{"ً":{"ٌ":30889,"ٍ":"وجوب العمل بسنة الرسول ﷺ وكفر من أنكرها","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"shamela","files":["30889/33557.pdf"]},"ّ":"الكتاب: وجوب العمل بسنة الرسول ﷺ وكفر من أنكرها\nالمؤلف: عبد العزيز بن عبد الله بن باز [ت ١٤٢٠ هـ]\nالناشر: وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف - السعودية\nالطبعة: الأولى، ١٤٠٠ هـ\nعدد الصفحات: ٢٩\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":67,"ٕ":11,"ٖ":1770153831,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":1},{"title":"الأصول المعتبرة في إثبات الأحكام","level":1,"page":3},{"title":"الأصل الأول كتاب الله العزيز","level":2,"page":3},{"title":"الأصل الثاني ما صح عن رسول الله ﷺ وأصحابه ومن بعدهم","level":2,"page":6},{"title":"مما ورد في ذلك من الآيات","level":3,"page":6},{"title":"مما ورد في ذلك من الأحاديث عن رسول الله ﷺ","level":3,"page":11},{"title":"مما ورد في ذلك عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أهل العلم","level":3,"page":16}],"ٛ":{"1,3":2,"1,4":3,"1,5":4,"1,6":5,"1,7":6,"1,8":7,"1,9":8,"1,10":9,"1,11":10,"1,12":11,"1,13":12,"1,14":13,"1,15":14,"1,16":15,"1,17":16,"1,18":17,"1,19":18,"1,20":19,"1,21":20,"1,22":21,"1,23":22,"1,24":23,"1,25":24,"1,26":25,"1,27":26,"1,28":27,"1,29":28},"ٜ":{"1":[3,29]},"ٝ":[null,"1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29"],"ٞ":{"1":[1],"3":[2,3],"6":[4,5],"11":[6],"16":[7]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>[المقدمة]</span>\nوجوب العمل بسنة الرسول ﷺ وكفر من أنكرها تأليف سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀","vol":"1","page":null},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nالحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله نبينا محمد المرسل رحمة للعالمين، وحجة على العباد أجمعين، وعلى آله وأصحابه الذين حملوا كتاب ربهم سبحانه وسنَّة نبيهم - ﷺ - إِلى من بعدهم، بغاية الأمانة والإتقان، والحفظ التام للمعاني والألفاظ - ﵃ وأرضاهم - وجعلنا من أتباعهم بإِحسان.\nأما بعد: فقد أجمع العلماء قديمًا وحديثًا على أن الأصول المعتبرة في إِثبات الأحكام، وبيان الحلال والحرام في كتاب الله العزيز الذي لا يأتيه الباطل من","vol":"1","page":3},{"text":"بين يديه ولا من خلفه، ثم سنَّة رسول الله - ﵊ - الذي لا ينطق عن الهوى إِن هو إِلا وحي يوحى، ثم إِجماع علماء الأمة، واختلف العلماء في أصول أخرى أهمها القياس وجمهور أهل العلم على أنه حجة إِذا استوفى شروطه المعتبرة، والأدلة على هذه الأصول أكثر من أن تحصر وأشهر من أن تذكر:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>[الأصول المعتبرة في إِثبات الأحكام]</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>[الأصل الأول كتاب الله العزيز]</span>\nأما الأصل الأول: فهو كتاب الله العزيز، وقد دل كلام ربنا - ﷿ - في مواضع من كتابه على وجوب اتباع هذا الكتاب والتمسك به والوقوف عند حدوده قال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣] وقال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٥]","vol":"1","page":4},{"text":"وقال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ - يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ - لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤١ - ٤٢] وقال تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] وقال تعالى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ [إبراهيم: ٥٢] والآيات في هذا المعنى كثيرة وقد جاءت الأحاديث الصحاح عن رسول الله - ﷺ - آمرة بالتمسّك بالقرآن والاعتصام به دالة على أن من تمسك به كان على الهدى ومن تركه كان على","vol":"1","page":5},{"text":"الضلال ومن ذلك ما ثبت عنه - ﷺ - أنه قال في خطبته في حجة الوداع: «إِنِّي تاركٌ فيكُمْ مَا لَنْ تضلوا إِن اعْتَصَمْتُمْ بِهِ كِتَابَ اللهِ»، رواه مسلم في صحيحه، وفي صحيح مسلم أيضا عن زيد بن أرقم - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «إِنِّي تارك فِيكُمْ ثِقْلَين أَوَّلهُما كِتابُ الله فيهِ الهُدَى والنُّور فَخُذوا بِكتَابِ اللهِ وَتَمَسّكُوا بِهِ»، فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال: «وَأَهْلُ بَيْتي أذَكِّركُمُ الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي»، وفي لفظ قال في القرآن: «هو حبل الله من تمسك به كان على الهدى ومن تركه كان على الضلال» .\nوالأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وفي إِجماع أهل العلم والإِيمان من الصحابة ومن بعدهم على","vol":"1","page":6},{"text":"وجوب التمسك بكتاب الله والحكم به والتحاكم إِليه مع سنة رسول الله - ﷺ - ما يكفي ويشفي عن الإِطالة في ذكر الأدلة الواردة في هذا الشأن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>[الأصل الثاني ما صح عن رسول الله ﷺ وأصحابه ومن بعدهم] </span>من أهل العلم والإِيمان\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>[مما ورد في ذلك من الآيات]</span>\nأما الأصل الثاني: - من الأصول الثلاثة المجمع عليها فهو ما صح عن رسول الله - ﷺ - وأصحاب النبي - ﷺ - ومن بعدهم من أهل العلم والإِيمان، يؤمنون بهذا الأصل الأصيل ويحتجون به ويعلمونه الأمة، وقد ألفوا في ذلك المؤلفات الكثيرة وأوضحوا ذلك في كتب أصول الفقه والمصطلح، والأدلة على ذلك لا تحصى كثرة، فمن ذلك ما جاء في كتاب الله العزيز من الأمر باتباعه وطاعته، وذلك موجه إِلى أهل عصره ومن بعدهم لأنه رسول الله إِلى الجميع، ولأنهم","vol":"1","page":7},{"text":"مأمورون باتباعه وطاعته حتى تقوم الساعة، ولأنه - ﵊ - هو المفسر لكتاب الله والمبين لما أجمل فيه بأقواله وأفعاله وتقريره، ولولا السنَّة لم يعرف المسلمون عدد ركعات الصلوات وصفاتها وما يجب فيها، ولم يعرفوا تفصيل أحكام الصيام والزكاة والحج والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولم يعرفوا تفاصيل أحكام المعاملات والمحرمات وما أوجب الله بها من حدود وعقوبات.\nومما ورد في ذلك من الآيات قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٢] وقوله تعالى في سورة النساء:","vol":"1","page":8},{"text":"﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]\nوقال تعالى في سورة النساء أيضًا: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء: ٨٠] وكيف تمكن طاعته ورد ما تنازع فيه الناس إِلى كتاب الله وسنَّة رسوله إِذا كانت سنَّته لا يحتج بها أو كانت كلها غير محفوظة، وعلى هذا القول يكون الله قد أحال عباده إِلى شيء لا وجود له وهذا من أبطل الباطل ومن أعظم الكفر بالله وسوء الظن به، وقال - ﷿ - في سورة النحل: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]","vol":"1","page":9},{"text":"وقال فيها أيضًا آية: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٦٤] فكيف يكل الله سبحانه إِلى رسوله - ﷺ - تبيين المنزل إِليهم وسنَّته لا وجود لها أو لا حجة فيها؟ ومثل ذلك قوله تعالى في سورة النور: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٥٤] وقال تعالى في السورة نفسها: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النور: ٥٦]\nوقال في سورة الأعراف:","vol":"1","page":10},{"text":"﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]\nوفي هذه الآيات الدلالة الواضحة على أن الهداية والرحمة في اتباعه - ﵊ - وكيف يمكن ذلك مع عدم العمل بسنَّته أو القول بأنه لا صحة لها أو لا يعتمد عليها، وقال - ﷿ - في سورة النور: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] وقال في سورة الحشر: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] والآيات في هذا المعنى كثيرة وكلها تدل على وجوب طاعته - ﵊ - واتباع ما جاء به كما","vol":"1","page":11},{"text":"سبقت الأدلة على وجوب اتباع كتاب الله والتمسك به وطاعة أوامره ونواهيه وهما أصلان متلازمان من جحد واحدًا منهما فقد جحد الآخر وكذب به وذلك كفر وضلال وخروج عن دائرة الإِسلام بإجماع أهل العلم والإِيمان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>[مما ورد في ذلك من الأحاديث عن رسول الله ﷺ]</span>\nوقد تواترت الأحاديث عن رسول الله - ﷺ - في وجوب طاعته واتباع ما جاء به وتحريم معصيته وذلك في حق من كان في عصره وفي حق من يأتي بعده إِلى يوم القيامة، ومن ذلك ما ثبت عنه في الصحيحين من حديث أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «مَنْ أَطَاعَنِي فَقد أَطَاعَ الله ومَن عَصَانِي فقد عَصَى الله»، وفي صحيح البخاري عنه - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «كلّ أمَّتي يَدخُلونَ","vol":"1","page":12},{"text":"الجنةَ إِلا مَن أَبَى قِيلَ يا رسولَ اللهِ ومَن يَأبَى قَالَ مَن أَطَاعَني دَخَلَ الجنة ومَن عَصَاني فَقد أَبَى»، وخرج أحمد وأبو داود، والحاكم بإِسناد صحيح عن المقدام بن معدي كرب عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «أَلا إٍني أوتِيتُ الكِتابَ ومِثْلَه مَعَهُ أَلا يُوشِكُ رَجلٌ شَبْعانُ على أريكَتِهِ يَقولُ عَليكمْ بِهذا القُرآنِ فَما وَجَدْتُمْ فيهِ مِن حَلال فأَحِلُّوهُ وَمَا وَجَدْتُم فيِه مِن حَرامٍ فَحَرِّمُوهُ» .\nوخرج أبو داود، وابن ماجه بسند صحيح: عن ابن أبي رافع عن أبيه عن النبي - ﷺ - قال: «لا أَلْفَينَّ أَحَدَكُم مُتّكِئًا عَلى أَريكتِهِ يَأتِيهِ الأمْرُ مِن أَمْري مَمّا أَمَرْتُ بِهِ أو نَهَيْتُ عَنْهُ فَيقولُ لا ندْري، ما وَجَدْنا في كِتابِ اللهِ اتَّبَعْنَاه» .","vol":"1","page":13},{"text":"وعن الحسن بن جابر قال سمعت المقدام بن معدي كرب - ﵁ - يقول: «حَرّمَ رَسولُ الله - ﷺ - يومَ خَيْبَر أَشْياءَ ثم قَالَ يُوشِكُ أَحَدُكُم أَن يُكذِّبَني وَهو مُتّكِئ يُحًدّث بحدِيثي فَيقولُ بَيْنَنا وَبَيْنكُم كِتابُ اللهِ فما وَجَدْنَا فِيهِ من حَلالٍ اسْتَحْلَلْنَاهُ وَمَا وَجَدْنا فيه من حَرام حَرّمْنَاهُ أَلا إِنَّ مَا حَرّمَ رسُولُ اللهِ مِثْلُ مَا حَرّمَ الله» أخرجه الحاكم والترمذي وابن ماجه بإِسناد صحيح. وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله - ﷺ - بأنه كان يوصي أصحابه في خطبته أن يبلغ شاهدهم غائبهم ويقول لهم ربّ مبلغ أوعى من سامع ومن ذلك ما في الصحيحين أن النبي - ﷺ - لما خطب الناس في حجة الوداع في يوم عرفة وفي يوم النحر قال لهم:","vol":"1","page":14},{"text":"«فليبلغ الشاهد الغائب فرب من يبلغه أوعى له ممن سمعه»، فلولا أن سنَّته حجة على من سمعها وعلى من بلغته، ولولا أنها باقية إِلى يوم القيامة لم يأمرهم بتبليغها، فعلم بذلك أن الحجة بالسنة قائمة على من سمعها من فيه - ﵊ - وعلى من نقلت إِليه بالأسانيد الصحيحة.\nوقد حفظ أصحاب رسول الله - ﷺ - سنته - ﵊ - القولية والفعلية وبلغوها من بعدهم من التابعين ثم بلغها التابعون من بعدهم، وهكذا نقلها العلماء الثقات جيلًا بعد جيل وقرنًا بعد قرن، وجمعوها في كتبهم وأوضحوا صحيحها من سقيمها، ووضعوا لمعرفة ذلك قوانين وضوابط معلومة بينهم","vol":"1","page":15},{"text":"يعلم بها صحيح السنَّة من ضعيفها وقد تداول أهل العلم كتب السنة من الصحيحين وغيرهما وحفظوها حفظًا تامًا كما حفظ الله كتابه العزيز من عبث العابثين وإلحاد الملحدين وتحريف المبطلين تحقيقًا لما دل عليه قوله سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] ولا شك أن سنَّة رسول الله - ﷺ - وحي منزل فقد حفظها الله كما حفظ كتابه وقيض الله لها علماء نقادًا، ينفون عنها تحريف المبطلين وتأويل الجاهلين ويذبون عنها كل ما ألصقه بها الجاهلون والكذابون والملحدون لأن الله سبحانه جعلها تفسيرًا لكتابه الكريم وبيانًا لما أجمل فيه من الأحكام وضمنها أحكامًا أخرى لم ينص عليها الكتاب العزيز،","vol":"1","page":16},{"text":"كتفصيل أحكام الرضاع وبعض أحكام المواريث وتحريم الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها إِلى غير ذلك من الأحكام التي جاءت بها السنَّة الصحيحة ولم تذكر في كتاب الله العزيز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>[مما ورد في ذلك عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أهل العلم]</span>\nذكر بعض ما ورد عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أهل العلم في تعظيم السنة ووجوب العمل بها. . في الصحيحين عن أبي هريرة - ﵁ - قال: لما توفي رسول الله - ﷺ - وارتد من ارتد من العرب قال أبو بكر الصديق - ﵁ -: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فقال له عمر - ﵁ -: كيف تقاتلهم وقد قال النبي - ﷺ -: «أمِرْتُ أَنْ أقَاتِلَ النَّاسَ حَتى يَقُولُوا لا إِلهَ إِلا الله فَإِذا قَالوها عَصَمُوا مِني دِمَاءَهُم","vol":"1","page":17},{"text":"وَأَموَالَهُم إِلا بحقَّها»؛ فقال أبو بكر الصديق: أليست الزكاة من حقها والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إِلى رسول الله - ﷺ - لقاتلتهم على منعها فقال عمر - ﵁ -: فما هو إِلا أن عرفت أن الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق، وقد تابعه الصحابة - ﵃ - على ذلك فقاتلوا أهل الردة حتى ردوهم إِلى الإِسلام وقتلوا من أصر على ردته، وفي هذه القصة أوضح دليل على تعظيم السنَّة ووجوب العمل بها، وجاءت الجدة إِلى الصديق - ﵁ - تسأله عن ميراثها فقال لها: ليس لك في كتاب الله شيء ولا أعلم أن رسول الله - ﷺ - قضى لك بشيء وسأسأل الناس ثم سأل - ﵁ - الصحابة","vol":"1","page":18},{"text":"فشهد عنده بعضهم بأن النبي - ﷺ - أعطى الجدة السدس قضى لها بذلك، وكان عمر - ﵁ - يوصي عماله أن يقضوا بين الناس بكتاب الله فإِن لم يجدوا القضية في كتاب الله فبسنَّة رسول الله - ﷺ - ولما أشكل عليه حكم إِملاص المرأة وهو إِسقاطها جنينًا ميتًا بسبب تعدي أحد عليها سأل الصحابة - ﵃ - عن ذلك فشهد عنده محمد بن مسلمة والمغيرة بن شعبة - ﵄ - بأن النبي - ﷺ - قضى في ذلك بغرة عبد أو أمة فقضى بذلك - ﵁ -. ولما أشكل على عثمان - ﵁ - حكم اعتداد المرأة في بيتها بعد وفاة زوجها وأخبرته فريعة بنت مالك بن سنان أخت أبي سعيد - ﵂ - أن النبي - ﷺ -","vol":"1","page":19},{"text":"أمرها بعد وفاة زوجها أن تمكث في بيته حتى يبلغ الكتاب أجله قضى بذلك - ﵁ - وهكذا قضى بالسنَّة في إِقامة حد الشرب على الوليد بن عقبة، ولما بلغ عليًّا - ﵁ - أن عثمان - ﵁ - ينهى عن متعة الحج أهل علي - ﵁ - بالحج والعمرة جميعًا وقال لا أدع سنَّة رسول الله - ﷺ - لقول أحد من الناس، ولما احتج بعض الناس على ابن عباس - ﵄ - في متعة الحج بقول أبي بكر وعمر - ﵄ - في تحبيذ إِفراد الحج قال ابن عباس يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول: قال رسول الله - ﷺ - وتقولون قال أبو بكر وعمر، فإِذا كان من خالف السنَّة لقول أبي بكر وعمر تخشى عليه","vol":"1","page":20},{"text":"العقوبة فكيف بحال من خالفها لقول من دونهما أو لمجرد رأيه واجتهاده، ولما نازع بعض الناس عبد الله بن عمر - ﵄ - في بعض السنة قال له عبد الله: هل نحن مأمورون باتباع عمر أو باتباع السنة؟ ولما قال رجل لعمران بن حصين - ﵄ -: حدثنا عن كتاب الله وهو يحدثهم عن السنة غضب - ﵁ - وقال: إِن السنَّة هي تفسير كتاب الله ولولا السنَّة لم نعرف أن الظهر أربع والمغرب ثلاث والفجر ركعتان ولم نعرف تفصيل أحكام الزكاة إِلى غير ذلك مما جاءت به السنة من تفصيل الأحكام، والآثار عن الصحابة - ﵃ - في تعظيم السنَّة ووجوب العمل بها والتحذير من مخالفتها كثيرة جدًّا، ومن","vol":"1","page":21},{"text":"ذلك أيضًا أن عبد الله بن عمر - ﵄ - لما حدَّث بقوله - ﷺ - «لا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللهِ مَسَاجِدَ اللهِ» قال بعض أبنائه: والله لنمنعهن فغضب عليه عبد الله وسبه سبًّا شديدًا وقال: أقول قال رسول الله وتقول والله لنمنعهن، ولما رأى عبد الله بن المغفل المزني - ﵁ - وهو من أصحاب رسول الله - ﷺ - بعض أقاربه يخذف نهاه عن ذلك وقال له إِن النبي - ﷺ - «نهى الخذف وقال إٍنه لا يصيد صيدًا ولا ينكأ عدوا ولكنه يكسر السن ويفقأ العين» ثم رآه بعد ذلك يخذف فقال والله لا كلمتك أبدًا أخبرك أن رسول الله - ﷺ - ينهى عن الخذف ثم تعود؟ وأخرج البيهقي عن أيوب السختياني التابعي الجليل أنه قال: إذا حدثت الرجل بسنَّة فقال","vol":"1","page":22},{"text":"دعنا من هذا، وأنبئنا عن القرآن فاعلم أنه ضال، وقال الأوزاعي - ﵀ - السنَّة قاضية على الكتاب أو تقييد ما أطلقه أو بأحكام لم تذكر في الكتاب كما في قول الله سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] وسبق قوله - ﷺ -: «أَلا إِني أوتِيتُ الكِتابَ ومثلَه مَعَهُ»، وأخرج البيهقي عن عامر الشعبي - ﵀ - أنه قال لبعض الناس: «إِنما هلكتم في حين تركتم الآثار» يعني بذلك الأحاديث الصحيحة، وأخرج البيهقي أيضًا عن الأوزاعي - ﵀ - أنه قال لبعض أصحابه إِذا بلغك عن رسول الله - ﷺ - حديث فإِياك أن تقول بغيره فإن رسول الله كان مبلغًا عن الله تعالى، وأخرج البيهقي عن الإِمام","vol":"1","page":23},{"text":"الجليل سفيان بن سعيد الثوري - ﵀ - أنه قال إِنما العلم كله العلم بالآثار، وقال مالك - ﵀ - ما منا إِلا راد ومردود عليه إِلا صاحب هذا القبر وأشار إِلى قبر رسول الله - ﷺ - وقال أبو حنيفة - ﵀ -: إِذا جاء الحديث عن رسول الله - ﷺ - فعلى الرأس والعين وقال الشافعي - ﵀ -: متى رويتُ عن رسول الله - ﷺ - حديثًا صحيحًا فلم آخذ به فأشهدكم أن عقلي قد ذهب وقال أيضًا - ﵀ - إِذا قلتُ قولا وجاء الحديث عن رسول الله - ﷺ - بخلافه فاضربوا بقولي الحائط، وقال الإِمام أحمد بن حنبل - ﵀ - لبعض أصحابه: لا تقلدني ولا تقلد مالكًا ولا الشافعي وخذ من حيث أخذنا، وقال أيضًا - ﵀ -: عجبتُ لقوم عرفوا","vol":"1","page":24},{"text":"الإِسناد وصحته عن رسول الله - ﷺ - يذهبون إِلى سفيان والله سبحانه يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] قال أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك لعله إِذا رد بعض قوله - ﵊ - أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك، وأخرج البيهقي عن مجاهد بن جبر التابعي الجليل أنه قال في قوله سبحانه ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] قال: الرد إِلى الله إِلى كتابه والرد إِلى الرسول الرد إِلى السنَّة، وأخرج البيهقي عن الزهري - ﵀ - أنه قال: كان من مضى من علمائنا يقولون الاعتصام بالسنَّة نجاة، وقال موفق الدين بن قدامة - ﵀ - في كتابه روضة الناظر: في","vol":"1","page":25},{"text":"بيان أصول الأحكام ما نصه، والأصل الثاني من الأدلة سنة رسول الله - ﷺ - وقول رسول الله - ﷺ - حجة لدلالة المعجزة على صدقه وأمر الله بطاعته وتحذيره من مخالفة أمره. انتهى المقصود، وقال الحافظ ابن كثير - ﵀ - في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] أي عن أمر رسول الله - ﷺ - وهو سبيله ومنهاجه وطريقته وسنَّته وشريعته فتوزن الأقوال والأعمال بأقواله وأعماله فما وافق ذلك قبل وما خالفه فهو مردود على قائله وفاعله كائنًا من كان كما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا ليسَ عَليهِ أَمْرُنا فَهُوَ رَدّ» أي","vol":"1","page":26},{"text":"فليخشى وليحذر من خالف شريعة الرسول باطنًا وظاهرًا: ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [النور: ٦٣] أي في قلوبهم من كفر أو نفاق أو بدعة ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] أي في الدنيا بقتل أو حد أو حبس أو نحو ذلك، كما روى الإِمام أحمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن همام بن منبه قال هذا ما حدثنا أبو هريرة قال قال رسول الله - ﷺ -: «مثَلي وَمثَلُكمْ كمَثَلِ رجلٍ اسْتَوْقَدَ نارًا فَلمّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهَا جَعَلَ الفراشُ وهَذِهِ الدّوابُّ اللائِي يَقَعْنَ في النَّار يَقَعْنَ فِيهّا وَجَعَلَ يَحْجُزُهُنّ وَيَغْلِبْنَهُ فَيَقْتحِمْنَ فِيَها قَالَ فَذَلِك مَثَلي وَمَثَلَكمْ أَنا آخُذُ بحَجْزِكُم عَن النَّار هَلُمّ عَن النارِ فَتَغْلِبُوني وَتقْتَحِمُونَ فِيهَا» أخرجاه من حديث عبد الرزاق وقال السيوطي","vol":"1","page":27},{"text":"- ﵀ - في رسالته المسماة مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة ما نصه:\n\" اعلموا - رحمكم الله - أن من أنكر أن كون حديث النبي - ﷺ - قولًا كان أو فعلًا بشرطه المعروف في الأصول حجة كفر وخرج عن دائرة الإِسلام وحشر مع اليهود والنصارى أو مع من شاء الله من فرق الكفرة \" انتهى المقصود. والآثار عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أهل العلم في تعظيم السنَّة ووجوب العمل بها والتحذير من مخالفتها كثيرة جدًّا وأرجو أن يكون في ما ذكرنا من الآيات والأحاديث والآثار كفاية ومقنع لطالب الحق ونسأل الله لنا ولجميع المسلمين التوفيق لما يرضيه والسلامة من أسباب","vol":"1","page":28},{"text":"غضبه، وأن يهدينا جميعًا صراطه المستقيم إِنه سميع قريب.\nوصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان.\nعبد العزيز بن عبد الله بن باز\n﵀","vol":"1","page":29}]}