلحم الشاة وشحمها ولبنها.\n﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الأعراف: ٣٢] أي: هي لهم بالأصالة لمزيد كرامتهم على الله تعالى، والكفرة - إن شاركوهم فيها - فبالتبع.\n﴿خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: ٣٢] لا يشاركهم فيها غيرهم.","vol":"1","page":118},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>[السادسة والستون تعبدهم بالْمُكاء والتصدية]</span>\nالسادسة والستون تعبدهم بالْمُكاء والتصدية قال تعالى في سورة \" الأنفال \" [٣٥]: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٥]\nتفسير هذه الآية: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ﴾ [الأنفال: ٣٥] أي: المسجد الحرام، الذي صدوا المسلمين عنه، والتعبير عنه بالبيت للاختصار مع الإشارة إلى أنه بيت الله، فينبغي أن يعظم بالعبادة، وهم لم يفعلوا.\n(إلا مكاء) أي: صفيرا.\n(وتصدية) أي: تصفيقا، وهو ضرب اليد باليد بحيث يسمع له صوت.\nوالمراد بالصلاة: إما الدعاء، أو أفعال أخر كانوا يفعلونها، ويسمونها صلاة، وحُمِلَ المكاء والتصدية عليها بتأويل ذلك بأنها لا فائدة فيها، ولا معنى لها كصفير الطيور، وتصفيق اللعب.\nوقد يقال: المراد أنهم وضعوا المكاء والتصدية موضع الصلاة التي يليق أن تقع عند البيت.\nيُروى أنهم كانوا إذا أراد النبي ﵌ أن يصلي يخلطون عليه بالصفير والتصفيق (١) .\nويُروى أنهم يصلون - أيضا -.\nويُروى أنهم كانوا يطوفون عراة: الرجال والنساء مشبكين بين أصابعهم،\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٩ / ٢٤١) عن ابن عمر، وذكره السيوطي في الدر المنثور، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، وأخرجه ابن أبي حاتم عن مجاهد كما في الدر المنثور (٣ / ١٨٣) .","vol":"1","page":119},{"text":"يصفرون فيها، ويصفقون (١) .\nوباقي الآية معلوم.\nوالمقصود أن مثل هذه الأفعال لا تكون عبادة، بل من شعائر الجاهلية.\nفما يفعله اليوم بعض جهلة المسلمين في المساجد من المكاء والتصدية يزعمون أنهم يذكرون الله، فهو من قبيل فعل الجاهلية، وما أحسن ما يقول القائل فيهم:\nأقال الله صفِّقْ لي وغَنِّ ... وقل كفرا وسم الكفر ذكرا\nوقد جعل الشارع صوت الملاهي صوت الشيطان، قال تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَولَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الإسراء: ٦٤]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>[السابعة والستون دعواهم الإيمان عند المؤمنين فإذا خرجوا خرجوا بالكفر الذي دخلوا به]</span>\nالسابعة والستون دعواهم الإيمان عند المؤمنين، فإذا خرجوا خرجوا بالكفر الذي دخلوا به (٢) .\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٩ / ٢٤١) عن سعيد بن جبير.\n(٢) كما قال تعالى: \"وإذا جاءوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به والله أعلم بما كانوا يكتمون\" [المائدة: ٦١]، وقال تعالى: \"وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون\" [البقرة: ١٤]، وقال تعالى: \"إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله إنهم ساء ما كانوا يعملون ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون\" [المنافقون: ١ - ٣] .\nوهذه حال كثير من الدعاة إلى الباطل، حيث تجده يخرب في الإسلام مع ادعائه الحرص عليه وعلى أهله.","vol":"1","page":120},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>[الثامنة والستون دعاؤهم الناس إلى الضلال بغير علم]</span>\nالثامنة والستون دعاؤهم الناس إلى الضلال بغير علم (١) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>[التاسعة والستون دعاؤهم الناس إلى الكفر مع العلم]</span>\nالتاسعة والستون دعاؤهم الناس إلى الكفر مع العلم (٢) .\n_________\n(١) كفعل النصارى، فإنهم لا علم عندهم، ومع ذلك يدعون إلى باطلهم، ويتعصبون له، وكأنه هو الحق، ولئن جاءهم كتاب من الله على لسان نبيهم عيسى ﵇، فإنه لم يلبث أن حُرِّف وغُيِّر وبُدِّل، ولأهل الضلال من الفرق الإسلامية في عصرنا من هذه الخصلة الجاهلية حظ وافر، ونصيب كامل، و\"من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون\" [الأعراف: ١٨٦]، فتراهم - مع انحرافهم عن الكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة رضوان الله عليهم - ينشطون في بث باطلهم ودعاتهم شرقا وغربا، وينفقون على ذلك الأموال الطائلة.\nوتجدهم مع ذلك متحمسين لباطلهم، مدافعين عنه، داعين الناس إليه، مع جهلهم بمنهج الفرقة الناجية، ألا وهي التي تكون كما كان عليه رسول الله ﵌ وأصحابه. والله الموفق.\n(٢) هذا كفعل يهود ومشركي قريش وفرعون، أما اليهود فإنهم يعلمون من كتبهم صدق نبوة النبي ﵌، ومع ذلك يدعون الناس إلى مخالفته والكفر به، وتكذيبه، كما قال تعالى: \"ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق\" [البقرة: ١٠٩]، وقال تعالى: \"يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون\" [آل عمران: ٧١]، وقال تعالى: \"قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا وأنتم شهداء وما الله بغافل عما تعملون\" [آل عمران: ٩٩] .\nأما مشركي قريش فقد كفروا عنادا ومكابرة، وتجرؤوا إلى أن دعوا رسول الله ﵌ إلى الكفر بالله، وذلك بأن يعبد ما يعبدون، ويعبدون ما يعبد.\nفعن ابن عباس: أن قريشا وعدوا رسول الله ﵌ أن يعطوه مالا؛ فيكون أغنى رجل بـ (مكة)، ويزوجوه ما أراد من النساء، ويطؤوا عقبه، فقالوا له: هذا لك عندنا يا محمد، وكف عن شتم آلهتنا، فلا تذكرها بسوء، فإن لم تفعل فإنا نعرض عليك خصلة واحدة، فهي لك ولنا فيها صلاح. قال: \" ما هي؟ \" قالوا: تعبد آلهتنا سنة: اللات والعزى، ونعبد إلهك سنة. قال: \" حتى أنظر ما يأتي من عند ربي \". فجاء الوحي من اللوح المحفوظ: \"قل يا أيها الكافرون\" السورة، وأنزل الله: \"قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون\" إلى قوله: \"بل الله فاعبد وكن من الشاكرين\" [الزمر: ٦٤ - ٦٦] أخرجه ابن جرير (٣٠ / ١ ٣٣)، وابن أبي حاتم، والطبراني كما في \" الدر المنثور \" (٦ / ٤٠٤)، وإسناده حسن. كذا في صحيح السيرة النبوية (ص ٢٠٧) .\nوكذلك فعل فرعون، فإنه دعا قومه إلي الكفر بالله وبرسوله مع علمه بصدق موسى ﵇، قال تعالى: \"وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين\" [النمل: ١٤]، وقال له موسى ﵇: \"لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر وإني لأظنك يا فرعون مثبورا\" [الإسراء: ١٠٢]، لكنه استمر على كفره وإضلاله غيره مع يقينه بصدق موسى ﵇ \"وأضل فرعون قومه وما هدى\" [طه: ٧٩]، وكذب على قومه في قوله: \"ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد\" [غافر: ٢٩] .\nومشابهوهم في هذا العصر كثير، وذلك أن أغلب دعاة الضلالة يعلمون أن الحق هو ما عليه المتمسكون بمنهاج الفرقة الناجية، وهو ما كان عليه رسول الله ﵌ وأصحابه، ويستيقنون ذلك، ومع ذلك يدعون الناس إلى خلافه، ويشككونهم فيه؛ حسدا من عند أنفسهم، فإلى الله المشتكى، وهو المستعان.","vol":"1","page":121},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>[السبعون المكر الكُبَّار]</span>\nالسبعون المكر الكُبَّار: كفعل قوم نوح قال تعالى في سورة \" نوح \" ﵇ [٢٢ - ٢٤]: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا - وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا - وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ [نوح: ٢٢ - ٢٤]\nومعنى الكبار: الكبير.\nوالمكر الكبار: احتيالهم في الدين، وصدهم للناس عنه، وإغراؤهم وتحريضهم على أذية نوح ﵇.\nوهكذا فعل أخلاف هؤلاء من مَرَدَة الدين، وأتباع الهوى، وعبدة الدنيا، يفعلون مع دعاة الحق كما فعل قوم نوح ﵇ معه، قد تشابهت قلوبهم، نسأله تعالى أن يعيذ رجال الحق من كيد مثل هؤلاء الفجرة، ويصونهم من مكرهم.\nوَقَدْ جَرَّبْتُهُمْ فَرَأَيْتُ مِنْهُمْ ... خَبَائِثَ بِالْمُهَيْمِنِ نَسْتَجِيرُ","vol":"1","page":122},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>[الحادية والسبعون أئمتهم إما عالم فاجر وإما عابد جاهل]</span>\nالحادية والسبعون أئمتهم: إما عالم فاجر، وإما عابد جاهل قال تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ - وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ - أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ - وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ - فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٥ - ٧٩]\nفذكر في الآية أن فريقا من أسلاف اليهود - وهم الأحبار - كانوا يسمعون التوراة ويؤولونها تأويلا فاسدا حسب أغراضهم، بل كانوا يحرفونها بتبديل كلام من تلقائهم، كما فعلوا ذلك في نعته ﵌، فإنه رويَ أنه من صفاته فيها أنه أبيض رَبْعَة، فغيروه بأسمر طويل، وغيروا آية الرجم بالتسخيم وتسويد الوجه كما في البخاري.\n(ومنهم) فريق ﴿أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ٧٨] إلا بالدعاوى الكاذبة، والمراد بهم جهلة مقَلِّدة، لا إدراك لهم.\nوتمام الكلام في هذا المقام يُطلب من التفسير.\nوالمقصود أن تحريف الكلم، واتباع الهوى، والقول على الله من غير علم من خصال الجاهلية.\nوأنت تعلم حال أحبار السوء اليوم والرهبان الذين يقولون على الله ما لا يُعْلَم قد تجاوزوا الحد في اتباع الهوى، وتأويل النصوص، وما أشبه ذلك مما يستحيي منه الإسلام، والأمر لله.","vol":"1","page":123},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-75>[الثانية والسبعون زعمهم أنهم أولياء لله من دون الناس]</span>\nالثانية والسبعون زعمهم أنهم أولياء لله من دون الناس دليل هذه المسألة قوله تعالى في سورة \" الجمعة \" [٦]: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا﴾ [الجمعة: ٦] أي: تهودوا، أي: صاروا يهودا.\n﴿إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ﴾ [الجمعة: ٦] أي: أحباء له سبحانه، ولم يضف (أولياء) إليه تعالى كما في قوله سبحانه: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ﴾ [يونس: ٦٢] ليُؤْذِن بالفرق بين مدعي الولاية ومن يخصه بها.\n﴿مِنْ دُونِ النَّاسِ﴾ [البقرة: ٩٤] أي: متجاوزين عن الناس.\n﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ [البقرة: ٩٤] أي: فتمنوا من الله أن يميتكم، وينقلكم من دار البلية إلى محل الكرامة.\n﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٩٤] في زعمكم، واثقين بأنه حق، فتمنوا الموت؛ فإنه من أيقن أنه من أهل الجنة أحب أن يتخلص إليها من هذه الدار التي هي قرارة الأنكاد والأكدار.\nوأُمِرَ ﵌ أن يقول لهم ذلك إظهارا لكذبهم، فإنهم كانوا يقولون: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] ويدعون أن الآخرة لهم عند الله خالصة، ويقولون: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا﴾ [البقرة: ١١١] كما أخبر تعالى عن الكتابيين في كتابه، فقال جل شأنه: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ - بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ١١١ - ١١٢]\nورويَ «أنه لما ظهر رسول الله ﵌ كتبت يهود المدينة ليهود خيبر: إن اتبعتم","vol":"1","page":124},{"text":"محمدا أطعناه، وإن خالفتموه خالفناه، فقالوا: نحن أبناء خليل الرحمن، ومنا عزير ابن الله والأنبياء، ومتى كانت النبوة في العرب؟! نحن أحق بها من محمد، ولا سبيل إلى اتباعه، فنزلت: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا﴾ [الجمعة: ٦]» الآية (١) .\n﴿وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا﴾ [الجمعة: ٧] إخبار بحالهم المستقبل، وهو عدم تمنيهم الموت، وذلك خاص بأولئك المخاطَبين.\nورويَ أن رسول الله ﵌ قال لهم: «والذي نفسي بيده لا يقولها أحد منكم إلا غص بريقه» (٢) فلم يَتَمَنَّهُ أحد منهم، وما ذلك إلا لأنهم كانوا موقنين بصدقه ﵌، فعلموا أنهم لو تمنوا لماتوا من ساعتهم، ولحقهم الوعيد، وهذه إحدى المعجزات.\n_________\n(١) ذكر ابن كثير في تفسيره عند قوله تعالى: \" قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ \" [البقرة: ٩٤ - ٩٥]، عن ابن عباس ﵁: يقول الله تعالى لنبيه محمد ﵌: \" قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ \" أي: ادعوا بالموت على أي الفريقين أكذب، فأبوا ذلك على رسول الله ﵌ \"ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين\" أي: بعلمهم بما عندهم من العلم بك والكفر بذلك، ولو تمنوه يوم قال لهم ذلك ما بقي على وجه الأرض يهودي إلا مات. وقال الضحاك عن ابن عباس: (فتمنوا الموت) فسلوا الموت. وقال عبد الرزاق عن مَعْمَر، عن عبد الكريم الجزري، عن عكرمة، قوله: \"فتمنوا الموت إن كنتم صادقين\" قال: قال ابن عباس: لو تمنى اليهود الموت لماتوا، اهـ. ثم ذكر أثرا عن ابن عباس: قال: لو تمنوا الموت لشرق أحدهم بريقه. وهذه أسانيد صحيحة إلى ابن عباس اهـ.\nفالمسألة على سبيل المباهلة، وليست كما ذكره الشيخ ﵀، قال ابن كثير ﵀: ولهم مع ذلك أن يقولوا على هذا: فها أنتم تعتقدون أيها المسلمون أنكم أصحاب الجنة، وأنتم لا تتمنون في حال الصحة الموت، فكيف تلزمونا بما لا يلزمكم اهـ. ثم قال بعد: وسميت هذه المباهلة تمنيا لأن كل محقٍّ يود لو أهلك الله المبطل المناظر له، لا سيما إذا كان في ذلك حجة له في بيان حقه وظهوره، وكانت المباهلة بالموت لأن الحياة عندهم عظيمة عزيزة؛ لما يعلمون من سوء مآلهم بعد الموت. اهـ.\n(٢) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٦ / ٢٧٤)، وأخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن ابن عباس بلفظ: \" لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ولرأوا مقاعدهم من النار \".","vol":"1","page":125},{"text":"﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٩٥] أي: بسببه، كأنه قيل: انتفى تمنيهم بسبب ما قَدَّمَتْ، والمراد بما قدمته أيديهم: الكفر والمعاصي الموجبة لدخول النار، ولما كانت اليد من بين جوارح الإنسان مناط عامة أفعاله عبر بها تارة عن النفس وأخرى عن القدرة.\n﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٩٥] أي: بهم، وإيثار الإظهار على الإضمار لذمهم، والتسجيل عليهم بأنهم ظالمون في كل ما يأتون ويذرون من الأمور التي من جملتها ادعاء ما هم عنه بمعزل، أي: والله عليم بما صدر منهم من فنون الظلم والمعاصي، وبما سيكون منهم، فيجازيهم على ذلك.\n﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ﴾ [الجمعة: ٨] ولا تجسرون على أن تمنوه مخافة أن تؤخذوا بوبال أفعالكم.\n﴿فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ [الجمعة: ٨] البتة، من غير صارف يلويه، ولا عاطف يثنيه.\n﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الجمعة: ٨] الذي لا تخفى عليه خافية.\n﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجمعة: ٨] من الكفر والمعاصي بأن يجازيكم بها.\nوهذا ديدن الزائغين، وشأن الملحدين، كما قال تعالى عن اليهود: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ [المائدة: ١٨]\nوقد ورث هذه الخصلة كثير ممن ينتمي إلى الملة الإسلامية، بل كل من الفِرَق يقول: نحن أولياء الله، مع أن النبي ﵌ قال في حديث الفِرَق في بيان الفرقة الناجية: «وهم ما أنا عليه وأصحابي» (١) .\n_________\n(١) حسن: رواه الترمذي بلفظ: \" ما أنا عليه وأصحابي \" برقم (٢٦٤١) . وقد تقدم ص (٤٦) .","vol":"1","page":126},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>[الثالثة والسبعون دعواهم محبة الله مع ترك شرعه]</span>\nالثالثة والسبعون دعواهم محبة الله مع ترك شرعه فطالبهم سبحانه بقوله في سورة \" آل عمران \" [٣١]: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١]\nقال الحسن وابن جريج: «زعم أقوام على عهد رسول الله ﵌ أنهم يحبون الله، فقالوا: يا محمد إنا نحب ربنا، فأنزل الله تعالى هذه الآية» (١) .\nوروى الضحاك عن ابن عباس قال: «وقف النبي ﵌ على قريش في المسجد الحرام، وقد نصبوا أصنامهم، وعلقوا عليها بيض النعام، وجعلوا في آذانها الشُّنوف (٢) وهم يسجدون لها، فقال: \" يا معشر قريش، لقد خالفتم ملة أبيكم إبراهيم وإسماعيل، ولقد كانا على الإسلام \"، فقالت قريش: يا محمد إنما نعبد هذه حبا لله؛ لتقربنا إلى الله زلفى، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ [آل عمران: ٣١] إلخ» (٣) .\nوفي رواية أبي صالح «أن اليهود لما قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] أنزل الله هذه الآية، فلما نزلت عرضها رسول الله ﵌ على اليهود، فأبوا أن يقبلوها» (٤) .\nوروى محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير قال: \" نزلت في نصارى نجران، وذلك أنهم قالوا: إنما نعظم المسيح، نعبده حبا لله، وتعظيما له، فأنزل الله تعالى هذه الآية ردا عليهم\" (٥) .\nوبالجملة: من تَلَبَّس بالمعاصي لا ينبغي له أن يدعي محبة الله، وما أحسن قول القائل:\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٣ / ٢٣٢) .\n(٢) جاء في حاشية المطبوع ما نصه: \" الشنف: القرط الأعلى، أو معلاق في قوف الأذن، أو ما علق في أعلاها، جمعه شنوف، وما علق في أسفل الأذن: قرط \".\n(٣) ذكره البغوي في تفسيره (١ / ٢٩٣)، وابن الجوزي في زاد المسير (١ / ٣٧٣) .\n(٤) ذكر هذا الأثر الجوزي في زاد المسير (١ / ٣٧٣) .\n(٥) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٣ / ٢٣٣) بنحوه.","vol":"1","page":127},{"text":"تعصي الإله وأنت تظهر حبه ... هذا لعمري (١) في القياس بديعُ\nلو كان حبك صادقا لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>[الرابعة والسبعون تمنيهم على الله تعالى الأمانِيَّ الكاذبة]</span>\nالرابعة والسبعون تمنيهم على الله تعالى الأمانِيَّ الكاذبة قال تعالى في سورة \" آل عمران \" [٢٣ - ٢٤]: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ - ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ٢٣ - ٢٤]\nأخرج ابن إسحاق وجماعة عن ابن عباس قال: «دخل رسول الله ﵌ بيت الْمِدْراسِ على جماعة من يهود، فدعاهم إلى الله تعالى، فقال النعمان بن عمرو والحارث بن زيد: على أي دين أنت يا محمد؟ فقال: \" على ملة إبراهيم ودينه \"، قالا: \" فإن إبراهيم كان يهوديا \"، فقال لهما رسول الله ﵌: \" فَهَلُمَّا إلى التوراة، فهي بيننا وبينكم، فأينا عليه \"، فأنزل الله تعالى هذه الآية» .\nوفي البحر: «زنى رجل من اليهود بامرأة، ولم يكن بعد في ديننا الرجم، فتحاكموا إلى رسول الله ﵌ تخفيفا على الزانيين لشرفهما، فقال رسول الله ﵌: \" إنما أحكم بكتابكم \"، فأنكروا الرجم، فَجِيءَ بالتوراة، فوضع حَبْرهم ابن صُورْيا يده على آية الرجم، فقال عبد الله بن سلام: جاوزها يا رسول الله، فأظهرها، فرُجِمَا، فغضبت اليهود، فنزلت» (٢) .\n_________\n(١) هذا قسم بغير الله، وقد قال رسول الله ﵌ في الحديث الصحيح: \" من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك \" رواه الترمذي في (النذور والأيمان ما جاء في أن من حلف بغير الله فقد أشرك ١٥٣٥)، أما حلف الله بحياة نبيه في قوله: \"لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون\" فالله يفعل ما يريد، ويقسم بما شاء، وفي الآية شرف عظيم للنبي ﵌.\n(٢) روى القصة البخاري في صحيحه بالأرقام (١٣٢٩ - ٣٦٣٥ - ٤٥٥٦ - ٦٨١٩ - ٦٨٤١ - ٧٣٣٢ - ٧٥٤٣)، ومسلم برقم (٤٤٢٧ و٤٤٤٠) وقد تقدمت ص (١٠٨) .\nوفي هذه القصة العجب العجاب من فعل أهل الجاهلية، وفيها عدة مسائل من مسائلهم:\n١ - جحود ما يعلمون أنه من دينهم وفي كتابهم: وقد تقدم الكلام على مثل هذا في المسألة السادسة والعشرين من هذا الكتاب، وهذا دليل عليها وهو رواية البخاري في (التفسير سورة آل عمران: ٤٥٥٦): فقد سألهم رسول الله ﵌: \" لا تجدون في التوراة الرجم؟ \" قالوا: ما نجد فيها شيئا، فقال لهم عبد الله بن سلام: كذبتم \"فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين\"، فوضع مدراسُها الذي يدرسها منهم كفه على آية الرجم، فطفق يقرأ ما دون يده وما وراءها، ولا يقرأ آية الرجم، فترع يده عن آية الرجم فقال: ما هذه؟ فلما رأوا ذلك قالوا: هي آية الرجم.\n٢ - الكذب على الله: وقد تقدم الكلام على مثل هذا في المسألة السادسة والخمسين.\n٣ - إلغاء أحكام الله، واستبدالها بأحكام وضعية وضعها بعضهم: في رواية للحديث السابق عند البخاري في (الحدود الرجم في البَلاط: ٦٨١٩) قالوا: إن أحبارنا أحدثوا تحميم الوجه والتجبية، وفي رواية لمسلم في (الحدود: ٤٤٤٠): نجده الرجم، لكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، قلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم، فقال رسول الله ﵌: \" اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه \" فأمر به فرجم، فأنزل الله ﷿: \"يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر\" إلى قوله: \"إن أوتيتم هذا فخذوه\" [المائدة: ١٤١] . يقول: ائتوا محمدا ﵌، فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا، فأنزل الله تعالى: \"ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون\" [المائدة: ٤٤]، \"ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون\" [المائدة: ٤٥]، \"ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون\" [المائدة: ٤٧] في الكفار كلها.\nولم أجد في الروايات المذكورة اسم من وضع يده على الآية، لكن في رواية البخاري (٧٥٤٣) قالوا: يا أعور: اقرأ.","vol":"1","page":128},{"text":"ومعنى قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [آل عمران: ٢٤] أي: المذكور من التولي والإعراض حاصل لهم بسبب هذا القول الذي رسخ اعتقاهم به، وهونوا به الخطوب، ولم يبالوا معه بارتكاب المعاصي والذنوب.\nوالمراد بالأيام المعدودات: أيام عبادتهم العجل.\n﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ٢٤] أي: غرهم افتراؤهم وكذبهم، أو الذي كانوا يفترونه من قولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ﴾ [آل عمران: ٢٤] أو من قولهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]","vol":"1","page":129},{"text":"، أو مما يشمل ذلك ونحوه من قولهم: إن آباءنا الأنبياء يشفعون لنا، وإن الله تعالى وعد يعقوب أن لا يعذب أبناءه إلا تَحِلَّةَ القسم.\nفرد عليهم سبحانه بقوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ﴾ [آل عمران: ٢٥] إلخ.\nرُوِيَ أن أول راية ترفع لأهل الموقف من رايات الكفار راية اليهود، فيفضحهم الله تعالى على رؤوس الأشهاد، ثم يأمر بهم إلى النار.\nوهكذا رأينا كثيرا من أهل زماننا يفعلون ما يفعلون من المنكرات، اعتمادا على الشفاعة، أو على علو الحسب وشرف النسب، والله المستعان.\nوفي سورة \" البقرة \" [٨٠ - ٨٢]: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ - بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ - وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨٠ - ٨٢]","vol":"1","page":130},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>[الخامسة والسبعون اتخاذ قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد]</span>\nالخامسة والسبعون اتخاذ قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد هذه المسألة من خصال الكتابيين أيام جاهليتهم.\nوفي ذلك ورد الحديث الصحيح: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (١) ثم قال: «فلا تتخذوها مساجد» (٢) .\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله ﵌ قال: «قاتل الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٣) .\nوفي لفظ لمسلم: «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٤) .\nوفي الصحيحين عن عائشة وابن عباس قالا (٥) «لما نُزِل برسول الله ﵌ طَفِقَ يطرح خميصة على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه، فقال - وهو كذلك -: \" لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، يحذر ما صنعوا \" (٦) .\nوفي الصحيحين - أيضا - عن عائشة «أن أم سلمة وأم حبيبة ذكرتا لرسول الله ﵌ كنيسة رأينها بأرض الحبشة يقال لها: \" مارية \"، وذكرتا من حسنها وتصاوير\n_________\n(١) رواه البخاري في (الجنائز ما جاء في قبر النبي ﵌: ١٣٩٠)، ومسلم في (المساجد ومواضع الصلاة: ١١٨٤) .\n(٢) قال رسول الله ﵌:: ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك \" رواه مسلم في (المساجد: ١١٨٨) .\n(٣) رواه البخاري في (الصلاة: ٤٣٧)، ومسلم برقم (١١٨٥) من غير لفظة: \" والنصارى \".\n(٤) مسلم برقم (١١٨٤) .\n(٥) في الأصل: \" قال \" والتصويب من البخاري برقم (٤٣٥، ٤٣٦) .\n(٦) رواه البخاري برقم (٤٣٥، ٤٣٦ - ٣٤٥٣، ٣٤٥٤ - ٤٤٤٣، ٤٤٤٤ - ٥٨١٥، ٥٨١٦) بلفظ \" لعنة الله على اليهود والنصارى. . . \"، ومسلم بنحوه برقم (١١٨٧) .","vol":"1","page":131},{"text":"فيها، فقال رسول الله ﵌: \" أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح أو الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله» (١) .\nوعن ابن عباس قال: «لعن رسول الله ﵌ زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج»، رواه أهل السنن الأربعة (٢) .\n_________\n(١) رواه البخاري في صحيحه في (الصلاة باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية ويتخذ مكانها مساجد؟: ٤٢٧، وباب الصلاة في البيعة: ٤٣٤)، وفي (الجنائز بناء المسجد على القبر: ١٣٤١) وهو أقرب لفظ إلى ما ذكره المصنف ﵀، ومسلم في (المساجد: ١١٨١، ١١٨٢، ١١٨٣) .\n(٢) ضعيف: أخرجه أبو داود برقم (٣٢٣٦)، والنسائي في \" الصغرى \" برقم (٢٠٤٥)، والترمذي برقم (٣٢٠)، والطيالسي في مسنده (ص ٣٥٧) برقم (٢٧٣٣) وغيرهم.\nوفي سنده: أبو صالح وهو باذان، وهو ضعيف عند جمهور النقاد، ولم يوثقه أحد إلا العجلي وحده كما قال الحافظ في \" التهذيب \"، بل كذبه إسماعيل بن أبي خالد والأزدي، ووصمه بعضهم بالتدليس، وقال الحافظ في \" التقريب \": \" ضعيف مدلس \".\nوقد صح بلفظ \" لعن رسول الله زوارات القبور \" عند ابن ماجه في (الجنائز ما جاء في النهي عن زيارة القبور للنساء: ١٥٧٤) واللفظ له، وهو حديث حسن، ورواه الترمذي أيضا في (الجنائز ما جاء في كراهية زيارة القبور للنساء: ١٠٥٦) قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\nوقد رأى بعض أهل العلم أن هذا كان قبل أن يرخص النبي ﵌ في زيارة القبور، فلما رخص دخل في رخصته الرجال والنساء.\nوقال بعضهم: إنما كره زيارة القبور للنساء لقلة صبرهن، وكثرة جزعهن. اهـ.\nقلت: إنما اللعن على \" زوارات القبور \" وهي من تكثر من زيارتها، أما من زارت من غير كثرة؛ للاعتبار والاتعاظ مع الصبر والاحتساب، فلا لعن عليها، بل تؤجر إن شاء الله.\nوقد تقدمت الأحاديث الصحيحة التي فيها لعن المتخذين المساجد على القبور، وأما السرج على القبور فيستدل عليه بحديث: \" شر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة \" رواه ابن ماجه في (المقدمة باب اجتناب البدع والجدل: ٤٥)، وقد نهى الله سبحانه عن إضاعة المال، في قوله ﵌: \" ونهى عن ثلاث: قيل وقالٍ، وكثرة السؤال، وإضاعة المال \" رواه مسلم في (الأقضية: ٤٤٨٦)، وكذلك عموم المنع عن مشابهة المشركين، وقد تقدم شيء من الأدلة على ذلك في المقدمة ص (١٢ - ١٣) .","vol":"1","page":132},{"text":"فهذا التحذير منه، واللعن عن مشابهة أهل الكتاب في بناء المسجد على قبر الرجل الصالح صريح في النهي عن المشابهة.\nوفي هذا دليل على الحذر عن جنس أعمالهم، حيث لا يؤمن في سائر أعمالهم أن يكون من هذا الجنس.\nثم من المعلوم ما قد ابْتُلِيَ به كثير من هذه الأمة من بناء القبور مساجد، واتخاذ القبور مساجد بلا بناء، وكلا الأمرين محرم، معلون فاعله بالمستفيض من السنة، وليس هذا موضع استقصاء ما في ذلك من سائر الأحاديث والآثار، ولهذا كان السلف يبالغون في المنع.","vol":"1","page":133},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>[السادسة والسبعون اتخاذ آثار أنبيائهم مساجد]</span>\nالسادسة والسبعون اتخاذ آثار أنبيائهم مساجد كما ورد عن عمر ﵁ فإن هذه المسألة من بدع جاهلية الكتابيين، كانوا يتخذون آثار أنبيائهم مساجد، فورثهم الجاهلون من هذه الأمة، فتراهم يبنون على موضع اختفى به النبي ﵌، أو وصل قدمه المبارك، أو تعبد فيه، فهذا ليس يحمد في الشريعة؛ لجره إلى الغلو.\nوفي العراق مواضع كثيرة بنوا عليها مبانِيَ كالمقام الذي زعموا أن الشيخ الكيلاني تعبد فيه، وكأثر الكف الذي زعم الشيعة أنه أثر كف الإمام علي لما وضعه على الصخرة فأَثَّر فيها، فبنوا عليها مسجدا، وكعدة أماكن زعموا أن الخضر رُئِيَ فيها، ولا أصل له، إلى غير ذلك مما لا يستوعبه المقام.\nفينبغي لمن يدعي الإسلام أن يتجنبها، وينهى عن حضورها، وإن رُمِيَ بالإنكار، وعداوة الأشرار، وكيد المارقين الفجار.\nوفي المسألة تفصيل لا بأس بذكره:\nقال شيخ الإسلام: \" أما مقامات الأنبياء والصالحين - وهي الأمكنة التي قاموا فيها أو أقاموا، أو عبدوا الله سبحانه - لكنهم لم يتخذوها مساجد - فالذي بلغني في ذلك قولان عن العلماء مشهورين:\nأحدهما: النهي عن ذلك، وكراهته، وأنه لا يستحب قصد بقعة للعبادة إلا أن يكون قصدها للعبادة مما جاء به الشرع، مثل أن يكون النبي ﵌ قصدها للعبادة كما قصد الصلاة في مقام إبراهيم، وكما كان يتحرى الصلاة عند الأسطوانة، وكما تُقْصَد المساجد للصلاة، ويقصد الصف الأول، ونحو ذلك.","vol":"1","page":134},{"text":"القول الثاني: أنه لا بأس باليسير من ذلك، كما نقل عن ابن عمر أنه كان يتحرى قصد المواضع التي سلكها النبي ﵌، وإن كان النبي ﵌ سلكها اتفاقا لا قصدا.\nوسئل الإمام أحمد عن الرجل يأتي هذه المشاهد، ويذهب إليها، ترى ذلك؟ قال: أما على حديث ابن أم مكتوم أنه سأل النبي ﵌ أن يصلي في بيته حتى يَتَّخِذَ ذلك مُصَلّى (١) وعلى ما كان يفعله ابن عمر، يتتبع مواضع النبي ﵌ وأثره، فليس بذلك بأس أن يأتي الرجل المشاهد، إلا أن الناس قد أفرطوا في هذا جدا، وأكثروا فيه.\nوكذلك نقل عنه أحمد بن القاسم أنه سئل عن الرجل يأتي هذه المشاهد التي بالمدينة وغيرها يذهب إليها؟ فقال: أما على حديث ابن أم مكتوم أنه سأل النبي ﵌ أن يأتيه، فيصلي في بيته، حتى يتخذه مسجدا، وعلى ما كان يفعل ابن عمر، «كان يتتبع مواضع سير النبي ﵌، حتى إنه رُئِيَ يصب في موضعٍ ماءً، فسئل عن ذلك، فقال: \" رأيت النبي ﵌ يصب هاهنا ماء» (٢) قال: أما على هذا فلا بأس به. قال: ورخص فيه، ثم قال: ولكن قد أفرط الناس جدا، وأكثروا في هذا المعنى، فذكر قبر الحسين وما يفعل الناس عنده. رواهما الخلَّال في كتاب الأدب.\nفقد فَصَّل أبو عبد الله في المشاهد - وهي الأمكنة التي فيها آثار الأنبياء والصالحين من غير أن تكون مساجد لهم كمواضع بالمدينة - بين القليل الذي لا يتخذونه عيدا، أو الكثير الذي يتخذونه عيدا كما تقدم.\nوهذا التفصيل جَمَعَ فيه بين الآثار وأقوال الصحابة:\nفإنه قد روى البخاري في صحيحه «عن موسى بن عقبة قال: \" رأيت سالم بن\n_________\n(١) لم أجده من حديث ابن أم مكتوم، وإنما وجدته من حديث عتبان بن مالك عند البخاري في صحيحه في (الصلاة المساجد في البيوت: ٤٢٥) وفي مواضع أخرى، وهي بالأرقام (٦٦٧ و٨٤٠ و١١٨٦ و٥٤٠١)، ومسلم في (الإيمان: ١٤٩) وبرقم (١٤٩٦) .\n(٢) ذكر الأثر ابن الأثير في أسد الغابة (٣ / ٢٣٧)، والذهبي في سير أعلام النبلاء (٣ / ٢١٣) وفي الأصل \" هنا \" وما أثبته من الاقتضاء.","vol":"1","page":135},{"text":"عبد الله يتحرى أماكن من الطريق، ويصلي فيها، ويحدث أن أباه كان يصلي فيها، وأنه رأى النبي ﵌ يصلي في تلك الأمكنة» (١) .\nفهذا كما رخص الإمام أحمد.\nوأما كراهته، فقد روى سعيد بن منصور في سننه قال: حدثنا أبو معاوية قال: «حدثنا الأعمش عن المعرور بن سويد عن عمر قال: خرجنا معه في حجة حجها، فقرأ بنا في الفجر بـ ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل: ١] و﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ [قريش: ١] في الثانية، فلما رجع من حجته رأى الناس ابتدروا المسجد، فقال: ما هذا؟ فقالوا: مسجد صلى رسول الله ﵌ فيه، فقال: \" هكذا هلك أهل الكتاب قبلكم، اتخذوا آثار أنبيائهم بِيَعًا، من عرضت له منكم الصلاة فيه فَلْيُصَلِّ، ومن لم تعرض له الصلاة فليمض» (٢) .\nفقد كره عمر اتخاذ مصلى النبي ﵌ عيدا، وبَيَّنَ أن أهل الكتاب إنما هلكوا بمثل هذا، كانوا يتبعون آثار أنبيائهم، ويتخذونها كنائس وبِيَعًا.\nوروى محمد بن وضاح وغيره: \" أن عمر بن الخطاب أمر بقطع الشجرة التي بويع تحتها النبي ﵌؛ لأن الناس كانوا يذهبون تحتها، فخاف عمر الفتنة عليه \" (٣) .\nوما ذكره عمر هو الحري بالقبول، وهو مذهب جمهور الصحابة، غير ابنه (٤) وهو الذي يجب العمل به، ويُعَوَّل عليه.\n_________\n(١) رواه البخاري في (الصلاة / المساجد التي على طرق المدينة والمواضع التي صلى فيها النبي ﵌ (٤٨٣)، وفيه: \" فيصلي \" بدل \" ويصلي \".\n(٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (كتاب الصلاة / باب ما يقرأ في الصبح في السفر: ١ / ١١٨ - ١١٩ برقم ٢٧٣٤)، وابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص ٤١ - ٤٢) .\n(٣) لعل الصواب \" عليهم \": رواه ابن وضاح في \" البدع والنهي عنها \" ص (٤٢ - ٤٣) .\nاقتضاء الصراط المستقيم (٢ / ٧٤٢ - ٧٤٤) مع اختلاف بكلمات يسيرة.\n(٤) إنما أراد ابن عمر ﵄ بفعله الاقتداء لا التبرك؛ لأن من تبرك بشجرة أو حجر أو غيرهما فقد أشرك، وهي من صفات أهل الجاهلية.","vol":"1","page":136},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>[السابعة والسبعون اتخاذ السُّرُج على القبور]</span>\nالسابعة والسبعون اتخاذ السُّرُج على القبور دليل حرمة ذلك ما ورد عن رسول الله ﵌ من الحديث الذي سبق ذكره من لعن من يفعل ذلك (١) .\nوليتك رأيت ما يُوقَد في ترب أئمة أهل البيت ونحوها من الشموع، ولا سيما في ليالي رمضان والليالي المباركة، ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>[الثامنة والسبعون اتخاذ القبور أعيادا]</span>\nالثامنة والسبعون اتخاذها أعيادا اعلم أن العيد اسم لما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد عائدا ما تعود السنة أو يعود الأسبوع أو الشهر أو نحو ذلك، فالعيد يجمع أمورا.\nمنها: يوم عائد كيوم الفطر، ويوم الجمعة.\nومنها: اجتماع فيه.\nومنها: أعمال تجمع ذلك من العبادات أو العادات.\nوقد يختص العيد بمكان بعينه، وقد يكون مطلقا.\nهؤلاء مسلمو أهل العراق، لكل تربة ولي يوم مخصوص يجتمعون فيه للزيارة كزيارة الغدير، ومَرَدِّ الرأس.\nومنهم من خُصَّ له يوم من أيام الأسبوع، فالجمعة لفلان، والسبت لفلان، والثلاثاء لفلان، وهكذا.\n_________\n(١) الحديث ضعيف، وتقدم الكلام على ذلك في المسألة الخامسة والسبعين.","vol":"1","page":137},{"text":"ومن ذلك بعض الأيام والليالي المباركة كليلة القدر، وأيام الأعياد، وليلة النصف من شعبان (١) وغير ذلك، كل ذلك مما لم ينزل الله به من سلطان، ومن مكايد الشيطان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>[التاسعة والسبعون الذبح عند القبور]</span>\nالتاسعة والسبعون الذبح عند القبور قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣] الأنعام: [١٦٢ - ١٦٣] .\nأمره الله تعالى أن يخبر المشركين الذين يعبدون غير الله، ويذبحون له، أي: أنه أخلص لله صلاته وذبيحته؛ لأن المشركين يعبدون الأصنام ويذبحون لها، فأمره الله تعالى بمخالفتهم، والانحراف عما هم فيه، والانقياد بالقصد والنية والعزم على الإخلاص لله تعالى، فمن تقرب لغير الله تعالى ليدفع عنه ضيرا، أو يجلب له خيرا، تعظيما له، من الكفر الاعتقادي والشرك الذي كان عليه الأولون.\nوسبب مشروعية التسمية تخصيص مثل هذه الأمور العظام بالإله الحق المعبود العلَّام، فإذا قصد بالذبح غيره كان أولى بالمنع.\n«وصح نهيه ﵌ عمن استأذنه بالذبح بِبُوَانَةَ، وأنه قد نذر ذلك، فقال له ﵌: \" أكان فيها صنم؟ \"، قال: \" لا \"، قال: \" فهل كان فيها عيد من أعياد المشركين؟ \"، قال: \" لا \"، قال: \" فأوف بنذرك» . أخرج ذلك أبو داود في سننه (٢) .\n_________\n(١) قال رسول الله ﵌: \" إن الله يطَّلِع على عباده في ليلة النصف من شعبان، فيغفر للمؤمنين، ويملي للكافرين، ويدع أهل الحقد بحقدهم حتى يدعوه \" حديث حسن، رواه الطبراني في \" الكبير \"؛ وهو في \" صحيح الجامع \" برقم ١٨٩٨.\n(٢) في كتاب (الأيمان والنذور ما يؤمر به من الوفاء والنذر: ٣٣١٣)، قال رسول الله ﵌: \" هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ \" قالوا: لا، قال: \" هل كان فيها عيد من أعيادهم؟ \" قالوا: لا، قال النبي صلى الله عليه: وآله وسلم: \" أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم \".","vol":"1","page":138},{"text":"وهذا السائل مُوَحِّد مُقَرِّب لله ﷾ وحده، لكن المكان الذي فيه معبود غير الله، وقد عُدِم، أو محل لاجتماعهم يصلح مانعا، فلما علم النبي ﵌ أن ليس هناك شيء من ذلك أجازه، ولو علم شيئا مما سأل عنه لمنعه؛ صيانة لحمى التوحيد، وقطعا لذريعة الشرك.\nوصح - أيضا - عنه ﵌ أنه قال: «دخل الجنة رجل في ذباب، ودخل النار رجل في ذباب \"، قالوا: \" كيف ذلك يا رسول الله؟! \" قال: \" مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجاوزه أحد حتى يقرِّب له شيئا، قالوا له: قَرِّبْ ولو ذبابا، فقرب ذبابا، فخلوا سبيله، فدخل النار، وقالوا للآخر: قرب، قال: ما كنت أقرب شيئا لأحد دون الله ﷿، فضربوا عنقه، فدخل الجنة» .\nففي هذا الحديث من الفوائد: كون المقرِّب دخل النار بالسبب الذي لم يقصده، بل فعله تخلصا من شرهم، وأنه كان مسلما، وإلا لم يقل: دخل النار.\nوفيه ما ينبغي الاهتمام به من أعمال القلوب، التي هي المقصود الأعظم والركن الأكبر.\nفتأمل في ذلك، وانظر إلى فؤادك في جميع ما قالوه، وَأَلْقِ سمعك لما ذكروه، وانظر الحق، فإن الحق أبلج، والباطل لَجْلَج، فبالنظر التام إلى ما كان عليه المشركون من تقربهم لأوثانهم؛ لتقربهم إلى الله؛ لكونهم شفعاء لهم عند الله، وشفاعتهم بسبب أنهم رسل الله أو ملائكة الله أو أولياء الله، يتبين لك ما عليه الناس الآن، والله المستعان.","vol":"1","page":139},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-83>[الثمانون التَّبَرُّك بآثار المعظَّمين كدار الندوة]</span>\nالثمانون التَّبَرُّك بآثار المعظَّمين كدار الندوة (١) وافتخار من كانت تحت يده بذلك\nكما قيل لحكيم بن حزام: بعت مكرمة قريش؟! فقال: «ذهبت المكارم إلا التقوى» (٢) .\nهذه الخصلة قد امتدت عروق ضلالها في أودية قلوب جهلة المسلمين، وزادوا في الغلو بها على ما كان عليه جاهلية العرب والكتابيين.\nولا بدع من حكيم بن حزام القريشي الأسدي إذا ما رد على من قال له: بعت مكرمة قريش؟ وقد باعها من معاوية بمائة ألف درهم: \" ذهبت المكارم إلا التقوى \".\nكيف لا وقد كان عاقلا سريا، فاضلا تقيا، سيدا بماله غنيا، أعتق في الجاهلية مائة رقبة، وحَمَلَ على مائة بعير، وحج في الإسلام ومعه مائة بدنة قد جللها بالحَبِرة، وكفها عن أعجازها، وأهداها، ووقف بمائة وصيف بعرفة في أعناقهم أطواق الفضة منقوش فيها: \" عتقاء الله عن حكيم بن حزام \"، وأهدى ألف شاة، وهو الذي عاش في الجاهلية ستين سنة، وفي الإسلام ستين سنة، ووُلِد في الكعبة.\n_________\n(١) دار الندوة: دار بناها قصي بن كلاب، وكانت قريش تأتمر فيها، حيث كانوا يتيامنون بأمره \" فما تنكح امرأة، ولا يتزوج رجل من قريش، وما يتشاورون في أمر نزل بهم، ولا يعقدون لواء لحرب قوم من غيرهم إلا في داره، يعقد لهم بعض ولده، وما تدرع جارية إذا بلغت أن تدرع من قريش إلا في داره، يشق عليها من درعها، ثم تدرعه، ثم ينطلق بها إلى أهلها، فكان أمره في قومه من قريش في حياته، ومن بعد موته، كالدين المتبع \" مختصر سيرة ابن إسحاق لابن هشام (١ / ١٢٥) .\n(٢) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٣ / ١٨٦) برقم (٣٠٧٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩ / ٣٨٤): \" رواه الطبراني بإسنادين أحدهما حسن \".","vol":"1","page":140},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-84>[الفخز بالأحساب والاستسقاء بالأنواء والطعن في الأنساب والنياحة]</span>\nالحادية والثمانون الفخز بالأحساب الثانية والثمانون الاستسقاء بالأنواء الثالثة والثمانون الطعن في الأنساب الرابعة والثمانون النياحة أقول: هذه المسائل الأربع دليل بطلانها حديث واحد، وهو ما رواه البخاري ومسلم، واللفظ لمسلم، بسنده إلى أبي مالك الأشعري: أن النبي ﵌ قال (١) «أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، [والنياحة] \"، و[قال: \"] النابحة - أو قال: النائحة - إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب» (٢) .\nالفخر في الأحساب: افتخارهم بمفاخر الآباء.\nوالطعن في الأنساب: إدخالهم العيب في أنساب الناس؛ تحقيرا لآبائهم، وتفضيلا لآباء أنفسهم على آباء غيرهم.\n_________\n(١) في الأصل: (أن النبي ﵌ حدثه قال) والتصويب من صحيح مسلم.\n(٢) مسلم في (كتاب الجنائز: ٢١٦٠) وما بين معكوفتين منه، وقوله: (والنابحة أو قال: النائحة) ليست في مسلم على الشك، وإنما: وقال: \" النائحة إذا لم تتب. . . \" الحديث.","vol":"1","page":141},{"text":"والاستسقاء بالنجوم: اعتقادهم نزول المطر بسقوط نجم في المغرب مع الفجر، وطلوع آخر يقابله من المشرق، فقد كانوا يقولون: مُطِرْنا بِنَوْء كذا، وقال تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢]\nوهذا مفصل في كتب الأنواء بما لا مزيد عليه.\nومعنى قوله في النائحة: \" وعليها سربال من قطران \": أن الله تعالى يجازيها بلباس من قطران؛ لأنها كانت تلبس الثياب السود.\nوقوله: \" درع من جرب \" يعني: يُسَلَّط على أعضائها الجربُ والحكةُ، حيث يغطي بدنها تغطية الدرع - وهو القميص -؛ لأنها كانت تجرح بكلماتها المحرقة قلوب ذوي المصيبات.\nفهذا الحديث دل على بطلان ما كان عليه أهل الجاهلية من هذه الخصال الرديئة.\nوورَّاثُهم (١) اليوم من هذه الأمة تجاوزوا فيها أسلافهم، وزادوا في الطنبور نغمات، فتراهم يفتخرون بمزايا آبائهم وهم بمراحل عنهم، فهذا يقول: كان جدي الشيخ الفلاني، وهذا يقول: جدي العالم الرباني، إلى غير ذلك.\nوكذلك الطعن في الأنساب، فهذا يقول: إن آباء فلان لم يكونوا من العترة الطاهرة.\nوكذلك الاستسقاء بالأنواء، ولم يعتقد كثير من الناس أن ما كان من فعل رب الأرض والسماء.\nوهكذا النوح على الأموات، فقد اتخذه كثير من الناس من أفضل الأعمال، وسبب الوصول إلى مرضاة ذي الجلال، لا سيما من اتخذ المآتم الحسينية في كل عام، فهناك من البدع ما تكل عن نقله ألسنة الأقلام، والويل كل الويل لمن أنكر شيئا من ذلك، فإنهم يوردونه موارد العطب والمهالك، والأمر لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.\n_________\n(١) في الأصل: \" وورثهم \" ولعل الصواب ما أثبته.","vol":"1","page":142},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-85>[الخامسة والثمانون تعيير الرجل بفعل غيره لا سيما أبوه وأمه]</span>\nالخامسة والثمانون تعيير الرجل بفعل غيره، لا سيما أبوه وأمه فخالفهم ﵌، وقال: «أَعَيَّرْتَهُ بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية» .\nوالحديث في صحيح الإمام البخاري في باب \" المعاصي من أمر الجاهلية، ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك لقول النبي ﵌: «إنك امرؤ فيك جاهلية»، وقول الله تعالى في سورة \" النساء \" [٤٨]: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]\nوهذا الباب في كتاب الإيمان من صحيحه، ثم قال: «حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا شعبة عن واصل عن المعرور، قال: لقيت أبا ذر بالرَّبَذة (١) وعليه حُلَّة وعلى غلامه حُلَّة، فسألته عن ذلك، فقال: \" إني ساببت رجلا، فعيرته بأمه، فقال لي النبي ﵌: \" يا أبا ذر، أعيرته بأمه؟! إنك امرؤ فيك جاهلية، إخوانكم خَوَلُكُم، جعلهم الله [تعالى] تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم» (٢) .\nوقد أطنب شراح الحديث في شرحه، وليس هذا موضع استقصائه، والمقصود منه أن تعيير الرجل بفعل غيره ليس من شأن كامل الإيمان والمعرفة، «فإن أبا ذر رضي الله تعالى عنه قبل بلوغه المرتبة القصوى من المعرفة تَسَابَّ هو وبلال الحبشي المؤذن، فقال له: \" يا ابن السوداء \"، فلما شكا بلال إلى رسول الله ﵌ قال له: \" شتمت بلالا، وعيرته بسواد أمه؟! \"، قال: \" نعم \"، قال: \" حسبت أنه بقي فيك شيء من كِبْر الجاهلية \"، فألقى أبو ذر خده على التراب، ثم قال: \" لا أرفع خدي حتى يطأ بلال خدي بقدمه» .\nوالناس اليوم - والأمر لله - قد كثرت فيهم خصال الجاهلية، فتراهم يعيرون أهل البلد كلهم بما صدر عن واحد منهم، فأين ذلك من خصال الجاهلية؟!\n_________\n(١) الربذة: قرية من قرى المدينة النبوية. انظر: معجم البلدان لياقوت الحموي (٣ / ٤٣) .\n(٢) صحيح البخاري برقم (٣٠) .","vol":"1","page":143},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>[السادسة والثمانون الافتخار بولاية البيت]</span>\nالسادسة والثمانون الافتخار بولاية البيت فذمهم الله تعالى بقوله: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٧]\nوهذه الآية في سورة المؤمنين، وهي بتمامها قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ - مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٦ - ٦٧]\nومعنى الآية على ما في التفسير:\n﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المؤمنون: ٦٦] تعليل لقوله قبل: ﴿لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٥] أي: دعوا الصراخ، فإنه لا يمنعكم منا، ولا ينفعكم عندنا، فقد ارتكبتم أمرا عظيما، وإثما كبيرا، وهو التكذيب بالآيات، فلا يدفعه الصراخ، فكنتم عند تلاوتها: ﴿عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٦] أي: معرضون عن سماعها أشد الإعراض، فضلا عن تصديقها والعمل بها، والنكوص: الرجوع، والأعقاب: جمع عقب وهو مؤخر الرجل، ورجوع الشخص على عقبه: رجوعه في طريق الأول كما يقال: رجع عوده على بدئه.\n﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾ [المؤمنون: ٦٧] أي: بالبيت الحرام، والباء للسببية وسُوِّغَ بهذا الإضمارُ، مع أنه لم يجر ذكر اشتهار استبكارهم، وافتخارهم بأنهم خُدَّام البيت وقُوَّامه.\n﴿سَامِرًا﴾ [المؤمنون: ٦٧] أي: تسرون بذكر القرآن، والطعن فيه، وذلك أنهم كانوا يجتمعون حول البيت يسمرون، وكانت عامة سمرهم ذكر القرآن، وتسميته سحرا أو شعرا.\nو﴿تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٧] من الهجر - فتح فسكون - بمعنى القطع والترك، والجملة في موضع الحال، أي: تاركين الحق والقرآن أو النبي ﵌ على تقدير عود الضمير (به) له، وجاء الهجر بمعنى الهذيان، وجُوِّزَ أن يكون المعنى عليه، أي: تهذون في شأن القرآن أو النبي ﵌ أو أصحابه، أو ما يعم جميع ذلك، ويجوز أن يكون من الهجر - بضم فسكون - وهو الكلام القبيح.","vol":"1","page":144},{"text":"فأنكر الله تعالى عليهم بقوله: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ [المؤمنون: ٦٨] ليعلموا - بما فيه من وجوه الإعجاز - أنه الحق من ربهم، فيؤمنوا به ﴿أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٦٨] أي: بل جاءهم. . إلخ.\nوالمقصود أن من خصال الجاهلية التكبر بسبب الرئاسة على المواضع المقدسة، كما هو - اليوم - حال كثير ممن يدعي الشرف بسبب ذلك، فمنهم من ادعى الشرف على المسلمين بسبب رئاسته على مكة والمدينة، ومنهم من ادعاه بسبب الرئاسة في المشاهد أو مقامات الصالحين، وهؤلاء الذين يدعون انتسابهم إلى عبد القادر الْجِيلي في بغداد يدعون الشرف بسبب رئاستهم على قبر عبد القادر، واستيلائهم على النذور والصدقات والذبائح والقرابين الشركية، التي يتعبدها جهلة المسلمين من الهنود والأكراد ونحوهم، وهم أفسق خلق الله، وأدنؤهم نفسا، وأرذل خلق الله مسلكا، فما يفيدهم ذلك عند الله شيئا، وما ينجيهم من مقت الله وعذابه، وإن ظن بهم العوام ما ظنوا، فهم عند الله وعند عباده الصالحين أحقر من الذر، وأبعد عن رحمته يوم القيامة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>[السابعة والثمانون الافتخار بكونهم من ذرية الأنبياء ﵈]</span>\nالسابعة والثمانون الافتخار بكونهم من ذرية الأنبياء ﵈ فرد الله عليهم بقوله: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤١]\nهذه الآية في آخر الجزء الأول من سورة \" البقرة \" وتفسيرها:\n﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ [البقرة: ١٤١] الإشارة إلى إبراهيم ﵇ وأولاده في قوله: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠] إلخ.\nوالأمة أتت لمعان، والمراد بها - هنا - الجماعة، من \" أَمَّ \" بمعنى قصد، وَسُمِّيَتْ","vol":"1","page":145},{"text":"كل جماعة يجمعهم أمر ما: إما دين واحد، أو زمان واحد، أو مكان بذلك؛ لأنهم يؤم بعضهم بعضا، ويقصده.\nوالخلو: المضي، وأصله الانفراد.\n﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ١٤١] والمعنى: أن انتسابكم إليهم لا يوجب انتفاعكم بأعمالهم، وإنما تنتفعون بموافقتهم واتباعهم، كما قال ﵌: «يا معشر قريش إن أولى الناس بالنبي: المتقون، فكونوا بسبيل من ذلك فانظروا أن لا يلقاني الناس يحملون الأعمال، وتلقوني بالدنيا، فأصد عنكم بوجهي» .\nوهذا الحديث بمعنى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]\nومعنى قوله: ﴿وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤١] لا تؤاخَذون بسيئاتهم، كما لا تثابون بحسناتهم.\nوهذه الخصلة موجودة اليوم في كثير من المسلمين، ورأس مالهم الافتخار بالآباء، فمنهم من يقول: أنا من ذرية عبد القادر الكيلاني، ومنهم من يقول: أنا من ذرية أحمد الرفاعي، ومنهم من يقول: أنا بكري، ومنهم من يقول: أنا عمري، ومنهم من يقول: أنا علوي أو حسني أو حسيني، ولا فضيلة لهم ولا تقوى، وكل ذلك لا ينفعهم ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ - إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩] ورسول ﵌ يقول لفاطمة: «يا فاطمة بنت محمد، لا أغني عنك من الله شيئا» (١) .\nوما قَصْدُ أولئك المفتخرين بآبائهم - وهم عارون عن كل فضيلة - إلا أكل أموال الناس بالباطل، وفي المثل: \" كن عصاميا، ولا تكن عظاميا \".\n_________\n(١) رواه البخاري في (الوصايا هل يدخل النساء والولد في الأقارب؟ ٢٧٥٣) وبرقم (٤٧٧١) بلفظ: \" يا فاطمة بنت محمد ﵌ سليني من مالي، لا أغني عنك من الله شيئا \"، ومسلم في (الإيمان: ٥٠٤) بلفظ: \" يا فاطمة بنت رسول الله سليني ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئا \".","vol":"1","page":146},{"text":"إن الفتى من يقول ها أنا ذا ... ليس الفتى من يقول كان أبي\nولله دَرُّ من قال يرد على المفتخر بذلك:\nأقول لمن غدا في كل يوم ... يباهينا بأسلاف عظام\nأتقنع بالعظام وأنت تدري ... بأن الكلب يقنع بالعظام\nوقال آخر:\nوما الفخر بالعظم الرميم وإنما ... فخار الذي يبغي الفخار بنفسه\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>[الثامنة والثمانون الافتخار بالصنائع]</span>\nالثامنة والثمانون الافتخار بالصنائع كما افتخر أهل الرحلتين على أهل الحَرْث يريد بالرحلتين: رحلة الشتاء إلى اليمن، ورحلة الصيف إلى الشام، وهي عادة كانت لقريش، كما ذكر في سورة الإيلاف.\nوالمقصود أنه لا ينبغي للتاجر أن يفتخر بتجارته على أهل الحرث، ولا أهل كل حرفة على المحترفين بحرفة أخرى، فإن كل ذلك من المكاسب الدنيوية التي يُتَوَصَّل بها إلى عبادة الله، وطاعته، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، ليتوصل بذلك إلى النجاة الأبدية، وهي مدار الفخر.\nوأما ما سوى ذلك فكله ظل زائل ونعيم غير مقيم، فلا ينبغي للعاقل أن يفخر بزخارف الدنيا الدنيئة، ولا يعلم متى يفارقها.\nنسأله تعالى التوفيق، والعمل الصالح الذي يرضيه.","vol":"1","page":147},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-89>[التاسعة والثمانون عظمة الدنيا في قلوبهم]</span>\nالتاسعة والثمانون عظمة الدنيا في قلوبهم كقولهم: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]\nأي: من خصال الجاهلية مراعاة الدنيا، وعظمتها في قلوبهم، كما حكى الله عنهم ذلك بقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ - وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ - أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: ٣٠ - ٣٢]\nهذه الآية في سورة \" الزخرف \"، وموضع الاستشهاد فيها قوله: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]\nالمراد من القريتين: مكة والطائف.\nقال ابن عباس: \" الذي من مكة: الوليد بن المغيرة المخزومي، والذي من الطائف: حبيب بن عمرو بن عمير الثقفي، وكل منهما كان عظيما، ذا جاه ومال، وكان الوليد بن المغيرة يسمى \" ريحانة قريش \"، وكان يقول: لو كان ما يقول محمد حقا لنزل علي أو على أبي مسعود، يعني عروة بن مسعود، وكان يكنى بذلك \" (١) .\nوهذا باب آخر من إنكارهم للنبوة، وذلك أنهم أنكروا أولا أن يكون النبي بشرا، ثم لما بُكِّتُوا بتكرير الحجج، ولم يبق عندهم تصور رواج لذلك، جاؤوا بالإنكار من وجه آخر، فحكموا على الله سبحانه أن يكون الرسول أحد هذين.\nوقولهم: ﴿نُزِّلَ هَذَا﴾ [الزخرف: ٣١] ذكر له على وجه الاستهانة؛ لأنهم لم يقولوا هذه المقالة\n_________\n(١) ذكر ابن إسحاق الوليد بن المغيرة حيث قال: أيُنْزَل على محمد وأترك وأنا كبير قريش وسيدها؟! ويترك أبو مسعود عمرو بن عمرو الثقفي سيد ثقيف؟! فنحن عظيما القريتين. \" السيرة \" (١ / ٤٨٧) معلقا، وقد وصله أبو نعيم في \" الدلائل \" (ص ١٦٩) .","vol":"1","page":148},{"text":"تسليما، بل إنكارا، كأنه قيل: هذا الكذب الذي يدعيه لو كان حقا لكان الحقيق به رجل من القريتين عظيم.\nوهذا منهم لجهلهم بأن رتبة الرسالة إنما تستدعي عظيم النفس بالتخلي عن الرذائل الدنية، والتحلي بالكمالات والفضائل القدسية، دون التزخرف بالزخارف الدنيوية.\nفأنكر سبحانه عليهم بقوله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣٢] وفيه تجهيل وتعجيب من تحكمهم بنزول القرآن العظيم على من أرادوا.\n﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف: ٣٢] قسمة تقتضيها مشيئتنا المبنية على الحكم والمصالح، ولم نفوض أمرها إليهم، علما منا بعجزهم عن تدبيرها بالكلية.\n﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ﴾ [الزخرف: ٣٢] في الرزق وسائر مبادئ العيش.\n﴿دَرَجَاتٍ﴾ [الزخرف: ٣٢] متفاوتة بحسب القرب والبعد حسبما تقتضيه الحكمة، فمن ضعيف وقوي، وغني وفقير، وخادم ومخدوم، وحاكم ومحكوم.\n﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف: ٣٢] ليستعمل بعضهم بعضا في مصالحهم، ويستخدموهم في مهنهم، ويسخروهم في أشغالهم، حتى يتعايشوا، ويترافدوا، ويصلوا إلى مرافقهم، لا لكمال في الْمُوَسَّع عليه، ولا لنقص في الْمُقَتَّر عليه، ولو فوضنا ذلك إلى تدبيرهم لضاعوا وهلكوا، فإذا كانوا في تدبير خُوَيْصَّة أمرهم، وما يصلحهم من متاع الدنيا الدنية وهو على طرف الثُّمام (١) بهذه الحالة، فما ظنهم بأنفسهم في تدبير أنفسهم، وفي تدبير أمر الدين، وهو أبعد من مناط العَيُّوق، ومن أين لهم البحث في أمر النبوة، والتخير لها من يصلح لها، ويقوم بأمرها.\nوفي قوله تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا﴾ [الزخرف: ٣٢] إلخ ما يُزَهِّد في الانكباب على طلب الدنيا، ويعين على التوكل على الله ﷿، والانقطاع إليه ﷻ.\n_________\n(١) الثمام: جمع ثمامة وثُمَّة، وهي شجرة ضعيفة، فإذا كانوا - مع سهولة هذا الأمر الذي يشابه في ضعفه هذه الشجرة - فإنهم لا يستطيعونه، فكيف بما هو أشد منه، وهو أمر النبوة؟! .","vol":"1","page":149},{"text":"فَاعْتَبِرْ \" نحن قسمنا بينهم \" ... تلقه حقًّا وبالحق نزل\n﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: ٣٢] أي: النبوة وما يتبعها من سعادة الدارين خير مما يجمعونه من حطام الدنيا الدنية، فالعظيم من رُزِق تلك الرحمة دون ذلك الحطام الدنيء الفاني.\nوأنت تعلم أن كثيرا من الناس اليوم على ما كان عليه أهل الجاهلية في هذه الْخَصلة، فتراهم لا يعتبرون العلم إذا كان صاحبه فقير الحال، وينظرون إلى الغني، ويعتبرون أقواله.\nولله در من قال:\nرب حلم أضاعه عدم الما ... ل وجهل غطى عليه النعيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>[التسعون ازدراء الفقراء]</span>\nالتسعون ازدراء الفقراء فأنزل سبحانه قوله: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢]\nأقول: هذه الآية في أوائل سورة \" الأنعام \"، وبيان معناها يتعلق بما قبلها، وهو قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ - وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥١ - ٥٢]\nفلما أُمِرَ النبي ﵌ بإنذار المذكورين لعلهم ينتظمون في سلك المتقين نُهِيَ عن كون ذلك بحيث يؤدي إلى طردهم.\nويُفْهَم من بعض الروايات أن الآيتين نزلتا معا، ولا يفهم ذلك من البعض الآخر.","vol":"1","page":150},{"text":"فقد أخرج الإمام أحمد والطبراني (١) وغيرهما عن ابن مسعود ﵁ قال: «مر الملأ من قريش على النبي ﵌ وعنده صُهَيْب وعمَّار وبلال وخَبَّاب ونحوهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا: يا محمد، رضيت هؤلاء من قومك! ﴿أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [الأنعام: ٥٣] أنحن نكون تبعا لهؤلاء؟! اطردهم عنك، فلعلك إن طردتهم أن نتبعك. فأنزل الله تعالى فيهم القرآن: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ﴾ [الأنعام: ٥١] إلى قوله سبحانه: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٢]» .\nوأخرج ابن جرير (٢) وأبو الشيخ والبيهقي في \" الدلائل \" وغيرهم عن خباب قال: «جاء الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري، فوجدا النبي ﵌ قاعدا مع بلال وصهيب وعمار وخباب في أناس ضعفاء من المؤمنين، فلما رأوهم حوله حَقَروهم، فأتوه، فخَلَوا به، فقالوا: نحب أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف لنا العرب به فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك، فنستحيي أن ترانا قعودا مع هؤلاء الْأَعْبُد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت، قال: نعم، قالوا: فاكتب لنا عليك بذلك كتابا، فدعا بالصحيفة، ودعا عليا ليكتب - ونحن قعود في ناحية - إذ نزل جبريل بهذه الآية: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ﴾ [الأنعام: ٥٢] إلخ، ثم دعانا، فأتيناه وهو يقول: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤] فكنا نقعد معه، فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا، فأنزل الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨] فكان رسول الله ﵌ يقعد معنا، فإذا بلغ الساعة التي يقوم فيها قمنا وتركناه حتى يقوم» .\nوأخرج ابن المنذر وغيره عن عكرمة قال: \" مشى عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وقُرَظَة بن عبد عمرو بن نوفل، والحارث بن عامر بن نوفل، ومطعم بن عدي في أشراف الكفار من عبد مناف إلى أبي طالب، فقالوا: لو أن ابن أخيك طرد عنا هؤلاء الأعْبُد\n_________\n(١) أحمد في مسنده (١ / ٤٢٠)، والطبراني في المعجم الكبير (١٠ / ٢٦٨) .\n(٢) في تفسيره (٧ / ٢٠١) .","vol":"1","page":151},{"text":"والحلفاء كان أعظم له في صدورنا، وأطوع له عندنا، وأدنى لاتباعنا إياه وتصديقه، فذكر ذلك أبو طالب للنبي ﵌، فقال عمر بن الخطاب: لو فعلتَ يا رسول الله حتى ننظر ما يريدون بقولهم، وما يصيرون إليه من أمرهم، فأنزل الله سبحانه: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ [الأنعام: ٥١] إلى قوله سبحانه: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣] وكانوا بلالا وعمار بن ياسر وسالما مولى حذيفة وصَبيحا مولى أسيد، والحلفاء: ابن مسعود والمقداد بن عمرو وواقد بن عبد الله الحنظلي وعمرو بن عبد عمرو ومرثد بن أبي مرثد وأشباههم، ونزل في أئمة الكفر من قريش والموالي والحلفاء: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٥٣] فلما نزلت أقبل عمر فاعتذر من مقالته، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا﴾ [الأنعام: ٥٤]\nوقوله: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٥٢] جملة معترضة بين النهي وجوابه، تقريرا له، ودفعا لما عسى أن يُتَوَهَّم كونه مسوغا لطرد المتقين من أقاويل الطاعنين في دينهم، كدأْب قوم نوح حيث قالوا: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ [هود: ٢٧] والمعنى: ما عليك شيء ما من حساب إيمانهم وأعمالهم الباطنة، كما يقوله المشركون، حتى تتصدى له، وتبني على ذلك ما تراه من الأحكام، وإنما وظيفتك - حسبما هو شأن منصب الرسالة - النظر إلى ظواهر الأمور، وإجراء الأحكام على موجَبها، وتفويض البواطن وحسابها إلى اللطيف الخبير، وظواهر هؤلاء دعاء ربهم بالغداة والعشي.\nورُوِيَ عن ابن زيد أن المعنى ما عليك من شيء من حساب رزقهم (١) أي: من فقرهم، والمراد لا يضرك فقرهم شيئا ليصح لك الإقدام على ما أراده المشركون منك فيهم.\nوقوله: ﴿وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٥٢] عطف على ما قبله، وجيء به - مع أن الجواب قد تم بذلك - مبالغة في بيان كون انتفاء حسابهم عليه ينظِمه في سلك ما لا شبهة فيه أصلا، وهو كون انتفاء حسابه ﵌ عليهم، فهو على طريقة قوله سبحانه:\n_________\n(١) روح المعاني (٧ / ١٦٠) .","vol":"1","page":152},{"text":"﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤] في رأي.\nوقال الزمخشري: \" إن الجملتين في معنى جملة واحدة يؤدي مؤدى ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: ١٥] كأنه قيل: لا تؤاخذ أنت ولا هم بحساب صاحبه، وحينئذ لا بد من الجملتين (١) وتُعُقِّبَ بأنه غير حقيق بجلالة التنزيل \" (٢) .\nوقوله: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٢] جواب للنهي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-91>[الحادية والتسعون عدم الإيمان بملائكة الله وكتبه ورسله واليوم الآخر]</span>\nالحادية والتسعون عدم الإيمان بملائكة الله وكتبه ورسله واليوم الآخر والكلام على ذلك مفصل في التفسير وكتب الحديث والعقائد.\nوالآيات في ذلك كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧]\nومن الشعر الجاهلي في إنكار البعث والنشور:\nوماذا بالقليب قليب بدر ... من الشِّيزى تزين بالسنام\nوماذا بالقليب قليب بدر ... من القينات والشرب الكرام\nتحيينا السلامة أم بكر ... فهل لي بعد قومي من سلام\nيحدثنا الرسول بأن سنحيا ... وكيف حياة أصداء وهام (٣)\nوقال آخر:\nحياة ثم موت ثم نشر ... حديث خرافة يا أم عمرو\n_________\n(١) الكشاف للزمخشري المعتزلي (٢ / ١٧) .\n(٢) انظر: البحر المحيط (٤ / ١٣٧ - ١٣٨) .\n(٣) عن عائشة ﵂: أن أبا بكر ﵁ تزوج امرأة من كلب يقال لها: أم بكر، فلما هاجر أبو بكر طلقها فتزوجها ابن عمها هذا الشاعر الذي قال هذه القصيدة رثى كفار قريش: \" وماذا بالقليب. . . \" الأبيات، رواه البخاري في (مناقب الأنصار هجرة النبي ﵌ وأصحابه إلى المدينة: ٣٩٢١) .","vol":"1","page":153},{"text":"ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ - أَوَآبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ﴾ [الصافات: ١٦ - ١٧]\nوقد تكلمنا على معتقدات الجاهلية وأديانهم في غير هذا الموضع (١) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>[الثانية والتسعون الإيمان بالْجِبْت والطاغوت وتفضيل دين المشركين على دين المسلمين]</span>\nالثانية والتسعون الإيمان بالْجِبْت والطاغوت، وتفضيل دين المشركين على دين المسلمين قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء: ٥١]\nوقد تقدم الكلام على ذلك مفصلا (٢) .\nوالمقصود - هنا - أن جَهَلَةَ الكتابيين كانوا يقولون للمشركين: أنتم أهدى من المسلمين، وما عندكم خير مما عليه محمد وأصحابه.\nوترى المتصوفة والغلاة اليوم على هذا المنهج، يقولون: إن دعاة أهل القبور والغلاة خير ممن يمنع عن ذلك من أهل التوحيد وحُفَّاظ السنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>[الثالثة والتسعون كتمان الحق مع العلم به]</span>\nالثالثة والتسعون كتمان الحق مع العلم به كما حكى الله ذلك عن أحبار بني إسرائيل من اليهود والنصارى، فقد كتموا ما ورد في كتبهم من البشائر المحمدية، وهم يعلمون بورودها وذكرها في كتبهم.\n_________\n(١) وذلك في كتابه \" بلوغ الأرب في أحوال العرب \".\n(٢) (ص ٩٦ - ٩٧) .","vol":"1","page":154},{"text":"والكلام على هذا الباب مفصل في \" الجواب الصحيح \" (١) لشيخ الإسلام، فعليك به، فإنه كتاب لم يؤلف مثله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>[الرابعة والتسعون القول على الله بلا علم]</span>\nالرابعة والتسعون القول على الله بلا علم وهو أساس كل فساد وأصل الضلال.\nوأكثر الناس حظا من هذه الخصلة الجاهلية مبتدعة المتكلمين، فقد تكلموا في الصفات الإلهية بما لم يُنْزِل الله به من سلطان، وأوَّلوا نصوص الشريعة بما تهواه أنفسهم، كما فعله الرازي في كتابه: \" أساس التقديس \".\nوجزى الله شيخ الإسلام خيرا، فقد رد عليه، ونقض أساسه، وسجل ضلاله وجهله، وضيق أنفاسه (٢) ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة: ٢٥١]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>[الخامسة والتسعون التناقض الواضح]</span>\nالخامسة والتسعون التناقض الواضح قال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق: ٥]\nوهكذا أهل البدع من الغلاة وغيرهم، يدعون الإسلام، ويعملون أعمالا تناقض ما هم عليه من الدين.\n_________\n(١) (٣ / ٢٦٣ - ٣٢٢) .\n(٢) وذلك في كتابه: \" بيان تلبيس الجهمية \" أو \" نقض تأسيس الجهمية \".","vol":"1","page":155},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-96>[العِيافة والطَّرْق والطِّيَرَة والكِهانة والتحاكم إلى الطاغوت]</span>\nالسادسة والتسعون، والسابعة والتسعون\nوالثامنة والتسعون، والتاسعة والتسعون، والمائة العِيافة، والطَّرْق، والطِّيَرَة، والكِهانة، والتحاكم إلى الطاغوت، ونحو ذلك:\nوقد تكلمنا على هذه الأمور في كتابنا \" بلوغ الأرب في أحوال العرب \" (١) بما لا مزيد عليه، وذكرنا هناك أوابدهم وخرافاتهم وسائر ضلالاتهم، وكل ذلك من أعمال جهلة المسلمين اليوم، ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤] (٢) .\n_________\n(١) (٣ / ٢٦٩ - ٣٢٦) وهذا الكتاب من أنفع الكتب في هذا الباب.\n(٢) العيافة: زجر الطير، والتفاؤل بأسمائها، وأصواتها، وممرها، والطرق: الخط يخط بالأرض، ويسمونه خط الرمل وعلمه، ويزعم من يفعله أنهم يطلعون على المغيبات، ومثله قراءة الفنجان والكف، وغير ذلك، والطيرة: التشاؤم بالطيور والأسماء والألفاظ وغيرها، فنهى الشرع عن التطير وذَمَّ المتطيرين، وكان ﵌ يحب الفأل ويكره الطيرة، وقد روى أحمد: \" من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك \"، والكاهن: كل من يدعي علم الغيب بأي طريق من الطرق، قال تعالى: \"قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله\" [النمل: ٦٥]، فمن زعم خلاف ذلك فهو كافر، وأما التحاكم إلى الطاغوت: فكل من حاكم إلى غير الكتاب والسنة فقد حاكم إلى الطاغوت، قال تعالى: \"ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا\" [النساء: ٦٠] .\nهذا آخر ما علقته على هذا الكتاب القيم \" مسائل الجاهلية التي خالف فيها رسول الله ﵌ أهل الجاهلية \" أسأل الله العظيم أن يتقبله مني، وأن يجزي كل من قرأه وعمل به، وحرص على نشره وتوزيعه خير الجزاء.\nهذا وقد تجمع لدي أكثر من ستين مسألة من مسائل الجاهلية غير ما ذكره الشيخان رحمهما الله، أسأل الله العظيم أن ييسر طباعتها قريبا بفضله وجوده، وعليه التكلان، وبه الثقة، \"وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب\" [هود: ٨٨] .\n\"رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات ولا تزد الظالمين إلا تبارا\" [نوح: ٢٨] .\nعلي بن مصطفى خلوف.","vol":"1","page":156},{"text":"وغالب مسائل الأصل رؤوس مسائل في كتاب \" اقتضاء الصراط المستقيم \" ومن أراد التفصيل فليرجع إليه.\nوهذا آخر ما أردنا شرحه من المسائل التي أبطلها الإسلام، والحمد لله ولي الإنعام، والصلاة والسلام على خير الأنام، ومصباح الظلام، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى قيام الساعة وساعة القيام.\nوكان ذلك في اليوم الخامس من ذي الحجة الحرام، وهو يوم الخميس بعد الظهر من سنة خمس وعشرين وثلاثمائة وألف من هجرة النبي عليه أفضل الصلاة وأكمل السلام.\n٥ - ذي الحجة سنة ١٣٢٥ هـ.\nوقد فرغت من كتابته صباح الجمعة في اليوم السابع والعشرين من شهر شعبان سنة أربع وأربعين وثلاثمائة وألف من هجرة خير الأنام - ﵊ - في بغداد دار السلام، في جامع الحيدرخانة، وأنا الفقير إليه - عز شأنه - عبد الكريم بن السيد عباس الشيخلي غفر الله لهما ولجميع المسلمين.\n٢٧ - شعبان سنة ١٣٤٤.","vol":"1","page":157}]}