{"ً":{"ٌ":30919,"ٍ":"الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"الدعوة وأحوال المسلمين/الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى - القحطاني","files":["17590.pdf"]},"ّ":"الكتاب: الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى\nالمؤلف: د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني\nأصل الكتاب: رسالة ماجستير، من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية\nالناشر: وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد - المملكة العربية السعودية\nالطبعة: الأولى، ١٤٢٣هـ\nعدد الصفحات: ٦١٣\nعدد الأجزاء: ١\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":150,"ٕ":39,"ٖ":1770154050,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":2},{"title":"أهمية الموضوع وأسباب اختياره","level":2,"page":3},{"title":"الدراسات السابقة","level":2,"page":8},{"title":"خطة الرسالة","level":2,"page":9},{"title":"منهجي في الرسالة","level":2,"page":10},{"title":"الشكر والتقدير","level":2,"page":12},{"title":"الفصل الأول الحكمة مفهومها وضوابطها","level":1,"page":13},{"title":"المبحث الأول مفهوم الحكمة","level":2,"page":14},{"title":"المطلب الأول تعريف الحكمة","level":3,"page":15},{"title":"المطلب الثاني تعريف الحكمة في الاصطلاح الشرعي","level":3,"page":18},{"title":"المطلب الثالث العلاقة بين التعريف اللغوي والشرعي","level":3,"page":22},{"title":"المبحث الثاني أنواع الحكمة ودرجاتها","level":2,"page":24},{"title":"المطلب الأول أنواع الحكمة","level":3,"page":25},{"title":"المطلب الثاني درجات الحكمة العملية","level":3,"page":27},{"title":"المبحث الثالث أركان الحكمة","level":2,"page":30},{"title":"المطلب الأول العلم","level":3,"page":32},{"title":"أقسام العلم الذي تقوم عليه الحكمة","level":4,"page":33},{"title":"أسباب وطرق تحصيل العلم","level":4,"page":38},{"title":"المطلب الثاني الحلم","level":3,"page":42},{"title":"الحلم من أعظم أركان الحكمة","level":4,"page":43},{"title":"الحلم خلق عظيم من أخلاق النبوة والرسالة","level":4,"page":44},{"title":"صورة حسية من حلم النبي ﷺ","level":4,"page":45},{"title":"علاج الغضب بالأسباب المشروعة","level":4,"page":52},{"title":"الأسباب التي تدعو إلى الحلم","level":4,"page":54},{"title":"الغضب لإعلاء كلمة الله","level":4,"page":55},{"title":"المطلب الثالث الأناة","level":3,"page":56},{"title":"أهمية الأناة في الدعوة إلى الله بالحكمة","level":4,"page":57},{"title":"ذم الإسلام للعجلة ومدح الأناة","level":4,"page":59},{"title":"النبي ﷺ أعظم الناس أناة وتثبتا","level":4,"page":61},{"title":"أسباب العجلة وعلاجها","level":4,"page":64},{"title":"المبحث الرابع طرق اكتساب الحكمة","level":2,"page":67},{"title":"تمهيد","level":3,"page":68},{"title":"المطلب الأول السلوك الحكيم","level":3,"page":70},{"title":"المسلك الأول قدوة الداعية في سلوكه","level":4,"page":72},{"title":"المسلك الثاني أصول السلوك الحكيم","level":4,"page":76},{"title":"المسلك الثالث وصايا الحكماء باكتساب الحكمة","level":4,"page":80},{"title":"الأسباب التي اكتسب بها لقمان الحكمة","level":5,"page":82},{"title":"المطلب الثاني العمل بالعلم المقرون بالصدق والإخلاص","level":3,"page":83},{"title":"المطلب الثالث الاستقامة","level":3,"page":86},{"title":"المطلب الرابع الخبرات والتجارب","level":3,"page":89},{"title":"الاستفادة من تجارب الأنبياء","level":4,"page":90},{"title":"الداعية بكثرة تجاربه يذداد حكمة","level":4,"page":92},{"title":"المطلب الخامس السياسة الحكيمة","level":3,"page":94},{"title":"المطلب السادس فقه أركان الدعوة إلى الله تعالى","level":3,"page":103},{"title":"المسلك الأول موضوع الدعوة","level":4,"page":103},{"title":"المسلك الثاني الداعي","level":4,"page":105},{"title":"المسلك الثالث المدعو","level":4,"page":110},{"title":"المسلك الرابع أساليب الدعوة ووسائل تبليغها","level":4,"page":111},{"title":"الفصل الثاني مواقف الحكمة","level":1,"page":118},{"title":"توطئة","level":2,"page":119},{"title":"المبحث الأول مواقف النبي ﷺ","level":2,"page":120},{"title":"توطئة","level":3,"page":121},{"title":"المطلب الأول مواقف النبي ﷺ قبل الهجرة","level":3,"page":122},{"title":"المسلك الأول مواقفه ﷺ في مرحلة الدعوة السرية","level":4,"page":122},{"title":"المسلك الثاني مواقفه ﷺ في مرحلة الدعوة الجهرية بمكة","level":4,"page":125},{"title":"المسلك الثالث مواقف النبي ﷺ بعد خروجه إلى الطائف","level":4,"page":138},{"title":"المطلب الثاني مواقف النبي ﷺ بعد الهجرة","level":3,"page":146},{"title":"المسلك الأول مواقف الحكمة في الإصلاح والتأسيس","level":4,"page":146},{"title":"المسلك الثاني مواقف الحكمة في حسن الإعداد للقتال والشجاعة والبطولة","level":4,"page":156},{"title":"المسلك الثالث مواقف الحكمة الفردية","level":4,"page":166},{"title":"المبحث الثاني مواقف الصحابة ﵃","level":2,"page":190},{"title":"توطئة","level":3,"page":191},{"title":"المطلب الأول من مواقف أبي بكر الصديق ﵁","level":3,"page":192},{"title":"دفاعه عن النبي ﷺ والقيام بنصرته","level":4,"page":192},{"title":"تصديقه للنبي ﷺ والحرص على حمايته","level":4,"page":193},{"title":"إنفاقه ماله في سبيل الله تعالى","level":4,"page":195},{"title":"موقف أبى بكر عقب وفاة النبي ﷺ","level":4,"page":197},{"title":"موقفه ﵁ في إنفاذ جيش أسامة بن زيد","level":4,"page":199},{"title":"موقف أبى بكر ﵁ مع أهل الردة ومانعي الزكاة","level":4,"page":202},{"title":"المطلب الثاني من مواقف عمر بن الخطاب ﵁","level":3,"page":205},{"title":"موقفه في إظهار إسلامه وهجرته","level":4,"page":205},{"title":"موقفه الحكيم في تثبيته الناس على بيعة أبى بكر ﵁","level":4,"page":207},{"title":"موقفه الحكيم في إصلاح الأهل قبل الناس","level":4,"page":209},{"title":"موقفه الحكيم في دعوته بتواضعه لله تعالى","level":4,"page":209},{"title":"المطلب الثالث مواقف عثمان بن عفان ﵁","level":3,"page":212},{"title":"إنفاقه الأموال العظيمة الكثيرة في سبيل الله تعالى","level":4,"page":212},{"title":"موقفه العظيم في جمع الأمة على قراءة واحدة","level":4,"page":214},{"title":"المطلب الرابع مواقف علي بن أبي طالب ﵁","level":3,"page":217},{"title":"موقفه ﵁ في تقديم نفسه فداء للنبي ﷺ ودعوته","level":4,"page":217},{"title":"موقفه في بدر مع رؤوس الكفر","level":4,"page":218},{"title":"موقف علي ﵁ في يوم الأحزاب","level":4,"page":219},{"title":"موقف علي ﵁ في غزوة خيبر","level":4,"page":222},{"title":"المطلب الخامس مواقف مصعب بن عمير ﵁","level":3,"page":226},{"title":"المطلب السادس موقف ضمام بن ثعلبة مع قبيلة بني سعد","level":3,"page":229},{"title":"المطلب السابع موقف سعد بن معاذ في حكمه في بني قريظة","level":3,"page":231},{"title":"المطلب الثامن موقف الحسن بن علي ﵄","level":3,"page":235},{"title":"المطلب التاسع مواقف جماعة من الصحابة","level":3,"page":237},{"title":"المبحث الثالث مواقف التابعين","level":2,"page":245},{"title":"توطئة","level":3,"page":246},{"title":"المطلب الأول من مواقف سعيد بن المسيب ﵀","level":3,"page":247},{"title":"المطلب الثاني من مواقف الحسن البصري","level":3,"page":249},{"title":"موقفه مع الحجاج بن يوسف الثقفي","level":4,"page":249},{"title":"موقف الحسن مع عمر بن هبيرة","level":4,"page":250},{"title":"موقفه مع القراء","level":4,"page":251},{"title":"المطلب الثالث من مواقف عمر بن عبد العزيز","level":3,"page":253},{"title":"مواقفه الحكيمة قبل الخلافة","level":4,"page":253},{"title":"مواقفه بعد أن ولي الخلافة","level":4,"page":255},{"title":"المطلب الرابع من مواقف أبي حنيفة النعمان بن ثابت","level":3,"page":259},{"title":"المبحث الرابع مواقف أتباع التابعين","level":2,"page":260},{"title":"المطلب الأول من مواقف الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى","level":3,"page":262},{"title":"المطلب الثاني من مواقف الإمام الشافعي ﵀","level":3,"page":266},{"title":"المطلب الثالث من مواقف الإمام أحمد بن حنبل ﵀","level":3,"page":269},{"title":"المبحث الخامس نماذج من مواقف الحكمة عبر العصور","level":2,"page":276},{"title":"المطلب الأول مواقف الإمام منذر بن سعيد البلوطي","level":3,"page":279},{"title":"المطلب الثاني مواقف سلطان العلماء العز بن عبد السلام","level":3,"page":283},{"title":"المطلب الثالث من مواقف شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀","level":3,"page":285},{"title":"عنايته بالعلم قبل العمل","level":4,"page":286},{"title":"بث النور ونشر العلم ونفع الأمة","level":4,"page":286},{"title":"مواقفه الحكيمة مع قازان وقوات التتار","level":4,"page":287},{"title":"مناظراته الحكيمة","level":4,"page":291},{"title":"مواقفه في إصلاح أهل السجون","level":4,"page":295},{"title":"المطلب الرابع مواقف الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀","level":3,"page":297},{"title":"عنايته بالتوحيد وتطبيقه","level":4,"page":298},{"title":"بدأ بدعوته في عشيرته","level":4,"page":299},{"title":"بحثه عن دعم قوة الدعوة بالسلطان","level":4,"page":299},{"title":"غرس التوحيد في قلوب الناس وتصحيح عقيدتهم","level":4,"page":300},{"title":"خطواته الحكيمة في الرجوع بالناس إلى الكتاب والسنة","level":4,"page":302},{"title":"كتابته الرسائل بأساليب الحكمة والبيان","level":4,"page":308},{"title":"آخر مواقف الحكمة","level":4,"page":309},{"title":"الفصل الثالث حكمة القول مع المدعوين","level":1,"page":311},{"title":"تمهيد","level":2,"page":312},{"title":"المبحث الأول حكمة القول مع الملحدين","level":2,"page":315},{"title":"المطلب الأول الأدلة الفطرية","level":3,"page":318},{"title":"المطلب الثاني البراهين والأدلة العقلية","level":3,"page":323},{"title":"المسلك الأول: التقسيم العقلي الحكيم","level":4,"page":323},{"title":"المسلك الثاني العدم لا يخلق شيئا","level":4,"page":325},{"title":"المسلك الثالث الطبيعة الصماء لا تملك قدرة وفاقد الشيء لا يعطيه","level":4,"page":325},{"title":"المسلك الرابع الصدفة العمياء لا تملك حياة","level":4,"page":327},{"title":"المسلك الخامس المناظرات العقلية الحكيمة","level":4,"page":328},{"title":"المسلك السادس مبدأ السببية","level":4,"page":329},{"title":"المسلك السابع التفكر في المصنوع يدل على بعض صفات الصانع","level":4,"page":330},{"title":"المطلب الثالث الأدلة الحسية المشاهدة","level":3,"page":332},{"title":"المطلب الرابع الأدلة الشرعية","level":3,"page":335},{"title":"المبحث الثاني حكمة القول مع الوثنيين","level":2,"page":338},{"title":"تمهيد","level":3,"page":339},{"title":"المطلب الأول الحجج العقلية القطعية على إثبات ألوهية الله تعالى","level":3,"page":341},{"title":"المطلب الثاني ضعف جميع المعبودات من دون الله من كل الوجوه","level":3,"page":343},{"title":"المطلب الثالث ضرب الأمثال الحكيمة","level":3,"page":345},{"title":"المطلب الرابع الكمال المطلق للإله الحق المستحق للعبادة وحده","level":3,"page":348},{"title":"المطلب الخامس التوحيد دعوة جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام","level":3,"page":351},{"title":"المطلب السادس الغلو في الصالحين سبب شرك البشر","level":3,"page":353},{"title":"المطلب السابع الشفاعة المثبتة والمنفية","level":3,"page":359},{"title":"المطلب الثامن الإله الحق سخر جميع ما في الكون لعباده","level":3,"page":362},{"title":"المطلب التاسع البعث بعد الموت","level":3,"page":365},{"title":"المسلك الأول الأدلة العقلية","level":4,"page":365},{"title":"المسلك الثاني الأدلة الحسية","level":4,"page":368},{"title":"المسلك الثالث الأدلة الشرعية","level":4,"page":371},{"title":"المبحث الثالث حكمة القول مع أهل الكتاب","level":2,"page":373},{"title":"تمهيد","level":3,"page":374},{"title":"المطلب الأول حكمة القول مع اليهود","level":3,"page":377},{"title":"المسلك الأول الأدلة العقلية والنقلية على نسخ الإسلام لجميع الشرائع","level":4,"page":377},{"title":"المسلك الثاني الأدلة القطعية على وقوع التحريف والتبديل في التوراة","level":4,"page":384},{"title":"المسلك الثالث إثبات اعتراف المنصفين من علماء اليهود","level":4,"page":392},{"title":"المسلك الرابع الأدلة على إثبات رسالة عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام","level":4,"page":396},{"title":"المطلب الثاني حكمة القول مع النصارى","level":3,"page":400},{"title":"المسلك الأول إبطال عقيدة التثليث وإثبات الوحدانية لله تعالى","level":4,"page":400},{"title":"المسلك الثاني الأدلة والبراهين القاطعة على بشرية عيسى وعبوديته لله","level":4,"page":413},{"title":"المسلك الثالث البراهين الدالة دلالة قطعية على إبطال قضية الصلب والقتل","level":4,"page":416},{"title":"المسلك الرابع البينات الواضحات على وقوع النسخ والتحريف في الأناجيل","level":4,"page":420},{"title":"المسلك الخامس إثبات اعتراف المنصفين من علماء النصارى","level":4,"page":424},{"title":"المطلب الثالث البراهين على إثبات الرسالة المحمدية وعمومها","level":3,"page":427},{"title":"المسلك الأول: معجزات القرآن العظيم","level":4,"page":428},{"title":"المسلك الثاني معجزات النبي ﷺ الحسية","level":4,"page":435},{"title":"المسلك الثالث عموم رسالته ﷺ","level":4,"page":446},{"title":"المبحث الرابع حكمة القول مع المسلمين","level":2,"page":451},{"title":"توطئة","level":3,"page":452},{"title":"المطلب الأول الموعظة الحسنة وأنواعها","level":3,"page":453},{"title":"المطلب الثاني الترغيب والترهيب","level":3,"page":457},{"title":"المسلك الأول الترغيب والتبشير","level":4,"page":458},{"title":"المسلك الثاني الترهيب والإنذار","level":4,"page":467},{"title":"المطلب الثالث حكمة القول التصويرية","level":3,"page":478},{"title":"المسلك الأول القصص الحكيم","level":4,"page":478},{"title":"المسلك الثاني التشبيه وضرب الأمثال","level":4,"page":479},{"title":"المسلك الثالث لفت الأنظار والقلوب إلى الصور المعنوية وآثارها","level":4,"page":480},{"title":"المسلك الرابع لفت الأنظار والقلوب إلى الآثار المحسوسة","level":4,"page":481},{"title":"الفصل الرابع حكمة القوة الفعلية مع المدعوين","level":1,"page":483},{"title":"تمهيد","level":2,"page":484},{"title":"المبحث الأول حكمة القوة الفعلية مع الكفار","level":2,"page":487},{"title":"المطلب الأول أسباب استخدام القوة الفعلية مع الكفار","level":3,"page":488},{"title":"المطلب الثاني قوة الجهاد في سبيل الله تعالى","level":3,"page":490},{"title":"المسلك الأول أهداف الجهاد وغايته","level":4,"page":491},{"title":"المسلك الثاني أطوار قوة الجهاد","level":4,"page":492},{"title":"المسلك الثالث الإعداد لقوة الجهاد","level":4,"page":494},{"title":"المسلك الرابع ضوابط قوة الجهاد","level":4,"page":496},{"title":"المسلك الخامس مراتب قوة الجهاد وأنواعه","level":4,"page":498},{"title":"المطلب الثالث أسباب النصر","level":3,"page":502},{"title":"المسلك الأول الإيمان والعمل الصالح","level":4,"page":502},{"title":"المسلك الثاني نصر دين الله تعالى","level":4,"page":503},{"title":"المسلك الثالث التوكل على الله والأخذ بالأسباب","level":4,"page":503},{"title":"المسلك الرابع المشاورة بين المسئولين","level":4,"page":504},{"title":"المسلك الخامس الثبات عند لقاء العدو","level":4,"page":505},{"title":"المسلك السادس الشجاعة والبطولة والتضحية","level":4,"page":505},{"title":"المسلك السابع الدعاء وكثرة الذكر","level":4,"page":506},{"title":"المسلك الثامن طاعة الله ورسوله ﷺ","level":4,"page":508},{"title":"المسلك التاسع الاجتماع وعدم النزاع","level":4,"page":509},{"title":"المسلك العاشر الصبر والمصابرة","level":4,"page":509},{"title":"المسلك الحادي عشر الإخلاص لله تعالى","level":4,"page":510},{"title":"المسلك الثاني عشر الرغبة فيما عند الله تعالى","level":4,"page":511},{"title":"المسلك الثالث عشر إسناد القيادة لأهل الإيمان","level":4,"page":512},{"title":"المسلك الرابع عشر التحصن بالدعائم المنجيات","level":4,"page":512},{"title":"المبحث الثاني حكمة القوة الفعلية مع عصاة المسلمين","level":2,"page":515},{"title":"المطلب الأول أسباب استخدام القوة مع عصاة المسلمين","level":3,"page":516},{"title":"المطلب الثاني الكلمة القوية والفعل الحكيم","level":3,"page":518},{"title":"المطلب الثالث التهديد الحكيم والوعيد بالعقوبة","level":3,"page":520},{"title":"المطلب الرابع حكمة القوة بالعقوبات الشرعية","level":3,"page":521},{"title":"توطئة","level":4,"page":521},{"title":"المسلك الأول عقوبة الهجر الحكيم","level":4,"page":521},{"title":"المسلك الثاني عقوبة التعزير","level":4,"page":523},{"title":"المسلك الثالث القصاص","level":4,"page":524},{"title":"المسلك الرابع حد الزنا واللواط","level":4,"page":524},{"title":"المسلك الخامس حد القذف","level":4,"page":525},{"title":"المسلك السادس حد شرب الخمر","level":4,"page":526},{"title":"المسلك السابع حد السرقة","level":4,"page":526},{"title":"المسلك الثامن حد المحاربين قطاع الطريق","level":4,"page":527},{"title":"المسلك التاسع عقوبة المرتد","level":4,"page":528},{"title":"المسلك العاشر قتال أهل البغي","level":4,"page":528},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":530},{"title":"أهم النتائج","level":2,"page":531},{"title":"التوصيات والمقترحات","level":2,"page":539}],"ٛ":{"1,7":2,"1,8":3,"1,9":4,"1,10":5,"1,11":6,"1,12":7,"1,13":8,"1,14":9,"1,15":10,"1,16":11,"1,17":12,"1,19":13,"1,21":14,"1,23":15,"1,24":16,"1,25":17,"1,26":18,"1,27":19,"1,28":20,"1,29":21,"1,30":22,"1,31":23,"1,33":24,"1,35":25,"1,36":26,"1,37":27,"1,38":28,"1,39":29,"1,41":30,"1,43":31,"1,44":32,"1,45":33,"1,46":34,"1,47":35,"1,48":36,"1,49":37,"1,50":38,"1,51":39,"1,52":40,"1,53":41,"1,54":42,"1,55":43,"1,56":44,"1,57":45,"1,58":46,"1,59":47,"1,60":48,"1,61":49,"1,62":50,"1,63":51,"1,64":52,"1,65":53,"1,66":54,"1,67":55,"1,68":56,"1,69":57,"1,70":58,"1,71":59,"1,72":60,"1,73":61,"1,74":62,"1,75":63,"1,76":64,"1,77":65,"1,78":66,"1,79":67,"1,81":68,"1,82":69,"1,83":70,"1,84":71,"1,85":72,"1,86":73,"1,87":74,"1,88":75,"1,89":76,"1,90":77,"1,91":78,"1,92":79,"1,93":80,"1,94":81,"1,95":82,"1,96":83,"1,97":84,"1,98":85,"1,99":86,"1,100":87,"1,101":88,"1,102":89,"1,103":90,"1,104":91,"1,105":92,"1,106":93,"1,107":94,"1,108":95,"1,109":96,"1,110":97,"1,111":98,"1,112":99,"1,113":100,"1,114":101,"1,115":102,"1,116":103,"1,117":104,"1,118":105,"1,119":106,"1,120":107,"1,121":108,"1,122":109,"1,123":110,"1,124":111,"1,125":112,"1,126":113,"1,127":114,"1,128":115,"1,129":116,"1,130":117,"1,131":118,"1,133":119,"1,135":120,"1,137":121,"1,138":122,"1,139":123,"1,140":124,"1,141":125,"1,142":126,"1,143":127,"1,144":128,"1,145":129,"1,146":130,"1,147":131,"1,148":132,"1,149":133,"1,150":134,"1,151":135,"1,152":136,"1,153":137,"1,154":138,"1,155":139,"1,156":140,"1,157":141,"1,158":142,"1,159":143,"1,160":144,"1,161":145,"1,162":146,"1,163":147,"1,164":148,"1,165":149,"1,166":150,"1,167":151,"1,168":152,"1,169":153,"1,170":154,"1,171":155,"1,172":156,"1,173":157,"1,174":158,"1,175":159,"1,176":160,"1,177":161,"1,178":162,"1,179":163,"1,180":164,"1,181":165,"1,182":166,"1,183":167,"1,184":168,"1,185":169,"1,186":170,"1,187":171,"1,188":172,"1,189":173,"1,190":174,"1,191":175,"1,192":176,"1,193":177,"1,194":178,"1,195":179,"1,196":180,"1,197":181,"1,198":182,"1,199":183,"1,200":184,"1,202":185,"1,203":186,"1,204":187,"1,205":188,"1,206":189,"1,207":190,"1,209":191,"1,210":192,"1,211":193,"1,212":194,"1,213":195,"1,214":196,"1,215":197,"1,216":198,"1,217":199,"1,218":200,"1,219":201,"1,220":202,"1,221":203,"1,222":204,"1,223":205,"1,224":206,"1,225":207,"1,226":208,"1,227":209,"1,228":210,"1,229":211,"1,230":212,"1,231":213,"1,232":214,"1,233":215,"1,234":216,"1,235":217,"1,236":218,"1,237":219,"1,238":220,"1,239":221,"1,240":222,"1,241":223,"1,242":224,"1,243":225,"1,244":226,"1,245":227,"1,246":228,"1,247":229,"1,248":230,"1,249":231,"1,250":232,"1,251":233,"1,252":234,"1,253":235,"1,254":236,"1,255":237,"1,256":238,"1,257":239,"1,258":240,"1,259":241,"1,260":242,"1,261":243,"1,262":244,"1,263":245,"1,265":246,"1,266":247,"1,267":248,"1,268":249,"1,269":250,"1,270":251,"1,271":252,"1,272":253,"1,273":254,"1,274":255,"1,275":256,"1,276":257,"1,277":258,"1,278":259,"1,279":260,"1,281":261,"1,282":262,"1,283":263,"1,284":264,"1,285":265,"1,286":266,"1,287":267,"1,288":268,"1,289":269,"1,290":270,"1,291":271,"1,292":272,"1,293":273,"1,294":274,"1,295":275,"1,297":276,"1,299":277,"1,300":278,"1,301":279,"1,302":280,"1,303":281,"1,304":282,"1,305":283,"1,306":284,"1,307":285,"1,308":286,"1,309":287,"1,310":288,"1,311":289,"1,312":290,"1,313":291,"1,314":292,"1,315":293,"1,316":294,"1,317":295,"1,318":296,"1,319":297,"1,320":298,"1,321":299,"1,322":300,"1,323":301,"1,324":302,"1,325":303,"1,326":304,"1,327":305,"1,328":306,"1,329":307,"1,330":308,"1,331":309,"1,332":310,"1,333":311,"1,335":312,"1,336":313,"1,337":314,"1,339":315,"1,341":316,"1,342":317,"1,343":318,"1,344":319,"1,345":320,"1,346":321,"1,347":322,"1,348":323,"1,349":324,"1,350":325,"1,351":326,"1,352":327,"1,353":328,"1,354":329,"1,355":330,"1,356":331,"1,357":332,"1,358":333,"1,359":334,"2,260":335,"2,361":336,"2,362":337,"2,363":338,"2,365":339,"2,366":340,"2,367":341,"2,368":342,"2,369":343,"2,370":344,"2,371":345,"2,372":346,"2,373":347,"2,374":348,"2,375":349,"2,376":350,"2,377":351,"2,378":352,"2,379":353,"2,380":354,"2,381":355,"2,382":356,"2,383":357,"2,384":358,"2,385":359,"2,386":360,"2,387":361,"2,388":362,"2,389":363,"2,390":364,"2,391":365,"2,392":366,"2,393":367,"2,394":368,"2,395":369,"2,396":370,"2,397":371,"2,398":372,"2,399":373,"2,401":374,"2,402":375,"2,403":376,"2,404":377,"2,405":378,"2,406":379,"2,407":380,"2,408":381,"2,409":382,"2,410":383,"2,411":384,"2,412":385,"2,413":386,"2,414":387,"2,415":388,"2,416":389,"2,417":390,"2,418":391,"2,419":392,"2,420":393,"2,421":394,"2,422":395,"2,423":396,"2,424":397,"2,425":398,"2,426":399,"2,427":400,"2,428":401,"2,429":402,"2,430":403,"2,431":404,"2,432":405,"2,433":406,"2,434":407,"2,435":408,"2,436":409,"2,437":410,"2,438":411,"2,439":412,"2,440":413,"2,441":414,"2,442":415,"2,443":416,"2,444":417,"2,445":418,"2,446":419,"2,447":420,"2,448":421,"2,449":422,"2,450":423,"2,451":424,"2,452":425,"2,453":426,"2,454":427,"2,455":428,"2,456":429,"2,457":430,"2,458":431,"2,459":432,"2,460":433,"2,461":434,"2,462":435,"2,463":436,"2,464":437,"2,465":438,"2,466":439,"2,467":440,"2,468":441,"2,469":442,"2,470":443,"2,471":444,"2,472":445,"2,473":446,"2,474":447,"2,475":448,"2,476":449,"2,477":450,"2,479":451,"2,481":452,"2,482":453,"2,483":454,"2,484":455,"2,485":456,"2,486":457,"2,487":458,"2,488":459,"2,489":460,"2,490":461,"2,491":462,"2,492":463,"2,493":464,"2,494":465,"2,495":466,"2,496":467,"2,497":468,"2,498":469,"2,499":470,"2,500":471,"2,501":472,"2,502":473,"2,503":474,"2,504":475,"2,505":476,"2,506":477,"2,507":478,"2,508":479,"2,509":480,"2,510":481,"2,511":482,"2,513":483,"2,515":484,"2,516":485,"2,517":486,"2,519":487,"2,521":488,"2,522":489,"2,523":490,"2,524":491,"2,525":492,"2,526":493,"2,527":494,"2,528":495,"2,529":496,"2,530":497,"2,531":498,"2,532":499,"2,533":500,"2,534":501,"2,535":502,"2,536":503,"2,537":504,"2,538":505,"2,539":506,"2,540":507,"2,541":508,"2,542":509,"2,543":510,"2,544":511,"2,545":512,"2,546":513,"2,547":514,"2,549":515,"2,551":516,"2,552":517,"2,553":518,"2,554":519,"2,555":520,"2,556":521,"2,557":522,"2,558":523,"2,559":524,"2,560":525,"2,561":526,"2,562":527,"2,563":528,"2,564":529,"2,565":530,"2,566":531,"2,567":532,"2,568":533,"2,569":534,"2,570":535,"2,571":536,"2,572":537,"2,573":538,"2,574":539},"ٜ":{"1":[7,359],"2":[260,574]},"ٝ":[null,"1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,19","1,21","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,33","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,41","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,133","1,135","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,297","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,335","1,336","1,337","1,339","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","2,260","2,361","2,362","2,363","2,365","2,366","2,367","2,368","2,369","2,370","2,371","2,372","2,373","2,374","2,375","2,376","2,377","2,378","2,379","2,380","2,381","2,382","2,383","2,384","2,385","2,386","2,387","2,388","2,389","2,390","2,391","2,392","2,393","2,394","2,395","2,396","2,397","2,398","2,399","2,401","2,402","2,403","2,404","2,405","2,406","2,407","2,408","2,409","2,410","2,411","2,412","2,413","2,414","2,415","2,416","2,417","2,418","2,419","2,420","2,421","2,422","2,423","2,424","2,425","2,426","2,427","2,428","2,429","2,430","2,431","2,432","2,433","2,434","2,435","2,436","2,437","2,438","2,439","2,440","2,441","2,442","2,443","2,444","2,445","2,446","2,447","2,448","2,449","2,450","2,451","2,452","2,453","2,454","2,455","2,456","2,457","2,458","2,459","2,460","2,461","2,462","2,463","2,464","2,465","2,466","2,467","2,468","2,469","2,470","2,471","2,472","2,473","2,474","2,475","2,476","2,477","2,479","2,481","2,482","2,483","2,484","2,485","2,486","2,487","2,488","2,489","2,490","2,491","2,492","2,493","2,494","2,495","2,496","2,497","2,498","2,499","2,500","2,501","2,502","2,503","2,504","2,505","2,506","2,507","2,508","2,509","2,510","2,511","2,513","2,515","2,516","2,517","2,519","2,521","2,522","2,523","2,524","2,525","2,526","2,527","2,528","2,529","2,530","2,531","2,532","2,533","2,534","2,535","2,536","2,537","2,538","2,539","2,540","2,541","2,542","2,543","2,544","2,545","2,546","2,547","2,549","2,551","2,552","2,553","2,554","2,555","2,556","2,557","2,558","2,559","2,560","2,561","2,562","2,563","2,564","2,565","2,566","2,567","2,568","2,569","2,570","2,571","2,572","2,573","2,574"],"ٞ":{"2":[1],"3":[2],"8":[3],"9":[4],"10":[5],"12":[6],"13":[7],"14":[8],"15":[9],"18":[10],"22":[11],"24":[12],"25":[13],"27":[14],"30":[15],"32":[16],"33":[17],"38":[18],"42":[19],"43":[20],"44":[21],"45":[22],"52":[23],"54":[24],"55":[25],"56":[26],"57":[27],"59":[28],"61":[29],"64":[30],"67":[31],"68":[32],"70":[33],"72":[34],"76":[35],"80":[36],"82":[37],"83":[38],"86":[39],"89":[40],"90":[41],"92":[42],"94":[43],"103":[44,45],"105":[46],"110":[47],"111":[48],"118":[49],"119":[50],"120":[51],"121":[52],"122":[53,54],"125":[55],"138":[56],"146":[57,58],"156":[59],"166":[60],"190":[61],"191":[62],"192":[63,64],"193":[65],"195":[66],"197":[67],"199":[68],"202":[69],"205":[70,71],"207":[72],"209":[73,74],"212":[75,76],"214":[77],"217":[78,79],"218":[80],"219":[81],"222":[82],"226":[83],"229":[84],"231":[85],"235":[86],"237":[87],"245":[88],"246":[89],"247":[90],"249":[91,92],"250":[93],"251":[94],"253":[95,96],"255":[97],"259":[98],"260":[99],"262":[100],"266":[101],"269":[102],"276":[103],"279":[104],"283":[105],"285":[106],"286":[107,108],"287":[109],"291":[110],"295":[111],"297":[112],"298":[113],"299":[114,115],"300":[116],"302":[117],"308":[118],"309":[119],"311":[120],"312":[121],"315":[122],"318":[123],"323":[124,125],"325":[126,127],"327":[128],"328":[129],"329":[130],"330":[131],"332":[132],"335":[133],"338":[134],"339":[135],"341":[136],"343":[137],"345":[138],"348":[139],"351":[140],"353":[141],"359":[142],"362":[143],"365":[144,145],"368":[146],"371":[147],"373":[148],"374":[149],"377":[150,151],"384":[152],"392":[153],"396":[154],"400":[155,156],"413":[157],"416":[158],"420":[159],"424":[160],"427":[161],"428":[162],"435":[163],"446":[164],"451":[165],"452":[166],"453":[167],"457":[168],"458":[169],"467":[170],"478":[171,172],"479":[173],"480":[174],"481":[175],"483":[176],"484":[177],"487":[178],"488":[179],"490":[180],"491":[181],"492":[182],"494":[183],"496":[184],"498":[185],"502":[186,187],"503":[188,189],"504":[190],"505":[191,192],"506":[193],"508":[194],"509":[195,196],"510":[197],"511":[198],"512":[199,200],"515":[201],"516":[202],"518":[203],"520":[204],"521":[205,206,207],"523":[208],"524":[209,210],"525":[211],"526":[212,213],"527":[214],"528":[215,216],"530":[217],"531":[218],"539":[219]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى","vol":"1","page":null},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>المقدمة</span>\nإن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] (١). ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] (٢). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا - يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١] (٣).\nأمّا بعد:\nفما خلق الله الجن والِإنس إلا ليعبدوه وحده لا شريك له، كما قال ﷿: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] (٤).\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآية ١٠٢.\n(٢) سورة النساء، الآية ١.\n(٣) سورة الأحزاب، الآيتان ٧٠ - ٧١.\n(٤) سورة الذاريات، الآية ٥٦.","vol":"1","page":7},{"text":"ولما كانت العبادة لا يمكن أن تُعرف أحكامها على التفصيل أرسل الله الرسل عليهم الصلاة والسلام، وأنزل عليهم الكتب؛ لبيان الأمر الذي خلق من أجله الخلق؛ \" ولِإيضاحه وتفصيله لهم حتى يعبدوا الله على بصيرة، فقاموا بواجبهم على الوجه الأكمل عليهم الصلاة والسلام.\nثم ختم الله تعالى الرسل بأفضلهم وإمامهم وسيدهم نبينا محمد بن عبد الله، عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، ودعا إلى الله على بصيرةٍ سرًّا وجهرًا. ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨] (١).\nوهذه طريقته ومسلكه وسنته، يدعو إلى الله على بصيرة، ويقين، وبرهان عقلي وشرعي (٢).\n\n١ -<span data-type=\"title\" id=toc-2> أهمية الموضوع وأسباب اختياره:</span>\n١ - قد بيّن القرآن الكريم طرق الدعوة إلى الله تعالى، ويأتي في مقدمة هذه الطرق: الحكمة في الدعوة إلى الله - ﷿ - وقد أمر الله تعالى نبيه محمدا ﷺ بالدعوة إلى الله تعالى بالحكمة، فقال: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] (٣).\n٢ - من تتبع سيرة النبي ﷺ وجد أنه كان يلازم الحكمة في جميع أموره، وخاصة في دعوته إلى الله ﷿، فأقبل الناس ودخلوا في دين الله أفواجا بفضل الله تعالى، ثم بفضل هذا النبي الحكيم ﷺ الذي ملأ الله قلبه بالِإيمان والحكمة، فعن أنس - ﵁ - قال: «كان أبو ذر يحدث أن\n_________\n(١) سورة يوسف، الآية ١٠٨.\n(٢) انظر: تفسير ابن كثير ٢/ ٤٩٦.\n(٣) سورة النحل، الآية ١٢٥.","vol":"1","page":8},{"text":"رسول الله ﷺ قال: \" فُرِجَ سقف بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل فَفَرجَ صدري ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطست (١) من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانا فأفرغه في صدري، ثم أطبقه، ثم أخذ بيدي فعرج بي. . .» الحديث (٢).\nوهذا يُثبتُ أن الحكمة من أعظم الأمور الأساسية في منهج الدعوة إلى الله تعالى، حيث امتلأ بها صدر رسول الله ﷺ وهو صاحب الدعوة، مع الِإيمان، وهو قضية الدعوة في لحظة واحدة، كما يؤكد قيمة وأهمية الحكمة من خلال مجيئها يحملها جبريل وهو روح القدس، في طست من ذهب، وهو أغلى المعادن، في مكة المكرمة، وهي البقعة المباركة، ليمتلئ بها صدر محمد رسول ﷺ وهو خير الخلق، بعد غسله بماء زمزم وهو أطهر الماء وأفضله.\nكل هذا يؤكد أن الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى أمرها عظيم وشأنها كبير، وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] (٣).\nثم سار أصحاب رسول الله ﷺ على طريقه وهديه في الدعوة إلى الله تعالى بالحكمة، فانتشر الِإسلام في عهدهم - ﵃ - انتشارًا عظيمًا، ودخل في الِإسلام خلق لا يحصي عددهم إلا الله تعالى، وجاء التابعون، وكملوا السير على هذا الطريق في الدعوة إلى الله بالحكمة، وهكذا سارت القرون الثلاثة المفضلة ومن بعدهم من أهل العلم والِإيمان، فأظهر الله الِإسلام وأهله، وأذَلَّ الشرك وأهله وأعوانه.\n_________\n(١) إناء كبير مستدير. انظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري ١/ ٤٦٠، والمعجم الوسيط مادة (الطسْت) ٢/ ٥٥٧.\n(٢) البخاري مع الفتح، كتاب الصلاة، باب كيف فرضت الصلوات في الِإسراء؟ ١/ ٤٥٨، ومسلم، واللفظ له، كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله - ﷺ - إلى السماوات وفرض الصلوات، ١/ ١٤٨.\n(٣) سورة البقرة، الآية ٢٦٩.","vol":"1","page":9},{"text":"٣ - من الناس من يظن أو يعتقد أن الحكمة تقتصر على الكلام اللين، والرفق، والعفو، والحلم. . . فحسب. وهذا نقص وقصور ظاهر لمفهوم الحكمة؛ فإن الحكمة قد تكون:\nباستخدام الرفق واللين، والحلم والعفو، مع بيان الحق علمًا وعملًا واعتقادًا بالأدلة، وهذه المرتبة تستخدم لجميع الأذكياء من البشر الذين يقبلون الحق ولا يعاندون.\nوتارة تكون الحكمة باستخدام الموعظة الحسنة المشتملة على الترغيب في الحق والترهيب من الباطل، وهذه المرتبة تستخدم مع القابل للحق المعترف به، ولكن عنده غفلة وشهوات وأهواء تصده عن اتباع الحق.\nوتارة تكون الحكمة باستخدام الجدال بالتي هي أحسن، بحُسن خلق، ولطف، ولين كلام، ودعوة إلى الحق، وتحسينه بالأدلة العقَلية وَالنقلية، ورد الباطل بأقرب طريق وأنسب عبارة، وأن لا يكون القصد من ذلك مجرد المجادلة والمغالبة وحب العلو، بل لا بدَّ أن يكون القصد بيان الحق وهداية الخلق، وهذه المرتبة تستخدم لكل معاند جاحد.\nوتارة تكون الحكمة باستخدام القوة: بالكلام القوي، وبالضرب والتأديب وإقامة الحدود لمن كان له قوة وسلطة مشروعة، وبالجهاد في سبيل الله تعالى بالسيف والسنان تحت لواء ولي أمر المسلمين مع مراعاة الضوابط والشروط التي دلَّ عليها الكتاب والسنة. وهذه المرتبة تستخدم لكل معاند جاحد ظلم وطغى، ولم يرجع للحق بل رده ووقف في طريقه (١).\nوما أحسن ما قاله الشاعر:\nدعا المصطفى دهرًا بمكةَ لم يُجب ... وقد لان منه جانبٌ وخطابُ\nفلما دعا والسيفُ صلتٌ بِكفِّهِ ... له أسلموا واستسلموا وأنابوا (٢)\n_________\n(١) انظر: مفتاح دار السعادة لابن القيم ١/ ١٩٤، وتفسير ابن كثير ٣/ ٤١٦ و٤/ ٣١٥، وفتاوى ابن تيمية ٢/ ٤٥ و١٩/ ١٦٤.\n(٢) ذكر سماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز في مجموع فتاواه. ٣/ ١٨٤ و٢٠٤: أن هذا الشعر يروى لحسان بن ثابت ﵁.","vol":"1","page":10},{"text":"وصدق هذا القائل فقد قال: قولًا صادقًا مطابقًا للحق (١)؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «إن من الشعرِ حكمة» (٢).\n٤ - الحكمة تجعل الداعي إلى الله يقدر الأمور قدرها فلا يزهد في الدنيا والناس بحاجة إلى النشاط والجد والعمل، ولا يدعو إلى التبتل والانقطاع والمسلمون في حاجة إلى الدفاع عن عقيدتهم وبلادهم، ولا يبدأ بتعليم الناس البيع والشراء وهم في مسيس الحاجة إلى تعلم الوضوء والصلاة.\n٥ - الحكمة تجعل الداعية إلى الله يتأمل ويراعي أحوال المدعوين وظروفهم وأخلاقهم وطبائعهم، والوسائل التي يُؤتَون من قبلها، والقدر الذي يبين لهم في كل مرة حتى لا يثقل عليهم، ولا يشق بالتكاليف قبل استعداد النفوس لها، والطريقة التي يخاطبهم بها، والتنويع والتشويق في هذه الطريقة حسب مقتضياتها، ويدعو إلى الله بالعلم لا بالجهل، ويبدأ بالمهم فالذي يليه، ويُعلم العامة ما يحتاجونه بألفاظ وعبارات قريبة من أفهامهم ومستوياتهم، ويخاطبهم على قدر عقولهم، فالحكمة تجعل الداعية ينظر ببصيرة المؤمن، فيرى حاجة الناس فيعالجها بحسب ما يقتضيه الحال، وبذلك ينفذ إلى قلوب الناس من أوسع الأبواب، وتنشرح له صدورهم، ويرون فيه المنقذ الحريص على سعادتهم ورفاهيتهم وأمنهم واطمئنانهم، وهذا كله من الدعوة إلى الله بالحكمة التي هي الطريق الوحيد للنجاح.\n_________\n(١) انظر: فتح الباري ١٠/ ٥٤٠، ٦/ ٥٣١، وشرح النووي على صحيح مسلم ٢/ ٣٣، وعون المعبود شرح سنن أبي داود، ١٣/ ٣٥٤.\n(٢) البخاري مع الفتح، كتاب الأدب، باب ما يجوز من الشعر والرجَزِ والحداء وما يكره منه، ١٠/ ٥٣٧.","vol":"1","page":11},{"text":"والمهم أن تكون أقوال الداعية إلى الله - تعالى - وأفعاله وتدبيراته وأفكاره نابعة من الحكمة، موافقة للصواب، غير متقدمة على أوانها ولا متأخرة، لا زيادة فيها عما ينبغي ولا نقص، مجتهدًا في معرفة نفعه وصلاحه، سالكًا أقرب طريق يوصل إلى ذلك.\nوهذا يؤكد أن دراسة الحكمة في الدعوة إلى الله - تعالى - من أهم المهمات، ومن أعظم القربات، وأنها بحاجة إلى من يبرزها في صورة ميسرة؛ ليستفيد منها الدعاة في دعوتهم إلى الله - ﷿ -؛ ليقدموا للناس الِإسلام بالطُّرق السليمة التي توصله إليهم بيسر وسهولة، وهذا يحتاج إلى معرفة أحوال المدعوين، سواء كانت اعتقادية أو نفسية أو اقتصادية أو اجتماعية، ثم معرفة الشُّبَه لديهم؛ لِإزالتها بالطرق المناسبة لأحوالهم، وهذا كله يحتاج إلى دراسة علمية دقيقة متكاملة متأنية، ولا سيما أن هذا الموضوع لم يتناوله أحد من الباحثين في دراسة مستقلة شاملة تستوعب جميع جوانبه المختلفة.\nولهذه الأهمية، وهذه الأسباب، وللعديد من غيرها، وحُبّا في خدمة هذا الموضوع عقدت العزم، واستعنت بالله، وقررت بعد الاستخارة والاستشارة أن أجعل موضوع رسالتي \" الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى \".\nوالله أسأل أن يلهمني رشدي، ويعيذني من شر نفسي، ويوفقني للهدى والسداد، وجميع المسلمين.","vol":"1","page":12},{"text":"٢ -<span data-type=\"title\" id=toc-3> الدراسات السابقة:</span>\nبالنسبة للدراسات السابقة لهذا الموضوع فحاصل ما اطلعت عليه منها ما يأتي:\n* لقمان الحكيم وحكمه: لمؤلفه محمد خير رمضان.\nوقد حاول تعريف الحكمة لغةً واصطلاحًا، وترجم للقمان الحكيم، وسرد بعض الآثار في حِكَم لقمان، وربما يكون بعضها من الإسرائيليات، ولم يتعرض في كتابه للحكمَة في الدعوة إلى الله تعالى.\n* حكمة الدعوة: لرفاعي سرور.\nوقد ذكر بعض الجوانب لتعريف الحكمة، ثم ذكر قيام الجماعة الواحدة، وأحكام الفكر الِإسلامي، ولم يتعرض في كتابه إلى شيء من جوانب الخطة التي وضعتها.\n* وما كتبه ابن القيم - رحمه الله تعالى - حول الحكمة في كتابه: \" مدارج السالكين \"، فقد اقتصر على تعريفها، وأركانها، وأنواعها، ولم يتعرض - ﵀ - إلى الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى؛ لأن موضوع كتابه عن: منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]\n* وما كتبه الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي، في كتابه: \" الرياض الناضرة والحدائق النيرة الزاهرة في العقائد والفنون المتنوعة الفاخرة \"، إذ خصص صفحتين فقط من الفصل السابع عشر من هذا الكتاب عن الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى.\nولم تحظ الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى -بعد- بمؤلَّف مستقل شامل يتطرق للموضوع من جميع جوانبه في دراسة علمية متخصصة شاملة، دقيقة متكاملة.","vol":"1","page":13},{"text":"٣ -<span data-type=\"title\" id=toc-4> خطة الرسالة:</span>\nوقد كانت خطة الرسالة كما يلي:\nالمقدمة:\nالفصل الأول: الحكمة مفهومها وضوابطها:\nالمبحث الأول: مفهوم الحكمة.\nالمبحث الثاني: أركانها.\nالمبحث الثالث: أنواعها.\nالمبحث الرابع: طرق اكتسابها.\nالفصل الثاني: مواقف الحكمة:\nالمبحث الأول: مواقف النبي ﷺ.\nالمبحث الثاني: مواقف الصحابة ﵃.\nالمبحث الثالث: مواقف التابعين ﵏.\nالمبحث الرابع: مواقف تابعي التابعين ﵏.\nالمبحث الخامس: نماذج من مواقف الحكمة عبر العصور.\nالفصل الثالث: حكمة القول مع المدعوين:\nتمهيد: إنزال الناس منازلهم ومراعاة أحوالهم.\nالمبحث الأول: حكمة القول مع الملحدين.\nالمبحث الثاني: حكمة القول مع الوثنيين.\nالمبحث الثالث: حكمة القول مع أهل الكتاب.\nالمبحث الرابع: حكمة القول مع المسلمين.\nالفصل الرابع: حكمة القوة الفعلية مع المدعوين:\nتمهيد: مراتب الدعوة بحسب مراتب البشر.\nالمبحث الأول: حكمة القوة الفعلية مع الكفار.","vol":"1","page":14},{"text":"المبحث الثاني: حكمة القوة الفعلية مع عصاة المسلمين.\nالخاتمة: وفيها:\n* ملخص البحث.\n* أهم النتائج.\n* التوصيات.\nالفهارس:\n١ - فهرس المراجع والمصادر.\n٢ - فهرس الموضوعات.\n\n٤ -<span data-type=\"title\" id=toc-5> منهجي في الرسالة:</span>\nاستخدمت في هذا البحث المنهج الاستردادي التاريخي التحليلي، حيث تتبعت النصوص من القرآن والسنة، ومواقف النبي ﷺ في دعوته إلى الله بالحكمة، وأخذت مواقف الصحابة وأتباعهم فمن بعدهم التي سلكوا فيها طريق الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى من أمهات الكتب.\nكما استخدمت منهج الاستدلال؛ لأني احتجت إلى الاستدلال العقلي الذي ينبني على قواعد التأمل والتفكر في الوصول إلى الحقائق، واستخدمت هذا المنهج كثيرًا في حكمة القول مع الملحدين، والوثنيين، وأهل الكتاب.\nوقد راعيت الأمور التالية:\n١ - عزوت الآيات القرآنية إلى سورها، وذكرت اسم السورة ورقم الآية منها.","vol":"1","page":15},{"text":"٢ - خرجت الأحاديث والآثار من مصادرها الأصلية.\n٣ - حاولت الاقتصار على الأحاديث الصحيحة أو الحسنة.\n٤ - أشرت إلى من صحح الحديث أو حسنه من العلماء المحققين إذا كان في غير الصحيحين ما استطعت إلى ذلك سبيلًا.\n٥ - حرصت على جمع المعلومات من المصادر الأصلية مباشرة، ورجعت إلى أكثر من مصدر في المسألة الواحدة ما استطعت إلى ذلك سبيلًا، مع الاستفادة من المراجع الحديثة.\n٦ - بينت في الحاشية بعض الكلمات التي أرى أنها في حاجة إلى البيان.\n٧ - حرصت على رسم الآيات القرآنية بالرسم العثماني، اتباعًا لرسم المصحف الشريف، إلا بعض الأحرف؛ لعدم وجودها في الكمبيوتر.\n٨ - ترجمت لأصحاب المواقف الحكيمة ما عدا الصحابة ﵃ كما ترجمت لغير المشهورين من الأعلام.\n٩ - عملت فهارس تفصيلية للآيات القرآنية الكريمة، والأحاديث النبوية الشريفة، والآثار، وقد ميزت الآثار بذكر اسم صاحب الأثر أمامه، وفهرس الأبيات الشعرية، وفهرس الأعلام المترجم لهم، والمصادر والمراجع، والموضوعات.\nولا أدَّعي الكمال، فالكمال من صفات الله تعالى، والنقص والتقصير واختلاف وجهات النظر من صفات الِإنسان، ولكني قد بذلت قصارى جهدي؛ ليخرج هذا البحث المتواضع على الوجه المطلوب، فما كان من صواب وسداد فمن الواحد المنان، وما كان من خطأ فمني ومن الشيطان، والله بريء منه ورسوله ﷺ، وأستغفر الله من ذنبي كله: هزلي وجدي، وخطئي وعمدي، وكل ذلك عندي، إنه سميع مجيب.","vol":"1","page":16},{"text":"٥ -<span data-type=\"title\" id=toc-6> الشكر والتقدير:</span>\nهذا، والشكر والحمد لله الكريم الحكيم الذي أسبغ علي النعم الظاهرة والباطنة، ووفق عبده الفقير إليه وحده لمعالجة هذا الموضوع، وهو أهل الثناء والمجد.\nوفي مقامي هذا أمتثل حديث رسول الله ﷺ حيث قال: «لا يشكر الله من لا يشكر الناسَ» (١).\nفأشكر أستاذي الفاضل المشرف على هذه الرسالة، فضيلة الأستاذ المشارك الدكتور / فضل إلهي، رئيس قسم الدعوة والاحتساب بكلية الدعوة والِإعلام، بجامعة الِإمام محمد بن سعود الِإسلامية، الذي بذل الكثير من وقته وراحته، ولم يبخل علي بالرأي والمشورة والتوجيهات القيمة لرفع مستوى هذه الرسالة حتى خرجت بهذه الصورة، فقد أفادني كثيرا، فجزاه الله خيرا، وأجزل له الثواب، إنه قريب مجيب الدعوات.\nكما أشكر الأستاذين الفاضلين: الدكتور / محمد بن عبد الله الفهيد، الأستاذ بكلية أصول الدين، قسم السنة وعلومها، والدكتور / أحمد بن محمد أبابطين، وكيل قسم الدعوة والاحتساب بكلية الدعوة والِإعلام، على تفضلهما بقبول عضوية مناقشة الرسالة وإعطاء الكثير من وقتهما وراحتهما لقراءة الرسالة، فجزاهما الله خيرا.\nوكذلك أتقدم بالشكر والتقدير لجامعة الِإمام محمد بن سعود الإسلامية، على ما تقوم به من جهود عظيمة في خدمة الِإسلام والمسلمين، فجزى الَلّه القائمين عليها خير الجزاء. كما أتقدم بالشكر والتقدير للمسئولين في كلية الدعوة والِإعلام، وعلى رأسهم فضيلة عميد الكلية الدكتور / زيد بن عبد الكريم الزيد، والدكتور مسفر البشر، وكيل الدراسات العليا بالكلية على ما يبذلونه من جهود في خدمة العلم وطلابه، فجزاهم الله خير الجزاء، وضاعف مثوبتهم إنه سميع الدعاء.\nوصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله وخيرته من خلقه نبينا وإمامنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الأدب، باب في شكر المعروف ٤/ ٢٥٥، والترمذي بنحوه، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في الشكر لمن أحسن إليك ٤/ ٣٣٩، وأحمد ٢/ ٢٩٥، ٥/ ٢١١، وانظر: صحيح أبي داود للشيخ الألباني ٣/ ٩١٣، وصحيح الترمذي للألباني ٢/ ١٨٥.","vol":"1","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>الفصل الأول\nالحكمة مفهومها وضوابطها </span>المبحث الأول: مفهوم الحكمة.\nالمبحث الثاني: أنواع الحكمة ودرجاتها\nالمبحث الثالث: أركان الحكمة.\nالمبحث الرابع: طرق اكتسابها.","vol":"1","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>المبحث الأول مفهوم الحكمة</span>\nالمطلب الأول: تعريفها في اللغة.\nالمطلب الثاني: تعريفها في الاصطلاح الشرعي.\nالمطلب الثالث: العلاقة بين التعريف اللغوي والشرعي.","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>المطلب الأول تعريف الحكمة</span>\nفي اللغة جاءت الحكمة في اللغة بعدة معان، منها:\n١ - تستعمل بمعنى: العدل، والعلم، والحلم، والنبوة، والقرآن، والإنجيل.\nوأحكم الأمر: أتقنه فاستحكم ومنعه عن الفساد (١).\n٢ - والحكمة عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم، ويقال لمن يحسن دقائق الصناعات ويتقنها: حكيم (٢).\n٣ - والحكيم: المتقن للأمور، يقال للرجل إذا كان حكيمًا: قد أحكمته التجارب (٣).\n٤ - والحَكَمُ والحكيم هما بمعنى: الحاكم والقاضي، والحكيم فعيل بمعنى فاعل، أو هو الذي يُحكِمُ الأشياء ويتقنها، فهو فعيل بمعنى: مفعل (٤).\n٥ - والحكمة: إصابة الحق بالعلم والعقل (٥).\n_________\n(١) القاموس المحيط، لمجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز آبادي، المتوفى ٨١٧هـ، باب الميم، فصل الحاء، ص١٤١٥، وانظر: لسان العرب لابن منظور، باب الميم، فصل الحاء١٢/ ١٤٣، ومختار الصحاح، مادة: حكم، ص٦٢.\n(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الحاء مع الكاف، مادة حكم ١/ ١١٩، وانظر: لسان العرب لابن منظور، باب الميم، فصل الحاء، ١٢/ ١٤٠، والمعجم الوسيط، مادة: حكم: ١/ ١٩٠.\n(٣) انظر: لسان العرب لابن منظور، باب الميم، فصل الحاء، ١٢/ ١٤٣، ومختار الصحاح، مادة: حكم، ص ٦٢.\n(٤) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الحاء مع الكاف، مادة: حكم ١/ ٤١٩.\n(٥) المفردات في غريب القرآن، للراغب الأصفهاني، كتاب الحاء، مادة: حكم ص ١٢٧.","vol":"1","page":23},{"text":"٦ - والحكيم: المانع من الفساد، ومنه سُمِّيت حَكَمة اللجام؛ لأنها تمنع الفرَس من الجري والذهاب في غير قصد، والسورة المحكمة: الممنوعة من التغيير وكل التبديل، وأن يلحق بها ما يخرج عنها، ويزاد عليها ما ليس منها.\nوالحكمة من هذا؛ لأنها تمنع صاحبها من الجهل، ويقال: أحكم الشيء إذا أتقنه ومنعه من الخروج عما يريد، فهو محكم وحكيم على التكثير (١).\n٧ - والحَكَمَةُ: ما أحاط بحنكي الفرس، سميت بذلك؛ لأنها تمنعه من الجري الشديد، وتذلل الدابة لراكبها، حتى تمنعها من الجماح، ومن كثير من الجهل، ومنه اشتقاق الحكمة؛ لأنها تمنع صاحبها من أخلاق الأراذل (٢).\n٨ - والحُكْمُ: هو المنع من الظلم، وسميت حكمة الدابة، لأنها تمنعها، يقال: حكمت الدابة وأحكمتها، ويقال: حكمت السفيه، وأحكمته إذا أخذت على يديه، والحكمة هذا قياسها؛ لأنها تمنع من الجهل، وتقول: حكمت فلانًا تحكيمًا: منعته عما يريد (٣).\nومما تقدم يتضح ويتبين أن الحكمة يظهر فيها معنى المنع، فقد استعملت في عدة معان تتضمن معنى المنع:\nفالعدل: يمنع صاحبه من الوقوع في الظلم.\nوالحلم: يمنع صاحبه من الوقوع في الغضب.\n_________\n(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١/ ٢٨٨ بتصرف يسير.\n(٢) انظر: المصباح المنير، لأحمد بن محمد الفيومي، المتوفى سنة ٧٧٠هـ، مادة: الحكم، ١/ ١٤٥، وتاج العروس ٨/ ٢٥٣.\n(٣) مقاييس اللغة لأبي الحسين أحمد بن فارس ٢/ ٩١، باب الحاء والكاف، مادة: حكم.","vol":"1","page":24},{"text":"والعلم: يمنع صاحبه من الوقوع في الجهل.\nوالنّبوة، والقرآن، والِإنجيل: فالنبي إنما بعث لمنع من بعث إليهم من عبادة غير الله، ومن الوقوع في المعاصي والآثام، والقرآن والِإنجيل وجميع الكتب السماوية أنزلها الله تتضمن ما يمنع الناس من الوقوع في الشرك وكل منكر وقبيح.\nومن فسر الحكمة بالمعرفة فهو مبني على أن المعرفة الصحيحة فيها معنى المنع، والتحديد، والفصل بين الأشياء، وكذلك الِإتقان، فيه منع للشيء المتقن من تطرق الخلل والفساد إليه، وفي هذا المعنى قال شيخ الِإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \" الِإحكام هو الفصل والتمييز والفرق والتحديد الذي به يتحقق الشيء ويحصل إتقانه ولهذا دخل فيه معنى المنع كما دخل في الحد بالمنع جزء معناه لا جميع معناه \" (١).\n_________\n(١) مجموعة الرسائل الكبرى، لابن تيمية ٢/ ٧.","vol":"1","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>المطلب الثاني تعريف الحكمة في الاصطلاح الشرعي</span>\nذكر العلماء مفهوم الحكمة في القرآن الكريم والسنة النبوية (١) واختلفوا على أقوال كثيرة، فقيل: الحكمة؛ النبوة، وقيل: القرآن والفقه به: ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدمه ومؤخره، وحلاله وحرامه، وأمثاله. وقيل: الإصابة في القول والفعل، وقيل: معرفة الحق والعمل به، وقيل: العلم النافع والعمل الصالح، وقيل: الخشية لله، وقيل: السنة، وقيل: الورع في دين الله، وقيل: العلم والعمل به، ولا يسمى الرجل حكيمًا إلا إذا جمع بينهما، وقيل: وضع كل شيء في موضعه. وقيل: سرعة الجواب مع الإصابة (٢).\n_________\n(١) جاء لفظ: الحكمة في كتاب الله - تعالى - في أكثر من تسعة عشر موضعًا، انظر: سورة البقرة، آيات: ١٢٩، ١٥١، ٢٣١، ٢٥١، ٢٦٩، وآل عمران: ٤٨، ٨١، ١٦٤، والنساء: ٥٤، ١١٣، والمائدة: ١١٠، والنحل: ١٢٥، والإسراء: ٣٩، ولقمان: ١٢، والأحزاب: ٣٤، وص: ٢٠، والزخرف: ٦٣، والقمر: ٥، والجمعة: ٢.\nوجاء لفظ الحكمة في السنة النبوية في عدة مواضع، انظر معظمها: في البخاري مع الفتح، كتاب العلم، باب الإغتباط في العلم والحكمة، ١/ ١٦٥، برقم ٧٣، وكتاب فضائل الصحابة، باب ذكر ابن عباس - ﵄ -، ٧ برقم ٣٧٥٦، وكتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، برقم ٧٢٧٠، وكتاب المغازي، باب قدوم الأشعريين وأهل اليمن، ٨/ ٩٨، ٩٩ برقم ٤٣٨٨، ٤٣٩٠، وكتاب الأدب، باب ما يجوز من الشعر والرجَز والحداءِ وما يكره منه، ١٠/ ٥٧٣، برقم ٦١٤٥، وباب الحياء، ١٠/ ٥٢١ برقم ٦١١٧. ومسلم، كتاب الإيمان، باب تفاضل أهل الإيمان فيه ورجحان أهل اليمن فيه، ١/ ٧١ - ٧٣ برقم ٥١، وباب عدد شعب الإيمان، ١/ ٦٤، برقم ٣٧، وكتاب صلاة المسافرين، باب فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه وفضل من تعلم حكمة من فقه وغيره فعمل بها وعلمها، ١/ ٥٥٩ برقم ٨١٦ والترمذي، كتاب العلم، باب ما جاء في فضل العلم على العبادة / ٥١، برقم ٢٦٨٧، وكتاب البر والصلة، باب ما جاء في التجارب، ٤/ ٣٧٩ برقم٢٠٣٣، وابن ماجه في كتاب الزهد، باب الحكمة، ٢/ ١٣٩٥ برقم ٤١٦٩، والدارمي، في المقدمة، باب من هاب الفتيا مخافة السقط، ١/ ٧٥ برقم ٢٩٣، وباب التوبيخ لمن يطلب العلم لغير الله، ١/ ٩٠ برقم٣٩٥، وباب فضل العلم والعالم، ١/ ٨٤، برقم ٣٥٧، وكتاب فضائل القرآن، باب فضل من قرأ القرآن، ٢/ ٣١٢ برقم ٣٣٣٠.\n(٢) انظر: تفسير مفهوم الحكمة في القرآن الكريم والسنة النبوية في المصادر التالية: جامع البيان في تفسير القرآن، لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، ١/ ٤٣٦، ٣/ ٦٠، ٦١ وتفسير غرائب القرآن للنيسابوري المطبوع بهامش تفسير الطبري ١/ ٤١٣، وتفسير البغوي١/ ٢٥٦، ١/ ١١٦، وزاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي ١/ ٣٢٤، ١/ ١٤٦، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٢/ ١٣١، ٣/ ٦٠، ٦١، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير ١/ ١٨٤، ١/ ٣٢٣، وروح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني للألوسي ١/ ٣٨٧، ٣/ ٤١، وفتح القدير للشوكاني ١/ ٢٨٩، ١/ ١٤٤، وتفسير المنار لمحمد رشيد رضا ١/ ٤٧٢، ٢/ ٢٩، ٣/ ٧٥، ٣/ ٢٦٣، وتفسير المراغي ١/ ٢١٤، ٢/ ١٩ ٣/ ٤١، وتفسير السعدي ١/ ١٧٣، ١/ ٢٩٠، ٦/ ١٥٤، وفي ظلال القرآن لسيد قطب ١/ ٣١٢، ١/ ١٣٩، ٣٩٩، ٢/ ٩٩٧، وصفوة المفاهيم والآثار لعبد الرحمن الدوسري ٢/ ٣٦٠، ٤١٦ ٣/ ٤٩٨، ٤٩٩ ودرء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ٦/ ٦٦، ٦٧، ٩، ٢٣، ومجموع فتاوى شيخ الِإسلام ابن تيمية ١٩/ ١٧٠، ومدارج السالكين لابن القيم ٢/ ٤٧٨، ٤٧٩، والتفسير القيم لابن القيم ص ٢٢٧، وفتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاتي ١/ ٦٧، ٧٠، ٦/ ٥٣١، ٧/ ١٠٠، ١٠/ ٥٢٢، ٥٢٩/ ٥٤٠، وشرح النووي على صحيح مسلم، ٢/ ٧، ٣٣، ٦/ ٩٨، ١٥/ ١٢، وتحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي ٦/ ١٨٢، ٧/ ٥٨، ١٠/ ٣٢٧، وعون المعبود شرح سنن أبي داود، ١٣/ ٣٥٤، ٣٥٥.","vol":"1","page":26},{"text":"وقد ذكر بعضهم تسعة وعشرين قولًا في تعريف الحكمة (١).\n\" وهذه الأقوال كلها قريب بعضها من بعض؛ لأن الحكمة مصدر من الِإحكام، وهو الإتقان في قول أو فعل، فكل ما ذكر فهو نوع من الحكمة التي هي الجنس، فكتاب الله حكمة، وسنة نبيه ﷺ حكمة، وكل ما ذكر من التفصيل فهو حكمة. وأصل الحكمة ما يمتنع به من السفه. فقيل للعلم حكمة؛ لأنه يمتنع به من السفه، وبه يعلم الامتناع من السفه الذي هو كل فعل قبيح. . \" (٢).\nوعند التأمل والنظر نجد أن التعريف الشامل الذي يجمع ويضم جميع هذه الأقوال في تعريف الحكمة هو: \" الِإصابة في الأقوال والأفعال، ووضع كل شيء في موضعه \".\n_________\n(١) انظر: تفسير البحر المحيط، لمحمد بن يوسف، أبو حيان الأندلسي ٢/ ٣٢٠.\n(٢) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٣/ ٣٣٠، وانظر: البحر المحيط ٢/ ٣٢٠، قال الإمام النووي - ﵀ - وأما الحكمة ففيها أقوال كثيرة مضطربة قد اقتصر كل من قائليها على بعض صفات الحكمة، وقد صفا لنا منها: أن الحكمة عبارة عن العلم المتصف بالأحكام، المشتمل على المعرفة بالله ﵎ المصحوب بنفاذ البصيرة، وتهذيب النفس، وتحقيق الحق والعمل به والصد عن اتباع الهوى والباطل، والحكيم من له ذلك. قال أبو بكر بن دريد: \" كل كلمة وعظتك وزجرتك أودعتك إلى مكرمة أو نهتك عن قبيح فهي حكمة وحكم \"، شرح النووي على صحيح مسلم، ٢/ ٣٣.","vol":"1","page":27},{"text":"فجميع الأقوال تدخل في هذا التعريف؛ لأن الحكمة مأخوذة من الحكم وفصل القضاء الذي هو بمعنى الفصل بين الحق والباطل، يقال: إن فلانًا لحكيم بيِّن الحكمة، يعني: أنه لبين الِإصابة في القول والفعل، فجميع التعاريف داخلة في هذا القول، لأن الِإصابة في الأمور إنما تكون عن فهم بها، وعلم، ومعرفة، والمصيب عن فهمِ منه بموِاضع الصواب يكون في جميع أموره: فهمًا، خاشيًا لله، فقيهًا عالما، عاملا بعلمه، ورعًا في دينه. . . والحكمة أعم من النبوة، والنبوة بعض معانيها وأعلى أقسامها؛ لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مسددون، مفهمون، وموفقون لِإصابة الصواب في الأقوال، والأفعال، والاعتقادات، وفي جميع الأمور (١).\nوالحكمة في كتاب الله نوعان (٢) مفردة، ومقرونة بالكتاب.\nفالمفردة كقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] (٣). وقوله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] (٤). وقوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [لقمان: ١٢] (٥).\nوهذه الحكمة فسرت بما تقدم من أقوال العلماء في تعريف الحكمة، وهذا النوع كثير في كتاب الله تعالى.\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري ١/ ٤٣٦، ٣/ ٦١.\n(٢) انظر: مدارج السالكين، لابن القيم ٢/ ٤٧٨، والتفسير القيم لابن القيم، ص٢٢٧.\n(٣) سورة النحل، الآية ١٢٥.\n(٤) سورة البقرة، الآية ٢٦٩.\n(٥) سورة لقمان، الآية ١٢.","vol":"1","page":28},{"text":"أما الحكمة المقرونة بالكتاب، فهي السنة من: أقوال النبي - ﷺ وأفعاله، وتقريراته، وسيرته، كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٩] (١) وقوله: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٣١] (٢) ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤] (٣) ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢] (٤). وغير ذلك من الآيات.\nوممن فسر الحكمة المقرونة بالكتاب بالسنة: الِإمام الشافعي والِإمام ابن القيم، وغيرهما من الأئمة (٥).\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية ١٢٩.\n(٢) سورة البقرة، الآية ٢٣١.\n(٣) سورة آل عمران، الآية ١٦٤.\n(٤) سورة الجمعة، الآية ٢.\n(٥) انظر: مدارج السالكين لابن القيم ٢/ ٤٧٨، والتفسير القيم ص ٢٢٧.","vol":"1","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>المطلب الثالث العلاقة بين التعريف اللغوي والشرعي</span>\nعند التأمل والنظر نجد علاقةً قويةً بين المعنى اللغوي والشرعي، فكلاهما يجعل العلم النافع، والعمل الصالح الصواب المحكم المتقن أصلًا من أصول الحكمة، وعلى هذا فيكون التعريف الجامع المانع للحكمة هو: \" الإصابة في القول والعمل والاعتقاد ووضع كل شيء في موضعه بإحكام وإتقان \". والله أعلم.\nوبهذا التعريف يتبين ويتضح أن الحكمة في الدعوة إلى الله لا تقتصر على الكلام اللين، أو الترغيب، أو الحلم، أو الرفق، أو العفو. . . بل هي إتقان الأمور وإحكامها بأن تنزل جميع الأمور منازلها، فيوضع القول الحكيم والتعليم والتربية في مواضعها، وتوضع الموعظة في موضعها، والمجادلة بالتي هي أحسن في موضعها، ومجادلة الظالم المعاند في موضعها، كما قال ﷿: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦] (١). وُيوضع الزجر، والقوة، والغلظة، والشدة، والسيف في مواضعها، وهذا هو عين الحكمة. وقد قال أحكم الحاكمين لسيد الحكماء والناس أجمعين: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣] (٢).\nكل ذلك بإحكام وإتقان ومراعاة لأحوال المدعوين، والأزمان، والأماكن في مختلف العصور والبلدان، وبإحسان القصد والرغبة فيما عند الكريم المنان (٣).\n_________\n(١) سورة العنكبوت، الآية ٤٦.\n(٢) سورة التوبة، الآية ٧٣، وانظر: سورة التحريم، الآية ٩.\n(٣) انظر: فتاوى شيخ الإسلام ١٩/ ١٦٤، ومفتاح دار السعادة لابن القيم ١/ ١٩٤، والتفسير القيم ص ٣٤٤، وتفسير ابن كثير ٣/ ٤١٦، وزاد الداعية إلى الله للشيخ محمد بن صالح العثيمين، ص١٥.","vol":"1","page":30},{"text":"ومن أراد البرهان العملي على ذلك فعليه أن ينظر إلى ما كان عليه رسول الله ﷺ، ومعاملته لأصناف الناس، وهو الذي أعطاه الله من الحكمة مما لم يعطِ أحدًا من العالمين (١).\n_________\n(١) انظر: التفسير القيم لابن القيم ص ٣٤٤، الهامش.","vol":"1","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>المبحث الثاني\nأنواع الحكمة ودرجاتها</span>\nالمطلب الأول: أنواع الحكمة.\nالمطلب الثاني: درجات الحكمة العملية.","vol":"1","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>المطلب الأول أنواع الحكمة</span>\nالحكمة نوعان: النوع الأول: حكمة علمية نظرية، وهي الاطلاع على بواطن الأشياء، ومعرفة ارتباط الأسباب بمسبباتها، خلقًا وأمرًا، قدرًا وشرعًا.\nالنوع الثاني: حكمة عملية، وهي وضع الشيء في موضعه (١).\nفالحكمة النظرية مرجعها إلى العلم والِإدراك، والحكمة العملية مرجعها إلى فعل العدل والصواب، ولا يمكن خروج الحكمة عن هذين المعنيين؛ لأن كمال الِإنسان في أمرين: أن يعرف الحق لذاته، وأن يعمل به، وهذا هو العلم النافع والعمل الصالح.\nوقد أعطى الله ﷿ أنبياءه ورسله ومن شاء من عباده الصالحين هذين النوعين، قال تعالى عن إبراهيم ﷺ. ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾ [الشعراء: ٨٣] وهو الحكمة النظرية، ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [الشعراء: ٨٣] (٢). وهو الحكمة العملية.\nوقال تعالى لموسى، ﷺ: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ [طه: ١٤] وهو الحكمة النظرية ﴿فَاعْبُدْنِي﴾ [طه: ١٤] (٣) وهو الحكمة العملية.\nوقال عن عيسى ﷺ: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ [مريم: ٣٠]\nوهو الحكمة النظرية، ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣١] (٤). وهو الحكمة العملية.\n_________\n(١) انظر: مدارج السالكين لابن القيم ٢/ ٤٧٨.\n(٢) سورة الشعراء، الآية ٨٣.\n(٣) سورة طه، الآية ١٤.\n(٤) سورة مريم، الآيتان ٣٠ - ٣١.","vol":"1","page":35},{"text":"وقال في شأن محمد ﷺ: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] وهو الحكمة النظرية، ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد: ١٩] (١) وهو الحكمة العملية.\nوقال في جميع الأنبياء. ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ [النحل: ٢] وهو الحكمة النظرية، ثم قال: ﴿فَاتَّقُونِ﴾ [النحل: ٢] (٢). وهو الحكمة العملية (٣).\n_________\n(١) سورة محمد، الآية ١٩.\n(٢) سورة النحل، الآية ٢.\n(٣) انظر: التفسير الكبير للفخر الرازي ٧/ ٦٨.","vol":"1","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>المطلب الثاني درجات الحكمة العملية</span>\nالحكمة العملية لها ثلاث درجات:\nالدرجة الأولى: \" أن تعطي كل شيء حقه، ولا تعدِّيه حده، ولا تعجله عن وقته، ولا تؤخره عنه \".\nلما كانت الأشياء لها مراتب وحقوق تقتضيها، ولها حدود ونهايات تصل إليها ولا تتعداها، ولها أوقات لا تتقدم عنها ولا تتأخر، كانت الحكمة مراعاة هذه الجهات الثلاث بأن تعطي كل مرتبة حقها الذي أحقه الله لها بشرعه وقدره، ولا تتعدى بها حدها فتكون متعديًا مخالفًا للحكمة، ولا تطلب تعجيلها عن وقتها فتخالف الحكمة، ولا تؤخرها عنه فتفوتها، وهذا حكم عام لجميع الأسباب مع مسبباتها شرعًا وقدرًا، فإضاعتها تعطيل للحكمة بمنزلة إضاعة البذر وسقي الأرض، وتعدي الحق كسقيها فوق حاجتها، بحيث يغرق البذر والزرع ويفسد، وتعجيلها قبل وقتها كحصاده قبل إدراكه وكماله، وهذا يكون فعل ما ينبغي على الوجه الأكمل في الوقت المناسب (١).\nالدرجة الثانية: معرفة عدل الله في وعيده، وإحسانه في وعده، وعدله في أحكامه الشرعية والكوِنية الجارية على الخلائق، فإنه لا ظلم فيها ولا جور، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠] (٢) وكذلك معرفة بره في منعه، فإنه سبحانه هو الجواد الذي لا ينقص خزائنه الِإنفاق، ولا يغيض ما في يمينه سعة عطائه، فهو سبحانه لا يضع بره وفضله إلا في موضعه ووقته بقدر ما تقتضيه حكمته، فما أعطى إلا بحكمته ولا منع إلا بحكمته، ولا أضل إلا بحكمته.\n_________\n(١) انظر: مدارج السالكين ٢/ ٤٧٩.\n(٢) سورة النساء، الآية ٤٠، وانظر: مدارج السالكين ٢/ ٤٨١.","vol":"1","page":37},{"text":"الدرجة الثالثة: البصيرة، وهي قوة الإدراك والفطنة والعلم والخبرة (١).\nوالبصيرة هي أعلى درجات العلم التي تكون نسبة العلوم فيها إلى القلب كنسبة المرئي إلى البصر، وهذه الخصيصة التي اختص بها الصحابة عن سائر الأمة ثم المخلصين من أتباع النبي ﷺ، وهي أعلى درجات العلماء (٢) قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨] (٣) فقد أمر الله رسوله ﷺ، أن يخبر الناس أن هذه طريقته ومسلكه وسنته وهي الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يدعو إلى الله على بصيرة من ذلك، ويقين، وبرهان، وعلم، وكل من اتبعه يدعو إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ، على بصيرة ويقين، وبرهان عقلي وشرعي (٤) والبصيرة في الدعوة إلى الله في ثلاثة أمور:\nالأمر الأول: أن يدعو الداعية على بصيرة فيما يدعو إليه بأن يكون عالمًا بالحكم الشرعي فيما يدعو إليه؛ لأنه قد يدعو إلى شيء يظنه واجبًا وهو في شرع الله غير واجب فيلزم عباد الله بما لم يلزمهم الله به، وقد يدعو إلى ترك شيء يظنه محرمًا وهو في دين الله غير محرم، فيحرم على عباد الله ما أحله الله لهم.\nالأمر الثاني: أن يكون على بصيرة في حال المدعو، فلا بد من معرفة حال المدعو: الدينية، والاجتماعية، والاعتقادية، والنفسية، والعلمية، والاقتصادية حتى يقدم له ما يناسبه.\n_________\n(١) المعجم الوسيط، مادة: بصر ١/ ٥٩.\n(٢) انظر: مدارج السالكين ٢/ ٤٨٢.\n(٣) سورة يوسف، الآية ١٠٨.\n(٤) انظر: تفسير ابن كثير ٢/ ٤٩٦، وتفسير السعدي ٤/ ٦٣.","vol":"1","page":38},{"text":"الأمر الثالث: أن يكون على بصيرة في كيفية الدعوة (١) وقد رسم الله ﷿ طرق الدعوة ومسالكها في آيات كثيرة منها: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف: ١٠٨] (٢) وهذه الآية قاعدة قوية متينة في الدعوة إلى الله تعالى ثم تكون هذه القاعدة متفرعة إلى ثلاثة أبواب: وهي الدعوة إلى الله: بالحكمة، والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن (٣) قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] (٤) قلتَ: والباب الرابع: الدعوة إلى الله باستخدام اَلقوة عند الحاجة إليها كما قال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦] (٥).\nولا شك أن أحسن الطرق في دعوة الناس طريقة القرآن، ومخاطبته لهم ودعوته، ومجادلتهم (٦).\n_________\n(١) انظر: زاد الداعية إلى الله للشيخ محمد بن صالح العثيمين ص٧.\n(٢) سورة يوسف، الآية ١٠٨.\n(٣) هذا التقسيم الجيد للقاعدة والثلاثة الأبواب، للشيخ عبد القادر شيبة الحمد في محاضرة بعنوان: طرق الدعوة إلى الله، ألقيت بجامع الراجحي بالربوة، بالرياض، عام ١٤٠٨هـ.\n(٤) سورة النحل، الآية ١٢٥.\n(٥) سورة العنكبوت، الآية ٤٦.\n(٦) انظر: فتاوى ابن تيمية ١٩/ ١٥٨ - ١٧٣.","vol":"1","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>المبحث الثالث\nأركان الحكمة </span>توطئة:\nالمطلب الأول: العلم.\nالمطلب الثاني: الحلم.\nالمطلب الثالث: الأناة.","vol":"1","page":41},{"text":"توطئة للحكمة أركان ودعائم تقوم عليها، وكل خلل في الداعية إلى الله فسببه الإخلال بالحكمة، فأكمل الناس: أوفرهم منها نصيبًا، وأنقصهم وأبعدهم عن الكمال أقلهم منها ميراثًا.\nوأركان الحكمة التي تقوم عليها، ثلاثة هي: العلم، والحلم، والأناة.\nوآفاتها وأضدادها، ومعاول هدمها: الجهل، والطيش، والعجلة، فلا حكمة لجاهلٍ، وطائشٍ، ولا عجولٍ (١).\nوسأتحدث عن هذه الأركان بالتفصيل - إن شاء الله تعالى - في المطالب الآتية:\nالمطلب الأول: العلم.\nالمطلب الثاني: الحلم.\nالمطلب الثالث: الأناة.\n_________\n(١) انظر: مدارج السالكين لابن القيم٢/ ٤٨٠.","vol":"1","page":43},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>المطلب الأول العلم</span>\nالعلم من أعظم أركان الحكمة، ولهذا أمر الله به، وأوجبه قبل القول والعمل، فقال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ [محمد: ١٩] (١).\nوقد بوَّب الِإمام البخاري - ﵀ - لهذه الآية بقوله: \" باب: العلم قبل القول والعمل \" (٢).\nوذلك أن الله أمر نبيه بأمرين: بالعلم، ثم العمل، والمبدوء به العلم في قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] ثم أعقبه بالعمل في قوله: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد: ١٩] فدل ذلك على أن مرتبة العلم مقدمة على مرتبة العمل، وأن العلَم شرط في صحة القول والعمل، فلا يعتبران إلا به، فهو مقدم عليهما؛ لأنه مصحح للنية المصححة للعمل (٣).\nوالعلم ما قام عليه الدليل، والنافع منه ما جاء به الرسول ﷺ، وقد يكون علم من غير الرسول، لكن في أمور دنيوية، مثل: الطب، والحساب، والفلاحة، والتجارة (٤).\nولا يكون الداعية إلى الله حكيمًا إلا بالعلم الشرعي، وإن لم يصحب الداعية من أول قدم يضعه في الطريق إلى آخر قدم ينتهي إليه، فسلوكه على غير طريق، وهو مقطوع عليه طريق الوصول، ومسدود عليه سبيل الهدى والفلاح، وهذا إجماع من العارفين.\n_________\n(١) سورة محمد، الآية ١٩.\n(٢) البخاري مع الفتح، كتاب العلم، باب العلم قبل القول والعمل ١/ ١٥٩.\n(٣) انظر. فتح الباري ١/ ١٦٠، وحاشية ثلاثة الأصول لمحمد بن عبد الوهاب، جمع عبد الرحمن بن قاسم الحنبلي، ص ١٥.\n(٤) فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١٣/ ١٣٦، ٦/ ٣٨٨.","vol":"1","page":44},{"text":"ولا شك أنه لا ينهى عن العلم إلا قُطاع الطريق، ونوَّاب إبليس وشرطه (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>[أقسام العلم الذي تقوم عليه الحكمة]</span>\nوقد قسم الإمام ابن تيمية - ﵀ - العلم النافع - الذي هو أحد دعائم الحكمة وأسسها - إلى ثلاثة أقسام، فقال ﵀: \" والعلم الممدوح الذي دل عليه الكتاب والسنة هو العلم الذي ورثه الأنبياء كما قال النبي ﷺ: «إن الأنبياء لم يورثوا درهمًا ولا دينارًا، وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظٍّ وافِر» (٢).\nوهذا العلم ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: علم بالله، وأسمائه، وصفاته، وما يتبع ذلك، وفي مثله أنزل الله سورة الإخلاص وآية الكرسي ونحوهما.\nالقسم الثاني: علم بما أخبر الله به مما كان من الأمور الماضية، وما يكون من الأمور المستقبلة، وما هو كائن من الأمور الحاضرة، وفي مثل هذا أنزل الله آيات القصص، والوعد، والوعيد، وصفة الجنة والنار، ونحو ذلك.\nالقسم الثالث: العلم بما أمر الله به من العلوم المتعلقة بالقلوب والجوارح من الإيمان بالله من معارف القلوب وأحوالها، وأقوال الجوارح وأعمالها، وهذا يندرج فيه: العلم بأصول الإيمان وقواعد الإسلام، ويندرج فيه العلم بالأقوال والأفعال الظاهرة، ويندرج فيه ما وجد في كتب الفقهاء من العلم بأحكام الأفعال الظاهرة، فإن ذلك جزءٌ من جزءٍ من علم الدين.\n_________\n(١) انظر: مدارج السالكين، للإمام ابن القيم ٢/ ٤٦٤.\n(٢) سنن أبي داود، كتاب العلم، باب الحث على طلب العلم ٣/ ٣١٧، والترمذي، كتاب العلم، باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة ٥/ ٤٩، وابن ماجه في المقدمة، باب فضل العلماء والحث على طلب العلم ١/ ٨٠، وانظر: صحيح ابن ماجه للألباني ١/ ٤٣.","vol":"1","page":45},{"text":"والناس إنما يغلطون في هذه المسائل؛ لأنهم يفهمون مسميات الأسماء الواردة في الكتاب والسنة، ولا يعرفون حقائق الأمور الموجودة، فرُب رجل يحفظ حروف العلم التي أعظمها حفظ حروف القرآن ولا يكون له من الفهم، بل ولا من الإيمان ما يتميز به على من أوتي القرآن ولم يؤت حفظ حروف العلم، كما قال النبي ﷺ: «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترُجة ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة لا ريح لها وطعمها حلو، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب، وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة ليس لها ريح وطعمها مر» (١).\nفقد يكون الرجل حافظا لحروف القرآن وسوره، ولا يكون مؤمنًا، بل يكون منافقًا، فالمؤمن الذي لا يحفظ حروفه وسوره خير منه، وإن كان ذلك المنافق ينتفع به الغير كما ينتفع بالريحان، وأما الذي أُوتي العلم والإيمان، فهو مؤمن حكيمٌ وعليمٌ، فهو أفضل من المؤمن الذي ليس مثله في العلم مثل اشتراكهما في الإيمان، فهذا أصل تجب معرفته (٢).\nوالعلم لا بد فيه من إقرار القلب ومعرفته، بمعنى ما طلب منه علمه، وتمامه أن يعمل بمقتضاه، فإن العلم النافع - الذي هو أعظم أركان الحكمة التي من أُوتيها فقد أُوتيَ خيرًا كثيرًا - هو ما كان مقرونًا بالعمل، أما العلم بلا عمل، فهو حجة على صاحبه يوم القيامة، ولهذا حذر الله المؤمنين\n_________\n(١) البخاري مع الفتح، كتاب الأطعمة، باب ذكر الطعام ٩/ ٥٥٥، ومسلم في صلاة المسافرين، باب فضيلة حافظ القرآن ١/ ٥٤٩.\n(٢) انظر: فتاوى ابن تيمية ١١/ ٣٩٦، ٣٩٧ بتصرف، والفتاوى أيضًا ٧ - ٢٥، وقال ابن تيمية ﵀: \" العلوم خمسة: فعلم هو حياة الدين، وهو علم التوحيد، وعلم هو غذاء الدين، وهو علم التذكر بمعاني القرآن والحديث، وعلم هو لواء الدين، وهو علم الفتوى إذا نزل بالعبد نازلة احتاج إلى من يشفيه منها كما قال ابن مسعود، وعلم هو داء الدين، وهو الكلام المحدث، وعلم هو هلاك الدين، وهو علم السحر ونحوه \". انظر: فتاوى ابن تيمية ١٠/ ١٤٥.","vol":"1","page":46},{"text":"من أن يقولوا ما لا يفعلون، رحمةً بهم، وفضلًا منه وإحسانًا، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ - كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢ - ٣] (١).\nوحذرهم عن كتمان العلم، وأمرهم بتبليغه للبشرية على حسب الطاقة والجهد، وعلى حسب العلم الذي أعطاهم الله - ﷿ - لا يُكلفّ الله نفسا إلا وسعها، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] (٢).\nوهذه الآية، وإن كانت نازلة في أهل الكتاب وما كتموه من شأن الرسول ﷺ وصفاته، فإن حكمها عام لكل من اتصف بكتمان ما أنزل الله من البينات الدالات على الحق، المظهرات له، والعلم الذي تحصل به الهداية إلى الصراط المستقيم، ويتبين به طريق أهل النعيم من طريق أهل الجحيم، ومن نبذ ذلك وجمع بين المفسدتين: كَتْم ما أنزل الله، والغش لعباد الله، لعنه الله، ولعنه جميع الخليقة؛ لسعيهم في غش الخلق وفساد أديانهم، وإبعادهم عن رحمة الله، فجُوزوا من جنس عملهم، كما أن معلم الناس الخير يستغفر له كل شيء حتى الحوت في الماء، والطير في الهواء؛ لسعيه في مصلحة الخلق وإصلاح أديانهم؛ ولأنه قربهم من رحمة الله، فَجوزيَ من جنس عمله (٣).\n_________\n(١) سورة الصف، الآيتان ٢، ٣.\n(٢) سورة البقرة، الآية ١٥٩.\n(٣) انظر: تفسير عبد الرحمن بن ناصر السعدي ١/ ١٨٦، وتفسير البغوي ١/ ١٣٤، وابن كثير ١/ ٢٠٠.","vol":"1","page":47},{"text":"وقد بين ﷺ أن «من سئِل عن علمٍ يَعْلمُه فَكتَمَهُ أُلجِمَ يوم القيامة بلجام من نار» (١).\nفتبين بذلك وغيره أن العلم النافع الذي هو أحد أركان الحكمة لا يكون إلا مع العمل به، ولهذا قال سفيان (٢) في العمل بالعلم والحرص عليه: \" أجهل الناس من ترك ما يعلم، وأعلم الناس من عمل بما يعلم، وأفضل الناس أخشعهم لله \" (٣).\nوقال ﵀: \" يُرادُ للعلم: الحفظ، والعمل، والاستماع، والِإنصات، والنشر \" (٤).\nوقال الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود - ﵁ -: تعلموا، تعلموا فإذا علمتم فاعملوا (٥).\nوقال ﵁: إن الناس أحسنوا القول كلهم، فمن وافق فعله قوله فذلك الذي أصاب حظه، ومن خالف قوله فعله فإنما يوبخ نفسه (٦).\nوقال علي بن أبي طالب - ﵁ -: \" يا حملة العلم اعملوا به، فإنما العالم من علم ثم عمل، ووافق علمه عمله، وسيكون أقوامًا يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم، تخالف سريرتهم علانيتهم، ويخالف عملهم علمهم، يقعدون حلقًا فيباهي بعضهم بعضا، حتى أن الرجل ليغضب\n_________\n(١) الترمذي، في العلم، باب ما جاء في كتمان العلم ٥/ ٢٩، وأبو داود في العلم، باب كراهية منع العلم ٣/ ٣٢١، وابن ماجه في المقدمة، باب من سئل عن علم فكتمه ١/ ٩٨، وأحمد ٢/ ٢٦٣، ٣٠٥، وانظر. صحيح ابن ماجه ١/ ٤٩، وصحيح الترمذي ٢/ ٣٣٦.\n(٢) سفيان بن عيينة بن أبي عمران، الإمام الكبير شيخ الإسلام، ولد سنة ١٠٧هـ، في النصف من شعبان، وعاش (٩١) سنة. انظر: سير أعلام النبلاء ٨/ ٤٥٤ - ٤٧٤.\n(٣) أخرجه الدارمي في سننه، في المقدمة، باب في فضل العلم والعالم ١/ ٨١.\n(٤) المصدر السابق ١/ ٨١.\n(٥) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله ١/ ١٩٥.\n(٦) المرجع السابق ٢/ ٦.","vol":"1","page":48},{"text":"على جليسه أن يجلس إلى غيره ويدعه، أولئك لا تصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلى الله - ﷿ - \" (١).\nوقال أبو الدرداء - ﵁ -: لا تكون تقيا حتى تكون عالمًا، ولا تكون بالعلم جميلًا حتى تكون به عاملًا (٢).\nولهذا قال الشاعر:\nإذا العلم لم تعمل به كان حجةً ... عليك ولم تعذر بما أنت جاهله\nفإن كنت قد أوتيت علمًا فإنما ... يصدق قولَ المرء ما هو فاعله (٣)\nوبهذا يتضح أن العلم لا يكون من دعائم الحكمة إلا باقترانه بالعمل، وقد كان علم السلف الصالح - وعلى رأسهم أصحاب النبي ﷺ - مقرونًا بالعمل، ولهذا كانت أقوالهم، وأفعالهم، وسائر تصرفاتهم تزخر بالحكمة، ولهذا قال ﷺ: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا فسُلِّطَ على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها» (٤).\nوقد دعا النبي ﷺ لعبد الله بن عباس - ﵄ - بالحكمة، والفقه في الدين، فقال ﷺ: «اللهم علمه الحكمة»، وفي لفظ: «اللهم علمه الكتاب» وفي لفظ: «اللهم فقهه في الدين» (٥).\n_________\n(١) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله ٢/ ٧.\n(٢) المرجع السابق ٢/ ٧.\n(٣) المرجع السابق ٢/ ٧.\n(٤) البخاري مع الفتح، كتاب العلم، باب الاغتباط في العلم والحكمة ١/ ١٦٥، ومسلم، في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه وفضل من تعلم حكمة من فقه أو غيره فعمل بها وعلمها ١/ ٥٥٨.\n(٥) البخاري مع الفتح، في كتاب فضائل الصحابة، باب ذكر ابن عباس - ﵄ - ٧، ١٣/ ٢٤٥، ١/ ١٦٩، ١/ ٢٤٤، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل ابن عباس ﵄ ٤/ ١٩٢٧.","vol":"1","page":49},{"text":"فكان - ﵄ - حبرًا للأمة في علم الكتاب والسنة والعمل بهما استجابة لدعوة النبي ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>أسباب وطرق تحصيل العلم:</span>\nوالعلم النافع له أسباب ينال بها، وطرق تُسلك في تحصيله وحفظه، من أهمها:\n١ - أن يسأل العبد ربه العلم النافع، ويستعين به تعالى، ويفتقر إليه، وقد أمر الله نبيه محمدًا ﷺ بسؤاله أن يزيده علمًا إلى علمه (١) فقال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] (٢) وقد كان ﷺ يقول: «اللهم انفعني بما علمتني، وعلمني ما ينفعني، وزدني علمًا» (٣).\n٢ - ومنها: الاجتهاد في طلب العلم، والشوق إليه، والرغبة الصادقة فيه ابتغاء مرضاة الله تعالى، وبذل جميع الأسباب في طلب علم الكتاب والسنة (٤).\nوقد جاء رجل إلى أبي هريرة - ﵁ - فقال: إني أريد أن أتعلم العلم وأخاف أن أضيعه، فقال أبو هريرة - ﵁ -: \" كفى بتركك له تضييعا \" (٥).\nولهذا قال بعض الحكماء عندما سُئلَ: ما السبب الذي ينال به العلمِ؟ قال: بالحرص عليه يتبع، وبالحب له يستمع، وبالفراغ له يجتمع، [عَلم\n_________\n(١) انظر: تفسير الإمام البغوي٣/ ٢٣٣، وتفسير العلامة السعدي ٥/ ١٩٤.\n(٢) سورة طه، الآية ١١٤.\n(٣) الترمذي، في الدعوات، باب في العفو والعافية ٥/ ٥٧٨، وابن ماجه، في العلم، باب الانتفاع بالعلم والعمل به ١/ ٩٢، وانظر: صحيح ابن ماجه ١/ ٤٧.\n(٤) انظر: تفسير السعدي ٥/ ١٩٤.\n(٥) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر١/ ١٠٤.","vol":"1","page":50},{"text":"علمك من يجهل، وتعلم ممن يعلم، فإنك إن فعلت ذلك علمت ما جهلت، وحفظت ما علمت] (١).\nولهذا قال الِإمام الشافعي ﵀:\nأخي لن تنال العلم إلا بستةٍ ... سأنبئك عن تفصيلها ببيان\nذكاءٌ، وحرصٌ، واجتهاد، وبلغة ... وصحبةُ أستاذٍ وطول زمان (٢)\n٣ - ومنها: اجتناب جميع المعاصي بتقوى الله - تعالى -؛ فإن ذلك من أعظم الوسائل إلى حصول العلم، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢] (٣) وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩] (٤).\nوهذا واضح بين أن من اتقى الله جعل له علمًا يُفَرِّقُ به بين الحق والباطل (٥) ولهذا قال عبد الله بن مسعود - ﵁ -: \" إني لأحسب أن الرجل ينسى العلم قد عَلِمَه بالذنب يعمله \" (٦).\nوقال عمر بن عبد العزيز - ﵀ -: \" خمسٌ إذا أخطأ القاضي منهن خطةً (٧) كانت فيه وصمةً (٨) أن يكون: فهمًا، حليمًا، عفيفًا، صليبًا (٩) عالما سئولًا عن العلم \" (١٠).\n_________\n(١) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر، ١/ ١٠٢، ١٠٣.\n(٢) ديوان الشافعي ص١١٦.\n(٣) سورة البقرة، الآية ٢٨٢.\n(٤) سورة الأنفال، الآية ٢٩.\n(٥) انظر: تفسير ابن كثير ١/ ٣٣٨، وتفسير السعدي ١/ ٣٤٩.\n(٦) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر١/ ١٩٦.\n(٧) خطة: أي خصلة. انظر. فتح الباري١٣/ ١٤٦.\n(٨) وصمة: عيبًا. انظر: فتح الباري ١٣/ ١٤٦.\n(٩) قويا شديدًا، يقف عند الحق ولا يميل مع الهوى. انظر: فتح الباري ١٣/ ١٤٦.\n(١٠) البخاري مع الفتح، كتاب الأحكام، باب متى يستوجب الرجل القضاء١٣/ ١٤٦.","vol":"1","page":51},{"text":"وقال الِإمام الشافعي رحمه الله تعالى:\nشكوت إلى وكيع (١) سوء حفظي ... فأرشدني إلى ترك المعاصي\nوأخبرني بأن علم الله نور ... ونور الله لا يُهدى لعاصي (٢)\nوقال الإمام مالك للإمام الشافعي - رحمهما الله تعالى -: \" إني أرى الله قد جعل في قلبك نورًا فلا تطفئه بظلمة المعصية \" (٣).\n٤ - ومنها: عدم الكبر والحياء عن طلب العلم، ولهذا قالت عائشة - ﵂ -: «نِعْم النساء نساء الأنصار، لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين» (٤).\nوقالت أم سُليم - ﵂ -: «يا رسول الله، إن الله لا يسْتَحْيى من الحق، فهل على المرأة من غُسلٍ إذا احتلمت؛ قال النبي ﷺ: \" إذا رأت الماء» (٥).\nوقال مجاهد: \" لا يتعلم العلم مستحي ولا مستكبر \" (٦).\n٥ - ومنها، بل أعظمها ولُبُّها: الإخلاص في طلب العلم، قال ﷺ: «من تعلم علمًا مما يبتغى به وجه الله - ﷿ -، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرَفْ الجنة يوم القيامة» (٧) يعني ريحها.\n_________\n(١) وكيع بن الجراح بن مليح، الإمام، الحافظ، محدث العراق، ولد سنة ١٢٩هـ، ومات سنة ١٩٦ هـ. انظر. سير أعلام النبلاء للذهبي ٩/ ١٤٠، وتهذيب التهذيب ١١/ ١٠٩.\n(٢) ديوان الشافعي، ص٨٨، وانظر: الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي لابن القيم، ص ١٠٤.\n(٣) الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي لابن القيم ص ١٠٤.\n(٤) البخاري مع الفتح، كتاب العلم، باب الحياء في العلم ١/ ٢٢٨.\n(٥) المرجع السابق ١/ ٢٢٨.\n(٦) البخاري مع الفتح، كتاب العلم، باب الحياء في العلم ١/ ٢٢٨.\n(٧) أبو داود بلفظه في العلم، باب في طلب العلم لغير الله ٣/ ٣٢٣، وابن ماجه في المقدمة، باب الانتفاع بالعلم ١/ ٩٣، وانظر: صحيح ابن ماجه ١/ ٤٨.","vol":"1","page":52},{"text":"٦ - العمل بالعلم (١).\nومما تقدم يتضح أن العلم لا يكون ركنًا من أركان الحكمة ودعائمها إلا بالعمل، والإخلاص، والمتابعة.\n_________\n(١) انظر: ص ٤٨، من هذا البحث.","vol":"1","page":53},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>المطلب الثاني الحلم</span>\nالحِلمُ: بالكسر: العقل (١) وحلم حلمًا: تأنَّى وسكن عند غضب أو مكروه مع قدرة، وقوة، وصفح، وعقل (٢) ومن أسماء الله - تعالى -: (الحليم) وهو الذي لا يستخفه شيء من عصيان العباد، ولا يستفزه الغضب عليهم، ولكنه جعل لكل شيء مقدارًا فهو منته إليه (٣).\nوالحلم: ضبط النفس والطبع عن هيجان الغضب (٤).\nوالحلم: هو حالة متوسطة بين رذيلتين: الغضب، والبلادة. فإذا استجاب المرء لغضبه بلا تعقل ولا تبصر كان على رذيلة، وإن تبلد، وضيع حقه ورضي بالهضم والظلم كان على رذيلة، وإن تحلى بالحلم مع القدرة، وكان حلمه مع من يستحقه كان على فضيلة.\nوهناك ارتباط بين الحلم وكظم الغيظ، وهو أن ابتداء التخلق بفضيلة الحلم يكون بالتحلم: وهو كظم الغيظ، وهذا يحتاج إلى مجاهدة شديدة، لما في كظم الغيظ من كتمان ومقاومة واحتمال، فإذا أصبح ذلك هيئة راسخة في النفس، وأصبح طبعًا من طبائعها كان ذلك هو الحلم، والله أعلم (٥).\nوقد وصف الله نفسه بصفة الحلم في عدة مواضع من القرآن الكريم، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٥٥] (٦).\nونلاحظ أن الآيات التي وصفت الله بصفة الحلم قد قرنت صفة الحلم\n_________\n(١) القاموس المحيط، باب الميم، فصل الحاء، ص ١٤١٦.\n(٢) المعجم الوسيط، مادة: حلم ١/ ١٩٤.\n(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، حرف الحاء مع اللام ١/ ٤٣٤.\n(٤) المفردات في غريب القرآن، للراغب الأصفهاني، مادة حلم، ص ١٢٩.\n(٥) انظر: مفردات غريب القرآن، ص ١٢٩، وأخلاق القرآن للشرباصي ١/ ١٨٢، والأخلاق الإسلامية لعبد الرحمن الميداني ٢/ ٣٢٦.\n(٦) سورة آل عمران، الآية ١٥٥.","vol":"1","page":54},{"text":"- في أغلب هذه الآيات - بصفة المغفرة أو العفو، ويأتي هذا الاقتران في الغالب بعد إشارة سابقة إلى خطأ واقع، أو تفريط في أمر محمود، وهذا أمر يتفق مع الحلم؛ لأنه تأخير عقوبة، قال سبحانه: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [فاطر: ٤٥] (١).\nونجد أيضًا أن عددًا من الآيات التي وصفت الله بالحلم قد قرن فيها ذكر الحلم بالعلم، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [الحج: ٥٩] (٢) وهذا يفيد - والله أعلم بمراده - أن كمال الحلم يكون مع كمال العلم، وهذا من أعظم أركان الحكمة (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>[الحلم من أعظم أركان الحكمة]</span>\nومما يؤكد أن الحلم من أعظم أركان الحكمة - التي ينبغي للداعية أن يدعو بها إلى الله - تعالى - مدح النبي ﷺ للحلم، وتعظيمه لأمره، وأنه من الخصال التي يحبها الله - ﷿ -، قال ﷺ للأشج: (٤) «إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة» (٥).\nوفي رواية «قال الأشج: يا رسول الله، أنا تخلقت بهما أم الله جبلني عليهما؟ قال: \" بل الله جبلك عليهما \"، قال: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله ورسوله» (٦).\nوسبب قول النبي ﷺ ذلك للأشج ما جاء في حديث الوفد أنهم لما\n_________\n(١) سورة فاطر، الآية ٤٥.\n(٢) سورة الحج، الآية ٥٩.\n(٣) انظر: أخلاق القرآن للشرباصي ١/ ١٨٥.\n(٤) المنذر بن عائذ بن المنذر العصري، أشج عبد القيس، كان سيد قومه، رجع بعد إسلامه إلى البحرين مع قومه، ثم نزل البصرة بعد ذلك ومات بها ﵁. انظر: تهذيب التهذيب ١٠/ ٢٦٧.\n(٥) مسلم، في كتاب الإيمان، باب الأمر بالإيمان بالله - تعالى - ورسوله ١/ ٤٨.\n(٦) أبو داود، في الأدب، باب في قبلة الجسد ٤/ ٣٥٧، وأحمد ٤، ٣.","vol":"1","page":55},{"text":"وصلوا المدينة بادروا إلى النبي ﷺ. وأقام الأشج عند رحالهم، فجمعها، وعقل ناقته، ولبس أحسن ثيابه، ثم أقبل إلى النبي ﷺ فقربه النبي ﷺ وأجلسه إلى جانبه، ثم قال لهم النبي ﷺ: «تبايعونِ على أنفسكم وقومكم؟ \" فقال القوم: نعم، فقال الأشج: يا رسول الله، إنك لم تزاول الرجل على شيء أشد عليه من دينه، نبايعك على أنفسنا، ونرسل من يدعوهم، فمن اتبعنا كان منا، ومن أبى قاتلناه، قال: \" صدقت، إن فيك خصلتين. . .». الحديث.\nفالأناة: تربصه حتى نظر في مصالحه، ولم يعجل، والحلم؛ هذا القول الذي قاله، الدال على صحة عقله، وجودة نظره للعواقب (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>[الحلم خلق عظيم من أخلاق النبوة والرسالة]</span>\nومما يؤكد أن الحلم من أعظم أركان الحكمة ودعائمها العظام أنه خلق عظيم من أخلاق النبوة والرسالة، فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام هم عظماء البشر، وقدوة أتباعهم من الدعاة إلى الله والصالحين في الأخلاق المحمودة كافة.\nوقد واجه كل واحد منهم من قومه ما يثير الغضب، ويغضب منه عظماء الرجال، ولكن حلموا عليهم، ورفقوا بهم، ولانوا لهم حتى جاءهم نصر الله المؤزر، وعلى رأسهم إمامهم، وسيدهم، وخاتمهم محمد ﷺ ولم يكن غريبًا أن يوجهه الله تعالى إلى قمة هذه السيادة حين يقول له: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ - وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٩٩ - ٢٠٠] (٢). ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤] (٣)\n_________\n(١) شرح النووي على مسلم ١/ ١٨٩، وتحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي ٦/ ١٥٢.\n(٢) سورة الأعراف، الآيتان ١٩٩، ٢٠٠.\n(٣) سورة فصلت، الآية ٣٤.","vol":"1","page":56},{"text":"﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>[صورة حسية من حلم النبي ﷺ]</span>\nوقد بلغ ﷺ في حلمه، وعفوه في دعوته إلى الله - تعالى - الغاية المثالية، والدلائل على ذلك كثيرة جدًّا، منها على سبيل المثال لا الحصر ما يلي:\n١ - عن ابن مسعود - ﵁ - قال: «لما كان يوم حنين آثر النبي ﷺ أُناسًا في القسمة، فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى عيينة مثل ذلك، وأعطى أناسًا من أشراف العرب فآثرهم يومئذ في القسمة، قال رجل: والله إن هذه القسمة ما عُدِلَ فيها، وما أُريدَ بها وجه الله، فقلت: والله لأخبرن النبي ﷺ. فأتيته فأخبرته، فقال: \" فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله؟ ! رحم الله موسى فقد أوذي بأكثر من هذا فصبر» (٢).\nوهذا من أعظم مظاهر الحلم في الدعوة إلى الله - تعالى - وقد اقتضت حكمة النبي ﷺ أن يقسم تلك الغنائم بين هؤلاء المؤلفة قلوبهم، ويوكل من قلبه ممتلئ بالإيمان إلى إيمانه (٣).\n٢ - وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال «بعث علي بن أبي طالب - ﵁ - إلى رسول الله ﷺ من اليمن بذهيبة (٤) في أديم مقروظ (٥) لم تحصل من ترابها، قال: فقسمها بين أربعة نفر: بين عيينة بن\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآية ١٥٩.\n(٢) البخاري مع الفتح بلفظه، كتاب فرض الخمس، باب ما كان النبي ﷺ يعطي المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخمس ٦/ ٢٥١، ومسلم، كتاب الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام وتصبر من قوي إيمانه ٢/ ٧٣٩.\n(٣) انظر: فتح الباري، شرح صحيح البخاري ٨/ ٤٩.\n(٤) أي: ذهب. انظر: فتح الباري ٨/ ٦٨.\n(٥) مدبوغ بالقرظ. انظر: فتح الباري ٨/ ٦٨.","vol":"1","page":57},{"text":"بدر (١) وأقرع بن حابس، وزيد الخيل (٢) والرابع إما علقمة (٣) وإما عامر بن الطفيل، فقال رجل من أصحابه: كنا نحن أحق بهذا من هؤلاء، قال: فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: \" ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحًا ومساء؟ \" قال: فقام رجل غائر العينين، مشرف الوجنتين، ناشز الجبهة، كث اللحية، محلوق الرأس، مشمر الإزار، فقال: يا رسول الله! اتق الله، قال: \" ويلك، أو لست أحقُّ أهل الأرض أن يتقي الله؟ \" قال: ثم ولى الرجل، قال خالد بن الوليد: يا رسول الله! ألا أضرب عنقه؟ قال: \" لا، لعله أن يكون يصلي \" فقال خالد: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه! قال رسول الله ﷺ: \" إني لم أومر أن أنقب قلوب الناس ولا أشق بطونهم \". قال: ثم نظر إليه وهو مُقفٍ، فقال: \" إنه يخرج من ضئضىء هذا قوم يتلون كتاب الله رطبًا لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد» (٤).\nوهذا من مظاهر حلم النبي ﷺ، فقد أخذ بالظاهر ولم يؤمر أن ينقب قلوب الناس، ولا أن يشق بطونهم، والرجل قد استحق القتل واستوجبه؛ ولكن النبي ﷺ لم يقتله، لئلا يتحدث الناس أنه يقتل أصحابه ولا سيما من صلى (٥). .\n_________\n(١) وهو عيينة بن حصن بن حذيفة، نسب لجده الأعلى. الفتح ٨/ ٦٨.\n(٢) زيد الخيل بن مهلهل الطائي، وسماه النبي ﷺ زيد الخير، بالراء بدل اللام. انظر. فتح الباري ٨/ ٦٨.\n(٣) ابن علاثة العامري، أسلم وحسن إسلامه، واستعمله عمر على حوران، فمات بها في خلافته. انظر: فتح الباري ٨/ ٦٨.\n(٤) البخاري، مع الفتح، كتاب المغازي، باب بعث علي بن أبي طالب، وخالد بن الوليد - ﵄ - إلى اليمن ٨/ ٦٧، ومسلم في كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم ٢/ ٧٤١.\n(٥) انظر: فتح الباري شرح صحيح البخاري ٨/ ٦٩.","vol":"1","page":58},{"text":"٣ - عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: «كنت أمشي مع النبي ﷺ وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة حتى نظرت صفحة عاتق النبي ﷺ قد أثرت به حاشية الرداء من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد، مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه رسول الله ﷺ فضحك، ثم أمر له بعطاء» (١). .\nوهذا من روائع حلمه ﷺ وكماله، وحسن خلقه، وصفحه الجميل، وصبره على الأذى في النفس، والمال، والتجاوز على جفاء من يريد تألفه على الإسلام؛ وليتأسى به الدعاة إلى الله، والولاة بعده في حلمه، وخلقه الجميل من الصفح، والإغضاء، والعفو، والدفع بالتي هي أحسن (٢). .\n٤ - «وعن جابر بن عبد الله - ﵄ - أنه غزا مع رسول اللهّ ﷺ قبل نجد، فلما قفل رسول الله ﷺ قفل معه، فأدركتهم القائلة في وادٍ كثير العضاه، فنزل رسول اللهّ ﷺ تحت شجرة، وعلق بها سيفه، ونمنا نومةً، فإذا رسول الله ﷺ يدعونا، وإذا عنده أعرابي، فقال: \" إن هذا اخترط عليَّ سيفي وأنا نائم، فاستيقظت وهو في يده صلتًا، فقال: من يمنعك مني؟ فقلت: الله (ثلاثًا) ولم يعاقبه، وجلس» (٣). .\nوفي هذا دلالة واضحة على قوة يقينه، وصبره على الأذى، وحلمه على الجهال، وشدة رغبته في استئلاف الكفار؛ ليدخلوا في الإسلام، ولهذا ذُكِرَ أن هذا الأعرابي رجع إلى قومه وأسلم، واهتدى به خلق كثير (٤). .\n_________\n(١) البخاري مع الفتح، كتاب فرض الخمس، باب ما كان النبي ﷺ يعطي المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخمس ونحوه ٦/ ٢٥١: ومسلم، كتاب الزكاة: باب إعطاء من سأل بفحش وغلظة ٢/ ٧٣٠.\n(٢) انظر: فتح الباري ١٠/ ٥٠٦، وشرح النووي على مسلم ٧/ ١٤٦، ١٤٧.\n(٣) البخاري مع الفتح، كتاب الجهاد، باب من علق سيفه بالشجر بالسفر عند القائلة ٦/ ٩٦، ومسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة الخوف ١/ ٥٧٦، ٤/ ١٧٨٦.\n(٤) انظر: فتح الباري ٧/ ٤٢٧، ٤٢٨.","vol":"1","page":59},{"text":"وهذا مما يؤكد أن الحلم من أعظم أركان الحكمة ودعائمها.\n٥ - ومن عظيم حلمه عدم دعائه على من آذاه من قومه، وقد كان باستطاعته أن يدعو عليهم، فيهلكهم الله، ويدمرهم، ولكنه ﷺ حليم حكيم يهدف إلى الغاية العظمى، وهي رجاء إسلامهم، أو إسلام ذرياتهم، ولهذا «قال عبد الله بن مسعود - ﵁ -: كأني أنظر إلى رسول الله ﷺ يحكي نبيًّا من الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم، ضربه قومه فأدْمَوْهُ وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: \" اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» (١). .\nومما يدل على أن الحلم ركن من أركان الحكمة ملازمة صفة الحلم للأنبياء قبل النبي ﷺ في دعوتهم إلى الله تعالى.\nفهذا إبراهيم أبو الأنبياء، عليه وعليهم الصلاة والسلام، قد بلغ من الحلم مبلغًا عظيمًا حتى وصفه الله بقوله: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤] (٢). فقد كان إبراهيم كثير الدعاء، حليمًا عمن ظلمه، وأناله مكروهًا، ولهذا استغفر لأبيه مع شدة أذاه له في قوله: ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا - قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا - وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤٦ - ٤٨] (٣). .\n_________\n(١) البخاري مع الفتح، كتاب أحاديث الأنبياء، باب حدثنا أبو اليمان ٦/ ٥١٤، ومسلم، في كتاب الجهاد والسير، باب غزوة أحد ٣/ ١٤١٧.\n(٢) سورة التوبة، ١١٤.\n(٣) سورة مريم، ٤٦ - ٤٨.","vol":"1","page":60},{"text":"فحلم عنه مع أذاه له، ودعا له، واستغفر (١). ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤] (٢). .\nوهكذا جميع الأنبياء والمرسلين، كانوا من أعظم الناس حلمًا مع أقوامهم في دعوتهم إلى الله - تعالى - (٣). .\nومن وراء الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، يأتي الدعاة إلى الله والصالحون من أتباعهم، وإذا كان الله ﷿ قد جعل محمدًا ﷺ مثلًا عاليًا في الحلم، فقد أراد لأتباعه أن يسيروا على نهجه وسنته، ولذلك يقول - تعالى - عن الأخيار من هؤلاء. ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] (٤). .\nفمن صفاتهم أنهم أصحاب حلم، فإذا سفه عليهم الجهال بالقول السيئ لم يقابلوهم عليه بمثله، بل يعفون ويصفحون، ولا يقولون إلا خيرًا، كما كان رسول الله ﷺ لا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلمًا (٥). .\nفعن النعمان بن مقرن المزني، قال: «قال رسول الله ﷺ وسبّ رجل رجلًا عنده، فجعل المسبُوبُ يقول: عليك السلام، فقال رسول الله ﷺ: \" أما إن ملكًا بينكما يذب عنك كلما يشتمك هذا، قال له: بل أنت وأنت أحق به، وإذا قال له: عليك السلام، قال. بل لك، أنت أحق به» (٦). .\nفهؤلاء الدعاة إلى الله والصالحون إذا خاطبهم الجاهلون قالوا صوابًا\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن كثير ٢/ ٣٩٦، والبغوي ٢/ ٣٣٢، والأخلاق الإسلامية للميداني ٢/ ٣٣٢.\n(٢) سورة التوبة، الآية ١١٤.\n(٣) انظر: تفسير ابن كثير ٢/ ١١٤، وموسوعة أخلاق القرآن للشرباصي ١/ ١٨٥.\n(٤) سورة الفرقان، الآية ٦٣.\n(٥) انظر: البداية والنهاية لابن كثير ٢/ ٣١٠، والإصابة في تمييز الصحابة ١/ ٥٥٦، ومجمع الزوائد ٨/ ٢٤٠.\n(٦) رواه الإمام أحمد في المسند ٥/ ٤٤٥، وقال ابن كثير في تفسيره: إسناده حسن ٣/ ٣٢٦.","vol":"1","page":61},{"text":"وسدادًا، ويردون المعروف من القول على من جهل عليهم (١)؛ لأن من أخلاقهم العفو والصفح عمن أساء إليهم، فقد تخلقوا بمكارم الأخلاق، ومحاسن الشيم، فصار الحلم لهم سجية، وحسن الخلق لهم طبيعةً، حتى إذا أغضبهم أحد بمقاله أو فعاله كظموا ذلك الغضب فلم ينفذوه.\n﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٧] (٢) فترتب على هذا الحلم، والعفو، والصفح من المصالح ودفع المفاسد في أنفسهم وغيرهم شيء كثير (٣) كما قال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤] (٤).\nومما يبين حلم أصحاب النبي ﷺ من بعده وإن كانوا خلفاء وأمراء، ما رواه البخاري عن ابن عباس - ﵄ - قال: قدم عيينة بن حصن ابن حذيفة فنزل على أخيه الحر بن قيس، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر، وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته كهولًا كانوا أو شبانا، فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي، لك وجه عند هذا الأمير، فاستأذن لي عليه، قال: سأستأذن لك عليه، قال ابن عباس: فاستأذن الحر لعيينة فأذن له عمر، فلما دخل عليه قال: هي يا ابن الخطاب، فو الله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر حتى هم به، فقال له الحر. يا أمير المؤمنين، إن الله - تعالى - قال لنبيه ﷺ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] (٥) وإن هذا من الجاهلين، والله ما جاوزَها عمر حين تلاها عَليه، وكان وقَّافا عند كتاب الله (٦).\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن كثير ٣/ ٣٢٦.\n(٢) سورة الشورى، الآية ٣٧.\n(٣) انظر: تفسير ابن كثير ٤/ ١١٨، وتفسير العلامة السعدي ٦/ ٦٢١.\n(٤) سورة فصلت، الآية ٣٤.\n(٥) سورة الأعراف، الآية ١٩٩.\n(٦) البخاري مع الفتح، كتاب التفسير، سورة الأعراف، باب: \" خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين \"، ٨/ ٣٠٤.","vol":"1","page":62},{"text":"وهذا الرجل قد جفا عمر أمير المؤمنين بعدة أمور تثير الغضب، وتجعله عرضة للانتقام والتأديب.\nأول هذه الأمور، قوله: هي يا ابن الخطاب، ولم يقل: يا أمير المؤمنين.\nوالثاني: قوله: والله ما تعطينا الجزل، يعني العطاء الكثير.\nوالثالث: وهو أقبح الأمور الثلاثة، قوله: ولا تحكم بيننا بالعدل.\nومع هذا كله حلم عنه عمر وعفا عنه، وصفح عندما سمع الآية، وسمع قول الحر: إن هذا من الجاهلين، ووقف عند الآية، ولم يعمل بغير ما دلت عليه، بل عمل بمقتضاها، ﵁ وأرضاه (١) وهذا يدل على كمال حلمه وحكمته التي استفادها من هدي رسول الله ﷺ فرسخت في ذهنه حتى كانت هيئة راسخة ثابتة في نفسه وخلقه.\nوهذا يحتاج في بداية الأمر إلى جهاد وقوة، ولهذا قال ﷺ: «ليس الشديد بالصُّرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» (٢).\nولا شك أن الغضب يهدم الحلم وينافيه، وصاحب الغضب لا يكون حليمًا، ولهذا قال ﷺ لمن قال أوصني: «لا تغضب» (٣).\nوالداعية إلى الله يستطيع أن يتصف بالحلم، ليكون حكيمًا، وذلك بعلاج الغضب إذا حل به ونزل، ولا يكون العلاج النافع إلا بما شرعه الله. وبينه رسوله ﷺ، فقد عمل على تربية المسلمين تربية قولية وفعلية عملية حتى يكونوا حلماء، حكماء.\n_________\n(١) انظر: فتح الباري شرح صحيح البخاري ١٣/ ٢٥٩، ٨/ ٣٠٥، ١٣/ ٢٥٠.\n(٢) البخاري مع الفتح، كتاب الأدب، باب الحذر من الغضب ١٠/ ٥١٨، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب فضل من يملك نفسه عند الغضب وبأي شئ يذهب الغضب ٤/ ٢٠١٤.\n(٣) البخاري مع الفتح، كتاب الأدب، باب الحذر من الغضب ١٠/ ٥١٨، والحديث فيه: فردد مرارا، قال: \" لا تغضب \".","vol":"1","page":63},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>[علاج الغضب بالأسباب المشروعة]</span>\nعلاج الغضب: وعلاج الغضب بالأدوية المشروعة يكون بطريقين:\nالطريق الأول: الوقاية: ومعلوم أن الوقاية خير من العلاج، وتحصل الوقاية من الغضب قبل وقوعه باجتناب أسبابه، واستئصالها قبل وقوعها، ومن هذه الأسباب التي ينبغي لكل مسلم أن يطهر نفسه منها: الكبر، والإعجاب بالنفس، والافتخار، والتيه، والحرص المذموم، والمزاح في غير مناسبة، أو الهزل وما شابه ذلك (١).\nالطريق الثاني: العلاج إذا وقع الغضب: وينحصر في أربعة أنواع كالتالي:\nالنوع الأول: الاستعاذة بالله من الشيطان، قال الله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠] (٢). وعن سليمان ابن صُردٍ - ﵁ - قال: «استَبَّ رجلان عند النبي ﷺ ونحن عنده جلوس وأحدهما يسبّ صاحبه مغضبًا قد احمر وجهه، فقال النبي ﷺ: إني لأعلمُ كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد. لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» (٣).\nولما كان الشيطان على نوعين: نوع يُرى عيانًا، وهو شيطان الإنس، ونوع لا يُرى، وهو شيطان الجن، جعل الله سبحانه المخرج من شر شيطان الإنس بالإعراض عنه، والعفو، والدفع بالتي هي أحسن، ومن شر\n_________\n(١) انظر: الدعائم الخلقية والقوانين الشرعية، للدكتور صبحي محمصاني، ص٢٢٧.\n(٢) سورة الأعراف، الآية ٢٠٠، وانظر: سورة المؤمنون، الآية ٩٧، وسورة فصلت، الآية ٣٦.\n(٣) البخاري مع الفتح، كتاب الأدب، باب الحذر من الغضب ١٠/ ٥١٨، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب فضل من يملك نفسه عند الغضب وبأي شيء يذهب الغضب٤/ ٢٠١٥.","vol":"1","page":64},{"text":"شيطان الجن بالاستعاذة بالله منه (١) وما أحسن ما قاله القائل:\nفما هو إلا الاستعاذة ضارعًا ... أو الدفع بالحسنى هما خير مطلوب\nفهذا دواء الداء من شر ما يُرى ... وذاك دواءُ الداء من شر محجوب (٢)\nالنوع الثاني: الوضوء، عن عطية السعدي - ﵁ - قال: «قال رسول الله ﷺ: \" إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خُلِقَ من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ» (٣).\nالنوع الثالث: تغيير الحالة التي عليها الغضبان، بالجلوس، أو الخروج، أو غير ذلك، عن أبي ذر - ﵁ - قال: إن رسول اللهّ ﷺ قال لنا: «إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلّا فليضطجع» (٤).\nالنوع الرابع: استحضار ما ورد في فضل كظم الغيظ من الثواب، وما ورد في عاقبة الغضب من الخذلان العاجل والآجل، عن معاذ - ﵁ - أن رسول الله ﷺ قال: «من كظم غيظًا وهو قادرٌ على أن ينفذه دعاه الله - ﷿ - على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره الله من الحور ما شاء» (٥).\n_________\n(١) انظر: سورة الأعراف، الآية ٢٠٠، وسورة المؤمنون، الآية ٩٧، وسورة فصلت، الآية ٣٦.\n(٢) انظر: زاد المعاد ٢/ ٤٦٢ - ٤٦٣ بتصرف يسير. وأضواء البيان ٢/ ٣٤١ - ٣٤٢.\n(٣) سنن أبي داود، كتاب الأدب، باب ما يقال عند الغضب ٤/ ٢٤٩، قال الشيخ عبد العزيز ابن باز: وإسناده جيد، وانظر: تهذيب السنن ٧/ ١٦٥ - ١٦٨، وعون المعبود ١٣/ ١٤١.\n(٤) أخرجه أحمد في مسنده ٥/ ١٥٢، وأبو داود في الأدب، باب ما يقال عند الغضب ٤/ ٢٤٩، وابن حبان ص٤٨٤ (موارد)، وشرح السنة للبغوي ١٣/ ١٦٢، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد وقال: رجال أحمد رجال الصحيح ٨/ ٧٠، وانظر صحيح سنن أبي داود ٣/ ٩٠٨.\n(٥) سنن أبي داود في الأدب، باب من كظم غيظا ٤/ ٢٤٨، والترمذي، كتاب صفة القيامة، باب حدثنا عبد بن حميد ٤/ ٦٥٦، وابن ماجه في كتاب الزهد، باب الحلم ٢/ ١٤٠٠، وانظر: صحيح الترمذي ٢/ ٣٠٥، وصحيح ابن ماجه ٢/ ٤٠٧، وصحيح الجامع ٥/ ٣٥٣، وصحيح أبي داود ٣/ ٩٠٧.","vol":"1","page":65},{"text":"وهذه الأنواع أدلة ثبوتها واضحة من الكتاب والسنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>[الأسباب التي تدعو إلى الحلم]</span>\nوإذا أراد الداعية أن يزداد حلمه، وتعظم حكمته، فليحرص على الأسباب التي تدعو إلى الحلم، فليعمل بها، وهي عشرة:\n١ - الرحمة بالجهال، فإنها من أوكد أسباب الحلم.\n٢ - القدرة على الانتصار؛ وذلك من سعة الصدر، وحسن الثقة.\n٣ - الترفع عن السباب، وذلك من شرف النفس وعلو الهمة.\n٤ - الاستهانة بالمسيء:\nإذا نطق السفيه فلا تجبه ... فخير من إجابته السكوت\n٥ - الاستحياء من جزاء الجواب، وهذا من صيانة النفس وكمال المروءة.\n٦ - التفضل على السّاب، وهذا من الكرم وحب التألف.\n٧ - قطع السباب، وهذا من الحزم كما قال الشاعر:\nوفي الحلم ردع للسفيه عن الأذى ... وفي الخرق إغراء فلا تك أخرقا\n٨ - الخوف من العقوبة على الجواب، وهذا مما يقتضيه الحزم، فقد قيل: الحلم حجاب الآفات.\n٩ - الرعاية ليد سالفة، وحرمة لازمة، وهذا من الوفاء وحسن العهد، قال الشاعر:\nإن الوفاء على الكريم فريضة ... واللؤم مقرون بذي الإخلاف\n١٠ - المكر وتوقع الفرص الخفية، وهذا من الدهاء، وقد قيل: من ظهر غضبه قل كيده.\nوقال بعض الشعراء.\nولَلْكفُ عن شتم اللئيم تكرما ... أضر له من شتمه حين يشتم (١)\n_________\n(١) انظر: أدب الدنيا والدين لأبي الحسن الماوردي، المتوفى سنة ٤٥٠هـ، ص ٢١٤.","vol":"1","page":66},{"text":"فإذا راعى الداعية الوقاية من الغضب، والعلاج، وهذه الأسباب العشرة كان حليمًا بإذن الله - تعالى - وبهذا يحقق ركنًا من أركان الحكمة التي من أوتيها فقد أُوتي خيرًا كثيرًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>[الغضب لإعلاء كلمة الله]</span>\nوينبغي أن يعلم أن الغضب لله يكون محمودًا، ولا يدخل في الغضب المذموم، فالغضب المحمود يكون من أجل الله عندما ترتكب حرمات الله، أو تترك أوامره ويستهان بها، وهذا من علامات قوة الإيمان، ولكن بشرط أن لا يخرج هذا الغضب عن حدود الحلم والحكمة، وقد كان رسول الله ﷺ يغضب لله إذا انتهكت محارمه، وكان لا ينتقم لنفسه، ولكن إذا انتهكت حرمات الله لم يقم لغضبه شيء، ولم يضرب بيده خادمًا، ولا امرأة، إلا أن يجاهد في سبيل الله، وقد خدمه أنس بن مالك - ﵁ - عشر سنوات، فما قال له: أُفٍّ، قَطُّ، ولا قال له لشيء فعله. لم فعلت كذا، ولا لشيء لم يفعله ألا فعلت كذا؟ (١).\nوهذا لا ينافي الحلم والحكمة، بل الغضب لله في حدود الحكمة من صميم الحلم والحكمة.\n_________\n(١) انظر: عدة حالات غضب فيها النبي ﷺ لله تعالى، في البخاري مع الفتح، في كتاب الأدب، باب ما يجوز من الغضب والشدة لأمر الله - تعالى - ١٠/ ٥١٧، وانظر: جامع العلوم والحكم لابن رجب ص١٢٧، وفتح الباري ١٠/ ٥١٨.","vol":"1","page":67},{"text":"[تعريفها]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>المطلب الثالث الأناة</span>\nالأناة في اللغة: التثبت وعدم العجلة، يقال: تَأنى في الأمر: مكث ولم يعجل، والاسم منه: أناة (١).\nويقال: تأنى في الأمر: ترفَّق، وتنظّر، وتمهل، واستأنى به: انتظر به وأمهله (٢).\nوتأتي الأناة بمعنى التبيّن والتثبت في الأمور، يقال: تَبين في الأمر والرأي: تثبت، وتأنى فيه ولم يعجل (٣).\nويأتي التبين بمعنى: التبصر: التعرف والتأمل، يقال: تبصر الشيء، وتأمل في رأيه: تبين ما يأتيه من خيرٍ أو شرٍ (٤).\nوعلى ضوء ما تقدم تكون الأناة هي: التصرف الحكيم بين العجلة والتباطؤ (٥).\nوالأناة مظهر من مظاهر خُلق الصبر، وهي من صفات أصحاب العقل والرزانة، بخلاف العجلة فإنها من صفات أصحاب الرعونة والطيش، وهي تدل على أن صاحبها لا يملك الإرادة القوية القادرة على ضبط نفسه تجاه انفعالاته العجولة، وبخلاف التباطؤ والتواني فهما من صفات أصحاب الكسل والتهاون بالأمور، ويدلان على أن صاحبهما لا يملك القدرة على دفع همته للقيام بالأعمال التي تحقق له ما يرجو، أو ليس لديه همة عالية تنشد الكمال، فهو يرضى بالدنيات، إيثارًا للراحة، وكسلًا عن القيام بالواجب.\n_________\n(١) المصباح المنير، مادة: انى ١/ ٢٨.\n(٢) انظر. مختار الصحاح، مادة: أنى، ص١٣، والمعجم الوسيط ١/ ٣١.\n(٣) انظر: المعجم الوسيط، مادة: أبان ١/ ٨٠، ومادة: ثبت ١/ ٩٣.\n(٤) انظر: القاموس المحيط، باب الراء، فصل الباء، ص ٤٤٨، ومختار الصحاح، مادة: \" بصر \" ص٢٢، والمعجم الوسيط ١/ ٥٩.\n(٥) انظر. الأخلاق الإسلامية وأسسها لعبد الرحمن الميداني ٢/ ٣٥٢.","vol":"1","page":68},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>[أهمية الأناة في الدعوة إلى الله بالحكمة]</span>\nوالأناة عند الداعية إلى الله - تعالى - تسمح له بأن يُحكم أموره، ويضع الأشياء في مواضعها، فهي ركن من أركان الحكمة، بخلاف العجلة فإنها تعرضه لكثير من الأخطاء، والإخفاق، والتعثر، والارتباك، ثم تعرضه للتخلف من حيث يريد السبق، ومن استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه، وبخلاف التباطؤ والكسل فهو أيضًا يعرضه للتخلف والحرمان من تحقق النتائج التي يرجوها (١).\nوالداعية مطلوب منه أن يتخلق بخلق الأناة، ولكن ما يتطلب من الأمور عملًا سريعًا فالحكمة السرعة إذن، وهي لا تخرج عن الأناة، فالقضية نسبية، وما يتطلب من الأمور عملًا بطيئًا فالحكمة البطء إذن، وهو لا يخرج عن الأناة؛ لأن الأمر نسبي، وليس للأناة مقادير زمنية ثابتة؛ ولكنها تختلف باختلاف حاجة الأشياء إلى مقدار السرعة الزمنية التي تحتاجها وتستدعيها النتائج المطلوبة، فالأشياء مربوطة بأوقاتها، والعجلة فيها مع معرفة أوقاتها المطلوبة خلقٌ مذموم يدل على ضعف خلق الصبر، ونقص الحكمة، والتباطؤ فيها خلق مذموم يدل على ضعف الهمة والإخلاد إلى الراحة والكسل، أما الأناة فليست تعجلًا ومسابقة لأوقات الأشياء، ولا تباطؤا وكسلًا، وكل من العجلة والتباطؤ يضيعان على أصحابهما الجهد والزمن، وما بذلوه، والأناة هي الكفيلة - بإذن الله تعالى - بتحقيق المطلوب، وتفادي الخسارة.\nوقد ذم الإسلام الاستعجال ونهى عنه، وذم التباطؤ والكسل ونهى عنه، ومدح الأناة وأمر بها، وعمل على تربية المسلمين على الأناة والتثبت الحكيم في القيام بالأعمال وتصريف الأمور (٢).\n_________\n(١) انظر: الأخلاق الإسلامية وأسسها لعبد الرحمن الميداني ٢/ ٣٥٣، وأخلاق القرآن الكريم ٣٠/ ١٥.\n(٢) انظر: الأخلاق الإسلامية وأسسها للميداني ٢/ ٣٥٣، ٣٥٤ بتصرف.","vol":"1","page":69},{"text":"قال الله - تعالى - للنبي ﷺ تربية له وتعليمًا: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ - إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ - فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ - ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٦ - ١٩] (١).\nفأمر سبحانه نبيه بعدم العجلة ومسابقة الملَك في قراءته، وتكفل الله له أن يجمعه في صدره، وأن ييسره لأدائه على الوجه الذي ألقاه إليه، وأن يبينه له ويفسره (٢).\nوقال تعالى: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] (٣).\nوأمر سبحانه عباده المؤمنين والدعاة إلى الله - تعالى - بالتأني في الأمور والتثبت فيها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦] (٤) قرأ الجمهور: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] من التَبين، وهو التَأمل، وقرأ حمزة والكسائي: (فتَثبّتُوا)، والمراد من التبين التعرف والتفحص، ومن التثبت: الأناة وعدم العجلة، والتبصر في الأمر الواقع والخبر الوارد حتى يتضح ويظهرْ (٥).\nوالدعاة إلى الله أولى بامتثال أمر الله - تعالى - بالتأني والتثبت من الأقوال والأفعال، والاستيثاق من مصدرها قبل الحكم عليها أو لها، وعليهم أن يتدبروا الأمور على مهلٍ، غير متعجلين؛ لتظهر لهم جلية واضحة، لا غموض فيها ولا التباس (٦).\n_________\n(١) سورة القيامة، الآيات ١٦ - ١٩.\n(٢) انظر: تفسير ابن كثير ٤/ ٤٥٠.\n(٣) سورة طه، الآية ١١٤.\n(٤) سورة الحجرات، الآية ٦.\n(٥) انظر: فتح القدير، للإمام الشوكاني ٤/ ٦٠.\n(٦) انظر: في ظلال القرآن ٦/ ٣٣٣٤، وموسوعة أخلاق القرآن للشرباصي ٣/ ١٥.","vol":"1","page":70},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>[ذم الإسلام للعجلة ومدح الأناة]</span>\nوالداعية إلى الله - تعالى - إذا أبصر العاقبة أمِنَ الندامة، ولا يكون ذلك إلا إذا تدبر جميع الأمور التي تعرض له، ويواجهها، فإذا كانت رشدًا، وحقًّا، وصوابًا فليمض، وإذا كانت غيًّا، وضلالًا، وظنًّا خاطئًا، فليقف وينته حتى يتضح له الحق.\nوالمشاهَد والواقع أن عدم التثبت وعدم التأني يؤديان إلى كثير من الأضرار والمفاسد، فقد يسمع الإنسان خبرًا، أو يقرأ نبأ في صحيفة، أو مجلة، فيسارع بتصديقه، ويعادي ويصادق، ويبني على ذلك التصرفات والأعمال التي يصدرها للمقاومة أو الموافقة، على أساس أنه حق واقع، ثم يظهر أنه كان مكذوبًا، أو محرفًا، أو مزورًا، أو مبالغًا فيه، أو مرادًا به غير ما فهمه الإنسان، ومن هنا يكتوي المتسرع بلهب الندم والحسرة بسبب استعجاله وعدم تثبته.\nوقد يصاب الداعية أو غيره من المسلمين بأذى دون أن يعرف مصدره، فيستعجل ويسارع فيتهم هذا، أو يسب ذاك، فيندم ويحصد ثمرة عجلته وعدم تثبته، ولو أنه تأنى، وتبين، وتثبت؛ لأدرك مصدر الأذى على حقيقته، وحينئذ يصدر التصرف على أساس البينة والبرهان، فلا يفقد أصدقاء له، ولا يضيف إلى أعدائه عدوًا جديدًا منهم.\nويدخل في العجلة وعدم التثبت تعجل الإنسان في المدح أو الذم، دون دراية أو دون موجب لذلك، أو يتعجل بالكلام قبل أن يديره على عقله، أو بالفتوى قبل أن يعرف دليله وبرهانه الذي اعتمد عليه، وبنى عليه فتواه، وبعد ذلك يحصد الغم والأسف (١) ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: ١١] (٢).\n_________\n(١) انظر: موسوعة أخلاق القرآن الكريم ٣/ ٢٦، وفي ظلال القرآن ٦/ ٣٣٤٢.\n(٢) سورة الإسراء، الآية ١١.","vol":"1","page":71},{"text":"ولعظم أمر الأناة والتبين أمر الله بهما حتى في جهاد الكفار في سبيل الله الذي هو من أعظم وسائل الدعوة إلى الله تعالى، فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ٩٤] (١).\nومن المعلوم أن الأمور قسمان: أمور واضحة، وأمور غير واضحة.\nفالواضحة البينة لا تحتاج إلى تثبت وتبين، لأن ذلك تحصيل حاصل.\nوأما الأمور المشكلة غير الواضحة فإن الداعية خاصة والمسلمين عامةً بحاجة إلى التثبت فيها والتبين، فإن ذلك يحصل فيه من الفوائد الكثيرة، والكف عن شرور عظيمة ما يجعل المسلم في سلامة عن الزلل، وبذلك يُعْرَف دين العبد وعقله ورزانته (٢).\nومما يزيد الآية السابقة وضوحًا ما رواه البخاري في صحيحه عن ابن عباس - ﵄ - ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٤] قال: كان رجل في غُنَيمة له فلحقه المسلمون، فقال: السلام عليكم فقتلوه وأخذوا غُنَيمته، فأنزل الله في ذلك إلى قوله: ﴿عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [النساء: ٩٤] تلك الغُنَيمة، وقرأ ابن عباس: السلام (٣).\n«وعن أسامة بن زيد - ﵄ - قال: بعثنا رسول الله ﷺ إلى الحرقة من جهينة، قال: فصبّحنا القوم فهزمناهم، قال: ولحقت أنا ورجل\n_________\n(١) سورة النساء، الآية ٩٤.\n(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للسعدي ٢/ ١٣٢.\n(٣) البخاري مع الفتح، باب التفسير، سورة النساء، باب: ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا ٨/ ٢٥٨.","vol":"1","page":72},{"text":"من الأنصار رجلًا منهم، قال: فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، قال: كف عنه الأنصاري، فطعنته برمحي حتى قتلته، قال: فلما قدمنا بلغ ذلك النبي ﷺ قال: فقال لي: \" يا أسامة، أقتلته بعد ما قال: لا إله إلا الله؟ قال: قلت: يا رسول الله، إنما كان متعوذًا، قال: فقال: أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله، قال: فما زال يُكرّرها حتى تمنيت أني لم أكن أسلم قبل ذلك اليوم» (١).\nوفي رواية قال: «قلت يا رسول الله: إنما قالها خوفًا من السلاح، قال: \" أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا \"، فما زال يكررها حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ» (٢).\nوفي رواية: «كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟ \" قال: يا رسول الله: استغفر لي، قال: \" وكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟ \". قال: فجعل لا يزيده على أن يقول: \" كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>[النبي ﷺ أعظم الناس أناةً وتثبّتًا]</span>\nولهذا كان النبي ﷺ أعظم الناس أناةً وتثبّتًا، فكان لا يقاتل أحدًا من الكفار إلا بعد التأكد بأنهم لا يقيمون شعائر الإسلام «فعن أنس بن مالك - ﵁ - \" أن النبي ﷺ كان إذا غزا بنا قومًا لم يكن يغزو بنا حتى يصبح وينظر، فإن سمع أذانًا كف عنهم، وإن لم يسمع أذانًا أغار عليهم». \" (٤).\n_________\n(١) البخاري مع الفتح، كتاب المغازي، باب بعث النبي ﷺ أسامة إلى الحرقات ٧/ ٥١٧، ١٢/ ١٩١، ومسلم في كتاب الإيمان، باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال لا إله إلا الله ١/ ٩٧.\n(٢) مسلم، في كتاب الإيمان، باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال لا إله إلا الله ١/ ٩٦.\n(٣) أخرجه مسلم، في كتاب الإيمان، باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال لا إله إلا الله ١/ ٩٧.\n(٤) البخاري مع الفتح بلفظه مطولًا، في كتاب الأذان، باب ما يحقن بالأذان من الدماء ٢/ ٨٩، ومسلم، في الصلاة، باب الإمساك عن الإغارة على قوم في دار الكفر إذا سمع فيهم الأذان ١/ ٢٨٨.","vol":"1","page":73},{"text":"وكان ﷺ يعلم ويربي أصحابه على الأناة والتثبت في دعوتهم إلى الله - تعالى - ومن ذلك أنه كان يأمر أمير سريته أن يدعو عدوه قبل القتال إلى إحدى ثلاث خصال:\n(أ) الإسلام والهجرة، أو إلى الإسلام دون الهجرة، ويكونون كأعراب المسلمين.\n(ب) فإن أبوا الإسلام دعاهم إلى بذل الجزية.\n(ج) فإن امتنعوا عن ذلك كله استعان بالله وقاتلهم (١).\nومن تربيته لأصحابه ﷺ على الأناة وعدم العجلة قوله: «إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تَسْعون، وأتوها تمشون، وعليكم السكينة فما أدركْتُمْ فصلّوا، وما فاتكم فأتموا» (٢).\nوقوله: «إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني قد خرجت» (٣).\nولسُمُوِّ الأناة أحبها الله ﷿، قال ﷺ للأشج: «إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة» (٤).\nوالرسل عليهم الصلاة والسلام هم صفوة الخلق وقدوتهم، وهم أكمل الناس أناةً وحلمًا، وأعظمهم في ذلك وأوفرهم حظّا محمد ﷺ.\nومن أمثلة ذلك قصة سليمان مع الهدهد وتثبته وعدم عجلته، قال سبحانه عن ذلك: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ - لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ٢٠ - ٢١] (٥).\n_________\n(١) أخرج الحديث مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث ووصيته إياهم بآداب الغزو وغيرها ٣/ ١٣٥٧، وانظر: زاد المعاد لابن القيم ٣/ ١٠٠.\n(٢) البخاري مع الفتح؛ كتاب الجمعة، باب المشي إلى الجمعة: وقوله: فاسعوا إلى ذكر الله ٢/ ٣٩٠، ومسلم في المساجد، باب استحباب إتيان الصلاة بسكينة ووقار والنهى عن إتيانها سعيا ١/ ٤٢٠.\n(٣) مسلم، في كتاب المساجد، باب متى يقوم الناس للصلاة ١/ ٤٢٢.\n(٤) مسلم، في الإيمان، باب الأمر بالإيمان بالله - تعالى - ورسوله وشرائع الدين والدعاء إليه، ١/ ٤٨.\n(٥) سورة النمل، الآيتان ٢٠، ٢١.","vol":"1","page":74},{"text":"فهذا الهدهد من جنود سليمان ﷺ كان غائبًا بغير إذن سليمان، وحينئذ يتعين أن يؤخذ الأمر بالحزم والجد في تنظيم الجنود حتى لا تكون فوضى، فإن سليمان إذا لم يأخذ بذلك في تنظيم الجنود ومراقبتهم كان المتأخر منهم قدوة سيئة لبقية الجنود، ولهذا نجد سليمان النبي الملك الحازم يتهدد الجندي الغائب المخالف، ولكن سليمان ليس ملكًا جبارا في الأرض، ولا متسرعًا عجولًا، وهو لم يسمع بعد حجة الهدهد الغائب، فلا ينبغي أن يترك الأناة والتثبت ويقضي في شأنه قضاءً نهائيًا قبل أن يسمع منه ويتبين عذره، ومن ثم تبرز سمة النبي العادل المتثبت ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ٢١] أي: حجة قوية واضحة توضح عذره وتنفي المؤاخذة عنه (١).\nفالأناة صفة جميلة، وتكون أجمل إذا جاءت من القادر على العقاب، ولهذا قال الشاعر ابن هانئ المغربي:\nوكل أناة في المواطن سؤدد ... ولا كأناة من قديرٍ محكم\nومن يتبين أن للصفح موضعًا ... من السيف يصفح عن كثير ويحلم\nوما الرأي إلا بعد طول تثبت ... ولا الحزم إلا بعد طول تلوم\nوقال الشاعر يمدح عاقلًا حكيمًا:\nبصير بأعقاب الأمور كأنما ... يخاطبه في كل أمر عواقبه (٢)\nوالداعية إلى الله - ﷿ - إذا تثبت، وتأمل في جميع أموره اكتسب ركنا من أركان الحكمة، وينبغي ألا يقتصر في منهجه المتكامل على التأني\n_________\n(١) انظر: في ظلال القرآن لسيد قطب ٥/ ٢٦٣٨، وفقه الدعوة في إنكار المنكر، لعبد الحميد البلالي، ص١٧.\n(٢) انظر: موسوعة أخلاق القرآن، للدكتور الشرباصي٣/ ٢٧.","vol":"1","page":75},{"text":"والتثبت في الأفعال والأقوال فحسب، بل عليه أن يجري ذلك على القلب قي خواطره، وتصوراته، وفي مشاعره وأحكامه ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] (١).\nفلا يقول اللسان كلمة، ولا يروي حادثة، ولا يحكم العقل حكمًا، ولا يبرم الداعية أمرًا إلا وقد تثبت من كل جزئية، ومن كل ملابسة، ومن كل نتيجة، حتى لا يبقى هنالك شك ولا شبهة في صحتها، وحينئذ يصل الداعية المسلم المتمسك بهذه الضوابط إلى أعلى درجات الأناة والحكمة والسداد - بإذن الله تعالى - (٢).\nأما العجلة فهي مذمومة، قال سبحانه عن فرعون: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ [الزخرف: ٥٤] (٣) استخفهم وحملهم على الضلالة والجهل، واستخف عقولهم، يقال: استخفه عن رأيه: إذا حمله على الجهل وأزاله عما كان عليه من الصواب (٤).\nوقال سبحانه: ﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ [الروم: ٦٠] (٥) ولا شك أن الإنسان قد خلق من عجل ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] (٦)؛ ولكنه - بحمد الله - إذا امتثل أمر الله وترك نهيه حسنت أخلاقه وطَبائعه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>[أسباب العجلة وعلاجها]</span>\nوالعجلة لها أسباب ينبغي اجتنابها، منها: عدم النظر في العواقب، وسنن الله في الكون، ومنها الشيطان عدو الإنسان، فإن أساس العجلة من\n_________\n(١) سورة الإسراء، الآية ٣٦.\n(٢) انظر في ظلال القرآن ٤/ ٢٢٢٧.\n(٣) سورة الزخرف، الآية ٥٤.\n(٤) تفسير ابن كثير ٤/ ١٣٠، وشرح السنة للبغوي ١٣/ ١٧٥.\n(٥) سورة الروم، الآية ٦٠.\n(٦) سورة الأنبياء، الآية ٣٧.","vol":"1","page":76},{"text":"الشيطان؛ لأنه الحامل عليها بوسوسته، فيمنع من التثبت والنظر في العواقب، فيقع المستعجل في المعاطب والفشل (١) ولذلك قيل:\nيا صاحبي تلوما لا تعجلا ... إن النجاح رهين أن لا تعجلا\nوقال عمرو بن العاص - ﵁ -: لا يزال الرجل يجني من ثمرة العجلة الندامة (٢).\nوينبغي أن يُعْلَم أن العجلة المذمومة ما كان في غير طاعة، ومع عدم التثبت وعدم خوف الفوت، ولهذا قيل لبعض السلف. لا تعجل، فالعجلة من الشيطان، فقال: لو كان كذلك لما قال موسى: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه: ٨٤] (٣).\nوقد قال بعض السلف: لا تعجل عجلة الأخرق وتحجم إحجام الواني.\nوالخلاصة: أنه يستثنى من العجلة ما لا شبهة في خيريته، قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [الأنبياء: ٩٠] (٤).\nوعن سعد بن أبي وقاص - ﵁ - قال الأعمش: ولا أعلمه إلا عن النبي ﷺ: \" التُؤَدَةُ (٥) في كل شيء خير إلا في عمل الآخرة \" (٦).\n_________\n(١) انظر: شرح السنة للبغوي ١٣/ ١٧٦، وفيض القدير شرح الجامع الصغير٣/ ١٨٤.\n(٢) انظر: تحفة الأحوذي شرح الترمذي٦/ ١٥٣.\n(٣) سورة طه، الآية ٨٤.\n(٤) سورة الأنبياء، الآية ٩٠.\n(٥) التؤَدَةُ. التأني. انظر: فيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي ٣/ ٢٧٧، وعون المعبود ٣/ ١٦٥.\n(٦) أبو داود، كتاب الأدب، باب الرفق ٤/ ٢٥٥، والحاكم بلفظه وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي١/ ٦٤، وانظر. صحيح سنن أبي داود٣/ ٩١٣.\nوذلك لأن الحزم بذل الجهد في عمل الآخرة؛ لتكثير القربات ورفع الدرجات لأن في تأخير الخيرات آفات. انظر فيض القدير٣/ ٢٧٧، وعون المعبود٣/ ١٦٥.","vol":"1","page":77},{"text":"وعن عبد الله بن سرجس المزني، أن النبي ﷺ قال: «السَّمْتُ (١) الحسن، والتؤَدَةُ، والاقتصاد (٢) جزء من أربعةٍ وعشرين جزءًا من النبوة» (٣).\nوبهذا يعلم أن الأناة في كل شيء محمودة وخير إلا ما كان من أمر الآخرة، بشرط مراعاة الضوابط التي شرعها الله حتى تكون المسارعة مما يحبه الله تعالى (٤).\nوعن أنس بن مالك ﵁ يرفعه: «التأني من الله والعجلة من الشيطان» (٥).\n_________\n(١) السمت الحسن. هو حسن الهيئة والمنظر، انظر فيض القدير للمناوي ٣/ ٢٧٧.\n(٢) الاقتصاد: هو التوسط في الأمور والتحرز عن طرفي الإفراط والتفريط. انظر: المرجع السابق٣/ ٢٧٧.\n(٣) الترمذي، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في التأني والعجلة٤/ ٣٦٦، وانظر: صحيح سنن الترمذي ٢/ ١٩٥.\n(٤) انظر: شرح السنة للبغوي١٣/ ١٧٧، وتحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي٦/ ١٥٣.\n(٥) أخرجه أبو يعلى في مسنده ٣/ ١٠٥٤، والبيهقي في السنن الكبرى ١٠/ ١٠٤٠ وقال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة٤/ ٤٠٤: هذا إسناد حسن رجاله ثقات.","vol":"1","page":78},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>المبحث الرابع\nطرق اكتساب الحكمة</span>\nتمهيد: أهمية اكتساب الحكمة.\nالمطلب الأول: السلوك الحكيم.\nالمطلب الثاني: العمل بالعلم المقرون بالصدق والإخلاص.\nالمطلب الثالث: الاستقامة.\nالمطلب الرابع: الخبرات والتجارب.\nالمطلب الخامس: السياسة الحكيمة.\nالمطلب السادس: فقه أركان الدعوة إلى الله تعالى.","vol":"1","page":79},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>تمهيد</span>\nالحكمة هبة وفضل من الله - ﷿ - يهبها لمن يشاء من عباده وأوليائه، والحكمة ليست كسبية تحصل بمجرد كسب العبد دون تعليم الأنبياء له طرق تحصيلها، فالعبد لا يكون حكيمًا إلا إذا سلك طرق تحصيل الحكمة، ولا يمكن أن يحصل على الحكمة إلا إذا كانت طرقها مستقاة من الكتاب والسنة، وإذا وفق الداعية المسلم لطرق الحكمة فلا يخرجها ذلك عن كونها هبة من الله تعالِى، لقوله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] (١) بل الله الذي وفقه وسدده، وأعطاه خيرًا كثيرًا، جليلًا قدره، عظيمًا نفعه، ولهذا استنبط بعض المحققين من قوله: ﴿خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] أن إيتاء الحكمة خير من الدنيا وما فيها كلها؛ لأن الله وصف الدنيا في قوله: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء: ٧٧] (٢) فدل ذلك على أن ما يؤتيه الله من حكمته خير من الدنيا وما عليها؛ لأن من أوتيها خرج من ظلمة الجهل إلى نور الهدى، وحمق الانحراف في الأقوال والأفعال إلى إصابة الصواب فيها، وحصول السداد والاعتدال، والبصيرة المستنيرة، وإتقان الأمور وإحكامها، وتنزيلها منازلها، وهذا كله من أفضل العطايا وأجل الهبات (٣).\nوالحكمة لها طرق تكتسب بها بتوفيق الله تعالى، ومن أهم هذه الطرق التي إذا سلكها المسلم صار حكيمًا بإذن الله تعالى ما يأتي:\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية ٢٦٩.\n(٢) سورة النساء، الآية ٧٧.\n(٣) انظر: صفوة الآثار والمفاهيم للعلامة عبد الرحمن الدوسري٤/ ١٣١، وتيسير الكريم الرحمن ١/ ٣٣٢، وفي ظلال القرآن١/ ٣١٢، ولقمان الحكيم وحكمه ص٣٠.","vol":"1","page":81},{"text":"العلم النافع، والحلم، والأناة، والرفق واللين، والإخلاص والتقوى، والصبر والمصابرة، والسلوك الحكيم، والعمل بالعلم، والاستقامة، والخبرات والتجارب، وجهاد النفس والشيطان، وعلو الهمة، والعدل، والدعاء، والاستخارة والاستشارة (١) وفقه وإتقان أركان الدعوة إلى الله تعالى.\nوسأذكر في هذا المبحث بالتفصيل بعض هذه الطرق التي إذا سلكها الداعية المسلم - مع ما تقدم من الطرق - كان حكيمًا في أقواله وأفعاله، وتصرفاته، وأفكاره، موافقًا للصواب في جميع أموره بإذن الله تعالى، وذلك في المطالب الآتية:\nالمطلب الأول: السلوك الحكيم.\nالمطلب الثاني: العمل بالعلم والإخلاص.\nالمطلب الثالث: الاستقامة.\nالمطلب الرابع: الخبرات والتجارب.\nالمطلب الخامس: السياسة الحكيمة.\nالمطلب السادس: فقه أركان الدعوة إلى الله تعالى.\n_________\n(١) انظر: هذه الطرق بالتفصيل في هذا الكتاب في الصفحات التالية: ٤٣، ٩٠، ٩٣ - ٩٧، ١٢٠ - ١٢٢ و٥٤٢ - ٥٤٧.","vol":"1","page":82},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>المطلب الأول السلوك الحكيم</span>\nالسلوك: مصدر سلك طريقًا، وسلك المكان يسلكه سلكا وسلوكًا (١) وسلكه غيره.\nوالسلوك: سيرة الإنسان ومذهبه واتجاهه، يقال: فلان حسن السلوك أو سيئ السلوك (٢).\nأما الخلق فهو: حال في النفس راسخة تصدر عنها الأفعال من خير أو شر من غير حاجة إلى فكر وروية، وجمعه: أخلاق.\nوالأخلاق علم موضوعه أحكام قيمة تتعلق بالأعمال التي توصف بالحسن أو القبح (٣) وهذه الحال تنقسم إلى قسمين:\nالقسم الأول: ما يكون طبيعيّا من أصل المزاج، كالإنسان الذي يحركه أدنى شيء نحو الغضب، ويهيج لأدنى سبب، وكالذي يجبن من أيسر شيء، كمن يفزع من أدنى صوت يطرق سمعه.\nالقسم الثاني: ما يكون مستفادًا بالعادة والتدريب، وربما كان مبدؤه بالروية والفكر ثم يستمر عليه حتى يصير ملكة وخلقًا (٤).\nوالسلوك عمل إرادي، كقول الصدق، والكذب، والبخل، والكرم، ونحو ذلك.\nفاتضح أن الخلق حالة راسخة في النفس وليس شيئًا خارجًا مظهريا، فالأخلاق شيء يتصل بباطن الإنسان، ولا بد لنا من مظهر يدلنا على هذه\n_________\n(١) لسان العرب لابن منظور، حرف الكاف فصل السين١٠/ ٤٤٢.\n(٢) المعجم الوسيط، مادة (سلك) ١/ ٤٤٥.\n(٣) المعجم الوسيط، مادة (خلق) ١/ ٢٥٢.\n(٤) انظر: مقدمة في علم الأخلاق، د / محمود حمدي زقزوق ص٣٩.","vol":"1","page":83},{"text":"الصفة النفسية، وهذا المظهر هو السلوك، فالسلوك هو المظهر الخارجي للخلق، فنحن نستدل من السلوك المستمر لشخص ما على خلقه، فالسلوك دليل الخلق، ورمز له، وعنوانه، فإذا كان السلوك حسنا دل على خلق حسن، وإن كان سيئا دل على خلق قبيح، كما أن الشجرة تعرف بالثمر، فكذلك الخلق الطيب يعرف بالأعمال الطيبة (١).\nوالحكمة تتفرع إلى فروع، وأحد هذه الفروع هو السلوك الحكيم، والتزام فضائل الأخلاق، واجتناب رذائلها ظاهرًا وباطنًا هو السلوك الأخلاقي الحكيم (٢).\nوالداعية إذا التزم السلوك الأخلاقي الحكيم كان ذلك من أعظم طرق اكتساب الحكمة، ومن أسباب توفيق الله له في دعوته، وفي أموره كلها، واستقامته، وحسن سيرته، وأدعى لقبول دعوته، وإصلاح الأخلاق، ومحاربة المنكرات، إذ لا يجد في الناس من يغمزه في سلوكه الشخصي، سواء كان ذلك قبل قيامه بالدعوة أو بعده، وكثيرًا ما سمعنا أن أناسًا قاموا بدعوة الإصلاح، وخاصة إصلاح الأخلاق، وكان من أكبر العوامل في إعراض الناس عنهم، وعن دعوتهم ما يذكرونه لهم من ماض ملوّث، وخلق غير مستقيم، بل إن هذا الماضي السيئ مدعاة للشك في صدق مثل هؤلاء الدعاة، بحيث يتهمون بالتستر وراء دعوة الإصلاح؛ لأغراض خاصة، أو يتهمون بأنهم ما بدءوا بالدعوة إلى الإصلاح إلا بعد أن قضوا بعض أوقات أو مراحل أعمارهم، وأخذوا نصيبهم من ملذات الحياة وشهواتها، وأصبحوا في وضع أو عمر لا أمل لهم فيه بالاستمرار فيما كانوا يبلغون فيه من عرض أو مال، أو شهرة، أو جاه.\n_________\n(١) انظر: مقدمة في علم الأخلاق ص ٤٣.\n(٢) انظر: الأخلاق الإسلامية وأسسها للميداني ١/ ١٣.","vol":"1","page":84},{"text":"أما الداعية المستقيم في شبابه وحياته كلها، فإنه يظل أبدًا بفضل الله رافع الرأس، ناصع الجبين، ولا يجد أعداء الدعوة سبيلا إلى غمزه بماض قريب أو بعيد، ولا يتخذون من هذا الماضي المنحرف وسيلة إلى التشهير به، أو دعوة الناس إلى الاستخفاف به وبشأنه.\nولا شك أن الله - ﷿ - يقبل توبة التائب المقبل عليه بصدق وإخلاص، ويمحو بحسناته الحاضرة سيئاته المنصرمة. والداعية إذا استقامت سيرته، وحسنت سمعته الطيبة الحميدة، وسلوكه الحكيم (١) نجح في دعوته بإذن الله تعالى.\nوإذا سلك الداعية المسالك الحكيمة في سلوكه فقد سلك أعظم الطرق في اكتساب الحكمة، ومن هذه المسالك على سبيل المثال: ما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>المسلك الأول: قدوة الداعية في سلوكه</span>.\nالمسلك الثاني: أصول السلوك الحكيم.\nالمسلك الثالث: وصايا الحكماء باكتساب الحكمة.\n\nالمسلك الأول: قدوة الداعية في سلوكه:\nينبغي للداعية أن يتخذ في سلوكه وأعماله كلها قدوة حكيمًا، وإمامًا نبيلًا، وهو محمد بن عبد الله ﷺ فقد كان حسن السيرة والسلوك، بل كان أعظم خلق الله في حسن خلقه الذي دل عليه سلوكه الحكيم، ولا غرابة فقد مدحه ربه وأثنى عليه بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] (٢) وعرف قومه ذلك منه، ولكن صد بعضهم عن تصديقه الَكبر والجحود ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] (٣) ولهذا عندما قال\n_________\n(١) انظر: السيرة النبوية دروس وعبر، للدكتور مصطفى السباعي ص ٣٩.\n(٢) سورة القلم، الآية ٤.\n(٣) سورة الأنعام، الآية ٣٣.","vol":"1","page":85},{"text":"ﷺ لقومه: «أرأيتَكم لو أخبرتُكم أن خيلًا تخرج بسفح هذا الجبل أكنتم مصدقي؟ \"، قالوا: ما جربنا عليك كذبًا. قال: \" فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد» (١).\nوفي حديث أبي سفيان مع هرقل حينما سأله عن أحوال النبي ﷺ وسلوكه، قال هرقل: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال أبو سفيان: قلت: لا. . . ثم قال: ماذا يأمركم به؟ قال أبو سفيان: قلت: يقول: \" اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئًا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة، والصدق، والعفاف، والصلة. . \" ثم قال هرقل لأبي سفيان في نهاية الحديث: فإن كان ما تقول حقًا، فسيملك موضع قدمي هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج، لم أكن أظن أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه \" (٢).\nفهذا الرسول الكريم هو قدوة الداعية، وإمامه الذي يسير على هديه، ويلتزم أخلاقه، وسلوكه، فقد كان ﷺ حسن السيرة والسلوك الحكيم في حياته كلها، ولم يتهم بشيء مما كان يعمله قومه، فقد نشأ ﷺ في مجتمع كثرت فيه المفاسد، وعمت فيه الرذائل: فالبغاء، والاستبضاع، والزنا الجماعي، والأفرادي، ونكاح أسبق الرجال ممن مات زوجها، والاعتداء على الأعراض والأموال والدماء، كل ذلك كان شائعًا في قومه قبل الإسلام، لا ينكره أحد، ولا تحاربه جماعة، هذا بالإضافة إلى وَأْدِ البنات، وقتل الأولاد خشية الفقر أو العار، ولعب الميسر، وشرب الخمر، أمور تعد في الجاهلية من المفاخر والتباهي، وليس من شرط أن يكون المجتمع كله\n_________\n(١) البخاري مع الفتح، كتاب التفسير، سورة تبت، باب حدثنا يوسف ٨/ ٧٣٧، ومسلم، كتاب الإيمان، باب قوله تعالى: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ، ١/ ١٩٤.\n(٢) البخاري مع الفتح، كتاب بدء الوحي، باب حدثنا أبو اليمان، ١/ ٣٢.","vol":"1","page":86},{"text":"يرتكب هذه الجرائم، وإنما عدم إنكارها هو دليل على الرضا بها، وهذا ما يدعو إلى انتشارها إلى جانب الأفكار الأخرى.\nوالنبي ﷺ لم يعمل أي عمل أو يباشر أي خلق من هذه الأخلاق الرذيلة، بل قد اتصف بجميع مكارم الأخلاق بين قومه، فكان صادقًا لا يعرف الكذب، أمينًا لا يعرف الخيانة، وفيًّا لا يعرف الغدر، حتى كان معروفًا في مجتمعه بهذه الصفات، مميزًا بها عن غيره، ولا يجهل ذلك أحد ممن عرفه، ولا يساويه في ذلك أحد من خلق الله، ولا ينكر ذلك أحد، سواء كان عدوًّا أو غيره، ولا يمكن أن يتهمه خصم، فقد بعث ﷺ وناصبَهُ قومه العداء، ولكن لم يستطع واحد منهم أن يتهمه بصفة غير لائقة أو خلق يعيبه به، ولو عرفوا شيئًا من ذلك - وقد عاش بينهم أربعين عامًا - لأراحهم من التنقيب عن خصلة غير حميدة يتهمونه بها عندما يحل الموسم، ويلتقي بالناس في الحج حتى يبعدوه عنهم فعجزوا عن ذلك، ووجدوا أن كلمة \" ساحر \" هي أنسب الصفات التي يطلقونها عليه حيث يفرق بدعوته إلى الله بين الأب وابنه، والأخ وأخيه، والرجل وزوجته، واتهموه بالجنون؛ لأنه خالف شركهم ودعا إلى عبادة الله وحده، ولم يستطيعوا أن يأتوا بأي خلق رذيل فينسبوه إليه ﷺ، وعندما سألهم ﷺ عن صدقه قالوا: \" ما جربنا عليك كذبًا \" (١) ولهذا لُقِّبَ بين قومه بـ \" محمد الأمين \" (٢).\nفالصدق والأمانة من أولى الأخلاق وأحكم السلوك التي يجب على\n_________\n(١) البخاري مع الفتح، كتاب التفسير، باب حدثنا يوسف بن موسى ٨/ ٧٣٧، ومسلم، كتاب الإيمان، باب وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ، ١/ ١٩٤، وتقدم تخريجه.\n(٢) أحمد في المسند من حديث السائب بن عبد الله - ﵁ - بإسناد حسن ٣/ ٤٢٥، قال الألباني في تخريج فقه السيرة للغزالي وله شاهد من حديث علي - ﵁ - رواه الطيالسي بترتيب الشيخ عبد الرحمن البنا ٢/ ٨٦.","vol":"1","page":87},{"text":"الدعاة إلى الله الاتصاف والتخلق بها، والصدق يكون في: القول، والنية، والعزم، والعمل.\nفالصدق في القول هو أشهر أنواع الصدق، ويكون بالأخبار، فإن نقل الداعية أو غيره من المسلمين خلاف الواقع وما هو عليه فهو كاذب ومفتر، ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النحل: ١٠٥] (١).\nقال ﷺ «آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان» (٢).\nوالصدق في النية: الإخلاص في العمل لوجه الله تعالى.\nوالصدق في العزم على العمل، كأن يقول المسلم: لئن عافاني الله لأتصدقن في سبيله بكذا، فإذا عوفي دخل الصدق بالوفاء فيما نذر به.\nوقد ذم الله - ﷿ - عدم الصدق بالوفاء بالعهد: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ - فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ - فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: ٧٥ - ٧٧] (٣).\nوالصدق في العمل: يكون بأن لا يختلف ظاهر الداعية المسلم عن باطنه (٤) فما أجمل، وما أحسن، وما أحكم، وما أكرم من سار على هديه\n_________\n(١) سورة النحل، الآية ١٠٥.\n(٢) البخاري مع الفتح، كتاب الإيمان، باب علامات المنافق ١/ ٨٩، ومسلم، في كتاب الإيمان، باب بيان خصال المنافق ١/ ٨٧.\n(٣) سورة التوبة، الآيات ٧٥ - ٧٧.\n(٤) انظر: التاريخ الإسلامي، لمحمود شاكر ١/ ٣٣.","vol":"1","page":88},{"text":"ﷺ واتبع سلوكه الحكيم، وكل سلوكه حكيم ﷺ وكيف لا يكون كذلك وهو الذي بعثه الله رحمة للعالمين، متممًا لمكارم الأخلاق، قال ﷺ: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» (١).\nوسُئلت عائشة - ﵂ - عن خلقه، فقالت: \" فإن خلق نبي الله ﷺ كان القرآن \" (٢).\nولنا فيه خير أسوة، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] (٣). فحريٌّ بالداعية أن يلتزم سلوكه، وبذلك يكون حكيمًا في دعوته، موافقًا للصواب بإذن الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>المسلك الثاني: أصول السلوك الحكيم:</span>\nلقد جعل الله - ﷿ - للسلوك الحكيم قواعد عظيمة، إذا التزمها الداعية إلى الله - ﷿ - كان ذلك من أسباب توفيق الله له، واكتسابه الحكمة، ومن أجمع الآيات في هذا الشأن، قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠] (٤).\nوهذه الآية من أعظم قواعد السلوك الحكيم وأصوله العظيمة، فهي جامعة لجميع المأمورات والمنهيات، لم يبق شيء إلا دخل فيها، وهذه قاعدة ترجع إليها سائر الجزئيات، فكل مسألة مشتملة على عدل، أو إحسان، أو إيتاء ذي قربى، فهي مما أمر الله به.\n_________\n(١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى بلفظه ١٠/ ١٩٢، وأحمد٢/ ٣٨١، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي ٢/ ٦١٣، وانظر: صحيح الجامع الصغير٣، برقم٢٨٣٠، والأحاديث الصحيحة ١/ ٧٥، برقم ٤٥.\n(٢) مسلم، في صلاة المسافرين، باب جامع صلاة الليل ومن نام عنه أو مرض١/ ٥١٣.\n(٣) سورة الأحزاب، الآية ٢١.\n(٤) سورة النحل، الآية ٩٠.","vol":"1","page":89},{"text":"وكل مسألة مشتملة على فحشاء، أو منكر أو بغي، فهي مما نهى الله عنه.\nوبهذا يُعْلَم حسن ما أمر الله به، وقبح ما نهى عنه، وبها يعتبر ما عند الناس من الأقوال، وترد إليها سائر الأحوال (١).\nفهذه الأوامر والنواهي جمعت فضائل الأخلاق والآداب، وأنواع التكاليف التي رسمها الله وحث عليها، لما فيها من إصلاح النفوس، وصلاح حال الأمم والشعوب (٢) ولهذا قال عبد الله بن مسعود - ﵁ -: \" أجمع آية في كتاب الله للخير والشر الآية التي في النحل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] الآية \" (٣).\nوالداعية المسلم من أولى الناس بتطبيق هذا السلوك الحكيم، فيكون عدلًا محسنًا، واصلا لأقربائه، مبتعدًا عن الفحشاء، والمنكر، والبغي.\nوالعدل: ضد الجور (٤) وهو إعطاء المرء ماله وأخذ ما عليه (٥) وأنواعه ثلاثة:\n(أ) العدل بين العبد وربه، وهو: إيثار حق الله على حظ نفسه، وتقديم رضاه على هواه، والامتثال للأوامر، والاجتناب للزواجر.\n(ب) العدل بين العبد وبين نفسه: منعها عما فيه هلاكها ودمارها، وإلزامها بتقوى الله في السر والعلن.\n_________\n(١) انظر: تفسير السعدي٤/ ٢٣٣، وفي ظلال القرآن لسيد قطب٤/ ٢١٨٩ - ٢١٩١، وتفسير المراغي ١٤/ ١٣٠.\n(٢) انظر: تفسير المراغي ١٤/ ١٣٠.\n(٣) أخرجه الإمام الطبري بسنده في تفسيره ٤/ ١٠٩.\n(٤) انظر: القاموس المحيط١٣٣١.\n(٥) انظر: المعجم الوسيط ٢/ ٥٨٨.","vol":"1","page":90},{"text":"(جـ) العدل بين العبد وبين الخلق: ببذل النصيحة، وترك الخيانة فيما قل وكثر، والإنصاف من النفس بكل وجه، ولا يكون من الداعية إلى أحد مساءة بقول أو فعل، والصبر على ما يحصل منهم من البلوى، ويعامل الخلق بالعدل التام، فيؤدي كل ما عليه (١).\nوالإحسان: مصدر أحسن يحسن إحسانًا، وهو على معنيين (٢).\n(أ) أحدهما متعد بنفسه، كقولك: أحسنت كذا، أي: حسَّنته وكملته، وهو منقول بالهمزة، من: حسن الشيء، وهذا المعنى يدل عليه حديث جبريل: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (٣).\nوهذا المعنى راجع إلى إحسان العبادة وتكميلها وتحسينها، والقيام بها كما يحب الله - تعالى على الوجه الأكمل، ومراقبة الله فيها واستحضار عظمته وجلاله: حالة الشروع فيها، وحالة الاستمرار.\n(ب) والمعنى الثاني: متعد بحرف جر، كقولك: أحسنت إلى فلان، أي: أوصلت إليه ما ينتفع به، وهذا إيصال المنافع بأنواعها إلى الخلق، ويدخل في ذلك حتى الإحسان إلى الحيوانات (٤).\nومن قواعد السلوك الحكيم التي تشتمل على عدة من أمهات الحكم العالية (٥) قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء: ٢٢]\n_________\n(١) انظر: أحكام القرآن لابن العربي٣/ ١١٧٢، وأحكام القرآن للقرطبي١٠/ ١٦٦، وفي ظلال القرآن٤/ ٢١٩٠.\n(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي١٠/ ١٦٧، وتفسير السعدي ٤/ ٢٣٢.\n(٣) مسلم، في كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان ١/ ٣٧.\n(٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي١٠/ ١٦٧.\n(٥) انظر: تفسير السعدي ٤/ ٢٧٩، وتفسير النسفي٤/ ١٣٠، والرياض الناضرة للسعدي ص ٨٧.","vol":"1","page":91},{"text":"﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] الآيات، إلى قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ [الإسراء: ٣٩] (١).\nفبين الله - ﷿ - في هذه الوصايا الحكيمة قواعد السلوك الحكيم، وبدأه بقاعدة التوحيد؛ ليقيم على هذه القاعدة البناء الاجتماعي كله، وآداب العمل والسلوك فيه، كما تربط بهذه العروة الوثقى جميع الروابط؛ فإن جميع ما في الحياة لا يقوم بناؤه إلا بالتوحيد، وكل سلوك لا يقوم ولا يستند إلى توحيد اللهّ لا تقوم له قائمة، ولا يطلق عليه سلوكا حكيمًا، بل سلوكًا جاهليًّا (٢).\nوهذه الوصايا في سورة الإسراء من أعظم ما تكتسب به الحكمة، قال الإمام الشوكاني: \" وترتقي إلى خمسة وعشرين تكليفًا \" (٣).\nفاشتملت هذه الوصايا على خمس وعشرين حكمة، الأخذ بها خير من الدنيا وما فيها، والتفريط فيها هو سبب خسران الدنيا والآخرة (٤).\nويختم الله - ﷿ - الأوامر والنواهي في الوصايا كما بدأها بربطها بالله وعقيدة التوحيد والتحذير من الشرك، وبيان أن هذه المذكورات بعض الحكمة التي يهدي إليها القرآن الذي أوحاه الله إلى رسوله ﷺ: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ٣٩] وهو ختام يشبه الابتداء، فتجيء محبوكة الطَرفين، موصولة بالقاعدة الكبرى التي يقيم عليها الإسلام الحياة، قاعدة: توحيد الله وعبادته وحده دون ما سواه (٥).\n_________\n(١) سورة الإسراء، الآيات ٢٢ - ٣٩.\n(٢) انظر: في ظلال القرآن ٤/ ٢٢٠٩، ٢٢٢٠.\n(٣) انظر: فتح القدير للشوكاني٣/ ٢٢٩.\n(٤) انظر: أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير٢/ ٥٩٩.\n(٥) انظر: في ظلال القرآن لسيد قطب ٤/ ٢٢٢٨.","vol":"1","page":92},{"text":"وبهذا يعلم أن من عمل بهذه القواعد، والتزم هذا السلوك الحكيم قد سلك أعظم طرق اكتساب الحكمة؛ لأن الحكمة معرفة الحق والصواب والعمل به، ولهذا قال تعالى بعد أن ذكر الوصايا العشر في سورة الأنعام: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>المسلك الثالث: وصايا الحكماء باكتساب الحكمة:</span>\nالحكماء الذين آتاهم الله الحكمة يوصون باكتساب أصول الحكم التي من التزمها وعمل بها بإخلاص وصدق وفقه الله لاكتساب الحكمة، ومن ذلك ما أخبر الله به عن لقمان الحكيم ووصاياه الحكيمة التي آتاه الله إياها، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ - وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٢ - ١٣] الآيات إلى قوله تعالى: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٩] (٢).\nهذه وصية حكيم لابنه، فهي نصيحة مبرأة من العيب، وصاحبها قد أوتي الحكمة التي من أوتيها فقد أوتي خيرًا كثيرًا، وهي تجمع أمهات الحكم، وتستلزم ما لم يذكر منها، وكل وصية من وصايا هذا الحكيم لابنه يقرن بها ما يدعو إلى فعلها إن كانت أمرًا، وإلى تركها إن كانت نهيًا، وهذا يدل على أن الحكمة هي: العلم بالأحكام، وحكمها، ومناسباتها، ووضع الأشياء مواضعها.\n_________\n(١) الوصايا العشر في سورة الأنعام، الآيات: ١٥١ - ١٥٣.\n(٢) سورة لقمان، الآيات ١٢ - ١٩.","vol":"1","page":93},{"text":"ومن فضل الله على عباده ومنته أن قص عليهم هذه الحكم حتى يعملوا بها ويكتسبوها بفضله تعالى، وهذا الحكيم أمر ابنه بأصل الدين وهو التوحيد ونهاه عن الشرك بالله، وبين له الموجب لتركه، وأمره ببر الوالدين، وبين له السبب الموجب لبرهما، وأمره بشكر الله وشكرهما، ثم احترز بأن محل برهما وامتثال أوامرهما ما لم يأمرا بمعصية، ومع ذلك فلا يعقهما بل يحسن إليهما، وأن لا يطيعهما إذا جاهداه على الشرك، وأمره بمراقبة الله - ﷿ - وخوفه القدوم عليه، وأنه تعالى لا يغادر صغيرة ولا كبيرة من الخير والشر إلا أتى بها، فصور له عظمة علم الله، ودقة شموله، وإحاطته تصويرًا يرتعش له الوجدان البشري، وأوصاه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعد ما أمره بتكميل نفسه بفعل الخير وترك الشر، حتى يحصل الكمال لغيره بعد كمال نفسه، ولما علم هذا الحكيم أنه لا بد أن يُبتلى إذا أمر ونهى، وأن في الأمر والنهي مشقة على النفوس أمره بالصبر على ما يحصل له من المشقة والأذى؛ فإنه لا بد وأن يواجه المتاعب التي يواجهها صاحب العقيدة الصحيحة، وبين له أن ذلك من الأمور التي يعزم عليها، ويهتم بها، ولا يقف لها إلا أهل العزائم؛ فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الصبر يسهل الله بذلك كل أمر عسير، كما قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] (١).\nومع ذلك كله من الأمر بجميع الحكم السابقة لم يغفل هذا الحكيم عن وصية ابنه بالآداب السامية، فنهاه عن التكبر، وأمره بالتواضع، ونهاه عن البطر والأشر والمرح، وأمره بالسكون في الحركات والأصوات، ونهاه عن ضد ذلك حتى لا يتطاول على الناس فيفسد بالقدوة ما يصلح بالكلام.\nفحقيق بمن أوصى بهذه الوصايا، وهذا السلوك الحكيم أن يكون\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية ٤٥، وانظر: أيضا: سورة البقرة، الآية ١٥٣.","vol":"1","page":94},{"text":"مخصوصًا بالحكمة، مشهورًا بها، وحقيق بمن التزم هذه الوصايا - بصدق وإخلاص ورغبة فيما عند الله - أن يؤتيه الله الحكمة، ويوفقه للصواب في القول والعمل (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>[الأسباب التي اكتسب بها لقمان الحكمة]</span>\nومما يبين أن الإنسان يكتسب الحكمة بتوفيق الله ثم بالتزامه للسلوك الحكيم - رغبة فيما عند الله وطلبًا لرضاه - ما ذُكِرَ من الأسباب التي اكتسب بها لقمان الحكمة بعد توفيق الله له وتسديده، ومن ذلك: أنه وقف رجل على لقمان، فقال له: أنت لقمان، أنت عبد بني النحاس؟ قال: نعم. قال: فأنت راعي الغنم الأسود؟ قال: أما سوادي فظاهر، فما الذي يعجبك من أمري؟ قال: وطء الناس بساطك، وغشيهم بابك، ورضاهم بقولك. قال: يا ابن أخي إن أنت صنعت ما أقول لك كنت كذلك، قال: وما هو؟ قال لقمان: \" غَضي بصري، وكفي لساني، وعفة طعمتي، وحفظي فرجي، وقيامي بعدتي، ووفائي بعهدي، وتكرمتي ضيفي، وحفظي جاري، وتركي ما لا يعنيني، فذاك الذي صيرني كما ترى \" (٢).\nوسأله آخر عن السبب الذي بلغ به الحكمة، فقال: \" قدر الله، وأداء الأمانة، وصدق الحديث، وترك ما لا يعنيني \" (٣).\nوسأله آخر، فقال: \" صدق الحديث، والصمت عما لا يعنيني \" (٤).\nوهذه الأخلاق الكريمة، والسلوك الحكيم يزخر بها كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وليست من قول لقمان وحده، فاتضح بذلك أن الداعية إلى الله وغيره من المسلمين إذا سلك هذه المسالك اكتسب الحكمة بعون الله تعالى.\n_________\n(١) انظر تفسير ابن كثير٣/ ٤٤٤، وفي ظلال القرآن٥/ ٢٧٨١، ٢٧٩٠، ٢٧٨٢، وتفسير السعدي ٦/ ١٥٩، ١٦١.\n(٢) البداية والنهاية لابن كثير ٢/ ٢٢٤، وعزاه بسنده إلى ابن وهب.\n(٣) البداية والنهاية ٢/ ٢٢٤، وعزاه لابن أبي حاتم بسنده.\n(٤) أخرجه ابن جرير بإسناده في تفسيره٢١/ ٤٤، وانظر: البداية والنهاية٢/ ١٢٤.","vol":"1","page":95},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>المطلب الثاني\nالعمل بالعلم المقرون بالصدق والإخلاص</span>\nالعمل بالعلم بإخلاص، وصدق، ورغبة في رضى الله - ﷿ - من أعظم المطالب التي تكتسب بها الحكمة بتوفيق الله وتسديده وفضله وإحسانه.\nوالعلم هو ما قام عليه الدليل، وهو النقل المصدق والبحث المحقق، والنافع منه ما جاء به الرسول ﷺ: علم الكتاب والسنة، والمطلوب من الإنسان هو فهم معانيهما، والعمل بما فيهما، فإن لم تكن هذه همة حافظ القرآن وطالب السنة لم يكن من أهل العلم والدين (١).\nولهذا كانت الحكمة عند العرب هي العلم النافع والعمل الصالح (٢).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \" قال غير واحد من السلف: الحكمة معرفة الدين والعمل به \" (٣).\nوالعلم بلا عمل حجة على صاحبه يوم القيامة، ولهذا حذر الله المؤمنين أن يقولوا ما لا يفعلون، فقال ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ - كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢ - ٣] (٤). .\nومثل من يتعلم العلم ويزداد منه ولا يعمل به مثل رجل احتطب حطبًا فحزم حزمة، ثم ذهب يحملها فعجز عنها، فضم إليها أخرى (٥).\nوالداعية لا يكون حكيمًا في دعوته ما لم يعمل بعلمه، ولهذا ينفر الناس عنه، وتزل موعظته من القلوب كما يزل القطر من الصفا؛ لأن الكلام - في\n_________\n(١) انظر: مجموعة فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١٣/ ١٣٦ ٦/ ٣٣٨، ٢٣/ ٥٤.\n(٢) المرجع السابق ١٩/ ١٧٠، وتفسير العلامة السعدي ٦/ ١٥٤.\n(٣) درء تعارض العقل والنقل ٩/ ٢٢، ٢٣، وانظر: تفسير الطبري ١/ ٨٧.\n(٤) سورة الصف، الآيتان ٢، ٣.\n(٥) انظر: الزهد للإمام أحمد ص٨٥.","vol":"1","page":96},{"text":"الغالب - إذا خرج من القلب وقع في القلب، وإذا خرج من اللسان لم يتجاوز الآذان (١) قال الشاعر:\nيا أيها الرجل المعلم غيره ... هلا لنفسك كان ذا التعليم\nابدأ بنفسك فانهها عن غيها ... فإذا انتهت عنه فأنت حكيم\nفهناك يقبل ما تقول ويقتدي ... بالعلم منك وينفع التعليم\nتصف الدواء لذي السقام من الضنا ... كيما يصح به وأنت سقيم\nأراك تلقح بالرشاد عقولنا ... نصحًا وأنت من الرشاد عديم\nلا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم (٢)\nوالعمل بالعلم لا بد فيه من الإخلاص، والإخلاص لا بد أن يقصد به وجه الله، ومحبته، ورضاه، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى-: \"حُكِيَ أن أبا حامد بلغه أن من أخلص لله أربعين يومًا تفجرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه، قال: فأخلصت أربعين يومًا، فلم يتفجر شيء، فذكرت ذلك لبعض العارفين فقال لي: إنك أخلصت للحكمة، لم تُخْلِصْ للهِ \" (٣).\nوذلك أن الإنسان قد يكون مقصوده نيل العلم والحكمة، أو نيل المكاشفات والتأثيرات، أو نيل تعظيم الناس له ومدحهم إياه، أو غير ذلك من المطالب.\nوقد عرف أن ذلك لم يحصل بالإخلاص لله، وإرادة وجهه، فإذا قصد أن طلب ذلك بالإخلاص لله وإرادة وجهه كان متناقضًا؛ لأن من أراد شيئًا لغيره فالثاني هو المراد المقصود بذاته، والأول يراد لكونه وسيلة إليه، فإذا\n_________\n(١) انظر: جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر٢/ ٨.\n(٢) انظر: المرجع السابق١/ ١٩٦، ودرء تعارض العقل والنقل٩/ ٢٢، ٢٣.\n(٣) درء تعارض العقل والنقل٦/ ٦٦.","vol":"1","page":97},{"text":"قصد أن يخلص؛ ليصير عالمًا، أو عارفًا، أو ذا حكمة، أو متشرفًا بالنسبة إليه، أو صاحب مكاشفات وتصرفات، ونحو ذلك، فهو هنا لم يرد الله، بل جعل الله وسيلة له إلى ذلك المطلوب الأدنى، وإنما يريد الله ابتداء من ذاق حلاوة محبته وذكره (١).\nوقال ابن تيمية - ﵀-: \"وقد روي: إذا زهد العبد في الدنيا وكل الله- سبحانه- بقلبه ملكًا يغرس فيه آثار الحكمة كما يغرس أكار (٢) أحدكم الفسيل في بستانه \" (٣).\nأما من لم يعمل بالعلم، أو عمل به ولكنه لم يخلص في ذلك فهذا بعيد عن إيتاء الحكمة التي من أوتيها فقد أوتي خيرًا كثيرًا؛ ولهذا قال الشاعر:\nوكيف يصح أن تُدعى حكيمًا ... وأنت لكل ما تهوى ركوب (٤)\n_________\n(١) درء تعارض العقل والنقل٦/ ٦٦، ٦٧ بتصرف.\n(٢) الأكار: الزراع. انظر: لسان العرب، حرف الراء، فصل الهمزة، مادة: أكر.\n(٣) انظر: درء تعارض العقل والنقل ٨/ ٥١٨.\n(٤) انظر: المرجع السابق ٩/ ٢٢، ٢٣.","vol":"1","page":98},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>المطلب الثالث الاستقامة </span>الاستقامة:\nكلمة جامعة تشمل الدين كله، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠] (١) وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ - أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأحقاف: ١٣ - ١٤] (٢). وقال تعالى للنبي ﷺ: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود: ١١٢] (٣).\nوعن سفيان بن عبد الله - ﵁- قال: «قلت: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا غيرك! قال: \" قل: آمنت بالله، ثم استقم» (٤).\nوالمطلوب من العبد المسلم وخاصة الدعاة إلى الله: الاستقامة، وهي السداد؛ فإن لم يقدر فالمقاربة، فإن نزل عن المقاربة، فلم يبق إلا التفريط والضياع.\nفعن أبي هريرة - ﵁- عن النبي ﷺ أنه قال: «سددوا وقاربوا، واعلموا أنه لن ينجو أحد منكم بعمله \"، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؛ قال: \" ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل» (٥).\n_________\n(١) سورة فصلت، الآية ٣٠.\n(٢) سورة الأحقاف، الآيتان ١٣، ١٤.\n(٣) سورة هود، الآية ١١٢.\n(٤) مسلم، في كتاب الإيمان، باب جامع أوصاف الإسلام١/ ٦٥.\n(٥) مسلم، في كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب لن يدخل أحد الجنة بعمله بل برحمة الله ٤/ ٢١٧٠.","vol":"1","page":99},{"text":"فجمع هذا الحديث مقامات الدين كلها، فأمر بالاستقامة، وهي: السداد والإصابة في النيات والأقوال والأعمال، وعلم النبي ﷺ أنهم لا يطيقون الاستقامة، فنقلهم إلى المقاربة، وهي أن يقرب الإنسان من الاستقامة بحسب طاقته، كالذي يرمي إلى الهدف، فإن لم يصبه يقاربه، ومع هذا أخبرهم ﷺ أن الاستقامة والمقاربة لا تنجي يوم القيامة، فلا يعتمد أحد على عمله، ولا يعجب به، ولا يرى أن نجاته به، بل إنما نجاته برحمة الله، وعفوه، وفضله، فالاستقامة كلمة آخذة بمجامع الدين كله، وهي القيام بين يدي الله على حقيقة الصدق، والوفاء بالعهد، وهي تتعلق بالأقوال والأفعال والأحوال والنيات.\nوالداعية إلى الله يجب أن يكون من أعظم الناس استقامة، وبهذا- بإذن الله تعالى- لا يُخيِّب الله سعيه، ويجعل الحكمة على لسانه، وفي أفعاله، وتصرفاته، وهو تعالى ذو الفضل والإِحسان (١).\nوأعظم الكرامة لزوم الاستقامة، وبذلك يقبل قول الداعية، ويقتدى بأفعاله، فيعطى بذلك خيرًا كثيرًا، وثوابًا جزيلًا، لِإخلاصه وصدق نيته، ورغبته فيما عند الله﷿-، ويحصل على أحسن قول وعمل على الإطلاق، كما قال ﷿: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣] (٢).\nإن كلمة الدعوة حينئذ هي أحسن كلمة تقال في الأرض، وتصعد في مقدمة الكلم الطيب إلى السماء، ولكن مع العمل الصالح الذي يصدق الدعوة، ومع الاستسلام الكامل لله وحده، والاعتزاز بالإِسلام.\nوبهذا يعلم أن هذه الآية اشتملت على ثلاثة شروط حتى يكون الداعية\n_________\n(١) انظر: مدارج السالكين لابن القيم٢/ ١٠٥، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي١٥/ ٣٥٧.\n(٢) سورة فصلت، الآية ٣٣.","vol":"1","page":100},{"text":"لا أحد أحكم ولا أحسن قولًا منه في الدنيا أبدًا:\nالشرط الأول: دعوته إلى الله- تعالى- بأن يعبد وحده، فيطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر.\nالشرط الثاني: عمل الداعية الصالحات بأداء الفرائض، واجتناب المحارم، والقيام بالمستحبات، والابتعاد عن المكروهات، فهو مع دعوته الخلق إلى الله يبادر هو بنفسه إلى امتثال الأوامر واجتناب النواهي.\nالشرط الثالث: اعتزاز الداعية بالإسلام وانقياده لأمره شكرًا لربه؛ ولأنه على الحق الواضح المبين، فإذا قام الداعية بهذه الشروط الثلاثة، فلا أحد أحسن قولا منه (١).\nولكن قد يحصل للداعية ما يصده عن دعوته من شياطين الإنس، وشياطين الجن، فبين الله﷿- أن المخرج من شياطين الإنس بالإحسان إليهم، ومعاملتهم باللين، والعفو عنهم، والإعراض عن جهلهم وإساءتهم.\nأما شياطين الجن فلا منجى منهم إلا بالاستعاذة منهم بالله وحده (٢) قال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ - وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٩٩ - ٢٠٠] (٣).\nولا شك أن الداعية إذا سلك هذه المسالك الحكيمة اكتسب الحكمة بتوفيق الله تعالى.\n_________\n(١) انظر: تفسير العلامة السعدي٦/ ٥٧٥، وتفسير الجزائري٤/ ١٢٠.\n(٢) انظر: أضواء البيان للشنقيطي٢/ ٣٤١، ٣٤٢، وتفسير السعدي٦/ ٥٢٧، وزاد المعاد٢/ ٤٦٢.\n(٣) سورة الأعراف، الآيتان ١٩٩، ٢٠٠ وانظر سورة المؤمنون، الآيات ٩٦ - ٩٨، وسورة فصلت، الآيات ٣٤ - ٣٦.","vol":"1","page":101},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>المطلب الرابع الخبرات والتجارب</span>\nالتجربة لها الأثر العظيم في اكتساب المهارات والخبرات، وهي من أعظم طرق اكتساب الحكمة، والتجربة لا تخرج الحكمة عنِ كونها فضل الله يؤتيه من يشاء؛ فإنه المعطي الوهاب ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] (١) ولكنه سبحانه جعل لكل شيء سببًا يوصل إليهَ.\nوالتجربة في العلم اختبار منظم لظاهرة أو ظواهر يراد ملاحظتها ملاحظة دقيقة منهجية؛ للكشف عن نتيجة ما، أو تحقيق غرض معين، وما يعمل أولا لتلافي النقص في شيء وإصلاحه (٢) ويقال: جربه تجربة: اختبره، ورجل مجرب، كمعظم: بُلِيَ ما كان عنده، ومجرب: عرف الأمور (٣) تقول: جربت الشيء تجريبًا: اختبرته مرة بعد أخرى، والاسم التجربة، والجمع التجارب (٤).\nوعن معاوية - ﵁- قال: \"لا حكيم إلا ذو تجربة\" (٥).\nومن المعلوم أن الحكيم لا بد له من تجارب قد أحكمته، ولهذا قيل: \"لا حليم إلا ذو عثرة، ولا حكيم إلا ذو تجربة\" (٦).\nوالمعنى: لا حليم إلا صاحب زلة قدم، أو لغزة قلم في تقريره أو تحريره. وقيل: لا حليم كاملا إلا من وقع في زلة وحصل منه الخطأ والتخجل فعفي عنه فعرف به رتبة العفو فيحلم عند عثرة غيره؛ لأنه عند\n_________\n(١) سورة النحل، الآية ٥٣.\n(٢) المعجم الوسيط، مادة: جرب١/ ١١٤.\n(٣) القاموس المحيط، باب الباء، فصل الجيم ص ٨٥.\n(٤) المصباح المنير، مادة جرب ص٩٥.\n(٥) البخاري مع الفتح، كتاب الأدب، باب لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين، موقوفا على معاوية مجزومًا به ١٠/ ٥٢٩.\n(٦) الترمذي، كتَاب البر والصلة، باب ما جاء في التجارب٤/ ٣٧٩، وأحمد في المسند٣/ ٨.","vol":"1","page":102},{"text":"ذلك يصير ثابت القدم، ولا حكيم كاملا إلا من جرب الأمور، وعلم المصالح والمفاسد؛ فإنه لا يفعل فعلا إلا عن حكمة، إذ الحكمة إحكام الشيء وإصلاحه عن الخلل (١) والحكيم هو المتيقظ المنتبه، أو المتقن للحكمة الحافظ لها (٢).\nوالحكمة من أثمن نتائج التمييز والتفكير، وهي زبدة العلم والاختبار، فالعلم يخطط الأسس النظرية، ثم يكتمل ويصقل بالخبرة العملية المبنية على المران والتجارب، ولهذا كان العلماء الأحداث بسبب قلة تجاربهم أنقص حكمة، وأقل رسوخًا في العلم من كبار العلماء الراسخين في العلم (٣).\nوبهذا يعلم أن الداعية إلى الله إذا خالط الناس، وعرف عاداتهم وتقاليدهم، وأخلاقهم الاجتماعية، ومواطن الضعف والقوة، سيركز على ما ينفع الناس، ويضع الأشياء في مواضعها؛ لأنه قد جربهم، فالتجارب تنمي المواهب والقدرات، وتزيد البصير بصرًا، والحليم حلمًا، وتجعل العاقل حكيمًا، وقد تشجع الجبان، وتسخي البخيل، وقد تُليِّن قلب القاسي، وتقوِّي قلب الضعيف، ومن زادته التجارب عمى إلى عماه فهو من الحمقى الذين قد طبع الله على قلوبهم فهم لا يفقهون (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>[الاستفادة من تجارب الأنبياء]</span>\nوأعظم الناس تجربة، وأكملهم حكمةً: الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام؛ لأنهم صفوة البشر اصطفاهم الله ورباهم، ثم أرسلهم لِإخراج الناس من الظلمات إلى النور، ومع هذا ما بعث الله من نبي إلا رعى\n_________\n(١) انظر: فتح الباري ١٠/ ٥٣٠، وتحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي٦/ ١٨٢.\n(٢) انظر: فيض القدير شرح الجامع الصغير٦/ ٤٢٤.\n(٣) انظر: الدعائم الخلقية للقوانين الشرعية للدكتور /صبحي محمصاني ص١٤٠.\n(٤) انظر: هكذا علمتني الحياة، القسم الأول، للدكتور مصطفى السباعي ص٤٧.","vol":"1","page":103},{"text":"الغنم، كما قال ﷺ: «ما بعث الله نبيًّا إلا رعى الغنم \"، فقال أصحابه: وأنت؟ فقال: \"نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة» (١) وفي رواية: «قالوا: أكنت ترعى الغنم؟ قال: \"وهل من نبي إلا وقد رعاها؟» (٢).\nوالحكمة من ذلك- والله أعلم- أن الله﷿- يلهم الأنبياء قبل النبوة رعي الغنم؛ ليحصل لهم التمرين والتجربة برعيها على ما يُكلَّفُونه من القيام بأمر أمتهم؛ ولأن في مخالطتها ما يُحصِّل لهم الحلم والشفقة، كما قال، ﷺ: «أتاكم أهل اليمن هم أرقُّ أفئدةً وألين قلوبًا. الإِيمانُ يَمانٍ، والحكمة يمانية، والفخر والخيلاء في أصحاب الإِبل، والسكينة والوقار في أهل الغنم» (٣) ولأنهم إذا صبروا على رعيها وجمعها بعد تفرقها في المرعى، ونقلها من مسرح إلى مسرح، ودفع عدوها من سبع وغيره كالسارق، وعلموا اختلاف طبائعها، وشدة تفرقها مع ضعفها، واحتياجها إلى المعاهدة ألفوا من ذلك الصبر على الأمة، وعرفوا اختلاف طبائعها وتفاوت عقولها، فجبروا كسرها، ورفقوا بضعيفها، وأحسنوا التعاهد لها، فيكون تحملهم لمشقة ذلك أسهل مما لو كلفوا القيام بذلك من أول وهلة، لما يحصل لهم من التدريج على ذلك برعي الغنم، وخصت الغنم بذلك؛ لكونها أضعف من غيرها؛ ولأن تفرقها أكثر من تفرق الإِبل والبقر، لإِمكان ضبط الإِبل والبقر بالربط دونها في العادة المألوفة، ومع أكثرية تفرقها فهي أسرع انقيادًا من غيرها (٤).\n_________\n(١) البخاري مع الفتح، كتاب الإِجارة، باب رعي الغنم على قراريط ٤/ ٤٤١.\n(٢) البخاري مع الفتح، كتاب الأنبياء، باب يعكفون على أصنام لهم ٦/ ٤٣٨، وكتاب الأطعمة، باب الكباث ٩/ ٥٧٥، ومسلم في الأشربة، باب فضيلة الأسود من الكباث ٣/ ١٦٢١، وهو النضيج من ثمر الأراك، انظر. شرح النووي١٤/ ٦.\n(٣) البخاري مع الفتح، كتاب المغازي، باب قدوم الأشعريين وأهل اليمن ٨/ ٩٨، ومسلم في الإِيمان، باب تفاضل أهل الإِيمان١/ ٧١.\n(٤) انظر. فتح الباري٤/ ٤٤١، وشرح النووي على مسلم١٤/ ٦.","vol":"1","page":104},{"text":"ثم بعد رعيهم الغنم جربوا الناس، وعرفوا طبائعهم، فازدادوا تجارب إلى تجاربهم، ولهذا قال موسى ﷺ لمحمد ﷺ عندما فرضت عليه الصلاة خمسون صلاة في كل يومٍ ليلة الإسراء والمعراج: «إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم، وإني والله قد جربت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك». . \" فما زال النبي يراجع ربه ويضع عنه حتى أُمِرَ بخمس صلوات كل يوم (١).\nفموسى ﷺ قد جرب الناس، وعلم أن أمة محمد ﷺ أضعف من بني إسرائيل أجسادًا، وأقل منهم قوةً، والعادة أن ما يعجز عنه القوي فالضعيف من باب أولى (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>[الداعية بكثرة تجاربه يذداد حكمة]</span>\nفالداعية بتجاربه بالسفر، ومعاشرته الجماهير، وتعرفه على عوائد الناس وعقائدهم، وأوضاعهم، ومشكلاتهم، واختلاف طبائعهم وقدراتهم، سيكون له الأثر الكبير في نجاح دعوته وابتعاده عن الوقوع في الخطأ؛ لأنه إذا وقع في خطأ في منهجه في الدعوة إلى الله، أو أموره الأخرى لا يقع فيه مرة أخرى، وإذا خُدعَ مرة لم يخدع مرة أخرى، بل يستفيد من تجاربه وخبراته، ولهذا قال ﷺ: «لا يُلدغ المؤمن من جحرٍ واحدٍ مرتين» (٣) وقال: «كلكم خطاء، وخير الخطائين التوابون» (٤).\nوإذا أراد الداعية أن يكتسب الحكمة من التجارب، فلا بد له - لِإصلاح المتدينين وتوجيههم- أن يعيش معهم في مساجدهم،\n_________\n(١) البخاري مع الفتح، كتاب مناقب الأنصار، باب المعراج ٧/ ٢٠٢.\n(٢) انظر: حاشية السندي على سنن النسائي ١/ ٢٢٠، وفتح الباري ١/ ٤٦٣.\n(٣) البخاري مع الفتح، كتاب الأدب، باب لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين١٠/ ٥٢٩، ومسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين٤/ ٢٢٩٥.\n(٤) الترمذي، كتاب صفة القيامة، باب حدثنا هناد٤/ ٦٥٩، وابن ماجه في الزهد باب ذكر التوبة ٢/ ١٤٢٠، والدارمي في الرقاق، باب التوبة، ٢/ ٢١٣، وانظر: صحيح الترمذي ٢/ ٣٠٥.","vol":"1","page":105},{"text":"ومجتمعاتهم، ومجالسهم، وإذا أراد إصلاح الفلاحين والعمال عاش معهم في قراهم ومصانعهم، وإذا أراد أن يصلح المعاملات التجارية بين الناس، فعليه أن يختلط بهم في أسواقهم، ومتاجرهم، وأنديتهم، ومجالسهم، وإذا أراد أن يصلح الأوضاع السياسية، فعليه أن يختلط بالسياسيين، ويتعرف إلى تنظيماتهم، ويستمع لخطبهم، ويقرأ لهم برامجهم، ثم يتعرف إلى البيئة التي يعيشون فيها، والثقافة التي حصلوا عليها، والاتجاه الذي يندفعون نحوه؛ ليعرف كيف يخاطبهم بما لا تنفر منه نفوسهم، وكيف يسلك في إصلاحهم بما لا يدعوهم إلى محاربته عن كره نفس واندفاع عاطفي، فيحرم نفسه من الدعوة إلى الله، ويحرم الناس من علمه (١) وهذا يؤهله إلى أن يُحَدِّثَ الناس بما يعرفون، ولا يحدثهم حديثًا لا تبلغه عقولهم، قال علي - ﵁-: \" حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يُكذَّبَ الله ورسوله \" (٢).\nوقال ابن مسعود - ﵁-: \"ما أنت بِمُحدِّثٍ قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة\" (٣).\nوهكذا ينبغي أن يكوِّن الداعية من تجاربه في الحياة، ومعرفته بشؤون الناس ما يمكنه من اكتساب الحكمة، وتحقيق قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] (٤).\n_________\n(١) انظر: السيرة النبوية دروس وعبر، للدكتور مصطفى السباعي، ص٤١، والرياض الناضرة والحدائق النيرة الزاهرة، لعبد الرحمن السعدي، ص٨٨.\n(٢) البخاري مع الفتح، كتاب العلم، باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية أن لا يفهموا ١/ ٢٢٥.\n(٣) مسلمْ، في المقدمة، باب النهى عن الحديث بكل ما سمع ١/ ١١١.\n(٤) سورة النحل، الآية ١٢٥.","vol":"1","page":106},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>المطلب الخامس السياسة الحكيمة</span>\nإذا سلك الداعية إلى الله مسلك السياسة الحكيمة في دعوته إلى الله تعالى، فسيكون لذلك عظيم الأثر في نجاح دعوته واكتسابه الحكمة، والوصول إلى الغاية المطلوبة بإذن الله تعالى.\nوالنبي ﷺ هو أُسوتنا وقدوتنا، وإمام الدعاة إلى الله، قد سلك هذا المسلك، فنفع الله به العباد، وأنقذهم به من الشرك إلى التوحيد، وكان لسياسته الحكيمة عظيم النفع والأثر في نجاح دعوته، وإنشاء دولته، وقوَّة سلطانه، ورفعة مقامه، ولم يعرف في تاريخ السياسات البشرية أن رجلا من الساسة المصلحين في أي أمة من الأمم كان له مثل هذا الأثر العظيم، ومَن مِن المصلحين المبرزين- سواء كان قائدًا محنكا، أو مربيًا حكيمًا- اجتمع لديه من رجاحة العقل، وأصالة الرأي، وقوة العزم، وصدق الفراسة، ما اجتمع في رسول اللهﷺ؟ ولقد برهن على وجود ذلك فيه: صحة رأيه، وصواب تدبيره، وحسن تأليفه، ومكارم أخلاقه، ﷺ (١).\nفإذا قام الداعية بسلوك هذا المسلك بإخلاص، وصدق وعزيمة، اكتسب من الحكمة في الدعوة إلى الله مكتسبًا عظيمًا.\n\nوطرق السياسة الحكيمة في الدعوة إلى الله﷿- كثيرة، منها ما يأتي:\n١ - تحري أوقات الفراغ، والنشاط، والحاجة عند المدعوين حتى لا يملوا عن الاستماع ويفوتهم من الإرشاد والتعليم النافع، والنصائح الغالية الشيء الكثير، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يتخول أصحابه بالموعظة كراهة السآمة عليهم، فعن عبد الله بن مسعود - ﵁- قال:\n_________\n(١) انظر: هداية المرشدين، للشيخ علي بن محفوظ ص٢٤ و٣١.","vol":"1","page":107},{"text":"«كان النبي ﷺ يتخولنا بالموعظة في الأيام كراهة السآمة علينا» (١).\nولهذا طبق الصحابة هذه السياسة، فقد كان عبد الله بن مسعود يذكِّر الناس في كل خميس، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، لوددت أنك ذكرتنا كل يوم، قال: أما إنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أملكم، وإني أتخولكم بالموعظة كما «كان النبي ﷺ يتخولنا بها مخافة السآمة علينا» (٢).\nوقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: «يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا» (٣).\n٢ - ترك الأمر الذي لا ضرر في تركه ولا إثم، اتقاء للفتنة، فقد يجد الداعية قومًا استقر مجتمعهم وعاداتهم على أشياء لا تخالف الشريعة؛ ولكن فعل غيرها أفضل، فإذا علم الداعية أنه سيحصل فتنة إذا دعا إلى ترك هذا الأمر أو فعله فلا حرج ألا يدعو، فقد ترك النبي ﷺ هدم الكعبة وبناءها على قواعد إبراهيم ﷺ اجتنابًا لفتنة قوم كانوا حديثي عهد بجاهلية، فعن عائشة - ﵂- أن النبي ﷺ قال لها: «يا عائشة، لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فهدم، فأدخلت فيه ما أخرج منه، وألزقته بالأرض، وجعلت له بابين: بابا شرقيًّا، وبابًا غربيًا، فبلغت به أساس إبراهيم» (٤).\nوفي رواية: «إن قومك قصرت بهم النفقة»، قلت: فما شأن بابه\n_________\n(١) البخاري مع الفتح، كتاب العلم، باب ما كان النبي ﷺ يتخولهم بالموعظة والعلم كي لا ينفروا ١/ ١٦٢، وباب من جعل لأهل العلم أيامًا معلومة ١/ ١٦٣.\n(٢) البخاري مع الفتح، كتاب العلم، باب من جعل لأهل العلم أيامًا معلومة ١/ ١٦٣.\n(٣) البخاري مع الفتح كتاب العلم، باب ما كان النبي ﷺ يتخولهم بالموعظة ١/ ١٦٢، ومسلم، كتاب الجهاد، باب الأمر بالتيسير وترك التنفير٣/ ١٣٥٨.\n(٤) البخاري مع الفتح، كتاب الحج، باب فضل مكة وبنيانها ٣/ ٤٣٩، ومسلم، في الحج، باب نقض الكعبة وبنائها ٢/ ٩٦٩.","vol":"1","page":108},{"text":"مرتفعًا؟ قال: «فعل ذلك قومك لِيُدخِلوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا، ولولا أن قومك حديث عهدهم بالجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبهم أن أدخل الجدر في البيت، وأن ألصق بابه بالأرض» (١).\nوهذا يدل الداعية على أن المصالح إذا تعارضت، أو تعارضت مصلحة ومفسدة، وتعذر الجمع بين فعل المصلحة وترك المفسدة بدئ بالأهم؛ لأن النبي ﷺ أخبر أن نقض الكعبة وردها إلى ما كانت عليه من قواعد إبراهيم ﷺ مصلحة، ولكن تعارضه مفسدة أعظم منه، وهو خوف فتنة بعض من أسلم قريبًا، وذلك لما كانوا يعتقدونه من فضل الكعبة، فيرون تغييرها عظيمًا، فتركها ﷺ لدفع هذه المفسدة\" (٢).\n٣ - تأليف القلوب بالمال والجاه أحيانًا، فالداعية كالطبيب الذي يشخص المرض أولا، ثم يعطي العلاج على حسب نوع المرض، فإذا علم الداعية أن المدعو لم يرسخ الإيمان في قلبه رسوخًا لا تزلزله الفتن، فله أن يعطيه من المال ما يستطيعه، للاحتفاظ بالبقاء على الهداية بالإسلام، وقد شرع الله للمؤلفة قلوبهم نصيبًا من الزكاة، وقد كان رسول الله ﷺ يسلك هذا المسلك، فيؤثر حديثي العهد بالإسلام بجانب من المال، إذا ظهر له أن الإيمان لم يرسخ؛ ولذلك أشار بقوله: «إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه خشية أن يُكبّ في النار على وجهه» (٣).\nوقد كان يعطي ﷺ أشراف قريش وغيرهم من المؤلفة قلوبهم، لتلافي أحقادهم؛ ولأن الهدايا تجمع القلوب، وتجعل القلوب متهيئة للنظر في\n_________\n(١) البخاري مع الفتح، كتاب الحج، باب فضل مكة وبنيانها ٣/ ٤٣٩، ومسلم، كتاب الحج، باب نقض الكعبة ٢/ ٩٧٢.\n(٢) انظر: شرح النووي على مسلم٩/ ٨٩.\n(٣) البخاري مع الفتح بنحوه، كتاب الإيمان، باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة١/ ٧٩، ومسلم في الإيمان، باب تأليف قلب من يخاف على إيمانه لضعفه١/ ١٣٢.","vol":"1","page":109},{"text":"صدق الدعوة، وصحة العقيدة، والاستفادة من الآيات البينات، والبراهين الواضحة (١).\nوصدق ﷺ حيث قال: «تهادوا تحابوا» (٢).\nوللتأليف بالمال أمثلته كثيرة من هديه ﷺ (٣).\nوالتأليف بالجاه من السياسة الحكيمة، ولهذا قال ﷺ للأنصار حينما آثر عليهم غيرهم في العطاء: «أفلا ترضون أن يذهب الناس بالأموال وترجعون إلى رحالكم برسول الله ﷺ؟ فواللَّه لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به»، فقالوا: بلى يا رسول الله قد رضينا (٤).\nوفي رواية: «لو سلك الناس واديًا أو شعبًا، وسلكت الأنصار واديًا أو شعبًا لسلكت وادي الأنصار أو شعب الأنصار» (٥) فإذا سلك الداعية هذه السياسة وفق للصواب والحكمة- بإذن الله تعالى-.\n٤ - التأليف بالعفو في موضع الانتقام، والإحسان في مكان الإِساءة، وباللين في موضع المؤاخذة، وبالصبر على الأذى، فكان يقابل الأذى بالصبر الجميل، ويقابل الحمق بالحلم والرفق، ويقابل العجلة والطيش بالأناة والتثبت.\n_________\n(١) انظر: هداية المرشدين، ص٣٥.\n(٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى٦/ ١٦٩، والبخاري في الأدب المُفْرَد، ص٢٠٨، برقم٥٩٤، قال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير: إسناده حسن٣/ ٧٠، وانظر: ارواء الغليل برقم ١٦٠١.\n(٣) انظر: صحيح مسلم ٤/ ١٨٠٣ - ١٨٠٦، وانظر: مواقف الكرم للنبي ﷺ في فصل (المواقف) من هذه الرسالة، وانظر أيضًا: البخاري مع الفتح٣/ ١٣٥، ٦/ ٢٥٠، ١١/ ٢٥٨.\n(٤) البخاري مع الفتح، كتاب فرض الخمس، باب ما كان النبي ﷺ يعطي المؤلفة قلوبهم٦/ ٢٥١، ومسلم، كتاب الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم وتصبر من قوي إيمانه ٢/ ٧٣٤، ٧٣٥.\n(٥) مسلم، في كتاب الزكاة، الباب السابق٢/ ٧٣٥.","vol":"1","page":110},{"text":"وهذا من أعظم ما يجذب المدعوين إلى الإسلام والاستقامة والثبات، وبمثل هذه المعاملة الحسنة جمع النبي ﷺ قلوب أصحابه حوله، فتفانوا في محبته والدفاع عنه، وعن دعوته بمؤازرته ومناصرته.\nوقد مدح الله رسوله، وأمره بالعفو والصفح والاستغفار لمن تبعه من المؤمنين ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] (١) ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] (٢) ٥ - عدم مواجهة الداعية أحدًا بعينه عندما يريد أن يؤدبه أو يزجره ما دام يجد في الموعظة العامة كفاية، وهذا من السياسة البالغة في منتهى الحكمة، ولهذا كان النبي ﷺ يسلك هذا الأسلوب الحكيم، ومن ذلك قوله ﷺ: «ما بال أحدكم يقوم مستقبل ربه، فيتنخع أمامه، أيحب أحدكم أن يستقبل فيتنخع في وجهه؟ فإذا تنخع أحدكم فليتنخع عن يساره تحت قدمه، فإن لم يجد فليفعل هكذا»، ووصف القاسم فتفل في ثوبه، ثم مسح بعضه على بعض (٣).\nوفقد ﷺ ناسًا في بعض الصلوات، فقال: «والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجَلا\n_________\n(١) سورة آل عمران الآية ١٥٩.\n(٢) سورة التوبة ١٢٨.\n(٣) مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهى عن البصاق في المسجد١/ ٣٨٩.","vol":"1","page":111},{"text":"يؤم الناس، ثم أخالف إلى رجالٍ [يتخلفون عنها] فأحرق عليهم بيوتهم» (١).\nوقال ﷺ: «ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة»، فاشتد قوله في ذلك حتى قال: «لينتهن عن ذلك أو لتخطفن أبصارهم» (٢).\nوصنع النبي ﷺ شيئًا فرخص فيه، فتنزه عنه قوم، فبلغ ذلك النبي ﷺ فخطب، فحمد الله، ثم قال: «ما بال أقوام يتنزهون عن شيءٍ أصنعه، فواللَّه إني لأعلمهم بالله وأشدهم له خشية» (٣).\nوقال: «ما بال أقوام قالوا كذا وكذا، لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» (٤).\nوبلغه شرط أهل بريرة - ﵂- أن الولاء لهم بعد بيعها، ثم خطب الناس فقال: «ما بال أناس يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله، من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله فليس له، وإن شرط مائة مرة، شرط الله أحق وأوثق» (٥).\nوهذا يدل الداعية على أن من الحكمة عدم مواجهة الناس بالعتاب سترًا عليهم ورفقًا بهم، وتلطفًا.\n_________\n(١) البخاري مع الفتح، كتاب الأذان، باب وجوب صلاة الجماعة٢/ ١٢٥، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاة الجماعة١/ ٤٥١. وما بين المعكوفين من رواية مسلم.\n(٢) البخاري مع الفتح، كتاب الأذان، باب رفع البصر إلى السماء في الصلاة، ٢/ ٢٣٣.\n(٣) البخاري مع الفتح، كتاب الأدب، باب من لم يواجه الناس بالعتاب ١٠/ ٥١٣، ومسلم، كتاب الفضائل، باب علمه ﷺ بالله تعالى وشدة خشيته ٤/ ١٨٢٩.\n(٤) مسلم، في كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه٢/ ١٠٢٠.\n(٥) البخاري مع الفتح، كتاب المكاتب، باب ما يجوز من شروط المكاتب٥/ ١٨٧، ومسلم، كتاب العتق، باب إنما الولاء لمن أعتق٢/ ١١٤٢.","vol":"1","page":112},{"text":"والداعية يستطيع أن يوجه العتاب عن طريق مخاطبة الجمهور إذا كان المدعو المقصود بينهم ومن جملتهم، وهذا من أحكم الأساليب (١).\n٦ - إعطاء الوسائل صورة ما تصل إليه، كقوله ﷺ: «من دل على خير فله مثل أجر فاعله» (٢).\nفقد صور ﷺ الدلالة على فعل الخير في صورة الفعل نفسه.\nوكقوله ﷺ: «من جهز غازيًا فقد غزا» (٣).\nوقال ﷺ: «إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه» قيل: يا رسول الله: وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: «يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه» (٤).\nوهذا أصل في سد الذرائع، ويؤخذ منه أن من آل فعله إلى محرم يحرم عليه ذلك الفعل وإن لم يقصد إلى ما يحرم (٥) كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] (٦) فقد أعطى النبي ﷺ من يسب أبا الغير وأمه صورة من يسب والديه؛ لأنه تسبب في سبهما.\n٧ - أن يجيب الداعية علي السؤال الخاص بما يتناوله وغيره حتى يكون ما أجاب به قاعدة عامة للسائل وغيره، قال عمرو بن العاص: لما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النبي ﷺ فقلت: ابسط يمينك فلأبايعك، فبسط يمينه، قال: فقبضت يدي، قال: «مالك يا عمرو؟»\n_________\n(١) انظر: فتح الباري١٠/ ٥١٣.\n(٢) مسلم، في كتاب الإمارة، باب فضل إعانة النازي في سبيل الله ٣/ ١٥٠٦.\n(٣) مسلم، في كتاب الإمارة، باب فضل إعانة الغازي في سبيل الله ٣/ ١٥٠٧.\n(٤) البخاري مع الفتح، كتاب الأدب، باب لا يسب الرجل والديه١٠/ ٤٠٣.\n(٥) انظر: فتح الباري١٠/ ٤٠٤.\n(٦) سورة الأنعام، الآية ١٠٨.","vol":"1","page":113},{"text":"قال: قلت: أردت أن أشترط، قال: «تشترط بماذا؟» قلت: أن يغفر لي، قال: «أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله. .» (١).\nفأجاب ﷺ بما يفيد عدم المؤاخذة عن كل من اعتنق الإسلام، وعن كل من هاجر، وعن كل من حج حجًّا مبرورًا، وقد كان يكفيه في الجواب أن يقول: غُفِرَ لك، أو نحوها (٢).\nوقال ﷺ لمن سأله عن ماء البحر: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته» (٣). فأجاب ﷺ السائل عن الحكم الذي سأل عنه، وزاده حكمًا لم يسأل عنه، وهو حل ميتة البحر، فعندما عرف ﷺ اشتباه الأمر على السائل في ماء البحر أشفق أن يشتبه عليه حكم ميتته، وقد يُبْتَلَى بها راكب البحر، فعقّب الجواب عن سؤاله ببيان حكم الميتة، وذلك من محاسن الفتوى أن يُجاء في الجواب بأكثر مما سُئِلَ عنه تتميمًا للفائدة، وإفادة لعلم غير المسئول عنه، ويتأكد عند ظهور الحاجة إلى الحكم كما هنا؛ لأن من توقف في طهورية ماء البحر فهو عن العلم بحل ميتته مع تقدم تحريم الميتة أشد توقفًا (٤).\n٨ - ضرب الأمثال، قال ﷺ: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا، وشبك بين أصابعه» (٥).\n_________\n(١) مسلم، كتاب الإيمان، باب كون الإسلام يهدم ما قبله وكذا الهجرة والحج١/ ١١٢.\n(٢) انظر: شرح النووي على مسلم ٢/ ١٣٨، وانظر: هداية المرشدين ص٣٢.\n(٣) أبو داود، في الطهارة، باب الوضوء بماء البحر ١/ ٢١، والترمذي في الطهارة، باب ما جاء في ماء البحر أنه طهور١/ ١٠١، والنسائي في الطهارة، باب ماء البحر١/ ٥٠، وابن ماجه في الطهارة، باب الوضوء بماء البحر ١/ ١٣٦، وانظر: صحيح النسائي ١/ ١٤.\n(٤) انظر: سبل السلام شرح بلوغ المرام، للشيخ محمد بن إسماعيل الصنعاني١/ ١٨.\n(٥) البخاري مع الفتح، كتاب الصلاة، باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره١/ ٥٦٥، ومسلم، في كتاب البر والصلة، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم ٤/ ١٩٩٩.","vol":"1","page":114},{"text":"وقد مثل النبي ﷺ المؤمنين في تبادل الرحمة والمودة والعطف، بالجسد في روابطه العضوية، إذا مرض عضو مرضت باقي الأعضاء، فقال: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» (١).\nومثلهم النبي ﷺ في الحديث الذي قبل هذا في التعاون على البر والتقوى والتكاتف بالبنيان يشد بعضهم بعضًا كشد البنيان (٢).\nومن المعلوم يقينًا أن الداعية إذا سلك هذه المسالك اكتسب الحكمة بعون الله- تعالى- ووفق لهدي النبي\" ﷺ في دعوته، وسدد في قوله وفعله، بتوفيق الله سبحانه.\n_________\n(١) البخاري مع الفتح، كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم١٠/ ٤٣٨، ومسلم في البر والصلة، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم ٤/ ١٩٩٩.\n(٢) انظر: فتح الباري ١٠/ ٤٥٠، وشرح النووي١٦/ ١٣٩.","vol":"1","page":115},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>المطلب السادس\nفقه أركان الدعوة إلى الله تعالى</span>\nلا يكون الداعية حكيما في دعوته إلى الله- تعالى- إلا بفقه وإتقان ركائز الدعوة وأسسها التي تقوم عليها، حتى يسير في دعوته على بصيرة، ولا شك أن فهم هذه الأركان يدخل في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨] (١) فلا بد من معرفة الدَاعية لما يدعو إليه، ومن هو الداعي، وما هي الصفات والآداب التي ينبغي أن تتوفر في الداعية؟ ومن هو المدعو، وما هي الوسائل والأساليب التي تستخدم في نشر الدعوة وتبليغها؟ هذه هي أركان الدعوة: الموضوع، والداعي، والمدعو، والأساليب والوسائل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>المسلك الأول: موضوع الدعوة: </span>\"ما يدعو إليه الداعية\":\nموضوع الدعوة: هو دين الإِسلام ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] (٢) ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] (٣).\nوهذا ما فَصَّله حديث جبريل في ذكر أركان الإسلام: «الإِسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا». وأركان الإيمان: «أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره». والإِحسان: «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (٤).\n_________\n(١) سورة يوسف الآية ١٠٨.\n(٢) سورة آل عمران الآية ١٩.\n(٣) سورة آل عمران الآية ٨٥.\n(٤) مسلم، كتاب الإِيمان، باب بيان الإيمان والإِسلام والإحسان، ١/ ٣٩.","vol":"1","page":116},{"text":"ولا شك أن الإسلام اختص بخصائص عظيمة منها:\n١ - الإسلام من عند الله تعالى.\n٢ - شامل لجميع نظم الحياة وسلوك الإنسان، ومن هذه النظم: نظام الأخلاق، ونظام المجتمع، والإفتاء، والحسبة، والحكم، والاقتصاد، والجهاد، ونظام الجريمة والعقاب، وذلك كله قائم على الرحمة، والعدل، والإحسان.\n٣ - عام لجميع البشرية في كل زمان ومكان: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] (١).\n٤ - وهو من حيث الجزاء: - الثواب والعقاب الذي يصيب مُتَبعَهُ أو مخالفه- ذو جزاء أًخرويّ بالإِضافة إلى جزائه الدنيوي إلا ما خصه الدَليل.\n٥ - والإسلام يحرص علي إبلاغ الناس أعلى مستوى ممكن من الكمال الإنساني: وهذه مثالية الإسلام، ولكنه لا يغفل عن طبيعة الإنسان وواقعه، وهذه هي واقعية الإسلام.\n٦ - الإسلام وسط: في عقائده، وعباداته، وأخلاقه، وأنظمته، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] (٢).\nكما يلزم الداعية فهم مقاصد الإسلام التي دلت عليها الشريعة الإسلامية: وهي تحقيق مصالح العباد ودرء المفاسد والأضرار عنهم في العاجل والآجل. قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀-: (إن الشريعة الإسلامية جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها) (٣).\n_________\n(١) سورة الأعراف، الآية ١٥٨.\n(٢) سورة البقرة الآية ١٤٣.\n(٣) انظر: منهاج السنة النبوية، ١/ ١٤٧.","vol":"1","page":117},{"text":"وبالجملة فإن الشريعة الإسلامية مدارها على ثلاث مصالح:\nالمصلحة الأولى: درء المفاسد عن ستة أشياء: الدين، والنفس، والعقل، والنسب، والغرض، والمال.\nالمصلحة الثانية: جلب المصالح: فقد فتح القرآن الأبواب لجلب المصالح في جميع الميادين وسد كل ذريعة تؤدي إلى الضرر.\nالمصلحة الثالثة: الجري على مكارم الأخلاق ومحاسن العادات، فالقرآن حل جميع المشاكل العالمية التي عجز عنها البشر ولم يترك جانبًا من الجوانب التي يحتاجها البشر في الدنيا والآخرة إلا وضع لها القواعد، وهدى إليها بأقوم الطرق وأعدلها (١).\nفالداعية الحكيم هو الذي يدعو إلى ما تقدم من أركان الإِسلام، وأصول الإيمان، والإحسان، ويبين للناس جميع ما جاء في القرآن والسنة: من العقائد، والعبادات، والمعاملات، والأخلاق، بالتفصيل والشرح والتوضيح (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>المسلك الثاني: الداعي:</span>\nلا بُدّ للداعية من معرفة هذا الأصل بشروطه، وما هي عدة الداعية وسلاحه، وما هي وظيفته، وأخلاقه. وفهم ذلك من أهم المهمات للداعية. وإليك التفصيل بإيجاز:\n١ - وظيفة الداعية: وظيفة الداعية إلى الله- تعالى- هي وظيفة الرسل عليهم الصلاة\n_________\n(١) انظر: أضواء البيان للشنقيطي، ٣/ ٤٠٩ - ٤٥٧.\n(٢) انظر: فتاوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، ١/ ٣٤٢، وأصول الدعوة، لعبد الكريم زيدان، ص ٧ - ٢٩٣، والدعوة إلى الله، للدكتور توفيق الواعي، ص٨١.","vol":"1","page":118},{"text":"والسلام، والرسل هم قدوة الدعاة إلى الله، وأعظمهم محمد ﷺ، قال تعالى. ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا - وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٦] (١). ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: ٦٧] (٢) وقال سبحانه: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [القصص: ٨٧] (٣) وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾ [الرعد: ٣٦] (٤).\nالأمة شريكة لرسولها في وظيفة الدعوة إلى الله، فالآيات التي تأمره ﷺ بالدعوة إلى الله يدخل فيها المسلمون جميعًا؛ لأن الأصل في خطاب الله تعالى لرسوله ﷺ دخول أمته فيه إلا ما استُثني، وليس من هذا المستثنى أمر الله تعالى بالدعوة إليه. قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠] (٥) وقد جعل الله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أخص أوصاف المؤمنين، كما قال سبحانه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: ٧١] (٦) وبهذا يتضح أن المكلف بالدعوة إَلى الله هو كل مسلم ومَسلمة على قدر الطاقة، وعلى قدر العلم، ولا يختص العلماء بأصل هذا الواجب؛ لأنه واجب على الجميع كل بحسبه، وإنما يختص أهل العلم بتبليغ تفاصيل الإسلام، وأحكامه، ومعانيه الدقيقة، ومسائل الاجتهاد، نظرًا لسعة علمهم، ومعرفتهم بالمسائل، والجزئيات، والأصول، والفروع.\n_________\n(١) سورة الأحزاب، الآية ٤٥ - ٤٦.\n(٢) سورة الحج، الآية ٦٧.\n(٣) سورة القصص، الآية ٨٧.\n(٤) سورة الرعد، الآية ٣٦.\n(٥) سورة آل عمران، الآية ١١٠.\n(٦) سورة التوبة، الآية ٧١.","vol":"1","page":119},{"text":"مما يزيد الأمر وضوحًا قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨] (١) فبين سبحانه أن أتباعَ الرسول ﷺ هم الدعاة إلى الله، وهم أَهل البصائر كما كان رسول الله ﷺ يدعو إلى الله على بصيرة وعلم ويقين (٢).\nوالدعوة إلى الله واجبة على كل مسلم ومسلمة كلٌ بحسبه، وهي تؤدى على صورتين:\nالصورة الأولى: فردية، يقوم بها المسلم على صفة فردية بحسب طاقته، وقدرته، وعلمه، كما قال ﷺ: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإِيمان» (٣).\nالصورة الثانية: بصفة جماعية، فتكون فرقة متصدية لهذا الشأن، كما قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤] (٤).\n٢ - عدة الداعية وسلاحه: يحتاج الداعية إلى الله- تعالى- في أداء مهمته ووظيفته إلى عُدة وسلاح قوي، منها:\n١ - الفهم الدقيق المبني على العلم قبل العمل، والقائم على تدبر معاني وأحكام القران الكريم، وفهم السنة النبوية الشريفة، ويرتكز هذا الفهم على عدة أمور من أهمها.\n١ - فهم الداعية العقيدة الإسلامية فهمًا صحيحًا متقنًا بالأدلة من\n_________\n(١) سورة يوسف الآية ١٠٨.\n(٢) انظر: أصول الدعوة للدكتور عبد الكريم زيدان، ص٢٩٥ - ٣٥٦.\n(٣) مسلم، كتاب اَلِإيمان، باب كون النهي عن المنكر من الإِيمان، ١/ ٦٩.\n(٤) سورة آل عمران الآية ١٠٤.","vol":"1","page":120},{"text":"الكتاب، والسنة وإجماع علماء أهل السنة والجماعة.\nب- فهم الداعي غايته في الحياة ومركزه بين البشر.\nجـ- تعلقه بالآخرة، وتجافيه عن دار الغرور.\n٢ - الإيمان العميق المثمر: لمحبة الله، وخوفه، ورجائه، واتباع رسوله ﷺ في كل أموره.\n٣ - اتصال الداعية بالله- تعالى- في جميع أموره، وتعلقه به، وتوكله عليه، واستغاثته به، وإخلاصه له، والصدق معه في الأقوال والأفعال.\n٣ - أخلاق الداعية وصفاته: يحتاج الداعية إلى الأخلاق الحسنة والصفات الكريمة: وهي أخلاق الإسلام التي بينها الله في كتابه وبينها رسوله ﷺ في سنته.\nومن أهم هذه الأخلاق والصفات التي ينبغي للداعية أن يلتزمها: الصدق، والإخلاص، والدعوة إلى الله على بصيرة، والحلم، والرفق، واللين، والصبر، والرحمة، والعفو، والصفح، والتواضع، والوفاء، والإيثار، والشجاعة، والذكاء، والأمانة، والحياء المحمود، والكرم، والتقوى، والإرادة القوية التي تشمل قوة العزيمة، والهمة العالية، والتفاؤل، والنظام والدقة والمحافظة على الوقت، والاعتزاز بالإسلام، والمحمل بما يدعو إليه؛ ليكون قدوةً صالحةً، والزهد، والورع، والاستقامة، وإدراك الداعية لما حوله، والقصد والاعتدال، والشعور بمعية الله، والثقة بالله تعالى، والتدرج في الدعوة، والبدء بالأهم فالمهم كما فعل النبي ﷺ وأمر بذلك معاذ بن جبل عندما أرسله إلى اليمن.\nكما ينبغي للداعية أن يبتعد عن كل ما يضاد هذه الأخلاق من الأخلاق القبيحة.","vol":"1","page":121},{"text":"ومن الأمور المهمة التي ينبغي للداعية أن يعتني بها، معرفة القواعد، والضوابط التي يجب مراعاتها والسير على ضوئها، حتى يكون الداعية مسددًا في دعوته. ومن ذلك: قول سفيان الثوري (١) (لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلا من كان فيه خصال ثلاث: رفيق فيما يأمر به رفيق فيما ينهى عنه، عدل فيما يأمر به عدل فيما ينهى عنه، عالم بما يأمر به عالم بما ينهى عنه) (٢) وقال الإمام محمد المقدسي: قال بعض السلف: (لا يأمر بالمعروف إلا رفيق فيما يأمر به رفيق فيما ينهى عنه، حليم فيما يأمر به حليم فيما ينهى عنه، فقيه فيما يأمر به فقيه فيما ينهى عنه) (٣).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀-: (فلا بد من هذه الثلاثة: العلم، والرفق، والصبر. العلم قبل الأمر والنهي، والرفق معه، والصبر بعده، وإن كان كل من الثلاثة لا بد أن يكون مستصحبًا في هذه الأحوال) (٤).\nوقال ابن القيم - رحمه الله تعالى-: (فإنكار المنكر أربع درجات:\nالأولى: أن يزول ويخلفه ضده.\nالثانية: أن يقل وإن لم يزل بجملته.\nالثالثة: أن يخلفه ما هو مثله.\nالرابعة: أن يخلفه ما هو شر منه.\n_________\n(١) هو شيخ الإسلام، إمام الحفاظ المجتهد: سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، ولد سنة ٩٧ هـ، ومات سنة ١٦١هـ، انظر: سير أعلام النبلاء، ٧/ ٢٢٩ - ٢٧٩.\n(٢) انظر: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأبي بكر الخلال، ص٥٠.\n\n(٣) مختصر منهاج القاصدين، ص ١٢٩، ونسب هذا القول إلى بعض السلف ابن تيمية أيضًا في الحسبة في الإسلام، ص٨٤.\n(٤) الحسبة في الإسلام، ص٨٤.","vol":"1","page":122},{"text":"فالدرجتان الأولَيان مشروعتان، والثالثة موضع اجتهاد، والرابعة محرمة) (١).\nفإذا طبق الداعية ما تقدم من الصفات والأخلاق والقواعد والضوابط كان من أعظم الناس حكمة- بإذن الله تعالى-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>المسلك الثالث: المدعو:</span>\nينبغي للداعية أن يعلم أن الدعوة إلى الإسلام عامة لجميع البشر، بل للجن والإنس جميعًا، في كل زمان ومكان إلى قيام الساعة، وليست خاصة بجنس دون جنس، أو طبقة دون طبقة، أو فئة دون فئة، أو زمان دون زمان، أو مكان دون مكان. ومن حق المدعو أن يُؤتى ويُدعى، ولا يجلس الداعي في بيته وينتظر مجيئ الناس إليه، فقد كان النبي ﷺ يأتي إلى الناس ويدعوهم، ويخرج إلى القبائل في المواسم، ويذهب إلى مقابلة وملاقاة الوفود ومن يقدم.\nولا يجوز للداعية أن يستصغر شأن أي إنسان أو أن يستهين به؛ لأن من حق كل إنسان أن يُدعى.\nوإذا كان من حق المدعو أن يُؤتى ويُدعى ولا يستهان به، ولا يستصغر شأنه فعليه أن يستجيب.\nوينبغي للداعية أن يعلم أن المدعوين أصناف وأقسام: فمنهم الملحد، ومنهم المشرك الوثني، ومنهم اليهودي، ومنهم النصراني، ومنهم المنافق، ومنهم المسلم الذي يحتاج إلى التربية والتعليم، ومنهم المسلم العاصي. ثم هم أيضًا يختلفون في قدراتهم العقلية، والعلمية، والصحية، ومراكزهم الاجتماعية: فهذا مثقف، وهذا أمّيٌ،\n_________\n(١) إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن القيم رحمه الله تعالى، ٣/ ١٦.","vol":"1","page":123},{"text":"وهذا رئيس وهذا مرؤوس، وهذا غني وهذا فقير، وهذا صحيح وهذا مريض، وهذا عربي وهذا أعجمي. . . فينبغي للداعية أن يكون كالطبيب الحاذق الحكيم الذي يشخص المرض، ويعرف الداء ويحدده، ثم يعطي الدواء المناسب على حسب حال المريض ومرضه، مراعيًا في ذلك قوة المريض وضعفه، وتحمله للعلاج، وقد يحتاج المريض إلى عملية جراحية فيشق بطنه، أو يقطع شيئًا من أعضائه من أجل استئصال المرض طلبًا لصحة المريض (١).\nوالداعية ينبغي له أن يبدأ مع المدعوِّين بخطوات محسوسة (٢) منها ما يأتي:\n١ - يبدأ بنفسه فيصلحها حتى يكون القدوة الصالحة.\n٢ - ثم يمضي إلى تكوين بيته وإصلاح أسرته، ليُكوِّن البيت المسلم، واللبنة المؤمنة.\n٣ - ثم يتوجه إلى المجتمع وينشر دعوة الخير فيه، ويحارب الرذائل والمنكرات بالحكمة، ويشجع الفضائل ومكارم الأخلاق.\n٤ - ثم دعوة غير المسلمين إلى منهج الحق وإلى شريعة الإِسلام ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩] (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>المسلك الرابع: أساليب الدعوة ووسائل تبليغها:</span>\nالداعية يحتاج إلى فهم أساليب الدعوة ووسائل تبليغها، حتى يكون على قدر من الكفاءة لتبليغ الدعوة إلى الله تعالى بإحكام وإتقان وبصيرة. وذلك كالتالي:\n_________\n(١) انظر: أصول الدعوة للدكتور عبد الكريم زيدان، ص ٣٦٥ - ٣٩٤.\n(٢) وقد أوضحت كيفية دعوة المدعوين على اختلاف أصنافهم في الفصل الثالث والفصل الرابع من هذا الكتاب، انظر: صفحة٣٣٣ و٥١٣.\n(٣) انظر. الدعوة إلى الله، للدكتور توفيق الواعي، ص٨٤.","vol":"1","page":124},{"text":"أولًا: أساليب الدعوة: الأسلوب: الطريق والفن: يقال: هو على أسلوب من أساليب القوم: أي على طريق من طرقهم. ويقال: أخذنا في أساليب من القول: فنون متنوعة (١).\nوأساليب الدعوة: هي العلم الذي يتصل بكيفية مباشرة التبليغ، وإزالة العوائق عنه.\nوالمصادر الأساسية التي يستمد الداعية ويتعلم أساليب دعوته الحكيمة منها هي: كتاب الله- تعالى-، وسنة رسوله ﷺ، وسيرة السلف الصالح: من الصحابة الكرام، والتابعين لهم بإحسان من أهل العلم والإيمان.\nوتقوم أساليب الدعوة الحكيمة الناجحة المؤثرة على الأساليب الآتية:\n١ - تشخيص وتحديد الداء في المدعوين، ومعرفة الدواء: فإن طبيب الأبدان الحاذق الحكيم يشخص ويعرف الداء أولًا، ثم يصف ويعين العلاج ثانيًا على حسب الداء. والداعية إلى الله- تعالى- هو طبيب الأرواح والقلوب فعليه أن يسلك هذا الأسلوب في معالجة الأرواح. والداء عند الناس قد يكون كفرًا، وقد يكون معصية، فعلى الداعية أن يعطي الدواء على حسب الداء؛ فإن دواء الكفر الإيمان بالله، وبما جاء عنه وعن رسوله ﷺ. ودواء المعاصي كبائرها وصغائرها التوبة إلى الله- تعالى-، والإقبال إليه، والإكثار من الطاعات المكفرة للسيئات، وهكذا لكل داء دواء.\n_________\n(١) انظر: القاموس المحيط، فصل السين، باب الباء، ص ١٢٥، والمصباح المنير، مادة \"سلب \"، ١/ ٢٤٨، والمعجم الوسيط، مادة \"سلب \"، ١/ ٤٤١.","vol":"1","page":125},{"text":"٢ - إزالة الشبهات التي تمنع المدعوين من رؤية الداء والإِحساس به: ولا شك أن الشبهات: هي ما يثير الشك والارتياب في صدق الداعية وحقيقة ما يدعو إليه، فيمنع ذلك من رؤية الحق والاستجابة له، أو تأخير هذه الاستجابة.\n٣ - ترغيب المدعوين وتشويقهم: إلى استعمال الدواء، والاستجابة وقبول الحق، والثبات عليه. وترهيبهم من ترك الدواء بكل ما يخوف ويحذر من عدم الاستجابة، أو عدم الثبات على الحق بعد قبوله.\n٤ - تعهد المستجيبين من المدعوين: بالتربية والتعليم، والتوجيه؛ لتحصل لهم المناعة ضد دائهم القديم. ومن أعظم وسائل التربية المؤثرة: الاتصال بكتاب الله- تعالى- تلاوة، وتدبرًا، وفهمًا، والاتصال الدائم بالسنة النبوية، وسيرة السلف الصحابة﵃-. فعلى الداعية أن يعين المستجيبين على هذه الأمور العظيمة.\n٥ - تقوم جميع الأساليب على: أسلوب الحكمة، والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن، ثم استخدام القوة للمعاندين الظالمين.\nثانيًا: وسائل تبليغ الدعوة إلى الله تعالى: الوسيلة في الأصل: ما يتوصل به إلى الشيء (١) ووسائل الدعوة: هي ما يستعين به الداعية على تبليغ الدعوة من أشياء وأمور.\nولا شك أن وسائل الدعوة على نوعين:\nالنوع الأول: وسائل خارجية تتعلق باتخاذ الأسباب لتهيئة المجال المناسب. ومنها على سبيل المثال ما يأتي:\n_________\n(١) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الواو مع السين، ٥/ ١٨٥.","vol":"1","page":126},{"text":"١ - الحذر المبني على التوكل على الله- تعالى- مع الأخذ بالأسباب. ومعلوم أن الحذر أنواع من جهة ما يحذره الداعي المسلم، فهناك: حذره من الوقوع في المعاصي، والحذر من الأهل والولد، والحذر من اتباع الهوى، والحذر من المنافقين والكفار.\nب- الاستعانة بعد الله- تعالى- بالغير في تبليغ الدعوة، فالداعية يحرص على إيصال الدعوة إلى الناس؛ فيستعين بكل وسيلة مشروعة لتحقيق ما يحرص عليه.\nجـ- المحافظة على النظام المشروع: كحفظ الداعية تنظيم وقته وعدم إضاعته، وإذا كان الدعاة جماعة فعليهم أن يراعوا قواعد النظام التي أمر بها الإسلام، حتى تثمر جهودهم ولا تضيع، فإن القليل من العمل بنظام والدوام عليه خير من الكثير مع الفوضى والانقطاع.\nالنوع الثاني: وسائل تبليغ الدعوة بصورة مباشرة.\nوهذه الوسائل تكون: بالقول، وبالعمل، وبسيرة الداعية التي تجعله قدوة حسنة لغيره فتجذبهم إلى الإسلام. ومن هذه الوسائل ما يأتي:\n١ - التبليغ بالقول: القول في مجال التبليغ أنواع متعددة منها: الخطبة، والدرس، والمحاضرة، والندوة، والمناقشة والجدل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والكلمة الوعظية، والدعوة الفردية، والنصيحة الأخوية، والفتوى الشرعية، والكتابة: كالرسالة، والمقال، والكتاب، والكُتيِّب، والنشرة. والداعية يستعين في تبليغ دعوته بجميع الوسائل المختلفة، المشروعة، المفيدة، وقد تكون بعض الوسائل نافعة في زمن دون زمن، وفي مجتمع دون آخر، والداعية الحكيم هو الذي يختار الوسائل المناسبة لكل عصر ومصر.","vol":"1","page":127},{"text":"ووسيلة التبليغ بالقول تُبلَّغ عن طريق الوسائل الآتية:\n١ - اللقاءات العامة: كإقامة المحاضرات، والندوات، والمناقشات، والدروس في المساجد، والجامعات، والمعاهد، والمدارس، والمؤتمرات، وفي المناسبات التي يحضرها الناس بصورة جماعية كبيرة.\n٢ - اللقاءات الخاصة: كالدروس الخاصة بطلاب العلم، ولا يمنع حضور غيرهم.\n٣ - الدعوة الفردية: بالنصيحة الأخوية، والهدية الرمزية.\n٤ - الكتابة: الرسالة، والمقال، والكتاب، والكُتيِّب، والنشرة.\n٥ - وسائل الإعلام الحديثة. المسموعة، والمرئية، والمقروءة، والشخصية.\n٦ - الوسائل الشخصية كالمسجلات، وشرائط التسجيل، والهاتف. . . فينبغي للداعية الحكيم أن يستغل هذه الوسائل ويشغلها بالحق؛ لأنه بذلك يخاطب ملايين البشر في مشارق الأرض ومغاربها، وعن طريقها تصل الدعوة إلى أقطار بعيدة وتعم أماكن كثيرة.\nوينبغيِ أن يكون قول الداعية واضحًا بيِّنًا، خاليًا من الألفاظ التي تحمل حقًّا وباطلًا وخطأً وصوابًا، وأن يستعمل الألفاظ الشرعية المستعملة في القرآن والسنة وعند علماء المسلمين.\nكما ينبغي للداعية أن يتأنى في كلامه حتى يستوعب السامع كلامه ويفهمه، وأن يبتعد عن التفاصح والتعاظم، والتكلف في النطق، ويبتعد عن روح الاستعلاء على المدعو واحتقاره وإظهار فضله عليه، وأن يتلطف بالقول للمدعوين، ويكون موضع الثقة بين الناس (١).\n_________\n(١) انظر: أصول الدعوة للدكتور عبد الكريم زيدان، ص٤٥٣ و٤٥٤، والدعوة إلى الله تعالى للدكتور / توفيق الواعي، ص٢٦٢ و٢٦٤.","vol":"1","page":128},{"text":"ب- التبليغ بالعمل: والتبليغ بالعمل هو كل فعل يؤدي إلى إزالة المنكر ونصرة الحق وإظهاره، والأصل في ذلك قوله ﷺ: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإِيمان» (١) والتبليغ بالعمل كما يكون بإزالة المنكر يكون بإقامة المعروف: كبناء المساجد، وبناء الجامعات والمعاهد والمدارس الإسلامية، وإقامة المكتبات فيها وتزويدها بالكتب النافعة، وبناء المستشفيات الإسلامية، ودور الرعاية الاجتماعية، وطبع الكتب الإسلامية وتوزيعها، واختيار الرجل الصالح للعمل في هذه المجالات وفي المجالات المهمة. وهذا- كله- في الحقيقة دعوة صامتة إلى الله تعالى.\nجـ - التبليغ بالسيرة الحسنة: من وسائل التبليِغ المهمة في تبليغ الدعوة إلى الله وجذب الناس إلى الإسلام التبليغ بالسيرة الطيبة للداعي، وأفعاله الحميدة، وصفاته العالية، وأخلاقه الكريمة والتزامه بالإسلام ظاهرًا وباطنًا مما يجعله قدوةً طيبةً وأُسوةً حسنةً لغيره؛ لأن التأثير بالأفعال والسلوك أبلغ من التأثير بالكلام وحده.\nوأصول السيرة الحسنة التي يكون بها الداعية قدوةً طيبةً لغيره ترجع إلى أصلين عظيمين: حسن الخلق، وموافقة العمل للقول.\nفحسن الخلق كلمة يندرج تحتها كثير من الصفات: كالتواضع، والوفاء بالعهد، والأمانة، وقوة العزيمة، والشجاعة، والصبر، والشكر، والحلم، والرفق، والتقوى، والحياء، والعفو والصفح، والجود والكرم، والصدق والعدل، وحفظ اللسان، والرحمة.\n_________\n(١) مسلم، كتاب الإيمان، باب كون النهى عن المنكر من الإيمان، ١/ ٦٩.","vol":"1","page":129},{"text":"وموافقة القول للعمل هي أن يكون فعل الداعية موافقًا للطريق المستقيم، وسيرته تطبيقًا عمليًا لقوله، ولا يخالف ظاهره باطنه، فإن أمر بشيء التزمه، وإن نهى عن شيء كان أول تاركٍ له؛ ليفيد وعظه، وينفع إرشاده، ويثمر، ويقتدي به، فإن كان يأمر بالخير ولا يفعله وينهى عن الشر وهو واقع فيه فهو بحاله هذه عقبة في سبيل الدعوة إلى الله تعالى (١)\n_________\n(١) انظر أساليب الدعوة ووسائل تبليغها بالتفصيل في: أصول الدعوة لعبد الكريم زيدان، ص ٣٩٥ - ٤٦٩ والدعوة إلى الله لتوفيق الواعي، ص ١ ٢٤ - ٣٧٢.","vol":"1","page":130},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>الفصل الثاني\nمواقف الحكمة</span>\nتوطئة.\nالمبحث الأول: مواقف النبي ﷺ.\nالمبحث الثاني: مواقف الصحابة ﵃.\nالمبحث الثالث: مواقف التابعين ﵏.\nالمبحث الرابع: مواقف أتباع التابعين ﵏.\nالمبحث الخامس: نماذج من مواقف الحكمة عبر العصور.","vol":"1","page":131},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>توطئة</span>\nلا يشك مسلم أن الدعوة بالمواقف المشرفة لها الأثر الكبير في قلوب المدعوين، والمواقف المشرفة تدفع المدعو إلى التفكر، والتأمل كثيرًا، وربما تكون نقطة التحول في حياته.\nوقد كان للنبي مواقف حكيمة مشرفة في دعوته إلى الله، وكم كان له من المواقف المشرفة التي دخل كثير من الناس الإِسلام بفضل الله ثم بسببها!\nوالصحابة- وهم أفضل البشر بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لهم مواقف حكيمة يتشرف ويعتز بها كل من دخل في الإسلام، وكذا التابعون، وتابعو التابعين.\nوالأئمة الأعلام لهم مواقف في دعوتهم إلى الله، سأذكر نماذج منها إن شاء الله- تعالى- في المباحث التالية:\nالمبحث الأول: مواقف النبي ﷺ.\nالمبحث الثاني: مواقف الصحابة ﵃.\nالمبحث الثالث: مواقف التابعين ﵏.\nالمبحث الرابع: مواقف أتباع التابعين ﵏.\nالمبحث الخامس: نماذج من مواقف الحكمة عبر العصور.","vol":"1","page":133},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>المبحث الأول\nمواقف النبي ﷺ</span>\nتوطئة.\nالمطلب الأول: مواقف النبي ﷺ قبل الهجرة.\nالمطلب الثاني: مواقف النبي ﷺ بعد الهجرة.","vol":"1","page":135},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>توطئة</span>\nللنبي ﷺ مواقف حكيمة مشرفة، والداعية إلى الله حينما يقف ويتأمل المواقف التي وقفها النبي ﷺ في دعوته إلى الله يزداد حكمة، ويستفيد من هذه المواقف في دعوته، ويطبق الحكم التي يقتبسها من مواقفه ﷺ في دعوته، فالنبي ﷺ هو الأسوة التي ينبغي لكل مسلم أن يلتزمها ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١] (١).\nوسأذكر بعون الله- تعالى- في هذا المبحث نماذج من مواقف النبي ﷺ التي وقفها في دعوته إلى الله، ومواقفه في هذا الشأن كثيرة جدًّا لا يستطيع أحد أن يستغرقها، ولكني سأذكر بعضها على سبيل المثال لا الحصر في المطالب التالية:\nالمطلب الأول: مواقف النبي ﷺ قبل الهجرة.\nالمطلب الثاني: مواقف النبي ﷺ بعد الهجرة.\n_________\n(١) سورة الأحزاب الآية ٢١.","vol":"1","page":137},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>المطلب الأول\nمواقف النبي ﷺ قبل الهجرة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>المسلك الأول: مواقفه ﷺ في مرحلة الدعوة السرية:</span>\nمن المعلوم أن مكة كانت مركز دين العرب، وكان بها سدنة الكعبة، والقوَّام على الأوثان والأصنام المقدسة عند سائر العرب، فالوصول إلى المقصود من الإصلاح فيها يزداد عُسرًا وشدة عما لو كان بعيدًا عنها، فالأمر يحتاج إلى عزيمة قوية لا تزلزلها المصائب والكوارث، ويحتاج إلى موقف حكيم يحل الوضع الراهن، وتنجح الدعوة من خلاله، ولا شك أن الفضل والمنة لأحكم الحاكمين الذي ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] (١) فإنه سبحانه قد أعطى محمدًا ﷺ الحكمة ووفقه، وسددَّه، وأعانه.\nولهذا بدأ ﷺ بالدعوة السرية بعد أن أمره ربه﵎- بإنذار قومه عاقبة ما هم فيه من الشرك، وما هم عليه من الكفر والفساد، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ - قُمْ فَأَنْذِرْ - وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ - وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ - وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ - وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ - وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر: ١ - ٧] (٢).\nومن هنا بدأ رسول الله ﷺ يسلك طريق الحكمة في حل الحالة الراهنة في قريش، فوقف المواقف العظيمة التي يعجز عنها عظماء الرجال بل البشر جميعًا.\nبدأ ﷺ يعرض دعوته على ألصق الناس به، وأهل بيته، وأصدقائه، ومن توسم فيهم خيرَا ممن يعرفهم ويعرفونه، يعرفهم بحب الخير والحق، ويعرفونه بتحري الصدق والصلاح، فأحاول من هؤلاء جمع عُرِفُوا في\n_________\n(١) سورة البقرة الآية ٢٦٩.\n(٢) سورة المدثر الآيات ١ - ٧.","vol":"1","page":138},{"text":"التاريخ الإسلامي بالسابقين الأولين، فكان أول من أسلم زوج النبي ﷺ خديجة بنت خويلد - ﵂-، ثم علي بن أبي طالب - ﵁-، ثم مولاه زيد بن حارثه الكلبي - ﵁-، ثم أبو بكر الصديق ﵁.\nونشط أبو بكر في دعوة رجال كان لهم أثر عظيم في الإسلام، أمثال: عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، فهؤلاء النفر الذين أسلموا على يد أبي بكر الصديق - ﵁- بالإضافة إلى علي، وزيد، وأبي بكر، يصبحون ثمانية، هم الذين سبقوا الناس، وهم الرعيل الأولى وطليعة الإسلام.\nودخل الناس في دين الله واحدًا بعد واحد، حتى فشا الإسلام في مكة، وتُحُدِّثَ به، وقد كان النبي ﷺ يجتمع بهم ويعلمهم ويرشدهم مختفيًا؛ لأن الدعوة لا تزال فردية وسرية، وكان الوحي قد تتابع، وحمي نزوله بعد نزول أوائل المدثر، ولم يكن ﷺ يظهر الدعوة في مجامع قريش العامة، ولم يكن المسلمون الأوائل يتمكنون من إظهار دينهم وعبادتهم، حذرًا من تعصب قريش لجاهليتها وأوثانها، وإنما كانوا يخفون ذلك (١).\nولقد بلغ المسلمون عددًا يقرب الأربعين رجلا، وما زالت الدعوة سرًّا لم يجهر بها بين صفوف قريش؛ لأن الرسول الحكيم ﷺ يعلم أن هذا العدد غير كافٍ في دفع ما يتوقع من أذى يصيب به قريش المسلمين، وكان من الضروري أن يجتمع بهم رسول الله ﷺ على شكل جماعات يرشدهم، ويعلمهم؛ ليكوِّن منهم القاعدة الصلبة التي يمكن أن يواجه بها أولئك\n_________\n(١) انظر: سيرة ابن هشام١/ ٢٦٤، وتاريخ الإسلام للِإمام الذهبي- قسم السيرة- ص١٢٧، والبداية والنهاية لابن كثير٣/ ٢٤ - ٣٧، وزاد المعاد ٣/ ١٩، ومختصر سيرتهﷺ - للِإمام محمد بن عبد الوهاب ص٥٩، والتاريخ الإسلامي لمحمود شاكر٢/ ٥٧، وهذا الحبيب يا محب ص٩١.","vol":"1","page":139},{"text":"الذين يقفون في وجه دعوة التوحيد، وقد اختيرت دار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي فكان يلتقي بهم على شكل أُسَر يعلمهم أمور دينهم، وكان إلى جانب دار الأرقم - المركز الرئيسي- دور أخرى تكون مراكز فرعية حيث يذهب إليهم رسول الله ﷺ أحيانًا دون انتظام، أو ينتظم فيها الصحابة الذين يختارهم رسول الله ﷺ، مثل دار سعيد بن زيد، ولكن الأرقم بن أبي الأرقم قد فاز بمنقبة عظيمة، وهي اتخاذ داره مركزًا رئيسيًا للدعوة أيام ضعفها واستخفائها، وهي أحرج أوقات مرت بها الدعوة (١).\nوهكذا مرت ثلاث سنين، والدعوة لم تزل سرية وفردية، وخلال هذه الفترة تكونت جماعة من المؤمنين تقوم على الأخوة، والتعاون، وتبليغ الرسالة، وتمكينها من مقامها.\nوبعد أن أسلم عم النبي ﷺ حمزة بن عبد المطلب وبعض وجهاء قريش الذين لهم شأن عظيم، وقويت بهم الجماعة الإسلامية كعمر بن الخطاب - ﵁- نزل قوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ - إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ - الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٩٤ - ٩٦] (٢).\nوهذا يدل دلالة واضحة على أن الله﷿- قد أعطى نبيه الكريم الحكمة؛ ولهذا قام بهذه المواقف الحكيمة المشرفة التي تكون نبراسًا للداعية إلى الله يسير على مقتضاها، وخاصة في دعوة المجتمعات الوثنية الكافرة، أما المجتمعات الإسلامية فلا دليل لمن يرى سرية الدعوة في بلاد المسلمين.\n_________\n(١) انظر: البداية والنهاية٣/ ٣١، والتاريخ الإسلامي لمحمود شاكر٢/ ٦٢، وهذا الحبيب يا محب ص٩٧.\n(٢) سورة الحجر الآيات ٩٤ - ٩٦.","vol":"1","page":140},{"text":"أما سرية الدعوة في عهد النبي ﷺ في أول البعثة؛ فلأن الرسول ﷺ وأصحابه﵃- كان لا يسمح لهم أن يقولوا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، ولا أن يؤذنوا، أو يصلوا، ولما قويت شوكتهم أمر الله رسوله بالجهر بالدعوة فجهروا بها، ولاقوا من الأذى ما هو معروف بين المسلمين (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>المسلك الثاني: مواقفه ﷺ في مرحلة الدعوة الجهرية بمكة:</span>\nأمر الله نبيه بإنذار عشيرته الأقربين، فقال ﷿: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ - وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ - فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٤ - ٢١٦] (٢).\nفقام رسول الله ﷺ بتنفيذ أمر ربه بالجهر بالدعوة والصدع بها، وإنذار عشيرته، فوقف مواقف حكيمة أظهر الله بها الدعوة الإسلامية، وبين بها حكمة النبي ﷺ وشجاعته، وإخلاصه لله رب العالمين، وقمع بها الشرك وأهله، وأذلهم إلى يوم الدين، ومن هذه المواقف الحكيمة ما يأتي: (أ) موقفه الحكيم في صعوده على الصفا، ونداؤه العام: عن ابن عباس - ﵄- قال: «لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] صعد النبي ﷺ على الصفا فجعل ينادي: يا بني فهر، يا بني عدي - لبطون قريش - حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولًا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب، وقريش، فقال: أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيَلاَ بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقي؟ قالوا؟ نعم، ما جربنا عليك إلا صِدْقًا. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب\n_________\n(١) انظر: الرحيق المختوم ص ٧٥، والتاريخ الإسلامي، لمحمود شاكر ٢/ ٦٢، وهذا الحبيب يا محب ص٩٩.\n(٢) سورة الشعراء ٢١٤ - ٢١٦.","vol":"1","page":141},{"text":"شديد. فقال أبو لهب: تبا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟ فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ - مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد: ١ - ٢]» (١).\nوفي رواية لأبي هريرة - ﵁- «أنه ﷺ ناداهم بطنًا بطنًا، ويقول لكل بطن: \"أنقذوا أنفسكم من النار. . . \"، ثم قال: \"يا فاطمة أنقذي نفسك من النار؛ فإني لا أملك لكم من الله شيئًا، غير أن لكم رحمًا سأبلها ببلالها» (٢).\nوهذه الصيحة العالمية غاية البلاغ، وغاية الإنذار، فقد أوضح ﷺ لأقرب الناس إليه أن التصديق بهذه الرسالة هو حياة الصلة بينه وبينهم، وأوضح أن عصبية القرابة التي يقوم عليها العرب ذابت في حرارة هذا الإنذار، الذي جاء من عند الله تعالى، فقد دعا ﷺ قومه- في هذا الموقف العظيم- إلى الإسلام، ونهاهم عن عبادة الأوثان، ورغبهم في الجنة، وحذرهم من النار، وقد ماجت مكة بالغرابة والاستنكار، واستعدت لحسم هذه الصرخة العظيمة التي ستزلزل عاداتها وتقاليدها وموروثاتها الجاهلية؛ ولكن الرسول الكريم ﷺ لم يضرب لصرخاتهم حسابًا؛ لأنه مرسل من الله - ﷿-، ولا بد أن يبلغ البلاغ المبين عن رب العالمين، حتى ولو خالفه أو رد دعوته جميع العالمين، وقد فعل ﷺ (٣).\nاستمر ﷺ يدعو إلى الله- تعالى- ليلا ونهارًا، وسرًّا وجهارًا، لا يصرفه عن ذلك صارف، ولا يرده عن ذلك راد، ولا يصده عن ذلك صاد، استمر\n_________\n(١) البخاري مع الفتح، كتاب التفسير، باب وأنذر عشيرتك الأقربين٨/ ٥٠١، ٧٣٧، ٦/ ٥٥١، ومسلم بنحوه في كتاب الإيمان، باب قوله. وأنذر عشيرتك الأقربين١/ ١٩٤، والآيتان من سور المسد: ١ - ٢.\n(٢) البخاري مع الفتح، كتاب التفسير، سورة الشعراء، باب وأنذر عشيرتك الأقربين٨/ ٥٠١، ٥/ ٣٨٢، ومسلم كتاب الإيمان، باب: وأنذر عشيرتك الأقربين١/ ١٩٢.\n(٣) انظر. الرحيق المختوم ص٧٨، وفقه السيرة لمحمد الغزالي ص ١٠١، ١٠٢، والسيرة النبوية دروس وعبر لمصطفى السباعي ص٤٧.","vol":"1","page":142},{"text":"يتتبع الناس في أنديتهم ومجامعهم ومحافلهم، وفي المواسم ومواقف الحج، يدعو من لقيه من: حر وعبد، وقوي وضعيف، وغني وفقير، جميع الخلق عنده في ذلك سواء.\nوقد تسلط عليه وعلى من اتبعه الأشداء الأقوياء من مشركي قريش بالأذية القولية والفعلية، وانفجرت مكة بمشاعر الغضب لأنها لا تريد أن تفارق عبادة الأصنام والأوثان (١) ومع ذلك لم يفتر محمد ﷺ في دعوته، ولم يترك العناية والتربية الخاصة لأولئك الذين دخلوا في الإسلام، فقد كان يجتمع بالمسلمين في بيوتهم على شكل أسر بعيدة عن أعين قريش، وتتكون هذه الأسر من الأبطال الذين عقد عليهم رسول الله ﷺ الأمل بعد الله - تعالى- في حمل العبء والمهام الجسيمة لنشر الإسلام، وبذلك تكونت طبقة خاصة من المؤمنين الأوائل قوية في إيمانها، متينة في عقيدتها، مدركة لمسئوليتها، منقادة لأمر ربها، طائعة لقائدها، مطبقة لكل أمر يصدر عنه برغبة وشوق واندفاع لا يعادله اندفاع، وحب لا يساويه حب.\nوبهذه المواقف الحكيمة، والتربية الصالحة المتينة استطاع محمد ﷺ أن يؤدي الأمانة، وِيبلغ الرسالة، وينصح الأمة، ويجاهد في الله حق جهاده، ويرسم لنا طريقًا نسير عليه في دعوتنا وعملنا وسلوكنا، فهو قدوتنا وإمامنا الذي نسير على هديه، ونستنير بحِكَمِهِ ﷺ.\nفقد بدأ الدعوة بعناصر اختارها ورباها، فلبت الدعوة، وآمنت به، وكانت دعوته عامة للناس، وأثناء هذه الدعوة يركز على من يجد عندهم الإمكانات أو يتوقع منهم ذلك، وقد تكون من هذه العناصر نواة القاعدة الصلبة التي ثبتت عليها أركان الدعوة (٢).\n_________\n(١) البداية والنهاية ٣/ ٤٠.\n(٢) التاريخ الإسلامي، لمحمود شاكر٢/ ٦٥.","vol":"1","page":143},{"text":"ومع هذا الجهد المبارك العظيم لم يلجأ رسول الله ﷺ إلى الاغتيال السياسي، ولم يتخلص بالاغتيال من أفراد بأعينهم، وكان بإمكانه ذلك وبكل يسر وسهولة، إذ كان يستطيع أن يكلف أحد الصحابة بقتل بعض قادة الكفر: كالوليد بن المغيرة المخزومي، أو العاص بن وائل السهمي، أو أبي جهل عمرو بن هشام، أو أبي لهب عبد العزى بن عبد المطلب، أو النضر بن الحارث، أو عقبة بن أبي معيط، أو أُبيّ بن خلف، أو أُمية بن خلف. .، وهؤلاء هم من أشد الناس أذية لرسول الله-لمجير، فلم يأمر أحدًا من أصحابه باغتيال أحد منهم أو غيرهم من أعداء الإِسلام؛ فإن مثل هذا الفعل قد يُودي بالجماعة الإسلامية كاملة، أو يعرقل مسيرتها مدة ليست باليسيرة، كرد فعل من أعدَاء الإِسلام الذين يتكالبون على حربه، والنبي ﷺ لم يؤمر في هذه المرحلة باغتيالهم؛ لأن الذي أرسله هو أحكم الحاكمين.\nوعلى هذا يجب أن يسير الدعاة إلى الله فوق كل أرض، وتحت كل سماء، وفي كل وقت، يجب أن تكون الدعوة على حسب المنهج الذي سار عليه رسول الله ﷺ سواء كان ذلك قبل الهجرة أو بعدها، فطريق الدعوة الصحيح هو هديه والتزام أخلاقه وحكمه وتصرفاته على حسب ما أرادها ﷺ (١).\n(ب) صموده وثباته أمام ممثلي قريش واضطهادهما: رأت قريش أن تجرب أسلوبًا آخر تجمع فيه بين الترغيب والترهيب، فلترسل إلى محمد ﷺ تعرض عليه من الدنيا ما يشاء، ولترسل إلى عمه الذي يحميه تحذره مغبة هذا التأييد والنصرة لمحمد ﷺ، وتطلب منه أن يكف عنها محمدًا ودينه (٢).\n_________\n(١) انظر: التاريخ الإِسلامي لمحمود شاكر٢/ ٦٥.\n(٢) انظر: البداية والنهاية لابن كثير ٣/ ٤١، وفقه السيرة لمحمد الغزالي ص١١٢.","vol":"1","page":144},{"text":"وكانت أساليبهم كالتالي: ١ - جاءت سادات قريش إلى أبي طالب، فقالوا له: يا أبا طالب، إن لك سنًّا وشرفًا ومنزلة فينا، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه، وإنا والله لا نصبر على هذا، مِنْ: شَتْم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا، حتى نكفه عنا، أو ننازله وإياك في ذلك، حتى يهلك أحد الفريقين. فعظم على أبي طالب هذا الوعيد والتهديد الشديد، وعظم عليه فراق قومه وعداوته لهم، ولم يطب نفسًا بإسلام رسول الله ﷺ لهم، ولا خذلانه، فبعث إلى رسول الله ﷺ فقال له: يا ابن أخي، إن قومك جاءوني فقالوا لي كذا وكذا، للذي كانوا قالوا له، فأبق عليّ وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق أنا ولا أنت، فاكفف عن قومك ما يكرهون من قولك.\nفثبت النبي ﷺ على دعوته إلى الله، ولم تأخذه في الله لومة لائم؛ لأنه على الحق، ويعلم بأن الله سينصر دينه ويعلي كلمته، وعندما رأى أبو طالب هذا الثبات ويئس من موافقة النبي ﷺ لقريش على ترك دعوته إلى التوحيد قال:\nوالله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتى أُوسَّد في التراب دفينا\nفاصدع بأمرك ما عليك غضاضة ... وأبشر وقر بذاك منك عيونا (١)\n٢ - بعد أن أسلم حمزة بن عبد المطلب، وعمر بن الخطاب أخذت السحائب تتقشع، وأقلق هذا الموقف الجديد مضاجع المشركين، وأفزعهم وزادهم هولًا وفزعًا تزايد عدد المسلمين، وإعلانهم إسلامهم، وعدم مبالاتهم بعداء المشركين لهم، الأمر الذي جعل رجال قريش يساومون\n_________\n(١) انظر. سيرة ابن هشام١/ ٢٧٨، وانظر. البداية والنهاية٣/ ٤٢، وفقه السيرة للغزالي ص١١٤، والرحيق المختوم ص٩٤.","vol":"1","page":145},{"text":"رسول الله ﷺ، فبعث المشركون عتبة بن ربيعة ليعرض على رسول الله ﷺ أمورًا لعله يقبل بعضها فتعطَى من أمور الدنيا ما يريد.\nفجاء عتبة حتى جلس إلى رسول الله ﷺ، فقال: «يا ابن أخي إنك منا حيث قد علمت من السطة (١) في العشيرة، والمكان في النسب،، إنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرَّقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورًا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها، قال رسول الله ﷺ: \"قل يا أبا الوليد أسمع \"، قال: يا ابن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت إنما تريد به شرفًا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرًا دونك، وإن كنت تريد به ملكًا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيًا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه. . . حتى إذا فرغ عتبة، ورسول الله ﷺ يستمع منه، قال: \" أقد فرغت يا أبا الوليد؟ \" قال: نعم، قال: \"فاستمع مني\"، قال: افعل، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم. ﴿حم - تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ - كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ - بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ - وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ [فصلت: ١ - ٥] (٢). ثم مضى رسول الله ﷺ فيها يقرؤها عَليه، فلما سمعها منه عتبة أنصت لها، وألقى يديه خلف ظهره معتمدًا عليها يسمع منه، ثم انتهى رسول الله ﷺ إلى السجدة منها فسجد، ثم\n_________\n(١) يعني. المنزلة الرفيعة. انظر. المصباح المنير، مادة \"سطا \"، ص ٢٧٦، والقاموس المحيط، باب الواو، فصل السين، ص١٦٧٠.\n(٢) سورة فصلت الآيات ١ - ٥.","vol":"1","page":146},{"text":"قال: \"قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت فأنت وذاك» (١) وفي رواية أخرى «أن عتبة استمع حتى جاء الرسول ﷺ إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت: ١٣] فقام مذعَورًا، فوضع يده على فم رسول الله ﷺ يقول: أنشدك الله والرحم، وطلب منه أن يكف عنه، فرجع إلى قومه مسرعًا كأن الصواعق ستلاحقه، واقترح على قريش أدى تترك محمدًا وشأنه، وأخذ يرغبهم في ذلك» (٢).\nلقد تخير رسول الله ﷺ بفضل الله- تعالى-، ثم بحكمته العظيمة هذه الآيات من الوحي، ليعرف عتبة حقيقة الرسالة والرسول، وأن محمدًا ﷺ يحمل كتابًا من الخالق إلى خلقه، يهديهم من الضلال، وينقذهم من الخبال، ومحمد ﷺ قبل غيره مكلف بتصديقه والعمل به، والوقوف عند أحكامه، فإذا كان الله﷿- يأمر الناس بالاستقامة على أمره، فمحمد ﷺ أولى الناس بذلك، وهو لا يطلب ملكًا ولا مالًا ولا جاهًا، لقد مكنه الله من هذا كله، فعف عنه وترفع أن يمد يديه إلى هذا الحطام الفاني؛ لأنه صادق في دعوته، مخلص لربه، ﷺ (٣).\nوهذا موقف من أعظم مواقف الحكمة التي أوتيها النبي ﷺ، فهو قد ثبت وصدق في دعوته، ولم يرد مالًا، ولا جاهًا، ولا ملكًا، ولا نكاحًا، من أجل أن يتخلى عن دعوته، وقد اختار الكلام المناسب في الموضع المناسب، وهذا هو عين الحكمة.\n_________\n(١) أخرج هذه القصة ابن إسحاق والمغازي ١/ ٣١٣ من سيرة ابن هشام، قال الألباني: وإسناده حسن إن شاء الله. انظر فقه السيرة للغزالي ص١١٣، وتفسير ابن كثير ٤/ ٦١، والبداية والنهاية ٣/ ٦٢، والرحيق المختوم ص١٠٣.\n(٢) انظر: البداية والنهاية ٣/ ٦٢، وتفسير ابن كثير ٤/ ٦٢، وتاريخ الإسلام للذهبي، قسم السيرة ص ١٥٨، وفقه السيرة لمحمد الغزالي ص١١٤، وهذا الحبيب يا محب ص١٠٢.\n(٣) انظر: فقه السيرة لمحمد الغزالي، ص١١٣.","vol":"1","page":147},{"text":"٣ - قرر المشركون ألا يألوا جهدًا في محاربة الإِسلام وإيذاء النبي ﷺ ومن دخل معه في الإِسلام، والتعرض لهم بألوان النكال والإيلام.\nومنذ جهر النبي ﷺ بدعوته إلى الله، وبين أباطيل الجاهلية، انفجرت مكة بمشاعر الغضب، وظلت عشرة أعوام تعد المسلمين عصاة ثائرين فزلزلت الأرض من تحت أقدامهم، واستباحت في الحرم الآمن دماءهم وأموالهم وأعراضهم، وصاحبت هذه النار المشتعلة حرب من السخرية والتحقير، والاستهزاء والتكذيب، وتشويه تعاليم الإِسلام، وإثارة الشبهات، وبث الدعايات الكاذبة، ومعارضة القرآن، والقول بأنه أساطير الأولين، ومحاولة المشركين للنبي ﷺ أن يعبد آلهتهم عامًا، ويعبدون الله عامًا! إلى غير ذلك من مفاوضاتهم المضحكة!\nواتهموا النبي ﷺ بالجنون، والسحر، والكذب والكهانة، والنبي ﷺ ثابت صابر محتسب يرجو من الله النصر لدينه، وإظهاره (١) لقد نال المشركون من النبي ﷺ ما لم ينالوه من كثير من المؤمنين، فهذا أبو جهل يعتدي على النبي ﷺ ليعفر وجهه في التراب، ولكن الله حماه منه، ورد كيده في نحره، فعن أبي هريرة - ﵁- قال: «قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ قال: قيل: نعم. فقال: واللات والعزى، لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته، أو لأعفرن وجهه في التراب، قال: فأتى رسول الله ﷺ وهو يصلي، زعم ليطأ على رقبته. قال: فما فجئهم (٢) منه إلا وهو ينكص على عقبيه (٣) ويتقي بيديه، قال: فقيل له: مالك؟ فقال: إن بيني وبينه لخندقًا من نار، وهولًا، وأجنحة، فقال\n_________\n(١) انظر. فقه السيرة لمحمد الغزالي ص١٠٦، والرحيق المختوم ص٨٠، ٨٢، والتاريخ الإِسلامي لمحمود شاكر ٢/ ٨٥، ٨٨، ٩١، ٩٣، ٩٤، وهذا الحبيب يا محب ص١١٠.\n(٢) ويقال أيضا: فجأهم، أي: بغتهم. انظر: شرح النووي١٧/ ١٤٠.\n(٣) يرجع يمشي إلى ورائه. انظر: المرجع السابق ١٧/ ١٤٠.","vol":"1","page":148},{"text":"رسول الله ﷺ: \"لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا\". قال: فأنزل الله﷿-: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾ [العلق: ٦] إلى آخر السورة.» (١).\nوقد عصم الله النبي ﷺ من هذا الطاغية ومن غيره، وصبر على هذا الأذى العظيم ابتغاء وجه الله- تعالى-، فضحى بنفسه وماله ووقته في سبيل الله تعالى.\n٤ - ومما أُصيبَ به محمد ﷺ من الأذى بتحريض هذا الطاغية ما رواه ابن مسعود - ﵁- قال: «بينما رسول الله ﷺ يصلي عند البيت، وأبو جهل وأصحاب له جلوس، وقد نحرت جزور بالأمس، فقال أبو جهل: أيكم يقوم إلى سلا (٢) جزور بني فلان فيأخذه فيضعه على ظهر محمد إذا سجد، فانبعث أشقى القوم (٣) فأخذه، فلما سجد النبي ﷺ وضعه بين كتفيه، قال: فاستضحكوا، وجعل بعضهم يميل على بعض، وأنا أنظر، لو كانت لي منعة طرحته عن ظهر رسول الله ﷺ، والنبي ﷺ ساجد ما يرفع رأسه، حتى انطلق إنسان فأخبر فاطمة فجاءت وهي جويرية، فطرحته عنه، ثم أقبلت عليهم تشتمهم، فلما قضىَ النبي ﷺ صلاته، رفع صوته، ثم دعا عليهم، وكان إذا دعا دعا ثلاثَا، وإذا سأل سأل ثلاثًا، ثم قال: \"اللهم عليك بقريش \" ثلاث مرات، فلما سمعوا صوته ذهب عنهم الضحك، وخافوا دعوته، ثم قال: \"اللهم عليك بأبي جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط \"، وذكر السابع ولم أحفظه، فوالذي بعث محمدًا ﷺ\n_________\n(١) أخرجه مسلم في كتاب المنافقين، باب قوله تعالى: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَىأَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى ٤/ ٢١٥٤، وانظر: شرخ النووي ١٧/ ١٤٠.\n(٢) السلا، هو. اللفافة التي يكون فيها الولد في بطن الناقة وسائر الحيوان، وهي من الآدمية: المشيمة. انظر: شرح النووي١٢/ ١٥١.\n(٣) هو عقبة بن أبي مُعيط، كما صرح به في رواية لمسلم في صحيحه ٣/ ١٤١٩.","vol":"1","page":149},{"text":"بالحق لقد رأيت الذين سمى صرعى يوم بدر، ثم سحبوا إلى القليب، قليب. بدر» (١).\n٥ - ومن أشد ما صنع به المشركون ﷺ ما رواه البخاري في صحيحه عن عروة بن الزبير، قال: قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص: أخبرني بأشد ما صنع المشركون برسول الله ﷺ؟ قال: «بينما رسول الله ﷺ يصلي في حجر الكعبة، إذ أقبل عقبة بن أبي معيط، فأخذ بمنكب رسول الله ﷺ ولوى ثوبه في عنقه، فخنقه خنقًا شديدًا، فأقبل أبو بكر، فأخذ بمنكبه، ودفعه عن رسول الله ﷺ وقال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [غافر: ٢٨]» (٢).\nوقد اشتد أذى المشركين لرسول الله ﷺ ولأصحابه، حتى جاء بعض الصحابة إلى رسول الله ﷺ يستنصره، ويسأل منها الدعاء والعون، ولكن النبي الحكيم واثق بنصر الله وتأييده، فإن العاقبة للمتقين.\nعن خباب بن الأرت - ﵁- قال: «شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، [وقد لقينا من المشركين شدة]، فقلنا: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو لنا؟ فقال: \"قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد [مادون عظامه من لحم أو عصب]، فما\n_________\n(١) البخاري مع الفتح، في كتاب الوضوء، باب إذا أُلقي على ظهر المصلي قذر أو جيفة لم تفسد عليه صلاته ١/ ٣٤٩، ومسلم في كتاب الجهاد والسير، باب ما لقي النبي ﷺ من أذى المشركين والمنافقين ٢/ ١٤١٨.\n(٢) سورة غافر الآية ٢٨. والحديث في البخاري مع الفتح، في كتاب مناقب الأنصار، باب ما لقي النبي ﷺ وأصحابه من المشركين بمكة٧|١٦٥، وكتاب التفسير، سورة المؤمن٨/ ٥٥٣، وكتاب فضائل الصحابة، باس قول النبي ﷺ لا لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ٧/ ٢٢ واللفظ ملفق من كتاب المناقب وكتاب التفسير.","vol":"1","page":150},{"text":"يصده ذلك عن دينه، والله ليُتمَّنَّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون» (١) وهكذا اشتد أذى قريش على رسول الله ﷺ وعلى أصحابه، وما ذلك كله إلا من أجل إعلاء كلمة الله، والصدع بالحق، والثبات عليه، والدعوة إلى التوحيد الخالص، ونبذ عادات الجاهلية وخرافاتها ووثنيتها.\n٦ - لقي النبي ﷺ أشد الأذى، ووصل الأمر إلى تغيير اسمه ﷺ احتقارًا له ولدينه، وحسدًا وبغضًا له، فقد كان المشركون من قريش من شدة كراهتهم للنبي ﷺ لا يسمون باسمه الدال على المدح فيعدلون إلى ضده، فيقولون: مذمم، وإذا ذكروه بسوء قالوا: فعل الله بمذمم، ومذمم ليس هو اسمه ولا يعرف به، فكان الذي يقع منهم في ذلك مصروفًا إلى غيره بحمد الله تعالى (٢).\nقال ﷺ: «ألا تعجبون كيف يصرف الله عني شتم قريش، ولعنهم؟! يشتمون مذممًا، ويلعنون مذممًا، وأنا محمد» (٣).\nوالنبي ﷺ له خمسة أسماء ليس منها مُذَممًا (٤).\nجاءت أم جميل زوجة أبي لهب - حين سمعت ما أنزل الله فيها وفي زوجها من القرآن- إلى رسول الله ﷺ وهو جالس في المسجد عند الكعبة،\n_________\n(١) البخاري مع الفتح في كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام ٦/ ٦١٩، وفي كتاب مناقب الأنصار، باب ما لقي النبي ﷺ وأصحابه من المشركين بمكة ٧|١٦٤، وفي كتاب الإكراه، باب من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر ١٢/ ٣١٥، واللفظ من كتاب الإكراه، وما بين المعكوفين من مناقب الأنصار.\n(٢) انظر: فتح الباري ٦/ ٥٥٨.\n(٣) البخاري مع الفتح، كتاب المناقب، باب ما جاء في أسماء رسول الله ﷺ ٦/ ٥٥٤.\n(٤) انظر: البخاري مع الفتح، كتاب المناقب، باب ما جاء في أسماء رسول الله ﷺ ٦/ ٥٥٤.","vol":"1","page":151},{"text":"ومعه أبو بكر الصديق، وفي يدها ملء الكف من حجارة، فلما وقفت عليهما أخذ الله ببصرها عن رسول الله ﷺ فلا ترى إلا أبا بكر، فقالت: يا أبا بكر! أين صاحبك؟ قد بلغني أنه يهجوني، والله لو وجدته لضربت بهذا الفهر فاه، أما والله إني لشاعرة، ثم قالت:\nمُذَممًا عصينًاًً ... وأمره أبينا\nودينه قلينا (١)\nاستمر المشركون في إلحاق الأذى برسول الله ﷺ وبأصحابه الذين أسلموا، وبعد أن زاد عدد المسلمين وكثر عددهم ازداد حنق المشركين على المسلمين، وبسطوا إليهم أيديهم وألسنتهم بالسوء، ولما رأى رسول الله ﷺ ذلك، ورأى أنه في حماية الله ثم عمه أبي طالب، وهو لا يستطيع أن يمنع المسلمين مما هم فيه من العذاب- فقد مات منهم من مات، وعذب من عذب حتى عمي وهو تحت العذاب- فأذن رسول الله ﷺ لأصحابه بالهجرة إلى الحبشة، فكان أهل هذه الهجرة الأولى اثني عشر رجلًا، وأربع نسوة، ورئيسهم عثمان بن عفان - ﵃-، ذهبوا فوفق الله لهم ساعة وصولهم إلى الساحل سفينتين، فحملوهم فيها إلى أرض الحبشة، وكان ذلك في رجب، في السنة الخامسة من البعثة، وخرجت قريش في آثارهم حتى جاءوا البحر فلم يدركوا منهم أحدًا، ثم بلغ هؤلاء المهاجرين أن قريشًا قد كفوا عن النبي ﷺ فرجعوا إلى مكة من الحبشة، وقبل وصولهم مكة بساعة من نهار بلغهم أن الخبر كذب، وأن قريشًا أشد ما كانوا عداوة لرسول الله ﷺ فدخل من دخل مكة بجوار، وكان من الداخلين ابن مسعود، ووجد أن ما بلغهم من إسلام أهل مكة كان باطلا، فلم يدخل منهم أحد إلا بجوار- كابن مسعود - أو مستخفيًا، ثم اشتد البلاء من قريش على من دخل مكة من المهاجرين وغيرهم، ولقوا منهم أذًى شديدًا،\n_________\n(١) انظر. سيرة ابن هشام ١/ ٣٧٨، ومعنى قولها: قلينا: أي أبغضنا. انظر. تفسير ابن كثير٤/ ٢٣ ٥.","vol":"1","page":152},{"text":"فأذن لهم رسول الله ﷺ في الخروج إلى الحبشة مرة ثانية، وكان عدد من خرج في هذه المرة الثانية ثلاثة وثمانين رجلا، إن كان فيهم عمار بن ياسر، ومن النساء تسع عشرة امرأة، فكان المهاجرون في مملكة أصحمة النجاشي آمنين، فلما علمت قريش بذلك أرسلت للنجاشي بهدايا وتحف ليردهم عليهم، فمنع ذلك عليهم، ورد عليهم هداياهم، وبقي المهاجرون في الحبشة آمنين حتى قدموا إلى رسول الله ﷺ عام خيبر (١).\n٧ - ولما رأت قريش انتشار الإسلام، وكثرة من يدخل فيه، وبلغها ما لقي المهاجرون في بلاد الحبشة، من: إكرام وتأمين، مع عودة وفدها خائبًا، اشتد حنقها على الإسلام، وأجمعوا على أن يتعاقدوا على بني هاشم، وبني عبد المطلب، وبني عبد مناف وأن لا يبايعوهم، ولا يناكحوهم، ولا يكلموهم، ولا يجالسوهم، حتى يسلموا إليهم رسول الله ﷺ وكتبوا بذلك صحيفة وعلقوها في سقف الكعبة، فانحاز بنو هاشم، وبنو عبد المطلب مؤمنهم وكافرهم إلا أبا لهب، فإنه بقي مظاهرًا لقريش على رسول الله ﷺ وعلى بني هاشم، وبني عبد المطلب.\nوحُبسَ رسول الله ﷺ في شعب أبي طالب ليلة هلال محرم، سنة سبع من البعَثة، وبقوا محصورين محبوسين، مضيقًا عليهم جدًّا، مقطوعًا عليهم الطعام والمادة نحو ثلاث سنين حتى بلغهم الجهد، وسُمِعَ أصوات صبيانهم بالبكاء من وراء الشعب، ثم أطلع الله رسوله على أمر الصحيفة، وأنه أرسل عليها الأرضة فأكلت جميع ما فيها من جور وقطيعة وظلم إلا ذكر الله﷿-، فأخبر بذلك عمه، فخرج إلى قريش فأخبرهم أن\n_________\n(١) انظر: زاد المعاد لابن القيم٣/ ٢٣، ٣٦، ٣٨، والرحيق المختوم ص٨٩، وهذا الحبيب يا محب ص١٢٠، وسيرة ابن هشام ١/ ٣٤٣، والبداية والنهاية ٣/ ٦٦، والتاريخ الإسلامي لمحمود شاكر ٢|٩٨، ١٠٩، وتاريخ الإسلام للذهبى، قسم السيرة، ص٨٣ ١.","vol":"1","page":153},{"text":"محمدًا قد قال كذا وكذا، فإن كان كاذبًا خلينا بينكم وبينه، وإن كان صادقًا رجعتم عن قطيعتنا وظلمنا، قالوا: قد أنصفت، فأنزلوا الصحيفة، فلما رأوا الأمر كما أخبر به رسول الله ﷺ ازدادوا كفرًا إلى كفرهم، وخرج رسول الله ﷺ ومن معه من الشعب بعد عشرة أعوام من البعثة، ومات أبو طالب بعد ذلك بستة أشهر، وماتت خديجة بعده بثلاثة أيام، وقيل غير ذلك (١) ولما نُقِضَت الصحيفة وافق موت أبي طالب وموت خديجة وبينهما زمن يسير، فاشتد البلاء على رسول الله ﷺ من سفهاء قومه، وتجرؤوا عليه فكاشفوه بالأذى، فازدادوا غمًّا على غم حتى يئس منهم، وخرج إلى الطائف رجاء أن يستجيبوا لدعوته أو يؤووه أو ينصروه على قومه، فلم ير من يؤوي، ولم ير ناصرًا، وآذوه مع ذلك أشد الأذى، ونالوا منه ما لم ينله قومه (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>المسلك الثالث: مواقف النبي ﷺ بعد خروجه إلى الطائف:</span>\nفي شوال، من السنة العاشرة من النبوة، خرج النبي ﷺ إلى الطائف لعله يجد في ثقيف حسن الإِصغاء لدعوته والانتصار لها، وكان معه زيد بن حارثة مولاه، وكان في طريقه كلما مر على قبيلة دعاهم إلى الإِسلام، فلم تُجِبْه واحدة منها.\n١ - موقفه الحكيم في دعوته لأهل الطائف: عندما وصل الطائف عمد إلى رؤسائها فجلس إليهم، ودعاهم إلى الإسلام، فردوا عليه ردًّا قبيحًا، وأقام رسول الله ﷺ بين أهل الطائف عشرة أيام، لا يدع أحدًا من أشرافهم إلا جاءه وكلمه، فقالوا: اخرج من\n_________\n(١) انظر: زاد المعاد٣/ ٣٠، وسيرة ابن هشام١/ ٣٧١، البداية والنهاية٣/ ٦٤، والتاريخ الإِسلامي لمحمود شاكر٢/ ١٠٩، ١٢٧، ١٢٨، وتاريخ الإِسلام للذهبي- قسم السيرة ص١٢٦، ١٣٧، والرحيق المختوم ص١١٢.\n(٢) انظر: زاد المعاد ٣/ ٣١، والرحيق المختوم ص١١٣.","vol":"1","page":154},{"text":"بلادنا، وأغروا به سفهاءهم وصبيانهم، فلما أراد الخروج تبعه هؤلاء السفهاء واجتمعوا عليه صَفَّيْنِ يرمونه بالحجارة، وبكلمات من السفه، ورجموا عراقيبه حتى اختضب نعلاه بالدماء، وكان زيد بن حارثة يقيه بنفسه حتى أصابه شجاج في رأسه، ورجع رسول الله ﷺ من الطائف إلى مكة محزونًا، كسير القلب، وفي طريقه إلى مكة أرسل الله إليه جبريل ومعه ملك الجبال يستأمره أن يطبق الأخشبَيْن على أهل مكة، وهما جبلاها اللذان هي بينهما (١).\n٢ - حكمته العظيمة في جوابه لملك الجبال: عن عائشة - ﵂- أنها قالت لرسول الله ﷺ: «يا رسول الله هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ فقال: \"لقد لقيت من قومك [ما لقيت]، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد يا ليل بن عبد كلال (٢) فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أسْتَفِق إلا بقرن الثعالب (٣) فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني؛ فقال: إن الله - ﷿- قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، قال: فناداني ملك الجبال وسلم عليّ، ثم قال: يا محمد! إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك فما شئت (٤)؟ إن شئت أن أُطْبِق عليهم\n_________\n(١) انظر: زاد المعاد٣/ ٣١، والرحيق المختوم ص١٢٢، وهذا الحبيب ص١٣٢، والبداية والنهاية ٣/ ١٣٥.\n(٢) ابن عبد يا ليل بن كلال من أكابر أهل الطائف من ثقيف. الفتح ٦/ ٣١٥.\n(٣) وهو ميقات أهل نجد، ويقال له: قرن المنازل، ويعرف الآن بالسيل الكبير. انظر الفتح: ٦/ ١١٥.\n(٤) استفْهام، أي: فأمرني بما شئت. انظر: فتح الباري٦/ ٣١٦.","vol":"1","page":155},{"text":"الأخشبَيْن. فقال له رسول الله ﷺ: \"بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا» (١).\nوفي هذا الجواب الذي أدلى به رسول الله ﷺ تتجلى شخصيته الفذة، وما كان عليه من الخلق العظيم الذي أمده الله به.\nوفي ذلك بيان شفقته على قومه، ومزيد صبره وحلمه، وهذا موافق لقوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩] (٢) وقوله تعالى؛ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] (٣). فصلوات الله وسلامه عليه (٤).\nوأقام ﷺ بنخلة أيامًا، وصمم على الرجوع إلى مكة، وعلى القيام باستئناف خطته الأولى في عرض الإسلام وإبلاغ رسالة الله الخالدة، بنشاط جديد، وجد وحماس، وحينئذ قال له زيد بن حارثة: كيف تدخل عليهم وقد أخرجوك؛ فَرُويَ عنه (٥) أنه قال: «يا زيد، إن الله جاعل لما ترى فرجًا ومخرجا، وإن الله ناصر دينه، ومظهر نبيه».\n٣ - حكمته في دخوله إلى مكة في جوار المطعم بن عدي: ثم سار حتى وصل مكة فأرسل رجلًا من خزاعة إلى مطعم بن عدي ليدخل في جواره، فقال مطعم: نعم، ودعا بنيه وقومه فقال: البسوا السلاح، وكونوا عند أركان البيت، فإني قد أجرت محمدًا، فدخل رسول\n_________\n(١) البخاري مع الفتح في كتاب بدء الخلق، باب إذا قال أحدكم: آمين والملائكة في السماء فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه ٦/ ٣١٢، ومسلم بلفظه في كتاب الجهاد والسير باب ما لقي النبي ﷺ من أذى المشركين والمنافقين ٣/ ١٤٢٠ وما بين المعكوفين من البخاري دون مسلم. .\n(٢) سورة آل عمران الآية ١٥٩.\n(٣) سورة الأنبياء الآية ١٠٧.\n(٤) انظر: البخاري مع الفتح٦/ ٣١٦، والرحيق المختوم ص١٢٤.\n(٥) انظر: زاد المعاد، لابن القيم، ٣/ ٣٣.","vol":"1","page":156},{"text":"الله ﷺ ومعه زيد بن حارثة حتى انتهى إلى المسجد الحرام، فقام المُطْعمُ بن عدي على راحلته فنادى: يا معشر قريش إني قد أجرت محمدًا فلا يهجه أحد منكم، فانتهى رسول الله ﷺ إلى الركن، فاستلمه وصلى ركعتين، وانصرف إلى بيته، والمطعم بن عدي وولده محدقون به بالسلاح حتى دخل بيته (١).\nوفي هذه المواقف العظيمة التي وقفها النبي ﷺ في رحلته إلى الطائف دليل واضح على تصميمه الجازم في الاستمرار في دعوته وعدم اليأس من استجابة الناس لها، وبَحَثَ عن ميدان جديد للدعوة، بعد أن قامت الحواجز دونها في ميدانها الأول.\nوفي ذلك دليل على أن النبي ﷺ كان أستاذًا في الحكمة، وذلك لأنه حينما قدم الطائف اختار الرؤساء وسادة ثقيف في الطائف وقد علم أنهم إذا أجابوه أجابت كل قبائل أهل الطائف وفىِ سيل الدماء من قدمي النبي ﷺ - وهو النبي الكريم- أكبر مثل لما يتحمله الداعية في سبيل الله من أذى واضطهاد.\nوفي عدم دعائه على قومه، وعلى أهل الطائف، وعدم موافقة ملك الجبال في إطباق الَأخْشَبَيْن على أهل مكة أكبر مثل لما يتحمله الداعية في صبره على من رد دعوته، وعدم اليأسِ من هدايتهم، فربما يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا.\nومن حكمته ﷺ أنه لم يدخل مكة إلا بعد أن دخل في جوار اْلمُطْعم بن عدي، وهكذا ينبغي للداعية أن يبحث عمن يحميه من كيد أعدائه؛ ليقوم بدعوته على الوجه المطلوب (٢).\n_________\n(١) انظر: زاد المعاد٣/ ٣٣، وسيرة ابن هشام ٢/ ٢٨، والبداية والنهاية٣/ ١٣٧، والرحيق المختوم ص ١٢٥.\n(٢) انظر: السيرة النبوية دروس وعبر لمصطفى السباعي ص٥٨، وهذا الحبيب يا محب ص١٣٤.","vol":"1","page":157},{"text":"٤ - من مواقفه الحكيمة في الأسواق والمواسم: باشر النبي ﷺ دعوته في مكة بعد عودته من الطائف في شهر ذي القعدة سنة عشر من النبوة، فبدأ يذهب إلى المواسم التي تقام في الأسواق مثل: عكاظ، ومجنة، وذي مجاز وغيرها، التي تحضرها القبائل العربية للتجارة والاستماع لما يُلقى فيها من الشعر ويعرض نفسه على هذه القبائل يدعوها إلى الله- تعالى-، وجاء موسم الحج لهذه السنة فأتاهم قبيلة قبيلة يعرض عليهم الإسلام كما كان يدعوهم منذ السنة الرابعة من النبوة.\nولم يكتف رسول الله ﷺ بعرض الإسلام على القبائل فحسب، بل كان يعرضه على الأفراد أيضًا.\nوكان ﷺ يرغب جميع الناس بالفلاح، فعن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه، قال: أخبرني رجل يقال له: ربيعة بن عباد، من بني الديل، وكان جاهليًا، قال: «رأيت النبي ﷺ في الجاهلية في سوق ذي المجاز وهو يقول: \"يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا\"، والناس مجتمعون عليه، ووراءه رجل وضئ الوجه، أحول، ذو غديرتين، يقول: إنه صابئ كاذب، يتبعه حيث ذهب، فسألت عنه، فذكروا لي نسب رسول الله ﷺ وقالوا: هذا عمه أبو لهب» (١).\nوقد كانت الأوس والخزرج يحجون كما كانت تحج العرب دون اليهود، فلما رأى الأنصار أحواله ﷺ ودعوته، عرفوا أنه الذي تتوعدهم به اليهود، فأرادوا أن يسبقوهم؛ ولكنهم لم يبايعوا النبي ﷺ في هذه السنة، ورجعوا إلى المدينة (٢).\n_________\n(١) أخرجه أحمد٤/ ٣٤١، ٣/ ٤٩٢، وسنده حسن، وله شاهد عند ابن حبان برقم١٦٨٣ (موارد) من حديث طارق بن عبد الله المحاربي، والحاكم في المستدرك بإسنادين، وقال عن الإسناد الأول. صحيح على شرط الشيخين، رواته كلهم ثقات أثبات، ١/ ١٥.\n(٢) انظر: زاد المعاد٣/ ٤٣، ٤٤، والتاريخ الإسلامي لمحمود شاكر٢/ ١٣٦، والرحيق المختوم ص ١٢٩، والبداية والنهاية٣/ ١٤٩، وابن هشام ٢/ ٣١.","vol":"1","page":158},{"text":"وفي موسم الحج من السنة الحادية عشرة من النبوة، عرض النبي ﷺ نفسه على القبائل، وبينما الرسول ﷺ يعرض نفسه، مر بعقبة مِنَى فوجد بها ستة نفر من شباب يثرب، فعرض عليهم الإسلام، فأجابوا دعوته، ورجعوا إلى قومهم وقد حملوا معهم رسالة الإسلام حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر رسول الله ﷺ (١).\nثم استدار العام وأقبل الناس إلى الحج سنة ١٢ من النبوة، وكان بين حجاج يثرب اثنا عشر رجلا، فيهم خمسة من الستة الذين كانوا قد اتصلوا برسول الله ﷺ في العام السابق، والتقوا حسب الموعد مع رسول الله ﷺ عند العقبة بمنى، وأسلموا وبايعوا رسول الله ﷺ بيعة النساء (٢).\nعن عبادة بن الصامت - ﵁- «أن رسول الله ﷺ قال وحوله عصابة من أصحابه: \"تعالوا بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتانٍ تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروفٍ، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب منْ ذلك شيئًا فعوقب به في الدنيا فهو له كفارة، ومن أصاب من ذلك شيئَا فستره الله عليه فأمره إلى الله: إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه \" فبايعناه على ذلك» (٣).\nوبعد أن انتهت المبايعة، وانتهى الموسم بعث النبي ﷺ مع هؤلاء مصعب بن عمير - ﵁- ليعلم المسلمين شرائع الإسلام، وليقوم\n_________\n(١) انظر: التاريخ الإسلامي لمحمود شاكر٢/ ١٣٧، وهذا الحبيب يا محب٢/ ١٤٥، والرحيق المختوم ص ١٣٢، وزاد المعاد ٣/ ٤٥، وسيرة ابن هشام ٢/ ٣٨، والبداية والنهاية ٣/ ١٤٩.\n(٢) انظر: زاد المعاد٣/ ٤٦، والرحيق المختوم ص١٣٩، والتاريخ الإسلامي٢/ ١٣٩، وهذا الحبيب ص ١٤٥، وسيرة ابن هشام ٢/ ٣٨.\n(٣) البخاري مع الفتح، كتاب مناقب الأنصار، باب وفود الأنصار إلى النبي ﷺ في مكة ٧/ ٢١٩، وكتاب الإيمان، باب حدثنا أبو اليمان١/ ٦٤.","vol":"1","page":159},{"text":"بنشر الإِسلام، وقد قام بذلك﵁- أتم قيام، وفي موسم الحج في السنة الثالثة عشرة من النبوة حضر لأداء الحج من يثرب ثلاثة وسبعون رجلا وامرأتان، وكلهم قد أسلموا.\nفلما قدموا مكة واعدوا النبي ﷺ عند العقبة، وجاءهم على موعدهم، ثم تكلم رسول الله ﷺ، ثم قالوا: «يا رسول الله، علام نبايعك؟ فقال: \"تبايعوني على: السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تقولوا في الله لا تخافون في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة» (١) فقاموا إليه فبايعوه.\nوبعد عقد هذه البيعة جعل عليهم رسول الله ﷺ اثني عشر زعيمًا، يكونون نقباء على قومهم، وكانوا تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس، ثم رجعوا إلى يثرب، وعندما وصلوا أظهروا الإسلام فيها، ونفع الله بهم في الدعوة إلى الله تعالى (٢).\nوبعد أن تمت بيعة العقبة الثانية ونجح النبي ﷺ في تأسيس وطن للِإسلام، انتشر الخبر في مكة كثيرًا، وثبت لقريش أن النبي ﷺ قد بايع أهل يثرب، فاشتد أذاهم على من أسلم في مكة، فأمر النبي ﷺ بالهجرة إلى المدينة، فهاجر المسلمون، فاجتمع قريش في يوم ٢٦ من شهر صفر سنة ١٤ من النبوة، وأجمعوا على قتل النبي ﷺ، فأوحى الله إلى النبي ﷺ بذلك؛ ولحسن سياسته وحكمته أمر عليًّا أن يبيت في فراشه تلك الليلة،\n_________\n(١) أحمد في المسند٣/ ٣٢٢، والبيهقي٩/ ٩، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي٢/ ٦٢٤، وحسن إسناده الحافظ في الفتح ٧/ ١١٧.\n(٢) انظر: سيرة ابن هشام ٢/ ٤٩، والبداية والنهاية٣/ ١٥٨، والتاريخ الإسلامي لمحمود شاكر٢/ ١٤٢، والرحيق المختوم ص١٤٣.","vol":"1","page":160},{"text":"فبقي المشركون ينظرون إلى عليّ من صِير الباب (١) وخرج رسول الله ﷺ، ومر بأبي بكر، وهاجر إلى المدينة (٢).\nوهذه المواقف العظيمة التي وقفها رسول الله ﷺ دليل واضح على حكمة النبي ﷺ، وعلى صبره، وشجاعته، وأنه ﷺ حينما علم بأن قريشًا قد طغت، ورفضت الدعوة بحث عن مكان يتخذ قاعدة للدعوة الإسلامية، ولم يكتف بذلك، بل أخذ منهم البيعة والمعاهدة على نصرة الإسلام، وتم ذلك في مؤتمرين: بيعة العقبة الأولى، ثم الثانية، وعندما وجد مكان الدعوة الذي يتخذ قاعدة لها، ووجد أنصار الدعوة أذن بالهجرة لأصحابه، وأخذ هو بالأسباب عندما تآمرت عليه قريش، وهذا لا يعتبر جبنًا، ولا فرارًا من الموت؛ ولكن يعتبر أخذًا بالأسباب مع التوكل على الله تعالى، وهذه السياسة الحكيمة من أسباب نجاح الدعوة، وهكذا ينبغي أن يكون الدعاة إلى الله، فإن النبي ﷺ هو قدوتهم وإمامهم (٣)\n_________\n(١) صير الباب: هو شق الباب. انظر: المعجم الوسيط، مادة. صار١/ ٥٣١.\n(٢) انظر: سيرة ابن هشام٢/ ٩٥، والبداية والنهاية٣/ ١٧٥، وزاد المعاد٣/ ٥٤، والسيرة النبوية دروس وعبر لمصطفى السباعي ص٦١، والتاريخ الإسلامي لمحمود شاكر٢/ ١٤٨، وهذا الحبيب يا محب ص١٥٦.\n(٣) انظر: السيرة النبوية دروس وعبر ص٦٨.","vol":"1","page":161},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>المطلب الثاني\nمواقف النبي ﷺ بعد الهجرة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>المسلك الأول: مواقف الحكمة في الإصلاح والتأسيس:</span>\nعندما وصل رسول الله ﷺ إلى المدينة كان فيها مجموعات من السكان متباينة في عقيدتها، مختلفة في أهدافها، متفرقة في اجتماعاتها، وكانت لديهم خلافات بعضها قديم موروث، وبعضها حديث موجود، وقد كانت هذه المجموعات على ثلاثة أصناف:\n١ - المسلمون، من: الأوس، والخزرج، والمهاجرين.\n٢ - المشركون، من: الأوس، والخزرج الذين لم يدخلوا في الإسلام.\n٣ - اليهود، وهم عدة قبائل: بنو قينقاع، وقد كانوا حلفاء الخزرج، وبنو النضير، وبنو قُريظة، وهاتان القبيلتان كانتا حلفاء الأوس.\nوقد كان هناك خلاف مستحكم بين الأوس والخزرج، وكانت بينهما حروب في الجاهلية، وآخرها يوم بُعَاثٍ ولا يزال في النفوس شيء منها (١).\nلقد قام النبي ﷺ بحل هذه المشكلات كلها، بحكمته العظيمة، وحسن سياسته، وكان حله وإصلاحه لهذه الأوضاع، وجمعه لشمل المسلمين كالتالي:\n_________\n(١) انظر. البداية والنهاية ٣/ ٢١٤، وسيرة ابن هشام ٢/ ١١٤، وزاد المعاد٣/ ٦٢، والتاريخ الإسلامي لمحمود شاكر٢/ ١٥٩، والرحيق المختوم ص١٧١، وهذا الحبيب يا محب ص ١٧٤، وفقه السيرة لمحمد الغزالي ص١٨٨، البخاري مع الفتح، باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية ويتخذ مكانها مساجد ١/ ٥٢٤، ومسلم، كتاب الماجد، باب بناء مسجد النبي ﷺ ١/ ٣٧٣، ٣٧٤.","vol":"1","page":162},{"text":"١ - بناء المسجد والاجتماع فيه أولى عمل وحد بين القلوب: كان أول عمل قام به ﷺ في الإصلاح والتأسيس بناء المسجد النبوي، واشترك المسلمون جميعًا في البناء، وعلى رأسهم إمامهم محمد ﷺ، وكان أول عمل تعاوني عام، وحد بين القلوب، وأظهر الهدف العام للعمل، وقد كان لكل حي في المدينة - قبل قدوم النبي ﷺ مكان يلتقون فيه، فيسمرون ويسهرون، وينشدون الأشعار، فكانت هذه الحال تدل على التفرقة والاختلاف، فعندما بُنيَ المسجد كان مركز المسلمين جميعًا، ومكان تجمعهم، يلتقون به في كل وقت، ويسألون رسول الله ﷺ فيعلمهم ويرشدهم ويوجههم (١).\nوبهذا تجمعت الأندية، والتفَّت الأحياء، واقتربت القبائل، وتحابَّت البطون، وانقلبت التفرقة إلى وحدة، ولم تعد في المدينة جماعات، بل جماعة واحدة، ولم تعد زعامات، بل قائد واحد، هو رسول الله ﷺ، يتلقى من ربه الأوامر والنواهي، ويعلم أمته، فأصبح المسلمون صفًّا واحدًا، وامتزجت النفوس والعقليات، وتقوت الوحدة، وتآلفت الأرواح، وتعاونت الأجسام (٢).\nولم يكن المسجد موضعًا لأداء الصلوات الخمس فحسب، بل كان جامعة يتلقى فيها المسلمون تعاليم الإسلام وتوجيهاته، ويجتمعون فيه، وتلتقي فيه العناصر القبلية المختلفة التي طالما نافرت بينها النزعات الجاهلية وحروبها وقاعدة لِإدارة جميع الشئون، وبثّ الانطلاقات، وموضعًا لعقد المجالس الاستشارية والتنفيذية.\n_________\n(١) انظر. البخاري مع الفتح، كتاب مناقب الأنصار، باب هجرة النبي ﷺ وأصحابه ٧/ ٢٣٩، ٢٤٠.\n(٢) انظر. التاريخ الإسلامي لمحمود شاكر٢/ ١٦١، ١٦٢، والرحيق المختوم ص ١٧٩.","vol":"1","page":163},{"text":"ولهذا ما أقام رسول الله ﷺ بمكان في المدينة إلا كان أول ما يفعله بناء جد يجتمع فيه المؤمنون، فقد أقام مسجد قباء حين أقام فيها، وصلى الجمعة في بني سالم بن عوف بين قباء والمدينة في بطن وادي (رانوناء) فلما أن وصل إلى المدينة كان أول عمل عمله بناء المسجد فيها (١).\n٢ - دعوة اليهود إلى الإسلام بالقول الحكيم: ومن قواعد الإصلاح والتأسيس التي قام بها النبي ﷺ بعد أن دخل المدينة - الاتصال باليهود بواسطة عبد الله بن سلام ﵁، ودعوتهم إلى الإسلام.\nفعن أنس - ﵁- قال. «بلغ عبد الله بن سلام مقدم النبي ﷺ المدينة فأتاه، فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي، قال: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؛ وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه؟ فقال رسول الله ﷺ: \"خبرني بهن آنفًا جبريل \"، قال ابن سلام: ذاك عدو اليهود من الملائكة، فقال رسول الله ﷺ: \"أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد حوت، وأما الشبه في الولد فإن الرجل إذا غشي المرأة فسبقها ماؤه كان الشبه له، وإذا سبق ماؤها كان الشبه لها\" [قال. أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله]، قال: يا رسول الله، إن اليهود قوم بُهْتٌ، إن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم بَهَتوني عندك، [فأرسل نبي الله ﷺ فأقبلوا فدخلوا عليه، فقال لهم رسول الله ﷺ: \"يا معشر اليهود، ويلكم اتقوا الله فواللَّه الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أني رسول الله حقًّا، وأني جئتكم بحق، فأسلموا\"، قالوا: ما نعلمه، قالوا\n_________\n(١) انظر السيرة النبوية دروس وعبر ص ٧٤، وفقه السيرة ص ١٨٩، وهذا الحبيب يا محب ص ١٨٠.","vol":"1","page":164},{"text":"للنبي ﷺ - قالها ثلاث مرات- فقال رسول الله لمجير: فأي رجل فيكم عبد الله بن سلام؟ قالوا: ذاك سيدنا وابن سيدنا، وأعلمنا وابن أعلمنا، قال: أفرأيتم إن أسلم؟ قالوا: حاشا لله ما كان ليسلم، قال: أفرأيتم إن أسلم؟ قالوا: حاشا لله ما كان ليسلم، قال: أفرأيتم إن أسلم؟ قالوا: حاشا لله ما كان ليسلم، قال: يا ابن سلام اخرج عليهم، فخرج، فقال: يا معشر اليهود، اتقوا الله فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول الله، وأنه جاء بحق، فقالوا: كذبت، [شرنا، وابن شرنا]، ووقعوا فيه» (١).\nوهذه أول تجربة تلقاها رسول الله ﷺ من اليهود عند دخول المدينة (٢).\nومن حسن سياسته ﷺ أنه وافق على إخفاء عبد الله بن سلام حتى يسأل اليهود عن مكانته بينهم، وعندما أثنوا عليه، ورفعوا من قدره أمره بالخروج فخرج وأعلن شهادته، وأظهر ما كان يكتمه اليهود من صدق النبي ﷺ ثم ضبطهم ﷺ بالمعاهدة التي ستأتي.\n٣ - المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار: كما قام النبي ﷺ بالبدء ببناء المسجد ودعوة اليهود إلى الإسلام، قام ﷺ بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وهذا من الرشد، والكمال النبوي، والنضج السياسي، والحكمة المحمدية (٣).\nآخى بينهم ﷺ في دار أنس بن مالك، وكانوا تسعين رجلا، نصفهم\n_________\n(١) البخاري مع الفتح، في كتاب أحاديث الأنبياء ٦/ ٣٦٢، وفي كتاب مناقب الأنصار٧/ ٢٥٠، ٧/ ٢٧٢، والألفاظ من المواضع الثلاثة، وانظر أيضًا. البخاري مع الفتح ٨/ ١٦٥، والبداية والنهاية ٣/ ٢١٠.\n(٢) انظر: الرحيق المختوم ص١٧٥، وهذا الحبيب يا محب ص ٧٥، وفقه السيرة لمحمد الغزالي ص ١٩٨، والتاريخ الإسلامي لمحمود شاكر٢/ ١٧٣.\n(٣) انظر: هذا الحبيب يا محب، لأبي بكر الجزائري ص ١٧٨.","vol":"1","page":165},{"text":"من المهاجرين، ونصفهم من الأنصار آخى بينهم على المواساة، يتوارثون بعد الموت دون ذوي الأرحام إلى حين وقعة بدر، فلما أنزل الله﷿-: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥] (١) ردّ التّوارث إلى الرّحم دون عقد الإخوة (٢).\nذابت عصبيات الجاهلية، فلا حمية إلا للِإسلام، وسقطت فوارق النسب واللون والوطن، فلا يتقدم أحد أو يتأخر إلا بمروءته وتقواه، وكانت عواطف الأخوة، والإيثار؛ والمواساة، والمؤانسة تمتزج في هذه الأخوة، وتملأ المجتمع الجديد بأروع الأمثال؛ وفي هذه الإخوة أقوى مظهر من مظاهر عدالة الإسلام الإنسانية والأخلاقية (٣).\nولم تكن هذه المؤاخاة معاهدة دونت على الورق فحسب، ولا كلمات قيلت باللسان فقط؛ وإنما كانت مؤاخاة سجلت على صفحات القلوب، وعملا يرتبط بالدماء والأموال، لا كلامًا يثرثر به اللسان، إنها مؤاخاة في القول والعمل، والنفس والمتاع والأملاك، في العسر واليسر (٤).\nومن أروع الأمثلة لذلك ما رواه البخاري في صحيحه «آخى رسول الله ﷺ بين عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن الربيع، فقال سعد: قد علمت الأنصار أني من أكثرها مالًا، فسأقسم مالي بيني وبينك نصفين، ولي امرأتان، فانظر أعجبهما إليك فسمها لي أطلقها، فإذا انقضت عدتها فتزوجها، فقال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك، أين سوقكم؟ فدلوه على سوق بني قينقاع فما انقلب إلا ومعه فضل من أقط وسمن، ثم\n_________\n(١) سورة الأنفال، الآية: ٧٥.\n(٢) انظر: زاد المعاد ٣/ ٦٣، والرحيق المختوم ص١٨٠.\n(٣) انظر: فقه السيرة ٣/ ٦٣، والرحيق المختوم ص١٨٠.\n(٤) انظر: التاريخ الإسلامي لمحمود شاكر٢/ ١٦٥، وفقه السيرة لمحمد الغزالي، ص١٩٢.","vol":"1","page":166},{"text":"تابع الغدوة ثم جاء يومًا وبه أثر صُفرة، فقال النبي ﷺ: \"مَهْيَم؟ \" (١) قال: تزوجت امرأة من الأنصار، فقال: \"ما سقت فيها؟ \" قال: وزن نواة من ذهب، أو نواة من ذهب، فقال: \"أولم ولو بشاة» (٢). وهذه المؤاخاة حكمة فذة، وسياسة صائبة، وحل رائع لكثير من المشاكل التي كان يواجهها المسلمون.\n٤ - التربية الحكيمة: وقد كان ﷺ يتعهدهم بالتعليم والتربية وتزكية النفوس، والحث على مكارم الأخلاق، ويؤدبهم بآداب الود والإخاء والمجد والشرف والعبادة والطاعة (٣) فقد كان يقول ﷺ: «يا أيها الناس: أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام» (٤) ويقول: «لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه» (٥) «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» (٦).\n_________\n(١) مَهْيَم: كلمة استفهام، أي: ما حالك، وما شأنك؟ انظر: القاموس المحيط، باب الميم، فصل الميم، ص ١٤٩٩.\n(٢) البخاري مع الفتح، كتاب مناقب الأنصار، باب إخاء النبيﷺ - بين المهاجرين والأنصار، ٧/ ١١٢، حديث رقم٣٧٨٠، ٣٧٨١، واللفظ من الموضعين، وانظر: باب كيف آخى النبي ﷺ بين أصحابه، في الكتاب السابق نفسه.\n(٣) انظر: الرحيق المختوم ص ١٧٩، ١٨١، ٢٠٨، والتاريخ الإسلامي، لمحمود شاكر٢/ ١٦٥.\n\n(٤) أخرجه الترمذي في كتاب صفة القيامة، باب حدثنا محمد بن بشار٤|٦٥٢، وقال: هذا حديث صحيح، وابن ماجه، كتاب الأطعمة، باب إطعام الطعام٢/ ١٠٨٣، والدارمي١/ ١٥٦، وأحمد١/ ١٦٥ / ٣٩١ وانظر: صحيح الترمذي، ٢/ ٣٠٣.\n(٥) مسلم في كتاب الإيمان، باب تحريم إيذاء الجار، ١/ ٦٨.\n(٦) البخاري مع الفتح، في كتاب الإيمان، باب أي الإسلام أفضل١/ ٥٤، ومسلم كتاب الإيمان، باب بيان تفاضل الإسلام وأي أموره أفضل١/ ٦٥، واللفظ له.","vol":"1","page":167},{"text":"ويقول: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (١).\nويقول: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا، وشبك بين أصابعه» (٢).\nويقول: «لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانًا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى هاهنا- ويشير إلى صدره ثلاث مرات- بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه» (٣).\nوقال: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان فيعرض هذا، ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام» (٤) وقال: «تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين، ويوم الخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئا إلا رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أَنظِروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا» (٥)\n_________\n(١) البخاري مع الفتح، كتاب الإيمان، باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه١/ ٥٦، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه١/ ٦٧.\n(٢) البخاري مع الفتح، كتاب الصلاة، باب تشبيك الأصابع في المسجد ١/ ٥٦٥، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم ٤/ ١٩٩٩.\n(٣) مسلم، كتاب البر والصلة، باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره وتحريم دمه وعرضه وماله ٤/ ١٩٨٦.\n(٤) البخاري مع الفتح، كتاب الأدب، باب الهجر، وقول الرسول ﷺ: لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث١٠/ ٤٩١، ومسلم في كتاب البر والصلة، باب تحريم الهجر فوق ثلاث بلا عذر شرعي ٤/ ١٩٨٦.\n(٥) أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة، باب النهي عن الشحناء والتهاجر ٤/ ١٩٨٧.","vol":"1","page":168},{"text":"وقال: «تعرض الأعمال في كل يوم خميسِ واثنين فيغفر الله﷿- في ذلك اليوم لكل امرئٍ لا يشرك بالله شيئا إلا امرأ كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: اركوا هذين (١) حتى يصطلحا، اركوا هذين حتى يصطلحا» (٢) وقال ﷺ: «انصر أخاك ظالما أو مظلومًا\" قيل: يا رسول الله، هذا نصرته مظلوما، فكيف أنصره إذا كان ظالمًا؟ قال: \"تحجزه أو تمنعه من الظلم فذلك نصره» (٣) وقال: «حق المسلم على المسلم ست \"، قيل: ما هن يا رسول الله؟ قال: \"إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه» (٤) وعن البراء بن عازب قال: «أمرنا رسول الله ﷺ بسبع ونهانا عن سبع: أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنازة، وتشميت العاطس، وإجابة الداعي، وإفشاء السلام، ونصر المظلوم، وإبرار المقسم، ونهانا عن خواتيم الذهب، وعن الشرب في الفضة- أو قال: في آنية الفضة- وعن\n_________\n(١) اركوا هذين. أي أخروا، يقال: ركاه، يركوه ركوا، إذا أخره. انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ١٦/ ١٢٢.\n(٢) أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب النهي عن الشحناء والتهاجر، ٤/ ١٩٨٨.\n(٣) أخرجه مسلم في كتاب البر، باب انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا٤/ ١٩٩٨، بمعناه، وأخرجه أحمد بلفظه٣/ ٩٩، والبخاري مع الفتح في كتاب المظالم، باب أعن أخاك ظالما أو مظلومًا ٥/ ٩٨، وكتاب الإكراه، باب يمين الرجل لصاحبه ١٢/ ٢٢٣.\n(٤) البخاري مع الفتح بنحوه في كتاب الجنائز، باب الأمر باتباع الجنائز٣/ ١١٢، ومسلم في كتاب السلام، باب من حق المسلم على المسلم رد السلام ٤/ ١٧٠٥.","vol":"1","page":169},{"text":"المياثر (١) والقسي (٢) وعن لبس الحرير، والديباج (٣) والإستبرق» (٤).\nوقال: «لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شئ إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم» (٥).\n«وسئل ﷺ: أي الإسلام خير؟ فقال: \"تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف» (٦).\nويقول: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» (٧).\nوقال ﷺ: «من لا يرحم لا يرحم» (٨).\nوقال: «من لا يرحم الناس لا يرحمه الله ﷿» (٩).\nوقال ﷺ: «سباب المسلم فسوقٌ، وقتاله كفر» (١٠).\nوسواء وصلت هذه النصوص للأنصار من النبي ﷺ مباشرة، أو سمعوا بعضها من المهاجرين الذين سمعوا من النبي ﷺ قبل الهجرة، فكل ذلك\n_________\n(١) المياثر: سروج من الديباج أو الحرير. الفتح ١٠/ ٢٩٣.\n(٢) ثياب مضلعة بالحرير: أي فيها خطوط منه. الفتح ١٠/ ٢٩٣.\n(٣) الديباج والإِستبرق: صنفان من الحرير. انظر: فتح الباري١٠/ ٣٠٧.\n(٤) البخاري مع الفتح، في كتاب الجنائز، باب الأمر باتباع الجنائز٣/ ١١٢، ٥/ ٩٩، ٩/ ٢٤٠، ١٠/ ٩٦، وانظر مواضع الحديث في البخاري مع فتح الباري ٣/ ١١٢.\n(٥) مسلم، في كتاب الإيمان، باب بيان أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون١/ ٧٤.\n(٦) البخاري مع الفتح في كتاب الإيمان، باب إطعام الطعام من الإِسلام ١/ ٥٥، ومسلم في الإِيمان، باب بيان تفاضل الإسلام ١/ ٦٥.\n(٧) البخاري مع الفتح، كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم١٠/ ٤٣٨، ومسلم في كتاب البر والصلة، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم٤/ ٢٠٠٠.\n(٨) البخاري مع الفتح، كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم١٠/ ٤٣٨، ومسلم، كتاب الفضائل، باب رحمته ﷺ الصبيان والعيال وتواضعه وفضل ذلك ٤/ ١٨٠٩.\n(٩) مسلم، في كتاب الفضائل، الباب السابق ٤/ ١٨٠٩.\n(١٠) البخاري مع الفتح، كتاب الإيمان، باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر١/ ١١٠.","vol":"1","page":170},{"text":"تربية منه ﷺ لأصحابه جميعًا، ولمن بلغته هذه النصوص إلى يوم الدين.\nوغير ذلك من النصوص التي ربّى بها محمد ﷺ أصحابه فقد كان يحثهم على الإنفاق، ويذكر من فضائله ما يشوق النفوس والقلوب، وكان يحث على الاستعفاف عن المسألة، ويذكر لهم فضل الصبر والقناعة، وكان يرغبهم في العبادات بما فيها من الفضائل والأجر والثواب، وكان يربطهم بالوحي النازل من السماء ربطًا موثقًا يقرؤه عليهم ويقرؤونه؛ لتكون هذه الدراسة إشعارًا بما عليهم من حقوق الدعوة، فضلا عن ضرورة الفهم والتدبر.\nوهكذا رفع ﷺ معنوياتهم، ودربهم على أعلى القيم والمثل حتى صاروا صورة لأعلى قمة من الكمال الإنساني.\nبمثل هذا استطاع النبي ﷺ أن يبني مجتمعًا مسلمًا أروع وأشرف مجتمع عرفه التاريخ، وأن يضع لمشاكل هذا المجتمع حلا بعد أن كان يعيش في ظلمات الجهل والخرافات، فأصبح مجتمعًا يضرب به المثل في جميع الكمال الإنساني، وهذا بفضل الله وحده، ثم بفضل هذا النبي الحكيم، فَحَريٌّ بالدعاة إلى الله أن يسلكوا مسلكه، ويهتدوا بهديه ﷺ (١).\n٥ - ميثاق المهاجرين والأنصار وموادعة اليهود: بعد أن قام رسول الله ﷺ بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، عقد معاهدة أزاح بها كل ما كان من حزازات الجاهلية والنزعات القبلية، ولم يترك مجالًا لتقاليد الجاهلية، وقد وضع في هذه المعاهدة ميثاقًا للمهاجرين والأنصار متضمنًا موادعة اليهود بالمدينة، وهذا من أبرز الجهود التي بذلها ﷺ في الإصلاح والتأسيس.\nكتب رسول الله ﷺ كتابًا بين المهاجرين والأنصار، وادع فيه اليهود،\n_________\n(١) انظر: الرحيق المختوم، ص ١٨٣.","vol":"1","page":171},{"text":"وعاهدهم، وأقرهم على أموالهم، واشترط عليهم، وشرط لهم (١).\nوهذا الميثاق في غاية الدقة، وحسن السياسة، وكمال الحكمة من النبي ﷺ، فقد ربط بين جميع المسلمين في المدينة وبين اليهود، فأصبحوا كتلة واحدة، يستطيعون أن يقفوا في وجه كل من يريد أهل المدينة بسوء. وهذه الخطوات الخمس: بناء المسجد، ودعوة اليهود إلى الإسلام، والمؤاخاة بين المؤمنين وتربيتهم، وكتابة الميثاق، هي التي حل بها النبي ﷺ - بفضل الله تعالى- الخلاف المستحكم بين سكان المدينة، وأزال بها جميع آثار الماضي، ووحَّد بها قلوب المسلمين، وطبق بها النظام المتقن داخلِ المدينة، ومن ثم انتشر هذا النظام، والدعوة إلى الله من هذه المدينة إلى جميع أقطار العالم (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>المسلك الثاني: مواقف الحكمة في حسن الإعداد للقتال، والشجاعة والبطولة:</span>\nبعد أن كوَّن النبي ﷺ مجتمعًا متماسكًا بالمدينة، وأصبح هذا المجتمع كتلة واحدة أمام من يريد العاصمة الإسلامية بسوء- وما ذلك إلا بفضل الله ثم بحكمة المصطفى ﷺ - قام ﷺ بالجهاد في سبيل الله، بالقلب واللسان، والدعوة والبيان، والسيف والسنان، فقد أرسل ستّا وخمسين سرية، وقاد بنفسه سبعًا وعشرين غزوة (٣).\nومن مواقفه الحكيمة في ذلك على سبيل المثال لا الحصر ما يأتي:\n_________\n(١) انظر: البداية والنهاية لابن كثير ٣/ ٢٢٤ - ٢٢٦، وزاد المعاد٣/ ٦٥، وانظر: كتابة الميثاق بين المسلمين ويهود المدينة في سيرة ابن هشام٢/ ١١٩ - ١٢٣.\n(٢) انظر: الرحيق المختوم ص١٧١، ١٧٨، ١٨٥، والتاريخ الإسلامي لمحمود شاكر٢/ ١٦٦، ٢/ ٦٩، ١٦٠، وهذا الحبيب يا محب ص ١٧٤، ١٧٦.\n(٣) انظر تلك البطولات الحكيمة في: البخاري مع الفتح، كتاب المغازي، باب غزوة العشيرة ٧/ ٢٧٩، ومسلم، كتاب الجهاد والسير، باب عددذ غزوات النبيﷺ٣/ ١٤٤٧، وشرح النووي على مسلم٢ ١/ ١٩٥، وفتح الباري ٧/ ٢٨٠، ٢٨١، والبداية والنهاية لابن كثير ٣/ ٢٤١، ٥/ ٢١٦، ٢١٧، وزاد المعاد لابن القيم ٣/ ٥.","vol":"1","page":172},{"text":"١ - ما فعله في غزوة بدر الكبرى: من مواقفه التي تزخر بالحكمة في هذه الغزوة «أنه ﷺ استشار الناس قبل بدء المعركة؛ لأنه ﷺ يريد أن يعرف مدى رغبة الأنصار في القتال؛ لأنه شرِطَ له في البيعة أن يمنعوه في المدينة مما يمنعون منه أنفسهم وأموالهم وأبناءهم وأزواجهم، أما خارج المدينة فلم يحصل أي شرط، فأراد ﷺ أن يستشيرهم، فجمعهم ﷺ واستشارهم، فقام أبو بكر - ﵁- فقال وأحسن، ثم عمر بن الخطاب - ﵁- فقال وأحسن، ثم استشارهم ثانيًا، فقام المِقْدَادُ فقال: \"يا رسول الله، امض لما أمرك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، [نقاتل عن يمينك، وعن شمالك، ومن بين يديك، ومن خلفك، ثم استشار الناس ثالثًا، ففهمت الأنصار أنه يعنيهم، فبادر سعد بن معاذ فقال: يا رسول الله كأنك تريدنا]، وكان النبي ﷺ يعنيهم، لأنهم بايعوه على أن يمنعوه من الأحمر والأسود في ديارهم، فلما عزم على الخروج استشارهم؛ ليعلم ما عندهم، فقال له سعد: لعلك تخشى أن تكون الأنصار ترى حقًّا عليها أن لا ينصروك إلا في ديارها، وإني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم: فاظعن حيث شئت، وصل حبل من شئت، واقطع حبل من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وأعطنا ما شئت، وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت، وما أمرتنا فيه من أمر فأمرنا تبع لأمرك، فوا لله لئن سرت حتى تبلغ البرك من غمدان لنسيرن معك، والذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فَخضْتَهُ لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا، إنّا لَصُبُرٌ في الحرب، صُدق في اللقاء، ولعل الله أن يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله، فأشرق وجه رسول الله ﷺ وسرَ بما سمع، ونشطه ذلك، ثم قال:","vol":"1","page":173},{"text":"\"سيروا وأبشروا، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، ولكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم» (١).\nومن مواقفه العظيمة في بدر: اعتماده على ربه﵎- لأنه قد علم أن النصر لا يكون بكثرة العدد ولا العدة، وإنما يكون بنصر الله﷿- مع الأخذ بالأسباب والاعتماد على الله.\nعن عمر بن الخطاب - ﵁- قال: «لما كان يوم بدر نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلا، فاستقبل نبي الله ﷺ القبلة، ثم مد يديه، فجعل يهتف بربه (٢) \"اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض \"، فما زال يهتف بربه، مادًّا يديه، مستقبل القبلة، حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر، فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه، وقال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله﷿-: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩]» (٣) فأمده الله بالملائكة (٤)\n_________\n(١) سقت هذه القصة بالمعنى، وانظر: سيرة ابن هشام ٢/ ٢٥٣، وفتح الباري ٧/ ٢٨٧، وزاد المعاد ٣/ ١٧٣، والرحيق المختوم ص٢٠٠، وقد أخرج البخاري مواضع منها. انظر: البخاري مع الفتح، كتاب المغازي، باب إذ تستغيثون ر بكم ٧/ ٢٨٧، وكتاب التفسير ٨/ ٢٧٣، وأخرج مسلم بعض المواضع من القصة. انظر: صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب غزوة بدر ٣/ ١٤٠٣، وانظر: التاريخ الإسلامي لمحمود شاكر٢/ ١٩٤.\n(٢) يهتف بربه، أي: يصيح ويستغيث بالله بالدعاء. انظر: شرح النووي١٢/ ٨٤.\n(٣) سورة الأنفال، الآية ٩.\n(٤) أخرجه مسلم بلفظه ني كتاب الجهاد والسير والمغازي، باب الإِمداد بالملائكة في غزوة بدر ٣/ ١٣٨٣، والبخاري مع الفتح بمعناه مختصرًا، في كتاب المغازي، باب قوله تعالى: إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم. ٧/ ٢٨٧، وانظر. الرحيق المختوم ص ٢٠٨.","vol":"1","page":174},{"text":"«وقد خرج رسول الله ﷺ من العريش وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]» (١) وقاتل ﷺ في المعركة، وكان من أشد الخلق وأقواهم وأشجعهم، ومعه أبو بكر - ﵁- كما كانا في العريش يُجاهِدَان بالدعاء والتضرع، ثم نزلا فحرضا، وحثا على القتال، وقاتلا بالأبدان جمعًا بين المقامين الشريفين \" (٢) وكان أشجع الناس الرسول ﷺ، فعن علي بن أبي طالب - ﵁- قال: \"لقد رأَيْتُنَا يوم بدر، ونحن نلوذ برسول الله ﷺ وهو أقربنا إلى العدو، وكان من أشد الناس يومئذ بأسًا\" (٣) وعنه﵁- قال: \"كنا إذا حمي البأس، ولقي القوم القوم اتقينا برسول الله ﷺ فلا يكون أحدنا أدنى إلى القوم منه \" (٤).\n٢ - مواقفه الحكيمة في غزوة أحد: من مواقفه في الشجاعة أيضًا، وصبره على أذى قومه ما فعله ﷺ في غزوة أحد، فقد كان ﷺ يقاتل قتالا عظيمًا؛ فإن الدولة كانت أول النهار للمسلمين على المشركين، فانهزم أعداء الله وولوا مدبرين حتى انتهوا إلى نسائهم، فلما رأى الرماة هزيمتهم تركوا مركزهم الذي أمرهم رسول الله ﷺ بحفظه، وذلك أنهم ظنوا أنه ليس للمشركين رجعة، فذهبوا في طلب الغنيمة، وتركوا الجبل، فكرّ فرسان المشركين فوجدوا الثغر خاليًا قد خلا\n_________\n(١) سورة القمر، الآية ٤٥. والحديث في البخاري مع الفتح ٧/ ٢٨٧.\n(٢) انظر: البداية والنهاية ٣/ ٢٧٨.\n(٣) أخرجه أحمد في المسند ١/ ٨٦، والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي٢/ ١٤٣.\n(٤) الحاكم وصححه، ووافقه الذهبي٢/ ١٤٣، وعزاه ابن كثير في البداية والنهاية ٣/ ٢٧٩، إلى النسائي.","vol":"1","page":175},{"text":"من الرماة فجازُوا منه، وتمكنوا حتى أقبل آخرهم فأحاطوا بالمسلمين، فأكرم الله من أكرم منهم بالشهادة، وهم سبعون، وتولى الصحابة، وخلص المشركون إلى رسول الله، فجرحوا وجهه، وكسروا رباعيته اليمنى، وكانت السفلي، وهشموا البيضة على رأسه، وقاتل الصحابة دفاعًا عن رسول الله ﷺ (١) وكان حول النبي ﷺ رجلان من قريش، وسبعة من الأنصار، فقال ﷺ لما رهقوه، وقربوا منه: «من يردهم عنا وله الجنة، أو هو رفيقي في الجنة\"، فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل، ثم رهقوه أيضًا فقال: \"من يردهم عنا وله الجنة\"، فتقدم رجل من الأنصار، فقاتل حتى قتل، فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة، فقال رسول الله ﷺ لصاحبيه: ما أنصفنا أصحابنا» (٢) وعندما اجتمع المسلمون، ونهضوا مع النبي ﷺ إلى الشعب الذي نزل فيه، وفيهم أبو بكر، وعمر، وعلي، والحارث بن الصّمة الأنصاري وغيرهم، فلما استندوا إلى الجبل أدرك رسول الله ﷺ أُبَيّ بن خلف، وهو على جواد له، ويقول: أين محمد لا نجوت إن نجا؛ فقال القوم. يا رسول الله، أيعطف عليه رجل منا، فأمرهم رسول الله ﷺ بتركه، فلما دنا منه تناول رسول الله ﷺ الحربة من الحارث بن الصمة، فلما أخذها منه انتفض انتفاضة تطايروا عنه تطاير الشعر عن ظهر البعير إذا انتفض، ثم استقبله وأبصر ترقوته من فرجةٍ بين سابغة الدرع والبيضة، فطعنه فيها طعنة تدحرج منها عن فرسه مرارًا، فلما رجع عدو الله إلى قريش وقد خدشه في عنقه خدشًا غير كبير. . . قال: قتلني والله محمد، فقالوا له: ذهب والله\n_________\n(١) انظر: زاد المعاد٣/ ١٩٦، ١٩٩، والرحيق المختوم ص٢٥٥، ٢٥٦.\n(٢) أخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب غزوة أحد٣/ ١٤١٥.","vol":"1","page":176},{"text":"فؤادك، والله إن بك من بأس، قال: إنه قد كان قال لي بمكة: أنا أقتلك، فوالله لو بصق عليَّ لقتلني، فمات عدو الله بسرف، وهم قافلون إلى مكة \" (١) وعن سهل بن سعد - ﵁- أنه سُئلَ عن جرح النبي ﷺ يوم أحد فقال: جُرِحَ وجه النبي ﷺ وكُسِرَت رباعيته، وهُشِمَت البيضة على رأسه، فكانت فاطمة - ﵍- تغسل الدم، وعليٌّ يمسك، فلما رأت أن الدم لا يرتد إلا كثرة أخذت حصيرًا فأحرقته حتى صار رمادًا، ثم ألزقته فاستمسك الدم \" (٢) وقد حصل له هذا الأذى العظيم الذي ترتج لعظمته الجبال، وهو نبي الله ﷺ ولم يدع على قومه، بل دعا لهم بالمغفرة، لأنهم لا يعلمون.\nفعن عبد الله بن مسعود - ﵁- قال: «كأني أنظر إلى رسول الله ﷺ يحكي نبيًّا من الأنبياء ضربه قومه وهو يمسح الدم عن وجهه، ويقول: \"اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» (٣) فالأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- وعلى رأسهم محمد ﷺ قد كانوا (٤) على جانب عظيم من الحلم والتصبر، والعفو والشفقة على قومهم ودعائهم\n_________\n(١) انظر: زاد المعاد، لابن القيم٣/ ١٩٩، والرحيق المختوم ص٢٦٣، وروى قصة قتل النبي ﷺ لأبي بن خلف: أبو الأسود عن عروة بن الزير، والزهري عن سعيد بن المسيب. انظر: البداية والنهاية لابن كثير٤/ ٣٢، وكلاهما مرسل، والطبري٢/ ٦٧، وانظر. فقه السيرة لمحمد الغزالي، ص٢٢٦.\n(٢) البخاري مع الفتح، كتاب الجهاد، باب لبس البيضة٦/ ٩٦، ومسلم، كتاب الجهاد، باب غزوة أحد ٣/ ١٤١٦.\n(٣) البخاري مع الفتح، كتاب الأنبياء، باب حدثنا أبو اليمان ٦/ ٥١٤، ١٢/ ٢٨٢، وأخرجه مسلم في كتاب الجهاد، باب غزوة أحد ٣/ ١٤١٧، وانظر: شرحه في الفتح ٦/ ٥٢١، وشرح النووي لصحيح مسلم١٢/ ١٤٨.\n(٤) انظر: شرح النووي لمسلم١٢/ ١٤٨.","vol":"1","page":177},{"text":"لهم بالهداية والغفران، وعذرهم في جناياتهم على أنفسهم بأنهم لا يعلمون (١) قال ﷺ: «اشتد غضب الله على قوم فعلوا هذا برسول الله ﷺ \"، وهو حينئذ يشير إلى رباعيته، \"اشتد غضب الله على رجل يقتله رسول الله في سبيل الله ﷿» (٢).\nوفي إصابة النبي ﷺ يوم أحد عزاء للدعاة فيما ينالهم في سبيل الله من أذى في أجسامهم، أو اضطهاد لحرياتهم، أو قضاء على حياتهم، فالنبي ﷺ هو القدوة قد أوذي وصبر (٣).\n٣ - ومن مواقفه التي تزخر بالحكمة والشجاعة ما فعله في معركة حنين: بعد أن دارت معركة حنين والتقى المسلمون والكفار، ولَّى المسلمون مدبرين (٤) فطفق رسول الله ﷺ يركض بغلته قِبَلَ الكفار. . . ثم قال: \"أي عباس، ناد أصحاب السمرة\" فقال عباس: - وكان رجلًا صيتًا- فقلت بأعلى صوتي: أين أصحاب السمرة؟ قال: فوالله لكأن عَطْفَتهم حين سمعوا صوتي عَطْفَة البقر على أولادها، فقالوا: يا لبيك، يا لبيك، قال: فاقتتلوا والكفار. . . فنظر رسول الله ﷺ وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم، فقال ﷺ: \"الآن حمي الوطيس \" (٥).\n_________\n(١) شرح النووي على مسلم١٢/ ١٥٠ بتصرف.\n(٢) البخاري مع الفتح، كتاب المغازي، باب ما أصاب النبي ﷺ من الجراح يوم أحد ٧/ ٣٧٢، ومسلم، كتاب الجهاد، باب اشتداد كضب الله على من قتله رسول الله ٣/ ٩٤١٧.\n(٣) السيرة النبوية دروس وعبر، ص١١٦.\n(٤) كان مع النبي ﷺ في هذه الغزوة ألفان منِ أهل مكة مع عشرة آلاف من أصحابه الذين خرجوا معه من المدينة ففتح بهم، وكانوا اثني عشر ألفًا. انظر: زاد المعاد ٣/ ٤٦٨.\n(٥) مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب غزوة حنين، وقد اختصرت ألفاظه ٣/ ١٣٩٨.","vol":"1","page":178},{"text":"وظهرت شجاعة النبي ﷺ التي لا نظير لها في هذا الموقف الذي يعجز عنه عظماء الرجال (١) «وسئل البراء، فقال له رجل: يا أبا عمارة، أكنتم وليتم يوم حنين؟ قال: لا والله ما ولى رسول الله ﷺ، ولكنه خرج شبان أصحابه» جمع شباب. شرح النووي لمسلم ١٢/ ١١٧. وأخفاؤهم (٢) حسرًا (٣). ليس عليهم سلاح أو كثير سلاح، فلقوا قومًا رماة لا يكاد يسقط لهم سهم، جمع هوازن، وبني نصر، فرشقوهم رشقًا (٤) ما يكادون يخطئون، فانكشفوا، فأقبل القوم إلى رسول الله ﷺ وأبو سفيان بن الحارث يقود بغلته، فنزل ودعا، واستنصر، وهو يقول:\nأنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب\nاللهم نزِّل نصرك (٥).\nقال البراء: كنا والله إذا احمر البأس (٦) نتقي به، وإن الشجاع منا للذي يحاذي به، يعني النبي ﷺ (٧).\n_________\n(١) انظر: الرحيق المختوم ص٤٥١، وهذا الحبيب يا محب ص٤٠٨.\n(٢) جمع خفيف، وهم المسارعون المستعجلون. شرح النووي لمسلم١٢/ ١١٧.\n(٣) حسرا: جمع حاسر، أي: بغير دروع، وقد فسره بقوله: ليس عليهم سلاح. شرح النووي لمسلم ١٢/ ١١٧.\n(٤) رشقًا: هو بفتح الراء، وهو مصدر، وأما الرشق بالكسر فهو اسم للسهام التي ترميها الجماعة دفعة واحدة. انظر: شرح النووي١٢/ ١١٨.\n(٥) مسلم، في كتاب الجهاد والسير، باب غزوة حنين، مع التصرف في بعض الكلمات٣/ ١٤٠٠، والبخاري مع الفتح، كتاب الجهاد، باب من صف أصحابه عند الهزيمة ونزل عن دابته فاستنصر ٦/ ١٠٥، ٨/ ٢٧، ٢٨.\n(٦) إذا احمر البأس: كناية عن شدة الحرب، واستعير ذلك لحمرة الدماء الحاصلة فيها في العادة. انظر. شرح النووي١٢/ ١٢١.\n(٧) رواه مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب غزوة حنين ٣/ ١٤٠١.","vol":"1","page":179},{"text":"وفي رواية لمسلم عن سلمة قال: «مررت على رسول الله ﷺ منهزمًا (١) وهو على بغلته الشهباء، فقال رسول الله ﷺ: \"لقد رأى ابن الأكوع فزعًا\". فلما غشوا رسول الله ﷺ نزل عن البغلة، ثم قبض قبضة من تراب من الأرض، ثم استقبل به وجوههم، فقال: \"شاهت الوجوه» (٢) فما خلق الله منهم إنسانًا إلا ملأ عينيه ترابًا بتلك القبضة، فولوا مدبرين، فهزمهم الله - ﷿-، وقسم رسول الله ﷺ غنائمهم بين المسلمين \" (٣).\nوقد قال العلماء: إن ركوب النبي ﷺ البغلة في موطن الحرب وعند اشتداد البأس هو النهاية في الشجاعة والثبات، ولأنه أيضًا يكون معتمدًا يرجع الناس إليه، وتطمئن قلوبهم به وبمكانه، وإنما فعل هذا عمدًا، وإلا فقد كانت له ﷺ أفراس معروفة.\nومما يدل على شجاعته تقدمه ﷺ وهو يركض بغلته إلى جمع المشركين، وقد فر الناس عنه، ونزوله إلى الأرض حين غشوه مبالغة في الشجاعة والصبر، وقيل: فعل ذلك مواساة لمن كان نازلًا على الأرض من المسلمين، وقد أخبر الصحابة﵃- بشجاعته ﷺ في جميع المواطن (٤).\n٤ - ومن مواقفه التي تزخر بالحكمة والشجاعة: ما رواه البخاري ومسلم، عن أنس - ﵁- قال: «كان النبي ﷺ أحسن الناس، وأجود الناس، وأشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة\n_________\n(١) قال العلماء: قوله: \"منهزمًا\" حال من ابن الأكوع، وليس النبيﷺ -. انظر: شرح النووي ١٢/ ١٢٢.\n(٢) شاهت الوجوه، أي: قبحت. انظر: شرح النووي١٢/ ١٢٢.\n(٣) أخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب غزوة حنين٣/ ١٤٠٢.\n(٤) انظر: شرح النووي على مسلم١٢/ ١١٤.","vol":"1","page":180},{"text":"ذات ليلة، فانطلق الناس قبل الصوت، فاستقبلهم النبي ﷺ قد سبق الناس إلى الصوت، وهو يقول: \"لم تراعوا، لم تراعوا\"، وهو على فرس لأبي طلحة عري ما عليه سرج، في عنقه سيف، فقال: \"لقد وجدته بحرًا، أو إنه لبحر» (١).\nوهذا المثال وغيره من الأمثلة السابقة تدل دلالة واضحة على أن النبي ﷺ أشجع إنسان على الإطلاق، فلم يكتحل الوجود بمثله ﷺ، وقد شهد له بذلك الشجعان الأبطال (٢).\nقال البراء - ﵁-: \"كنا والله إذا احمر البأس نتقي به، وإن الشجاع منا للذي يحاذي به، يعني النبي ﷺ \" (٣).\nوقال أنس في الحديث السابق: «كان النبي ﷺ أحسن الناس، وأجود الناس، وأشجع الناس». . . \".\nوكانت هذه الشواهد السابقة لشجاعته القلبية، أما شجاعته العقلية فسأكتفي بشاهد واحد؛ فإنه يكفي عن ألف شاهد ويزيد، وهو موقفه من تعنت سهيل بن عمرو، وهو يملي وثيقة صلح الحديبية، إذ تنازل ﷺ عن كلمة \"بسم الله الرحمن الرحيم \" إلى باسمك اللهم، وعن كلمة: \" محمد رسول الله \" إلى كلمة: محمد بن عبد الله، وقبوله شرط سهيل على أنه لا يأتي النبي ﷺ رجل من قريش حتى ولو كان مسلمًا إلا رده إلى أهل مكة، وقد استشاط الصحابة غيظًا، وبلغ الغضب حدًّا لا مزيد عليه، وهو ﷺ صابر ثابت حتى انتهت الوثيقة، وكان بعد أيام فتحًا مبينًا.\n_________\n(١) البخاري مع الفتح، كتاب الأدب، باد حسن الخلق والسخاء، وما يكره من البخل، ١٠/ ٤٥٥، ومسلم، كتاب الفضائل، باب في شجاعة النبي ﵇ وتقدمه للحرب، ٤/ ١٨٠٢.\n(٢) انظر: رواية علي بن أبي طالب في شجاعة النبي ﷺ في مسند أحمد١/ ٨٦، والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي٢/ ١٤٣، وتقدم تخريجه ص١٧٥.\n(٣) أخرجه مسلم ٣/ ١٤٠١، وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":181},{"text":"فضرب ﷺ بذلك المثل الأعلى في الشجاعتين: القلبية، والعقلية، مع بعد النظر، وأصالة الرأي، وإصابته؛ فإن من الحكمة أن يتنازل الداعية عن أشياء لا تضره بأصل قضيته لتحقيق أشياء أعظم منها (١).\nوجميع ما تقدم نماذج من شجاعته ﷺ وثباته، وهذا نقطة من بحر، وإلا فإنه لو كتِبَ في شجاعته ﷺ بالاستقصاء لكُتِبَ مجلدات، فيجب على كل مسلم، وخاصة الدعاة إلى الله﷿- أن يتخذوا الرسول ﷺ قدوةً في كل أحوالهم وتصرفاتهم، وبذلك يحصل الفوز والنجاح، والسعادة في الدنيا والآخرة، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١] (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>المسلك الثالث: مواقف الحكمة الفردية:</span>\nكان النبي ﷺ أحكم خلق الله، فقد كان يتألف الناس ليدخلوا في الإسلام، ويصبر على أذاهم، ويعفو عن إساءتهم، ويقابلها بالإحسان، وله ﷺ مواقف في الكرم، والجود، والعفو، والحلم، والرفق، والعدل، تظهر في النقاط الآتية:\n١ - ﷺ مع ثمامة بن أثال، سيد أهل اليمامة: روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة - ﵁- أنه قال: «بعث رسول الله ﷺ خيلا قِبَلَ نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة، يقال له: ثمامة بن أثال، سيد أهل اليمامة، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه رسول الله ﷺ، فقال: \"ماذا عندك يا ثمامة؟ \" فقال: عندي\n_________\n(١) انظر وثيقة صلح الحديبية كاملة في البخاري مع الفتح ٥/ ٣٢٩، وشرح الوثيقة في الفتح ٥/ ٣٣٣ - ٣٥٢، ومسند أحمد، ٤/ ٣٢٨ - ٣٣١، وانظر. هذا الحبيب يا محب ص ٥٣٢.\n(٢) سورة الأحزاب، الآية ٢١.","vol":"1","page":182},{"text":"يا محمد خير، إن تقتل تقتل ذا دم (١) وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت، فتركه رسول الله ﷺ حتى كان بعد الغد، فقال: \"ما عندك يا ثمامة \" فقال: ما قلت لك، إن تنعم تنعم على شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت، فتركه رسول الله ﷺ حتى كان من الغد، فقال: \"ماذا عندك يا ثمامة؟ \" فقال: عندي ما قلت لك، إن تنعم تنعم على شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن كنت تريد المال، فسل تعط منه ما شئت، فقال رسول الله ﷺ: \"أطلقوا ثمامة \"، فانطلق إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل، ثم دخل المسجد، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، يا محمد! والله ما كان على الأرض وجه أبغض إليَّ من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إليَّ، والله ما كان من دين أبغض إليَّ من دينك، فأصبح دينك أحب الدين كله إليَّ، والله ما كان من بلد أبغض إليَّ من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد كلها إليَّ، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة فماذا ترى؟ فبشره رسول الله ﷺ، وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة قال له قائل: أصبوت؟ فقال: [لا والله]، ولكني أسلمت مع رسول الله ﷺ، ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله ﷺ» (٢).\n«ثم خرج﵁- إلى اليمامة فمنعهم أن يحملوا إلى مكة شيئًا، فكتبوا إلى رسول الله ﷺ: إنك تأمر بصلة الرحم، وإنك قد قطعت\n_________\n(١) معناه: إن تقتل تقتل صاحب دم يدرك قاتله به ثأره لرئاسته وفضيلته، وقيل: معناه نقتل من عليه دم مطلوب به، وهو مستحق عليه فلا عتب عيك في قتله. انظر: فتح الباري ٨/ ٨٨.\n(٢) البخاري مع الفتح، كتاب المغازي، باب وفد بني حنيفة وحديث ثمامة بن أثال ٨/ ٨٧، ومسلم - واللفظ له إلا ما بين المعكوفين فمن البخاري- في كتاب الجهاد والسير، باب ربط الأسير وحبسه وجواز المن عليه ٣/ ١٣٨٦.","vol":"1","page":183},{"text":"أرحامنا، وقد قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع، فكتب رسول الله ﷺ إلى ثمامة أن يخلي بينهم وبين الحمل» (١) وذكر ابن حجر أن ابن منده روى بإسناده عن ابن عباس قصة إسلام ثمامة ورجوعه إلى اليمامة، ومنعه عن قريش الميرة، وَنزول قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٦] (٢) وقد ثبت ثمامة على إسلامه لما ارتد أهل اليمامة، وارتحل هو ومن أطاعه من قومه، فلحقوا بالعلاء بن الحضرمي، فقاتل معه المرتدين من أهل البحرين (٣).\nالله أكبر، ما أحكم النبي محمدًا ﷺ. وما أعظمه من موقف، فقد كان ﷺ يتألف القلوب، ويلاطف من يرجى إسلامه من الأشراف الذين يتبعهم على إسلامهم خلق كثير.\nوهكذا ينبغي للدعاة إلى الله﷿- أن يعظموا أمر العفو عن المسيء، لأن ثمامة أقسم أن بغضه انقلب حبًّا في ساعة واحدة؛ لما أسداه النبي ﷺ إليه من العفو والمنّ بغير مقابل، وقد ظهر لهذا العفو الأثر الكبير في حياة ثمامة، وفي ثباته على الإسلام ودعوته إليه (٤).\n_________\n(١) سيرة ابن هشام ٤/ ٣١٧. بتصرف يسير، وفتح الباري بشرح صحيح البخاري ٨/ ٨٨.\n\n(٢) سورة المؤمنون، الآية ٧٦. وقال ابن حجر عن هذا الأثر: إسناده حسن. انظر: الإصابة في تمييز الصحابة ١/ ٢٥٣.\n(٣) انظر: الإصابة في تمييز الصحابة ١/ ٢٠٣ وهناك أبيات شعرية له - ﵁ - تدل على تأثره بعفوه ﷺ.\n(٤) انظر. شرح النووي على مسلم١٢/ ٨٩، وفتح الباري بشرح صحيح البخاري ٨/ ٨٨.","vol":"1","page":184},{"text":"٢ - موقفه ﷺ مع الأعرابي الذي أراد قتله: روى البخاري ومسلم، عن جابر بن عبد الله - ﵄- قال: غزونا مع رسول صلى الله عليه غزوة قِبَل نجد (١) فأدركنا رسول الله ﷺ في واد كثير العضاه، فنزل رسول الله ﷺ تحت شجرة، فعلق سيفه بغصن من أغصانها، قال: وتفرق الناس في الوادي يستظلون بالشجر، قال: فقال رسول الله ﷺ: «إن رجلا أتاني وأنا نائم، فأخذ السيف، فاستيقظت وهو قائم على رأسي، فلم أشعر إلا والسيف صلتا (٢) في يده، فقال لي، من يمنعك مني؟ قال: قلت: الله، ثم قال في الثانية: من يمنعك مني؟ قال: قلت الله، قال: فشام السيف (٣) فها هو ذا جالس»، ثم لم يعرض له رسول الله ﷺ (٤) الله أكبر، ما أعظم هذا الخلق! وما أكبر أثره في النفس! أعرابي يريد قتل النبي ﷺ ثم يعصمه الله منه، ويمكِّنه من القدرة على قتله، ثم يعفو عنه! إن هذا لخلق عظيم، وصدق الله العظيم إذ يقول للنبي ﷺ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] (٥) وهذا الخلق الحكيم قد أثر في حياة الرجل، وأسلم بعد ذلك، فاهتدى به خلق كثير (٦).\n_________\n(١) وقع في رواية البخاري التصريح باسمها \" ذات الرقاع\"، انظر: البخاري مع الفتح ٧/ ٤٢٦.\n(٢) والسيف صلتا: أي مسلولا. انظر: شرح النووي ١٥/ ٤٥.\n(٣) شام السيف: أي رده في غمده. انظر: المرجع السابق١٥/ ٤٥.\n(٤) البخاري مع الفتح، كتاب الجهاد، باب من علق سيفه بالشجر في السفر عند القائلة، ٦/ ٩٦، ٩٧، وكتاب المغازي، باب غزوة ذات الرقاع، ٧/ ٤٢٦، ومسلم، واللفظ له، كتاب الفضائل، باب توكله على الله- تعالى-، وعصمة الله- تعالى- له من الناس، ٤/ ١٧٨٦، ١/ ٥٧٦، وأحمد ٣/ ٣١١، ٣٦٤. وانظر: الأخلاق الإسلامية وأسسي للميداني فقد ذكر رواية مطولة عزاها لأب بكر الإسماعيلي في صحيحه ٢/ ٣٣٥.\n\n(٥) سورة القلم، الآية ٤.\n(٦) انظر: فتح الباري٧/ ٤٢٨، وشرح النووي على مسلم ١٥/ ٤٤، وذكر ابن حجر والنووي في هذا الموضع أن اسم الأعرابي: غورث بن الحارث، بل ذكره البخاري في صحيحه برقم ٤١٣٦.","vol":"1","page":185},{"text":"٣ - موقفه ﷺ مع اليهودي زيد بن سعنة، أحد أحبار اليهود: كان النبي ﷺ يعفو عند القدرة، ويحلم عند الغضب، ويحسن إلى المسيء، وقد كانت هذه الأخلاق العالية من أعظم الأسباب في إجابة دعوته والإيمان به، واجتماع القلوب عليه، ومن ذلك ما فعله مع زيد بن سعنة، أحد أحبار اليهود وعلمائهم الكبار (١) جاء زيد بن سعنة إلى رسول الله ﷺ يطلبه دينا له عليه، فأخذ بمجامع قميصه وردائه وجذبه، وأغلظ له القول، ونظر إلى النبي ﷺ بوجه غليظ وقال: يا محمد ألا تقضيني حقي، إنكم يا بني عبد المطلب قوم مُطْلٌ، وشدّد له في القول، فنظر إليه عمر وعيناه تدوران في رأسه كالفلك المستدير، ثم قال: يا عدو الله، أتقول لرسول الله ﷺ ما أسمع، وتفعل ما أرى، فوالذي بعثه بالحق لولا ما أحاذر لومه لضربت بسيفي رأسك، ورسول الله ﷺ ينظر إلى عمر في سكون وتُؤَدَةٍ وتَبَسُّمٍ، ثم قال: «أنا وهو يا عمر كنا أحوج إلى غير هذا منك يا عمر أن تأمرني بحسن الأداء، وتأمره بحسن التقاضي، اذهب به يا عمر فاقضه حقه، وزده عشرين صاعًا من تمرٍ\"،» فكان هذا سببًا لِإسلامه، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nوكان زيد قبل هذه القصة يقول: «لم يبق شيء من علامات النبوة إلا وقد عرفتها في وجه محمد ﷺ إلا اثنتين لم أخبرهما منه: يسبق حلمه جهله، ولا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلمًا» (٢)\n_________\n(١) انظر: هذا الحبيب يا محب ص ٥٢٨، وهداية المرشدين ص ٣٨٤.\n\n(٢) ذكر ابن حجر في كتاب الإصابة في تمييز الصحابة هذه القصة، وعزاها إلى الطبراني، والحاكم، وأبي الشيخ في كتابه أخلاق النبي ﷺ، وابن سعد، وغيرهم، ثم قال ابن حجر: ورجال إسناده موثقون. . ومحمد بن أبي السري وثقه ابن معين. . والوليد قد صرح بالتحديث ١/ ٥٦٦ وذكره ابن كثير في البداية والنهاية، وعزاه إلى أب نعيم في الدلائل. البداية والنهاية ٢/ ١٣١٠. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/ ٢٤٠: رواه الطبراني، ورجاله ثقات.","vol":"1","page":186},{"text":"فاختبره بهذه الحادثة فوجده كما وُصِفَ، فأسلم وآمن وصدق، وشهد مع النبي ﷺ مشاهده، واستشهد في غزوة تبوك مقبلا غير مدبر (١) فقد أقام محمد ﷺ براهين عديدة من أخلاقه على صدقه، وأن ما يدعو إليه حق.\n٤ - موقفه ﷺ مع الأعرابي الذي بال في المسجد: عن أنس بن مالك - ﵁- قال: «بينما نحن في المسجد مع رسول الله ﷺ إذ جاء أعرابي، فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله ﷺ: مَه مَه (٢) قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تزرموه (٣) دعوه \"، فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله ﷺ دعاه فقال له: \"إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول، ولا القذر، إنما هي لذكر الله، والصلاة، وقراءة القرآن \"، أو كما قال رسول الله ﷺ.\nقال: فأمر رجلًا من القوم فجاء بدلو من ماء فشنّه (٤) عليه» (٥). وقد ثبت في البخاري وغيره أن هذا الرجل هو الذي قال: «اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا»، فعن أبي هريرة - ﵁- قال: «قام رسول الله ﷺ في صلاة وقمنا معه، فقال أعرابي وهو في الصلاة:\n_________\n(١) الإصابة في تمييز الصاحبة ١/ ٥٦٦.\n(٢) مه: كلمة زجر، وهو اسم مبني على السكون، معناه: اسكت. وقيل: أصلها: ما هذا؟ انظر: شرح النووي ٣/ ١٩٣.\n(٣) لا تزرموه: أي لا تقطعوا عليه بوله. والإزرام: القطع. انظر: المرجع السابق ٣/ ١٩٠.\n(٤) شنه: أي صبه عليه. انظر. المرجع السابق٣/ ١٩٣.\n(٥) أخرجه مسلم بلفظه في كتاب الطهارة، باب وجوب غسل البول وغيره من النجاسات إذا حصلت في المسجد وأن الأرض تطهر بالماء من غير حاجة إلى حفرها ١/ ٢٣٦، والبخاري مع الفتح بمعناه مختصرا في كتاب الوضوء باب ترك النبي ﷺ والناس الأعراب حتى فرغ من بوله في المسجد ١/ ٣٢٢، وروايات بول الأعرابي في البخاري في عدة مواضع١/ ٢٢٣، ١٠/ ٤٤٩، ١٠/ ٥٢٥.","vol":"1","page":187},{"text":"اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا، فلما سلم النبي ﷺ قال للأعرابي: \"لقد حجرت واسعًا» يريد رحمة الله (١) وتفسر هذه الرواية الروايات الأخرى عند غير البخاري، فعن أبي هريرة - ﵁- قال: «دخل رجل أعرابي المسجد فصلى ركعتين، ثم قال: اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا! فالتفت إليه رسول الله ﷺ فقال: \"لقد تحجّرت واسعًا\"، ثم لم يلبث أن بال في المسجد، فأسرع الناس إليه فقال لهم رسول الله ﷺ: \"إنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين، أهريقوا عليه دلوًا من ماء، أو سجلا من ماء» (٢) قال: يقول الأعرابي بعد أن فقه، «فقام النبي ﷺ إليّ بأبي وأمي فلم يسب، ولم يؤنب، ولم يضرب» (٣) النبي ﷺ أحكم خلق الله، فمواقفه وتصرفاته كلها مواقف حكمة مشرفة، ومن وقف على أخلاقه ورفقه وعفوه وحلمه، ازداد يقينه وإيمانه بذلك.\nوهذا الأعرابي قد عمل أعمالًا تثير الغضب، وتسبب عقوبته وتأديبه من الحاضرين؛ ولذلك قام الصحابة إليه، واستنكروا أمره، وزجروه، فنهاهم النبي ﷺ أن يقطعوا عليه بوله.\nوهذا في غاية الرفق والحلم والرحمة، يجمع ذلك كله الحكمة، فقد أنكر النبي ﷺ بالحكمة على هذا الأعرابي عمله، فقال له حينما قال: \"اللهم\n_________\n(١) البخاري مع الفتح، كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم١٠/ ٤٣٨.\n(٢) أخرجه الترمذي بنحوه في كتاب الطهارة، باب ما جاء في البول يصيب الأرض١/ ٢٧٥، وأخرجه أحمد في المسند بترتيب أحمد شاكر واللفظ لأحمد١٢/ ٢٤٤، برقم ٧٢٥٤، وأخرجه أحمد أيضا مطولًا ٢٠/ ١٣٤ برقم ١٠٤٥٠، وأبو داود مع العون٢/ ٣٩.\n\n(٣) أخرجه أحمد في المسند بترتيب أحمد شاكر، وهو تكملة للحديث السابق من رواية أبي هريرة رضي الله عنه٢٠/ ١٣٤، برقم ١٠٥٤٠، وابن ماجه١/ ١٧٥.","vol":"1","page":188},{"text":"ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا\": «لقد حجرت واسعًا»، يريد ﷺ رحمة الله، فإن رحمة الله قد وسعت كل شيء، قال ﷿: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] (١) فقد بخل هذا الأعرابي برحمة الله على خلقه. وقد أثنى ﷿ على من فعل خلاف ذلك حيث قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠] (٢) وهذا الأعرابي قد دعا بخلاف ذلك فأنكر عليه النبي ﷺ بالحكمة (٣).\nوحينما بال في المسجد أمر النبي ﷺ بتركه؛ لأنه قد شرع في المفسدة، فلو منع ذلك لزادت المفسدة، وقد حصل تلويث جزء من المسجد، فلو منعه ﷺ بعد ذلك لدار بين أمرين:\n١ - إما أن يقطع عليه بوله، فيتضرر الأعرابي بحبس البول بعد خروجه.\n٢ - وإما أن يقطعه فلا يأمن من تنجيس بدنه، أو ثوبه، أو مواضع أخرى من المسجد.\nفأمر النبي ﷺ بالكف عنه للمصلحة الراجحة، وهي دفع أعظم المفسدتين أو الضررين باحتمال أيسرهما، وتحصيل أعظم المصلحتين بترك أيسرهما (٤)\n_________\n(١) سورة الأعراف، الآية ١٥٦.\n(٢) سورة الحشر الآية ١٠.\n(٣) انظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري ١٠/ ٤٣٩.\n(٤) انظر: فتح الباري شرح صحيح البخاري١/ ٣٢٥، وشرح النووي على مسلم٣/ ١٩١.","vol":"1","page":189},{"text":"وهذا من أعظم الحكم العالية، فقد راعى النبي ﷺ هذه المصالح، وما يقابلها من المفاسد، ورسم ﷺ لأمته والدعاة من بعده كيفية الرفق بالجاهل، وتعليمه ما. يلزمه من غير تعنيف، ولا سبٍّ ولا إيذاء ولا تشديد، إذا لم يكن ذلك منه عنادًا ولا استخفافًا، وقد كان لهذا الاستئلاف والرحمة والرفق الأثر الكبير في حياة هذا الأعرابي وغيره، فقد قال بعد أن فقه- كما تقدم- في رواية الإمام أحمد: فقام النبي ﷺ إليّ بأبي وأمي، فلم يسبّ، ولم يؤنّب، ولم يضرب (١) قد أثر هذا الخلق العظيم في حياة الرجل (٢) ٥ - موقفه ﷺ مع معاوية بن الحكم: عن معاوية بن الحكم السلمي - ﵁- قال: «بينا أنا أصلي مع رسول الله ﷺ إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله! فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أمياه ما شأنكم تنظرون إليّ؟، فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم فلما رأيتهم يصمتونني، لكني سكت، فلما صلى رسول الله ﷺ فبأبي هو وأمي ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه، فوالله ما كهرني (٣) ولا ضربني ولا شتمني، قال: \"إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القران \"، أو كما قال رسول الله ﷺ.\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه في كتاب الطهارة، باب الأرض يصيبها البول كيف تغسل ١/ ١٧٥، وتقدم تخريجه عند أحمد.\n(٢) انظر: فتح الباري١/ ٣٢٥، وشرح النووي٣/ ١٩١، وعون المعبود شرح سنن أبي داود٢/ ٣٩، وتحفة الأحوذي، شرح سنن الترمذي ١/ ٤٥٧.\n\n(٣) ما كهرني: أي ما قهرني ولا ضرني. انظر: شرح النووي ٥/ ٢٠.","vol":"1","page":190},{"text":"قلت: يا رسول الله! إني حديث عهد بجاهلية، وقد جاء الله بالإسلام، وإن منا رجالًا يأتون الكهان، قال: \"فلا تأتهم \".\nقال: ومنا رجال يتطيرون، قال: \"ذاك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدنهم \" (١) (قال ابن الصلاح: فلا يصدنكم)، قال: قلت: ومنا رجال يخطون. قال: \"كان نبي من الأنبياء يخط، فمن وافق خطه فذاك \" (٢) قال: وكانت لي جارية ترعى غنمًا لي قبل أحد والجوَانيّة (٣) فاطلعت ذات يوم فإذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها، وأنا رجل من بني آدم، آسف كما يأسفون، لكني صككتها صكة، فأتيت رسول الله ﷺ فعظم ذلك عليَّ، قلت: يا رسول الله! أفلا أعتقها؟ قال: \"ائتني بها\"، فأتيته بها، فقال لها: \"أين الله؟ \" قالت: في السماء، قال: \"من أنا؟ \" قالت: أنت رسول الله. قال: \"أعتقها فإنها مؤمنة» (٤) وهذا الموقف من أعظم الحكم البارزة السامية التي أوتيها النبي ﷺ، وقد ظهر أثر ذلك في حياة ونفس معاوية - ﵁-؛ لأن النفوس مجبولة على حب من أحسن إليها، ولهذا قال معاوية ﵁: ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه.\n_________\n(١) قال العلماء. معناه أن الطيرة شيء تجدونه في نفوسكم ضرورة، ولا عتب عليكم في ذلك، ولكن لا تمتنعوا بسببه من التصرف في أموركم. انظر: المرجع السابق٥/ ٢٢.\n(٢) اختلف العلماء في معناه، والصحيح أن معناه: من وافق خطه فهو مباح له؛ ولكن لا طريق لنا إلى العلم اليقيني بالموافقة فلا يُباح، والمقصود أنه حرام؛ لأنه لا يُباح إلا بيقين الموافقة، وليس لنا يقين بها، وقيل. إنه نُسِخَ في شرعنا- فحصل من مجموع كلام العلماء فيه الاتفاق على النهي عنه الآن فهو محرم. انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ٢٣.\n(٣) الجوانية: موضع في شمال المدينة بقرب جبل أحد. انظر: المرجع السابق ٥/ ٢٣.\n(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحته ١/ ٣٨١، وانظر شرحه في شرح مسلم للنووي ٥/ ٢٠.","vol":"1","page":191},{"text":"٦ - موقفه ﷺ مع الطفيل بن عمرو الدوسي: من مواقف الحكمة ما فعله رسول الله ﷺ مع الطفيل بن عمرو الدوسي - ﵁-، فقد أسلم الطفيل - ﵁- قبل الهجرة في مكة، ثم رجع إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام، فبدأ بأهل بيته، فأسلم أبوه وزوجته، ثم دعا قومه إلى الله﷿- فأبت عليه وعصت، وأبطؤوا عليه، فجاء الطفيل إلى رسول الله ﷺ وذكر له أن دوسًا هلكت وكفرت وعصت وأبت. فعن أبي هريرة - ﵁- قال: «جاء الطفيل بن عمرو الدوسي إلى رسول الله ﷺ فقال: إن دوسًا قد عصت وأبت، فادع الله عليهم، فاستقبل رسول الله ﷺ القبلة، ورفع يديه، فقال الناس: هلكوا. فقال: \"اللهم اهد دوسًا، وائت بهم، اللهم اهد دوسًا، وائت بهم» (١).\nوهذا يدل على حلم النبي ﷺ وصبره وتأنيه في الدعوة إلى الله﷿-؛ فإنه ﷺ لم يعجل بالعقوبة، أو الدعاء على من رد الدعوة؛ ولكنه ﷺ دعا لهم بالهداية، فاستجاب الله دعاءه، وحصل على ثمرة الصبر والتأني وعدم العجلة، فقد رجع الطفيل إلى قومه، ورفق بهم، فأسلم على يديه خلق كثير، ثم قدم على النبي ﷺ وهو بخيبر، فدخل المدينة بثمانين أو تسعين بيتًا من دوس، ثم لحقوا بالنبي ﷺ بخيبر، فأسهم لهم مع المسلمين (٢)\n_________\n(١) البخاري مع الفتح، في كتاب الجهاد، باب الدعاء للمشركين بالهدى ليتألفهم ٦/ ١٠٧، وفي كتاب المغازي، باب قصة دوس والطفيل بن عمرو الدوسي ٨/ ١٠١، وفي كتاب الدعوات، باب الدعاء على المشركين١١/ ١٩٦، ومسلم، في كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل غفار وأسلم وجهينة وأشجع وتميم ودوس وطيء ٤/ ١٩٥٧، وأخرجه أحمد واللفظ له ٢/ ٢٤٣، ٤٤٨، وانظر: البداية والنهاية ٦/ ٣٣٧، ٣/ ٩٩، وسير ابن هشام١/ ٤٠٧.\n(٢) انطر: سير أعلام النبلاء للذهبي١/ ٣٤٦، وزاد المعاد٣/ ٦٢٦، والإصابة في تمييز الصحابة ٢/ ٢٢٥.","vol":"1","page":192},{"text":"الله أكبر! ما أعظمها من حكمة أسلم بسببها ثمانون أو تسعون أسرة. وهذا مما يوجب على الدعاة إلى الله - ﷿ - العناية بالحكمة في دعوتهم، ولا يحصل لهم ذلك إلا بفضل الله ثم معرفة هدي النبي ﷺ في دعوته.\n٧ - موقفه ﷺ مع الشاب الذي استأذنه في الزنا: عن أبي أمامة - ﵁ - قال: «إن فتًى شابًّا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، ائذن لي بالزنا، فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا: مه مه! فقال له: \" ادنه \"، فدنا منه قريبًا، قال: \" أتحبّه لأمّك؛ \" قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: \" ولا الناس يحبونه لأمهاتهم \" قال: \" أفتحبه لابنتك؟ \" قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداءك. قال \" ولا الناس يحبونه لبناتهم \" قال: \" أفتحبه لأختك؟ \" قال: لا والله، جعلني الله فداءك. قال: \" ولا الناس يحبونه لأخواتهم \". قال: \" أفتحبه لعمتك؟ \" قال: لا والله، جعلني الله فداءك. قال: \" ولا الناس يحبونه لعماتهم \". قال: \" أفتحبه لخالتك؟ \" قال: لا والله، جعلني الله فداءك. قال: \" ولا الناس يحبونه لخالاتهم \" قال: فوضع يده عليه، وقال: \" اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصّن فرجه \"، فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء» (١).\nوهذا الموقف الحكيم العظيم مما يؤكد على الدعاة إلى الله - ﷿ - أن يعتنوا بالرفق والإِحسان إلى الناس، ولا سيما من يرغَبُ في استئلافهم ليدخلوا في الإسلام، أو ليزيد إيمانهم ويثبتوا على إسلامهم. وكما بين لنا الرسول ﷺ الرفق بفعله بينه لنا بقوله وأمرنا بالرفق في الأمر\n_________\n(١) أخرجه أحمد في المسند من حديث أبي أمامة ﵁، ٥/ ٢٥٦، ٢٥٧، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد، وعزاه إلى الطبراني وقال: رجاله رجال الصحيح ١/ ١٢٩، وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني، برقم ٣٧٠ ج ١.","vol":"1","page":193},{"text":"كله. فعن عائشة - ﵂ - قالت: «دخل رهط من اليهود على رسول الله ﷺ فقالوا: السامُ عليكم. قالت عائشة: ففهمتها فقلت: وعليكم السامُ واللعنة. قالت: فقال رسول الله ﷺ \" مهلًا يا عائشة إن الله يُحبّ الرفق في الأمر كله \"، فقلت: يا رسول الله أو لم تسمع ما قالوا؟ قال رسول الله ﷺ: \" قد قلت وعليكم» (١).\nوقال ﷺ: «يا عائشة إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يُعطي على العُنْف، وما لا يُعطي على ما سواه» (٢).\nوقال ﷺ: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا يُنْزَع من شيءٍ إلا شانه» (٣).\nوبين ﷺ أن من حُرمَ الرفق فقد حُرمَ الخير، قال ﷺ: «من يحرم الرفق يحرم الخير» (٤).\nوعن أبي الدرداء - ﵁ - عن النبي ﷺ قال: «من أُعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه من الخير، ومن حُرمَ حظه من الرفق فقد حرم حظه من الخير» (٥) وعنه - ﵁ - يبلغَ به قال: «من أعطي حظه من الرفق أعطي حظه من الخير، وليس شيء أثقل في الميزان من الخُلُق الحسن» (٦). وعن عائشة - ﵂ - أن النبي ﷺ قال لها: «إنه من\n_________\n(١) البخاري مع الفتح، كتاب الأدب باب الرفق في الأمر كله ١٠/ ٤٤٩.\n(٢) أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب فضل الرفق، عن عائشة ﵂، ٤/ ٢٠٠٤.\n(٣) المرجع السابق، في الكتاب والباب المشار إليهما سابقًا، ٤/ ٢٠٠٤ عن عائشة ﵂ أيضًا.\n(٤) المرجع السابق، في الكتاب والباب المشار إليهما سابقًا عن جرير بن عبد الله ﵁، ٤/ ٢٠٠٣.\n(٥) أخرجه الترمذي في كتاب البر والصلة، باب ما جاء في الرفق ٤/ ٣٦٧، وقال حديث حسن صحيح، وانظر: صحيح الترمذي، ٢/ ١٩٥.\n(٦) أخرجه أحمد في المسند ٦/ ٤٥١، انظر الأحاديث الصحيحة للألباني رقم ٨٧٦، فقد ذكر له شواهد كثيرة.","vol":"1","page":194},{"text":"أعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه من خير الدنيا والآخرة، وصلة الرحم، وحسن الخلق، وحسن الجوار يعمران الديار ويزيدان في الأعمار» (١).\nفقد عظّم النبي ﷺ شأن الرفق في الأمور كلها، وبين ذلك بفعله وقوله بيانًا شافيًا كافيًا؛ لكي تعمل أمّته بالرفق في أمورها كلها، وخاصة الدعاة إلى الله - ﷿ -؛ فإنهم أولى الناس بالرفق في دعوتهم، وفي جميع تصرفاتهم، وأحوالهم. وهذه الأحاديث السابقة تُبيّن فضل الرفق، والحث على التخلق له، ولغيره من الأخلاق الحسنة، وذم العنف وذم من تخلق به.\nفالرفق سبب لكل خير؛ لأنه يحصل به من الأغراض ويسهل من المطالب، ومن الثواب ما لا يحصل بغيره، وما لا يأتي من ضده (٢).\nوقد حذر النبي ﷺ من العنف، وعن التشديد على أمته ﷺ، فعن عائشة - ﵂ - قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول في بيتي هذا: «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشقّ عليهم، فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به» (٣) وكان ﷺ إذا أرسل أحدًا من أصحابه في بعض أموره أمرهم بالتيسير ونهاهم عن التنفير.\nفعن أبي موسى - ﵁ - قال: كان رسول الله ﷺ إذا بعث أحدًا من أصحابه في بعض أموره قال: «بشّرُوا ولا تُنفَرُوا، ويسِّرُوا ولا تُعسِّروا» (٤).\n_________\n(١) أخرجه أحمد ٦/ ١٥٩ وإسناده صحيح، انظر الأحاديث الصحيحة للألباني برقم ٥١٩.\n(٢) انظر شرح النووي على مسلم ١٦/ ١٤٥، وفتح الباري بشرح صحيح البخاري، ١٠/ ٤٤٩، وتحفة الأحوذي بشرح سنن الترمذي ٦/ ١٥٤.\n(٣) أخرجه مسلم في كتاب الجهاد باب فضيلة الإمام العادل، وعقوبة الجائر والحث على الرفق بالرعية والنهي عن إدخال المشقة عليهم ٣/ ١٤٥٨.\n(٤) أخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير باب الأمر بالتيسير وترك التنفير ٣/ ١٣٥٨.","vol":"1","page":195},{"text":"وقال ﷺ لأبي موسى الأشعري ومعاذ - ﵄ - حينما بعثهما في اليمن: «يسِّرا ولا تُعسِّرا، وبشِّرَا ولا تُنفرَا، وتطاوَعَا ولا تختلفَا» (١).\nوعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: قال رسول الله ﷺ: «يسِّروا ولا تعسِّروا، وبشِّروا ولا تُنفِّروا» (٢).\nفي هذه الأحاديث الأمر بالتيسير والنهي عن التنفير، وقد جمع النبي ﷺ في هذه الألفاظ بين الشيء وضده، لأن الإنسان قد يفعل التيسير في وقت والتعسير في وقت، ويبشر في وقت وينفر في وقت آخر فلو اقتصر على يسروا لصدق ذلك على من يصر مرة أو مرات، وعسر في معظم الحالات؛ فإذا قال ولا تعسِّروا انتفى التعسير في جميع الأحوال من جميع وجوهه وهذا هو المطلوب. وكذا يقال في يسّرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا؛ لأنهما قد يتطاوعان في وقت ويختلفان في وقت وقد يتطاوعان في شيء ويختلفان في شيء، والنبي ﷺ قد حث في هذه الأحاديث وفي غيرها على التبشير بفضل الله وعظيم ثوابه، وجزيل عطائه، وسعة رحمته، ونهى عن التنفير بذكر التخويف وأنواع الوعيد محضة من غير ضمها إلى التبشير، وهذا فيه تأليف لمن قرب إسلامه وترك التشديد عليه، وكذلك من قارب البلوغ من الصبيان، ومن بلغ، ومن تاب من المعاصي كلهم ينبغي أن يتدرج معهم ويُتلطّف بهم في أنواع الطاعات قليلًا قليلًا، وقد كانت أمور الإسلام في التكليف على التدريج فمتى يُسِّرَ على الداخل في الطاعة، أو المريد للدخول فيها سهلت عليه وكانت عاقبته غالبًا الازدياد منها، ومتى عُسِّرت عليه أوشك أن لا يدخل فيها، وإن دخل أوشك أن لا يدوم ولا\n_________\n(١) البخاري مع الفتح في كتاب المغازي باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن قبل حجة الوداع ٨/ ٦٢، ومسلم في كتاب الجهاد والسير باب الأمر بالتيسير وترك التنفير ٣/ ١٣٥٩، واللفظ له.\n(٢) البخاري مع الفتح في كتاب العلم باب ما كان ﷺ يتخولهم بالموعظة والعلم كي لا ينفروا ١/ ١٦٣، ومسلم في كتاب الجهاد والسير باب في الأمر بالتيسير وترك التنفير ٣/ ١٣٥٩.","vol":"1","page":196},{"text":"يستحليها (١). وهكذا تعليم العلم ينبغي أن يكون بالتدريج، ولهذا كان النبي ﷺ.\nيتخوّل أصحابه بالموعظة في الأيام كراهة السَّآمة عليهم (٢).\nفصلوات الله وسلامه عليه فقد دل أمته على كل خير وحذرهم من كل شر، ودعا على من شق على أمته، ودعا لمن رفق بهم كما تقدم في حديث عائشة وهذا من أبلغ الزواجر عن المشقة على الناس، وأعظم الحث على الرفق بهم (٣).\n٨ - موقفه ﷺ مع من شفع في ترك إقامة الحد: قد كان النبي ﷺ أعدل البشر في جميع أموره وأحكامه، ومما يضرب به المثل في عدله إلى يوم القيامة قصة المخزومية التي سرقت فقطع يدها بعد أن شفع فيها أسامة، ولكن الرسول ﷺ لم يحابِ في ذلك، ولم يقبل الشفاعة في حد من حدود الله تعالى.\nفعن عائشة - ﵂ - «أن قريشًا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت في عهد النبي ﷺ في غزوة الفتح، فقالوا. من يكلم فيها رسول الله ﷺ؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد، حب رسول الله ﷺ فأُتي بها رسول الله ﷺ، فكلمه فيها أسامة بن زيد، فتلون وجه رسول الله ﷺ فقال: \" أتشفع في حد من حدود الله؟ \" فقال له أسامة: استغفر لي يا رسول الله! فلما كان العشي قام رسول الله ﷺ فاختطب فأثنى على الله بما هو أهله، فقال: \" أما بعد، أيها الناس. إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وإني والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها \".\n_________\n(١) انظر شرح النووي على مسلم ١٢/ ٤١ بتصرف يسير وفتح الباري ١/ ١٦٣.\n(٢) انظر فتح الباري ١/ ١٦٢، ١٦٣.\n(٣) انظر شرح النووي على مسلم ١٢/ ٢١٣.","vol":"1","page":197},{"text":"ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها.\nقالت عائشة: فحسنت توبتها بعد، وتزوجت، وكانت تأتيني فأرفع حاجتها إلى رسول الله ﷺ» (١).\nإن العدل خلاف الجور، وقد أمر الله - ﷿ - به في القول والحكم، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [الأنعام: ١٥٢] (٢) وقال: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨] (٣).\nولا شك أن هذا الموقف الحكيم وغيره من مواقفه ﷺ مما يوجب على الدعاة تطبيقها أسوة به ﷺ (٤).\n٩ - موقفه ﷺ الحكيم في الكرم والجود: عن أنس - ﵁ - قال: «ما سُئِلَ رسول الله ﷺ على الإِسلام شيئًا إلا أعطاه قال: فجاءَه رجلٌ فأعطاه غنمًا بين جبلين فرجع إلى قومه فقال: يا قوم، أسلموا؛ فإن محمدًا يعطي عطاءً لا يخشى الفاقة» (٥).\n_________\n(١) البخاري مع الفتح بنحوه مختصرًا في كتاب الحدود، باب إقامة الحد على الشريف والوضيع ١٢/ ٨٦، وباب كراهية الشفاعة في الحد إذا رفع إلى السلطان ١٢/ ٨٧، ٦/ ٥١٣، ٥/ ١٩٢، ورواه مسلم بلفظه في كتاب الحدود، باب قطع السارق الشريف وغيره، والنهي عن الشفاعة في الحدود ٣/ ١٣١٥، وانظر: شرح النووي ١١/ ١٨٦، وفتح الباري بشرح صحيح البخاري ١٢/ ٩٥، ٩٦.\n(٢) سورة الأنعام، الآية ١٥٢.\n(٣) سورة النساء، الآية ٥٨.\n(٤) انظر مواقف حكيمة في هذا الشأن في: سنن أبي داود ٢/ ٢٤٢، والترمذي ٣/ ١٣٧، والنسائي ٧/ ٦٤، وانظر أيضًا: البخاري مع الفتح ٣/ ٢٩٢، ٢/ ١٤٣، ١١/ ٣١٢، ١٢/ ١١٢، ومسلم ٣/ ٤٥٨، وهذا الحبيب يا محب ص ٥٣٤، ٥٣٥.\n(٥) مسلم، كتاب الفضائل، باب ما سئل رسول الله ﷺ شيئًا قط فقال: لا، وكثرة عطائه ٤/ ١٨٠٦.","vol":"1","page":198},{"text":"وهذا الموقف الحكيم العظيم يدل على عظم سخاء النبي جمعيه، وغزارة جوده (١).\nوكان ﷺ يعطي العطاء ابتغاء مرضاة الله - ﷿ -، وترغيبًا للناس في الإسلام، وتأليفًا لقلوبهم، وقد يُظهر الرجل إسلامه أولًا للدنيا ثم - بفضل الله تعالى، ثم بفضل النبي ﷺ ونور الإِسلام - لا يلبث إلا قليلًا حتى ينشرح صدره للإِسلام بحقيقة الإِيمان، ويتمكن من قلبه، فيكون حينئذ أحب إليه من الدنيا وما فيها (٢).\nولهذا شواهد كثيرة، منها: ما رواه مسلم في صحيحه «أن النبي ﷺ غزا غزوة الفتح - فتح مكة - ثم خرج ﷺ بمن معه من المسلمين فاقتتلوا بحنين، فنصر الله دينه والمسلمين، وأعطى رسول الله ﷺ يومئذ صفوان بن أمية مائة من الغنم، ثم مائة، ثم مائة. قال صفوان: والله لقد أعطاني رسول الله ﷺ ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إلي، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي» (٣).\nوقال أنس - ﵁ -: «إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا فما يسلم حتى يكون الإِسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها» (٤).\n_________\n(١) انظر أمثلة كثيرة من كرمه وجوده في البخاري مع الفتح، كتاب بدء الوحي، باب حدثنا عبدان ١/ ٣٠، وكتاب الأدب باب حسن الخلق وما يكره من البخل ١٠/ ٤٥٥، وكتاب الرقاق، باب قول النبي ﷺ: لو أن عندي مثل أحد ذهبًا ١١/ ٢٦٤، ١١/ ٣٠٣، وكتاب الكفالة، باب من تكفل عن ميت دينًا فليس له أن يرجع ٤/ ٤٧٤، وكتاب التمني، باب تمني الخير، وقول النبي ﷺ لو كان لي أحدًا ذهبًا ١٣/ ١٧، ومسلم، كتاب الفضائل، باب ما سئل رسول الله ﷺ شيئًا قط فقال: لا، وكثرة عطائه ٤/ ١٨٠٥، ١٨٠٦، وكتاب الزكاة، باب من سأل بفحش وغلظة ٢/ ٧٣٠، وباب وتغليظ عقوبة من لا يؤدي الزكاة ٢/ ٦٨٧.\n(٢) انظر: شرح النووي على مسلم ١٥/ ٧٢.\n(٣) مسلم، كتاب الفضائل، باب ما سئل ﷺ شيئًا قط فقال: لا، وكثرة عطائه ٤/ ١٨٠٦.\n(٤) المرجع السابق، في الكتاب والباب المشار إليهما آنفًا ٤/ ١٨٠٦.","vol":"1","page":199},{"text":"وإذا رأى ﷺ الرجل ضعيف الإِيمان، فقد كان ﷺ يجزل له في العطاء، قال ﷺ: «إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه خشية أن يُكبَّ في النار على وجهه» (١).\nولذلك كان ﷺ «يعطي رجالًا من قريش المائة من الإِبل» (٢).\nومن مواقفه الحكيمة العظيمة في ذلك ما فعله ﷺ مع المرأة المشركة صاحبة المزادتين، فإنه ﷺ بعد أن أسقى أصحابه من مزادتيها، ورجعت المزادتان أشد ملاءة منها حين ابتدأ فيها «قال لأصحابه: \" اجمعوا لها \"، فجمعوا لها - من بين عجوة ودقيقة وسويقة - حتى جمعوا لها طعامًا كثيرًا وجعلوه في ثوب، وحملوها على بعيرها، ووضعوا الثوب بين يديها، فقال لها: \" اذهبي فأطعمي هذا عيالك، تعلمين والله ما رزأناك (٣).\nمن مائك شيئًا، ولكن الله هو الذي أسقانا».\nوفي القصة أنها رجعت إلى قومها فقالت: لقيت أسحر الناس، أو هو نبي كما زعموا، فهدى الله ذلك الصرم (٤) بتلك المرأة، فأسلمت وأسلموا (٥).\nوفي رواية: فكان المسلمون بعد ذلك يغيرون على من حولها من المشركين ولا يصيبون الصرم الذي هي منه، فقالت يومًا لقومها: ما أرى أن هؤلاء القوم يدعونكم عمدًا، فهل لكم في الإِسلام؛ فأطاعوها، فدخلوا في الإِسلام (٦).\nوقد كان سبب إسلام هذه المرأة أمران:\nالأمر الأول: ما رأته من أخذ النبي ﷺ وأصحابه من مزادتيها ولم ينقص ذلك من مائها شيئًا، وهذا من معجزات النبي ﷺ التي تدل على صدق رسالته.\nالأمر الثاني: كرم النبي ﷺ حينما أمر أصحابه أن يجمعوا لها، فجمعوا لها طعامًا كثيرًا.\nأما قومها، فقد أسلموا على يديها، لأن المسلمين صاروا يراعون قومها بإقرار النبي ﷺ على سبيل الاستئلاف لهم، حتى كان ذلك سببًا لإِسلامهم (٧).\nوهذه الأمثلة التي سقتها ما هي إلا قطرة من بحر من كرم النبي ﷺ، فما أحوجنا، وما أولى جميع الدعاة إلى الله - ﷿ - إلى الاقتداء بالنبي ﷺ والاقتباس من نوره وهديه في دعوته وفي أموره كلها، والله المستعان.\n١٠ - مواقف النبي ﷺ مع زعيم المنافقين عبد الله بن أُبَيّ: قدم النبي ﷺ المدينة، وقد أجمع الأوس والخزرج على تمليك عبد الله بن أُبي، ولم يختلف عليه في شرفه اثنان، ولم تجتمع الأوس والخزرج قبله ولا بعده على رجل من أحد الفريقين، وكانوا قد نظموا له الخرز، ليُتَوِّجوه ثم يملِّكوه عليهم، فجاءهم الله - تعالى - برسول الله ﷺ وهم على ذلك، فلما انصرف قومه عنه إلى الإِسلام امتلأ قلبه حقدًا وعداوة وبغضًا، ورأى أن رسول الله ﷺ قد استلبه ملكه، فلما رأى قومه أبوا إلا الإِسلام، دخل فيه كارهًا، مصرًا على النفاق والحقد والعداوة (٨) ولم يأل جهدًا في الصدّ عن الإِسلام، وتفريق جماعة المسلمين، والذب عن اليهود ومساعدتهم.\n_________\n(١) البخاري مع الفتح، كتاب الزكاة، باب قوله تعالى: (لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا) ٣/ ٣٤٠، ومسلم، كتاب الزكاة، باب إعطاء من يخاف على إيمانه ٣/ ٧٣٣.\n(٢) البخاري مع الفتح، كتاب فرض الخمس، باب ما كان النبي ﷺ يعطي المؤلفة قلوبهم ٦/ ٢٤٩.\n(٣) أي: لم ننقص من مائك شيئًا انظر: فتح الباري ١/ ٤٥٣.\n(٤) الصرم: أبيات مجتمعة من الناس. انظر: فتح الباري ١/ ٤٥٣.\n(٥) البخاري مع الفتح، كتاب المناقب، باب علامات النبوة ٦/ ٥٨٠، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها ١/ ٤٧٦.\n(٦) البخاري مع الفتح، كتاب التيمم، باب الصعيد الطيب وضوء المسلم يكفيه من الماء ١/ ٤٤٨.\n(٧) انظر: فتح الباري ١/ ٤٥٣.\n(٨) انظر سيرة ابن هشام ٢/ ٢١٦، والبداية والنهاية ٤/ ١٥٧.","vol":"1","page":200},{"text":"وقد ظهرت مواقفه الخبيثة في معاداته لدعوة الإِسلام، ولكن عن طريق التستر والنفاق، وقد كان النبي ﷺ يقابل عداوته بالعفو والصفح والحلم؛ لأنه يُظهر الإِسلام، ولأن له أعوانًا من المنافقين، هو رئيسهم وهم تبع له، فكان ﷺ يحسن إليه بالمقال والفعال، ويقابل إساءته بالعفو والإِحسان في عدة مواقف، منها على سبيل المثال ما يأتي:\n(أ) شفاعته لليهود (بنو قينقاع) عندما نقضوا العهد: نقض بنو قينقاع العهد بعد بدر بكشف عورة امرأة من المسلمين في السوق، وبقتل رجل نصرها من المسلمين (١) فسار إليهم رسول الله ﷺ يوم السبت للنصف من شوال، على رأس عشرين شهرًا من الهجرة، وحاصرهم خمسة عشر يومًا، وتحصنوا في حصونهم، فحاصرهم أشد الحصار، وقذف الله في قلوبهم الرعب، فنزلوا على حكم رسول الله ﷺ فأمر بهم فَكُتِّفُوا، وكانوا سبعمائة مقاتل، فقام إلى النبي ﷺ عبد الله بن أُبي حين أمكنه الله منهم، فقال: يا محمد، أحسن في موالي، فأبطأ عليه رسول الله ﷺ، فقال: يا محمد، أحسن في موالي، فأعرض عنه، فأدخل يديه في جيب درع النبي ﷺ، وقال: والله لا أرسلك حتى تحسن في موالي أربع مائة حاسر، وثلاثمائة دارع (٢) قد منعوني من الأحمر والأسود تحصدهم في غداة واحدة، إني والله امرؤ أخشى الدوائر، فوهبهم النبي ﷺ له (٣) وأمرهم أن يخرجوا من المدينة ولا يجاوروه بها، فخرجوا إلى أذرعات من\n_________\n(١) انظر: سيرة ابن هشام ٢/ ٤٢٧، والبداية والنهابة ٤/ ٤، والرحيق المختوم ص ٢٢٨، وهذا الحبيب ص ٢٤٦.\n(٢) الحاسر: هو الذي لا درع له، والدارع: هو لابس الدرع. انظر: المعجم الوسيط، مادة \" حسر \"، ١/ ١٧٢، ومادة \" درع \" ١/ ٢٨٠.\n(٣) انظر: سيرة ابن هشام ٢/ ٤٢٨، والبداية والنهاية لابن كثير ٤/ ٤.","vol":"1","page":202},{"text":"أرض الشام، وقبض منهم أموالهم، وخمس غنائمهم صلوات الله وسلامه عليه (١).\n(ب) ما فعله مع النبي ﷺ يوم أحد: خرج النبي ﷺ إلى معركة أحد، فلما صار بين أحد والمدينة انخزل عبد الله بن أبي بنحو ثلث العسكر، ورجع بهم إلى المدينة فتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام، والد جابر - ﵄ - فوبّخهم، وحضهم على الرجوع، وقال: تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا، قالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون لم نرجع، فرجع عنهم وسبهم (٢).\nفلم يعاقبه رسول الله ﷺ على هذا الجرم العظيم، وتخذيل المسلمين.\n(جـ) صده الرسولَ ﷺ عن الدعوة إلى الله تعالى: «ركب النبي ﷺ إلى سعد بن عبادة، فمر بعدوّ الله عبد الله بن أُبي وحوله رجال من قومه، فنزل ﷺ فسلم ثم جلس قليلًا، فتلا القرآن، ودعا إلى الله - ﷿ -، وذكَّر بالله، وحذر وبشر وأنذر، وعندما فرغ ﷺ من مقالته، قال له عبد الله بن أُبي: يا هذا، إنه لا أحسن من حديثك هذا، إن كان حقًّا فاجلس في بيتك فمن جاءك له فحدثه إياه، ومن لم يأتك فلا تغته (٣) ولا تأته في مجلسه بما يكره منه» (٤) فلم يؤاخذه ﷺ، وعفا عنه وصفح.\n_________\n(١) انظر: زاد المعاد ٣/ ١٢٦، ١٩٠.\n(٢) انطر: زاد المعاد في هدي خير العباد ٣/ ١٩٤، وسيرة ابن هشام ٣/ ٨، ٣/ ٥٧، والبداية والنهاية ٤/ ٥١.\n(٣) أي: لا تكثر عليه به وتتردد به عليه، أو لا تعذبه به. انظر: القاموس المحيط، باب التاء، فصل الغين، ص ٢٠٠، والمعجم الوسيط، مادة \" غتَّ \"، ٢/ ٦٤٤.\n(٤) انظر: سيرة ابن هشام ٢/ ٢١٨، ٢١٩.","vol":"1","page":203},{"text":"(د) تثبيته بني النضير: عندما نقض يهود بني النضير العهد بهَمِّهِم بقتل النبي ﷺ، بعث إليهم محمد بن مسلمة يأمرهم بالخروج من جواره وبلده، فبعث إليهم أهل النفاق - وعلى رأسهم عبد الله بن أُبي - أن اثبتوا وتمنعوا فإنا لن نسلمكم، إن قُوتلتم قاتلنا معكم، وإن أُخرجتم خرجنا معكم، فقويت عزيمة اليهود، ونابذوا رسول الله ﷺ بنقض العهد، فخرج إليهم حتى نزل بهم وحاصرهم، فقذف الله في قلوبهم الرعب، وأجلاهم النبي ﷺ وخرجوا إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام (١).\nوترك النبي ﷺ عبد الله بن أُبي فلم يُعاقبه على ذلك.\n(هـ) كيده وغدره للنبي ﷺ ومن معه من المسلمين في غزوة المريسيع: في هذه الغزوة قام عبد الله بن أُبي بعدة مواقف مخزية توجب قتله وعقابه، منها:\n١ - دبر المنافقون في هذه الغزوة قصة الإِفك، وتولى كبره عبد الله بن أُبي ابن سلول (٢).\n٢ - وفي هذه الغزوة قال عبد الله بن أُبي: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] (٣).\n_________\n(١) انظر سيرة ابن هشام ٣/ ١٩٢، والبداية والنهاية ٤/ ٧٥، وزاد المعاد ٣/ ١٢٧.\n(٢) انظر قصة الإِفك في البخاري مع الفتح، كتاب المغازي، باب حديث الإِفك ٧/ ٤٣١، وكتاب التفسير، سورة النور، باب لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوه قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيم. ٨/ ٤٥٢، ومسلم، كتاب التوبة، باب حديث الإِفك ٤/ ٢٩ ٢١، وزاد المعاد ٣/ ٢٥٦ - ٢٦٨.\n(٣) سورة المنافقون، الآية ٨.\nوانظر البخاري مع الفتح، كتاب التفسير، سورة المنافقون، باب سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّه لَهُمْ إِنَّ اللَّه لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ. ٨/ ٦٤٨، ٦٥٢، وفي كتاب المناقب، باب ما ينهى عنه من دعوى الجاهلية ٦/ ٥٤٦، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا ٤/ ١٩٩٨، وانظر: سيرة ابن هشام ٣/ ٣٣٤.","vol":"1","page":204},{"text":"٣ - وفٍي هذه الغزوة قال عدو الله: ﴿لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون: ٧] (١).\nوقد ظهرت الحكمة المحمدية، وتجلت السياسة الرشيدة في إخماد النبي ﷺ نار الفتنة، وقطع دابر الشر - بفضل الله ثم بصبره - على عبد الله ابن أُبي، وتحمله له، والإِحسان إليه، ومقابلة هذه المواقف المخزية من هذا الزعيم المنافق بالعفو؛ لأن هذا الرجل له أعوان، ويخشى من شرهم على الدعوة الإِسلامية؛ ولأنه يظهر إسلامه، ولهذا قال النبي ﷺ لعمر بن الخطاب - حينما قال: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق -: «دعه لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه» (٢).\nفلو قتله رسول الله ﷺ لكان ذلك منفرًا للناس عن الدخول في الإسلام؛ لأنهم يرون أن عبد الله بن أُبي مسلم، ومن ثم سيقول الناس: إن محمدًا يقتل المسلمين، فعند ذلك تظهر المفاسد، وتتعطل المصالح. فظهرت حكمة النبي ﷺ وصبره على بعض المفاسد خوفًا من أن تترتب على ذلك مفسدة أعظم؛ ولتقوى شوكة الإِسلام، وقد أمر بالحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر.\n_________\n(١) سورة المنافقون، الآية ٧.\nوالحديث في البخاري مع الفتح، كتاب التفسير، سورة المنافقون، باب قوله تعالى وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّه، ٨/ ٦٤٨، ومسلم، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم ٤/ ٢١٤٠.\n(٢) البخاري مع الفتح، كتاب التفسير، سورة المنافقون، باب سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ، ٨/ ٦٤٨، ٨/ ٦٥٢، ٦/ ٥٤٦، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا ٤/ ١٩٩٨.","vol":"1","page":205},{"text":"وقد ظهرت الحكمة لعمر بعد ذلك في عدم قتل عبد الله بن أبي فقال: \" قد والله علمت، لأمر رسول الله ﷺ أعظم بركة من أمري \" (١).\nوهكذا ينبغي للدعاة إلى الله أن يسلكوا طريق الحكمة في دعوتهم اقتداء بنبيهم ﷺ.\n_________\n(١) ذكره ابن كثير في البداية والنهاية، ٤/ ١٨٥. وانظر شرح النووي على مسلم ١٦/ ١٣٩، وهذا الحبيب يا محب ص ٣٣٦.","vol":"1","page":206},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>المبحث الثاني\nمواقف الصحابة ﵃</span>\nتوطئة.\nالمطلب الأول: مواقف أبي بكر الصديق ﵁.\nالمطلب الثاني: مواقف عمر بن الخطاب ﵁.\nالمطلب الثالث: مواقف عثمان بن عفان ﵁.\nالمطلب الرابع: مواقف علي بن أبي طالب ﵁.\nالمطلب الخامس: مواقف مصعب بن عمير ﵁.\nالمطلب السادس: موقف ضمام بن ثعلبة ﵁.\nالمطلب السابع: موقف سعد بن معاذ ﵁.\nالمطلب الثامن: موقف الحسن بن علي ﵄.\nالمطلب التاسع: مواقف جماعة من الصحابة ﵃.","vol":"1","page":207},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>توطئة</span>\nكما كان للنبي ﷺ مواقف حكيمة، فإن للصحابة مواقف مشرفة، تزخر بالحكمة؛ لأنهم تلقوا الحكم العالية من النبي ﷺ.\nوسأشير - إن شاء الله تعالى - إلى مواقف بعض الصحابة على سبيل المثال لا الحصر في المطالب التالية:\nالمطلب الأول: مواقف أبي بكر الصديق ﵁.\nالمطلب الثاني: مواقف عمر بن الخطاب ﵁، الفاروق ﵁.\nالمطلب الثالث: مواقف عثمان بن عفان ﵁.\nالمطلب الرابع: مواقف علي بن أبي طالب ﵁.\nالمطلب الخامس: مواقف مصعب بن عمير ﵁.\nالمطلب السادس: موقف ضمام بن ثعلبة ﵁.\nالمطلب السابع: موقف سعد بن معاذ ﵁.\nالمطلب الثامن: موقف الحسن بن علي ﵄.\nالمطلب التاسع: مواقف جماعة من الصحابة ﵃.","vol":"1","page":209},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-63>المطلب الأول\nمن مواقف أبي بكر الصديق ﵁</span>\nله - ﵁ - مواقف حكيمة تدل على عظم شأنه وصدقه مع الله - ﷿ -، ومن هذه \" المواقف على سبيل المثال لا الحصر ما يأتي:\n\n١ -<span data-type=\"title\" id=toc-64> دفاعه عن النبي ﷺ والقيام بنصرته:</span>\nعن عروة بن الزبير - ﵁ - قال: قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص: أخبرني بأشد ما صنع المشركون برسول الله ﷺ، قال: بينما رسول الله ﷺ يصلي في حجر الكعبة، إذ أقبل عقبة بن أبي مُعيط، فأخذ بمنكب رسول الله ﷺ، ولوى ثوبه في عنقه، فخنقه خنقًا شديدًا، فأقبلِ أبو بكر، فأخذ بمنكبه ودفعه عن رسول الله ﷺ وقال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [غافر: ٢٨] (١).\nوهو أشجع الصحابة - ﵃ -، فقد رُوِي عن علي - ﵁ - أنه خطب، فقال: أيها الناس أخبروني من أشجع الناس؟ قالوا: أنت يا أمير المؤمنين! قال: أما إني ما بارزت أحدًا إلا انتصفت منه، ولكن أخبروني بأشجع الناس! قالوا: لا نعلم، فمن؟ قال: أبو بكر. إنه لما كان يوم بدر، جعلنا لرسول الله ﷺ عريشًا، فقلنا: من يكون مع الرسول ﷺ لئلّا يهوي إليه أحد من المشركين، فوالله ما دنا منه أحد إلا أبو بكر، شاهرًا بالسيف على رأس رسول الله ﷺ لا يهوي إليه أحد إلَّا أَهْوى إليه، فهذا أشجع الناس.\nقال علي - ﵁ -: ولقد رأيت رسول الله ﷺ وأخذته قريش، فهذا يحاده، وهذا يتلتله (٢) وهم يقولون: أنت الذي جعلت الآلهة إلهًا\n_________\n(١) سورة غافر، الآية ٢٨.\nوالحديث في البخاري مع الفتح، كتاب المناقب، باب ما لقي النبي ﷺ وأصحابه من المشركين بمكة ٧/ ١٦٥، ٧/ ٢٢، ٨/ ٥٥٣، وتقدم تخريجه، ص ١٥٠.\n(٢) يتلتله: يزعزعه ويزلزله. انظر: مختار الصحاح، مادة: تلل، ص ٣٣، والمعجم الوسيط ١/ ٨٧.","vol":"1","page":210},{"text":"واحدًا، فوالله ما دنا منا أحد إلا أبو بكر، يضرب هذا، ويجاهد هذا، ويتلتل هذا، وهو يقول: ويلكم، ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [غافر: ٢٨] ثم رفع علي بردة كانت عليه، ثم بكى حتى اخضلت لحيته، ثم قَال علي: أنشدكم الله، أمؤمن آل فرعون خير أم أبو بكر؟ فسكت القوم. ثم قال: ألا تجيبوني؛ فوالله لساعة من أبي بكر خير من ملء الأرض من مثل مؤمن آل فرعون، ذاك رجل يكتم إيمانه، وهذا رجل أعلن إيمانه (١).\n\n٢ -<span data-type=\"title\" id=toc-65> تصديقه للنبي ﷺ والحرص على حمايته:</span>\nعن جابر بن عبد الله - ﵄ - أنه سمع رسول الله ﷺ يقول:\n«لما كذبني قريش قمت في الحجر، فجَلّى الله لي بيت المقدس فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه» (٢).\nوقد افتتن ناس كثير عقب الإِسراء، فجاء ناس إلى أبي بكر فذكروا له قصة الإِسراء بالنبي ﷺ إلى بيت المقدس، فقال أبو بكر: أشهد أنه صادق، فقالوا: وتصدقه بأنه أتى الشام في ليلة واحدة ثم رجع إلى مكة؟ قال: نعم، إني أصدقه بأبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء، فسُمّي بذلك الصديق (٣).\n_________\n(١) ذكره ابن كثير، وعزاه إلى البزار، انظر: البداية والنهاية ٣/ ٢٧٢، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/ ٤٧: وفيه من لم أعرفه، ولكن لبعض هذا المتن شواهد في الأحاديث الصحيحة انظرها في صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب الإِمداد بالملائكة في غزوة بدر، ٣/ ١٣٨٣، والبخاري مع الفتح، كتاب المغازي، باب قوله تعالى: إذ تستغيثون ربكم. . . ٧/ ٢٨٧، وكتاب فضائل الصحابة، باب فضل أبي بكر - ﵁ -، ٧/ ٢٢، ٧/ ١٦٥، وانظر: حياة الصحابة للعلامة محمد يوسف الكاندهلوي ١/ ٥٤٠، وحلية الأولياء ١/ ٣٢، وانظر: تاريخ الخلفاء للحافظ جلال الدين السيوطي ص ٣٧.\n(٢) البخاري مع الفتح، كتاب مناقب الأنصار، باب حديث الإسراء ٧/ ١٩٦.\n(٣) انظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري ٧/ ١٩٩، وعزاه إلى البيهقي في الدلائل.","vol":"1","page":211},{"text":"وقد كان - ﵁ - يحرص على حماية النبي ﷺ أشد الحرص، فقد ذكر رجال على عهد عمر - ﵁ -، فكأنهم فضلوا عمر على أبي بكر، فبلغ ذلك عمر، فقال: والله لليلة من أبي بكر خير من آل عمر، وليوم من أبي بكر خير من آل عمر، لقد خرج رسول الله ﷺ ليلة انطلق إلى الغار ومعه أبو بكر، فجعل يمشي ساعة بين يديه، وساعة خلفه، حتى فطن رسول الله ﷺ فقال: «يا أبا بكر، ما لك تمشي ساعة خلفي، وساعة بين يدي؟» فقال: يا رسول الله، أذكر الطلب فأمشي خلفك، ثم أذكر الرصد فأمشي بين يديك، فقال: «يا أبا بكر، لو كان شيء لأحببت أن يكون بك دوني»؛ \" قال: نعم، والذي بعثك بالحق، فلما انتهيا إلى الغار قال أبو بكر: مكانك يا رسول الله حتى أستبرئ لك الغار، فدخل فاستبرأه، حتى إذا كان ذكر أنه لم يستبرئ الجحرة (١) فقال: مكانك يا رسول الله حتى أستبرئ، فدخل فاستبرأ، ثم قال: انزل يا رسول الله، فنزل. ثم قال عمر: والذي نفسي بيده لتلك الليلة خير من آل عمر (٢).\nوعندما دخل أبو بكر الغار مع النبي ﷺ صار يخاف عليه من قريش حينما رآهم، فقال - ﵁ - وأرضاه: يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر إلى ما تحت قدميه لأبصرنا، فقال: «يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما، لا تحزن فإن الله معنا» (٣).\n_________\n(١) الجحرة. مفردها: جحر، وهو المكان الذي تحفره السباع والهوام لأنفسها. انظر: المعجم الوسيط. مادة (جحر) ١/ ١٨٠.\n(٢) الحاكم في المستدرك، وقال: هذا حديث صحيح لولا إرسال فيه ووافقه الذهبي ٣/ ٦، وذكره ابن كثير في البداية والنهاية ٣/ ١٨٠، وعزاه إلى البيهقي، وانظر: حياة الصحابة ١/ ٣٣٩، وحلية الأولياء ١/ ٣٣.\n(٣) البخاري مع الفتح، كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب المهاجرين وفضلهم ٧/ ٨، وكتاب مناقب الأنصار، باب هجرة النبي ﷺ وأصحابه، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي بكر الصديق ﵁، ٤/ ١٨٥٤.","vol":"1","page":212},{"text":"ولهذا قال ﷺ: «إن أمنَّ الناس عليَّ في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذًا خليَلًا غير ربي لاتخذت أبا بكر، ولكن أُخُوَّة الإِسلام ومودَّته» (١).\nوقال: «لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ولكنه أخي وصاحبي، وقد اتخذ الله - ﷿ - صاحبكم خليلًا» (٢).\n\n٣ -<span data-type=\"title\" id=toc-66> إنفاقه ماله في سبيل الله تعالى:</span>\nعندما أسلم أبو بكر - ﵁ - كان من أثرى أثرياء قريش، فكانت عنده أموال كثيرة، وقد كان في منزله يوم أسلم أربعون ألف درهم أو دينار، فاستخدم أمواله كلها في طاعة الله، ومن ذلك ما يأتي.\n(أ) إنفاق المال في إعتاق الرّقاب: أعتق - ﵁ - رقابًا كثيرة، حُفِظَ منهم سبع رقاب: بلال، وعامر بن فهيرة، وزنيرة، والهندية وبنتها، وكانتا لامرأة من بني عبد الدار، وجارية بني مؤمل، وأم عبيس، رضي الله عن الجميع.\nوقد كانت هذه الرّقاب يُعذّب معظمها على إسلامها، فأنقذها الله بأبي بكر الصديق - ﵁ -، وأخذ - ﵁ - ينفق أمواله في خدمة الإِسلام والمسلمين (٣).\n_________\n(١) البخاري مع الفتح، كتاب فضائل الصحابة، باب قول النبي ﷺ سدوا الأبواب إلا باب أبي بكر، ٧/ ١٢، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضل أبي بكر الصديق - ﵁ -، ٤/ ١٨٥٤.\n(٢) البخاري مع الفتح، كتاب فضائل الصحابة، باب قوت النبي ﷺ لو كنت متخذًا خليلًا: ٧/ ١٧، ومسلم واللفظ له، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل أبي بكر الصديق - ﵁ -، ٤/ ١٨٥٥.\n(٣) انظر: سيرة ابن هشام ١/ ٣٤٠، والإِصابة في تمييز الصحابة ٢/ ٢٤٣، والكامل في التاريخ لابن الأثير ٢/ ٢٩٠، والبداية والنهاية ٣/ ٥٨، وتاريخ الخلفاء للسيوطي ص ٣٨.","vol":"1","page":213},{"text":"(ب) أخذه جميع ماله يوم الهجرة لإِنفاقه على رسول الله ﷺ: حمل الباقي من ماله عندما هاجر مع النبي ﷺ إلى المدينة، ولم يبق لأهله شيئًا، فعن أسماء بنت أبي بكر - ﵂ - قالت: لما خرج رسول الله ﷺ وخرج أبو بكر معه، احتمل أبو بكر معه ماله كله، خمسة آلاف درهم أو ستة آلاف درهم، فانطلق بها معه، قالت: فدخل علينا جدي أبو قحافة، وقد ذهب بصره، فقال: والله إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه، قالت: قلت: كلَّا يا أبت، قد ترك لنا خيرًا كثيرًا، قالت: فأخذت أحجارًا فجعلتها في كوة (١) في البيت - كان أبي يجعل فيها ماله - ثم جعلت عليها ثوبًا، ثم أخذت بيده فقلت: ضع يا أبت يدك على هذا المال، قالت: فوضع يده عليه، فقال: لا بأس، إن ترك لكم هذا فقد أحسن، وفي هذا لكم بلاغ، قالت: \" ولا والله ما ترك لنا شيئًا، ولكن أردت أن أسكِّن الشيخ بذلك \" (٢).\n(جـ) تصدُّقه بماله كله في غزوة تبوك: وعن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نتصدق، فوافق ذلك مالًا عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يومًا، فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله ﷺ: \" ما أبقيت لأهلك؟ \" قلت: مثله. قال: وأتى أبو بكر - ﵁ - بكل ما عنده، فقال له رسول الله ﷺ: \" ما أبقيت لأهلك؟ \" قال: أبقيت لهم الله ورسوله، قلت: والله لا أسبقه إلى شيء أبدًا» (٣).\n_________\n(١) الكوة: ثقب في الحائط. انظر: القاموس المحيط: باب الواو، فصل الكاف، ص ١٧١٣.\n(٢) أخرجه أحمد ٦/ ٣٥٠، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٦/ ٥٩. ورجال أحمد رجال الصحيح غير ابن إسحاق، وقد صرح بالسماع، وعزاه للطبراني أيضًا، وانظر أيضًا. البداية والنهاية ٣/ ١٧٩، وتاريخ الخلفاء للإِمام السيوطي ص ٣٩، وحياة الصحابة للكاندهلوي ٢/ ١٦٤.\n(٣) أخرجه الترمذي في كتاب المناقب، باب في مناقب أبي بكر وعمر ﵄ ٥/ ٦١٤، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وأبو داود في الزكاة، باب الرخصة في ذلك - أي الرخصة في إخراج المال كله - ٢/ ١٢٩، والدارمي في الزكاة، باب الرجل يتصدق بجميع ما عنده ١/ ٤٣٢٩ وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي ١/ ٤١٤، وأبو نعيم في الحلية ١/ ٣٢.","vol":"1","page":214},{"text":"وأبو بكر - ﵁ - أولى الأمة بقوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى - الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى - وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى - إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى - وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل: ١٧ - ٢١] (١).\n\n٤ -<span data-type=\"title\" id=toc-67> موقف أبى بكر عقب وفاة النبي ﷺ </span>(٢):\nأُصيب المسلمون يوم وفاة الرسول ﷺ بمصيبة عظيمة، وهزّة عنيفة أفقدت الكثير منهم صوابهم، حتى أن عمر أنكر موت النبي ﷺ وخرج الناس وخطبهم، وقال: والله ما مات رسول الله ﷺ وليبعثنه الله فليقطعنّ أيدي رجال وأرجلهم.\nوأقبل أبو بكر - ﵁ - على فرس من مسكنه بالسُّنح حتى نزل فدخل المسجد فلم يُكلّم الناس حتى دخل على عائشة - ﵂ - فتيمم رسول الله ﷺ وهو مغشى بثوب حبرة، فكشف عن وجهه، ثم أكب عليه فقبله وبكى، ثم قال: بأبي أنت وأمي، والله لا يجمع الله عليه موتتين، أما الموتة التي كُتِبَتْ عليك فقد متها (٣) ثم خرج أبو بكر - وعمر يُكّلم الناس - فقال: أيها الحالف على رسْلِك، وقال: اجلس يا عمر،\n_________\n(١) سورة الليل، الآيات ١٧ - ٢١. وقد ذكر غير واحد من المفسرين أن هذه الآيات نزلت في أبي بكر الصديق - رصي الله عنه - إن بعضهم حكى الإِجماع من المفسرين على ذلك انظر: تفسير ابن كثير ٤/ ٥٢٢.\n(٢) انظر له مواقف حكيمة في البخاري مع الفتح في كتاب مناقب الأنصار، باب أيام الجاهلية ٧/ ١٤٩ وأبي نعيم في الحلية ١/ ٣١، وأحمد في الزهد بمعناه ص ١٦٤، وانظر: حياة الصحابة ٢/ ٦١١، ٦١٢، وأعلام المسلمين لخالد البيطار ١/ ٣٠، وصحيح الجامع الصغير للألباني ٤/ ١٧٢، برقم ٤٣٩٥، وانظر أيضًا. فتح الباري ٧/ ١٤، فقد ذكر لأبي بكر عجائب في الورع.\n(٣) البخاري مع الفتح، كتاب الجنائز، باب الدخول على الميت بعد الموت إذا أدرج في أكفانه ٣/ ١١٣، وكتاب المغازي، باب مرض النبي ﷺ ووفاته، ٨/ ١٤٥.","vol":"1","page":215},{"text":"فأبى عمر أن يجلس، فلما تكلم أبو بكر أقبل الناس إليه وتركوا عمر، فجلس عمر - ﵁ - فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه، وقال: أما بعد، فمن كان منكم يعبد محمدًا ﷺ فإن محمدًا ﷺ قد مات، ومن كان منكم يعبد الله فإن الله حي لا يموت، قال الله - تعالى -: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] (١) وقال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤] (٢).\nفوالله لكأن الناس لم يكونوا يعلمون أن الله أنزل الآية حتى تلاها أبو بكر - ﵁ -، وقال عمر. والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت حتى ما تقلني رجلاي، وحتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها، علمت أن النبي ﷺ قد مات.\nوقال الراوي: \" فتلقاها الناس كلهم، فما أسمع بشرًا من الناس إلا يتلوها، ونشج الناس يبكون \" (٣).\nإن المصيبة عظيمة، والأمر كبير، والحادث جليل، والخلاف واقع؛ ولكن أبا بكر - ﵁ بفضل الله تعالى - حل الخلاف، وألف بين القلوِب وثبّتها، ولا يقدر على هذا إلا من أُوتي قلبًا ثابتًا، وشجاعة فائقة، وعقلاَ راجحًا، وحكمة بالغة، ﵁ وأرضاه.\n_________\n(١) سورة الزمر، الآية ٣٠.\n(٢) سورة آل عمران، الآية ١٤٤.\n(٣) انظر: البخاري مع الفتح، وقد صغت هذه الألفاظ من مواضع متفرقة منه، من كتاب الجنائز، باب الدخول على الميت إذا أدرج في أكفانه، ٣/ ١١٣، وكتاب فضائل الصحابة، باب قول النبي ﷺ: لو كنت متخذًا خليلًا، ٧/ ١٩، وكتاب المغازي، باب مرض النبي ﷺ ووفاته، ٨/ ١٤٥، وانظر: البداية والنهاية لابن كثير ٥/ ٢٤١، ٢٤٢، وحلية الأولياء ١/ ٢٩.","vol":"1","page":216},{"text":"وفي اليوم الثاني - يوم الثلاثاء - خطب أبو بكر الناس، وبين، عليهم، وما لهم، فقام - ﵁ وأرضاه - فحمد الله وأثنى بالذي هو أهله، ثم قال: أيها الناس، فإني قد وُلِّيتُ عليكم وليست بخيركم، فإن أحسنت فأعينُوني، وإن أسأت فَقَوِّمُوني، الصدق أمانة والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه (١) حقه إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله، لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم قطّ إلا عمّهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فيكم فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله (٢).\nوقوله - ﵁ -: ولِّيتُ عليكم ولست بخيركم: من باب التّواضع، وإلا فإن الصحابة كلهم مُجمِعُون على أنه أفضلهم وخيرهم، ﵃ أجمعين (٣).\n\n٥ -<span data-type=\"title\" id=toc-68> موقفه - ﵁ - في إنفاذ جيش أسامة بن زيد </span>- ﵄ -:\nظهرت حكمة الصديق - ﵁ - أثناء تنفيذ جيش أسامة زيد - ﵄ - من عدة وجوه:\n(أ) تنفيذه بعث أسامة - ﵁ - على الرغم من شدة الأحوال ومعارضة بعض الصحابة، وذلك امتثالًا لأمر النبي ﷺ.\n_________\n(١) والمعنى: حتى أرُدَّ عليه حقه. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير، باب الراء مع الواو، ٢/ ٢٧٣.\nوانظر: التاريخ الإِسلامي لمحمود شاكر ٣/ ٥٧، وفي البداية والنهاية قال: حتى أزيح علته إن شاء الله، ٥/ ٢٤٨.\n(٢) انظر: سيرة ابن هشام ٤/ ٣٤٠، وابن كثير في البداية والنهاية ٥/ ٢٤٨، قال: وهذا إسناد صحيح.\n(٣) انظر: البداية والنهاية ٥/ ٢٤٨.","vol":"1","page":217},{"text":"بعث النبي ﷺ أسامة بن زيد - ﵄ - في مرضه الذي توفي فيه (١) وندب الناس إلى غزو الروم، وكان تجهيز جيش أسامة قبل وفاة النبي ﷺ بيومين، وكان ذلك يوم السبت، وقد كان ابتداء ذلك قبل مرض النبي ﷺ، ثم اشتد به مرضه، فأمر بإنفاذ جيش أسامة، وتوفي ﷺ فَعَظُم الخطب، واشتد الحال، وظهر النفاق بالمدينة، وارتدت أحياء من العرب حول المدينة، وامتنع آخرون من دفع الزكاة، ولم يبق للجمعة مقام في بلد سوى مكة والمدينة، وكانت جواثا من البحرين أول قرية أقامت الجمعة بعد رجوع الناس إلى الحق؛ وثبتت ثقيف بالطائف على الإِسلام لم يرتدوا.\nوعندما وقعت هذه الأمور أشار كثير من الناس على أبي بكر الصديق ألَّا ينفذ جيش أسامة لاحتياجه إليه فيما هو أهم؛ لأن ما جُهِّز بسببه في حال السلامة.\nوكان من جملة من أشار بذلك عمر بن الخطاب ﵁، فامتنع الصديق من ذلك، وأَبى أشد الإِباء إلا أن ينفذ جيش أسامة، وقال كلمته العظيمة الحكيمة: والله لا أحل عقدة عقدها رسول الله ﷺ، ولو أن الطير تخطفنا والسّباع من حول المدينة، ولو أن الكلاب جرت بأرجل أمهات المؤمنين، لأُجَهِّزَنّ جيش أسامة، وأمر الحرس أن يكونوا حول المدينة.\n(ب) ثم إن بعض الناس أشار على أبي بكر أن يولي أمر الجيش رجلًا أقدم سنًّا من أسامة؛ فغضب - ﵁ - لذلك؛ لأن الرسول ﷺ هوَ الذي أَمَّرَ أسامة على هذا الجيش، فلا يريد - ﵁ - أن يغير شيئًا فعله رسول الله ﷺ.\n_________\n(١) انظر: البخاري مع الفتح، كتاب المغازي، باب بعث النبي ﷺ أسامة بن زيد - ﵄٨/ ١٥١ - ١٥٢.","vol":"1","page":218},{"text":"(جـ) وخرج أبو بكر - ﵁ - يشيع الجيش ويودع أسامة وجيشه، وأبو بكر يسير على قدميه، وأسامة راكبًا، فقال له أسامة: يا خليفة رسول الله، إما أن تركب، وإما أن أنزل، فقال أبو بكر: والله لست براكب ولست بنازل، وما علي أن أغبر قدمي ساعة في سبيل الله.\n(د) واستأذن أبو بكر - ﵁ - من أسامة لعمر بن الخطاب وقد كان عمر من ضمن الجنود في جيش أسامة، فَأَذِنَ أسامة لعمر بن الخطاب - رضي الله عن الجميع - وأرضاهم.\nفكان خروج أسامة إلى الروم بأرض الشام في ذلك الوقت من أكبر المصالح، فساروا لا يمرون بحي من أحياء العرب إلا أُرعبوا منهم وأخذهم الخوف والفزع، وقالوا: ما خرج هؤلاء القوم إلا وبهم شديدة، وسنتركهم حتى يلقوا الروم، فلقوا الروم فهزموهم وقتلوهم وبقوا أربعين يومًا - وقيل سبعين يومًا - ثم أتوا سالمين غانمين، وعندما رجعوا جهزهم أبو بكر مع الجيش لقتال أهل الردة ومانعي الزكاة (١).\nالله أكبر ما أعظم هذا الموقف، وما أحكمه! فقد ظهرت حكمته وشجاعته وطاعته لرسول الله ﷺ، وهي سبب النصر والفلاح، وبتنفيذ هذا الجيش أدخل الله الرُّعب في قلوب المرتدين، واليهود، والنصارى وهذا كله بفضل الله، ثم بامتثال أمر رسول الله ﷺ بإنفاذ جيش أسامة زيد ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] (٢).\n_________\n(١) انظر: تاريخ الإِمام الطبري ٢/ ٢٤٦، والكامل في التاريخ لابن الأثير ٢/ ٢٢٦، وتاريخ الإسلام للإِمام الذهبي - عهد الخلفاء الراشدين ص ١٩، والبداية والنهاية ٦/ ٣٠٤، ٣٠٥، وفتح الباري ٨/ ١٥٢، وتاريخ الخلفاء لجلال الدين السيوطي ص ٧٤، وحياة الصحابة للعلامة محمد يوسف الكاندهلوي ١/ ٤٢٣، ٤٢٥، ٤٢٧، والتاريخ الإِسلامي لمحمود شاكر ٣/ ٦٤.\n(٢) سورة النور، الآية ٦٣.","vol":"1","page":219},{"text":"وهذا مما يؤكد على كل مسلم أن يعتني بأمر رسول الله ﷺ ويبتعد عن نهيه، وذلك كله هو مدار السعادة والفلاح، والفوز والنجاح في الدنيا والآخرة.\n\n٦ -<span data-type=\"title\" id=toc-69> موقف أبى بكر - ﵁ - مع أهل الردة ومانعي الزكاة:</span>\nعندما توفي رسول الله ﷺ ارتدت أحياء كثيرة من العرب، وظهر النفاق، وقد كان أهل الردة على قسمين:\nالقسم الأول: ارتدوا عن الدين، ونابذوا الملّة، وهذه الفرقة طائفتان:\n(أ) مُدّعُو النبوة وأتباعهم.\n(ب) والطائفة الأخرى ارتدوا عن الدين، وتركوا الصلاة والزكاة، وعادوا إلى ما كانوا عليه في الجاهلية.\nالقسم الثاني: هم الذين فرقوا بين الصلاة والزكاة، فأنكروا فرض الزكاة ووجوب أدائها.\nوهذا القسم هو الذي وقع فيه الخلاف، فثبت أبو بكر - ﵁ -، ثم وافقه جميع الصحابة على قتال جميع المرتدين ومانعي الزكاة ﷺ فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: لما توفي رسول الله ﷺ واستخلف أبو بكر بعده، وكفر من كفر من العرب، قال عمر بن الخطاب لأبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ: «أُمرت أن أُقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقّه، وحسابه على الله»؟ فقال أبو بكر: والله لُأقَاتِلنّ من فرّق بين","vol":"1","page":220},{"text":"الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عِقَالًا (١) كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعه، فقال عمر بن الخطاب: فوالله ما إلا أن رأيت الله - ﷿ - قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت الحق (٢).\nوفي رواية: أن أبا بكر - ﵁ - قال: \" والله لأُقاتلنّ من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عَناقًا (٣).\nيؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها. . . \" (٤).\nوفي هذا الموقف الحكيم لأبي بكر أدلّ دليل على شجاعته - ﵁ - وتقدّمه في الشجاعة والعلم على غيره، فإنه ثبت للقتال في هذا الموطن العظيم الذي هو أكبر نعمة أنعم الله - تعالى - بها على المسلمين بعد رسول الله ﷺ، واستنبط - ﵁ - من العلم بحكمته، ودقيق نظر ورصانة فكره، ما لم يُشاركه في الابتداء به غيره، فلهذا وغيره مما أكرمه الله، أجمع أهل العلم بالحق على أنه أفضل أمة محمد ﷺ (٥).\n_________\n(١) العِقال: هو الحبل الذي يعقل به البعير، والعناق: هي السخلة من الغنم. انظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٣/ ٢٨٠، ٣/ ٣١١.\n(٢) مسلم بلفظه في كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ١/ ٥١، والبخاري مع الفتح في كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة ٣/ ٢٦٢، ١٢/ ٢٧٥، ١٣/ ٢٥٠، ٣/ ٣٢١، ٣٢٢.\n(٣) انظر: هامش (١) من هذه الصفحة.\n(٤) البخاري مع الفتح، كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة ٣/ ٢٦٢، ١٢/ ٢٧٥، ١٣/ ٢٥٠، ورواية العناق عند البخاري دون مسلم، وما ذهب إليه أبو بكر - ﵁ - قد ثبت عن النبي ﷺ من حديث عبد الله بن عمر - ﵁ بن عمر -، حيث جاء فيه ذكر الشهادتين، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة. وقد أخرجه مسلم في كتاب الإِيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله. . . ١/ ٥٣، وأبو داود في كتاب الزكاة ٢/ ٩٣، والترمذي في الإِيمان، باب ما جاء بني الإِسلام على خمس ٥/ ٣، والنسائي في الزكاة، باب عقوبة مانع الزكاة ٥/ ١٤.\n(٥) انظر: شرح النووي على مسلم ١/ ٢١١.","vol":"1","page":221},{"text":"فرضي الله عن أبي بكر وأرضاه، وجزاه عن أمة محمد خير الجزاء؛ فإنه قد قام بما يجب عليه نحوها، من ترسيخ معاني الإِسلام في قلوب ونفوس وحياة أمة محمد ﷺ، وأمرها بالثّبات على دين الله الذي جاء به النبي ﷺ من غير زيادة ولا نقص، وطبق ذلك تطبيقًا عمليًا على نفسه، وعلى جميع من بايعه، وقاتل من أنكر شيئًا من ذلك، فقد أعزّ الله به الإِسلام والمسلمين، وخذل به أعداء الله وأعداء الدين، ولهذا لم ينقص الدين في حياته كما قال - ﵁ - لعمر بن الخطاب حينما أشكل عليه قتال مانعي الزكاة: إنه قد انقطع الوحي وتمّ الدّين، أفينقص وأنا حي؟ والله لأقاتلنّ من فرّق بين الصلاة والزكاة، أليس قد قال رسول الله ﷺ: \" إلا بحقها \"، ومن حقها: إيتاء الزكاة، والله لو خذلني الناس كلهم لجاهدتهم بنفسي \" (١).\nوصدق ﵁، فقد حفظ الله به الدين، ولم ينقص وهو حي، ولهذا كانت خلافته مليئة بالأعمال الجليلة التي تحتاج إلى السنوات الطوال لإِنجازها على الرغم من قصر مدة خلافته ﵁، فهي لم تزد على سنتين وثلاثة أشهر وعشرة أيام، وهذا يدل على حكمة أبي بكر العظيمة ووعيه التام بالإِسلام، وعزيمته الثابتة الراسخة كالجبال الرَّوَاسِي، وإيمانه الذي لو وُزِنَ وإيمان الأمة كلها (٢) لرجح إيمان أبي بكر بإيمان أمة محمد ﷺ، ولهذا يعدّ - ﵁ - هو الذي أرسى الدعائم بعد وفاة النبي ﷺ، وأثبت المفاهيم، فرضي الله عنه وأرضاه (٣).\n_________\n(١) انظر: تاريخ الطبري ٢/ ٢٤٥، ٢٤٦، والتاريخ الإِسلامي لمحمود شاكر ٣/ ٦٨، وأعلام المسلمين لخالد البيطار ص ٧٥، وحياة الصحابة ١/ ٤٣٤.\n(٢) انظر تاريخ الخلفاء للسيوطي ص ٥٩.\n(٣) انظر: تاريخ الخلفاء للسيوطي ص ٧٣، والتاريخ الإِسلامي لمحمود شاكر ٣/ ٦١.","vol":"1","page":222},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>المطلب الثاني\nمن مواقف عمر بن الخطاب ﵁</span>\nلعمر - ﵁ - مواقف مشرفة حكيمة كثيرة جدًّا، منها على سبيل المثال لا الحصر ما يأتي:\n\n١ -<span data-type=\"title\" id=toc-71> موقفه في إظهار إسلامه وهجرته:</span>\nعندما أسلم عمر - ﵁ - على يد النبي ﷺ أراد أن يعلم قريش بإسلامه، فسأل عن أنقلهم للحديث، لينقل خبر إسلامه إلى قريش، فقيل له: جميل بن معمر الجمحي، فذهب عمر - ﵁ - إلى جميل، وقال له: أعلمت يا جميل أنّي قد أسلمت ودخلت في دين محمد؟ فقام جميل بن معمر يجر رداءه مُسرعًا حتى قام على باب المسجد، ثم صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش، ألا إن عمر بن الخطاب قد صبأ، فقال عمر وهو واقف خلفه: كذب، ولكني قد أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله ﷺ، فثار عليه قريش من أنديتهم حول باب الكعبة، وقاتلهم وقاتلوه، واستمر القتال بينهم وبينه في هذا الموقف حتى قامت الشمس على رؤوسهم، وقد تعب عمر - ﵁ - فقعد وقاموا على رأسه، وهو يقول: افعلوا ما بدا لكم، فأحلف بالله أن لو قد كنا ثلاثمائة رجل لتركناها لكم، أو لتركتموها لنا، وبينما هم على ذلك إذ أقبل شيخ من قريش عليه حلّة حبرة، وقميص مُوشح، حتى وقف عليهم، فقال: ما شأنكم؟ قالوا: صبأ عمر، فقال: فمه، رجل اختار لنفسه أمرًا فماذا تريدون؟ أترون بني عدي بن كعب يسلمون لكم صاحبهم هكذا؟ خلُّوا عن الرجل! قال عبد الله بن عمر: فوالله لكأنما كانوا ثوبًا كشط عنه، قال: فقلت لأبي بعد أن هاجر إلى المدينة: يا أبت من الرجل الذي زجر القوم عنك بمكة يوم أسلمت وهم يقاتلونك، - جزاه الله خيرًا؟ - قال","vol":"1","page":223},{"text":"يا بُنَي ذاك العاص بن وائل - لا جزاه الله خيرًا - (١).\nوبإسلام عمر وإظهاره إسلامه - ﵁ - أعزّ الله به الإِسلام، وفرّق به بين الحق والباطل، فسُمِّي الفاروق - ﵁ -، وأظهر الصحابة صَلاتهم حول الكعبة، وقريش ينظرون إليهم (٢).\nقال عبد الله بن مسعود - ﵁ -: \" ما زلنا أعزّة منذ أسلم عمر \" (٣).\nوقال - ﵁ - أيضًا: \" كان إسلام عمر فتحًا، وهجرته نصرًا، وإمارته رحمة، والله ما استطعنا أن نُصلّي حول البيت ظاهرين حتى أسلم عمر، فلما أسلم عمر قاتلهم حتى تركونا نصلي \" (٤).\nوقد كان عمر - ﵁ - يتعرّض لرؤوس الكفر، ويعلن أمامهم إسلامه، بل يذهب إلى بيوتهم ويطرق أبوابهم ليخبرهم بأنه قد أسلم، لعلّهم يقومُون بشيء ضدّه فيُصيبه ما يُصيب إخوانه المسلمين، ويستطيع في الوقت نفسه أن ينتقم من تلك الرؤوس، ولم يُرد عمر أن يكون هو في\n_________\n(١) انظر: سيرة ابن هشام ١/ ٣٧٠، والبداية والنهاية لابن كثير، وقال هذا إسناد جيد قوي ٣/ ٨٢، وانظر بعض القصة في البخاري مع الفتح ٧/ ١٧٧، وانظر قصة إسلام عمر في البداية والنهاية ٣/ ٧٩ / ٨١، وسيرة ابن هشام ١/ ٣٦٤ - ٣٧١، وتاريخ الخلفاء للسيوطي ١٠٩ - ١١٥، وفتح الباري ٧/ ٤٨، ومناقب عمر لابن الجوزي ص ١٢ - ١٨، والتاريخ الإِسلامي لمحمود شاكر ٣/ ١٢١ - ١٢٥.\n(٢) انظر: مناقب عمر بن الخطاب لابن الجوزي ص ١٨، ١٩، وتاريخ الخلفاء للسيوطي ص ١١٣ - ١١٥. والتاريخ الإسلامي لمحمود شاكر ٣/ ١٢٤، وفتح الباري شرح صحيح البخاري ٧/ ٤٤.\n(٣) البخاري مع الفتح، في كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب عمر ٧/ ٤١، ومناقب الأنصار ٧/ ١٧٧.\n(٤) ذكره ابن حجر في فتح الباري، ٧/ ٤٨، وعزاه إلى الطبراني وابن أبي شيبة، وذكره السيوطي في تاريخ الخلفاء، ص ١١٥، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد \" رجاله رجال الصحيح إلا أن القاسم لم يدرك جده ابن مسعود، ٩/ ٦٢، وانظر: البداية والنهاية، ٣/ ٧٩.","vol":"1","page":224},{"text":"نعمة وعافية وراحة، والمسلمون في إيذاء وتعذيب، فعندما أعلن إسلامه، وبدأت قريش تقاتله وثب على عتبة بن ربيعة فبرك عليه، وأدخل أصبعه في عينيه، فجعل عتبة يصيح، فتنحى الناس عن عمر، وقام عمر، فجعل لا يدنو منه أحد إلا أخذ شريف من دنا منه، حتى تراجع الناس عنه (١) وعندما اشتد أذى المشركين على المسلمين، وأذن لهم رسول الله ﷺ بالهجرة من مكة إلى المدينة، وابتدأت وفود المسلمين متجهة إلى المدينة وكلها مختفية في هجرتها وانتقالها، إلا هجرة عمر بن الخطاب - ﵁ -، فقد رُوِي عن علي بن أبي طالب - ﵁ - أنه قال: ما علمت أن أحدًا من المهاجرين هاجر إلا مختفيًا، إلا عمر بن الخطاب، فإنه لما هم بالهجرة تقلد سيفه، وتنكب قوسه، وانتضى في يده أسهمًا، وأتى الكعبة، وأشراف قريش بفنائها، فطاف سبعًا متمكنًا، ثم أتى المقام فصلى ركعتين، ثم أتى حلقهم، ثم وقف على الحلق واحدة واحدة، فقال: شاهت الوجوه، من أراد أن تَثْكَله أمه وييتم ولده، وترمل زوجته، فليلقني وراء هذا الوادي، فما تبعه منهم أحد (٢).\n\n٢ -<span data-type=\"title\" id=toc-72> موقفه الحكيم في تثبيته الناس على بيعة أبى بكر ﵁:</span>\nعقب وفاة النبي ﷺ اجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، فقالوا: منا أمير ومنكم أمير، فذهب إليهم أبو بكر وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح، فذهب عمر يتكلّم، فأسكته أبو بكر، وكان عمر يقول: والله ما أردت بذلك إلا أني قد هيأت كلامًا قد أعجبني خشيت أن لا يبلغه أبو بكر، ثم تكلم أبو بكر، فتكلم أبلغ الناس، فقال\n_________\n(١) انظر: التاريخ الإسلامي لمحمود شاكر ٣/ ١٢٥، وأعلام المسلمين لخالد البيطار ٢/ ٢٢، ٢٣.\n(٢) انظر: تاريخ الخلفاء للإمام السيوطي ص ١١٥، والتاريخ الإسلامي لمحمود شاكر ٣/ ١٢٥، وأعلام المسلمين ٢/ ٢٥.","vol":"1","page":225},{"text":"في كلامه: نحن الأمراء وأنتم الوزراء، فقال حباب بن المنذر. لا والله لا نفعل، منا أمير ومنكم أمير، فقال أبو بكر: لا، ولكنا الأمراء، وأنتم الوزراء، هم أوسط العرب دارًا، وأعربهم أحسابًا، فبايعوا عمر، أو أبا عبيدة. فقال عمر: بل نبايعك أنتَ، فأنت سيدنا وخيرنا، وأحبنا إلى رسول الله ﷺ، فأخذ عمر بيده فبايعه وبايعه الناس (١).\nفرضي الله عن عمر وأرضاه، فإنه عندما ارتفعت الأصوات في السقيفة وكثر اللَّغَطُ، وخشي عمر الاختلاف، ومن أخطر الأمور التي خشيها عمر أن يُبْدَأ بالبيعة لأحد الأنصار فتحدث الفتنة العظيمة؛ لأنه ليس من اليسير أن يبايع أحد بعد البدء بالبيعة لأحد الأنصار، فأسرع عمر - ﵁ - إخمادًا للفتنة، فقال لأبي بكر: ابسط يدك، فبسط يده فبايعه، وبايعه المهاجرون، ثم الأنصار (٢).\nوعندما كان يوم الثلاثاء جلس أبو بكر على المنبر، فقام عمر فتكلم قبل أبي بكر، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أيها الناس، إني كنت قلت لكم بالأمس مقالة ما كانت، وما وجدتها في كتاب الله، ولا كانت عهدًا عهده إلي رسول الله ﷺ، ولكني قد كنت أرى أن رسول الله ﷺ سيُدَبّر أمرنا، يقول: يكون آخرنا، وإن الله قد أبقى فيكم كتابه الذي به هدى الله رسوله ﷺ، فإن اعتصمتم به هداكم الله لما كان هداه له، وإن الله قد جمع أمركم على خيركم صاحب رسول الله ﷺ، ثاني اثنين إذ هما في الغار، فقوموا فبايعوه، فبايع الناس أبا بكر بيعته العامة بعد بيعة السقيفة (٣).\n_________\n(١) البخاري مع الفتح، كتاب فضائل الصحابة، باب قول النبي ﷺ لو كنت متخذًا خليلًا ٧/ ٢٠.\n(٢) انظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري ٧/ ٣٢، وسيرة ابن هشام ٤/ ٣٣٩، والبداية والنهاية ٥/ ٢٤٦، ٦/ ٣٠١، وحياة الصحابة ٢/ ١١، وتاريخ الخلفاء ص٥١.\n(٣) انظر: سيرة ابن هشام ٤/ ٣٤٠، والبداية والنهاية ٥/ ٢٤٨، ٦/ ٣٠١، والتاريخ الإِسلامي لمحمود شاكر ٣/ ٥٧.","vol":"1","page":226},{"text":"فكان عمر - ﵁ - يذود ويقوي، ويشجع الناس على بيعة أبي بكر حتى جمعهم الله عليه، وأنقذهم الله من الاختلاف والفرقة والفتنة.\nفهذا الموقف الذي وقفه عمر مع الناس من أجل جمعهم على إمامة أبي بكر، موقف عظيم من أعظم مواقف الحكمة التي ينبغي أن تسجل بماء الذهب من مواقف عمر الحكيمة.\n\n٣ -<span data-type=\"title\" id=toc-73> موقفه الحكيم في إصلاح الأهل قبل الناس:</span>\nكان عمر - ﵁ - مع أهله قويًّا، فكان إذا أراد أن يأمر المسلمين بشيء أو ينهاهم عن شيء مما فيه صلاحهم ونجاحهم وفلاحهم، بدأ بأهله، وتقدم إليهم بالوعظ لهم، والوعيد على خلافهم أمره، فعن سالم بن عبد الله بن عمر، قال: \" كان عمر إذا صعد المنبر فنهى الناس عن شيء جمع أهله، فقال: إني نهيت الناس عن كذا وكذا، وإن الناس ينظرون إليكم نظر الطير إلى اللحم، وأقسم بالله لا أجد أحدًا منكم فعله إلا أضعفت عليه العقوبة \" (١).\nوهذا من أعظم مواقف الحكمة؛ لأن الناس ينظرون إلى الداعية ومدى تطبيقه العملي والقولي لما يدعو إليه، كما ينظرون إلى تطبيقه ذلك على أهله ومن تحت يده.\n\n٤ -<span data-type=\"title\" id=toc-74> موقفه الحكيم في دعوته بتواضعه لله تعالى:</span>\nكان عمر - ﵁ وأرضاه - مع قوته في دين الله، وشجاعته، وشدته، على أعداء الله، وهيبة الناس له، وفرار الشياطين منه، كان مع\n_________\n(١) انظر: تاريخ الأمم والملوك للإمام الطبري ٢/ ٦٨، والكامل في التاريخ لابن الأثير ٣/ ٣١، والتاريخ الإِسلامي لمحمود شاكر ٣/ ٤٠٤، وأعلام المسلمين للبيطار ٢/ ٥٤.","vol":"1","page":227},{"text":"ذلك كلّه متواضعًا، وقَّافًا عند حدود الله، وقد كان يقول: أحبّ الناس إلَي من أهدى إلي عيوبي (١) ومن ذلك ما يلي:\n(أ) عندما مرَّ بالجابية على طريق إيلياء وجلس عندهم، قيل له: أنت ملك العرب، وهذه بلاد لا تصلح بها الإِبل، فلو لبست شيئًا غير هذا - يعنون قميصه المرقع - وركبت برذونًا (٢) لكان ذلك أعظم في أعين الروم، فقال: نحن قوم أعزنا الله بالإِسلام، فلا نطلب بغير الله بديلًا.\nثم سار عمر من الجابية إلى بيت المقدس، وقد تعبت دابته، فأتوه ببرذون فجعل يهملج به، فقال لمن معه: احبسوا، احبسوا، فنزل عنه، وضرب وجهه، وقال: لا علّم الله من علّمَك، هذا من الخيلاء، ما كنت أظن الناس يركبون الشياطين، هاتوا جملي، ثم نزل وركب الجمل، ثم لم يركب برذونًا قبله ولا بعده (٣).\n(ب) ولما قدم عمر بن الخطاب - ﵁ - الشام عرضت له مخاضة، فنزل عن بعيره، ونزع خُفَّيه، وأمسكهما بيده، وخاض الماء ومعه بعيره، فقال له أبو عبيدة: قد صنعت اليوم صنعًا عظيمًا عند أهل الأرض، صنعت كذا وكذا، فصك عمر في صدره، وقال: أَؤَّه، لو غيرك يقولها يا أبا عبيدة، إنكم كنتم أذل الناس، وأحقر الناس، وأقل الناس، فأعزكم الله بالإِسلام، فمهما تَطلُبوا العزة بغيره يُذلّكم الله (٤).\n_________\n(١) انظر: مناقب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لابن الجوزي ص ١٥٤، وأعلام المسلمين لخالد البيطار ص ٥٩.\n(٢) البرذون: الدابة، ويطلق على غير العرب من الخيل والبغال. انظر: القاموس المحيط، باب النون، فصل الباء ص ١٥٢٢، والمعجم الوسيط، مادة: برذن ١/ ٤٨، ومختار الصحاح، مادة (برذن) ص ١٨.\n(٣) انظر: البداية والنهاية ٧/ ٥٧، ٧/ ٦٠، ٧/ ١٣٥، ومناقب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لابن الجوزي ص ١٥٠، ١٥١.\n(٤) انظر: البداية والنهاية لابن كثير ٧/ ٦٠، وأعلام المسلمين لخالد البيطار ص ٥٩، ومناقب أمير المؤمنين عمر بن الحطاب لابن الجوزي ص ١٥٠.","vol":"1","page":228},{"text":"وله مواقف حكيمة في دعوته إلى الله - تعالى -، لا يتسع المقام لذكرها (١).\nوهذه المواقف العظيمة يبين فيها للناس بقوله وفعله أن العزة والرفعة والتمكين لا تأتي عن طريق الكبر، والغطرسة، والإِعجاب بالنفس أو الجاه أو السلطان، وإنما يأتي ذلك كله لمن تمسك بالإِسلام، ولهذا قال لأبي عبيدة في الخبر السابق: \" إنكم كنتم أذلّ الناس، وأحقرَ الناس، وأقلّ الناس، فأعزّكم الله بالإِسلام، فمهما تطلبوا العزة من غيره يذلّكم الله \".\nرضي الله عن الفاروق وأرضاه، وجزاه عن أمة محمد خيرَ الجزاء، فقد قام بالأعمال العظيمة، وسلك مسلك الحكمة التي من أُوتيها فقد أوتي خيرًا كثيرًا، ونفّذ وصية رسول الله ﷺ في المشركين، من: يهود، ونصَارى، ومجوس، وغيرهم من المشركين، حيث قال ﷺ قُبيَل موته: «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب» (٢).\nفطهَّر - ﵁ - جزيرة العرب من المشركين، ولم يترك أحدًا منهم فيها، طبقًا لأمر رسول الله ﷺ.\n_________\n(١) ومن حرصه على التواضع أنه كان يدرب نفسه عليه، ولذلك إذا أنكر نفسه أدبها وجازاها وخاطبها يخوفها بالله، فعن أنس - ﵁ - قال كنت مع عمر، فدخل حائطًا لحاجته فسمعته يقول: - وبيني وبينه جدار الحائط -: \" عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، بخ بخ، والله لتتقين الله يا ابن الخطاب، أو ليعذبنك \".\nوقيل: إنه حمل قربة على عاتقه فقيل له في ذلك، فقال: إن نفسي أعجبتني فأردت أن أذلها وكان يسمع الآية من القرآن فيغشى عليه فيحمل صريعًا إلى منزله، فيعاد أياما ليس به مرض إلا الخوف من الله - ﷿ -. انظر: البداية والنهابة ٧/ ١٣٥. وانظر مواقف له أخرى في: تاريخ الطبري ٢/ ٥٦٧، ٥٦٨، والكامل في التاريخ لابن الأثير ٣/ ٣٠، ومناقب عمر بن الخطاب لابن الجوزي ص ٦٩، والبداية والنهاية ٣/ ١٣٥، وحياة الصحابة للعلامة الكاندهلوي ٢/ ٩٧.\n(٢) البخاري مع الفتح، كتاب الجزية والموادعة، باب إخراج اليهود من جزيرة العرب ٦/ ٢٧١.","vol":"1","page":229},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-75>المطلب الثالث\nمواقف عثمان بن عفان ﵁</span>\nلعثمان - ﵁ - مواقف حكيمة كثيرة، منها على سبيل المثال لا الحصر ما يأتي:\n\n١ -<span data-type=\"title\" id=toc-76> إنفاقه الأموال العظيمة الكثيرة في سبيل الله تعالى</span>\nكان عثمان ﵁ - من الأغنياء الذين أغناهم الله - ﷿ -، وكان صاحب تجارة وأموال طائلة؛ ولكنه استخدم هذه الأموال في طاعة الله - ﷿ -، ابتغاء مرضاته وما عنده، وصار سبّاقًا لكل خير، ينفق ولا يخشى الفقر.\nومما أنفقه - ﵁ - من نفقاته الكثيرة على سبيل المثال ما يأتي:\n(أ) عندما قدم النبي ﷺ المدينة المنورة وجد أن الماء العذب قليل، وليس بالمدينة ما يستعذب غير بئر رومة، فقال رسول الله ﷺ: «من يشتري بئر رومة فيجعل دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة» (١).\nوقال ﷺ: «من حفر بئر رومة فله الجنة» (٢) وقد كانت رومة قبل قدوم النبي ﷺ المدينة لا يشرب منها أحد إلا بثمن، فلما قدم المهاجرون المدينة استنكروا الماء، وكانت لرجل من بني غفار عين يقال لها رومة، وكان يبيع منها القربة بمد، فقال له النبي ﷺ: «تبيعنيها بعين في الجنة؟ \" فقال: يا رسول الله! ليس لي ولا لعيالي غيرها، فبلغ ذلك عثمان - ﵁ - فاشتراها بخمسة وثلاثين ألف درهم،\n_________\n(١) النسائي في كتاب الوصايا، باب وقف المساجد ٦/ ٢٣٥، وانظر: صحيح النسائي ٢/ ٧٦٦، وأخرجه الترمذي في المناقب، باب مناقب عثمان ﵁ ٥/ ٦٢٧، وانظر: صحيح الترمذي ٣/ ٢٠٩، وتحفة الأحوذي ١٠/ ١٩٦، وفتح الباري ٧/ ٥٤.\n(٢) البخاري مع الفتح، كتاب الوصايا، باب إذا وقف أرضًا أو بئرًا، ٥/ ٤٠٧، ٧/ ٥٢، ٨/ ١١١، وانظر: تاريخ الخلفاء للسيوطي ص ١٥١.","vol":"1","page":230},{"text":"ثم أتى النبي ﷺ فقال: أتجعل لي فيها ما جعلت له؟ قال: \" نعم \"، قال: قد جعلتها للمسلمين» (١).\nوقيل: كانت رومة ركية ليهودي يبيع المسلمين ماءها، فاشتراها عثمان بن عفان من اليهودي بعشرين ألف درهم، فجعلها للغني والفقير وابن السبيل (٢).\n(ب) بعد أن بنى رسول الله ﷺ مسجده في المدينة فصار المسلمون يجتمعون فيه ليصلوا الصلوات الخمس، ويحضروا خطب النبي ﷺ التي يُصدر إليهم فيها أوامره ونواهيه، ويتعلمون في المسجد أمور دينهم، وينطلقون منه إلى الغزوات ثم يعودون بعدها، ولذلك ضاق المسجد بالناس، فرغب النبي ﷺ من بعض الصحابة أن يشتري بقعة بجانب المسجد، لكي تزاد في المسجد حتى يتسع لأهله، فقال ﷺ: «من يشتري بقعة آل فلان فيزيدها في المسجد بخير له منها في الجنة؟»، فاشتراها عثمان بن عفان - ﵁ - من صلب ماله (٣).\nبخمسة وعشرين ألف درهم، أو بعشرين ألفًا، ثم أضيفت للمسجد (٤).\nووسع على المسلمين ﵁ وأرضاه (٥).\n(جـ) عندما أراد رسول الله ﷺ الرحيل إلى غزوة تبوك حثّ الصحابة الأغنياء على البذل لتجهيز جيش العسرة الذي أعده رسول الله ﷺ لغزو\n_________\n(١) ذكره ابن حجر في فتح الباري ٥/ ٤٠٧، وعزاه بسنده إلى البغوي في الصحابة، وانظر: تحفة الأحوذي بشرح سنن الترمذي ١٠/ ١٩٦.\n(٢) انظر: تحفة الأحوذي بشرح سنن الترمذي ١٠/ ١٩٠، وأعلام المسلمين لخالد البيطار ٣/ ٣٩، وفتح الباري ٥/ ٤٠٨.\n(٣) الترمذي، كتاب المناقب، باب مناقب عثمان ﵁ ٥/ ٦٢٧، وانظر: صحيح الترمذي ٣/ ٢٠٩، وأخرجه النسائي، كتاب الوصايا، باب وقف المساجد ٦/ ٢٣٥.\n(٤) النسائي، كتاب الوصايا، باب وقف المساجد ٦/ ٢٣٤، وانظر: صحيح النسائي ٢/ ٧٦٦.\n(٥) انظر: فتح الباري ٥/ ٤٠٨، وأعلام المسلمين لخالد البيطار ٣/ ٤١.","vol":"1","page":231},{"text":"الروم، فأنفق أهل الأموال من صحابة رسول الله ﷺ كل على حسب طاقته وجهده.\nأما عثمان بن عفان فقد أنفق نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها، فقد ثبت أنه أنفق في هذه الغزوة ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها، وجاء بألف دينار فنثرها في حجر النبي ﷺ فأخذ النبي ﷺ، يُقلّبها في حجره ويقول: «ما ضرّ عثمان ما عمل بعد هذا اليوم» قالها مرارًا (١).\nوهذه نفقة عظيمة جدًّا تدلّ على صدق عثمان وقوة إيمانه، ورغبته فيما عند الله - تعالى -، وإيثار الآخرة على الدنيا، - فرضي الله عنه وأرضاه -، فقد حصل على الثواب العظيم والجزاء الذي ليس بعده جزاء. «من جهز جيش العسرة فله الجنة» (٢).\n\n٢ -<span data-type=\"title\" id=toc-77> موقفه العظيم في جمع الأمة على قراءة واحدة</span>، وحسم الاختلاف:\nكان من أعظم مواقف الحكمة التي وقفها عثمان جمع شمل أمة محمد ﷺ على قراءة واحدة، فقد كان من مناقبه الكبار، وحسناته العظيمة، أنه جمع الناس على قراءة واحدة، وكتب المصحف على العرضة الأخيرة التي درسها جبريل على رسول الله ﷺ في آخر سني حياته، وكان سبب ذلك أن حذيفة بن اليمان كان في غزوة أهل الشام في فتح أرمينية، وأذربيجان، مع أهل العراق، وقد اجتمع في هذه الغزوة خلق من أهل الشام، ممن يقرأ على\n_________\n(١) الترمذي، في كتاب المناقب، باب مناقب عثمان ﵁ ٥/ ٦٢٦، والحاكم - واللفظ له - وصححه ووافقه الذهبي ٣/ ١٠٢، وانظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري ٧/ ٥٤، ٥/ ٤٥٨، ٨/ ١١١، وسيرة ابن هشام ٤/ ١٧٢، والبداية والنهابة ٥/ ٤، ٧/ ٢٠١، وتاريخ الخلفاء للسيوطي ص ١٥١، وحياة الصحابة ٢/ ٢٦٤، ٢٦٥، وانظر: صحيح الترمذي ٣/ ٢٠٨، ٢١٠، والتاريخ الإِسلامي لمحمود شاكر ٣/ ٢٢٣، ٢/ ٣٥٣.\n(٢) البخاري مع الفتح، كتاب الوصايا، باب إذا وقف أرضًا أو بئرًا، ٥/ ٤٠٧، وتقدم تخريجه، وانظر البداية والنهاية ٧/ ٢٠١.","vol":"1","page":232},{"text":"قراءة المقداد بن الأسود، وأبي الدرداء، وأُبي بن كعب، وجماعة من أهل العراق ممن يقرأ على عبد الله بن مسعود، وأبي موسى، وجعل من لا يعلم بجواز القراءة على سبعة أحرف يفضل قراءته على قراءة غيره، وربما خَطَّأ الآخر أو كَفّره، فأدّى ذلك إلى اختلاف شديد وانتشار في الكلام السيئ بين الناس، فركب حذيفة إلى عثمان وقد أفزعه اختلافهم في القراءة، فقال: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى في كتبهم، وذكر له ما شاهد من اختلاف الناس في القراءة، فعند ذلك جمع عثمان الصحابة وشاورهم في ذلك، ورأى أن يكتب المصحف على حرف واحد، وأن يجمع الناس في سائر الأقاليم على القراءة به دون ما سواه، لما رأى في ذلك من مصلحة كفّ المنازعة، ودفع الاختلاف، فأرسل عثمان إلى حفصة - ﵂ - يستدعي بالصحف التي كان الصديق أمر زيد بن ثابت بجمعها، فكانت عند الصديق أيام حياته، ثم كانت عند عمر، فلما توفي صارت إلى حفصة أم المؤمنين.\nوعندما جاءت الصحف أمر عثمان زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن ينسخوها في المصاحف، وأمرهم إذا اختلفوا في شيء أن يكتبوه بلغة قريش، ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق من الآفاق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق (١).\n_________\n(١) انظر: البخاري مع الفتح، كتاب فضائل القرآن، باب جمع القرآن، ٩/ ١٠، ١١، وكتاب التفسير، باب لقد جاءكم رسول من أنفسكم، ٨/ ٣٤٤، والبداية والنهاية ٧/ ٢١٧، وتاريخ الخلفاء للسيوطي ص ٧٧.","vol":"1","page":233},{"text":"وكانت المصاحف الأئمة سبعة كالتالي:\nأرسلِ مصحفً إلى مكة، ومصحفًا إلى الشام، ومصحفًا إلى اليمن، ومصحفَا إلى البحرين، ومصحفًا إلى البصرة، ومصحفًا إلى الكوفة، وأقر بالمدينة مصحفًا، وهذه المصاحف كلها بخط زيد بن ثابت، وإنما يقال لها المصاحف العثمانية نسبة إلى أمر عثمان وزمانه وإمارته، وحرق ما سوى هذه المصاحف مما بأيدي الناس مما يخالف هذه المصاحف السبعة، وأجمع الصحابة على ذلك عند الشورى بالرسم، وعند التلقي فاجتمع شمل الأمة على هذه المصاحف ولله الحمد والمنة (١).\nفحصل الاجتماع والائتلاف، وزال الاختلاف والفرقة، واجتمعت القلوب بفضل الله - تعالى -، ثم بفضل حكمة عثمان ﵁ وأرضاه.\n_________\n(١) انظر: البداية والنهاية لابن كثير ٧/ ٢١٧، وفتح الباري ٩/ ٢٠. والفرق بين جمع أبي بكر، وجمع عثمان، أن جمع أبي بكر كان لخشية أن يذهب من القرآن شيء، بذهاب حَمَلَتِهِ؛ لأنه لم يكن مجموعًا في موضع واحد، فجمعه في صحائف مرتبًا لآيات سوره على ما وقفهم عليه النبي ﷺ، وجمع عثمان كان لما كثر الاختلاف في وجوه القرآن حين قرءوه بلغاتهم على اتساع اللغات، فأدى ذلك ببعضهم إلى تخطئة بعض، فخشي من الفتنة والهلاك، فنسخ تلك الصحف في مصحف واحد. انظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري ٩/ ٢١، وتاريخ الخلفاء للإِمام جلال الدين السيوطي ص ٧٧.","vol":"1","page":234},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>المطلب الرابع\nمواقف علي بن أبي طالب ﵁ </span>علي بن أبي طالب - ﵁ - ابن عم النبي ﷺ، هو أول من أسلم من الصبيان، كما أن أبا بكر أول من أسلم من الرجال، وخديجة أول من أسلم من النساء، وزيد بن حارثة أول من أسلم من الموالي، فكان علي - ﵁ - من السابقين الأولين إلى الإِسلام، وله مواقف كثيرة مُشرِّفة يعتز بها كل مسلم، ويرتفع رأسه بذلك، ولا يتسع المقام لذكرها، وسأقتصر على أربعة مواقف من مواقفه - ﵁ - البطولية الحكيمة، التي وقفها - ﵁ - ابتغاء مرضاة الله - تعالى - والدار الآخرة، وهذه المواقف كالتالي (١).\n١ -<span data-type=\"title\" id=toc-79> موقفه ﵁ في تقديم نفسه فداء للنبي ﷺ ودعوته:</span>\nعندما اجتمع قريش في دار الندوة، وأجمعوا على قتل النبي ﷺ والتخلص منه، أعلم الله نبيه ﷺ بذلك، وكان النبي ﷺ أعلم خلق الله، فأراد أن يبقى من أراد قتله ينظر إلى فراشه ينتظرونه يخرج عليهم، فأمر علي بن أبي طالب الشاب البطل أن ينام في فراشه تلك الليلة، ومن يجرؤ على البقاء في فراش رسول الله ﷺ والأعداء قد أحاطوا بالبيت يتربّصون به ليقتلوه؟ من يفعل هذا ويستطيع البقاء في هذا البيت وهو يعلم أن الأعداء لا يُفرِّقون بينه وبين رسول الله ﷺ في مضجعه؟ إنه لا يفعل ذلك إلا أبطال الرجال وشجعانهم بفضل الله - تعالى -، فرضي الله عن علي وأرضاه.\nوقد أمره النبي ﷺ أن يُقيم بمكة أيامًا حتى يؤدي أمانة الودائع والوصايا التي كانت عنده إلى أصحابها من أعدائه كاملة غير منقوصة، وهذا من أعظم العدل، وأداء الأمانة (٢).\n_________\n(١) انظر: البداية والنهاية لابن كثير ٧/ ٢٢٣.\n(٢) انظر: تاريخ الخلفاء للسيوطي ص ١٦٦.","vol":"1","page":235},{"text":"٢ -<span data-type=\"title\" id=toc-80> موقفه في بدر مع رؤوس الكفر:</span>\nعندما تراجع غزوات النبي ﷺ الكبيرة يوجد ذكر علي بن أبي طالب مقرونًا بها، فتارة يحمل اللواء، وتارة يفرق جموع الأعداء، وتارة يفتح الحصون المستعصية ويهدم الأصنام، فهو بطل معلم.\nعندما تواجه الجيشان في معركة بدر الكبرى، والتقى الفريقان، وحضر الخصمان بين يدي الرحمن، واستغاث بربه سيد الأنبياء، وضج الصحابة بصنوف الدعاء إلى رب الأرض والسماء، وكاشف البلاء، وقبل اشتباك المعركة والتحامها خرج من جيش المشركين عتبة بن ربيعة - يريد أن يظهر شجاعته - فبرز بين أخيه شيبة وابنه الوليد، فلما توسطوا بين الصّفين دعوا إلى البراز، فخرج إليهم ثلاثة من الأنصار: عوف بن الحارث، ومعوذ بن الحارث - ابنا عفراء - وعبد الله بن رواحة، فقالوا: من أنتم؟ فقالوا: رهط من الأنصار، فقالوا: ما لنا بكم من حاجة، ونادى مناديهم: يا محمد، أَخرج إلينا أكفاءنا من قومنا، فقيل: قم يا عبيدة بن الحارث، وقم يا حمزة، وقم يا علي، فلما دنوا منهم، قالوا: من أنتم؟ فقال عبيدة: عبيدة، وقال حمزة: حمزة، وقال علي: علي. قالوا أكفاء كرام، فبارز عبيدة - وكان أسن القوم - عتبة، وبارز حمزة شيبة، وبارز علي الوليد بن عتبة.\nفقتل علي الوليد فورًا، وقتل حمزة شيبة في الحال، واختلف عبيدة وعتبة بينهما بضربتين كلاهما أثبت صاحبه، فَكَرَّ حمزة وعلي بأسيافهما على عتبة فأكملا قتله، واحتملا صاحبهما فحازاه إلى أصحابهما - ﵃ -. وكان ذلك - بإذن الله تعالى - بداية النصر وتشجيع المسلمين، وخذلان ورعب في قلوب المشركين (١).\n_________\n(١) انظر: البداية والنهاية لابن كثير ٣/ ٢٧٢، ٢٧٣ بتصرف، وفتح الباري ٧/ ٢٩٩، وزاد المعاد لابن القيم ٣/ ١٧٩، وقصة المبارزة أخرجها أحمد ١/ ١١٧، وأبو داود ٣/ ٥٢ برقم ٢٦٦٥ في الجهاد، باب المبارزة من حديث علي، وإسناده قوي، وانظر: صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٥٠٧.","vol":"1","page":236},{"text":"روى البخاري عن علي بن أبي طالب - ﵁ - قال: \" أنا أوّل من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة، وقال قيس بن عباد: وفيهم أنزلت ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩] (١).\nقال: هم الذين بارزوا يوم بدر: حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث، وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة \" (٢).\nفرضي الله عن جميع الصحابة وأرضاهم، فإنهم كانوا لا تأخذهم في الله لومة لائم، قال الله - ﷿ -: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣] (٣).\n\n٣ -<span data-type=\"title\" id=toc-81> موقف علي ﵁ في يوم الأحزاب </span>(يوم الخندق):\nفي سنة خمس من الهجرة كانت غزوة الخندق في شهر شوال.\nوكان سبب هذه الغزوة أن جماعة من اليهود خرجوا حتى قدموا على قريش بمكة فدعوهم إلى حرب رسول الله ﷺ، وقالوا: إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله، فتعاهدوا على حرب النبي ﷺ، ثم خرج هؤلاء الجماعة من اليهود حتى جاءوا قبائل غطفان فدعوهم لذلك فأجابوهم ثم طافوا في قبائل العرب فاستجاب لهم من استجاب، ونقضت بنو قريظة العهد امتثالًا لأمر حي بن أخطب عندما حرض كعب بن أسد القرظي على رسول الله ﷺ، ولما سمع رسول الله ﷺ بهم وبما أجمعوا عليه من الأمر\n_________\n(١) سورة الحج، الآية ١٩. وانظر: البخاري مع الفتح ٧/ ٩٦.\n(٢) البخاري مع الفتح، في كتاب المغازي، باب قتل أبي جهل ٧/ ٢٩٦، ٢٩٧، وفي كتاب التفسير، باب هذان خصمان اختصموا في ربهم ٩/ ٤٤٣، وانظر أيضًا: البداية والنهاية ٣/ ٢٧٣، وأعلام المسلمين لخالد البيطار ص ٦٢.\n(٣) سورة الأحزاب، الآية ٢٣.","vol":"1","page":237},{"text":"ضرب الخندق على المدينة بمشورة سلمان الفارسي فحفروا الخندق بينهم وبين العدو، وجعلوا جبل سلع من خلف ظهورهم، وقد صار المحاربون لرسول الله ﷺ خمسة أصناف هم: المشركون من أهل مكة، والمشركون من قبائل العرب، واليهود من خارج المدينة، وبنو قريظة، والمنافقون، وكان من وافى الخندق من الكفار عشرة آلاف، والمسلمون مع النبي ﷺ ثلاثة آلاف، وقد حاصروا النبي ﷺ شهرًا، ولم يكن بينهم قتال، لأجل ما حال الله به من الخندق بينهم وبين المسلمين، إلا أن فوارس من قريش، منهم عمرو بن عبد وُدٍّ العامري أقبلوا فجالت بهم خيولهم، فنظروا إلى مكان ضيق من الخندق فاقتحموه، ثم جالت بهم خيولهم في السبخة بين الخندق وسلع، ودعوا إلى البراز (١).\nوهذا هو موضع الشاهد لموقف علي بن أبي طالب - ﵁ -:\nقال عمرو بن عبد ودّ في هذا الموقف: من يُبارز؟ فقام علي بن أبي طالب، فقال: أنا لها يا رسول الله! فقال: \" إنه عمرو، اجلس \"، ثم نادى عمرو: ألا رجل يبرز؟ فجعل يؤنّبهم، ويقول: أين جنتكم التي تزعمون أنه من قتل منكم دخلها؟ أفلا تبرزون إلي رجلًا؟ فقام علي، فقال: أنا يا رسول الله! فقال: \" اجلس \" ثم نادى الثالثة. . . فقام علي - ﵁ -، فقال: يا رسول الله أنا، فقال: \" إنه عمرو \"، فقال: وإن كان عمرًا! فأذن له رسول الله ﷺ، فمشى إليه علي حتى أتى إليه، فقال له عمرو: من أنت؟ قال: أنا علي. قال: ابن عبد مناف؟ قال: أنا علي بن أبي طالب، وقال علي: يا عمرو، إنك قد كنت عاهدت الله ألا يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خلتين إلا أخذتها منه، قال له: أجل، قال علي: فإني أدعوك إلى الله وإلى رسوله وإلى الإِسلام، قال: لا حاجة لي\n_________\n(١) انظر: زاد المعاد ٣/ ٢٦٩ - ٢٧٦، وسيرة ابن هشام ٣/ ٢٢٩ - ٢٥٢، والبداية والنهاية ٤/ ٩٢ - ١١٦.","vol":"1","page":238},{"text":"بذلك، قال: فإني أدعوك إلى النّزال، فقال له: لم يا ابن أخي؟ فوالله ما أحبّ أن أقتلك. قال له علي: ولكني والله أحب أن أقتلك، فغضب عمرو عند ذلك فاقتحم عن فرسه فعقره وضرب وجهه، ثم أقبل على علي وسل سيفه كأنه شعلة نار، فاستقبله علي بالترس، فشق السيف الترس، فضربه علي على حبل عاتقه، فسقط وثار الغبار، وسمع المسلمون التكبير، فعرفوا أن عليًّا قتله.\nوقال علي ﵁:\nنصر الحجارة من سفاهة رأيه ... ونصرت رب محمد بصوابي\nفصدرت حين تركته متجدلًا ... كالجذع بين دكادك وروابي\nوبعد هذه المبارزة انهزم الباقون، وخرجت خيولهم حتى اقتحمت الخندق (١).\nوهكذا ظهرت الشجاعة العظيمة الحكيمة، ومن عظم هذه الحكمة أن علي بن أبي طالب - ﵁ - دعا عمرًا إلى الله فأبى ذلك، فدعاه إلى النزال فنزل، فقتله ﵁، فكان ذلك من أسباب نصر المسلمين بإذن الله تعالى (٢).\nفظهرت حكمة علي - ﵁ - في هذا الموقف من عدّة وجوه، منها:\n(أ) استئذانه النبي ﷺ في المبارزة.\n(ب) تذكيره لعمرو بن عبد ودّ ما عاهد عليه الله من قبول ما يعرض عليه من الخصال من قريش.\n_________\n(١) انظر: البداية والنهاية ٤/ ١٠٦، وسيرة ابن هشام ٣/ ٢٤٠، وزاد المعاد ٣/ ٢٧٢، وانظر أيضًا شجاعة علي - ﵁ - في حياة الصحابة للعلامة الكاندهلوي ١/ ٥٤١ - ٥٤٦.\n(٢) انظر: غزوة الخندق كاملة في زاد المعاد ٣/ ٢٦٩ - ٢٧٦، وسيرة ابن هشام ٣/ ٢٢٩ - ٢٥٢، والبداية والنهاية ٤/ ٩٢ - ١١٦.","vol":"1","page":239},{"text":"(جـ) وعند إقرار عمرو بما عاهد اتخذ علي ذلك مدخلًا، فقال: إني أدعوك إلى الله وإلى رسوله وإلى الإِسلام.\n(د) وعندما \" امتنع من قبول هذه الدعوة دعاه إلى النزال، فلم ينزل فاستفزه ليغضبه، فلما نزل قتله ﵁، فانهزم المشركون بفضل الله، ثم بدخول الرعب في قلوبهم بهذا الموقف الحكيم.\n\n٤ -<span data-type=\"title\" id=toc-82> موقف علي ﵁ في غزوة خيبر:</span>\nفي السنة السابعة للهجرة سار رسول الله ﷺ إلى خيبر، وكان إذا أتى قومًا بليل لم يقربهم حتى يُصبح، فلما أصبح صبح خيبر بكرة، فخرج أهلها بمساحيهم ومكاتلهم، فلما رأوا رسول الله ﷺ قالوا: محمد والله، محمد والخميس، فقال رسول الله ﷺ: «الله أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين» (١).\nوعندما رأى أهل خيبر الجيش رجعوا هاربين إلى حصونهم، وخرج ملكهم مَرْحَب يرفع سيفه مرة ويضعه أخرى، ويقول:\nقد علمت خيبر أني مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب\nإذا الحروب أقبلت تلهب\nفبرز له عامر بن الأكوع، فقال:\nقد علمت خيبر أني عامر ... شاكي السلاح بطل مغامر\nفاختلفا ضربتين فوقع سيف مرحب في ترس عامر، وذهب عامر يضربه من أسفله، فرجع سيفه على نفسه فمات شهيدًا (٢).\n_________\n(١) البخاري مع الفتح، المغازي، باب غزوة خيبر ٧/ ٤٦٧، ومسلم، كتاب الجهاد والسير، باب غزوة خيبر ٣/ ١٤٢٧، وانظر: زاد المعاد لابن القيم ٣/ ٣١٦.\n(٢) انظر: صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب غزوة ذي قرد وغيرها، من حديث سلمة بن الأكوع ٣/ ١٤٤٠، ١٤٤١، وزاد المعاد لابن القيم ٣/ ٣١٩.","vol":"1","page":240},{"text":"ثم قال رسول الله ﷺ يوم خيبر: «لأعطين هذه الراية غدًا رجلًا يفتح الله على يديه، يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله»، فبات الناس يدوكون (١) ليلتهم أيهم يُعطاها، فلما أصبحَ الناسُ غدوا على رسول الله ﷺ كلهم يرجو أن يعطاها، فقال: «أين علي بن أبي طالب؟ \" قيل: هو يا رسول الله يشتكي عينيه، قال: \" فأرسلوا إليه \"، فأُتِي به فبصق رسول الله ﷺ في عينيه، ودعا له، فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فقال علي: يا رسول الله! أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال: \" انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإِسلامِ، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من أن يكون لك حمر النعم» (٢).\nوبدأ علي - ﵁ - وأخذ الراية، وخرج مرحب فقال:\nقد علمت خيبر أني مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب\nإذا الحروب أقبلت تلهب\nفقال علي:\nأنا الذي سمتني أمي حيدره (٣) ... كليث غابات كريه المنظره\nأوفيهم بالصاع كيل السندره (٤)\n_________\n(١) يدوكون: أي يخوضون ويتحدثون في ذلك. انظر: يشرح النووي ١٢/ ١٧٨.\n(٢) البخاري مع الفتح، في كتاب المغازي، باب غزوة خيبر ٧/ ٤٧٦، وكتاب فضائل الصحابة، باب مناقب علي ٧/ ٧٠، ومسلم في فضائل الصحابة، باب من فضائل علي ٤/ ١٨٧١، ٣/ ١٤٤١.\n(٣) حيدرة: اسم للأسد، وكان علي - ﵁ - قد سمي أسدًا في أول ولادته، وكان مرحب قد رأى في المنام أن أسدًا يقتله، فذكره علي بذلك ليخيفه ويضعف نفسه. شرح النووي على صحيح مسلم ١٢/ ١٨٥.\n(٤) معناه: أفتل الأعداء قتلًا واسعًا ذريعًا، وقيل: السندرة: مكيال واسع. انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ١٢/ ١٨٥.","vol":"1","page":241},{"text":"فضرب رأس مرحب فقتله، ثم كان الفتح على يديه (١).\nفرضي الله عن علي وأرضاه، فقد قام بهذه البطولة النادرة بعد حصار النبي ﷺ لأهل خيبر قريبًا من عشرين يومًا، ثم يسّر الله فتحها على يد علي - ﵁ -، فخرج الناس من حصونهم يسعون في السكك، فقتل النبي ﷺ المقاتلة، وسبى الذّرية، وكان في السبي صفية، ثم صارت إلى النبي ﷺ فأعتقها، وجعل عتقها صداقها، فأصبحت أُمًّا للمؤمنين (٢) وعلي - ﵁ - له مواقف أخرى كثيرة، تظهر فيها الحكمة العظيمة، ولكن المقامَ لا يتّسع إلا لما ذكر من المواقف السابقة، وهكذا يفعل من يرجو الله واليوم والآخر، فإن الإِنسان إذا كان همّه لله، وقلبه معلّق بالله، عمل كل ما يحبّه مولاه ﵎.\nوقد ظهرت حكمة علي - ﵁ - في هذا الموقف من عدّة وجوه، منها:\n(أ) قوله: \" أُقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ \"؛ فإنه - ﵁ - استفسر من النبي ﷺ قبل القتال، إلى أي مدى يستمر القتال، وهذا من أعظم الحكمة؛ لأن الداعية لا بد له من وضوح الهدف والغاية، وأن يكون على بصيرة من أمره.\n(ب) وقوله: \" أنا الذي سمتني أمي حيدرة \"، وهذا فيه تذكير لمرحب؛ لأنه قد رأى في المنام أن أسدًا يقتله، فذكّره علي - ﵁ - بذلك\n_________\n(١) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الجهاد والسير، باب غزوة ذي قرد وغيرها مطولا ٣/ ١٤٤١، وانظر: زاد المعاد ٣/ ٣٢١، وحياة الصحابة ١/ ٥٤٤.\n(٢) انظر: البخاري مع الفتح، كتاب المغازي، باب غزوة خيبر ٧/ ٤٦٩، وانظر: البداية والنهاية ٤/ ١٨١، ١٩١، وابن هشام ٣/ ٣٧٨ - ٣٨٨، وانظر: ترجمة علي بن أب طالب - ﵁ - كاملة في الإصابة في تمييز الصحابة ٢/ ٥٠٧ - ٥١٠، والبداية والنهاية ٧/ ٢٢٢ - ٢٢٤، وانظر: شجاعة علي أيضًا في حياة الصحابة للكاندهلوي ١/ ٥٤١ - ٥٤٦.","vol":"1","page":242},{"text":"ليخيفه ويضعف نفسه، حتى يستولي على قتله.\n(ج) وقوله: \" أوفيهم بالصاع كيل السندرة \"، هذا فيه إرهاب وإخبار لمرحب أن علي بن أبي طالب يقتل الأعداء قتلًا واسعًا ذريعًا.\n(د) ثم ختم هذه الحكم بقتل مرحب، فهزم الله به الأعداء، ونصر المسلمين عليهم نصرًا مُؤزّرًا، فله الحمد أولًا وآخرًا.","vol":"1","page":243},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-83>المطلب الخامس\nمواقف مصعب بن عمير - ﵁ </span>-\nبعد بيعة العقبة الأولى في سنة إحدى عشرة من البعثة أرسل رسول الله ﷺ مع هؤلاء المبايعين أول داعية وأول سفير في يثرب، ليعلم المسلمين فيها شرائع الإِسلام، ويفقههم في الدين، وليقوم بنشر الإِسلام بين المشركين. واختار رسول الله ﷺ لهذا العمل العظيم مصعب بن عمير العبدري ﵁.\nوعندما وصل مصعب إلى يثرب نزل على أسعد بن زرارة، ابن خالة سعد بن معاذ، وأخذ مصعب يؤدي مهمته في الدعوة إلى الله تعالى.\nومن أروع ما يُروَى من نجاحه وحكمته في الدعوة أن أسعد بن زرارة خرج به يومًا إلى دار بني عبد الأشهل ودار بني ظفر، فدخل به حائط بني ظفر على بئر يقال لها: بئر مرق، فجلسا في الحائط، واجتمع إليهما رجال ممن أسلم، فسمع بهما أسيد بن حضير، وسعد بن معاذ، وهما يومئذ سيدا بني عبد الأشهل، وكانا مشركين، فقال سعد لأسيد: اذهب إلى هذين الرجلين اللذين قد أتيا دارينا، ليسفها ضعفاءنا فازجرهما، وانههما عن أن يأتيا دارينا، فإن أسعد بن زرارة ابن خالتي، ولولا ذلك لكفيتك هذا.\nفأخذ أسيد حربته، وأقبل إليهما، فلما رآه أسعد قال لمصعب: هذا سيد قومه قد جاءك فاصدق الله فيه، فقال مصعب: إن يجلس أكلّمه.\nوجاء أسيد فوقف عليهما مُتَشَتِّمًا، فقال: ما جاء بكما إلينا، تُسفهان ضعفاءنا؟ اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة. فقال له مصعب: أو تجلس فتسمع، فإن رضيت أمرًا قبلته، وإن كرهته كُفّ عنك ما تكره؛ فقال: أنصفت، ثم ركز حربته، وجلس إليهما.\nفكلمه مصعب بالإِسلام، وقرأ عليه القرآن، فقالا: والله لعرفنا في","vol":"1","page":244},{"text":"وجهه الإِسلام قبل أن يتكلّم، في إشراقه وتسهله، ثم قال: ما أحسن هذا الكلام وأجمله! كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا هذا الدين؟ قالا له: تغتسل، وتُطهّر ثيابك، ثم تشهد شهادة الحق، ثم تُصلي، فقام واغتسل وطهّر ثوبيه، وتشهد شهادة الحق، ثم قام فركع ركعتين، ثم قال لهما: إن ورائي رجلًا إن يتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه، وسأرسله إليكما الآن، وهو سعد بن معاذ.\nثم أخذ حربته وانصرف إلى سعد وقومه وهم في ناديهم، فلما نظر إليه سعد بن معاذ مقبلًا قال: أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم، فلما وقف على النادي قال له سعد: ما فعلت؟ قال: كلمت الرجلين، فوالله ما رأيت بهما بأسًا، وقد نهيتهما فقالا: نفعل ما أحببت، واحتال أسيد على سعد من أجل أن يذهب إلى مصعب، لكي يحدث له ما حدث له، فقام سعد بن معاذ مغضبًا وأخذ الحربة، فلما رآهما مطمئنين عرف أن أسيدًا إنما أراد أن يسمع منهما، فوقف متشتمًا لهما، ثم قال لأسعد بن زرارة: يا أبا أمامة، والله لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا مني، أتغشانا في دارنا بما نكره؟ وقد قال أسعد بن زرارة لمصعب: جاءك والله سيد من وراءه من قومه، إن يتبعك ما تخلّف عنك منهم اثنان.\nقال مصعب لسعد: أو تقعد فتسمع، فإن رضيت أمرًا ورغبت فيه قبلته، وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره، قال سعد: أنصفت. ثم ركز الحربة وجلس، فعرض عليه الإِسلام، وقرأ عليه القرآن. قالا: فعرفنا والله في وجهه الإِسلام قبل أن يتكلم؛ لإِشراقه وتَسهله، ثم قال لهما: كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم ودخلتم في هذا الدين؟ قالا: تغتسل وتطهر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلي ركعتين، فقام واغتسل وطهر ثوبيه، وشهد شهادة الحق، ثم ركع ركعتين، ثم أخذ حربته فأقبل عائدًا","vol":"1","page":245},{"text":"إلى نادي قومه ومعه أسيد بن حضير، فلما رآه قومه مقبلًا قالوا: نحلف بالله لقد رجع إليكم سعد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم، فلما وقف عليهم قال: يا بني عبد الأشهل، كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيّدنا وأفضلنا رأيًا، وأيمننا نقيبة. قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله. قالوا: فوالله ما أمسى في دار بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلمًا أو مسلمة.\nورجع مصعب إلى منزل أسعد بن زرارة، فأقام عنده يدعو الناس إلى الإِسلام حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون، إلا ما كان من دار بني أمية، وخطمة، ووائل، وواقف، وهم من الأوس بن حارثة، فإنهم أطاعوا أبا قيس الشاعر، وهو ابن الأسلت، واسمه صيفي، فوقف بهم عن الإِسلام حتى كان بعد الخندق (١).\nوهذه الاستجابة العظيمة بفضل الله ثم بفضل مصعب بن عمير - ﵁ -، فقد ضُرِبَ به المثل في حكمته وحُسن دعوته وصبره وحلمه ورفقه وأناته عند سماع التهديد من قبل أسيد وسعد - ﵃ -، فأثر هذا الموقف الحكيم عليهما وأسلما، وأسلم - بفضل الله ثم بإسلامهما - هذا الجمع الغفير في يوم واحد، فرضي الله عن مصعب، ورضي عن صاحبه أسعد، فقد أنقذ الله بهما مدينة كاملة، ولله الحمد والمنة.\n_________\n(١) انظر: البداية والنهاية لابن كثير ٣/ ١٥٢، وسيرة ابن هشام ٢/ ٤٣، والرحيق المختوم ص ١٤٠، وهذا الحبيب يا محب ص ١٤٥، وانظر: الإِصابة في تمييز الصحابة ٣/ ٤٢١، وسير أعلام النبلاء للذهبي ١/ ١٤٥، وحياة الصحابة للعلامة الكاندهلوي ١/ ١٨٧ - ١٨٩.","vol":"1","page":246},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-84>المطلب السادس\nموقف ضمام بن ثعلبة مع قبيلة بني سعد</span>\nبعث بنو سعد ضمام بن ثعلبة وافدًا إلى رسول الله ﷺ فقدم المدينة، وأناخ بعيره على باب المسجد ثم عقله، ثم دخل المسجد ورسول الله ﷺ جالس في أصحابه، وكان ضمام جلدًا، فأقبل حتى وقف على رسول الله ﷺ في أصحابه، فقال: «أيكم محمد؟ فقال الصحابة: هذا الرجل الأبيض المتكئ، فقال له الرجل: ابن عبد المطلب، فقال النبي ﷺ \" قد أجبتك \"، فقال الرجل للنبي ﷺ: إني سائلك فمُشدّد عليك في المسألة، فلا تجد علي في نفسك. فقال: \" سل عما بدا لك \". فقال: يا محمد، أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك؟ قال: \" صدق \". قال: فمن خلق السماء؟ قال: \" الله \". قال: فمن خلق الأرض؟ قال: \" الله \". قال: فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل؟ قال: \" الله \". قال: فبالذي خلق السماء، وخلق الأرض، ونصب هذه الجبال، آلله أرسلك؟ قال: \" نعم \". قال: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا؟ قال: \" صدق \". قال: فبالذي أرسلك، آلله أمرك بهذا؟ قال: \" نعم \". قال: وزعم رسولك أن علينا زكاة في أموالنا. قال: \" صدق \". قال: فبالذي أرسلك، آلله أمرك بهذا؟ قال: \" نعم \". قال: وزعم رسولك أن علينا صوم شهر رمضان في سنتنا. قال: \" صدق \". قال: فبالذي أرسلك، آلله أمرك بهذا؟ قال: \" نعم \". قال: وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلًا. قال: \" صدق \". قال: فبالذي أرسلك، آلله أمرك بهذا؟ قال: \" نعم \". ثم ولّى، وقال: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن ولا أنقص عنهن، فقال النبي ﷺ: \" لئن صدق ليدخلن الجنة» (١).\n_________\n(١) انظر: البخاري مع الفتح في كتاب العلم، باب ما جاء في العلم ١/ ١٤٨، ومسلم في كتاب الإِيمان، باب السؤال عن أركان الإِسلام ١/ ٤١، وأحمد في المسند ٣/ ١٤٣، ٣/ ١٩٣، والألفاظ من هذه المواضع كلها.","vol":"1","page":247},{"text":"فأتى ضمام بعيره فأطلق عقاله، ثم خرج حتى قدم على قومه فاجتمعوا إليه، فكان أول ما تكلّم به أن قال: بئست اللات والعزى. فقالوا: مه ضمام! اتق البرص، اتق الجذام، اتق الجنون. فقال: ويلكم، إنهما والله لا يضران ولا ينفعان، إن الله قد بعث رسولًا، وأنزل عليه كتابًا استنقذكم به مما كنتم فيه، وإني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وقد جئتكم من عنده بما أمركم به، وما نهاكم عنه. قال الراوي: فوالله ما أمسى من ذلك اليوم وفي حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلمًا، وما سُمِعَ بوافد قوم كان أفضل من ضمام بن ثعلبة (١).\nوهذا يدل على حكمة ضمام بن ثعلبة، فإنه سأل النبي ﷺ أولًا عن صانع المخلوقات من هو؟ ثم أقسم عليه به أن يصدقه في كونه رسولًا لخالق هذه المخلوقات، ثم لما وقف على رسالته وعلمها أقسم عليه بحق مرسله. وهذا ترتيب يحتاج إلى حكمة عظيمة، وعقل رصين، وهو من حسن سؤال هذا الرجل وملاحة سياقه وترتيبه (٢).\nولم يقتصر على هذا، بل جاء بأمر آخر يدل على حكمته وصدقه في قوله، فإنه عرض على قومه الإِسلام، وبين لهم بطلان اللات والعزى، وأنهما لا يضران ولا ينفعان، وغرس الإِيمان في قلوبهم بأن الله هو الضارّ النافع، وأن ما سواه عاجزٌ عن ذلك، وحمل إليهم جميع ما سمع من رسول الله ﷺ، فأسلموا في لحظة واحدة قبل الليل.\nوهذا يدل على حكمة ضمام في دعوته قومه إلى الله - تعالى -، فقد استخدم معهم هذا الموقف الحكيم وهذا الأسلوب الناجح المسدّد، وهذا فضل عظيم لضمام ولمن وفقه الله بالدعوة إلى الله بالحكمة التي من أوتيها فقد أوتي خيرًا كثيرًا.\n_________\n(١) انظر البداية والنهاية ٥/ ٦٠، وسيرة ابن هشام ٤/ ٣٤٢، والإِصابة في تمييز الصحابة ٢/ ٢١٠.\n(٢) انظر: شرح مسلم على النووي ١/ ١٧٠، وفتح الباري ١/ ١٤٩.","vol":"1","page":248},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-85>المطلب السابع\nموقف سعد بن معاذ في حكمه في بني قريظة</span>\nكانت بنو قريظة أشدّ اليهود عداوة لرسول الله ﷺ، وقد نقضوا العهد مع رسول الله ﷺ يوم الأحزاب، وتحزّبوا مع الأحزاب، ونالوا من رسول الله ﷺ بالسبّ ونقض العهد.\nوبعد أن هُزِمَ الأحزاب رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة، قالت عائشة - ﵂ -: فلما رجع رسول الله ﷺ من الخندق وضع السلاح واغتسل، فأتاه جبريل ﵇ - وهو ينفض رأسه من الغبار - فقال: قد وضعت السلاح؛ والله ما وضعته، اخرج إليهم، فقال النبي ﷺ: «فأين؟» فأشار إلى بني قريظة (١).\nفخرج إليهم رسول الله ﷺ وحاصرهم خمسًا وعشرين ليلة، وهم في حصونهم، ثم نزلوا على حكم رسول الله ﷺ، فقامت إليه الأوس، فقالوا: يا رسول الله! قد فعلت في بني قينقاع ما قد علمت، وهم حلفاء إخواننا الخزرج، وهؤلاء موالينا فأحسن فيهم، فقال: «ألا ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم؟» قالوا: بلى. قال: «فذلك إلى سعد بن معاذ». قالوا: قد رضينا. فأرسل إلى سعد بن معاذ (٢) وكان في المدينة لم يخرج معهم لجرح كان قد أُصيب به يوم الخندق، رماه رجل من قريش في الأكحل، فضرب النبي ﷺ له خيمة في المسجد ليعوده من قريب \" (٣).\nوقد قال سعد عندما أصيب بالجرح: \" اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئًا فأبقني لها؛ فإنه لا قوم أحبّ إلي من أن أجاهدهم فيك، آذوا\n_________\n(١) البخاري مع الفتح، كتاب المغازي، باب مرجع النبي ﷺ من الأحزاب ٧/ ٤١١.\n(٢) انظر: زاد المعاد ٣/ ١٣٤.\n(٣) البخاري مع الفتح، كتاب المغازي، باب مرجع النبي ﷺ من الأحزاب ٧/ ٤١١، وانظر ترجمة سعد بن معاذ في سير أعلام النبلاء ١/ ٢٧٩.","vol":"1","page":249},{"text":"نبيك وكذبوه وأخرجوه، اللهم إن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعلها في شهادة، ولا تمتني حتى تقرّ عيني من بني قريظة \" (١).\nووصل من أرسل رسول الله ﷺ إلى سعد، فأُركِبَ على حمار، وجاء إلى رسول الله ﷺ، وجعل بعض الأوس يقول لسعد وهو في طريقه إلى رسول الله ﷺ: يا أبا عمرو، أحسن في مواليك، فإن رسول الله ﷺ إنما ولّاك ذلك لتحسن فيهم، فلما أكثروا عليه قال: لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم. فلما انتهى سعد إلى رسول الله ﷺ والمسلمين، قال رسول الله ﷺ: «قوموا إلى سيدكم» فلما أنزلوه، قالوا: يا سعد، إن هؤلاء قد نزلوا على حكمك، فقال سعد: عليكم بذلك عهد الله وميثاقه إن الحكم فيهم لما حكمت؟ قالوا: نعم. قال: وعلى من هاهنا؟ في الناحية التي فيها رسول الله ﷺ وهو معرض عن رسول الله ﷺ إجْلالًا له. فقال رسول الله ﷺ: «نعم». قال سعد: فإني أحكم فيهم: أن تُقْتَل الرجال، وتُقسم الأموال، وتسبى الذراري والنساء. فقال رسول الله ﷺ: «لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة» (٢).\nفلما حكم فيهم بذلك أمر رسول الله ﷺ بقتل كل من جرت عليه الموسى منهم، ومن لم ينبت ألحق بالذرية (٣) فحفر لهم خنادق في سوق\n_________\n(١) سيرة ابن هشام عن ابن إسحاق، ورجاله ثقات ٣/ ٢٤٤، وأحمد ٦/ ١٤١، وانظر: سير أعلام النبلاء للذهبي ١/ ٢٨٢.\n(٢) سيرة ابن هشام ٣/ ٢٥٩، وفي البخاري مع الفتح في كتاب المغازي - باب مرجع النبي ﷺ من الأحزاب ٧/ ٤١١، قال: \" قضيت فيهم بحكم الله. . . \" ومسلم، كتاب الجهاد والسير، باب جواز قتال من نقض العهد وجواز إنزال أهل الحصن على حكم حاكم عدل أهله للحكم، ٣/ ١٣٨٩.\n(٣) أبو داود، كتاب الحدود، باب الغلام يصيب الحد، ٤/ ١٤١، والترمذي، كتاب السير، باب ما جاء في النزول على الحكم، ٤/ ١٤٥، والنسائي، كتاب الطلاق، باب متى يقع طلاق الصبي، ٦/ ١٥٥، وابن ماجه، كتاب الحدود، باب من لا يجب عليه الحد، ٢/ ٨٤٩، وسنده حسن.","vol":"1","page":250},{"text":"المدينة، وضربت أعناقهم، وكانوا ما بين الستمائة إلى السبعمائة (١).\nوقد سأل الله سعد الشهادة إن كان الله قد وضع الحرب بين النبي ﷺ وبين قريش، وانفجر جرحه - ﵁ - ومات شهيدًا (٢).\nالله أكبر! ما أعظم هذا الرجل وما أحكمه! فقد رَغِبَ في الشهادة، ولكنه سأل الله أن يبقيه إن كان الله لم يضع الحرب بين رسول الله ﷺ وبين قريش، وكذلك سأل الله - ﷿ - أن لا يميته حتى يقرّ عينه من بني قريظة، فاستجاب الله له، وجعله الذي يحكم فيهم بحكمه، وعندما قال له بعض الأوس: أحسن في مواليك يا أبا عمرو، قال كلمته الحكيمة: لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم.\nوصدق - ﵁ -، فقد حكم فيهم بحكم الله - تعالى - فقُتِلُوا، وأمكن الله المسلمين من أموالهم ونسائهم وذراريهم، فكان ذلك فتحًا ونصرًا للمسلمين على أعداء الله ورسوله، فرضي الله عنه وأرضاه.\nومن فضل الله عليه أن منّ عليه بالشهادة، وقال النبي ﷺ يوم موته: «اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ» (٣).\nوقد ظهرت حكمته - ﵁ - في هذا الموقف الحكيم في النقاط التالية:\n١ - رغبته في نصرة رسول الله ﷺ وجهاد أعداء الله تعالى.\n٢ - ردّه الحكيم المسدّد على قومه عندما راجعوه في بني قريظة.\n_________\n(١) زاد المعاد ٣/ ١٣٥، وانظر: سيرة ابن هشام ٣/ ٢٥٩، والبداية والنهاية ٤/ ١٢٢، وفتح الباري ٧/ ٤١٤، وانظر: صحيح الترمذي، ٢/ ١١٤.\n(٢) انظر: البخاري مع الفتح، كتاب المغازي، باب مرجع النبي ﷺ من الأحزاب ٧/ ٤١٢.\n(٣) البخاري مع الفتح، كتاب مناقب الأنصار، مناقب سعد بن معاذ - ﵁ - ٧/ ١٢٣، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب: من فضائل سعد بن معاذ ﵁ ٤/ ١٩١٥.","vol":"1","page":251},{"text":"٣ - أخذه عهد الله وميثاقه على قومه أن يقبلوا حكمه، وهذا مما يضبطهم، ويحل الأزمة.\n٤ - إعراضه عن رسول الله ﷺ عند أخذ العهد إجلالًا له وإكرامًا.\n٥ - حكمه بحكم الله من فوق سبع سماوات، ولهذا أمر رسول الله ﷺ بإنفاذه، - فرضي الله عنه وأرضاه -، فقد أعز الله بحكمته المسلمين وأذل الكافرين.","vol":"1","page":252},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>المطلب الثامن\nموقف الحسن بن علي ﵄</span>\nالحسن بن علي بن أبي طالب - ﵄ - ابن بنت رسول الله ﷺ، وهو أحد علماء الصحابة وحلمائهم، وذوي رأيهم، وسيد المسلمين (١) وهو حبيب رسول الله ﷺ، فعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي ﷺ أنه قال لحَسنٍ: «اللهم إني أحبه فأحبه، وأحبب من يحبه» (٢).\nوقال أبو بكرة - ﵁ - رأيت رسول الله ﷺ على المنبر - والحسن بن علي إلى جنبه - وهو يقبل على الناس مرة، وعليه أخرى، ويقول: «إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» (٣).\nوقد تحقّق ما قاله رسول الله ﷺ، فإنه عندما قُتِلَ علي بن أبي طالب - ﵁ - وبايع الناس الحسن بن علي - ﵄ -، وكانت كتائب الحسن كالجبال - كما ذكره البخاري في صحيحه (٤) - فأراد الحسن أن يحقن دماء المسلمين، يجمعهم على إمام واحد يلم شملهم، فتنازل لمعاوية بن أبي سفيان، خال المؤمنين، وكاتب وحي رب العالمين (٥) - رضي الله عن جميع أصحاب رسول الله ﷺ أجمعين - فكان هذا الموقف الذي وقفه الحسن من أعظم مواقف الحكمة، ومن أبرز الأدلة الواضحة على زهد الحسن في\n_________\n(١) انظر: البداية والنهاية لابن كثير ٨/ ١٦.\n(٢) البخاري مع الفتح في كتاب البيوع، باب ما ذكر في الأسواق ٤/ ٣٣٩، ومسلم، واللفظ له، في كتاب فضائل الصحابة - باب فضائل الحسن والحسين ٤/ ١٨٨٢.\n(٣) البخاري مع الفتح، في كتاب الصلح، باب قول النبي ﷺ للحسن بن علي - ﵂ - إن ابني هذا سيد ٥/ ٣٠٧، ٦/ ٦٢٨، ٧/ ٩٤، ١٣/ ٦١، ولفظه من كتاب الصلح.\n(٤) البخاري مع الفتح في كتاب الصلح، باب قول النبي ﷺ للحسن: إن ابني هذا سيد ٥/ ٣٠٦.\n(٥) انظر: البداية والنهاية لابن كثير ٨/ ٢٠، وتاريخ الحلفاء للسيوطي ص ١٩٤.","vol":"1","page":253},{"text":"الدنيا الفانية، ورغبته في الآخرة الباقية، وحقنه دماء أمة محمد ﷺ، فقد ترك الخلافة والملك، لا لِقِلَّة ولا لذلة، ولا لعلة، بل لرغبته فيما عند الله؛ لما رآه من حقن دماء المسلمين، فراعى أمر الدين ومصلحة الأمة (١).\nوسمي هذا العام الذي تنازل الحسن - ﵁ - فيه لمعاوية: عام الجماعة، لاجتماع الكلمة فيه على معاوية ﵄ (٢) والمقصود أن موقف الحسن موقف حكيم عظيم سديد؛ لأنه حقن به دماء وأموال وأعراض أمة محمد ﷺ. فرضي الله عنه وأرضاه، وجزاه عن أمة محمد ﷺ خير الجزاء.\n_________\n(١) انظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري ١٣/ ٦٦.\n(٢) انظر: البداية والنهاية ٨/ ١٦.","vol":"1","page":254},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>المطلب التاسع\nمواقف جماعة من الصحابة</span>\nالصحابة - ﵃ - لهم مواقف كثيرة جدًّا لا يستطيع أحد أن يحصرها؛ لأنهم - ﵃ - باعوا أنفسهم، وأموالهم وحياتهم لله، ابتغاء مرضاته، وخوفًا من عقابه، ففازوا بسعادة الدنيا والآخرة. ومن درس حياتهم، ونظر إلى تطبيقهم للإِسلام قولًا، وعملًا، واعتقادًا ازداد إيمانه، وأحبهم؛ فيحصل له بذلك محبة الله تعالى.\n١ - فهذا بلال بن رباح - ﵁ - كان يعذبه أمية بن خلف على توحيده وإيمانه بالله - تعالى -. وقد عذبه أشد العذاب، ومن ذلك أن أمية كان يُخرجُ بلالًا إذا حميت الشمس في الظهيرة، فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصّخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول: لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى، فيقول وهو في ذلك البلاء: أَحدٌ أَحدٌ، فمر به أبو بكر فاشتراه. وهذه الكلمة التي زعزعت كيان أمية بن خلف (١).\n٢ - وهذا عمار بن ياسر، وأبوه ياسر، وأمه سُميّة - ﵃ - يُعذبون أشدّ العذاب من أجل إيمانهم بالله - تعالى -، فلم يردهم ذلك العذاب عن دينهم، لأنهم صدقوا مع الله فصدقهم الله - تعالى - ولهذا قيل لهم: «صبرًا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة» (٢) فرضي الله عنهم وأرضاهم (٣).\n_________\n(١) انظر الإِصابة في تمييز الصحابة ١/ ١٦٥، وسيرة ابن هشام ١/ ٣٤٠، وسير أعلام النبلاء ١/ ٣٤٧.\n(٢) الحاكم وصححه ووافقه الذهبي ٣/ ٣٨٨ وانظر مجمع الزوائد ٩/ ٢٩٣، وقال رجاله رجال الصحيح غير إبراهيم بن عبد العزيز المقوم وانظر الإِصابة ٢/ ٥١٢.\n(٣) انظر سير أعلام النبلاء ١/ ٤٠٦ والإِصابة ٢/ ٥١٢، وسيرة ابن هشام ١/ ٣٤٢.","vol":"1","page":255},{"text":"٣ - وهذا صُهيب الرومي - ﵁ - أراد الهجرة فمنعه كفار قريش أن يُهاجر بماله، وإن أحب أن يتجرّد من ماله كله ويدفعه إليهم تركوه وما أراد، فأعطاهم ماله ونجى بدينه مهاجرًا إلى الله ورسوله وأنزل الله - ﷿ - ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة: ٢٠٧] (١) فتلقاه عمر بن الخطاب وجماعة إلى طرف الحرة فقالوا له: ربحَ البيع. فقال: وأنتم فلا أخسر الله تجارتكم، وما ذاك؟ فأخبروه أن الله أنزل فيه هذه الآية (٢).\n٤ - وهذا عبد الله بن عبد الأسد أبو سلمة وزوجته أم سلمة - ﵄ - يصبران على البلاء العظيم ويقفان الموقف الحكيم الذي يدل على صدقهما مع الله (٣).\nكان أبو سلمة أول من هاجر من مكة إلى المدينة، قبل العقبة الثانية بسنة تقريبًا. بعد أن رجع أبو سلمة وزوجته أم سلمة من الهجرة إلى الحبشة آذته قريش، وعلم بإسلام من أسلم من الأنصار، فقرر الهجرة إلى المدينة - فرارًا بدينه - فحمل زوجته أم سلمة، وابنه سلمة وقاد بهما راحلته وخرج متجهًا إلى المدينة وقبل أن يخرج من مكة لحقه رجال من بني مخزوم فقالوا له: هذه نفسك غلبتنا عليها أرأيتك صاحبتك هذه عَلامَ نتركك تسير بها في البلاد؟ ونزعوا خطام البعير من يده، وأخذوا الراحلة وعليها أم سلمة وابنه سلمة، وغضب لذلك رجال من بني عبد الأسد وقالوا: والله لا نترك\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية ٢٠٧.\n(٢) انظر تفسير ابن كثير ١/ ٢٤٨، وسير أعلام النبلاء ٢/ ١٧ - ٢٦، والإِصابة ٢/ ١٩٥.\n(٣) انظر: سير أعلام النبلاء ١/ ١٥٠، والإِصابة في تمييز الصحابة ٢/ ٣٣٥، والبداية والنهاية لابن كثير ٤/ ٩٠.","vol":"1","page":256},{"text":"ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا فتجاذب بنو مخزوم وبنو عبد الأسد الطفل حتى خُلِعَت يده، وأخذه بنو عبد الأسد وحبس بنو المغيرة أم سلمة عندهم، وانطلق أبو سلمة إلى المدينة هاربًا بدينه. قالت أم سلمة: ففرقوا بيني وبين زوجي وبيني وبين ابني فكنت أخرج كل غداة إلى الأبطح فما أزال أبكي حتى أمسي، وذلك سنة أو قريبًا منها حتى مر بي رجل من بني عمي - أحد بني المغيرة - فرأى ما بي فرحمني فقال لبني المغيرة: ألا تخرجون هذه المسكينة فرقتم بينها وبين زوجها، وبينها وبين ولدها؟ قالت: فقالوا لي: الحقي بزوجك إن شئت، قالت: وردّ بنو عبد الأسد عند ذلك ابني فارتحلت ببعيري ثم أخذت ابني فوضعته في حجري ثم خرجت أريد زوجي بالمدينة وما معي أحد من خلق الله. . \" (١).\nالله أكبر ما أعظم هذا الموقف وما أحكمه: فقد ترك أبو سلمة زوجته وابنه، وماله، وهاجر بنفسه تاركًا نصفه وراءه من أجل دينه ويتجاذب بنو عبد الأسد وبنو المغيرة ابن أم سلمة، ويخلعوا يده وهى تنظر، وتحبس من أجل دينها، وتبكي كل يوم في الأبطح سنة أو قريبًا منها، إنه موقف عظيم وبلاء كبير أسفر عن قوة الإِيمان والصدق مع الله فنسأل الله العافية في الدنيا والآخرة، ورضي الله عن أبي سلمة وزوجته وأرضاهما، فقد جاهدا في الله، وأُوذيا في الله، وصبرا في الله، والله المستعان.\n٥ - وعندما ينظر الإِنسان في موقف عبد الله بن حذافة بن قيس - ﵁ - عندما حاول ملك الروم أن يصدَّه عن دينه - يرى الموقف الحكيم، والرجل العظيم!\nوجه عمر بن الخطاب - ﵁ - جيشًا إلى الروم، فأسروا\n_________\n(١) انظر: سيرة ابن هشام ٢/ ٧٧، والبداية والنهاية ٣/ ١٦٩، والرحيق المختوم ص ١٥٠، وهذا الحبيب يا محب، ص ١٥١.","vol":"1","page":257},{"text":"عبد الله بن حذافة، فذهبوا به إلى ملكهم، فقالوا: إن هذا من أصحاب محمد. فقال: هل لك أن تتنصَّر وأعطيك نصف ملكي؟ قال: لو أعطيتني جميع ما تملك، وجميع ما تملك، وجميع ملك العرب، ما رجعت عن دين محمد ﷺ طرفة عين، قال: إذًا أقتلك. قال: أنت وذاك، فأُمِرَ به فصُلِبَ وقال للرّماة: ارموه قريبًا من بدنه، وهو يعرض عليه ويأبى ولم يجزع، فأنزله، وأمر بقدر فصُبَّ فيها ماء وأُغلي عليه حتى احترقت، ودعا بأسيريْنِ من المسلمين، فأمر بأحدهما، فأُلقي فيها فإذا عظامه تلوح، وهو يعرض عليه النصرانية وهو يأبى، فأمر بإلقائه في القدر إن لم يتنصّر، فلما ذهبوا به بكى، فقيل للملك: إنه بكى، فظن أنه قد جزع، فقال: ردوه، فقال: ما أبكاك؟ قال: قلت هي نفس واحدة تُلقى الساعة فتذهب فكنت أشتهي أن يكون بعدد شعري أنفس تُلقى في النار في الله، فتعجب الطاغية فقال له: هل لك أن تُقبّل رأسي وأُخلِّي عنك؟ فقال له عبد الله: وعن جميع أسارى المسلمين؟ قال: نعم، فقبّل رأسه، فخلّى عنهم، وقدم بالأسارى على عمر، فأخبره خبره. فقال عمر: حقٌّ على كلِّ مسلم أن يُقَبِّلَ رأس عبد الله بن حذافة، وأنا أبدأُ. فقبل رأسه (١).\nهذا موقف عظيم حكيم، فإن عبد الله - ﵁ - ثبت على دينه، ولم يقبل سواه، ولو أعطى ملك كسرى ومثله معه، وملك العرب جميعًا، ثم لصدقه مع الله لم يجزع من الرّماة عندما رموه وهو مصلوب، ولم يجزع من القِدْرِ والماء المغلي وقد رأى من يُلقى في النار من الأسرى وعظامه تلوح، ومع ذلك تمنى أن يكون له عدد شعره من الأنفس تعذب في الله ومن أجل الله، وعندما رأى أن المصلحة عامة لجميع الأسرى قبَّل رأس الطاغية، لكي يخرج المسلمين من الأسر، وهذا من أعظم الحكم العظيمة. فرضي الله عن عبد الله بن حُذافة وأرضاه.\n_________\n(١) انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي ٢/ ١٤، والإصابة في تمييز الصحابة ٢/ ٢٦٩.","vol":"1","page":258},{"text":"٦ - ومن هذه المواقف العظيمة التي تدل على قوة الإِيمان والرغبة فيما عند الله والدار الآخرة ما فعله الصحابي الجليل: خبيب بن عدي بن عامر - ﵁ - عندما أسرته كفار قريش وعذبته فثبت حتى قُتلَ شهيدًا - ﵁ -.\nقالت بعض بنات الحارث بن عامر: والله ما رأيت أسيرًا قطُّ خيرًا من خبيب والله لقد وجدته يومًا يأكل قِطفًا من عنبٍ في يده وإنه لمُوثَقٌ بالحديد وما بمكة من ثمرة. وكانت تقول: إنه لرزق رَزقه الله خبيبًا. فلما خرجوا به من الحرم ليقتلوه في الحل قال لهم خبيبٌ: دعوني أصلي ركعتين فتركوه فركع ركعتين، فقال: والله لولا أن تحسبوا أن ما بي جزعٌ لزدت. ثم قال: اللهم أحصهم عددًا، واقتلهم بَدَدًا، ولا تبقِ منهم أحدًا ثم أنشأ يقول:\nفلستُ أُبالي حين أقتلُ مسلمًا ... على أي جنب كان لله مصرعي\nوذلك في ذات الإِله وإن يشأ ... يُبارك على أوْصالِ شِلوٍ ممزّع\nثم قام إليه أبو سروعة عقبة بن الحارث فقتله، وكان خبيب هو سن لكلِّ مسلم قُتِلَ صبرًا الصلاة (١).\n٧ - وهذا سعد بن أبي وقّاص - ﵁ - تَعْرض أمه عليه أن يكفر بدين محمد ﷺ، وحلفت أن لا تكلمه، ولا تأكل ولا تشرب حتى تَموت فيعيّر بها، فيقال: يا قاتل أمه، وقالت له: زعمت أن الله وصّاك بوالديك، وأنا أمك، وأنا آمرك بهذا. قال سعد: لا تفعلي يا أُمّه إني لا أدع ديني هذا لشيء. فبقيت ثلاثة أيام لا تأكل ولا تشرب، فلما رأى سعد بن أبي وقاص ذلك منها قال لها: يا أمَّه تعلمين والله لو كان لك مائة نفس،\n_________\n(١) البخاري مع الفتح، كتاب الجهاد؛ باب هل يستأسر الرجل ومن لم يستأسر ومن ركع ركعتين عند القتل، ٦/ ١٦٦، وكتاب المغازي، باب حدثني عبد الله بن محمد الجعفي، ٧/ ٣٠٨، ٧/ ٣٧٨، ١٣/ ٣٨١، وانظر: سير أعلام النبلاء ١/ ٢٤٦.","vol":"1","page":259},{"text":"فخرجت نفسًا نفسًا، ما تركت ديني إن شئتِ فكلي أو لا تأكلي. فلما رأت ذلك أكلت (١).\nقال سعد - ﵁ -: نزلت هذه الآية في: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] (٢) وقد جعل الله سعدًا مستجاب الدعوة لدعوة النبي ﷺ «اللهم استجب لسعد إذا دعاك» (٣). ولم يقتصر الأمر على الرجال بل للنساء مواقف حكيمة.\n٨ - ومن ذلك ما فعلته رملة بنت أبي سفيان أم حبيبة، أم المؤمنين - ﵄ -، وذلك أن أباها قدم من مكة إلى المدينة يريد أن يزيد في الهدنة بينه وبين الرسول ﷺ، فلما دخل على بنته أم حبيبة - ﵂ - وذهب ليجلس على فراش رسول الله ﷺ طوته دونه، فقال: يا بنية أرغبت بهذا الفراش عني أم بي عنه؟ قالت: بل هو فراش رسول الله ﷺ وأنت امرؤ نجس مشرك، فقال: والله لقد أصابك يا بنية بعدي شر (٤) قلت: والله لم يصبها إلا قوة الإِيمان ومحبة الله ورسوله ﷺ، فقدَّمت محبة الله ورسوله على محبة والدها المشرك ولم ترضَ أن يجلس المشرك على فراش رسول الله ﷺ فرضي الله عن أم المؤمنين، فإنها لم تأخذها في الله لومة لائم، وهذا من أعظم الحكم.\nوالصحابة - ﵃ جميعًا - رجالَاَ ونساءً، كانت أعمالهم\n_________\n(١) انظر: صحيح مسلم كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل سعد بن أبي وقاص ٤/ ١٨٧٧ مختصرًا بمعناه، وأحمد ١/ ١٨١ - ١٨٢، والترمذي ٥/ ٣٤١، وانظر: سير أعلام النبلاء ١/ ١٠٩.\n(٢) سورة لقمان، الآية ١٥.\n(٣) الترمذي في كتاب المناقب، باب مناقب سعد بن أبي وقاص ﵁ ٥/ ٦٤٩، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي ٣/ ٤٩٨، وسند. صحيح. انظر: سير أعلام النبلاء ١/ ١١١.\n(٤) انظر: الإصابة في تمييز الصحابة ٤/ ٣٠٦ وعزاه بإسناده إلى ابن سعد. وانظر أيضًا التاريخ الإسلامي لمحمود شاكر ٣/ ١٣٥.","vol":"1","page":260},{"text":"وحياتهم، ومماتهم لله لا يريدون، ولا يرغبون إلا ما يرضيه - تعالى - حتى ولو كان ذلك ببذل أحبّ الأشياء إليهم.\n٩ - ومما يدل على ذلك ما فعله أنس بن النضر الأنصاري عم أنس بن مالك ﵄.\nعن أنس - ﵁ - قال: غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر فقال: يا رسول الله غبت عن أول قتال قاتلت فيه المشركين والله لئن أشهدني الله قتال المشركين ليريَنّ الله ما أصنع. فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون فقال: اللهم إني أعتذر إليِك مما صنع هؤلاء - يعني المسلمين - وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء - يعني المشركين - ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ فقال: أي سعد والذي نفسي بيده إني لأجد ريح الجنة دون أحد، فقاتلهم حتى قتل. قال أنس: فوجدناه بين القتلى به بضع وثمانون جراحة: من بين ضربة بسيف وطعنة برمح، ورمية بسهم وقد مَثَّلوا به، فما عرفناه حتى عرفته أخته ببنانه. ونزلت هذه الآية: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣] (١). قال فكنا نقول: نزلت هذه الآية فيه وفي أصحابه (٢) ١٠ - كما يدل على رغبتهم فيما عند الله ما فعل عُمير بنُ الحُمَام في بدر حينما سمع الرسول ﷺ يقول لأصحابه: «قومُوا إلى جَنَّة عرضُهَا السّماوات والأرضُ \" فقال: يا رسول الله جنة عرضها السّماوات\n_________\n(١) سورة الأحزاب، الآية ٢٣.\n(٢) البخاري مع الفتح في كتاب الجهاد باب قول الله - ﷿ - مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّه عَلَيْه فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَه وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا. ٦/ ٢١، ٧/ ٣٥٤. وانظر: البخاري مع الفتح ٨/ ٥١٨، والبداية والنهاية ٤/ ٣١ - ٣٤، والإصابة في تمييز الصحابة ١/ ٧٤، وهذا الحبيب يا محب ص ٢٦٩.","vol":"1","page":261},{"text":"والأرض؟ قال: \" نعم \". قال: بخ بخ (١) فقال ﷺ: \" ما يحملك على قولك بخ بخ؟ \"، قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها. قال: \" فإنك من أهلها \"، فأخرج تمرات من قرنه (٢) فجعل يأكل منهن ثم قال: لئن أنا حييتُ حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتَل حتى قتل» (٣).\nوهذه النماذج تدل على صبر الصحابة وحكمتهم العظيمة، وصدقهم مع الله ورغبتهم فيما عنده سبحانه - من الثواب وزهدهم في الدنيا.\nوالصحابة - ﵃ - لهم مواقف حكيمة كثيرة لا تُحْصَى، ولكن ما ذكرته هنا من مواقفهم ما هو إلا بعض الأمثلة اليسيرة من المواقف الحكيمة التي تدل على حكمتهم ويستفيد منها الدعاة إلى الله - تعالى -. وأسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وينفعنا بما علمنا. والله المستعان.\n_________\n(١) كلمة تقال لتعظيم الأمر وتفخيمه في الخير. انظر: شرح النووي ١٣/ ٤٥.\n(٢) أي جعبة النشاب. انظر: شرح النووي ١٣/ ٤٦.\n(٣) مسلم، كتاب الإِمارة، باب ثبوت الجنة للشهيد، ٣/ ١٥١٠.","vol":"1","page":262},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-88>المبحث الثالث\nمواقف التابعين</span>\nتوطئة.\nالمطلب الأول: مواقف سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى\nالمطلب الثاني: مواقف الحسن بن يسار البصري رحمه الله تعالى.\nالمطلب الثالث: مواقف عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى.\nالمطلب الرابع: مواقف أبي حنيفة رحمه الله تعالى.","vol":"1","page":263},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-89>توطئة</span>\nالتابعون هم من القرون المفضلة بنص النبي ﷺ، فعن عبد الله بن سمعي - ﵁ - عن النبي ﷺ أنه قال: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء أقوام تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته» (١).\nوللتابعين مواقف حكيمة يستفيد منها الدعاة إلى الله تعالى، وسأذكر - بعون الله تعالى - نماذج منها على سبيل المثال في المطالب التالية:\nالمطلب الأول: مواقف سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى.\nالمطلب الثاني: مواقف الحسن بن يسار البصري رحمه الله تعالى.\nالمطلب الثالث: مواقف عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى.\nالمطلب الرابع: مواقف أبي حنيفة النعمان بن ثابت رحمه الله تعالى.\n_________\n(١) البخاري مع الفتح، كتاب الشهادات، باب لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد ٥/ ٢٥٩، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل الصحابة ثم الذين يلونهم. . . ٤/ ١٩٦٤، وفي رواية من حديث عمران بن حصين - ﵁ -: \" ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن \". البخاري مع الفتح، كتاب الشهادات، الباب السابق ٥/ ٢٥٨، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل الصحابة ٤/ ١٩٦٢.","vol":"1","page":265},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>المطلب الأول\nمن مواقف سعيد بن المسيب ﵀</span>\nلسعيد بن المسيب (١) مواقف حكيمة تدل على علمه وحكمته ورغبته فيما عند الله تعالى (٢).\nومن هذه المواقف الحكيمة التي صدع فيها بالحق في دعوته إلى الله ولم تأخذه في الله لومة لائم ما فعله مع الحجاج بن يوسف الثقفي (٣) عندما أساء صلاته.\n١ - صلى الحجاج مرة بجنب سعيد بن المسيب - قبل أن يلي شيئًا من أمور المسلمين - فجعل يرفع قبل الإِمام، ويقع قبله في السجود، فلما سلم أخذ سعيد بطرف ردائه، وبقي يقول الذّكر بعد الصلاة، والحجّاج ما زال ينازعه رداءه حتى قضى سعيد ذكره، ثم أقبل عليه يؤنبه ويؤدبه بالكلام، فلم يقل له الحجّاج شيئًا حتى صار نائبًا على الحجاز وعندما أتى المدينة نائبًا عليها، فلما دخل المسجد قصد مجلس سعيد بن المسيب حتى جلس بين يديه، فقال له: أنت صاحب الكلمات؟ فضرب سعيد صدره بيده وقال: نعم. قال: فجزاك الله من معلم ومؤدب خيرًا، ما صليت بعدك\n_________\n(١) سعيد بن المسيب، هو سيد التابعين على الإِطلاق في زمانه، وعالم أهل المدينة، ولد لسنتين من خلافة عمر بن الخطاب - ﵁ -، وقيل لأربع مضين منها، وتوفي سنة ٩٤ هـ وله ٧٥ سنة ﵀. انظر: سير أعلام النبلاء، ٤/ ٢١٧ - ٢٤٦، والبداية والنهابة لابن كثير ٩/ ٩٩.\n(٢) ومن مواقفه الحكيمة التي كان بها قدوة حسنة لغيره من الدعاة، زواجه ابنته فاطمة لرجل فقير، ومنعها من الزواج بابن الخليفة، فقد خطب عبد الملك بن مروان ابنته لابنه الوليد، فمنع من ذلك، وزوجها تلميذه كثير بن المطلب بن أبي وداعة القرشي السهمي على درهمين، وساعده بعشرين ألف، وهذا يدل على كمال إيمان سعيد بن المسيب، واهتمامه بالباقي، والنفور من المناصب المزيفة، واختياره الزوج الصالح لابنته، انظر هذه القصة الحكيمة في: سير أعلام النبلاء ٤/ ٢٣٣، وطبقات ابن سعد ٥/ ١٣٨، وحلية الأولياء ٢/ ١٦٧، والبداية والنهاية ٩/ ١٠٠.\n(٣) الحجاج بن يوسف الثقفي، ولي العراق والمشرق عشرين سنة، وتوفي سنة ٩٥ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء ٤/ ٣٤٣.","vol":"1","page":266},{"text":"صلاة إلا وأنا أذكر قولك، ثم قام ومضى (١).\n٢ - قيل لسعيد بن المسيب: ما شأن الحجاج لا يبعث إليك ولا يحركك ولا يؤذيك؟ قال: والله ما أدري، إلا أنه دخل ذات يوم مع أبيه المسجد صلّى صلاة لا يتم ركوعها ولا سجودها، فأخذت كفّا من حصى فحصبته بها. قال الحجاج: فما زلت أحسن الصلاة (٢).\nوهذا من أعظم المواقف الحكيمة لسعيد بن المسيب - ﵀ -؛ فإن الحكمة وضع كل شيء في موضعه، وقد تنفع الشدة والقوة إذا كانت الحكمة تقتضي ذلك، فسعيد رأى أن من الحكمة استخدام هذا الأسلوب مع الحجاج؛ ليحسن صلاته، فنفع الله بذلك الحجاج كما ذكر هو عن نفسه، وأنه ما زال يحسن الصلاة بعد ذلك، فرحم الله سعيد بن المسيب، وجزاه خير الجزاء.\n_________\n(١) انظر: البداية والنهاية ٩/ ١١٩، وسير أعلام النبلاء للذهبي ٤/ ٢٢٦.\n(٢) انظر: الطبقات لابن سعد ٥/ ١٢٩، وحلية الأولياء لأبي نعيم ٢/ ١٦٥، وسير أعلام النبلاء ٤/ ٢٢٦.","vol":"1","page":267},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>المطلب الثاني\nمن مواقف الحسن البصري </span>﵀ للحسن البصري (١) - ﵀ - مواقف حكيمة في دعوته إلى الله - ﷿ -، ومنها على سبيل المثال ما يلي:\n١ -<span data-type=\"title\" id=toc-92> موقفه مع الحجاج بن يوسف الثقفي:</span>\nمن حكمة الحسن أنه لا يرى الخروج على الأئمة العُصاة من المسلمين، فقد جاء جماعة من المسلمين إلى الحسن البصري يستفتونه في الخروج على الحجاج، فقالوا: يا أبا سعيد، ما تقول في قتال هذا الطاغية الذي سفك الدم الحرام، وأخذ المال الحرام. . . وفعل وفعل؟ فقال الحسن: أرى أن لا تقاتلوه؛ فإنها إن تك عقوبة من الله فما أنتم برادي عقوبة الله بأسيافكم، وإن يكن بلاء فاصبروا حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين، وخرجوا من عند الحسن ولم يوافقوه، فخرجوا على الحجاج فقتلوا جميعًا (٢) ولهذا كان الحسن يقول: لو أن الناس إذا ابتلوا من قبل سلطانهم صبروا ما لبثوا أن يفرج عنهم، ولكنهم يجزعون إلى السيف فيوكلون إليه، فوالله ما جاءوا بيوم خير قط (٣).\nومع ذلك كله فقد أراد الحجاج أن يقتل الحسن البصري مرارًا، ولكن الله عصمه منه. بعث الحجاج إلى الحسن مرة - وقد همّ به - فجاء الحسن إليه، فلما قام\n_________\n(١) هو الحسن بن أبي الحسن يسار البصري، أبو سعيد مولى الأنصار، وأمه خيرة مولاة أم سلمة أم المؤمنين - ﵂ -، وأبو الحسن يسار من سبي ميسان - وهي بين البصرة وواسط - سكن المدينة، وأعتقَ وتزوج بها في خلافة عمر، فولد له بها الحسن لسنتين بقيتا من خلافة عمر ﵁، وتوفي الحسن سنة ١١٠ هـ وكان عمره ٨٨ سنة - ﵀ -. انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي، ٤/ ٥٦٣ - ٥٨٧، وتهذيب التهذيب لابن حجر ٢/ ٢٣١.\n(٢) انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد ٧/ ١٦٣ - ١٦٥، والبداية والنهاية لابن كثير ٩/ ١٣٥.\n(٣) انظر: طبقات ابن سعد ٧/ ١٦٤.","vol":"1","page":268},{"text":"بين يديه قال: يا حجاج، كم بينك وبين آدم من أب؟ قال: كثير. قال: فأين هم؟ قال: ماتوا. فنكس الحجاج رأسه، وخرج الحسن (١).\nوهذا من حكمة الحسنِ في دعوته إلى الله، فإن الخروج على الأئمة المسلمين - ولو كانوا فسّاقًا - يسبب شرًّا كثيرًا، وفتنة عظيمة، وإزهاقًا للأرواح، وفسادًا كبيرًا، فَسدَّ الحسن الباب أمام هذه المفاسد.\n\n٢ -<span data-type=\"title\" id=toc-93> موقف الحسن مع عمر بن هبيرة:</span>\nعندما ولي عمر بن هبيرة (٢). العراق أرسل إلى الحسن فقدم إليه، فقال له: إن أمير المؤمنين يزيد بن عبد الملك (٣) ينفذ كتبًا أعرف أن في إنفاذها الهلكة، واستفتاه ماذا يصنع أمام هذه الكتب؟ فقال الحسن: يا عمر بن هبيرة، يوشك أن ينزل بك ملك من ملائكة الله - تعالى - فظ غليظ، لا يعصي الله ما أمره، فيخرجك من سعة قمرك إلى ضيق قبرك، يا عمر بن هبيرة إن تتق الله يعصمك من يزيد بن عبد الملك ولا يعصمك يزيد بن عبد الملك من الله - ﷿ -، يا عمر بن هبيرة لا تأمن أن ينظر الله إليك على أقبح ما تعمل في طاعة يزيد بن عبد الملك نظرة مقت، فيغلق بها باب المغفرة دونك، يا عمر بن هبيرة لقد أدركت ناسًا من صدر هذه الأمة كانوا والله على الدنيا وهي مقبلة أشدّ إدبارًا من إقبالكم عليها وهي مدبرة، يا عمر بن هبيرة إني أخوفك مقامًا خوفكه الله - تعالى -، فقال: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم: ١٤] (٤) يا عمر بن هبيرة إن تك مع الله في طاعته\n_________\n(١) انظر: البداية والنهاية ٩/ ١٣٥.\n(٢) هو عمر بن هبيرة بن معاوية بن سُكَين، الأمير أبو المثنى أمير العراقيين، مات سنة ١٠٧ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء ٤/ ٥٦٢.\n(٣) هو يزيد بن عبد الملك بن مروان الخليفة، استخلف بعهد عقده له أخوه سليمان، بعد عمر بن عبد العزيز، ولد سنة ٧١ هـ. وكانت خلافته أربعة أعوام، توفي سنة ١٠٥ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء ٥/ ١٥٠ - ١٥٢.\n(٤) سورة إبراهيم، الآية ١٤.","vol":"1","page":269},{"text":"كفاك بائقة يزيد بن عبد الملك، وإن تك مع يزيد بن عبد الملك على معاصي الله وكلك الله إليه، فبكى عمر بن هبيرة وقام بعبرته (١).\nوهذا يدل على حكمة الحسن - ﵀ - وما له في النفوس من مكانة وتقدير، فقد جهر بالحق في هذا الموقف ولم تأخذه في الله لومة لائم. وهكذا ينبغي للدعاة إلى الله - تعالى -، ولكن لا بد من الحكمة، وبالتي هي أحسن، فإن ذلك أدعى لقبول الدعوة، والله المستعان.\n\n٣ -<span data-type=\"title\" id=toc-94> موقفه مع القراء: </span>خرج الحسن من عند ابن هبيرة يومًا فإذا هو بالقراء على الباب (٢) فقال: ما يجلسكم ها هنا؟ تريدون الدخول على هؤلاء الخبثاء؟ أما والله ما مجالستهم مجالسة الأبرار، تفرقوا فرق الله بين أرواحكم وأجسادكم، قد فرطحتم (٣) نعالكم، وشمرتم ثيابكم، وجزرتم شعوركم، فضحتم القراء فضحكم الله (٤) والله لو زهدتم فيما عندهم لرغبوا فيما عندكم، ولكنكم\n_________\n(١) انظر: حلية الأولياء ٢/ ١٤٩.\n(٢) لسائل أن يسأل: كيف يخرج الحسن من عند ابن هبيرة ويلوم القراء على وقوفهم ببابه رغبة في الدخول عليه؟\nويجاب على ذلك أن الحسن لم يدخل على ابن هبيرة ليسأله مالًا أو شيئًا من أمور الدنيا، إنما ذلك لله ومن أجل الله والدعوة إليه، والذي قبحه الحسن هو الرغبة في الدنيا والطمع في أموال الأمراء والسلاطين، أما من دخل عليهم ليأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويخوفهم بالله، فإن هذا من أعظم الجهاد وأفضله.\n(٣) كل شيء عرضته فقد فرطحته. وفرطح الشيء: بسطه ووسعه. ورأس مفرطح: عريض. انظر: المعجم الوسيط، مادة (فرطح) ٢/ ٦٨٤.\n(٤) لعل الحسن استخدم أسلوب الشدة مع القراء لأنهم أقدموا على شيء لا ينبغي لهم الإقدام عليه على الرغم من معرفتهم حقيقته وأنه لا ينبغي لطلاب العلم والدعاة إلى الله فعله.\nوالحكمة هي وضع الشيء في موضعه، ومن ذلك استخدام أسلوب القوة والشدة والغلظة في مواضعها.","vol":"1","page":270},{"text":"رغبتم فيما عندهم فزهدوا فيكم، أبعد الله من أبعد (١).\nوهذا الموقف حكيم عظيم؛ لأن الداعية إلى الله ينبغي أن يستغني عن الناس وعن أموالهم وصدقاتهم، وخاصة الأكابر والسلاطين، فلا يقف على أبوابهم ولا يسألهم، حتى يكون لدعوته ولعلمه الأثر في نفوسهم وفي نفوس غيرهم، ولهذا وجه الحسن القراء لذلك؛ لأن من استغنى بالله افتقر الناس إليه (٢).\n_________\n(١) انظر: حلية الأولياء ٢/ ١٥٠، وسير أعلام النبلاء ٤/ ٥٨٦.\n(٢) انظر: حلية الأولياء ٢/ ١٧٣، والبداية والنهاية ٩/ ١٠٠.","vol":"1","page":271},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-95>المطلب الثالث\nمن مواقف عمر بن عبد العزيز</span>\nيرى كثير من العلماء أن عمر بن عبد العزيز (١) من المجددين على رأس المائة الأولى، لقوله - ﷺ «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يُجدّد لها دينها» (٢) وعلى هذا كان - ﵀ - أول المجددين (٣) وله - ﵀ - مواقف كثيرة حكيمة في دعوته إلى الله، منها ما يلي:\n\n(أ) من<span data-type=\"title\" id=toc-96> مواقفه الحكيمة قبل الخلافة: </span>له - ﵀ - مواقف كثيرة قبل الخلافة مع الخلفاء منها:\n١ - أقبل سليمان بن عبد الملك (٤) إلى جيشه ومعه عمر بن عبد العزيز، وفي ذلك المعسكر: الخيول والجمال والبغال والأثقال والرجال، فقال سليمان: ما تقول يا عمر في هذا؛ فقال: أرى دنيا يأكل بعضها بعضًا، وأنت المسئول عن ذلك كله، فلما اقتربا من المعسكر إذا غراب قد أخذ لقمة في فيه من فسطاط سليمان وهو طائر بها، ونعب نعبةً، فقال له سليمان: ما هذا يا عمر؛ فقال: لا أدري. فقال: ما ظنك أنه يقول؛ قال\n_________\n(١) عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم، وأمه أم عاصم ليلى بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، ولد سنة ٦٣ هـ، وقيل ٦١ هـ، أرسله والده إلى المدينة يتفقه في الدين، فلما توفي والده أخذه عمه عبد الملك بن مروان، وزوجه بنته فاطمة، وعندما ولي الوليد بن عبد الملك ولاه المدينة ومكة والطائف من سنة ٨٦ هـ إلى ٩٣ هـ، ثم قدم الشام، وبقي بها حتى ولي الخلافة في ١٠/ ٢ / ٩٩ هـ فأصلح الله به العباد والبلاد، ثم مات مسمومًا في ٢٥/ ٧ / ١٠١ هـ. انظر: البداية والنهاية ٩/ ٩٢ - ٩٦، وسير أعلام النبلاء ٥/ ١٢٢.\n(٢) رواه أبو داود، كتاب الملاحم، باب ما يذكر في قرن المائة ٤/ ١٠٩، والحاكم ٤/ ٥٢٢، وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة ٢/ ١٥٠ برقم ٥٩٩.\n(٣) انظر: البداية والنهاية ٩/ ٢٠٧، وعون المعبود ١١/ ٣٨٧.\n(٤) سليمان بن عبد الملك بن مروان، بويع بالخلافة بعد أخيه الوليد، له أعمال جليلة، وتوفي عاشر صفر، سنة ٩٩ هـ. سير أعلام النبلاء ٥/ ١١١.","vol":"1","page":272},{"text":"عمر: كأنه يقول: من أين جاءت وأين يُذهَبُ بها؟ فقال له سليمان: ما أعجبك؟ فقال عمر: أعجب ممن عرف الله فعصاه، ومن عرف الشيطان فأطاعه، ومن عرف الدنيا فركن إليها (١) وهذه كلمات حكيمة في الدعوة إلى الله موجّهَة إلى خليفة المسلمين، استغل عمر توجيهها إليه في الفرصة المناسبة، ملتزمًا طريق الحكمة في ذلك كله.\n٢ - وحجّ سليمان بن عبد الملك ومعه عمر بن عبد العزيز فأصابهم برق ورعد، حتى كادت تنخلع قلوبهم، فنظر سليمان إلى عمر وهو يضحك، فقال سليمان: يا أبا حفص، هل رأيت مثل هذه الليلة قط أو سمعت بها؟ فقال: يا أمير المؤمنين، هذا صوت رحمة الله، فكيف لو سمعت صوت عذاب الله؟ فقال: هذه المائة ألف درهم، فتصدق بها. فقال عمر: أو خير من ذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: وما هو؟ قال: قوم صحبوك في مظالم لهم لم يصلوا إليك، فجلس سليمان فرد المظالم (٢).\nالله أكبر ما أحكم هذا الموقف وأعظمه! فقد استطاع عمر بن عبد العزيز بعون الله - تعالى - ثم بحكمته أن يؤثر على سليمان حتى جلس ورد المظالم.\n٣ - ومن أعظم مواقفه الحكيمة مع سليمان بن عبد الملك أن سليمان قال له: يا أبا حفص، إنا ولينا ما قد ترى، ولم يكن لنا بتدبيره علم، فما رأيت من مصلحة العامة فمر به، فكان من ذلك أن عمر أمر بعزل عمال الحجاج، وأقيمت الصلاة في أوقاتها بعد ما كانت أميتت عن وقتها، مع\n_________\n(١) انظر: مناقب عمر، لابن الجوزي، ص ٥٢، والبداية والنهاية ٩/ ١٩٥.\n(٢) انظر: مناقب عمر، لابن الجوزي، ص ٥٢، ٥٣، وسير أعلام النبلاء ٥/ ١٢١.","vol":"1","page":273},{"text":"أمور جليلة كان يسمع من عمر فيها، فقد قيل: إن سليمان حج فرأى الخلائق بالموقف فقال لعمر: أما ترى هذا الخلق الذي لا يُحصِي عددهم إلا الله؟ قال: هؤلاء اليوم رعيتك، وهم غدًا خصماؤك، فبكى سليمان بكاءً شديدًا (١) فرحم الله عمر، فقد كان حكيمًا في مواعظه وترقيقه للقلوب، وربطها بخالقها، وتخويفها من عقابه، وترغيبها في ثوابه، ويستخدم ذلك في الوقت المناسب، في الحال المناسب.\nوله - ﵀ - مواقف كثيرة مع الخلفاء، ولولا الإِطالة لذكرتها (٢).\n\n(ب)<span data-type=\"title\" id=toc-97> مواقفه بعد أن ولي الخلافة: </span>بعد أن مات معاوية بن أبي سفيان - ﵁ - سنة ستين للهجرة النبوية، بدأ الظلم، واتسع الخرق والخلاف بين العلماء والخلفاء، فصار بعض الناس في وادٍ، وبعض حكامهم في وادٍ آخرَ، ثم ازدادت الأحوال سوءًا بتسلُّم بعض الولاة الظلمة الحكم أمثال الحجاج، وصاروا يجمعون الأموال وينفقونها في غير حلها بلا حساب ولا نظام، وقد كان الشاعر يدخل على الخليفة أو الوالي فيمدحه، فيكيل له بلا حساب، وقد كان سليمان بن عبد الملك أمثل الخلفاء (٣).\nوعندما تسلَّم عمر بن عبد العزيز الخلافة قام بالمواقف الحكيمة لإِنقاذ الأمة مما حل بها، فكانت مواقفه الحكيمة لإِصلاح ما فسد من أمور الناس كالتالي:\n_________\n(١) انظر: سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز، لابن الجوزي ص ٥٣، وسير أعلام النبلاء ٥/ ١٢١.\n(٢) انظر بقية مواقفه مع الولاة في مناقب عمر بن عبد العزيز، لابن الجوزي ص ٤٦ - ٥٣، والبداية والنهاية ٩/ ١٩٥، وسير أعلام النبلاء ٥/ ١١٤ - ١٤٧.\n(٣) انظر: البداية والنهاية ٨/ ١٤٦ - ٣٤٥، ٩/ ٢ - ١٧٧، وسير أعلام النبلاء ٥/ ١٢٥.","vol":"1","page":274},{"text":"١ - بدأ بالتغيير مع نفسه، فغير طريق حياته حتى أنكره من عرفه من قبل، فعندما رجع من قبر سليمان أُوتي بمراكب الخلافة: البراذين والخيل والبغال، فقال: ما هذا؟ فقالوا: مَراكب الخلافة. فقال: ما لي ولها، نَحُّوها عنِّي، قربوا مني بغلتي، فقُرِّبت إليه بغلته، وأمر بمراكب الخلافة أن تُباع ويجعل ثمنها في بيت مال المسلمين، وقال: تكفيني بغلتي هذه الشهباء (١).\nوكان دخله قبل الخلافة أربعين ألف دينار، فترك ذلك كله إلا أربعمائة دينار في كل سنة، ونظر إلى ما في يديه من أرض أو متاع فخرج منه، حتى إنه رّد فصّ خاتم في يده إلى بيت المال، وقال: هذا مما أعطانيه الوليد بن عبد الملك من غير حقه (٢).\n٢ - بعد أن بدأ بنفسه بدأ بأهله، فسأل زوجته فاطمة بنت عبد الملك عن الجوهر الذي عندها، من أين صار إليها؟ فقالت: أعطانيه أمير المؤمنين، فقال: إما أن ترديه إلى بيت المال، وإما أن تأذنيني في فراقك، فإني أكره أن أكون أنا وأنت وهو في بيت، قالت: لا، بل أختارك على أضعافه لو كان لي، فوضعته في بيت المال (٣).\n٣ - بعد أن أصلح عمر نفسه وأهله، بدأ بإصلاح أوضاع بني أمية، فأخذ ما بأيديهم من المظالم وردها إلى أهلها، وإلى بيت المال إن لم يكن لها أهل، وسمى أموالهم مظالم، وأمر مناديه أن يُنادي في الناس: من كانت له\n_________\n(١) انظر: مناقب عمر بن عبد العزيز، لابن الجوزي ص ٦٢، ٦٥، وسير أعلام النبلاء ٥/ ١٢٦، وتاريخ الخلفاء للسيوطي ص ٢٣١.\n(٢) انظر: طبقات ابن سعد ٥/ ٣٤١ - ٣٤٤، ومناقب عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي ص ١٣٢، والبداية والنهاية ٩/ ٢٠٨، وسير أعلام النبلاء ٥/ ١٢٨.\n(٣) انظر: طبقات ابن سعد ٥/ ٣٩٣، وسيرة عمر لابن الجوزي، ص ١٢٧، وسير أعلام النبلاء، ٥/ ١٢٩، والبداية والنهاية، ٩/ ٢٠٨.","vol":"1","page":275},{"text":"مظلمة فليرفعها، وجاء كل من كانت له مظلمة فجعل يرد المظالم مظلمة مظلمة (١) وأخذ جميع الأموال التي أخذها بنو مروان بغير استحقاق، فوضعها في بيت مال المسلمين (٢).\n٤ - كتب إلى الولاة على الأمصار الإِسلامية يأمرهم بطاعة الله، وينهاهم عن معصيته، ويخوفهم من عقابه، ويرغبهم في ثوابه، ويزهدهم في الدنيا، ويضرب لهم الأمثال بمن مضى ممن كان قبلهم من الخلفاء والولاة، وأنهم قد ذهبوا إلى ما قدموا من أعمال، فمنهم الرابح، ومنهم الخاسر، وأمرهم بالعدل مع الرعية، ونهاهم عن الظلم، وأمرهم برد جميع المظالم إلى أهلها، وعزل بعضهم عن الولاية وَوَلَّى من هو أصلح منه، واستدعى بعضهم إلى الحضور لديه ليحاسبه على جوره وظلمه، وحذر الولاة من أخذ الرشوة والهدية من الرعية (٣) وأمر الولاة بوضع الجزية عمن أسلم من اليهود والنصارى، حيث كان بنو أمية لا يضعون الجزية عمن أسلم، فأسلم بذلك خلق كثير، ومن هؤلاء أهل خراسان، فقد أسلم منهم أربعة آلاف في وقت قصير بسبب هذه الحكمة العظيمة (٤).\n٥ - من أعظم مواقفه الحكيمة في إصلاح الأوضاع في الدولة الأموية ما أحياه في النفوس من خوف الله ومراقبته، وغرس ذلك في نفوس الناس، ومن ذلك أنه في يوم الجمعة يخطب الناس، فبكى يومًا، وبكى الناس معه\n_________\n(١) انظر: طبقات ابن سعد ٥/ ٣٤١ - ٣٤٤، ومناقب عمر لابن الجوزي، ص ١٢٥ - ١٢٧، والبداية والنهاية، ٩/ ٢٠٠ - ٢١٣.\n(٢) انظر: مناقب عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي، ص ١٣٣ - ١٤١، وطبقات ابن سعد، ٥/ ٣٤١ - ٣٤٤، والبداية والنهاية، ٩/ ٢١٣، وسير أعلام النبلاء، ٥/ ١٢٩.\n(٣) انظر: مناقب عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي، ١٣٣ - ١٤١، وطبقات ابن سعد، ٥/ ٣٤١ - ٣٤٤، والبداية والنهاية، ٩/ ٢١٣، وسير أعلام النبلاء، ٥/ ١٢٩.\n(٤) انظر: طبقات ابن سعد ٥/ ٣٤١ - ٣٤٤، وسيرة عمر لابن الجوزي ص ١٠٠ - ١٢٤، ٢٠٦، ٢٢٢، وسير أعلام النبلاء، ٥/ ١٢٦ - ١٣٧، ٥/ ١٤٧، والبداية والنهاية، ٩/ ١٨٨.","vol":"1","page":276},{"text":"حتى ارتج المسجد بالبكاء، وصار لحيطانه صوت بالبكاء (١).\n٦ - فقَّه الناس في دين الله، وغرس في قلوبهم حب الكتاب والسنة، وكان يرسل المرشدين إلى البادية؛ ليُفقِّهوا الناس في الدين (٢).\n٧ - لم يكتف عمر بن عبد العزيز بالخطوات الحكيمة السابقة في إصلاح أوضاع المسلمين في الدولة الأموية، بل اهتم بأمور غير المسلمين، فأرسل الدعاة إلى الله - ﷿ -؛ ليبلغوا الناس دعوة الإِسلام، ومن ذلك أنه أرسل إلى أفريقيا مجموعة من الدعاة، فأسلم على أيديهم أمم هائلة من البربر وغيرهم.\nوبتوفيق الله ثم بهذه الخطوات الحكيمة السبع، ظهرت مواقف عمر الحكيمة في إصلاح الأمة وتجديد الدين، ونفع الله به البلاد والعباد، وأنقذ الله به من الظلم (٣).\n_________\n(١) انظر: سيرة عمر لابن الجوزي ص ٢١٨، ٢٢٢، ٢٢٥، وسير أعلام النبلاء ٥/ ١٣٧، ١٣٨، والبداية والنهاية ٩/ ٢٠٤.\n(٢) انظر: سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز الخليفة الزاهد، ص ٩٢.\n(٣) انظر: تاريخ الخلفاء للسيوطي ص ٢٣٨، والتاريخ الإسلامي، لمحمود شاكر ٤/ ٢٤٦.","vol":"1","page":277},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-98>المطلب الرابع\nمن مواقف أبي حنيفة النعمان بن ثابت </span>﵀\nالإِمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت (١) له مواقف حكيمة كثيرة (٢) منها موقفه العظيم الحكيم مع الملحدين في دعوتهم إلى الله - تعالى -، وأنه رب كل شيء ومليكه.\nيذكر أنه اجتمع طائفة من الملاحدة بأبي حنيفة - ﵀ - فقالوا: ما الدلالة على وجود الصانع؛ فقال: دعوني، فخاطري مشغول بأمر غريب. قالوا ما هو؟ قال: بلغني أن في دجلة سفينة عظيمة مملوءة من أصناف الأمتعة العجيبة، وهي ذاهبة وراجعة من غير أحد يحركها ولا يقوم عليها، فقالوا له: مجنون أنت؟ قال: وما ذاك؟ قالوا: إن هذا لا يصدقه عاقل. فقال لهم: فكيف صدقت عقولكم أن هذا العالم بما فيه من الأنواع والأصناف والحوادث العجيبة، وهذا الفلك الدوَّار السيَّار يجري، وتحدث هذه الحوادث من غير محدث، وتتحرك هذه المتحركات بغير محرك؟ فرجعوا على أنفسهم بالملام (٣) وهذا من أعظم مواقف الحكمة في الدعوة إلى الله، فقد استدل على الخالق بوجود المخلوق، فليس هناك من مخلوق إلا وله خالق ومدبر وهو الله ﷿، كما أنه ليس هناك من صنعة إلا ولها صانع، ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم.\n_________\n(١) هو الإِمام النعمان بن ثابت بن زوطي التميمي الكوفي، أحد أئمة الإِسلام والسادة الأعلام، ولد سنة ٨٠هـ في حياة صغار الصحابة، ورأى أنس بن مالك لما قدم عليهم الكوفة، توفي - ﵀ - سنة ١٥٠ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء ٦/ ٣٩٠، والبداية والنهاية ١٠/ ١٠٧.\n(٢) انظر: نماذج من مواقف أبي حنيفة الحكيمة في سير أعلام النبلاء ٦/ ٤٠٢، وأعلام المسلمين - أبو حنيفة، لوهبي سليمان غاوجي ٥/ ٣٥٥، ٥/ ١٢١، ٣٥٤.\n(٣) انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ٣/ ١٢٧، والرياض الناضرة للسعدي ص ٢٥٨.","vol":"1","page":278},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-99>المبحث الرابع\nمواقف أتباع التابعين </span>توطئة.\nالمطلب الأول: مواقف الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى.\nالمطلب الثاني: مواقف الإمام الشافعي رحمه الله تعالى.\nالمطلب الثالث: مواقف الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى.","vol":"1","page":279},{"text":"توطنة أتباع التابعين هم من القرون المفضلة التي امتدحها رسول الله ﷺ بقوله: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم. .». \" (١). ولتابعي التابعين مواقف حكيمة في دعوتهم إلى الله - تعالى -، وسأذكر منها - بعون الله - نماذج في المطالب التالية:\nالمطلب الأول: مواقف الإِمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى.\nالمطلب الثاني: مواقف الإِمام الشافعي رحمه الله تعالى.\nالمطلب الثالث: مواقف الإِمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى.\n_________\n(١) البخاري مع الفتح ٥/ ٢٥٩، ومسلم ٤/ ١٩٦٤، وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":281},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-100>المطلب الأول\nمن مواقف الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى</span>\nللإِمام مالك (١) - ﵀ - مواقف حكيمة مشرفة، منها على سبيل المثال ما يلي:\n١ - من أعظم مواقف الحكمة التي وقفها: موقفه مع من سأله عن الاستواء. فقد جاء إليه رجل وقال: يا أبا عبد الله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] (٢) كيف استوى؟ فما وجد مالك من شيء ما وجد من مسألته، فنظر إلى الأرض، وجعل ينكت بعود في يده حتى علاه الرحضاء (٣) ثم رفع رأسه ورمى بالعود، وقال: \" الكيف منه غير معقول، والاستواء منه غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وأظنك صاحب بدعة \" وأمر به فأُخْرِجَ (٤).\nوهذا موقف حكيم مُسدّد؛ لأنه أجاب بالإِجابة الصحيحة بعد التأمل والتفكر، فكانت هذه الإِجابة قاعدة ثابتة لأهل السنة والجماعة، تُجْرَى عليها صفات الله - تعالى - كلها، فالكيف للصفة مجهول لنا لا نعرف كيفيتها؛ لأن الله لم يخبرنا بالكيفية، والصفة معلومة بدليلها من الكتاب والسنة الصحيحة أو بأحدهما، والإِيمان بالصفة - التي تثبت بالدليل - واجب، والسؤال عن كيفية الصفة بدعة، وليس المراد بنفي الكيفية تفويض المعنى المراد من الصفات، بل كل صفة من صفات الله - تعالى -\n_________\n(١) الإمام مالك بن أنس بن أبي عامر بن عمرو، إمام دار الهجرة، ولد سنة ٩٣ هـ عام موت أنس بن مالك بن النضر، خادم رسول الله ﷺ، وطلب العلم بصدق وإخلاص، فكان أًحد الأئمة الأربعة، فنفع الله به المسلمين، وتوفي عام ١٧٩ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء ٨/ ٤٩ - ١٣٥، والبداية والنهاية ١٠/ ١٧٤، وتهذيب التهذيب ١٠/ ٥.\n(٢) سورة طه، الآية ٥.\n(٣) العرق إثر الحمى، أو عرق يغسل الجلد كثرة. انظر: المعجم الوسيط، مادة (رحض) ١/ ٣٣٤.\n(٤) أبو نعيم في الحلية ٦/ ٣٢٥، وانظر: سير أعلام النبلاء ٨/ ١٠٠، ١٠١، ١٠٦، ومجموع فتاوى ابن تيمية ٥/ ٢٦، ٥/ ١٤٤.","vol":"1","page":282},{"text":"تدل على معنى حقيقي نؤمن به ونثبته لله كما يليق بجلاله (١).\n٢ - من مواقفه الحكيمة ما ردّ به على بعض العُبَّاد حينما كتب إليه يعظه ويحضه على الانفراد والعزلة عن الناس، ويحضه على العمل، فكتب إليه مالك: \" إن الله قسم الأعمال كما قسم الأرزاق، فربّ رجل فُتحَ له في الصلاة ولم يُفتَحْ له في الصوم، وآخر فتح له في الصدقة ولم يفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الجهاد، فنشر العلم من أفضل أعمال البر، وقد رضيت بما فُتحَ لي فيه، وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه، وأرجو أن يكون كلانا على خير وبر \" (٢).\nوهذا الرد الحكيم المسدد مما يدل على فقه الإِمام مالك وحكمته، فإن نشر العلم خير أعمال البر، وأفضل من نوافل الصلاة والصوم والصدقة وغير ذلك من نوافل العبادات، لقوله ﷺ: «من دلّ على خير فله مثل أجر فاعله» (٣).\nوقوله ﷺ: «فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من أن يكون لك حمر النعم» (٤).\nفرحم الله مالكًا فقد نطق بالحكمة، وطبق ما كان يقوله ويُرغِّبُ فيه الناس، فكان هو أولى به حيث قال: \" بلغني أنه ما زهد أحد في الدنيا واتقى إلا نطق بالحكمة \" (٥).\n_________\n(١) انظر: فتاوى ابن تيمية ٥/ ٥ - ١٢١.\n(٢) انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي ٨/ ١١٤.\n(٣) مسلم، كتاب الإمارة، باب فضل إعانة الغازي في سبيل الله ٣/ ١٥٠٦.\n(٤) البخاري مع الفتح ٧/ ٤٧٦، ومسلم ٤/ ١٨٧١، وتقدم تخريجه.\n(٥) انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي ٨/ ١٠٩.","vol":"1","page":283},{"text":"ولهذا قال الإِمام الذهبي (١) \" إلى فقه مالك المنتهى، فعامة آرائه مسددة \" (٢).\nولكن الإِمام مالكًا قد أنصف حينما رسم للناس قاعدة يسيرون عليها، حيث قال: \" كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر ﷺ \" (٣).\nوهذا كلام حكيم وعظيم يدل على أن جميع الناس ليسوا معصومين من الخطأ، إنما الذي قد عُصِمَ في تبليغ الشريعة هو محمد ﷺ.\n٣ - والإِمام مالك كان يصدع بالحق ولا تأخذه في الله لومة لائم، ومن ذلك قول الإِمام الشافعي: \" كان مالك إذا جاءه بعض أهل الأهواء، قال: أما إني على بينة من ربي وديني، وأما أنت فشاك، اذهب إلى شاك مثلك فخاصمه \" (٤).\nوهذا الكلام من الدعوة إلى الله بالحكمة؛ لأن من الناس من يحتاجون إلى الغلظة أحيانًا، ولا يخرج ذلك عن الحكمة؛ لأن الله - تعالى - وهو أحكم الحاكمين - قال لأحكم الناس أجمعين: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التحريم: ٩] (٥) وقال: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦] (٦).\n_________\n(١) هو الإِمام شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، ولد - ﵀ - في شهر ربيع الآخر سنة ٦٧٣ هـ، بدأ بطلب العلم مبكرًا، ورحل في طلبه، وبرع فيه، ثم عمي قبل موته بأربع سنين أو أكثر بماء نزل في عينيه، وتوفي - ﵀ - ليلة الاثنين ثالث ذي القعدة قبل نصف الليل سنة ٧٤٨ هـ، وله آثار علمية بلغت نحوًا من ٢١٥ مؤلفًا - ﵀ -. انظر: البداية والنهاية ١٤/ ٢٢٥، ومقدمة سير أعلام النبلاء ١/ ١٢ - ١٤٠.\n(٢) انظر: سير أعلام النبلاء ٨/ ٩٢.\n(٣) انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي ٨/ ٩٣.\n(٤) انظر: حلية الأولياء ٦/ ٣٢٤، وسير أعلام النبلاء ٨/ ٩٩.\n(٥) سورة التحريم، الآية ٩.\n(٦) سورة العنكبوت، الآية ٤٦.","vol":"1","page":284},{"text":"وللإمام مالك مواقف حكيمة كثيرة لا يتسع المقام لذكرها (١).\n_________\n(١) انظر: مواقف له حكيمة في: حلية الأولياء ٦/ ٣٢٥، وسير أعلام النبلاء، ٨/ ٩٤، ٩٨، ٩٩، وانظر: مواقفه مع بني أمية وحكمه في طلاق المكره وعدم وقوعه في سير أعلام النبلاء ٨/ ٨٠، ٩٥، ٩٦.","vol":"1","page":285},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-101>المطلب الثاني\nمن مواقف الإمام الشافعي ﵀</span>\nللإِمام الشافعي (١) ﵀ - مواقف حكيمة تدل على حكمته وصدقه وإخلاصه، ومن مواقفه - رحمه الله تعالى -.\nموقفه مع أهل الكلام ودفاعه عن علم الكتاب والسنة: وقف الشافعي - ﵀ - موقفًا حكيمًا مسددًا مع أهل الكلام (٢) فقال - رحمه الله تعالى -: \" حكمي في أهل الكلام: أن يضربوا بالجريد والنعال، ويحملوا على الإِبل، ويطاف بهم في الأسواق والعشائر، يُنادى عليهم ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على علم الكلام \" (٣).\n_________\n(١) هو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن السائب، يلتقي مع النبي ﷺ في عبد مناف، ولد في غزة، وقيل: بعسقلان، سنة ١٥٠ هـ، ومات أبوه وهو صغير فحملته أمه إلى مكة وهو ابن سنتين، فنشأ بها وقرأ القرآن، ورحل إلى مالك في المدينة وعرض عليه الموطأ بعد حفظه له، ثم رجع إلى مكة، ورحل إلى اليمن، ثم حمل إلى العراق سنة ١٨٤ هـ، ثم عاد إلى مكة ثلاث مرات، ثم رحل من العراق إلى مصر، وبقي بها حتى توفي سنة ٢٠٤ هـ. انظر: البداية والنهاية ١٠/ ٢٥١.\n(٢) العلم بالدين علمان: العلم بالأمور الخبرية الاعتقادية، كالعلم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وأخبار الأنبياء، وأحوال الملائكة وصفاتهم وأعمالهم، ويدخل في ذلك الجنة والنار. . . والجدال في هذا القسم بالعقل يسمى: كلامًا.\nالثاني: الأمور العملية من أعمال الجوارح والقلوب كالواجبات والمحرمات والمستحبات والمكروهات والمباحات، وهذا من جهة كونه علمًا واعتقادًا أو خبرًا صادقًا أو كاذبًا يدخل في القسم الأول، ومن جهة كونه مأمورًا به أو منهيًّا عنه يدخل في القسم الثاني. انظر: فتاوى ابن تيمية ١١/ ٣٣٥، ٣٣٦، ١٩/ ١٣٤.\nفالجدال في علم العقائد يسمى كلامًا، والسلف الصالح حينما يذمون علماء الكلام فهم يريدون من يتكلم في الدين بغير طريقة المرسلين، عليهم الصلاة والسلام، وهذا هو الذي ذمه الشافعي - ﵀ -. انظر: فتاوى ابن تيمية ١٢/ ٤٦٠، ٤٦١.\n(٣) انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي ١٠/ ٢٩، والبداية والنهاية ١٠/ ٢٥٤، وفتاوى ابن تيمية ١٦/ ٤٧٣.","vol":"1","page":286},{"text":"وقال: \" مذهبي في أهل الكلام تقنيع رؤوسهم بالسياط، وتشريدهم في البلاد \" (١).\nوقال: \" حكمي في أهل الكلام حكم عمر في صبيغ \" (٢).\nوغرس الشافعي في نفوس الناس بغض الكلام وأهله، وحب الكتاب والسنة والتمسك بهما، قال يونس بن عبد الأعلى الصدفي (٣) قلت للشافعي: إن صاحبنا الليث (٤) كان يقول: إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة. فقال الشافعي - ﵀ -: قصر الليث - ﵀ -، بل إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء ويطير في الهواء فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب (٥).\nوجاء رجل من أهل الكلام إلى الشافعي - وهو في مصر - فسأله عن مسألة من الكلام فقال له الشافعي: أتدري أين أنت؟ قال الرجل: نعم. قال: هذا الموضع الذي أغرق الله فيه فرعون، أبلغك أن رسول الله ﷺ أمر بالسؤال عن ذلك؟ قال: لا. قال: هل تكلّم فيه الصحابة؟ قال: لا. قال: هل تدري كم نجمًا في السماء؟ قال: لا. قال: فكوكب منها، تعرف جنسه، طلوعه، أفوله، مم خُلق؟ قال: لا. قال: فشيء تراه بعينك من الخلق لست تعرفه، تتكلم في علم خالقه؟ ثم سأله الشافعي عن مسألة\n_________\n(١) انظر: سير أعلام النبلاء ١٠/ ٢٩.\n(٢) قدم صبيغ بن عسل الحنظلي المدينة فجعل يسأل عن متشابه القرآن، فأرسل إليه عمر، وقال: من أنت؟ قال: أنا عبد الله صبيغ. قال: وأنا عبد الله عمر، فضربه بعراجين النخل حتى دمي رأسه، فقال: حسبك يا أمير المؤمنين، فقد ذهب الذي كنت أجده في رأسي. انظر: الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر ٢/ ١٩٨.\n(٣) يونس بن عبد الأعلى بن ميسرة، شيخ البخاري، أبو موسى الصدفي، ولد سنة ١٧٠هـ، وتوفي سنة ٢٦٤ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء ١٢/ ٣٤٨.\n(٤) هو الليث بن عاصم بن كليب، الإِمام القدوة العابد المصري، ولد سنة ١١٥ هـ، وتوفي سنة ٢١١ هـ انظر: تهذيب التهذيب ٨/ ٤١٩، وسير أعلام النبلاء للذهبي ١٠/ ١٨٨.\n(٥) أي: والسنة. انظر: شرح العقيدة الطحاوية ص ٥١٠، وسير أعلام النبلاء ١٠/ ٢٣.","vol":"1","page":287},{"text":"من الوضوء فأخطأ فيها، ففرعها على أربعة أوجه، فلم يصب في شيء من ذلك، فقال له: شيء تحتاج إليه في اليوم خمس مرات تدع علمه، وتتكلف علم الخالق؟ إذا \" هجس في ضميرك ذلك فارجع إلى الله، وإلى قوله - تعالى -: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ - إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٣ - ١٦٤] الآية (١) فاسْتَدَلّ بالمخلوق على الخالق، ولا تَتكلف علم ما لم يبلغه عقلك.\nفتاب الرجل (٢) على يد الشافعي من علم الكلام، وأقبل على فقه الكتاب والسنة (٣) وكان يقول بعد التوبة: \" أنا خلق من أخلاق الشافعي \" (٤).\nوقد أصبح هذا الرجل \" المزني \" عَلَمًا من أعلام الإِسلام في فقه الشافعي.\nفهذه المواقف الحكيمة في الدفاع عن الكتاب والسنة، وذم الكلام وأهله، والرد عليهم بأسلوب الحكمة، يدل دلالة واضحة على حكمة الشافعي ﵀.\nومما يدل على حكمته أيضًا أن الله تفضّل عليه وهدى على يديه كثيرًا من أهل الكلام فتركوا باطلهم، وأقبلوا إلى علم الكتاب والسنة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.\n_________\n(١) سورة البقرة، الآيتان ١٦٣، ١٦٤.\n(٢) وهذا الرجل الذي تاب من علم الكلام على يد الشافعي، هو المزني، الإمام العلامة علم الزهاد، أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى بن عمرو بن مسلم المزني المصري، تلميذ الشافعي، ولد سنة ١٧٥ هـ، وله المختصر في الفقه، وقد شرحه عدة من العلماء، توفي - ﵀ - سنة ٢٦٤ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي ١٢/ ٤٩٢.\n(٣) انظر: سير أعلام النبلاء ١٠/ ٢٥، ٢٦، ٣١، ٣٢.\n(٤) انظر: المرجع السابق ١٢/ ٤٩٢.","vol":"1","page":288},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-102>المطلب الثالث\nمن مواقف الإمام أحمد بن حنبل ﵀</span>\nللإمام أحمد (١) -﵀- مواقف حكيمة تدل على حكمته وصدقه مع الله، وإخلاصه، ومن مواقفه رحمه الله تعالى:\nموقفه الحكيم الذي حفظ الله به القرآن الحكيم: كان الناس أمة واحدة، ودينهم قائمًا، حتى ظهرت الخوارج، وكفَّرَتْ سادات الصحابة، ثم ظهرت الروافض والنواصب، وفي آواخر زمن الصحابة ظهرت القدرية، ثم ظهرت المعتزلة بالبصرة، والجهمية والمشبهة بخراسان في أثناء عصر التابعين مع ظهور السنة وأهلها؛ لأن الخلفاء والملوك والولاة لم يكن لهم دور في إظهار البدع والدعوة إليها، إلى ظهور المأمون (٢) فاستجلب كتب الأوائل، وعرَّب حكمة اليونان، ورفع الجهمية والمعتزلة والشيعة رؤوسهم، وأظهر المأمون عام ٢١٢هـ القول بخلق القرآن، وحمل الأمة على القول بذلك، ثم امتحن العلماء وعذبهم عام ٢١٨هـ (٣).\nوفي آخر حياته قبل موته بأشهر خرج إلى طرطوس لغزو الروم، وكتب إلى نائبه ببغداد يأمره أن يدعو الناس ويلزمهم بالقول بخلق القران، فألزم\n_________\n(١) الإمام حقًّا، وشيخ الإسلام صدقًا، أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، أحد الأئمة الأعلام، ولد ببغداد سنة ١٦٤هـ، وتوفي أبوه وهو ابن ثلاث سنين فكفلته أمه، وبدأ بطلب العلم، وحج سنة ١٨٧هـ، ثم رحل إلى صنعاء ليأخذ العلم عن عبد الرزاق صاحب المصنف، ثم عاد إلى بغداد، وواصل طلب العلم والتعليم، وتوفي يوم الجمعة ١٢/ ٤ / ٢٤١هـ، وحضر جنازته ألف ألف وخمسمائة ألف. انظر: سير أعلام النبلاء ١١/ ١٧٧، ١١/ ٣٤٠، والبداية والنهاية ١٠/ ٣٢٥، ١٠/ ٣٤٢، وتهذيب التهذيب لابن حجر ١/ ٦٢.\n(٢) المأمون، هو عبد الله بن هارون الرشيد، ولد سنة ١٧٠هـ، وبويع بالخلافة في ٢٥ محرم عام ١٩٨هـ، وكان داعية للقول بخلق القران فقصمه الله بدعوة الإمام أحمد، وتوفي في ٢٥ محرم، سنة ٢١٨هـ. انظر البداية والنهاية ١٠/ ٢٧٤.\n(٣) سير أعلام النبلاء ١١/ ٢٣٦، وتاريخ الحلفاء للسيوطي ص ٣٠٦، والتاريخ الإسلامي لمحمود شاكر ٥/ ١٩٧ - ٢٠٠.","vol":"1","page":289},{"text":"الناس بذلك، وبعث بجماعة من أهل الحديث إلى المأمون، فامتحنهم بخلق القران، فأجابو وأظهروا موافقته وهم كارهون، فردهم إلى بغداد، وأمر بإشهار أمرهم بين الفقهاء ففعل نائبه ذلك، وأحضر خلقًا كثيرًا من أئمة الحديث والفقهاء وأئمة المساجد وغيرهم، ودعاهم إلى القول بخلق القرآن عن أمر المأمون، وذكر لهم موافقة أولئك المحدِّثين له على ذلك، فأجاب منهم جماعة (١) وما زال يُهدّد من امتنع منهم بالضرب وقطع الأرزاق، حتى أجابوه إلى ذلك كلهم أجمعون إلا أحمد بن حنبل، ومحمد بن نوح (٢) ولا شك أن أكثر المحدثين الذين أجابوا إلى ذلك تأولوا قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] (٣).\nثم قُيِّد الِإمام أحمد ومحمد بن نوح بالحديد، وحملا إلى المأمون، وعندما وصلا إلى جيش الخليفة ونزلا دونه بمرحلة جاء خادم من الجيش وهو يمسح دموعه بطرف ثوبه، ويقول للِإمام أحمد: يعز علي يا أبا عبد الله أن المأمون قد سل سيفًا لم يسله قبل ذلك، ويقسم لئن لم تُجبه إلى القول بخلق القرآن ليقتلنَّك بذلك السيف، فجثى الإمام أحمد على ركبتيه، ورمق بطرفه إلى السماء، وقال: اللهم فإن يكن القرآن كلامك غير مخلوق فاكفنا مؤونته. فجاء الصريخ بموت المأمون في الثلث الأخير من الليل، ففرح أحمد، ثم جاء الخبر بأن المعتصم قد ولي الخلافة، وقد انضم إليه أحمد بن\n_________\n(١) انظر: البداية والنهاية ١٠/ ٢٧٢، ٣٣١.\n(٢) محمد بن نوح، قال عنه أحمد: ما رأيت أحدًا على حداثة سنه وقدر علمه أقوم بأمر الله من محمد بن نوح، قال لي ذات يوم: يا أبا عبد الله، الله الله، إنك لست مثلي، أنت رجل يقتدى بك، قد مد الخلق أعناقهم إليك لما يكون منك، فاتق الله، واثبت لأمر الله،. . . فمات وصليت عليه ودفنته. انظر: سير أعلام النبلاء ١١/ ٢٤٢.\n(٣) سورة النحل، الآية ١٠٦.","vol":"1","page":290},{"text":"أبي دؤاد (١) وأن الأمر شديد، فُرِّد أحمد ومحمد إلى بغداد في سفينة مع بعض الأسارى، ومات محمد بن نوح في الطريق، فصلى عليه أحمد (٢) ووصل أحمد إلى بغداد في رمضان سنة ٢١٨هـ وأُودع السجن نحوًا من ثمانية وعشرين شهرًا، وقيل أكثر من ثلاثين شهرًا، وقد كان في هذه المدة يصلي بأهل السجن والقيود في رجليه (٣) وكان المعتصم يوجه إليه من يناظره في السجن فيفوز عليهم الإمام أحمد بحجته ودليله، فيُزَاد في قيوده، ثم طلب المعتصم حضوره لديه، فَحُمِلَ على دابة وعليه الأقياد، ما معه من يمسكه إلا الله، وكاد أن يسقط على وجهه لثقل القيود، ولكن الله سلَّم، ثم دخل على المعتصم وأحمد بن أبي دؤاد حاضر عنده، وقد جمع خلْقًا كثيرًا من أصحابه (٤) ثم قال المعتصم لأعوانه: ناظروه، فقيل له: ما تقول في القرآن؛ فقال أحمد: ما تقول في علم الله؛ فسكت المناظر له، فقال أحمد: من زعم أن علم الله مخلوق فقد كفر بالله. فقالوا: يا أمير المؤمنين كَفَرَ وكَفَّرنا.\nفقال بعضهم: أليس قال الله: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢] (٥) والقرآن أليس شيئا؟ فقال أحمد: قال الله: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥] (٦) فدمرت كل شيء إلا ما أراد الله.\n_________\n(١) أحمد بن أبي دؤاد فرج بن جرير بن مالك المعتزلي، ولد سنة ١٦٠هـ، ولي قضاء القضاة للمعتصم، ثم للواثق، وأعلن مذهب المعتزلة، وحمل السلطان على امتحان الناس بخلق القرآن، وأن الله لا يُرى في الآخرة، وابتلاه الله بالفالج قبل موته بأربع سنين، وحُرِمَ لذة الطعام والشراب والنكاح، وغير ذلك، توفي يوم السبت لسبع بقين من محرم سنة ٢٤٠هـ. انظر: البداية والنهاية ١٠/ ٣١٩ - ٣٢٢.\n(٢) انظر: سير أعلام النبلاء ١١/ ٢٤٢.\n(٣) انظر: سير أعلام النبلاء ١١/ ٣٤٢، ٣٤٣، والبداية والنهاية ١٠/ ٣٣٢.\n(٤) انظر: سير أعلام النبلاء ١١/ ٣٤٣، والبداية والنهاية ١٠/ ٣٣٢.\n(٥) سورة الزمر، الآية ٦٢.\n(٦) سورة الأحقاف، الآية ٢٥.","vol":"1","page":291},{"text":"قال أحمد: فكان يتكلم هذا فأرد عليه، ويتكلم هذا فأرد عليه، فإذا انقطع الرجل منهم اعترض ابن أبي دؤاد فيقول: يا أمير المؤمنين، هو والله ضالّ مُضِلّ مبتدع، فيقول المعتصم: كلِّموه، ناظروه، فيكلمني هذا فأرد عليه، ويكلمني هذا فأرد عليه، فإذا انقطعوٍا قال المعتصم: ويحك يا أحمد ما تقول؛ فأقول: يا أمير المؤمنين أعطوني شيئا من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ حتى أقول به. فيقول أحمد بن أبي دؤاد: وأنت لا تقول إلا بهذا وهذا؟ (١) فقال أحمد: وهل يقوم الِإسلام إلا بهما؛ وجرت مناظرات طويلة.\nقال أحمد: لقد احتجوا علي بشيء ما يقوى قلبي ولا ينطلق لساني أن أحكيه، أنكروا الآثار، وما ظننتهم على هذا حتى سمعته، وجعلوا يرغون، يقول الخصم كذا وكذا، فاحتججت عليهم بالقرآن: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ﴾ [مريم: ٤٢] (٢) أفهذا منكر عندكم؟ فقالوا: شبَّه يا أمير المؤمنين، شبَّه. وطال المجلس، وقام المعتصم ورُدَّ أحمد إلى حبس في البيت، ثم وجه إليه من يبيت معه ويناظره، ثم أُحضِرَ أحمد في اليوم الثاني وناظروه إلى قرب الزوال، ثم قام المعتصم ورد أحمد إلى مكانه، وفي اليوم الثالث جيء به فناظروه، وفي هذه الأيام كلها يعلو صوته صوتهم، وتغلب حجته حجتهم، فغلبهم بالحجة والبرهان (٣) حتى قال عنه صاحب شرطة المعتصم (٤) ما رأيت أحدًا لم يداخل السلطان، ولا خالط الملوك كان أثبت قلبًا من أحمد يومئذ، ما نحن في عينه إلا كأمثال الذبان (٥).\n_________\n(١) يعني القرآن والسنة!!.\n(٢) سورة مريم، الآية ٤٢.\n(٣) انظر: سير أعلام النبلاء ١١/ ٢٤٤ - ٢٥٠، والبداية والنهاية ١٠/ ٣٣٣.\n(٤) صاحب شرطة المعتصم، هو: محمد بن إبراهيم بن مصعب، وهو أخو إسحاق بن إبراهيم بن مصعب، نائب المأمون على بغداد. انظر: البداية والنهاية ١٠/ ٢٧٢، ١٠/ ٣٣١، وسير أعلام النبلاء ١١/ ٢٤٠.\n(٥) انظر: سير أعلام النبلاء ١١/ ٢٤٠.","vol":"1","page":292},{"text":"وطالت المناظرة، فغضب المعتصم وقال لأحمد: لعنك الله طمعت فيك أن تجيبني فلم تجبني، ثم قال: خذوه واسحبوه، خلِّعوه، فأُخِذَ وسُحِبَ وخُلِّع وجُرِّدَ، ووقف به بين الجمهور؛ لجلده وتعذيبه، فقال أحمد: \"يا أمير المؤمنين، اذكر وقوفك بين يدي الله كوقوفي بين يديك \".\nفلما رأى المعتصم ثباته وتصميمه وصلابته فكأنه أمسك حتى أغراه أحمد بن أبي داؤد، وقال: \"يا أمير المؤمنين، إن تركته قيل: قد ترك مذهب المأمون، وسخط قوله \"، فهاجه ذلك على ضربه، ثم بدأ الجلادون يضربون، فيتقدم الرجل منهم فيجلده سوطين، والمعتصم يقول: شد قطع الله يدك.\nوأُغمِيَ على أحمد، وذهب عقله مرارًا، ويعيدون الضرب ولم يحس بالضرب، وجاء المعتصم إليه ثلاث مرات وهو يُجْلَد يدعوه إلى القول بخلق القران، فيمتنع، ويعيدون الضرب، ثم أمر المعتصم بإطلاقه، بعد أن ضُرِبَ نيفًا وثلاثين سوطًا، وقيل ثمانين سوطًا، ولكنه كان ضربًا مبرحًا، ولم يشعر الإمام أحمد إلا وهو في حجرة من بيت، وقد أطلقت الأقياد من رجليه، ثم أمر المعتصم بإطلاقه إلى أهله، وكان ذلك في ٢٥ رمضان سنة ٢٢١هـ، ووصل إلى بيته (١) وجاء إليه طبيب في بيته فقال: قد رأيت من ضُرِبَ ألف سوط، ما رأيت ضربًا مثل هذا، وجعل يعالجه ويقطع اللحم الميت من جسده، وأحمد صابر، ويجهر بحمد الله، وبقي أثر الضرب في ظهره حتى مات - ﵀- (٢) وجعل كل من آذاه في حل بعد أن شفاه الله إلا أهل البدع، وكان يتلو في ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [الشورى: ٤٠] (٣).\n_________\n(١) انظر: سير أعلام النبلاء ١١/ ٢٥٠ - ٢٥٤، والبداية والنهاية ١٠/ ٣٣٢ - ٣٣٥.\n(٢) انظر: سير أعلام النبلاء ١١/ ٢٥٦، والبداية والنهاية ١٠/ ٣٣٥.\n(٣) سورة الشورى، الآية ٤٠.","vol":"1","page":293},{"text":"وبعد أن توفي المعتصم، وولي الخلافة الواثق (١) فأظهر ما أظهر والده من القول بخلق القرآن، ثم جاءت رسالة إسحاق بن إبراهيم إلى أحمد، يقول فيها: \"إن أمير المؤمنين قد ذكرك فلا يجتمعن إليك أحد، ولا تساكنني بأرض ولا مدينة أنا فيها، فاذهب حيث شئت من أرض الله\".\nفاختفى أحمد -﵀- بقية حياة الواثق في غير منزله، ثم عاد إلى منزله عندما طفئ خبره، ولم يزل مختفيًا في البيت لا يخرج إلى صلاة ولا إلى غيرها حتى هلك الواثق (٢) ثم ولي المتوكل (٣) الخلافة فأظهر الله السنة، وفرج عن الناس، وقمع البدع وأهلها، ونصر أهل السنة (٤).\nوكتب الإمام أحمد رسالة عظيمة إلى المتوكل، وبيَّن فيها الرد على من قال بخَلْق القرآن، واستدل على أن القران كلام الله بالبراهين القطعية من الكتاب والسنة والآثار عن الصحابة، ودعا للمتوكل بالتوفيق وحسن العاقبة (٥).\nالله أكبر! ما أعظم هذه المواقف الحكيمة نحو كتاب الله -تعالى- فإن الناس كلهم في الظاهر قد وافقوا المأمون على القول بخلق القرآن راغبين\n_________\n(١) هو الواثق بالله هارون بن المعتصم بن هارون الرشيد، ولد سنة ١٩٦هـ، وبويع بالخلافة بعد المعتصم في ربيع الأول ٢٢٧هـ، وتوفي في ذي الحجة سنة ٢٣٢هـ. انظر: سير أعلام النبلاء ١٠/ ٣٠٦.\n(٢) انظر: سير أعلام النبلاء ١١/ ٢٦٤.\n(٣) المتوكل على الله، هو جعفر بن محمد المعتصم بن هارون الرشيد، ولد سنة ٢٠٧هـ، وبويع بالخلافة بعد أخيه الواثق في ذي الحجة سنة ٢٣٢هـ، ونصر الله به الحق وأهل السنة، وقمع به أهل الباطل وبدعهم، ثم قتله ابنه محمد بمعاونة بعض أعداء الإسلام في شوال سنة ٢٤٧هـ، فرحمه الله وغفر له. انظر: البداية والنهاية ١٠/ ٣٤٩.\n(٤) انظر: سير أعلام النبلاء ١١/ ٢٦٨ - ٢٨٠، والبداية والنهاية ١٠/ ٣٣٨ - ٣٤٠.\n(٥) انظر: نص الرسالة في سير أعلام النبلاء ١١/ ٢٨١ - ٢٨٦، وهي من أعظم الرد على من قال بخلق القرآن، والبداية والنهاية ١٠/ ٣٤٠، وانظر: سير أعلام النبلاء ١١/ ١٧٧ - ٣٥٨، والبداية والنهاية ١٠/ ٣٢٥ - ٣٤٢.","vol":"1","page":294},{"text":"وراهبين، ولم يبق مُنكِرٌ لذلك إلا أحمد ومحمد بن نوح، ثم مات ابن نوح، وبقي أحمد وحده، فثبت واستعان بالله، فأثبت للناس أن القرآن كلام الله بقوله ومناظرته وفعله، وصبره على العذاب في عهد المأمون، ثم المعتصم (١) ثم الواثق، ولولا الله وحده ثم الإمام أحمد لساد القول بخلق القرآن بين المسلمين، وخاصة عامة الناس، ولكن الناس ينظرون إلى أحمد وثباته وحججه وبراهينه، فثبتوا على القول بأن القرآن كلام الله، منه بدأ وإليه يعود، وإن لم يظهروا ذلك للدولة، ولكن يعتقدون ذلك بقلوبهم، فحفظ الله كتابه، وأظهر الحق على يد الِإمام أحمد -رحمه الله تعالى- بهذه المواقف الحكيمة.\n_________\n(١) المعتصم: هو محمد بن هارون الرشيد، ولد سنة ١٨٠هـ، وأمه أم ولد، بويع في عهد المأمون في ١٤/ ٧ / ٢١٨هـ، وامتحن الناس بخلق القرآن، وشدد على الإمام أحمد وضربه بالسياط، وكتب إلى الأمصار يأمرهم بالقول بخلق القرآن، وبقي القول بخلق القرآن حتى أزاله المتوكل بعد ١٤ عامًا. مات المعتصم في ١١/ ٣ / ٢٢٤هـ، وله ٤٧ سنة وسبعة أشهر. انظر: سير أعلام النبلاء ١٠/ ٣٠٦.","vol":"1","page":295},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>المبحث الخامس\nنماذج من مواقف الحكمة عبر العصور </span>تمهيد.\nالمطلب الأول: مواقف الإمام منذر بن سعيد البلُّوطي رحمه الله تعالى.\nالمطلب الثاني: مواقف سلطان العلماء: العز بن عبد السلام رحمه الله تعالى.\nالمطلب الثالث: مواقف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.\nالمطلب الرابع: مواقف شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى.","vol":"1","page":297},{"text":"تمهيد بعد أن انقرضت القرون المُفضَّلة التي امتدحها رسول الله ﷺ بقوله: «خير الناس قرني، ثم الذين يَلُونهم». . . \". الحديث (١) بعد ذلك جاء أناس يشهدون ولا يستشهدون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم الضعف والخور، والبدع والخرافات، والصد عن دين الله، ولكن- وللَّه الحمد والمنة- لا يزال حفظ الله لهذا الدين قائمًا، لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] (٢) وتكفل الله باستمرار الحفظ إلى قيام الساعة، ولهذا قال ﷺ: «لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس» (٣).\nوبيَّن ﷺ أن الله يبعث لأمته على رأس كل قرن من يجدد لها دينها، ويبين لها أحكام الكتاب والسنة، فقال ﷺ: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها» (٤) وسأتناول- إن شاء الله- في هذا المبحث نماذج من أبطال الرجال وحكمائهم، وأبين بعض مواقفهم التي تظهر فيها الحكمة في الدعوة إلى الله- تعالى- في المطالب التالية:\n_________\n(١) البخاري مع الفتح ٥/ ٢٥٩، ومسلم ٤/ ١٩٦٤، وتقدم تخريجه.\n(٢) سورة الحجر، الآية ٩.\n(٣) أخرجه مسلم بلفظه في كتاب الِإمارة، باب قوله ﷺ: لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ٣/ ١٥٢٣، والبخاري مع الفتح- كتاب المناقب، باب حدثنا محمد بن المثنى ٦/ ٦٣٢.\n(٤) أبو داود ٤/ ١٠٩، والحاكم ٤/ ٥٢٢، وتقدم تخريجه ص٢٧٢.","vol":"1","page":299},{"text":"المطلب الأول: مواقف إمام علماء الأندلس: منذر بن سعيد البلُّوطي ﵀.\nالمطلب الثاني: مواقف سلطان العلماء: العز عبد العزيز بن عبد السلام ﵀.\nالمطلب الثالث: مواقف شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.\nالمطلب الرابع: مواقف الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀.","vol":"1","page":300},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-104>المطلب الأول\nمواقف الإمام منذر بن سعيد البلُّوطي</span>\nمنذر بن سعيد (١) البلُّوطي له مواقف حكيمة في دعوته إلى الله -تعالى- تدلُّ على حكمته، وفضله، وأنه لا تأخذه في الله لومة لائم ومن هذه المواقف الحكيمة على سبيل المثال ما يأتي:\n١ - موقفه الحكيم مع سلطان الأندلس: دخل المنذر بن سعيد يومًا على الناصر لدين الله (٢) وقد فرغ من بناء المدينة الزهراء وقصورها، حيث ساق إليها أنهارًا، نقب لها الجبل، وأنشأها مدوَّرةً، وعدة أبراجها ثلاث مئة بُرج، شرفاتها من حجر واحد، وقسَّمها أثلاثًا: فالثلث المسند إلى الجبل قصورهُ، والثلث الثاني دور المماليك والخدم، والثلث الثالث بساتين تحت القصور. وعمل مجلسًا مُشرفًا على البساتين، صَفّحَ عُمُدَه بالذهب، ورصَّعه بالياقوت، واللؤلؤ، وفرشه بمنقوش الرخام، وصنع قدَّامه بحرةً مستديرة ملأها زئبقًا، فكان النور ينعكس منه إلى المجلس، وقعد في هذه القبة المزخرفة بالذهب والبناء\n_________\n(١) هو: منذر بن سعيد بن عبد الله بن عبد الرحمن النَّفْزي القربطي، أبو الحاكم البلُّوطي، قاضي قضاة الأندلس في عصره، كان إمامًا عالمًا فصيحًا، خطيبًا بليغًا مفوهًا، شاعرًا أديبًا، فقيهًا محققًا، كثير الفضل، جامعًا لصنوف من الخير والتقوى والزهد، ولم تحفظ عليه قضية جور مدة ولايته، وله كتب في القرآن والسنة على أهل الأهواء، وله اختيارات، ومن تصانيفه: كتاب \"الإنباه عن الأحكام من كتاب الله\" وكتاب \"الإبانة عن حقائق أصول الديانة \"، واستسقى غير مرة، فأنزل الله المطر، وخطب يومًا فأعجبته نفسه، فقال: (حتى متى أعِظُ ولا أتعِظُ، وأزجر ولا أزدجر، أدلُّ على الطريق المستدلين، وأبقى مُقيمًا مع الحائِرين، كلا إن هذا لَهُو البلاء المبين. اللهم فرَغِّبْني لما خلقتني له، ولا تشغلني بما تكفَّلْتَ لي به)، وذكر أنه ولد -﵀- سنة ٢٦٥هـ، وقد توفى انسلاخ ذي الحجة، سنة ٣٥٥هـ. انظر: سير أعلام النبلاء، ١٦/ ١٧٣ - ١٧٨، والبداية والنهاية، ١١/ ٢٨٨، وشذرات الذهب في أخبار من ذهب؛ لعبد الحي بن العماد الحنبلي، ٣/ ١٧، والكامل في التاريخ لابن الأثير، ٧/ ٨٢، والأعلام لخير الدين الزِرِكْلي، ٧/ ٢٩٤، وتاريخ العلماء والرواة للعلم بالأندلس، لعبد الله بن محمد الأزدي بن الفارض، ٢/ ١٤٢.\n(٢) سلطان الأندلس عبد الرحمن بن محمد المدعو: أمير المؤمنين الناصر لدين الله، قام بغزوات عديدة، وفتح سبعين حصنًا، توفي في رمضان ٣٥٠هـ، انظر: سير أعلام النبلاء، ٨/ ٢٦٥، ١٥/ ٥٦٢.","vol":"1","page":301},{"text":"البديع الذي لم يسبق إليه، وجلس عنده جماعة من الأعيان رؤوس دولته وأمراؤه، فقال لهم: هل بلغكم أن أحدًا بنى مثل هذا البناء؟ فقال له الجماعة: لم نرَ ولم نسمع بمثله، وجعل جميع من حضر يثنون على ذلك البناء ويمدحونه وأثنوا وبالغوا، ومنذر بن سعيد القاضي ساكت مطرق لا يتكلم. فالتفت إليه الملك وقال: ما تقول أنت يا أبا الحكم؟ فبكى القاضي وانحدرت دموعه على لحيته، وقال: والله ما كنت أظن يا أمير المؤمنين أن الشيطان أخزاه الله يبلغ منك هذا المبلغ المهلك لصاحبه في الدنيا والآخرة، ولا أنك تمكِّنه من قيادك هذا التمكين مع ما آتاك الله وفضَّلك به على كثير من الناس، حتى أنزلك منازل الكافرين والفاسقين. فقال له الخليفة: انظر ما تقول وكيف أنزلني منازل الكافرين؟ فقال: قال الله -تعالى-: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ - وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ - وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٣ - ٣٥] (١) فنكس الناصر رأسه طويلًا، وبكى، ثم قال: جزاك الله عنَّا خيرًا وعن المسلمين، وأكثر في المسلمين مثلك، الذي قلت هو الحق ثم قام عن المجلس وأمر بنقض سقف القبة، ونزع الذهب والجواهر (٢).\nالله أكبر ما أحكمه من موقف نُزِعَ بسببه الذهب والجواهر، وغُيِّر به المنكر، وتأثر به الخليفة!.\nوقد خطب منذر بن سعيد خطبة عظيمة في يوم الجمعة عندما حضر\n_________\n(١) سورة الزخرف، الآيات ٣٣ - ٣٥.\n(٢) انظر: الكامل لابن الأثير، ٧/ ٨٢، والبداية والنهاية، ١١/ ٢٨٨، وسير أعلام النبلاء، ٨/ ٢٦٧ - ٢٦٨ و١٦/ ١٧٧.","vol":"1","page":302},{"text":"الناصر في جامع الزهراء (١) فأدخل في خطبته قوله- تعالى-: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ - وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ - وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ - فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ - وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ - أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ - وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ - إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٢٨ - ١٣٥] (٢) واسترسل يقول: ولا تقولوا: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ - إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ - وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٦ - ١٣٨] (٣) ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: ٧٧] (٤).\nوقد قيل: إن الناس ضجوا بالبكاء وتأثر الخليفة بهذه الخطبة.\nفرحم الله المنذر ما أحكمه!: وجزاه الله خيرًا.\n٢ - موقفه الحكيم في تأثيره على الناس: أصاب الناس قحط في بعض السنين، فأمر القاضي: منذر بن سعيد بالبروز إلى الاستسقاء بالناس، فصام أيامًا وتأهب. وقيل: إن عبد الرحمن الناصر هو الذي أمره بالاستسقاء للناس، فلما جاءته الرسالة قال للرسول: كيف تركت الملك؟ فقال: تركته أخشع ما يكون، وأكثره دعاءً وتضرعًا، ففرح منذر بن سعيد بذلك وأمر غلامه أن يحمل ما يَقِيهم من المطر، وقال. سُقِيتم والله إذا خشع جبار الأرض رحم جبار السماء. ثم قال لغلامه: نادِ في الناس بالصلاة فجاء الناس إلى محل الاستسقاء، ثم خرج القاضي منذر، راجلًا، متخشعًا، ثم وصل المصلي وقام ليخطب، والناس ينظرون\n_________\n(١) انظر: سير أعلام النبلاء، ١٦/ ١٧٧.\n(٢) سورة الشعراء، الآيات ١٢٨ - ١٣٥.\n(٣) سورة الشعراء، الآيات ١٣٦ - ١٣٨.\n(٤) سورة النساء، الآية ٧٧.","vol":"1","page":303},{"text":"إليه يسمعون ما يقول، فلما رأى الحال بكى، وافتتح خطبته بقوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ٥٤] (١) ثم أعادها مرارًا فضج الناس بالبكاء والنحيب والتوبة والإنابة، وقال: استغفروا ربكم، وتوبوا إليه، وتقربوا بالأعمال الصالحات لديه، فجأرُوا بالدعاء والتضرع، وخطب فأبلغ، فلم ينفض القوم حتى نزل غيث عظيم (٢).\nوأخبار هذا القاضي كثيرة حسنة جدًّا، ومنها: أنه استسقى مرةً فقال يهتف بالخلق: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ - إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [فاطر: ١٥ - ١٦] (٣) فهذا الموقف من أعظم المواقف الإيمانية الحكيمة؟ لأن الداعية إذا صدق مع الله- تعالى- وتأثر بما يدعو إليه، تأثر الناس في الغالب؟ ولهذا صدق منذر ففتح الله له قلوب الناس، واستجاب الله لهم فأنزل عليهم الغيث بفضله وكرمه.\nفحري بالدعاة إلى الله- تعالى- أن يسلكوا مسالك الحكمة في دعوتهم إلى الله تعالى.\n_________\n(١) سورة الأنعام، الآية ٥٤.\n(٢) انظر: الكامل لابن الأثير، ٧/ ٨٢، وسير أعلام النبلاء، ٦/ ١٧٦، والبداية والنهاية، ١١/ ٢٨٩.\n(٣) سورة فاطر، الآية ١٥ - ١٦.","vol":"1","page":304},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-105>المطلب الثاني\nمواقف سلطان العلماء: العز بن عبد السلام</span>\nالعز بن عبد السلام، الملقب بسلطان العلماء (١) له مواقف حكيمة كثيرة في دعوته إلى الله -تعالى-، فقد أزال بإنكاره الحكيم كثيرًا من المنكرات، وباشر تبطيل بعضها بنفسه، ومن ذلك: إبطاله كثيرًا من البدع المنتشرة: كصلاة الرغائب، وصلاة ليلة النصف من شعبان، وبدعة دق المنبر بالسيف (٢) وحكمته في بيع الملوك الأرقاء وصرف ثمنهم في بيت مال المسلمين (٣) وذوده الحكيم عن أموال المسلمين، ومن ذلك أن السلطان وعساكره- عندما دهمت التتار البلاد عقب وقعة بغداد- استشاروا الشيخ فقال: اخرجوا وأنا أضمن لكم على الله النصر، فقال السلطان: إن المال في خزانتي قليل وأنا أريد أن أقترض من التجار، فقال الشيخ عز الدين: إذا أحضرت ما عندك وعند حريمك، وأحضر الأمراء ما عندهم من الحلي الحرام وضربته سكةً ونقدًا، وفرقته في الجيش، ولم يقم بكفايتهم ذلك الوقت اطلب القرض، وأما قبل ذلك فلا. فأحضر السلطان والعسكر ما عندهم من ذلك وامتثلوا أمره فانتصروا بإذن الله -تعالى- (٤).\n_________\n(١) هو: عبد العزيز بن عبد السلام، بن أبي القاسم، الشافعي، له مصنفات حسان، جمع علومًا كثيرةً، وأفاد الطلبة، وولي خطابة دمشق، ثم سافر إلى مصر ودرّس بها وخطب، وحكم، وأعز الله به الإسلام والمسلمين، فلقبه شيخ الإسلام ابن دقيق العيد -تلميذه- بسلطان العلماء، وسيرته -﵀- مملوءةً بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصح للملوك والسلاطين، فلم تأخذه في الله لومة لائم. ولد -﵀- سنة ٥٧٧هـ، أو ٥٧٨هـ، وتوفي -﵀- في عاشر جمادى الأولى، سنة ٦٦٠هـ، وحضر جنازته السلطان الظاهر وخلق كثير ﵀.\nانظر: البداية والنهاية، ١٣/ ٢٣٥، وطبقات الشافية لعبد الوهاب بن تقي الدين السبكي، ٥/ ٨٠ - ١٠٢، والأعلام لخير الدين الزركلي، ٤/ ٢١.\n(٢) انظر: طبقات الشافعية للسبكي، ٥/ ٨٠.\n(٣) انظر: المرجع السابق، ٥/ ٨٤، وصفحات مطوية من حياة سلطان العلماء العز بن عبد السلام، لسليم بن عيد الهلالي، ص٣١.\n(٤) انظر. طبقات الشافعية، ٥/ ٨٣.","vol":"1","page":305},{"text":"ومن أعظم مواقفه الحكيمة التي تجلت حكمته فيها في دعوته إلى الله -تعالى- موقفه مع سلطان الديار المصرية: أيوب بن الكامل (١) فقد دخل سلطان العلماء مرةً إلى هذا السلطان في يوم عيد، فشاهد العسكر مصطفين بين يديه وقد خرج على قومه في زينته، وأخذت الأمراء تُقبِّل الأرض بين يديه، والعز بن عبد السلام يرى هذا الموكب العظيم، فالتفت -﵀- إلى السلطان، وناداه: يا أيوب! ما حجتك عند الله إذا قال لك: ألم أبويء لك ملك مصر ثم تبيح الخمور؟! فقال: هل جرى هذا؟ فقال العز: نعم الخانة الفلانية يباع فيها الخمور، وغيرها من المنكرات، وأنت تتقلب في نعمة هذه المملكة، يناديه كذلك بأعلى صوته والعساكر واقفون. فقال السلطان أيوب: يا سيدي! أنا ما عملته هذا في زمان أبي. فقال العز: أنت من الذين يقولون: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢] (٢) فرسم السلطان بإبطال تلك الخانة ومنع بيع الخمور. ورجع العز منتصرًا مسرورًا؟ لتغيير هذا المنكر، وقال له بعض تلاميذه (الباجي): يا سيدي كيف الحال؟ فقال العز بن عبد السلام: يا بني رأيته في تلك العظمة، فأردت أن أهينه؟ لئلا تكبر عليه نفسه فتؤذيه. فقال له: يا سيدي! أما خفته؟ فقال. والله يا بني لقد استحضرت هيبة الله -تعالى- فصار السلطان قدَّامي كالقط! (٣).\nالله أكبر ما أحكم هذا الموقف الذي بسببه أُزيلت أمّ المنكرات، وأم الخبائث، مع ما أُزيل معها من المنكرات الأخرى، وانتشار الخير بين الناس.\n- فرحم الله العز بن عبد السلام، وجزاه الله خيرًا، ورفع درجته.\n_________\n(١) هو الملك الصالح أيوب، ابن السلطان الملك الكامل محمد بن العادل، ولد سنة ٦٠٣ بالقاهرة، وتوفي في ليلة النصف من شعبان سنة ٦٤٧هـ، انظر: سير أعلام النبلاء، ٢٣/ ١٨٧ - ١٩٢.\n(٢) سورة الزخرف، الآية ٢٢.\n(٣) طبقات الشافعية، ٥/ ٨١ - ٨٢.","vol":"1","page":306},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>المطلب الثالث\nمن مواقف شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ </span>منذ نهاية القرن الرابع الهجري بدأت عوامل الضعف والانحلال تدب في كيان الأمة الإسلامية، وتوالت عليهم المحن والنكبات، فتعرضوا لموجات التتار من الشرق، والحروب الصليبية من الغرب، وبقيت بلاد الشام حوالي قرنين من الزمان تحت حكم الأوربيين، فاحتل الصليبيون دمشق وما جاورها سنة ٤٩١هـ، وبيت المقدس سنة ٤٩٢هـ، وظلت الحرب مستمرة بين المسلمين والإفرنج مدة طويلة، ثم احتل الإفرنج مدينة دمياط بمصر، وخرج التتار من أطراف الصين، فاحتلوا بلاد تركستان، ثم منها إلى بلاد ما وراء النهر، مثل سمرقند، وبخارى، وغيرهما، ثم عبرت طائفة منهم إلى خراسان، وإلى حد العراق، ثم تمكن التتار عام ٦٥٧هـ أو ٦٥٦هـ من احتلال بغداد، وبذلك سقطت هيبة الخلافة الإسلامية، وانتهت الخلافة العباسية، وبعد ذلك احتل التتار بلاد الشام، ثم جاء بعد ذلك دور المماليك في القيادة الإسلامية (١).\nومن هذا يعلم أن شيخ الإسلام (٢) ظهر في عصر قد اضطربت فيه السياسة والحكم وظهرت فيه انحرافات في العادات والتقاليد والسلوك والحياة، واشتدت فيه غربة الإسلام، وتفرقت كلمة المسلمين، وظهرت الفرق المخالفة لما كان عليه السلف الصالح في العقائد والفروع، وخيّم الجمود الفكري والتقليد الأعمى، فأثر في الجو العلمي، وظهرت فرق\n_________\n(١) انظر: البدابة والنهاية ١٠/ ٣١٧، و١١/ ٩٨، ١٢/ ١٥٥، ١٢/ ١٥٦ - ٣٣٢، ١٣/ ١ - ٢٢٧، ١٤/ ٢ - ١٧٣، والتاريخ الإسلامي، لمحمود شاكر ٦/ ٥ - ٣٤٥، ٧/ ١١ - ٣٢١، وشيخ الإسلام أحمد تقي الدين: جهاده ودعوته، للشيخ أحمد القطان ومحمد الزين ص ٨.\n(٢) هو شيخ الإسلام وحافظ الدنيا المجتهد في الأحكام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن الخضر بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي، ولد بحران يوم الاثنين ١٠/ ٣ / ٦٦١هـ، وتوفي -﵀- ليلة الاثنين ٢٠ من ذي القعدة ٧٢٨هـ، انظر: الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية، ص١٤، والبداية والنهاية، ١٤/ ١٣٥.","vol":"1","page":307},{"text":"الشيعة، والصُّوفية المنحرفة والقبورية، ونفاة الصفات: كالجهمية والمعتزلة والقدرية، وطغى علم الكلام والفلسفة حتى حلَّا محلّ الكتاب والسنة لدى الأكثرية من المتعلمين في الاستدلال، هذا كله في داخل المجتمع الإسلامي في ذلك العصر، مع تكالب أعدائه من الخارج، فحصل من البلاء ما الله به عليم (١).\nفي هذا الجو المعتم عاش شيخ الإسلام، فكيف يعمل حتى يصلح هذه المفاسد ويظهر النور في هذه الظلمات؟ ما هو الموقف الحكيم الذي سلكه حتى أنار الله به الطريق لهذا المجتمع وألزمهم بالكتاب والسنة والإجماع وعقيدة السلف الصالح الصافية النقية؟\nوبالنظر في ذلك نجد أن الشيخ -﵀- وقف مواقف حكيمة لإظهار علم الكتاب والسنة، وقمع أهل البدع والأهواء.\nومن مواقفه في رفع وإزالة هذا البلاء الواقع ما يلي:\n\n١ -<span data-type=\"title\" id=toc-107> عنايته بالعلم قبل العمل: </span>عندما علم شيخ الإسلام أنه لا يزيل هذه الظلمات إلا نور علم الكتاب والسنة، بدأ بطلب العلم النافع، فتعلَّم وتفقَّه، وهذا مما يدل على حكمته، لأنه لا حكيم إلا بالعلم النافع، وفاقد الشيء لا يُعطيه.\n٢ -<span data-type=\"title\" id=toc-108> بث النور ونشر العلم ونفع الأمة: </span>بعد أن تسلَّح بسلاح علم الكتاب والسنة بدأ يبث النور بنشر العلم في هذا المجتمع المعتم، ويؤسس أركانًا من تلاميذه حتى يستفيد الناس، وكان يحضر المحافل ويناظر ويفحم الكبار، ويأتي بما يُحار منه أعيان البلد في العلم والمواقف الحكيمة في دعوته إلى الله.\n_________\n(١) انظر: من مشاهير المجددين في الإسلام للدكتور صالح بن فوزان، ص٥٢.","vol":"1","page":308},{"text":"٣ -<span data-type=\"title\" id=toc-109> مواقفه الحكيمة مع قازان وقوات التتار: </span>لم يقتصر الشيخ تقي الدين على طلب العلم النافع وتعليمه للناس، وترسيخ العقيدة في أذهانهم، وحثِّهم على الجهاد في سبيل الله تعالى، بل قد قام بتطبيق ما يدعو إليه، ويرغب في ثوابه من الجهاد في سبيل الله -تعالى-، فقد هجم التتار على دمشق، وكانت حينئذ ولاية تابعة لسلطان المماليك في مصر، فجهَّز السلطان جيشًا ليرد التتار عن بلاد الشام، فكانت الوقعة بين الجيش وقوات \" قازان \" في ٢٧ ربيع الأول ٦٩٩هـ، ولكن كانت الغلبة لجيشي التتار، وعادت عساكر السلطان إلى مصر، ودخل التتار إلى دمشق، وعاثوا في الأرض فسادًا، وحينئذ اجتمع الشيخ تقي الدين بأعيان البلد، واتفقوا على السير إلى قازان في يوم الاثنين الثالث من ربيع الثاني سنة ٦٩٩هـ (١) والتحدث إليه، فلما وصلوا إلى قازان قائد التتار في بلدة النبك، المجاورة لدمشق، قابله الشيخ، وطلب منه الأمان لأهل دمشق، ورد الأسرى من المسلمين وأهل الذمة، ثم تكلم معه كلام الأبطال الشجعان، فأنزل الله الرعب في قلب السلطان، وسأل: من هذا الشيخ؟ فإني لم أرَ مثله، ولا أثبت قلبًا منه، ولا أوقع منه حديثًا في قلبي، ولا رأيتني أعظم انقيادًا لأحد منه، فأُخْبِر بما له وما هو عليه من العلم والعمل، ثم قال له الشيخ بواسطة الترجمان: \"إنك تزعم أنك مسلم، ومعك قاض، وإمام وشيخ، ومؤذنون، فغزوتنا، وأبوك وجدك كانا كافرين، وما عملا الذي عملت عاهدا فوَفَّيَا، وأنت عاهدت فغدرت، وقلت فما وفيت، وجُرْت\".\nثم قدم لهم قازان طعامًا فأكلوا، ولم يأكل ابن تيمية، فسئل عن ذلك؟ قال: كيف آكل من طعامكم، وكله مما نهبتم من أغنام الناس، وطبختموه\n_________\n(١) انظر: البداية والنهاية ١٤/ ٧، ١٤/ ١٠، ١٤/ ١٤.","vol":"1","page":309},{"text":"بما قطعتم من أشجار الناس، فطلب منه قازان الدعاء، فقال في دعائه: \"اللهم إن كان عبدك هذا إنما يقاتل لتكون كلمتك هي العليا؟ وليكون الدين كلّه لك، فانصره وأيده، وملّكه البلاد والعباد، وإن كان إنما قام رياءً وسمعةً وطلبًا للدنيا ولتكون كلمته هي العليا، وليذلِّ الإسلام وأهله، فاخذله وزلزله ودمره واقطع دابره \"، وقازان يرفع يديه ويؤمن على دعائه. وقد خاف الناس على الشيخ القتل في هذا الموقف، ولكن الله أنزل الرعب في قلوب أعدائه (١).\nوقد أجابه قازان إلى حقن دماء المسلمين، وبلغه ما أراد، ورد عليه الأسرى من المسلمين، فلم يقبل الشيخ حتى ردَّ جميع الأسرى من المسلمين ومن أهل الذمة من اليهود والنصارى، ثم رجع الشيخ مكرَّمًا معززًا، قد وفَّقه الله ونصره لحسن قصده وإخلاصه في نيته، فنفع الله به المسلمين وأعزَّهم ونصرهم (٢).\nولم يكن هذا الموقف هو الوحيد، بل له مواقف حكيمة ظهرت فيها شجاعته، منها حثِّه السلطان على الجهاد، وذلك أنه ركب إلى مصر يطلب من السلطان أن يُرسل جيوشًا، أو يتخلى عن الشام ويولِّي عليه ابن تيمية غيره، فأجابه السلطان وأرسل الجيوش، وذلك سنة ٧٠٠هـ ثم رجع الشيخ من مصر إلى الشام، ووصل في ٢٧ من جمادى الأولى سنة ٧٠٠هـ، وحثَّ جميع الناس على الجهاد في سبيل الله، فوصلت الجيوش، ورجع جيش التتار، وعبر الفرات (٣) وكفى الله المؤمنين القتال.\nولم يقتصر ابن تيمية على ما سبق، بل له مواقف أخرى تدل على بطولته\n_________\n(١) البداية والنهاية ١٤/ ٨٩، وانظر: حياة شيخ الإسلام ابن تيمية، لمحمد البيطار ص٢٣ - ٢٥.\n(٢) انظر: الأعلام العلية في مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية لعمر بن علي البزار، ص٧١ - ٧٤.\n(٣) البدابة والنهاية ١٤/ ١٥، ١٦.","vol":"1","page":310},{"text":"وحكمته، فقد جاء التتار بجموعهم مرة أخرى بعد أن عبروا الفرات، فجاءُوا سنة ٧٠٢هـ وهجموا على الديار الشامية، فقام ابن تيمية وحثَّ سلطان مصر على الجهاد ورغَّب فيه، وحثَّ الناس أيضا ورغَّبهم في الجهاد في سبيل الله، ووعدهم بالنصر من الله -﷿-، وكان يحلف بالله العظيم: إنكم في هذه الكرَّة منصورون. فيقول له الأمراء ومن معهم: قل إن شاء الله، فيقول: إن شاء الله تحقيقًا لا تعليقًا. وكان يتأول قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ [الحج: ٦٠] (١) وقد كان الله عند حسن ظنِّه به؟ فإنه كان يحلف لهذه الآية، وثقة بالله- تعالى- وأنه لا يخلف وعده، ثم التقى المسلمون بالتتار في يوم السبت الثاني من رمضان سنة ٧٠٢هـ في وقعة \"شقحب \"، فامتد القتال من عصر يوم السبت إلى الساعة الثانية من يوم الأحد، واشترك ابن تيمية في المعركة بلسانه ويديه وسيفه، وبكل ما يملك من قوة وبلاغة في تثبيت الأمراء والجنود وجميع الجيش، وقد كان السلطان يقول لابن تيمية في هذه المعركة: يا خالد بن الوليد فيقول ابن تيمية: قل يا ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ - إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٤ - ٥] (٢) واشتدت المعركة، وحلف ابن تيمية للناس بالله الذي لا إله إلا هو إنكم لمنصورون، وأمر الناس بالإفطار، وأفطر هو أمامهم، ثم أنزل الله النصر على المسلمين، ثم هرب التتار، واقتحموا الجبال والتلول والآكام، وصاروا يتساقطون في الأودية، وهربوا ليلًا، وغرق منهم خلق كثير في الفرات بسبب الظلام، وعاد الشيخ ومن معه إلى دمشق في اليوم الخامس من رمضان سنة ٧٠٢هـ، وقد نصرهم الله تعالى (٣).\n_________\n(١) سورة الحج، الآية ٦٠.\n(٢) سورة الفاتحة، الآيتان ٤، ٥.\n(٣) انظر: البداية والنهاية ١٤/ ٢٢ - ٢٦، وأوراق مجموعة من حياة ابن تيمية ص٣٣.","vol":"1","page":311},{"text":"وله مواقف بطولية فذة حكيمة مع السلاطين، تدل على صدقه وإخلاصه وشجاعته في الحق (١) وقد ظهرت حكمة ابن تيمية - رحمه الله تعالى- أثناء لقائه مع التتار وقائدهم في النقاط الآتية:\n١ - طلبه الأمان لأهل دمشق على دمائهم وأعراضهم وأموالهم، فأجابه قازان إلى ذلك.\n٢ - إصراره على رد جميع الأسرى من المسلمين وأهل الذمة.\n٣ - جرأته وشجاعته في الكلام مع قازان حتى أنزل الله الرعب في قلبه.\n٤ - تذكيره لقازان بنقضه للعهد، ولا سيما وهو يدعي الإسلام.\n٥ - عدم أكله من الطعام الذي قدَّمه قازان؛ لأنه من أغنام الناس المنتهبة، وقد أوقد عليه بما قطع من أشجارهم.\n٦ - دعاؤه الذي دلَّ على حكمته وعدله ونصرته لدين الله تعالى.\n٧ - حثِّه سلطان المسلمين على الجهاد في سبيل الله -تعالى-، أو يتخلَّى عن الشام، ويولِّي غيره ممن يحمي حوزة الدِّين ويذبّ عن أعراض المسلمين وأموالهم.\n٨ - حثه الناس على الجهاد وإقسامه بأن الله سينزل النصر على المسلمين، وهذا يدل على ثقته بالله -تعالى- وبوعده وأنه لا يخلف الميعاد،\n_________\n(١) انظر موقفه مع الملك الناصر لدين الله في حياة ابن تيمية لمحمد بهجة البيطار ص٢٥، والأعلام العلية في مناقب ابن تيمية ص٧٤.\nوللشيخ مواقف أخرى في جهاده مع الباطنية سنة ٧٠٥هـ في ثاني محرم، فقد خرج إليهم مع نائب السلطان، فهزمهم الله، وقتلوا منهم خلقًا كثيرًا.\nانظر: ابن تيمية: جهاده ودعوته، للقطان ص٥٠.","vol":"1","page":312},{"text":"ولهذا ازداد المسلمون شجاعةً وإقدامًا، فأنزل الله النصر، وهزم أعداء المسلمين.\n٩ - مشاركته الفعلية في الدفاع عن المسلمين بلسانه ويده وسيفه.\n١٠ - قوله لسلطان المسلمين حينما قال له عند اشتداد المعركة: \"يا خالد بن الوليد \"، فقال ابن تيمية: قل: يا ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ - إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٤ - ٥]\nفرحم الله ابن تيمية وغفر له.\nوهكذا ينبغي لكل داعية إلى الله أن يظهر من عمله ما يصدق قوله، رغبة فيما عند الله والدار الآخرة، وبذلك يفتح الله له قلوب العباد وأسماعهم، وتظهر دعوته إلى الله، ويظهر أثرها، وأثر إخلاص صاحبها مع الله ﷿.\n\n٤ -<span data-type=\"title\" id=toc-110> مناظراته الحكيمة: </span>من مواقفه الحكيمة مناظراته التي غلب فيها أخصامه وأعجزهم، وانقادوا له طوعًا أو كرهًا، فقد كان شيخ الإسلام على عقيدة السلف الصالح، ويعض على هذه العقيدة بالنواجذ، ويبذل جهده ووقته، وفكره في إرجاع جميع الطوائف المنحرفة إلى هذه العقيدة، ويرى رأي إمام دار الهجرة مالك بن أنس من أنه لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، وهو رأي كل حكيم عليم بداء الأمة ودوائها قديمًا وحديثًا.\nوكان الشيخ -﵀- شديد الانتصار لمذهب السلف والدفاع عنه بالحجج النقليّة والعقليّة، وقد عقدت له مناظرات في مصر والشام، كان معظمها يحوم حول هذه القضية (١) ومن هذه المناظرات على سبيل المثال لا الحصر، ما يأتي:\n_________\n(١) انظر: حياة شيخ الإسلام ابن تيمية، لمحمد بهجة البيطار ص٢٧.","vol":"1","page":313},{"text":"(أ) المناظرة الأولى: في العقيدة الواسطية التي كتبها لرضي الدين الواسطي، من أصحاب الشافعي، حينما طلب منه بإلحاح أن يكتب له عقيدة تكون عمدة له ولأهل بيته في مدينة واسط، فكتبها الشيخ، وانتشرت بين الناس، مما أدى إلى ثورة كثير من علماء الجهمية والاتحادية والرافضة، وغيرهم من ذوي الأحقاد، فسعى هؤلاء إلى السلطان في البلاد المصرية، فكتب السلطان إلى نائبه على بلاد الشام يأمره بجمع قُضاة المذاهب الأربعة، وغيرهم من نوابهم، والمفتين، والمشايخ، وعندما وصل الكتاب إلى أمير الشام جمع قضاة المذاهب الأربعة والعلماء، والشيخ تقي الدين في قصر الولاية بدمشق، وذلك يوم الاثنين الثامن من رجب سنة ٧٠٥هـ، ثم بدأ المجلس وقراءة العقيدة الواسطية من أولها، ومناقشة الشيخ ومناظرته بحضور الأمير، فناظرهم الشيخ، ورد عليهم، وبيّن لهم مذهب السلف الصالح، وأن هذه العقيدة هي عقيدة أهل السنة والجماعة، وهي التي يدل عليها الكتاب والسنة وإجماع السلف، وصار يناظر أصحاب المذاهب، فكان أعلم بمذاهبهم منهم، وأعجزهم أمام الأمير، ثم انتهى المجلس الأول.\nواجتمعوا للمجلس الثاني يوم الجمعة بعد الصلاة الثاني عشر من رجب سنة ٧٠٥هـ، وقد أحضر قضاة المذاهب الأربعة، معهم صفي الدين الهندي، وتكلم مع الشيخ تقي الدين كلامًا كثيرًا، ولكن ساقيته لاطمت بحرًا عميقًا، ثم استلم من ناظره عقبه، فكان كالبحر الزاخر، حتى إن هؤلاء القضاة والعلماء عجزوا عن مناظرته؟ لأنه كان يرد عليهم بالكتاب والسنة والآثار عن السلف الصالح، وكان يلزمهم بالكتاب والسنة، ويدعوهم إلى التمسك بمذهب السلف الصالح، ويبين لهم أنه لم يضع هذه العقيدة من ذات نفسه، وليس لأحد أن يشرِّع للناس ما لم يأذن به الله، وإنما العقيدة تؤخذ من كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ، وإجماع سلف","vol":"1","page":314},{"text":"هذه الأمة، فما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ وجب على كل مسلم أن يُثبته لله من غير تحريف ولا تعطيل ولا تمثيل ولا تكييف، وما نفاه عن نفسه، أو نفاه عنه رسوله ﷺ وجب نفيه عنه، لأنه تعالى أعلم بنفسه.\nوانتهى هذا المجلس بعجز المجلس أمام الأمير عن ابن تيمية، فخرج الشيخ والناس يحملون له الشمع إلى منزله على عادتهم في ذلك.\nثم عُقِد المجلس الثالث في اليوم السابع من شعبان سنة ٧٠٥هـ في القصر، واجتمع الجماعة كلهم على الرضى بالعقيدة الواسطية، وأخذ بعضهم يمدح الشيخ ويُثْنِي عليه، وكان هذا كله أمام رئيس المجلس نائب السلطان (١).\nفأظهر الله الحق، وأبطل الباطل، وظهرت حكمة ابن تيمية أمام الجميع، فجزاه الله خير الجزاء.\n(ب) المناظرة الثانية التي أعز الله بها أهل السنة وخذل بها أهل البدع والخرافات، وذلك أن الطائفة الأحمدية البطائحية (٢) كانوا يخالفون الشيخ تقي الدين في عقيدة السلف الصالح، وكان يأمرهم باتِّباع الكتاب والسنة، وينكر عليهم فعلهم وأحوالهم الشيطانية.\nوفي يوم السبت تاسع جمادى الأولى سنة ٧٠٥هـ حضر هؤلاء المبتدعة في جموع هائلة إلى قصر نائب دمشق، يسألون نائب السلطان أن يكفَّ\n_________\n(١) انظر المناظرة مطولة بالتفصيل في مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٣/ ١٦٠ - ٢٠١، وحياة ابن تيمية، لمحمد بهجة البيطار ص٢٧، والبداية والنهاية -بألفاظ مختصرة ومفيدة- ١٤/ ٣٦، ٣٧.\n(٢) البطائحية: الطائفة المعروفة بالرفاعية، نسبة إلى البطائح التي سكنها الشيخ أحمد الرفاعي، ويقال لها أيضا: الرفاعية والأحمدية، نسبة إلى لقبه أو اسمه: أحمد بن أبي الحسن علي بن أبي العباس أحمد، المعروف بابن الرفاعي وكان رجلًا صالحًا فقيهًا شافعيًا، ولأتباعه أحوال عجيبة من أكل الحيات وهي حية، والنزول في التنانير وهي نشتعل فيطفئونها. . . انظر: وفيات الأعيان ١/ ٧١.","vol":"1","page":315},{"text":"عنهم الشيخ ابن تيمية ومذهبه السلفي، وعندما رآهم الناس اجتمع عليهم جمٌّ غفير، ولكن الأمير لم يقبل منهم إلا بحضور الشيخ ومناظرته، فأرسل إليه ووصل، وسأله الأمير، فأخبره ابن تيمية أن هؤلاء من أهل البدع، وقد أفسدوا من دين المسلمين ما الله به عليم، وذكر له جميع ما يعرف عنهم، وأنه ينهاهم عن البدع وهم يأتون بأحوال شيطانية، ومنها دخولهم النار، واستعد الشيخ أنهم إن دخلوا النار في هذا اليوم فسيدخل معهم، ومن احترق فعليه لعنة الله، ولكن بعد غسل الأجسام بالخل والماء الحار؟ لأنهم يطلون أجسامهم بأدوية يصنعونها من دهن الضفادع وباطن قشر النارنج، فإذا غسلت الأجسام بطلت الحيلة، وحضر شيوخهم الأكابر يطلبون من الأمير الإصلاح، والعفو عن الماضي والتوبة، واتباع الكتاب والسنة، فقبل منهم ابن تيمية، ولكن عارض شيخ آخر من الصوفية، فناظره ابن تيمية فغلبه أمام الجموع الغفيرة.\nوتحداهم ابن تيمية في مشارق الأرض ومغاربها بأي شيء يصنعونه في النار من حيلهم فسيصنع مثلهم بشرط الغسل.\nولحكمة ابن تيمية قال: يكفي في ذلك قنديل يوقد داخل أصبع المناظر منهم وابن تيمية بعد الغسل، وعندما سمع الصوفية ذلك انهزموا أمام الجموع، وأقروا بالتزام الكتاب والسنة، وطلب ابن تيمية من الأمير أن يضرب عنق من خالف منهم الكتاب والسنة، فأعلن الأمير ذلك للناس، وأن من خالف الكتاب والسنة ضَرِب عنقه، وطلب الصوفية من الشيخ الكتب الصحيحة، فبذلت لهم، وتفرق الجميع على التوبة (١) وسُمِعَ\n_________\n(١) انظر: هذه المناظرة مطولة في مجموع فتاوى ابن تيمية ١١/ ٤٤٥ - ٤٧٥، وقد سقتها بالمعنى، وانظر مناظرات أخرى في مواقف حكيمة أخرى مفيدة جدًّا، في مجموع الفتاوى ١١/ ١٣٥ - ١٥٦، ومناظرة في العقيدة الحموية التي كتبها الشيخ سنة ٦٩٨هـ لأهل حماة في البداية والنهاية ١٤/ ٤.","vol":"1","page":316},{"text":"الناسُ يقولون: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ - فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١١٨ - ١١٩] (١) وهذا موقف حكيم يدل على حكمة الشيخ ابن تيمية وإخلاصه وصدقه مع الله، ولهذا تاب على يديه هذا الجم الغفير، جعله الله في موازين حسناته يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، وهذا ما يطمع فيه الداعية المخلص.\n\n٥ -<span data-type=\"title\" id=toc-111> مواقفه في إصلاح أهل السجون: </span>ومن مواقفه الحكيمة ما فعله في السجون من أعمال حكيمة جبارة، وجهود مشكورة مُسدّدة، نفع الله بها الناس، وأنقذهم بها من الضلال إلى الهدى.\nومن هذه المواقف الحكيمة ما يأتي:\n(أ) عندما سجن في سجن القضاة بمصر، في الثامن عثر من شوال سنة ٧٠٧هـ أخذ يعلم السُّجناء ويرشدهم ويعظهم بالأساليب الحكيمة، فهدى الله على يديه خلقًا كثيرًا، وقد كانت تأتيه الفتاوى المشكلة فيكتب عليها بما يُحَيِّر العقول من الكتاب والسنة.\n(ب-) وسجن في الإسكندرية في أول يوم من ربيع الأول سنة ٧٠٩هـ فنزل بها ببرج متسع، فوجد بها منكرات عظيمة، فنفع الله به أهل الإسكندرية، فقد بيَّن لهم الحق وحذرهم من البدع والمنكرات.\n(ج) وسجن في قلعة دمشق مرات، وآخر ذلك في ستة عشر من شوال سنة ٧٢٦هـ ففرح بذلك وقال: أنا كنت منتظرًا لذلك، وهذا فيه خير كثير\n_________\n(١) سورة الأعراف، الآيتان ١١٨، ١١٩.","vol":"1","page":317},{"text":"ومصلحة كبيرة، وأقبل في هذه المدة على التلاوة وتصنيف الكتب، والرد على المخالفين، وكتب في مسألة زيارة القبور البدعية، وبيَّن الزيارة الشرعية.\nوكان -﵀- داعيةً عظيمًا حكيمًا أينما كان، ولهذا كان لا يهمّه الإفراج عنه من السجن ما دام باستطاعته نشر العلم بقلمه ولسانه، ولهذا كان يقول: \"ما يصنع أعدائي بي؟! إن جنتي وبستاني في صدري، أين رحت فهي لا تفارقني، إن حَبْسِي خَلْوَة، وقتلي شهادة وإخراجي من بلدي سياحة\".\n(د) ومن أعظم ما يدل على حكمة ابن تيمية وقوَّته في الحق وثباته عليه ما فعله في آخر حياته في سجن قلعة دمشق من كتابته بالفحم.\nففي التاسع من جمادى الآخرة سنة ٧٢٨هـ مُنِعَ الشيخ من جميع أدوات الكتابة، وأرسلت جميع مسوداته وأوراقه إلى المكتبة العادلية، وكان ذلك في نحو ستين مجلدًا، فصار يكتب بالفحم، وقد كان ذلك له صدمة عنيفة آلمته كثيرًا، ولكنه ثبت واستخدم الفحم، وهذا يدل على قوة عزيمته، مع أنه ختم القرآن مدة إقامته بالقلعة ثمانين مرة، ولكنه بعد هذه الصدمة لم يبق إلا يسيرًا، حيث مات ﵀ يوم الاثنين في ٢٠ من ذي القعدة سنة ٧٢٨هـ (١).\nوبفضل الله -تعالى-، ثم بهذه الخطوات الحكيمة أنار ابن تيمية الأرض التي مشى عليها أمة محمد ﷺ، فقد نشر علم الكتاب والسنة، وجاهد بلسانه ويده، وناظر وغلب جميع أخصامه، وعمل أعماله الحكيمة في السجون فحولها -بفضل الله- من بيئة فاسدة إلى بيئة صالحة مؤمنة، فجزاه الله عن أمة محمد ﷺ خير الجزاء.\n_________\n(١) انظر: البداية والنهاية ١٤/ ٣٧ - ٩٧، ١٢٣ - ١٤٠، والأعلام العلية في مناقب ابن تيمية ص٧٣، وحياة شيخ الإسلام لمحمد بهجة البيطار ص٣٤، ٣٥، وشيخ الإسلام جهوده ودعوته لأحمد القطان ومحمد الزين ص٧٠.","vol":"1","page":318},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-112>المطلب الرابع\nمواقف الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ </span>كانت حالة المسلمين قُبَيْل دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب (١) -﵀- حالة لا يرضاها مؤمن، حيث كان الشرك الأكبر قد انتشر في نجد خاصة، وفي غيرها من بلاد المسلمين عامة.\nلقد كان في بلدان نجد من الشرك الأكبر والأصغر ما الله به عليم، حيث عدل الناس إلى عبادة الأولياء والصالحين والمجانين: أحيائهم وأمواتهم، يستغيثون بهم في النوازل والحوادث، ويستعينون بهم على قضاء الحاجات، وتفريج الشدائد والكربات، وعبدوا القباب والأحجار والأشجار والغيران، واشتهر في نجد: السحرة والكهنة والعرافون، وسؤالهم وتصديقهم (٢).\nوكان الناس يقصدون قبر زيد بن الخطاب -﵁- في قرية الجبيلة، يدعونه لتفريج الكرب، وكشف النوائب، وقضاء الحاجات.\nوكانوا يزعمون أن في قريوة في الدرعية قبور بعض الصحابة، فعكفوا على عبادتها، وصار أهلها أعظم في صدورهم من الله خوفًا ورهبةً، فتقرّبوا\n_________\n(١) هو شيخ الإسلام، الإمام محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي التميمي النجدي الحنبلي، ولد في العيينة سنة ١١١٥هـ، ونشأ بها، وحفظ القرآن قبل العاشرة من عمره، ودرس على والده، ثم حج وأخذ عن بعض علماء الحرم الشريف، ثم زار المدينة، وأخذ عن بعض علمائها، ثم رجع إلى نجد وقصد البصرة، وأخذ عن بعض علمائها، ثم رجع إلى الأحساء وأخذ عن بعض علمائها، ثم رجع إلى نجد، ودعا إلى التوحيد الخالص فنفع الله به العباد، وأنقذهم به من الشرك. توفي -﵀- سنة ١٢٠٦هـ انظر: تاريخ نجد لحسين بن غنام، ص٧٥، وعلماء نجد خلال ستة قرون، ١/ ٢٧.\n(٢) انظر: تاريخ نجد، روضة الأفكار والأفهام لمرتاد حال الإمام وتعداد غزوات ذوي الإسلام، للعلامة المؤرخ حسين بن غنام ١/ ١٠ - ٧٢، وعنوان المجد في تاريخ نجد، للشيخ عثمان بن عبد الله بن بشر، ١/ ١٩، والإمام محمد بن عبد الوهاب: دعوته وسيرته للعلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز، ص١٢.","vol":"1","page":319},{"text":"إليهم وهم يظنون أنهم أسرع إلى تلبية حوائجهم من الله! وكانوا يأتون في شعيب غبيرًا من المنكر ما لا يعهد مثله، يزعمون أن فيه قبر ضرار بن الأزور، وذلك كذب محض وبهتان مثَّله لهم إبليس، وفي أسفل الدرعية غار كانوا يرسلون إليه اللحم والخبز، ويبعثون بصنوف الهدايا، وكان عندهم رجل من الأولياء -في زعمهم- اسمه تاج، سلكوا فيه سبيل الطواغيت، فصرفوا إليه النذور، وتوجهوا إليه بالدعاء واعتقدوا فيه النفع والضر.\nوانتشر الشرك في الحرمين الشريفين، وفي الطائف، وجدة، ومصر، واليمن (١).\nفكيف يعمل محمد بن عبد الوهاب في إزالة هذه العظائم، وما هو موقفه الحكيم لتغيير هذه الشركيات والخرافات؟!\nخطواته الحكيمة في إصلاح الأمة وتبديد الظلام: عندما رأى الشيخ هذه المنكرات علم أنه لا يزيلها إلا قوة عظيمة، وعلم مبني على فَهْم الكتاب والسنة، وعند ذلك عمل الخطوات الحكيمة التالية:\n\n١ -<span data-type=\"title\" id=toc-113> عنايته بالتوحيد وتطبيقه: </span>من أعظم خطواته الحكيمة أنه بدأ يتعلم التوحيد بأدلته من الكتاب والسنة، وطلب العلم النافع؛ لأنه السلاح الفتاك بهذه الشركيات (٢).\n_________\n(١) انظر: تاريخ نجد، للعلامة المؤرخ حسين بن غنام ١/ ١٠ - ٧٨، وعنوان المجد في تاريخ نجد لابن بشر ١/ ١٩ - ٣٠.\n(٢) انظر: بحوث الشيخ محمد بن عبد الوهاب لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ١/ ٢٦٤، ١/ ١٠٤، ١٠٥، والإمام محمد بن عبد الوهاب سيرته ودعوته لعبد العزيز بن عبد الله بن باز ص١٦، ١٨، وعلماء نجد خلال ستة قرون، للشيخ عبد الرحمن بن عبد الله البسام ١/ ٣١ - ٣٣.","vol":"1","page":320},{"text":"٢ -<span data-type=\"title\" id=toc-114> بدأ بدعوته في عشيرته: </span>بعد أن تسلح بسلاح العلم النافع ومعرفة أحوال الناس بدأ بدعوته في عشيرته في بلدة العيينة، وواصل طلب العلم، ورحل في طلبه، ثم رجع إلى حريملاء، وذلك -والله أعلم- سنة ١١٤٠هـ، لأن والده انتقل إليها سنة ١١٣٩هـ وأخذ يسلك طريق الحكمة في إزالة الشِّركِيات في الأقوال والأفعال، وتوفي والده سنة ١١٥٣هـ، فجهر بالدعوة وازداد نشاطه، وجلس للتدريس والإفادة وتقرير العقيدة وتثبيتها في نفوس أهل حريملاء، ونشر شرائع الإسلام وكاتب العلماء والأمراء، فكثر طلابه؟ ولكنه لم يجد قوة السلطان لدعم دعوة التوحيد (١) فسلك طريق الحكمة للبحث عن ذلك.\n٣ -<span data-type=\"title\" id=toc-115> بحثه عن دعم قوة الدعوة بالسلطان: </span>عندما جرب الشيخ أهل حريملاء، ولم يرَ هناك من يقتلع أصول الشركيات، ولا من يحمي الداعية والدعوة حتى تنجح، ولا يمكن أن يُصلح هذه المجتمعات إلا معاول تهدمها، وأيدي سلطة تقلعها؟ لأن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن (٢) ولذلك خرج الشيخ من حريملاء إلى العيينة، ونزل على أمير العيينة فأكرمه، وعرض عليه الشيخ دعوة التوحيد فقبلها، ونصر الشيخ ودعوته، وألزم الخاصة والعامة بامتثال أمر الله -تعالى-، فأعلن الشيخ دعوته، وهدم القباب على القبور، وقطع الأشجار، وكسر الأحجار التي يقصدها الناس بالعبادة، ولم يبق شجر، ولا حجر، ولا قُبّة على قبر، ولا وثن يعبد في البلاد التي تحت عثمان بن معمر، وأقيم حدّ الزنا، وعلت كلمة الحق.\n_________\n(١) انظر: بحوث الشيخ لجامعة الإمام محمد بن سعود ١/ ٢٦٤، ١/ ١٠٤، ١٠٥.\n(٢) انظر: المرجع السابق، ١/ ١٠٤، ١٠٥، ٢٦٤.","vol":"1","page":321},{"text":"ثم إن عثمان تخلى عن نصرة الشيخ بأمر من أمير الأحساء، فهاجر الشيخ إلى الدرعية، وعرض دعوته على محمد بن سعود فرحب به، وقبل دعوته، واستعدّ بنصره وما يدعو إليه، وذلك سنة ١١٥٨هـ (١).\n\n٤ -<span data-type=\"title\" id=toc-116> غَرْس التوحيد في قلوب الناس وتصحيح عقيدتهم: </span>بعد أن حقق الشيخ أمنيته العظيمة من وجود ما يدعّمه من قوة السلطان ووجود الأعوان، لقول عثمان -﵁-: \"إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن \".\nوبعد أن رأى الأنصار والطلاب يفدون إليه في الدرعية، أخذ يغرس في نفوسهم أعظم سلاح، وأعظم قوة ينتصر بها على أعدائه: ألا وهي قوة التوحيد الخالص، والإيمان الكامل، لعلمه -﵀- أن نصرة الحق تحتاج إلى إيمان قوي مبني على فَهْم الكتاب الكريم والسنة المطهّرة، كما تحتاج إلى دعم سلطان وسيف وسنان، يقمع به كل مارد شيطان (٢).\nوهذا من أعظم مواقف الحكمة، فإنه عندما دخل الدرعية وجد أهلها في غاية الجهل، وقد وقعوا في الشرك الأكبر والأصغر كغيرهم، والتهاون بالصلاة والزكاة ورفض شعائر الإسلام، فجعل يتخولهم بالتعليم والموعظة الحسنة، ويُفهمهم معنى لا إله إلا الله، ويشرح لهم معنى الألوهية، وأن الإله هو الذي تُأَلِّهه القلوب: محبةً وخوفًا ورجاءً، وأن الإسلام هو الاستسلام لأمر الله -تعالى-، والانقياد له، والإذعان بالعبادة، والخضوع، والذل والإنابة، والتوكل، والرغبة، والرهبة. ويعلمهم\n_________\n(١) انظر: عنوان المجد ١/ ٢١ - ٢٤، وتاريخ نجد لابن غنام ٧٨ - ٨١، والشيخ محمد بن عبد الوهاب ودعوته لأحمد بن حجر آل بو طامي ص٢٢.\n(٢) انظر بحوث أسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ١/ ٢١٨، ١/ ٢٥٨.","vol":"1","page":322},{"text":"أصول الدين والإسلام، وقواعده، ومعرفة نبيّهم، ونسبه، ومبعثه، وما دعا إليه، وهي لا إله إلا الله، وما تضمنته، وأنهم مبعوثون بعد الموت.\nوأخذ على ذلك ما يقارب سنتين -بعد قدومه إلى الدرعية- وهو يغرس هذه الدعائم (١).\nومن أعظم ما غرس في نفوس المهاجرين إلى الدرعية من البلدان المجاورة والأنصار من أهل الدرعية: هو تدريسه لهم جميعًا كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد، وغرسه في أذهانهم، وكان آل سعود: الأمير محمد وأبناؤه يحضرون دروس الشيخ صباحًا ومساءً، في المسجد، وفي البيت، والمجامع الخاصة، فأثمر ذلك قوة الإيمان في نفوس الدولة الجديدة من الأمير إلى أصغر واحد من المهاجرين والأنصار (٢).\nوعندما قام الشيخ بهذا الموقف العظيم الحكيم، واستقر في قلوبهم معرفة التوحيد وضده من الشرك بعد الجهالة والضلالة والعمى والظلام الدامس، بعد ذلك أُشْرِب حب الشيخ وما جاء به من التوحيد في قلوبهم، والتحم رابط المحبة في الله بين أهل الدرعية والمهاجرين إليهم فآووهم، وأصبحت هذه القوة قوة ضاربة قد رُبِّيت على التوحيد، والرغبة فيما عند الله، والدار الآخرة، ودُعِّمَت بقوة السلطان والسيف، والسنان، والحجّة والبرهان، وقُوّة البيان.\nوحينئذ أصبح صاحب الدعوة لا يخشى إلا الله وحده سبحانه.\n_________\n(١) انظر: عنوان المجد في تاريخ نجد، لابن بشر ١/ ٢٦، وتاريخ نجد \"روضة الأفكار والأفهام. . . للعلامة المؤرخ حسين بن غنام ١/ ٨١.\n(٢) انظر: إمام التوحيد؛ الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الدعوة والدولة، لأحمد القطان ومحمد الزين ص٤٥.","vol":"1","page":323},{"text":"٥ -<span data-type=\"title\" id=toc-117> خطواته الحكيمة في الرجوع بالناس إلى الكتاب والسنة: </span>علم الشيخ أن الناس لا يصلحهم ولا يردهم إلى الحق الواضح والتوحيد الخالص إلا كتاب الله وسنة رسوله ﷺ: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] (١) وتيقن أن الله سينصره إن هو قام بذلك: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١] (٢).\nوعند ذلك سلك المسالك الآتية:\n(أ) جعل القواعد الأربع التي قرر بها توحيد العبادة (توحيد الألوهية)، فبيَّن أن الله -تعالى- خلق الجن والإنس ليعبدوه وحده، والعبادة لا تسمى عبادة إلا مع التوحيد، كما أن الصلاة لا تسمى صلاة إلا مع الطهارة، فإذا دخل الشرك في العبادة فسدت كالحدث إذا دخل في الطهارة، ثم أوضح ذلك بهذه القواعد:\nالقاعدة الأولى: العلم بأن الكفار الذين قاتلهم رسول الله ﷺ مقرون بتوحيد الربوبية، وأن الله الخالق الرازق المدبر، ولم يدخلهم ذلك في الإسلام، ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١] (٣).\nالقاعدة الثانية: أنهم يقولون: ما دعوناهم إلا لطلب القربة والشفاعة، ومع ذلك حكم الله بكفرهم. . . ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: ٣] (٤)\n_________\n(١) سورة الإسراء، الآية ٩.\n(٢) سورة غافر، الآية ٥١.\n(٣) سورة يونس، الآية ٣١.\n(٤) سورة الزمر، الآية ٣.","vol":"1","page":324},{"text":"﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] (١).\nالقاعدة الثالثة: أن النبي ﷺ ظهر على أناس متفرقين في عباداتهم: فمنهم من يعبد الملائكة، ومنهم من يعبد الأنبياء والصالحين، ومنهم من يعبد الأشجار والأحجار، ومنهم من يعبد الشمس والقمر، وقاتلهم رسول الله ﷺ، ولم يفرق بينهم فدل ذلك على أن عبادة غير الله باطلة مهما تنوعت واختلفت.\nالقاعدة الرابعة: أن الشيخ حكم على مشركي زمانه أنهم أشد وأغلظ شركا من الأولين؟ لأن الأولين يشركون في الرخاء ويخلصون في الشدة، ومشركو زمانه شركهم في الرخاء والشدة ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] (٢) وهذا من المواقف الحكيمة والاستنباطات السديدة (٣).\n(ب) بيَّن للناس وأرشدهم إلى ما به الفلاح والنجاح، وجعل ذلك في أربع مسائل تسهل على كل مسلم فيحفظها، ويفهم معانيها، وفهمها من مقتضى الإسلام، وهي كالتالي:\nالمسألة الأولى: العلم، ثم بيَّن المراد به بأنه معرفة الله، ومعرفة النبي ﷺ، ومعرفة دين الإسلام بالأدلة.\n_________\n(١) سورة يونس، الآية ١٨.\n(٢) سورة العنكبوت، الآية ٦٥.\n(٣) انظر: القواعد الأربع في القسم الأول من مؤلفات الشيخ في العقائد ص١٩٧، مطبوعات الجامعة، وانظر: بحوث أسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب، بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ١/ ٣٣١.","vol":"1","page":325},{"text":"المسألة الثانية: العمل بالعلم.\nالمسألة الثالثة: الدعوة إليه.\nالمسألة الرابعة: الصبر على الأذى فيه، وساق على ذلك أدلة من الكتاب الكريم (١) (ج) أرشد الناس، وبين لهم أنه يجب على كل مسلم ومسلمة أن يتعلم ثلاث مسائل،! لعمل بهن:\nالمسألة الأولى: أن الله خلق العباد ورزقهم، ولم يتركهم هملًا؛ بل أرسل إليهم رسولًا، فمن أطاعه دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار.\nالمسألة الثانية: أن الله لا يرضى أن يشرك معه أحد في عبادته، لا ملَك مقرب، ولا نبي مرسل.\nالمسألة الثالثة: أن من أطاع الرسول ﷺ ووحد الله لا تجوز له موالاة من حاد الله ورسوله ولو كان أقرب قريب.\nوذكر لكل مسألة دليلًا صريحًا (٢).\n(د) بين الأصول الثلاثة التي يجب على كل مسلم معرفتها، وهي: معرفة الله، والنبي ﷺ، ودين الإسلام، بالأدلة من الكتاب والسنة لكل جزئية من هذه الأصول.\nوقد جعل الأصل الثالث -وهو معرفة الدين- ثلاث مراتب: الإسلام،\n_________\n(١) انظر: هذه المسائل الأربع مع أدلتها في القسم الأول من مؤلفات الشيخ في العقيدة والآداب الإسلامية ص١٨٥، وبحوث أسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب ١/ ٣١٧.\n(٢) انظر: هذه المسائل الثلاث مع أدلتها في القسم الأول من مؤلفات الشيخ في العقيدة والآداب الإسلامية، ص٣٨٦، وبحوث أسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب لجامعة الإمام محمد بن سعود ١/ ٣١٥.","vol":"1","page":326},{"text":"والإيمان، والإحسان، وبين أركان كل مرتبة من هذه المراتب، ومعاني ذلك كله، واستدل بالأدلة من الكتاب والسنة (١).\nثم صاغ هذه الأصول الثلاثة عن طريق السؤال والجواب، لتلقين عامة الناس لكي يرسخ الإيمان الكامل والعقيدة الصحيحة في قلوبهم (٢).\n(هـ) لم يغفل الشيخ الفروع والاعتناء بالفقه، بل قد أدى له جملة من الاهتمام، وقد ألزم نفسه -﵀- أن يسير في دعوته على هدي الكتاب والسنة واعتنى بالقواعد الجامعة للأحكام، فوضع أربع قواعد تدور عليها جميع الأحكام، فقال ﵀:\n\"هذه أربع قواعد من الدين التي تدور عليها الأحكام، وهي من أعظم ما أنعم الله -تعالى- به على محمد ﷺ وأمته، حيث جعل دينهم دينًا كاملًا وافيًا، أكمل وأكثر علمًا من جميع الأديان، ومع ذلك جمعه لهم -﷾- في ألفاظ قليلة، وهذا مما ينبغي التفطن له قبل معرفة القواعد الأربع. . . \" (٣).\nواستدل على أن الله جمع ذلك للنبي ﷺ بقوله ﷺ: «وأعطيت جوامع الكلم» (٤) وهو أن الله﷿- جمع له المعاني الكثيرة في الألفاظ القليلة.\n_________\n(١) انظر: الأصول الثلاثة مدعومة بالأدلة القطعية في القسم الأول من مؤلفات الشيخ في العقيدة والآداب الإسلامية ص١٨٧.\n(٢) انظر تلقين العقيدة للعامة في القسم الأول من مؤلفات الشيخ في العقيدة والآداب الإسلامية ص٣٧٠، وبحوث أسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ١/ ٣٤٦.\n(٣) انظر: القواعد الأربع في القسم الثاني من مؤلفات الشيخ، الفقه، المجلد الثاني ص٣، وبحوث أسبوع الشيخ ١/ ٢٢٦، ١/ ٢٧٢ - ٢٧٤.\n(٤) البخاري مع الفتح في كتاب التعبير، باب رؤيا الليل ١٢/ ٣٩٠، برقم ٦٩٩٨، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة ١/ ٣٧١.","vol":"1","page":327},{"text":"ثم ذكر القواعد التي تدور عليها جميع أحكام الدين:\nالقاعدة الأولى: تحريم القول على الله بلا علم، لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] (١).\nالقاعدة الثانية: أن كل شيء سكت عنه الشرع فهو عفو، لا يحل لأحد أن يحرمه أو يوجبه أو يستحبه أو يكرهه، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [المائدة: ١٠١] (٢).\nوقال ﷺ: «وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تسألوا عنها» (٣).\nالقاعدة الثالثة: أن ترك الدليل الواضح والاستدلال بلفظ متشابه هو طريق أهل الزيغ، كالرافضة والخوارج، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٧] (٤).\nوالواجب على المسلم اتباع المحكم، وإن عرف معنى المتشابه وجده لا يخالف المحكم بل يوافقه، وإلا فالواجب عليه اتباع الراسخين في قولهم: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧]\n_________\n(١) سورة الأعراف، الآية ٣٣.\n(٢) سورة المائدة، الآية ١٠١.\n(٣) أخرجه الدارقطني ٤/ ٢٩٧، ٢٩٨، وقال النووي في الأربعين: حديث حسن.\n(٤) سورة آل عمران، الآية ٧.","vol":"1","page":328},{"text":"القاعدة الرابعة: أن النبي ﷺ ذكر أن «الحلال بيِّن والحرام بيِّن، وبينهما أمور مشتبهات» (١) فمن لم يفطن لهذه القاعدة، وأراد أن يتكلم على مسألة مشتبهة بكلام فاصل فقد ضل وأضل.\nفهذه ثلاث قواعد ذكرها الله في كتابه، والرابعة ذكرها النبي ﷺ، وهذه الكلمات مع اختصارهن يدور عليها الدين، سواء كان المتكلم يتكلم في علم التفسير، أو في علم الأصول، أو في علم أعمال القلوب الذي يسمى علم السلوك، أو في علم الحديث، أو في علم الحلال والحرام والأحكام، الذي يسمى علم الفقه، أو في علم الوعد والوعيد، أو في غير ذلك من أنواع علوم الدين (٢).\nومما سبق يتضح للقارئ أن أهم الأصول التي أحياها الشيخ ودعا إليها واهتم بنشرها أكثر من غيرها كالتالي:\n(أ) الرجوع بالإسلام وأهله إلى ما كان عليه الصدر الأول؟ لأنه لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، وهو التزام الكتاب والسنة لإجماع الأمة.\n(ب) تخليص التوحيد مما شابه من الشرك، والوثنية (٣).\n(ج) إنكار التوسل الممنوع شرعًا؛ بالأنبياء والأولياء والصالحين، وتبيين التوسل المطلوب والمسنون، وهو التوسل بأسماء الله الحسنى وصفاته\n_________\n(١) انظر: البخاري مع الفتح، كتاب الإيمان، باب من استبرأ لدينه، ١/ ١٢٦، وكتاب البيوع، باب الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما متشابهات، ٤/ ٢٩٠، ومسلم، كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات، ٣/ ١٢١٩، وانظر: شرح النووي ١١/ ٢٧.\n(٢) انظر: هذه القواعد مع أدلتها بالتفصيل والأمثلة في القسم الثاني من مؤلفات الشيخ في الفقه، المجلد الثاني ص٣، وبحوث أسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب ١/ ٢٢٦، ٢٧٢.\n(٣) والتوحيد ثلاثة أنواع: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات. والشرك شركان: أكبر يخرج من الملة، وأصغر، وخفي.","vol":"1","page":329},{"text":"العليا، وبالأعمال الصالحة التي قام بها الداعي نفسه، وبطلب الدعاء من المسلم الصالح الحي القادر الحاضر.\n(د) طرح البدع والخرافات والشعوذة وغيرها من المنكرات (١).\nوبهذا كله أسس الشيخ مجتمعًا موحدًا مخلصًا قويًا في إيمانه وعقيدته (٢) وما ذلك إلا بفضل الله وحده ثم بحكمة هذا الشيخ الجليل التي نفع الله بها العباد في هذه الجزيرة وغيرها.\n\n٦ -<span data-type=\"title\" id=toc-118> كتابته الرسائل بأساليب الحكمة والبيان: </span>لم يغفل الشيخ تبليغ التوحيد بالقلم والرسائل، بل اعتنى بذلك كثيرًا، فقد قضى السنتين الأوليين من إقامته في الدرعية في مكاتبة العلماء والرؤساء والبلدان والقبائل المختلفة، بالإضافة إلى العناية بالتربية والتعليم والتوجيه وغرس الفضائل التي سبق بيانها.\nوبدأ بأهل نجد، وكاتب أمراءها وعلماءها، فكاتب علماء الرياض وأميرها دهام بن دواس، وكاتب علماء الخرج وأمراءها وعلماء بلاد الجنوب، والقصيم، وحائل، والوشم، وسدير، والأحساء، وعلماء الحرمين الشريفين، وغير ذلك.\nولم يغفل البلدان الخارجية، فقد كتب لعلماء الشام، ومصر، والعراق،\n_________\n(١) ويمكن التفصيل في الأصول التي اعتنى بها الشيخ ودعا إليها أكثر من غيرها كالتالي: ١ - توحيد العبادة. ٢ - التوسل الجائز والمحرم. ٣ - منعه شد الرحال إلا إلى المساجد الثلاثة. ٤ - منع البناء على القبور وإسراجها وكسوتها. ٥ - توحيد الأسماء والصفات. ٦ - إنكار البدع جميعها.\n(٢) انظر: بحوث أسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب، لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ٢/ ٣٠٣، ٢/ ٣١٧، ١/ ٣١١، ومؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، القسم الأول: العقيدة والآداب الإسلامية ص٩، ٢٦٠، والشيخ محمد عبد الوهاب: عقيدته ودعوته الإصلاحية وثناء العلماء عليه؛ للعلامة أحمد بن حجر آل بو طامي ص٤٣ - ٤٧.","vol":"1","page":330},{"text":"والهند، واليمن، وغير ذلك من البلدان، ولم يزل يكاتب الناس ويقيم عليهم الحجج، ويذكِّرهم ما وقع فيه أكثر الخلق من الشرك والبدع (١).\nواصل الشيخ ليله ونهاره في نشر الدعوة، والوعظ والتدريس، وكتابة الرسائل العلمية المدعومة بالأدلة من الكتاب والسنة، وبالحجة والبرهان، والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن، ولم يبدأ أحدًا بالعدوان، ورعًا منه، وأملًا في أن يهدي الله الضالين، إلى أن حكموا عليه وعلى أتباعه بالكفر، وأباحوا دماءهم وأموالهم، ولم يُثْبِتُوا دعواهم بحجّة من كتاب ولا سنة، مع رفضهم لعقيدة التوحيد، وعدم قبولها، ونصرهم الشرك وأهله (٢).\n\n٧ -<span data-type=\"title\" id=toc-119> آخر مواقف الحكمة: </span>الجهاد بالسيف والسنان: بعد أن بدأ أعداء التوحيد بتكفير الشيخ وإهدار دمه ومن تبعه، وبعد أن بين لهم الشيخ نواقض الإسلام بأدلتها من الكتاب والسنة (٣) فأعرضوا عن ذلك كله وكذبوا به، ورفضوا التوحيد، وحينئذ يكون آخر الطب الكي، فأمر الشيخ بالجهاد لمن عادى أهل التوحيد وسبه وسب أهله، ولم يَنْقَدْ لشرع الله، ولم تنفع فيه الآيات البينات.\nواستمرت الحروب سنين عديدة، وكان النصر -بإذن الله- حليف الشيخ محمد بن عبد الوهاب والأمير محمد بن سعود، فكانت القرى والعشائر تسقط واحدة تلو الأخرى بيده، فنشر الله الدعوة وأظهرها\n_________\n(١) انظر: تاريخ نجد؛ لابن غنام ١/ ٨٢، وعنوان المجد في تاريخ نجد لابن بشر ١/ ٢٦، والإمام محمد بن عبد الوهاب: دعوته وسيرته، لابن باز، ص١٩، ٢٤، ٢٧.\n(٢) انظر: الشيخ محمد بن عبد الوهاب عقيدته السلفية ودعوته الإصلاحية لأحمد بن حجر، ص٢٦، وروضة الأفكار لابن غنام ١/ ٨٣.\n(٣) انظر: نواقض الإسلام في القسم الخامس من مؤلفات الشيخ في: الرسائل الشخصية ص١٩٨، ٢٠٤، ٢١٢.","vol":"1","page":331},{"text":"ونصرها، وقمع الباطل وأذل أهله الذين عارضوا التوحيد.\nثم توفي الشيخ -﵀- يوم الاثنين آخر شهر شوال، سنة ١٢٠٦هـ، وله من العمر نحو ٩٢ سنة، فرحمه الله رحمة واسعة، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء (١) فقد أنقذ الله بمواقفه الحكيمة هذه الجزيرة وما جاورها من الشرك، وبدل الظلام، وأنار البلاد بنور التوحيد الخالص.\nوهكذا ينبغي لكل داعية يرجو الله واليوم الآخر أن يكون حكيمًا في مواقفه، ناصرًا لدين الله، صابرًا محتسبًا مخلصًا، وبذلك يربح ويفوز في الدنيا والآخرة، والله المستعان.\n_________\n(١) انظر: روضة الأفكار لابن غنام ١/ ٨٤، وعنوان المجد لابن بشر ١/ ٢٧، وعلماء نجد خلال ستة قرون ١/ ٤٠، ٤٣.","vol":"1","page":332},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-120>الفصل الثالث\nحكمة القول مع المدعوِّين</span>\nتمهيد: إنزال الناس منازلهم.\nالمبحث الأول: حكمة القول مع الملحدين.\nالمبحث الثاني: حكمة القول مع الوثنيين.\nالمبحث الثالث: حكمة القول مع أهل الكتاب.\nالمبحث الرابع: حكمة القول مع المسلمين.","vol":"1","page":333},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-121>تمهيد</span>\nإنزال الناس منازلهم الداعية الحكيم هو الذي يدرس الواقع، وأحوال الناس، ومعتقداتهم، وينزل الناس منازلهم، ثم يدعوهم على قدر عقولهم وأفهامهم وطبائعهم وأخلاقهم ومستواهم العلمي والاجتماعي، والوسائل التي يؤتون من جهتها، ولهذا قال علي بن أبي طالب -﵁-: \"حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله\" (١).\nوذُكِرَ عن عائشة ﵂ أنها قالت: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نُنْزِلَ الناس منازلهم» (٢) وقال عبد الله بن مسعود -﵁-: \"ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة\" (٣).\nوقد بيَّن النبي ﷺ ذلك للدعاة إلى الله -﷿-، فقال لمعاذ بن جبل حينما بعثه إلى اليمن -داعيًا ومعلمًا وقاضيًا-: «إنك تأتي قومًا أهل كتاب». . . \" الحديث (٤).\nفبين ﷺ لمعاذ عقيدة القوم الذين سوف يقدم عليهم حتى يعرف حالهم، ويستعد لهم، ويقدم لهم ما يناسبهم، وما يصلح أحوالهم.\n_________\n(١) البخاري مع الفتح، كتاب العلم، باب من خص بالعلم قومًا دون قوم كراهية أن لا يفهموا ١/ ٢٢٥.\n(٢) مسلم، في المقدمة، مع شرح النووي، ١/ ٥٥، وسنن أبي داود مع العون، ١٣/ ١٩١.\n(٣) مسلم، المقدمة، باب النهي عن الحديث بكل ما سمع ١/ ١١.\n(٤) البخاري مع الفتح، كتاب الزكاة، باب: لا تؤخذ كرائم أموال الناس في الصدقة ٣/ ٣٢٢، واللفظ له، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله وشرائع الإسلام ١/ ٥٠.","vol":"1","page":335},{"text":"وقال ﷺ لعائشة -﵂-: «يا عائشة، لولا قومك حديث عهدهم بكفر لنقضت الكعبة وجعلت لها بابين: باب يدخل الناس، وباب يخرجون» (١).\nفترك ﷺ هذه المصلحة، لأمن الوقوع في المفاسد (٢).\nفدراسة البيئة والمكان الذي تبلغ فيه الدعوة أمر مهم جدًّا، فإن الداعية يحتاج في دعوته إلى معرفة أحوال المدعوين: الاعتقادية، والنفسية، والاجتماعية، والاقتصادية، ومعرفة مراكز الضلال ومواطن الانحراف معرفة جيدة، ويحتاج إلى معرفة لغتهم، ولهجتهم، وعاداتهم، والإحاطة بمشكلاتهم ونزعاتهم الخلقية، وثقافتهم، ومستواهم الجدلي، والشبه التي انتشرت في مجتمعهم، ومذاهبهم (٣).\nوالداعية الحكيم يكون مدركًا لما حوله، مقدرًا للظروف التي يدعو فيها، مراعيًا لحاجات الناس ومشاعرهم، وكل أحوالهم.\nوالداعية إلى الله -تعالى- لا ينجح في دعوته، ولا يكون موفقًا في تبليغه ولا مسددًا في قوله وفعله حتى يعرف من يدعوهم، وهل هذا المجتمع من المسلمين العصاة، أو من المسلمين الذين انتشرت فيهم البدع والخرافات؟ هل هذا المجتمع من أهل الكتاب؟ فإذا كانوا منهم، فهل هم من اليهود أم من النصارى؟ هل هذا المجتمع من الملحدين الطبيعيين والماديين والدهريين؟ أم من الوثنيين المشركين.\n_________\n(١) البخاري مع الفتح، كتاب العلم، باب من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه فيقعوا في أشد منه ١/ ٢٢٤.\n(٢) قال ابن حجر -رحمه الله تعالى- يستفاد منه ترك المصلحة؛ لأمن الوقوع في المفسدة، وترك إنكار المنكر خشية الوقوع في أنكر منه. انظر: فتح الباري ١/ ٢٢٥.\n(٣) انظر: شرح الإمام النووي على مسلم ١/ ٧٦، ١٩٧، وفتح الباري ١/ ٢٢٥، وكيف يدعو الداعية لعبد الله ناصح علوان ص٧، ٣٧، ٤٧، ١٥٥، وزاد الداعية إلى الله للشيخ محمد بن صالح العثيمين ص٧.","vol":"1","page":336},{"text":"فإذا عرف الداعية هذا كله، فكيف يدعو كل فئة من هذه الفئات بالحكمة؟ وماذا يقدم معهم؟ وماذا يؤخر؟ وما القضايا التي يعطيها أهمية وأولوية قبل غيرها؟ وما الأفكار الضرورية التي يطرحها ويبدأ بها؟\nوهكذا، فالداعية الحكيم كالطبيب الحكيم الذي يشخص المرض، ويعرف الداء ويحدده، ثم يعطي الدواء المناسب على حسب حال المريض ومرضه، مراعيًا في ذلك: قوة المريض وضعفه، وتحمله للعلاج، وقد يحتاج المريض إلى عملية جراحية فيشق بطنه، أو يقطع شيئا من أعضائه، من أجل استئصال المرض طلبًا لصحة المريض، وهكذا الداعية الحكيم يعرف أمراض المجتمع، ويحدد الداء، ويعرف الدواء، وينظر ما هي الشبه والعوائق فيزيلها، ثم يقدم المادة المناسبة بدءًا بأمور العقيدة الإسلامية الصحيحة الصافية، مع تشويق المدعو إلى القبول والإجابة.\nوبناء على ما تقدم يكون من الحكمة تقسيم هذا الفصل إلى مباحث حسب أحوال الناس، وبيان كيفية دعوتهم بالحكمة القولية كالتالي:\nالمبحث الأول: حكمة القول مع الملحدين.\nالمبحث الثاني: حكمة القول مع الوثنيين.\nالمبحث الثالث: حكمة القول مع أهل الكتاب.\nالمبحث الرابع: حكمة القول مع المسلمين.","vol":"1","page":337},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-122>المبحث الأول\nحكمة القول مع الملحدين</span>\nتمهيد.\nالمطلب الأول: الأدلة الفطرية.\nالمطلب الثاني: البراهين والأدلة العقلية.\nالمطلب الثالث: الأدلة الحسية المشاهدة.\nالمطلب الرابع: الأدلة الشرعية.","vol":"1","page":339},{"text":"تمهيد\nالإلحاد في الأصل هو: الميل والعدول عن الشيء، والظلم والجور، والجدال والمِراء، يقال: لحد في الدين لحدًا، وألحدَ إلحادًا، لمن مال وعدل ومارى وجادل وظلم (١).\nواللحد: الشق الذي يعمل في جانب القبر لموضع الميت؟ لأنه قد أميل عن وسط القبر إلى جانبه (٢).\nوالإلحاد: هو الميل عن الحق، والانحراف عنه بشتى الاعتقادات، والتأويل الفاسد، والمنحرف عن صراط الله والمعاكس لحكمه يسمى ملحدًا (٣).\nوالمراد بالملحدين في هذا المبحث: هو المعنى المصطلح عليه في هذا العصر، وهم: من أنكروا وجود رب خالق لهذا الكون، متصرف فيه، يدبر أمره بعلمه وحكمته، ويجري أحداثه بإرادته وقدرته، واعتبار الكون أو مادته الأولى أزلية، واعتبار تغيراته قد تمت بالمصادفة، أو بمقتضى طبيعة المادة وقوانينها، واعتبار الحياة -وما تستتبع من شعور وفكر حتى قمتها الإنسان- من أثر التطور الذاتي للمادة (٤).\nوسأتناول في هذا المبحث -بعون الله تعالى- كيفية حكمة القول في\n_________\n(١) انظر القاموس المحيط، فصل اللام باب الدال ص١٠٤، والمعجم الوسيط مادة \"لحد\" ٢/ ٨١٧، ومختار الصحاح، مادة \"لحد\" ص٢٤٧، وفتح القدير للشوكاني ٤/ ٥١٨، ٢/ ٢٦٨.\n(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير ٤/ ٢٣٦.\n(٣) انظر: الأجوبة المفيدة لمهمات العقيدة، للشيخ عبد الرحمن بن محمد الدوسري، ص٤٠.\n(٤) انظر: كواشف زيوف المذاهب المعاصرة، لعبد الرحمن الميداني، ص٤٠٩.","vol":"1","page":341},{"text":"الدعوة إلى الله مع هؤلاء الملحدين الماديين الطبيعيين والدهريين في المطالب التالية:\nالمطلب الأول: الأدلة الفطرية على وجود الله تعالى وربوبيته.\nالمطلب الثاني: البراهين والأدلة العقلية.\nالمطلب الثالث: الأدلة الحسية المشاهدة.\nالمطلب الرابع: الأدلة الشرعية.","vol":"1","page":342},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-123>المطلب الأول الأدلة الفطرية</span>\nالفطر: الشق، والجمع منه فطور (١) قال تعالى: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ [الملك: ٣] (٢) وفطر الله العالم. أوجده ابتداءً (٣) وفطر الخلق: خلقهم وبدأهم (٤) ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام: ٧٩] (٥) والفطرة: الخلقة التي خلق عليها كل موجود أول خلقه (٦) والخلقة التي خلق عليها المولود في رحم أمه، والدين (٧) والطبيعة السليمة التي لم تُشَبْ بِعَيْب (٨) قال الرسول ﷺ: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء (٩) هل تحسون فيها من جدعاء؟» (١٠) ثم يقول أبو هريرة -﵁-:. . ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] (١١).\n_________\n(١) انظر: المعجم الوسيط، مادة: فطر ٢/ ٦٩٤، ومختار الصحاح مادة: فطر ص٢١٢.\n(٢) سورة الملك، الآية ٣.\n(٣) انظر: المعجم الوسيط، مادة فطر ٢/ ٦٩٤.\n(٤) انظر: القاموس المحيط، فصل الفاء، باب الراء ص٥٨٧.\n(٥) سورة الأنعام، الآية ٧٩.\n(٦) انظر: المعجم الوسيط، مادة فطر ٢/ ٦٩٤.\n(٧) القاموس المحيط، فصل الفاء، باب الراء ص٥٨٧.\n(٨) انظر: المعجم الوسيط، مادة فطر ٢/ ٦٩٤.\n(٩) يعني أن البهيمة تلد الولد كامل الخلقة، فلو ترك كذلك كان بريئًا من العيب، لكنهم تصرفوا فيه بقطع أذنه مثلًا، فخرج عن الأصل وهو تشبيه واقع ووجه واضح. انظر: فتح الباري ٣/ ٢٤٩.\n(١٠) البخاري مع الفتح، كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات هل يُصلى عليه وهل يعرض على الصبي الإسلام؟ ٣/ ٢١٩، وأخرجه في عدة مواضع انظرها: ٣/ ٢١٩، ٢٤٩، ٨/ ٥١٢، ١١/ ٤٩٣، وأخرجه مسلم، كتاب القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين ٤/ ٢٠٤٧.\n(١١) سورة الروم، الآية ٣٠.","vol":"1","page":343},{"text":"فمن حكمة القول مع الملحدين أن يستخدم الداعية إلى الله -تعالى- في دعوته لهم الأدلة الفطرية، فيوضح ويبين لهم أن المولود يولد على نوع من الجبلة والطبع المتهيئ لقبول الدين، فلو ترك عليها لاستمر على لزومها ولم يفارقها إلى غيرها، وإنما يعدل عنها من يعدل؛ لآفة من آفات الشر والتقليد. . وكل مولود يولد على معرفة الله والإقرار به، فلا تجد أحدًا إلا وهو يقر بأن له صانعًا وإن سماه بغير اسمه، أو عبد معه غيره (١).\nوالمقصود بفطرة الله التي فطر الناس عليها: فطرة الإسلام (٢) والسلامة من الاعتقادات الباطلة، والقبول للعقائد الصحيحة؛ فإن حقيقة الإسلام هو الاستسلام لله وحده.\nوقد ضرب رسول الله ﷺ مثل ذلك فقال: «كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟».\nفأوضح أن سلامة القلب من النقص كسلامة البدن، وأن العيب حادث طارئ (٣). قال ﷺ فيما يرويه عن ربه -﵎-: «إني خلقت عبادي حُنَفاء كلهم وإنهم أتتهم الشياطين فاجْتَالَتْهُم عن دينهم، وحرَّمَت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا». . . \" (٤).\nوقد مثل شيخ الإسلام ابن تيمية الفطرة مع الحق بمثل يوضح ذلك، فقال: \"ومثل الفطرة مع الحق مثل ضوء العين مع الشمس، وكل ذي عين لو ترك بغير حجاب لرأى الشمس، والاعتقادات الباطلة العارضة من\n_________\n(١) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير ٣/ ٤٥٧، وفتح الباري ٣/ ٢٤٨ - ٢٥٠.\n(٢) وقد جزم بذلك البخاري فقال: والفطرة الإسلام. انظر: البخاري مع الفتح، كتاب التفسير، باب لا تبديل لخلق الله ٨/ ٥١٢.\n(٣) انظر: فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٤/ ٢٤٥، وفتح الباري ٤/ ٢٤٥.\n(٤) مسلم، كتاب الجنة، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار ٤/ ٢١٩٧.","vol":"1","page":344},{"text":"تَهَوُّدٍ وتنصّر وتمجّس مثل حجاب يحول بين البصر ورؤية الشمس، وكذلك كل ذي حس سليم يحب الحلو، إلا أن يعرض في طبيعته فساد يحرفه حتى يجعل الحلو في فمه مُرًّا\" (١).\nوليس المراد بقوله ﷺ: «يولد على الفطرة» أنه خرج من بطن أمه يعلم الدين ويعتقد الإسلام بالفعل؟ لأن الله يقول: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨] (٢).\nولكن المراد أن فطرته مقتضية لمعرفة دين الإسلام ومحبته، وقبوله وإرادته للحق، وإقراره بالربوبية، فلو خلّي من غير معارض ومن غير مغيِّر لما كان إلا مسلمًا ولم يعدل عن ذلك إلى غيره، كما أنه يولد على محبة ما يلائم بدنه من ارتضاع اللبن حتى يصرفه عنه صارف، ومن ثم شُبِّهت الفطرة باللبن، فهي تستلزم معرفة الله ومحبته وتوحيده (٣).\nويدل على ذلك رواية مسلم: «ما من مولود يولد إلا وهو على هذه الملة حتى يبين عنه لسانه» (٤).\nوقد أخبر الله -﷿- أنه استخرج ذرية بني آدم من أصلابهم شاهدين على أنفسهم أن الله ربهم ومليكهم وأنه لا إله إلا هو ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف: ١٧٢] الآية (٥).\n_________\n(١) درء تعارض العقل والنقل ٩/ ٣٧٥، والفتاوى لابن تيمية ٤/ ٢٤٧.\n(٢) سورة النحل، الآية ٧٨.\n(٣) انظر: شرح النووي على مسلم ١٦/ ٢٠٨، وفتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٤/ ٢٤٧، ١٦/ ٣٤٤، ٤/ ٢٤٩، وفتح الباري ٣/ ٢٤٨ - ٢٥٠.\n(٤) مسلم، كتاب القدر، باب معنى: كل مولود يولد على الفطرة ٤/ ٢٠٤٨.\n(٥) سورة الأعراف، الآية ١٧٢.","vol":"1","page":345},{"text":"وهذا يدل دلالة قاطعة على أن كل إنسان قد فطر على الإيمان بخالقه من غير سبق تفكير أو تعليم (١).\nومما يبين ذلك ويوضحه أن العاقل إذا رجع إلى نفسه وعقله أدنى رجوع عرف افتقاره إلى الخالق-تعالى- في تكوينه وبقائه وتقلبه في أحواله (٢) وإذا نظر إلى الخلائق علم فقرهم كلهم إلى الخالق في كل شيء؛ فقراء إليه في الخلق والإيجاد، وفي البقاء والرزق والإمداد، وفقراء إليه في جلب المنافع ودفع المضار.\nفانظر إلى حالة الناس إذا كربتهم الشدائد، ووقعوا في المهالك، وأشرفوا على الأخطار، كيف تجد قلوبهم معلقة بالله، وأصواتهم مرتفعة بسؤاله، وأفئدتهم تنظر إلى إغاثته، لا تلتفت يمنةً ولا يسرةً إلا إليه (٣).\nومما يزيد ذلك وضوحًا أن الخلق متى شاهدوا شيئًا من الحوادث المتجددة كالرعد والصواعق، والبرق والزلازل، والبراكين المتفجرة الثائرة، والريح الشديدة، وانهمار الأمطار الغزيرة، وفيضانات الأنهار، واضطراب الأمواج في البحار والمحيطات، متى شاهدوا ذلك دعوا الله وسألوه، وافتقروا إليه، لأنهم يعلمون أن هذه الحوادث المتجددة لم تتجدّد بنفسها، بل لها محدث أحدثها، وإن كانوا يعلمون هذا في سائر المحدثات؛ لكن ما اعتادوا حدوثه صار مألوفًا لهم، بخلاف المتجدّد، ولو لم يكن إلا خلق الإنسان، فإنه من أعظم الآيات، فكل يعلم أنه لم يحدث نفسه، ولا أبواه أحدثاه، ولا أحد من البشر أحدثه، ويعلم أنه لا بد له من خالق خلقه،\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن كثير ٢/ ٢٦٢، ٣/ ٤٣٣، ودرء تعارض العقل والنقل ٨/ ٤٨٧، وجامع الرسائل لابن تيمية ١/ ١١، وأضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشنقيطي ٢/ ٣٣٧.\n(٢) انظر. كتاب الداعي إلى الإسلام لعبد الرحمن الأنباري ص٢١١، ودرء تعارض العقل والنقل ٣/ ١١٣.\n(٣) انظر: الرياض الناضرة والحدائق النيرة الزاهرة ص٢٥١، ٢٥٢.","vol":"1","page":346},{"text":"وأن هذا الخالق موجود، حي، عليم، قدير، سميع، بصير، حكيم، حفيظ (١) ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] (٢) وقال -سبحانه- تذكيرًا لهذا الإنسان الجاحد: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧] (٣) ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣] (٤).\nفبين هذا أن الناس إذا غفلوا عن هذه الفطرة في حال السراء فلا شك أنهم يلوذون إليها في حال الضراء، لعلمهم الفطري أن الله الذي يكشف الشدائد، ولا ملجأ منه إلا إليه، فيسألونه بلسان المقال ولسان الحال، فهل هذه الأمور تحصل إلا لأن الخليقة مفطورة على الاعتراف بربوبية الله ووحدانيته، وأنه النافع الضار وملكوت كل شيء بيده، إلا من فسدت فطرته بالعقائد الفاسدة (٥).\n_________\n(١) انظر: درء تعارض العقل والنقل ٣/ ١٢٢، ١٢٩، ١٣١، ١٣٧.\n(٢) سورة الذاريات، الآية ٢١.\n(٣) سورة الإسراء، الآية ٦٧.\n(٤) سورة النحل، الآية ٥٣.\n(٥) انظر: الرياض الناضرة ص٢٥٢، وعقيدة المسلمين للبليهي ١/ ٧٠، وشرح أصول الإيمان للشيخ محمد بن عثيمين ص١٥.","vol":"1","page":347},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-124>المطلب الثاني البراهين والأدلة العقلية</span>\nإذا كان الماديون والطبيعيون والدهريون يتظاهرون بإنكار وجود الله -تعالى-، فإن من الحكمة في دعوة هؤلاء إلى الله -تعالى- أن تقدم لهم البراهين والأدلة العقلية القطعية في المسالك الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-125>المسلك الأول: التقسيم العقلي الحكيم</span>.\nالمسلك الثاني: العدم لا يخلق شيئا.\nالمسلك الثالث: الطبيعة الصماء لا تملك قدرة.\nالمسلك الرابع: الصدفة العمياء لا تملك حياة.\nالمسلك الخامس: المناظرات العقلية الحكيمة.\nالمسلك السادس: مبدأ السببية.\nالمسلك السابع: التفكر في المصنوع يدل على بعض صفات الصانع.\nالمسلك الأول: التقسيم العقلي الحكيم: يُستدل على كل من أنكر وجود الله -تعالى- وربوبيته بأمر لا يمكنهم إلا التسليم للحق والانقياد له، أو الخروج عن موجب العقل إلى الجنون والفطر المنحرفة، فيقال لكل من أنكر ذلك:\nالأمور الممكن تقسيمها في العقل ثلاثة لا رابع لها:\n١ - إما أن توجد هذه المخلوقات بنفسها صدفة من غير محدث ولا خالق خلقها، فهذا محال ممتنع تجزم العقول ببطلانه ضرورة، وتعلم يقينًا أن من ظن ذلك فهو إلى الجنون أقرب منه إلى العقل؛ لأن كل من له عقل يعرف أنه لا يمكن أن يوجد شيء من غير موجد ولا محدث، فلا بد لكل حادث من محدث، ولا سبيل إلى إنكار ذلك، فإن وجود الشيء من غير موجد محال وباطل بالمشاهدة والحس والفطرة السليمة.","vol":"1","page":348},{"text":"٢ - وإما أن كون هذه المخلوقات الباهرة هي المحدثة الخالقة لنفسها، فهذا أيضا محال ممتنع بضرورة العقل، وكل عاقل يجزم أن الشيء لا يحدث نفسه ولا يخلقه؛ لأنه قبل وجوده معدوم فكيف يكون خالقًا؟!\nفإذا بطل هذان القسمان عقلًا وفطرةً وبان استحالتهما، تعين القسم الثالث:\n٣ - وهو أن هذه المخلوقات بأجمعها: علويها وسفليها، وهذه الحوادث لا بد لها من محدث ينتهي إليه الخلق والملك والتدبير، وهو الله العظيم الخالق لكل شيء، المتصرف في كل شيء، المدبّر للأمور كلها (١) ولهذا ذكر الله -تعالى- هذا الدليل العقلي والبرهان القطعي فقال: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥] (٢) ولذلك تأثر جبير بن مطعم بسماعها من النبي ﷺ تأثرًا عظيمًا، قال -﵁-: «سمعت النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ هذه الآية ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ - أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ - أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٥ - ٣٧] (٣) كاد قلبي أن يطير\" (٤) \"وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي» (٥).\nفالمخلوق لا بد له من خالق، والمصنوع لا بد له من صانع، والمفعول\n_________\n(١) انظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم ١/ ٦٦، ودرء تعارض العقل والنقل ٣/ ١١٣، والرياض الناضرة للسعدي ص٢٤٧، وتفسير السعدي ٧/ ١٩٥، وأضواء البيان للشنقيطي ٤/ ٣٦٨، وشرح أصول الإيمان لمحمد بن صالح عثيمين ص١٥.\n(٢) سورة الطور، الآية ٣٥.\n(٣) سورة الطور، الآيات ٣٥ - ٣٧.\n(٤) البخاري مع الفتح، كتاب التفسير، سورة الطور، باب حدثنا عبد الله بن يوسف ٨/ ٦٠٣.\n(٥) البخاري مع الفتح، كتاب المغازي، باب حدثني خليفة، حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري ٧/ ٣٢٣.","vol":"1","page":349},{"text":"لا بد له من فاعل، وهذه قضايا بدهية جلية واضحة، يشترك في العلم بها جميع العُقلاء، وهي أعظم القضايا العقلية، فمن ارتاب فيها أو شك في دلالتها فقد برهن على ضلاله، واختلال عقله (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>المسلك الثاني: العدم لا يخلق شيئا:</span>\nمن القواعد العقلية التي ينبغي للداعية إلى الله أن لا يغفلها في دعوته مع الملحدين قاعدة: العدم لا يخلق شيئا، فالعدم الذي لا وجود له لا يستطيع أن يصنع شيئا، لأنه غير موجود.\nوإذا تأمل العاقل في المخلوقات التي تولد في كل يوم، من إنسان وحيوان، وتفكر في كل ما يحدث في الوجود من رياح وأمطار، وليل ونهار، وما يجري في كل حين من حركات منتظمة للشمس والقمر والنجوم والكواكب، إذا تأمل العاقل في هذا وغيره من التغيرات المحكمة التي تجري في الوجود في كل لحظة، فإن العقل يجزم بأن هذا كله ليس من صنع العدم، وإنما هو من صنع الخالق الموجود ﷾ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>المسلك الثالث: الطبيعة الصماء لا تملك قدرة، وفاقد الشيء لا يعطيه:</span>\nمن المعلوم عند جميع العقلاء أن الذي لا يملك مالًا لا يسأل الناس منه المال، والجاهل لا يأتي منه العلم؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه.\nفمن زعم أن الطبيعة (٣) خلقته أو خلقت شيئا فقد خالف العقل وحارب\n_________\n(١) انظر: الرياض الناضرة لعبد الرحمن بن ناصر السعدي ص٢٤٧، ومنهاج الجدل في القرآن الكريم؛ للدكتور زاهر بن عواض الألمعي ص١٣٨.\n(٢) انظر: حاشية ثلاثة الأصول لمحمد بن عبد الوهاب، بقلم عبد الرحمن بن قاسم ص٢٩، والإيمان للزنداني مع مجموعة من العلماء ص٢١، وكتاب التوحيد للزنداني ١/ ٢١.\n(٣) الطبيعة عند الماديين بمعنى المادة، والمادة بمعنى الطبيعة، وهي هذه المخلوقات بما هي عليه من صفات. انظر: موقف الإسلام من نظرية ماركس، لأحمد العوايشه ص١٢٨، والإيمان للزنداني ص٣٦.","vol":"1","page":350},{"text":"الحق، لأن الكون يشهد أن خالقه حكيم عليم خبير، هاد رزَّاق، حافظ رحيم، واحد أحد، والطبيعة الجامدة لا تملك مثقال ذرة من ذلك.\nومن العجيب أن كل من زعم أن الطبيعة تخلق شيئًا فقد خالف مقتضى العقول؛ لأن الطبيعة لا تملك خبرة، ولهم خبرة، ولا تملك إرادة، ولهم إرادة، ولا تملك علمًا، ولهم علم! أمَا علموا أن فاقد الشيء لا يُعطيه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج: ٧٣] (١) فلا بد أن يكون الخالق كاملًا كمالًا مطلقًا، بحيث يكون:\n١ - مستغنيًا عن غيره.\n٢ - ويكون أولًا ليس له بداية.\n٣ - وآخرًا ليس له نهاية.\n٤ - لا يحدّه زمان.\n٥ - لا يحده مكان.\n٦ - قادرًا على كل شيء.\n٧ - عالِمًا بكل شيء، ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون.\nوهذه الخصائص لا يمكن أن تكون إلا لله الكامل من كل الوجوه، وبذلك يسقط -بحمد الله تعالى- قول الماديين؛ لأن المادة لا تتصف بشيء من ذلك (٢).\n_________\n(١) سورة الحج، الآية ٧٣.\n(٢) انظر. موقف الإسلام من نظرية ماركس، لأحمد العوايشه ص١٢٥، ١٨٢، ١٨٧، ومذكرة في العقيدة الإسلامية للدكتور ناصر بن عقيل الطريفي ص٩.","vol":"1","page":351},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-128>المسلك الرابع: الصدفة العمياء لا تملك حياة:</span>\nيعتقد الملحدون بالصدفة (١) وهي أن جميع الأشياء والمخلوقات تم تكوينها على ما هي عليه بطريق الصدفة، والمقابلة، وليس ذلك بطريق القصد والإرادة والتدبير.\nومن حكمة القول مع هؤلاء أن يُقال لهم: من أين حصل لهذا العَالَم هذا النظام العجيب، والترتيب الحكيم الذي حارت فيه العقول؟ كيف ينسب ذلك إلى الاتفاق والمصادفة ومجرد البخت؟ وكيف اجتمعت تلك الأجزاء على اختلاف أشكالها، وتباين مواردها وقواعدها، وكيف حفظت وبقيت على تآلفها، وكيف تجدّدت المرة بعد المرة؟!\nإن مثل من يقول أو يعتقد أن هذا النظام والإبداع والإتقان وُجِدَ بطريق الصدفة لا غير، كمثل من وضع حروف الهجاء: أ، ب، ت. . .، في صندوق ثم جعل يحركه طمعًا منه أن تتألف هذه الحروف من تلقاء نفسها، فيتركب منها قصيدة بليغة، أو كتاب دقيق في الهندسة، أليس ذلك من السفه المبين ونقص العقل؟! فإنه لو داوم على تحريك هذا الصندوق السنين والدهور لم يحصل إلا على حروف.\nومثله كمن يقول: إن رجلًا أعمى غرزت له إبرةً في لوحة، وأُعطِي ألف إبرة، وقيل له: ارم هذه الإبر واحدة بعد الثانية، لتدخل الإبرة الأولى في ثقب الإبرة المغروسة في اللوحة، وتدخل الإبرة الثانية في ثقب الأولى، والثالثة في ثقب الثانية، وهكذا بطريق الصدفة، حتى دخلت كل الإبر في بعضها بطريق الصدفة، فهل عاقل يصدق بهذه العملية والتي قبلها؟\n_________\n(١) الصدفة في اللغة: يقال: صادفه مصادفة: لقيه ووجده من غير موعد ولا توقع. انظر: المعجم الوسيط، مادة: صدف ٢/ ٥١٠.","vol":"1","page":352},{"text":"لا يمكن أن يُصدّق عاقل بهذا، لأنه من قبيل المستحيل الذي لا تقبله العقول ولا تُقرّة، فكيف يُصدّق عاقل أن الكون كله بما فيه من إبداع وتنظيم في كل ذرة من ذراته وُجِدَ بطريق الصدفة؟\nإن مخلوقًا يُصدّق بهذه التخيلات لمجنون قطعًا، لا تصلح نسبته إلى العُقلاء، ولا يُذكر في عدادهم أبدًا ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١٠] (١).\nوهذا فيه دلالة عقلية قاطعة على أن الله هو الخالق لكل شيء، وأن الصدفة لا وجود لها ولا تصرف في مخلوقات الله -تعالى-، وبهذا تبطل شبه أهل الإلحاد والعناد الذين قالوا بالصدفة، ولله الحمد (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>المسلك الخامس: المناظرات العقلية الحكيمة:</span>\nمن الحكمة في دعوة الملحدين والطبيعيين الماديين أن يناظروا بالمناظرات العقلية الحكيمة التي توضح لهم الحق، وتجعلهم يسلمون ويقرون بأن الله هو الحق، وأن ما يدعون من دونه هو الباطل.\nومن المناظرات التي أفحم بها المسلمون الملحدين ما ذُكِر عن أبي حنيفة -رحمه الله تعالى- أنه اجتمع بطائفة من الملحدين وناظرهم فغلبهم، ورجعوا على أنفسهم بالملام، وقيل: إنهم رجعوا إلى الحق وأسلَمُوا على يديه (٣).\n_________\n(١) سورة إبراهيم، الآية ١٠.\n(٢) انظر: درء تعارض العقل والنقل ٣/ ١٢٩، والإسلام يتحدى، لوحيد الدين خان ص٦٥، وعقيدة المؤمن لأبي بكر الجزائري ص٣٤، ومنهاج الجدل في القرآن الكريم للدكتور زاهر بن عواض الألمعي ص١٤٢.\n(٣) سبقت هذه المناظرة بتمامها في مواقف أبي حنيفة، ص٢٨٨، وانظر: درء تعارض العقل والنقل ٣/ ١٢٧، والرياض الناضرة لسعدي ص٢٥٨، وعقيدة المسلمين للبليهي ١/ ١٢٣، ومنهاج الجدل ص١٣٩.","vol":"1","page":353},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-130>المسلك السادس: مبدأ السببية:</span>\nإن الواقع والعقول السليمة تشهد أن الإنسان منذ فتح عينيه لم يُشاهد أن حادثًا حدث من غير سبب، أو أن شيئًا وُجِد من غير موجد، حتى أصبح هذا المعنى بحكم الواقع لا يتصور العقل خلافه، ولا يأبى الإقرار به إلا عقل مفقود أو مريض كشأن المعتوهين، أو عقل قاصر كشأن الطفل الذي يكسر الإناء ثم يقول: إنه انكسر بنفسه (١).\nولذلك أدرك الأعرابي هذه السببية عندما سُئِل: ما الدليل على وجود الرب؟ فقال: سبحان الله، إن البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبِحار ذات أمواج، ليل داج، ونهار ساج، ألا يدل ذلك على اللطيف الخبير (٢).\nفكل مخلوق لا بد له من خالق، وكل أثر لا بد له من مؤثر، وكل محدث لا بد له من محدث، وهذا هو قياس الشمول.\nأما قياس التمثيل فكقول: هذا محدث فيحتاج إلى محدث (٣).\nوبناء على هذه القاعدة فعالمنا هذا، من أرض وسماوات، وإنسان وحيوان، وليل ونهار، وشمس وقمر، لا بد له من محدث، ثم إن هذا العالم لا يبقى إلا بسبب يحفظه ويبقيه، كما أنه لم يحدث إلا بسبب أحدثه، وهذا لا يقدر عليه إلا الله الواحد القهار (٤).\n_________\n(١) انظر: موقف الإسلام من نظرية ماركس ص٢٨٤ - ٢٨٨.\n(٢) انظر: الرياض الناضرة ص٢٥٨، ومنهاج الجدل في القرآن الكريم ص١٣٩، وموقف الإسلام من نظرية ماركس ص٢٨٨.\n(٣) انظر: درء تعارض العقل والنقل ٣/ ٧٣، ١٢١ - ١٢٧.\n(٤) انظر: درء تعارض العقل والنقل ٣/ ١٢١، ومذكرة في العقدة الإسلامية للدكتور ناصر الطريفي ص٩.","vol":"1","page":354},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-131>المسلك السابع: التفكر في المصنوع يدل على بعض صفات الصانع:</span>\nمن القواعد التي يُردّ بها على الملحدِين قاعدة التفكر في المصنوع يدلّ على بعض صفات الصانع؛ لأن كل شيء يوجد في المصنوع يدل على قدرة أو علم أو خبرة، أو حكمة عند الصانع.\nومن هنا نعلم أن التفكر في المخلوق يدل على بعض صفات الخالق.\nإذا علم هذا فإنه يقال لمن أنكر وجود الله -تعالى- وربوبيته: تفكر في خلقك ونفسك، وانظر مبدأ خلقك من نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظامًا، فكسيت العظام لحمًا، حتى صرت بشرًا كامل الأعضاء الظاهرة والباطنة، أما يضطرك هذا التفكر والنظر إلى الاعتراف بالرب القادر على كل شيء، وأحاط علمه بكل شيء، الحكيم في كل ما خلقه وصنعه وأتقنه؟ فلو اجتمع الخلق كلهم على النطفة التي جعلها الله مبدأ خلق الإنسان على أن ينقلوها في تلك الأطوار المتنوعة، أو يحفظوها في ذلك القرار المكين، ويجعلوا لها سمعًا وبصرًا وعقلًا وقوىً باطنةً وظاهرةً، وينموها هذه التنمية العجيبة، ويركبوها هذا التركيب المنظم، ويرتبوا الأعضاء هذا الترتيب المحكم، فهل في اقتدارهم وفي استطاعتهم وعلومهم أن يصلوا إلى ذلك ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ - أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ [الواقعة: ٥٨ - ٥٩] (١).\nولا شك أن العاقل المنصف إذا تفكّر في ذلك دلّه وأوصله إلى الاعتراف بعظمة الخالق، وقدرة القادر، وحكمة الحكيم، وخبرة الخبير، وعلم العليم.\nوهذا دليل عقلي تضطر فيه العقول الصحيحة إلى معرفة ربها\n_________\n(١) سورة الواقعة، الآيتان ٥٨، ٥٩.","vol":"1","page":355},{"text":"وعبوديته (١) ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ - ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ - ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٤] (٢) ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] (٣).\n_________\n(١) انظر: درء تعارض العقل والنقل ٧/ ٣٠٥، ٣٠٦، ٨/ ٧٠ - ٧٣ ٣/ ٣٣٣، ١/ ٢٥٩، والرياض الناضرة للسعدي ص٢٤٨ - ٢٥٧، والإيمان لعبد المجيد الزنداني مع مجموعة من العلماء ص٢٢، وعقيدة المسلمين ١/ ١٠٩.\n(٢) سورة المؤمنون، الآيات ١٢ - ١٤.\n(٣) سورة الذريات، الآية ٢١.","vol":"1","page":356},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-132>المطلب الثالث الأدلة الحسية المشاهدة</span>\nمن الأدلة التي تدل على وجود الله -تعالى- وربوبيته وأنه الخالق لكل شيء المستحق للعبادة، الأدلة التي يسمعها الناس ويشاهدونها ويلمسونها، وهي على نوعين:\nالنوع الأول: إجابة الله -تعالى- للدعوات في جميع الأوقات، فلا يُحصي الخلق ما يُعطيه الله للسائلين، وما يُجيب به أدعية الداعين، ويرفع، كرب المكروبين، فتحصل المطالب الكثيرة بأسباب دعاء بعض العباد لربهم، والطمع في فضله والرجاء لرحمته، وهذا برهان مشاهد محسوس، لا ينكره إلا مكابر (١).\nفكم خرج المؤمنون يطلبون -بقلوب وَجِلة تائبة- من ربهم أن يسقيهم الغيث، فكانت الإجابة على الفور في كثير من الأحيان، فيأتي الغيث إلى المدينة أو القرية التي خرجت تدعو ربها، والقرى أو المدن التي بجوارها لا يأتيها شيء، وكم رأى المضطرون تفريجا لحالة الكرب بدعائهم (٢) ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢] (٣) وعلى هذا يشهد مئات الملايين من المسلمين، ومن رأى هذه الإجابات من المنصفين في مشارق الأرض ومغاربها.\nفمن الذي سمع دعاء المستغيثين فأجابهم فأنشأ السحاب وأنزل المطر؟! هل هو وثن لا يقدر على فعل شيء؟! أم طبيعة صماء لا تملك إرادةً ولا تدبيرًا، أم أن العدم الذي أنشأ وصمم، وأوجد وكوَّن، وقدّر وأتقن، وسمع فأجاب، وهو العدم الذي لا وجود له؟!!\n_________\n(١) انظر: الرياض الناضرة ص٢٥٣: وشرح أصول الإيمان للشيخ محمد بن صالح العثيمين ص١٧.\n(٢) انظر: الإيمان، لعبد المجيد الزنداني مع مجموعة من العلماء ص٤٠، والرياض الناضرة ص٢٥١.\n(٣) سورة النمل، الآية ٦٢.","vol":"1","page":357},{"text":"والحقيقة أن ذلك كله شاهد يتحدث إلى العقول البشرية أن لها ربًّا حكيمًا قادرًا سميعًا بصيرًا مجيبًا (١) فعن أنس -﵁- «أن رجلًا دخل المسجد يوم الجمعة، ورسول الله ﷺ يخطب، ثم قال: يا رسول الله هلكت الأموال، وانقطعت السُّبُل، فادع الله أن يُغيثنا، فرفع رسول الله ﷺ يديه، ثم قال: \"اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا\". قال أنس: ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة، وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار، فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت، فلا والله ما رأينا الشمس سبتًا، ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة، ورسول الله ﷺ قائم يخطب، فقال: يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يمسكها عنَّا، فرفع رسول الله ﷺ يديه، ثم قال: \"اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظِّراب وبطون الأودية ومنابت الشجر\"، فأقلعت وخرجنا نمشي في الشمس» (٢).\nوهذا الحديث الآية من آيات الله تدل على وجوده، وأنه القادر على كل شيء، وقد حصل هذا للمسلمين كثيرًا، ولهذا قال الشاعر:\nوكم أصاب المسلمين من جفاف ... فنفروا ثقالهم مع الخفاف\nوطلبوا من الإله الفرجا ... فحققوا الفوز ونالوا المخرجا\nفهل طبيعة أجابت أم وثن ... أم أنه السميع كشاف المحن (٣)\n_________\n(١) انظر: كتاب التوحيد، لعبد المجيد الزنداني ١/ ٤٣.\n(٢) البخاري مع الفتح، كتاب الاستسقاء، باب الاستسقاء في خطبة الجمعة غير مستقبل القبلة ٢/ ٥٠٧، وانظر: البخاري مع الفتح ٢/ ٥٠١، ٢/ ٥٠٨، وأخرجه مسلم، كتاب صلاة الاستسقاء، باب الدعاء في الاستسقاء ٢/ ٦١٢.\n(٣) هذه الأبيات لعبد الرحمن قاضي، انظر: الإيمان لعبد المجيد الزنداني ص٤٠.","vol":"1","page":358},{"text":"وما زالت إجابة الداعين أمرًا مشهودًا إلى يومنا هذا لمن صدق مع الله، وأتى بشروط الإجابة.\nالنوع الثاني: معجزات الأنبياء الحسّية، وهي آيات يشاهدها الناس أو يسمعون بها، وهي من أعظم البراهين القاطعة على وجود مرسلهم؛ لأنها أمور خارجة عن نطاق البشر، يجريها الله -تعالى- تأييدًا لرسله، ونصرًا لهم.\nومن أمثلة ذلك: الآية موسى ﷺ حين أمره الله -تعالى- أن يضرب بعصاه البحر، فضربه فانفلق اثني عشر طريقًا يابسًا، والماء بينها كالجبال، قال تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣] (١).\nومن آيات عيسى ﷺ أنه كان يحيي الموتى ويخرجهم من قبورهم بإذن الله، قال تعالى: ﴿وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٤٩] (٢) ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾ [المائدة: ١١٠] (٣).\nومن آيات محمد ﷺ انشقاق القمر، فقد طلبت منه قريش آيةً، فأشار إلى القمر، فانفلق فرقتين، فرآه الناس حقيقة في عهده ﷺ، قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ - وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ١ - ٢] (٤).\nوهذه الآيات المحسوسة تدل دلالة قاطعة على وجود الله -تعالى- (٥).\n_________\n(١) سورة الشعراء، الآية ٦٣.\n(٢) سورة آل عمران، الآية ٤٩.\n(٣) سورة المائدة، الآية ١١٠.\n(٤) سورة القمر، الآيتان ١، ٢.\n(٥) انظر: شرح أصول الإيمان، للشيخ محمد بن صالح العثيمين ص١٨.","vol":"1","page":359},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-133>المطلب الرابع الأدلة الشرعية</span>\nطريق الهداية الكاملة هو ما جاء عن الله -تعالى-، أو عن رسله عليهم الصلاة والسلام، وهي تجمع بين الأدلة النقلية والعقلية، وهي من أعظم الأدلة التي تهدي لمعرفة الله -تعالى- والإيمان به -﷿-، وتبعث المهتدي بها إلى العمل المزكي للنفس، والمهيئ له إلى سعادة الدارين، بخلاف الهداية العقلية وحدها، فإنها -وإن أنقذت صاحبها من القلق النفسي والحيرة الفكرية- لا تزكّي نفسه، ولا تُقوّم أخلاقه، ولا تهيئه لسعادة الدّارين، ولا تخرجه من دائرة الكفر حتى يؤمن بالأدلة الشرعية ويعمل بمقتضاها (١).\nوالكتب السماوية كلها تنطق بأن الله هو الخالق لكل شيء، المستحق للعبادة، وما جاءت به من الأحكام المتضمنة لمصالح العباد، دليل على أنها من ربّ حكيم عليم بمصالح خلقه، وما جاءت به من الأخبار الكونية التي شهد الواقع بصدقها، دليل على أنها من رب قادر على إيجاد ما أخبر به (٢).\nودلالة القرآن الكريم نوعان: (أ) خبر الله الصادق، فما أخبر الله -تعالى- به، أو أخبر به رسوله ﷺ فهو حق وصدق (٣) ولا يمكن أن يكون في ذلك شيء مُناقضٌ لدليل عقلي ولا سمعي (٤) لأن ما أثبته السمع الصحيح لم ينفه العقل الصريح (٥) والمعقول الصريح يوافق ما جاءت به الرسل ولا يناقضه (٦) وكل ما عارض\n_________\n(١) انظر: عقيدة المؤمن، لأبي بكر جابر الجزائري ص٣٩، ٤٩، ٦٣.\n(٢) انظر: شرح أصول الإيمان، لمحمد بن صالح العثيمين ص١٧.\n(٣) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٦/ ٧١.\n(٤) انظر: درء تعارض العقل والنقل (موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول) ١/ ١٧٢ - ١٨٠.\n(٥) انظر: درء تعارض العقل والنقل ٧/ ٣٩.\n(٦) انظر: المرجع السابق ٦/ ٥.","vol":"2","page":260},{"text":"الشرع من العقليات ليس دليلًا صحيحًا (١).\n(ب) دلالة القرآن بضرب الأمثال، وبيان الأدلة العقلية الدالة على المطلوب، فهذه دلالة شرعية عقلية، فهي شرعية؛ لأن الشرع دل عليها وأرشد إليها وأثبتها، وعقلية لأنها تعلم صحتها بالعقل (٢) كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ - الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢] (٣).\nويمكن أن أقتصر في الأدلة الشرعية التي تثبت وجود الله -تعالى-، وأنه رب كل شيء ومليكه ومدبّره، ويستلزم ذلك أنه المستحق للعبادة وحده دون ما سواه على ذكر طريقين (٤).\nالطريق الأول: توجيه الله -تعالى- الأنظار والقلوب إلى ما في هذا الكون من مخلوقات عجيبة تبهر العقول، فقد بيّن -سبحانه- في كتابه الآيات الكونية الباهرة الدالة على وجوده -سبحانه- وكمال قدرته، وعظيم تدبيره، وإتقان صنعه، ومن ذلك عجائب خلق الإنسان وعناية الله به، وبيانه - سبحانه- ما في عالم الحيوان من خلقه وتكوينه، وأجهزته، وتنويعه، وعالم النبات، وما فيه من غرائب وعجائب وسُنن تُحار فيها العقول، والرياح السيارة، وأعظم من ذلك كله توجيه الأنظار إلى خلق السماوات والأرض، والليل والنهار، وما في ذلك من آيات تدل على عظمة\n_________\n(١) انظر: درء تعارض العقل والنقل، ٥/ ٢٧٩.\n(٢) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٦/ ٧١، ٧٢.\n(٣) سورة البقرة، الآيتان ٢١، ٢٢.\n(٤) انظر: درء تعارض العقل والنقل ٨/ ٣٥٤، ٧/ ٣٠٢، ٣٠٧، ٩/ ٤٠، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١١/ ٣٧٧ - ٣٨٠، وعقيدة المؤمن لأبي بكر الجزائري ص٦٣، والرياض الناضرة للسعدي ص٢٥٣ - ٢٦٧.","vol":"2","page":361},{"text":"الخالق (١) قال سبحانه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] (٢).\nوالقرآن الكريم يزخر بالأدلة على هذا النوع.\nالطريق الثاني: معجزات الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، فقد أيد الله الرسل -عليهم الصلاة والسلام- بالمعجزات الباهرة للعقول، والخارقة لسنن الكون وقوانين الحياة، ليستدلوا بها على صدق نبوتهم، وإثبات رسالتهم، فإذا ثبتت نبوة الرسل بقيام المعجزات علم أن هناك مرسلًا أرسلهم؛ لأن ثبوت الرسالة يستلزم ثبوت الْمُرسِل، والعلم بالإضافة يستلزم العلم بالمضاف إليه، فالمعجزات نفسها يعلم بها صدق الرسول المتضمن لإثبات من أرسله، والآيات الباهرات التي يستدل بها على إثبات الخالق تدل المعجزة كدلالتها وأعظم (٣).\n_________\n(١) انظر: معالم الدعوة في القصص القرآني للدكتور عبد الوهاب بن لطف الديلمي ١/ ٢٥١، ومناهج الجدل ص١٤٨.\n(٢) سورة البقرة، الآية ١٦٤.\n(٣) انظر: درء تعارض العقل والنقل ٩/ ٤٠، ٤١، ٤٣، ٧/ ٣٠٢ - ٣٠٧، وفتاوى شيخ الإسلام ١١/ ٣٧٧.\nوخلاصة ما ذكر ابن تيمية في إثبات وجود الله -تعالى- كالتالي:\n١ - الاستدلال بآيات الله في الكون.\n٢ - أدلة الفطرة، فإن الخلق مفطورون على الإقرار بالخالق.\n٣ - الاستدلال على الله بالله، فإنه عرفنا نفسه فعرفناه.\n٤ - الاستدلال بمعجزات الرسل.\n٥ - إجماع الأمم وأصحاب العقول والفطر السليمة.\n٦ - المقاييس العقلية.\nانظر: فتاوى شيخ الإسلام ٣٦/ ٢١ - ٢٣، وستجد جميع الإحالات إلى المواضع التي ذكرها ابن تيمية في فتاواه.","vol":"2","page":362},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-134>المبحث الثاني\nحكمة القول مع الوثنيين</span>\nتمهيد.\nالمطلب الأول: الحجج العقلية على إثبات ألوهية الله.\nالمطلب الثاني: ضعف جميع المعبودات من دون الله.\nالمطلب الثالث: ضرب الأمثال الحكيمة.\nالمطلب الرابع: الكمال المطلق لإله الحق وحده.\nالمطلب الخامس: التوحيد دعوة جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام.\nالمطلب السادس: الغلو في الصالحين سبب شرك البشر.\nالمطلب السابع: الشفاعة المثبتة والمنفية.\nالمطلب الثامن: الإله الحق سخر جميع ما في الكون لعباده.\nالمطلب التاسع: البعث بعد الموت.","vol":"2","page":363},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-135>تمهيد</span>\nالوثني: من يتدين بعبادة الوثن (١) يقال: رجل وثَنِي، وقوم وثنيُّون، وامرأة وثنيَّة، ونساء وثنيّات (٢) واسم الوثن يتناول كل معبود من دون الله. سواء كان ذلك المعبود قبرًا، أو مشهدًا، أو صورةً، أو غير ذلك (٣).\nوكل من دعا نبيًّا أو وليًّا أو ملَكًا أو جنيًّا، أو صرف له شيئًا من العبادة فقد اتخذه إلهًا من دون الله (٤) وهذا هو حقيقة الشرك الأكبر الذي قال الله -تعالى- فيه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨] (٥)\n_________\n(١) الوثن: الصنم، والجمع وُثُنٌ وأوثان وهو التمثال يُعبد، سواء كان من خشب، أو حجر، أو نحاس، أو فضة أو غير ذلك. وقد كان الوثنيون يزعمون أن عبادته تقربهم إلى الله -تعالى-، كما بين -سبحانه- ذلك عنهم بقوله: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى. [سورة الزمر، الآية ٣]. انظر: القاموس المحيط، باب النون، فصل الواو، ص١٥٩٧، وباب الميم فصل الصاد ص١٤٦٠، والمعجم الوسيط مادة (وثن) ٢/ ١٠١٢، ومادة (صنم) ١/ ٥٢٦، والمصباح المنير، مادة (وثن) ص٦٤٧، ٦٤٨، ومادة (صنم) ص٣٤٩، ومختار الصحاح، مادة (وثن) ص٢٩٥، ومادة (صنم) ص١٥٦.\n(٢) انظر: المعجم الوسيط، مادة (وثن) ٢/ ١٠١٢، والمصباح المنير، مادة (وثن) ص٦٤٨.\nقال ابن الأثير: الفرق بين الوثن والصنم أن الوثن كل ما له جثة معمولة من جواهر الأرض، أو من خشب، أو حجارة كصورة الآدمي تعمل وتنصب فتعبد. والصنم. الصورة بلا جثة، ومنهم من لم يفرق بينهما، وأطلقهما على المعنيَيْن. انظر. النهاية في غريب الحديث ٥/ ١٥١، ٣/ ٥٦.\nثم قال: وقد يطلق الوثن على غير الصورة، ومنه حديث عدي بن حاتم قال: أتيت النبي ﷺ وفي عنقي صليب من ذهب، فقال لي: \"يا عدي اطرح عنك هذا الوثن\" أخرجه الترمذي في كتاب التفسير، باب سورة التوبة، ٥/ ٢٧٨، برقم٣٠٩٥، وانظر: صحيح الترمذي ٣/ ٥٦.\n(٣) انظر: فتح المجيد، شرح كتاب التوحيد، للشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب ص٢٤٤.\n(٤) انظر: فتح المجيد، شرح كتاب التوحيد، ص٢٤٢.\n(٥) سورة النساء، الآية ٤٨.","vol":"2","page":365},{"text":"والمشركون يُدعَوْن إلى الله -تعالى- بالحكمة القولية على حسب عقولهم وأفهامهم.\nوسأبيّن ذلك -بإذن الله تعالى- في المطالب التالية:\nالمطلب الأول: الحجج والبراهين العقلية القطعية على إثبات ألوهية الله تعالى.\nالمطلب الثاني: ضعف جميع المعبودات من دون الله من كل الوجوه.\nالمطلب الثالث: ضرب الأمثال الحكيمة.\nالمطلب الرابع: الكمال المطلق للإله المستحق للعبادة وحده.\nالمطلب الخامس: التوحيد دعوة جميع الرسل، عليهم الصلاة والسلام.\nالمطلب السادس: الغلو في الصالحين سبب كفر بني آدم.\nالمطلب السابع: الشفاعة المثبتة والمنفية.\nالمطلب الثامن: الإله الحق سخر جميع ما في الكون لعباده.\nالمطلب التاسع: البعث بعد الموت.","vol":"2","page":366},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-136>المطلب الأول\nالحجج العقلية القطعية على إثبات ألوهية الله تعالى</span>\nمن البراهين القطعية التي ينبغي للدعاة إلى الله تبيينها وتوضيحها لمن اتّخذ من دون الله آلهة أخرى، قوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ - لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ - لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢١ - ٢٣] (١).\nفقد أنكر -سبحانه- على من اتخذ من دونه آلهة من الأرض، سواء كانت أحجارًا أو خشبًا، أو غير ذلك من الأوثان التي تعبد من دون الله! فهل هم يحيون الأموات ويبعثونهم؟ والجواب: كلا، لا يقدرون على شيء؟ من ذلك\" ولو كان في السماوات والأرض آلهة تستحق العبادة غير الله لفسدتا وفسد ما فيهما من المخلوقات؟ لأن تعدد الآلهة يقتضي التمانع والتنازع والاختلاف، فيحدث بسببه الهلاك، فلو فرض وجود إلهين، وأراد أحدهما أن يخلق شيئًا والآخر لا يريد ذلك، أو أراد أن يُعطي والآخر أراد أن يمنع، أو أراد أحدهما تحريك جسم والآخر يريد تسكينه، فحينئذ يختل نظام العالم، وتفسد الحياة!؛ وذلك:\nلأنه يستحيل وجود مرادهما معًا، وهو من أبطل الباطل، فإنه لو وجد مرادهما جميعًا للزم اجتماع الضدين، وأن يكون الشيء الواحد حيًّا ميتًا، متحركًا ساكتًا.\nوإذا لم يحصل مراد واحد منهما لزم عجز كل منهما، وذلك يناقض الربوبية.\nوإن وُجِد مراد أحدهما ونفذ دون مراد الآخر، كان النافذ مراده هو الإله القادر والآخر عاجز ضعيف مخذول.\n_________\n(١) سورة الأنبياء، الآيات ٢١ - ٢٣.","vol":"2","page":367},{"text":"واتفاقهما على مراد واحد في جميع الأمور غير ممكن.\nوحينئذ يتعين أن القاهر الغالب على أمره هو الذي يوجد مراده وحده من غير مُمانع ولا مُدافع، ولا مُنازع ولا مُخالف ولا شريك، وهو الله الخالق الإله الواحد، لا إله إلا هو، ولا رب سواه؛ ولهذا ذكر -سبحانه- دليل التمانع في قوله ﷿: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ - عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١ - ٩٢] (١).\nوإتقان العالم العلوي والسفلي، وانتظامه منذ خلقه، واتساقه، وارتباط بعضه ببعض في غاية الدقة والكمال: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ [الملك: ٣] (٢). وكل ذلك مسخر ومدبر بالحكمة لمصالح الخلق كلهم -يدل على أن مدبره واحد، وربه واحد، وإلهه واحد، لا معبود غيره، ولا خالق سواه (٣).\n_________\n(١) سورة المؤمنون، الآية ٩١، ٩٢.\n(٢) سورة الملك، الآية ٣.\n(٣) انظر درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ٩/ ٣٥٢، ٣٥٤، ٣٣٧ - ٣٨٢، ١/ ٣٥ - ٣٧، وتفسير البغوي ٣/ ٢٤١، ٣١٦، وابن كثير ٣/ ٢٥٥، ١٧٦، وفتح القدير للشوكاني ٣/ ٤٠٢، ٤٩٦، وتفسير عبد الرحمن السعدي ٥/ ٢٢٠، ٣٧٤، وأيسر التفاسير لأبي بكر جابر الجزائري ٣/ ٩٩، ومناهج الجدل في القرآن الكريم للدكتور زاهر بن عواض الألمعي ص١٥٨ - ١٦١.","vol":"2","page":368},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-137>المطلب الثاني\nضعف جميع المعبودات من دون الله من كل الوجوه</span>\nمن المعلوم عند جميع العقلاء أن كل ما عبد من دون الله من الآلهة ضعيف من كل الوجوه، وعاجز ومخذول، وهذه الآلهة لا تملك لنفسها ولا لغيرها شيئًا من ضر أو نفع، أو حياة أو موت، أو إعطاء أو منع، أو خفض أو رفع، أو عزّ أو ذلّ، وأنها لا تتصف بأي صفة من الصفات التي يتصف بها الإله الحق، فكيف يعبد من هذه حاله؟ وكيف يُرجى أو يُخاف من هذه صفاته؟ وكيف يُسئل من لا يسمع ولا يبصر ولا يعلم شيئا (١).\nوقد بيّن الله -﷿- ضعف وعجز كل ما عبد من دونه أكمل بيان، فقال -سبحانه-: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [المائدة: ٧٦] (٢) ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ - وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ - وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ - إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ - أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ - إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ - وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ - وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩١ - ١٩٨] (٣).\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن كثير ٢/ ٨٣، ٢١٩، ٢٧٧، ٤١٧، ٣/ ٤٧، ٢١١، ٣١٠، وتفسير السعدي ٢/ ٣٢٧، ٤٢٠، ٣/ ٢٩٠، ٤٥١، ٥/ ٢٧٩، ٤٥٧، ٦/ ١٥٣، وأضواء البيان للشنقيطي ٢/ ٤٨٢، ٣/ ١٠١، ٣٢٢، ٥٩٨، ٥/ ٤٤، ٦/ ٢٦٨.\n(٢) سورة المائدة، الآية ٧٦.\n(٣) سورة الأعراف، الآيات ١٩١ - ١٩٨.","vol":"2","page":369},{"text":"وهي مع هذه الصفات لا تملك كشف الضر عن عابديها ولا تحويله إلى غيرهم ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٥٦] (١).\nومن المعلوم يقينًا أن ما يعبده المشركون من دون الله من؛ الأنبياء أو الصالحين أو الملائكة أو الجن الذين أسلموا، أنهم في شغل شاغل عنهم باهتمامهم بالافتقار إلى الله بالعمل الصالح، والتنافس في القُرْب من ربهم يرجون رحمته ويخافون عذابه، فكيف يُعْبَد مَن هذه حاله؟ (٢) قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٧] (٣).\nوقد أوضح وبين سبحانه أن ما عُبِد من دونه قد توفرت فيهم جميع أسباب العجز وعدم إجابة الدعاء من كل وجه؛ فإنهم لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض لا على وجه الاستقلال، ولا على وجه الاشتراك، وليس لله من هذه المعبودات من ظهير يساعده على ملكه وتدبيره، ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له (٤) قال ﷿: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ - وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢ - ٢٣] (٥).\n_________\n(١) سورة الإسراء، الآية ٥٦.\n(٢) انظر. تفسير ابن كثير ٣/ ٤٨، وتفسير السعدي ٤/ ٢٩١.\n(٣) سورة الإسراء، الآية ٥٧.\n(٤) انظر: تفسير ابن كثير ٣/ ٣٧، وتفسير السعدي ٦/ ٢٧٤.\n(٥) سورة سبأ، الآيتان ٢٢، ٢٣.","vol":"2","page":370},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-138>المطلب الثالث\nضرب الأمثال الحكيمة</span>\nضرب الأمثال من أوضح وأقوى أساليب الإيضاح والبيان في إبراز الحقائق المعقولة في صورة الأمر المحسوس، وهذا من أعظم ما يرد به على الوثنيين في إبطال عقيدتهم وتسويتهم المخلوق بالخالق في العبادة والتعظيم؛ ولكثرة هذا النوع في القرآن الكريم فسأقتصر على ثلاثة أمثلة توضح المقصود كالتالي:\n١ - قال الله -﷿-: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ - مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٧٣ - ٧٤] (١).\nحق على كل عبد أن يستمع لهذا المثل، ويتدبره حق تدبره، فإنه يقطع مواد الشرك من قلبه، فالآلهة التي تُعبَد من دون الله لن تقدر على خلق الذباب ولو اجتمعوا كلهم لخلقه، فكيف بما هو أكبر منه، بل لا يقدرون على الانتصار من الذباب إذا سلبهم شيئًا مما عليهم من طيب ونحوه، فيستنقذوه منه، فلا هم قادرون على خلق الذباب الذي هو أضعف المخلوقات، ولا على الانتصار منه واسترجاع ما سلبهم إياه، فلا أعجز من هذه الآلهة الباطلة، ولا أضعف منها، فكيف يستحسن عاقل عبادتها من دون الله؟!\nوهذا المثل من أبلغ ما أنزل الله -تعالى- في بطلان الشرك وتجهيل أهله (٢).\n_________\n(١) سورة الحج، الآيتان ٧٣، ٧٤.\n(٢) انظر: أمثال القرآن لابن القيم ص٤٧، والتفسير القيم لابن القيم ص٣٦٨، وتفسير البغوي ٣/ ٢٩٨، وابن كثير ٣/ ٢٣٦، وفتح القدير للشوكاني ٣/ ٤٧٠، وتفسير السعدي ٥/ ٣٢٦.","vol":"2","page":371},{"text":"٢ - ومن أحسن الأمثال وأدلها على بطلان الشرك، وخسارة صاحبه، وحصوله على ضد مقصوده، قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ - إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ - وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤١ - ٤٣] (١).\nفهذا مثل ضربه الله لمن عبد معه غيره يقصد به التعزز والتقوي والنفع، فبين سبحانه أن هؤلاء ضعفاء، وأن الذين اتخذوهم أولياء من دون الله أضعف منهم، فهم في ضعفهم وما قصدوه من اتخاذ الأولياء كالعنكبوت التي هي من أضعف الحيوانات، اتخذت بيتًا وهو من أضعف البيوت، فما ازدادت باتخاذه إلا ضعفًا، وكذلك من اتخذ من دون الله أولياء، فإنهم ضعفاء، وازدادوا باتخاذهم ضعفًا إلى ضعفهم (٢).\n٣ - ومن أبلغ الأمثال التي تبين أن المشرك قد تشتت شمله واحتار في أمره، ما بينه تعالى بقوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩] (٣).\nفهذا مثل ضربه الله -تعالى- للمشرك والموحد، فالمشرك لما كان يعبد آلهة شتى شُبِّهَ بعبد يملكه جماعة متنازعون مختلفون، سيئة أخلاقهم، يتنافسون في خدمته، لا يمكنه أن يبلغ رضاهم أجمعين، فهو في عذاب.\n_________\n(١) سورة العنكبوت، الآيات ٤١ - ٤٣.\n(٢) انظر: تفسير البغوي ٣/ ٤٦٨، وأمثال القرآن لابن القيم ص٢١، وفتح القدير للشوكاني ٤/ ٢٠٤.\n(٣) سورة الزمر، الآية ٢٩.","vol":"2","page":372},{"text":"والموحد لما كان يعبد الله وحده لا شريك له، فمثله كمثل عبد لرجل واحد، قد سلم له، وعلم مقاصده، وعرف الطريق إلى رضاه، فهو في راحة من تشاحن الخلطاء فيه واختلافهم، بل هو سالم لمالكه من غير تنازع فيه، مع رأفة مالكه به، ورحمته له، وشفقته عليه، وإحسانه إليه، وتوليه لمصالحه، فهل يستوي هذان العبدان؟ والجواب: كلا، لا يستويان أبدًا (١).\n_________\n(١) انظر البغوي ٤/ ٧٨، وابن كثير ٤/ ٥٢، والتفسير القيم ص٤٢٣، وفتح القدير للشوكاني ٤/ ٤٦٢، وتفسير السعدي ٦/ ٤٦٨، وتفسير الجزائري ٤/ ٤٣.","vol":"2","page":373},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-139>المطلب الرابع\nالكمال المطلق للإله الحق المستحق للعبادة وحده</span>\nبعد أن عرفنا صفات الآلهة الباطلة، وأنها لا تملك لنفسها ولا لغيرهما ضرًا ولا نفعًا، فهي لا تستحق العبادة، وإنما الذي يستحق العبادة وحده من يملك القدرة على كل شيء، والإحاطة بكل شيء، وكمال السلطان والغلبة والقهر والهيمنة على كل شيء، والعلم بكل شيء، ويملك الدنيا والآخرة، والنفع والضر، والعطاء والمنع بيده وحده، فمن كان هذا شأنه فإنه حقيق بأن يُذْكَر فلا يُنسَى، ويُشكر فلا يُكفر، ويُطاع فلا يُعصى، ولا يُشرك معه غيره (١).\nوصفات الكمال المطلق لله -تعالى- لا يحيط بها أحد، ولكن منها على سبيل المثال.\n١ - المتفرد بالألوهية: لا يستحق الألوهية إلا الله وحده، الحي الذي لا يموت أبدًا، القيوم الذي قام بنفسه واستغنى عن جميع المخلوقات، وهي مفتقرة إليه في كل شيء، ومن كمال حياته وقيوميته أنه لا تأخذه سنة ولا نوم، وجميع ما في السماوات والأرض عبيده، وتحت قهره وسلطانه: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا - لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ [مريم: ٩٣ - ٩٤] (٢).\nومن تمام ملكه وعظمته وكبريائه أنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، فكل\n_________\n(١) انظر: تفسير البغوي ١/ ٢٣٧، ٣/ ٧١، ٢/ ٨٨، ٣٧٢، وابن كثير ١/ ٣٠٩، ٢/ ٥٧٢. ٣/ ٤٢، ٢/ ١٢٧، ٤٣٥، ٥٧٠، ١/ ٣٤٤، ٢/ ١٣٨، وتفسير السعدي ١/ ٣١٣، ٧/ ٦٨٦، ٢/ ٣٨١، ٣/ ٣٩٧، ٤/ ٢٠٤، ٦/ ٣٦٤، ١/ ٣٥٦، ٢/ ٣٧٢، وأضواء البيان ٢/ ١٨٧، ٣/ ٢٧١.\n(٢) سورة مريم، الآيتان ٩٣، ٩٤.","vol":"2","page":374},{"text":"الوجهاء والشفعاء عبيد له، لا يقدمون على شفاعة حتى يأذن لهم، ولا يأذن إلا لمن ارتضى، وعلمه تعالى محيط بجميع الكائنات، ولا يطلع أحد على شيء من علمه إلا ما أطلعهم عليه، ومن عظمته أن كرسيه وسع السماوات والأرض، وأنه قد حفظهما وما فيهما من مخلوقات، ولا يثقله حفظهما، بل ذلك سهل عليه يسير لديه، وهو القاهر لكل شيء، العلي بذاته على جميع مخلوقاته، والعلي بعظمته وصفاته، العلي الذي قهر المخلوقات ودانت له الموجودات، العظيم الجامع لصفات العظمة والكبرياء، وقد دل على هذه الصفات العظيمة قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٥] الآية (١).\n٢ - وهو الإله الذي خضع كل شيء لسلطانه، فانقادت له المخلوقات بأسرها: جماداتها وحيواناتها، وإنسها وجنها وملائكتها ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣] (٢).\n٣ - وهو الإله الذي بيده النفع والضر، فلو اجتمع الخلق على أن ينفعوا مخلوقًا لم ينفعوه إلا بما كتبه الله له، ولو اجتمعوا على أن يضروه بشيء لم يضروه إذا لم يرد الله ذلك، ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس: ١٠٧] (٣).\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية ٢٥٥.\n(٢) سورة آل عمران، الآية ٨٣.\n(٣) سورة يونس، الآية ١٠٧.","vol":"2","page":375},{"text":"٤ - وهو القادر على كل شيء، ولا يعجزه شيء، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] (١).\n٥ - إحاطة علمه بكل شيء، شامل للغيوب كلها: يعلم ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون (٢) ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران: ٥] (٣) ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس: ٦١] (٤) ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] (٥) ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧٥] (٦).\nولا شك أن من عرف هذه الصفات وغيرها من صفات الكمال والعظمة، فإنه سيعبد الله وحده؛ لأنه الإله المستحق للعبادة.\n_________\n(١) سورة يس، الآية ٨٢.\n(٢) انظر: تفسير ابن كثير ١/ ٣٤٤، ٢/ ١٣٨، والسعدي ٢/ ٣٥٦، ٢/ ٣٧٢.\n(٣) سورة آل عمران، الآية ٥.\n(٤) سورة يونس، الآية ٦١.\n(٥) سورة الأنعام، الآية ٥٩.\n(٦) سورة الأنفال، الآية ٧٥.","vol":"2","page":376},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-140>المطلب الخامس\nالتوحيد دعوة جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام</span>\nيجب أن يبلغ كل من أشرك بالله -تعالى- أن الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- دَعَوْا أقوامهم إلى عبادة الله وحده دون ما سواه، وأن الحجة قد قامت على جميع الأمم، وما من أمة إلا بعث الله فيهم رسولًا، وكلهم يَدْعون إلى عبادة الله وحده لا شريك له (١) قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٦] (٢) ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] (٣) وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥] (٤).\nفبين سبحانه في هذه الآيات عن طريق العموم أن جميع الرسل دعوا إلى \"لا إله إلا الله\"، وخلع جميع المعبودات من دون الله (٥) وفصَّل ذلك في مواضع أخرى من كتابه، كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩] (٦) ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٦٥] (٧) ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٧٣] (٨)\n_________\n(١) انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ٩/ ٣٤٤، وتفسير ابن كثير ٢/ ٥٦٧، والسعدي ٤/ ٢٠٢، وأضواء البيان للشنقيطي ٣/ ٢٦٨.\n(٢) سورة النحل، الآية ٣٦.\n(٣) سورة الأنبياء، الآية ٢٥.\n(٤) سورة الزخرف، الآية ٤٥.\n(٥) انظر: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ٣/ ٢٦٨.\n(٦) سورة الأعراف، الآية ٥٩.\n(٧) سورة الأعراف، الآية ٦٥.\n(٨) سورة الأعراف، الآية ٧٣.","vol":"2","page":377},{"text":"﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٨٥] (١) ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢] (٢).\nوهذا بلاغ مبين من الله لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.\nفالداعية إلى الله -تعالى- يقوم بإيصال هذه الحكم القولية إلى الناس، ويبين لهم ذلك، فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها، وما ربك بظلام للعبيد.\n_________\n(١) سورة الأعراف، الآية ٨٥.\n(٢) سورة المائدة، الآية ٧٢.","vol":"2","page":378},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-141>المطلب السادس\nالغلو في الصالحين سبب شرك البشر</span>\nمن أعظم الحكم القولية في دعوة من تعلق بغير الله -تعالى- أن يبين لهم أن الغلو في الصالحين هو سبب الشرك بالله -تعالى-، فقد كان الناس منذ أُهبِط آدم ﷺ إلى الأرض على الإسلام، قال ابن عباس -﵄-: \"كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام\" (١).\nوبعد ذلك تعلق الناس بالصالحين، ودب الشرك في الأرض، فبعث الله نوحًا ﷺ يدعو إلى عبادة الله وحده، وينهى عن عبادة ما سواه (٢) وردَّ عليه قومه: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣] (٣).\nوهذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا، ولم تُعبد حتى إذا هلك أولئك ونُسِي العلم عُبِدَت\" (٤).\nوهذا سببه الغلو في الصالحين، فإن الشيطان يدعو إلى الغلو في الصالحين وإلى عبادة القبور، ويُلقي في قلوب الناس أن البناء والعكوف عليها من محبة أهلها من الأنبياء والصالحين، وأن الدعاء عندها مستجاب، ثم ينقلهم من هذه المرتبة إلى الدعاء بها والإقسام على الله بها، وشأن الله أعظم من أن يُسأل بأحد من خلقه، فإذا تقرر ذلك عندهم نقلهم إلى دعاء صاحب القبر وعبادته وسؤاله الشفاعة من دون الله، واتخاذ قبره وثنًا تعلق\n_________\n(١) أخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب التاريخ، ٢/ ٥٤٦، وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وذكره ابن كثير في البداية والنهاية ١/ ١٠١، وعزاه إلى البخاري، وانظر: فتح الباري ٦/ ٣٧٢.\n(٢) انظر: البداية والنهاية لابن كثير ١/ ١٠٦.\n(٣) سورة نوح، الآية ٢٣.\n(٤) البخاري مع الفتح، كتاب التفسير، سورة نوح، ٨/ ٦٦٧، برقم ٤٩٢٠.","vol":"2","page":379},{"text":"عليه الستور، ويطاف به، ويُسَلِّم ويُقَبِّل، ويذبح عنده، ثم ينقلهم من ذلك إلى مرتبة رابعة: وهي دعاء الناس إلى عبادته واتخاذه عيدًا، ثم ينقلهم إلي أن من نهى عن ذلك فقد تَنَقَّص أهل هذه الرتب العالية من الأنبياء والصالحين، وعند ذلك يغضبون (١).\nولهذا حذر الله عباده من الغلو في الدين، والإفراط بالتعظيم بالقول أو الفعل أو الاعتقاد، ورفع المخلوق عن منزلته التي أنزله الله -تعالى-، كما قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١] (٢) ولهذا حذر رسول الله ﷺ عن الإطراء فقال: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله» (٣) وقال: «إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين» (٤).\nوحذر ﷺ عن اتخاذ المساجد على القبور؛ لأن عبادة الله عند قبور الصالحين وسيلة إلى عبادتهم، ولهذا لما ذكرت أم حبيبة وأم سلمة -﵄- لرسول الله ﷺ كنيسة في الحبشة فيها تصاوير قال: \"إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بَنَوْا على قبره مسجدًا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة\" (٥).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري ٢٩/ ٦٢، وفتح المجيد شرح كتاب التوحيد ص٢٤٦.\n(٢) سورة النساء، الآية ١٧١.\n(٣) البخاري مع الفتح، كتاب الأنبياء، باب قوله تعالى: واذكر في الكتاب مريم. . . ٦/ ٤٧٨، ١٢/ ١٤٤، وانظر شرحه في الفتح ١٢/ ١٤٩.\n(٤) النسائي، كتاب مناسك الحج، باب التقاط الحصى ٥/ ٢٦٨، وابن ماجه، كتاب المناسك، باب قدر حصى الرمي ٢/ ١٠٠٨، وأحمد ١/ ٣٤٧.\n(٥) البخاري مع الفتح، كتاب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية ويتخذ مكانها مساجد ١/ ٥٢٣، ٣/ ٢٠٨، ٧/ ١٨٧، وأخرجه مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد على القبور. . ١/ ٣٧٥.","vol":"2","page":380},{"text":"ومن حرص النبي ﷺ على أمته أنه عندما نزل به الموت قال: «لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». قالت عائشة - ﵂: يحذر ما صنعوا (١).\nوقال قبل أن يموت بخمس: «ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك» (٢).\nوحذر ﷺ أمته عن اتخاذ قبره وثنًا يُعبد في دون الله، ومن باب أولى غيره من الخلق، فقال: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٣).\nولعن ﷺ من اتخذ المساجد على القبور؛ لينفِّر عن هذا الفعل، فعن ابن عباس -﵄- قال: «لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج» (٤).\nولم يترك ﷺ بابًا من أبواب الشرك التي تُوَصِّل إليه إلا سَدَّه (٥) قال ﷺ:\n_________\n(١) البخاري مع الفتح، كتاب الصلاة، باب حدثنا أبو اليمان ١/ ٥٣٢، ٣/ ٢٠٠، ٦/ ٤٩٤، ٧/ ١٨٦، ٨/ ١٤٠، ١٠/ ٢٧٧، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد على القبور واتخاذ الصور فيها ١/ ٣٧٧.\n(٢) مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد على القبور ١/ ٣٧٧.\n(٣) الموطأ للإمام مالك، كتاب قصر الصلاة في السفر، باب جامع الصلاة ١/ ١٧٢، وهو عنده مرسل، ولفظ أحمد ٢/ ٢٤٦: \" اللهم لا تجعل قبري وثنًا، ولعن الله قومًا اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد \"، وأبو نعيم في الحلية ٧/ ٣١٧، وانظر: فتح المجيد ص١٥٠.\n(٤) النسائي، كتاب الجنائز، باب التغليظ في اتخاذ السرج على القبور ٤/ ٩٤، وأبو داود، كتاب الجنائز، باب في زيارة النساء القبور ٣/ ٢١٨، والترمذي، كتاب الصلاة، باب كراهية أن يتخذ على القبر مسجدًا ٢/ ١٣٦، وابن ماجه في الجنائز، باب النهي عن زيارة النساء للقبور ١/ ٥٠٢، وأحمد ١/ ٢٢٩، ٢٨٧، ٣٢٤، ٢/ ٣٣٧، ٣/ ٤٤٢، ٤٤٣، والحاكم ١/ ٣٧٤، وانظر ما نقله صاحب فتح المجيد في تصحيح الحديث عن ابن تيمية ص٢٧٦.\n(٥) انظر: فتح المجيد ص٢٨١.","vol":"2","page":381},{"text":"«لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها» (١).\nوقد بين ﷺ أن القبور ليست مواضع للصلاة، وأن من صلى عليه وسلم فستبلغه صلاته سواء كان بعيدًا عن قبره أو قريبًا، فلا حاجة لاتخاذ قبره عيدًا: «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» (٢).\nوقال ﷺ: «إن لله ملائكة سياحين يبلغوني من أمتي السلام» (٣).\nوإذا كان قبر النبي ﷺ أفضل قبر على وجه الأرض وقد نهى عن اتخاذه عيدًا، فغيره أولى بالنهي كائنًا ما كان (٤).\nوقد كان ﷺ يطهر الأرض من وسائل الشرك، فيبعث بعض أصحابه إلى هدم القباب المشرفة على القبور، وطمس الصور، فعن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ؟ أن لا تدع تمثالًا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته\" (٥).\nوكما سد ﷺ كل باب يوصّل إلى الشرك فقد حمى التوحيد عما يقرب منه ويخالطه من الشرك وأسبابه، فقال ﷺ: «لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى» (٦).\n_________\n(١) مسلم، كتاب الجنائز، باب النهي عن الجلوس على القبر والصلاة عليه ٢/ ٦٦٨.\n(٢) أبو داود، كتاب المناسك، باب زيارة القبور ٢/ ٢١٨ بإسناد حسن، وأحمد ٢/ ٣٥٧، وانظر: صحيح سنن أبي داود، ١/ ٣٨٣.\n(٣) النسائي في السهو، باب السلام على النبي ﷺ ٣/ ٤٣، وأحمد ١/ ٤٥٢، وإسماعيل القاضي في فضل الصلاة على النبي ﷺ برقم ٢١، ص٢٤، وسنده صحيح.\n(٤) انظر: الدرر السنية في الأجوبة النجدية لعبد الرحمن بن قاسم ٦/ ١٦٥ - ١٧٤.\n(٥) مسلم، كناب الجنائز، الأمر بتسوية القبر ١/ ٦٦٦.\n(٦) البخاري مع الفتح، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة ٣/ ٦٣، ومسلم بلفظه، كتاب الحج، باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره ٢/ ٩٧٦.","vol":"2","page":382},{"text":"فدخل في هذا النهي شدّ الرحال لزيارة القبور والمشاهد، وهو الذي فهمه الصحابة -﵃- من قول النبي ﷺ، ولهذا عندما أبو هريرة -﵁- إلى الطور، فلقيه بصرة بن أبي بصرة الغفاري، فقال: من أين جئت؟ قال: من الطور. فقال: لو أدركتك قبل أن تخرج إليه ما خرجت إليه، سمعت رسول الله ﷺ يقول. «لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد». . . \" (١).\nولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وقد اتفق الأئمة على أنه لو نذر أن يسافر إلى قبره ﷺ أو غيره من الأنبياء والصالحين لم يكن عليه أن يوفي بنذره، بل ينهى عن ذلك\" (٢).\nفتبين أن زيارة القبور نوعان:\nالنوع الأول: زيارة شرعية يقصد بها السلام عليهم والدعاء لهم كما يقصد الصلاة على أحدهم إذا مات صلاة الجنازة، ولتذكر الموت، بشرط عدم شدِّ الرحال؟ ولا تباع سنة النبي ﷺ.\nالنوع الثاني: زيارة شركية وبدعية (٣) وهذا النوع ثلاثة أنواع:\n١ - من يسأل الميت حاجته، وهؤلاء من جنس عُبَّاد الأصنام.\n٢ - من سأل الله -تعالى- بالميت، كمن يقول: أتوسل إليك بنبيك، أو بحق الشيخ فلان، وهذا من البدع المحدثة في الإسلام، ولا يصل إلى الشرك الأكبر، فهو لا يُخْرِج عن الإسلام كما يخرج الأول.\n_________\n(١) النسائي، كتاب الجمعة، باب الساعة التي يستجاب فيها الدعاء يوم الجمعة ٣/ ١١٤، ومالك في الموطأ، كتاب الجمعة، باب الساعة التي في يوم الجمعة ١/ ١٠٩، وأحمد في المسند ٦/ ٧، ٣٩٧، وانظر: فتح المجيد ص٢٨٩، وصحيح النسائي، ١/ ٣٠٩.\n(٢) انظر: فتاوى ابن تيمية ١/ ٢٣٤.\n(٣) انظر: فتاوى ابن تيمية ١/ ٢٣٣، والبداية والنهاية ١٤/ ١٢٣.","vol":"2","page":383},{"text":"٣ - من يظن أن الدعاء عند القبور مُستجاب، أو أنه أفضل من الدعاء في المسجد، وهذا من المنكرات بالإجماع (١).\nفإذا سلك الداعية هذه المسالك في دعوة الوثنيين بالحكمة القولية وُفِّق بإذن الله تعالى.\n_________\n(١) انظر: الدرر السنية في الأجوبة النجدية ٦/ ١٦٥ - ١٧٤.","vol":"2","page":384},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-142>المطلب السابع\nالشفاعة المثبتة والمنفية</span>\nالشفاعة لغة: يقال: شفع الشيء: ضم مثله إليه، فجعل الوتر شفعا (١).\nواصطلاحا: التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة (٢).\nمن الحكمة القولية في دعوة من يتعلق بغير الله -تعالى- ويطلب الشفاعة منه أن يبين له أن الشفاعة ملك لله وحده ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر: ٤٤] (٣).\nويمكن أن يرد على من طلب الشفاعة من غير الله- تعالى- بالأقوال الحكيمة الآتية:\nأولا: ليس المخلوق كالخالق، فكل من قال: إن الأنبياء، والصالحين، والملائكة أو غيرهم من المخلوقين لهم عند الله جاه عظيم، ومقامات عالية، فهم يشفعون لنا عنده كما يتقرب إلى الوجهاء والوزراء عند الملوك والسلاطين، ليجعلوهم وسائط لقضاء حاجاتهم، فهذا القول من أبطل الباطل؛ لأنه شبه الله العظيم ملك الملوك بالملوك الفقراء، المحتاجين للوزراء والوجهاء في تكميل ملكهم ونفوذ قوتهم، فإن الوسائط بين الملوك وبين الناس على أحد وجوه ثلاثة:\n١ - إما لإخبارهم عن أحوال الناس بما لا يعرفونه.\n٢ - أو يكون الملك عاجزا عن تدبير رعيته، فلابد له من أعوان؛ لذله وعجزه.\n_________\n(١) انظر: القاموس المحيط، باب العين، فصل الشين ص ٩٤٧، والنهاية في غريب الحديث ٢/ ٤٨٥، والمعجم الوسيط ١/ ٤٨٧.\n(٢) انظر: شرح لمعة الاعتقاد للشيخ محمد صالح العثيمين ص ٨٠.\n(٣) سورة الزمر، الآية ٤٤.","vol":"2","page":385},{"text":"٣ - أو يكون الملك لا يريد نفع رعيته والإحسان إليهم، فإذا خاطبه من ينصحه ويعظه تحركت إرادته وهمته في قضاء حوائج رعيته.\nوالله -﷿- ليس كخلقه الضعفاء، فهو تعالى لا تخفى عليه خافية، وغني عن كل ما سواه، وأرحم بعباده من الوالدة بولدها، ومعلوم أن الشافع عند ملوك الدنيا قد يكون له ملك مستقل، وقد يكون شريكا لهم، وقد يكون معاونا لهم، فالملوك يقبلون شفاعته لأحد ثلاثة أمور:\n(أ) تارة لحاجتهم إليه.\n(ب) وتارة لخوفهم منه.\n(ج) وتارة لجزاء إحسانه إليهم.\nوشفاعة العباد بعضهم عند بعض من هذا الجنس، فلا يقبل أحد شفاعة أحد إلا لرغبة أو رهبة، والله﷿- لا يرجو أحدا ولا يخافه، ولا يحتاج إليه (١)؛ ولهذا قطع الله جميع أنواع التعلقات بغيره، وبين بطلانها، فقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ - وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢ - ٢٣] (٢).\nفقد سدت هذه الآية على المشركين جميع الطرق التي دخلوا منها إلى الشرك أبلغ سد وأحكمه، فإن العابد إنما يتعلق بالمعبود لما يرجو من نفعه، وحينئذ فلا بد أن يكون المعبود مالكا للأسباب التي ينتفع بها عابده، أو يكون شريكا لمالكها، أو ظهيرا، أو وزيرا، أو معاونا له، أو وجيها ذا حرمة وقدر يشفع عنده، فإذا انتفت هذه الأمور الأربعة من كل وجه انتفت أسباب الشرك، وانقطعت مواده (٣).\n_________\n(١) انظر: فتاوى ابن تيمية ١/ ١٢٦ - ١٢٩.\n(٢) سورة سبأ، الآيتان ٢٢، ٢٣.\n(٣) انظر: التفسير القيم، لابن القيم ص ٤٠٨.","vol":"2","page":386},{"text":"ثانيا: الشفاعة شفاعتان:\n(أ) شفاعة مثبتة: وهي التي تطلب من الله ولها شرطان:\nالشرط الأول: إذن الله للشافع أن يشفع، لقوله تعالى:. . ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] (١).\nالشرط الثاني: رضا الله عن الشافع والمشفوع له؛ لقوله تعالى. . . . ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] (٢) ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩] (٣).\n(ب) الشفاعة المنفية: وهي التي تطلب من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، والشفاعة بغير إذنه ورضاه، والشفاعة للكفار: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] (٤) ويستثنى شفاعته ﷺ في تخفيف عذاب أبي طالب (٥).\nثالثا: الاحتجاج على من طلب الشفاعة من غير الله بالنص والإجماع، فلم يكن النبي ﷺ ولا الأنبياء من قبله شرعوا للناس أن يدعوا الملائكة، أو الأنبياء، أو الصالحين، ولا يطلبوا منهم الشفاعة، ولم يفعل ذلك أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان، ولم يستحب ذلك أحد من أئمة المسلمين، لا الأئمة الأربعة ولا غيرهم، ولا مجتهد يعتمد على قوله في الدين، ولا من يعتبر قوله في مسائل الإجماع، فالحمد لله رب العالمين (٦).\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية ٢٥٥.\n(٢) سورة الأنبياء، الآية ٢٨.\n(٣) سورة طه، الآية ١٠٩.\n(٤) سورة المدثر، الآية ٤٨.\n(٥) انظر: البخاري مع الفتح، مناقب الأنصار، باب قصة أبي طالب ٧/ ١٧٣، ومسلم، كتاب الإيمان، باب أهون أهل النار عذابا، برقم ٢١١، ١/ ١٩٥.\n(٦) انظر: فتاوى ابن تيمية ١/ ١١٢، ١٥٨، ١٤/ ٣٩٩ - ٤١٤، ١/ ١٠٨ - ١٦٥، ١٤/ ٣٨٠، ٤٠٩، ١/ ١٦٠ - ١٦٦، ١٩٥، ٢٢٨، ٢٢٩، ٢٤١، ودرء تعارض العقل والنقل ٥/ ١٤٧، وأضواء البيان ١/ ١٣٧.","vol":"2","page":387},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-143>المطلب الثامن\nالإله الحق سخر جميع ما في الكون لعباده</span>\nمن الحكمة في دعوة المشركين إلى الله -تعالى- لفت أنظارهم وقلوبهم إلى نعم الله العظيمة: الظاهرة والباطنة، والدينية والدنيوية. فقد أسبغ على عباده جميع النعم ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] (١) وسخر هذا الكون وما فيه من مخلوقات لهذا الإنسان.\nوقد بين سبحانه هذه النعم، وامتن بها على عباده، وأنه المستحق للعبادة وحده، ومما امتن به عليهم ما يأتي:\nأولا: على وجه الإجمال: قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] (٢) ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان: ٢٠] الآية (٣). ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ١٣] (٤).\nفقد شمل هذا الامتنان جميع النعم: الظاهرة والباطنة، الحسية والمعنوية، فجميع ما في السماوات والأرض قد سخر لهذا الإنسان، وهو شامل لأجرام السماوات والأرض، وما أودع فيهما من: الشمس والقمر والكواكب، والثوابت والسيارات، والجبال والبحار والأنهار، وأنواع الحيوانات، وأصناف الأشجار والثمار، وأجناس المعادن، وغير ذلك مما هو من مصالح بني آدم، ومصالح ما هو من ضروراتهم للانتفاع والاستمتاع والاعتبار.\n_________\n(١) سورة النحل، الآية ٥٣.\n(٢) سورة البقرة، الآية ٢٩.\n(٣) سورة لقمان، الآية ٢٠.\n(٤) سورة الجاثية، الآية ١٣.","vol":"2","page":388},{"text":"وكل ذلك دال على أن الله وحده هو المعبود الذي لا تنبغي العبادة والذل والمحبة إلا له، وهذه أدلة عقلية لا تقبل ريبا ولا شكا على أن الله هو الحق، وأن ما يدعى من دونه هو الباطل (١) ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج: ٦٢] (٢).\nثانيا: على وجه التفصيل: ومن ذلك قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ - وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ - وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٢ - ٣٤] (٣).\nوقال ﷿ بعد أن ذكر نعما كثيرة: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ - وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ - وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ - أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ - وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٤ - ١٨] (٤).\n_________\n(١) انظر: تفسير البغوي ١/ ٥٩، ٣/ ٧٢، وابن كثير ٣/ ٤٥١، ٤/ ١٤٩، والشوكاني ١/ ٦٠، ٤/ ٤٢٠، والسعدي ١/ ٦٩، ٦/ ١٦١، ٧/ ٢١، وفي ظلال القرآن ١/ ٥٣، ٥/ ٢٧٩٢، وأضواء البيان للشنقيطي ٣/ ٢٢٥ - ٢٥٣.\n(٢) سورة الحج، الآية ٦٢، وانظر: سورة لقمان، الآية ٣٠.\n(٣) سورة إبراهيم، الآيات ٣٢ - ٣٤.\n(٤) سورة النحل، الآيات ١٤ - ١٨، وانظر: الآيات ٣ - ١٢ من السورة نفسها.","vol":"2","page":389},{"text":"أفمن يخلق هذه النعم وهذه المخلوقات العجيبة كمن لا يخلق شيئا منها؟\nومن المعلوم قطعا أنه لا يستطيع فرد من أفراد العباد أن يحصي ما أنعم الله به عليه في خلق عضو من أعضائه، أو حاسة من حواسه، فكيف بما عدا ذلك من النعم في جميع ما خلقه في بدنه، وكيف بما عدا ذلك من النعم الواصلة إليه في كل وقت على تنوعها واختلاف أجناسها؟ (١).\nولا يسع العاقل بعد ذلك إلا أن يعبد الله الذي أسدى لعباده هذه النعم ولا يشرك به شيئا؛ لأنه المستحق للعبادة وحده سبحانه.\n_________\n(١) انظر: فتح القدير ٣/ ١٥٤، ٣/ ١١٠، وأضواء البيان ٣/ ٢٥٣.","vol":"2","page":390},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-144>المطلب التاسع البعث بعد الموت</span>\nاستبعد المشركون والملحدون إعادة الأجساد بعد موتها، إذا تقطعت الأوصال، وتمزقت الأجساد، وبليت العظائم وتفتت وتفرقت في أجزاء الأرض، وتحلل الجسد إلى ذرات ترابية، وربما أكلته السباع، فصار غذاء لها واختلط بأجزائها (١).\nومن الحكمة القولية في دعوة هؤلاء إلى الإيمان بالبعث أن تسلك معهم المسالك التالية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-145>المسلك الأول: الأدلة العقلية</span>.\nالمسلك الثاني: الأدلة الحسية.\nالمسلك الثالث: الأدلة الشرعية.\n\nالمسلك الأول: الأدلة العقلية:\nأولا: حكمة الله - تعالى - وعدله يقتضيان البعث والجزاء: لقد شاء الله -﷿- أن يجعل الحياة الدنيا دار ابتلاء واختبار وعمل، فأرسل الرسل، وأنزل الكتب، وأمر بعبادته وحده، وجعل دارا أخرى، وذلك من مقتضيات ملكه وحكمته وعدله؛ ليثيب المحسن على إحسانه، ويجازي المسيء على إساءته، ولم يخلق الخلق عبثا، ولم يتركهم هملا، قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ - الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك: ١ - ٢] (٢) ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] (٣)\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن كثير ٣/ ٤٥٨، ٤/ ٢٢٢، ومناهج الجدل ص٣١١، ومعالم الدعوة ١/ ١٩٨.\n(٢) سورة الملك، الآيتان ١، ٢.\n(٣) سورة المؤمنون، الآية ١١٥.","vol":"2","page":391},{"text":"﴿إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس: ٤] (١).\nوهو ﷿ لا يساوي بين الخبيث والطيب، والمحسن والمسيء، والكافر والمؤمن، وقد أنكر على من ظن ذلك (٢) فقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١] (٣) ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ - مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٥ - ٣٦] (٤).\nثانيا: القادر على إيجاد الخلق قادر على إعادته، وهو أهون عليه: الشيء إذا لم يكن ثم كان ثم أعدم فإن إعادته أيسر وأهون على من بدأه أول مرة ثم أفناه، وقد رد الله -سبحانه- على من أنكر البعث بهذا فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] (٥) ﴿وَيَقُولُ الإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا - أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٦٦ - ٦٧] (٦).\nوغير ذلك من الأدلة القطعية التي تدل على أن من خلق الخلائق وابتدع\n_________\n(١) سورة يونس، الآية ٤.\n(٢) انظر: تفسير ابن كثير ٣/ ٤٥٨، والسعدي ٦/ ١٨٥، وأضواء البيان ٧/ ٣٠.\n(٣) سورة الجاثية، الآية ٢١.\n(٤) سورة القلم، الآيتان ٣٥، ٣٦.\n(٥) سورة الروم، الآية ٢٧.\n(٦) سورة مريم، الآيتان ٦٦، ٦٧.","vol":"2","page":392},{"text":"خلقهم على غير مثال سابق قادر على إعادة خلقهم مرة أخرى، وهو أهون عليه، وله المثل الأعلى (١).\nثالثا: الخالق لما هو أعظم قادر على خلق ما هو أصغر بلا شك: من المعلوم ببداهة العقول أن خلق السماوات والأرض أعظم من خلق أمثال بني آدم، فخلقه لهذه المخلوقات العظيمة وقدرته عليها من أعظم البراهين على بعث الناس بعد الموت؛ لأن من خلق الأعظم الأكبر لا شك في قدرته الكاملة على خلق الأيسر الأضعف الأصغر، وهو أولى بالقدرة والإمكان من الأعظم (٢) قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف: ٣٣] (٣).\nرابعا: اليقظة بعد النوم: النوم يعتبر موتا مصغرا، والاستيقاظ يعتبر حياة مصغرة أيضا، وكما تتم عملية النوم للإنسان والحيوان وعملية الاستيقاظ تتم عملية الموت والحياة الكاملة لهما (٤) قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٦٠] (٥).\n_________\n(١) انظر: درء تعارض العقل والنقل ١/ ٣٢ - ٣٥، وأضواء البيان ١/ ٨٩، ١١٥، ٣/ ٢٢٣، ٧/ ٣٣٤ - ٣٣٦.\n(٢) انظر: درء تعارض العقل والنقل ١/ ٣٢، وأضواء البيان ١/ ٨٩، ١١٦.\n(٣) سورة الأحقاف، الآية ٣٣.\n(٤) انظر: أضواء البيان ٤/ ٢٤، وعقيدة المؤمن لأبي بكر الجزائري ص ٢٦٥.\n(٥) سورة الأنعام، الآية ٦٠.","vol":"2","page":393},{"text":"ومن آيات الله العظيمة الباهرة الدالة على بعث الأرواح والأجساد ما أجراه الله سبحانه على أهل الكهف من نوم ثلاثمائة سنة، وازدادوا تسع سنين، ثم بعثهم بعد هذا النوم الطويل (١) ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ [الكهف: ٢١] (٢).\nخامسا: إخراج النار من الشجر الأخضر: ومن الأدلة على بعث الأجساد والأرواح قدرة الله -تعالى- على إخراج النار اليابسة المحرقة من الشجر الأخضر الذي هو في غاية الرطوبة مع تضادهما وشدة تخالفهما، فالقادر على أن يخلق من الشجر الأخضر نارا أولى بالقدرة على أن يخرج إنسانا حيا من التراب كما خلقه أول مرة (٣) ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس: ٨٠] (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-146>المسلك الثاني: الأدلة الحسية:</span>\nمن الأدلة الحسية التي شاهدها الناس ونقلها لنا أعظم الكتب والمهيمن عليها ما يأتي:\nأولا: إحياء الله الموتى في الحياة الدنيا: فمن أعظم البراهين التي تدل على البعث إحياء الله﷿- بعض الموتى في الحياة الدنيا؛ لأن من أحيا نفسا واحدة بعد موتها قادر على إحياء جميع النفوس ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨] (٥).\n_________\n(١) انظر: تفسير البغوي ٣/ ١٦٥، وابن كثير ٣/ ٧٨، والسعدي ٥/ ١٣، وأضواء البيان ٤/ ٢٢ - ٢٤.\n(٢) سورة الكهف، الآية ٢١.\n(٣) انظر: درء تعارض العقل والنقل ١/ ٣٤، وتفسير ابن كثير ٣/ ٥٨٣.\n(٤) سورة يس، الآية ٨٠.\n(٥) سورة لقمان، الآية ٢٨.","vol":"2","page":394},{"text":"ومن هذا النوع الأمثلة التالية:\n١ - قوم موسى حين قالوا: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، فأماتهم الله -تعالى- ثم أحياهم، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ - ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٥ - ٥٦] (١).\n٢ - قصة القتيل الذي اختصم فيه بنو إسرائيل، فأمرهم الله تعالى أن يذبحوا بقرة، ثم يضربوه ببعضها، ثم فعلوا فأحياه الله، فأخبر بمن قتله، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ - فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٧٢ - ٧٣] (٢).\n٣ - قصة القوم الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت، فأماتهم الله تعالى ثم أحياهم، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٣] (٣).\n٤ - قصة الرجل الذي مر على قرية ميتة فاستبعد أن يحييها الله، فأماته الله مائة سنة ثم أحياه، قال تعالى:\n_________\n(١) سورة البقرة، الآيتان ٥٥، ٥٦.\n(٢) سورة البقرة، الآيتان ٧٢، ٧٣.\n(٣) سورة البقرة، الآية ٢٤٣.","vol":"2","page":395},{"text":"﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٥٩] (١).\n٥ - قصة إبراهيم ﷺ حين سأل الله -تعالى- أن يريه كيف يحصي الموتى، فأمره أن يذبح أربعة من الطير، ويفرقهن أجزاء على الجبال التي حوله، ثم يناديهن فتجتمع الأجزاء بعضها إلى بعض، وتأتي إلى إبراهيم سعيا (٢) قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٠] (٣).\n٦ - ما أخبر الله به عن عيسى ﷺ من أنه كان يحيي الموتى، ويخرجهم من قبورهم بإذن الله تعالى:. . ﴿وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٤٩] (٤). . . . ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾ [المائدة: ١١٠] (٥).\nفهذه أدلة حسية واقعة، وبرهان قطعي على القدرة الإلهية، وأن الذي أماتهم ثم أحياهم قادر على بعثهم يوم القيامة، فإنه لا يعجزه شيء سبحانه (٦).\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية ٢٥٩.\n(٢) انظر: تفسير ابن كثير ١/ ٣١٥، والسعدي ١/ ٣٢١.\n(٣) سورة البقرة، الآية ٢٦٠.\n(٤) سورة آل عمران، الآية ٤٩.\n(٥) سورة المائدة، الآية ١١٠.\n(٦) انظر: تفسير السعدي ١/ ٣٢١، ومناهج الجدل ص ٣٢٨.","vol":"2","page":396},{"text":"ثانيا: إحياء الأرض بعد موتها: إحياء الله الأرض بعد موتها برهان قاطع من أعظم الأدلة على البعث بعد الموت؛ لأنه برهان حسي يتجدد بين يدي الناس، ويشاهدون فيه آثار قدرة الله -تعالى- في الإحياء المتجدد؛ ولأن من أخرج النبات وجعل في الأرض من كل زوج بهيج فأحيا الأرض بعد موتها قادر على إحياء الناس بعد موتهم (١) قال الله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الروم: ١٩] (٢) ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الروم: ٥٠] (٣) ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت: ٣٩] (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-147>المسلك الثالث: الأدلة الشرعية:</span>\nرد الله -تعالى- شبه المنكرين للبعث، فقال تعالى: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ - قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة: ١٠ - ١١]\n_________\n(١) أضواء البيان ١/ ٩٠، ١١٦، ٣/ ٢٢٣، ٧/ ٣٣٦، وشرح أصول الإيمان لمحمد بن صالح العثيمين ص ٤٩.\n(٢) سورة الروم، الآية ١٩.\n(٣) سورة الروم، الآية ٥٠.\n(٤) سورة فصلت، الآية ٣٩.","vol":"2","page":397},{"text":"(١) ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ - بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ - أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ - قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ [ق: ١ - ٤] (٢).\nفبين سبحانه أنه يعلم ما تأكل الأرض من أجسادهم وأبشارهم وعظامهم وأشعارهم، ولا يخفى عليه أين تفرقت، وإلى أين ذهبت، كل ذلك عنده في كتاب مضبوط محفوظ (٣).\nوأمر الله رسوله ﷺ أن يقسم بربه -سبحانه- على وقوع البعث ووجوده، وأنه لا يغيب عن الله -تعالى- مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، ولا يعجزه شيء (٤) قال تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [يونس: ٥٣] (٥) ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧] (٦).\nفإذا استخدم الداعية إلى الله -تعالى- في دعوته للوثنيين بالحكمة القولية ما جاء في هذه المطالب ومسالكها التفصيلية، كان مصيبا مسددا، فنزلا للناس منازلهم، سالكا طريق الحكمة في دعوتهم بإذن الله تعالى.\n_________\n(١) سورة السجدة، الآيتان ١٠، ١١.\n(٢) سورة ق، الآيات ١ - ٤.\n(٣) انظر: تفسير ابن كثير ٤/ ٢٢٣.\n(٤) انظر: تفسير ابن كثير ٢/ ٤٢١، ٣/ ٥٢٦، ٤/ ٣٧٥، وأضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشنقيطي ٦/ ٦١٣.\n(٥) سورة يونس، الآية ٥٣، وانظر: سورة سبأ، الآية ٣.\n(٦) سورة التغابن، الآية ٧.","vol":"2","page":398},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-148>المبحث الثالث\nحكمة القول مع أهل الكتاب</span>\nتمهيد.\nالمطلب الأول: حكمة القول مع اليهود.\nالمطلب الثاني: حكمة القول مع النصارى.\nالمطلب الثالث: البراهين على إثبات الرسالة المحمدية وعمومها.","vol":"2","page":399},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-149>تمهيد</span>\nإن من حكمة القول في دعوة أهل الكتاب إلى الله- تعالى- أن يجادلوا بالتي هي أحسن، بحسن خلق ولطف ولين كلام، ودعوة إلى الحق، وتحسينه بالأدلة العقلية والنقلية، ورد الباطل بأقرب طريق وأنسب عبارة، وأن لا يكون القصد من ذلك مجرد المجادلة والمغالبة وحب العلو، بل أن يكون القصد بيان الحق، وهداية الخلق، كما قال ﷿ (١) ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٦] (٢) وقال ﷿: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] (٣).\nونظير ذلك من الدعوة بالقول الحكيم قوله -﷿- لموسى وهارون: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى - فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٣ - ٤٤] (٤).\nومن ذلك القول اللين كقوله تعالى لموسى:\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن كثير ١/ ٣٧٢، ٣/ ٤١٦، وفتح القدير للشوكاني ١/ ٣٤٨، والسعدي ١/ ٣٨٩، ٦/ ٩٢، وأضواء البيان ٣/ ٣٨٥.\n(٢) سورة العنكبوت، الآية ٤٦.\n(٣) سورة آل عمران، الآية ٦٤.\n(٤) سورة طه، الآيتان ٤٣، ٤٤.","vol":"2","page":401},{"text":"﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى - فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى - وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ [النازعات: ١٧ - ١٩] (١).\nوقد كان النبي ﷺ يستخدم القول الحكيم في دعوته إلى الله -﷿- ومن ذلك ما روته عائشة -﵂- قالت: «دخل رهط من اليهود على رسول الله ﷺ فقالوا: السام (٢) عليك. قالت عائشة: ففهمتها، فقلت: وعليكم السام واللعنة! قالت: فقال رسول الله ﷺ: \" مهلا يا عائشة، إن الله يحب الرفق في الأمر كله \". فقلت: يا رسول الله! أولم تسمع ما قالوا؟ قال رسول الله ﷺ: \" قد قلت: وعليكم» (٣).\nوكان ﷺ يستخدم ذلك حتى في رسائله، ففي كتابه إلى هرقل:\n«بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله، إلى هرقل عظيم الروم.\nسلام على من اتبع الهدى. أما بعد:\nفإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين (٤) و﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [آل عمران: ٦٤] إلى قوله:. . ﴿اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤]» (٥).\n_________\n(١) سورة النازعات، الآيات ١٧ - ١٩.\n(٢) السام: الموت، وقيل: الموت العاجل، وقيل: تسأمون دينكم. انظر: الفتح ١١/ ٤٢، ٤٣، ١٠/ ١٣٥.\n(٣) البخاري مع الفتح، كتاب الأدب، باب الرفق في الأمر كله ١٠/ ١٣٥، ٤٤٩، ١١/ ٤٢، ومسلم، كتاب السلام، باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام وكيف الرد عليهم ٤/ ١٧٠٦.\n(٤) الأريسيين: أي إثم الفلاحين، والمعنى: فإن لم تدخل في الإسلام فإن عليك إثمك وإثمهم إذا لم يسلموا تقليدا لك. انظر فتح الباري ١/ ٣٩.\n(٥) البخاري مع الفتح واللفظ له، كتاب التفسير، باب: قل يا أهل الكتاب. . . ٨/ ٢١٥، وكتاب بدء الوحي، باب حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع ١/ ٣٢، ومسلم في كتاب الجهاد، باب كتاب النبي ﷺ إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام ٣/ ١٣٩٦.","vol":"2","page":402},{"text":"وعلى أساس دعوة أهل الكتاب بالجدال بالتي هي أحسن والقول الحكيم، فسأتحدث عن ذلك بإذن الله- تعالى- في المطالب الآتية:\nالمطلب الأول: حكمة القول مع اليهود.\nالمطلب الثاني: حكمة القول مع النصارى.\nالمطلب الثالث: البراهين على إثبات الرسالة المحمدية وعمومها.","vol":"2","page":403},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-150>المطلب الأول\nحكمة القول مع اليهود</span>\nمن حكمة القول مع اليهود في دعوتهم إلى الله﷿- أن يسلك معهم الداعية المسلم المسالك التالية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-151>المسلك الأول: الأدلة العقلية والنقلية على نسخ الإسلام لجميع الشرائع</span>.\nالمسلك الثاني: الأدلة القطعية على وقوع التحريف والتبديل في التوراة.\nالمسلك الثالث: إثبات اعتراف المنصفين من علماء اليهود.\nالمسلك الرابع: الأدلة على إثبات رسالة عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام.\nالمسلك الأول: الأدلة العقلية والنقلية على نسخ (١) الإسلام لجميع الشرائع: دعوة الرسل- عليهم الصلاة والسلام - إلى توحيد الله تعالى دعوة واحدة، فقد اتفقوا جميعا على دعوة الناس إلى إفراد الله بالعبادة، لا إله إلا هو، ولا رب سواه، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] (٢) ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] (٣).\nفأصل دين الأنبياء صلى الله عليهم وسلم واحد، وهو التوحيد، وإن\n_________\n(١) النسخ في اللغة: الإزالة، وفي الاصطلاح: رفع حكم شرعي بدليل شرعي متأخر عنه. انظر: تفسير ابن كثير ١/ ١٥٠، ومناهل العرفان ٢/ ٧١.\n(٢) سورة النحل، الآية ٣٦.\n(٣) سورة الأنبياء، الآية ٢٥.","vol":"2","page":404},{"text":"اختلفت فروع الشرائع (١)؛ ولهذا قال ﷺ: «أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء إخوة لعلات (٢) أمهاتهم شتى، ودينهم واحد، [وليس بيني وبين عيسى نبي]» (٣).\nثم ختم الله -تعالى- الشرائع كلها بشريعة محمد ﷺ، فأرسله الله إلى جمح الثقلين: من إنس وجن، ونسخت شريعته جميع الشرائع السابقة، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] (٤).\nوقال ﷺ: «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة: يهودي أو نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار» (٥).\nوالله -تعالى- حكيم عليم ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] (٦) ولا غرابة في أن يرفع شرع بآخر مراعاة لمصلحة العباد عن علم سابق من علام الغيوب ﵎، ولكن اليهود والنصارى (٧) أنكروا نسخ الشريعة\n_________\n(١) انظر: فتح الباري ٦/ ٤٨٩.\n(٢) أولاد العلات: الإخوة من أب وأمهاتهم شتى. (الضرائر). فتح الباري ٦/ ٤٨٩.\n(٣) البخاري مع الفتح، كتاب الأنبياء، باب قول الله -تعالى-: \" واذكر في الكتاب مريم. . . \"، ٦/ ٤٧٧، ومسلم، كتاب الفضائل، باب فضائل عيسى ﷺ، ٤/ ١٨٣٧، وما بين المعقوفين من البخاري ٦/ ٤٧٨، ومسلم ٤/ ١٨٣٧.\n(٤) سورة آل عمران، الآية ٨٥.\n(٥) مسلم، كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة محمد ﷺ، إلى جميع الناس ونسخ الملل بملته ١/ ١٣٤.\n(٦) سورة الأنبياء، الآية ٢٣.\n(٧) لتداخل أقوال النصارى مع اليهود في النسخ، فسأذكر الرد عيهم جميعا في هذا المسلك إن شاء الله تعالى.","vol":"2","page":405},{"text":"الإسلامية لجميع الشرائع السابقة (١) فيكون الرد عليهم بالقول الحكيم كالآتي:\nأولا: الأدلة العقلية: ١ - ليس هنالك محظور في النسخ عقلا، وكل ما لم يترتب عليه محظور كان جائرا عقلا، فالنسخ جائز عقلا.\n٢ - الله -تعالى- يأمر بالشيء على قدر ما تقتضيه المصلحة، فقد يأمر بالشيء في وقت، وينهى عنه في وقت آخر؛ لأنه -سبحانه- أعلم بمصالح عباده، والطبيب الحكيم يأمر المريض بشرب الدواء، أو استعمال دواء خاص في بعض الأزمنة وينهاه عنه في زمن آخر؛ بسبب اختلاف مصلحته عند اختلاف مزاجه، والملك الذي يشفق على رعيته ينقلهم في بعض الأزمنة إلى نوع من السياسة غير النوع الأول، لما في ذلك من المصالح، وقد يسوس الوالد الحكيم ولده في وقت باللطف، وفي وقت آخر بالتأديب، على قدر ما يرى في ذلك من المصلحة (٢) والله -﷿- ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الروم: ٢٧] (٣) وهو سبحانه لا يفعل شيئا إلا لحكمة بالغة، فهو يحيي ثم يميت ثم يحيي، وينقل الدولة\n_________\n(١) ثم افترق اليهود والنصارى إلى ثلاث طوائف:\n(أ) طائفة الشمعونية من اليهود، قالوا: النسخ ممتنع عقلا وسمعا، وعلى هذا القول إجماع النصارى المتأخرين.\n(ب) وطائفة العنانية من اليهود، قالوا: النسخ جائز عقلا، لكنه لم يقع سمعا، فهو ممتنع.\n(جـ) طائفة العيسوية من اليهود، قالوا: النسخ جائز عقلا وواقع سمعا، إلا أن الشريعة الإسلامية لم تنسخ ما قبلها من الشرائع، وإنما هي للعرب خاصة، وعلى هذا القول إجماع النصارى المتقدمين. انظر: مناهل العرفان للزرقاني ١/ ٨٢، ٨٣.\n(٢) انظر: الداعي إلى الإسلام، لكمال الدين عبد الرحمن بن محمد الأنباري النحوي المتوفى سنة ٥٧٧هـ، ص٣١٩، ومناهل العرفان للزرقاني ٢/ ٨٣.\n(٣) سورة الروم، الآية ٢٧.","vol":"2","page":406},{"text":"من قوم أعزة إلى أذلة، ومن قوم أذلة إلى أعزة، ويعطي من شاء ما شاء، ويمنع من شاء (١) ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] (٢).\n٣ - يلزم من يقول بوقوع النسخ سمعا وجوازه عقلا أنهم ماداموا يجوزون أن يأمر الشارع عباده بأمر مؤقت ينتهي بانتهاء وقته، وقد وقع ذلك سمعا، فليجوزوا نسخ الشريعة الإسلامية للأديان السابقة (٣).\nثانيا: الأدلة النقلية السمعية، وهي نوعان: النوع الأول: ما تقوم به الحجة على منكري النسخ من اليهود والنصارى الذين لم يعترفوا برسالة محمد ﷺ.\nالنوع الثاني: ما تقوم به الحجة على من آمن برسالة محمد ﷺ، ولكنهم قالوا: إنها خاصة بالعرب (٤).\nالنوع الأول: تقوم الحجة على من أنكر نبوة محمد ﷺ مطلقا بالأدلة الواردة في التوراة والإنجيل، والداعية المسلم إذ يورد الأدلة من كتبهم لا يعتقد أن هذه النصوص كما أنزلت، بل يحتمل أن تكون مما وقع عليه التحريف والتغيير، فإن اليهود والنصارى قد غيروا وبدلوا كثيرا من كتبهم، ولكن المسلم يقيم عليهم الحجة بما بين أيديهم من التوراة والإنجيل (٥) لا\n_________\n(١) انظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل ١/ ١٨٠.\n(٢) سورة الأنبياء، الآية ٢٣.\n(٣) انظر: مناهل العرفان ٢/ ٨٦.\n(٤) انظر: درء تعارض العقل والنقل، لابن تيمية ٧/ ٢٧.\n(٥) تنقسم أخبار كتب اليهود والنصارى إلى ثلاثة أقسام:\n(أ) ما علم صحته بنقله عن النبي ﷺ نقلا صحيحا، أو كان له شاهد صحيح من الشرع يؤيده، فهذا القسم صحيح مقبول.\n(ب) ما علم كذبه لكونه يناقض ما عرف من شريعة محمد ﷺ، أو لا يتفق مع العقل الصحيح، وهذا القسم لا يصح قبوله ولا روايته.\n(جـ) ما هو مسكوت عنه، وليس من النوع الأول ولا الثاني، وهذا القسم يتوقف عنه المسلم فلا = = يصدقه ولا يكذبه، ويجوز حكايته؛ لقوله ﷺ: \" لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا بالله وما أنزل. . \"، البخاري مع الفتح ٨/ ١٧٠، ١٣/ ١١٦، وقوله ﷺ: \" حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج. . \" في البخاري مع الفتح ٦/ ٤٩٦، وانظر: التفسير والمفسرون للذهبي ١/ ١٧٩.","vol":"2","page":407},{"text":"لثبوتها، ولكن لإلزامهم بالتسليم، أو يعترفوا بالتحريف ومن ذلك ما يلي:\n١ - جاء في التوراة أن الله - تعالى- أمر آدم أن يزوج بناته من بنيه، وورد أنه كان يولد له في كل بطن من البطون ذكر وأنثى، فكان يزوج توءمة هذا للآخر، ويزوج توءمة الآخر لهذا، إقامة لاختلاف البطون مقام اختلاف الآباء والأمهات والأنساب، ثم حرم الله ذلك بإجماع المتدينين من المسلمين واليهود والنصارى (١).\n٢ - جاء في السفر الأول من التوراة أن الله -تعالى- قال لنوح عند خروجه من السفينة: \" إني جعلت كل دابة مأكلا لك ولذريتك، وأطلقت ذلك لكم كنبات العشب، ما خلا الدم فلا تأكلوه \"، ثم اعترفوا بعد ذلك بأن الله حرم كثيرا على أصحاب الشرائع، ومن ذلك الخنزير في شريعة موسى، وهذا عين النسخ (٢).\n٣ - أمر الله إبراهيم ﷺ بذبح ولده، ثم نسخ هذا الحكم قبل العمل به، وقد أقر منكرو النسخ بذلك (٣).\n٤ - الجمع بين الأختين كان مباحا في شريعة يعقوب ﷺ، ثم حرم في شريعة موسى ﷺ (٤).\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن كثير ١/ ١٥٢، ٣٨٣، ومناهل العرفان للزرقاني ٢/ ٨٧، وإظهار الحق، لرحمة الله الهندي ١/ ٥١٣.\n(٢) انظر. تفسير ابن كثير ١/ ١٥٢، ٣٨٣، ومناهل العرفان ٢/ ٨٧، وإظهار الحق ١/ ٥١٥.\n(٣) انظر: تفسير ابن كثير ١/ ١٥٢، ومناهل العرفان ٢/ ٨٧، وإظهار الحق ١/ ٣١٥.\n(٤) انظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم ١/ ١٨١، والداعي إلى الإسلام للأنباري ص ٣٢٤، وابن كثير ١/ ١٥٢، ٣٨٣، ومناهل العرفان ٢/ ٨٨، وإظهار الحق ١/ ٥١٥.","vol":"2","page":408},{"text":"٥ - أمر الله -تعالى- من عبد العجل من بني إسرائيل أن يقتتلوا، ثم أمرهم برفع السيف عنهم (١).\nوغير ذلك كثير.\nالنوع الثاني: تقوم الحجة به على من آمن بنبوة محمد ﷺ واعترف بها؛ ولكنه جعلها خاصة بالحرب دون غيرهم، فهؤلاء متى سلموا واعترفوا برسالته ﷺ وأنه صادق فيما بلغه عن الله﷿- من الكتاب والسنة وجب عليهم الإيمان والتصديق بكل ما ثبت عنه، وما جاء به من عموم الرسالة، والنسخ الثابت بالكتاب والسنة (٢) ومن هذا النوع ما يأتي:\n١ - قال تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ - أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٠٦ - ١٠٧] (٣).\n٢ - وقال تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ - فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ - قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣ - ٩٥] (٤).\n_________\n(١) ابن كثير ١/ ١٥٢، ومناهل العرفان ٢/ ٨٧، وانظر ذلك من القرآن في سورة البقرة، الآية ٥٤.\n(٢) انظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية ١/ ٣٧، ١/ ٣١ - ١٧٦، ودرء تعارض العقل والنقل ٧/ ٢٧.\n(٣) سورة البقرة، الآيتان ١٠٦، ١٠٧.\n(٤) سورة آل عمران، الآيات ٩٣ - ٩٥.","vol":"2","page":409},{"text":"٣ - وقال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا - وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٠ - ١٦١] (١).\n٤ - وقال سبحانه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٦] (٢).\n٥ - وقال ﷿: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ١٠١] (٣).\n٦ - وقال جل وعلا: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ - يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٨ - ٣٩] (٤).\n٧ - إجماع سلف الأمة على أن النسخ وقع في الشريعة الإسلامية، كما أن النسخ وقع بها لجميع الشرائع السابقة (٥).\nوبهذه الأدلة العقلية والنقلية السمعية التي دلت على جواز النسخ عقلا\n_________\n(١) سورة النساء، الآيتان ١٦٠، ١٦١.\n(٢) سورة الأنعام، الآية ١٤٦.\n(٣) سورة النحل، الآية ١٠١.\n(٤) سورة الرعد، الآيتان ٣٨، ٣٩.\n(٥) تفسير البغوي ٣/ ٢٢، ٨٤، ١/ ٣٢٦، وابن كثير ١/ ١٥١، ٣٨٢، ٥٨٥، ٢/ ١٨٦، ٥٢٠، ٥٨٧، والشوكاني ١/ ٣٦١، وإغاثة اللهفان لابن القيم ٢/ ٣٢١ - ٣٢٨، والسعدي ١/ ٤٠١، ٤/ ١١٦، ٢٤١، ومناهل العرفان ٢/ ٨٩.","vol":"2","page":410},{"text":"ووقوعه (١). نقلا وسمعا- سقطت أقوال منكري النسخ، وأقوال من أنكر عموم رسالة النبي ﷺ (٢) ولله الحمد والمنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-152>المسلك الثاني: الأدلة القطعية على وقوع التحريف والتبديل في التوراة:</span>\nمن حكمة القول في دعوة اليهود إلى الله -﷿- أن يبين لهم بالجدال بالتي هي أحسن أن الكتب التي بأيديهم قد دخلها التحريف والتبديل والتغيير (٣). .\nواليهود والنصارى يقرون أن التوراة كانت طول مملكة بني إسرائيل عند الكاهن الأكبر الهاروني وحده، وتقر اليهود أن سبعين كاهنا اجتمعوا على اتفاق من جميعهم على تبديل ثلاثة عشر حرفا من التوراة، وذلك بعد المسيح ﷺ في عصر القياصرة الذين كانوا تحت قهرهم، ومن رضي بتبديل موضع واحد من كتاب الله فلا يؤمن من تحريف غيره.\nواليهود تقر أيضا أن السامرة حرفوا مواضع من التوراة وبدلوها تبديلا ظاهرا، وزادوا ونقضوا، والسامرة تدعي على سائر اليهود بأن التوراة التي بأيديهم محرفة مبدلة (٤).\nوالذي يحكم بين الجميع هو كلام الله﷿- المنزل على محمد\n_________\n(١) وهناك شبهات لمنكري النسخ قد تضمن الرد عليها الأدلة السابقة، وانظر أيضا الرد عليها في الفصل لابن حزم ١/ ١٨١ - ٢٠٠، والداعي إلى الإسلام للأنباري ص ٣١٧ - ٣٤٠، ومناهل العرفان ٢/ ٩٣ - ١٠٤.\n(٢) وستأتي الأدلة القطعية على إثبات رسالة محمد ﷺ وشمولها إن شاء الله تعالى.\n(٣) لا شك أنه يجب على كل مسلم الإيمان بكل كتاب أنزله الله، وبكل نبي أرسله، وهذا هو أصل دين المسلمين، فمن كفر بنبي واحد أو كتاب واحد، فهو كافر حلال الدم عند المسلمين. انظر. الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لشيخ الإسلام ابن تيمية ١/ ٣٣، ولكن الكلام الآن هو في بيان وقوع التحريف والتبديل في التوراة.\n(٤) انظر: الفصل لابن حزم ١/ ١٠٢، ١٨٧، ١٩٧، والجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ٢/ ١٨، وهداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى لابن القيم ص ٥٨١.","vol":"2","page":411},{"text":"ﷺ، المهيمن على ما سبقه من الكتب المصدق لها، فقد سجل التحريف وأثبته على أهل الكتاب، ونسب إليهم أنواعا من تحريفهم للتوراة، كالتالي:\nالنوع الأول: إلباس الحق بالباطل: كان بنو إسرائيل يخلطون الحق بالباطل، بحيث لا يتميز الحق من الباطل، وقد سجل القرآن الكريم هذا الجرم عليهم، قال سبحانه: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ - وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ - وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ٤٠ - ٤٢] الآية (١) وقال سبحانه: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ [آل عمران: ٧١] الآية (٢).\nومن أبلغ الصور وأقبحها في إلباس الحق ادعاء الكهنة والأحبار في التوراة التي بأيديهم أن هارون ﷺ هو الذي جمع الذهب من بني إسرائيل، واشترك معهم في صناعة العجل الذهبي، ووافقهم على عبادته من دون الله تعالى، وفي الوقت نفسه يبرئون السامري.\nفهارون الذي تحمل المشاق ﷺ في سبيل إقرار فرعون بالتوحيد، جعلوه داعية إلى الشرك والكفر، ولكن القرآن الكريم كان لهذه الدعوى بالمرصاد، فكذبهم، وبين حقيقة الأمر (٣) قال تعالى: ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ - فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾ [طه: ٨٧ - ٨٨]\n_________\n(١) سورة البقرة، الآيات ٤٠ - ٤٢.\n(٢) سورة آل عمران، الآية ٧١.\n(٣) انظر: الفصل لابن حزم ١/ ٢٥٦، وهداية الحيارى لابن القيم ص ٥٨٢.","vol":"2","page":412},{"text":"إلى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي - قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ [طه: ٩٠ - ٩١] الآيات (١)؛ فهذا هو الصدق حقا، إنما عمل لهم العجل السامري، أما هارون فنهاهم، ولكنهم عصوه وكادوا يقتلونه (٢).\nالنوع الثاني: كتمان الحق: لا شك أن الله حق، ولا يقول إلا حقا، والتوراة التي أنزلت على موسى كلها حق؛ لأنها كلام الله تعالى، ولكن بني إسرائيل كانوا يكتمون الحق، قاصدين بذلك إخضاع كتاب الله لأهوائهم وشهواتهم، فالآيات التي يرون فيها منفعة لهم عاجلة أو تكون في جانب حجتهم يقرونها، أما الآيات التي يرون أن فيها دليلا عليهم فيكتمونها؛ ولهذا سجل الله عليهم هذا الكتم في كتابه، فقال سبحانه: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧١] (٣).\nومن أعظم ما كتمه أهل الكتاب هو ما وجدوه في كتبهم من صفات محمد ﷺ، واختيار الله له رسولا إلى الناس أجمعين، وقد كانوا يعرفونه في كتبهم كما يعرفون أبناءهم، ولكنهم إذا سئلوا عن ذلك كتموه (٤) قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦] (٥) ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٢٠] (٦).\n_________\n(١) انظر: سورة طه، الآيات ٨٧ - ٩١.\n(٢) انظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم ١/ ٤٥٦، وهداية الحيارى ص ٥٨٢.\n(٣) سورة آل عمران، الآية ٧١، وانظر: سورة البقرة، الآية ٤٢.\n(٤) انظر: تفسير البغوي ١/ ٦٧، ١٦٢، ٣١٥، وابن كثير ١/ ٨٥، ٩٥، ٣٧٤.\n(٥) سورة البقرة، الآية ١٤٦.\n(٦) سورة الأنعام، الآية ٢٠.","vol":"2","page":413},{"text":"وقد بين ﷿ صفاته ﷺ الكاملة في التوراة والإنجيل، فقال ﷿:. . . ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ - الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٦ - ١٥٧] (١).\nومع هذه الأوصاف العظيمة التي كانوا يعرفونها مكتوبة عندهم، أنكروا نبوته ﷺ، وكتموا ما علموه (٢).\nالنوع الثالث: إخفاء الحق: الإخفاء قريب من الكتمان (٣) وقد كان أهل الكتاب يخفون من أحكام التوراة الشيء الكثير، قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥] (٤).\n_________\n(١) سورة الأعراف، الآيتان ١٥٦، ١٥٧.\n(٢) انظر الأمثلة من نصوص التوراة التي بينت صفات النبي ﷺ واضحة جلية، ولكن اليهود كتموا ذلك، في: الملل والأهواء والنحل لابن حزم ١/ ٢٠١ - ٣٢٩، والجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ٣/ ٢٩٩ - ٣٣٢، وهداية الحيارى لابن القيم ص ٥٢٢ - ٥٨٠، وإغاثة اللهفان لابن القيم ٢/ ٣٥١ - ٣٦٣، وإظهار الحق لرحمة الله الهندي ١/ ٣٣٥ - ٥٠٨.\n(٣) انظر: هداية الحيارى لابن القيم ص ٥٢٤، ويمكن أن يقال الفرق بين الكتمان والإخفاء: بأن الكتمان هو ما كتموه من أوصاف النبي وأمته حقدا وكراهة، والإخفاء هو إخفاء كل ما فيه خزي لهم ومخالفة، والله أعلم. انظر: التوراة دراسة وتحليل لمحمد شلبي ص ٨٠.\n(٤) سورة المائدة، الآية ١٥.","vol":"2","page":414},{"text":"ومن الأحكام التي أخفاها اليهود حكم رجم الزاني المحصن، فقد «جاءوا إلى النبي ﷺ برجل منهم وامرأة قد زنيا، فقال لهم: \" كيف تفعلون بمن زنى منكم؟ \". قالوا: نحممهما ونضربهما. فقال: \" لا تجدون في التوراة الرجم؟ \". فقالوا: لا نجد فيها شيئا. فقال لهم عبد الله بن سلام: كذبتم، فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين، فوضع مدارسها الذي يدرسها منهم كفه على آية الرجم، فطفق يقرأ ما دون يده وما وراءها، ولا يقرأ آية الرجم، فنزع يده (١) عن آية الرجم، فقال: ما هذه؟ فلما رأوا ذلك قالوا: هي آية الرجم، فأمر بهما رسول الله ﷺ فرجما». . . الحديث (٢).\nولهذا قال سبحانه:. . ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ [المائدة: ٤١] إلى قوله: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٤٣] (٣) وقال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [آل عمران: ٢٣] (٤).\nفأنكر سبحانه على أهل الكتاب المتمسكين فيما يزعمون بكتابيهم: التوراة والإنجيل، وإذا دعوا إلى التحاكم إلى ما فيهما من طاعة الله فيما أمرهم به فيهما من اتباع محمد ﷺ تولوا وهم معرضون عنهما، وهذا في غاية ما يكون من ذمهم (٥).\n_________\n(١) وفي رواية أخرى للبخاري: فقال عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفع يده، فإذا فيها آية الرجم. انظر: البخاري مع الفتح ٢/ ١٦٦.\n(٢) البخاري مع الفتح، كتاب التفسير، سورة آل عمران، باب: \" قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين \". ٨/ ٢٢٤، ١٢/ ١٦٦، ١٣/ ٥١٦.\n(٣) سورة المائدة الآيات ٤١ - ٤٣.\n(٤) سورة آل عمران، الآية ٢٣.\n(٥) انظر: تفسير ابن كثير ١/ ٣٥٦، وأضواء البيان للشنقيطي ٢/ ٥٧.","vol":"2","page":415},{"text":"النوع الرابع: لي اللسان: من أنواع تحريف اليهود للتوراة: لي اللسان، فهم يلوون ألسنتهم ويعطفونها بالتحريف، ليلبسوا على السامع اللفظ المنزل بغيره، ويفتلون ألسنتهم حين يقرءون كلام الله -تعالى- لإمالته عما أنزله الله عليه إلى اللفظ الذي يريدونه (١) قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٨] (٢).\nومن التحريف بلي اللسان ما كان يفعله اليهود مع رسول الله ﷺ بقولهم: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ [النساء: ٤٦] ويقصدون معنى: اسمع لا سمعت، أي: يدعون على النبي ﷺ، وقد كان المسلمون يقولون للنبي ﷺ راعنا، من المراعاة، والمعنى: فرغ سمعك لكل منا، فلما سمع اليهود هذه اللفظة اغتنموا الفرصة في التحريف؛ لأن معناها عندهم السحت والطعن بمعنى: يا أحمق (٣) ولكن الله - ﷿- كشف سترهم، فقال: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٤٦] (٤).\n_________\n(١) انظر. تفسير البغوي ١/ ٣٢٠، وابن كثير ١/ ٣٧٧، وهداية الحيارى ص٥٢٤، وفتح القدير للشوكاني ١/ ٣٥٤.\n(٢) سورة آل عمران، الآية ٧٨.\n(٣) انظر: تفسير البغوي ١/ ١٠٢، ٤٣٨، وابن كثير ١/ ١٤٩، ٥٠٨، وفتح القدير للشوكاني ١/ ١٢٤، ٤٧٤.\n(٤) سورة النساء، الآية ٤٦.","vol":"2","page":416},{"text":"ونهى الله المؤمنين عن صفات اليهود فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٠٤] (١) النوع الخامس: تحريف الكلام عن مواضعه: أثبت الله -﷿- على أهل الكتاب هذا النوع من التحريف، فقال ﷿: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء: ٤٦] (٢) ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة: ١٣] (٣) وقال -﷿-: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: ٤١] (٤).\nوهذا النوع من التحريف له أربع صور كالتالي:\n١ - تحريف التبديل: وهو وضع كلمة مكان كلمة، أو جملة مكان جملة.\n٢ - تحريف بالزيادة: ويكون بزيادة كلمة أو جملة.\n٣ - تحريف بالنقص: وهو إسقاط كلمة، أو جملة من الكلام المنزل على موسى ﷺ.\n٤ - تحريف المعنى: تبقى الكلمة أو الجملة كما هي، ولكنهم يجعلونها محتملة لمعنيين، ثم يختارون المعنى الذي يتفق مع أهوائهم وأغراضهم (٥).\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية ١٠٤.\n(٢) سورة النساء، الآية ٤٦.\n(٣) سورة المائدة، الآية ١٣.\n(٤) سورة المائدة، الآية ٤١.\n(٥) انظر: تفسير ابن كثير ١/ ٣٧٧، وإغاثة اللهفان لابن القيم ٢/ ٣٦٠، ٣٦١، وإظهار الحق لرحمة الله الهندي ١/ ٣٣٧ - ٥٠٨، والتوراة: دراسة وتحليل، للدكتور / محمد شلبي شتيوي ص ٨٣.","vol":"2","page":417},{"text":"وهذه الصور لها أمثلة كثيرة من التوراة لا يتسع المقام لذكرها (١).\nوقد بين الله﷿- أن أهل الكتاب يعلمون أن ما جاء به محمد ﷺ هو الحق، لما يجدونه في كتبهم من نعته ﷺ وأمته، وما شرفه الله به من الشريعة الكاملة (٢) قال سبحانه: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤٤] (٣) ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧١] (٤).\nومن رحمة الله -تعالى- بهم وكرمه أنه عندما ذكر ما فعلوه من العظائم دعاهم إلى التوبة، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [النساء: ٤٧] (٥) فلو آمنوا بالله وملائكته، وجميع كتبه، ورسله لكفر عنهم سيئاتهم وأدخلهم الجنة (٦) قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ - وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٦٥ - ٦٦] (٧)\n_________\n(١) انظر: الأمثلة على تحريف التبديل في الفصل لابن حزم ١/ ٢٠٧ - ٢٢٤، وإغاثة اللهفان ٢/ ٣٤٢ - ٣٤٤، وهداية الحيارى ص ٥٨٢، والمناظرة الكبرى، ص ٤٦٥ - ٤٧٥، والأمثلة على تحريف الزيادة في: إظهار الحق ١/ ٣٣٨ - ٣٧٤، والتوراة دراسة وتحليل ص ٩٠ - ٩٤، وأمثلة النقص إظهار الحق ١/ ٤١٤ - ٤٥٦، والتوراة دراسة وتحليل ٩٥ - ٩٨، وأمثلة التأويل في إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان ٢/ ٣٣١، ٣٣٢، ٣٦١ - ٣٦٣، وهداية الحيارى ص ٥٢٦ - ٥٣٩.\n(٢) انظر: تفسير ابن كثير ١/ ١٩٤.\n(٣) سورة البقرة، الآية ١٤٤.\n(٤) سورة آل عمران، الآية، ٧١، وانظر: آل عمران: الآيتان ٩٨، ٩٩.\n(٥) سورة النساء، الآية ٤٧.\n(٦) انظر: تفسير السعدي ٢/ ٣١٩.\n(٧) سورة المائدة، الآيتان ٦٥، ٦٦.","vol":"2","page":418},{"text":"﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-153>المسلك الثالث: إثبات اعتراف المنصفين من علماء اليهود:</span>\nلا شك أن من حكمة القول مع أهل الكتاب في دعوتهم إلى الله -﷿- الاستشهاد عليهم بشهادة علماء أهل الكتاب المنصفين، الذين وفقهم الله -تعالى- وقبلوا الحق، وبينوه ولم يكتموه، وهذا من باب قوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [يوسف: ٢٦] (٢).\nوأذكر على سبيل المثال من هؤلاء العلماء الذين يعترف اليهود بأنهم كانوا منهم فأقروا بالإسلام وأنه الدين الحق ما يلي:\n١ - عبد الله بن سلام ﵁ وأرضاه: لو لم يسلم من اليهود في زمن النبي ﷺ إلا سيد اليهود على الإطلاق وابن سيدهم، وعالمهم وابن عالمهم، وخيرهم وابن خيرهم، باعترافهم وشهادتهم، لكان في مقابلة كل يهودي على وجه الأرض، فكيف وقد تابعه من الأحبار والرهبان من لا يحصي عددهم إلا الله (٣).\nوقد آمن هذا الرجل بالله وبرسوله ﷺ، فعن أنس -﵁- قال: «بلغ عبد الله بن سلام مقدم النبي ﷺ المدينة، فأتاه فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي. قال: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآية ١١٠.\n(٢) سورة يوسف، الآية ٢٦.\n(٣) انظر: هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى ص ٥١٤، ٥٢٥.","vol":"2","page":419},{"text":"يأكله أهل الجنة؟ وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه؟ فقال رسول الله ﷺ: \" خبرني بهن آنفا جبريل \" قال ابن سلام: ذلك عدو اليهود من الملائكة. فقال رسول الله ﷺ: \" أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت، وأما الشبه في الولد، فإن الرجل إذا غشي المرأة فسبقها ماؤه كان الشبه له، وإذا سبق ماؤها كان الشبه لها، [قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله] قال: يا رسول الله، إن اليهود قوم بهت، إن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم بهتوني عندك، فادعهم [فاسألهم عني قبل أن يعلموا بإسلامي]، [فأرسل نبي الله ﷺ فأقبلوا]، فدخلوا عليه، فقال لهم رسول الله ﷺ: \" يا معشر اليهود، ويلكم اتقوا الله، فوالذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أني رسول الله حقا، وأني جئتكم بحق فأسلموا \" قالوا: ما نعلمه- قالوا للنبي ﷺ، قالها ثلاث مرار - فقال رسول الله ﷺ: \" فأي رجل فيكم عبد الله بن سلام؟ \" قالوا: ذاك سيدنا وابن سيدنا، وأعلمنا وابن أعلمنا، وأخبرنا وابن أخبرنا، [خيرنا وابن خيرنا، وأفضلنا وابن أفضلنا]، قال: \" أفرأيتم إن أسلم؟ \" قالوا: أعاذه الله من ذلك، حاشا لله، ما كان ليسلم. قال: \" أفرأيتم إن أسلم؟ \" قالوا: حاشا لله، ما كان ليسلم. قال: \" أفرأيتم إن أسلتم؟ \". قالوا: حاشا لله ما كان ليسلم. قال: \" يا ابن سلام، اخرج عليهم \" [فخرج عليهم عبد الله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله]، [يا معشر اليهود اتقوا الله، فوالذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول الله، وأنه جاء بحق، فقالوا: كذبت، أشرنا وابن شرنا، ووقعوا فيه]، [فأخرجهم رسول الله ﷺ]» (١).\n_________\n(١) البخاري مع الفتح، كتاب الأنبياء، باب خلق آدم وذريته ٦/ ٣٦٢، ومناقب الأنصار، باب هجرة النبي -ﷺ- وأصحابه إلى المدينة ٧/ ٢٥٠، وباب حدثني حامد بن عمر، عن بشر بن المفضل ٧/ ٢٧٢، وكتاب التفسير، سورة البقرة، باب قوله: \" من كان عدوا لجبريل \" ٨/ ١٦٥، وألفاظ الحديث من المواضع الأربعة، وانظر: البداية والنهاية لابن كثير ٣/ ٢١٠.","vol":"2","page":420},{"text":"وعن عبد الله بن سلام -﵁- قال: «لما قدم النبي ﷺ المدينة انجفل الناس قبله، وقيل: قدم رسول الله ﷺ، قدم رسول الله ﷺ، قدم رسول الله ﷺ ثلاثا، فجئت في الناس لأنظر، فلما تبينت وجهه، عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، فكان أول شيء سمعته تكلم به أن قال: \" يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام» (١).\nوقد أثنى الله على هذا العالم الرباني، فعن سعد بن أبي وقاص قال: ما سمعت النبي ﷺ يقول لأحد يمشي (٢) على الأرض إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام، قال: وفيه نزلت هذه الآية (٣) ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف: ١٠] (٤).\n٢ - زيد بن سعنة، أحد أحبار اليهود، ﵁: قال -﵁-: ما من علامات النبوة شيء إلا وقد عرفتها في وجه رسول الله ﷺ حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أخبرهما منه: يسبق حلمه جهله، ولا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلما، وقد اختبرتهما، فأشهدك يا عمر أني قد رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا، وأشهدك\n_________\n(١) ابن ماجه في كتاب الأطعمة، باب إطعام الطعام، ٢/ ١٠٨٣ بلفظه، والترمذي في صفة القيامة، باب حدثنا محمد بن بشار ٤/ ٦٥٢، وأحمد في المسند ٤/ ٤٥١، وانظر صحيح ابن ماجه ٢/ ٢٢٢.\n(٢) قد ثبت عنه -ﷺ- أنه شهد لأناس كثير بالجنة، ومنهم العشرة المبشرون بالجنة، فقيل بأن سعد بن أبي وقاص -﵁- يعني من الأحياء؛ لأن عبد الله بن سلام -﵁- عاش بعد موتهم، ولم يتأخر معه من العشرة غير سعد وسعيد، ويؤخذ هذا من قول سعد ﵁: يمشي على الأرض. انظر: فتح الباري ٧/ ١٢٩، ١٣٠.\n(٣) البخاري مع الفتح، كتاب مناقب الأنصار، باب مناقب عبد الله بن سلام ٧/ ١٢٨، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل عبد الله بن سلام ٤/ ١٩٣٠.\n(٤) سورة الأحقاف، الآية ١٠.","vol":"2","page":421},{"text":"أن شطر مالي -فإني أكثرها مالا- صدقة على أمة محمد ﷺ. قال عمر: أو على بعضهم، فإنك لا تسعهم. قلت: أو على بعضهم. فخرج عمر وزيد إلى رسول الله ﷺ، فقال زيد: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله \"، وآمن به، وصدقه، وبايعه، وشهد معه مشاهد كثيرة، ثم توفي في غزوة تبوك مقبلا غير مدبرا (١) ﵁ ورحمه.\n٣ - من أسلم عند الموت: «أتى رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر على رجل من اليهود ناشر التوراة يقرؤها يعزي بها نفسه على ابن له في الموت كأحسن الفتيان وأجمله، فقال رسول الله ﷺ: \" أنشدك بالذي أنزل التوراة، هل تجد في كتابك هذا صفتي ومخرجي؟ \" فقال برأسه هكذا، أي: لا. فقال ابنه: إي والذي أنزل التوراة إنا لنجد في كتابنا صفتك ومخرجك، وأشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. فقال: \" أقيموا اليهودي عن أخيكم \"، ثم ولي كفنه، وحنطه، وصلى عليه ﷺ» (٢).\nهذه ثلاثة أمثلة لاعترافات أحبار اليهود بأن محمدا ﷺ حق، وأن صفته موجودة في التوراة، ويعرفه اليهود كما يعرفون أبناءهم ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] (٣).\n_________\n(١) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد، وعزاه إلى الطبراني، وقال: رجاله ثقات ٨/ ٢٤٠، وتقدم تخريجه كاملا مطولا في مواقف النبي ﷺ الفردية، والقصة هنا مختصرة، فارجع إليها في المجمع ٨/ ٢٣٩، ٢٤٠.\n(٢) أحمد في المسند ٥/ ٤١١، وقال ابن كثير: هذا حديث جيد قوي، له شواهد في الصحيح عن أنس - ﵁-. انظر: تفسير ابن كثير ٢/ ٢٥٢، ومجمع الزوائد ٨/ ٢٣٤.\n(٣) سورة الكهف، الآية ٢٩.","vol":"2","page":422},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-154>المسلك الرابع: الأدلة على إثبات رسالة عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام:</span>\nمن حكمة القول مع اليهود في دعوتهم إلى الله -تعالى- إثبات نبوة عيسى ومحمد، عليهما الصلاة والسلام، وذلك بما ظهر على يديهما من المعجزات الباهرات، والآيات البينات الطاهرة التي لا يقدر أحد أن يأتي بمثلها، كالتالي:\n(أ) البراهين والبينات على صدق نبوة عيسى ابن مريم ﷺ: ثبتت نبوة عيسى ﷺ بما ظهر على يده من المعجزات الخارقة للعادات من: إحياء الموتى، وإخراجهم من قبورهم، وإبراء الأكمه، والأبرص، وخلق الطير من الطين بإذن الله، والإخبار بالغيوب، وإنزال الطعام من السماء، وولادته من أم بغير أب، وكلامه في المهد (١) وغير ذلك من المعجزات (٢).\nومعجزات عيسى لم تكن دون معجزات موسى، عليهما الصلاة والسلام، فكلا الرسولين اشتركا في المعجزات والآيات الظاهرة، فإن قيل أحدهما قد تعلمها بحيلة، فالآخر يمكن أن يقال ذلك في حقه، وقد أخبرا جميعا أن الله - تعالى- هو الذي أجرى ذلك على أيديهما، وأنه ليس من صنعهما، فتكذيب أحدهما وتصديق الآخر تفريق بين المتماثلين، وليس هناك دليل على أن موسى ﷺ تلقى المعجزات عن الله تعالى إلا وهو يدل على أن عيسى ﷺ تلقاها عن الله تعالى، فإن أمكن القدح في معجزات عيسى أمكن القدح في معجزات موسى، وإن كان ذلك باطلا فهذا باطل أيضا (٣) ولا شك أنه لا يمكن القدح في شيء من ذلك أبدا.\n_________\n(١) انظر الأدلة على هذه المعجزات في سورة آل عمران، الآية ٤٩، وسورة المائدة الآية ١١٠، والآيتان ١١٤، ١١٥.\n(٢) انظر: كتاب الداعي إلى الإسلام، للأنباري ص ٣٤٧، وإغاثة اللهفان لابن القيم ٢/ ٣٤٧.\n(٣) انظر: إغاثة اللهفان ٢/ ٣٤٧.","vol":"2","page":423},{"text":"(ب) الحجج والبراهين على صدق نبوة محمد ﷺ: ظهر على يده ﷺ من الآيات والمعجزات الخارقة للعادات عند التحدي أكثر من سائر الأنبياء، والعهد بهذه المعجزات قريب، وناقلوها أصدق الخلق وأبرهم، ونقلها ثابت بالتواتر قرنا بعد قرن، وأعظمها فعجزة: القرآن، لم يتغير ولم يتبدل منه شيء، بل كأنه منزل الآن، وما أخبر به يقع كل وقت على الوجه الذي أخبر به، كأنه يشاهده عيانا، وقد عجز الأولون والآخرون عن الإتيان بمثله ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] (١).\nولا يمكن ليهودي أن يؤمن بنبوة موسى ﷺ إن لم يؤمن بنبوة محمد ﷺ، ولا يمكن لنصراني أن يقر بنبوة المسيح ﷺ إلا بعد إقراره بنبوة محمد ﷺ؛ لأن من كفر بنبوة نبي واحد فقد كفر بالأنبياء كلهم، ولم ينفعه إيمانه ببعضهم دون بعض، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا - أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا - وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٥٠ - ١٥٢] (٢).\nولا ينفع أهل الكتاب شهادة المسلمين بنبوة موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام؛ لأن المسلمين آمنوا بهما على يد محمد ﷺ، وكان إيمانهم بهما من الإيمان بمحمد ﷺ وبما جاء به، فلولاه ما عرفنا نبوتهما، ولا سيما\n_________\n(١) سورة الإسراء، الآية ٨٨.\n(٢) سورة النساء، الآيات ١٥٠ - ١٥٢.","vol":"2","page":424},{"text":"وليس بأيدي أهل الكتاب عن أنبيائهم ما يوجب الإيمان بهم؛ فلولا القرآن ومحمد ﷺ ما عرفنا شيئا من آيات الأنبياء المتقدمين، فمحمد ﷺ وكتابه هو الذي قرر نبوة موسى وعيسى، لا اليهود والنصارى، بل نفس ظهوره ومجيئه تصديقا لنبوتهما؛ فإنهما أخبرا بظهوره، وبشرا بظهوره: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] (١) فلما بعث كان بعثه تصديقا لهما، قال تعالى عن محمد ﷺ: ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ٣٧] (٢).\nفمجيئه تصديق لهما من جهتين: من جهة إخبارهم بمجيئه ومبعثه، ومن جهة إخباره بمثل ما أخبروا به وشهادته بنبوتهم، ولو كان كاذبا لم يصدق من قبله، كما يفعل أعداء الأنبياء (٣).\nومن أعظم الأدلة على صدقه ﷺ أنه قال لليهود لما بهتوه: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٩٤] (٤) ولم يجسر أحد منهم على ذلك- مع اجتماعهم غلى تكذيبه وعداوته- لما أخبرهم بحلول الموت بهم إن أجابوه إلى ذلك، فلولا معرفتهم بحاله في كتبهم، وصدقه فيما يخبرهم به لسألوا الله الموت لأي الفريقين أكذب، منهم أو من المسلمين على وجه المباهلة (٥) ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ - وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة: ٦ - ٧] (٦).\n_________\n(١) سورة الصف، الآية ٦.\n(٢) سورة الصافات، الآية ٣٧.\n(٣) انظر: درء تعارض العقل والنقل ٥/ ٧٨ - ٨٣، ودقائق التفسير لابن تيمية ٣/ ٣٤، وإغاثة اللهفان لابن القيم ٢/ ٣٥٠، ٣٥١، وهداية الحيارى ص ٦٣٥.\n(٤) سورة البقرة، الآية ٩٤.\n(٥) انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ٧/ ٩٩، وتفسير ابن كثير ١/ ١٢٨، ١٢٩، وتفسير السعدي ١/ ١١٤.\n(٦) سورة الجمعة، الآيتان ٦، ٧.","vol":"2","page":425},{"text":"وغير ذلك من دلائل نبوته وصدقه (١) ﷺ التي سأذكرها- إن شاء الله- في آخر مطلب من مطالب حكمة القول مع أهل الكتاب.\n_________\n(١) ومن دلائل نبوته ﷺ في هذا الزمن ما نشر في صحيفة البلاد السعودية، في عددها رقم ٩٤٢٢، في ١٥/ ٨ / ١٤١٠هـ، الموافق ١٢ مارس ١٩٩٠م، ودخل في الإسلام بسبب ذلك أربع قرى نيجيرية، وهذا نص المنشور:\nلقى أحد الضالين والمستهزئين بالإسلام حتفه أثر تشكيكه في الإسلام والقرآن، وإعلانه أمام جمع من الناس قائلا: إن كان القرآن والإسلام حقا فإني أسأل الله ألا أرجع بيتي حيا.\nويشاء الله أن يلقي هذا الكافر حتفه قبل أن يعود إلى منزله فعلا!\nهذا وقد وقعت هذه الحادثة في قرية (بوب) في ولاية غونفولي بشمال نيجيريا، وأسلم على أثرها أهل القرية وثلاث قرى مجاورة، ويقول شهود عيان رأوا الحادثة: إن المكذب ويدعى عمر غيمو، وهو قس في كنيسة باتيسي بقرية بوب وقف خطيبا في الكنيسة، وبدأ في التطاول على الإسلام والقرآن الكريم، وردد العديد من الأكاذيب والأباطيل والافتراءات على الإسلام والقرآن الكريم، ثم قال في نهاية خطبته: (إن كان القرآن والدين الإسلامي حقا فأسأل الرب ألا يرجعني إلى بيتي حيا). وخرج القس من الكنيسة وهو على ثقة تامة بأنه لن يصيبه شيء وسيصل إلى منزله في صحة وعافية؛ ليتخذ ذلك فيما بعد دليلا يؤكد به للناس افتراءه وأكاذيبه. ويشاء الله﷿- وعلى الرغم من أن الطريق على منزله لا توجد به أي أخطار تهدد حياة الإنسان، يشاء الله أن تتعثر قدماه وهو يعبر جدول ماء صغير، وسقط فيه حتى مات وسارع إليه جماعة من المسيحيين في دهشة وذهول، ونقلوه إلى المستشفى والتي رفضت استلامه لوفاته، فذهبوا به إلى مستشفى آخر وثالث وكان التأكيد أنه قد لاقى حتفه ليسقط في أيديهم لحدوث الوفاة بهذه البساطة ودون حدوث أي إصابة أو جرح. والأعجب من ذلك أن أحد المارة كان قد حاول في البداية إنقاذ هذا المستهزئ عند تعثره فلقي مصرعه. . .\nتجدر الإشارة إلى أن هذا القس كان مسيحيا، ثم أسلم، وعاش فترة بين المسلمين يتعامل معهم ويتعاملون معه، إلا أنه نكص على عقبيه، وارتد عن الإسلام، وأصبح حربا على دين الله إلى أن لقي مصيره المحتوم.","vol":"2","page":426},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-155>المطلب الثاني\nحكمة القول مع النصارى</span>\nمن حكمة القول مع النصارى في دعويهم إلى الله- تعالى- أن يسلك معهم الداعية المسلم المسالك الحكيمة الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-156>المسلك الأول: إبطال عقيدة التثليث وإثبات الوحدانية لله تعالى</span>.\nالمسلك الثاني: البراهين على إثبات بشرية عيسى وعبوديته لله تعالى.\nالمسلك الثالث: البراهين على إبطال قضية الصلب والقتل.\nالمسلك الرابع: البينات على إثبات وقوع النسخ والتحريف.\nالمسلك الخامس: إثبات اعتراف المنصفين من علماء النصارى.\nالمسلك الأول: إبطال عقيدة التثليث وإثبات الوحدانية لله تعالى: المقصود بالتثليث عند النصارى ثلاثة أسماء: الآب، والابن، وروح القدس.\nوقالوا: الآب هو الذات، والابن هو الكلمة، وروح القدس هو الحياة (١) ويعبرون عن ذلك بأن الله- تعالى عن كفرهم- ثلاثة أقانيم،\n_________\n(١) اختلف النصارى في تفسير هذا الكلام على أقوال:\n١ - فكثير منهم يقول: الآب هو الوجود، والابن هو الكلمة، وروح القدس هو الحياة.\n٢ - ومنهم من يقول: الآب هو الوجود، والابن هو الكلمة، وروح القدس هو القدرة.\n٣ - وقيل: الأقانيم ثلاثة: جواد، حكيم، قادر، فقالوا: الجواد الآب، والحكيم الابن، والقادر: روح القدس.\n٤ - وقيل: الذات الأب، والنطق الابن، والحياة روح القدس.\n٥ - ومنهم من يعبر عن الكلمة بالعلم، فيقول: موجود، حي، عالم، أو موجود، عالم، قادر.\n٦ - ومنهم من يقول: موجود، حي، حكيم.\n٧ - ومنهم من يقول. قائم بنفسه، حي، حكيم.\nوكلهم متفقون على أن المتجسد في المسيح -على زعمهم- والحال فيه هو أقنوم الكلمة، وهو الذي يسمونه الابن دون الآب، تعالى الله عن قولهم. = = انظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ٢/ ٩٠، ٩٤، والملل والخل للشهرستاني ١/ ٢٢٢ - ٢٢٨.\nوفرق النصارى الثلاث: الملكانية، والنسطورية، واليعقوبية متفقون على أن معبودهم ثلاثة، ولكنهم اختلفوا في تفسير الأقانيم الثلاثة، وفي الحلول والاتحاد. انظر: الجواب الصحيح ٢/ ٩٥، والفصل لابن حزم ١/ ١١٠ - ١١٢، وإظهار الحق ١/ ٥٧٦، والملل والنحل للشهرستاني ١/ ٢٢١ - ٢٢٨، والبداية والنهاية ٢/ ١٥٠، ودقائق التفسير ٣/ ٣٠، وإغاثة اللهفان ٢/ ٢٧٣.\nقال ابن حزم في الفصل ١/ ١١٢: ولولا أن الله وصف قولهم في كتابه. . . لما انطلق لسان مؤمن بحكاية هذا القول العظيم الشنيع السمج السخيف، وتالله لولا أنا شاهدنا النصارى ما صدقنا أن في العالم عقلا يسع هذا الجنون، ونعوذ بالله من الخذلان.","vol":"2","page":427},{"text":"والأقنوم في لغتهم هو الأصل (١) والثلاثة أسماء إله واحد (٢) في زعمهم الباطل عقلا وشرعا.\nوالرد على عقيدة التثليث وإبطالها (٣) ودعوة أصحابها إلى الله بالقول الحكيم يتلخص في الأمور الآتية:\n١ - التوحيد دين الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- وأتباعهم: إن عقيدة التثليث لم تكن في أمة من الأمم السابقة من عهد آدم ﵊، إلى رفع عيسى ﷺ.\nوعقيدة التوحيد هي دين الأنبياء وأتباعهم، كما أن كتب العهد القديم عند أهل الكتاب ناطقة بأن الله واحد، أزلي، أبدي، حي لا يموت، قادر يفعل ما يشاء، ليس كمثله شيء، لا في الذات ولا في الصفات، وعبادة غير الله حرام، وحرمتها مصرحة في مواضع شتى، وهذا الأمر لشهرته وكثرته في تلك الكتب غير محتاج إلى نقل الشواهد (٤).\n_________\n(١) انظر: الجواب الصحيح ٢/ ١٠٠، ١١٢، والداعي إلى الإسلام للأنباري ص ٣٥٩، والفصل لابن حزم ١/ ١١٩.\n(٢) انظر: الداعي إلى الإسلام ص ٣٦٣، ٣٦٤، والجواب الصحيح ٢/ ١١٢.\n(٣) انظر: اليهودية والمسيحية، للدكتور محمد ضياء الرحمن الأعظمي، ص ٤١١ - ٤٣٩.\n(٤) انظر: إظهار الحق، لرحمة الله الهندي ١/ ٥٤٣، ٥٧٧.","vol":"2","page":428},{"text":"٢ - النصارى تلقوا عقيدة التثليث عن أصحاب المجامع: إن المصادر النصرانية الموثوق فيها لا تملك سوى الإقرار بأن دعوة عيسى ﷺ كانت توحيد الله الخالص من الشرك، إلى بداية القرن الرابع الميلادي (١) وذلك أن الله - ﷿- بعث عبده ورسوله عيسى ابن مريم إلى بني إسرائيل، فجدد لهم الدين، وصدق لما بين يديه من التوراة، وأحل لهم بعض الذي حرم عليهم، ودعاهم إلى عبادة الله وحده، فعادوه وكذبوه، ورموه وأمه بالعظائم، وأرادوا قتله، فطهره الله - تعالى- منهم، ورفعه إليه، ولم يصلوا إليه بسوء، وأقام الله- تعالى- للمسيح أنصارا دعوا إلى دينه وشريعته حتى ظهر دينه على من خالفه، ودخل فيه الملوك، واستقام الأمر على السداد بعده نحو ثلاثمائة سنة، ثم أخذ دين المسيح في التبديل والتغيير، ولم يبق بأيدي النصارى منه إلا بقايا: كالختان، والاغتسال من الجنابة، وتعظيم السبت، وتحريم الخنزير، وتحريم ما حرمته التوراة إلا ما أحلت لهم بنصها، ثم استحلوا الخنزير، وأحلوا السبت، وعوضوا منه يوم الأحد، وتركوا الختان، والاغتسال من الجنابة، وكان المسيح يصلي إلى بيت المقدس فصلوا إلى المشرق، وعظموا الصليب وعبدوه، وعندما أخذ دين المسيح ﷺ في التغير والفساد اجتمعت النصارى عدة مجامع، ثم يفترقون على الاختلاف والتلاعن، ومن أهم هذه المجامع: مجمع نيقية عام ٣٢٥ م، فقد جمع الملك قسطنطين -باني القسطنطينية- ألفين وثمانية وأربعين أسقفا (٢٠٤٨) من جميع بلدان العالم، وكانوا مختلفي الآراء والأديان، واتفق منهم ثلاثمائة وثمانية عشر أسقفا (٣١٨) على أن المسيح ابن الله -تعالى عن كفرهم- وأنه مساو له في\n_________\n(١) انظر: إغاثة اللهفان لابن القيم ٢/ ٢٧٠، وهداية الحيارى ص ٦٢٢، والمناظرة بين الإسلام والنصرانية ص ١٦٤.","vol":"2","page":429},{"text":"الجوهر، وأنه نزل من السماء وتجسد من روح القدس، وصار إنسانا، وحمل به، ثم ولد من مريم، وقتل وصلب، ودفن، وقام في اليوم الثالث، وصعد إلى السماء، وجلس عن يمين أبيه، وهو مستعد للمجيء مرة أخرى للقضاء بين الأموات والأحياء، وقالوا: نؤمن بروح القدس، وأجبر الملك الناس على هذه العقيدة التي أسسها هؤلاء الأساقفة.\nثم عقد مجمع آخر عام ٣٨١ م، وحضره مائة وخمسون أسققا (١٥٠)، وأجمعوا على أن روح القدس خالق غير مخلوق، وبهذا المجمع تم لهم التثليث، وقالوا: بأن الآب والابن وروح القدس ثلاثة أقانيم، وفرض ملوك النصارى هذه العقيدة على الناس.\nثم عقد مجمع سنة ٤٣١ م، وحضره نحو مائتي أسقف (٢٠٠)، وقرروا أن مريم ولدت إلها. . .!\nواستمرت المجامع تعقد بعد ذلك، وأشهرها المجامع العشرة التي عقدت على مر العصور، وكلهم يكفر بعضهم بعضا، ويلعن بعضهم بعضا، فدينهم الذي ابتدعوا قائم على اللعنة (١).\nفثبت بهذا الاستعراض أن دين المسيح ﷺ هو التوحيد إلى نهاية القرن الثالث الميلادي، وأن المجامع النصرانية هي التي فرضت عقيدة التثليث، وألزم الملوك الناس بذلك بالسيف والعطاء (٢).\nفعلم قطعا بأن عقيدة التثليث عقيدة وثنية مصدرها المجامع النصرانية، بدءا بمجمع نيقية سنة ٣٢٥ م، وهذا من أعظم ما يرد به على النصارى، ولكن بالقول الحكيم، وبالرفق واللين، والجدال بالتي هي أحسن.\n_________\n(١) انظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ١/ ١١٥، ٢/ ٩٠ - ١٣٥، ٣/ ٢٢ - ٤٥، وإغاثة اللهفان ٢/ ٢٧٠ - ٢٨١، وهداية الحيارى ص ٦٤٦ - ٦٥٨، والبداية والنهاية لابن كثير ٢/ ١٥٠، ١٥١، والمناظرة بين الإسلام والنصرانية ص ٢٠٢ - ٢١٦.\n(٢) انظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم ٢/ ٢٢٨.","vol":"2","page":430},{"text":"٣ - بطلان كون الثلاثة إله واحد: قال المثلثة: الآب، والابن، وروح القدس: الثلاثة أسماء إله واحد، ورب واحد، وخالق واحد، ومسمى واحد، لم يزل ولا يزال شيئا- ناطقا: أي الذات والنطق والحياة (١) ويعبرون عن ذلك بأن الله - تعالى عن كفرهم- ثلاثة أقانيم، وحينئذ يرد عليهم بالقول الحكيم بالآتي:\nأولا: لم خصصتم الأقانيم بالثلاثة؟ فإنه قد ثبت أنه: موجود، حي، عليم، قادر، سميع، بصير، كريم، خالق، رازق. . . فيلزمكم على قولكم هذا أن تثبتوا أقنوما رابعا، وهو القدرة، وخامسا وهو: السمع، وسادسا وهو: البصر، وسابعا وهو: الكرم، وثامنا وهو: الخلق، وتاسعا وهو: الكلام. . . وسائر الصفات الثابتة، فإن أسماء الله -تعالى- وصفات متعددة كثيرة، ومنها تسعة وتسعون اسما من أحصاها دخل الجنة (٢).\nفإذا كانت أسماء الله كثيرة فالاقتصار على ثلاثة أسماء أو ثلاث صفات باطل مردود (٣).\nثانيا: قولكم: الآب الذي هو ابتداء الاثنين، والابن النطق الذي هو مولود منه كولادة النطق من العقل: كلام باطل؛ لأن صفات الكمال لازمة لذات الله -تعالى- أولا وآخرا، فهو لم يزل ولا يزال حيا، عالما، قادرا، فلم يصر حيا بعد أن لم يكن حيا، ولا عالما بعد أن لم يكن عالما!\n_________\n(١) فالذات عندهم: الأب الذي هو ابتداء الاثنين، والنطق: الابن الذي هو مولود منه كولادة النطق من العقل، والحياة: هي روح القدس، ثم يعبرون عن ذلك بأن الله- تعالى- ثلاثة أقانيم - تعالى الله عن ذلك- والأقنوم في لغتهم: هو الأصل انظر: الجواب الصحيح ٢/ ١٠٠، ١١٢، والداعي إلى الإسلام ص ٣٥٩، والفصل لابن حزم ١/ ١١٩.\n(٢) البخاري مع الفتح، كتاب الشروط، باب ما يجوز من الاشتراط والثنيا في الإقرار ٥/ ٣٥٤، ١١/ ٢١٤، ومسلم، كتاب الذكر، باب أسماء الله تعالى. . . ٤/ ٢٠٦٣.\n(٣) انظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ٢/ ١١٣.","vol":"2","page":431},{"text":"ثالثا: قولكم في النطق: إنه الابن، وإنه مولود من الله -تعالى-: إن أردتم به أنه صفة لازمة له، فكذلك الحياة صفة لازمة له، فيكون روح القدس أيضا ابنا ثانيا، وإن أردتم أنه حصل منه بعد أن لم يكن لزم أن يكون عالما بعد أن لم يكن، وهذا مع كونه باطلا وكفرا فيلزم مثله في الحياة وأنه صار حيا بعد أن لم يكن حيا، تعالى الله وتقدس عن ذلك!\nرابعا: إن تسمية حياة الله: روح القدس، لم ينطق به شيء من كتب الله المنزلة، فإطلاق روح القدس على حياة الله من التبديل والتحريف للكلم عن مواضعه.\nخامسا: إنكم تدعون أن المتجسد بالمسيح هو الكلمة، الذي هو العلم، وهذا إن أردتم به نفس الذات العالمة الناطقة كان المسيح هو الآب، وهو الابن، وهو روح القدس، وهذا عندكم وعند جميع الناس باطل.\nسادسا: العلم صفة، والصفة لا تخلق ولا ترزق، والمسيح نفسه ليس هو صفة قائمة بغيرها باتفاق العقلاء، وأيضا هو عند المثلثة خالق للسموات والأرض، فامتنع أن يكون المتحد به صفة، فإن الإله المعبود هو الإله الحي العليم القدير، وليس هو نفس الحياة ولا نفس العلم والكلام، فلو قال قائل: يا حياة الله، أو يا علم الله، أو يا كلام الله اغفر لي وارحمني. . . كان هذا باطلا في صريح العقل؛ ولهذا لم يجوز أحد من أهل الأديان السماوية أن يقال للتوراة أو الإنجيل وغير ذلك من كلام الله: اغفر لي وارحمني، وإنما يقال للإله المتكلم بهذا الكلام -وهو الله وحده-: اغفر لنا وارحمني.\nوالمسيح عند المثلثة هو الإله الخالق الذي يقال له: اغفر لنا وارحمنا، فلو كان هو نفس علم الله وكلامه لم يجز أن يكون إلها معبودا، فكيف إذا","vol":"2","page":432},{"text":"لم يكن هو نفس علم الله وكلامه، بل هو مخلوق بكلامه حيث قال: (كن)، فكان، فتبين بذلك أن كلمات الله كثيرة لا نهاية لها، ومعلوم أن المسيح ليس هو كلمات كثيرة بل غايته أن يكون كلمة واحدة، إذ هو المخلوق بكلمة من كلمات الله ﷿ (١).\nسابعا: مما لا يشك في صحته عاقل أن عقيدة التثليث باطلة مردودة بصريح النقل وصحيح العقل، ومن المعلوم عند سائر أهل الملل أن الله موجود، حي، عليم، متكلم، قدير، لا تختص صفاته بثلاثة، ولا يعبر عن ثلاثة منها بعبارة لا تدل على ذلك، وهو: لفظ الآب، والابن، وروح القدس، فإن هذه الألفاظ لا تدل على ما فسروها به في لغة أحد من الأمم، ولا يوجد في كلام أحد من الأنبياء أنه عبر بهذه الألفاظ عما ذكروه من المعاني، بل ذلك مما ابتدعه النصارى، ولم يدل عليه شرع ولا عقل (٢).\nفتبين أن جميع كتب الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- تبطل مذهب النصارى، فهم بين أمرين:\n١ - الإيمان بكلام الأنبياء وبطلان دينهم (عقيدة التثليث).\n٢ - تصحيح دينهم وتكذيب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام (٣).\n٤ - إبطال عقيدة التثليث بما في كتب النصارى: من الأدلة التي تلزم أصحاب التثليث أن يبين لهم بالقول الحكيم ما في كتبهم التي يعترفون بها، فإن فيها ما يبطل قولهم وعقيدتهم في التثليث، ومن ذلك على سبيل المثال ما يلي:\n_________\n(١) انظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ٢/ ١١٢ - ١١٦، بتصرف.\n(٢) انظر: المرجع السابق ٢/ ٩١.\n(٣) انظر: المرجع السابق ٢/ ٢١٣.","vol":"2","page":433},{"text":"(أ) جاء في إنجيل يوحنا، أن المسيح ﷺ قال في دعائه: \" إن الحياة الدائمة إنما تجب للناس بأن يشهدوا أنك أنت الله الواحد الحق، وأنك أرسلت اليسوع المسيح \" (١).\nوهذه حقيقة شهادة أن لا إله إلا الله، ولا معبود بحق سواه.\n(ب) وقال: \" إن الله -﷿- ما أكل ولا يأكل، وما شرب ولا يشرب، ولم ينم ولا ينام، ولا ولد له ولا يلد ولا يولد، ولا رآه أحد ولا يراه أحد (٢) إلا مات \" (٣).\nوبهذا يظهر سر قوله تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: ٧٥] (٤).\nوغير ذلك من الأمثلة كثير لا يتسع المقام لذكرها (٥).\n٥ - إبطال القرآن الكريم لعقيدة التثليث: القرآن الكريم هو الأصل في تصحيح العقائد، وما سبق من القول الحكيم مع النصارى إنما هو مخاطبتهم على قدر عقولهم بالأدلة العقلية، وبالواقع من تاريخهم، وما جاء في كتبهم، مما يبطل عقيدة التثليث، يثبت أن عقيدة التوحيد هي دين الأنبياء جميعا، عليهم الصلاة والسلام.\nوالقرآن الكريم - المحفوظ من الله عن التبديل والتحريف- يتولى الرد\n_________\n(١) هداية الحيارى لابن القيم ص ٦٢٠.\n(٢) المقصود بنفي الرؤية هنا في الدنيا، أما في الآخرة فإن المؤمنين يرون ربهم في الجنة، وهو أعظم نعيم أهل الجنة، جعلنا الله منهم.\n(٣) انظر: هداية الحيارى ص ٦٢١.\n(٤) سورة المائدة، الآية ٧٥.\n(٥) انظر كثير من الأمثلة على ذلك في: هداية الحيارى ص ٦٢٠ - ٦٢٢، وإظهار الحق ٢/ ٢٥ - ٣٩.","vol":"2","page":434},{"text":"على هذه القضية بأوجز عبارة وأوضحها، قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧١] (١) ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٧] (٢).\nوقال ﷿ مبينا حقيقة عيسى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ - لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ - أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ - مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة: ٧٢ - ٧٥] (٣).\nوأخبر الله عن المسيح أنه لم يأمر الناس إلا بما أمره الله به، فقال سبحانه:\n_________\n(١) سورة النساء، الآية ١٧١.\n(٢) سورة المائدة، الآية ١٧.\n(٣) سورة المائدة، الآيات ٧٢ - ٧٥.","vol":"2","page":435},{"text":"﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ - مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٦ - ١١٧] (١) ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا - لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا - تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا - أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا - وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا - إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٨٨ - ٩٣] (٢) ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠] (٣).\n* فهل بعد هذا القول بيان؟ وهل بعد هذه الحجج من حجج؟ (٤).\nوأما قوله تعالى: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١] (٥) فقد بينها الله تعالى أعظم بيان وأكمله وأبلغه.\n(أ) فالكلمة التي ألقاها الله إلى مريم هي: (كن)، فكان عيسى بـ \" كن \"، وليس عيسى هو الكن، ولكن بالكن كان عيسى، فالكن من الله قوله: (كن)، وليس الكن مخلوقا (٦) قال تعالى:\n_________\n(١) سورة المائدة، الآيتان ١١٦، ١١٧.\n(٢) سورة مريم، الآيات ٨٨ - ٩٣.\n(٣) سورة التوبة، الآية ٣٠.\n(٤) انظر: الجواب الصحيح ٢/ ٢٧٩ - ٢٨١، ودقائق التفسير ٣/ ٢٨، ٢٩.\n(٥) سورة النساء، الآية ١٧١.\n(٦) فتاوى ابن تيمية ٢٠/ ٤٩٣، ودقائق التفسير ٣/ ٣١، وتفسير ابن كثير ١/ ٩٥١.","vol":"2","page":436},{"text":"﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ - وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ - قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٤٥ - ٤٧] (١).\nففي هذا الكلام وجوه تبين أنه مخلوق وليس كما يقول النصارى، وذلك:\n١ - قوله تعالى: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٤٥] وهي نكرة في سياق الإثبات يقتضي أنه كلمة من كلمات الله، وليس هو كلامه كله كما يقول النصارى.\n٢ - ومنها أنه بين مراده بقوله: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٤٥] وأنه مخلوق حيث قال: ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٤٧] كما قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] (٢) وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ - مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [مريم: ٣٤ - ٣٥] (٣).\nفهذه ثلاث آيات في القرآن تبين أن الله قال له: ﴿كُنْ﴾ [مريم: ٣٥] وهذا تفسير كونه كلمة منه.\n٣ - وقال: اسمه المسيح عيسى ابن مريم.\n٤ - وأخبر أنه وجيه في الدنيا والآخرة.\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآيات ٤٥ - ٤٧.\n(٢) سورة آل عمران، الآية ٥٩.\n(٣) سورة مريم، الآيتان ٣٤، ٣٥.","vol":"2","page":437},{"text":"٥ - وأنه من المقربين.\nوهذه كلها صفة مخلوق، والله- تعالى- وكلامه الذي هو صفته لا يقال فيه شيء من ذلك.\n٦ - وقالت مريم: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ﴾ [آل عمران: ٤٧] فبين أن المسيح الذي هو الكلمة ولد مريم لا ولد الله ﷾ (١).\n(ب) أما الروح التي قال تعالى فيها: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١] فلا يجب أن يكون منفصلا من ذات الله، كما قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] (٢). ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] (٣). ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٩] (٤). .\nفهذه الأشياء كلها من الله وهي مخلوقة.\nوأبلغ من ذلك روح الله التي أرسلها إلى مريم، وهي مخلوقة ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا - قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا - قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: ١٧ - ١٩] (٥). ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩١] (٦) وقال تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ [التحريم: ١٢] (٧).\n_________\n(١) انظر: الجواب الصحيح ٢/ ٩٩ - ٣٠٠، ٢/ ١٤٠، ٢٢٧.\n(٢) سورة الجاثية، الآية ١٣.\n(٣) سورة النحل، الآية ٥٣.\n(٤) سورة النساء، الآية ٧٩.\n(٥) سورة مريم، الآيات ١٧ - ١٩.\n(٦) سورة الأنبياء، الآية ٩١.\n(٧) سورة التحريم، الآية ١٢.","vol":"2","page":438},{"text":"فعلم بذلك أن الروح الذي أرسله الله إلى مريم هو روح القدس، وهو الملك جبريل، ﵇، وهو مخلوق، وهو الذي خلق المسيح من نفخه ومن مريم، فإذا كان الأصل مخلوقا فكيف الفرع الذي حصل به؟\nأما قوله عن المسيح: وروح منه فخص بذلك؛ لأنه نفخ في أمه من الروح، فحملت به من ذلك النفخ، وذلك غير روحه التي يشاركه فيها سائر البشر، فامتاز بأن حملت به من نفخ الروح؛ فلهذا سمي روحا منه (١).\nأما إضافة الروح إلى الله في قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ [مريم: ١٧] فهي إضافة مخلوق إلى خالقه، كقوله تعالى: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ [الشمس: ١٣] (٢). ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦] (٣) والمضاف إلى الله -تعالى- نوعان:\n(أ) إن كان صفة مضافة إلى الله لم تقم بمخلوق: كعلم الله، وقدرة الله، والقرآن كلام الله، وحياة الله، كان صفة لله تعالى.\n(ب) وإن كان المضاف عينا قائمة بنفسها أو صفة فيها، أو صفة لغير الله: كالبيت، والناقة، والعبد، والروح كان مخلوقا مضافا إلى خالقه ومالكه.\nلكن هذه الإضافة (ناقة الله)، (بيت الله)، (عباد الله)، (روح الله)، إضافة مخلوق إلى خالقه تقتضي التشريف، وبهذا يتبين أنه لا يوجد للنصارى حجة إطلاقا، فسقط قولهم بحمد الله تعالى (٤).\n_________\n(١) انظر: الجواب الصحيح ٢/ ١٢٧، ١٢٨، ١٣٣، ٣٠٢، ٣٠٣، ودقائق التفسير ٢/ ٣٤١، ٣/ ٣٢، والبغوي ١/ ٥٠١، وابن كثير ١/ ٥٩١، ٤/ ٣٩٥، وفتح القدير ١/ ٥٤٠.\n(٢) سورة الشمس، الآية ١٣.\n(٣) سورة الإنسان، الآية ٦.\n(٤) انظر: الجواب الصحيح ٢/ ١١٥، ١٢٧، ١٢٨، ١٣٢، ١٣٨ - ١٤٠، ١٤٢، ودقائق التفسير ٢/ ٣٤٣.","vol":"2","page":439},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-157>المسلك الثاني: الأدلة والبراهين القاطعة على بشرية عيسى وعبوديته لله: </span>ومن حكمة القول مع النصارى في دعوتهم إلى الله أن يبين لهم أن عيسى ﷺ، عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، خلقه ﷿، وبين لعباده أنه مخلوق، وأن ذلك لا يعجزه، قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ - الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٩ - ٦٠] (١).\nفقد خلق الله -تعالى- هذا النوع على الأقسام الممكنة، ليبين عموم قدرته، فخلق آدم من غير ذكر ولا أنثى، وخلق زوجته حواء من ذكر بلا أنثى، كما قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء: ١] (٢) وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر، وكان خلق آدم وحواء أعجب من خلق المسيح؛ لأن حواء خلقت من ضلع آدم، وهذا أعجب من خلق المسيح في بطن مريم، وخلق آدم أعجب من هذا وهذا، وهو أصل خلق حواء؛ فلهذا شبهه الله بخلق آدم الذي هو أعجب من خلق المسيح، فإذا كان سبحانه قادرا أن يخلقه من تراب، والتراب ليس من جنس بدن الإنسان، أفلا يقدر أن يخلقه من امرأة هي من جنس بدن الإنسان؟ وهو ﷿ خلق آدم من تراب، ثم قال له: كن، فكان لما نفخ فيه من روحه، فكذلك المسيح نفخ فيه من روحه، وقال له. كن، فكان، ولم يكن آدم بما نفخ فيه من روحه لاهوتا وناسوتا، بل كله ناسوت، فكذلك المسيح كله ناسوت (٣).\nوقد أمر الله رسوله ﷺ أن يباهل النصارى على حقيقة عيسى ﷺ، وأنه\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآيتان ٥٩، ٦٠.\n(٢) سورة النساء، الآية ١.\n(٣) انظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ٢/ ٢٩٤، ودقائق التفسير لابن تيمية ٢/ ٣٣٤، وتفسير ابن كثير ١/ ٣٦٨.","vol":"2","page":440},{"text":"عبد الله ورسوله، فقال تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٦١] (١).\nوقد امتثل النبي ﷺ قول الله، فدعاهم إلى المباهلة، فعرفوا أنهم إن باهلوه أنزل الله عليهم لعنته، فأقروا بالجزية وهم صاغرون.\nوهذا كله يبين أن عيسى عبد الله ورسوله، وأنه مخلوق، ويبين أن النصارى بامتناعهم عن المباهلة وعن الدخول في الإسلام كانوا ظالمين (٢).\nوقد بين ﷿ حقيقة عيسى، ووصفه وأمه وصفا كاملا لا يدع مجالا للشك، ويقطع كل شبهة ترد على بشرية عيسى وأمه، فقال ﷿: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ [مريم: ١٦] إلى قوله: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا - قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا - وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا - وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ [مريم: ٢٩ - ٣٢] إلى قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ - مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ﴾ [مريم: ٣٤ - ٣٥] الآيات (٣).\nوقال سبحانه: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الزخرف: ٥٩] (٤).\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآية ٦١.\n(٢) انظر: الجواب الصحيح ٢/ ٢٩٥، ودقائق التفسير ٢/ ٣٣٤، ودرء تعارض العقل والنقل ١/ ١٩٨، وتفسير ابن كثير ١/ ٣٦٨، وانظر: ص ٤٢٦، من هذا الكتاب (الهامش).\n(٣) سورة مريم، الآيات ١٦ - ٣٧.\n(٤) سورة الزخرف، الآية ٥٩.","vol":"2","page":441},{"text":"وهو ﷺ عبد الله ورسوله، وأحد أنبيائه ورسله الكرام، ويتصف بصفات البشر، ويأكل الطعام كما يأكله البشر (١) ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: ٧٥] (٢).\nوقد شهد رسول الله ﷺ بالجنة لمن شهد أن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، فقال: «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل» (٣).\nوحذر ﷺ عن الغلو، وبين أنه من أسباب تأليه النصارى لعيسى ابن مريم (٤).\nوبهذه البراهين القطعية من الأدلة العقلية والنقلية يتضح لكل ذي لب أن عيسى عبد الله ورسوله، وابن أمته، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، ومن وصفه بغير ذلك من الصفات التي لم يصفه بها ربه وخالقه فقد خرج عن مقتضى العقل والنقل إلى الجنون أو الجحود والظلم: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٧٢] (٥) ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ - وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩ - ٨٠] (٦).\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن كثير ٢/ ٨٢.\n(٢) سورة المائدة، الآية ٧٥.\n(٣) البخاري، كتاب الأنبياء، باب قوله تعالى: \" يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم \"، ٦/ ٤٧٤، ومسلم، في الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا ١/ ٥٧، وانظر زيادة للحديث في البخاري مع الفتح ٦/ ٤٧٤، ومسلم ١/ ٥٧.\n(٤) انظر: البخاري مع الفتح، كتاب الأنبياء، باب قوله تعالى: \" واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها. . . \"، ٦/ ٤٧٨، وكتاب الحدود، باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت، ١٢/ ١٤٤.\n(٥) سورة النساء، الآية ١٧٢.\n(٦) سورة آل عمران، الآيتان ٧٩، ٨٠.","vol":"2","page":442},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-158>المسلك الثالث: البراهين الدالة دلالة قطعية على إبطال قضية الصلب والقتل: </span>زعم النصارى أن اليهود قتلوا عيسى ﷺ وصلبوه، وقبر، وقام في اليوم الثالث، وصعد إلى السماء (١) وقد كذبهم الله فيما زعموا ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧] (٢).\nومن الحكمة القولية في دعوتهم إلى الله وإبطال مذهبهم أن يرد عليهم بالآتي:\n١ - الأدلة العقلية: (أ) بما أنكم أجمعتم أيها النصارى على القول بالاتحاد والصلب والقتل (٣) فهل كان الاتحاد موجودا في حالة الصلب والقتل أم لا؟ فإن قلتم كان موجودا، لزمكم القول بأن ابن الله القديم -في زعمكم- مات وصلب؛ لأن جواز القتل كجواز الموت والحركة والسكون والافتراق، وفيه جواز موت الأب والروح، وهذا لا يقولون به.\n_________\n(١) انظر. الجواب الصحيح ٢/ ١١٦، والداعي إلى الإسلام للأنباري ص ٣٧٧، وإغاثة اللهفان ٢/ ٢٧٣، وهداية الحيارى ص ٦١٨.\n(٢) سورة النساء، الآية ١٥٧.\n(٣) قالوا: إن الإله اتحد مع الإنسان فصار شيئا واحدا، ويعنون بالاتحاد: اتحاد الكلمة بجسد المسيح، ولا يسمون الكلمة التي هي العلم عندهم ابنا إلا بعد تدرعها بالمسيح، فالمسيح عندهم - مع ما تدرع به - ابن. . انظر: الفصل لابن حزم ١/ ١١٧، والداعي إلى الإسلام ص ٣٦٥، والملل للشهرستاني، ١/ ٢٢٢، ودقائق التفسير ٢/ ٣٤٦.","vol":"2","page":443},{"text":"فإن قالوا: إن الاتحاد بطل، قيل لهم: فيجب ألا يكون المقتول مسيحا؛ لأن الجسد عند انتقاض الاتحاد ليس بمسيح، فبطل قولكم بأن المسيح قتل وصلب.\n(ب) أنتم تزعمون أن المسيح قتل وصلب، والمسيح في عقيدتكم كان لاهوتا وناسوتا، فيلزم من ذلك إطلاق القول بقتل إلهكم؛ لأن المسيح عندكم إله مطلق، ومن ضرورة ذلك إطلاق القول بقتل الإله وموته، وذلك مروق عن الدين (١).\nفإن قالوا: إنما قتل الناسوت دون اللاهوت. قيل لهم: هذا باطل من وجهين:\n١ - أن ناسوته لم يصلب وليس فيه لاهوتا.\n٢ - ذكركم ذلك دعوى مجردة فيكفي في مقابلتها المنع (٢).\n(جـ) إذا كان عيسى ابن الله -تعالى- قديم الروح بزعمكم فكيف قدر اليهود على أن يقتلوا ابن الله، وهو إله عندكم، والإله لا يقتل!\nفإن قالوا: إنما قتل الهيكل دون الروح، قيل لهم: قد بطل الاتحاد الذي ادعيتموه، فكان يجب أن يمنع الروح واللاهوت عن القتل وإتلاف الهيكل والناسوت، فدل ذلك على أنه كان عبدا لله ورسولا له، لا ابنا له (٣).\n٢ - أخبار القتل والصلب مصدرها اليهود: من المعلوم يقينا أن أخبار المسيح والصلب والقتل إنما تلقاها النصارى عن اليهود، وقد ثبت أنه لم يحضر أحد منهم، وإنما قال اليهود: قتلناه\n_________\n(١) انظر: الداعي إلى الإسلام ص ٣٧٨.\n(٢) انظر: الجواب الصحيح ٢/ ٢٩٧، ودقائق التفسير ٢/ ٣٣٦، وإغاثة اللهفان ٢/ ٢٩٠.\n(٣) انظر: الداعي إلى الإسلام للأنباري ص ٣٧٨، والجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، ٢/ ٢٧٩ - ٢٩٤.","vol":"2","page":444},{"text":"وصلبناه، وهم أعظم أعدائه الذين رموه وأمه بالعظائم، وأجمعت اليهود على أن عيسى ﷺ، لم يدع شيئا من الإلهية التي نسبها إليه النصارى، فحينئذ يقال للنصارى: إن صدقتم اليهود في القتل والصلب فصدقوهم في أنه ليس بإله، بل هو عبد مخلوق! (١).\nومن العجيب أن النصارى يعظمون الصليب، وكان من مقتضى العقول أن يحرقوا كل صليب وجدوه؛ لأنه قد صلب عليه إلههم ومعبودهم بزعمهم. . فبأي وجه بعد هذا يستحق الصليب التعظيم (٢).\n٣ - تناقض الأناجيل في قضية الصلب: وقع في قضية الصلب في الأناجيل المعتمدة عند النصارى أكثر من ثلاثين تناقضا، وحينئذ يطبق على هذه التناقضات قاعدة: كل ما تسرب إليه الاحتمال سقط به الاستدلال (٣).\nوهذا يدل على أن كل ما تعلق بالصلب اشتبه أمره على النصارى، وغابت عنهم الحقيقة، فهم لا يزالون مختلفين، وبهذا يسقط قولهم؛ لأنهم لا علم لهم ولا دليل يعتمدون عليه (٤).\n٤ - إبطال القرآن الكريم لقضية الصلب والقتل: أوضح الله في القرآن الكريم أمر الصلب وبينه وجلاه وأظهره، وأوضحه عنه رسوله ﷺ المؤيد بالمعجزات والبينات والدلائل الواضحات، فقال تعالى:\n_________\n(١) انظر: هداية الحيارى ص٦٣٧ - ٦٣٩، والجواب الصحيح ٢/ ٢٨٣.\n(٢) انظر: إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان لابن القيم ٢/ ٨٥، وهداية الحيارى من ٤٩٥، والفصل لابن حزم ١/ ١٢٣ - ١٢٨.\n(٣) انظر أمثلة هذه التناقضات مع إحالتها إلى الأناجيل في: المناظرة بين الإسلام والنصرانية ص ٦٢ - ١٠٨، والإنجيل دراسة وتحليل للدكتور / محمد شلبي ص ٩٤ - ١٢١.\n(٤) انظر: المناظرة بين الإسلام والنصرانية ص ١٠٤.","vol":"2","page":445},{"text":"﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا - بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا - وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٥٧ - ١٥٩] (١).\nفعيسى ﷺ لم يفتل ولم يصلب، بل رفعه الله إليه، ولم يمت، قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ٥٥] (٢) وقال تعالى حكاية عن المسيح: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٧] (٣).\nوالوفاة هنا بمعنى القبض، كما يقال: توفيت من فلان ما لي عليه، بمعنى: قبضته واستوفيته، فيكون معنى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] أي: إني قابضك من الأرض ورافعك إلي (٤).\nوقوله ﷿: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩] يعم اليهود والنصارى، فدل ذلك على أن جميع أهل الكتاب يؤمنون بالمسيح قبل موته، وذلك إذا نزل في آخر الزمان (٥).\nآمنت اليهود والنصارى بأنه\n_________\n(١) سورة النساء، الآيات ١٥٥ - ١٥٩.\n(٢) سورة آل عمران، الآية ٥٥.\n(٣) سورة المائدة، الآية ١١٧.\n(٤) ورجح هذا القول الطبري في تفسيره ٣/ ٢٠٣.\nوهناك أقوال أخرى في معنى الوفاة هنا، فمنهم من قال: النوم، وهم الأكثر، كما قاله ابن كثير ١/ ٣٦٧، ومنهم من قال في الآية تقديم وتأخير، وتقديره. إني رافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا، ومتوفيك بعد ذلك.\nانظر. تفسير الطبري ٣/ ٢٠٢ - ٢٠٤، والبغوي ١/ ٣٠٨، وزاد المسير ١/ ٣٩٦، والجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ٢/ ٢٨٥ وتفسير ابن كثير ١/ ٣٦٧، وأضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ١/ ٣٤٢.\n(٥) انظر خبر نزول عيسى آخر الزمان وحكمه بالشريعة الإسلامية في البخاري مع الفتح، كتاب الأنبياء، باب نزول عيسى ابن مريم ٦/ ٤٩٠، ومسلم، كتاب الإيمان، باب نزول عيسى ابن مريم حاكما بشريعة نبينا محمد ﷺ ١/ ١٣٥.","vol":"2","page":446},{"text":"رسول الله، ليس كاذبا كما يقول اليهود، ولا هو الله كما يقول النصارى (١) ثم بعد أن يحكم بشريعة محمد ﷺ يموت كما يموت البشر قبل يوم القيامة.\nفاتضح بذلك -بحمد الله- أن عيسى لم يقتل، ولم يصلب، ولم يمت حتى الآن، فبطل قول النصارى وما قتلوه وما صلبوه والله المستعان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-159>المسلك الرابع: البينات الواضحات على وقوع النسخ والتحريف في الأناجيل: </span>من حكمة القول في دعوة النصارى إلى الله -تعالى- أن يبين لهم بالأدلة العقلية والنقلية أن دين الإسلام قد نسخ جميع الشرائع السابقة، وأن ما وجد من الكتب السابقة فهو بين أمرين. إما حق قد نسخته الشريعة الإسلامية، وإما كلام محرف أو خلط فيه الحق بالباطل (٢).\nومن المعلوم أن النصارى يقسمون الكتب إلى قسمين: ١ - كتب العهد القديم (٣).\n٢ - كتب العهد الجديد (٤).\n_________\n(١) انظر: فتح الباري ٦/ ٤٩١، ٤٩٢، ٤/ ٤١٤، ٥/ ١٢١، وشرح النووي ٢/ ١٩٠.\n(٢) أما إثبات نسخ الشريعة الإسلامية لجميع الشرائع السابقة، فقد قدمت عليه الأدلة العقلية والنقلية في المطلب الأول من حكمة القول مع اليهود، فأغنى ذلك عن إعادته هنا. انظر: ص ٤٠٤.\n(٣) كتب العهد القديم هي ما يدعي النصارى أنه وصل إليهم بواسطة الأنبياء الذين كانوا قبل عيسى، وأشهر هذه الكتب خمسة: ١ - سفر التكوين ٢ - سفر الخروج ٣ - سفر الأخبار ٤ - سفر العدد. ٥ - سفر الاستثناء.\nومجموع هذه الكتب يسمى بالتوراة، انظر إظهار الحق، لرحمة الله الهندي ١/ ٩٥ - ٩٨، واليهودية والمسيحية، محمد ضياء الرحمن الأعظمي، ص ٩٩ - ١٨٣.\n(٤) كتب العهد الجديد هي ما يدعي النصارى أنها كتبت بالإلهام بعد عيسى ﷺ، وأشهرها الأناجيل الأربعة: ١ - إنجيل متى ٢ - إنجيل مرقس ٣ - إنجيل لوقا ٤ - إنجيل يوحنا. انظر: إظهار الحق ١/ ٩٥ - ٩٨، واليهودية والمسيحية، ص ٣١٣ - ٣٥٢.","vol":"2","page":447},{"text":"أما كتب العهد القديم فقد تقدم إثبات وقوع التحريف فيها بالأدلة العقلية والنقلية (١).\nوأما كتب العهد الجديد فلا شك أن القول بالتحريف في كتب العهد الجديد عند النصارى أيسر عليهم من القول بالتحريف في العهد القديم؛ لأنهم لا يدعون أن الأناجيل منزلة من عند الله -تعالى- على المسيح، ولا أن المسيح ﷺ أتاهم بها، بل كلهم مجمعون على أنها أربعة تواريخ ألفها أربعة رجال في أزمان مختلفة (٢)؛ ولهذا قال ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: \" الإنجيل بمنزلة ما ينقل من أقوال الأنبياء وسيرهم، ويقع في ذلك الصح والخطأ \" (٣).\nولسعة هذا الموضوع سأقتصر على ما يثبت وقوع التحريف في الأناجيل بالأمثلة التالية:\n١ - النتيجة التي لا مفر من التسليم بها أن الأناجيل القانونية الموجودة الآن ما هي إلا كتب مؤلفة، وهي تبعا لذلك معرضة للخطأ والصواب، ولا يمكن الادعاء ولو لحظة أنها كتبت بإلهام؛ فلقد كتبها أناس مجهولون، في أماكن غير معلومة، وفي تواريخ غير مؤكدة، والشيء المؤكد أن هذه الأناجيل مختلفة غير متآلفة، بل إنها متناقضة مع نفسها، ومع حقائق العالم الخارجي؛ لأنها فشلت في تنبؤات كثيرة، كالقول بنهاية العالم، وهذا القول قد يضايق النصراني العادي، بل قد يصدمه، ولكن بالنسبة للعالم النصراني\n_________\n(١) انظر حكمة القول مع اليهود: المسلك الثاني من المطلب الأول، ص ٤١١.\n(٢) انظر: الفصل لابن حزم ٢/ ١٣، والجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ٢/ ١٩، والمناظرة بين الإسلام والنصرانية ص ٤٧.\n(٣) انظر: الجواب الصحيح ٢/ ١٩.","vol":"2","page":448},{"text":"فقد أصبح ذلك عنده حقيقة مسلم بها (١) لما أجراه من أبحاث، ولما علمه من واقع الأناجيل.\n٢ - الشواهد على التحريف من الأناجيل:\n(١) جاء في إنجيل مرقس: أن المسيح قال لتلاميذه: \" اذهبوا إلى العالم أجمع، واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها، من آمن واعتمد خلص، ومن لم يؤمن يدن، وهذه الآيات تتبع المؤمنين يخرجون الشياطين باسمي، ويتكلمون بألسنة جديدة، يحملون حيات، وإن شربوا شيئا مميتا لا يضرهم، ويضعون أيديهم على المرضى فيبرءون \" (٢).\nففي هذا النص حجة على النصارى من وجهين:\nالوجه الأول: قولهم عن عيسى: إنه أمرهم أن يبشروا بالإنجيل، فدل ذلك على أن إنجيلا أتاهم به وليس هو عندهم الآن، وإنما عندهم أربعة أناجيل متغايرة، وليس منها إنجيل ألف إلا بعد رفع عيسى ﷺ بأعوام كثيرة، فصح أن ذلك الإنجيل الذي أخبر المسيح أنه أتاهم به وأمرهم بالتبشير به ذهب عنهم؛ لأنهم لا يعرفون له أصلا، وهذا ما لا يمكن سواه.\nالوجه الثاني: قولهم: إنه وعد كل من آمن بدعوة التلاميذ أنهم يتكلمون بلغات لا يعرفونها، وينفون الجن عن المجانين، ويضعون أيديهم على المرضى فيبرءون، ويحملون الحيات، وإن شربوا شربة قتالة لا تضرهم، وهذا وعد ظاهر الكذب؛ فإن ما من النصارى أحد يتكلم بلغة لم يتعلمها، ولا منهم أحد ينفي جنيا، ولا من يحمل حية فلا تضره، ولا\n_________\n(١) انظر: المناظرة بين الإسلام والنصرانية ص ٣٥ - ٥٠ فهناك تجد كثيرا من الأمثلة على هذه التناقضات.\n(٢) انظر: الفصل لابن حزم ٢/ ١٣٩، وعزاه المحقق إلى إنجيل مرقس، الإصحاح ١٦/ ١٥ - ١٨.","vol":"2","page":449},{"text":"من يضع يده على مريض فيشفى، ولا منهم أحد يسقى السم فلا يضره، وهم معترفون بأن يوحنا - صاحب الإنجيل- قتل بالسم وحاشا لله أن يأتي نبي بمواعيد كاذبة، وهذا دليل على تحريف النصارى وتناقضهم وتكذيبهم أنفسهم \" (١).\n(ب) ومن ذلك ما جاء في إنجيل متى أن عيسى ﷺ دعا على شجرة تين خضراء، فيبست التينة في الحال، فتعجب التلاميذ من ذلك، فقال لهم عيسى: \" الحق أقول لكم إن كان لكم إيمان، ولا تشكوا أمر التينة فقط، بل إن قلتم أيضا لهذا الجبل انتقل وانطرح في البحر فيكون \" (٢).\nوهذا فيه حجة على النصارى، وذلك أن الأمر لا يخلو من أن يكون النصارى مؤمنين بالمسيح ﷺ، أو غير مؤمنين، فإن كانوا مؤمنين، فقد كذبوا المسيح فيما نسبوه إليه في هذه المقالة- وحاشا له من الكذب- فليس منهم أحد قدر على أن يأمر حبة من خردل بالانتقال فتنتقل، فكيف على قلع جبل وإلقائه في البحر!\nوإن كانوا غير مؤمنين به فهم بإقرارهم هذا كفار، ولا يجوز أن يصدق كافر (٣).\nوبهذا يتبين أن الأناجيل وقع فيها تحريف عظيم، ولا يعتمد عليها، ولا مخرج من هذا التيه إلا بالدخول في الإسلام.\n_________\n(١) انظر: الفصل لابن حزم ٢/ ١٣٩.\n(٢) انظر: الفصل لابن حزم ٢/ ١٣٩، وعزاه المحقق إلى إنجيل متى، الإصحاح ٢١/ ١٨ - ٢٢.\n(٣) الفصل في الملل والأهواء والنحل، لأبي محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم، الإمام الحافظ، ولد سنة ٣٨٤ هـ، وتوفى سنة ٤٥٦ هـ، ٢/ ٩٨.\nوانظر: الفصل لابن حزم ٢/ ١٤ - ٢٠٠، والمناظرة بين الإسلام والنصرانية ص ٣٢ - ٤٥٢.","vol":"2","page":450},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-160>المسلك الخامس: إثبات اعتراف المنصفين من علماء النصارى: </span>من حكمة القول مع النصارى في دعوتهم إلى الله الاستشهاد عليهم بشهادة المنصفين من علماء النصارى، ومن وفقه الله منهم للإسلام، فإن هذا من باب ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [يوسف: ٢٦] (١) ومن هؤلاء على سبيل المثال لا الحصر ما يأتي:\n١ - النجاشي ملك الحبشة ﵀ ورضي عنه: عندما قرأ جعفر بن أبي طالب - ﵁- على النجاشي (٢) صدرا من سورة مريم، بكى النجاشي حتى اخضلت لحيته، وبكى أساقفته حين سمعوا ما تلي عليهم، وقال النجاشي للوفد: ما يقول صاحبكم في ابن مريم؟ فقال جعفر - ﵁-: يقول فيه قول الله: هو روح الله، وكلمته، أخرجه من البتول العذراء التي لم يقربها بشر. . . فتناول النجاشي عودا فرفعه، فقال: يا معشر القسيسين والرهبان، ما يزيد على ما تقولون في ابن مريم ما تزن هذه، وقال للوفد: مرحبا بكم وبمن جئتم من عنده، فأنا أشهد أنه رسول الله، وأنه الذي بشر به عيسى، ولولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أقبل نعله (٣).\n٢ - سلمان الفارسي ﵁ وأرضاه: قصة سلمان مشهورة عجيبة (٤) فقد عاش مع مجموعة من علماء النصارى، وعندما كان مع آخر عالم من هؤلاء بعمورية بالروم حضرته\n_________\n(١) سورة يوسف، الآية ٢٦.\n(٢) أصحمة ملك الحبشة، أسلم وحسن إسلامه، وهو معدود في الصحابة، ولم يهاجر، ولا له رؤية، فهو تابعي من وجه، صحابي من وجه، توفى في حياة النبي ﷺ، فصلى عليه بالناس صلاة الغائب، ولم يثبت أنه صلى على غائب سواه. انظر: سير أعلام النبلاء ١/ ٤٢٨ - ٤٤٣.\n(٣) انظر: سير أعلام النبلاء ١/ ٤٣٨.\n(٤) انظر: قصته وإسلامه -﵁- في سير أعلام النبلاء ١/ ٥٠٥ - ٥٥٦.","vol":"2","page":451},{"text":"الوفاة، فأوصى سلمان الفارسي وقال: \" قد أظلك زمان نبي يبعث من الحرم، مهاجره بين حرتين إلى أرض سبخة ذات نخل، وإن فيه علامات لا تخفى: بين كتفيه خاتم النبوة، يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، فإن استطعت أن تخلص إلى تلك البلاد فافعل، فإنه قد أظلك زمانه \".\nوسافر سلمان ووجد العلامات التي وصفت له، فأسلم ﵁ (١).\n٣ - هرقل عظيم الروم: قال هرقل لأبي سفيان في آخر حديثه: \". . . وسألتك هل يغدر؟ فذكرت أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر، وسألتك بم يأمركم؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف، فإن كان ما تقول حقا فسيملك موضع قدمي هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج، لم أكن أظن أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه. . . \" (٢).\nثم قال للروم بعد ذلك: يا معشر الروم هل لكم في الفلاح والرشد، وأن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي؟ (٣) ولكن رغب في ملكه وضن به، فلم يسلم!\nوهذا مما يبين أن عدول أهل الكتاب ومنصفيهم قد شهدوا لرسول الله ﷺ وأنه رسول الله حقا، فلا يقدح قدح المكذبين بعد ذلك (٤).\n_________\n(١) انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي ١/ ٥٠٩، ٥١٠.\n(٢) البخاري مع الفتح، كتاب بدء الوحي، باب حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع، ١/ ٣٢، ومسلم، كتاب الجهاد والسير، باب كتاب النبي ﷺ إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام، ٣/ ١٣٩٦، وتقدم تخريجه أيضا.\n(٣) انظر: البخاري مع الفتح، كتاب بدء الوحي، باب حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع، ١/ ٣٣.\n(٤) انظر: هداية الحيارى لابن القيم ص ٥٢٥.","vol":"2","page":452},{"text":"وقد أسلم الجم الغفير علماء النصارى، وشهدوا بأن محمدا ﷺ رسول الله إلى الناس أجمعين، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [المائدة: ٨٢] (١).\nفحري بجميع النصارى أن يسيروا على طريق علمائهم المنصفين، ويسلموا لله رب العالمين.\nفينبغي للداعية إلى الله أن لا يغفل هذا المسلك في دعوته للنصارى إلى الله تعالى (٢).\n_________\n(١) سورة المائدة، الآية ٨٢.\n(٢) ممن سلك هذا المسلك من العلماء المعاصرين: فضيلة الشيخ / عبد المجيد الزنداني- وفقه الله وحفظه- فهو يستشهد على النصارى بشهادة علمائهم، فأسلم على يديه الجم الغفير- فجزاه الله خيرا.","vol":"2","page":453},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-161>المطلب الثالث\nالبراهين على إثبات الرسالة المحمدية وعمومها</span>\nمن أعظم الأقوال الحكيمة في دعوة أهل الكتاب وغيرهم من الكفار أن تبين لهم البراهين والأدلة القطعية الدالة على صدق رسالة محمد ﷺ إلى الناس أجمعين:\nولا شك أن الآيات والبينات الدالة على نبوته ﷺ وعموم رسالته كثيرة متنوعة، وهي أكثر وأعظم من آيات غيره من الأنبياء، وجميع الأنواع تنحصر في نوعين:\n(أ) منها: ما مضى وصار معلوما بالخبر الصادق كمعجزات موسى وعيسى.\n(ب) ومنها: ما هو باق إلى اليوم كالقرآن والعلم والإيمان اللذين في أتباعه، فإن ذلك من أعلام نبوته، وكشريعته التي أتى بها، والآيات التي يظهرها الله وقتا بعد وقت من كرامات الصالحين من أمته، وظهور دينه بالحجة والبرهان، وصفاته الموجودة في كتب الأنبياء قبله وغير ذلك (١) وهذا باب واسع لا أستطيع حصره، ولكن سأقتصر في إثبات نبوته ﷺ وعموم رسالته على المسالك الآتية:\nالمسلك الأول: معجزات القرآن العظيم.\nالمسلك الثاني: معجزاته ﷺ الحسية.\nالمسلك الثالث: عموم رسالته ﷺ.\n_________\n(١) انظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ٤/ ٦٧ - ٧١.","vol":"2","page":454},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-162>المسلك الأول: معجزات القرآن العظيم:</span>\nالمعجزة لغة: ما أعجز به الخصم عند التحدي (١).\nوهي أمر خارق للعادة يعجز البشر متفرقين ومجتمعين عن الإتيان بمثله، يجعله الله على يد من يختاره لنبوته؛ ليدل على صدقه وصحة رسالته (٢).\nوالقرآن الكريم كلام الله المنزل على محمد ﷺ هو المعجزة العظمى، الباقية على مرور الدهور والأزمان، المعجز للأولين والآخرين إلى قيام الساعة (٣) قال ﷺ: «ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات على ما مثله آمن البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة» (٤).\nوليس المراد في هذا الحديث حصر معجزاته ﷺ في القرآن، ولا أنه لم يؤت من المعجزات ﷺ كمن تقدمه، بل المراد أن القرآن المعجزة\n_________\n(١) انظر. القاموس المحيط، باب الزاي، فصل العين، ص ٦٦٣.\n(٢) انظر: مناهل العرفان في علوم القرآن للزرقاني، ١/ ٦٦، والمعجم الوسيط، مادة: عجز، ٢/ ٥٨٥، والإرشاد إلى صحيح الاعتقاد، للدكتور صالح الفوزان ٢/ ١٥٧.\nوالفرق بين المعجزة والكرامة: هو أن المعجزة أمر خارق للعادة مقرون بدعوى النبوة والتحدي للعباد. أما الكرامة: فهي أمر خارق للعادة غير مقرون بدعوى النبوة ولا التحدي، ولا تكون الكرامة إلا لعبد ظاهره الصلاح، مصحوبا بصحة الاعتقاد والعمل الصالح. أما إذا ظهر الأمر الخارق على أيدي المنحرفين فهو من الأحوال الشيطانية. وإذا ظهر الأمر الخارق على يد إنسان مجهول الحال؛ فإن حاله يعرض على الكتاب والسنة كما قال الإمام الشافعي -﵀-: (إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء ويطير في الهواء، فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة). انظر. شرح العقيدة الطحاوية، ص ٥١٠، وسير أعلام النبلاء، ١٠/ ٢٣، والأجوبة الأصولية على العقيدة الواسطية للسلمان، ص ٣١١.\n(٣) انظر: الداعي إلى الإسلام للأنباري ص ٣٩٣.\n(٤) البخاري مع الفتح، كتاب فضائل القرآن، باب كيف نزل الوحي ٩/ ٣، ومسلم، كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد ﷺ إلى جميع الناس ١/ ١٣٤.","vol":"2","page":455},{"text":"العظمى التي اختص بها دون غيره؛ لأن كل نبي أعطي معجزة خاصة به، تحدى بها من أرسل إليهم، وكانت معجزة كل نبي تقع مناسبة لحال قومه؛ ولهذا لما كان السحر فاشيا في قوم فرعون جاءه موسى بالعصا على صورة ما يصنع السحرة، لكنها تلقف ما صنعوا، ولم يقع ذلك بعينه لغيره.\nولما كان الأطباء في غاية الظهور جاء عيسى بما حير الأطباء، من: إحياء الموتى، وإبراء الأكمه، والأبرص، وكل ذلك من جنس عملهم، ولكن لم تصل إليه قدرتهم.\nولما كانت العرب أرباب الفصاحة والبلاغة والخطابة جعل الله - سبحانه- معجزة نبينا محمد ﷺ القرآن الكريم الذي (١) ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢] (٢).\nولكن معجزة القرآن الكريم تتميز عن سائر المعجزات؛ لأنه حجة مستمرة، باقية على مر العصور، والبراهين التي كانت للأنبياء انقرض زمانها في حياتهم، ولم يبق منها إلا الخبر عنها، أما القرآن فلا يزال حجة قائمة كأنما يسمعها السامع من فم رسول الله ﷺ، ولاستمرار هذه الحجة البالغة قال ﷺ: «فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة» (٣).\nوالقرآن الكريم آية بينة، معجزة من وجوه متعددة، من جهة اللفظ، ومن جهة النظم، والبلاغة في دلالة اللفظ على المعنى، ومن جهة معانيه التي أمر بها، ومعانيه التي أخبر بها عن الله- تعالى- وأسمائه وصفاته وملائكته، وغير ذلك من الوجوه الكثيرة التي ذكر كل عالم ما فتح الله عليه\n_________\n(١) انظر: فتح الباري ٩/ ٦، ٧، وشرح النووي على مسلم ٢/ ١٨٨، وأعلام النبوة للماوردي ص ٥٣، وإظهار الحق ٢/ ١٠١.\n(٢) سورة فصلت، الآية ٤٢.\n(٣) انظر: البداية والنهاية ٦/ ٦٩، وتقدم تخريج الحديث.","vol":"2","page":456},{"text":"به منها (١) وسأقتصر على أربعة وجوه من باب المثال، لا الحصر بإيجاز كالتالي:\nالوجه الأول: الإعجاز البياني والبلاغي: من الإعجاز القرآني ما اشتمل عليه من البلاغة والبيان، والتركيب المعجز، الذي تحدى به الإنس والجن أن يأتوا بمثله، فعجزوا عن ذلك، قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] (٢) وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ - فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٣ - ٣٤] (٣).\nوبعد هذا التحدي انقطعوا فلم يتقدم أحد، فمد لهم في الحبل وتحداهم بعشر سور مثله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس: ٣٨] (٤) فعجزوا فأرخى لهم في الحبل، فقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [هود: ١٣] (٥) ثم أعاد التحدي في المدينة بعد الهجرة، فقال تعالى:\n_________\n(١) انظر: الجواب الصحيح ٤/ ٧٤، ٧٥، وأعلام النبوة للماوردي ص ٥٣ - ٧٠، والبداية والنهاية ٦/ ٥٤، ٦٥، والبرهان في علوم القرآن للزركشي ٢/ ٩٠ - ١٢٤، ومناهل العرفان للزرقاني ٢/ ٢٢٧ - ٣٠٨.\n(٢) سورة الإسراء، الآية ٨٨.\n(٣) سورة الطور، الآيتان ٣٣، ٣٤.\n(٤) سورة يونس، الآية ٣٨.\n(٥) سورة هود، الآية ١٣.","vol":"2","page":457},{"text":"﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ - فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٣ - ٢٤] (١).\nفقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٤] أي: فإن لم تفعلوا في الماضي، ولن تستطيعوا ذلك في المستقبل، فثبت التحدي، وأنهم لا يستطيعون أن يأتوا بسورة من مثله فيما يستقبل من الزمان، كما أخبر قبل ذلك، وأمر النبي وهو بمكة أن يقول: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] (٢).\nفعم بأمره له أن يخبر جميع الخلق معجزا لهم، قاطعا بأنهم إذا اجتمعوا لا يأتون بمثل هذا القرآن، ولو تظاهروا وتعاونوا على ذلك، وهذا التحدي لجميع الخلق، وقد سمعه كل من سمع القرآن، وعرفه الخاص والعام، وعلم مع ذلك أنهم لم يعارضوه، ولا أتوا بسورة مثله من حين بعث ﷺ إلى اليوم والأمر على ذلك (٣).\nوالقرآن يشتمل على آلاف المعجزات؛ لأنه مائة وأربع عشرة سورة، وقد وقع التحدي بسورة واحدة، وأقصر سورة في القرآن سورة الكوثر، وهي ثلاث آيات قصار، والقرآن يزيد بالاتفاق على ستة آلاف ومائتي آية، ومقدار سورة الكوثر من آيات أو آية طويلة على ترتيب كلماتها له حكم السورة الواحدة، ويقع بذلك التحدي والإعجاز (٤)؛ ولهذا كان القرآن\n_________\n(١) سورة البقرة، الآيتان ٢٣، ٢٤.\n(٢) سورة الإسراء، الآية ٨٨.\n(٣) انظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ٤/ ٧١ - ٧٧، والبداية والنهاية ٦/ ٦٥.\n(٤) انظر: استخراج الجدال من القرآن الكريم لابن نجم ص ١٠٠، وفتح الباري ٦/ ٥٨٢، ومناهل العرفان للزرقاني ١/ ٣٣٦، ١/ ٢٣١، ٢٣٢.","vol":"2","page":458},{"text":"الكريم يغني عن جميع المعجزات الحسية والمعنوية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.\nالوجه الثاني: الإخبار عن الغيوب: من وجوه الإعجاز القرآني أنه اشتمل على أخبار كثيرة من الغيوب التي لا علم لمحمد ﷺ بها، ولا سبيل لبشر مثله أن يعلمها، وهذا مما يدل على أن القرآن كلام الله -تعالى- الذي لا تخفى عليه خافية: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] (١).\nوالإخبار بالغيوب أنواع: النوع الأول: غيوب الماضي: وتتمثل في القصص الرائعة وجميع ما أخبر الله به عن ماضي الأزمان.\nالنوع الثاني: غيوب الحاضر: أخبر الله رسوله ﷺ بغيوب حاضرة، ككشف أسرار المنافقين، والأخطاء التي وقع فيها بعض المسلمين، أو غير ذلك مما لا يعلمه إلا الله، وأطلع عليه رسوله ﷺ.\nالنوع الثالث: غيوب المستقبل، أخبر الله رسوله ﷺ بأمور لم تقع، ثم وقعت كما أخبر، فدل ذلك على أن القرآن كلام الله، وأن محمدا ﷺ رسول الله (٢).\n_________\n(١) سورة الأنعام، الآية ٥٩.\n(٢) انظر: الداعي إلى الإسلام للأنباري ص ٤٢٤ - ٤٢٨، وإظهار الحق ٦٥ - ١٠٧، ومناهل العرفان ٢/ ٢٦٣، ومعالم الدعوة للديلمي ١/ ٤٦٣.\nوقد أخبر ﷺ بأمور غيبية كثيرة جدا. انظر: جامع الأصول لابن الأثير ١١/ ٣١١ - ٣٣١.","vol":"2","page":459},{"text":"الوجه الثالث: الإعجاز التشريعي: القرآن العظيم جاء بهدايات كاملة تامة، تفي بحاجات جميع البشر في كل زمان ومكان؛ لأن الذي أنزله هو العليم بكل شيء، خالق البشرية والخبير بما يصلحها ويفسدها، وما ينفعها ويضرها، فإذا شرع أمرا جاء في أعلى درجات الحكمة والخبرة ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤] (١).\nويزداد الوضوح عند التأمل في أحوال الأنظمة والقوانين البشرية التي يظهر عجزها عن معالجة المشكلات البشرية ومسايرة الأوضاع والأزمنة والأحوال، مما يضطر أصحابها إلى الاستمرار في التعديل والزيادة والنقص، فيلغون غدا ما وضعوه اليوم؛ لأن الإنسان محل النقص والخطأ، والجهل لأعماق النفس البشرية، والجهل بما يحدث غدا في أوضاع الإنسان وأحواله، وفيما يصلح البشرية في كل عصر ومصر.\nوهذا دليل حسي مشاهد على عجز جميع البشر عن الإتيان بأنظمة تصلح الخلق وتقوم أخلاقهم، وعلى أن القرآن كلام الله سليم من كل عيب، كفيل برعاية مصالح العباد، وهدايتهم إلى كل ما يصلح أحوالهم في الدنيا والآخرة إذا تمسكوا به واهتدوا بهديه (٢) قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٩] (٣).\nوبالجملة فإن الشريعة التي جاء بها كتاب الله- تعالى- مدارها على\n_________\n(١) سورة الملك، الآية ١٤.\n(٢) انظر مناهل العرفان للزرقاني ٢/ ٢٤٧، وأثر تطبيق الحدود في المجتمع الإسلامي، من البحوث المقدمة لمؤتمر الفقه الإسلامي بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ص ١١٧، ومعالم الدعوة للديلمي ١/ ٤٢٦.\n(٣) سورة الإسراء، الآية ٩.","vol":"2","page":460},{"text":"ثلاث مصالح:\nالمصلحة الأولى: درء المفاسد عن ستة أشياء (١) حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسب، والعرض، والمال.\nالمصلحة الثانية: جلب المصالح (٢) فقد فتح القرآن الأبواب لجلب المصالح في جميع الميادين، وسد كل ذريعة تؤدي إلى الضرر.\nالمصلحة الثالثة: الجري على مكارم الأخلاق ومحاسن العادات.\nفالقرآن الكريم حل جميع المشاكل العالمية التي عجز عنها البشر، ولم يترك جانبا من الجوانب التي يحتاجها البشر في الدنيا والآخرة إلا وضع لها القواعد، وهدى إليها بأقوم الطرق وأعدلها (٣).\nالوجه الرابع: الإعجاز العلمي الحديث: يتصل بما ذكر من إعجاز القرآن في إخباره عن الأمور الغيبية المستقبلة نوع جديد كشف عنه العلم في العصر الحديث، مصداقا لقوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣] (٤).\nلقد تحقق هذا الوعد من ربنا في الأزمنة المتأخرة، فرأى الناس آيات الله في آفاق المخلوقات بأدق الأجهزة والوسائل: كالطائرات، والغواصات، وغير ذلك من أدق الأجهزة الحديثة التي لم يمتلكها الإنسان إلا في العصر الحديث. . فمن أخبر محمدا ﷺ بهذه الأمور الغيبية قبل ألف وأربعمائة\n_________\n(١) درء المفاسد هو المعروف عند أهل الأصول بالضروريات. انظر. أضواء البيان ٣/ ٤٤٨.\n(٢) جلب المصالح يعرف عند أهل الأصول بالحاجيات. انظر. أضواء البيان ٣/ ٤٤٨.\n(٣) انظر: أضواء البيان ٣/ ٤٠٩ - ٤٥٧، فقد أوضح هذا الجانب بالأدلة العقلية والنقلية، جزاه الله خيرا وغفر له.\n(٤) سورة فصلت، الآية ٥٣.","vol":"2","page":461},{"text":"وعشرة أعوام؟ إن هذا يدل على أن القرآن كلام الله، وأن محمدا رسول الله حقا.\nوقد اكتشف هذا الإعجاز العلمي: في الأرض وفي السماء، وفي البحار والقفار، وفي الإنسان والحيوان، والنبات، والأشجار، والحشرات، وغير ذلك، ولا يتسع المقام لذكر الأمثلة العديدة على ذلك (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-163>المسلك الثاني: معجزات النبي ﷺ الحسية:</span>\nمعجزات النبي ﷺ الحسية الخارقة للعادة كثيرة جدا (٢) لا أستطيع حصرها، وسأقتصر بإيجاز على ذكر تسعة أنواع منها على سبيل المثال، كالآتي:\nالنوع الأولى: المعجزات العلوية، ومنها: ١ - انشقاق القمر: وهذه من أمهات معجزاته ﷺ الدالة على صدقه، فقد سأل أهل مكة رسول الله ﷺ أن يريهم آية، فأراهم القمر شقتين حتى رأوا جبل حراء بينهما (٣) قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ - وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ١ - ٢] الآيات (٤). .\n_________\n(١) انظر أمثلة كثيرة في الإعجاز العلمي في القرآن الكريم في مناهل العرفان في علوم القرآن للزرقاني ٢/ ٢٧٨ - ٢٨٤، وكتاب الإيمان، لعبد المجيد الزنداني ص ٥٥ - ٥٩، وكتاب التوحيد للزنداني أيضا ١/ ٧٤ - ٧٧.\n(٢) قال ابن تيمية -﵀-: \" قد جمعت نحو ألف معجزة \". انظر. الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان لابن تيمية ص ١٥٨.\nومعجزاتهﷺ - تزيد على ألف ومائتين، وقيل: ثلاثة آلاف معجزة. انظر: فتح الباري ٦/ ٥٨٣.\n(٣) البخاري مع الفتح، كتاب مناقب الأنصار، باب انشقاق القمر ٧/ ١٨٢، ٦/ ٦٣١، ٨/ ٦١٧، ومسلم، صفات المنافقين، باب انشقاق القمر، ٤/ ٢١٥٩.\n(٤) سورة القمر، الآيتان ١ - ٢.","vol":"2","page":462},{"text":"٢ - صعوده ﷺ ليلة الإسراء والمعراج إلى ما فوق السماوات: وهذا ما أخبر به القرآن الكريم، وتواترت به الأحاديث، قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: ١] (١).\nوهذه الآية من أعظم معجزاته ﷺ، فإنه أسري به إلى بيت المقدس، وقطع المسافة في زمن قصير، ثم عرج به إلى السموات، ثم صعد إلى مكان يسمع فيه صريف الأقلام، ورأى الجنة، وفرضت عليه الصلوات، ورجع إلى مكة قبل أن يصبح، فكذبته قريش، وطلبوا منه علامات تدل على صدقه، ومن ذلك علامات بيت المقدس؛ لعلمهم بأنه ﷺ لم ير بيت المقدس قبل ذلك، فجلى الله له بيت المقدس ينظر إليه ويخبرهم بعلاماته وما سألوا عنه (٢).\nوغير ذلك من الآيات العلوية، كحراسة السماء بالشهب عند بعثته ﷺ.\nالنوع الثاني: آيات الجو: ١ - من هذه المعجزات طاعة السحاب له ﷺ، بإذن الله -تعالى- في حصوله ونزول المطر وذهابه بدعائه ﷺ (٣).\n٢ - ومن هذا النوع نصر الله للنبي ﷺ بالريح التي قال تعالى عنها:\n_________\n(١) سورة الإسراء، الآية ١.\n(٢) انظر: البخاري مع الفتح، كتاب مناقب الأنصار، باب حديث الإسراء ٧/ ١٩٦، ومسلم، كتاب الإيمان، باب ذكر المسيح ابن مريم والمسيح الدجال ١/ ١٥٦.\n(٣) انظر. البخاري مع الفتح، كتاب الجمعة، باب الاستسقاء في الخطبة يوم الجمعة ٢/ ٤١٣، ومسلم، كتاب الاستسقاء، باب الدعاء في الاستسقاء ٢/ ٦١٤.","vol":"2","page":463},{"text":"﴿إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: ٩] (١) وهذه الريح هي ريح الصبا، أرسلها على الأحزاب، قال ﷺ: «نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور» (٢) وغير ذلك.\nالنوع الثالث: تصرفه في الحيوان: الإنس، والجن والبهائم: وهذا باب واسع، منه على سبيل المثال:\n(أ) تصرفه في الإنس: ١ - كان علي بن أبي طالب - ﵁- يشتكي عينيه من وجع بهما، فبصق رسول الله ﷺ فيهما، ودعا له، فبرأ كأن لم يكن به وجع (٣).\n٢ - انكسرت ساق عبد الله بن عتيك - ﵁- فمسحها رسول الله ﷺ، فكأنها لم تنكسر قط (٤).\n٣ - أصيب سلمة بن الأكوع بضربة في ساقه يوم خيبر، فنفث فيها رسول الله ﷺ ثلاث نفثات، فما اشتكاها سلمة بعد ذلك (٥).\n(ب) تصرفه في الجن والشياطين: ١ - كان ﷺ يخرج الجن من الإنس بمجرد المخاطبة. فيقول: \" اخرج عدو الله، أنا رسول الله \" (٦).\n٢ - أخرج الشيطان من صدر عثمان بن أبي العاص، فضرب صدر\n_________\n(١) سورة الأحزاب، الآية ٩.\n(٢) مسلم، كتاب الاستسقاء، باب التعوذ عند رؤية الريح والغيم والفرح بالمطر ١/ ٦١٦.\n(٣) انظر: البخاري، كتاب الجهاد، باب فضل من أسلم على يديه رجل ٦/ ١٤٤، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل علي -﵁- ٤/ ١٨٧٢.\n(٤) انظر: البخاري مع الفتح، كتاب المغازي، باب قتل أبي رافع ٧/ ٣٤٠.\n(٥) انظر: المرجع السابق، كتاب المغازي، باب غزوة خيبر ٧/ ٤٧٥.\n(٦) مسند أحمد ٤/ ١٧٠ - ١٧٢، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/ ٦: رجال أحمد رجال الصحيح.","vol":"2","page":464},{"text":"عثمان بيده ثلاث مرات وتفل في فمه وقال: \" اخرج عدو الله \" فعل ذلك ثلاث مرات، فلم يخالط عثمان الشيطان بعد ذلك (١).\n(جـ) تصرفه في البهائم: وقد حصل له مرارا، ومن ذلك أنه «جاء بعير، فسجد للنبي ﷺ، فقال أصحابه: يا رسول الله! تسجد لك البهائم والشجر، فنحن أحق أن نسجد لك، فقال ﷺ: \" اعبدوا ربكم، وأكرموا أخاكم، ولو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها». . . \" (٢).\nالنوع الرابع: تأثيره في الأشجار والثمار والخشب: (أ) تأثيره في الأشجار: ١ - «جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ وهو في سفر. فدعاه رسول الله ﷺ إلى الإسلام، فقال الأعرابي: ومن يشهد لك على ما تقول؟ فقال رسول الله ﷺ: \" هذه السلمة \" (٣) فدعاها رسول الله ﷺ وهي بشاطئ الوادي، فأقبلت تخد (٤) الأرض خدا حتى قامت بين يديه، فأشهدها ثلاثا، فشهدت ثلاثا أنه كما قال، ثم رجعت إلى منبتها» (٥).\n٢ - «أراد رسول الله ﷺ أن يقضي حاجته وهو في سفر، فلم يجد ما يستتر\n_________\n(١) ابن ماجه، كتاب الطب، باب الفزع والأرق وما يتعوذ منه، بسند حسن ٢/ ١١٧٤، وانظر: صحيح ابن ماجه ٢/ ٢٧٣.\n(٢) مسند أحمد ٦/ ٧٦، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، ٩/ ٩: إسناده جيد، وانظر: معجزات من هذا النوع مسند الإمام أحمد ٤/ ١٧٠ - ١٧٢، ومجمع الزوائد للهيثمي ٩/ ٣ - ١٢.\n(٣) شجرة من شجر البادية، انظر: المصباح المنير، مادة \" سلم \"، ١/ ٢٨٦، ومختار الصحاح، مادة \" سلم \"، ص ١٣١.\n(٤) أي: تشقها أخدودا. وانظر: المصباح المنير، مادة \" خد \"، ١/ ١٦٥، ومختار الصحاح مادة \" خد \" ص ٧٢.\n(٥) الدارمي، في المقدمة، باب ما أكرم الله نبيه من إيمان الشجر به والبهائم والجن ١/ ١٧، وإسناده صحيح، وانظر. مشكاة المصابيح برقم ٥٩٢٥، ٣/ ١٦٦٦.","vol":"2","page":465},{"text":"به، فأخذ بغصن شجرة وقال: \" انقادي علي بإذن الله \"، فانقادت معه كالبعير المخشوم (١) حتى أتى الشجرة الأخرى ففعل، وقال كذلك، ثم أمرهما أن تلتئما عليه فالتأمتا، ثم بعد قضاء الحاجة رجعت كل شجرة، وقامت كل واحدة منهما على ساق». . (٢).\n(ب) تأثيره في الثمار: «جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فقال: بم أعرف أنك نبي؟ قال. \" إن دعوت هذا العذق من هذه النخلة أتشهد أن رسول الله؟ \" فدعاه رسول الله ﷺ فجعل ينزل من النخلة حتى سقط إلى النبي ﷺ، ثم قال: \" ارجع \"، فعاد، فأسلم الأعرابي» (٣).\n(ج) تأثيره في الخشب: «كان ﷺ يخطب في المدينة يوم الجمعة على جذع نخل، فلما صنع له المنبر ورقى عليه صاح الجذع صياح الصبي، [وخار كما تخور البقرة، جزعا على رسول الله ﷺ، فالتزمه رسول الله ﷺ وضمه إليه وهو يئن، ومسحه حتى سكن» (٤).\n_________\n(١) الذي جعل في أنفه عودا، ويشد فيه حبل ليذل وينقاد إذا كان صعبا. انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ١٨/ ١٤٦.\n(٢) انظر: صحيح مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب حديث جابر الطويل وقصة أبي اليسر ٤/ ٢٣٠٦.\n(٣) الترمذي، كتاب المناقب، باب حدثنا عباد، ٥/ ٥٩٤، وأحمد ١/ ١٢٣، والحاكم وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي ٢/ ٦٢٠.\n(٤) البخاري مع الفتح، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام ٦/ ٦٠٢، وما بين المعقوفين عند أحمد في المسند، ٢/ ١٠٩.","vol":"2","page":466},{"text":"النوع الخامس: تأثيره في الجبال والأحجار وتسخيرها له: (أ) تأثيره في الجبال: «صعد النبي ﷺ أحدا، ومعه أبو بكر، وعمر، وعثمان، فرجف بهم، فضربه ﷺ برجله، وقال: \" اثبت أحد، فإن عليك نبي، وصديق، وشهيدان» (١).\n(ب) تأثيره في الحجارة: وقال ﷺ: «إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن» (٢).\n(جـ) تأثيره في تراب الأرض: «عندما كان رسول الله ﷺ في معركة حنين، واشتد القتال، نزل عن بغلته، وقبض قبضة من تراب الأرض، واستقبل به وجوه القوم، فقال: \" شاهت الوجوه \"، فما خلق الله إنسانا منهم إلا ملأ عينيه من تلك القبضة، فهزمهم الله وقسم غنائمهم بين المسلمين» (٣).\nالنوع السادس: تفجير الماء، وزيادة الطعام والشراب والثمار: (أ) نبع الماء وزيادة الشراب: هذا النوع حصل لرسول الله ﷺ مرات كثيرة جدا (٤) ومن ذلك:\n_________\n(١) البخاري مع الفتح، كتاب فضائل الصحابة، باب قوله ﷺ: لو كنت متخذا خليلا ٧/ ٢٢، ٤٠، ٧/ ٥٣.\n(٢) مسلم، كتاب الفضائل، باب فضل النبي ﷺ وتسليم الحجر عليه قبل النبوة ٤/ ١٧٨٢.\n(٣) مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب غزوة حنين ٣/ ١٤٠٢ وحصل له مثل ذلك في معركة بدر.\n(٤) انظر: البخاري مع الفتح، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، ٦/ ٥٨٠، من حديث ٣٥٧١ - ٣٥٧٧، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها، ١/ ٤٧١ - ٤٧٧، وجامع الأصول لابن الأثير ١١/ ٣٣٤ - ٣٥١.","vol":"2","page":467},{"text":"١ - «عطش الناس في الحديبية، فوضع يده ﷺ في الركوة، فجعل الماء يثور بين أصابعه كالعيون، فشربوا، وتوضئوا، قيل لجابر: كم كنتم؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة» (١).\n٢ - «قدم ﷺ تبوك، فوجد عينها كشراك النعل، فغرف له منها قليلا قليلا، حتى اجتمع له شيء قليل، فغسل فيه يديه ووجهه، ثم أعاده فيها فجرت العين بماء منهمر، وبقيت العين إلى الآن» (٢).\n٣ - قصة أبي هريرة -﵁- وقدح اللبن، وزيادة لبن القدح حتى شرب منه أضياف الإسلام (٣).\n(ب) زيادة الطعام وتكثيره لما جعل الله فيه ﷺ من البركة: ١ - «كان النبي ﷺ في ألف وأربعمائة من أصحابه في غزوة، فأصابهم مشقة، فأمر ﷺ أن يجمعوا ما معهم من طعام وبسطوا سفرة، وكان الطعام شيئا يسيرا فبارك فيه، وأكلوا، وحشوا أوعيتهم من ذلك الطعام» (٤).\n٢ - «بقي الصحابة والنبي ﷺ في غزوة الخندق ثلاثة أيام، لا يذوقون طعاما، فذبح جابر بن عبد الله - ﵁- عناقا، وطحنت زوجته صاعا من شعير، ثم دعا النبي ﷺ، فصاح النبي ﷺ بأهل الخندق يدعوهم على هذا الطعام اليسير، ثم جاء النبي ﷺ وبصق في العجين وبارك، وبصق في البرمة وبارك، قال جابر -﵄-: وهم ألف،\n_________\n(١) البخاري مع الفتح، كتاب المناقب، باب علامات النبوة ٦/ ٥٨١، ٧/ ٤٤١، ٤٤٣، ١٠/ ١٠١، ومسلم، كتاب الإمارة، باب استحباب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة القتال ٣/ ١٤٨٤.\n(٢) انظر صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باس معجزات النبي ﷺ ٤/ ١٧٨٤.\n(٣) البخاري مع الفتح، كتاب الرقاق، باب كيف كان يعيش النبي ﷺ وأصحابه وتخليهم عن الدنيا ١١/ ٢٨١.\n(٤) البخاري مع الفتح، كتاب الجهاد، باب حمل الزاد في الغزو ٦/ ١٢٩، ومسلم، اللقطة، باب استحباب خلط الأزواد إذا قلت ٣/ ١٣٥٤.","vol":"2","page":468},{"text":"فأقسم بالله لقد أكلوا حتى تركوه وانحرفوا، وإن برمتنا لتغط كما هي (١) وإن عجيننا ليخبز كما هو (٢).»\nوهذا باب واسع لا يمكن حصره.\n(جـ) زيادة الثمار والحبوب: ١ - «جاء رجل يستطعم النبي ﷺ فأطعمه شطر وسق شعير، فما زال الرجل يأكل منه وأهله حتى كاله، فأتى النبي ﷺ فقال: \" لو لم تكله لأكلتم منه ولقام لكم» (٣).\n٢ - «كان على والد جابر دين، وما في نخله لا يقضي ما عليه سنين، فجاء جابر إلى رسول الله ﷺ ليحضر الكيل، فحضر، ومشى حول الجرن، ثم أمر جابرا أن يكيل، فكال لهم حتى أوفاهم، قال جابر -﵁-: \" وبقي تمري، وكأنه لم ينقص منه شيء» (٤).\nالنوع السابع: تأييد الله له بالملائكة: أيد الله رسوله بالملائكة في عدة مواضع، نصرة له ولدينه، منها على سبيل المثال:\n١ - في الهجرة، قال المولى- جل وعلا-:. . . . . ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ [التوبة: ٤٠] (٥).\n_________\n(١) أي تغلي ويسمع غليانها. انظر. الفتح ٧/ ٣٩٩.\n(٢) البخاري مع الفتح، كتاب المغازي، باب غزوة الخندق، ٧/ ٣٩٥، ٣٩٦، ومسلم، كتاب الأشربة، باب جواز استتباع غيره إلى دار من يثق برضاه بذلك، ٣/ ١٦١٠.\n(٣) مسلم، كتاب الفضائل، باب معجزات النبي ﷺ ٤/ ١٧٨٤.\n(٤) البخاري مع الفتح، كتاب المناقب، باب علامات النبوة ٦/ ٥٨٧، ٧/ ٣٥٧، وانظر شرح روايات الحديث في الفتح ٦/ ٥٩٣.\n(٥) سورة التوبة، الآية ٤٠.","vol":"2","page":469},{"text":"٢ - في بدر، قال الله -تعالى-: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩] (١).\n٣ - في أحد، قاتل جبريل وميكائيل -﵉- عن يمين النبي ﷺ وعن يساره (٢).\n٤ - في الخندق، قال الله -﷿-: ﴿إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: ٩] (٣).\n٥ - في غزوة بني قريظة: «جاء جبريل إلى النبي ﷺ بعد أن وضع السلاح من غزوة الخندق واغتسل، فقال له جبريل: قد وضعت السلاح؟ والله ما وضعناه فاخرج إليهم، فسأله النبي ﷺ: \" إلى أين؟ \" فأشار إلى بني قريظة، فخرج ﷺ، ونصره الله عليهم» (٤).\n٦ - في حنين، قال الله -﷾-: ﴿وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٦] (٥).\nالنوع الثامن: كفاية الله له أعداءه وعصمته من الناس: هذا النوع من أعظم الآيات الدالة على صدق رسالة محمد ﷺ، ومن ذلك:\n١ - كفاه الله -تعالى- المشركين والمستهزئين، فلم يصلوا إليه بسوء، قال\n_________\n(١) سورة الأنفال، الآية ٩.\n(٢) البخاري مع الفتح، كتاب المغازي، باب: \" إذ همت طائفتان. . \" ٧/ ٣٥٨، ومسلم في كتاب الفضائل، باب قتال جبريل وميكائيل عن النبي ﷺ يوم أحد ٤/ ١٨٠٢.\n(٣) سورة الأحزاب، الآية ٩.\n(٤) البخاري مع الفتح، كتاب المغازي، باب مرجع النبي ﷺ من الأحزاب ٧/ ٤٠٧، ومسلم، كتاب الجهاد، باب جواز قتال من نقض العهد ٣/ ١٣٨٩.\n(٥) سورة التوبة، الآية ٢٦.","vol":"2","page":470},{"text":"تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ - إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٤ - ٩٥] (١).\n٢ - كفاه الله أهل الكتاب، قال تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٧] (٢).\n٣ - وعصمه تعالى من جميع الناس بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] (٣).\nوهذا خبر عام بأن الله يعصمه من جميع الناس، فكل من هذه الأخبار الثلاثة قد وقع كما أخبر الله- تعالى- فقد كفاه الله أعداءه بأنواع عجيبة خارجة عن العادة المعروفة، ونصره مع كثرة أعدائه وقوتهم وغلبتهم، وانتقم ممن عاداه.\nومن ذلك «أن رجلا نصرانيا أسلم، وقرأ البقرة وآل عمران، وكان يكتب للنبي ﷺ ثم ارتد وعاد نصرانيا، فكان يقول: ما يدري محمد إلا ما كتبت له، فأماته الله، فدفنه قومه، فأصبح وقد أخرجته الأرض من بطنها، فأعادوا دفنه، وأعمقوا قبره، فأصبح وقد أخرجته الأرض منبوذا على ظهرها، فأعادوا دفنه وأعمقوا له، فأصبح وقد لفظته الأرض، فعلموا أن هذا ليس من الناس فتركوه منبوذا» (٤).\n_________\n(١) سورة الحجر، الآيتان ٩٤، ٩٥.\n(٢) سورة البقرة، الآية ١٣٧.\n(٣) سورة المائدة، الآية ٦٧.\n(٤) البخاري مع الفتح، كتاب المناقب، باب علامات النبوة ٦/ ٦٢٤، ومسلم، صفات المنافقين ٤/ ٢١٤٥، برقم ٢٧٨١.","vol":"2","page":471},{"text":"النوع التاسع: إجابة دعواته ﷺ: الأدعية التي دعا بها النبي ﷺ وشوهدت إجابتها كالشمس في رابعة النهار كثيرة جدا، لا تحصر، ولا يتسع المقام لذكر أكثرها، ولكن منها على سبيل المثال:\n١ - قال ﷺ لأنس -﵁-: «اللهم أكثر ماله وولده، وبارك له فيما أعطيته \" (١) [وأطل حياته واغفر له]» (٢) قال أنس: فوالله إن مالي لكثير، وإن ولدي وولد ولدي ليتعادون على نحو المائة اليوم (٣) [وحدثتني ابنتي أمينة أنه دفن لصلبي مقدم الحجاج البصرة بضع وعشرون ومائة] (٤).\nوكان له -﵁- بستان يحمل في السنة الفاكهة مرتين، وكان فيها ريحان يجئ منها ريح المسك (٥).\n٢ - «ودعا ﷺ لأم أبي هريرة بالهداية فهداها الله فورا، وأسلمت» (٦).\n٣ - وقال ﷺ لعروة بن أبي الجعد البارقي: «اللهم بارك له في صفقة يمينه»، فكان يقف في الكوفة ويربح أربعين ألفا قبل أن يرجع إلى أهله (٧) [وكان لو اشترى التراب لربح فيه] (٨).\n_________\n(١) البخاري مع الفتح، كتاب الصيام، باب من زار قوما فلم يفطر عندهم ٤/ ٢٢٨، و١١/ ١٤٤، ومسلم، في فضائل الصحابة، باب فضائل أنس ٤/ ١٩٢٨.\n(٢) البخاري في الأدب المفرد، برقم ٦٥٣، وانظر. فتح الباري ١١/ ١٤٥، وسير أعلام النبلاء ٢/ ٢١٩.\n(٣) مسلم، فضائل الصحابة، باب فضائل أنس ٤/ ١٩٢٩.\n(٤) البخاري مع الفتح، باب من زار قوما فلم يفطر عندهم ٤/ ٢٢٨.\n(٥) الترمذي، كتاب المناقب، باب مناقب أنس ٥/ ٦٨٣، وانظر: صحيح الترمذي ٣/ ٢٣٤.\n(٦) مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل أبي هريرة ٤/ ١٩٣٨.\n(٧) أحمد في المسند ٤/ ٣٧٦.\n(٨) البخاري مع الفتح، كتاب المناقب، باب حدثنا محمد بن المثنى ٦/ ٦٣٢.","vol":"2","page":472},{"text":"٤ - ودعاؤه ﷺ على بعض أعدائه، فلم تتخلف الإجابة، كأبي جهل، وأمته، وعقبة، وعتبة. . (١).\n٥ - ودعاؤه يوم بدر، ويوم حنين، وعلى سراقة بن مالك -﵁- وغيره كثير (٢).\nوالحقيقة أن العاقل المنصف يقف أمام هذه الدلائل والبينات مذعورا، ولا يسعه إلا أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-164>المسلك الثالث: عموم رسالته ﷺ</span>\nإن أصل الأصول هو تحقيق الإيمان بما جاء به محمد ﷺ، وأنه رسول الله إلى جميع الخلق: إنسهم وجنهم، عربهم وعجمهم، كتابيهم ومجوسيهم، رئيسهم ومرءوسهم، وأنه لا طريق إلى الله -﷿- لأحد من الخلق إلا بمتابعته ﷺ باطنا وظاهرا، حتى لو أدركه موسى وعيسى، وغيرهما من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ لوجب عليهم اتباعه، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ - فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ٨١ - ٨٢] (٣).\nقال ابن عباس -﵄-: \" ما بعث الله نبيا إلا أخذ عليه\n_________\n(١) انظر: البخاري مع الفتح ١/ ٣٤٩، ومسلم ٣/ ١٤١٨، وتقدم تخريجه ص ١٤٩.\n(٢) انظر: دعاءه يوم بدر في صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر، ٣/ ١٣٨٤، ويوم حنين في مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب غزوة حنين، ٣/ ١٤٠٢، وقصة سراقة في البخاري مع الفتح، كتاب مناقب الأنصار، باب هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة، ٧/ ٢٣٨، وانظر: ص ١٧٥ و١٧٩.\n(٣) سورة آل عمران، الآيتان ٨١، ٨٢.","vol":"2","page":473},{"text":"الميثاق: لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ على أمته الميثاق لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه \" (١).\nولهذا جاء في الحديث: «لو كان موسى حيا بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني» (٢).\nومن خالف عموم رسالة النبي ﷺ لا يخلو من أحد أمرين:\n١ - إما أن يكون المخالف مؤمنا بأنه مرسل من عند الله؛ ولكنه يقول: رسالته خاصة بالعرب.\n٢ - وإما أن يكون المخالف منكرا للرسالة جملة وتفصيلا.\nفأما المعترف له بالرسالة ولكنه يجعلها خاصة بالعرب، فإنه يلزمه أن يصدقه في كل ما جاء به عن الله تعالى ومن ذلك عموم رسالته، ونسخها للشرائع قبلها، فقد بين ﷺ أنه رسول الله إلى الناس أجمعين، وأرسل رسله، وبعث كتبه في أقطار الأرض إلى كسرى، وقيصر، والنجاشي، وسائر ملوك الأرض، يدعوهم إلى الإسلام، ثم قاتل من لم يدخل في الإسلام من المشركين، وقاتل أهل الكتاب، وسبى ذراريهم، وضرب الجزية عليهم، وذلك كله بعد امتناعهم عن الدخول في الإسلام، أما كونه يؤمن برسول ولا يصدقه في جميع ما جاء به، فهذا تناقض ومكابرة.\n_________\n(١) انظر: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان لابن تيمية ص ٧٧، ١٩١ - ٢٠٠، وفتاوى ابن تيمية ١٩/ ٩ - ٦٥، بعنوان: إيضاح الدلالة في عموم الرسالة للثقلين، والجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ١/ ٣١ - ١٧٦، وتفسير ابن كثير ١/ ٣٧٨، وأضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ٢/ ٣٣٤، ومعالم الدعوة للديلمي ١/ ٤٥٤ - ٤٥٦، والمناظرة بين الإسلام والنصرانية ص ٣٠٣ - ٣٠٩.\n(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٣/ ٣٣٨، وله شواهد وطرق كثيرة ذكرها الهيثمي في مجمع الزوائد، ١/ ١٧٣ - ١٧٤، وانظر: مشكاة المصابيح بتحقيق الألباني، ١/ ٦٣، ٦٨.","vol":"2","page":474},{"text":"وأما المنكر لرسالة نبينا محمد ﷺ مطلقا، فقد قام البرهان القاطع على صدق صاحب الرسالة ﷺ، ولا تزال معجزات القرآن تتحدى الإنس والجن، فإما أن يأتي بما يناقض المعجزة القائمة، وإلا لزمه الاعتراف بمدلولها، فإن اعترف بالرسالة لزمه التصديق بكل ما أخبر به الرسول ﷺ، وإن ذهب يكابر ويعاند ليأتي بقرآن مثل ما جاء به محمد ﷺ وقع في العجز، وفضح نفسه لا محالة؛ لأن أصحاب الفصاحة والبلاغة قد عجزوا عن ذلك، ولا شك أن غيرهم أعجز عن هذا؛ لأن القرآن معجزة قائمة مستمرة خالدة (١).\nوحينئذ يلزم جميع الخلق العمل بما فيه والتحاكم إليه.\nوقد صرح القرآن الكريم بأن محمدا ﷺ رسول إلى جميع الناس، وخاتم النبيين، قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨] (٢) وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] (٣) ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] (٤).\nوهذا تصريح بعموم رسالته لكل من بلغه القرآن.\n_________\n(١) انظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ١/ ١٤٤، ١٦٦، ومناهج الجدل في القرآن الكريم ص ٣٠٣، والإرشاد إلى صحيح الاعتقاد للدكتور / صالح بن فوزان ٢/ ١٨٢.\n(٢) سورة الأعراف، الآية ١٥٨.\n(٣) سورة الفرقان، الآية ١.\n(٤) سورة الأنعام، الآية ١٩.","vol":"2","page":475},{"text":"وصرح تعالى بشمول رسالة النبي ﷺ لأهل الكتاب، فقال: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ٢٠] (١) ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] (٢) ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] (٣). ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ: ٢٨] (٤).\nوبلغ ﷺ الناس جميعا أنه خاتم الأنبياء، وأن رسالته عامة، قال ﷺ: «أعطيت خمس لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي \"، وذكر منها: \" وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس كافة». . . الحديث (٥).\nوقال ﷺ: «مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا، فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذا اللبنة؟ \" قال: \" فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين» (٦). وعموم رسالته ﷺ لجميع الإنس والجن في كل زمان ومكان من بعثته إلى يوم القيامة، وكونها خاتمة الرسالات، يقضي ويدل دلالة قاطعة على أن النبوة قد انقطعت بانقطاع الوحي بعده، وأنه لا مصدر للتشريع والتعبد\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآية ٢٠.\n(٢) سورة الأحزاب، الآية ٤٠.\n(٣) سورة الأنبياء، الآية ١٠٧.\n(٤) سورة سبأ، الآية ٢٨.\n(٥) البخاري مع الفتح، كتاب الصلاة، باب قول النبي ﷺ: جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ١/ ٥٣٣، ومسلم، كتاب المساجد، ١/ ٣٧٠، برقم ٥٢١.\n(٦) البخاري مع الفتح، كتاب المناقب، باب خاتم النبيين ٦/ ٥٥٨، ومسلم، كتاب الفضائل، باب ذكر كونه ﷺ خاتم النبيين ٤/ ١٧٩٠.","vol":"2","page":476},{"text":"إلا كتاب الله- تعالى- وسنة رسوله ﷺ، وهذا يقتضي وجوب الإيمان بعموم رسالته، واتباع ما جاء به، فقد قال ﷺ: «والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار» (١).\nوبعون الله - تعالى- ثم بهذه المسالك الثلاثة الآنفة الذكر- تقوم الحجة، وتثبت رسالة النبي ﷺ وعمومها وشمولها لجميع الثقلين: الإنس والجن، في كل زمان ومكان إلى قيام الساعة: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ [الأنعام: ١٠٤] (٢) ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] الآية (٣).\n_________\n(١) مسلم، كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد ﷺ إلى جميع الناس، ونسخ الملل بملته ١/ ١٣٤.\n(٢) سورة الأنعام، الآية ١٠٤.\n(٣) سورة الكهف، الآية ٢٩.","vol":"2","page":477},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-165>المبحث الرابع\nحكمة القول مع المسلمين</span>\nتوطئة.\nالمطلب الأول: الموعظة الحسنة وأنواعها.\nالمطلب الثاني: الترغيب والترهيب.\nالمطلب الثالث: حكمة القول التصويرية.","vol":"2","page":479},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-166>توطئة</span>\nإن من حكمة القول في الدعوة إلى الله - تعالى- أن يخاطب الناس على قدر عقولهم، وأحوالهم، وعقائدهم، وأوضاعهم، وليس من الحكمة أن يخاطب المسلم - في توجيهه وإرشاده وحثه على الالتزام والتمسك بدينه- كما يخاطب الملحد، أو الوثني، أو اليهودي، أو النصراني، أو غيرهم من الكفار.\nولا شك أن المسلمين ينقسمون إلى قسمين:\nالقسم الأول من المسلمين: وهم الذين ينقادون للحق ولا يعاندون، فهؤلاء يكفي في دعوتهم بالقول الحكيم أن يبين لهم الحق علما وعملا واعتقادا، وحينئذ ينقادون لذلك- بإذن الله تعالى-.\nأما القسم الثاني من المسلمين: وهم الذين عندهم غفلة وشهوات وأهواء، وهم عصاة المسلمين، فهذا القسم تكون دعوتهم بالحكمة القولية حسب المطالب التالية:\nالمطلب الأول: الموعظة الحسنة وأنواعها.\nالمطلب الثاني: الترغيب والترهيب.\nالمطلب الثالث: حكمة القول التصويرية.","vol":"2","page":481},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-167>المطلب الأول الموعظة الحسنة وأنواعها</span>\nوالموعظة: هي الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب، والقول الحق الذي يلين القلوب، ويؤثر في النفوس، ويكبح جماح النفوس المتمردة، ويزيد النفوس المهذبة إيمانا وهداية (١) قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء: ٦٦] (٢) وقال سبحانه: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ١٧] (٣).\nوالداعية إلى الله -تعالى- ينبغي أن يكون وعظه للناس بالقول الحكيم على نوعين: تعليم، وتأديب.\nالنوع الأول: وعظ التعليم: وهذا النوع يكون ببيان عقائد التوحيد، وبيان الأحكام الشرعية الخمسة: من الواجب، والحرام، والمسنون، والمكروه، والمباح، ويراعي في ذلك كله ما يناسب كل طبقة، والحث على التمسك بها، والتحذير من التهاون فيها.\nومن تدبر أسلوب القرآن علم أن الأحكام ينبغي أن تساق إلى الناس مساق الوعظ الذي يلين القلوب، ويبعثها على العمل، ولا تسرد سردا خالية من وسائل التأثير، ومما يوضح ذلك قوله تعالى:\n_________\n(١) انظر. فتاوى ابن تيمية ١٩/ ١٦٤، ومفتاح دار السعادة لابن القيم ١/ ١٩٥، والتفسير القيم لابن القيم ص٣٤٤، وهداية المرشدين لعلي محفوظ ص٧١.\n(٢) سورة النساء، الآية ٦٦.\n(٣) سورة النور، الآية ١٧.","vol":"2","page":482},{"text":"﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ - نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢ - ٢٢٣] (١). .\nفالأمر بتقوى الله بعد النهي عن إتيان النساء في المحيض، والأمر بإتيانهن في موضع الحرث، والأمر بالتقديم لأنفسنا تحذيرا من مخالفة هذا الهدي الإلهي، وقوله: واعلموا أنكم ملاقوه إنذار للذين يخالفون عن أمره بأنهم يلاقون جزاء مخالفتهم في الآخرة، ويحاسبون على أعمالهم. وقوله تعالى: وبشر المؤمنين تبشير للطائعين الذين يقفون عند الحدود، ويتبعون هدى الله- تعالى-، والمبشر به عام يشمل منافع الدنيا، ونعيم الآخرة، وحصول كل خير، واندفاع كل شر -رتب على الإيمان- داخل في هذه الآية.\nومما يزيد ذلك وضوحا وبيانا أن الله -﷿- بعد أن ذكر أحكام الفرائض وتقسيم التركات ختم ذلك بقوله: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (٢).\nوهذان مثالان يبينان أن الداعية إلى الله إذا سلك في هذا النوع طريقة القرآن الكريم فإنه سيجتذب الأسماع، ويأخذ بمجامع القلوب ويلينها، وحينئذ تستقبل العقائد والأحكام بإذن الله﷿- للعمل والتطبيق برغبة واشتياق (٣). .\n_________\n(١) سورة البقرة، الآيتان٢٢٢، ٢٢٣.\n(٢) سورة النساء، الآيتان١٣، ١٤.\n(٣) انظر: تفسير ابن كثير ١/ ٢٦٦، ٤٦٢، وتفسير السعدي ١/ ٢٧٨، ٢/ ٣٥، وهداية المرشدين لعلي محفوظ ص ١٤٣.","vol":"2","page":483},{"text":"النوع الثاني: وعظ التأديب: وهذا يكون بتحديد الأخلاق الحسنة: كالحلم والأناة، والشجاعة، والوفاء، والصبر،. والكرم. . .، وبيان آثارها ومنافعها في المجتمع، والحث على التخلق بها والتزامها، وتعريف وتحديد الأخلاق السيئة. كالغضب، والعجلة، والغدر، والجزع، والجبن، والبخل. . . والتحذير عن الاتصاف بها من طريقي: الترغيب والترهيب.\nوينبغي للداعية إلى الله أن يستشهد في كل من النوعين بما جاء فيه من الكتاب والسنة الثابتة عن النبي ﷺ، وآثار الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين، وأحوالهم في ذلك، فإن لهذا شأنا عظيما يوصل إلى الغاية المقصودة متى صدر من قلب سليم نقي متخلق بما يدعو إليه؛ لأن الموعظة في الغالب إذا صدرت من القلب وقعت في القلب، وإن خرجت من اللسان لم تتجاوز الآذان.\nوإذا أراد الداعية أن تكون موعظته مؤثرة بليغة، فإن عليه الآتي:\n١ - ينظر إلى المنكرات المنتشرة، ولا سيما ما كان منها قريب العهد، وحديثه على ألسنة الناس.\n٢ - ثم يقدم من هذه المنكرات أكبرها ضررا، وأسوأها أثرا، فيجعلها محور خطابته، وموضع موعظته.\n٣ - ثم يفكر فيما ينشأ عن هذا المنكر من الأضرار الخلقية، والاجتماعية، والصحية، والمالية.\n٤ - ثم يستحضر ما جاء في ذلك من الآيات، والأحاديث الصحيحة، أو الحسنة، وأقوال الصحابة، والأبيات الشعرية الحكيمة.\n٥ - ثم يأخذ في كتابة الموضوع إن شاء كتابته، ويضمنه ما فيه من تلك المضار، وما ورد فيه عن الشارع، محذرا من الوقوع فيه، حاثا على التوبة منه.","vol":"2","page":484},{"text":"أما إذا أراد الحث على العمل الصالح النافع، فيتبع ما يلي:\n١ - يفكر في مزاياه وآثاره الحسنة تفكيرا عميقا.\n٢ - يستحضر ما يناسبه من الكتاب وصحيح السنة وآثار الصحابة.\n٣ - ثم يسلك في الكتابة المسلك السابق.\nفإذا كتب الموضوع، فإن شاء حفظه وألقاه، وإن شاء ذكر مضمونه، وذكر المضمون أحسن الأمرين، حتى لا يكون مقيدا بعبارة خاصة، ويتخير من العبارات ما تؤدي إلى المعاني التي حصل عليها ببحثه وتفكيره.\nوإن شاء عدم الكتابة واكتفى برسم الموضوع في مخيلته وتسطيره في ذاكرته التي قواها بالمران والتجارب والممارسة كان ذلك أحسن وأكمل، وبتوفيق الله﷿-، ثم بإعداد الموضوع واستحضاره بأدلته تماما، وتقسيمه بحسب نقطه إلى أقسام، يكون الداعية في مأمن من الزلل بإذن الله تعالى.\nوبعد ذلك ينبغي أن يراعي في حال التأدية والإلقاء استعداد السامعين، فينزل في العبارة مع العامة على قدر عقولهم متجنبا الألفاظ البعيدة عن أفهامهم، ويتوسط مع أوساط الناس، ويتأنق مع الخاصة، فيكون مع جميع الطبقات حكيما يضع الأشياء في مواضعها، وبكل حال عليه أن يختار المعاني النفيسة، وتنسيقها، وشرحها بالدقة، وإبلاغها أذهان السامعين، وإنفاذها في قلوبهم، ودفع السآمة والملل عنهم، بإيراد الشواهد عليه من الحكم النثرية والشعرية، والفكاهات الأدبية، بشرط التزام ظلال الكتاب والسنة، وبذلك يكون الداعية موفقا مؤثرا بإذن الله -تعالى-، إذا قصد إبلاغ الناس بإخلاص وصدق ورغبة فيما عند الله- تعالى- (١).\n_________\n(١) انظر: هداية المرشدين ص ١٤٥، ١٩٢.","vol":"2","page":485},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-168>المطلب الثاني الترغيب والترهيب</span>\nمن حكمة القول في أسلوب الدعوة إلى الله- تعالى- مع عصاة المسلمين وغيرهم أن يسلك الداعية في دعوته إلى الله مسلكي: الترغيب والترهيب؛ لأنه أسلوب له تأثيره في نفوس كثير من البشر؛ فإن الإنسان خبل على حب الخير، والرغبة في الحصول على كل محبوب، كما طبع على بغض الشر، وما يصيبه من بلاء في النفس، أو المال، أو الأهل، وحينئذ فغريزة حب الإنسان لنفسه تدفعه إلى أن يحقق لها كل خير، ويحميها من كل شر، سواء كان ذلك عاجلا أو آجلا؛ ولذلك فالترغيب والترهيب يفيض بهما بحرا الكتاب والسنة (١) قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا - وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الإسراء: ٩ - ١٠] (٢).\nفالقرآن يهدي لأقوم الطرق، وأوضح السبل، ومن هدايته الترغيب بوعد الطائعين الحافظين لحدود الله- تعالى- بعظيم الخير، وتبشيرهم بحسن المثوبة، والترهيب بوعيد المخالفين الذين تعدوا حدود الله- تعالى- بشديد العذاب، وإنذارهم بسوء العاقبة، ومن المعلوم يقينا أن الوعد بالخير يعم خير الدنيا والآخرة وسعادتهما، والوعيد يشمل نقم الدنيا والآخرة وشقاءهما (٣).\nوهذا يجعل الداعية إلى الله- تعالى- يهتم اهتماما بالغا بهذين الأسلوبين الحكيمين، وسأتناول ذلك- بإذن الله تعالى- بشيء من الإيضاح في المسلكين الآتيين:\n_________\n(١) انظر. مناهل العرفان في علوم القرآن للزرقاني ١/ ٣٠١، ومعا الدعوة للديلمي ١/ ٤٩٤، وهداية المرشدين ص ١٩٢.\n(٢) سورة الإسراء، الآيتان٩، ١٠.\n(٣) انظر: تفسير ابن كثير ٣/ ٢٦، والسعدي ٤/ ٢٦٤.","vol":"2","page":486},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-169>المسلك الأول: الترغيب والتبشير</span>.\nالمسلك الثاني: الترهيب والإنذار.\n\nالمسلك الأول: الترغيب والتبشير:\nمن الحكمة القولية في الدعوة إلى الله أن يذكر الداعية إلى الله من هذا المسلك ما يفيد في حمل الناس على التبشير عن ساعد الجد في طاعة الله - تعالى- لنيل السعادة في الدنيا والآخرة.\nوالترغيب قسمان:\nالقسم الأول: الترغيب في جنس الطاعات.\nالقسم الثاني: الترغيب في أنواع الطاعات.\nالقسم الأول: الترغيب في جنس الطاعات: وهذا القسم له أنواع وصور متعددة، أذكر منها على سبيل المثال ما يلي:\nالنوع الأول: الترغيب بالوعد بالخير العاجل في الدنيا: عندما يتحقق الإيمان والاستقامة عليه بطاعة الله- تعالى- وتقواه تحصل السعادة والبركات العاجلة في الدنيا قبل الآخرة، وما في الآخرة أعظم، ومن صور هذه الخيرات ما يأتي:\n١ - الترغيب بالوعد بالحياة الطيبة والسلامة من كل مكروه، قال تعالى ترغيبا في صالح العمل مع الإخلاص فيه والمتابعة: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] (١).\n_________\n(١) سورة النحل، الآية ٩٧.","vol":"2","page":487},{"text":"٢ - الترغيب بالوعد بالاستخلاف في الأرض والتمكين: قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥] (١).\n٣ - الترغيب بالوعد بالإمداد بأنواع الخيرات والزيادة مع الشكر، قال تعالى عن نوح ﷺ: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا - يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا - وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: ١٠ - ١٢] (٢) ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] (٣).\n٤ - الترغيب بالمد في العمر إلى استيفاء الآجال، وعدم المعاجلة بالعقوبة: قال تعالى: ﴿يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [إبراهيم: ١٠] (٤) فمن عبد الله واتقاه، وأطاع رسوله ﷺ، وتاب من جميع المعاصي، غفر الله له ذنوبه، ومد في عمره، ودفع عنه الهلاك إلى حين استيفاء أجله (٥).\n٥ - الترغيب بالوعد بأنواع التأييد والنصر والتوفيق:\n_________\n(١) سورة النور، الآية ٥٥.\n(٢) سورة نوح، الآيات ١٠ - ١٢.\n(٣) سورة إبراهيم، الآية ٧.\n(٤) سورة إبراهيم، الآية ١٠.\n(٥) انظر: تفسير البغوي ٣/ ٢٧، ٤/ ٣٩٧، وتفسير ابن كثير ٤/ ٤٢٥، وتفسير السعدي ٤/ ١٢٧، ٧/ ٤٨١.","vol":"2","page":488},{"text":"(أ) الوعد بولاية الله- تعالى-: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] (١).\n(ب) الوعد بالدفاع عنهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ [الحج: ٣٨] (٢).\n(جـ) الوعد بالكفاية: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] (٣).\n(د) الوعد بالنصر: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧] (٤).\n(هـ) الوعد بالعزة والعلو: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] (٥) ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩] (٦).\n(و) الوعد بمحبة الله للمؤمنين: وهذا باب واسع، قد ذكر الله فيه أنه يحب التوابين، والمتطهرين، والمتقين، والمحسنين، والصابرين، والمتوكلين، والمقسطين، والذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص (٧).\n(ز) الوعد بمحبة عباد الله للمؤمنين ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦] (٨).\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية ٢٥٧.\n(٢) سورة الحج، الآية ٣٨.\n(٣) سورة الطلاق، الآية ٣.\n(٤) سورة الروم، آية ٤٧.\n(٥) سورة المنافقون، آية ٨.\n(٦) سورة آل عمران، الآية ١٣٩.\n(٧) انظر سورة البقرة، الآية ٢٢٢، وآل عمران، الآيات ٧٦، ١١٦، ١٣٤، ١٤٨، ١٥٩والمائدة، الآية ٤٢، والتوبة، الآيتان ٤، ٧، والصف، الآية ٤.\n(٨) سورة مريم، الآية ٩٦. وانظر البخاري مع الفتح ١١/ ٣٤٠، ١٣/ ٤٦١، ومسلم٤/ ٢٠٣٠.","vol":"2","page":489},{"text":"(ح) الوعد بالهداية والتوفيق، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: ٥٤] (١).\n(ط) الوعد بعدم تسليط الأعداء عليهم: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١] (٢).\n(ى) الوعد بالأمن، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢] (٣).\n(ك) الوعد بحفظ سعي المؤمنين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠] (٤).\n(ل) الوعد بازديادهم من العلم والفهم: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤] (٥).\nالنوع الثاني: الترغيب بذكر سنة الله تعالى فيمن مضى من عباده المخلصين: من حكمة القول مع عصاة المؤمنين في دعوتهم إلى الله﷿- أن يبين لهم أن سنة الله لا تتخلف في نصرة عباده المؤمنين ورحمته بهم حين يتجهون إليه- سبحانه- بإظهار كمال العبودية له، والافتقار إليه، وهم في حالة من الكرب أو الضيق أو الحاجة، فتدركهم رحمته سبحانه. ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] (٦) ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢] (٧).\n_________\n(١) سورة الحج، الآية ٥٤.\n(٢) سورة النساء، الآية ١٤١.\n(٣) سورة الأنعام، الآية ٨٢.\n(٤) سورة الكهف، الآية ٣٠.\n(٥) سورة التوبة، الآية ١٢٤.\n(٦) سورة الأعراف، الآية ٥٦.\n(٧) سورة النمل، الآية ٦٢.","vol":"2","page":490},{"text":"وفي ذكر الداعية إلى الله سنة الله فيمن مضى من عباده المؤمنين إطماع لعباد الله في الحصول على أمثالها للمؤمنين إذا اتجهوا إلى الله- تعالى- بقلوب صادقة، وترغيب للمعرضين في انقيادهم لأمر الله- تعالى- حتى يكونوا من المحسنين، فتصيبهم رحمة الله- تعالى- (١) وهذا النوع له أمثلة كثيرة جدا، منها ما يلي:\n١ - إجابة الله لدعوة آدم وحواء بعد أن وقعا في المعصية ثم تابا إلى الله ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣] (٢) ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٣٧] (٣).\n٢ - إجابته- تعالى- لنبيه أيوب بعد أن بلغ به الضر منتهاه: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ - فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣ - ٨٤] (٤).\n٣ - استجابته تعالى ليونس: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ - فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧ - ٨٨] (٥) ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ - لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: ١٤٣ - ١٤٤] (٦).\n_________\n(١) انظر: معالم الدعوة للديلمي ١/ ٥٠٠.\n(٢) سورة الأعراف، آية ٢٣.\n(٣) سورة البقرة، الآية ٣٧.\n(٤) سورة الأنبياء، الآيتان ٨٣، ٨٤.\n(٥) سورة الأنبياء، الآيتان ٨٧، ٨٨.\n(٦) سورة الصافات، الآيتان ١٤٣، ١٤٤.","vol":"2","page":491},{"text":"٤ - إنجاؤه تعالى لأنبيائه وعباده المؤمنين عند حلول العذاب بأقوامهم المكذبين، وهذا باب واسع، ومن ذلك إنجاء نوح (١) وهود (٢) وصالح (٣) وإبراهيم، ولوط (٤) وشعيب (٥) وموسى وهارون (٦) والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر من بني إسرائيل (٧) وغيرهم، فقد أنجى سبحانه هؤلاء ومن تبعهم وأهلك أعداءهم.\nالنوع الثالث: الترغيب بالوعد بالخير الآجل الأعظم في الآخرة: جاء في كتاب الله- تعالى-، وفي سنة رسوله ﷺ الوعد بالخير الآجل، والنعيم المقيم والرضوان، والأمن التام، والرحمة والمغفرة وتكفير السيئات، كل ذلك لمن تحقق فيه شرط الإيمان والعمل الصالح، وهذا باب واسع يزخر به بحر الكتاب والسنة، ولا يتسع المقام لذكر الأمثلة على ذلك.\nفعلى الداعية العناية بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ حتى يقدم للناس القول الحكيم الذي يرضي الرب الحكيم (٨).\nالنوع الرابع: الترغيب بذكر أحوال المؤمنين في الجنة وما أعد الله لهم: وهذا النوع من الترغيب يزخر به كتاب الله- تعالى- وسنة رسوله ﷺ،\n_________\n(١) انظر: سورة يونس، الآية ٧٣.\n(٢) انظر: سورة هود، الآية ٥٨.\n(٣) انظر: سورة هود، الآية ٦٦.\n(٤) انظر: سورة الأنبياء، الآيتان ٧٠، ٧١.\n(٥) انظر: سورة هود، الآية ٩٤.\n(٦) انظر: سورة الصافات، الآية ١١٤ - ١١٦.\n(٧) انظر: سورة الأعراف، الآية ١٦٤ - ١٦٦.\n(٨) انظر: سورة الأنعام، الآية ٨٢، وطه، الأيات ٨٠ - ٨٢ والفرقان، الآية ٧٠، والبينة الآيتان٧، ٨.","vol":"2","page":492},{"text":"ولا يحصر ما أعد الله لعباده المؤمنين في جنات النعيم من النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول، ولهذا قال ﷺ فيما يرويه عن ربه﵎-: \" قال الله. أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فاقرأوا إن شئتم: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] (١) وهذا مما يجعل العاقل يشمر عن ساعد الجد؛ ليسعد بهذا الفوز العظيم، والسعادة الأبدية، والنعيم الدائم الذي يعجز دونه الوصف، ومن هذا النعيم على سبيل المثال (٢).\nما ذكر الله من نعيم أهل الجنة وصفاتهم، ومن ذلك: رضوانه تعالى؛ فإنه أكبر النعيم (٣) وأنهار الجنة (٤) ومساكن أهلها (٥) وزوجاتهم (٦) وحليهم (٧) وطعامهم (٨) وشرابهم (٩) وصفاتهم (١٠) وأطوالهم (١١)\n_________\n(١) البخاري مع الفتح، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة ٦/ ٣١٨، ومسلم، كتاب الجنة، ٤/ ٢١٧٥ برقم ٢٨٢٥.\nوالآية من سورة السجدة، الآية ١٧.\n(٢) انظر صفة الجنة ونعيمها وأحوال أهلها، وبعض ما أعد الله لهم، في البخاري مع الفتح، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الحنة وأنها مخلوقة ٦/ ٣١٧ - ٣٢٩، ومسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها ٤/ ٢١٧٤ - ٢٢٠٦، وجامع الأصول في أحاديث الرسول ﷺ، فقد ذكر عشرة أنواع من صفة الجنة ونعيمها ١٠/ ٤٩٤ - ٥١٢، ثم ١٠/ ٥٢٠ - ٥٢٣، ثم ذكر عشرة أنواع من صفات أهل الجنة ونعيمهم ١٠/ ٥٢٣ - ٥٣٧، ثم ١٠/ ٥٤٤ - ٥٥٦، فكان ذكره لنعيم الجنة وعذاب أهل النار ١٠/ ٤٩٤ - ٥٦٤، وانظر أعظم كتاب ألف في الجنة، هو حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح، لابن القيم -﵀-، ذكر فيه سبعين بابا.\n(٣) انظر: سورة التوبة، الآية ٧٢.\n(٤) انظر: سورة محمد، الآية ١٥.\n(٥) انظر: سورة التوبة، الآية ٢٣.\n(٦) انظر: سورة الصافات، الآيات ٤٠ - ٤٨.\n(٧) انظر: سورة الكهف، الآية ٣١.\n(٨) انظر: سورة الطور، الآية ٢٧ - ٢٨، والواقعة الآيات ١٠ - ٤٠.\n(٩) انظر: سورة الإنسان، الآية ٥ - ٢٢.\n(١٠) انظر البخاري مع الفتح ٦/ ٣١٨، ٣٦٢، ومسلم ٤/ ٢١٨٠.\n(١١) انظر البخاري مع الفتح، كتاب الأنبياء باب خلق آدم وذريته ٦/ ٣٦٢.","vol":"2","page":493},{"text":"وفواكههم (١) ولباسهم (٢) وأعظم نعيم أهل الجنة النظر إلى وجه الله الكريم (٣) فالداعية إذا استخدم هذا النوع من الترغيب يجذب قلوب الناس إلى الرغبة س في هذا النعيم الدائم.\nالقسم الثاني: الترغيب في أنواع الطاعات: وهذا القسم مهم جدا لا يقل أهمية عن القسم الأول، والناس يحتاجون إليه، ليشمروا عن ساعد الجد في عمل أنواع الطاعات، فينبغي للداعية إلى الله أن لا يغفل هذا الجانب، ويهتم بترغيب الناس بالأقوال الحكيمة في أنواع البر والإحسان، وجميع أنواع الطاعات: كحثهم على تحقيق كلمة الإخلاص، والصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والجهاد لإعلاء كلمة الله، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، وإصلاح ذات البين، وإطعام الطعام، وإفشاء السلام، والصلاة بالليل والناس نيام، وغير ذلك.\nوكذلك ينبغي ترغيب الناس في أنواع الفضائل النفسية: كالشجاعة، والعفة، والصدق، والوفاء، والأمانة، والإخلاص، والحلم، والتواضع، والكرم، والصبر، وطهارة الضمير، وحث الخير للناس، والعدل والإحسان، وغيرذلك مما ينفع الأمة في العاجل والآجل بذكر ما جاء فيها من الترغيب من الكتاب والسمنة الصحيحة والحسنة والآثار الثابتة مع شرح ذلك شرخا وافيا حسبما تدعو إليه الحاجة (٤).\nومن أمثلة الترغيب في هذه الأنواع: قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧] (٥)\n_________\n(١) انظر: سورة الرحمن، الآيات ٥٢ - ٦٨، والواقعة الآيات ١٩ - ٣٣.\n(٢) انظر: سورة الكهف، الآية ١٥، وسورة الحج، الآية ٢٣.\n(٣) انظر: سورة يونس، الآية ٢٦، وسورة ق، الآية ٣٥، وسورة القيامة، الآيتان ٢٢، ٢٣.\n(٤) انظر: هداية المرشدين ص ١٩٩.\n(٥) سورة البقرة، آية ١٧٧.","vol":"2","page":494},{"text":"وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ - الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٦ - ١٧] (١). وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ - وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٤ - ١٣٥] (٢) وغير ذلك كثير من كتاب الله تعالى (٣).\nوكذا قد جاء عن النبي ﷺ الترغيب في أنواع الطاعات من الأحاديث ما لا يحصى، ومن ذلك قوله ﷺ لعبد الله بن عمرو: \"أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا: حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة في طعمة\" (٤).\nومن هذا النوع حديث معاذ بن جبل حينما سأل النبي ﷺ عما يدخله\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآيتان ١٦، ١٧.\n(٢) سورة آل عمران، الآيتان ١٣٤، ١٣٥.\n(٣) انظر: سورة النساء، الآية ١١٤، والتوبة، الآية ٧١، والمؤمنون، الآيات ١ - ١١، والفرقان، الآيات ٦٣ - ٧٧، ولقمان، الآيات ١٣ - ١٩، والأحزاب، الآية ٣٥، والصف، الآيات ١٠ - ١٣، وغير ذلك من الآيات في الترغيب في أنواع الطاعات.\n(٤) أخرجه أحمد في المسند بإسناد جيد ٢/ ١٧٧، وانظر: صحيح الجامع الصغير ١/ ٣٠١ برقم ٨٨٦.","vol":"2","page":495},{"text":"الجنة ويباعده عن النار، فعد له النبي ﷺ اثنتي عشرة خصلة من أنواع الطاعات (١).\nفالداعية إذا استخدم هذه الأنواع وفق بإذن الله -﷿- للصواب (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-170>المسلك الثاني: الترهيب والإنذار:</span>\nمن حكمة القول أن يذكر الداعية إلى الله من هذا المسلك الأمور النافعة المفيدة في حمل الناس على ترك الجرائم والذنوب، والتحذير والإنذار من كل المعاصي، والإصرار عليها.\nوالترهيب قسمان:\nالقسم الأول: الترهيب بذكر الوعيد بالعذاب والعقوبات على جنس المعاصي والذنوب.\nالقسم الثاني: الترهيب بذكر الوعيد والعقوبات على أنواع الذنوب وآحادها.\nالقسم الأولى: الترهيب بذكر الوعيد بالعذاب والعقوبات علي جنس المعاصي والذنوب: وهذا القسم له أنواع وصور متعددة، أذكر منها على سبيل المثال ما يلي:\nالنوع الأول: الترهيب لذكر الوعيد بالحرمان من الخير العاجل، أو الأخذ بالعذاب العاجل:\n_________\n(١) انظر. سنن الترمذي، كتاب الإيمان، باب ما جاء في حرمة الصلاة، ٥/ ١١، وابن ماجه، كتاب الفتن، باب كف اللسان في الفتنة، ٢/ ١٣١٤، وأحمد ٥/ ٢٣١، وانظر صحيح الترمذي، وانظر أحاديث أخرى في الترغيب في أنواع الطاعات في البخاري مع الفتح ٦/ ١١، ١٠/ ٤١٥، ومسلم ٤/ ١٩٨٢.\n(٢) ويفيد الداعية في هذا القسم الترغيب والترهيب للمنذري، وكتاب المتجر الرابح في ثواب العمل الصالح للدمياطي، ورياض الصالحين للنووي.","vol":"2","page":496},{"text":"الإصرار على المعاصي والسيئات من أسباب الابتلاء بالفقر، والضيق في العيش، والإصابة بالأمراض والأسقام، والحرمان من الخيرات العاجلة والآجلة، وهي أعظم الأسباب في إهلاك الأمم والجماعات والأفراد بالدمار والهلاك (١) قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] (٢).\nوهو سبحانه يعفو عن كثير من السيئات فلا يجازي ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ [فاطر: ٤٥] (٣).\nوكل ما يحدث في الأرض من المصائب، وقلة الثمار، وقحط الأمطار، فإنما هو من عقوبة بعض ما عمل الناس من الذنوب (٤) ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١] (٥).\nويمكن للداعية أن يستخدم هذا النوع في دعوته على ضربين:\nالضرب الأول: ذكر ما حل بالقرى من الأخذ بالدمار أو الحرمان من الخيرات التي كانت بين أيديهم بسبب ظلمهم أنفسهم واستكبارهم، وعدم شكرهم لله الرزاق، ومن ذلك ما حل بفرعون وقومه:\n_________\n(١) انظر تفسير ابن كثير١/ ١٣٣، ٢٣٤.\n(٢) سورة الشورى، الآية ٣٠. .\n(٣) سورة فاطر، الآية ٤٥.\n(٤) انظر: تفسير ابن كثير ٢/ ٥٧٤، ٤/ ١١٧.\n(٥) سورة الروم، الآية ٤١.","vol":"2","page":497},{"text":"﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ - وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ - وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ﴾ [الدخان: ٢٥ - ٢٧] (١) وغير ذلك كثير مما حل بالقرى المكذبة للرسل، عليهم الصلاة والسلام (٢).\nالضرب الثاني: الترهيب بذكر ما وقع لجماعات أو أفراد من الأخذ العاجل أو الحرمان من الخيرات، ومن ذلك ما حل بالجماعات والأفراد الآتي ذكرهم:\n١ - ما ذكره الله عن قوم سبأ، وما كانوا فيه من النعم والغبطة والسرور، فلم يشكروا الله، فحل بهم الدمار والخراب والحرمان (٣).\n٢ - وما ذكر الله في قصة قارون (٤).\n٣ - وصاحب الجنتين الذي تكبر على صاحبه الفقير (٥).\n٤ - وأصحاب الجنة الذين تعاهدوا أن يحرموا الفقراء والمساكين فحرمهم الله جنتهم ودمرها (٦) وغير ذلك من الأمثلة كثير.\nالنوع الثاني: الترهيب بالإنذار من حلول العذاب العاجل: هذا النوع يوجهه الداعية إلى المعرضين عن طاعة الله إذا ظلوا على إصرارهم وعنادهم واستكبارهم عن قبول الحق بعد وضوحه، ولزوم الحجة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ [الأنعام: ٤٦] إلى قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٤٧] (٧).\n_________\n(١) سورة الدخان، الآيات ٢٥ - ٢٧.\n(٢) انظر سورة الأنعام، الآيات ٤٢ - ٤٥، والأعراف، الآيات ٩٤ - ١٠٠، والنحل، الآية ١١٢، والقصص، الآية ٥٨.\n(٣) انظر سورة سبأ، الآيات ١٥ - ١٩.\n(٤) انظر: سورة القصص، الآيات ٧٦ - ٨١، وتفسير البغوي ٣/ ٤٥٤، وابن كثير ٣/ ٩٩.\n(٥) انظر. سورة الكهف ٣٣ - ٤٣، وتفسير ابن كثير ٣/ ٨٤.\n(٦) انظر. سورة القلم، الآيات ١٧ - ٢٧، وتفسير ابن كثير ٤/ ٤٠٧.\n(٧) سورة الأنعام، الآيتان ٤٦ - ٤٧.","vol":"2","page":498},{"text":"وقال سبحانه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] (١) ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٦٥] (٢).\nوغير ذلك كثير في كتاب الله - تعالى- وسنة رسوله ﷺ (٣).\nالنوع الثالث: الترهيب بذكر مصير الأمم التي كذبت رسلها: وهذا النوع له أعظم الأثر والوقع في النفوس؛ لأنه من أعظم العبر لمن اعتبر، ولأنه تبين سنة الله -﷿- فيمن كذب الرسل عليهم الصلاة والسلام أو وقف من دعوتهم موقف الإعراض والاستكبار، ثم بعد إقامة الحجة عليهم وقع بهم الدمار والهلاك، وهذا باب واسع لا يمكن حصره، ومن ذلك قوله ﷿ لمحمد ﷺ: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ - وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ - وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ - فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ [الحج: ٤٢ - ٤٥] (٤). . . . ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾ [العنكبوت: ٣٩] إلى قوله تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٠] (٥).\n_________\n(١) سورة النور، الآية ٦٣.\n(٢) سورة الأنعام، الآية ٦٥.\n(٣) انظر. سورة الأنفال، الآيتان ٢٤، ٢٥، وفصلت الآية ١٣، والسجدة، الآية ٢٢. والبخاري مع الفتح، كتاب التفسير، سورة هود، باب: \" وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة\"، ٨/ ٣٥٤، ومسلم، البر والصلة، باب تحريم الظلم ٤/ ١٩٩٧، والبخاري مع الفتح ٨/ ٢٩٥، ٣٠١، ٩/ ٣١٩، ١٣/ ٣٨٣، ومسلم ٤/ ٢١١٤.\n(٤) سورة الحج، الآيات ٤٢ - ٤٥.\n(٥) سورة العنكبوت، الآيتان ٣٩ - ٤٠.","vol":"2","page":499},{"text":"ومن أنواع عذاب بعض هؤلاء المكذبين على سبيل المثال:\n١ - قوم نوح: أهلكهم الله﷿- بالغرق ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ - وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر: ١١ - ١٢] (١) ٢ - عاد قوم هود: سلط الله عليهم الريح فألقتهم موتى على وجه الأرض كأنهم أعجاز نخل منقعر، خاوية، فدمرت الريح كل شيء بأمر ربها (٢) ٣ - ثمود قوم صالح: أرسل الله عليهم الصيحة حتى قطعت قلوبهم في أجوافهم، وماتوا عن آخرهم فأصبحوا في دارهم جاثمين (٣).\n٤ - قوم لوط: رفع الله قراهم إلى السماء، ثم قلبها عليهم فجعل عاليها سافلها، ثم أتبعهم بحجارة أمطرها عليهم، ولإخوانهم أمثالها (٤) ٥ - مدين قوم شعيب: أظلتهم سحابة وأمطرت عليهم شررا من نار، ولهتا ووهجا، ثم جاءتهم صيحة من السماء، ورجفة من الأرض من أسفل منهم (٥).\n_________\n(١) انظر سورة القمر، الآيتان ١١ - ١٢. .\n\n(٢) انظر سورة الأحقاف الآيتان ٢٤ - ٢٥، والحاقة الآيات ٦ - ٨، والقمر الآيتان١٩ - ٢٠. .\n\n(٣) انظر: سورة الأعراف الآية ٧٨، والذاريات ٤٣ - ٤٥، والقمر الآيات ٢٩ - ٣١، والحاقة الآية ٥.\n(٤) انظر: هود الآية ٨١، والحجر الآية ٨٢، والذاريات: الآية ٣٣. .\n\n(٥) انظر: الشعراء الآية ١٧٨، وهود الآية ٩٤، والأعراف الآية ٩١.","vol":"2","page":500},{"text":"٦ - فرعون وقومه: أغرقهم الله في البحر (١).\n٧ - قارون. خسف الله به وبداره الأرض (٢).\nالنوع الرابع: الترهيب بالوعيد بالعذاب الآجل في الآخرة: الوعيد بالعذاب الآجل يوم القيامة هو من الأقوال العظيمة الحكيمة التي تلين لها قلوب أهل العقول حين تذكر ببطش الله ونقمته وعذابه الأليم لمن حاد الله ورسوله وتعدى حدوده، ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء: ١٤] (٣) ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٣] (٤) ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] (٥).\nوهذا النوع كثير في كتاب الله -تعالى- وسنة رسوله ﷺ (٦).\nالنوع الخامس: الترهيب بوصف حال الكفار والمجرمين وما أعد الله لهم من عذاب في الآخرة: من المعلوم يقيتا أن وضف الداعية الحكيم أحوال الكفار والمنافقين والغصاة وهم يتلفون أنواعا من العذاب الأليم، وذكره لبعض ما أعد الله\n_________\n(١) انظر سورة يونس الآيات ٨٨ - ٩١، والزخرف الآيات ٥١ - ٥٦.\n(٢) انظر سورة القصص الآية ٧٦، وانظر التفصيل في ذلك في كتاب الجواب الكافي لابن القيم، ص٨٤ - ٨٦ وسورة الأعراف الآيات٥٩ - ١٤١، وهود ٢٥ - ١١٠.\n(٣) سورة النساء، الآية ١٤.\n(٤) سورة الجن، الآية ٢٣.\n(٥) سورة النساء، الآية ١١٥.\n(٦) انظر كتاب التخويف من النار لابن رجب ص١٣.","vol":"2","page":501},{"text":"لهم في الآخرة من أصناف العذاب والعقاب، مما يثير الخوف والرعب والفزع في النفوس، ويحملها على أن تفر إلى الله ربها فتخلص له العبودية وتتوب إليه؛ لتنجو من عذابه، ومن خزي هذا اليوم العظيم، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧١] إلى قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٧٢] (١) وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٦٠] (٢) ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ - يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ - وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ [الحج: ١٩ - ٢١] (٣).\nوقد ذكر سبحانه لباسهم في النار وشرابهم (٤) وطعامهم (٥) وسلاسلهم وأغلالهم، وأنكالهم، ومقامعهم، وعظم أجسادهم (٦) وهذا لهم من أعظم الخسران المبين: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر: ١٥] (٧).\n_________\n(١) سورة الزمر، الآيتان ٧١، ٧٢.\n(٢) سورة الزمر، الآية ٦٠.\n(٣) سورة الحج، الآيات ١٩ - ٢١.\n(٤) انظر سورة محمد، الآية ١٥، وإبراهيم الآية ٩، والكهف الآية ٢٩.\n(٥) انظر سورة الدخان الآية ٤٣، والمزمل الآية ١٢، والحاقة الآية ٣٥.\n(٦) انظر سورة غافر، الآيتان ٧١، ٧٢، والحاقة، الآية ١٢، والمزمل، الآيتان ١٢، ١٣، والحج، الآيتان ٢١، ٢٢ وانظر عظم أجسادهم وأضراسهم في البخاري مع الفتح، كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار، ١١/ ٤١٥، ومسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها، باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء، ٤/ ٢١٨٩، ٢١٩٠.\n(٧) سورة الزمر، الآية ١٥.","vol":"2","page":502},{"text":"النوع السادس: الترهيب بالعذاب النفسي يوم القيامة: من الحكمة القولية التي توجه إلى الغافلين والمعرضين والمصرين على الجرائم والذنوب ذكر بعض ما بينه الله﷿- من العذاب النفسي لأهل النار أعاذنا الله منها، ومن هذا النوع على سبيل المثال:\nقال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم: ٢٢] (١) وقال تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ - رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ - قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٦ - ١٠٨] (٢) وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ - قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ - ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر: ١٠ - ١٢] (٣) وقال تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ - لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧ - ٧٨] (٤).\n_________\n(١) سورة إبراهيم، الآية ٢٢.\n(٢) سورة المؤمنون، الآيات ١٠٦ - ١٠٨.\n(٣) سورة غافر، الآيات ١٠ - ١٢.\n(٤) سورة الزخرف، الآيتان ٧٧ - ٧٨.","vol":"2","page":503},{"text":"وغير ذلك من أنواع العذاب النفسي، فإنهم عندما يسألون الخروج من النار، ثم ترد عليهم مسألتهم تتقطع قلوبهم هما وغما (١).\nالقسم الثاني: الترهيب بذكر الوعيد بالعذاب والعقوبات على أنواع الذنوب وآحادها هذا قسم مهم، والناس بحاجة إليه، ليبتعدوا عن آحاد المعاصي، ويقلعوا عما تلبسوا به منها، ويظهروا توبتهم الصادقة.\nفينبغي للداعية إلى الله- تعالى- أن يهتم بهذا القسم، ويذكر ما ورد في الكتاب والسنة من الوعيد بالعذاب والعقوبات والنقم على آحاد الذنوب وأنواعها كالتهاون ببعض أمور العقيدة الإسلامية، وكالتهاون بالصلاة والزكاة والصوم والحج عند الاستطاعة، والتحذير من عقوق الوالدين، وقطيعة الأرحام، والتهاجر بين المسلمين، والشحناء، والإنذار من قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، والزنا، واللواط، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والسرقة، وأكل أموال الناس بالباطل، وشرب الخمر، ولعب الميسر، والقذف، والغيبة، والنميمة، وأعظم من ذلك التحذير من الشركيات والبدع المحدثة في الدين والسحر، وإتيان الكهنة والعرافين، والتعلق بالأولياء والصالحين، وغير ذلك من أنواع المعاصي.\nويلزم الداعية أن يحذر الناس بالقول الحكيم من أنواع الرذائل الخلقية: كالجبن، وعدم العفة، والكذب، ونقض العهد، والغدر، والخيانة، والنفاق، والرياء، والغضب، والكبر، والبخل، والشح، والجزع عند\n_________\n(١) انظر: أنواع وأصناف عذاب أهل النار وصفاتهم وبعض ما أعد الله لهم في جامع الأصول لابن الأثير ١٠/ ٥١٢ - ٥٢٣، ثم ١٠/ ٥٣٧ - ٥٦٤، والتخويف من النار لابن رجب ص ٦٤ - ٢٨٣.","vol":"2","page":504},{"text":"المصائب، والحقد، والحسد، والتحذير من كل ما يضر الأمة في دينها ودنياها (١).\nفإذا ذكر الداعية ما ورد في ذلك من التحذير بالقول الحكيم أثمر ذلك مجتمعا مستقيما- بإذن الله تعالى-.\nونظرا لسعة هذا القسم وكثرة أنواعه فسأكتفي بالأمثلة التالية:\nقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢] (٢) وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣] (٣) وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٥] (٤).\nأما الأمثلة من السنة فمنها قوله ﷺ: \"اجتنبوا السبع الموبقات\" قالوا: يا رسول الله، وما هن؟ قال: \"الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات\" (٥).\nوقال ﷺ: «لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم\n_________\n(١) انظر: الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، لابن القيم ص١٨٠ - ٣٠٥، وهداية المرشدين ص ٢١٥.\n(٢) سورة المائدة، الآية ٧٢.\n(٣) سورة النساء، الآية ٩٣.\n(٤) سورة الرعد، الآية ٢٥.\n(٥) البخاري مع الفتح، كتاب الوصايا، باب قوله تعالى: \" إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما. . . \" ٥/ ٣٩٣، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر وكبرها ١/ ٩٢.","vol":"2","page":505},{"text":"الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا الزكاة إلا من منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم» (١).\nوهذا من أعلام نبوته ﷺ، فقد وقع ذلك كله بمن وقع في هذه المعاصي، ومن الأدلة المحسوسة على ذلك مرض الإيدز، الذي وقع بمن أباحوا الفواحش.\nوقد لعن ﷺ من لعن والديه، ومن ذبح لغير الله، ومن آوى محدثا، ولعن على فعل ذنوب كثيرة غير ذلك (٢).\nوذكر الداعية ذلك مما يدفع العصاة على الفرار من الذنوب والرجوع إلى الله - تعالى-، والندم على ما مضى، والله الموفق سبحانه (٣).\n_________\n(١) ابن ماجه، كتاب الفتن، باب العقوبات ٢/ ٣٣٣، والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي ٤/ ٥٤٠، وانظر: صحيح ابن ماجه ٢/ ٣٧٠، وسلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني ١/ ٧، برقم ١٠٦.\n(٢) انظر أنواعا من المعاصي التي لعن عليها رسول الله ﷺ في الجواب الكافي لابن القيم، ص ١١٥ - ١١٩.\n(٣) انظر في الترهيب بالوعيد بالعذاب على أنواع الذنوب وآحادها: كتاب الترغيب والترهيب للمنذري، وكتاب الكبائر للذهبي، وكتاب تنبيه الغافلين عن أعمال الهالكين وتحذير السالكين من أفعال الهالكين، للإمام محي الدين أبي زكريا، أحمد بن إبراهيم بن النحاس الدمشقي، المتوفى سنة ٨١٤ هـ.","vol":"2","page":506},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-171>المطلب الثالث حكمة القول التصويرية</span>\nمن حكمة القول في الدعوة إلى الله -تعالى- استخدام الأساليب التصويرية التي تدخل على القلوب مباشرة فتؤثر فيها، وتشد أذهان المدعوين، وتشوقهم إلى الاستماع والاستفادة، ومن ذلك على سبيل المثال ما يلي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-172>المسلك الأول: القصص الحكيم:</span>\nالقصة من خير ما يتوصل به الداعية الحكيم لإبلاغ دعوته إلى أعماق القلوب؛ لأن النفس تميل إليها، وترغب فيها، يقول سيد قطب -﵀-: \"مما لا شك فيه أن للقصص طريقته الخاصة في عرض الحقائق وإدخالها إلى القلوب في صورة حية عميقة الإيقاع بتمثيل هذه الحقائق في صورتها الواقعية، وهي تجري في الحياة البشرية، وهذا أوقع في النفس من مجرد عرض الحقائق عرضا تجريديا\" (١).\nوأفضل القصص ما جاء في القرآن الكريم، والسنة الصحيحة، فقد بين الله -﷿- في كتابه العزيز أخبار الأمم الماضية أحسن بيان، ومن ذلك قصص الأنبياء وأقوامهم، وأثنى على أنبيائه ومن تبعهم من المؤمنين، وبين سنته في نصرتهم وتأييدهم، وذم الأمم التي كذبت رسلها، وبين سنته فيهم، وما أوقع بهم من العذاب والدمار، وغير ذلك من القصص العظيم الحسن كما قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: ٣] (٢) ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى﴾ [يوسف: ١١١] (٣).\n_________\n(١) في ظلال القرآن ١/ ٣٩٠.\n(٢) سورة يوسف، الآية ٣.\n(٣) سورة يوسف، الآية ١١١.","vol":"2","page":507},{"text":"أما القصص من السنة فإن قدوة الداعية في ذلك رسول الله ﷺ، فقد كان يقص على أصحابه القصص الذي ينفعهم، ويرغبهم في الخير، ويخوفهم من الوقوع في ضده، ومن ذلك: قصة الأبرص والأعمى والأقرع (١) ففي هذه القصة التحذير من كفران النعم والبخل، والتشويق إلى شكر النعم، والاعتراف بها للخالق، والإحسان إلى الناس (٢).\nوقصة الغلام مع الملك والساحر والراهب (٣) وفيها تشويق الناس في الثبات على دين الله، والتضحية بكل غال ورخيص في سبيل نصرة دين الله وإظهاره.\nوقصة الرجل الذي قتل مائة ثم تاب فتاب الله عليه (٤) فإن في هذه القصة الإيضاح للناس أن من تاب تاب الله عليه، وأن البيئة لها تأثير على الشخص، فلابد للتائب أن يلتمس الجليس الصالح، وغير ذلك كثير في السنة النبوية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-173>المسلك الثاني: التشبيه وضرب الأمثال:</span>\nفي القرآن الكريم كثير من الأمثال المضروبة، والداعية لا بد له من ذلك في دعوته، ومن ذلك أن الله -تعالى- شبه المنفق في سبيله بمن بذر بذرا فأنبتت كل حبة سبع سنابل، اشتملت كل سنبلة على مائة حبة، والله يضاعف فوق ذلك لمن يشاء بحسب حال المنفق وإخلاصه (٥).\n_________\n(١) البخاري مع الفتح، كتاب أحاديث الأنبياء، باب حديث أبرص وأعمى وأقرع من بني إسرائيل، ٦/ ٥٠٠، ومسلم، كتاب الزهد والرقائق، برقم ٢٩٦٤، ٤/ ٢٢٧٥.\n(٢) انظر: فتح الباري ٦/ ٥٠٣.\n(٣) انظر: صحيح مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب قصة أصحاب الأخدود والساحر والغلام، ٤/ ٢٢٩٩.\n(٤) انظر: صحيح مسلم، كتاب التوبة، باب قبول توبة القاتل وإن كثر قتله، ٤/ ٢١١٨.\n(٥) انظر: سورة البقرة، الآية ١٦٢.","vol":"2","page":508},{"text":"ومثل المنفق رياء وسمعة وبطلان عمله كمثل حجر أملس عليه تراب فأصابه مطر شديد، فتركه أملس لا شيء عليه (١).\nوشبه سبحانه الدنيا في زهرتها وسرعة زوالها بالماء الذي ينزل من السماء فأنبت الكلأ والعشب، ثم صار بعد هذه النضرة هشيما (٢) وغير ذلك كثيرا في كتاب الله تعالى (٣).\nوضرب النبي ﷺ الأمثال في دعوته، ومن ذلك تشبيهه الجليس الصالح بحامل المسك، والجليس السوء بنافخ الكير (٤) وهذا من حكمة النبي ﷺ لأنه جمع بين الترغيب والحث على مجالسة من يستفاد من مجالسته في الدين والدنيا، وحذر من مجالسة من يتأذى بمجالسته فيهما (٥) وهذا كثير في السنة (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-174>المسلك الثالث: لفت الأنظار والقلوب إلى الصور المعنوية وآثارها:</span>\nمن حكمة القول التصويرية لفت أنظار الناس إلى الأوصاف الحميدة المعنوية، وبيان آثارها العملية التي تحصل بسبب تطبيقها والعمل بها، ومن\n_________\n(١) انظر: سورة البقرة، الآية ٢٦٤.\n(٢) انظر: سورة الكهف، الآية ٤٥.\n(٣) انظر: أمثال القرآن لابن القيم ص ٥٠ - ٥٢.\n(٤) انظر البخاري مع الفتح، كتاب الذبائح والصيد، باب المسك، ٩/ ٦٦٠، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب استحباب مجالسة الصالحين ٤/ ٢٠٢٦.\n(٥) انظر: فتح الباري ٤/ ٣٢٤، وشرح صحيح مسلم للنووي ١٦/ ١٧٨.\n(٦) انظر كثيرا من الأمثال في السنة في صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضيلة حافظ القرآن، ١/ ٥٤٩ برقم ٧٩٧، وكتاب الزكاة، باب مثل البخيل، ٢/ ٧٠٨، برقم ١٠٢١، وكتاب الإمارة، باب فضل الشهادة في سبيل الله، ٣/ ١٤٩٨، برقم ١٨٧٨، وكتاب الفضائل، ٤/ ١٧٨٧ - ١٧٩١، بأرقام ٢٢٨٢ - ٢٢٨٧، وكتاب البر والصلة، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم، ٤/ ٩٩٩ - ٢٠٠٠، برقم ٢٥٨٥ - ٢٥٨٦، وكتاب صفات المنافقين ٤/ ٢١٤٦، برقم ٢٧٨٤، و٤/ ٢١٦٣ - ٢١٦٦، بأرقام ٢٨٠٩ - ٢٨١٢، وكتاب الأمثال للرامهرمزي، وسنن الترمذي، كتاب الأمثال ٥/ ١٤٤ - ١٤٨، ومسند الإمام أحمد، ١/ ٤٣٥، ٤٦٥، ٤/ ١٨٢، ١٨٣، ٢٠٢.","vol":"2","page":509},{"text":"هذه الصور المعنوية ذكر الداعية أوصاف المؤمنين، وآثار هذه الأوصاف، وهذا كثير في كتاب الله -تعالى-، ومن ذلك قوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ. إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ. فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ. أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ. الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١).\nوهذه أوصاف تجذب القلوب الحية، وتلفت الأنظار إلى هذه الصفات العالية وآثارها الحميدة، ومن أعظم آثارها الفوز بالفردوس الأعلى في الجنة، وكتاب الله يزخر بأوصاف عباد الله المؤمنين، وآثار هذه الأوصاف في الدنيا والآخرة (٢).\nفحري بالداعية أن لا يغفل هذا الجانب؛ فإن له الأثر الحميد بتوفيق الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-175>المسلك الرابع: لفت الأنظار والقلوب إلى الآثار المحسوسة:</span>\nمن حكمة القول التصويرية لفت أنظار الناس إلى آثار الأمم الماضية، والأفراد والجماعات الظالمة، والقرى والأمصار المكذبة المجرمة، وقد تكون الآثار في الأزمان القريبة أو الأماكن والأزمان المعاصرة المتأخرة؛ فإن في\n_________\n(١) سورة المؤمنون، الآيات١ - ١١.\n(٢) انظر كثيرا من هذه الأوصاف وآثارها في سورة البقرة، الآية ١٧٧، وآل عمران، الآيات ١٥ - ١٧، ١٣٢ - ١٣٦، والتوبة، الآية ٧١، والفرقان، الآيات ٦٣ - ٧٤، والأحزاب الآية ٣٥، والذاريات، الآيتان ١٥، ١٦، والمعارج، الآيات ٢٢ - ٣٥.","vol":"2","page":510},{"text":"النظر فيما حل بهم من الهلاك والدمار والزلازل والمحن والأمراض، أعظم العبر لمن اعتبر وتفكر، ونظر واتعظ، والنظر في مساكنهم وديارهم، وكيف أبادهم وأهلكم وأذلهم، وخذلهم الملك الجبار، وجعل أخبارهم عبرة لأولى الأبصار (١)؟!.\nوقد أمر الله عباده بالسير والنظر والتأمل في هذه الآثار في آيات كثيرة منها قوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [الأنعام: ١١] (٢) وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [الروم: ٩] (٣).\nوالأمر بالسير يشمل السير بالأبدان، والتفكر بالقلوب للنظر والتأمل في عواقب المكذبين والمجرمين، والنظر بالأبصار والبصيرة في آثار هؤلاء من المساكن الخاوية، والديار المهجورة، والسماع بالآذان الأخبار المفزعة، وإلا فمجرد نظر العين الجامدة، وسماع الأذن المسدودة، وسير البدن الخالي من القلب المتفكر المعتبر غير مفيد، ولا موصل إلى المطلوب (٤).\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن كثير ٢/ ١٢٥، ٣/ ٥٦٣، ٤٢٨، والسعدي ٢/ ٣٧٧، ٦/ ١١٤، ١٣٥، ٣٣٠، ٥١٩، ٥٥٤، ٧/ ٦٨.\n(٢) سورة الأنعام، الآية ١١.\n(٣) سورة الروم، الآية ٩.\n(٤) انظر: تفسير السعدي ٦/ ١٣٥، ٣٣٠.","vol":"2","page":511},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-176>الفصل الرابع\nحكمة القوة الفعلية مع المدعوين</span>\nتمهيد: مراتب الدعوة.\nالمبحث الأول: حكمة القوة الفعلية مع جميع الكفار.\nالمبحث الثاني: حكمة القوة الفعلية مع عصاة المسلمين.","vol":"2","page":513},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-177>تمهيد</span>\nمراتب الدعوة إلى الله تعالى قد دل كتاب الله على أن مراتب الدعوة - بحسب مراتب البشر- قال الله - تعالى-: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] (١) وقال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦] (٢) فاتضح بذلك أن مراتب الدعوة إلى الله أربع مراتب كالتالي:\nالمرتبة الأولى: الحكمة.\nالمرتبة الثانية: الموعظة الحسنة.\nالمرتبة الثالثة: الجدال بالتي هي أحسن.\nالمرتبة الرابعة: استخدام القوة.\nولا بد أن تكون مرتبة الحكمة ملازمة لجميع المراتب التي بعدها، فالموعظة لا بد أن توضع في موضعها، والجدال في موضعه، واستخدام القوة في موضعه مع بيان الحق بدليله والإصابة في الأقوال والأفعال، وكل ذلك بإحكام وإتقان.\nوبهذا تكون مراتب المدعوين بحسب هذه المراتب كالتالي:\n_________\n(١) سورة النحل، الآية ١٢٥.\n(٢) سورة العنكبوت، الآية ٤٦.","vol":"2","page":515},{"text":"١ - المستجيب الذكي، القابل للحق، الذي لا يعاند ولا يأباه، وهذا يبين له الحق علما وعملا واعتقادا، فيقبله ويعمل به.\n٢ - القابل للحق المعترف به؛ لكن عنده نوع غفلة وتأخر، وله أهواء وشهوات تصده عن اتباع الحق، فهذا يدعى بالموعظة الحسنة المشتملة على الترغيب في الحق والترغيب من الباطل.\n٣ - المعاند الجاحد، فهذا يجادل بالتي هي أحسن (١).\n٤ - فإن ظلم المعاند ولم يرجع إلى الحق انتقل معه إلى مرتبة استخدام القوة إن أمكن.\nواستخدام القوة يكون بالكلام، وبالتأديب لمن له سلطة وقوة، وبالجهاد في سبيل الله -تعالى- تحت لواء ولي أمر المسلمين بالشروط التي دل عليها الكتاب والسنة (٢) وهذا ما يقتضيه مفهوم الحكمة الصحيح؛ لأنها وضع الشيء في موضعه اللائق به بإحكام وإتقان وإصابة.\nويزيد ذلك وضوحا وبيانا ما كان عليه رسول الله ﷺ وهو الذي أعطاه ربه من الحكمة ما لم يعط أحدا من العالمين، فقد كان يضع العلم والتعليم\n_________\n(١) انظر: فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢/ ٤٤، ٤٥، ١٥/ ٢٤٣، ١٩/ ١٦٤، ومفتاح دار السعادة لابن القيم ١/ ١٩٤، ١٩٥، والتفسير القيم لابن القيم ص ٣٤٤، ومعالم الدعوة في القصص القرآني للديلمي ١/ ٥٣.\n(٢) انظر: تفسير ابن كثير ٣/ ٤١٦، ٤/ ٣١٥، وفتح المجيد شرح كتاب التوحيد لمحمد بن عبد الوهاب ص ٨٩، وفتاوى سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، ١/ ٩٠، وزاد الداعية إلى الله، لفضيلة العلامة الشيخ محمد بن صالح العثيمين، ص ١٥، وأضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، للشيخ محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي، ٢/ ١٧٤ - ١٧٥.","vol":"2","page":516},{"text":"والتربية في مواضعها، والموعظة في موضعها، والمجادلة بالتي هي أحسن في موضعها، والقوة والغلظة والسيف في مواضعها، وهذا من أحكم الحكم، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التحريم: ٩] (١) وهذا عين الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى (٢).\nوقد تقدمت حكمة القول مع المراتب الثلاث الأولى من مراتب البشر السابقة، أما المرتبة الرابعة: وهم المعاندون الظالمون الذين لم يرجعوا إلى الحق، فهؤلاء من الحكمة في دعوتهم إلى الله -تعالى- استخدام القوة الفعلية معهم في المباحث التالية:\nالمبحث الأول: حكمة القوة الفعلية مع جميع الكفار الظالمين.\nالمبحث الثاني. حكمة القوة الفعلية مع عصاة المسلمين.\n_________\n(١) سورة التحريم، الآية ٩.\n(٢) انظر: تعليق الشيخ محمد حامد الفقي على التفسير القيم لابن القيم ص ٣٤٤.","vol":"2","page":517},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-178>المبحث الأول\nحكمة القوة الفعلية مع الكفار</span>\nالمطلب الأول: أسباب استخدام القوة الفعلية مع الكفار.\nالمطلب الثاني: قوة الجهاد في سبيل الله تعالى.\nالمطلب الثالث: أسباب النصر.","vol":"2","page":519},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-179>المطلب الأول\nأسباب استخدام القوة الفعلية مع الكفار</span>\nأصناف المدعوين: من الملحدين، والوثنيين، وأهل الكتاب، وغيرهم من الكفار إذا لم يؤثر فيهم ما تقدم من حكمة القول في دعوتهم، ولم يستفيدوا من حكمة القول العقلية، والحسية، والنقلية، والبراهين المعجزة، والجدال بالتي هي أحسن، وأعرضوا وكذبوا فحينئذ يكون آخر الطب الكي: وهو استخدام القوة؛ فإن لها الأثر العظيم في نشر الدعوة، وقمع الباطل وأهله، ونصر الحق وأهله، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: ٢٥] (١).\nفبين- سبحانه- أنه أرسل الرسل، عليهم الصلاة والسلام، بالبينات وهي: المعجزات، والحجج الباهرات، والبراهين الساطعات والدلائل القاطعات، التي يوضح الله بها الحق ويدفع بها الباطل، وأنزل مع الرسل الكتاب الذي فيه البينات والهدى والإيضاح، وأنزل معهم الميزان: وهو العدل في الأقوال والأفعال الذي ينصف به المظلوم من الظالم، ويقام به الحق، ويعامل الناس على ضوئه بالحق، وأنزل الحديد فيه قوة وردع وزجر لمن خالف الحق، فالحديد لمن لم تنفع فيه الحجة والبرهان وتؤثر فيه البينة، فهو الملزم بالحق والقامع للباطل بإذن الله -تعالى-. ولقد أحسن من قال في مثل هذا:\n_________\n(١) سورة الحديد، الآية ٢٥.","vol":"2","page":521},{"text":"وما هو إلا الوحي أو حد مرهف ... تميل ظباه أخدعي كل مائل\nفهذا دواء من كل عالم ... وهذا دواء الداء من كل جاهل\nهو الحق إن تستيقظوا فيه تغنموا ... وإن تغفلوا فالسيف ليس بغافل! (١).\nوقال آخر: يعني رسول الله ﷺ:\nقالوا غزوت ورسل الله ما بعثوا ... لقتل نفس ولا جاءوك لسفك دم\nجهل وتضليل أحلام وسفسطة ... فتحت بالسيف بعد الفتح بالقلم\nلما أتى لك عفوا كل ذي حسب ... تكفل السيف بالجهال والعمم (٢).\nوما أحكم ما قاله الآخر:\nدعا المصطفى دهرا بمكة لم يجب ... وقد لان منه جانب وخطاب\nفلما دعا والسيف صلت بكفه ... له أسلموا واستسلموا وأنابوا (٣).\nفالعاقل ذو الفطرة السليمة ينتفع بالبيئة والبرهان ويقبل الحق بدليله، أما الظالم المتبع لهواه فلا يرده إلا السيف وأنواع السلاح (٤) ولهذا يكون الجهاد في سبيل الله أعظم حكمة القوة في الدعوة إلى دين الله تعالى.\n_________\n(١) ديوان أبي تمام، بشرح الخطيب التبريزي، ٣/ ٨٦ - ٨٧.\n(٢) الشوقيات شعر أحمد شوقي، ١/ ٢٠١، ومنى العمم: اسم جمع للعامة.\n(٣) انظر: فتاوى الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، ٣/ ١٨٤، ٢٠٤.\n(٤) انظر الإمام محمد بن عبد الوهاب: دعوته وسيرته للعلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز ص ٢٨، وفتاوى ابن تيمية ٢٨/ ٣٧، ٢٦٤ وتفسير ابن كثير ٣/ ٤١٦، ٤/ ٣١٥، وتفسير السعدي، ٧/ ٣٠١.","vol":"2","page":522},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-180>المطلب الثاني\nقوة الجهاد في سبيل الله تعالى</span>\nالجهاد في سبيل الله (١) من أعظم ما تقرب به العباد بعد الفرائض إلى الله - تعالى-، لما يترتب عليه من نصر المؤمنين وإعلاء كلمة الدين وقمع الكافرين المعاندين الظالمين والمنافقين وغير ذلك من المصالح الكثيرة والعواقب الحميدة، وله أهداف، وأطوار، وأنواع، ومراتب إذا علمها المجاهدون وعملوا بها فقد أحرزوا حكمة القوة الفعلية في الدعوة إلى الله.\nوسأتناول ذلك بإذن الله - تعالى- في المسالك الآتية:\nالمسلك الأول: أهداف الجهاد وغايته.\nالمسلك الثاني: أطوار الجهاد.\nالمسلك الثالث: الإعداد للجهاد.\nالمسلك الرابع: ضوابط قوة الجهاد.\nالمسلك الخامس: مراتب الجهاد وأنواعه.\n_________\n(١) الجهاد في اللغة: بذل واستفراغ ما في الوسع والطاقة من قول أو فعل وفي الشرع: بذل الجهد من المسلمين في قتال الكفار، والبغاة، والمرتدين ونحوهم. وهو فرض كفاية. ويكون فرض عين في ثلاث حالات:\n١ - إذا حضر المسلم صف القتال.\n٢ - إذا حضر العدو بلدا من بلدان المسلمين.\n٣ - إذا طلب إمام المسلمين النفير.\nانظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، باب الجيم مع الهاء، والمصباح المنير، مادة \"جهد\" ١/ ١١٢، والمغني لابن قدامة ٣/ ٥ - ٨، والقتال في الإسلام، ص ١١، وذكر ابن القيم أن جنس الجهاد فرض عين: إما بالقلب، وإما باللسان، وإما بالمال، وإما باليد. فيجب على المسلم أن يجاهد في سبيل الله بنوع من هذه الأنواع حسب الحاجة والقدرة؛ ولهذا قال ﷺ: \"جاهدوا المشركين بألسنتكم، وأنفسكم، وأموالكم، وأيديكم\"، رواه أبو داود والنسائي والدارمي، وأحمد واللفظ له. ٣/ ١٥٣، وانظر زاد المعاد ٣/ ٦، ١٠، ١٢.","vol":"2","page":523},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-181>المسلك الأول: أهداف الجهاد وغايته:</span>\nالجهاد جهادان: جهاد الطلب وجهاد الدفاع، والمقصود منهما جميعا والهدف هو:\n١ - إعلاء كلمة الله، وتبليغ دينه، ودعوة الناس إليه، وإخراجهم من الظلمات إلى النور، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣] (١).\n٢ - نصر المظلومين، قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٧٥] (٢).\n٣ - رد العدوان، وحفظ الإسلام، وحماية عقيدة التوحيد، قال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٩٤] (٣) وقال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠] (٤).\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية ١٩٣.\n(٢) سورة النساء، الآية ٧٥.\n(٣) سورة البقرة، الآية ١٩٤.\n(٤) سورة الحج، الآية ٤٠.","vol":"2","page":524},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-182>المسلك الثاني: أطوار قوة الجهاد:</span>\nقد كان الجهاد في الإسلام على أطوار ثلاثة:\nالطور الأول: الإذن للمسلمين بالجهاد من غير إلزامهم به وفرضه عليهم كما في قوله سبحانه: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩] (١).\nالطور الثاني: الأمر بقتال من قاتل المسلمين والكف عمن كف عنهم كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا - إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٨٩ - ٩٠] (٢).\nالطور الثالث: جهاد الكفار والمشركين كافة، وغزوهم في بلادهم وقتالهم بعد البلاغ والدعوة إلى الإسلام وإصرارهم على الكفر، فيجاهدوا حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله. وليعم الخير أهل الأرض، وتتسع رقعة الإسلام، ويزول من طريق الدعوة دعاة الكفر والإلحاد، وينعم العباد بحكم الشريعة العادل وليخرجوا بهذا الدين من ضيق الدنيا إلى سعة الإسلام، ومن عبادة الخلق إلى عبادة الخالق سبحانه، ومن ظلم الجبابرة إلى عدل الشريعة الإسلامية وأحكامها الرشيدة.\n_________\n(١) سورة الحج، الآية ٣٩.\n(٢) سورة النساء، الآيات ٨٩ - ٩١، وانظر سورة الكهف، الآية ٢٩، وسورة البقرة، الآيتان ١٩٠، ٢٥٦.","vol":"2","page":525},{"text":"ويستمر القتال حتى يدخلوا في دين الله أو يلتزموا بالجزية بشروطها إذا كانوا من أهلها (١) كما قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] (٢).\nوهذا هو الذي استقر عليه أمر الإسلام وتوفي عليه نبينا محمد ﷺ وأنزل الله فيه آية السيف وهي من آخر ما نزل: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٥] (٣).\nوقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩] (٤). وقوله ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله» (٥).\nوهذا إذا استطاع المسلمون بدء عدوهم بالقتال وجهاده في سبيل الله. أما إذا لم يستطيعوا فعليهم أن يقاتلوا من قاتلهم واعتدى عليهم، ويكفون\n_________\n(١) انظر التفصيل فيمن تؤخذ منهم الجزية ومن لا تؤخذ منهم في زاد المعاد لابن القيم ٣/ ١٥٣، وفتاوى ابن باز ٣/ ١٩٠، وفضل الجهاد والمجاهدين لابن باز ص ٢١.\n(٢) سورة التوبة، الآية ٢٩.\n(٣) سورة التوبة، الآية ٥.\n(٤) سورة الأنفال، الآية ٣٩.\n(٥) البخاري مع الفتح، كتاب الإيمان، باب فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم ١/ ٧٥، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله ١/ ٥٣.","vol":"2","page":526},{"text":"عمن كف عنهم عملا بآية النساء وما ورد في معناها في الطور الثاني من أطوار الجهاد (١) قال تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنفال: ٦١] (٢) ولا تعارض بين هذه الآية وآية التوبة وما جاء في معناها، لأن آية التوبة فيها الأمر بقتال الكفار إذا أمكن ذلك، فأما إن كان العدو كثيفا فإنه يجوز مهادنتهم كما دلت عليه آية الأنفال، وكما فعل النبي ﷺ يوم الحديبية، فلا منافاة ولا نسخ ولا تخصيص والله أعلم (٣).\nويكون الأمر لولي الأمر إن شاء قاتل، وإن شاء كف، وإن شاء قاتل قوما دون قوم على حسب القوة والقدرة والمصلحة للمسلمين لا على حسب هواه وشهواته. فإذا صار عندهم من القوة والقدرة، والسلاح ما يستطيعون به قتال جميع الكفار أعلنوها حربا للجميع وأعلنوا الجهاد للجميع (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-183>المسلك الثالث: الإعداد لقوة الجهاد:</span>\nولا يمكن أن يكون الجهاد قويا إلا بإعداد قوتين عظيمتين.\n١ - قوة الإيمان والعمل الصالح، كما قال ﷿: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧] (٥) وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ - وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٧ - ٨] (٦) ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٥١] (٧)\n_________\n(١) قال العلامة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله ابن باز- حفظه الله-: وهذا القول أصح وأولى من القول بالنسخ وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية﵀- وبهذا يعلم أن قول من قال من كتاب العصر إن الجهاد شرع للدفاع لا للطلب قول غير صحيح ومخالف للنصوص. انظر فضل الجهاد لابن باز ص ٢٦، وفتاوى ابن باز أيضا ٣/ ١٧١.\n(٢) سورة الأنفال، الآية ٦١.\n(٣) تفسير ابن كثير ٢/ ٣٢٤.\n(٤) انظر فتاوى ابن باز ٣/ ١٩٣، وفتاوى ابن تيمية ١٣/ ١٦.\n(٥) سورة الروم، الآية ٤٧.\n(٦) سورة محمد، الآية ٧، ٨.\n(٧) سورة غافر، الآية ٥١.","vol":"2","page":527},{"text":"فالقيام بجميع الواجبات والابتعاد عن جميع المحرمات من أعظم أسباب النصر والتمكين.\n٢ - قوة الحديد وما استطاعه المسلمون من قوة مادية، قال الله - تعالى-: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] (١) والإعداد يكون على حسب الظروف والأحوال ويتناول كل وسيلة يستطيعها المسلمون، وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: «وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي» (٢) فيجب إعداد القوات البرية، والجوية، والبحرية إذا استطاع المسلمون ذلك (٣) ويجب عليهم أن يأخذوا حذرهم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١] (٤).\nوهذا يدل على وجوب العناية بالأسباب والحذر من مكائد الأعداء ويدخل في ذلك جميع أنواع الإعداد المتعلقة بالأسلحة والأبدان، وتدريب المجاهدين على أنواع الأسلحة، وكيفية استعمالها وتوجيههم إلى ما يعينهم على جهاد عدوهم والسلامة من مكائده، والله -﷿- أطلق الأمر بالإعداد وأخذ الحذر ولم يذكر نوعا دون نوع ولا حالا دون حال، وما ذلك إلا لأن الأوقات تختلف، والأسلحة تتنوع، والعدو يقل ويكثر، ويضعف ويقوى، فلهذا ينبغي على قادة المسلمين وأعيانهم ومفكريهم إعداد ما يستطيعون من قوة لقتال أعدائهم وما يرونه من المكيدة في ذلك وقد قال\n_________\n(١) سورة الأنفال، الآية ٦٠.\n(٢) مسلم، كتاب الإمارة، باب فضل الرمي والحث عليه وذم من علمه ثم نسيه ٣/ ١٥٢٢.\n(٣) انظر: عناصر القوة في الإسلام، للسيد سابق، ص ٢٢٣، وتفسير السعدي، ٣/ ١٨٣.\n(٤) سورة النساء، الآية ٧١.","vol":"2","page":528},{"text":"ﷺ: «الحرب خدعة» (١) ومعناه أن الخصم قد يدرك من خصمه بالمكر والخديعة في الحرب ما لا تدركه بالقوة والعدد، وذلك مجرب ومعروف (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-184>المسلك الرابع: ضوابط قوة الجهاد:</span>\nومع أن ما تقدم هو مفهوم القوة الصحيح في الدعوة إلى الله -تعالى-، فإن قوة الجهاد في سبيل الله لها ضوابط ينبغي أن يلتزم بها المجاهدون في سبيل الله- تعالى- ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠] فيدخل في ذلك ارتكاب المناهي: من المثلة والغلول، وقتل النساء، والصبيان، والشيوخ الذين لا رأي لهم ولا قتال، والرهبان، والمرضى، والعمي، وأصحاب الصوامع؛ لكن من قاتل من هؤلاء أو استعان الكفار برأيه قتل (٣).\nويدخل في ذلك قتل الحيوان لغير مصلحة، وتحريق الأشجار، وإفساد الزروع والثمار، والمياه، وتلويث الآبار، وهدم البيوت (٤) ولهذا كان ﷺ إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا، ثم قال: اغزوا بسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال. . . \" (٥) ثم بينها ﷺ كالآتي:\n(أ) الإسلام والهجرة، أو إلى الإسلام دون الهجرة، ويكونون كأعراب المسلمين.\n_________\n(١) مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب جواز الخداع في الحرب، ٣/ ١٣٦١، وانظر: شرح النووي، ٢١/ ١٥.\n(٢) فضل الجهاد والمجاهدين ص ٢٨، وفتاوى ابن تيمية ٢٨/ ٢٥٣.\n(٣) انظر: المغني لابن قدامة ١٣/ ١٧٥ - ١٧٩.\n(٤) انظر: تفسير ابن كثير ١/ ٢٢٧ وعناصر القوة في الإسلام ص ٢١٢.\n(٥) مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب تفسير الإمام الأمراء على البعوث، ٣/ ١٣٥٧.","vol":"2","page":529},{"text":"(ب) فإن أبوا الإسلام دعاهم إلى بذل الجزية.\n(ج) فإن امتنعوا عن ذلك كله استعان بالله وقاتلهم (١).\nومن هذه الضوابط قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨] (٢).\nفإذا كان بين المسلمين والكفار عهد أو أمان فلا يجوز للمسلمين الغدر حتى ينقضي الأمد، فإن خاف المسلمون من أعدائهم خيانة، بأن ظهر من قرائن أحوالهم ما يدل على خيانتهم من غير تصريح منهم بالخيانة، فحينئذ يخبرهم المسلمون أنه لا عهد بيننا وبينكم حتى يستوي علم المسلمين وعلم أعدائهم بذلك.\nودلت الآية على أنه إذا وجدت الخيانة المحققة من الأعداء لم يحتج أن ينبذ إليهم عهدهم؛ لأنه لم يخف منهم بل علم ذلك.\nودل مفهوم الآية أيضا أنه إذا لم يخف منهم خيانة؛ بأن لم يوجد منهم ما يدل على ذلك، أنه لا يجوز نبذ العهد إليهم، بل يجب الوفاء إلى أن تتم مدته (٣).\nولهذا قال سليم بن عامر: كان بين معاوية وبين الروم عهد وكان يسير نحو بلادهم حتى إذا انقضى عهدهم غزاهم، فجاء رجل على فرس أو برذون وهو يقول: الله أكبر، وفاء لا غدر فنظروا فإذا عمرو بن عبسة، فأرسل إليه معاوية -﵁- فسأله، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول. «من كان بينه وبين قوم عهد فلا يشد عقدة ولا يحلها حتى ينقضي\n_________\n(١) انظر المرجع السابق ٣/ ١٣٥٧، وزاد المعاد ٣/ ١٠٠.\n(٢) سورة الأنفال، الآية ٥٨.\n(٣) تفسير ابن كثير، ٢/ ٣٢١، وتفسير السعدي، ٣/ ١٨٣ - ١٨٤.","vol":"2","page":530},{"text":"أمدها أو ينبذ إليهم على سواء» فرجع معاوية (١).\nوهذا هو عين الحكمة في دعوة من ظلم وتجبر وصد عن سبيل الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-185>المسلك الخامس: مراتب قوة الجهاد وأنواعه:</span>\nالجهاد له أربع مراتب: جهاد النفس، والشيطان، والكفار والمنافقين، وأصحاب الظلم، البدع والمنكرات.\n١ - جهاد النفس له أربع مراتب: (أ) جهادها على تعلم أمور الدين والهدى الذي لا فلاح لها ولا سعادة في معاشها ومعادها إلا به.\n(ب) جهادها على العمل به بعد علمه، وإلا فمجرد العلم بلا عمل إن لم يضرها لم ينفعها.\n(ج) جهادها على الدعوة إليه ببصيرة، وتعليمه من لا يعلمه، وإلا كان من الذين يكتمون ما أنزل الله من الهدى والبينات، ولا ينفعه علمه ولا ينجيه من عذاب الله.\n(د) جهادها على الصبر على مشاق الدعوة إلى الله، وأذى الخلق، وأن يتحمل ذلك كله لله. فمن علم وعمل، وصبر فذاك يدعى عظيما في ملكوت السماوات. قال الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ - إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ - إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١ - ٣] (٢).\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الجهاد، باب في الإمام يكون بينه وبين العدو عهد فيسير إليه، ٣/ ٨٣، وانظر: صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٥٢٨.\n(٢) سورة العصر، الآيات ١ - ٣.","vol":"2","page":531},{"text":"٢ - جهاد الشيطان وله مرتبتان: (أ) جهاده على دفع ما يلقي إلى العبد من الشبهات والشكوك القادحة في الإيمان.\n(ب) جهاده على دفع ما يلقي إليه من الشهوات والإرادات الفاسدة، فالجهاد الأول بعد اليقين، والثاني بعد الصبر. قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤] (١). والشيطان من أخبث الأعداء، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦] (٢).\n٣ - جهاد الكفار والمنافقين: وله أربع مراتب:\n(أ) بالقلب. (ب) باللسان. (ج) بالمال. (د) باليد.\nوجهاد الكفار أخص باليد، وجهاد المنافقين أخص باللسان.\n٤ - جهاد أصحاب الظلم والعدوان، والبدع والمنكرات: وله ثلاث مراتب:\n(أ) باليد إذا قدر المجاهد على ذلك.\n(ب) فإن عجز انتقل إلى اللسان.\n(ج) فإن عجز جاهد بالقلب. قال ﷺ: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» (٣).\n_________\n(١) سورة السجدة، الآية ٢٤.\n(٢) سورة فاطر، الآية ٦.\n(٣) مسلم كتاب الإيمان، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان ١/ ٦٩.","vol":"2","page":532},{"text":"فهذه ثلاثة عشر مرتبة من الجهاد وأكمل الناس عند الله من كمل مراتب الجهاد كلها، والخلق متفاوتون في منازلهم عند الله تفاوتهم في مراتب الجهاد، ولهذا كان أكمل الخلق وأكرمهم على الله محمد خاتم أنبيائه ورسله؛ فإنه كفل مراتب الجهاد وجاهد في الله حق جهاده (١) فصلوات الله وسلامه عليه ما تتابع الليل والنهار.\nولما كان جهاد أعداء الله في الخارج فرعا على جهاد العبد نفسه في ذات الله كما قال ﷺ: «ألا أخبركم بالمؤمن؟ من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم، والمسلم من سلم الناس من لسانه ويده، والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله، والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب» (٢). كان جهاد النفس مقدما على جهاد العدو في الخارج وأصلا له، فإنه ما لم يجاهد نفسه أولا لتفعل ما أمرها الله به وتترك ما نهاها الله عنه، ويحاربها في الله، لم يمكنه جهاد عدوه في الخارج، فكيف يمكنه جهاد عدوه والانتصار عليه، وعدوه الذي بين جنبيه غالب له وقاهر له؛ ولا يمكنه الخروج إلى عدوه حتى يجاهد نفسه على الخروج. فهذان عدوان (٣) وبينهما عدو ثالث لا يمكن للعبد أن يجاهدهما إلا بجهاده، وهو واقف بينهما يثبط الإنسان عن جهادهما ويخوفه ويخذله، ولا يزال يخوفه ما في جهادهما من المشاق، وفوات اللذات، والشهوات، فلا يمكنه أن يجاهد هذين العدوين إلا بجهاد هذا العدو الثالث وهو الأصل لجهادهما وهو الشيطان (٤).\nويتضح مما تقدم أن ميادين أو أنواع القتال في الجهاد كالآتي:\n_________\n(١) انظر: زاد المعاد ٣/ ١٠، ١٢.\n(٢) أحمد بسند جيد، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي ١/ ١١.\n(٣) النفس والعدو في خارجها.\n(٤) انظر. زاد المعاد ٣/ ٦.","vol":"2","page":533},{"text":"١ - جهاد الكفار، والمنافقين، والمرتدين (١).\n٢ - جهاد البغاة المعتدين.\n٣ - جهاد الدفاع عن: الدين، والنفس، والأهل، والمال. ويدخل في هذا النوع جهاد قطاع الطرق أو المحاربين. قال ﷺ: «من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد» (٢).\n_________\n(١) انظر \"التفصيل في ذلك، زاد المعاد ٣/ ١٠٠، ٦ - ١١، والمغني لابن قدامة ١٢/ ٢٦٤، والقتال في الإسلام لمحمد الجعوان ص ١١٣.\n(٢) أبو داود، كتاب الأدب، باب في قتال اللصوص، ٤/ ٢٤٦ والترمذي، كتاب الديات، باب ما جاء فيمن قتل دون ماله فهو شهيد، ٤/ ٢٨ والنسائي، كتاب تحريم الدم، باب من قتل دون ماله، ٧/ ١٩٤، وأحمد برقم ١٦٥٢ - ١٦٥٣.","vol":"2","page":534},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-186>المطلب الثالث أسباب النصر</span>\nمن المعلوم يقينا أن النصر على الأعداء له أسباب تحققه للمسلمين على أعدائهم بإذن الله -تعالى-، وسأذكر معظم هذه الأسباب بإيجاز في أربعة عشر مسلكا كالتالي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-187>المسلك الأول: الإيمان والعمل الصالح:</span>\nوعد الله المؤمنين بالنصر المبين على أعدائهم، وذلك بإظهار دينهم، وإهلاك عدوهم وإن طال الزمن قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ - يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر: ٥١ - ٥٢] (١). وقال سبحانه: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧] (٢). والمؤمنون الموعودون بالنصر هم الموصوفون بقوله تعالى. ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ - الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ - أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٢ - ٤] (٣). وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥] (٤). وقال تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١] (٥).\n_________\n(١) سورة غافر، الآيتان ٥١، ٥٢.\n(٢) سورة الروم، الآية ٤٧.\n(٣) سورة الأنفال، الآيات ٢ - ٤.\n(٤) سورة النور، الآية ٥٥.\n(٥) سورة النساء، الآية ١٤١.","vol":"2","page":535},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-188>المسلك الثاني: نصر دين الله تعالى:</span>\nومن أعظم أسباب النصر: نصر دين الله- تعالى- والقيام به قولا، واعتقادا، وعملا ودعوة. قال تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ - الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١] (١). وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ - وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٧ - ٨] (٢). وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ - إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ - وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣] (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-189>المسلك الثالث: التوكل على الله والأخذ بالأسباب:</span>\nالتوكل على الله مع إعداد القوة من أعظم عوامل النصر لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المائدة: ١١] (٤). وقال سبحانه: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٠] (٥). وقال تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] (٦). ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب: ٣] (٧).\n_________\n(١) سورة الحج، الآيتان ٤٠، ٤١.\n(٢) سورة محمد، الآيتان ٧، ٨.\n(٣) سورة الصافات، الآيات ١٧١ - ١٧٣.\n(٤) سورة المائدة، الآية ١١.\n(٥) سورة آل عمران، الآية ١٦٠.\n(٦) سورة آل عمران، الآية ١٥٩.\n(٧) سورة الأحزاب، الآية ٣.","vol":"2","page":536},{"text":"﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٨] (١). وقال ﷺ: «لو أنكم كنتم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا» (٢). ولابد مع التوكل من الأخذ بالأسباب، لأن التوكل يقوم على ركنين عظيمين:\n(أ) الاعتماد على الله والثقة بوعده ونصره تعالى.\n(ب) الأخذ بالأسباب المشروعة.\nولهذا قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] (٣). وعن أنس -﵁- «أن رجلا قال: يا رسول الله أعقلها وأتوكل أو أطلقها وأتوكل؟ قال: \"اعقلها وتوكل» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-190>المسلك الرابع: المشاورة بين المسئولين:</span>\nكما كان رسول الله ﷺ يشاور أصحابه مع كمال عقله وسداد رأيه امتثالا لأمر الله تعالى وتطييبا لنفوس أصحابه قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] (٥). ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨] (٦).\n_________\n(١) سورة الفرقان، الآية ٥٨.\n(٢) الترمذي، كتاب الزهد، باب في التوكل على الله ٤/ ٥٧٣، وانظر صحيح الترمذي ٢/ ٢٧٤.\n(٣) سورة الأنفال، الآية ٦٠.\n(٤) الترمذي، كتاب صفة القيامة، باب حدثنا عمرو بن علي ٤/ ٦٦٨، وانظر صحيح الترمذي ٢/ ٣٠٩.\n(٥) سورة آل عمران، الآية ١٥٩.\n(٦) سورة الشورى، الآية ٣٨.","vol":"2","page":537},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-191>المسلك الخامس: الثبات عند لقاء العدو:</span>\nمن عوامل النصر الثبات عند اللقاء وعدم الانهزام والفرار، فقد ثبت النبي ﷺ في جميع معاركه التي خاضها، كما فعل في بدر، وأحد وحنين. وكان يقول في حنين حينما ثبت وتراجع بعض المسلمين: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب. اللهم نزل نصرك» (١) وثبت أصحابه من بعده. وهو قدوتنا وأسوتنا الحسنة ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١] (٢).\nوقال ﷺ: «يا أيها الناس لا تمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-192>المسلك السادس: الشجاعة والبطولة والتضحية:</span>\nمن أعظم أسباب النصر: الاتصاف بالشجاعة والتضحية بالنفس والاعتقاد بأن الجهاد لا يقدم الموت ولا تؤخره؛ ولهذا قال تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨] (٤).\nقال الشاعر:\nمن لم يمت بالسيف مات بغيره ... تعددت الأسباب والموت واحد\nولهذا كان أهل الإيمان الكامل هم أشجع الناس، وأكملهم شجاعة هو إمامهم محمد ﷺ، وقد ظهرت شجاعته في المعارك الكبرى التي قاتل فيها ومنها على سبيل المثال:\n_________\n(١) البخاري مع الفتح، كتاب الجهاد، باب من صف أصحابه عند الهزيمة ٦/ ١٠٥، ومسلم، كتاب الجهاد والسير، باب في غزوة حنين، ٣/ ١٤٠١.\n(٢) سورة الأحزاب، الآية ٢١.\n(٣) مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب كراهة تمني لقاء العدو والأمر بالصبر عند اللقاء، ٣/ ١٣٦٢.\n(٤) سورة النساء، الآية ٧٨.","vol":"2","page":538},{"text":"(أ) شجاعته البطولية الفذة في معركة بدر، قال علي بن أبي طالب - ﵁-: «لقد رأيتنا يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله ﷺ وهو أقربنا إلى العدو وكان من أشد الناس يومئذ بأسنا» (١). وقال﵁-: «كنا إذا حمي البأس ولقي القوم القوم اتقينا برسول الله ﷺ فلا يكون أحدنا أدنى إلى القوم منه» (٢).\n(ب) في معركة أحد قاتل قتالا بطوليا لم يقاتله أحدا (٣).\n(ج) في معركة حنين: قال البراء: «كنا إذا احمر البأس نتقي به وإن الشجاع منا للذي يحاذي به يعني النبي ﷺ» (٤).\nوهكذا أصحابه -﵃- ومن بعدهم من أهل العلم والإيمان فينبغي للمجاهدين أن يقتدوا بنبيهم ﷺ، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١] (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-193>المسلك السابع: الدعاء وكثرة الذكر:</span>\nمن أعظم وأقوى عوامل النصر الاستغاثة بالله وكثرة ذكره، لأنه القوي القادر على هزيمة أعدائه ونصر أوليائه، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦] (٦). ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] (٧).\n_________\n(١) أخرجه الإمام أحمد في المسند ١/ ٨٦.\n(٢) أخرجه الحاكم قي المستدرك وصححه ووافقه الإمام الذهبي ٢/ ١٤٣.\n(٣) انظر زاد المعاد ٣/ ١٩٩.\n(٤) مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب في غزوة حنين، ٣/ ١٤٠١.\n(٥) سورة الأحزاب، الآية ٢١.\n(٦) سورة البقرة، الآية ١٨٦.\n(٧) سورة غافر، الآية ٦٠.","vol":"2","page":539},{"text":"﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٩] (١). وقد أمر الله بالذكر والدعاء عند لقاء العدو، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥] (٢). لأنه سبحانه النصير فنعم المولى ونعم النصير. وقال تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ١٢٦] (٣). ولهذا كان النبي، ﷺ يدعو ربه في معاركه ويستغيث به، فينصره ويمده بجنوده، ومن ذلك أنه نظر ﷺ يوم بدر إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلا فاستقبل ﷺ القبلة ورفع يديه واستغاث بالله، وما زال يطلب المدد من الله وحده مادا يديه حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه وقال: (يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك)، فأنزل الله -﷿- ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩] (٤) فأمده الله بالملائكة. وهكذا كان ﷺ يدعو الله في جميع معاركه، ومن ذلك قوله: «اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب [مجري السحاب] [هازم الأحزاب]، اهزم الأحزاب. اللهم اهزمهم وزلزلهم، وانصرنا عليهم» (٥). وكان يقول عند لقاء العدو: \"اللهم أنت عضدي، وأنت نصيري، بك أحول، وبك أصول، وبك أقاتل\" (٦). وكان إذا خاف\n_________\n(١) سورة الأنفال، الآية ٩.\n(٢) سورة الأنفال، الآية ٤٥.\n(٣) سورة آل عمران، الآية ١٢٦.\n(٤) سورة الأنفال، الآية ٩.\n(٥) مسلم، كتاب، الجهاد والسير، باب استحباب الدعاء بالنصر عند لقاء العدو ٣/ ١٣٦٣.\n(٦) أبو داود، كتاب الجهاد، باب ما يدعى عند اللقاء، ٣/ ٤٢ والترمذي، كتاب الدعوات، باب في الدعاء إذا غزا، ٥/ ٥٧٢، وانظر صحيح أبي داود ٢/ ٤٩٩.","vol":"2","page":540},{"text":"قوما قال: «اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم» (١). وقال ابن عباس - ﵄-: «حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد حين قال له الناس: \"إن الناس قد جمعوا لكم» (٢). وهكذا ينبغي أن يكون المجاهدون في سبيل الله- تعالى- لأن الدعاء يدفع الله به من البلاء ما الله به عليم.\nولهذا قال ﷺ. «لا يرد القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-194>المسلك الثامن: طاعة الله ورسوله ﷺ:</span>\nطاعة الله ورسوله من أقوى دعائم وعوامل النصر، فيجب على كل مجاهد في سبيل الله - تعالى- بل على كل مسلم أن لا يعصي الله طرفة عين، فما أمر الله- تعالى- به وجب الائتمار به، وما نهى عنه تعالى وجب الابتعاد عنه. ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال: ٤٦] (٤). وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور: ٥٢] (٥). ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦] (٦). وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] (٧).\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الصلاة، باب ما يقول إذا خاف قوما، ٢/ ٨٩ وأحمد ٤/ ٤١٤، وانظر: صحيح أبي داود، ١/ ٢٨٦.\n(٢) البخاري مع الفتح، كتاب التفسير، سورة آل عمران، باب \" الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم \"، ٨/ ٢٢٩.\n(٣) الترمذي، كتاب القدر، باب ما جاء لا يرد القدر إلا الدعاء ٤/ ٤٤٨، وانظر صحيح الترمذي ٢/ ٢٢٥، والأحاديث الصحيحة برقم ١٥٤.\n(٤) سورة الأنفال، الآية ٤٦.\n(٥) سورة النور، الآية ٥٢.\n(٦) سورة الأحزاب، الآية ٣٦.\n(٧) سورة النور، الآية ٦٣.","vol":"2","page":541},{"text":"وقال ﷺ: \". . . «وجعل الذل والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-195>المسلك التاسع: الاجتماع وعدم النزاع:</span>\nيجب على المجاهدين أن يحققوا عوامل النصر ولا سيما الاعتصام بالله والتكاتف، وعدم النزاع والافتراق، قال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦] (٢). وقال: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] (٣). وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-196>المسلك العاشر: الصبر والمصابرة:</span>\nلا بد من الصبر في الأمور كلها ولا سيما الصبر على قتال أعداء الله ورسوله. والصبر ثلاثة أنواع: صبر على طاعة الله التي هي من عوامل النصر، وصبر عن محارم الله، وصبر على أقدار الله المؤلمة. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠] (٥). ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦] (٦). وجاء عنه ﷺ «واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر\n_________\n(١) أحمد، ٢/ ٩٢، والبخاري مع الفتح معلقا ٦/ ٩٨، وانظر صحيح الجامع الصغير٣/ ٨.\n(٢) سورة الأنفال، الآية ٤٦.\n(٣) سورة آل عمران، الآية ١٠٣.\n(٤) سورة النساء، الآية ٥٩.\n(٥) سورة آل عمران، الآية ٢٠٠.\n(٦) سورة الأنفال، الآية ٤٦.","vol":"2","page":542},{"text":"يسرا» (١). وقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ - وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ - فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦ - ١٤٨] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-197>المسلك الحادي عشر: الإخلاص لله تعالى:</span>\nلا يكون المقاتل والغازي مجاهدا في سبيل الله إلا بالإخلاص، قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ [الأنفال: ٤٧] (٣) الآية. وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩] (٤). «وجاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر (٥). والرجل يقاتل ليرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ قال: \" من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» (٦) وقد ثبت عنه ﷺ أن أول من يقضى عليه يوم القيامة ثلاثة، وذكر منهم من قاتل ليقال: هو جرئ- أي شجاع (٧).\n_________\n(١) مسند الإمام أحمد، ١/ ٣٠٧.\n(٢) سورة آل عمران، الآيات ١٤٦ - ١٤٨.\n(٣) سورة الأنفال، الآية ٤٧.\n(٤) سورة العنكبوت، الآية ٦٩.\n(٥) أي ليذكر بين الناس ويشتهر بالشجاعة انظر فتح الباري ٦/ ٢٨.\n(٦) البخاري مع الفتح، كتاب الجهاد، باب من قاتل لتكون كلمته هي العليا، ٦/ ٢٨، ومسلم، كتاب الإمارة، باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله، ٣/ ١٥١٣.\n(٧) انظر صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب من قاتل للرياء والسمعة استحق النار، ٣/ ١٥١٤.","vol":"2","page":543},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-198>المسلك الثاني عشر: الرغبة فيما عند الله تعالى:</span>\nمما يعين على النصر على الأعداء هو الطمع في فضل الله وسعادة الدنيا والآخرة، ولهذا نصر الله نبيه ﷺ وأصحابه من بعده، ومما يدل على الرغبة فيما عند الله تعالى ما يأتي:\n(أ) ما فعل عمير بن الحمام في بدر حينما قال ﷺ: «قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض\". فقال يا رسول الله جنة عرضها السماوات والأرض؟ قال: \"نعم\" قال: بخ بخ (١) فقال ﷺ: \"ما يحملك على قولك بخ بخ؟ \" قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها. قال: \"فإنك من أهلها\". فأخرج تمرات من قرنه (٢) فجعل يأكل منهن ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قتل» (٣).\n(ب) ما فعل أنس بن النضر - عم أنس بن مالك - يوم أحد. تأخر - ﵁- عن معركة بدر، فشق عليه ذلك وقال: أول مشهد شهده رسول الله ﷺ غبت عنه، وإن أراني الله مشهدا فيما بعد مع رسول الله ﷺ ليراني الله ما أصنع (٤). فشهد مع رسول الله ﷺ يوم أحد، فاستقبل سعد بن معاذ فقال له أنس: يا أبا عمرو واها لريح الجنة (٥) أجده دون أحد فقاتلهم حتى قتل، فوجد في جسده بضع وثمانون من بين ضربة وطعنة ورمية، فما عرفته أخته- الربيع بنت النضر - إلا ببنانه، ونزلت هذه الآية: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣]\n_________\n(١) كلمة تقال لتعظيم الأمر وتفخيمه في الخير. انظر شرح النووي ١٣/ ٤٥.\n(٢) أي جعبة النشاب. انظر شرح النووي ١٣/ ٤٦.\n(٣) مسلم، كتاب الإمارة، باب ثبوت الجنة للشهيد، ٣/ ١٥١٠.\n(٤) أي ليرى الله ما أصنع. انظر شرح النووي، ١٣/ ٤٨.\n(٥) كلمة تحنن وتلهف، انظر: شرح النووي، ٣/ ٤٨.","vol":"2","page":544},{"text":"فكانوا يرون أنها نزلت فيه وفي أصحابه (١).\nوالمسلم المجاهد في سبيل الله - تعالى- إذا رغب فيما عند الله، فإنه لا تبالي بما أصابه رغبة في الفوز العظيم.\nفلست أبالي حين أقتل مسلما ... على أي جنب كان في الله مصرعي\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-199>المسلك الثالث عشر: إسناد القيادة لأهل الإيمان:</span>\nمن أسباب النصر تولية قيادة الجيوش، والسرايا، والأفواج والجبهات لمن عرفوا بالإيمان الكامل والعمل الصالح والشجاعة الحكيمة، ثم الأمثل فالأمثل، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] (٢). والله -﷿- يحب أهل التقوى، ومحبته- سبحانه- للعبد من أعظم الأسباب في توفيق عبده وتسديده ونصره على أعدائه قال تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ٧٦] (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-200>المسلك الرابع عشر: التحصن بالدعائم المنجيات:</span>\nإن العباد لهم منجيات، ودعائم تنجيهم من المهالك والهزائم إذا حلت بهم، وهذه الأمور هي من أعظم العلاج لمن أصيب بالمهلكات أو الحروب والأوبئة، وهي كذلك وقاية من حلول المصائب قبل نزولها، وتتلخص في اتباع الدعائم المنجيات الآتية:\n_________\n(١) البخاري مع الفتح، كتاب الجهاد، باب قول الله -﷿- من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، ٦/ ٢١، و٧/ ٣٥٥، ومسلم، كتاب الإمارة، باب ثبوت الجنة للشهيد، ٣/ ١٥١٢.\n(٢) سورة الحجرات، الآية ١٣.\n(٣) سورة آل عمران، الآية ٧٦.","vol":"2","page":545},{"text":"(أ) التوبة والاستغفار من جميع المعاصي والذنوب كبيرها وصغيرها، ولا تقبل التوبة إلا بشروط:\n١ - الإقلاع عن جميع الذنوب وتركها.\n٢ - العزيمة على عدم العودة إليها.\n٣ - الندم على فعلها. فإن كانت المعصية في حق آدمي فلها شرط رابع وهو التحلل من صاحب ذلك الحق. ولا تنفع التوبة عند الغرغرة، أو بعد طلوع الشمس من مغربها. ولا شك أن التوبة النصوح والاستغفار من أعظم وسائل النصر ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١] (١) ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] (٢).\n(ب) تقوى الله تعالى وهي أن يجعل العبد بينه وبين ما يخشاه من ربه ومن غضبه وسخطه وعقابه وقاية تقيه من ذلك. وهي أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله.\n(ج) أداء جميع الفرائض وإتباعها بالنوافل؛ لأن محبة الله لعبده تحصل بذلك.\n(د) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال ﷺ: «والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا من عنده ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم» (٣). وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٥] (٤).\n_________\n(١) سورة الرعد، الآية ١١.\n(٢) سورة الأنفال، الآية ٣٣.\n(٣) الترمذي، كتاب الفتن، باب ما جاء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ٤/ ٤٦٨، وأحمد واللفظ له، ٥/ ٣٨٨، وانظر: صحيح الترمذي ٢/ ٢٣٣.\n(٤) سورة الأعراف الآية ١٦٥.","vol":"2","page":546},{"text":"(هـ) الاقتداء بالنبي ﷺ في جميع الاعتقادات، والأقوال والأفعال.\n(و) الدعاء والضراعة إلى الله تعالى.","vol":"2","page":547},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-201>المبحث الثاني\nحكمة القوة الفعلية مع عصاة المسلمين</span>\nالمطلب الأول: أسباب استخدام القوة مع عصاة المسلمين.\nالمطلب الثاني: الكلمة القوية والفعل الحكيم.\nالمطلب الثالث: التهديد الحكيم والوعيد بالعقوبة.\nالمطلب الرابع: حكمة القوة بالعقوبات الشرعية.","vol":"2","page":549},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-202>المطلب الأول\nأسباب استخدام القوة مع عصاة المسلمين</span>\nكما أن من الحكمة في الدعوة إلى الله استخدام القوة مع الكفار عند الحاجة إليها، فكذلك تستخدم مع من يحتاجها من المسلمين الذين لم ينتفعوا بالمواعظ من الترغيب والترهيب، ولم يستفيدوا من حكمة القول التصويرية: من ضرب الأمثال، ولفت الأنظار إلى الصور المعنوية كصفات المؤمنين وآثارها، ولفت الأنظار والقلوب إلى الآثار المحسوسة، كالأمر بالسير في الأرض، والنظر فيما حل بالمكذبين من الدمار والهلاك.\nفإذا لم يؤثر ما تقدم في عصاة المؤمنين فإن استخدام القوة حينئذ من الحكمة؛ لأن القوة كالعملية الجراحية للمريض إذا لم ينفع في علاج مرضه غيرها، فتستخدم عند الحاجة إليها بشرط الالتزام بالشروط والضوابط الشرعية.\nواستخدام القوة في هذه المرحلة يتنوع ويختلف باختلاف الداعية والمدعو، والأحوال والأزمان والأماكن، وإمكانية استخدام القوة مع أمن الوقوع في المفاسد؛ فإن النبي ﷺ شرع لأمته الدعوة إلى الله - تعالى -، وإيجاب إنكار المنكر؛ ليحصل بإنكاره من المعروف ما يحبه الله ورسوله، فإذا كان إنكاره المنكر يستلزم ما هو أنكر منه، وأبغض إلى الله ورسوله؛ فإنه لا يسوغ إنكاره، وإن كان الله يبغضه ويمقت أهله، وهذا كالإنكار على الملوك والولاة بالخروج عليهم؛ فإنه أساس كل شر وفتنة إلى آخر الدهر، وقد «استأذن الصحابة -﵃- رسول الله ﷺ في قتال الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها، وقالوا: أفلا نقاتلهم؟ فقال: \"لا ما","vol":"2","page":551},{"text":"أقاموا الصلاة» (١) وقال: «من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر [ولا ينزعن يدا من طاعة]» (٢) ومن تأمل ما جرى على الإسلام في الفتن الكبار والصغار رآها من- إضاعة هذا الأصل، وعدم الصبر على منكر؛ فطلب إزالته، فتولد منه ما هو أكبر منه وأنكر؛ ولهذا كان رسول الله ﷺ يترك بعض الأمور المختارة، ويصبر على بعض المفاسد خوفا من أن يترتب على ذلك مفسدة أعظم؛ ولهذا لما فتح الله مكة وصارت دار إسلام عزم على نقض بناء البيت ورده على قواعد إبراهيم، ولكن منعه من ذلك -مع قدرته عليه- خشية وقوع ما هو أعظم منه، من عدم احتمال قريش لذلك؛ لقرب عهدهم بالإسلام، وكونهم حديثي عهد بكفر، ولهذا لم يأذن في قتل عبد الله بن أبي، ولم يأذن في الإنكار على الأمراء باليد، لما يترتب على ذلك من وقوع ما هو أعظم منه (٣).\n_________\n(١) مسلم، كتاب الإمارة، باب خيار الأئمة وشرارهم، ٣/ ١٤٨٢، وأحمد بلفظه، ٣/ ٢٨ - ٢٩.\n(٢) مسلم، كتاب الإمارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن، ٣/ ١٤٧٧، وباب خيار الأئمة وشرارهم، ٣/ ١٤٨٢، واللفظ من الموضعين.\n(٣) انظر: إعلام الموقعين لابن القيم، ٣/ ١٥ - ١٦، وشرح النووي ١٦/ ١٣٩.","vol":"2","page":552},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-203>المطلب الثاني\nالكلمة القوية والفعل الحكيم</span>\n١ - عن ابن عباس - ﵄- «أن رسول الله ﷺ رأى خاتما من ذهب في يد رجل فنزعه فطرحه، وقال: \" يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده \"! فقيل للرجل بعدما ذهب رسول الله ﷺ: خذ خاتمك انتفع به. قال: لا والله لا آخذه أبدا وقد طرحه رسول الله ﷺ» (١).\n٢ - وعن أبي هريرة - ﵁- «أن رسول الله ﷺ مر على صبرة طعام فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللا، فقال: \"ما هذا يا صاحب الطعام؟ \" قال: أصابته السماء يا رسول الله، قال: \" أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس؟ من غش فليس مني» (٢).\n٣ - «وعن عائشة - ﵂- أنها اشترت نمرقة (٣) فيها تصاوير فقام النبي ﷺ بالباب فلم يدخل، فقلت: أتوب إلى الله ماذا أذنبت؟ قال: \" ما هذه النمرقة؟ \" قلت: لتجلس عليها وتوسدها قال: \" إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم أحيوا ما خلقتم! وإن الملائكة لا تدخل بيتا فيه الصورة» (٤).\n٤ - وعنها﵂: «قدم رسول الله ﷺ من سفر وقد سترت بقرام لي (٥) على سهوة (٦) فيها تماثيل (٧) فلما رآه رسول الله ﷺ هتكه، وقال:\n_________\n(١) مسلم، كتاب اللباس، باب تحريم خاتم الذهب على الرجال ٣/ ١٦٥٥.\n(٢) مسلم كتاب الإيمان، باب قوله ﷺ من غشنا فليس منا ١/ ٩٩.\n(٣) النمرقة: قيل: هي الوسائد التي يضم بعضها إلى بعض، وقيل: هي الوسائد التي يجلس عليها. انظر: الفتح ١٠/ ٣٣٩، وشرح النووي ١٤/ ٩٠.\n(٤) البخاري مع الفتح، كتاب اللباس، باب من كره القعود على الصورة، ١٠/ ٣٨٩.\n(٥) القرام: ستر فيه رقم ونقش. انظر: شرح النووي ١٤/ ٨٨، وفتح الباري ١٠/ ٣٨٧.\n(٦) قيل بيت صغير علقت عائشة - ﵂ - الستر على بابه، وقيل: الكوة، وقيل: الرف. ورجح القول الأول الحافظ في فتح الباري ١٠/ ٣٨٧. وانظر شرح النووي ١٤/ ٨٨.\n(٧) التصاوير. انظر: الفتح ١٠/ ٣٨٧، وشرح النووي ١٤/ ٨٨.","vol":"2","page":553},{"text":"\"إن أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله\". قالت: فجعلناه وسادة أو وسادتين» (١).\n٥ - وعن عبد الله بن عمر - ﵄ - قال: «بينما النبي ﷺ يصلي رأى في قبلة المسجد نخامة فحكها بيده، فتغيظ ثم قال: \"إن أحدكم إذا كان في الصلاة فإن الله حيال وجهه فلا يتنخمن حيال وجهه في الصلاة» (٢).\nفهذه كلمات حكيمة قوية مؤثرة تصحبها الحكمة الفعلية، وما ذلك إلا لأن النبي ﷺ أسوة الدعاة إلى الله، فقد قال ﷺ: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» (٣).\n٦ - وعن عائشة - ﵂ - قالت: «ما خير رسول الله ﷺ بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما؛ فإن كان إثما كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها» (٤).\n_________\n(١) البخاري مع الفتح، كتاب اللباس، باب ما وطئ من التصاوير، ١٠/ ٣٨٧، ومسلم، كتاب اللباس والزينة، باب تحريم صور الحيوان وما فيه صور غير ممتهنة ٣/ ١٦٦٧.\n(٢) البخاري مع الفتح، كتاب الأدب، باب ما يجوز من الغضب والشدة لأمر الله، ١٠/ ٥١٧.\n(٣) مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان، ١/ ٦٩.\n(٤) البخاري مع الفتح، كتاب المناقب، باب صفة النبي ﷺ، ٦/ ٥٦٦، ١٢/ ٨٦، ١٨٦.","vol":"2","page":554},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-204>المطلب الثالث\nالتهديد الحكيم والوعيد بالعقوبة</span>\nقال ﷺ: «إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء، وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلا فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار» (١).\nوفي هذا الحديث التخويف بتقديم الوعيد والتهديد على العقوبة، والسر في ذلك- والله أعلم- أن المفسدة إذا ارتفعت بالأهون من الزجر اكتفي به عن الأعلى من العقوبة (٢) وهذا من حكمته ﷺ فقد خوف وزجر عن التخلف عن صلاة الجماعة بهذا الوعيد والهم بالتعذيب، فللداعية الحكيم القادر أن يستخدم التخويف بالعقوبة الجائزة شرعا، أما التعذيب بالنار فقد نسخ (٣).\nولا بد في التهديد والوعيد بالعقوبة من مراعاة الشروط والضوابط الشرعية، والأصول التي دل عليها كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.\nوهذه الشروط والضوابط والأصول تجعل الداعية في سلامة من الزلل، فلا ينكر منكرا ويقع ما هو أنكر منه، ولا يسعى في جلب مصلحة ويفوت ما هو أعظم منها؛ فإن من أعظم الحكم في الدعوة إلى الله دفع المفاسد وجلب المصالح، فإن تعارضت المصالح والمفاسد دفعت أعظم المفسدتين أو الضررين باحتمال أيسرهما وجلبت أعظم المصلحتين بترك أيسرهما (٤).\n_________\n(١) البخاري مع الفتح، كتاب الأذان، باب وجوب صلاة الجماعة، ٢/ ١٢٥ ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاة الجماعة وبيان التشديد في التخلف عنها ١/ ٤٥١.\n(٢) انظر: فتح الباري ٢/ ١٣٠.\n(٣) انظر: المرجع السابق ٢/ ١٣٠، قال ﷺ: \" إن النار لا يعذب بها إلا الله \" البخاري مع الفتح ٦/ ١٤٩.\n(٤) انظر: فتح الباري ١/ ٣٢٥، وشرح النووي، ٣/ ١٩١، وإعلام الموقعين لابن القيم، ٣/ ١٥ - ١٧.","vol":"2","page":555},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-205>المطلب الرابع\nحكمة القوة بالعقوبات الشرعية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-206>توطئة: </span>قرر الإسلام العقوبات الشرعية على ارتكاب الجرائم؛ ليستوفي المجرم جزاءه، ويطهر من هذه الجريمة، ويرتدع أمثاله من ناحية أخرى، وهذا من أبلغ الحكم، ومن أعدل الأحكام، ومن أعظم وسائل حفظ الأمن والاستقرار، وبهذا حفظ الإسلام لأهله: الدين، والنفس، والنسب، والعرض، والعقل، والمال (١).\nوالدعوة إلى الله - تعالى- والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يتم ذلك كله إلا بتطبيق وتنفيذ العقوبات الشرعية، فإن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، وذلك واجب على ولاة الأمور، وذلك يحصل بالعقوبات على ترك الواجبات وفعل المحرمات، ولا يجوز لهم التهاون في تنفيذها؛ لأنها من شرع الله، وتعطيلها يؤدي إلى سخط الله كما يؤدي إلى فساد المجتمع، فإذا أقيمت الحدود ظهرت طاعة الله، ونقصت معصيته، وحصل الخير والنصر والتمكين (٢) وتطبيق هذه العقوبات كما أمر الله من حكمة القوة في الدعوة إلى الله ونصر دينه. وسأذكر معظم هذه العقوبات الشرعية الحكيمة في عشرة مسالك بإيجاز كالتالي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-207>المسلك الأول: عقوبة الهجر الحكيم:</span>\nمن حكمة القوة في الدعوة إلى الله هجر من يظهر المنكرات على وجه التأديب حتى يتوب، كما هجر النبي ﷺ الثلاثة الذين خلفوا حتى أنزل الله توبتهم.\n_________\n(١) وهذا يعرف عند أهل الأصول بالضروريات. انظر: أضواء البيان ٣/ ٤٤٨.\n(٢) انظر: الحسبة في الإسلام، لابن تيمية، ص ٥٠، وأصول الدعوة، لعبد الكريم زيدان، ص ٢٧٢، وعناصر القوة في الإسلام، ص ٥١.","vol":"2","page":556},{"text":"وهذا الهجر يختلف باختلاف الهاجرين في قوتهم وضعفهم، وقلتهم وكثرتهم؛ فإن المقصود به زجر المهجور وتأديبه، ورجوع العامة عن مثل حاله، فإن كان هجره يضعف الشر كان مشروعا، وإن كان المهجور لا يرتدع بذلك ولا يرتدع به غيره، بل يزيد الشر والهاجر ضعيف وتكون مفسدة الهجر راجحة على مصلحته لم يشرع الهجر بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهجر، كما كان الهجر لبعض الناس أنفع من التأليف، ولهذا كان النبي ﷺ يتألف قوما ويهجر آخرين (١) وينبغي أن يفرق بين الهجر لحق الله وبين الهجر لحق النفس، فالهجر لحق الله- تعالى- مأمور به والثاني منهي عنه.\nولا شك أن الهجر لحق الله من العقوبات الشرعية، فهو من جنس الجهاد في سبيل الله (٢) وهذا يفعل؛ لتكون كلمة الله هي العليا ويكون الدين كله لله. وهذا يدل على أن حكمة القوة لها الأثر الكبير عند وضعها في موضعها.\nولهذا يجب على ولي أمر المسلمين- وهو الذي ينبغي أن ينصر الدعوة بعد النبي ﷺ- أن يعلم بأن إقامة الحدود والعقوبات الشرعية رحمة من الله بعباده، وأن يكون قويا في إقامة الحد لا تأخذه في الله لومة لائم، ويكون قصده رحمة الخلق بكف الناس عن المنكرات، ويكون بمنزلة الطبيب الذي يسقي المريض الدواء الكريه، فيدخل المريض على نفسه المشقة ويشرب الدواء لينال به الراحة والشفاء (٣).\n_________\n(١) انظر: فتاوى ابن تيمية ٢٨/ ٢٠٤ - ٢٠٧.\n(٢) انظر: المرجع السابق، ٢٨/ ٢٠٨.\n(٣) انظر: فتاوى ابن تيمية ٢٨/ ٣٢٩.","vol":"2","page":557},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-208>المسلك الثاني: عقوبة التعزير:</span>\nالتعزير هو العقوبة المشروعة على جناية لا حد فيها (١) وقد اتفق العلماء -﵏- على أن التعزير مشروع في كل معصية ليس فيها حد. والمعصية نوعان: ترك واجب أو فعل محرم (٢) كما يستتاب المرتد حتى يسلم، فإن تاب وإلا قتل، وكما يعاقب تارك الزكاة وحقوق الآدميين حتى يؤدوها (٣).\nوالتعزير أجناس: فمنه ما يكون بالتوبيخ والزجر بالكلام، ومنه ما يكون بالحبس، ومنه ما يكون بالنفي عن الوطن، ومنه ما يكون بالضرب؛ فإن كان ذلك لترك واجب مثل الضرب على ترك الصلاة، أو ترك أداء الحقوق الواجبة مثل: ترك وفاء الدين مع القدرة عليه، أو على ترك رد المغصوب، أو أداء الأمانة إلى أهلها فإنه يضرب مرة بعد مرة حتى يؤدي الواجب ويفرق عليه الضرب يوما بعد يوم، وإن كان الضرب على ذنب ماض جزاء بما كسب ونكالا من الله له فهذا يفعل منه بقدر الحاجة فقط، وليس لأقله حد. أما أكثر التعزير ففيه ثلاثة أقوال وأعدلها أنه لا يتقدر بحد، لكن إن كان التعزير فيما فيه مقدر لم يبلغ به ذلك المقدر مثل التعزير على سرقة دون النصاب لا يبلغ به القطع، والتعزير على المضمضة بالخمر لا يبلغ به حد الشرب، والتعزير على القذف بغير الزنا واللواط لا يبلغ به الحد (٤). أما حديث «لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله» (٥) فقد فسره طائفة من أهل العلم بأن المراد بحدود الله ما حرم لحق\n_________\n(١) انظر: المغني لابن قدامة، ١٢/ ٥٢٣.\n(٢) انظر: فتاوى ابن تيمية، ٣٥/ ٤٠٢.\n(٣) انظر. المرجع السابق، ٢٨/ ٣٤٧، والحسبة في الإسلام لابن تيمية، ص ٥٠.\n(٤) انظر: فتاوى ابن تيمية، ٢٨/ ١٠٨، والحسبة في الإسلام لابن تيمية، ص ٥٢.\n(٥) البخاري مع الفتح، كتاب الحدود، باب التعزير والأدب ١٢/ ١٧٥، ومسلم، كتاب الحدود، باب قدر أسواط التعزير ٣/ ١٣٣٢.","vol":"2","page":558},{"text":"الله، ومراد الحديث أن من ضرب لحق نفسه كضرب الرجل امرأته في النشوز وكتأديب الأب ولده الصغير فلا يزيد على عشر جلدات في التأديبات (١) ثم من لم يندفع فساده في الأرض إلا بالقتل قتل مثل: المفرق لجماعة المسلمين، والداعي إلى البدع في الدين (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-209>المسلك الثالث: القصاص:</span>\nأوجب الله - تعالى - القصاص في جريمة قتل العمد والاعتداء على الأطراف، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] (٣) وقال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] (٤) وقال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩] (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-210>المسلك الرابع: حد الزنا واللواط:</span>\n(أ) الزاني إن كان محصنا؛ فإنه يرجم بالحجارة حتى يموت كما رجم النبي ﷺ ماعز بن مالك الأسلمي، ورجم الغامدية، ورجم اليهوديين ورجم غير هؤلاء، ورجم المسلمون بعده (٦).\n_________\n(١) انظر: فتاوى ابن تيمية، ٢٨/ ٣٤٨، وفتح الباري ١٢/ ١٧٨.\n(٢) انظر: فتاوى ابن تيمية، ٢٨/ ١٠٨، ١١٢، ١١٣، ٣٤٨، والحسبة في الإسلام لابن تيمية أيضا، ص ٥٢.\n(٣) سورة البقرة، الآية ١٧٨.\n(٤) سورة المائدة، الآية ٤٥.\n(٥) سورة البقرة، الآية ١٧٩.\n(٦) انظر: فتاوى ابن تيمية، ٢٨/ ٣٣٣.","vol":"2","page":559},{"text":"(ب) وإن كان الزاني غير محصن؛ فإنه يجلد مائة جلدة بكتاب الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] (١) ويغرب عاما بسنة رسول الله ﷺ (٢).\n(ج) وأما اللواط فالصحيح الذي اتفق عليه الصحابة أنه يقتل الاثنان: الأعلى والأسفل. فعن ابن عباس -﵄- عن النبي ﷺ أنه قال: «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به» (٣) ولم يختلف الصحابة في قتله ولكن تنوعوا فيه (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-211>المسلك الخامس: حد القذف:</span>\nحفظ الإسلام الأعراض من الاعتداء عليها، وجعل عقوبة القاذف ثمانين جلدة. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ - إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٤ - ٥] (٥).\nوهذا الحد جاء به الكتاب والسنة وأجمع عليه المسلمون؛ فإذا قذف\n_________\n(١) سورة النور، الآية ٢.\n(٢) انظر: فتاوى ابن تيمية، ٢٨/ ٣٣٣.\n(٣) أخرجه أصحاب السنن: أبو داود، كتاب الحدود، باب فيمن عمل عمل قوم لوط، ٤/ ١٥٨، والترمذي، كتاب الحدود، باب ما جاء في حد اللواط، ٤/ ٥٧، وابن ماجه، كتاب الحدود، باب من عمل عمل قوم لوط، ٢/ ٨٥٦، وانظر: صحيح أبي داود ٣/ ٨٤٤، وصحيح الترمذي، ٢/ ٧٦، وصحيح ابن ماجه، ٢/ ٨٣.\n(٤) انظر: فتاوى ابن تيمية ٢٨/ ٣٣٥.\n(٥) سورة النور، الآيتان ٤، ٥.","vol":"2","page":560},{"text":"المحصن بالزنا أو اللواط وجب الحد على قاذفه، والمحصن هنا هو الحر العفيف، وفي باب حد الزنا هو الذي وطئ وطئا كاملا في نكاح تام (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-212>المسلك السادس: حد شرب الخمر:</span>\nوحد الشرب ثابت بسنة رسول الله ﷺ وإجماع المسلمين، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه ضرب في شرب الخمر بالجريد والنعال أربعين، وضرب أبو بكر - ﵁- في خلافته أربعين، وضرب عمر - ﵁- في خلافته ثمانين، وكان علي - ﵁ - يضرب مرة أربعين ومرة ثمانين. فمن العلماء من يقول يجب ضرب الثمانين، ومنهم من يقول: الواجب أربعون والزيادة يفعلها الإمام عند الحاجة إذا أدمن الناس الخمر أو كان الشارب ممن لا يرتدع بدونها، ورجح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-213>المسلك السابع: حد السرقة:</span>\nالسرقة اعتداء على مال معصوم لا شبهة له فيه يأخذه خفية بشروط معينة منها: أن يكون المال محرزا، ولا تقل قيمته عن ربع دينار، وحينئذ يجب عليه حد السرقة بالكتاب والسنة والإجماع، قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ - فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨ - ٣٩] (٣).\nولا يجوز بعد اكتمال شروط القطع وثبوت الحد عليه بالبينة أو بالإقرار\n_________\n(١) فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٨/ ٣٤٢.\n(٢) انظر: المرجع السابق، ٢٨/ ٣٣٦.\n(٣) سورة المائدة، الآيتان ٣٨، ٣٩.","vol":"2","page":561},{"text":"تأخيره لا بحبس ولا مال يفتدى به ولا غيره بل تقطع يده اليمنى في الأوقات المعظمة وغيرها (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-214>المسلك الثامن: حد المحاربين قطاع الطريق:</span>\nقطاع الطريق هم المحاربون الذين يتعرضون للناس بالسلاح في الصحراء والطرقات؛ ليغصبوهم المال مجاهرة بالقوة والقهر وسواء ارتكب هذه الجريمة فرد أو جماعة فإنه يسمى بالمحارب (٢).\nوالأصل في عقوبتهم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ - إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣ - ٣٤] (٣).\nوعن ابن عباس -﵄- أنه قال في قطاع الطريق: «إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالا نفوا من الأرض» (٤) وهذا قول كثير من أهل العلم كالشافعي وأحمد، أما من كان من المحاربين قد قتل فإنه يقتل حدا لا يجوز العفو عنه بحال بإجماع العلماء ولا يكون أمره إلى ورثة المقتول بخلاف ما لو قتل رجل رجلا لعداوة بينهما.\n_________\n(١) انظر: فتاوى ابن تيمية، ٢٨/ ٣٢٩.\n(٢) انظر: فتاوى ابن تيمية، ٢٨/ ٣٠٩، والمغني لابن قدامة ١٢/ ٤٧٤.\n(٣) سورة المائدة، الآيتان ٣٣، ٣٤.\n(٤) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب السرقة، باب قطاع الطريق، ٨/ ٢٨٣، وانظر المغني ١٢/ ٤٧٥، وفتاوى ابن تيمية، ٢٨/ ٣١٠.","vol":"2","page":562},{"text":"أما غير القاتل فمنهم من قال للإمام أن يجتهد فيهم فيقتل من رأى في قتله مصلحة، والقول الأول قول الأكثر (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-215>المسلك التاسع: عقوبة المرتد:</span>\nالمرتد هو الراجع عن دين الإسلام إلى الكفر بفعل، أو قول، أو اعتقاد، أو شك، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧] (٢) وقال ﷺ: «من بدل دينه فاقتلوه» (٣) وقال ﷺ: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة» (٤) فمن ارتد عن الإسلام من الرجال والنساء وكان بالغا عاقلا استتيب ثلاثة أيام فإن رجع وإلا قتل بالسيف (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-216>المسلك العاشر: قتال أهل البغي:</span>\nجريمة البغي هي خروج جماعة ذات قوة وشوكة على الإمام يريدون خلعه بالقوة والعنف، فعلى الإمام أن يراسلهم فيسألهم ما ينقمون منه فإن ذكروا مظلمة أزالها، وإن ادعوا شبهة كشفها، فإن رجعوا وإلا قاتلهم وعلى المسلمين القتال مع إمامهم والأصل في هذه الجريمة (٦) وعقوبتها قوله\n_________\n(١) انظر: فتاوى ابن تيمية، ٢٨/ ٣١٠.\n(٢) سورة البقرة، الآية ٢١٧.\n(٣) البخاري مع الفتح، كتاب الجهاد، باب لا يعذب بعذاب الله، ٦/ ١٤٩، وفي كتاب حكم المرتد ١٢/ ٢٦٧.\n(٤) البخاري مع الفتح، كتاب الديات، باب قوله تعالى: \"أن النفس بالنفس\"، ١٢/ ٢٠١، ومسلم، كتاب القسامة، باب ما يباح به دم المسلم، ٣/ ١٣٠٢.\n(٥) انظر: المغني لابن قدامة، ١٢/ ٢٦٤، وفتاوى ابن تيمية، ٣٥/ ٩٩ - ٢٠٦.\n(٦) انظر المغني، ١٢/ ٢٣٧، وفتاوى ابن تيمية، ٣٥/ ٥، وأصول الدعوة لعبد الكريم زيدان، ص ٢٧٩.","vol":"2","page":563},{"text":"تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ - إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: ٩ - ١٠] (١).\nوقال، ﷺ: \". . «. ستكون هنات وهنات (٢) فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان» (٣). وقال: «من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه» (٤).\n_________\n(١) سورة الحجرات الآيتان ٩، ١٠.\n(٢) الفتن والأمور الحادثة. انظر شرح النووي ١٢/ ٢٤١.\n(٣) مسلم، كتاب الإمارة، باب حكم من فرق أمر المسلمين وهو مجتمع، ٣/ ١٤٧٩.\n(٤) مسلم، كتاب الإمارة، باب حكم من فرق أمر المسلمين وهو مجتمع، ٣/ ١٤٨٠.","vol":"2","page":564},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-217>الخاتمة</span>\nالحمد لله الذي أعانني على إتمام هذه الرسالة على هذه الصورة، فالفضل والمنة له أولا وآخرا، و﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٧٠] (١) ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [سبأ: ١] (٢).\nبعد هذه الرحلة المباركة -إن شاء الله تعالى- التي طفت من خلالها بمفهوم الحكمة الصحيح في الدعوة إلى الله -تعالى- وأنواعها، ودرجاتها، وأركانها التي تقوم عليها، ومعاول هدمها، وطرق ومسالك اكتسابها، ومواقف الحكمة في الدعوة إلى الله - تعالى-، التي أعز الله بها الإسلام وأهله، وأذل بها الكفر والعصيان والنفاق وأعوانها، وحكمة القول مع أصناف المدعوين على اختلاف عقائدهم وعقولهم وإدراكاتهم ومنازلهم، وحكمة القوة الفعلية مع المدعوين: الكفار، ثم عصاة المسلمين، أقول:\nهذا ما من الله به، ثم ما وسعه الجهد، وسمح به الوقت، وتوصل إليه الفهم المتواضع، فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن فيه خطأ أو نقص فتلك سنة الله في بني الإنسان، فالكمال لله وحده، والنقص والقصور واختلاف وجهات النظر من صفات الجنس البشري، ولا أدعي الكمال، وحسبي أني قد حاولت التسديد والمقاربة، وبذلت الجهد ما استطعت\n_________\n(١) سورة القصص، الآية ٧٠.\n(٢) سورة سبأ، الآية ١.","vol":"2","page":565},{"text":"بتوفيق الله - تعالى-، وأسأل الله أن ينفعني بذلك، وينفع به جميع المسلمين؛ فإنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير.\n\nأما<span data-type=\"title\" id=toc-218> أهم النتائج </span>التي أعانني الله ويسر لي التوصل إليها في هذا البحث فمنها ما يلي:\n١ - إن الحكمة في الدعوة إلى الله لا تقتصر على الكلام اللين والترغيب والرفق والحلم والعفو والصفح، بل تشمل جميع الأمور التي عملت بإتقان وإحكام، وذلك بأن تنزل في منازلها اللائقة بها، فيوضع القول الحكيم والتعليم والتربية في مواضعها، والموعظة في موضعها، والمجادلة بالتي هي أحسن في موضعها، ومجادلة الظالم المعاند، والمستكبر في موضعها، والزجر والغلظة والقوة في مواضعها، وكل ذلك بإحكام وإتقان، ومراعاة لأحوال المدعوين، والواقع والأزمان والأماكن، في مختلف العصور والبلدان، مع إحسان القصد والرغبة فيما عند الكريم المنان.\n٢ - إن الداعية الحكيم هو الذي يدرس ويعرف أحوال المدعوين: الاعتقادية، والنفسية والاقتصادية، والاجتماعية، والعلمية، ويعرف مراكز الضلال ومواطن الانحراف، وعاداتهم ولغتهم ولهجاتهم، والإحاطة بمشكلاتهم، ومستواهم الجدلي، ونزعاتهم الخلقية، والشبه التي تعلق بأذهانهم، ثم ينزل الناس منازلهم ويدعوهم على قدر عقولهم وأفهامهم، ويعطي الدواء على حسب الداء.\n٣ - إن النبي ﷺ هو القدوة الحسنة للدعاة الحكماء، فقد كان يلازم الحكمة في جميع أموره، وخاصة في دعوته إلى الله -﷿-، وهذا من فضل الله عليه وعلى أتباعه، فقد أرسل جبريل ففرج صدره ثم غسله بماء زمزم، ثم أفرغ في صدره طستا من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانا (١) وأقبل\n_________\n(١) انظر: البخاري مع الفتح، ١/ ٤٥٨، ومسلم ١/ ١٤٨، وتقدم تخريجه.","vol":"2","page":566},{"text":"الناس، ودخلوا في دين الله أفواجا بفضل الله ثم بحكمة هذا النبي الكريم، وما من خلق كريم ولا سلوك حكيم إلا كان له منه أوفر الحظ والنصيب.\n٤ - إن أحسن الطرق في دعوة الناس ومخاطبتهم ومجادلتهم طريقة القرآن الكريم، وطريقة النبي ﷺ، وسوق النص القرآني والحديث النبوي في ألصق الأمور مساسا بها من أعظم الحكم التي من أوتيها فقد أوتي خيرا كثيرا.\n٥ - إن الحكمة تجعل الداعي إلى الله يقدر الأمور ويعطيها ما تستحقه، فلا يزهد في الدنيا والناس في حاجة إلى النشاط والجد والعمل، ولا يدعو إلى الانقطاع والانعزال عن الناس، والمسلمون في حاجة إلى الدفاع عن عقيدتهم وبلادهم وأعراضهم، ولا يبدأ بتعليم الناس البيع والشراء وهم في مسيس الحاجة إلى تعلم الوضوء والصلاة، فالحكمة تجعل الداعية ينظر ببصيرة المؤمن، فيرى حاجة الناس فيعالجها بحسب ما يقتضيه الحال، وبذلك ينفذ إلى قلوب الناس من أوسع الأبواب، وتنشرح له صدورهم، ويرون فيه المنقذ الحريص على سعادتهم ورفاهيتهم وأمنهم.\n٦ - إن البصيرة في الدعوة إلى الله هي أعلى درجات الحكمة والعلم، وهذه الخاصية اختص بها النبي ﷺ، ثم أصحابه، والمخلصون من أتباعه، وهي أعلى درجات العلماء، وحقيقتها الدعوة إلى الله على علم ويقين وبرهان عقلي وشرعي، وترتكز البصيرة في الدعوة إلى الله على ثلاثة أمور:\n(أ) أن يكون الداعية على بصيرة، وذلك بأن يكون عالما بالحكم الشرعي فيما يدعو إليه.\n(ب) وأن يكون على بصيرة في حال المدعو حتى يقدم له ما يناسبه.\n(ج) وأن يكون على بصيرة في كيفية الدعوة.\n٧ - إن العلم النافع المقرون بالعمل الصالح، والحلم والأناة من أعظم","vol":"2","page":567},{"text":"الأسس التي تقوم عليها الحكمة في الدعوة إلى الله- تعالى-، ولهذا فقد يكون المرء عالما أو حليما، ولا يكون حكيما حتى يجمع هذه الأسس الثلاثة.\n٨ - إن العلم والحلم والأناة لها أسباب تؤدي وتوصل إليها، وأسباب تعين على التمسك بها، والمحافظة عليها.\n٩ - إن العلم لا يكون من دعائم الحكمة إلا باقترانه بالعمل الصالح، وقد كان علم الصحابة مقرونا بالعمل والإخلاص والمتابعة، ولهذا كانت أقوالهم وأفعالهم وسائر تصرفاتهم- في دعوتهم إلى الله وأمورهم- تزخر بالحكمة.\n١٠ - إن العجلة وعدم التثبت والتأني والتبصر أو التباطؤ والتقاعس، كل ذلك يؤدي إلى كثير من الأضرار والمفاسد، والداعية أولى الناس بالابتعاد عن ذلك كله، فمقتضى الحكمة أن يعطي كل شيء حقه، ولا يعجله عن وقته، ولا يؤخره عنه، فالأشياء لها مراتب وحقوق تقتضيها، ونهايات تصل إليها ولا تتعداها، ولها أوقات لا تتقدم عنها ولا تتأخر.\n١١ - إن الحلم من أعظم ركائز الحكمة ومبانيها العظام، وقد كان خلقا من أخلاق النبوة والرسالة، فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام هم عظماء البشر، وقدوة أتباعهم من الدعاة إلى الله، والصالحين في أخلاقهم كافة، وعلى رأسهم محمد ﷺ وأتباعه.\n١٢ - إن الأناة عند الداعية تسمح له بأن يحكم أموره، فلا يقدم على أي عمل إلا بعد النظر والتأمل ووضوح الغاية الحميدة التي سيجنيها، ولا يتعجل بالكلام قبل أن يديره على عقله، ولا بالفتوى قبل أن يعرف دليله وبرهانه الذي اعتمد عليه وبنى عليه فتواه.\nفالداعية بحاجة ماسة إلى الأناة، لما يحصل بذلك من الفوائد الكثيرة،","vol":"2","page":568},{"text":"والكف عن شرور عظيمة، وهذا يجعل الداعية بإذن الله -تعالى- في سلامة عن الزلل.\n١٣ - إن الداعية لا يكون حكيما في أقواله وأفعاله وسائر تصرفاته وأفكاره وموافقا للصواب في جميع أموره إلا بتوفيق الله - تعالى- له، ثم بسلوك طرق الحكمة، وذلك بالتزام السلوك الحكيم، والسياسة الحكيمة مع مراعاة التسديد والمقاربة والأساليب الحكيمة، وفقه أركان الدعوة، وأن يكون عاملا بما يدعو إليه مخلصا متخذا في ذلك محمدا ﷺ قدوة وإماما.\n١٤ - إن الخبرات والتجارب والمران من أعظم ما يعين الداعية على التزام الحكمة واكتسابها، فهو بتجاربه بالسفر ومعاشرة الجماهير سيكون له الأثر الكبير في نجاح دعوته، وابتعاده عن الوقوع في الخطأ في منهجه ودعوته إلى الله؛ لأنه إذا وقع في خطأ مرة لا يقع فيه أخرى، فيستفيد من تجاربه وخبراته.\n١٥ - إن تحري أوقات الفراغ والنشاط والحاجة عند المدعوين وتخولهم بالموعظة والتعليم من أعظم ما يعين الداعية على استجلاب الناس وجذب قلوبهم إلى دعوته.\n١٦ - إن المصالح إذا تعارضت أو تعارضت مصلحة ومفسدة وتعذر الجمع بين فعل المصلحة وترك المفسدة بدئ بالأهم، فيدفع أحد المفسدتين أو الضررين باحتمال أيسرهما، وتحصيل أعظم المصلحتين بترك أيسرهما.\n١٧ - إن لتأليف القلوب بالمال والعفو والصفح والرفق واللين والإحسان بالقول أو الفعل أعظم الأثر في نفوس المدعوين.\n١٨ - إن من أعظم الأساليب البالغة في منتهى الحكمة عدم مواجهة الداعية أحدا بعينه عندما يريد أن يؤدبه أو يعاتبه أو يزجره ما دام يجد في","vol":"2","page":569},{"text":"الموعظة العامة كفاية، وذلك إذا كان المدعو المقصود بين جمهور المخاطبين أو يبلغه ذلك، كأن يقول الداعية: ما بال أقوام، أو ما بال أناس، أو ما بال رجال يفعلون كذا، أو يتركون كذا.\n١٩ - إن الداعية لا يكون حكيما في دعوته إلا بفقهه لركائز الدعوة، وذلك: بمعرفة ما يدعو إليه، وما هي الصفات والأخلاق والآداب التي ينبغي أن يلتزم بها الداعية، ومعرفة المدعوين وأصنافهم، والوسائل والأساليب التي تستخدم في نشر الدعوة وتبليغها.\n٢٠ - إن الدعوة بالمواقف الحكيمة المشرفة، لها الأثر البالغ قي قلوب المدعوين؛ لأنها تدفعهم إلى التفكر والتأمل، ثم تكون نقطة التحول في نظام حياتهم بإذن الله تعالى.\n٢١ - إن اطلاع الداعية على مواقف النبي ﷺ الحكيمة في عفوه وصفحه، ورفقه وحلمه وأناته، وشجاعته، وجوده وكرمه، وإصلاحه، من أعظم ما يفيد الداعية في حياته، وخاصة في دعوته إلى الله- تعالى-.\n٢٢ - إن للصحابة وأتباعهم ومن سار على نهجهم مواقف حكيمة في دعوتهم إلى الله- تعالى-، تدل على صدقهم ورغبتهم فيما عند الله - تعالى-، وتبين مدى جهودهم، وتغذي وتربي من اطلع عليها من الدعاة إلى الله - تعالى-.\n٢٣ - إن من أعظم الحكمة في دعوة الملحدين أن تقدم لهم الأدلة الفطرية على وجود الله- تعالى- وربوبيته، والبراهين العقلية القطعية بمسالكها التفصيلية، والأدلة الحسية المشاهدة، ثم يختم ذلك بالأدلة الشرعية.\n٢٤ - إن من الحكمة في دعوة الوثنيين بالحكمة القولية أن يقدم لهم الداعية الحجج والبراهين العقلية على إثبات ألوهية الله - تعالى-، وأن","vol":"2","page":570},{"text":"الكمال المطلق له من كل الوجوه، وما عبد من دونه ضعيف من كل وجه، وأن التوحيد الخالص دعوة جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام والغلو في الصالحين سبب كفر بني آدم، والشفاعة لا تنفع إلا بإذن الله للشافع ورضاه عن الشافع والمشفوع له، وأن البعث ثابت بالأدلة العقلية والنقلية القطعية، وأن الله الذي سخر جميع ما في هذا الكون الفسيح لعباده فهو في الحقيقة المستحق للعبادة وحده.\n٢٥ - إن دعوة اليهود بالحكمة القولية إلى الله - تعالى- ترتكز على إثبات نسخ الإسلام لجميع الشرائع، وإظهار وإثبات وقوع التحريف في التوراة، واعتراف المنصفين من علمائهم، وإثبات رسالة عيسى ومحمد، عليهما الصلاة والسلام.\n٢٦ - إن دعوة النصارى بالحكمة القولية إلى الإسلام تقوم على إبطال عقيدة التثليث، وإثبات وحدانية الله - تعالى-، وتقديم الأدلة العقلية والبراهين القطعية على إثبات بشرية عيسى ﷺ، وأنه عبد الله ورسوله، ثم تقديم البراهين على إبطال قضية الصلب والقتل، وإثبات وقوع النسخ والتحريف في الأناجيل، وتتويج ذلك بالاعترافات الصادقة من المنصفين من علماء النصارى.\n٢٧ - إن من حكمة القول مع أهل الكتاب وغيرهم من الكفار أن تقدم لهم الأدلة والبراهين القطعية على صدق رسالة النبي محمد ﷺ، وذلك ببيان معجزات القرآن الكريم التي عجز عنها جميع الجن والإنس، ومعجزات النبي ﷺ الحسية المشاهدة، ثم تتويج ذلك بالأدلة القطعية على عموم رسالة الإسلام في كل زمان ومكان إلى قيام الساعة.\n٢٨ - إن من مقتضى العقول السليمة والحكمة السديدة أن لا يخاطب المسلم- في توجيهه وإرشاده وحثه على الالتزام بدينه- كما يخاطب الملحد، أو الوثني، أو الكتابي، أو غيرهم من الكفار.","vol":"2","page":571},{"text":"٢٩ - إن من الدعوة إلى الله بالحكمة أن يبدأ الداعية بالمهم، ثم الذي يليه، وأن يجعل للمدعو من الدروس ما يسهل عليه حفظها وفهمها، والتفكر التام فيها، وأن يعلم العوام ما يحتاجون إليه بألفاظ وعبارات قريبة من أفهامهم تناسب مستواهم مع مراعاة التنويع في الأسلوب والتشويق.\n٣٠ - إن مراتب الدعوة بحسب مراتب البشر، فالقابل للحق يدعى بالحكمة، فيبين له الحق بدليله: علما وعملا واعتقادا، فيقبله ويعمل به. وهذا هو القسم الأول من المسلمين، والقابل للحق الذي عنده شهوات تصده عن اتباع الحق يدعى بالموعظة الحسنة المشتملة على الترغيب في الحق والترهيب من الباطل، ويغذى بالحكمة التصويرية: من القصص الحكيم، وضرب الأمثال، ولفت القلوب والأنظار إلى الصور المعنوية وآثارها، والآثار المحسوسة. وهذا هو القسم الثاني من المسلمين وهم العصاة.\nوالمعاند الجاحد يجادل بالتي هي أحسن.\nوالظالم الذي عاند وجحد ولم يقبل الحق بل وقف في طريقه، فهذا يدعى بالقوة إن أمكن.\nفهذه مراتب الدعوة بحسب مراتب البشر، ويلاحظ أن مرتبة الحكمة ملازمة لجميع المراتب الأخرى، وذلك؛ لأن الحكمة في الحقيقة هي وضع الشيء في موضعه والإصابة في الأفعال والأقوال والاعتقادات إصابة محكمة متقنة.\n٣١ - إن استخدام القوة الفعلية في الدعوة إلى الله- تعالى- من أعظم الحكم عند الحاجة إليها، وهي تكون بقوة الكلام، والتأديب، وبالضرب، وبالجهاد في سبيل الله تعالى.\nومفهوم القوة الحكيمة في الدعوة إلى الله تعالى ينقسم إلى قسمين:","vol":"2","page":572},{"text":"القسم الأول: حكمة القوة مع جميع الكفار: من الملحدين، والوثنيين، وأهل الكتاب، وغيرهم من الكفار، فهؤلاء إذا لم ينفع فيهم جدالهم بالتي هي أحسن، ولم يستفيدوا من حكمة القول: العقلية والحسية، والنقلية، والبراهين والمعجزات، وأعرضوا وكذبوا، فحينئذ يكون آخر الطب الكي: وهو استخدام القوة بالجهاد في سبيل الله- تعالى-: بالسيف، والسنان، والحجة، والبيان، وبجميع ما يستطيع المسلمون من قوة، بشرط مراعاة الشروط والضوابط الشرعية، مع الإعداد المعنوي والحسي للجهاد، والعمل بأسباب النصر على الأعداء.\nالقسم الثاني: حكمة القوة مع عصاة المسلمين، فهؤلاء، إذا لم ينفع فيهم الوعظ، والترغيب، والترهيب، والقصص الحكيم، وضرب الأمثال، ولم يؤثر فيهم ما يلقى إليهم من الحكمة التصويرية، ولفت أنظارهم إلى الصور المعنوية والآثار المحسوسة، فحينئذ يكون من الحكمة في دعوتهم إلى الله استخدام القوة: بالكلمة القوية مع الفعل الحكيم، وبالتهديد الحكيم والوعيد بالعقوبة، وبالتعزير، والهجر لله - تعالى-، وإقامة الحدود الشرعية بالشروط والضوابط التي دل عليها الكتاب والسنة.","vol":"2","page":573},{"text":"أما<span data-type=\"title\" id=toc-219> التوصيات والمقترحات</span>\n١ - فإني أوصي نفسي وإخواني الباحثين والدعاة بتقوى الله- تعالى-، فهي وصية الله للأولين والآخرين، ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١] (١).\n٢ - التزام الحكمة في جميع الأمور، وخاصة في الدعوة إلى الله -تعالى- قولا وفعلا، وتفكيرا، ومنهجا، وسلوكا، صدقا وإخلاصا ورغبة فيما عند الله -﷿-، وهذا من أعظم العطايا وأجل الهبات، ولا يكون ذلك إلا بالتزام أحكام القرآن الكريم والسنة المطهرة الشريفة، والعناية بهما حفظا وفهما وعملا، وتعليما للناس ودعوة، فهما المنبعان الصافيان، من أخذ بهما سعد وفاز في الدنيا والآخرة، ومن أعرض عنهما وعن هديهما خاب وخسر وضل مسعاه، وتشتت شمله.\n٣ - أقترح عقد دورات تدريبية علمية وميدانية للعاملين في مراكز الدعوة ومراكز هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لرفع مستواهم العلمي وتدريسهم كيفية دعوة الناس بالحكمة.\nوأسأل الله -﷿- بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى، أن يجعلني وإياهم وجميع المسلمين من القائلين بالحق وبه يعملون، وأن يحسن لنا جميعا النية والقصد والعاقبة، إنه حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.\n_________\n(١) سورة النساء، الآية ١٣١.","vol":"2","page":574}]}