{"ً":{"ٌ":31061,"ٍ":"فقه الدعوة في صحيح الإمام البخاري","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"الدعوة وأحوال المسلمين/فقه الدعوة في صحيح الإمام البخاري - القحطاني - ط وزارة الأوقاف 1-2","files":["64076.pdf|1","64076.pdf|2"]},"ّ":"الكتاب: فقه الدعوة في صحيح الإمام البخاري\nالمؤلف: سعيد بن علي بن وهف القحطاني\nأصل الكتاب: رسالة دكتوراه، من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية\nالناشر: الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد\nالطبعة: الأولى، ١٤٢١ هـ\nعدد الصفحات: ١٢٨٩\nعدد الأجزاء: ٢\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":150,"ٕ":39,"ٖ":1770154050,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":2},{"title":"أولا التعريفات والحدود","level":2,"page":3},{"title":"ثانيا أهمية الموضوع","level":2,"page":5},{"title":"ثالثا أهداف الدراسة","level":2,"page":9},{"title":"رابعا أسباب اختيار الموضوع","level":2,"page":10},{"title":"خامسا موضوع الدراسة","level":2,"page":11},{"title":"سادسا تساؤلات الدراسة","level":2,"page":11},{"title":"سابعا منهج الدراسة","level":2,"page":12},{"title":"ثامنا ضوابط الدراسة","level":2,"page":14},{"title":"تقسيم الدراسة","level":1,"page":15},{"title":"الشكر والتقدير","level":1,"page":16},{"title":"مدخل الدراسة","level":1,"page":18},{"title":"أولا ترجمة موجزة للإمام البخاري ﵀","level":2,"page":18},{"title":"ثانيا التعريف بصحيح الإمام البخاري ﵀","level":2,"page":26},{"title":"ثالثا التعريف بكتب موضوع الدراسة وعدد أحاديثها وجهود البخاري","level":2,"page":33},{"title":"عدد أحاديث هذا القسم وأسماء كتبه","level":3,"page":33},{"title":"أرقام أحاديث موضوع الدراسة","level":3,"page":34},{"title":"جهود الإمام البخاري ﵀","level":3,"page":42},{"title":"نسخة الصحيح المعتمدة في الدراسة","level":3,"page":43},{"title":"القسم الأول الدراسة الدعوية للأحاديث الواردة في موضوع الدراسة","level":1,"page":44},{"title":"الفصل الأول: كتاب الوصايا","level":2,"page":45},{"title":"باب الوصايا","level":3,"page":46},{"title":"حديث ما ترك رسول الله ﷺ عند موته درهما ولا دينارا","level":4,"page":54},{"title":"حديث أوصى النبي بكتاب الله","level":4,"page":59},{"title":"حديث ما أوصى النبي بشيء","level":4,"page":63},{"title":"باب الوصية بالثلث","level":3,"page":68},{"title":"حديث الثلث والثلث كثير","level":4,"page":68},{"title":"باب لا وصية لوارث","level":3,"page":71},{"title":"حديث كان المال للولد وكانت الوصية للوالدين","level":4,"page":71},{"title":"باب هل يدخل النساء والولد في الأقارب","level":3,"page":76},{"title":"حديث اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئا","level":4,"page":76},{"title":"باب إذا قال أرضي أو بستاني صدقة لله عن أمي فهو جائز","level":3,"page":88},{"title":"حديث أن سعد بن عبادة ﵁ توفيت أمه وهو غائب عنها","level":4,"page":88},{"title":"باب إذا تصدق أو وقف بعض ماله أو بعض رقيقه أو دوابه فهو جائز","level":3,"page":92},{"title":"حديث أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك","level":4,"page":92},{"title":"باب قول الله ﷿ وإذا حضر القسمة أولو القربى","level":3,"page":118},{"title":"حديث هما واليان وال يرث ووال لا يرث","level":4,"page":118},{"title":"باب ما يستحب لمن توفى فجأة أن يتصدقوا عنه","level":3,"page":123},{"title":"حديث سعد بن معاذ سأل رسول الله إن أمي ماتت وعليها نذر فقال اقضه عنها","level":4,"page":123},{"title":"باب قول الله تعالى إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما","level":3,"page":128},{"title":"حديث اجتنبوا السبع الموبقات","level":4,"page":128},{"title":"باب قول الله تعالى ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير","level":3,"page":132},{"title":"حديث ما رد ابن عمر على أحد وصيته","level":4,"page":132},{"title":"باب استخدام اليتيم في السفر والحضر إذا كان صلاحا له","level":3,"page":135},{"title":"حديث أنس خدمت رسول الله في السفر والحضر","level":4,"page":135},{"title":"باب نفقة القيم للوقف","level":3,"page":140},{"title":"حديث ما تركت فهو صدقة","level":4,"page":140},{"title":"باب إذا وقف أرضا أو بئرا أو اشترط لنفسه مثل دلاء المسلمين","level":3,"page":144},{"title":"حديث من حفر بئر رومة فله الجنة","level":4,"page":144},{"title":"باب قول الله تعالى يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم","level":3,"page":150},{"title":"حديث سبب نزول قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت","level":4,"page":150},{"title":"الفصل الثاني كتاب الجهاد والسير","level":2,"page":154},{"title":"باب فضل الجهاد والسير","level":3,"page":155},{"title":"حديث لا عمل يعدل الجهاد","level":4,"page":155},{"title":"باب أفضل الناس مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله","level":3,"page":161},{"title":"حديث أفضل الناس مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله","level":4,"page":161},{"title":"باب الدعاء بالجهاد والشهادة للرجال والنساء","level":3,"page":168},{"title":"حديث ناس من أمتي يركبون ثبج البحر ملوكا على الأسرة","level":4,"page":168},{"title":"باب درجات المجاهدين في سبيل الله","level":3,"page":177},{"title":"حديث من آمن بالله وبرسوله وأقام الصلاة وصام رمضان كان حقا على الله أن يدخله الجنة","level":4,"page":177},{"title":"باب الغدوة والروحة في سبيل الله وقاب قوس أحدكم في الجنة","level":3,"page":185},{"title":"حديث لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها","level":4,"page":185},{"title":"حديث لقاب قوس في الجنة خير مما تطلع عليه الشمس وتغرب","level":4,"page":185},{"title":"حديث الروحة والغدوة في سبيل الله أفضل من الدنيا وما فيها","level":4,"page":186},{"title":"باب الحور العين وصفتهن","level":3,"page":190},{"title":"حديث ما من عبد يموت له عند الله خير يسره أن يرجع إلى الدنيا","level":4,"page":190},{"title":"باب من ينكب أو يطعن في سبيل الله","level":3,"page":193},{"title":"قوله في بعض المشاهد هل أنت إلا إصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت","level":4,"page":193},{"title":"باب قول الله تعالى من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه","level":3,"page":197},{"title":"حديث استشهاد أنس بن النضر","level":4,"page":197},{"title":"حديث أمر أبي بكر زيد بن ثابت بنسخ المصحف","level":4,"page":204},{"title":"باب عمل صالح قبل القتال","level":3,"page":214},{"title":"حديث عمل قليلا وأجر كثيرا","level":4,"page":214},{"title":"باب من أتاه سهم غرب فقتله","level":3,"page":220},{"title":"حديث يا أم حارثة إنها جنان في الجنة وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى","level":4,"page":220},{"title":"باب فضل قول الله تعالى ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا","level":3,"page":225},{"title":"حديث صبح أناس غداة أحد الخمر فقتلوا من يومهم شهداء وذلك قبل تحريمها","level":4,"page":225},{"title":"باب الجنة تحت بارقة السيوف","level":3,"page":228},{"title":"حديث من قتل منا صار إلى الجنة","level":4,"page":228},{"title":"باب من طلب الولد للجهاد","level":3,"page":236},{"title":"حديث نبي الله سليمان لأطوفن الليلة على مائة امرأة","level":4,"page":236},{"title":"باب الشجاعة في الحرب والجبن","level":3,"page":240},{"title":"حديث لو كان لي عدد هذه العضاه نعما لقسمته بينكم","level":4,"page":240},{"title":"باب ما يتعوذ من الجبن","level":3,"page":250},{"title":"حديث تعوذه ﷺ دبر الصلاة","level":4,"page":250},{"title":"حديث تعوذه ﷺ من العجز والكسل","level":4,"page":251},{"title":"باب من حدث بمشاهده في الحرب","level":3,"page":258},{"title":"حديث طلحة بن عبيد الله عن يوم أحد","level":4,"page":258},{"title":"باب الكافر يقتل المسلم ثم يسلم فيسدد بعد ويقتل","level":3,"page":262},{"title":"حديث يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة","level":4,"page":262},{"title":"قول أبان بن سعيد ينعى علي قتل رجل مسلم أكرمه الله على يدي ولم يهني على يديه","level":4,"page":267},{"title":"باب من اختار الغزو على الصوم","level":3,"page":271},{"title":"حديث أنس في أبي طلحة أنه ما كان يصوم على عهد النبي من أجل الغزو","level":4,"page":271},{"title":"باب الشهادة سبع سوى القتل","level":3,"page":274},{"title":"حديث الطاعون شهادة لكل مسلم","level":4,"page":274},{"title":"باب قول الله ﷿ لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله","level":3,"page":277},{"title":"حديث سبب نزول قوله تعالى غير أولي الضرر","level":4,"page":277},{"title":"حديث آخر في سبب نزول قوله تعالى غير أولي الضرر","level":4,"page":278},{"title":"باب التحريض على القتال","level":3,"page":282},{"title":"حديث اللهم إن العيش عيش الآخرة","level":4,"page":282},{"title":"باب حفر الخندق","level":3,"page":283},{"title":"حديث لولا أنت ما اهتدينا","level":4,"page":283},{"title":"باب من حبسه العذر عن الغزو","level":3,"page":295},{"title":"حديث إن أقواما بالمدينة خلفنا ما سلكنا شعبا ولا واديا إلا وهم معنا فيه","level":4,"page":295},{"title":"باب فضل الصوم في سبيل الله","level":3,"page":299},{"title":"حديث من صام يوما في سبيل الله بعد الله وجهه عن النار سبعين خريفا","level":4,"page":299},{"title":"باب فضل من جهز غازيا أو خلفه بخير","level":3,"page":303},{"title":"حديث من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا","level":4,"page":303},{"title":"حديث إني أرحمها قتل أخوها معها","level":4,"page":307},{"title":"باب التحنط عند القتال","level":3,"page":311},{"title":"حديث ما هكذا كنا نفعل مع رسول الله","level":4,"page":311},{"title":"باب فضل الطليعة","level":3,"page":317},{"title":"حديث لكل نبي حواري وحواري الزبير","level":4,"page":317},{"title":"باب الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة","level":3,"page":324},{"title":"حديث الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة","level":4,"page":324},{"title":"حديث الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة","level":4,"page":324},{"title":"حديث البركة في نواصي الخيل","level":4,"page":325},{"title":"باب من احتبس فرسا لقوله تعالى ومن رباط الخيل","level":3,"page":332},{"title":"حديث من احتبس فرسا في سبيل الله","level":4,"page":332},{"title":"باب اسم الفرس والحمار","level":3,"page":335},{"title":"حديث فرس النبي ﷺ","level":4,"page":335},{"title":"حديث معاذ كنت رديف النبي على حمار","level":4,"page":337},{"title":"باب ما يذكر من شؤم الفرس","level":3,"page":355},{"title":"حديث إن كان الشؤم في شيء ففي المرأة والفرس والمسكن","level":4,"page":355},{"title":"باب سهام الفرس","level":3,"page":359},{"title":"حديث جعل رسول الله للفرس سهمين ولصاحبه سهما","level":4,"page":359},{"title":"باب من قاد دابة غيره في الحرب","level":3,"page":362},{"title":"حديث أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب","level":4,"page":362},{"title":"باب ناقة النبي ﷺ","level":3,"page":374},{"title":"حديث ناقة النبي ﷺ العضباء","level":4,"page":374},{"title":"باب غزو النساء وقتالهن مع الرجال","level":3,"page":381},{"title":"حديث سقي عائشة وأم سليم الجرحى يوم أحد","level":4,"page":381},{"title":"باب حمل النساء القرب إلى الناس في الغزو","level":3,"page":387},{"title":"حديث أم سليط التي كانت تزفر القرب يوم أحد","level":4,"page":387},{"title":"باب مداواة النساء الجرحى في الغزو","level":3,"page":391},{"title":"حديث الربيع بنت معوذ كنا مع النبي نسقي ونداوي الجرحى ونرد القتلى إلى المدينة","level":4,"page":391},{"title":"باب نزع السهم من البدن","level":3,"page":393},{"title":"حديث اللهم اغفر لعبيد أبي عامر","level":4,"page":393},{"title":"باب الحراسة في الغزو في سبيل لله","level":3,"page":400},{"title":"حديث ليت رجلا من أصحابي صالحا يحرسني الليلة","level":4,"page":400},{"title":"حديث تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة","level":4,"page":405},{"title":"باب فضل الخدمة في الغزو","level":3,"page":414},{"title":"حديث جرير رأيت الأنصار يصنعون شيئا لا أجد أحدا منهم إلا أكرمته","level":4,"page":414},{"title":"حديث ذهب المفطرون اليوم بالأجر","level":4,"page":417},{"title":"باب من استعان بالضعفاء والصالحين في الحرب","level":3,"page":419},{"title":"حديث هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم","level":4,"page":419},{"title":"حديث يأتي زمان يغزو فئام من الناس فيقال فيكم من صحب النبي","level":4,"page":425},{"title":"باب لا يقول فلان شهيد","level":3,"page":429},{"title":"حديث إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار","level":4,"page":429},{"title":"باب التحريض على الرمي","level":3,"page":449},{"title":"حديث ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميا","level":4,"page":449},{"title":"حديث إذا أكثبوكم فعليكم بالنبل","level":4,"page":453},{"title":"باب اللهو بالحراب ونحوها","level":3,"page":456},{"title":"حديث بينا الحبشة يلعبون عند النبي","level":4,"page":456},{"title":"باب المجن ومن يتترس بترس صاحبه","level":3,"page":460},{"title":"حديث كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله","level":4,"page":460},{"title":"حديث ما رأيت النبي ﷺ يفدي رجلا بعد سعد","level":4,"page":473},{"title":"باب حلية السيوف","level":3,"page":476},{"title":"حديث لقد فتح الفتوح قوم ما كانت حلية سيوفهم الذهب ولا الفضة","level":4,"page":476},{"title":"باب من علق سيفه بالشجر في السفر عند القائلة","level":3,"page":479},{"title":"حديث إن هذا اخترط علي سيفي وأنا نائم","level":4,"page":479},{"title":"باب ما قيل في درع النبي - ﷺ والقميص في الحرب","level":3,"page":486},{"title":"حديث اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم","level":4,"page":486},{"title":"باب الحرير في الحرب","level":3,"page":490},{"title":"حديث رخص النبي لعبد الرحمن بن عوف في قميص من حرير","level":4,"page":490},{"title":"باب قتال اليهود","level":3,"page":494},{"title":"حديث تقاتلون اليهود حتى يختبئ أحدهم وراء الحجر فيقول يا عبد الله هذا يهودي ورائي فاقتله","level":4,"page":494},{"title":"حديث لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود حتى يقول الحجر وراءه اليهودي يا مسلم هذا يهودي ورائي فاقتله","level":4,"page":494},{"title":"باب قتال الترك","level":3,"page":497},{"title":"حديث إن من أشراط الساعة أن تقاتلوا قوما ينتعلون نعال الشعر","level":4,"page":497},{"title":"حديث لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا الترك","level":4,"page":497},{"title":"باب الدعاء على المشركين بالهزيمة والزلزلة","level":3,"page":501},{"title":"حديث ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا شغلونا عن صلاة الوسطى حين غابت الشمس","level":4,"page":501},{"title":"حديث اللهم منزل الكتاب سريع الحساب اللهم اهزم الأحزاب اللهم اهزمهم وزلزلهم","level":4,"page":505},{"title":"حديث إن الله يحب الرفق في الأمر كله","level":4,"page":507},{"title":"باب هل يرشد المسلم أهل الكتاب أو يعلمهم الكتاب","level":3,"page":516},{"title":"حديث كتاب النبي إلى قيصر فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين","level":4,"page":516},{"title":"باب الدعاء للمشركين بالهدى ليتألفهم","level":3,"page":522},{"title":"حديث اللهم اهد دوسا وائت بهم","level":4,"page":522},{"title":"باب دعاء النبي - ﷺ - إلى الإسلام، والنبوة وأن لا يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله","level":3,"page":530},{"title":"حديث لأعطين الراية رجلا يفتح الله على يدي","level":4,"page":530},{"title":"حديث أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله","level":4,"page":539},{"title":"باب التوديع","level":3,"page":543},{"title":"حديث إن النار لا يعذب بها إلا الله","level":4,"page":543},{"title":"باب السمع والطاعة للإمام","level":3,"page":548},{"title":"حديث السمع والطاعة حق ما لم يؤمر بالمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة","level":4,"page":548},{"title":"باب يقاتل من وراء الإمام ويتقى به","level":3,"page":551},{"title":"حديث من أطاعني فقد أطاع الله","level":4,"page":551},{"title":"باب البيعة في الحرب أن لا يفروا","level":3,"page":556},{"title":"حديث سألنا نافعا على أي شيء بايعهم على الموت قال لا بل بايعهم على الصبر","level":4,"page":556},{"title":"حديث عبد الله بن زيد لا أبايع أحدا على الموت بعد رسول الله","level":4,"page":560},{"title":"حديث يا ابن الأكوع ألا تبايع","level":4,"page":563},{"title":"حديث مضت الهجرة لأهلها","level":4,"page":566},{"title":"باب عزم الإمام على الناس فيما يطيقون","level":3,"page":575},{"title":"حديث عبد الله بن مسثعود لم يكن النبي يعزم علينا في أمر إلا مرة حتى نفعله","level":4,"page":575},{"title":"باب ما قيل في لواء النبي ﷺ","level":3,"page":585},{"title":"حديث قيس بن سعد صاحب لواء رسول الله أراد الحج فرجل","level":4,"page":585},{"title":"حديث ليأخذن غدا رجل يحبه الله ورسوله","level":4,"page":588},{"title":"حديث هاهنا أمرك النبي أن تركز الراية","level":4,"page":589},{"title":"باب قول النبي ﷺ: «نصرت بالرعب مسيرة شهر»","level":3,"page":598},{"title":"حديث بعثت بجوامع الكلم ونصرت بالرعب","level":4,"page":598},{"title":"باب حمل الزاد في الغزو","level":3,"page":605},{"title":"حديث أسماء صنعت سفرة رسول الله في بيت أبي بكر حين أراد أن يهاجر","level":4,"page":605},{"title":"باب الردف على الحمار","level":3,"page":611},{"title":"حديث ركب النبي على حمار على إكاف عليه قطيفة وأردف أسامة وراءه","level":4,"page":611},{"title":"باب كراهية السفر بالمصحف إلى أرض العدو","level":3,"page":632},{"title":"حديث سافر النبي وأصحابه في أرض العدو وهم يعلمون القرآن","level":4,"page":632},{"title":"باب ما يكره من رفع الصوت في التكبير","level":3,"page":635},{"title":"حديث أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا","level":4,"page":635},{"title":"باب التسبيح إذا هبط واديا","level":3,"page":645},{"title":"حديث كنا إذا صعدنا كبرنا وإذا نزلنا سبحنا","level":4,"page":645},{"title":"باب يكتب للمسافر ما كان يعمل في الإقامة","level":3,"page":648},{"title":"حديث إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا","level":4,"page":648},{"title":"باب السير وحده","level":3,"page":651},{"title":"حديث لو يعلم الناس ما في الوحدة ما أعلم ما سار راكب بليل وحده","level":4,"page":651},{"title":"باب الجهاد بإذن الأبوين","level":3,"page":655},{"title":"حديث جاء رجل إلى النبي ﷺ يستأذنه في الجهاد فقال أحي والداك","level":4,"page":655},{"title":"باب ما قيل في الجرس ونحوه في أعناق الإبل","level":3,"page":666},{"title":"حديث لا تبقين في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلا قطعت","level":4,"page":666},{"title":"باب الجاسوس","level":3,"page":671},{"title":"حديث انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة ومعها كتاب فخذوه منها","level":4,"page":671},{"title":"باب الأسارى في السلاسل","level":3,"page":685},{"title":"حديث عجب الله من قوم يدخلون الجنة في السلاسل","level":4,"page":685},{"title":"باب أهل الدار يبيتون فيصاب الولدان والذراري","level":3,"page":689},{"title":"حديث حمى إلا لله ولرسوله ﷺ","level":4,"page":689},{"title":"باب قتل الصبيان في الحرب","level":3,"page":695},{"title":"حديث إنكار النبي ﷺ قتل النساء والصبيان","level":4,"page":695},{"title":"باب لا يعذب بعذاب الله","level":3,"page":697},{"title":"حديث لا تعذبوا بعذاب الله","level":4,"page":697},{"title":"باب","level":3,"page":704},{"title":"حديث أن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم تسبح الله","level":4,"page":704},{"title":"باب حرق الدور والنخيل","level":3,"page":707},{"title":"حديث ألا تريحني من ذي الخلصة","level":4,"page":707},{"title":"باب قتل النائم المشرك","level":3,"page":717},{"title":"حديث بعث الرسول ﷺ رهطا من الأنصار إلى أبي رافع","level":4,"page":717},{"title":"باب لا تمنوا لقاء العدو","level":3,"page":726},{"title":"حديث لا تمنوا لقاء العدو","level":4,"page":726},{"title":"باب الحرب خدعة","level":3,"page":727},{"title":"حديث هلك كسرى ثم لا يكون كسرى بعده","level":4,"page":727},{"title":"حديث تسمية النبي ﷺ الحرب خدعة","level":4,"page":727},{"title":"حديث الحرب خدعة","level":4,"page":727},{"title":"باب من لا يثبت على الخيل","level":3,"page":732},{"title":"حديث ما حجبني النبي ﷺ منذ أسلمت ولا رآني إلا تبسم في وجهي","level":4,"page":732},{"title":"باب من رأى العدو فنادى بأعلى صوته يا صباحاه حتى يسمع الناس","level":3,"page":743},{"title":"حديث أخذ لقاح النبي ﷺ","level":4,"page":743},{"title":"باب إذا نزل العدو على حكم رجل","level":3,"page":750},{"title":"حديث حكم سعد في بني قريظة","level":4,"page":750},{"title":"باب هل يستأسر الرجل ومن لم يستأسر ومن ركع ركعتين عند القتل","level":3,"page":757},{"title":"حديث بعث الرسول ﷺ عشرة رهط سرية","level":4,"page":757},{"title":"باب فكاك الأسير","level":3,"page":768},{"title":"حديث فكوا العاني وأطعموا الجائع وعودوا المريض","level":4,"page":768},{"title":"باب الحربي إذا دخل دار الإسلام بغير أمان","level":3,"page":774},{"title":"حديث أتى النبي ﷺ عين من المشركين وهو في سفر","level":4,"page":774},{"title":"باب كيف يعرض الإسلام على الصبي","level":3,"page":777},{"title":"حديث ذكر الدجال وقوله فيه تعلمون أنه أعور وإن الله ليس بأعور","level":4,"page":777},{"title":"باب إذا أسلم قوم في دار الحرب ولهم مال وأرضون فهي لهم","level":3,"page":782},{"title":"حديث استعمال عمر بن الخطاب مولى له يدعى هنيا ونصيحته له","level":4,"page":782},{"title":"باب كتابة الإمام الناس","level":3,"page":792},{"title":"حديث اكتبوا لي من تلفظ بالإسلام من الناس","level":4,"page":792},{"title":"باب إن الله يؤيد الدين بالرجل الفاجر","level":3,"page":795},{"title":"حديث قال لرجل ممن يدعي الإسلام هذا من أهل النار","level":4,"page":795},{"title":"باب من غلب العدو فأقام على عرصتهم ثلاثا","level":3,"page":797},{"title":"حديث أنه كان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال","level":4,"page":797},{"title":"باب إذا غنم المشركون مال المسلم ثم وجده المسلم","level":3,"page":806},{"title":"حديث أن ابن عمر ذهب فرس له فأخذه العدو","level":4,"page":806},{"title":"باب من تكلم بالفارسية والرطنة","level":3,"page":808},{"title":"حديث إن جابرا قد صنع سور فحيهلا بكم","level":4,"page":808},{"title":"حديث أبلي وأخلقي ثم أبلي وأخلقي ثم أبلي وأخلقي","level":4,"page":821},{"title":"باب القليل من الغلول","level":3,"page":828},{"title":"حديث كان على ثقل النبي ﷺ رجل يقال له كركرة","level":4,"page":828},{"title":"باب لا هجرة بعد الفتح","level":3,"page":833},{"title":"حديث انقطعت الهجرة منذ فتح الله على نبيه ﷺ مكة","level":4,"page":833},{"title":"باب استقبال الغزاة","level":3,"page":837},{"title":"حديث قول ابن الزبير لابن جعفر أتذكر إذ تلقينا رسول الله ﷺ","level":4,"page":837},{"title":"حديث ذهبنا نتلقى رسول الله ﷺ مع الصبيان إلى ثنية الوداع","level":4,"page":838},{"title":"الفصل الثالث: كتاب الفرائض","level":2,"page":842},{"title":"باب فرض الخمس","level":3,"page":843},{"title":"حديث أن فاطمة سألت أبا بكر الصديق بعد وفاة رسول الله ﷺ أن يقسم لها ميراثها","level":4,"page":843},{"title":"حديث لا نورث ما تركنا صدقة","level":4,"page":846},{"title":"باب نفقة نساء النبي ﷺ بعد وفاته","level":3,"page":857},{"title":"حديث توفي رسول الله ﷺ وما في بيته من شيء","level":4,"page":857},{"title":"باب ما جاء في بيوت أزواج النبي ﷺ وما نسب من البيوت إليهن","level":3,"page":860},{"title":"حديث ها هنا الفتنة من حيث يطلع قرن الشيطان","level":4,"page":860},{"title":"باب ما ذكر من درع النبي ﷺ، وعصاه، وسيفه، وقدحه، وخاتمه وما استعمل الخلفاء بعده من ذلك مما لم يذكر قسمته، ومن شعره، ونعله، وآنيته، مما تبرك أصحابه وغيرهم بعد وفاته","level":3,"page":864},{"title":"حديث إخراج أنس نعلين جرداوين لهما قبالان","level":4,"page":864},{"title":"حديث إخراج عائشة كساء ملبدا وقولها في هذا نزع روح النبي ﷺ","level":4,"page":864},{"title":"حديث أن قدح النبي ﷺ كسر","level":4,"page":865},{"title":"حديث لو كان علي ذاكرا عثمان ذكره يوم جاءه ناس. . .","level":4,"page":869},{"title":"باب الدليل على أن الخمس لنوائب رسول الله ﷺ والمساكين","level":3,"page":875},{"title":"حديث أن فاطمة اشتكت ما تلقى من الرحى مما تطحنه","level":4,"page":875},{"title":"باب قول الله تعالى: ﴿فأن لله خمسه وللرسول﴾","level":3,"page":880},{"title":"حديث إنما أنا قاسم وخازن والله يعطي","level":4,"page":880},{"title":"حديث إنما أنا قاسم أضع حيث أمرت","level":4,"page":881},{"title":"حديث إن رجالا يتخوضون في مال الله بغير حق","level":4,"page":885},{"title":"باب قول النبي ﷺ أحلت لكم الغنائم","level":3,"page":888},{"title":"حديث أحلت لكم الغنائم","level":4,"page":888},{"title":"حديث غزا نبي من الأنبياء فقال لقومه لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة","level":4,"page":889},{"title":"باب بركة الغازي في ماله حيا وميتا، مع النبي ﷺ وولاة الأمر","level":3,"page":893},{"title":"حديث لما وقف الزبير يوم الجمل دعا ابنه عبد الله","level":4,"page":893},{"title":"باب إذا بعث الإمام رسولا في حاجة أو أمره بالمقام هل يسهم له","level":3,"page":899},{"title":"حديث قوله ﷺ لعثمان إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه","level":4,"page":899},{"title":"باب ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين","level":3,"page":907},{"title":"حديث والله لا أحملكم وما عندي ما أحملكم","level":4,"page":907},{"title":"حديث بعث النبي ﷺ سرية قبل نجد فيها عبد الله بن عمر","level":4,"page":918},{"title":"حديث أن رسول الله ﷺ كان ينفل بعض من يبعث من السرايا لأنفسهم خاصة سوى قسم عامة الجيش","level":4,"page":918},{"title":"حديث قسم النبي لإصحاب السفينة مع جعفر وأصحابه حين افتتح خيبر","level":4,"page":921},{"title":"حديث لقد شقيت إن لم أعدل","level":4,"page":926},{"title":"باب ما من النبي ﷺ على الأسارى من غير أن يخمس","level":3,"page":930},{"title":"حديث قوله في أسارى بدر لو كان المطعم بن عدي حيا ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتتركتهم له","level":4,"page":930},{"title":"باب ومن الدليل على أن الخمس للإمام وأنه يعطي بعض قرابته دون بعض","level":3,"page":934},{"title":"حديث إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد","level":4,"page":934},{"title":"باب من لم يخمس الأسلاب ومن قتل قتيلا فله سلبه من غير أن يخمس، وحكم الإمام فيه","level":3,"page":937},{"title":"حديث قتل إبي جهل","level":4,"page":937},{"title":"باب ما كان النبي ﷺ يعطي المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخمس ونحوه","level":3,"page":947},{"title":"حديث أسماء كنت أنقل النوى من أرض الزبير. . .","level":4,"page":973},{"title":"باب ما يصيب من الطعام في أرض الحرب","level":3,"page":984},{"title":"حديث استحياء عبد الله بن مغفل من رسول الله","level":4,"page":984},{"title":"حديث ابن عمر كنا نصيب في مغازينا العسل والعنب فنأكله ولا نرفعه","level":4,"page":984},{"title":"حديث نهى النبي ﷺ عن أكل لحوم الحمر الأهلية","level":4,"page":987},{"title":"الفصل الرابع كتاب الجزية والموادعة","level":2,"page":992},{"title":"باب الجزية والموادعة، مع أهل الذمة والحرب","level":3,"page":993},{"title":"حديث قول عمر فرقوا بين كل ذي محرم من المجوس","level":4,"page":993},{"title":"حديث أن رسول الله ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر","level":4,"page":993},{"title":"حديث بعثه ﷺ أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها","level":4,"page":998},{"title":"حديث بعث عمر الناس في أفناء الأمصار يقاتلون المشركين","level":4,"page":1006},{"title":"حديث كان إذا لم يقاتل في أول النهار انتظر حتى تهب الأرواح وتحضر الصلوات","level":4,"page":1007},{"title":"باب إثم من قتل معاهدا بغير جرم","level":3,"page":1016},{"title":"حديث من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة","level":4,"page":1016},{"title":"باب إخراج اليهود من جزيرة العرب","level":3,"page":1019},{"title":"حديث أقركم ما أقركم الله","level":4,"page":1019},{"title":"باب إذا غدر المشركون بالمسلمين هل يعفى عنهم","level":3,"page":1025},{"title":"حديث لما فتحت خيبر أهديت للنبي ﷺ شاة فيها سم","level":4,"page":1025},{"title":"باب هل يعفى عن الذمي إذا سحر؟","level":3,"page":1030},{"title":"حديث أن النبي ﷺ سحر حتى كان يخيل إليه أنه صنع شيئا ولم يصنعه","level":4,"page":1030},{"title":"باب ما يحذر من الغدر","level":3,"page":1043},{"title":"حديث اعدد ستا بين يدي الساعة","level":4,"page":1043},{"title":"باب إثم من عاهد ثم غدر","level":3,"page":1049},{"title":"حديث كيف أنتم إذا لم تجتبوا دينارا ولا درهما","level":4,"page":1049},{"title":"باب","level":3,"page":1052},{"title":"حديث قول سهل بن حنيف اتهموا رأيكم رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد أمر النبي لرددته","level":4,"page":1052},{"title":"باب إثم الغادر للبر والفاجر","level":3,"page":1070},{"title":"حديث لكل غادر لواء يوم القيامة","level":4,"page":1070},{"title":"حديث لكل غادر لواء ينصب لغدرته","level":4,"page":1070},{"title":"القسم الثاني المنهج الدعوي المستخلص من الدراسة","level":1,"page":1080},{"title":"الفصل الأول: المنهج الدعوي المتعلق بالداعية","level":2,"page":1081},{"title":"الفصل الثاني المنهج الدعوي المتعلق بالمدعو","level":2,"page":1095},{"title":"الفصل الثالث المنهج الدعوي المتعلق بموضوع الدعوة","level":2,"page":1101},{"title":"الفصل الرابع المنهج الدعوي المتعلق بالوسائل والأساليب","level":2,"page":1110},{"title":"المبحث الأول: المنهج الدعوي المتعلق بالوسائل","level":3,"page":1111},{"title":"المبحث الثاني المنهج الدعوي المتعلق بالأساليب","level":3,"page":1116},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":1122},{"title":"التوصيات والمقترحات","level":1,"page":1125}],"ٛ":{"1,3":2,"1,4":3,"1,5":4,"1,6":5,"1,7":6,"1,8":7,"1,9":8,"1,10":9,"1,11":10,"1,12":11,"1,13":12,"1,14":13,"1,15":14,"1,16":15,"1,17":16,"1,18":17,"1,19":18,"1,20":19,"1,21":20,"1,22":21,"1,23":22,"1,24":23,"1,25":24,"1,26":25,"1,27":26,"1,28":27,"1,29":28,"1,30":29,"1,31":30,"1,32":31,"1,33":32,"1,34":33,"1,35":34,"1,36":35,"1,37":36,"1,38":37,"1,39":38,"1,40":39,"1,41":40,"1,42":41,"1,43":42,"1,44":43,"1,45":44,"1,47":45,"1,48":46,"1,49":47,"1,50":48,"1,51":49,"1,52":50,"1,53":51,"1,54":52,"1,55":53,"1,56":54,"1,57":55,"1,58":56,"1,59":57,"1,60":58,"1,61":59,"1,62":60,"1,63":61,"1,64":62,"1,65":63,"1,66":64,"1,67":65,"1,68":66,"1,69":67,"1,70":68,"1,71":69,"1,72":70,"1,73":71,"1,74":72,"1,75":73,"1,76":74,"1,77":75,"1,78":76,"1,79":77,"1,80":78,"1,81":79,"1,82":80,"1,83":81,"1,84":82,"1,85":83,"1,86":84,"1,87":85,"1,88":86,"1,89":87,"1,90":88,"1,91":89,"1,92":90,"1,93":91,"1,94":92,"1,95":93,"1,96":94,"1,97":95,"1,98":96,"1,99":97,"1,100":98,"1,101":99,"1,102":100,"1,103":101,"1,104":102,"1,105":103,"1,106":104,"1,107":105,"1,108":106,"1,109":107,"1,110":108,"1,111":109,"1,112":110,"1,113":111,"1,114":112,"1,115":113,"1,116":114,"1,117":115,"1,118":116,"1,119":117,"1,120":118,"1,121":119,"1,122":120,"1,123":121,"1,124":122,"1,125":123,"1,126":124,"1,127":125,"1,128":126,"1,129":127,"1,130":128,"1,131":129,"1,132":130,"1,133":131,"1,134":132,"1,135":133,"1,136":134,"1,137":135,"1,138":136,"1,139":137,"1,140":138,"1,141":139,"1,142":140,"1,143":141,"1,144":142,"1,145":143,"1,146":144,"1,147":145,"1,148":146,"1,149":147,"1,150":148,"1,151":149,"1,152":150,"1,153":151,"1,154":152,"1,155":153,"1,157":154,"1,158":155,"1,159":156,"1,160":157,"1,161":158,"1,162":159,"1,163":160,"1,164":161,"1,165":162,"1,166":163,"1,167":164,"1,168":165,"1,169":166,"1,170":167,"1,171":168,"1,172":169,"1,173":170,"1,174":171,"1,175":172,"1,176":173,"1,177":174,"1,178":175,"1,179":176,"1,180":177,"1,181":178,"1,182":179,"1,183":180,"1,184":181,"1,185":182,"1,186":183,"1,187":184,"1,188":185,"1,189":186,"1,190":187,"1,191":188,"1,192":189,"1,193":190,"1,194":191,"1,195":192,"1,196":193,"1,197":194,"1,198":195,"1,199":196,"1,200":197,"1,201":198,"1,202":199,"1,203":200,"1,204":201,"1,205":202,"1,206":203,"1,207":204,"1,208":205,"1,209":206,"1,210":207,"1,211":208,"1,212":209,"1,213":210,"1,214":211,"1,215":212,"1,216":213,"1,217":214,"1,218":215,"1,219":216,"1,220":217,"1,221":218,"1,222":219,"1,223":220,"1,224":221,"1,225":222,"1,226":223,"1,227":224,"1,228":225,"1,229":226,"1,230":227,"1,231":228,"1,232":229,"1,233":230,"1,234":231,"1,235":232,"1,236":233,"1,237":234,"1,238":235,"1,239":236,"1,240":237,"1,241":238,"1,242":239,"1,243":240,"1,244":241,"1,245":242,"1,246":243,"1,247":244,"1,248":245,"1,249":246,"1,250":247,"1,251":248,"1,252":249,"1,253":250,"1,254":251,"1,255":252,"1,256":253,"1,257":254,"1,258":255,"1,259":256,"1,260":257,"1,261":258,"1,262":259,"1,263":260,"1,264":261,"1,265":262,"1,266":263,"1,267":264,"1,268":265,"1,269":266,"1,270":267,"1,271":268,"1,272":269,"1,273":270,"1,274":271,"1,275":272,"1,276":273,"1,277":274,"1,278":275,"1,279":276,"1,280":277,"1,281":278,"1,282":279,"1,283":280,"1,284":281,"1,285":282,"1,286":283,"1,287":284,"1,288":285,"1,289":286,"1,290":287,"1,291":288,"1,292":289,"1,293":290,"1,294":291,"1,295":292,"1,296":293,"1,297":294,"1,298":295,"1,299":296,"1,300":297,"1,301":298,"1,302":299,"1,303":300,"1,304":301,"1,305":302,"1,306":303,"1,307":304,"1,308":305,"1,309":306,"1,310":307,"1,311":308,"1,312":309,"1,313":310,"1,314":311,"1,315":312,"1,316":313,"1,317":314,"1,318":315,"1,319":316,"1,320":317,"1,321":318,"1,322":319,"1,323":320,"1,324":321,"1,325":322,"1,326":323,"1,327":324,"1,328":325,"1,329":326,"1,330":327,"1,331":328,"1,332":329,"1,333":330,"1,334":331,"1,335":332,"1,336":333,"1,337":334,"1,338":335,"1,339":336,"1,340":337,"1,341":338,"1,342":339,"1,343":340,"1,344":341,"1,345":342,"1,346":343,"1,347":344,"1,348":345,"1,349":346,"1,350":347,"1,351":348,"1,352":349,"1,353":350,"1,354":351,"1,355":352,"1,356":353,"1,357":354,"1,358":355,"1,359":356,"1,360":357,"1,361":358,"1,362":359,"1,363":360,"1,364":361,"1,365":362,"1,366":363,"1,367":364,"1,368":365,"1,369":366,"1,370":367,"1,371":368,"1,372":369,"1,373":370,"1,374":371,"1,375":372,"1,376":373,"1,377":374,"1,378":375,"1,379":376,"1,380":377,"1,381":378,"1,382":379,"1,383":380,"1,384":381,"1,385":382,"1,386":383,"1,387":384,"1,388":385,"1,389":386,"1,390":387,"1,391":388,"1,392":389,"1,393":390,"1,394":391,"1,395":392,"1,396":393,"1,397":394,"1,398":395,"1,399":396,"1,400":397,"1,401":398,"1,402":399,"1,403":400,"1,404":401,"1,405":402,"1,406":403,"1,407":404,"1,408":405,"1,409":406,"1,410":407,"1,411":408,"1,412":409,"1,413":410,"1,414":411,"1,415":412,"1,416":413,"1,417":414,"1,418":415,"1,419":416,"1,420":417,"1,421":418,"1,422":419,"1,423":420,"1,424":421,"1,425":422,"1,426":423,"1,427":424,"1,428":425,"1,429":426,"1,430":427,"1,431":428,"1,432":429,"1,433":430,"1,434":431,"1,435":432,"1,436":433,"1,437":434,"1,438":435,"1,439":436,"1,440":437,"1,441":438,"1,442":439,"1,443":440,"1,444":441,"1,445":442,"1,446":443,"1,447":444,"1,448":445,"1,449":446,"1,450":447,"1,451":448,"1,452":449,"1,453":450,"1,454":451,"1,455":452,"1,456":453,"1,457":454,"1,458":455,"1,459":456,"1,460":457,"1,461":458,"1,462":459,"1,463":460,"1,464":461,"1,465":462,"1,466":463,"1,467":464,"1,468":465,"1,469":466,"1,470":467,"1,471":468,"1,472":469,"1,473":470,"1,474":471,"1,475":472,"1,476":473,"1,477":474,"1,478":475,"1,479":476,"1,480":477,"1,481":478,"1,482":479,"1,483":480,"1,484":481,"1,485":482,"1,486":483,"1,487":484,"1,488":485,"1,489":486,"1,490":487,"1,491":488,"1,492":489,"1,493":490,"1,494":491,"1,495":492,"1,496":493,"1,497":494,"1,498":495,"1,499":496,"1,500":497,"1,501":498,"1,502":499,"1,503":500,"1,504":501,"1,505":502,"1,506":503,"1,507":504,"1,508":505,"1,509":506,"1,510":507,"1,511":508,"1,512":509,"1,513":510,"1,514":511,"1,515":512,"1,516":513,"1,517":514,"1,518":515,"1,519":516,"1,520":517,"1,521":518,"1,522":519,"1,523":520,"1,524":521,"1,525":522,"1,526":523,"1,527":524,"1,528":525,"1,529":526,"1,530":527,"1,531":528,"1,532":529,"1,533":530,"1,534":531,"1,535":532,"1,536":533,"1,537":534,"1,538":535,"1,539":536,"1,540":537,"1,541":538,"1,542":539,"1,543":540,"1,544":541,"1,545":542,"1,546":543,"1,547":544,"1,548":545,"1,549":546,"1,550":547,"1,551":548,"1,552":549,"1,553":550,"1,554":551,"1,555":552,"1,556":553,"1,557":554,"1,558":555,"1,559":556,"1,560":557,"1,561":558,"1,562":559,"1,563":560,"1,564":561,"1,565":562,"1,566":563,"1,567":564,"1,568":565,"1,569":566,"1,570":567,"1,571":568,"1,572":569,"1,573":570,"1,574":571,"1,575":572,"1,576":573,"1,577":574,"1,578":575,"1,579":576,"1,580":577,"1,581":578,"1,582":579,"1,583":580,"1,584":581,"1,585":582,"1,586":583,"1,587":584,"1,588":585,"1,589":586,"1,590":587,"1,591":588,"1,592":589,"1,593":590,"1,594":591,"1,595":592,"1,596":593,"1,597":594,"1,598":595,"1,599":596,"1,600":597,"1,601":598,"1,602":599,"1,603":600,"1,604":601,"1,605":602,"1,606":603,"1,607":604,"1,608":605,"1,609":606,"1,610":607,"1,611":608,"1,612":609,"1,613":610,"1,614":611,"1,615":612,"1,616":613,"1,617":614,"1,618":615,"1,619":616,"1,620":617,"1,621":618,"1,622":619,"1,623":620,"1,624":621,"1,625":622,"1,626":623,"1,627":624,"1,628":625,"1,629":626,"1,630":627,"1,631":628,"1,632":629,"1,633":630,"1,634":631,"1,635":632,"1,636":633,"1,637":634,"1,638":635,"1,639":636,"1,640":637,"1,641":638,"1,642":639,"1,643":640,"1,644":641,"1,645":642,"1,646":643,"1,647":644,"1,648":645,"1,649":646,"1,650":647,"2,651":648,"2,652":649,"2,653":650,"2,654":651,"2,655":652,"2,656":653,"2,657":654,"2,658":655,"2,659":656,"2,660":657,"2,661":658,"2,662":659,"2,663":660,"2,664":661,"2,665":662,"2,666":663,"2,667":664,"2,668":665,"2,669":666,"2,670":667,"2,671":668,"2,672":669,"2,673":670,"2,674":671,"2,675":672,"2,676":673,"2,677":674,"2,678":675,"2,679":676,"2,680":677,"2,681":678,"2,682":679,"2,683":680,"2,684":681,"2,685":682,"2,686":683,"2,687":684,"2,688":685,"2,689":686,"2,690":687,"2,691":688,"2,692":689,"2,693":690,"2,694":691,"2,695":692,"2,696":693,"2,697":694,"2,698":695,"2,699":696,"2,700":697,"2,701":698,"2,702":699,"2,703":700,"2,704":701,"2,705":702,"2,706":703,"2,707":704,"2,708":705,"2,709":706,"2,710":707,"2,711":708,"2,712":709,"2,713":710,"2,714":711,"2,715":712,"2,716":713,"2,717":714,"2,718":715,"2,719":716,"2,720":717,"2,721":718,"2,722":719,"2,723":720,"2,724":721,"2,725":722,"2,726":723,"2,727":724,"2,728":725,"2,729":726,"2,730":727,"2,731":728,"2,732":729,"2,733":730,"2,734":731,"2,735":732,"2,736":733,"2,737":734,"2,738":735,"2,739":736,"2,740":737,"2,741":738,"2,742":739,"2,743":740,"2,744":741,"2,745":742,"2,746":743,"2,747":744,"2,748":745,"2,749":746,"2,750":747,"2,751":748,"2,752":749,"2,753":750,"2,754":751,"2,755":752,"2,756":753,"2,757":754,"2,758":755,"2,759":756,"2,760":757,"2,761":758,"2,762":759,"2,763":760,"2,764":761,"2,765":762,"2,766":763,"2,767":764,"2,768":765,"2,769":766,"2,770":767,"2,771":768,"2,772":769,"2,773":770,"2,774":771,"2,775":772,"2,776":773,"2,777":774,"2,778":775,"2,779":776,"2,780":777,"2,781":778,"2,782":779,"2,783":780,"2,784":781,"2,785":782,"2,786":783,"2,787":784,"2,788":785,"2,789":786,"2,790":787,"2,791":788,"2,792":789,"2,793":790,"2,794":791,"2,795":792,"2,796":793,"2,797":794,"2,798":795,"2,799":796,"2,800":797,"2,801":798,"2,802":799,"2,803":800,"2,804":801,"2,805":802,"2,806":803,"2,807":804,"2,808":805,"2,809":806,"2,810":807,"2,811":808,"2,812":809,"2,813":810,"2,814":811,"2,815":812,"2,816":813,"2,817":814,"2,818":815,"2,819":816,"2,820":817,"2,821":818,"2,822":819,"2,823":820,"2,824":821,"2,825":822,"2,826":823,"2,827":824,"2,828":825,"2,829":826,"2,830":827,"2,831":828,"2,832":829,"2,833":830,"2,834":831,"2,835":832,"2,836":833,"2,837":834,"2,838":835,"2,839":836,"2,840":837,"2,841":838,"2,842":839,"2,843":840,"2,844":841,"2,845":842,"2,846":843,"2,847":844,"2,848":845,"2,849":846,"2,850":847,"2,851":848,"2,852":849,"2,853":850,"2,854":851,"2,855":852,"2,856":853,"2,857":854,"2,858":855,"2,859":856,"2,860":857,"2,861":858,"2,862":859,"2,863":860,"2,864":861,"2,865":862,"2,866":863,"2,867":864,"2,868":865,"2,869":866,"2,870":867,"2,871":868,"2,872":869,"2,873":870,"2,874":871,"2,875":872,"2,876":873,"2,877":874,"2,878":875,"2,879":876,"2,880":877,"2,881":878,"2,882":879,"2,883":880,"2,884":881,"2,885":882,"2,886":883,"2,887":884,"2,888":885,"2,889":886,"2,890":887,"2,891":888,"2,892":889,"2,893":890,"2,894":891,"2,895":892,"2,896":893,"2,897":894,"2,898":895,"2,899":896,"2,900":897,"2,901":898,"2,902":899,"2,903":900,"2,904":901,"2,905":902,"2,906":903,"2,907":904,"2,908":905,"2,909":906,"2,910":907,"2,911":908,"2,912":909,"2,913":910,"2,914":911,"2,915":912,"2,916":913,"2,917":914,"2,918":915,"2,919":916,"2,920":917,"2,921":918,"2,922":919,"2,923":920,"2,924":921,"2,925":922,"2,926":923,"2,927":924,"2,928":925,"2,929":926,"2,930":927,"2,931":928,"2,932":929,"2,933":930,"2,934":931,"2,935":932,"2,936":933,"2,937":934,"2,938":935,"2,939":936,"2,940":937,"2,941":938,"2,942":939,"2,943":940,"2,944":941,"2,945":942,"2,946":943,"2,947":944,"2,948":945,"2,949":946,"2,950":947,"2,951":948,"2,952":949,"2,953":950,"2,954":951,"2,955":952,"2,956":953,"2,957":954,"2,958":955,"2,959":956,"2,960":957,"2,961":958,"2,962":959,"2,963":960,"2,964":961,"2,965":962,"2,966":963,"2,967":964,"2,968":965,"2,969":966,"2,970":967,"2,971":968,"2,972":969,"2,973":970,"2,974":971,"2,975":972,"2,976":973,"2,977":974,"2,978":975,"2,979":976,"2,980":977,"2,981":978,"2,982":979,"2,983":980,"2,984":981,"2,985":982,"2,986":983,"2,987":984,"2,988":985,"2,989":986,"2,990":987,"2,991":988,"2,992":989,"2,993":990,"2,994":991,"2,995":992,"2,996":993,"2,997":994,"2,998":995,"2,999":996,"2,1000":997,"2,1001":998,"2,1002":999,"2,1003":1000,"2,1004":1001,"2,1005":1002,"2,1006":1003,"2,1007":1004,"2,1008":1005,"2,1009":1006,"2,1010":1007,"2,1011":1008,"2,1012":1009,"2,1013":1010,"2,1014":1011,"2,1015":1012,"2,1016":1013,"2,1017":1014,"2,1018":1015,"2,1019":1016,"2,1020":1017,"2,1021":1018,"2,1022":1019,"2,1023":1020,"2,1024":1021,"2,1025":1022,"2,1026":1023,"2,1027":1024,"2,1028":1025,"2,1029":1026,"2,1030":1027,"2,1031":1028,"2,1032":1029,"2,1033":1030,"2,1034":1031,"2,1035":1032,"2,1036":1033,"2,1037":1034,"2,1038":1035,"2,1039":1036,"2,1040":1037,"2,1041":1038,"2,1042":1039,"2,1043":1040,"2,1044":1041,"2,1045":1042,"2,1046":1043,"2,1047":1044,"2,1048":1045,"2,1049":1046,"2,1050":1047,"2,1051":1048,"2,1052":1049,"2,1053":1050,"2,1054":1051,"2,1055":1052,"2,1056":1053,"2,1057":1054,"2,1058":1055,"2,1059":1056,"2,1060":1057,"2,1061":1058,"2,1062":1059,"2,1063":1060,"2,1064":1061,"2,1065":1062,"2,1066":1063,"2,1067":1064,"2,1068":1065,"2,1069":1066,"2,1070":1067,"2,1071":1068,"2,1072":1069,"2,1073":1070,"2,1074":1071,"2,1075":1072,"2,1076":1073,"2,1077":1074,"2,1078":1075,"2,1079":1076,"2,1080":1077,"2,1081":1078,"2,1082":1079,"2,1083":1080,"2,1085":1081,"2,1086":1082,"2,1087":1083,"2,1088":1084,"2,1089":1085,"2,1090":1086,"2,1091":1087,"2,1092":1088,"2,1093":1089,"2,1094":1090,"2,1095":1091,"2,1096":1092,"2,1097":1093,"2,1098":1094,"2,1099":1095,"2,1100":1096,"2,1101":1097,"2,1102":1098,"2,1103":1099,"2,1104":1100,"2,1105":1101,"2,1106":1102,"2,1107":1103,"2,1108":1104,"2,1109":1105,"2,1110":1106,"2,1111":1107,"2,1112":1108,"2,1113":1109,"2,1115":1110,"2,1116":1111,"2,1117":1112,"2,1118":1113,"2,1119":1114,"2,1120":1115,"2,1121":1116,"2,1122":1117,"2,1123":1118,"2,1124":1119,"2,1125":1120,"2,1126":1121,"2,1127":1122,"2,1128":1123,"2,1129":1124,"2,1130":1125},"ٜ":{"1":[3,650],"2":[651,1130]},"ٝ":[null,"1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,572","1,573","1,574","1,575","1,576","1,577","1,578","1,579","1,580","1,581","1,582","1,583","1,584","1,585","1,586","1,587","1,588","1,589","1,590","1,591","1,592","1,593","1,594","1,595","1,596","1,597","1,598","1,599","1,600","1,601","1,602","1,603","1,604","1,605","1,606","1,607","1,608","1,609","1,610","1,611","1,612","1,613","1,614","1,615","1,616","1,617","1,618","1,619","1,620","1,621","1,622","1,623","1,624","1,625","1,626","1,627","1,628","1,629","1,630","1,631","1,632","1,633","1,634","1,635","1,636","1,637","1,638","1,639","1,640","1,641","1,642","1,643","1,644","1,645","1,646","1,647","1,648","1,649","1,650","2,651","2,652","2,653","2,654","2,655","2,656","2,657","2,658","2,659","2,660","2,661","2,662","2,663","2,664","2,665","2,666","2,667","2,668","2,669","2,670","2,671","2,672","2,673","2,674","2,675","2,676","2,677","2,678","2,679","2,680","2,681","2,682","2,683","2,684","2,685","2,686","2,687","2,688","2,689","2,690","2,691","2,692","2,693","2,694","2,695","2,696","2,697","2,698","2,699","2,700","2,701","2,702","2,703","2,704","2,705","2,706","2,707","2,708","2,709","2,710","2,711","2,712","2,713","2,714","2,715","2,716","2,717","2,718","2,719","2,720","2,721","2,722","2,723","2,724","2,725","2,726","2,727","2,728","2,729","2,730","2,731","2,732","2,733","2,734","2,735","2,736","2,737","2,738","2,739","2,740","2,741","2,742","2,743","2,744","2,745","2,746","2,747","2,748","2,749","2,750","2,751","2,752","2,753","2,754","2,755","2,756","2,757","2,758","2,759","2,760","2,761","2,762","2,763","2,764","2,765","2,766","2,767","2,768","2,769","2,770","2,771","2,772","2,773","2,774","2,775","2,776","2,777","2,778","2,779","2,780","2,781","2,782","2,783","2,784","2,785","2,786","2,787","2,788","2,789","2,790","2,791","2,792","2,793","2,794","2,795","2,796","2,797","2,798","2,799","2,800","2,801","2,802","2,803","2,804","2,805","2,806","2,807","2,808","2,809","2,810","2,811","2,812","2,813","2,814","2,815","2,816","2,817","2,818","2,819","2,820","2,821","2,822","2,823","2,824","2,825","2,826","2,827","2,828","2,829","2,830","2,831","2,832","2,833","2,834","2,835","2,836","2,837","2,838","2,839","2,840","2,841","2,842","2,843","2,844","2,845","2,846","2,847","2,848","2,849","2,850","2,851","2,852","2,853","2,854","2,855","2,856","2,857","2,858","2,859","2,860","2,861","2,862","2,863","2,864","2,865","2,866","2,867","2,868","2,869","2,870","2,871","2,872","2,873","2,874","2,875","2,876","2,877","2,878","2,879","2,880","2,881","2,882","2,883","2,884","2,885","2,886","2,887","2,888","2,889","2,890","2,891","2,892","2,893","2,894","2,895","2,896","2,897","2,898","2,899","2,900","2,901","2,902","2,903","2,904","2,905","2,906","2,907","2,908","2,909","2,910","2,911","2,912","2,913","2,914","2,915","2,916","2,917","2,918","2,919","2,920","2,921","2,922","2,923","2,924","2,925","2,926","2,927","2,928","2,929","2,930","2,931","2,932","2,933","2,934","2,935","2,936","2,937","2,938","2,939","2,940","2,941","2,942","2,943","2,944","2,945","2,946","2,947","2,948","2,949","2,950","2,951","2,952","2,953","2,954","2,955","2,956","2,957","2,958","2,959","2,960","2,961","2,962","2,963","2,964","2,965","2,966","2,967","2,968","2,969","2,970","2,971","2,972","2,973","2,974","2,975","2,976","2,977","2,978","2,979","2,980","2,981","2,982","2,983","2,984","2,985","2,986","2,987","2,988","2,989","2,990","2,991","2,992","2,993","2,994","2,995","2,996","2,997","2,998","2,999","2,1000","2,1001","2,1002","2,1003","2,1004","2,1005","2,1006","2,1007","2,1008","2,1009","2,1010","2,1011","2,1012","2,1013","2,1014","2,1015","2,1016","2,1017","2,1018","2,1019","2,1020","2,1021","2,1022","2,1023","2,1024","2,1025","2,1026","2,1027","2,1028","2,1029","2,1030","2,1031","2,1032","2,1033","2,1034","2,1035","2,1036","2,1037","2,1038","2,1039","2,1040","2,1041","2,1042","2,1043","2,1044","2,1045","2,1046","2,1047","2,1048","2,1049","2,1050","2,1051","2,1052","2,1053","2,1054","2,1055","2,1056","2,1057","2,1058","2,1059","2,1060","2,1061","2,1062","2,1063","2,1064","2,1065","2,1066","2,1067","2,1068","2,1069","2,1070","2,1071","2,1072","2,1073","2,1074","2,1075","2,1076","2,1077","2,1078","2,1079","2,1080","2,1081","2,1082","2,1083","2,1085","2,1086","2,1087","2,1088","2,1089","2,1090","2,1091","2,1092","2,1093","2,1094","2,1095","2,1096","2,1097","2,1098","2,1099","2,1100","2,1101","2,1102","2,1103","2,1104","2,1105","2,1106","2,1107","2,1108","2,1109","2,1110","2,1111","2,1112","2,1113","2,1115","2,1116","2,1117","2,1118","2,1119","2,1120","2,1121","2,1122","2,1123","2,1124","2,1125","2,1126","2,1127","2,1128","2,1129","2,1130"],"ٞ":{"2":[1],"3":[2],"5":[3],"9":[4],"10":[5],"11":[6,7],"12":[8],"14":[9],"15":[10],"16":[11],"18":[12,13],"26":[14],"33":[15,16],"34":[17],"42":[18],"43":[19],"44":[20],"45":[21],"46":[22],"54":[23],"59":[24],"63":[25],"68":[26,27],"71":[28,29],"76":[30,31],"88":[32,33],"92":[34,35],"118":[36,37],"123":[38,39],"128":[40,41],"132":[42,43],"135":[44,45],"140":[46,47],"144":[48,49],"150":[50,51],"154":[52],"155":[53,54],"161":[55,56],"168":[57,58],"177":[59,60],"185":[61,62,63],"186":[64],"190":[65,66],"193":[67,68],"197":[69,70],"204":[71],"214":[72,73],"220":[74,75],"225":[76,77],"228":[78,79],"236":[80,81],"240":[82,83],"250":[84,85],"251":[86],"258":[87,88],"262":[89,90],"267":[91],"271":[92,93],"274":[94,95],"277":[96,97],"278":[98],"282":[99,100],"283":[101,102],"295":[103,104],"299":[105,106],"303":[107,108],"307":[109],"311":[110,111],"317":[112,113],"324":[114,115,116],"325":[117],"332":[118,119],"335":[120,121],"337":[122],"355":[123,124],"359":[125,126],"362":[127,128],"374":[129,130],"381":[131,132],"387":[133,134],"391":[135,136],"393":[137,138],"400":[139,140],"405":[141],"414":[142,143],"417":[144],"419":[145,146],"425":[147],"429":[148,149],"449":[150,151],"453":[152],"456":[153,154],"460":[155,156],"473":[157],"476":[158,159],"479":[160,161],"486":[162,163],"490":[164,165],"494":[166,167,168],"497":[169,170,171],"501":[172,173],"505":[174],"507":[175],"516":[176,177],"522":[178,179],"530":[180,181],"539":[182],"543":[183,184],"548":[185,186],"551":[187,188],"556":[189,190],"560":[191],"563":[192],"566":[193],"575":[194,195],"585":[196,197],"588":[198],"589":[199],"598":[200,201],"605":[202,203],"611":[204,205],"632":[206,207],"635":[208,209],"645":[210,211],"648":[212,213],"651":[214,215],"655":[216,217],"666":[218,219],"671":[220,221],"685":[222,223],"689":[224,225],"695":[226,227],"697":[228,229],"704":[230,231],"707":[232,233],"717":[234,235],"726":[236,237],"727":[238,239,240,241],"732":[242,243],"743":[244,245],"750":[246,247],"757":[248,249],"768":[250,251],"774":[252,253],"777":[254,255],"782":[256,257],"792":[258,259],"795":[260,261],"797":[262,263],"806":[264,265],"808":[266,267],"821":[268],"828":[269,270],"833":[271,272],"837":[273,274],"838":[275],"842":[276],"843":[277,278],"846":[279],"857":[280,281],"860":[282,283],"864":[284,285,286],"865":[287],"869":[288],"875":[289,290],"880":[291,292],"881":[293],"885":[294],"888":[295,296],"889":[297],"893":[298,299],"899":[300,301],"907":[302,303],"918":[304,305],"921":[306],"926":[307],"930":[308,309],"934":[310,311],"937":[312,313],"947":[314],"973":[315],"984":[316,317,318],"987":[319],"992":[320],"993":[321,322,323],"998":[324],"1006":[325],"1007":[326],"1016":[327,328],"1019":[329,330],"1025":[331,332],"1030":[333,334],"1043":[335,336],"1049":[337,338],"1052":[339,340],"1070":[341,342,343],"1080":[344],"1081":[345],"1095":[346],"1101":[347],"1110":[348],"1111":[349],"1116":[350],"1122":[351],"1125":[352]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"فقه الدعوة في صحيح الإمام البخاري","vol":"1","page":null},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>المقدمة</span>\nإن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] (١) ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] (٢) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا - يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١] (٣).\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.\nلا شك أن الله تعالى ما خلق الجن والإنس إلا ليعبدوه وحده لا شريك له، كما قال ﷿: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] (٤).\nولما كانت العبادة لا يمكن أن تُعرف أحكامها على التفصيل، أرسل الله الرسل عليهم الصلاة والسلام، وأنزل عليهم الكتب؛ لبيان الأمر الذي خلِقَ من أجله الإِنس والجن؛ ولإيضاحه وتفصيله لهم حتى يعبدوا الله على بصيرة، فقاموا بواجبهم على الوجه الأكمل، عليهم الصلاة والسلام، قال الله﷾-: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣] (٥). ثم ختم الله تعالى الرسل\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآية: ١٠٢.\n(٢) سورة النساء، الآية: ١.\n(٣) سورة الأحزاب، الآيتان: ٧٠، ٧١.\n(٤) سورة الذاريات، الآية: ٥٦.\n(٥) سورة البقرة، الآية: ٢١٣.","vol":"1","page":3},{"text":"بأفضلهم وإمامهم وسيدهم نبينا محمد بن عبد الله، عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح للأمة، وجاهد في الله حق جهاده، ودعا إلى الله على بصيرة سرّا وجهرا، ليلا ونهارا. عملا بقول الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨] (١).\nوهذه طريقته ومسلكه وسنته، يدعو إلى الله على بصيرة ويقين، وبرهان عقلي وشرعي (٢) فصلوات الله وسلامه عليه ما تعاقب الليل والنهار.\nورغبة في السير على طريق النبي ﷺ في دعوته إلى الله تعالى على بصيرة، والاهتداء بهديه، فقد شرع قسم الدعوة والاحتساب بكلية الدعوة والإِعلام في إعداد موسوعة دعوية لدراسة الأحاديث النبوية دراسة دعوية متكاملة تعتمد صحيح الإِمام البخاري أساسا ومنطلقا لها، وقد أحببت المشاركة في هذه الموسوعة المباركة، وكان نصيبي بفضل الله تعالى دراسة: \" فقه الدعوة \" في صحيح الإمام البخاري من أول كتاب الوصايا إلى نهاية كتاب الجزية والموادعة. وأسأل الله التوفيق والتسديد والإعانة.\nأما التعريفات والحدود، وأهمية الموضوع، وتقسيم الدراسة فعلى النحو الآتي:\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-2> أولا: التعريفات والحدود</span>\nفقه الدعوة: جملة تتكون من جزئين: الفقه، والدعوة.\nأ- الفقه لغة: العلم بالشيء والفهم له، والفطنة، وغلب على علم الدين لسيادته، وشرفه، وفضله على سائر أنواع العلم (٣).\nوالفقه في الأصل: الفهم، يقال: أُوتي فلان فقها في الدين: أي فهما فيه (٤).\n_________\n(١) سورة يوسف، الآية: ١٠٨.\n(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم للإمام أبي الفداء إسماعيل بن كثير ٢/ ٤٩٦.\n(٣) انظر: لسان العرب لجمال الدين محمد بن مكرم بن منظور، ١٣/ ٥٢٢، مادة \" فقه \"، والقاموس المحيط، للفيروزآبادي، ص ١٦١٤.\n(٤) انظر: لسان العرب، لابن منظور، مادة \" فقه \" ١٣/ ٥٢٢.","vol":"1","page":4},{"text":"قال الله تعالى: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١٢٢] (١). وقال تعالى: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ [هود: ٩١] (٢). ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨] (٣). ﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٧] (٤). ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] (٥).\nويقال: فَقِهَ الرجل يفقَهُ فِقْها: إذا عَلِمَ وفَهِمَ، وفَقُهَ: إذا صَارَ فَقيِها عالما (٦) ويقال: فَقِه الأمرَ، فَقَها وفِقْها: أحسن إدراكه (٧) والجمع فقهاء، وفَقهَهُ، كعلمه، فَهِمَهُ، وفقَهَه تَفقيها: علمه (٨).\nب- الفقه اصطلاحا: له عدة تعريفات يفسر بعضها بعضَا، منها:\n* العلم الحاصل بجملة من الأحكام الشرعية الفرعية، بالنظر والاستدلال (٩).\nج- الدعوة لغة: الطلب، يقال: دعا بالشيء طلب إحضاره، ودعا إلى الشيء: حث على قصده، ودعوت زيدا: ناديته وطلبتُ إقباله، ودعا فلانا: صاح به وناداه، ودعاه إلى الأمير: ساقه إليه، ويقال: دعاه إلى الصلاة، ودعاه إلى القتال، ودعاه إلى المذهب: حثه على اعتقاده وساقه إليه، وتداعى القوم: دعا بعضهم بعضا حتى يجتمعوا (١٠).\nد- الدعوة اصطلاحا: ورد لها عدة تعريفات يكمل بعضها بعضا، منها:\n_________\n(١) سورة التوبة، الآية: ١٢٢.\n(٢) سورة هود، الآية: ٩١.\n(٣) سورة النساء، الآية: ٧٨.\n(٤) سورة المنافقون، الآية: ٧.\n(٥) سورة الإسراء، الآية: ٤٤.\n(٦) النهاية في غريب الحديث والأثر للإمام مجد الدين أبي السعادات المبارك بن محمد بن الأثير، ٣/ ٤٦٥.\n(٧) انظر: المعجم الوسيط لمجمع اللغة العربية، ص ٦٩٨، مادة \" الفقه \".\n(٨) انظر: القاموس المحيط للفيروزآبادي ص ١٦١٤، ومختار الصحاح للرازي ص ٢١٣، والمصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي، تأليف أحمد الفيومي ص ٤٧٨.\n(٩) الإحكام في أصول الأحكام، لسيف الدين علي بن محمد الآمدي، ١/ ٦ تعليق العلامة عبد الرزاق عفيفي.\n(١٠) انظر: لسان العرب لابن منظور، ١٣/ ٢٥٨، مادة \" دعا \"، والقاموس المحيط للفيروزآبادي ص ١٦٥٤، والمصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي ١/ ١٩٤، مادة: \" دعوت \"، ومفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني ص ٣١٤، مادة \" دعا \"، ومختار الصحاح للرازي ص ٨٦ مادة \" دعا \"، والنهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير ٢/ ١٢١ مادة \" دعا \"، والمعجم الوسيط لمجموعة من علماء اللغة ١/ ٢٨٦، مادة \" دعا \".","vol":"1","page":5},{"text":"١ - \" الدعوة إلى الله ﷿ هي: الدعوة إلى الإيمان به، وبما جاءت به رسله، بتصديقهم فيما أخبروا به، وطاعتهم فيما أمروا، وذلك يتضمن الدعوة إلى الشهادتين، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، والدعوة إلى الإِيمان: بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، والإِيمان بالقدر خيره وشره، والدعوة إلى أن يعبد العبد ربه كأنه يراه \" (١).\n٢ - \" العلم الذي به تعرف كافة المحاولات الفنية المتعددة الرامية إلى تبليغ الناس الإسلام بما حوى: من عقيدة، وشريعة، وأخلاق \" (٢).\nهـ- \" فقه الدعوة \": هو استنباط، وفهم تاريخ الدعوة، وأسبابها، وأركانها، وأساليبها، ووسائلها، وأهدافها، ونتائجها: استنباطا وفهما على ضوء الكتاب، والسنة، وفهم السلف الصالح، يُمَكِّن الدعاة إلى الله تعالى من عرضها بأحسن طريقة، وأكثر ملاءمة لمن توجه إليهم الدعوة في مختلف بيئاتهم، ومتباين ألسنتهم، ولغاتهم، ومتعدد أجناسهم (٣) عملا بقوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨] (٤).\nوأما التعريف بصحيح البخاري وترجمته فيأتي في المدخل إن شاء الله ﷾ (٥).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-3> ثانيا: أهمية الموضوع</span>\n١ - إن ربط الدعوة بالكتاب والسنة من أهم المهمات وأعظم القربات؛ لأن الله أمر بالرد إليهما عند التنازع والاختلاف، ولولا أن في كتاب الله تعالى وسنة\n_________\n(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١٥/ ١٥٧، وانظر: ١٥/ ١٦١.\n(٢) الدعوة الإسلامية: أصولها ووسائلها، للدكتور أحمد غلوش، ص ١٠.\n(٣) انظر: فقه الدعوة إلى الله، للدكتور علي عبد الحليم محمود، ١/ ١٨.\n(٤) سورة يوسف، الآية: ١٠٨.\n(٥) انظر: ص ١٩ و٢٧ من هذا البحث.","vol":"1","page":6},{"text":"رسوله ﷺ، فصل النزاع لما أمر الله بالرد إليهما (١). قال ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] (٢). وقال تعالى ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] (٣). وقال ﷿: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] (٤). وقال ﷾: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] (٥). وهذا كله يؤكد أهمية فقه الدعوة من الكتاب والسنة، والعناية بهما: فهما، وحفظا، وعملا، عقيدة، وأخلاقا، وتعليما للناس ودعوة، فهما المنبعان الصافيان، من أخذ بهما سعد وفاز في الدنيا والآخرة، ومن أعرض عنهما وعن هديهما خاب وخسر، وضل مسعاه وتشتت شمله؛ ولهذا قال ﷺ: «تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله [وسنة نبيه]» (٦).\nولا شك أن معرفة فقه الدعوة في السنة المطهرة من دين الله (٧) الحق الذي أرسل به رسوله ﷺ ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف: ٩] (٨).\n٢ - إن فقه الدعوة إلى الله تعالى فقه مبنيّ على فهم السنة المطهرة، - وذلك باستنباط أسس الدعوة وركائزها التي تقوم عليها- من أهم المهمات؛ لأن\n_________\n(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي ١/ ٨٩.\n(٢) سورة النساء، الآية: ٥٩.\n(٣) سورة النساء، الآية: ٦٥.\n(٤) سورة الأحزاب، الآية: ٣٦.\n(٥) سورة النور، الآية: ٦٣.\n(٦) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي ﷺ، من حديث جابر بن عبد الله ﵄، ٢/ ٨٨٦، برقم ١٢١٨، وما بين المعكوفين للحاكم، ١/ ٩٣، من حديث ابن عباس ﵄، ومن حديث أبي هريرة ﵁، بلفظ \" كتاب الله وسنتي \"، انظر: صحيح الترغيب والترهيب للألباني برقم ٣٦.\n(٧) انظر: مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، للعلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ١/ ٢٣٦.\n(٨) سورة الصف، الآية: ٩.","vol":"1","page":7},{"text":"ذلك يدخل في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨] (١). فالدعوة يجب أن تكون على بصيرة، ويقين وبرهان عقلي وشرعي (٢) ولا تكون كذلك إلا إذا كانت على علم وبيان من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.\nوالداعية لا يكون على بصيرة إلا إذا دعا إلى الله على بصيرة في ثلاثة أمور:\nالأمر الأول: أن يكون على بصيرة فيما يدعو إليه، وذلك بالعلم لا بالجهل.\nالأمر الثاني: أن يكون على بصيرة في حال المدعو، فلا بد من معرفة حال المدعو؛ ليدعوه بالطريقة والكيفية التي تناسبه، وتكون أكثر فائدة له، وتأثيرا فيه.\nالأمر الثالث: أن يكون على بصيرة في كيفية الدعوة (٣).\n٣ - إن التفرق الذي يقع بين الدعاة ما وقع إلا لعدم فقه الدعوة من الكتاب والسنة وفق فهم السلف الصالح، فمن هنا تأتي أهمية العناية بفقه الدعوة في السنة النبوية.\n٤ - إن أصح الكتب بعد القرآن الكريم العزيز، الصحيحان: صحيح الإمام البخاري، وصحيح الإمام مسلم - رحمهما الله- (٤). ومن هذين الكتابين اخترت المشاركة في فقه الدعوة في صحيح الإمام البخاري ﵀؛ لأن (كتاب البخاري أصحهما وأكثرهما فوائد ومعارف ظاهرة وغامضة؛ وقد صح أن مسلما كان ممن يستفيد من البخاري ويعترف بأنه ليس له نظير في علم الحديث، قال الإمام النووي - ﵀: \" وهذا الذي ذكرناه من ترجيح كتاب البخاري هو المذهب المختار الذي قاله الجماهير وأهل الإتقان والحذق والغوص على أسرار الحديث \" (٥).\n_________\n(١) سورة يوسف، الآية: ١٠٨.\n(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم للإمام أبي الفداء إسماعيل بن كثير ٢/ ٤٩٦.\n(٣) انظر: زاد الداعية إلى الله، للشيخ محمد بن صالح العثيمين ص ٧.\n(٤) انظر: علوم الحديث، لابن الصلاح، ص ١٨، ومقدمة شرح النووي على صحيح مسلم، ص ١٤، والتقريب في فن أصول الحديث للنووي، ص ٣، واختصار علوم الحديث، لأبي الفداء ابن كثير، مع شرحه الباعث الحثيث، لأحمد شاكر ١/ ١٠٣.\n(٥) مقدمة شرح صحيح مسلم للنووي ص ١٤.","vol":"1","page":8},{"text":"ويقول الحافظ ابن كثير ﵀ عن ترجيح صحيح البخاري - ﵀ على صحيح مسلم - ﵀: \" والبخاري أرجح؛ لأنه اشترط في إخراجه الحديث في كتابه هذا: أن يكون الراوي قد عاصر شيخه وثبت عنده سماعه منه، ولم يشترط مسلم الثاني، بل اكتفى بمجرد المعاصرة. ومن هاهنا ينفصل النزاع في ترجيح تصحيح البخاري على مسلم كما هو قول الجمهور، خلافا لأبي علي النيسابوري شيخ الحاكم، وطائفة من علماء المغرب \" (١).\nومن هنا أيضا يكتسب هذا الموضوع أهمية أخرى، وهو ارتباطه بأصح كتب السنة، وأكثرها فوائد ومعارف ظاهرة وغامضة.\nوإدراكا لهذه الأهمية فقد شرع قسم الدعوة والاحتساب في الكلية في إعداد موسوعة دعوية متكاملة تعتمد هذا الكتاب أساسا ومنطلقا لها، وكان القسم المخصص لي من الصحيح، من أول كتاب الوصايا إلى نهاية كتاب الجزية والموادعة، ومجملها (١٩٢) حديثا (٢).\n٥ - تبرز أهمية دراستي لهذه الأحاديث النبوية دراسة دعوية في الأمور الآتية:\nأ- اختصاص معظم أحاديث الدراسة في موضوع مهم من موضوعات الدعوة إلى الله تعالى، وهو الجهاد في سبيل الله تعالى، ومعلوم أن الجهاد ذروة سنام الإسلام، وكتاب فرض الخمس، والجزية والموادعة، وقبل ذلك كله الوصايا.\nب- اشتملت أحاديث كتب الدراسة على فوائد دعوية مهمة: منها ما يتعلق بالداعية إلى الله، ومنها ما يتعلق بالمدعو، ومنها ما يتعلق بموضوع الدعوة، ومنها ما يتعلق بوسائل الدعوة وأساليبها، ومثال ذلك حديث جبير بن مطعم ﵁ «أنه بينما هو يسير مع رسول الله ﷺ ومعه الناس مقبلا من حنين علقت برسول الله ﷺ الأعراب يسألونه حتى اضطروه إلى سمرة، فخطفت رداءه، فوقف رسول الله ﷺ فقال: \" أعطوني ردائي، فلو كان لي عدد هذه العضاه\n_________\n(١) اختصار علوم الحديث، لابن كثير، مع شرحه الباعث الحثيث، لأحمد شاكر ١/ ١٠٣.\n(٢) انظر: تفصيلها في ص ٣٤ من هذا البحث.","vol":"1","page":9},{"text":"نعما لقسمته بينكم، ثم لا تجدوني بخيلا، ولا كذوبا، ولا جبانا» (١). فقد اشتمل هذا الحديث على أركان الدعوة كلها: فموضوع الدعوة فيه: دعوة الأمة إلى مكارم الأخلاق، وأصول الحِكَم، وفيه صفات الداعية: من الحلم، والكرم، والصبر، والصدق، والشجاعة، وفيه أدب المدعو وأنه ينبغي له أن يلتزم الأدب مع الداعي، وفيه من وسائل الدعوة القدوة الحسنة، وفيه أسلوب الرفق واللين، فقد اشتمل الحديث على جميع أركان الدعوة، وهكذا في أحاديث الموضوع الأخرى.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-4> ثالثا: أهداف الدراسة</span>\n١ - تقديم دراسة تأصيلية في علم فقه الدعوة، وحديثها ومادتها من حديث رسول الله ﷺ، الذي أمرنا الله بالاقتداء به، والذي قال ﷿ في شأنه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى - إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤] (٢) وذلك بدراسة أصح كتاب عنه دراسة دعوية؛ ليكون في متناول طلاب العلم والدعاة إلى الله ﷾.\n٢ - كشف الفوائد والمعارف والفقه الدعوي في الجزء المحدد للباحث من صحيح الإمام البخاري.\n٣ - تأصيل مبدأ الرجوع إلى النصوص الشرعية من الكتاب والسنة الصحيحة وفهم السلف الصالح عند كل قضية، وبخاصة في قضايا الدعوة التي تكاثر فيها رجوع الناس إلى آراءٍ فَرَّقَتْهُمْ شيعا.\n٤ - توفير وإيجاد المراجع المعتمدة على الأحاديث الصحيحة للدعاة وطلبة العلم وذلك بدراسة الأحاديث دراسة دعوية، واستنباط الفوائد في فقه الدعوة من أصح الأحاديث.\n_________\n(١) البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب الشجاعة في الحرب والجبن، ٢/ ٢٧٥ برقم ٢٨٢١، ومسند الإمام أحمد ٤/ ٨٢.\n(٢) سورة النجم، الآيتان: ٣ - ٤.","vol":"1","page":10},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-5> رابعا: أسباب اختيار الموضوع</span>\nهذا وقد دعاني إلى اختيار هذا الموضوع، عدة أسباب، منها:\n١ - فقه الدعوة إلى الله تعالى في صحيح الإمام البخاري بحاجة إلى من يبرزه في صورة ميسرة؛ ليستفيد منه الدعاة إلى الله تعالى؛ لأنه لم يحظ بعدُ بمؤلَّفٍ مستقل شامل يعالج الموضوع من جميع جوانبه، في دراسة علمية دقيقة متكاملة، فالموضوع لم يكتب فيه- حسب علمي- ما يفي بالغرض المنشود، وهو جدير بالبحث والعناية.\n٢ - الرغبة في الارتباط بكتب السنة النبوية المشرفة، وخصوصا منها كتاب الجامع الصحيح للإمام البخاري -﵀ - وذلك للاقتداء برسول الله ﷺ، وفي ذلك عبادة لله تعالى وهداية منه، وتنفيذ لأمره، يقول تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤] (١).\n٣ - كثرة الفوائد والمعارف الظاهرة والغامضة في صحيح الإمام البخاري ﵀ كما ذكر ذلك العلماء (٢).\n٤ - الإسهام والرغبة في المشاركة في خدمة سنة رسول الله ﷺ، ودراستها دراسة دعوية؛ لتفيدني، وتفيد القائمين على الدعوة إلى الله تعالى في العصر الحاضر- إن شاء الله تعالى-.\n٥ - تقديم علاج لما قد يحدث بين الدعاة من خلاف وتنازع في بعض قضايا الدعوة ومناهجها. . وذلك من خلال الردِّ إلى سنة رسول الله ﷺ التي هي أحد الحَكَميْنِ اللذين أُمِرْنا بالرد إليهما عند التنازع والاختلاف، وهما كتاب الله ﷿ وسنة رسوله ﷺ، يقول العلامة ابن سعدي ﵀: \" وهذا هو الواجب عند التنازع والاختلاف، أن يُرد إلى الله ورسوله ﷺ. ولولا أن في كتابه وسنة رسوله ﷺ، فصل النزاع، لما أمر الله بالرد إليهما (٣) إذ\n_________\n(١) سورة النور، الآية: ٥٤.\n(٢) انظر: شرح النووي على صحيح الإمام مسلم ١/ ١٤.\n(٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، عبد الرحمن بن ناصر السعدي، ١/ ١٦٨.","vol":"1","page":11},{"text":"يقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] (١).\nولهذه الأهمية البالغة؛ ولهذه الأسباب وغيرها أحببت أن يكون موضوع رسالتي في درجة الدكتوراه- إن شاء الله تعالى- في \" فقه الدعوة إلى الله \" في صحيح الإمام البخاري ﵀ من أول كتاب الوصايا إلى نهاية كتاب الجزية والموادعة، والله أسأل التوفيق والسداد.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-6> خامسا: موضوع الدراسة</span>\nلا شك أن الدعوة قديمة قدم الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، ولكن التخصص في دراسة أصول الدعوة علم ناشئ، وما زال في مرحلة التأصيل، وأعظم كتاب بعد كتاب الله للتأصيل والتوثيق، هو صحيح الإمام البخاري ﵀ لمنزلته العظيمة بين العلماء والدعاة، وهذا الكتاب ذكر فيه مؤلفه بعض ما صح عنده من سنة رسول الله ﷺ، وأدرج فيه شيئا من فقهه من خلال عناوين كتبه وأبوابه.\nويستفاد من دراسة أحاديث هذا الكتاب دراسة دعوية، التأصيل والتوثيق واستنباط الفقه والأحكام والقواعد الدعوية، وعلاج الخلاف والنزاع الذي قد يقع بين بعض الدعاة إلى الله تعالى، مما يساعد على نجاح الدعوة، وتحقيق النتائج المرجوة منها، إن شاء الله تعالى.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-7> سادسا: تساؤلات الدراسة</span>\nس ١ - ما الفقه الدعوي في جهود البخاري ﵀ في الصحيح؟\nس ٢ - ما الفقه الدعوي في كتاب الوصايا؟\nس ٣ - ما الفقه الدعوي في كتاب الجهاد والسير؟\nس ٤ - ما الفقه الدعوي في كتاب فرض الخمس؟\n_________\n(١) سورة النساء، الآية: ٥٩.","vol":"1","page":12},{"text":"س ٥ - ما الفقه الدعوي في كتاب الجزية والموادعة؟\nس ٦ - ما المنهج الدعوي المستخلص من الدراسة المتعلق بالداعية؟\nس ٧ - ما المنهج الدعوي المستخلص من الدراسة المتعلق بالمدعو؟\nس ٨ - ما المنهج الدعوي المستخلص من الدراسة المتعلق بموضوع الدعوة؟\nس ٩ - ما المنهج الدعوي المستخلص من الدراسة المتعلق بوسائل الدعوة وأساليبها؟\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-8> سابعا: منهج الدراسة</span>\nتقوم هذه الدراسة على المنهج الاستدلالي الاستنباطي الذي عرف بأنه عملية عقلية منطقية ينتقل فيها الباحث من قضية واحدة، أو عدة قضايا إلى قضية أخرى، تستخلص منها مباشرة دون اللجوء إلى تجربة (١).\nوقد راعيت الأمور الآتية:\n١ - عزوت الآيات القرآنية إلى سورها، وذكرت اسم السورة، ورقم الآية في الهامش.\n٢ - خرجت الأحاديث في شرح الفوائد من المصادر الأصلية، واقتصرت في حديث الدراسة على تخريج أطرافه في صحيح البخاري وتخريجه من صحيح مسلم إذا كان متفقا عليه. أما الزيادات فاكتفيت بتخريجها مع أصل الحديث، وأشرت إلى رقم أطرافها عند إيرادها.\n٣ - حرصت على الرجوع إلى المصادر الأصلية مباشرة، ورجعت إلى أكثر من مصدر في المسألة الواحدة ما استطعت إلى ذلك سبيلا، وقد أشير عند الضرورة إلى بعض المراجع المتأخرة للاستئناس لا للاعتماد، وذلك قليل جدا.\n٤ - حاولت الاقتصار في الاستشهاد في شرح الفوائد على الحديث الصحيح أو الحسن.\n٥ - أشرت إلى من صحح الحديث أو حسنه من العلماء إذا كان في غير الصحيحين.\n_________\n(١) البحث العلمي ومناهجه النظرية- رؤية إسلامية- د / سعد الدين السيد صالح، ص ٢، وانظر: ضوابط المعرفة وأصول الاستدلال والمناظرة، لعبد الرحمن حسن حبنكة الميداني، ص ١٤٩، وكتابة البحث العلمي صياغة جديدة، للأستاذ الدكتور عبد الوهاب بن إبراهيم، ص ٢٨.","vol":"1","page":13},{"text":"٦ - حرصت على كتابة الآيات بالرسم العثماني من مصحف المدينة النبوية مشكلة.\n٧ - ضبطت أحاديث الدراسة بالشكل الكامل.\n٨ - ذكرت كل طرف فيه زيادة دعوية مقتصرا على الزيادة التي فيها فائدة دعوية مستقلة على قدر الإمكان.\n٩ - ذكرت الفوائد الدعوية في كل حديث إجمالا، ثم تفصيلا.\n١٠ - استخرجت الدروس والفوائد الدعوية التي اشتمل عليها كل حديث، مرتبة على حسب ورودها في الحديث، واعتنيت عناية خاصة بما يتعلق:\nبالداعي، والمدعو، وموضوع الدعوة، وأساليبها، ووسائلها، وتاريخ الدعوة، وميادينها، وخصائصها، ودلائل النبوة، وآداب الجدل، مع المحافظة على الصبغة الدعوية في ذلك كله، ما استطعت إلى ذلك سبيلا.\n١١ - إذا وردت الفائدة الدعوية لأول مرة حاولت إيضاحها وإذا جاءت الفائدة نفسها في حديث لاحق ذكرتها بإيجاز وأحلت إلى موضعها السابق.\n١٢ - رقمت أحاديث الدراسة أرقاما متسلسلة، وجعلت رقم الحديث في صحيح البخاري على يسار الرقم المسلسل بين معكوفين، ثم كتبت ذلك في أعلا كل صفحة بخط صغير؛ ليسهل الرجوع إلى كل حديث عند الإحالة إليه في أسرع وقت ممكن.\n١٣ - حرصت على أن تكون إحالاتي في أصل هذا البحث إلى أرقام أحاديث موضوع الدراسة مع الإشارة إلى رقم الدرس المحال إليه، ما استطعت إلى ذلك سبيلا، إلا في الإحالة إلى التخريج أو شرح الغريب فقد أضفت إلى ذلك رقم الصفحة.\n١٤ - رتبت المصادر في الهامش على حسب تقدم تاريخ وفاة المؤلف إلا إذا نقلت من المصدر قدمته على غيره، وإذا شرحت غريب الحديث قدمت كتب اللغة وكتب تفسير غريب الحديث على غيرها.\n١٥ - وضعت فهارس تفصيلية في آخر الآية.","vol":"1","page":14},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-9> ثامنا: ضوابط الدراسة</span>\nالتزمت في أثناء الدراسة بمراعاة الضوابط الآتية:\n١ - اكتفيت بترجمة الصحابي راوي الحديث إلا إذا توقف فهم الحديث على ذكر ترجمة العَلَمِ في متن الحديث أو سنده، وركزت على الجانب الدعوي في سيرهم.\n٢ - شرحت المفردات الغريبة في الحديث في المتن، وبينت في الهامش - أثناء دراسة الفوائد الدعوية- الكلمات التي تحتاج إلى بيان.\n٣ - درست نص كل حديث دراسة دعوية وفق معنى فقه الدعوة المذكور في مقدمة هذا البحث.\n٤ - درست جميع أطراف الحديث الواردة في الصحيح عند أول ذكر له.\n٥ - وثقتُ ما توصلت إليه من دلالات دعوية وبنيت ذلك على شروح أهل العلم المعتبرين (١).\nوقد بذلت قصارى جهدي، ليخرج هذا البحث على الوجه المطلوب، فما كان من صواب وسداد فمن الواحد المنان، وما كان من خطأ أو تقصير فمني ومن الشيطان، والله بريء منه ورسوله ﷺ، وأستغفر الله من ذنبي كله: هزلي، وجدي، وخطئي، وعمدي، وكل ذلك عندي، إنه سميع مجيب.\n_________\n(١) هذه الضوابط الخمسة وضعها مجلس الكلية وألزم بها؛ لأهميتها.","vol":"1","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>تقسيم الدراسة</span>\n* المقدمة: وتتضمن الآتي:\n* التعريفات.\n* مدخل الموضوع وأهميته.\n* أهداف الدراسة.\n* أسباب اختيارها.\n* تحديد موضوع الدراسة وتساؤلاتها.\n* المنهج المستخدم في الدراسة.\n* ضوابط الدراسة.\n* مدخل الدراسة: (ويتضمن ترجمة موجزة للإمام البخاري ﵀، والتعريف بصحيحه، وكتب موضوع الدراسة في الصحيح، وأبوابها وأحاديثها وجهود البخاري في ذلك).\n* القسم الأول: الدراسة الدعوية للأحاديث الواردة في موضوع الدراسة:\n* الفصل الأول: كتاب الوصايا.\n* الفصل الثاني: كتاب الجهاد والسير.\n* الفصل الثالث: كتاب فرض الخمس.\n* الفصل الرابع: كتاب الجزية والموادعة.\n* القسم الثاني: المنهج الدعوي المستخلص من الدراسة:\n* الفصل الأول: المنهج الدعوي المتعلق بالداعية.\n* الفصل الثاني: المنهج الدعوي المتعلق بالمدعو.\n* الفصل الثالث: المنهج الدعوي المتعلق بموضوع الدعوة.\n* الفصل الرابع: المنهج الدعوي المتعلق بالوسائل والأساليب.\n* الخاتمة.\n* المراجع.\n* الفهارس.","vol":"1","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>الشكر والتقدير</span>\nالشكر والحمد والثناء الحسن لله الكريم الوهاب، الذي أسبغ علي النعمَ الظاهرةَ والباطنةَ، التي لا تُعدُ ولَا تُحصى، ووفَق عبده الفقيرَ إليه وحده للكتابة في هذا الموضوع، وهو ﷾، وتقدس، وتبارك، أهلُ الثناءِ والمجدِ، أحق ما قال العبد، وكلنا له عبد، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، ولا ينفع ذا الجد منه الجد، وفي مقامي هذا أمتثل حديث رسول الله ﷺ؛ حيث يقول: «لا يشكر اللهَ من لا يشكر الناس» (١).\nفأتقدم بالشكر والتقدير لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، على ما تقوم به من جهود عظيمة كبيرة واسعة جدا في خدمة الإسلام والمسلمين، فجزى الله القائمين عليها السابقين واللاحقين خير الجزاء، وضاعف لهم الأجر والمثوبة.\nكما أشكر جميع المسؤولين السابقين واللاحقين في كلية الدعوة والإعلام على ما بذلوه من جهود طيبة في خدمة العلم وطلابه، وتخريج أفواج الدعاة إلى الله تعالى، فالله أسأل أن يجزيهم عني خير ما جزى أستاذا عن تلميذه، وأن يمدهم بعونه وتوفيقه خدمة للإسلام والمسلمين.\nكما أتقدم بالشكر والدعاء لكل من وقف معي بجهده وعلمه، وساعدني في هذا البحث: سواء كان مشرفا سابقا أو لاحقا، أو أستاذا، أو شيخا فاضلا، أو زميلا ناصحا، أو مناقشا نافعا، أو مصححا متعاونا، وهم كثير جدا يزيدون على ثلاثين لا يتسع المقام\n_________\n(١) أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي هريرة ﵁، وانظر تخريجه ص ٤٠٦.","vol":"1","page":17},{"text":"لذكر أسمائهم، منهم: جمع من أساتذة كلية الدعوة، وجمع من الزملاء في الموسوعة الحديثية في الكلية، والزملاء في وزارة الشؤون الإسلامية، وجمع من المشايخ، وطلاب العلم، وأمتثل فيهم حديث رسول الله ﷺ حيث يقول: «من صُنعَ إليه معروف فقال لفاعله: جزاك الله خيرا فقد أبلغ في الثناء» (١).\nفالله أسأل أن يجزيهم جميعا عني خير الجزاء، وأن يرفع منازلهم في الدنيا والآخرة، ويضاعف لهم الأجر ويجعل ما قدموه في هذه الرسالة من جهود مشكورة في موازين حسناتهم، يوم لا ينفع مال ولا بنون، وأن يعوضهم عن ذكر أسمائهم الفردوس الأعلى من الجنة، بعد أعمار طويلة معمورة بطاعة الله تعالى، وحسن العمل، وأن يحسن لي ولهم العاقبة في الدنيا والآخرة، فإنه خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو مجيب الدعوات، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، وخيرته من خلقه وأمينه على وحيه، نبينا وقدوتنا وحبيبنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.\n_________\n(١) أخرجه الترمذي عن أسامة بن زيد ﵄، وانظر تخريجه ص ٩٣٥.","vol":"1","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>مدخل الدراسة</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-13> أولا: ترجمة موجزة للإمام البخاري ﵀</span>\n١ - نسبه: هو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بَرْدِزْبَة (١) البخاري ﵀.\n٢ - مولده، ونشأته، وثناء العلماء عليه: ولد أبو عبد الله في شوال بعد صلاة الجمعة (٢) لثلاث عشرة ليلة خلت منه من سنة أربع وتسعين ومائة، ببخارى. ومات أبوه وهو صغير، فنشأ في حجر أمه، وألهمه الله حفظ الحديث وهو في المكتب، وقرأ الكتب المشهورة وهو ابن ست عشرة سنة حتى قيل: إنه يحفظ وهو صبي سبعين ألف حديث سردا، وحج وعمره ثماني عشرة سنة وأقام بمكة يطلب بها الحديث (٣).\nقال الحافظ ابن كثير عن البخاري - رحمهما الله-: \" إمام أهل الحديث في زمانه، والمقتدى به في أوانه، والمقدم على سائر أضرابه وأقرانه \" (٤).\nهذا وقد أثنى عليه علماء زمانه من شيوخه وأقرانه: فقال الإمام أحمد ﵀: \" ما أخرجت خراسان مثله \" (٥).\nوقال عبد الله الدارمي - ﵀: \" رأيت العلماء بالحرمين والعراقين فما رأيت فيهم أجمع من محمد بن إسماعيل البخاري \" (٦).\nوروى الإمام الذهبي ﵀ بسنده إلى محمد بن أبي حاتم، قال: \" قلت لأبي عبد الله: كيف كان بدء أمرك؟ قال: أُلهمتُ حفظ الحديث وأنا في الكتَّاب.\n_________\n(١) ومعناها الزراع- بباء موحدة مفتوحة، ثم راء ساكنة، ثم دال مهملة مكسورة، ثم زاي ساكنة ثم باء موحدة مفتوحة ثم هاء، انظر: تهذيب الأسماء واللغات، للحافظ أبي زكريا محيى الدين النووي، ١/ ٦٧، وسير أعلام النبلاء، للحافظ شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي، ١٢/ ٣٩١، والبداية والنهابة، للحافظ أبي الفداء ابن كثير، ١١/ ٢٤، وهدي الساري مقدمة فتح الباري، للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، ص ٤٧٧.\n(٢) وقال ابن كثير: ليلة الجمعة. انظر: البداية والنهاية ١١/ ٢٥.\n(٣) البداية والنهاية لابن كثير ١١/ ٢٥.\n(٤) المرجع السابق: ١١/ ٢٤.\n(٥) المرجع السابق: ١١/ ٢٥.\n(٦) تهذيب التهذيب، للحافظ ابن حجر ٩/ ٤٥.","vol":"1","page":19},{"text":"فقلت: كم كان سنك؟ قال: عشر سنين، أو أقل. ثم خرجت من الكتَّاب بعد العشر، فجعلت أختلف إلى الداخليِّ وغيره. فقال يوما فيما كان يقرأ للناس: سفيان، عن أبي الزبير، عن إبراهيم، فقلت له: إن أبا الزبير لم يرو عن إبراهيم، فانتهرني، فقلت له: ارجع إلى الأصل: فدخل فنظر فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام؟ فقلت: هو الزبير بن عدي، عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأحكم كتابه، وقال: صدقت. فقيل للبخاري: ابن كم كنت حين رددت عليه؟ قال: ابن إحدى عشرة سنة. فلما طعنت في ستِّ عشرة سنة. كنت قد حفظت كتب ابن المبارك، ووكيع، وعرفت كلام هؤلاء، يعني أصحاب الرأي، ثم خرجت مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججت، رجع أخي بها. وتخلفت في طلب الحديث \" (١).\n٣ - شيوخه: سمع الإمام البخاري من شيوخ لا يتسع المقام لذكرهم لكثرتهم، ويدل على كثرتهم ما قاله عنه ورَّاقه محمد بن أبي حاتم قال: (سمعته قبل موته بشهر يقول: \" كتبتُ عن ألف وثمانين رجلا ليس فيهم إلا صاحب حديث، كانوا يقولون: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص \") (٢).\nوشيوخه ينحصرون في خمس طبقات: الطبقة الأولى: من حدَّثه عن التابعين مثل: محمد بن عبد الله الأنصاري حدَّثه عن حميد، والطبقة الثانية: من كان في عصر هؤلاء لكن لم يسمع من ثقات التابعين كآدم بن أبي إياس، الطبقة الثالثة: وهم من لم يلقَ التابعين بل أخذ عن كبار تبع الأتباع، كسليمان بن حرب، وهذه الطبقة قد شاركه مسلم في الأخذ عنهم. الطبقة الرابعة: رفقاؤه في الطلب ومن سمع قبله قليلا: كمحمد بن يحيى الذهلي؛ وإنما يخرج عن هذه الطبقة ما فاته عن مشايخه، أو ما لم يجده عند غيرهم. الطبقة الخامسة: قوم في عداد طلبته في السن والإِسناد، سمع منهم للفائدة: كعبد الله بن حماد الآملي، روى عنهم أشياء يسيرة؛ ولهذا قال ﵀: \" لا يكون الرجل عالما حتى\n_________\n(١) سير أعلام النبلاء للذهبي، ١٢/ ٣٩٣. وهدي الساري، لابن حجر العسقلاني، ص ٤٧٨.\n(٢) سير أعلام النبلاء للذهبي، ١٢/ ٣٩٣، وهدي الساري، لابن حجر ص ٤٧٩.","vol":"1","page":20},{"text":"يحدث عمن هو فوقه، وعمن هو مثله، وعمن هو دونه \" (١).\n٤ - رحلته وطلبه للعلم: قال ﵀: \" حججت ورجع أخي بأمي وتخلَّفت في طلب الحديث، فلما طعنت في ثمان عشرة جعلت أصنف في قضايا الصحابة والتابعين، وأقاويلهم \" ثم ارتحل بعد أن رجع من مكة إلى سائر مشايخ الحديث في البلدان التي أمكنته الرحلة إليها (٢).\nقال محمد بن أبي حاتم الورَّاق: إنه إذا كان مع الإمام البخاري في سفر كان يراه يقوم في ليلة واحدة خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة في كل ذلك يأخذ القداحة فيوري نارا، ويسرج ثم يخرج أحاديث فيعلم عليها (٣).\n٥ - حفظه وذكاؤه: قال جعفر بن محمد القطان: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: \" كتبت عن ألف شيخ وأكثر، عن كل واحد منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديثٌ إلا أذكر إسناده \" (٤) وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة: \" ما تحت أديم السماء أعلم بالحديث من محمد بن إسماعيل \" (٥).\nوقال محمد بن حمدويه: سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول: \" أحفظ مائة ألف حديث صحيح، ومائتي ألف حديث غير صحيح \" (٦).\nوقال الإمام ابن كثير ﵀: \" وقد ذكروا أنه كان ينظر في الكتاب مرة واحدة فيحفظه من نظرة واحدة، والأخبار عنه في ذلك كثيرة \" (٧).\nوقال أبو أحمد عبد الله بن عدي الحافظ: \" سمعت عدة مشايخ يحكون أن محمد بن إسماعيل البخاري، قدم بغداد، فسمع به أصحاب الحديث،\n_________\n(١) انظر: هدي الساري ص ٤٧٩.\n(٢) انظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي، ١/ ٧٢، وسير أعلام النبلاء للذهبي، ١٢/ ٤٠٠، والبداية والنهاية لابن كثير، ١١/ ٢٥.\n(٣) انظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي، ١/ ٧٥، وسير أعلام النبلاء للذهبي، ١٢/ ٤٠٠، والبداية والنهاية لابن كثير، ١١/ ٢٥، وهدي الساري لابن حجر، ٤٨٦.\n(٤) انظر: سير أعلام النبلاء ١٢/ ٤٠٧.\n(٥) تهذيب الأسماء واللغات للنووي، ١/ ٧٠، وهدي الساري، لابن حجر، ص ٤٨٥.\n(٦) تهذيب الأسماء واللغات للنووي، ١/ ٦٨.\n(٧) البداية والنهاية: ١١/ ٢٥.","vol":"1","page":21},{"text":"فاجتمعوا وعمدوا إلى مائة حديث فقلبوا متونها، وأسانيدها، وجعلوا متن هذا لإسناد هذا، وإسناد هذا لِمَتنِ هذا، ودفعوا إلى كل واحد عشرة أحاديث، ليلقوها على البخاري في المجلس، فاجتمع الناس، وانتدب أحدهم، فسأل البخاري عن حديث من عشرته، فقال: لا أعرفه. وسأله عن آخر، فقال: لا أعرفه، وكذلك حتى فرغ من عشرته. فكان الفقهاء يلتفت بعضهم إلى بعض، ويقولون: الرجل فهم. ومن كان لا يدري قضى على البخاري بالعجز، ثم انتدب آخر، ففعل كما فعل الأول. والبخاري يقول: لا أعرفه. ثم الثالث إلى تمام العشرة أنفس، وهو لا يزيدهم على قوله: لا أعرفه. فلما علم أنهم قد فرغوا، التفت إلى الأول منهم، فقال: أما حديثك الأول فكذا، والثاني كذا، والثالث كذا إلى العشرة، فردَّ كل متن إلى إسناده. وفعل بالآخرين مثل ذلك، فأقر له الناس بالحفظ. فكان ابن صاعد إذا ذكره يقول: الكبش النَّطَّاح (١).\nوقال عبد الله بن سعيد بن جعفر: \" سمعت العلماء بالبصرة يقولون: ما في الدنيا مثل محمد بن إسماعيل في المعرفة والصلاح \" (٢).\nوقال مسلم بن الحجاج للبخاري: \" لا يبغضك إلا حاسد، وأشهد أنه ليس في الدنيا مثلك \" (٣).\nوقال ورّاق البخاري: \" كان يركب إلى الرمي كثيرا، فما أعلم أني رأيته في طول ما صحبته أخطأ سهمه الهدف إلا مرتين، بل كان يصيب الهدف في كل ذلك، ولا يُسْبَق \" (٤).\n٦ - عبادته وخشيته لله تعالى: قال مسبِّح بن سعيد: \" كان محمد بن إسماعيل يختم في رمضان في النهار كل يوم ختمة، ويقوم بعد التراويح كل ثلاث ليالٍ بختمة \" (٥).\n_________\n(١) انظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي ١٢/ ٤٠٨، ٤٠٩. والبداية والنهاية لابن كثير، ١١/ ٢٥، وهدي الساري لابن حجر، ص ٤٨٦.\n(٢) سير أعلام النبلاء للذهبي، ١٢/ ٤٤٢ وهدي الساري لابن حجر ص ٤٨٦.\n(٣) تهذيب الأسماء واللغات للنووي، ١/ ٧٠، والبداية والنهاية لابن كثير، ١١/ ٢٥.\n(٤) سير أعلام النبلاء للذهبي، ١٢/ ٤٤٤، وهدي الساري لابن حجر، ص ٤٨٠.\n(٥) سير أعلام النبلاء للذهبي، ١٢/ ٤٣٩.","vol":"1","page":22},{"text":"وقال مقسم بن سعد: \" كان محمد بن إسماعيل البخاري ﵀ إذا كان أول ليلة من شهر رمضان يجتمع إليه أصحابه، فيصلي بهم، ويقرأ في كل ركعة عشرين آية، وكذلك إلى أن يختم القرآن، وكان يقرأ في السحر ما بين النصف إلى الثلث من القرآن، فيختم عند السحر في كل ثلاث ليالٍ، وكان يختم في النهار في كل يوم ختمة، ويكون ختمه عند الإِفطار كل ليلة، ويقول: عند كل ختمة دعوة مستجابة \" (١).\nوقال محمد بن أبي حاتم الوراق: \". . كان أبو عبد الله يصلي في وقت السحر ثلاث عشرة ركعة، ويوتر منها بواحدة \" (٢) وكان ﵀ يصلي ذات يوم أو ذات ليلة فلسعه الزنبور سبع عشرة مرة، فلما قضى صلاته قال: انظروا أي شيء آذاني في صلاتي، فنظروا فإذا الزنبور قد ورّمه في سبعة عشر موضعا، ولم يقطع صلاته (٣) وقد قيل: إن هذه الصلاة كانت التطوع بعد صلاة الظهر، وقيل له بعد أن فرغ من صلاته: كيف لم تخرج من الصلاة أول ما لسعك؟ قال: \" كنت في سورةٍ فأحببت أن أتمها \" (٤).\nومن شعره رحمه الله تعالى:\nاغتنم في الفراغ فضل ركوع ... فعسى أن يكون موتك بغتة\nكم صحيح رأيت من غير سقم ... ذهبت نفسه الصحيحة فلتة (٥)\nوقد قيل: إنه لما ألف الصحيح كان يصلي ركعتين عند كل ترجمة (٦) يعني يستخير الله في وضعها وعدمه، وقال علي بن محمد بن منصور: سمعت أبي يقول: \" كنا في مجلس أبي عبد الله البخاري فرفع إنسان من لحيته قذاة وطرحها إلى الأرض. قال فرأيت محمد بن إسماعيل ينظر إليها وإلى الناس، فلما غفل الناس رأيته مد يده فرفع القذاة من الأرض فأدخلها في كمه فلما خرج من المسجد رأيته أخرجها\n_________\n(١) هدي الساري لابن حجر، ص ٤٨١.\n(٢) المرجع السابق ص ٤٨١، وتهذيب الأسماء واللغات للنووي، ١/ ٧٥، وسير أعلام النبلاء للذهبي، ١٢/ ٤٤١.\n(٣) انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي، ١٢/ ٤٤٢، وهدي الساري لابن حجر، ص ٤٨٠.\n(٤) سير أعلام النبلاء للذهبي، ١٢/ ٤٤٢.\n(٥) ذكره ابن حجر في هدي الساري، ص ٤٨١، وعزاه إلى الحاكم في تاريخه.\n(٦) انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي، ١٢/ ٤٤٣، وهدي الساري لابن حجر، ص ٤٨٩.","vol":"1","page":23},{"text":"وطرحها على الأرض، فكأنه صان المسجد عما تصان عنه لحيته \" (١).\n٧ - زهده: قال سليم بن مجاهد: \" ما رأيت بعيني منذ ستين سنة أفقه ولا أورع، ولا أزهد في الدنيا من محمد بن إسماعيل \" (٢).\nوقال الحسين بن محمد السمرقندي: \" كان محمد بن إسماعيل مخصوصا بثلاث خصال، مع ما كان فيه من الخصال المحمودة: كان قليل الكلام، وكان لا يطمع فيما عند الناس، وكان لا يشتغل بأمور الناس، كلُّ شُغلِهِ كان في العلم \" (٣) وذكر محمد بن العباس الفربري أن بعض أصحاب البخاري ضَيَّفه في بستانٍ له فلما جلسوا أعجب صاحب البستان بستانه؛ لأنه قد عمل مجالس فيه وأجرى الماء في أنهاره فقال: يا أبا عبد الله، كيف ترى؟ فقال: \" هذه الحياةُ الدنيا \" (٤).\n٨ - ورعه: تربّى على الورع؛ ولهذا جاء عن والده إسماعيل: أنه قال عند موته: \" لا أعلم من مالي درهما من حرام، ولا درهما من شبهة \" (٥) وقد وَرِثَ البخاري من أبيه مالا جليلا (٦) ومن عظم ورعه أنه كان يقول: \" ما اغتبت أحدا قط منذ علمت أن الغيبة حرام \" (٧) وهذا يظهر في كلامه في الجرح والتعديل؛ فإن من تأمل ذلك علم ورعه في الكلام في الناس، وإنصافه فيمن يضعِّفه؛ فإنه كثيرا ما يقول: \" منكر الحديث، سكتوا عنه، فيه نظر \" ونحو هذا، وقَلَّ أن يقول: \" كذّاب أو وضّاع \"؛ وإنما يقول: \" كَذّبَهُ فلان، رماه فلان، يعني بالكذب \" (٨).\nقال أبو عمر أحمد بن نصر الخفاف: \" حدثنا محمد بن إسماعيل التقي النقي الذي لم أرَ مثله \" (٩).\n_________\n(١) هدي الساري، لابن حجر، ص ٤٨١.\n(٢) سير أعلام النبلاء، للذهبي، ١٢/ ٤٤٩.\n(٣) المرجع السابق ١٢/ ٤٤٨.\n(٤) سير أعلام النبلاء، للذهبي، ١٢/ ٤٤٥.\n(٥) هدي الساري لابن حجر، ص ٤٧٩.\n(٦) انظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي ١٢/ ٤٤٧ وهدي الساري لابن حجر، ص ٤٧٩.\n(٧) هدي الساري، لابن حجر، ص ٤٨٠، وانظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي، ١٢/ ٤٣٩، ٤٤١.\n(٨) انظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي، ١٢/ ٤٣٩ وهدي الساري، لابن حجر، ص ٤٨٠.\n(٩) تهذيب الأسماء واللغات، للنووي، ١/ ٦٩، وسير أعلام النبلاء، للذهبي، ١٢/ ٤٣٦، ٤٤٢.","vol":"1","page":24},{"text":"٩ - كرمه: كان ﵀ كريما جوادا؛ ولهذا قال محمد بن أبي حاتم: سمعته يقول: \" كنت استغلُّ كُلَّ شهر خمسمائة درهم، فأنفقت كلَّ ذلك في طلب العلم \" فقلت: كم بين من ينفق على هذا الوجه، وبين من كان خِلوا من المال، فجمع وكسب بالعلم، حتى اجتمع له. فقال أبو عبد الله (١) ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الشورى: ٣٦] (٢) وكان ﵀: قليل الأكل جدا، كثير الإِحسان إلى الطلبة، مفرط الكرم (٣) وكان يتصدق بالكثير، يأخذ بيده صاحب الحاجة من أهل الحديث فيناوله المال الكثير من غير أن يشعر بذلك أحد (٤) قال الإمام ابن كثير ﵀: \" وكان له جدة، ومال جيد ينفق منه سرا وجهرا، وكان يكثر الصدقة بالليل والنهار. . . \" (٥).\n١٠ - تلاميذه وتصانيفه: أخذ العلم عن الإمام البخاري خلق كثير، ومما يدل على كثرة تلاميذه ما ذكر الفربري أنه سمع الجامع الصحيح من البخاري تسعون ألفا من تلاميذه، ويرى ابن حجر أنه سمع الصحيح من الإمام البخاري أكثر من ذلك ورووه عنه (٦) \" وكان يجتمع في مجلسه ببغداد أكثر من عشرين ألفا يأخذون عنه \" (٧).\nأما تصانيفه غير الجامع الصحيح فمنها: الأدب المفرد، ورفع اليدين في الصلاة، وبر الوالدين، والقراءة خلف الإمام، والتاريخ الكبير، والتاريخ الأوسط، والتاريخ الصغير، وخلق أفعال العباد، وكتاب الضعفاء، والجامع الكبير، والمسند الكبير، والتفسير الكبير، وكتاب الأشربة، وكتاب الهبة، وأسامي الصحابة، وكتاب المبسوط، وكتاب العلل، وكتاب الكنى، وكتاب الفوائد (٨).\n_________\n(١) سير أعلام النبلاء، للذهبي، ١٢/ ٤٤٩.\n(٢) سورة الشورى، الآية: ٣٦.\n(٣) انظر: هدي الساري، لابن حجر، ص ٤٨١.\n(٤) انظر سير أعلام النبلاء، للذهبي، ١٢/ ٤٥٠.\n(٥) البداية والنهاية ١١/ ٢٦.\n(٦) هدي الساري، لابن حجر، ص ٤٩١، وانظر: تهذيب الأسماء واللغات، للنووي، ١/ ٧٣.\n(٧) تهذيب الأسماء واللغات، للنووي، ١/ ٧٠، ٧٣.\n(٨) هدي الساري لابن حجر، ص ٤٩٢، وانظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي، ١٢/ ٤٠٠، وقد طبع من هذه الكتب فيما أعلم غير الصحيح: الأدب المفرد، ورفع اليدين في الصلاة، والقراءة خلف الإِمام، والتاريخ الكبير، والتاريخ الصغير، وخلق أفعال العباد. انظر: سيرة الإمام البخاري، لعبد السلام المباركفوري، ص ١٤٦ - ١٥٥، والإمام البخاري وصحيحه الجامع، لأحمد فريد، ص ٧١ - ٧٣.","vol":"1","page":25},{"text":"١١ - محنة الإمام البخاري: دخل الإمام البخاري ﵀ نيسابور سنة مائتين وخمسين فاجتمع الناس عنده، فحسده بعض شيوخ الوقت، فقال لأصحاب الحديث: إن محمد بن إسماعيل يقول: لفظي بالقرآن مخلوق، فلما حضر المجلس قام إليه رجل فقال: يا أبا عبد الله، ما تقول في اللفظ بالقرآن: مخلوق هو أو غير مخلوق؛ فأعرض عنه البخاري ولم يجبه ثلاثا، فألح عليه، فقال البخاري: \" كلام الله غير مخلوق، وأفعال العباد مخلوقة، والامتحان بدعة \" (١) فشغب الرجل وقال: قد قال: لفظي بالقرآن مخلوق. وقال البخاري ﵀: \" من زعم أني قلت لفظي بالقرآن مخلوق فهو كذاب؛ فإني لم أقله إلا أني قلت: أفعال العباد مخلوقة \" (٢) وبعد أن ظهر الحسد للبخاري ﵀ في نيسابور خرج منها ورجع إلى وطنه لغلبة المخالفين.\nولما قدم البخاري إلى بخارى وقع الخلاف بينه وبين أميرها، وذلك أن الأمير خالد بن أحمد الذهلي والي بخارى كتب إلى البخاري أن يحمل إليه كتاب الجامع والتاريخ؛ ليقرأه عليه، ويسمع منه، وقيل: ليقرأ على أولاده ويعقد لهم مجلسا لا يحضره غيرهم، فامتنع الإمام البخاري وقال: لا أخص أحدا، وبيَّن البخاري للأمير أن من أراد العلم فعليه أن يحضر في مجلسه، أو في داره؛ ليكون له عذر عند الله أنه لا يكتم العلم، فأمر الأمير بمن يتكلم فيه وفي مذهبه حتى أخرجوه من البلد؛ لأنه يظهر مذهب أهل الحديث، ويأتي إليه جماعة يظهرون شعار أهل الحديث من إفراد الإِقامة ورفع الأيدي في الصلاة وغير ذلك (٣) ودعا البخاري على من أخرجه، فلم يمضِ شهر على الأمير حتى عزله الظاهرية وكان عاقبة أمره إلى الذل والحبس، وابتلي من أعانه على إخراج البخاري بأنواع البلايا (٤).\n_________\n(١) هدي الساري، لابن حجر، ص ٤٩٠.\n(٢) انظر: المرجع السابق ص ٤٩١.\n(٣) انظر: هدي الساري، لابن حجر، ص ٤٩٣.\n(٤) المرجع السابق ص ٤٩٣، وانظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي، ١٢/ ٤٦٥.","vol":"1","page":26},{"text":"١٢ - وفاته: استمر ﵀ في طلب العلم، وتعليمه والتأليف فيه حتى توفاه الله ﷿ بمدينة (خرتنك) (١) ليلة السبت، ليلة الفطر عند صلاة العشاء، ودفن يوم الفطر بعد صلاة الظهر سنة ست وخمسين ومائتين. وعاش اثنتين وستين سنة إلا ثلاثة عشر يوما (٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-14> ثانيا: التعريف بصحيح الإمام البخاري ﵀</span>\n١ - اسم الكتاب: اشتهر- قديما وحديثا- في أشهر كتب الفقه والتفسير. وأكثر شروح الحديث، وسائر كتب الفنون الأخرى، وعلى ألسنة معظم الناس، وجمهرة العلماء باسم: (صحيح الإمام البخاري).\nولكن اسم الكتاب الذي وضعه له مؤلفه، هو: (الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله ﷺ وسننه وأيامه) (٣).\n٢ - موضوع الكتاب: قال ابن حجر ﵀ في مقدمته لفتح الباري، عن كتاب صحيح الإمام البخاري: \" إنه التزم فيه الصحة، وأنه لا يورد فيه إلا حديثا صحيحا، هذا أصل موضوعه، وهو مستفاد من تسميته إياه (الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله ﷺ وسننه وأيامه)، ومما نقلناهُ عنه من رواية الأئمة عنه صريحا، ثم رأى أن لا يخليه من الفوائد الفقهية، والنكت الحكمية فاستخرج بفهمه من المتون معانيَ كثيرة فرقها في أبواب الكتاب بحسب تناسبها، واعتنى فيه بآيات الأحكام فانتزع منها الدلالات البديعة، وسلك في الإشارة إلى تفسيرها السبل الوسيعة \" (٤).\n٣ - سبب تصنيف الكتاب: لم تكن آثار النبي ﷺ وأخباره مدونة في عصر الصحابة وكبار التابعين، وذلك لأمرين:\n_________\n(١) قرية من قرى سمرقند، انظر: هدي الساري، لابن حجر، ص ٤٩٣.\n(٢) انظر: تهذيب الأسماء واللغات، للنووي، ١/ ٦٧. وسير أعلام النبلاء، للذهبي، ١٢/ ٤٦٦ - ٤٦٨، والبداية والنهاية، لابن كثير ١١/ ٢٧، وهدي الساري مقدمة فتح الباري، لابن حجر، ص ٤٩٣.\n(٣) هدي الساري، للحافظ ابن حجر ص ٨، وقال النووي في تهذيب الأسماء واللغات: الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله ﷺ وسننه وأيامه \" ١/ ٧٣.\n(٤) هدي الساري، لابن حجر، ص ٨، وانظر: تهذيب الأسماء واللغات، للنووي، ١/ ٧٣.","vol":"1","page":27},{"text":"أ- إنهم كانوا في ابتداء الأمر قد نهوا عن الكتابة خشية أن يختلط بعض الأخبار بالقرآن الكريم. ب- سعة حفظهم وقوته؛ ولأن أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة، ثم حدث في أواخر عصر التابعين تدوين الآثار، وتبويب الأخبار لما انتشر العلماء في الأمصار، وكثر الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار، وغيرهم، فألف عدد من علماء الإسلام مصنفات في أحاديث النبي الكريم ﷺ، وكانت تشمل الأحاديث الصحيحة والحسنة، والضعيفة، فحرك ذلك همة البخاري لجمع الحديث الصحيح، وقوَّى عزيمته على ذلك ما سمعه من أستاذه ابن راهويه، قال الإمام البخاري: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: \" لو جمعتم كتابا مختصرا لصحيح سنة رسول الله ﷺ \" قال: فوقع ذلك في قلبي، فأخذت في جمع الجامع الصحيح (١).\n٤ - مكانة الصحيح: قال الإمام النووي ﵀: \" اتفق العلماء- رحمهم الله تعالى- على أن أصحَّ الكتب بعد القرآن العزيز الصحيحان: البخاري ومسلم، وتلقتهما الأمة بالقبول، وكتاب البخاري أصحهما، وأكثرهما فوائد ومعارف ظاهرة وغامضة، وقد صح أن مسلما كان ممن يستفيد من البخاري، ويعترف بأنه ليس له نظير في علم الحديث، وهذا الذي ذكرناه من ترجيح كتاب البخاري هو المذهب المختار الذي قاله الجمهور وأهل الإتقان والحذق والغوص على أسرار الحديث \" (٢). وكان يصلي ركعتي الاستخارة قبل أن يكتب كل حديث في الصحيح، كما كان يصليهما قبل أن يضع كل ترجمة. وقال: \" صنعت الجامع من ستمائة ألف حديث في ست عشرة سنة، وجعلته حجة فيما بيني وبين الله \" (٣) وقال: \" لم أخرج في الكتاب إلا صحيحا وما تركت من الصحيح أكثر \" (٤).\n_________\n(١) انظر: تهذيب الأسماء واللغات، للنووي، ١/ ٧٤، وهدي الساري، لابن حجر، ص ٦.\n(٢) شرح النووي على صحيح مسلم ١/ ١٤. وانظر: علوم الحديث، لابن الصلاح، ص ١٨، وتهذيب الأسماء واللغات للنووي، ١/ ٧٤، وهدي الساري لابن حجر، ص ١١.\n(٣) هدي الساري ص ٤٨٩، وانظر: تهذيب الأسماء واللغات ١/ ٧٤.\n(٤) سير أعلام النبلاء للذهبي، ١٢/ ٤٧١.","vol":"1","page":28},{"text":"وقد بقي الإمام البخاري في تصنيف كتابه وتهذيبه ست عشرة سنة؛ لأنه جمعه من ألوف مؤلفة من الأحاديث الصحيحة (١).\n٥ - شرط البخاري في صحيحه: شرط البخاري في جامعه أن يكون الراوي قد عاصر شيخه، وثبت عنده سماعه منه، ولم يشترط مسلم الثاني، بل اكتفى بالمعاصرة (٢) وشرط البخاري أيضا \" أن يخرج الحديث المتفق على ثقة نقلته إلى الصحابي المشهور من غير اختلاف بين الثقات الأثبات، ويكون إسناده متصلا غير مقطوع \" (٣).\n٦ - عدد أحاديثه: قال الحافظ ابن حجر ﵀ في مقدمة كتابه فتح الباري: قال الشيخ تقي الدين ابن الصلاح فيما رويناه عنه في علوم الحديث، عدد أحاديث صحيح البخاري (٧٢٧٥) سبعة آلاف ومائتان وخمسة وسبعون حديثا بالأحاديث المكررة، قال: وقيل: إنها بإسقاط المكرر: (٤٠٠٠) أربعة آلاف. هكذا أطلق ابن الصلاح وتبعه الشيخ محيي الدين النووي (٤).\nولكن الذي حرره ابن حجر ﵀ عن عدد أحاديث صحيح الإمام البخاري ﵀ أن المتون الموصولة بلا تكرار ألفا حديث وستمائة حديث وحديثان (٢٦٠٢). ومن المتون المعلقة المرفوعة التي لم يصلها في موضع آخر من الجامع المذكور (١٥٩) مائة وتسعة وخمسون حديثا فجميع ذلك: ألفا حديث وسبعمائة وواحد وستون حديثا (٢٧٦١) (٥).\nثم ذكر ﵀ أن جملة ما في الكتاب من التعاليق: ألف وثلاثمائة وواحد وأربعون حديثا (١٣٤١) وأكثرها مكرر مخرج في الكتاب، أصول متونه، وليس فيه من المتون التي لم تخرج في الكتاب ولو من طريق أخرى إلا مائة\n_________\n(١) انظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي، ١/ ١٤.\n(٢) اختصار علوم الحديث لابن كثير، المطبوع مع شرحه: الباعث الحثيث، لأحمد محمد شاكر، ١/ ١٠٣.\n(٣) هدي الساري مقدمة صحيح البخاري، لابن حجر ص ٩.\n(٤) المرجع السابق، ص ٤٦٥، وانظر: تهذيب الأسماء واللغات، للنووي، ١/ ٧٥، والباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث، لابن كثير، شرح أحمد محمد شاكر، ١/ ١٠٦.\n(٥) هدي الساري، ص ٤٧٧.","vol":"1","page":29},{"text":"وستون حديثا (١٦٠). إلى أن قال: \" وجملة ما فيه من المتابعات والتنبيه على اختلاف الروايات: ثلاثمائة وواحد وأربعون حديثا \" (٣٤١) (١).\nثم قال ﵀: \" فجميع ما في الكتاب على هذا بالمكرر، تسعة آلاف واثنان وثمانون حديثا (٩٠٨٢). وهذه العدة خارجة عن الموقوفات على الصحابة، والمقطوعات عن التابعين فمن بعدهم. وقد استوعبت وصل جميع ذلك في كتاب (تغليق التعليق). وهذا الذي حررته من عدة ما في صحيح البخاري تحرير بالغ فتح الله به لا أعلم من تقدمني إليه، وأنا مقر بعدم العصمة من السهو والخطأ، والله المستعان \" (٢).\nثم ذكر ﵀ سبب هذا التفاوت فيما حرره من عدد أحاديث الصحيح، وما حرره غيره كابن الصلاح وغيره، فقال: \" ما عرفت من أين أتى الوهم في ذلك- أي العدد- ثم تأولته على أنه يحتمل أن يكون العادُّ الأول الذي قلدوه في ذلك إذا رأى الحديث مطولا في موضع ومختصرا في موضع آخر يظن أن المختصر غير المطول إما لبعد العهد به، أو لقلة المعرفة بالصناعة، ففي الكتاب من هذا النمط شيء كثير. وحينئذ يتبيَّن السبب في تفاوت ما بين العددين \". (٣).\n٧ - فوائد تقطيع البخاري للحديث، واختصاره، وإعادته في الأبواب؛ وتكراره: يذكر البخاري ﵀ الحديث في مواضع، ويستدل به في كل باب بإسناد آخر، ويستخرج منه بحسن استنباطه وغزارة فقهه معنى يقتضيه الباب الذي أخرجه فيه (٤) وقلما يورد حديثا في موضعين بإسناد واحد، ولفظ واحد، وإنما يورده من طريق أخرى لمعانٍ وفوائد، منها:\n* يخرج الحديث عن صحابي ثم يورده عن صحابي آخر، ليخرج الحديث من الغرابة.\n_________\n(١) هدي الساري، لابن حجر، ص ٤٦٩.\n(٢) المرجع السابق، ص ٤٦٩.\n(٣) المرجع السابق، ص ٤٧٧.\n(٤) انظر: الكفاية من علم الرواية، للخطيب البغدادي، ص ٢٩٤.","vol":"1","page":30},{"text":"* صحح أحاديث على هذه القاعدة يشتمل كل حديث منها على معانٍ متغايرة، فيورده في كل باب من طريق غير الطريق الأولى.\n* أحاديث يرويها بعضهم تامة وبعضهم مختصرة فيوردها كما جاءت، ليزيل الشبهة عن ناقليها.\n* الرواة ربما اختلفت عباراتهم، فحدَّث راوٍ بحديث فيه كلمة تحتمل معنى، وحدَّث به آخر، فعبَّر عن تلك الكلمة بعينها بعبارة أخرى تحتمل معنى آخر، فيورده بطرقه إذا صحت على شرطه، ويفرد لكل لفظة بابا مفردا.\n* أحاديث تعارض فيها الوصل والإِرسال، ورجح عندهُ الوصل فاعتمده، وأورد الإرسال منبها على أنه لا تأثير له عنده في الوصل.\n* أحاديث تعارض فيها الوقف والرفع، والحكم فيها كذلك.\n* أحاديث زاد فيها بعض الرواة رجلا في الإِسناد، ونقصه بعضهم، فيوردها على الوجهين.\n* ربما أورد حديثا عنعنه رَاوِيهِ، فيورده من طريق أخرى مصرحا فيها بالسماع على ما عُرِفَ من طريقته في اشتراط ثبوت اللقاء في المعنعن، فهذا جميعه فيما يتعلق بإعادة المتن الواحد في موضع آخر، أو أكثر.\nأما تقطيعه للأحاديث في الأبواب تارة، واقتصاره منه على بعضه أخرى، فذلك؛ لأنه إن كان المتن قصيرا، أو مرتبطا بعضه ببعض، وقد اشتمل على حكمين فصاعدا؛ فإنه يعيده بحسب ذلك مراعيا مع ذلك عدم إخلائه من فائدة حديثية، وهي إيراده له عن شيخ سوى الشيخ الذي أخرجه عنه، ويستفاد من ذلك تكثير الطرق لذلك الحديث، وربما ضاق عليه مخرج الحديث، حيث لا يكون له إلا طريق واحدة، فيتصرف حينئذٍ فيه، فيورده في موضع موصولا وفي موضع معلقا، ويورده تارة تاما وتارة مقتصرا على طرفه الذي يحتاج إليه ذلك الباب، فإن كان المتن مشتملا على جملٍ متعددة لا تعلق لإحداها بالأخرى، فإنه يخرج كل جملة منها في باب مستقل فِرارا من التطويل،","vol":"1","page":31},{"text":"وربما نشط فساقه بتمامه، فهذا كله في التقطيع (١).\nويتضح من ذلك أن البخاري ﵀ لا يتعمد أن يخرج في كتابه حديثا معادا بجميع إسناده ومتنه، وإن وقع له شيء من ذلك فعن غير قصد (٢).\n٨ - فوائد تراجم الأبواب في صحيح البخاري وحِكَمها: مما جعل صحيح البخاري مقدما على غيره من كتب الحديث ما ضمَّنه أبوابه من التراجم التي تحار فيها الأفكار وأدهشت العقول والأبصار (٣).\nوضابط بيان أنواع التراجم في صحيح البخاري ما بينه الحافظ ابن حجر ﵀ من أن التراجم فيه ظاهرة وخفية، أما الظاهرة فهي أن تكون الترجمة دالة بالمطابقة لما يورد في ضمنها، وإنما فائدتها الإعلام بما ورد في ذلك الباب من غير اعتبار لمقدار تلك الفائدة، كأن يقول: هذا الباب الذي فيه كذا وكذا، أو باب ذكر الدليل على الحكم الفلاني مثلا، وقد تكون الترجمة بلفظ المترجم له، أو بعضه، أو معناه، والترجمة هنا: بيان لتأويل الحديث نائبة مناب قول الفقيه مثلا: المراد بهذا الحديث العام الخصوص، أو بهذا الحديث الخاص العموم، إشعارا بالقياس؛ لوجود العلة الجامعة، أو أن ذلك الخاص المراد به هو أعم مما يدل عليه ظاهره بطريق الأعلى أو الأدنى، ويأتي في المطلق والمقيد مثل ذلك، وكذلك في شرح المشكل، وتفسير الغامض، وتأويل الظاهر، وتفصيل المجمل، وهذا الموضع هو معظم ما يشكل من تراجم هذا الصحيح؛ ولهذا اشتهر قول جمع من أهل العلم؛ \" فقه البخاري في تراجمه \" وأكثر ما يفعل البخاري ذلك إذا لم يجد حديثا على شرطه في الباب ويستنبط الفقه منه، وقد يفعل ذلك لشحذ الأذهان. وكثيرا ما يترجم بلفظ الاستفهام كقوله: باب هل يكون كذا أو من قال: كذا ونحو ذلك، وذلك حيث لا يتَّجِهُ له الجزم بأحد الاحتمالين، وغرضه بيان هل يثبت ذلك الحكم أو لم يثبت، فيترجم على الحكم ومراده، وما يفسر به بعد من إثباته أو نفيه، أو أنه محتمل\n_________\n(١) انظر: هدي الساري لابن حجر، ص ١٥.\n(٢) انظر: المرجع السابق ص ١٦ و١٧.\n(٣) انظر: المرجع السابق ص ١٣.","vol":"1","page":32},{"text":"لهما. وكثيرا ما يترجم بأمر ظاهره قليل الجدوى لكنه إذا حققه المتأمل أجدى كقوله: \" باب قول الرجل ما صلينا \" فإنه أشار به إلى الرد على من كره ذلك. وكثيرا ما يترجم بأمر مختص ببعض الوقائع لا يظهر في بادئ الرأي كقوله: \" باب استياك الإمام بحضرة رعيته \" فإنه لما كان الاستياك قد يظن أنه من أفعال المهنة، فلعل بعض الناس يتوهَّمُ أن إخفاءه أولى مراعاة للمروءة، فلما وقع في الحديث أن النبي ﷺ استاك بحضرة الناس، دل على أنه من باب التطيب لا من الباب الآخر. وكثيرا ما يترجم بلفظٍ يومئ إلى معنى حديث لم يصح على شرطه، أو يأتي بالحديث الذي لم يصح على شرطه صريحا في الترجمة، ويورد في الباب ما يؤيد معناه تارة بأمر ظاهر، وتارة بأمر خفي، وربما اكتفى بلفظ الترجمة التي هي لفظ حديث لم يصح على شرطه، وأورد معها أثرا أو آية، فكأنه يقول: لم يصح في الباب شيء على شرطي. وغير ذلك من الفوائد والحكم التي لا تحصى (١) وقد اعتنى بعض العلماء فجمع أربعمائة ترجمة وتكلم عليها كلاما نافعا مفيدا (٢) وزاد بعضهم أكثر من ذلك (٣).\n_________\n(١) انظر: هدي الساري ص ١٣، ١٤.\n(٢) وهو العلامة ناصر الدين أحمد بن المنير خطيب الإسكندرية (٦٢٠ - ٦٨٣) في كتابه: \" المتواري على تراجم البخاري \". انظر الكتاب المذكور ص ٣٣ - ٤٣٣.\n(٣) وهو القاضي بدر الدين محمد بن إبراهيم بن جماعة (ت ٧٣٣ هـ) فقد لخص كتاب ابن منير المذكور وزاد على ما فيه أشياء مفيدة، وسماه \" تراجم البخاري \". انظر ص ٩٨ - ٢٨٢ من الكتاب المذكور.","vol":"1","page":33},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-15> ثالثا: التعريف بكتب موضوع الدراسة وعدد أحاديثها وجهود البخاري </span>فيها من أول كتاب الوصايا إلى نهاية كتاب الجزية والموادعة:\n١ -<span data-type=\"title\" id=toc-16> عدد أحاديث هذا القسم، وأسماء كتبه</span>، وأرقامها تظهر من خلال الجدول الآتي\nرقم الكتاب ... اسم الكتاب ... عدد الأحاديث غير المكررة (موضوع الدراسة) ... عدد الأحاديث المكررة ... مجموع الأحاديث المكررة وغير المكررة\n٥٥ ... الوصايا ... ١٧ ... ٢٧ ... ٤٤\n٥٦ ... الجهاد والسير ... ١٢٩ ... ١٨٠ ... ٣٠٩\n٥٧ ... فرض الخمس ... ٣١ ... ٣٤ ... ٦٥\n٥٨ ... الجزية والموادعة ... ١٥ ... ٢٠ ... ٣٥\nالإجمالي ... ١٩٢ ... ٢٦١ ... ٤٥٣\n\nومجموع أحاديث هذه الدراسة (١٩٢) حديثا تتضح من خلال الجدول الآتي في الصفحات الآتية:","vol":"1","page":34},{"text":"٢ -<span data-type=\"title\" id=toc-17> أرقام أحاديث موضوع الدراسة</span>\nالرقم المسلسل ... رقم الحديث غير المكرر في صحيح البخاري ... اسم الكتاب\n\n٥٥ - كتاب الوصايا\n١ ... ٢٧٣٨\n٢ ... ٢٧٣٩\n٣ ... ٢٧٤٠\n٤ ... ٢٧٤١\n٥ ... ٢٧٤٣\n٦ ... ٢٧٤٧\n٧ ... ٢٧٥٣\n٨ ... ٢٧٥٦\n٩ ... ٢٧٥٧\n١٠ ... ٢٧٥٩\n١١ ... ٢٧٦١\n١٢ ... ٢٧٦٦\n١٣ ... ٢٧٦٧\n١٤ ... ٢٧٦٨\n١٥ ... ٢٧٧٦\n١٦ ... ٢٧٧٨\n١٧ ... ٢٧٨٠\n\n٥٦ - كتاب الجهاد والسير ١٨ ٢٧٨٥\n١٩ ... ٢٧٨٦\n٢٠ ... ٢٧٨٨\n٢١ ... ٢٧٨٩\n٢٢ ... ٢٧٩٠","vol":"1","page":35},{"text":"الرقم المسلسل ... رقم الحديث غير المكرر في صحيح البخاري ... اسم الكتاب\n٢٣ ... ٢٧٩٢\n٢٤ ... ٢٧٩٣\n٢٥ ... ٢٧٩٤\n٢٦ ... ٢٧٩٥\n٢٧ ... ٢٨٠٢\n٢٨ ... ٢٨٠٥\n٢٩ ... ٢٨٠٧\n٣٠ ... ٢٨٠٨\n٣١ ... ٢٨٠٩\n٣٢ ... ٢٨١٥\n٣٣ ... ٢٨١٨\n٣٤ ... ٢٨١٩\n٣٥ ... ٢٨٢١\n٣٦ ... ٢٨٢٢\n٣٧ ... ٢٨٢٣\n٣٨ ... ٢٨٢٤\n٣٩ ... ٢٨٢٦\n٤٠ ... ٢٨٢٧\n٤١ ... ٢٨٢٨\n٤٢ ... ٢٨٣٠\n٤٣ ... ٢٨٣١\n٤٤ ... ٢٨٣٢\n٤٥ ... ٢٨٣٤\n٤٦ ... ٢٨٣٦\n٤٧ ... ٢٨٣٨","vol":"1","page":36},{"text":"الرقم المسلسل ... رقم الحديث غير المكرر في صحيح البخاري ... اسم الكتاب\n٤٨ ... ٢٨٤٠\n٤٩ ... ٢٨٤٣\n٥٠ ... ٢٨٤٤\n٥١ ... ٢٨٤٥\n٥٢ ... ٢٨٤٦\n٥٣ ... ٢٨٤٩\n٥٤ ... ٢٨٥٠\n٥٥ ... ٢٨٥١\n٥٦ ... ٢٨٥٣\n٥٧ ... ٢٨٥٥\n٥٨ ... ٢٨٥٦\n٥٩ ... ٢٨٥٩\n٦٠ ... ٢٨٦٣\n٦١ ... ٢٨٦٤\n٦٢ ... ٢٨٧١\n٦٣ ... ٢٨٨٠\n٦٤ ... ٢٨٨١\n٦٥ ... ٢٨٨٢\n٦٦ ... ٢٨٨٤\n٦٧ ... ٢٨٨٥\n٦٨ ... ٢٨٨٦\n٦٩ ... ٢٨٨٨\n٧٠ ... ٢٨٩٠\n٧١ ... ٢٨٩٦\n٧٢ ... ٢٨٩٧","vol":"1","page":37},{"text":"الرقم المسلسل ... رقم الحديث غير المكرر في صحيح البخاري ... اسم الكتاب\n٧٣ ... ٢٨٩٨\n٧٤ ... ٢٨٩٩\n٧٥ ... ٢٩٠٠\n٧٦ ... ٢٩٠١\n٧٧ ... ٢٩٠٤\n٧٨ ... ٢٩٠٥\n٧٩ ... ٢٩٠٩\n٨٠ ... ٢٩١٠\n٨١ ... ٢٩١٥\n٨٢ ... ٢٩١٩\n٨٣ ... ٢٩٢٥\n٨٤ ... ٢٩٢٦\n٨٥ ... ٢٩٢٧\n٨٦ ... ٢٩٢٨\n٨٧ ... ٢٩٣١\n٨٨ ... ٢٩٣٣\n٨٩ ... ٢٩٣٥\n٩٠ ... ٢٩٣٦\n٩١ ... ٢٩٣٧\n٩٢ ... ٢٩٤٢\n٩٣ ... ٢٩٤٦\n٩٤ ... ٢٩٥٤\n٩٥ ... ٢٩٥٥\n٩٦ ... ٢٩٥٧\n٩٧ ... ٢٩٥٨","vol":"1","page":38},{"text":"الرقم المسلسل ... رقم الحديث غير المكرر في صحيح البخاري ... اسم الكتاب\n٩٨ ... ٢٩٥٩\n٩٩ ... ٢٩٦٠\n١٠٠ ... ٢٩٦٢\n١٠١ ... ٢٩٦٣\n١٠٢ ... ٢٩٦٤\n١٠٣ ... ٢٩٧٤\n١٠٤ ... ٢٩٧٥\n١٠٥ ... ٢٩٧٦\n١٠٦ ... ٢٩٧٧\n١٠٧ ... ٢٩٧٩\n١٠٨ ... ٢٩٨٧\n١٠٩ ... ٢٩٩٠\n١١٠ ... ٢٩٩٢\n١١١ ... ٢٩٩٣\n١١٢ ... ٢٩٩٦\n١١٣ ... ٢٩٩٨\n١١٤ ... ٣٠٠٤\n١١٥ ... ٣٠٠٥\n١١٦ ... ٣٠٠٧\n١١٧ ... ٣٠١٠\n١١٨ ... ٣٠١٢\n١١٩ ... ٣٠١٤\n١٢٠ ... ٣٠١٧\n١٢١ ... ٣٠١٩\n١٢٢ ... ٣٠٢٠","vol":"1","page":39},{"text":"الرقم المسلسل ... رقم الحديث غير المكرر في صحيح البخاري ... اسم الكتاب\n١٢٣ ... ٣٠٢٢\n١٢٤ ... ٣٠٢٦\n١٢٥ ... ٣٠٢٧\n١٢٦ ... ٣٠٢٩\n١٢٧ ... ٣٠٣٠\n١٢٨ ... ٣٠٣٥\n١٢٩ ... ٣٠٣٩\n١٣٠ ... ٣٠٤١\n١٣١ ... ٣٠٤٣\n١٣٢ ... ٣٠٤٥\n١٣٣ ... ٣٠٤٦\n١٣٤ ... ٣٠٥١\n١٣٥ ... ٣٠٥٧\n١٣٦ ... ٣٠٥٩\n١٣٧ ... ٣٠٦٠\n١٣٨ ... ٣٠٦٢\n١٣٩ ... ٣٠٦٥\n١٤٠ ... ٣٠٦٧\n١٤١ ... ٣٠٧٠\n١٤٢ ... ٣٠٧١\n١٤٣ ... ٣٠٧٤\n١٤٤ ... ٣٠٨٠\n١٤٥ ... ٣٠٨٢\n١٤٦ ... ٣٠٨٣","vol":"1","page":40},{"text":"الرقم المسلسل ... رقم الحديث غير المكرر في صحيح البخاري ... اسم الكتاب\n\n٥٧ - كتاب فرض الخمس\n١٤٧ ... ٣٠٩٢\n١٤٨ ... ٣٠٩٣\n١٤٩ ... ٣٠٩٧\n١٥٠ ... ٣١٠٤\n١٥١ ... ٣١٠٧\n١٥٢ ... ٣١٠٨\n١٥٣ ... ٣١٠٩\n١٥٤ ... ٣١١١\n١٥٥ ... ٣١١٣\n١٥٦ ... ٣١١٤\n١٥٧ ... ٣١١٧\n١٥٨ ... ٣١١٨\n١٥٩ ... ٣١٢١\n١٦٠ ... ٣١٢٤\n١٦١ ... ٣١٢٩\n١٦٢ ... ٣١٣٠\n١٦٣ ... ٣١٣٣\n١٦٤ ... ٣١٣٤\n١٦٥ ... ٣١٣٥\n١٦٦ ... ٣١٣٦\n١٦٧ ... ٣١٣٨\n١٦٨ ... ٣١٣٩\n١٦٩ ... ٣١٤٠\n١٧٠ ... ٣١٤١","vol":"1","page":41},{"text":"الرقم المسلسل ... رقم الحديث غير المكرر في صحيح البخاري ... اسم الكتاب\n١٧١ ... ٣١٤٦\n١٧٢ ... ٣١٤٩\n١٧٣ ... ٣١٥٠\n١٧٤ ... ٣١٥١\n١٧٥ ... ٣١٥٣\n١٧٦ ... ٣١٥٤\n١٧٧ ... ٣١٥٥\n\n٥٨ - كتاب الجزية والموادعة\n١٧٨ ... ٣١٥٦\n١٧٩ ... ٣١٥٧\n١٨٠ ... ٣١٥٨\n١٨١ ... ٣١٥٩\n١٨٢ ... ٣١٦٠\n١٨٣ ... ٣١٦٦\n١٨٤ ... ٣١٦٧\n١٨٥ ... ٣١٦٩\n١٨٦ ... ٣١٧٥\n١٨٧ ... ٣١٧٦\n١٨٨ ... ٣١٨٠\n١٨٩ ... ٣١٨٦\n١٩٠ ... ٣١٨٦\n١٩١ ... ٣١٨٧\n١٩٢ ... ٣١٨٨","vol":"1","page":42},{"text":"٣ -<span data-type=\"title\" id=toc-18> جهود الإمام البخاري ﵀ </span>في ذكر مناسبة ترتيب كتب الدراسة وأبوابها رتب الإمام البخاري ﵀ هذه الكتب، وجميع كتب الصحيح، وأبوابها وأحاديثها، ترتيبا رائعا، واعتنى بذلك عناية فائقة دقيقة فاق فيها جميع أهل التصنيف، وظهر فيها فقهه وعلمه، وذلك في كتاب الصحيح من أوله إلى آخره، أما كتب موضوع الدراسة: الوصايا، والجهاد، وفرض الخمس، والجزية والموادعة، فقد كان ترتيبه لها على النحو الآتي:\nلما كانت الشروط قد تكون في الحياة وبعد الوفاة، ترجم الإمام البخاري ﵀: كتاب الوصايا، فلما انتهى ما يتعلق بالمعاملات مع الخالق، ثم ما يتعلق بالمعاملات مع الخلق، أردفها بمعاملة جامعة بين معاملة الخالق وفيها نوع اكتساب، فترجم ﵀: كتاب الجهاد. إذ به يحصل إعلاء كلمة الله تعالى، وإذلال الكفار بقتلهم، واسترقاق: نسائهم، وصبيانهم، وعبيدهم، وغنيمة أموالهم، وبدأ بفضل الجهاد، ثم ذكر ما يقتضي أن المجاهد ينبغي أن يعد نفسه في القتلى فترجم باب: التحنط عند القتال، وقريب منه: من ذهب ليأتي بخبر العدو، وهو: الطليعة. وكان يحتاج إلى ركوب الخيل، ثم ذكر من الحيوان ما له خصوصية، وهو: بغلة النبي ﷺ، وناقته.\nوكان الجهاد في الغالب للرجال، وقد يكون للنساء فترجم: أحوال النساء في الجهاد. وذكر باقي ما يتعلق بالجهاد، ومنها: آلات الحرب وهيئتها، والدعاء قبل القتال، وكل ذلك من آثار بعثته العامة فترجم: دعاء النبي ﷺ إلى الإسلام، وكان عزم الإمام على الناس في الجهاد إنما هو بحسب الطاقة فترجم: عزم الإِمام على الناس فيما يطيقون، وتوابع ذلك.\nوكانت الاستعانة في الجهاد تكون بجُعل أو بغير جعل، فترجم: الجعائل. وكان الإمام ينبغي أن يكون أمام القوم، فترجم: المبادرة عند الفزع. وكانت المبادرة لا تمنع التوكل ولا سيما في حق من نصر بالرعب، فذكره وذكر مبادرته على أن تعاطي الأسباب لا يقدح في التوكل، فترجم: حمل الزاد في الغزو، ثم ذكر آداب السفر. وكان القادمون من الجهاد قد تكون معهم الغنيمة","vol":"1","page":43},{"text":"فترجم: كتاب فرض الخمس.\nوكان ما يؤخذ من الكفار: تارة يكون بالحرب، وتارة بالمصالحة، فترجم ﵀ كتاب الجزية والموادعة، وأحوال أهل الذمة، ثم ذكر تراجم تتعلق بالموادعة، والعهد، والحذر من الغدر (١).\nوقد ظهرت جهود البخاري ﵀ في الفقرات السابقة: من سبب تصنيفه للكتاب، ومكانة الصحيح عند أهل العلم، وشرط البخاري ﵀ في صحيحه، وعدد أحاديثه، وفوائد تقطيع الحديث واختصاره، وإعادته في الأبواب بفوائد جديدة، وفوائد تراجم الأبواب في الصحيح، ومناسبة الكتب والأبواب. ﵀ ورضي عنه.\n\n٤ -<span data-type=\"title\" id=toc-19> نسخة الصحيح المعتمدة في الدراسة </span>النسخة المعتمدة في هذه الدراسة هي التي طُبعت عام ١٤١٤ هـ، بدار الفكر، ببيروت، والتي كُتب عليها أنها طبعة محققة على عدة نسخ، وعلى نسخة فتح الباري (التي حقق أصولها وأجازها الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله) (٢).\n[القسم الأول الدراسة الدعوية للأحاديث الواردة في موضوع الدراسة]\n[الفصل الأول كتاب الوصايا]\n[باب الوصايا وقول النبي ﷺ وصية الرجل مكتوبة عنده]\n[حديث ما حق امرئ مسلم له شئ يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة] عنده\n_________\n(١) انظر: هدي الساري مقدمة فتح الباري لابن حجر العسقلاني ص ٤٧١.\n(٢) هكذا كُتِبَ على غلاف الكتاب في الطبعة المذكورة، والصحيح أن سماحة العلامة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله وأمد في عمره؛ لنفع المسلمين، لم يحقق فتح الباري كاملا، بل من أول كتاب الإيمان إلى نهاية كتاب الحج، وقد اعتذر عن إكماله ونبه على ذلك في نهاية الجزء الثالث من فتح الباري في آخر صفحة قبل الفهرس.","vol":"1","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>القسم الأول\nالدراسة الدعوية للأحاديث الواردة في موضوع الدراسة</span>\n١ - الفصل الأول: كتاب الوصايا\n٢ - الفصل الثاني: كتاب الجهاد والسير\n٣ - الفصل الثالث: كتاب فرض الخمس\n٤ - الفصل الرابع: كتاب الجزية والموادعة","vol":"1","page":45},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>الفصل الأول: كتاب الوصايا</span>","vol":"1","page":47},{"text":"١ -<span data-type=\"title\" id=toc-22> باب الوصايا</span>، وقول النبي ﷺ: \" وصية الرجل مكتوبة عنده \"\nوقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ - فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ - فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٨٠ - ١٨٢] (١) \" جنفا \": ميلا، \" متجانف \": مائل.\n١ - [٢٧٣٨] حَدَّثَنَا عَبدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَن نافعٍ، عَن عبدِ الله بنِ عُمَرَ (٢) ﵄: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «مَا حقُّ امْرئ مُسْلم لَهُ شَئٌ يُوصِي فيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَينِ إِلَّا ووصيته مكتوبةٌ عندَه» (٣).\n* شرح غريب الحديث: * ووصيته \" الوصية: مشتقة من وَصَيتُ الشيء، أصيه إذا وصلته، وسُميت وصية؛ لأن الميت يصل بها ما كان في حياته بما بعد مماته، ويقال: وصى وأوصى إيصاء، والاسم الوصية والوصاة (٤) قال ابن فارس -﵀: \" وصى \"\n_________\n(١) سورة البقرة، الآيات: ١٨٠ - ١٨٢.\n(٢) عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄، ولد سنة ثلاث من البعثة: أي قبل الهجرة بعشر سنوات، وأسلم مع أبيه وهاجر، وعُرض على النبي ﷺ ببدر فاستصغره، ثم عرض عليه بأحد فاستصغره، ثم عرض عليه بالخندق فأجازه، وكان يومئذ ابن خمس عشرة سنة، وهو من المكثرين في حفظ الحديث عن النبي ﷺ فقد رَوَى عنه علما كثيرا، وعن أبيه، وأبي بكر، وعلي، وعثمان، وغيرهم ﵃، وهو ممن بايع تحت الشجرة، وكان قدوة صالحة عالما عاملا بعلمه داعيا إليه، وكان رجلا ورعا زاهدا، كريما عابدا سباقا لكل خير، رحيما، وقد ثبت عن نافع أنه قال: \" ما مات ابن عمر حتى أعتق ألف إنسان أو زاد \"، وبعث إليه معاوية ﵁، بمائة ألف، فما حال عليه الحول وعنده منها شيء، وكان شديد الحب لمتابعة النبي ﷺ في أقواله وأفعاله، وقد مد الله في عمره حتى نفع بعلمه المسلمين، فعاش قرابة سبع وثمانين سنة، ومات ﵁ سنة أربع وسبعين من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم. [انظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي، ٣/ ٢٠٣ - ٢٣٩، والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني ٢/ ٣٤٧ - ٣٥٠].\n(٣) وأخرجه مسلم، في كتاب الوصية، ٣/ ١٢٤٩، برقم ١٦٢٧.\n(٤) انظر: المعجم في مقاييس اللغة لابن فارس، كتاب الواو، باب الواو والصاد، ص ١٠٩٤، والقاموس المحيط للفيروزآبادي، باب الياء، فصل الواو، ص ١٧٣١، وشرح الإمام النووي على صحيح مسلم ١١/ ٨٣، وعمدة القاري للعيني ١٤/ ٢٦.","vol":"1","page":48},{"text":"الواو والصاد والحرف المعتل أصل يدل على وصل شيء بشيءٍ، وَوَصَيتُ الشيء وصلتُهُ (١).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعويةٌ منها:\n١ - حرص النبي ﷺ على تعليم أمته الخير والشفقة عليهم.\n٢ - أهمية الحزم والجزم والاحتياط في الأمور المهمة.\n٣ - الاستعداد والتأهب للموت قبل فوات الأوان.\n٤ - أهمية الكتابة في ضبط الأمور المهمة.\n٥ - دفع الحرج عن الأمة.\n٦ - من وسائل الدعوة: القول.\n٧ - من موضوعات الدعوة: الحديث عن حقوق العباد.\nأما الحديث عن هذه الفوائد بالتفصيل فعلى النحو الآتي:\n\nأولا: حرص النبي ﷺ على تعليم أمته الخير والشفقة عليهم: بعث الله النبي محمدا ﷺ رحمة للعالمين كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] (٢) وهو ﷺ ينصح لهم غاية النصح، ويسعى في مصالحهم، ويشق عليه الأمر الذي يشق عليهم، ويحب لهم الخير، ويسعى جهده في إيصاله إليهم، ويحرص على هدايتهم للإِيمان ولكل خير، ويكره لهم الشر، ويرحم المؤمنين أكثر من رحمة والديهم (٣)؛ ولهذا قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] (٤)\n_________\n(١) معجم المقاييس في اللغة لأبي الحسين أحمد بن فارس بن زكريا \" مادة وصى \" ص ١٠٩٤، وانظر: لسان العرب لابن منظور \" مادة وصى \" ١٥/ ٣٩٤.\n(٢) سورة الأنبياء، الآية: ١٠٧.\n(٣) انظر تفسير الطبري (جامع البيان عن تأويل آي القرآن) تحقيق: محمود شاكر ١٤/ ٥٨٤، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٨/ ٢٨٠، وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للسعدي ٣/ ٣١٩.\n(٤) سورة التوبة، الآية: ١٢٨.","vol":"1","page":49},{"text":"ومن حرصه ورحمته بهم إرشادهم في هذا الحديث إلى المبادرة إلى الوصية وكتابتها؛ لئلا يهجم على المؤمن أجله قبل ضبط ما يريد بالوصية والكتابة. فينبغي للدعاة إلى الله تعالى أن يتصفوا بالحرص على تعليم الناس الخير اقتداء بنبيهم ﷺ؛ فإن الحرص على نفع المدعوين صفة من صفات الأنبياء وأتباعهم؛ لما رواه عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم» (١).\nثانيا: أهمية الحزم والجزم والاحتياط في الأمور المهمة: من الأمور المهمة التي ينبغي أن يتصف بها المسلم، وخاصة الداعية إلى الله تعالى: \" الحزم والاحتياط \"؛ ولهذا قال ﷺ: «ما حق امرئ مسلم». . . \" والمعنى: ما الحزم والاحتياط للمسلم إلا أن تكون وصيته مكتوبة عنده، إذا كان له شيء يريد أن يوصي فيه؛ لأنه لا يدري متى تأتيه المنية، فتحول بينه وبين ما يريد من ذلك (٢) وهذا يبين أن الحزم والاحتياط من أخلاق المسلم (٣)؛ ولهذا ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدَرُ اللهِ وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان» (٤)؛ وقد بوّب بعض الشراح لهذا الحديث بقوله: \" باب في الأمر بالقوة وترك العجز، والاستعانة بالله، وتفويض المقادير لله \" (٥).\nوهذا يدل على أن قوة العزيمة وعلوَّ الهمة خلق عظيم يجعل صاحبه أكثر إقداما على الأمور العظيمة، وأشد عزيمة في الدعوة إلى الله تعالى، وفي الصبر على الأذى واحتمال المشاق في ذات الله تعالى، وأرغب في الصلاة\n_________\n(١) أخرجه مسلم، في كتاب الإِمارة، باب وجوب الوفاء ببيعة الخليفة الأول فالأول ٣/ ١٤٧٣ برقم ١٨٤٤.\n(٢) انظر: فتح المبدي شرح مختصر صحيح البخاري للزبيدي، تأليف عبد الله بن حجازي الشرقاوي، ٢/ ٢٨٨، ومنار القاري في شرح مختصر صحيح البخاري، لحمزة بن قاسم، ٤/ ٦٤.\n(٣) إكمال إكمال المعلم، شرح الأبي على صحيح الإمام مسلم، ٥/ ٥٩٧، وفتح الباري لابن حجر، ٥/ ٣٥٨.\n(٤) أخرجه مسلم، في كتاب القدر، باب في الأمر بالقوة وترك العجز، والاستعانة بالله وتفويض المقادير لله ٤/ ٢٠٥٢، برقم ٢٦٦٤.\n(٥) شرح الإمام النووي على صحيح مسلم، ١٦/ ٤٥٥.","vol":"1","page":50},{"text":"والصوم والأذكار، وسائر العبادات، وأنشط طلبا لها والمحافظة عليها (١) وهذا يوضح للداعية أن قوة العزيمة وعلو الهمة، والنشاط يفتح له عمل كل خير، وأما التمني فهو رأسُ أموال المفاليس، والعجز مفتاح كل شر (٢) والله تعالى يقول: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] (٣).\nثالثا: الاستعداد والتأهب للموت قبل فوات الأوان: دل هذا الحديث على أنه ينبغي أن يتأهب المسلم للموت- وخاصة الدعاة إلى الله تعالى؛ لأنهم قدوة الناس-؛ فإنه لا يدري متى يفجؤه الموت؛ لأنه ما من سن يفرض إلا وقد مات فيه جمع جم وكل واحد بعينه جائز أن يموت في الحال، فينبغي أن يكون متأهبا مستعدا لذلك، فيكتب وصيته التي يريد أن يوصي بها، ويجمع فيها ما يحصل له به الأجر ويحبط عنه الوزر من حقوق الله وحقوق عباده (٤) والنبي ﷺ قد حث أمته وحضهم في هذا الحديث على الوصية، فيستحب للمسلم أن يوصي بما تيسر إذا كان له مال كثير، ولا يزيد على الثلث؛ لقوله ﷺ: «إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس» (٥) ولكن إذا كان عليه حقوق واجبة: كالحج، والدَّين، والنذر، والودائع وغير ذلك، فإنه يلزمه أن يوصي بهذه الحقوق (٦).\nوهكذا شأن الداعية الصادق والمسلم الحازم يكون مستعدا للموت متأهبا له، قائما بجميع الواجبات، تاركا جميع المحرمات، تائبا من جميع السيئات، كما قال النبي ﷺ لابن عمر ﵄: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل» وكان ابن عمر يقول: \" إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر\n_________\n(١) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ١٦/ ٤٥٥.\n(٢) انظر: مدارج السالكين للإمام ابن القيم ٣/ ٣، وزاد المعاد في هدي خير العباد له، ٢/ ٣٥٨، وطريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم أيضا، ص ٤٤٠.\n(٣) سورة آل عمران، الآية: ١٥٩.\n(٤) انظر: فتح الباري لابن حجر ٥/ ٣٦٠.\n(٥) مسلم، كتاب الوصية، باب الوصية بالثلث ٣/ ١٢٥٠ برقم ١٦٢٨.\n(٦) انظر: الاستذكار لابن عبد البر ٢٣/ ٧، وشرح النووي على صحيح مسلم ١١/ ٨٤، وشرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك ٧/ ٧٤، وفتح الباري لابن حجر، ٥/ ٣٥٩.","vol":"1","page":51},{"text":"المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك \" (١).\nفالداعية ينبغي أن لا يتخذ الدنيا وطنا ومسكنا، فيطمئن فيها، ولكن ينبغي أن يكون فيها كأنه على جناح سفر، يُهيئ جهازه للرحيلِ؛ لأن الآخرة هي دار القرار، قال الله تعالى حاكيا عن مؤمن آل فرعون أنه قال: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر: ٣٩] (٢)؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «ما لي وللدنيا، ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار ثم راح وتركها» (٣) فالمؤمن وخاصة الداعية إلى الله ينبغي له أن يكون في الدنيا على أحد حالين:\nالحالة الأولى: أن ينزل نفسه كأنه غريب في الدنيا يتخيّلُ الإِقامة لكن في بلد غربة، فهو غير متعلق القلب ببلد الغربة، بل قلبه متعلق بوطنه الذي يرجع إليه، وإنما هو مقيم في الدنيا؛ ليقضي بقية جهازه حتى يرجع إلى وطنه، ومن كان كذلك في الدنيا فلا هم له في الحقيقة إلا في التزود بما ينفعه عند عودته إلى وطنه، فلا ينافس أهل البلد الذي هو غريب بينهم في عزهم، ولا يجزع من الذل عندهم. والمؤمن في الدنيا غريب؛ لأن الجنة هي وطنه الأول أخرجه منه إبليس، فهو يتزود بما يبلغه المحل الأعلى، كما قال الإمام ابن القيم ﵀:\nفحيَّ على جنات عدن فإنها ... منازلنا الأولى وفيها المخيم\nولكننا سبي العدوّ فهل ترى ... نعود إلى أوطاننا ونسلم\nوقد زعموا أن الغريب إذا نأى ... وشطت به أوطانه فهو مغرم\nوأي اغتراب فوق غربتنا التي ... لها أضحت الأعداء فينا تحكم (٤).\n\nالحالة الثانية: أن ينزل الداعية نفسه في الدنيا كأنه مسافر غير مقيم ألبتة،\n_________\n(١) البخاري، كتاب الرقاق، باب قوله ﷺ: \" كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل \" ٧/ ٢١٩، برقم ٦٤١٦.\n(٢) سورة غافر، الآية: ٣٩.\n(٣) مسند أحمد ٢/ ١٣٢، والترمذي، في كتاب الزهد، باب: حدثنا موسى بن عبد الرحمن ٤/ ٥٨٨، برقم ٢٣٧٧، وقال: \" هذا حديث حسن صحيح \"، وابن ماجه، في كتاب الزهد، باب مثل الدنيا ٢/ ١٣٧٦، برقم ٤١٠٩، وصححه الألباني في صحيح الترمذي ٢/ ٢٨٠.\n(٤) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح، ص ٣٠.","vol":"1","page":52},{"text":"وإنما هو سائر في قطع منازل السفر حتى ينتهي به السفر إلى الوطن الذي يريد وهو الموت. ومن كان هذا حاله في الدنيا فهمته تحصيل الزاد للسفر، وليس له همة في الاستكثار من متاع الدنيا (١).\nوعلى الداعية أن يتدبر دائما قوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد: ٢٠] (٢).\nرابعا: أهمية الكتابة في ضبط الأمور المهمة: في قوله ﷺ في الحديث: «إلا ووصيته مكتوبة عنده» إشارة إلى أن الأمور المهمة ينبغي أن تضبط بالكتابة الواضحة البينة؛ لأنها أثبت من الضبط بالحفظ؛ لأنه يخون غالبا، ولابد أن تكون الكتابة معلومة، كما أن في قوله ﷺ: \" مكتوبة عنده \" إشارة إلى أنه ينبغي للداعية أن يحتفظ بالوثائق المهمة عنده في مكان أمين، وفي حرز حصين حتى لا تتعرض الأمور المهمة إلى الإِتلاف، أو تضيع، أو تتسلط عليها أيدٍ غير أمينة (٣). وينبغي أن يشهد على وصيته إذا كان المكتوب وصية أو غيرها من الأمور المهمة، وله أن يغيِّر في وصيته ما شاء، ويزيد فيها ما يشاء من الأمور التي تتجدد (٤).\nخامسا: دفع الحرج عن الأمة: دل الحديث على دفع الحرج عن هذه الأمة؛ ولهذا قال الإمام ابن دقيق العيد ﵀: (والترخيص في الليلتين، أو الثلاث دفع للحرج والعسر) (٥) والأصل\n_________\n(١) انظر: جامع العلوم والحكم لابن رجب، بتحقيق الأرناؤوط ٢/ ٣٧٨، ٣٨١.\n(٢) سورة الحديد، الآية: ٢٠.\n(٣) انظر: شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك ٤/ ٧٤، وشرح رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين للعلامة محمد بن صالح العثيمين ٦/ ١٤٢.\n(٤) انظر: مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح للعلامة علي بن سلطان القاري ٦/ ٢٥١.\n(٥) إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام للعلامة تقي الدين بن دقيق العيد ٢/ ١٦١.","vol":"1","page":53},{"text":"في ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] (١) وقال ﷿: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦] (٢).\nسادسا: من وسائل الدعوة: القول: الوسيلة في الأصل: ما يتوصل به إلى الشيء (٣) ووسائل الدعوة هي: ما يستعين به الداعية على تبليغ دعوته من أشياء وأمور (٤) فهي ما يتوصل به الداعية إلى تبليغ دعوته من أمور معنوية أو مادية ووسيلة التبليغ في هذا الحديث هي: القول: \" ما حق امرئ مسلم \" ووسيلة القول أعظم وسائل الدعوة التي استعملها أنبياء الله ورسله في تبليغ دعوتهم عليهم الصلاة والسلام.\nوتبرز أهمية وسيلة القول من عدة وجوه، منها:\n١ - اهتمام القرآن الكريم بهذه الوسيلة، فقد ورد لفظ \" قل \" في القرآن الكريم في أكثر من ثلاثمائة موضع، كما جاءت مشتقاته وتصريفاته في القرآن الكريم في آيات كثيرة (٥).\n٢ - استخدام جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام هذه الوسيلة في دعوتهم إلى الله تعالى، فكم من رسول قال لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٦٥] (٦) قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤] (٧) ويدل على أهمية هذه الوسيلة كثرة أقوال النبي الكريم محمد ﷺ في كتب السنة التي دعا بها أمته بقوله إلى كل ما يعود عليهم بالخير والصلاح.\n_________\n(١) سورة الحج، الآية: ٧٨.\n(٢) سورة المائدة، الآية: ٦.\n(٣) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير، باب الواو مع السين ٥/ ١٨٥.\n(٤) انظر: الحكمة في الدعوة إلى الله، لسعيد بن علي، ص ١٢٦.\n(٥) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، لمحمد فؤاد عبد الباقي، ص ٥٧٠.\n(٦) سورة الأعراف، الآية: ٦٥.\n(٧) سورة إبراهيم، الآية: ٤.","vol":"1","page":54},{"text":"٣ - وسيلة القول وسيلة فطرية متوافرة عند أغلب الناس إلا ما ندر؛ ولهذا بيَّن الله سبحانه أهمية النطق باللسان، فقال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ٧٦] (١).\n٤ - هذه الوسيلة لها ضوابط منها: أن يكون القول مشروعا، ولطيفا حسنا، وأن يطابق القول العمل، ويكون بيِّنا واضحا، وبعيدا عن التقعُّر والتشدق وتكلف الفصاحة (٢) فينبغي للداعية أن يعتني بهذه الوسيلة ويطبق شروطها (٣).\nسابعا: من موضوعات الدعوة: الحديث عن حقوق العباد: إن من الموضوعات المهمة التي ينبغي للداعية إلى الله ﷾ أن يبينها للناس ويحضهم عليها: حقوق العباد؛ ولهذا قال الإمام ابن عبد البر ﵀: \" وفي هذا الحديث الحضُّ على الوصية والتأكيد في ذلك، وأجمع الجمهور على أن الوصية غير واجبة على أحد إلا أن يكون عليه دينٌ، أو عنده وديعة، أو أمانة، فيوصي بذلك \" (٤).\n_________\n(١) سورة النحل، الآية: ٧٦.\n(٢) انظر: المدخل إلى علم الدعوة، للدكتور محمد البيانوني، ص ٣١١ - ٣١٥.\n(٣) وغالب الأحاديث تشمل هذه الوسيلة؛ ولذلك سأقتصر على هذا الحديث فقط ولا أذكر هذه الوسيلة في الأحاديث اللاحقة.\n(٤) الاستذكار لابن عبد البر، ٢٣/ ٧، وانظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ١١/ ٨٤.","vol":"1","page":55},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>[حديث ما ترك رسول الله ﷺ عند موته درهما ولا دينارا]</span>\n٢ - [٢٧٣٩] حَدَّثَنَا إِبْراهيمُ بنُ الحَارِثِ: حَدَّثَنا يَحْيى بنُ أَبي بُكَيرٍ: حَدَّثَنَا زُهَيرُ بنُ مُعاويةَ الجُعْفِيُّ: حَدَّثَنَا أَبو إِسحاقَ، عن عَمْرِو (١) بنِ الحَارِثِ خَتَنِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَخِي جُوَيْرِيةَ بنتِ الحَارِثِ قَالَ: «مَا تَرَك رَسُولُ اللهِ ﷺ عِنْدَ مَوْتهِ دِرْهَما، وَلَا دِينارا، ولا عَبْدا، وَلَا أَمَة، وَلَا شَيْئا، إِلَّا بَغْلتَهُ البَيضاءَ وسِلاحَهُ، وَأَرْضا جَعَلَها صَدَقة» (٢).\nوفي رواية: \". . . «إلا بغلته البيضاء التي كان يركبها». . . \" (٣).\nوفي رواية: \". . . «وأرضا بخيبر جعلها صدقة». . . \" (٤).\nوفي رواية: \". . . «وأرضا جعلها لابن السبيل صدقة» (٥).\n* شرح غريب الحديث: * \" الخَتَنُ \" أبو امرأة الرجل، وأخو امرأته، وكل من كان من قِبَلِ امرأته، والأختان من قبل المرأة، والأحماءُ من قبل الزوج، والصهر يجمعهما (٦).\n* \" أرضا \" هي نصف أرض فدك، وثلث أرض وادي القرى، وسهمه من خمس خيبر، وحقه من أرض بني النضير (٧) وقال الإمام النووي: \" وأما\n_________\n(١) عمرو بن الحارث بن أبي ضرار أخو جويرية بنت الحارث زوج النبي ﷺ ورضي الله عنها، روى عمرو عن أخته جويرية، وعن أبيه الحارث، وعن ابن مسعود ﵁. [انظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي ٢/ ٢٦، والإصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر، ٢/ ٥٣٠، وتهذيب التهذيب له، ٨/ ١٣].\n(٢) (الحديث ٢٧٣٩) أطرافه في كتاب الجهاد، باب بغلة النبي ﷺ البيضاء، ٣/ ٢٩٠، برقم ٢٨٧٣، وباب من لم ير كسر السلاح عند الموت، ٣/ ٣٠٢، برقم ٢٩١٢، وكتاب فرض الخمس، باب نفقة نساء النبي ﷺ بعد وفاته، ٤/ ٥٥ برقم ٣٠٩٨، وكتاب المغازي، باب مرض النبي ﷺ ووفاته ٥/ ١٦٧ برقم ٤٤٦١. وأخرجه مسلم من حديث عائشة ﵂ في كتاب الوصية، باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي فيه، ٣/ ١٢٥٦ برقم ١٦٣٥.\n(٣) من الطرف رقم ٤٤٦١.\n(٤) من الطرف رقم ٢٩١٢.\n(٥) من الطرف رقم ٤٤٦١.\n(٦) انظر: لسان العرب، لابن منظور، فصل الخاء، باب النون، مادة \" ختن \" ١٣/ ١٣٨، والقاموس المحيط، للفيروزآبادي، فصل الخاء، باب النون، مادة \" ختن \" ص ١٥٤٠، وغريب الحديث والأثر لابن الأثير باب الخاء مع التاء، ٢/ ١٠.\n(٧) شرح الكرماني على صحيح البخاري ١٢/ ١٤٩.","vol":"1","page":56},{"text":"الأرض التي كانت له بخيبر وفدك فقد سبَّلها على المسلمين \" (١).\n* \" وسلاحه \" السلاح ما أعددته للحرب من آلة الحديد مما يقاتل به والسيف وحده يسمى سلاحا (٢) فعلى هذا فالمقصود بسلاحه سيوفه وأرماحه. (٣).\n* \" وبغلته \" والجمع: أبغال وبغال، والبغل هو: ابن الفرس من الحمار، وقيل: اسم بغلة النبي ﷺ: دُلْدُل. (٤).\n\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية منها:\n١ - من صفات الداعية: الزهد.\n٢ - من صفات الداعية: الكرم.\n٣ - الإِعداد للجهاد في سبيل الله تعالى.\n٤ - أهمية الوقف في العمل الدعوي.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من صفات الداعية: الزهد: يؤخذ من هذا الحديث زهد الداعية إلى الله تعالى؛ لأن النبي ﷺ - هو قدوة الدعاة- كان أزهد الناس في الدنيا، وفي حطامها الفاني، وكانت عنايته الفائقة بالدعوة إلى الله تعالى وتوجيه البشرية لما يعود عليهم بالخير في الدنيا والآخرة؛ ولهذا لم يترك عند موته: دينارا، ولا درهما، ولا عبدا، ولا أمة، ولا شيئا، إلا ما جعله صدقة في سبيل الله تعالى (٥) وهكذا ينبغي للداعية أن\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم ١١/ ٩٧.\n(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر، لأبي السعادات المبارك بن محمد الجزري، ابن الأثير، باب السين مع اللام ٢/ ٣٨٨.\n(٣) المعجم الوسيط، لمجمع اللغة العربية، ١/ ٦٤.\n(٤) انظر: معجم مقاييس اللغة، كتاب الباء، باب الباء والغين، ص ١٤٣، وعمدة القاري للعيني، ١٤/ ٣٠، وإرشاد الساري للقسطلاني، ٥/ ١٩٧.\n(٥) انظر: شرح الكرماني على صحيح البخاري ١٢/ ٦٠، ١٤٩، وفتح الباري لابن حجر، ٦/ ٩٧، وعمدة القاري للعيني، ١٤/ ٣١.","vol":"1","page":57},{"text":"يجعل أكبر همه الدعوة إلى الله تعالى، ويزهد في الدنيا ولا يجعلها غاية مقصده ومبلغ علمه، وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أن الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة، والورع ترك ما تخاف ضرره في الآخرة (١). قال ابن القيم ﵀: \" وهذه العبارة من أحسن ما قيل في الزهد والورع وأجمعها \" (٢).\nوقال الإمام أحمد ﵀: \" الزهد على ثلاثة أوجه، الأول: ترك الحرام وهو زهد العوام، والثاني: ترك الفضول من الحلال وهو زهد الخواص، والثالث: ترك ما يشغل عن الله وهو زهد العارفين \" (٣).\nوقد تكفَّل الله لمن لا يجعل الدنيا أكبر همه بالسعادة في الدنيا والآخرة؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «من كانت الآخرة هَمّهُ جعل الله كفاه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه وفرّق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له» (٤).\nثانيا: من صفات الداعية: الكرم الجود والكرم خلق عظيم ينبغي للداعية إلى الله أن يتصف به، وفي الحديث إشارة إلى اتصاف النبي ﷺ بالكرم؛ قال القسطلاني ﵀ على قول عمرو بن الحارث في الحديث: «ما ترك رسول الله ﷺ عند موته: درهما ولا دينارا ولا عبدا ولا أمة». . . \": \" فيه دلالة على أن من ذكر من رقيق النبي ﷺ في جميع الأخبار كان إمَّا مات وإمَّا أعتقه \" (٥) وقال العيني: \" وقد ذكرنا في تاريخنا الكبير أنه كان له عبيد ما ينيف على ستين، وكانت له عشرون أمة، فهذا يدل على أن منهم من مات في حياة النبي ﷺ، ومنهم من أعتقهم، ولم يبق عبد\n_________\n(١) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام، ١٠/ ٥١١، ٦١٥ و٢٠/ ١٤٢، ومدارج السالكين لابن القيم ٢/ ١٠.\n(٢) مدارج السالكين لابن القيم، ٢/ ١٠.\n(٣) المرجع السابق، ٢/ ١٢.\n(٤) أخرجه الترمذي عن أنس ﵁ في كتاب صفة القيامة، باب: حدثنا قتيبة ٤/ ٦٤٢، برقم ٢٤٦٥، وصححه الألباني في صحيح الجامع ٥/ ٣٥١، وسلسلة الأحاديث الصحيحة برقم ٩٥٠.\n(٥) إرشاد الساري ٦/ ٤٩٢، وانظر: عمدة القاري للعيني، ١٤/ ٣٠.","vol":"1","page":58},{"text":"بعده ولا أمة وهو في الرِّقيّة \" (١) وهذا يدل على كرمه ﷺ، وعن أنس ﵁ قال: «ما سُئِل رسول الله ﷺ على الإسلام شيئا إلا أعطاه، قال: \" فجاء رجل فأعطاه غنما بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قومي أسلموا؛ فإن محمدا يعطي عطاء لا يخشى الفاقة» (٢).\nفالداعية ينبغي له أن يكون كريما؛ لأن القلوب مجبولة على حب من أحسن إليها (٣).\nثالثا: الإعداد للجهاد في سبيل الله تعالى: الجهاد في سبيل الله تعالى وسيلة من وسائل الدعوة إلى الله تعالى ونشر الإسلام؛ لأن الهدف منه: إخراج الناس من عبودية المخلوق إلى عبودية الخالق؛ ولهذا قال ﷾: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الأنفال: ٣٩] (٤).\nوقد دل الحديث على الإِعداد للجهاد والتأهب له، قال القسطلاني ﵀ في شرحه لهذا الحديث: \" إلا سلاحه \" أي الذي أعده لحرب الكفار: كالسيوف (٥) وقال ابن الأثير: \" السلاح ما أعددته للحرب من آلة الحديد مما يقاتل به، والسيف وحده يسمى سلاحا \" (٦).\nفينبغي للدَّولة المسلمة أن تعد العدة للجهاد بكل ما تستطيعه من قوة؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] (٧).\n_________\n(١) عمدة القاري ١٤/ ٣٠.\n(٢) مسلم، كتاب الفضائل، باب ما سئل ﷺ شيئا فقال: لا، ٤/ ١٨٠٦ برقم ٢٣١٢.\n(٣) وسيأتي إن شاء الله تفصيل أكثر من ذلك. انظر: الحديث رقم ٣٥، الدرس الثالث.\n(٤) سورة الأنفال، الآية: ٣٩.\n(٥) إرشاد، الساري ٥/ ١٠٠، ١٩٧.\n(٦) النهاية في غريب الحديث والأثر ٢/ ٣٨٨.\n(٧) سورة الأنفال، الآية: ٦٠.","vol":"1","page":59},{"text":"رابعا: أهمية الوقف في العمل الدعوي: دل مفهوم الحديث وما في معناه من الأحاديث الأخرى على أن الوقف له أهمية بالغة؛ ولهذا اعتنى به النبي ﷺ كما في هذا الحديث: «وأرضا جعلها لابن السبيل صدقة»، وقال ﷺ: «إذا مات الإِنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» (١).\nفينبغي للداعية أن يبين للناس أهمية الوقف ويحثهم على ذلك، ويكون قدوة لهم في كل ما يدعوهم إليه. والله المستعان.\n* * * *\n_________\n(١) صحيح مسلم، كتاب الوصية، باب ما يلحق الإِنسان من الثواب بعد وفاته، ٣/ ١٢٥٥، برقم ١٦٣١، من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"1","page":60},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>[حديث أوصى النبي بكتاب الله]</span>\n٣ - [٢٧٤٠] حَدَّثَنَا خَلّاد بن يَحْيى: حَدَّثَنا مَالك: حَدَّثَنا طَلْحَة بن مصرِّفٍ (١) قَالَ: \" سَأَلت عَبدَ اللهِ بنَ أَبِي أَوْفَى (٢) ﵄: هَلْ كَانَ النَّبِي ﷺ أَوْصَى؛ فقَال: لَا. فَقلت: كَيْفَ كتِبَ عَلَى النَّاس الوَصِيَّة أَوْ أمِروا بالوَصيَّةِ؛ قالَ: أَوْصَى بِكتَابِ اللهِ \" (٣).\nوفي رواية: \" كَيْفَ كتِبَ عَلَى النَّاسِ الوَصيَّة أو أمِروا بِهَا وَلَمْ يوصِ \" (٤).\n* شرح غريب الحديث: * \" فقال: لا \" أي لم يوصِ بما يتعلق بالمال؛ لأن ما تركه فهو صدقة (٥).\n* \" أوصى بكتاب الله \" أي بالتمسك به والعمل بمقتضاه (٦).\n* \" كيف كتِب على الناس الوصية أو أمروا بالوصية \" شكّ من الراوي: هل قال: كيف كتب على المسلمين الوصية أو قال: كيف أمروا بها (٧).\n_________\n(١) طلحة بن مصرف بن عمرو بن كعب الإمام الحافظ المقرئ اليامي الهمداني الكوفي، حدث عن أنس بن مالك وعبد الله بن أبي أوفى ﵃، كان يسمى سيد القراء ولما علم إجماع أهل الكوفة على أنه أقرأ من بها ذهب فقرأ على الأعمش لتنزل رتبته في أعينهم ويأبى الله إلا رفعته؛ ولهذا قال الأعمش: (فما ظنكم برجل لا يخطئ، ولا يلحن) وتوفى ﵀ في آخر عام ١١٣ هـ، [انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي، ٥/ ١٩١ - ١٩٣].\n(٢) عبد الله بن أبي أوفى علقمة بن خالد بن الحارث الأسلمي ﵄، شهد بيعة الرضوان، وخيبر وما بعدهما من المشاهد مع رسول الله ﷺ، ولم يزل بالمدينة حتى توفي رسول الله ﷺ، ثم تحول إلى الكوفة، روى عن رسول الله ﷺ خمسة وتسعين حديثا، اتفق البخاري ومسلم على عشرة، وانفرد البخاري بخمسة ومسلم بحديث، مات سنة ست وثمانين، وقيل سبع وثمانين، وهو آخر من توفي من الصحابة ﵃ بالكوفة. [انظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي ١/ ٢٦١، وتهذيب التهذيب لابن حجر ٥/ ١٦٧، والإصابة في تمييز الصحابة، له، ٢/ ٢٧٩].\n(٣) (الحديث ٢٧٤٠) طرفاه في كتاب المغازي، باب مرض النبي ﷺ ووفاته ٥/ ١٦٧ برقم ٤٤٦٠، وفي كتاب فضائل القرآن، باب الوصاة بكتاب الله ﷿، ٦/ ١٣٠ برقم ٥٠٢٢، وأخرجه مسلم، في كتاب الوصية، باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي فيه ٣/ ١٢٥٦، برقم ١٦٣٤.\n(٤) من الطرف رقم ٥٠٢٢.\n(٥) انظر: شرح الكرماني على صحيح البخاري ١٢/ ٦٠، ١٦/ ٢٤٨، ١٩/ ٣٠.\n(٦) فتح الباري بشرح صحيح البخاري ٥/ ٣٦٠ - ٣٦١.\n(٧) المرجع السابق ٥/ ٣٦٠.","vol":"1","page":61},{"text":"* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - أهمية العلم والعمل بكتاب الله تعالى.\n٢ - أهمية السؤال في تحصيل العلم ونشره.\n٣ - من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة.\n٤ - من صفات الداعية: الحرص على الدقة في نقل الحديث.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية تفصيلا على النحو الآتي:\n\nأولا: أهمية العلم والعمل بكتاب الله تعالى: أساس العلم النافع العلم بكتاب الله تعالى، فلا بد للداعية إلى الله تعالى أن يعتني بهذا الكتاب العظيم وحفظه: حسا ومعنى وتدبرا، فَيكرم، ويصان، ويتَّبع ما فيه: فيعمل بأوامره، ويجتنب نواهيه، ويداوم على تلاوته، وتعلمه وتعليمه (١) وقد بين الله الحكمة من إنزاله فقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩] (٢) وقد بين النبي ﷺ أن هذا القرآن أعظم نعمة أنعم الله بها على عباده المؤمنين فقال: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار» (٣).\nفأي غبطة أعظم وأحب من هذه الغبطة العظيمة (٤)؛ ولهذه المكانة العظيمة أوصى النبي ﷺ بهذا القرآن العظيم في عدة مناسبات وفي عدة أماكن، من ذلك أنه أوصى به في عرفات فقال: «وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم\n_________\n(١) انظر فتح الباري لابن حجر، ٩/ ٦٧.\n(٢) سورة ص، الآية: ٢٩.\n(٣) البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب اغتباط صاحب القرآن ٦/ ٦٣١، برقم ٥٠٧، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه ١/ ٥٥٨، برقم ٨١٥.\n(٤) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٣٤٧.","vol":"1","page":62},{"text":"به، كتاب الله» (١) وعندما كان في طريقه إلى المدينة راجعا من حجة الوداع أوصى به فقال: «وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، [هو حبل الله من اتَّبعه كان على الهدى ومن تركه كان على الضلالة] فخذوا كتاب الله وتمسكوا به»، فحث عليه ورغب، ثم قال: «وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي» ثلاث مرات (٢) وأوصى به عند موته كما في حديث الباب.\nفدل ذلك على أهمية تعلم كتاب الله تعالى وتعليمه للناس، فيتأكد على الدعاة إلى الله تعالى أن يعتنوا بكتاب الله حفظا وفهما، وعملا وتعليما.\n\nثانيا: أهمية السؤال في تحصيل العلم ونشره: إن السؤال عن العلم من أهم الأمور التي ينبغي لكل مسلم أن يعتني بها، وقد ظهر ذلك في هذا الحديث؛ لسؤال طلحة بن مصرف لعبد الله بن أبي أوفى ﵄ عن وصية النبي ﷺ، فاستفاد منه هذا العلم العظيم ونشِرَ بسبب سؤاله؛ ولأهمية السؤال عن العلم قال عمر بن عبد العزيز ﵀: \" خمسٌ إذا أخطأ القاضي منهن خطة (٣) كانت فيه وصمة (٤) أن يكون: فَهِما، حليما، عفيفا، صليبا (٥) عالما، سئولا عن العلم \" (٦) وقال مجاهد: \" لا يتعلم العلم مستحي ولا مستكبر \" (٧) وهذا يدل على أهمية السؤال عن العلم ونشره، فيتأكد على الداعية أن يعتني بذلك.\nثالثا: من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة: دل هذا الحديث على أن القدوة وسيلة من وسائل الدعوة؛ ولهذا قال طلحة بن مصرف لعبد الله بن أبي أوفى ﵄: \" كيف كتبَ على الناس الوصية أو\n_________\n(١) مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي ﷺ ٢/ ٨٨٦، برقم ١٢١٨.\n(٢) مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل علي بن أبي طالب ﵁، ٤/ ١٨٧٣، برقم ٢٤٠٨.\n(٣) خطة: أي خصلة. فتح الباري ١٣/ ١٤٦.\n(٤) وصمة: عيبا. انظر: فتح الباري ١٣/ ١٤٦.\n(٥) صليبا: قويا شديدا، يقف عند الحق ولا يميل مع الهوى. انظر: المرجع السابق ١٣/ ١٤٦.\n(٦) البخاري، كتاب الأحكام، باب متى يستوجب الرجل القضاء ٨/ ١٤١.\n(٧) البخاري، كتاب العلم، باب الحياء في العلم ١/ ٤٧.","vol":"1","page":63},{"text":"أمروا بالوصية ولم يوصِ \" يعني النبي ﷺ؛ لأنه أسوة كل مسلم، فقال عبد الله: \" أوصى بكتاب الله \"، وهذا يبين للداعية أنه يجب على جميع الدعاة إلى الله تعالى أن يكونوا قدوة صالحة للمدعوين، ولا يكون الداعية ناجحا إلا أن يعمل بدعوته، ولا يكون ممن يدعو إلى شيء ثم يتركه، أو ينهى عنه ثم يرتكبه، وهذا حال الخاسرين نعوذ بالله من ذلك؛ ولهذا قال الله تعالى محذرا عن ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ - كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢ - ٣] (١)؛ قال الإمام ابن القيم ﵀: \" علماء السوء جلسوا على أبواب الجنة يدعون إليها الناس بأقوالهم، ويدعونهم إلى النار بأفعالهم، فلما قالت أقوالهم للناس: هلموا، قالت أفعالهم: لا تسمعوا منهم، فلو كان ما يدعون إليه حقا، كانوا أول المستجيبين له، فهم في الصورة أدلاء، وفي الحقيقة قطاع طريق \" (٢) فعلى الداعية المسلم أن يكون قدوة للناس بقوله وفعله (٣) والله المستعان.\nرابعا: من صفات الداعية: الحرص على الدقة في نقل الحديث: من الصفات الحميدة حرص السلف الصالح على الدقة في نقل الحديث؛ ولهذا قال بعض رواة هذا الحديث: \" كيف كتِبَ على الناس الوصية أو أمروا بالوصية \"، قال الحافظ ابن حجر ﵀: \" شك من الراوي هل قال: كيف كتب على المسلمين الوصية أو قال: كيف أمروا بها \" (٤).\nوهذا يدل الدعاة إلى الله تعالى ويرشدهم إلى التحري والدقة في نقل الأخبار والأحاديث وتبليغها للناس كما جاءت، حتى لا يقع الداعية في الكذب أو الافتراء وهو لا يشعر (٥).\n* * * *\n_________\n(١) سورة الصف، الآيتان: ٢ - ٣.\n(٢) الفوائد، لابن القيم، ص ١١٢.\n(٣) انظر: مجموع فتاوى سماحة الشيخ عبد العزيز ابن باز ١/ ٣٥٠، ٢/ ٣٤٣، ٣/ ١١٠.\n(٤) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، لابن حجر، ٥/ ٣٦٠.\n(٥) انظر بهجة النفوس، لابن أبي جمرة ١/ ١٢٨.","vol":"1","page":64},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>[حديث ما أوصى النبي بشيء]</span>\n٤ - [٢٧٤١] حَدَّثَنَا عَمْرو بن زرَارَةَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيل، عَنِ ابنِ عَوْنٍ، عنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ (١) قَالَ: \" ذَكَرورا عِنْدَ عَائِشة (٢) أَنَّ عَلِيّا ﵄ كَانَ وصيّا، فَقَالَتْ: مَتى أَوْصى إِلَيْهِ وَقَدْ كنْت مسنِدَتَه إِلى صَدْرِي؟ - أَوْ قَالَتْ: حَجْرِي- فَدَعَا بِالطَّسْتِ، فَلَقَدِ انْخَنَثَ في حَجْرِي فَمَا شَعرْت أَنه قَدْ مَاتَ، فمتَى أَوصى إِلَيْهِ؟ \" (٣).\n* شرح غريب الحديث: * \" الطست \" إناء كبير مستدير (٤).\n* \" انخنث \" أي انكسر وانثنى لاسترخاء أعضائه عند الموت (٥).\n_________\n(١) الأسود بن يزيد بن قيس النخعي أبو عمرو أو أبو عبد الرحمن، سمع من معاذ بن جبل في اليمن قبل أن يهاجر، وعن أبي بكر وعمر، وحديثه عن كبار الصحابة في الصحيحين، وغيرهما. وهو من المخضرمين ثقة فقيه، مات سنة أربع أو خمس وسبعين. [انظر: الإِصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، ١/ ١٠٦، وتقريب التهذيب له، ص ١٤٦].\n(٢) عائشة بنت أبي بكر الصديق عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن عامر، القرشية المكية، أم المؤمنين زوجة النبي ﷺ أفقه نساء الأمة على الإطلاق ﵂. ولدت بعد البعثة بأربع سنين أو خمس، تزوجها النبي ﷺ وهي بنت ست، وقيل: سبع سنين، ويجمع بين القولين أنها كانت قد أكملت السادسة ودخلت في السابعة، ودخل بها، وهي بنت تسع في شوال في السنة الأولى من الهجرة، واختار الذهبي والنووي أنه ﷺ دخل بها وهي بنت تسع في شوال سنة اثنتين، وضعف النووي القول الأول. وهي من أكثر الصحابة رواية، فقد روت عن النبي ﷺ كثيرا طيبا مباركا فيه. روي لها أحاديث كثيرة حصرها علماء الحديث بألفين ومائتين وعشرة أحاديث (٢٢١٠)، اتفق البخاري ومسلم على مائة وأربعة وسبعين حديثا، وانفرد البخاري بأربعة وخمسين ومسلم بثمانية أو تسعة وستين، وروى عنها خلق كثير من الصحابة والتابعين، وفضائلها ومناقبها مشهورة معروفة. توفيت ليلة الثلاثاء لسبع عشرة خلت من رمضان سنة سبع وخمسين، وقيل سنة ست وخمسين، وقيل سنة ثمان وخمسين، وصلى عليها أبو هريرة، ودفنت بالبقيع ليلا بعد الوتر، واجتمع على جنازتها أهل المدينة وأهل العوالي وقالوا: لم نر ليلة أكثر نساء من ليلة دفن عائشة ﵂، [انظر: تهذيب الأسماء واللغات للإمام النووي ٢/ ٣٥٠، وسير أعلام النبلاء، للذهبي، ٢/ ١٣٥ - ٢٠١، والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، ٤/ ٣٥٩].\n(٣) (الحديث ٢٧٤١) طرفه في كتاب المغازي، باب مرض النبي ﷺ ووفاته ٥/ ١٦٦، برقم ٤٤٥٩، وأخر- مسلم، كتاب الوصية، باب ترك الوصية لمن لبس له شيء يوصي فيه ٣/ ١٢٥٧، برقم ١٦٣٦٣.\n(٤) انظر: النهابة في غريب الحديث لابن الأثير، باب الطاء مع السين ٣/ ١٢٤، والمعجم الوسيط، لمجمع اللغة العربية، مادة \" الطست \" ٢/ ٥٥٧، وفتح الباري، لابن حجر، ١/ ٤٦٠.\n(٥) النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير باب الخاء مع النون، ٢/ ٨٢، وانظر: فتح الباري لابن حجر، ٥/ ٣٦٣، وعمدة القاري للعيني، ١٤/ ٣٢.","vol":"1","page":65},{"text":"* \" حجري \" الحجر- بالفتح والكسر-: الثوب والحضن، والمصدر بالفتح لا غير (١).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - الرد بالحكمة على الفرق الضالة.\n٢ - قبول شهادة النفي من الداعية العالم.\n٣ - الدفاع عن الدعاة إلى الله تعالى.\n٤ - من أساليب الدعوة: الاستفهام الإِنكاري.\n٥ - من أساليب الدعوة: التوكيد.\nأما الحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية تفصيلا فعلى النحو الآتي:\nأولا: الرد بالحكمة على الفرق الضالة: من وظائف الدعاة إلى الله تعالى الرد على الفرق البدعية، وتبيين وتوضيح ما هم عليه من الباطل، ولكن ينبغي الرد بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن كما قال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] (٢) ومما يدل على هذه الفائدة في هذا الحديث ما فعلته عائشة ﵂ من الرد على من زعم أن النبي ﷺ أوصى لعلي بن أبي طالب ﵁ بالخلافة من بعده، والسبب في ذلك أن الشيعة قد وضعوا أحاديث في أن النبي ﷺ أوصى بالخلافة لعلي فرد عليهم جماعة من الصحابة ﵃ ذلك، وكذا من بعدهم، ومن ذلك ما استدلت به عائشة ﵂، وأنها كانت ملازمة لرسول الله ﷺ مدة مرضه إلى أن مات في حجرها، ولم يقع منه شيء من ذلك، ومن ذلك أن عليا لم يدَّعِ ذلك لنفسه حتى ولو بعد أن ولي الخلافة، ولا ذكره\n_________\n(١) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الحاء مع الجيم، ١/ ٣٤٢.\n(٢) سورة النحل، الآية: ١٢٥.","vol":"1","page":66},{"text":"أحد من الصحابة يوم السقيفة، ولا شك أن الشيعة تنقَّصوا عليا ﵁ من حيث قصدوا تعظيمه \" لأنهم نسبوه- مع شجاعته العظمى وصلابته في الدين- إلى المداهنة والتقية والإِعراض عن طلب حقه مع قدرته على ذلك.\nومع ذلك فقد سمع الصحابة جميع ما أوصى به ﷺ ولم يكن من هذه الوصايا: الوصية لعلي بالخلافة. فَمِمَّا روِيَ في ذلك أنه ﷺ أوصى بإنفاذ الصدقة بمال كان عند عائشة ﵂، وإنفاذ جيش أسامة بن زيد ﵄، والوصية بأداء الزكاة، والوصية بالحذر من الفتن ولزوم الجماعة والطاعة، وثبت عنه ﷺ أنه أوصى بكتاب الله تعالى، وأن لا يترك في جزيرة العرب دينان، وأوصى بإجازة الوفد بمثل ما كان يجيزهم ويعطيهم، وأوصى بالصلاة وما ملكت الأيمان، وغير ذلك. ولم يكن من هذه الوصايا ما زعم الشيعة أنه أوصى به (١).\nوهذا يبين للداعية أنه ينبغي أن يرد على الفرق الضالة؛ بالأسلوب الحسن، وبالرفق واللين، وبالجدال بالتي هي أحسن، وغير ذلك من الأساليب النافعة.\nثانيا: قبول شهادة النفي من الداعية العالم: ينبغي للمدعوين أن يثقوا بالدعاة العلماء ويقبلوا أقوالهم بأدلتها الصحيحة العقلية والنقلية؛ ولهذا قال الإمام الأبي ﵀، عن حديث عائشة ﵂ \" فيه أن الشهادة على النفي من العالم مقبولة \"، وبهذا المعنى صار قولها حديثا، فكأنه بمنزلة قوله: \" لا أوصي بشيء \" (٢).\nولا شك أن قبول أقوال الدعاة المخلصين الصادقين بأدلتها لمن يحتاج إلى ذلك مما ينتفع به المدعوون ويستفيدون منه، فعلى المدعو أن يتقي الله ﷿ وأن يقبل الدعوة بأدلتها من الكتاب والسنة، وأن يصدق الدعاة العلماء فيما ينفونه عن الدين والعقيدة، ولا مانع من سؤال الدعاة عن الأدلة والتثبت من أقوالهم من باب العلم والفائدة.\n_________\n(١) انظر: إكمال إكمال المعلم بشرح صحيح الإمام مسلم لمحمد بن خليفة الأبي ٥/ ٦٢٢، وفتح الباري لابن حجر، ٥/ ٣٦١ - ٣٦٣، وعمدة القاري للعيني، ١٤/ ٣٢.\n(٢) إكمال إكمال المعلم شرح صحيح الإمام مسلم للأبي ٥/ ٦٢٢.","vol":"1","page":67},{"text":"ثالثا: الدفاع عن الدعاة إلى الله تعالى: لا شك أنه يجب على المدعوين- إذا سمعوا من يكذب على الدعاة أو يتهمهم بما ليس فيهم- أن يدافعوا عنهم بالصدق والحكمة، كما دافعت عائشة ﵂ عن رسول الله ﷺ وردَّت ما قاله الشيعة: من أنه ﷺ أوصى لعلي بالخلافة فقالت: \" متى أوصى إليه وقد كنت مسندته إلى صدري. . .؟ \" ثم بينت أنها لازمته مدة مرضه ولم يحصل منه ذلك (١).\nوهكذا ينبغي للمدعوين أن يفعلوا- مع علمائهم ودعاتهم الصادقين- كما فعلت عائشة ﵂ من دفاعها عن رسول الله ﷺ.\nرابعا: من أساليب الدعوة: الاستفهام الإِنكاري: الأسلوب: الطريق والفن. يقال: هو على أسلوب من أساليب القوم: أي على طريق من طرقهم. ويقال: أخذنا في أساليب من القول: فنون متنوِّعة (٢) وأساليب الدعوة: هي العلم الذي يتصل بكيفية مباشرة التبليغ وإزالة العوائق عنه، وهي الطريقة التي يسلكها الداعية في تأليف كلامه، واختيار ألفاظه، وتأدية معانيه ومقاصده من كلامه (٣).\nوقد ظهر في هذا الحديث أسلوب الاستفهام الإِنكاري حيث قالت عائشة ﵂ منكرة على من زعم أن النبي ﷺ أوصى بالخلافة لعلي ﵁: \" متى أوصى إليه. . .؟ \" ثم بينت ﵂ ملازمتها له في مرضه حتى مات، ثم أعادت الاستفهام الإِنكاري مرة أخرى فقالت: \" فمتى أوصى إليه؟ \" والاستفهام الإِنكاري في الدعوة إلى الله تعالى يظهر منه أنه يحمل التوبيخ والزجر؛ لكن بطريقة حكيمة (٤).\nوالله ﷿ قد بين ذلك في كتابه وخاطب به المشركين ومن ذلك قوله سبحانه\n_________\n(١) انظر: فتح الباري لابن حجر ٥/ ٣٦١ - ٣٦٣، وعمدة القاري للعيني ١٤/ ٣٢.\n(٢) انظر: القاموس المحيط، للفيروزآبادي، باب الباء، فصل السين، ص ١٢٥.\n(٣) انظر: علوم القرآن، لمحمد بن عبد العظيم الزرقاني، ٢/ ١٩٩.\n(٤) انظر: البرهان في علوم القرآن، لبدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي ٢/ ٣٢٨.","vol":"1","page":68},{"text":"وتعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩] (١) وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤] (٢) وقد ثبت أن النبي ﷺ استخدمه ومن ذلك «قوله ﷺ لابن اللتبية - حينما جاء بصدقة فدفعها- إلى النبي ﷺ فقال: هذا ما لكم وهذه هدية أهديت لي، فقال ﷺ: \" أفلا قعدت في بيت أبيك وأمك فتنظر أيهْدَى إليك شيء أم لا؟» (٣).\nخامسا: من أساليب الدعوة: التوكيد: أسلوب التوكيد له صيغ متعددة وصور مختلفة، وأظهرها التوكيد بالقسم، والتوكيد بالتكرير. والتكرير قد يكون بتكرير الكلمة، أو الجملة أو الآية، أو القصة في القرآن الكريم والسنة المطهرة مرتين أو أكثر (٤).\nوالذي ظهر في هذا الحديث من هذه الأنواع هو أسلوب التوكيد بتكرير الكلمة: قالت عائشة ﵂: \". . . متى أوصى إليه، وقد كنت مسندته إلى صدري. . . \"، ثم ساقت الحديث وقالت في آخره: \" فمتى أوصى إليه؟ \" وهذا الأسلوب قد كان النبي ﷺ يستخدمه في دعوته، فعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا سلَّم سلَّم ثلاثا، وإذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا (٥).\n* * * *\n_________\n(١) سورة يونس، الآية: ٥٩.\n(٢) سورة الزمر، الآية: ٦٤.\n(٣) متفق عليه من حديث أبي حميد الساعدي ﵁: البخاري، كتاب الأيمان والنذور، باب كيف كانت يمين النبي ﷺ، ٧/ ٢٧٨، برقم ٦٦٣٦، ومسلم، كتاب الإِمارة، باب تحريم هدايا العمال ٣/ ١٤٦٣، برقم ١٨٣٢.\n(٤) انظر: البرهان في علوم القرآن، لبدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي، ٢/ ٣٨٤ و٣/ ٨، والإتقان في علوم القرآن، لجلال الدين عبد الرحمن بن كمال الدين السيوطي، ٢/ ٨٤٢.\n(٥) البخاري، كتاب العلم، باب من أعاد الحديث ثلاثا ليفهم عنه ٢/ ٣٧، برقم ٩٤.","vol":"1","page":69},{"text":"٣ -<span data-type=\"title\" id=toc-26> بَاب الوصِيَّة بالثلثِ</span>\nوقال الحسن: لا يجوز للذمي وصية إلا بالثلث، وقال الله ﷿: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>[حديث الثلث والثلث كثير]</span>\n٥ - [٢٧٤٣] حَدَّثَنَا قتيبَة بن سَعيدٍ: حَدَّثَنَا سفيان عَن هِشَامٍ، عَنْ عرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ (٢) ﵄ قَالَ: لَوْ غَضَّ النَّاس إِلى الرّبْعِ، لأَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «الثلث والثّلث كَثيرٌ» (٣).\n* شرح غريب الحديث: * لو غض الناس: لو نقصوا وحطوا من الثلث واقتصروا على الربع، و\" لو \" للتمني فلا يحتاج إلى جواب، وإن قيل إنها شرطية فيكون جوابها محذوفا تقديره: لكان أولى (٤).\n_________\n(١) سورة المائدة، الآية: ٤٩.\n(٢) عبد الله بن عباس بن عبد المطلب شيبة بن هاشم أبو العباس ابن عم رسول الله ﷺ، ولد بشعب بني هاشم حين حاصرتهم قريش فيه، وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين، وانتقل مع أبويه إلى دار الهجرة عام الفتح، وقد أسلم قبل ذلك، فقد صح عنه أنه قال: كنت أنا وأمي من المستضعفين: أنا من الولدان وأمي من النساء، وصحب النبي ﷺ نحوا من ثلاثين شهرا، ودعا له بالفقه في الدين والعلم بالتأويل فقال: \" اللهم فقهه في الدين \"، وفي لفظ: \" اللهم علمه الحكمة \"، وفي لفظ: \" اللهم علمه الكتاب \"، [انظر: البخاري مع الفتح ٧/ ١٠٠، ١٣/ ٢٤٥، ١/ ١٦٩، ٢٤٤، ومسلم ٤/ ١٩٢٧].\nوروى عن النبي ﷺ علم كثيرا، وهو أكثر الصحابة ﵃ فتوى، وقد روِيَ له عن النبي ﷺ ألف وستمائة وستون حديثا \" ١٦٦٠ \" اتفق البخاري ومسلم على خمسة وتسعين منها، وانفرد البخاري بمائة وعشرين، ومسلم بتسعة وأربعين، وروى العلم عنه خلق كثير، ذكر منهم في التهذيب مائة وسبعة وتسعين نفسا \" ١٩٧ \"، قال عبد الله بن عبد الله بن عتبة: ما رأيت أحدا أعلم من ابن عباس بما سبقه من حديث رسول الله ﷺ، وبقضاء أبي بكر وعمر وعثمان ﵃، ولا أفقه منه، ولا أعلم بتفسير القرآن، وبالعربية والشعر، والحساب والفرائض. وكان يجلس يوما للفقه، ويوما للتأويل، ويوما للمغازي، ويوما للشعر، ويوما لأيام العرب، وما رأيت عالما قط جلس إليه إلا خضع له، ولا سائلا سأله إلا وجد عنده علما، توفى: النبي ﷺ وعمره ثلاث عشرة سنة، وقيل عاش إحدى وسبعين سنة، توفي بالطائف سنة ثمان وستين، وقيل سنة سبع وستين، وقيل تسع وستين ﵄. [انظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي ١/ ٢٧٤، وسير أعلام النبلاء للذهبي، ٣/ ٣٣١ - ٣٥٩، والإصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر ٢/ ٣٣٠].\n\n(٣) وأخرجه مسلم في كتاب الوصية، باب الوصية بالثلث، ٣/ ١٢٥٣، برقم ١٦٢٩.\n(٤) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين لمحمد بن أبي نصر الحميدي، ص ١٥٠ وجامع الأصول من أحاديث الرسول ﷺ لابن الأثير ١١/ ٦٣٢، وفتح الباري لابن حجر، ٥/ ٣٧٠ وعمدة القاري للعيني، ١٤/ ٣٦، وشرح الكرماني على صحيح البخاري ١٢/ ٦٢.","vol":"1","page":70},{"text":"* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من صفات الداعية: الرحمة.\n٢ - من صفات الداعية: الفهم والفقه.\nوالحديث عن هذين الدرسين والفائدتين الدعويتين على النحو الآتي:\nأولا: من صفات الداعية: الرحمة: لا شك أنه ينبغي للداعية إلى الله تعالى أن يعطف على المدعوين ويرحمهم، وهذه صفة عظيمة من صفات الدعاة إلى الله تعالى؛ ولهذا قال النبي ﷺ «لا يرحم الله من لا يرحم الناس» (١) وقال ﷺ: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» (٢) وقال: «لا تنزع الرحمة إلا من شقي» (٣) \". . . «إن أبعد الناس من الله القلب القاسي» (٤).\nوتظهر الرحمة في هذا الحديث أن ابن عباس ﵄ رغب أن يغض الناس من الوصية بالثلث إلى الربع رحمة بورثتهم ورغبة في الإِحسان إليهم حتى لا يتكففون الناس؛ ولأن الصدقة عليهم أفضل من غيرهم؛ لأنهم أولى بها من غيرهم.\nثانيا: من صفات الداعية: الفهم والفقه: الفقه لغة: العلم بالشيء والفهم له، والفطنة، وغلب على علم الدين لسيادته وشرفه، وفضله على سائر أنواع العلم (٥)؛ ولهذا في دعا ﷺ لابن عباس\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى قلِ ادْعوا اللَّهَ أَوِ ادْعوا الرَّحْمَنَ أَيّا مَا تَدْعوا فَلَه الْأَسْمَاء الْحسْنَى [الإسراء: ١١٠]، ٨/ ٢٠٨، برقم ٧٣٧٦، ومسلم، كتاب الفضائل، باب رحمة الصبيان والعيال ٤/ ١٨٠٩، برقم ٢٣١٩.\n(٢) أبو داود، كتاب الأدب، باب في الرحمة ٤/ ٢٨٥، برقم ٤٩٤١، والترمذي، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في رحمة المسلمين ٤/ ٣٢٤، برقم ١٩٢٤، وصححه الألباني في صحيح الترمذي ٢/ ١٨٠.\n(٣) أبو داود، كتاب الأدب، باب في الرحمة ٤/ ٢٨٦، برقم ٤٩٤٢، والترمذي، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في رحمة المسلمين ٤/ ٣٢٣، برقم ١٩٢٣، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي ٢/ ١٨٠.\n(٤) الترمذي، كتاب الزهد، باب ٦١، ٤/ ٦٠٧، برقم ٢٤١١، وحسنه عبد القادر الأرنؤوط في تحقيقه للأذكار للنووي ص ٢٨٥.\n(٥) انظر: لسان العرب، لابن منظور، ١٣/ ٥٢٢، مادة \" فقه \"، والقاموس المحيط، للفيروزآبادي، ص ١٦١٤.","vol":"1","page":71},{"text":"﵄ بالفقه فقال: «اللهم فقهه في الدين» (١) والمعنى اللهم فَهِّمْه الدين؛ والفقه: الفهم كما قال تعالى: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١٢٢] (٢) أي ليكونوا علماء به. وهذه الصفة العظيمة مهمة للداعية، وقد رزق الله ابن عباس الفقه في الدين استجابة لدعوة رسول الله ﷺ، ومما يدل على فقهه ما قاله في هذا الحديث: \" لو غض الناس إلى الربع \"؛ لأن رسول الله ﷺ قال: «الثلث والثلث كثير» قال ابن دقيق العيد ﵀ في قول ابن عباس ﵄: \" لو غض الناس إلى الربع \": قد استنبطه ابن عباس من لفظ \" كثير \" (٣) وقال الحافظ ابن حجر ﵀ \" وكأن ابن عباس ﵄ أخذ ذلك من وصفه ﷺ: الثلث بالكثرة \" (٤).\nوهذا يدل على فقه ابن عباس ﵄، ولا غرابة فهو حبر الأمة، ويدل على أهمية الفقه للداعية إلى الله تعالى، فعلى الداعية أن يسأل الله ﷿ الفقه في الدين، وأن يتحصن بالعلم الشرعي: علم الكتاب والسنة.\n* * * *\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الوضوء، باب وضع الماء عند الخلاء ١/ ٥١، برقم ١٤٣، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل ابن عباس ﵄ ٤/ ١٩٢٧، برقم (٢٤٧٧).\n(٢) سورة التوبة، الآية: ١٢٢.\n(٣) إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد ٢/ ١٦٤.\n(٤) فتح الباري ٥/ ٣٧٠.","vol":"1","page":72},{"text":"٦ -<span data-type=\"title\" id=toc-28> باب لا وصية لوارث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>[حديث كان المال للولد وكانت الوصية للوالدين]</span>\n٦ - [٢٧٤٧] حَدَّثَنَا محَمَّد بن يوسفَ، عَنْ وَرْقاءَ، عَنْ ابنِ أَبي نَجيْحٍ، عَنْ عطَاءٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ (١) ﵄ قَالَ: \" كَانَ المَال لِلْوَلَدِ، وَكَانَتِ الوَصيَّة لِلوَالِدَينِ، فَنَسَخَ الله مِن ذَلِكَ مَا أَحَبَّ، فَجَعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الأنثيين، وَجَعَلَ لِلأَبَوَينِ لِكلِّ وَاحِدٍ مِنْهمَا السّدسَ، وَجَعَلَ لِلمَرْأَةِ الثمنَ وَالربعَ، وللزَّوج الشَّطْرَ والرّبعَ \" (٢).\n* شرح غريب الحديث: * \" فنسخ الله من ذلك ما أحب \" النسخ: أمر كان يعمل به من قبل، ثم ينسخ بحادثٍ غيره، كالآية ينزل فيها أمر ثم تنسخ بآية أخرى، وكل شيء خَلَفَ شيئا فقد نسخه: أي أبطله وقام مقامه، والأول منسوخ والثاني ناسخ، يقال: نسخت الشمس الظل: أي أزالت الظل وحلت محله (٣).\n\" الشطر \" النصف (٤).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - أهمية تبليغ العلم النافع للناس.\n٢ - عناية الإسلام بحقوق الإِنسان.\n٣ - من موضوعات الدعوة: بيان الناسخ والمنسوخ.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ٥ - ٢٧٤٣.\n(٢) (الحديث ٢٧٤٧)، طرفاه في: كتاب التفسير، باب وَلَكمْ نِصْف مَا تَرَكَ أَزْوَاجكمْ، ٥/ ٢١٠، برقم ٤٥٧٨، وكتاب الفرائض، باب ميراث الزوج مع الولد وغيره، ٨/ ٨، برقم ٦٧٣٩.\n(٣) انظر: معجم المقاييس في اللغة، لابن فارس، مادة \" نسخ \" ص ١٠٢٦، ولسان العرب لابن منظور، باب الخاء فصل النون، ٣/ ٦١، وتفسير القرطبي ٢/ ٦٧.\n(٤) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الشين مع الطاء ٢/ ٤٧٣.","vol":"1","page":73},{"text":"أولا: أهمية تبليغ العلم النافع للناس: دل مفهوم هذا الحديث على أهمية تبليغ العلم النافع للناس؛ فإن ابن عباس ﵄ قد بلغ في هذا الحديث علم الفرائض- الذي هو نصف العلم- وبينه للناس بيانا واضحا؛ فقد بين ﷺ أن المال الذي يخَلِّفه الميت كان يأخذه أولاده ميراثا، وكانت الوصية في أول الإسلام واجبة للوالدين والأقربين على ما يراه الموصي من المواساة والتفضيل، ثم نسخ الله ﷿ من ذلك ما أحب وحدد الفرائض وأعطى كل ذي حق حقه (١).\nفينبغي للدعاة إلى الله تعالى أن يقتدوا بحبر الأمة ويبلغوا العلم النافع للناس؛ لقوله ﷺ: «بلغوا عني ولو آية» (٢) ودعا ﷺ بالنَّضَارة، وهي: النعمة والبهجة لمن بلغ عنه ﵊، فقال: «نَضّرَ الله امرأ سَمِعَ مِنَّا حديثا فحفظه حتى يبلغه غيره، فَربَّ حَامِل فقهٍ إلى من هو أفقه منه، وربَّ حامِل فِقْهٍ ليس بفقيهٍ» (٣) وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «نَضّرَ الله امرأ سمع مقالتي فوعاها، وحفظها وبلّغها، فَرب حامل فِقهٍ إلى من هو أفقه منه. ثلاث لا يَغِلّ (٤) عليهنَّ قَلْب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة أئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم؛ فإن الدعوة تحيط من ورائهم» (٥) فعلى الدعاة إلى الله ﷿ أن يرغبوا في هذا الفضل العظيم، وهذه الدعوة المباركة. والله المستعان.\n_________\n(١) انظر: عمدة القاري للعيني، ١٤/ ٣٨، وإرشاد الساري للقسطلاني، ٥/ ٨، ٩/ ٤٣٣.\n(٢) البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل ٤/ ١٧٥، برقم ٣٤٦١.\n(٣) أبو داود، كتاب العلم، باب فضل نشر العلم ٣/ ٣٢٢، برقم ٣٦٦٠، من حديث زيد بن ثابت ﵁. والترمذي، كتاب العلم، باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع ٥/ ٣٣، برقم ٢٦٥٦. وصححه الألباني في صحيح الترمذي ٢/ ٣٨٨.\n(٤) يَغِل: من الغل. الحقد والضِّغن، أي لا يدخل قلبه شيء من الحقد يزيله عن الحق، ويروى بضم الياء وكسر الغين: \" يغِل \" ومعناه الخيانة، والإغلال الخيانة في كل شيء، والمعنى: أن هذه الخصال الثلاث تصلح بها القلوب فمن تمتك بها طهر قلبه من الدغل والقساوة.\nانظر: جامع الأصول لابن الأثير ١/ ٢٦٧ - ٢٦٨.\n(٥) الترمذي، كتاب العلم، باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع ٥/ ٣٤ برقم ٢٦٥٨، وأحمد في المسند، ١/ ٤٣٧، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح ١/ ٧٨، وعبد القادر الأرنؤرط في جامع الأصول ١/ ٢٦٦.","vol":"1","page":74},{"text":"ثانيا: عناية الإسلام بحقوق الإنسان: يظهر في هذا الحديث جليّا أن الإسلام حفظ حقوق الإِنسان واعتنى بها عناية فائقة، وهذا يبين أنه الدين الذي يصلح لكل زمان ومكان؛ فإنه تكفل بما يعود على الإِنسان المسلم بالسعادة في الدنيا والآخرة.\nويؤخذ من هذا الحديث امتياز الإسلام وحفظه للحقوق الإِنسانية، وذلك لأمور:\n١ - الإسلام أبطل نظام الجاهلية الذي ينقل مال الميت إلى الكبير من أبنائه، فإن لم يكن له أبناء فإلى أخيه أو عمه، فلا يورِّثون الصغار، ولا الإناث؛ بحجة أن هؤلاء لا يحمونهم، ولا يقاتلون معهم، ولا يحوزون المغانم (١) فجاء الإسلام يهدم عادات الجاهلية قال الله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ٧] (٢) فحفظ الإسلام حقوق الناس ذكورا وإناثا، صغارا وكبارا، وأعطى كل ذي حق حقه، فعن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في خطبته عام حجة الوداع: «إن الله تعالى قد أَعطى كلَّ ذي حق حقه فلا وصية لوارث» (٣) فإذا كانت الجاهلية راعت الأقوياء وحرمت الضعفاء من الميراث، فكل الإسلام راعى هؤلاء الضعفاء؛ لأنهم أحق بالعطف، ولم يحرم الإسلام الأقوياء من الميراث، فكل من توفر فيه سبب من أسباب الإِرث، وانتفى عنه المانع ورث كبيرا كان أو صغيرا، ذكرا كان أم أنثى، قويا أم ضعيفا (٤).\n٢ - الإسلام يقَوِّي أواصر القرابة بين الناس، ويحكم الصلة بينهم بصلة الرحم، كما قال تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥] (٥)\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري ٧/ ٥٩٧ - ٥٩٨.\n(٢) سورة النساء، الآية: ٧.\n(٣) الترمذي، كاب الوصايا، باب ما جاء لا وصية لوارث، ٤/ ٤٣٣، برقم ٢١٢٠، وابن ماجه، في كتاب الوصايا، باب لا وصية لوارث ٢/ ٩٠٥، برقم ٢٧١٣، وصححه الألباني في صحيح الترمذي ٢/ ٢١٨.\n(٤) انظر: تفسير الطبري \" جامع البيان عن تأويل آي القرآن ٧/ ٥٩٨، والتحقيقات المرضية في المباحث الفرضية، للدكتور صالح بن فوزان الفوزان ص ١٩.\n(٥) سورة الأنفال، الآية: ٧٥.","vol":"1","page":75},{"text":"فهو يقدم الذرية بالإِرث على الأصول وعلى بقية القرابة، ومع هذا فلا يحرم الأصول ولا بقية القرابات، بل يجعل لكل ذي نصيبٍ نصيبه (١) وهذا نظام العدالة والمواساة. والرحمة: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢] (٢).\n٣ - الإسلام يحترم الملكية الفردية، فنظام التوريث يعطينا دلالة واضحة على احترام هذا الدين للملكية الفردية؛ لأنه يسلم الثروة التي يخلفها الميت إلى يد وارثه موفورة محترمة؛ لقوله ﷺ: «ومن ترك مالا فلورثته» (٣) وهذا من أكبر الدوافع التي تقوي نشاط أهل الأموال إلى الاستثمار، وبذل الجهد في ذلك؛ لأن الإنسان الذي يعرف أن الأموال التي بذل جهده في جمعها تصير بعد ذلك إلى غير ورثته ولا ينتفع بها أولاده لا يحافظ عليها، ولا يحميها. وهذا يدل على سماحة الإسلام وحفظه لحقوق الإنسان كما قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] (٤).\nثالثا: من موضوعات الدعوة: بيان الناسخ والمنسوخ: الإسلام نسخ جميع الشرائع السابقة، ومعلوم أن أصل دين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام واحد، وهو \" التوحيد \"، أما الشرائع فقد نسختها شريعة محمد ﷺ؛ لأن الله ختم بها جميع الشرائع، وأرسله إلى الإِنس والجن، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] (٥) وحديث ابن عباس يظهر منه جليّا وقوع النسخ، ولهذا قال ابن حجر ﵀ على قول ابن عباس ﵄: \" فنسخ من ذلك ما أحب \": \" وفيه رد على من أنكر النسخ \" (٦)\n_________\n(١) انظر: التحقيقات المرضية للفوزان، ص ٢٠.\n(٢) سورة فصلت، الآية: ٤٢.\n(٣) البخاري، كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس، باب الصلاة على من ترك دينا ٣/ ١١٦، برقم ٢٣٩٨.\n(٤) سورة الأنعام، الآية: ٣٨.\n(٥) سورة آل عمران، الآية: ٨٥.\n(٦) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٨/ ٢٤٥.","vol":"1","page":76},{"text":"ولا شك أن الإسلام نسخ جميع الشرائع السابقة بالإِجماع (١) ولهذا قال ﷺ: «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة: يهودي ولا نصراني، ثم يموت، ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار» (٢).\nفالداعية إلى الله تعالى قد يحتاج إلى بيان الناسخ من المنسوخ في هذه الشريعة كما قال تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٦] (٣) وقد يحتاج إلى بيان نسخ الشريعة الإِسلامية لجميع الشرائع السابقة، وذلك في دعوته لغير المسلمين، وخاصة أهل الكتاب، فعليه أن يلمَّ بذلك إلماما جيدا؛ قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى: \" معرفة هذا الباب أكيدة، وفائدته عظيمة لا يستغني عن معرفته العلماء، ولا ينكره إلا الجهلة الأغبياء؛ لما يترتب عليه من النوازل في الأحكام، ومعرفة الحلال من الحرام \" (٤).\nفينبغي للداعية أن يسلك طريق الحكمة في بيان أن الشريعة الإِسلامية ناسخة لجميع الشرائع السابقة، وأن يبين للناس: الناسخ والمنسوخ عن علم وبصيرة، على حسب ما يحتاجه المدعو.\n* * * *\n_________\n(١) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٨/ ٢٤٥.\n(٢) مسلم، كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة محمد ﷺ إلى جميع الناس ونسخ الملل بملته، ١/ ١٣٤، برقم (١٥٣).\n(٣) سورة البقرة، الآية: ١٠٦.\n(٤) الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، ٢/ ٦٦.","vol":"1","page":77},{"text":"١١ -<span data-type=\"title\" id=toc-30> باب هَلْ يَدخل النّساء والولد في الأَقَارب</span>؟\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>[حديث اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئا]</span>\n٧ - [٢٧٥٣] حَدَّثَنَا أَبو الْيَمَانِ: أَخْبَرَنَا شعَيْب، عَن الزّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَني سَعِيد بن المسَيّب وأَبو سَلَمَةَ بن عَبدِ الرّحمنِ: أَنَّ أَبا هرَيْرَةَ (١) ﵁ قَالَ: «قَامَ رَسول الله ﷺ حينَ أنزَلَ الله ﷿: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] قال: \" يَا مَعْشَرَ قريشٍ - أَوْ كَلِمَة نَحْوَهَا- اشْتَروا أَنفسَكمْ، لَا أغْنِي عَنْكمْ مِن اللهِ شيْئا. يَا بَنِي عَبْدِ مَنافٍ، لَا أغْنِي عَنْكمْ مِنَ اللهِ شَيْئا. يَا عَبَّاس بنَ عبدِ المطلبِ، لا أغنِي عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئا. يَا صَفِيَّة عمةَ رسولِ الله، لا أغْنِي عَنْكِ مِنَ الله شَيْئا. ويَا فَاطِمَة بِنتَ محَمدٍ، سَلِيني مَا شِئتِ مِن مَالي لَا أغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئا» (٢).\nوفي رواية: «يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ اشْتَروا أنْفسَكمْ مِنَ اللهِ، يَا بَنِي عَبْدِ المطَّلِبِ اشْتَروا أَنْفسَكمْ مِنَ اللهِ، يَا أمَّ الزّبَيْرِ بنِ العَوَّامِ عَمَّة رَسولِ اللهِ، يَا فَاطِمَة بِنْتَ محَمِّدٍ اشْتَرِيا أَنْفسَكمَا مِنَ اللهِ، لَا أَمْلِك لَكمَا مِنَ اللهِ شَيْئا سَلانِي مِنْ مَالي مَا شِئْتمَا» (٣).\n_________\n(١) أبو هريرة الإمام الفقيه الحافظ الداعية العظيم المبلغ عن رسول الله ﷺ العلم الكثير، اختلف في اسمه على نحو ثلاثين قولا، الراجح منها أن اسمه: عبد الرحمن بن صخر الدوسي بلغ عن رسول الله ﷺ \" ٥٣٧٤ \" حديثا. اتفق البخاري ومسلم على \" ٣٢٦ \" حديثا، وانفرد البخاري ب \" ٩٣ \"، حديثا، ومسلم ب \" ٩٨ \" حديثا، فقد حمل عن النبي ﷺ علما كثيرا طيبا مباركا فيه، وهذا بفضل الله تعالى ثم بدعوة النبي ﷺ له، فقد قال ﵁: تزعمون أني أكثر الرواية عن رسول الله ﷺ والله الموعِد - أي يحاسبني إن تعمدت كذبا- كنت رجلا مسكينا أخدم رسول الله ﷺ على ملء بطني، وكان المهاجرون يشغلهم الصفق بالأسواق، وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم، وإنه حدث ﷺ يوما فقال: \" من يبسط ثوبه حتى أقضي مقالتي ثم يقبضه فلن ينسى شيئا سمعه مني \"، فبسطت بردة كانت علي، فوالذي بعثه بالحق ما نسيت شيئا سمعته منه. [البخاري برقم ٧٣٥٤، ومسلم برقم ٢٤٩٢،، وقد حدث عنه خلق كثير من الصحابة والتابعين، قال البخاري: روى عنه ثمانمائة أو أكثر، وكان مع ذلك عاملا بعلمه متواضعا؛ ولهذا كان خليفة لمروان، فجاء يحمل حزمة حطب في السوق فقال: أوسع الطريق للأمير. مات ﵁ سنة سبع وخمسين، وقيل سنة ثمان، وقيل: سنة تسع، والراجح كما قال البخاري وابن حجر أنه مات سنة سبع وخمسين، وله ثمان وسبعون سنة ﵁. انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي، ٢/ ٥٧٨ - ٦٣٢، والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر: ٤/ ٢٠٢ - ٢١١.\n(٢) [الحديث ٢٧٥٣]، طرفاه: في كتاب المناقب، باب من انتسب إلى آبائه في الإسلام والجاهلية ٦/ ٥٥١، برقم ٣٥٢٧ وفي كتاب التفسير، ٢٦ - سورة الشعراء، باب وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ٨/ ٥٠١ برقم ٤٧٧١، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب في قوله تعالى: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ١/ ١٩٢، برقم ٢٠٤، ورقم ٢٠٦.\n(٣) من الطرف رقم ٣٥٢٧.","vol":"1","page":78},{"text":"* شرح غريب الحديث: * العشيرة عشيرة الرجل: بنو أبيه الأقربون وقبيلته (١).\n* يا معشر قريش المعشر: كل جماعةٍ أمرهم واحد، نحو: معشر المسلمين، معاشر المشركين، ومعاشر: جماعات الناس (٢) ويا معشر: مثل قوله: يا بني فلان، يا بني فلان (٣) فقوله: \" يا معشر قريش \" أي يا جماعة، أو يا قبيلة قريش.\n* اشتروا أنفسكم من الله \" العبد مشترٍ لنفسه باعتبار تخليصها من العذاب، بائع باعتبار تحصيل الثواب (٤) كأنه قال: أسلموا تسلموا من العذاب، فكان ذلك كالشراء، كأنهم جعلوا طاعة الله ثمن النجاة (٥) أما قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١] (٦) فالمؤمن في هذا المقام بائع باعتبار تحصيل الثواب والثمن الجنة (٧).\nأنقذوا أنفسكم من النار من الإِنقاذ: خلّصوها من النار بترك أسبابها والاشتغال بأسباب الجنة (٨) يقال: أنقذت فلانا: إذا خلصته مما يكون قد وقع فيه أو شارف أن يقع فيه (٩).\nلا أغني أي: لا أدفع، والمعنى لا تتكلوا على قرابتي فإني لا أقدر على دفع مكروه يريده الله تعالى بكم (١٠).\n_________\n(١) انظر: مختار الصحاح، لمحمد بن أبي بكر الرازي، مادة \" عشر \" ص ١٨٢، والمعجم الوسيط، لمجمع اللغة العربية، مادة \" عشر \" ٢/ ٦٠٢.\n(٢) انظر: لسان العرب لابن منظور، باب الراء، فصل العين ٤/ ٥٧٤.\n(٣) انظر: عمدة القاري للعيني ١٩/ ١٠٢.\n(٤) انظر: لسان العرب لابن منظور، باب الياء، فصل الشين، ١٤/ ٤٢٨، وشرح الكرماني على صحيح البخاري ١٤/ ١٣١، وعمدة القاري للعيني، ١٦/ ٩٣.\n(٥) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٨/ ٥٠٣.\n(٦) سورة التوبة، الآية: ١١١.\n(٧) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٨/ ٥٠٣.\n(٨) انظر: المقاييس في اللغة لابن فارس، كتاب النون، باب النون والقاف، مادة \" نقذ \" ص ١٠٤٤، وغريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٣١٥، وحاشية السندي على سنن النسائي ٦/ ٢٤٨.\n(٩) انظر: لسان العرب لابن منظور، باب الياء، فصل العين، ١٥/ ١٣٧، وجامع الأصول لابن الأثير، ٢/ ٢٩٢.\n(١٠) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٣/ ٨٠.","vol":"1","page":79},{"text":"* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - دعوة الأقربين.\n٢ - التدرج في الدعوة.\n٣ - من صفات الداعية: الصدق.\n٤ - قرب المدعو من أهل الفضل لا ينفع إلا بالعمل الصالح.\n٥ - أهمية ربط المدعوين بخالقهم.\n٦ - من وسائل الدعوة: الخطبة.\n٧ - من وسائل الدعوة: البروز للناس على مكان مرتفع.\n٨ - اختيار الداعية الوقت المناسب للمدعوين.\n٩ - من وسائل الدعوة: التأليف بالمال.\n١٠ - من وسائل الدعوة: التأليف بالجاه والنسب.\n١١ - من أساليب الدعوة: النداء بالأنساب والكنى.\n١٢ - من أساليب الدعوة: التكرير بالإِنذار.\n١٣ - من أساليب الدعوة: الترهيب.\n١٤ - من أساليب الدعوة: الترغيب.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: دعوة الأقربين: مما لا شك فيه أنه يلزم الداعية إلى الله تعالى أن يعتني بأقاربه عناية خاصة؛ لأن الله ﷿ أمر نبيه محمدا ﷺ أن ينذر عشيرته الأقربين؛ وأنهم أحق الناس بالنصيحة والتوجيه والإِحسان؛ ولهذا قال ﷺ: «الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم ثنتان: صدقة وصلة» (١) ولا شك أن دعوة العشيرة\n_________\n(١) أحمد في المسند، ٢/ ١٧، ١٨، ٢١٤، والنسائي، كتاب الزكاة باب الصدقة على الأقارب ٥/ ٩٢، برقم ٢٥٨٢، والترمذي، وحسنه، في كتاب الزكاة، باب ما جاء في الصدقة على ذي القرابة ٣/ ٣٨، برقم ٦٥٨، وابن ماجه، في كتاب الزكاة، باب فضل الصدقة ١/ ٥٩١، برقم ١٨٤٤ من حديث سليمان بن عامر الضبي ﵁. وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ١/ ٢٠٢.","vol":"1","page":80},{"text":"الأقربين وتوجيههم إلى سعادتهم الأبدية أعظم وأولى من الصدقة بالمال.\nوالناس في الغالب ينظرون إلى قرابة الداعية، ومدى تطبيقهم لما يدعو إليه؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀: \" والسر في الأمر بإنذار الأقربين أولا، أن الحجة إذا قامت عليهم تعدت إلى غيرهم، وإلا فكانوا علة للأبعدين في الامتناع، وأن لا يأخذه ما يأخذ القريب من العطف والرأفة، فيحابيهم في الدعوة والتخويف، فلذلك نَصَّ له على إنذارهم (١) ولهذا كان عمر ﵁ إذا صعد المنبر فنهى الناس عن شيء جمع أهله فقال: \" إني نهيت الناس عن كذا وكذا \" وإن الناس ينظرون إليكم نظر الطير إلى اللحم، وأقسم بالله لا أجد أحدا منكم فعله إلا أضعفت عليه العقوبة \" (٢).\nثانيا: التدرج في الدعوة: بدأ رسول الله ﷺ بالدعوة السرية بعد أن أمره الله تعالى بإنذار قومه عاقبة ما هم فيه من الشرك، وما هم عليه من الكفر والفساد، قال تعالى؛ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ - قُمْ فَأَنْذِرْ - وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ - وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ - وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ - وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ - وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر: ١ - ٧] (٣) وبعد هذه الآيات بدأ رسول الله ﷺ يعرض الإسلام على من يعرفهم ويعرفونه: يعرفهم بحب الخير والحق، ويعرفونه بتحري الصدق والصلاح، فأجابه من هؤلاء جمع عرفوا بالسابقين الأولين. ثم أنزل الله تعالى بعد ذلك ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ - إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٤ - ٩٥] (٤) وهذا أمر من الله تعالى لنبيه ﷺ بتبليغ رسالته قومه وجميع من أرسل إليه (٥) وأمره تعالى بإنذار عشيرته الأقربين، فبدأ ﷺ دعوته الجهرية بإنذارهم. وقد بين الإمام ابن القيم ﵀ ترتيب الدعوة للنبي ﷺ وأنها على الترتيب الآتي:\n_________\n(١) \" فتح الباري ٨/ ٥٠٣، وانظر: هداية الباري إلى ترتيب صحيح البخاري، لعبد الرحيم الطهطاوي، ٢/ ٣٤١.\n(٢) تاريخ الأمم والملوك، للطبري ٢/ ٦٨، والكامل في التاريخ، لابن الأثير ٣/ ٣١.\n(٣) سورة المدثر، الآيات: ١ - ٧.\n(٤) سورة الحجر، الآيتان: ٩٤ - ٩٥.\n(٥) انظر: تفسير الطبري \" جامع البيان عن تأويل آي القرآن \" ٧/ ١٥١.","vol":"1","page":81},{"text":"الأولى: النبوة.\nالثانية: إنذار عشيرته الأقربين.\nالثالثة: إنذار قومه.\nالرابعة: إنذار قوم ما أتاهم من نذير من قبله: وهم العرب قاطبة.\nالخامسة: إنذار جميع من تبلغه دعوته من الجن والإنس إلى آخر الدهر (١).\nوهذا الحديث في هذا الباب دل على الدرجة الثانية؛ فينبغي للداعية أن يراعي ويسلك طريق النبي ﷺ في دعوته.\nثالثا: من صفات الداعية: الصدق الصدق من أهم صفات الداعية إلى الله تعالى، وفي هذا الحديث دليل على التحرز من الكذب وتحري الصدق؛ لأن الراوي نقل عن النبي ﷺ قوله: \" يا معشر قريش أو كلمة نحوها \" وهذا شك من الراوي هل قال النبي ﷺ هذه الكلمة أو ما معناه (٢).\nولا شك أن الصدق من أهم الصفات للداعية، وخاصة في ثلاثة مجالات:\n١ - الصدق في النية والقصد، وهذا يستلزم الإخلاص في الدعوة لله تعالى، وفي كل طاعة وقربة.\n٢ - الصدق في القول، وهذا يستلزم أن لا ينطق الداعية بالباطل أيا كانت صورته: كذبا، أو شتما، أو سبابا، أو غشا، أو غيبة، أو نميمة، أو غير ذلك من الألفاظ القبيحة.\n٣ - الصدق في العمل، وهو مطابقة الأقوال والأعمال للحق الذي يدعو إليه الداعية، فيعمل بما يدعو إليه قولا وعملا. (٣).\nفعلى الداعية أن يكون صادقا في جميع المجالات؛ ولهذا قال الله تعالى:\n_________\n(١) زاد المعاد في هدي خير العباد ١/ ٨٦.\n(٢) بهجة النفوس وتحليتها بمعرفة ما لها وما عليها، شرح مختصر صحيح البخاري، لعبد الله بن أبي جمرة الأندلسي ٣/ ٩١.\n(٣) انظر: مدارج السالكين لابن القيم، ٢/ ٢٦٨.","vol":"1","page":82},{"text":"﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] (١).\nرابعا: قرب المدعو من أهل الفضل لا ينفع إلا بالعمل الصالح: لا ريب أن المدعو إذا كان قريب النسب أو الجوار لأهل الفضل لا ينفعه ذلك إلا بالعمل؛ ولهذا قال ﷺ في ندائه لبطون قريش: \" لا أغني عنكم من الله شيئا \"، وقال لفاطمة بنته: \" لا أغني عنك من الله شيئا \"، قال الإمام الحافظ ابن العربي ﵀ في الكلام على هذه الجملة: \" هذا كلام بديع، فهذا نوح ﵇ لما كفر ابنه لم تنفعه بنوته، وهذا إبراهيم ﷺ لما كفر أبوه لم تنفعه أبوته، كذلك أبو طالب لم تنفعه عمومته للنبي ﷺ ولم تنجه من العذاب، وفي هذا بيان أن العصمة بالعمل الصالح لا بالقرابة، قال ﷺ: \". . . «ومن بطَّأ به عمله لم يسرع به نسبه» (٢) وكذلك الصلة بسبب النكاح لا تنفع إلا بالإيمان، وقد بين الله ذلك سبحانه في قوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾ [التحريم: ١٠] (٣) وفي قوله: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾ [التحريم: ١١] (٤) فلم تنتفع زوجتا نوح ولوط بإيمان زوجيهما، ولم يضر امرأة فرعون كفر زوجها فرعون \" (٥).\nفينبغي أن يعْلَم أن رؤية أهل الفضل أو القرب من العلماء والصالحين ومخاطبتهم لا تنفع إلا إذا وقع الاقتداء بهم، وكلما قوي الاقتداء والعمل الصالح قوي القرب والانتفاع بإذن الله تعالى (٦).\nخامسا: أهمية ربط المدعوين بخالقهم: ينبغي للداعية أن يبين للناس أنهم بحاجة إلى ربهم في جميع أمورهم، وأنهم ملك لله تعالى، وهم فقراء إليه؛ ولهذا قال ﷺ: \" اشتروا أنفسكم من الله \"، قال\n_________\n(١) سورة التوبة، الآية: ١١٩.\n(٢) أخرجه مسلم، في كتاب الذكر والدعاء، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن ٤/ ٢٠٧٤، برقم ٢٦٩٩.\n(٣) سورة التحريم، الآية: ١٠.\n(٤) سورة التحريم، الآية: ١١.\n(٥) عارضة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، للحافظ ابن العربي ٦/ ٢٧٢.\n(٦) انظر: بهجة النفوس لابن أبي جمرة ٣/ ٩١.","vol":"1","page":83},{"text":"الحافظ ابن حجر ﵀: \" فيه إشارة إلى أن النفوس كلها ملك لله تعالى، وأن من أطاعه في امتثال أوامره واجتناب نواهيه وفَّى ما عليه من الثمن \" (١).\nوقوله ﷺ: \" اشتروا أنفسكم من الله \" فقد بين الشراء ولم يبين الثمن الذي يشترى به، وقد بينه الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١] (٢) والشراء يجوز أن يطلق على البائع والمبتاع؛ لأن كل واحد منهما في الحقيقة بائع ومشتر، فالمؤمن الحقيقي ليس له في نفسه شيء، وإنما هو عليها أمين مثل الوصي على مال اليتيم، ينفق عليه بالمعروف (٣) فعلى الداعية أن يسلك منهج النبي ﷺ في ربط المدعوين بخالقهم تعالى.\nسادسا: من وسائل الدعوة: الخطبة: الخطبة من الوسائل الحية في الدعوة إلى الله تعالى، وتبرز في هذا الحديث؛ لقول أبي هريرة ﵁: \" قام رسول الله ﷺ \" ويبين ذلك الرواية الأخرى: من حديث ابن عباس ﵄، بأن النبي ﷺ صعد على الصفا فجعل ينادي (٤) وهذا يبين أن النبي ﷺ خطبهم على الصفا، وعم وخص وأنذر ﷺ.\nفينبغي للداعية أن يعتني بالخطبة، ويحضر لها تحضيرا جيدا دقيقا؛ لما لها من التأثير في قلوب المدعوين؛ ولأن الخطبة في الغالب يجتمع لها الجمع الغفير في معظم الأحيان.\nسابعا: من وسائل الدعوة: البروز للناس على مكان مرتفع: من الوسائل المهمة أن يبرز الداعية على مكان مرتفع يراه الناس أمام أعينهم، وخاصة إذا كان الجمع غفيرا، حتى يسمع الناس ما يقول؛ ولهذا شرع الصعود على المنبر في خطب الجمع، كما كان يفعل ﷺ، وقد ذكر الإمام ابن العربي\n_________\n(١) فتح الباري ٨/ ٥٠٣.\n(٢) سورة التوبة، الآيتان: ١١١ - ١١٢.\n(٣) انظر: بهجة النفوس لابن أبي جمرة ٣/ ٩٢.\n(٤) انظر: صحيح البخاري ٦/ ١٩، الحديث رقم ٤٧٧٠، وانظر: فتح الباري لابن حجر، ٨/ ٥٠١.","vol":"1","page":84},{"text":"معنى ذلك، وأن النبي ﷺ صعد الصفا يريد الإسماع؛ ولذلك شرع للمؤذن صعود السطوح والمواضع المرتفعة؛ ليكون أقوى لصوته، وأسمع له (١).\nفعلى الداعية أن يعتني بهذه الوسيلة عند الحاجة إليها.\nثامنا: اختيار الداعية الوقت المناسب للمدعوين: لا شك أنه ينبغي للداعية أن يختار الأوقات المناسبة للمدعوين، حتى يستطيع بتوفيق الله تعالى- أن يؤثر عليهم؛ ولهذا اختار النبي ﷺ وقت الصباح حينما بدأ بإنذار قريش؛ لكون هذا الوقت أنسب لهم، وأسمع لصوته (٢).\nفينبغي للداعية أن يتحرى أوقات الفراغ والنشاط والحاجة عند المدعوين؛ ولهذا قال عبد الله بن مسعود ﵁: «كان النبي ﷺ يتخولنا بالموعظة في الأيام كراهة السآمة علينا» (٣) والمعنى كان ﷺ يراعي الأوقات في تذكيرهم (٤).\nتاسعا: من وسائل الدعوة: التأليف بالمال: لا شك أن التأليف بالمال من وسائل الدعوة إلى الله تعالى، وقد أشار إليه هذا الحديث في قوله ﷺ لفاطمة ﵂: \" سليني من مالي ما شئت \" قال العيني ﵀: \" فيه أن الائتلاف للمسلمين وغيرهم بالمال جائز وفي الكافر آكد \" (٥) فينبغي للداعية أن يكون كالطبيب الذي يشخص المرض أولا، ثم يعطي العلاج على حسب نوع المرض، فإذا علم الداعية أن المدعو بحاجة إلى التأليف بالمال أعطاه؛ ولهذا كان النبي ﷺ يعتني بهذه الوسيلة عناية فائقة حتى قال: «إني أعطي الرجل وغيره أحب إلي منه، خشية أن يكبَّ في النار على وجهه» (٦)\n_________\n(١) انظر: عارضة الأحوذي بشرح سنن الترمذي لابن العربي، ٦/ ٢٧٠، وفتح الباري لابن حجر، ٨/ ٥٠٢.\n(٢) انظر: عارضة الأحوذي، بشرح سنن الترمذي، لابن العربي، ٦/ ٢٧٠.\n(٣) البخاري، كتاب العلم، باب ما كان النبي ﷺ يتخولهم بالموعظة والعلم كي لا ينفروا، ١/ ٢٩، برقم ٦٨.\n(٤) انظر: فتح الباري لابن حجر، ١/ ١٦٢.\n(٥) عمدة القاري ١٤/ ٤٨.\n(٦) متفق عليه من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁: البخاري، كتاب الإيمان، باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة ١/ ١٥، رقم ٢٧، ومسلم، كتاب الإيمان، باب تأليف قلب من يخاف على إيمانه لضعفه ١/ ١٣٢، برقم ١٥٠.","vol":"1","page":85},{"text":"وقد كان ﷺ يعطي أشراف قريش وغيرهم من المؤلفة قلوبهم؛ لتلافي أحقادهم؛ ولأن الهدايا تجمع القلوب، وتجعل القلوب متهيئة للنظر في صدق الدعوة، وصحة العقيدة، والاستفادة من الآيات البينات، والبراهين الواضحة.\nوصدق ﷺ حيث قال: «تهادوا تحابوا» (١) وللتأليف بالمال أمثلة كثيرة من هديه ﷺ (٢) فينبغي للداعية أن يسلك هذا المسلك عند الحاجة إليه.\nعاشرا: من وسائل الدعوة: التأليف بالجاه والنسب: من الوسائل النافعة في الدعوة إلى الله تعالى: التأليف بالجاه أو بالنسب؛ وفي هذا الحديث ما يشير إلى ذلك عنه ﷺ حيث قال: \" ويا صفية عمة رسول الله. . ويا فاطمة بنت محمد \"، فكأنه ﷺ يرقق قلب صفية وفاطمة ﵄ لما لهما من القرابة منه ﷺ، وقد نادى ﷺ عباس بن عبد المطلب، وصفية بنت عبد المطلب، وفاطمة بنت محمد لشدة قرابتهم منه (٣) وقد استخدم النبي ﷺ التأليف بالجاه؛ فقال ﷺ للأنصار حينما آثر عليهم غيرهم في العطاء: «أفلا ترضون أن يذهب الناس بالأموال وترجعون إلى رحالكم برسول الله ﷺ؛ فوالله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به \" فقالوا: \" بلى يا رسول الله قد رضينا» (٤).\nوفي رواية: \". . . «لو سلك الناس واديا أو شعبا، وسلكت الأنصار واديا أو شعبا لسلكت وادي الأنصار أو شعب الأنصار» (٥).\nفينبغي للداعية أن يسلك منهج رسول الله ﷺ في دعوته إلى الله تعالى.\n_________\n(١) البيهقي في السنن الكبرى ٦/ ١٦٩، والبخاري في الأدب المفرد ص ٢٠٨، برقم ٥٩٤، وحسن إسناده ابن حجر في التلخيص الحبير ٣/ ٧٠، وانظر: إرواء الغليل للألباني برقم ١٦٠١.\n(٢) انظر: البخاري مع الفتح ٣/ ١٣٥، ٦/ ٢٥٠، ١١/ ٢٥٨، وصحيح مسلم ٤/ ١٨٠٣ - ١٨٠٦.\n(٣) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ٣/ ٨٠.\n(٤) البخاري، كتاب فرض الخمس، باب ما كان النبي ﷺ يعطي المؤلفة قلوبهم ٤/ ٧١، برقم ٣١٤٧، ومسلم، كتاب الزكاة باب إعطاء المؤلفة قلوبهم وتصبر من قوي إيمانه ٢/ ٧٣٤، برقم ١٠٥٩.\n(٥) مسلم، كتاب الزكاة، الباب السابق ٢/ ٧٣٥، برقم ١٠٥٩.","vol":"1","page":86},{"text":"الحادي عشر: من أساليب الدعوة: النداء بالأنساب والكنى: ظهر في هذا الحديث أن النبي ﷺ استعمل النداء بالأنساب والكنى في دعوته إلى الله تعالى فقال: \" يا بني كعب بن لؤيٍّ. . . يا بني مرة بن كعب. . . يا بني عبد شمس. . . يا بني عبد مناف. . . يا بني هاشم. . . يا بني عبد المطلب. . . يا بني فهر. . . يا بني عدي. . . يا عباس بن عبد المطلب. . . يا صفية عمة رسول الله. . . يا فاطمة بنت رسول الله. . . \" (١).\nوفي رواية: «. . . يا أم الزبير بن العوام عمة رسول الله ﷺ» (٢).\nفدل ذلك على أنه لا حرج على الداعية أن يستخدم مثل هذا إذا احتاج إليه (٣) إذا كان مما يجلب قلوب المدعوين، ويدخل السرور عليهم والأنس والراحة، وقد علِمَ بالتجارب أن النداء بالكنى المباحة يدخل السرور على المنَادَى.\nالثاني عشر: من أساليب الدعوة: التكرير بالإنذار: إن أسلوب التكرير وإعادة الإِنذار والتوجيه مرة بعد أخرى أسلوب نافع؛ لأن الناس قد ينسون بعد فترة من الزمن، وهذا يبين للدعاة إلى الله تعالى أهمية هذا الأسلوب، فإذا ألقى الداعية كلمة، أو خطبة، أو محاضرة، أو نصيحة على قوم من المدعوين ثم احتاج إلى إعادتها بعد فترة فلا حرج في ذلك؛ لأن المقصود أن يفهم الناس ما يلقى إليهم ويستوعبوه، فإذا لم يحصل هذا كرر ما يلقى إليهم حتى يرسخ في أذهانهم. قال الإمام ابن حجر ﵀ في شرحه لحديث الباب: \" ونداؤه ﷺ للقبائل من قريش قبل عشيرته الأدْنَين؛ ليكرر إنذار عشيرته، ولدخول قريش كلها في أقاربه، ولأن إنذار العشيرة يقع بالطبع وإنذار غيرهم يكون بطريق الأولى \" (٤)\n_________\n(١) انظر: البخاري مع الفتح ٥/ ٣٨٣، ٦/ ٥٥١، ٨/ ٥٠١، ومسلم ١/ ١٩٢ - ١٩٣.\n(٢) البخاري، كتاب المناقب، باب من انتسب إلى آبائه في الإسلام والجاهلية ٤/ ١٩٤، برقم ٣٥٢٧.\n(٣) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٦/ ٥٥١.\n(٤) المرجع السابق ٦/ ٥٥٢، ٨/ ٥٠٢.","vol":"1","page":87},{"text":"ثم قال ﵀: \" وهذه القصة إن كانت وقعت في صدر الإسلام بمكة فلم يدركها ابن عباس، لأنه ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، ولا أبو هريرة لأنه إنما أسلم بالمدينة، وفي نداء فاطمة يومئذٍ أيضا ما يقتضي تأخر القصة؛ لأنها كانت حينئذٍ صغيرة أو مراهقة. . والذي يظهر أن ذلك وقع مرتين مرة في صدر الإسلام. . . ومرة بعد ذلك حيث يمكن أن تدعى فيها فاطمة ﵂، أو يحضر ذلك أبو هريرة وابن عباس رضي الله عن الجميع \" (١).\nوهذا يوضح للداعية أنه ينبغي له أن يكرر ما يحتاج إليه الناس بدون ملل ولا كسل (٢).\nالثالث عشر: من أساليب الدعوة: الترهيب يظهر في هذا الحديث أسلوب الترهيب، وأنه من أساليب الدعوة التي ينبغي للداعية أن يعتني بها؛ لأن الترهيب يكون بما يخيف المدعو ويحذره من عدم الاستجابة، أو رفض الحق، أو عدم الثبات عليه بعد قبوله (٣).\nفقد دل هذا الحديث على الترهيب من النار في قوله ﷺ بعد نداء كل بطن من بطون قريش: «أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم من الله شيئا» (٤).\nالرابع عشر: من أساليب الدعوة: الترغيب: دل هذا الحديث على أسلوب الترغيب، وهو كل ما يشوق المدعو إلى الاستجابة وقبول الحق، والثبات عليه (٥)؛ ولهذا قال ﷺ: اشتروا أنفسكم من الله، قال الكرماني: \" فإن قلت ما معنى الاشتراء وهم البائعون، قال الله\n_________\n(١) فتح الباري لابن حجر، بتصرف يسير ٦/ ٥٥٢، ٨/ ٥٠٢.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٤، الدرس الخامس.\n(٣) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الراء مع الهاء، مادة. \" رهب \" ٢/ ٢٨٠، ولسان العرب، باب الباء، فصل الراء، ١/ ٤٣٦، والقاموس المحيط للفيروزآبادي، باب الباء، فصل الراء، ص ١١٨.\n(٤) هذا لفظ مسلم في صحيحه ١/ ١٩٢، وتقدم تخريجه ص ٧٨.\n(٥) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الراء مع الغين، مادة: \" رغب \" ٢/ ٢٣٦، ولسان العرب لابن منظور، باب الباء، فصل الراء، ١/ ٤٢٢، والقاموس المحيط للفيروزآبادي، باب الباء، فصل الراء، ص ١١٦.","vol":"1","page":88},{"text":"تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١] (١) قلت: العبد مشتر لنفسه باعتبار تخليصها من العذاب، بائع باعتبار تحصيل الثواب \" (٢).\nوقال ابن حجر ﵀: \" اشتروا أنفسكم من الله \" أي باعتبار تخليصها من النار؛ كأنه قال: أسلموا تسلموا من العذاب، فكان ذلك كالشراء، كأنهم جعلوا طاعة الله ثمن النجاة، أما قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١] فهناك المؤمن بائع باعتبار تحصيل الثواب والثمن الجنة، وفيه إشارة إلى أن النفوس كلها ملك لله تعالى، وأن من أطاعه حق طاعته في امتثال أوامره واجتناب نواهيه وفَّى ما عليه من الثمن \" (٣).\nوهذا واضح في دلالة الحديث على أسلوب الترغيب، فينبغي للداعية إلى الله تعالى أن يستخدمه في دعوته.\n* * * *\n_________\n(١) سورة التوبة، الآية: ١١١.\n(٢) شرح الكرماني على صحيح البخاري، ١٤/ ١٣١.\n(٣) فتح الباري بشرح صحيح البخاري ٨/ ٥٠٣.","vol":"1","page":89},{"text":"١٥ -<span data-type=\"title\" id=toc-32> باب إِذا قال أرضي أو بستاني صدقة لله عن أمِّي فهو جائز</span>، وإن لم يبين لمن ذلك\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>[حديث أن سعد بن عبادة ﵁ توفيت أمه وهو غائب عنها]</span>\n٨ - [٢٧٥٦] حَدَّثَنَا محَمَّد بن سَلامٍ: أَخْبَرَنَا مَخلَد بن يَزِيدَ: أَخْبَرَنَا ابن جرَيجِ قَالَ: أَخْبَرني يَعْلى: أنه سَمِعَ عِكْرِمَةَ يقول: أنبَأَنا ابن عَبَّاسٍ ﵄: «أَنَّ سَعْدَ بنَ عبَادَةَ (١) ﵁ توفِّيَتْ أمّه (٢) وَهوَ غَائب عَنْهَا، فَقَالَ: يَا رَسولَ اللهِ، إِنَّ أمِّي توفِّيَتْ وأَنا غَائِب عَنْهَا، أَيَنفَعها شَيْء إِنْ تَصدَّقْت بهِ عَنْهَا؛ قَالَ: \" نَعَمْ \". قَالَ؛ فَإِنِّي أشْهِدكَ أَنَّ حَائِطِي المِخْرافَ صَدَقة عَلَيْهَا» (٣).\nوفي رواية: «أَنَّ سَعْدَ بْنَ عبَادَةَ ﵁ توفِّيَتْ أمّه وَهوَ غَائِب عَنْهَا فَأتى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسولَ اللهِ إِنَّ أمِّي توفِّيَتْ وَأنا غَائِب عَنْهَا فَهَلْ يَنْفَعهَا شَيء إِنْ تَصَدَّقْت بِهِ عَنْهَا؟». . . \" (٤).\n* شرح غريب الحديث: * \" حائطي \" الحائط: الجدار، لأنه يحوط ما فيه (٥).\n* \" المخراف \" هو الحائط من النخل، أو البستان المثمر، والمخراف:\n_________\n(١) سعد بن عبادة بن دلَيم بن حارثة الأنصاري الخزرجي الساعدي المدني، اتفقوا على أنه كان نقيب بني ساعدة وكان صاحب راية الأنصار في المشاهد كلها، وكان سيدا، جوادا، وجيها في الأنصار، ذا رياسة، وسيادة وكان مشهورا بالكرم، وكان يحمل كل يوم إلى النبي ﷺ جفنة مملوءة ثريدا ولحما، وله ولأهله في الجود والكرم أشياء كثيرة مشهورة، وقد شهد له رسول الله ﷺ بالغيرة، فكان شديد الغيرة شهد سعد: العقبة، وبدرا، وقيل لم يشهد بدرا، وشهد باقي المشاهد. وله أحاديث يسيرة وهي عشرون بالمكرر؛ لأنه مات قبل أوان الرواية، مات ﵁ بأرض حوران- وهي كورة واسعة جنوب دمشق، وذات قرى ومزارع وحرار- وذلك سنة ست عشرة، وقيل خمس عشرة، وقيل أربع عشرة يقال إن الجن قتلته، وأنشدوا فيه البيتين المشهورين. ﵁ وأرضاه. انظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي ١/ ٢١٢، وسير أعلام النبلاء للذهبي ١/ ٢٧٠ - ٢٧٩، والإصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر، ٢/ ٣٠.\n(٢) عمرة بنت مسعود وقيل بنت سعد بن قيس والدة سعد بن عبادة ﵂، ماتت في حياة النبي ﷺ سنة خمس، والنبي ﷺ في غزوة دومة الجندل في شهر ربيع الأول، وقيل: فلما جاء النبي ﷺ المدينة أتى قبرها فصلى عليها، وسأل ولدها سعد النبي ﷺ عن الصدقة عنها. انظر: الطبقات الكبرى، لابن سعد، ٨/ ٣٣١، والإصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر، ٤/ ٣٦٦ و٣٦٧.\n(٣) [الحديث ٢٧٥٦]، وطرفاه: في كتاب الوصايا، باب الإشهاد في الوقف والصدقة ٣/ ٢٥٤. برقم ٢٧٦٢، وفي باب إذا وقف أرضا ولم يبين الحدود فهو جائز وكذلك الصدقة ٣/ ٢٥٨، برقم ٢٧٧٠.\n(٤) من الطرف رقم ٢٧٦٢.\n(٥) لسان العرب، لابن منظور، باب الطاء، فصل الحاء، ٧/ ٢٧٩.","vol":"1","page":90},{"text":"المثمرة، سماها مخرافا: لما يخترف منها (١).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - أهمية سؤال المدعو عما أشكل عليه.\n٢ - مسارعة المدعو إلى عمل الخير.\n٣ - كرم المدعو.\n٤ - من أساليب الدعوة: الترغيب.\n٥ - من وسائل الدعوة: القدوة.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: أهمية سؤال المدعو عما أشكل عليه: دل الحديث على أهمية السؤال للعالم عند الجهل، أو عند اشتباه الأمور؛ ولهذا ذكر الإمام عبد الله بن أبي جمرة الأندلسي أن من فوائد هذا الحديث: السؤال للعالم عند الجهل وترك الحكم بالرأي؛ لأن هذا الصحابي ﵁ عندما لم يكن علم هل تنفع صدقته بتلك النية التي أراد أم لا، لم يقدم عليها برأيه، وإنما سأل النبي ﷺ، وحينئذ أقدم على الفعل بعد العلم بالحكم (٢).\nوهكذا ينبغي للمدعو أن يسأل أهل العلم عما أشكل عليه حتى يعبد الله تعالى على بصيرة؛ ولهذا قال الله ﷾: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧] (٣).\nثانيا: مسارعة المدعو إلى عمل الخير: دل الحديث على المسارعة إلى أفعال البر إذا علِمت، حتى يكون العلم مقرونا بالعمل؛ لأن هذا الصحابي ﵁ عندما علم أن الصدقة تنفع أمه وأنه\n_________\n(١) انظر: أعلام الحديث، للخطابي ٢/ ١٣٤٧، والنهاية في غريب الحديث، لابن الأثير، حرف الخاء مع الفاء ٢/ ٢٤، ولسان العرب لابن منظور، باب الفاء، فصل الخاء، ٩/ ٦٢، وعمدة القاري للعيني، ١٤/ ٥٢.\n(٢) انظر: بهجة النفوس شرح مختصر صحيح البخاري، ٣/ ٩٥.\n(٣) سورة الأنبياء، الآية: ٧.","vol":"1","page":91},{"text":"يثاب على ذلك أخرجها من حينه، فأشهد النبي ﷺ عليها (١).\nفينبغي للمدعو أن يسارع إلى الخير، وينتهز الفرص المؤدية إلى ذلك؛ لأمر الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] (٢) وقد مدح الله ﷿ آل زكريا بالمسارعة في الخير فقال ﷿: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠] (٣).\nثالثا: كرم المدعو: دل الحديث على كرم المدعو؛ لأن الصحابي الجليل ﵁- عندما تيقن أن الصدقة مقبولة ويلحق ثوابها لأمه- أعلن بصدقة عظيمة لا يستطيعها البخلاء من البشر، وأعطى الحائط العظيم صدقة عن أمه، وهذا العمل من الصحابي الجليل لا يستغرب؛ فإنه ممن اشتهر بالجود والكرم في عهد النبي ﷺ، وقد كان ﵁ يحمل كل يوم إلى النبي ﷺ جفنة مملوءَة ثريدا ولحما (٤)؛ ولهذا الكرم العظيم قال: \" فإني أشهدك أن حائطي المخراف صدقة عليها \". فينبغي للمدعو أن يكون كريما جوادا، وهذا إن كان من صفات الدعاة ومعلمي الناس الخير؛ فإنه لا يمنع أن يكون المدعو كريما جوادا.\nرابعا: من أساليب الدعوة: الترغيب: دل الحديث على الترغيب في الصدقة عن الميت، وأنها تصل إليه وتنفعه، ولا سيما إن كان من الوالدين؛ لأن حقهما أعظم وبرهما أوجب؛ ولهذا بين النبي ﷺ أنواعا من أنواع البر التي ينبغي لكل مسلم أن يبر بها والديه بعد موتهما؛ فقد جاء «أن رجلا قال له: يا رسول الله: هل بقي من بر أبويَّ شيء أبرهما به بعد موتهما؛ فقيل إنه: قال: \" نعم. . الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما\n_________\n(١) انظر: بهجة النفوس لابن أبي جمرة، ٣/ ٩٥.\n(٢) سورة آل عمران، الآية: ١٣٣.\n(٣) سورة الأنبياء، الآية: ٩٠.\n(٤) انظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي، ١/ ٢١٢ - ٢١٣، وسير أعلام النبلاء للذهبي، ١/ ٢٧٠ - ٢٧٩.","vol":"1","page":92},{"text":"من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما» (١).\n\nفينبغي للداعية أن يستخدم هذا الأسلوب؛ لأن له تأثيرا في النفوس، ودفعا وترغيبا لها على الخير؛ قال الكرماني ﵀: \" وفيه أن ثواب الصدقة عن الميت تصل إلى الميت وتنفعه، وهو مخصص لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] (٢).\nخامسا: من وسائل الدعوة: القدوة: يظهر من كلام الصحابي الجليل وإظهاره للصدقة علانية أمام الناس أن القدوة وسيلة نافعة في الدعوة إلى الله تعالى؛ ولعظم القدوة انتفع خلق كثير بفعل سعد ﵁؛ لأن الفعل إذا قارن القول نفع الله به؛ ولهذا قال الإمام عبد الله بن أبي جمرة ﵀: \" فيه دليل على أن إظهار الصدقة في مثل هذا الموضع أفضل من إخفائها؛ لأن هذا الصحابي ﵁ قد أظهر صدقته هنا ولم يخفها، والحكمة في ذلك: اغتنام صدق النية؛ لأنه حصل له صدق النية عند الإخبار فاغتنمها بالعمل \" (٣).\nوعلى هذا الأسلوب كان الصحابة ﵃، مهما زاد أحدهم في علمه ظهر في عمله، حتى إنهم كانوا يعرفون زيادة علم الْإِنسان في عمله، وكذا التابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين؛ لأن العلم مع ترك العمل حجة ووبال على صاحبه؛ لأن الإنسان إذا اغتنم صدق نيته بالعمل حين حصول العلم بتَّ الأمر، وأمن غائلة النفس ومكر الشيطان (٤).\nوهذا يبين عظم العمل بالعلم، وأنه ينبغي للداعية أن يكون قدوة حسنة لغيره؛ لأن الناس في الغالب ينتفعون بالعمل أكثر من القول (٥).\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الأدب، باب في بر الوالدين ٤/ ٣٣٦ برقم ٥١٤٢، وابن ماجه، كتاب الأدب، باب صل من كان أبوك يصل ٢/ ١٢٠٨ برقم ٣٦٦٤، وابن حبان في صحيحه، ٢/ ١٦٢، برقم ٤١٨، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي ٤/ ١٥٤، وأحمد في المسند، ٣/ ٤٩٧ و٤٩٨، والبخاري في الأدب المفرد، ص ٢٧، برقم ٣٥، والطبراني في المعجم الكبير، ١٩/ ٢٦٧، برقم ٥٩٢، والبيهقي في السنن الكبرى، ٤/ ٢٨، وقال عبد القادر الأرنوؤط في تحقيق جامع الأصول: \" في سنده علي بن عبيد الساعدي الراوي عن أبي أسيد لم يوثقه غير ابن حبان، وباقي السند رجاله ثقات \"، ١/ ٤٠٧، وانظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة للألباني، ٢/ ٦٢، برقم ٥٩٧.\n(٢) شرح الكرماني على صحيح البخاري، ١٢/ ٧٤، وعمدة القاري ١٤/ ٥٦، والآية من سورة النجم، الآية: ٣٩، وانظر الحديث رقم ٧، الدرس الرابع عشر.\n(٣) بهجة النفوس ٣/ ٩٥، ٩٦ بتصرف يسير.\n(٤) انظر: المرجع السابق ٣/ ٩٥، ٩٦.\n(٥) انظر: الحديث رقم ٣، الدرس الثالث.","vol":"1","page":93},{"text":"١٦ -<span data-type=\"title\" id=toc-34> باب إذا تصَدَّقَ أَوْ وَقَفَ بَعْضَ مَالِهِ أوْ بَعضَ رَقِيقهِ أَوْ دَوابِّهِ فهوَ جَائِز</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>[حديث أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك]</span>\n٩ - [٢٧٥٧] حَدَّثَنَا يَحيىَ بْن بكَيْرٍ: حَدَثَنَا اللَّيْث، عَنْ عقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شهَابٍ قَالَ: أَخْبَرني عَبْد الرَّحْمَنِ بْن عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ كَعْبٍ قَالَ: سمِعْت كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ (١) ﵁ يقول: «قلْت: يَا رَسولَ اللَّهِ، إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أنخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَة إِلَى اللهِ وَرَسولِهِ ﷺ قالَ: \" أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْض مَالِكَ فَهوَ خَيْر لَكَ \" قلْت: فَإِنِّي أمْسِك سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ» (٢).\n_________\n(١) كعب بن مالك بن عمرو بن القين، الأنصاري، الخزرجي، العَقَبيّ الأحدي، شاعر رسول اللهﷺ، وصاحبه، وأحد الثلاثة الذين خلّفوا فتاب الله عليهم، شهد العقبة، وأحدا، وسائر المشاهد إلا بدرا وتبوك، وقد أسلمت دوس بفضل الله تعالى ثم خوفا من بيت قاله كعب:\nقضينا من تهامة كل ريب ... وخيبر ثم أجمعنا السيوفا\nنخيرها ولو نطقت لقالت ... قواطعهن دوسا أو ثقيفا\nله عن رسول الله ﷺ ثمانون حديثا، وقيل ثلاثون، اتفق البخاري ومسلم على ثلاثة منها، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بحديثين، جرح كعب يوم أحد أحَدَ عشر جرحا في سبيل الله، توفي بالمدينة ﵁ في زمن معاوية ﵁ سنة ثلاث وخمسين، وقيل خمسين ﵁.\nانظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي ٢/ ٦٩، وسير أعلام النبلاء للذهبي ٢/ ٥٢٣ - ٥٣٠، والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، ٣/ ٣٠٢.\n(٢) الحديث [٢٧٥٧] أطرافه في كتاب الجهاد والسير، باب من أراد غزوة فورَّى بغيرها ومن أحب الخروج يوم الخميس، ٤/ ٧ برقم ٢٩٤٧، ٢٩٤٨، ٢٩٤٩، ٢٩٥٠، وباب الصلاة إذا قدم من السفر، ٤/ ٥٠ برقم ٣٠٨٨، وكتاب المناقب، باب صفة النبي ﷺ ٤/ ٢٠٠ برقم ٣٥٥٦، وكتاب مناقب الأنصار، باب وفود الأنصار إلى النبي ﷺ بمكة وبيعة العقبة، ٤/ ٣٠٢ برقم ٣٨٨٩، وكتاب المغازي، باب قصة غزوة بدر، ٥/ ٥ برقم ٣٩٥١، وباب حديث كعب بن مالك وقول الله ﷿: وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خلِّفوا ٥/ ١٥١ برقم ٤٤١٨، وكتاب التفسير سورة براءة، باب قوله: سَيَحْلِفونَ بِاللَّهِ لَكمْ إِذَا انْقَلَبْتمْ إِلَيْهِمْ لِتعْرِضوا عَنْهمْ فَأَعْرِضوا عَنْهمْ إِنَّهمْ رِجْس وَمَأْوَاهمْ جَهَنَّم جَزَاء بِمَا كَانوا يَكْسِبونَ ٥/ ٢٤٧ برقم ٤٦٧٣، وباب قوله: لَقَدْ تَابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعوه فِي سَاعَةِ الْعسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغ قلوب فَرِيقٍ مِنْهمْ ثمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّه بِهِمْ رَءوف رَحِيم ٥/ ٢٤٨ برقم ٤٦٧٦، وباب وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خلِّفوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِم الْأَرْض بِمَا رَحبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفسهمْ وَظَنّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتوبوا إِنَّ اللَّهَ هوَ التَّوَّاب الرَّحِيم ٥/ ٢٤٩ برقم ٤٦٧٧، وباب يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنوا اتَّقوا اللَّهَ وَكونوا مَعَ الصَّادِقِينَ ٥/ ٢٥٠ برقم ٤٦٧٨، وكتاب الاستئذان، باب من لم يسلم على من اقترف ذنبا ومن لم يرد سلامه حتى تتبين توبته وإلى متى تتبين توبة العاصي؛ وقال عبد الله بن عمرو: لا تسلموا على شربة الخمر ٧/ ١٧٢ برقم ٦٢٥٥، وكتاب الأيمان والنذور، باب إذا أهدى ماله على وجه النذر والتوبة، ٧/ ٢٩٣ برقم ٦٦٩٠، وكتاب الأحكام، باب هل للإمام أن يمنع المجرمين وأهل المعصية من الكلام معه والزيارة ونحوه ٨/ ١٦٢ برقم ٧٢٢٥.\nوأخرجه مسلم، في كتاب التوبة، باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه ٤/ ٢١٢٠ برقم ٢٧٦٩.","vol":"1","page":94},{"text":"وفي رواية: قَالَ: «سَمِعْت كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ يحَدِّث حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ قِصَّةِ تَبوكَ قالَ كَعْب: لَمْ أَتَخَلَّفْ عَنْ رَسولِ اللهِ ﷺ فِي غَزوَةٍ غَزَاهَا إِلَّا فِي غَزْوَةِ تَبوكَ غَير أني كنت تَخَلَّفْت فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ ولم يعَاتِبْ أَحَدا تَخَلَّفَ عَنْهَا. إِنَّمَا خَرَجَ رسول اللهِ ﷺ يرِيد عِيرَ قرَيْشٍ حَتَّى جَمَعَ الله بَيْنَهمْ وَبيْنَ عَدوِّهِمْ عَلَى غَيرِ ميعَادٍ. وَلَقَدْ شَهِدْت مَعَ رَسولِ الله ﷺ لَيْلَةَ الْعَقَبَة حِينَ تَوَاثَقْنَا عَلَى الإسلام، ومَا أحِبّ أَنَّ لِي بِهَا مَشْهَدَ بَدْرٍ وَإِنْ كَانَتْ بَدْر أَذْكَرَ فِي النَّاسِ مِنْهَا. كَانَ مِنْ خَبَرِي أني لَمْ أَكنْ قَطّ أَقْوَى وَلَا أَيْسَرَ حِينَ تَخَلَّفْت عَنْه فِي تِلْكَ الْغَزَاةِ. وَاللهِ مَا اجتَمَعَتْ عِنْدِي قَبْلَه رَاحِلَتَانِ قَطّ حَتَّى جَمَعْتهمَا فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ، وَلَمْ يَكنْ رَسول اللهِ يرِيد غَزْوَة إِلَّا وَرَّى بِغَيْرهَا حَتَّى كَانَتْ تِلْكَ الْغَزْوَة غَزَاهَا رَسول اللهِ ﷺ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، وَاسْتَقْبَل سَفرا بَعِيدا وَمَفَازا وَعَدوّا كَثِيرا. فَجَلَّى لِلْمسْلِمِينَ أمرَهم ليتأَهَّبوا أهْبَةَ غَزْوِهِمْ، فَأَخْبَرَهمْ بِوَجْههِ الَّذِي يرِيد وَالْمسْلِمونَ مَعَ رسولِ الله ﷺ كثِير، وَلَا يَجْمَعهمْ كتاب حَافِظ - يرِيد الدِّيوَانَ- قَالَ كَعْب: فَما رَجل يرِيد أَنْ يَتَغَيَّبَ إلَّا ظَنَّ أنْ سَيَخْفَى لَه مَا لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ وَحْي اللهِ، وَغَزَا رسول اللهِ ﷺ تِلْكَ الْغَزْوَةَ حِينَ طَابَتِ الثِّمَار وَالظِّلاَل. وَتَجَهَّزَ رَسول اللهِ ﷺ والمسْلِمونَ مَعَه، فَطَفِقْت أَعْدو لِكَيْ أتَجَهَّزَ مَعَهمْ فَأَرْجِع وَلَمْ أقْضِ شَيْئا فَأَقول في نَفْسِي: أَنا قَادِر عَلَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ يَتَمَادَى بِي حَتَّى اشْتَدَّ بِالنَّاسِ الجِدّ، فَأَصْبَحَ رسول اللهِ ﷺ والْمسْلِمونَ مَعَه، وَلَمْ أَقْضِ مِنْ جَهَازِي شَيْئا فَقلْت: أتَجَهَّز بعْدَه بِيَوْمٍ أَو يومَينِ؟ ثم أَلْحَقهمْ فَغَدَوْت بَعْدَ أَنْ فَصَلوا لأتَجَهَّزَ، فَرَجَعْت وَلَمْ أقْضِ شَيْئا ثمَّ غَدَوْت ثمَّ رَجعت وَلَمْ أَقْضِ شَيْئا. فَلَمْ يَزَلْ بِي حَتَّى أسْرَعوا وَتَفَارَطَ الْغَزْو، وَهَمَمْت أَنْ أَرْتَحِلَ فَأدْرِكَهمْ، وَلَيْتَنِي فَعَلْت، فَلَمْ يقَدَّرْ لِي ذلِكَ، فكنْت إِذَا خَرَجْت فِي النَّاسِ بَعْدَ خروجِ رَسولِ اللهِ ﷺ، فَطفْت فِيهِمْ أحزَنَنِي أنِّي لَا أَرَى إِلَّا رَجلا مَغْموصا عَلَيْهِ النِّفَاَق، أَوْ رَجلا مِمَّنْ عَذَرَ الله مِنَ","vol":"1","page":95},{"text":"الضّعَفَاءِ، وَلَمْ يَذْكرْنِي رَسول اللهِ ﷺ حتى بَلَغَ تَبوكَ فَقَالَ وَهْوَ جَالِس فِي الْقَوْم بتَبوكَ: \" مَا فَعَلَ كَعب؟ \". فَقالَ رَجل مِنْ بَنِي سَلِمَةَ: يَا رَسولَ اللهِ حَبَسَه برْدَاه ونَظَره فِي عِطْفَيهِ، فَقَالَ معَاذ بْن جَبَلٍ: بِئْسَ مَا قلْتَ، وَاللهِ يَا رَسولَ اللهِ مَا عَلِمناَ علَيْهِ إلّا خَيْرا، فَسَكَتَ رَسول اللهِ ﷺ قالَ كَعْب بْن مَالِكٍ: فَلَمَّا بَلَغَنِي أَنه تَوَجَّهَ قافِلا حَضَرنِي هَمِّي، فَطَفِقْت أتَذَكَّر الْكَذِبَ وَأقول: بِمَاذَا أخْرج مِنْ سَخَطِهِ غَدا، واسْتَعَنْت عَلى ذَلِكَ بِكلِّ ذِي رَأْيٍ مِنْ أهْلِي، فَلَمَّا قِيلَ إنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قَدْ أظَلَّ قادِما زَاحَ عَنّي الْبَاطِل وَعَرَفْت أني لَنْ أَخْرجَ مِنْه أبَدا بشَيْءٍ فِيهِ كَذِب فَأَجْمَعْت صدْقَه، وَأصْبَحَ رَسول اللهِ ﷺ قادِما، وَكَانَ إذَا قَدِمَ مِنْ سَفرٍ بَدَأ بِالْمَسْجِدِ فيركع فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثمَّ جَلَسَ لِلنَّاسِ. فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ جَاءَه الْمخَلَّفونَ، فَطَفِقوا يَعْتَذِرونَ إِلَيْهِ وَيَحْلِفونَ لَه وَكَانوا بِضْعَة وَثَمَانِينَ رَجلا فَقَبِلَ مِنْهمْ رَسول اللهِ ﷺ عَلاَنِيَتَهمْ وَبَايَعَهمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهمْ وَوَكَلَ سَرَائِرَهمْ إِلَى اللهِ، فجِئْته فَلَمّا سلَّمْت عَلَيْهِ تَبَسَّمَ تبَسّمَ الْمغْضَبِ ثمَّ قَال: \" تَعَالَ \" فَجِئْت أَمْشِي حَتَّى جَلَسْت بيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ لِي: \" مَا خَلَّفَكَ؟ أَلَمْ تكنْ قَدِ ابْتَعْتَ ظَهْرَك؟ \" فَقلْت: بَلَى، إنِّي وَاللهِ لَوْ جَلَسْت عِنْدَ غَيْرِكَ مِنْ أهْلِ الدّنْيَا لَرَأَيْت أنْ سَأَخْرج مِنْ سَخَطِهِ بِعذْرٍ ولَقَدْ أعْطِيت جَدَلا، وَلَكِنِّي وَالله لَقَدْ عَلِمْت لَئِنْ حَدَّثْتكَ الْيَوْمَ حَدِيثَ كَذِبٍ ترْضَى بِهِ عَنِّي لَيوشِكَنَّ الله أنْ يسْخِطَكَ عَلَيَّ وَلَئِنْ حَدَّثْتكَ حَدِيثَ صِدْقٍ تَجِد عَلَيَّ فِيهِ، إنِّي لأَرْجو فِيهِ عَفْوَ اللهِ، لَا وَاللهِ مَا كَانَ لِي مِنْ عذْرٍ، وَاللهِ مَا كنْت قطّ أقْوَى وَلَا أيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْت عَنْكَ، فَقَال رَسول اللهِ ﷺ: \" أمَّا هَذَا فَقَدْ صَدَقَ، فَقمْ حَتَّى يَقْضِيَ الله فِيكَ \" فَقمْت وَثَارَ رِجَال مِنْ بَنِي سَلِمَةَ فَاتَّبَعوني فقَالوا لِي: وَالله مَا عَلِمْنَاكَ كنْتَ أذْنَبْتَ ذَنْبا قَبْلَ هَذَا، وَلَقَدْ عَجَزْتَ أنْ لَا تَكون اعْتَذَرْتَ إلَى رَسولِ اللهِ بِمَا اعْتَذَرَ إِلَيْهِ الْمتَخَلِّفونَ قد كَانَ كَافِيَكَ ذَنْبَكَ اسْتِغْفَار رسولِ اللهِ ﷺ، فَوَاللهِ مَا زَالوا يؤَنِّبونَنِي حَتَّى أرَدْت أنْ أرْجِعَ فَأكَذِّبَ نَفْسِي،","vol":"1","page":96},{"text":"ثم قلْت لَهمْ: هَلْ لَقِيَ هَذَا مَعي أحد؟ قَالوا: نَعَمْ، رَجلاَنِ قَالَا مِثْلَ مَا قلْتَ فقيل لَهمَا مِثْل مَا قِيلَ لَكَ، فَقلْت: مَنْ همَا؟ قَالوا: مرَارَة بْن الرَّبيعِ الْعَمْرِيّ، وَهِلاَل بْن أمَيَّةَ الْوَاقِفِيّ، فَذَكَروا لِي رَجلَيْنِ صَالِحَيْنِ قَدْ شَهِدَا بَدْرا فِيهمَا أسوَة فمضيت حِينَ ذكروهمَا لِي، وَنَهَى رَسول الله ﷺ الْمسْلِمِينَ عَنْ كلَاَمِنَا أيّهَا الثلاثة مِنْ بَيْنِ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْه، فَاجْتَنَبَنَا النَّاس، وَتَغَيّروا لَنَا حَتَّى تَنكَّرَتْ فِي نفسِي الْأَرْض فَمَا هِيَ الَّتِي أعْرِف، فَلَبِثْنَا عَلَى ذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَة، فَأَمَّا صَاحِبَاي فاسْتكَانَا وَقَعَدَا فِي بيوتهِمَا يبكِيَانِ، وَأمَّا أنا فَكنْت أشَبَّ الْقَوْمِ وأجلَدَهمْ، فَكنْت أخْرج فَأَشْهَد الصَّلاَةَ مَعَ الْمسْلِمِينَ وَأطوف فِي الأَسْوَاقِ، ولَا يكَلّمنِي أحد وآتِي رَسولَ الله ﷺ فَأسَلِّم عَلَيْهِ، وَهْوَ فِي مَجْلِسِهِ بَعْدَ الصَّلاَةِ فأَقول فِي نَفْسِي: هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلاَمِ عَلَيَّ أَمْ لَا؟ ثمَّ أصلِّي قَرِيْبا مِنْه فأسَارِقه النَّظَرَ، فَإذَا أقْبَلْت عَلَى صَلاَتِي أقْبَلَ إِلَيَّ، وَإذَا الْتَفَتّ نَحْوَه أعْرَضَ عني حَتّى إذَا طَالَ عَلَيَّ ذَلِكَ مِنْ جَفْوَةِ النَّاسِ مَشَيْت حَتَّى تَسَوَّرْت جِدَارَ حَائِطِ أبِي قتادَةَ - وَهْوَ ابْن عَمِّي، وَأحَبّ النَّاسِ إلَيَّ- فَسَلَّمْت عَلَيْهِ، فَوَاللهِ مَا رَدَّ عَلَيَّ السَّلاَمَ فَقلْت: يَا أبَا قَتَادَةَ أَنشدكَ بِاللهِ هَلْ تَعْلَمنِي أحِبّ اللهَ وَرَسولَه؛ فَسَكَتَ فعدت لَه فَنَشدته فَسَكَتَ، فَعدْت لَه فَنَشَدْته فَقَالَ: الله وَرَسوله أعْلَم، فَفَاضَتْ عينَايَ وَتَوَلَّيْت حَتَّى تَسَوَّرْت الْجِدَارَ، قَالَ: فَبَيْنَا أنا أمْشِي بِسوقِ الْمَدِينَةِ إذَا نبَطِيّ مِنْ أنبَاطِ أهْلِ الشَّامِ مِمَّنْ قَدِمَ بِالطَّعَامِ يَبِيعه بِالْمَدينَةِ يَقول: مَنْ يَدلّ عَلَى كعبِ بْنِ مَالِكِ؟ فَطَفِقَ النّاس يشِيرونَ لَه حَتَّى إذَا جَاءَنِي دَفَعَ إلَيَّ كِتَابا مِنْ مَلِكِ غَسانَ فإذا فِيهِ: أمَّا بعد فَإنه قَدْ بَلَغَنِي أنَّ صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ، وَلَمْ يَجْعَلْكَ الله بدَارِ هَوَانٍ وَلَا مَضْيَعَةٍ، فَالحَقْ بِنَا نوَاسِكَ، فَقلْت لَمَّا قَرَأْتهَا: وَهَذَا أيْضا مِنَ البَلاَءَ، فتيَمَّمْت بِهَا التَّنّورَ فَسَجَرْته بِهَا حَتَّى إِذَا مَضتْ أرْبَعونَ لَيلَة مِنَ الْخَمْسِينَ إذَا رَسول رَسولِ اللهِ ﷺ يأْتِينِي فَقَالَ: إِنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ يَأْمركَ أنْ تَعْتَزِلَ امْرَأَتَكَ،","vol":"1","page":97},{"text":"فَقلت: أطَلِّقهَا أمْ مَاذَا أَفْعَل؟ قَالَ: لَا، بَلِ اعْتَزِلْهَا وَلَا تَقْرَبْهَا، وَأرْسَلَ إلَى صَاحِبَيَّ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقلْت لاِمْرَأَتِي: الْحَقِي بِأَهْلِكِ فَتَكوني عِنْدَهمْ حَتَّى يقْضِيَ الله فِي هَذَا الأَمْرِ، قَالَ كَعب: فَجَاءَتِ امْرَأَة هِلاَل بْنِ أمَيَّةَ رَسولَ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسولَ اللهِ، إنَّ هِلاَلَ بنَ أمَيَّةَ شَيْخ ضَائِع لَيْسَ لَه خَادِم فَهَلْ تَكْرَه أنْ أَخْدمَه؟ قَالَ: \" لَا، وَلَكِنْ لَا يَقْرَبكِ \" قَالَتْ: إِنَّه وَاللهِ مَا بِهِ حَرَكَة إِلَى شَيْءٍ، وَاللهِ مَا زَالَ يَبْكِي منْذ كَانَ مِنْ أمْرِهِ مَا كَانَ إلَى يَوْمِهِ هَذَا، فَقَالَ لِي بَعْض أهْلِي لوِ اسْتَأْذَنْتَ رَسولَ الله ﷺ في امْرَأَتِكَ كَمَا أذِنَ لاِمْرَأَةِ هِلاَلِ بْنِ أمَيَّةَ أنْ تَخْدمَه، فَقلْت: وَاللهِ لَا أَسْتَأْذِن فِيهَا رَسولَ اللهِ ﷺ ومَا يدْرِينِي مَا يَقول رَسول اللهِ ﷺ إذَا اسْتَأْذَنْته فِيهَا وَأنا رَجل شابّ فَلَبِثْت بَعْدَ ذَلِكَ عَشْرَ لَيَال، حَتَّى كَملَتْ لَنَا خمْسونَ لَيْلَة مِنْ حِينَ نَهَى رَسول اللهِ ﷺ عَنْ كَلاَمِنَا، فَلَمَّا صَلَّيْت صَلاَةَ الْفَجْرِ صبْحَ خَمْسِينَ لَيْلَة وَأنا عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ مِنْ بيوتِنَا فَبَيْنَا أنا جَالِس عَلَى الْحَالِ الَّتِي ذَكَرَ الله قَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ نَفْسِي وَضَاقَتْ عَلَيَّ الأرْض بِمَا رَحبَتْ، سَمِعْت صَوْتَ صَارخٍ أوْفَى عَلَى جَبَلِ سَلْعٍ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ أَبْشِرْ، قالَ: فَخَرَرْت سَاجِدا وَعَرَفْت أنْ قَدْ جَاءَ فَرَج وآذَنَ رَسول اللهِ ﷺ بتَوْبَة اللهِ علَيْنَا حِينَ صَلَّى صَلاَةَ الْفَجْرِ، فَذَهَبَ النَّاس يبَشِّرونَنَا وَذَهَبَ قِبَلَ صَاحِبَيَّ مبَشِّرونَ، وَرَكَضَ إِلَيَّ رَجل فَرَسا وَسَعَى سَاعٍ مِنْ أسْلَمَ فَأَوْفَى عَلَى الْجَبَلِ، وَكَانَ الصَّوْت أسْرَعَ مِنَ الْفَرَسِ، فَلَمَّا جَاءَنِي الَّذِي سَمِعْت صَوْتَه يبَشِّرنِي نزَعْت لَه ثَوْبَيَّ فَكَسَوْته إِيَّاهمَا بِبشْرَاه، وَاللهِ مَا أمْلِك غَيْرَهمَا يَوْمَئِذٍ واسْتَعَرْت ثَوْبَيْنِ فَلَبِسْتهمَا وانطَلَقْت إِلَى رَسولِ اللهِ ﷺ فَيَتَلَقَّانِي النَّاس فَوْجَا فَوْجَا يهنئوني بِالتَّوْبَة، يَقولونَ: لِتَهْنِكَ تَوْبَة اللهِ عَلَيْكَ، قَالَ كَعْب: حَتَّى دَخَلْت المَسْجِد فَإذَا رَسول اللهِ ﷺ جالِس حَوْلَه النَّاس، فَقَامَ إِلَيَّ طلحَة بْن عبَيْدِ اللهِ يهَرْوِل حَتَّى صَافَحَنِي وَهَنَّأنِي وَاللهِ مَا قَامَ إِلَيَّ رَجل مِنَ الْمهَاجِرِينَ غَيْره، وَلَا أنْسَاهَا","vol":"1","page":98},{"text":"لِطَلْحَةَ، قَالَ كَعْب: فَلَمَّا سَلَّمْت عَلَى رَسولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ رَسول اللَّهِ ﷺ وَهوَ يَبْرق وَجْهه مِنَ السّرورِ: \" أبْشِرْ بِخَيْرِ يَومٍ مَرَّ عَلَيْكَ منْذ وَلَدَتْكَ أمّكَ \" قَالَ: قلْت: أمِنْ عِنْدِكَ يَا رَسولَ اللَّهِ، أَمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ؛ قَالَ: \" لاَ، بَلْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ \" وَكَانَ رسول اللَّهِ ﷺ إذَا سرَّ اسْتَنَارَ وَجْهه حَتَّى كَأَنَّه قِطْعَة قَمَرٍ، وَكنَّا نَعْرِف ذَلِكَ مِنْه فَلَمَّا جَلَسْت بَيْنَ يَدَيْهِ قلْت يَا رَسولَ اللَّهِ: إنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَة إلَى اللَّهِ، وَإِلَى رَسولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ رَسول اللَّهِ ﷺ: \" أمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهوَ خَيْر لَكَ \" قلْت: فَإنِّي أمْسِك سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ، فَقلْت: يَا رَسولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا نَجَّانِي بِالصِّدْقِ، وَإِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ لَا أحَدِّثَ إِلَّا صِدْقا مَا بَقِيت، فوَاللَّهِ مَا أَعْلَم أحَدا مِنَ الْمسْلِمِينَ أَبْلاَه اللَّه فِي صِدْقِ الْحَدِيثِ منْذ ذَكَرْت ذَلِكَ لِرَسولِ اللَّهِ ﷺ أحْسَنَ مِمَّا أبْلَانِي، مَا تَعَمَّدْت منْذ ذَكرْت ذَلِكَ لِرَسولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى يَوْمِي هَذَا كَذِبا وَإِنِّي لَأَرْجو أنْ يَحْفَظَنِي اللَّه فِيمَا بَقِيت، وَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى عَلَى رَسولِهِ ﷺ: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة: ١١٧] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] فَوَاللَّهِ مَا أَنْعَمَ اللَّه علَيَّ مِنْ نِعْمَةٍ قَطّ بَعْدَ أنْ هَدَانِي لِلإِسْلاَمِ أعْظَمَ فِي نَفْسِي مِنْ صِدْقِي لِرَسولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ لَا أَكونَ كَذَبْته فَأَهْلِكَ كَمَا هَلَكَ الَّذِينَ كَذَبوا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ للَّذِينَ كَذَبوا حِينَ أَنْزَلَ الْوَحْيَ شَرَّ مَا قَالَ لأَحَدٍ، فَقَالَ ﵎: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ - يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٥ - ٩٦] قَالَ كَعب: وَكنَّا تَخَلَّفْنَا أَيّهَا الثَّلاثة عَنْ أمْرِ أولَئِكَ الذِينَ قَبِلَ مِنْهمْ رَسول اللَّهِ ﷺ حِينَ حِلَفوا لَه، فَبَايَعَهمْ وَاستَغْفَرَ لَهمْ وَأَرْجَأَ رَسول اللَّهِ ﷺ أَمْرَنَا حَتَّى قَضَى اللَّه فِيهِ فبِذَلِكَ قَالَ اللَّه: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨] وَلَيْسَ الَّذِي","vol":"1","page":99},{"text":"ذَكَرَ الله مِمَّا خلِّفْنَا عَنِ الْغَزْوِ وَإِنَّمَا هوَ تَخْلِيفه إِيَّانَا وَإِرْجَاؤه أمْرَنَا عَمَّنْ حَلَفَ له واعْتَذَر إِلَيْهِ فَقَبِلَ مِنْه.» (١).\n\nوفي رواية: «أن النبي ﷺ خرَجَ يَوْمَ الْخَمِيسِ فِي غَزْوَةِ تَبوكَ وَكَانَ يحِبّ أَنْ يخْرجَ يَوْمَ الْخَمِيسِ.» (٢).\nوفي رواية: عَن عَبْد اللهِ بْنِ كَعْب قَالَ سَمِعْت أَبِي كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ وَهوَ أَحَد الثَّلاثة الَّذِينَ تِيبَ عَلَيْهمْ أَنه لَم يَتَخَلَّفْ عَن رسولِ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا قَطّ غَيْرَ غَزْوَتَيْنِ غَزْوَةِ الْعسْرَةِ وغزْوَةِ بَدْرٍ قَالَ: «فَأَجْمَعْت صِدْق رَسول اللهِ ﷺ ضحى وَكَانَ قَلَّمَا يَقْدَم مِنْ سفَرٍ سَافَرَه إلَّا ضحى، وَكَانَ يَبْدَأ بِالْمَسْجِدِ فَيَرْكَع ركْعَتَيْن وَنَهَى النَّبيّ ﷺ عَنْ كَلاَمِي وَكَلاَمِ صَاحِبَيَّ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْ كَلاَمِ أَحَدٍ مِنَ الْمتَخَلِّفَينَ غَيْرِنَا، فَاجْتَنبَ النَّاس كَلاَمَنَا، فَلَبِثْت كَذَلِكَ حَتَّى طَالَ عَلَيَّ الأَمْر، ومَا مِنْ شَيْءٍ أَهَمّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَموتَ فَلاَ يصَلِّي عَلَيَّ النَّبِيّ ﷺ أوْ يَموتَ رَسول اللهِ فَأَكونَ مِنَ النَّاسِ بِتِلْكَ الْمَنْزِلة فَلاَ يكَلِّمنِي أَحد مِنْهمْ وَلَا يصَلِّي عَلَيَّ، فأَنزَلَ الله تَوْبَتَنَا عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ حِينَ بقي الثلث الآخِر مِنَ اللَّيْلِ وَرَسول اللهِ ﷺ عنْدَ أمِّ سَلَمَةَ، وَكَانَتْ أمّ سَلَمَةَ محْسِنَة فِي شَأْنِي مَعْنِيَّة فِي أَمْرِي، فَقَالَ رَسول اللهِ ﷺ: يَا أمَّ سَلَمَةَ تِيبَ عَلَى كَعْبٍ قَالَتْ: أَفَلاَ أرْسِل إِلَيْهِ فَأبَشِّره قَالَ إِذا يَحْطِمَكم النَّاس فَيَمْنَعونَكم النَّوْمَ سَائِرَ اللَّيْلَة، حَتَّى إِذَا صَلَّى رَسول اللهِ ﷺ صَلاَةَ الْفَجْرِ آذَنَ بِتَوْبَة اللهِ عَلَينَا» (٣).\nوفي رواية: \" أن عبد الله بن كعب قَالَ سَمِعْت كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ يحَدِّث حِينَ تخَلَّفَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبوكَ بطولِهِ قَالَ ابْن بكَيرٍ فِي حَديثِهِ: «وَلَقَدْ شَهدْت مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ حِينَ تَوَاثَقْنَا عَلَى الإسلام وَمَا أحِبّ أنَّ لي بِهَا مَشْهَدَ\n_________\n(١) الطرف رقم ٤٤١٨.\n(٢) من الطرف رقم ٢٩٥٠.\n(٣) من الطرف رقم ٤٦٧٧.","vol":"1","page":100},{"text":"بَدْرٍ وَإِنْ كَانَتْ بَدر أَذْكَرَ فِي النَّاسِ مِنْهَا» (١).\n* شرح غريب الحديث * \" عير قريش \": الإبل التي تحمل الميْرة -أي تحمل الطعام والشراب- وقيل: هي القافلة (٢).\n* \" ليلة العقبة \": وهي التي بايع فيها رسول الله ﷺ الأنصار على الإسلام والإيواء والنصرة، وذلك قبل الهجرة، والعقبة: هي التي في طريق منى التي تضاف إليها جمرة العقبة، وكانت بيعة العقبة مرتين، كانوا في السنة الأولى اثني عشر، وفي الثانية سبعين، كلهم من الأنصار (٣).\n* \" تواثقنا \": أخذ بعضنا على بعض الميثاق، وتعاهدنا، وتعاقدنا، لَمَّا تبايعنا على الإسلام والجهاد (٤).\n* \" وما أحب أن لي بها مشهد بدر \"؛ لأن من شهد بدرا وإن كان فاضلا بسبب أنها أول غزوة نصِرَ فيها الإسلام، لكن بيعة العقبة كانت سببا في فشوِّ الإسلام، ومنها نشأ مشهد بدر، وكان كعب من أهل العقبة الثانية وقد عقد ثالثة كما ذكر ابن حجر ﵀ (٥).\n* \" وإن كانت بدر أذكر في الناس \": أي أعظم وأكثر ذكرا في الناس من بيعة العقبة (٦).\n* \" ومفازا \": أي بَرِّيَّة طويلة قليلة الماء يخاف فيها الهلاك (٧).\n_________\n(١) من الطرف رقم ٣٨٨٩.\n(٢) لسان العرب، لابن منظور، باب الراء، فصل العين ٤/ ٦٢٤، وانظر: عمدة القاري للعيني، ١٨/ ٥٢.\n(٣) انظر: لسان العرب لابن منظور، باب الباء، فصل العين، ١/ ٦٢١، وشرح الكرماني على صحيح البخاري، ١٦/ ٢٢٩، وعمدة القاري، للعيني، ١٨/ ٥٢.\n(٤) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الواو مع الثاء، مادة: \" وثق \" ٥/ ١٥١، وفتح الباري لابن حجر، ٨/ ١١٧، وعمدة القاري للعيني: ١٨/ ٥٢.\n(٥) انظر: لسان العرب لابن منظور، باب الدال، فصل الشين، ٣/ ٢٤١، وفتح الباري لابن حجر، ٧/ ٢٢١، وعمدة القاري للعيني، ١٨/ ٥٢.\n(٦) انظر: لسان العرب، لابن منظور، باب الراء، فصل الذال، ٤/ ٣١١، وفتح الباري لابن حجر، ٨/ ١١٧، وعمدة القاري للعيني، ١٨/ ٥٢.\n(٧) انظر: غريب ما في الصحيحين للحميدي، ص ١٠٩، وشرح النووي على صحيح مسلم ١٧/ ٩٤.","vol":"1","page":101},{"text":"* \" فَجَلَّى \": بفتح وتشديد اللام ويجوز تخفيف اللام: أي كشف وبيَّن وَأَوْضَح (١).\n* \" إلا ورَّى بغيرها \": معنى \" ورّى \" ستر، وتستعمل في إظهار شيء مع إرادة غيره، أي أوهم أنه يريد غيرها (٢).\n* \" أهبة غزوهم \": الأهبة تجهيز ما يحتاج إليه في السفر والحرب والاستعداد لذلك (٣).\n* \" فطفقت \": من أفعال المقاربة ومعناه: أخذت في الفعل (٤).\n* \" حتى اشتدَّ بالناس الجد \": أي اشتد بالناس اشتداد الجد، والاجتهاد في أمر السفر (٥).\n* \" جَهازي \": وهو الأهبة وعدة السفر (٦).\n* \" تفارط الغزو \" أي فات وسبق، وأسرع (٧).\n* \" مغموصا عليه النفاق \": مطعونا عليه في دينه متهما بالنفاق، وقيل: مستحقرا (٨).\n* \" رجل من بني سلمة \": هو عبد الله بن أنيس ﵁ (٩).\n_________\n(١) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الجيم مع اللام، مادة: \" جلا \" ١/ ٢٩٠، وشرح النووي على صحيح مسلم، ١٧/ ٩٤، وعمدة القاري للعيني، ١٨/ ٥٢.\n(٢) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، مادة: \" ورا \" ٥/ ١٧٧، وأعلام الحديث للخطابي، ٢/ ١٤١١، وشرح الكرماني على صحيح البخاري، ١٢/ ١٩٢، وفتح الباري لابن حجر، ٦/ ١١٣، ٨/ ١١٧، وعمدة القاري للعيني، ١٨/ ٥٢.\n(٣) انظر: القاموس المحيط، للفيروز آبادي، باب الهمزة، فصل الباء، ص ٧٧، وشرح النووي على صحيح مسلم، ١٧/ ٩٥، وفتح الباري لابن حجر، ٨/ ١١٧، وعمدة القاري للعيني، ١٨/ ٥٢.\n(٤) انظر: غريب ما في الصحيحين للحميدي، ص ٤١، وعمدة القاري للعيني، ١٨/ ٥٢.\n(٥) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الجيم مع الدال، مادة: \" جدد \" ١/ ٢٤٤، وفتح الباري لابن حجر، ٨/ ١١٨، وعمدة القاري للعيني، ١٨/ ٥٢.\n(٦) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي، ص ١٣٢، وعمدة القاري للعيني، ١٨/ ٥٢.\n(٧) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي، ص ١٠٩، وفتح الباري لابن حجر، ٨/ ١١٨، وعمدة القاري للعيني، ١٨/ ٥٢.\n(٨) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي، ص ١١٠، وفتح الباري لابن حجر، ٨/ ١١٨، وعمدة القاري للعيني، ١٨/ ٥٢.\n(٩) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ١٧/ ٩٤، وفتح الباري لابن حجر، ٨/ ١١٨، والإصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر، ٢/ ٢٧٨.","vol":"1","page":102},{"text":"* \" حبسه برداه \": البرْد والبردة: نوع من الثياب معروف، والجمع أبراد وبرود، والبردة الشملة المخططة، وقيل كساء أسود مربع فيه صور تلبسه الأعراب، وجمعها برَد (١).\n* \" والنظر في عِطفيه \": أي جانبيه، وهو إشارة إلى إعجابه بنفسه، ولباسه، وقيل: كني بذلك عن حسنه وبهجته، والعرب تصف الرداء بصفة الحسن وتسميه عِطفا، لوقوعه على عطفي الرجل (٢).\n* \" قافلا \": راجعا (٣).\n* \" قد أظل قادما \": قد دنا قدومه وأقبل (٤).\n* \" أجمعت صدقه \": عزمت عليه، وجزمت بذلك، وعقدت عليه قصدي (٥).\n* \" وكانوا بضعة وثمانين رجلا \": البضعة في العدد ما بين الثلاثة إلى التسعة، وقيل: ما بين الواحد إلى العشرة (٦).\n* \" ابتعت ظهرك \": اشتريت راحلتك (٧).\n\" أعطيت جَدَلا \": فصاحة وقوة في كلام وبراعة، بحيث أخرج عن عهدة ما ينسب إليّ إذا أردت، بما يقبل ولا يرد. (٨).\n_________\n(١) النهاية في غريب الحديث والأثر، حرف الباء مع الراء، مادة: \" برد \" ١/ ١١٦.\n(٢) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي، ص ١١٠، وشرح النووي على صحيح مسلم، ١٧/ ٩٤، وفتح الباري لابن حجر، ٨/ ١١٨، وعمدة القاري للعيني، ١٨/ ٥٢.\n(٣) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي، ص ١١٠، وشرح النووي على صحيح مسلم، ١٧/ ٩٦.\n(٤) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي، ص ١١٠، وشرح النووي على صحيح مسلم، ١٧/ ٩٦، وعمدة القاري للعيني، ١٨/ ٥٢.\n(٥) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي، ص ١١٠، وشرح النووي على صحيح مسلم، ١٧/ ٩٦، وفتح الباري لابن حجر، ٨/ ١١٩، وعمدة القاري للعيني، ١٨/ ٥٢.\n(٦) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الباء مع الضاد، مادة: \" بضع \" ١/ ١٣٣، وعمدة القاري للعيني، ١٨/ ٥٣.\n(٧) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الظاء مع الهاء، مادة: \" ظهر \" ٣/ ١٦٦، وعمدة القاري للعيني، ١٨/ ٥٣.\n(٨) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الجيم مع الدال، مادة: \" جدل \" ١/ ٢٤٨، وشرح النووي على صحيح مسلم، ١٧/ ٩٧، وفتح الباري لابن حجر، ٨/ ١١٩، وعمدة القاري للعيني، ١٨/ ٥٣.","vol":"1","page":103},{"text":"* \" ليوشِكنّ الله \": ليسرعنَّ: أي ليعجلنَّ الله (١).\n* \" تجِد عليَّ فيه \": تغضب علي فيه (٢).\n* \" ثار رجال \": وثبوا (٣).\n* \" يؤنبونني \": يلومونني أشد اللوم وأعنفه (٤).\n* \" استكانا \": خضعا (٥).\n* \" أشب القوم وأجلدهم \": أصغرهم سنا وأقواهم (٦).\n* \" فأسارقه النظر \": أنظر إليه في خفية (٧).\n\" تسورت حائط أبي قتادة \": علوت سور بستانه وصعدته (٨).\n* \" جفوة الناس \": إعراضهم (٩).\n* \" حائط أبي قتادة وهو ابن عمي \": ذكر أنه ابن عمه لكونهما معا من بني سلمة وليس هو ابن عمه أخي أبيه (١٠).\n_________\n(١) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الواو مع الشين، مادة: \" وشك \" ٥/ ١٨٩، وشرح النووي على صحيح مسلم، ١٧/ ٩٧، وعمدة القاري للعيني ١٨/ ٥٣.\n(٢) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الواو مع الجيم، مادة: \" وجد \" ٥/ ١٥٥، وشرح النووي على صحيح مسلم، ١٧/ ٩٧، وفتح الباري لابن حجر، ٨/ ١١٩، وعمدة القاري للعيني، ١٨/ ٥٣.\n(٣) انظر: القاموس المحيط، للفيروز آبادي، باب الراء، فصل الثاء، ص ٤٥٩، وشرح النووي على صحيح مسلم، ١٧/ ٩٧، وفتح الباري لابن حجر، ٨/ ١١٩، وعمدة القاري للعيني، ١٨/ ٥٣.\n(٤) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي، ص ١١٠، وشرح النووي على صحيح مسلم، ١٧/ ٩٧، وفتح الباري لابن حجر، ٨/ ١١٩، وعمدة القاري للعيني، ١٨/ ٥٣.\n(٥) انظر: القاموس المحيط، للفيروز آبادي، باب النون، فصل الكاف، ص ١٥٨٥، وشرح النووي على صحيح مسلم، ١٧/ ٩٨.\n(٦) انظر: المقاييس في اللغة لابن فارس، كتاب الشين، مادة: \" شبب \"، ص ٥٢٢، وشرح النووي على صحيح مسلم، ١٧/ ٨٩.\n(٧) انظر: القاموس المحيط، للفيروز آبادي، باب القاف، فصل السين، ص ١١٥٤، وفتح الباري لابن حجر، ٨/ ١٢٠.\n(٨) انظر: غريب ما في الصحيحين للحميدي، ص ١١٠، وشرح النووي على صحيح مسلم، ١٧/ ٩٨.\n(٩) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الجيم مع الفاء، مادة: \" جفا \" ١/ ٢٨١، وفتح الباري لابن حجر، ٨/ ١٢٠.\n(١٠) انظر: الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، ٤/ ١٥٨، وفتح الباري لابن حجر، ٨/ ١٢٠.","vol":"1","page":104},{"text":"* \" أنشدك بالله \": أسألك بالله (١).\n* \" نبطي من أنباط الشام \": نسبة إلى استنباط الماء واستخراجه، وهؤلاء كانوا في ذلك الوقت أهل الفلاحة، وقيل: النبط والأنباط، فلاحوا العجم (٢).\n* \" ملك غسان \": قيل: جَبَلَة بن الأَيْهَمَ، وقيل: الحارث ابن أبي بشر، وقيل: جندب بن الأيهم (٣).\n* \" لم يجعلك الله بدار هوان \": دار ذل وصغار (٤).\n* \" نواسِك \": نشاركك فيما عندنا (٥).\n* \" يممت بها التنور \": قصدت بها، والتنور هو ما يخبز فيه (٦).\n* \" فسجرت \": أو قدت (٧).\n* \" سلع \": جبل معروف بالمدينة. (٨).\n* \" فأوفى \": أشرف وأطلع (٩).\n* \" إذا رسول رسول الله ﷺ يأتي \": \" هو خزيمة بن ثابت \" (١٠).\n* \" آذن \": أعلم (١١).\n_________\n(١) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين، للحميدي، ص ٤٣، وشرح الكرماني على صحيح البخاري، ١٦/ ٢٢٤.\n(٢) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي، ص ٤٦١، وشرح النووي على صحيح مسلم، ١٧/ ٩٩، وفتح الباري لابن حجر، ٨/ ١٢١.\n(٣) انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي، ٣/ ٥٣٢، وفتح الباري لابن حجر، ٨/ ١٢١، وعمدة القاري للعيني، ١٨/ ٥٣.\n(٤) انظر: القاموس المحيط، للفيروز آبادي، باب النون، فصل الهاء، ص ١٦٠٠، وفتح الباري لابن حجر ٨/ ١٢١، وعمدة القاري للعيني، ١٨/ ٥٣.\n(٥) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي، ص ١١١، وشرح النووي على صحيح مسلم، ١٧/ ٩٩.\n(٦) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي، ص ١١١، وفتح الباري لابن حجر، ٨/ ١٢١.\n(٧) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب السين مع الجيم، مادة: \" سجر \" ٢/ ٣٤٣.\n(٨) انظر: تفسير غريب في الصحيحين للحميدي، ص ١١١، وعمدة القاري للعيني، ١٨/ ٥٤.\n(٩) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الواو مع الفاء، مادة: \" وفا \" ٥/ ٢١١، وفتح الباري لابن حجر، ٨/ ١٢١.\n(١٠) انظر: الإصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر، ١/ ٤٢٥.\n(١١) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي، ص ٦٥، وفتح الباري لابن حجر ٨/ ١٢١.","vol":"1","page":105},{"text":"* \" استنار وجهه كأنه قطعة قمر \": أي الموضع الذي يبين فيه السرور، وهو جبينه. وهذا تشبيه بما في القمر من الضياء والاستنارة (١).\n* \" يحطمكم الناس \": أي يجتمعون عليكم ويتكالبون، فيشغلونكم عن التصرف، فجعل ذلك كالحطْمِ: وهو الكسر، والعنت والمشقة. (٢).\n* \" سعى ساعٍ من أسلم \": هو حمزة بن عمرو، ونزع له كعب ثوبيه (٣).\n* \" والله ما أملك غيرهما \": يريد جنس الثياب، وإلا فقد كان عنده راحلتان (٤).\n* \" فوالله ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه الله \": أي أنعم عليه (٥).\n* \" أرْجَأَ \": أخَّر (٦).\n* ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨] أي أخِّرت توبتهم، وهم: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع العمري: نسبة إلى بني عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس، وهلال بن أمية الواقفي، نسبة إلى بني واقف بن امرئ القيس بن مالك بن الأوس (٧).\n* \" أنخلع من مالي \": أخرج منه وأتصدق (٨).\n\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية منها:\n١ - من صفات الداعية: التحدث بنعم الله تعالى.\n_________\n(١) انظر: لسان العرب، لابن منظور، باب الراء، فصل النون، ٥/ ٢٤٠ وفتح الباري لابن حجر، ٦/ ٥٧٤، و٨/ ١٢٢.\n(٢) تفسير غريب ما في الصحيحين، للحميدي، ص ١١١.\n(٣) انظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي، ١/ ١٦٩، وفتح الباري لابن حجر، ٨/ ١٢٢.\n(٤) فتح الباري لابن حجر، ٨/ ١٢٢.\n(٥) انظر: غريب ما في الصحيحين للحميدي، ص ٣٥٨، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الباء مع اللام، مادة: \" بلا \" ١/ ١٥٥.\n(٦) انظر: غريب ما في الصحيحين للحميدي، ص ١١١.\n(٧) انظر: الإصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر، ٣/ ٣٩٦، ٣/ ٦٠٦، وفتح الباري لابن حجر، ٨/ ١٢٣.\n(٨) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، باب الخاء مع اللام، مادة: \" خلع \" ٢/ ٦٥، وشرح الكرماني على صحيح البخاري ١٦/ ٢٢٧.","vol":"1","page":106},{"text":"٢ - من صفات الداعية: قوة الإيمان ومحبة الله ورسوله ﷺ.\n٣ - من صفات الداعية: الرحمة والشفقة على المؤمنين والفرح بما يسرهم.\n٤ - أهمية الصدق وأثره في حياة الداعية.\n٥ - أهمية اغتنام فرص الخير قبل حرمانها.\n٦ - أهمية الأخذ بالظاهر وقبول أعذار المدعوين.\n٧ - من صفات الداعية: الحرص على حسن الخاتمة.\n٨ - أهمية الصبر على مشاق الدعوة والابتلاء.\n٩ - من أساليب الدعوة: التهنئة والتبشير للمدعو والسرور بما يسره.\n١٠ - إيثار طاعة الرسول ﷺ على محبة القريب.\n١١ - عناية الداعية بالمتخلفين عن الطاعة.\n١٢ - تأديب المدعو بالهجر إذا اقتضت المصلحة ذلك.\n١٣ - من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة.\n١٤ - من موضوعات الدعوة: التحذير من المعاصي وبيان عظم أمرها.\n١٥ - أهمية المداومة على الخير.\n١٦ - من أساليب الدعوة: إخبار الداعية عن تفريطه وتقصيره تحذيرا لغيره إذا ظهرت المصلحة.\n١٧ - أهمية إنكار الغيبة وردها.\n١٨ - أهمية قول الداعية لما لا يعلمه: الله أعلم.\n١٩ - معاتبة الداعية أصحابه على التقصير.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من صفات الداعية: التحدث بنعم الله تعالى: إن من صفات الداعية إلى الله تعالى: التحدث بنعم الله ﷿ ولهذا قال كعب ﵁ في هذا الحديث: \" ولقد شهدت مع رسول الله ﷺ ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر وإن كانت بدر أذكر في الناس منها \".\nوسمعت العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله تعالى يقول: \" والمقصود","vol":"1","page":107},{"text":"أنه ﵁ يذكر ما منَّ الله به عليه من حضور العقبة وهي من مشاهد الخير \" (١).\nولا شك أن التحدث بنعم الله تعالى من أركان الشكر التي تدوم بها النعم بإذن الله تعالى، قال الله ﷿: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧] (٢) وقال سبحانه: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١] (٣) فينبغي للداعية إلى الله أن يتحدث بنعم الله تعالى، ويشكره بلسان الحال والمقال.\nثانيا: من صفات الداعية: قوة الإيمان ومحبة الله ورسوله ﷺ: إن الداعية الصادق هو: قويّ الإيمان صادق النية، خالص المحبة لله ورسول ﷺ ولهذا يثبت على إيمانه ولا تزعزعه العواصف وأهل الكفر والضلال.\nوفي هذا الحديث أن ملك غسان أرسل إلى كعب ﵁ كتابا يقول فيه: \". . . أما بعد فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة فالحق بنا نواسك. . . \" فما كان من كعب ﵁ إلا أن قال: \". . . وهذا أيضا من البلاء فتيممت بها التنور فسجرته بها. . . \".\nقال ابن حجر ﵀: \" ودل صنيع كعب هذا على قوة إيمانه ومحبته لله ورسوله، وإلا فمن صار في مثل حاله: من الهجر والإعراض قد يضعف على احتمال ذلك، وتحمله الرغبة في الجاه والمال على هجران من هجره ولا سيما مع أمنه من الملك الذي استدعاه إليه أنه لا يكرهه على فراق دينه، لكن لما احتمل عنده أنه لا يأمَن من الافتتان حسم المادة، وأحرق الكتاب، ومنع الجواب، هذا مع كونه من الشعراء الذين طبعت نفوسهم على الرغبة، ولا سيما بعد الاستدعاء والحث على الوصول، إلى المقصود من الجاه والمال، ولا سيما والذي استدعاه قريبه ونسيبه، ومع ذلك غلب عليه دينه، وقوي عنده يقينه، ورجَّح ما هو فيه من النكد والتعذيب على ما دعيَ إليه من الراحة والنعيم حبّا في الله ورسوله ﷺ \" (٤) قال الله ﷿: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات: ١٥]\n_________\n(١) سمعت ذلك من شيخنا أثناء شرحه لحديث رقم ٣٨٨٩ من صحيح الإمام البخاري، بجامع الإمام تركي ابن عبد الله بالرياض عام ١٤١٥ هـ أو ١٤١٦ هـ.\n(٢) سورة إبراهيم، الآية: ٧.\n(٣) سورة الضحى، الآية: ١١.\n(٤) فتح الباري ٨/ ١٢١.","vol":"1","page":108},{"text":"الآية (١) وقال النبي ﷺ: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار» (٢) وهذا يبين للداعية عظم قوة الإِيمان وأن هذه القوة سلاح لا يقاومه شيء بإذن الله تعالى.\nثالثا: من صفات الداعية: الرحمة والشفقة على المؤمنين والفرح بما يسرهم: إن الداعية الصادق مع الله ﷿ هو الذي يرحم المدعوين ويشفق عليهم ويفرح بما يسرهم؛ ولهذا قال الإمام ابن حجر ﵀: \" وفيه ما كان النبي ﷺ عليه من كمال الشفقة على أمته والرأفة بهم، والفرح بما يسرهم \" (٣).\nوقال الإمام ابن القيم ﵀: \" وفي سرور رسول الله ﷺ بذلك وفرحه به، واستنارة وجهه دليل على ما جعل الله فيه من كمال الشفقة على الأمة، والرحمة بهم، والرأفة، حتى لعل فرحه كان أعظم من فرح كعب وصاحِبَيْه \" (٤).\nوهذا يبين للدعاة إلى الله تعالى أهمية الرحمة والشفقة على المدعوين، والفرح بما يسرهم؛ لفعله ﷺ.\n\nرابعا: أهمية الصدق وأثره في حياة الداعية: الصدق من أهم الصفات الحميدة التي يلزم الداعية أن يتخلق بها؛ ولهذا قال الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] (٥).\nقال الإمام ابن القيم ﵀ في فوائد قصة كعب: \" ومنها عظم مقدار الصدق،\n_________\n(١) سورة الحجرات، الآية: ١٥.\n(٢) متفق عليه من حديث أنس ﵁: أخرجه البخاري، في كتاب الإيمان، باب من كره أن يعود في الكفر كما يكره أن يلقى في النار من الإيمان ١/ ١٣ برقم ٢١، ومسلم، في كتاب الإيمان، باب خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان ١/ ٦٦ برقم ٤٣.\n(٣) فتح الباري ٨/ ١٢٣.\n(٤) زاد المعاد ٣/ ٥٨٥.\n(٥) سورة التوبة، الآية: ١١٩.","vol":"1","page":109},{"text":"وتعليق سعادة الدنيا والآخرة والنجاة من شرهما به، فما أنجى الله من أنجاه إلا بالصدق، ولا أهلك من أهلكه إلا بالكذب، وقد أمر الله عباده المؤمنين أن يكونوا مع الصادقين. . وقد قسم سبحانه الخلق إلى قسمين: سعداء وأشقياء، فجعل السعداء هم أهل الصدق والتصديق، والأشقياء هم أهل الكذب والتكذيب \" (١).\nقال الحافظ ابن حجر ﵀: \" وفيها فائدة الصدق وشؤم عاقبة الكذب \" (٢).\nفعلى الداعية إلى الله تعالى أن يتقي الله تعالى، وأن يكون صادقا في أقواله وأفعاله، وسائر تصرفاته وأحواله، وهذا من أعظم النعم على العبد، ولهذا قال كعب ﵁: \" فوالله ما أنعم الله عليَّ من نعمة قط بعد أن هداني للإسلام أعظم من صدقي لرسول الله ﷺ \" (٣).\nخامسا: أهمية اغتنام فرص الخير قبل حرمانها: من الأمور المهمة العظيمة اغتنام فرص الخير في الطاعة قبل أن يحرمها الداعية؛ فإنه بسبب تسويف كعب وتأخره عن الخروج مع رسول الله ﷺ من أول يوم حصل له ما حصل ﵁.\nقال الإمام ابن القيم ﵀ في فوائد قصة كعب ﵁: \" ومنها: أن الرجل إذا حضرت له فرصة القربة والطاعة، فالحزم كل الحزم في انتهازها، والمبادرة إليها، والعجز في تأخيرها، والتسويف بها، ولا سيما إذا لم يثق بقدرته وتمكنه من أسباب تحصيلها؛ فإن العزائم والهمم سريعة الانتقاض قلما تثبت، والله سبحانه يعاقب من فتح له بابا من الخير فلم ينتهزه، بأن يحول بين قلبه وإرادته، فلا يمكنه بعد من إرادته عقوبة له، فمن لم يستجب لله ورسوله إذا دعاه، حال بينه وبين قلبه وإرادته، فلا يمكنه الاستجابة بعد ذلك \" (٤)\n_________\n(١) زاد المعاد ٣/ ٥٩٠.\n(٢) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٨/ ١٢٤.\n(٣) انظر: المرجع السابق، ٨/ ١٢٣.\n(٤) زاد المعاد في هدي خير العباد، ٣/ ٥٧٤.","vol":"1","page":110},{"text":"قال الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٤] (١) وقد صرح الله سبحانه بهذا في قوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠] (٢) وقال: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] (٣) وقال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٥] (٤) وهذا في كتاب الله تعالى كثير. وقال الحافظ ابن حجر ﵀: \" وفيه أن المرء إذا لاحت له الفرصة في الطاعة فحقه أن يبادر إليها ولا يسوف بها لئلا يحرمها \" (٥) فعلى الداعية أن يبادر إلى كل طاعة لاحت له فرصتها ولا يسوف لئلا يحرمها، كما ينبغي له أن يسأل الله أن يلهمه المبادرة إلى طاعته، وأن لا يسلبه ما خوله من النعم.\n\nسادسا: أهمية الأخذ بالظاهر وقبول أعذار المدعوين: الداعية إلى الله تعالى ليس له إلا الظاهر من أحوال المدعوين؛ لقوله ﷺ: «إني لم أومر أن أنقب قلوب الناس ولا أشق بطونهم» (٦) فعلى الداعية أن يأخذ بظاهر أحوال المدعوين ويقبل أعذارهم ويعفو عنهم؛ لقوله تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] (٧) قال الإمام ابن القيم ﵀ في ذكر فوائد قصة كعب ﵁: \" ومنها: أن رسول الله ﷺ كان يقبل علانية من أظهر الإسلام من المنافقين، ويكل سريرته إلى الله، ويجري عليه حكم الظاهر، ولا يعاقبه بما يعلم من سره \" (٨) وقال ابن حجر\n_________\n(١) سورة الأنفال، الآية: ٢٤.\n(٢) سورة الأنعام، الآية: ١١٠.\n(٣) سورة الصف، الآية: ٥.\n(٤) سورة التوبة، الآية: ١١٥.\n(٥) فتح الباري ٨/ ١٢٤.\n(٦) متفق عليه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁: البخاري، كتاب المغازي، باب بعث علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد﵁- إلى اليمن ٥/ ١٣٠ برقم ٤٣٥١، ومسلم، في كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم ٢/ ٧٤١ برقم ١٠٦٤.\n(٧) سورة آل عمران، الآية: ١٥٩.\n(٨) زاد المعاد ٣/ ٥٧٥، وانظر: فتح الباري لابن حجر، ٨/ ١٢٤.","vol":"1","page":111},{"text":"﵀: \" ومنها: إجراء الأحكام على الظاهر ووكول السرائر إلى الله تعالى \" (١) وقد تخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك بضعة وثمانون رجلا وجاءوا يعتذرون إليه، فصدق منهم ثلاثة- وهم الثلاثة الذين تاب الله عليهم- وكذب سائرهم وحلفوا ما حبسهم إلا العذر فقبل منهم رسول الله ﷺ علانيتهم، ووكل سرائرهم إلى الله تعالى (٢).\nسابعا: من صفات الداعية: الحرص على حسن الخاتمة: إن من الأمور المهمة أن يحرص الداعية على حسن الخاتمة؛ ولهذا قال كعب ﵁ في هذا الحديث: \" فلبثت كذلك حتى طال عليَّ الأمر وما من شيءٍ أهمّ إليَّ من أن أموت فلا يصلِّي عليَّ النبيّ ﷺ، أو يموت رسول الله ﷺ فأكون من الناس بتلك المنزلة فلا يكلمني أحد منهم، ولا يصلي عليَّ \".\nفعلى الداعية أن يحرص على حسن الخاتمة ويسأل الله ذلك؛ فإنه من أهم المهمات. والله المستعان (٣).\nثامنا: أهمية الصبر على مشاق الدعوة والابتلاء: دل حديث كعب ﵁ على أنه لا بد للداعية من الصبر على مشاق الدعوة، وأن ذلك اختبار من الله تعالى هل يصبر العباد أو لا يصبرون؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١] (٤) وقال تعالى: ﴿الم - أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ - وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ١ - ٣] (٥).\nقد بين كعب ﵁ هذه الفتنة والابتلاء في هذا الحديث بقوله: «ولم يكن رسول الله ﷺ يريد غزوة إلا ورّى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة (٦)\n_________\n(١) فتح الباري ٨/ ١٢٤.\n(٢) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٨/ ١١٧.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٧٣، الدرس الثامن.\n(٤) سورة محمد، الآية: ٣١.\n(٥) سورة العنكبوت، الآيات: ١ - ٣.\n(٦) غزوة تبوك.","vol":"1","page":112},{"text":"غزاها رسول الله ﷺ في حر شديد، واستقبل رسول الله ﷺ سفرا بعيدا، ومفازا، وعدوّا كثيرا، فجلَّى رسول الله ﷺ للمسلمين أمرهم؛ ليتأهبوا أهل غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد والمسلمون مع رسول الله ﷺ كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ- يعني ديوان- فما رجل يريد أن يتغيَّب إلا ظن أن سيخفى له، ما لم ينزل فيه وَحْي الله وغزا رسول الله ﷺ تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال». \".\nوهذا كله فيه اختبار وامتحان، فعلى الداعية أن يصبر على السراء والضراء ومشقة الدعوة؛ ولهذا قال كعب عندما قرأ كتاب ملك غسان يدعوه فيه إلى أن يلحق به، قال ﵁: \" فقلت لما قرأتها: وهذا أيضا من البلاء فتيممت بها التنور فسجرته بها \" وقد بين الله ذلك في كتابه العزيز: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥] (١).\nتاسعا: من أساليب الدعوة: التهنئة والتبشير للمدعو والسرور بما يسره: من أساليب الدعوة التي تؤثر في حياة المدعو: التهنئة له وتبشيره بما يسره، والسرور بما يتجدد له من النعم أو يندفع عنه من النقم؛ فإن ذلك يطيِّب نفسه ويشرح له صدره، وفي هذا الحديث قال كعب ﵁: \". . . «وانطلقت إلى رسول الله ﷺ، فيتلقاني الناس فوجا فوجا يهنّؤني بالتوبة يقولون: لِتهنك توبة الله عليك، حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله ﷺ جالس حوله الناس، فقام إليَّ طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنَّأني، والله ما قام إليَّ رجل من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحة، فلما سلمت على رسول الله ﷺ قال رسول الله ﷺ وهو يبرق وجهه من السرور: \" أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك \"، وقال كعب: وذهب الناس يبشروننا، وذهب قِبَل صاحبيَّ مبشرون وركض إلي رجل وسعى ساعٍ من أسلم فأوفى على الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبيَّ فكسوته إياهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما». وهذا يبين مدى تأثير البشْرَى والتهنئة على المدعو وحبه لمن بشره وهنَّأَه،\n_________\n(١) سورة الأنبياء، الآية: ٣٥.","vol":"1","page":113},{"text":"وسرَّ بما هو فيه من الخير؛ قال الإمام ابن القيم ﵀: \" فيه دليل على استحباب تهنئة من تجدد له نعمة دينية، والقيام إليه، ومصافحته، فهذه سنة مستحبة، وهو جائز لمن تجدد له نعمة دنيوية، وأن الأولى أن يقال له: ليهنك ما أعطاك الله، وما منَّ الله به عليك، ونحو هذا الكلام؛ فإن فيه تولية النعمة ربَّها والدعاء لمن نالها بالتهنِّي بها \" (١).\nلهذا قال النبي ﷺ لأبي بن كعب: \" ليهنك العلم أبا المنذر \" (٢) وذلك عندما سأله عن أعظم آية في القرآن فقال ﵁: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] (٣) فينبغي للداعية أن يهنِّي إخوانه الدعاة والمدعوين ويسر بما يتجدد لهم من النعم ويندفع عنهم من النقم؛ فإن ذلك يجذب قلوبهم لمحبته، ومن ثم قبول دعوته.\n\nعاشرا: إيثار طاعة الرسول ﷺ على مودة القريب: من صفات الداعية الناجح: إيثار طاعة الله ورسوله على مودة القريب؛ ولهذه الصفة الحميدة لم يرد أبو قتادة السلام على كعب؛ لنهي الرسول ﷺ عن كلامه، قال كعب ﵁: \" تسورت جدار أبي قتادة وهو ابن عمي وأحبّ الناس إليَّ فسلمت عليه فوالله ما رد عليَّ السلام، فقلت: يا أبا قتادة أنشدك بالله، هل تعلمني أحبّ الله ورسوله؛ فسكتَ، فعدت له فنشدته فسكتَ، فعدت له فنشدته فقال: الله ورسوله أعلم. ففاضت عيناي، وتوليت حتى تسورت الجدار \". وهذا يبين مدى طاعة الصحابة ﵃ لرسول الله ﷺ.\nفعلى الداعية أن يحرص على طاعة الرسول ﷺ؛ لقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] (٤) وقوله ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين» (٥)\n_________\n(١) زاد المعاد ٣/ ٥٨٥، وانظر: فتح الباري لابن حجر، ٨/ ١٢٤.\n(٢) أخرجه مسلم، في كتاب صلاة المسافرين، باب فضل سورة الكهف وآية الكرسي، ١/ ٥٥٥ برقم ٨١٠.\n(٣) سورة البقرة، الآية: ٢٥٥.\n(٤) سورة النور، الآية: ٦٣.\n(٥) متفق عليه من حديث أنس ﵁: البخاري، في كتاب الإيمان، باب حب الرسول ﷺ من الإيمان ١/ ١١ برقم ١٥، ومسلم، في كتاب الإيمان، باب وجوب محبة الرسول ﷺ أكثر من الأهل والولد والناس أجمعين ١/ ٦٧ برقم ٤٤.","vol":"1","page":114},{"text":"وهذا يدل الداعية على أن طاعة النبي ﷺ مقدمة على طاعة كل أحد من البشر.\nالحادي عشر: عناية الداعية بالمتخلفين عن الطاعة: من الأمور المهمة: عناية الداعية بالمدعوين المستجيبين المتخلفين عن بعض الطاعات، فيرشدهم ويذكِّرهم ليراجعوا الطاعة ويتوبوا من تقصيرهم؛ قال الإمام ابن القيم ﵀ في فوائد قصة كعب: \" ومنها: أن الإمام والمطاع لا ينبغي له أن يهمل من تخلف عنه في بعض الأمور؛ بل يذكِّره؛ ليراجع الطاعة ويتوب؛ فإن النبي ﷺ قال بتبوك: \" ما فعل كعب \"؟ ولم يذكر سواه من المخلَّفين استصلاحا له ومراعاة، وإهمالا للقوم المنافقين \" (١).\nعلى الداعية أن يعتني بالمستجيبين المتخلفين عن بعض الطاعات ويذكرهم، ويتعاهد أحوالهم حتى يستمر هؤلاء على الطاعة، والله المستعان.\nالثاني عشر: تأديب المدعو بالهجر إذا اقتضت المصلحة ذلك: من الحكمة أن يهجر الداعية من يظهر المنكرات -إذا لم يحصل بذلك مفسدة- على وجه التأديب حتى يتوب تأديبا له، وزجرا لغيره (٢) قال الإمام ابن القيم ﵀ في فوائد حديث كعب: \" وفيه: دليل أيضا على هجران الإمام، والعالم، والمطاع لمن فعل ما يستوجب العتب، ويكون هجرانه دواء له بحيث لا يضعف عن حصول الشفاء به، ولا يزيد في الكمية والكيفية عليه فيهلكه، إذ المراد تأديبه لا إتلافه \" (٣).\nيوضح ذلك ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: من أن الهجر يختلف باختلاف الهاجرين في قوتهم وضعفهم، وقلتهم وكثرتهم؛ فإن المقصود به زجر المهجور وتأديبه، ورجوع العامة عن مثل حاله، فإن كان هجره يضعف الشرَّ كان مشروعا، وإن كان المهجور لا يرتدع بذلك، ولا يرتدع به غيره،\n_________\n(١) زاد المعاد لابن القيم، ٣/ ٥٧٥.\n(٢) انظر: المرجع السابق، ٣/ ٥٧٥.\n(٣) المرجع السابق، ٣/ ٥٧٨.","vol":"1","page":115},{"text":"بل يزيد الشرَّ والهاجر ضعيف، وتكون مفسدة الهجر راجحة على مصلحته لم يشرع الهجر، بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهجر، كما كان الهجر لبعض الناس أنفع من التأليف؛ ولهذا كان النبي ﷺ يتألف قوما ويهجر آخرين (١) وينبغي أن يفرق بين الهجر لحق الله، وبين الهجر لحق النفس: فالهجر لحق الله تعالى مأمور به، والثاني منهي عنه (٢).\nفعلى الداعية أن يراعي هذه الضوابط في الهجر التأديبي ويضع كل شيء في موضعه كالطبيب الحاذق الذي يعطي العلاج على حسب المرض.\nالثالث عشر: من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة: من وسائل الدعوة القدوة الحسنة، وذلك يرَغِّب الداعية في أن يقتدي بالنبي ﷺ في كل أموره، وأن يكون هو قدوة للمدعوين ويقتدي أيضا بأهل العلم ويتأسى بهم.\nوفي الحديث ما يدل على هذه الوسيلة وهو قول كعب ﵁: \". . . وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني فقالوا لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله ﷺ بما اعتذر إليه المتخلفون، قد كان يكفيك ذنبك استغفار رسول الله ﷺ لك. فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع فأكذِّب نفسي، ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي أحد؟ قالوا: نعم. رجلان قالا مثل ما قلت، فقيل لهما مثل ما قيل لك. فقلت من هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع العمري، وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلين شهدا بدرا فيهما أسوة فمضيت حين ذكروهما لي \"؛ ولهذا قال ابن القيم ﵀: \" فيه أن الرجل ينبغي له أن يبرِّدَ حَرَّ المصيبة بروح التأسي بمَنْ لقي مثل ما لقي. . \" (٣) والتأسي بالنظير ينفع في الدنيا بخلاف الآخرة (٤) لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف: ٣٩] (٥)\n_________\n(١) انظر: فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٢٨/ ٢٠٤ - ٢٠٧.\n(٢) انظر: المرجع السابق ٢٨/ ٢٠٨ وفتح الباري لابن حجر، ٨/ ١٢٤.\n(٣) زاد المعاد ٣/ ٥٧٧.\n(٤) انظر: المرجع السابق، ٣/ ٥٧٧، وفتح الباري لابن حجر، ٨/ ١٢٠.\n(٥) سورة الزخرف، الآية: ٣٩.","vol":"1","page":116},{"text":"فعلى الداعية أن يكون قدوة في الخير للمدعوين، وأن يتأسى برسول ﷺ فيما يصيبه من السراء والضراء وفي كل أحواله، وأن يتأسى بأهل العلم المخلصين. والله المستعان (١).\n\nالرابع عشر: من موضوعات الدعوة: التحذير من المعاصي وبيان عِظَمِ أمرها: إن من أهم الموضوعات التي ينبغي للداعية العناية بها وتوضيحها للناس: التحذير من المعاصي وبيان أضرارها وأخطارها على المجتمع المسلم.\nقال الحافظ ابن حجر ﵀: \" وفيها: عظم أمر المعصية، وقد نبَّهَ الحسن البصري على ذلك فيما أخرجه ابن أبي حاتم عنه قال: يا سبحان الله ما أكل هؤلاء الثلاثة مالا حراما، ولا سفكوا دما حراما، ولا أفسدوا في الأرض، أصابهم ما سمعتم، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، فكيف بمن يواقع الفواحش والكبائر؟ \" (٢).\nفعلى الداعية أن يعتني بهذا الموضوع عناية فائقة؛ لشدة خطره على الفرد والمجتمع.\nالخامس عشر: أهمية المداومة على الخير: دل هذا الحديث على أهمية المداومة على الخير، وقد ذكر الحافظ ابن حجر ﵀ أن مما يستفاد من هذا الحديث: التزام المداومة على الخير الذي ينتفع به (٣) وهذا واضح من حديث كعب ﵁ حيث قال: «يا رسول الله إنما أنجاني الله بالصدق وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقا ما بقيت. فوالله ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث- منذ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ- أحسن مما أبلاني (٤) ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ إلى يومي هذا كذبا وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت». . \".\nفعلى المسلم وخاصة الداعية إلى الله تعالى أن يداوم ويلتزم الأعمال الصالحة ولا يقطعها كما داوم كعب ﵁ على الصدق، ويسأل الله ﷿ أن يعينه على ذلك.\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٨، الدرس الخامس.\n(٢) فتح الباري ٨/ ١٢٣، وكلام الحسن رحمه الله تعالى نقلا من نفس الموضع.\n(٣) انظر: فتح الباري ٨/ ١٢٤.\n(٤) أبلاه الله: أي أنعم عليه. فتح الباري لابن حجر ٨/ ١٢٣.","vol":"1","page":117},{"text":"السادس عشر: من أساليب الدعوة: إخبار الداعية عن تفريطه وتقصيره تحذيرا لغيره إذ ظهرت المصلحة: إن من أساليب الدعوة إخبار الداعية- في بعض الأحيان- عن تقصيره وتفريطه، وعن سبب ذلك تحذيرا ونصيحة لغيره، إذا تيقن أن في ذلك مصلحة للمدعو، وقد بين الإمام ابن القيم ﵀ أن ذلك مما يستفاد من قصة كعب ﵁ فقال: \" فمنها: جواز إخبار الرجل عن تفريطه وتقصيره في طاعة الله ورسوله ﷺ وعن سبب ذلك، وما آل إليه أمره، وفي ذلك من التحذير، والنصيحة، وبيان طرق الخير والشر، وما يترتب عليها ما هو من أهم الأمور \" (١).\nالسابع عشر: أهمية إنكار الغيبة وردها: إن من الأمور المهمة التي ينبغي للداعية أن يردها وينكر على صاحبها: الغيبة، وقد جاء ذلك في هذا الحديث، قال الإمام ابن القيم ﵀: \" ومنها: جواز الرد على الطاعن إذا غلب على ظن الراد أنه وهم وغلط، كما قال معاذ للذي طعن في كعب: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا. . \" (٢).\nفينبغي للداعية وغيره من المسلمين أن يرد الغيبة عن أخيه المسلم ولا تقبل من قائلها في مجلسه، ولهذا بين النبي ﷺ عظم ثواب من رد الغيبة عن أخيه المسلم فقال: «من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة». (٣).\nالثامن عشر: أهمية قول الداعية لما لا يعلمه: الله أعلم: إن من العلم أن يقول الداعية لمن سأله عن شيء لا يعلمه: الله أعلم، أو لا أدري. وقد دل هذا الحديث على ذلك، حين قال أبو قتادة لكعب ﵄: \" الله ورسوله أعلم \".\nوقول الداعية لما لا يعلمه: لا أدري، أو لا أعلم، أو سأراجع المسألة دليل على علمه وورعه وتقواه؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] (٤)\n_________\n(١) زاد المعاد ٣/ ٥٧٣، وانظر: فتح الباري لابن حجر، ٨/ ١٢٣.\n(٢) زاد المعاد ٣/ ٥٧٥، وانظر: فتح الباري لابن حجر، ٨/ ١٢٤.\n(٣) أخرجه الإمام أحمد ٦/ ٤٥٠، والترمذي، في كتاب البر والصلة، باب ما جاء في الذب عن عرض المسلم ٤/ ٣٢٧ برقم ١٩٣١، وقال: هذا حديث حسن، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير ٥/ ٢٩٥.\n(٤) سورة الأعراف، الآية: ٣٣.","vol":"1","page":118},{"text":"وقال ﷺ: «من تعمد عليَّ كذبا فليتبوّأ مقعده من النار» (١).\nومن حرص السلف ﵏ ورضي عنهم على الصدق ما قاله عبد الله بن مسعود ﵁: \" من علم فليقل، ومن لم يعلم فليقل الله أعلم؛ فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم: لا أعلم؛ فإن الله قال لنبيه (٢) ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] (٣).\nفعلى الداعية أن لا يستحي إذا لم يعلم أن يقول: الله أعلم، أو لا أدري.\nالتاسع عشر: معاتبة الداعية أصحابه على التقصير: إن الداعية الحريص على استقامة أصحابه على الخير يعاتبهم على تقصيرهم وما بدر منهم، حبّا لهم، ونصحا، وشفقة عليهم؛ ولهذا ذكر الإمام ابن القيم ﵀ أن ذلك مما يستنبط من حديث كعب ﵁، فقال: \" ومنها: معاتبة الإمام والمطاع أصحابه، ومن يعز عليه، ويكرم عليه؛ فإنه ﷺ عاتب الثلاثة دون سائر من تَخَلَّف عنه، وقد أكثر الناس من مدح عتاب الأحبة واستلذاذه، والسرور به، فكيف بعتاب أحبِّ الخلق على الإطلاق إلى المعتوب عليه، ولله ما كان أحلَى ذلك العتاب، وما أعظم ثمرته، وأجل فائدته، ولله ما نال به الثلاثة من أنواع المسرات وحلاوة الرضا. . . \" (٤).\n_________\n(١) متفق عليه: من حدث أنس ﵁: البخاري، كتاب العلم، باب إثم من كذب على النبي ﷺ ١/ ٤١ برقم ١٠٨، ومسلم، في المقدمة، باب تغليظ الكذب على رسول الله ﷺ ١/ ١٠، برقم ٢.\n(٢) البخاري، كتاب التفسير، تفسير سورة الروم ٦/ ٢٢ لرقم ٤٧٧٤، وانظر: الحديث رقم ٥٨، الدرس الحادي عشر.\n(٣) سورة ص، الآية: ٨٦.\n(٤) زاد المعاد ٣/ ٥٧٦.","vol":"1","page":119},{"text":"١٨ -<span data-type=\"title\" id=toc-36> باب قول الله ﷿ ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أولو الْقرْبَى </span>وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِين فَارْزقوهمْ مِنْه﴾ [النساء: ٨] (١)\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>[حديث هما واليان وال يرث ووال لا يرث]</span>\n١٠ - [٢٧٥٩] حَدَّثَنَا محَمَّد بن الفَضْلِ أَبو النّعْمَانِ: حَدَّثَنَا أَبو عَوَانَةَ، عَن أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بن جبَيْر، عَنِ ابنِ عبّاسٍ ﵄ قَالَ (٢) \" إِنَّ نَاسا يَزعمونَ أَنَّ هذه الآيةَ نسِخَتْ، وَلا وَاللَّهِ مَا نسِخَتْ، ولَكِنَّها مِمَّا تَهَاوَنَ الناس، همَا وَاليَانِ: وَالٍ يَرِث وَذَاكَ الذِي يَرْزق، وَوَالٍ لَا يَرِث فَذَاكَ الذِي يَقول بِالْمَعْروفِ، يقول: لَا أَمْلِك لَكَ أَنْ أعْطِيَكَ \" (٣).\nوفي رواية: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾ [النساء: ٨] قَالَ: \" هِيَ محْكَمَة وَلَيْسَتْ بِمَنْسوخَةٍ \" (٤).\n* شرح غريب الحديث: * \" يزعمون \" الزعم: قريب من الظن (٥).\nوقيل: هو القول يكون حقا ويكون باطلا. وقيل: الزعم: الظن، وقيل: الكذب (٦).\n* \" نسخت \" النسخ: أمر كان يعمل به من قبل ثم ينسخ بحادث غيره، كالآية ينزل فيها أمر ثم تنسخ بآية أخرى، وكل شيء خلف شيئا فقد نسخه، أي أبطله وقام مقامه، والأول منسوخ والثاني ناسخ، يقال: نسخت الشمس الظلَّ: أي أزالت الظل وحلت محله (٧).\n_________\n(١) سورة النساء، الآية: ٨.\n(٢) تقدمت ترجمته في حديث رقم ٥ - ٢٧٤٣.\n(٣) طرفه، في كتاب التفسير، سورة النساء، باب وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أولو الْقرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِين فَارْزقوهمْ مِنْه ٥/ ٢١٠ برقم ٤٥٧٦.\n(٤) من الطرف رقم ٤٥٧٦.\n(٥) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الزاي مع العين، مادة \" زعم \" ٢/ ٣٠٣.\n(٦) لسان العرب، لابن منظور الإفريقي، فصل الزاي، باب الميم، مادة \" زعم \" ١٢/ ٢٦٤.\n(٧) انظر: معجم المقاييس في اللغة، لابن فارس، مادة \" نسخ \" ص ١٠٢٦، ولسان العرب لابن منظور، باب الخاء، فصل النون، ٣/ ٦١، والقاموس المحيط لمحمد بن يعقوب الفيروز آبادي، باب الخاء، فصل النون، ص ٣٣٤، والنهاية في غريب الحديث لابن الأثير، باب النون مع السين، ٥/ ٤٧.","vol":"1","page":120},{"text":"* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من موضوعات الدعوة: الإحسان إلى الأقرباء واليتامى والمساكين.\n٢ - من موضوعات الدعوة: بيان الناسخ والمنسوخ عند الحاجة.\n٣ - من صفات الداعية: القول اللطيف الحسن.\n٤ - الرد بالحكمة على من ظهر منه مخالفة للنصوص الشرعية.\n٥ - من أساليب الدعوة: التوكيد بالقسم.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من موضوعات الدعوة: الإحسان إلى الأقرباء واليتامى والمساكين: دل هذا الحديث على العناية بالأقارب واليتامى والمساكين؛ لقول ابن عباس ﵄ في قوله ﷿: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء: ٨] قال: هي محكمة وليست بمنسوخة. وقد أمرِ الله ﷿ بالإحسان إليهم في آيات كثيرة، منها قوله تعالى:\n﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ﴾ [البقرة: ١٧٧] الآية (١).\nوقال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ [النساء: ٣٦] الآية. (٢).\nفعلى الدعاة إلى الله أن يبلِّغوا الناس هذا الواجب العظيم، الذي عظم الله شأنه، وعظم شأنه النبي ﷺ؛ ولهذا قال ﷺ: «من سره أن يبْسَطَ لَه في رزقه، وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه» (٣).\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ١٧٧.\n(٢) سورة النساء، الآية: ٣٦.\n(٣) متفق عليه من حديث أنس ﵁: البخاري، كتاب الأدب، باب من بسط له في الرزق بصلة الرحم ٧/ ٩٥ برقم ٥٩٨٥ ومسلم، كتاب البر والصلة، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها، ٤/ ١٩٨٢ برقم ٢٥٥٧.","vol":"1","page":121},{"text":"وقال ﷺ: «الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم اثنتان: صدقة وصلة» (١).\nفعلى الداعية أن يحث الناس على العناية بهذا الأمر، ويرغبهم فيه، ويحذرهم من التهاون به.\nثانيا: من موضوعات الدعوة: بيان الناسخ والمنسوخ عند الحاجة: إن المدعوين قد يحتاجون إلى بيان الناسخ والمنسوخ على حسب الحاجة والمصلحة الشرعية؛ لأهمية هذا الموضوع؛ ولهذا قال الإمام القرطبي ﵀ في أهمية معرفة الناسخ والمنسوخ وتبليغه: \" معرفة هذا الباب أكيدة وفائدته عظيمة لا يستغني عن معرفته العلماء، ولا ينكره إلا الجهلة الأغبياء؛ لما يترتب عليه من النوازل في الأحكام، ومعرفة الحلال من الحرام \" (٢).\nفعلى الداعية أن يبين الناسخ والمنسوخ عند حاجة المدعو إلى ذلك، ويكون عن علم وبصيرة. والله المستعان (٣).\nثالثا: من صفات الداعية: القول اللطيف الحسن: من الصفات الجميلة والأخلاق الحميدة أن يحسن الداعية إلى المدعوين بالفعل والقول؛ فإن لم يستطع بالفعل فبالقول الحسن كما في الآية المذكورة في هذا الحديث: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [النساء: ٨] (٤).\nقال الإمام القرطبي ﵀: \" بين الله تعالى أن من لم يستحق شيئا إرثا وحضر القسمة، وكان من الأقارب أو اليتامى، والفقراء الذين لا يرثون أن يكرموا ولا يحرموا إن كان المال كثيرا، والاعتذار إليهم إن كان عقارا أو قليلا. . \" (٥).\n_________\n(١) الترمذي، ٣/ ٣٧ برقم ٦٥٨، والنسائي، برقم ٢٥٨٢، وتقدم تخريجه في الحديث رقم ٧، الدرس الأول، ص ٨٠.\n(٢) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، ٢/ ٦٦.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٦، الدرس الثالث.\n(٤) سورة النساء، الآية: ٨.\n(٥) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، ٥/ ٤٨.","vol":"1","page":122},{"text":"وقد أمر الله ﷿ بالاعتذار والقول الحسن المعروف لمن لا يستطيع الإحسان بالفعل، ومن ذلك قوله تعالى ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٨] (١).\nفعلى الداعية أن يتخلَّق بهذا الخلق الجميل، وأن يسأل الله تعالى أن يوفقه ويعينه؛ فإنه لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع سبحانه.\nرابعا: الرد بالحكمة على من ظهر منه مخالفة للنصوص الشرعية: ظهر في هذا الحديث الرد الحكيم من ابن عباس ﵄ على من خالفه في حكم هذه الآية الكريمة، وذلك أنه قال ﵁: \" إن ناسا يزعمون أن هذه الآية نسخت. . . \" ولم يصرح ولم يشهر بأسمائهم، وهذا من الحكمة التي كان النبي ﷺ يعمل بها في دعوته، فقد كان ﷺ يقول: «ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم». . . \" الحديث (٢) «ما بال أناس يشترطون شروطا ليست في كتاب الله». . . \" الحديث (٣) «ما بال أقوام يتنزهون عن شيء أصنعه». . . \" الحديث (٤) «ما بال أقوام قالوا كذا وكذا، لكني أصلي وأنام». . . \" الحديث (٥).\nفعلى الداعية أن لا يصرح بالأسماء في دعوته للناس، ولا يواجه بالعتاب، بل يسلك مسلك النبي ﷺ في دعوته وكفى.\nخامسا: من أساليب الدعوة: التوكيد بالقسم: أسلوب التوكيد بالقسم يثبت المعاني في القلوب، ويحملها على التصديق والإيمان، وسرعة التنفيذ بفعل المأمورات وترك المنهيات (٦) وفي هذا\n_________\n(١) سورة الإسراء، الآية: ٢٨.\n(٢) البخاري، كتاب الأذان، باب رفع البصر إلى السماء في الصلاة، ١/ ٢٠٥ برقم ٧٥٠، من حديث أنس ﵁.\n(٣) البخاري، كتاب المكاتب، باب ما يجوز من شروط المكاتب، ٢/ ١٧٣ برقم ٢٥٦١.\n(٤) متفق عليه من حديث عائشة ﵂: البخاري، كتاب الأدب، باب من لم يواجه الناس بالعتاب ٧/ ١٢٦ برقم ٦١٠١، ومسلم، كتاب الفضائل، باب علمه ﷺ بالله وشدة خشيته ٤/ ١٨٢٩ برقم ٢٣٥٦.\n(٥) مسلم، كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ٢/ ١٠٢٠ برقم ١٤٠١.\n(٦) انظر: تفسير الطبري \" جامع البيان عن تأويل آي القرآن \" للطبري، ٤/ ٤٧، ومفردات ألفاظ القرآن، للراغب الأصفهاني، مادة: \" قسم \" ص ٦٧٠، والجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، ١٩/ ٩٠.","vol":"1","page":123},{"text":"الحديث يظهر هذا الأسلوب في قول ابن عباس ﵄: \" ولا والله ما نسخت \". فعلى الداعية أن يستخدم هذا الأسلوب عند الحاجة إليه؛ ولهذه الأهمية أقسم الله ﷿ في مواضع كثيرة تأكيدا لصدق ما يقول، وهو أصدق القائلين: قال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧] (١) وقال النبي ﷺ: «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة: يهوديّ ولا نصرانيّ، ثم يموت، ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار» (٢).\n_________\n(١) سورة التغابن، الآية: ٧.\n(٢) مسلم، ١/ ١٣٤ برقم ١٥٣، وتقدم تخريجه في الحديث رقم ٦، الدرس الثالث، ص ٧٧.","vol":"1","page":124},{"text":"١٩ -<span data-type=\"title\" id=toc-38> باب ما يستحب لمن توفى فجأة أن يتصدقوا عنه</span>، وقضاء النذور عن الميت\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>[حديث سعد بن معاذ سأل رسول الله إن أمي ماتت وعليها نذر فقال اقضه عنها]</span>\n١١ - [٢٧٦١] حَدَّثَنَا عَبْد الله بن يوسفَ: أَخْبرَنَا مَالِك، عَنِ ابنِ شِهَابٍ عَنْ عبَيْدِ اللهِ بنِ عبدِ اللَّهِ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄: (١) «أَنَّ سَعْدَ بنَ عبادَةَ ﵁ اسْتَفْتَى رَسولَ اللَّهِ ﷺ فقَالَ: إِنَّ أمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا نَذْر، فقال: \" اقضِهِ عَنْهَا» (٢).\nوفي روِاية: «أَنَّ سَعْدَ (٣) بْنَ عبَادَةَ الأنصَارِيَّ اسْتَفْتَى النَّبيَّ ﷺ في نَذْرٍ كَانَ عَلَى أمِّهِ فتوفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَه فَأَفْتَاه أَنْ يَقْضِيَه عَنْهَا، فَكَانَتْ سنَّة بَعْد» (٤).\nوفي رواية: «وَقَالَ بَعْض النَّاسِ إِذَا بَلَغَتِ الإبِل عِشْرِينَ فَفِيهَا أَرْبَع شِياهٍ، فَإِنْ وَهَبَهَا قَبْلَ الْحَوْلِ أَوْ بَاعَهَا فِرَارا وَاحتِيَالا لإِسْقَاطِ الزَّكَاةِ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ إِنْ أَتْلَفَهَا فَمَاتَ فَلاَ شَيْءَ فِي مَالِهِ» (٥).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - أهمية السؤال في تحصيل العلم.\n٢ - مسارعة المدعو إلى عمل الخير.\n٣ - من موضوعات الدعوة: الحث على الإحسان إلى الوالدين بعد موتهما.\n٤ - أهمية استشارة العلماء.\n٥ - من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة.\n٦ - من أساليب الدعوة: الترغيب.\n٧ - من موضوعات الدعوة: الحث على أداء الزكاة.\n_________\n(١) ترجم له في الحديث رقم ٥ - ٢٧٤٣.\n(٢) [٢٧٦١] طرفاه: في كتاب الأيمان والنذور، باب من مات وعليه نذر، ٧/ ٢٩٧ برقم ٦٦٩٨، وكتاب الحيل، باب في الزكاة وأن لا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين متفرق خشية الصدقة، ٨/ ٧٧ برقم ٦٩٥٩. وأخرجه مسلم، في كتاب النذر، باب الأمر بقضاء النذر، ٣/ ١٢٦٠ برقم ١٦٣٨.\n(٣) تقدمت ترجمته في الحديث رقم: ٨.\n(٤) الطرف رقم ٦٦٩٨/ ٨.\n(٥) من الطرف رقم ٦٩٥٩.","vol":"1","page":125},{"text":"والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: أهمية السؤال في تحصيل العلم: دل هذا الحديث على أهمية سؤال العالم عند الجهل، أو عند اشتباه الأمور؛ لأن هذا الصحابي ﵁ ترك الحكم بالرأي عندما لم يكن يعلم هل تنفع الصدقة عن أمه أم لا؛ ولم يقدم عليها برأيه وإنما سأل النبي ﷺ (١).\nقال ابن حجر ﵀: \" وفيه السؤال عن التحمل. . . \" (٢) وقال الإمام الأبي ﵀: \" فيه استفتاء الأعلم. . . \" (٣).\nفينبغي للجاهل أن يسأل العالم عما أشكل عليه حتى يكون على بصيرة (٤).\nثانيا: مسارعة المدعو إلى عمل الخير: دل الحديث على مسارعة المدعو إلى الخير؛ لأن الصحابي الجليل ﵁ عندما علم بأن قضاء النذر عن أمه ينفع بادر إلى ذلك؛ ولهذا ذكر الإمام ابن حجر ﵀: \" أن في الحديث المسارعة إلى عمل البر والمبادرة إلى بر الوالدين \" (٥).\nفعلى المدعو أن يبادر إلى أعمال البر والتقوى، ويسارع إلى ذلك (٦).\nثالثا: من موضوعات الدعوة: الحث علي الإحسان إلى الوالدين بعد موتهما: إن بر الوالدين والإحسان إليهما من أعظم القربات إلى الله تعالى. وبرهما يكون في حياتهما وبعد موتهما، فمن فاته الإِحسان إلى والديه في حياتهما فقد جعل الله له ذلك بعد موتهما، سواء كان الإِحسان: بالصدقة عليهما، أو الاستغفار والدعاء، أو قضاء الديون والنذور، أو إنفاذ عهدهما من بعدهما، أو صلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، أو صلة أهل ودِّهما، أو غير ذلك من\n_________\n(١) انظر: بهجة النفوس: شرح مختصر صحيح البخاري لابن أبي جمرة، ٣/ ٩٥.\n(٢) فتح الباري ٥/ ٣٩٠.\n(٣) إكمال إكمال المعلم، للإمام محمد بن خليفة الأبي ٦/ ٥، وانظر: شرح الزرقاني على الموطأ ٣/ ٧٤.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٨، الدرس الأول.\n(٥) انظر: فتح الباري ٥/ ٣٩٠.\n(٦) انظر: الحديث رقم ٨، الدرس الثاني.","vol":"1","page":126},{"text":"أعمال البر؛ لقوله ﷺ: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولدٍ صالح يدعو له» (١).\nفعلى الداعية أن يبين للناس هذا الموضوع ويحثهم على الإحسان إلى الوالدين في الحياة وبعد الممات (٢) والله المستعان (٣).\nرابعا: أهمية استشارة العلماء: من الأمور المهمة التي ينبغي للداعية والمدعو العناية بها: الاستشارة للعلماء المخلصين في أمور الدين؛ لأن ذلك مما يسبب النجاح والتوفيق بإذن الله تعالى؛ فإنه ما خاب من استخار ولا ندم من استشار، وقد بين ﷾ للناس مكانة الشورى، وأنها من صفات المؤمنين فقال:. . . ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الشورى: ٣٨] (٤)؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀ في فوائد هذا الحديث: \" وفيه ما كان الصحابة عليه من استشارة النبي ﷺ في أمور الدين \" (٥).\nفعلى المدعو أن يستشير العلماء والدعاة في كل ما يشكل عليه، وعلى الدعاة أيضا أن يستشيروا العلماء حَتَّى تنجح أعمالهم وتصرفاتهم بإذن الله تعالى (٦).\nخامسا: من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة: القدوة الحسنة من أهم وسائل الدعوة؛ لأن العمل يؤثر في الغالب على المدعو أكثر من القول، وقد دل هذا الحديث على القدوة في قوله: \" فكانت سنة بعد \"، قال الإمام الكرماني ﵀: \" أي صار قضاء الوارث حقوق الموروث طريقة شرعية؛ لأن القضاء في بعض المواضع واجب كما إذا كان\n_________\n(١) صحيح مسلم، ٣/ ١٢٥٥ برقم ١٦٣١، وتقدم تخريجه في الحديث رقم ٢، الدرس الرابع، ص ٦٠.\n(٢) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٥/ ٣٩٠، و١١/ ٥٨٥.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٨، الدرس الرابع.\n(٤) سورة الشورى، الآية: ٣٨.\n(٥) فتح الباري، ٥/ ٣٩٠.\n(٦) انظر: مجموع مؤلفات الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي [الثقافة] ١/ ١٤٤، ١٩٠ - ١٩١.","vol":"1","page":127},{"text":"ماليا وثمة تركة \" (١) وقال العيني ﵀: \" فكانت فتوى النبي ﷺ سنة يعمل بها، بعد إفتاء النبي ﷺ، والضمير في كانت يرجع إلى الفتوى \" (٢) فهذا الصحابي ﵁ كان سؤاله وعمله بفتوى النبي ﷺ طريقة شرعية في قضاء ما على الميت من الديون والنذور والواجبات، فعلى الداعية أن يكون قدوة في الخير (٣).\nسادسا: من أساليب الدعوة: الترغيب: في هذا الحديث ترغيب في الإحسان إلى الوالدين بعد موتهما، وبيان لفضل الله تعالى على الآباء ببركة عمل الأبناء ودعائهم لهم؛ ولهذا قال ﷺ: «إن الله ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة فيقول: يا ربِّ أَنَّى لي هذه؟ فيقول: باستغفار ولدك لك» (٤).\nقال الحافظ ابن حجر ﵀: \" وفيه فضل بر الوالدين بعد الوفاة، والتوصل إلى براءة ما في ذمتهم \" (٥).\nفعلى الداعية أن يرغب الناس في ذلك؛ لأن الترغيب له أثر في النفوس ونشاط في العمل، وطمع في فضل الله تعالى (٦).\nسابعا: من موضوعات الدعوة: الحث على أداء الزكاة: دل الحديث على أن الحث على أداء الزكاة من موضوعات الدعوة؛ لأهميتها؛ ولكونها من أركان الإسلام العظام، وهي قرينة الصلاة في مواضع كثيرة من كتاب الله تعالى، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] (٧).\n_________\n(١) شرح الكرماني على صحيح الإمام البخاري ٢٣/ ١٣٤، وانظر: فتح الباري لابن حجر، ١١/ ٥٨٤.\n(٢) عمدة القاري ٢٣/ ٢١٠، وانظر: إرشاد الساري للقسطلاني، ٩/ ٤٠٧.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٣، الدرس الثالث.\n(٤) أخرجه أحمد في المسند ٢/ ٢٠٩، وصحح إسناده الإمام ابن كثير في تفسيره، ٤/ ٢٤٣.\n(٥) فتح الباري ١١/ ٨٥.\n(٦) انظر: الحديث رقم ٧، الدرس الرابع عشر، ورقم ٨، الدرس الرابع.\n(٧) سورة البقرة، الآية: ٤٣.","vol":"1","page":128},{"text":"فعلى الداعية أن يبين للمدعوين المستجيبين أصناف الأموال الزكوية، ومقادير الأنصباء لكل صنف، وشروط وجوب الزكاة على المسلم، ومقادير الواجب في ذلك، وأصناف أهل الزكاة؛ لأن ذلك من أصول الدين التي ينبغي العناية بها وتوضيحها للناس (١).\n_________\n(١) انظر: فتح الباري لابن حجر، ١٢/ ٣٣١.","vol":"1","page":129},{"text":"٢٣ -<span data-type=\"title\" id=toc-40> باب قول الله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكلونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظلْما </span>إِنَّمَا يَأْكلونَ فِي بطونِهِمْ نَارا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرا﴾ [النساء: ١٠] (١)\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>[حديث اجتنبوا السبع الموبقات]</span>\n١٢ - [٢٧٦٦] حَدَّثَنَا عَبْد العَزِيزِ بن عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَني سلَيْمان بن بِلال، عَنْ ثَورِ بنِ زَيدٍ المَدَنيِّ، عَنْ أَبِي الغَيْثِ، عَنْ أَبِي هرَيْرَةَ ﵁ (٢) عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: «اجْتَنِبوا السَّبْعَ الموبِقَاتِ \". قَالوا: يَا رَسولَ اللهِ وَمَا هنَّ؛ قَالَ: \" الشِّرك باللهِ، والسِّحْر، وقَتْل النَّفسِ الّتِي حَرَّمَ الله إلّا بِالحَقِّ؛ وَأَكْل الرِّبا، وأَكل مالِ اليَتِيم، والتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْف المحْصَنَاتِ المؤمناتِ الغَافِلاتِ» (٣).\n* شرح غريب الحديث: * \" الموبقات \" المهلكات، ويقال: أوبقته ذنوبه: أي حبسته (٤).\n* \" يوم الزحف \" يوم الالتقاء في قتال العدو؛ لأنهم يزحفون: أي يتقدمون إليهم (٥).\n* \" وقذف \" القذف: الرمي بقوة (٦).\n* \" المحصنات \" الإحصان في كلام العرب: المنع، فتكون المرأة محصنة بالإسلام، لأن الإسلام يكفها عما لا يحل، وتكون محصنة بالعفاف والحياء من أن تفعل ما تعاب به (٧) والمراد: الحرائر العفيفات (٨).\n* \" الغافلات \" كناية عن البريئات؛ لأن البريء غافل عما بهت به من الزنا (٩).\n_________\n(١) سورة النساء، الآية: ١٠.\n(٢) تقدمت ترجمته في الحديث رقم: ٧.\n(٣) [الحديث ٢٧٦٦] طرفاه: في كتاب الطب، باب الشرك والسحر من الموبقات، ٧/ ٣٧ برقم ٥٧٦٤، وكتاب المحاربين من أهل الكفر والردة، باب رمي المحصنات ٨/ ٤٢ برقم ٦٨٥٧. وأخرجه مسلم، في كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها، ١/ ٩٢ برقم ٨٩.\n(٤) تفسير غريب ما في الصحيحين؛ لأبي عبد الله الحميدي، ص ٣١٩.\n(٥) المرجع السابق ص ٣١٩.\n(٦) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب القاف مع الذال، مادة \" قذف \" ٤/ ٢٩.\n(٧) تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٢٣٩ و٥٣٤.\n(٨) انظر: فتح الباري لابن حجر، ١٢/ ١٨١.\n(٩) عمدة القاري للعيني، ١٤/ ٦٢، وانظر: شرح النووي على صحيح مسلم ٢/ ٤٤٣.","vol":"1","page":130},{"text":"* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من موضوعات الدعوة: التحذير من السبع المهلكات.\n٢ - أهمية سؤال المدعو عما لم يفهم.\n٣ - من أساليب الدعوة: الترهيب.\n٤ - من أساليب الدعوة: ذكر العدد إجمالا ثم تفصيلا.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية بالتفصيل على النحو الآتي:\nأولا: من موضوعات الدعوة: التحذير من السبع المهلكات: من الموضوعات المهمة في الدعوة، تحذير الناس من الكبائر وخاصة الموبقات التي تهلك الإنسان المسلم، وأعظمها جرما وأكبرها قبحا: الشرك بالله تعالى؛ لأنه يحبط العمل ويخلد صاحبه في النار، إذا مالت عليه، لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢] (١) ثم تأتي الكبائر بعده في الجرم وعظم الذنب، والكبائر لا تحصر، ولكن يجمعها أن كل ذنب ترتب عليه حدّ في الدنيا، أو توعِّدَ عليه بالنار، أو اللعنة، أو الغضب، أو العذاب، أو نفي الإيمان، أو نحو ذلك، فهو من الكبائر (٢) وأشد هذه الكبائر إثما وعقابا السبع الموبقات المذكورة في هذا الحديث (٣).\nفعلى الداعية أن يحذر الناس من الذنوب كبيرها وصغيرها، ولكن يهتم اهتماما كبيرا في التحذير والزجر عن هذه الموبقات السبع (٤).\n_________\n(١) سورة المائدة، الآية: ٧٢.\n(٢) انظر: شرح الإمام النووي على صحيح مسلم ٢/ ٤٤٤، وشرح العقيدة الطحاوية، للعلامة علي بن علي بن أبي العز، ص ٤١٨.\n(٣) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ٢/ ٤٤١، وفتح الباري لابن حجر، ١٢/ ١٨٤ وعمدة القاري للعيني ١٤/ ٦٢.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٩، الدرس الرابع عشر.","vol":"1","page":131},{"text":"ثانيا: أهمية سؤال المدعو عما لم يفهم: دل هذا الحديث على أن المدعو الموفق هو الذي يسأل عما أشكل عليه ولم يفهمه؛ لأن الصحابة ﵃ سألوا النبي ﷺ عندما قال: \" اجتنبوا السبع الموبقات \" فقالوا: \" وما هنَّ؟ \" فبين لهم النبي ﷺ ما أشكل عليهم.\nفينبغي للمدعو أن يسأل عن كل ما أشكل عليه كما قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧] (١) وهذا يؤكد أهمية السؤال عما أشكل (٢).\nثالثا: من أساليب الدعوة: الترهيب: لا شك أن أسلوب الترهيب يخوّف المدعو ويحذِّره من كل ما يضره في الدنيا والآخرة، ويظهر في هذا الحديث استخدام النبي ﷺ لهذا الأسلوب في قوله: \" اجتنبوا السبع الموبقات \"، وهذا اللفظ يخوّف المدعو مما يهلكه ويضره؛ ولهذا ينبغي للداعية أن يستخدم هذا الأسلوب مع المدعوين ويوضح لهم أن انتشار هذه المهلكات في المجتمعات من أسباب الهلاك، والضلال، والانحراف، والانحلال والاختلاف (٣).\nرابعا: من أساليب الدعوة: ذكر العدد إجمالا ثم تفصيلا: أسلوب ذكر العدد: إجمالا ثم تفصيلا مهم في الدعوة إلى الله تعالى، وهو ظاهر في هذا الحديث في قوله ﷺ: \" اجتنبوا السبع الموبقات \"، فقد أجمل أولا ثم فسر ﷺ ما أجمل، ومن المعلوم أن الإخبار بالإجمال يحصل به للنفس المعرفة بغاية المذكور، ثم تبقى متشوقة إلى معرفة معناه، فيكون ذلك أوقع في النفس وأعظم في الفائدة (٤).\nفعلى الداعية أن يستخدم أسلوب ذكر العدد إجمالا ثم تفصيلا في دعوته؛\n_________\n(١) سورة الأنبياء، الآية: ٧.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٨، الدرس الأول، ورقم ١١، الدرس الأول.\n(٣) انظر: فتح الباري لابن حجر، ١٢/ ١٨٢ - ١٨٤، وانظر: الحديث رقم ٧، الدرس الثالث عشر.\n(٤) انظر: بهجة النفوس، لابن أبي جمرة ١/ ٩٧، وإكمال إكمال المعلم، للأبي ١/ ٢٣٢، ٢٣٣.","vol":"1","page":132},{"text":"لأنه إذا فعل ذلك يشدّ أذهان المدعوين إلى حديثه، ليتمكنوا من معرفة نتيجة العدد وتفسيره؛ فإذا سمع المدعو قوله ﷺ: «أربع إذا كنَّ فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا». . . \" - فإنه حينئذ ينتبه وينتظر ذكر هذه الأربع برغبة واشتياق- \". . . «حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة في طعمة» (١) ويحتمل أن يدل العدد المبهم المجمل على التعظيم والتفخيم. وهذا يبين أهمية ذكر الداعية العدد إجمالا ثم تفصيلا في أساليبه الدعوية، والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) أخرجه أحمد في المسند، ٢/ ١٧٧، وصححه الألباني في صحيح الجامع ١/ ٣٠١.","vol":"1","page":133},{"text":"٢٤ -<span data-type=\"title\" id=toc-42> باب قول الله تعالى ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قلْ إِصْلَاح لَهمْ خَيْر </span>وَإِنْ تخَالِطوهمْ فَإِخْوَانكمْ وَاللَّه يَعْلَم الْمفْسِدَ مِنَ الْمصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّه لَأَعْنَتَكمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيز حَكِيم﴾ [البقرة: ٢٢٠] (١).\n\" لأَعنتَكم \": لأَحرجكم وضَيَّقَ عليكم. \" وعَنَت \": خَضَعَت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>[حديث ما رد ابن عمر على أحد وصيته]</span>\n١٣ - [٢٧٦٧]- وَقَالَ لنَا سلَيمان بن حَرْبٍ: حَدَّثَنَا حَمّاد عَنْ أَيّوبَ عَنْ نافعٍ (٢) قَالَ: مَا رَدَّ ابن عمَرَ (٣) عَلَى أَحَدٍ وَصيتَه، وَكَانَ ابن سِيرِينَ أَحَبّ الأَشْيَاءِ إِليهِ فِي مَالِ اليَتِيمِ أَنْ يَجتمِعَ إِليهِ نصَحَاؤه، وَأَولياؤه، فيَنْظروا الَّذِي هوَ خير لَه، وَكَانَ طاوس إِذا سئِلَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ اليَتامَى قَرَأَ ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠] وَقَالَ عَطاء فِي يَتامَى الصَّغِير والْكَبِيرِ: ينفِق الوَليّ عَلَى كلِّ إِنْسَانٍ بقَدْرِهِ مِنْ حِصَّتِهِ.\n* شرح غريب الحديث: * \" نصَحَاؤه \" جمع ناصح، وهو من أراد الخير للمنصوح له (٤).\n* \" أولياؤه \" أي: من تولَّى أمره وقام على مصالحه (٥).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الخبر دروس وفوائد دعوية، منها:\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ٢٢٠.\n(٢) نافع بن هرمز ويقال: بن كاوس، أبو عبد الله الإمام المفتي الثبت، عالم المدينة في عصره، مولى ابن عمر، سبي وهو صغير فاشتراه ابن عمر، والأرجح في الجملة أنه من سبي فارس، وهو تابعي جليل، نقل علما كثيرا عن جمع من الصحابة، وعن خلائق من التابعين، وأجمعوا على توثيقه وجلالته. قال البخاري رحمه الله تعالى: \" أصح الأسانيد: مالك عن نافع عن ابن عمر \" مات بالمدينة سنة سبع عشرة ومائة، وقيل: سنة تسع عشرة ومائة، وقيل: سنة عشرين. انظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي ٢/ ١٢٣، وسير أعلام النبلاء للذهبي، ٥/ ٩٥.\n(٣) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ١.\n(٤) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب النون مع الصاد، مادة \" نصح \" ٥/ ٦٣، وعمدة القاري للعيني، ١٤/ ٦٥، وإرشاد الساري للقسطلاني، ٥/ ٢٣.\n(٥) انظر النهاية في غريب الحديث، باب الواو مع اللام، ٥/ ٢٢٩.","vol":"1","page":134},{"text":"١ - من صفات الداعية: الرحمة.\n٢ - من صفات الداعية: الرغبة فيما عند الله تعالى.\n٣ - من أساليب الدعوة: الترغيب والترهيب.\n٤ - من موضوعات الدعوة: الحث على الإحسان إلى الأيتام والعناية بمصالحهم.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من صفات الداعية: الرحمة: دل هذا الحديث على أن من صفات الداعية الناجح أن يرحم الناس، وخاصة الأيتام؛ ولهذا لم يرد ابن عمر ﵄ على أحد وصيته رحمة بالأيتام، ومن أجل ذلك أوصى النبي ﷺ بالأيتام والعناية بهم (١).\nفعلى الداعية أن يتصف بهذه الصفة الحميدة، ويكون رحيما بالمؤمنين وخاصة اليتامى الذين فقدوا آباءهم؛ فإن الله لا يخيِّب سعيه. والله المستعان (٢).\nثانيا: من صفات الدعاة: الرغبة فيما عند الله تعالى: يظهر في هذا الخبر رغبة الصحابي الجليل عبد الله بن عمر ﵄ فيما عند الله تعالى، وذلك في عدم ردِّه على أحد وصيته، وكأنه يبتغي الأجر بقوله ﷺ: «أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا \" وأشار بالسبابة والوسطى، وفرج بينهما شيئا» (٣).\nفينبغي للداعية أن يرغب فيما عند الله تعالى؛ فإن ذلك من أعظم القربات:. . ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [القصص: ٦٠] (٤).\nثالثا: من أساليب الدعوة: الترغيب والترهيب: إن من الأساليب النافعة في الدعوة إلى الله تعالى: الترغيب والترهيب،\n_________\n(١) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٥/ ٣٩٤.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٥، الدرس الأول ورقم ٩ الدرس الثالث.\n(٣) البخاري، في كتاب الطلاق، باب اللعان، ٦/ ٢١٨ برقم ٥٣٠٤، وفي كتاب الأدب، باب فضل من يعول يتيما، ٧/ ١٠١ برقم ٦٠٠٥.\n(٤) سورة القصص، الآية: ٦٠.","vol":"1","page":135},{"text":"وهذا ظاهر في هذا الخبر في قول طاووس: حيث كان إذا سئل عن شيء من أمر اليتامى قرأ: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠] قال الإمام القرطبي ﵀: في تفسير هذه الآية: \" تحذير: أي يعلم المفسد لأموال اليتامى من المصلح، فيجازي كلا على إصلاحه وإفساده \" (١).\nوقال سبحانه: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء: ٩] (٢).\nفينبغي للداعية أن يستخدم أسلوب الترغيب والترهيب في دعوته؛ فإن ذلك مما يؤثر على المدعو (٣).\nرابعا: من موضوعات الدعوة: الحث علي الإحسان إلى الأيتام والعناية بمصالحهم: إن من الموضوعات المهمة: الحث على الإحسان إلى اليتامى، والعناية بهم وبمصالحهم، وتربيتهم التربية الإسلامية، والإنفاق عليهم من أموالهم أو من غيرها بالمعروف، وتنمية عقولهم وأموالهم (٤) وقد أمر الله تعالى بالعناية باليتامى في آيات كثيرة ومنها قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ [النساء: ٣٦] (٥) وحذر سبحانه عن إفساد أموالهم وأكلها بالباطل فقال ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] (٦).\nفعلى الداعية أن يبين للناس أهمية هذا الموضوع، ويوضح لهم ما أوجب الله عليهم من العناية باليتامى، ورعاية مصالحهم الدينية والدنيوية (٧).\n_________\n(١) الجامع لأحكام القرآن، ٣/ ٦٩، وانظر: تفسير الطبري \" جامع البيان عن تأويل آي القرآن \" ٤/ ٣٥٧، وانظر أيضا: الحديث رقم ٧، الدرس الثالث عشر.\n(٢) سورة النساء، الآية: ٩.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٧، الدرس الرابع عشر، ورقم ١١، الدرس السادس.\n(٤) انظر: تفسير ابن جرير الطبري \" جامع البيان عن تأويل آي القرآن \" ٤/ ٣٤٩، وتفسير القرطبي \" الجامع لأحكام القرآن \" ٣/ ٦٦ - ٦٩ وفتح الباري لابن حجر ٥/ ٣٩٥، وعمدة القاري للعيني ١٤/ ٦٥.\n(٥) سورة النساء، الآية: ٣٦.\n(٦) سورة النساء، الآية: ١٠.\n(٧) انظر: الحديث رقم ١٠، الدرس الأول.","vol":"1","page":136},{"text":"٢٥ -<span data-type=\"title\" id=toc-44> باب استخدام اليتيم في السفر والحضر إذا كان صلاحا له </span>ونظر الأم أو زوجها لليتيم\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>[حديث أنس خدمت رسول الله في السفر والحضر]</span>\n١٤ - [٢٧٦٨] حَدَّثَنَا يَعْقوب بن إِبْرَاهِيمَ بنِ كَثِير: حَدَّثَنَا ابن علَيةَ: حَدَّثَنَا عبد العَزِيزِ، عَنْ أَنسٍ ﵁، (١) قَالَ: «قَدِمَ رَسول الله ﷺ المَدينة لَيْسَ له خادم، فأَخذَ أَبو طَلْحَةَ بِيَدِي فَانْطَلَقَ بِي إلَى رَسولِ اللهِ ﷺ فَقَال: يَا رَسولَ اللهِ إِنَّ أنسا غلاَم كيِّس فَلْيَخْدمْكَ، قَالَ: فَخَدَمْته فِي السَّفَر وَالْحَضَرِ، مَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ صَنَعْته لِمَ صَنعْتَ هَذَا هَكَذَا؟ وَلاَ لِشَيْءٍ لَمْ أَصْنَعْه لِمَ لَمْ تَصْنَعْ هَذَا هَكَذا؟» (٢) وفي رواية:\n«خَدَمْت النَّبِيَّ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ فَمَا قَالَ لِي: أفٍّ، وَلاَ لِمَ صَنَعْتَ؟ ولاَ: أَلاَ صَنَعْتَ؟» (٣) وفي رواية:\n\". . . «فَوَاللهِ مَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ صَنَعْته لِمَ صَنَعْتَ هَذَا هَكَذَا وَلاَ لشيء لَمْ أَصْنَعْه لِمَ لَمْ تَصْنَعْ هَذَا هَكَذا؟» (٤).\n_________\n(١) أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار، أبو حمزة الأنصاري الخزرجي، خادم رسول الله ﷺ، وأحد المكثرين من الرواية عنه، وقرابته من النساء، وتلميذه، وآخر أصحابه موتا، ولد ﵁ قبل الهجرة بعشر سنين، وعندما قدم النبي ﷺ إلى المدينة جاءت أم سليم بابنها أنس إلى النبي ﵊ وقالت: يا رسول الله! هذا أنس ابني أتيتك به يخدمك فادع الله له، فقبَّله النبي ﷺ ودعا له، وكان مجموع ما روي عنه وثبت في دعائه له: \" اللهم أكثر ماله، وولده، وبارك له فيما أعطيته [وأطل حياته واغفر له، [وأدخله الجنة] \". وخدم النبي ﷺ عشر سنوات، وشهد بدرا صبيّا ثم المشاهد والغزوات بعدها، ومات النبي ﷺ وأنس ابن عشرين سنة، فكان ﵁ إماما، مفتيا، داعية، راوية الإسلام، روى عن النبي ﷺ وبلَّغ عنه علما جمّا بَلَغ ألفين ومائتين وستة وثمانين حديثا، اتفق البخاري ومسلم على مائة وثمانية وستين، وانفرد البخاري بثلاثة وثمانين، ومسلم بواحد وسبعين، وقد عمِّر حيث عاش مائة وثلاث سنين، توفي على الصحيح سنة ٩٣ هـ ﵁ وأرضاه. انظر: تهذيب الأسماء واللغات، للنووي، ١/ ١٢٧، وسير أعلام النبلاء للذهبي، ٣/ ٣٩٥ - ٤٠٦، والإصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر، ١/ ٧١ - ٧٢.\n(٢) [الحديث ٢٧٦٨] طرفاه: في كتاب الأدب، باب حسن الخلق والسخاء وما يكره من البخل، ٧/ ١٠٩ برقم ٦٠٣٨، وفي كتاب الديات، باب من استعان عبدا أو صبيا ٨/ ٥٩ برقم ٦٩١١ وأخرجه مسلم، في كتاب الفضائل، باب كان ﷺ أحسن الناس خلقا، ٤/ ١٨٠٤ برقم ٢٣٠٩.\n(٣) من الطرف رقم ٦٠٣٨.\n(٤) من الطرف رقم ٦٩١١.","vol":"1","page":137},{"text":"* شرح غريب الحديث: * \" كيِّس \" الكيِّس: العاقل (١) وهو الذي لا يقع منه خلَل غالبا في الدين (٢).\n* \" أفّ \" أصل الأف: كل مستقذر من وسخ وقلامة ظفر، وما جرى مجراها، ويقال ذلك لكل مستخف به، ويقال عند التكره من الشيء، وعند التضجّر منه (٣).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من صفات الداعية: الخلق الحسن.\n٢ - من آداب الداعية: ترك العتاب على ما فات استئلافا للمدعو.\n٣ - أدب المدعو مع العالم والداعية.\n٤ - من صفات الداعية: الكَيْس والنشاط.\n٥ - من أساليب الدعوة: التوكيد بالقسم.\n٦ - من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من صفات الداعية: الخلق الحسن: دل الحديث على أن الخلق الحسن من أعظم صفات الداعية؛ ولهذا قال الإمام النووي ﵀: \" وفي هذا الحديث بيان كمال خلقه ﷺ وحسن عشرته، وحلمه وصفحه \" (٤) وقال الإمام ابن أبي جمرة: \" فيه دليل على حسن خلق النبي وكثرة ما أمده الله ﷿ به من قوة اليقين؛ لأن أنسا بقي في خدمته ﷺ\n_________\n(١) النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير، باب الكاف مع الياء، مادة \" كيس \" ٤/ ٢١٧، وانظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٢٠٨.\n(٢) بهجة النفوس لابن أبي جمرة، ٣/ ٨٠.\n(٣) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي، ص ٢٥٤، ومفردات ألفاظ القرآن للأصفهاني ص ٧٩، وفتح الباري لابن حجر، ١٠/ ٤٦٠.\n(٤) شرح الإمام النووي على صحيح مسلم ١٥/ ٧٨، وانظر: شرح الكرماني على صحيح الإمام البخاري ١٢/ ٨٣، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للإمام القرطبي ٦/ ١٠٤.","vol":"1","page":138},{"text":"عشر سنين ثم مع طول السنين ومباشرة الخدمة لم يقل له النبي ﷺ: قط لِمَ فعلت هذا هكذا، ولا لِمَ لَمْ تفعل. .؟ \" (١).\nفعلى الداعية أن يتصف بحسن الخلق؛ فإن النبي ﷺ بعثه الله تعالى ليتمم مكارم الأخلاق كما قال ﷺ: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» (٢) ومما يدل على أهمية حسن الخلق للداعية أن الله تعالى أمر به إمام الدعاة وقائدهم محمدا ﷺ، وأثنى عليه به، قال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] (٣) وقال سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] (٤) وسئلت عائشة ﵂ عن خلقه فقالت: \". . . «فإن خلق نبيكم ﷺ كان القرآن» (٥) وهذا يحث الداعية على أن يسأل الله تعالى أن يرزقه الخلق الحسن؛ فإن النبي ﷺ كان يقول: \". . . «واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت». . . \" (٦).\nثانيا: من أدب الداعية: ترك العتاب على ما فات استئلافا للمدعو: من الأمور المهمة للداعية أن لا يلوم ولا يعاتب أحدا على ما فات، وخاصة في أمور الدنيا التي لا إثم في تركها؛ ولهذا قال الحافظ ابن حجر ﵀: \" ويستفاد من هذا ترك العتاب على ما فات؛ لأن هناك مندوحة عنه باستئناف الأمر به إذا احتيج إليه، وفائدة تنزيه اللسان عن الزجر والذم واستئلاف خاطر الخادم بترك معاتبته، وكل ذلك في الأمور التي تتعلق بحظ الإنسان، وأما الأمور اللازمة شرعا فلا يتسامح فيها؛ لأنها من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر \" (٧).\nفعلى الداعية أن لا يعاتب لحظ نفسه ولا لأجل الدنيا، بل عليه أن يعفو ويصفح كما فعل النبي ﷺ مع أنس ﵁.\n_________\n(١) بهجة النفوس ٣/ ٩٨.\n(٢) البيهقي في السنن الكبرى بلفظه ١٠/ ١٩٢، وأحمد ٢/ ٣٨١، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي ٢/ ٦١٣، وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني ١/ ٧٥ برقم ٤٥.\n(٣) سورة الأعراف، الآية: ١٩٩.\n(٤) سورة القلم، الآية: ٤.\n(٥) مسلم، في كتاب صلاة المسافرين، باب جامع صلاة الليل ومن نام عنه أو مرض ١/ ٥١٣ برقم ٧٤٦.\n(٦) صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، ١/ ٥٣٥ برقم ٧٧١.\n(٧) فتح الباري ١٠/ ٤٦٠، وانظر: إكمال إكمال المعلم للأبي، ٨/ ٤٣.","vol":"1","page":139},{"text":"ثالثا: أدب المدعو مع العالم والداعية: إن من الآداب الجميلة والأخلاق الحميدة احترام العلماء وخدمتهم والعناية بذلك، احتراما للعلم الذي معهم؛ ولهذا الأمر المهم أرسلت أم سليم ﵂ ابنها أنس بن مالك ﵁ إلى النبي ﷺ؛ ليخدمه، فخدمه ﵁ عشر سنوات. قال الإمام العيني ﵀: \" وفيه أن خدمة الإمام والعالم واجبة على المسلمين، وأن ذلك شرف لمن خدمهم. . . \" (١).\nفعلى المدعو أن يخدم العلماء، ويوقرهم، ويحترمهم؛ لما لهم من الفضل على الناس بنشر العلم النافع بينهم، وتعليمهم لهم علوم الكتاب والسنة.\nرابعا: من صفات الداعية: الكَيْس والنشاط: إن من صفات الداعية أن يكون عاقلا ثبتا، نشيطا في طاعة الله تعالى؛ لأن الكيِّس في الحقيقة: هو الذي لا يقع منه خلل في الدين؛ (٢) ولهذا قال أبو طلحة ﵁ في هذا الحديث: \" يا رسول الله، إن أنسا غلام كيِّس فليخدمك \". فعلى الداعية أن يكون عاقلا، نشيطا، ملتزما بأمور الدين، فلا يقع منه خلل ولا تقصير.\nخامسا: من أساليب الدعوة: التوكيد بالقسم: إن التوكيد بالقسم من الأساليب المهمة في الدعوة إلى الله تعالى؛ لأنه يثبت المعاني في القلوب، ويحملها على التصديق؛ قال أنس ﵁: \" فوالله ما قال لي لشيء صنعته لِمَ صنعت هذا؟ \".\nفينبغي للداعية أن يستخدم هذا الأسلوب عند الحاجة إليه (٣).\nسادسا: من وسائل الدعوة القدوة الحسنة: إن فعل النبي ﷺ مع أنس بن مالك يدل على هذه الوسيلة النافعة، وأن\n_________\n(١) عمدة القاري ١٤/ ٦٦.\n(٢) انظر: بهجة النفوس لابن أبي جمرة ٣/ ٩٨.\n(٣) انظر: الحديث رقم ١٠، الدرس الخامس.","vol":"1","page":140},{"text":"أثرها عظيم في الدعوة؛ لأن الفعل أبلغ من القول (١) ولهذا أثَّر هذا الخلق الحسن على أنس بن مالك ﵁ حتى قال: «خدمت النبي ﷺ عشر سنين فوالله ما قال لي لشيء صنعته لم صنعت هذا». . . \" الحديث.\nفعلى الداعية أن يقتدي برسول الله ﷺ في خلقه، وأن يكون قدوة حسنة لغيره؛ لأن القدوة الحسنة تعطي الآخرين قناعة بما يدعو إليه الداعية (٢).\nومن أعظم ما ينبغي للداعية أن يكون قدوة لغيره في: الخلق الحسن، ومنه: طلاقة الوجه، وبذل المعروف، وكف الأذى، ولا شك أن حسن الخلق قسمان: أحدهما مع الله ﷿، وهو أن تعلم أن كل ما يكون منك يوجب عذرا، وكل ما يأتي من الله يوجب شكرا، فلا تزال شاكرا له معتذرا إليه.\nوالقسم الثاني: حسن الخلق مع الناس، وجماعه أمران: بذل المعروف قولا وفعلا، وكف الأذى قولا وفعلا، وهذا إنما يقوم على أركان خمسة: العلم، والجود، والصبر، وطيب العود (٣) وصحة الإسلام (٤).\nفعلى الداعية أن يكون قدوة للمدعوين في هذا الخلق الحسن. والله المستعان (٥).\n_________\n(١) انظر: فتح الباري لابن حجر ١٣/ ٢٧٥.\n(٢) انظر: بهجة النفوس لابن أبي جمرة، ٣/ ٩٨، وعمدة القاري للعيني، ٢٤/ ٧٠، وشرح رياض الصالحين للعثيمين ٦/ ٢٦٣ - ٢٦٤.\n(٣) طيب العود: أن يكون الله ﷿ خلقه على طبيعة منقادة، سهلة الاستجابة لداعي الخيرات، انظر: عون المعبود شرح سنن أبي داود، لمحمد شمس الحق، ١٣/ ١٣٠.\n(٤) انظر: المرجع السابق، ١٣/ ١٣٠.\n(٥) انظر: الحديث رقم ٣، الدرس الثالث، ورقم ٨، الدرس الخامس، ورقم ٩، الدرس الثالث عشر.","vol":"1","page":141},{"text":"٣٢ -<span data-type=\"title\" id=toc-46> بَاب نَفَقَةِ الْقَيِّمِ لِلْوَقفِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>[حديث ما تركت فهو صدقة]</span>\n١٥ - [٢٧٧٦] حَدَّثَنَا عَبْد اللهِ بن يوسفَ: أَخْبَرَنَا مَالِك، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَن أَبِي هرَيْرَةَ ﵁: (١) أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَقْتَسِمْ وَرَثَتِي دِينَارا، وَلَا دِرْهَما، مَا تَرَكْت - بَعدَ نَفَقَةِ نِسَائي وَمؤْنَةِ عَامِلي- فَهوَ صَدَقَة» (٢).\n* شرح غريب الحديث: \" ومؤنة (٣) عاملي \" أراد ﷺ بالعامل: الخليفة بعده، وقيل: هو القائم على هذه الصدقات والناظر فيها، وقيل: كل عامل للمسلمين من خليفة وغيره؛ لأنه عامل النبي ﷺ ونائب عنه في أمته (٤).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من صفات الداعية: الزهد.\n٢ - من صفات الداعية: الكرم.\n٣ - مسئولية الداعية تجاه أقاربه.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من صفات الداعية: الزهد: في هذا الحديث بيان واضح للأمة أن النبي ﷺ لم يهتم بأمور الدنيا، ولم تكن أكبر همه؛ لأنه لم يبعث لتحصيلهما وجمعها، وإنما بعث لإنقاذ الناس\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في الحديث رقم: ٧.\n(٢) [الحديث ٢٧٧٦] طرفاه في: كتاب فرض الخمس، باب نفقة نساء النبي ﷺ بعد وفاته، ٤/ ٥٥ برقم ٣٠٦٩، وفي كتاب الفرائض، باب قول النبي ﷺ: \" لا نورث ما تركنا صدقة \" ٨/ ٥ برقم ٦٧٢٩. وأخرجه مسلم، في كتاب الجهاد والسير، باب قول النبي ﷺ: \" لا نورث ما تركنا صدقة \" ٣/ ١٣٨٢ برقم ١٧٦٠.\n(٣) انظر: القاموس المحيط، للفيروز آبادي، باب النون، فصل الميم، ص ١٥٩٠، وأعلام الحديث في شرح صحيح البخاري للخطابي ٢/ ١٣٤٩.\n(٤) شرح النووي على صحيح مسلم ١٢/ ٣٢٥.","vol":"1","page":142},{"text":"وإخراجهم من ظلمات الشرك والمعاصي إلى نور التوحيد والطاعات. وهذا يدل على زهده، وقناعته ﷺ؛ ولهذا قالت عائشة ﵂: «خرج النبي ﷺ من الدنيا ولم يشبع من الخبز الشعير» (١) وقالت: «ما أكل آل محمد ﷺ أكلتين في يوم إلا إحداهما تمر» (٢) وقالت: «إنا لننظر إلى الهلال ثلاثة أهلة في شهرين وما أوقدت في أبيات رسول الله ﷺ نار، فقال عروة: ما كان يقيتكم؟ قالت: الأسودان: التمر والماء» (٣).\nوقال ﷺ: «لو كان لي مثل أحد ذهبا ما يسرّني أن لا يمرّ عليَّ ثلاث وعندي منه شيء، إلا شيء أرصده لدين» (٤).\nوقد ثبت عنه ﷺ أنه «اضطجع على حصير فأثر في جنبه فدخل عليه عمر بن الخطاب ﵁، ولما استيقظ جعل يمسح جنبه فقال: يا رسول الله لو أخذت فراشا أوثر من هذا؟ فقال ﷺ: \" ما لي وللدنيا ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار ثم راح وتركها» (٥). وقال أبو هريرة ﵁: «ما شبع آل محمد من طعام ثلاثة أيام حتى قبض» (٦).\nوالمقصود أنهم لم يشبعوا ثلاثة أيام بلياليها متوالية، والظاهر أن سبب عدم شبعهم غالبا كان بسبب قلة الشيء عندهم، على أنهم قد يجدون ولكن يؤثرون على أنفسهم (٧).\nوعن عائشة ﵂ قالت: «كان فراش رسول الله ﷺ من أدَم وحشوه ليف» (٨)\n_________\n(١) البخاري، كتاب الأطعمة، باب ما كان النبي ﷺ وأصحابه يأكلون، ٦/ ٢٥٢ برقم ٥٤١٤.\n(٢) البخاري، كتاب الرقاق، باب كيف كان يعيش النبي ﷺ وأصحابه وتخلِّيهم عن الدنيا، ٧/ ٢٣١، برقم ٦٤٥٥.\n(٣) البخاري، كتاب الرقاق، باب كيف كان يعيش النبي ﷺ وأصحابه وتخليهم عن الدنيا، ٧/ ٢٣٢، برقم ٦٤٥٩.\n(٤) متفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁: البخاري، كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس، باب أداء الديون، ٣/ ١١٤، برقم ٢٣٨٩، وصحيح مسلم، كتاب الزكاة باب تغليظ عقوبة من لا يؤدي الزكاة ٢/ ٦٨٧، برقم ٩٩١.\n(٥) أحمد في المسند من حديث ابن عباس ﵄، ١/ ٣٠١ بلفظه، والترمذي بنحوه، في كتاب الزهد باب ٤٤، ٤/ ٥٨٨، برقم ٢٣٧٧، وقال: حديث حسن صحيح، وابن ماجه في كتاب الزهد، باب مثل الدنيا، ٢/ ١٣٧٦، برقم ٤١٠٩، وصححه الألباني في صحيح الترمذي ٢/ ٢٨٠، وصحيح ابن ماجه ٢/ ٣٩٤.\n(٦) البخاري كتاب الأطعمة باب قول الله تعالى كلوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكمْ الآية ٦/ ٢٤٠ برقم ٥٣٧٤.\n(٧) انظر: فتح الباري لابن حجر ٩/ ٥١٧، ٥٤٩.\n(٨) البخاري كتاب الرقاق باب كيف كان يعيش النبي ﷺ وأصحابه وتخلِّيهم عن الدنيا ٧/ ٢٣١ برقم ٦٤٥٦.","vol":"1","page":143},{"text":"ومع هذا كان يقول ﷺ: «اللهم اجعل رزق آل محمدٍ قوتا» (١) وقال ﷺ: «قد أفلح من أسلم، ورزق كفافا، وقنعه الله بما آتاه» (٢).\nفينبغي للداعية أن يكون زاهدا في الدنيا، راغبا فيما عند الله تعالى؛ فإن ذلك من الصفات الحميدة، والأخلاق الكريمة (٣) والله المستعان (٤).\nثانيا: من صفات الداعية: الكرم: لا ريب أن الكرم من صفات الداعية الناجح؛ لأن الكريم إذا أحسن إلى الناس جلب قلوبهم؛ ولأن النفس في الغالب مجبولة على حبِّ من أحسن إليها، وهذا واضح في هذا الحديث؛ ولهذا قال الإمام النووي ﵀ في شرحه لهذا الحديث عندما ذكر ماله ﷺ من الأموال. قال: \" لكنه ﷺ كان لا يستأثر بها، بل ينفقها على أهله، والمسلمين، وللمصالح العامة. . . \" (٥).\nفعلى الداعية أن يكون جوادا كريما محسنا، وبهذا إن شاء الله يجذب قلوب المدعوين، فيقبلون على دعوته (٦).\nثالثا: مسؤولية الداعية تجاه أقاربه: إن الأقارب لهم حق النفقة والرعاية والإحسان على حسب مراتبهم ودرجاتهم في القرب؛ ولهذا قال ﷺ في هذا الحديث: \" ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة \"، فلم يهمل ﷺ نفقة نسائه، بل أوصى لهن بالنفقة، وقد بين ﷺ أهمية الإنفاق على الأهل، والأقارب، والعيال الذين يعولهم المسلم، أو\n_________\n(١) متفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁: البخاري، كتاب الرقاق، باب كيف كان يعيش النبي ﷺ وأصحابه وتخلِّيهم عن الدنيا، ٦/ ٢٣٢ برقم ٦٤٦٠، ومسلم، كتاب الزكاة، باب الكفاف والقناعة، واللفظ له، ٢/ ٧٣٠ برقم ١٠٥٥.\n(٢) مسلم، كتاب الزكاة، باب الكفاف والقناعة، ٢/ ٧٣٠ برقم ١٠٥٤، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄.\n(٣) انظر: الاستذكار لابن عبد البر ٢٧/ ٣٨٦، وفتح الباري لابن حجر، ٥/ ٤٠٦، ٦/ ٢٠٩، ١٢/ ٦،.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٢، الدرس الأول.\n(٥) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٢/ ٣٢٦.\n(٦) انظر: الحديث رقم ٢، الدرس الثاني.","vol":"1","page":144},{"text":"تلزمه مؤنتهم: نحو الزوجة، والخادم، والوالد، والولد، وغيرهم. فقال: «أفضل دينار ينفقه الرجل: دينار ينفقه على عياله، ودينار ينفقه الرجل على دابته في سبيل الله، ودينار ينفقه على أصحابه في سبيل الله،» (١) وقال ﷺ: «دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجرا الذي أنفقته على أهلك» (٢).\nوعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: «كفى بالمرء إثما أن يحبس عمّن يملك قوته» (٣) وقال ﷺ: «ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شَيْء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن قرابتك شيء فهكذا وهكذا»، يقول: فبيْن يديك وعن يمينك وعن شمالك (٤).\nفينبغي للداعية أن يعتني بقرابته عناية خاصة؛ ليقوم بالواجب، ويكون قدوة حسنة للناس في الخير، والله المستعان.\n_________\n(١) أخرجه مسلم عن ثوبان ﵁، في كتاب الزكاة، باب فضل النفقة على العيال وإثم من ضيعهم أو حبس نفقتهم عنهم، ٢/ ٦٩٢، برقم ٩٩٤.\n(٢) أخرجه مسلم عن أبي هريرة ﵁، في الكتاب والباب السابقين، ٢/ ٦٩٢، برقم ٩٩٥.\n(٣) أخرجه مسلم، في الكتاب والباب السابقين، ٢/ ٦٩٢، برقم ٩٩٦.\n(٤) متفق عليه من حديث جابر ﵁: البخاري مختصرا، كتاب الأحكام، باب بيع الإمام على الناس أموالهم، وضياعهم، ٨/ ١٤٩، برقم ٧١٨٦، ومسلم بلفظه في كتاب الزكاة، باب الابتداء في النفقة بالنفس، ثم الأهل، ثم القرابة، ٢/ ٦٩٢، برقم ٩٧٧.","vol":"1","page":145},{"text":"٣٣ -<span data-type=\"title\" id=toc-48> بَاب إِذَا وَقَفَ أَرضا أَو بِئْرا أو اشْترَطَ لِنَفْسِهِ مِثلَ دِلاءِ المسْلمين </span>وَوَقَفَ أنَس دَارا، فَكَانَ إِذَا قَدِمَ نزَلَهَا، وَتَصَدَّقَ الزبير بِدورِهِ، وَقَالَ لِلْمَردودَةِ منْ بَنَاتِهِ: أَنْ تَسْكنَ غَيرَ مضِرَّةٍ وَلَا مضَرٍّ بِهَا، فَإِنِ اسْتَغْنَتْ بِزَوْجٍ فَلَيْسَ لَهَا حَقّ، وَجَعَلَ ابن عمَرَ نَصِيبَه مِنْ دَارِ عمَرَ سكْنَى لِذَوِي الحَاجَاتِ مِنْ آلِ عَبْد اللهِ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>[حديث من حفر بئر رومة فله الجنة]</span>\n١٦ - [٢٧٧٨] وَقَالَ عَبْدَان: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ شعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عنْ أبِي عَبْدِ الرّحمَنِ: «أَن عثمانَ ﵁، (١) حَيْث حوصِرَ أَشْرَفَ عَليهم، وقَالَ: أَنشدكم اللهَ، وَلَا أَنْشد إِلَّا أَصْحَابَ النَّبيِّ ﷺ، أَلَسْتمْ تَعْلَمونَ أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: \" مَنْ حَفَرَ رومَةَ فَله الْجَنَّة \" فَحَفَرْتهَا؟ أَلَسْتمْ تَعَلَمونَ أَنَّه قَالَ: \" مَنْ جَهَّزَ جَيْشَ العسْرَةِ فَله الْجَنَّة \" فَجَهَّزْته؟ قَالَ: فَصَدَّقوه بمَا قَالَ؟ وَقَالَ عمَر فِي وَقْفِهِ: لَا جنَاحَ عَلَى مَنْ وَليَه أَن يَأْكلَ. وَقَدْ يَليهِ الوَاقِف وَغَيره فَهوَ واسع لِكلٍّ». (٢).\n_________\n(١) عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس، أمير المؤمنين أبو عبد الله وأبو عمرو، القرشي، أحد السابقين الأولين إلى الإِسلام، وصاحب الهجرتين، وذو النورين، زوج الابنتين لرسول الله ﷺ، ولد بعد الفيل بست سنين على الصحيح، أسلم قديما على يد أبي بكر ﵁، وبشره رسول الله ﷺ بالجنة، فهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، روى عن النبي ﷺ علما كثيرا وعرض عليه القرآن، وعرض على عثمان أبو عبد الرحمن السلمي وخلق كثير، ومما ذكر له من الحديث عن رسول الله ﷺ مائة حديث وستة وأربعون حديثا، اتفق البخاري ومسلم منها على ثلاثة، وانفرد البخاري بثمانية ومسلم بخمسة وبلَّغ ذلك العلم لخلائق من التابعين. وحفر بئر رومة، وجهز جيش العسرة، واشترى أرضا وسع بها في المسجد في حياة النبي ﷺ، ووسع في المسجد في خلافته الراشدة، وقد بويع له بالخلافة بعد موت عمر واستشهاده رضي الله عن الجميع؛ لأنه أحد الستة الذين توفي عنهم رسول الله وهو عنهم راض كما قال عمر، وكانت خلافته ثنتي عثرة سنة إلا ليالي، وحج بالناس عشر سنين متوالية، وقد جمع القرآن على حرف واحد وجمع الله به قلوب المسلمين على ذلك، وفتح الفتوحات الكثيرة العظيمة، قتل شهيدا مظلوما سنة خمس وثلاثين في شهر ذي الحجة وهو ابن تسعين سنة، وقيل ثمان وثمانين، وقيل ثنتين وثمانين، وقيل غير ذلك ﵁ ورحمه.\nانظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي ١/ ٣٢١ - ٣٢٥، وتاريخ الإسلام، ووفيات المشاهير، والأعلام للإمام محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي ١/ ٤٦٧ - ٤٨٢، والإصابة في تمييز الصحابة ٢/ ٤٦٢ - ٤٦٣.\n(٢) قال ابن حجر رحمه الله تعالى: وقد وصله الدارقطني والإسماعيلي، فتح الباري ٥/ ٤٠٧.","vol":"1","page":146},{"text":"* شرح غريب الحديث: * \" أنشدكم الله \" يقال: نشدتك الله: أي سألتك بالله، ويقال: نشدتك الله، وأنشدك بالله، وأنشدك الله، وناشدتك اللهَ وبالله: أي سألتك وأقسمت عليك (١) وقيل: نشدتك الله، وأنشدك بالله: أي أشهدك بالله، وأعرِّفكَ ما نحبه فيك من الصدق لِلَّهِ (٢).\n* \" رومة \" هي بئر بالمدينة، اشتراها عثمان ﵁ وسَبَّلها (٣).\n* \" العسرة \" جيش العسرة: غزوة كان فيها شدة على أهلها، وقلة، سمِّيَ جيشهَا بما أصابهم (٤) وهي غزوة: تبوك.\n* الدراسة الدعوية للحديث: هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من موضوعات الدعوة: الحث على الإِنفاق والصدقات في وجوه الخير.\n٢ - من صفات الداعية: المسارعة إلى الخيرات.\n٣ - من صفات الداعية: الكرم والرغبة فيما عند الله تعالى.\n٤ - إظهار الداعية مناقبه عند الحاجة إلى ذلك.\n٥ - من صفات الداعية: الصبر على الابتلاء والامتحان.\n٦ - من أساليب الدعوة: الترغيب.\n٧ - من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية بالتفصيل على النحو الآتي:\nأولا: من موضوعات الدعوة: الحث علي الإنفاق والصدقات في وجوه الخير: في هذا الحديث الشريف دعوة للأمة إلى الإنفاق والصدقة ابتغاء وجه الله\n_________\n(١) النهاية في غريب الحديث والأثر، باب النون مع الشين، مادة \" نَشَدَ \" ٥/ ٥٣.\n(٢) تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٤٣.\n(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر، باب الراء مع الواو، مادة \" روم \" ٢/ ٢٧٩.\n(٤) تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي، ص ٥٣.","vol":"1","page":147},{"text":"تعالى؛ لأن النبي ﷺ دعا إلى حفر بئر رومة فحفرها عثمان ﵁ وهذا العمل من أعظم الصدقات، ودعا ﷺ إلى تجهيز جيش العسرة، فجهزه عثمان ﵁، وهذه من النفقات في سبيل الله تعالى. (١).\nفعلى الداعية أن يحث الناس على الإِنفاق في وجوه البر ابتغاء وجه الله تعالى.\nثانيا: من صفات الداعية: المسارعة إلى الخيرات: إن من صفات الداعية الصادق مع الله ﵎ المسارعة إلى الخير ابتغاء مرضات الله تعالى؛ ولهذا سارع عثمان ﵁ عندما سمع النبي ﷺ يدعو إلى الإنفاق ويبين فضله، فأنفق على جيش العسرة فجهزه، وحفر بئر رومة، فينبغي للداعية أن يسارع إلى فعل الخيرات كما قال ﷾: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ - الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤] (٢) الآية (٣).\nثالثا: من صفات الداعية: الكرم والرغبة فيما عند الله تعالى: إن الكرم صفة حميدة ينبغي للدعاة أن يتصفوا بها، وفي هذا الحديث صورة واضحة تبين كرم عثمان ﵁ وأرضاه، فقد أنفق نفقة عظيمة عجز عظماء الرجال عن الإِنفاق مثلها، فقد ثبت أنه «أنفق في هذه الغزوة ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها، وجاء بألف دينار فنثرها في حجر النبي ﷺ، فأخذ النبي ﷺ يقلِّبها في حجره ويقول: \" ما ضرَّ عثمان ما عمل بعد هذا اليوم \" قالها مرارا» (٤) ومما يدل على كرمه أيضا ما أنفقه في شراء بئر رومة وحفرها، وذلك أن «المهاجرين لما قدموا المدينة استنكروا الماء، وكانت لرجل من بني\n_________\n(١) انظر: شرح الكرماني على صحيح البخاري ١٢/ ٨٧، وفتح الباري لابن حجر، ٥/ ٤٠٧، وعمدة القاري للعيني، ١٤/ ٧١.\n(٢) سورة آل عمران، الآيتان: ١٣٤، ١٣٣.\n(٣) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٥/ ٤٠٧، وعمدة القاري للعيني، ١٤/ ٧٢، والحديث رقم ٣٠، الدرس الثاني.\n(٤) الترمذي، في كتاب المناقب، باب في مناقب عثمان بن عفان ﵁ ٦/ ٦٢٦، برقم ٣٧٠١، وقال حسن غريب من هذا الوجه، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي ٣/ ٢٠٩، وأخرجه أيضا الحاكم وصححه ووافقه الذهبي ٣/ ١٠٢، وانظر فتح الباري، لابن حجر، ٧/ ٥٤.","vol":"1","page":148},{"text":"غفار عين يقال لها رومة، وكان يبيع منها القربة بمد، فقال له النبي ﷺ: \" تبيعنيها بعين في الجنة؟ \" فقال يا رسول الله: ليس لي ولا لعيالي غيرها، فبلغ ذلك عثمان ﵁ فاشتراها بخمسة وثلاثين ألف درهم، ثم أتى النبي ﷺ فقال أتجعل لي فيها ما جعلت له؟ قال: \" نعم \"، قال: قد جعلتها للمسلمين» (١).\nوهذا يدل على كرم عثمان ﵁ ورغبته فيما عند الله تعالى، فعلى الداعية أن يكون كريما راغبا فيما عند الله ﷾ (٢).\nرابعا: إظهار الداعية مناقبه عند الحاجة لذلك: لا شك أن الداعية الصادق المخلص لا يحب أن يظهر عمله للناس؛ لأنه لا يقصد به إلا وجه الله تعالى والدار الآخرة، ولكن إذا كان في إظهار مناقبه مصلحة راجحة تنفع الدعوة والمدعوين، أو تبيِّن للناس مدى صحة ما يقول حتى يعملوا به، أو تدفع عنه تهمة رمِيَ بها، فلا بأس بذلك، وفي هذا الحديث من فعل عثمان وقوله ما يدل على ذلك؛ ولهذا قال الحافظ ابن حجر ﵀ في فوائد هذا الحديث: \". . . وفيها جواز تحدث الرجل بمناقبه عند الاحتياج إلى ذلك لدفع مضرة، أو تحصيل منفعة، وإنما يكره ذلك عند المفاخرة والمكاثرة والعجب \" (٣).\nخامسا: من صفات الداعية: الصبر على الابتلاء والامتحان: يظهر في هذا الحديث ما حصل لعثمان ﵁ من الابتلاء، والامتحان، فقابل ذلك بالثبات والصبر، فهو ثالث الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، ومع ذلك أصابه هذا الابتلاء؛ قال ﷾: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١] (٤).\n_________\n(١) ذكره ابن حجر في فتح الباري، ٥/ ٤٠٧، وعزاه بسنده إلى البغوي في الصحابة، وانظر: تحفة الأحوذي بشرح سنن الترمذي للمباركفوري، ٧/ ١٩٠.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٢، الدرس الثاني، ورقم ١٥، الدرس الثاني.\n(٣) فتح الباري ٥/ ٤٠٨.\n(٤) سورة محمد، الآية: ٣١.","vol":"1","page":149},{"text":"فينبغي للداعية أن يسأل الله العفو والعافية، وإذا حصل ابتلاء صبر واحتسب الأجر على الله تعالى، نسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة (١).\nسادسا: من أساليب الدعوة: الترغيب: لا ريب أن أسلوب الترغيب له أثر في حياة المدعو؛ ولهذا اعتنى به القرآن الكريم، واستخدمه النبي ﷺ في دعوته، وفي هذا الحديث يظهر هذا الأسلوب في قوله ﷺ: \" من حفر رومة فله الجنة \"، وقوله ﷺ: \" من جهز جيش العسرة فله الجنة \"، وقد جاء في سبب ورود هذا الحديث أن «المسلمين عندما قدموا إلى المدينة وجدوا أن الماء العذب قليل، وليس بالمدينة ما يستعذب غير بئر رومة، فقال رسول الله ﷺ: \" من يشتري بئر رومة فيجعل دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة؟» (٢). وقال في حديث الباب: \" من حفر رومة فله الجنة \" قال ابن حجر في الجمع بين لفظ الحفر والشراء: \". . . وإن كانت أولا عينا فلا مانع أن يحفر فيها عثمان بئرا، ولعل العين كانت تجري إلى بئر فوَسَّعَها وطواها فنسب حفرها إليه \" (٣).\nفعلى الداعية أن يستخدم أسلوب الترغيب في دعوته للناس؛ فإن ذلك من أنفع الأساليب في جذب المدعوين إلى الخير (٤).\nسابعا: من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة: يظهر في هذا الحديث أن القدوة وسيلة ناجحة في الدعوة إلى الله تعالى، وذلك أن عثمان ﵁ اشترى بئر رومة وحفرها، وأنفق النفقة العظيمة في غزوة تبوك وكل ذلك بحضرة الصحابة ﵃، فكان ﵁ قدوة حسنة لغيره\n_________\n(١) انظر: حديث رقم ٩، الدرس الثامن، ورقم ١٣، الدرس الثاني.\n(٢) النسائي، في كتاب الوصايا، باب وقف المساجد، ٦/ ٢٣٥ برقم ٣٦٠٨، والترمذي، وحسنه في كتاب المناقب، باب مناقب عثمان ﵁، ٦/ ٦٢٧ برقم ٣٧٠٣، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي ٣/ ٢٠٩، وصحيح النسائي ٢/ ٧٦٦.\n(٣) فتح الباري ٥/ ٤٠٨.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٧، الدرس الرابع عشر، ورقم ١٣، الدرس الثالث.","vol":"1","page":150},{"text":"من الصحابة؛ ولهذا أثنى عليه النَّبِيّ ﷺ مرارا بقوله: «ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم» وكان ذلك بحضرة الصحابة ﵃، وفي ذلك تشجيع لهم على النفقة.\nفينبغي للداعية أن يكون قدوة حسنة لغيره؛ فإن ذلك من أنجح الوسائل في الدعوة إلى الله سبحانه (١).\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٨، الدرس الثالث عشر، ورقم ١٤، الدرس السادس.","vol":"1","page":151},{"text":"٣٥ -<span data-type=\"title\" id=toc-50> بَاب قوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ </span>إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ - فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ - ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ١٠٦ - ١٠٨] (١).\nالأَوليانِ: وَاحِدهما أَولَى، ومنه: أَولَى به. عثِرَ: ظهِرَ. أَعْثَرْنَا: أَظْهَرْنَا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>[حديث سبب نزول قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت]</span>\n١٧ - [٢٧٨٠]- وَقَالَ لي عَليّ بن عَبْدِ اللهِ: حَدَّثَنَا يحيى بن آَدَمَ: حَدَّثَنا ابن أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ محَمَّدِ بنِ أَبِي القَاسِمِ، عَن عبدِ المَلِكِ بنِ سَعِيدِ بْنِ جبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄، (٢) قَالَ: «خَرَجَ رَجل مِنْ بَنِي سَهْمٍ مَعَ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ وَعَدِيِّ بْنِ بَدّاءٍ، فَمَات السَّهْمِيّ بِأَرْضٍ لَيْسَ بِهَا مسْلِم، فلَمَا قَدِمَا بِتَرِكَتِهِ فَقَدوا جَاما مِنْ فِضَّةٍ مخَوَّصا مِنْ ذَهَبٍ. فَأَحْلَفَهمَا رَسول اللهِ ﷺ، ثمَّ وجِدَ الجَام بِمَكَّةَ فَقَالَوا: ابْتَعْنَاه مِنْ تميمٍ وَعَدِيٍّ، فَقَامَ رَجلانِ مِنْ أَوْليَائِهِ فَحَلَفَا: لشهادَتنَا أَحَقّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا، وَإِنَّ الْجَامَ لِصَاحِبِهِمْ، قَالَ وَفِيهم نَزَلَتْ هَذِهِ الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [المائدة: ١٠٦]» (٣).\n* شرح غريب الحديث: * \" رجل من بني سهم \" قيل: هو بزيل، وقيل: بريل، وقيل: بديل بن أبي مريم، قيل: كان مسلما من المهاجرين (٤).\n_________\n(١) سورة المائدة، الآيات: ١٠٦ - ١٠٨.\n(٢) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ٥ - ٢٧٤٣.\n(٣) قال ابن حجر ﵀: \" والصحابي إذا حكى سبب النزول كان ذلك في حكم الحديث المرفوع اتفاقا \" فتح الباري ٥/ ٤١٢.\n(٤) انظر: الإصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر، ١/ ١٤٠، وفتح الباري له، ٥/ ٤١٠، وعمدة القاري للعيني، ١٤/ ٧٦.","vol":"1","page":152},{"text":"* \" الجام \" هو الكأس (١).\n* \" مخَوَّصا \" أي منقوش فيه خطوط دقاق طوال كالخوص، وهو ورق النخل، وقيل: \" الجام المخوص \" إناء من فضة منقوش بذهب، وقيل: عليه صفائح الذهب مثل خوص النخل (٢).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من موضوعات الدعوة: الحث على الوصية عند الموت.\n٢ - حفظ الإسلام لحقوق الإِنسان.\n٣ - من أساليب الدعوة: القصة.\n٤ - من أساليب الدعوة: الترهيب.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية بالتفصيل على النحو الآتي:\nأولا: من موضوعات الدعوة: الحث على الوصية عند الموت: في هذا الحديث دعوة للأمة وحث لها على الوصية عند الموت، فإذا حضر الإنسان الموت أو مقدماته فينبغي له أن يكتب وصيته- إذا لم يكتبها قبل ذلك- ويشهد عليها اثنين ذوي عدل من المسلمين؛ فإن كان في سفر ولم يجد أحدا من المسلمين، ونزل به الموت أشهد اثنين من غير المسلمين، ودفع إليهما ما معه من مالٍ وتركة لورثته، فإذا وصل الشاهدان إلى الورثة وظهر لهم أنهما قد خانا فإن أولياء الميت يوقفونهما بعد صلاة العصر ويحلِّفونهما أنهما ما خانا ولا كذبا، ولا غيَّرا ولا بدلا، فإن اطلع الورثة على أن الشاهدين كاذبان، وقد خانا من مال الميت شيئا أو غَيَّرا الوصية، فإن شاء أولياء الميت قام منهما اثنان فحلفا بالله أن شهادة الكافرين باطلة، وأنهما خانا وكذبا، وإنَّا لم نعتدِ،\n_________\n(١) انظر: القاموس المحيط، باب الميم فصل الجيم، ص ١٤٠٨، وعمدة القاري للعيني، ١٤/ ٧٦.\n(٢) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الخاء مع الواو، مادة: \" خوص \" ٢/ ٨٧، وفتح الباري لابن حجر، ٥/ ٤١١، وعمدة القاري للعيني، ١٤/ ٧٦.","vol":"1","page":153},{"text":"وبهذا يستحق أولياء الميت ما يدعون (١).\nفينبغي للداعية أن يبين للمدعوين ما يحتاجون إليه مما ينفعهم في الدنيا وعند الموت، ومن ذلك بيان الوصية والحث عليها وتوضيحها للناس.\nثانيا: حفظ الإسلام لحقوق الإنسان: في هذا الحديث بيان واضح بأن الإسلام يحفظ حقوق الإِنسان، وهذا يؤكد تأكيدا جازما أن الإسلام هو الذي يصلح لكل زمان ومكان؛ ولهذا اعتنى بحق الإِنسان حتى عند الموت وبعده كما في هذا الحديث (٢).\nفعلى الداعية أن يبين للناس عناية الإسلام بحقوق الإنسان، وذلك مما يزيد يقين المسلم ويرغب غيره في الإسلام.\nثالثا: من أساليب الدعوة: القصة: القصة من خير ما يتوصل به الداعية لإِبلاغ دعوته إلى أعماق القلوب؛ لأن النفس تميل إليها، وأبلغ القصص ما جاء في القرآن الكريم، والسنة الثابتة، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى﴾ [يوسف: ١١١] الآية (٣).\nوفي هذا الحديث يسوق ابن عباس ﵄ هذه القصة التي بين فيها للناس ما ينبغي أن يعلمه المسلم عند الوفاة في الحضر أو السفر، فينبغي للداعية أن يستخدم هذا الأسلوب في دعوته (٤).\nرابعا: من أساليب الدعوة: الترهيب: لا ريب أن أسلوب الترهيب من الأساليب النافعة؛ لأنه يخوف المدعو ويحذره ما يضره، ويظهر في هذا الحديث المشتمل على الآية: أسلوب الترهيب في\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري \" جامع البيان عن تأويل آي القرآن \" ١١/ ١٥٤ - ٢٠٨، وتفسير البغوي ٢/ ٧٣ - ٧٥، وتفسير القرطبي \" الجامع لأحكام القرآن \" ٦/ ٣٢٤ - ٣٣٨، وتفسير ابن كثير ٢/ ١٠٥ - ١٠٨.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٦، الدرس الثاني. .\n(٣) سورة يوسف، الآية: ١١١.\n(٤) انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ٤/ ٦٥.","vol":"1","page":154},{"text":"التخويف من الإثم ومن الظلم، وأن الله لا يهدي القوم الفاسقين، قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ١٠٨] (١).\nقال الطبري ﵀: \" وخافوا الله أيها الناس، وراقبوه في أيمانكم أن تحلفوا بها كاذبة، وأن تذهبوا بها مال من يحرم عليكم ماله، وأن تخونوا من ائتمنكم. . . \" (٢) وبين سبحانه أنه لا يوفق من فسق عن أمر ربه فخالفه وأطاع الشيطان (٣) فعلى الداعية أن يستخدم هذا الأسلوب في دعوته، والله الموفق والمستعان (٤)\n_________\n(١) سورة المائدة، الآية: ١٠٨.\n(٢) تفسير الإمام الطبري \" جامع البيان عن تأويل آي القرآن \" ١١/ ٢٠٦.\n(٣) انظر المرجع السابق ١١/ ٢٠٦.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٧، الدرس الثالث عشر.","vol":"1","page":155},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>[الفصل الثاني كتاب الجهاد والسير]</span>","vol":"1","page":157},{"text":"١ -<span data-type=\"title\" id=toc-53> باب فضْلِ الجهَادِ والسِّيرِ</span>\nوَقَوْل اللهِ تَعَالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ﴾ [التوبة: ١١١] إلى قوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١١٢] (١).\nقَالَ ابن عَبَّاسٍ: الحدود: الطَّاعَة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>[حديث لا عمل يعدل الجهاد]</span>\n١٨ - [٢٧٨٥] حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن مَنْصورٍ: أَخْبَرَنَا عَفَّان: حَدَّثَنَا هَمَّام: حَدَّثَنَا محَمَّد بن جحادة قَال: أخْبَرَني أَبو حَصِينٍ: أَنَّ ذَكْوانَ حدَّثه: أن أبَا هرَيْرَة ﵁ (٢) حدَّثَه قالَ: «جَاءَ رَجل إِلَى رسولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: دلَّني عَلَى عَمَلٍ يَعدِل الجِهَادَ. قالَ: \" لَا أَجِده \". قَالَ: \" هَل تَسْتَطِيع إِذَا خَرَجَ المجَاهِد أَنْ تَدْخلَ مَسجِدَكَ فَتَقومَ وَلَا تَفْترَ، وَتَصومَ ولا تفْطِرَ؟ \" قَالَ: وَمَنْ يَسْتَطِيع ذَلكَ؟ قال أَبو هرَيْرَةَ: \" إنَّ فرَسَ المجاهدِ ليَسْتَنّ في طِوَلِه، فيكتَب له حسَنات» (٣).\n* شرح غريب الحديث: *قوله: \" يعدل الجهاد \": يساويه ويماثله (٤).\n*قوله: \" لا أجده \": أي: لا أجد عملا يماثل الجهاد في الفضل (٥).\n*قوله: \" ليستن \": أي: يمرح بنشاط، ويرفع يديه ويطرحهما معا مقبلا ومدبرا (٦).\n_________\n(١) سورة التوبة، الآيتان ١١١، ١١٢.\n(٢) تقدمت ترجمته في الحديث رقم: ٧.\n(٣) وأخرجه مسلم، في كتاب الإمارة، باب فضل الشهادة في سبيل الله تعالى، ٣/ ١٤٩٨، برقم ١٨٧٨.\n(٤) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب العين مع الدال، مادة \" عدل \" ٣/ ١٩٠، وعمدة القاري للعيني، ١٤/ ٨٢.\n(٥) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الواو مع الجيم مادة: \" وجد \" ٥/ ١٥٥، وعمدة القاري للعيني، ١٤/ ٨٢.\n(٦) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب السين مع النون، مادة: \" سنن \" ٢/ ٤١٠، وشرح الكرماني على صحيح البخاري، ١٢/ ٩٥، وفتح الباري لابن حجر، ٦/ ٥، وعمدة القاري للعيني، ١٤/ ٨٢.","vol":"1","page":158},{"text":"قوله: \" في طِوَلِه \": الحبل الذي تشدّ به الدابة ويطوَّل لها، ويمسك طرفه ويرسل الدابة ترعَى في المرعى (١).\nقوله: \" يكتب له حسنات \": أي: يكتب له الاستنان حسنات (٢).\n*قوله: \" لا تفتر \": أي لا تسأم ولا تمل (٣).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - أهمية سؤال المدعو لأهل العلم.\n٢ - من موضوعات الدعوة: الحث على الجهاد وبيان أهميته في الدعوة إلى الله ﷿.\n٣ - من أعظم وسائل الدعوة: الجهاد في سبيل الله تعالى.\n٤ - من أساليب الدعوة: التشبيه.\n٥ - من أساليب الدعوة: الترغيب.\n٦ - أهمية مداومة الداعية على العمل الصالح.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية بالتفصيل على النحو الآتي:\nأولا: أهمية سؤال المدعو لأهل العلم: إن من أهم الأمور في طلب العلم السؤال عنه، والحرص على طلبه، وقد دل هذا الحديث على حرص الصحابي ﵁ على طلب العلم والسؤال عنه للاستفادة؛ ولهذا قال: \" يا رسول الله دلني على عمل يعدل الجهاد؟ \" وهذا شأن أصحاب النبي ﷺ؛ فإنهم كانوا يسألونه عن كثير من المعاني، وكان ﷺ يجيبهم ويوضح لهم، وكانت طائفة تسأل، وأخرى تحفظ وتؤدي وتبلّغ حتى أكمل الله تعالى دينه (٤)\n_________\n(١) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي، ص ٣٣٠، وشرح الكرماني على صحيح البخاري ١٢/ ٩٥، وفتح الباري لابن حجر، ٦/ ٥، وعمدة القاري للعيني، ١٤/ ٨٢.\n(٢) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب السين مع النون، مادة: \" سنن \" ٢/ ٤١١، وفتح الباري لابن حجر، ٦/ ٥، وعمدة القاري للعيني، ١٢/ ٨٣.\n(٣) انظر: القاموس المحيط، للفيروز آبادي، باب الراء فصل الفاء، ص ٥٨٣، وتحفة الأحوذي بشرح سنن الترمذي، للمباركفوري، ٥/ ٢٤٨.\n(٤) انظر. حديث رقم ٨، الدرس الأول، ورقم ١١، الدرس الأول، ورقم ١٢، الدرس الثاني.","vol":"1","page":159},{"text":"فعلى المدعو أن يسأل عما أشكل عليه حتى يكون على بصيرة من أمره.\nثانيا: من موضوعات الدعوة: الحث على الجهاد وبيان أهميته في الدعوة إلى الله ﷿: إن الجهاد ذروة سنام الإسلام وقبَّته، ومنازل أهله أعلى المنازل في الجنة، كما لهم الرفعة في الدنيا (١) ويظهر من مفهوم هذا الحديث: حث النبي ﷺ على الجهاد وذلك ببيان فضله؛ والجهاد الغرض منه والهدف: هو إعلاء كلمة الله تعالى، وإخراج الناس من عبودية المخلوق إلى عبادة الله تعالى، كما قال الله ﷿: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩] (٢) فينبغي للداعية أن يبيِّن للناس هذه الأهداف، وأن الجهاد شرع؛ لإِعلاء كلمة الله تعالى، ولنصر المظلوم، وحفظ الإسلام، ورد العدوان، وإرهاب أعداء الإسلام، كما قال ﷾: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] (٣).\nثالثا: من أعظم وسائل الدعوة: الجهاد في سبيل الله تعالى: لا شك أن الجهاد في سبيل الله تعالى أفضل الوسائل في نشر الإسلام وإخماد الشرك؛ لأن الأعمال قسمان: مقاصد: كأركان الإِيمان الستة، وأركان الإِسلام. فهذه أركان وأسس وأصول ووسائل، وأفضل الوسائل إطلاقا الجهاد (٤) ولهذا قال الإمام ابن دقيق العيد: \" القياس يقتضي أن يكون الجهاد أفضل الأعمال التي هي وسائل؛ لأن الجهاد وسيلة إلى إعلان الدين ونشره، وإخماد الكفر ودحضه، ففضيلته بحسب فضيلة ذلك، والله أعلم \" (٥).\nرابعا: من أساليب الدعوة: التشبيه: التشبيه وضرب الأمثال من أساليب الدعوة النافعة؛ لأنه يقرِّب المعاني،\n_________\n(١) انظر: زاد المعاد لابن القيم، ٣/ ٥.\n(٢) سورة الأنفال، الآية: ٣٩.\n(٣) سورة الأنفال، الآية: ٦٠، وانظر: الحديث رقم ٢، الدرس الثالث.\n(٤) انظر: منار القاري في شرح مختصر صحيح البخاري، لحمزة محمد قاسم، ٤/ ٨٤.\n(٥) نقلا عن فتح الباري للحافظ ابن حجر، ٦/ ٥، وانظر: إحكام الأحكام، لابن دقيق العيد، ٢/ ٣٠١.","vol":"1","page":160},{"text":"ويوصلها إلى ذهن السامع، ويكشف ما بها من غموض بتصوير الأمر المعنوي بأمر حسي يظهر فيه المشبه به صورة حسية للمشبَّه (١) ولهذه الأهمية ضرب الله الأمثال في الكتاب العزيز كثيرا، وضرب النبي ﷺ في سنته الأمثال كثيرا (٢) ويظهر في هذا الحديث استخدام التشبيه في ضرب مثل المجاهد كمثل الصائم القائم، وهو في رواية مسلم أظهر (٣).\nفعلى الداعية أن يستخدم أسلوب التشبيه وضرب الأمثال في دعوته؛ لأهميته؛ ولتوضيحه للمعاني وتقريبها إلى ذهن السامع.\nخامسا: من أساليب الدعوة: الترغيب: إن الترغيب أسلوب مؤثر على السامع؛ ولهذا أكثر النبي ﷺ من استخدامه في دعوته، ومن ذلك ما يظهر في هذا الحديث من الترغيب في الجهاد، وذكر فضله. قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: \" وفي هذا الحديث العظيم فضل الجهاد؛ لأن الصلاة والصيام والقيام بآيات الله أفضل الأعمال، وقد جعل المجاهد مثل من لا يفتر عن ذلك في لحظة من اللحظات، ومعلوم أن هذا لا يتأتَّى لأحد. . \" (٤) ولهذا قال هذا السائل للنبي ﷺ: \" ومن يستطيع ذلك؟ \".\nولا شك أن الجهاد فضله عظيم، ومنزلته كبيرة، ولهذا عظَّم الله شأنه فقال ﷿: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ - فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ - يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٩ - ١٧١] (٥)\n_________\n(١) انظر: البرهان في علوم القرآن، للزركشي، ٢/ ٤١٤، والإتقان في علوم القرآن، للسيوطي، ٢/ ٢٧٣.\n(٢) انظر: مفردات ألفاظ القرآن، للراغب الأصفهاني ص ٧٥٩، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، ٣/ ٧٠٩.\n(٣) انظر: مرقاة المفاتيح، شرح مشكاة المصابيح، للملا علي القاري ٧/ ٣٥٢، وفيض القدير شرح الجامع الصغير، لعبد الرؤوف المناوي ٥/ ٥١٥.\n(٤) شرح النووي على صحيح مسلم ١٣/ ٢٨.\n(٥) سورة آل عمران، الآيات: ١٦٩ - ١٧١.","vol":"1","page":161},{"text":"وقال ﷿: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٧٤] (١) وقال ﷾: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١١١] (٢) وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤] (٣) وقال ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ - تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ - يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الصف: ١٠ - ١٢] (٤) وغير ذلك من الآيات الكريمة التي رغب الله فيها المؤمنين في الجهاد، أما الأحاديث فهي كثيرة، وسيأتي معظمها في هذا الفصل إن شاء الله تعالى (٥) فينبغي للداعية أن يستخدم وسيلة الترغيب في دعوته، حتى يكون موفقا بإذن الله تعالى (٦).\nسادسا: أهمية مداومة الداعية على العمل الصالح: دل مفهوم الحديث على أهمية المداومة على العمل الصالح؛ لأن المداومة عليه أحب إلى الله تعالى من الكثير المنقطع؛ لأن بدوام العمل الصالح القليل تدوم الطاعة، والذكر، والمراقبة، والنية، والإِخلاص، والإِقبال على الخالق، والقليل الدائم يثمر؛ لأنه يزيد على الكثير المنقطع أضعافا كثيرة (٧) ولهذا\n_________\n(١) سورة النساء، الآية: ٧٤.\n(٢) سورة التوبة، الآية: ١١١، وانظر الآيات ١٢٠ - ١٢١ من هذه السورة.\n(٣) سورة الصف، الآية: ٤.\n(٤) سورة الصف، الآيات: ١٠ - ١٢.\n(٥) انظر: فضل الجهاد وأهميته وأهدافه في كتاب: \" أهمية الجهاد في نشر الدعوة الإِسلامية \" رسالة دكتوراه، قدمت لجامعة أم القرى، قسم العقيدة، للدكتور علي بن نفيع العلياني ص ١٥٨ - ٢٥٤.\n(٦) انظر: الحديث رقم ٧، الدرس الرابع عشر، ورقم ١٦، الدرس السادس.\n(٧) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٣١٨، وفتح الباري لابن حجر، ١/ ١٠٣.","vol":"1","page":162},{"text":"قال ﷺ: «أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قل» (١).\nوالمجاهد ما بلغ الدرجات العلى إلا بفضل الله تعالى ثم بما كتِبَ له من دوام العمل؛ قال الإمام القرطبي ﵀: \". . . كل ما يصدر من المجاهد في حالتي: نومه ويقظته، وسكونه وحركته، هو عمل صالح يكتب له ثوابه دائما، بدوام أفعاله، إذ لا يتأتَّى لغيره فيه؛ لأنه على كل حال في الجهاد، وملابس أحواله، وذلك: أن المجاهد إمَّا أن ينال من العدوِّ، أو يغيظه، أو يروِّعه، أو يكثر سواد المسلمين، أو يصيبه نصب، أو مخمصة. وكل ذلك أعمال كثيرة لها أجور عظيمة \" (٢) كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ - وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٢٠ - ١٢١] (٣).\nوهذا يبين أهمية دوام العمل الصالح، فعلى الداعية أن يداوم على الأعمال الصالحة، وإن قلت؛ فإن في ذلك الخير الكثير. والله المستعان (٤).\n_________\n(١) متفق عليه من حديث عائشة ﵂: البخاري، في كتاب الصوم، باب صوم شعبان، ٢/ ٢٩٨، برقم ١٩٧٠، ومسلم واللفظ له، في كتاب الصيام، باب صيام النبي ﷺ في غير رمضان، ٢/ ٨١١، برقم ٧٨٢.\n(٢) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، ٣/ ٧٠٨، وانظر: عارضة الأحوذي للحافظ ابن العربي، ٤/ ١١٢، ومرقاة المفاتيح، للملاّ علي القاري، ٧/ ٣٥٢.\n(٣) سورة التوبة، الآيتان: ١٢٠ - ١٢١.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٩، الدرس الخامس عشر.","vol":"1","page":163},{"text":"٢ -<span data-type=\"title\" id=toc-55> بَاب: أَفْضَل النَّاسِ مؤمِن يجَاهِد بنَفْسِهِ ومَالِهِ فِي سبِيلِ اللهِ </span>وَقَوْلِه تَعَالىَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ - تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ - يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الصف: ١٠ - ١٢] (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>[حديث أفضل الناس مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله]</span>\n١٩ - [٢٧٨٦] حَدَّثَنَا أَبو اليَمَانِ: أَخبَرَنَا شعَيْب، عَنِ الزّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَطَاء بن يَزِيدَ اللَّيثِيّ: أَنَّ أَبا سعيدٍ الخدْرِيَّ ﵁ (٢) حَدَّثه قَالَ: «قِيلَ يَا رَسولَ اللهِ، أَيّ النَّاسِ أَفْضَل؟ فَقَالَ رَسول اللهِ ﷺ: \" مؤمِن يجَاهِد فِي سَبِيلِ اللهِ بنَفْسِهِ وَمَالِهِ \". قَالوا: ثمَّ مَنْ؟ قَالَ: \" مؤْمِن فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَتَّقِي اللهَ وَيدَع النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ» (٣).\nوفي رواية: «جَاءَ أَعْرَابِيّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فقَالَ يَا رَسولَ اللهِ، أَيّ النَّاسِ خَيْر؟ قَالَ: \" رَجل جَاهَدَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، وَرَجل فِي شِعْبٍ منَ الشِّعَابِ يَعْبد رَبَّه وَيَدَع النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ» (٤).\n* شرح غريب الحديث: * قوله: \" في شعب من الشعاب \" الشعب: الطريق في الجبل، ومسيل\n_________\n(١) سورة الصف، الآيات: ١٠ - ١٢.\n(٢) أبو سعيد الخدري ﵁، هو سعد بن مالك بن سنان، الإمام المجاهد، مفتي المدينة، وكان أحد الفقهاء المجتهدين، استصغر يوم أحد فرد، وغزا بعد ذلك مع رسول الله ﷺ ثنتي عشرة غزوة، وحدث عن النبي ﷺ فأكثر وأطاب، حيث روي له: ألف حديث ومائة وسبعون حديثا، اتفق البخاري ومسلم على ستة وأربعين منها، وانفرد البخاري بستة عشر، ومسلم باثنين وخمسين، وروى عن جماعة من الصحابة منهم أبو بكر وعمر ﵃، وأبو سعيد ممن بايع رسول الله ﷺ على أن لا تأخذه في الله لومة لائم، وقال حنظلة بن أبي سفيان عن أشياخه، قالوا: لم يكن من أحداث الصحابة أفقه- وفي رواية أعلم- من أبي سعيد الخدري؛ ومناقبه كثيرة، توفي بالمدينة يوم الجمعة سنة أربع وستين، وقيل: سنة أربع وسبعين، ودفن بالبقيع ﵁. انظر: تهذيب الأسماء واللغات للإمام النووي ٢/ ٢٣٦ - ٢٣٧، وسير أعلام النبلاء للذهبي، ٣/ ١٦٨ - ١٧٢، والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، ٢/ ٣٥.\n(٣) [٢٧٨٦] طرفه في كتاب الرقاق، باب العزلة راحة من خلاّط السوء، ٧/ ٢٤٠، برقم ٦٤٩٤. وأخرجه مسلم، في كتاب الإِمارة، باب فضل الجهاد والرباط، ٣/ ١٥٠٣، برقم ١٨٨٨.\n(٤) من الطرف رقم ٦٤٩٤.","vol":"1","page":164},{"text":"الماء، وما انفرج بين الجبلين (١).\n* قوله: \" ويدع \": يترك (٢).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من أساليب الدعوة: الترغيب في الجهاد بالنفس والمال.\n٢ - أهمية خلوة الداعية عند ظهور الفتن المضلة.\n٣ - من صفات الداعية: مراعاة أحوال المدعوين.\n٤ - أهمية السؤال عما يحتاج إليه المدعو من أمور الدين.\n٥ - من أساليب الدعوة: التشبيه.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية بالتفصيل على النحو الآتي:\nأولا: من أساليب الدعوة: الترغيب في الجهاد بالنفس والمال: في هذا الحديث فضيلة عظيمة للمؤمن المجاهد بنفسه وماله، وأنه أفضل الناس؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀: \". . . وكأن المراد بالمؤمن من قام بما تعيّن عليه القيام به، ثم حَصَّل هذه الفضيلة، وليس المراد من اقتصر على الجهاد وأهمل الواجبات العينية، وحينئذٍ فيظهر فضل المجاهد؛ لما فيه من بذل نفسه وماله لله تعالى؛ ولما فيه من النفع المتعدي. . . \" (٣). وهذا يدل على فضل الجهاد مع الإِيمان، وأن ثواب ذلك الجنة والكرامة.\nوقال القاضي عياض ﵀ على قوله ﷺ في أفضل الناس: «مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله» هذا عام مخصوص وتقديره: هذا من أفضل الناس، وإلا فالعلماء أفضل، وكذا الصديقون، كما جاءت به الأحاديث \" (٤) وأفضل\n_________\n(١) انظر: لسان العرب، لابن منظور، باب الباء، فصل الشين، ١/ ٤٩٩، وشرح الكرماني على صحيح البخاري، ١٢/ ٩٥، ٢٣/ ١٦، وفتح الباري لابن حجر، ١١/ ٣٣٢.\n(٢) انظر: لسان العرب، لابن منظور، باب العين، فصل الواو، ٨/ ٣٨٣، وعمدة القاري للعيني، ٢٣/ ٨٢.\n(٣) فتح الباري لابن حجر ٦/ ٦.\n(٤) نقلا عن شرح النووي لصحيح مسلم ١٣/ ٣٧، وانظر: شرح الكرماني على صحيح البخاري، ١٢/ ٩٦.","vol":"1","page":165},{"text":"من هؤلاء جميعا: الأنبياء عليهم الصلاة والسلام (١).\nفعلى الداعية أن يستخدم أسلوب الترغيب في دعوته؛ فإن ذلك يؤثر في نفس المدعو، ويرغبه في الخير (٢).\nثانيا: أهمية خلوة الداعية عند ظهور الفتن المضلة: دل الحديث على أن أفضل الناس مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله، ويليه في الفضيلة مؤمن في شعب من الشعاب يتقي الله ويدع الناس من شره؛ لأن الذي يخالط الناس-في الغالب- لا يسلم من ارتكاب الآثام (٣).\nقال الحافظ ابن حجر ﵀: \" وفي الحديث فضل الانفراد لما فيه من السلامة من الغيبة واللغو ونحو ذلك. . . \" (٤).\nوسمعت العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله، يذكر على قوله ﷺ: «مؤمن في شعب من الشعاب يتقي الله ويدع الناس من شره» قال: \" هذا عند أهل العلم محمول على وقت الفتن ووقت الحروب، أما مع الأمن فالمؤمن مع المؤمنين أفضل، مع التعاون على البر والتقوى والحذر من الفتن \" (٥).\nقال الإمام النووي ﵀: \" وأجاب الجمهور عن هذا الحديث بأنه محمول على الاعتزال في زمن الفتن، والحروب، أو هو فيمن لا يسلم الناس منه، ولا يصبر عليهم، أو نحو ذلك من الخصوص، وكانت الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وجماهير الصحابة والتابعين، والعلماء، والزهاد مختلطين فيحصِّلون منافع الاختلاط: كشهود الجمعة، والجماعة، والجنائز، وعيادة المرضى، وحلق الذكر، وغير ذلك. . . \" (٦).\n_________\n(١) انظر: إكمال إكمال المعلم للأبي، ٦/ ٦١٩.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٧، الدرس الرابع عشر، ورقم ١٨، الدرس الخامس.\n(٣) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٦/ ٦، ٧.\n(٤) المرجع السابق ٦/ ٧، وانظر: شرح الكرماني على صحيح البخاري، ١٢/ ٩٦.\n(٥) سمعته من سماحته أثناء شرحه لحديث رقم ٢٧٨٦، من صحيح البخاري، في الجامع الكبير بالرياض \" جامع الإمام تركي بن عبد الله \".\n(٦) شرح النووي على صحيح مسلم ١٣/ ٣٨، وانظر: كتاب الأربعين في إرشاد السائرين إلى منازل المتقين لمحمد بن محمد بن علي الطائي، ص ١٧٥، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي ٣/ ٧٢٢، وإكمال إكمال المعلم للأبي ٦/ ٦٢٠ - ٦٢١.","vol":"1","page":166},{"text":"وقال ابن حجر ﵀: \". . . فإن وقعت الفتنة ترجحت العزلة؛ لما ينشأ فيها غالبا من الوقوع في المحذور، وقد تقع العقوبة بأصحاب الفتن فتعم من ليس من أهلها. . . \" (١).\nوذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \" أن المخالطة إن كان فيها تعاون على البر والتقوى فهي مأمور بها، وإن كان فيها تعاون على الإثم والعدوان منهي عنها، وذكر أن العبد لا بد له من انفراد بنفسه: في دعائه، وذكره، وصلاة النافلة، ومحاسبة نفسه، وإصلاح قلبه، ومما يختص به من الأمور التي لا يشركه فيها غيره \" (٢).\nفينبغي للداعية أن يراعي هذه الضوابط، ويعمل بالأصلح المشروع، ويتذكر ما جاء في الحديث: \" المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أعظم أجرا من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم \" (٣) فإذا كان لا بد من العزلة؛ لأجل الفتن المضلة اعتزل الناس؛ لقوله ﷺ: «يأتي على الناس زمان خير مال الرجل المسلم الغنم يتبع بها شعف الجبال، ومواقع القطر، يفرّ بدينه من الفتن» (٤) وإذا كان الأمر ليس كذلك، فمخالطة الناس ودعوتهم إلى الخير خير وأفضل وأعظم من العزلة (٥) والله المستعان.\n\nثالثا: من صفات الداعية: مراعاة أحوال المدعوين: إن في هذا الحديث ما يؤكد على مراعاة أحوال السائلين؛ لأن النبي ﷺ سئل عن: أفضل الأعمال، وأفضل الناس، فكانت إجابته على حسب أحوال السائلين، ففي حديث أبي سعيد ﵁ هذا قال في أفضل الناس: «مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله \"، قالوا: ثم من؟ قال: \" مؤمن في شعب من\n_________\n(١) فتح الباري لابن حجر ١٣/ ٤٣، وانظر: نفس المرجع ١١/ ٣٣١ - ٣٣٢.\n(٢) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ١٠/ ٤٢٥ - ٤٢٦.\n(٣) ابن ماجه، كتاب الفتن، باب الصبر على البلاء، ٢/ ١٣٣٨، برقم ٤٠٣٢، عن ابن عمر ﵄، وأحمد ٥/ ٣٦٥، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه ٢/ ٣٧٣.\n(٤) البخاري، كتاب الرقاق، باب العزلة راحة من خلاَّط السوء، ٧/ ٢٤١، برقم ٦٤٩٥.\n(٥) انظر: شرح رياض الصالحين للعلامة ابن عثيمين ٦/ ١٩٩.","vol":"1","page":167},{"text":"الشعاب يتقي الله ويدع الناس من شره»، وفي حديث أبي هريرة ﵁: «أن النبي ﷺ سئل أي العمل أفضل؟ فقال: \" إيمان بالله ورسوله \"، قيل: ثم ماذا؟ قال: \" الجهاد في سبيل الله \"، قيل: ثم ماذا؟ قال: \" حج مبرور» (١).\nوفي حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: «سألت النبي ﷺ: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: \" الصلاة على وقتها \" قال: ثم أيّ؟ قال: \" بر الوالدين \"، قال: ثم أيّ؟ قال: \" الجهاد في سبيل الله» (٢).\nوفي حديث أبي موسى ﵁، قال: «قالوا: يا رسول الله! أي الإسلام أفضل؟ قال: \" من سلم المسلمون من لسانه ويده» (٣).\nوفي حديث عبد الله بن عمر ﵄، أن رجلا سأل النبي ﷺ: «أي الإسلام خير؟ قال: \" تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف» (٤) وفي حديث أبي ذر ﵁ قال «قلت: يا رسول الله! أيّ الأعمال أفضل؟ قال: \" الإِيمان بالله والجهاد في سبيله \" قال قلت: أي الرقاب أفضل؟ قال: \" أنفسها عند أهلها وأكثرها ثمنا». . . \" (٥).\nوفي حديث عثمان ﵁ عن النبي ﷺ قال: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» (٦) وغير ذلك من الأحاديث.\nوهذا يؤكد على الداعية أن يراعي أحوال المدعوين ويخاطبهم على قدر علمهم وحاجتهم؛ لأن المصالح تختلف باختلاف الأشخاص، والأحوال،\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، في كتاب الإِيمان، باب من قال إن الإيمان هو العمل، ١/ ١٤، برقم ٢٦، ومسلم، في كتاب الإِيمان، باب بيان كون الإِيمان بالله تعالى أفضَل الأعمال، ١/ ٨٨، برقم ٨٣.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب فضل الصلاة لوقتها، ١/ ٥٢، برقم ٥٢٧، ومسلم، في كتاب الإيمان، باب كون الإِيمان بالله تعالى أفضل الأعمال، ١/ ٨٩، برقم ٨٥.\n(٣) متفق عليه: البخاري، في كتاب الإيمان، باب أي الإسلام أفضل، ١/ ١٠، برقم ١١، ومسلم، في كتاب الإِيمان، باب تفاضل الإِسلام وأي أموره أفضل، ١/ ٦٦، برقم ٤٢.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الإيمان، باب إطعام الطعام من الإسلام، ١/ ١١، برقم ١٢، ومسلم، في كتاب الإيمان، باب بيان تفاضل الإسلام وأي أموره أفضل، ١/ ٦٥، برقم ٣٩.\n(٥) مسلم، في كتاب الإيمان، باب كون الإِيمان بالله تعالى أفضل الأعمال، ١/ ٨٩، برقم ٨٥.\n(٦) البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب خيركم من تعلم القرآن وعلمه، ٦/ ١٣١، برقم ٥٠٢٧.","vol":"1","page":168},{"text":"والأعراف (١) والأوقات (٢) وقد ذكر الإمام النووي، والحافظ ابن رجب، والحافظ ابن حجر، وغيرهم من العلماء رحمهم الله تعالى: أن اختلاف الأجوبة في هذه الأحاديث باختلاف الأحوال، واحتياج المخاطبين، وذكر ما لم يعلمه السائل والسامعون، وترك ما علموه (٣).\nوقال الحافظ عمر بن علي المعروف بابن الملقن ﵀: \" والذي قيل في الجمع بينها: إنها أجوبة مخصوصة لسائل مخصوص بالنسبة إلى حاله، أو وقته، أو بالنسبة إلى عموم ذلك الحال والوقت، أو بالنسبة إلى المخاطبين بذلك، أو من هو في مثل حالهم، ولو خوطب بذلك الشجاع لقيل له: الجهاد، أو الغني لقيل له: الصدقة، أو الجبان الفقير لقيل له: البر أو الذكر، أو الفطن لقيل له: العلم، أو الحديد الخلق لقيل له: لا تغضب، وهكذا في جميع أحوال الناس، وقد يكون الأفضل في حق قوم أو شخص مخالفا للأفضل في حق آخرين، بحسب المصلحة اللائقة: بالوقت، أو الحال، أو الشخص \" (٤) وسمعت سماحة العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله يذكر: أن الأجوبة تختلف على حسب السائلين وأحوالهم (٥).\nفعلى الداعية أن يسلك هذا المنهج في مراعاة أحوال المدعوين، فيخاطب كل إنسان بما يحتاجه.\nرابعا: أهمية السؤال عما يحتاج إليه المدعو من أمور الدين: دل هذا الحديث على أهمية السؤال عما يحتاج إليه الإنسان من أمور الدين؛ لأن حسن السؤال نصف العلم؛ ولهذا قالت عائشة ﵂: \" نعم النساء نساء\n_________\n(١) انظر: مكمل إكمال الإِكمال مع شرح الأبي على صحيح مسلم للإمام محمد بن محمد السنوسي ١/ ٢٢٦.\n(٢) انظر: فتح الباري لابن حجر، ١١/ ٣٣١.\n(٣) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ٢/ ٤٣٦ - ٤٣٧، وفتح الباري شرح صحيح البخاري للإمام زين الدين أبي الفرج ابن رجب الحنبلي ٤/ ١٠٧ - ١٢٠ و١/ ١٠٥ - ١٢٤، فقد تكلم كلاما نفيسا في الجمع بين هذه الأحاديث، وفتح الباري لابن حجر، ١/ ٧٩، ١١/ ٣٣١.\n(٤) الإعلام بفوائد عمدة الأحكام، ٢/ ٢١٩.\n(٥) سمعت ذلك من سماحته أثناء شرحه لحديث رقم ٣١٢٨، من سنن النسائي، في جامع الأميرة سارة بالبديعة. وانظر: فيض القدير، شرح الجامع الصغير للمناوي، ٥/ ٥١٥، فقد بين أن عموم هذا الحديث خص بأحاديث أخرى، وانظر: فتح الباري لابن حجر، ١١/ ٣٣١.","vol":"1","page":169},{"text":"الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين \" (١) وقال مجاهد: \" لا يتعلم العلم مستحي ولا مستكبر \" (٢) وقالت أمّ سلَيْمٍ ﵂: «يا رسول الله إن الله لا يستحي من الحق فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ قال النبي ﷺ: \" إذا رأت الماء» (٣).\nفعلى المدعو أن يسأل عن العلم، وأن لا يستحي من السؤال عما ينفعه في الدنيا والآخرة (٤).\nخامسا: من أساليب الدعوة: التشبيه: من الأساليب التي تقرّب المعاني للمدعو وتوضحها في صورة محسوسة، أسلوب التشبيه، وقد ظهر في مفهوم هذا الحديث التشبيه؛ قال العلامة القسطلاني على قوله ﷺ: \". . . «في شعب من الشعاب». . . \": \" وليس بقيد بل على سبيل المثال، والغالب على الشعاب الخلو عن الناس؛ لذا مثَّل بهذا للعزلة والانفراد، فكل مكان يبعد عن الناس فهو داخل في هذا المعنى: كالمساجد والبيوت \" (٥).\nوقال النووي ﵀: \" وذكر الشعب مثالا؛ لأنه خالٍ عن الناس غالبا \" (٦).\nفعلى الداعية أن يعتني بالأساليب النافعة في الدعوة إلى الله تعالى، ومنها أسلوب التشبيه (٧).\n_________\n(١) البخاري، كتاب العلم، باب الحياء في العلم ١/ ٤٧.\n(٢) البخاري، كتاب العلم، باب الحياء في العلم ١/ ٤٧.\n(٣) البخاري، كتاب العلم، باب الحياء في العلم ١/ ٤٧ برقم ١٣٠.\n(٤) انظر: الحديث رقم ١٨، الدرس الأول.\n(٥) إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري ٥/ ٣٤.\n(٦) شرح النووي على صحيح مسلم ١٣/ ٣٨.\n(٧) انظر: الحديث رقم ١٨، الدرس الرابع.","vol":"1","page":170},{"text":"٣ -<span data-type=\"title\" id=toc-57> بَاب الدّعَاءِ بِالجِهَادِ والشَّهَادةِ للرِّجَالِ والنِّساءِ</span>\nوَقَالَ عمَر: اللَّهمَّ ارْزقْنِي شَهادَة فِي بَلدِ رَسولِكَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>[حديث ناس من أمتي يركبون ثبج البحر ملوكا على الأسرة]</span>\n٢٠ - ٢١ - [٢٧٨٨، ٢٧٨٩]- حَدَّثَنَا عَبْد اللهِ بْن يوسفَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنسِ بنِ مالكٍ ﵄: (١) أنه سَمعَه يقول: «كَانَ رَسول اللهِ ﷺ يَدْخل عَلَى أمِّ حَرَامٍ بنتِ مِلْحانَ (٢). فَتطْعِمه، وَكَانَتْ أمّ حَرَامٍ تَحْتَ عبَادَةَ بْنِ الصامِتِ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا رَسول اللهِ ﷺ فأَطْعَمَتْه وَجَعَلَتْ تَفْلِي رَأْسَه، فَنَامَ رَسول اللهِ ﷺ ثمَّ اسْتَيْقَظَ وَهوَ يَضْحَك. قَالَتْ: فَقلْت: وَمَا يضْحِككَ يَا رَسولَ اللهِ؟ قَالَ: \" نَاس مِن أمَّتِي عرِضوا علي غزاة فِي سَبيل اللهِ، يركَبونَ ثَبَجَ هَذَا البَحْرِ ملوكا عَلَى الأَسِرَّةِ- أَوْ مِثلَ الملوكِ عَلَى الأَسِرَّة \" شَكَّ إِسْحَاق - قَالَتْ: فَقلْت: يَا رَسولَ اللهِ، ادْع اللهَ أنْ يَجْعَلَنِي مِنْهمْ، فدَعَاَ لَهَا رَسول الله ﷺ ثمَّ وَضَعَ رَأْسَه، ثم اسْتَيْقَظَ وَهوَ يَضحَك. فقلْت: وَمَا يضْحِككَ يَا رَسولَ اللهِ؟ قَالَ: \" نَاس مِنْ أمَّتِي عرِضوا عَليَّ غزاة فِي سَبيل الله \" - كما قال في الأَوَّل- قَالَتْ: فَقلْت: يَا رَسولَ اللهِ، ادْع اللهَ أَنْ يَجعَلنِي مِنْهم، قَالَ: \" أَنْتِ مِنَ الأَوَّلِين \". فرَكِبَتِ البَحْرَ فِي زَمِن معَاوِيَةَ بْن أَبِي سفْيَانَ، فصرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا حِيْنَ خَرَجَتْ مِنَ البَحرِ فَهَلَكَتْ» (٣).\n_________\n(١) أنس بن مالك ﵁، تقدمت ترجمته في الحديث رقم ١٤.\n(٢) أم حرام بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام، الأنصارية، النجارية، ﵂، قيل: كانت خالة رسول الله ﷺ من الرضاعة، وقيل: من النسب، وهي أخت أم سليم، وخالة أنس بن مالك، تزوجت عبادة بن الصامت ﵁، فغزا بها معه في البحر مع معاوية، زمن عثمان ﵁، فلما رجعوا من غزوتهم قرّبت لها بغلة؛ لتركبها فصرعتها فماتت شهيدة في سبيل الله ﷿، وكانت هذه الغزوة في قبرس، وهي جزيرة من جزائر الروم، وذلك سنة سبع وعشرين. انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي، ٢/ ٣١٦، والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، ٤/ ٤٤١، وتهذيب التهذيب له، ١٢/ ٤٨٩، وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال، للحافظ أحمد بن عبد الله الخزرجي، ص ٤٩٧.\n(٣) [الحديث ٢٧٨٨] أطرافه: في كتاب الجهاد، باب فضل من يصرع في سبيل الله فمات فهو منهم، ٣/ ٢٦٨، برقم ٢٧٩٩، وفي باب غزوِ المرأة في البحر، ٣/ ٢٩١، برقم ٢٨٧٧، وباب ركوب البحر، ٣/ ٢٩٦، برقم ٢٨٩٤، وفي كتاب الاستئذان، باب من زار قوما فقال عندهم، ٧/ ١٨١، برقم ٦٢٨٢، وكتاب التعبير، باب الرؤيا بالنهار، ٨/ ٩٣، برقم ٧٠٠١. وأخرجه مسلم، في كتاب الإِمارة، باب فضل الغزو في البحر، ٣/ ١٥١٨، برقم ١٩١٢.\nو[الحديث ٢٧٨٩] أطرافه: في كتاب الجهاد، باب فضل من يصرع في سبيل الله فمات فهو منهم، ٣/ ٣٦٨، برقم ٢٨٠٠، وباب غزو المرأة في البحر، ٣/ ١ ٢٩، برقم ٢٨٧٨، وباب ركوب البحر، ٣/ ٢٩٦، برقم ٢٨٩٥، وباب ما قيل في قتال الروم، ٣/ ٣٠٥، برقم ٢٩٢٤، وفي كتاب الاستئذان، باب من زار قوما فقال عندهم، ٧/ ١٨١، برقم ٦٢٨٣، وكتاب التعبير، باب الرؤيا بالنهار، ٨/ ٩٣، برقم ٧٠٠٢، وأخرجه مسلم، في كتاب الإِمارة، باب فضل الغزو في البحر، ٣/ ١٥١٨، برقم ١٩١٢.","vol":"1","page":171},{"text":"وفي رواية: «يَرْكَبونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْر الأَخْضَر كَالْملوكِ عَلَى الأَسرَّةِ» (١).\nوفي رواية: «فَخَرَجَتْ مَعَ زَوْجِهَا عبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ غَازِيا أَوَّلَ مَا رَكِبَ الْمسْلِمونَ الْبَحْرَ مَعَ معَاوِيَةَ، فَلَمَّا انْصَرَفوا مِنْ غَزْوِهِمْ قَافِلِينَ فنَزَلوا الشَّامَ فَقرِّبَتْ إِلَيْهَا دَابَّة لِتَرْكَبَهَا فَصَرَعَتْهَا فَمَاتَتْ» (٢).\nوفي رواية: «اللَّهمَّ اجْعَلْهَا مِنْهمْ» (٣).\nوفي رواية: «كَانَ رَسول اللهِ ﷺ إِذَا ذَهَبَ إِلَى قبَاءٍ يَدْخل عَلَى أمِّ حَرَامٍ». . . \" (٤).\nوفي رواية: «أَوَّل جَيْشٍ مِنْ أمَّتِي يَغْزونَ الْبَحْرَ قَدْ أَوْجَبوا \" قَالَتْ أمّ حَرَامٍ فَقلْت: يَا رَسولَ اللهِ، أنا فِيهِمْ؟ قال: \" أنْتِ فِيهِمْ \" ثمَّ قَالَ النَّبِيّ ﷺ: \" أَوَّل جَيْشٍ مِنْ أمَّتِي يَغْزونَ مَدِينةَ قَيْصَرَ مَغْفور لَهمْ \" فَقلْت: أنا فِيهِمْ يَا رَسولَ اللهِ؟ قَالَ: \" لا» (٥).\n* شرح غريب الحديثين: * قوله: \" تَفْلِي رأْسه \": تفتش القمل من رأسه، وتقتله؛ لأنه قيل إنها كانت خالته من الرضاعة، والخلاصة أنها محرم له (٦).\n* قوله: \" ثَبَج هذا البحر \": أي وسطه، والثبج ظهر الشيء: أي ظهر البحر ومتنه (٧).\n_________\n(١) من الطرف رقم ٢٧٩٩.\n(٢) من الطرف رقم ٢٨٠٠.\n(٣) من الطرف رقم ٢٨٧٧.\n(٤) من الطرف رقم ٦٢٨٢.\n(٥) من الطرف رقم ٢٩٢٤.\n(٦) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الفاء مع اللام، مادة: \" فلى \"، ٣/ ٤٧٤، وعارضة الأحوذي لابن العربي، ٤/ ١٢٩، وشرح النووي على صحيح مسلم، ١٣/ ٦١، وشرح الكرماني على صحيح البخاري، ١٢/ ٩٧، وعمدة القاري للعيني، ١٤/ ٨٦،.\n(٧) تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي، ص ٢٤٥، وشرح الكرماني على صحيح البخاري، ١٢/ ٩٧، وانظر: أعلام الحديث للخطابي ٢/ ١٣٥٦، وفتح الباري لابن حجر، ١١/ ٧٤،.","vol":"1","page":172},{"text":"* قوله: \" ملوكا على الأسرَّة \": صفة لهم في الدنيا، والمعنى يركبون مراكب الملوك لسعة حالهم، واستقامة أمرهم، وكثرة عددهم (١).\n* قوله: \" صرعت عن دابتها \": أي قربت إليها دابتها لتركبها فشرعت لتركب فسقطت فاندقت عنقها فماتت (٢).\n* الدراسة الدعوية للحديثين: في هذين الحديثين دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من أدب المدعو: إكرام العلماء والدعاة والسرور بذلك.\n٢ - من صفات الداعية: حسن الخلق وسعة الصدر.\n٣ - من صفات الداعية: السرور بانتصار الإِسلام.\n٤ - من أعلام النبوة: إخبار النبي ﷺ بالمغيبات.\n٥ - من أساليب الدعوة: التأليف بالدعاء.\n٦ - من صفات الداعية: الرغبة فيما عند الله تعالى.\n٧ - من أساليب الدعوة: الترغيب في الجهاد وبيان فضيلة المجاهد.\n٨ - استعانة الداعية بالنوم في القائلة على قيام الليل.\n٩ - من وسائل الدعوة: ركوب البحر عند الحاجة.\n١٠ - من صفات الداعية: الحرص على الدقة في الحديث.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من أدب المدعو: إكرام العلماء والدعاة والسرور بذلك: يظهر في هذا الحديث أن إكرام العلماء واحترامهم من آداب المدعو الصالح؛ ولهذا أكرمت أم حرام ﵂ النبي ﷺ: بالطعام، والخدم، وفلت شعر رأسه. وقد كانت من محارمه من جهة الرضاعة (٣).\n_________\n(١) شرح الكرماني على صحيح البخاري، ١٢/ ٩٧.\n(٢) تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي، ص ٢٤٥، وشرح الكرماني على صحيح البخاري، ١٢/ ١٠٣، وفتح الباري لابن حجر، ١١/ ٧٦.\n(٣) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ١٣/ ٦١، وقال: \" اتفق العلماء على أنها كانت محرما له \"، وانظر: شرح صحيح البخاري للكرماني، ١٢/ ٩٧.","vol":"1","page":173},{"text":"ولا شك أن إكرام أم حرام للنبي ﷺ قد سرَّ زوجها؛ قال الإمام الأبي ﵀: \" ومعلوم سرور زوج أم حرام بذلك، وكانوا يحبون أن يدخل بيوتهم ويأكل طعامهم \" (١) وهذا مما يدل على الأدب مع العالم والداعية؛ ولهذا جاء في الحديث عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط» (٢).\nوعن عبادة بن الصامت ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «ليس من أمتي من لم يجِلّ كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا» (٣).\nوعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال، قال رسول الله ﷺ: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويعرف حق كبيرنا»، وفي رواية: «ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا» (٤).\nفينبغي للمدعو أن يجِلّ ويكرم العلماء، والدعاة، وينزلهم منازلهم.\n\nثانيا: من صفات الداعية: حسن الخلق وسعة الصدر: ظهر في هذا الحديث حسن خلق النبي ﷺ مع أمِّ حرام، وسعة صدره، وتواضعه ﷺ، دل على ذلك تبسمه وضحكه، وملاطفته لها، فينبغي للداعية أن يكون حسن الخلق، واسع الصدر متواضعا، اقتداء بنبيه ﷺ، حتى يكون بذلك من خيار الناس؛ لقوله ﷺ: «إن من خياركم أحاسنكم أخْلَاقا» (٥) وهذا يبيِّن للداعية أهمية التزام الخلق الحسن، والعمل به ظاهرا وباطنا (٦).\n_________\n(١) إكمال إكمال المعلم شرح صحيح مسلم للأبي ٦/ ٦٦٥.\n(٢) أبو داود، باب في تنزيل الناس منازلهم ٤/ ٢٦١، برقم ٤٨٤٢، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ١/ ٤٤.\n(٣) مسند الإمام أحمد ٥/ ٣٢٣، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ١/ ٤٤.\n(٤) مسند أحمد ٢/ ١٨٥، ٢٠٧، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ١/ ٤٥. وانظر: المسند من رواية ابن عباس ﵄ ١/ ٢٥٧.\n(٥) متفق عليه من حديث عبد الله بن عمرو ﵄: البخاري، كتاب الأدب، باب لم يكن النبي ﷺ فاحشا ولا متفحشا ٧/ ١٠٦ برقم ٦٠٢٩، ومسلم، في كتاب الفضائل، باب كثرة حيائه ﷺ ٤/ ١٨١٠ برقم ٢٣٢١.\n(٦) انظر: الحديث رقم ١٤، الدرس الأول.","vol":"1","page":174},{"text":"ثالثا: من صفات الداعية: السرور بانتصار الإسلام: دل هذا الحديث على أن الداعية الصادق هو الذي يفرح بظهور الإسلام وانتصار أهله؛ ولهذا بين الإمام النووي، والكرماني، وابن حجر ﵏ أن ضحكه ﷺ في هذا الحديث كان فرحا وسرورا؛ بكون أمته تبقى بعده متظاهرة بأمور الإسلام قائمة بالجهاد حتى في البحر، ممتثلة لأمره ﷺ بجهاد العدو (١).\nوالفرح والسرور بفضل الله تعالى وبتوفيقه مرغوب فيه ومحبوب إلى الله تعالى؛ ولهذا قال سبحانه: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨] (٢).\nرابعا: من أعلام النبوة: إخبار النبي ﷺ بالمغيبات: إن من الدلائل الواضحات والبينات القاطعات، والحجج الدامغات التي تدل على صدق نبوة محمد ﷺ ما أخبر به من الأمور الغيبية التي لا يعلمها إلا الله تعالى، وأوحى بها إلى نبيه ﷺ، وهي كثيرة جدا (٣) ومنها ما لم يقع فأخبر ﷺ بها ووقعت كما أخبر، فدل ذلك على أن محمدا رسول الله ﷺ، وأن ما جاء به من عند الله حق. قال الله ﷾: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا - إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧] (٤) ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ١٧٩] (٥).\nوقد دل هذا الحديث على بعض هذه الأمور التي تدل على صدقه ﷺ، وصحة نبوته، قال الإمام النووي وغيره من أهل العلم ﵏: \" وفيه معجزات للنبي ﷺ، منها: إخباره ببقاء أمته بعده، وأنه تكون لهم شوكة وقوة وعدد، وأنهم يغزون، وأنهم يركبون البحر، وأن أمَّ حرام تعيش إلى ذلك\n_________\n(١) انظر: عارضة الأحوذي شرح سنن الترمذي، لابن العربي، ٤/ ١٣٠، وشرح النووي على صحيح مسلم، ١٣/ ٦٢، وإكمال إكمال المعلم للأبي، ٦/ ٦٦٥، وشرح الكرماني على صحيح البخاري، ١٢/ ٩٨، وفتح الباري لابن حجر، ١١/ ٧٧.\n(٢) سورة يونس، الآية: ٥٨.\n(٣) انظر: جامع الأصول لابن الأثير ١١/ ٣١١ - ٣٣١.\n(٤) سورة الجن، الآيتان: ٢٦ - ٢٧.\n(٥) سورة آل عمران، الآية: ١٧٩.","vol":"1","page":175},{"text":"الزمان، وأنها تكون معهم، وقد وجِدَ بحمد الله تعالى كل ذلك (١).\nخامسا: من أساليب الدعوة: التأليف بالدعاء: إن من الأساليب المهمة في الدعوة إلى الله تعالى تأليف المدعو بالدعاء له، وهذا أسلوب نافع في الدعوة؛ ولهذا استخدمه النبي ﷺ في دعوته كثيرا، وقد دل هذا الحديث على هذا الأسلوب في قوله ﷺ لأمِّ حرام ﵂: «اللهم اجعلها منهم» وثبت أن النبي ﷺ قال: «اللهم اهدِ دوسا وائت بهم، اللهم اهدِ دوسا وائت بهم» (٢) وقد نص البخاري ﵀ على أن الدعاء من التأليف للمدعو فقال: \" باب الدعاء للمشركين بالهدى ليتألفهم \"، وقال ابن حجر ﵀ عن دعاء النبي ﷺ للمشركين: \". . . كان تارة يدعو عليهم وتارة يدعو لهم، فالحالة الأولى حيث تشتد شوكتهم ويكثر أذاهم، والحالة الثانية حيث تؤمن غائلتهم ويرجى تألفهم. . . \" (٣).\nأما المدعو من المسلمين فيتألف بالدعاء مطلقا؛ فإن ذلك من الأساليب النافعة (٤) فينبغي للداعية أن يستخدم هذا الأسلوب في دعوته للناس، والله المستعان.\nسادسا: من صفات الداعية: الرغبة فيما عند الله تعالى: من صفات الداعية الصادق مع الله تعالى الرغبة فيما عند الله تعالى؛ ولهذه الرغبة سألت أم حرام النبي ﷺ أن يدعو لها أن تكون مع المجاهدين رغبة في فضل الجهاد وطلبا للشهادة في سبيل الله تعالى، فقال ﷺ إجابة لطلبها: «اللهم اجعلها منهم»، قال الحافظ ابن حجر ﵀ في شرح ترجمة الحديث: \". . . وجاز تمني الشهادة؛ لما يدل عليه من صدق من وقعت له من إعلاء كلمة الله حتى بذل نفسه في تحصيل ذلك \" (٥) ولهذه الرغبة قال عمر ﵁:\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٣/ ٦٣، وانظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، ٣/ ٧٥٤، وإكمال إكمال المعلم، للأبي، ٦/ ٦٦٧.\n(٢) متفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁: البخاري، كتاب الجهاد، باب الدعاء للمشركين بالهدى ليتألفهم ٣/ ٣٠٨، برقم ٢٩٣٧، ومسلم، في كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل غفار وأسلم وجهينة وأشجع وتميم ودوس وطيء، ٤/ ١٩٥٧، برقم ٢٥٢٤.\n(٣) فتح الباري لابن حجر ٦/ ١٠٦.\n(٤) انظر: مسند أحمد ٥/ ٢٥٦، والبخاري مع الفتح ٦/ ٥١٤، ١٢/ ٢٨٢، ومسلم برقم ٢٨١٨.\n(٥) فتح الباري لابن حجر ٦/ ١٠.","vol":"1","page":176},{"text":"\" اللهم ارزقني شهادة في سبيلك واجعل موتي في بلد رسولك ﷺ \" (١) وقد أجاب الله دعاء من رغب فيما عنده سبحانه؛ ولهذا قال ﷺ: «من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه» (٢).\nفعلى الداعية أن يتصف بالرغبة فيما عند الله تعالى، وهذا من أعظم أسباب توفيقه وإعانته وقبول دعوته. والله المستعان وعليه التكلان (٣).\nسابعا: من أساليب الدعوة: الترغيب في الجهاد وبيان فضيلة المجاهد: من أساليب الدعوة: الترغيب في أعمال الطاعات ومن أعظمها الجهاد في سبيل الله تعالى؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀ في فوائد هذا الحديث: \". . . وفيه من الفوائد: الترغيب في الجهاد والحض عليه، وبيان فضيلة المجاهد \" (٤).\n\" ومن فضل الله تعالى على المجاهد أن موته في الغزو يعَدّ شهادة؛ لقوله ﷺ: \". . . «من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد» (٥) وهذا موافق لمعنى قوله تعالى:. . ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠] (٦) وقوله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ - لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [الحج: ٥٨ - ٥٩] (٧) وقد دل الحديث بمفهومه والآية بمنطوقها على ما يحصل عليه المجاهد الغازي في سبيل الله تعالى من الثواب العظيم، وأعظم منه من قتل في سبيل الله؛ فإن له ضيافة عند الله تعالى. ففي الحديث: «للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر،\n_________\n(١) البخاري، كتاب فضائل المدينة، باب ١٢ حدثنا مسدد عن يحيى ١/ ٢٧٤ برقم ١٨٩٠.\n(٢) مسلم، كتاب الإمارة، باب استحباب طلب الشهادة في سبيل الله تعالى، ٣/ ١٣١٧، برقم ١٩٠٩.\n(٣) انظر: الحديث رقم ١٣، الدرس الثاني، ورقم ١٦، الدرس الثالث.\n(٤) فتح الباري ١١/ ٧٧.\n(٥) أخرجه مسلم، في كتاب الإمارة، باب بيان الشهداء، ٣/ ١٥٢١ برقم ١٩١٥.\n(٦) سورة النساء، الآية: ١٠٠.\n(٧) سورة الحج، الآيتان: ٥٨ - ٥٩.","vol":"1","page":177},{"text":"ويأمن الفزع الأكبر، ويحلَّى حلية الإِيمان، ويزوج من الحور العين، ويشفع في سبعين إنسانا من أقاربه» (١).\nفعلى الداعية أن يستخدم هذا الأسلوب في دعوته إلى الله تعالى (٢).\n\nثامنا: استعانة الداعية بالنوم في القائلة على قيام الليل: دل الحديث على أن الداعية ينبغي له أن يستعين بنوم القائلة على قيام الليل، قال الحافظ ابن حجر في فوائد هذا الحديث: \" وفيه مشروعية القائلة لما فيه من الإعانة على قيام الليل \" (٣).\nوقال الحافظ ابن العربي: \" ونوم القائلة أصل في معونة الدين لمن يقوم الليل ويحيي بيته بالطاعة \" (٤).\nفعلى الداعية أن يستعين بنوم القائلة رغبة في أن يتقوى على قيام الليل، وعلى أمور الدعوة في الأوقات الأخرى.\nتاسعا: من وسائل الدعوة: ركوب البحر عند الحاجة: لا ريب أنه ينبغي للداعية أن يستخدم كل وسيلة نافعة مشروعة- أو لا محذور فيها ولا مخالفة- في دعوته إلى الله تعالى، ومن هذه الوسائل ركوب البحر عند الحاجة؛ لأجل الدعوة إلى الله تعالى؛ ولهذا ذكر جمهور العلماء ﵏ في فوائد هذا الحديث: \" جواز ركوب البحر \" (٥) وهذا له أصل في كتاب الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [يونس: ٢٢] الآية، (٦) وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٩٧] (٧).\n_________\n(١) ابن ماجه، كتاب الجهاد، باب فضل الشهادة في سبيل الله ٢/ ٩٣٥ برقم ٢٧٩٩، عن المقدام بن مَعدِ يكرب ﵁، وأحمد ٤/ ١٣١، ٢٠٠، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه ٢/ ١٢٩.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٧، الدرس الرابع عشر، ورقم ١٩، الدرس الأول.\n(٣) فتح الباري، ١١/ ٧٧، وانظر: عمدة القاري للعيني، ١٤/ ٨٧.\n(٤) عارضة الأحوذي شرح سنن الترمذي، ٤/ ١٢٩.\n(٥) انظر: المرجع السابق، ٤/ ١٣٠، وشرح النووي على صحيح مسلم، ١٣/ ٦٣، وإكمال إكمال المعلم، للأبي، ٦/ ٦٦٧، وفتح الباري لابن حجر، ١١/ ٧٧.\n(٦) سورة يونس، الآية: ٢٢.\n(٧) سورة الأنعام، الآية: ٩٧.","vol":"1","page":178},{"text":"فعلى الداعية أن يعلم أنه لا حرج في ركوب البحر للدعوة إلى الله تعالى، وهذا من الوسائل النافعة عند الحاجة لذلك. والله المستعان.\nعاشرا: من صفات الداعية: الحرص على الدقة في الحديث: لا شك أن من الصفات المهمة التي ينبغي أن يلتزمها الداعية، الحرص على صحة ما يقول وينقل للناس، حتى لا يكذب على النبي ﷺ؛ وللحرص على هذه الصفة قال إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة في روايته لهذا الحديث: «يركبون ثبج هذا البحر ملوكا على الأسرَّة- أو مثل الملوك على الأسرَّة» قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: \" وهذا الشك من إسحاق، يشعر بأنه كان يحافظ على تأدية الحديث بلفظه ولا يتوسع في تأديته بالمعنى \" (١) وهذا يدل على حرص السلف على تَحَرِّيهِم في النقل، وصدقهم؛ لأنه لما أشكل على إسحاق لفظ الحديث أبدى الإشكال ولم يأخذ بقوة الظن فيخبر به (٢).\nوهكذا ينبغي للدعاة إلى الله تعالى الحرص على ضبط الرواية والدقة في نقل الأخبار، والأقوال، وخاصة إذا كان النقل عن النبي ﷺ، فإذا لم يتيقن ذلك قال في نهاية الحديث: أو كما قال ﷺ، أو الحديث بمعناه، وكذلك الأحاديث التي يشك في صحتها يقول: ذكِرَ، أَوْ روِيَ، أو جاء، حتى لا يقع في قوله ﷺ: (٣) «كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع» (٤).\n_________\n(١) فتح الباري لابن حجر، ١١/ ٦٤، وانظر: كتاب الكفاية في علم الرواية، للخطيب البغدادي، ص ٢٦٥ - ٣١٦.\n(٢) انظر: بهجة النفوس لابن أبي جمرة، ١/ ١٢٨.\n(٣) انظر: الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث لابن كثير، بقلم العلامة أحمد محمد شاكر، ٢/ ٣٧٧ - ٤٤٢.\n(٤) صحيح مسلم، في المقدمة، باب النهي عن الحديث بكل ما سمع ١/ ١٠ برقم ٥، وانظر: الحديث رقم ٣، الدرس الرابع.","vol":"1","page":179},{"text":"٤ -<span data-type=\"title\" id=toc-59> باب درجات المجاهدين في سبِيلِ اللهِ</span>\nيقَال: هَذِهِ سَبِيلِي، وهَذَا سَبِيلِي، قَالَ أَبو عَبْدِ اللهِ: ﴿غُزًّى﴾ [آل عمران: ١٥٦] (١) وَاحِدهَا غازٍ: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ﴾ [آل عمران: ١٦٣] (٢) لَهمْ دَرَجَات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>[حديث من آمن بالله وبرسوله وأقام الصلاة وصام رمضان كان حقا على الله أن يدخله الجنة]</span>\n٢٢ - [٢٧٩٠] حدَّثَنَا يَحْيى بْن صَالِحٍ: حَدَّثَنا فلَيْح، عن هِلالِ بْنِ عليّ، عنْ عَطَاءِ بْنِ يَسارٍ، عَنْ أَبِي هرَيْرَةَ (٣) ﵁ قَالَ: قَال النَّبِيّ ﷺ: «مَنْ آمَنَ باللهِ وَبِرَسولهِ، وَأَقَامَ الصَّلاةَ، وَصَامَ رَمَضَانَ كَانَ حَقّا عَلَى اللهِ أَنْ يدْخِلَه الجَنَّةَ، جَاهَدَ فِي سَبيلِ اللهِ أوْ جَلَسَ فِي أَرْضِهِ الَّتِي ولِدَ فِيهَا \". فَقَالوا: يَا رَسولَ اللهِ، أفَلا نبَشِّر النَّاسَ؟ قَالَ: \" إِنَّ فِي الجَنَّةِ مائةَ دَرَجةٍ أَعدَّهَا الله لِلمجَاهِدينَ فِي سَبِيلِ اللهِ مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَينِ كَمَا بينَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ، فَإِذَا سَأَلْتم اللهَ فاسْأَلوه الفِرْدَوْسَ؛ فَإِنَّه أَوْسَط الجَنَّةِ وَأَعْلَى الجَنَّةِ \" أراه قَالَ: \" وَفَوْقَه عَرْش الرَّحْمنِ ومنْه تَفَجَّر أَنْهَار الجَنَّةِ». قَالَ محَمَّد بْن فلَيْحٍ عَنْ أَبِيهِ: «وَفَوقَه عَرْش الرَّحْمَنِ» (٤).\nوِفي رواية: \". . . «هَاجَرَ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ جَلَسَ فِي أَرْضِهِ». . \" وفيها: «أَفَلاَ ننَبِّئ النَّاسَ بِذَلِكَ» (٥).\n* شرح غريب الحديث: * \" الفردوس \": وهو البستان الذي يجمع كل شيء من ثمار البساتين، وقيل: هو الذي فيه العنب والأشجار، والجمع فراديس؛ ومنه: جنة الفردوس (٦).\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآية: ١٥٦.\n(٢) سورة آل عمران، الآية: ١٦٣.\n(٣) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ٧ [٢٧٥٣].\n(٤) [الحديث ٢٧٩٠]، طرفه في كتاب التوحيد، باب وَكَانَ عَرْشه عَلَى الْمَاءِ، وَهوَ رَبّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ٨/ ٢٢١، برقم ٧٤٢٣.\n(٥) من الطرف رقم ٧٤٢٣.\n(٦) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الفاء مع الراء، مادة \" فردوس \" ٣/ ٤٢٧، وفتح الباري، لابن حجر، ٦/ ١٣.","vol":"1","page":180},{"text":"* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من موضوعات الدعوة: الحث على أصول الإِيمان.\n٢ - من موضوعات الدعوة: الحث على العمل بأصول الإسلام.\n٣ - من أساليب الدعوة: تطييب قلوب المدعوين.\n٤ - من موضوعات الدعوة: الحث على الجهاد في سبيل الله ﷿.\n٥ - من أساليب الدعوة: الترغيب.\n٦ - من صفات الداعية: استصحاب النية الصالحة.\n٧ - من موضوعات الدعوة: الحث على الدعاء.\n٨ - من صفات الداعية: جهاد النفس.\n٩ - من أساليب الدعوة: الأسلوب الحكيم.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من موضوعات الدعوة: الحث على أصول الإيمان: إن الحديث عن أصول الإيمان والحث عليها والتزامها من أهم الأمور التي ينبغي للداعية أن يعتني بها عناية خاصة؛ لأن بالتزامها والعمل بمقتضاها تصلح أحوال الناس، وترسخ العقيدة الصحيحة في نفوسهم.\nويؤخذ من مفهوم هذا الحديث الحث على هذه الأصول، وذلك بحث النبي ﷺ على الإِيمان بالله وبرسوله ﷺ حيث قال: «من آمن بالله وبرسوله». . \" ثم بين فضل ذلك ورغب فيه.\nفينبغي للداعية أن يبين للناس أصول الإيمان، من الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره من الله ﷾. قال ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٣٦] (١)\n_________\n(١) سورة النساء، الآية: ١٣٦.","vol":"1","page":181},{"text":"وقال ﷾: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] (١).\n\nثانيا: من موضوعات الدعوة: الحث على العمل بأصول الإسلام: لا ريب أن تعليم الناس أصول الإسلام من أهم المهمات التي ينبغي للداعية إلى الله ﷿ أن يعتني بها، ويبيِّنها للناس حتى يعملوا بها، وقد تضمن هذا الحديث الحث على ذلك، حيث قال ﷺ: «من آمن بالله وبرسوله، وأقام الصلاة، وصام رمضان». . . \" ثم بين فضل من عمل ذلك ورغب فيه وحث عليه، وهذا يبيِّن للداعية أهمية الدعوة إلى أركان الإسلام وبيانها للناس من: شهادة الحق \" لا إِله إلا الله وأن محمدا رسول الله ﷺ \" ومعناها ومقتضاها، وشروطها، وأركانها، ونواقضها، ومن إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا؛ ولهذا قال ﷺ: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إِله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت» (٢).\nثالثا: من أساليب الدعوة: تطييب قلوب المدعوين: إن من أساليب الدعوة إلى الله ﷿ تطييب قلوب المدعوِّين المستجيبين وتأنيس نفوسهم إذا لم يستطيعوا القيام بالدعوة والجهاد؛ ولهذا قال ابن حجر ﵀ في شرحه لقوله ﷺ في هذا الحديث: «أو جلس في أرضه»: \" فيه تأنيس لمن حرِمَ الجهاد، وأنه ليس محروما من الأجر، بل له من الإيمان والتزام الفرائض ما يوصله إلى الجنة، وإن قصر عن درجات المجاهدين \" (٣) وهذا يحث الداعية على أن يتصف بهذه الصفة، ويطيِّب نفوس المدعوِّين بما يشرح صدورهم،\n_________\n(١) سورة القمر، الآية: ٤٩.\n(٢) متفق عليه من حديث ابن عمر ﵄: البخاري، كتاب الإيمان، باب قول النبي ﷺ \" بني الإسلام على خمس \" ١/ ٩، برقم ٨ ومسلم، في كتاب الإِيمان، باب أركان الإِسلام ودعائمه العظام، ١/ ٤٥، برقم ١٦.\n(٣) فتح الباري ٦/ ١٢.","vol":"1","page":182},{"text":"ويغني قلوبهم عما فاتهم بما شرع الله لهم من أعمال الخير: من القيام بالواجبات، واجتناب المحرمات، والنيَّة الصادقة الصالحة (١) قال ﷺ: «من سأل الله الشهادة بصدق بلَّغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه» (٢).\nرابعا: من موضوعات الدعوة: الحث على الجهاد في سبيل الله ﷿: لا شك أن الجهاد ذروة سنام الإسلام، وقبّته، ومنازل أهله أعلى المنازل في جنات النعيم، وقد ظهر من مفهوم هذا الحديث حث النبي ﷺ على الجهاد، وذلك ببيان فضله ومنازل أهله، فينبغي للداعية أن يبين للناس منزلة الجهاد ويحثهم عليه، وعلى الإعداد له، والاستعداد (٣).\nخامسا: من أساليب الدعوة: الترغيب: إن أسلوب الترغيب له شأن عظيم في الحث على العمل والتشويق إليه؛ ولهذا قال الحافظ ابن حجر ﵀ في فوائد هذا الحديث: \" وفي الحديث فضيلة ظاهرة للمجاهدين، وفيه عظم الجنة وعظم الفردوس منها. . \" (٤).\nومما يظهر فيه الترغيب من هذا الحديث أن النبي ﷺ بيَّن ما لِمَنْ قام بهذه الأعمال: من الإيمان، والصلاة، والصيام بقوله: «كان حقا على الله أن يدخله الجنة» وهذا الحق بطريق الفضل والكرم منه تعالى وأن ذلك ثابت بوعده الصادق، ثم رغب ﷺ في الجهاد في سبيل الله ﷿ وبين ما أعده الله للمجاهدين من الدرجات العلا، وأن أعلى الجنة وأوسطها (٥) وأفضلها الفردوس الذي منه تفجّر أصول أنهار الجنة، من: الماء، واللبن، والخمر، والعسل، وأن سقف الفردوس عرش الرحمن ﷾ (٦).\n_________\n(١) انظر: عمدة القاري، للعيني ١٤/ ٩٠.\n(٢) مسلم ٣/ ١٥١٧، برقم ١٩٠٩، وتقدم تخريجه، في الحديث رقم ٢١، الدرس السادس، ص ١٧٧.\n(٣) انظر: الحديث رقم ١٨، الدرس الثاني.\n(٤) فتح الباري ٦/ ١٢، وانظر: عمدة القاري للعيني ١٤/ ٩٠.\n(٥) الأوسط: هو الأعلى والأفضل والأوسع والأرفع والأعدل، وفي ذلك دلالة على أن السماء كرويَّة؛ لأن الوسط لا يكون أعلى إلا إذا كان كذلك. والله أعلم. انظر: عمدة القاري للعيني، ١٤/ ٩٠، ومرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح للملا علي القاري ٧/ ٣٥٠.\n(٦) انظر: شرح الكرماني على صحيح البخاري ١٢/ ١٣٢، وفتح الباري لابن حجر، ٦/ ١٣، والمنهل العذب الفرات من الأحاديث الأمهات للدكتور / عبد العال محمد عبد العال ٣/ ١٩٢.","vol":"1","page":183},{"text":"فينبغي للداعية أن يستخدم هذا الأسلوب مع المدعوين، لما له من الأهمية البالغة في الحث على العمل والمواظبة عليه.\nسادسا: من صفات الداعية: استصحاب النية الصالحة: النية الصادقة الصالحة من أعظم صفات الداعية؛ لقوله ﷺ في هذا الحديث: «هاجر في سبيل الله أو جلس في أرضه»، فدل ذلك على أن المهاجر في سبيل الله يحصل على فضل المجاهد في سبيل الله ﷿ بالنية الصالحة الصادقة، وأن من جلس في أرضه ولم يهاجر ولم يجاهد، ولكن عنده أعمال صالحة، ونية صادقة يتمنَّى الجهاد بها، فله فضل الجهاد.\nقال الحافظ ابن حجر ﵀: \" وفيه إشارة إلى أن درجة المجاهدين قد ينالها غير المجاهد، إما بالنية الصالحة، أو بما يوازيه من الأعمال الصالحة؛ لأنه ﷺ أمر الجميع بالدعاء بالفردوس بعد أن أعلمهم أنه أعِدَّ للمجاهدين \" (١).\nفينبغي للداعية أن يتصف بالنية الصالحة الصادقة؛ فإنه يحصل بها على الثواب العظيم؛ ولهذا قال ﷺ: «من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه» (٢) وقال ﷺ: «ما من امرئ تكون له صلاة بليل فيغلبه عليها نوم، إلا كتِبَ له أجر صلاته وكان نومه عليه صدقة» (٣) وقد عظَّم الله أمر النية الصالحة فقال ﷿: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٤] (٤) وهذا يدل على أهمية النية الصالحة وأن الدعاة إلى الله بحاجة إلى إصلاح النية، فإذا صلحت أعطيَ العبد الثواب\n_________\n(١) فتح الباري ٦/ ١٣.\n(٢) تقدم تخريجه في الدرس الثالث من هذا الحديث، ص ١٨٣.\n(٣) أبو داود، كتاب الصلاة، باب من نوى القيام فنام ٢/ ٣٤ برقم ١٣١٤، والنسائي، كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب من كان له صلاة بليل فغلبه عليها النوم، ٣/ ٢٧٥، برقم ١٧٨٤، وصححه الألباني في إرواء الغليل ٢/ ٢٠٤، وصحيح النسائي ١/ ٣٨٦.\n(٤) سورة النساء، الآية: ١١٤.","vol":"1","page":184},{"text":"العظيم والأجر الكبير، ولو لم يعمل وإنما نوى نية صادقة مع الله ﷾. ومن ذلك قوله ﷺ: «من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل» (١).\nوقال ﷺ: «من توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج عامدا إلى المسجد فوجد الناس قد صلوا، أعطاه الله ﷿ مثل أجر من صلاها وحضرها لا ينقص ذلك من أجرهم شيئا» (٢) والأصل في ذلك قوله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» (٣) وهذا من فضل الله على عباده أن يكتب لهم ما نووا من الخير وإن لم يعملوه، وأنهم يثابون على نياتهم الصادقة إذا حال بينهم وبين العمل نوم، أو نسيان، أو مرض (٤).\nفينبغي للداعية أن يتصف بالإخلاص والنية الصالحة، وبهذا يحصل على الثواب المضاعف والأجر الكبير، وبالنية الصالحة يبارك له في الأعمال المباحة، ويثاب عليها؛ ولهذا قال ﷺ: «إذا أنفق الرجل على أهله يحتسبها فهو له صدقة» (٥) وقال ﷺ لسعد بن أبي وقاص ﵁: «إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى ما تجعل في فِي امرأتك» (٦).\nسابعا: من موضوعات الدعوة: الحث على الدعاء: إن هذا الحديث دل على أن الحث على الدعاء والحض عليه من موضوعات\n_________\n(١) مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب جامع صلاة الليل ومن نام عن حزبه أو مرض، ١/ ٥١٥ برقم ٧٤٧.\n(٢) أبو داود، كتاب الصلاة، باب فيمن خرج يريد الصلاة فسبق بها ١/ ١٥٤ برقم ٥٦٤، والنسائي، كتاب الإمامة، باب حد إدراك الجماعة، ٢/ ١١١، برقم ٨٥٥، وقال ابن حجر في فتح الباري: إسناده قوي ٦/ ١٣٧.\n(٣) متفق عليه من حديث عمر بن الخطاب ﵁: البخاري، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسوله ﷺ، ١/ ٩ برقم ١، ومسلم، كتاب الإمارة، باب قوله ﷺ \" إنما الأعمال بالنية \" وأنه يدخل فيه الغزو وغيره من الأعمال ٣/ ١٥١٥، برقم ١٩٠٧.\n(٤) انظر: المنهل العذب المورود، شرح سنن أبي داود، لمحمود بن محمد خطاب السبكي، ٧/ ٢٣٩.\n(٥) متفق عليه من حديث أبي مسعود ﵁: البخاري: كتاب الإِيمان، باب ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة، ولكل امرئ ما نوى ١/ ٢٤ برقم ٥٥ ومسلم، كتاب الزكاة، باب فضل النفقة والصدقة على الأقربين، والزوج والأولاد والوالدين ولو كانوا مشركين ٢/ ٦٢٥، برقم ١٠٠٢.\n(٦) متفق عليه: البخاري، كتاب الإيمان، باب ما جاء أن الأعمال بالنية، ١/ ٢٤ برقم ٥٦، ومسلم كتاب الوصية، باب الوصية بالثلث، ٣/ ١٢٥٠ برقم ١٦٢٨.","vol":"1","page":185},{"text":"الدعوة؛ ولهذا قال ﷺ: \". . «فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس؛ فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة». . \"، وهذا يدل على أهمية الدعاء، وأنه يحصل به أعظم المطالب، ولهذا قال الله ﷿: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] (١) وقال ﷾: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦] (٢) وقال ﷺ: «إن ربكم ﵎ حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا» (٣).\nفينبغي للداعية أن يحث الناس على الدعاء، ويبين لهم شروطه، وموانعه، وآدابه، وفضله، وأوقات إجابته، ويرغبهم في ذلك، ويبين لهم أن أعظم ما يسأله العبد ربَّه: الفردوس الأعلى؛ لأن ذلك أعظم المطالب (٤).\nثامنا: من صفات الداعية: جهاد النفس: دل هذا الحديث على أن جهاد النفس من الصفات الحميدة التي ينبغي للداعية أن يتصف بها؛ قال الكرماني ﵀: \" وفيه الحث على ما يحصل به أقصى درجات الجنان من المجاهدة مع النفس \" (٥) قال الله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] (٦) وقال ﷾: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩] (٧).\nفينبغي للداعية أن يجاهد نفسه على طلب العلم، والعمل بما علم، والدعوة\n_________\n(١) سورة غافر، الآية: ٦٠.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ١٨٦.\n(٣) أبو داود، كتاب الصلاة، باب الدعاء، ٢/ ٧٨، برقم ١٤٨٨، والترمذي، كتاب الدعاء، باب حدثنا محمد بن بشار، ٥/ ٥٥٦، برقم ٣٥٥٦، وحسنه، وابن ماجه، كتاب الدعاء، باب رفع اليدين في الدعاء، ٢/ ١٢٧١، برقم ٣٨٦٥، وصححه الألباني في صحيح الترمذي ٣/ ١٧٩.\n(٤) انظر: فتح الباري لابن حجر ٦/ ١٣. وانظر أيضا: الترغيب في الدعاء، لأبي محمد عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي، ص ٣١ - ٦٩، والدعاء بالمأثور وآدابه، لأبي بكر الطرطوشي، ص ٣١ - ٣٠٦.\n(٥) شرح الكرماني على صحيح البخاري ١٢/ ٩٩.\n(٦) سورة الحج، الآية: ٧٨.\n(٧) سورة العنكبوت، الآية: ٦٩.","vol":"1","page":186},{"text":"إلى العلم والعمل، وتعليم من لا يعلم، ويجاهدها على الصبر على مشاق الدعوة إلى الله وأذى الخلق، ويتحمَّل ذلك كله للِّه، فإذا عَلِمَ الداعية، وعَمِلَ، وعَلّمَ دعيَ عظيما في ملكوت السماوات والأرض (١).\nتاسعا: من أساليب الدعوة: الأسلوب الحكيم: من أساليب الدعوة التي ينبغي للداعية أن يسلكها في دعوته: الأسلوب الحكيم؛ ولهذا استخدمه النبي ﷺ في هذا الحديث وفي غيره؛ وقد ذكر الطيبي والحافظ ابن حجر رحمهما الله: على قوله ﷺ: «وإن في الجنة مائة درجة» أن هذا الجواب من الأسلوب الحكيم: أي بشرهم بدخول الجنة بما ذكر من الأعمال \" (٢).\nفينبغي للداعية أن يستخدم الأساليب الحكيمة في دعوته إلى الله تعالى. والله المستعان.\n_________\n(١) انظر: زاد المعاد لابن القيم، ٣/ ١٠.\n(٢) انظر: شرح الطيبي على مشكاة المصابيح ٨/ ٢٦٢٣، وشرح الكرماني على صحيح البخاري، ١٢/ ٩٩، وفتح الباري لابن حجر، ٦/ ١٢.","vol":"1","page":187},{"text":"٥ -<span data-type=\"title\" id=toc-61> بَاب الغَدوةِ والرَّوْحَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وقَاب قوْسِ أَحَدِكمْ في الجَنَّةِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>[حديث لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها]</span>\n٢٣ - [٢٧٩٢] حَدَّثَنَا معلَّى بن أَسَدٍ: حَدَّثَنا وهَيْب: حدَّثَنا حمَيد عَن أنسِ بنِ مالكٍ (١) ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: «لغَدْوَة فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ رَوْحَة خَير مِنَ الدّنْيا وَمَا فِيهَا» (٢).\nوفِي رواية: «وَلَقَاب قَوْسِ أَحَدِكمْ مِنَ الجَنَّةِ أَو مَوْضِع قِيدٍ - يَعْنِي: سَوْطَه- خيْر مِنَ الدّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَوْ أَنَّ امْرَأَة مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ اطَّلَعتْ إِلى أَهْلِ الأَرْضِ لأضَاءَتْ مَا بينَهمَا وَلَمَلأَتْه رِيحا، وَلَنَصِيفهَا عَلَى رَأْسِهَا خَيْر مِنَ الدّنْيَا وَمَا فيْهَا» (٣).\nوفي رواية: «وَلَقَاب قَوْسِ أَحَدِكمْ أَوْ مَوْضِع قَدَمٍ مِنَ الجَنَّةِ خَير مِنَ الدّنْيَا وَمَا فيهَا» وفيها: «وَلَنَصِيفها- يَعْنِي الْخِمَارَ-» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>[حديث لقاب قوس في الجنة خير مما تطلع عليه الشمس وتغرب]</span>\n٢٤ - [٢٧٩٣] حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن المنْذِرِ: حَدَّثَنا محَمَّد بْن فلَيْحٍ قَالَ: حدَّثنِي أَبِي عَنْ هِلاَلِ بْنِ عَليٍّ، عَنْ عَبدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ أَبِي هرَيْرَةَ ﵁، (٥) عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَقَاب قَوْسٍ فِي الجَنَّةِ خَيْر مِمَّا تَطْلع عَلَيْهِ الشَمْس وَتَغْرب»، وَقَالَ: «لَغَدْوَة أَوْ رَوْحَة فِي سَبِيل اللهِ خَيْر مِمَّا تَطْلع عَلَيْهِ الشَّمْس وَتَغْرب» (٦).\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ١٤ [٢٧٦٨].\n(٢) [الحديث ٢٧٩٢] طرفاه في كتاب الجهاد والسير، باب الحور العين وصفتهن، ٣/ ٢٦٧، برقم ٢٧٩٦ وكتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار، ٧/ ٢٦٠، برقم ٦٥٦٨. وأخرجه مسلم في كتاب الإمارة، باب فضل الغدوة والروحة في سبيل الله، ٣/ ١٤٩٩، برقم ١٨٨٠.\n(٣) من الطرف رقم ٢٧٩٦.\n(٤) من الطرف رقم، ٦٥٦٨.\n(٥) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ٧ [٢٧٥٣].\n(٦) [الحديث ٢٧٩٣] طرفه في كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة، ٤/ ١٠٤، برقم ٣٢٥٣. وأخرجه مسلم في كتاب الإمارة، باب فضل الغدوة والروحة في سبيل الله، ٣/ ١٥٠٠ برقم ١٨٨٢. وكتاب الجنة وصفة نعيمها وَأهلها، باب إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، ٤/ ٢١٧٥، برقم ٢٨٢٦.","vol":"1","page":188},{"text":"وفي رواية: «وَلقاب قوْسِ أحدِكمْ فِي الجَنّةِ خَيْر مِمَّا طَلعَتْ عَليْهِ الشّمْس أوْ تغرب» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>[حديث الروحة والغدوة في سبيل الله أفضل من الدنيا وما فيها]</span>\n٢٥ - [٢٧٩٤] حَدَّثَنَا قَبيْصَة: حَدَّثَنَا سفيان، عَنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بن سعد (٢) - ﵁ - عن النَّبيِّ - ﷺ - قالَ: «الرَّوْحَة وَالغَدْوَة فِي سَبيل اللهِ أَفْضَل مِنَ الدنيا وَمَا فِيْهَا» (٣).\nوفي رواية: «رباط يوم في سبيل الله خَيْر مِنَ الدّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَمَوْضِع سَوطِ أحدكم من الجنة خَيْر مِنَ الدّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، والرَّوْحَة يَروحهَا الْعَبْد فِي سَبيل الله أو الغدوة خَيْر مِنَ الدّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا» (٤).\n* شرح غريب الأحاديث: * \" لغدوة \": المرة من الغدو: وهو سير أول النهار، نقيض الرواح، يقال: غدا يغدو غدوا، والغدوة بالضم ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس (٥).\n* \" روحة \": الروحة: الفعلة الواحدة: والرواح: رواح العشيّ: وهو من زوال الشمس إلى الليل (٦).\n_________\n(١) الطرف رقم ٣٢٥٣.\n(٢) سهل بن سعد بن مالك، الساعدي أبو العباس، الصحابي الجليل ﵁، كان اسمه حزنا فسماه النبي - ﷺ - سهلا، كان له يوم وفاة النبي - ﷺ - خمس عشرة سنة، روى له عن النبي - ﷺ - مائة وثمانية وثمانون حديثا، اتفق البخاري ومسلم على ثمانية وعشرين، وانفرد البخاري بأحد عشر، بلغ عن النبي -ﷺ - علما كثيرا، توفي سنة ثمان وثمانين، وقيل: سنة إحدى وتسعين بالمدينة، وقد قيل: بأنه آخر من مات من أصحاب النبي - ﷺ - بالمدينة. انظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي ١/ ٢٣٨، وسير أعلام النبلاء للذهبي ٣/ ٤٢٢، والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر ٢/ ٨٨.\n(٣) [الحديث ٢٧٩٤] أطرافه في: كتاب الجهاد والسير، باب فضل رباط يوم في سبيل الله، وقول الله تعالى يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنوا اصْبِروا وَصَابِروا وَرَابِطوا وَاتَّقوا اللَّهَ لَعَلَّكمْ تفْلِحونَ، ٣/ ٢٩٥، برقم ٢٨٩٢. وكتاب بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة ٤/ ١٠٤، برقم ٣٢٥٠. وكتاب الرقاق، باب مثل الدنيا والآخرة ٧/ ٢١٩، برقم ٦٤٥١. وأخرجه مسلم في كتاب الإمارة، باب فضل الغدوة والروحة في سبيل الله ٣/ ١٥٠٠، برقم ١٨٨١.\n(٤) الطرف رقم ٢٨٩٢.\n(٥) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الغين مع الدال، مادة \" غدا \" ٣/ ٣٤٦، وانظر: تفسير غريب ما في الصحيحين، للحميدي، ص ٣٤٦.\n(٦) تفسير غريب ما في الصحيحين، للحميدي، ص ٣٤٦ وانظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الراء مع الواو، مادة \" روح \" ٢/ ٢٧٣.","vol":"1","page":189},{"text":"* \" لقَاب قَوْسِ \": القاب القَدْر: أي موضِع قدْره، وقيل: القاب من القوس ما بين المقبض والسِّيَةِ، ولكل قوس قابان، وسية القوس: طرفها، وقيل: قاب قوس: أي قدر ذراع، ويقال: بيني وبينه قاب رمحٍ، وقَاد رمْحٍ، وقيد رمْحٍ: أي قَدر رمْحٍ في المساحة (١).\n* \" رباط يوم في سبيل الله \" الرباط في الأصل: الإِقامة على جهاد العدو بالحرب وارتباط الخيل وإعدادها، والرباط: ملازمة ثغر العدوِّ، يقال: رابطت إذا لازمت الثَّغرَ والعدوَّ، ويقال: لما يربط به الشيء ويلازم حِفظه: رِبَاط. وقيل: المرابطة أن يربط هؤلاء خيلهم، وهؤلاء خيلهم في الثغر كلّ معِدّ لصاحبه، فَسمِّيَ المقام في الثغور، رباطا لذلك (٢).\n* الدراسة الدعوية للأحاديث: في هذه الأحاديث الثلاثة دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من أساليب الدعوة: الترغيب.\n٢ - من أساليب الدعوة: التشبيه.\n٣ - من موضوعات الدعوة: الحث على الجهاد.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من أساليب الدعوة: الترغيب: الترغيب أسلوب عظيم من أساليب الدعوة إلى الله تعالى، وفي هذه الأحاديث ترغيب عظيم في الجهاد في سبيل الله تعالى، وأن المشاركة في الجهاد بغدوة أو روحة، أو رباط يوم في سبيل الله - ﷿ - يحصل بها الفوز العظيم والثواب الكبير وذلك خير من الدنيا وما فيها وما عليها؛ ولهذا بيّن النبي - ﷺ -: أن\n_________\n(١) تفسير غريب ما في الصحيحين، للحميدي ص ٣٤٦، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب القاف مع الواو، مادة \" قوب \" ٤/ ١١٨.\n(٢) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين، للحميدي ص ٣٧٠، ٣٩١، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الراء مع الباء، مادة \" ربط \" ٢/ ١٨٥.","vol":"1","page":190},{"text":"موضع قدم، أو موضع سوطٍ، أو خمار امرأة من أهل الجنة على رأسها، خير من الدنيا وما فيها، وهذا وصف لا يدور بالخيال؛ وقد قال النبي - ﷺ -: \" يقول الله تعالى: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأتْ، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر» (١)؛ ولأهمية الترغيب قال الله ﷿: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] (٢). وهذا يوضح للداعية عظم أمر الترغيب وعلوَّ شأنه، وأن له التأثير العظيم في النفوس، فينبغي أن يستخدم هذا الأسلوب في دعوة الناس وتوجيههم إلى الخير (٣).\nثانيا: من أساليب الدعوة: التشبيه. دلت هذه الأحاديث على أن أسلوب التشبيه من أساليب الدعوة إلى الله تعالى؛ قال الإمام ابن دقيق العيد - ﵀: (وفي قوله - ﷺ: «خير من الدنيا وما فيها» وجهان:\nأحدهما: أن يكون من باب تنزيل المغيب منزلة المحسوس، تحقيقا له وتثبيتا في النفوس؛ فإن ملك الدنيا، ونعيمها، ولذاتها محسوسة مستعظمة في طباع النفوس، فحقَق عندها أن ثواب اليوم الواحد في الرباط - وهو من المغيبات - خير من المحسوسات التي عهدتموها من لذات الدنيا.\nالثاني: أنه قد استبعد بعضهم أن يوازن شيء من نعيم الآخرة بالدنيا كلها، فحمل الحديث، أو ما هو معناه: على أن هذا الذي رتِّب عليه الثواب خير من الدنيا كلها، لو أنفقت في طاعة الله - تعالى - ثم قال ﵀: \" والأول عندي أوجه وأظهر) (٤).\n_________\n(١) متفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁: البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة، ٤/ ١٠٣، برقم ٣٢٤٤ وصحيح مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، ٤/ ٢١٧٤، برقم ٢٨٢٤.\n(٢) سورة السجدة، الآية: (١٧).\n(٣) انظر: فتح الباري لابن حجر ٦/ ١٤، وشرح ثلاثيات مسند الإمام أحمد بن حنبل، للعلامة محمد السفاريني ٢/ ٣٤٦، ومنار القاري في شرح مختصر صحيح البخاري، لحمزة بن محمد بن قاسم ٤/ ٨٧، وانظر: الحديث رقم ٧، الدرس الرابع عشر، ورقم ٢١، الدرس السابع.\n(٤) إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام، ٢/ ٣٠١ - ٣٠٢، وانظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي ٣/ ٧٠٩ - ٧١٠، وشرح النووي على صحيح مسلم ١٣/ ٣١، وشرح الكرماني على صحيح البخاري ١٢/ ١٠٠.","vol":"1","page":191},{"text":"فينبغي للداعية أن يستخدم أسلوب التشبيه في دعوته إلى الله (١).\nثالثا: من موضوعات الدعوة: الحث على الجهاد إن مفهوم هذه الأحاديث تضمن الحث على الجهاد والمشاركة فيه، ولو برباط يوم في سبيل الله تعالى، أو غدوة، أو روحة؛ ولهذا قال النبي - ﷺ -: «رباط يوم وليلة خير من صيام شهِر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وَأجرِيَ عليه رزقه، وأمِنَ الفَتان» (٢). \" (٣).\nوفي بيان دلالة هذه الأحاديث على الحث على الجهاد يقول ابن حجر، ﵀: \" والحاصل أن المراد تسهيل أمر الدنيا وتعظيم أمر الجهاد، وأن من حصل له من الجنة قدر سوط يصير كأنه حصل له أمر أعظم من جميع ما في الدنيا، فكيف بمن حَصَّل منها أعلى الدرجات، والنكتة في ذلك أن سبب التأخير عن الجهاد: الميل إلى سبب من أسباب الدنيا، فَنبه هذا المتأخر أن هذا القدر اليسير من الجنة أفضل من جميع ما في الدنيا \" (٤).\nوهذا يحث الداعية على أن يبين للناس فضل الجهاد، ويحثهم عليه، ويبيِّن حدوده، وضوابطه من الكتاب والسنة (٥).\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ١٨، الدرس الرابع، ورقم ١٩، الدرس الخامس.\n(٢) الفتان: قال الأكثر من الرواة: بضم الفاء، جمع فاتن للجنس، أي يؤمَن من كل ذي فتنة، وروى الطبري بفتح الفاء: يعني به فتان القبر، وكذلك رواه أبو داود مفسرا بالإِضافة إلى القبر. انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي ٣/ ٧٥٦، وشرح النووي على صحيح مسلم ١٣/ ٦٥.\n(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الإِمارة، باب فضل الرباط في سبيل الله، ﷿، ٣/ ١٥٢٠، برقم ١٩١٣.\n(٤) فتح الباري ٦/ ١٤.\n(٥) انظر: الحديث رقم ٢، الدرس الثالث، ورقم ١٨، الدرس الثاني.","vol":"1","page":192},{"text":"٦ -<span data-type=\"title\" id=toc-65> بَاب الحور العين وصِفَتِهنَّ </span>يحَار فِيها الطَّرْف: شَدِيدَة سَوَادِ العَيْنِ، شَدِيدَة بَياَضِ العَينْ ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الدخان: ٥٤] (١) أنكَحْناَهمْ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>[حديث ما من عبد يموت له عند الله خير يسره أن يرجع إلى الدنيا]</span>\n٢٦ - [٢٧٩٥] حَدَّثَنَا عَبْد اللهِ بْن محَمَّدٍ: حَدَّثَنَا معَاوِيَة بْن عَمْرو: حَدَّثَنَا أَبو إِسَحَاقَ، عَنْ حميدٍ قال: سَمِعْت أنس بْنَ مَالِكٍ (٢) ﵁، عَنِ النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَموت لَه عِنْدَ اللهِ خَيْر يَسره أَنْ يرجِعَ إِلَى الدّنْيَا وَأَنَّ لَه الدنْيَا وَمَا فِيهَا، إلاَّ الشَّهِيدَ لِمَا يَرَى مِنْ فَضْل الشَّهاَدِةِ؛ فَإنَّه يَسره أَنْ يرجعَ إلى الدّنْيَا فَيُقْتَلَ مَرَّة أخْرَى» (٣).\nوفي رواية: «مَا أَحَد يَدْخل الجَنَّةَ يحِبّ أَنْ يرجِعَ إِلى الدّنْيَا وَلَه مَا عَلَى الأَرْضِ مِن شيء إلا الشَّهِيد، يَتَمَنَّى أَنْ يرجِعَ إِلى الدّنْيَا فَيقْتَلَ عَشْرَ مرَاتٍ؛ لِمَا يَرَى مِنَ الكَرَامَةِ» (٤).\n* شرح غريب الحديث: * الشهيد الشهيد في الأصل من قتِلَ مجاهدا في سبيل الله ﷿، ويجمع على الشهداء، ثم اتّسِعَ فيه فأطلق على من سماه النبي - ﷺ - شهيدا من: المبطون، والغَرِق، والحَرِق، وصاحب الهدم، وذات الجَنْب، وغيرهم، وسمِّي شهيدا؛ لأنه حيّ لم يمت، كأنه شاهد حاضر؛ لأن أرواحَ الشهداء شهدت وحضرت دار السلام، وغيرهم لا يشهدونها إلا بعد التعب يوم القيامة.\nوقيل: سمِّي شهيدا؛ لأن الله وملائكته شهود له بالجنة. وقيل: لأن ملائكة\n_________\n(١) سورة الدخان، الآية: (٥٤).\n(٢) تقدمت ترجمته في الحديث ١٤.\n(٣) [الحديث ٢٧٩٥]، طرفه في كتاب الجهاد والسير، باب تمني المجاهد أن يرجع إلى الدنيا، ٣/ ٢٧٤، برقم ٢٨١٧. وأخرجه مسلم في كتاب الإمارة، باب فضل الشهادة في سبيل الله، ٣/ ٤٩٨ ١، برقم ١٨٧٧.\n(٤) الطرف رقم ٢٨١٧.","vol":"1","page":193},{"text":"الرحمة تشهده، وقيل: لشهادته بالحق في أمر الله حتى قتل، وقيل: لأنه يشهد ما أعده الله له من الكرامة بالقتل، وقيل: لأنه ممن يستشهد يوم القيامة مع النبي - ﷺ - على الناس، وذلك تخصيص لا يكون لكل أحد، وقيل غير ذلك (١).\nقلت: والظاهر والله أعلم أنه سمِّي لذلك كله.\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - الترغيب في طلب الشهادة في سبيل الله ﷿.\n٢ - من أساليب الدعوة: تمني أفضل الأعمال.\n٣ - من معجزات الرسول - ﷺ -: الإِخبار بالأمور الغيبية.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: الترغيب في طلب الشهادة في سبيل الله تعالى. في هذا الحديث ترغيب في طلب الشهادة في سبيل الله ﷿؛ لما فيها من الكرامة والفوز بالدرجات العلى في الجنة؛ قال ابن بطال ﵀: \" هذا الحديث أجل ما جاء في فضل الشهادة، وليس في أعمال البر ما تبذل فيه النفس غير الجهاد؛ فلذلك عظم فيه الثواب \" (٢). وقال النووي ﵀: \" وهذا من صرائح الأدلة في عظيم فضل الشهادة، والله المحمود المشكور \" (٣).\nفينبغي للداعية أن يعتني بأسلوب الترغيب في دعوته إلى الله ﷾؛ لما له من الأثر العظيم في نفوس المدعوين (٤).\n_________\n(١) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٣٦١، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الشين مع الهاء، مادة \" شهد \" ٢/ ٥١٣، وشرح النووي على صحيح مسلم ١٣/ ٢٨.\n(٢) نقلا عن الحافظ ابن حجر من فتح الباري، ٦/ ٣٣.\n(٣) شرح النووي على صحيح مسلم ١٣/ ٢٨.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٧، الدرس الرابع عشر، ورقم ٢٢، الدرس السابع.","vol":"1","page":194},{"text":"ثانيا: من أساليب الدعوة: تمني أفضل الأعمال: إن من أساليب الدعوة تمني أفضل الأعمال؛ للرغبة في الحصول على أعْلَى الدرجات وأعظم الثواب؛ ولهذا بين - ﷺ - في هذا الحديث أن الشهيد يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة، قال العلامة ملا علي القاري ﵀: \" وفيه إيماء إلى أنه لا يتمنى شيئا من شهوات الدنيا إلا الشهادة، وهي ليست منها فيكون من قبيل:\nولا عيب فيهم غير أن سيوفهم. . . \" (١).\nوقد كان النبي - ﷺ - يتمنى الشهادة في سبيل الله بحضرة الصحابة، ﵃، ومن ذلك قوله - ﷺ -: «لولا أن أشق على أمتي ما قعدت خلف سرية، ولوددت أني أقتل في سبيل الله، ثم أحيا، ثم أقتل، ثم أحيا ثم أقتل» (٢). ولا شك أن الصحابة - ﵃ - طمعوا في فضل الله -تعالى - ورغبوا في الحصول على الشهادة؛ لسماعهم تمنيه - ﷺ -.\nوهذا يبين للداعية أن تمني أفضل الأعمال، ونقل تمنِّي أهل الصلاح إلى المدعوين مما يرَغِّب المدعوين في عمل الصالحات والرغبة فيها.\nثالثا: من معجزات الرسول - ﷺ -: الإخبار بالأمور الغيبية: إن من الدلائل على صدق الرسول - ﷺ - ما أخبر به من الأمور الغيبية، ومن ذلك ما أخبر به في هذا الحديث بقوله - ﷺ -: «ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء إلا الشهيد، يتمنَّى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات؛ لما يرى من الكرامة»، وهذا يؤكد أن النبي - ﷺ - أعلمه الله بذلك، ويكون كما أخبر - ﷺ - (٣).\n_________\n(١) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، ٧/ ٣٦٧.\n(٢) متفق عليه من حديث أبي هريرة - ﵁: البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب تمني الشهادة، ٣/ ٢٦٨، برقم ٢٧٩٧، ومسلم، كتاب الإمارة، باب فضل الجهاد والخروج في سبيل الله، ٣/ ١٤٩٥، برقم ١٨٧٦.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٢١، الدرس الرابع.","vol":"1","page":195},{"text":"٩ -<span data-type=\"title\" id=toc-67> باب منْ ينكب أوْ يطعَن فِي سبيل اللهِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>[قوله في بعض المشاهد هل أنت إلا إصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت]</span>\n٢٧ - [٢٨٠٢] حَدَّثَنَا موسَى بْن إِسْمَاعِيلَ: حَدَّثَنَا أَبو عَوانةَ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ جندَب بْنِ سفيانَ (١) أَنَّ رَسولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ فِي بَعْضِ المَشَاهِدِ وَقَدْ دَمِيَتْ إِصبَعه فَقَالَ: «هَلْ أَنتِ إِلَّا إِصْبَع دَمِيتِ، وَفِي سَبِيلِ اللهِ مَا لَقيتِ» (٢).\nوفي رواية: \" بينَمَا النبي - ﷺ - يَمْشِي إِذْ أَصَابَه حَجَر فَعَثَرَ فَدَمِيَتْ إِصْبَعه، فقال. . . \" (٣). الحديث.\n* شرح غريب الحديث: * \" المشاهِد \": المغازي، سميت بذلك؛ لأنها مكان الشهادة، وقيل. محضر الناس، ومجمعهم (٤).\n* \" إصبع \": فيها عشر لغات: تثليث الهمزة، ومع كل حركة تثَلَّث الباء، واللغة العاشرة: أصبوع (٥).\n* \" دميت \" صفة للأصبع: أي ما أنت يا أصبع موصوفة بشيء إلا بأن دميتِ،\n_________\n(١) جندب بن عبد الله بن سفيان الإمام الصحابي الجليل أبو عبد الله البَجَلِي، روى عن النبي - ﷺ - عدة أحاديث، وعن يونس بن جبير قال: شيعنا جندبا فقلت له: أوصنا، قال: أوصيكم بتقوى الله، وأوصيكم بالقرآن؛ فإنه نور بالليل المظلم، وهدىَ بالنهار، فاعملوا به على ما كان من جهد وفاقه؛ فإن عَرضِ بلاء فقدم مالك دون دينك، فإن تجاوز البلاء فقدم مالك ونفسك دون دينك؛ فإن المخروب من خرِبَ دينه، والمسلوب من سلِبَ دينه، واعلم أنه لا فاقة بعد الجنة ولا غنى بعد النار. وقال ﵁: \" كنا غِلمانا حزاورة مع رسول الله - ﷺ - فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانا \" وقد نسب - ﵁ - إلى جده فقيل: جندب بن سفيان وبقي إلى حدود سنة سبعين، وهو غير جندب بن عبد الله الأزدي. انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي ٣/ ١٧٤، والإِصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، ١/ ٢٤٨.\n(٢) [الحديث ٢٨٠٢] طرفه، في كتاب الأدب، باب ما يجوز من الشعر والرجز والحداء وما يكره منه، ٧/ ١٣٩، برقم ٦١٤٦. وأخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب ما لقى النبي - ﷺ - من أذى المشركين والمنافقين، ٣/ ١٤٢١، برقم ١٧٩٦.\n(٣) من الطرف رقم ٦١٤٦.\n(٤) انظر: لسان العرب، لابن منظور، باب الدال، فصل الشين مادة: \" شهد \" ٣/ ٢٤١ والقاموس المحيط، للفيروز آبادي، باب الدال، فصل الشين، ص ٣٧٣ وشرح الكرماني على صحيح البخاري ١٢/ ١٠٦.\n(٥) انظر: القاموس المحيط للفيروز آبادي، باب العين، فصل الصاد، ص ٩٥٠ وشرح الكرماني على صحيح البخاري ١٢/ ١٠٦.","vol":"1","page":196},{"text":"كأنها لما دميت خاطبها على سبيل الاستعارة أو الحقيقة معجزة مسلّيا لها: أي تثبتي، فإنك ما ابتليتِ بشيء من الهلاك والقطع سوى أنك دَميت، ولم يكن ذلك أيضا هدرا، بل كان في سبيل الله - تعالى - ورضاه (١).\n* \" عثر \" المقصود هنا: أنه - ﷺ - عثر في مشيه: أصابه حجر فسقط وزلت به رجله - ﷺ - (٢).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من صفات الداعية: الصبر على المصائب.\n٢ - من صفات الداعية: احتساب الأجر والثواب على الله ﷿.\n٣ - من أساليب الدعوة: الرّجز والشعر الممدوح.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من صفات الداعية: الصبر على المصائب. دل هذا الحديث على أن الداعية ينبغي له أن يصبر على ما أصابه؛ فإنه لو سلم أحد من المصائب لسلم رسول الله - ﷺ -، فهو في هذا الحديث في غزوة من الغزوات وأصيب بحجر عثر فيه، ودميت أصبعه، فصبر ولم يجزع من تلك الدماء، فينبغي للداعية أن يقتدي برسول الله - ﷺ - ويصبر على ما أصابه قال الله - تعالى - في مدح المؤمنين ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الحج: ٣٥] (٣). وهذا يؤكد أهمية الصبر (٤).\n_________\n(١) انظر: القاموس المحيط، للفيروز آبادي، باب الياء، فصل الدال، ص ١٦٥٦، وشرح الكرماني على صحيح البخاري ١٢/ ١٠٦.\n(٢) انظر النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب العين مع الثاء، مادة: \" عثر \"، ٣/ ١٨٢ ومختار الصحاح للرازي، مادة: \" عثر \" ص ١٧٤.\n(٣) سورة الحج، الآية: (٣٥).\n(٤) انظر: الحديث رقم ٩، الدرس الثامن.","vol":"1","page":197},{"text":"ثانيا: من صفات الداعية: احتساب الأجر والثواب على الله - ﷿: إن من الصفات الحميدة أن يحتسب الداعية ما يصيبه فيرجو بذلك ثواب الله ويطمع في فضله وإحسانه ﷾؛ ولهذا احتسب إمام الدعاة - ﷺ - الثواب على ربه حينما أصيبت أصبعه فقال: «هل أنت إلا أصبع دميتِ وفي سبيل الله ما لقيتِ» فبين - ﷺ - أن ذلك لم يكن هدرا وإنما هو في سبيل الله - ﷿ - ورضاه (١).\nفينبغي للداعية أن يحتسب كل ما يصيبه من المصائب والمتاعب والمشاق حتى يثاب على ذلك من الله تعالى؛ قال النبي - ﷺ -: «ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا كتبت له بها درجة ومحيت عنه بها خطيئة» (٢).\nثالثا: من أساليب الدعوة: الرَّجز والشعر الممدوح. من الأساليب الدعوية التي يجذب بها الداعية بعض المدعوّين: الرَّجز (٣). عند الحاجة إلى ذلك في بعض الأحيان مع بعض الفئات من الناس، ولكن لا يستعمل الداعية منه إلا ما فيه نفع وحث على الخير، وترغيب في الطاعات، وتخويف من المعاصي والسيئات؛ ولهذا قال - ﷺ -: \" \" (٤). والمعنى إن من الشعر: قولا صادقا، مطابقا للحق. فالشعر منه حسن ومنه قبيح فيأخذ الداعية الحسن ويدع القبيح (٥). والنبي - ﷺ - لم يكن شاعرا ولا ينبغي له ذلك؛ لقول الله ﷿: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩] (٦). ولكن ما جاء\n_________\n(١) انظر: شرح الكرماني على صحيح البخاري ١٢/ ١٠٦.\n(٢) صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن، أو نحو ذلك حتى الشوكة يشاكها، ٤/ ١٩٩١، برقم ٢٥٧٢.\n(٣) الرَّجَز: بحر من بحور الشعر معروف، ونوع من أنواعه، ويسمى قائله راجزا، كما يسمى قائل بحور الشعر شاعرا. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الراء مع الجيم، مادة: \" رجز \" ٢/ ١٩٩.\n(٤) البخاري، كتاب الأدب باب ما يجوز من الشعر والرجز والحداء وما يكره منه ٨/ ١٣٩ برقم ٦١٤٥ عن أبي بن كعب ﵁.\n(٥) ذكر معنى هذا القول عن عائشة - ﵂. انظر: فتح الباري لابن حجر ١٠/ ٥٤٠.\n(٦) سورة يس، الآية: (٦٩).","vol":"1","page":198},{"text":"عنه إما أن يكون من باب الرجز، وإما أن يكون كلاما لغيره يتمثّل ببعضه، وإما أن يكون قال ذلك ولم يقصد الشعر ولم يعتنِ به، وإنما جاء على لسانه (١). واختار الإمام الطحاوي ﵀: أن ما حكِيَ عن النبي - ﷺ - من الكلام الذي ادعِيَ أنه شعر أو رجز: هو من الحكم التي في الشعر، فتكلم به على لسانه على أنه حكمة، والله يجري الحكمة على لسانه، لا أنه شعر أراده مما لا حكمة فيه (٢).\nفلا حرج على الداعية أن يستخدم أسلوب الرجز، أو الشعر الحسن في دعوته إلى الله تعالى.\n_________\n(١) انظر: أعلام الحديث للخطابي، ٢/ ١٣٥٨، وعارضة الأحوذي، بشرح سنن الترمذي، لابن العربي ٦/ ٣٩٩، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، ٣/ ٦١٩، وشرح النووي على صحيح مسلم، ١٢/ ٣٦١ - ٣٦٢، و١٢/ ٣٩٧، وفتح الباري لابن حجر، ١٠/ ٥٤١.\n(٢) شرح مشكل الآثار ٨/ ٣٨٦.","vol":"1","page":199},{"text":"١٢ -<span data-type=\"title\" id=toc-69> باب قول الله تعالى ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ </span>فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣] (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>[حديث استشهاد أنس بن النضر]</span>\n٢٨ - [٢٨٠٥] حَدَّثَنَا محَمَّد بْن سَعِيدٍ الخزَاعِيّ: حَدَّثَنَا عَبْد الأَعْلَى، عنْ حمَيْدٍ قَالَ: سَأَلْت أَنَسا، ح: حَدَّثَنَا عَمْرو بْن زرَارَةَ: حَدَّثَنَا زِياد قال: حَدَّثَنِي حمَيْد الطَّوِيل عَنْ أَنَسٍ (٢) - ﵁ - قَالَ: «غَابَ عَمِّي أَنس بْن النَّضْرِ (٣) عَنْ قِتالِ بَدْرٍ: فَقَالَ: يَا رَسولَ اللهِ، غِبْت عَنْ أَوَّلِ قِتَالٍ قَاتَلْتَ المشْرِكِينَ، لَئِنِ الله أَشْهَدَنِي قِتَالَ المشْرِكِينَ لَيَرَيَنَّ الله مَا أَصْنَع، فَلَمَّا كَانَ يَوْم أحدٍ وانْكَشَفَ المسْلِمونَ قَالَ: اللَّهمَّ إِنِّي أَعْتَذِر إِليْكَ مَّا صَنَعَ هَؤلَاءِ- يَعْنِي أَصحابَه- وَأَبْرَأ إِليْكَ مِمّا صَنَعَ هَؤلَاءِ: - يَعْنِي المشْرِكِينَ- ثمَّ تَقَدَّمَ فَاسْتَقْبَلَه سَعْد بْن معَاذٍ، فَقَالَ: يَا سَعْد بْنَ معَاذٍ، الجَنَّةَ وَرَبِّ النَّضرِ، إِني أَجِد رِيحَهَما مِنْ دونِ أحدٍ. قَالَ سَعْد: فَمَا اسْتَطَعْت يَا رَسولَ اللهِ مَا صَنَعَ. قَالَ أنس: فَوَجَدْنَا بِهِ بِضْعا وَثَمَانِينَ ضَرْبة بِالسَّيْفِ، أَوْ طَعْنة بِرمْح، أَوْ رَمْيَة بِسَهْمٍ، وَوَجَدْنَاه قَدْ قتِلَ وَقَدْ مثَّلَ بِهِ المشْرِكونَ، فَمَا عَرَفَه أَحد إِلَّا أخته بِبَنَانِهِ». قَالَ أَنس: كنَا نَرَى- أَوْ نَظنّ- أَن هَذِهِ الآية نَزَلَتْ فِيهِ وَفِي أَشْبَاهِهِ: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] (٤) إِلَى آخرِ الآية \" (٥).\n_________\n(١) سورة الأحزاب، الآية: (٢٣).\n(٢) أنس بن مالك، تقدمت ترجمته في الحديث رقم ١٤.\n(٣) أنس بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام الأنصاري، الخزرجي، النجاري، استشهد يوم أحدٍ، ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال فيه: \" إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره \" البخاري برقم ٢٨٠٦، ومسلم برقم ١٦٧٥، ﵁ فقد كان راغِباَ فيما عند الله - ﷿ - كما في هذا الحديث. انظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي، ١/ ١٢٨، والإِصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، ١/ ٧١.\n(٤) سورة الأحزاب، الآية: (٢٣).\n(٥) [الحديث ٢٨٠٥] طرفاه في: كتاب المغازي، باب غزوة أحد، ٥/ ٣٦، برقم ٤٠٤٨. وكتاب تفسير القرآن، ٢٣ سورة الأحزاب، باب فَمِنْهمْ مَنْ قَضَى نَحْبَه وَمِنْهمْ مَنْ يَنْتَظِر وَمَا بَدَّلوا تَبْدِيلا ٦/ ٢٦، برقم ٤٧٨٣. وأخرجه مسلم، في كتاب الأمارة، باب ثبوت الجنة للشهيد، ٣/ ١٥١٢، برقم ١٩٠٣.","vol":"1","page":200},{"text":"وفي رواية: \". . «لَئِن أَشْهَدَنِي الله مع النَّبِيِّ - ﷺ -؛ لَيَرَيَنَّ الله مَا أجِدّ، فَلَقِيَ يَوْمَ أحدٍ فَهزِمَ النَّاس، فقَالَ اللَّهمَّ إِنَي أَعْتَذِر إِليْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤلاءِ - يعني المسْلِمينَ- وَأَبْرَأ إِليْكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ المشْرِكونَ، فَتَقَدَّمَ بِسَيْفِهِ فَلَقِيَ سَعْدَ بْنَ معَاذٍ فَقَالَ: أَيْنَ يا سَعْد؛ إِنَي أَجِد رِيحَ الجَنَّة دونَ أحدٍ، فَمَضَى فَمَا عرِفَ حَتَّى عَرَفَتْه أخْته بِشَامَةٍ، أَوْ بِبَنانِهِ، وَبِهِ بضع وثَمَانونَ مِنْ طَعْنةٍ، وضَرْبَةٍ، وَرَمْيَةٍ بسَهْمٍ» (١).\n* شرح غريب الحديث: * \" لَيَرَينَّ الله مَا أجِدّ \" أي ما أجتهد (٢).\n* \" وانكشف المسلمون \" أي انهزموا (٣).\n* \" ببنانه \" البنان: الأصابع، وقيل: أطرافها (٤).\n* \" أخته \" أي أخت أنس بن النضر، وهي: الربيع بنت النضر، عمة أنس بن مالك - ﵃ (٥).\n* \" بشامة \" الشامة: الخال في الجسد (٦).\n* \" بضعا وثمانين ضربة \" البضع في العدد بالكسر، وقد يفتح: ما بين الثلاث إلى التسع، وقيل ما بين الواحد إلى العشرة؛ لأنه قطعة من العدد (٧).\n* \" نحبه \" النحب النذر، كأنه ألزم نفسه أن يصدق الله في قتال أعداء الله فوَفَى به، وقيل: النحب الموت، كأنه يلزم نفسه أن يقاتل حتى يموت (٨).\n_________\n(١) الطرف رقم ٤٠٤٨.\n(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الجيم مع الدال، مادة: \" جدد \" ١/ ٢٤٤.\n(٣) تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي، ص ١٢٨.\n(٤) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الباء مع النون، مادة: \" بنن \" ١/ ١٥٧.\n(٥) انظر: تهذيب الأسماء واللغات، للنووي ٢/ ٣٤٤.\n(٦) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الشين مع الهمزة، مادة: \" شام \" ٢/ ٤٣٦.\n(٧) المرجع السابق، باب الباء مع الضاد، مادة: \" بضع \" ١/ ١٣٣.\n(٨) انظر: المرجع السابق، باب النون مع الحاء، مادة: \" نحب \" ٥/ ٢٦.","vol":"1","page":201},{"text":"* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من صفات الداعية: بذل النفس والتضحية في سبيل الله ﷿.\n٢ - من صفات الداعية: الوفاء بالعهد.\n٣ - من صفات الداعية: الرغبة فيما عند الله ﷿.\n٤ - من صفات الداعية: صحة الإِيمان وقوة اليقين.\n٥ - من صفات الداعية: الشجاعة.\n٦ - من صفات الداعية: الصبر وتحمل المشاق.\n٧ - من أساليب الدعوة: الترغيب.\n٨ - من أساليب الدعوة: القصة.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من صفات الداعية: بذل النفس والتضحية في سبيل الله ﷿: إن بذل النفس والتضحية في سبيل اللِّه - تعالى - من صفات الداعية، وقد دل الحديث على هذه الصفة الحميدة: من تضحية أنس بن النضر - ﵁ - بنفسه في سبيل الله - ﷿ - حتى وجد فيه أكثر من ثمانين ضربة بالسيف، أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، وهذا كله يدل على بذله نفسه لله ﷾؛ ولهذا قال سعد بن معاذ - ﵁: \" فما استطعت يا رسول الله ما صنع \".\nقال الحافظ ابن حجر - ﵀: \" وفيه جواز بذل المرء نفسه في طلب الشهادة \" (١). فينبغي للداعية أن يضحي بكل ما يملك في خدمة الإسلام ونصرته، وفي كل ما يحبه الله - ﷿ويرضاه.\nثانيا: من صفات الداعية: الوفاء بالعهد. إن الوفاء بالعهد من أهم الصفات التي ينبغي للداعية أن يتصف بها؛ وقد\n_________\n(١) فتح الباري ٦/ ٢٣، ٧/ ٥٦.","vol":"1","page":202},{"text":"قال الله - ﷿: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣] (١).\n\nوفي هذا الحديث قال أنس بن النضر - ﵁: \" لئن أشهدني الله قتال المشركين ليريَنَّ الله ما أصنع \" وقد وفى بما عاهد الله عليه حتى اشتهر ذلك عند الصحابة - ﵃؛ ولهذا قال أنس بن مالك - ﵁: \" كنا نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه \": ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣]\nقال الحافظ ابن حجر - ﵀: \" وفي قصة أنس بن النضر من الفوائد: جواز بذل النفس في الجهاد، وفضل الوفاء بالعهد ولو شق على النفس حتى يصل إلى إهلاكها \" (٢).\nفينبغي للداعية أن يعتني بعهده؛ فإن ذلك من أعظم صفات الداعية الصادق.\nثالثا: من صفات الداعية: الرغبة فيما عند الله ﷿: لا ريب أن من رجا شيئا طمع فيه وطلبه ورغب فيه (٣). وقد دل هذا الحديث على أن الرغبة فيما عند الله تعالى والطمع في رضاه من صفات الداعية، وذلك في قول أنس بن النضر - ﵁: \" يا سعد بن معاذ: الجنة ورب النضر إني أجد ريحها من دون أحد \" (٤). ثم تقدم فقاتل حتى قتل، وما ذلك إلا لرغبته فيما عند الله - ﷿.\nفينبغي للداعية أن يرغب فيما عند الله، سبحانه تعالى، ويطمع في رضاه، قال الله ﷿: ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الشورى: ٣٦] (٥) وهذا يوضح أهمية الرغبة فيما عند الله ﷿ (٦).\n_________\n(١) سورة الأحزاب، الآية: (٢٣).\n(٢) فتح الباري ٦/ ٢٣.\n(٣) قال ابن القيم - ﵀: \" الفرق ببن الرغبة والرجاء: أن الرجاء طمع، والرغبة طلب، فهي ثمرة الرجاء، فإنه إذا رجا الشيء طلبه، والرغبة من الرجاء كالهرب من الخوف، فمن رجا شيئا طلبه ورغب فيه، ومن خاف شيئا هرب منه \". مدارج السالكين ٢/ ٥٥.\n(٤) قال الإمام النووي: \" محمول على ظاهره، وأن الله - تعالى - أوجده ريحها من موضع المعركة، وقد ثبتت الأحاديث أن ريحها توجد من مسيرة خمسمائة عام \" شرح صحيح مسلم، ١٣/ ٥٢.\n(٥) سورة الشورى، الآية: (٣٦).\n(٦) انظر: الحديث رقم ١٣، الدرس الثاني، ورقم ١٦، الدرس الثالث، ورقم ٢١، الدرس السادس.","vol":"1","page":203},{"text":"رابعا: من صفات الداعية: صحة الإيمان وقوة اليقين: دل الحديث على أن صحة الإِيمان وقوة اليقين من أهم صفات الداعية؛ ولهذا بذل أنس بن النضر روحه وجسده في سبيل الله، ﷿، وأيقن بأن الله ﷿ يثيبه على عمله المبارك.\nولا شك أن اليقين من الإيمان بمنزلة الروح من الجسد (١). قال الله - ﷿: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤] (٢)؛ ولهذه الأهمية قال الحافظ ابن حجر - ﵀ - في فوائد هذا الحديث: \" وفيه فضيلة ظاهرة لأنس بن النضر - ﵁ - وما كان عليه من صحة الإِيمان، وكثرة التوقي والتورع وقوة اليقين \" (٣).\nفينبغي للداعية إلى الله - تعالى - أن يتصف بهذه الصفة العظيمة؛ لأن اليقين في الحقيقة: قبول دين الله - ﷿ - كما جاء به النبي - ﷺ - والإيمان بالغيب الذي أخبر به الله، ﷾، وأخبر به رسوله - ﷺ -، إيمانا صادقا، لا يدخل القلب فيه شبهة ولا شك ولا تناس ولا غفلة (٤). ولهذه المكانة العظيمة بين النبي - ﷺ - أن أعظم ما أعطي العبد: هو اليقين فقال: «سلوا الله العفو والعافية؛ فإن أحدا لم يعط بعد اليقين خيرا من العافية» (٥).\nخامسا: من صفات الداعية: الشجاعة: من الصفات الحميدة التي دل عليها هذا الحديث الشجاعة، فقد ظهرت شجاعة أنس بن النضر، ﵁، وذلك بإقدامه في معركة أحد، وقتاله العظيم\n_________\n(١) انظر: مدارج السالكين، للإمام ابن القيم، ٢/ ٤٠١.\n(٢) سورة السجدة، الآية (٢٤).\n(٣) فتح الباري، ٦/ ٢٣، وانظر عمدة القاري للعيني، ١٤/ ١٠٣.\n(٤) انظر: مدارج السالكين، للإمام ابن القيم ٢/ ٤٠٢.\n(٥) أخرجه الترمذي من حديث أبي بكر، ﵁، في كتاب الدعوات، باب حدثنا محمد بن بشار، ٥/ ٥٥٧، برقم ٣٥٥٨، وابن ماجه، كتاب الدعاء، باب الدعاء بالعفو والعافية، ٢/ ١٢٦٥، برقم، ٣٨٤٩ وحسنه الألباني في صحيح الترمذي ٣/ ١٨٠، وصحيح ابن ماجه ٢/ ٣٣٨ وللحديث بعض الشواهد: من حديث ابن عباس - ﵁ - عند الترمذي في كتاب الدعوات باب حدثنا يوسف بن عيسى ٥/ ٥٣٤، برقم ٣٥١٤، وصححه الألباني في صحيح الترمذي ٣/ ١٧٠، ومن حديث أنس - ﵁ - عند الترمذي أيضا في كتاب الدعوات، باب في العفو والعافية، ٥/ ٥٧٦، برقم ٣٥٩٤، وانظر: صحيح الترمذي ٣/ ١٧٠، ١٨٠، ١٨٥.","vol":"1","page":204},{"text":"حتى ضحى بنفسه التي هي أغلى ما يملك بعد الإِيمان، وذلك لشجاعته القلبية التي حملته على ما صنع - ﵁ - (١).\nفينبغي للداعية أن يتصف بالشجاعة القلبية، والعقلية، فيصبر في ساحات الجهاد؛ لأن الشجاعة في الحقيقة: هي ضبط النفس عن مثيرات الخوف، حتى لا يجبن الإِنسان في المواضع التي تحسن فيها الشجاعة، ويقبح فيها الجبن، قال ابن حجر - ﵀ - في فوائد هذا الحديث: \" وفي الحديث جواز الأخذ بالشدة في الجهاد \" (٢).\nسادسا: من صفات الداعية: الصبر وتحمل المشاق: يظهر في هذا الحديث صبر أنس بن النضر، ﵁، وإقدامه ومثابرته في قتال المشركين، وهذا يبين للدعاة وغيرهم من المسلمين أن صفة الصبر خلق فاضل من أخلاق النفس، تمنع به من فعل ما لا يحسن ولا يجمل، وهو قوة من قوى النفس التي بها صلاح شأنها، وقوام أمرها (٣).\nفينبغي للداعية أن يتصف بهذه الصفة الحميدة التي تمكنه من ضبط نفسه؛ لتحمل المتاعب والمشاق في سبيل الدعوة إلى الله - ﷿؛ ولهذا أمر الله به الرسول - ﷺ -، فقال - ﷿: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ [الأحقاف: ٣٥] (٤) وقال ﷾: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١] (٥) أسأل الله العفو والعافية لي ولجميع المسلمين (٦).\nسابعا: من أساليب الدعوة: الترغيب: دل هذا الحديث على أن أسلوب الترغيب مهم في الدعوة إلى الله ﷿؛\n_________\n(١) انظر: مدارج السالكين، لابن القيم ٢/ ٣٠٨.\n(٢) فتح الباري ٧/ ٣٥٦، وانظر: الحديث رقم ٣٥، الدرس الخامس.\n(٣) انظر: عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين، لابن قيم الجوزية، ص ٢٩، ومدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، لابن قيم الجوزية، أيضا، ٢/ ١٥٦.\n(٤) سورة الأحقاف، الآية (٣٥).\n(٥) سورة محمد، الآية (٣١).\n(٦) انظر: الحديث رقم ٩، الدرس الثامن، ورقم ٢٧، الدرس الأول.","vol":"1","page":205},{"text":"لأنه يجذب القلوب إلى فعل الخير؛ ولهذا استشهد أنس بن مالك - ﵁ - بقوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣] (١).\nوهذا يرغب في الوفاء بالعهد والثبات عليه، ويبين للدعاة أهمية استخدام هذا الأسلوب في الدعوة إلى الله ﷿ (٢).\nثامنا: من أساليب الدعوة: القصة: القصص: هو الخبر المقصوص، وهو بمعنى تتبع الأثر، فقيل القاص يقص القصص؛ لإِتبَاعه خبرا بعد خبر، وسوقه الكلام سوقا (٣).\nولا شك أن القصص من أساليب الدعوة التي تؤثر في نفوس المدعوين، وقد دل هذا الحديث على أهمية القصص في الدعوة إلى الله تعالى؛ لأن من سمع حديث أنس بن مالك عن قصة عمه أنس بن النضر أثر ذلك في نفسه، وصور له واقع ما فعله - ﵁ - من التضحية والمثابرة الجادة الصادقة؛ ولهذا التأثير العظيم ذكر الله - ﷿ - في القرآن الكريم قصصا كثيرة، وذكر النبي - ﷺ - قصصا في سنته (٤). وبين الله -﷿ - أن في القصص عبرا وعظات، قال ﷾: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ١١١] (٥). فينبغي للداعية أن يعتني بالقصص من الكتاب العزيز، والسنة الصحيحة، ويبينه للناس حتى يحصل التأثير والقبول بإذن الله - ﷿ - (٦).\n_________\n(١) سورة الأحزاب، الآية (٢٣).\n(٢) انظر: مناهل العرفان في علوم القرآن، لمحمد بن عبد العظيم الزرقاني ٢/ ١٩٩، وانظر: الحديث رقم ٧، الدرس الرابع عشر، ورقم ١٨، الدرس الخامس.\n(٣) انظر: لسان العرب لابن منظور، باب الصاد، فصل القاف، مادة: \" قص \" ٧/ ٧٥ - ٧٧.\n(٤) انظر: صحيح البخاري، كتاب الأنبياء، ٤/ ١٧٦ - ١٨٤، حديث رقم، ٣٤٦٤ - ٣٤٨٥، وصحيح مسلم، كتاب الزهد والرقاق،، برقم ٢٩٦٤، ٢٧٦٦، ٣٠٠٥.\n(٥) سورة يوسف، الآية: ١١١.\n(٦) انظر: الحديث رقم ١٧، الدرس الثالث.","vol":"1","page":206},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>[حديث أمر أبي بكر زيد بن ثابت بنسخ المصحف]</span>\n٢٩ - [٢٨٠٧] حَدَّثَنَا أَبو الْيَمَانِ: أَخْبَرَنَا شعيب، عنِ الزهريِّ حِ، وحَدَثَنَا إِسْمَاعِيل قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي، عَنْ سلَيْمَانَ، أرَاه عَنْ محَمَّدِ بنِ أِبِي عَتِيقٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ: أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، ﵁، (١). قَال: \" نَسَخْت الصّحفَ فِي المَصَاحِفِ فَفَقَدْت آية مِنْ سورِةِ الأَحْزَابِ كنْت أَسْمَع رَسولَ اللهِ - ﷺ - يقْرَأ بِهَا، فَلَمْ أَجِدْهَا إِلّا مَعَ خزَيْمةَ بْنِ ثَابتٍ (٢). الأنصَارِيِّ الَّذِي جَعَلَ رَسول اللهِ - ﷺ - شَهَادَتَه شَهَادَةَ رَجلَينِ، وَهَو قوله: (٣)\n_________\n(١) زيد بن ثابت بن الضحاك الصحابي الجليل، ﵁، شيخ المقرئين والفرضيين، مفتي المدينة، كاتب الوحي، كان أحد الأذكياء، هاجر النبي - ﷺ - إلى المدينة وعمره إحدى عشرة سنة، وكان النبي - ﷺ - لا يأمن اليهود على كتابه، وقد ورد أن النبي - ﷺ - سأله \" أتحسن السريانية؟ \" قال زيد: قلت: لا. فأمره - ﷺ - أن يتعلم كتاب اليهود حتى كتب للنبي - ﷺ - كتبه وأقرأه كتبهم إذا كتبوا إليه - ﷺ -. انظر: البخاري مع الفتح ١٣/ ١٨٥، برقم ٧١٩٥، وزيد بن ثابت أفرض الأمة، وهو من الراسخين في العلم، وعندما مات زيد - ﵁ - جلس الناس إلي ابن عباس - ﵄ - فقال: هكذا ذهب العلماء دفِنَ اليوم علم كثير، وقد اعتمد عليه الصديق في جمع القرآن الكريم في الصحف، فجمعه من: الصحف، والرقاع، والأكتاف، والأقتاب، والعسب، واللخاف، وصدور الرجال. شهد زيد الخندق وما بعدها من المشاهد مع رسول الله - ﷺ -، روي له عن رسول الله - ﷺ - اثنان وتسعون حديثا اتفق البخاري ومسلم على خمسة، وانفرد البخاري بأربعة ومسلم بحديث، وتوفي - ﵁ - بالمدينة، سنة أربع وخمسين، وقيل غير ذلك. انظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي ١/ ٢٠٠ - ٢٠١، وسير أعلام النبلاء للذهبي ٢/ ٤٢٦ - ٤٤١، والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، ١/ ٥٦١.\n(٢) خزيمة بن ثابت بن عمارة بن الفاكِه، الفقيه أبو عمارة الأنصاري، ذو الشهادتين، الصحابي الجليل، ﵁، شهد مع النبي - ﷺ - بدرا وما بعدها [قاله النووي] وقال الذهبي: والصواب أنه شهد أحدا وما بعدها، وكان خزيمة وعمير بن عدي يكسران أصنام بني خطمة، وكانت راية خطمة بيده يوم فتح مكة، وشهد مع علي - ﵁ - الجمل وصفين ولم يقاتل فيهما، فلما قتل عمار بن ياسر - ﵁ - بصفين قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \" تقتل عمارا الفئة الباغية أخرجه مسلم في صحيحه، ٤/ ٢٢٣٦، برقم ٢٩١٦، فلما قتل ابن ياسر سل سيفه خزيمة وقاتل حتى قتل، وذلك سنة سبع وثلاثين، وله عن رسول الله - ﷺ - ثمانية وثلاثون حديثا، ومن أجل مناقبه أن رسول الله - ﷺ - جعل شهادته شهادة رجلين، فكان يسمى ذا الشهادتين، ومن حرصه على تقييد العلم وجدت آية سورة الأحزاب مكتوبة عنده عندما جمع زيد بن ثابت القرآن. ﵁ ورحمه. انظر: تهذيب الأسماء واللغات، للنووي ١/ ١٧٥، وسير أعلام النبلاء للذهبي ٢/ ٤٨٥، والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، ١/ ٤٢٥.\n(٣) [الحديث ٢٨٠٧] أطرافه في: كتاب المغازي، باب غزوة أحد، ٥/ ٣٧، برقم ٤٠٤٩. وكتاب تفسير القرآن، ٩ سورة براءة، باب قوله (لَقَدْ جَاءَكمْ رَسول مِنْ أَنْفسِكمْ عَزِيز عَلَيْهِ مَا عَنِتّمْ حَرِيص عَلَيْكمْ بِالْمؤْمِنِينَ رَءوف رَحِيم)، ٥/ ٢٥٠، برقم ٤٦٧٩. وكتاب تفسير القرآن، ٢٣ سورة الأحزاب، باب (فَمِنْهمْ مَنْ قَضَى نَحْبَه وَمِنْهمْ مَنْ يَنْتَظِر وَمَا بَدَّلوا تَبْدِيلا)، ٦/ ٢٦، برقم ٤٧٨٤. وكتاب فضائل القرآن، باب جمع القرآن، ٦/ ١١٩، ١٢٠، ١٢١، برقم ٤٩٨٦، وبرقم ٤٩٨٨. وكتاب فضائل القرآن، باب كاتب النبي - ﷺ -، ٦/ ١٢١، برقم ٤٩٨٩. وكتاب الأحكام، باب يستحب للكاتب أن يكون أمينا عاقلا، ٨/ ١٥١، برقم ٧١٩١. وكتاب التوحيد، باب وكان عرشه على الماء، وهو رب العرش العظيم، ٨/ ٢٢٣، برقم ٧٤٢٥.","vol":"1","page":207},{"text":"﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] (١).\nوفي رواية: \" فَألحَقْنَاها في سورَتهَا فيِ المصْحَفِ \" (٢).\nوفي رواية: أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ - ﵁ - قَالَ: \" أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبو بَكْرٍ الصِّدِّيق - ﵁ - مَقْتَلَ أَهْلِ الْيَمَامَة وَعِنْدَه عمَر بن الخطاب - ﵁، فَقَالَ أَبو بَكْرٍ: إِنَّ عمَرَ أَتَانِي فَقَالَ: إِنَّ القَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ يَوْمَ اليَمَامَةِ بِقرّاءِ القرْانِ، وَإِنِّي أَخْشَى إِنِ اسْتَحَرَّ القَتْل بِالقرَّاءِ بِالمَوَاطِن فَيَذْهَب كَثِيْر مِنِ القرْآنِ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْمرَ بجَمْع القرْانِ. قَالَ أَبو بَكْرٍ: قلْت لِعمَرَ: كَيْفَ تَفْعَل شيئا لَمْ يَفْعَلْه رَسول اللهِ - ﷺ -؟ فَقَالَ عمر: هَذَا وَاللهِ خَيْر. فَلَمْ يَزَلْ عمَر يرَاجِعنِي حَتَّى شَرَحَ الله صَدْرِي لِذَلِكَ، وَرَأَيْت فِي ذَلِكَ الذِي رَأَى عمَر. قَالَ زَيْد: وَعمَر عِنْدَه جَالِس لاَ يَتكَلَّم - فَقَالَ أَبو بَكْرٍ: إٍنكَ رَجل: شَابّ عَاقِل، وَلاَ نَتَّهمكَ، وَكنْتَ تَكْتب الوَحْيَ لِرَسولِ اللهِ - ﷺ - فتَتبّع القرْآنَ فَاجْمَعْه. فَوَاللهِ لَوْ كلّفوني نَقْلَ جَبَلٍ مِن الجبَالِ مَا كَان أَثْقَلَ عَليَّ مِمّا أَمَرَني بهِ مِنْ جَمْعِ القرآنِ. قلْت: كَيْفَ تَفْعَلانِ شيئا لَمْ يَفْعَلْه رَسول اللهِ - ﷺ -؟ فَقَالَ أبو بَكْرٍ: هوَ واللهِ خَيْر. فَلَمْ أَزَلْ أرِاجِعه حَتَّى شَرَحَ الله صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَه صَدْرَ أَبِي بكْرٍ وَعمَرَ - ﵄. فقمْت فَتَتبّعْت القرْآنَ أَجْمَعه: مِنِ الرقَّاعِ، وَالأَكْتَافِ، وَالعسبِ [واللِّخَافِ]، وَصدورِ الرِّجَالِ، حَتَّى وَجَدْت آخِرَ سورةِ التَّوْبَةِ مَعَ أَبِي خزَيْمَةَ الأنصَارِي. . \" (٣).\nوفي رواية: \" حَتَّى وَجَدْت مِنْ سورَةِ التَّوبَةِ آيَتَيْنِ مَعَ خزَيمةَ الأنصَارِي (٤) لَمْ\n_________\n(١) سورة الأأحزاب، الآية: (٢٣).\n(٢) من الطرف رقم ٤٠٤٩.\n(٣) الطرف رقم: ٤٩٨٦، وانظر: الطرف رقم ٤٦٧٩.\n(٤) قال الحافظ ابن حجر ﵀: \" والأرجح أن الذي وجد معه آخر سورة التوبة: أبو خزيمة بالكنية، والذي وجد معه الآية: من الأحزاب: خزيمة، وأبو خزيمة قيل: هو ابن أوس بن زيد بن أصرم مشهور بكنيته دون اسمه، وقيل: هو الحارث بن خزيمة. وأما خزيمة فهو ابن ثابت ذو الشهادتين كما تقدم صريحا في سورة الأحزاب \" [يعني ﵀ حديث رقم ٢٨٠٧] فتح الباري ٩/ ١٥، وقيل: \" كانتا كلتاهما مكتوبتين عند خزيمة بن ثابت - ﵁ - ولا محذور في ذلك \" انظر: شرح الكرماني على صحيح البخاري ١٨/ ٤٦، وقيل: كلها عند خزيمة بن ثابت، ﵁، لكن آية الأحزاب عند النقل من الصحف إلى المصحف، وآيتي التوبة عند النقل من العسب إلى الصحف. انظر: شرح الكرماني السابق ٢٤/ ٢٣٠. والأرجح والله أعلم ما قاله ابن حجر ﵀؛ لموافقته للطرف رقم ٤٩٨٦.","vol":"1","page":208},{"text":"أَجِدْهمَا مَعَ أَحَدٍ غَيْرِه (١). ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] (٢) إِلى آخِرِهَا \". وَكَانَتْ الصّحف الَّتِي جمعَ فِيْهَا الْقرْآن عِنْدَ أَبِي بَكر حتى تَوَفَّاه الله، ثمَّ عِنْدَ عمَرَ حَتَّى تَوَفَّاه الله، ثمَ عند حَفْصَةَ بِنْتِ عمَرَ [﵃] (٣).\n* شرح غريب الحديث: * \" استحرَّ \": كثر واشتدَّ؛ لأن المكروه غالبا يضاف إلى الحر، كما أن المحبوب يضاف إلى البرد، يقولون: أسخن الله عينه، وأقرَّ الله عينه (٤).\n* \" انشراح الصدر \" سعته، وانفساحه، وتقبله للخير (٥).\n* \" العسب \" جمع عسيب: وهو جريد النخل (٦).\n* \" الأكتاف \" الكتف عظم عريض يكون في أصل كتف الحيوان كانوا يكتبون عليه لقلة القراطيس عندهم (٧).\n* \" اللخاف \" حجارة بيض رقاق، واحدتها لخفة، وقيل: هي الخزف (٨).\n\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n_________\n(١) أي لم يجدها مكتوبة مع أحد غيره، أما الحفظ فكثير من الصحابة يحفظها. انظر: فتح الباري لابن حجر، ٩/ ١٥، ٨/ ٥١٨، وعمدة القاري للعيني ٨/ ٢٨٢.\n(٢) سورة التوبة، الآيتان (١٢٨ - ١٢٩).\n(٣) من الطرف رقم ٤٦٧٩.\n(٤) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين، للحميدي ص ٣٦، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الحاء مع الراء، مادة: \" حرر \" ١/ ٣٦٤.\n(٥) تفسير غريب ما في الصحيحين، للحميدي، ص ٣٦٠.\n(٦) المرجع السابق ص ٣٦، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب العين مع السين، مادة: (عسب) ٣/ ٢٣٤.\n(٧) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الكاف مع التاء، مادة: \" كتف \" ٤/ ١٥٠.\n(٨) تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٣٦، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، مادة: \" لخف \" ٤/ ٢٤٤.","vol":"1","page":209},{"text":"١ - من صفات الداعية الفطنة والذكاء.\n٢ - أهمية تقييد العلم وضبطه بالكتابة.\n٣ - من صفات الداعية: العقل السليم، والنشاط، والأمانة، والخبرة.\n٤ - حرص الصحابة - ﵃ - على العناية بالقرآن الكريم.\n٥ - حرص الصحابة - ﵃ - على الاقتداء برسول الله - ﷺ -.\n٦ - من أساليب الدعوة: الحوار.\n٧ - أهمية اختيار الداعية الصالح للأمور المهمة.\n٨ - حرص السلف الصالح على الدقة في ضبط الرواية.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من صفات الداعية: الفطنة والذكاء: جعل النبي - ﷺ - شهادة خزيمة بن ثابت - ﵁ - شهادة رجلين؛ لِمَا رأى فيه من الفطنة والذكاء، وسبب ذلك أن «النبي - ﷺ - اشترى فرسا من أعرابي، فاستتبعه النبي - ﷺ - ليقضيه ثمن فرسه، فأسرع رسول الله المشي وأبطأ الأعرابي، فطفق (١). رجال يعترضون الأعرابي فيساومونه بالفرس، ولا يشعرون أن النبي - ﷺ - ابتاعه، فنادى الأعرابي رسول الله - ﷺ - فقال: إن كنت مبتاعا هذا الفرس وإلا بعته، فقام النبي - ﷺ - حين سمع كلام الأعرابي فقال: \" أوليس قد ابتعته منك؟ \" فقال الأعرابي: لا، والله ما بعتكه، فقال النبي - ﷺ -: \" بلى قد ابتَعته منك \" فطفق الأعرابي يقول: هَلمَّ شَهِيدا، فقال خزيمة بن ثابت: أنا أشهد أنك قد بايعته، فأقبل النبي - ﷺ - على خزيمة فقال: \" بِمَ تَشْهَد؟ \" فقال: بتصديقك يا رسول الله، فجعل رسول الله - ﷺ - شهادة خزيمة بشهادة رجلين» (٢).\n_________\n(١) طفق: أخذ في الفعل وجعل يفعل، وهي من أفعال المقاربة. النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الطاء مع الفاء، مادة: \" طفق \" ٣/ ١٢٩.\n(٢) أخرجه أبو داود، في كتاب الأقضية، باب إذا علم الحاكم صدق الشاهد الواحد يجوز له أن يحكم به، ٣/ ٣٠٨، برقم ٣٦٠٧، عن عمارة بن خزيمة أن عمه حدثه وهو من أصحاب النبي - ﷺ -، والنسائي، في كتاب البيوع، باب التسهيل في ترك الإشهاد على البيع، ٧/ ٣٠١، برقم ٤٦٤٧، وصححه الألباني في صحيح أبي داود ٢/ ٦٨٨.","vol":"1","page":210},{"text":"قال ابن حجر - ﵀ - في فوائد حديث زيد بن ثابت - ﵁: \" وفيه فضيلة الفطنة في الأمور، وأنها ترفع منزلة صاحبها؛ لأن السبب الذي أبداه خزيمة حاصل في نفس الأمر يعرفه غيره من الصحابة، وإنما هو؛ لِمَا اختص بِتَفَطنِهِ لما غفل عنه غيره مع وضوحه، وجوزِيَ على ذلك بأن خصَّ بفضيلة من شَهدَ له خزيمة أو عليه \" (١).\nوهذا يبين أهمية الفطنة والذكاء وأن الداعية ينبغي له أن يكون فطنا ذكيا، ويسأل الله - ﷿ - أن يوفقه لذلك.\nثانيا: أهمية تقييد العلم وضبطه بالكتابة: ظهر في هذا الحديث أهمية ضبط العلم بالكتابة؛ ولهذا ظهرت فائدة ضبط خزيمة بن ثابت - ﵁ - آية الأحزاب بالكتابة فوجدها زيد بن ثابت عنده مكتوبة ولم يجدها عند غيره؛ ولهذه الأهمية أمر أبو بكر بجمع القرآن وكتابته في الصحف، ووافقه عمر، وزيد، ﵃، فنفع الله بذلك أمة محمد - ﷺ -؛ وقد اعتنى الصحابة، ومن بعدهم من التابعين وأتباعهم بإحسان، بضبط العلم بالكتابة، وأوصوا بذلك، فعن خالد بن خداش قال: وَدَّعْت أنس بن مالك فقلت يا أبا عبد الله أوصني. فقال: \" عليك بتقوى الله في السر والعلانية، والنصح لكل مسلم، وكتابة العلم من عند أهله \" (٢).\nوعن سليمان بن موسى قال: \" يجلس إلى العالم ثلاثة: رجل يأخذ كل ما يسمع فذلك حاطب ليل، ورجل لا يكتب ويسمع فيقال له: جليس العالم، ورجل ينتقي وهو خيرهم [وذلك العالم] \" (٣). وقال الخليل بن أحمد: \" ما سمعت شيئا إلا كتبته، ولا كتبته إلا حفظته، ولا حفظته إلا نفعني \" (٤).\nفينبغي للداعية إلى الله - ﷿ - أن يحرص على كتابة العلم عن أهله، ومراجعته\n_________\n(١) فتح الباري، ٨/ ٥١٩.\n(٢) جامع بيان العلم وفضله، لأبي عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر ١/ ٢٤٥، ٣٢٢ برقم ٢٧٥، ٤١٨.\n(٣) المرجع السابق ١/ ٣٢٨، برقم ٤٢٩.\n(٤) المرجع السابق ١/ ٣٣٥، بر قم ٤٤٧.","vol":"1","page":211},{"text":"حتى يحفظه ويعمل به؛ لأن الجمع بين الكتابة والحفظ من تمام الضبط، والعلم صيد فليقيد بالكتابة.\nثالثا: من صفات الداعية: العقل السليم، والنشاط، والأمانة، والخبرة: دل الحديث على هذه الصفات الأربع، لقول أبي بكر - بحضرة عمر - لزيد بن ثابت - ﵃: \" إنك رجل شاب، عاقل، ولا نتهمك، وكنت تكتب الوحي لرسول الله - ﷺ - \" وهذه الصفات بشيء مْن التفصيل على النحو الآتي:\n١ - العقل السليم: قال العلامة الأصفهاني - ﵀: \" العقل يقال للقوة المتهيِّئة لقبول العلم، ويقال للعلم الذي يستفيده الإِنسان بتلك القوة: عقل. . . \" (١). ثم بَيَّنَ - ﵀ - أن كل موضع في القرآن الكريم رفع فيه التكليف عن العبد لعدم العقل فإشارة إلى الأول، وأن الثاني هو المعني بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] (٢). فاتضح أن العقل السليم: هو المتصف بالعلم النافع والعمل الصالح (٣). وقد جاء في كلام العلامة القسطلاني على قول أبي بكر - ﵁ لزيد: \" إنك. . . عاقل ولا نتهمك \" قوله - ﵀: \" فيه تمام معرفته، وغزارة علمه، وشدة تحقيقه، وتمكنه من هذا الشأن \" (٤).\nوهذا يبيِّن للداعية أهمية الاتصاف بالعقل السليم؛ ولهذا ذكر الحافظ ابن حجر - ﵀ - أن زيد بن ثابت - ﵁: \" لو لم تثبت أمانته وكفايته، وعقله، لما استكتبه النبي - ﷺ - الوحي، وإنما وصفه بالعقل وعدم الاتهام دون ما عداهما إشارة إلى استمرار ذلك له، وإلا فمجرد قوله \" لا نتهمك \" مع قوله \" عاقل \" لا يكفي في ثبوت الكفاية والأمانة، فكم من بارع في العقل والمعرفة وجدت منه الخيانة \" (٥).\n_________\n(١) مفردات ألفاظ القرآن الكريم، ص ٥٧٧.\n(٢) سورة العنكبوت، الآية (٤٣).\n(٣) انظر: مفردات ألفاظ القرآن الكريم للأصفهاني ص ٥٧٨.\n(٤) إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري، ٧/ ٤٤٧.\n(٥) فتح الباري ١٣/ ١٨٤.","vol":"1","page":212},{"text":"٢ - النشاط: ظهر في الحديث أن النشاط صفة من صفات الداعية؛ ولهذا بين العلامة القسطلاني - ﵀ - في شرحه لقوله: \" إنك رجل شاب \" قال في ذلك: \" إشارة إلى نشاطه وقوته فيما يطلب منه، وبعده عن النسيان، وحدة نظره، وضبطه وإتقانه \" (١).\n\nوهذا يوضح للداعية أهمية النشاط وعدم الكسل، وأن يستعين بالله - تعالى -ولا يعجز ولا يكسل (٢).\n٣ - الأمانة: يظهر في الحديث أن الأمانة صفة من صفات الداعية؛ قال العلامة العيني - ﵀ - على قوله: \" ولا نتهمك وكنت تكتب الوحي لرسول الله - ﷺ - \": \" وكتابة الوحي تدل على أمانته الغاية، وكيف وكان من فضلاء الصحابة ومن أصحاب الفتوى \" (٣). وقال العلامة القسطلاني - ﵀: \" ولا نتهمك \": \" بكذب ولا نسيان، والذي لا يتهم تركن النفس إليه \" (٤).\nوهذا يبين أن الأمانة صفة لابد منها للداعية إلى الله - ﷾ - قال ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧] (٥).\n٤ - الخبرة: دل الحديث على أن الخبرة والممارسة صفة من صفات الداعية؛ ولهذا قال أبو بكر - ﵁ - لزيد بن ثابت - ﵁: \" وكنت تكتب الوحي لرسول الله - ﷺ - \" قال القسطلاني - ﵀: \" فهو أكثر ممارسة له من غيره \" (٦). ولا شك أن الخبرة والتجارب تعين الداعية إلى الله، ﷿، وبها يعرف أحوال الناس، فيدعو إلى الله على بصيرة.\nوهذه الصفات الأربع المتقدمة آنفا من أعظم صفات الدعاة إلى الله ﷿؛\n_________\n(١) انظر: إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري ٧/ ١٦٣، ٧/ ٤٤٧.\n(٢) انظر: الحديث رقم ١٤، الدرس الرابع.\n(٣) عمدة القاري ١٨/ ٢٨١.\n(٤) إرشاد الساري ٧/ ١٦٣، ٤٤٧، وانظر: ٥/ ٤٦.\n(٥) سورة الأنفال، الآية: (٢٧).\n(٦) إرشاد الساري، ٧/ ١٦٣.","vol":"1","page":213},{"text":"قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى - في وصف أبي بكر لزيد بن ثابت ﵄: \" ذكر له أربع صفات مقتضية خصوصيته بذلك: كونه شابا فيكون أنشط لما طلب منه، وكونه عاقلا فيكون أوعى له، وكونه لا يتهم فتركن النفس إليه، وكونه كان يكتب الوحي فيكون أكثر ممارسة له. وهذه الصفات التي اجتمعت له قد تكون في غيره، لكن مفرقة \" (١).\nفينبغي للداعية أن يكون عاقلا، نشيطا، أمينا، مجربا عارفا بالأمور على وجهها. والله المستعان.\nرابعا: حرص الصحابة - ﵃ - على العناية بالقرآن الكريم: لا شك أن الله - ﷿ - قد تكفل بحفظ القرآن الكريم، بقوله تعالى (: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] (٢) وقال ﷿: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢] (٣) ومن حفظ الله له - ﷾ - أن قيَّض له من يعتني به. وقد دل هذا الحديث على عناية الصحابة - ﵃ - بالقرآن الكريم، والقرآن الكريم كان مجموعا كله في صدور الرجال أيام حياة رسول الله - ﷺ -، وقد روى البخاري - رحمه الله تعالى - عن أنس - ﵁ - قال: \" جمع القرآن على عهد رسول الله - ﷺ - أربعة كلهم من الأنصار: أبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد \" (٤). وقد كان لهؤلاء شركاء من الصحابة ﵃ يحفظونه كله، ولكن هؤلاء أشد اشتهارا به، وأكثر تجريدا للعناية بقراءته، ثم جمِعَ القرآن الكريم في المصحف بإتقان من أبي بكر وعمر وهما من الخلفاء الراشدين المأمور بالاقتداء بهم، ووافقهما عثمان، وزيد بن ثابت كاتب الوحي، ثم اتفق الملأ من الصحابة ﵃ أجمعين على أن ما بين الدفتين قرآن منزل على رسول الله - ﷺ - لم يختلفوا في شيء منه (٥).\n_________\n(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري ٩/ ١٣، وانظر: ٣/ ١٨٤.\n(٢) سورة الحجر، الآية: (٩).\n(٣) سورة فصلت، الآية: (٤٢).\n(٤) البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب القراء من أصحاب النبي - ﷺ -، ٦/ ١٢٥، برقم ٥٠٠٣.\n(٥) انظر: أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري، للإمام حَمد بن محمد الخطابي، ٣/ ١٨٥٢ - ١٨٦٠.","vol":"1","page":214},{"text":"فينبغي للدعاة إلى الله - ﷿ - العناية بالقرآن الكريم: تَعلما، وحفظا، وتدبرا، وعملا، ودعوة إليه.\nخامسا: حرص الصحابة - ﵃ - علي الاقتداء برسول الله - ﷺ: دل هذا الحديث على حرص الصحابة - ﵃ - على الاقتداء برسول الله - ﷺ -؛ ولهذا قال أبو بكر لعمر ﵄ حينما طلب منه أن يجمع القرآن: \" كيف تفعل شيئا لم يفعله رسول الله - ﷺ -؟ \" وقال هذه الكلمة زيد بن ثابت لأبي بكر وعمر ﵃: \" كيف تفعلان شيئا لم يفعله رسول الله - ﷺ -؟ \". وهذا يدل على أن الاقتداء برسول الله - ﷺ - صفة عظيمة من صفات الصحابة. وينبغي للداعية أن يتصف بهذه الصفة ويحرص عليها أشد الحرص؛ قال الله - ﷿: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١] (١).\nسادسا: من أساليب الدعوة: الحوار: لا شك أن الحديث دل على أسلوب الحوار، وذلك لما حصل بين أبي بكر وعمر، ثم زيد بن ثابت ﵃ من الحوار الهادئ، في مسألة جمع القرآن الكريم، ثم اتفقوا بعد هذا الحوار على جمع القرآن الكريم، والحوار في الحقيقة هو مراجعة الكلام وتداوله بين طرفين (٢). وقد جاء في كتاب الله - ﷿ - في مواضع منها قو له ﷾: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١] (٣) فعلى هذا يكون الحوار أسلوبا نافعا من أساليب الدعوة إلى الله ﷿.\nفينبغي للداعية إلى الله - ﷿ - أن يعتني بهذا الأسلوب، ويراعي آدابه وشروطه حتى يكون على بصيرة من أمره. والله المستعان (٤).\n_________\n(١) سورة الأحزاب، الآية: (٢١).\n(٢) انظر: تفسير الطبري \" جامع البيان عن تأويل آي القرآن \"، ١٨/ ٢٣، ومفردات القرآن الكريم للراغب الأصفهاني ص ٢٦٢.\n(٣) سورة المجادلة، الآية: (١).\n(٤) انظر: الحوار: آدابه وضوابطه في ضوء الكتاب والسنة، يحيى بن محمد زمزمي، ص ١١٥، ص ٢٧٥، ص ٤٢٥.","vol":"1","page":215},{"text":"سابعا: أهمية اختيار الداعية الصالح للأمور المهمة: إن من الأمور المهمة التي ينبغي العناية بها أن يختار الإمام أو نائبه الداعية الصالح للأمور المهمة؛ لأن أبا بكر - ﵁ - اختار زيد بن ثابت لجمع القرآن الكريم؛ لما علم من قوته، وعلمه، وخبرته، ونشاطه لهذا الأمر العظيم؛ ولهذا قال أبو بكر - ﵁ - لزيد ﵁: \" إنك رجل، شاب، عاقل، ولا نتهمك، وكنت تكتب الوحي لرسول الله - ﷺ - فتتبع القرآن فاجمعه \"، وهذه الصفات الكريمة جعلت أبا بكر يختار زيد بن ثابت لجمع القرآن الكريم (١).\nثامنا: حرص السلف الصالح على الدقة في ضبط الرواية: إن من الصفات الحميدة، والأخلاق الكريمة، الحرص على الدقة في ضبط الرواية؛ ولهذه الأهمية اعتنى السلف الصالح - ﵃ - بذلك عناية فائقة، وقد ظهرت هذه الصفة في هذا الحديث؛ لأن الصحابة ﵃ اعتنوا بتتبع القرآن من أفواه الرجال، ومن النظر في المكتوب في الصحف حتى يوافق ما حفظ ما كتب فبذلك يحصل اليقين الذي لا يتطرق إليه شك بوجه من الوجوه أن هذا القرآن الذي أنزل على محمد - ﷺ -. فينبغي الاقتداء بالسلف الصالح في الحرص على الدقة في ضبط الرواية (٢). والله المستعان (٣).\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٦٧، الدرس الخامس، ورقم ١٣٦، الدرس الأول.\n(٢) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٨/ ٥١٨، و٩/ ١٥، وعمدة القاري للعيني، ٨/ ٢٨٢.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٢١، الدرس العاشر.","vol":"1","page":216},{"text":"١٣ -<span data-type=\"title\" id=toc-72> بَاب: عَمل صالح قَبْلَ القِتَال </span>وَقَالَ أَبو الدَّرْدَاءِ: إِنَّمَا تقَاتِلونَ بِأَعْمَالِكمْ، وَقَوْله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ - كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ - إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٢ - ٤] (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>[حديث عمل قليلا وأجر كثيرا]</span>\n٣٠ - [٢٨٠٨] حَدَّثَنِي محَمَّد بْن عَبْدِ الرَّحِيمِ: حَدَّثَنَا شَبَابَة بْن سَوَّارٍ الفَزَارِيّ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيل، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْت الْبَراءَ ﵁ (٢). يَقول: «أتى النَّبِيَّ - ﷺ - رَجل (٣). مقَنَّع بِالحَدِيدِ فَقَالَ: يَا رَسولَ اللهِ، أقَاتِل وأسلِم؟ (٤). قَالَ: \" أَسْلِمْ ثمَّ قَاتِلْ \"، فَأَسْلَمَ ثَمَّ قَاتَلَ فَقتِلَ. فَقَالَ رَسول اللهِ - ﷺ -: \" عَمِلَ قَلِيلا وَأجِرَ كَثيرا» (٥).\n* شرح غريب الحديث: * \" مقنع بالحديد \": هو المتَغطِّي بالسلاح، ويقال: تقنّع بثوبه: أي تَغَطَّى به، وقيل: هو الذي على رأسه بيضة، وهي الخوذة؛ لأن الرأس موضع القناع (٦).\n_________\n(١) سورة الصف، الآيات (٢ - ٤).\n(٢) البراء بن عازب بن الحارث الفقيه الكبير أبو عمارة الأنصاري من أعيان الصحابة، ﵃، استصغره النبي - ﷺ - يوم بدر، وأول مشاهده يوم أحد، وغزا مع رسول الله - ﷺ - خمس عشرة غزوة، وشهد مع أبي موسى غزوة تستر، ومع علي بن أبي طالب - ﵁ - الجمل وصفين، والنهروان، وروي له عن النبي - ﷺ - ثلاثمائة وخمسة أحاديث اتفق البخاري ومسلم منها على اثنين وعشرين، وانفرد البخاري بخمسة عشر، ومسلم بستة، نزل الكوفة وتوفى بها زمن مصعب بن الزبير سنة اثنتين وسبعين، وقيل: توفى سنة إحدى وسبعين عن بضع وثمانين سنة ﵁. انظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي ١/ ١٣٢، وسير أعلام النبلاء للذهبي ٣/ ١٩٤، والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، ١/ ١٤٢.\n(٣) هو عمرو بن ثابت بن وقيش، ويقال: ابن أقيش، كان يلقب أصيرم، الأنصاري، ﵁، وكان أبو هريرة يقول: حدثوني عن رجل دخل الجنة ولم يصلِّ صلاة قط؛ فإذا لم يعرفه الناس يسألوه [وفي نسخة: يسألونه] من هو؟ فيقول: هو أصيرم بني عبد الأشهل عمرو بن ثابت بن أقيش ﵁. الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، ٢/ ٥٢٦، وانظر: فتح الباري له أيضا، ٦/ ٢٥.\n(٤) في الطبعة السلفية المطبوعة مع فتح الباري لابن حجر \" أقاتل أو أسلم \" أما جميع الطبعات لصحيح البخاري الأخرى التي اطلعت عليها فبحذف الألف \" أقاتل وأسلم \".\n(٥) وأخرجه مسلم، في كتاب الإمارة، باب ثبوت الجنة للشهيد، ٣/ ١٥٠٩، برقم ١٩٠٠.\n(٦) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي، ص ١٣٠، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب القاف مع النون، مادة: \" قنع \" ٤/ ١١٤.","vol":"1","page":217},{"text":"الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من صفات الداعية: استصحاب النية الصالحة.\n٢ - أهمية المبادرة والمسارعة إلى الخير.\n٣ - من أساليب الدعوة: الترغيب.\n٤ - أهمية سؤال المدعو عما أشكل عليه.\n٥ - الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من صفات الداعية: استصحاب النية الصالحة: دل قوله - ﷺ - في هذا الحديث: \" عمل قليلا وأجر كثيرا \" على أن النية الصالحة أعظم الصفات الحميدة، وأن الإنسان يثاب على العمل القليل الثواب العظيم الكثير بهذه النية؛ قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: \" وفي هذا الحديث أن الأجر الكثير قد يحصل بالعمل اليسير، فضلا من الله وإحسانا \" (١). وقال العلامة العيني ﵀: \". . . فاستحق بهذا نعيم الأبد في الجنة بإسلامه، وإن كان عملا قليلا؛ لأنه اعتقد أنه لو عاش لكان مؤمنا طول حياته، فنفعته نيته، وإن كان قد تقدمها قليل من العمل، وكذلك الكافر إذا مات ساعة كفره يجب عليه التخليد في النار؛ لأنه انضاف إلى كفره اعتقاد أنه يكون كافرا طول حياته؛ لأن الأعمال بالنيات \" (٢).\n\nوهذا يبيِّن للداعية وغيره من المسلمين أهمية النية الصالحة الخالصة لله ﷿ (٣).\n_________\n(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٦/ ٢٥.\n(٢) عمدة القاري بشرح صحيح البخاري ١٤/ ١٠٦.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٢٢، الدرس السادس.","vol":"1","page":218},{"text":"ثانيا: أهمية المبادرة والمسارعة على الخير. دل هذا الحديث على المسارعة إلى الخير، قال الإمام النووي ﵀: \" وفيه المبادرة إلى الخير \" (١). والمسارعة والمبادرة إلى الخير من الأعمال الصالحة التي يبادر إليها أهل الإيمان وخاصة الدعاة إلى الله، ﷾، وقد أمر الله - ﷿ - بالمسارعة إلى الخير فقال: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] (٢) وقال ﷿ ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١] (٣).\nوقد مدح الله السابقين إلى الخيرات، وعظم شأنهم فقال ﷾ أثناء ذكره لصفات المؤمنين الكمَّل: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ - أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠ - ٦١] (٤). وقال ﷾: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ١١٤] (٥).\nوقال ﷿ في الثناء على زكريا وأهله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠] (٦). وهذا يبين للداعية إلى الله ﷿ وغيره من المسلمين أهمية المبادرة إلى الخيرات والمسابقة إليها والمسارعة (٧).\nثالثا: من أساليب الدعوة: الترغيب: في هذا الحديث الترغيب في النية الصالحة، وأن العمل القليل الخالص\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٣/ ٤٨.\n(٢) سورة آل عمران، الآية: (١٣٣).\n(٣) سورة الحديد، الآية: (٢١).\n(٤) سورة المؤمنون، الآية: (٦٠ - ٦١).\n(٥) سورة آل عمران، الآية: (١١٤).\n(٦) سورة الأنبياء، الآية (٩٠).\n(٧) انظر: الحديث رقم ١٦، الدرس الثاني.","vol":"1","page":219},{"text":"لله ﷿ يكون كثيرا في الثواب والجزاء؛ ولهذا قال النبي - ﷺ - لهذا الرجل الذي لم يصلِّ لله ركعة واحدة، وإنما أسلم فقاتل فقتل: «عمل قليلا وأجر كثيرا» وفي هذا الحديث الترغيب في الجهاد، وأن من قتل في سبيل الله لإِعلاء كلمته - ﷿ - فله الجنة؛ «وقد قال رجل: أين أنا يا رسول الله إن قتلت؟ قال: \" في الجنة \" فألقى تمرات في يده ثم قاتل حتى قتل» (١).\nقال الإمام النووي ﵀ في فوائد هذا الحديث: \" وفيه ثبوت الجنة للشهيد \" (٢).\nفينبغي للداعية إلى الله ﷿ أن يستخدم هذا الأسلوب في دعوته إلى الله ﷾ (٣).\nرابعا: أهمية سؤال المدعو عما أشكل عليه: دل الحديث على أهمية السؤال عن العلم؛ لأن هذا الرجل عندما أشكل عليه هل يسلم قبل أن يقاتل أو يقاتل ثم يسلم؟ فسأل الرسول - ﷺ - فبيَّن له النبي - ﷺ - بقوله: «أسلم ثم قاتل» وهذا يوضح أهمية السؤال عن العلم، وما لا يفهمه الإِنسان؛ ولأهمية السؤال عن العلم قال ابن شهاب ﵀: \" العلم خزائن ومفاتيحها السؤال \" (٤). وكان الأصمعي ﵀ ينشد:\nشفاء العمى طول السؤال وإنما ... تمام العمى طول السكوت على الجهل (٥)\nوقال آخر:\nإذا كنت لا تدري ولم تك بالذي ... يسائل من يدري فكيف إذن تدري\n؟ (٦). وقال وهب بن منبه وسليمان بن يسار رحمهما الله: \" حسن المسألة نصف العلم \" (٧). وقال علي بن أبي طالب ﵁: \" لا يخاف العبد إلا ذنبه، ولا يرجو\n_________\n(١) صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب ثبوت الجنة للشهيد، ١٣/ ٤٨.\n(٢) شرح صحيح مسلم ١٣/ ٤٨.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٧، الدرس الرابع عشر، ورقم ١٨، الدرس الخامس.\n(٤) أخرجه ابن عبد البر، في جامع ببان العلم وفضله، ١/ ٣٧٩، برقم ٥٣٤.\n(٥) المرجع السابق ١/ ٣٨٠، برقم ٥٣٨.\n(٦) المرجع السابق ١/ ٣٨١، برقم ٥٤٠.\n(٧) أخرجه ابن عبد البر، في جامع بيان العلم وفضله، ٢/ ٣٨٢، برقم ٥٤٤.","vol":"1","page":220},{"text":"إلا ربه، ولا يستحي جاهل أن يسأل، ولا يستحي عالم إن لم يعلم أن يقول: الله أعلم \" (١).\nوهذا يبين أهمية السؤال عن العلم والعناية بذلك (٢).\nخامسا: الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل: في هذا الحديث أن الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل، وذلك أن هذا الرجل تقنع بالحديد، وجاء إلى النبي - ﷺ -، وأقره على ذلك، ولا شك أن التوكل يقوم على ركنين: اعتماد القلب على الله، ﷿، والعمل بالأسباب المشروعة. يقال: وكلت أمري إلى الله: ألجأته إليه واعتمدت فيه عليه (٣). وقد بين ابن القيم ﵀ أن من نفى الأسباب لا يستقيم له توكل؛ لأن التوكل من أقوى الأسباب في حصول المتوكل فيه، فهو كالدعاء الذي جعله الله سببا في حصول المدعو به، فالتوكل من أعظم الأسباب التي يحصل بها المطلوب، ويندفع بها المكروه، فمن أنكر الأسباب لم يستقم منه التوكل، ولكن من تمام التوكل عدم الركون إلى الأسباب، وقطع علاقة القلب بها، فيكون حال قلبه قيامه بالله لا بها، وحال بدنه قيامه بالأسباب، فالأسباب محل حكمة الله وأمره ودينه، والتوكل متعلق بربوبيته، وقضائه وقدره، فلا تقوم عبودية الأسباب إلا على ساق التوكل، ولا يقوم ساق التوكل إلا على قدم العبودية، والله ﷿ أعلم (٤).\nفينبغي للداعية وغيره من المسلمين أن يتوكل على الله - ﷿ - ويعمل بالأسباب التي شرعها الله ﷿؛ قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣] (٥) وقال ﷿: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ [الفرقان: ٥٨] (٦)\n_________\n(١) جامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر، ١/ ٣٨٣، برقم ٥٤٧.\n(٢) انظر: الحديث رقم ١٩، الدرس الرابع.\n(٣) انظر: مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني، مادة: \" وكل \" ص ٨٨٢. والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الواو مع الكاف، مادة: \" وكل \" ٥/ ٢٢١.\n(٤) انظر: مدارج السالكين، لابن القيم، ٢/ ١١٨، ١٢٠.\n(٥) سورة المائدة، الآية: (٢٣).\n(٦) سورة الفرقان، الآية: (٥٨).","vol":"1","page":221},{"text":"وقال ﷾: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] (١) وقال - ﷺ -: «لو أنكم كنتم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا وتروح بطانا» (٢).\nوعن أنس - ﵁ - قال: «قال رجل: يا رسول الله، أعقلها وأتوكل، أو أطلقها وأتوكل؟ قال: \" اعقلها وتوكل» (٣).\n_________\n(١) سورة الطلاق، الآية: (٣).\n(٢) الترمذي، كتاب الزهد، باب في التوكل على الله ٤/ ٥٧٣، برقم ٢٣٤٤، وقال: \" هذا حديث حسن صحيح \"، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب التوكل واليقين، ٢/ ١٣٩٤، برقم ٤١٦٤، وصححه الألباني في صحيح الترمذي ٢/ ٢٧٤.\n(٣) الترمذي، كتاب القيامة، باب، حدثنا عمرو بن علي، ٤/ ٦٦٨، برقم ٢٥١٧. وحسنه الألباني في صحيح الترمذي ٢/ ٣٠٩.","vol":"1","page":222},{"text":"١٤ -<span data-type=\"title\" id=toc-74> باب من أتاه سهم غرب فقتله</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>[حديث يا أم حارثة إنها جنان في الجنة وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى]</span>\n٣١ - [٢٨٠٩] حَدَّثَنَا محَمَّد بْن عَبْد اللهِ: حَدَّثَنَا حسَيْن بْن محَمَّدٍ أَبو أحمَدَ: حَدَّثَنَا شَيْبَان، عن قَتَادَةَ: حَدَّثَنَا أنس بْن مَالِكٍ (١) «أَنَّ أمَّ الرّبيَّعِ بِنْتَ البَرَاء (٢). وهي أمّ حَارثة بن سراقة (٣). أتت النبي - ﷺ - فَقَالت: يَا نَبِيَّ اللهِ أَلَا تحَدّثنِي عَنْ حَارِثَةَ - وَكَانَ قتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ أَصَابَه سَهْم غَرب- فَإِن كَانَ فِي الجَنَّةِ صَبَرْت وإِنْ كَانَ غَيرَ ذَلِكَ اجْتَهَدْت عَلَيْهِ فِي البكَاءِ، قَالَ: \" يَا أمَّ حَارِثةَ إِنَّهَا جِنَان فِي الجَنَّةِ، وَإِنَّ ابْنَكِ أَصَابَ الفِرْدَوْسَ الأَعْلى» (٤).\nوفي رواية: «فَإِنْ يَكنْ فِي الجَنَّةِ أَصْبِرْ وأحتسب، وَإِنْ تَكنِ الأخْرَى تَرَى مَا أَصْنَع؟ قَالَ: \" وَيْحَكِ أَوَ هَبِلْتِ؟ أَوَ جَنَّة وَاحِدَة هِيَ؟ إِنَّها جِنَان كَثيرَة وَإِنَّه فِي جَنَّةِ الفِردوْس» (٥).\n* شرح غريب الحديث: * \" سَهْم غرب \" وهو الذي لا يدْرَى مَنْ رَمَى به ويقال: بالإِضافة \" سَهْم\n_________\n(١) أنس بن مالك ﵁، تقدمت ترجمته في الحديث رقم ١٤.\n(٢) أم الربيع بنت البراء أم حارثة بن سراقة، استشهد ابنها حارثة فحزنت، وقيل الربيع بنت النضر عمة أنس، ووقع في صحيح مسلم برقم ١٦٧٥ عن أنس ﵁: أن أخت الربيع أم حارثة جرحت إنسانا فقال رسول الله - ﷺ -: لا القصاص القصاص \" وفي آخره \" إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره \"، ويقال إنها الربيع بنت النضر كما ثبت في حديث أنس عند البخاري، برقم: ٢٨٠٦، ولكن فيه أنها كسرت ثنية امرأة. قال ابن حجر ﵀: \" ولا يبعد تعدد القصة \" انظر: الإصابة في تمييز الصحابة ٤/ ٤٤٩ و٣٠١ وقال النووي ﵀ \" إنهما قضيتان: أما الربيع الجارحة في رواية البخاري وأخت الجارحة في رواية مسلم فهي بضم الراء وفتح الباء وتشديد الياء، وأما الربيع الحالفة في رواية مسلم فهي بفتح الراء، وكسر الباء، وتخفيف الياء \" شرح صحيح مسلم ١١/ ١٧٥ ثم رجح ابن حجر رحمه الله تعالى أن ذكر أم الربيع بنت البراء عند جميع رواة البخاري وهم، وإنما هي الربيع بنت النضر عمة أنس بن مالك بن النضر، وهي أم حارثة بن سراقة بن الحارث، وقال: \" والخطب فيه سهل ولا يقدح ذلك في صحة الحديث ولا في ضبط رواته \" فتح الباري ٦/ ٢٦.\n(٣) حارثة بن سراقة، بن الحارث بن عدي الأنصاري النجاري، وأمه الربيع التي تقدمت ترجمتها آنفا، استشهد يوم بدر كما ذكر البخاري، ﵀، وشهد له النبي - ﷺ - بأنه أصاب الفردوس الأعلى في الجنة - ﵁. انظر: الإصابة في تمييز الصحابة ١/ ٢٩٧، و٤/ ٣٠١، ٤٤٩.\n(٤) [الحديث ٢٨٠٩، أطرافه في: كتاب المغازي، باب فضل من شهد بدرا، ٥/ ١٢، برقم ٣٩٨٢. وكتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار، ٧/ ٢٥٦، برقم ٦٥٥٠. و٧/ ٢٥٩، برقم ٦٥٦٧.\n(٥) من الطرف رقم ٣٩٨٢.","vol":"1","page":223},{"text":"غَرْب \" وقيل: هو بالسكون إذا أتاه من حيث لا يدري، وبالفتح \" سَهْم غَرَب \" إذا رماه فأصاب غيره (١).\n* \" ويحك \" كلمة تَرحّمٍ وتَوَجعٍ، تقال: لمن وقع في هلكة لا يستحقها، فيرثى له، ويتحزّن عليه \" بويح \" (٢).\n* \" أَوَ هَبِلتِ \" والمعنى أفقدتِ عقلكِ بفقد ابنكِ حتى جعلتِ الجنان جنة واحدة (٣).\n* \" الفردوس \": هو البستان الذي فيه العنب والأشجار، ويجمع كل شيء من ثمار البساتين، والجمع فراديس، وفيه جنة الفردوس (٤).\n* \" الجنة \": دار النعيم في الدار الآخرة، من الاجتنان: وهو الستر، لتكاثف أشجارها، وتظليلها بالتفاف أغصانها، وسميت بالجنة: وهي المرة الواحدة من مصدر جَنَّه جَنّا: إذا ستره، فكأنها سَتْرَة واحدة؟ لشدة التفافها وإظلالها (٥).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - أهمية سؤال المدعو عما أشكل عليه.\n٢ - من صفات الداعية: الصبر.\n٣ - من صفات الداعية: احتساب الأجر والثواب.\n٤ - من أساليب الدعوة: الترغيب.\n٥ - من أساليب الدعوة: الاستفهام الإِنكاري.\n٦ - أهمية الخوف من عذاب الله ﷿.\n_________\n(١) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٢٦٠، والنهابة في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الغين مع الراء مادة: \" غرب \" ٣/ ٣٥٠.\n(٢) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٥٦٤، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الواو مع الياء، مادة: \" ويح \" ٥/ ٢٣٥.\n(٣) انظر: المرجع السابق، باب الهاء مع الباء، مادة: \" هبل \" ٥/ ٢٤٠.\n(٤) انظر: المرجع السابق، باب الفاء مع الراء، مادة: \" فردس \" ٣/ ٤٢٧. وانظر: شرح غريب الحديث رقم ٢٢ - ٢٧٩٠، ص ١٨٠.\n(٥) \" المرجع السابق، باب الجيم مع النون، مادة: \" جنن \" ١/ ٣٠٧.","vol":"1","page":224},{"text":"٧ - من أصناف المدعوين النساء.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: أهمية سؤال المدعو عما أشكل عليه: في هذا الحديث سؤال أم الربيع للنبي - ﷺ - عن ابنها حارثة وإجابة النبي - ﷺ - لها بما يسرها. وهذا يبين أهمية سؤال أهل العلم عن كل ما يشكل على الإِنسان حتى يكون على بصيرة من أمره (١).\nثانيا: من صفات الداعية: الصبر: دل الحديث على أن الصبر من الصفات الحميدة التي ينبغي أن يتصف بها الدعاة إلى الله - ﷿ - قال الله ﷿: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ - الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ - أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧] (٢) وقد بينت أم الربيع للنبي - ﷺ - أنها ستصبر على ما أصيبت به من قتل ابنها حارثة ﵁ (٣).\nثالثا: من صفات الداعية: احتساب الأجر والثواب: في قول أم الربيع - ﵂: \" وأحتسب \" دليل أن الاحتساب من الصفات التي يرغب فيها المؤمن، وخاصة الدعاة إلى الله، ﷿، والإِنسان معرض للمصائب والأقدار المؤلمة، والمشاق والمتاعب، فينبغي للمؤمن أن يحتسب الثواب من الله - ﷿ - في كل ما يصيبه (٤).\n\nرابعا: من أساليب الدعوة: الترغيب: ظهر في هذا الحديث أسلوب الترغيب في قوله - ﷺ - في شأن حارثة بن سراقة\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٣٠، الدرس الرابع.\n(٢) سورة: البقرة، الآيات: (١٥٥ - ١٥٧).\n(٣) انظر: الحديث رقم ٩، الدرس الثامن، ورقم ٢٧، الدرس الأول، ورقم ٢٨، الدرس السادس.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٢٧، الدرس الثاني.","vol":"1","page":225},{"text":"﵁: «إنها جنان كثيرة في الجنة، وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى» وهذا يبين أن كل من خرج في سبيل الله - ﷿ - فقتل فهو شهيد، ولو برمية طائشة، وأن منازل الشهداء في الفردوس الأعلى (١) فينبغي للداعية إلى الله - ﷿ - أن يرَغِّبَ المدعوين، ويبيِّن لهم ما أعد الله لعباده في جنات النعيم؛ لأن معرفة ما أعده الله للمؤمنين في الجنة تهوِّن المصائب (٢).\nخامسا: من أساليب الدعوة: الاستفهام الإنكاري: إن الاستفهام الإِنكاري من الأساليب النافعة في الدعوة إلى الله، ﷾، وقد ظهر هذا الأسلوب في هذا الحديث؛ لقوله - ﷺ - لأم الربيع: «ويحك أَوَهبلت؟ أوجنة واحدة هي؟» قال العلامة العيني ﵀: \" الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الإِنكار، والواو للعطف \" (٣).\nوهذا يبين للداعية أهمية أسلوب الاستفهام الإِنكاري في الدعوة إلى الله ﷾ عند الحاجة إليه (٤).\nسادسا: أهمية الخوف من عذاب الله ﷿: إن الخوف من الله - ﷿ - وعذابه وانتقامه من أهم الصفات الحميدة التي ينبغي لكل مسلم أن يتصف بها وخاصة الدعاة إلى الله، ﷿، وقد ظهرت هذه الصفة في هذا الحديث؛ لخوف أم الربيع - ﵂ - على ابنها حارثة من عذاب الله ﷿. قال ابن العربي - ﵀ - في فوائد هذا الحديث: \" حمل أم حارثة كثرة الإِشفاق على الخوف عليه وقد مات مجاهدا مسلما، فلم تقنع بهذا الظاهر، مخافة من العذاب بذنوبه، فأعطاها النبي - ﷺ - اليقين بنجاته (٥).\nوينبغي للداعية أن يقرن الخوف بالرجاء: يخاف الله، ويرجو ثوابه ورحمته\n_________\n(١) انظر: منار القاري، في شرح مختصر صحيح البخاري، لحمزة محمد قاسم، ٤/ ٨٩.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٧، الدرس الرابع عشر، ورقم ١٩، الدرس الأول.\n(٣) عمدة القاري، شرح صحيح البخاري، ١٧/ ٩٥.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٤، الدرس الرابع.\n(٥) \" عارضة الأحوذي بشرح سنن الترمذي، ٦/ ٢٥٧.","vol":"1","page":226},{"text":"ورضوانه، وقد بين الله - ﷿ - أن ذلك من صفات المؤمنين فقال ﷾: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ - وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٧ - ٥٨] (١) وقال ﷿: ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٧] (٢).\nسابعا: من أصناف المدعوين: النساء: لا شك أن الداعية يدعو إلى الله - ﷿ - جميع أصناف الناس، ولكن المقصود: هو استخراج فوائد الحديث الدعوية وإبرازها للاستفادة منها، فقد دل هذا الحديث على أن النساء من أصناف المدعوين؛ ولهذا بين - ﷺ - لأم الربيع ما أعده الله لابنها من الكرامة والفوز العظيم، وقد كان - ﷺ - يعظ النساء ويذكرهن، فعن عبد الله بن عمر - ﵄ - عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «يا معشر النساء تصدقن وأكثرن الاستغفار فإني رأيتكن أكثر أهل النار \" فقالت امرأة منهن جزلة: ما لنا يا رسول الله، أكثر أهل النار؟ قال: \" تكثرن اللعن وتكفرن العشير» (٣).\nفينبغي للداعية أن يعتني بأصناف المدعوين ويخاطب كلا على قدر فهمه وعقله، ولكن عليه أن ينتبه للضوابط الشرعية، فلا يخلو بالمرأة غير المحرم، ولا ينظر إلى ما حرم الله عليه، ولا يعرّض نفسه للتهم والريب، ومواطن الشبه.\n_________\n(١) سورة المؤمنون، الآيتان: (٥٧ - ٥٨).\n(٢) سورة الإسراء، الآية: (٥٧).\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الحيض، باب ترك الحائض الصوم، ١/ ٩٠، برقم ٣٠٤، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان نقص الإيمان بنقص الطاعات وبيان إطلاق الكفر على غير الكفر بالله، ككفر النعمة والحقوق، ١/ ٨٦، برقم ٧٩.","vol":"1","page":227},{"text":"١٩ -<span data-type=\"title\" id=toc-76> باب فَضْلِ قَوْل اللهِ تعالى ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا </span>بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ - فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ - يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٩ - ١٧١] (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>[حديث صبح أناس غداة أحد الخمر فقتلوا من يومهم شهداء وذلك قبل تحريمها]</span>\n٣٢ - [٢٨١٥] حَدَّثَنَا عَليّ بْن عَبدِ اللهِ: حَدَّثَنَا سفْيان، عَنَ عَمْرٍو: سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ (٢) ﵁ يَقول: \" اصْطَبَحَ نَاس الْخَمْرَ يَوْمَ أحدٍ، ثمَّ قتِلوا شهَدَاءَ، فَقيْلَ لِسفْيَانَ: مِنْ آخِرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ؟ قَالَ: لَيْسَ هَذَا فِيهِ \" (٣).\nوفي رواية: \" صَبّحَ أناس غَدَاةَ أحدٍ الْخَمْرَ فَقتِلوا مِنْ يَوْمِهمْ جَمِيعا شهَدَاءَ، وَذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمهَا \" (٤).\n* شرح غريب الحديث: * \" اصطبح الخمر \" اصطبح الخمر أناس: أي شربوها أول النهار يوم أحد، ثم قتلوا في ذلك اليوم ولم تكن الخمر قد حرمت يومئذ (٥).\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآيات: (١٦٩ - ١٧١).\n(٢) جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الصحابي بن الصحابي، الإمام الكبير المجتهد الحافظ الأنصاري الخزرجي، السلميّ المدني، الفقيه، من أهل بيعة الرضوان، وكان آخر من شهد ليلة العقبة الثانية موتا، روى علما كثيرا عن النبي - ﷺ - فقد نقل أنه روى ألفا وخمسمائة وأربعين حديثا (١٥٤٠) اتفق البخاري ومسلم منها على ستين، وانفرد البخاري بستة وعشرين، ومسلم بمائة وستة وعشرين. استشهد أبوه يوم أحد، قال جابر ﵄: دفنت أبي يوم أحد مع رجل ثم استخرجته بعد ستة أشهر فإذا هو كيوم وضعته غير أذنه [رواه البخاري برقم ١٣٥٢]، وثبت في [صحيح مسلم برقم ١٨١٣] أن جابر بن عبد الله قال: غزوت مع رسول الله - ﷺ - تسع عشرة غزوة، ولم أشهد بدرا ولا أحدا منعني أبى [وفي رواية عند الواقدي لم أقدر أن أغزو حتى قتل أبي كان يخلِّفني على أخواتي وكن تسعا] فلما قتل أبي يوم أحد لم أتخلف عن رسول الله - ﷺ - في غزوة قط. توفي ﵁ بالمدينة سنة ثلاث وسبعين، وقيل ثمان وسبعين، وقيل ثمان وستين وهو ابن أربع وتسعين سنة ﵁. انظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي ١/ ١٤٢، وسير أعلام النبلاء للذهبي ٣/ ١٨٩ - ١٩٤، والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر ١/ ٢١٣.\n(٣) [الحديث ٢٨١٥] طرفاه في: كتاب المغازي، باب غزوة أحد، ٥/ ٣٦، برقم ٤٠٤٤. وكتاب تفسير القرآن، ٥ سورة المائدة، باب قوله تعالى إِنَّمَا الْخَمْر وَالْمَيْسِر وَالْأَنْصَاب وَالْأَزْلَام رِجْس مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ، ٥/ ٢٢٥، برقم ٤٦١٨.\n(٤) الطرف رقم ٤٦١٨.\n(٥) تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٢١٣.","vol":"1","page":228},{"text":"* \" الخمر \" اسم لكل مسكر خامر العقل: أي غطاه (١).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من خصائص الإسلام: رفع الحرج.\n٢ - من أساليب الدعوة: التدرج.\n٣ - من تاريخ الدعوة: ذكر تحريم الخمر بعد غزوة أحد.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من خصائص الإسلام: رفع الحرج: دل هذا الحديث على أن من خصائص الإِسلام رفع الحرج عن هذه الأمة؛ لأن الإنسان لا يؤاخذ بفعل المباح قبل التحريم؛ قال العلامة العيني ﵀: \"الخمر التي شربوها ذلك اليوم لم تضرهم؛ لأنها كانت مباحة في وقت شربها؛ وقد أثنى الله عليهم بعد موتهم، ورفع عنهم الخوف والحزن \" (٢). فمن رحمة الله تعالى أنه لا يؤاخذ عباده على فعل ما لم يحرمه عليهم؛ قال الله ﷿: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] (٣) والحمد لله رب العالمين (٤).\nثانيا: من أساليب الدعوة: التدرج: لا شك أن هذا الحديث دل على التدرج في تحريم الخمر؛ لأنها كانت مباحة زمنا في أول الإِسلام ثم حرمت في سنة ثلاث من الهجرة، ولا شك أن القرآن قد بين التدرج في تحريمها، فأنزل الله - ﷿ - تحريم الخمر على ثلاثة أوجه:\n١ - أنزل ﷿ قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩] (٥).\n_________\n(١) المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي تأليف أحمد الفيومي، ١/ ١٨٢.\n(٢) عمدة القاري شرح صحيح البخاري ١٤/ ١١٣، وانظر: فتح الباري لابن حجر، ٨/ ٢٧٨.\n(٣) سورة الحج، الآية: (٧٨).\n(٤) انظر: الحديث رقم ١، الدرس الخامس.\n(٥) سورة البقرة، الآية: (٢١٩).","vol":"1","page":229},{"text":"٢ - ثم أنزل قوله ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] (١) فقالوا: لا نشربها عند قرب الصلاة.\n٣ - ثم أنزل الله ﷿ قوله: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠] (٢) فحرمت إلى يوم القيامة (٣).\nوهذا يبين أهمية التدرج في الدعوة على حسب الأحوال والأزمان، والمدعوين (٤) ولهذا قالت عائشة - ﵂ - في التدرج في نزول القرآن: \" إنما نزل أول ما نزل منه سور من المفصل فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا: لا ندع الخمر أبدا، ولو نزل: لا تزنوا لقالوا: لا ندع الزنا أبدا. . . \" (٥).\nثالثا: من تاريخ الدعوة: ذكر تحريم الخمر بعد غزوة أحد: دل الحديث على تاريخ الدعوة إلى تحريم الخمر تحريما مؤبدا، وذلك أن تحريمها كان بعد غزوة أحد، في شهر شوال، سنة ثلاث من الهجرة (٦).\n_________\n(١) سورة النساء، الآية: (٤٣).\n(٢) سورة المائدة، الآية: (٩٠).\n(٣) انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للإمام الطبري، ٤/ ٣٣١.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٧، الدرس الثاني.\n(٥) البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب تأليف القرآن، ٦/ ١٢٢، برقم ٤٩٩٦.\n(٦) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٨/ ٢٧٨، وعمدة القاري للعيني، ١٤/ ١١٣، ١٧/ ١٤٤، ١٨/ ٢١٠.","vol":"1","page":230},{"text":"٢٢ -<span data-type=\"title\" id=toc-78> باب: الجنة تحت بارقة السيوف</span>\nوَقَالَ الْمغِيرَة بْن شعْبَةَ: أَخْبَرَنَا نَبِيّنَا - ﷺ - عنْ رِسَالَةِ رَبِّنَا: «مَنْ قتِلَ مِنَّا صارَ إِلَى الجَنَّةِ».\nوَقَالَ عمَر للنَّبِيِّ - ﷺ -: «أَليْسَ قتْلاَنا فِي الجَنَّةِ وَقَتْلاَهمْ فِي النَّارِ؟ قَالَ: \" بَلَى \".»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>[حديث من قتل منا صار إلى الجنة]</span>\n٣٣ - [٢٨١٨] حَدَّثَنَا عَبْد اللهِ بن محَمَّدٍ: حَدَّثَنَا معَاوِيَة بْن عَمْرو: حَدَّثَنَا أبو إسْحَاقَ، عَنْ موسَى بْنِ عقْبَةَ، عَنْ سَالِمٍ أَبي النَّضْرِ مَوْلَى عمَرَ بْنِ عبَيدِ اللهِ - وَكَانَ كَاتِبَه - قَالَ: كَتَبَ إِليْهِ عَبْد اللهِ بْن أَبِي أَوفَى (١) ﵄ أَنَّ رَسولَ اللهِ - ﷺ - قالَ: «وَاعْلَموا أَنَّ الجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السّيوفِ» (٢).\nتَابَعَه الأويسِيّ، عَنِ ابْنِ أَبِي الزِّنادِ، عَنْ موسَى بْنِ عقْبَةَ.\nوفي رواية: \". . أَنَّ عَبْد اللهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى كَتَبَ فَقَرَأْته: أَنَّ رَسولَ اللهِ - ﷺ - قالَ: «إِذَا لَقيتموهمْ فَاصْبِروا». . \" (٣).\nوفي رواية: «أَنَ رَسولَ اللهِ - ﷺ - في بَعْضِ أَيَّامِهِ الَّتِي لَقيَ فِيْهَا انْتَظَرَ حَتَّى مَالَتِ الشَّمْس، ثمَّ قَامَ فِي النَّاسِ» (٤).\nوفي رواية: \" ثمَّ قَامَ فِي النَّاسِ خَطِيبا قَال: «أيها النَّاسَ لاَ تَتَمنَّوْا لِقَاءَ الْعَدوِّ، وسَلوا اللهَ الْعَافِيَةَ، فِإِذَا لَقيتموهمْ فَاصْبِروا، وَاعْلَموا أَنَّ الجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السّيوفِ»، ثم قَالَ: «اللَّهمْ منْزِلَ الْكِتَابِ، وَمجْرِيَ السَّحَاب، وَهَازِمَ الأَحْزَاب\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ٣ - ٢٧٤٠.\n(٢) [الحديث ٢٨١٨] أطرافه في: كتاب الجهاد والسير، باب الصبر عند القتال، ٣/ ٢٧٩، برقم ٢٨٣٣. وكتاب الجهاد والسير، باب كان النبي - ﷺ - إذا لم يقاتل أول النهار أخر القتال حتى تزول الشمس، ٤/ ١١ و١٢، برقم ٢٩٦٦. وكتاب الجهاد والسير، باب لا تمنوا لقاء العدو، ٤/ ٣٠، برقم ٣٠٢٤. وكتاب التمني، باب كراهية تمني لقاء العدو، ٨/ ١٦٦، برقم ٧٢٣٧. وأخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب كراهية تمني لقاء العدو، والأمر بالصبر عند اللقاء، ٣/ ١٣٦٢، برقم ١٧٤٢.\n(٣) من الطرف رقم، ٢٨٣٣.\n(٤) من الطرف رقم ٢٩٦٥.","vol":"1","page":231},{"text":"اهْزِمْهمْ وَانْصرْنَا عَليْهمْ» (١).\n* شرح غريب الحديث: * \" الجنة تحت ظلال السيوف \" هو كناية عن الدّنوِّ من القتال في الجهاد حتى يعلوه السيف ويصيرَ ظله عليه، والظِّلّ: الفَيء الحاصل من الحاجز بينك وبين الشمس (٢).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من وسائل الدعوة إلى الله: الكتابة.\n٢ - من موضوعات الدعوة: الحث على سلوك الأدب وتعليم المدعوين ما يحتاجون إليه.\n٣ - من وسائل الدعوة: مراعاة نشاط المدعو.\n٤ - من أساليب الدعوة: التشبيه.\n٥ - من موضوعات الدعوة: الحث على الجهاد.\n٦ - من موضوعات الدعوة: الحث على الدعاء.\n٧ - من صفات الداعية: الصبر.\n٨ - من أساليب الدعوة: الترغيب.\n٩ - من وسائل الدعوة: اغتنام التذكير عند الحوادث الملمة.\n١٠ - من وسائل الدعوة: الخطابة.\n١١ - من صفات الداعية: التواضع.\n١٢ - من أسباب نصر الداعية: الدعاء.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد على النحو الآتي:\nأولا: من وسائل الدعوة إلى الله: الكتابة: دل الحديث على أن الكتابة من وسائل الدعوة إلى الله ﷾؛\n_________\n(١) الطرف رقم ٢٩٦٦.\n(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الظاء مع اللام، مادة: \" ظلل \" ٣/ ١٥٩.","vol":"1","page":232},{"text":"لأن عبد الله بن أبي أوفى - ﵁ - كتب إلى مولى عمر بن عبيد الله: «واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف» وهذا يبين للدعاة أن الكتابة من: الكتاب، والرسالة، والمقال، من أهم وسائل الدعوة إلى الله تعالى؛ وقد جاءت رواية مسلم \". . . عن أبي النضر عن كتاب رجل من أسلم من أصحاب النبي - ﷺ - يقال له عبد الله بن أبي أوفى، فكتب إلى عمر بن عبيد الله حين سار إلى الحرورية. . . \" (١). قال الإمام النووي ﵀ على قوله: \" عن أبي النضر عن كتاب رجل من أسلم من أصحاب النبي - ﷺ -. . . \" قال: قال الدارقطني: \" واتفاق البخاري ومسلم على روايته حجة في جواز العمل بالمكاتبة، والإجازة. . . وبه قال جماهير العلماء \" (٢).\nثانيا: من موضوعات الدعوة: الحث على سلوك الأدب وتعليم المدعوين ما يحتاجون إليه: ظهر في هذا الحديث أن الحث على سلوك الأدب، وتعليم المدعوين ما يحتاجون إليه من الموضوعات المهمة؛ لأن النبي - ﷺ - حث على ذلك بقوله وفعله، فقد نهى - ﷺ - عن تمنِّي لقاء العدو، وحث على الصبر عند اللقاء، وَرَغَّبَ أصحابه في الجنة، وبين لهم بفعله - ﷺ - أهمية الدعاء، وآدابه، لأنه دعا الله - ﷿ - بما يناسب حاجته في قوله: «اللهم منزل الكتاب ومجري السحاب وهازم الأحزاب اهزمهم وانصرنا عليهم»؛ قال الحافظ ابن حجر - ﵀ - عند ذكره لفوائد هذا الحديث: \". . . فيه وصية المقاتلين بما فيه صلاح أمرهم، وتعليمهم ما يحتاجون إليه، وسؤال الله بصفاته العلى، وبنعمه السالفة، والحث على سلوك الأدب وغير ذلك \" (٣).\nثالثا: من وسائل الدعوة: مراعاة نشاط المدعو: في هذا الحديث دلالة واضحة على أنه ينبغي للداعية أن يراعي أوقات نشاط المدعو؛ فقد كان - ﷺ - إذا لم يقاتل أول النهار انتظر حتى تزول الشمس ثم قاتل قال الإمام النووي ﵀: \" قال العلماء سببه أنه أمكن للقتال؛ فإنه وقت\n_________\n(١) مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب كراهية تمني لقاء العدو، والأمر بالصبر عند اللقاء، ٣/ ١٣٦٢، برقم ١٧٤٢.\n(٢) شرح صحيح مسلم، ١٢/ ٢٩١.\n(٣) فتح الباري، بشرح صحيح البخاري، ٦/ ١٥٧، وانظر: بهجة النفوس، لابن أبي جمرة، ٣/ ١٥٧.","vol":"1","page":233},{"text":"هبوب الريح، ونشاط النفوس، وكلما طال ازدادوا نشاطا وإقداما على عدوهم \" (١). وهذا يوضح للداعية أهمية مراعاة أحوال النشاط عند المدعوين؛ لأن هذا من أهم وسائل الدعوة إلى الله ﷿. (٢).\n\nرابعا: من أساليب الدعوة: التشبيه: لا شك أن التشبيه يقرب المراد ويوصله إلى ذهن السامع؛ ولهذا كان التشبيه من الأساليب النافعة في الدعوة إلى الله تعالى، ويؤخذ هذا الأسلوب في هذا الحديث من قوله - ﷺ -: «واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف» قال الإمام ابن الأثير ﵀: \" وهذا من باب الكناية والاستعارة، وهو حث على الجهاد؛ لأن الإنسان يميل إلى الظل طلبا للراحة، فقيل له: إن الجنة تحت ظلال السيوف، فمن أرادها فليدخل تحت السيف، بأن يحمله ويقاتل به، ويصبر على ألم وقعه \" (٣).\nوهذا يبين أهمية أسلوب التشبيه في الدعوة إلى الله ﷿ (٤).\nخامسا: من موضوعات الدعوة: الحث على الجهاد: دل هذا الحديث على أن الحث والحض على الجهاد من موضوعات الدعوة إلى الله ﷿، وقد ظهر في قوله - ﷺ -: «فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف» قال الإمام القرطبي ﵀: \". . . استفيد منه مع وجازته الحض على الجهاد، والإخبار بالثواب عليه، والحض على مقاربة العدوِّ، واستعمال السيوف. . . \" (٥).\nوهذا يبين أهمية الجهاد والحض عليه، وأنه من موضوعات الدعوة إلى الله ﷿ (٦).\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٢/ ٢٩٠، وانظر. بهجة النفوس لابن أبي جمرة ٣/ ١٣٤.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٧، الدرس الثامن.\n(٣) جامع الأصول من أحاديث الرسول - ﷺ - ٢/ ٥٦٨، وبهجة النفوس لابن أبي جمرة ٣/ ١٣٦.\n(٤) انظر: الحديث رقم ١٨، الدرس الرابع، ورقم ١٩، الدرس الخامس.\n(٥) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٣/ ٥٢٣.\n(٦) انظر: الحديث رقم ١٨، الدرس: الثاني.","vol":"1","page":234},{"text":"سادسا: من موضوعات الدعوة: الحث على الدعاء: إن من الموضوعات المهمة: الحض على الدعاء، والإكثار منه في الرخاء والشدة، وقد دل هذا الحديث على ذلك؛ لقوله - ﷺ -: «لا تتمنوا لقاء العدوِّ وسلوا الله العافية»، وهذا يؤكد أهمية الدعاء والإِلحاح فيه (١).\nسابعا: من صفات الداعية: الصبر: الصبر من الصفات الحميدة التي ينبغي أن يتصف بها الداعية إلى الله، ﷿، وقد دل هذا الحديث على هذه الصفة في قوله - ﷺ -: «فإذا لقيتموهم فاصبروا» قال الإمام ابن أبي جمرة - ﵀: \" أي إذا قابلتم المشركين فاثبتوا، وقفوا؛ لأن الثبات عند المقابلة: هو المطلوب، والفرار من كبائر الذنوب، وفيه دليل على الصبر عند نزول المحنة \" (٢) ولا شك أن لقاء العدو فيه ابتلاء وامتحان؛ ولهذا أمِرَ بالصبر فيه (٣). وهذا يبين أهمية الصبر في الدعوة إلى الله ﷿ (٤).\nثامنا: من أساليب الدعوة: الترغيب: في هذا الحديث دليل على الترغيب في الجهاد في سبيل الله تعالى؛ لأن بالجهاد تحصل الشهادة، والشهيد في أعلى درجات الجنة؛ ولهذا قال - ﷺ - في هذا الحديث: «واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف» قال الإمام القرطبي ﵀: \" هذا من الكلام البديع النفيس الذي جمع ضروب البلاغة: جزالة اللفظ وعذوبته، وحسن استعارته وشمول المعاني الكثيرة مع الألفاظ المعسولة الوجيزة \" ثم قال: \" فإنه استفيد منه مع وجازته الحض على الجهاد والإخبار بالثواب عليه \" (٥). ومعلوم أن الترغيب يجذب القلوب إلى المرغب فيه، فينبغي أن يعتني به الداعية إلى الله ﷿ (٦).\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٢٢، الدرس السادس.\n(٢) بهجة النفوس، ٣/ ١٣٦.\n(٣) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ٣/ ٥٢٣.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٩، الدرس الثامن، ورقم ٢٧، الدرس الأول، ورقم ٢٨، الدرس السادس.\n(٥) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٣/ ٥٢٥.\n(٦) انظر: الحديث رقم ١٨، الدرس الخامس.","vol":"1","page":235},{"text":"تاسعا: من وسائل الدعوة: اغتنام التذكير عند الحوادث الملمة: دل الحديث على أن من وسائل الدعوة اغتنام التذكير عند الحوادث العظيمة ونحوها التي تقع؛ لأن المدعو في الغالب يستفيد من ذلك؛ ولأن النبي - ﷺ - ذكَّر أصحابه في هذا الحديث ووعظهم عند إرادة القتال؛ قال الإمام ابن أبي جمرة ﵀: \" وفيه دليل على التذكار عند نزول الحوادث الملمة، وإن كان من نزل به ذلك عارفا بها؛ لأن التذكار زيادة قوة للمذكّر وإن كان عارفا بذلك \" (١).\nومثل هذا ما ثبت عن أبي بكر - ﵁ - عند وفاة النبي - ﷺ - أنه قام في الناس وخطبهم، وذكرهم قَولَه تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤] (٢) فكأنهم سمعوها أول مرة، فتسلَّوا بها، وقوي بها إيمانهم ويقينهم، فما سَمِع أحد بشرا منهم إلا وهو يتلوها، مع أن العلم كان لهم بها قبل ذلك (٣).\nوهذا يدل على أهمية التذكير عند الحوادث والمصائب الحاصلة للمدعوين، ولكن بالحكمة. أسأل الله لي ولِجميع المسلمين العفو والعافية في الدنيا والآخرة.\nعاشرا: من وسائل الدعوة: الخطابة: إن الخطابة من أهم وسائل الدعوة إلى الله، ﷿، لقول عبد الله بن أبي أوفى في هذا الحديث: \" ثم قام في الناس خطيبا، قال: «يا أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو».\nفينبغي للداعية أن يعتني بوسيلة الخطابة حتى ينفع الناس (٤) وقد كان - ﷺ - يخطب الناس خطبا دائمة ثابتة: كخطبة يوم الجمعة، وخطبا عارضة إذا دعت الحاجة إليها، قام فخطب - ﷺ - وهذه كثيرة جدا (٥).\n_________\n(١) بهجة النفوس، ٣/ ١٣٥.\n(٢) سورة آل عمران، الآية: (١٤٤).\n(٣) انظر: بهجة النفوس لابن أبي جمرة، ٣/ ١٣٥.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٧، الدرس السادس.\n(٥) انظر: شرح رياض الصالحين، للعلامة، محمد بن صالح العثيمين ١/ ٢٢٢.","vol":"1","page":236},{"text":"الحادي عشر: من صفات الداعية: التواضع: لا ريب أن مفهوم الحديث يدل على أن التواضع من الصفات التي ينبغي أن تتوفر في الداعية إلى الله، ﷿، وهذا يظهر من نهيه ﷺ عن تمني لقاء العدو؛ قال الإمام النووي - ﵀: \" إنما نهى عن تمني لقاء العدو؛ لما فيه من صورة الإِعجاب والاتكال على النفس، والوثوق بالقوة، وهو نوع بغي، وقد تضمن الله لمن بغي عليه أن ينصره؛ ولأنه يتضمن قلة الاهتمام بالعدو واحتقاره، وهذا يخالف الاحتياط والحزم \" (١).\nوهذا يوضح أهمية التواضع والخشوع لله وحده، وطلب العون منه ﷿ (٢).\nالثاني عشر: من أسباب نصر الداعية: الدعاء: إن في هذا الحديث دلالة على أهمية الدعاء، وسؤال الله - ﷿ - بأسمائه الحسنى وصفاته العلى؛ ولهذا قال - ﷺ - فيه: «اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم» وقد ذكر الإمام النووي والحافظ ابن حجر رحمهما الله: أن مما يستفاد من هذا الحديث: استحباب الدعاء عند اللقاء والاستنصار (٣).\nومما يدل على أن الدعاء من أسباب النصر قوله - ﷺ - في هذا الحديث أيضا: «يا أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدوِّ واسألوا الله العافية» قال الإمام النووي ﵀: \" وقد كثرت الأحاديث في الأمر بسؤال العافية، وهي من الألفاظ العامة المتناولة لرفع جميع المكروهات: في البدن، والباطن، في الدين، والدنيا والآخرة \" (٤).\nوقد جمع الله - ﷿ - أسباب النصر على الأعداء في قوله ﷾:\n_________\n(١) شرح صحيح مسلم للنووي ١٢/ ٢٨٩، وشرح الكرماني على صحيح البخاري، ١٣/ ٣٢.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٦٢، الدرس الثالث.\n(٣) شرح صحيح مسلم للنووي ١٢/ ٢٩١، وفتح الباري لابن حجر، ٦/ ١٥٧.\n(٤) شرح صحيح مسلم، ١٢/ ٢٩٠.","vol":"1","page":237},{"text":"﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ - وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ - وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [الأنفال: ٤٥ - ٤٧] (١).\nفقد ذكر ﷿ ستة أسباب من أسباب النصر: الثبات، وذكر الله كثيرا، وطاعة الله ورسوله، وعدم التنازع، والصبر، والتواضع وعدم الكبر.\nفينبغي للمسلم وخاصة الدعاة: أن يعتنوا بالدعاء والذكر، ولا يغفلوا عن أسباب النصر التي ذكرها الله - ﷿ - وبينها رسوله - ﷺ - (٢).\n_________\n(١) سورة الأنفال، الآية: (٤٥ - ٤٧).\n(٢) انظر: الحديث رقم ٢٢، الدرس السابع.","vol":"1","page":238},{"text":"٢٣ -<span data-type=\"title\" id=toc-80> باب من طلب الولد للجهاد</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>[حديث نبي الله سليمان لأطوفن الليلة على مائة امرأة]</span>\n٣٤ - [٢٨١٩] وَقالَ اللَّيث: حَدَّثَني جَعْفَر بْن رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ هرْمزَ قَالَ: سَمعْت أَبَا هرَيْرَةَ (١) ﵁، عَنْ رَسولِ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «قَالَ سلَيْمَان بْن دَاودَ ﵉: لأَطوفَنَّ اللَّيْلةَ عَلَى مِائة امْرَأَةٍ - أَوْ تِسْعٍ وتسعِينَ - كلهنَّ يَأْتي بِفَارِسٍ يجَاهِد فِي سَبيلِ اللهِ. فَقَالَ لَه صَاحِبه: قلْ: إِنْ شَاءَ الله، فَلَمْ يَقلْ إِنْ شَاءَ الله، فَلَمْ تَحْمِلْ منْهن إِلا امْرَأَة وَاحِدَة جَاءَتْ بشِقِّ رَجلٍ. وَالَّذِي نَفْس محَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ الله، لَجَاهَدوا فِي سبِيلِ اللهِ فرسَانا أَجْمَعونَ» (٢).\nوفي رواية: «فَقَالَ لَه المَلَك: قلْ إِنْ شَاءَ الله، فَلَمْ يَقلْ وَنَسِيَ، فَأَطَافَ بِهِنَّ وَلَم تَلِدْ مِنْهنَّ إِلا امْرَأَة نِصْفَ إِنْسَانٍ فَقَالَ النَّبيّ - ﷺ -: \" لَوْ قَالَ إِنْ شَاءَ الله لَمْ يَحْنثْ وَكَانَ أَرْجَى لِحَاجَتِهِ» (٣).\nوفي رواية: «فَقَالَ لَه صَاحِبه: قَالَ سفْيَان: يَعني الْمَلَكَ، قلْ إِنْ شَاءَ الله فَنَسِيَ». وفيها: «لَوْ قَالَ إِنْ شَاءَ الله لم يَحْنَثْ وَكَانَ دَرَكا فِي حَاجَتِهِ» (٤).\n* شرح غريب الحديث: * \" شق رجل \" الشق النصف (٥).\n* \" لم يحنث \" الحنث في اليمين: نقضها والنكث فيها، يقال: حنث في يمينه يحنث، وكأنه من الحِنث: الإِثم والمعصية (٦).\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ٧.\n(٢) [الحديث ٢٨١٩] أطرافه في: كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى وَوَهَبْنَا لِدَاودَ سلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْد إِنَّه أَوَّاب، ٤/ ١٦٤، برقم ٣٤٢٤. وكتاب النكاح، باب قول الرجل: لأطوفن الليلة على نسائي، ٦/ ١٩٦، برقم ٥٢٤٢. وكتاب الأيمان والنذور، باب كيف كانت يمين النبي - ﷺ -، ٧/ ٢٧٩، برقم ٦٦٣٩. وكتاب كفارات الأيمان، باب الاستثناء في الأيمان، ٧/ ٣٠٢، برقم ٦٧٢٠. وكتاب التوحيد، باب في المشيئة والإرادة، ٨/ ٢٤١ و٢٤٢، برقم ٧٤٦٩. وأخرجه مسلم في كتاب الأيمان، باب الاستثناء، ٣/ ١٢٧٥، برقم ١٦٥٤.\n(٣) من الطرف رقم: ٥٢٤٢.\n(٤) من الطرف رقم: ٦٧٢٠.\n(٥) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الشين مع القاف، مادة: \" شقق \" ٢/ ٤٩١.\n(٦) المرجع السابق، باب الحاء مع النون، مادة: \" حنث \" ١/ ٤٤٩.","vol":"1","page":239},{"text":"* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - حرص الأنبياء على الجهاد في سبيل الله ﷿.\n٢ - أهمية قول المسلم: إن شاء الله لما يريد عمله في المستقبل.\n٣ - عمل الأسباب لا ينافي التوكل.\n٤ - من أساليب الدعوة: القصص.\n٥ - حرص السلف على الدقة في نقل الحديث.\n٦ - من صفات الداعية: النية الصالحة.\n٧ - من أساليب الدعوة: التوكيد بالقسم.\n٨ - أهمية تذكير الناسي ولو كان عظيما.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: حرص الأنبياء على الجهاد في سبيل الله ﷿: إن الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - هم أحرص الناس على الجهاد في سبيل الله ﷿ لإِعلاء كلمة الله؛ ولهذا قال سليمان - ﷺ -: «لأطوفن الليلة على- مائة امرأة- أو تسع وتسعين- كلهن يأتي بفارس يجاهد في سبيل الله»، وهذا يؤكد الحرص العظيم على الجهاد؛ لأنه قصد بإتيانه لأهله الرغبة في الحصول على المجاهدين، ولكن الله - ﷿ - لم يرد له هذا فلم يقل: \" إن شاء الله \". فينبغي للداعية أن يكون حريصا على الجهاد، ويستصحب النية للإعداد للجهاد في سبيل الله ﷿.\nثانيا: أهمية قول المسلم: إن شاء الله لما يريد عمله في المستقبل: دل هذا الحديث على أهمية قول المسلم: إن شاء الله؛ لما يخبر بعمله في المستقبل؛ ولهذا لما نسي سليمان - ﷺ - أن يقولها يحصل له ما أراد؛ ولأجل ذلك قال نبينا - ﷺ - في هذا الحديث: «والذي نفسي بيده لو قال: إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله» وفي الرواية الأخرى: «لو قال إن شاء الله لم يحنث، وكان دركا لحاجته».\nوقد أمر الله بذلك فقال ﷿: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ [الكهف: ٢٣]","vol":"1","page":240},{"text":"﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤] (١) وهذا يوضح للداعية أهمية هذا الأدب وأنه ينبغي له العمل به (٢).\nثالثا: عمل الأسباب لا ينافي التوكل: لا شك أن عمل الأسباب لا بد منه، ولكن لا بد مع الأسباب من اعتماد القلب على الله - ﷿ - قال ابن حجر ﵀: \" وفي الحديث فضل فعل الخير وتعاطي أسبابه \" (٣). وهذا سليمان - ﷺ - يفعل ما أقسم عليه من طوافه على أهله، وهذا من أعظم الأسباب للحصول على الذرية، فينبغي للداعية إلى الله تعالى أن يأخذ بالأسباب ويعتمد قلبه على الله - ﷿ - وحده (٤).\nرابعا: من أساليب الدعوة: القصص: القصص من القرآن الكريم، والحديث الصحيح من أهم أساليب الدعوة؛ لما له من التأثير في النفوس، وقد دل هذا الحديث على هذا الأسلوب، فقص علينا النبي - ﷺ - قصة سليمان وما فيها من قدرة الله تعالى، فيحسن ويجمل للداعية أن يعتني بهذا الأسلوب عناية فائقة؛ لما له من الأهمية (٥).\nخامسا: حرص السلف على الدقة في نقل الحديث: دل الحديث على عناية السلف الصالح عناية فائقة بنقل الحديث وتبليغه؛ وقد ثبت في هذا الحديث قول سليمان - ﷺ -: «لأطوفن الليلة على مائة امرأة- أو تسع وتسعين» قال الإمام ابن أبي جمرة ﵀: \" شَكّ من راوي الحديث في أيهما قال ﵇ \" (٦) وهذا يوضح للدعاة إلى الله - ﷿ - أهمية ضبط الحديث ونقله بدقة كما فعل السلف ﵏ (٧).\n_________\n(١) سورة الكهف، الآيتان: (٢٣ - ٢٤).\n(٢) انظر: شرح مشكل الآثار، للإمام أحمد بن محمد الطحاوي ٥/ ١٨٣، وبهجة النفوس لابن أبي جمرة، ٣/ ١٠٦ - ١٠٨، وشرح الكرماني على صحيح البخاري ٢٣/ ١٠٠.\n(٣) فتح الباري، ٦/ ٤٦١.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٣٠، الدرس: الخامس.\n(٥) انظر: الحديث رقم ٢٨، الدرس: الثامن.\n(٦) بهجة النفوس، ٣/ ١٠٥.\n(٧) انظر: الحديث رقم ٢١، الدرس: العاشر، ورقم ٢٩، الدرس الثامن.","vol":"1","page":241},{"text":"سادسا: من صفات الداعية: النية الصالحة: النية الصالحة من أعظم الصفات الحميدة، وقد دل عليها هذا الحديث، وذلك في قول سليمان - ﷺ -: «. . كلهن يأتي بفارس يجاهد في سبيل الله»؛ ولهذا بيَّن الإِمام ابن أبي جمرة - ﵀ - في فوائد هذا الحديث: أن سليمان - ﷺ - قال ذلك: \" تقوية رجاءٍ منه وإبلاغ في حسن النية؛ لأنه قد تقرر أن نية المؤمن أبلغ من عمله، فهو ينوي ما استطاع أن يعقد النية عليه، فإن قدر عليه فبها ونعمت، وإن عجز فقد حصل له أمر النية \" (١) وإذا فعل المسلم ذلك وخاصة الدعاة إلى الله - ﷿ - صار كثير من الأعمال المباحة والملاذ مستحبا بالنية والقصد الحسن (٢) والله المستعان (٣).\nسابعا: من أساليب الدعوة: التوكيد بالقسم: التوكيد بالقسم من الأساليب المهمة التي تقرب المعاني إلى الأذهان، وتثبتها في القلوب، وتحملها على التصديق، وقد ظهر ذلك في قوله - ﷺ - في هذا الحديث: «والذي نفسي بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله» وفي قول سليمان - ﷺ -: «لأطوفن الليلة على مائة امرأة». فينبغي للداعية أن يعتني بهذا الأسلوب في دعوته إلى الله - ﷿ - عند الحاجة إليه (٤).\nثامنا: أهمية تذكير الناسي ولو كان عظيما: ظهر في هذا الحديث تذكير الملك لسليمان حينما لم يقل إن شاء الله بقوله \" قل إن شاء الله \" وهذا يبين أهمية تذكير الناسي ولو كان عظيما، وقد قال نبينا - ﷺ -: «إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني» (٥) ومعلوم أنه - ﷺ - أفضل الخلق، وأنه معصوم فيما يبلغه عن الله ﷿.\nفينبغي للداعية بل لكل مسلم أن يذكِّر الناسي ولو كان عظيما، لما لذلك من الأهمية البالغة، والفوائد النافعة.\n_________\n(١) بهجة النفوس لابن أبي جمرة، ٣/ ١٠٦، وانظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي ٤/ ٦٣٦.\n(٢) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٦/ ٤٦١ - ٤٦٢.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٢٢، الدرس السادس، ورقم ٣٠، الدرس الأول.\n(٤) انظر: الحديث رقم ١٠، الدرس: الخامس.\n(٥) متفق عليه من حديث عبد الله بن مسعود ﵁: البخاري، كتاب الصلاة، باب التوجه إلى نحو القبلة حيث كان، ١/ ١٢٠، برقم ٤٠١. ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب السهو في الصلاة والسجود، ١/ ٤٠٠، برقم ٥٧٢.","vol":"1","page":242},{"text":"٢٤ -<span data-type=\"title\" id=toc-82> باب الشجاعة في الحرب والجبن</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>[حديث لو كان لي عدد هذه العضاه نعما لقسمته بينكم]</span>\n٣٥ - [٢٨٢١] حَدَّثَنَا أَبو الْيَمَانِ: أَخبرنَا شعَيْب، عَنِ الزّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عمَر بْن محَمَّدِ بْنِ جبَيْرِ بْنِ مطْعِمٍ: أَنَّ محَمّدَ بْنَ جبَيْرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي جبير بن مطعم (١) أَنَّه بَيْنَمَا هوَ يَسير مَعَ رسول الله - ﷺ - ومَعَه النَّاس مَقْفَلَه مِنْ حنَيْنٍ، فَعَلِقَه النَّاس يَسْألونَه حَتَّى اضْطَرّوه إِلَى سَمرَةٍ فخَطِفتْ رِدَاءَه، فوَقف النبي - ﷺ - فقَالَ: «أَعطوني رِدَائي، لَوْ كَانَ لي عَدَد هَذِهِ العِضَاهِ نَعَما لَقَسَمْته بينَكمْ، ثمَّ لَا تَجِدوني بَخِيلا، وَلا كَذوبا، وَلَا جَبَانا» (٢).\nوفي رواية: «. . . وَمَعَه النَّاس مقْبِلا مِنْ حنَيْنٍ عَلِقتْ رَسولَ اللهِ - ﷺ - الأَعْرَاب، يسألونه. . .» (٣).\n* شرح غريب الحديث: * \" مَقْفَلة من حنين \" القفول: الرجوع من السفر، وقيل القفول: رجوع الجند بعد الغزو، والمعنى: عند رجوعه من غزوة حنين سنة ثمان للهجرة، وحنين وادٍ بين مكة والطائف (٤).\n_________\n(١) جبير بن مطعِم بن عدي بن نوفل، شيخ قريش في زمانه أبو محمد، ويقال: أبو عدي القرشي النوفلي، ابن عم النبي - ﷺ -، من الطلقاء الذين حَسنَ إسلامهم، وقيل أسلم بين الحديبية والفتح، وكان موصوفا بالحلم ونبلِ الرأي كأبيه. وكان أبوه هو الذي قام في نقض صحيفة القطيعة ويحنو على أهل الشعب ويصلهم في السر؛ ولهذا قال النبي - ﷺ - يوم بدر: \" لو كان المطعم بن عدي حيّا وكلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له \" [أخرجه البخاري برقم ٣١٣٩]. وهو الذي أجار النبي - ﷺ - حين رجع من الطائف حتى طاف بعمرة. وفد جبير على النبي - ﷺ - في فداء أسارى بدر فسمعه يقرأ الطور قال: فكان ذلك أول ما دخل الإيمان في قلبي، وفي رواية: فلما بلغ هذه الآية: أَمْ خلِقوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هم الْخَالِقونَ أَمْ خَلَقوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يوقِنونَ أَمْ عِنْدَهمْ خَزَائِن رَبِّكَ أَمْ هم الْمسَيْطِرونَ، كاد قلبي أن يطير [البخاري برقم ٤٠٢٣ و٤٨٥٤، ومسلم، برقم ٤٦٣]، وذكر أنه قال - ﷺ - له: \" لو كان أبوك حيا لوهبتهم له \" روى عن النبي - ﷺ -: ستين حديثا، اتفق البخاري ومسلم على ستة، وانفرد البخاري بثلاثة، ومسلم بحديث. توفي ﵁ سنة سبع أو ثمان أو تسع وخمسين. انظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي، ١/ ١٤٦، وسير أعلام النبلاء للذهبي، ٣/ ٩٥ - ٩٩، والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، ١/ ٢٢٥.\n(٢) [الحديث ٢٨٢١] طرفه في: كتاب فرض الخمس، باب ما كان النبي - ﷺ - يعطي المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخمس ونحوه، ٤/ ٧١، برقم ٣١٤٨.\n(٣) من الطرف رقم ٣١٤٨.\n(٤) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب القاف مع الفاء ٤/ ٩٢، مادة: \" قفل \" ولسان العرب لابن منظور، ١١/ ٥٦٠ فصل القاف باب اللام مادة: \" قفل \".","vol":"1","page":243},{"text":"* \" علقت \" وفي رواية: \" فعلقه الناس \": نشبوا وتعلَّقوا به، وقيل: طفقوا (١).\n* \" اضطروه \": ألجؤوه، يقال: قد اضطر إلى الشيء: أي ألجئ إليه، والاضطرار إلى الشيء: الاحتياج إليه (٢).\n* \" سمرة \" السمرة: ضرب من الشجر صغار الورق قصار الشوك، وله بَرَمَة صفراء يأكلها الناس، وهي من شجر الطلح، وليس في العضاه شيء أجود خشبا من السمر (٣).\n* \" العضاه \" العضاه: كل شجر عظيم له شوك، وقيل: شجر الشوك: كالطلح، والعوسج، والسدر (٤).\n* \" نعما \": إبلا. وقيل: الإبل، والبقر، والغنم (٥).\nوالراجح والله أعلم أنه عام في الأنواع الثلاثة؛ لقوله ﷿: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] (٦) وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا﴾ [المؤمنون: ٢١] (٧).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - أهمية أدب المدعو مع العلماء والدعاة.\n٢ - من صفات الداعية: الحلم.\n٣ - من صفات الداعية: الكرم.\n_________\n(١) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب العين مع اللام، مادة: \" علق \"، ٣/ ٢٨٨، ولسان العرب لابن منظور، فصل العين باب القاف، مادة: \" علق \"، ١٠/ ٢٦١.\n(٢) انظر: لسان العرب لابن منظور، فصل الضاد، باب الراء، ٤/ ٤٨٣، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الضاد مع الراء، ٣/ ٨٢.\n(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب السين مع الميم، ٢/ ٣٩٩، ولسان العرب لابن منظور، فصل السين، باب الراء، ٤/ ٣٧٩.\n(٤) لسان العرب لابن منظور، فصل العين، باب الهاء، مادة: \" عضه \"، ١/ ٥١٦، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب العين مع الضاد، مادة: \" عضه \" ٣/ ٢٥٥.\n(٥) لسان العرب لابن منظور، فصل النون باب الميم، ١٢/ ٥٨٥، وانظر: شرح صحيح البخاري للكرماني ١٢/ ١٢٠.\n(٦) سورة المائدة، الآية: (٩٥).\n(٧) سورة المؤمنون، الآية: (٢١).","vol":"1","page":244},{"text":"٤ - من صفات الداعية: الصدق.\n٥ - من صفات الداعية: الشجاعة.\n٦ - من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة.\n٧ - تعريف الداعية نفسه عند الحاجة.\n٨ - أهمية الوعد بالخير.\n٩ - من موضوعات الدعوة: الحث على مكارم الأخلاق.\n١٠ - من أصناف المدعوين: الأعراب.\n\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: أهمية أدب المدعو مع العلماء والدعاة: دل هذا الحديث على أن الأعراب لم يلتزموا الأدب مع النبي - ﷺ -، ولا ينبغي لهم ذلك، ودل الحديث بمفهومه على أنه ينبغي للمدعو أن يلتزم الأدب مع الدعاة والعلماء، ويستفيد مما يسمع منهم، وقد أمر الله المؤمنين أن يلتزموا الأدب مع رسول الله - ﷺ - قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ - يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ - إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ - إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ - وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١ - ٥] (١).\nفالمدعو ينبغي له أن ينصت، ويصغي إلى ما يلقيه إليه الداعية أو العالم؛ لأن المدعو لا يستفيد من الداعية إلا إذا التزم الأدب، وصمت، واستمع، وعمل بما سمع، وبلَّغ ما سمع لغيره (٢).\n_________\n(١) سورة الحجرات، الآيات (١ - ٥).\n(٢) انظر: الآداب الشرعية للإمام محمد بن مفلح المقدسي \" ١/ ١٤٤ - ١٤٦، وانظر: الحديث رقم ١٤، الدرس الثالث، ورقم ٢١، الدرس الأول.","vol":"1","page":245},{"text":"ثانيا: من صفات الداعية: الحلم: ظهر في هذا الحديث: الحلم؛ فإن الأعراب سألوا النبي - ﷺ - حتى ألجؤوه إلى شجرة السمر فخطفت رداءه، ومع هذا الأذى لم يغضب - ﷺ - ولم يتضجَّر بل حلم عليهم، وصبر على أذاهم وجفائهم، وكم حدث له - ﷺ - من الصبر على جفاة الأعراب وقلة أدبهم؟ ولم يعاقبهم بقوله ولا فعله ﵊ (١) وهذا يعطي الداعية قدوة في الحلم وتَحَمّل الأذى والسكون عند الغضب أو المكروه مع القدرة، والقوة، والصفح والعقل (٢).\nفينبغي للداعية أن يضبط نفسه عند هيجان الغضب، وهذا يحتاج إلى مجاهدة شديدة؛ لما في كظم الغيظ من كتمان ومقاومة واحتمال؛ وقد مدح الله -تعالى - الكاظمين الغيظ ووعدهم بالجنة ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ - الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤] (٣) ومما يزيد الداعية رغبة في الحلم وشوقا إلى الاتِّصاف به مدح النبي - ﷺ - الحلم وتعظيم أمره، وأنه من الخصال التي يحبها الله تعالى، قال - ﷺ - للأشج: «إنَّ فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة» (٤)؛ ولهذا الفضل العظيم قال الأشجّ ﵁: \" الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله ورسوله \" (٥).\nوالحلم الممدوح الذي يحتاجه الداعية في دعوته هو حالة متوسطة بين رذيلتين: الغضب والبلادة، فإذا استجاب الداعية لغضبه بلا تعقل ولا تصبّر كان على رذيلة، وإن تبلَّد وضيَّع حقه ورضي بالهضم والظلم كان على رذيلة، وإن تحلَّى بالحلم وتخلَّق به مع القدرة، وكان حلمه مع من يستحقه كان على\n_________\n(١) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٦/ ٢٥٤، وإرشاد الساري للقسطلاني ٥/ ٥٤.\n(٢) انظر: المعجم الوسيط، لمجمع اللغة العربية، مادة: \" حلم \" ١/ ١٩٤.\n(٣) سورة آل عمران، الآيتان (١٣٣، ١٣٤).\n(٤) مسلم، كتاب الإِيمان، باب الأمر بالإيمان بالله ورسوله، ١/ ٤٨ برقم ١٧.\n(٥) أبو داود، كتاب الأدب، باب قبلة الجسد، ٤/ ٣٥٧، برقم ٥٢٢٥، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٣/ ٩٨١.","vol":"1","page":246},{"text":"فضيلة، فإذا أصبح ذلك هيئة راسخة في النفس، وأصبح طبعا من طبائعها كان ذلك هو الحلم الواجب على الدعاة إلى الله تعالى، (١) وهذا يحتاج في بداية الأمر إلى جهاد وعزيمة، وقوة؛ لقوله - ﷺ -: «ليس الشديد بالسرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب». (٢).\nثالثا: من صفات الداعية: الكرم: الجود والكرم من الصفات الحميدة؛ ولهذا قال - ﷺ - في الحديث: «. . . فلو كان لي عدد هذه العضاه نعما لقسمته بينكم»، وهذا يدل على كرمه وعظيم جوده وسخائه - ﷺ - ويؤكد على الدعاة إلى الله تعالى الاقتداء به، وأن يكونوا كرماء أسخياء لا بخلاء أشحَّاء؛ فإن الداعية الكريم يجذب الناس إلى دعوته بفضل الله تعالى ثم بكرمه وجوده؛ ولهذا ما سئل - ﷺ - على الإِسلام شيئا إلا أعطاه، وجاءه رجل فأعطاه غنما بين جبلين فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا فإن محمدا يعطي عطاء لا يخشى الفاقة (٣) ولهذا قال أنس بن مالكَ ﵁: \" إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا فما يسلم حتى يكون الإِسلام أحبَّ إليه من الدنيا وما عليها \" (٤) ومما يدل على فضل الجود والكرم وأنه من أعظم الأساليب التي ترغِّب الناس في قبول الدعوة، ما فعله رسول الله - ﷺ - مع صفوان بن أمية؛ فإنه أعطاه مائة من الغنم، ثم مائة، ثم مائة، قال صفوان: «والله لقد أعطاني رسول الله - ﷺ - ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إليَّ، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي» (٥).\nوالداعية ينبغي له أن يتصف بأنواع الجود والكرم كلها، فيجود بنفسه في\n_________\n(١) انظر: مفردات غريب القرآن، للأصفهاني ص ١٢٩، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، ١/ ٤٣٤، والأخلاق الإِسلامية، للميداني، ٢/ ٣٣٧.\n(٢) متفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁: البخاري، كتاب الأدب، باب الحذر من الغضب، ٧/ ١٢٩، برقم ٦١١٤، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب فضل من بملك نفسه عند الغضب وبأي شيء يذهب الغضب، ٤/ ٢٠١٤، برقم ٢٦٠٩.\n(٣) مسلم، كتاب الفضائل، باب ما سئل - ﷺ - شيئاَ فقال: لا، ٤/ ١٨٠٦، برقم ٢٣١٢.\n(٤) المرجع السابق، في الكتاب والباب المشار إليهما ٤/ ١٨٠٦، برقم ٢٣١٢.\n(٥) مسلم، كتاب الفضائل في الباب السابق ٤/ ١٨٠٦، عن صفوان، ﵃، برقم ٢٣١٣.","vol":"1","page":247},{"text":"طاعة الله وفي سبيل نشر الإسلام، ويجود برئاسته والإِيثار في قضاء حاجات الناس، ويجود براحته تعبًا في مصلحة غيره، ويجود بعلمه فينشره بين الناس، ويجود بجاهه فيشفع لأصحاب الحاجات، ويجود ببدنه في خدمهّ الناس والإِصلاح بينهم وإعانتهم ببدنه، ويجود بعرضه فيعفو عمَّن اغتابه أو سبَّه، ويجود بصبره فيصبر على أذى الناس، ويجود بالخلق الحسن وبشاشة الوجه والبسطة، ويجود بما في أيدي الناس عليهم فمزهد فيه، فلا يلتفت إليه، وكل أنواع الجود والكرم ينبغي أن يأخذ منها الداعية أكبر الحظ والنصيب، اقتداء بنبيه - ﷺ - (١) والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل، (٢).\nرابعا: من صفات الداعية: الصدق: دل هذا الحديث على أن الصدق من الصفاتّ الحميدة؛ لِقوله - ﷺ -: «ثم لا تجدوني بخيلا ولا كذوبا. .»، وهذا يبيِّن للدعاة أن الصدق من الصفات التي ينبغي لهم أن يتصفوا بها، ويبيّن لهم قبح الكذب، وهو الإِخبار عن الشيء بخلاف ما هو سواء كان ذلك عمداَ أو جهلا، والإِثم يختص بالعمد (٣).\nوينبغي لهم أن لا ينقلوا عن رسول الله - ﷺ - إلا ما صح عنه؛ لقوله - ﷺ -: «من حدّث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذِبين» (٤) فإذا صدق الداعية في القول والفعل، والنية كان من الرابحين (٥).\nخامسا: من صفات الداعية: الشجاعة: الشجاعة مطلب كريم وخلق عظيم، وصفة نبيلة من صفات الدعاة الصادقين؛ ولهذا نفى النبي - ﷺ - الجبن عن نفسه، وهذا يدل على شجاعته «ثم لا تجدوني بخيلا، ولا كذوبا، ولا جبانا» والشجاعة تحمل الداعية على عزة النفس وإيثار معالي الأخلاق والشيم؛ فإن الداعية بقوة نفسه وشجاعتها يمسك\n_________\n(١) انظر: مدارج السالكين، لابن القيم، ٢/ ٢٩٣ - ٢٩٦.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٢، الدرس الثاني، ورقم ١٥، الدرس الثاني.\n(٣) انظر: الأذكار، للنووي ص ٣٢٦، وشرح النووي على صحيح مسلم ١/ ١٨١.\n(٤) مسلم، في المقدمة، باب وجوب الرواية عن الثقات وترك الكذابين والتحذير من الكذب على رسول الله - ﷺ -، ١/ ٩.\n(٥) انظر: الحديث رقم ٧، الدرس: الثالث، ورقم ٩، الدرس الرابع.","vol":"1","page":248},{"text":"عنانها ويكبحها بلجامها عن النزع والبطش بغير حق (١) قال - ﷺ -: «ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» (٢) قال العلامة العيني رحمه الله تعالى: \" قال حكماء الإِسلام، للإنسان ثلاث قوى: العقلية، والغضبية، والشهوية: وكمال القوة الغضبية الشجاعة، وكمال القوة الشهوية الجود، وكمال القوه العقلية الحكمة \" (٣).\nفالداعية بحاجة إلى الاتصاف والتخلّق بخلق الشجاعة؛ لأنها تضبط نفسه عن الخوف عند مثيراته في النفس حتى لا يجبن الداعية في المواضع التي تحسن فيهما الشجاعة وتكون خيرا، ويقبح فيها الجبن ويكون شرّا (٤) ولهذا قال - ﷺ - لمن سأله عن أفضل الجهاد: «كلمة حق عند سلطان جائر» (٥).\n\nوحقيقة شجاعة الداعية: هي الصبر والثبات والإِقدام على الأمور النافعة، وتكون شجاعة الداعية في الأقوال والأفعال، ولا بد أن تكون شجاعته موافقة للحكمة، وأعظم ما يمد ويقوي شجاعة الداعية: الإِيمان العميق، وقوة التوكل على الله، تعالى، وكمال الثقة به سبحانه، ومعرفته لأحوال النبي - ﷺ - ومواقفه في الشجاعة القلبية والعقلية (٦).\nوالداعية يحتاج إلى أن يَتَمَرَّن على الإِقدام والتكلم بما في النفس، وإلقاء المقالات والخطب في المحافل بقصد نصر الحق وقمع الباطل، فمن مرن نفسه على ذلك لم يزل به الأمر حتى يكون ملكة له، وتزول هيبة الخلق من قلبه، فلا يبالي ألقى الخطب والمقالات في المحافل الصغار أو الكبار على العظماء أو غيرهم، وكذلك يمرِّن نفسه على لقاء الأعداء في ميادين القتال\n_________\n(١) انظر: مدارج السالكين لابن القيم ٢/ ٣٠٨.\n(٢) متفق عليه: البخاري، ٧/ ١٢٩، برقم ٦١١٤، ومسلم، ٤/ ٢٠١٤ برقم ٢٦٠٨، وتقدم تخريجه في الدرس الأول من هذا الحديث، ص ٢٤٧.\n(٣) عمدة القاري شرح صحيح البخاري ١٤/ ١١٧.\n(٤) انظر: الأخلاق الإسلامية لعبد الرحمن بن حسن حبنكة الميداني ٢/ ٣٠٦، ٣١٩.\n(٥) أحمد ٥/ ٢٥١، ٢٥٦، وابن ماجه في كتاب الفتن ٢/ ١٣٢٩، برقم ٤٠١١، وصححه الألباني، في صحيح ابن ماجه ٢/ ٣٦٩.\n(٦) انظر: الشجاعة العقلية والقلبية في فتح الباري لابن حجر، ٥/ ٣٣٣.","vol":"1","page":249},{"text":"حتى تزول عنه المخاوف ولا يبالي بلقاء الأعداء بعد ذلك سواء كان ذلك في الجهاد باليد أو باللسان (١).\nسادسا: من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة: القدوة الحسنة وسيلة من أعظم وسائل الدعوة إلى الله تعالى؛ لأن النبي - ﷺ -، قدوة الدعاة إلى الله تعالى، بل يجب على الناس أجمعين أن يقتدوا به - ﷺ -، في أقواله، وأفعاله، وأخلاقه، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١] (٢) فهو ﵊، قدوة وأسوة عملية وقولية لأتباعه، فقد تخلَّق في هذا الحديث بأصول الأخلاق والحكمة: فحلم على الأعراب ولم يعاقبهم على إساءة الأدب معه - ﷺ -، ومع هذا وعدهم خيرا، وبيَّن لهم وسيلة أخرى من وسائل الإِيضاح فقال: «لو كان لي عَدَد هذه العضاه نَعَما لقسمته بينكم ثم لا تجدوني بخيلا، ولا كذوبا، ولا جبانا». وهذا كله يدل على رغبته - ﷺ - في أن يقتدي به الناس في هذه الأخلاق الكريمة (٣).\nسابعا: تعريف الداعية نفسه عند الحاجة: الداعية إذا احتاج إلى ذكر صفاته الحميدة فلا حرج في ذلك عند الحاجة أو عند انتفاع المدعوين بذلك؛ ولهذا قال - ﷺ -: «. . ثم لا تجدوني بخيلا، ولا كذوبا، ولا جبانا»، قال العلامة الملاّ على القاري ﵀: \" فيه دليل على جواز تعريف نفسه بالأوصاف الحميدة لمن لا يعرفه؛ ليعتمد عليه \" (٤).\nثامنا: أهمية الوعد بالخير: يدل الحديث على أن الوعد الحسن بالمال تأليفا به من أساليب الدعوة؛\n_________\n(١) انظر: الرياض الناضرة للسعدي ص ٤٦.\n(٢) سورة الأحزاب، الآية: (٢١).\n(٣) انظر: فتاوى العلامة، عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ٣/ ١١٠، ٤/ ١٧١، ٢٣٢، وانظر أيضا: الحديث رقم ١٦، الدرس السابع.\n(٤) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، ١٠/ ٧٦.","vol":"1","page":250},{"text":"لأن النبي - ﷺ -، بين أنه لا يبخل عليهم إذا وجد مالا؛ قوله - ﷺ -: «ثم لا تجدوني بخيلا»، وقد ذكر الله - تعالى - الوعد الحسن وحثّ عليه لمن لم يجد مالا فقال سبحانه: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٨]\nوقد نظر - ﷺ - إلى أحوال المدعوين وأنهم من الأعراب الجفاة فلم يعاقبهم على سوء أدبهم معه - ﷺ -، وهذا يبيّن، ويوضح لأتباعه أهمية الاقتداء به - ﷺ -.\nتاسعا: من موضوعات الدعوة: الحث على مكارم الأخلاق: في هذا الحديث الشريف دعوة للأمة للتحلِّي بمكارم الأخلاق، وأصول الحِكَم، فقد دعا النبي - ﷺ - جميع الناس في هذا الحديث وفي غيره إلى التحلي بالشجاعة، والكرم، والجود، والصدق، والصبر والتحمل (١) وذلك بفعله وقوله - ﷺ -؛ لأن فعله وتقريره، وقوله دعوة لأمته. ودعا الناس في هذا الحديث إلى ترك الكذب، والبخل، والجبن، وذلك بنفيها عن نفسه والتنفير عن هذه الأخلاق الذميمة بقوله - ﷺ -: «فلو كان لي عدد هذه العضاه نعما لقسمته بينكم ثم لا تجدوني بخيلا، ولا كذوبا، ولا جبانا»؛ قال العلامة العيني، رحمه الله تعالى: \" وهذا من جوامع الكلم إذ أصول الأخلاق: الحكمة، والكرم، والشجاعة. وأشار بعدم الكذب إلى كمال القوة العقلية: أي الحكمة، وبعدم الجبن إلى كمال القوة الغضبية: أي الشجاعة، وبعدم البخل إلى كمال القوة الشهوية: أي الجود، وهذه الثلاث هي أمهات فواضل الأخلاق، والأول هو مرتبة الصِّدِّيقين، والثاني هو مرتبة الشهداء، والثالث هو مرتبة الصالحين اللهم اجعلنا منهم \" (٢).\nودعا - ﷺ - الأمة كلها جمعاء إلى العمل بهذه المكارم، وحذرها تعريضا وتلميحا في هذا الحديث من مساوئ ومفاسد الأخلاق الذميمة؛ فإن الداعية يجب عليه أن يبتعد عنها وخاصة هذه الخصال المذكورة في الحديث:\n_________\n(١) انظر: فتح الباري، لابن جحر، ٦/ ٢٥٤، وإرشاد الساري للقسطلاني، ٥/ ٥٤، وعون الباري لحل أدلة البخاري، لصديق بن حسن، ٣/ ٦٢١.\n(٢) انظر: عمدة القاري، للعيني ١٤/ ١١٨.","vol":"1","page":251},{"text":"البخل، والكذب، والجبن، والطيش وعدم التحمل (١).\nعاشرا: من أصناف المدعوين: الأعراب: لا شك أن الأعراب من أصناف المدعوين؛ لأن النبي - ﷺ - اعتنى بدعوتهم، وراعى أحوالهم، وبين لهم بفعله وقوله مكارم الأخلاق في هذا الحديث، فحلم عنهم، وقال: «. . . لو كان لي عدد هذه العضاه نَعَما لقسمته بينكم، ثم لا تجدوني: بخيلا، ولا كذوبَاَ، ولا جبانا»، وهذا فيه تعليم للأعراب وإحسان إليهم مع شدتهم وجفائهم مع رسول الله - ﷺ -، كما جاء في هذا الحديث: «علقت رسول الله - ﷺ - الأعراب يسألونه حتى اضطروه إلى سمرة خطفت رداءَه. . .» فينبغي الاقتداء برسول الله - ﷺ - في مراعاة أحوال الأعراب والعفو عنهم (٢).\n_________\n(١) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٦/ ٢٥٤، وإرشاد الساري للقسطلاني، ٥/ ٥٤.\n(٢) انظر: الحديث رقم ١٧٣، الدرس الثالث.","vol":"1","page":252},{"text":"٢٥ -<span data-type=\"title\" id=toc-84> باب ما يتعوذ من الجبن</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>[حديث تعوذه ﷺ دبر الصلاة]</span>\n٣٦ - [٢٨٢٢] حَدَّثَنَا موسَى بْن إِسْمَاعِيلَ: حَدَّثَنَا أَبو عَوَانَةَ: حَدَّثَنَا عَبْد المَلِكِ بْن عمَيرٍ قَالَ: سَمِعْت عَمْرَو بْنَ مَيمونٍ الأَوْدِيَّ قَالَ: \" كَانَ سَعْد (١) يعلِّم بَنِيهِ هَؤلاءِ الْكَلِمَاتِ كَمَا يعَلِّم الْمعَلم الْغِلْمَانَ الْكِتَابةَ، وَيَقول: إِنَّ رَسولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يَتَعوَّذ مِنْهنَّ دبرَ الصَّلاَةِ: «اللَّهمَّ إِنِّي أَعوذ بِكَ مِنَ الجبْنِ، وَأَعوذ بِكَ أَنْ أرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ العمرِ، وَأَعوذ بكَ مِنْ فِتْنَةِ الدّنْيَا، وَأَعوذ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ»، فَحدَّثْت بِهِ مصعَبا فصدَّقه \" (٢).\nوفي رواية: \" كَانَ سَعْد يَأْمر بِخَمْسٍ، وَيَذْكرهنَّ عن النبي - ﷺ - أنه كَانَ يَأْمر بهِنَّ: «اللَّهمَّ إِنِّي أَعوذ بِكَ مِنَ الْبخْلِ، وَأَعوذ بِكَ مِنَ الْجبْنِ، وأَعوذَ بِكَ أَنْ أرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ الْعمرِ، وَأَعوذ بكَ مِنْ فِتْنَةِ الدّنْيَا- يَعْنِي فِتْنَةَ الدَّجَّالِ- وَأَعوذ بكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبر» (٣).\nوفي رواية: عن مصعب بن سعد عن أبيه ﵁ قال: «كَانَ النَّبِي - ﷺ - يعَلِّمنَا\n_________\n(١) سعد بن أبي وقاص، واسم أبي وقاص: مالك بن أهيب، ويقال له: وهيب، أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد السابقين الأولين، وأحد من شهد بدرا، والحديبية، وأحد الستة أهل الشورى الذين جعل عمر ﵁ أمر الخلافة إليهم، وقد أسلم قديما بعد أربعة وقيل بعد ستة وهو ابن سبع عشرة سنة، وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله، تعالى، وأول من أراق دما في سبيل الله تعالى، وهو من المهاجرين الأولين، وكان مجاب الدعوة، روى عن رسول الله مائتين وسبعين حديثا اتفق البخاري ومسلم منها على سبعة عشر، وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم بثمانية عشر، واستعمله عمر بن الخطاب ﵁ على الجيوش التي بعثها إلى بلاد الفرس، وكان أمير الجيش الذي هزم الفرس بالقادسية، وهو الذي عبر بالخيل دجلة، وهو الذي فتح مدائن كسرى، وبنى الكوفة، وولاه عمر على العراق، وعندما قتل عثمان ﵁ اعتزل سعد الفتن فلم يقاتل في شيء منها، توفي ﵁ سنة خمس وخمسين وقيل سنة إحدى وخمسين، وقيل ست وخمسين، وقيل سبع وخمسين، وقيل ثمان وخمسين بقصره بالعقيق على عشرة أميال وقيل سبعة من المدينة ﵁. انظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي ١/ ٢١٣ - ٢١٤، وسير أعلام النبلاء للذهبي ٩٢ - ١٢٤، والإِصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، ٢/ ٣٣، وانظر أيضا: إكمال إكمال المعلم للأبي، ٨/ ٢٣٧.\n(٢) [الحديث ٢٨٢٢] أطرافه في: كتاب الدعوات، باب التعوذ من عذاب القبر، ٧/ ٢٠٤، برقم ٦٣٦٥. وكتاب الدعوات، باب التعوذ من البخل، ٧/ ٢٠٥، برقم ٦٣٧٠. وكتاب الدعوات، باب الاستعاذة من أرذل العمر ومن فتنة الدنيا وفتنة النار، ٧/ ٢٠٦، برقم ٦٣٧٤. وكتاب الدعوات، باب التعوذ من فتنة الدنيا، ٧/ ٢١١، برقم ٦٣٩٠.\n(٣) من الطرف رقم ٦٣٦٥.","vol":"1","page":253},{"text":"هَؤلَاءِ الْكَلِمَاتِ كَمَا تعَلَّم الْكِتَابة. .» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>[حديث تعوذه ﷺ من العجز والكسل]</span>\n٣٧ - [٢٨٢٣] حَدَّثَنَا مسَدَّد: حَدَثَنَا معتَمِر قَالَ: سَمِعْت أَبِي قَالَ: سَمِعْت أَنَسَ بْنَ مَالِك (٢) ﵁ يقول: كَانَ النَّبِيّ - ﷺ - يَقول: «اللَّهمَّ إِنِّي أَعوذ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالكَسَلِ، والجبْنِ والْهَرَم، وأَعوذ بكَ مِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَأَعوذ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ» (٣).\nوفي رواية: «اللَّهمَّ إِنِّي أعوذ بِكَ مِنَ الْكَسَل، وَأَعوذ بكَ مِنَ الْجبْنِ، وَأَعوذ بِكَ مِنَ الْهَرَمِ، وَأَعوذ بِكَ مِنَ البخْلِ» (٤).\nوفي رواية: أَنَّ رَسولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يَدْعو: «أَعوذ بِكَ مِنَ الْبخْلِ وَالْكَسَلِ، وأَرْذَلِ العمرِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ، وَفِتْنَةِ الدَّجَّالِ، وفتْنَةِ الْمَحْيَا وَالمَمَاتِ» (٥).\n* شرح غريب الحديث: * \" أرذل العمر \" آخره في حال الكِبَرِ والعجز والخرف، والأرذل من كل شيء: الرديء منه (٦).\n* \" الفتنة \" الابتلاء والاختبار، والامتحان، وأصل الفتنة من قولك: فتنت الذهب إذ أحرقته بالنار؛ ليتبيَّن الجيد من الرديء، وقد كثر استعمالها بمعنى: الإِثم، والكفر، والضلال، والقتال، والإِحراق، والإِزالة، والصرف عن\n_________\n(١) من الطرف رقم ٦٣٩٠.\n(٢) تقدمت ترجمته في الحديث رقم: ١٤.\n(٣) الحديث ٢٨٢٣، أطرافه في: كتاب تفسير القرآن، ١٦ سورة النحل، باب قوله تعالى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ٥/ ٢٦٦، برقم ٤٧٠٧. وكتاب الدعوات، باب التعوذ من فتنة المحيا والممات، ٧/ ٢٠٤، برقم ٦٣٦٧. وكتاب الدعوات، باب التعوذ من أرذل العمر، ٧/ ٢٠٥ و٢٠٦، برقم ٦٣٧١. وأخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب التعوذ من العجز والكسل وغيره، ٤/ ٢٠٧٩، برقم ٢٧٠٦.\n(٤) الطرف رقم ٦٣٧١.\n(٥) الطرف رقم ٤٧٠٧.\n(٦) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الراء مع الذال، مادة \" رذل \" ٢/ ٢١٧.","vol":"1","page":254},{"text":"الشيء، والفضيحة، والعذاب، والجنون (١).\n* \" الهرم \" الكِبَرِ (٢).\n* الدراسة الدعوية للحديثين: في هذين الحديثين دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من صفات الداعية: النشاط.\n٢ - من صفات الداعية: الشجاعة.\n٣ - من صفات الداعية: الكرم.\n٤ - من صفات الداعية: الحرص على تعليم الناس الخير.\n٥ - أهمية العناية بالأهل والأقارب.\n٦ - من صفات الداعية: الالتجاء إلى الله ﷿.\n٧ - من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة.\n٨ - من موضوعات الدعوة: تعليم المدعوين الدعاء والأذكار.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من صفات الداعية: النشاط: دل مفهوم الحديث الثاني على أن النشاط من الصفات الحميدة التي ينبغي أن يتصف بها المسلم وخاصة الداعية إلى الله ﷿؛ ولهذا استعاذ - ﷺ - من ضد النشاط فقال: «اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل»؛ وذكر العلامة العيني ﵀ أن الكسل: ضعف الهمة وإيثار الراحة للبدن على التعب، وإنما استعيذ منه؛ لأنه يبعد عن الأعمال الصالحة (٣).\nفينبغي للداعية أن يكون نشيطا؛ لأن الكسل من أسباب الخسارة والوقوع في\n_________\n(١) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين، للحميدي ص ١٧٢، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الفاء مع التاء، مادة \" فتن \" ٣/ ٤١٠، والمصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي، تأليف أحمد بن محمد الفيومي، مادة \" فتن \" ٢/ ٤٦٢، والقاموس المحيط للفيروز آبادي، باب النون فصل الفاء، ص ١٥٧٥.\n(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الهاء مع الراء، مادة \" هرم \" ٥/ ٢٦١.\n(٣) انظر: عمدة القاري شرح صحيح البخاري ١٤/ ١١٩.","vol":"1","page":255},{"text":"أسباب المعاصي والسيئات، وترك أسباب الطاعات (١)؛ ولأن الكسل تثاقل عن المصالح الدينية والدنيوية، فيمنع من أداء الحقوق الواجبة (٢) والله الموفق (٣).\nثانيا: من صفات الداعية: الشجاعة: لا شك أن الشجاعة من الصفات الحميدة التي ينبغي أن يتصف بها المسلم، ولا سيما الداعية إلى الله ﷿ ولهذا قال - ﷺ - في هذا الحديث: «اللهم إني أعوذ بك من الجبن»، فاستعاذته من الجبن دليل على ضده: الشجاعة وأنها خلق كريم؛ ولأن الجبن عدم الإِقدام على الشيء النافع (٤) وشعب الجبن متفرقة، ومن أقبحه أن يجبن عن معاملة الله في تصديق وعده، ثم تقديم العوائد على مقتضيات شرعه (٥) وهذا يؤكد أهمية المجاعة (٦).\nثالثا: من صفات الداعية: الكرم: ظهر في مفهوم هذين الحديثين أن الكرم صفة حميدة ينبغي للداعية أن يتصف بها؛ ولهذا قال - ﷺ -: «. . وأعوذ بك من البخل»، فاستعاذ - ﷺ - من ضد الكرم؛ لأن البخل صفة ذميمة تنافي الجود والكرم؛ وقد كان - ﷺ - أجود الناس وأكرم الناس، فينبغي للدعاة أن يقتدوا به - ﷺ - (٧).\nرابعا: من صفات الداعية: الحرص على تعليم الناس الخير: إن الداعية الصادق مع الله ﷿ هو الذي يحرص على نفع الناس، وإيصال الخير إليهم قولا وفعلا؛ ولهذه الصفة الحميدة فقد كان النبي - ﷺ - حريصا على تعليم أمته الخير، وقد دل الحديث الأول من هذين الحديثين على ذلك \"؛\n_________\n(١) انظر: زاد المعاد في هدي خير العباد لابن القيم ٢/ ٣٥٨.\n(٢) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، ٧/ ٣٤، ومكمل إكمال الإِكمال، لمحمد بن يوسف السنوسي، ٩/ ١٠٨.\n(٣) انظر: الحديث رقم ١٤، الدرس الرابع، ورقم ٢٩، الدرس الثالث.\n(٤) انظر: مكمل إكمال الإِكمال، للسنوسي ٩/ ١١٠.\n(٥) انظر: الإفصاح عن معاني الصحاح للوزير ابن هبيرة، ١/ ٢٤٢.\n(٦) انظر: الحديث رقم ٣٥، الدرس الخامس.\n(٧) انظر: الحديث رقم ٣٥، الدرس الثالث.","vol":"1","page":256},{"text":"لقول سعد ﵁: «كان النبي - ﷺ - يعلمنا هؤلاء الكلمات كما تعلَّم الكتابة»، وهذا الحرص المبارك من النبي الأمين الكريم يبين للدعاة إلى الله ﷿ أهمية الحرص على تعليم الناس الخير (١).\n\nخامسا: أهمية العناية بالأهل والأقارب: لا شك أن حق الأهل والأقارب أعظم من حق غيرهم، ورعايتهم وتعليمهم ما ينفعهم من أهم الواجبات، وأعظم الحسنات؛ ولهذا كان السلف الصالح يعتنون بأهلهم وقراباتهم عناية خاصة؛ ولهذا قال عمرو بن ميمون في الحديث الأول من هذين الحديثين: \" كان سعد يعلم بنيه هؤلاء الكلمات، كما يعلِّم المعلّم الغلمان الكتابة. . \"، وهذا يبرز للدعاة العناية بالأهل وتعليمهم ما ينفعهم ويعود عليهم بالخير والصلاح، في الدين والدنيا، والآخرة (٢).\nسادسا: من صفات الداعية: الالتجاء إلى الله ﷿: دل هذان الحديثان على أهمية الالتجاء إلى الله تعالى، والاستعاذة به من هذه الخصال التسع: \" البخل، والجبن، وأرذل العمر، والعجز، والكسل، وفتنة المحيا والممات، وفتنة الدجال وفتنة الدنيا، وعذاب القبر \"، ومفتاح كل شر: العجز والكسل، ويصدر عنهما الهمّ، والحزن، والجبن، والبخل، وضلع الدين، وغلبة الرجال، وأصل المعاصي كلها العجز، فإن العبد يعجز عن أسباب أعمال الطاعات، وعن الأسباب التي تبعده عن المعاصي وتحول بينه وبينها فيقع في المعاصي (٣).\nقال الإمام ابن القيم ﵀: \" التمني رأس أموال المفاليس، والعجز مفتاح كل شر \" (٤).\nوهذا يبين للمسلم- وخاصة الداعية إلى الله ﷾- أهمية الالتجاء\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ١، الدرس الأول.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٧، الدرس الأول.\n(٣) انظر: زاد المعاد في هدي خير العباد، لابن القيم، ٢/ ٣٥٨.\n(٤) المرجع السابق ٢/ ٣٥٨.","vol":"1","page":257},{"text":"إلى الله ﷿ والاستعاذة به من هذه الخصال كلها، ولا سيما الاستعاذة من العجز والكسل؛ لأن العجز: ترك العمل مع عدم القدرة على عمله، والكسل: ترك العمل مع القدرة على عمله؛ لعدم انبعاث النفس للخير، وقلة الرغبة فيه مع إمكانه (١).\nويستعيذ الداعية من البخل والجبن؛ لأن الجود: إما بالنفس: وهو الشجاعة، ويقابله الجبن، وإما بالمال وهو السخاوة ويقابله البخل، ولا تجتمع الشجاعة والسخاوة إلا في نفس كاملة، ولا ينعدمان إلا لمتناهٍ في النقص (٢) وقد قرن رسول الله - ﷺ - بين: الاستعاذة من الجبن والبخل؛ لأن الإِحسان المتوقع من العبد: إما بماله، وإما ببدنه، فالبخيل مانع لنفع ماله، والجبان مانع لنفع بدنه (٣).\nويلتجئ الداعية إلى الله، ويستعيذ به من فتنة الدنيا؛ لأن من أصيب بذلك باع آخرته بما يتعجله في الدنيا من حال ومال (٤) وفتنة المحيا: ما يتعرض له الإِنسان مدة حياته، من الافتتان بالدنيا، والشهوات والجهالات، وأعظمها - والعياذ بالله - سوء الخاتمة عند الموت، وفتنة الدنيا أطلقت على فتنة الدجال؛ لأن فتنته أعظم الفتن في الدنيا، وفتنة الدجال داخلة تحت فتنة المحيا (٥) ويستعيذ بالله من فتنة الممات. قال ابن دقيق العيد ﵀: \" وفتنة الممات \" يجوز أن يراد بها الفتنة عند الموت، أضيفت إلى الموت لقربها منه، وتكون فتنة المحيا - على هذا - ما يقع قبل ذلك في مدة حياة الإنسان، وتصرفه في الدنيا، ويجوز أن يكون المراد بفتنة الممات: فتنة القبر. . . ولا يكون على هذا متكررا مع قوله: \" من عذاب القبر \"؛ لأن العذاب مرتب على الفتنة. . . \" (٦).\n_________\n(١) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٦/ ٣٦، وعمدة القاري للعيني، ١٩/ ١٨.\n(٢) انظر: مرقاة المفاتيح، لملا علي القاري، ٣/ ٤٢.\n(٣) انظر: طريق الهجرتين وباب السعادتين، لابن القيم ص ٤٦٠.\n(٤) انظر: عمدة القاري، للعيني ١٤/ ١١٩.\n(٥) انظر: إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام، لابن دقيق العيد، ١/ ٣١١، وفتح الباري بشرح صحيح البخاري، لابن حجر، ٢/ ٣١٩، وعمدة القاري للعيني، ٢٣/ ٧.\n(٦) إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام، ١/ ٣١١.","vol":"1","page":258},{"text":"والاستعاذة من فتنة المحيا والممات: كلمة جامعة لمعانٍ كثيرة (١).\nويستعيذ بالله من أرذل العمر؛ لأن الإنسان إذا هرم وضعف: سخف عقله، وعجز عن الفرائض وخدمة نفسه، فيكون كلاّ على أهله ثقيلا بينهم، يتمنون موته؛ فإن لم يكن له أهل فالمصيبة أعظم (٢).\nفدل ذلك كله على أهمية الاستعاذة والالتجاء إلى الله ﷿. وسؤاله العفو والعافية، وهذا من أعظم صفات الداعية إلى الله ﷾. قال الحافظ ابن حجر ﵀: \" وينبغي أن يرغب إلى ربه في رفع ما نزل، ودفع ما لم ينزل، ويستشعر الافتقار إلى ربه في جميع ذلك \" (٣).\nسابعا: من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة: القدوة الحسنة من أهم وسائل الدعوة إلى الله ﷿؛ لأن النبي - ﷺ - استعاذ من الجبن والبخل؛ لما فيهما من التقصير عن أداء الواجبات، والقيام بحقوق الله تعالى، وإزالة المنكر، والإِغلاظ على العصاة؛ ولأنه بشجاعة النفس وقوتها المعتدلة تتم العبادات، ويقوم بنصر المظلوم، والجهاد، وبالسلامة من البخل يقوم بحقوق المال، وينبعث للإِنفاق، والجود، ولمكارم الأخلاق، ويمتنع من الطمع فيما ليس له (٤).\nقال الإمام النووي ﵀: \" قال العلماء: واستعاذته من هذه الأشياء؛ لتكمل صفاته في كل أحواله وَشَرَعَه أيضا تعليما \" (٥) وقال الحافظ ابن حجر ﵀: وكان - ﷺ - يتعوذ من جميع ما ذكر دفعا عن أمته، وتشريعا لهم، ليبيِّن لهم صفة المهم من الأدعية \" (٦).\n_________\n(١) انظر: فتح الباري، لابن حجر، ١١/ ١٧٦.\n(٢) انظر: عمدة القاري، للعيني ١٤/ ١١٩.\n(٣) فتح الباري، ١١/ ١٧٦.\n(٤) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ١٧/ ٣٤.\n(٥) المرجع السابق ١٧/ ٣٤.\n(٦) فقح الباري ١١/ ١٧٦.","vol":"1","page":259},{"text":"وهذا يبين للداعية أهمية القدوة؛ لأن الناس يستفيدون من أفعال الداعية أكثر مما يستفيدون من أقواله، فينبغي له أن يقتدي برسول الله - ﷺ -؛ ليكون قدوة صالحة لغيره (١).\nثامنا: من موضوعات الدعوة: تعليم المدعو لهن: الدعاء والأذكار: إن هذين الحديثين يدلان على مشروعية تعليم المدعوين الأدعية النافعة، والأذكار الجامعة؛ لأن النبي - ﷺ - فعل ذلك مع أصحابه ﵃، قال سعد ﵁ في الحديث الأول من هذين الحديثين: «كان النبي - ﷺ - يعلمنا هؤلاء الكلمات كما تعلم الكتابة».\nوهذا يبيِّن للداعية أنه ينبغي له أن يعلم الناس الأذكار المشروعة: أدبار الصلوات، وأذكار الصباح والمساء، وأذكار النوم واليقظة، وغير ذلك من الأذكار، ويعلمهم الدعوات الجامعة المشروعة، حتى ينفع الناس (٢) والله المستعان.\n_________\n(١) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي ٧/ ٣٤، وانظر أيضا: الحديث رقم ٩، الدرس الثالث عشر.\n(٢) انظر: عمل اليوم والليلة، لأحمد بن شعيب النسائي، ص ١٣٣ - ٦٠٩، وكتاب الدعاء، لأبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، ٢/ ٧٨٦ - ١٨١٤، وعمل اليوم والليلة، لأحمد بن محمد المعروف بابن السني، ص ٥ - ٣٦٢، والأذكار النووية، للنووي ص ٥، والكلم الطيب، لشيخ الإسلام بن تيمية، ص ٢٤ - ١٢٧، وسلاح المؤمن في الدعاء والذكر، لمحمد بن علي بن همام، ص ٣٣ - ٥٢٢، والوابل الصيب ورافع الكلم الطيب، لابن القيم ص ٧٢، وجلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على محمد خير الأنام، له، ص ٣٠ - ٤٨٢.","vol":"1","page":260},{"text":"٢٦ -<span data-type=\"title\" id=toc-87> باب من حدث بمشاهده في الحرب</span>\nقَالَه أَبو عثْمَانَ عَنْ سَعْدٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>[حديث طلحة بن عبيد الله عن يوم أحد]</span>\n٣٨ - [٢٨٢٤] حَدَّثَنَا قتَيْبَة بْن سَعِيد: حَدَّثَنَا حَاتِم، عَنْ محَمَّدِ بْنِ يوسفَ، عَنِ السَّائِبِ (١). بْنِ يَزِيدَ قَالَ: \" صَحِبْت طَلْحَةَ بْنَ عبيدِ اللهِ (٢). وَسَعْدا لم (٣). والمِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ (٤). وَعَبْدَ الرَّحْمنِ بْنَ عَوْفٍ (٥). ﵃، فَمَا سمِعْت أَحَدا مِنْهمْ يحَدِّث عَنْ رَسولِ اللهِ - ﷺ -، إِلّا أني سَمِعْت طَلْحَةَ يحَدِّث عنْ يَومِ أحدٍ \" (٦).\n_________\n(١) السائب بن يزيد بن ثمامة، أبي يزيد الكندي المدني، الصحابي، ابن الصحابي ﵄، قال: \" حج بي أبي مع النبي - ﷺ - وأنا ابن سبع سنين \" [رواه البخاري، ٢/ ٢٦٦، برقم ١٨٥٨]، ولد السائب سنة ثلاث من الهجرة، روى عن النبي - ﷺ - خمسة أحاديث، اتفق البخاري ومسلم على حديث، وانفرد البخاري بأربعة، عمر ولم يشب وسط رأسه، وشعر بقية رأسه ولحيته، أبيض، فسئل عن ذلك فقال: \" إن رسول الله - ﷺ - مر بي وأنا ألعب، فمسح بيده على رأسي وقال: \" بارك الله فيك \" فهو لا يشيب أبدا \" يعني موضع كف النبي - ﷺ -. أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، ٧/ ١٦٠، برقم ٦٦٩٣، وانظر: مجمع البحرين في زوائد المعجمين، للحافظ نور الدين الهيثمي، ٦/ ٤٠٣، وقال في مجمع الزوائد ٩/ ٤٠٩ \" رجال الكبير رجال الصحيح، غير عطاء مولى السائب وهو ثقة \" توفي ﵁ بالمدينة سنة أربع وتسعين، وقيل: إحدى وتسعين، قال الإمام النووي \" الصحيح الأول \" انظر: تهذيب الأسماء واللغات، ١/ ٢٠٨، وسير أعلام النبلاء للذهبي، ٣/ ٤٣٧، والإِصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، ٢/ ١٢.\n(٢) طلحة بن عبيد الله بن عثمان القرشي التيمي، أبو محمد، أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الثمانية السابقين إلى الإِسلام، وأحد الخمسة الذين أسلموا على يد أبي بكر، وأحد الستة أصحاب الشورى الذين توفي رسول الله - ﷺ - وهو عنهم راض، وهو من المهاجرين الأولين، ولم يشهد بدرا؛ لأنه كان في تجارة في الشام، ولكن ضرب له رسول الله - ﷺ - بسهمه وأجره كمن حضر، وشهد أحدا، وأبلى فيها بلاء حسنا، ووقى النبي - ﷺ - بنفسه، ورد عنه النبل بيده حتى شلت أصبعه [البخاري برقم ٤٠٦٣] وشهد ما بعد أحد من المشاهد مع رسول الله - ﷺ -. روى طلحة عن النبي - ﷺ - ثمانية وثلاثين حديثا، انفق البخاري ومسلم على حديثين، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بثلاثة، قتل ﵁ يوم الجمل، لعشر خلون من جمادى الأولى سنة ست وثلاثين، وله أربع وستون سنة، وقيل غير ذلك. انظر: تهذيب الأسماء واللغات، للنووي ١/ ٢٥١، والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، ٢/ ٢٢٩.\n(٣) سعد بن أبي وقاص ﵁ ترجم لهَ في حديث رقم ٣٦.\n(٤) المقداد بن الأسود ﵁ ترجم له في الحديث رقم ١١٦.\n(٥) عبد الرحمن بن عوف ﵁ ترجم له في الحديث رقم ٨٢.\n(٦) [الحديث ٢٨٢٤] طرفه في كتاب المغازي، باب إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّه وَلِيّهمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمؤْمِنونَ، ٥/ ٣٩، برقم ٤٠٦٢.","vol":"1","page":261},{"text":"* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من صفات الداعية: الورع.\n٢ - من أساليب الدعوة: ذكر الداعية بعض عمله الصالح عند الحاجة ليقتدى به.\n٣ - أهمية صحبة الأخيار.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من صفات الداعية: الورع: الورع: هو الكف عما لا ينبغي، ثم استعير للكفِّ عن المباح والحلال (١) وقال الإمام ابن القيم ﵀: \" الورع: ترك ما تخاف ضرره في الآخرة \" (٢).\nوقد دل هذا الحديث على تورع الصحابة ﵃؛ ولهذا قال الوزير العالم ابن هبيرة ﵀: \" في هذا الحديث من الفقه تورّع أصحاب رسول الله - ﷺ - في الحديث \" (٣) وقد بين كثير من العلماء أن بعض الصحابة الكبار لا يحدثون عن رسول الله - ﷺ - خشية المزيد، والنقصان، والسهو، والدخول في الوعيد (٤) لقوله - ﷺ -: «من يقل عليَّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار» (٥).\nقال العلامة السندي ﵀: \" ولعلهم كانوا يحدثون عند شدة الحاجة، ورغبة الطالب؛ والأحاديث المشهورة عنهم رووها على هذا الوجه، وإلا كيف أشهر هؤلاء هذه الأحاديث. . أو أنهم تركوا الرواية بعد أن بلغوا الغائبين ما كان عندهم من الحديث، ورأوا أن هذا كافٍ في امتثال الأمر، أو حملوا ذلك على الوجوب على الكفاية، فإذا قام به البعض كأبي هريرة سقط الطلب عن الباقين، والله أعلم \" (٦).\n_________\n(١) انظر: الفائق في غريب الحديث، للزمخشري، باب الواو مع الراء، مادة \" ورع \" ٤/ ٥٦، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الواو مع الراء، مادة \" ورع \" ٥/ ١٧٤.\n(٢) مدارج السالكين ٢/ ١٠، وانظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ١٠/ ٦١٧، ٦٤١.\n(٣) الإفصاح عن معاني الصحاح ١/ ٣٠٥.\n(٤) انظر: فتح الباري لابن حجر، ١/ ٢٠٠ و٦/ ٣٧، وعمدة القاري للعيني، ١٤/ ١٢٠، ١٧/ ١٥٠، وإرشاد الساري للقسطلاني ٥/ ٥٦.\n(٥) البخاري، كتاب العلم، باب إثم من كذب على النبي - ﷺ -، ١/ ٤١ برقم ١٠٩.\n(٦) انظر: حاشية السندي على سنن ابن ماجه ١/ ٢٦.","vol":"1","page":262},{"text":"فينبغي للداعية أن يحفظ حديث رسول الله - ﷺ - ثم يبلغه غيره، كما ينبغي له أن يكون ورعا متثبتا فلا ينقل عن رسول الله - ﷺ - ما لم يقل.\nثانيا: من أساليب الدعوة: ذكر الداعية بعض عمله الصالح عند الحاجة ليقتدى به: دل هذا الحديث على أن ذكر الداعية بعض عمله الصالح عند الحاجة من أساليب الدعوة؛ لأن طلحة ﵁ حدث عن يوم أحد، وما صنع مع رسول الله - ﷺ -. قال الحافظ ابن حجر ﵀: \" وأما حديث طلحة فهو جائز إذا أمنَ الرياء والعجب، ويترقى إلى الاستحباب إذا كان هناك من يقتدي بفعله \" (١). وقال العلامة العيني ﵀: \" حدث طلحة عن مشاهد يوم أحد؛ ليقتدى به ويرغب الناس في مثل فعله \" (٢). وقال ﵀ أيضا: \" وفي قول طلحة: ذكر المرء بعمله الصالح ليؤدي ما علم مما لم يعلم غيره؛ لأنه انفرد برسول الله - ﷺ - حينئذ \" (٣).\nوهذا يوضح للدعاة إلى الله - ﷿ - أنه لا حرج أن يخبر الداعية ببعض أعماله الطيبة رغبة في أن يقتدى به في عمله؛ وليرغِّب المدعوين في ذلك، أما الذي يذكر عمله؛ للافتخار، وإظهار فضله: رياء، وسمعة، وعجبا، فهذا عمل قبيح، لا يجوز لمسلم أن يعمله.\nثالثا: أهمية صحبة الأخيار: ظهر في هذا الحديث أهمية صحبة الأخيار؛ لأن السائب بن يزيد صحب طلحة، وسعدا، والمقداد، وابن عوف، فاستفاد منهم الورع في الحديث عن رسول الله - ﷺ - خشية الزيادة أو النقصان، ولا شك أن صحبة الأخيار تزيد في الحلم، والفهم، والتقوى؛ ولهذا قال النبي - ﷺ -: «إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك: إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه؛ وإما أن تجد منه ريحا طيبه، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك\n_________\n(١) فتح الباري ٦/ ٣٧.\n(٢) عمدة القاري ١٤/ ١٢٠.\n(٣) المرجع السابق ١٧/ ١٥٠.","vol":"1","page":263},{"text":"وإما أن تجد ريحا خبيثة» (١) وقال - ﷺ -: «الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل» (٢) وقال - ﷺ -: «لا تصاحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي» (٣) فينبغي للمرء المسلم العناية بصحبة الأخيار؛ ليستفيد منهم، والله المستعان.\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الذبائح، باب المسك، ٦/ ٢٨٧، برقم ٥٥٣٤، أخرجه مسلم، من حديث أبي موسى ﵁ في كتاب البر والصلة، باب استحباب مجالسة الصالحين ومجانبة قرناء السوء، ٤/ ٢٠٢٦، برقم ٢٦٢٨.\n(٢) أبو داود، كتاب الأدب، باب من يؤمر أن يجالس، من حديث أبي هريرة ﵁، ٤/ ٢٥٩، برقم ٤٨٣٣، والترمذي، كتاب الزهد، باب حدثنا محمد بن بشار، ٤/ ٥٨٩، برقم ٢٣٧٨، وقال: (هذا حديث حسن صحيح)، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٢٨٠.\n(٣) أخرجه أبو داود من حديث أبي سعيد ﵁، في كتاب الأدب، باب من يؤمر أن يجالس، ٤/ ٢٥٩، برقم ٤٨٣٢، والترمذي، في كتاب الزهد، باب ما جاء في صحبة المؤمن، ٤/ ٦٠١، برقم ٢٣٩٥، وقال: \" هذا حديث حسن \" وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٢٨٥.","vol":"1","page":264},{"text":"٢٨ -<span data-type=\"title\" id=toc-89> باب الكافرِ يَقتل المسلم ثم يسلم فيسدّد بعد ويقتل</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>[حديث يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة]</span>\n٣٩ - [٢٨٢٦] حَدَّثَنَا عَبْد اللهِ بْن يوسفَ: أَخْبَرَنَا مَالِك، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هرَيْرَةَ (١). ﵁ أَنَّ رَسولَ اللهِ - ﷺ - قالَ: «يَضْحَك الله إِلى رجلَينِ يَقتل أَحَدهمَا الآخرَ يَدخلانِ الجَنَّةَ، يقَاتِل هَذَا فِي سَبِيلِ اللهِ فيقْتَل، ثم يَتوب الله عَلَى القَاتِلِ فَيسْتَشْهَد» (٢).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من موضوعات الدعوة: إثبات صفات الكمال الله ﷿.\n٢ - من موضوعات الدعوة: الحث على التوبة النصوح.\n٣ - من صفات الداعية: عدم اليأس من رحمة الله ﷿.\n٤ - من أساليب الدعوة: الترغيب.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من موضوعات الدعوة: إثبات صفات الكمال لله ﷿: دل الحديث على أن إثبات صفات الكمال لله ﷾ من موضوعات الدعوة؛ ولهذا قال - ﷺ - في هذا الحديث: «يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة». . \" وهذا يدل على إثبات الضحك لله تعالى على الوجه اللائق به ﷿ (٣).\nولا شك أنه ينبغي للداعية أن يبين للمدعوين صفات الكمال لله ﷿، فيصف الله ﷾ بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله - ﷺ -، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، ويمرّ نصوص الصفات\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في الحديث رقم: ٧.\n(٢) وأخرجه مسلم في كتاب الإمارة، باب بيان الرجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة، ٣/ ١٥٠٤، برقم ١٨٩٠.\n(٣) انظر: كتاب التوحيد ومعرفة أسماء الله ﷿ وصفاته، للإمام الحافظ محمد بن إسحاق بن منده، ٣/ ١٩٧ - ١٩٩.","vol":"1","page":265},{"text":"كما جاءت بلا كيف مع الإِيمان بمعانيها، وما تدل عليه. قال الوليد بن مسلم رحمة الله: \" سألت الأوزاعي، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، والليث بن سعد عن هذه الأحاديث التي في ذكر الرؤية، فقالوا: أمرّوها كما جاءت بلا كيف \" (١) وليس ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله - ﷺ - تشبيها؛ فالمشبه يعبد صنما والمعطل يعبد عدما، والموَحِّد يعبد إلها واحدا صمدا ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] (٢).\nوينبغي للداعية أن يبين للمخالفين بالحكمة أن الكلام في الصفات كالكلام في الذات، فكما أنا نثبت لله ذاتا لا تشبه الذوات، فكذلك يقال في صفاته: إنها لا تشبه الصفات، فليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أسمائه، ولا في أفعاله، ولا تشبه صفاته صفات المخلوقين.\nويقال: القول في بعض الصفات كالقول في بعض، فمن أثبت بعض الصفات وأول بعضها، فإنه لا فرق بين ما نفاه وبين ما أثبته؛ لأن القول في أحدهما كالقول في الآخر.\nويبين الداعية للمدعوين أن الصفات تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: الصفات الذاتية التي لا تنفك عن الله ﷾، فهو لم يزل ولا يزال متصفا بها كالعلم والحياة والقدرة والسمع والبصر والغنى والكرم والعظمة والكبرياء والعزة والعلو وغير ذلك من صفات الكمال.\nالقسم الثاني: الصفات الفعلية وهي التي تتعلق بالمشيئة والقدرة: كالاستواء والنزول والمجيء والضحك والرضا والغضب والإحياء والإماتة والفرح والحب وغير ذلك من صفات الكمال وهذه الصفات تتعلق بالمشيئة إن شاء فعلها وإن لم يشأ لم يفعلها.\nوالإيمان بجميع الصفات من أعظم الواجبات، وكيفية الصفات لا علم\n_________\n(١) أخرجه الإمام محمد بن بطة، في الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية، \" كتاب الرد على الجهمية \" ٣/ ٢٤١، برقم ١٨٣، والإمام اللالكائي بلفظه في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، ٣/ ٥٥٨، برقم ٨٧٥، و٣/ ٥٨٢، برقم ٩٣٠.\n(٢) سورة الشورى، الآية: (١١).","vol":"1","page":266},{"text":"للعباد بها؛ ولهذا لما سئل الإمام مالك بن أنس ﵀ عن كيفية الاستواء، قال: \" الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة \" (١) وهذا ينطبق على جميع الصفات، وأن الصفات معلومة، وكيفيتها مجهولة، والإيمان بها واجب، والسؤال عن الكيفية بدعة. قال الله ﷿: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾ [الأنعام: ٦١] (٢) قال الإمام اللالكائي ﵀: \" فدلت هذه الآية أنه تعالى في السماء وعلمه محيط بكل مكان: من أرضه، وسمائه، وروى ذلك من الصحابة: عمر، وابن مسعود، وابن عباس، وأم سلمة ﵃، ومن التابعين: ربيعة بن أبي عبد الرحمن، وسليمان التيمي، ومقاتل بن حيان، وبه قال من الفقهاء: مالك بن أنس، وسفيان الثوري، وأحمد بن حنبل \" (٣).\n\nفينبغي للداعية أن يبين للناس هذه العقيدة كما جاءت في الكتاب والسنة؛ لأن الله أعلم بنفسه ﷾. كما ينبغي أن ينفي عن الله ﷿ صفات النقص التي نفاها عن نفسه ﷾، أو نفاها عنه رسوله - ﷺ -، ويبين أن النفي يقتضي إثبات ما يضاده من صفات الكمال، فكل ما نفى الله عن نفسه، أو نفاه عنه رسوله - ﷺ - من النقائص فإنها تدل على إثبات ضدها من صفات الكمال (٤).\n_________\n(١) الاستذكار، لابن عبد البر، ٨/ ١٥١، برقم ١٠٨٣٥، وذكر معناه عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، ٨/ ١٥١، برقم ١٠٨٣٤.\n(٢) سورة الأنعام، الآية: (٦١).\n(٣) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، ٣/ ٤٣٠.\n(٤) انظر: أصول السنة لإمام أهل السنة أحمد بن حنبل ص ٥، وكتاب السنة لعبد الله ابن إمام أهل السنة أحمد ابن حنبل، ١/ ١٦٤، ١/ ٢٦٧، وكتاب التوحيد وإثبات صفات الرب ﷿، للإمام محمد بن خزيمة ٢/ ٥٦٣، والعقيدة الطحاوية بتعليق سماحة العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز ص ٣ - ١٤، وشرح السنة للإمام الحسن بن علي البربهاري ص ٧١، ومقالات الإسلاميين للإمام علي بن إسماعيل الأشعري، ١/ ٣٤٥ - ٣٥٠، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للإمام هبة الله بن الحسن اللالكائي، ٢/ ٢٤٢ - ٢٥٣، و٣/ ٤٣٠ - ٥٨٢، والتدمرية تحقيق إثبات الأسماء والصفات، لشيخ الإسلام ابن تيمية ص ٣١ - ٤٣، والعقيدة الواسطية، لشيخ الإسلام ابن تيمية ص ٦ - ٣٨، وفتاوى ابن تيمية \" العقيدة الحموية \" ٥/ ٢٦ و١١٢، و٣/ ١٢٩ والصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة لابن القيم ١/ ١٥٨، واجتماع الجيوش الإسلامية، لابن القيم ص ١٤١، والقصيدة النونية، لابن القيم ص ٦، وشرح العقيدة الطحاوية، لعلي بن أبي العز، ص ١٢٨، وفتح المجيد لشرح كتاب التوحيد، لعبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب، ٢/ ٦٧٢، وتوضيح المقاصد وتصحيح القواعد في شرح قصيدة ابن القيم، لأحمد بن إبراهيم بن عيسى ١/ ٢٨.","vol":"1","page":267},{"text":"ثانيا: من موضوعات الدعوة: الحث على التوبة النصوح: دل الحديث على أن الحث على التوبة من أهم موضوعات الدعوة؛ لقوله - ﷺ - في هذا الحديث: \". . . «ثم يتوب الله على القاتل فيستشهد» وهذا فيه بيان للناس أن الإِسلام يهدم ما كان قبله، وأن التوبة تهدم ما كان قبلها، فينبغي للداعية إلى الله ﷿ أن يحث المدعوين على التوبة، ويبين لهم أن الله أمر بها، قال ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: ٨] (١) وقال ﷾: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١] (٢) وقال - ﷺ - لعمرو بن العاص: \" أما علمت أن الإِسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله \" (٣) وكذلك التوبة تهدم ما كان قبلها إذا كملت شروطها: من الندم، والإِقلاع عن الذنب، والعزيمة على عدم العودة ورد المظالم؛ فإن: \" التائب من الذنب كمن لا ذنب له \" (٤).\nثالثا: من صفات الداعية: عدم اليأس من رحمة ﷿: لا شك أن الله يقبل توبة التائبين، وأن الكافر إذا تاب من كفره قبل الله توبته، ولو كان قد قتل أحدا من المسلمين؛ لأن الشرك أعظم الذنوب، وقد هدمه الإِسلام، فما دون الشرك أولى بالهدم بالإِسلام والتوبة؛ ولهذا قال - ﷺ - في هذا الحديث: \" ثم يتوب الله على القاتل فيستشهد \".\nفينبغي للتائب عدم اليأس فِي رَوْحِ الله وعدم القنوط من رحمة الله، قال الله ﷿ ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧] (٥) وقال ﷿ ﴿قلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفوا عَلَى أَنْفسِهِمْ لا تَقْنَطوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣] (٦).\n_________\n(١) سورة التحريم، الآية: (٨).\n(٢) سورة النور، الآية (٣١).\n(٣) مسلم، كتاب الإيمان، باب كون الِإسلام يهدم، ما كان قبله وكذا الحج والهجرة، ١/ ١١٢، برقم ١٢١.\n(٤) سنن ابن ماجه، كتاب الزهد، باب ذكر التوبة، ٢/ ١٤٢٠، برقم ٢٤٥٠، من حديث أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه ﵁، والطبراني في الكبير ١٠/ ١٥٠ برقم ١٠٢٨١، وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة، برقم ٦١٥، ٦١٦، وفي صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ٤١٨. وانظر: المقاصد الحسنة للسخاوي ص ٥٢.\n(٥) سورة يوسف، الآية: (٨٧).\n(٦) سورة الزمر، الآية: (٥٣).","vol":"1","page":268},{"text":"رابعا: من وسائل الدعوة: الترغيب: دل هذا الحديث على الترغيب في الإِسلام، والترغيب في الجهاد في سبيل الله ﷾، والترغيب في التوبة من جميع المعاصي، فقد بين - ﷺ - فيه أن القاتل تاب الله عليه وقاتل في سبيل الله فقتل فدخل الجنة. ومعنى هذا الحديث عند العلماء \" أن قاتل الأول كان كافرا، وتوبته المذكورة في هذا الحديث: إسلامه \" (١) قال الله ﷿ ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأَوَّلِينَ﴾ [الأنفال: ٣٨] (٢).\nقال الإِمام ابن عبد البر ﵀ في فوائد هذا الحديث: \" فيه دليل أن كل من قتِلَ في سبيل الله فهو في الجنة - إن شاء الله - وكل من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى فهو في الجنة (٣).\nفينبغي للداعية إلى الله - ﷿ - أن يرغب الناس في الإِسلام ويرغبهم في التوبة إلى الله ﷿ انظر (٤).\n_________\n(١) انظر: الاستذكار لابن عبد البر، ١٤/ ٢١٧، وفتح الباري لابن حجر، ٦/ ٤١، وعمدة القاري للعيني، ١٤/ ١٢٣.\n(٢) سورةالآنفال، الآية: (٣٨).\n(٣) \" الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار، ١٤/ ٢١٧.\n(٤) الحديث رقم ٧، الدرس الرابع عشر، ورقم ١٨، الدرس الخامس.","vol":"1","page":269},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>[قول أبان بن سعيد ينعى علي قتل رجل مسلم أكرمه الله على يدي ولم يهني على يديه]</span>\n٤٠ - [٢٨٢٧] حَدَّثَنَا الحمَيْدِيّ: حَدَّثَنَا سفْيَان: حَدَّثَنَا الزّهْرِيّ قَالَ: أَخبرَني عَنْبَسَة بْن سَعِيد، عَنْ أَبي هريْرَةَ (١) ﵁ قَالَ: «أَتَيْت رَسولَ اللهِ - ﷺ - وَهوَ بِخَيْبَرَ بَعْدَ مَا افْتَتَحوهَا فَقلَت: يَا رَسولَ اللهِ أَسْهمْ لِي، فَقَالَ بَعْض بَنِي سَعِيدِ بْن العَاصِ: (٢) لا تسْهِمْ لَه يَا رَسولَ اللهِ، فَقَالَ أبو هرَيْرَةَ: هَذَا قَاتِل ابْنِ قَوْقَلٍ (٣) فَقَالَ ابْن سعِيدِ بْنِ العَاصِ: وَاعَجَبا لِوَبْرٍ تَدَلَّى عَلَيْنَا مِنْ قدومِ ضَأْنٍ (٤) يَنْعَى عَلَيَّ قَتْلَ رَجل مسْلِمٍ أَكْرَمَه الله عَلَى يَدَيَّ، وَلَمْ يهِنِّي عَلَى يَدَيْهِ. قَالَ: فَلاَ أَدْرِي أَسْهَمَ لَه أمْ لَمْ يسْهِمْ».\nقَالَ سفْيَان: وَحَدَّثَنِيهِ السَّعِيديّ عَنْ جَدِّهِ عَنْ أَبِي هرَيْرَةَ.\nقَالَ أَبو عَبْدِ اللهِ: السَّعِيدِيّ هوَ عَمْرو بْن يَحْيَى بنِ سَعِيدِ بْنِ عَمْرو بْنِ سَعيدِ ابْنِ العاص (٥).\nوفي رواية: «بَعَثَ رَسول اللهِ - ﷺ - أَبَانَ عَلَى سَرِيَّةٍ مِنَ الْمَدِينَةِ قِبَلَ نَجْدٍ، قَالَ أَبو هرَيْرَةَ: فَقَدِمَ أَبَان وَأَصْحَابه عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - بِخَيْبَرَ بَعْدَمَا افْتَتَحَهَا، وَإِنَّ حزمَ خَيْلِهِمْ لَلِيْف. قَالَ أبو هرَيْرَةَ: يَا رَسولَ اللهِ لا تَقْسِمْ لَهم. قَالَ أَبَان: وَأنتَ بهَذَا يَا وَبْر تَحَدَّرَ مِنْ رَأْسِ ضَأْنٍ. فَقَالَ النَّبِيّ - ﷺ -: \" يَا أَبَان اجْلِسْ \" فَلَمْ يَقْسِمْ لَهمْ» (٦).\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ٧.\n(٢) هو أبان بن سعيد بن العاص كما بينته الرواية التي بعده برقم ٤٢٣٩.\n(٣) ابن قوقل: هو النعمان بن قوقل بن أصرم، بن فهر، بن ثعلبة، ويقال: قوقل لقب واسمه ثعلبة، أو مالك ابن ثعلبة، وقد ينسب النعمان إلى جده فيقال النعمان بن قوقل، شهد بدرا، واستشهد يوم أحد، وفي صحيح مسلم عن جابر ﵁ قال: \" أتى النبي - ﷺ - النعمان بن قوقل فقال: يا رسول الله، أرأيت إذا صليت المكتوبات وصمت رمضان، وأحللت الحلال وحرمت الحرام. ولم أزد على ذلك شيئا. أَدخل الجنة؟ قال: نعم قال: والله لا أزيد على ذلك شيئا ١/ ٤٤ برقم ١٥، ﵁. انظر: الإِصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، ٣/ ٥٦٤، وفتح الباري له، ٦/ ٤١.\n(٤) \" من قدوم ضأن \" قال الإِمام الخطابي \" وفي أكثر الروايات \" ضأل \" انظر: أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري ٢/ ١٣٧١، ونقل الحافظ ابن حجر عن ابن دقيق العيد أنه قال: رواية الهمداني باللام وهو الصواب. وهو السدر البري انظر: فتح الباري ٦/ ٤١.\n(٥) الحديث ٢٨٢٧، أطرافه في: كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، ٥/ ٩٦، ٩٧، برقم ٤٢٣٧ و٤٢٣٨ و٤٢٣٩.\n(٦) من الطرف رقم ٤٢٣٨.","vol":"1","page":270},{"text":"وفي رواية: \" أَنَّ أَبَانَ بْنَ سَعِيدٍ أَقْبَلَ إِلَى النَّبيِّ - ﷺ - فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ أَبو هرَيْرَةَ يَا رَسولَ اللهِ هَذَا قَاتِل ابْنِ قَوْقَلٍ \" الحديث (١).\n* شرح غريب الحديث: وبر \": الوبْر: دويبة على قدر السنور، غبراء أو بيضاء، حسنة العينين، شديدة الحياء، حجازية، والأنثى: وبرة، وجمعها: وبور، ووبار؛ وإنما شبهه بالوبر تحقيرا له (٢).\n* \" تحدر \" أي: تَنَزَّل (٣).\n* \" قدوم ضأن \" قيل هي ثنية أو جبل بالسراة من أرض دوس (٤).\n* \" ينعى \" أي يعيبني بقتل رجلٍ أكرمه الله بالشهادة على يديّ (٥).\n* \" الليف \" الليف: ليف جمّار النخل (٦) واحدته ليفة: وهو قشر النخل الذي يجاور السعف (٧).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - أدب المدعو مع الداعية.\n٢ - الدفاع عن النفس بالصدق والحكمة.\n٣ - أهمية إرسال الدعاة إلى البلدان.\n٤ - من أساليب الدعوة: الترغيب.\n_________\n(١) من الطرف رقم: ٤٢٣٩.\n(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الواو مع الباء، مادة \" وبر \"، ٥/ ١٤٥.\n(٣) القاموس المحيط، للفيروز آبادي، باب الراء فصل الحاء، مادة \" حدر \" ص ٤٧٧.\n(٤) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب القاف مع الدال، مادة \" قدم \" ٤/ ٢٧.\n(٥) المرجع السابق، باب النون مع العين، مادة \" نعا \" ٥/ ٨٥.\n(٦) تفسير غريب ما في الصحيحين، للحميدي ص ٥٣٧.\n(٧) انظر: المعجم الوسيط، لمجمع اللغة العربية، مادة \" ليف \" ٢/ ٨٥٠.","vol":"1","page":271},{"text":"والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: أدب المدعو مع الداعية: دل الحديث على أنه ينبغي للمدعو أن يلتزم الأدب مع الداعية، فيسلم عليه إذا أقبل، ولا يجادل في مجلسه ولا يخاصم؛ ولهذا الأدب جاء في هذا الحديث: \" أن أبان بن سعيد ﵁ أقبل إلى النبي - ﷺ -، فسلم عليه \"، وهذا من حسن أدبه كون، ومن حسن أدب أبي هريرة ﵁ أنه لم يَردَّ على أبان بن سعيد بحضرة النبي - ﷺ -، بل سكت احتراما وإجلالا للنبي - ﷺ - (١).\nثانيا: الدفاع عن النفس بالصدق والحكمة: إن الدفاع عن النفس بالصدق والأسلوب الحسن لا حرج فيه ولا عيب؛ ولهذا قال أبان بن سعيد في هذا الحديث لأبي هريرة ﵁: \". . ينعى عليَّ قتل رجل مسلم أكرمه الله على يَدَيَّ، ولم يهنِّي على يديه \"، وهذا الرد صدق وحق وحكمة؛ فإن التائب من الذنب لا لوم عليه ولا توبيخ؛ ولهذا حَجَّ أبان أبا هريرة ﵁ كما حج آدم موسى صلى الله عليهما وسلم، وقد ثبت الحديث بذلك، فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «احتج آدم وموسى فقال له موسى: يا آدم، أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة، فقال له آدم: يا موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك (٢) بيده أتلومني على أمر قدّره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة؛ فحج آدم موسى، فحج آدم موسى» ثلاثا (٣) فالإِنسان لا يلام على الذنب بعد التوبة منه، ولا يلام على المصائب التي أصابته (٤).\n_________\n(١) انظر: عمدة القاري للعيني ١٤/ ١٢٥، وفتح الباري ٧/ ٤٩١.\n(٢) في رواية لمسلم وكتب لك التوراة بيده \" ٤/ ٤٣ ٠ ٢، برقم ٢٦٥٢.\n(٣) متفق عليه: البخاري، في كتاب القدر، باب احتجاج آدم وموسى عند الله ﷿، ٧/ ٢٧٢، برقم ٦٦١٤، ومسلم، كتاب القدر، باب احتجاج آدم وموسى ﵉، ٤/ ٢٠٤٢، برقم ٢٦٥٢.\n(٤) انظر: فتاوى ابن تيمية، ٨/ ١٧٨، ٣٦/ ٣٨١، وعمدة القاري للعيني ١٤/ ١٢٥.","vol":"1","page":272},{"text":"ثالثا: أهمية إرسال الدعاة إلى البلدان: إن إرسال الدعاة إلى الله ﷿ إلى البلدان والأقطار التي ليس فيها من يدعو إلى الله ﷿ من أهم المهمات؛ ولهذا كان النبي - ﷺ - يبعث البعوث، ويرسل السرايا للدعوة إلى الله ﷾، ثم لقتال من رد الدعوة ولم يدفع الجزية للمسلمين.\nوقد ظهر في هذا الحديث ما يدل على ذلك من قول أبي هريرة ﵁ «بعث رسول الله - ﷺ - أبان على سرية من المدينة قِبَل نجد»، فينبغي لمن له أمر وقدرة مشروعة أن يبعث الدعاة إلى الله ﷿؛ ليبلغوا دين الله ويقيموا الحجة على الناس، والله المستعان (١).\nرابعا: من أساليب الدعوة: الترغيب: دل هذا الحديث على أسلوب الترغيب في الجهاد، والإِسلام، والتوبة؛ ولهذا قال أبان بن سعيد ﵁ في شأن أبي هريرة ﵁: \" ينعى عليَّ قتل رجل مسلم أكرمه الله على يديَّ ولم يهني على يديه \" قال العلامة العيني رحمة الله في فوائد هذا الحديث: \" وفيه أن التوبة تمحو ما سلف قبلها من الذنوب: القتل وغيره؛ لقوله: \" أكرمه الله على يديَّ، ولم يهنِّي على يديه \"؛ لأن ابن قوقل وجبت له الجنة بقتل ابن سعيد له، ولم تجب لابن سعيد النار؛ لأنه أسلم \" (٢).\n_________\n(١) انظر: زاد المعاد في هدي خير العباد، لابن القيم، ٣/ ١٦٣ - ٥٩٣.\n(٢) عمدة القاري للعيني ١٤/ ١٢٥، وانظر: معام السنن للخطابي ٤/ ٤٦، ونيل الأوطار شرح منتقى الأخبار، لمحمد بن علي الشوكاني ٩/ ٣٠٩، وانظر: الحديث رقم ٧، الدرس الرابع عشر رقم ١٦، الدرس السادس.","vol":"1","page":273},{"text":"٢٩ -<span data-type=\"title\" id=toc-92> بَاب من اخْتارَ الْغزْوَ على الصّوْمِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>[حديث أنس في أبي طلحة أنه ما كان يصوم على عهد النبي من أجل الغزو]</span>\n٤١ - [٢٨٢٨] حَدَّثَنَا آدَم: حَدَّثَنَا شعبَة: حَدَّثَنَا ثَابِت البنَانِي قَالَ: سَمِعْت أنسَ بْنَ مَالِكٍ تقدمت (١) ﵁ قَالَ: \" كَانَ أَبو طَلْحَة (٢) لَا يَصوم عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - ﷺ - مِنْ أَجْلِ الْغَزْوِ، فَلَمَّا قبِضَ النبيّ - ﷺ - لَمْ أَرَه مفْطِرا إِلَّا يَوْمَ فِطْر أَوْ أَضْحَى \".\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - فضل الجهاد في سبيل الله ﷿:\n٢ - من القواعد الدعوية: عمل أعْلَى المصلحتين عند التعارض.\n٣ - من صفات الداعية: الحرص على فعل الخير.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: فضل الجهاد في سبيل الله ﷿: يظهر في هذا الحديث أن الجهاد من أفضل الأعمال الصالحة، وأنه أفضل\n_________\n(١) ترجمته في حديث رقم ١٤.\n(٢) أبو طلحة: اسمه زيد بن سهل بن الأسود، صاحب رسول الله - ﷺ -، ومن أخواله بني النجار، الأنصاري ﵁، شهد العقبة، وبدرا، وأحدا، والخندق، والمشاهد كلها مع رسول الله - ﷺ -، وهو أحد النقباء، وهو الذي قال فيه النبي - ﷺ - لصوت أبي طلحة أشد على المشركين من فئة \" أخرجه أحمد ٣/ ٢٠٣، وأبو يعلى في مسنده ٨/ ٦٢، برقم ٣٩٨٣، وذكر الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/ ٣١٢، أن رجال أحمد رجال الصحيح. وهو ممن سقط السيف من يده يوم بدر من النعاس، وكان يرمي ببن يدي رسول الله - ﷺ - يوم أحد يدافع عنه، كسر يومئذ سهمين أو ثلاثة، وكان الرجل يجيء بالجعبة من النبل فيقول - ﷺ - \" انثرها لأبي طلحة \" البخاري برقم ٢٨٨٠،، وقتل يوم حنين عشرين رجلا من المشركين، وكان من أكثر أهل المدينة مالا فقال: يا رسول الله إن أحب أموالي إلي بيرحَاء وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها فضعها يا رسول الله حيث أراك الله فقال - ﷺ - ذلك مال رابح، ذلك مال رابح، وإني أرى أن نجعلها في الأقربين \" [البخاري برقم، ٢٧٦٩ وسلم برقم ٩٩٨]، وذلك بعدما سمع - ﷺ - لَنْ تَنَالوا الْبِرَّ حَتَّى تنْفِقوا مِمَّا تحِبّونَ آل عمران، الآية: ٩٢ وكان يسرد الصوم كثيرا بعد وفاة النبي - ﷺ - روي له عن النبي - ﷺ - اثنان وتسعون حديثا، اتفق البخاري ومسلم على حديثين منها، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بحديث. وتوفي بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين، وقيل أربع وثلاثين، وهو ابن سبعين سنة ورجح ذلك الذهبي، وقيل: توفي سنة خمسين أو إحدى وخمسين غازيا في البحر فما وجدوا جزيرة يدفنونه فيها إلا بعد سبعة أيام ولم يتغير، قال ابن حجر: \" أخرجه الفسوي في تاريخه وأبو يعلى وإسناده صحيح \" ورجح هذا القول واحتج له. انظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي ٢/ ٢٤٥، وسير أعلام النبلاء للذهبي ٢/ ٢٧ - ٣٤، والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، ١/ ٥٦٦.","vol":"1","page":274},{"text":"من صيام التطوع؛ ولهذا كان أبو طلحة ﵁ يترك صيام التطوع؛ لِيَتَقَوَّى على الجهاد في سبيل الله ﷿؛ لعلمه ﵁ بفضل الجهاد ومكانته من الدين (١).\nثانيا: من القواعد الدعوية: عمل أعْلَى المصلحتين عند التعارض: دل الحديث على هذه القاعدة العظيمة، وأن المسلم وخاصة الداعية إلى الله ﷿ إذا تعارضت عنده مصلحتان ولا يستطيع الجمع بينهما؛ فإنه يأخذ بأعلاهما أجرا وثوابا وفائدة؛ ولهذا قَدَّم أبو طلحة ﵁ الجهاد على صيام التطوع؛ لأن الجهاد من أفضل الأعمال وأحبها إلى الله ﷿ وهذا يبين للداعية أهمية الأخذ بأعلى المصالح، والبدء بالأهم فالمهم (٢).\nثالثا: من صفات الداعية: الحرص على فعل الخير: يظهر في هذا الحديث أن من الصفات الحميدة الحرص على فعل الخير، وأن ذلك من أهم الصفات التي ينبغي أن يتصف بها الداعية إلى الله ﷿؛ ولهذا حرص أبو طلحة على الجهاد مع رسول الله - ﷺ - وترك ما يضعفه عنه من صيام التطوع، فلما مات رسول الله - ﷺ -، وقوي الإِسلام واشتدت وطأة المسلمين على العدو، ورأى أنه في سعة عما كان عليه من الجهاد، حرص على أن يأخذ بحظه من الصوم؛ ليجمع بين هاتين الطاعتين العظيمتين ﵁ (٣).\nوهذا يبين للمسلم وخاصة الداعية أهمية الحرص على عمل الخير، والمبادرة إليه: من الصيام المشروع، وغيره من الطاعات التي تجعله قدوة صالحة لغيره من الناس، ولعل قول أنس ﵁ عن أبي طلحة ﵁ \" لم أره مفطرا إلا يوم فِطر أو أضحى \" كناية عن كثرة الصيام لا عن صيام الدهر، والله\n_________\n(١) انظر: عمدة القاري للعيني ١٤/ ١٢٦، ومنار القاري في شرح مختصر صحيح البخاري، لحمزة محمد قاسم ٤/ ٩٤، وانظر: الحديث رقم ١٨ الدرس الخامس.\n(٢) انظر: فتح الباري لابن حجر ٦/ ٤٢، وعمدة القاري للعيني ١٤/ ٢٦، والفتح الرباني، ترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، لأحمد بن عبد الرحمن البنا، ٢٢/ ٣٩٠.\n(٣) انظر: فتح الباري، لابن حجر، ٦/ ٤٢، وعمدة القاري، للعيني، ١٤/ ١٢٦.","vol":"1","page":275},{"text":"أعلم (١)؛ لأن النبي - ﷺ - قال: «لا صام من صام الأبد» (٢) وقد ذكر ابن حجر ﵀ أن ذلك يفيد كراهية صوم الدهر، لأنه - ﷺ - دعا على من صام الأبد، وقيل «لا صام» للنفي أي ما صام (٣) وسمعت سماحة العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله يقول: \" يحتمل أنه دعاء على من صام الأبد، ويحتمل أنه إخبار بأنه لا صوم له وأنه ليس بصوم شرعي \" (٤) وسمعته يقول عن صيام أبي طلحة ﵁ \" وهذا يدل على أن أبا طلحة ﵁ لم يبلغه حديث «لا صام من صام الأبد» فلا يجوز صيام الدهر \" (٥).\nفينبغي للداعية أن يكون حريصا على فعل الخير، ولكن يتقيّد بما شرعه الله -﷿ - وبينه رسوله الكريم - ﷺ -.\n_________\n(١) انظر: منار القاري في شرح مختصر صحيح البخاري، لحمزة بن محمد بن قاسم ٤/ ٩٤.\n(٢) متفق عليه من حديث عبد الله بن عمرو ﵁ البخاري، كتاب الصوم، باب حق الأهل في الصوم، ١/ ٣٠٠، برقم ١٩٧٧، ومسلم، كتاب الصيام، باب النهي عن صوم الدهر لمن تضرر به أو فوت به حقا، أو لم بفطر العيدين والتشريق، وبيان تفضيل صوم يوم وإفطار بوم، ٢/ ٨١٥، برقم ١١٥٩،.\n(٣) انظر: فتح الباري ٤/ ٢٢٢ - ٢٢٤.\n(٤) سمعته من سماحته أثناء شرحه لحديث رقم ١٩٧٧، من صحيح البخاري، في جامع الإمام تركي بن عبد الله- الرياض.\n(٥) سمعته من سماحته حفظه الله أثناء شرحه لحديث رقم ٢٨٢٨ من صحيح البخاري.","vol":"1","page":276},{"text":"٣٠ -<span data-type=\"title\" id=toc-94> بَاب الشَّهادَة سبع سوَى القتل</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>[حديث الطاعون شهادة لكل مسلم]</span>\n٤٢ - [٢٨٣٠] حَدَّثَنَا بِشْر بْن محَمَّدٍ: أَخْبَرَنَا عَبْد اللهِ: أَخْبَرَنَا عَاصِم، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِيْنَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ (١) ﵁ عَنِ النَّبِيّ - ﷺ - قَال: «الطَّاعون شَهَادَة لِكلِّ مسْلِم» (٢).\nوفي رواية: حفصة بنت سيرين مات أخوها يحيى فقال لها أنس بن مالكٍ ﵁ \": \" يَحْيَى بم مَات؟ قَالَتْ: قلْت مِنَ الطَاعون، قَالَ: قَالَ رَسول اللهِ - ﷺ -: «الطَّاعونَ شَهَادة لِكلِّ مسْلم» (٣).\n* شرح غريب الحديث: \" الطاعون \" المرض العامّ والوباء الذي يفسد له الهواء فتفسد به الأمزجة، والأبدان (٤).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من خصائص الإِسلام: شهداء غير المعركة.\n٢ - من أساليب الدعوة: الترغيب.\n٣ - من أساليب الدعوة: تسلية المصاب بذكر الثواب.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من خصائص الإسلام: شهداء غير المعركة: دل الحديث على أن الطاعون شهادة لكل مسلم خاصة؛ لأن النبي - ﷺ - قيَّد\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ١٤.\n(٢) الحديث ٢٨٣٠، طرفه في كتاب الطب، باب ما بذكر في الطاعون، ٧/ ٢٩، برقم ٥٧٣٢. وأخرجه مسلم في كتاب الإمارة، باب بيان الشهداء، ٣/ ١٥٢٢، برقم ١٩١٦.\n(٣) من الطرف رقم ٥٧٣٢.\n(٤) النهاية في فريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الطاء مع العين، مادة: \" طعن \" ٣/ ١٢٧.","vol":"1","page":277},{"text":"هذه الشهادة بالإِسلام كما في نص الحديث: «الطاعون شهادة لكل مسلم»، وهذا يدل على أن الخير العظيم لأهل الإِسلام؛ قال الإِمام عبد الله بن أبي جمرة في فوائد هذا الحديث: \" فيه دليل على فضل هذه الأمة على غيرها؛ لأن الطاعون كان بلاء لغيرها، وجعِلَ شهادة لها \" (١).\nوقد بين النبي - ﷺ - أن الله ﷿ خص أمته بشهداء كثير فقال - ﷺ -: «ما تعدون الشهيد فيكم؟ \" قالوا يا رسول الله، من قتِلَ في سبيل الله فهو شهيد. قال: \" إن شهداء أمتي إذا لقليل \" قالوا: فمن هم يا رسول الله؟ قال: \" من قتِلَ في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في الطاعون فهو شهيد، ومن مات في البطن فهو شهيد» وفي رواية: «والغَرِيق شَهِيد» (٢) وفي حديث آخر: \". . «وصاحب الهدم» (٣) قال الحافظ ابن حجر ﵀: \" وقد اجتمع لنا من الطرق الجيدة أكثر من عشرين خصلة \"، ثم ذكر هؤلاء الشهداء (٤) وقال ابن التين ﵀: \" هذه كلها ميتات فيها شدة تفضل الله على أمة محمد - ﷺ - بأن جعلها تمحيصا لذنوبهم وزيادة في أجورهم يبَلِّغهم بها مراتب الشهداء \" (٥) وقال الكرماني ﵀: \". . الشهداء ثلاثة أقسام: شهيد الدنيا والآَخرة، بأن لا يغسل ولا يصلَّى عليه في الدنيا وله الثواب في الآخرة، وهو من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، وشهيد الدنيا؛ بأن لا يغسل ولا يصلَّى عليه في الدنيا ولم يكن له الثواب في الآخرة، وهو من قاتل للرياء والسمعة والغنيمة، وشهيد الآخرة، فيغسل ويصلى عليه وله الثواب في الآخرة كالمطعون. . \" (٦) وهذا كله يدل على فضل أمة محمد - ﷺ - وأن الله خصها بخصائص عظيمة.\n_________\n(١) بهجة النفوس، شرح مختصر صحيح البخاري ٣/ ١١١.\n(٢) مسلم، كتاب الإِمارة، باب بيان الشهداء، ٣/ ١٥٢١، برقم ١٩١٥، عن أبي هريرة ﵁،.\n(٣) متفق عليه من حديث أبو هريرة ﵁: البخاري، كتاب الأذان، باب فضل التهجير إلى الظهر، ١/ ١٨١، برقم ٦٥٣، ومسلم، كتاب الإِمارة، باب بيان الشهداء، ٣/ ١٥٢١، برقم ١٩١٤.\n(٤) فتح الباري ٦/ ٤٣،.\n(٥) نقلا عن الحافظ ابن حجر ﵀ من فتح الباري ٦/ ٤٤،.\n(٦) شرح صحيح البخاري للكرماني ٢١/ ٨١ وانظر: شرح النووي على صحيح مسلم ٣/ ٦٧ وإكمال إكمال المعلم للأبي ٦/ ٦٧١.","vol":"1","page":278},{"text":"ثانيا: من أساليب الدعوة الترغيب: ظهر في هذا الحديث أسلوب الترغيب في الشهادة ولو في غير المعركة، وهو يحث على الصبر والاحتساب، رغبة في الحصول على الشهادة؛ ولهذا بيَّن النبي - ﷺ - في هذا الحديث أن \" الطاعون شهادة لكل مسلم \" وثبت عنه - ﷺ - «أن الطاعون \" كان عذابا يبعثه الله على من يشاء، فجعله الله رحمة للمؤمنين، فليس من عبد يقع الطاعون فيمكث في بلده صابرا يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتبه الله له، إلا كان له مثل أجر الشهيد» (١).\nفينبغي للداعية أن يرغب المدعوين في احتساب الثواب والصبر للرغبة في ذلك، وسؤال الله العافية في الدنيا والآخرة (٢).\nثالثاَ: من أساليب الدعوة: تسلية المصاب بذكر الثواب: إن من الأساليب المهمة في الدعوة إلى الله ﷾، تسلية المصاب بذكر الثواب من الله ﷿ ولهذا ذكر أنس بن مالك ﵁ في هذا الحديث لحفصة بنت سيرين ثواب من مات بالطاعون؛ لأنه لما توفي أخوها يحيى، قال لها أنس ﵁: \" يحيى بمَ مات؟ قالت: قلت من الطاعون. قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الطاعون شهاَدة لكل مسلم».\nفينبغي للداعية أن يستخدم هذا الأسلوب مع من أصيب بمصائب في الأهل أو النفس أو المال، والله المستعان.\n_________\n(١) البخاري، كتاب الطب، باب أجر الصابر على الطاعون، ٤/ ٢٩، برقم ٥٧٣٤.\n(٢) انظر-: الحديث رقم ٧، الدرس الرابع عشر، ورقم ١٨، الدرس الخامس.","vol":"1","page":279},{"text":"٣١ -<span data-type=\"title\" id=toc-96> باب قولِ الله ﷿ ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ </span>بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ﴾ [النساء: ٩٥] إلى قوله: ﴿غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦] (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>[حديث سبب نزول قوله تعالى غير أولي الضرر]</span>\n٤٣ - [٢٨٣١] حَدَّثَنَا أَبو الْوَلِيدِ: حَدَّثَنَا شعْبَة، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْت البَرَاءَ (٢) ﵁ يَقول: «لمَا نَزَلَت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٩٥] دَعَا رِسول اللهِ - ﷺ - زَيْدا (٣) فَجَاءَ بِكتَابٍ فَكَتَبَهَا. وَشَكَا ابن أمِّ مَكْتوم (٤) ضَرارتَه فنزَلَتْ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥]» (٥).\nوفي رواية: عن البراء ﵁ قال: «لَمَا نَزَلَتْ ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٩٥] قَالَ النَّبِيّ - ﷺ - \" ادْع لي زَيْدا، وَلْيَجِيء بِاللَّوْحِ وَالدَّوَاةِ والْكَتِفِ - أَوْ الْكَتِفِ والدَّوَاةِ \" ثمَّ قَالَ: \" اكْتبْ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ﴾ [النساء: ٩٥] وَخَلْفَ ظَهْرِ النَّبِيّ - ﷺ - عَمْرو ابْن أمِّ مَكْتومٍ الأَعْمَى، فَقَالَ يَا رَسولَ اللهِ فَمَا تَأْمرني؛ فَإني رَجل ضرير الْبَصَرِ؟ فنَزَلَتْ مَكَانَها: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٩٥]\n_________\n(١) سورة النساء، الآيتان (٩٥ - ٩٦).\n(٢) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ٣٠.\n(٣) زيد بن ثابت تقدمت ترجمته في الحديث رقم ٢٩.\n(٤) عمرو ابن مكتوم ﵁، ويقال: اسمه: عبد الله، وعمرو هو اسمه عند الأكثر، وهِو عَمْرو بن قيس بن زائدة بن الأصم. وأهل المدينة يسمونه عبد الله، وأهل العراق سموه عمرا. وأمه: أم مكتوم هي عاتكة بنت عبد الله بن عنكثة، المخزومي، وهو ابن خال خديجة أم المؤمنين ﵂ فإن أم خديجة أخت قيس بن زائدة، واسمها فاطمة. أسلم ﵁ قديما، وكان من السابقين المهاجرين الأولين، وكان ضريرا مؤذنا لرسول الله - ﷺ - مع بلال، وكان النبي - ﷺ - يستخلفه على المدينة - في عامة غزواته - يصلِّي بالناس، وقد ذكر ابن حجر ﵀ أن النبي - ﷺ - استخلفه ثلاث عشرة مرة، وشهد القادسية ومعه الراية سنة خمس عشرة من الهجرة، وعلى المسلمين سعد بن أبي وقاص ﵁، وعلى المشركين رستم، وكان المسلمون أكثر من سبعة آلاف؛ والمشركون أربعين، وقيل سنين ألفا معهم سبعون فيلا، فقتل رستم وانهزموا. واستشهد ابن أم مكتوم في هذه المعركة وهو حامل اللواء فيها، وقيل: بل رجع إلى المدينة ومات بها. ﵁، انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي ١/ ٣٦٠ - ٣٦٥، والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، ٢/ ٥٢٣.\n(٥) الحديث ٢٨٣١، أطرافه في: كتاب تفسير القرآن، ٤ سورة النساء، باب (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) ٢١٦ و٢١٧، برقم ٤٥٩٣ و٤٥٩٤. وكتاب فضائل القرآن، باب كاتب النبي - ﷺ -، ٦/ ١٢١، برقم ٤٩٩٠. وأخرجه مسلم في كتاب الإمارة، باب سقوط فرض الجهاد عن المعذورين، ٣/ ١٥٠٨، برقم ١٨٩٨.","vol":"1","page":280},{"text":"[والمجاهدون في سبيل الله] ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥]» الآية / (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>[حديث آخر في سبب نزول قوله تعالى غير أولي الضرر]</span>\n٤٤ - [٢٨٣٢] حَدَّثَنَا عَبْد العَزِيزِ بْن عَبدِ اللهِ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن سَعْدِ الزّهْرِيّ قَالَ: حَدَّثَنِي صَالِح بْن كَيْسَانَ، عَن ابْنِ شهَاب، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أنه قَالَ: «رَأَيْت مَرْوَانَ بْنَ الحَكَمِ جَالِساَ فِي المَسْجِدِ فَأَقْبَلْت حَتَّى جَلَسْت إِلَى جَنْبِهِ، فَأَخْبَرنَا أَنَّ زَيدَ بْنَ ثَابِتٍ أَخبرَه: أَنَّ رَسولَ اللهِ - ﷺ - أمْلَى عَلَيْهِ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٩٥] قَالَ فَجَاءَه ابْن أمِّ مَكْتومٍ وهوَ يملهَا عَلَيَّ فَقَالَ: يَا رَسولَ اللهِ لَوْ أَسْتَطِيع الجِهَادَ لَجَاهَدْت - وَكَانَ رَجلا أَعْمَى - فَأَنزَلَ الله تَعَالَى عَلَى رَسولِهِ - ﷺ - وَفَخِذه عَلَى فَخِذِي. فَثَقلَتْ عَلَيَّ حَتَّى خِفْت أَنْ ترَضَّ فَخِذِي. ثمَّ سرِّيَ عَنْه، فَأَنزَلَ الله ﷿: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥]» (٢).\n* شرح غريب الحديثين: * \" الكتف \": عظم عريض يكون في أصل كتف الحيوان (٣).\n\" الدواة \" هي: المحبرة (٤).\n\" ترَضّ \" الرضّ: الكسر، والدق بالحجر، بمعنى واحد (٥).\n\" سرِّيَ عنه \" أي: كشِفَ عنه الخوف، وقد تكررت هذه اللفظة في الأحاديث، وخاصة في ذكر نزول الوحي عليه - ﷺ -، وكلها بمعنى: الكشف والإِزالة، يقال: سرَوْت الثَوْبَ: وَسريْته: إذا خَلَعته. والتشديد فيه للمبالغة (٦).\n_________\n(١) من الطرف رقم ٤٩٩٠، وقال الحافظ في الفتح ٩/ ٢٣: \" هكذا وقع بتأخير لفظ \" غَيْر أولِي الضَّرَرِ \" والذي في التلاوة \" غَيْر أولِي الضَّرَرِ \" قبل \" وَالْمجَاهِدونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ \" وقد جاء في الطرف رقم: ٤٥٩٤ كما في التلاوة.\n(٢) الحديث ٢٨٣٢، طرفه في: كتاب تفسير القرآن، ٤ سورة النساء، باب لا يَسْتَوِي الْقَاعِدونَ مِنَ الْمؤْمِنِينَ، ٥/ ١٦ ٢، برقم ٤٥٩٢.\n(٣) انظر: غريب الحديث رقم ٢٩.\n(٤) المعجم الوسيط، لمجمع اللغة العربية، مادة \" داوَى \" ١/ ٣٠٦.\n(٥) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين، للحميدي ص ٢٤٢، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الراء مع الضاد، مادة \" رضض \" ٢/ ٢٢٩.\n(٦) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب السين مع الراء، مادة \" سرى \" ٢/ ٣٦٤.","vol":"1","page":281},{"text":"* الدراسة الدعوية للحديثين: في هذين الحديثين دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من صفات الداعية: الرغبة فيما عند الله ﷿.\n٢ - النية الصالحة تبلغ ما يبلغ العمل عند عدم الاستطاعة.\n٣ - أهمية تقييد العلم بالكتابة.\n٤ - من صفات الداعية: الحرص على الدقة في نقل الحديث.\n٥ - الترغيب في الجهاد في سبيل الله ﷿.\n٦ - من خصائص الإِسلام: رفع الحرج.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من صفات الداعية: الرغبة فيما عند الله ﷿: دل هذان الحديثان على أن الرغبة فيما عند الله ﷿ من الصفات الحميدة التي ينبغي أن يتصف بها المسلم، وخاصة الداعية إلى الله ﷿؛ ولهذه الرغبة حزن عمرو ابن أم مكتوم على الجهاد، ورغب فيه: رغبة في فضله وفضل الشهادة في سبيل الله ﷿ فقال ﵁ عندما سمع قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٩٥] يا رسول الله لو أستطيع الجهاد لجاهدت؛ لأنه ﵁ كان أعمى، وقال: يا رسول الله فما تأمرني فإني ضرير البصر، وهذا كله يدل على الرغبة فيما عند الله ﷿ (١).\nثانيا: النية الصالحة تبلغ ما يبلغ العمل عند عدم الاستطاعة: دل الحديثان على أن النية الصالحة تبلغ ما يبلغ العمل عند عدم استطاعة العبد لذلك؛ ولهذا لما صلحت نية عمرو ابن أم مكتوم وصدق حبه للجهاد كتب الله له أجر نيته الصالحة؛ قال الإِمام ابن العربي: \" فيه تسوية المعذور والقادر العامل في الأجر من دليل الكتاب والسنة \" (٢) والآية نص صريح في تسوية أولي الضرر بالمجاهدين في الأجر والثواب إذا صلحت نيَّاتهم.\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ١٣، الدرس الثاني، ورقم ١٦، الدرس الثالث، ورقم ٢١، الدرس السادس.\n(٢) عارضة الأحوذي شرح سنن الترمذي ٤/ ١٤٣، وانظر: فتح الباري، لابن حجر، ٦/ ٤٥.","vol":"1","page":282},{"text":"قال الحافظ ابن حجر ﵀: \" وأما أولو الضرر فملحقون في الفضل بأهل الجهاد إذا صدقت نيَّاتهم \" (١) وقال العلامة العيني ﵀: \" وفيه أن من حبسه العذر عن الجهاد وغيره من أعمال البر مع نية فيه فله أجر المجاهد والعامل؛ لأن نص الآية على المفاضلة بين المجاهد والقاعد، ثم استثنى من المفضولين أولي الضرر، وإذا استثناهم منها فقد ألحقهم بالفاضلين \" (٢) وهذا يبيِّن للمسلم وخاصة الداعية إلى الله ﷿ أهمية النية الصالحة (٣).\nثالثا: أهمية تقييد العلم بالكتابة: إن تقييد العلم بالكتابة من الأمور المهمة التي ينبغي لطالب العلم أن يعتني بها عناية خاصة؛ ولهذا أمر النبي - ﷺ - زيد بن ثابت ﵁ بكتابة هذه الآية في هذين الحديثين وفي غيرهما. قال الحافظ ابن حجر ﵀: \" وفي أحاديث الباب من الفوائد: اتخاذ الكاتب، وتقريبه، وتقييد العلم بالكتابة \" (٤) وهذا يدل على أهمية ضبط العلم بالكتابة (٥).\nرابعا: من صفات الداعية: الحرص على الدقة في نقل الحديث: إن من الصفات الحميدة: العناية والدقة في نقل الحديث، وفي نقل العلم للناس، وقد دل الحديث على هذه الصفة في قول الراوي: \" وليجيء باللّوح والدواة، والكتف - أو الكتف والدواة - \"، قال الإمام الكرماني ﵀ \" شكّ الراوي في تقديم الدواة على الكتف وتأخيرها \" (٦) وهذا يدل على حرص السلف الصالح ﵏ على الدقة في نقل العلم وتبليغه كما سمعوه (٧).\n_________\n(١) فتح الباري ٨/ ٢٦٢.\n(٢) عمدة القاري ١٤/ ١٣٠.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٢٢، الدرس: السادس.\n(٤) فتح الباري ٨/ ٢٦٢، وانظر: عارضة الأحوذي شرح سنن الترمذي، لابن العربي ٤/ ١٤٣، وإكمال إكمال المعلم، شرح صحيح مسلم، للأبي ٦/ ٦٣٢، وعمدة القاري، للعيني ١٤/ ١٣٠.\n(٥) انظر: الحديث رقم ٢٩، الدرس الثاني.\n(٦) شرح الكرماني على صحيح البخاري ١٩/ ١٠.\n(٧) انظر: الحديث رقم ٢١، الدرس العاشر.","vol":"1","page":283},{"text":"خامسا: الترغيب في الجهاد في سبيل الله ﷿: ظهر في هذين الحديثين الترغيب في الجهاد في سبيل الله ﷾، وأن المجاهد له الدرجات العلى؛ لأن الحديثين اشتملا على قول الله ﷿ ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٥] (١) وقال ﷿ في الآية التي بعدها: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦] (٢) وهذا ترغيب عظيم لأهل الإِيمان في الجهاد في سبيل الله ﷾ (٣).\nسادسا: من خصائص الإسلام: رفع الحرج: دل هذان الحديثان على أن الإِسلام دين السماحة واليسر على الناس، وأنه يرفع الحرج، وأن الله ﷿ لا يكلف عباده إلا بما يطيقون. وذلك أن النبي - ﷺ - أملى على زيد بن ثابت ﵁ قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٩٥] (٤) فقال ابن أم مكتوم ﵁: \" يا رسول الله فما تأمرني؛ فإني رجل ضرير البصر [لو استطعت الجهاد لجاهدت؟] \" فأنزل الله ﷿: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥] فما أعظم هذه السماحة والتشريع، وما أكرم الله ﷿ وأرحمه بعباده، ومن رحمته أن رفع عنهم الحرج (٥) كما قال ﷿: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] (٦) وقال ﷾: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] (٧) فينبغي للداعية أن يبين للناس سماحة الإِسلام وتيسيره على الناس ورفع الحرج عنهم (٨).\n_________\n(١) سورة النساء، الآية: (٩٥).\n(٢) سورة النساء الآية: (٩٦).\n(٣) انظر: الحديث رقم ١٨، الدرس الخامس.\n(٤) سورة النساء، الآية: (٩٥).\n(٥) انظر المنهل العذب الفرات من أحاديث الأمهات، من صحيح الإمام البخاري، للدكتور عبد العال أحمد ٣/ ٢٠٥.\n(٦) سورة البقرة، الآية: (٢٨٦).\n(٧) سورة التغابن، الآية: (١٦).\n(٨) انظر الحديث رقم ١، الدرس الخامس، ورقم ٣٢، الدرس الأول.","vol":"1","page":284},{"text":"٣٣ -<span data-type=\"title\" id=toc-99> باب التحريض على القتال</span>،\nوقول الله تعالى ﴿حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [الأنفال: ٦٥] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>[حديث اللهم إن العيش عيش الآخرة]</span>\n٤٥ - [٢٨٣٤] حَدَّثَنَا عَبْد الله بْن محَمَّدِ: حَدَّثَنَا معَاوِيَة بْن عَمْرو: حَدَّثَنَا أبو إِسْحَاقَ، عَنْ حمَيْد قَالَ: سَمِعْت أَنسا (٢) ﵁ يَقول: «خَرَجَ رَسول الله ﷺ إِلَى الْخَنْدَقِ فَإذَا الْمهَاجِرونَ والأنصَار يَحْفِرونَ فِي غَدَاة بَارِدَة، فَلَمْ يَكنْ لهمْ عَبِيد يَعْمَلونَ ذَلِكَ لَهمْ، فَلَمَّا رَأَى مَا بهِمْ مِنَ النَّصَبِ وَالْجوعِ قَالَ: \" اللَّهمَّ إِنَّ العَيْشَ عَيْش الآخِرَة، فَاغْفِر لِلأَنْصَارِ وَالْمهَاجِرَة. فَقَالوا مجِيبِينَ لَه \":\nنحْن الَّذِينَ بَايَعوا محَمَّدا ... عَلَى الْجِهَادِ مَا بقينَا أَبَدا\n» (٣).\nوفي رواية: «جَعَلَ المهَاجِرونَ والأنصار يَحْفرونَ الخَنْدَقَ حَوْلَ المَدِينَة، ويَنْقلونَ التّرَابَ عَلَى متونهِمْ، وَيَقولونَ:\nنحْن الَّذِينَ بَايَعوا محَمَّدا ... عَلَى الْجِهَادِ مَا بقِينَا أَبَدا\nوالنَّبِي ﷺ يجِيبهمْ وَيَقول: \" اللَّهمَّ إِنَّه لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْر الآخِرَة فَبَارِكْ فِي الأَنْصَارِ والْمهَاجِرَة» (٤).\nوفي رواية: «اللَّهمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْش الآخرة، فَأَكْرِمِ الأَنْصَارَ وَالْمهَاجِرَة» (٥).\n_________\n(١) سورة الأنفال، الآية: ٦٥.\n(٢) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ١٤.\n(٣) [الحديث ٢٨٣٤] أطرافه في: كتاب الجهاد والسير، باب حفر الخندق، ٣/ ٢٨٠، برقم ٢٨٣٥. وكتاب الجهاد والسير، باب البيعة في الحرب على أن لا يفروا، وقال بعضهم: على الموت، ٤/ ١٠، برقم ٢٩٦١. وكتاب مناقب الأنصار، باب دعاء النبي ﷺ \" أصلح الأنصار والمهاجرة \"، ٤/ ٢٧٢، برقم ٣٧٩٥ و٣٧٩٦. وكتاب المغازي، باب غزوة الخندق، ٥/ ٥٤، برقم ٤٠٩٩ و٤١٠٠. وكتاب الرقاق، باب ما جاء في الصحة والفراغ ولا عيش إلا عيش الآخرة، ٧/ ٢١٨، برقم ٦٤١٣. وكتاب الأحكام، باب كيف يبايع الإِمام الناس، ٨/ ١٥٥، برقم ٧٢٠١. وأخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب غزوة الأحزاب وهي الخندق، ٣/ ١٤٣١، برقم ١٨٠٥.\n(٤) من الطرف رقم ٢٨٣٥.\n(٥) من الطرف رقم ٢٩٦١.","vol":"1","page":285},{"text":"وفي رواية: «لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْش الآخرة، فَأَصْلحِ الأَنْصَارِ وَالْمهَاجِرَة» (١).\nوفي رواية: أَنهم يَقولونَ:\n\"نَحْن الَّذِينَ بَايَعوا محَمَّدا ... عَلَى الإِسْلاَمِ مَا تقِينَا أَبَدا\"\nوفيها: «يؤتَوْنَ بِمِلْءِ كَفَّي مِنَ الشَّعِيرِ، فَيصْنَع لَهمْ بِإِهَالَة سَنِخَة توضَع بَيْنَ يَدَي الْقَوْم، والْقَوْم جِيَاع وَهِي بَشِعَة في الحَلْقِ وَلَهَا رِيح منْتِن» (٢)\n\n٣٤ -<span data-type=\"title\" id=toc-101> باب حَفْر الْخنْدَقِ</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>[حديث لولا أنت ما اهتدينا]</span>\n٤٦ - [٢٨٣٦] حَدَّثَنَا أَبو الولِيدِ: حَدَّثَنَا شعْبَة، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْت الْبَرَاءَ (٣) ﵁ يَقول: كَانَ النَّبِي ﷺ يَنْقل وَيَقول: «لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا» (٤).\nوفي رواية: «رَأَيت رَسولَ الله ﷺ يَوْمَ الأَحْزَابِ يَنْقل التّرابَ - وَقَدْ وَارَى التّراب بَياضَ بَطْنِه - وَهوَ يَقول:\n\"\nلَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا ... وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صلَّيْنَا\nفأَنزِلِ السَّكينَة عَلَيْنَا ... وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لاقَيْنَا\nإنَّ الألَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا ... إِذَا أَرَادَوْا فِتْنَة أَبيْنَا\n» (٥).\n_________\n(١) من الطرف رقم ٣٧٩٥، والطرف رقم ٤٠٩٩.\n(٢) من الطرف رقم ٤١٠٠.\n(٣) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ٣٠.\n\n(٤) [الحديث ٢٨٣٦] أطرافه في: كتاب الجهاد والسير، باب حفر الخندق، ٣/ ٢٨٠، برقم ٢٨٣٧. وكتاب الجهاد والسير، باب الرجز في الحرب ورفع الصوت في حفر الخندق، ٤/ ٣٢، برقم ٣٠٣٤. وكتاب المغازي، باب غزوة الخندق وهي الأحزاب، ٥/ ٥٦، برقم ٤١٠٤ و٥/ ٥٧، برقم ٤١٠٦. وكتاب القدر، باب وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، ٧/ ٢٧٤، برقم ٦٦٢٠. وكتاب التمني، باب قول الرجل: لولا الله ما اهتدينا، ٨/ ١٦٦، برقم ٧٢٣٦. وأخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب غزوة الأحزاب وهي الخندق، ٣/ ١٤٣٠، برقم ١٨٠٣.\n(٥) من الطرف رقم ٢٨٣٧.","vol":"1","page":286},{"text":"وفي رواية: «رَأَيْت رَسولَ الله ﷺ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَهو يَنْقل التّرَابَ حَتَّى وَارَى التّرَاب شَغرَ صَدْرِه، - وَكَانَ رَجلا كَثِيرَ الشَّعْرِ - وَهوَ يَرْتَجِز بِرَجَزِ عَبْد الله [بن رواحة]:\nاللَّهمَّ لَوْلاَ أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا ... وَلا تَصَدَّقْنَا وَلاَ صَلَّيْنَا\nفأَنْزِلَنْ سَكِينَة عَلَيْنَا ... وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لاقَيْنَا\nإنَّ الأَعْدَاء قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا ... إِذَا أَرَادوا فِتْنَة أَبيْنَا\nيَرْفَع بِهَا صوْتَه» (١).\nوفي رواية: «يَرْفَع بِهَا صَوْتَه \": \" أَبَيْنَا أَبَيْنَا» (٢).\n«ثمَّ يَمدّ صَوْتَه بِآخِرِها» (٣).\n* وفي رواية: «رَأَيْت النَّبِي ﷺ يَوْمَ الخَنْدَقِ يَنْقل مَعَنَا التّرَابَ وَهوَ يَقول:\nوالله لَوْلا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا ... ولاَ صمْنَا وَلاَ صَلَّيْنَا\nفأَنْزِلَنْ سَكِينَة عَلَيْنَا ... وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لاقَيْنَا\nوالمشْرِكونَ قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا ... إِذَا أَرَادوا فِتْنَة أَبيْنَا» (٤).\n* وفي رواية: «كَانَ النَّبِي ﷺ يَنْقل التّرَابَ يَوْم الخَنْدَقِ حَتَّى أغْمَرَ بَطْنه أَو اغْبَرَّ بَطْنه» (٥).\n* شرح غريب الحديثين: * \" غداة باردة \" غَدَا يَغْدو غدوّا، والغدْوَة: ما بين صلاة الغداة [الفجر] وطلوع الشمس (٦).\n_________\n(١) من الطرف رقم ٣٠٣٤.\n(٢) من الطرف رقم ٤١٠٤.\n(٣) من الطرف رقم ٤١٠٦.\n(٤) من الطرف رقم ٦٦٢٠.\n(٥) من الطرف ٤١٠٤.\n(٦) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الغين مع الدال، مادة \" غدا \" ٣/ ٣٤٦.","vol":"1","page":287},{"text":"* \" النصب \": التعب (١).\n* \" متونهم \" المتن من كل شيء: ما صلب ظهره، والجمع متون، وهو من الظهر: ما اكتنف أعلى الصلب من العصب واللحم، وهما متنان. والصلب: عظم من مغرس العنق إلى عَجْب الذنب (٢).\n* \" بإهالة سنخة \" الإِهالة: كل شيء من الأدهان مما يؤتدم به، والودك، والسنخة: المتغيرة الريح، والمقصود: الدهن المتغير (٣).\n* \" بشعة في الحلق \" البشع: الكريه الطعم والرائحة (٤).\n* \" الألَى \" بوزن العلَى، فهو جمع لا واحد له من لفظه، واحِده: الذي (٥) وجمعه: الذين (٦).\n* \" أغمر بطنه \": وارى التراب جلده وستره (٧).\n\n* الدراسة الدعوية للحديثين: في هذين الحديثين دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل.\n٢ - من موضوعات الدعوة: الحث على أخذ الحذر والأهبة لصد أعداء الإِسلام.\n٣ - من صفات الداعية: الصبر وتحمل المشاق.\n٤ - من سنن الله ﷿: الابتلاء والامتحان.\n_________\n(١) تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ١٠٢، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب النون مع الصاد، مادة \" نصب \" ٥/ ٦٢.\n(٢) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين، للحميدي ص ٢٥١، والقاموس المحيط، للفيروز آبادي، باب النون فصل الميم، ص ١٥٩١.\n(٣) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين، للحميدي ص ٢٥١ - ٥٥٢، ولسان العرب، لابن منظور باب اللام فصل الهمزة، ١١/ ٣٢.\n(٤) تفسير غريب ما في الصحيحين، للحميدي ص ٢٥٢.\n(٥) مختار الصحاح، لمحمد بن أبي بكر الرازي، مادة \" أول \" ص ١٤.\n(٦) انظر: فتح الباري لابن حجر ١٣/ ٢٢٣، وعمدة القاري للعيني ٢٥/ ٧.\n(٧) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الغين مع الميم، مادة \" غمر \" ٣/ ٣٨٤.","vol":"1","page":288},{"text":"٥ - من صفات الداعية: الزهد.\n٦ - من أساليب الدعوة: إنشاد الشعر الممدوح والرجز.\n٧ - من وسائل الدعوة: تسلية المدعوين وتنشيطهم.\n٨ - من أساليب الدعوة: التأليف بالدعاء.\n٩ - من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة.\n١٠ - من أساليب الدعوة: رفع الصوت في الخطب والمواعظ.\n١١ - من أساليب الدعوة: الترغيب.\n١٢ - من صفات الداعية: التواضع.\n١٣ - من صفات الداعية: إعانة المدعوين.\n١٤ - من أساليب الدعوة: التأكيد بالقسم.\n١٥ - من أساليب الدعوة: التأكيد بالتكرار.\n١٦ - من صفات الداعية: إثبات النعم لله والثناء عليه بها.\n١٧ - من صفات الداعية: الاستفادة مما عند الآخرين.\n١٨ - من صفات الداعية: الدقة في نقل الحديث.\n١٩ - أهمية استجابة المدعو لله ولرسوله ﷺ.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل: دل الحديثان على أن الأخذ بالأسباب، لا ينافي التوكل على الله ﷿؛ ولهذا عمل النبي ﷺ بفعل الأسباب وهو إمام المتوكلين، فحفر الخندق، وحمل التراب، وأمر أصحابه بذلك، وكان النبي ﷺ يأخذ بالأسباب ويأمر بفعلها، ويستعين بالله ﷿، وبعد الفراغ من الأسباب لا يعتمد عليها بلَ يعتمد بقلبه على الله ﷿، (١) وسمعت سماحة العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله يقول: \" لابد من الأخذ بالأسباب، ومن هذه الأسباب حفر الخندق؛ لأنه يعطل الأعداء عن اجتياح المدينة \" (٢).\n_________\n(١) انظر: بهجة النفوس شرح مختصر صحيح البخاري، لعبد الله بن أبي جمرة ٣/ ١١٣.\n(٢) سمعت ذلك من سماحته أثناء شرحه للحديثين: رقم ٢٨٣٤، و٢٨٣٦ من صحيح البخاري.","vol":"1","page":289},{"text":"وهذا يبين للداعية أهمية الأخذ بالأسباب النافعة في الدعوة إلى الله ﷿ (١).\nثانيا: من موضوعات الدعوة: الحث علي أخذ الحذر والأهبة لصد أعداء الإسلام: ظهر في هذين الحديثين أهمية الحث على التحصن من العدو وأخذ الحذر، والأهبة؛ ولهذا عمل النبي ﷺ بنفسه مع أصحابه وحفروا الخندق، وتأهبوا لقتال عدوّهم وصده، وأخذوا الحذر منه. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١] (٢).\nوهذا يبين للداعية أهمية الحث على أخذ الحذر من أعداء الإِسلام، والإِعداد وأخذ الأهبة لصدهم عن ديار المسلمين.\nثالثا: من صفات الداعية: الصبر وتحمل المشاق: دل الحديثان على صبر النبي ﷺ وأصحابه ﵃ على مشاق الدعوة، والاستعداد لقتال أعداء الإِسلام؛ ولهذا صبروا على الجوع، والتعب في حفر الخندق، ونقل التراب على ظهورهم. وسوف يجازيهم الله على عملهم بأن يثيبهم بغير حساب قال الله ﷾: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] (٣).\nفينبغي الصبر والمصابرة على مشاق الدعوة والجهاد في سبيل الله ﷿، (٤) قال اللِّه ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠] (٥).\nرابعا: من سنن الله ﷿: الابتلاء والامتحان: الله ﷿ يبتلي ويختبر عباده بالسراء والضراء، وبالخير والشر، فهذا رسول\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٣٠، الدرس الخامس، وفتح الباري لابن حجر، ٦/ ٤٦، ٧/ ٣٩٢.\n(٢) سورة النساء، الآية: ٧١.\n(٣) سورة الزمر، الآية: ١٠.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٩، الدرس الثامن، ورقم ٢٧، الدرس الأول، ورقم ٢٨، الدرس السادس.\n(٥) سورة آل عمران، الآية: ٢٠٠.","vol":"1","page":290},{"text":"الله ﷺ أفضل البشر، وهؤلاء الصحابة ﵃ أفضل الناس بعد الأنبياء: يصيبهم ما أصابهم من الجوع، والمشقة، والخوف أثناء حفر الخندق، فصبروا على ذلك ابتغاء وجه الله ﷿ (١).\nوسمعت سماحة العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله يقول: \" وهذه من مناقب الصحابة وصبرهم على الجهاد، وهذا من ابتلاء الله لأوليائه \" (٢) وقد ثبت أن النبي ﷺ عصب بطنه بحجر من الجوع أثناء حفر الخندق، وبقي هو ومن معه في الحفر ثلاثة أيام لا يذوقون طعاما (٣).\nفينبغي للداعية إلى الله ﷿ أن يسأل الله العافية، وإذا أصابه ابتلاء واختبار صبر، واحتسب الثواب من الله ﷿.\nخامسا: من صفات الداعية: الزهد: دل الحديثان على زهد النبي ﷺ وأصحابه في الدنيا، وإيثارهم ما عند الله ﷿ على ملذاتها؛ ولهذا قال ﷺ: «اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة» فالعيش الباقي والدائم المعتبر والمستمر والمطلوب، هو عيش الآخرة، وأما عيش الدنيا فإنه متاع زائل (٤).\nقال الحافظ ابن حجر ﵀: \" وفي هذين الحديثين إشارة إلى تحقير عيش الدنيا لما يعرض له من التكدير وسرعة الفناء \" (٥).\nوقال العلامة محمد بن صالح العثيمين حفظه الله: \" العيشة الهنيئة الراضية هي عيش الآخرة، وأما الدنيا فإنها مهما طاب عيشها فمآلها إلى الفناء، وإذا لم يصحبها عمل صالح فإنها خسارة \" (٦).\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٩، الدرس الثامن، ورقم ١٦، الدرس الخامس.\n(٢) سمعت ذلك من سماحته أثناء شرحه لهذين الحديثين: رقم ٢٨٣٤، ٢٨٣٦، من صحيح البخاري.\n(٣) انظر: البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة الخندق وهي الأحزاب، ٥/ ٥٥، برقم ٤١٠١ عن جابر ﵁.\n(٤) انظر: شرح صحيح مسلم للنووي ١٢/ ٤١٤، وإكمال إكمال المعلم: شرح صحح مسلم، للأبي ٦/ ٤٦٢، وفيض القدير شرح الجامع الصغير، لعبد الرؤوف المناوي ٢/ ٦٠٠، وإرشاد الساري للقسطلاني ٥/ ٦٢.\n(٥) فتح الباري ١١/ ٢٣١.\n(٦) شرح رياض الصالحين ٦/ ١٨.","vol":"1","page":291},{"text":"قال الله ﷿ ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] (١) وقال ﷿: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا - وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: ١٦ - ١٧] (٢). وهذا يبين للداعية أهمية الزهد في الدنيا والرغبة فيما عند الله ﷿؛ لأنه هو الباقي الذي لا يفنى ولا يموت أهله (٣).\n\nسادسا: من أساليب الدعوة: إنشاد الشعر الممدوح والرجز: لا شك أن إنشاد الشعر المحمود، والرجز الممدوح من أساليب الدعوة إلى الله تعالى؛ ولهذا فعله ﵊ في حفر الخندق مع أصحابه، وهذا الرجز منسوب إلى عبد الله بن رواحة ﵁، قال العلامة العيني ﵀: \" وفيه استعمال الرجز والشعر إذا كانت فيه إقامة النفوس، وإثارة الأنفة ودفع المَعَرَّة \" (٤).\nوهذا يبيِّن أهمية استخدام هذا الأسلوب عند الحاجة إليه مع الالتزام بالمحمود منه واجتناب المذموم (٥).\nسابعا: من وسائل الدعوة: تسلية المدعوين وتنشيطهم: إن من الوسائل التي تنشط المدعو وتزيد في عزيمته ما يستعمله الداعية من الوسائل المباحة أو المشروعة، ومن هذه الوسائل إنشاد الشعر المباح والرجز الممدوح، وقد دل فعل النبي ﷺ مع أصحابه في هذين الحديثين على ذلك. قال الحافظ ابن حجر ﵀: \" وفيه أن في إنشاد الشعر تنشيطا في العمل، وبذلك جرت عادتهم في الحرب وأكثر ما يستعملون في ذلك الرجز \" فتح (٦) وقال ﵀: \" الرجز من بحور الشعر على الصحيح وجرت عادة\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآية: ١٨٥.\n(٢) سورة الأعلى، الآيتان: ١٦ - ١٧.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٢، الدرس الأول، ورقم ١٥، الدرس الأول.\n(٤) عمدة القاري ١٤/ ١٣١، وانظر: إرشاد الساري للقسطلاني ٥/ ٦٢.\n(٥) انظر: الحديث رقم ٢٧، الدرس الثالث.\n(٦) الباري، ٧/ ٣٩٥، وانظر: شرح النووي على صحيح مسلم ١٢/ ٤١٣.","vol":"1","page":292},{"text":"العرب باستعماله في الحرب، ليزيد في النشاط ويبعث الهمم \" (١) وهذا يوضح للداعية أن الشعر المحمود والرجز الممدوح من الوسائل النافعة مع بعض المدعوين.\nثامنا: من أساليب الدعوة: التأليف بالدعاء: لا ريب أن الدعاء للمدعو من الأساليب النافعة التي تجذب قلوب المدعوين؛ وقد دعا ﷺ للصحابة في هذين الحديثين بأدعية مباركة منوعة منها: \" اللهم إن العيش عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة \" وقال: \". . . فبارك في الأنصار والمهاجرة \" وقال: \" فأكرم الأنصار والمهاجرة \" \" فأصلح الأنصار والمهاجرة \" دعوات مباركات أحب إلى المهاجرين والأنصار من الدنيا وما فيها (٢).\nتاسعا: من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة: دل الحديثان على أهمية القدوة الحسنة في الدعوة إلى الله ﷿؛ ولهذا عمل النبي ﷺ مع الصحابة بنفسه، فحفر معهم الخندق، وذاق ألم الجوع والتعب معهم، فقَوِي حماسهم ونشطت نفوسهم، قال الحافظ ابن حجر ﵀: \" في مباشرته ﷺ الحفر بنفسه تحريض للمسلمين على العمل ليتأسوا به في ذلك \" (٣) فينبغي للداعية أن يكون قدوة حسنة للمدعوين (٤).\nعاشرا: من أساليب الدعوة: رفع الصوت في الخطب والمواعظ: إن من أساليب الدعوة التي تزيد في نشاط المدعو رفع الصوت بالخطب والمواعظ؛ ولهذا رفع صوته ﷺ في الحديث الثاني من هذين الحديثين حيث\n_________\n(١) فتح الباري، ٦/ ١٦١.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٢١، الدرس الخامس.\n(٣) فتح الباري ٦/ ٤٦.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٣، الدرس الثالث، ورقم ٩، الدرس الثالث عشر.","vol":"1","page":293},{"text":"قال: «إذا أرادوا فتنة أبينا» قال الراوي: \" يرفع بها صوته \" وفي رواية: \" يمد صوته بآخرها \" قال الحافظ ابن حجر ﵀: \" وفيه جواز رفع الصوت في عمل الطاعة لينشِّط نفسه وغيره \" (١).\n* وقد كان هديه ﷺ رفع الصوت في الخطب؛ ليستفيد الناس منها؛ ولينتبهوا ولا يصيبهم الكسل والنعاس (٢) فعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرَّت عيناه، وعلا صوته، واشتدَّ غضبه، حتى كأنه منذر جيش» (٣). فينبغي للداعية أن يكون نشيطا برفع صوته على حسب الحاجة وحسب ما يناسب المدعو، والزمان، والمكان.\nالحادي عشر: من أساليب الدعوة: الترغيب: إن أسلوب الترغيب من أنفع الأساليب في ترغيب المدعوين في الخير والعمل به، وقد ظهر في هذين الحديثين في قوله ﷺ: \" اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة \" فَنشَّط هذا الأسلوب الصحابة ﵃، وشوَّقهم في العمل، ورغّبهم في عيش الآخرة؛ لأنه الذي يدوم ويبقى؛ ولهذا النشاط والرغبة قالوا: \" نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا \".\nفينبغي العناية بهذا الأسلوب؛ لما فيه من النفع للمدعوين (٤).\nالثاني عشر: من صفات الداعية: التواضع: إن من أعظم الصفات الحميدة التواضع، وقد دل هذان الحديثان على هذه الصفة؛ لأن النبي ﷺ أفضل البشر، وسيد ولد آدم ﷺ ومع ذلك يحفر مع أصحابه الخندق، ويواري التراب بطنه، ويربط الحجر على بطنه من الجوع، ويقدَّم بين يديه في هذا المكان الطعام الذي له ريح منتن كما قال الراوي:\n_________\n(١) فتح الباري ٦/ ١٦١.\n(٢) انظر: زاد المعاد في هدي خير العباد، لابن القيم ١/ ٤٢٥.\n(٣) أخرجه مسلم، كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة، ٢/ ٥٩٢، برقم ٨٦٧.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٧، الدرس الرابع عشر.","vol":"1","page":294},{"text":"\" يؤتون بملء كفَّي من الشعير فيصنع لهم بإهالة سنِخة، وتوضع بين يدي القوم، والقوم جياع وهي بشعة في الحلق ولها ريح منتن \"؛ قال الإِمام ابن أبي جمرة ﵀: \" فيه دليل على تواضع النبي ﷺ وحسن خلقه؛ إذْ أنه في الفضل حيث هو، ومع ذلك الفضل العظيم كان ينقل التراب مع أصحابه، كأنه واحد منهم \" (١). فينبغي للداعية أن يكون متواضعا لله ﷿ مع المدعوين وغيرهم.\nالثالث عشر: من صفات الداعية: إعانة المدعوين: إن من الصفات التي ينبغي أن يلتزم بها الداعية: إعانة المدعوين، ومشاركتهم في عمل الخير؛ لأن أفضل الناس محمد بن عبد الله ﷺ كان يعين أصحابه ويشاركهم في أعمال الجهاد وغيره، ويشاركهم في حفر الخندق كما في هذين الحديثين؛ قال الإِمام عبد الله بن أبي جمرة ﵀ في فوائد الحديث الثاني: \" فيه دليل على أن الإِمام ينزل للخدمة مع أصحابه، إذا كانوا في أمور الحرب وإعانتهم فيما نحن بسبيله \" (٢).\nالرابع عشر: من أساليب الدعوة: التأكيد بالقسم: دل الحديث الثاني من هذين الحديثين على أن النبي ﷺ استخدم أسلوب القسم في قوله ﷺ:\n«\nوالله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا\n»\nفينبغي للداعية أن يستخدم هذا الأسلوب عند الحاجة إليه؛ لأنه يثبت المعاني في القلوب ويحملها على التصديق (٣).\n\nالخامس عشر: من أساليب الدعوة: التأكيد بالتكرار: ظهر في الحديث الثاني من هذين الحديثين أسلوب التوكيد بتكرير الكلمة في قوله ﷺ: \" أبينا أبينا \" ولا شك أن هذا الأسلوب مهم في تثبيت المعاني\n_________\n(١) بهجة النفوس، ٣/ ١١٢، وانظر: الحديث رقم ٣٣، الدرس العاشر، ورقم ٦٢، الدرس الثالث.\n(٢) المرجع السابق، ٣/ ١١٢.\n(٣) انظر: الحديث رقم ١٠، الدرس الخامس.","vol":"1","page":295},{"text":"في القلوب، وحملها على التصديق؛ قال العلامة الملا علي القاري ﵀ في قوله ﷺ: \" أبينا أبينا \" \" مكرر للتأكيد والتلذذ، والتسميع لغيره من المسلمين والكافرين \" (١).\nفينبغي العناية بأسلوب التأكيد بالتكرار؛ لما له من الأهمية في الدعوة إلى الله ﷿ (٢).\nالسادس عشر: من صفات الداعية: إثبات النعم لله والثناء عليه بها: دل حديث البراء ﵁ على أن من الصفات الحميدة إثبات النعم لله ﷿ والتحدث بها والثناء على الله ﷿ بذلك، لقوله ﷺ في هذا الحديث:\n«\nاللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا\n»\nقال الإِمام عبد الله بن أبي جمرة ﵀: \" فيه دليل على أن أفعال الخير تنسب إلى الله وإن كان العبد هو المتسبب فيها؛ لأن المولى ﷻ هو المنعم بها \" (٣).\nفينبغي للداعية أن ينسب جميع النعم لله تعالى، ويشكره عليها، ويتحدث بها؛ قال الله ﷿: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١] (٤) وقال ﷾: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] (٥) وقال ﷿: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧] (٦).\nالسابع عشر: من صفات الداعية: الاستفادة مما عند الآخرين: إن من صفات الداعية الاستفادة مما عند الآخرين، مما يجلب المنفعة ويحقق المصلحة؛ لحماية الدين والذود عن حياضه، وتبليغه للناس؛ وقد\n_________\n(١) مرقاة المفاتيح، للملأ علي القاري ٨/ ٥٤٥.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٤، الدرس الخامس، ورقم ٧، الدرس الثاني عشر.\n(٣) بهجة النفوس شرح مختصر صحيح البخاري، ٣/ ١١٣.\n(٤) سورة الضحى، الآية: ١١.\n(٥) سورة النحل، الآية: ٥٣.\n(٦) سورة إبراهيم، الآية: ٧.","vol":"1","page":296},{"text":"دل مفهوم الحديثين على ذلك، فقد ذكر كثير من العلماء أن سبب حفر الخندق مشورة سلمان الفارسي ﵁ على النبي ﷺ بحفر الخندق؛ لأن سلمان قال: \" إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا \" فأمر النبي ﷺ بحفر الخندق حول المدينة (١) وهذا وغيره يوضح للداعية أنه لا حرج من الاستفادة مما عند الآخرين إذا كان فيه نفع للإِسلام والمسلمين، وليس فيه مخالفة للشرع.\nالثامن عشر: من صفات الداعية: الدقة في نقل الحديث: دل حديث البراء ﵁ أن من الصفات التي ينبغي أن يعتني بها الداعية عناية خاصة: الدقة والصحة فيما يقول وينقل للناس؛ ولهذا جاء في هذا الحديث أن الراوي قال: \" كان النبي ﷺ ينقل التراب يوم الخندق حتى اغمرَّ بطنه، أو اغبرَّ بطنه \" قال الحافظ ابن حجر ﵀: \" شك الراوي \" (٢) وهذا يدل على عناية السلف بضبط الحديث، وبيانه للناس على الوجه الأكمل (٣).\nالتاسع عشر: أهمية استجابة المدعو لله ولرسوله ﷺ: ظهر في هذين الحديثين أنه ينبغي للمدعو أن يستجيب لله ولرسوله ﷺ، ويتحمل المشاق في سبيل العمل بهذا الدين، وقبول الدعوة: استجابة لله ورسوله ﷺ. كما قال الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٤] (٤) وقد ظهر ذلك في هذين الحديثين؛ لقول الصحابة ﵃:\nنحن الذين بايعوا محمدا ... على الجهاد ما بقينا أبدا\nفينبغي لكل عبد من عباد الله أن يستجيب لله ولرسوله ﷺ.\n_________\n(١) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم للقرطبي، ٣/ ٦٤٣، والبداية والنهاية لابن كثير ٤/ ٩٥، وزاد المعاد في هدي خير العباد، لابن القيم، ٣/ ٢٧١، وفتح الباري لابن حجر العسقلاني، ٧/ ٣٩٣.\n(٢) فتح الباري، ٧/ ٤٠١.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٢٠ و٢١، الدرس العاشر.\n(٤) سورة الأنفال، الآية: ٢٤.","vol":"1","page":297},{"text":"٣٥ -<span data-type=\"title\" id=toc-103> باب مَنْ حبَسه العذْر عن الغزْو</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>[حديث إن أقواما بالمدينة خلفنا ما سلكنا شعبا ولا واديا إلا وهم معنا فيه]</span>\n٤٧ - [٢٨٣٨] حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن يونسَ: حَدَّثَنَا زهَيْر: حَدَّثَنَا حمَيْد أَن أنسا (١) حَدَّثَهمْ قَالَ: «رَجَعْنَا مِنْ غَزْوَة تَبوك مع النبي ﷺ» (٢).\nوفي رواية: أَنَّ النَّبِي ﷺ كَانَ فِي غَزَاة فَقَالَ: «إِنَّ أَقْوَاما بالْمَدِينة خَلْفَنَا مَا سلَكْنَا شِعْبا وَلَا وَادِيا إلَّا وَهمْ مَعَنَا فِيه، حَبَسَهم العذْر» (٣).\nوفي رواية: أَنَ رَسولَ الله ﷺ «رَجَعَ مِنْ غَزْوَة تَبوك، فَدَنَا مِنْ الْمَدِينَة فَقَالَ: \" إِنَّ بِالْمَدِينَة أَقْوَاما مَا سِرتمْ مَسِيرا، وَلَا قطعْتمْ وَادِيا إِلَّا كَانوا مَعَكم، قَالوا: يَا رَسولَ الله، وَهمْ بِالْمَدِينَةِ؟ قَالَ وَهمْ بِالْمَدِينَة حَبَسَهم الْعذْر» (٤).\n* شرح غريب الحديث: * \" شعبا \" الشعب ما انخفض بين جبلين، وكان كالدرب (٥).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - حرص الصحابة ﵃ على الجهاد وعدم تخلفهم بغير عذر.\n٢ - من صفات الداعية: النية الصالحة.\n٣ - من أساليب الدعوة: الترغيب.\n٤ - من ميادين الدعوة: طرق السير.\n٥ - من خصائص الإِسلام: اليسر والسماحة ورفع الحرج.\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ١٤.\n\n(٢) [الحديث ٢٨٣٨] طرفاه في: كتاب الجهاد والسير، باب من حبسه العذر عن الغزو، ٣/ ٢٨٠، برقم ٢٨٣٩. وكتاب المغازي، باب، ٥/ ١٥٧، برقم ٤٤٢٣. وأخرجه مسلم من حديث جابر بن عبد الله ﵄، في كتاب الإِمارة، باب ثواب من حبسه عن الغزو مرض أو عذر آخر، ٣/ ١٥١٨، برقم ١٩١١.\n(٣) من الطرف رقم ٢٨٣٩.\n(٤) الطرف رقم ٤٤٢٣.\n(٥) تفسير غريب ما في الصحيحين، للحميدي، ص ٢٢٨، وانظر: ص ١١٨، ١٩٩، وانظر: غريب الحديث رقم ١٩.","vol":"1","page":298},{"text":"والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: حرص الصحابة ﵃ على الجهاد وعدم تخلفهم بغير عذر: ظهر في هذا الحديث عظم حرص الصحابة ﵃ على الجهاد في سبيل الله ﷿، وعدم تخلفهم بدون عذر؛ ولهذا أخبر النبي ﷺ عن حرصهم العظيم على ذلك فقال: «إن أقواما بالمدينة خلفنا ما سلكنا شعبا ولا واديا إلا وهم معنا فيه، حبسهم العذر»، فينبغي لكل مسلم أن يقتدي برسول الله ﷺ وأصحابه في الحرص على الجهاد في سبيل الله ﷿؛ (١) ولهذا الحرص العظيم كان الفقراء من الصحابة إذا لم يقبلهم رسول الله ﷺ في الغزو بكوا وحزنوا، قال الله ﷿: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ - وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة: ٩١ - ٩٢] (٢).\nثانيا: من صفات الداعية: النية الصالحة: دل الحديث على أن النية الصالحة تبلغ ما يبلغ العمل، وأن من فضل الله ﷿ إثابة العبد إذا عجز عن القربة والطاعة، مع عزمه عليها؛ ولهذا قال ﷺ: «إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم» وقد بين ﷺ أنه حبسهم العذر؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀: \" وفيه أن المرء يبلغ بنيته أجر العامل إذا منعه العذر عن العمل \" (٣).\nوهذا يوضح للداعية أهمية النية الصالحة وعلوَّ مكانتها، فينبغي الصدق والعزيمة في تصحيح النية وإخلاصها لله تعالى.\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ١، الدرس الأول، ورقم ١٠٢، الدرس الرابع، ورقم ١٦٣، الدرس الحادي عشر.\n(٢) سورة التوبة، الآيتان: ٩١ - ٩٢.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٢٢، الدرس السادس.","vol":"1","page":299},{"text":"ثالثا: من أساليب الدعوة: الترغيب: استخدم النبي ﷺ في دعوته في هذا الحديث: أسلوب الترغيب بقوله ﷺ لأصحابه: «لقد تركتم بالمدينة أقواما ما سرتم مسِيرا، ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم»، وهذا فيه ترغيب في الجهاد وبيان عظم منزلته، وأن المجاهد يكتب له ثواب السير، وكل عمل يعمله في طريقه إلى الجهاد، وأن من لم يحصل له الجهاد لعجزه كان شريكا للمجاهدين إذا صلحت نيته؛ قال الإِمام النووي ﵀: \" وفي هذا الحديث فضيلة النية في الخير، وأن من نوى الغزو وغيره من الطاعات فعرض له عذر منعه حصل له ثواب نيته، وأنه كلما أكثر من التأسف على فوات ذلك، وتمنّى كونه مع الغزاة ونحوهم كثر ثوابه والله أعلم \" (١).\n\nولهذه النية الصالحة ذكر النبي ﷺ رجلا آتاه الله مالا فجعل ينفقه في سبل الخير، وأن رجلا فقيرا قال: «لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته فأجرهما سواء» (٢).\nفينبغي للداعية أن يستخدم هذا الأسلوب؛ لأهميته في الدعوة إلى الله تعالى (٣).\nرابعا: من ميادين الدعوة: طرق السير: إن من ميادين الدعوة، طرق السير: في السفر والجهاد، والحج وغير ذلك من الطرق؛ وقد دعا النبي ﷺ أصحابه ورغبهم في إصلاح النية أثناء سيره في طريقه إلى المدينة راجعا من غزوة تبوك كما جاء في الحديث: رجع من غزوة تبوك فدنا من المدينة فقال: «إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم» وهذا يبين للداعية أهمية الدعوة في طرق السير، فينبغي له العناية بذلك، في طرق سيره، في السفر والحضر؛ ليقتدي بالنبي ﷺ.\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم ١٣/ ٦١، وانظر: شرح الطيبي على مشكاة المصابيح، ٨/ ٢٦٤٢.\n(٢) الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء مثل الدنيا مثل أربعة نفر، ٤/ ٥٦٢، برقم ٢٣٢٥، وقال: \" هذا حديث حسن صحيح \"، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب النية، ٢/ ١٤١٣، برقم ٤٢٢٨. وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ٢/ ٢٧٠.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٢٢، الدرس الخامس.","vol":"1","page":300},{"text":"خامسا: من خصائص الإسلام: اليسر والسماحة ورفع الحرج: دل الحديث على سعة رحمة الله، ويسر الإِسلام وسماحته، ورفعه الحرج عن أمة محمد ﷺ؛ فإن في قوله ﷺ في الحديث: «وهم بالمدينة حبسهم العذر» دلالة واضحة على رفع الحرج عن المعذور بمرض أو كبر أو غير ذلك من الأعذار المانعة من الأعمال الصالحة: كالجهاد وغيره؛ إذا قام بما يستطيعه؛ قال الله ﷿: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٥] (١) فاستثنى الله تعالى أولي العذر ورفع الحرج عنهم.\n_________\n(١) سورة النساء، الآية: ٩٥.","vol":"1","page":301},{"text":"٣٦ -<span data-type=\"title\" id=toc-105> باب فَضْلِ الصَّوْم فِي سَبِيلِ الله</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-106>[حديث من صام يوما في سبيل الله بعد الله وجهه عن النار سبعين خريفا]</span>\n٤٨ - [٢٨٤٠] حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن نَصْر: حَدَّثَنَا عَبْد الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنا ابْن جرَيْجٍ قال: أَخْبَرني يَحيى بْن سَعِيدٍ وَسهَيْل بْن أَبِي صالِح: أنهمَا سَمِعَا النّعْمَانَ بْنَ أبِي عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدْرِي (١) ﵁ قَالَ: سَمِعْت رَسولَ الله ﷺ يَقول «مَنْ صَامَ يَوْما فِي سَبِيلِ الله بَعَّدَ الله وَجْهه عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفا» (٢).\n* شرح غريب الحديث: * \" سبعين خريفا \" الخريف: الزمان المعروف من فصول السنة ما بين الصَّيف والشتاء، ويراد به سبعين سنة؛ لأن الخريف لا يكون في السنة إلا مرة واحدة، فإذا انقضى سبعون خريفا فقد مضت سبعون سنة (٣).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من موضوعات الدعوة: الحث على صيام التطوع.\n٢ - من أساليب الدعوة: الترغيب.\n٣ - من صفات الداعية: الإِخلاص.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من موضوعات الدعوة: الحث على صيام التطوع: دل الحديث على أهمية الحث على صيام التطوع، وحض المدعوين عليه؛ ولهذا حث النبي ﷺ عليه في هذا الحديث وذلك ببيان فضل صيام يوم واحد فكيف بمن صام أكثر من ذلك، وقد حث النبي ﷺ على صيام ست من\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ١٩.\n(٢) وأخرجه مسلم في كتاب الصيام، باب فضل الصيام في سبيل الله لمن يطيقه بلا ضرر ولا تفويت حق، ٢/ ٨٠٨، برقم ١١٥٣.\n(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الخاء مع الراء، مادة: \" خرف \" ٢/ ٢٤.","vol":"1","page":302},{"text":"شوال، وثلاثة أيام من كل شهر، وصيام الأيام البيض، والاثنين والخميس، ويوم عرفة لغير الحاج، وتسعة أيام من عشر ذي الحجة، وصيام يوم عاشوراء مع يومٍ قبله، وحث على صيام شهر الله المحرم، وحث بفعله على صيام أكثر شعبان بل كان يصومه كله، وبين أن أفضل الصيام: صيام يوم وإفطار يوم.\nفينبغي للداعية أن يحث أهل الإِسلام على صيام التطوع كما فعل النبي ﷺ (١).\nثانيا: من أساليب الدعوة: الترغيب: دل هذا الحديث على الترغيب في الصيام؛ لقوله ﷺ: «من صام يوما في سبيل الله بعّد الله وجهه عن النار سبعين خريفا».\nقال الإِمام النووي ﵀: \" فيه فضيلة الصيام في سبيل الله، وهو محمول على من لا يتضرر به، ولا يفوت به حقّا، ولا يختل به قتاله، ولا غيره من مهمات غزْوِه، ومعناه المباعدة عن النار والمعافاة منها \" (٢).\nفينبغي للداعية أن يرغِّب في صيام التطوع، ويبيِّن فضائله للناس، كما كان النبي ﷺ يرغب فيه، باستخدامه لأسلوب الترغيب؛ ولهذا بيّن ﷺ أن من صام يوما واحدا في سبيل الله بعّد الله وجهه عن النار سبعين سنة، وذلك على وجه المبالغة في البعد عن النار (٣).\nثالثا: من صفات الداعية: الإخلاص: ظهر في هذا الحديث أهمية الإِخلاص لله تعالى؛ لقوله ﷺ: «من صام يوما في سبيل الله» قال الإِمام القرطبي ﵀: \" أي في طاعة الله، يعني بذلك:\n_________\n(١) انظر: صحيح البخاري ١/ ٢٩٨ - ٣٠٧ من حديث رقم ٩٦٨ - ٢٠٠٧، وصحيح مسلم ٢/ ٧٩٢ - ٨٢٢ من حديث رقم ١١٢٥ - ١١٦٤، وشرح العمدة \" كتاب الصيام \" لشيخ الإِسلام ابن تيمية، ٢/ ٥٤٥، وسبل السلام شرح بلوغ المرام لمحمد بن إسماعيل الصنعاني ٢/ ٦٧٠ - ٦٨٢.\n(٢) شرح النووي على صحيح مسلم ٨/ ٢٨١.\n(٣) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم للقرطبي، ٣/ ٢١٧، وإحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد، ٢/ ٣٧، وشرح الطيبي على مشكاة المصابيح، ٥/ ١٦١١، وفتح الباري لابن حجر العسقلاني، ٦/ ٤٨، ومكمل إكمال الإكمال شرح صحيح مسلم، لمحمد بن محمد السنوسي ٤/ ١٠١.","vol":"1","page":303},{"text":"قاصدا به وجه الله تعالى وقد قيل فيه: إنه الجهاد في سبيل الله \" (١) وقال الإِمام ابن دقيق العيد ﵀ على قوله ﷺ \" في سبيل الله \" \" العرف الأكثر فيه: استعماله في الجهاد، فإذا حمل عليه، كانت الفضيلة؛ لاجتماع العبادتين - أعني عبادة الصيام والجهاد - ويحتمل أن يراد بسبيل الله: طاعته كيف كانت، ويعبر بذلك عن صحة القصد والنية فيه \" (٢) وقال العلامة المناوي ﵀: «من صام يوما في سبيل الله» أي لله ولوجهه، أو في الغزو، أو في الحج \" (٣) وعلى قول من فسر سبيل الله بالجهاد؛ فإن الإِخلاص شرط في صحة جميع العبادات.\nوهذا يبين للداعية إلى الله ﷿ أهمية إخلاص العمل لله ﷿؛ قال الله ﷿: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [النساء: ١٢٥] (٤) فإسلام الوجه إخلاص القصد والعمل لله، والإِحسان فيه: متابعة رسول الله ﷺ وسنته (٥)؛ قال الله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] (٦) قال الفضيل بن عياض ﵀: \" هو أخلصه وأصوبه \" قالوا: يا أبا علي: ما أخلصه وأصوبه؛ فقال: \" إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، حتى يكون خالصا صوابا، والخالص أن يكون لله والصواب أن يكون على السنة \" (٧) قال الله ﷿: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] (٨) وقال ﷾: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣] (٩) وعن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «ثلاث لا يغلّ\n_________\n(١) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٣/ ٢١٧، وانظر: شرح الطيبي على مشكاة المصابيح ٥/ ١٦١١.\n(٢) إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام، لابن دقيق العيد ٢/ ٣٧.\n(٣) فيض القدير شرح الجامع الصغير، لعبد الرؤوف المناوي ٦/ ٦١.\n(٤) سورة النساء، الآية: ١٢٥.\n(٥) مدارج السالكين، لابن القيم ٢/ ٩٠.\n(٦) سورة الملك، الآية: ٢.\n(٧) مدارج السالكين، لابن القيم ٢/ ٨٩.\n(٨) سورة الكهف، الآية: ١١٠.\n(٩) سورة الأنعام، الآيتان: ١٦٢ - ١٦٣.","vol":"1","page":304},{"text":"عليهن قلب مسلم: إخلاص العَمَل لله، ومناصحة أئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم؛ فإن دعوتهم تحيط من ورائهم» (١) والمعنى أن القلب لا يحمل الغل ولا يبقى فيه مع هذه الثلاث، فإنها تنفي الغِلَّ، والغِشَّ، وفساد القلب وسخائمه، فالمخلص لله إخلاصه يمنع غِلَّ قلبه، ويخرجه ويزيله جملة؛ لأنه قد انصرفت دواعي قلبه وإرادته إلى مرضاة ربه، فلم يبق فيه موضع للغلِّ والغش (٢).\nفينبغي لكل مسلم وخاصة الداعية إلى الله ﷿ أن يخلص عمله لله ﷿، وأن يسأل الله كثيرا هذه الصفة الحميدة العظيمة؛ ولعظم هذه الصفة قال الفضيل بن عياض ﵀: \" ترك العمل لأجل الناس رياء، والعمل لأجل الناس شرك، والإِخلاص أن يعافيك الله منهما \" (٣) فأسأل الله لي ولجميع إخواني المسلمين الإِخلاص في القصد، والقول، والعمل.\n_________\n(١) أخرجه الترمذي، في كتاب العلم، باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع، ٥/ ٣٤، برقم ٢٦٥٨، ورواه أحمد في المسند من حديث زيد بن ثابت ﵁ ٥/ ١٨٣ وقال الألباني في مشكاة المصابيح ١/ ٧٨: وسنده صحيح.\n(٢) انظر: مفتاح دار السعادة، لابن القيم، ١/ ٢٧٧.\n(٣) الأذكار للنووي ص ٤.","vol":"1","page":305},{"text":"٣٨ -<span data-type=\"title\" id=toc-107> بَاب فضلِ من جهز غازيا أو خلفَه بخيرِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>[حديث من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا]</span>\n٤٩ - [٢٨٤٣] حَدَّثَنَا أَبو مَعْمَرٍ: حدثنا عَبْد الْوَارِثِ: حدثنا الْحسَيْن: حدَّثَنِي يحيى قَال: حَدَّثَنِي أَبو سَلَمَة: حدَثَنِي بسْر بْن سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي زَيْد بْن خَالِدٍ (١). ﵁ أَنَّ رَسولَ الله ﷺ قالَ: «مَنْ جَهَّزَ غَازِيا فِي سَبِيلِ الله فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ خَلَفَ غَازِيا فِي سَبِيلِ الله بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا» (٢).\n* شرح غريب الحديث: * \" جهز غازيا \" تجهيز الغازي: تحميله وإعداد ما يحتاج إليه في غزوه، ومنه: تجهيز العروس، وتجهيز الميت (٣).\n* \" خَلَفَ غازيا في أهله \" أي قام مقامه في مراعاة أهله، يقال: خَلَفْت الرجل في أهله إذا أقمت بعده فيهم، وقمت عنه بما كان يفعله (٤).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من موضوعات الدعوة: الحث على إعداد الدعاة والغزاة في سبيل الله ﷿.\n_________\n(١) زيد بن خالد الجهني مختلف في كنيته فقيل: أبو عبد الرحمن، وقيل أبو طلحة، وقيل أبو زرعة، سكن المدينة، وشهد الحديبية، وكان معه لواء جهينة يوم الفتح، روِي له عن رسول الله ﷺ واحد وثمانون حديثا، اتفق البخاري ومسلم على خمسة، وانفرد مسلم بثلاثة، توفي بالمدينة وقيل بالكوفة وقيل بمصر سنة ثمان وسبعين وله خمس وثمانون سنة، وقيل مات سنة ثمان وستين، وقيل مات قبل ذلك في خلافة معاوية بالمدينة، وقيل غير ذلك. انظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي ١/ ٢٠٣، والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، ١/ ٥٦٥.\n(٢) وأخرجه مسلم في كتاب الإمارة، باب فضل إعانة الغازي في سبيل الله بمركوب وغيره وخلافته في أهله بخير، ٣/ ١٥٠٦، برقم ١٨٩٥.\n(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الجيم مع الهاء، مادة \" جهز \" ١/ ٣٢١، وانظر: تفسير غريب ما في الصحيحين، للحميدي ص ١٣٢.\n(٤) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ١٣٣، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الخاء مع اللام، مادة \" خلف \" ٢/ ٦٦.","vol":"1","page":306},{"text":"٢ - أهمية إعانة الدعاة والمجاهدين في سبيل الله ﷿.\n٣ - من أساليب الدعوة: الترغيب.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من موضوعات الدعوة: الحث على إعداد الدعاة والغزاة في سبيل الله ﷿: دل الحديث على أن تجهيز الدعاة والمجاهدين من موضوعات الدعوة التي ينبغي أن يعتنى بها؛ لأن النبي ﷺ حث على ذلك بقوله: «من جهز غازيا فقد غزا» وهذا فيه الحث على إعداد الدعاة والمجاهدين، ومساعدتهم بالمال، والكتب العلمية، وإمداد المجاهدين بالسلاح، والعتاد، وجميع ما يحتاجون إليه؛ لقوله ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١] (١) وقوله ﷿: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] (٢).\nفينبغي العناية وحث المسلمين على إعداد الدعاة بالتعليم، والكتب والمال، ووسائل النقل المناسبة ثم إرسالهم للدعوة إلى الله ﷿، وإعداد المجاهدين بالتعليم، والزاد، ووسائل النقل المناسبة، والسلاح، وغير ذلك من لوازم إعداد وتجهيز الدعاة والمجاهدين في سبيل الله ﷿ (٣).\nثانيا: أهمية إعانة الدعاة والمجاهدين في سبيل الله ﷿: ظهر في هذا الحديث أهمية إعانة الدعاة إلى الله ﷿، والمجاهدين في سبيل الله ﷾؛ لقوله ﷺ: «ومن خلف غازيا في سبيل الله فقد غزا» وهذا فيه بيان لأهمية إعانة الدعاة والمجاهدين، بإصلاح حال أهلهم، والقيام على ما يحتاجون إليه، والنيابة عنهم بالرعاية، والنفقة، وتفقد أحوالهم، وحمايتهم مما يضرهم، والدفاع عنهم، وإصلاح حال الأولاد، ومراقبة استقامتهم على\n_________\n(١) سورة النساء، الآية: ٧١.\n(٢) سورة الأنفال، الآية: ٦٠.\n(٣) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي ٣/ ٧٣٠، وشرح رياض الصالحين لابن عثيمين ٤/ ٤٥٣.","vol":"1","page":307},{"text":"طاعة الله، وإرشادهم وتوجيههم إلى ما ينفعهم في الدنيا والآخرة (١) قال الإِمام النووي ﵀: \" وفي هذا الحديث الحث على الإِحسان إلى من فعل مصلحة للمسلمين أو قام بأمر من مهماتهم \" (٢).\nثالثا: من أساليب الدعوة: الترغيب: في هذا الحديث الحث على أسلوب الترغيب في تجهيز الدعاة والمجاهدين والعناية بما يحتاجون إليه في دعوتهم وجهادهم، وفي القيام بمصالح أهلهم وحمايتهم من بعدهم؛ ولهذا قال ﷺ: «من جهز غازيا فقد غزا، ومن خلف غازيا في سبيل الله بخير فقد غزا». وهذا يبين فضل من جهز داعيا إلى الله أو غازيا في سبيل الله كما يبين فضل من قام برعاية مصالح الدعاة والغزاة في أهلهم وأموالهم قال الإِمام النووي ﵀ في شرحه لقوله ﷺ: \" فقد غزا \" \" أي حصل له أجر بسبب الغزو، وهذا الأجر يحصل بكل جهاد، وسواء قليله وكثيره، ولكل خالف له في أهله بخير: من قضاء حاجة لهم وإنفاقٍ عليهم، أو مساعدتهم في أمرهم، ويختلف قدر الثواب بقلة ذلك وكثرته \" (٣) وهذا من فضل الله ﷿ على عباده أن جعل من جهز غازيا في سبيل الله ﷿ أو خلفه في أهله، كالغازي في المرتبة؛ لأنه إذا جهزه بماله يجاهد، وإذا خلفه في أهله بخير فكأن المجاهد لم يخرج من بيته؛ لقيام أموره فيه وإصلاح حال أهله، وحمايتهم، ونصرتهم (٤).\nقال الإِمام القرطبي ﵀: \" القائم على مال الغازي وعلى أهله نائب عن الغازي في عمل لا يتأتى للغازي غزوه إلا بأن يكفى ذلك العمل، فصار كأنه يباشر معه الغزو، فليس مقتصرا على النية فقط، بل هو عامل في الغزو، ولما\n_________\n(١) انظر: عارضة الأحوذي، شرح سنن الترمذي، لابن العربي ٤/ ١١٦، وشرح الطيبي على مشكاة المصابيح، ٨/ ٢٦٣٠، وفتح الباري لابن حجر، ٦/ ٥١.\n(٢) شرح صحيح مسلم، ١٣/ ٤٤.\n(٣) شرح صحيح مسلم، ١٣/ ٤٤، وانظر: إكمال إكمال المعلم شرح صحيح مسلم للأبي ٦/ ٦٢٩.\n(٤) انظر: عارضة الأحوذي، شرح سنن الترمذي، لابن العربي، ٤/ ١١٦، وبهجة النفوس، لابن أبي جمرة، ٣/ ١١٦، وشرح الطيبي على مشكاة المصابيح، ٨/ ٢٦٣٠، وفتح الباري لابن حجر، ٦/ ٥٠.","vol":"1","page":308},{"text":"كان كذلك كان له مثل أجر الغازي كاملا. . . \" (١).\nوقد دلت الأحاديث الصحيحة على أن النفقة في سبيل الله ﷿ تضاعف إلى سبعمائة ضعف، وهذا يدخل فيه من جاهد بنفسه ومن لم يجاهد؛ لحديث أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: جاء رجل بناقة مخطومة وقال: هذه في سبيل الله، فقال رسول الله ﷺ: «لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة كلها مخطومة» (٢) وهذا كما قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١] (٣).\nومن فضل الله ﷿ أن من رَغَّبَ في الدعوة أو الجهاد أو غير ذلك من أنواع الطاعات فله مثل أجر من دعا وجاهد وعمل وإن لم يدع، ولم يعمل، ولم يجاهد (٤)؛ ولهذا جاء رجل إلى النبي ﷺ وطلب منه أن يحمله فقال رسول الله ﷺ: \" ما عندي \" فقال رجل: يا رسول الله أنا أدله على من يحمله، فقال رسول الله ﷺ: «من دل على خير فله مثل أجر فاعله» (٥) وهذا فيه أعظم الترغيب في إعانة الدعاة والمجاهدين والمشاركة والدلالة على جميع أنواع الخير.\n_________\n(١) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٣/ ٧٢٩.\n(٢) أخرجه مسلم، في كتاب الإِمارة، باب فضل الصدقة في سبيل الله وتضعيفها ٣/ ١٥٠٥ برقم ١٨٩٢.\n(٣) سورة البقرة، الآية: ٢٦١.\n(٤) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، ٣/ ٧٢٧، وبهجة النفوس، لابن أبي جمرة ٣/ ١١٦، وفتح الباري لابن حجر، ٦/ ٥٠، وشرح رياض الصالحين، لابن عثيمين، ٤/ ٤٥٤.\n(٥) صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب إعانة الغازي في سبيل الله بمركوب وغيره، وخلافته في أهله بخير، ٣/ ١٥٠٦ برقم ١٨٩٣، من حديث أبي مسعود الأنصاري ﵁.","vol":"1","page":309},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-109>[حديث إني أرحمها قتل أخوها معها]</span>\n٥٠ - [٢٨٤٤] حَدَّثَنا موسَى بْن إِسْمَاعِيلَ: حَدَّثَنَا هَمَّام عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عبد الله عَنْ أَنسٍ (١) ﵁، «أَنَّ النَّبِي ﷺ لَمْ يَكنْ يَدْخل بَيْتا بِالْمَدِينَة غَيْرَ بَيْتِ أمِّ سلَيمٍ (٢) إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِه، فَقِيلَ لَه، فَقَالَ: \" إِنِّي أَرْحَمهَا قتِلَ أَخوهَا (٣) مَعِي» (٤).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة.\n٢ - من وسائل الدعوة: زيارة أهل المصائب وتسليتهم.\n٣ - من صفات الداعية: التواضع.\n_________\n(١) تقدمت ترجمته، في حديث رقم ١٤.\n(٢) أم سلَيم أم أنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ يقال اسمها: الرميصاء، وقيل: الغميصاء، وقيل: سهلة، وقيل: رميثة، وقيل: مليكة، واشتهرت بكنيتها: أم سليم، وهي بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام الأنصارية الخزرجية، تزوجت بمالك بن النضر في الجاهلية، فولدت أنساَ في الجاهلية، وأسلمت مع السابقين إلى الإسلام من الأنصار، ومات زوجها مالك، ولم تتزوج حتى قوي أنس بن مالك، وخطبها أبو طلحة واشترطت عليه أن يسلم ومهرها إسلامه فأسلم، فما كان لها مهر إلا الإِسلام، وكان يزورها رسول الله ﷺ فتكرمه ﵂؛ لأنه كان محرما لها، حيث كانت خالته من الرضاعة وقيل من النسب، وشهدت مع رسول الله ﷺ: حنينا وأحدا، واتخذت خنجرا يوم حنين وقالت اتخذته إن دنا مني أحد من المشركين بقرت به بطنه، ولما مات ولدها من أبي طلحة قالت: لا تخبروه، فلما جاء وسأل عنه قالت: هو أسكن ما كان، فظن أنه شفِي، وقام وأكل عشاءه، وأصاب من أهله، فلما أصبحت ذكرته بالله، ورغبته في الصبر والاحتساب ثم أخبرته، فذهب إلى النبي ﷺ ودعا لهما، ورزقت من تلك الليلة بغلام حنكه رسول الله ودعا له وهو عبد الله ورزق أولادا قرأ القرآن منهم عشرة، وقيل ختم القرآن منهم سبعة، وعندما قدم النبي ﷺ المدينة أرسلت أنسا يخدمه وطلبت منه أن يدعو له فدعا له ﷺ بدعوات مباركات تقدمت في ترجمته ﵁، شهد لها رسول الله ﷺ بالجنة حيث قال: \" دخلت الجنة فسمعت خشفة فقلت من هذا؟ قالوا: هذه الغميصاء بنت ملحان أم أنس بن مالك \" رواه مسلم برقم ٢٤٥٦ و٢٤٥٧، روت عن النبي ﷺ أربعة عشر حديثا اتفق البخاري ومسلم على حديث، وانفرد البخاري بحديث ومسلم بحديثين ﵂. انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي ٢/ ٣٠٤ - ٣١١، والإِصابة في تمييز الصحابة لابن حجر ٤/ ٤٦١ - ٤٦٢.\n(٣) هو حرام بن ملحان أخو أم سليم، خال أنس بن مالك، بعثه رسول الله ﷺ في سبعين راكبا في غزوة بئر معونة، وقتل شهيدا، طعن من خلفه فخرج الرمح من صدره فقال: \" الله أكبر فزت ورب الكعبة \" أخرجه البخاري برقم ٤٠٩١. انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي ٢/ ٣٠٧، والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر ١/ ٣١٩.\n(٤) وأخرجه مسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أم سليم، ٤/ ١٩٠٨، برقم ٢٤٥٥.","vol":"1","page":310},{"text":"٤ - من صفات الداعية: الرحمة.\n٥ - من صفات الداعية: الإِحسان.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة: القدوة الحسنة وسيلة نافعة من وسائل الدعوة إلى الله ﷿، وقد ظهر ذلك في قول أنس ﵁: «إن النبي ﷺ لم يكن يدخل بيتا بالمدينة غير بيت أمِّ سليم إلا على أزواجه» وقد وضَّح معنى ذلك لفظ الحديث عند مسلم «كان النبي ﷺ لا يدخل على أحد من النساء إلا على أزواجه إلا على أم سليم» قال الإِمام القرطبي ﵀: \" إنما كان النبي ﷺ لا يدخل على النساء عملا بما شرع من المنع من الخلوة بهنّ؛ وليقْتَدى به في ذلك \" (١) وقال الإِمام النووي ﵀: \" قال العلماء: أراد امتناع الأمة من الدخول على الأجنبيات \" (٢).\nوهذا يبين للداعية أهمية القدوة الحسنة وتأثيرها في حياة المدعوين؛ فإن النبي ﷺ فعل ذلك وهو قدوة الدعاة، وقد ذكر القرطبي ﵀ وغيره من أهل العلم: أن أم سليم كانت محرما للنبي ﷺ من جهة الرضاع (٣) وقيل: كانت خالته من الرضاع أو من النسب (٤).\nفينبغي للداعية أن يبتعد عن الدخول على النساء الأجنبيات؛ لامتثال أمر الشارع؛ وليقتدي به الناس.\nثانيا: من وسائل الدعوة: زيارة أهل المصائب وتسليتهم: ظهر في هذا الحديث أهمية زيارة أهل المصائب وتسليتهم ومشاركتهم في ذلك؛ لأن النبي ﷺ شارك أم سليم في مصيبتها بقتل أخيها في غزوة بئر\n_________\n(١) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٦/ ٣٦٢.\n(٢) شرح صحيح مسلم، ١٦/ ٢٤.\n(٣) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ٦/ ٣٦٢.\n(٤) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ١٦/ ٢٤٣، وشرح الكرماني على صحيح البخاري ١٢/ ١٣٣.","vol":"1","page":311},{"text":"معونة؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀: \" والنبي ﷺ كان يجبر قلب أم سليم بزيارتها، ويعلل ذلك بأن أخاها قتل معه \" (١) فينبغي للداعية أن يعتني بذلك؛ لما فيه من جذب قلوب المدعوين وإدخال السرور عليهم وجبر قلوبهم.\nثالثا: من صفات الداعية: التواضع: إن التواضع من الصفات الحميدة التي ينبغي أن يتصف بها الداعية إلى الله ﷿؛ لأن النبي ﷺ سيد ولد آدم، وله من الفضل والشرف ما ليس لغيره من البشر، ومع ذلك يزور أم سليم، ويدخل السرور على قلبها. قال الإِمام النووي ﵀: \" فيه بيان ما كان عليه ﷺ من الرحمة والتواضع وملاطفة الضعفاء \" (٢).\nفينبغي للداعية أن يتصف بخلق التواضع لله ثم لعباده (٣).\nرابعا: من صفات الداعية: الرحمة: لا ريب أن الرحمة من الصفات العظيمة التي ينبغي لكل مسلم أن يتصف بها وأولى الناس بهذه الصفة الداعية إلى الله ﷿، وقد ظهرت هذه الرحمة في قوله ﷺ لأم سليم: «إني أرحمها قتل أخوها معي» وهذا مصداقا لقوله ﷿: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] (٤) وقال ﷿: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] (٥).\nفينبغي العناية بذلك، ورحمة المدعوين والشفقة عليهم، والله المستعان (٦).\nخامسا: من صفات الداعية: الإحسان: دل مفهوم الحديث على أن الإحسان من الصفات الكريمة؛ وقد حث النبي\n_________\n(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري ٦/ ٥١.\n(٢) شرح صحيح مسلم ١٦/ ٢٤٤.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٤٦، الدرس الثاني عشر، وسيأتي التفصيل إن شاء الله في الحديث رقم ٦٢، الدرس الثالث.\n(٤) سورة آل عمران، الآية: ١٥٩.\n(٥) سورة الأنبياء، الآية: ١٠٧.\n(٦) انظر: الحديث رقم ٥، الدرس الأول، ورقم ٩، الدرس الثالث، ورقم ١٣، الدرس الأول.","vol":"1","page":312},{"text":"ﷺ على الإِحسان إلى المجاهدين بالعناية بأهلهم ورعايتهم فقال: \". . . «ومن خلف غازيا في سبيل الله بخير فقد غزا» (١) فمن غاية الإِكرام للغازي والإِحسان إليه: العناية بأهله ورعاية مصالحهم، والقيام على ما ينفعهم ودفع ما يضرهم، وهذا في حياة الغازي أو الداعية فمن باب أولى إكرام أهله والإِحسان إليهم بعد موته، وهذا يؤخذ من زيارة النبي ﷺ لأم سليم والإِحسان إليها بعد قتل أخيها، قال ﷺ: «إني أرحمها قتل أخوها معي» (٢).\nفينبغي العناية بأهل العالم، والداعية، والمجاهد بعد موتهم إكراما لهم، وإحسانا إليهم، ووفاء بحقهم. والله أعلم.\n_________\n(١) تقدم تخريجه في الحديث رقم ٤٩.\n(٢) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٦/ ٥١، وعمدة القاري للعيني، ١٤/ ١٣٨.","vol":"1","page":313},{"text":"٣٩ -<span data-type=\"title\" id=toc-110> باب التّحّنطِ عنْدَ الْقتَال</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>[حديث ما هكذا كنا نفعل مع رسول الله]</span>\n٥١ - [٢٨٤٥] حَدَّثَنَا عبد الله بْن عَبْدِ الْوَهَّابِ: حَدَّثَنَا خَالِد بْن الحَارِثِ: حَدَّثَنَا ابْن عَوْنٍ، عَن موسَى بْنِ أنس قَالَ: وَذَكَرَ يَوْمَ الْيَمَامَة قَالَ: «أَتَى أنس بن مَالِكٍ (١) ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ (٢) وَقَدْ حَسَرَ عَنْ فَخِذَيْه وَهوَ يَتَحَنَّط فَقَالَ: يَا عَمِّ، مَا يَحْبسكَ أَن لَّا تَجيءَ؟ قَالَ: الآن يَا ابْنَ أَخِي، وَجَعَلَ يَتَحَنَّط - يَعْنِي مِنَ الحنوطِ - ثمَّ جَاءَ فَجَلَسَ، فَذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ انْكِشَافا مِنَ النَّاسِ فَقَالَ: هَكَذا عَنْ وجوهِنَا حَتَّى نضَارِبَ القَوْمَ، مَا هكَذا كنَّا نَفعْل مَعَ رَسولِ الله ﷺ، بِئْسَ مَا عوَّدْتمْ أَقْرَانَكمْ» رَواه حَمَّاد، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أنس.\n* شرح غريب الحديث: * \" حسر عن فخذيه \" أي كشف (٣).\n* \" ما يحبسك \" أي يؤخرك (٤).\n_________\n(١) تقدمت ترجمته، في الحديث رقم ١٤.\n(٢) ثابت بن قيس بن شماس ﵁، أبو عبد الرحمن وقيل: أبو محمد الخزرجي الأنصاري، خطيب الأنصار، وخطيب رسول الله ﷺ، كان من نجباء الصحابة ﵃، وكان جهير الصوت خطيبا بليغا، شهد مع رسول الله ﷺ أحدا وما بعدها، وبشره رسول الله ﷺ بالجنة وأخبره أنه من أهلها، واستشهد يوم اليمامة في خلافة أبي بكر ﵁، سنة إحدى عشرة [واليمامة: سميت باسم جارية زرقاء كانت تبصر الراكب من مسيرة ثلاثة أيام، فاليمامة بلاد سميت باسم هذه المرأة، ووقعت فيها هذه المعركة، وقتل من المسلمين ستمائة وقيل خمسمائة وقيل أربعمائة وخمسون من حملة القرآن، منهم ثابت بن قيس] وكان عليه درع نفيسة عند استشهاده فمر به رجل فأخذها فبينما رجل من المسلمين نائم أتاه ثابت في منامه فقال: إني أوصيك بوصية فإياك أن تقول هذا حلم فتضيعه إني لما قتلت أخذ درعي فلان ومنزله في أقصى الناس وعند خبائه فرس يستن وقد كفى على الدرع برمة وفوق البرمة رحل فأتِ خالدا فمره فليأخذها، وليقل لأبى بكر الصديق ﵃ إن علي من الدين كذا وكذا، وفلان من رقيقي حر، فأتى الرجل خالدا فبعث إلى الدرع فأتي بها على ما وصف، وأخبر أبا بكر ﵁ برؤياه فأجاز وصيته، قال النووي \" قالوا ولا نعلم أحدا أوصى بعد موته فأجيزت وصيته غير ثابت ﵁ \" انظر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر، المطبوع بهامش الإِصابة ١/ ١٩٢، وتهذيب الأسماء واللغات، ١/ ١٣٩، وسير أعلام النبلاء للذهبي ١/ ٣٠٨، والبداية والنهاية لابن كثير، ٦/ ٣٢٥، وشرح الكرماني على صحيح البخاري ١٢/ ١٣٣، والإِصابة في تمييز الصحابة لابن حجر ١/ ١٩٥، وعمدة القاري للعيني ١٤/ ١٣٩.\n(٣) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي، ص ٤٤٨، والنهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير، باب الحاء مع السين، مادة \" حسر \" ١/ ٣٨٣.\n(٤) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٢١٤.","vol":"1","page":314},{"text":"* \" يتحنط \" يستعمل الحنوط، وهو ما يحنَّط به الموتى خاصة من الطيب، والكافور، وإنما كان يتحنط حرصا على الموت، وعزما عليه، واستعدادا له، وتوطين النفس عليه بالصبر على القتال؛ لما رأى من انكشاف الناس (١).\n* \" انكشافا من الناس \" الانكشاف: الفِرار أو الهزيمة (٢).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من موضوعات الدعوة: الحث والتحريض على الجهاد.\n٢ - من صفات الداعية: التلطف ولين الكلام مع الكبير والصغير.\n٣ - من صفات الداعية: الاستعداد للقاء الله ﷿.\n٤ - من صفات الداعية: صحة اليقين وقوته.\n٥ - من صفات الداعية: الشجاعة والثبات.\n٦ - من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة.\n٧ - تأديب المدعو بالكلمة القوية عند الحاجة.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من موضوعات الدعوة: الحث والتحريض على الجهاد. دل هذا الحديث على الحث والتحريض والحض على الجهاد، وتوبيخ من يتكاسل عنه بالكلام المناسب؛ ولهذا قال أنس ﵁ لقيس بن ثابت: «يا عمّ ما يحبسك أن لَّا تجيء؟ \" فقال له: \" الآن يا ابن أخي» وهذا فيه تحريض على الجهاد؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀: \" وفيه التداعي إلى الحرب والتحريض عليها \" (٣).\n_________\n(١) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٤٤٨، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الحاء مع النون، مادة \" حنط \" ١/ ٤٥٠.\n(٢) تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٤٤٨.\n(٣) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٦/ ٥٢، وانظر: عمدة القاري ١٤/ ١٤٠.","vol":"1","page":315},{"text":"وهذا يبين أهمية التحريض على الجهاد كما قال الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [الأنفال: ٦٥] (١) قال الإِمام القرطبي ﵀: \" أي حثهم وحضهم \" (٢).\nثانيا: من صفات الداعية: التلطف ولين الكلام مع الكبير والصغير: دل على ذلك قول أنس ﵁ لثابت بن قيس ﵁: «يا عمِّ ما يحبسك أن لا تجيء» فقوله: \" يا عمِّ \" قال ابن حجر ﵀: \" إنما دعاه بذلك: لأنه كان أسنَّ منه؛ ولأنه من قبيلة الخزرج \" (٣) وقد رد عليه ثابت ﵁ بقوله: «الآن يا ابن أخي».\nوهذا فيه تلطف وإكرام وإجلال، والعرب تتوسع في هذه الكلمات: تلطفا وتوددا، وتعبيرا عن إنزال المخاطب منزلة الابن أو ابن الأخ، أو العم، أو الأب (٤).\n\nوهذا يوضح للداعية مكانة التلطف والتودد وتأثيره في القلوب قال الله ﷾ لموسى وهارون حينما بعثهما إلى فرعون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤] (٥) وهذا يؤكد العناية بهذه الصفة الحميدة. (٦).\nثالثا: من صفات الداعية الاستعداد للقاء الله ﷿: من الأمور المهمة أن يكون المسلم وخاصة الداعية إلى الله ﷿ على استعداد تام للموت، وذلك بالتوبة من الذنوب، وإصلاح العمل، والقيام بالواجبات، والابتعاد عن المحرمات، وقد دل هذا الحديث على العناية بالاستعداد للموت والتأهب له وذلك بفعل ثابت بن قيس بتحنطه قبل القتال ﵁ استعدادا للقاء الله، ورغبة في الانتقال من هذه الدنيا على أحسن حال (٧) وهذا\n_________\n(١) سورة الأنفال، الآية: ٦٥.\n(٢) الجامع لأحكام القرآن ٨/ ٤٦.\n(٣) فتح الباري ٦/ ٥٢، وانظر: عمدة القاري ١٤/ ١٣٩.\n(٤) انظر: منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري، لحمزة محمد قاسم ٤/ ٩٨.\n(٥) سورة طه، الآية: ٤٤.\n(٦) انظر: الحديث رقم ١٠، الدرس الثالث.\n(٧) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير ١/ ٤٥٠.","vol":"1","page":316},{"text":"يؤكد العناية بذلك عناية خاصة فائقة؛ لأن الإِنسان لا يدري متى يدركه الأجل، والله المستعان (١).\nرابعا: من صفات الداعية: صحة اليقين وقوته: من الصفات العظيمة التي ينبغي أن يتصف بها الداعية: صحة اليقين وقوته؛ ولهذا تحنَّط ثابت بن قيس ﵁ استعدادا للشهادة في سبيل الله تعالى، وثقة بالله ﷿ أن يثيبه، وهذا يدل على قوة يقينه ورغبته فيما عند الله ﷿ موقنا بذلك؛ لعلمه بأن الله ﷿ لا يخلف وعده؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀: \" وفيه قوة ثابت بن قيس، وصحة يقينه ونيته \" (٢).\nفينبغي للداعية أن يحسن ظنه بالله ويوقن إيقانا صادقاَ بأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا (٣).\nخامسا: من صفات الداعية: الشجاعة والثبات: دل الحديث على أن الشجاعة والثبات من أعظم الصفات التي ينبغي للداعية أن يتصف بها، وقد ظهرت هذه الصفة في فعل ثابت بن قيس ﵁، وإقدامه إلى المعركة بقوة ونشاط وعزيمة صادقة؛ ولهذه الشجاعة قال لأصحابه؛ \" هكذا عن وجوهنا حتى نضارب القوم، ما هكذا كنا نفعل مع رسول الله ﷺ \" والمعنى: افسحوا لي حتى أقاتل (٤) قال الحافظ ابن حجر ﵀: \" وفيه الإِشارة إلى ما كان الصحابة عليه في عهد النبي ﷺ من الشجاعة والثبات في الحرب \" (٥).\nفينبغي أن يكون الداعية متصفا بالشجاعة العقلية والقلبية والأدبية (٦).\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ١، الدرس الثالث.\n(٢) فتح الباري ٦/ ٥٢، وانظر: عمدة القاري للعيني ١٤/ ١٤٠.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٢٨، الدرس الرابع.\n(٤) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٦/ ٥٢.\n(٥) المرجع السابق ٦/ ٥٢، وانظر: عمدة القاري للعيني ١٤/ ١٤٠.\n(٦) انظر: الحديث رقم ٣٥، الدرس الخامس.","vol":"1","page":317},{"text":"سادسا: من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة: ظهر في هذا الحديث أن القدوة الحسنة من وسائل الدعوة إلى الله ﷿؛ ولهذا قال ثابت بن قيس ﵁: \" ما هكذا كنا نفعل مع رسول الله ﷺ \" والمعنى أن الصف في القتال لا ينصرف عن موضعه في زمن النبي ﷺ بل يثبتون في قتالهم ولا يتقهقرون (١) فقد اقتدى ﵁ بفعله هو وأصحاب النبي ﷺ في عهده، وأرشد المجاهدين بهذه الكلمة إلى ما كان عليه الصحابة مع النبي ﷺ من الثبات في قتال عدوهم (٢). وهذا يبين أهمية هذه الوسيلة في الدعوة إلى الله وأن الداعية ينبغي بل يلزمه أن يكون قدوة صالحة حسنة لغيره (٣).\nسابعا: تأديب المدعو بالكلمة القوية عند الحاجة: لا ريب أن المدعوين يختلفون على حسب أحوالهم، وعقولهم، والداعية يخاطبهم مراعيا في ذلك ما ينفعهم على حسب أحوالهم؛ لأنه كالطبيب الحاذق الذي يقدم الدواء على حسب الداء، ومن هذا الدواء والعلاج تأديب بعض المدعوين بالكلام القوي، والزجر عما يضرهم، وقد ظهر هذا التأديب في كلام ثابت بن قيس ﵁ في هذا الحديث لأصحابه بقوله: \" بئس ما عودتم أقرانكم \" قال الحافظ ابن حجر ﵀: \" وأراد ثابت بن قيس بقوله هذا توبيخ المنهزمين! أي عودتم نظراءكم في القوة من عدوكم الفرار منهم حتى طمعوا فيكم \" (٤) وهذا يبين أهمية تأديب المدعو بالكلام إذا ظهرت المصلحة وانتفت المفسدة؛ ولهذا كان النبي ﷺ يستخدم الكلمة القوية عند الحاجة إليها، فعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ رأى خاتما من ذهب في يد رجل فنزعه وطرحه، وقال: «يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده» (٥).\n_________\n(١) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٦/ ٥٢، وعمدة القاري للعيني ١٤/ ١٤٠، ومنار القاري في شرح مختصر صحيح البخاري، لحمزة محمد قاسم ٤/ ٩٨.\n(٢) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٦/ ٥٢، وعمدة القاري للعيني، ١٤/ ١٤٠.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٣، الدرس الثالث.\n(٤) فتح الباري ٦/ ٥٢، وانظر: عمدة القاري للعيني، ١٤/ ١٤٠.\n(٥) صحيح مسلم، كتاب اللباس، باب تحريم خاتم الذهب على الرجال، ٣/ ١٦٥٥، برقم ٢٠٩٠.","vol":"1","page":318},{"text":"وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ مرّ على صبرة طعام فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللا، فقال: «ما هذا يا صاحب الطعام؟ \" قال: أصابته السماء يا رسول الله، قال: \" أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس؟ من غشّ فليس مني» (١) واستعمل رسول الله ﷺ على الصدقة ابن اللتبية فجاء بالمال فدفعه إلى النبي ﷺ فقال: «هذا مالكم وهذه هدية أهديت لي، فقال له النبي ﷺ: \" أفلا قعدت في بيت أبيك وأمك فتنظر أيهدى إليك أم لا»؟ \" (٢).\nفينبغي للداعية جلب المصالح ودفع المفاسد؛ فإن تعارضت المصالح والمفاسد دفعت أعظم المفسدتين أو الضررين باحتمال أيسرهما، وجلبت أعظم المصلحتين بترك أيسرهما، ودفع المفاسد مقدم على جلب المصالح (٣).\n_________\n(١) صحيح مسلم، كتاب الإِيمان، باب قوله ﷺ \" من غشنا فليس منا \" ١/ ٩٩ برقم ١٠٢.\n(٢) متفق عليه: البخاري، ٧/ ٢٧٨، برقم ٦٦٣٦، ومسلم، ٣/ ١٤٦٣، برقم ١٨٣٢، وتقدم تخريجه في الحديث رقم ٤، آخر الدرس الرابع، ص ٦٩.\n(٣) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٣/ ١٩٤، وإعلام الموقعين لابن القيم، ٣/ ١٥ - ١٧، وفتح الباري لابن حجر، ١/ ٣٢٥.","vol":"1","page":319},{"text":"٤٠ -<span data-type=\"title\" id=toc-112> بَاب فَضلِ الطلِيعةِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>[حديث لكل نبي حواري وحواري الزبير]</span>\n٥٢ - [٢٨٤٦] حَدَّثَنَا أَبو نعَيمٍ: حَدَّثَنَا سفْيَان، عَنْ محَمَّدِ بْنِ المنكَدِرِ، عَنْ جَابِر (١). ﵁ قَالَ: «قَالَ النَّبِي ﷺ: \" مَنْ يأتيني بِخَبَرِ الْقَوْمِ؟ \" يَوْمَ الأحْزَاب، قَالَ الزّبَيْر (٢) أنا. ثَمَّ قَالَ: \" مَنْ يأتيني بِخَبَرِ الْقَوْمِ؟ \" قَالَ الزّبَيْر: أنا. فَقَالَ النَّبِي ﷺ: \" إِنَّ لِكلِّ نَبي حَوَارِيّا وَحَوَارِي الزّبير» (٣).\nوفي رواية: «نَدَب النَّبِي ﷺ النَّاسَ فَانْتَدَبَ الزّبَيْر، ثمَّ نَدَبَ النَّاسَ فَانْتَدَبَ الزّبَيْر، ثمَّ نَدَبَ النَّاسَ فَانْتَدَبَ الزّبَيْر، قَالَ النَّبِي ﷺ: \" إِنَّ لِكلِّ نِبي حَوَاريّا.\n_________\n(١) جابر بن عبد الله، تقدمت ترجمته في الحديث رقم ٣٢.\n(٢) الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد يلتقي مع النبي ﷺ في قصي، وأمه صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ. أسلم الزبير ﵁ قديما وهو ابن خمس عشرة سنة، وقيل ست عشرة سنة، وقيل أقل من ذلك، وكان إسلامه بعد إسلام أبي بكر ﵁ بقليل، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راضٍ، وهاجر الزبير ﵁ إلى الحبشة ثم إلى المدينة، وكان أول من سل سيفا في سبيل الله ﷿، شهد بدرا وما بعدها مع رسول الله ﷺ، وشهد اليرموك، وفتح مصر، وكان بالزبير ثلاث ضربات بالسيف كان ابنه عبد الله يدخل يده فيها: اثنتان يوم بدر وواحدة باليرموك [البخاري برقم ٣٧٢١] وكان من الذين استجابوا لله ورسوله من بعد ما أصابهم القرح يوم أحد، وقال النبي ﷺ يوم الأحزاب \" من يأتيني بخبر القوم \" فقال الزبير: أنا قال ذلك ثلاث مرات. والزبير ﵁ يقول أنا. فقال ﷺ \" إن لكل نبي حواريا وحواري الزبير \" وذكر الإِمام النووي من مناقبه أنه كان له ألف مملوك يؤدون إليه الخراج فيتصدق به في مجلسه، وما يقوم بدرهم منه. وذكر ابن حجر أن عثمان والمقداد، وابن مسعود، وابن عوف، ومطيع بن الأسود، وأبا العاص ﵃ أوصوا إلى الزبير فكان يحفظ أموالهم وينفق على أولادهم من ماله. وقصته في وفاء دينه وفيما وقع في تركته من البركة مذكورة في صحيح البخاري، في كتاب الخمس، باب بركة الغازي في ماله حيا وميتا، برقم ٣١٢٩. وكان الزبير ﵁ قد قابله علي بن أبي طالب ﵁ يوم معركة الجمل فذكره علي بحديث عن رسول الله ﷺ يدل على أن عليا على الحق، فأقر الزبير ﵁ بذلك، وذكر أنه أنسي هذا الحديث ثم انصرف وترك القتال راجعا فلحقه بعض الغواة فقتلوه ﵁ مظلوما وذلك في سنة ستة وثلاثين وله ست أو سبع وستون سنة ﵁. انظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي ١/ ١٩٤، وسير أعلام النبلاء للذهبي ١/ ٤١، والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، ١/ ٥٤٥.\n(٣) [الحديث ٢٨٤٦] أطرافه في: كتاب الجهاد والسير، باب هل يبعث الطليعة وحده، ٣/ ٢٨٣، برقم ٢٨٤٧. وكتاب الجهاد والسير، باب السير وحده، ٤/ ٢١، برقم ٢٩٩٧. وكتاب فضائل أصحاب النبي ﷺ، باب مناقب الزبير بن العوام ﵁، ٤/ ٢٥٣، برقم ٣٧١٩. وكتاب المغازي، باب غزوة الخندق وهي الأحزاب، ٥/ ٥٨ و٥٩، برقم ٤١١٣. وكتاب أخبار الآحاد، باب بعث النبي ﷺ الزبير طليعة وحده، ٨/ ١٧٢، برقم ٧٢٦١. وأخرجه مسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل طلحة والزبير ﵄، ٤/ ١٨٧٩، برقم ٢٤١٥.","vol":"1","page":320},{"text":"وإِنَّ حَوَارِي الزّبير بن العَوَّامِ» (١).\nوفي رواية: «مَنْ يأتينا بِخَبَرِ القَوْمِ؟ \" فَقَالَ الزّبَيْر: أنا. ثمَّ قَالَ: \" مَنْ يَأْتِينَا بخَبَرِ الْقَوْمِ؟ \" فَقَالَ الزّبَيْر: أنا. ثمَّ قَالَ: \" مَنْ يَأْتِينَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ؟ \" فَقَالَ الزّبَيْر: أنا. ثمَّ قَالَ: \" إِنَّ لِكلِّ نَبِي حَوَارِيّا، وإِنَّ حَوَارِي الزّبَيْر» (٢).\nوفي رواية: قَالَ سفْيَان: حَفِظْته مِنْ ابْنِ المنكَدِرِ، وَقَالَ لَه أَيّوب: يَا أَبَا بَكْرٍ، حدّثْهمْ عَنْ جَابِرٍ؛ فَإِنَّ الْقَوْمَ يعْجِبهمْ أَنْ تحَدِّثَهمْ عَنْ جَابِرٍ، فَقَالَ فِي ذَلِكَ المَجْلِسِ: سَمِعْت جَابِرا، فَتَتَابَعَ بَيْنَ أَحَادِيثَ سَمِعْت: جَابِرا، قلْت لِسفْيَانَ: فَإِنَّ الثَّوْرِي يَقول: يَوْمَ قرَيْظَة، فَقَالَ: كَذَا حَفِظْته مِنْه كَمَا أنكَ جَالِس: \" يَوْمَ الْخَنْدَقِ \" قَالَ سفْيَان: هوَ يَوْم وَاحِد، وتَبَسَّمَ سفْيَان (٣).\nوفي رواية: \" قَالَ سفْيَان: الْحَوَارِي: النَّاصِر \" (٤).\n* شرح غريب الحديث: * «إن لكل نبي حواريّا» الحواري: الناصر المجتهد في النصر، والخاصة من الأصحاب، ومنه الحواري من الطعام، وهو: ما بيِّض واجتهد في تبييضه. والحواري: أصله: من التحوير: وهو التبييض (٥).\n* \" ندب. . . فانتدب \" يقال: ندبت الرجل للأمر أو للجهاد فانتدب: أي بعثته ودعوته فأجاب (٦).\n_________\n(١) الطرف رقم ٢٨٤٧.\n(٢) الطرف رقم ٤١١٣.\n(٣) من الطرف رقم ٧٢٦١.\n(٤) من الطرف رقم ٢٩٩٧.\n(٥) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين، للحميدي ص ٢٠٩، والنهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير، باب الحاء مع الواو، مادة: \" حور \" ١/ ٢٥٧ - ٢٥٨.\n(٦) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين، للحميدي، ص ٣٣٠، ٣٣٦، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب النون مع الدال، مادة \" ندب \" ٥/ ٣٤.","vol":"1","page":321},{"text":"* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من موضوعات الدعوة: الحض على الجهاد.\n٢ - من فقه الدعوة: معرفة أحوال المدعوين.\n٣ - من صفات الداعية: الشجاعة.\n٤ - من صفات الداعية: صحة اليقين وقوته.\n٥ - سرعة استجابة المدعو لله ولرسوله ﷺ.\n٦ - أهمية نصر الداعية وشد عضده.\n٧ - من أساليب الدعوة: التأكيد والتكرار.\n٨ - من أساليب الدعوة: الحوار.\n٩ - من صفات الداعية: الدقة والضبط في نقل الحديث.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من موضوعات الدعوة: الحض على الجهاد. دل هذا الحديث على أن من موضوعات الدعوة الحث على الجهاد والتحريض عليه؛ لفعل النبي ﷺ في هذا الحديث وندبه الناس في قول جابر ﵁: «ندب النبي الناس فانتدب الزبير» قال الإِمام النووي ﵀ في هذا المعنى؛ \" أي دعاهم للجهاد وحرضهم عليه فأجابه الزبير \" (١) وهذا يبين أهمية العناية بالحث على الجهاد والحض عليه (٢).\nثانيا: من فقه الدعوة: معرفة أحوال المدعوين: لا شك أن من فقه الدعوة معرفة الداعية لأحوال المدعوين؛ لمعرفة ما هم عليه، وللحذر من مكائد الأعداء، والاستعداد لهم بما يناسبهم من دعوة أو\n_________\n(١) شرح صحيح مسلم، ١٥/ ١٩٧، وانظر إكمال إكمال المعلم للأبي ٨/ ٢٥٨، وعمدة القاري للعيني، ٨/ ٢٥٨.\n(٢) انظر الحديث رقم ١٨، الدرس الثاني.","vol":"1","page":322},{"text":"جهاد، وقد قال الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١] (١) وقال ﷿: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٥] (٢) والله ﷿ قد بين سبيل المؤمنين مفصَّلة وسبيل المجرمين مفصَّلة (٣) وقوله ﷾: ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٥] قال الإِمام الطبري ﵀ على قراءة الرفع ﴿سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٥] وكأن معنى الكلام عندهم: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ [الأنعام: ٥٥] ولتتضح لك وللمؤمنين طريق المجرمين \" وقال على قراءة من قرأه بالنصب (وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلَ الْمجْرِمِينَ) \" كأن معناه عندهم: ولتستبين، أنت يا محمد [أو يا مخاطب] سبَيلَ المجرمين \" ثم قال ﵀: وأولى القراءتين بالصواب عندي في \" السبيل \" الرفع؛ لأن الله تعالى ذِكْره فصَّل آياته في كتابه وتنزيله؛ ليتبين الحقَّ بها من الباطل جميع من خوطب بها، لا بعض دون بعض (٤) وقال الإِمام ابن القيم ﵀: \" فالعالمون بالله وكتابه ودينه عرفوا سبيل المؤمنين معرفة تفصيلية، وسبيل المجرمين معرفة تفصيلية، فاستبان لهم السبيلان \" (٥).\nوقد دل هذا الحديث على أهمية معرفة أحوال الأعداء في قوله ﷺ: «من يأتينا بخبر القوم. . . \" \" وانتدب الناس فانتدب الزبير» وهذا يوضح للداعية أهمية معرفة أحوال المدعوين؛ ليقدم للمستجيبين منهم ما يناسبهم، وَليَحْذَرَ كيد الكائدين منهم؛ ولهذا قال ﷺ لمعاذ ﵁ حينما أرسله إلى اليمن: «إنك تأتي قوما أهل كتاب». . . \" (٦). فبين له حالهم؛ ليستعد لهم بما يناسبهم.\n\nثالثا: من صفات الداعية: الشجاعة: ظهرت في هذا الحديث شجاعة الزبير بن العوام ﵁ حينما انتدب النبي\n_________\n(١) سورة النساء، الآية: ٧١.\n(٢) سورة الأنعام، الآية: ٥٥.\n(٣) انظر: الفوائد، لابن القيم ص ٢٠١، والضوء المنير على التفسير من كتب ابن القيم لعلي الصالحي ٣/ ٣٧.\n(٤) جامع البيان عن تأويل آي القرآن ١١/ ٣٩٥، وانظر كتاب مشكل إعراب القرآن، لمكي بن أبي طالب القيسي، ١/ ٢٦٩، وتفسير البغوي ٢/ ١٠١، وتفسير ابن كثير ٢/ ١٣٧، وفتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، للشوكاني ٢/ ١٢٠.\n(٥) الفوائد ص ٢٠١.\n(٦) متفق عليه من حديث ابن عباس ﵄: البخاري، كتاب الزكاة، باب لا تؤخذ كرائم أموال الناس في الصدقة ٢/ ١٥٢ برقم ١٤٥٨، ومسلم، في كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا اله وشرائع الإسلام ١/ ٥ برقم ١٩.","vol":"1","page":323},{"text":"ﷺ الناس فانتدب الزبير ثلاث مرات؛ ولهذا قال العلامة القسطلاني ﵀؛ \" فيه منقبة للزبير وقوة قلبه وشجاعته \" (١).\nفينبغي للداعية أن يكون شجاعا: قلبيّا، وأدبيّا: حسيّا ومعنويّا (٢).\nرابعا: من صفات الداعية: صحة اليقين وقوته: دل هذا الحديث على صحة يقين الزبير ﵁ وقوته؛ فإنه كان أوَّلَ الناس في إجابة النبي ﷺ حينما ندب الناس؛ لقوة يقينه ورغبته فيما عند الله ﷿، قال الحافظ ابن حجر ﵀: \" فيه منقبة للزبير، وقوة قلبه، وصحة يقينه \" (٣) ﵁ ورحمه (٤).\nخامسا: أهمية سرعة استجابة المدعو لله ولرسوله ﷺ: إن سرعة الاستجابة لله ولرسوله ﷺ من أهم المهمات، ومن أعظم القربات؛ لأن بها تحصل السعادة في الدنيا والآخرة، وقد دل هذا الحديث على أهمية سرعة استجابة المدعو عندما قال ﷺ: «من يأتينا بخبر القوم \" فقال الزبير: أنا». وانتدب ﷺ الناس فانتدب الزبير فكان ﵁ أسرع الصحابة في الاستجابة لرسول الله ﷺ قال الإِمام الكرماني: \" فانتدب الزبير، أي أجاب وأسرع \" (٥).\nفينبغي لكل مسلم وخاصة الداعية أن يكون مستجيبا لله ولرسوله ﷺ على الفور لكل ما كلف به (٦).\nسادسا: أهمية نصر الداعية وشَدِّ عَضده: ظهر في هذا الحديث أن نصر الداعية وإعانته، ومؤازرته من أهم المهمات؛ ولهذا عندما ندب النبي ﷺ الناس فانتدب الزبير ثلاث مرات قال ﷺ: «إن\n_________\n(١) إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري ٥/ ٦٨، وانظر: فتح الباري لابن حجر ٦/ ٥٣.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٣٥، الدرس الخامس.\n(٣) فتح الباري، ٦/ ٥٣، وانظر: ١٣/ ٢٤٠.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٢٨، الدرس الرابع، ورقم ٥١، الدرس الرابع.\n(٥) شرح الكرماني على صحيح البخاري ٢٥/ ٢٢، وانظر: فتح الباري لابن حجر، ١٣/ ٢٣٩.\n(٦) انظر: الحديث رقم ٤٦، الدرس التاسع عشر.","vol":"1","page":324},{"text":"لكل نبي حواريا وحواري الزبير» والحواري هو الناصر والخاصة من الأصحاب، والصحابة ﵃ كلهم كانوا أنصارا لرسول الله ﷺ بلا ريب، ولكن الزبير ﵁ كان له اختصاص بالنصرة وزيادة فيها، ولاسيما في يوم الأحزاب (١).\nفينبغي لكل مسلم أن ينصر الدعاة إلى الله ﷿ ويعينهم بقوله وفعله؛ ولأهمية هذه النصرة سأل موسى ﷺ ربه أن يجعل له من يؤازره من أهله ويعينه وينصره فاستجاب الله ﷾ له، كما بيَّن الله ﷿ ذلك في القرآن الكريم بقوله: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي - هَارُونَ أَخِي - اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي - وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي - كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا - وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا - إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا - قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾ [طه: ٢٩ - ٣٦] (٢) وقال ﷿: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ [القصص: ٣٥] (٣). وهذا يبين أهمية نصر الدعاة إلى الله ﷿ والشد من أزرهم.\nسابعا: من أساليب الدعوة: التأكيد والتكرار: إن النبي ﷺ استخدم هذا الأسلوب في هذا الحديث؛ وذلك بإعادة الكلام ثلاث مرات بقوله ﷺ: «من يأتينا بخبر القوم» وقد كان ﷺ يكَرِّر الكلام عند الحاجة لذلك حتى يفهم عنه، فعن أنس ﵁ عن النبي ﷺ «أنه كان إذا تكلَّم بكلمة أعادها ثلاثا حتى تفهم عنه. .» (٤).\nفينبغي للداعية أن يعتني بهذا الأسلوب عند الحاجة إليه (٥).\nثامنا: من أساليب الدعوة: الحوار: دل هذا الحديث على أسلوب الحوار الهادي المثمر بين أيوب السختياني،\n_________\n(١) انظر: مشكل الآثار للطحاوي، ٩/ ٩٤، وشرح السنة، للبغوي، ١٤/ ١٢٢، وشرح الكرماني على صحيح البخاري، ٢٥/ ٢٢، وعمدة القاري للعيني، ٢٥/ ١٨، وشرح ثلاثيات مسند الإمام أحمد بن حنبل، للسفاريني، ١/ ١٩٩.\n(٢) سورة طه، الآيات: ٢٩ - ٣٦.\n(٣) سورة القصص، الآية: ٣٥.\n(٤) البخاري، كتاب العلم، باب من أعاد الحديث ثلاثا ليفهم عنه فقال: \" ألا وقول الزور \" فما زال يكررها، وقال ابن عمر قال النبي ﷺ: \" هل بلغت \" ثلاثا، ١/ ٣٧، برقم ٩٥.\n(٥) انظر: الحديث رقم ٧، الدرس الثاني عشر.","vol":"1","page":325},{"text":"وأبي بكر محمد بن المنكدر، وبين علي بن المديني شيخ البخاري وسفيان بن عيينة ﵏، وفي نهاية الحوار قال سفيان: هو يوم واحد وتبسم. وقد أثمر هذا الحوار على أن لفظة \" يوم قريظة \" في الحديث، ويوم \" الخندق \" في الرواية الأخرى، و\" يوم الأحزاب \" في الرواية الأولى كلها تدل على معنى واحد؛ وذلك أنه أريد بقوله \" يوم قريظة \" أي اليوم الذي أراد ﷺ أن يعلم فيه خبر بني قريظة وهو لا يزال في الخندق. قال الكرماني ﵀: \" إذ الثلاثة في زمن واحد \" (١) وقال ابن حجر ﵀: \" وقعة الخندق دامت أياما آخرها لما انصرفت الأحزاب ورجع النبي ﷺ وأصحابه إلى منازلهم جاء جبريل ﵇ بين الظهر والعصر فأمره بالخروج إلى بني قريظة فخرجوا \" (٢) وهذا يبين أهمية الحوار في الدعوة إلى الله ﷿ (٣).\nتاسعا: من صفات الداعية: الدقة والضبط في نقل الحديث: دلت هذه المحاورة في هذا الحديث على عناية السلف الصالح رحمهم الله تعالى بالدقة والعناية بضبط الحديث حتى يصل إلى الناس سليما من الخطأ والتصحيف، والكذب (٤) وهذا يبين للداعية أهمية الالتزام بذلك في نقله للعلم وتبليغه للناس (٥).\n_________\n(١) شرح الكرماني على صحيح البخاري ٢٥/ ٢٢، وانظر: عمدة القاري للعيني ٢٥/ ١٨.\n(٢) فتح الباري ١٣/ ١٤٠.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٢٨، الدرس السادس.\n(٤) انظر: شرح الكرماني على صحيح البخاري ٢٥/ ٢٢، وفتح الباري لابن حجر ١٣/ ١٤٠ وعمدة القاري للعيني ٢٥/ ١٨.\n(٥) انظر: الحديث ٢١، الدرس العاشر.","vol":"1","page":326},{"text":"٤٣ -<span data-type=\"title\" id=toc-114> باب: الخيل معقود فِي نواصيها الخير إلى يوم القيامة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>[حديث الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة]</span>\n٥٣ - [٢٨٤٩] حَدَّثَنَا عبد الله بْن مَسْلَمَة: حَدَّثنَا مَالِك، عَنْ نافعٍ، عَنْ عبد الله بْنِ عمَرَ (١) ﵄ قَالَ: قَالَ رَسول الله ﷺ: «الْخَيْل فِي نَواصِيهَا الْخَير إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة» (٢).\nوفي رواية: «الْخَيْل مَعْقود فِي نَوَاصيهَا الْخَيْر إِلى يَوْمِ الْقِيَامَة» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>[حديث الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة]</span>\n٥٤ - [٢٨٥٠] حَدَّثَنَا حَفْص بْن عمَرَ: حَدَّثَنَا شعْبَة، عَنْ حصَيْنٍ، وابْنِ أبِي السَّفَرِ، عَنْ الشَّعْبِي، عَنْ عرْوَة (٤) بْنِ الجَعْدِ، عَنِ النَّبي ﷺ قَالَ: «الْخَيْل مَعْقود فِي نَواصِيهَا الْخَيْر إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة».\nقَالَ سلَيْمَان: عَنْ شعْبَة: \" عَنْ عرْوَة بْنِ أَبِي الجَعْدِ \": تَابَعَه مسدَّد، عَنْ هشَيْمٍ، عَنْ حصَينٍ، عَن الشَّعْبِي: \" عَنْ عرْوَة بْنِ أَبِي الجَعْدِ \" (٥).\nوفي رواية: «الْخَيْل مَعْقود فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْر إِلَى يَوْمِ الْقِيَامة: الأَجْر والْمَغْنَم» (٦).\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ١.\n(٢) [الحديث ٢٨٤٩] طرفه في كتاب المناقب، باب، ٤/ ٢٢٦، برقم ٣٦٤٤. وأخرجه مسلم في كتاب الإمارة، باب الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، ٣/ ١٤٩٢، برقم ١٨٧١.\n(٣) الطرف رقم ٣٦٤٤.\n(٤) هو عروة بن الجعد ويقال ابن أبي الجعد البارقي ﵁، وهو الذي أرسله رسول الله ﷺ بدينار؛ يشتري له به شاة، واشترى له بشاتين فباع إحداهما بدينار وجاءه بدينار وشاة، فدعا له بالبركة في بيعه، وكان لو اشترى التراب لربح فيه [رواه البخاري برقم ٣٦٤٢] وعند الإمام أحمد في المسند ٤/ ٣٧٦ أن النبي ﷺ قال لعروة \" اللهم بارك له في صفقة يمينه \" فكان يقف في الكوفة ويربح أربعين ألفا قبل أن يرجع إلى أهله. وكان ﵁ ممن حضر فتوح الشام ونزلها، ثم سيره عثمان إلى الكوفة وحديثه عند أهلها، وكان يَعد العدد للجهاد وكان معه عدة أفراس، منها فرس اشتراه بعشرة آلاف درهم، ولهذا قال شبيب بن غرقدة: وقد رأيت في داره سبعين فرسا [رواه البخاري، برقم ٣٦٤٣] روي له عن النبي ﷺ ثلاثة عشر حديثا اتفق البخاري ومسلم منها على حديث، واستعمله عمر ﵁ على قضاء الكوفة قبل شريح. انظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي ١/ ٣٣١، والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر ٢/ ٤٧٦.\n(٥) [الحديث ٢٨٥٠] أطرافه في: كتاب الجهاد والسير، بَاب الجهاد ماض مع البر والفاجر، ٣/ ٢٨٤، برقم ٢٨٥٢. وكتاب فرض الخمس، باب قول النبي ﷺ \" أحلت لكم الغنائم \"، ٤/ ٦٠، برقم ٣١١٩. وكتاب المناقب، باب، ٤/ ٢٢٦، برقم ٣٦٤٣. وأخرجه مسلم في كتاب الإمارة، باب الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، ٣/ ١٤٩٣، برقم ١٨٧٣.\n(٦) الطرف رقم ٢٨٥٢.","vol":"1","page":327},{"text":"وفي رواية: «الْخَيْل مَعْقود فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْر، والأَجْر، والْمَغْنَم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة» (١).\nوفي رواية: عن شبيب عن عروة: «الْخَيْر مَعْقود بِنَوَاصِي الْخَيْلِ إِلَي يَوْمِ الْقِيَامَة»، قَالَ: وَقَدْ رَأَيْت فِي دَارِه سَبْعينَ فَرَسا. قَالَ سفْيَان: \" يَشْتَرِي لَه شَاة كأنها أضحِيَّة \" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-117>[حديث البركة في نواصي الخيل]</span>\n٥٥ - [٢٨٥١] حَدَّثَنَا مسَدَّد: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن سَعِيدٍ عَنْ شعْبَة، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَس بْنِ مَالِكٍ (٣) ﵁ قَالَ: قَالَ رَسول الله ﷺ: «الْبَرَكَة فِي نَوَاصِي الْخَيْلِ» (٤).\nوفي رواية: «الْخَيْل مَعْقود فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْر» (٥).\n* شرح غريب الأحاديث: * \" معقود في نواصيها الخير \" أي ملازم لها كأنه معقود فيها (٦). والناصية مقدم الرأس، وشعر مقدم الرأس إذا طال (٧).\n* الدراسة الدعوية للأحاديث: في هذه الأحاديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من موضوعات الدعوة: الحض على الإِعداد للجهاد لإِعلاء كلمة الله ﷿.\n٢ - من صفات النبي ﷺ: الفصاحة والبلاغة.\n٣ - من معجزات النبي ﷺ: الإِخبار بالمغيبات.\n_________\n(١) الطرف رقم ٣١١٩.\n(٢) الطرف رقم ٣٦٤٣.\n(٣) أنس بن مالك ﵁، تقدمت ترجمته في الحديث رقم ١٤.\n(٤) [الحديث ٢٨٥١] طرفه في كتاب المناقب، باب، ٤/ ٢٢٦، برقم ٣٦٤٥. وأخرجه مسلم في كتاب الإمارة، باب الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، ٣/ ١٤٩٤، برقم ١٨٧٤.\n(٥) الطرف رقم ٣٦٤٥.\n(٦) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب العين مع القاف، مادة \" عقد \" ٣/ ٣٧١.\n(٧) المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، مادة: \" نصا \" ٢/ ٩٢٧.","vol":"1","page":328},{"text":"٤ - من خصائص الإِسلام: البقاء إلى يوم القيامة.\n٥ - من أساليب الدعوة: الترغيب.\n٦ - من أساليب الدعوة: التشبيه.\n٧ - من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من موضوعات الدعوة: الحض على الإعداد للجهاد لإعلاء كلمة الله ﷿: دلت هذه الأحاديث الثلاثة على الحض على الإِعداد للجهاد في سبيل الله تعالى؛ لإِعلاء كلمة الله ﷿؛ لأن في قوله ﷺ: «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة» وفي قوله ﷺ: «البركة في نواصي الخيل» حث على الإعداد للجهاد؛ قال الإِمام ابن عبد البر ﵀: في هذا الحديث الحض على اكتساب الخيل، وفيه تفضيلها على سائر الدواب، لأنَّه ﷺ لم يأتِ عنه في غيرها مثل هذا القول، وذلك تعظيم منه؛ لشأنها، وحض على اكتسابها، ونَدْب لارتباطها في سبيل الله، عدَّة للقاء العدوِّ، إذ هي من أقوى الآلات في الجهاد، فالخيل المعدة للجهاد هي التي في نواصيها الخير، وما كان معدّا منها للفتن وسلب المسلمين فتلك كما قال ابن عمر \" خيل الشيطان \" (١).\nوهذا يوضح العناية بالإِعداد للجهاد في سبيل الله ﷿ بكل ما يستطيعه المسلمون من قوة (٢) وذلك باتخاذ الأسباب وآلات الحرب لإِرهاب أعداء الله، ولكل زمان ما يناسبه: من خيل، أو مدافع، أو مدرعات، أو مصفحات، أو طائرات جوية، أو سفن بحرية (٣)؛ لقوله ﷿: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] (٤).\n_________\n(١) الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار ٤/ ٣٠٢.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٢، الدرس الثالث.\n(٣) انظر: شرح ثلاثيات مسند الإمام أحمد لمحمد السفاريني، ٢/ ٥٨١، والمنهل العذب الفرات من الأحاديث الأمهات من صحيح الإِمام البخاري، لعبد العال أحمد، ٣/ ٢١٣.\n(٤) سورة الأنفال، الآية: ٦٠.","vol":"1","page":329},{"text":"ثانيا: من صفات النبي ﷺ: الفصاحة والبلاغة: من الصفات الكريمة التي أعطيها النبي ﷺ: البلاغة والفصاحة؛ وقد ظهرت في قوله ﷺ: «البركة في نواصي الخيل» وقوله ﷺ: «الخيل معقود في نواصيها الخير» قال القاضي عياض ﵀: \" في هذا الحديث مع وجيز لفظه من البلاغة والعذوبة ما لا مزيد عليه في الحسن مع الجناس السهل الذي بين الخيل والخير \" (١) وقال الإِمام القرطبي ﵀: \" وهذا الكلام جمع من أصناف البديع ما يعجز عنه كلّ بليغ، ومن سهولة ألفاظه ما يعجب ويستطاب \" (٢).\nوهذا يبين أهمية البلاغة والفصاحة في الدعوة إلى الله ﷿، فعن ابن عمر ﵄: أنه قدم رجلان من المشرق فخطبا، فعجب الناس؛ لبيانهما فقال رسول الله ﷺ: «إن من البيان لسحرا» أو «إن بعض البيان سحر» (٣).\nوهذا يبين للداعية أهمية الفصاحة والبلاغة وحسن الكلام، وبيان الحق للناس. والبيان نوعان: الأول ما يبيَّن به المراد، والثاني تحسين اللفظ حتى يستميل به قلوب السامعين، وهذا النوع الذي يشبَّه به السحر، والمذموم منه ما يقْصد به الباطل، أما مَا يبيَّن به الحق للناس بعذوبة الكلام وفصاحته وبلاغته واقتصاده فهو المطلوب في الدعوة إلى الله ﷿ (٤).\nوقد بين الحافظ ابن حجر ﵀: أن المذموم من البيان ما يكون فيه صرف الحق إلى الباطل بتحسين الكلام كأن يكون الإِنسان عليه حق وهو ألحن بالحجة من صاحب الحق، فيسحر الناس ببيانه، فيذهب بالحق (٥) وأما إذا كان البيان في تزيين الحق فهو الممدوح، وقد امتنّ الله بذلك على عباده حيث قال: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ - عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ٣ - ٤] (٦) قال الحافظ ابن حجر\n_________\n(١) نقلا عن فتح الباري بشرح صحيح البخاري، لابن حجر ٦/ ٥٦، وإكمال إكمال المعلم شرح صحيح مسلم، لمحمد بن خليفة الأبي ٦/ ٥٩٦.\n(٢) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، لأحمد بن عمر القرطبي ٣/ ٧٠٣.\n(٣) البخاري، كتاب النكاح، باب الخطبة، ٦/ ١٦٧ برقم ٥١٤٦، وكتاب الطب، باب إن من البيان سحرا، ٨/ ٣٩.\n(٤) انظر: فتح الباري، لابن حجر، ٩/ ٢٠٢، و١٠/ ٢٣٨.\n(٥) انظر: فتح الباري، لابن حجر، ١٠/ ٣٣٨.\n(٦) سورة الرحمن، الآيتان: ٣ - ٤.","vol":"1","page":330},{"text":"﵀: \" وقد اتفق العلماء على مدح الإِيجاز، والإِتيان بالمعاني الكثيرة بالألفاظ اليسيرة، وعلى مدح الإِطناب في مقام الخطابة بحسب المقام وهذا كله من البيان بالمعنى الثاني \" (١).\nفينبغي للداعية أن يراعي ذلك في الدعوة إلى الله بحسب الاستطاعة؛ وليعلم أن الإِفراط والتفريط في كل شيء مذموم، وخير الأمور أوسطها (٢).\nثالثا: من معجزات النبي ﷺ: الإخبار بالمغيبات: من علامات النبوة التي تدل على صدق النبي ﷺ ما أخبر به ﷺ من الأمور الغيبية في القرون الغابرة، وما أخبر به في زمنه: كأعمال المنافقين وغيرهم، وما أخبر به من الأمور الغيبية في المستقبل (٣). وهذه الأحاديث التي أخبر فيها ﷺ بأن: «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة» (٤) من إخباره ﷺ بالغيوب في المستقبل؛ فإن الخير ملازم للخيل إلى يوم القيامة كما أخبر ﷺ، وهذا يدل على صدقه وأنه رسول الله حقا؛ ولهذا ذكر الإِمام البخاري ﵀ هذه الأحاديث في علامات النبوة (٥).\nرابعا: من خصائص الإسلام؛ البقاء إلى يوم القيامة: دلت هذه الأحاديث - كغيرها - على أن الإِسلام باقٍ إلى يوم القيامة؛ لبيانه ﷺ أن الخير معقود في نواصي الخيل إلى يوم القيامة قال الإِمام ابن عبد البر ﵀: \" وقد استدل جماعة من العلماء بأن الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة تحت راية كلِّ برٍّ وفاجر من الأئمة بهذا الحديث، وذلك أن رسول الله ﷺ قال\n_________\n(١) فتح الباري، ١٠/ ٣٣٨.\n(٢) انظر: المرجع السابق ١٠/ ٣٣٨.\n(٣) انظر: كتاب الداعي إلى الإِسلام، لعبد الرحمن بن محمد الأنباري، ص ٤٢٤ - ٤٢٨، والجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، لشيخ الإِسلام ابن تيمية ٦/ ٨٠ - ١٥٩.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٢١، الدرس الرابع.\n(٥) انظر: صحيح البخاري ٤/ ٢٢٦، برقم ٣٦٤٣ - ٣٦٤٦، وفتح الباري، لابن حجر، ٣/ ٦٣٣، وانظر: الحديث رقم ٢١، الدرس الرابع.","vol":"1","page":331},{"text":"فيه: «إلى يوم القيامة» والمجاهدون تحت راياتهم يغزون \" (١) وقال الحافظ ابن حجر ﵀: \" وفيه بشرى ببقاء الإِسلام وأهله إلى يوم القيامة؛ لأن من لازم بقاء الجهاد بقاء المجاهدين وهم المسلمون \" (٢) ولهذا قال النبي ﷺ: «لا يزال ناس من أمتي ظاهرين حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون» (٣) وقال ﷺ: «لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك» (٤). قال النووي ﵀: \" فيه دليل على بقاء الإِسلام والجهاد إلى يوم القيامة: والمراد قبيْل القيامة بيسير: أي حتى تأتي الريح الطيبة من قبل اليمن تقبض روح كل مؤمن ومؤمنة كما ثبت في الصحيح \" (٥).\n\nخامسا: من أساليب الدعوة: الترغيب: دلت هذه الأحاديث الثلاثة على الترغيب في الإِعداد للجهاد، واستحباب رباط الخيل واقتنائها للغزو، وقتال أعداء الله، وأن فضلها وخيرها باق إلى يوم القيامة (٦) ولهذا قال ﷺ: «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة: الأجر والمغنم» وقوله ﷺ: «الأجر والمغنم» تفسير للخير: أي الثواب في الآخرة والغنيمة في الدنيا (٧) وقد بيَّن الخطابي ﵀: أن فيه الترغيب في اتخاذ الخيل والغزو عليها في سبيل الله، وأن المال الذي يكتسب بالخيل من خير وجوه الأموال وأطيبها (٨) وقد قال النبي ﷺ: «الخيل ثلاثة: هي لرجل\n_________\n(١) الاستذكار لابن عبد البر ١٤/ ٣١٢.\n(٢) فتح الباري ٦/ ٥٦، وانظر: أعلام الحديث للخطابي ٢/ ١٣٧٤، وشرح الزرقاني على موطأ الإِمام مالك ٣/ ٦١.؛.\n(٣) متفق عليه من حديث المغيرة بن شعبة ﵁: البخاري، كتاب المناقب، باب حدثنا محمد بن المثنى، ٤/ ٢٢٥، برقم ٣٦٤٠، ومسلم في كتاب الإِمارة، باب قوله ﷺ \" لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم \" ٣/ ١٥٢٣، برقم ١٩٢١.\n(٤) متفق عليه من حديث معاوية ﵁: البخاري، كتاب المناقب، باب: حدثنا محمد بن المثنى، ٤/ ٢٢٥، برقم: ٣٦٤١، ومسلم في كتاب الإِمارة، باب \" لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق \" ٣/ ١٥٢٣، برقم ١٠٣٧.\n(٥) شرح صحيح مسلم ٧/ ٧٣.\n(٦) انظر: المرجع السابق، ١٣/ ٢٠.\n(٧) انظر: شرح صحيح البخاري، للكرماني ١٢/ ١٣٧، وفتح الباري لابن حجر، ٦/ ٥٦.\n(٨) انظر: أعلام الحديث للخطابي، ٢/ ١٣٧٤، وشرح صحيح البخاري، للكرماني ١٢/ ١٣٧، وفتح الباري لابن حجر، ٦/ ٥٦.","vol":"1","page":332},{"text":"وزر، وهي لرجل ستر، وهي لرجل أجر، فأما التي هي له وزر» (١).\nفرجل ربطها: رياء، وفخرا، ونواء (٢) على أهل الإِسلام فهي له وزر، وأما التي هي له ستر (٣) فرجل ربطها في سبيل الله [تغنيا وتعففا] ثم لم ينسَ حق الله في ظهورها ولا رقابها فهي له ستر، وأما التي هي له أجر، فرجل ربطها في سبيل الله لأهل الإِسلام [فأطال لها (٤)] في مرج (٥) وروضة (٦) فما أكلت من ذلك المرج أو الروضة من شيء إلا كتب له عدد ما أكلت حسنات، وكتب له عدد أرواثها وأبوالها حسنات، ولا تقطع طِوَلها (٧) فاستنّت (٨) شرفا أو شرفين (٩) إلا كتب الله له عدد آثارها، وأرواثها حسنات، ولا مر بها صاحبها على نهْر فشربت منه، ولا يريد أن يسقيها إلا كتب الله له عدد ما شربت حسنات (١٠).\nوهذا يبين أهمية الترغيب في الإِعداد للجهاد في سبيل الله ﷿، وأن المراد بالخيل المرغب فيها: ما يتخذ للغزو في سبيل الله ﷾ ويقاتل عليها، أو يرتبط من أجل ذلك (١١) وهذا الترغيب في الخيل فكيف\n_________\n(١) الوزر: الحمل الثقيل، المثقل للظهر، والجمع أوزار، ثم يَتَصرَف ذلك في الذنوب والآثام. تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٣٣١.\n(٢) نواء: أي معاداة لهم، يقال: ناوأت الرجل نِواء ومناوأة، إذا عاديته، وأصله إنه ناء إليك ونوءت إليه: إذا نهضت إليه نهوض المغالبة: المرجع السابق ص ٣٣١.\n(٣) ستر: أي حجاب من سؤال الغير عند الحاجة لركوب فرس بدليل قوله ﷺ \" تغنيا وتعففا \" أي عن الناس. المفهم لما أشكل من كتاب تلخيص مسلم للقرطبي ٣/ ٢٨.\n(٤) فأطال لها: أي أرخى لها الحبل. تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٣٣٠.\n(٥) المرج: أرض ذات نبات تمرج فيه الدواب: أي ترسل وتترك فيه للرعي والانبساط. تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٣٣١.\n(٦) الروضة: الموضع الذي يستنقع فيه الماء. النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الراء مع الواو، مادة \" روض \" ٢/ ٢٧٧.\n(٧) الطوَل: الحبل الذي تشد به الدابة ويمسك صاحبها بطرفه، أو يشده في شيء يمسكه ويرسل الدابة ترعى. تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٣٣٠.\n(٨) فاستنت: يقال: استن الفرس، يستن استنانا: أي عدا، وسرح لمرحه ونشاطه شوطا أو شوطين، ولا راكب عليه. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب السين مع النون، مادة \" سنن \" ٢/ ٤١٠، وغريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٣٣٠.\n(٩) شرفا أو شرفين: أي مواضع مشرفة، ومشارف الأرض: أعاليها. المرجع السابق ص ٣٣٠.\n(١٠) متفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁: البخاري، في كتاب المناقب، باب: حدثنا محمد بن المثنى، ٤/ ٢٢٦ برقم ٣٦٤٦، ومسلم، في كتاب الزكاة، باب الأمر بإخراج زكاة الفطر قبل الصلاة، ٢/ ٦٨١، واللفظ له إلا ما بين المعكوفين فمن لفظ البخاري.\n(١١) انظر: فتح الباري لابن حجر ٦/ ٥٥.","vol":"1","page":333},{"text":"بمن أعد العدة للجهاد بأعظم وأقوى من الخيل ابتغاء وجه الله ﷿ كالطائرات، والدبابات، والسفن وغيرها مما يستطيعه المسلمون؟ (١).\nسادسا: من أساليب الدعوة: التشبيه: إن أسلوب التشبيه من الأساليب المهمة في الدعوة إلى الله ﷿ وقد ظهر في قوله ﷺ: «معقود في نواصيها الخير» وتفسيره بـ «الأجر والمغنم»، أسلوب التشبيه. قال ابن الأثير ﵀ قوله: «معقود» أي ملازم لها كأنه معقود فيها \" (٢) وتعقّبه الإِمام الطيبي ﵀ فقال: أقول: يجوز أن يكون الخير المفسر بالأجر والغنيمة: استعارة مكنية، شبهه لظهوره وملازمته بشيء محسوس معقود بخيل، على مكان رفيع؛ ليكون منظورا للناس ملازما لنظرهم، فنسب الخير إلى لازم المشبَّه به، وذكر الناصية تجريدا للاستعارة (٣).\nفينبغي للداعية أن يعتني بهذا الأسلوب على حسب الاستطاعة والحاجة (٤).\nسابعا: من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة: ظهرت في حديث عروة ﵁ هذه الوسيلة؛ لأنه ممن روى الحديث عن النبي ﷺ: «الخيل معقود في نواصيها الخير». . \" ثم طبَّق ذلك على نفسه فكان يعتني بإعداد الخيل للجهاد في سبيل الله؛ قال شبيب بن غرقدة، الذي روى عنه الحديث: \" وقد رأيت في داره سبعين فرسا \" وهذا يدل على أنه ﵁ روى للناس الحديث وكان قدوة حسنة لهم في ذلك؛ وقد ذكِرَ عنه أنه اشترى فرسا بعشرة آلاف درهم (٥).\nوهذا يبيِّن للداعية أهمية القدوة الحسنة في الدعوة إلى الله ﷿.\n_________\n(١) انظر: الحديث ١٨، الدرس الخامس.\n(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر، باب العين مع القاف، مادة \" عقد \" ٣/ ٣٧١.\n(٣) شرح الطيبي على مشكاة المصابيح ٨/ ٢٦٦٧.\n(٤) انظر: الحديث رقم ١٨، الدرس الرابع، ورقم ١٩، الدرس الخامس.\n(٥) انظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي ١/ ٣٣١.","vol":"1","page":334},{"text":"٤٥ -<span data-type=\"title\" id=toc-118> باب من احتبس فرسا لقوله تعالى ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [</span>الأنفال: ٦٠] (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>[حديث من احتبس فرسا في سبيل الله]</span>\n٥٦ - [٢٨٥٣] حَدَّثَنَا عَلِي بْن حَفْصٍ: حَدَّثَنَا ابْن المبَارَكِ: أَخبَرَنَا طَلْحَة بْن أَبي سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْت سَعِيدا المَقْبرِي يحَدِّث أَنه سَمِعَ أَبَا هرَيْرَة (٢). ﵁ يَقول: قَالَ النَّبِي ﷺ: «مَنِ احْتَبَسَ فَرَسا فِي سَبيلِ الله، إِيمَانا بِالله وَتَصْدِيقا بِوَعْدِه؛ فَإِنَّ شِبَعَه، وَرِيَّه، وَرَوْثَه، وَبَوْلَه فِي ميزانه يَوْمَ القِيَامَة».\n* شرح غريب الحديث: * «من احتبس فرسا في سبيل الله» أي: جعله وقفا للمجاهدين وغيرهم في سبيل الله، يقال: حَبَسْت أحْبِس حَبْسا، وأحبست أحبِس إحْبَاسا: أي وقفت (٣).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من موضوعات الدعوة: الحث على الإِعداد للجهاد في سبيل الله ﷿.\n٢ - من صفات الداعية: الإِخلاص.\n٣ - من صفات الداعية: احتساب الأجر والثواب.\n٤ - من أساليب الدعوة: الترغيب.\n٥ - التصريح بذكر بعض الألفاظ المستقذرة عند الحاجة.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من موضوعات الدعوة: الحث على الإعداد للجهاد في سبيل الله ﷿: دل هذا الحديث على أهمية الحث على الإِعداد للجهاد في سبيل الله ﷿،\n_________\n(١) سورة الأنفال، الآية: ٦٠.\n(٢) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ٧.\n(٣) انظر: الفائق في غريب الحديث، لمحمود الزمخشري مادة \" حبس \" ١/ ٢٥٤، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الحاء مع الباء، مادة \" حبس \" ١/ ٢٢٩.","vol":"1","page":335},{"text":"والمدافعة عن المسلمين، وقد ظهر ذلك في قوله ﷺ: «من احتبس فرسا في سبيل الله»؛ فإن فيه الحث على وقف الخيل للمدافعة عن المسلمين، ويستنبط منه وقف غير الخير من آلات القتال وغيرها وكل ما يعين على الجهاد وإرهاب أعداء الإِسلام (١). فينبغي العناية بذلك (٢).\nثانيا: من صفات الداعية: الإخلاص: إن الإِخلاص من أعظم الصفات التي ينبغي للداعية أن يتصف بها، وقد ظهرت هذه الصفة في قوله ﷺ: «من احتبس فرسا في سبيل الله».\nقال الإِمام عبد الله بن أبي جمرة ﵀: \" يريد من حبسه بنية جهاد العدو ولا يريد غير ذلك، وفيه دليل على تأكيد النية في احتباسه لذلك؛ لأنه أتى بلفظ احتبس، التي هي من أبنية المبالغة كافتعل، ولم يقل حبس إشارة منه ﷺ إلى تأكيد النية في هذا الفعل وإزالة الشوائب عنها \" (٣).\nوهذا يبين أهمية الإِخلاص لله ﷿؛ (٤) قال الحافظ ابن حجر ﵀: \" وفيه أن المرء يؤجر بنيته كما يؤجر العامل \" (٥) وقال الطيبي ﵀ على قوله ﷺ: \" إيمانا \" مفعول له: \" أي ربطه خالصا لله تعالى امتثالا لأمره \" (٦).\nثالثا: من صفات الداعية: احتساب الأجر والثواب: دل الحديث على أن احتساب الأجر والثواب من الله ﷿ من الصفات العظيمة التي ينبغي أن لا يهملها المسلم وخاصة الداعية إلى الله ﷿، وقد ظهر ذلك في قوله ﷺ: «وتصديقا بوعده» قال الإِمام الطيبي ﵀ معلقا على هذه الجملة من الحديث: \" عبارة عن الثواب المرتب على الاحتباس. تلخيصه:\n_________\n(١) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ٧/ ٧١، وفتح الباري، لابن حجر ٦/ ٥٧.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٢، الدرس الثالث.\n(٣) بهجة النفوس، ٣/ ١١٦ - ١١٧، وانظر: عمدة القاري شرح صحيح البخاري، للعيني ١٤/ ١٤٦.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٤٨، الدرس الثالث.\n(٥) فتح الباري ٦/ ٥٧.\n(٦) شرح الطيبي على مشكاة المصابيح، ٨/ ٢٦٦٧، وانظر: الاستذكار لابن عبد البر، ١٤/ ١٣.","vol":"1","page":336},{"text":"أنه احتبس امتثالا واحتسابا، وذلك أن الله تعالى وعد الثواب على الاحتباس، فمن احتبس فكأنه قال: صدقت فيما وعدتني \" (١).\nوهذا يوضح أهمية احتساب الأجر والثواب والتصديق بوعد الله ﷿ (٢).\nرابعا: من أساليب الدعوة: الترغيب: ظهر في هذا الحديث أهمية الترغيب في اتخاذ الخيل وإعدادها للجهاد في سبيل الله ﷿، وابتغاء مرضاته، ورغبة في حماية المسلمين والدفاع عنهم، والدعوة إلى الله ﷿؛ فإن في ذلك الفضل العظيم؛ لأن الله يثيب من فعل ذلك عن كل ما تأكله الخيل، أو تشربه، أو يخرج من بول وروث، ويكون ذلك كله في موازين حسناته (٣) وهذا فيه ترغيب في اقتناء كل ما يساعد على الجهاد والعناية بكل ما فيه قوة المسلمين في كل زمان بما يناسبه (٤).\nفينبغي للداعية العناية بترغيب الناس في ذلك (٥).\nخامسا: التصريح بذكر بعض الألفاظ المستقذرة عند الحاجة: لا حرج على الداعية إلى الله ﷿ أن يذكر بعض الألفاظ التي يستحيى منها أو تستقذر إذا دعت الحاجة لذلك؛ وقد ذكر النبي ﷺ: بول الفرس وروثه وأنه في موازين حسنات من وقفه في سبيل الله ﷿. قال الحافظ ابن حجر ﵀: \" لا بأس بذكر الشيء المستقذر بلفظه عند الحاجة \" (٦).\n_________\n(١) شرح الطيبي على مشكاة المصابيح، ٨/ ٢٦٦٧، وانظر: فتح الباري لابن حجر، ٦/ ٥٧، وعمدة القاري للعيني، ١٤/ ١٤٦.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٢٧، الدرس الثاني، ورقم ٣١، الدرس الثالث.\n(٣) انظر: الاستذكار لابن عبد البر ١٤/ ١٤، ومنار القاري، لحمزة محمد قاسم ٤/ ٩٩.\n(٤) انظر المنهل العذب الفرات من الأحاديث الأمهات من صحيح الإِمام البخاري، لعبد العال ٣/ ٢١٤.\n(٥) انظر: الحديث رقم ١٨، الدرس الخامس.\n(٦) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٦/ ٥٧.","vol":"1","page":337},{"text":"٤٦ -<span data-type=\"title\" id=toc-120> باب اسم الفرسِ وَالحمارِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-121>[حديث فرس النبي ﷺ]</span>\n٥٧ - [٢٨٥٥] حَدَّثَنَا عَلِي بْن عبد الله بْنِ جَعْفَر: حَدَّثَنَا مَعْن بن عِيسى: حَدَّثَنِي أبَي بْن عباسِ بْنِ سَهْل عَنْ أَبِيه، عَنْ جَدِّه (١) قَالَ: «كَانَ للنَّبِي ﷺ في حَائِطِنَا فَرَس يقَال لَه اللحَيْف».\nقَالَ أَبو عبد الله: وَقَالَ بَعْضهمْ: اللخَيْف.\n* شرح غريب الحديث: * \" حائطنا \" الحائط: \" هو البستان من النخيل إذا كان عليه حائط وهو الجدار \" (٢).\n* \" اللحَيْف \" قال القاضي عياض ﵀: \" اللحَيْف: بالحاء المهملة وضم اللام على التصغير كذا ضبطناه، وضبطناه أيضا بفتح اللام وكسر الحاء مكبرا، \" اللَّحِيف \" وقال بعضهم: بالخاء المعجمة والمعروف الأول \" (٣) وهو اسم فرس النبي ﷺ، وسمِّي بذلك؛ لطول في ذنبه، فعيل بمعنى فاعل. كأنه يلحف الأرض بذنبه، أي يغطيها به، يقال: لحفت الرّجلَ باللِّحاف: طرحته عليه. قال ابن الأثير \" ويروى بالجيم والخاء \" (٤) وقال في موضع آخر: \" وأما من رواه بالخاء فلا وجه له \" (٥).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من موضوعات الدعوة: الإِعداد للجهاد في سبيل الله ﷿.\n٢ - أهمية تعاون المدعو مع ولي أمر المسلمين.\n_________\n(١) سهل بن سعد ﵁، تقدمت ترجمته في الحديث رقم: ٢٥.\n(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الحاء مع الواو، مادة: \" حوط \" ١/ ٤٦٢.\n(٣) مشارق الأنوار على صحاح الآثار، حرف اللام مع الحاء، مادة: \" لحف \" ١/ ٣٥٦.\n(٤) النهاية في غريب الحديث والأثر، باب اللام مع الحاء، مادة: \" لحف \"، ٤/ ٢٣٨، وانظر: أعلام الحديث للخطابي، ٢/ ١٣٧٦.\n(٥) جامع الأصول، ٥/ ٥٢.","vol":"1","page":338},{"text":"والحديث عن هذين الدرسين والفائدتين الدعويتين على النحو الآتي:\nأولا: من موضوعات الدعوة: الإعداد للجهاد في سبيل الله ﷿: دل هذا الحديث على عناية النبي ﷺ بالإِعداد للجهاد في سبيل الله ﷿؛ ولهذا جعل الفرس في حائط الصحابي سهل بن سعد الساعدي ﵄؛ ولعناية النبي ﷺ بإعداد الخيل فقد كان لها أسماء تعرف بها في زمنه ﷺ (١).\nفينبغي العناية بالإِعداد للجهاد، وحث المسلمين على ذلك (٢).\nثانيا: أهمية تعاون المدعو مع ولي أمر المسلمين: لا شك أنه ينبغي التعاون مع ولاة أمر المسلمين، والدعاة وشد أزرهم ابتغاء وجه الله ﷿، وقد دل هذا الحديث على حرص الصحابة ﵃ على التعاون مع النبي ﷺ، ومن هذا التعاون ما فعله سهل بن سعد بن مالك الساعدي ﵄ من حفظ فرس رسول الله ﷺ في حائطه تعاونا على الإِعداد للجهاد في سبيل الله ﷿. ومن حرص الصحابة ﵃ على التعاون في الإِعداد للجهاد ما فعله سعد بن مالك (٣) أبو سهل بن سعد؛ فإنه أوصى برحل راحلته عند موته للنبي ﷺ كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر ﵀ (٤).\nفينبغي للمدعوين أن يتعاونوا مع ولاة الأمر والعلماء والدعاة في كل ما يكون فيه خدمة وحماية ودفاع ونصرة للإِسلام والمسلمين، كما قال ﷾: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] (٥).\n_________\n(١) انظر: شرح صحيح البخاري للكرماني ١٢/ ١٣٨، وزاد المعاد لابن القيم، ١/ ١٣٣، وفتح الباري لابن حجر، ٦/ ٥٨، وعمدة القاري للعيني ١٤/ ١٤٦.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٥٦، الدرس الأول.\n(٣) هو سعد بن مالك بن خالد الأنصاري الساعدي، تجهز؛ ليخرج إلى بدر فمرض فمات، فضرب له رسول الله ﷺ بسهمه وأجره، انظر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب، لابن عبد البر، المطبوع بهامش الإصابة، ٢/ ٣٥، والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، ٢/ ٣٤.\n(٤) انظر: الإصابة في تمييز الصحابة ٢/ ٣٤.\n(٥) سورة المائدة، الآية: ٢.","vol":"1","page":339},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-122>[حديث معاذ كنت رديف النبي على حمار]</span>\n٥٨ - [٢٨٥٦] حَدَّثَنا إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيمَ أنه سَمِعَ يَحْيَى بْنَ آدَمَ: حَدَّثَنَا أبو الأَحْوَصِ، عَن أَبي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمونٍ، عَنْ معَاذٍ (١) ﵁ قَالَ: «كَنْت رِدْفَ النَّبِي ﷺ عَلَى حِمَارٍ يقَال لَه: عفَيْر، فَقَالَ: \" يَا معَاذ، هَلْ تَدْرِي حَقَّ الله عَلَى عِبَادِه؟ وَمَا حَقّ العِبَادِ عَلَى الله؟ \" قلْت: الله وَرَسوله أَعْلَم. قَالَ: \" فَإِنَّ حَقَّ الله عَلَى العِبَادِ أَنْ يَعْبدوه وَلَا يشْرِكوا بِه شَيْئا، وَحَقّ العِبَادِ عَلَى الله أَنْ لا يعَذِّبَ منْ لا يشْرِك بِه شَيْئا \"، فَقلْت: يَا رَسولَ الله أَفَلا أبَشِّر بِه النَّاسَ؟ قَالَ: \" لا تبَشِّرْهمْ فَيَتَّكِلوا» (٢).\n_________\n(١) معاذ بن جبل بن عمرو بن عائذ الأنصاري الخزرجي، الفقيه، الفاضل، أسلم وعمره ثمان عشرة سنة، وشهد العقبة الثانية مع السبعين من الأنصار، ثم شهد بدرا، وأحدا، والخندق، والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ، وحفظ القرآن الكريم كما قال أنس بن مالك ﵁: \" جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ أربعة كلهم من الأنصار: أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد أحد عمومتي \" [البخاري برقم ٥٠٠٣، ومسلم برقم ٢٤٦٥] وقال النبي ﷺ: \" خذوا القرآن من أربعة: من ابن مسعود، وأبي، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة \" [البخاري برقم ٤٩٩٩ ومسلم، برقم ٢٤٦٤] وفي الحديث: \" أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدها في دين الله عمر، وأصدقها حياء عثمان، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ، وأفرضهم زيد، ولكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة \" أحمد ٣/ ١٨٤، ٢٨١، والترمذي برقم ٣٧٩٠، وابن ماجه برقم ١٥٤، وصححه الألباني في صحيح الترمذي ٣/ ٢٢٧ وقال عمر بن الخطاب ﵁: لو أدركت معاذا ثم وليته، ثم لقيت ربي فقال من استخلفت على أمة محمد؟ لقلت: سمعت نبيك وعبدك يقول: \" يأتي معاذ بن جبل بين يدي العلماء برتوة \" ابن سعد ٣/ ٤٤٣، ٣/ ٢٧٢، وأبو نعيم في الحلية ١/ ٢٢٨، وانظر: مجمع الزوائد للهيثمي ٩/ ٣١١ وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم ١٠٩١، ومعنى الرتوة: برمية سهم، وقيل: برمية حجر، وقيل: بميل، وقيل مد البصر. انظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٢/ ١٩٥، روي له عن النبي ﷺ مائة وسبعة وخمسون حديثا، اتفق البخاري ومسلم على حديثين، وانفرد البخاري بثلاثة، ومسلم بحديث، بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن قاضيا، ومعلما، وداعيا إلى الله ﷿. وثبت أن النبي ﷺ قال: \" يا معاذ والله إني لأحبك، والله إني لأحبك \" فقال: \" أوصيك يا معاذ لا تدعن في دبر كل صلاة تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك، وحسن عبادتك \" [أبو داود برقم ١٥٢٢، والنسائي برقم ١٣٠٣، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي ٣/ ٣٧٣] وذكر النووي ﵀ أن معاذ بن جبل كان أحد الذين يفتون على عهد رسول الله ﷺ وهم: ثلاثة من المهاجرين: عمر، وعثمان، وعلي، وثلاثة من الأنصار: أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت ﵃. توفي ﵁ بطاعون عمواس بالشام شهيدا، سنة ثمان عشرة، وقيل سبع عشرة، قال النووي ﵀: \" والصحيح الأول \" وهو ابن ثلاث وثلاثين، وقيل: أربع وثلاثين، وقيل ثمان وثلاثين. انظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي ٢/ ٩٨، وسير أعلام النبلاء للذهبي ١/ ٤٤٣، والإِصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، ٣/ ٤٢٦.\n(٢) [الحديث ٢٨٥٦] أطرافه في: كتاب اللباس، باب إرداف الرجل خلف الرجل، ٧/ ٨٩، برقم ٥٩٦٧. وكتاب الاستئذان، باب من أجاب بلبيك وسعديك، ٧/ ١٧٦، برقم ٦٢٦٧. وكتاب الرقاق، باب من جاهد نفسه في طاعة الله، ٧/ ٢٤٣، برقم ٦٥٠٠. وكتاب والتوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي ﷺ أمته إلى توحيد الله ﵎، ٨/ ٢٠٧، برقم ٧٣٧٣. وأخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا، ١/ ٥٨، برقم ٣٠.","vol":"1","page":340},{"text":"وفي رواية: «بَيْنَا أَنَا رَدِيف النَّبِي ﷺ لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَه إِلَّا آخِرَة الرَّحْلِ، فَقَالَ: \" يَا معَاذ \" قلْت: لَبَّيْكَ يَا رَسولَ الله وَسَعْدَيْكَ. ثمَّ سَارَ سَاعَة، ثمَّ قَالَ: \" يَا معَاذ \"، قلت: لَبَّيْكَ رَسولَ الله وَسَعْدَيْكَ. ثمَّ سَارَ سَاعَة، ثمَّ قَالَ: \" يَا معَاذ بْنَ جَبَلٍ \"، قلْت: لَبَّيْكَ رَسولَ الله وَسَعْدَيْكَ. قَالَ: \" هَلْ تَدْرِي مَا حَقّ الله عَلَى عِبَادِه؟ \" قلْت: الله وَرَسوله أَعْلَم. قَالَ: \" حَقّ الله عَلَى عبَادِه أَنْ يَعْبدوه وَلَا يشْرِكوا به شَيْئا \"، ثمَّ سَارَ سَاعَة، ثمَّ قَالَ: \" يَا معَاذ بْنَ جَبَلٍ! \"، قلْت: لَبَّيْكَ رَسولَ اللَّه وَسَعْديْكَ. قَالَ: \" هَلْ تَدْرِي مَا حَقّ العِبَادِ عَلَى الله إِذَا فَعَلوه؟ \" قلْت: الله وَرَسوله أَعْلَم. قَالَ: \" حَقّ الْعِبَادِ عَلَى الله أَنْ لَا يعَذِّبَهمْ» (١).\n* شرح غريب الحديث: * \" رديف \" يقال: ردفت الرجل أردفه: إذا ركبت خلفه، وأردفته: إذا أركبته خلفي (٢).\n* \" عفير \" وهو تصغير ترخيم لأعفر، من العفرة: وهي الغبرة ولون التراب (٣).\n* \" آخرة الرحل \" هي الخشبة التي يستند إليها الراكب من كور البعير (٤).\n* \" لبَّيْك \" هو من التلبية، وهي إجابة المنادي. ويقال: لبى بالحج إذا قال: لبيك اللهم لبيك: أي إجابتي لك يا ربِّ، وهو مأخوذ من لبَّ بالمكان وألبَّ به إذ أقام به ولم يفارقه، ولفظ التثنية في معنى التكرير: أي إجابة بعد إجابة. أو: أنا مقيم على طاعتك، وقيل: \" لبيك اللهم لبيك \" أي اتجاهي وتوجهي إليك يا ربِّ وقصدي، وثنِّي للتوكيد، من قولهم: داري تلِبّ دارك:\n_________\n(١) من الطرف رقم ٦٥٠٠.\n(٢) تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٢٦١.\n(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب العين مع الفاء، مادة \" عفر \" ٣/ ٢٦٣، وانظر: أعلام الحديث للخطابي ٢/ ١٣٧٧.\n(٤) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الهمزة مع الخاء، مادة: \" آخر \" ١/ ٢٩.","vol":"1","page":341},{"text":"أي تواجهها. وقيل: محبتي لك يا ربِّ، من قول العرب: امرأة لبَّة: أي محبة لولدها عاطفة عليه. وقيل: إخلاصي لك يا ربّ، من قولهم: حَسَب لبَاب: إذا كان خالصا محضا (١).\n* \" وسَعْدَيْكَ \" أي: سَاعَدَتْ طَاعَتك مسَاعدة بَعْدَ مسَاعَدَة، وإسعادا بعد إسعاد (٢).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من صفات الداعية: التواضع.\n٢ - من ميادين الدعوة: مراكب المواصلات.\n٣ - من أساليب الدعوة: استفسار الداعية المدعو؛ ليختبر ما عنده.\n٤ - من أساليب الدعوة: النداء والإِجابة لتأكيد الاهتمام.\n٥ - أهمية تعليم العامة قبل أن يسألوا.\n٦ - أهمية سؤال الداعية عما أشكل عليه.\n٧ - أهمية مراعاة أحوال المدعوين.\n٨ - من أساليب الدعوة: التأكيد بالتكرار.\n٩ - من سنة إلقاء العلم: الوقار والتثبت.\n١٠ - من أدب المدعو: الاقتراب من مجالس العلم.\n١١ - من أدب الداعية: رد علم ما لا يعلمه إلى الله ﷿.\n١٢ - من أهم موضوعات الدعوة: الحض على الطاعات واجتناب المعاصي.\n١٣ - أهم موضوعات الدعوة: الدعوة إلى التوحيد والتحذير من الشرك.\n١٤ - من صفات الداعية: حب الخير للناس وتبشيرهم به؛ لإِدخال السرور عليهم.\n١٥ - من موضوعات الدعوة: التحذير من الاتكال.\n_________\n(١) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين، للحميدي ص ١٥٤، ١٨٨، ٢١٥، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب اللام مع الباء، مادة \" لبب \" ٤/ ٢٢٢.\n(٢) انظر: غريب ما في الصحيحين، للحميدي ص ١٨٨، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب السين مع العين مادة: \" سعد \" ٢/ ٣٦٦.","vol":"1","page":342},{"text":"١٦ - من أساليب الدعوة: الترغيب والترهيب.\n١٧ - من صفات النبي ﷺ: الفصاحة والبلاغة.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\n\nأولا: من صفات الداعية: التواضع: دل الحديث على خلق التواضع وأنه من صفات النبي ﷺ؛ ولهذا ركب على الحمار وأردف معاذ بن جبل خلفه، قال الإِمام عبد الله بن أبي جمرة ﵀: \" فيه دليل على تواضع النبي ﷺ وحسن خلقه إذ أنه في الفضل حيث هو وكان يركب هو وغيره على دابة واحدة \" (١) ومن عظم تواضعه ما ذكره ابن حجر ﵀: أن ابن منده ﵀ أفرد أسماء من أردفه النبي ﷺ فبلغوا ثلاثين نفسا (٢). فينبغي للداعية أن يتصف بهذه الصفة الحميدة (٣).\nثانيا: من ميادين الدعوة: مراكب المواصلات: لا شك أن مراكب المواصلات: من ميادين الدعوة، التي تستغل لنشر الدعوة أثناء السير فالنبي ﷺ كان يعلِّم أثناء سيره وهو راكب على الحمار كما فعل مع معاذ ﵁ في هذا الحديث، وكما فعل مع ابن عباس ﵄ حينما كان رديفه على حمار فقال: «يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف» (٤).\n_________\n(١) بهجة النفوس، ٣/ ١١٩، وانظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي ١/ ٢٠٣، وفتح الباري لابن حجر، ١١/ ٣٤٠، ١/ ٢٢٧.\n(٢) انظر: فتح الباري، ١٠/ ٣٩٨.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٦٢، الدرس الثالث.\n(٤) أخرجه الترمذي، في كتاب صفة القيامة، باب: حدثنا بشر بن هلال، ٤/ ٦٦٧، برقم ٢٥١٦، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وصححه الألباني في صحيح الجامع ٦/ ٣٠٠، وصحيح سنن الترمذي، ٢/ ٣٠٩.","vol":"1","page":343},{"text":"وهذا يبين للداعية أهمية انتهاز الفرص أثناء ركوبه على وسائل المواصلات؛ قال الإِمام عبد الله بن أبي جمرة ﵀ في فوائد حديث معاذ ﵁: \" فيه في دليل على جواز الحث في العمل في الطريق على الدواب، هذا بشرط أن يكون الطريق ليس فيه اللغط الكثير؛ لأنه قلَّ أن يأتي التعلم مع كثرة اللغط \" (١).\nفينبغي للداعية أن ينتهز الفرص أثناء ركوبه على وسائل المواصلات: كالسيارات، والطائرات، والقطارات، والسفن البحرية وغيرها، فينشر الدعوة، ويعلم الخير، إلا إذا منع من ذلك مانع، أو عارض ذلك مصلحة شرعية، أو خشي الداعية حصول مفسدة، أو تعطل مصلحة أعظم. . . والداعية الحكيم هو الذي يضع دعوته في موضعها المناسب. والله المستعان.\nثالثا: من أساليب الدعوة: استفسار الداعية المدعو ليختبر ما عنده: دل هذا الحديث على أن من أساليب الدعوة طرح الداعية الأسئلة على المدعوين؛ ليختبر ما عندهم من العلم؛ ولهذا قال النبي ﷺ لمعاذ بن جبل ﵁: «يا معاذ هل تدري حق الله على عباده؟ وما حق العباد على الله؟».\nوقد بيَّن الحافظ ابن حجر ﵀: أن في هذا الحديث من الفوائد \" استفسار الشيخ تلميذه؛ ليختبر ما عنده، ويبيِّن له ما يشكل عليه منه \" (٢) ومما يؤكد أهمية هذا الأسلوب أن البخاري ﵀ قال في أول كتاب العلم: \" باب طرح الإِمام المسألة على أصحابه؛ ليختبر ما عندهم من العلم \" ثم ساق تحته حديث ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: «إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مَثَل المسلم، حدثوني ما هي؟ \" قال فوقع الناس في شجر البوادي. قال عبد الله: فوقع في نفسي أنها النخلة. ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله؟ قال: \" هي النخلة» (٣) وهذا يبيِّن للداعية أهمية هذا الأسلوب في الدعوة إلى الله ﷿.\n_________\n(١) بهجة النفوس، ٣/ ١٢١.\n(٢) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ١١/ ٣٤٠، وانظر: بهجة النفوس، لعبد الله بن أبي جمرة ٣/ ١١٩ و٤/ ١٤٣.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب العلم، باب طرح الإمام المسألة على أصحابه ليختبر ما عندهم من العلم، ١/ ٢٦ برقم ٦٢، ومسلم، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب مثل المؤمن مثل النخلة، ٤/ ٢١٦٤، برقم ٢٨١١.","vol":"1","page":344},{"text":"رابعا: من أساليب الدعوة: النداء والإجابة لتأكيد الاهتمام: دل قوله ﷺ: \" يا معاذ \" على أنَّ نداء الشخص باسمه قبل إلقاء العلم إليه من أدب العلم ومن أساليب الدعوة إلى الله ﷾؛ ولهذا بيَّن الإِمام عبد الله بن أبي جمرة أن في هذا الحديث من الفوائد في جذب قلب المدعو: \" إحضار ذهنه إليك؛ ليعي ما تلقيه إليه؛ لأن الأذهان قد يطرقها فكرة فتكون بها مشغولة فلا تعي كل ما يلقى إليها \" (١).\nفينبغي للداعية أن يستخدم هذا الأسلوب عند الحاجة إليه.\nخامسا: أهمية تعليم العامة قبل أن يسألوا: إن تعليم عامة الناس من أهم المهمات، وليس من شرطه أن يبقى الداعية ينتظر أسئلتهم، بل عليه أن يجتهد في تعليمهم العلم، وقد دل قوله ﷺ لمعاذ ﵁: «حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا» أن الداعية يعلم الناس العلم ولو لم يسألوا عنه؛ قال الإِمام عبد الله بن أبي جمرة ﵀: \" وفي تعليمه ﷺ معاذا من غير سؤال منه له ﷺ دليل لمن يقول إن للعالم أن يعلم دون أن يسأل \" (٢).\nسادسا: أهمية سؤال الداعية عما أشكل عليه: إن السؤال عما أشكل من الأمور المهمة؛ ولهذا قال معاذ ﵁: «فقلت يا رسول الله أفلا أبشر به الناس؟ قال: \" لا تبشرهم فيتكلوا»؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀: \" وفيه جواز استفسار الطالب عما يتردد فيه، واستئذانه في إشاعة ما يعلم به وحده \" (٣) وقد أمر الله ﷿ بسؤال العلماء، وحذر العلماء من كتمان العلم فقال ﷿: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] (٤) وقال ﷾: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] (٥).\n_________\n(١) بهجة النفوس ٤/ ١٤٣، وانظر: فتح الباري لابن حجر، ١١/ ٣٣٩.\n(٢) بهجة النفوس، ٢/ ١٤٣، و٣/ ١٢١.\n(٣) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ١/ ٢٢٧.\n(٤) سورة النحل، الآية: ٤٣، وسورة الأنبياء، الآية: ٧.\n(٥) سورة البقرة، الآية: ١٥٩.","vol":"1","page":345},{"text":"فينبغي للمدعو أن يسأل، وللداعية أن يجيب، ويسأل من هو أعلم منه (١).\n\nسابعا: أهمية مراعاة أحوال المدعوين: دل الحديث على أهمية مراعاة أحوال المدعوين؛ لأن النبي ﷺ علَّم معاذا أن: «حق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا» وعندما قال له معاذ ﵁: يا رسول الله أفلا أبشر الناس؟ فقال ﷺ: «لا تبشرهم فيتكلوا» وهذا يبين أن الداعية يراعي أحوال المدعوين فيقدم لكل إنسان ما يناسبه؛ ولهذا قال عبد الله بن مسعود ﵁: \" ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة \" (٢) وقال علي بن أبي طالب ﵁: \" حدِّثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكَذَّبَ الله ورسوله؟ \" (٣) وذكر عن عائشة ﵂ أنها قالت: «أمرنا رسول الله ﷺ أن ننزل الناس منازلهم» (٤).\nوقد ذكر ابن حجر ﵀ على قوله ﷺ: «لا تبشرهم فيتكلوا» أن العلماء قالوا: \" يؤخذ من منع معاذ من تبشير الناس؛ لئلا يتكلوا: أن أحاديث الرخص لا تشاع في عموم الناس؛ لئلا يقصر فهمهم عن المراد بها وقد سمعها معاذ ولم يزدد إلا اجتهادا في العمل وخشية لله ﷿، فأما من لم يبلغ منزلته فلا يؤمن أن يقصر اتكالا على ظاهر الخبر \" (٥).\nومما بين مراعاة أحوال المدعوين أن البخاري ﵀ بوَّب في صحيحه بابا قال فيه: \" باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية أن لا يفهموا \" ثم ذكر\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم، ٣، الدرس الثاني، والحديث رقم ٣٠، الدرس الرابع.\n(٢) أخرجه مسلم، في المقدمة، باب النهي عن الحديث بكل ما سمع، ١/ ١١.\n(٣) البخاري، كتاب العلم، باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية أن لا يفهموا، ١/ ٤٦.\n(٤) مسلم، في المقدمة: ١/ ٦.\n(٥) فتح الباري، ١١/ ٣٤٠، ونسبه إلى الحافظ ابن رجب في شرحه لأوائل صحيح البخاري، وقد طبع شرح ابن رجب بعنوان \" فتح الباري شرح صحيح البخاري \" ولكن ما نقله ابن حجر ﵀ من القسم المفقود من كتاب العلم.","vol":"1","page":346},{"text":"تحته حديث أنس بن مالك الآخر: أن النبي ﷺ ومعاذ رديفه على الرحل قال: «يا معاذ بن جبل \"، قال: لبيك يا رسول الله وسَعْدَيْك. قال: \" يا معاذ \" قال: لبيك يا رسول الله وسعديك \" ثلاثا \" قال: \" ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صدقا من قلبه إلا حرمه الله على النار \" قال: يا رسول الله أفلا أخبر به الناس فيستبشروا؟ قال: \" إذا يتكلوا» وأخبر بها معاذ عند موته تأثما (١).\nوهذا يبين للداعية أهمية مراعاة أحوال المدعوين في دعوته إلى الله ﷿ (٢).\nثامنا: من أساليب الدعوة: التأكيد بالتكرار: وقد ظهر هذا الأسلوب في هذا الحديث بقوله ﷺ: \" يا معاذ \" وكرر نداء معاذ \" ثلاث مرات \" وهذا التكرار، لتأكيد الاهتمام بما يخبره به؛ وليكمل تنبيه معاذ فيما يسمعه (٣) قال الإِمام القرطبي ﵀: \" وإنما كرر النبي ﷺ نداء معاذ ثلاثا؛ ليستحضر ذهنه وفهمه؛ وليشعره بعظم ما يلقيه عليه \" (٤) وهذا يحث الداعية ويبين له أهمية استخدام هذا الأسلوب في الدعوة إلى الله ﷾ (٥).\nتاسعا: من سنة إلقاء العلم: الوقار والتثبت: إن الداعية الناجح هو الذي يلتزم التثبت والوقار في تعليمه للناس الخير وإلقاء العلم إليهم، ويؤخذ هذا من إبطائه ﷺ في الجواب؛ ولهذا قال: «يا معاذ \" فقال معاذ ﵁: قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك. ثم سار ساعة فقال: \" يا معاذ \" فقال ﵁: لبيك رسول الله وسعديك. ثم سار ساعة ثم قال: \" يا معاذ بن جبل \" فقال معاذ: \" لبيك رسول الله وسعديك» قال الإِمام عبد الله بن أبي جمرة ﵀: \" ويؤخذ من إبطائه ﷺ بين الندائين أن من سنة إلقاء العلوم\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب العلم، باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية أن لا يفهموا، ١/ ٤٦، برقم ١٢٧، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا، ١/ ٥٧ برقم ٢٩.\n(٢) انظر: الحديث رقم ١٩، الدرس الثالث.\n(٣) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ١/ ٣٤٥، وشرح الكرماني على صحيح البخاري: ٢٣/ ٢١ وفتح الباري لابن حجر، ١١/ ٣٩٩.\n(٤) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ١/ ٢٠٣، وانظر: بهجة النفوس لعبد الله بن أبي جمرة ٤/ ١٤٣.\n(٥) انظر: الحديث رقم ٤، الدرس الخامس، ورقم ٤٦، الدرس الخامس عشر.","vol":"1","page":347},{"text":"الوقار، والتؤدة \" (١) ومن كمال الحكمة والوقار والتؤدة أنه ﷺ ناداه بقوله: \" يا معاذ \" مرتين ثم زاد في الثالثة \" يا معاذ بن جبل \" قال ابن أبي جمرة ﵀ عن هذه الزيادة \" إنما هي إشارة إلى أن هذه الثالثة آخر النداء فاسمع ما يلقى إليك؛ لأن زيادة (بن جبل) هو الكمال في التعريف، فإذا كمل الشيء فقد تم \" (٢).\nعاشرا: من أدب المدعو: الاقتراب من مجالس العلم: دل هذا الحديث على التأكيد والتنبيه على الاقتراب من حلقات العلم ومجالسه، وأن ذلك مما يعين السامع على الضبط؛ ولهذا قال معاذ بن جبل ﵁: \" ليس بيني وبينه إلا مؤخرة الرحل \" قال الإِمام النووي ﵀: \" أراد المبالغة في شدة قربه؛ ليكون أوقع في نفس سامعه؛ لكونه أضبط \" (٣).\nومما يؤكد أهمية الاقتراب من مجالس العلم ما رواه البخاري ﵀ عن أبي واقد الليثي ﵁ قال: «بينما رسول الله ﷺ في المسجد فأقبل ثلاثة نفر، فأقبل اثنان إلى رسول الله ﷺ، وذهب واحد، فأما أحدهما فرأى فرجة فجلس، وأما الآخر فجلس خلفهم، وأما الآخر فأدبر ذاهبا، فلما فرغ رسول الله ﷺ قال: \" ألا أخبركم عن الثلاثة: أما أحدهم فآوى إلى الله فآواه الله، وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه» (٤).\nوهذا يبين أهمية الاقتراب من مجالس العلم وسد الفرج فيها.\nالحادي عشر: من أدب الداعية: رد علم ما لا يعلمه إلى الله ﷿: لا شك أنه ينبغي بل يلزم كل مسلم - وخاصة الداعية إلى الله ﷾ - إذا سئل عن شيء لا يعلمه أن يقول: الله أعلم، أو لا أدري، أو سأراجع المسألة إن شاء الله، وقد دل هذا الحديث على هذا الأدب الكريم في قول معاذ بن جبل\n_________\n(١) بهجة النفوس، ٤/ ١٤٣.\n(٢) المرجع السابق ٤/ ١٤٣.\n(٣) شرح صحيح مسلم ١/ ٣٤٤.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب العلم، باب من قعد حيث ينتهي به المجلس ومن رأى فرجة فجلس فيها، ١/ ٢٨، برقم ٦٦، وكتاب الصلاة، باب الحلق والجلوس في المسجد، ١/ ١٣٨، برقم ٤٧٢، ومسلم، في كتاب السلام، باب من أتى مجلسا فوجد فرجة فجلس فيها، وإلا وراءهم، ٤/ ١٧١٣، برقم ٢١٧٦.","vol":"1","page":348},{"text":"﵁: \" الله ورسوله أعلم \".\nومما يبين أهمية هذا الأدب ما قاله الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ﵁: \" يا أيها الناس من عَلِمَ شيئا فليقل به، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم؛ فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم الله أعلم \" (١) قال الله ﷿: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] (٢).\n\nوسئل سعيد بن جبير عن شيء فقال: \" لا أعلم \" ثم قال: \" ويل للذي يقول لما لا يعلم: إني أعلم \" (٣) وقال مالك: \" ينبغي للعالم أن يألف فيما أشكل عليه قول: لا أدري؛ فإنه عسى أن يهيأ له خير \" (٤) وقال ابن وهب: \" لو كتبنا عن مالك: لا أدري، لملأنا الألواح \" (٥).\nوعن عقبة بن مسلم أنه قال: صحبت ابن عمر أربعة وثلاثين شهرا، فكثيرا ما كان يسأل فيقول: \" لا أدري \" ثم يلتفت إلي فيقول: \" تدري ما يريد هؤلاء؟ يريدون أن يجعلوا ظهورنا جسرا إلى جهنم \" (٦).\nوقال أبو داود: \" قول الرجل فيما لا يعلم: لا أعلم نصف العلم \" (٧).\nوهذا كله يؤكد للداعية أهمية قوله: الله أعلم، أو لا أدري لما لا يعلمه وأن ذلك من الآداب الجميلة التي تدل على خشية الله ﷿ (٨).\nالثاني عشر: من أهم موضوعات الدعوة: الحض كل الطاعات، واجتناب المعاصي: دل الحديث على أن القيام بالواجبات والابتعاد عن المحرمات من أعظم\n_________\n(١) البخاري، كتاب التفسير، تفسير سورة ص، باب وَمَا أَنَا مِنَ الْمتَكَلِّفِينَ ٦/ ٣٧ برقم ٤٨٠٩ وتفسير سورة الدخان، باب رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مؤْمِنونَ، ٦/ ٤٦ برقم ٤٨٢٢ وتقدم تخريجه بلفظه الآخر في تفسير سورة الروم، ٦/ ٢٢ برقم ٤٧٧٤ انظر: الحديث رقم ٩، الدرس الثامن عشر.\n(٢) سورة ص، الآية: ٨٦.\n(٣) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله ٢/ ٨٣٦، برقم ١٥٦٨.\n(٤) المرجع السابق ٢/ ٨٣٩، برقم ١٥٧٤.\n(٥) أخرجه ابن عبد البر، في كتاب جامع بيان العلم وفضله، ٢/ ٨٣٩، برقم ١٥٧٦.\n(٦) المرجع السابق، ٢/ ٨٤١، برقم ١٥٨٥.\n(٧) المرجع السابق، ٢/ ٨٤١، برقم ١٥٨٦.\n(٨) انظر: الحديث رقم ٩، الدرس الثامن عشر.","vol":"1","page":349},{"text":"الفرائض التي فرضها الله على عباده؛ ولهذا قال النبي ﷺ لمعاذ ﵁: «حق الله على عباده أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئا» قال الكرماني ﵀: قوله ﷺ: «أن يعبدوه» أشار إلى العمليات، وقوله: «ولا يشركوا به شيئا» أشار إلى الاعتقاديات (١).\nفقوله: \" أشار إلى العمليات \" والمراد عمل الطاعات واجتناب المحرمات؛ ولهذا قال الحافظ ابن حجر ﵀، على قوله ﷺ: «أن يعبدوه»: \" المراد بالعبادة عمل الطاعات واجتناب المعاصي، وعطف عليها عدم الشرك؛ لأنه تمام التوحيد، والحكمة في عطفه على العبادة: أن بعض الكفرة كانوا يدَّعون أنهم يعبدون الله، ولكنهم كانوا يعبدون آلهة أخرى، فاشترط نفي ذلك \" (٢).\nوأفضل ما عرِّفت به العبادة: قول شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀: \" العبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه: من الأقوال والأعمال: الباطنة والظاهرة \" (٣) والعبادة أصل معناها الذل، يقال: طريق معبّد إذا كان مذللا قد وطئته الأقدام، لكن العبادة المأمور بها تتضمن معنى الذل ومعنى الحب، فهي تتضمن غاية الذل بغاية المحبة لله ﷿ ولرسوله ﷺ ودينه (٤).\nوقد عرف العلامة ابن القيم ﵀: العبادة بتعريف جامع قال فيه:\nوعبادة الرحمن غاية حبِّه ... مع ذلِّ عابده هما قطبان\nوعليهما فلك العبادة دائر ... ما دار حتى قامت القطبان\nومداره بالأمر أمر رسوله ... لا بالهوى والنفس والشيطان (٥)\n/ ٥٠ فينبغي للداعية إلى الله ﷿ أن يدعو الناس إلى عبادة الله وحده، ويحثهم على الإِيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره من الله ﷿، والعمل بمقتضى الشهادتين: من إقام الصلاة، وإيتاء\n_________\n(١) شرح صحيح البخاري، للكرماني ٢٢/ ١٠٢.\n(٢) فتح الباري، بشرح صحيح البخاري ١١/ ٣٣٩، وانظر: بهجة النفوس لابن أبي جمرة ٣/ ١٢١.\n(٣) مجموع فتاوى ابن تيمية ١٠/ ١٤٩.\n(٤) انظر: المرجع السابق ١٠/ ١٥٣.\n(٥) الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية ص ٣٢.","vol":"1","page":350},{"text":"الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلا، وأن يعبد العبد الله كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإن الله يراه، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهد، وإنجاز الوعد، والإِحسان إلى الجار، واليتيم، والمسكين، والمملوك من الآدميين والبهائم، وإكرام الضيف، وتنفيس الكرب عن المكروب من المسلمين، والتيسير على المعسر، وستر المسلم، وإعانته، والإِخلاص لله، والتوكل عليه، والمحبة له ولرسوله ﷺ، وخشية الله، ورجاء رحمته، والتوبة والإِنابة إليه، والصبر على حكمه، والشكر لنعمه، وقراءة القرآن، وذكر الله، والدعاء، ومسألته والرغبة إليه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله للكفار والمنافقين، وأن يصل المسلم من قطعه، ويعطي من حرمه، ويعفو عمن ظلمه، والعدل في جميع الأمور، وعلى جميع الخلق حتى الكفار، وإطعام الطعام، وإفشاء السلام، والصلاة بالليل والناس نيام، وحسن الخلق، والدعوة إلى الله، والنصيحة لله، ولرسوله ولكتابه، ولأئمة المسلمين، وعامتهم، وغير ذلك من أنواع العبادات (١).\n\nومن العبادات: أن يبتعد الإِنسان عن جميع المعاصي والسيئات، فينبغي للداعية أن يحذر الناس عن الشرك، والتكذيب بالرسل، والكفر، والحسد، والكذب، والفجور، والخيانة، والظلم، والفواحش ما ظهر منها وما بطن، والغدر، وقطيعة الرحم، والجبن عن الجهاد، والبخل، والشح، واختلاف السر والعلانية، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله، والجزع عند المصائب، والفخر والبطر عند النعم، وترك فرائض الله، واعتداء حدوده، وانتهاك حرماته، وخوف المخلوق دون الخالق، ورجاء المخلوق دون الخالق، والتوكل على المخلوق دون الخالق، والعمل رياء وسمعة، ومخالفة الكتاب والسنة، وطاعة المخلوق في معصية الخالق، والتعصب بالباطل، والاستهزاء بآيات الله، وجحد الحق، والكتمان لما يجب إظهاره من علم وشهادة،\n_________\n(١) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإِسلام ابن تيمية ١٠/ ١٤٩ - ٢٣٧، ويقال لهذا القسم من الفتاوى: رسالة العبودية. وانظر: ١٠/ ٤٢٢ - ٤٢٣.","vol":"1","page":351},{"text":"والسحر، وعقوق الوالدين، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، وإعطاء الرشوة وأخذها، وأكل أموال الناس بالباطل، والفرار من الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات، والغيبة، والنميمة، وشهادة الزور، وشرب الخمر، والكبر والخيلاء، والسرقة، واليمين الغموس، وتشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال، والمنّ بالعطية، وإنفاق السلعة بالحلف الكاذب، وتصديق الكاهن والمنجم، والتصوير لذوات الأرواح، واتخاذ القبور مساجد، والنياحة على الميت، وإسبال الإِزار، ولبس الحرير أو الذهب للرجال، وأذى الجار، وإخلاف الوعد، ونقض العهد، وغير ذلك من المحرمات (١) ولا يمكن تفصيل ذلك واستغراقه، لكن يجمع جميع أنواع العبادة قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧] (٢).\nفيلزم الداعية أن يحث المدعوين على جميع الطاعات تفصيلا وتوضيحا وبيانا، ويحذرهم عن جميع المعاصي تفصيلا وتبيينا دقيقا، مع الالتزام بالأدلة من الكتاب والسنة، ومع التنويع، وإعطاء كل قوم ما يناسبهم من الأمر والنهي. وهذا هو حق الله على عباده. قال الإِمام القرطبي ﵀: \" وحق الله على عباده: ما أوجبه عليهم بحكمه وألزمهم إياه بخطابه \" (٣).\nالثالث عشر: أهم موضوعات الدعوة: الدعوة إلى التوحيد والتحذير من الشرك: دل الحديث على أن أهم موضوعات الدعوة: الدعوة إلى التوحيد والتحذير من الشرك بالله ﷿؛ لأن النبي ﷺ قال في هذا الحديث: «حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا» وقد بين الإِمام عبد الله بن أبي جمرة ﵀: أن حق الله على عباده هو الجمع بين امتثال الحكمة في الأمر والنهي، وحقيقة التوحيد (٤) وبين الحافظ ابن حجر أن المراد بالعبادة في الحديث عمل الطاعات\n_________\n(١) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإِسلام ابن تيمية ١٠/ ٤٢٢ - ٤٢٣، والجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، لابن القيم، ص ٨٠ - ٢٦٢.\n(٢) سورة الحشر، الآية: ٧.\n(٣) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ١/ ٢٠٣.\n(٤) انظر: بهجة النفوس ٣/ ١٢١.","vol":"1","page":352},{"text":"واجتناب المعاصي وعطف عليها عدم الشرك؛ لأنه تمام التوحيد (١).\nفيلزم الداعية إلى الله ﷿ أن يبين للناس توحيد الله ﷾ كما جاء في الكتاب والسنة، ويوضح لهم أن التوحيد نوعان:\nالنوع الأول: التوحيد الخبري العلمي الاعتقادي، وهو توحيد في المعرفة والإِثبات، وهذا هو توحيد الربوبية، والأسماء والصفات، وهو إثبات حقيقة ذات الرب ﷾ وصفاته، وأفعاله، وأسمائه، وتكلمه بكتبه لمن شاء من عباده، وإثبات عموم قضائه وقدره، وحكمته، وتنزيهه عما لا يليق به ﷿ من غير: تمثيلٍ، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تحريف، ولا تفويض للمعاني.\nالنوع الثاني: التوحيد الطلبي القصدي الإِرادي: وهو توحيد في الطلب والقصد: وهو توحيد الإِلهية والعبادة (٢).\nوالقرآن كله من أوله إلى آخره في إثبات وتقرير هذين النوعين؛ لأنه إما خبر عن الله تعالى، وأسمائه وصفاته وأفعاله، وأقواله، وما يجب أن يوصف به، وما يجب أن ينزه عنه. فهو التوحيد العلمي الخبري.\nوإما دعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وخلْع كل ما يعبد من دونه، فهو التوحيد الإِرادي الطلبي.\nوإما أمر ونهي، وإلزام بطاعته في أمره ونهيه، فهي حقوق التوحيد ومكملاته.\nوإما خبر عن إكرام الله لأهل توحيده وطاعته، وما فعل بهم في الدنيا، وما يكرمهم به في الآخرة، فهو جزاء توحيده.\nوإما خبر عن أهل الشرك وما فعل بهم في الدنيا من النكال، وما يحل بهم\n_________\n(١) انظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ١١/ ٣٣٩.\n(٢) انظر: مدارج السالكين، لابن القيم ٣/ ٤٤٩، وفتح المجيد لشرح كتاب التوحيد، لعبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب ١/ ٧٩، ومعارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في التوحيد، لحافظ بن أحمد الحكمي ١/ ٩٨.","vol":"1","page":353},{"text":"في الآخرة من العذاب. فهو جزاء من خرج عن حكم التوحيد.\nفالقرآن كله في التوحيد، وحقوقه، وجزائه، وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم (١).\nوهذا كله يؤكد على الداعية إلى الله ﷿ أن يبين للناس التوحيد وأنواعه، ويحذرهم عن كل ما يضاده من الشرك وأنواعه؛ فإن ذلك من أعظم الواجبات على كل داعية إلى الله ﷾.\nالرابع عشر: من صفات الداعية: حب الخير للناس وتبشيرهم به؛ وإدخال السرور عليهم: دل الحديث على أهمية حب المسلم - وخاصة الداعية - الخير للناس وفرحه بذلك؛ لأن معاذ بن جبل ﵁ فرح فرحا شديدا بقوله ﷺ: «وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا» فقال معاذ: \" يا رسول الله، أفلا أبشر الناس؟ \"؛ ولهذا بين الإِمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ أن في هذا الحديث من الفوائد: استحباب بشارة المسلم بما يسره (٢).\nوقد بين النبي ﷺ أن حب الخير للمسلم من كمال الإيمان فقال: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (٣).\nفينبغي للداعية أن يحب الخير للناس ويدخل السرور عليهم بتبشيرهم بما يسرهم؛ فإن ذلك يؤثر في نفوسهم ويكون وسيلة إلى قبول دعوته (٤).\n\nالخامس عشر: من موضوعات الدعوة: التحذير من الاتكال: دل هذا الحديث على أن التحذير من الاتكال من موضوعات الدعوة؛ لأن النبي ﷺ قال لمعاذ بن جبل ﵁: «لا تبشرهم فيتكلوا» وهذا فيه إنذار من\n_________\n(١) انظر: مدارج السالكين لابن القيم ٣/ ٤٥٠.\n(٢) كتاب التوحيد لمحمد بن عبد الوهاب مع شرحه فتح المجيد ١/ ١١٠، ونسخة دار المنار ص ٤٦ بعناية صادق بن سليم.\n(٣) متفق عليه من حديث أنس ﵁: البخاري، كتاب الإيمان، باب عن الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه ١/ ١١ برقم ١٣، ومسلم، كتاب الإِيمان، باب الدليل على أنَ من خصال الإيمان أن يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه من الخير، ١/ ٦٧، برقم ٤٥.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٩، الدرس التاسع.","vol":"1","page":354},{"text":"الاتكال وترك العبادة (١) وقد ذكر الإِمام عبد الله بن أبي جمرة ﵀ على قوله ﷺ: «لا تبشرهم فيتكلوا» أنه ﷺ إنما نهاه عن الإِخبار بهذا الفضل العظيم؛ لأن التوكل على نوعين: شرعي، ولغوي، ويعبَّر عنه بالطمع.\nفالتوكل الشرعي: هو التوكل على الله والاعتماد عليه وتفويض الأمر إليه مع بذل الجهد في امتثال الأوامر واجتناب النواهي والعمل بالأسباب (٢).\nأما التوكل اللغوي: فهو الاتكال بدون عمل (٣)؛ ولهذا نهى ﷺ معاذ بن جبل عن تبشير الصحابة ﵃؛ لئلا يعتمدوا على ذلك فيتركوا التنافس في الأعمال الصالحة (٤).\nفينبغي للداعية أن يحذر الناس من الاتكال والكسل، ويحثهم على العمل والنشاط؛ ولهذا قال سبحانه: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥] (٥).\nالسادس عشر: من أساليب الدعوة: الترغيب والترهيب: دل على هذين الأسلوبين قوله ﷺ: «وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا».\nقال الإِمام القرطبي رحمه الله تعالى: \" حق الله على عباده ما أوجبه عليهم بحكمه وألزمهم إياه بخطابه، وحق العباد على الله: هو ما وعدهم به من الثواب والجزاء، فحقَّ ذلك ووجب بحكم وعده الصدق وقوله الحق، الذي لا يجوز عليه الكذب في الخبر، ولا الخلف في الوعد، فالله تعالى لا يجب عليه شيء بحكم الأمر، إذ لا آمر فوقه، ولا بحكم العقل إذ العقل كاشف لا موجب \" (٦).\n_________\n(١) انظر: شرح رياض الصالحين، للعلامة محمد بن صالح العثيمين ٥/ ٣٧٨.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٣٠، الدرس الخامس.\n(٣) انظر: بهجة النفوس ٣/ ١٢٣.\n(٤) انظر: بهجة النفوس، لابن أبي جمرة، ٣/ ١٢٢، وفتح الباري لابن حجر، ١/ ٢٢٧، وفتح المجيد، لشرح كتاب التوحيد، لعبد الرحمن بن حسن آل الشيخ، ١/ ١١٠.\n(٥) سورة التوبة، الآية: ١٠٥.\n(٦) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ١/ ٢٠٣، وانظر: شرح الطيبي لمشكاة المصابيح ٢/ ٤٧٣.","vol":"1","page":355},{"text":"فظهر بذلك معنى \" حق العباد على الله \" أنه متحقق لا محالة (١) فهو حق جعله سبحانه على نفسه تفضلا وكرما؛ لأنه ﷿ قد وعدهم ذلك جزاء لهم على توحيده ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ [الروم: ٦] (٢) فهو ﷾ الذي أوجب على نفسه حقا لعباده المؤمنين كما حرم الظلم على نفسه، لم يوجب ذلك مخلوق عليه، ولا يقاس بمخلوقاته، بل هو بحكم رحمته، وحكمته، وعدله، كتب على نفسه الرحمة وحرم على نفسه الظلم (٣) قال ﷿: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧] (٤) وقال ﷾: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤] (٥) وهذا استحقاق تفضل وإحسان وإنعام وامتنان من الله ﷿ على عباده (٦).\nوقد ظهر أسلوب الترغيب في هذا الحديث في قوله ﷺ: \" أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا \"؛ ولهذا قال ﷺ: «من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة» (٧) وهذا فيه ترغيب لمن مات لا يشرك بالله شيئا؛ فإن الله ﷿ يدخله الجنة.\nأما أسلوب الترهيب فقد ظهر من مفهوم الحديث؛ فإنه ﷺ قال: «حق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا» فمنطوق الحديث أنه ﷾ لا يعذب من لا يشرك به شيئا، ومفهومه أنه يعذب من مات وهو يشرك بالله شيئا. وقد فسَّرت الأحاديث الأخرى هذا الحديث، فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من مات يشرك بالله شيئا دخل النار» قال عبد الله ﵁: \" وقلت أنا: من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة \" (٨) وقد جاء ذلك صريحا من كلام النبي ﷺ، فعن جابر بن عبد الله ﵄ أن\n_________\n(١) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ١/ ٣٤٥.\n(٢) سورة الروم، الآية: ٦.\n(٣) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإِسلام ابن تيمية، ١/ ٢١٣.\n(٤) سورة الروم، الآية: ٤٧.\n(٥) سورة الأنعام، الآية: ٥٤.\n(٦) انظر: بهجة النفوس، لابن أبي جمرة، ٣/ ١٢٠، ومجموع فتاوى شيخ الإِسلام ابن تيمية ١/ ٢١٣.\n(٧) أخرجه مسلم، في كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا، ١/ ٥٥.\n(٨) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب في الجنائز ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله، ٢/ ٨٧، برقم ١٢٣٨، ومسلم، كتاب الإيمان باب من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة ومن مات مشركا دخل النار، ١/ ٩٤، برقم ٩٢.","vol":"1","page":356},{"text":"رسول الله ﷺ قال: «من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئا دخل النار» (١) قال الله ﷿: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢] (٢). فينبغي للداعية أن يرغب الناس في التوحيد وثوابه، ويخوفهم من الشرك وعقابه. والله المستعان.\nالسابع عشر: من صفات النبي ﷺ: الفصاحة والبلاغة: دل هذا الحديث على فصاحة النبي ﷺ وبلاغته؛ لأنه جمع المعاني الكثيرة في الكلمات القليلة، فقوله ﷺ: «حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا» «وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا» كلمات قصيرات، شملت المعاني الكثيرة، مع كمال الوضوح والبيان (٣).\nفينبغي للداعي أن يجتهد في الإيجاز في الألفاظ التي تتسع معانيها على حسب القدرة والاستطاعة (٤).\n_________\n(١) مسلم، في كتاب الإيمان، باب من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة ومن مات مشركا دخل النار، ١/ ٩٤؛ برقم ٩٣.\n(٢) سورة المائدة، الآية: ٧٢.\n(٣) انظر: جامع العلوم والحكم لابن رجب، ١/ ٥٣، وشرح النووي على صحيح مسلم: ٥/ ٧، وفتح الباري لابن حجر، ٦/ ١٢٨، ١٣/ ٢٤٧.\n(٤) انظر: الحديث رقم ١٠٦، الدرس الثاني.","vol":"1","page":357},{"text":"٤٧ -<span data-type=\"title\" id=toc-123> باب ما يذْكَر من شؤْم الفرسِ</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>[حديث إِنْ كَانَ الشؤم في شيء ففي المرأة والفرس والمسكن]</span>\n٥٩ - [٢٨٥٩] حَدَّثَنَا عبد الله بْن مَسْلَمَة، عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِي (١) ﵁ أَن رَسولَ الله ﷺ قَالَ: «إِنْ كَانَ فِي شيءٍ فَفِي: المَرْأَة، والْفَرَسِ، وَالْمَسْكَنِ» (٢).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - أهمية اختيار الداعية الوسائل المعينة على الدعوة.\n٢ - من صفات الداعية: التوكل.\nوالحديث عن هذين الدرسين والفائدتين الدعويتين على النحو الآتي:\nأولا: أهمية اختيار الداعية الوسائل المعينة على الدعوة: من الأمور المهمة أن يعتني الداعية بالوسائل التي تعينه على الدعوة وتزيد في نشاطه وقوته في الدعوة إلى الله ﷾، ومن هذه الوسائل: اختيار المركب الصالح، والمرأة الصالحة، والمسكن المناسب، وقوله ﷺ: «إن كان في شيء ففي المرأة، والفرس، والمسكن» أي إن كان الشؤم في شيء ففي هذه الثلاثة كما فسره حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إنما الشؤم في ثلاثة: في الفرس، والمرأة، والدار» (٣) وفي لفظ لمسلم: «لا عدوى ولا طيرة، وإنما الشؤم في ثلاثة: المرأة، والفرس، والدار» (٤).\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ٢٥.\n(٢) [الحديث ٢٨٥٩] طرفه في كتاب النكاح، باب ما يتقى من شؤم المرأة، ٦/ ١٥١، برقم ٥٠٩٥.\nوأخرجه مسلم في كتاب السلام، باب الطيرة والفأل وما يكون فيه من الشؤم ٤/ ١٧٤٨، برقم ٢٢٢٦.\n\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب ما يذكر من شؤم الفرس، ٤/ ٢٨٥، برقم ٢٨٥٨، ومسلم، في كتاب السلام، باب الطيرة والفأل وما يكون فيه من الشؤم، ٤/ ١٧٤٧، برقم ٢٢٢٥.\n(٤) مسلم، كتاب السلام، باب الطيرة والفأل وما يكون فيه من الشؤم، ٤/ ١٧٤٧، برقم ٢٢٢٥.","vol":"1","page":358},{"text":"قال الإِمام النووي رحمه الله تعالى: اختلف العلماء في هذا الحديث فقال مالك وطائفة: هو على ظاهره، وأن الدار قد يجعل الله سكناها سبباَ للضرر أو الهلاك، وكذا اتخاذ المرأة المعيَّنة أو الفرس أو الخادم، قد يحصل الهلاك عنده بقضاء الله تعالى، ومعناه قد يحصل الشؤم في هذه الثلاث كما صرح به في رواية: \" إن يكن الشؤم في شيء \" وقال الخطابي وكثيرون: \" هو في معنى الاستثناء من الطيرة: أي الطيرة منهي عنها إلا أن يكون له دار يكره سكناها، أو امرأة يكره صحبتها، أو فرس أو خادم، فليفارق الجميع بالبيع ونحوه وطلاق المرأة. وقال آخرون: شؤم الدار ضيقها وسوء جيرانها وأذاهم، وشؤم المرأة عدم ولادتها وسلاطة لسانها وتعرضها للريب، وشؤم الفرس أن لا يغزى عليها، وقيل حِرانها وغلاء ثمنها، وشؤم الخادم سوء خلقه وقلة تعهده لما فوِّضَ إليه، وقيل: المراد بالشؤم هنا: عدم الموافقة \" (١) وقال بعض العلماء: الأحاديث في الشؤم ثلاثة أقسام:\nأحدها: ما لم يقع الضرر به ولا التأذي ولا اطَّردت عَادة به خاصة ولا عامة، لا نادرة ولا متكرِّرَة، فهذا لا يصْغَى إليه وقد أنكر الشرع الالتفات إليه، وهو الطيرة، كلقي غراب في بعض الأسفار، أو صراخ بومة في دار، وهذا الذي كانت العرب في الجاهلية تعتبره وتعمل عليه، مع أنه ليس في ذلك ما يشعر بالأذى ولا المكروه.\nالثاني: ما يقع به الضرر، ولكنه يعم ولا يخص، ويندر ولا يتكرر، كالوباء، فهذا لا يقْدم عليه عملا بالحزم والاحتياط، ولا يخرج منه ولا يفرّ منه لإِمكان أن يكون قد وصل الضرر إلى الفارِّ فيكون سفره سببا في محنته وتعجيلا لهلكته.\nالثالث: ما يخص ولا يعمّ ويلحق به الضرر بطول الملازمة كالدار، والفرس، والمرأة، فهذه الثلاثة يباح الفرار منها واستبدالها بغيرها مما يناسب الإِنسان، والتوكل على الله تعالى، والإِعراض عما يقع في النفوس من ذلك من أفضل\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم ١٤/ ٤٧٢، وانظر: الاستذكار لابن عبد البر، ٢٧/ ٢٢٨، وعارضة الأحوذي لابن العربي ٥/ ٤٢٤.","vol":"1","page":359},{"text":"الأعمال والله أعلم (١).\nقال الإِمام الخطابي رحمه الله تعالى: \" اليمن والشؤم سمتان لما يصيب الإِنسان من الخير والشر والنفع والضر ولا يكون شيء من ذلك إلا بمشيئة الله وقضائه وإنما هذه الأشياء مَحَالّ وظروف جعلت مواقع لأقضيته، ليس لها بأنفسها وطباعها فعل ولا تأثير في شيء، إلا أنها لما كانت أعم الأشياء التي يقتنيها الناس وكان الإِنسان في غالب أحواله لا يستغنى عن دار يسكنها، وزوجة يعاشرها وفرس يرتبطه. . . وكان لا يخلو من مكروه في زمانه ودهره أضيف اليمن والشؤم إليها إضافة مكانٍ ومحل وهما صادران عن مشيئة الله سبحانه \" (٢).\nوقال ابن حجر ﵀: \" وقيل يحمل الشؤم على قلة الموافقة وسوء الطباع \" (٣).\nوسمعت سماحة شيخنا عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله يقول عند شرحه لحديث سهل بن سعد ﵁: \" والتشاؤم من هذه الثلاثة مستثنى ولا ينافي التوكل، فلا بأس بتركها، فقد لا تناسبه: الدابة، والزوجة، والمسكن، فلا بأس بمفارقة غير المناسب، فقد يجد شرورا في بعض هذه الأشياء فلا بأس أن يفارقها لعدم مناسبتها له، وقد تناسب غيره فلا يخبره بشؤمها، والسيارة تقوم مقام الدابة \" (٤).\nوإذا حمل الشؤم على عدم الموافقة وسوء الطباع فهو كحديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أربع من السعادة: المرأة الصالحة، والمسكن الواسع، والجار الصالح، والمركب الهنيء، وأربع من الشقاوة: الجار السوء، والمرأة السوء، والمسكن الضيِّق، والمركب السوء» (٥).\n_________\n(١) انظر: مشكل الآثار للطحاوي، ٢/ ٢٤٩، وشرح السنة للبغوي، ٩/ ١٣، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي ٥/ ٦٣٠، وشرح النووي على صحيح مسلم ١٤/ ٤٧٣.\n(٢) أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري، ٢/ ١٣٧٩ بتصرف يسير جدا. وانظر: شرح السنة للبغوي ٩/ ١٤، وشرح الطيبي على مشكاة المصابيح ٧/ ٢٢٦١.\n(٣) فتح الباري ٦/ ٦٣.\n(٤) سمعته من سماحته أثناء شرحه لحديث سهل بن سعد ﵁ في صحيح البخاري برقم ٢٨٥٩، ثم سمعته مرة أخرى عند شرحه لطرف الحديث المذكور برقم ٥٠٩٥ وذلك بتاريخ ١٤/ ٧ / ١٤١٧ هـ في جامع الإمام تركي بن عبد الله بالرياض \" الجامع الكبير \".\n(٥) أخرجه ابن حبان في صحيحه ٩/ ٣٤٠، برقم ٤٠٣٢، وقال الألباني: وهذا سند صحيح على شرط الشيخين. انظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم ٢٨٢، وقال شعيب الأرنؤوط في تخريجه لصحيح ابن حبان ٩/ ٣٤١: إسناده صحيح على شرط البخاري رجاله رجال الشيخين غير محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة فمن رجال البخاري. وأخرجه أحمد ١/ ١٦٨، دون ذكره: الجار الصالح، والجار السوء، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد ١/ ٢٠٦ برقم ١١٦. وانظر: صحيح الأدب المفرد للألباني ص ٦٨.","vol":"1","page":360},{"text":"وهذا يبيِّن للداعية أهمية اختيار الوسائل المناسبة التي تعينه على القيام بالدعوة إلى الله ﷿؛ لأن لهذه الأشياء أهمية عظمى في حياة الإِنسان، فإن كانت الزوجة صالحة، والدار صحِيَّة واسعة، والفرس أو السيارة قوية مريحة، والجار صالحا ارتاح الإِنسان وشعر بالسعادة والاستقرار النفسي وتفرَّغ للدعوة إلى الله تعالى (١).\nثانيا: من صفات الداعية: التوكل: دل مفهوم الحديث على أهمية التوكل على الله ﷿، واعتماد القلب عليه، مع الأخذ بالأسباب النافعة، ومن هذه الأسباب اختيار الوسائل المناسبة في الدعوة إلى الله ﷿.\nفينبغي للداعية أن يعتني بهذه الصفة ويتخلق بها؛ لعظمها وعلوِّ مكانتها (٢).\n_________\n(١) انظر: منار القاري في شرح مختصر صحيح البخاري لحمزة محمد قاسم ٤/ ١٠١.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٣٠، الدرس الخامس.","vol":"1","page":361},{"text":"٥١ -<span data-type=\"title\" id=toc-125> بَاب سهامِ الفرس</span>\nوقَالَ مَالِك: يسهَم لِلْخَيْلِ وَالْبَرَاذِينِ مِنْهَا لِقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾ [النحل: ٨] (١) وَلَا يسْهَم لأِكْثر مِنْ فَرَسِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>[حديث جعل رسول الله للفرس سهمين ولصاحبه سهما]</span>\n٦٠ - [٢٨٦٣] حَدَّثَنَا عبَيد بْن إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي أسَامَة، عَنْ عبَيْدِ الله، عنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عمَرَ (٢) ﵄: «أَنَّ رَسولَ الله ﷺ جَعَلَ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ ولِصَاحِبِه سَهْما» (٣).\nوفي رواية: «قَسَمَ رَسول الله ﷺ يَوْمَ خَيْبَرِ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ وَلِلرَّاجِلِ سَهْما» قالَ: فَسّرَه نافِع فَقَالَ: \" إِذَا كَانَ مَع الرَّجلِ فرَس فَلَه ثَلاثة أَسْهمٍ، فإِنْ لَمْ يَكنْ لَه فَرس فَلَه سَهم \" (٤).\n* شرح غريب الحديث: * \" السهم \" السهم في الأصل واحِد السِّهام التي يضرب بها في الميْسِرِ، وهي القداح، ثم سمِّي به ما يفوز به الفالج سهمه، ثم كثر حتى سمِّي كل نصيبٍ سهما. ويجمع السَّهم على أسْهم، وسِهَام، وسهْمَان (٥).\n* \" الراجل \" أي الماشي (٦).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n_________\n(١) سورة النحل، الآية: ٨.\n(٢) تقدمت ترجمته في الحديث رقم: ١.\n(٣) [الحديث ٢٨٦٣] طرفه في كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، ٥/ ٩٤، برقم ٤٢٢٨.\nوأخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب كيفية قسمة الغنيمة بين الحاضرين، ٣/ ١٣٨٣، برقم ١٧٦٢.\n(٤) الطرف رقم ٤٢٢٨.\n(٥) الفائق في غريب الحديث للزمخشري، باب السين مع الهاء، ٢/ ٢١٢، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب السين مع الهاء، مادة \" سهم \" ٢/ ٤٢٩.\n(٦) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الراء مع الجيم، مادة \" رجل \" ٢/ ٢٠٤.","vol":"1","page":362},{"text":"١ - من موضوعات الدعوة: الحث على الإِعداد للجهاد في سبيل الله ﷿.\n٢ - من صفات الداعية: العدل.\n٣ - من أساليب الدعوة: الترغيب.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من موضوعات الدعوة: الحث على الإعداد للجهاد في سبيل الله ﷿: دل هذا الحديث على الحث على الإِعداد للجهاد في سبيل الله ﷿؛ لأن النبي ﷺ جعل للفرس سهمين، وللراجل سهما واحدا، وهذا فيه حث على الإِعداد للجهاد؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀: \" وفي الحديث حث على اكتساب الخيل واتخاذها للغزو؛ لما فيها من البركة، وإعلاء الكلمة، وإعظام الشوكة \" (١).\nوهذا يبيِّن أهمية الإِعداد للجهاد وأخذ الحذر والحيطة (٢).\nثانيا: من صفات الداعية: العدل: إن من الصفات الحميدة التي ينبغي للداعية أن يتخلق بها صفة العدل، وقد دل هذا الحديث على هذه الصفة، لأن النبي ﷺ أعطى الراجل سهما وإن كان معه فرس أعطاه ثلاثة أسهم: سهم له وسهمان لفرسه؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀: \" واستدل الجمهور من حيث المعنى بأن الفرس يحتاج إلى مؤنة لخدمتها وعلفها، وبأنه يحصل بها من الغنى في الحرب ما لا يخفى \" (٣) وذكر الخطابي ﵀: أن مؤنة الفرس مضاعفة على مؤنة صاحبه فضوعف له العرض من أجله وهذا قول عامة العلماء (٤).\nوهذا يدل على عدله ﷺ وإنصافه تطبيقا لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: ١٣٥] (٥).\n_________\n(١) فتح الباري ٦/ ٦٨، وانظر: أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري للخطابي ٢/ ١٣٨١.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٢، الدرس الثالث، ورقم ١٨، الدرس الثاني.\n(٣) فتح الباري بشرح صحيح البخاري ٦/ ٦٨، وانظر: أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري للخطابي ٢/ ١٣٨١.\n(٤) انظر: معالم السنن للخطابي ٤/ ٥١.\n(٥) سورة النساء، الآية: ١٣٥.","vol":"1","page":363},{"text":"وهذا يبين للداعية أهمية العدل والإِنصاف.\nثالثا: من أساليب الدعوة: الترغيب: دل عمل النبي ﷺ في إعطاء الفارس ثلاثة أسهم، والراجل سهما واحدا على الترغيب في اقتناء الخيل وإعدادها للجهاد في سبيل الله ﷿، وهذا فيه تشجيع وإعانة على الإعداد وأخذ الحذر (١).\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٧، الدرس الرابع عشر.","vol":"1","page":364},{"text":"٥٢ -<span data-type=\"title\" id=toc-127> باب من قاد دابة غيره في الحرب</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>[حديث أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب]</span>\n٦١ - [٢٨٦٤] حَدَّثَنَا قتَيْبَة: حَدَّثَنَا سَهْل بْن يوسفَ، عَنْ شعْبَة، عَنْ أَبِي إسْحَاقَ: «قَالَ رَجل لِلْبَراءِ بْنِ عَازِبٍ (١) ﵄: أَفَرَرْتمْ عَنْ رَسولِ الله يَوْمَ حنَيْنٍ؟ قَالَ: لَكِنَّ رَسولَ الله ﷺ لَمْ يَفِرَّ، إِنَّ هَوَازِنَ كَانوا قوما رماة، وَإِنَّا لَمَّا لقِيَناهمْ حَمَلْنَا عَليْهم فانْهَزَموا، فَأَقْبَلَ المسْلِمونَ عَلَى الغَنَائِمِ، فَاسْتَقْبَلونَا بِالسِّهَامِ، فَأَمَّا رَسول الله ﷺ فلَمْ يَفِرَّ، فَلَقَدْ رَأَيْته وَإنَّه لَعَلَى بَغْلَتِه الْبَيْضَاءِ، وَإِنَّ أَبَا سفْيَانَ (٢) آخِذ بِلِجَامِها وَالنَّبِي ﷺ يَقولَ: \" أَنَا النَّبِي لَا كذِبْ، أَنَا ابْن عبْدِ المطَّلِبْ» (٣).\nوفي رواية: «لَا وَالله مَا وَلَّى رَسول الله ﷺ، وَلَكِنَّه خَرَجَ شبَّان أَصحَابِه وَخِفَافهمْ حسَّرا لَيْسَ بِسِلاحٍ، فَأَتَوْا قوما رمَاة جَمْعِ هَوازِنَ وَبَنِي نَضْرٍ مَا يَكاد يَسْقط لَهمْ سَهْم فَرشَقوهمْ رَشْقا مَا يَكادونَ يخْطِئون، فَأَقْبَلوا هنَالِكَ إِلَى النَّبِي ﷺ، وَهوَ عَلَى بَغْلَتِه الْبَيْضَاءِ وَابْن عَمِّه أَبو سفْيَانَ بْن الحارِثِ بْنِ عَبْدِ المطَّلِبِ يَقود بِه، فنَزَلَ وَاسْتَنْصَرَ ثمَّ قَالَ: \" أَنَا النَّبِي لَا كَذِبْ، أَنَا ابْن عَبْدِ المطَّلِبْ» ثمَّ صَفَّ أَصْحَابَه (٤).\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ٣٠.\n(٢) أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عمِّ رسول الله ﷺ، اختلف في اسمه، فقيل: اسمه المغيرة، وقال آخرون: اسمه كنيته لا اسم له غيرها، وهو أخو النبي ﷺ من الرضاعة أرضعتهما حليمة السعدية، وكان يشبه النبي ﷺ هو وجعفر بن أبي طالب، والحسن بن علي وقثم بن العباس ﵃ أجمعين، وكان شاعرا، أسلم ﵁ قبل يوم الفتح والنبي ﷺ في الطريق إلى الفتح، وشهد حنينا، وثبت مع النبي ﷺ وأبلى فيها بلاء حسنا، توفي بالمدينة سنة عشرين وصلى عليه عمر بن الخطاب ﵁، وقيل توفي سنة خمس عشرة.\nانظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي ٢/ ٢٣٩، والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر ٤/ ٩٠.\n(٣) [الحديث ٢٨٦٤] أطرافه في: كتاب الجهاد والسير، باب بغَلة النبي ﷺ البيضاء، ٣/ ٢٩٠، برقم ٢٨٧٤. وكتاب الجهاد والسير، باب من صف أصحابه عند الهزيمة، ونزل عن دابته واستنصر، ٣/ ٣٠٦، برقم ٢٩٣٠. وكتاب الجهاد والسير، باب من قال: خذها وأنا ابن فلان، ٤/ ٣٥، برقم ٣٠٤٢. وكتاب المغازي، باب قول الله تعالى وَيَوْمَ حنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكمْ كَثْرَتكمْ فَلَمْ تغْنِ عَنْكمْ شَيْئا وَضَاقَتْ عَلَيْكم الْأَرْض بِمَا رَحبَتْ ثمَّ وَلَّيْتمْ مدْبِرِينَ ثمَّ أَنْزَلَ اللَّه سَكِينَتَه إلى قوله غفور رحيم، ٥/ ١١٦، برقم ٤٣١٥ و٤٣١٦ و٤٣١٧. وأخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب في غزوة حنين، ٣/ ١٤٠٠، برقم ١٧٧٦.\n(٤) الطرف رقم ٢٩٣٠.","vol":"1","page":365},{"text":"وفي رواية: «فَلَمَّا غَشِيَه المشْرِكون نَزلَ فَجَعَلَ يَقول: أَنا النَّبِي لَا كَذِبْ، أَنَا ابْن عَبْدِ المطَّلِبْ»، قَالَ: \" فَمَا رؤي مِنَ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ أَشَدّ مِنْه \" (١) يعني النبي ﷺ.\nوفي رواية: «كَانَتْ هَوَازِن رمَاة وإِنَّا لَمَّا حَملْنَا عَلَيْهم انْكَشَفوا فَأَكْبَبْنَا على الْغَنَائِمِ، فَاسْتقْبِلْنَا بِالسِّهَامِ. .» (٢).\nوفي رواية: «يَا أَبَا عمَارَة أَتَولَّيْتَ يَوْمَ حنيْنِ؟ فَقَالَ: أَمَّا أنا فَأَشْهَد عَلَى النَّبي ﷺ أَنَّه لَمْ يولِّ، وَلَكِنْ عَجِلَ سَرَعَان الْقَوْمِ فرَشَقَتْهمْ هَوازِن. .» (٣).\n* شرح غريب الحديث: * \" وخفافهم \" الأخفاء: السراع المسرعون (٤).\n* \" حسَّرا \" الحسَّر: الذين لا دروع عليهم (٥).\n* \" فرشقوهم رشقا \" هو الوجه من الرمي إذا رمى القوم كلهم دفعة واحدة، فإذا رمى القوم بأجمعهم، قالوا: رمينا رِشقا، وأما الرشق بفتح الراء فهو المصدر، يقال: رَشقت بالسَّهم رَشقا، والرَّشْق أيضا: الصوت، تقول: سمعت رَشْقَ كذا: أي صوته (٦).\n* \" سَرَعان القوم \" السَّرَعان بفتح السين والراء: أوائل الناس الذين يتسارعون إلى الشيء ويقبلون عليه بسرعة (٧).\n* \" انكشفوا \" أي انهزموا وانكشفت عنهم جنَّتهم (٨).\n_________\n(١) الطرف رقم ٣٠٤٢.\n(٢) الطرف رقم ٤٣١٧.\n(٣) من الطرف رقم ٤٣١٥.\n(٤) تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ١٢٧.\n(٥) المرجع السابق ص ١٢٧.\n(٦) انظر: المرجع السابق ص ١٢٨، ٥٣٨، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الراء مع الشين، مادة: \" رشق \" ٢/ ٢٢٥.\n(٧) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب السين مع الراء، مادة \" سرع \" ٢/ ٣٦١.\n(٨) تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ١٢٨.","vol":"1","page":366},{"text":"* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من موضوعات الدعوة: الحث على الشجاعة والثبات في الجهاد في سبيل الله ﷿.\n٢ - شجاعة النبي ﷺ وثباته.\n٣ - من أسباب نصر الدعاة: عدم الإِعجاب بالكثرة أو القوة.\n٤ - من صفات الداعية: حسن الأدب في الجواب.\n٥ - من صفات الداعية: الاستنصار بالله ﷿.\n٦ - خطر حرص المدعو على الدنيا.\n٧ - من أساليب الدعوة: التوكيد بالقسم.\n٨ - من أساليب الدعوة: الرَّجَز.\n٩ - من أساليب الدعوة: بيان الداعية مناقبه عند الحاجة.\n١٠ - من أساليب الدعوة: قول الداعية عند الحاجة: أنا فلان، وأنا ابن فلان.\n١١ - من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة.\n١٢ - الابتلاء والاختبار في الدعوة إلى الله ﷿.\n١٣ - من أصناف المدعوين: المشركون.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\n\nأولا: من موضوعات الدعوة: الحث على الشجاعة والثبات في الجهاد في سبيل الله ﷿: دل الحديث على الحث على الشجاعة والثبات في الجهاد في سبيل الله ﷿؛ لأن النبي ﷺ كان أشجع الناس في الجهاد في سبيل الله ﷿ وأثبتهم قلبا وقدما، وهذا فيه تحريض وحث على الجهاد والثبات في المعركة؛ قال الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥] (١).\nوقد مدح النبي ﷺ أهل الشجاعة والثبات في الجهاد حثا على ذلك فقال\n_________\n(١) سورة الأنفال، الآية: ٤٥.","vol":"1","page":367},{"text":"عن نبي الله داود ﷺ: «كان يصوم يوما ويفطر يوما، ولا يفر إذا لاقى» (١).\nفينبغي للداعية أن يحث الناس ويحضهم على الشجاعة والثبات في سبيل الله ﷿.\nثانيا: شجاعة النبي ﷺ وثباته: دل الحديث على شجاعة النبي ﷺ وقوة قلبه في ذلك؛ ولهذا قاتل في معركة حنين قتالا عظيما، ومما يدل على شجاعته وإقدامه ﷺ ما فعله في جميع غزواته التي قاتل فيها، فقد ثبت في الصحيح أنه ﷺ غزا تسع عشرة غزوة، قاتل في ثمان منهن (٢) بل ذكر الإِمام النووي وغيره أنه كان عدد سراياه التي بعثها ستا وخمسين سرية، وسبعا وعشرين غزوة، وقاتل في تسعِ من غزواته (٣).\nولهذا قال علي بن أبي طالب ﵁ عن شجاعة النبي ﷺ: «لقد رأيتنا يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله ﷺ وهو أقربنا إلى العدوِّ، وكان من أشدِّ الناس يومئذٍ بأسا» (٤).\nوقال علي ﵁: «كنا إذا حمي البأس ولقي القوم القوم اتقينا برسول الله ﷺ، فلا يكون أحد منا أدنى إلى القوم منه» (٥) وقال البراء ﵁: «كنا والله إذا احمر البأس (٦) نتقي به وإن الشجاع منا للذي يحاذي به»، يعني النبي ﷺ \" (٧) وركوبه على البغلة في معركة حنين وغيرها يدل على شجاعته؛ ولهذا ذكر العلماء: أن ركوبه ﷺ البغلة في موطن الحرب وعند اشتداد البأس: هو النهاية في الشجاعة والثبات؛ لأن ركوب الفحولة أو الفرس مظنة الاستعداد للفرار\n_________\n(١) البخاري، كتاب الصوم، باب حق الأهل في الصوم، ٢/ ٣٠٠، برقم ١٩٧٧.\n(٢) صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب عدد غزوات النبي ﷺ، من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه ﵄، ٣/ ١٤٤٨، برقم ١٨١٤.\n(٣) شرح النووي على صحيح مسلم ١٢/ ٤٣٦، وانظر: البداية والنهاية لابن كثير ٣/ ٢٤١، ٥/ ٢١٦ - ٢١٧، وزاد الميعاد لابن القيم ٣/ ٥.\n(٤) أحمد في المسند ١/ ٨٦، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي ٢/ ١٤٣.\n(٥) الحاكم وصححه، ووافقه الذهبي ٢/ ١٤٣، وعزاه ابن كثير في البداية والنهاية ٣/ ٢٧٩ إلى النسائي.\n(٦) إذا احمر البأس: كناية عن شدة الحرب، واستعير ذلك؛ لحمرة الدماء الحاصلة فيها في العادة. انظر: شرح النووي ١٢/ ٣٦٤.\n(٧) صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب غزوة حنين، ٣/ ١٤٠١، برقم ١٧٧٦.","vol":"1","page":368},{"text":"والتولي (١) ونزوله ﷺ إلى الأرض حين غشوه يدل على المبالغة في الثبات، والشجاعة والصبر (٢) دل على ذلك رواية لمسلم عن سلمة ﵁ قال فيها: «مررت على رسول الله ﷺ منهزما (٣) وهو على بغلته الشهباء، فقال رسول الله ﷺ: \" لقد رأى ابن الأكوع فزعا \"، فلما غشوا رسول الله ﷺ نزل عن البغلة ثم قبض قبضة من تراب الأرض، ثم استقبل به وجمره القوم فقال: \" شاهت الوجوه \" (٤). فما خلق الله منهم إنسانا إلا ملأ عينيه ترابا بتلك القبضة، فولّوا مدبرين، فهزمهم الله ﷿، وقسم رسول الله ﷺ غنائمهم بين المسلمين (٥)».\nوقد كان ﷺ شجاعا في حماية أصحابه في غير معارك القتال أيضا، فعن أنس ﵁ قال: «كان النبي ﷺ أحسن الناس، وأجود الناس، وأشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة فانطلق الناس قِبَلِ الصوت، فاستقبلهم النبي ﷺ وقد سبق الناس إلى الصوت وهو يقول: \" لم تراعوا، لم تراعوا \" وهو على فرس لأبي طلحة عري ما عليه سرج. .» (٦).\nوهذا كله يدل على شجاعته القلبية، أما شجاعته العقلية فلها صور كثيرة من أبرزها موقفه ﷺ من تعنت سهيل بن عمرو وهو يملي وثيقة صلح الحديبية، إذ تنازل ﷺ عن كلمة \" بسم الله الرحمن الرحيم \" إلى \" باسمك اللهم \"، وعن كلمة \" محمد رسول الله \" إلى \" محمد بن عبد الله \"، وقبوله شرط سهيل على أنه لا يأتي النبي ﷺ رجل من قريش حتى ولو كان مسلما إلا ردّد إلى أهل مكة، وقد استشاط الصحابة غيظا، وبلغ الغضب حدّاَ لا مزيد عليه، وهو ﷺ صابر ثابت حتى انتهت الوثيقة، وكان الصلح بعد ذلك فتحا مبينا، فضرب ﷺ المثل الأعلى في الشجاعتين: القلبية والعقلية، مع بعد النظر\n_________\n(١) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ١٢/ ٣٥٨، وفتح الباري لابن حجر ٨/ ٣٢.\n(٢) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ١٢/ ٣٥٨ وشرح الكرماني على صحيح البخاري ١٢/ ١٤٤.\n(٣) قال العلماء: قوله \" منهزما \" حال من ابن الأكوع، وليس النبي ﷺ. انظر: شرح النووي ١٢/ ٣٦٤.\n(٤) شاهت الوجوه: أي قبحت، والله أعلم. وانظر: المرجع السابق ١٢/ ٣٦٥.\n(٥) مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب غزوة حنين ٣/ ١٤٠٢، برقم ١٧٧٧.\n(٦) متفق عليه: البخاري، كتاب الأدب، باب حسن الخلق والسخاء وما يكره من البخل، ٧/ ١٠٨، برقم ٦٠٣٣، ومسلم، كتاب الفضائل، باب في شجاعة النبي ﷺ وتقدمه للحرب ٤/ ١٨٠٢، برقم ٢٣٠٧.","vol":"1","page":369},{"text":"وأصالة الرأي وإصابته؛ فإن من الحكمة أن يتنازل الداعية عن أشياء لا تضره بأصل قضيته؛ لتحقيق أشياء أعظم منها (١).\nفينبغي للداعية أن يقتدي برسول الله ﷺ في شجاعته وثباته، وصبره، وفى كل أحواله (٢).\nثالثا: من أسباب نصر الدعاة: عدم الإعجاب بالكثرة أو القوة: إن من أسباب النصر عدم الإِعجاب بالكثرة والقوة، بل ينبغي التواضع والتذلل لله ﷿ والتوكل عليه والاعتماد؛ لأن ما حصل من الفرار يوم حنين في أول المعركة بسبب الإِعجاب بالكثرة؛ قال الله ﷿: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ - ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥ - ٢٦] (٣).\nوكان من أسباب ذلك \" أن رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ يوم حنين قال: يا رسول الله، لن نغلب اليوم من قلة، وأعجبه كثرة الناس، وكانوا اثني عشر ألفا، فسار رسول الله ﷺ فَوكِلوا إلى كلمة الرجل فانهزموا عن رسول الله ﷺ غير العباس، وأبي سفيان بن الحارث، وأيمن ابن أم أيمن قتل يومئذِ بين يديه. . \" (٤) وكانوا عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار، وألفين من الطلقاء الذين أسلموا يوم الفتح، وهم الذين فرّوا بالناس لحداثتهم بالإِسلام (٥).\nوهذا يبيِّن للدعاة إلى الله ﷿ أن النصر بيد الله تعالى وأن الإِعجاب بالكثرة أو القوة من أسباب الهزيمة والخذلان.\n_________\n(١) انظر: وثيقة صلح الحديبية، في صحيح البخاري، كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد، والمصالحة مع أهل الحروب، وكتابة الشروط ٣/ ٢٣٦، برقم ٢٧٣١، ٢٧٣٢، وانظر: فتح الباري لابن حجر، ٥/ ٣٣٣ - ٣٥٢.\n(٢) وانظر: الحديث رقم ٣٥، الدرس الخامس.\n(٣) سورة التوبة، الآيتان: ٢٥ - ٢٦.\n(٤) أخرجه الطبري بإسناده في جامع البيان عن تأويل آي القرآن ١٤/ ١٨٢.\n(٥) انظر: المرجع السابق ١٤/ ١٨٠.","vol":"1","page":370},{"text":"فينبغي الاستعداد بكل ما يستطيعه المسلمون من قوة ثم المّوكل على الله، والاعتماد عليه، والضراعة بين يديه، والافتقار إليه وذلك من أعظم أسباب النصر والتمكين.\n\nرابعا: من صفات الداعية: حسن الأدب في الجواب: دل الحديث على أن من الصفات الحميدة: حسن الأدب في الجواب وذلك أن رجلا قال للبراء ﵁: يا أبا عمارة أفررتم يوم حنين؟ قال: \" لا والله ما ولَّى رسول الله ولكنه خرج شبَّان أصحابه وخفافهم حسَّرا ليس بسلاح فأتوا قوما رماة. . \" قال الإِمام النووي ﵀: هذا الجواب الذي أجاب به البراء ﵁ من بديع الأدب؛ لأن تقدير الكلام: فررتم كلكم يقتضي أن النبي ﷺ وافقهم في ذلك، فقال البراء: \" لا والله ما فر رسول الله ﷺ ولكن جماعة من الصحابة جرى لهم كذا وكذا \" (١) وأوضح أن فرار من فر لم يكن على نية الاستمرار في الفرار، وإنما انكشفوا من وقع السهام (٢)؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀: \" وفي الحديث من الفوائد: حسن الأدب في الخطاب والإٍرشاد إلى حسن السؤال بحسن الجواب \" (٣).\nفينبغي للداعية أن يتحلَّى بحسن الأدب في الخطاب.\nخامسا: من صفات الداعية: الاستنصار بالله ﷿: إن من الصفات الحميدة الاستنصار وطلب الغوث والنصر من الله ﷿؛ ولهذا قال البراء عن النبي ﷺ في قتاله في معركة حنين: «فنزل واستنصر» أي دعا وطلب النصر من الله ﷾؛ قال الإِمام النووي ﵀ في فوائد هذا الحديث: \" فيه استحباب الدعاء عند قيام الحرب \" (٤) وهذا من سننه ﷺ في الحروب وغيرها من الأمور المهمة، ومن ذلك ما فعله في يوم بدر، فعن\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم ١٢/ ٣٥٩.\n(٢) انظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر ٨/ ٢٨.\n(٣) المرجع السابق ٨/ ٣٢.\n(٤) شرح النووي على صحيح مسلم ١٢/ ٣٦٠.","vol":"1","page":371},{"text":"عمر بن الخطاب ﵁ قال: «لما كان يوم بدر نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلا فاستقبل نبي الله ﷺ القبلة، ثم مدَّ يديه فجعل يهتف بربه (١) \" اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإِسلام لا تعبد في الأرض \"، فمازال يهتف بربه مادا يديه، مستقبل القبلة، حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر ﵁، فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه وقال: \" يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك؛ فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله ﷿: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩] (٢) فأمده الله بالملائكة» (٣) «وخرج رسول الله ﷺ من العريش وهو يقول (٤). ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥] (٥)».\nوهذا يبيِّن للدعاة إلى الله ﷿ والمجاهدين في سبيله أهمية الاستنصار وطلب العون من الله ﷿.\nسادسا: خطر حرص المدعو على الدنيا: دل الحديث على أن الهزيمة في أول المعركة كانت على المشركين، فلما أقبل بعض المسلمين على الغنائم استقبلهم المشركون بالسهام فحصل ما حصل ثم أنزل الله نصره وتراجع المسلمون. قال البراء ﵁: \" إن هوازن كانوا قوما رماة، وإنا لما لقيناهم حملنا عليهم فانهزموا، فأقبل المسلمون على الغنائم، فاستقبلونا بالسهام \"، وهذا يبين خطر الحرص على الدنيا، وفيه تحذير للمدعوين وغيرهم من الإِقبال على الحطام الفاني (٦).\n_________\n(١) يهتف بربه: أي يصيح ويستغيث بالدعاء. انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ١٢/ ٣٢٨.\n(٢) سورة الأنفال، الآية: ٩.\n(٣) متفق عليه من حديث ابن عباس ﵄: البخاري مختصرا في كتاب المغازي، باب إِذْ تَسْتَغِيثونَ رَبَّكمْ فَاسْتَجَابَ لَكمْ، ٦/ ٦، برقم ٣٩٥٣، ومسلم بلفظه في كتاب الجهاد والسير، باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر، ٣/ ١٣٨٣، برقم ١٧٦٣.\n(٤) البخاري، كتاب المغازي، باب قول الله تعالى إِذْ تَسْتَغِيثونَ رَبَّكمْ فَاسْتَجَابَ لَكمْ ٦/ ٦، برقم ٣٩٥٣.\n(٥) سورة القمر، الآية: ٤٥.\n(٦) انظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر، ٨/ ٢٩، والمنهل العذب الفرات، لأحمد عبد العال ٣/ ٢١٨، ٢٢١.","vol":"1","page":372},{"text":"فينبغي الحذر من ذلك والله المستعان.\nسابعا: من أساليب الدعوة: التوكيد بالقسم: ظهر في هذا الحديث أسلوب التوكيد بالقسم، في قول البراء ﵁: \" لا والله ما ولّى رسول الله ﷺ \"، ولا شك أن أسلوب التوكيد بالقسم يعطي القلوب قناعة وتصديقا، فيحصل بذلك سرعة التنفيذ (١).\nثامنا: من أساليب الدعوة: الرجز: دل الحديث على أن استعمال الرجز من أساليب الدعوة إلى الله ﷿ في بعض الأحوال، مع بعض المدعوين، وقد ظهر ذلك في قوله ﷺ:\n\"\nأنا النبي لا كَذبْ ... أنا ابن عبد المطلب\n\" (٢).\nتاسعا: من أساليب الدعوة: بيان الداعية مناقبه عند الحاجة: ظهر في هذا الحديث أن بيان الداعية بعض مناقبه عند الحاجة لا حرج فيه، إذا كان فيه مصلحة راجحة تنفع المدعوين أو ترفع من شأن الدعوة إلى الله ﷿؛ ولهذا والله أعلم قال ﷺ: «أنا النبي لا كذب».\nقال الإِمام النووي ﵀: \" أي أنا النبي حقا فلا أفرّ ولا أزول \" (٣) وهذا يعطي المدعو معرفة به ﷺ وأنه رسول الله حقا وصدقا (٤).\nعاشرا: من أساليب الدعوة: قول الداعية عند الحاجة أنا فلان وأنا ابن فلان: ظهر في هذا الحديث أسلوب بيان الداعية نسبه عند الحاجة، إذا كان في ذلك مصلحة للدعوة أو زيادة ثقة في قلوب المدعوين عند معرفتهم نسبه\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ١٠، الدرس الخامس.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٢٧، الدرس الثالث، ورقم ٤٥، الدرس السادس، وانظر أيضا: شرح النووي على صحيح مسلم، ١٢/ ٣٦٢، وفتح الباري لابن حجر، ٨/ ٣١.\n(٣) شرح النووي على صحيح مسلم ١٢/ ٣٦٣.\n(٤) انظر: الحديث رقم ١٦، الدرس الرابع.","vol":"1","page":373},{"text":"ومكانته؛ ولهذا والله أعلم قال ﵊: «أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب».\n\nوانتسب ﷺ إلى جده دون أبيه؛ لشهرة عبد المطلب بين الناس؛ لما رزق من نباهة الذكر وطول العمر؛ ولأن عبد الله مات شابا ولم يشتهر؛ ولهذا كان كثير من العرب يدعون النبي ﷺ ابن عبد المطلب، كما قال ضمام بن ثعلبة لما قدم عليه: \" أيكم ابن عبد المطلب \" (١) وقيل: لأنه اشتهر بين الناس أنه يخرج من ذرية عبد المطلب رجل يدعو إلى الله ويكون خاتم الأنبياء فانتسب إليه؛ ليذكر ذلك من كان يعرفه، وأنه لا بد أن يظهر على أعدائه، وأن العاقبة له؛ لتقوى نفوس أصحابه، وأعلمهم أيضا بأنه ثابت ملازم للحرب لم يولِّ مع من ولى، وعَرَّفهم موضعه؛ ليرجع إليه الراجعون والله أعلم، ولم يكن ذلك على جهة الافتخار بآبائه؛ فإن ذلك من خلقِ الجاهلية التي قد نهى عنها النبي ﷺ وحرمها، وذَمَّ من انتمى إليها (٢)؛ وقد جاء في حديث أبي بن كعب ﵁ يرفعه: «من تَعزَّى بعزاء \" (٣) الجاهلية فأَعِضّوه (٤) [بهنِ أبيه] ولا تكنوا» (٥)؛ وقال ﷺ لرجل قال: ياللمهاجرين، ولآخر قال: ياللأنصار: «دعوها فإنها منتنة» (٦).\nأما إذا كان الانتساب للآباء في المعارك والحروب على عادة الشجعان في\n_________\n(١) انظر: صحيح البخاري، كتاب العلم، باب القراءة والعرض على المحدث، ١/ ٢٧، برقم ٦٣ وصحيح مسلم، كتاب الإِيمان، باب السؤال عن أركان الإِسلام، ١/ ٤١، برقم ١٢ وانظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، ٣/ ٦١٨، وشرح النووي على صحيح مسلم، ١٢/ ٣٦٣، وفتح الباري لابن حجر، ٨/ ٣١.\n(٢) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي ٣/ ٦١٨، وشرح النووي على صحيح مسلم ١٢/ ٣٦٣، وفتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر ٨/ ٣١.\n(٣) التعزي: الانتماء والانتساب إلى القوم، كأن يقول: يالَفلان، أو ياللأنصار، أو ياللمهاجرين. النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب العين مع الزاي، مادة \" عزا \" ٣/ ٢٣٣.\n(٤) فأعضوه: أي من انتسب إلى الجاهلية فقولوا له: اعْضض بأير أبيك ولا تكنوا عن الأير بالْهَنِ تنكيلا له وتأديبا. انظر: المرجع السابق باب العين مع الضاد، مادة \" عضض \" ٣/ ٢٥٢.\n(٥) أخرجه البخاري في الأدب المفرد ص ٣٣٤ برقم ٩٦٣، وأحمد في المسند ٥/ ١٣٦ وما بين المعكوفين من رواية أحمد، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد، ص ٣٦٩، وانظر: فضل الله الصمد في توضيح الأدب المفرد، لفضل الله الجيلاني ٢/ ٤٢٨، وسلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني برقم ٢٦٩.\n(٦) متفق عليه من حديث جابر بن عبد الله ﵁: البخاري، كتاب التفسير، باب يَقولونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَة لَيخْرِجَنَّ الْأَعَزّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّه الْعِزَّة وَلِرَسولِه وَلِلْمؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمنَافِقِينَ لَا يَعْلَمونَ ٦/ ٧٨ برقم ٤٩٠٧، ومسلم، في كتاب البر والصلة، باب نصر الأخ ظالما أو مظلوما ٤/ ٩٩٨، برقم ٢٥٨٤.","vol":"1","page":374},{"text":"انتسابهم؛ لإِظهار عز الإِسلام وإذلال أعداء الله فلا حرج (١) قال الإمام النووي رحمه الله تعالى على قوله ﷺ: «أنا النبي لا كذب. . أنا ابن عبد المطلب»: \" في هذا دليل على جواز قول الإِنسان في الحرب: أنا فلان وأنا ابن فلان \" (٢).\nومثل ذلك قول سلمة بن الأكوع في غزوة ذي قرد:\n\"\nأنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرضع (٣) \" (٤)\nوقول عامر بن الأكوع في غزوة خيبر:\nقد علمت خيبر أني عامر ... شاكي السلاح بَطَل مغامر (٥)\nوقول علي بن أبي طالب ﵁:\nأنا الذي سمتني أمي حيدرة (٦) ... كليث غابات كريه المنظرة (٧)\nأوفيهم بالصاع كيل السندرة (٨) \"\n_________\n(١) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي ٣/ ٦١٨، وشرح النووي على صحيح مسلم ١٢/ ٣٦٢، وفتح الباري لابن حجر، ٨/ ٣١.\n(٢) شرح النووي على صحيح مسلم ١٢/ ٣٦٣.\n(٣) يوم الرضع: جمع راضع وهو اللئيم، قيل: والأصل فيه أن رجلا كان شديد البخل فكان إذا أراد حلب ناقته رضع من ثديها ولا يحلبها؛ لئلا يسمع جيرانه صوت الحلب أو من يمر به فيطلبون منه اللبن، فَعَبَروا عن كلِّ لئيم بذلك، وقيل بل صنع ذلك لئلا يتبدد من اللبن شيء إذا حلب في الإِناء، وقيل غير ذلك.\nانظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، باب الراء مع الضاد ٢/ ٢٣٠، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي ٣/ ٦٧٣، وفتح الباري لابن حجر، ٧/ ٤٦٢.\n(٤) البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة ذي قرد، ٥/ ٣٥، برقم ٤١٩٤ ومسلم، كتاب الجهاد والسير، باب غزوة ذي قرد وغيرها، ٣/ ١٤٣٣، برقم ١٨٠٦.\n(٥) صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب غزوة، ذي قرد وغيرها، ٣/ ١٤٤٠.\nومعنى: \" شاكي السلاح \" أي تام السلاح: من الشوكة والقوة. \" مغامر \": يركب غمرات الحروب، ويقتحمها وشدائدها ويلقي بنفسه فيها وأصله من الغمر: وهو الماء الكثير. و\" البطل \": الشجاع. انظر المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، ٣/ ٦٨١، وشرح النووي على صحيح مسلم، ١٢/ ٤٢٥.\n(٦) \" حيدرة \" من أسماء الأسد. انظر. المفهم للقرطبي ٣/ ٦٨٢، وشرح النووي ١٢/ ٤٢٥.\n(٧) \" الليث \" من أسماء الأسد، والغابات. ملتف الشجر، وكريه المنظرة: أي أنه كريه المنظر في عين عدوه. و\" السندرة \" مكيال واسع، وقيل: السندرة العجلة: أي أقتلهم قتلا عاجلا. والمعنى: أقتل الأعداء قتلا واسعا ذريعا عاجلا. انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، ٣/ ٦٨٣، وشرح النووي على صحيح مسلم، ١٢/ ٤٢٦.\n(٨) مسلم، في كتاب الجهاد والسير، باب غزوة ذي قرد وغيرها، ٣/ ١٤٤١، برقم ١٨٠٦.","vol":"1","page":375},{"text":"الحادي عشر: من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة: دل الحديث على أن القدوة الحسنة وسيلة من وسائل الدعوة إلى الله ﷿؛ لأن النبي ﷺ ثبت قي المعركة ولم يتراجع مع من تراجع؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀ في فوائد هذا الحديث: \" وإذا كان رأس الجيش قد وطَّن نفسه في الحرب على عدم الفرار وأخذ بأسباب ذلك، كان ذلك أدعى لأتباعه على الثبات \" (١).\nفينبغي للداعية أن يكون قدوة حسنة للناس (٢).\nالثاني عشر: الابتلاء والاختبار في الدعوة إلى الله ﷿: دل هذا الحديث على الابتلاء والامتحان، وأن الله ﷿ يبتلي عباده بالسراء والضراء، وبالشدة والرخاء؛ ولهذا حصل للنبي ﷺ ما حصل في غزوة حنين: من تراجع أصحابه عنه في أول القتال، واقتحام المشركين عليه ﷿، ثم نصره الله وأمده بعونه، وهزم أعداءه (٣).\nالثالث عشر: من أصناف المدعوين: المشركون: دل قتاله ﷺ في معركة حنين على أن من أصناف المدعوين: أهل الشرك بالله ﷿؛ وأنهم يدعون إلى الإِسلام، ويقاتلون إذا لم يدخلوا في الإِسلام، ولم يدفعوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون ووقفوا في طريق الدعوة إلى الله ﷿ (٤).\n_________\n(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٨/ ٣٢، وانظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ١٢/ ٣٦٣.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٣، الدرس الثالث.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٩، الدرس الثامن، ورقم ١٦، الدرس الخامس، ورقم ٤٦، الدرس الرابع.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٦٦، الدرس الحادي عشر.","vol":"1","page":376},{"text":"٥٩ -<span data-type=\"title\" id=toc-129> باب ناقة النبي ﷺ</span>\nقَالَ ابْن عمَرَ: «أَرْدَفَ النَّبِي ﷺ عَلَى الْقَصْوَاءِ»، وَقَالَ المسْوَر: قَالَ النَّبِي ﷺ: «مَا خَلأتِ القَصْوَاء».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>[حديث ناقة النبي ﷺ العضباء]</span>\n٦٢ - [٢٨٧١] حَدَّثَنَا عبد الله بْن محَمّدٍ: حَدَّثَنَا معَاوِيَة: حَدَّثَنَا أَبو إسحاق، عَنْ حمَيدٍ قَالَ: سَمِعْت أَنسا (١) ﵁ يَقول: «كَانَتْ نَاقَة النَّبِي ﷺ يقَال لَهَا الْعَضْبَاء» (٢).\nوفي رواية: «كَانَ للنَّبِي ﷺ ناقَة تسَمَّى الْعَضْباءَ لاَ تسْبَق - قَالَ حمَيد: أَوْ لاَ تَكاد تسْبَق - فَجَاءَ أَعْرَابِي عَلَى قَعودٍ، فَسَبَقَهَا، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى المسْلِمِينَ حَتّى عَرَفَه فَقَالَ: \" حَقّ عَلَى الله أَنْ لَّا يَرْتَفعَ شيء مِنَ الدّنْيَا إِلَّا وَضَعَه».\nطَوَّله موسَى عَنْ حَمَّادٍ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنسٍ عَنِ النَّبِي ﷺ (٣).\nوفي رواية: «إِنَّ حَقّا عَلَى الله أَن لَّا يرفَعَ شيئا مِنَ الدّنْيَا إِلَّا وَضَعَه» (٤).\n* شرح غريب الحديث: * \" العضباء \": علم من قولهم: ناقة عضباء: أي مشقوقة الأذن، ولم تكن ناقة رسول الله ﷺ مشقوقة الأذن وإنما كان هذا لقبا لها وهذا هو الصواب. والعضباء أيضا مكسورة القرن، وقد يكون العضب في الأذن قطعها. والعضب: السيف القاطع، والعضب القطع نفسه أيضا، فلعل ناقة النبي ﷺ سميت باشتقاق من هذا لسرعتها وقطعها الأرض في سيرها (٥).\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ١٤.\n(٢) [الحديث ٢٨٧١]، طرفاه في: كتاب الجهاد والسير، باب ناقة النبي ﷺ، ٣/ ٢٩٠، برقم ٢٨٧٢. وكتاب الرقاق، باب التواضع، ٧/ ٢٤٣، برقم ٦٥٠١.\n(٣) الطرف رقم ٢٨٧٢.\n(٤) من الطرف رقم ٦٥٠١.\n(٥) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي، ص ٣٣٢، والفائق في غريب الحديث للزمخشري، باب العين مع الضاد، ٢/ ٤٤٤، النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب العين مع الضاد، مادة \" عضب \" ٣/ ٢٥١.","vol":"1","page":377},{"text":"* \" قعود \" القعود من الإبل: ما أمكن أن يركب، وأدناه أن يكون له سنتان، ثم قعود إلى أن يثني فيدخل في السنة السادسة، ثم هو جمل، فالقعود: هو ما يقتعده الإِنسان للركوب والحمل، ولا يكون إلا ذكرا؛ لأن الأنثى بهذا السن يقال لها القلوص، وقيل يقال لها: القعودة (١).\n* \" الأعرابي \" ساكن البادية من العرب الذين لا يقيمون في الأمصار ولا يدخلونها إلا لحاجة (٢). قال ابن حجر ﵀: \" لم أقف على اسم هذا الأعرابي بعد التتبع الشديد \" (٣).\n* \" حتى عرفه \" أي حتى عرف أثر المشقة في وجوههم، فَسَّر ذلك الرواية الأخرى \" فاشتد ذلك على المسلمين وقالوا: سبقت العضباء \" (٤).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من موضوعات الدعوة: الحث على التواضع والتحذير من الكبر.\n٢ - من صفات الداعية: الزهد.\n٣ - من صفات الداعية: التواضع.\n٤ - من صفات الداعية: حسن الخلق.\n٥ - أهمية أدب المدعو مع العلماء والدعاة.\n٦ - من أساليب الدعوة: الترهيب.\n٧ - من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة.\n٨ - محبة الصحابة للنبي ﷺ.\n٩ - ذكاء النبي ﷺ وفطنته.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\n_________\n(١) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب القاف مع العين، مادة \" قعد \" ٤/ ٨٧، وجامع الأصول له، ٥/ ٤٠.\n(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر، باب العين مع الراء، مادة \" عرب \" ٣/ ٢٠٢.\n(٣) فتح الباري بشرح صحيح البخاري ٦/ ٧٤.\n(٤) الطرف رقم ٦٥٠١، وانظر: فتح الباري لابن حجر ٦/ ٦٤، و١١/ ٣٤١.","vol":"1","page":378},{"text":"أولا: من موضوعات الدعوة: الحث على التواضع والتحذير من الكبر: إن الحث على التواضع والتحذير من الكبر من أهم موضوعات الدعوة، فهو دعوة للأمة للتحلي بالتواضع، والابتعاد عن الكبر، فإن العادة غالبا جرت أن الله لا يرفع شيئا من أمر الدنيا إلا حطَّه؛ ولهذا قال النبي ﷺ في هذا الحديث: «إن حقا على الله أن لا يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعه»، وقد دعا ﷺ أمته إلى ترك المباهاة والفخر بمتاع الدنيا، فإذا كان ذلك كذلك كان حقا على كل عاقل أن يحث الناس على التواضع ويحذرهم من الكبر والفخر، والله المستعان (١).\nثانيا: من صفات الداعية: الزهد: دل هذا الحديث على أن الزهد من الصفات العظيمة التي ينبغي للمسلم أن يتصف بها؛ لأنه لا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه الله، فإذا كان ذلك كذلك كان حقا على كل عاقل أن يزهد في الدنيا ومتاعها؛ لأنها ناقصة غير كاملة؛ ولهوانها على الله ﷿، وهذا فيه تنبيه على ترك المباهاة والمفاخرة، وأن كل شيء هان على الله فهو محل الضعة، فحق على كل ذي عقل أن يزهد فيه، ويقل المنافسة في طلبه. قال الحافظ ابن حجر ﵀: \" وفيه التزهيد في الدنيا، للإشارة إلى أن كل شيء منها لا يرتفع إلا اتضع \" (٢). والله المستعان (٣).\nثالثا: من صفات الداعية: التواضع: التواضع صفة عظيمة من صفات الدعاة إلى الله تعالى؛ لأن التواضع: هو تذلل وتخاشع لله تعالى؛ وقد مدِح الله تعالى الدعاة المتواضعين فقال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] (٤) والمعنى أنهم يمشون في سكينة ووقار متواضعين غير أشرين، ولا متكبرين،\n_________\n(١) انظر: فتح الباري، لابن حجر، ٦/ ٧٤، وعمدة القاري للعيني ١٤/ ١٦٢، وإرشاد الساري، للقسطلاني ٥/ ٨٠، وعون المعبود شرح سنن أبي داود، لمحمد شمس الحق العظيم آبادي ١٣/ ١٥٨، وعون الباري لحل أدلة البخاري، لصديق حسن خان ٣/ ٥٠١.\n(٢) فتح الباري، لابن حجر، ٦/ ٧٤، وانظر: ١١/ ٣٤١.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٢، الدرس الأول، ورقم ١٥، الدرس الأول.\n(٤) سورة الفرقان، الآية: ٦٣.","vol":"1","page":379},{"text":"ولا مرحين، فهم دعاة علماء، حلماء؛ وأصحاب وقار وعفة، والتواضع فيه مصلحة الدين والدنيا؛ فإن الناس لو استعملوه في الدنيا لزالت بينهم الشحناء؛ ولاستراحوا من تعب المباهاة والمفاخرة (١).\nوالدعاة إلى الله تعالى إذا تواضعوا رفعهم الله في الدنيا والآخرة؛ لقوله ﷺ: «ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفوٍ إلا عزّا، ومن تواضع لله رفعه» (٢) وهذا مما يفتح الله به للداعية قلوب الناس؛ فإن الله يرفعه في الدنيا والآخرة، ويثبت له بتواضعه منزلة في قلوب الناس، ويرفعه عندهم، ويجلّ مكانه (٣) أما إذا تكبر الداعية على الناس فقد توعده الله بالذلِّ والهوان في الدنيا والآخرة؛ فالله ﷿: «العزّ إزاره، والكبرياء رداؤه فمن ينازعه ذلك عذبه» (٤). ففي حديث الباب حث على التواضع، وهذه صفة يجب على كل داعية أن يتَّصف بها في دعوته وفي كل أموره (٥)؛ قال ﷺ: «إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد، ولا يفخر أحد على أحد» (٦).\nرابعا: من صفات الداعية: حسن الخلق: دل الحديث على أن حسن الخلق من أعظم الصفات التي ينبغي أن يتصف بها الداعية إلى الله ﷿، قال ابن حجر رحمه الله تعالى في حديث الباب: \" وفيه حسن خلق النبي ﷺ وتواضعه؛ لكونه رضي أن أعرابيّا يسابقه \" (٧). ومعلوم عند العقلاء أن الخلق الحسن يحبب الداعية إلى الناس جميعا، فكل من جالسه أو خالطه أحبه؛ ولهذا يسهل على الداعية جذب قلوب الناس إلى دعوته؛ لأن من لم يتخلَّق بالخلق الحسن ينفر الناس من دعوته، ولا يستفيدون من\n_________\n(١) انظر: مدارج السالكين، لابن القيم، ٢/ ٣٢٧، وفتح الباري لابن حجر ١١/ ٣٤١.\n(٢) صحيح مسلم، كتاب البر والصلة، باب استحباب العفو والتواضع، ٤/ ٢٠١، برقم ٢٥٨٨.\n(٣) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ١٦/ ٣٧٨.\n(٤) مسلم، كتاب البر والصلة، باب تحريم الكبر، ١٦/ ٤١٢، برقم ٢٦٢٠، ولفظه \" فمن ينازعني عذبته \".\n(٥) انظر: فتح الباري، لابن حجر ٦/ ٧٤، وعمدة القاري للعيني، ١٤، ١٦٢، والرياض الناضرة للسعدي، ص ١٠٥.\n(٦) مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار ٤/ ٢١٩٩ برقم ٢٨٦٥.\n(٧) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٦/ ٧٤، وانظر: ١١/ ٣٤١.","vol":"1","page":380},{"text":"علمه وخبرته؛ لأن من طبائع الناس أنهم لا يقبلون ممن يستطيل عليهم، أو يبدو منه احتقارهم واستصغارهم ولو كان ما يقوله حقّا؛ قال الله ﷿ لنبيه ﷺ: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] (١). والخلق الحسن للداعية يشمل: التواضع وغيره من الأخلاق الجميلة الحميدة؛ كالحلم، والأناة، والجود والكرم، والعفو والصفح، والرفق واللين، وغير ذلك من الأخلاق الحميدة التي يتأكد على كل داعية صادق أن يتصف بها (٢). والله الموفق ﷾ (٣).\nخامسا: أهمية أدب المدعو مع العلماء والدعاة: إن المدعو ينبغي له أن يلتزم الأدب مع العلماء والدعاة، ولا يشق عليهم، والذي ظهر من هذا الحديث أن الأعرابي لم يراع الأدب في طلب مسابقة النبي ﷺ على قعوده، ولكن لتواضع النبي ﷺ وافقه على ذلك. فينبغي للمدعو أن يلتزم الأدب مع العلماء والدعاة وطلاب العلم (٤).\n\nسادسا: من أساليب الدعوة: الترهيب: دل الحديث على أن الترهيب أسلوب من أساليب الدعوة إلى الله تعالى؛ لأن الترهيب يكون بما يخيف المدعو، ويحذره من عدم الاستجابة أو رفض الحق، أو عدم الثبات عليه بعد قبوله.\nفقد دل هذا الحديث على الترهيب من الكبر وأن عاقبته وخيمة؛ لأنه كان حقّا على الله أن يضع المتكبر ولو بعد حين؛ وقد بيّن النبي ﷺ، في هذا الحديث أنه: «حق على الله أن لا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه» وقد حذر الله ﷿ من الكبر والخيلاء فقال: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ - وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٨ - ١٩] (٥)\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآية: ١٥٩.\n(٢) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ١٠/ ٦٥٨، ومدارج السالكين لابن القيم ٢/ ٣٠٨، والرياض الناضرة للسعدي ص ٢١٨.\n(٣) انظر: الحديث رقم ١٤، الدرس الأول، ورقم ٢١، الدرس الثاني.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٣٥، الدرس الأول، ورقم، ٤٠، الدرس الأول.\n(٥) سورة لقمان، الآيتان: ١٨ - ١٩.","vol":"1","page":381},{"text":"وعن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متَّبع، وإعجاب المرء بنفسه، وثلاث منجيات: العدل في الرضا والغضب، والقصد في الغنى والفقر، ومخافة الله في السر والعلانية» (١) والله المستعان (٢).\nسابعا: من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة: في هذا الحديث تواضع النبي ﷺ وموافقته أن يسابق الأعرابي، ثم عندما شق ذلك على أصحابه بيَّن لهم أن حقّا على الله أن لا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه، فكان ﵊ بهذا الفعل وهذا القول قدوة بالقول والعمل للدعاة إلى الله تعالى، فإن من وسائل التبليغ المهمة وجذب الناس إلى الإسلام التبليغ بالسيرة الطيبة للداعية إلى الله تعالى، وأفعاله الحميدة، وصفاته العالية، وأخلاقه الكريمة، والتزامه بالإِسلام ظاهرا وباطنا مما يجعله قدوة طيبة؛ لأن التأثير بالأفعال والسلوك أبلغ من التأثير بالكلام وحده، ويجمع ذلك كله: حسن الخلق، وموافقة العمل للقول (٣).\nورسول الله ﷺ هو الأسوة للدعاة، فقد كان متواضعا في دعوته للناس؛ وقد جاء رجل فكلمه فجعل ترعد فرائصه فقال له: «هوِّن عليكَ فإني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد في هذه البطحاء» (٤) ثم تلا جرير: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: ٤٥] (٥). فعلى الدعاة إلى الله تعالى أن يقتدوا برسول الله ﷺ، فقد كان متواضعا في دعوته مع الناس، فكان يمر بالصبيان فيسلم عليهم، وتأخذ بيده الأمَة فتنطلق به حيث شاءت،\n_________\n(١) الطبراني في الأوسط [مجمع البحرين برقم ١٤١، ١/ ١٥٥]، وأخرج الجزء الأول منه البزار [مختصر زوائد مسند البزار على الكتب الستة ومسند أحمد برقم ٤١، ١/ ٩٨]، وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم ١٨٠٢، وصحيح الجامع الصغير ٣/ ٦٥.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٧، الدرس الثالث عشر.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٣، الدرس الثالث.\n(٤) الطبقات الكبرى لابن سعد، ١/ ٢١، والحاكم بلفظه وصححه ووافقه الذهبي، من حديث جرير بن عبد الله ﵁، ٢/ ٤٤٦، وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني ٤/ ٤٩٧.\n(٥) سورة ق الآية: ٤٥.","vol":"1","page":382},{"text":"وكان في بيته في خدمة أهله، ولم يكن ينتقم لنفسه قط، وكان يخصف نعله ويرقع ثوبه، ويحلب الشاة لأهله، ويأكل مع الخادم، ويجالس المساكين، ويمشي مع الأرملة واليتيم في حاجتهما، ويجيب دعوة من دعاه ولو إلى شيء يسير، فكان متواضعا من غير ذلة، جوادا من غير سرف، رقيق القلب رحيما بكل مسلم، خافض الجناح للمؤمنين، ليِّن الجانب لهم، فيجب على الدعاة أن يقتدوا به ﷺ (١).\nثامنا: محبة الصحابة للنبي ﷺ: ظهر في هذا الحديث محبة الصحابة لرسول الله ﷺ؛ ولهذا شق عليهم ما حصل من سبق قعود الأعرابي لناقة النبي ﷺ؛ قال أنس ﵁: \" فشق ذلك على المسلمين \".\nومحبة النبي ﷺ من علامات كمال الإيمان؛ قال ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده، ووالده، والناس أجمعين» (٢).\nفينبغي للداعية أن يحب الله ورسوله حبا كاملا؛ قال ﷺ: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإِيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار» (٣).\nتاسعا: ذكاء النبي ﷺ وفطنته: النبي ﷺ أذكى البشر وأفطنهم، ولا يحتاج ذلك إلى استدلال، ولكن المقصود هو استنباط ما يدل عليه الحديث من الفوائد والدروس الدعوية. وهذه الفائدة مأخوذة من قول أنس ﵁: \" فشق ذلك على المسلمين حتى عرفه \" أي حتى عرف ﷺ أثر المشقة في وجوههم (٤).\n_________\n(١) انظر: مدارج السالكين لابن القيم ٢/ ٣٢٨ - ٣٢٩، وفتح الباري لابن حجر ٦/ ٧٤، ١١/ ٣٤١، وعمدة القاري للعيني، ١٤/ ١٦٢.\n(٢) متفق عليه: البخاري، ١/ ١١، برقم ١٥، ومسلم، ١/ ٦٧، برقم ٤٤، وتقدم تخريجه في الحديث رقم ٩، الدرس العاشر، ص ١١٤.\n(٣) متفق عليه: البخاري، ١/ ١١، برقم ١٦، ومسلم، ١/ ٦٦، برقم ٤٣، وتقدم تخريجه في الحديث رقم ٩، الدرس الثالث، ص ١٠٩.\n(٤) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٦/ ٦٤، ١١/ ٣٤١.","vol":"1","page":383},{"text":"٦٥ -<span data-type=\"title\" id=toc-131> باب غزوِ النساءِ وَقِتالهِنَّ معَ الرّجَالِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>[حديث سقي عائشة وأم سليم الجرحى يوم أحد]</span>\n٦٣ - [٢٨٨٠] حَدَّثَنَا أَبو مَعْمَرٍ: حَدَّثَنَا عَبْد الْوَارِثِ: حَدَّثَنَا عَبْد الْعَزِيزِ، عنْ أنسٍ (١) ﵁ قَالَ: «لَمَّا كَانَ يَوْم أحدٍ انْهَزَمَ النَّاس عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. قَالَ: ولَقَدْ رَأَيْت عَائِشَةَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ (٢). وَأمَّ سلَيْمٍ (٣). وَإِنَّهمَا لَمشَمِّرَتَانِ أَرَى خَدَمَ سوقِهِنَّ تَنْقزانِ القِرَبَ -وَقَالَ غَيره: تَنقلانِ القِرَبَ- عَلَى متونهِمَا ثمَّ تفْرِغَانِهِ في أَفْوَاهِ الْقَوْمِ، ثمَّ تَرْجِعَانِ فَتَمْلآنِهَا ثمَّ تَجِيئَانِ فَتفْرِغَانِهِ فِي أَفْوَاهِ الْقَوْمِ \" (٤)».\nوفي رواية: «لَمّا كَانَ يَوْم أحدٍ انهَزَمَ النَّاس عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَأَبو طَلْحَة (٥) بَيْنَ يدَي النَّبِيِّ ﷺ مجَوِّب عَلَيْهِ بِحجَفَةٍ لَه، وَكَانَ أَبو طَلْحَةَ رَجلا رَامِيا شَدِيدَ النَّزْع، كَسَرَ يَوْمَئِذٍ قَوْسَيْنِ أَوْ ثَلَاثا، وَكَانَ الرَّجل يَمرّ مَعَه بِجَعْبَةٍ مِنَ النَّبْلِ فَيَقول: \" انثرهَا لأَبِي طَلْحَةَ \" قَالَ: ويشْرِف النَّبِيّ ﷺ ينْظر إِلَى الْقَوْمِ، فَيَقول أَبو طَلْحَةَ: بِأَبِي أنتَ وَأمِّي لَا تشْرِفْ يصِيبكَ سَهْم مِنْ سِهامِ الْقَوْمِ، نَحْرِي دونَ نَحْرِكَ، وَلَقَدْ رَأَيْت عَائِشَةَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ وَأمَّ سلَيْمٍ وَإِنَّهمَا لَمشَمِّرَتَانِ أَرَى خَدَمَ سوقِهِمَا تنْقِزَانِ القِرَبَ عَلَى متونهمَا، تفْرِغَانِهِ فِي أَفْوَاهِ الْقَوْمِ ثمَّ تَرْجِعَانِ فتَمْلآنِهَا ثمَّ تَجِيئانِ فَتفْرِغَانِهِ فِي أَفْوَاهِ الْقَوْم، وَلَقَدْ وقَعَ السَّيْف مِن يَدِ أَبِي طَلْحَةَ إِمَّا مَرَّتَيْنِ وَإِمَّا ثَلاثا» (٦).\nوفي رواية: «كَانَ أَبو طَلْحَةَ يَتَتَرَّس مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بترْسٍ وَاحِدٍ، وَكَانَ أَبو طَلْحَةَ\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ١٤.\n(٢) تقدمت ترجمتها في الحديث رقم ٤.\n(٣) تقدمت ترجمتها في الحديث رقم ٥٠.\n(٤) [الحديث ٢٨٨٠] أطرافه في: كتاب الجهاد والسير، باب المجن، ومن يتترس بترس صاحبه، ٣/ ٣٩٩، برقم ٢٩٠٢. وكتاب مناقب الأنصار، باب مناقب أبي طلحة ﵁، ٤/ ٢٧٦، برقم ٣٨١١. وكتاب المغازي، باب إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّه وَلِيّهمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمؤْمِنونَ، ٥/ ٤٠، برقم ٤٠٦٤. وأخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب غزوة النساء مع الرجال، ٣/ ١٤٤٣، برقم ١٨١١.\n(٥) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ٤١.\n(٦) الطرف رقم ٣٨١١، ورقم ٤٠٦٤.","vol":"1","page":384},{"text":"حَسَنَ الرَّمْي، فَكَانَ إِذَا رَمَى يشْرِف النبِيّ ﷺ فَيَنْظر إِلَى مَوْضِعِ نَبْلِهِ» (١).\n* شرح غريب الحديث: * \" خَدَم سوقهِنَّ \" الخدم: الخلاخيل، واحدتها خدمة، وخلخال والسوق: جمع ساق وقد يسمى الساقان خدمين؛ لأنهما موضع الخدمين، وهما الخلخالان، وسمي الخلخال خدمة؛ لأنه ربما كان من سيور مركبة فيه الذهب والفضة، والخدمة في الأصل السير الغليظ مثل الحلقة يشد في رسغ البعير، والرسغ، ما فوق الخف من أول القوائم، ويشد في هذا السير الذي كالحلقة سرائح نعل البعير (٢).\n* \" تنقزان القرب \" أي تحملانها وتقفزان بها وثبا، والنقز: القفز، والوثب (٣).\n* \" متونهما \" المتن من الظهر ما اكتنف أعلى الصلب من العصب واللحم، وهما متنان، والصلب: عظم من مغرس العنق إلى الذنب، ومن الإِنسان إلى العصعص، والعصعص: عَجْب الذنب (٤).\n* \" مجَوِّب عليه \" أي ساتر له، قاطع بينه وبين العدو (٥).\n* \" بحجفة \" الحجفة: الترس الصغير (٦).\n* \" شديد النزع \" أصل النزع: الجذب والقلع، ومنه نزع الميت روحه، ونزع القوس إذا جذبها (٧).\n* \" جعبة \" الجعبة: الكنانة التي تجعل فيها السهام (٨) وهي خريطة النّشَّابِ من الجلود (٩).\n_________\n(١) الطرف رقم ٢٩٩٢.\n(٢) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٢٥٥، والنهاية في غريب الحديث لابن الأثير، باب الخاء مع الدال، مادة \" خدم \" ٢/ ١٥، وأعلام الحديث للخطابي ٢/ ١٣٨٥، وشرح الكرماني على صحيح البخاري ١٢/ ١٥٢.\n(٣) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب النون مع القاف مادة \" نقز \" ٥/ ١٠٦.\n(٤) تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٢٥١.\n(٥) المرجع السابق ص ٢٥٥.\n(٦) انظر: المرجع السابق ص ٢٥٥، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الحاء مع الجيم ١/ ٣٤٥، ١/ ٣١١.\n(٧) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب النون مع الزاي، مادة: \" نزع \"، ٥/ ٤١.\n(٨) المرجع السابق، باب الجيم مع العين، مادة: \" جعب \" ١/ ٢٧٤.\n(٩) تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٢٥٥.","vol":"1","page":385},{"text":"* \" نحري \" النحر: أول الصدر، وهو موضع القلادة (١).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - أهمية دفاع المدعو عن العلماء والدعاة.\n٢ - من صفات الداعية: الشجاعة.\n٣ - الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل.\n٤ - أهمية الإِشراف على المدعو وملاحظته.\n٥ - من وسائل الدعوة: إثارة غيرة الرجال.\n٦ - أهمية مشاركة النساء في الجهاد بالخدمة والعلاج عند الحاجة.\n٧ - تاريخ الدعوة في الأمر بالحجاب.\n٨ - محبة الصحابة للنبي ﷺ.\n٩ - الابتلاء والامتحان في الدعوة إلى الله ﷿.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: أهمية دفاع المدعو عن العلماء والدعاة: دل هذا الحديث على أهمية دفاع المدعو عن العلماء والدعاة؛ ولهذا دافع أبو طلحة يوم أحد عن النبي ﷺ دفاعا عظيما، فكان يستر النبي ﷺ عن الأعداء بترسه، وقاتل قتالا شديدا حتى كسر قوسين أو ثلاثا.\nفينبغي للمدعو أن يدافع عن ولاة أمر المسلمين، وعلمائهم، ودعاتهم المخلصين: بالقول والفعل. والله المستعان (٢).\nثانيا: من صفات الداعية: الشجاعة: ظهر في هذا الحديث أن الشجاعة صفة عظيمة من صفات الداعية إلى الله\n_________\n(١) تفسير غريب ما في الصحيحين، للحميدي، ص ٢٥٥.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٤، الدرس الثالث.","vol":"1","page":386},{"text":"﷿؛ ولهذا برزت شجاعة أبي طلحة ومن معه من الصحابة في معركة أحد، بل قد اشترك في هذه الصفة حتى النساء كما فعلت عائشة وأم سليم ﵄. فينبغي للداعية أن يتحلى بهذه الصفة الحميدة (١).\n\nثالثا: الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل: لا شك أن الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل؛ لأن النبي ﷺ سيد المتوكلين وقد أخذ بالأسباب وأقر أصحابه على الأخذ بها، فهذا أبو طلحة ﵁ يدافع عنه بالسهام، والأقواس، ويستره بالترس، وهذه عائشة وأم سليم ﵄ تفرغان القرب في أفواه القوم؛ وقد ذكر ابن حجر ﵀: أن اتخاذ الآلات لا ينافي التوكل، والحذر لا يرد القدر، ولكن يضيِّق مسالك الوسوسة لما طبع عليه البشر (٢).\nفينبغي للداعية أن يأخذ بالأسباب ويتوكل على الله ﷿؛ لأن التوكل يقوم على ركنين: اعتماد القلب على الله ﷿، والأخذ بالأسباب (٣).\nرابعا: أهمية الإشراف على المدعو وملاحظته: دل الحديث على أنه ينبغي للداعية أن يشرف على المدعو ويلاحظه؛ لكي يطمئن على استقامته وإتقانه للعمل كما يحبه الله ﷿، ومن ذلك ما فعله النبي ﷺ مع أبي طلحة ﵁ في هذا الحديث كما قال أنس ﵁: \" وكان أبو طلحة حسن الرمي فكان إذا رمى يشْرِف النبي ﷺ فينظر إلى موضع نبله \".\nخامسا: من وسائل الدعوة: إثارة غيرة الرجال: لا ريب أن إثارة غيرة الرجال من وسائل الدعوة، ففي غزوة أحد اشترك النساء في مداواة الجرحى وإسقاء المرضى وغير ذلك؛ قال الإِمام الأبي ﵀: \" وفي حضور النساء معارك الحرب إثارة غيرة الرجال، وحمية\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٣٥، الدرس الخامس، ورقم ٦١، الدرس الثاني.\n(٢) انظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري ٦/ ٩٤.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٣٠، الدرس الخامس.","vol":"1","page":387},{"text":"الأنوف لصونهن. . . \" (١).\nسادسا: أهمية مشاركة النساء في الجهاد بالخدمة والعلاج عند الحاجة: إن ما حصل من مشاركة بعض النساء في الجهاد في هذا الحديث يدل على أن هذه المشاركة لا حرج فيها عند الحاجة مع التزام الأوامر واجتناب النواهي، ويكون ذلك في حدود طاقة المرأة: كالمشاركة في خدمة المجاهدين، ومداواة الجرحى، مع المحافظة على الحجاب والبعد عن الفتنة، والخلوة، وكانت المرأة في عهد رسول الله ﷺ تتأهب للدفاع عن نفسها، فعن أنس بن مالك ﵁: «أن أمَّ سليم اتخذت يوم حنين خنجرا، فكان معها فرآها أبو طلحة، فقال: يا رسول الله، هذه أم سليم معها خنجر، فقال لها رسول الله ﷺ: \" ما هذا الخنجر؟ \" قالت: اتخذته إن دنا مني أحد من المشركين بقرت به بطنه، فجعل رسول الله ﷺ يضحك، قالت: يا رسول الله، اقتل من بعدنا من الطلقاء انهزموا بك، فقال رسول الله ﷺ: \" يا أم سليم إن الله قد كفى وأحسن» (٢).\nأما ما حصل من النظر إلى عائشة وأم سليم يوم أحد فقد أجاب النووي ﵀ عن ذلك فقال: \" وهذه الرواية للخدم لم يكن فيها نهي؛ لأن هذا كان يوم أحد قبل أمر النساء بالحجاب، وتحريم النظر إليهن؛ ولأنه لم يذكر هنا أنه تعمد النظر إلى نفس الساق، فهو محمول على أنه حصلت تلك النظرة فجأة بغير قصد، ولم يستدمها \" (٣).\nسابعا: تاريخ الدعوة في الأمر بالحجاب: ظهر في هذا الحديث أن الأمر بالحجاب زمن معركة أحد لم ينزل بعد؛ ولهذا والله أعلم حصل ما حصل من النظر إلى الخلاخل والسوق؛ وقد ذكر الأبي ﵀ بعض أقوال أهل العلم في ذلك ثم قال: \" والقضية كانت يوم أحد\n_________\n(١) إكمال إكمال المعلم، شرح صحيح مسلم، ٦/ ٤٧٩.\n(٢) صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب غزوة النساء مع الرجال، ٣/ ١٤٤٢ برقم ١٨٠٩.\n(٣) شرح النووي على صحيح مسلم ١٢/ ٤٣٠، وإكمال إكمال المعلم للأبي ٦/ ٤٧٩.","vol":"1","page":388},{"text":"أول الإِسلام قبل الأمر بالحجاب والستر، وقيل النهي عن إبداء الزينة، إلا لمن خصه الله في كتابه في سورة النور، وإنما نزل كثير منها بعد قصة الإِفك، وفي غزوة المريسيع بعدها سنة ست في قول ابن إسحاق، أو سنة أربع في قول ابن عقبة، أو في سنة خمس في قول الواقدي \" (١).\nوهذا فيه دلالة على أن معركة أحد وقعت قبل الأمر بالحجاب الشرعي، فإذا حصل من النساء مشاركة في المعركة فلا بد من الالتزام بالحجاب، والبعد عن الخلوة بالرجال الأجانب.\nثامنا: محبة الصحابة للنبي ﷺ: دل هذا الحديث على عظم محبة الصحابة للنبي ﷺ؛ ولهذا دافع عنه أبو طلحة، وأظهر هذه المحبة بقوله ﵁ للنبي ﷺ: \" بأبي أنت وأمي لا تشرف يصيبك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك \" والمعنى أنه يقدم نحره وصدره ترسا حماية للنبي ﷺ؛ قال الإِمام النووي ﵀: \" هذا من مناقب أبي طلحة الفاخرة \" (٢).\nفينبغي للداعية أن يحب رسول ﷺ أكثر من محبة الولد، والوالد، والناس أجمعين (٣).\nتاسعا: الابتلاء والامتحان في الدعوة إلى الله ﷿: ظهر في هذا الحديث ما حصل للنبي ﷺ وأصحابه من الابتلاء في معركة أحد، فصبروا، وصابروا، وجاهدوا (٤).\n_________\n(١) إكمال إكمال المعلم، ٦/ ٤٧٩.\n(٢) شرح النووي على صحيح مسلم ١٢/ ٤٣٠.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٦٢، الدرس الثامن.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٦٦، الدرس الأول.","vol":"1","page":389},{"text":"٦٦ -<span data-type=\"title\" id=toc-133> باب حَمْلِ النّساء القرَب إلَى النّاسِ في الغزو</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-134>[حديث أم سليط التي كانت تزفر القرب يوم أحد]</span>\n٦٤ - [٢٨٨١] حَدَّثَنَا عَبْدَان: أَخْبَرَنَا عبد الله: أَخْبَرَنَا يونس، عن ابْنِ شِهَابٍ قَالَ ثَعْلبَة بْن أَبِي مَالِكٍ: \" إِنَّ عمَرَ بْنَ الخَطَّابِ (١) ﵁، قَسَمَ مروطا بَينَ نِساءٍ مِنْ نِسَاءِ الْمَدِينَة، فَبَقِيَ مِرْط جَيِّد، فَقَالَ لَه بَعْض مَنْ عِنْدَه: يَا أَمِيرَ الْمؤمِنِينَ أَعْطِ هَذا ابْنَةَ رَسولِ اللهِ ﷺ الَّتِي عِنْدَكَ- يرِيدونَ أمَّ كلْثومٍ (٢) بِنْتَ\n_________\n(١) عمر بن الخطاب بن نفيل أبو حفص أمير المؤمنين ﵁، ولد بعد عام الفيل بثلاث عشرة سنة، وكان من أشراف قريش، وإليه كانت السفارة في الجاهلية، فإذا وقع بين قريش وبين غيرهم حرب بعثوه سفيرا، أسلم ﵁ بعد أربعين رجلا وإحدى وعشرين امرأة، وقيل غير ذلك، وأعز الله به الإسلام، وأظهر إسلامه علانية، وفرَّقَ الله به بين الحق والباطل، ولهذا قال عبد الله بن مسعود ﵁: \" مازلنا أعزة منذ أسلم \" [البخاري رقم ٣٦٨٤] وقال ﵁: \" كان إسلام عمر فتحا، وهجرته نصرا، وإمارته رحمة، والله ما استطعنا أن نصلي حول البيت ظاهرين حتى أسلم عمر، فلما أسلم عمر قاتلهم حتى تركونا نصلي \"، وعمر ﵁: أحد السابقين إلى الإِسلام، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الخلفاء الراشدين، وأحد أصحاب رسول الله ﷺ، وأحد كبار علماء الصحابة وزهادهم، وهاجر إلى المدينة علانية؛ لقوته وشجاعته، وشهد مع رسول الله ﷺ بدرا، وأحدا، والخندق، وبيعة الرضوان، وخيبر، والفتح، وحنينا، والطائف، وتبوك، وسائر المشاهد، وكان شديدا على الكفار والمنافقين، ونزل القرآن على وفق قوله في عدة مواضع، ولهذا قال ﷺ: \" لقد كان فيما قبلكم من الأمم ناس محدثون فإن يكن في أمتي أحد، فإنه عمر \" [البخاري برقم ٣٦٨٩] وكان من أزهد الناس، وأورعهم، وأكملهم دينا [البخاري برقم ٣٦٩١]، وأعلمهم [البخاري برقم ٣٦٨١]، ومن كمال دينه كان الشيطان يهرب منه [البخاري برقم ٣٦٨٣] روي له عن النبي ﷺ خمسمائة حديث وتسعة وثلاثون حديثا، اتفق البخاري ومسلم منها على ستة وعشرين، وانفرد البخاري بأربعة وثلاثين، ومسلم بواحد وعشرين، وجعل الله الحق على لسانه وقلبه، وقام بالخلافة أتم قيام، وجاهد في الله حق جهاده: فجيَّش الجيوش، وفتح البلدان، ومصَّر الأمصار، وأعز الإِسلام وأذل الكفر أشد إذلال، فتح الشام، والعراق، ومصر، والجزيرة، وديار بكر، وأرمينية، وأذربيجان، وإيران، وبلاد الجبال، وبلاد فارس، وخوزستان، وحصلت في عهده المعارك الكثيرة التي نصر الله جيشه فيها، وهو أول من جمع الناس على صلاة التراويح وكان يسأل الله الشهادة بصدق فختم الله له بها، فطعنه أبو لؤلؤة المجوسي وهو يصلي بالناس صلاة الفجر يوم الأربعاء لأربع ليالِ بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، ودفن يوم الأحد هلال المحرم سنة أربع وعشرين، فكانت خلافته عشر سنين وخمسة أشهر، وواحدا وعشرين يوما، وحج بالناس عشر سنين متوالية ﵁. انظر: مناقب عمر بن الخطاب لابن الجوزي ص ١٨ - ١٩، وتهذيب الأسماء واللغات للنووي ٢/ ٣ - ١٥، وسير أعلام النبلاء للذهبي [قسم سيرة الخلفاء الراشدين] ص ٧١ - ١٤٥، وتاريخ الإسلام له ٢/ ٢٥٣، وتاريخ الخلفاء للسيوطي ص ١١٣.\n(٢) أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب ﵄، وهي بنت فاطمة ﵂ بنت رسول الله ﷺ، ولدت في حياة رسول الله ﷺ، وتزوجها عمر بن الخطاب ﵁، فولدت له زيدا، ورقية، وتوفيت هي وابنها زيد بن عمر في يوم واحد. انظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي ٢/ ٣٦٥، والإصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر، ٤/ ٤٩٢.","vol":"1","page":390},{"text":"عَلِيٍّ - فَقَالَ عمَر: أمّ سَلِيطٍ أَحَقّ (١). وَأمّ سَلِيطِ مِنْ نِسَاءِ الأنصَارِ مِمَّنْ بَايَعَ رَسولَ اللهِ ﷺ، قَالَ عمَر: فإِنهَا كَانَتْ تَزْفِر لَنَا الْقِرَبَ يَوْمَ أحدٍ \" قَالَ أَبو عَبْدِ اللهِ: تَزْفِر: تَخِيط (٢).\n* شرح غريب الحديث: * \" مروطا \" المروط الأكسية، من قطن أو صوف، أو خز، واحدها مرط، يؤتزر به (٣).\n* \" تزفر لنا القرب \" زفر يزفر، وازدفر: حمل حملا فيه ثقل، والزفر حمل القرب الثقال، ويقال للقربة نفسها: الزِّفْر (٤).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من صفات الداعية: العدل:\n٢ - من صفات الداعية: مكافأة المحسن وتشجيعه على إحسانه.\n٣ - أهمية الشورى مع الإِمام أو العلماء والدعاة.\n٤ - أهمية مشاركة النساء في الجهاد بالخدمة والعلاج عند الحاجة.\n٥ - من صفات الداعية: وضع كل شيء في موضعه.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من صفات الداعية: العدل: دل هذا الحديث على عدل عمر بن الخطاب ﵁ ونزاهته، وإيثاره على\n_________\n(١) أمّ سليط: حضرت مع النبي ﷺ يوم أحد، كناها عمر ﵁ بابنها سليط بن أبي سليط بن أبي حارثة، وهي أم قيس بنت عبيد بن زياد، ﵄ انظر: الإِصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، ٤/ ٤٦٠، ٤٨٥.\n(٢) [الحديث ٢٨٨١] طرفه في كتاب المغازي، باب ذكر أم سليط، ٥/ ٤٣، برقم ٤٠٧١.\n(٣) تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٤٨، ٥٣٨، ٥٤٨، وانظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الميم مع الراء، مادة: \" مرط \" ٤/ ٣١٩.\n(٤) انظر: غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٤٨، والنهاية في غريب الحديث والأثر، باب الزاي مع الفاء، مادة \" زفر \" ٢/ ٣٠٤، وأعلام الحديث للخطابي ٢/ ١٣٨٥.","vol":"1","page":391},{"text":"نفسه وأهله، وتركه إعطاء أهله في سبيل العدل ومصلحة المسلمين، قال الوزير ابن هبيرة ﵀: \" وفيه أن عمَرَ آثر أمَّ سليط على أمِّ كلثوم، وما ذاك لأجل نسب أم سليط، ولكن لأنها بايعت رسول الله ﷺ، وكانت تزفر القرب أي تحمل \" (١).\nوهذا يبين للداعية أنه ينبغي العدل ومراعاة المصالح التي يحبها الله ﷿ ثم تقديمها على رغبة كل أحدٍ من الناس طاعة لله ﷿ (٢).\nثانيا: من صفات الداعية: مكافأة المحسن وتشجيعه على إحسانه: دل فعل عمر ﵁ وقوله: \" أم سليط أحق به، كانت تزفر لنا القرب يوم أحد \" على أنه ينبغي تشجيع الأبطال ومكافأتهم على إحسانهم، فقد آثر عمر امرأة عربية على حفيدة رسول الله ﷺ؛ لأنها عملت لصالح الأمة ما لم تعمله زوجة أمير المؤمنين وتقدمها بالإِسلام والنصرة والتأييد (٣).\nثالثا: أهمية الشورى مع الإمام أو العلماء والدعاة: ظهر في هذا الحديث أهمية المشورة بالرأي على الإمام، وذلك لأجل النصيحة له، كالوزير الصالح والكاتب المخلص، والعالم أو الداعية الصادق، وغيرهم ممن يستنير الإِمام برأيهم (٤)؛ ولهذا قال بعض من عند عمر ﵁: \" يا أمير المؤمنين، أعط هذا ابنة رسول الله ﷺ التي عندك، يريدون أمَّ كلثوم بنت علي بن أبي طالب ﵁ \".\nرابعا: أهمية مشاركة النساء في الجهاد بالخدمة والعلاج عند الحاجة: دل الحديث على أهمية اشتراك النساء في الجهاد عند الحاجة بحسب طاقتهن: من خدمة المجاهدين ومداواة الجرحى، وسقي العطشى، والدفاع\n_________\n(١) الإفصاح عن معاني الصحاح، ١/ ١٨٥، وانظر. المنهل العذب الفرات لعبد العال ٣/ ٢٢٣.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٦٠، الدرس الثاني.\n(٣) انظر: عمدة القاري للعيني، ١٤/ ١٦٨، والمنهل العذب الفرات من الأحاديث الأمهات، لعبد العال ٣/ ٢٢٣.\n(٤) انظر: عمدة القاري للعيني، ١٤/ ٦٨، والمنهل العذب الفرات في الأحاديث الأمهات ٣/ ٢٢٣.","vol":"1","page":392},{"text":"عن أنفسهن، مع التزام الأمور الشرعية في الحجاب، وعدم الخلوة بغير المحرم، وغير ذلك (١) والله المستعان (٢).\nخامسا: من صفات الداعية: وضع كل شيء في موضعه: دل هذا الحديث على أن من الصفات التي تدل على حكمة الداعية وإصابته: وضع كل شيء في موضعه؛ ولهذا قسم عمر بن الخطاب ﵁ المروط على النساء دون الرجال؛ لأن هذه المروط تختص بالنساء، قال الوزير العالم ابن هبيرة ﵀: \" وفيه من الفقه أن عمر قسم ما يصلح للنساء في النساء \" (٣).\n_________\n(١) انظر: عمدة القاري للعيني، ١٤/ ١٦٨، والمنهل العذب الفرات في الأحاديث الأمهات، لعبد العال ٣/ ٢٢٣.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٦٣، الدرس السادس.\n(٣) الإفصاح عن معاني الصحاح، ١/ ١٨٥.","vol":"1","page":393},{"text":"٦٧ -<span data-type=\"title\" id=toc-135> بَاب مداواةِ النِّساءِ الجرحى في الغزوِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-136>[حديث الربيع بنت معوذ كنا مع النبي نسقي ونداوي الجرحى ونرد القتلى إلى المدينة]</span>\n٦٥ - [٢٨٨٢] حَدَّثَنَا عَليّ بْن عبد الله: حَدَّثَنَا بِشْر بْن الْمفَضَّلِ: حَدَّثَنَا خَالِد بْن ذَكْوَانَ عَنِ الرّبيِّع بِنْتِ معَوِّذٍ (١) قَالَتْ: «كنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ نَسْقِي، وَندَاوِي الْجَرْحَى، وَنَردّ الْقَتْلَى إِلَى الْمَدِينَةِ» (٢).\nوفي رواية: «كنَّا نَغْزو مَعَ رَسولِ الله ﷺ: نَسْقِي الْقَوْمَ، وَنَخْدمهمْ، وَنَردّ الْقَتْلَى وَالْجَرْحَى إِلَى الْمَدِينَةِ» (٣).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - مشاركة النساء في الجهاد بالخدمة والعلاج عند الحاجة.\n٢ - الابتلاء والامتحان.\nوالحديث عن هذين الدرسين والفائدتين الدعويتين على النحو الآتي:\nأولا: مشاركة النساء في الجهاد بالخدمة والعلاج عند الحاجة: قال الكرماني ﵀ في فوائد هذا الحديث: \" وفيه خروج النساء في الغزو، والانتفاع بهن بالسقي ونحوه، وإن كان المداواة لغير المحارم لا تمس البشرة إلا عند الحاجة \" (٤) وقال ابن حجر ﵀: \". . . فتجوز مداواة الأجانب عند الضرورة، وتقدر بقدرها، فيما يتعلق بالنظر، والجس باليد وغير ذلك \" (٥)\n_________\n(١) الرّبَيِّع بنت معَوِّذ بن عفراء الأنصارية، الصحابية ﵂، وهي ممن بايع رسول الله ﷺ تحت الشجرة بيعة الرضوان، وأبوها معوذ أحد الذين قتلوا أبا جهل بن هشام عدو الله يوم بدر، وقد زارها النبي ﷺ صبيحة عرسها صلة لرحمها، وقد عمرت، وروت أحاديث عن النبي ﷺ، وتوفيت في خلافة عبد الملك سنة بضع وسبعين ﵂. انظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي ٢/ ٣٤٣، وسير أعلام النبلاء للذهبي ٣/ ١٩٨، والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، ٤/ ٣٠٠.\n(٢) [الحديث ٢٨٨٢] طرفاه في: كتاب الجهاد والسير، باب رد النساء الجرحى والقتلى، ٣/ ٢٩٣، برقم ٢٨٨٣. وكتاب الطب، باب هل يداوي الرجل المرأة، والمرأة الرجل؟، ٧/ ١٥، برقم ٥٦٧٩.\n(٣) الطرف رقم ٥٦٧٩.\n(٤) شرح الكرماني على صحيح البخاري ١٢/ ١٥٤.\n(٥) فتح الباري بشرح صحيح البخاري ١٠/ ١٣٦.","vol":"1","page":394},{"text":"ثم ذكر ﵀ أن الرجل لا يغسل المرأة إذا ماتت، والفرق بين حال المداواة وتغسيل الميت: أن الغسل عبادة، والمداواة ضرورة، والضرورات تبيح المحظورات (١).\nوسمعت سماحة الشيخ ابن باز حفظه الله يقول: \" يحتمل أن يكون ذلك قبل الحجاب، وإذا كان بعد الحجاب فعلى وجه لا محذور فيه، من التزام الحجاب، وعدم الخلوة، والنصوص يفسر بعضها بعضا، فيستعان بالنساء عند الحاجة من غير خلوة \" (٢).\nثانيا: الابتلاء والامتحان: دل الحديث على ما أصاب أصحاب النبي ﷺ من الابتلاء والامتحان ﵃؛ ولهذا قالت الربيع ﵂: \" كنا مع النبي ﷺ نسقي ونداوي الجرحى، ونرد القتلى والجرحى إلى المدينة \".\nوفي هذا دلالة على ما أصابهم من الجهد والبلاء فصبروا في ذات الله تعالى ﵃ وأرضاهم (٣).\n_________\n(١) انظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٦/ ٨٠.\n(٢) سمعته من سماحته أثناء شرحه لحديث رقم ٢٨٨٢ من صحيح البخاري، في جامع الإمام تركي بن عبد الله (الجامع الكبير).\n(٣) انظر: الحديث رقم ٩، الدرس الثامن، ورقم ١٦، الدرس الخامس.","vol":"1","page":395},{"text":"٦٩ -<span data-type=\"title\" id=toc-137> باب نَزْعِ السَّهْمِ مِنَ البدَنِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-138>[حديث اللهم اغفر لعبيد أبي عامر]</span>\n٦٦ - [٢٨٨٤] حَدَّثَنَا محَمَّد بْن الْعَلاَءِ: حَدَّثَنَا أَبو أسَامَةَ، عَنْ بريْدِ بْنِ عبد الله، عَنْ أَبِي برْدَة عَنْ أَبِي موسَى (١) ﵁ قَالَ: «رمِيَ أَبو عَامِرٍ (٢) فِي ركْبَتِهِ فانْتَهَيْت إِليْهِ، قَالَ: انْزَعْ هَذَا السَّهْمَ، فَنَزَعْته، فَنَزَا مِنْه الْمَاء، فَدَخَلْت عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فأَخْبَرته فَقَالَ: \" اللَّهمَّ اغْفِرْ لِعبيدٍ أَبِي عَامِر» (٣).\nوفي رواية: «لَمَّا فَرَغَ النَّبِيّ ﷺ منْ حنَيْنٍ بَعَثَ أَبَا عَامِرٍ عَلَى جَيْشٍ إِلَى أوْطَاسٍ، فلَقِيَ درَيْدَ بنَ الصِّمَّةِ فَقتِلَ درَيد وَهَزَمَ الله أصْحَابَه، قَالَ أَبو موسَى: وَبَعَثَنِي مَعَ أَبِي عَامِرٍ فَرمِيَ أَبو عَامِرٍ فِي ركْبَتِهِ، رَمَاه جشَمِيّ بِسَهْمٍ فَأَثْبَتَه فِي ركْبَتِهِ فَانْتَهَيْت إِلَيْهِ فَقلْت: يَا عَمِّ مَنْ رَمَاكَ؛ فَأَشَارَ إِلَى أَبِي موسَى، فَقَالَ: ذَاكَ قَاتِلِي الَّذِي رَمَانِي، فَقَصَدْت لَه فَلَحِقْته، فَلَمَّا رَآنِي وَلَّى فَاتَّبَعْته وَجَعَلْت أَقول لَه: ألَا تَسْتَحي؟ ألَا تَثْبت؟ فَكَفَّ فَاخْتَلَفْنَا ضَرْبَتَيْنِ بِالسَّيْفِ فَقَتَلْته، ثمَّ قلْت لأَبِي\n_________\n(١) عبد الله بن قيس بن سليم، بن حضّار، بن حرب، الإِمام الكبير، صاحب رسول الله ﷺ، أبو موسى الأشعري التيمي، الفقيه المقرئ. قدم على رسول الله ﷺ قبل هجرته إلى المدينة فأسلم، ثم هاجر إلى الحبشة، ثم هاجر إلى رسول الله ﷺ مع أصحاب السفينتين بعد فتح خيبر، فأسهم لهم منها ولم يسهم منها لأحد غاب عن فتحها غيرهم، ولأبي موسى مع حسن صوته فضيلة ليست لأحد من أصحاب رسول الله ﷺ، هاجر ثلاث هجرات: هجرة من اليمن إلى رسول الله ﷺ، وهجرة من مكة إلى الحبشة، وهجرة من الحبشة إلى المدينة، واستعمله رسول الله ﷺ على زبيد، وعدن، وساحل اليمن، واستعمله عمر بن الخطاب ﵁ على الكوفة، والبصرة، وكان حسن الصوت بالقرآن قال عنه النبي ﷺ: \" لقد أعطي مزمارا من مزامير آل داود \" [مسلم برقم ٧٩٣] قدم الأشعريون من اليمن فلما قدموا تصافحوا، فكانوا أول من أحدث المصافحة. [مسند أحمد ٣/ ١٥٥، ٢٢٣] روي له عن النبي ﷺ ثلاثمائة وستون حديثا، اتفق البخاري ومسلم على خمسين، وانفرد البخاري بخمسة عشر، ومسلم بخمسة عشر، توفي بمكة وقيل بالكوفة سنة خمسين، وقيل سنة إحدى وخمسين، وقيل سنة أربع وأربعين ورجح الذهبي هذا القول. رضي الله عن أبي موسى ورحمه. انظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي ٢/ ٢٦٨، وسير أعلام النبلاء للذهبي، ٢/ ٣٨٠ - ٤٠٢، والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، ٢/ ٣٥٩.\n(٢) أبو عامر واسمه: عبيد بن سليم بن حضار عم أبي موسى الأشعري، بعثه رسول الله ﷺ على جيش إلى أوطاس بعد معركة حنين، فقتل ﵁. انظر: الإِصابة في تمييز الصحابة لابن حجر ٤/ ١٢٣.\n(٣) [الحديث ٢٨٨٤] طرفاه في: كتاب المغازي، باب غزاة أوطاس، ٥/ ١١٩، برقم ٤٣٢٣. وكتاب الدعوات، باب الدعاء عند الوضوء، ٧/ ٢٠٩، برقم ٦٣٨٣. وأخرجه مسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي موسى وأبي عامر الأشعريين ﵄، ٤/ ١٩٤٣، برقم ٢٤٩٨.","vol":"1","page":396},{"text":"عَامِرٍ: قَتَلَ الله صَاحِبَكَ، قَالَ فَانزع هَذَا السَّهْمَ، فَنَزَعْته فَنَزَا مِنْه الْمَاء، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي أَقْرِئ النَّبِيَّ السَّلاَمَ وِقلْ لَه استَغْفِرْ لِي، واسْتَخْلَفَنِي أَبو عَامِرٍ عَلَى النَّاسِ فَمَكَثَ يَسِيرا ثمَ مَاتَ، فرَجَعْت فَدَخَلْت عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي بَيْتِهِ عَلَى سَرِيرٍ مرْمَلٍ وَعَلَيهِ فِرَاش قَدْ أثَّر رِمَال السَّرِيرِ فِي ظَهْرٍهِ وَجَنبيْهِ، فَأَخْبَرْته بِخَبَرِنَا وَخَبَرِ أَبِي عَامِرٍ وَقَال: قل لَه اسْتَغْفِرْ لِي فَدَعَا بِمَاءٍ فتَوَضَّأَ ثمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: \" اللَّهمَّ اغْفر لِعبيدٍ أَبِي عَامِرٍ \" وَرَأَيْت بياضَ إبْطَيْهِ ثمَّ قَالَ: \" اللَّهمَّ اجْعَلْه يَوْمَ الْقيَامَةِ فَوْقَ كَثيرٍ مِنْ خَلْقِكَ مِنَ النَّاسِ \" فَقلْت وَلي فَاسْتَغْفِرْ، فَقَالَ: \" اللَّهمَّ اغْفر لِعَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ ذَنْبَه، وَأَدْخِلْه يَوْمَ الْقِيَامَةِ مدْخَلا كَرِيْما \" قَالَ أَبو برْدَةَ: إحْدَاهمَا لأَبِي عَامِرٍ وَالأخْرَى لأَبِي موسَى (١)».\n* شرح غريب الحديث: * \" فنزا منه الماء \" يقال: نزِف دمه، ونزِيَ: إذا جرى ولم ينقطع (٢).\n* \" سرير مرمَل \" أي منسوج في وجه السرير بالسعف (٣).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - الابتلاء والامتحان للدعاة إلى الله ﷿.\n٢ - من صفة الداعية: التعاون على البر والتقوى.\n٣ - من وسائل الدعوة: إرسال الدعاة والمجاهدين في سبيل الله ﷿.\n٤ - من صفات الداعية: الشجاعة.\n٥ - حب الصحابة لرسول الله ﷺ.\n٦ - من أساليب الدعوة: التبشير والتهنئة.\n_________\n(١) الطرف رقم: ٤٣٢٣.\n(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر، باب النون مع الزاي، مادة \" نزا \" ٥/ ٤٣.\n(٣) انظر: المرجع السابق، باب الراء مع الميم، مادة \" رمل \" ٢/ ٢٦٥، وتفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٨٠.","vol":"1","page":397},{"text":"٧ - من صفات الداعية: الزهد.\n٨ - من صفات الداعية: التواضع.\n٩ - من صفات الداعية: الرحمة.\n١٠ - من صفات الداعية: الرغبة فيما عند الله ﷿.\n١١ - من أصناف المدعوين: المشركون.\n١٢ - من أساليب الدعوة: الدعاء للمدعو.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: الابتلاء والامتحان للدعاة إلى الله ﷿: دل هذا الحديث على أن من سنن الله تعالى ابتلاء عباده المؤمنين بالسراء والضراء، ومن هذا الابتلاء ما حصل لأبي عامر ﵁ من رميه بالسهم ثم موته شهيدا ﵁ بعد ابتلائه وصبره؛ قال النبي ﷺ: «أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلبا اشتد بلاؤه فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة» (١). وقال ﷺ: «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السّخْط» (٢)؛ قال الله ﷿: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤] (٣) وقال ﷿: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩] (٤) وقال ﷾: ﴿الم - أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ - وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ١ - ٣] (٥).\n_________\n(١) الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في الصبر على البلاء، ٤/ ٦٠١، برقم ٢٣٩٨ وقال: \" هذا حديث حسن صحيح \"، وابن ماجه، كتاب الفتن، باب الصبر على البلاء، ٢/ ١٣٣٤، برقم ٤٠٣، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١٤٣.\n(٢) الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في الصبر على البلاء، ٤/ ٦٠١، برقم ٢٣٩٦ وحسنه، وابن ماجه، كتاب الفتن، باب الصبر على البلاء، ٢/ ١٣٣٨، برقم ٤٠٣١، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي ٢/ ٢٨٦.\n(٣) سورة البقرة، الآية: ٢١٤.\n(٤) سورة آل عمران، الآية: ١٧٩.\n(٥) سورة العنكبوت، الآيات: ١ - ٣.","vol":"1","page":398},{"text":"ثانيا: من صفات الداعية: التعاون على البر والتقوى: ظهرت هذه الصفة الحميدة في هذا الحديث؛ لأن أبا موسى الأشعري ﵁، جاء إلى أبي عامر فقال: يا عمِّ من رماك؟ فأشار أبو عامر إلى قاتله، وقال: ذاك قاتلي الذي رماني، قال أبو موسى الأشعري: فقصدت له فلحقته، فلما رآني ولَّى فاتبعته وجعلت أقول له: ألا تستحي؟ ألا تثبت؟ وعند ذلك وقف ثم قاتله أبو موسى حتى قتله.\nفينبغي للداعية أن يكون متعاونا على البر والتقوى كما قال ﷿: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: ٢] (١).\nثالثا: من وسائل الدعوة: إرسال الدعاة والمجاهدين في سبيل الله ﷿: دل هذا الحديث على أن من الوسائل النافعة إرسال الدعاة والمجاهدين في سبيل الله ﷿، للدعوة إلى الله ﷿ والجهاد في سبيل الله ﷾؛ ولهذا بعث رسول الله ﷺ أبا عامر على جيش إلى أوطاس ومعهم أبو موسى الأشعري ﵁، وهذه سنته ﷺ أن يرسل السرايا ويبعث البعوث؛ وقد ذكر أهل العلم أنه بعث منذ هجرته حتى وفاته ﷺ: ستا وخمسين سرية، وغزا سبعا وعشرين غزوة، قاتل في تسع منها؛ وما ذاك إلا من أجل الدعوة إلى الله ﷿ (٢).\n\nرابعا: من صفات الداعية: الشجاعة: ظهرت صفة الشجاعة في هذا الحديث، وذلك بما قام به أبو موسى\n_________\n(١) سورة المائدة، الآية: ٢.\n(٢) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ١٢/ ٤٣٦، والبداية والنهاية لابن كثير، ٣/ ٢٤١، ٥/ ٢١٦ - ٢١٧، وزاد المعاد لابن القيم ٣/ ٥، ١٢٢ - ٥٩٢.","vol":"1","page":399},{"text":"الأشعري ﵁، من قتال من قتل أبا عامر حتى قتله، وقد ظهرت حكمته وبراعته في القتال حيث قال له: \" ألا تستحي؟ ألا تثبت؟ \" حتى وقف له خجلا من عار الفرار، قال أبو موسى ﵁: \" فاختلفنا ضربتين بالسيف فقتلته \".\nفينبغي للداعية أن يتحلى بالشجاعة والثبات (١).\nخامسا: حب الصحابة لرسول الله ﷺ: دل هذا الحديث على عظم حب الصحابة لرسول الله ﷺ ولهذا قال أبو عامر ﵁ لأبي موسى الأشعري ﵁: \" يا ابن أخي أقرئ النبي السلام وقل له استغفر لي \".\nوهذا يدل على محبته العظيمة لرسول الله ﷺ حتى وهو يلفظ أنفاسه عند نزع الموت لروحه. فينبغي لكل مسلم أن يحب رسول الله ﷺ محبة كاملة صادقة (٢).\nسادسا: من أساليب الدعوة: التبشير والتهنئة: وقد ظهر هذا الأسلوب في هذا الحديث؛ لأن أبا موسى بَشَّرَ أبا عامر وأعلمه أنه قتل من رماه بالسهم فقال: \" قتل الله صاحبك \" وهذا يدل أيضا على حسن الأدب، فإنه أسند الأمر إلى الله ﷿؛ لأن الله سبحانه الذي أعانه على قتله.\nفينبغي للدعاة إلى الله ﷿ أن يعرفوا أهمية التهنئة والتبشير، وأن يلتزموا الآداب الحسنة (٣).\nسابعا: من صفات الداعية: الزهد: إن الزهد من أهم صفات الداعية، وقد ظهر في هذا الحديث من فعل النبي ﷺ حين نام على السرير المرمل حتى أثَّرَ في جنبيه، قال أبو موسى ﵁: \" فرجعت فدخلت على النبي ﷺ في بيته على سرير مرمل. . . قد أثَّر رمال السرير في ظهره وجنبيه \".\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٣٥، الدرس الخامس، ورقم ٦١، الدرس الثاني.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٦٢، الدرس الثامن، ورقم ٦٣، الدرس الثامن.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٩، الدرس التاسع.","vol":"1","page":400},{"text":"فينبغي للداعية أن ينظر إلى هذا الزهد العظيم، فيعلم أن الدنيا دار ممر ومتاع زائل (١).\nثامنا: من صفات الداعية: التواضع: التواضع من أجمل الصفات وأحسنها وقدوة الداعية في ذلك رسول الله ﷺ، وقد دل هذا الحديث على ذلك حينما وصل الخبر إلى النبي ﷺ بموت أبي عامر شهيدا وطلبه ﵁ الاستغفار من رسول الله ﷺ، فدعا النبي ﷺ بماءٍ فتوضأ ثم رفع يديه فدعا لأبي عامر دعوات عظيمة. فينبغي للداعية إلى الله ﷿ أن يتصف بالتواضع اتباعا لسيد الأولين والآخرين ﷺ (٢).\nتاسعا: من صفات الداعية: الرحمة: ظهرت صفة الرحمة في هذا الحديث؛ لأن النبي ﷺ دعا لأبي عامر بقوله: «اللهم اغفر لعبيد أبي عامر» ورفع يديه في الدعاء حتى رأى أبو موسى ﵁ بياض إبطيه ثم قال: «اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك من الناس» فالمبالغة في رفع الأيدي (٣).\nوتكرير الدعاء وتنويعه يدل على رحمته ﷺ (٤).\n\nعاشرا: من صفات الداعية: الرغبة فيما عند الله ﷿: إن من أجل الأعمال الصالحة وأجمل الصفات الحميدة: الرغبة فيما عند الله ﷾، وقد ظهرت هذه الصفة الكريمة في طلب أبي عامر الاستغفار له من رسول الله ﷺ، وظهرت هذه الرغبة أيضا عند أبي موسى ﵁ عندما سمع استغفار النبي ﷺ لأبي عامر، فقال: \" ولي فاستغفر \" فقال ﷺ: «اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه وأدخله يوم القيامة مدخلا كريما».\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٢، الدرس الأول، ورقم ١٥، الدرس الأول.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٦٥، الدرس الثالث.\n(٣) انظر: مواطن رفع الأيدي في الدعاء: صحيح البخاري، كتاب الدعوات، باب رفع الأيدي في الدعاء، ٧/ ١٩٨، وكتاب رفع اليدين في الصلاة، للإمام البخاري أيضا، ص ١٧ - ١٦١.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٣، الدرس الأول، ورقم ٥٠، الدرس الرابع.","vol":"1","page":401},{"text":"فينبغي لكل مسلم أن يرغب ويطمع في رحمة الله وفيما عنده من الخيرات (١).\nالحادي عشر: من أصناف المدعوين: المشركون: دل هذا الحديث على أن من أصناف المدعوين أهل الشرك، ولهذا بعث النبي ﷺ أبا عامر على جيش إلى أوطاس، وقبل ذلك دعا رسول الله ﷺ مشركي مكة، وقاتلهم في معركة بدر، وأحد، وغير ذلك من سراياه وبعوثه التي أرسل بها وبعثها ﷺ إلى أهل الشرك؛ لدعوتهم إلى التوحيد الخالص (٢).\nالثاني عشر: من أساليب الدعوة: الدعاء للمدعو: إن من الأساليب المهمة في الدعوة إلى الله ﷿: الدعاء للمدعو؛ ولهذا قال النبي ﷺ لأبي موسى الأشعري: «اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه، وأدخله يوم القيامة مدخلا كريما»، وهذا يؤكد أهمية الدعاء للمدعو؛ لما فيه من تأليف القلوب ونفع المدعوين (٣).\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ١٣، الدرس الثاني، ورقم ١٦، الدرس الثالث، ورقم ٢١، الدرس السادس، ورقم ٢٨، الدرس الثالث.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٩١، الدرس الثامن.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٢١، الدرس الخامس، ورقم ٤٥، الدرس الثامن.","vol":"1","page":402},{"text":"٧٠ -<span data-type=\"title\" id=toc-139> باب الحراسة في الغزو في سبيل لله</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>[حديث ليت رجلا من أصحابي صالحا يحرسني الليلة]</span>\n٦٧ - [٢٨٨٥] حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن خَلِيلٍ: أَخْبَرَنَا عَلِيّ بْن مسْهِرٍ: أَخْبَرَنَا يحيى بْن سَعِيدٍ: أَخْبَرَنَا عبد الله بْن عَامرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: سَمِعْت عَائِشَةَ (١). ﵂ تَقول: «كانَ النَّبِيّ ﷺ سَهِرَ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ قَالَ: \" ليت رَجلا مِن أَصْحَابِي صَالِحا يَحْرسنِي اللَّيلةَ \"، إِذْ سَمعْنَا صَوتَ سِلاح، فَقَالَ: \" مَنْ هَذَا؟ \" فَقَالَ: أنا سَعْد بْن أَبِي وقَاصٍ (٢) جِئْت لأَحرسَكَ: \" فَنَامَ النَّبِي ﷺ» (٣).\nوفي رواية: «أَرِقَ النَّبِيّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقَالَ: \" لَيْتَ رَجلا صَالِحا مِنْ أَصْحَابِي يَحرسنِي اللَّيْلَةَ \"، إِذْ سَمِعْنَا صَوْتَ السِّلاحِ، قَالَ: \" مَنْ هَذَا؟ \" قِيلَ: سَعْد يَا رَسولَ اللهِ، جِئْت أَحْرسكَ \". فَنَامَ النَّبِيّ ﷺ حَتَّى سمعنا غَطِيطَه، قَالَ أَبو عبد الله: وَقَالَتْ عَائِشَة قَالَ بلال: ألا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَة بَوادٍ وَحَوْلِي إِذْخِر وَجَلِيل، فَأَخْبَرْت النَّبِيَّ ﷺ» (٤).\n* شرح غريب الحديث: * \" غطيطه \" الغطيط: الصوت الذي يخرج مع نفس النائم (٥).\n* \" إذخر \" الإذخر حشيشة طيبة الرائحة تسقف بها البيوت فوق الخشب (٦).\n* \" وجليل \" الجليل: الثمام واحده جليلة، وقيل: هو الثمام إذا عظم وجل (٧).\n_________\n(١) تقدمت ترجمتها في الحديث رقم ٤.\n(٢) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ٣٦.\n(٣) [الحديث ٢٨٨٥] طرفه في كتاب التمني، باب قول النبي ﷺ: \" ليت كذا وكذا \" ٨/ ١٦٤، برقم ٧٢٣١. وأخرجه مسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب في فضل سعد بن أبي وقاص ﵁، ٤/ ١٨٧٥، برقم ٢٤١٠.\n(٤) من الطرف رقم ٧٢٣١ أما قول عائشة ﵂ قال بلال: ألا ليت. . فقال الحافظ ابن حجر: \" هذا حديث آخر تقدم موصولا بتمامه. \" قلت: أخرجه البخاري في كتاب مناقب الأنصار، باب مقدم النبي ﷺ وأصحابه المدينة، ٢/ ٣١٨، برقم ٣٩٢٦.\n(٥) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الغين مع الطاء، مادة: \" غطط \" ٣/ ٣٧٢، وانظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ٥٤٤.\n(٦) النهاية في غريب الحديث والأثر، باب الهمزة مع الذال، مادة: \" إذخر \" ١/ ٣٣.\n(٧) المرجع السابق، باب الجيم مع اللام، مادة: \" جلل \" ١/ ٢٨٩.","vol":"1","page":403},{"text":"* \" أرق \" الأرق: السهر، يقال: رجل أرق إذا سهر لعلة، فإن كان السهر من عادته قيل: أرق (١).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل.\n٢ - الابتلاء والامتحان لأولياء الله ﷿.\n٣ - حب الصحابة لرسول الله ﷺ.\n٤ - من وظائف المدعو الصالح: حراسة السلطان المسلم والعالم العامل بعلمه.\n٥ - أهمية اختيار الرجل الصالح للأمور المهمة.\n٦ - من أساليب الدعوة: الثناء على من تبرع بالخير.\n٧ - من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل: دل الحديث على أن الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل على الله ﷿، ولهذا قال أعظم وسيد المتوكلين ﷺ: «ليت رجلا من أصحابي صالحا يحرسني الليلة»، قال الإِمام النووي ﵀: \" فيه جواز الاحتراس من العدو، والأخذ بالحزم، وترك الإِهمال، في موضع الحاجة إلى الاحتياط \" (٢). وقد قال بعض العلماء: كانت حراسة النبي ﷺ في أول الأمر قبل أن ينزل عليه قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] (٣) ومعلوم أن هذه الآية نزلت بعد حراسة سعد بأزمان (٤) وقال الإِمام القرطبي ﵀: \" ويحتمل أن\n_________\n(١) انظر: المرجع السابق، باب الهمزة مع الراء، مادة: \" أرق \" ١/ ٤٠، وتفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٥٤٤.\n(٢) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٥/ ١٩١.\n(٣) سورة المائدة، الآية: ٦٧.\n(٤) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ١٥/ ١٩١.","vol":"1","page":404},{"text":"يقال: إن قول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] ليس فيه ما ينافي احتراسه من الناس، ولا ما يمنعه، كما أن إخبار الله تعالى عن نصره وإظهاره لدينه، ليس فيه ما يمنع الأمر بالقتال، وإعداد العَدَد والعدَد، والأخذ بالجد والحزم، والحذر. . . ولما بحثت عن ذلك وجدت الشريعة طافحة بالأمر له ولغيره بالتحصن، وأخذ الحذر، ومدافعتهم بالقتل، والقتال، وإعداد الأسلحة، والآلات، وقد عمل النبي ﷺ بذلك، وأخذ به، فلا تعارض في ذلك، والله الموفق المفهم ما هنالك \" (١). وقال الحافظ ابن حجر ﵀ بعد أن ساق كلام القرطبي هذا: \" وعلى هذا فالمراد العصمة من الفتنة والإِضلال، أو إزهاق الروح والله أعلم \" (٢).\nفينبغي لكل مسلم أن يعتمد بقلبه على الله ﷿ ويعمل بالأسباب النافعة (٣).\nثانيا: الابتلاء والامتحان لأولياء الله ﷿: دل هذا الحديث على أن الابتلاء سنة من سنن الله ﷿، فهو يبتلي عباده بالسراء والضراء، وأشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، وهذا رسول الله ﷺ يصاب بالسهر حتى حرسه سعد ﵁. فينبغي للعبد إذا أصابه البلاء أن يصبر ويسأل الله ﷿ العافية في الدنيا والآخرة (٤).\nثالثا: حب الصحابة لرسول الله ﷺ: ظهر في هذا الحديث عظم حب الصحابة لرسول الله ﷺ؛ ولهذه المحبة العظيمة جاء سعد في الليل، ليفدي بنفسه رسول الله ﷺ؛ وليسهر عينيه وينام رسول الله ﷺ.\nفينبغي لكل مسلم أن يحب رسول الله ﷺ أكثر من حبه ولده، ووالده، ونفسه والناس أجمعين (٥).\n_________\n(١) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٦/ ٢٨٠ بتصرف يسير جدا.\n(٢) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٦/ ٦٢.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٣٠، الدرس الخامس.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٩، الدرس الثامن، ورقم ٦٦، الدرس الأول.\n(٥) انظر: الحديث رقم ٦٢، الدرس الثامن، ورقم ٦٣، الدرس الثامن.","vol":"1","page":405},{"text":"رابعا: من وظائف المدعو الصالح: حراسة السلطان المسلم والعالم العامل بعلمه: لا شك أنه ينبغي للناس أن يعتنوا بحراسة السلطان المسلم والعالم العامل بعلمه النافع للناس؛ ولهذا حرس سعد ﵁ النبي ﷺ.\nقال الحافظ ابن حجر ﵀: \" وفي الحديث الأخذ بالحذر والاحتراس من العدو، وأن على الناس أن يحرسوا سلطانهم خشية القتل \" (١).\nخامسا: أهمية اختيار الرجل الصالح للأمور المهمة: دل الحديث على أنه ينبغي أن يختار الرجل الصالح للأمور المهمة؛ لأن النبي ﷺ قال: «ليت رجلا من أصحابي صالحا يحرسني الليلة»، قال الإِمام القرطبي ﵀ في ذكره لفوائد هذا الحديث: \" فيه دليل على مكانة نبينا ﷺ وكرامته على الله؛ فإنه قضى أمنيته وحقق في الحين طلبته، وفيه دليل على أن سعدا ﵁ من عباد الله الصالحين، المحدَّثين، الملهمين، وتخصيصه بهذه الحالة كلها وبدعاء رسول الله ﷺ له من أعظم الفضائل وأشرف المناقب \" (٢).\nفينبغي لأهل الحل والعقد من ولاة أمر المسلمين أن يسندوا جميع الأعمال المهمة العظيمة لأهل الصلاح والتقوى.\nسادسا: من أساليب الدعوة: الثناء على من تبرع بالخير: إن من أساليب الدعوة إلى الله ﷿ الثناء على من تبرع بالخير، وتسميته صالحا، دل على ذلك ثناء النبي ﷺ بالصلاح على من يحرسه؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀: \" وفيه الثناء على من تبرع بالخير وتسميته صالحا \" (٣). وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: «لا يَشْكر اللهَ من لا يشكر النَّاسَ» (٤).\n_________\n(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري ٦/ ٨٢.\n(٢) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ٦/ ٢٨٠.\n(٣) فتح الباري بشرح صحيح البخاري ٦/ ٨٢.\n(٤) أبو داود، كتاب الأدب، باب في شكر المعروف ٤/ ٢٥٥، برقم ٤٨١١، والترمذي بنحوه، كتاب البر والصلة باب ما جاء في الشكر لمن أحسن إليك ٤/ ٣٣٩، برقم ١٩٥٤، ولفظه: \" من لا يشكر الناس لا يشكر الله \"، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وأحمد ٢/ ٢٩٥، ٥/ ٢١١، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود ٣/ ٩١٣، وصحيح الترغيب والترهيب، ١/ ٤٠٥.","vol":"1","page":406},{"text":"فينبغي الثناء على من فعل خيرا إذا أمن من الفتنة والإعجاب، والله المستعان.\nسابعا: من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة: دل مفهوم الحديث على أن القدوة الحسنة وسيلة من وسائل الدعوة إلى الله ﷿، فاتخاذه ﷺ حارسا يحرسه يدل على أن من فعل ذلك عند الحاجة اقتداء به ﷺ فقد عمل أمرا مشروعا؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀: \" وإنما عانى النبي ﷺ ذلك مع قوة توكله للاستنان به في ذلك، وقد ظاهر بين درعين مع أنهم كانوا إذا اشتدَّ البأس كان أمام الكل، وأيضا فالتوكل لا ينافي تعاطي الأسباب؛ لأن التوكل عمل القلب، وهي عمل البدن \" (١).\nفينبغي الاقتداء به ﷺ، وأن يكون الداعية أيضا قدوة لغيره من الناس (٢).\n_________\n(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري ٦/ ٨٢.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٣، الدرس الثالث، ورقم ٨، الدرس الخامس.","vol":"1","page":407},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-141>[حديث تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة]</span>\n٦٨ - [٢٨٨٦] حَدَثَّنَا يَحْيَى بْن يوسفَ: أَخْبَرَنَا أَبو بَكْرٍ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عن أَبِي هرَيْرَةَ (١) ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تَعِسَ عَبْد الدِّينَارِ، وَالدِّرْهَم، وَالْقَطِيفَةِ، وَالْخَمِيصَةِ، إِنْ أعْطِيَ رَضِيَ وَإِن لَمْ يعْطَ لَمْ يرضَ» لَمْ يَرْفَعْه إِسْرَائِيل وَمحَمَّد بْن جحَادَةَ عَنْ أَبِي حَصِينٍ (٢).\nوفي رواية: «تَعِسَ عَبْد الدِّينَارِ، وَعَبْد الدِّرْهَم، وَعَبْد الخَمِيصَةِ: إِن أعْطِيَ رضِيَ وَإِنْ لَم يعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وَانتكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلاَ انتقَشَ. طوبَى لِعَبْدٍ آخذٍ بِعَنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَشْعَثَ رَأْسه مغْبَرَّةٍ قَدَمَاه، إِنْ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ كَانَ فِي السَّاقَةِ. إِن اسْتَأذَنَ لَمْ يؤْذَنْ لَه، وإِنْ شَفَعَ لَمْ يشَفَّعْ».\nقَالَ أَبو عَبْدِ اللهِ: لَمْ يَرْفَعْه إِسْرَائِيل وَمحَمَّد بْن جحَادَةَ عَنْ أَبِي حَصِينٍ. وَقَالَ: \" تَعْسا \"، فَكأَنه يَقول: فَأَتْعَسَهم الله. \" طوبَى \": فعْلى مِنْ كلِّ شَيْءٍ طَيِّبٍ وَهِيَ يَاء حوِّلَتْ إِلَى الْوَاوِ وَهِيَ مِنْ يَطِيب (٣).\n* شرح غريب الحديث: * \" تعس \" أي سقط وعثر وانكب لوجهه (٤).\n* \" القطيفة \" هي كساء له خمْل، أي انكب لوجهه الذي يعمل لها ويهتمّ بتحصيلها (٥).\n* \" الخميصة \" وهي ثوب معلم من خزٍ أو صوف، وقيل: لا تسمى خميصة\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ٧.\n(٢) [الحديث ٢٨٨٦] طرفاه في كتاب الجهاد والسير، باب الحراسة في الغزو في سبيل الله ٣/ ٢٩٣، ٢٩٤، برقم ٢٨٨٧. وكتاب الرقاق، باب ما يتقى من فتنة المال، ٧/ ٢٢٤، برقم ٦٤٣٥.\n(٣) الطرف رقم ٢٨٨٧.\n(٤) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٥٣٠، ٥٣٢، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب التاء مع العين مادة: \" تعس \" ١/ ١٩٠.\n(٥) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب القاف مع الطاء مادة: \" قطف \" ٤/ ٨٤.","vol":"1","page":408},{"text":"إلا أن تكون سوداء معلَّمة، وكانت من لباس الناس قديما، وجمعها الخمائص (١).\n* \" انتكس \" أي انقلب على رأسه، وهو دعاء عليه بالخيبة؛ لأن من انتكس في أمره فقد خاب وخسر (٢).\n* \" وإذا شيك فلا انتقش \" أي إذا دخلت فيه الشوكة لا أخرجها من موضعها وبه سمّي المنقاش الذي ينقش به (٣).\n* \" طوبى \" طوبى اسم الجنة، وقيل: شجرة فيها (٤).\n* \" بعنان فرسه \" العنان: سير اللجام الذي تمسك به الدابة (٥).\n* \" الساقة \" جمع سائق وهم الذين يسوقون بجيش الغزاة ويكونون من ورائه يحفظونه (٦).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من موضوعات الدعوة: التحذير من إرادة الدنيا دون الآخرة.\n٢ - من أساليب الدعوة: الترهيب.\n٣ - من صفات الداعية: القناعة.\n٤ - من صفات الداعية: الإِخلاص.\n٥ - من أساليب الدعوة: الترغيب.\n٦ - من صفات الداعية: الزهد.\n٧ - من صفات الداعية: إتقان العمل.\n_________\n(١) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الخاء مع الميم، مادة: \" خمص \" ٢/ ٨١.\n(٢) انظر: المرجع السابق، باب النون مع الكاف، مادة: \" نكس \" ٥/ ١١٥.\n(٣) المرجع السابق، باب النون مع القاف، مادة \" نقش \" ٥/ ١٠٦.\n(٤) المرجع السابق، باب الطاء مع الواو، مادة: \" طوب \" ٣/ ١٤١.\n(٥) انظر: المرجع السابق، باب العين مع النون، مادة: \" عنن \" ٣/ ٣١٣، وانظر: المعجم الوسيط لمجمع اللغة العربية ص ٦٣٣.\n(٦) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب السين مع الواو مادة: \" سوق \" ٢/ ٤٢٤.","vol":"1","page":409},{"text":"٨ - من صفات الداعية: التواضع.\n٩ - من أساليب الدعوة: التشبيه.\n١٠ - من أساليب الدعوة: التأكيد بالتكرار.\n١١ - من أساليب الدعوة: تعظيم الأمر.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من موضوعات الدعوة: التحذير من إرادة الدنيا دون الآخرة: إن من موضوعات الدعوة تحذير الناس من إرادة الدنيا وإيثارها على الآخرة؛ ولهذا قال ﷺ: «تعس عبد الدينار». . \"، وقد حذر الله ﷿ من ذلك فقال: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٨] (١).\nفينبغي للداعية أن يبين للناس خطر إرادة الدنيا ويحذرهم من ذلك؛ لأن إرادة الدنيا والعمل لأجلها شرك ينافي كمال التوحيد الواجب ويحبط العمل، وإرادة الدنيا أعظم من الرياء؛ لأن مريد الدنيا قد تغلب إرادته تلك على كثير من عمله، وأما الرياء فقد يعرض له في عمل دون عمل ولا يسترسل معه، والمؤمن يكون حذرا من هذا وهذا (٢).\nفمن كانت الدنيا هَمّه وطلبه، ولها يعمل، ولها يسعى، وإياها يبتغي، ولا يرجو ثوابا من ربه، ولا يخاف عقابا على عمله، عجَّل له فيها ما يشاء وما له في الآخرة من نصيب (٣)؛ قال الله ﷿: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠] (٤).\nوهذه حال من عبد المال، وقدَّمَ الاهتمام به على أمور الآخرة، ورضي من\n_________\n(١) سورة الإسراء، الآية: ١٨.\n(٢) انظر: فتح المجيد شرح كتاب التوحيد، لعبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب ٢/ ٦٢٦.\n(٣) انظر: تفسير الطبري: \" جامع البيان عن تأويل آي القرآن \" ١٧/ ٤٠٩.\n(٤) سورة الشورى، الآية: ٢٠.","vol":"1","page":410},{"text":"أجْلِهِ وسخط من أَجْلِهِ؛ قال الله ﷿: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ [التوبة: ٥٨] (١).\nفرضاهم لغير الله، وسخطهم لغير الله، وهكذا حال من كان متعلقا برئاسة أو بغير ذلك من أهواء نفسه إن حصل له رضي وإن لم يحصل له سخط، فهذا عبد ما يهواه من ذلك، وهو رقيق له؛ لأن الرق والعبودية في الحقيقة رق القلب وعبوديته، فما استرقَّ القلب واستعبده فهو عبده؛ لأن العبد حرّ ما قَنِعَ، والحر عبد ما طَمِعَ، وطالب المال الذي لا يريد إلا المال يستعبده ويسترقه، وهذه الأمور نوعان: منها ما يحتاجه العبد: من طعامه، وشرابه، ومسكنه، ومنكحه، ونحو ذلك، فهذا يطلبه من الله ويرغب إليه فيه مع بذل الأسباب، ويكون المال عنده يستعمله في حاجاته بمنزلة حماره الذي يركبه، وبساطه الذي يجلس عليه، بل بمنزلة الكنيف الذي يقضي فيه حاجته من غير أن يستعبده، ومنها ما لا يحتاج العبد إليه، فهذه ينبغي أن لا يعلق قلبه بها (٢).\nثانيا: من أساليب الدعوة: الترهيب: لا شك أن أسلوب الترهيب من أساليب الدعوة، ولهذا قال ﷺ في هذا الحديث: «تعس عبد الدينار، والدرهم، والقطيفة، والخميصة» فدعا عليه ﷺ بأن يسقط وينكب على وجهه، وكرر ذلك بقوله: «تعس وانتكس» وهذا دعاء عليه بأن ينقلب على رأسه، وهو دعاء عليه بالخيبة والخسارة، ثم قال: «وإذا شيك فلا انتقش» وفي الدعاء بذلك إشارة إلى عكس مقصوده؛ لأن من عثر فدخلت في رجله الشوكة فلم يجد من يخرجها يصير عاجزا عن الحركة والسعي في تحصيل الدنيا (٣) قال ابن حجر ﵀: \" وسوغ الدعاء عليه لكونه قصر عمله على جمع الدنيا، واشتغل بها عما أمر به من التشاغل بالواجبات والمندوبات \" (٤).\n_________\n(١) سورة التوبة، الآية: ٥٨.\n(٢) انظر مجموع فتاوى ابن تيمية ١٠/ ١٨٠ - ١٩٠، وفتح المجيد شرح كتاب التوحيد لعبد الرحمن بن حسن، ٢/ ٦٣٢.\n(٣) انظر: شرح الطيبي على مشكاة المصابيح ١٠/ ٣٢٧٤، وفتح الباري لابن حجر ٦/ ٨٣.\n(٤) فتح الباري بشرح صحيح البخاري ١١/ ٢٥٥.","vol":"1","page":411},{"text":"فينبغي للداعية أن يستخدم أسلوب الترهيب في دعوته إلى الله ﷿ (١).\nثالثا: من صفات الداعية: القناعة: دل الحديث على أن من صفات الداعية القناعة؛ لقوله ﷺ: «إن أعطي رضي وإن لم يعط لم يرض»، وهذا يؤذِن في شدة حرصِ طالب الدنيا عليهما وجمعه لأموالها، وطمعه فيما في أيدي الناس (٢) أما العبد الصادق مع الله ﷿ فهو يعلم أن الدنيا متاع زائل؛ لقوله ﷿: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [القصص: ٦٠] (٣)؛ وقول النبي ﷺ: «لو كان لابن آدم وادٍ من ذهب أحب أن له واديا آخر، ولن يملأ فاه إلا التراب والله يتوب على من تاب» (٤) وقال ﷺ: «لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب» (٥) وقال ﷺ: «ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس» (٦).\nفينبغي للداعية إلى الله ﷿ أن يقنع بما أعطاه الله ويذكر دائما قوله ﷺ: «قد أفلح من أسلم، ورزِق كفافا وقنعه الله بما آتاه» (٧).\n\nرابعا: من صفات الداعية: الإخلاص: ظهر في مفهوم هذا الحديث أن من صفات المسلم الصادق مع الله ﷿ الإِخلاص؛ لأن قوله ﷺ: «تعس عبد الدينار، والدرهم، والقطيفة، والخميصة،\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٧، الدرس الثالث عشر.\n(٢) انظر: شرح الطيبي على مشكاة المصابيح ١٠/ ٣٢٧٤.\n(٣) سورة القصص، الآية: ٦٠.\n(٤) متفق عليه من حديث أنس ﵁: البخاري، كتاب الرقاق، باب ما يتقى من فتنة المال إِنَّمَا أَمْوَالكمْ وَأَوْلَادكمْ فِتْنَة ٧/ ٢٢٥ برقم ٦٤٣٨، ومسلم كتاب الزكاة، باب \" لو أن لابن آدم واديين لابتغى ثالثا \" ٢/ ٧٢٥، برقم ١٠٤٨.\n(٥) متفق عليه من حديث ابن عباس ﵄: البخاري، كتاب الرقاق، باب ما يتقى من فتنة المال، ٧/ ٢٢٤ برقم ٦٤٣٦، ومسلم، كتاب الزكاة، باب لو أن لابن آدم واديين لابتغى ثالثا ٢/ ٧٢٥، برقم ١٠٤٩.\n(٦) متفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁: البخاري، كتاب الرقاق، باب الغنى غنى النفس ٧/ ٢٢٨ برقم ٦٤٤٦، ومسلم، كتاب الزكاة، باب ليس الغنى عن كثرة العرض، ٢/ ٧٢٦، برقم ١٠٥١.\n(٧) مسلم، ٢/ ٧٣٠، برقم ١٠٥٤، وتقدم تخريجه في الحديث رقم ١٥، الدرس الأول، ص ١٤٤.","vol":"1","page":412},{"text":"إن أعطي رضي وإن لم يعطَ لم يرضَ» يدل على أن المتحتم على العبد أن يجعل نيته ومقصده لله وحده لا شريك له؛ ولهذا قال ﷺ: «من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإِيمان» (١).\nفينبغي للعبد المسلم أن يجعل همه طاعة الله ورسوله، يبتغي ثواب الله، ويخشى عقابه، ويطمع في رضاه (٢).\nخامسا: من أساليب الدعوة: الترغيب: دل هذا الحديث على أسلوب الترغيب، وذلك في قوله ﷺ: «طوبى لعبد اخذ بعنان فرسه في سبيل الله» وهذا فيه ترغيب وحث على العمل بما ينفع المسلم ويعود عليه بالخير، قال الحافظ ابن حجر ﵀: وفي قوله ﷺ: \" طوبى \" \" إشارة إلى الحض على العمل بما يحصل به خير الدنيا والآخرة \" (٣) فقد دعا ﷺ بالجنة لمن عمل هذه الأعمال.\nفينبغي للداعية أن يرغب المدعوين في كل ما يعود عليهم بالنفع في الدارين (٤).\nسادسا: من صفات الداعية: الزهد: إن المسلم الصادق هو الزاهد في الدنيا الذي لا يرغب في رئاستها، ولا حب الشهرة والظهور بدون عمل؛ ولهذا قال ﷺ: «طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه مغبرة قدماه» فقد انصرف عن حظوظ وخواص نفسه إلى الجهاد وما يقتضيه، حتى إن شعره لم يدهن، وعلى قدميه الغبار (٥).\n_________\n(١) أبو داود، كتاب السنة، باب الدليل على زيادة الإِيمان ونقصانه، ٤/ ٢٢٠، برقم ٤٦٨١، عن أبي أمامة ﵁، والترمذي من حديث أنس ﵁، في كتاب صفة القيامة، باب: حدثنا عمرو بن علي، ٤/ ٦٧٠، برقم ٢٥٢١، وحسنه، وزاد فيه: \". . وأنكح لله \"، وأحمد في المسند، مثل حديث الترمذي، عن معاذ الجهني ﵁، ٣/ ٤٣٨، ٤٤٠ وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم ٣٨٠.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٤٨، الدرس الثالث.\n(٣) فتح الباري، بشرح صحيح البخاري، ١/ ٨٣.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٧، الدرس الرابع عشر.\n(٥) انظر: شرح الطيبي على مشكاة المصابيح، ١٠/ ٣٢٧٤، وفتح الباري لابن حجر، ٦/ ٨٣، وعمدة القاري، للعيني، ١٤/ ١٧١، والمنهل العذب الفرات من الأحاديث الأمهات، لعبد العال، ٣/ ٢٢٧.","vol":"1","page":413},{"text":"فينبغي أن يكون الداعية زاهدا في الدنيا راغبا فيما عند الله ﷿ (١).\nسابعا: من صفات الداعية: إتقان العمل: إن من الصفات الحميدة: إتقان العمل كما يحبه الله ﷿؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة» أي يكون كاملا في تلك الحالة، فلا يخاف الانقطاع، ولا يهتم بالسبق بل يلازم عمله، وما هو لأجله (٢) وهذا يدل على عنايته بما أمر به، وملازمته لعمله وإتقانه له، فإن كان في الحراسة في مقدمة الجيش أتقنها لئلا يهجم عليهم العدو، وإن كان في الساقة في مؤخرة الجيش أقام حيث أقيم لا يفقد من مكانه بحال (٣).\nفينبغي للداعية إذا عمل عملا أن يتقنه؛ لأن الله ﷿ يحب ذلك.\nثامنا: من صفات الداعية: التواضع: ظهر في الحديث أن من الصفات الجميلة التواضع؛ ولهذا قال ﷺ: «إن استأذن لم يؤذن له وإن شفع لم يشفّع» قال الحافظ ابن حجر ﵀: \" فيه ترك حب الرئاسة والشهرة، وفضل الخمول والتواضع \" (٤) فهو إن استأذن لم يؤذن له؛ لعدم ماله وجاهه، وإن شفع في ما يحبه الله ورسوله لم تقبل شفاعته (٥). قال الطيبي ﵀: «إن استأذن لم يؤذن له»، \" إشارة إلى عدم التفاته إلى الدنيا وأنهَا بهَا بحيث يعتني بكليته في نفسه: لا يبتغي مالا ولا جاها عند الناس، بل يكَون عند الله وجيها، ولم يقبل الناس شفاعته، وعند الله يكون شفيعا مشفعا \" (٦).\nوهذا يبين فضل التواضع لله ﷿ (٧).\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٥٢، الدرس الأول، ورقم ١٥، الدرس الأول.\n(٢) انظر: مرقاة المفاتيح للملا علي القاري ٩/ ١٣.\n(٣) انظر: شرح الطيبي على مشكاة المصابيح ١٠/ ٣٢٧٥.\n(٤) فتح الباري ٦/ ٨٣.\n(٥) انظر: فتح المجيد لشرح كتاب التوحيد، لعبد الرحمن بن حسن بن عبد الوهاب ٢/ ٦٣٩.\n(٦) شرح الطيبي على مشكاة المصابيح ١٠/ ٣٢٧٥، ومرقاة المفاتيح لملا علي القاري ٩/ ١٤، قال ﷺ: \" رب أشعث مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره \" صحيح مسلم برقم ٢٦٢٢ و٢٨٥٤.\n(٧) انظر: الحديث رقم ٦٢، الدرس الثالث.","vol":"1","page":414},{"text":"تاسعا: من أساليب الدعوة: التشبيه: ظهر التشبيه في هذا الحديث؛ لقوله ﷺ: «تعس عبد الدينار»؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀: \" أي طالبه الحريص على جمعه، القائم على حفظه، فكأنه لذلك خادمه وعبده \" (١) وقال الطيبي ﵀: \" خص العبد بالذكر؛ ليؤذن بانغماسه في محبة الدنيا، وشهواتها، كالأسير الذي لا خلاص له عن أسره. ولم يقل: مالك الدنيا أو جامع الدنيا؛ لأن المذموم من الدنيا الزيادة على قدر الحاجة، لا قدر الحاجة \" (٢). فقد ظهر في كلامه ﵀ بيان أسلوب التشبيه (٣).\nعاشرا: من أساليب الدعوة: التأكيد بالتكرار: ظهر هذا الأسلوب في قوله ﷺ: \" تعس \" ثم في وسط الحديث كرر فقال: \" تعس وانتكس \" قال العلامة الملا علي القاري ﵀: \" كرر للتأكيد؛ وليعطف عليه للتشديد \" (٤).\nوأسلوب التأكيد يوضح المعاني ويحمل القلوب على الفهم والتصديق. فينبغي العناية به في الدعوة إلى الله ﷿ (٥).\nالحادي عشر: من أساليب الدعوة: تعظيم الأمر: من الأساليب المهمة في الدعوة إلى الله ﷿: تعظيم الأمور في نفس المدعو، التي يدعى إليها، أو ينهى عنها، فقوله ﷺ: «إن كان في الحراسة كان في الحراسة وإن كان في الساقة كان في الساقة» قال الحافظ ابن حجر ﵀: \" هذا من المواضع التي اتحد فيها الشرط والجزاء لفظا؛ لكن المعنى مختلف، والتقدير: إن كان المهم في الحراسة كان فيها، وقيل: معنى \" فهو\n_________\n(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ١١/ ٢٥٤.\n(٢) شرح الطيبي على مشكاة المصابيح، ١٠/ ٣٢٧٤.\n(٣) انظر: الحديث رقم ١٨، الدرس الرابع.\n(٤) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، ٩/ ١٢.\n(٥) انظر: الحديث رقم ٤، الدرس الخامس.","vol":"1","page":415},{"text":"في الحراسة \" أي فهو في ثوب الحراسة، وقيل هو للتعظيم: والمراد منه لازمه: أي فعليه أن يأتي بلوازمه، ويكون مستقلا بخويصة عمله \" (١) وقال الطيبي ﵀: \" تقرر في علم المعاني أن الشرط والجزاء إذا اتحدا دل على فخامة الجزاء وكماله، والشريطتان مؤكدتان للمعنى السابق؛ فإن قوله ﷺ: «آخذ بعنان فرسه» يدل على اهتمامه بشأن ما هو فيه من المجاهدة في سبيل الله، وليس له هم سواه، لا الدراهم ولا الدنانير، بله (٢) نفسه، فتراه أشعث رأسه مغبرة قدماه. فإن كان في الحراسة يبذل جهده فيها لا يفتر عنها بالنوم والغفلة ونحوهما؛ لأنه ترك نصيبه من الراحة والدعة، وإن كان في ساقة الجيش لا يخاف الانقطاع، ولا يهتم إلى السبق، بل يلازم ما هو لأجله، فعلى هذه القرينة إلى آخرها جاءت مقابلة للقرينة الأولى، فدلت الأولى على اهتمام صاحبها بعيش العاجلة، والثانية على اهتمام صاحبها بعيش الآجلة \" (٣).\n_________\n(١) فتح الباري ٦/ ٨٣. وانظر: شرح الكرماني على صحيح البخاري ٢/ ١٥٦.\n(٢) بَلهَ: بمعنى دع واترك، تقول: بله زيدا. وقد يوضع موضع المصدر ويضاف، فيقال: بله زيدٍ: أي: تركَ زيد. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الباء مع اللام، مادة: \" بله \" ١/ ١٥٤.\n(٣) شرح الطيبي على مشكاة المصابيح، ١٠/ ٣٢٧٥.","vol":"1","page":416},{"text":"٧١ -<span data-type=\"title\" id=toc-142> باب فضل الخدمة في الغزو</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-143>[حديث جرير رأيت الأنصار يصنعون شيئا لا أجد أحدا منهم إلا أكرمته]</span>\n٦٩ - [٢٨٨٨] حَدَّثَنِي محَمَّد بْن عَرْعَرةَ: حَدَّثَنِي شعْبَة، عَنْ يونسَ بْن عبَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ البنانيِّ، عَنْ أنسِ بْنِ مَالِكٍ (١) ﵁ قَالَ: \" صَحِبْت جَرِيرَ (٢) ابْنَ عبد الله فَكَانَ يَخْدمنِي وَهوَ أَكبَر مِنْ أنسٍ. قَالَ جَرِير: إِنِّي رَأَيْت الأنصَارَ يَصْنَعونَ شيئا لاَ أَجِد أَحَدا مِنْهمْ إِلاَّ أَكْرَمْته \" (٣).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من صفات الداعية: حسن الصحبة.\n٢ - من صفات الداعية: التواضع.\n٣ - محبة الصحابة للنبي ﷺ.\n٤ - من أساليب الدعوة: ذكر الصفات الحسنة للمدعوين.\n٥ - من صفات الداعية: مكافأة المحسن على إحسانه.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من صفات الداعية: حسن الصحبة: دل هذا الحديث على أن من الصفات الحميدة: حسن الصحبة؛ ولهذا خدم جرير بن عبد الله أنس بن مالك في السفر، وبوَّب بعض شرَّاح صحيح\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ١٤.\n(٢) جرير بن عبد الله بن جابر بن مالك البجلي من أعيان الصحابة ﵃، قدم على النبي ﷺ سنة عشر من الهجرة في شهر رمضان فبايعه وأسلم، وبايع النبي ﷺ على النصح لكل مسلم، وبعثه رسول الله ﷺ إلى صنم \" خثعم \" ذي الخلصة، وكان يسمى الكعبة اليمانية فخربه جرير ﵁، وكان لا يثبت على الخيل فدعا له رسول الله ﷺ \" اللهم ثبته واجعله هاديا مهديا \" روى عن النبي ﷺ مائة حديث، اتفق البخاري ومسلم على ثمانية منها، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بستة. نزل جرير ﵁ الكوفة، ثم تحول إلى قرقيسياء، وتوفي بها سنة إحدى وخمسين، وقيل أربع وخمسين. انظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي ١/ ١٤٦، وسير أعلام النبلاء للذهبي، ٢/ ٥٣٠ - ٥٣٧، والإِصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، ١/ ٢٣٢.\n(٣) وأخرجه مسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب في حسن صحبة الأنصار ﵃، ٤/ ١٩٥١، برقم ٢٥١٣.","vol":"1","page":417},{"text":"مسلم لهذا الحديث بباب قال فيه: \" باب في حسن صحبة الأنصار \" (١) وقد حث النبي ﷺ على حسن الصحبة فقال: «خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره» (٢).\nفينبغي للداعية أن يحسن الصحبة لمن صحبه أو كان بجواره في سفر أو حضر؛ لأن خير الناس أنفعهم للناس (٣).\nثانيا: من صفات الداعية: التواضع: دل الحديث على صفة التواضع؛ لما فعله جرير بن عبد الله ﵁؛ فإنه كان يخدم أنس بن مالك في السفر وأنس أصغر منه؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀: \" في هذا الحديث فضل الأنصار، وفضل جرير، وتواضعه، ومحبته للنبي ﷺ \" (٤). فينبغي للداعية أن يكون متواضعا لله ﷿ (٥).\nثالثا: محبة الصحابة للنبي ﷺ: ظهر في هذا الحديث محبة جرير بن عبد الله للنبي ﷺ، وقد بلغ هذا الحب إلى أنه أقسم على نفسه أن يخدم الأنصار إذا صحبهم؛ لأنهم خدموا النبي ﷺ (٦).\nفينبغي للداعية أن يقتدي بصحابة رسول الله ﷺ، فيحب النبي ﷺ أكثر من حب الأهل، والمال، والناس أجمعين (٧).\nرابعا: من أساليب الدعوة: ذكر الصفات الحسنة للمدعوين: إن من الأساليب التي يستفيد منها الداعية في دعوته للناس، ذكر الأخلاق\n_________\n(١) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ١٦/ ٣٤٠.\n(٢) الترمذي، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في حق الجوار، ٤/ ٣٣٢، برقم ١٩٤٤، وصححه الألباني في صحيح الترمذي ٢/ ١٨٤، والأحاديث الصحيحة برقم ١٠٣٠.\n(٣) انظر: مسند الشهاب للقضاعي ١/ ١٠٨، برقم ١٢٩، تحقيق عبد المجيد السلفي، وسلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني برقم ٤٢٦.\n(٤) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٦/ ٨٤، وانظر: عمدة القاري للعيني ١٤/ ١٧٣.\n(٥) انظر: الحديث رقم ٦٢، الدرس الثالث.\n(٦) انظر: صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب في حق صحبة الأنصار ﵃، ١٦/ ٣٠٤، برقم ٢٥١٣.\n(٧) انظر: الحديث رقم ٦٢، الدرس الثامن، ورقم ٦٣، الدرس الثامن.","vol":"1","page":418},{"text":"الجميلة لبعض السلف الصالح، وما كانوا عليه من التقوى والتواضع، والخشية لله ﷿، ومن هذا الأسلوب ما قاله أنس ﵁: \" صحبت جرير بن عبد الله فكان يخدمني وهو أكبر من أنس \"؛ لأن في ذكر هذه الأخلاق ما يفتح قلوب السامعين، ويرغبهم وينشطهم على العمل.\nخامسا: من صفات الداعية: مكافأة المحسن على إحسانه: إن من الصفات التي ينبغي أن يتصف بها الداعية إلى الله ﷿: مكافأة المحسن على إحسانه: بالثناء الحسن، والدعاء الخالص، وبغير ذلك على حسب الحاجة وأحوال الناس، ومن هذا ما فعله أنس ﵁ حيث أثنى على جرير بن عبد الله فقال: \" صحبت جرير بن عبد الله فكان يخدمني \" ولا شك أن من لم يشكر الناس لا يشكر الله ﷿ (١).\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٦٤، الدرس الثاني.","vol":"1","page":419},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-144>[حديث ذهب المفطرون اليوم بالأجر]</span>\n٧٠ - [٢٨٩٠] حَدَّثَنَا سلَيْمَان بْن دَاودَ أَبو الرَّبيعِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنَ زَكَرِيَّا: حدَّثَنَا عَاصِم، فَيْ موَرِّقٍ الْعِجْليِّ، عَنْ أَنَسٍ (١) ﵁ قَالَ: «كنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ أكثَرنَا ظِلّا الَّذِي مَنْ يَسْتَظِلّ بِكِسَائهِ، وَأَمَّا الَّذِينَ صَاموا فَلَمْ يَعْمَلوا شيئا، وَأَمَّا الَّذِينَ أَفْطَروا فَبَعَثوا الرِّكَابَ. وامْتَهَنوا وَعَالَجوا، فَقَال النَّبِيّ ﷺ: \" ذَهَبَ الْمفْطِرونَ الْيَوْمَ بِالأَجْرِ» (٢).\n* شرح غريب الحديث: * \" فبعثوا الركاب \" أثاروا الإبل؛ لخدمتها، وسقيها، وعلفها (٣).\n* \" وامتهنوا وعالجوا \" أي خدموا وزاولوا الخدمة (٤).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من صفات الداعية: حسن الصحبة وخدمة الرفيق في السفر.\n٢ - من صفات الداعية: التعاون على البر والتقوى.\n٣ - من أساليب الدعوة: الترغيب.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من صفات الداعية: حسن الصحبة وخدمة الرفيق في السفر: دل هذا الحديث على أن من الصفات الجميلة حسن الصحبة وخدمة الرفيق في السفر، ولهذا خدم المفطرون الصائمين في هذا الحديث، وأثنى\n_________\n(١) تقدمت ترجمته، في الحديث رقم ١٤.\n(٢) وأخرجه مسلم في كتاب الصيام، باب أجر المفطر في السفر إذا تولى العمل، ٢/ ٧٨٨، برقم ١١١٩.\n(٣) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي، ص ٤٣، و٢٠٠، و٢٨٨، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الباء مع العين، مادة: \" بعث \" ١/ ١٣٨، وفتح الباري لابن حجر ٦/ ٨٤.\n(٤) انظر: معجم مقاييس اللغة لابن فارس ص ٦٩٤، وتفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٥٤٣، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الميم مع الهاء، مادة: \" مهن \" ٤/ ٣٧٦، وفتح الباري لابن حجر ٦/ ٨٤ وعمدة القاري للعيني ١٤/ ١٧٤.","vol":"1","page":420},{"text":"عليهم رسول الله ﷺ.\nفينبغي للداعية أن يحسن صحبة من رافقه بأدب وحسن خلق (١).\nثانيا: من صفات الداعية: التعاون على البر والتقوى: ظهر في هذا الحديث التعاون في الجهاد على طاعة الله بخدمة المجاهدين، والذي دل عليه مفهوم الحديث أن جميع المفطرين تعاونوا على خدمة المجاهدين الصائمين، فأثاروا الإِبل، وقاموا بسقيها، وعقلها، وعلفها، وزاولوا خدمة إخوانهم.\nفينبغي للدعاة التعاون على كل ما فيه مصلحة الدعوة وأصحاب الدعوة (٢) قال ابن حجر ﵀ في فوائد هذا الحديث: \" وفيه الحض على المعاونة في الجهاد، وأن الفطر في السفر أولى من الصيام \" (٣).\nثالثا: من أساليب الدعوة: الترغيب: دل هذا الحديث على أسلوب الترغيب؛ لقوله ﷺ للمجاهدين: «ذهب المفطرون اليوم بالأجر» قال ابن حجر ﵀: \" أي بالأجر الوافر، وليس المراد نقص أجر الصوّام، بل المراد أن المفطرين حصل لهم أجر عملهم ومثل أجر الصوام؛ لتعاطيهم أشغالهم وأشغال الصوام \" (٤).\nفينبغي للداعية أن يستخدم أسلوب الترغيب في دعوته؛ لما له من الأهمية والتأثير في نفوس المدعوين (٥).\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٦٩، الدرس الأول.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٦٦، الدرس الثاني.\n(٣) فتح الباري بشرح صحيح البخاري ٦/ ٨٤.\n(٤) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٦/ ٨٤، وانظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم للقرطبي، ٣/ ١٨٢، وعمدة القاري للعيني، ١٤/ ١٧٤.\n(٥) انظر: الحديث رقم ٧، الدرس الثالث عشر.","vol":"1","page":421},{"text":"٧٦ -<span data-type=\"title\" id=toc-145> باب من اسْتعان بالضعَفاء والصالحِينَ في الحربِ</span>\nوَقَالَ ابْن عَبَّاسٍ: أَخْبَرنيِ أَبو سفْيانَ قَالَ: \" قَالَ لِي قَيْصَر: سَأَلْتكَ أَشْرَاف النَّاسِ اتبعوه أَمْ ضعَفَاؤهمْ؟ فزَعَمْتَ ضعَفَاؤهمْ، وَهمْ أَتْباع الرّسلِ \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-146>[حديث هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم]</span>\n٧١ - [٢٨٩٦] حَدَّثَنَا سلَيْمان بْن حَرْبٍ: حَدَّثَنَا محَمَد بْن طَلْحَةَ، عَنْ طَلْحَةَ، عَنْ مصعَب بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: رَأى سَعْد (١) ﵁ أَنَّ لَه فَضْلا عَلَى مَنْ دونَه، فَقَالَ النَّبِيّ ﷺ: «هَلْ تنْصَرونَ وَترْزقونَ إِلَّا بضعَفَائِكم»؟ \".\n* شرح غريب الحديث: * \" رَأَى سعد \" أي ظن (٢) وقد جاء هذا المعنى صريحا في رواية النسائي: «ظنَّ أن له فضلا على من دونه» (٣).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من موضوعات الدعوة: الحث على العناية بالفقراء والضعفاء.\n٢ - من أسباب النصر والرزق: الإِحسان إلى الضعفاء.\n٣ - من صفات الداعية: التواضع.\n٤ - من أساليب الدعوة: الترغيب.\n٥ - من أساليب الدعوة: الاستفهام الإِنكاري.\n٦ - من أساليب الدعوة: الحكمة.\n٧ - من أصناف المدعوين: أهل الصلاح والتقوى.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في الحديث: رقم ٣٦.\n(٢) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الراء مع الهمزة، مادة: \" رأى \" ٢/ ١٧٧.\n(٣) سنن النسائي، كتاب الجهاد، باب الاستنصار بالضعيف، ٦/ ٤٥، برقم ١٣٧٨.","vol":"1","page":422},{"text":"أولا: من موضوعات الدعوة: الحث على العناية بالفقراء والضعفاء: ظهر في هذا الحديث أن من موضوعات الدعوة: الحث على العناية بالضعفاء والمساكين؛ ولهذا حث النبي ﷺ على هذا بقوله: «هل تنصرون وترزقون إلا ضعفائكم» والله ﷿ قد جعل الإِحسان إلى الفقراء والمساكين من صفات المتقين فقال ﷿: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧] (١) وقال ﷿: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الروم: ٣٨] (٢) ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٦] (٣).\nفينبغي الحث على الإِحسان إلى الفقراء والضعفاء، والله يحب المحسنين.\n\nثانيا: من أسباب النصر والرزق: الإحسان إلى الضعفاء: دل هذا الحديث على أنه لا ينبغي للأقوياء القادرين أن يستهينوا بالضعفاء العاجزين: لا في أمور الجهاد والنصرة، ولا في أمور الرزق وعجزهم عن الكسب؛ لأن النصر على الأعداء وبسط الرزق قد يكون بسبب الضعفاء؛ ولهذا قال ﷺ: «هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم»؟ \" وهم يكونون من أسباب النصر والرزق من عدة وجوهٍ، منها:\n١ - قد يكون النصر على الأعداء، وبسط الرزق بأسباب توجه الضعفاء إلى الله ﷿ وطلبهم النصر والرزق؛ لأنهم أشدّ إخلاصا في الدعاء، وأكثر خشوعا في العبادة، وأقوى توكلا وثقة بالله ﷿؛ لسلامة قلوبهم وعدم تعلقها بزخارف الدنيا، فإذا دعوا الله على هذه الحال استجاب لهم، فينصر\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ١٧٧.\n(٢) سورة الروم، الآية: ٣٨.\n(٣) سورة الإسراء، الآية: ٢٦.","vol":"1","page":423},{"text":"الله الأمة بسببهم، ويرزقهم من أجلهم.\n٢ - جعل الله أرزاق هؤلاء الضعفاء على أيدي القادرين والأغنياء، فإذا أعطوهم حقهم وأنفقوا عليهم رغبة فيما عند الله؛ فإن الله ﷿ يفتح لهم من أسباب النصر والرزق ما لم يكن لهم ببال ولا دار لهم في خيال، فكم من إنسانٍ كان رزقه قليلا فكثرت عائلته والمتعلقون به فقام بالواجب وأنفق عليهم، ونصره الله على أعدائه، وأمد الله وَوَسَّعَ في رزقه (١)؛ قال الله ﷿: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩] (٢) وقال النبي ﷺ: «ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أَحدهما: اللهم أعطِ منفقا خلفا، ويقول الآخر: اللهم أعطِ ممسكا تلفا» (٣) وقال ﷺ فيما يرويه عن ربه: \" قال الله تعالى: «يا ابن آدم أنفق أنفق عليك» (٤) وعن أسماء بنت أبي بكر ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «انفحي، أو انضحي (٥) أو أنفقي، ولا تحصى فيحصي الله عليك (٦) ولا توعي فيوعي (٧) الله عليك» (٨) وفي صحيح البخاري (٩) «لا توكي فيوكي الله عليك» (١٠).\n_________\n(١) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٨/ ٨٩، وبهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخبار في شرح جوامع الأخبار، للعلامة عبد الرحمن السعدي ص ٢٤٤، وشرح رياض الصالحين، للعلامة ابن عثيمين ٥/ ١٣١.\n(٢) سورة سبأ، الآية: ٣٩.\n(٣) متفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁: صحيح البخاري، كتابِ الزكاة، باب قول الله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحسْنَى فَسَنيَسِّره لِلْيسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحسْنَى فَسَنيَسِّره لِلْعسْرَى ٢/ ١٤٧، برقم ١٤٤٢، ومسلم، كتاب الزكاة، باب المنفق والممسك، ٢/ ٧٠٠، برقم ١٠١٠.\n(٤) متفق عليه من حديث أبى هريرة ﵁: البخاري، كتاب التفسير، تفسير سورة هود، باب قوله: وكان عرشه على الماء، ٥/ ٢٥٤ برقم ٤٦٨٤، ومسلم، كتاب الزكاة، باب الحث على النفقة وتبشير المنفق بالخلف، ٢/ ٦٩٠، برقم ٩٩٣.\n(٥) انفحي، أو انضحي: أي أعطي، والنضح والنفح العطاء، وفي رواية \" وارضخي ما استطعت \" البخاري برقم ١٤٣٤، والرضخ العطاء أيضا. انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٥٦٩.\n(٦) لا تحصي: أي لا تبخلي فتجازين علي بخلك، وأصل هذا من الإحصاء الذي هو العد، وَعبِّرَ عن البخل بالإِحصاء؛ لأن البخيل يعد ماله ويتحرَز بِهِ، ويغار عليه. انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم للقرطبي ٣/ ٧٤.\n(٧) ولا توعي فيوعي الله عليك: أي لا تجمعي وتشحي بالنفقة، يشَحّ عليك، وتجازي بتضييق رزقك \" انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الواو مع العين، مادة: \" وعا \" ٥/ ٢٠٨.\n(٨) متفق عليه: البخاري، كتاب الزكاة، باب التحريض على الصدقة والشفاعة فيها، ٢/ ١٤٥، برقم ١٤٣٣، ومسلم، كتاب الزكاة، باب الحث علي الإنفاق وكراهية الإحصاء، ٢/ ٧١٣ برقم ١٠٢٩.\n(٩) البخاري، كتاب الزكاة، باب التحريض على الصدقة والشفاعة فيها ٢/ ٤٤، برقم ١٤٣٣.\n(١٠) لا توكي: أي لا تدَّخري وتشدي ما عندك وتمنعي ما في يديك، فتنقطع مادة الرزق عنك، انظر: النهاية في غريب الحديث، لابن الأثير، باب الواو مع الكاف مادة: \" وكا \" ٥/ ٢٢٣.","vol":"1","page":424},{"text":"وعن أنس بن مالك ﵁ قال: «كان أخوان على عهد النبي ﷺ فكان أحدهما يأتي النبي ﷺ والآخر يحترف فشكى المحترف أَخَاه إلى النبي ﷺ فقال: \" لعلك ترزق بِه» (١).\n٣ - دعاء المستضعفين المنفق عليهم؛ فإنهم يدعون الله ﷿ في كل أحوالهم لمن قام بمساعدتهم وأعانهم على فقرهم وضعفهم.\nفينبغي أن يعلم الدعاة أن إعانة الضعفاء والعطف عليهم، والإِحسان إليهم، بالقول والفعل من أسباب النصر والرزق والتوفيق.\nثالثا: من صفات الداعية: التواضع: دل الحديث على التواضع؛ لأن سعد بن أبي وقاص ﵁ ظن أن له فضلا على من دونه من أصحاب النبي ﷺ، بسبب شجاعته، ونحو ذلك من جهة الغنى وكثرة المال، فقال ﷺ: «هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم؟» وهذا فيه حث على التواضع ونفي الكبر والفخر، وترك احتقار المسلم في كل حالة (٢).\nفينبغي للمسلم التواضع وعدم الترفع على إخوانه المسلمين (٣).\nرابعا: من أساليب الدعوة: الترغيب: ظهر أسلوب الترغيب في هذا الحديث؛ من قول النبي ﷺ: «هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم؟» وهذا فيه ترغيب في الإِحسان إلى هؤلاء وعدم احتقارهم، وهذا ليس فيه ما يعارض الأحاديث الأخرى التي مدح فيها الأقوياء، وأن المؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وإنما المراد أن ذلك من أعظم أسباب الرزق والنصر، وقد يكون لذلك أسباب أخرى؛ فإن الكفار والفجار قد يرزقون وينصرون استدراجا، وقد يخذل المؤمنون؛ ليتوبوا\n_________\n(١) الترمذي، كتاب الزهد، باب في التوكل، ٤/ ٤٧٤، برقم ٢٣٤٥، وقال: \" هذا حديث حسن صحيح \"، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ٢/ ٢٧٤.\n(٢) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٦/ ٨٩، وعمدة القاري للعيني، ١٤/ ١٧٩.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٦٢، الدرس الثالث.","vol":"1","page":425},{"text":"ويخلصوا، ولكن العاقبة الحميدة لهم، فيجمع لهم بين مغفرة الذنب وتفريج الكرب، وليس كل إنعام كرامة ولا كل امتحان عقوبة (١).\nفينبغي استخدام الترغيب في الدعوة إلى الله ﷿ (٢).\nخامسا: من أساليب الدعوة: الاستفهام الإنكاري: الاستفهام الإِنكاري من أساليب الدعوة إلى الله ﷿ وقد ظهر هذا الأسلوب في قوله ﷺ: «هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم؟» فقد أنكر ﷺ على سعدٍ ﵁ ما ظنه وبيَّن فضل الضعفاء على الأمة، وأبرز ذلك في صورة الاستفهام؛ ليدل على مزيد التعزير والتوبيخ (٣). وهذا يؤكد أهمية هذا الأسلوب. (٤).\nسادسا: من أساليب الدعوة: الحكمة: دل هذا الحديث على حكمة النبي ﷺ في تغيير المنكر وتأليف القلوب، وتوجيهها إلى ما يحبه الله ويرضاه؛ فإنه أنكر على سعدٍ ﵁ ببيان فضل الضعفاء وأن وجودهم بين المسلمين من أسباب النصر والرزق، وقد استخدم ﷺ الاستفهام الإِنكاري. وهذا يبين للدعاة إلى الله ﷿ أهمية أسلوب الحكمة؛ قال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] (٥) وحقيقة الحكمة: وضع كل شيء في موضعه بإحكام وإتقان، والإِصابة في الأقوال والأفعال (٦).\n_________\n(١) انظر: فيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي ٦/ ٣٥٤.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٧، الدرس الرابع عشر.\n(٣) انظر: شرح الطيبي على مشكاة المصابيح ١٠/ ٣٣١٠، ومرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح للملا علي القاري، ٩/ ٨٤.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٤، الدرس الرابع، ورقم ٣١، الدرس الخامس.\n(٥) سورة النحل، الآية: ١٢٥.\n(٦) انظر: مدارج السالكين لابن القيم ٢/ ٤٧٨، وتفسير ابن كثير، ١/ ١٨٤، وفتح الباري لابن حجر ١/ ٦٧، ٦/ ٥٣١، ٧/ ١٠٠، ١٠/ ٥٢٢، والحكمة في الدعوة إلى الله تعالى، لسعيد بن علي، ص ٢٣ - ٣١.","vol":"1","page":426},{"text":"سابعا: من أصناف المدعوين: أهل الصلاح والتقوى: دل هذا الحديث على أن من أصناف المدعوين أهل الصلاح والاستقامة؛ لأن المسلم قد يخطئ ويحتاج إلى التنبيه والتوجيه؛ ولأن العصمة للأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولمن عصمه الله من عباده المخلصين؛ ولهذا لما رأى سعد ﵁ أن له فضلا على من دونه، وجهه النبي ﷺ وأرشده بقوله: «هل تنصرون وترزقون لا بضعفائكم؟».\nفينبغي للداعية أن يقبل النصيحة ممن وجهها إليه من العلماء والدعاة، أو حتى ممن هو دونه، وينبغي له أن لا يستحي من توجيه إخوانه الدعاة إلى الخير إذا رأى ما يوجب ذلك؛ لأن النبي ﷺ قال: «كل بني آدم خطَّاء، وخير الخطائين التوَّابون» (١) وهذا يؤكد أن كل مسلم يحتاج إلى توجيه ونصيحة مهما ارتفعت منزلته (٢).\n_________\n(١) الترمذي، كتاب القيامة، باب: حدثنا هناد، ٤/ ٦٥٩، برقم ٢٤٩٩، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب ذكر التوبة، ٢/ ١٤٢٠، برقم ٤٢٥١، والدارمي، كتاب الرقاق، باب في التوبة، ٢/ ٢١٣، برقم ٢٧٣٠. وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه ٢/ ٤١٨، وفي مشكاة المصابيح ٢/ ٧٢٤ برقم ٢٣٤١.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٧٦، الدرس الرابع.","vol":"1","page":427},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-147>[حديث يأتي زمان يغزو فئام من الناس فيقال فيكم من صحب النبي]</span>\n٧٢ - [٢٨٩٧] حَدَّثَنَا عبد الله بْن محَمَّدٍ: حَدَّثَنَا سفْيَان، عَنْ عَمْرو: سَمِعَ جَابِرا (١) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدْرِيِّ (٢) ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «يَأْتِي زَمَان يَغْزو فِئام مِنَ النَّاسِ، فَيقَال: فِيكمْ مَنْ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ؟ فيقَال: نَعَمْ، فيفتح عَلَيْهِ. ثمَّ يأتي زَمَان فَيقَال: فِيكمْ مَنْ صَحِبَ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ؟ فَيقَال: نَعَمْ، فَيفْتَح. ثمَّ يأتِي زَمَان فَيقَال: فِيكمْ مَنْ صَحِبَ صَاحِبَ أَصْحَاب النَّبيِّ ﷺ؛ فَيقَال: نَعَمْ، فَيفْتَح» (٣).\nوفي رواية: «يأتِي عَلَى النَّاسِ زَمَان فَيغْزو فِئَام مِنَ النَّاسِ فيَقولونَ: فِيكمْ مَنْ صاحَبَ رَسولَ اللهِ ﷺ؟ فَيَقولونَ لَهمْ: نَعَمْ، فَيفتح لَهمْ، ثمَّ يأتِي عَلَى النَّاسِ زمَان فَيَغْزو فِئَام مِنَ النَّاسِ فَيقَال: هَلْ فِيكمْ مَنْ صَاحَبَ أَصْحَابَ رَسولِ اللهِ ﷺ؛ فَيَقولونَ: نَعَمْ، فَيفْتَح لَهمْ. ثمَّ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَان فَيَغْزو فِئَام مِنَ النَّاسِ فَيقَال: هَلْ فِيكمْ مَنْ صَاحَبَ مَنْ صَاحَبَ أَصْحَابَ رَسولِ اللهِ ﷺ؟ فيَقولونَ: نَعَمْ، فَيفتح لَهمْ» (٤).\n* شرح غريب الحديث: * \" فئام من الناس \" الفئام: الجماعة الكثيرة (٥).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من معجزات النبي ﷺ: الإِخبار بالغيوب.\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ٣٢.\n(٢) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ١٩.\n(٣) [الحديث ٢٨٩٧] طرفاه في: كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإِسلام، ٤/ ٢١١، برقم ٣٥٩٤. وكتاب فضائل أصحاب النبي ﷺ، باب فضائل أصحاب النبي ﷺ، ٤/ ٢٢٨، برقم ٣٦٤٩. وأخرجه مسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ٤/ ١٩٦٢، برقم ٢٥٣٢.\n(٤) الطرف رقم ٣٦٤٩.\n(٥) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الفاء مع الهمزة، مادة: \" فأم \" ٣/ ٤٠٦، وانظر: غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٤٨٠.","vol":"1","page":428},{"text":"٢ - من أسباب النصر: استقامة المجاهدين والدعاة على دين الله ﷿.\n٣ - من موضوعات الدعوة: بيان فضل السلف الصالح للتأسي بهم.\nأولا: من معجزات النبي ﷺ: الإخبار بالغيوب: دل هذا الحديث على صدق النبي ﷺ؛ لأنه أخبر بأمور غيبية لا يعلمها إلا الله، فوقعت كما أخبر ﷺ، فنصر الله أصحاب نبيه ﷺ، وأتباعهم، وتابعيهم، كما أخبر الصادق المصدوق ﷺ، فدل ذلك على أن الله أرسله وأنه رسول الله حقّا وصدقا (١).\nفينبغي للداعية أن يبين للناس علامات النبوة؛ لما لها من الأثر في النفوس وحملها على تصديق رسالة النبي محمد ﷺ (٢).\nثانيا: من أسباب النصر: استقامة المجاهدين والدعاة على دين الله ﷿: لا شك أن استقامة المجاهدين والدعاة على دين الله ﷿ من أعظم أسباب النصر والتمكين؛ وقد أخبر ﷺ في هذا الحديث بنصر الجيش الذي يغزو معه بعض الصحابة والتابعين، وأتباعهم؛ وذكر ابن حجر ﵀ عن ابن بطال ﵀ أنه \" يفتح للصحابة لفضلهم، ثم للتابعين لفضلهم، ثم لتابعيهم لفضلهم. . . ولذلك كان الصلاح والفضل والنصر للطبقة الرابعة أقل، فكيف بمن بعدهم والله المستعان \" (٣) وقد وعد الله ﷿ من استقام من عباده على طاعته بالنصر والتمكين فقال ﷾: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ - الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١] (٤) وقوله سبحانه: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠] أي ينصر دينه ونبيه (٥).\n_________\n(١) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ١٦/ ٣١٧، وإكمال إكمال المعلم شرح صحيح مسلم للأبي ٨/ ٤٥٧، وعمدة القاري شرح صحيح البخاري للعيني ١٤/ ١٨٠.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٢١، الدرس الرابع، ورقم ٥٥، الدرس الثالث.\n(٣) فتح الباري بشرح صحيح البخاري ٦/ ٨٩ بتصرف يسير جدا.\n(٤) سورة الحج، الآيتان: ٤٠ - ٤١.\n(٥) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٢/ ٧٨، وانظر: تفسير الطبري، \" جامع البيان عن تأويل آي القرآن \" ١٨/ ٦٥١.","vol":"1","page":429},{"text":"وقال الله ﷾: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥] (١). وقال الله ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ - وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٧ - ٨] (٢). وهذه الآيات الكريمات تبين أن المجاهدين والدعاة وغيرهم إذا أطاعوا الله ورسوله نصرهم الله ﷿ وأمدهم بعونه وتوفيقه.\nثالثا: من موضوعات الدعوة: بيان فضل السلف الصالح؛ للتأسي بهم: إن من الموضوعات المهمة في الدعوة إلى الله ﷿: بيان فضل السلف الصالح؛ للتأسي بهم والسير على هديهم؛ ولهذا بين النبي ﷺ في هذا الحديث: فضل الصحابة، والتابعين، وأتباعهم، وأن الله ﷿ ينصرهم على عدوِّهم. قال العلامة العيني ﵀: \" الصحابة، والتابعون، وأتباع التابعين حصلت بهم النصرة؛ لكونهم ضعفاء فيما يتعلق بأمر الدنيا، أقوياء فيما يتعلق بأمر الآخرة \" (٣).\nفينبغي للداعية أن يبين للناس فضل الصحابة وأتباعهم من أهل العلم والإِيمان؛ ليقتدي بهم الناس ويستفيدوا من فضائلهم؛ ولهذا بين النبي ﷺ بعض الفضائل لهؤلاء السلف فقال: «خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن» (٤).\n_________\n(١) سورة النور، الآية: ٥٥.\n(٢) سورة محمد، الآيتان ٧ - ٨.\n(٣) عمدة القاري شرح صحيح البخاري ١٤/ ١٧٩.\n(٤) متفق عليه من حديث عمران بن حصين ﵄: البخاري، كتاب فضائل أصحاب النبي ﷺ، باب فضائل أصحاب النبي ﷺ ومن صحب النبي أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه، ٤/ ٢٢٨ برقم ٣٦٥٠، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب بيان بقاء النبي ﷺ أمان لأصحابه، وبقاء أصحابه أمان للأمة، ٤/ ١٩٦٤ برقم ٢٥٣٥.","vol":"1","page":430},{"text":"وقال ﷺ: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجئ قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته» (١).\nوهذا يبين فضائل الصحابة وأنه ينبغي التأسي بهم في الاستقامة على دين الله ﷿. وسمعت العلامة سماحة الشيخ عبد العزيز ابن باز حفظه الله يقول: \" بعد هذه القرون تتغير الأحوال، ويضعف الإِيمان حتى إنهم يظهر فيهم، السمن؛ لميلهم إلى الشهوات \" وقال عن الفائدة من إيراد هذه الأحاديث في فضائل الصحابة: \" والمقصود التأسي بأصحاب النبي ﷺ \" (٢).\nوفضائل أصحاب النبي ﷺ لا تحصر في هذه الأسطر، ولكن أشملها قوله ﷺ: «لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مدَّ أحدهم ولا نصيفه» (٣).\nوهذا يبيّن للدعاة إلى الله ﷿ أهمية تذكير الناس بفضائل الصحابة ﵃ وبقية القرون الثلاثة المفضلة؛ قال الإِمام القرطبي ﵀: \" هذه القرون الثلاثة: أفضل مما بعدها إلى يوم القيامة، وهذه القرون في أنفسها متفاضلة، فأفضلها: الأول، ثم الذي بعده، ثم الذي بعده. . \" (٤). وقد بين الحافظ ابن حجر آخر القرون الثلاثة فقال: \" واتفقوا على أن آخر من كان من أتباع التابعين ممن يقبل قوله من عاش إلى حدود العشرين ومائتين، وفي هذا الوقت ظهرت البدع ظهورا فاشيا \" (٥).\n_________\n(١) متفق عليه من حديث عبد الله بن عمر ﵄: البخاري، كتاب فضائل أصحاب النبي ﷺ، باب فضائل أصحاب النبي ﷺ، ومن صحب النبي ﷺ أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه، ٤/ ٢٢٩ برقم ٣٦٥١، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب بيان بقاء النبي ﷺ أمان لأصحابه، وبقاء أصحابه أمان للأمة، ٤/ ١٩٦٢ برقم ٢٥٣٣.\n(٢) سمعت ذلك من سماحته حفظه الله: أثناء شرحه لصحيح البخاري، الحديث رقم ٣٦٥٠، و٣٦٥١ في جامع الإمام تركي بن عبد الله \" الجامع الكبير \" بالرياض.\n(٣) متفق عليَه من حديث أبي هريرة ﵁: البخاري، كتاب فضائل أصحاب النبي ﷺ، باب فضائل أصحاب النبي ﷺ، ومن صحب النبي ﷺ أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه، ٤/ ٢٣٦، برقم ٣٦٧٣، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب تحريم سب الصحابة ﵃، ٤/ ١٩٦٧، برقم ٢٥٤٠.\n(٤) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ٦/ ٤٨٦.\n(٥) فتح الباري بشرح صحيح البخاري ٧/ ٦.","vol":"1","page":431},{"text":"٧٧ -<span data-type=\"title\" id=toc-148> باب لا يقول: فلان شهِيد</span>\nوَقَالَ أَبو هرَيْرَةَ عن النَّبِيِّ ﷺ: «الله أَعْلَم بِمَنْ يجَاهِد فِي سَبِيلِهِ، الله أَعْلَم بِمَنْ يكْلَم فِي سَبِيلِهِ».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-149>[حديث إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار]</span>\n٧٣ - [٢٨٩٨] حَدَّثَنَا قتَيْبَة: حَدَّثَنَا يَعْقوب بْن عَبْدِ الرَّحْمنِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ الساعِدِيِّ (١) ﵁: «أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ الْتَقَى هوَ والْمشْرِكونَ فَاقْتَتَلوا، فَلَمَّا مَالَ رَسول اللهِ ﷺ إلَى عَسْكَرِهِ وَمَالَ الآخَرونَ إِلَى عَسْكَرِهِمْ، وَفِي أَصْحَابِ رَسولِ اللهِ ﷺ رَجل لَا يَدَع لَهمْ شَّاذَّة وَلَا فَاذَّة إِلَّا اتَّبَعَهَا يَضرِبها بِسَيْفِهِ، فَقَالوا: مَا أَجْزَأَ مِنَّا الْيَومَ أَحَد كَمَا أَجْزَأَ فلان، فَقَال رِسول اللهِ ﷺ: \" أَمَا إِنَّه مِنْ أَهْلِ النَّارِ \"، فَقَالَ رَجل مِنَ الْقَوْمِ: أنا صَاحِبه، قَالَ فخَرَجَ مَعَه كلَّمَا وَقَفَ وَقَفَ مَعَه، وَإِذَا أَسْرَعَ أَسْرَعَ مَعَه، قالَ: فَجرِحَ الرَّجل جرْحا شَدِيدا، فَاسْتَعْجَلَ الْموتَ، فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ فِي الأَرْضِ، وَذبَابَه بَيْنَ ثَدْيَيْهِ، ثمَّ تَحَامَلَ عَلَى سَيْفهِ فَقَتَلَ نَفْسَه، فخَرَجَ الرَّجل إِلَى رَسولِ الله ﷺ فقَالَ: أَشْهد أنكَ رَسول اللهِ، قَالَ: \" وَمَا ذَاك؟ \" قَال: الرَّجل الَّذِي ذَكَرْتَ آنِفا أنه مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فأَعْظَمَ النَّاس ذَلِكَ، فَقلْت: أَنا لَكمْ بِهِ، فَخَرَجْت فِي طَلَبِهِ، ثمَّ جرِح جرْحا شَدِيدا، فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ فِي الأَرْضِ وَذبَابَه بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ثمَّ تَحَامَلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَ نَفْسَه. فَقَالَ رَسول اللهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: \" إِنَّ الرَّجلَ لَيَعْمَل عَمَلَ أَهْلِ الجَنَّةِ فِيمَا يَبْدو للنَّاسِ وَهو مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجلَ ليَعْمَل عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدو لِلنَّاسِ وَهوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ» (٢).\nوفي رواية: \". . «أَيّنَا مِنْ أَهْلِ الجَنَّة إِذَا كَانَ هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ؛ فَقَالَ رَجل\n_________\n(١) تقدمت ترجمته، في الحديث رقم ٢٥.\n(٢) [الحديث ٢٨٩٨] أطرافه في: كتاب المغازي، باب غزوة خبير، ٥/ ٨٨، برقم ٤٢٠٢. و٥/ ٩٠، برقم ٤٢٠٧. وكتاب الرقاق، باب الأعمال بالخواتيم وما يخاف منها، ٧/ ٢٤٠، برقم ٦٤٩٣. وكتاب القدر، باب العمل بالخواتيم، ٧/ ٢٧٠، برقم ٦٦٠٧. وأخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه، ١/ ١٠٦، برقم ١١٢.","vol":"1","page":432},{"text":"مِنَ الْقَوْمِ لأَتَّبعَنَّه». . \" (١).\nوفي رواية. «نَظَرَ النَّبِيّ ﷺ إِلَى رَجل يقَاتِل الْمشْرِكِينَ- وَكَانَ مِنْ أَعْظَمِ المسْلِمينَ غَنَاء عَنْهمْ- فَقَالَ: \" مَنْ أَحَبَّ أنْ يَنْظرَ إِلَى رَجل مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَلْيَنْظر إِلَى هَذَا \"، فَتَبِعَه رَجل فَلَمْ يَزَلْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى جرِحَ فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ، فَقَالَ بِذبَابَةِ سَيْفِهِ فَوَضَعَه بَيْنَ ثَدْيَيْهِ، فَتَحَامَلَ عَلَيْهِ حَتَّى خَرَجَ مِنْ بَيْن كتِفَيْهِ، فَقَالَ النَّبِيّ ﷺ: \" إِنَّ الْعَبْدَ لَيَعْمَل- فِيمَا يَرَى النَّاس- عَمَلَ أَهْلِ الجَنَّةِ وَإِنَّه لَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَيَعْمَل- فِيمَا يَرَى النَّاس- عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ وَهوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَإِنَّمَا الأَعمَال بِخَوَاتِيمِهَا» (٢).\nوفي رواية: «وَإِنَّمَا الأَعْمَال بِالْخَوَاتِيم» (٣).\n* شرح غريب الحديث: * \" شاذة ولا فاذة \" هما بمعنى واحد، والشذوذ: الانفراد: أي لا يسلم منه أحد إلا قتله، وهي كلمة تقال للشجاع: لا يدع شاذة ولا فاذة (٤).\n* \" ما أجزأ منا اليوم أحد كما أجزأ فلان \" أي ما ناب أحد منابه، ولا قام أحد مقامه، ولا قضى ما قضاه (٥). * \" نصل سيفه \" نصل السيف: حديده، والنصل: حديدة السهم والسيف (٦).\n* \" ذبابه بين ثدييه \" ذباب السيف: طرفه الذي يضرب به وهو الحدّ (٧).\n* \" تحامل على سيفه \" مال عليه واتَّكأَ، والتحامل: تكلف الشيء على مشقة (٨).\n_________\n(١) من الطرف رقم ٤٢٠٧.\n(٢) من الطرف رقم ٦٤٩٣.\n(٣) من الطرف رقم ٦٦٠٧.\n(٤) مشارق الأنوار على صحاح الآثار، للقاضي عياض بن موسى، حرف الشين مع الذال، مادة: \" شذذ \" ٢/ ٢٤٦، وانظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ١٣٥.\n(٥) تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ١٣٥.\n(٦) المرجع السابق ص ٧٩، ١٣٥.\n(٧) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ١٣٥، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الذال مع الباء، مادة: \" ذبب \" ٢/ ١٥٢.\n(٨) تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ١٣٥.","vol":"1","page":433},{"text":"* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من موضوعات الدعوة: الإِيمان بالقدر والعمل بأسباب النجاة.\n٢ - من موضوعات الدعوة: التحذير من الاغترار بالأعمال.\n٣ - من صفات الداعية: الجمع بين الخوف والرجاء.\n٤ - من معجزات الرسول ﷺ: الإِخبار بالمغيبات.\n٥ - من صفات الداعية: الأخذ بالظاهر والله يتولَّى السرائر.\n٦ - من أساليب الدعوة: الترغيب والترهيب.\n٧ - من موضوعات الدعوة: الحث على النية الصالحة.\n٨ - من موضوعات الدعوة: حث الناس على طلب حسن الخاتمة بالقول والعمل.\n٩ - عظم يقين الصحابة ﵃ بما يخبر به رسول الله ﷺ.\n١٠ - قد يؤيد الله ﷿ الإِسلام بالمدعو الفاجر.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\n\nأولا: من موضوعات الدعوة: الإيمان بالقدر والعمل بأسباب النجاة: ظهر في هذا الحديث أهمية الإِيمان بالقدر؛ (١)؛ لأن النبي ﷺ قال لرجل ظاهره الصلاح والشجاعة في الجهاد: \" إنه من أهل النار \" وقال: «إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة» وهذا يدل على أن الله ﷿ قد قدر المقادير، فعن علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «ما منكم من أحد، ما من نفس منفوسة إلا كتِبَ مَكَانهَا من الجنة والنار، وإلا قد كتِبَتْ شقية أو سعيدة \" فقال رجل؛ يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ فمن كان منَّا من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة، وأما من كان مِنَّا من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة؟ قال: \" أمَّا أهل السعادة فييَسَّرون\n_________\n(١) انظر: كتاب الإيمان للحافظ إسحاق بن يحيى بن منده، ١/ ١٢٦ - ١٣٢، والإِبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة، للإمام محمد بن بطة العبكري، \" كتاب القدر \"، ١/ ٢٥٣.","vol":"1","page":434},{"text":"لعمل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسَّرون لعمل الشقاوة. ثم قرأ» ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى - وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى - فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى - وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى - وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى - فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ١٠] (١) قال ابن رجب ﵀: \" ففي هذا الحديث أن السعادة والشقاوة قد سبق الكتاب بهما، وأن ذلك مقدر بحسب الأعمال، وأن كلّا ميسر لما خلِقَ له من الأعمال التي هي سبب السعادة أو الشقاوة \" (٢).\nولا شك أن الله ﷿ إنما يهدي من كان أهلا للهداية، ويضل من كان أهلا للضلالة، قال ﷿: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] (٣) وقال ﷾: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة: ١٣] (٤).\nفبين سبحانه أن أسباب الضلالة لمن ضل إنما هي بسَبَبٍ من العبد نفسه، والله ﷿ لا يظلم الناس شيئا، ولكن الناس أنفسهم يظلمون، قال ﷾: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠] (٥) وقال ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [يونس: ٤٤] (٦) ويجمع الإِيمان بالقضاء والقدر أربع مراتب إذا آمن بها العبد فقد استكمل الإيمان بهذا الأصل العظيم:\nالمرتبة الأولى: العلم، فيؤمن العبد إيمانا جازما أن الله ﷿ علم بما الخلق عاملون، بعلمه الأزلي، وعلم جميع أحوالهم وأعمالهم: من الطاعات والمعاصي، والأرزاق والآجال. قال ﷾: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [العنكبوت: ٦٢] (٧)\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب موعظة المحدث عند القبر، وقعود أصحابه حوله، ٢/ ١٢١ برقم ١٣٦٢، ومسلم، كتاب القدر، باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه، وكتابة رزقه وعمله وشقاوته وسعادته، ٤/ ٢٠٣٩ برقم ٢٦٤٧. والآيات من سورة الليل: ٥ - ١٠.\n(٢) جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم، ١/ ١٦٩.\n(٣) سورة الصف، الآية: ٥.\n(٤) سورة المائدة، الآية: ١٣.\n(٥) سورة النساء، الآية: ٤٠.\n(٦) سورة يونس، الآية: ٤٤.\n(٧) سورة العنكبوت، الآية: ٦٢.","vol":"1","page":435},{"text":"وقال ﷿: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢] (١) فبنى تقديره ﷾ لمقادير الخلائق على هذا العلم السابق الأزلي، وقدر مقادير الخلائق: من السعادة والشقاوة وغير ذلك بحسب الأعمال التي سبق علمه بها من خير وشر (٢).\nالمرتبة الثانية: كتابة الله ﷿ لجميع الأشياء والمقادير في اللوح المحفوظ: الدقيقة والجليلة، ما كان وما سيكون، قال ﷾: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠] (٣) وقد جمعت هذه الآية بين المرتبتين السابقتين. وقال ﷿: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢] (٤) وقال ﷾: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢] (٥)؛ ولهذا قال رسول الله ﷺ: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة» قال: «وكان عرشه على الماء» (٦). وقال عبادة بن الصامت ﵁ لابنه: يا بني، إنك لن تجد طعم حقيقة الإِيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب، قال: ربِّ وماذا أكتب؛ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة» يا بني إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من مات على غير هذا فليس مني» (٧) وفي لفظ للإِمام أحمد: «إن أول ما خلق الله ﵎ القلم، ثم قال اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة» (٨).\n_________\n(١) سورة الطلاق، الآية: ١٢.\n(٢) انظر: جامع العلوم والحكم، لابن رجب ١/ ١٦٩.\n(٣) سورة الحج، الآية: ٧٠.\n(٤) سورة الحديد، الآية: ٢٢.\n(٥) سورة يس، الآية: ١٢.\n(٦) صحيح مسلم، كتاب القدر، باب حجاج آدم موسى، ٤/ ٢٠٤٤، برقم ٢٦٥٣. عن عبد الله بن عمر ﵄.\n(٧) سنن أبي داود، كتاب السنة، باب في القدر، ٤/ ٢٢٥، برقم ٤٧٠٠، واللفظ له، والترمذي، كتاب القدر، باب، حدثنا قتيبة، ٤/ ٤٥٧، برقم ٢١٥٤، وأحمد في المسند، ٣/ ٣١٧، وصححه العلامة الألباني، في صحيح سنن أبي داود ٣/ ٨٩٠.\n(٨) المسند ٣/ ٣١٧.","vol":"1","page":436},{"text":"المرتبة الثالثة: مشيئة الله النافذة، وقدرته الشاملة التي لا يعجزها شيء فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وما في السماوات والأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله ﷾، قال الله ﷿: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩] (١).\nالمرتبة الرابعة: الخلق، فالله ﷿ خالق كل شيء، وما سواه مخلوق له ﷾، لا إله غيره ولا رب سواه. قال ﷿: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر: ٦٢] (٢) ومع ذلك فقد أمر العباد بطاعته وطاعة رسوله ﷺ، ونهاهم عن معصيته، وهو سبحانه يحب المحسنين، والمتقين، والمقسطين، ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ولا يحب الكافرين، ولا يرضى عن القوم الفاسقين، ولا يأمر بالفحشاء، ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يحب الفساد، وهو الحكيم العليم (٣) وعلى العبد أن يبذل الأسباب، ويسأل الله التوفيق والهداية، ويعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له، وأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا، ولا يظلم مثقال ذرة، قال ﷾: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ - وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨] (٤).\n\nفينبغي للداعية أن يبيِّن للناس هذا الأصل معتمدا على الأدلة من الكتاب والسنة، ولا يخوض فيما لا علم له به، ويحث الناس على النشاط والقوة، والاستعانة بالله وتفويض المقادير إلى الله ﷿، وأن يتركوا العجز والكسل؛ (٥) قال النبي ﷺ: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء\n_________\n(١) سورة التكوير، الآية: ٢٩.\n(٢) سورة الزمر، الآية: ٦٢.\n(٣) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإِسلام ابن تيمية ٣/ ١٤٨.\n(٤) سورة الزلزلة، الآيتان: ٧ - ٨.\n(٥) انظر: الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية، للإمام ابن بطة، \" كتاب الإيمان \"، ١/ ٢١٨ - ٢٢٠، و\" كتاب القدر \" ١/ ٢٦٧، ٢٧٣، ٣٢٣، ٣٣٣، و٢/ ٣٠٧، وأصول السنة لأبي عبد الله محمد بن عبد الله الأندلسي، الشهير بابن أبي زمنين، ١٩٧ - ٢٠٦.","vol":"1","page":437},{"text":"فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قَدَر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتِح عمل الشيطان» (١) ولهذه العقيدة السليمة قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٥١] (٢).\nثانيا: من موضوعات الدعوة: التحذير من الاغترار بالأعمال: إن من الموضوعات التي ينبغي للداعية أن يعتني بها ويوجه الناس إلى الحذر منها: الاغترار بالأعمال؛ ولهذا عندما قتل الرجل نفسه أعظم الصحابة ﵃ ذلك؛ لأنهم نظروا إلى شجاعته، وقتاله العظيم، ولم يعرفوا الباطن، ولا المآل فأعلم الله الخبير العليم النبيَّ ﷺ بعاقبة هذا الرجل؛ لسوء مقصده وخبث نيته (٣) قال الإِمام القرطبي ﵀ في فوائد هذا الحديث: \". . فيه التنبيه على ترك الاعتماد على الأعمال، والتعويل على فضل ذي العزة والجلال \" (٤) وقال الإِمام النووي ﵀: \" فيه التحذير من الاغترار بالأعمال، وأنه ينبغي للعبد أن لا يتكل عليها، ولا يركن إليها، مخافة انقلاب الحال للقدر السابق، وكذا ينبغي للعاصي أن لا يقنط ولغيره أن لا يقنطه من رحمة الله \" (٥)؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «سددوا وقاربوا، وأبشروا، فإنه لن يدخل الجنة أحدا عمله \" قالوا: ولا أنت يا رسول الله، قال: \" ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه برحمته. واعلموا أن أحبَّ العمل إلى الله أدومه وإن قلَّ» (٦). وقد مدح الله الخائفين على أعمالهم الصالحة يخشون أن لا تقبل منهم، فقال ﷿: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠] (٧) قالت عائشة ﵂ للنبي ﷺ: «أهو الذي يزني ويسرق\n_________\n(١) أخرجه مسلم، ٤/ ٢٠٥٢، برقم ٢٦٦٤، وتقدم تخريجه في الحديث رقم ١، الدرس الثاني، ص ٥٠.\n(٢) سورة التوبة، الآية: ٥١.\n(٣) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي ١/ ٣١٨.\n(٤) المرجع السابق ١/ ٣١٨.\n(٥) شرح النووي على صحيح مسلم ٢/ ٤٨٦.\n(٦) متفق عليه من حديث عائشة ﵂: البخاري، كتاب الرقاق، باب القصد والمداومة على العمل، ٧/ ٢٣٣، برقم ٦٤٦٤، ومسلم، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب لن يدخل الجنة أحد بعمله بل برحمة الله، ٤/ ٢١٧١، برقم ٢٨١٨.\n(٧) سورة المؤمنون، الآية: ٦٠.","vol":"1","page":438},{"text":"ويشرب الخمر؛ قال: \" لا يا بنت أبي بكر [أو يا بنت الصديق] ولكنه الرجل يصوم، ويتصدق، ويصلي، ويخاف أن لا يتقبل منه» (١).\nفينبغي للداعية أن يبيِّن للناس أن الاعتماد على الله ﷿ في كل شيء، والطمع في رحمته مع إحسان العمل وإخلاصه لله ﷿، وعدم الغرور والإِعجاب بالأعمال. والله المستعان.\nثالثا: من صفات الداعية: الجمع بين الخوف والرجاء: يظهر من هذا الحديث أنه ينبغي للمسلم وخاصة الداعية إلى الله ﷿ أن يجمع بين الخوف والرجاء؛ لأن الإِنسان لا يدري هل هو من أهل الجنة أو من أهل النار، وقد ذكر ابن حجر ﵀ عن ابن بطال ﵀ أنه قال: \" في تغييب خاتمة العمل عن العبد حكمة بالغة، وتدبير لطيف؛ لأنه لو علم وكان ناجيا أعجِب وكسِل، وإن كان هالكا ازداد عتوّا، فحجب عنه ذلك؛ ليكون بين الخوف والرجاء \" (٢) فالأمن من مكر الله ﷿ ينافي كمال التوحيد؛ ولهذا قال الله ﷿: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩] (٣).\nوعن عقبة بن عامر ﵁ عن النبي ﷺ: «إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج \" (٤) ثم تلا رسول الله ﷺ: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤] (٥)» والقنوط من رحمة الله واليأس من روح الله ينافي كمال التوحيد أيضا؛ ولهذا قال الله ﷿: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر: ٥٦] (٦)\n_________\n(١) ابن ماجه، كتاب الزهد، باب التوقي في العمل، ٢/ ١٤٠٤، برقم ٤١٩٨، والترمذي كتاب تفسير القرآن، باب \" ومن سورة المؤمنون \" ٥/ ٣٢٧، برقم ٣١٧٥، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم ١٦٢، وفي صحيح ابن ماجه ٢/ ٤٠٩، وصحيح الترمذي ٣/ ٨٠.\n(٢) فتح الباري بشرح صحيح البخاري ١١/ ٣٣٠.\n(٣) سورة الأعراف، الآية: ٩٩.\n(٤) أحمد في مسنده، ٤/ ١٤٥، وفي الزهد ص ٢٧ برقم ٦٢، وابن جرير في تفسيره ١١/ ٣٦١، برقم ١٣٢٤٠، و١٣٢٤١، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم ٤١٤، وفي تحقيقه لمشكاة المصابيح ٣/ ١٤٣٦، قال: \" إسناده جيد \".\n(٥) سورة الأنعام: الآية: ٤٤.\n(٦) سورة الحجر، الآية: ٥٦.","vol":"1","page":439},{"text":"وقال ﷿: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧] (١) والقنوط: استبعاد الفرج واليأس منه، وهو يقابل الأمن من مكر الله وكلاهما ذنب عظيم (٢) وعن ابن عباس ﵄ «أن رسول الله ﷺ سئل عن الكبائر؛ فقال: \" الشرك بالله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله» (٣). وقال ابن مسعود ﵁: «أكبر الكبائر: الإشراك بالله، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح اللَّه» (٤). ومعنى الأمن من مكر الله: أي أمن الاستدراج بما أنعم الله به على عباده من صحة الأبدان، ورخاء العيش، وهم على معاصيهم (٥).\nواليأس من روح الله: أي قطع الرجاء من رحمة الله ومن تفريجه للكربات (٦).\nوالقنوط من رحمة الله: هو أشدّ اليأس (٧).\nوهذا فيه التنبيه على الجمع بين الرجاء والخوف، فإذا خاف فلا يقنط ولا ييأس بل يرجو رحمة الله (٨).\nوعن أنس بن مالك ﵁ «أن النبي ﷺ دخل على شاب وهو في الموت فقال: \" كيف تجدك؟ \" قال: أرجو الله يا رسول الله، وأخاف ذنوبي. فقال رسول الله ﷺ: \" لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو، وآمنه مما يخاف» (٩).\n_________\n(١) سورة يوسف، الآية: ٨٧.\n(٢) انظر: فتح المجيد، لشرح كتاب التوحيد، لعبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب ٢/ ٥٩٨.\n(٣) أخرجه البزار في مسنده ١/ ١٠٦، برقم ٥٥، [مختصر زوائد مسند البزار على الكتب الستة ومسند أحمد] وقال الهيثمي في مجمع الزوائد رواه البزار، والطبراني ورجاله موثوقون ١/ ١٠٤.\n(٤) أخرجه عبد الرزاق في المصنف، ١٠/ ٤٥٩، برقم ١٩٧٠١، والطبراني في المعجم الكبير ٩/ ١٥٦، برقم ٨٧٨٣، ٨٧٨٤، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: إسناده صحيح ١/ ١٠٤.\n(٥) انظر: تفسير الطبري [جامع البيان عن تأويل آي القرآن] ١٢/ ٥٧٩، وانظر: ١٢/ ٩٥ - ٩٧.\n(٦) انظر: المرجع السابق، ١٦/ ٢٣٣.\n(٧) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب القاف مع النون، مادة: \" قنط \" ٤/ ١١٣.\n(٨) انظر: فتح المجيد لشرح كتاب التوحيد، للعلامة محمد بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب ٢/ ٦٠١.\n(٩) الترمذي، كتاب الجنائز، باب: حدثنا عبد الله بن أبي زياد، ٣/ ٣٠٢، برقم ٩٨٣، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب ذكر الموت والاستعداد له، ٢/ ١٤٢٣ برقم ٤٢٦١، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم ١٠٥١.","vol":"1","page":440},{"text":"فينبغي للداعية أن يكون بين الرجاء والخوف، وقد ذكر بعض علماء نجد أنه يغلِّب في الصحة جانب الخوف؛ لأنه إذا غَلَّب الرجاء على الخوف فسد القلب، أما في حالة المرض فيغلِّب الرجاء، لكن مع الجمع بين الرجاء والخوف في جميع الأحوال (١).\n\nولا بد أن يكون الرجاء والخوف مع المحبة الكاملة؛ قال الحافظ ابن رجب ﵀: \" وكان بعض السلف يقول: من عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبده بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالخوف والرجاء والمحبة فهو موَحِّد مؤمن، وسبب هذا أنه يجب على المؤمن أن يعبد الله بهذه الوجوه الثلاثة: المحبة، والخوف، والرجاء، ولا بد له من جميعها، ومن أخل ببعضها فقد أخل ببعض واجبات الإِيمان \" (٢). وكلام بعض الحكماء يدل على أن الحب ينبغي أن يكون أغلب من الخوف والرجاء (٣).\nوأسأل الله ﷿ أن يرزقني وجميع المسلمين خشيته في السر والعلانية.\nرابعا: من معجزات الرسول ﷺ: الإخبار بالمغيبات: إن من أعلام النبوة التي دلت على صدق النبي ﷺ: إخباره بالمغيبات، وقد ظهرت هذه المعجزة في هذا الحديث؛ حيث أخبر النبي ﷺ عن الرجل الشجاع أنه من أهل النار، فتحقق ما قاله فقتل الرجل نفسه، قال ابن حجر ﵀ في فوائد هذا الحديث: \" وفي الحديث إخباره ﷺ بالمغيبات، وذلك من معجزاته الظاهرة \" (٤) وقال القرطبي ﵀: \" وكان ذلك من أدلة صدق الرسول ﷺ، وصحة رسالته \" (٥).\n_________\n(١) انظر: فتح المجيد لشرح كتاب التوحيد، لمحمد بن حسن، ٢/ ٦٠٢، وتيسير العزيز الحميد، لسليمان بن عبد الله بن عبد الوهاب ص ٥١١.\n(٢) التخويف من النار والتعريف بحال دار البوار، للحافظ أبي الفرج زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب، ص ٢٥.\n(٣) انظر: المرجع السابق، ص ٢٥.\n(٤) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٧/ ٤٧٤، وانظر: عمدة القاري للعيني ١٤/ ١٨١.\n(٥) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ١/ ٣١٨.","vol":"1","page":441},{"text":"فينبغي للداعية أن يبين للمدعوين أعلام النبوة عند الحاجة لتثبيت المدعوين أو زيادة إيمانهم؛ ولإِظهار صدق رسالة النبي ﷺ لأصحاب الريب والشك أو التكذيب (١).\nخامسا: من صفات الداعية؛ الأخذ بالظاهر والله يتولَّى السرائر: دل الحديث على أن النبي ﷺ يأخذ بظواهر الناس ويكل سرائرهم إلى الله ﷿، ففي هذا الحديث لم يعاقب النبي ﷺ هذا الرجل على ما ظهر له من عدم صدقه وإخلاصه بإخبار الله له عن طريق الوحي.\nوهكذا ينبغي للداعية إلى الله ﷿ أن يأخذ بالظاهر ويكل سرائر الناس إلى خالقهم العالم بما في نفوسهم (٢).\nسادسا: من أساليب الدعوة: الترغيب والترهيب: دل هذا الحديث على أسلوب الترغيب؛ لأن فيه الترغيب في طلب حسن الخاتمة بالأعمال الصالحة؛ لقوله ﷺ: «وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة»، أما الترهيب؛ فلقوله ﷺ: «إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار» ولا شك أن ذلك أوجد الخوف في قلوب الصحابة حتى قال بعضهم: «وأيّنا من أهل الجنة إذا كان هذا من أهل النار» وهذا الترهيب يثمر محاسبة العبد نفسه، والنظر والتأمل في صدقه مع الله وحسن نيته أو خبثها، ثم يلتزم بما يحبه الله ويرضاه، ويسأله سبحانه العفو والعافية في الدنيا والآخرة. أسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة: لي ولأهل بيتي ومشايخي وجميع المسلمين (٣).\nسابعا: من موضوعات الدعوة: الحث على النية الصالحة: ظهر في هذا الحديث أن الرجل الذي قتل نفسه لم تكن نيته صالحة، فهو\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٢١، الدرس الرابع.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٩، الدرس السادس.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٧، الدرس الثالث عشر، ورقم ١٢، الدرس الثالث.","vol":"1","page":442},{"text":"كان يقاتل إما انتصارا لقومه، أو رياء وسمعة؛ قال الإمام القرطبي ﵀ في هذا الحديث: \" دليل على أن ذلك الرجل لم يكن مخَلصا في جهاده، وقد صرح الرجل بذلك فيما يروى عنه أنه قال: إنما قاتلت عن أحساب قومي، فيتناول هذا الخبر أهل الرياء \" (١).\nفيتأكد على الداعية؛ أن يخلص نيته وأن يصلح قصده، وينبغي له أن يحث الناس على إصلاح النية وإخلاصها لله الواحد القهار؛ لأن الاعتبار بالنيات (٢).\nثامنا: من موضوعات الدعوة: حث الناس على طلب حسن الخاتمة بالقول والعمل: لا شك أن من الموضوعات المهمة في الدعوة إلى الله ﷿ حض المدعوين على طلب حسن الخاتمة بالدعاء، وبعمل جميع الأسباب المؤدية إلى حسن الختام؛ لأن من رغب في شيء وحرص عليه جد في طلبه بالدعاء والضراعة إلى الله ﷿، واجتهد في بذل الأسباب؛ قال الله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩] (٣) وقد ظهر في هذا الحديث: أن الأعمال بالخواتيم؛ لقوله ﷺ: «وإنما الأعمال بخواتيمها».\nومما يعين المسلم على طلب حسن الخاتمة معرفته بعض ما يثبت عن النبي ﷺ في حسن الخاتمة وسوئها ومن ذلك: حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه ملكا بأربع كلمات: فيكتب عمله، وأجله، ورزقه، وشقي أم سعيد، ثم ينفخ فيه الروح. فإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق\n_________\n(١) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ١/ ٣١٩.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٢٢، الدرس السادس.\n(٣) سورة العنكبوت، الآية: ٦٩.","vol":"1","page":443},{"text":"عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار» (١).\nوقد يعمل الرجل الزمن الطويل بالطاعات ويبتعد عن المعاصي والسيئات ثم قبل موته يرتكب الجرائم والموبقات ويترك الواجبات، فيهجم عليه الموت فجأة فيختم له بخاتمة السوء، وبالعكس؛ ولهذا قال ﷺ: «إن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل الجنة، ثم يختم له عمله بعمل أهل النار، وإن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل النار، ثم يختم له عمله بعمل أهل الجنة» (٢).\nقال الحافظ ابن رجب ﵀ على حديث الباب: \" وقوله: \" فيما يبدو للناس \" إشارة إلى أن باطن الأمر يكون بخلاف ذلك وأن خاتمة السوء تكون بسبب دسيسة باطنة للعبد لا يطلع عليها الناس. . . من جهة عمل سيءٍ ونحو ذلك فتلك الخصلة الخفية توجب سوءَ الخاتمة عند الموت، وكذلك قد يعمل الرجل عمل أهل النار وفي باطنه خصلة خفية من خصال الخير، فتغلب عليه تلك الخصلة في آخر عمره، فتوجب له حسن الخاتمة \" (٣).\n\nوينبغي للمسلم أن يعمل بالأسباب التي توصل إلى حسن الخاتمة ويبتعد عن جميع الأسباب التي تنشأ عنها سوء الخاتمة، ومن ذلك ما يأتي:\n١ - خوف الله ﷿، والخشية من سوء الخاتمة، فقد كان السلف الصالح يخافون من سوء الخاتمة، فيحسنون العمل؛ لأن الخوف مع الرجاء يبعث على إحسان العمل؛ فعن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ: «من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة» (٤)؛ ولهذا كان الصحابة ﵃ ومن بعدهم من السلف يخافون على أنفسهم النفاق،\n_________\n(١) متفق علبه: البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة، ٤/ ٩٤ برقم ٣٢٠٨، واللفظ له برقم ٣٣٣٢، ومسلم، كتاب القدر، باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه، وكتابة رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته، ٤/ ٢٠٣٦ برقم ٢٦٤٣.\n(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب القدر، باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه وكتابة رزقه، وأجله وعمله، وشقاوته، وسعادته، ٤/ ٢٠٤٢ برقم ٢٦٥١، عن أبي هريرة ﵁.\n(٣) جامع العلوم والحكم، ١/ ١٧٢، وانظر: المفهم لما أشكل في تلخيص كتاب مسلم للقرطبي ١/ ٣١٩.\n(٤) الترمذي، وحسنه، في كتاب صفة القيامة، باب: حدثنا محمد بن حاتم المؤدب، ٤/ ٦٣٣، برقم ٢٤٥٠، والحاكم من حديث أبي بن كعب ﵁ ٤/ ٣٠٨، و٢/ ٤٢١، ٥١٣، وأحمد في المسند ٥/ ١٣٦ وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم ٩٥٤، وبرقم ٢٣٣٥، وانظر: صحيح سنن الترمذي للألباني ٢/ ٢٩٧.","vol":"1","page":444},{"text":"ويشتد قلقهم منه؛ لأن المؤمن يخاف على نفسه النفاق الأصغر، ويخاف أن يغلب عليه عند الخاتمة فيخرجه إلى النفاق الأكبر؛ لأن دسائس السوء من أسباب سوء الخاتمة (١). وقد ذكِرَ عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال لحذيفة ﵁: \" نشدتك بالله هل سمّاني لك رسول الله ﷺ منهم؟ \" - يعني من المنافقين- قال: لا، ولا أبرئ بعدك أحدا، يعني لا يكون مفشيا سرَّ رسول الله ﷺ (٢). وقال عبد الله بن أبي مليكة: \" أدركت ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ كلهم يخاف النفاق على نفسه، وما منهم من أحد يقول: إن إيمانه على إيمان جبريل وميكائيل \" (٣). وقال إبراهيم التيمي ﵀: \" ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذبا \" (٤). ويذكر عن الحسن: \" ما خافه إلا مؤمن، ولا أمنه إلا منافق \" (٥).\nويذكر عن أبي الدرداء ﵁ أنه قال: \" لأن أستيقن أن الله تقبل لي صلاة واحدة أحب إليَّ من الدنيا وما فيها، إن الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] (٦).\n٢ - التوبة من جميع الذنوب والمعاصي وإتباعها بالأعمال الصالحة؛ لأن التسويف في التوبة من أسباب سوء الخاتمة؛ ولهذا قال الله ﷾: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١] (٧). وقال ﷾: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ - وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠] (٨). ولا شك أن: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» (٩).\n_________\n(١) انظر: جامع العلوم والحكم لابن رجب ١/ ١٧٤، و١٧٢.\n(٢) ذكره الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية ٥/ ١٩.\n(٣) البخاري، كتاب الإِيمان، باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر، معلقا مجزوما به، ١/ ٢١.\n(٤) المرجع السابق في الكتاب والباب المذكور، ١/ ٢١، معلقا مجزوما به.\n(٥) المرجع السابق في الكتاب نفسه والباب، ١/ ٢١، وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في فتح الباري ١/ ١١١ \" وصله جعفر الفريابي في كتاب صفة المنافقين،، وأشار الحافظ ﵀ إلى صحته.\n(٦) ذكره ابن كثير في تفسيره، ٢/ ٤١، وعزاه إلى ابن أبي حاتم، وانظر: المنار المنيف في الصحيح والضعيف، لابن القيم، ص ٣٢، والآية من سورة المائدة: ٢٧.\n(٧) سورة النور، الآية: ٣١.\n(٨) سورة الحجر، الآيتان: ٤٩ - ٥٠.\n(٩) رواه ابن ماجه برقم ٢٤٥٠، والطبراني في المعجم الكبير، برقم ١٠٢٨١، وتقدم تخريجه في الدرس الثاني من الحديث رقم ٣٩، ص ٢٦٨.","vol":"1","page":445},{"text":"ولا بد مع التوبة من الأعمال الصالحة؛ لقوله ﷿: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه: ٨٢] (١) وقال ﷾ بعد أن ذكر عقاب المشرك، وقاتل النفس بغير حق، والزاني: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٧٠] (٢).\nوعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا أراد الله بعبد خيرا استعمله \" فقيل: كيف يستعمله يا رسول الله؟ قال؛ \" يوفقه لعمل صالح قبل الموت» (٣) وعن عمرو بن الحَمقِ ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا أراد الله بعبدٍ خيرا عَسَلَه \" قالوا: وكيف يعسله؛ قال: \" يفتح الله ﷿ له عملا صالحا بين يدي موته حتى يرضى عنه جيرانه، أو من حوله» (٤).\n٣ - الدعاء بحسن الخاتمة وإظهار الافتقار إلى الله ﷿؛ ولهذا كان النبي ﷺ يكثر الدعاء بالثبات على دين الله ﷿، فعن أم سلمة ﵂ عن النبي ﷺ: كان أكثر دعائه: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك \" قالت: قلت: يا رسول الله ما أكثر دعاءك: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك؟ قال: \" يا أم سلمة إنه ليس آدميّ إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الله، فمن شاء أقام، ومن شاء أزاغ» فتلا معاذ: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: ٨] (٥).\n_________\n(١) سورة طه، الآية: ٨٢.\n(٢) سورة سورة الفرقان، الآية: ٧٠.\n(٣) الترمذي، كتاب القدر، باب ما جاء أن الله كتب كتابا لأهل الجنة وأهل النار، وقال: \" هذا حديث حسن صحيح \"، ٤/ ٤٥٠ برقم ٢١٤٢، والحاكم ١/ ٣٤٠، وقال صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، قال الألباني في تحقيق مشكاة المصابيح للتبريزي ٣/ ١٤٥٤، برقم ٥٢٨٨: \" وهو كما قالا \".\n(٤) أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار، ٧/ ٥٢ - ٥٣، برقم ٤٦٤٠، و٤٦٤١، وأحمد في المسند، ٥/ ٢٢٤، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي ١/ ٣٤٠، وعمرو بن أبي عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني في كتاب السنة ١/ ١٧٦، برقم ٤٠١، وذكر له شواهد برقم ٤٠٠، ٤٠٢، ٤٠٣. وابن حبان في صحيحه ٢/ ٥٤، برقم ٣٤٢، وانظر: موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان للهيثمي برقم ١٨٢٢. ونقل الألباني تصحيحه على شرط مسلم في سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم ١١١٤.\n(٥) الترمذي، كتاب الدعوات، باب: حدثنا أبو موسى الأنصاري، وقال: \" وهذا حديث حسن \"، ٥/ ٥٣٨، برقم ٣٥٢٢، وأحمد في المسند من حديث النواس بن سمعان، ٤/ ١٨٢، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي ١/ ٥٢٥، ٥٢٨، وصححه الألباني في صحيح الترمذي ٣/ ١٧١ وفي ظلال الجنة في تخريج السنة لابن أبي عاصم ١/ ١٠٠ برقم ٢٢٣.","vol":"1","page":446},{"text":"وعن أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك \" فقلت: يا رسول الله، آمنّا بك، وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال: \" نعم، إن القلوب بين أصبعين من أصابع الله يقلبها كيف شاء» (١).\nوعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد، يصرفه حيث يشاء» ثم قال رسول الله ﷺ: «اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك» (٢).\nوكان ﷺ يدعو: «اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة» (٣).\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يتعوذ من: \" جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء» (٤).\nفينبغي للمسلم أن يكثر من هذه الأدعية التي هي من أسباب حسن الخاتمة، وعليه أن يكثر من \" لا حول ولا قوة إلا بالله \" فعن عبد الله بن قيس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «يا عبد الله بن قيس ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ \" فقلت: بلى يا رسول الله، قال: \" قل لا حول ولا قوة إلا بالله» (٥).\n٤ - قصر الأمل من أسباب حسن الخاتمة، وطول الأمل ضد ذلك؛ لأن قصر الأمل يحث صاحبه على اغتنام الأوقات والأعمال الصالحة؛ ولهذا\n_________\n(١) الترمذي، كتاب القدر، باب ما جاء أن القلوب بين أصبعي الرحمن، وقال: \" وهذا حديث حسن \"، ٤/ ٤٤٨، برقم ٢١٤٠، وابن ماجه، كتاب الدعاء، باب دعاء رسول الله ﷺ، ٢/ ١٢٦٠، برقم ٣٨٣٤، وصححه الألباني في صحيح الترمذي ٢/ ٢٢٥، وصحيح سنن ابن ماجه ٢/ ٣٢٥، وفي ظلال الجنة في تخريج السنة ١/ ١٠١، برقم ٢٢٥.\n(٢) مسلم، كتاب القدر، باب تصريف الله تعالى القلوب كيف شاء، ٤/ ٢٠٤٥، برقم ٢٦٥٤.\n(٣) أخرجه الإمام أحمد في المسند ٤/ ١٨١ من حديث بسر بن أرطاة ﵁، والطبراني في المعجم الكبير، ٢/ ٣٣، بأرقام: ١١٩٦ - ١١٩٨، وقال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد: رجال أحمد وأحد أسانيد الطبراني ثقات، ١٠/ ١٧٨.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الدعوات، باب التعوذ من جهد البلاء، ٧/ ١٩٩ برقم ٦٣٤٧، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب في التعوذ من سوء القضاء ودرك الشقاء وغيره، ٤/ ٢٠٨٠ برقم ٢٧٠٧.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب القدر، باب \" لا حول ولا قوة إلا بالله \" ٧/ ٢٧١، برقم ٦٦١٠، ومسلم كتاب الذكر والدعاء، باب استحباب خفض الصوت بالذكر ٤/ ٢٠٧٦، برقم ٢٧٠٤.","vol":"1","page":447},{"text":"أخذ النبي ﷺ بمنكبي عبد الله بن عمر ﵄ وقال: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل» وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك (١).\n\nوعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال «خط النبي ﷺ خطا مربعا، وخط خطا في الوسط خارجا منه، وخط خططا صغارا إلى هذا الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط، وقال: \" هذا الإِنسان، وهذا أجله محيط به، أو قد أحاط به، وهذا الذي هو خارج أمله، وهذه الخطط الصغار الأعراض، فإن أخطأه هذا نهشه هذا، وإن أخطأه هذا نهشه هذا» (٢). وعن أبي هريرة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يزال قلب الكبير شابا في اثنتين: في حب الدنيا وطول العمر» (٣). وعن أنس ﵁ قال قال رسول الله ﷺ: «يهرم ابن آدم وتشبّ منه اثنتان؛ الحرص على المال، والحرص على العمر» (٤).\n٠ - فينبغي للمسلم أن لا يركن إلى الدنيا؛ فإنها متاع زائل، والله المستعان.\n٥ - بغض المعاصي والابتعاد عنها من أسباب حسن الخاتمة، وضد ذلك حبها وإلفها. فينبغي للمسلم أن يبغض كل ما حرمه الله ورسوله ﷺ؛ لأن الإِنسان إذا أصرَّ على المعاصي ومات على ذلك كان ذلك من أسباب سوء الخاتمة، وبعِثَ على ما مات عليه؛ ولهذا قال ﷺ: «من مات على شيء بعثه الله عليه» (٥).\n٦ - الصبر عند المصائب من أسباب حسن الخاتمة، وضد ذلك الجزع أو الانتحار من أسباب سوء الخاتمة أسأل الله العفو والعافية لي ولأهل بيتي وجميع المسلمين، فينبغي للمسلم الصبر ابتغاء وجه الله ﷿، فعن صهيب\n_________\n(١) البخاري، ٧/ ٢١٨، برقم ٦٤١٦، وتقدم تخريجه في الحديث رقم ا، الدرس الثالث، ص ٥٢.\n(٢) البخاري، كتاب الرقاق، باب في الأمل وطوله، ٧/ ٢١٩، برقم ٦٤١٧.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الرقاق، باب من بلغ ستين سنة فقد أعذر الله إليه في العمر، ٧/ ٢٢٠، برقم ٦٤٢٠، ومسلم، كتاب الزكاة، باب كراهية الحرص على الدنيا، ٢/ ٧٢٤، برقم ١٠٤٦.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الرقاق، باب من بلغ ستين سنة فقد أعذر الله إليه في العمر، ٧/ ٢٢٠، برقم ٦٤٢١، ومسلم بلفظه في كتاب الزكاة، باب كراهة الحرص على الدنيا، ٢/ ٧٢٤، برقم ١٠٤٧.\n(٥) أخرجه الإمام أحمد في المسند ٣/ ٣١٤ عن جابر ﵁، والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذَهبي ١/ ٣٤٠، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم ٢٨٣.","vol":"1","page":448},{"text":"﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحدٍ إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له» (١) ولا شك أن المصائب تكفر الخطايا والسيئات.\nفينبغي للعبد الصبر والثبات واحتساب الأجر والثواب على الله ﷿، فعن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حط الله به سيئاته كما تحط الشجرة ورقَهَا» (٢) وعن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ أنهما سمعا رسول الله ﷺ يقول: «ما يصيب المؤمن من وصب (٣) ولا نصب (٤) ولا سقم، ولا حَزَنٍ، حتى الهمّ يهَمّه إلا كفِّر به من سيئاته» (٥).\n٧ - حسن الظن بالله ﷿ من أسباب حسن الخاتمة، وسوء الظن بالله من أسباب سوء الخاتمة، فينبغي للعبد أن يعلم أن الله ﷿ لا يظلم مثقال ذرة، ولا يظلم الناس شيئا، وهو عند ظن عبده به؛ قال النبي ﷺ: «يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني». . \" (٦).\nوعن جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ قبل وفاته بثلاث يقول: «لا يموتنَّ أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله» (٧).\n٨ - معرفة ما أعده الله ﷿ من النعيم المقيم للمؤمنين، من أسباب حسن\n_________\n(١) مسلم، في كتاب الزهد والرقائق، باب المؤمن أمره كله خير، ٤/ ٢٢٩٥، برقم ٢٩٩٩.\n(٢) متفق عليه: البخاري كتاب المرضى، باب أشذّ الناس بلاء الأنبياء ثم الأوَّل فالأوَّل، ٧/ ٤ برقم ٥٦٤٨، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن، أو نحو ذلك حتى الشوكة يشاكها، ٤/ ١٩٩١، برقم ٢٥٧١.\n(٣) الوصب: الوجع اللازم. شرح النووي على صحيح مسلم ١٦/ ٣٦٦.\n(٤) النصب: التعب. المرجع السابق ١٦/ ٣٦٦.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب المرضى، باب ما جاء في كفارة المرض، ٧/ ٣، برقم ٥٦٤١، ومسلم واللفظ له، كتاب البر والصلة والآداب، باب ثواب المؤمن فيما يصببه من مرض أو حزن أو نحو ذلك حتى الشوكة يشاكها، ٤/ ١٩٩٣، برقم ٢٥٧٣.\n(٦) متفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁: البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ويحذركم الله نفسه آل عمران: ٣٠، ٨/ ٢١٦، برقم ٧٤٠٥، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء، ٤/ ٢٠٦١، برقم ٢٦٧٥.\n(٧) مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الأمر بحسن الظن بالله تعالى عند الموت، ٤/ ٢٢٠٥ برقم ٢٨٧٧.","vol":"1","page":449},{"text":"الخاتمة؛ لأن هذا العلم يحث على العمل، والاستقامة على طاعة الله ﷿، رغبة فيما عنده ﷿ من الثواب؛ قال الله ﷿: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [القصص: ٦٠] (١). فينبغي للمسلم أن يعلم أن مستقر أرواح المؤمنين في الحياة البرزخية في الجنة، فعن عبد الله بن أحمد، عن أبيه، عن الشافعي، عن مالك، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب، عن أبيه كعب أن رسول الله ﷺ قال: «إنما نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة، حتى يرجعه الله ﵎ إلى جسده يوم يبعثه» (٢) أما أرواح الشهداء فهي أعظم من ذلك، فقد ثبت في الصحيح أن: «أرواحهم في جوف طير خضرٍ، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل». . \" (٣).\nفينبغي للداعية أن يبين للناس هذه الأمور حتى يحذِّرهم ويرغِّبهم، ويدلّهم على طرق حسن الخاتمة. أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يحسن لنا جميعا الخاتمة وأن يوفقنا لما يحبه ويرضاه.\nتاسعا: عِظَم يقين الصحابة ﵃ بما يخبر به رسول الله ﷺ: دل حديث سهل بن سعد ﵁ على عظم يقين الصحابة ﵃ بصدق رسول الله ﷺ فيما يخبر به؛ ولهذا عندما سمع الصحابة ﵃ قول النبي ﷺ للرجل: «إنه من أهل النار \" قال رجل منهم أنا صاحبه، فخرج معه كلما وقف وقف معه؛ لعلمه أن رسول الله ﷺ لا يقول إلا حقّا وصدقا؛ وقد جاء في الرواية الأخرى أن هذا الصحابي ﵁ عندما رأى أن الرجل قتل نفسه جاء\n_________\n(١) سورة القصص، الآية: ٦٠.\n(٢) أخرجه أحمد في المسند، ٣/ ٤٥٥، والنسائي في كتاب الجنائز، باب أرواح المؤمنين، ٤/ ١٠٨، برقم ٢٠٧٣، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب ذكر القبر والبلى، ٢/ ١٤٢٨، برقم ٤٢٧١، وموطأ الإمام مالك، كتاب الجنائز، باب جامع الجنائز، ١/ ٢٤٠، برقم ٤٩. وصححه الألباني في سلسَلة الأحاديث الصحيحة ٢/ ٧٣٠ برقم ٩٩٥، وفي صحيح سنن النسائي ٢/ ٤٤٥.\n(٣) صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب ببان أن أرواح الشهداء في الجنة وأنهم أحياء عند ربهم يرزقون، ٣/ ١٥٠٢، برقم ١٨٨٧، من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.","vol":"1","page":450},{"text":"إلى النبي ﷺ مسرعا فقال: أشهد أنك رسول الله، فقال: \" وما ذاك؟ \" قال: قلت لفلان: \" من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إليه \" وكان أعظمنا غناء عن المسلمين \" فعرفت أنه لا يموت على ذلك» (١) فقول الصحابي ﵁ \" فعرفت أنه لا يموت على ذلك \" يدل دلالة واضحة على يقينه بما قال النبي ﷺ وأن هذا الرجل لا يموت على الإِخلاص لله ﷿.\nفينبغي للداعية إلى الله- وكل مسلم- أن يتصف باليقين الكامل في كل ما صح عن رسول الله ﷺ.\nعاشرا: قد يؤيد الله ﷿ الإسلام بالمدعو الفاجر: إن الله ﷿ قد يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، وقد جاء ذلك صريحا من قول النبي ﷺ من رواية أبي هريرة ﵁ لهذا الحديث وفيها: \". . . «فلما كان من الليل لم يصبر على الجراح فقتل نفسه، فأخبر النبيّ ﷺ بذلك فقال: \" الله أكبر أشهد أني عبد الله ورسوله \" ثم أمر بلالا فنادى في الناس \" إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، وإن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر» (٢) قال الحافظ ابن حجر ﵀: \" الله قد يؤيد دينه بالفاجر وفجوره على نفسه \" (٣).\n_________\n(١) من الطرف رقم: ٦٦٠٧.\n(٢) متفق عليه: البخاري برقم ٣٠٦٢، ومسلم، برقم ١١١، ويأتي تخريجه برقم [١٣٨ - ٣٠٦٢].\n(٣) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٦/ ١٧٩، وانظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم للقرطبي، ١/ ٣٢٠، وعمدة القاري للعيني، ١٤/ ١٨١.","vol":"1","page":451},{"text":"٧٨ -<span data-type=\"title\" id=toc-150> باب التَّحرِيض على الرمي</span>،\nوقَوْلِ الله تعالى ﴿وَأَعِدّوا لَهمْ مَا اسْتَطَعْتمْ مِنْ قوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ ترْهِبونَ بِهِ عَدوَّ اللَّهِ وَعَدوَّكمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-151>[حديث ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميا]</span>\n٧٤ - [٢٨٩٩] حَدَّثَنَا عَبْد اللهِ بْن مَسْلَمَةَ: حَدَّثَنَا حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ، عَنْ يَزِيدَ بْنٍ أَبِي عبَيدٍ قَالَ: سَمِعْت سَلَمَةَ بْنَ الأَكْوَعِ (٢) ﵁ قَالَ: «مَرَّ النَّبِيّ ﷺ علَى نَفرٍ مِنْ أَسْلَمَ يَنتَضِلونَ، فَقَالَ النَّبِيّ ﷺ: \" ارْموا بَنِي إِسْمَاعِيلَ، فَإِنَّ أَبَاكمْ كَانَ رَامِيا، ارْموا وَأَنَا مَعَ بَنِي فلَانٍ \". قَالَ: فَأَمْسَكَ أَحَد الفَرِيقَيْنِ بِأَيْدِيهِمْ، فَقَالَ رَسول اللهِ ﷺ: \" مَا لَكمْ لَا تَرْمون؟ \" قَالوا: كَيْفَ نَرْمِي وَأَنْتَ مَعَهمْ؛ قَالَ النَّبِيّ ﷺ: \" ارْموا فأنا مَعَكمْ كلِّكمْ» (٣).\nوفي رواية: «خَرَجَ رَسول الله ﷺ علَى قَوْمٍ مِنْ أَسْلَمَ يَتَنَاضلونَ بالسّوقِ. .» (٤).\n* شرح غريب الحديث: * \" ينتضلون \" أي يرتمون بالسهام، يقال: انتضل القوم، وتناضلوا: أي رموا للسبق، وناضله إذا رماه، وفلان يناضل عن فلان؛ إذا رمى عنه،\n_________\n(١) سورة الأنفال، الآية: ٦٠.\n(٢) سلمة بن الأكوع، هو سلمة بن عمرو، بن الأكوع، واسم الأكوع سنان بن عبد الله. شهد سلمة بيعة الرضوان بالحديبية، وبايع رسول الله ﷺ يومئذ ثلاث مرات: في أول الناس، ووسطهم وآخرهم، وكان شجاعا، راميا، محسنا، خيَّرا، فاضلا، غزا مع رسول الله ﷺ سبع غزوات، ويقال: شهد غزوة مؤتة. روي له عن رسول الله ﷺ سبعة وسبعون حديثا اتفق البخاري ومسلم على ستة عشر، وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم بتسعة، وكان ﵁ يسبق الفرس عدوا. وقد سكن المدينة ثم تحول إلى الربذة بعد قتل عثمان ﵁، وتزوج هناك، وولد له، فلم يزل بها حتى قبل وفاته بليالٍ عاد إلى المدينة، فتوفي بها سنة أربع وسبعين وهو ابن ثمانين سنة. ﵁. انظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي ١/ ٢٢٩، وسير أعلام النبلاء للذهبي ٣/ ٣٢٦، والإِصابة في تمييز الصحابة لابن حجر ٢/ ٦٦.\n(٣) [الحديث ٢٨٩٩] طرفاه في: كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ) [سورة مريم: ٥٤] ٤/ ١٤٣، برقم ٣٣٧٣. وكتاب المناقب، باب نسبة اليمن إلى إسماعيل، ٤/ ١٨٩، برقم ٣٥٠٧.\n(٤) من الطرف، رقم ٣٥٠٧.","vol":"1","page":452},{"text":"وحاجج، وتكلَّم بعذره، ودفع عنه (١).\n* \" فأمسك أحد الفريقين بأيديهم \" أي تركوا الرمي وامتنعوا عنه (٢).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من موضوعات الدعوة: الإِعداد للجهاد والحض عليه.\n٢ - من صفات الداعية: الشجاعة.\n٣ - من صفات الداعية: حسن الخلق.\n٤ - حسن أدب الصحابة مع النبي ﷺ.\n٥ - من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة.\nأولا: من موضوعات الدعوة: الإعداد للجهاد والحض عليه: إن من الموضوعات المهمة: الإِعداد للجهاد في سبيل الله ﷿ والحض عليه، وتدريب المجاهدين على الأعمال القتالية في وقت السلم: كالتدريب على الرمي، وغيره من الوسائل الحديثة: كالدبابات، والمدرعات، والطائرات، والسفن الحربية، وغير ذلك من أنواع القوة، التي أمر الله بها؛ ولهذا أمر ﷺ أصحابه في هذا الحديث تدريبا لهم وتعليما فقال: «ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميا».\nوعن عقبة بن عامر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو على المنبر يقول: «وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي» (٣) والقوة كل ما يحتاج إليه المجاهدون في إهلاك عدوهم، إلا أنه لما كان الرمي أنكاها على العدو وأنفعها، فسرها ﷺ\n_________\n(١) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب النون مع الضاد، مادة: \" نضل \" ٥/ ٧٢.\n(٢) انظر: لسان العرب لابن منظور، باب الكاف، فصل الميم، مادة: \" أمسك \" ١٠/ ٤٨٧، وانظر: شرح الطيبي على مشكاة المصابيح، ٨/ ٢٦٦٦.\n(٣) مسلم، كتاب الإمارة، باب فضل الرمي والحث عليه، وذم من علمه ثم نسيه، ٣/ ٥٢٢، برقم ١٩١٧.","vol":"1","page":453},{"text":"وخصصها بالذكر، وأكدها ثلاثا؛ لأن النكاية بالسهام تبلغ العدو من الشجاع وغيره، بخلاف السيف والرمح؛ فإن النكاية لا تحصل بهما إلا من الشجعان الممارسين، وليس كل أحد كذلك، والرمي قد يحصل به إصابة رئيس الكتيبة فينهزم أصحابه، إلى غير ذلك مما يحصل في الرمي من الفوائد (١).\nفينبغي أن يعتني المسلمون بالإِعداد للجهاد في سبيل الله ﷿ (٢).\nثانيا: من صفات الداعية: الشجاعة: دل هذا الحديث على أن الشجاعة صفة حميدة ينبغي أن يتصف بها الداعية إلى الله ﷿؛ ولهذا، ذكر النبي ﷺ أن إسماعيل ﷺ كان راميا، وهذا يدل على شجاعته، ومعرفته بأمور الحرب (٣) عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم (٤).\nثالثا: من صفات الداعية: حسن الخلق: ظهر في هذا الحديث حسن خلق النبي ﷺ، وتواضعه مع أصحابه، ومشاركته معهم في الرمي، وتشجيعهم على ذلك؛ ولهذا قال ﷺ: «ارموا وأنا مع آل فلان» فلما رأى أن الفريق الثاني تأثروا رغبة منهم في اشتراك النبي ﷺ معهم في الرمي قال ﷺ: «ارموا وأنا معكم كلكم» والمعنى: معية القصد إلى الخير وإصلاح النية (٥). قال الحافظ ابن حجر ﵀ في ذكره لفوائد هذا الحديث: \" وفيه حسن خلق النبي ﷺ ومعرفته بأمور الحرب \" (٦).\nفيحسن لكل مسلم وخاصة الداعية إلى الله ﷿ الاتصاف بالخلق الحسن والله المستعان (٧).\n_________\n(١) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم للقرطبي ٣/ ٧٥٩، وفتح الباري لابن حجر، ٦/ ٩١، وعمدة القاري للعيني ١٤/ ١٨١.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٢، الدرس الثاني، ورقم ١٨، الدرس الثاني.\n(٣) انظر: بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني، لأحمد بن عبد الرحمن البناء، ٢٠/ ٦٤.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٣٥، الدرس الخامس، و٦١، الدرس الثاني.\n(٥) انظر: شرح الكرماني على صحيح البخاري، ١٢/ ١٦٤، وعمدة القاري للعيني ١٤/ ٣٢.\n(٦) فتح الباري بشرح صحيح البخاري ٦/ ٩٢.\n(٧) انظر: الحديث رقم ١٤، الدرس الأول، ورقم ٦٢، الدرس الرابع.","vol":"1","page":454},{"text":"رابعا: حسن أدب الصحابة مع النبي ﷺ: في هذا الحديث الدلالة الواضحة على أدب الصحابة ﵃ مع النبي ﷺ؛ ولهذا أمسكوا عن الرمي؛ لكون الرسول ﷺ مع الفريق الآخر، خشية أن يغلبوهم، فيكون النبي ﷺ مع من وقعت عليه الغلبة، فأمسكوا عن ذلك تأدبا معه ﷺ، وقد يكون إمساكهم؛ لعلمهم أن من كان معه الرسول ﷺ، فإن قلبه يقوى فينتصر؛ لأن ذلك من أعظم الوجوه المشعرة بالنصر (١) قال الحافظ ابن حجر ﵀: \" وفيه حسن أدب الصحابة مع النبي ﷺ \" (٢).\nخامسا: من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة: إن القدوة الحسنة وسيلة من وسائل الدعوة إلى الله ﷿؛ لأن النبي ﷺ مدح إسماعيل ﷺ؛ لكونه راميا، وهذا فيه إشارة إلى الاقتداء به في المحافظة على الرمي، والاقتداء بالآباء في الخصال المحمودة والعمل بمثلها (٣)؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀ في فوائد هذا الحديث: \" وفيه أن الجد الأعلى يسمى أبا، وفيه التنويه بذكر الماهر في صناعته ببيان فضله، وتطييب قلوب من هم دونه \" (٤).\nفينبغي للداعية أن يكون قدوة صالحة للمدعوين، ويرشد إلى أعمال الأنبياء والصالحين؛ ليقتدى بهم (٥).\n_________\n(١) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٦/ ٩٢، وعمدة القاري للعيني ١٤/ ١٨١.\n(٢) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٦/ ٩٢.\n(٣) انظر: المنهل العذب الفرات من أحاديث الأمهات من صحيح البخاري لعبد العال، ٣/ ٢٣٣، وبهجة الناظرين شرح رياض الصالحين، لسليم بن عيد الهلالي، ٢/ ٢٣٩.\n(٤) فتح الباري بشرح صحيح البخاري ٦/ ٩٢.\n(٥) انظر: الحديث رقم ٣، الدرس الثالث، ورقم ٨، الدرس الخامس.","vol":"1","page":455},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-152>[حديث إذا أكثبوكم فعليكم بالنبل]</span>\n٧٥ - [٢٩٠٠] حَدَّثَنَا أَبو نعْيم: حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن الغَسِيلِ (١) عَنْ حمْزَةَ بْنِ أَبِي أسَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ (٢) قَالَ: «قَالَ النَّبِيّ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ حِينَ صَفَفْنَا لقرَيْشٍ وَصَفّوا لَنَا: \" إِذا أَكْثَبوكم فَعَلَيْكمْ بِالنَّبْلِ» (٣).\nوفي رواية: «إِذَا أَكْثَبوكمْ فَارْموهمْ وَاسْتَبْقوا نَبْلَكمْ» (٤).\nوفي رواية: «إِذَا أَكْثَبوكمْ: يَعْنِي: أكثَروكمْ. .» (٥).\n* شرح غريب الحديث: * \" أكثبوكم \" أي إذا قربوا منكم، والكثب القرب (٦) أما رواية يعني «أكثروكم» فقال الحافظ ابن حجر ﵀: \" هو تفسير لا يعرفه أهل اللغة وكأنه من بعض رواته \" أي الحديث. (٧).\n* \" النبل \" السهام العربية لا واحد لها من لفظها، فلا يقال: نبلة، وإنما يقال: سهم ونشَّابة (٨).\n_________\n(١) هو عبد الرحمن، بن سليمان، بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حنظلة الغسيل، وهو المعروف بغسيل الملائكة يوم أحد، فالغسيل هو جد أبيه، وقد عرف عبد الرحمن هذا بابن الغسيل نسبة إلى جد أبيه. انظر: تهذيب الكمال في أسماء الرجال، للحافظ جمال الدين يوسف المزي، ١٧/ ١٤٥، وميزان الاعتدال في نقد الرجال، للحافظ محمد بن أحمد الذهبي، ٤/ ٢٨٨، لسان الميزان لابن حجر، ٨/ ٤٩٠، وتهذيب التهذيب له، ٦/ ١٧٢.\n(٢) أبو أسيد: هو مالك بن ربيعة، بن البَدَنَ، بن عامر، الخزرجي الأنصاري، الساعدي، مشهور بكنيته، شهد بدرا وأحدا وما بعدها، وكان معه راية بني ساعدة يوم الفتح، روى عن النبي ﷺ أحاديث منها هذا الحديث، مات سنة ستين وهو ابن ثمان وسبعين، وقيل: خمس وسبعين، وقيل: ثمانين، وقيل غير ذلك، وهو آخر البدريين موتا، على قول من قال: إنه مات في التاريخ السابق. والله ﷿ أعلم. انظر: الإِصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر العسقلاني ٣/ ٣٤٤، وتهذيب التهذيب له، ١٠/ ١٤.\n(٣) [الحديث ٢٩٠٠]، طرفاه في: كتاب المغازي، باب، ٥/ ١٣ و١٤، برقم ٣٩٨٤ و٣٩٨٥.\n(٤) الطرف رقم ٣٩٨٤.\n(٥) من الطرف رقم ٣٩٨٥.\n(٦) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين، للحميدي ص ١١١، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الكاف مع الثاء، مادة: \" كثب \" ٤/ ١٥١.\n(٧) فتح الباري بشرح صحيح البخاري ٧/ ٣٠٦، وانظر: ٦/ ٩٢.\n(٨) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب النون مع الباء، مادة: \" نبل \" ٥/ ١٠.","vol":"1","page":456},{"text":"* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من موضوعات الدعوة: الحث على الإِعداد للجهاد في سبيل الله ﷿.\n٢ - من صفات الداعية: وضع كل شيء في موضعه.\nوالحديث عن هذين الدرسين والفائدتين الدعويتين على النحو الآتي:\nأولا: من موضوعات الدعوة: الحث على الإعداد للجهاد في سبيل الله ﷿: ظهر في هذا الحديث التحريض على الرمي والإِعداد للجهاد بأي وسيلة من وسائله، سواء كان ذلك بالسهام كما في العصور السابقة العظيمة، أو بالرصاص والقذائف النارية، والقنابل اليدوية كما في هذا العصر؛ لأن الرمي أحد عناصر القوة التي أمرنا الله ﷿ بإعدادها، ويفسر في كل عصر بحسبه، وما وجد فيه من عناصر القوة بقدر الاستطاعة؛ ولهذا ترجم البخاري لهذا الحديث بقوله: \" باب التحريض على الرمي \" (١).\nفينبغي الإِعداد للجهاد وحث المسلمين عليه (٢).\nثانيا: من صفات الداعية: وضع كل شيء في موضعه: دل قوله ﷺ في هذا الحديث: «إذا أكثبوكم فارموهم واستبقوا نبلكم» على أنه ينبغي للمجاهد والداعية أن يضع كل شيء في موضعه المناسب؛ لأن معنى الحديث: الأمر بترك الرمي حتى يقرب العدو؛ لأنهم إذا رموا على بعد قد لا تصل إليهم السهام ولا تصيبهم، فتضيع دون فائدة، وإلى هذا أشار بقوله ﷺ: «واستبقوا نبلكم» والمراد بالقرب المطلوب في الرمي: قرب نسبي بحيث تصل إليهم السهام وتصيبهم، وليس المراد بالقرب التلاحم الذي لا ينفع فيه\n_________\n(١) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٦/ ٩٢، وعمدة القاري للعيني ١٤/ ١٨٢، وعون المعبود شرح سنن أبي داود، لمحمد شمس الحق العظيم أبادي ٧/ ٣٢٤، ومنار القاري في شرح مختصر البخاري، لحمزة بن محمد قاسم، ٤/ ١٠٦.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٢، الدرس الثالث، ورقم ١٨، الدرس الثاني.","vol":"1","page":457},{"text":"إلا السيوف. وهذا كله يدل على استعمال السلاح المناسب في الوقت المناسب؛ من أجل المحافظة على القوة وعدم تضييعها في غير منفعة (١).\nفينبغي للداعية إلى الله ﷾ أن يضع كل شيء في موضعه بإحكام وإتقان (٢).\n_________\n(١) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٦/ ٩٢، وعمدة القاري للعيني ١٤/ ٨٣، ومنار القاري في شرح مختصر صحيح البخاري لحمزة بن محمد قاسم ٤/ ١٠٦.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٦٤، الدرس الخامس.","vol":"1","page":458},{"text":"٧٩ -<span data-type=\"title\" id=toc-153> باب اللَّهوِ بالحِرَابِ وَنَحوِهَا</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-154>[حديث بينا الحبشة يلعبون عند النبي]</span>\n٧٦ - [٢٩٠١] حَدَّثَنَا إِبْراهِيم بْن موسَى قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَام، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ المسيِّبِ، عَنْ أَبِي هرَيْرَةَ (١) ﵁، قَالَ: «بَيْنَا الحَبَشَة يَلْعَبونَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، دَخَلَ عمَر فَأَهْوَى إِلَى الْحَصْبَاء فَحَصَبَهمْ بِهَا، فَقَالَ: \" دَعْهمْ يَا عمَر». وَزَادَ عَليّ: حَدَّثَنَا عَبْد الرَّزَّاقِ: أَخبرنا معْمر «في المسجدِ» (٢).\n* شرح غريب الحديث: * \" الحصباء \": الحصى الصغار (٣).\n* \" فحصبهم \": رماهم بالحصباء (٤).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من موضوعات الدعوة: تدريب المجاهدين والإِعداد للجهاد في سبيل الله ﷿.\n٢ - من ميادين الدعوة: المسجد.\n٣ - من صفات الداعية: الرفق.\n٤ - من أصناف المدعوين: أهل الصلاح والاستقامة.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من موضوعات الدعوة: تدريب المجاهدين والإعداد للجهاد في سبيل الله ﷿: دل هذا الحديث على أن الإِعداد للجهاد والتحريض عليه من الأمور المهمة؛ ولهذا لم ينكر ﷺ على الحبشة حينما لعبوا في المسجد بالحراب؛ لأن ذلك من باب التدريب على الجهاد، والإِعداد له؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀: \" واللعب\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ٧.\n(٢) وأخرجه مسلم في كتاب صلاة العيدين، باب الرخصة في اللعب الذي لا معصية فيه، في أيام العيد، ٢/ ٦١٠، برقم ٨٩٣.\n(٣) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، حرف الحاء مع الصاد، مادة: \" حصب \" ١/ ٣٩٣.\n(٤) المرجع السابق، حرف الحاء مع الصاد، مادة: \" حصب \" ١/ ٣٩٤.","vol":"1","page":459},{"text":"بالحراب ليس لعبا مجردا، بل فيه تدريب الشجعان على مواقع الحروب والاستعداد للعدوِّ \" (١) وقال ﵀: \" واستدل به على جواز اللعب بالسلاح على طريق التواثب للتدريب على الحرب والتنشيط عليه، واستنبط منه جواز المثاقفة؛ (٢) لما فيها من تمرين الأيدي على آلات الحرب \" (٣). فينبغي إعداد العدَد، والعدد، والتدريب على أمور الجهاد، وأخذ الأهبة والحذر، والله الموفق (٤).\nثانيا: من ميادين الدعوة: المسجد: دل هذا الحديث على أن المسجد ميدان من ميادين الدعوة إلى الله ﷿، ولهذا أقر النبي ﷺ الحبشة على التدرب على الجهاد في سبيل الله ﷾، وأنكر ﷺ على عمر ﵁ حصبهم بالحصباء؛ لأن اللعب بالحراب من أجل الجهاد عبادة لله ﷿؛ وقد ذكر الإِمام السيوطي ﵀: \" أن لعب الحبشة كان بالسلاح واللعب بالسلاح مندوب إليه للقوة على الجهاد، فصار ذلك من القرب، كإقراء علم، وتسبيح، وغير ذلك \" (٥) وهذا ظاهر واضح؛ لأن كل فعل مباح قصِدَ به وجه الله والدار الآخرة يكون طاعة لله ﷿، (٦) ورجَّح الإِمام عبد الله بن أبي جمرة أن لعب الحبشة في المسجد كان \" للضرورة لضيق المدينة وضيق البيوت، ولعب الثقاف لا بد منه في وقتهم ذلك؛ لضرورة التدريب للقتال، فإذا كانت ضرورة مثل هذه جاز وإلا فلا \" (٧) وهذا هو الأولى، أن يكون التدريب على السلاح والرمي والكر والفر في ميادين خاصة، تعدَّ لتدريب المجاهدين إلا إذا اضطر الناس إلى تدريب المجاهدين في المسجد. والله الموفق للصواب.\n_________\n(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ١/ ٥٤٩.\n(٢) المثاقفة: يقال: ثاقفه فثقفه، كنصره: غالبه فغلبه في الحذق، ويقال: ثاقفه مثاقفة وثِقافا: خاصمه وجالده بالسلاح، ولاعبه إظهارا للمهارة والحذق، انظر: لسان العرب لابن منظور، باب الفاء فصل الثاء، ٩/ ١٩، والقاموس المحيط للفبروز آبادي، باب الفاء فصل الثاء، ص ١٠٢٧، والمعجم الوسيط لمجمع اللغة العربية، باب الثاء، مادة: \" ثقف \" ١/ ٩٨.\n(٣) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٢/ ٤٤٥.\n(٤) انظر: الحديث رقم ١٨، الدرس الثاني.\n(٥) شرح جلال الدين السيوطي على سنن النسائي ٣/ ١٩٦.\n(٦) انظر: بهجة النفوس، لعبد الله بن أبي جمرة ٣/ ١٢٧.\n(٧) انظر: المرجع السابق، ٣/ ١٢٥.","vol":"1","page":460},{"text":"ولا شك أن المسجد ميدان عظيم من ميادين الدعوة إلى الله ﷿، فينبغي للدعاة إلى الله ﷾ أن يجعلوه ميدانا: للمحاضرات العلمية، والندوات، والخطب، والكلمات الوعظية، وإقامة الدروس، وتعليم الناس أمور دينهم، كما كان رسول الله ﷺ يفعل وصحابته من بعده، ومن سار على نهجهم واقتدى بهديهم (١).\nثالثا: من صفات الداعية: الرفق: دل هذا الحديث على صفة الرفق؛ لأن النبي ﷺ رفق في نهيه لعمر ﵁ حينما حصب الحبشة بالحصباء، فقال ﷺ له: «دعهم يا عمر» وهذا يدل على رفق النبي ﷺ ولينه الحكيم؛ قال الله ﷿: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] (٢) فظهر من هذه الآية أن حقيقة الرفق: لين الجانب بالقول والفعل، والأخذ بالأسهل والأيسر، وحسن الخلق، وكثرة الاحتمال، وعدم الإِسراع بالغضب والعنف (٣) وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: «إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه» (٤).\nوعن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه» (٥) وعنها ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: «من يحرم الرفق يحرم الخير» (٦) وعنها ﵂ أن رسول الله ﷺ قال لها: «إنه من أعطي\n_________\n(١) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ٦/ ٤٣٣ - ٤٣٧، وبهجة النفوس لابن أبي جمرة، ٣/ ٢٢٤ - ٢٢٦، \" وإكمال إكمال المعلم، شرح صحيح مسلم، للأبي ٣/ ٢٧١ - ٢٧٣، وفتح الباري لابن حجر، ١/ ١٥٦، ١٨٦، ١٨٧، ١٩٢، ٢٣٠.\n(٢) سورة آل عمران، الآية: ١٥٩.\n(٣) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير، باب الراء مع الفاء، مادة: \" رفق \" ٢/ ٢٤٦، وفتح الباري بشرح صحيح البخاري، لابن حجر، ١٠/ ٤٤٩.\n(٤) مسلم، كتاب البر والصلة، باب فضل الرفق، ٤/ ٢٠٠٤، برقم ٢٥٩٣ عن عائشة ﵂.\n(٥) المرجع السابق، في الكتاب والباب المشار إليهما، ٤/ ٢٠٠٤، برقم ٢٥٩٣.\n(٦) المرجع السابق في الكتاب والباب المشار إليهما ٤/ ٤٠٠٣، برقم ٢٥٩٢.","vol":"1","page":461},{"text":"حظه من الرفق فقد أعطي حظه من خير الدنيا والآخرة، وصلة الرحم، وحسن الخلق وحسن الجوار: يعمران الديار ويزيدان في الأعمار» (١).\nفينبغي للداعية إلى الله ﷿ أن يكون رفيقا في دعوته وفي جميع أموره.\nرابعا: من أصناف المدعوين: أهل الصلاح والاستقامة: دل الحديث على أن من أصناف المدعوين أهل الصلاح والاستقامة والتقوى؛ لأن المعصوم من عصمه الله ﷿؛ ولهذا أنكر النبي ﷺ على عمر بن الخطاب ﵁ فعله مع الحبشة في المسجد فقال له: \" دعهم يا عمر \" ويحتمل أن عمر ﵁ لم ير رسول الله ﷺ ولم يعلم أنه رآهم، أو ظن أنه رآهم واستحيا أن يمنعهم (٢) وهذا أولى؛ لقوله في الحديث \" وهم يلعبون عند رسول الله ﷺ \" قال ابن حجر ﵀: \" وهذا لا يمنع الاحتمال المذكور أولا، ويحتمل أن يكون إنكاره لهذا شبيه إنكاره على المغنيتين، وكان من شدته في الدين ينكر خلاف الأولى والجد في الجملة أولى من اللعب المباح \" (٣).\nولا شك ولا ريب أن الداعية العظيم - غير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام - قد يحتاج إلى التوجيه ممن هو فوقه من الدعاة والعلماء، وقد ينكِر عليه أيضا من هو دونه في العلم فلا حرج في ذلك وينبغي للدعاة أن ينصح بعضهم بعضا، ويقبلوا النصيحة والتوجيه والحق ممن جاء به؛ قال النبي ﷺ: «المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، يكف عليه ضيعته (٤) ويحوطه من ورائه» (٥) والله ﷿ المستعان (٦).\n_________\n(١) أخرجه أحمد في المسند، ٦/ ١٥٩، قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: \" رجاله ثقات \" ١٠/ ٤١٥، وصحح إسناده الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٥١٩.\n(٢) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٦/ ٩٣.\n(٣) المرجع السابق، ٦/ ٩٣.\n(٤) الضيعة: الحرفة، وكفها جمعها عليه وردّها إليه، ومعنى \" يحوطه \" أي يحفظه، ويصونه من ورائه، من حيث لا يعلم، وفيما يغيب عنه من أموره، جامع الأصول، لابن الأثير ٦/ ٥٦٣ غريب الحديث رقم ٤٧٩٤.\n(٥) أخرجه أبو داود، في كتاب الأدب، باب النصيحة والحياطة، ٤/ ٢٨٠ برقم ٤٩١٨ عن أبي هريرة ﵁، والبخاري في الأدب المفرد ص ٩٣ برقم ٢٣٩. وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم ٩٢٦.\n(٦) انظر: الحديث رقم ٧١، الدرس السابع.","vol":"1","page":462},{"text":"٨٠ -<span data-type=\"title\" id=toc-155> باب المِجَنِّ ومَن يتَتَرَّس بترس صاحبه</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-156>[حديث كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله]</span>\n٧٧ - [٢٩٠٤] حَدَّثَنَا عَليّ بْن عبد الله: حَدَّثَنَا سفْيَان، عَنْ عَمرو، عَن الزهري، عَنْ مَالِكِ بْن أَوسِ بْنِ الحَدثَانِ (١) عَنْ عمَر (٢) ﵁ قَالَ: «كَانَتْ أَمْوال بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أَفَاءَ الله عَلَى رَسولِهِ ﷺ مِمَّا لَمْ يوجِفِ المسْلِمونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلاَ رِكَاب، فَكَانَتْ لِرَسولِ اللهِ ﷺ خَاصَّة، وَكَانَ ينْفِق عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِ، ثمَّ يَجْعَل ما بقِيَ فِي السِّلاحِ وَالْكرَاعِ عدَّة فِي سَبِيلِ اللهِ» (٣).\nوفي رواية: حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن محَمّدٍ الفَرَوِيّ: حَدَّثَنَا مَالِك بْن أَنَسٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ مَالِك بْنِ أَوْسِ بْنِ الحَدَثانِ - وَكَانَ محَمَّد بْن جبَيْرٍ ذَكَرَ لِي ذِكْرا مِنْ حَدِيثِهِ ذَلِكَ، فَانْطَلَقْت حَتَّى أَدْخلَ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ فَسَأَلته عَنْ ذَلِكَ الْحَدِيثِ- فَقَالَ: «بَيْنَمَا أَنَا جَالِس فِي أَهْلِي حِينَ مَتَعَ النَّهار، إِذَا رَسول عمَرَ بْنِ الخَطَّاب يَأْتِينِي فَقَالَ: أَجِبْ أَمِيرَ الْمؤمِنِينَ، فَانْطَلَقْت مَعَه حَتَّى أَدخلَ عَلَى عمَرَ، فَإِذَا هوَ جَالِس عَلَى رمَالِ سَرِيرٍ لَيْسَ بَيْنَه وَبَيْنَه فِراش، متكئ عَلَى وِسَادَةٍ مِنْ أَدَمٍ. فَسَلَّمْت عَلَيْهِ ثمَّ جَلَسْت، فَقَالَ: يَا مَالِك، إِنَّه قَدِمَ عَلَيْنَا مِنْ قَوْمِكَ أَهْل أَبْيَاتٍ، وَقَدْ أَمَرْت فِيهِمْ بِرَضْخٍ، فَاقْبِضه، فَاقْسِمْه بَيْنَهمْ، فَقلْت:\n_________\n(١) مالك بن أوس بن الحدثان، بن الحارث بن عوف، النصري الحجازي المدني، يقال: أدرك حياة النبي ﷺ، وجمهور العلماء على أنه تابعي، وحدث عن عمر، وعلي، وعثمان، وطلحة، ﵃، وحدث عن غيرهم. وشهد الجابية وفتح بيت المقدس مع عمر. وقيل: قد ركب الخيل في الجاهلية، وكان مشهورا بالبلاغة والفصاحة وهو قليل الحديث. مات سنة اثنتين وتسعين، وقيل: سنة إحدى وتسعين. قال الإمام الذهبي: لعله عاش مائة سنة. انظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي، ٢/ ٧٩، وسير أعلام النبلاء للذهبي ٤/ ١٧١، وتهذيب التهذيب لابن حجر، ١٠/ ٩.\n(٢) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ٦٤.\n(٣) [الحديث ٢٩٠٤] أطرافه في: كتاب فرض الخمس، باب فرض الخمس، ٤/ ٥٣، برقم ٣٠٩٤. وكتاب المغازي، باب حديث بني النضير، ٥/ ٢٨، برقم ٤٠٣٣. وكتاب تفسير القرآن، سورة الحشر ٥٩، باب \" ما أفاء الله على رسوله \"، ٦/ ٦٩، برقم ٤٨٨٥. وكتاب النفقات، باب حبس (نفقة) الرجل قوت سنة على أهله، وكيف نفقات العيال؟، ٦/ ٢٣٣، برقم ٥٣٥٧ و٥٣٥٨. وكتاب الفرائض، باب قول النبي ﷺ: \" لا نورث ما تركنا صدقة \"، ٨/ ٤، برقم ٦٧٢٨. وكتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما يكره من التعمق، ٨/ ١٨٥، برقم ٧٣٠٥. وأخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب حكم الفيء، ٣/ ١٣٧٦، برقم ١٧٥٧.","vol":"1","page":463},{"text":"يَا أَمِيرَ الْمؤمِنِينَ، لَوْ أَمَرْتَ لَه غَيْري؟ قَالَ: فَاقْبِضْه أَيّهَا المَرْء، فَبَيْنَمَا أنا جَالِس عِنْدَه أتاه حَاجِبه يَرْفَأ، فَقَالَ: هَلْ لَكَ فِي عثْمَانَ وَعبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ والزّبَيْرِ، وَسْعدِ بْنِ أَبِي وقَاصٍ يَسْتأْذنونَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَذِنَ لَهمْ، فَدَخَلوا، فَسَلَّموا وَجَلَسوا. ثمَّ جَلَسَ يَرْفأ يَسِيرا، ثمَّ قَالَ: هَلْ لَكَ فِي عَليٍّ (١) وعبَّاس (٢)؟ قَالَ: نَعم، فَأَذنَ لَهمَا، فَدَخَلا، فَسَلَّمَا فَجَلَسَا فَقَالَ عَباس: يَا أَمِيرَ الْمؤمِنِينَ، اقْضِ بَينِي وَبَيْن هَذَا - وَهمَا يَخْتَصِمَانِ فِيمَا أَفَاءَ الله عَلَى رَسولِهِ ﷺ مِنْ مَالِ بَنِي النَّضِيرِ- فَقَالَ الرَّهْط - عثْمَان وَأَصْحَابه- يَا أَمِيرَ الْمؤمِنِينَ اقْضِ بَيْنَهمَا وَأَرِحْ أَحَدَهمَا مِنَ الآخَرِ. فَقَال عمَر: تَيْدَكمْ؛ أنشدكمْ باللهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقوم السَّمَاء وَالأَرْض، هَلْ تَعْلَمونَ أَن رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: \" لَا نورَث، مَا تَرَكْنَا صَدَقة؟ \" يريد رَسول اللهِ ﷺ نَفْسَه؛ قَالَ الرَّهْط: قَدْ قَالَ ذَلِكَ. فَأَقْبَلَ عمَر عَلَى عَلِيٍّ وَعَبّاسٍ فَقَالَ: أَنشدكمَا اللهَ أَتَعْلَمَانِ أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قدْ قَالَ ذَلِكَ؟ قَالَا: قَدْ قَالَ ذَلِكَ؛ قَال عمَر: فَإِنِّي أحدِّثكمْ عَنْ هَذَا الأَمْر: إِنَّ اللهَ قَدْ خَصَّ رَسولَه ﷺ فِي هَذَا الْفَيءِ بشَيْءٍ لَمْ يعْطهِ أَحَدا غَيْرَه. ثمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾ [الحشر: ٦] إلى قوله: ﴿قَدِيرٌ﴾ [الحشر: ٦] فَكَانَتْ هَذِهِ خَالِصَة لِرَسولِ اللهِ ﷺ، والله مَا احْتازَهَا دونَكمْ، وَلَا اسْتَأْثَرَ بِهَا عَلَيْكمْ، قَدْ أَعْطَاكموه وَبَثَّهَا فِيكمْ حَتَّى بَقِيَ مِنْهَا هَذَا الْمَال، فَكَانَ رَسول اللهِ ﷺ ينفِق عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهمْ مِنْ هَذَا الْمَالِ، ثمَّ يَأْخذ مَا تقِيَ فَيَجْعَله مَجْعَلَ مَالِ اللهِ. فَعَمِلَ رَسول اللهِ ﷺ بِذَلِكَ حَيَاتَه. أَنشدكمْ بِاللهِ، هَلْ تَعْلَمونَ ذَلِكَ؟ قَالوا: نَعَمْ. ثمَّ قَالَ لِعَليٍّ وَعَبَّاسٍ: أَنْشدكمَا اللهَ هَلْ تَعْلَمَانِ ذَلِكَ؛ قَالَ عمَر: ثمَّ تَوَفَّى الله نَبيَّه ﷺ فَقَالَ أَبو بَكْرٍ: أَنَا وَليّ رَسولِ اللهِ ﷺ، فَقَبَضَهَا أَبو بَكْرٍ فَعَمِلَ فِيهَا بِمَا عَمِلَ رَسول اللهِ ﷺ، والله يَعْلم إِنَّه فِيهَا لَصَادِق بَارّ رَاشد تَابع لِلْحَقِ. ثمَّ تَوَفَّى الله أَبَا بَكْرٍ، فَكنْت أنا وَلِيَّ أَبِي بَكْرٍ، فَقَبَضْتهَا سَنَتَين مِن إِمَارَتي أَعْمَل فِيهَا بِمَا عَمِلَ رَسول اللهِ ﷺ وَمَا عَمِلَ فِيهَا أَبو بَكْرٍ،\n_________\n(١) ترجم له في الحديث رقم ٧٨.\n(٢) ترجم له في الحديث رقم ١٠٥.","vol":"1","page":464},{"text":"وَالله يَعْلَم إِنِّي فِيهَا لَصَادِق بَارّ رَاشد تَابع لِلْحَقِ. ثم جِئْتمَانِي تكَلِّمَانِي، وَكَلِمَتكمَا وَاحِدَة وَأمركمَا وَاحِد، جِئْتَنِي يَا عَبَّاس تَسْألنِي نَصِيبَكَ مِنْ ابْنِ أَخِيكَ، وَجَاءَنِي هَذَا- يرِيد عَليّا - يرِيد نَصِيبَ امْرَأَتِهِ مِنْ أَبِيهَا. فَقلْت لَكمَا: إِنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: \" لَا نورَث، مَا تَرَكْنَا صَدَقَة \". فَلَمَّا بَدَا لِي أَنْ أَدْفَعَه إِليْكمَا قلْت: إِنْ شِئتمَا دَفَعْتهَا إِليْكمَا عَلَى أَنَّ عَلَيْكمَا عَهْدَ اللهِ ومِيثَاقَه لتَعْمَلاَنِ فِيهَا بِمَا عَمِلَ فِيهَا رَسول اللهِ ﷺ وبِمَا عَمِلَ فِيهَا أَبو بَكْرٍ، وبِمَا عَمِلت فِيهَا منْذ وَليْتهَا. فَقلْتمَا: ادْفعهَا إِلَيْنَا، فَبِذَلِكَ دَفَعْتهَا إِلَيْكمَا. فَأَنشدكمْ بِاللهِ هَلْ دَفَعْتها إِلَيْهمَا بِذَلِكَ؟ قَالَ الرَّهْط: نَعَمْ. ثمَّ أَقْبَلَ عَلَى عَلِيٍّ وَعَبّاسٍ فَقَالَ: أَنشدكمَا بِاللهِ هَلْ دَفَعْتها إِلَيْكمَا بِذَلِكَ؟ قَالَا: نَعَمْ، قَالَ: فَتَلْتَمسَانِ مِنِّي قَضاء غَيْرَ ذَلِكَ؛ فَوَاللهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقوم السَّمَاء وَالأَرْض، لَا أَقْضي فِيهَا قَضاء غَيْرَ ذَلِكَ؛ فإِنْ عَجَزْتمَا عَنْهَا فَادْفَعَاهَا إِلَيَّ، فإِنِّي أَكْفِيكمَاهَا» (١).\nوفي رواية: «اتَّئِدوا أَنشدكمْ بِاللهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقوم السَّمَاء وَالأَرْض. .» (٢).\nوفي رواية: «أن النبي ﷺ كانَ يَبيع نَخْلَ بَنِي النَّضيرِ، ويَحْبس لأَهْلِهِ قوتَ سَنَتِهِمْ» (٣).\n* شرح غريب الحديث: * \" أفاء الله على رسوله \" الفيء: هو ما حصل للمسلمين من أموال الكفار من غير حرب ولا جهاد. وأصل الفيء: الرجوع من جهة إلى جهة، أو من مفارقة إلى موافقة (٤).\n* \" يوجف \" الإِيجاف سرعة السير، يقال: أوجف دابته يوجفها إيجافا،\n_________\n(١) الطرف رقم ٣٠٩٤.\n(٢) من الطرف رقم: ٤٠٣٣.\n(٣) الطرف رقم: ٥٣٥٧.\n(٤) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٤٣، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الفاء مع الياء، مادة: \" فيأ \" ٣/ ٤٨٢.","vol":"1","page":465},{"text":"إذا حثها، ويقال: أوجف في الشيء: اجتهد وأسرع (١).\n* \" الكراع \" اسم يجمع أنواع الخيل (٢).\n* \" متع النهار \" أي طال وامتدَّ وتعالى (٣).\n* \" رمَالِ سرير \" الرّمال: ما رمل: أي نسِجَ من حصير وغيره، يقال: رمل الحصير وأرمله فهو مرمول، ومرْمَل، كأنه أراد أنه لم يكن تحته فراش، ولا حائل دون الحصير (٤). * \" من أدَم \" جمع أَدِيم: وهو الجلد (٥).\n* \" برضخ \" الرضخ: العطية القليلة (٦).\n* \" يرفأ \" يقال: رفوت الرجل ورفأته: إذا سكنته، ويقال: يرفؤه: يسكنه ويلين له القول، ويترضاه (٧).\n* \" تيدكم \": أي على رسلكم، وهو التّؤَدة، كأنه قال: الزمو تؤَدَتكم، وكذلك قوله: \" اتئدوا \" أمر بالتؤدة والتأني (٨).\n* \" أنشدكم بالله \" أي أسألكم بالله (٩).\n_________\n(١) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٤٤، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الواو مع الجيم، مادة: \" وجف \" ٥/ ١٥٧.\n(٢) تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٤٤.\n(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الميم مع التاء، مادة: \" متع \" ٤/ ٢٩٣، وانظر: مشارق الأنوار للقاضي عياض، حرف الميم مع التاء، ١/ ٣٧٢.\n(٤) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الراء مع الميم مادة: \" رمل \" ٢/ ٢٦٥، وانظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٤٢.\n(٥) تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٥٣٧، وانظر: مشارق الأنوار للقاضي عياض، حرف الهمزة مع الدال، ١/ ٢٤.\n(٦) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الراء مع الضاء، مادة: \" رضخ \" ٢/ ٢٢٨، وانظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٤٣.\n(٧) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٤٣٠، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الراء مع الفاء، مادة: \" رفأ \" ٢/ ٢٤١.\n(٨) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب التاء مع الهمزة، مادة: \" تئد \" ١/ ١٧٨.\n(٩) انظر: المرجع السابق، باب النون مع الشين، مادة: \" نشد \" ٥/ ٥٢، وتقدم في شرح غريب الحديث رقم ١٦، ص ١٤٧.","vol":"1","page":466},{"text":"* \" ما احتازها دونكم \" أي ما امتلكها ولا ضمها إلى نفسه (١).\n* \" بثها فيكم \" أي أشاعها ونشرها (٢).\n\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من موضوعات الدعوة: إعداد العدد للجهاد في سبيل الله ﷿.\n٢ - الادخار لا ينافي التوكل على الله ﷿.\n٣ - من صفات الداعية: الزهد.\n٤ - أهمية الحرص على طلب الحديث وتحصيله من مصادره الأصلية.\n٥ - من وسائل الدعوة: أن يتولى أمر كل قبيلة كبيرهم الصالح.\n٦ - أهمية الشفاعة الحسنة في الدعوة إلى الله ﷿.\n٧ - من أساليب الدعوة: الحوار.\n٨ - من أساليب الدعوة: استشهاد من حضر لتقوى الحجة.\n٩ - أهمية أدب المدعو مع العلماء والدعاة.\n١٠ - من صفات الداعية: عدم الحرص على الإِمارة والعلوِّ في الأرض والجاه.\n١١ - أهمية الاستدلال بالأدلة الشرعية.\n١٢ - من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة.\n١٣ - من أساليب الدعوة: ذكر الداعية بعض مناقبه عند الحاجة انتصاراَ للحق.\n١٤ - لا ينكر أن يغيب عن العالم أو الداعية بعض العلم.\n١٥ - أهمية العمل بمقتضى الدليل الشرعي.\n١٦ - من أصناف المدعوين: أهل الصلاح والتقوى.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\n_________\n(١) انظر: المعجم الوسيط، مادة: \" حاز \" ١/ ٢٠٦.\n(٢) مشارق الأنوار للقاضي عياض، حرف الباء مع الثاء، مادة: \" بثث \" ١/ ٧٨.","vol":"1","page":467},{"text":"أولا: من موضوعات الدعوة: إعداد العدد للجهاد في سبيل الله ﷿: دل هذا الحديث على أن الإِعداد للجهاد والحث عليه من موضوعات الدعوة إلى الله ﷿؛ ولهذا كان النبي ينفق على أهله نفقة سنته مما أفاءَ الله عليه مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع عدة في سبيل الله ﷿ (١). وهذا يبين للمسلمين اهتمام النبي ﷺ في إعداد العدَد والتأهب للجهاد في سبيل الله ﷾ (٢).\nثانيا: الادخار لا ينافي التوكل على الله ﷿: ظهر في هذا الحديث أن رسول الله ﷺ «كان ينفق على أهله نفقة سنتهِ ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع عدة في سبيل الله» وفي الرواية الأخرى: «كان يبيع نخل بني النضير، ويحبس لأهله قوت سنتهم» وهذا يدل على أن الادخار لا ينافي التوكل على الله ﷿؛ لأن سيد المتوكلين ﷺ ادخر كما في هذا الحديث؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀: \" وفيه جواز الادخار خلافا لقول من أنكره من متشدِّدي المتزهدين، وأن ذلك لا ينافي التوكل \" (٣) ولا شك أن هذا من عمل الأسباب المشروعة التي لا تنافي التوكل (٤).\nثالثا: من صفات الداعية: الزهد: ظهر في هذا الحديث زهد النبي ﷺ؛ ولهذا كان ﷺ يجعل ما بقي بعد نفقة أهله سنتهِ، في السلاح والكراع عدة في سبيل الله ﷿، وظهر في الحديث أيضا زهد عمر بن الخطاب وهو أمير المؤمنين ﵁، فقد جاءه مالك بن أوس بن الحدثان وهو جالس على رمال سرير ليس بينه وبينه فراش وهو متكئ على وسادة من جلد. وهذا يبين للدعاة إلى الله ﷿ عظم زهد النبي ﷺ وأصحابه\n_________\n(١) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٦/ ٩٤، وعمدة القاري للعيني ١٤/ ١٨٥.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٢، الدرس الثالث.\n(٣) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٦/ ٢٠٨، و٩/ ٥٠٣، وانظر: الإِفصاح عن معاني الصحاح للوزير العالم ابن هبيرة، ١/ ١٤٢، وبهجة النفوس لابن أبي جمرة، ٣/ ٩٠.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٣٠، الدرس الخامس.","vol":"1","page":468},{"text":"﵃؛ لأنهم قد علموا أن الدنيا وما فيها متاع زائل؛ ولهذا قال سهل بن سعد: قال رسول الله ﷺ: «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء» (١).\nفينبغي للداعية أن يكون زاهدا في الدنيا كما زهد أهل العلم والإِيمان (٢)؛ لأن الزهد في الحقيقة ليس من شرطه خروج المال عن اليد؛ وإنما خروج المال عن القلب، وأن لا يتعلق به، وأن يصرف فيما يرضي الرب ﷾ (٣).\nرابعا: أهمية الحرص على طلب الحديث وتحصيله من مصادره الأصلية: دل فعل ابن شهاب ﵀ في عدم اعتماده على ما ذكر له محمد بن جبير عن مالك بن أوس، بل ذهب بنفسه حتى أخذ الحديث من مصدره الأصلي، فسمعه من مالك بن أوس عن عمر؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀: \" وفي صنيع ابن شهاب ذلك أصل في طلب علوِّ الإِسناد؛ لأنه لم يقتنع بالحديث عنه، حتى دخل عليه؛ ليشافهه به، وفيه حرص ابن شهاب على طلب الحديث وتحصيله \" (٤).\nفينبغي للداعية أن يحرص على أخذ العلم وخاصة علم الكتاب والسنة من المصادر الأصلية المعتمدة عند العلماء، حتى يكون علمه صحيحا موثقا.\nخامسا: من وسائل الدعوة: أن يتولى أمر كل قبيلة كبيرهم الصالح: ظهر في هذا الحديث أن من وسائل الدعوة إلى الله ﷿ أنه ينبغي أن يولَّى أمر كل قبيلة سيدهم الصالح، وتفوض إليه مصالحهم؛ لأنه أعرف بهم، وأرفق بهم، وفي الغالب أنهم ينقادون له، ويقبلون دعوته، وتوجيهاته، ولهذا قال عمر ﵁ في هذا الحديث لمالك بن أوس: \" يا مالك إنه قد قدم\n_________\n(١) أخرجه الترمذي، في كتاب الزهد، باب ما جاء في هوان الدنيا على الله ﷿، وقال: \" هذا حديث صحيح. . \"، ٤/ ٥٦٠، برقم ٢٣٢٠، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب: مثل الدنيا، ٤/ ١٣٧٦، برقم ٤١١٠، وأخرجه ابن المبارك في الزهد والرقائق، عن رجال من أصحاب النبي ﷺ، ١/ ٤٢٨، برقم ٤٧٠، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٩٤٣.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٢، الدرس الأول، ورقم ١٥، الدرس الأول.\n(٣) انظر: بهجة النفوس، لعبد الله بن أبي جمرة، ٣/ ٩٠.\n(٤) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٦/ ٢٠٤.","vol":"1","page":469},{"text":"علينا من قومك أهل أبيات، وقد أمرت فيهم برضخ فاقبضه، فاقسمه بينهم \"، قال الحافظ ابن حجر ﵀: \" وفي حديث عمر أنه يجب أن يتولى أمر كل قبيلة كبيرهم؛ لأنه أعرف باستحقاق كل رجل منهم \" (١).\nفينبغي أن يولىّ على القبائل ساداتهم، الذين قد عرِفوا بالصلاح وسداد الرأي.\nسادسا: أهمية الشفاعة الحسنة في الدعوة إلى الله ﷿: دل هذا الحديث على أهمية الشفاعة الحسنة؛ لأن عثمان، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير، وسعد بن أبي وقاص ﵃ قالوا لعمر ﵁: \" يا أمير المؤمنين اقضِ بينهما وأرح أحدهما من الآخر \"، فقضى عمر ﵁ بين عباس وعلي ﵄ فحصل الصلح والخير، وهذا يبين أهمية الشفاعة الحسنة، وما يترتب عليها من المصالح (٢).\nفينبغي للداعية أن يشفع في كل ما فيه خير للإِسلام والمسلمين، حتى يحصل علي الثواب العظيم، قال الله ﷿: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ [النساء: ٨٥] (٣).\nوقال ﷺ: «اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء» (٤).\nسابعا: من أساليب الدعوة: الحوار: ظهر أسلوب الحوار في هذا الحديث؛ لأن عمر ﵁ استخدمه في الإِصلاح بين العباس وعلي ﵄، فأقبل على جميع الحاضرين، فسألهم بالله هل يعلمون أن رسول الله ﷺ قال: «لا نورث ما تركنا صدقة»؟ \"، فقال الرهط: قد\n_________\n(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٦/ ٢٠٨، وانظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ١٢/ ٣١٨، وعمدة القاري للعيني، ١٥/ ٢٥.\n(٢) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٦/ ٢٠٨، وعمدة القاري، ١٥/ ٢٦، وعارضة الأحوذي بشرح سنن الترمذي، لابن العربي المالكي، ٤/ ١٧٦.\n(٣) سورة النساء، الآية: ٨٥.\n(٤) متفق عليه من حديث أبي موسى ﵁: البخاري، كتاب الزكاة، باب التحريض على الصدقة والشفاعة فيها، ٢/ ١٤٥، برقم ١٤٣٢، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب استحباب الشفاعة فيما ليس بحرام، ٤/ ٢٠٢٦، برقم ٢٦٢٧.","vol":"1","page":470},{"text":"قال ذلك. ثم أقبل عمر على عباس وعليّ فقال لهما مثل ما قال للرهط فقالا: قد قال ذلك. ثم لم يزل يحاورهما حتى أصلح الله بينهما. وهذا يدل على أهمية الحوار في الدعوة إلى الله ﷿ (١).\nثامنا: من أساليب الدعوة: استشهاد من حضر لتقوى الحجة: ظهر هذا الأسلوب في قول عمر بن الخطاب ﵁ لعثمان وأصحابه ﵃: «أنشدكم الله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض هل تعلمون أن رسول الله ﷺ قال: \" لا نورث ما تركنا صدقة»؟ \" فقالوا: قد قال ذلك. وكان العباس وعليّ يسمعان هذا الاستشهاد، ثم أقبل عمر ﵁ على الخصمين بعد أن أقام الحجة باستشهاد من حضر \". وهذا أسلوب نافع عند الحاجة إليه؛ قال الإِمام النووي ﵀: \" وفيه استشهاد الإِمام على ما يقوله -بحضرة الخصمين- العدول؛ لتقوى حجته في إقامة الحق وقمع الخصم، والله أعلم \" (٢).\nتاسعا: أهمية أدب المدعو مع العلماء والدعاة: دل هذا الحديث على أهمية الأدب مع العلماء والدعاة؛ ولهذا عندما دخل عثمان، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير، وسعد بن أبي وقاص ﵃ على أمير المؤمنين ﵁، سلموا وجلسوا، ولم يتكلَّموا؛ لأنهم رأوا أن أمير المؤمنين ﵁ غير مرتاح البال، وهذا من حسن الأدب مع العلماء والأئمة والدعاة؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀: \" ويؤخذ منه. . أن الأتباع إذا رأوا من الكبير انقباضا لم يفاتحوه حتى يفاتحهم بالكلام \" (٣).\n\nوقال الوزير العالم ابن هبيرة ﵀: \" وفيه. . ما يدل على أنه لما دخل عثمان، وعبد الرحمن، والزبير، وسعد، فرأوا جِدَّ عمر لم يفاتحوه؛ وهكذا ينبغي لمن أراد أن يخاطب في أمر إذا رأى من مقدمات الحال ما يستدر به\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٢٩، الدرس السادس.\n(٢) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٢/ ٣١٨.\n(٣) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، بتصرف بسير جدّا، ٦/ ٢٠٨.","vol":"1","page":471},{"text":"على أن ليس لخطابه وجه، أن يمسك \" (١).\nعاشرا: من صفات الداعية: عدم الحرص على الإمارة والعلوِّ في الأرض والجاه: لا شك أن في هذا الحديث الدلالة على أن من صفات الداعية المخلص: عدم حب العلوِّ في الأرض والجاه، وقد ظهر ذلك لمالك بن أوس عندما قال له عمر بن الخطاب ﵁: \" يا مالك إنه قد قدم علينا من قومك أهل أبيات، وقد أمرت فيهم برضخ فاقبضه، فاقسمه بينهم، فقال مالك: يا أمير المؤمنين لو أمرت له غيري؛ فقال عمر ﵁: فاقبضه أيها المرء \"، وهذا يدل على عدم رغبة مالك ﵁ في العلوِّ والجاه، ويدل أيضا على حكمته ولطف كلامه مع إمام المسلمين؛ ولهذا قال: \" يا أمير المؤمنين لو أمرت له غيري؟ \" قال الحافظ ابن حجر ﵀: \" وفيه استعفاء المرء من الولاية، وسؤاله الإِمام ذلك بالرفق \" (٢).\nفينبغي للداعية أن لا يرغب في الجاه ولا ينازع الأمر أهله، ولا يحب العلوَّ في الأرض؛ قال الله ﷿: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣] (٣). وقد نهى النبي ﷺ عن طلب الإِمارة، فعن عبد الرحمن بن سمرة ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ: «يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة؛ فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعِنْتَ عليها» (٤)؛ ولهذا قال ﷺ: «إنَّا والله لا نولِّي هذا العمل أحدا سأله، ولا أحدا حرص عليه» (٥) وعن أبي ذر ﵁ قال: «قلت يا رسول الله، ألا تستعملني؛ قال: فضرب بيده على منكبي ثم قال: \" يا أبا ذر إنك ضعيف،\n_________\n(١) الإِفصاح عن معاني الصحاح، ١/ ١٤٢.\n(٢) فتح الباري بشرح صحيح البخاري ٦/ ٢٠٨.\n(٣) سورة القصص، الآية: ٨٣.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الأيمان والنذور، باب قوله تعالى: لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم، ٧/ ٢٧٥، برقم ٦٦٢٢، ومسلم، في كتاب الإمارة، باب النهي عن طلب الإِمارة والحرص عليها، ٣/ ١٤٥٦، برقم ١٦٥٢.\n(٥) مسلم، كتاب الإِمارة، باب النهي عن طلب الإِمارة، ٣/ ١٤٥٦، برقم ١٧٣٣.","vol":"1","page":472},{"text":"وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها، وأدّى الذي عليه فيها» (١) ولكن لو صلحت النية وكان قصد الإِنسان نفع الإِسلام والمسلمين وعنده القدرة على ذلك، فلا حرج أن يقتدي بيوسف ﵊، قال الله ﷿: إخبارا عن سؤاله ذلك: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥] (٢)؛ لأنه يريد الإِصلاح وهداية الناس وعنده القدرة على ذلك.\nالحادي عشر: أهمية الاستدلال بالأدلة الشرعية: دل الحديث على أهمية الاستدلال بالأدلة الشرعية على ما يقول الداعية؛ لما في ذلك من وقع في نفس المدعو؛ ولأنه أقرب لقبول ما يقول الداعية؛ ولهذا استدل عمر ﵁ على ما يقول بحديث وآية من كتاب الله ﷿، فقال: «أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض هل تعلمون أن رسول الله ﷺ قال: \" لا نورث ما تركنا صدقة» ثم قرأ: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحشر: ٦] (٣) \"، فبيَّن وجهة حكمه ﵁ ودليله من الكتاب والسنة (٤).\nالثاني عشر: من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة: إن القدوة الحسنة من أهم وسائل الدعوة؛ ولهذا أرشد عمر ﵁ العباس وعليّ بن أبي طالب ﵄ إلى الاقتداء بمن قبلهما، فذكر عمل النبي ﷺ في الفيء في حياته ثم قال: \" أنشدكم بالله هل تعلمون ذلك؟ \" ثم قال عمر ﵁: \" ثم توفى الله نبيه ﷺ فقال أبو بكر: أنا ولي رسول الله، فقبضها أبو بكر فعمل فيها بما عمل رسول الله ﷺ، والله يعلم إنه فيها لصادق، بارّ، راشد تابع للحق \". وهذا يدل على أهمية القدوة الحسنة في الدعوة إلى الله ﷿ (٥).\n_________\n(١) مسلم، كتاب الإمارة، باب كراهية الإِمارة بغير ضرورة، ٣/ ١٤٥٧، برقم ١٨٢٥.\n(٢) سورة يوسف، الآية: ٥٥.\n(٣) سورة الحشر، الآية: ٦.\n(٤) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٦/ ٢٠٨.\n(٥) انظر: الحديث رقم ٣، الدرس الثالث، ورقم ٨، الدرس الخامس.","vol":"1","page":473},{"text":"الثالث عشر: من أساليب الدعوة: ذكر الداعية بعض مناقبه عند الحاجة انتصارا للحق: ظهر من هذا الحديث أن ذكر الداعية بعض مناقبه، أو فضائله، أو ثنائه على عمله من أساليب الدعوة عند الحاجة لذلك وصلاح النية، إذا كان المدعو يستفيد من ذلك؛ ولهذا قال عمر بن الخطاب ﵁ للعباس وعلي بن أبي طالب: \" ثم توفى الله أبا بكر فكنت أنا وليَّ أبي بكر، فقبضتها سنتين من إمارتي أعمل فيها بما عمل رسول الله ﷺ، وما عمل فيها أبو بكر، والله يعلم إني فيها لصادق بارّ، راشد، تابع للحق \"؛ قال العلامة العيني ﵀: \" وفيه أنه لا بأس أن يمدح الرجل نفسه ويطريها إذا قال الحق \" (١).\nوهذا إذا كان في ذلك نفع للمدعو وإلا فيحذر الإِنسان من الإِعجاب بالنفس فإن ذلك من المهلكات، والله المستعان.\nالرابع عشر: لا ينكر أن يغيب عن العالم أو الداعية بعض العلم: لا شك أن علم البشر محدود، وقد فضل الله بعضهم على بعض، فقد يغيب عن بعض العلماء بعض المسائل ويعرفها الآخرون، ولهذا حصل ما حصل من بعض الصحابة ﵃ في ميراث رسول الله ﷺ، ولكن أبا بكر وعمر وغيرهما كثير من الصحابة لم يغب عنهم ذلك وفقهوه حق الفقه والمعرفة؛ قال العلامة العيني ﵀: \" وفيه أنه لا ينكر أن يخفى على الفقيه والعالم بعض الأمور مما علمه غيره \" (٢).\nفينبغي للدعاة أن لا يتهموا أحدا من العلماء أو الدعاة إذا غابت عنهم بعض المسائل، وعليهم أن يسلكوا مسلك الصحابة ﵃.\nالخامس عشر: أهمية العمل بمقتضى الدليل الشرعي: دل عمل عمر بن الخطاب ﵁ على أنه إذا قام الدليل الشرعي لا يعدل إلى غيره بل يلزم العمل بمقتضاه؛ ولهذا قال عمر ﵁ في مسألة تركة النبي ﷺ:\n_________\n(١) عمدة القاري شرح صحيح البخاري، ٢٥/ ٢٦.\n(٢) المرجع السابق، ١٥/ ٢٦.","vol":"1","page":474},{"text":"\" فتلتمسان مني قضاء غير ذلك؟ فوالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض لا أقضي فيها قضاء غير ذلك \"، والمعنى غير قضاء النبي ﷺ وأبي بكر ﵁. قال الحافظ ابن حجر ﵀: \" وفيه أن الإِمام إذا قام عنده الدليل صار إليه وقضى بمقتضاه، ولم يحتج إلى أخذه من غيره \" (١).\nالسادس عشر: من أصناف المدعوين: أهل الصلاح والتقوى: ظهر في هذا الحديث أن من أصناف المدعوين أهل الصلاح والاستقامة على طاعة الله ﷿؛ لأن العصمة للأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ ولهذا حصل ما حصل بين علي والعباس ﵄ عن حسن قصد ورغبة في القيام بأداء الأمانة، فحاورهما عمر وأصلح الله به ما بينهما (٢) وهذا يدل على أن من أصناف المدعوين أهل الصلاح والاستقامة (٣).\n_________\n(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٦/ ٢٠٨.\n(٢) ذكر الإمام القرطبي ﵀ أن منازعة علي والعباس ﵄ لم تكن في أصل الميراث، ولا طلبا أن يتملكا ما ترك النبي ﷺ وإنما قد كانا ترافعا إلى أبي بكر في ذلك فمنعهما أبو بكر مستدلّا بالحديث \" لا نورث ما تركنا صدقة \"، فلما سمعاه أذعنا، وسكنا، وسلَّما، إلى أن توفي أبو بكر وولي عمر، فجاءاه فسألاه أن يوليهما على النظر فيها، والعمل بأحكامها، وأخذها من وجوهها، وصرفها في مواضعها، فدفعها إليهما على ذلك، وعلى أن لا ينفرد أحدهما عن الآخر بعمل حتى يستشيره ويكون معه فيه، فعملا كذلك إلى أن شق عليهما العمل فيها مجتمعين، فجاءا إلى عمر ﵁ مرة أخرى يطلبان منه أن يقسمها بينهما حتى يستقل كل واحد منهما بالنظر فيما يكون في يديه منها، فأبى عليهما عمر ذلك؛ لئلا يظن ظان أن ذلك قسمة ميراث النبي ﷺ، فمنع ذلك حسما للذريعة، ولما ولي عليّ ﵁ الخلافة لم يغيرها عما عمِلَ فيها في عهد أبي بكر، وعمر، وعثمان، ولم يتعرض لتملكها ولا لقسمة شيء منها، بل كان يصرفها في الوجوه التي كان مَن قبله يصرفها فيها. انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٣/ ٥٦٣.\n(٣) انظر: الحديث رقم: ٧٦، الدرس الرابع.","vol":"1","page":475},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-157>[حديث ما رأيت النبي ﷺ يفدي رجلا بعد سعد]</span>\n٧٨ - [٢٩٠٥] حَدَّثَنَا مسَدَّد: حَدَّثَنَا يَحْيى، عَنْ سفيانَ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعْد بن إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عبد الله بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ عَليٍّ. حَدَّثَنَا قَبِيصَة: حَدَّثَنَا سفْيَان، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنِي عبد الله بْن شَدَّادٍ قَالَ: سَمِعْت عَلِيّا (١). ﵁ يَقول: «مَا رَأَيْت النَّبِيَّ ﷺ يفَدِّي رَجلا بَعْدَ سَعْدٍ (٢) سَمِعْته يَقول: \" ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأمِّي» (٣). وفي رواية: \". . «مَا سَمِعْت النَّبِيَّ ﷺ جمَعَ أَبَوَيْهِ لأَحَدٍ إلَّا لِسَعْدِ بْنِ مَالِكٍ، فَإِنِّي سَمعْته يَقول يَوْمَ أحدٍ: \" يَا سعد، ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأمِّي» (٤).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n_________\n(١) علي بن أبي طالب، بن عبد المطلب، بن هاشم، بن عبد مناف، القرشي الهاشمي، المكي المدني، الكوفي، أمير المؤمنين، ابن عم رسول الله ﷺ. أبو الحسن، وهو أخو رسول الله ﷺ بالمؤاخاة، وصهره على فاطمة سيدة نساء العالمين، وأول هاشمي ولد بين هاشميين، وأول خليفة من بني هاشم، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، وأحد الخلفاء الراشدين، وأحد العلماء الربانيين والشجعان المشهورين، والزهاد المذكورين، وأحد السابقين إلى الإسلام، وأول من أسلم من الصبيان، واستخلفه النبي ﷺ حين هاجر من مكة إلى المدينة أن يقيم بعده بمَكة، يؤدي عنه أماناته، والودائع، والوصايا التي كانت عند النبي ﷺ، ثم يلحقه بأهله، ففعل ذلك ثم لحقه مهاجرا، وشهد معه كل المشاهد إلا مشهد تبوك؛ فإن النبي ﷺ استخلفه على المدينة، وله في جميع المشاهد آثار مشهورة تدل على شجاعته وبطولته العظيمة، وأعطاه النبي ﷺ اللواء في مواطن كثيرة، وكان من أهل العلم البارزين، فقد روى عن النبي ﷺ خمسمائة وستة وثمانين حديثا، اتفق البخاري ومسلم على عشرين منها، وانفرِد البخاري بتسعة، ومسلم بخمسة عشر، ومن أعظم فضائله أن النبي ﷺ شهد له أنه يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، وكفاه ذلك شرفا، ولي الخلافة ﵁ خمس سنين، بويع سنة خمس وثلاثين، وله في قتال الخوارج عجائب ثابتة مشهورة. وقتل شهيدا، قتله عدوانا وظلما عبد الرحمن بن ملجم ليلة سبع عشرة من رمضان، وهي ليلة الجمعة سنة أربعين بسيف مسموم فمات ليلة الأحد التاسع عشر من رمضان في السنة المذكورة. وتوفي ﵁ وهو ابن ثلاث وستين سنة: قال النووي على الأصح. ودفن بالكوفة ﵁، وجزاه عن أمة محمد ﷺ خير الجزاء. انظر تهذيب الأسماء واللغات للنووي ١/ ٣٤٤ - ٣٥٠، وسير أعلام النبلاء للذهبي \" سيرة الخلفاء الراشدين \" ص ٢٢٥ - ٢٩٠، وتاريخ الإِسلام له، ٢/ ٦٢١، والإِصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، ٢/ ٥٠٧.\n(٢) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ٣٦.\n(٣) [الحديث ٢٩٠٥] أطرافه في: كتاب المغازي، باب إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّه وَلِيّهمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمؤْمِنونَ، ٥/ ٣٩، برقم ٤٠٥٨ و٤٠٥٩. وكتاب الأدب، باب قول الرجل: فداك أبي وأمي، ٧/ ١٥٠، برقم ٦١٨٤. وأخرجه مسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب في فضل سعد بن أبي وقاص ﵁، ٤/ ١٨٧٦، برقم ٢٤١١.\n(٤) الطرف رقم ٤٠٥٩.","vol":"1","page":476},{"text":"١ - من موضوعات الدعوة الحث على الرمي والترغيب فيه.\n٢ - من أساليب الدعوة: الدعاء لمن فعل خيرا.\n٣ - من صفات الداعية: الشجاعة.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من موضوعات الدعوة: الحث على الرمي والترغيب فيه: دل هذا الحديث على الحث على الرمي؛ لأن النبي - ﷺ - أمر به سعد بن مالك فقال: «ارم فداك أبي وأمي»؛ قال الإمام النووي ﵀: \". . فيه فضيلة الرمي والحث عليه \" (١). فينبغي العناية بالرمي وتعليمه للمجاهدين بالتدرب عليه استعدادا للجهاد في سبيل الله ﷿. (٢).\nثانيا: من أساليب الدعوة: الدعاء لمن فعل خيرا: ظهر في هذا الحديث أن الدعاء لمن فعل خيرا- أو نفعا عاما أو خاصا- من أساليب الدعوة إلى الله - ﷿ - ولهذا قال ﷺ لسعد: «ارم فداك أبي وأمي»، قال الإمام النووي ﵀: \" وفيه فضيلة الرمي والحث عليه والدعاء لمن فعل خيرا \" (٣). وقال الخطابي ﵀: \" التفدية من النبي - ﷺ - دعاء، وأدعية النبي - ﷺ - خليق أن تكون مستجابة. . \" (٤).\nوسمعت سماحة العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله يقول عن هذا الدعاء: \" فيه تشجيع للشجعان \" (٥).\nأما قول علي بن أبي طالب ﵁: \" ما سمعت النبي - ﷺ - جمع أبويه لأحد إلا لسعد بن مالك \"، فهذا يحمل على نفي علم نفسه (٦). وإلا فقد ثبت عن\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٥/ ١٩٢، وانظر: الإفصاح عن معاني الصحاح للوزير بن هبيرة ١/ ٢٥٢.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٧٤، الدرس الأول.\n(٣) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٥/ ١٩٢.\n(٤) أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري، للخطابي ٢/ ١٣٩٧، وانظر: الإفصاح عن معاني الصحاح للوزير بن هبيرة، ١/ ٢٥٢.\n(٥) سمعته من سماحته أثناء شرحه لحديث رقم ٢٩٠٥ من صحيح البخاري.\n(٦) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ١٥/ ١٩٣، وفتح الباري لابن حجر، ٧/ ٨٤.","vol":"1","page":477},{"text":"الزبير بن العوام - ﵁ - أنه قال: «جمع لي رسول الله - ﷺ - بين أبويه فقال: \" فداك أبي وأمي» (١).\nقال النووي ﵀: \" فيه جواز التفدية بالأبوين وبه قال جماهير العلماء، وكرهه عمر بن الخطاب - ﵁ - والحسن البصري ﵀، وكرهه بعضهم في التفدية بالمسلم من أبويه، والصحيح الجواز مطلقا؛ لأنه ليس فيه حقيقة فداء وإنما هو كلام وإلطاف وإعلام بمحبته له ومنزلته، وقد وردت الأحاديث الصحيحة بالتفدية مطلقا \" (٢).\nوسمعت سماحة العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله يقول في التفدية بالأبوين: \" يجوز إذا كان الأبوان غير مسلمين، أما إذا كان الوالدان مسلمين فالتفدية بهما لغير النبي - ﷺ - تحتاج إلى نظر، والجمهور يرون أنه لا بأس به \" (٣).\nثالثا: من صفات الداعية: الشجاعة: دل مفهوم قوله - ﷺ - لسعد ﵁: «ارم فداك أبي وأمي»، على شجاعة سعد ﵁؛ لأنه دافع عن النبي - ﷺ - يوم أحد دفاعا عظيما، وحثه - ﷺ - على الاجتهاد في الرمي (٤).\nفينبغي أن يكون الداعية شجاعا: قلبيا وعقليا (٥).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب فضائل أصحاب النبي - ﷺ - باب مناقب الزبير بن العوام - ﵁ - ٤/ ٢٥٤، برقم ٣٧٢٠. ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل طلحة والزببر - ﵄ - ٤/ ١٨٧٩ برقم ٢٤١٦.\n(٢) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٥/ ١٩٣، وانظر: أعلام الحديث للخطابي ٢/ ١٣٩٧، وعمدة القاري للعيني ١٤/ ١٨٦.\n(٣) سمعته من سماحته أثناء شرحه لحديث رقم ٢٩٠٥ من صحيح البخاري، وانظر: شرح مشكل الآثار، للطحاوي ١٤/ ٢٨٥.\n(٤) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٦/ ٩٣، ٧/ ٨٣، ٣٥٨، ١٠/ ٥٦٨.\n(٥) انظر: الحديث رقم ٣٥، الدرس الخامس، ورقم ٦١، الدرس الثاني.","vol":"1","page":478},{"text":"٨٣ -<span data-type=\"title\" id=toc-158> باب حلية السيوف</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-159>[حديث لقد فتح الفتوح قوم ما كانت حلية سيوفهم الذهب ولا الفضة]</span>\n٧٩ - [٢٩٠٩] حدثنا أحمد بن محمد: أخبرنا عبد الله: أخبرنا الأوزاعي قال: سمعت سليمان بن حبيب قال: سمعت أبا أمامة (١). يقول: \" لقد فتح الفتوح قوم ما كانت حلية سيوفهم الذهب ولا الفضة، إنما كانت حليتهم العلابي والآنك والحديد \".\n* شرح غريب الحديث: * \" العلابي \" العصب، الواحد علباء، وكانت العرب تشد بالعلابي الرطبة أجفان سيوفها، فتجف عليها، وتشد بها الرماح إذا تصدعت فتيبس عليها وتقوى. والعلابي جمع علباء: وهو عصب في العنق يأخذ إلى الكاهل، وهما علباوان ويقال: علباآن، يمينا وشمالا، وما بينها منبت عرف الفرس (٢).\n* \" الآنك \" قيل: هو الرصاص الأبيض، وقيل: الأسود، وقيل هو الخالص منه (٣). وقال الحميدي ﵀: \" الآنك أشد صلابة من الرصاص، وهو نوع منه، يزيد عليه بالصلابة وزيادة البياض، ويسمى في بعض البلاد: القصدير \" (٤).\n_________\n(١) أبو أمامة، صدي بن عجلان الصحابي الجليل الباهلي مشهور بكنيته، روى عن النبي - ﷺ - علما كثيرا، فقد كان له مائتان وخمسون حديثا، عند البخاري خمسة منها ومسلم ثلاثة. ويذكر عنه أن النبي - ﷺ - أرسله إلى باهلة يدعوهم إلى الإسلام، فامتنعوا، ولم يطعموه، وكان ظمآن جائعا، فنام فأوتي في منامه بشراب لبن فشرب فشبع وعظم بطنه، ثم إن قومه أتوه بطعام وشراب فقال لا حاجة لي فيه إن الله قد أطعمني وسقاني، فنظروا إلى بطنه وحاله، فأسلموا عن آخرهم. [انظر: مستدرك الحاكم ٣/ ٦٤١، وذكره الهيثمي في المجمع ٩/ ٣٨٧، وقال: رواه الطبراني بإسنادين والإسناد الأول حسن] قال أبو أمامة - ﵁ - عن عمره يوم حجة الوداع: \" أنا يومئذ ابن ثلاثين سنة \" وتوفي - ﵁ - سنة ست وثمانين، عن مائة وست سنين، وقيل توفي سنة إحدى وثمانين. ﵁. انظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي ٢/ ١٧٦، وسير أعلام النبلاء للذهبي ٢/ ٣٥٩ - ٣٦٣، والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر ٢/ ١٨٢.\n(٢) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٤٤١، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب العين مع اللام، مادة: \" علب \" ٣/ ٢٨٥.\n(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر، باب الهمزة مع النون، مادة: \" أنك \" ١/ ٧٧، وانظر: أعلام الحديث للخطاب، ٢/ ١٤٠٠.\n(٤) تفسير غريب ما في الصحيحين ص ٤٤١.","vol":"1","page":479},{"text":"* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من صفات الداعية: قوة الإيمان.\n٢ - من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة.\n٣ - من موضوعات الدعوة: الحث على الإعداد للجهاد بكل مباح يسبب إرهاب العدو. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من صفات الداعية: قوة الإيمان: دل هذا الحديث على قوة إيمان الصحابة - ﵁م - ولهذا كانوا لا يعتنون بتجميل السيوف، وإنما كانوا يشدونها بالعصب؛ لعدم مبالاتهم بالعدو؛ ولثقتهم بالله - ﷿ - وإيمانهم أن الله - ﷿ - ينصر عباده المؤمنين، إذا اتقوا الله ﷾ وأخذوا بالأسباب؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀: \" وفي هذا الحديث أن تحلية السيوف وغيرها من آلات الحرب بغير الفضة والذهب أولى. وأجاب من أباحها بأن تحلية السيوف بالذهب والفضة إنما شرع لإرهاب العدو، وكان لأصحاب رسول الله - ﷺ - عن ذلك غنية؛ لشدتهم في أنفسهم وقوتهم في إيمانهم \" (١). - ﵁م وأرضاهم (٢).\nثانيا: من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة: ظهر في هذا الحديث أن القدوة الحسنة من وسائل الدعوة؛ ولهذا أرشد أبو أمامة المجاهدين إلى الاقتداء بمن فتح الفتوح من أصحاب النبي - ﷺ - فقال: \" لقد فتح الفتوح قوم ما كانت حلية سيوفهم الذهب ولا الفضة \"، فأرشد - ﵁ - إلى الاقتداء بهم في قوله هذا (٣).\n_________\n(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري ٦/ ٩٦، وانظر: عمدة القاري للعيني ١٤/ ١٨٨.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٨، الدرس الرابع، ورقم ٥٢، الدرس الرابع.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٣، الدرس الثالث، ورقم ٨، الدرس الخامس.","vol":"1","page":480},{"text":"ثالثا: من موضوعات الدعوة: الحث على الإعداد للجهاد بكل مباح يسبب إرهاب العدو: كان بعض السلف الصالح يحلون سيوفهم بالفضة وغيرها مما يسبب إرهاب العدو وإذلاله؛ ولهذا كان سبب ورود الحديث ما جاء عن سليمان بن حبيب قال: دخلنا على أبي أمامة فرأى في سيوفنا شيئا من حلية فضة، فغضب وقال: \" لقد فتح الفتوح قوم ما كان حلية سيوفهم من الذهب ولا من الفضة، ولكن الآنك والحديد \" (١).\nوذكر العلامة العيني ﵀: أن الحلية المباحة من الذهب والفضة في السيوف إنما كانت؛ ليرهب بها على العدو، فاستغنى الصحابة بشدتهم وقوتهم في إيمانهم في الإيقاع بهم والنكاية لهم. (٢).\nفينبغي إعداد العدد، والعدد، والحث على ذلك، واستخدام كل وسيلة مباحة ترهب أعداء الإسلام (٣).\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه، في كتاب الجهاد، باب السلاح، ٢/ ٩٣٨، برقم ٢٨٠٧، وأصله في صحيح البخاري في حديث الباب.\n(٢) انظر: عمدة القاري شرح صحيح البخاري ١٤/ ١٨٨.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٢، الدرس الثالث.","vol":"1","page":481},{"text":"٨٤ -<span data-type=\"title\" id=toc-160> باب من علق سيفه بالشجر في السفر عند القائلة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-161>[حديث إن هذا اخترط علي سيفي وأنا نائم]</span>\n٨٠ - [٢٩١٠] حدثنا أبو اليمان: أخبرنا شعيب، عن الزهري قال: حدثني سنان بن أبي سنان الدؤلي وأبو سلمة بن عبد الرحمن: «أن جابر بن عبد الله (١) - ﵄ - أخبر أنه غزا مع رسول الله - ﷺ - قبل نجد، فلما قفل رسول الله - ﷺ - قفل معه، فأدركتهم القائلة في واد كثير العضاه، فنزل رسول الله - ﷺ - وتفرق الناس يستظلون بالشجر، فنزل رسول الله - ﷺ - تحت سمرة وعلق بها سيفه، ونمنا نومة، فإذا رسول الله - ﷺ - يدعونا، وإذا عنده أعرابي فقال: \" إن هذا اخترط علي سيفي وأنا نائم، فاستيقظت وهو في يده صلتا، فقال: من يمنعك مني؟ فقلت: الله (ثلاثا) \". ولم يعاقبه، وجلس» (٢).\nوفي رواية: «كنا مع النبي - ﷺ - بذات الرقاع، فإذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها للنبي - ﷺ - فجاء رجل من المشركين وسيف النبي معلق بالشجرة، فاخترطه فقال له: تخافني؟ فقال له: \" لا \". قال: فمن يمنعك مني؟ قال: \" الله \" فتهدده أصحاب النبي - ﷺ - وأقيمت الصلاة فصلى بطائفة ركعتين، ثم تأخروا، وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين، وكان للنبي - ﷺ - أربع وللقوم ركعتان»، وقال مسدد عن أبي عوانة عن أبي بشر: \" اسم الرجل غورث بن الحارث. وقاتل فيها محارب خصفة \" (٣).\nوفي رواية: «إن هذا اخترط سيفي فقال: من يمنعك؟ قلت: الله، فشام السيف، فها هو ذا جالس \" ثم لم يعاقبه» (٤).\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ٣٢.\n(٢) [الحديث ٢٩١٠]، أطرافه في: كتاب الجهاد والسير، باب تفرق الناس عن الإمام عند القائلة والاستظلال بالشجر، ٣/ ٣٠٢، برقم ٢٩١٣. وكتاب المغازي، باب غزوة ذات الرقاع، ٥/ ٦٤، برقم ٤١٣٤ و٤١٣٥ و٤١٣٦. وكتاب المغازي، باب غزوة بني المصطلق من خزاعة وهي غزوة المريسيع، ٥/ ٦٥، برقم ٤١٣٩، وأخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة الخوف، ١/ ٥٧٦، برقم ٨٤٣.\n(٣) الطرف رقم، ٤١٣٦.\n(٤) من الطرف رقم، ٢٩١٣.","vol":"1","page":482},{"text":"* شرح غريب الحديث: * \" قفل \" أي عاد من سفره، يقال قفل المسافر: إذا أخذ في الرجوع والانصراف (١).\n* \" القائلة \" نصف النهار. يقال: قال يقيل، وقائلة وقيلولة. فالقائلة الظهيرة، يقال: أتانا عند القائلة، وقد يكون بمعنى القيلولة: وهي النوم في الظهيرة. (٢).\n* \" العضاه \" شجر من شجر الشوك، كالطلح والعوسج، وكل شجر عظيم له شوك، الواحدة: عضة بالتاء (٣).\n* \" سمرة \" السمرة: نوع من شجر الطلح، والجمع: سمر بوزن رجل: وسمرات، وأسمر في جمع القلة (٤).\n* \" اخترط \" يقال: اخترط السيف: استخرجه من غمده (٥).\n* \" صلتا \" أي مسلولا من غمده ومهيئا للضرب به، يقال: أصلت السيف إذا جرده من غمده (٦).\n* \" فشام السيف \" أدخله في غمده، هذا معناه هنا في قصة الأعرابي مع النبي - ﷺ -. وهو من الأضداد: يقال: شامه يشيمه: إذا أغمده، ويقال: شامه: إذا سله أيضا (٧).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n_________\n(١) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين، للحميدي ص ٢٠٤، والنهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير، باب القاف مع الفاء، مادة: \" قفل \" ٤/ ٩٢.\n(٢) انظر: القاموس المحيط، لفيروز آبادي، باب اللام، فصل القاف، ص ٣٥٩، ومختار الصحاح لمحمد بن أبي بكر الرازي، مادة: \" قيل \" ص ٢٣٣.\n(٣) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٢٠٤، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب العين مع الضاد، مادة \" عضه \" ٣/ ٢٥٥، وانظر: شرح غريب الحديث رقم ٣٥، ص ٢٤٤.\n(٤) انظر: القاموس المحيط، باب الراء، فصل السين، ص ٥٢٥، ومختار الصحاح لمحمد بن أبي بكر الرازي، ص ١٣٢، والمعجم الوسيط، مادة. \" سمر \" ١/ ٤٤٨، وانظر: شرح غريب الحديث رقم ٣٥، ص ٢٤٤.\n(٥) تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٢٠٤.\n(٦) انظر: المرجع السابق، ص ٥٧٣، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الصاد مع اللام، مادة: \" صلت \" ٣/ ٤٥.\n(٧) انظر: مشارق الأنوار، للقاضي عياض، حرف الشين، مادة: \" شيم \" ٢/ ٢٦١، والنهاية في غريب الحديث، لابن الأثير، باب الشين مع الياء، مادة: \" شيم \" ٢/ ٥٢١.","vol":"1","page":483},{"text":"١ - أهمية اجتماع المجاهدين والدعاة وعدم تفرقهم.\n٢ - من صفات الداعية: قوة اليقين.\n٣ - من صفات الداعية: العفو والصفح، ومقابلة السيئة بالحسنة.\n٤ - من صفات الداعية: الشجاعة.\n٥ - من وظائف المدعو الصالح: حراسة الإمام المسلم والعالم العامل بعلمه.\n٦ - أهمية تكرار لفظ الجلالة عند الاستغاثة والاستعانة.\n٧ - من أساليب الدعوة: الاستفهام الإنكاري.\n٨ - من معجزات النبي ﷺ: ثبات القلب وعدم الخوف والجزع.\n٩ - من وسائل الدعوة: التطبيق العملي في التعليم.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: أهمية اجتماع المجاهدين والدعاة وعدم تفرقهم: لا شك أن هذا الحديث يدل على جواز الانتشار للمجاهدين والدعاة أثناء النوم في السفر، ولكن الأحاديث يفسر بعضها بعضا؛ وقد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه نهى عن التفرق في السفر، فعن أبي ثعلبة الخشني قال: كان الناس إذا نزل رسول الله - ﷺ - منزلا تفرقوا في الشعاب والأودية، فقال رسول الله ﷺ: «إن تفرقكم في هذه الشعاب والأودية إنما ذلكم من الشيطان»، فلم ينزل بعد ذلك منزلا إلا انضم بعضهم إلى بعض حتى يقال: لو بسط عليهم ثوب لعمَّهم \" (١). قال الإمام القرطبي - ﵀ - في فوائد حديث جابر وتفرق الصحابة - ﵃ - في الشجر: \" وفيه جواز نوم المسافر إذا أمن على نفسه، وأما مع الخوف فالواجب التحرز والحذر \" (٢).\n\nفينبغي للمجاهدين والدعاة إلى الله - ﷿ - أن ينضم بعضهم إلى بعض أثناء النزول في السفر، ولا يضيق بعضهم على بعض بل الانضمام الذي يحصل به\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الجهاد، باب ما يؤمر من انضمام العسكر وسعته، ٣/ ٤١، برقم ٢٦٢٨، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود ٢/ ٤٩٨.\n(٢) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ٦/ ٦٢.","vol":"1","page":484},{"text":"التكاتف والتعاون بدون ضرر على أحد منهم (١).\nوسمعت سماحة العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز - حفظه الله - يقول في فوائد حديث جابر - ﵁ -: \" الحديث يدل على جواز التفرق عند الحاجة، وهناك نصوص تدل على الحذر عند الحاجة \" (٢). كما قال ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١] (٣).\nثانيا: من صفات الداعية: قوة اليقين: من المعلوم يقينا أن النبي - ﷺ - أعظم الخلق يقينا وثباتا، وتوكلا، ومراقبة لله - ﷿ - باستحضار عظمته وقدرته، ونصرته لأوليائه؛ ولهذا لما قال له الأعرابي: من يمنعك مني؟ فقال: \" الله \"، وهذا يدل على يقينه الصادق وعلمه الكامل بالله ﷿. فينبغي لكل مسلم الاقتداء به - ﷺ - وخاصة الدعاة إلى الله ﷾ (٤).\nثالثا: من صفات الداعية: العفو والصفح، ومقابلة السيئة بالحسنة: دل هذا الحديث على أن العفو والصفح من أبرز الصفات الحميدة وأكثرها وأعظمها أثرا في نفس المدعو؛ ولهذا لم يعاقب النبي - ﷺ - الأعرابي: غورث بن الحارث على فعله القبيح، بل عفا عنه وصفح؛ لرغبته العظيمة في الاستئلاف؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀: \" فمن عليه لشدة رغبة النبي - ﷺ - في استئلاف الكفار؛ ليدخلوا في الإسلام ولم يؤاخذه بما صنع بل عفا عنه \" (٥).\nولا شك أن هذا العفو قد أثر في حياة هذا الرجل، فقد قيل: إنه أسلم ورجع\n_________\n(١) انظر: فتح الباري، لابن حجر، ٦/ ٩٧، و٧/ ٤٢٧ - ٤٢٨، وعون المعبود شرح سنن أبي داود، لمحمد شمس الحق ٧/ ٢٩٢، وبذل المجهود في حل سنن أبي داود، لخليل أحمد السهار نفوري ١٢/ ١٣٨.\n(٢) سمعته من سماحته أثناء شرحه لحديث رقم ٢٩١٣ من صحيح البخاري.\n(٣) سورة النساء، الآية: ٧١.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٢٨، الدرس الرابع.\n(٥) فتح الباري، بشرح صحيح البخاري، ٧/ ٤٢٧.","vol":"1","page":485},{"text":"إلى قومه، وقال: جئتكم من عند خير الناس، فاهتدى به خلق كثير (١). وهذا يؤكد أهمية العفو والصفح؛ قال الله ﷿: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] (٢) وقال ﷿: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ١٣] (٣).\nفينبغي للداعية أن يعفو ويصفح ويقابل السيئة بالحسنة، قال الله ﷿: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [الشورى: ٤٠] (٤). وقال ﷾: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣] (٥).\nرابعا: من صفات الداعية: الشجاعة: دل هذا الحديث على شجاعة النبي - ﷺ - وقوة قلبه، وثباته؛ ولهذا عندما سل الأعرابي السيف وقال: من يمنعك مني؛ لم يجزع ولم يسأله العفو؛ وإنما قال: \" الله \"، وهذا يوضح للدعاة، بل وللناس جميعا عظم شجاعته - ﷺ - قال الحافظ ابن حجر ﵀: \" وكأن الأعرابي لمّا شاهد ذلك الثبات العظيم، وعرف أنه حيل بينه وبينه، تحقق صدقه، وعلم أنه لا يصل إليه، فألقى السلاح وأمكن من نفسه \" (٦). فينبغي لكل مسلم أن يقتدي به - ﷺ - في قوة قلبه، وشجاعته وفي كل أحواله التي لم تكن من خصائصه دون أمته. (٧).\nخامسا: من وظائف المدعو الصالح: حراسة الإمام المسلم والعالم العامل بعلمه: يظهر من مفهوم هذا الحديث أنه ينبغي للمدعو الصالح أن يحرس الإمام المسلم، والعالم العامل بعلمه الذي يعلم الناس الخير ويوجههم إلى مصالح دينهم ودنياهم؛ لما يحصل بذلك من المنافع، وحفظ أمن الناس؛ قال\n_________\n(١) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ١٥/ ٤٩، وإكمال إكمال المعلم شرح صحيح مسلم، للأبي ٨/ ١٣، وفتح الباري لابن حجر، ٧/ ٤٢٨، وعمدة القاري للعيني ١٤/ ١٩٥، وإرشاد الساري للقسطلاني، ٥/ ٩٩.\n(٢) سورة الأعراف، الآية: ١٩٩.\n(٣) سورة المائدة، الآية: ١٣.\n(٤) سورة الشورى، الآية: ٤٠.\n(٥) سورة الشورى، الآية: ٤٣.\n(٦) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٧/ ٤٢٧، وانظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم للقرطبي، ٦/ ٦١، ومكمل إكمال الإكمال شرح صحيح مسلم، للسنوسي، ٣/ ١٩٧، وعمدة القاري للعيني، ١٤/ ١٨٩.\n(٧) انظر: الحديث رقم ٣٥، الدرس الخامس، ورقم ٦١، الدرس الثاني.","vol":"1","page":486},{"text":"العلامة العيني - ﵀ - في ذكره لفوائد هذا الحديث: \" وفيه أن حراسة الإمام في القائلة وفي الليل من الواجب على الناس، وأن تضييعه من المنكر والخطأ \" (١).\nفينبغي للمدعو الصالح العناية بهذا الأمر (٢).\nسادسا: أهمية تكرار لفظ الجلالة عند الاستغاثة والاستعانة: دل هذا الحديث على أهمية تكرار الاستغاثة بالله - ﷿ - وتكرار لفظ الجلالة \" الله \" عند الالتجاء إلى الله - ﷿ - وقد قال الأعرابي للنبي ﷺ: من يمنعك مني؟ فقال ﷺ: \" الله، الله، الله \"، قال العلامة الملا علي القاري ﵀: \" وفيه إيماء إلى أنه يستحب تثليث لفظ الجلالة، حالة الاستغاثة والاستعانة \" (٣). فينبغي للداعية أن يكرر في الاستغاثة والاستعانة بالله \" يا الله يا الله يا الله، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم.\nسابعا: من أساليب الدعوة: الاستفهام الإنكاري: دل هذا الحديث على أن أسلوب الاستفهام الإنكاري من أساليب الدعوة؛ ولهذا عندما أخذ النبي - ﷺ - السيف من الأرض- عند سقوطه من يد الأعرابي- قال لغورث هذا: \" من يمنعك مني؟ \" قال الحافظ ابن حجر - ﵀ - عن هذا الاستفهام: \" استفهام إنكاري، أي لا يمنعك مني أحد \" (٤).\nفينبغي العناية بهذا الأسلوب في الحال المناسبة لاستعماله (٥).\nثامنا: من معجزات النبي ﷺ: ثبات القلب وعدم الخوف والجزع: دل هذا الحديث على أن النبي محمد بن عبد الله - ﷺ - عبد الله ورسوله، وأن الله - ﷿ - نصره، وكفاه، وخذل أعداءه، وهذا من دلائل صدق نبوته؛ قال الإمام القرطبي - ﵀ - عند كلامه على قوله - ﷺ - للأعرابي: \" الله \" ثلاثا:\n_________\n(١) عمدة القاري شرح صحيح البخاري، ١٤/ ١٨٩.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٦٧، الدرس الرابع.\n(٣) مرقاة المفاتيح، شرح مشكاة المصابيح، ٩/ ١٦٨.\n(٤) فتح الباري بشرح صحيح البخاري ٧/ ٤٢٧، وانظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم للقرطبي ٦/ ٦٢.\n(٥) انظر: الحديث رقم ٤، الدرس الرابع، ورقم ٣١، الدرس الخامس.","vol":"1","page":487},{"text":"\" وهذا من أعظم الخوارق للعادة؛ فإنه عدو متمكن، بيده سيف شاهر، وموت حاضر، ولا حال تغيرت، ولا روعة حصلت. هذا محال في العادات، فوقوعه من أبلغ الكرامات، ومع اقتران التحدي به يكون من أوضح المعجزات \" (١). فينبغي للداعية أن يوضح للناس ويبلغهم معجزات النبي - ﷺ - لما فيها من دلائل صدق نبوته ﷺ (٢).\nتاسعا: من وسائل الدعوة: التطبيق العملي في التعليم: إن من الوسائل المهمة في الدعوة إلى الله ﷿: التطبيق العملي في تعليم الناس دينهم؛ لأن مشاهدة المدعو للتطبيق العملي أنفع له من الكلام المجرد عن التطبيق؛ ولهذا علَّم النبي - ﷺ - أصحابه صلاة الخوف في هذا الحديث عن طريق التطبيق العملي، فصلى بطائفة ركعتين، ثم تأخروا وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين، فكان له - ﷺ - أربع، وللقوم ركعتان، وهذا نوع من أنواع صلاة الخوف التي علَّم فيها - ﷺ - أصحابه بالتطبيق العملي (٣).\nوهكذا كان - ﷺ - يعلم أصحابه كثيرا من العلم والأحكام عن طريق التطبيق العملي؛ قال ﷺ: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٤). وكان - ﷺ - يرمي على راحلته يوم النحر ويقول: «لتأخذوا مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه» (٥). وهذا إرشاد منه - ﷺ - وأمر بالاستفادة من التطبيق العملي.\nفينبغي للداعية إلى الله - ﷿ - أن يعلم المدعوين - وخاصة العامة- عن طريق التطبيق العملي: كالوضوء، والصلاة، والحج، وغير ذلك مما يحتاج إليه العامة عن طريق التعليم العملي.\n_________\n(١) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، ٦/ ٦٣، وانظر: إرشاد الساري، للقسطلاني ٥/ ٩٩.\n(٢) انظر: الحديث رقم، ٢١، الدرس الرابع، ورقم ٥٥، الدرس الثالث.\n(٣) انظر: للتفصيل في ذلك: صحيح البخاري، كتاب الخوف، باب صلاة الخوف، ١/ ٢٥٦، برقم ٩٤٢ - ٩٤٧، وكتاب المغازي، باب غزوة ذات الرقاع، ٥/ ٦٢، برقم ٤١٢٥ - ٤١٣٦.\n(٤) البخاري، كتاب الأذان، باب الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة والإقامة، ١/ ١٧٥، برقم ٦٣١، من حديث مالك بن الحويرث ﵁.\n(٥) صحيح مسلم، كتاب الحج، باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبا وبيان قوله ﷺ: \" لتأخذوا مناسككم \" ٢/ ٩٤٣، برقم ١٢٩٧ من حديث جابر بن عبد الله ﵄.","vol":"1","page":488},{"text":"٨٩ -<span data-type=\"title\" id=toc-162> باب ما قيل في درع النبي - ﷺ - والقميص في الحرب </span>وقال النبي ﷺ: «أما خالد فقد احتبس أدراعه في سبيل الله».\n<span data-type=\"title\" id=toc-163>[حديث اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم]</span>\n٨١ - [٢٩١٥] حدثنا محمد بن المثنى: حدثنا عبد الوهاب: حدثنا خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس (١). - ﵄ - قال: قال النبي - ﷺ - وهو في قبة: «اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك. اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم \". فأخذ أبو بكر (٢). بيده فقال: حسبك يا رسول الله، فقد ألححت على ربك. وهو في الدرع، فخرج وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ - بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر: ٤٥ - ٤٦]» (٣).\nوقال وهيب: حدثنا خالد \" يوم بدر \" (٤).\nوفي رواية: قال النبي - ﷺ - يوم بدر: \" اللهم. . . \" الحديث (٥).\n* شرح غريب الحديث: * \" قبة \" القبة من الخيام بيت صغير مستدير، وهو من بيوت العرب، والمقصود بالقبة هنا: العريش الذي كان فيه - ﷺ - يوم بدر (٦).\n* \" أنشدك \": أسألك (٧).\n* \" حسبك \": كافيك (٨).\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ٥.\n(٢) ترجم له في الحديث رقم ١٤٧.\n(٣) سورة القمر، الآية: ٤٥ - ٤٦.\n(٤) [الحديث ٢٩١٥] أطرافه في: كتاب المغازي، باب قول الله تعالى: إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم [الأنفال: ٩]، ٥/ ٦، برقم ٣٩٥٣. وكتاب تفسير القرآن، ٥٤ سورة اقتربت الساعة، باب قوله: سيهزم الجمع ويولون الدبر [القمر: ٤٥]، ٦/ ٦٣، برقم ٤٨٧٥. وكتاب تفسير القرآن، ٥٤ سورة اقتربت الساعة، باب قوله: بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر [القمر: ٤٦]، ٦/ ٤ ٦، برقم ٤٨٧٧.\n(٥) الطرف رقم: ٣٩٥٣.\n(٦) انظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، باب القاف مع الباء، مادة: \" قبب \" ٤/ ٣، والمصباح المنير، للفيومي مادة: \" القبة \" ٢/ ٤٨٧، وفتح الباري، لابن حجر ٧/ ٢٨٩.\n(٧) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير، باب النون مع الشين، مادة \" نشد \" ٥/ ٥٣.\n(٨) تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ١٤٧.","vol":"1","page":489},{"text":"* \" ألححت \": يقال: ألح على الشيء: إذا لزمه وأصر عليه (١).\n* \" الدرع \": الزردية، وهي قميص من حلقات من الحديد متشابكة، يلبس وقاية من السلاح (٢).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من موضوعات الدعوة: الحث على الالتجاء إلى الله - ﷿ - والإلحاح في الدعاء.\n٢ - من صفات الداعية: الشجاعة.\n٣ - من صفات الداعية: قوة اليقين والثقة بالله تعالى.\n٤ - الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من موضوعات الدعوة: الحث كل الالتجاء إلى الله - ﷿ - والإلحاح في الدعاء: إن الالتجاء إلى الله - ﷿ - والإلحاح في الدعاء من أهم الموضوعات التي ينبغي أن لا يغفلها الدعاة إلى الله ﷾، وقد ظهر ذلك في قوله ﷺ: «اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك». . \". فقد حرص النبي - ﷺ - على الدعاء والإلحاح فيه؛ حتى قال أبو بكر ﵁: \" حسبك يا رسول الله، فقد ألححت على ربك \".\nوقد أمر الله ﷾ بالدعاء ووعد بالإجابة فقال: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ - وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥ - ٥٦] (٣) وقال ﷿:\n_________\n(١) انظر: النهاية في غريب الحديث، لابن الأثير باب اللام مع الحاء، مادة: \" لحح \" ٤/ ٢٣٦، والمصباح المنير، للفيومي مادة: \" ألح \" ٢/ ٥٥٠.\n(٢) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الدال مع العين، مادة: \" درع \" ٢/ ١١٤، والمعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، مادة: \" درع \" ١/ ٢٨٠.\n(٣) سورة الأعراف، الآيتان: ٥٥ - ٥٦.","vol":"1","page":490},{"text":"﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦] (١). فينبغي للدعاة إلى الله أن يحثوا المدعوين على الدعاء والضراعة إلى الله ﷿ في الرخاء والشدة؛ لأن ذلك من أسباب السعادة والتوفيق (٢).\nثانيا: من صفات الداعية: الشجاعة: ظهر في هذا الحديث أن النبي - ﷺ - خرج من قبة العريش إلى المعركة وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥] وهذا يدل على شجاعته وقوة قلبه؛ ولهذا اشترك في المعركة، وكان أقرب المقاتلين المجاهدين إلى العدو، وكان الشجاع من أصحاب النبي يتقي به أثناء القتال، كما قال على بن أبي طالب، والبراء ﵄ (٣).\nثالثا: من صفات الداعية: قوة اليقين والثقة بالله تعالى: إن قوة اليقين والثقة بالله تعالى من أبرز الصفات التي يلزم الداعية إلى الله - ﷿ - الاتصاف بها، وقد ظهرت هذه الصفة الحميدة في هذا الحديث في قوله ﷺ: «اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك»، فإن الله - ﷿ - قد أخبر أنه ينصر رسله والذين آمنوا فقال: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ - إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ - وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣] (٤) وقال ﷾: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ - يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر: ٥١ - ٥٢] (٥) وقد وعد الله نبيه - ﷺ - بإحدى الطائفتين: إما عير قريش وما عليها من التجارة، وإما هزيمة قريش، فقال ﷿: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ [الأنفال: ٧] (٦)\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ١٨٦.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٢٢، الدرس السابع.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٣٥، الدرس الخامس، ورقم ٦١، الدرس الثاني، وبلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني، لأحمد البنا، ١/ ٣٥.\n(٤) سورة الصافات، الآيات: ١٧١ - ١٧٣.\n(٥) سورة غافر، الآيتان: ٥١ - ٥٢.\n(٦) سورة الأنفال، الآية: ٧.","vol":"1","page":491},{"text":"وقد حصل للنبي اليقين بذلك كله؛ ولهذا خرج وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥] ومما يدل على اليقين أيضا ما قاله أبو بكر لرسول الله ﷺ: \" حسبك يا رسول الله فقد ألححت على ربك \"، ورسول الله - ﷺ - أعظم الناس يقينا وأقواهم ثقة بالله تعالى (١). ولا يشك في ذلك مسلم والحمد لله (٢).\nرابعا: الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل: دل هذا الحديث على أن الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل؛ لأن النبي - ﷺ - سيد المتوكلين، وقد أخذ بالأسباب: من دخوله في قبة العريش، ودعائه العظيم الذي هو من أعظم أسباب النصر، ولبسه للدرع، وقتاله مع المجاهدين، وغير ذلك. ولا شك أن التوكل يقوم على ركنين: اعتماد القلب على الله - ﷿ - والأخذ بالأسباب المشروعة أو المباحة (٣).\n_________\n(١) انظر: أعلام الحديث للخطابي، ٢/ ٥١٤٠٣.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٢٨، الدرس الرابع.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٣٠، الدرس الخامس.","vol":"1","page":492},{"text":"٩١ -<span data-type=\"title\" id=toc-164> باب الحرير في الحرب</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-165>[حديث رخص النبي لعبد الرحمن بن عوف في قميص من حرير]</span>\n٨٢ - [٢٩١٩] حدثنا أحمد بن المقدام: حدثنا خالد بن الحارث: حدثنا سعيد، عن قتادة: أن أنسا (١). حدثهم: «أن النبي - ﷺ - رخص لعبد الرحمن بن عوف (٢). والزبير (٣). في قميص من حرير من حكة كانت بهما» (٤).\nوفي رواية: «أن عبد الرحمن بن عوف والزبير شكوا إلى النبي - ﷺ - يعني القمل- فأرخص لهما في الحرير، فرأيته عليهما في غزاة» (٥).\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ١٤.\n(٢) عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن الحارث، القرشي الصحابي الجليل - ﵁ - أحد العشرة الذين شهد لهم رسول الله - ﷺ - بالجنة، وأحد الثمانية السابقين إلى الإسلام، وأحد الستة الذين هم أهل الشورى، الذين أوصى إليهم عمر بن الخطاب - ﵁ - بالخلافة، وقال: إن رسول الله - ﷺ - توفي وهو عنهم راض، وكان أحد الخمسة الذين أسلموا على يد أبي بكر، وكان من المهاجربن الأولين. شهد مع رسول الله - ﷺ - المشاهد كلها، وبعثه رسول الله - ﷺ - إلى دومة الجندل، وصلى - ﷺ - خلفه الركعة الثانية من صلاة الفجر في غزوة تبوك [صحيح مسلم برقم ٨١] جرح يوم أحد إحدى وعشرين جراحة، وجرح في رجله وسقطت ثنيتاه، وكان كثير الإنفاق في سبيل الله تعالى، قيل: إنه أعتق في يوم واحد: واحدا وثلاثين عبدا، وتصدق في يوم على عهد رسول الله - ﷺ - بشطر ماله: أربعة آلاف، ثم تصدق بأربعين ألفا، ثم تصدق. بخمسمائة فرس في سبيل الله، ثم بخمسمائة راحلة، وأوصى لأمهات المؤمنين بحديقة بيعت بأربعمائة ألف، وأوصى بخمسين ألف دينار في سبيل الله تعالى، وأوصى لمن بقي ممن شهد بدرا لكل رجل بأربعمائة دينار، وكانوا مائة، وأوصى بألف فرس في سبيل الله. وخلف مالا عظيما من الذهب قطع بالفؤوس حتى مجلت أيدي الرجال منها، وترك ألف بعير، ومائة فرس، وثلاثة آلاف شاة، وكان له أربع نسوة صالحت امرأة منهن عن نصيبها بثمانين ألفا؛ ولهذا قال الذهبي ﵀: \" هذا هو الغني الشاكر، وأويس فقير صابر، وأبو ذر أو أبو عبيدة زاهد عفيف \". وقد ذكر أنه أعتق ثلاثين ألف بيت. [سير أعلام النبلاء١/ ٩٢]. وروى عن رسول الله - ﷺ - علما كثيرا: خمسة وستين حديثا انفق البخاري ومسلم على حديثين، وانفرد البخاري بخمسة. توفي سنة ثلاث وثلاثين، وقيل إحدى وثلاثين وهو ابن خمس وسبعين سنة، لأنه ولد بعد عام الفيل بعشر سنين. وقيل: وهو ابن اثنتين وسبعين، وقيل: ثمان وسبعين، ودفن بالبقيع ﵁.\nانظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي، ١/ ٣٠٠ - ٣٠٢، وسير أعلام النبلاء للذهبي ١/ ٦٨ - ٩٢، والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، ٢/ ٤١٦.\n(٣) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ٥٢.\n(٤) [الحديث ٢٩١٩] أطرافه في: كتاب الجهاد والسير، باب الحرير في الحرب، ٣/ ٣٠٤، برقم ٢٩٢٠، و٢٩٢١ و٢٩٢٢. وكتاب اللباس، باب ما يرخص للرجال من الحرير للحكة، ٧/ ٥٩، برقم ٥٨٣٩. وأخرجه مسلم في كتاب اللباس والزينة، باب إباحة لبس الحرير للرجل إذا كان به حكة أو نحوها، ٣/ ١٦٤٦، برقم ٢٠٧٦.\n(٥) الطرف رقم ٢٩٢٠.","vol":"1","page":493},{"text":"* شرح غريب الحديث: حكة\nالحكة: الجرب. وقيل داء يكون بالجسد يحدث تحت الجلد. (١).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من خصائص الإسلام: يسر الدين وسماحة الشريعة.\n٢ - من صفات الداعية: مراعاة أحوال المدعوين.\n٣ - العمل بالأسباب لا ينافي التوكل على الله ﷿.\n٤ - أهمية سؤال المدعو عما أشكل عليه.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من خصائص الإسلام: يسر الدين وسماحة الشريعة: دل هذا الحديث على يسر الإسلام، وسماحة الشريعة، ورفع الحرج عن الناس؛ ولهذا رخص رسول الله - ﷺ - لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام - ﵄ - في لبس الحرير؛ لحكة كانت بهما؛ لأن الحرير فيه برودة ولطافة للجسم (٢). فينبغي للداعية أن يبين للناس يسر الدين وسماحة الشريعة الإسلامية، على حسب الأحوال والحاجة والمصلحة الشرعية. (٣).\nومما يدل على رفع الحرج أيضا: \" أن النبي - ﷺ - رخص في مقدار أربع أصابع من الحرير، فإذا كان في الثوب خياطة بالحرير في مواضع متفرقة، أو في موضع واحد، ولم تزد على أربع أصابع فقد رفع الله الحرج، فعن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: «نهى النبي - ﷺ - عن لبس الحرير إلا موضع: إصبعين، أو ثلاث،\n_________\n(١) انظر: المصباح المنير، للفيومي، كتاب الحاء، مادة: \" حككت \" ١/ ١٤٥، والقاموس المحيط، لفيروز آبادي، باب الكاف فصل الحاء، ص ١٢٠٩.\n(٢) انظر: شرح رياض الصالحين، للعلامة محمد بن صالح العثيمين، ٧/ ٢٤٧، وبهجة الناظرين شرح رياض الصالحين للهلالي ٢/ ١٠١.\n(٣) انظر: الحديث رقم: ١، الدرس الخامس، ورقم ٣٢، الدرس الأول، ورقم ٤٤، الدرس السادس.","vol":"1","page":494},{"text":"أو أربع» (١).\nثانيا: من صفات الداعية: مراعاة أحوال المدعوين: ظهر في هذا الحديث أن رسول الله - ﷺ - نظر إلى حال عبد الرحمن بن عوف والزبير - ﵄ - وحاجتهما إلى العلاج، فراعى أحوالهما وخصهما ومن كان مثل حالهما، فأجاز لهما لبس الحرير؛ للضرورة، وهذا يدل على معرفته - ﷺ - بطب الأبدان كما كان عارفا بطب الأديان؛ لأنه - ﷺ - لم يرخص لهذين الصحابيين إلا لمنفعة (٢).\nوسمعت سماحة العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله يقول في ذكره لفوائد حديث الباب: \" وهذا يدل على جواز لبس الحرير للعلاج، فالحرير محرم تحريما خاصا على الرجال، ويجوز لهم مقدار أربع أصابع فأقل، وهذا الحديث يدل على جوازه للعلاج للضرورة. أما المحرم تحريما عاما على الرجال والنساء، فلا يجوز العلاج به كالخمر \" (٣).\nفينبغي للداعية أن يراعي أحوال المدعوين وييسر عليهم على ضوء ما أباح الله لهم عند الحاجة والضرورة (٤).\nثالثا: العمل بالأسباب لا ينافي التوكل على الله ﷿: إن العمل بالأسباب من التوكل على الله ﷿؛ لأن التوكل يقوم على ركنين: العمل بالأسباب، واعتماد القلب على الله ﷿؛ ولهذا رخص النبي - ﷺ - لعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام في العلاج بالحرير من الحكة،\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب اللباس، باب لبس الحرير للرجال، وقدر ما يجوز منه، ٧/ ٥٦، برقم ٥٨٢٨، ومسلم، كتاب اللباس والزينة، باب تحريم استعمال إناء الذهب والفضة على الرجال والنساء، وخاتم الذهب والحرير على الرجال وإباحته للنساء وإباحة العلم ونحوه للرجال ما لم يزد على أربع أصابع، ٣/ ١٦٤٤، برقم ٢٠٦٩ واللفظ له.\n(٢) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ١٤/ ٢٩٢، وبهجة النفوس، لعبد الله بن أبي جمرة، ٣/ ١٢٩، وفتح الباري، لابن حجر، ٦/ ١٠١، وشرح رياض الصالحين، للعثيمين ٧/ ٣٤٨.\n(٣) سمعته من سماحته أثناء شرحه لحديث رقم ٢٩٢١ من صحيح البخاري.\n(٤) انظر: الحديث رقم ١٩، الدرس الثالث، ورقم ٥٨، الدرس السابع.","vol":"1","page":495},{"text":"وهذا يدل على أن العمل بالأسباب لا ينافي التوكل؛ لأن سيد المتوكلين قد شرع الأخذ بالأسباب ﷺ.\nفينبغي للدعاة إلى الله - ﷿ - العمل بالأسباب مع الاعتماد على الله ﷾ (١).\nرابعا: أهمية سؤال المدعو عما أشكل عليه: ظهر في هذا الحديث أن سؤال المدعو عما أشكل عليه من الأمور المهمة؛ ولهذا عندما أصابت الحكة عبد الرحمن بن عوف والزبير - ﵄ - شكوا إلى رسول الله - ﷺ - فأذن لهما بلبس الحرير من باب الضرورة والعلاج، وهذا يبيِّن أهمية السؤال عما أشكل ليجد المدعو الجواب والعلاج لما أصابه (٢).\n* * * *\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٣٠، الدرس الخامس.\n(٢) انظر: الحديث رقم ١٩، الدرس الرابع، ورقم ٣٠، الدرس الرابع.","vol":"1","page":496},{"text":"٩٤ -<span data-type=\"title\" id=toc-166> باب قتال اليهود</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-167>[حديث تقاتلون اليهود حتى يختبئ أحدهم وراء الحجر فيقول يا عبد الله هذا يهودي ورائي فاقتله]</span>\n٨٣ - [٢٩٢٥] حدثنا إسحاق بن محمد الفروي: حدثنا مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر (١). ﵄: أن رسول الله - ﷺ - قال: «تقاتلون اليهود حتى يختبئ أحدهم وراء الحجر فيقول يا عبد الله، هذا يهودي ورائي فاقتله» (٢). وفي رواية: «تقاتلكم اليهود فتسلطون عليهم، حتى يقول الحجر: يا مسلم هذا يهودي ورائي فاقتله» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-168>[حديث لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود حتى يقول الحجر وراءه اليهودي يا مسلم هذا يهودي ورائي فاقتله]</span>\n٨٤ - [٢٩٢٦] حدثنا إسحاق بن إبراهيم: أخبرنا جرير، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة عن أبي هريرة (٤). - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - قال: «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود، حتى يقول الحجر وراءه اليهودي: يا مسلم، هذا يهودي ورائي فاقتله».\n* شرح غريب الحديثين: فتسلطون عليهم: تمكنون منهم، يقال: تسلط: تمكن وتحكم (٥).\n* الدراسة الدعوية للحديثين: في هذين الحديثين دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من أساليب الدعوة: البشارة (٦).\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ١.\n(٢) [الحديث ٢٩٢٥] طرفه في كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، ٤/ ٢١١، برقم ٣٥٩٣. وأخرجه مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب \" لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء \"، ٤/ ٢٢٣٨، برقم ٢٩٢١.\n(٣) الطرف رقم ٣٥٩٣.\n(٤) تقدمت ترجمته في الحديث رقم: ٧.\n(٥) المصباح المنير، للفيومي، كتاب السين مادة: \" تسلط \" ١/ ٢٨٥.\n(٦) البشارة: يقال للخبر السار: البشارة، والبشرى. مفردات ألفاظ القرآن للأصفهاني، كتاب الباء، مادة: \" بشر \" ص ١٢٥، وانظر: المصباح المنير، للفيومي كتاب الباء، مادة: \" بشر \" ١/ ٤٩.","vol":"1","page":497},{"text":"٢ - من خصائص الإسلام: البقاء إلى قيام الساعة.\n٣ - من معجزات النبي ﷺ: الإخبار بالأمور الغيبية.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من أساليب الدعوة: البشارة: إن البشارة بالخير من أساليب الدعوة التي تجذب قلوب المدعوين، وقد ظهر هذا الأسلوب في قوله ﷺ: «تقاتلون اليهود حتى يختبئ أحدهم وراء الحجر فيقول: يا عبد الله، [وفي الرواية الأخرى: يا مسلم، هذا يهودي ورائي فاقتله»، وهذا فيه بشارة من النبي - ﷺ - لأمته أن الله - ﷿ - سوف ينصرهم على اليهود، ويسلطهم عليهم، فيتمكنون من قتلهم وإبادتهم، وأن الساعة لا تقوم حتى يكون ذلك القتال والنصر على أعداء الله ﷿ (١).\nفينبغي للداعية أن يستخدم أسلوب البشارة بالخير للمدعوين (٢).\nثانيا: من خصائص الإسلام: البقاء إلى قيام الساعة: دل هذا الحديث على أن الإسلام يبقى إلى قيام الساعة؛ لأن هؤلاء اليهود هم أتباع الدجال؛ قال النبي ﷺ: «يتبع الدجال من يهود أصبهان سبعون ألفا. .» (٣). وهؤلاء يتبعون الدجال آخر الزمان، وينزل عيسى - ﷺ - ويقتل الدجال، فيهزم الله اليهود، فلا يبقى شجر ولا حجر يتوارى به يهودي - إلا الغرقد؛ فإنه من شجرهم- إلا قال: يا عبد الله المسلم، هذا يهودي فتعال اقتله (٤). وثبت في صحيح مسلم أن النبي - ﷺ - حدد بقاء الإسلام بعد قتل عيسى ابن\n_________\n(١) انظر: فتح الباري، لابن حجر، ٦/ ١٠٣، ٦١٠، وعمدة القاري للعيني، ١٤/ ١٩٩، وإرشاد الساري، للقسطلاني، ٥/ ١٠٥.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٩، الدرس التاسع.\n(٣) صحيح مسلم، كتاب الفتن، باب في بقية من أحاديث الدجال، ٤/ ٢٢٦٦، برقم ٢٩٤٤. عن أنس ﵁.\n(٤) انظر: سنن ابن ماجه، كتاب الفتن، باب فتنة الدجال وخروج عيسى ابن مريم، ٢/ ١٣٦١، برقم ٤٠٧٧، من حديث أبي أمامة - ﵁ - وانظر: فتح الباري، لابن حجر ٦/ ٦١٠.","vol":"1","page":498},{"text":"مريم - ﷺ - للدجال فقال ﷺ: «ثم يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله ريحا باردة من قبل الشام فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته. .» ثم يبين ﷺ: أن بعد ذلك يبقى شرار الخلق فعليهم تقوم الساعة (١).\nوهذا كله يبين أن الإسلام يبقى إلى قبيل قيام الساعة، والحمد لله رب العالمين (٢).\nثالثا: من معجزات النبي ﷺ: الإخبار بالأمور الغيبية: دل هذا الحديث على أن محمدا - ﷺ - رسول الله حقا؛ لأنه أخبر بأمور غيبية كثيرة وقعت كما أخبر، وأمور غيبية أخرى لم تقع وستقع لا محالة كما أخبر - ﷺ -، ومنها قتل اليهود، وتطهير الأرض منهم، وتخليص المسلمين من شرهم؛ قال العلامة العيني - ﵀ - في فوائد هذا الحديث: \" وفيه معجزة للنبي ﷺ، حيث أخبر بما سيقع عند نزول عيسى ﵇: من تكلم الجماد والإخبار والأمر بقتل اليهود، وإظهاره إياهم في مواضع اختفائهم \" (٣). وسيقع ذلك كما أخبر ﷺ (٤).\n* * * *\n_________\n(١) صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب خروج الدجال ومكثه في الأرض ونزول عيسى وقتله إياه، وذهاب أهل الخير والإيمان، وبقاء شرار الناس وعبادتهم الأوثان، والنفخ في الصور، وبعث من في القبور، ٤/ ٢٢٥٩، برقم ٢٩٤٠.\n(٢) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، ٧/ ٢٩٣، وانظر أيضا: الحديث رقم ٥٥، الدرس الرابع.\n(٣) عمدة القاري شرح صحيح البخاري، ١٤/ ١٩٩، و١٦/ ١٣٤، وانظر: فتح الباري، لابن حجر ٦/ ١٠٣، ٦١٠، وإرشاد الساري للقسطلاني ٥/ ١٠٥.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٢١، الدرس الرابع.","vol":"1","page":499},{"text":"٩٥ -<span data-type=\"title\" id=toc-169> باب قتال الترك</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-170>[حديث إن من أشراط الساعة أن تقاتلوا قوما ينتعلون نعال الشعر]</span>\n٨٥ - [٢٩٢٧] حدثنا أبو النعمان: حدثنا جرير بن حازم قال: سمعت الحسن يقول: حدثنا عمرو بن تغلب (١). قال: قال النبي ﷺ: «إن من أشراط الساعة أن تقاتلوا قوما ينتعلون نعال الشعر، وإن من أشراط الساعة أن تقاتلوا قوما عراض الوجوه كأن وجوههم المجان المطرقة» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-171>[حديث لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا الترك]</span>\n٨٦ - [٢٩٢٨] حدثنا سعيد بن محمد: حدثنا يعقوب: حدثنا أبي، عن صالح، عن الأعرج قال: قال أبو هريرة (٣). - ﵁ - قال رسول الله ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا الترك، صغار الأعين، حمر الوجوه، ذلف الأنوف، كأن وجوههم المجان المطرقة. ولا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما نعالهم الشعر» (٤). وفي رواية: «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا: خوزا وكرمان من الأعاجم، حمر الوجوه، فطس الأنوف، صغار الأعين، كأن وجوههم المجان المطرقة، نعالهم الشعر» (٥).\n_________\n(١) عمرو بن تغلب العبدي، يرجع نسبه إلى أسد بن ربيعة، فهو ربعي بالاتفاق، ﵁. صحب النبي ﷺ، ثم سكن البصرة. روى عن النبي - ﷺ - حديثين رواهما البخاري، وذكر الأكثرون أنه لم يرو عنه إلا الحسن البصري. وقد ثبت في صحيح البخاري عن عمرو بن تغلب أن رسول الله - ﷺ - أتي بمال أو سبي فقسمه، فأعطى رجالا فبلغه أن الذين ترك عتبوا، فحمد الله ثم أثنى عليه ثم قال: \" أما بعد: فوالله إني لأعطي الرجل وأدع الرجل والذي أدع أحب إلي من الذي أعطي، ولكن أعطي أقواما لما أرى في قلوبهم من الجزع والهلع، وأكل أقواما إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير، فيهم عمرو بن تغلب \" فوالله ما أحب أن لي بكلمة رسول الله - ﷺ - حمر النعم [صحيح البخاري برقم ٩٢٣] وذكر أنه عاش - ﵁ - إلى خلافة معاوية ﵁. انظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي، ٢/ ٢٥، والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، ٢/ ٥٢٦.\n(٢) [الحديث ٢٩٢٧] طرفه في: كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، ٤/ ٢١١، برقم ٣٥٩٢.\n(٣) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ٧.\n(٤) [الحديث ٢٩٢٨] أطرافه في: كتاب الجهاد والسير، باب قتال الذين ينتعلون الشعر، ٣/ ٣٥٦، برقم ٢٩٢٩. وكتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، ٤/ ٢١٠ و٢١١، برقم ٣٥٨٧ و٣٥٩٠ و٣٥٩١. وأخرجه مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب \" لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء \"، ٤/ ٢٢٣٣، برقم ٢٩١٢.\n(٥) الطرف رقم ٣٥٩٠.","vol":"1","page":500},{"text":"وفي رواية: \" صحبت رسول الله - ﷺ - ثلاث سنين لم أكن في سني أحرص على أن أعي الحديث مني فيهن، سمعته يقول - وقال هكذا بيده-: «بين يدي الساعة تقاتلون قوما نعالهم الشعر، وهو هذا البارز» وقال سفيان مرة: «وهم أهل البارز» (١).\n* شرح غريب الحديثين: * \" أشراط الساعة \" الأشراط: العلامات، واحدها: شرط، وبه سميت شرط السلطان؛ لأنهم جعلوا لأنفسهم علامات يعرفون بها (٢).\n* \" المجان المطرقة \" جمع مجن، والمجن: الترس، والمطرقة: التي ألبست بالعقب شيئا فوق شيء، ويقال: طارق النعل: إذا صيرها طاقا فوق طاق، وركب بعضها فوق بعض (٣).\n* \" ذلف الأنوف \" الذلف: قصر الأنف وانبطاحه، وقيل: ارتفاع طرفه مع صغر أرنبته (٤).\n* \" فطس الأنوف \" والفطس: انخفاض قصبة الأنف وانفراشها، وقيل: انفراش الأنف، وطمأنينة وسطه (٥).\n* \" أهل البارز \" قيل: المراد الأكراد الذين سكنوا في البارز: أي الصحراء، ويحتمل أن يراد به الجبل؛ لأنه بارز عن وجه الأرض، وقيل: هم: الديالمة (٦).\n_________\n(١) الطرف رقم ٣٥٩١.\n(٢) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الشين مع الراء، مادة: \" شرط \" ٢/ ٤٦٠.\n(٣) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٢٧٣، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الطاء مع الراء، مادة: \" طرق \" ٣/ ١٢٢.\n(٤) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الذال مع اللام، مادة: \" ذلف \" ٢/ ١٦٥، وانظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٢٧٤.\n(٥) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٢٧٤، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الفاء مع الطاء، مادة: \" فطس \" ٣/ ٤٥٨.\n(٦) انظر: شرح صحيح البخاري للكرماني، ١٢/ ١٦٣.","vol":"1","page":501},{"text":"* الدراسة الدعوية للحديثين: في هذين الحديثين دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من معجزات النبي ﷺ: الإخبار بالمغيبات.\n٢ - من أساليب الدعوة: التشبيه.\n٣ - أهمية قصر الأمل في الدنيا والمسارعة إلى ما ينجي من الفتن.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من معجزات النبي ﷺ: الإخبار بالمغيبات: دل هذان الحديثان على صدق النبي ﷺ؛ لأنه قال: «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا الترك»، وقوله ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما نعالهم الشعر»، وقد وقع ذلك كما أخبر ﷺ؛ قال العلامة العيني ﵀: \" وهذا الخبر من جملة معجزاته - ﷺ - عن أمر سيكون، وقد وقع بعض ما أخبر به - ﷺ - سنة سبع عشرة وستمائة، وقد خرج جيش عظيم من الترك، فقتلوا أهل ما وراء النهر وما دونه من جميع بلاد خراسان، ولم ينج منهم إلا من اختفى في المغارات والكهوف. . . \" (١).\nويبين الإمام القرطبي - ﵀ - أن قتال الترك قد امتد إلى زمنه فقال: \" وهذا الخبر قد وقع على نحو ما أخبر ﷺ، فقد قاتلهم المسلمون في عراق العجم مع سلطان خوارزم - ﵀ - وكان الله قد نصره عليهم، ثم رجعت لهم الكرة فغلبوا على عراق العجم وغيره، وخرج منهم في هذا الوقت أمم لا يحصيهم إلا الله، حتى كأنهم يأجوج ومأجوج أو مقدمتهم، فنسأل الله تعالى أن يهلكهم ويبدد جمعهم. . . \" (٢).\nوهذا يبين صدق النبي - ﷺ - وأن وقوع ذلك من معجزاته الباهرة (٣).\n_________\n(١) عمدة القاري، شرح صحيح البخاري، ١٤/ ٢٠١، وانظر: بهجة النفوس، لابن أبي جمرة ٣/ ١٣٠.\n(٢) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٧/ ٢٤٨، وانظر: فتح الباري لابن حجر، ٦/ ١٠٤.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٢١، الدرس الرابع.","vol":"1","page":502},{"text":"ثانيا: من أساليب الدعوة: التشبيه: ظهر في هذين الحديثين أسلوب التشبيه؛ لقوله ﷺ: «كأن وجوههم المجان المطرقة»؛ قال الطيبي ﵀: \" شبه وجوههم بالترس؛ لبسطها وتدويرها، وبالمطرقة؛ لغلظها وكثرة لحمها \" (١).\nوهذا يبين للدعاة إلى الله - ﷿ - أهمية استخدام أسلوب التشبيه عند الحاجة إليه، والله المستعان (٢).\nثالثا: أهمية قصر الأمل في الدنيا والمسارعة إلى ما ينجي من الفتن: دل هذان الحديثان على أن خروج هؤلاء القوم- الذين يلبسون نعال الشعر، وعراض الوجوه كأن وجوههم المجان المطرقة- علامة على اقتراب الساعة ويوم القيامة، فينبغي لكل مسلم أن يقصر أمله في الدنيا، فلا تكون أكبر همه؛ فإن من مات قامت قيامته وساعته، كما ينبغي المبادرة إلى عمل جميع الأسباب التي تنجي من الفتن، والمسارعة إلى فعل الخيرات وترك المنكرات؛ لأن الفتن المضلة لا تقع إلا لضعف في الإيمان أو قلة في كماله (٣). قال الله ﷿: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١] (٤) وقال ﷾: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] (٥).\n_________\n(١) شرح الطيبي على مشكاة المصابيح، ١١/ ٣٤٢٣، وانظر: معالم السنن للخطابي، ٦/ ١٦٧، وإكمال إكمال المعلم للأبي ٩/ ٣٦٢.\n(٢) انظر: الحديث رقم ١٨، الدرس الرابع، ورقم ١٩، الدرس الخامس.\n(٣) انظر: بهجة النفوس، لعبد الله بن أبي جمرة، ٣/ ١٣١.\n(٤) سورة الروم، الآية ٤١.\n(٥) سورة الشورى، الآية: ٣٠.","vol":"1","page":503},{"text":"٩٨ -<span data-type=\"title\" id=toc-172> باب الدعاء على المشركين بالهزيمة والزلزلة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-173>[حديث ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا شغلونا عن صلاة الوسطى حين غابت الشمس]</span>\n٨٧ - [٢٩٣١] حدثنا إبراهيم بن موسى: أخبرنا عيسى: حدثنا هشام، عن محمد، عن عبيدة، عن علي (١) - ﵁ قال: لما كان يوم الأحزاب قال رسول الله ﷺ: «ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا، شغلونا عن صلاة الوسطى حين غابت الشمس» (٢).\nوفي رواية: «ملأ الله عليهم بيوتهم وقبورهم نارا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس» (٣).\nوفي رواية: «حبسونا عن صلاة الوسطى حتى غابت الشمس ملأ الله قبورهم وبيوتهم - أو أجوافهم- نارا» شك يحيى (٤).\nوفي رواية: «. . وهي صلاة العصر» (٥).\n* شرح غريب الحديث: * \" حبسونا \": منعونا (٦).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ٧٨.\n(٢) [الحديث ٢٩٣١] أطرافه في: كتاب المغازي، باب غزوة الخندق وهي الأحزاب، ٥/ ٥٨، برقم ٤١١١. وكتاب تفسير القرآن، ٢ سورة البقرة، باب حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى [البقرة: ٢٣٨]، ٥/ ١٩٠، برقم ٤٥٣٣. وكتاب الدعوات، باب الدعاء على المشركين ٧/ ٢١٣، برقم ٦٣٩٦. وأخرجه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب التغليظ في تفويت صلاة العصر، ١/ ٤٣٦، برقم ٦٢٧. وكتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب الدليل لمن قال: الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، ١/ ٤٣٦، برقم ٦٢٧.\n(٣) الطرف رقم ٤١١١.\n(٤) الطرف رقم ٤٥٣٣.\n(٥) الطرف رقم ٦٣٩٦.\n(٦) انظر: المصباح المنير، للفيومي، كتاب الحاء، مادة: \" حبس \" ١/ ١١٨.","vol":"1","page":504},{"text":"١ - من موضوعات الدعوة: الحث على أداء الصلاة في وقتها.\n٢ - حرص النبي - ﷺ - على أداء الصلاة في وقتها.\n٣ - من صفات الداعية: الحرص على الدقة في نقل الحديث.\n٤ - من أساليب الدعوة: الترهيب.\n٥ - من تاريخ الدعوة: ذكر غزوة الأحزاب.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من موضوعات الدعوة: الحث على أداء الصلاة في وقتها: دل هذا الحديث على أهمية حث المصلين على المحافظة على الصلاة في وقتها؛ ولهذا دعا النبي - ﷺ - على المشركين؛ لكونهم السبب في إشغال النبي - ﷺ - وأصحابه حتى فاتتهم صلاة العصر؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا شغلونا عن صلاة الوسطى».\nقال الله ﷿: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] (١). وعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال «سألت النبي ﷺ: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: \" الصلاة في وقتها \" قال: ثم أي؟ قال: \" بر الوالدين \" قال: ثم أي؟ قال: \" الجهاد في سبيل الله» (٢).\nفينبغي للدعاة أن يحضوا الناس على المبادرة إلى الصلاة في وقتها؛ لقوله ﷿: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] (٣).\nثانيا: حرص النبي - ﷺ - على أداء الصلاة في وقتها: ظهر في هذا الحديث حرص النبي - ﷺ - على المحافظة على الصلاة وأدائها في أول وقتها؛ ولهذا غضب على المشركين غضبا شديدا عندما شغلوه عن\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ٢٣٨.\n(٢) متفق عليه: أخرجه البخاري واللفظ له، في كتاب مواقيت الصلاة، باب فضل الصلاة لوقتها، ١/ ١٥٢، برقم ٥٢٧، ومسلم، في كتاب الإيمان، باب بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال، ١/ ٨٩، برقم ٨٥.\n(٣) سورة النساء، الآية: ١٠٣.","vol":"1","page":505},{"text":"صلاة العصر، فدعا عليهم وقال: «ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا، كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس» وثبت عن جابر بن عبد الله ﵄: أن «عمر بن الخطاب - ﵁ - جعل يوم الخندق يسب الكفار، وقال يا رسول الله، ما كدت أن أصلي العصر حتى كادت أن تغرب الشمس، فقال رسول الله ﷺ: \" فوالله إن صليتها \" (١). فنزلنا إلى بطحان (٢). فتوضأ رسول الله ﷺ، وتوضأنا، فصلى رسول الله - ﷺ - العصر بعدما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب» (٣). فينبغي لكل مسلم وخاصة الداعية إلى الله ﷾ أن يحرص على أداء الصلاة في وقتها.\nثالثا: من صفات الداعية: الحرص على الدقة في نقل الحديث: ظهر في هذا الحديث حرص السلف الصالح على الدقة في نقل الحديث عن رسول الله ﷺ، قال: يحيى بن سعيد القطان في قوله ﷺ: «ملأ الله قبورهم وبيوتهم- أو أجوافهم نارا-» فشك ﵀ هل قال بيوتهم أو قال أجوافهم، وهذا يدل على تحريه للصدق والدقة (٤).\nفينبغي للداعية أن يحرص على الدقة في نقل الحديث (٥).\nرابعا: من أساليب الدعوة: الترهيب: دل مفهوم هذا الحديث على الترهيب عن تأخير الصلاة عن وقتها؛ لأن النبي - ﷺ - دعا على من كان سببا في تأخيرها فقال: «ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا شغلونا عن صلاة الوسطى حتى غابت الشمس» قال الطيبي - ﵀ - على قوله: \" بيوتهم وقبورهم \" \" خصهما بالذكر؛ لأن أحدهما مسكن الأحياء،\n_________\n(١) فوالله إن صليتها: أي والله ما صليتها. شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ١٣٦.\n(٢) بطحان: هو واد بالمدينة. المرجع السابق ١/ ١٣٧.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب قضاء الصلوات، الأولى فالأولى، ١/ ١٦٧، برقم ٥٩٨، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة ١/ ٤٣٨، برقم ٦٣١.\n(٤) انظر: شرح صحيح البخاري للكرماني، ١٧/ ٤٠، وفتح الباري لابن حجر، ٨/ ١٩٨.\n(٥) انظر: الحديث رقم ٢١، الدرس العاشر.","vol":"1","page":506},{"text":"والآخر مضجع الأموات: أي جعل الله النار ملازمة لهم، بحيث لا تنفك عنهم لا في حياتهم ولا في مماتهم \" (١). فدعا عليهم بعذاب الدارين من خراب بيوتهم في الدنيا بنهب أموالهم، وسبي ذراريهم، وهدم دورهم، ومن عقابهم في الآخرة باشتعال قبورهم نارا (٢). وهذا الدعاء على من كان سببا في تأخير صلاة العصر حتى خرج وقتها، فكيف بعقاب من أخرها متعمدا مستهينا بها حتى يخرج وقتها؟ قال ﷺ: «الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر (٣). أهله وماله» (٤). وهذا الوعيد لمن فاتته صلاة العصر، أما من تركها متعمدا فقال في حقه ﷺ: «من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله» (٥).\nفينبغي للداعية أن يخوف الناس من تأخير الصلاة عن وقتها ومن تركها (٦).\nخامسا: من تاريخ الدعوة: ذكر غزوة الأحزاب: إن من تاريخ الدعوة: ذكر غزوة الأحزاب؛ لأهمية ذلك، قال علي بن أبي طالب ﵁: لما كان يوم الأحزاب قال رسول الله ﷺ: «ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا شغلونا عن صلاة الوسطى»، وهذا يبين للداعية أهمية ذكر الحوادث التي تجذب قلوب المدعوين، ولا شك أن غزوة الأحزاب كانت في السنة الخامسة من الهجرة (٧).\n_________\n(١) شرح الطيبي على مشكاة المصابيح، ٣/ ٩٠٠.\n(٢) انظر: المرجع السابق، ٣/ ٩٠٠.\n(٣) وتر أهله وماله: أي انتزع منه أهله وماله، فبقي بلا أهل ولا مال، انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ١٣٠.\n(٤) متفق عليه من حديث ابن عمر - ﵄: البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب إثم من فاتته العصر، ١/ ١٥٦، برقم ٥٥٢، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب التغليظ في تفويت صلاة العصر، ١/ ٤٣٥، برقم ٦٢٦.\n(٥) البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب من ترك العصر، ١/ ١٥٦، برقم ٥٥٣.\n(٦) انظر: الحديث رقم ٧، الدرس الثالث عشر، ورقم ١٢، الدرس الثالث.\n(٧) انظر: زاد المعاد في هدي خير العباد، لابن القيم، ٣/ ٢٦٩.","vol":"1","page":507},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-174>[حديث اللهم منزل الكتاب سريع الحساب اللهم اهزم الأحزاب اللهم اهزمهم وزلزلهم]</span>\n٨٨ - [٢٩٣٣] حدثنا أحمد بن محمد: أخبرنا عبد الله: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد أنه سمع عبد الله بن أبي أوفى (١) - ﵄ - يقول: دعا رسول الله - ﷺ - يوم الأحزاب على المشركين فقال: «اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اللهم اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم» (٢).\nوفي رواية: عن سالم أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، وكان كاتبا له قال: كتب إليه عبد الله بن أبي أوفى - ﵄ - فقرأته: «إن رسول الله - ﷺ - في بعض أيامه التي لقي فيها انتظر حتى مالت الشمس». (٣).\nوفي رواية: ثم قام في الناس فقال: «أيها الناس لا تمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف»، ثم قال: «اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم، وانصرنا عليهم». (٤).\n* شرح غريب الحديث: * \" الجنة تحت ظلال السيوف \" هو كناية عن الدنو من القتال في الجهاد، حتى يعلوه السيف ويصير ظله عليه، والظل: الفيء الحاصل من الحاجز بينك وبين الشمس (٥).\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ٣.\n(٢) [الحديث ٢٩٣٣] أطرافه في: كتاب الجهاد والسير، باب كان النبي - ﷺ - إذا لم يقاتل أول النهار أخر القتال حتى تزول الشمس، ٤/ ١١، برقم ٢٩٦٥. وكتاب الجهاد والسير، باب لا تمنوا لقاء العدو، ٤/ ٣٠، برقم ٣٠٢٥. وكتاب المغازي، باب غزوة الخندق وهي الأحزاب، ٥/ ٥٩، برقم ٤١١٥. وكتاب الدعوات، باب الدعاء على المشركين، ٧/ ٢١٢، برقم ٦٣٩٢. وكتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: أنزله بعلمه والملائكة يشهدون [النساء: ١٦٦]، ٨/ ٢٤٧، برقم ٧٤٨٩. وأخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب استحباب الدعاء بالنصر عند لقاء العدو، ٣/ ١٣٦٣، برقم ١٧٤٢.\n(٣) الطرف رقم ٢٩٦٥.\n(٤) من الطرف رقم ٣٠٢٥.\n(٥) انظر: غريب الحديث رقم ٣٣، ص ٢٣٢.","vol":"1","page":508},{"text":"* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من أسباب نصر الداعية: الدعاء.\n٢ - من وسائل الدعوة إلى الله: الكتابة.\n٣ - من وسائل الدعوة: مراعاة أوقات نشاط المدعو.\n٤ - من أساليب الدعوة: التشبيه.\n٥ - من موضوعات الدعوة: الحث على الجهاد.\n٦ - من موضوعات الدعوة: الحث على الدعاء.\n٧ - من صفات الداعية: الصبر.\n٨ - من أساليب الدعوة: الترغيب.\n٩ - من وسائل الدعوة: اغتنام التذكير عند الحوادث الملمة.\n١٠ - من وسائل الدعوة: الخطابة.\n١١ - من موضوعات الدعوة: الحث على سلوك الأدب.\n١٢ - من صفات الداعية: التواضع (١).\n_________\n(١) انظر: الدروس الدعوية للحديث رقم ٣٣؛ فإن جميع هذه الدروس سبق الحديث عنها هناك بالتفصيل.","vol":"1","page":509},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-175>[حديث إن الله يحب الرفق في الأمر كله]</span>\n٨٩ - [٢٩٣٥] حدثنا سليمان بن حرب: حدثنا حماد، عن أيوب عن ابن أبي مليكة، عن عائشة (١) - ﵂: «أن اليهود دخلوا على النبي - ﷺ - فقالوا: السام عليك، فلعنتهم. فقال: \" مالك؟ \" قالت: أولم تسمع ما قالوا؟ قال: \" فلم تسمعي ما قلت؟ وعليكم» (٢).\nوفي رواية: «دخل رهط من اليهود على رسول الله - ﷺ - فقالوا: السام عليكم. قالت عائشة - ﵂ ففهمتها فقلت: وعليكم السام واللعنة. قالت: فقال رسول الله ﷺ: \" مهلا يا عائشة إن الله يحب الرفق في الأمر كله \" فقلت: يا رسول الله أولم تسمع ما قالوا؟ قال رسول الله ﷺ: \" قد قلت: وعليكم» (٣).\nوفي رواية: «أن يهود أتوا النبي - ﷺ - فقالوا: السام عليكم، فقالت عائشة: عليكم ولعنكم الله وغضب الله عليكم. قال: \" مهلا يا عائشة عليك بالرفق، وإياك والعنف والفحش \" قالت: أولم تسمع ما قالوا؟ قال: \" أولم تسمعي ما قلت؟ رددت عليهم، فيستجاب لي فيهم ولا يستجاب لهم في» (٤).\nوفي رواية: «إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله» (٥).\n* شرح غريب الحديث: * \" السام \": الموت وهو الذي كانت اليهود تقصده في سلامهم. أما السأم\n_________\n(١) تقدمت ترجمتها في الحديث رقم ٤.\n(٢) الحديث ٢٩٣٥] أطرافه في: كتاب الأدب، باب الرفق في الأمر كله، ٧/ ١٠٥، برقم ٦٠٢٤. وكتاب الأدب، باب لم يكن النبي - ﷺ - فاحشا ولا متفحشا، ٧/ ١٠٧، برقم ٦٠٣٠. وكتاب الاستئذان، باب كيف يرد على أهل الذمة السلام؟، ٧/ ١٧٢، برقم ٦٢٥٦. وكتاب الدعوات، باب الدعاء على المشركين، ٧/ ٢١٢، برقم ٦٣٩٥. وكتاب الدعوات، باب قول النبي - ﷺ -؛ \" يستجاب لنا في اليهود، ولا يستجاب لهم فينا \"، ٧/ ٢١٤، برقم ٦٤٠١. وكتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، باب إذا عرض الذمي وغيره بسب النبي - ﷺ - ولم يصرح نحو قوله. \" السام عليك \"، ٨/ ٦٥، برقم ٦٩٢٧. وأخرجه مسلم في كتاب السلام، باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام وكيف يرد عليهم؟، ٤/ ١٧٠٦، برقم ٢١٦٥.\n(٣) الطرف رقم: ٦٠٢٤.\n(٤) الطرف رقم: ٦٠٣٠.\n(٥) من الطرف رقم: ٦٩٢٧.","vol":"1","page":510},{"text":"فمعناه أنكم تسأمون دينكم. (١).\n* \" الفحش \": المقصود بالفحش في هذا الحديث: التعدي في القول والجواب. وقد يكون الفحش بمعنى: الزيادة والكثرة، كما يقال في دم البراغيث: إن لم يكن فاحشا فلا بأس: أي إن لم يكن كثيرا. و\" الفاحش \" ذو الفحش في كلامه وفي فعاله. و\" المتفحش \" الذي يتكلف ذلك ويتعمده (٢). و\" الفحش والفاحشة والفواحش \": \" كل ما يشتد قبحه من الذنوب والمعاصي، وكثيرا ما ترد الفاحشة بمعنى الزنا، وكل خصلة قبيحة فهي فاحشة: من الأقوال والأفعال \" (٣).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من موضوعات الدعوة: الحض على لين الجانب بالقول والفعل.\n٢ - من صفات الداعية: الرفق.\n٣ - من آداب الداعية: إفشاء السلام ورده على المسلمين، ورده عل أهل الكتاب، بقوله: (وعليكم).\n٤ - من أساليب الدعوة: البشارة.\n٥ - من صفات الداعية: الحلم.\n٦ - من صفات الداعية: التغافل عن سفه المبطلين إذا أمنت المفسدة.\n٧ - أهمية تدريب الداعية نفسه ولسانه على الأدب.\n٨ - من وسائل الدعوة: التأليف بالعفو مكان الانتقام.\n٩ - من أصناف المدعوين: أهل الإيمان الكامل.\n١٠ - من أصناف المدعوين: اليهود مع خبثهم وسوء أدبهم.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\n_________\n(١) تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ١٩٦، ص ٢١٩، وانظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب السين مع الهمزة، مادة: \" سئم \" ٣/ ٣٢٨.\n(٢) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٤٢٦.\n(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الفاء مع الحاء، مادة: \" فحش \" ٣/ ٤١٥.","vol":"1","page":511},{"text":"أولا: من موضوعات الدعوة: الحض على لين الجانب بالقول والفعل: ظهر في هذا الحديث الحض والحث على لين الجانب مع المدعوين بالقول والفعل؛ ولهذا عندما قال اليهود للنبي ﷺ: السام عليك لم يعاقبهم، ولم يزد على قوله ﷺ: \" وعليكم \" بل أنكر على عائشة - ﵂ قولها: «عليكم ولعنكم الله وغضب الله عليكم \" فقال ﷺ: \" مهلا يا عائشة، عليك بالرفق وإياك والعنف والفحش». فينبغي للداعية أن يحض المدعوين على لين الجانب واللطف؛ قال الله - ﷿ - لموسى وهارون: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى - فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٣ - ٤٤] (١) وقال ﷾ لمحمد ﷺ: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] (٢).\n\nثانيا: من صفات الداعية \" الرفق: إن الرفق من الصفات المهمة التي ينبغي أن يتصف بها الداعية؛ ولهذا رفق النبي - ﷺ - باليهود في هذا الحديث، ولم يقابل قولهم القبيح ومقصدهم الفاسد بالعنف ولا بالفحش، وإنما رفق بهم ورد عليهم ما قالوا من حيث لا يشعرون بحكمة ولطف فقال: \" وعليكم \". فينبغي للداعية أن يكون رفيقا، لينا سهلا؛ لأن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله (٣).\nثالثا: من آداب الداعية: إفشاء السلام ورده علي المسلمين،\nورده علي أهل الكتاب بقوله: \" وعليكم \": إن إفشاء السلام ورده على كل مسلم من الآداب العظيمة، أما أهل الكتاب فلا يبْدَؤون بالسلام؛ لقوله ﷺ: «لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه» (٤). ولكن إذا سلم أهل الكتاب فيرد عليهم\n_________\n(١) [سورة طه، الآيتان: ٤٣ - ٤٤].\n(٢) [سورة آل عمران، الآية: ١٥٩].\n(٣) انظر: الحديث رقم ٧٦، الدرس الثالث.\n(٤) أخرجه مسلم عن أبي هريرة ﵁، في كتاب السلام، باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام، وكيف يرد عليهم، ٤/ ١٧٠٧ برقم ٢١٦٧.","vol":"1","page":512},{"text":"السلام بالصيغة التي رد بها عليهم رسول الله - ﷺ - في حديث عائشة - ﵂ - وهي قوله: \" وعليكم \" أو \" عليكم \" وقد رجح النووي ﵀ أن إثبات الواو وحذفها جائزان، وأكثر الروايات بإثباتها، وعلى هذا فيكون في معناه وجهان: أحدهما: أنه على ظاهره، فقالوا: عليكم الموت، فقال: \" وعليكم \" أيضا أي نحن وأنتم فيه سواء، وكلنا نموت.\nوالوجه الثاني: أن الواو هنا للاستئناف لا للعطف والتشريك، وتقديره: \" وعليكم \" ما تستحقونه من الذم، وأما من حذف الواو فتقديره: بل عليكم السام، وإثبات الواو أجود كما في أكثر الروايات (١).\nوقد أمر - ﷺ - بهذه الصيغة فقال: «إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم» (٢). فثبت ذلك من قوله - ﷺ - وفعله.\nفينبغي للمسلم أن يسلم على كل جمع فيهم مسلمون وكفار، أو مسلم وكافر، ويقصد بالسلام ورده المسلمين أو المسلم (٣). أما السلام على المسلمين ورده على من سلم منهم، فهذا فيه أحاديث عظيمة تبين أهميته وآدابه، وتأكده، ومن ذلك حديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله ﷺ قال: «حق المسلم على المسلم ست \" قيل: وما هن يا رسول الله، قال: \" إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه» (٤). ومن آداب السلام ما ثبت في حديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد،\n_________\n(١) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ١٢/ ٣٩٤ - ٣٩٥.\n(٢) متفق عليه: من حديث أنس ﵁، البخاري، كتاب الاستئذان، باب كيف يرد على أهل الذمة السلام، ٧/ ١٧٣، برقم ٦٢٥٨، ومسلم، في كتاب السلام، باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام وكيف يرد عليهم، ٤/ ١٧٠٥، برقم ٢١٦٣.\n(٣) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ١٤/ ٣٩٦.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب الأمر باتباع الجنائز، ٢/ ٨٨، برقم ١٢٤٠، ولفظه؛ \" حق المسلم على المسلم خمس \" ولم يذكر \" إذا استنصحك فانصح له \" وأخرجه مسلم بلفظه، في كتاب السلام، باب من حق المسلم على المسلم رد السلام، ٤/ ١٧٠٤ برقم ٢١٦٢.","vol":"1","page":513},{"text":"والقليل على الكثير» (١). وعنه - ﵁ - أيضا عن النبي - ﷺ - أنه قال: «يسلم الصغير على الكبير، والمار على القاعد، والقليل على الكثير» (٢). وللسلام آداب كثيرة جميلة، وفضائل عظيمة لا يتسع المقام لذكرها في هذا الموضع. فينبغي للداعية أن يعتني بها ويراجعها (٣).\nرابعا: من أساليب الدعوة: البشارة: ظهر هذا الأسلوب في قوله - ﷺ - في هذا الحديث: «أو لم تسمعي ما قلت؟ يستجاب لي فيهم ولا يستجاب لهم في» وثبت عنه - ﷺ - أنه قال: «وإنا نجاب عليهم ولا يجابون علينا» (٤). وهذه بشارة من رسول الله - ﷺ - لعائشة ولجميع المسلمين أن الدعاء بالحق على الظالم يستجاب، ولا يستجاب دعاء الظالم على المظلوم؛ لأنه دعاء بالباطل والظلم؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀: \" ويستفاد منه أن الداعي إذا كان ظالما على من دعا عليه لا يستجاب دعاؤه \" (٥).\nخامسا: من صفات الداعية: الحلم: إن الحلم من الصفات الكريمة الجميلة التي ينبغي أن يتصف بها الداعية إلى الله ﷾؛ ولهذا لم يغضب رسول الله - ﷺ - عندما قال اليهود: \" السام عليك \" وإنما ضبط نفسه، وأعرض عنهم، ورد عليهم ما يناسبهم \" وعليكم \" وقد أمره الله - ﷿ - بالإعراض عن الجاهلين فقال ﷾: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] (٦)\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، في كتاب الاستئذان، باب تسليم الراكب على الماشي، ٧/ ١٦٥، برقم ٦٢٣٢، ومسلم، كتاب السلام، باب يسلم الراكب على الماشي والقليل على الكثير، ٤/ ١٧٠٣ برقم ٢١٦٠.\n(٢) البخاري، كتاب الاستئذان، باب تسليم القليل على الكثير، ٧/ ١٦٥، برقم ٦٢٣١.\n(٣) انظر: الآداب الشرعية لابن مفلح المقدسي ١/ ٣٥٠ - ٤١٧، وغذاء الألباب لشرح منظومة الآداب، لمحمد السفاريني ١/ ٤٧٤ - ٣٠٠.\n(٤) أخرجه مسلم، عن جابر بن عبد الله - ﵄ - في كتاب السلام، باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام وكيف يرد عليهم، ٤/ ١٧٠٧ برقم ٢١٦٦. من حديث جابر بن عبد الله - ﵄ -.\n(٥) فتح الباري بشرح صحيح البخاري ١١/ ٢٠٠.\n(٦) سورة الأعراف، الآية: ١٩٩.","vol":"1","page":514},{"text":"فينبغي للداعية أن يضبط نفسه عند هيجان الغضب، وهذا يحتاج إلى مجاهدة شديدة وصبر عظيم؛ لما في كظم الغيظ من كتمان ومقاومة (١).\nسادسا: من صفات الداعية: التغافل عن سفه المبطلين إذا أمنت المفسدة: دل هذا الحديث على أن من الصفات الحميدة أن يتغافل الداعية عن سفه المبطلين والمعارضين لدعوته، وإذا سمع كلاما قبيحا وفحشا من القول فكأنه لم يسمعه إعراضا عن الجاهلين؛ ولهذا أعرض - ﷺ - عن اليهود عندما قالوا \" السام عليك \" ولم يزد على قوله ﷺ: \" وعليكم \"؛ قال النووي ﵀: \" وفي هذا الحديث استحباب تغافل أهل الفضل عن سفه المبطلين إذا لم تترتب عليه مفسدة \" (٢). فالكيس العاقل هو الفطن المتغافل عن الزلات، وسقطات اللسان إذا لم يترتب على ذلك مفاسد، والله المستعان (٣). وقد مدح الله - ﷿ - المؤمنين الذين يدرؤون بالحسنة السيئة فقال ﷾: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ - وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٤ - ٥٥] (٤). وقال - ﷿ - في صفات عباد الرحمن: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] (٥).\nسابعا: أهمية تدريب الداعية نفسه ولسانه على الأدب: دل هذا الحديث على أهمية تدريب الداعية نفسه ولسانه على الآداب الحميدة، والألفاظ الكريمة؛ ولهذا قال - ﷺ - لعائشة ﵂: «عليك بالرفق وإياك والعنف والفحش» فقد حذر - ﷺ - عن التعدي في القول والجواب؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀: \" والذي يظهر أن النبي - ﷺ - أراد أن لا يتعود لسانها بالفحش، أو أنكر عليها الإفراط في السب \" (٦).\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٣٥، الدرس الثاني.\n(٢) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٤/ ٣٩٨.\n(٣) انظر: المرجع السابق ١٤/ ٣٩٨.\n(٤) سورة القصص، الآيتان: ٥٤ - ٥٥.\n(٥) سورة الفرقان، الآية: ٦٣.\n(٦) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ١١/ ٤٣.","vol":"1","page":515},{"text":"فينبغي للداعية أن يضبط نفسه ولسانه عن كل ما لا يحسن ولا يجمل والله المستعان.\nثامنا: من وسائل الدعوة: التأليف بالعفو مكان الانتقام: التأليف بالعفو مكان الانتقام من وسائل الدعوة إلى الله ﷿، وقد ظهر ذلك في عفو النبي - ﷺ - عن اليهود الذين قالوا: \" السام عليك \" ومع ذلك عفا عنهم - ﷺ - استئلافا، وإلا فالصواب أن من سب النبي - ﷺ - من الكفار ينتقض عهده، فيهدر دمه ويقتل إلا أن يسلم، فإن أسلم فالحمد لله؛ الإسلام يهدم ما كان قبله.\nأما من سب النبي - ﷺ - من المسلمين فإنه يقتل، والصواب أنه لا يستتاب، بل يقتله ولي أمر المسلمين؛ لأن شره عظيم وخطير- ولا شك أن من تاب تاب الله عليه- فإن كان صادقا في توبته قبلت عند الله ﷿، ولكن لا يكون معصوم الدم في الدنيا، بل يقتل، والله المستعان وعليه التكلان (١). والنبي - ﷺ - لم يقتل اليهود الذين قالوا: \" السام عليك \" استئلافا لهم وترغيبا لهم في الإسلام، والله أعلم. قال الحافظ ابن حجر ﵀: \" والذي يظهر أن ترك قتل اليهود إنما كان لمصلحة التأليف، أو لكونهم لم يعلنوا به، أو لهما جميعا وهو أولى والله أعلم \" (٢). وهذا يبين حرص النبي - ﷺ - على إيصال الإسلام لكافة الناس، ولهذا أراد أن يتألفهم، مع فطنته ورده عليهم قولهم من حيث لا يشعرون (٣). فينبغي للداعي أن يتألف بالعفو مكان الانتقام اقتداء بالنبي ﷺ (٤).\nتاسعا: من أصناف المدعوين: أهل الإيمان الكامل: دل هذا الحديث على أن من أصناف المدعوين أهل الإيمان الكامل؛ ولهذا أنكر النبي - ﷺ - على عائشة - ﵂ - ونصحها بالرفق واللطف عندما شددت بالقول القوي على اليهود ولعنتهم فقال ﷺ: «مهلا يا عائشة إن الله يحب الرفق في الأمر كله».\n_________\n(١) انظر: الصارم المسلول على شاتم الرسول ﷺ، لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص ٣ - ٢٣، وص ٣٧٩ - ٤٠٥، وفتح الباري لابن حجر، ١٢/ ٢٨١.\n(٢) انظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري ١٢/ ٢٨١.\n(٣) انظر: بهجة الناظرين شرح رياض الصالحين، لسليم الهلالي ١/ ٦٨٣.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٨٠، الدرس الثالث.","vol":"1","page":516},{"text":"فينبغي للداعية أن يعلم أن من أصناف المدعوين أهل الصلاح والاستقامة، وقد يكون هو منهم في بعض الأحيان (١).\nعاشرا: من أصناف المدعوين: اليهود مع خبثهم وسوء أدبهم: دل استئلاف النبي - ﷺ - لليهود في هذا الحديث على أنهم من أصناف المدعوين؛ ولهذا لم يعاقبهم على قولهم القبيح: \" السام عليك \" رغبة منه - ﷺ - في إسلامهم كما بين ذلك ابن حجر ﵀. (٢).\nواليهود لهم أعمال خبيثة قبيحة، منها قولهم: \" السام عليك \"؛ فإنهم قد أوهموا أنهم يقولون: \" السلام عليك \" ولكنهم حرفوا الكلم عن مواضعه، وقصدوا الموت قبحهم الله، ومن خبثهم قولهم: \" راعنا \" وقد ذكر كثير من أهل العلم أنها كلمة تقولها اليهود على وجه الاستهزاء والمسبة. (٣).\nقال الله ﷿: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٤٦] (٤)؛ ولهذا نهى الله المؤمنين أن يخاطبوا رسول الله - ﷺ - بهذه الكلمة فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٠٤] (٥).\nولا شك أن اليهود قلوبهم قاسية ويحرفون الكلم عن مواضعه، ولكن لإقامة الحجة عليهم ينبغي للداعية أن يسلك معهم في دعوتهم إلى الله - ﷿خمسة مسالك:\n١ - يبين لهم بالأدلة العقلية والنقلية أن الإسلام قد نسخ جميع الشرائع السابقة.\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٧١، الدرس السابع ورقم ٧٦، الدرس الرابع.\n(٢) انظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ١٢/ ٢٨١، وانظر: الدرس الثامن من هذا الحديث.\n(٣) انظر: تفسير الطبري \" جامع البيان عن تأويل آي القرآن \" ٨/ ٤٣٥، ٢/ ٤٥٩ - ٤٦٧.\n(٤) سورة النساء، الآية: ٤٦.\n(٥) سورة البقرة، الآية: ١٠٤.","vol":"1","page":517},{"text":"٢ - يذكر لهم الأدلة القطعية على وقوع التحريف والتبديل في التوراة.\n٣ - إثبات اعترافات المنصفين من علماء اليهود.\n٤ - الأدلة على إثبات رسالة عيسى ﷺ.\n٥ - الأدلة العقلية والنقلية والحسية على إثبات رسالة محمد ﷺ (١).\n_________\n(١) انظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل، لابن حزم ١/ ١٧٧ - ٢٨٧، والداعي إلى الإسلام، لكمال الدين عبد الرحمن بن محمد الأنباري ص ٣١٧ - ٣٥٣، وتلبيس إبليس لعبد الرحمن بن الجوزي البغدادي ص ٧٣، ودرء تعارض العقل والنقل لابن تيمية، ٥/ ٧٨ - ٨٣، ٧/ ٢٧، وإغاثة اللهفان لابن القيم ٢/ ٣٢١ - ٣٦٢، وهداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى، لابن القيم ص ٥٢٢ - ٥٨٢، وإظهار الحق، لرحمة الله الهندي ١/ ٩٣ - ٥٠٩.","vol":"1","page":518},{"text":"٩٩ -<span data-type=\"title\" id=toc-176> باب هل يرشد المسلم أهل الكتاب أو يعلمهم الكتاب</span>؟\n<span data-type=\"title\" id=toc-177>[حديث كتاب النبي إلى قيصر فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين]</span>\n٩٠ - [٢٩٣٦] حدثنا إسحاق: أخبرنا يعقوب بن إبراهيم: حدثنا ابن أخي ابن شهاب، عن عمه قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: أن عبد الله بن عباس (١). - ﵄ - أخبره أن رسول الله - ﷺ - كتب إلى قيصر وقال: «فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين» (٢).\nوفي رواية: \" أن رسول الله - ﷺ - كتب إلى قيصر يدعوه إلى الإسلام، وبعث بكتابه إليه مع دحية الكلبي (٣) وأمره رسول الله - ﷺ - أن يدفعه إلى عظيم بصرى؛ ليدفعه إلى قيصر وكان قيصر لما كشف الله عنه جنود فارس مشى من حمص إلى إيلياء شكرا لما أبلاه الله، فلما جاء قيصر كتاب رسول الله - ﷺ - قال حين قرأه: التمسوا لي هاهنا أحدا من قومه، لأسألهم عن رسول الله ﷺ \" (٤).\n* شرح غريب الحديث: * \" قيصر \" هو هرقل، ولقبه قيصر، وكل من ملك الروم يقال له قيصر (٥).\n* \" توليت \" أعرضت وامتنعت عن الدخول في الإسلام (٦).\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ٥.\n(٢) [الحديث ٢٩٣٦] طرفه في: كتاب الجهاد والسير، باب دعاء النبي - ﷺ - الناس إلى الإسلام والنبوة، ٤/ ٣، برقم ٢٩٤٠.\n(٣) دحية بن خليفة الكلبي ﵁، أسلم قديما، وأول مشاهده مع رسول الله - ﷺ - مشهد أحد، ثم شهد مع رسول الله - ﷺ - المشاهد كلها، وكان يضرب به المثل في حسن الصورة والجمال، وكان جبريل يأتي النبي - ﷺ - في صورة دحية ﵁، وأرسله رسول الله - ﷺ - بكتاب إلى عظيم بصرى؛ ليدفعه إلى قيصر \" هرقل \" فلقيه بحمص أول سنة سبع أواخر سنة ست. قال الإمام النووي ﵀: \" روى عن النبي - ﷺ - ثلاثة أحاديث \"، وقال الحافظ ابن حجر: \" يجتمع لنا عنه نحو ستة \" وشهد - ﵁ - معركة اليرموك، وقد نزل إلى دمشق وسكن المزة - القرية المعروفة بجانب دمشق- وبقي إلى خلافة معاوية ﵄. انظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي، ١/ ١٨٥، والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، ١/ ٤٧٣.\n(٤) الطرف رقم ٢٩٤٠.\n(٥) شرح النووي على صحيح مسلم ١٢/ ٣٤٦، وانظر: شرح الطيبي على مرقاة المفاتيح ٨/ ٢٦٩١.\n(٦) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، ٣/ ٦٠٩، وشرح النووي على صحيح مسلم ١٢/ ٣٥٢.","vol":"1","page":519},{"text":"* \" عظيم بصرى \" أي أمير بصرى (١).\n* \" بصرى \" هي مدينة حوران، ذات قلعة وأعمال، قريبة من طرف البرية التي بين الشام والحجاز. (٢).\n* \" إيلياء \" بيت المقدس، وقيل معناه: بيت الله، وحكي أنه يقال بالقصر أيضا \" إيليى \" ولغة ثالثة بحذف الياء الأولى \" إلياء \" وهو المسجد الأقصى أيضا (٣).\n* \" أبلاه الله \" أي: أنعم عليه (٤).\n* \" الأريسيين \" هم الأكّارون والزارعون، والفلاحون. الواحد: أريس وهي لغة شامية، وقيل: هم الخدم، وقيل غير ذلك. والمعنى أن على قيصر مثل إثم هؤلاء؛ لأنه صدهم عن الإسلام (٥).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من موضوعات الدعوة: الدعوة إلى كلمة التوحيد.\n٢ - من وسائل الدعوة: الكتب والرسائل وإرسال الرسل والدعاة.\n٣ - من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة.\n٤ - من أصناف المدعوين: النصارى.\n٥ - من أساليب الدعوة: الترهيب.\n٦ - حرص النبي - ﷺ - على هداية جميع الناس إلى الإسلام.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٢/ ٣٤٦، وشرح الطيبي على مشكاة المصابيح ٨/ ٢٦٩٢.\n(٢) انظر: مشارق الأنوار، للقاضي عياض، حرف الباء مع الصاد، ١/ ١١٦، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي ٣/ ٦٠٢، وشرح النووي على صحيح مسلم، ١٢/ ٣٤٦.\n(٣) انظر: مشارق الأنوار، للقاضي عياض، حرف الهمزة مع اللام، ١/ ٥٩.\n(٤) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، ٣/ ٦١١.\n(٥) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ١٦٢، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الهمزة مع الراء، مادة: \" أرس \" ١/ ٣٨.","vol":"1","page":520},{"text":"أولا: من موضوعات الدعوة: الدعوة إلى كلمة التوحيد:\nدل هذا الحديث على أن من موضوعات الدعوة: الدعوة إلى كلمة التوحيد، وهي \" شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله - ﷺ -؛ ولهذا كتب - ﷺ - إلى قيصر يدعوه إلى الإسلام أي إلى الشهادتين كما ثبت فيما تضمنه كتاب رسول الله ﷺ؛ لأن الأحاديث يفسر بعضها بعضا ففي الرواية الأخرى: أن قيصر \" هرقل \" دعا بكتاب رسول الله - ﷺ - الذي بعث به دحية إلى عظيم بصرى، فدفعه عظيم بصرى إلى هرقل \" قيصر \" فقرأه، وفي رواية: \" فقرئ \" فإذا فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم. سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام (١). أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين، و﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] (٢) فلما فرغ من قراءة الكتاب ارتفعت الأصوات عنده» (٣). وهذا مضمون الكتاب قد اتضح فيه أن النبي - ﷺ - دعا هرقل وأتباعه إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبد الله ورسوله. وهذا يبين للدعاة إلى الله - ﷿ - أهمية العناية بالشهادتين، ودعوة الكفار إليهما قبل كل شيء، وبيان معناهما، ومقتضاهما، وشروطهما وأركانهما، ونواقضهما، وخاصة بعد دخول الكفار في الإسلام (٤).\nثانيا: من وسائل الدعوة: الكتب والرسائل وإرسال الرسل والدعاة: دل هذا الحديث على أن من وسائل الدعوة كتابة الرسائل والكتب، وإرسالها\n_________\n(١) أدعوك بدعاية الإسلام: أي بدعوته وهي كلمة التوحيد. شرح النووي على صحيح مسلم ١٢/ ٣٥٢، وقال الطيبي: \" وهي كلمة الشهادة التي يدعى إليها أهل الملل الكافرة \" شرح الطيبي لمشكاة المصابيح ٨/ ٢٦٩٢، وقال القرطبي: \" هي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله \" المفهم ٣/ ٦٠٨.\n(٢) سورة آل عمران، الآية: ٦٤.\n(٣) متفق عليه من حديث ابن عباس - ﵄ - عن أبي سفيان ﵁: البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب دعاء النبي - ﷺ - الناس إلى الإسلام والنبوة، ٤/ ٣، برقم ٢٩٤١، وطرفه الأول عند البخاري في كتاب الوحي، باب حدثنا أبو اليمان، ١/ ٦ برقم ٧، وأخرجه مسلم، في كتاب الجهاد والسير، باب كتاب النبي - ﷺ - إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام، ٣/ ١٣٩٦، برقم ١٧٧٣.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٩٣، الآتي بعد حديثين، الدرس الأول.","vol":"1","page":521},{"text":"إلى المدعوين مع السفراء والرسل؛ ولهذا كتب رسول الله - ﷺ - إلى قيصر- كما في هذا الحديث- يدعوه إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ﷺ.\nوقد كتب رسول الله - ﷺ - إلى الملوك والجبابرة يدعوهم إلى الإسلام، فعن أنس بن مالك ﵁: \" أن نبي الله - ﷺ - كتب إلى كسرى (١). وإلى قيصر (٢). وإلى النجاشي (٣). وإلى كل جبار يدعوهم إلى الله تعالى، وليس بالنجاشي الذي صلى عليه النبي ﷺ \". (٤).\nوأرسل - ﷺ - الرسل يحملون الرسائل والكتب إلى ملوك الأرض، وأرسل الدعاة إلى الله يبلغون الناس الإسلام، ويدعونهم قبل كل شيء إلى الشهادتين، ثم يدعونهم بالتدرج إلى شرائع الإسلام، ومن ذلك «أنه - ﷺ - بعث معاذ بن جبل إلى اليمن وقال له: \" إنك تأتي قوما أهل كتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله [وفي رواية: \" فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله ﷿]، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم، فإن هم أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب» (٥).\nوهذا يبين أهمية إرسال الكتب وبعث الرسل والدعاة لدعوة الناس إلى الإسلام، وتبليغهم كل ما أمر الله به عباده عن طريق التدرج (٦).\nثالثا: من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة: دل مفهوم هذا الحديث على أهمية القدوة الحسنة؛ لأن النبي - ﷺ - قال في كتابه\n_________\n(١) كِسْرى: وهو لقب لكل من ملك من ملوك الفرس. شرح النووي على صحيح مسلم، ١٢/ ٣٥٥.\n(٢) قيصر: لقب لكل من ملك الروم. انظر: المرجع السابق، ٢/ ٣٥٥.\n(٣) النجاشي: لقب لكل من ملك الحبشة، كما أن: خاقان لكل من ملك الترك، وفرعون لكل من ملك القبط، والعزيز لكل من ملك مصر، وتبع لكل من ملك حمير. انظر: المرجع السابق، ١٢/ ٣٥٥.\n(٤) صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب كتب النبي - ﷺ - إلى ملوك الكفار يدعوهم إلى الله ﷿، ٣/ ١٣٩٧، برقم ١٧٧٤.\n(٥) متفق عليه: البخاري، ٢/ ١٣٣، برقم ١٣٩٥، ومسلم، ١/ ٥٠، برقم ١٩، وتقدم تخريجه في الحديث رقم ٥٢، الدرس الثاني، ص ٣٢٣.\n(٦) انظر: الحديث رقم ٦٦، الدرس الثالث.","vol":"1","page":522},{"text":"لهرقل: «فإن توليت، فإن عليك إثم الأريسيين» وهذا فيه دلالة واضحة على أن الله - ﷿ - لو شاء هداية قيصر لأسلم من معه جميعا: من الفلاحين والزارعين وغيرهم (١). وهذا يبين بمفهومه أهمية القدوة الحسنة وأثرها في نفوس المدعوين (٢).\nرابعا: من أصناف المدعوين: النصارى: ظهر في هذا الحديث أن من أصناف المدعوين النصارى؛ لأن النبي - ﷺ - كتب الرسائل والكتب إليهم، وأرسل الرسل والدعاة يدعونهم إلى الله ﷿، كما في هذا الحديث في كتابه لقيصر مع دحية الكلبي ﵁.\nولا شك أن دعوة النصارى إلى الله تحتاج إلى أساليب ووسائل متخصصة؛ لمراعاة أحوالهم ومعتقداتهم، فينبغي أن يسلك معهم الداعية إلى الله - ﷿ - مسالك سبعة كالآتي:\n١ - إبطال عقيدة التثليث بالأدلة العقلية والنقلية، وإثبات الوحدانية لله ﷿.\n٢ - البراهين بالأدلة العقلية والنقلية على إثبات بشرية عيسى - ﷺ - وعبوديته لله ﷿.\n٣ - الأدلة العقلية والنقلية على إبطال قضية الصلب والقتل لعيسى ﷺ.\n٤ - البراهين بالأدلة العقلية والنقلية على أن الإسلام قد نسخ جميع الشرائع السابقة.\n٥ - البراهين بالأدلة الحسية والنقلية على إثبات وقوع التحريف في الإنجيل.\n٦ - إثبات اعترافات المنصفين من علماء النصارى.\n٧ - البراهين الحسية والعقلية والنقلية على إثبات الرسالة المحمدية وعمومها لكافة الناس.\nوإذا سلك الداعية إلى الله - ﷿ - مع النصارى هذه المسالك وفق للحكمة في دعوة النصارى إن شاء الله تعالى (٣).\n_________\n(١) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ١٢/ ٣٥٢.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٣، الدرس الثالث، ورقم ٨، الدرس الخامس.\n(٣) انظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل، لابن حزم، ١/ ١١٠ - ١١٢، ٢/ ١٣، ١٣٩، ٢٢٨، والملل والنحل للشهرستاني ١/ ٢٢١ - ٢٢٢، والداعي إلى الإسلام، للأنباري ص ٣٥٩ - ٤٦١، وتلبيس إبليس لعبد الرحمن بن الجوزي ص ٧٣، والجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، لشيخ الإسلام ابن تيمية ١/ ١٢٠ - ٤٢٠، ٢/ ٣٠ - ٤٢١، ٣/ ٤٩ - ٤٩٥، ٤/ ٥ - ٤٠٣، ٥/ ٥ - ٤٤٩، ٦/ ٥ - ٤٨١، ودرء تعارض العقل والنقل، لابن تيمية، ١/ ١٩٨، ودقائق التفسير له، ٢/ ٣٢٤ - ٣٤٦، ٣/ ٢٨ - ٣١، وإغاثة اللهفان لابن القيم، ٢/ ٨٥، ٢٧٠ - ٢٧٣، وهداية الحيارى له، ص ٦٢٠ - ٦٤٠، وإظهار الحق لرحمة الله الهندي ١/ ٩٣ - ٥٨٣، والمناظرة بين الإسلام والنصرانية بعناية الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية، ص ١٧٣ - ٤٩٤، ٤٧٧.","vol":"1","page":523},{"text":"خامسا: من أساليب الدعوة: الترهيب: إن الترهيب أسلوب من أساليب الدعوة إلى الله ﷿؛ ولهذا قال - ﷺ - في كتابه إلى قيصر: «فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين».\nفبين له - ﷺ - أنه إذا امتنع من الدخول في الإسلام فإن عليه إثم أتباعه من الفلاحين وغيرهم (١). لأنه السبب في عدم دخولهم في دين الله ﷿ (٢).\nسادسا: حرص النبي - ﷺ - على هداية جميع الناس إلى الإسلام: دل هذا الحديث على حرص محمد بن عبد الله - ﷺ - على هداية الناس جميعا إلى الإسلام، وإخراجهم من الظلمات إلى النور؛ ولهذا كتب لقيصر كما في هذا الحديث، وكتب إلى سائر ملوك الدنيا وجبابرتها، يدعوهم إلى كلمة التوحيد (٣). وقد مدحه الله - ﷿ - وأثنى عليه، وأكرمه بقوله ﷾: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] (٤).\nوهو شديد الحرص على المؤمنين أعظم من غيرهم قال الله ﷿: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] (٥).\nفينبغي للداعية إلى الله - ﷿ - أن يحرص على هداية الناس اقتداء بالنبي ﷺ.\n_________\n(١) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ١٢/ ٣٥٢.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٧، الدرس الثالث عشر، والحديث رقم ١٢، الدرس الثالث.\n(٣) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ١٢/ ٣٥٤ - ٣٥٥، وشرح الطيبي على مشكاة المصابيح، ٨/ ٢٦٩١، ٢٧٠٨.\n(٤) سورة الأنبياء، الآية: ١٠٧.\n(٥) سورة التوبة، الآية: ١٢٨.","vol":"1","page":524},{"text":"١٠٠ -<span data-type=\"title\" id=toc-178> باب الدعاء للمشركين بالهدى ليتألفهم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-179>[حديث اللهم اهد دوسا وائت بهم]</span>\n٩١ - [٢٩٣٧] حدثنا أبو اليمان: أخبرنا شعيب: أخبرنا أبو الزناد: أن عبد الرحمن قال: قال أبو هريرة (١). ﵁: قدم طفيل بن عمرو الدوسي (٢). وأصحابه على النبي - ﷺ - فقالوا: يا رسول الله إن دوسا عصت وأبت، فادع الله عليها، فقيل: هلكت دوس: قال: «اللهم اهد دوسا وائت بهم» (٣).\nوفي رواية: \" جاء الطفيل بن عمرو إلى النبي - ﷺ - فقال: إن دوسا قد هلكت: عصت وأبت فادع الله عليهم \" (٤).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ٧.\n(٢) الطفيل بن عمرو: هو الطفيل بن عمرو بن طريف، وقيل: ابن عبد الله الدوسي، نسبة إلى دوس بن عدثان بن عبد الله بن زهران. كان شاعرا سيدا في قومه، وقدم مكة، وقالت له رجال قريش: إنك امرؤ شاعر سيد، وإنا قد خشينا أن يصيبك هذا الرجل ببعض حديثه؛ فإنما حديثه كالسحر، فاحذره أن يدخل عليك وعلى قومك؛ فإنه فرق بين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجه، وبين المرء وابنه، فما زالوا به حتى سد أذنيه بقطن، ومر بالرسول - ﷺ - وهو بالمسجد، وإذا هو قائم بالمسجد فقام قريبا، فسمع بعض قوله، ثم فتح أذنيه واستمع فما سمع كلاما أحسن من كلامه، وذهب معه إلى بيته وعرض عليه الإسلام فأسلم، وأرسله إلى قومه داعيا، وسأل الله أن يجعل له آية، فلما ذهب وأشرف على قومه جعل الله له بين عينيه نورا، فسأل الله أن يجعله في غير وجهه، فتحول النور في رأس عصاه، ووصل إلى قومه فبدأ بدعوة أبيه وأمه، وزوجته إلى الإسلام، فأسلموا، وذكر ابن حجر في الفتح والإصابة أن أمه لم تسلم، وذكر الذهبي أنها أسلمت، ثم دعا قومه إلى الإسلام فلم يسلموا، فرجع إلى النبي - ﷺ - فقال: ادع الله عليهم، فدعا لهم النبي - ﷺ - بالهداية، ثم رجع إليهم، فدعاهم وبقي فيهم حتى قدم على النبي - ﷺ - في غزوة خيبر بثمانين أو تسعين أسرة مسلمة، منهم أبو هريرة ﵁، وبقي مع النبي - ﷺ - حتى فتح مكة، وطلب من النبي - ﷺ - أن يبعثه إلى ذي الكفين \" صنم عمرو بن حممة \" فخرج إليه وأحرقه بالنار وهو يقول: يا ذا الكفين لست من عبادكا ميلادنا أكبر من ميلادكا، إني حشوت النار في فؤادكا. ثم رجع إلى النبي - ﷺ - وبقي معه حتى قبض ﷺ، ثم شهد يوم اليمامة في عهد أبي بكر ﵁، وقتل شهيدا. انظر: اللباب في تهذيب الأنساب، لعلي بن أبي الكرم محمد بن محمد المعروف بابن الأثير ١/ ٥١٣، وسير أعلام النبلاء للذهبي ١/ ٣٤٤ - ٣٤٧، وزاد المعاد لابن القيم، ٣/ ٤٩٥، والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، ٢/ ٢٢٥.\n(٣) [الحديث ٢٩٣٧] طرفاه في: كتاب المغازي، باب قصة دوس والطفيل بن عمرو الدوسي، ٥/ ١٤٤، برقم ٤٣٩٢. وكتاب الدعوات، باب الدعاء للمشركين، ٧/ ٢١٣، برقم ٦٣٩٧.\n(٤) من الطرف، رقم ٤٣٩٢.","vol":"1","page":525},{"text":"١ - من صفات الداعية: الحلم.\n٢ - من صفات الداعية: التأني والتثبت.\n٣ - من صفات الداعية: رحمة المدعو والشفقة عليه.\n٤ - من صفات الداعية: الحرص على هداية الناس.\n٥ - من صفات الداعية: مراعاة أحوال المدعوين.\n٦ - من أساليب الدعوة: التأليف بالدعاء.\n٧ - من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة.\n٨ - من أصناف المدعوين: المشركون.\n٩ - من معجزات النبي ﷺ: إجابة دعواته.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من صفات الداعية: الحلم: ظهر في هذا الحديث حلم النبي - ﷺ - العظيم؛ لأن الطفيل - ﵁ - حينما قال للنبي ﷺ: يا رسول الله، إن دوسا قد عصت وأبت فادع الله عليهم، فدعا لهم - ﷺ - بالهداية، وحلم عليهم فلم يغضب، فالطفيل - ﵁ - ومن معه يطلبون من النبي - ﷺ - الدعاء عليهم بالهلاك ورسول الله - ﷺ - يدعو لهم بالهداية، وهذا يدل على حلمه العظيم، قال الكرماني ﵀: \" ودعا لهم رسول الله - ﷺ - بالهداية في مقابلة العصيان، والإتيان بهم في مقابلة الإباء \" (١).\nفينبغي للداعية أن يتصف بالحلم ولا يغضب ولا يجزع إذا لم تقبل دعوته، والله المستعان (٢).\nثانيا: من صفات الداعية: التأني والتثبت: دل هذا الحديث على تثبت النبي - ﷺ - وعدم عجلته؛ لأنه - ﷺ - عندما قال له\n_________\n(١) شرح صحيح البخاري للكرماني ١٦/ ٢٠٤، وانظر: عمدة القاري للعيني ٢٣/ ٢٠، ومرقاة المفاتيح، لملا علي القاري، ١٠/ ٣٥٤.\n(٢) انظر: الحديث رقم، ٣٥، الدرس الثاني، و٨٩، الدرس الخامس.","vol":"1","page":526},{"text":"الطفيل - ﵁ -: يا رسول الله، إن دوسا عصت وأبت فادع الله عليهم تأنى - ﷺ - فلم يعجل بالعقوبة بالدعاء، وإنما دعا لهم فقال: «اللهم اهد دوسا وائت بهم» قال العلامة العيني ﵀ \" كان يحب دخول الناس في الإسلام، فكان لا يعجل بالدعاء عليهم ما دام يطمع في إجابتهم إلى الإسلام \" (١). وهذا يدل على كمال أناته وتثبته ﷺ.\nفينبغي للداعية أن يتصف بالتثبت والأناة؛ لأن الله - ﷿ - أمر بالأناة والتثبت فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦] (٢).\nولا شك أن الأناة: هي التبين والتثبت في الأمور، والتبصر والتأمل، ويقال: تبصر الشيء، وتأمل في رأيه: تبين ما يأتيه من خير أو شر (٣).\nفالأناة: التأني والتثبت وترك العجلة، حتى يستبين الصواب (٤). يقال: تثبت في الأمر والرأي واستثبت: تأنى فيه ولم يعجل، واستثبت في أمره، إذا شاور وفحص عنه (٥). والأناة في الحقيقة: التصرف الحكيم بين العجلة، والتباطؤ، وهي من صفات أصحاب العقل والرزانة، بخلاف العجلة؛ فإنها من صفات أصحاب الرعونة والطيش، وهي تدل على أن صاحبها لا يملك الإرادة القوية القادرة على ضبط نفسه تجاه انفعالاته العجولة، وبخلاف التباطؤ والتواني فهما من صفات أصحاب الكسل والتهاون في الأمور، ويدلان على أن صاحبهما لا يملك الإرادة القوية على دفع همته للقيام بالأعمال التي تحقق له ما يرجوه، أو ليس له همة عالية تنشد الكمال، فهو يرضى بالدنيات إيثارا للراحة، وكسلا عن القيام بالواجب.\nفينبغي للداعية أن يكون متثبتا متأنيا، ولا يكون عجولا ولا كسولا؛ فإن الأناة تعينه على وضع الأمور في مواضعها، بخلاف العجلة؛ فإنها تعرضه لكثير\n_________\n(١) عمدة القاري، شرح صحيح البخاري، ١٤/ ٢٠٨.\n(٢) سورة الحجرات، الآية: ٦.\n(٣) انظر: القاموس المحيط، للفيروز آبادي، باب الراء فصل الباء، ص ٤٤٨.\n(٤) تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ١٦١.\n(٥) انظر: لسان العرب لابن منظور، باب التاء فصل الثاء، مادة: \" ثبت \" ٢/ ١٩.","vol":"1","page":527},{"text":"من الأخطاء والإخفاق، والتعثر، والارتباك، ثم تعرضه للتخلف من حيث يريد السبق، ومن استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه. وبخلاف التباطؤ والكسل، فهو أيضا يعرضه للتخلف والحرمان من تحقق النتائج التي يرجوها.\nولا شك أنه ينبغي للداعية أن يكون متأنيا في جميع أموره، ولا يكون مستعجلا في جميع أموره، ولا يكون متباطئا كسولا، ولا يزال الرجل يجني من ثمرة العجلة الندامة (١). والعجلة لها أسباب ينبغي أن يجتنبها الداعية، من أعظمها الشيطان عدو الإنسان، فعن أنس - ﵁ - يرفعه: «التأني من الله والعجلة من الشيطان» (٢). لأنه الحامل عليها بوسوسته، فيمنع من التثبت والنظر في سنن الله في الكون، ويمنع النظر في العواقب، فيقع المستعجل في المعاطب والفشل (٣). ولكن ينبغي أن يعلم الداعية أن العجلة المذمومة ما كان في غير طاعة الله - ﷿ - مع عدم التثبت، أما المسارعة إلى الخير فهي محمودة، وقد قيل لبعض السلف: لا تعجل فالعجلة من الشيطان، فقال: لو كان ذلك كذلك لما قال موسى (٤) ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه: ٨٤] (٥).\n\nفعلم بأنه يستثنى من العجلة ما لا شبهة في خيريته، بشرط مراعاة الضوابط والشروط التي أمر الله بها حتى تكون المسارعة مما يحبه الله ويرضاه؛ ولهذا مدح الله المسارعين في الخيرات فقال ﷿: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠] (٦).\nوعن سعد بن أبي وقاص - ﵁ - قال الأعمش ولا أعلمه إلا عن النبي - ﷺ -: «التؤدة (٧). في كل شيء خير إلا في عمل الآخرة» (٨). وعن عبد الله بن سرجس\n_________\n(١) انظر: تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي، للمباركفوري ٦/ ١٥٣، والأخلاق الإسلامية وأسسها، لعبد الرحمن الميداني، ٢/ ٣٦٧.\n(٢) أخرجه أبو يعلى في مسنده، ٣/ ١٠٥٤، والبيهقي في السنن الكبرى، ١٠/ ١٠٤٠، وقال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، ٤/ ٤٠٤: \" هذا إسناد حسن رجاله ثقات \".\n(٣) انظر: شرح السنة، للبغوي ١٣/ ١٧٦، وفيض القدير، شرح الجامع الصغير، للمناوي ٣/ ١٨٤.\n(٤) انظر: تحفة الأحوذي بشرح سنن الترمذي، ٦/ ١٥٣.\n(٥) سورة طه، الآية: ٨٤.\n(٦) سورة الأنبياء، الآية: ٩٠.\n(٧) التؤدة: التأني: انظر: فيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي، ٣/ ٢٧٧.\n(٨) أبو داود، كتاب الأدب، باب الرفق، ٤/ ٢٥٥، برقم ٤٨١٠، والحاكم بلفظه ١/ ٦٤، وقال صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٣/ ٩١٣.","vol":"1","page":528},{"text":"المزني ﵁: أن النبي - ﷺ - قال: «السمت الحسن (١). والتؤدة، والاقتصاد (٢). جزء من أربعة وعشرين جزءا من النبوة» (٣).\nومعلوم أن الأناة محبوبة عند الله ﷿، ولهذا قال - ﷺ - للأشج: «فإن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم، والأناة» (٤).\nثالثا: من صفات الداعية: رحمة المدعو والشفقة عليه: دل هذا الحديث على رحمة النبي - ﷺ - وشفقته على المدعوين؛ ولهذا لم يدع على قبيلة دوس عندما طلب منه الدعاء عليهم، ولكن دعا لهم فقال: «اللهم اهد دوسا وائت بهم»؛ قال الكرماني ﵀: \" فإن قلت هم طلبوا الدعاء عليهم ورسول الله - ﷺ - دعا لهم، قلت: هذا من كمال خلقه العظيم ورحمته بالعالمين \" (٥). وقد قال الله - ﷿ - في حقه ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] (٦). وهذا من كمال رحمته، ورأفته بأمته - ﷺ - (٧).\nرابعا: من صفات الداعية: الحرص على هداية الناس: ظهر في هذا الحديث حرص النبي - ﷺ - على هداية الناس، ولهذا دعا لدوس ولم يدع عليهم حينما طلب منه ذلك؛ لحرصه على هدايتهم ودخولهم في الإسلام؛ قال العلامة العيني ﵀: \" وفيه حرص النبي - ﷺ - على من يسلم على يديه \" (٨).\n_________\n(١) السمت الحسن: حسن الهيئة والمنظر. انظر: فيض القدير للمناوي ٣/ ٢٧٧.\n(٢) الاقتصاد: التوسط في الأمور، والتحرز عن طرفي: الإفراط والتفريط. انظر: المرجع السابق ٣/ ٢٧٧.\n(٣) الترمذي، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في التأني والعجلة، وحسنه، ٤/ ٣٦٦، برقم ٢٠١٠، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ١٩٥.\n(٤) أخرجه مسلم، في كتاب الإيمان، باب الأمر بالإيمان بالله ورسوله، ١/ ١٨، برقم ١٧.\n(٥) شرح الكرماني على صحيح البخاري ١٢/ ١٨٤، ٢٢/ ١٧٩.\n(٦) سورة الأنبياء: ١٠٧.\n(٧) انظر: الحديث رقم ٥، الدرس الأول، ورقم ٥٠، الدرس الرابع، وعمدة القاري للعيني ١٤/ ٢٠٨٠، وإرشاد الساري للقسطلاني، ٥/ ١١٠.\n(٨) عمدة القاري شرح صحيح البخاري، ١٨/ ٣٤.","vol":"1","page":529},{"text":"فينبغي للداعية أن يحرص على هداية المدعوين إلى دين الله ﷿ (١).\nخامسا: من صفات الداعية: مراعاة أحوال المدعوين: إن مراعاة أحوال المدعوين من صفات الداعية المسلم؛ لأن النبي - ﷺ - لم يدع على دوس؛ لرغبته في دخولهم الإسلام، ودعا على بعض المشركين من غيرهم فدل ذلك على مراعاته - ﷺ - لأحوال المدعوين، ولهذا ترجم البخاري ﵀ بتراجم تدل على مراعاة أحوال المدعوين فقال: \" باب الدعاء على المشركين بالهزيمة والزلزلة \" (٢). وقال في موضع آخر: \" باب الدعاء على المشركين \" (٣). وقال في موضع ثالث: \" باب الدعاء للمشركين بالهدى ليتألفهم \" (٤). قال ابن حجر ﵀: \" كان تارة يدعو عليهم وتارة يدعو لهم، فالحالة الأولى حيث تشتد شوكتهم ويكثر أذاهم، والحالة الثانية حيث تؤمن غائلتهم ويرجى تألفهم \" (٥).\nوسمعت سماحة العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله يقول: \" الدعاء على الكفار على حسب الأحوال، فكل مقام له مقال، فيراعى ما هو الأنسب: تارة يدعى عليهم بالهلاك والدمار، وتارة يدعى لهم بالهداية، وتارة يعلمون \" (٦). فينبغي للداعية أن يراعي أحوال المدعوين على ما يكون فيه الصلاح (٧).\nسادسا: من أساليب الدعوة: التأليف بالدعاء: من أساليب الدعوة إلى الله ﷾ التأليف بالدعاء الطيب الذي يجذب قلوب المدعوين، ومن أعظم ذلك الدعاء بالهداية، ولهذا استنبط\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٩٠، الدرس السادس.\n(٢) البخاري، كتاب الجهاد والسير، ٣/ ٣٠٧، ترجمة على الحديث رقم ٢٩٣١.\n(٣) المرجع السابق، كتاب المغازي، ٧/ ٢١٢، ترجمة على الحديث رقم ٦٣٩٢.\n(٤) المرجع السابق، كتاب الجهاد والسير، ٣/ ٣٠٨، ترجمة على الحديث رقم ٢٩٣٧، وكتاب الدعوات، ٧/ ٣١٣، ترجمة على الحديث رقم ٦٣٩٧.\n(٥) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٦/ ١٠٨، وانظر: ١١/ ١٩٦، عمدة القاري للعيني ١٤/ ٢٠٧.\n(٦) سمعته من سماحته أثناء شرحه لحديث رقم ٢٩٣٧ من صحيح البخاري، بالجامع الكبير بالرياض.\n(٧) انظر: الحديث رقم ١٩، الدرس الثالث.","vol":"1","page":530},{"text":"الإمام البخاري ﵀ من هذا الحديث أن الدعاء من أنواع التأليف، فقال: \" باب الدعاء للمشركين بالهدى؛ ليتألفهم \" (١) قال ابن حجر ﵀: \" وقوله ليتألفهم من تفقه المصنف ﵀ إشارة إلى التفريق بين المقامين \" (٢). أي الدعاء لهم والدعاء عليهم. ولا شك أن الدعاء للمدعو مما يشرح صدره، ويجذب قلبه للدين الإسلامي. فينبغي للداعية أن يعتني بهذا الأسلوب (٣).\nسابعا: من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة: دل الحديث بمفهومه على أن القدوة الحسنة من وسائل الدعوة؛ لأن النبي - ﷺ - حينما طلب منه الدعاء على دوس بالهلاك دعا لهم بالهداية؛ لأنه - ﷺ - قدوة الدعاة إلى الله ﷿، فهو قد تأنى، وصبر، وحلم، وعفا، ودعا بالهداية للمدعوين. فينبغي للداعية أن يقتدي به ﷺ (٤).\nثامنا: من أصناف المدعوين: المشركون: دل هذا الحديث على أن المشركين من أصناف المدعوين؛ لأن قبيلة دوس من المشركين، وقد دعاهم الطفيل إلى الله ﷿ ودعا لهم رسول الله ﷺ.\nفينبغي للداعية إلى الله ﷿ أن يعتني بدعوة المشركين إلى الله ﷿ ويسلك معهم في دعوتهم إلى الله ﷾ تسعة مسالك:\n١ - إثبات ألوهية الله تعالى بالأدلة العقلية والنقلية، وأنه - ﷿ - المستحق للعبادة وحده.\n٢ - ضعف جميع ما عبد من دون الله - ﷿ - من جميع الوجوه.\n٣ - ضرب الأمثال التي تثبت العبادة لله - ﷿ - وحده وتقرر التوحيد.\n٤ - الكمال المطلق من جميع الوجوه لله ﷿.\n_________\n(١) البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب الدعاء للمشركين ليتألفهم، ٣/ ٣٠٨، ترجمة للحديث رقم ٢٩٣٧.\n(٢) فتح الباري بشرح صحيح البخاري ٦/ ١٠٨.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٢١، الدرس الخامس، ورقم ٤٥، الدرس الثامن.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٣، الدرس الثالث، ورقم ٨، الدرس الخامس، ورقم ٩، الدرس الثالث عشر.","vol":"1","page":531},{"text":"٥ - التوحيد دعوة جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام.\n٦ - الغلو في الصالحين سبب كفر بني آدم.\n٧ - بيان الشفاعة المثبتة والمنفية.\n٨ - الإله الحق سخر جميع ما في الكون لعباده، فهو - ﷿ - المستحق للعبادة وحده.\n٩ - الأدلة العقلية والنقلية على إثبات البعث والنشور.\nفإذا سلك الداعية إلى الله - ﷿ - هذه المسالك مع هؤلاء تفصيلا وتوضيحا وإبلاغا برفق، ولين، وحلم، وحكمة نجح بإذن الله ﷿ (١).\nتاسعا: من معجزات النبي ﷺ: إجابة دعواته: دل هذا الحديث على أن من المعجزات ودلائل نبوة محمد - ﷺ - إجابة دعواته، ومن ذلك دعوته لدوس حينما قال: «اللهم اهد دوسا وائت بهم» فهدى الله - ﷿ - هذه القبيلة وجاء الطفيل منهم في غزوة خيبر بتسعين أو ثمانين أسرة كلهم قد دخل الإسلام (٢). وقد دعا - ﷺ - أدعية كثيرة استجاب الله له فيها، وكانت من الدلائل القاطعة على أنه رسول الله - ﷺ - حقا، وأن الله - ﷿ - أرسله ﷺ (٣).\n_________\n(١) انظر: تفسير البغوي، ٣/ ٢٤١، ٣١٦، ودرء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ٩/ ٣٣٧ - ٣٨٢، ١/ ٣٥ - ٣٧، وتفسير ابن كثير ٣/ ٢٥٥، والتفسير القيم لابن القيم ص ٣٦٨، وأمثال القرآن لابن القيم ص ٤٧، وفتح المجيد لشرح كتاب التوحيد، لعبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب ٢/ ٥٥٣ - ٨٥٥، وأضواء البيان للشنقيطي، ٢/ ٤٨٢، ٣/ ١٠١، ٣٢٢، ٥٩٨، ٥/ ٤٤، ٦/ ٢٦٨، ومناهج الجدل في القرآن الكريم، للدكتور، زاهر عواض الألمعي ص ١٥٨ - ١٦١.\n(٢) انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي، ١/ ٣٤٦.\n(٣) انظر: أمثلة كثيرة جدا على أن إجابة دعواته - ﷺ - من أعلام نبوته. الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، لابن تيمية، ٦/ ٢٩٦ - ٣٢٢.","vol":"1","page":532},{"text":"١٠٢ -<span data-type=\"title\" id=toc-180> باب دعاء النبي - ﷺ - إلى الإسلام، والنبوة\nوأن لا يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله </span>وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: ٧٩] (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-181>[حديث لأعطين الراية رجلا يفتح الله على يدي]</span>\n٩٢ - [٢٩٤٢] حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي: حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل بن سعد (٢). ﵁: «سمع النبي - ﷺ - يقول يوم خيبر: \" لأعطين الراية رجلا يفتح الله على يديه \"، فقاموا يرجون لذلك أيهم يعطى، فغدوا كلهم يرجو أن يعطى، فقال: \" أين علي؟ \" فقيل: يشتكي عينيه، فأمر فدعي له، فبصق في عينيه، فبرأ حتى كأنه لم يكن به شيء، فقال: نقاتلهم حتى يكونوا مثلنا. فقال: \" على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم، فوالله لأن يهدى بك رجل واحد خير لك من حمر النعم» (٣).\nوفي رواية: «أن رسول الله - ﷺ - قال يوم خيبر: \" لأعطين هذه الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله \" فبات الناس يدوكون ليلتهم: أيهم يعطاها؟ فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله ﷺ، كلهم يرجو أن يعطاها، فقال: \" أين علي بن أبي طالب؟ \"، فقيل: هو يا رسول الله يشتكي عينيه، قال: \" فأرسلوا إليه \" فأتي به فبصق رسول الله - ﷺ - في عينيه ودعا له، فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فقال علي: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؛ فقال ﷺ: \" انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآية: ٧٩.\n(٢) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ٢٥.\n(٣) [الحديث ٢٩٤٢] أطرافه في: كتاب الجهاد والسير، باب فضل من أسلم على يديه رجل، ٤/ ٢٥، برقم ٣٠٠٩. وكتاب فضائل أصحاب النبي ﷺ، باب مناقب علي بن أبي طالب، القرشي الهاشمي أبي الحسن ﵁، ٤/ ٢٤٦، برقم ٣٧٠١. وكتاب المغازي، باب غزوة خيبر، ٥/ ٩١، برقم ٤٢١٠ وأخرجه مسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل علي بن أبي طالب ﵁، ٤/ ١٨٧٢، برقم ٢٤٠٦.","vol":"1","page":533},{"text":"يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم» (١).\n* شرح غريب الحديث: * \" الراية \" الراية هاهنا: العلم. يقال: ريَّيْت الراية: أي ركزتها (٢).\n* \" على رسلك \" تأن ولا تعجل. (٣).\n* \" حمر النعم \" النعم: الإبل، والحمر منها أنفسها عند أهلها (٤).\n* \" انفذ \" امض (٥).\n* \" يدوكون \" أي يخوضون ويموجون فيمن يدفعها إليه، يقال: وقع الناس في دوْكَة ودوكة: أي في خوض واختلاط (٦).\n* \" ساحتهم \": أي ناحيتهم، ويقال: ساحة الدار: الموضع المتسع أمامها، والجمع ساحات (٧).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من معجزات النبي ﷺ: شفاء المرضى والإخبار بالغيوب.\n٢ - من صفات الصحابة ﵃: الرغبة فيما عند الله ﷿.\n٣ - من صفات الداعية: محبة الله - ﷿ - ورسوله ﷺ.\n_________\n(١) الطرف رقم ٤٢١٠.\n(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الراء مع الياء، مادة: \" رايا \" ٢/ ٢٩١.\n(٣) المرجع السابق، باب الراء مع السين، مادة: \" رسل \" ٢/ ٢٢٣، وانظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٥٥٠.\n(٤) تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٥٥٦، و\" حمر النعم \" حمر: بضم الحاء وسكون الميم، والنعم: بفتحتين، انظر: فتح الباري لابن حجر ٧/ ٤٧٨، وعمدة القاري للعيني ١٦/ ٢١٥.\n(٥) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب النون مع الفاء، مادة: \" نفذ \" ٥/ ٩٢.\n(٦) المرجع السابق، باب الدال مع الواو، مادة: \" دوك \" ٢/ ١٤٠.\n(٧) انظر: المصباح المنير، للفيومي، مادة: \" سوح \" ١/ ٢٩٤، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي ٦/ ٢٧٥.","vol":"1","page":534},{"text":"٤ - أهمية سؤال الداعية عما يشكل عليه.\n٥ - من صفات الداعية: التثبت والأناة.\n٦ - من أساليب الدعوة: التأليف بالدعاء.\n٧ - من موضوعات الدعوة: الدعوة إلى كلمة التوحيد.\n٨ - من موضوعات الدعوة: الحث على نشر العلم وتعليم الناس الخير.\n٩ - من أساليب الدعوة: التشبيه.\n١٠ - من أساليب الدعوة: الترغيب.\n١١ - من وسائل الدعوة: بعث المجاهدين والدعاة.\n١٢ - من صفات الداعية: الشجاعة.\n١٣ - من أساليب الدعوة: التأكيد بالقسم.\n١٤ - من أصناف المدعوين: اليهود.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من معجزات النبي ﷺ: شفاء المرضى والإخبار بالغيوب: دل هذا الحديث على أن من معجزات النبي ﷺ: شفاء المرضى والإخبار بالغيوب: أما معجزة شفاء المرضى فمنها ما فعل رسول الله - ﷺ - مع علي بن أبي طالب - ﵁ - في هذا الحديث حيث بصق في عينيه، فشفاه الله عاجلا على الفور، وهذا يدل على أن الله ﷿ أرسل محمدا - ﷺ - بالحق، وقد وقع على يديه من شفاء المرضى الوقائع الكثيرة، ذكر هنها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ خمس وقائع شفي المرضى فيها على الفور (١).\nأما إخباره بالغيوب فكثير لا يعد ولا يحصى، ومن ذلك ما أخبر به - ﷺ - في هذا الحديث بقوله: «لأعطين الراية رجلا يفتح الله على يديه»، ووقع الفتح على نحو ما أخبر به ﷺ (٢).\n_________\n(١) انظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ٦/ ٢٠١ - ٢٠٨.\n(٢) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ٦/ ٢٧٤، وشرح النووي على صحيح مسلم ١٥/ ١٨٧، وشرح الكرماني على صحيح البخاري ١٢/ ٢٤٢.","vol":"1","page":535},{"text":"فينبغي للداعية أن يبين للناس عند الحاجة أنواع هذه الدلائل التي تدل على صدق النبي - ﷺ - (١).\nثانيا: من صفات الصحابة ﵃: الرغبة فيما عند الله ﷿: ظهر في هذا الحديث رغبة الصحابة - ﵃ - فيما عند الله ﷾، ولهذا عندما سمعوا قول النبي ﷺ: «لأعطين هذه الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله» باتوا ليلتهم يخوضون فيمن يدفعها إليه رسول الله ﷺ؛ وما ذلك إلا لرغبتهم فيما عند الله ﷿؛ ولهذا قال عمر - ﵁ - عندما سمع هذا الخبر العظيم، ومحبة هذا الرجل لله ورسوله، ومحبة الله ورسوله له: \" ما أحببت الإمارة إلا يومئذ، فتساورت لها رجاء أن أدعى لها \" (٢). قال النووي ﵀: \" إنما كانت محبته لها؛ لما دلت عليه الإمارة من محبته لله ورسوله ﷺ، ومحبتهما له، والفتح على يديه \" (٣). فينبغي للداعية إلى الله - ﷿ - أن يرغب فيما عند الله ﷿ (٤).\nثالثا: من صفات الداعية: محبة الله - ﷿ - ورسوله ﷺ: دل هذا الحديث على أن محبة الله ورسوله من أعظم صفات الداعية الصادق مع الله ﷿؛ ولهذا الفضل العظيم مدح النبي - ﷺ - علي بن أبي طالب؛ لاتصافه بمحبة الله ورسوله ﷺ. ولا شك أن محبة الله ورسوله من أعظم الواجبات على كل مسلم، وخاصة الداعية إلى الله ﷿، ولا يكمل الإيمان إلا بالمحبة الكاملة؛ ولهذا «قال عمر - ﵁ للنبي ﷺ: يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال النبي ﷺ: \" لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك \" فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إلي\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٢١، الدرس الرابع.\n(٢) مسلم عن أبي هريرة ﵁، في كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل علي بن أبي طالب ﵁، ٤/ ١٨٧١، برقم ٢٤٠٥.\n(٣) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٥/ ١٨٦.\n(٤) انظر: الحديث رقم ١٣، الدرس الثاني، ورقم ١٦، الدرس الثالث.","vol":"1","page":536},{"text":"من نفسي، فقال ﷺ: \" الآن يا عمر» (١). قال الحافظ ابن حجر ﵀: \" أي الآن عرفت فنطقت بما يجب \" (٢).\nفينبغي للداعية أن يحب الله ورسوله أكثر من نفسه وولده ووالده والناس أجمعين (٣).\n\nرابعا: أهمية سؤال الداعية عما يشكل عليه: دل هذا الحديث على أهمية السؤال عما يشكل على الإنسان المسلم وخاصة الداعية إلى الله ﷿؛ ولهذا قال علي بن أبي طالب - ﵁ - في هذا الحديث: \" يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ \" فبين له - ﷺ - وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام أولا ويخبرهم بما يجب عليهم.\nفينبغي لكل مسلم أن يسأل عن كل ما أشكل عليه، حتى يكون على بصيرة (٤).\nخامسا: من صفات الداعية: التثبت والأناة: إن الأناة في الأمور والتثبت فيها من أعظم الصفات الحميدة، وقد دل هذا الحديث على الأمر بالتثبت وعدم العجلة فقال - ﷺ - لعلي بن أبي طالب ﵁: «انفذ على رسلك» وهذا فيه أمر بالأناة وعدم العجلة.\nفينبغي للداعية أن يكون متأنيا متثبتا في أموره كلها (٥).\nسادسا: من أساليب الدعوة: التأليف بالدعاء: ظهر في هذا الحديث أن من أساليب الدعوة التأليف بالدعاء للمدعو؛ ليدخل الداعية السرور عليه، وقد دعا النبي - ﷺ - لعلي بن أبي طالب عندما بصق في عينيه، فبرئ من الرمد بإذن الله ﷿.\n_________\n(١) البخاري، كتاب الأيمان والنذور، باب كيف كانت يمين النبي ﷺ ٧/ ٢٧٧، برقم ٦٦٣٢.\n(٢) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ١١/ ٥٢٨، وانظر: شرح الكرماني على صحيح البخاري ١٤/ ١٤٢.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٩، الدرس الثاني، ورقم ٦٢، الدرس الثامن، ورقم ٦٣، الدرس الثامن.\n(٤) انظر: الحديث رقم ١٩، الدرس الرابع، ورقم ٣٠، الدرس الرابع.\n(٥) انظر: الحديث رقم ٩١، الدرس الثاني.","vol":"1","page":537},{"text":"فينبغي للداعية أن يتألف المدعوين بالدعاء لهم (١).\nسابعا: من موضوعات الدعوة: الدعوة إلى كلمة التوحيد: إن من الموضوعات المهمة الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ﷺ؛ ولهذا قال - ﷺ - في هذا الحديث لعلي بن أبي طالب ﵁: «انفذ على رسلك، حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه» والروايات يفسر بعضها بعضا؛ فإن هذه الدعوة تكون قبل القتال إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ﷺ، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله. فهذا هو حق الله المذكور في هذا الحديث (٢).\nفينبغي أن يعتني الدعاة إلى الله - ﷿ - بالدعوة إلى كلمة التوحيد (٣).\nثامنا: من موضوعات الدعوة: الحث على نشر العلم وتعليم الناس الخير: إن الحث على نشر العلم وتعليم الناس الخير من أهم موضوعات الدعوة إلى الله ﷿؛ ولهذا قال النبي - ﷺ - لعلي بن أبي طالب: «فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم».\nوهذا يبين أهمية تعليم الناس الخير، ونشر العلم بينهم؛ قال الإمام الخطابي - ﵀ - في معنى الحديث: \" لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك أجرا وثوابا من أن يكون لك حمر النعم، فتتصدق بها \" (٤). وقد ذكر القرطبي والأبي والسنوسي - ﵏ - \" أن في هذا الحديث الشريف: حضا عظيما على تعلم العلم وبثه في الناس وعلى الوعظ والتذكير، ويعني أن ثواب تعليم رجل واحد وإرشاده أفضل من ثواب الصدقة بهذه الإبل النفيسة؛ لأن ثواب\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٢١، الدرس الخامس، ورقم ٤٥، الدرس الثامن، ورقم ٩١، الدرس الثامن.\n(٢) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي ٦/ ٢٧٦.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٩٠، الدرس الأول، والحديث الآتي برقم ٩٣، الدرس الأول.\n(٤) أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري، ٢/ ١٤٠٨.","vol":"1","page":538},{"text":"الصدقة بها ينقطع بموتها، وثواب العلم والهدى لا ينقطع إلى يوم القيامة \" (١). لقوله ﷺ: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» (٢). وقال ﷺ: «من دل على خير فله مثل أجر فاعله» (٣). وقال ﷺ: «من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها، ولا ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة، فعمل بها بعده، كتب عليه مثل وزر من عمل بها، ولا ينقص من أوزارهم شيء» (٤).\nوعن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا» (٥). وعن أبي أمامة - ﵁ - يرفعه: «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم»، ثم قال رسول الله ﷺ: «إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرضين، حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت، ليصلون على معلم الناس الخير» (٦).\nفينبغي للداعية أن يجد ويجتهد في تعليم الناس الخير وحضهم عليه.\nتاسعا: من أساليب الدعوة: التشبيه: ظهر أسلوب التشبيه في هذا الحديث؛ قال الإمام الكرماني ﵀: \" الإبل الحمر، هي أحسن أموال العرب، فيضربون بها المثل في نفاسة الشيء، وليس عندهم شيء أعظم منه، وتشبيه أمور الآخرة بأعراض الدنيا إنما هو للتقريب\n_________\n(١) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، ٦/ ٢٧٦، وإكمال إكمال المعلم، للأبي ٨/ ٢٣١، ومكمل إكمال الإكمال، للسنوسي ٨/ ٢٣١.\n(٢) مسلم، ٣/ ١٢٥٥، برقم ١٦٣١، وتقدم تخريجه في الحديث رقم ٢، الدرس الرابع، ص ٦٠.\n(٣) مسلم، ٣/ ١٥٠٦، برقم ١٨٩٣، وتقدم تخريجه في الحديث رقم ٤٩، الدرس الثالث، ص ٣٠٩.\n(٤) مسلم، كتاب العلم، باب من سن في الإسلام سنة حسنة أو سيئة؛ ومن دعا إلى هدى أو ضلالة، ٤/ ٢٠٥٩ برقم ١٠١٧، من حديث جرير بن عبد الله ﵁.\n(٥) مسلم، في كتاب العلم، الباب السابق، ٤/ ٢٠٦٠، برقم ٢٦٧٤.\n(٦) الترمذي، كتاب العلم، باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة، ٥/ ٥٠، برقم ٢٦٨٥، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ٢/ ٣٤٣، وانظر: مشكاة المصابيح بتحقيق الألباني ١/ ٧٤، برقم ٢١٣.","vol":"1","page":539},{"text":"إلى الفهم، وإلا فذرة من الآخرة خير من الدنيا وما فيها بأسرها وأمثالها معها \" (١). والله المستعان (٢).\nعاشرا: من أساليب الدعوة: الترغيب: إن هذا الحديث ظهر فيه أسلوب الترغيب في قوله ﷺ: \" فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم \"، والترغيب في الحقيقة له تأثير عجيب في نفوس المدعوين. فينبغي للداعية أن يعتني به كثيرا (٣).\nالحادي عشر: من وسائل الدعوة: بعث المجاهدين والدعاة: دل هذا الحديث على أن من وسائل الدعوة إلى الله ﷾ بعث المجاهدين والدعاة، وإرسالهم إلى أقطار الأرض للدعوة إلى الله ﷿، وقد ظهر في هذا الحديث من بعث رسول الله - ﷺ - علي بن أبي طالب إلى يهود خيبر؛ لدعوتهم إلى الله ﷿، وقتالهم إن رفضوا الدعوة، وبعث - ﷺ - كثيرا من السرايا، والبعوث والدعاة، لنشر الإسلام وتبليغه للناس (٤).\nالثاني عشر: من صفات الداعية: الشجاعة: إن في هذا الحديث الدلالة على أهمية اتصاف الداعية بالشجاعة؛ لأن علي بن أبي طالب - ﵁ - اتصف بها في هذا الحديث؛ قال الإمام النووي ﵀: \" فيه فضائل ظاهرة لعلي، وبيان شجاعته، وحسن مراعاته لأمر رسول الله ﷺ، وحبه لله ورسوله ﷺ \" (٥). وهذه الشجاعة مما نال بها محبة الله له ورسوله ﷺ.\nفينبغي للداعية أن يتصف بهذه الصفة الحميدة (٦).\n_________\n(١) شرح صحيح البخاري للكرماني ١٤/ ٢٤٢، وانظر: شرح الطيبي على مشكاة المصابيح ١٢/ ٣٨٨٣، وعمدة القاري للعيني ١٦/ ٢١٥.\n(٢) انظر: الحديث رقم ١٨، الدرس الرابع، ورقم ١٩، الدرس الخامس.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٧، الدرس الرابع عشر، ورقم ٨، الدرس الرابع.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٦٦، الدرس الثالث، ورقم ٩٠، الدرس الثاني.\n(٥) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٥/ ١٨٧، وانظر: شرح الكرماني على صحيح البخاري، ١٤/ ٢٤٢.\n(٦) انظر: الحديث رقم ٣٥، الدرس الخامس، ورقم ٦١، الدرس الثاني.","vol":"1","page":540},{"text":"الثالث عشر: من أساليب الدعوة: التأكيد بالقسم: دل هذا الحديث على أن التأكيد بالقسم من أساليب الدعوة إلى الله ﷿؛ «لقوله - ﷺ - لعلي بن أبي طالب: \" فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم» وهذا أسلوب تأكيد (١). فينبغي للداعية أن يعتني بهذا الأسلوب عند الحاجة إليه (٢).\nالرابع عشر: من أصناف المدعوين: اليهود: إن اليهود من أصناف المدعوين مع خبثهم وشرهم، وقد دعاهم رسول الله - ﷺ - كثيرا وقاتلهم؛ ليسلموا، ومن ذلك ما فعله في هذا الحديث من أمره لعلي بن أبي طالب - ﵁ - بدعوتهم وقتالهم إن أبوا.\nفينبغي العناية بدعوتهم وإقامة الحجة عليهم، والله المستعان (٣).\n_________\n(١) انظر: مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، للملّا علي القاري، ١٠/ ٤٥٩.\n(٢) انظر: الحديث رقم ١٠، الدرس الخامس، ورقم ١٤، الدرس الخامس.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٨٩، الدرس العاشر.","vol":"1","page":541},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-182>[حديث أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله]</span>\n٩٣ - [٢٩٤٦] حدثنا أبو اليمان: أخبرنا شعيب، عن الزهري: حدثني سعيد بن المسيب: أن أبا هريرة (١) - ﵁ - قال: قال رسول الله ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله عصم مني نفسه وماله إلا بحقه، وحسابه على الله». رواه عمر وابن عمر عن النبي ﷺ (٢).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من موضوعات الدعوة: الدعوة إلى كلمة التوحيد.\n٢ - من صفات الداعية: العمل بالظاهر والله يتولى السرائر.\n٣ - النطق بالشهادتين والعمل بهما: أمان للمدعو المخلص ظاهرا وباطنا.\n٤ - من أساليب الدعوة: الترغيب.\n٥ - من أساليب الدعوة: الترهيب.\n٦ - من موضوعات الدعوة: الحث على الجهاد في سبيل الله ﷿.\nوالحديث عن هذه الفوائد والدروس الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من موضوعات الدعوة: الدعوة إلى كلمة التوحيد: دل هذا الحديث على أن من موضوعات الدعوة: الدعوة إلى الشهادتين \" شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ﷺ \"، وهذا الحديث لم يذكر فيه إلا قوله ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله» ولم يذكر: «وأن محمدا رسول الله»، وقد أجاب العلامة الإمام القرطبي على ذلك فقال ﵀: \" ظاهره أن من نطق بكلمة التوحيد فقد حكم له بحكم الإسلام، وهذا ظاهر متروك قطعا، إذ لا بد مع ذلك من النطق بالشهادة بالرسالة، أو بما يدل عليها، لكنه سكت عن كلمة الرسالة؛ لدلالة كلمة التوحيد عليها؛ لأنهما متلازمتان،\n_________\n(١) تقدمت ترجمته، في الحديث رقم ٧.\n(٢) وأخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله. . ١/ ٥٢، برقم ٢١.","vol":"1","page":542},{"text":"فهي مرادة قطعا، ثم النطق بالشهادتين يدل على الدخول في الدين والتصديق بكل ما تضمنه، وعلى هذا فالنطق بالكلمة الأولى يفيد إرادة الثانية \". (١).\nومع ما قال القرطبي ﵀، فإن الأحاديث يفسر بعضها بعضا، فعن عبد الله بن عمر - ﵄ - قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله» (٢). فهذا الحديث قد بين ما أجمل في حديث أبي هريرة ﵁، فاتضح أن كلمة لا إله إلا الله عند إطلاقها تتضمن وتستلزم الشهادة للنبي - ﷺ - بالرسالة.\nولا شك أن هذه الشهادة لا تنفع قائلها إلا بشروط بينها أهل العلم: وهي: العلم المنافي للجهل، واليقين المنافي للشك، والقبول المنافي للرد، والانقياد المنافي للترك، والإخلاص المنافي للشرك، والصدق المنافي للكذب، والمحبة المنافية للبغض (٣). وأضيف إلى ذلك: الكفر بما يعبد من دون الله ﷿؛ لقوله ﷺ: «من قال لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله، فقد حرم ماله ودمه، وحسابه على الله» (٤).\nفينبغي أن يبين الداعية للناس هذه الشهادة، ومعناها وشروطها، ومقتضاها، ونواقضها؛ لأنها لا تنفع قائلها إلا بالعمل بالشروط، والابتعاد عن النواقض (٥).\nثانيا: من صفات الداعية: العمل بالظاهر والله يتولى السرائر: إن من نطق بالشهادتين، وعمل بما دلتا عليه ظاهرا، فإن ذلك يمنع ماله\n_________\n(١) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ١/ ١٨٧.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الإيمان، باب فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم، ١/ ١٤ برقم ٢٥، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، ١/ ٥٣، برقم ٢٠.\n(٣) انظر: فتح المجيد لشرح كتاب التوحيد، لمحمد بن حسن، ١/ ١٩٠.\n(٤) مسلم، في كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حنى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، ١/ ٥٣، برقم ٢٢، من حديث أبي مالك [سعد] عن أبيه [طارق بن أشيم الأشجعي ﵁].\n(٥) انظر: الحديث رقم ٩٠، الدرس الأول، ورقم ٩٢، الدرس السابع.","vol":"1","page":543},{"text":"ويحفظه له، ويمنع نفسه، فيكون معصوم الدم والمال، ولهذا قال ﷺ: «فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها»، وليس للمسلمين إلا الظاهر؛ قال الإمام القرطبي ﵀: \" وحسابهم على الله. أي حساب سرائرهم على الله؛ لأنه تعالى هو المطلع عليها، فمن أخلص في إيمانه وأعماله جازاه الله عليها جزاء المخلصين، ومن لم يخلص في ذلك كان من المنافقين يحكم له في الدنيا بأحكام المسلمين وهو عند الله من أسوأ الكافرين \" (١).\nفينبغي أن يعامل من أظهر العمل بالشهادتين بالظاهر والله يتولى السرائر (٢).\nثالثا: النطق بالشهادتين والعمل بهما: أمان للمدعو المخلص ظاهرا وباطنا: دل الحديث على أن من نطق بالشهادتين، وعمل بهما وبما دلتا عليه؛ فإنهما أمان له ظاهرا؛ لأنه معصوم الدم والمال، وباطنا؛ لأنه أخلص لله رب العالمين وصدق فيما قال، فحصل له اليقين في الدنيا والثواب العاجل والآجل على إخلاصه وصدقه مع ربه الكريم ﷾ (٣).\nرابعا: من أساليب الدعوة: الترغيب: دل الحديث على أسلوب الترغيب؛ لأن النبي - ﷺ - بين أن من نطق بالشهادتين فقد عصم ماله ودمه، وحسابه على ربه ﷿، ولا شك أن من قالها صدقا من قلبه فقد حصل على الثواب العظيم في الآخرة، مع ما يحصل له في الدنيا من عصمة المال والدم.\nفينبغي أن يستخدم أسلوب الترغيب في الدعوة إلى الله ﷿ (٤).\n_________\n(١) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ١/ ١٨٩، وانظر: شرح النووي على صحيح مسلم ١/ ٣٦١، وبهجة النفوس لعبد الله بن أبي جمرة الأندلسي، ٣/ ١٣٣.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٩، الدرس السادس، ورقم ٧٣، الدرس الخامس.\n(٣) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ١/ ٨٨، وبهجة النفوس لابن أبي جمرة، ٣/ ١٣٣، وفتح الباري لابن حجر، ١/ ٧٧.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٧، الدرس الرابع عشر، ورقم ٨، الدرس الرابع.","vol":"1","page":544},{"text":"خامسا: من أساليب الدعوة: الترهيب: ظهر أسلوب الترهيب في هذا الحديث؛ لأن النبي - ﷺ - بين بمفهوم حديثه أن من لم ينطق بالشهادتين ويعمل بمقتضاهما ظاهرا وباطنا؛ فإنه لا يكون معصوم الدم والمال، بل يكون دمه مهدورا وماله غير معصوم، وكذلك لو نطق بهما وعمل بهما ولكن لم يقم بحقهما، فهو معرض لإقامة الحد عليه إن وقع فيما يوجب الحد؛ لأن من قالها فقد دخل في الإسلام ولزمه حقه، وحق ما في الأبدان من حدود، وما في الأموال من حقوق (١). ولهذا - والله أعلم - قال ﷺ: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمفارق لدينه التارك للجماعة» (٢). فينبغي للداعية أن يستخدم هذا الأسلوب عند الحاجة إليه (٣).\nسادسا: من موضوعات الدعوة: الحث على الجهاد في سبيل الله ﷿: إن الحث على الجهاد في سبيل الله ﷿، والاستمرار فيه من أهم الموضوعات التي ينبغي العناية بها؛ لقوله - ﷺ - في هذا الحديث: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله»، وهذا يؤكد أهمية الحث على الجهاد حتى يدخل الناس في الإسلام ويستقيموا على ذلك (٤).\n_________\n(١) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ١/ ١٨٩، وبهجة النفوس، لابن أبي جمرة ٣/ ١٣٣.\n(٢) متفق عليه من حديث عبد الله بن مسعود ﵁. البخاري، كتاب الديات، باب قول الله تعالى: أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص. . [المائدة: ٤٥]، ٨/ ٤٨، برقم ٦٨٧٨، ومسلم، في كتاب القيامة، باب ما يباح به دم المسلم، ٣/ ١٣٠٢، برقم ١٦٧٦.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٧، الدرس الثالث عشر، ورقم ١٢، الدرس الثالث.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٢، الدرس الثالث، ورقم ٨، الدرس الثاني.","vol":"1","page":545},{"text":"١٠٧ -<span data-type=\"title\" id=toc-183> باب التوديع</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-184>[حديث إن النار لا يعذب بها إلا الله]</span>\n٩٤ - [٢٩٥٤] وقال ابن وهب أخبرني عمرو، عن بكير، عن سليمان بن يسار، عن أبي هريرة (١) - ﵁ - أنه قال: «بعثنا رسول الله - ﷺ - في بعث وقال لنا: \" إن لقيتم فلانا وفلانا- لرجلين من قريش سماهما- فحرقوهما بالنار \". قال: ثم أتيناه نودعه حين أردنا الخروج فقال: \" إني كنت أمرتكم أن تحرقوا فلانا وفلانا بالنار، وإن النار لا يعذب بها إلا الله، فإن أخذتموهما فاقتلوهما» (٢).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من وسائل الدعوة: بعث المجاهدين والدعاة.\n٢ - من موضوعات الدعوة: التحذير من التعذيب بعذاب الله ﷿.\n٣ - من صفات الداعية: الرجوع عن الحكم والفتوى إذا ظهر الدليل.\n٤ - من وظائف الإمام المسلم: قتل كل من آذى رسول الله - ﷺ - بدون استتابة.\n٥ - من أدب المدعو: توديع العلماء والدعاة إذا أراد سفرا.\n٦ - من أساليب الدعوة: الترهيب.\n٧ - أهمية استنابة الإمام أو الداعية من يقوم مقامه في الأمور المهمة.\n٨ - أهمية ذكر الدليل عند الفتوى لرفع الإلباس.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من وسائل الدعوة: بعث المجاهدين والدعاة: ظهر في هذا الحديث أن من وسائل الدعوة: بعث المجاهدين والدعاة للدعوة إلى الله ﷿؛ لقول أبي هريرة - ﵁ - في هذا الحديث: «بعثنا رسول الله - ﷺ - في بعث. .». فينبغي العناية بإرسال الدعاة إلى الله ﷿ لتبليغ الدعوة\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في حديث رقم ٧.\n(٢) [الحديث ٢٩٥٤] طرفه في كتاب الجهاد والسير، باب لا يعذب بعذاب الله، ٤/ ٢٧، برقم ٣٠١٦.","vol":"1","page":546},{"text":"الإسلامية ونشر العلم بين الناس (١).\nثانيا: من موضوعات الدعوة: التحذير من التعذيب بعذاب الله ﷿: دل هذا الحديث على أن من موضوعات الدعوة التحذير من التعذيب بعذاب الله ﷿ لقوله ﷺ: «إن النار لا يعذب بها إلا الله»، «وقد ثبت أن علي بن أبي طالب - ﵁ - حرق قوما فبلغ ابن عباس - ﵄ - فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم لأن النبي - ﷺ - قال: \" لا تعذبوا بعذاب الله \"، ولقتلتهم كما قال النبي ﷺ: \" من بدل دينه فاقتلوه» (٢) وعلي - ﵁ - فعل ما فعل غضبا لله ﷿؛ لأن هؤلاء الذين أحرقهم بالنار جعلوه إلها من دون الله، فغضب لله وحرقهم؛ ولأنه - ﵁ - لم يبلغه النهي عن التعذيب بالنار، وسمعت سماحة العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله يقول: \" فعل علي ﵁؛ لأنه لم يبلغه الحديث، وفعل ذلك لأنهم فعلوا أمرا شنيعا حيث ألّهوه من دون الله، فغضب لله، وفعل ما فعل ﵁، وهذه قاعدة: أن العالم إذا خالف السنة حمل على أنه لم يبلغه الحديث \" (٣). فينبغي للداعية أن يحذر الناس من التعذيب بالنار؛ لأنه لا يعذب بها إلا الله. قال الإمام ابن العربي ﵀: \" والنار لا يعذب بها إلا الله سبحانه، إلا أن يحرق رجل رجلا بالنار فيحرق بها قصاصا \" (٤).\nوقد ثبت أن النبي - ﷺ - عذب العرنيين الذين قتلوا راعي الإبل بشيء من النار، ففي حديث أنس ﵁: «. . فقطع أيديهم وأرجلهم، ثم أمر بمسامير فأحميت فكحلهم بها وطرحهم بالحرة يستسقون فما سقوا حتى ماتوا» (٥). وفي رواية لمسلم: «إنما سمل النبي - ﷺ - أعين هؤلاء؛ لأنهم سملوا أعين\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٦٦، الدرس الثالث، ورقم ٩٠، الدرس الثاني.\n(٢) البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب لا يعذب بعذاب الله، ٤/ ٢٧، برقم ٣٠١٧.\n(٣) سمعته من سماحته أثناء شرحه لحديث رقم ٣٠١٦، ورقم ٣٠١٧، من صحيح البخاري.\n(٤) عارضة الأحوذي بشرح سنن الترمذي ٤/ ٧٤.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب إذا أحرق المشرك المسلم هل يحرق، ٤/ ٢٧، برقم ٣٠١٨، ومسلم، كتاب القسامة، باب حكم المحاربين والمرتدين، ٣/ ١٢٩٦، برقم ١٦٧١.","vol":"1","page":547},{"text":"الرعاء» (١). قال الحافظ ابن حجر ﵀: \" إنما كان ذلك على سبيل القصاص \" (٢). وسمعت سماحة العلامة عبد العزيز بن باز حفظه الله يقول: \" والأقرب والله أعلم أنه يجوز تعذيب من قتل بالنار أن يقتل بالنار؛ لأنه من باب المقاصة، كما لو عذبه بقطع لسانه، أو قطع رجله، أو أنفه جاز أن يقتص منه بقطع ما قطع، فكذلك التحريق بالنار من باب المقاصة \" (٣). ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦] (٤) ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [الشورى: ٤٠] (٥) فاتضح من ذلك أنه لا يعذب بالنار في كل حيوان حتى النملة والبعوضة، إلا أن يكون قصاصا (٦).\n\nثالثا: من صفات الداعية: الرجوع عن الحكم والفتوى إذا ظهر الدليل: إن من الصفات العظيمة التي ينبغي أن يتصف بها كل مسلم وخاصة الدعاة إلى الله ﷿: الأخذ بالدليل من الكتاب والسنة، والرجوع إلى ذلك؛ لأن النبي - ﷺ - في هذا الحديث قال: «إن لقيتم فلانا وفلانا- لرجلين من قريش سماهما- فحرقوهما بالنار»، ثم رجع عن ذلك تعظيما لله ﷿؛ لئلا يعذب بعذابه فقال ﷺ: «إني كنت أمرتكم أن تحرقوا فلانا وفلانا بالنار، وإن النار لا يعذب بها إلا الله، فإن أخذتموهما فاقتلوهما»، فدل ذلك على أن العالم أو الداعية إذا صدر منه فتوى ثم رأى أن الأفضل أو الأولى أو الواجب خلافها رجع عن قوله وأفتى بما يوافق الدليل، قال الحافظ ابن حجر ﵀: \" وفي الحديث جواز الحكم بالشيء اجتهادا ثم الرجوع عنه \" (٧).\n_________\n(١) مسلم، كتاب القسامة، باب حكم المحاربين والمرتدين، ٣/ ١٢٩٦، برقم ١٦٧١.\n(٢) فتح الباري بشرح صحيح البخاري ٦/ ١٥٣.\n(٣) سمعته من سماحته، أثناء شرحه لحديث رقم ٣٠١٨ من صحيح البخاري، بالجامع الكبير بالرياض.\n(٤) سورة النحل، الآية: ١٢٦.\n(٥) سورة الشورى، الآية: ٤٠.\n(٦) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٦/ ١٥١.\n(٧) فتح الباري بشرح صحيح البخاري ٦/ ١٥٠، وانظر: عمدة القاري للعيني ١٤/ ٢٢١.","vol":"1","page":548},{"text":"رابعا: من وظائف الإمام المسلم: قتل كل من آذى الله ورسوله بدون استتابة: دل هذا الحديث على أن من صدر منه أذى لله أو لرسوله ﷺ، فإن إمام المسلمين يأمر بقتله نصرة لله ورسوله - ﷺ - ولهذا أمر النبي - ﷺ - بقتل هذين الرجلين بدون استتابة؛ لما صدر منهما من الأذى لرسول الله ﷺ؛ قال الإمام عبد الله بن أبي جمرة ﵀: \" إن من سب الله - ﷿ - ورسوله - ﷺ - قتل ولم يستتب؛ لأن فلانا وفلانا المذكورين في الحديث قد سميا في حديث غير هذا، وقيل: سبب ذلك أنهما كانا يؤذيان الله ورسوله \" (١). ولا شك أنه يفرق بين الكافر الأصلي والمسلم المرتد بذلك، وقد سبق التفصيل (٢).\nخامسا: من أدب المدعو: توديع العلماء والدعاة إذا أراد سفرا: ظهر في هذا الحديث أن من الأدب توديع العلماء والدعاة قبل السفر؛ ولهذا قال أبو هريرة - ﵁ - في هذا الحديث في شأن النبي ﷺ: «ثم أتيناه نودعه حين أردنا الخروج».\nفينبغي أن يعتني المدعو وكذلك الداعية بتوديع العلماء في بلده؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀: \" وفيه مشروعية توديع المسافر لأكابر أهل بلده، وتوديع أصحابه له أيضا \" (٣).\nسادسا: من أساليب الدعوة: الترهيب: دل هذا الحديث على أسلوب الترهيب؛ لأنه - ﷺ - أمر بقتل من آذى الله ورسوله، بقوله: \" فاقتلوهما \"؛ قال الإمام عبد الله بن أبي جمرة ﵀: \" إن إطالة الزمان لا تمنع رفع العقاب؛ لأن النبي - ﷺ - أمر بقتل هذين حين رجا القدرة عليهما، وقيل ذلك حين كانت الأذية منهما صادرة ولو لم ترج القدرة للمسلمين عليهما لم يأمر فيهما بشيء \" (٤).\n_________\n(١) بهجة النفوس، شرح مختصر صحيح البخاري ٣/ ١٥٤.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٨٩، الدرس الثامن، ص ٥١٦.\n(٣) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٦/ ١٥١، وانظر: عمدة القاري للعيني ١٤/ ٢٢١.\n(٤) بهجة النفوس، شرح مختصر البخاري ٣/ ١٥٤، وانظر: فتح الباري لابن حجر ٦/ ١٥٠.","vol":"1","page":549},{"text":"فينبغي للداعية أن يبين للناس أن من وقع في شيء يوجب العقاب ثم ستر الله عليه - ﷿ - وأسبغ عليه نعمه وأمهله، فلا يغتر بذلك بل عليه أن يبادر بالتوبة قبل مفاجأة المنايا أو النقم؛ لأن الله - ﷿ - يقول: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ - ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ - مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٥ - ٢٠٧] (١) وقال ﷿: ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان: ٣٣] (٢) وهو الشيطان (٣). ولا شك أن الله - ﷿ - يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته (٤). والله المستعان.\nسابعا: أهمية استنابة الإمام أو الداعية من يقوم مقامه في الأمور المهمة: دل هذا الحديث على أهمية استنابة الإمام أو العالم أو الداعية من يقوم مقامه في الأمور المهمة؛ ولهذا استناب النبي - ﷺ - على قتل هذين الرجلين؛ قال الإمام ابن أبي جمرة ﵀ في فوائد هذا الحديث: \" جواز النيابة في الأحكام؛ لأن النبي - ﷺ - أمر بقتل هذين ولم يأمر بأن يؤتى إليه بهما \" (٥).\nثامنا: أهمية ذكر الدليل عند الفتوى لرفع الإلباس: دل هذا الحديث على أهمية ذكر الدليل عند الفتوى أو الحكم؛ لرفع الإلباس؛ قال النبي - ﷺ - في هذا الحديث: «إني كنت أمرتكم أن تحرقوا فلانا وفلانا بالنار، وإن النار لا يعذب بها إلا الله، فإن وجدتموهما فاقتلوهما»، فقد استدل سيد الخلق ﵊ بكون النار لا يعذب بها إلا الله؛ قال ابن حجر ﵀ إن من فوائد هذا الحديث: \" استحباب ذكر الدليل عند الحكم؛ لرفع الإلباس \" (٦). فينبغي للداعية العناية بذكر الأدلة من الكتاب والسنة أو من أحدهما على ما يقول ويفتي به؛ ليكون لذلك الأثر في نفوس المدعوين، والله - ﷿ - الموفق (٧).\n_________\n(١) سورة الشعراء، الآيات: ٢٠٥ - ٢٠٧.\n(٢) سورة لقمان، الآية: ٣٣.\n(٣) الغرور هو الشيطان، والغرور بضم الغين هو ما يلقيه من تسويلاته وتخيلاته من ترك الخوف والطمأنينة بما أظهر الله - ﷿ - من إمهاله وإدراره نعمه. انظر: بهجة النفوس لابن أبي جمرة. ٣/ ١٥٤.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٧، الدرس الثالث عشر.\n(٥) بهجة النفوس، شرح مختصر البخاري، ٣/ ١٥٣، وانظر: فتح الباري لابن حجر، ٦/ ١٥٠.\n(٦) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٦/ ١٥٠، وانظر: عمدة القاري للعيني، ١٤/ ٢٢١.\n(٧) انظر: الحديث رقم ٧٧، الدرس الحادي عشر.","vol":"1","page":550},{"text":"١٠٨ -<span data-type=\"title\" id=toc-185> باب السمع والطاعة للإمام</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-186>[حديث السمع والطاعة حق ما لم يؤمر بالمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة]</span>\n٩٥ - [٢٩٥٥] حدثنا مسدد: حدثنا يحيى، عن عبيد الله قال: حدثني نافع، عن ابن عمر (١) - ﵄ عن النبي - ﷺ - وحدثنا محمد بن الصباح، عن إسماعيل بن زكريا، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر - ﵄ - عن النبي - ﷺ - قال: «السمع والطاعة حق، ما لم يؤمر بالمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» (٢).\nوفي رواية: «السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» (٣).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من موضوعات الدعوة: حض الناس على طاعة ولاة الأمر بالمعروف.\n٢ - من صفات الداعية: الصبر على جور الولاة والأمراء.\nوالحديث عن هذين الدرسين والفائدتين الدعويتين على النحو الآتي:\nأولا: من موضوعات الدعوة: حض الناس على طاعة ولاة الأمر بالمعروف: دل هذا الحديث على أن السمع لولاة الأمر بإجابة أقوالهم، والطاعة لأوامرهم حق واجب ما لم يأمروا بمعصية؛ فإن فعلوا ذلك فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولهذا قال النبي - ﷺ - في هذا الحديث: «السمع والطاعة حق ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة»، وقد أمر الله - ﷿ - بطاعة ولاة\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ١.\n(٢) [الحديث ٢٩٥٥] طرفه في كتاب الأحكام، باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية، ٨/ ١٣٤، برقم ٧١٤٤. وأخرجه مسلم في كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، وتحريمها في المعصية، ٣/ ١٤٦٩، برقم ١٨٣٩.\n(٣) الطرف رقم ٧١٤٤.","vol":"1","page":551},{"text":"الأمر فقال ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] (١) وولاة الأمر هم: العلماء، والولاة، والأمراء (٢).\nفينبغي للداعية أن يحض الناس على طاعتهم في غير معصية الله ﷿؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \" فطاعة الله ورسوله واجبة؛ لأمر الله بطاعتهم، فمن أطاع الله ورسوله بطاعة ولاة الأمر فأجره على الله، ومن كان لا يطيعهم إلا لما يأخذه من الولاية والمال فإن أعطوه أطاعهم، وإن منعوه عصاهم فما له في الآخرة من خلاق \" (٣) وذكر الإمام الطيبي ﵀: \". . أن سماع كلام الحاكم وطاعته واجب على كل مسلم، سواء أمره بما يوافق طبعه، أو لم يوافقه، بشرط أن لا يأمره بمعصية، فإن أمره بها فلا تجوز طاعته، ولكن لا يجوز له محاربة الإمام \" (٤).\nثانيا: من صفات الداعية: الصبر على جور الولاة والأمراء: دل هذا الحديث على أن من صفات المسلم، وخاصة الداعية إلى الله - ﷿ - أن يصبر على جور الولاة والأمراء؛ ولهذا قال النبي - ﷺ - في هذا الحديث: «السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة»، وقد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه أمر بطاعة ولاة الأمر وإن جاروا ماداموا لم يكفروا، فعن عبادة بن الصامت - ﵁ - قال: «دعانا رسول الله - ﷺ - فبايعناه فكان فيما أخذ علينا: أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله» (٥) وقال:\n_________\n(١) سورة النساء، الآية: ٥٩.\n(٢) انظر: تفسير ابن جرير الطبري \" جامع البيان عن تأويل آي القرآن \"، ٨/ ٤٩٧، وتفسير القرطبي، \" الجامع لأحكام القرآن \"، ٥/ ٢٦١، وتفسير ابن كثير ١/ ٥١٩، وفتاوى ابن تيمية ١١/ ٥٥١.\n(٣) فتاوى ابن تيمية، ٣٥/ ١٦ - ١٧.\n(٤) شرح الطيبي على مشكاة المصابيح، ٨/ ٢٥٥٩.\n(٥) وفي رواية لمسلم \" وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم \" برقم ١٧٠٩، ويأتي تخريجه في الذي بعده.","vol":"1","page":552},{"text":"«إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان» (١) وعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله ﷺ: «إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها، قالوا: يا رسول الله، كيف تأمر من أدرك منا ذلك؟ قال: تؤدون الحق الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم» (٢) وعن حذيفة - ﵁ - يرفعه: «يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي، ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس \"، قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: \" تسمع وتطيع للأمير، وإن ضرب ظهرك، وأخذ مالك، فاسمع وأطع» (٣) وهذا كله يؤكد وجوب طاعة الإمام أو الأمير في غير معصية الله ما لم يخرج عن الإسلام بكفر بواح عند المسلم من الله فيه برهان؛ قال الإمام النووي ﵀: \" وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين وقد تظاهرت الأحاديث على معنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنة على أنه لا ينعزل السلطان بالفسق. . . قال العلماء: وسبب عدم انعزاله وتحريم الخروج عليه ما يترتب على ذلك من الفتن، وإراقة الدماء، وفساد ذات البين فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه \". (٤).\n* * * *\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الفتن، باب \" سترون بعدي أمورا تنكرونها \" ٨/ ١١٢، برقم ٧٠٥٦، ومسلم، كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة ولاة الأمر في غير معصية الله وتحريمها في المعصية، ٣/ ١٤٧٠، برقم ١٧٠٩.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، ٤/ ٢١٤، برقم ٣٦٠٣، ومسلم، كتاب الإمارة، باب وجوب الوفاء ببيعة الخليفة الأول فالأول، ٣/ ١٤٧٢، برقم ١٨٤٣.\n(٣) مسلم، كتاب الإمارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن وفي كل حال وتحريم الخروج على الطاعة ومفارقة الجماعة، ٣/ ١٤٧٥، برقم ١٨٤٧.\n(٤) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٢/ ٤٦٩ بتصرف يسير جدا، وانظر: فتح الباري لابن حجر، ١٣/ ١٢٣.","vol":"1","page":553},{"text":"١٠٩ -<span data-type=\"title\" id=toc-187> باب يقاتل من وراء الإمام، ويتقى به</span>\nحدثنا أبو اليمان: أخبرنا شعيب: حدثنا أبو الزناد: أن الأعرج حدثه أنه سمع أبا هريرة (١) - ﵁ - أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول:. . الحديث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-188>[حديث من أطاعني فقد أطاع الله]</span>\n٩٦ - [٢٩٥٧] وبهذا الإسناد: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني. وإنما الإمام جنة يقاتل من ورائه ويتقى به. فإن أمر بتقوى الله وعدل فإن له بذلك أجرا، وإن قال بغيره فإن عليه منه» (٢).\nوفي رواية: «ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري ففد عصاني» (٣).\n* شرح غريب الحديث: * \" جنة \" الجنة: الوقاية، ويقال: الإمام جنة؛ لأنه يقي المأموم الزلل والسهو (٤) والمعنى هنا: الإمام كالترس يقاتل من ورائه: أي يقاتل معه الكفار والبغاة، وينصر عليهم ويتقى به شر العدو (٥).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من موضوعات الدعوة: الحث على طاعة الله ورسوله ﷺ.\n٢ - من موضوعات الدعوة: الحث على طاعة ولاة أمر المسلمين.\n٣ - أهمية القتال مع إمام المسلمين وحمايته من الأعداء.\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في حديث رقم ٧.\n(٢) [الحديث ٢٩٥٧] طرفه في كتاب الأحكام، باب وقول الله تعالى: (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) [النساء: ٥٩]، ٨/ ١٣٣، برقم ٧١٣٧، وأخرجه مسلم في كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية وتحريمها في المعصية، ٣/ ١٤٦٦، برقم ١٨٣٥.\n(٣) من الطرف رقم ٧١٣٧.\n(٤) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الهمزة مع الجيم، مادة: \" جنن \" ١/ ٣٠٨.\n(٥) انظر: شرح الكرماني على صحيح البخاري، ١٢/ ١٩٧.","vol":"1","page":554},{"text":"٤ - من صفات الإمام والداعية: العدل.\n٥ - من أساليب الدعوة: التشبيه.\n٦ - من أساليب الدعوة: الترغيب.\n٧ - من أساليب الدعوة: الترهيب.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من موضوعات الدعوة: الحث على طاعة الله ورسوله ﷺ: دل هذا الحديث على أن من موضوعات الدعوة الحض على طاعة الله - ﷿ - وطاعة رسوله - ﷺ - ولهذا قال - ﷺ - في هذا الحديث: «من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله»، قال الإمام القرطبي ﵀: \" هذا منتزع من قوله تعالى ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] (١) وذلك أنه - ﷺ - لما كان مبلغا أمر الله وحكمه، وأمر الله بطاعته، فمن أطاعه فقد أطاع أمر الله ونفذ حكمه \" (٢) فينبغي للداعية أن يحث الناس ويرغبهم في طاعة الله ورسوله ﷺ، قال الله ﷿: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا - ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ [النساء: ٦٩ - ٧٠] (٣) وقال ﷾ بعد أن ذكر أحكام الفرائض والمواريث: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [النساء: ١٣] (٤).\nوينبغي للداعية أن يحذر الناس من معصية الله ورسوله؛ ولهذا قال النبي - ﷺ - في هذا الحديث: «ومن عصاني فقد عصى الله»، وهذا مقتبس من القرآن الكريم، قال الله ﷾: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء: ١٤] (٥).\n_________\n(١) سورة النساء، الآية: ٨٠.\n(٢) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٤/ ٣٥، وانظر: فتح الباري لابن حجر ١٣/ ١١٢، ومرقاة المفاتيح، للملا علي القاري ٧/ ٢٤٤، وشرح السندي على سنن ابن ماجه ١/ ١٠.\n(٣) سورة النساء، الآيتان: ٦٩ - ٧٠.\n(٤) سورة النساء، الآية: ١٣.\n(٥) سورة النساء، الآية: ١٤.","vol":"1","page":555},{"text":"وقال ﷿: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦] (١) وقال ﷿: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٣] (٢) والآية الجامعة لطاعة الرسول - ﷺ - والنهي عن معصيته في كل شيء، هي قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧] (٣).\nثانيا: من موضوعات الدعوة: الحث على طاعة ولاة أمر المسلمين: دل هذا الحديث على أن الحث على طاعة ولاة أمر المسلمين من موضوعات الدعوة؛ ولهذا قال النبي ﷺ: \". . «ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني» قال القرطبي ﵀: \" ووجهه: أن أمير رسول الله - ﷺ - إنما هو منفذ أمره، ولا يتصرف إلا بأمره، فمن أطاعه فقد أطاع أمر رسول الله ﷺ، وعلى هذا فكل من أطاع أمير رسول الله - ﷺ - فقد أطاع الرسول، ومن أطاع الرسول فقد أطاع الله، فينتج أن من أطاع أمير رسول الله - ﷺ - فقد أطاع الله، وهو حق صحيح، وليس هذا الأمر خاصا بمن باشره رسول الله - ﷺ - بتوليه الإمارة، بل هو عالم في كل أمير للمسلمين عدل، ويلزم منه نقيض ذلك في المخالفة والمعصية \" (٤). فينبغي للداعية أن يحث الناس على طاعة ولاة أمر المسلمين في غير معصية، طاعة لله - ﷿ - ورسوله ﷺ (٥).\nثالثا: أهمية القتال مع إمام المسلمين وحمايته من الأعداء: ظهر في هذا الحديث أهمية القتال مع إمام المسلمين وحمايته من كيد أعداء الدين؛ ولهذا قال ﷺ: «إنما الإمام جنة يقاتل من ورائه ويتقى به» وهذا\n_________\n(١) سورة الأحزاب، الآية: ٣٦.\n(٢) سورة الجن، الآية: ٢٣.\n(٣) سورة الحشر، الآية: ٧.\n(٤) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٤/ ٣٦، وانظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ١٢/ ٤٦٥، ومرقاة المفاتيح للملا علي القاري ٧/ ٢٤٥.\n(٥) انظر: الحديث رقم ٩٥، الدرس الأول.","vol":"1","page":556},{"text":"واضح في الأمر بمساعدته والشد من أزره طاعة لرسول الله ﷺ. قال الإمام النووي ﵀: \" الإمام جنة: أي كالستر؛ لأنه يمنع العدو من أذى المسلمين، ويمنع الناس بعضهم من بعض، ويحمي بيضة الإسلام، ويتقيه الناس ويخافون سطوته، ومعنى: \" يقاتل من ورائه \" أي يقاتل معه الكفار، والبغاة، والخوارج، وسائر أهل الفساد والظلم مطلقا \" (١).\nفينبغي للداعية أن يحث الناس على أهمية هذا الأمر، والله المستعان.\nرابعا: من صفات الإمام والداعية: العدل: دل الحديث على أن العدل من صفات الإمام والداعية؛ لقوله ﷺ: «فإن أمر بتقوى الله وعدل؛ فإن له بذلك أجرا». قال الإمام الأبي ﵀: \" العدل أخص أوصاف الإمام \" (٢).\nفينبغي الحكم بالعدل، وينبغي للداعية أن يلتزم صفة العدل في كل أموره (٣).\nخامسا: من أساليب الدعوة: التشبيه: ظهر في هذا الحديث أسلوب التشبيه في قوله ﷺ: «الإمام جنة» قال الإمام الكرماني ﵀: \" أي كالترس يقاتل من ورائه: أي يقاتل معه الكفار والبغاة \" (٤). وقال الملا علي القاري ﵀: \" فهو تشبيه بليغ \" (٥).\nفينبغي أن يعتني الداعية عند الحاجة بأسلوب التشبيه في دعوته إلى الله ﷿ (٦).\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم ١٢/ ٤٧٢، وانظر: شرح الطيبي على مشكاة المصابيح، ٨/ ٢٥٥٧، وإكمال إكمال المعلم شرح صحيح مسلم، للأبي ٦/ ٥٣٦، وفتح الباري لابن حجر، ٦/ ١١٦، ومرقاة المفاتيح لملا علي القاري ٧/ ٢٤٥.\n(٢) إكمال إكمال المعلم شرح صحيح مسلم، ٦/ ٥٣٧، وانظر: مرقاة المفاتيح للملا علي القاري ٧/ ٢٤٥.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٦٠، الدرس الثاني، ورقم ٦٤، الدرس الأول.\n(٤) شرح الكرماني على صحيح البخاري، ١٢/ ١٩٧.\n(٥) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، ٧/ ٢٤٤.\n(٦) انظر: الحديث رقم ١٨، الدرس الرابع، ورقم ١٩، الدرس الخامس.","vol":"1","page":557},{"text":"سادسا: من أساليب الدعوة: الترغيب: دل هذا الحديث على أسلوب الترغيب؛ لقوله ﷺ: «فإن أمر بتقوى الله وعدل فإن له بذلك أجرا»، وهذا يدل على أن الإمام أو الداعية إذا أمر بالتقوى؛ وقضى بحكم الله - ﷿ - فإن له أجرا عظيما (١).\nوهذا فيه ترغيب في العدل في القضاء والحكم والفتوى وغير ذلك (٢).\nسابعا: من أساليب الدعوة: الترهيب: دل هذا الحديث على أسلوب الترهيب؛ لقوله ﷺ: «وإن قال بغيره فإن عليه منه» أي إن أمر وقال بغير التقوى والعدل في الحكم والقضاء بين الناس؛ «فإن عليه منه» أي وزرا ثقيلا (٣) وقد حذر النبي - ﷺ - عن الظلم والجور، فقال ﷺ: «القضاة ثلاثة، واحد في الجنة واثنان في النار: فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به، ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار» (٤).\nوهذا فيه تخويف من الوقوع في الظلم والجور، والحكم بغير العدل، والله المستعان.\n\n[باب البيعة في الحرب أن لا يفروا]\n_________\n(١) انظر: مرقاة المفاتيح، للملا علي القاري، ٧/ ٢٤٥.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٧، الدرس الرابع عشر، ورقم ٨، الدرس الرابع.\n(٣) انظر: شرح الطيبي على مشكاة المصابيح، ٨/ ٢٥٥٨، ومرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، للملا علي القاري ٧/ ٢٤٥.\n(٤) أخرجه أبو داود بلفظه، في كتاب الأقضية، باب: القاضي يخطئ، ٣/ ٢٩٩، برقم ٣٥٧٣، من حديث بريدة ﵁. والترمذي، كتاب الأحكام، باب: ما جاء عن رسول الله - ﷺ - في القاضي، ٣/ ٦٠٤، برقم ١٣٢٢، وابن ماجه، في كتاب الأحكام، باب: الحاكم يجتهد فيصيب الحق، ٢/ ٧٧٦، برقم ٢٣١٥، وصححه الألباني في إرواء الغليل، ٨/ ٢٣٥.","vol":"1","page":558},{"text":"١١٠ -<span data-type=\"title\" id=toc-189> باب البيعة في الحرب أن لا يفروا</span>\nوقال بعضهم: على الموت لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-190>[حديث سألنا نافعا على أي شيء بايعهم على الموت قال لا بل بايعهم على الصبر]</span>\n٩٧ - [٢٩٥٨] حدثنا موسى بن إسماعيل: حدثنا جويرية، عن نافع قال: قال ابن عمر (٢). ﵄: «رجعنا من العام المقبل، فما اجتمع منا اثنان على الشجرة التي بايعنا تحتها، كانت رحمة من الله. فسألنا نافعا: على أي شيء بايعهم، على الموت؛ قال: لا، بل بايعهم على الصبر». * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من وسائل الدعوة: إزالة الأماكن التي يفتن بها الناس.\n٢ - من صفات الداعية: الثبات والصبر.\n٣ - محبة الصحابة - ﵃ لرسول الله ﷺ.\n٤ - من وسائل الدعوة؛ مبايعة إمام المسلمين.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من وسائل الدعوة: إزالة الأماكن التي يفتن بها الناس: ظهر في هذا الحديث أن إزالة أو إخفاء الأماكن التي يفتتن بها الناس من وسائل الدعوة إلى الله ﷿؛ ولهذا قال ابن عمر - ﵄: «رجعنا من العام المقبل فما اجتمع منا اثنان على الشجرة التي بايعنا تحتها كانت رحمة من الله» قال الإمام النووي ﵀: \" قال العلماء: سبب خفائها أن لا يفتتن الناس\n_________\n(١) سورة الفتح، الآية: ١٨.\n(٢) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ١.","vol":"1","page":559},{"text":"بها؛ لما جرى تحتها من الخير، ونزول الرضوان، والسكينة، وغير ذلك، فلو بقيت ظاهرة معلومة لخيف تعظيم الأعراب إياها وعبادتهم لها، فكان خفاؤها رحمة من الله تعالى \" (١) وقال ابن حجر ﵀: \" كانت رحمة من الله: أي كان خفاؤها عليهم بعد ذلك رحمة من الله تعالى، ويحتمل أن يكون معنى قوله \" رحمة من الله \" أي كانت الشجرة، موضع رحمة الله ومحل رضوانه؛ لنزول الرضا عن المؤمنين عندها \" (٢) وحديث ابن عمر - ﵄ - هذا يدل على أن الصحابة - ﵃ - قد أنسوا مكان الشجرة، وقد وافق ابن عمر - ﵄ - على أن الشجرة خفي عليهم مكانها من العام الذي بعد صلح الحديبية، المسيب والد سعيد، قال سعيد ﵀: حدثني أبي أنه كان فيمن بايع رسول الله - ﷺ - تحت الشجرة، قال: فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها فلم نقدر عليها \" (٣) وقال ابن حجر ﵀: \" لكن إنكار سعيد بن المسيب على من زعم أنه عرفها معتمدا على قول أبيه أنهم لم يعرفوها في العام المقبل لا يدل على رفع معرفتها أصلا \" (٤) وقد ثبت أن عمر بن الخطاب - ﵁ - هو الذي قطعها، فعن نافع قال: \" بلغ عمر بن الخطاب أن ناسا يأتون الشجرة التي بويع تحتها، قال: فأمر بها فقطعت \" (٥).\nوسمعت سماحة العلامة ابن باز حفظه الله يقول: \" أنسيها المسيب - ﵀ - ولكن عمر - ﵁ - علمها وقطعها \" (٦).\nوهذا يبين أهمية إزالة المواضع التي يخشى على الناس من الافتتان بها، وأن ذلك من وسائل الدعوة إلى الله ﷿.\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم ١٣/ ٩.\n(٢) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٦/ ١١٨.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة الحديبية، وقول الله تعالى: لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة. [الفتح ١٨] ٥/ ٧٧ برقم ٤١٦٣، ٤١٦٤، ومسلم، كتاب الإمارة، باب استحباب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة القتال، وبيان بيعة الرضوان تحت الشجرة، ٣/ ١٤٨٥ برقم ١٨٥٩.\n(٤) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٧/ ٤٤٨.\n(٥) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، كتاب الصلوات، ٢/ ٣٧٥، وابن سعد في الطبقات الكبرى ٢/ ٣٧٥، وقال ابن حجر في فتح الباري ٧/ ٤٤٨: إسناده صحيح.\n(٦) سمعته من سماحته أثناء شرحه لحديث رقم ٤١٦٤ من صحيح البخاري.","vol":"1","page":560},{"text":"ثانيا: من صفات الداعية: الثبات والصبر: ظهر في هذا الحديث أن الصبر والثبات صفة حميدة من صفات الدعاة إلى الله ﷿، ولهذا جاء في هذا الحديث: «فسألنا نافعا على أي شيء بايعهم، على الموت؟ قال: لا، بايعهم على الصبر»، وقد ثبت في غير هذا الحديث أن الصحابة بايعوا رسول الله - ﷺ - يوم الحديبية على الموت، فعن مولى سلمة بن الأكوع قال: «سألت سلمة على أي شيء بايعتم رسول الله - ﷺ - يوم الحديبية؟ قال: على الموت» (١) قال ابن حجر - ﵀ - على حديث سلمة هذا: \" فدل ذلك على أنه لا تنافي بين قولهم بايعوه على الموت، وعلى عدم الفرار؛ لأن المراد بالمبايعة على الموت أن لا يفروا ولو ماتوا، وليس المراد أن يقع الموت ولابد، وهو الذي أنكره نافع وعدل إلى قوله: \" بل بايعهم على الصبر \" أي على الثبات وعدم الفرار، سواء أفضى بهم ذلك إلى الموت أم لا، والله أعلم \" (٢).\nفينبغي للداعية أن يتحلى بالصبر والثبات في جميع المواطن (٣).\nثالثا: محبة الصحابة - ﵃ - لرسول الله ﷺ: دل هذا الحديث على محبة صحابة رسول الله - ﷺ - له، محبة عظيمة فاقت محبة النفس، والولد، والوالد، والناس أجمعين؛ ولهذا بايعوه - ﷺ - يوم الحديبية على الثبات وعدم الفرار، ولو وصل بهم هذا الثبات إلى الموت ﵃، ولهذا فازوا برضوان الله. قال الله ﷿: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ١٨] (٤).\nوهذا كله يدل على المحبة العظيمة لله ولرسوله ﷺ، ورضي عنهم وأرضاهم وحشرنا جميعا في زمرتهم (٥).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة الحديبية، ٥/ ٧٨، برقم ٤١٦٩، ومسلم، كتاب الإمارة، باب استحباب مبايعة الجيش عند إرادة القتال وبيان بيعة الرضوان تحت الشجرة، ٣/ ١٤٨٦ برقم ١٨٦٠.\n(٢) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٦/ ١١٨.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٢٧، الدرس الأول، ورقم ٢٨، الدرس السادس.\n(٤) سورة الفتح، الآية: ١٨.\n(٥) انظر: الحديث رقم ٦٢، الدرس الثامن، ورقم ٦٣، الدرس الثامن أيضا.","vol":"1","page":561},{"text":"رابعا: من وسائل الدعوة: مبايعة إمام المسلمين: مبايعة إمام المسلمين من أهم وسائل الدعوة إلى الله ﷿؛ ولهذا ظهر في هذا الحديث أن النبي - ﷺ - بايع الصحابة يوم الحديبية على الصبر، ولا شك أن المبايعة معاقدة ومعاهدة على القيام والالتزام بما حصلت البيعة عليه؛ لأن البيعة عبارة عن المعاقدة والمعاهدة: كأن كل واحد من المبايعين باع ما عنده من صاحبه وأعطاه خالصة نفسه، وطاعته، ودخيلة أمره (١) ولا ريب أن التعاهد والتعاضد يعطي بإذن الله - ﷿ - العزيمة القوية على الثبات في الدعوة إلى الله ﷿، وفي الجهاد، وفي كل أمور الإسلام؛ ليكون ذلك وسيلة إلى الجهاد والدعوة ومن ذلك: البيعة على السمع والطاعة، وعلى أن لا ينازع الأمر أهله، وعلى القول بالحق، وبالعدل، وعلى النصح لكل مسلم، والثبات في القتال، والبيعة على الجهاد، وعلى الهجرة، وأعظم ذلك البيعة على الإيمان والإسلام، والنصرة وغير ذلك (٢).\nولهذا قال ﷺ: «من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية» (٣).\nوهذا يبين أهمية مبايعة إمام المسلمين، وخطر الخروج عليه، وأن المبايعة من أعظم وسائل الدعوة إلى الله ﷾.\n_________\n(١) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الباء مع الياء، مادة: \" بيع \" ١/ ١٧٤.\n(٢) انظر: تراجم النسائي - ﵀ - في كتاب البيعة من سننه، ٧/ ١٣٧ - ١٦٢.\n(٣) مسلم، كتاب الإمارة باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن وفي كل حال، وتحريم الخروج على الطاعة ومفارقة الجماعة، ٣/ ١٤٧٨، برقم ١٨٥١.","vol":"1","page":562},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-191>[حديث عبد الله بن زيد لا أبايع أحدا على الموت بعد رسول الله]</span>\n٩٨ - [٢٩٥٩] حدثنا موسى بن إسماعيل: حدثنا وهيب: حدثنا عمرو بن يحيى، عن عباد بن تميم، عن عبد الله بن زيد (١) - ﵄ قال: «لما كان زمن الحرة أتاه آت فقال له: إن ابن حنظلة (٢). يبايع الناس على الموت. فقال: لا أبايع على هذا أحدا بعد رسول الله ﷺ» (٣).\nوفي رواية: «لما كان يوم الحرة، والناس يبايعون لعبد الله بن حنظلة فقال ابن زيد: على ما يبايع ابن حنظلة؟ قيل له: على الموت، قال لا أبايع على ذلك أحدا بعد رسول الله ﷺ». وكان شهد معه الحديبية \" (٤).\n* شرح غريب الحديث: * \" زمن الحرة \" الحرة: أرض ذات حجارة سود كثيرة، وهي بظاهر المدينة،\n_________\n(١) عبد الله، بن زيد، بن عاصم، بن كعب، بن عمرو، بن عوف، بن مبذول، بن غنم، بن مازن، بن النجار الأنصاري المازني، الصحابي ﵁، وهو غير عبد الله بن زيد صاحب الأذان. اختلف في شهوده بدرا، وقال ابن عبد البر: شهد أحدا وغيرها ولم يشهد بدرا. وقد شارك في قتل مسيلمة الكذاب، رماه وحشي بالحربة وقتله عبد الله بن زيد بسيفه، وروى عن النبي - ﷺ - حديث الوضوء، وعدة أحاديث، قيل: قتل يوم الحرة بالمدينة سنة ثلاث وستين وهو ابن سبعين سنة. وهو وأبوه: صحابيان، ﵄. انظر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر، ٢/ ٣١٢، وتهذيب الأسماء واللغات للنووي، ١/ ٢٦٧، وسير أعلام النبلاء للذهبي، ٢/ ٣٧٧، والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، ٢/ ٣١٢.\n(٢) عبد الله بن حنظلة - الغسيل - بن أبي عامر الأنصاري المدني، من صغار الصحابة ﵃، استشهد أبوه يوم أحد، فغسلته الملائكة؛ لكونه جنبا. روى عن النبي ﷺ، ورآه يطوف بالبيت على ناقة، كان مولده سنة أربع من الهجرة، بعد أحد بسبعة أشهر، وتوفي رسول الله - ﷺ - وهو ابن سبع سنين، أمر على الأنصار، يوم الحرة، وأمر على قريش عبد الله بن مطيع العدوي، وعلى باقي المهاجرين معقل بن سنان الأشجعي، فجهز لهم يزيد بن معاوية جيشا عليهم مسلم بن عقبة المري في اثني عشر ألفا، واعتزل بعض الصحابة في المدينة الفتنة: كعبد الله بن عمر ﵄، وعبد الله بن زيد ﵄، وغيرهم من الصحابة، وأصيب من قريش ثلاثمائة وستة رجال، ولم يخرج في الفتنة أحد من بني عبد المطلب، لزموا بيوتهم، وقال أنس بن مالك ﵁: قتل يوم الحرة من حملة القرآن سبعمائة. وقتل عبد الله بن حنظلة في هذا اليوم سنة ثلاث وستين. وكانت وقعة وفتنة عظيمة. أسأل الله العافية لي ولجميع المسلمين في الدنيا والآخرة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! انظر: تاريخ الطبري ٣/ ٣٥٢ - ٣٦٩، والكامل في التاريخ لابن الأثير، ٣/ ٣١٠ - ٣١٥، وسير أعلام النبلاء للذهبي ٣/ ٣٢١ - ٣٢٥، والبداية والنهاية لابن كثير، ٨/ ٢١٧ - ٢٢٤، والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، ٢/ ٢٩٩.\n(٣) [الحديث ٢٩٥٩] طرفه في كتاب المغازي، باب غزوة الحديبية، ٥/ ٧٨، برقم ٤١٦٧. وأخرجه مسلم في كتاب الإمارة، باب استحباب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة القتال، ٣/ ١٤٨٦، برقم ١٨٦١.\n(٤) الطرف رقم ٤١٦٧.","vol":"1","page":563},{"text":"ويوم الحرة يوم مشهور في الإسلام أيام يزيد بن معاوية، لما انتهب المدينة عسكره من أهل الشام الذين ندبهم لقتال أهل المدينة: من الصحابة والتابعين، وأمر عليهم مسلم بن عقبة المري، وذلك في ذي الحجة سنة ثلاث وستين، وعقيبها هلك يزيد (١).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من صفات الداعية: الثبات والصبر.\n٢ - محبة الصحابة للنبي ﷺ.\n٣ - من صفات الداعية: الابتعاد عن الفتن وعدم الخروج على الإمام المسلم.\n٤ - من وسائل الدعوة: مبايعة إمام المسلمين.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من صفات الداعية: الثبات والصبر: دل هذا الحديث على أهمية الصبر والثبات؛ ولهذا قال عبد الله بن زيد - ﵄ - حينما بايع الناس عبد الله بن حنظلة على الموت: «لا أبايع على ذلك أحدا بعد رسول الله ﷺ»، وكان شهد معه الحديبية، فدل ثبات الصحابة - ﵃ مع النبي - ﷺ - ومبايعته على الثبات - حتى ولو ماتوا على ذلك- على صبرهم وثباتهم وقوة إيمانهم ﵃. (٢).\nثانيا: محبة الصحابة للنبي ﷺ: ظهر في هذا الحديث محبة الصحابة لرسول الله - ﷺ - ولهذا قال عبد الله بن زيد - ﵄ - حينما أخبر أن الناس يبايعون عبد الله بن حنظلة على الموت: «لا أبايع على ذلك أحدا بعد رسول الله ﷺ».\n_________\n(١) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٧٣، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الحاء مع الراء، مادة: \" حرر \" ١/ ٣٦٥.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٢٧، الدرس الأول، ورقم ٩٧، الدرس الأول.","vol":"1","page":564},{"text":"فدل ذلك على محبة الصحابة لرسول الله - ﷺ - حتى عاهدوه على أن لا يفروا ولو وصل بهم الثبات إلى الموت، ﵃ (١).\nثالثا: من صفات الداعية: الابتعاد عن الفتن وعدم الخروج على الإمام المسلم: دل هذا الحديث على أن من الصفات الحميدة الابتعاد عن الفتن وعدم الخروج على الإمام المسلم، ولو كان فاسقا؛ لأن عبد الله بن زيد رأى عدم المبايعة على الموت في يوم الحرة، وقد امتنع من حضور فتنة الحرة عبد الله بن عمر بن الخطاب وغيره من الصحابة ﵃، وحصل شر عظيم وفتنة باهرة أسأل الله العافية في الدنيا والآخرة لي ولجميع المسلمين، وقتل في يوم الحرة ألف وسبعمائة من وجوه الناس، ومن أخلاط الناس عشرة آلاف، وذكر عن أنس بن مالك - ﵁ - أنه قال: \" قتل يوم الحرة من حملة القرآن سبعمائة \"، وهذا مما يؤكد على الناس عدم الخروج على الإمام المسلم، ولو كان فاسقا ظالما؛ لأن الخروج يحصل به شرور كثيرة: من سفك الدماء، وانتهاك الأعراض، وقتل النساء والصبيان، وتدمير الأموال، وإثارة الفتن المتلاطمة (٢) والله المستعان (٣).\nرابعا: من وسائل الدعوة: مبايعة إمام المسلمين: دل هذا الحديث على أن البيعة وسيلة من وسائل الدعوة إلى الله ﷿؛ لأن المبايع إذا بايع ولي الأمر على أمر من أمور الدعوة والجهاد ثبت على عهده، ولم ينقض ما أبرم من العهد والميثاق؛ ولهذا بايع النبي - ﷺ - الصحابة يوم الحديبية على الموت: أي على أن لا يفروا ولو أدى الثبات إلى الموت، وهذا ما دل عليه قول عبد الله بن زيد - ﵄ في هذا الحديث (٤).\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٦٢، الدرس الثامن، ورقم ٦٣، الدرس الثامن.\n(٢) انظر: البداية والنهاية لابن كثير ٨/ ٢١٧ - ٢٢٤، وعمدة القاري بشرح صحيح البخاري للعيني ١٤/ ٢٢٤.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٩٥، الدرس الثاني، ورقم ٩٦، الدرس الثاني.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٩٧، الدرس الرابع.","vol":"1","page":565},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-192>[حديث يا ابن الأكوع ألا تبايع]</span>\n٩٩ - [٢٩٦٠] حدثنا المكي بن إبراهيم: حدثنا يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة (١). - ﵁ - قال: «بايعت النبي - ﷺ - ثم عدلت إلى ظل الشجرة، فلما خف الناس قال: \" يا ابن الأكوع ألا تبايع؟ \" قال: قلت قد بايعت يا رسول الله، قال: \" وأيضا \". فبايعته الثانية. فقلت له: يا أبا مسلم، على أي شيء، كنتم تبايعون يومئذ؟ قال: على الموت» (٢).\nوفي رواية: «على أي شيء بايعتم رسول الله - ﷺ - يوم الحديبية؟ قال: على الموت» (٣).\nوفي رواية: «بايعنا النبي - ﷺ - تحت الشجرة فقال لي: \" يا سلمة ألا تبايع؟ \" قلت يا رسول الله: قد بايعت في الأول، قال: \" وفي الثاني» (٤).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من صفات الداعية: الثبات والصبر.\n٢ - عظم محبة الصحابة - ﵃ لرسول الله ﷺ.\n٣ - من أساليب الدعوة: التأكيد بالتكرار.\n٤ - من وسائل الدعوة: مبايعة إمام المسلمين.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ٧٤.\n(٢) [الحديث ٢٩٦٠] أطرافه في: كتاب المغازي، باب غزوة الحديبية، ٥/ ٧٨، برقم ٤١٦٩، وكتاب الأحكام، باب كيف يبايع الإمام الناس، ٨/ ١٥٦، برقم ٧٢٠٦. وكتاب الأحكام، باب من بايع مرتين، ٨/ ١٥٧، برقم ٧٢٠٨. وأخرجه مسلم في كتاب الإمارة، باب استحباب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة القتال، ٣/ ١٤٨٦، بر قم ١٨٦٠.\n(٣) الطرف رقم ٤١٦٩.\n(٤) الطرف رقم ٧٢٠٨.","vol":"1","page":566},{"text":"أولا: من صفات الداعية: الثبات والصبر: دل هذا الحديث على أن الصبر والثبات من الصفات الحميدة؛ ولهذا بين سلمة بن الأكوع أنهم بايعوا رسول الله - ﷺ - يوم الحديبية على الموت، والمقصود بالمبايعة على الموت: أي المبايعة على الصبر والثبات وعدم الفرار وإن أدى ذلك إلى الموت، فيكون مؤدى البيعة على الموت، والبيعة على عدم الفرار واحد (١). وهذا يؤكد صبر الصحابة - ﵃ - وشجاعتهم التي لا نظير لها عند غيرهم (٢).\nثانيا: عظم محبة الصحابة - ﵃ - لرسول الله ﷺ: بين هذا الحديث عظم محبة الصحابة لرسول الله ﷺ؛ ولهذا عاهدوه وبايعوه على أن يثبتوا ولا يفروا، ويصبروا ولا يجزعوا، ولو آل ذلك إلى الموت، وهذه المبايعة الصادقة على الموت تدل على المحبة الصادقة لله ولرسوله ﷺ، والرغبة العظيمة في الذود والدفاع عن رسول الله - ﷺ - ودعوته (٣).\nثالثا: من أساليب الدعوة: التأكيد بالتكرار: دل هذا الحديث على أن من أساليب الدعوة: التأكيد بالتكرار؛ ولهذا «قال - ﷺ - لسلمة بن الأكوع: \" يا ابن الأكوع ألا تبايع؟ \" قال: قد بايعت يا رسول الله، قال: \" وأيضا» قال: فبايعته الثانية.\nقال ابن حجر ﵀: \" بايع النبي - ﷺ - لسلمة مكررا. قيل: لأنه كان مقداما في الحرب، فأكد عليه احتياطا، أو لأنه كان يقاتل قتال الفارس والراجل فتعددت البيعة بتعدد الصفة \" (٤). وقال العيني ﵀: \" إنما قال ذلك مع أنه بايع مع الناس؛ لأنه أراد تأكيد بيعته؛ لشجاعته وشهرته بالثبات؛ فلذلك أمره بتكرير المبايعة \" (٥).\n_________\n(١) انظر: شرح الكرماني على صحيح البخاري، ١٢/ ٩٩، وإكمال إكمال المعلم شرح صحيح مسلم، للأبي، ٦/ ٥٧٧، وفتح الباري لابن حجر ٧/ ٤٥٠، وحاشية السندي على سنن النسائي، ٧/ ١٤١.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٩٧، الدرس الثاني، ورقم ٩٨ الدرس الأول.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٦٢، الدرس الثامن، ورقم ٦٣، الدرس الثامن.\n(٤) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٦/ ١١٩.\n(٥) عمدة القاري شرح صحيح البخاري، ١٤/ ٢٢٤، وانظر: ٢٤/ ٢٧٤.","vol":"1","page":567},{"text":"وهذا يبين أهمية أسلوب التكرار في الدعوة إلى الله - ﷿ - عند الحاجة لذلك (١).\nرابعا: من وسائل الدعوة: مبايعة إمام المسلمين: ظهر في هذا الحديث أن المبايعة من وسائل الدعوة إلى الله ﷿؛ لأن سلمة بن الأكوع قيل له: «يا أبا مسلم على أي شيء كنتم تبايعون يومئذ - أي يوم صلح الحديبية - فقال: على الموت.\n» وهذا يؤكد أهمية المعاهدة والمعاقدة على الثبات؛ ولهذا كانت المبايعة من أهم وسائل الدعوة (٢).\n* * * *\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٤، الدرس الخامس.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٩٧، الدرس الرابع، ٩٨، الدرس الخامس.","vol":"1","page":568},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-193>[حديث مضت الهجرة لأهلها]</span>\n١٠٠ -، ١٠١ - [٢٩٦٢، ٢٩٦٣] حدثنا إسحاق بن إبراهيم: سمع محمد بن فضيل، عن عاصم، عن أبي عثمان، عن مجاشع (١) - ﵁ - قال: «أتيت النبي - ﷺ - أنا وأخي، فقلت: بايعنا على الهجرة، فقال: \" مضت الهجرة لأهلها \". فقلت: علام تبايعنا؟ قال: \" على الإسلام والجهاد» (٢).\nوفي رواية: \" جاء مجاشع بأخيه مجالد بن مسعود (٣). إلى النبي - ﷺ - فقال: هذا مجالد يبايعك على الهجرة فقال: «لا هجرة بعد فتح مكة، ولكن أبايعه على الإسلام» (٤).\nوفي رواية: «أتيت النبي - ﷺ - بأخي بعد الفتح فقلت: يا رسول الله، جئتك بأخي لتبايعه على الهجرة. قال: \" ذهب أهل الهجرة بما فيها \" فقلت: على أي شيء تبايعه؟ قال: \" أبايعه على الإسلام، والإيمان، والجهاد» فلقيت معبدا (٥).\n_________\n(١) مجاشع بن مسعود بن ثعلبة بن وهب السلمي ﵁، له أحاديث عن النبي ﷺ، في صحيح البخاري، وصحيح مسلم، وسنن أبي داود، وسنن ابن ماجه، قيل: إنه غزا كابل من بلاد الهند فصالحه الأصيهد، فدخل مجاشع بيت الأصنام فأخذ جوهرة من عين الصنم، وقال لم آخذها إلا لتعلموا أنه لا يضر ولا ينفع. قتل يوم الجمل سنة ست وثلاثين ﵁. انظر: الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، ٣/ ٣٦٢، وتهذيب التهذيب له، ١٠/ ٣٥، وتقريب التهذيب له ص ٩٢٠.\n(٢) [الحديث ٢٩٦٢] أطرافه في: كتاب الجهاد والسير، باب لا هجرة بعد الفتح، ٤/ ٤٨، برقم ٣٠٧٨. وكتاب المغازي، باب، ٥/ ١١٤ و١١٥، برقم ٤٣٠٥ و٤٣٠٧. وأخرجه مسلم في كتاب الإمارة، باب المبايعة بعد فتح مكة على الإسلام والجهاد والخير، وبيان معنى \" لا هجرة بعد الفتح \"، ٣/ ١٤٨٧، برقم ١٨٦٣. و[الحديث ٢٩٦٣] أطرافه في: كتاب الجهاد والسير، باب لا هجرة بعد الفتح، ٤/ ٤٨، برقم ٣٠٧٩. وكتاب المغازي، باب، ٥/ ١١٤ و١١٥، برقم ٤٣٠٦، ٤٣٠٨. وأخرجه مسلم في كتاب الإمارة، باب المبايعة بعد فتح مكة على الإسلام والجهاد والخير، وبيان معنى \" لا هجرة بعد الفتح \" ٣/ ١٤٨٧برقم ١٨٦٣.\n(٣) مجالد بن مسعود السلمي أبو معبد أخو مجاشع ﵁، وقيل: أول من قص بالبصرة الأسود بن سريع فارتفعت الأصوات، فجاء مجالد بن مسعود السلمي، فقالوا: أوسعوا له، فقال: ما أتيتكم لأجلس إليكم، ولكني رأيتكم صنعتم شيئا أنكره المسلمون. قيل: قتل يوم الجمل، وقال ابن حجر: وهذا فيه نظر فإن الذي قتل يوم الجمل أخوه مجاشع، أما مجالد فبقي إلى سنة أربعين على الصحيح. انظر: الإصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر، ٣/ ٣٦٣، وتهذيب التهذيب له، ١٠/ ٣٨ وتقريب التهذيب له أيضا، ص ٩٢١.\n(٤) الطرف رقم ٣٠٧٨، ٣٠٧٩.\n(٥) قيل: هو معبد بن مسعود أخو مجالد ومجاشع، وقيل هو مجالد لأن كنيته: أبو معبد قال ابن حجر: ويحتمل أن يكون لمجاشع أخوان: مجالد ومعبد، فالذي جاء به مجاشع إلى النبي - ﷺ - هو معبد، والذي لقيه أبو عثمان النهدي فقال: صدق مجاشع هو مجالد وكنيته أبو معبد، والله أعلم. ورجح العلامة العيني في عمدة القاري ١٧/ ٢٩١ أن قوله: \" فلقيت معبدا \" فقال: الصواب \" فلقيت أبا معبدا فعلى هذا يكون أبو معبد هو مجالد كما هو واضح من كنيته التي لا خلاف فيها. والله أعلم. انظر: الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر ٣/ ٤٤٠، وتقريب التهذيب له ص ١٢٠٧. وانظر: فتح الباري لابن حجر، ٨/ ٢٦.","vol":"1","page":569},{"text":"بعد- وكان أكبرهما- فسألته فقال: صدق مجاشع (١).\nوفي رواية: عن أبي عثمان النهدي عن مجاشع بن مسعود: «انطلقت بأبي معبد إلى النبي ﷺ: ليبايعه على الهجرة قال: \" مضت الهجرة لأهلها، أبايعه على الإسلام والجهاد» فلقيت أبا معبد فسألته؟ فقال: صدق مجاشع (٢).\n* الدراسة الدعوية للحديثين: في هذين الحديثين دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - أهمية السؤال في تحصيل العلم.\n٢ - من موضوعات الدعوة: الحض على أصول الإسلام.\n٣ - من موضوعات الدعوة: الحض على أصول الإيمان.\n٤ - من موضوعات الدعوة: الحث على الجهاد.\n٥ - من صفات الداعية: الحرص على هداية الأقربين.\n٦ - من معجزات النبي ﷺ: الإخبار ببقاء مكة دار إسلام.\n٧ - من موضوعات الدعوة: البيان ببقاء الهجرة من بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام.\n٨ - من صفات الداعية: الحرص على التثبت في طلب الحديث.\n٩ - من صفات الداعية: الصدق.\n١٠ - من تاريخ الدعوة: ذكر غزوة الفتح.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: أهمية السؤال في تحصيل العلم: ظهر في هذين الحديثين أهمية السؤال في تحصيل العلم، لأن مجاشع بن\n_________\n(١) الطرف رقم ٤٣٠٥، ٤٣٠٦.\n(٢) الطرف رقم ٤٣٠٧، ٤٣٠٨.","vol":"1","page":570},{"text":"مسعود - ﵁ - «سأل النبي عن الهجرة لأخيه مجالد، فقال ﷺ: \" مضت الهجرة لأهلها \" فقال مجاشع: على أي شيء تبايعه فقال ﷺ: \" أبايعه على الإسلام، والإيمان، والجهاد».\nوهذا يدل على أهمية السؤال في تحصيل العلم النافع، وما يترتب عليه من الفوائد والعلم بأمور الإسلام (١).\nثانيا: من موضوعات الدعوة: الحض على أصول الإسلام: دل هذان الحديثان على أن الحث على أصول الإسلام من موضوعات الدعوة؛ ولهذا قال ﷺ: \" أبايعه على الإسلام. . . \" والمقصود ملازمة الإسلام بأركانه الخمسة: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبد الله ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلا؛ ولهذا «عندما سأل جبريل ﵇ النبي - ﷺ - عن الإسلام فقال ﷺ: \" الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ﷺ، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا» (٢).\nفينبغي للداعية أن يحض الناس على هذه الأصول التي بني عليها الإسلام (٣).\nثالثا: من موضوعات الدعوة: الحض على أصول الإيمان: إن أصول الإيمان أعظم الموضوعات التي ينبغي للداعية أن يبينها للناس، ويوضحها توضيحا مفصلا؛ ولهذا قال النبي - ﷺ - لمجاشع في هذا الحديث عند المبايعة لأخيه مجالد: \" أبايعه على الإسلام والإيمان. . . \" والمقصود بالمبايعة على الإيمان هنا: ملازمة أصول الإيمان الستة كما فسرته النصوص الأخرى؛ ولهذا «عندما سأل جبريل النبي - ﷺ - عن الإيمان أجابه بقوله ﷺ: \" أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره» (٤).\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٣، الدرس الثاني، ورقم ١٩، الدرس الرابع، ورقم ٣٠، الدرس الرابع، ورقم ٩٢، الدرس الرابع.\n(٢) مسلم، كتاب الإيمان، باب الإيمان، والإسلام، والإحسان، ١/ ٣٧، برقم ٨، من حديث عمر بن الخطاب ﵁.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٢٢، الدرس الثاني.\n(٤) مسلم، في الكتاب والباب السابقين، ١/ ٣٧، برقم ٨.","vol":"1","page":571},{"text":"وهذا يؤكد على الداعية إلى الله - ﷿ - أن يعتني بإبلاغ الناس هذه الأصول على وجه التفصيل والإيضاح (١).\nرابعا: من موضوعات الدعوة: الحث على الجهاد في سبيل الله ﷿: إن الجهاد في سبيل الله ﷾ من أهم الموضوعات التي ينبغي أن يعتني بها أهل العلم والدعوة إلى الله ﷿؛ لما في ذلك من إظهار شعائر الإسلام، وقمع الكفر، وأهل البغي والفساد؛ ولهذا بايع النبي - ﷺ - في هذا الحديث مجالد بن مسعود - ﵁ - على الجهاد، فقال - ﷺ - لأخيه مجاشع: «أبايعه على: الإسلام، والإيمان، والجهاد».\nفينبغي العناية بالحث على الجهاد؛ لأنه ذروة سنام الإسلام كما «قال النبي - ﷺ - لمعاذ بن جبل ﵁: \" ألا أخبرك برأس الأمر، وعموده، وذروة سنامه؟ \" قال معاذ ﵁: قلت: بلى يا رسول الله، قال: \" رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد». . . \" (٢). والجهاد يكون باليد، واللسان، والمال؛ قال النبي ﷺ: «جاهدوا المشركين بأموالكم، وأنفسكم، وألسنتكم» (٣). فينبغي العناية الفائقة بالحث على الجهاد في سبيل الله ﷿ (٤).\nخامسا: من صفات الداعية: الحرص على هداية الأقربين: لا شك أن الحرص على هداية الأقربين وحب الخير لهم من الأمور المهمة التي ينبغي العناية بها؛ ولهذا اعتنى مجاشع بن مسعود - ﵁ - بأخيه مجالد، وجاء به إلى النبي ﷺ؛ ليبايعه على الهجرة، فبايعه - ﷺ - على: الإسلام، والإيمان، والجهاد، والداعية الصادق يكون حريصا على هداية الناس\n_________\n(١) انظر المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، ٤/ ٧٠، وانظر: الحديث رقم ٢٢، الدرس الأول.\n(٢) الترمذي، كتاب الإيمان، باب ما جاء في حرمة الصلاة، ٥/ ١٢، برقم ٢٦١٦، وقال: \" هذا حديث حسن صحيح \"، وابن ماجه، كتاب الفتن، باب كف اللسان في الفتنة، ٢/ ١٣١٤، برقم ٣٩٧٣، وصححه الألباني في إرواء الغليل، ٢/ ١٣٨، برقم ٤١٣.\n(٣) أبو داود، كتاب الجهاد، باب كراهية ترك الغزو، ٣/ ١٠، برقم ٢٥٠٤، عن أنس ﵁، وصححه الألباني، في صحيح سنن أبو داود، ٢/ ٤٧٥.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٢، الدرس الثالث، ورقم ١٨، الدرس الثاني.","vol":"1","page":572},{"text":"جميعا، ولكنه يعتني عناية خاصة بأقربائه؛ لأن الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم صدقة وصلة (١).\nسادسا: من معجزات النبي ﷺ: الإخبار ببقاء مكة دار إسلام: دل الحديثان على معجزة ظاهرة للنبي ﷺ تدل على صدق نبوته ورسالته، وهي أن مكة تبقى دار إسلام إلى آخر الدنيا؛ ولهذا قال ﷺ في هذا الحديث: «لا هجرة بعد فتح مكة، ولكن أبايعه على الإِسلام». قال الإِمام النووي ﵀: \" وهذا يتضمن معجزة لرسول الله ﷺ بأنها تبقى دار إسلام لا يتصور منها الهجرة \". (٢).\nسابعا: من موضوعات الدعوة: البيان ببقاء الهجرة من بلاد الشرك إلى بلاد الإِسلام: الناظر في قوله ﷺ في حديث مجاشع بن مسعود ﵁: «لا هجرة بعد فتح مكة ولكن أبايعه على الإِسلام» يتصور بأن الهجرة قد انقطعت إلى يوم القيامة، ولكن أحاديث رسول الله ﷺ يفسر بعضها بعضا؛ قال الإِمام النووي ﵀: \" قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: الهجرة من دار الحرب إلى دار الإِسلام باقية إلى يوم القيامة، وتأوَّلوا هذا الحديث تأويلين:\nأحدهما: لا هجرة بعد الفتح من مكة؛ لأنها أصبحت دار إسلام فلا تتصور منها الهجرة.\n\nوالثاني: وهو الأصح: أن معناه أن الهجرة الفاضلة المهمة المطلوبة التي يمتاز بها أهلها امتيازا ظاهرا انقطعت بفتح مكة ومضت لأهلها الذين هاجروا قبل فتح مكة؛ لأن الإِسلام قويَ وعز بعد فتح مكة عزا ظاهرا بخلاف ما قبله (٣).\nوسمعت العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز حفظه الله يقول: \" المقصود لا هجرة من مكة إلى غيرها؛ لأنها أصبحت دار إسلام فلا حاجة إلى الهجرة\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٧، الدرس الأول، ورقم ٣٦، الدرس الخامس.\n(٢) شرح النووي على صحيح مسلم، ٩/ ١٣٢، و١٣/ ١١، وانظر: شرح الطيبي على مشكاة المصابيح ٦/ ٢٠٤١، وبهجة الناظرين شرح رياض الصالحين، لسليم الهلالي، ١/ ٣٥.\n(٣) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٣/ ٨١.","vol":"1","page":573},{"text":"منها، وأما الهجرة من بلد الكفر إلى بلد الإِسلام بنية الفرار بدينه فهي باقية إلى يوم القيامة \" (١) وقد صحت الأحاديث عن رسول الله ﷺ التي تفسر حديث مجاشع وغيره، فعن عبد الله بن واقد السعدي ﵁ قال: وفدت إلى رسول الله ﷺ في وفدٍ كلنا يطلب حاجته، وكنت آخرهم دخولا على رسول الله ﷺ، فقلت: يا رسول الله، إني تركت من خلفي، وهم يزعمون أن الهجرة قد انقطعت، قال: «لا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفَّار» (٢) وعن جرير بن عبد الله ﵁ في مبايعته للنبي ﷺ أنه قال له: «أبايعك على أن تعبد الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتناصح المسلمين، وتفارق المشركين» (٣) وعن جرير ﵁ أيضا عن النبي ﷺ أنه قال: «أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين \" قالوا: يا رسول الله، لِمَ؟ قال: \" لا تَراءَى نَارَاهمَا» (٤) وعن معاوية ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها» (٥).\nوهذه الأحاديث تبين أن الهجرة باقية إلى يوم القيامة من بلد المشركين إلى بلد المسلمين، وقد فَصَّل في ذلك أهل العلم، قال ابن حجر ﵀: \" لا تجب الهجرة من بلد فتحه المسلمون أما قبل فتح البلد فمن به من المسلمين أحد ثلاثة: الأول قادر على الهجرة لا يمكنه إظهار دينه، ولا أداء واجباته، فالهجرة منه واجبة. الثاني: قادر لكنه يمكنه إظهار دينه وأداء واجباته، فمستحبة لتكثير\n_________\n(١) سمعته من سماحته أثناء شرحه لحديث رقم ٣٠٧٨، و٣٠٧٩ من صحيح البخاري.\n(٢) النسائي، كتاب البيعة، باب ذكر الاختلاف في انقطاع الهجرة، ٧/ ١٤٦، برقم ٤١٧٢، وأحمد في المسند، ١/ ١٩٢، وصححه الألباني في صحيح النسائي ٣/ ٨٧٤، وقال عنه أحمد محمد شاكر في شرحه للمسند وترقيمه ٣/ ١٦٧١، برقم ١٦٧١: \" إسناده صحيح \".\n(٣) النسائي، كتاب البيعة، باب ذكر الاختلاف في انقطاع الهجرة، ٧/ ١٤٨، برقم ٤١٧٧، وأحمد ٤/ ٣٦٥، والبيهقي في السنن الكبرى، ٩/ ١٣، وصححه الألباني في إرواء الغليل، ٥/ ٣١.\n(٤) أبو داود، في كتاب الجهاد، باب النهي عن قتل من اعتصم بالسجود، ٣/ ٤٥، برقم: ٢٦٤٥، والترمذي، كتاب السير، باب ما جاء في كراهية المقام بين أظهر المشركين، ٤/ ١٥٥، برقم ١٦٠٤، وصححه الألباني في إرواء الغليل ٥/ ٢٩.\n(٥) أبو داود، كتاب الجهاد، باب في الهجرة هل انقطعت، ٣/ ٣، برقم ٢٤٧٩، وأحمد في المسند، ٤/ ٩٩، والبيهقي في السنن الكبرى، ٩/ ١٧، وصححه الألباني في إرواء الغليل، ٥/ ٢٣، وفي صحيح سنن أبي داود ٢/ ٤٧٠، وفي صحيح الجامع الصغير ٦/ ١٨٦.","vol":"1","page":574},{"text":"المسلمين بها ومعونتهم، وجهاد الكفار، والأمن من غدرهم، والراحة من رؤية المنكر بينهم.\nالثالث: عاجز يعذر: من أسرٍ، أو مرضٍ أو غيره، فتجوز له الإقامة، فإن حمل على نفسه وتكلف الخروج منها أجر \" (١).\nوقد قال القرطبي ﵀: \" ولا يختلف في أنه لا يحلّ لمسلم المقام في بلاد الكفار، مع التمكّن من الخروج منها؛ لجريان أحكام الكفار عليه؛ ولخوف الفتنة على نفسه، وهذا حكم ثابت، مؤبَّد إلى يوم القيامة. وعلى هذا فلا يجوز لمسلم دخول بلاد الكفار لتجارة أو غيرها، مما لا يكون ضروريا في الدين: كالرسل، وكافتكاك المسلم، وقد أبطل مالك ﵀ شهادة من دخل بلاد الهند (٢) للتجارة \" (٣).\nفإذا علم المسلم شأن الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإِسلام، فهل يهاجر المسلم من بلاد المسلمين التي تقام فيها المعاصي ولا يستطيع تغييرها؟ قال الإِمام ابن العربي ﵀: \" فأما الهجرة من بلد الكفر فهي فريضة إلى يوم القيامة، وكذلك الهجرة من أرض الحرام والباطل بظلم أو فتنة. . . فإن قيل: فإن لم يوجد بلد إلا كذلك؛ قلنا: يختار المرء أقلها إثما، مثل أن يكون بلد فيه كفر فبلد فيه جور خير منه، أو بلد فيه عدل وحرام، فبلد فيه جور وحلال خير منه للمقام. . . \" (٤) ولهذا قال النبي ﷺ: «يأتي على الناس زمان خير مال الرجل المسلم الغنم يتتبع بها شعف الجبال، ومواقع القطر، يفرّ بدينه من الفتن» (٥) وسمعت العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز حفظه الله يقول: \" والهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإِسلام باقية إلى قيام الساعة وكذلك الهجرة من بلاد المعاصي إلى بلاد الطاعات، إذا كانت أحسن من بلده، فله الهجرة، إلا إذا كان بقاؤه في بلاد المعاصي فيه خير: كالدعوة إلى الله،\n_________\n(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٦/ ١٩٠.\n(٢) في نقل الأبي عن القرطبي في إكمال إكمال المعلم ٦/ ٥٨١ \" وقد أبطل مالك شهادة من دخل بلاد الحرب للتجارة \" وهو الأقرب والله أعلم.\n(٣) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٤/ ٦٩.\n(٤) عارضة الأحوذي، بشرح سنن الترمذي ٤/ ٨٩.\n(٥) البخاري، ٧/ ٢٤١ برقم ٦٤٩٥، وتقدم تخريجه في الحديث رقم ١٩، الدرس الثاني، ص ١٦٧.","vol":"1","page":575},{"text":"والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر \". (١).\nفينبغي للداعية أن يبين للناس ذلك بيانا واضحا، ويحثهم على هجر المعاصي والسيئات أيضا؛ لأن هجر المعاصي من أكمل الهجرة إلى الله ﷿، وخاصة في هذه الأزمان التي قد كثرت فيها الذنوب والموبقات؛ ولهذا قال ﷺ: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه» (٢) وقد أخبر النبي ﷺ عن أكمل الناس في الهجرة، والجهاد، والإِيمان والإِسلام فقال ﷺ في حجة الوداع: «ألا أخبركم بالمؤمن؟ من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم، والمسلم من سلم الناس من لسانه ويده، والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله، والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب» (٣).\nثامنا: من صفات الداعية: الحرص على التثبت في طلب الحديث: دل هذان الحديثان على حرص السلف الصالح على التثبت في نقل حديث رسول الله ﷺ ولهذا روى أبو عثمان النهدي هذا الحديث عن مجاشع بن مسعود عن النبي ﷺ، ثم لقي أبو عثمان النهدي أبا معبد أخا مجاشع فسأله عن هذا الحديث؛ لأنه حضر مع أخيه عند النبي ﷺ. فقال أبو معبد: \" صدق مجاشع \" وهذا من حرص أبي عثمان على التأكد والتثبت وزيادة اليقين؛ فينبغي للداعية أن يتثبت في نقل الأحاديث عن رسول الله ﷺ (٤).\nتاسعا: من صفات الداعية: الصدق: إن الصدق في القول والفعل، والنية من صفات الداعية المخلص؛ ولهذا\n_________\n(١) سمعته من سماحته أثناء شرحه للأحاديث رقم ٤٣٠٥ - ٤٣١٢ من صحيح البخاري، في يوم الخميس الموافق ١٤/ ٧ / ١٤١٦ هـ بالجامع الكبير بالرياض.\n(٢) متفق عليه؛ من حديث عبد الله بن عمر ﵄، البخاري واللفظ له، كتاب الإِيمان، باب: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، ١/ ١٠، برقم ١٠، ومسلم، كتاب الإِيمان، باب تفاضل الإِسلام وأي أموره أفضل، ١/ ٦٥، برقم ٤٠.\n(٣) أحمد في المسند ٦/ ٢١ من حديث فضالة بن عبيد الله ﵁. قال العلامة الألباني في إسناد الإِمام أحمد \" وهذا إسناد صحيح \" رجاله كلهم ثقات. انظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة له، ٢/ ٨١، برقم ٥٤٩.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٢١، الدرس العاشر.","vol":"1","page":576},{"text":"صَدَقَ مجَاشِع بن مسعود ﵁ حينما حدث أبا عثمان النهدي أنه جاء بأخيه مجالد بن مسعود إلى النبي ﷺ ليبايعه على الهجرة، فلم يبايعه ﷺ على ذلك وقال: «لا هجرة بعد فتح مكة، ولكن أبايعه على الإِسلام» فأراد أبو عثمان التثبت عن صدق مجاشع فسأل أخاه عن حقيقة القصة فقال: صدق مجاشع.\nوهذا يعطي الداعية قوة العزيمة في الرغبة في الصدق؛ لأن المخلصين من المدعوين يتثبتون فيما يسمعون منه، فليكن على حذر، طاعة لله ﷿، حتى يكون ثقة عند المدعوين وينفع الله بعلمه. والله أعلم (١).\nعاشرا: من تاريخ الدعوة: ذكر غزوة الفتح: ظهر ذكر غزوة الفتح في هذين الحديثين؛ لقول مجاشع ﵁: \" أتيت النبي ﷺ بأخي بعد الفتح فقلت: يا رسول الله جئتك بأخي تبايعه على الهجرة. . . \" وهذا يؤكد أهمية ذكر تاريخ الدعوة، والله أعلم (٢).\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٧، الدرس الثالث، ورقم ٩، الدرس الرابع.\n(٢) انظر: الحديث رقم ١٧١، الدرس الثاني.","vol":"1","page":577},{"text":"١١١ -<span data-type=\"title\" id=toc-194> باب عزمِ الإمام على الناسِ فِيمَا يطِيقون</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-195>[حديث عبد الله بن مسثعود لم يكن النبي يعزم علينا في أمر إلا مرة حتى نفعله]</span>\n١٠٢ - [٢٩٦٤] حَدَّثَنَا عثْمَان بْن أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا جَرِير، عَنْ مَنْصورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: قَالَ عَبْد اللهِ (١) ﵁: \" لَقَدْ أتانِي اليَوْمَ رَجل فَسَألنِي عَنْ أَمرٍ مَا دَرَيْت مَا أَردّ عَلَيْهِ، فَقَالَ: أَرَأَيْتَ رَجلا مؤدِيا نَشِيطا يَخْرج مَعَ أمَرَائِنَا فِي الْمَغَازِي، فيَعْزِم عَلَيْنَا فِي أَشْيَاءَ لاَ نحْصِيها؟ فَقلْت لَه: وَاللهِ مَا أدْرِي مَا أقول لَكَ: إِلاَّ أنا كنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَعَسَى أَنْ لاَ يَعْزِمَ عَلَيْنَا فِي أَمْرٍ إِلاَّ مَرَّة حَتَّى نَفْعَلَه، وإِنَّ أَحَدَكمْ لَنْ يَزَالَ بِخَيْرٍ مَا اتَّقى اللهَ. وَإِذَا شَكَّ فِي نَفْسِهِ شَيء سَأَلَ رِجلا فَشَفَاه مِنْه، وَأوْشَكَ أَنْ لاَ تَجِدوه. وَالَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هوَ، مَا أَذْكر مَا غبَرَ مِنَ الدّنْيَا إِلاَّ كَالثَّغبِ شرِبَ صَفْوه، وَتقِيَ كَدَره \".\n_________\n(١) عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب، الإِمام الحبر، فقيه الأمة، أبو عبد الرحمن الهذلي، المكي، المهاجري، البدري، الكوفي ﵁، كان من السابقين الأولين، ومن النجباء العالمين، شهد بدرا، وهاجر الهجرتين، وكان سادس من أسلم من السابقين وهو أول من جهر بالقرآن في مكة بعد رسول الله ﷺ، وشهد جميع المشاهد كلها، وشهد اليرموك، وهو الذي أجهز على أبي جهل بوم بدر، وهو صاحب نعل رسول الله ﷺ، وكان كثير الدخول عليه والخدمة له، روى علما كثيرا عن رسول الله ﷺ، منه: ثمانمائة وثمانية وأربعون حديثا، اتفق البخاري ومسلم على أربعة وستين منها وانفرد البخاري بواحد وعشرين، ومسلم بخمسة وثلاثين، وكان أعلم الناس بالقرآن قال ﵁: \" والله الذي لا إله غيره ما نزلت سورة من كتاب الله إلا أنا أعلم أين نزلت، ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا أنا أعلم فِيمَن أنزلت، ولو أعلم أحدا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه \" [البخاري برقم ٥٠٠٢، ومسلم برقم ٢٤٦٣، وعن عبد الله بن عمرو ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \" استقرئوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، وأبَي بن كعب، ومعاذ بن جبل \" [البخاري برقم ٣٧٦٠، ومسلم برقم ٢٤٦٤].\nوعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ: \" اقرأ علي القرآن \" قال فقلت: \" أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: \" إني أشتهي أن أسمعه من غيري \" قال: فقرأت النساء حتى إذا بلغت (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤلَاءِ شَهِيدا) [النساء: ٤١]، رفعت رأسي- أو غمزني رجل في جنبي فرفعت رأسي- فرأيت دموعه تسيل. [البخاري برقم ٥٠٥٥ و٥٠٥٦، ومسلم برقم ٨٠٠]، وقال عنه ﷺ: \" لرجل عبد الله أثقل في الميزان يوم القيامة من أحد \" [الحاكم ١/ ١١٤، وأحمد ١/ ١١٤، ٤٢٠] وقد بعثه عمر بن الخطاب ﵁ إلى الكوفة وقال: \" إنني قد بعثت إليكم عمارا أميرا، وابن مسعود معلما ووزيرا، وهما من النجباء من أصحاب محمد ﷺ من أهل بدر، فاسمعوا لهما، وقد آثرتكم بعبد الله على نفسي \" [الحاكم وصححه ووافقه الذهبي ٣/ ٣٨٨]. وكان يقول ﷺ: \" من أراد الآخرة أضر بالدنيا، ومن أراد الدنيا أضر بالآخرة، يا قوم فاضروا بالفاني على الباقي \" نزل الكوفة وتوفي بها سنة ثنتين وثلاثين، وقيل سنة ثلاث وثلاثين، وقيل عاد إلى المدينة وتوفي بها ودفن في البقيع، واتفقوا على أنه توفي وهو ابن بضع وستين سنة ﵁. انظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي، ١/ ٢٨٨، وسير أعلام النبلاء للذهبي ١/ ٤٦١ - ٥٠٠. والإِصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، ٢/ ٣٦٩.","vol":"1","page":578},{"text":"* شرح غريب الحديث: * \" مؤْدِيا \" أي تام السلاح كامل أداة الحرب. (١).\n* \" فشفاه \" الشفاء هنا شفاء القلب والنفس بالسؤال والحصول على الجواب الصحيح الذي يزيل مرض الشك والتردد (٢).\n* \" ما غَبَرَ من الدنيا \" يصلح لما مضى ولما بقي (٣).\n* \" كالثغب \" الثَّغْب: الموضع المطمئن في أعلى الجبل يستنقع فيه ماء المطر، وقيل: هو غدير في غِلَظٍ من الأرض، أو على صخرة ويكون قليلا. (٤).\n* \" لا نحصيها \" أي: لا نطيقها، من قوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ [المزمل: ٢٠] أي: لن تطيقوا قيام الليل (٥).\n* \" صفوه \" يقال: صفا، يصفو صفوا وصفاء: خلص من الكدر (٦).\n* \" كدره \" يقال: كَدِرَ الماء، نقيض صفا فهو كَدِر (٧).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - أهمية إخبار الداعية أصحابه بما ينفعهم.\n٢ - الأخذ بالأسباب: لا ينافي التوكل.\n٣ - من صفات الداعية: النشاط.\n_________\n(١) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الهمزة مع الدال، مادة: \" أدا \" ١/ ٣٢، وانظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٦٧.\n(٢) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الشين مع الفاء، مادة: \" شفا \" ٢/ ٤٨٨، وانظر: شرح الكرماني على صحيح البخاري ١٢/ ٢٠١.\n(٣) تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٦٧.\n(٤) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الثاء مع الغين، مادة: \" ثغب \" ١/ ٢١٣.\n(٥) انظر: الإفصاح عن معاني الصحاح، لابن هبيرة، ٢/ ٩٢، والآية ٢٠ من سورة المزمل.\n(٦) انظر: المعجم الوسيط، معجم اللغة العربية، مادة: \" صفا \" ١/ ٥١٧.\n(٧) انظر: المرجع السابق، مادة: \" كدر \" ٢/ ٧٧٩.","vol":"1","page":579},{"text":"٤ - من صفات الداعية: الحرص على الدعوة والجهاد.\n٥ - من صفات الداعية: التيسير على المدعوين.\n٦ - من صفات الداعية: الورع والتوقف في الفتوى عند الإِشكال.\n٧ - من أساليب الدعوة: التوكيد بالقسم.\n٨ - من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة.\n٩ - أهمية: طاعة ولاة أمر المسلمين بالمعروف.\n١٠ - من صفات الداعية: التقوى.\n١١ - من صفات الداعية: اليقين.\n١٢ - أهمية السؤال في تحصيل العلم.\n١٣ - من أساليب الدعوة: التشبيه.\n١٤ - من صفات الداعية؛ الزهد.\n\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: أهمية إخبار الداعية أصحابه بما ينفعهم: دل هذا الحديث على أهمية إخبار الداعية أصحابه وأتباعه بما ينفعهم؛ ولهذا قال عبد الله بن مسعود ﵁ لأتباعه وأصحابه: \" لقد أتاني اليوم رجل فسألني عن أمر ما دريت ما أرد عليه. . . \" ثم أخبرهم بما قال الرجل وبما أفتاه، وأرشده إلى حسن الاقتداء بأصحاب النبي ﷺ.\nفينبغي للداعية أن يخبر أصحابه وأتباعه بالفوائد التي سئل عنها، ولم يسمعوها على حسب الحاجة والفائدة المرجوة، حتى تعم الفوائد وينتشر العلم (١).\nثانيا: الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل: إن الأخذ بالأسباب من التوكل ولا ينافيه؛ ولهذا جاء إلى ابن مسعود ﵁ هذا الرجل وقال: \" أرأيت مؤديا \" أي كامل أداة الحرب، فقد أخذ بالأسباب\n_________\n(١) انظر: فنح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر ٦/ ١١٩، وعمدة القاري للعيني ١٤/ ٢٢٦.","vol":"1","page":580},{"text":"الظاهرة؛ لعلمه بأنها من التوكل، ولم ينكر عليه عبد الله بن مسعود ﵁ ما صنع (١).\nثالثا: من صفات الداعية: النشاط: لا شك أن النشاط يبعث على الهمم العالية؛ ولهذا جاء هذا الرجل إلى ابن مسعود - وهو نشيط- متأهبا لما يوجِّهه عبد الله ﵁ إليه، وقال: \" أرأيت رجلا مؤديا نشيطا \" فذكر صفة النشاط لهذا الرجل الخارج في سبيل الله ﷿، وهذا يؤكد على أهمية النشاط وعدم الكسل والخمول، والله المستعان (٢).\nرابعا: من صفات الداعية: الحرص على الدعوة والجهاد: ظهر في هذا الحديث أهمية الحرص على الدعوة والجهاد في سبيل الله ﷿ ولهذا الحرص جاء هذا الرجل يسأل بقوله: \" أرأيت رجلا مؤديا نشيطا يخرج مع أمرائنا في المغازي \" وهذا يدل على نشاط هذا الخارج واستعداده، وحرصه على الجهاد والدعوة إلى الله ﷾.\nفينبغي للداعية أن يكون حريصا على دعوة الناس إلى الخير (٣).\nخامسا: من صفات الداعية: التيسير على المدعوين: دل هذا الحديث على أنه ينبغي لكل من تولىَّ أمرا من أمور المسلمين أن لا يشق عليهم، ولا يشدد عليهم، ولا يأمرهم بما لا يطيقون؛ ولهذا جاء في هذا الحديث: \" فيعزم علينا في أشياء لا نحصيها \"، والمعنى أن الأمير يشدد علينا في أشياء لا نطيقها؛ قال الإِمام ابن هبيرة ﵀: \" يستحب لأمراء الجيش أن لا يكثروا العزمات على المجاهدين، فيعرضوهم لبعض المخالفة، بل ليخففوا عنهم ما استطاعوا، وليشاوروهم في الأمور، ويعرِّفوهم مطالع الأحوال التي عليها تبنى وجوه التدبير للحرب \" (٤).\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٣٠، الدرس الخامس.\n(٢) انظر: الحديث رقم ١٤، الدرس الرابع، وحديث رقم ٢٩، الدرس الثالث.\n(٣) انظر: الحديث رقم ١، الدرس الأول، ورقم ٣٦، الدرس الرابع.\n(٤) الإفصاح عن معاني الصحاح ٢/ ٩٢، وانظر: إرشاد الساري للقسطلاني، ٥/ ١٢٢، وعمدة القاري للعيني ١٤/ ٢٢٦.","vol":"1","page":581},{"text":"فينبغي للداعية أن لا يشدد ولا يشق على الناس؛ ولهذا قال النبي ﷺ محذرا عن التشديد على أمته: «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به» (١) وكان رسول الله ﷺ إذا بعث من أصحابه في بعض أموره قال: «بشروا ولا تنفروا، ويسرِّوا ولا تعسرِّوا» (٢).\nسادسا: من صفات الداعية: الورع والتوقف في الفتوى عند الإشكال: ظهر في هذا الحديث أن من الصفات الحميدة: الورع؛ ولهذا توقف عبد الله ابن مسعود ﵁ في الإِفتاء عندما أشكل عليه الأمر؛ قال الإِمام ابن هبيرة ﵀: \" في هذا الحديث ورع ابن مسعود وترفعه عندما لم يعلم \" (٣) وقال الحافظ ابن حجر ﵀: \" ويستفاد منه التوقف في الإِفتاء فيما أشكل من الأمر، كما لو أن بعض الأجناد استفتى أن السلطان عينه في أمر مخوف بمجرد التشهِّي وكلفه من ذلك ما لا يطيق فإن أجابه بوجوب طاعة الإِمام أشكل الأمر لما وقع من الفساد، وإن أجابه بجواز الامتناع أشكل الأمر؛ لما قد يفضي به ذلك إلى الفتنة، فالصواب التوقف عن الجواب في مثل ذلك وأمثاله، والله الهادي إلى الصواب \" (٤) والله المستعان والموفق (٥).\nسابعا: من أساليب الدعوة: التوكيد بالقسم: إن أسلوب التأكيد بالقسم له تأثير بليغ في الدعوة إلى الله ﷿ ولهذا استخدمه عبد الله بن مسعود ﵁ في هذا الأثر فقال للسائل: \" والله ما أدري ما أقول لك. . . \" وقال في آخر الحديث: \" والذي لا إله غيره ما أذكر ما غبر من الدنيا إلا كالثغب. . \" والقسم يستخدم عند الحاجة إليه في الدعوة إلى الله\n_________\n(١) مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب فضيلة الإِمام العادل وعقوبة الجائر والحث على الرفق بالرعية والنهي عن إدخال المشقة عليهم، ٣/ ١٤٥٨، برقم ١٨٢٨ عن عبد الله بن عمر ﵁.\n(٢) مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب الأمر بالتيسير، وترك التنفير، ٣/ ١٣٥٨ برقم ١٧٣٢، عن أبي موسى ﵁.\n(٣) الإفصاح عن معاني الصحاح، ٢/ ٩٢، وانظر: عمدة القاري للعيني ١٤/ ٢٢٦.\n(٤) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٦/ ١٢٠، وانظر: إرشاد الساري للقسطلاني ٥/ ١٢١.\n(٥) انظر: الحديث رقم ٣٨، الدرس الأول.","vol":"1","page":582},{"text":"﷿؛ لجذب قلوب المدعوين إلى التصديق واليقين (١).\nثامنا: من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة: إن القدوة الحسنة من أهم وسائل الدعوة إلى الله ﷿ ولهذا قال ابن مسعود ﵁ للسائل الذي سأله عن تشديد الأمراء عليه: «والله ما أدري ما أقول لك إلا أنا كنَّا مع النبي ﷺ فعسى أن لا يعزم علينا في أمر إلا مرة حتى نفعله» وفي هذا إشارة إلى السائل للاقتداء بالصحابة في حسن الطاعة، وفيه إشارة إلى الأمراء للاقتداء بالنبي ﷺ وعدم مشقته على أصحابه، وإنما كان سمحا سهلا، رفيقا، رحيما (٢).\nتاسعا: أهمية طاعة ولاة أمر المسلمين بالمعروف: ظهر في كلام ابن مسعود ﵁ الإِيحاء بطاعة ولي الأمر؛ ولهذا قال العلامة القسطلاني ﵀: \" الظاهر أن ابن مسعود بعد أن توقف أفتاه بوجوب الطاعة بشرط أن يكون المأمور به موافقا للتقوى كما علِمَ ذلك من قوله: «إنا كنا مع النبي ﷺ فعسى أن لا يعزم علينا في الأمر إلا مرة» إذ لولا صحة الاستثناء لما أوجبه الرسول ﷺ «حتى نفعله» غاية لقوله: «لا يعزم» أو للعزم الذي يتعلق به المستثنى وهو مرة \" (٣) وقد استنبط طاعة الأمراء في المعروف من كلام ابن مسعود ﵁ الإِمام ابن هبيرة فقال ﵀: \" ويستحب. . للمجاهدين مع الأمراء إذا عزموا عليهم عزمة أن يقابلوها بالإِمساك، ولا يحوجوهم إلى تكدير (٤) الأمر بها، ويكون الأمراء، والمأمورون في هذا يعاملون الله ﷿ بذلك \" (٥).\nوهذا الحديث يدل على طاعة الإمام ومن يستعمله (٦).\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ١٠، الدرس الخامس، ورقم ١٤، الدرس الخامس.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٣، الدرس الثالث، ورقم ٨، الدرس الخامس، ورقم ٩، الدرس الثالث عشر.\n(٣) إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري، ٥/ ١٢٢، وانظر: عمدة القاري، للعيني ١٤/ ٢٢٧.\n(٤) هكذا في الأصل، ولعل الصواب \" إلى تكرير \" والله أعلم.\n(٥) الإفصاح عن معاني الصحاح، ٢/ ٩٢، وانظر: فتح الباري لابن حجر، ٦/ ١٢٠.\n(٦) انظر الحديث رقم ٩٥، الدرس الأول، ورقم ٩٦، الدرس الثاني.","vol":"1","page":583},{"text":"عاشرا: من صفات الداعية: التقوى: دل كلام عبد الله بن مسعود ﵁ على أن التقوى من الصفات العظيمة التي ينبغي أن يلتزمها كل مسلم، وخاصة الدعاة إلى الله ﷿؛ ولهذا قال ﵁: \" وإن أحدكم لا يزال بخير ما اتقى الله \" وقد أمر الله بالتقوى في آيات كثيرة في كتابه العظيم؛ ومنها قوله ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] (١) قال عبد الله بن مسعود ﵁ في قوله ﷿: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر (٢).\nوقال ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا - يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١] (٣) وقال ﷾: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا - وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣] (٤) وقد أوصى النبي ﷺ الدعاة إلى الله ﷿ بالتقوى فقال لمعاذ بن جبل ﵁: «اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن» (٥) وحقيقة التقوى كما قال طلق بن حبيب ﵀: \" التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله \" (٦) وأصل التقوى أن يجعل العبد بينه وبين ما يخافه ويحذره وقاية تقيه منه، فتقوى العبد لربه أن يجعل بينه وبين ما يخشاه من ربه: من غضبه، وسخطه، وعقابه وقاية تقيه من ذلك، وهو فعل طاعته واجتناب معاصيه، والتقوى الكاملة: فعل الواجبات، وترك المحرمات والشبهات،\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآية: ١٠٢.\n(٢) الطبراني في المعجم الكبير، ٩/ ٩٢، برقم ٨٥٠٢، والحاكم في المستدرك، ٢/ ٢٩٤، وانظر: جامع العلوم والحكم لابن رجب، ١/ ٤٠١.\n(٣) سورة الأحزاب، الآيتان ٧٠ - ٧١.\n(٤) سورة الطلاق، الآيتان ٢ - ٣.\n(٥) الترمذي، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في معاشرة الناس، ٤/ ٣٥٥، برقم ١٩٨٧، وقال: \" هذا حديث حسن صحيح \"، وأحمد في المسند، ٥/ ١٥٣، والحاكم ١/ ٥٤ وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.\n(٦) جامع العلوم والحكم للحافظ ابن رجب، ١/ ٤٠٥.","vol":"1","page":584},{"text":"وربما دخل فيها بعد ذلك فعل المندوبات وترك المكروهات (١).\nفينبغي للداعية أن يكون من أعظم الناس تقوى لله ﷿، لأنه أسوة لغيره من الناس، والله المستعان.\nالحادي عشر: من صفات الداعية: اليقين: من المعلوم يقينا أن من الصفات العظيمة اليقين المنافي للشك وهذا لا يحصل إلا بالعلم النافع؛ ولهذا قال ابن مسعود ﵁: \" وإذا شك في نفسه شيء سأل رجلا فشفاه منه \". قال الإِمام ابن هبيرة ﵀: \" وفيه. . . . أن الإنسان إذا شك في شيء لم ينفذ فيه حكما على شك بل يسأل عنه، ويبحث، ويستضيء بنور العلم من أهله إن وجد، وإلا عمل فيه على أصول الشرع وقاس واجتهد \" (٢).\nوقال ابن حجر ﵀: \" من تقوى الله أن لا يقدم المرء على ما يشك فيه حتى يسأل من عنده علم فيدله على ما فيه شفاؤه، وقوله: \" شك في نفسه شيء \" من المقلوب. إذا التقدير: وإذا شك نفسه في شيء، أو ضمن شك معنى: لصق، والمراد بالشيء ما يتردد في جوازه وعدمه \" (٣).\nفينبغي للداعية أن يتصف باليقين (٤).\nالثاني عشر: أهمية السؤال في تحصيل العلم: ظهر في هذا الحديث أهمية السؤال في تحصيل العلم؛ لقول ابن مسعود ﵁: \" وإذا شك في نفسه شيء سأل رجلا فشفاه، وأوشك أن لا تجدوه \" وهذا فيه تأكيد على أهمية هذا الأسلوب؛ لأنه يشفي القلوب والنفوس؛ لأن السائل إذا سأل أهل العلم أجابوه، وأزالوا عنه مرض التردد؛ لأنه يحصل على\n_________\n(١) جامع العلوم والحكم لابن رجب، ١/ ٣٩٨، ٣٩٩.\n(٢) الإِفصاح عن معاني الصحاح، ٢/ ٩٢.\n(٣) فتح الباري بشرح صحيح البخاري ٦/ ١١٩.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٢٨، الدرس الرابع.","vol":"1","page":585},{"text":"الإِجابة بالحق، فيضمحل الشك والتردد، ويثبت اليقين (١) والله المستعان. (٢).\nالثالث عشر: من أساليب الدعوة: التشبيه: لا شك أن هذا الحديث دل على أسلوب التشبيه في قول ابن مسعود ﵁: \" والذي لا إله إلا هو ما أذكر ما غبر من الدنيا إلا كالثغب شرِبَ صفوه وبقي كدره \" ومال ابن حجر إلى أن قول: \" ما غبر \" أي مضى من الدنيا؛ لأن ابن مسعود ﵁ قال: \" ما أذكر ما غبر \" وهو من الأضداد يطلق على ما مضى وعلى ما بقي وهو هنا محتمل للأمرين (٣) قال الحافظ ابن حجر ﵀: \" فشبه ما مضى من الدنيا بما شرب من صفوه، وما بقي منها بما تأخر من كدره \" (٤) وقال العلامة العيني ﵀ على الاحتمال الثاني: \" شبَّهَ بقاء الدنيا ببقاء غدير ذهب صفوه وبقي كدره \" (٥) والله المستعان. (٦).\nالرابع عشر: من صفات الداعية: الزهد: ظهر في قول ابن مسعود ﵁: أن ما مضى من الدنيا ما هو إلا كماء قليل في نقرة في صخرة، وقد ذهب صفو هذا الماء القليل وبقي كدره، وعلى الاحتمال الثاني: شبه ما بقي من الدنيا ببقاء غدير ذهب صفوه وبقي كدره، وهذا يدل على أنه ينبغي للداعية الزهد فيها والإِكثار من الطاعات؛ ولهذا قال الإِمام ابن هبيرة ﵀: \" قوله: \" ما غبر من الدنيا \" أي ما فَنِيَ، والثغب: هو الماء المستنقع في الموضع المطمئن، وإذا كان عبد الله يقول هذا في زمانه فكيف في زماننا؛ إلا أنه لابد من المقاربة والتسديد، والاستعانة بالله ﷿ على عبادته \" (٧)\n_________\n(١) انظر: شرح الكرماني على صحيح البخاري، ١٢/ ٢٠١.\n(٢) انظر: الحديث رقم ١٩، الدرس الرابع، ورقم ٣٠، الدرس الرابع، ورقم ٩٢ الدرس الرابع.\n(٣) انظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري ٦/ ١٢٠.\n(٤) المرجع السابق ٦/ ١٢٠.\n(٥) عمدة القاري شرح صحيح البخاري، ١٤/ ٢٢٧.\n(٦) انظر: الحديث رقم ١٨، الدرس الرابع، ورقم ١٩، الدرس الخامس.\n(٧) الإفصاح عن معاني الصحاح ٢/ ٩٢، قلت: وإذا كان هذا كلام ابن هبيرة ﵀ ثمان مائة وثمان وخمسين سنة، فكيف بزماننا هذا؛ والله المستعان. .","vol":"1","page":586},{"text":"وقال الحافظ ابن حجر ﵀: \" وإذا كان هذا في زمان ابن مسعود وقد مات قبل مقتل عثمان، ووجود تلك الفتن العظيمة فماذا يكون اعتقاده فيما جاء بعد ذلك وهلم جرّا؟ \" (١).\nفينبغي للداعية أن يزهد في الدنيا، ولا يتخذها وطنا؛ لأنها هينة عند الله ﷿ وقد «دخل النبي ﷺ السوق يوما فمر بجدي صغير الأذنين ميت فأخذه بأذنه ثم قال للصحابة ﵃: \" أيكم يحب أن هذا له بدرهَم؟ \" قالوا: ما نحب أنه لنا بشيء وما نصنع به؟ قال: \" أتحبونه لكم؟ \" قالوا: والله لو كان حيا كان عيبا فيه؛ لأنه أسك (٢) فكيف وهو ميت؛ فقال: \" فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم» (٣) والله المستعان (٤).\n_________\n(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٦/ ١٢٠.\n(٢) أسك: أي مصطلم الأذنين مقطوعهما. النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب السين مع الكاف، مادة \" سكك \"، ٢/ ٣٨٤.\n(٣) مسلم، كتاب الزهد والرقائق، ٤/ ٢٢٧٢، برقم ٢٩٥٧، عن جابر بن عبد الله ﵄.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٢، الدرس الأول، وحديث رقم ١٥، الدرس الأول.","vol":"1","page":587},{"text":"١٢١ -<span data-type=\"title\" id=toc-196> باب ما قِيل في لِوَاءِ النبي ﷺ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-197>[حديث قيس بن سعد صاحب لواء رسول الله أراد الحج فرجل]</span>\n١٠٣ - [٢٩٧٤] حَدَّثَنَا سَعِيد بْن أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَيْث قَالَ: أَخْبَرني عقَيْل، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَني ثَعْلَبَة بْن أَبِي مَالِكٍ القرَظِيّ: \" أَنَّ قَيْسَ بْنِ سَعْدٍ الأنصَارِيَّ (١) ﵁- وَكَانَ صَاحِبَ لِوَاءِ رَسولِ اللهِ ﷺ- أَرَادَ الحَجَّ فرَجَّلَ \".\n* شرح غريب الحديث: * \" لواء رسول الله ﷺ \" اللواء: الراية، ولا يمسكها إلا صاحب الجيش، واللواء أو الراية: ثوب يجعل في طرف الرمح، ويخلى كهيئته تصفقه الرياح (٢).\n* \" فرجل \" الترجل والترجيل: تسريح الشعر، وتنظيفه وتحسينه (٣).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - أهمية اللواء والراية للمجاهدين في سبيل الله ﷿.\n_________\n(١) قيس بن سعد بن عبادة بن دليم الأنصاري الساعدي، المدني الصحابي ﵁ جواد ابن جواد مشهور هو وأبوه بالكرم والجود، وكان يحمل راية الأنصار مع النبي ﷺ، وكان من فضلاء الصحابة وأحد دهاة العرب، وذوي الرأي الصائب، والمكيدة في الحرب والنجدة، والشجاعة، وكان شريف قومه غير مدافع، وكان أبوه وجده كذلك، ومن كرمه أن رجلا اقترض منه ثلاثين ألفا فلما ردها عليه أبى أن يقبلها، وله في جوده وكرمه أخبار مشهورة، وشهد مع النبي ﷺ المشاهد، وأخذ النبي ﷺ الراية يوم الفتح من أبيه ودفعها إليه، وصحب قيس علي بن أبي طالب ﵁ في خلافته، وأقره على مصر، وكان معه في حروبه، وقد خدم النبي ﷺ عشر سنين، وكان ليس له لحية، فكانت الأنصار تقول: وددنا أن نشتري لقيس لحية بأموالنا، وكان ﵁ بين يدي رسول الله ﷺ بمنزلة الشرطي من الأمير- يعني يلي أموره- روى عن النبي ﷺ ستة عشر حديثا. وتوفي ﵁ في آخر خلافة معاوية ﵁ على الصواب سنة ستين، وقيل: تسع وخمسين. انظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي ٢/ ٦١، وسير أعلام النبلاء للذهبي، ٣/ ١٠٢ - ١١٢، والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر ٣/ ٢٤٩.\n(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير، باب اللام مع الواو، مادة: \" لوا \" ٤/ ٢٧٩، وانظر: عمدة القاري للعيني ١٤/ ٢٣٢، وإرشاد الساري للقسطلاني، ٥/ ١٢٨.\n(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الراء مع الجيم، مادة: \" رجل \" ٢/ ٢٠٣، وانظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ١٠٨.","vol":"1","page":588},{"text":"٢ - من وسائل الدعوة وأسباب النصر: إظهار القوة والنشاط.\n٣ - من صفات الداعية: النظافة.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: أهمية اللواء والراية للمجاهدين في سبيل الله ﷿: إن اللواء والراية من الأمور المهمة في الجهاد في سبيل الله ﷾؛ ولهذا كان النبي ﷺ يعتني بذلك؛ وقد جاء في هذا الحديث أن قيس بن سعد الأنصاري ﵁ \" كان صاحب لواء رسول الله ﷺ \". قال الحافظ ابن حجر ﵀ في هذا اللواء: \" أي الذي يختص بالخزرج من الأنصار، وكان النبي ﷺ في مغازيه يدفع إلى رأس كل قبيلة لواء يقاتلون تحته \" (١).\nوهذا يدل على أهمية اللواء؛ لأن المجاهدين يعرفون قائدهم بهذا اللواء، وينضمون إليه، والله أعلم.\nثانيا: من وسائل الدعوة وأسباب النصر: إظهار القوة والنشاط: دل هذا الحديث على أن من وسائل الدعوة إظهار القوة والنشاط؛ وقد كان النبي ﷺ يستخدم اللواء والراية في الحرب، وهذا فيه إظهار للقوة والتعاون بين المجاهدين؛ لأن القائد يعرف بحمل اللواء أو الراية فينضم إليه أصحابه، ويدخل الرعب في قلوب الأعداء بإذن الله ﷿ (٢).\nوقد قيل بأن اللواء هو الراية فهما مترادفان، وقيل: اللواء أبيض، وربما جعل فيها الأسود، والراية بيضاء، وربما كانت صفراء (٣).\nقال القسطلاني ﵀: \" والذي صرح به غير واحد من أهل اللغة ترادفهما،\n_________\n(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري ٦/ ١٢٧.\n(٢) انظر: أخلاق النبي وآدابه، لأبي محمد جعفر بن حيان الأصبهاني المعروف بأبي الشيخ ص ١٥٣، وزاد المعاد لابن القيم، ١/ ١٣١، وإرشاد الساري للقسطلاني ٥/ ١٢٨.\n(٣) انظر: زاد المعاد لابن القيم ١/ ١٣١ - ١٣٢، وفتح الباري لابن حجر، ٦/ ١٢٨.","vol":"1","page":589},{"text":"فلعل التفرقة بينهما عرفية، وقد كانت الراية يمسكها رئيس الجيش ثم صارت تحمل على رأسه، وأما العلم فعلامة لمحل الأمير تدور معه حيث دار \" (١).\nثالثا: من صفات الداعية: النظافة: ظهر في هذا الحديث أن النظافة من صفات الداعية؛ ولهذا عندما أراد الحج قيس بن سعد رَجَّل رأسه ﵁؛ من أجل النظافة والاستعداد للإِحرام؛ قال الإِمام ابن الأثير ﵀: \" الترجل والترجيل: تسريح الشعر وتنظيفه وتحسينه \" (٢).\nفينبغي أن يكون الداعية نظيفا منظما لأموره.\n_________\n(١) إرشاد الساري بشرح صحيح البخاري، ٥/ ١٢٨، وانظر: عمدة القاري للعيني ١٤/ ٢٣٢.\n(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الراء مع الجيم، مادة: \" رجل \" ٢/ ٢٠٣.","vol":"1","page":590},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-198>[حديث ليأخذن غدا رجل يحبه الله ورسوله]</span>\n١٠٤ - [٢٩٧٥] حَدَّثَنَا قتَيْبَة: حَدَّثَنَا حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوع (١) ﵁ قَالَ: «كَانَ عَليّ (٢) ﵁ تَخَلَّفَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي خَيْبَرَ، وَكَانَ بِهِ رَمَد، فَقَالَ: آَنا أَتَخَلَّف عَنْ رَسولِ اللهِ ﷺ؛ فَخَرَجَ عَلِي فَلَحِقَ بالنَبِي ﷺ. فَلَما كَانَ مَسَاء اللَّيْلَةِ الَّتِي فَتَحَهَا فِي صَبَاحِهَا، فَقَالَ رسول الله ﷺ: \" لَأعْطِيَنَّ الرَّايَةَ- أَوْ قَالَ: لَيأخذَنَّ- غَدا رَجل يحِبّه الله وَرَسوله، أَوْ قَالَ: يحِبّ اللهَ وَرَسولَه، يَفتح الله عَلَيْهِ \". فَإِذَا نَحْن بعَلِيٍّ وَمَا نَرْجوه. فَقَالوا: هَذَا عَلِيّ، فَأَعْطَاه رَسول اللهِ ﷺ فَفَتَحَ الله عَلَيْهِ». (٣).\n* شرح غريب الحديث: * \" الراية \" الراية هنا: العلم، يقال: ريَّيْت الراية: أي ركزتها (٤).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من أساليب الدعوة: الاستفهام الإِنكاري.\n٢ - من صفات الداعية: الصبر على البلاء.\n٣ - من أساليب الدعوة: الثناء على الداعية المخلص ليتأسَّى به.\n٤ - من صفات الداعية: محبة الله ورسوله ﷺ.\n٥ - أهمية الراية في الجهاد في سبيل الله ﷿.\n٦ - من صفات الداعية: الحرص على الدقة في نقل الحديث.\n٧ - من معجزات النبي ﷺ: الإِخبار بالمغيبات.\n٨ - من صفات الداعية: الشجاعة (٥).\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ٧٤.\n(٢) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ٧٨.\n(٣) [الحديث ٢٩٧٥] طرفاه في: كتاب فضائل أصحاب النبي ﷺ، باب مناقب علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي أبي الحسن ﵁، ٤/ ٢٤٧، برقم ٣٧٠٢. وكتاب المغازي، باب غزوة خيبر، ٥/ ٩٠، برقم ٤٢٠٩. وأخرجه مسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل علي بن أبي طالب ﵁، ٤/ ١٨٧٢، برقم ٢٤٠٧.\n(٤) انظر: غريب الحديث رقم ٩٢، ص ٥٣٤.\n(٥) تقدم هذا الحديث عينه في حديث سهل بن سعد ﵁ برقم ٩٢، وأعاده البخاري هنا في حديث سلمة بن الأكوع ﵁، وقد ذكرت جميع روايات حديث سهل بن سعد ﵁ هناك فأغنى عن الكلام بالتفصيل عن الدروس الدعوية هنا.","vol":"1","page":591},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-199>[حديث هاهنا أمرك النبي أن تركز الراية]</span>\n١٠٥ - [٢٩٧٦] حَدَّثَنَا محَمَّد بْن الْعَلاَءِ: حَدَّثَنَا أَبو أسَامَةَ، عَنْ هِشَام بْنِ عرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ نَافِع بْنِ جبَيْرٍ قَالَ: «سَمِعْت العَبَّاسَ (١) يَقول لِلزّبَيْرِ (٢) ﵄: هاهنا أَمرَكَ النَّبِيّ ﷺ أن تَرْكزَ الراية» (٣) وفي رواية: حَدَّثَنَا عبَيْد بْن إِسْمَاعِيلَ: حَدَّثَنَا أَبو أسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ قالَ: «لَمَّا سَارَ رَسول اللهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ فَبَلَغَ ذَلِكَ قرَيْشا، خَرَجَ أَبو سفْيَانَ بْن حرْبٍ (٤) وَحَكِيم بْن حِزَامٍ (٥) وَبدَيْل بْن وَرْقَاء، يَلْتَمِسونَ الْخَبَرَ عَنْ رَسولِ\n_________\n(١) العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف أبو الفضل القرشي عم رسول الله ﷺ، ولد قبل رسول الله ﷺ بسنتين، وقيل: ثلاث، وضاع وهو صغير فنذرت أمه إن وجدته أن تكسوَ الكعبة الحرير فوجدته ففعلت، فهي أول عربية كست الكعبة الحرير، وكان العباس رئيسا جليلا في قريش قبل الإسلام، وكان إليه عمارة المسجد الحرام، والسقاية، وحضر بيعة العقبة مع الأنصار، وشدد العقد مع الأنَصار وأكده، وذلك قبل أن يسلم، وقيل: إنه أسلم قبل الهجرة، وخرج مع قومه إلى بدر مكرها، وأسر وفدى نفسه، ورجع إلى مكة، وقيل: إنه أسلم عقب رجوعه إلى مكة وكتم قومه ذلك، وكان يكتب إلى النبي ﷺ بأخبار المشركين، وكان عونا للمستضعفين المسلمين بمكة، ثم هاجر قبل الفتح بقليل، وشهد الفتح، وحنينا وثبت فيها مع رسول الله ﷺ، وأمره النبي ﷺ أن ينادي في الناس بالرجوع وكان صيتا فأقبلوا عليه وحملوا على المشركين وهزموهم، وكان رسول الله ﷺ يعظمه ويكرمه، ويبجله، وكان وصولا لأرحام قريش محسنا إليهم، ذا رأي وكمال، وعقل، وكان جوادا أعتق سبعين عبدا، وكانت الصحابة تكرمه وتعظمه، وتأخذ برأيه، روي له عن رسول الله ﷺ خمسة وثلاثون حديثا، اتفق البخاري ومسلم على حديث، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بثلاثة، وتوفي ﵁ بالمدينة يوم الجمعة لثنتي عشرة ليلة خلت من رجب وقيل: من رمضان سنة اثنتين وثلاثين، وقيل: أربع وثلاثين، وهو ابن نحو ثمان وثمانين سنة. انظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي، ١/ ٢٥٧، وسير أعلام النبلاء للذهبي، ٢/ ٧٨ - ١٠٠، والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، ٢/ ٢٧١.\n(٢) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ٥٢.\n(٣) [الحديث ٢٩٧٦] طرفه في كتاب المغازي، باب أين ركز النبي ﷺ الراية يوم الفتح؟ ٥/ ١٠٧، برقم، ٤٢٨٠.\n(٤) أبو سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب، رأس قريش، الأموي المكي أسلم يوم الفتح، كان له أمور صعبة، فمن الله عليه وتداركه بالإِسلام، لقي رسول الله ﷺ بالطريق فأسلم قبل أن يدخل النبي ﷺ مكة فاتحا، وكان من دهاة العرب ومن أهل الرأي والشرف فيهم، وشهد مع النبي ﷺ حنينا، وأعطاه النبي ﷺ مائة بعير وأربعين أوقية من الدراهم يتألفه بذلك، وشهد قتال الطائف وفقئت عينه يومئذ، وشهد اليرموك وقلعت عينه الأخرى في هذه المعركة، وكان تحت راية يزيد في هذه المعركة وينادي بنصر الله ﷿، ونزل المدينة بعد ذلك، وهو أسن من رسول الله ﷺ بعشر سنين، وتوفي ﵁ بالمدينة سنة إحدى وثلاثين، وقيل: أربع وثلاثين، وقيل: عاش ثلاثا وتسعين سنة. انظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي، ٢/ ٢٣٩، وسير أعلام النبلاء للذهبي، ٢/ ٢ / ١٠٥ - ١٠٦، والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، ٢/ ١٧٩.\n(٥) حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى الأسدي، ابن أخي خديجة زوج النبي ﷺ، أسلم يوم فتح مكة، سنة ثمان، وقد شهد بدرا مع المشركين، وكان إذا اجتهد في يمينه يقول: والذي نجاني أن أكون قتيلا يوم بدر، ولد قبل عام الفيل بثلاث عثرة سنة، وكان يفعل المعروف في الجاهلية، فلما أسلم سأل النبي ﷺ فقال: أشياء كنت أفعلها في الجاهلية ألي فيها أجر؟ قال: \" أسلمت على ما سلف لك من خير \" [البخاري برقم ١٤٣٦، ٢٢٢٠، ٢٥٣٨، ٥٩٩٢] وكان كريما جوادا، وكانت دار الندوة بيده فباعها بعد من معاوية ﵁ بمائة ألف درهم، فلامه ابن الزبير ﵁ فقال: يا ابن أخي اشتريت بها دارا في الجنة فتصدق بالدراهم كلها، وكان من أشرات قريش ووجوهها في الجاهلية والإسلام، وأعطاه النبي ﷺ يوم حنين مائة بعير، ولم يصنع من المعروف شيئا في الجاهلية إلا صنع في الإسلام مثله، وقيل له عندما باع دار الندوة وتصدق بثمنها: بعت مكرمة قريش، فقال: ذهبت المكارم إلا بالتقوى، وأهدى في حجه مائة بدنة، وأعتق مائة عبد، وأهدى ألف شاة، وقال ﵁ سألت رسول الله ﷺ فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال: \" يا حكيم إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى \" قال حكيم فقلت: والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحدا بعدك شيئا حتى أفارق الدنيا، وكان أبو بكر يدعو حكيما ليعطيه العطاء فيأبى أن يقبل منه شيئا، ثم دعاه عمر ليعطيه فأبى أن يقبله، فقال: يا معشر المسلمين أشهدكم على حكيم أني أعرض عليه حقه الذي قسم الله له من هذا الفيء فيأبى أن يأخذه، فلم يرزأْ حكيم أحدا من الناس بعد النبي ﷺ شيئا، حتى توفي ﵁ [البخاري برقم ٢٧٥٠] سنة خمسين، وقيل: أربع وخمسين، وقيل: ثمان وخمسين، وقيل: سنة سنين، وهو ممن عاش ستين سنة في الجاهلية وستين سنة في الإسلام، فكمل عند موته: مائة وعشرين سنة. انظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي ١/ ١٦٦، والإِصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، ١/ ٣٤٩.","vol":"1","page":592},{"text":"الله ﷺ فَأَقْبَلوا يَسِيرونَ حَتَّى أتَوْا مَرَّ الظَّهْرَانِ، فَإِذَا همْ بِنِيرَانٍ كأنهَا نِيرَان عَرَفةَ، فقَالَ أَبو سفْيَانَ: مَا هَذِهِ؟ لَكأَنهَا نِيرَان عَرَفَةَ؟ فَقَالَ بدَيْل بْن وَرْقَاءَ (١) نِيرَان بَنِي عَمْرو، فَقَاَلَ أَبو سفْيَانَ: عَمْرو أَقَلّ مِنْ ذَلِكَ، فَرَآهمْ نَاس مِنْ حَرَسِ رَسولِ اللهِ ﷺ فَأَدْرَكوهمْ فَأَخَذوهمْ فَأتوا بهِمْ رَسولَ الله ﷺ، فَأَسْلَمَ أَبو سفْيَانَ، فَلَمَّا سَارَ قَالَ لِلْعَبَّاسِ: \" احْبِسْ أَبَا سفْيَانَ عِنْدَ حطم الْخَيْلِ حَتَّى يَنْظرَ إِلَى الْمسلِمِينَ \" فحَبَسَه العباس فَجَعَلَتِ الْقَبَائِل تَمرّ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ كتِيبَة كَتِيبةَ، عَلَى أَبِي سفْيَانَ فَمَرَّتْ كَتِيبَة فَقَالَ: يَا عَبَّاس مَنْ هَذِهِ؟ قَالَ: هَذِهِ غِفَار. قَالَ: مَا لِي وَلِغفَارٍ؛ ثمَّ مَرَّتْ جهَيْنَة، قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، ثمَّ مَرَّتْ سَعْد بن هذَيْمٍ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَمَرَّتْ سلَيْم فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى أقْبَلَتْ كَتيبَة لَمْ يَرَ مِثْلَهَا، قالَ مَنْ هَذِهِ؟ قَالَ: هَؤلاَءِ الأنصَار عَلَيْهِمْ سَعْد بْن عبَادَةَ مَعَه الرَّايَة، فَقَالَ سَعْد بْن عبَادَةَ: يَا أَبَا سفْيَانَ\n_________\n(١) بديل بن ورقاء بن عمرو بن ربيعة بن عبد العزى، أسلم يوم فتح مكة وقيل: قبل الفتح، وقيل: بأن النبي ﷺ أمره أن يحبس السبايا والأموال بالجعرانة حتى يقدم عليه ففعل [قال الحافظ ابن حجر إسناده حسن] ﵁. انظر: الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، ١/ ١٤١.","vol":"1","page":593},{"text":"الْيَوْم يَوْم الْمَلْحَمَةِ، الْيَوْمَ تسْتَحَلّ الْكَعْبَة، فَقَالَ أَبو سفْيَانَ: يَا عَبَّاس حَبَّذا يوْم الذِّمَارِ، ثم جَاءَتْ كَتِيبَة وَهْيَ أَقَلّ الْكَتَائِبِ فِيْهِمْ رَسول الله ﷺ وَأَصحابه ورَايَة النَّبِيِّ ﷺ مَعَ الزّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامٍ، فَلمَّا مَرَّ رَسول الله ﷺ بِأَبِي سفْيَانَ قال: ألَمْ تَعْلَمْ مَا قَالَ سَعْد بْن عبَادَةَ؟ قَال: \" مَا قَالَ؟ \" قَالَ؛ قَالَ: كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ: \" كَذَبَ سَعْد، وَلَكِنْ هَذَا يَوْم يعَظِّم الله فِيهِ الْكَعْبةَ وَيَوْم تكسَى فِيهِ الْكَعبة \" قَالَ: وأَمَرَ رَسول الله ﷺ أنْ ترْكَزَ رَايَته بِالْحَجونِ. قَالَ عرْوَة: وأَخْبَرني نَافِع بْن جبَيْرِ بْنِ مطْعِمٍ، قَالَ: سَمِعْت الْعَبَّاسَ يَقول لِلزّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ: يَا أَبَا عبد الله هاهنَا أَمَرَكَ رَسول الله ﷺ أنْ تَرْكز الرَّايَةَ، قَالَ: وَأَمر رَسول الله ﷺ يَوْمَئِذٍ خالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ أنْ يَدْخلَ مِنْ أعْلَى مَكَّةَ مِنْ كَدَاءٍ، وَدَخَلَ النَّبِيّ ﷺ مِنْ كدى فَقتِل مِنْ خَيْلِ خَالِدٍ يَوْمَئِذٍ رَجلاَنِ: حبَيْش بْن الأَشْعَرِ وَكرْز بْن جَابِرٍ الفِهْرِيّ» (١).\n* شرح غريب الحديث: * \" مَرَّ الظهران \" ويقال: \" مر ظهران \" أيضا: بقعة وموضع يبعد عن مكة بريدا، وقيل: أحدا وعشرين ميلا، وقيل ستة عشر ميلا (٢).\n* \" عند حطم الخيل \" الموضع المتضايق الذي تتحطَّم فيه الخيل: أي يدوس بعضها بعضا، ويزحم بعضها بعضا، فيراها جميعها وتكثر في عينه بمرورها في ذلك الموضع الضيق. وفي رواية: \" خطم الجبل \" وهو أنفه البارز عند مضيق الجبل، حين يحطم بعضها بعضا، ليرى جميعها (٣).\n* \" يوم الملحمة \" الملحمة: الحرب والقتال الذي لا مخلص منه، والجمع الملاحم، مأخوذ من اشتباك الناس واختلاطهم فيها كاشتباك لحمة الثوب بالسدى، وقيل: هو من اللّحم؛ لكثرة لحوم القتلى فيها، ويقال: ألحم\n_________\n(١) طرف الحديث رقم ٤٢٨٠.\n(٢) انظر: مشارق الأنوار للقاضي عياض، حرف الظاء مع الميم، ١/ ٣٣٢.\n(٣) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الحاء مع الطاء، مادة: \" حطم \" ١/ ٤٠٤، وانظر: غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٣٧٨.","vol":"1","page":594},{"text":"الرجل في الحرب واستلحم: إذا تشبث فيها، فلم يجد مخلصا (١) * \" يوم الذمار \" الذمار: ما لزمك حفظه مما وراءك وتعلق بك، وقول أبي سفيان: \" حبذا يوم الذمار \" يريد الحرب؛ لأن الإِنسان يقاتل على ما يلزمه حفظه (٢).\n* \" الكتائب \" العساكر المرتبة؛ واحدها كتيبة، وهي القطعة العظيمة من الجيش (٣).\n* \" كَدَاء \" بفتح الكاف والمد: من أعلى مكة التي من سلكها دخل من باب بني شيبة.\n* \" كدى \" بضم الكاف والقصر من أسفل مكة (٤).\n* \" الحجون \" الجبل المشرف حذاء مسجد العقبة عند المحصب، عند مقبرة أهل مكة (٥).\n* \" الراية \" اللواء، وقيل: العلم (٦).\n* \" كذب سعد \" أي: أخطأ (٧).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من وسائل الدعوة: رفع اللواء والراية في الجهاد في سبيل الله ﷿.\n٢ - من وسائل الدعوة: الخروج للجهاد في سبيل الله ﷿.\n٣ - أهمية الحراسة في الأمور المهمة.\n٤ - من صفات الداعية: العفو والصفح ومقابلة السيئة بالحسنة.\n_________\n(١) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٣٧٨، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب اللام مع الحاء، مادة: \" لحم \" ٤/ ٢٣٩.\n(٢) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٣٧٨، والنهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير، باب الذال مع الميم، مادة: \" ذمر \" ٢/ ١٦٧.\n(٣) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٣٧٨، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الكاف مع التاء، مادة: \" كتب \" ٤/ ١٤٨.\n(٤) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٣٧٩.\n(٥) انظر: مشارق الأنوار للقاضي عياض، حرف الجيم مع النون، ١/ ٢٢١.\n(٦) انظر: تفسير غريب الحديث رقم ٩٢، ص ٥٣٤، وغريب الحديث رقم ١٠٣، ص ٥٨٨.\n(٧) مشارق الأنوار على صحاح الآثار، للقاضي عياض، ١/ ٣٣٧، وانظر: فتح الباري لابن حجر، ٨/ ٩.","vol":"1","page":595},{"text":"٥ - من وسائل الدعوة وأسباب النصر: إظهار القوة والنشاط أمام الأعداء.\n٦ - من صفات الداعية: حسن الخلق.\n٧ - من أصناف المدعوين: المشركون.\n٨ - من موضوعات الدعوة: تعظيم الكعبة وبيت الله الحرام.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من وسائل الدعوة: رفع اللواء والراية في الجهاد في سبيل الله ﷿: ظهر في هذا الحديث أن الراية من وسائل الدعوة إلى الله ﷿؛ ولهذا كان النبي ﷺ يعطيها أمير الجيش في القتال؛ ليرفعها فيعرف بها وينضم إليه أصحابه، وفي ذلك إظهار القوة أمام الأعداء؛ ولهذا كانت راية الأنصار مع سعد بن عبادة، وأمر النبي ﷺ أن تركز رايته بالحجون، وهذا يؤكد أهمية الراية واللواء في الجهاد (١).\nثانيا: من وسائل الدعوة: الخروج للجهاد في سبيل الله ﷿: إن الخروج للجهاد في سبيل الله ﷾ لإِعلاء كلمة الله ﷿ من أهم وسائل الدعوة؛ ولهذا خرج رسول الله ﷺ عام الفتح إلى مكة؛ ليفتحها ويطهِّرها من آثار الشرك؛ ولإِعلاء كلمة الله ﷿ أمر سبحانه بالنفير فقال: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٤١] (٢).\nوفي هذا دلالة على عظم هذه الوسيلة ومكانتها في الإِسلام.\nثالثا: أهمية الحراسة في الأمور المهمة: إن الحراسة في الأمور المهمة من أعظم المهمات وآكد الوظائف التي ينبغي أن يعتني بها المجاهدون في سبيل الله ﷿؛ وقد كان النبي ﷺ يعتني بذلك\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ١٠٣، الدرس الأول، والحديث رقم ١٠٤، الدرس الخامس.\n(٢) سورة التوبة، الآية ٤١.","vol":"1","page":596},{"text":"في حراسة الجيش والمجاهدين أثناء النوم أو الراحة، والصلاة؛ ولهذا شرعت صلاة الخوف، ومن أنواعها أن طائفة تصلي مع الإِمام والطائفة الأخرى وجاه العدو. وفي هذا الحديث أن حرس رسول الله ﷺ في غزوة الفتح رأوا أبا سفيان وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء \" فأدركوهم فأخذوه فأتوا بهم رسول الله ﷺ فأسلم أبو سفيان \"، وهذا يدل على أهمية الحراسة وقد أمر الله ﷿ بأخذ الحذر فقال ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء: ٧١] (١).\nولأهمية الحراسة فقد رغب النبي ﷺ فيها وجعل ثواب من بات يحرس في سبيل الله الجنة والنجاة من النار، فعن ابن عباس ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله» (٢).\nرابعا: من صفات الداعية: العفو والصفح ومقابلة السيئة بالحسنة: ظهر في هذا الحديث أهمية العفو والصفح، وتأثيره في نفوس المدعوين؛ ولهذا عفا ﷺ عن أبي سفيان، وحكيم بن حزام، وبديل بن ورقاء فلم يقتلهم، وقد حصل من أبي سفيان ﵁ ما لا يخفى في المعارك الكبرى: بدر، وأحد، وغزوة الأحزاب، ومع ذلك قابله النبي ﷺ بالعفو والصفح، وعفا أيضا عن جميع أهل مكة يوم الفتح إلا مجموعة أهدر دمهم لمعاداتهم العظيمة للنبي ﷺ ودعوته ومع ذلك فقد نجا بعضهم وأنقذه الله بالإِسلام فعفا عنهم ﷺ بعد أن أهدر دماءهم؛ لإِسلامهم، كعكرمة بن أبي جهل، وهبار بن الأسود، وهند بنت عتبة امرأة أبي سفيان، وعبد الله بن أبي السرح، وكعب بن زهير، ووحشي بن حرب، وأما غيرهم ممن أهدر دمه ولم يسلم، فقد قتل من عثِر عليه منهم (٣).\n_________\n(١) سورة النساء، الآية ٧١.\n(٢) الترمذي، وحسنه، في كتاب فضائل الجهاد، باب ما جاء في فضل الحراسة في سبيل الله، ٤/ ١٧٥، برقم ١٦٣٩، وصححه الألباني لشواهده، في مشكاة المصابيح ٢/ ١١٢٥، وفي صحيح سنن الترمذي ٢/ ١٢٧.\n(٣) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٨/ ١١، وقد ذكر أن عدد من أهدر دمه رسول الله ﷺ ثمانية رجال وست نسوة، أسلم بعضهم فعفا عنه ﷺ.","vol":"1","page":597},{"text":"وهذا يدل على عفوه ﷺ العظيم وصفحه؛ فإن بعض هؤلاء قد أوقع بالمسلمين الوقائع ومَثَّلَ بهم في المعارك، فأدركه الله برحمته ومنَّ عليه بالإِسلام، ثم عفا عنه رسول الله ﷺ (١).\nخامسا: من وسائل الدعوة وأسباب النصر: إظهار القوة والنشاط أمام الأعداء: إن من وسائل الدعوة وأسباب النصر إظهار القوة والنشاط أمام أعداء الإِسلام؛ ولهذا أمر النبي ﷺ العباس فقال: «احبس أبا سفيان عند حطم الخيل حتى ينظر إلى المسلمين» فحبسه العباس، فجعلت القبائل تمر مع النبي ﷺ على أبي سفيان كتيبة كتيبة، حتى استعظم ذلك أبو سفيان ورأى كثرتهم العظيمة، ومن حكمة النبي ﷺ أن أمر بحبسه عند المكان المتضايق الذي تتحطم فيه الخيل ويدوس بعضها بعضا، ويزحم بعضها بعضا، فيراها أبو سفيان جميعا؛ لتكثر في عينه بمرورها في ذلك الموضع الضيق (٢).\nوهذا العمل المبارك من أعظم وسائل الدعوة، ومن أسباب النصر؛ لما يحدث في قلوب الأعداء من الخوف والجزع؛ ولهذا قال الله ﷿: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] (٣).\n\nسادسا: من صفات الداعية: حسن الخلق: لا ريب أن حسن الخلق من الصفات العظيمة التي ينبغي لأهل العلم والإِيمان الاتصاف بها؛ ولهذا كان قدوة الدعاة محمد بن عبد الله ﷺ أحسن الناس خلقا. وفي هذا الحديث ما يؤكد ذلك، وذلك أن سعد بن عبادة ﵁ عندما مر بأبي سفيان قال: يا أبا سفيان اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الكعبة، فأفزع ذلك أبا سفيان فانتظر، وعندما مر النبي ﷺ وكتيبته قال أبو سفيان: ألم تعلم ما قال سعد بن عبادة؟ قال: \" ما قال؟ \" قال: قال: كذا وكذا فقال رسول الله\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٨٠، الدرس الثالث.\n(٢) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير، باب الحاء مع الطاء، مادة: \" حطم \" ١/ ٤٠٤، وفتح الباري لابن حجر، ٨/ ٧، وعمدة القاري للعيني ١٧/ ٢٧٨، وإرشاد الساري، للقسطلاني ٦/ ٣٩٠.\n(٣) سورة الأنفال، الآية ٦٠.","vol":"1","page":598},{"text":"ﷺ: \" كذب سعد، ولكن هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة ويوم تكسى فيه الكعبة \".\nوهذا يدل على حسن خلق النبي ﷺ، وتعظيمه لبيت الله الحرام، ونسبته التعظيم لله ﷿ بقوله: \" هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة \" (١) وهذا يؤكد أدبه ﷺ مع ربه ﷿.\nسابعا: من أصناف المدعوين: المشركون: دل هذا الحديث على أن المشركين من أصناف المدعوين؛ ولهذا غزاهم النبي يوم الفتح، بعد أن قاتلهم في بدر وأحد، وغزوة الأحزاب، ومعلوم أنه ﷺ قد بلَّغهم قبل هذه المعارك والغزوات ما يجب عليهم من إفراد الله ﷿ بالعبادة وحده لا شريك له، ولكنهم أبوا واستكبروا وعتو عتوا كبيرا، فكان آخر الطب الكي (٢).\nثامنا: من موضوعات الدعوة: تعظيم الكعبة وبيت الله الحرام: ظهر في هذا الحديث أهمية إبلاغ الناس بعظم بيت الله العتيق؛ لأن الله ﷿ عظمه؛ ولهذا قال النبي ﷺ في هذا الحديث: «هذا يوم يعظم الله الكعبة، وتكسى فيه الكعبة»؛ ولعظم حرمة الكعبة قال الله ﷿: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: ٥٧] (٣) وقال ﷾: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٧] (٤).\nومن تعظيم الله الكعبة أن طهرها من أوثان الجاهلية، فعن عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ: «دخل مكة يوم الفتح وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ [الإسراء: ٨١] (٥) ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ [سبأ: ٤٩]» (٦).\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ١٤، الدرس الأول، ورقم ٢١، الدرس الثاني.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٩١، الدرس الثامن.\n(٣) سورة القصص، الآية ٥٧.\n(٤) سورة العنكبوت، الآية ٦٧.\n(٥) سورة الإسراء، الآية ٨١.\n(٦) متفق عليه: البخاري، كتاب المغازي، باب أين ركز النبي ﷺ الراية يوم الفتح ٨/ ٥، برقم ٤٢٨٧ ومسلم، كتاب الجهاد والسير، باب إزالة الأصنام من حول الكعبة ٣/ ١٤٠٨، برقم ١٧٨١والآية ٤٩ من سورة سبأ.","vol":"1","page":599},{"text":"ومن تعظيم النبي ﷺ لبيت الله الحرام أنه دخله من أعلاه؛ لأنه يأتي من قبل وجه الكعبة، أما ما جاء في هذا الحديث: أن النبي ﷺ \" أمر خالد بن الوليد أن يدخل من أعلى مكة من كَدَاءٍ، ودخل النبي ﷺ من كدى \" فقال الحافظ ابن حجر ﵀ عن هذا: \" وهذا مخالف للأحاديث الصحيحة الآتية أن خالدا دخل من أسفل مكة، والنبي ﷺ من أعلاها \" (١) وقد جاءت الأحاديث الكثيرة تبين أن النبي ﷺ دخل مكة يوم الفتح من أعلاها، فعن عائشة ﵂: «أن رسول الله ﷺ دخل يوم الفتح من كداء التي بأعلى مكة» (٢).\nومن حرمة مكة ما قاله ﷺ يوم الفتح، فعن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ يوم فتح مكة: «لا هجرة، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا، فإن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه (٣) ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها، ولا يختلى خلاها (٤) \"، وقال العباس إلا الإِذخر (٥) فإنه لقينهم (٦) وبيوتهم، فقال: \" إلا الإِذخر» (٧).\nفينبغي العناية بحرمة مكة وتعظيمها، وتنبيه الناس إلى ذلك وحثهم عليه.\n_________\n(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري ٨/ ١٠.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب المغازي، باب دخول النبي ﷺ من أعلى مكة، ٥/ ١١٠ برقم ٤٢٩٠، ومسلم، كتاب الحج، باب استحباب دخول مكة من الثنية العليا والخروج منها من الثنية السفلى، ٢/ ٩١٨، برقم ١٢٥٨. وانظر: بقية الأحاديث عن ابن عمر، وعروة، وعائشة ﵂ في صحيح البخاري، كتاب الحج، باب من أين يدخل مكة ٢/ ١٨٨ برقم ١٥٧٥، وباب من أين يخرج من مكة ٢/ ١٨٩، برقم ١٥٧٧ - ١٥٨١، وصحيح مسلم، كتاب الحج، باب استحباب دخول مكة من الثنية العليا والخروج منها من الثنية السفلى، ٢/ ٩١٨، برقم ٢٥٧ - ١٢٦٠.\n(٣) لا يعضد شوكه: لا يقطع. شرح النووي على صحيح مسلم ٩/ ١٣٤.\n(٤) الخلاء: هو الكلأ والعشب الرطب. انظر. المرجع السابق ٩/ ١٣٤.\n(٥) الإذخر: نبت طيب الرائحة. المرجع السابق ٩/ ١٣٤.\n(٦) قينهم: الحداد والصانع، يحتاج إليه في وقود النار. انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ٩/ ١٣٦.\n(٧) متفق عليه: البخاري، كتاب جزاء الصيد، باب لا يحل القتال بمكة، ٢/ ٢٦٠، برقم ١٨٣٣، ومسلم، كتاب الحج، باب تحريم مكة وصيدها وخلاها ولقطتها إلا لمنشد على الدوام، ٢/ ٩٨٦، برقم ١٣٥٣.","vol":"1","page":600},{"text":"١٢٢ -<span data-type=\"title\" id=toc-200> باب قوْل النّبيِّ ﷺ: «نصرت بِالرّعبِ مَسيرة شهْر»</span>\nوقَولِهِ ﷿: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥١] (١).\nقَالَه جَابِر عَنِ النَّبِي ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-201>[حديث بعثت بجوامع الكلم ونصرت بالرعب]</span>\n١٠٦ - [٢٩٧٧] حَدَّثَنَا يَحْيى بْن بكَيْرٍ: حَدَّثَنَا اللَّيث، عَنْ عقَيْلٍ، عَن ابنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هرَيْرَة (٢) ﵁ أَنَّ رَسولَ اللهِ قَالَ: «بعِثْت بِجَوَامِعِ الكَلِم، وَنصِرْت بِالرعْبِ. فبينا أَنَا نَائم أوتيت مَفَاتِيحَ خزَائِنِ الأَرْضِ فَوضِعتْ فِي يَدي». قَالَ أَبو هرَيرَةَ: وَقد ذَهَبَ رَسول اللهِ ﷺ وأنتمْ تنتثلونها (٣).\nوفي رواية: «أعْطِيت مَفَاتِيحَ الْكَلمِ، وَنصرت بِالرعْبِ، وَبينا أَنَا نَائِم البارِحَةَ إِذْ أتِيت بِمَفاتيحَ خَزَائِنِ الأرْضِ حتَّى وضِعَتْ فِي يَدِي»، قَالَ أَبو هرَيْرَةَ: فذَهَبَ رَسول اللهِ ﷺ، وأَنتمْ تَنْتَقِلونَهَا (٤).\nوفي رواية: \" وأَنتمْ تَلْغَثونَهَا، أَوْ تَرْغَثونَهَا، أوْ كَلِمة تشْبِههَا \" (٥).\nوفي رواية: \" قَالَ أَبو عبد الله: وَبَلَغَنِي أَنَّ جَوامِعَ الْكَلِم أَنَّ اللهَ يَجْمَع الأمورَ الْكَثِيرَةَ الَّتِي كَانَتْ تكْتَب فِي الْكتبِ قَبْلَه فِي الأَمْرِ الْوَاحِدِ وَالأَمْرَيْنِ، أو نَحْوَ ذَلِكَ \". (٦).\n* شرح غريب الحديث: * \" تنتثلونها \" أي تستخرجون وتأخذون الأموال وما فتح عليكم من زهرة الدنيا (٧).\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآية ١٥١.\n(٢) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ٧.\n(٣) [الحديث ٢٩٧٧] أطرافه في: كتاب التعبير، باب رؤيا الليل، ٨/ ٩٢، برقم ٦٩٩٨. وكتاب التعبير، باب المفاتيح في اليد، ٨/ ٩٧، برقم ٧٠١٣. وكتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب قول النبي ﷺ: \" بعثت بجوامع الكلم \"، ٨/ ١٧٦، برقم ٧٢٧٣. وأخرجه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، ١/ ٣٧١، برقم ٥٢٣.\n(٤) الطرف رقم ٦٩٩٨.\n(٥) الطرف رقم ٧٢٧٣.\n(٦) الطرف رقم ٧٠١٣.\n(٧) النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير، باب النون مع الثاء، مادة: \" نثل \" ٥/ ١٦.","vol":"1","page":601},{"text":"* \" تلغثونها \" أي تأكلونها من اللغيث: وهو طعام يغلث بالشعير: أي يخلط بالشعير (١).\n* \" ترغثونها \" يعني الدنيا: ترضعونها، من رغث الجدي أمَه: إذا رَضَعَها (٢).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من موضوعات الدعوة: بيان خصائص النبي ﷺ.\n٢ - من صفات الداعية: الإِيجاز في اللفظ واتساع المعاني.\n٣ - من موضوعات الدعوة: الحث على حسن التفهم لمعاني جوامع الكلم.\n٤ - من معجزات النبي ﷺ: الإِخبار بالمغيبات.\n٥ - من صفات الداعية: التحدث بنعم الله ﷿ وتعديدها.\n٦ - أهمية إلقاء العلم قبل السؤال.\n٧ - من أساليب الدعوة: التشبيه.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من موضوعات الدعوة: بيان خصائص النبي ﷺ: إن من الموضوعات المهمة التي ينبغي أن يبينها الدعاة للناس خصائص النبي محمد ﷺ؛ لأن هذه الخصائص تدل على يسْرِ دين الإِسلام وسماحته وتفضيله على سائر الأديان السابقة؛ ولهذا قال ﷺ في هذا الحديث: \" بعثت بجوامع الكلم، ونصرت بالرعب، فبينا أنا نائم أوتيت مفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدي \" وهذا يؤكد ما أعطاه الله ﷿ من الخصائص العظيمة؛ فإن القرآن الكريم جمع الله ﷾ في الألفاظ اليسيرة منه المعاني الكثيرة، وكلامه ﷺ كان بجوامع الكلم: قليل اللفظ كثير المعاني والأحكام والفوائد النافعة (٣) ونصر الله محمدا ﷺ بالرعب، فجعل في قلوب أعدائه الفزع والخوف والهيبة\n_________\n(١) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب اللام مع الغين، مادة: \" لغث \" ٤/ ٢٥٦.\n(٢) المرجع السابق، باب الراء مع الغين، مادة: \" رغث \" ٢/ ٢٣٨.\n(٣) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ٧، وشرح الكرماني على صحيح البخاري، ١٣/ ٣، ٢٤/ ١٠٨، وفتح الباري لابن حجر، ٦/ ١٢٨.","vol":"1","page":602},{"text":"على بعد مسيرة شهر بينه وبينهم (١) قال الحافظ ابن حجر ﵀: \" وظهر لي أن الحكمة في الاقتصار على الشهر أنه لم يكن بينه وبين الممالك الكبار التي حوله أكثر من ذلك: الشام والعراق، واليمن، ومصر، ليس بين المدينة النبوية للواحدة منها إلا شهر فما دونه \" (٢) وهذا تحقق له ﷺ، وأعطي ﷺ مفاتيح خزائن الأرض، التي هي مفاتيح لأمته من بعده من الفتوح العظيمة، فغنموا أموال أعدائهم، وأخذوا خزائن ملوكهم المدخرة: كخزائن كسرى وقيصر، وغيرهما من الملوك، ويحتمل أن يكون المراد به معادن الأرض: من الذهب والفضة (٣) وقد يدخل في هذا ما وجد من خزائن النفط في باطن الأرض والله ﷿ أعلم.\nوخصائص النبي ﷺ كثيرة منها ما جاء في حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلِّ، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان الرجل يبعث في قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة» (٤).\nوعن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة». . . \" (٥) وذكر خصلة الأرض، وخصلة مبهمة بينها ابن خزيمة في صحيحه، وهي: «وأوتيت هؤلاء الآيات من آخر سورة البقرة، من بيت كنز تحت العرش لم يعط منه أحد قبلي». . . \" (٦) وفي رواية لأبي هريرة عند مسلم: «فضلت على الأنبياء بست» ذكر منها: \". . . «وختِمَ بي النبيّون» (٧) وذكر الحافظ ابن حجر ﵀ خصائص النبي ﷺ فيما اطلع عليه\n_________\n(١) انظر: شرح الطيبي على مشكاة المصابيح، ١١/ ٣٦٣٥.\n(٢) فتح الباري شرح صحيح البخاري ٦/ ١٢٨، وانظر: ١/ ٤٣٧ - ٤٣٩.\n(٣) انظر: أعلام الحديث للخطابي ٢/ ١٤٢٢، وفتح الباري لابن حجر، ٦/ ١٢٨.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب التيمم، باب؛ حدثنا عبد الله بن يوسف، ١/ ١٠٠ برقم ٣٣٥، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، ١/ ٣٧٠، برقم ٥٢١.\n(٥) صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، ١/ ٣٧١، برقم ٥٢٢.\n(٦) صحيح ابن خزيمة ١/ ١٣٣، برقم ٢٦٤، وانظر: تلخيص الحبير، لابن حجر، ١/ ١٤٨.\n(٧) صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، ١/ ٣٧١، برقم ٥٢٣.","vol":"1","page":603},{"text":"من الروايات ثم قال: \" فينتظم بهذا سبع عشرة خصلة ويمكن أن يوجد أكثر من ذلك لمن أمعن التتبع \" (١).\nقال ابن حجر ﵀ في الجمع بين هذه الخصائص: \" وطريق الجمع أن يقال: لعله اطلع أولا على بعض ما اختص به ثم اطلع على الباقي، ومن لا يرى مفهوم العدد حجة يدفع هذا الإِشكال من أصله \" (٢). قال الإِمام القرطبي ﵀: \" لا يظنّ القاصد أن هذا تعارض، وإنما يظن هذا من توهم أن ذكر الأعداد يدل على الحصر، وأنها لها دليل خطاب، وكل ذلك باطل؛ فإن القائل عندي خمسة دنانير- مثلا- لا يدل هذا اللفظ على أنه ليس عنده غيرها، ويجوز له أن يقول تارة أخرى: عندي عشرون، وتارة أخرى: عندي ثلاثون، فإن من عنده ثلاثون صدق عليه أن عنده عشرين، وعشرة، فلا تناقض ولا تعارض. ويجوز أن يكون النبيّ ﷺ أعلم في وقت بالثلاث، وفي وقت بالخمس، وفي وقت بالست، والله أعلم \" (٣).\n\nفينبغي للداعية أن يعلم خصائص النبي ﷺ وهذه الأمة، ثم ينشرها بين الناس.\nثانيا: من صفات الداعية: الإيجاز في اللفظ واتساع المعاني: إن من الصفات الحميدة التي ينبغي للداعية أن يتصف بها الإِيجاز في الألفاظ والاتساع في المعاني؛ لأن من درب عقله ولسانه على اختيار الألفاظ المشتملة على المعاني الكثيرة تعوَّد على ذلك ونفع الناس؛ ولهذا أعطي النبي ﷺ جوامع الكلم؛ وقد جمع كثير من علماء الإِسلام بعض الأحاديث قليلة الألفاظ كثيرة المعاني والأحكام والفوائد (٤).\n_________\n(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ١/ ٤٣٩.\n(٢) المرجع السابق ١/ ٤٣٦.\n(٣) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٢/ ١١٥.\n(٤) مثل: كتاب الأربعين النووية فيه اثنان وأربعون حديثا من جوامع الكلم، ثم زاد عليها الحافظ ابن رجب ثمانية أحاديث وشرح جميعها، وسمى كتابه \" جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم \" ومن ذلك كتاب \" بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخبار في شرح جوامع الأخبار \" للعلامة عبد الرحمن السعدي، جمع فيه مائة حديث وشرحها. وغير ذلك. وانظر: جامع العلوم والحكم لابن رجب ١/ ٥٦.","vol":"1","page":604},{"text":"فينبغي للداعية أن يحفظ هذه الأحاديث، أو ما تيسر منها، ويعتني بشروحها مع العناية التامة بكتاب الله ﷿؛ لأنه في الحقيقة قليل الألفاظ كثير المعاني والفوائد والأحكام؛ قال الحافظ ابن رجب ﵀: \" فجوامع الكلم التي خص بها النبي ﷺ نوعان:\nأحدهما: ما هو في القرآن، كقوله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل: ٩٠] (١).\nالثاني: ما هو في كلامه ﷺ، وهو منشور موجود في السنن المأثورة عنه ﷺ \" (٢).\nثالثا: من موضوعات الدعوة: الحث على حسن التفهم لمعاني جوامع الكلم: إن من أهم الموضوعات في الدعوة إلى الله ﷿ أن يحث الداعية المدعوين على الفهم الدقيق لمعاني جوامع الكلم \" لأن النبي ﷺ قال: «بعثت بجوامع الكلم» وهذا يؤكد أهمية العناية التامة بفهم كتاب الله ﷿ وأحاديث الرسول ﷺ؛ قال الإِمام الخطابي عند ذكره لبعض فوائد هذا الحديث: \" وفيه الحض على حسن التفهم، والحث على الاستنباط لاستخراج تلك المعاني، ونبش تلك الدفائن المودعة فيها \" (٣) والله ﷿ لم ينزل القرآن الكريم إلا للتدبر والتفهم والعمل؛ قال ﷾: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩] (٤).\nرابعا: من معجزات النبي ﷺ: الإِخبار بالمغيبات: لا ريب أن من المعجزات الباهرة ما أعلم الله به نبينا محمد بن عبد الله ﷺ من الأمور الغيبية التي لا يعلمها إلا الله ﷾ ومن هذه الأمور قوله\n_________\n(١) سورة النحل، الآية ٩٠.\n(٢) انظر: جامع العلوم والحكم، ١/ ٥٥، وشرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ٧، وفتح الباري لابن حجر، ٦/ ١٢٨، ١٣/ ٢٤٧، وعمدة القاري للعيني، ١٤/ ٢٣٥، ٢٥/ ٢٤، وإرشاد الساري للقسطلاني، ٥/ ١٢٩، ومرقاة المفاتيح لملا علي القاري ١/ ١٤.\n(٣) أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري ٢/ ١٤٢٢، وانظر: شرح الكرماني على صحيح البخاري ٣/ ٣، وعمدة القاري للعيني ١٤/ ٢٣٥.\n(٤) سورة ص، الآية ٢٩.","vol":"1","page":605},{"text":"ﷺ: «أوتيت مفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدي» قال الإِمام النووي ﵀: \" هذا من أعلام نبوته؛ فإنه إخبار بفتح هذه البلاد لأمته، ووقع كما أخبر ﷺ، ولله الحمد والمنة \" (١).\nوهذا من دلائل صدق نبوته ﷺ، وأنه عبد الله ورسوله (٢).\nخامسا: من صفات الداعية: التحدث بنعم الله ﷿ وتعديدها: ظهر في هذا الحديث أن التحدث بنعم الله ﷿ من أجمل الصفات، التي ينبغي للداعية أن يأخذ منها بأوفر الحظ والنصيب؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «بعثت بجوامع الكلم». . . \" وذكر ﷺ كثيرا من خصائصه؛ لبيان فضل الله عليه وإحسانه؛ ولبيان ما أمره الله بتبليغه من خصائصه، والتحدث بنعم الله ﷿، وقد قال سبحانه: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١] (٣).\nفينبغي للداعية أن يشكر الله على نعمه، وأن يتحدث بها، وينسبها إلى الله، ولا شك أنه لن يستطيع حصرها كما قال ﷿: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤] (٤) ولكن ينبغي التسديد والمقاربة، قال الحافظ ابن حجر ﵀: \" وفي حديث الباب من الفوائد غير ما تقدم: مشروعية تعديد نعم الله \" (٥) والله المستعان (٦).\nسادسا: أهمية إلقاء العلم قبل السؤال: دل هذا الحديث على أنه ينبغي للداعية ومعلم الناس الخير أن يبدأهم بالتعليم والتوجيه، ولا ينتظر حتى يسأَل؛ فإن كثيرا من الناس لا يهتمون بالسؤال عن\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ٨.\n(٢) انظر: دلائل النبوة، لأبي بكر جعفر بن محمد الفريابي، ص ٤١ رقم ٢٥، ودلائل النبوة للحافظ أبي نعيم الأصبهاني ٢/ ٥٣٧، ودلائل النبوة لإِسماعيل بن محمد بن فضل التيمي الأصبهاني، ص ٩٠ - ٩١، والشفاء بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض ١/ ٤٧٠، وانظر: الحديث رقم ٢١، الدرس الرابع.\n(٣) سورة الضحى، الآية ١١.\n(٤) سورة إبراهيم، الآية ٣٤.\n(٥) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ١/ ٤٣٩.\n(٦) انظر: الحديث رقم ٤٦، الدرس السادس عشر.","vol":"1","page":606},{"text":"العلم؛ ولهذا كان النبي ﷺ يبدأ كثيرا بإلقاء العلم على الناس ونشره بينهم، ولو لم يسألوا؛ وقد بدأهم بقوله ﷺ في هذا الحديث: \" أعطيت مفاتيح الكلم ونصرت بالرعب. . . \" (١).\nسابعا: من أساليب الدعوة: التشبيه: إن التشبيه من أساليب الدعوة التي ينبغي استخدامها عند الحاجة في تعليم الناس الخير، وقد ظهر هذا الأسلوب في هذا الحديث قال ﷺ؛ «أوتيت مفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدي» وقال في رواية الحديث الأخرى: «أعطيت مفاتيح الكلم». قال الإِمام الكرماني ﵀: \" أي لفظ قليل يفيد معاني كثيرة، وهذا غاية البلاغة، وشبه ذلك القليل بمفاتيح الخزائن التي هي آلة للوصول إلى مخزونات متكاثرة \". (٢).\nفينبغي العناية بهذا الأسلوب عند الحاجة إليه (٣).\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٥٨، الدرس الخامس.\n(٢) شرح الكرماني على صحيح البخاري، ٢٤/ ١٠٨.\n(٣) انظر الحديث رقم ١٨، الدرس الرابع.","vol":"1","page":607},{"text":"١٢٣ -<span data-type=\"title\" id=toc-202> باب حمل الزّاد في الغزْو</span>\nوقولِ الله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-203>[حديث أسماء صنعت سفرة رسول الله في بيت أبي بكر حين أراد أن يهاجر]</span>\n١٠٧ - [٢٩٧٩] حَدَّثَنَا عبَيْد بْن إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبو أسَامَةَ، عَنْ هشام قَالَ: أَخْبَرَني أَبِي: - وَحَدَّثَتْنِي أَيْضا فَاطِمَة - عَنْ أَسْمَاءَ (٢) ﵂ قَالَتْ: \" صَنَعْت سفْرةَ رَسولِ اللهِ ﷺ في بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ حِينَ أَرَادَ أَنْ يهَاجِرَ إِلَى الْمَدِينَة. قَالَتْ: فَلَمْ نَجِدْ لِسفْرَتِهِ وَلاَ لِسِقَائِهِ مَا نَرْبِطهمَا بِهِ، فَقلْت لأَبِي بَكْرٍ: وَاللهِ مَا أجِد شَيْئا أَرْبِط بِهِ إِلاَّ نِطَاقِي. قَالَ: فَشقِّيهِ بِاثْنَيْنِ فَارْبِطِيهِ: بِوَاحِدٍ السِّقَاءَ، وبِالَآخَرِ السّفْرَةَ، فَفَعَلَتْ، فلذَلِكَ سمِّيت ذاتَ النِّطاقَين \" (٣).\nوفي رواية: \" عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، وَعَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ قَالَ: \" كَانَ أَهْل الشَّامِ يعَيِّرونَ ابْنَ الزّبَيْرِ يَقولونَ: يَا ابْنَ ذَاتِ النِّطَاقَيْنِ فَقَالَتْ لَه أَسْمَاء:\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية ١٩٧.\n(٢) أسماء بنت أبي بكر عبد الله بن أبي قحافة عثمان أم عبد الله ﵃، القرشية، التيمية، المكية ثم المدنية. والدة عبد الله بن الزبير، وعروة ﵃، وأخت أم المؤمنين عائشة ﵂، وآخر المهاجرات وفاة، أسلمت قديما بعد سبعة عشر إنسانا، وكانت أسن من عائشة ببضع عشرة سنة، حيث ولدت قبل الهجرة بسبع وعشرين سنة، وهي زوجة الزبير بن العوام ﵁، سميت ذات النطاقين؛ لأنها صنعت للنبي ﷺ ولأبيها سفرة لما هاجرا فلم تجد ما تشدها به فشقت نطاقها نصفين وشدت بنصفه السفرة، والنصف الآخر أوكت به القربة. وهاجرت إلى المدينة وهي حامل بعبد الله بن الزبير فولدته بعد الهجرة فكان أول مولود ولد في الإِسلام بعد الهجرة. روي لها عن رسول الله ﷺ ثمانية وخمسون حديثا، اتفق الشيخان على ثلاثة وعشرين منها، وانفرد البخاري بخمسة أحاديث، ومسلم بأربعة، وعمرت ﵂ طويلا قال ابنها عروة بن الزبير: بلغت أسماء مائة سنة لم يسقط لها سنّ ولم ينكر من عقلها شيء، وكانت ﵂ إذا أصابها صداع في رأسها وضعت يدها عليه وقالت: \" بذنبي وما يغفره الله أكثر \" وشهدت غزوة اليرموك مع زوجها الزبير بن العوام ﵁ وكانت جوادة كريمة، لا تدخر شيئا إلى غد، وإذا مرضت أعتقت كل مملوك لها. وقد قتل ابنها عبد الله بن الزبير فصبرت واحتسبت، ولها منقبة عظيمة، وهي أنها، وابنها، وأباها، وجدها أربعة صحابيون، لا يعرف لغيرهم إلا لمحمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي قحافة وتوفيت في مكة في جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين بعد قتل ابنها عبد الله بيسير قيل: بعشرين يوما وقيل: أقل من ذلك ﵂. انظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي، ٢/ ٣٢٨، وسير أعلام النبلاء للذهبي ٢/ ٢٨٧ - ٢٩٦، والإِصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، ٤/ ٢٢٩.\n(٣) [الحديث ٢٩٧٩] طرفاه في: كتاب مناقب الأنصار، باب هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة، ٤/ ٣١١ و٣١٢، برقم ٣٩٠٧. وكتاب الأطعمة، باب الخبز المرقق، والأكل على الخوان والسفرة، ٦/ ٢٤٤، برقم ٥٣٨٨.","vol":"1","page":608},{"text":"يَا بنَيَّ إِنَّهم يعَيِّرونَكَ بِالنِّطَاقَيْنِ، وَهَلْ تَدْري مَا كَانَ النِّطَاقَانِ؟ إِنَّمَا كَانَ نِطَاقِي شَقَقْته نِصْفيْنِ، فَأَوْكَيْت قِرْبةَ رَسولِ اللهِ ﷺ، بِأَحَدِهِمَا، وَجَعَلْت فِي سفْرَتِهِ آخَرَ. قَالَ: فَكَانَ أَهْل الشَّام إِذَا عَيّروه بِالنِّطَاقَيْنِ يَقول: إِيها وَالإِلَه \" تِلْكَ شَكَاة ظَاهِر عَنْكَ عَارهَا \" (١).\n* شرح غريب الحديث: * \" السفرة \" طعام يتخذه المسافر، وأكثر ما يحمل في جلد مستدير، فنقل اسم الطعام إلى الجلد وسمّي به (٢).\n* \" نطاقي \" نطاق: جمعه مناطق. وهو أن تلبس المرأة ثوبها، ثم تشدّ وسَطَها بشيء: بحبل أو نحوه، وترفع وسط ثوبها، وتنزله على الأسفل عند معاناة الأشغال؛ لئلا تعثر في ذيلها، وبه سميت أسماء بنت أبي بكر ذات النطاقين (٣).\n* \" فأوكيت \" الوِكاء: الخيط الذي تشدّ به الصرة، والكيس، وفم القربة، ونحو ذلك (٤).\n* \" إيها والإِله \": \" إيهِ \" هذه كلمة يراد بها الاستزادة وهي مبنية على الكسر فإذا وَصَلْتَ نَوَّنْتَ فقلت: \" إيهٍ حدثنا \" وإذا قلت: إيها بالنصب فإنما تأمره بالسكوت. ومنه حديث ابن الزبير: \" إيها والإِله \" أي صدقتَ ورضيت بذلك، وَيرْوى \" إيهِ \" بالكسر: أي زدني من هذه المنقبة (٥).\n* \" شكاة \" تلك شكاة ظاهر عنك عارها: الشكاة الذم والعيب، وهي في غير هذا المرض (٦).\n_________\n(١) الطرف رقم ٥٣٨٨.\n(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب السين مع الفاء، مادة: \" سفر \" ٢/ ٢٧٣.\n(٣) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٥٥٠، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب النون مع الطاء، مادة: \" نطق \" ٥/ ٧٥.\n(٤) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الواو مع الكاف، مادة: \" وكا \" ٥/ ٢٢٢.\n(٥) انظر: المرجع السابق، باب الهمزة مع الياء، مادة: \" إيهِ \" ١/ ٨٧.\n(٦) المرجع السابق، باب الشين مع الكاف، مادة: \" شكا \" ٢/ ٤٩٧.","vol":"1","page":609},{"text":"* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من موضوعات الدعوة: الحض على إعانة العلماء والدعاة والشد من أزرهم.\n٢ - من صفات الداعية: النشاط:\n٣ - الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل.\n٤ - من صفات الداعية: الصبر على الابتلاء والأذى.\n٥ - من صفات الداعية: الاعتزاز بطاعة الله ﷿.\n٦ - أهمية أدب المدعو مع الدعاة والعلماء.\n٧ - جهود نساء الصحابة ﵅ في الجهاد والدعوة.\n٨ - من تاريخ الدعوة: ذكر الهجرة.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من موضوعات الدعوة: الحض على إعانة العلماء والدعاة والشد من أزرهم: ظهر في هذا الحديث أن الحث على إعانة العلماء والدعاة من أهم موضوعات الدعوة التي ينبغي للدعاة حث الناس عليها؛ لأن العالم أو الداعية إذا لم يجد التعاون من قبل المدعوين لا يستطيع في الغالب أن يؤدي دعوته على الوجه الأكمل؛ ولهذا أعانت أسماء ﵂ النبي ﷺ ورفيقه، بالقيام بتجهيز أهبة السفر من الطعام والقربة وشدت السفرة بنصف نطاقها، وأوكت القربة بالنصف الآخر، ﵂. وهذا العمل فيه حث على إعانة العلماء والدعاة، والله المستعان (١).\nثانيا: من صفات الداعية: النشاط: ظهر في هذا الحديث أن النشاط مهم في حياة الداعية إلى الله ﷿؛ ولهذا اتخذت أسماء ﵂ نطاقا تشد به وسطها أثناء العمل، لئلا تعثر في ذيل ثوبها أثناء أعمالها الشاقة (٢).\n_________\n(١) انظر: فتح الباري لابن حجر ٦/ ١٢٩، ٧/ ٢٤٠، ٩/ ٥٣٠، وعمدة القاري للعيني ٤/ ٢٣٧، وإرشاد الساري للقسطلاني ٥/ ١٣٠.\n(٢) انظر: عمدة القاري للعيني، ١٤/ ٢٣٧.","vol":"1","page":610},{"text":"فينبغي للداعية أن يكون نشيطا كيسا. (١).\nثالثا: الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل: دل هذا الحديث على أن الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل؛ لأن التوكل يقوم على اعتماد القلب على الله مع العمل بالأسباب؛ ولهذا أمر أبو بكر ﵁ أسماء أن تشق نطاقها نصفين، وتشد به السفرة، والقربة، وهذا من العمل بالأسباب وأخذ أهبة السفر: من الزاد والمتاع (٢).\nوسمعت العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله يقول: \" السفر بدون زاد يسبب الهلكة، فيجب الاستعداد للسفر \" (٣) وهذا يؤكد الأخذ بالأسباب مع اعتماد القلب على الله ﷿ (٤).\nرابعا: من صفات الداعية: الصبر على الابتلاء والأذى: دل هذا الحديث على أنه ينبغي للداعية أن يصبر على الابتلاء والأذى، وذلك من وجهين:\n١ - صبر الصحابة ﵃ على قلة ما في اليد من المال؛ ولشدة ذلك لم تجد أسماء ما تربط به سفرة النبي ﷺ وسقاءه عندما أراد الهجرة هو وأبو بكر ﵁ قالت ﵂: \" والله ما أجد شيئا أربط به إلا نطاقي \" فقال أبو بكر ﵁: \" فشقيه باثنين فاربطيه: بواحد السقاء، وبالآخر السفرة \" ففعلت ﵂.\n٢ - صبر عبد الله بن الزبير ﵁ على ما ناله من الأذى من أهل الشام بقولهم له؛ \" يا ابن ذات النطاقين \" يعيرونه بذلك فصبر على أذاهم (٥).\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ١٤، الدرس الرابع، ورقم ٢٩، الدرس الثالث.\n(٢) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٧/ ٢٤٨.\n(٣) سمعت ذلك من سماحته أثناء شرحه لحديث رقم ٢٩٢٩ من صحيح البخاري.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٣٠، الدرس الخامس.\n(٥) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٦/ ١٢٩، و٩/ ٥٣٣.","vol":"1","page":611},{"text":"فينبغي للداعية أن يصبر على الابتلاء والأذى، ويسأل الله العافية في الدنيا والآخرة (١).\nخامسا: من صفات الداعية: الاعتزاز بطاعة الله ﷿: دل فعل عبد الله بن الزبير وقوله ﵁ على اعتزازه وسروره بطاعة الله ﷿، وذلك أن أهل الشام كانوا يعيِّرونه بقولهم: \" يا ابن ذات النطاقين \" فقالت له أسماء: \" يا بني إنهم يعيرونك بالنطاقين. وهل تدري ما كان النطاقان؟ إنما كان نطاقي شققته نصفين فأوكيت قربة رسول الله ﷺ بأحدهما، وجعلت في سفرته آخر \" فكان أهل الشام إذا عيروه بالنطاقين يقول: \" إيها والإِله تلك شكاة ظاهر عنك عارها \". وهذا يبين اعتزازه ﵁ بذلك؛ لأن خدمة رسول الله ﷺ وتجهيزه في سفره من أعظم الطاعات، وأعلى القربات؛ ولهذا استزادهم من قولهم كما قال ذلك الحافظ ابن حجر (٢) ﵀ فإن كلمة \" إيهِ \" يراد بها الاستزادة، وأما كلمة: \" إيها \" فهي أمر بالسكوت وقطع الكلام. وذكر ابن حجر ﵀ أن بعض علماء اللغة حَرَّروا، أن كلمة \" إيها \" بالتنوين للاستزادة، وبغير التنوين \" إيها \" لقطع الكلام، فصار معنى \" إيها \" مثل \" إيهِ \" للاستزادة (٣) وهذا مقصود عبد الله بن الزبير؛ لأنه رغب في الاستزادة؛ لشرف خدمة النبي ﷺ؛ وقد مدح الله المعتزين بدينهم الإِسلام فقال ﷿: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣] (٤) فقوله: ﴿إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣] فيه اعتزاز وفخر بالإِسلام.\nسادسا: أهمية أدب المدعو مع الدعاة والعلماء: ظهر في هذا الحديث أن أهل الشام أساءوا الأدب مع عبد الله بن الزبير ﵁ وعيَّروه بعمل أمه المبارك في خدمة رسول الله ذ وتجهيزه للهجرة؛ ولهذا قال عبد الله بن الزبير ﵄: \" تلك شكاة ظاهر عنك عارها \" والشكاة: \" رفع\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٩، الدرس الثامن، ورقم ٦٦، الدرس الأول.\n(٢) انظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري ٩/ ٥٣٣.\n(٣) انظر: المرجع السابق، ٩/ ٥٣٣.\n(٤) سورة فصلت، الآية ٣٣.","vol":"1","page":612},{"text":"الصوت بالقول القبيح \" (١) فينبغي للمدعو أن يلتزم الأدب مع الدعاة والعلماء، حتى يحصل على الثواب من الله ﷿، ويستفيد من علمهم، والله المستعان (٢).\nسابعا: جهود نساء الصحابة ﵅ في الجهاد والدعوة: إن الناظر والمتأمل في حياة الصحابيات ﵅ يجد أنهن يبذلن الجهود العظيمة في الجهاد والدعوة، وخدمة المجاهدين، ومن ذلك ما فعلته أسماء بنت أبي بكر ﵂ من تجهيز رسول الله ﷺ، وإعداد ما يحتاجه في سفره، وفي هجرته إلى المدينة، وهكذا الصحابيات غيرها اللواتي شاركن في الجهاد بخدمة المجاهدين، وعلاج المرضى والجرحى مع التزامهن بأمور الشرع وآدابه. ﵅. (٣).\nثامنا: من تاريخ الدعوة: ذكر الهجرة: ظهر في هذا الحديث أن من تاريخ الدعوة ذكر الهجرة؛ لقول أسماء ﵂ في هذا الحديث: \" صنعت سفرة رسول الله ﷺ في بيت أبي بكر حين أراد أن يهاجر إلى المدينة \"، وقد كانت تلك الهجرة بعد البعثة بثلاث عشرة سنة أمضاها النبي ﷺ في الدعوة إلى كلمة الإِخلاص، والترغيب والترهيب، ثم هاجر إلى المدينة ﷺ (٤).\n_________\n(١) فتح الباري لابن حجر، ٩/ ٥٣٣.\n(٢) انظر: الحديث رقم ١٤، الدرس الثالث، ورقم ٢١، الدرس الأول.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٦٣، الدرس السادس، ورقم ٦٤، الدرس الرابع، ورقم ٦٥، الدرس الأول.\n(٤) انظر: زاد المعاد في هدي خير العباد، لابن القيم، ٣/ ٥٣.","vol":"1","page":613},{"text":"١٢٧ -<span data-type=\"title\" id=toc-204> باب الرّدف على الحمَارِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-205>[حديث ركب النبي على حمار على إكاف عليه قطيفة وأردف أسامة وراءه]</span>\n١٠٨ - [٢٩٨٧] حَدَّثَنَا قتَيْبَة: حَدَّثَنَا أَبو صفْوانَ، عَنْ يونسَ بْنِ يَزيدَ، عنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عرْوَةَ عَنْ أسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ (١) ﵄: «أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ ركِبَ علَى حِمَارٍ عَلَى إِكَافٍ عَلَيْهِ قَطِيفَة، وأَرْدَفَ أسَامَةَ وَرَاءَه» (٢).\nوفي رواية: «أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ رَكِبَ عَلَى حِمَارٍ عَلَيْهِ قَطِيفَة فَدَكِيَّة، وأسَامَة ورَاءَه يَعود سَعْدَ بْنَ عبَادَةَ فِي بَنِي حَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ قَبْلَ وَقْعَة بَدْرٍ، فَسَارَا حَتَّى مرَّا بِمَجْلِسٍ فِيهِ عَبْد اللهِ بْن أبَيٍّ ابْن سَلولَ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يسْلِمَ عَبْد الله بْن أبَيٍّ فَإِذَا فِي الْمَجْلِسِ أَخْلاَط مِنَ الْمسْلِمِينَ، وَالْمشْرِكِينَ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ وَالْيهودِ، وَفِي المسلمينَ عَبْد الله بْن رَوَاحَة (٣) فَلَمَّا غَشِيَتِ الْمَجْلِسَ عَجَاجَة الدَّابَّة،\n_________\n(١) أسامة بن زيد بن حارثة بن شراحيل، الصحابي الجليل، مولى رسول الله ﷺ وابن مولاه، وحبه وابن حبه، الأمير العظيم، ﵁، ولد في الإسلام ومات رسول الله ﷺ وله ثماني عشرة سنة، وقيل عشرون سنة، أمَّره رسول الله ﷺ على جيش عظيم؛ لغزو الروم، وفي الجيش عمر والكبار من الصحابة، فلم يسر حتى توفي رسول الله ﷺ، فبادر الصديق، نفاذ جيش أسامة ﵁، روي له عن رسول الله ﷺ مائة وثمانية وعشرون حديثا، اتفق البخاري ومسلم على خمسة منها، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بحديثين، وكان النبي ﷺ يحبه ويحب أباه، فهما من أحب الناس إليه، وكان عمر بن الخطاب ﵁ يجله ويكرمه، ويفضله في العطاء على ولده عبد الله، وكان إذا لقيه بقول: \" السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله، توفي رسول الله ﷺ وأنت عليَّ أمير \" واعتزل أسامة الفتن والحروب التي وقعت بين علي ومعاوية ﵄، وسكن أسامة المزة، ثم رجع وسكن وادي القرى، ثم نزل إلى المدينة فمات بها سنة أربع وخمسين على الصحيح. ﵁. انظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي ١/ ١١٣، وسير أعلام النبلاء للذهبي، ٢/ ٤٩٦ - ٥٠٧، والإِصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، ١/ ٣١.\n(٢) [الحديث ٢٩٨٧] أطراف في: كتاب تفسير القرآن، ٣ - سورة آل عمران، باب \" وَلَتَسْمَعنَّ مِنَ الَّذِينَ أوتوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكوا أَذى كَثِيرا \"، ٥/ ٢٠٤، برقم ٤٥٦٦. وكتاب المرضى، باب عيادة المريض راكبا وماشيا وردفا على الحمار، ٧/ ٩، برقم ٥٦٦٣. وكتاب اللباس، باب الارتداف على الدابة، ٧/ ٨٨، برقم ٥٩٦٤. وكتاب الأدب، باب كنية المشرك، ٧/ ١٥٥، برقم ٦٢٠٧. وكتاب الاستئذان، باب التسليم في مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين، ٧/ ١٧١، برقم ٦٢٥٤. وأخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسبر، باب في دعاء النبي ﷺ وصبره على أذى المنافقين، ٣/ ١٤٢٢، برقم ١٧٩٨.\n(٣) عبد الله بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس، الأنصاري الخزرجي، الأمير الشاعر المشهور، شهد العقبة فهو من السابقين الأولين من الأنصار، وكان نقيبا ليلة العقبة على بني الحارث بن الخزرج، وشهد بدرا وجيمع المشاهد مع رسول الله ﷺ إلا الفتح وما بعدها؛ فإنه توفي يوم مؤتة وهو أحد الأمراء في غزوة مؤتة، وكان أول خارج إلى الغزوات وآخر قادم، وكان أحد الشعراء المحسنين الذين يردون الأذى عن رسول الله ﷺ وعن الإسلام والمسلمين، ومن شعره ﵁ ما ثبت عن أنس ﵁، أن النبي ﷺ دخل مكة في عمرة القضاء، وعبد الله بن رواحة بين يديه يمشي وهو يقول:\nخلوا بني الكفار عن سبيله ... اليوم نضربكم على تنزيله\nضربا بزيل الهام عن مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله\nفقال له عمر: يا ابن رواحة بين يدي رسول الله ﷺ، وفي حرم الله تقول الشعر؟ فقال له النبي ﷺ: \" خل عنه يا عمر، فَلَهيَ أسرع فيهم من نضح النبل \" [أخرجه الترمذي برقم ٢٨٤٧ وقال: حديث حسن صحيح. وصححه الألبانَي في صحيح سنن الترمذي ٢/ ٣٧٤، وفي مختصر الشمائل المحمدية برقم ٢١٠، وانظر: سيرة بن هشام ٣/ ٤٢٧.\nوبعث رسول الله ﷺ بعثه إلى مؤتة في جمادى الأولى سنة ثمان، واستعمل عليهم زيد بن حارثة، وقال: \" إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة، وكانوا ثلاثة آلاف، وساروا في طريقهم، وقابلوا الروم وهم مائتا ألف؛ مائة ألف من الروم، ومائة ألف من المستعربة، فقاتلوهم، فقتل زيد وحمل اللواء جعفر بن أبي طالب، ثم قتل، فحمل اللواء عبد الله بن رواحة وقال:\nأقسمت يا نفس لتنزلنه ... لتنزلن أو لتكرَهنه\nإن أجلب الناس وشدوا الرنه ... مالي أراكِ تكرهين الجنة\nقد طالما قد كنت مطمئنة ... هل أنت إلا نطفة في شنه\n\nوقال أيضا:\nيا نفس إلا تقتلي تموتي ... هذا حِمَام الموت قد صليتِ\nوما تمنيتِ فقد أعطيت ... إن تفعلي فعلهما هديتِ\n[سيرة ابن هشام ٣/ ٤٣٤، ثم قاتل حتى قتل شهيدا ﵁ بعد أن حرض الناس على القتال ورغبهم في الشهادة ﵁. انظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي، ١/ ٢٦٥، وسير أعلام النبلاء للذهبي ١/ ٢٣٠ - ٢٤٠، والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، ٢/ ٣٠٦.","vol":"1","page":614},{"text":"خَمَّرَ ابْن أبَي أَنفَه بِرِدَائِهِ وَقَالَ: لَا تغَبِّروا عَلَيْنَا، فَسَلَّمَ رَسول اللهِ ﷺ عَلَيْهِم ثمَّ وَقَفَ، فنَزَلَ فَدَعَاهمْ إِلَى اللهِ وَقَرَأَ عَلَيْهم الْقرْآنَ فَقَالَ لَه عَبْد اللهِ بْن أبَي ابْن سَلولَ (١) أَيّهَا الْمَرْء لَا أَحْسَنَ مِمَّا تَقول إِنْ كَانَ حَقّا فَلاَ تؤذِنَا بِهِ فِي مَجَالِسِنَا فَمَنْ جَاءَكَ فَاقْصصْ عَلَيهِ، قَالَ عَبْد الله بْن رَوَاحَةَ: بَلَى يَا رَسولَ الله فاغْشَنَا فِي مَجَالِسِنَا، فَإنَا نحِبّ ذَلِكَ فَاسْتَبَّ الْمسْلِمونَ وَالْمشْرِكونَ وَالْيَهود، حَتَّى كَادوا يَتَثاوَرونَ، فَلَمْ يَزَلْ رَسول اللهِ ﷺ يخَفِّضهمْ حَتَّى سَكَتوا، ثمَّ رَكِبَ رَسول الله ﷺ دابَّتَه فَسَارَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ عبَادَةَ (٢) فَقَال رَسول الله ﷺ: \" أَيْ سَعْد أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالَ أَبو حبَابٍ \"؟ يريد عَبْدَ اللهِ بْنَ أبَيٍّ قَالَ كَذَا وَكَذَا فَقَالَ سَعْد\n_________\n(١) عبد الله بن أبي ابن سلوَل، وسلول أمه، كان رأس المنافقبن، ونزل في ذمه آيات كثيرة، وتوفي زمن النبي ﷺ، وصلى عليه إكراما لابنه عبد الله الصحابي الجليل الصالح، وكفنه في قميصه إكراما لهذا الصحابي المسدد، ثم نهى الله عن الصلاة على المنافقين وعدم القيام على قبورهم أبدا. انظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي ١/ ٢٦٠.\n(٢) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ٨.","vol":"1","page":615},{"text":"ابْن عبَادَةَ: أَيْ رَسولَ الله بِأَبِي أنتَ اعْف عَنْه وَاصْفَحْ، فَوَالَّذِي أنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ لَقَدْ جَاءَ الله بِالْحَقِّ الَّذِي أنزِلَ عَلَيكَ، وَلَقَدِ اصْطَلَحَ أَهْل هَذِهِ الْبَحْرَةِ عَلَى أَنْ يتَوِّجوه وَيعصبوه بِالْعِصَابَة، فَلَمَّا رَدَّ الله ذَلِكَ بِالْحَقِّ الَّذِي أَعْطَاكَ شرِق بذَلِكَ فَذَلِكَ فَعَلَ بِهِ مَا رَأَيْتَ فَعَفَا عَنْه رَسول الله ﷺ، وَكَانَ رَسول الله ﷺ وَأصْحَابه يَعْفونَ عَنِ الْمشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ، كَمَا أَمَرَهم الله وَيَصْبِرونَ علَى الأذى قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ [آل عمران: ١٨٦] (١) الآية، وَقَالَ: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠٩] (٢) فَكَانَ رَسول اللهِ ﷺ يَتَأَوَّل فِي الْعَفْوِ عَنْهمْ مَا أَمَرَه الله بِهِ حَتَّى أَذِنَ لَه فِيهِمْ، فَلَمَّا غَزَا رَسول اللهِ ﷺ بَدْرا فَقَتَلَ الله بِهَا مَنْ قَتَلَ مِنْ صَنَادِيدِ الْكفَّارِ وَسَادَةِ قرَيْشٍ، فَقَفَلَ رَسول الله ﷺ وَأَصْحَابه مَنْصورِينَ غَانِمينَ مَعَهمْ أسَارى مِنْ صَنَادِيدِ الْكفَّارِ وَسَادَةِ قرَيْشٍ قَالَ ابْن أبَيٍّ ابْن سَلولَ وَمَنْ مَعَه مِنَ الْمشْرِكِينَ عَبَدَة الأَوْثَانِ: هَذَا أَمْر قَدْ تَوَجَّه، فَبَايَعوا رَسولَ اللهِ ﷺ عَلَى الإِسْلاَمِ فَأَسْلَموا» (٣).\n\nوفي رواية: «فَقَالَ لَه عَبْد اللهِ بْن أبَيٍّ: يَا أَيّهَا الْمَرء إِنَّه لَا أَحْسَنَ مِمَّا تَقول إن كَانَ حَقا فَلاَ تؤذِنَا بِهِ فِي مَجَالِسِنَا وارْجِعْ إلَى رَحْلِكَ. .». (٤).\n* شرح غريب الحديث: * \" إكاف \" الإكاف للحمار كالقتب للجمل، والرحل للناقة، والسرج للفرس، وجمع الإِكاف: أكف، وأكفت الحمار: أي وضعت عليه إكافه (٥).\n* \" قطيفة \" القطيفة: كساء له خمل (٦).\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآية ١٨٦.\n(٢) سورة البقرة، الآية ١٠٩.\n(٣) طرف الحديث رقم ٦٢٠٧.\n(٤) من الطرف رقم ٥٦٦٣.\n(٥) تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي، ص ٣٨٣.\n(٦) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب القاف مع الطاء، مادة: \" قطف \" ٩٤١٤، وانظر: شرع غريب الحديث رقم ٦٨، ص ٤٠٨.","vol":"1","page":616},{"text":"* \" عجاجة الدابة \" العجاج: الغبار (١).\n* \" خَمَّر أنفه بردائه \" أي غطَّى، والتخمير التغطية (٢).\n* \" فاغشنا في مجالسنا \" يقال: غشيه يغشاه غِشيانا: إذا جاءه (٣).\n* \" يتثاورون \" يثور بعضهم على بعضٍ بقتال أو مشاجرة، ويقال: ثار يثور ثورا: أي قام بسرعة وانزعاج. (٤).\n* \" يخفِّضهم \" يسَكِّنهمْ (٥).\n* \" البحرة \" البلدة، وتصغيرها بحيرة، ويقال: هذه بحيرتنا: أي بلدتنا (٦).\n* \" يعصبوه بالعصابة \" العصابة ما يعصب بها الرأس: أي يشد بها لرئاسة أو مرض (٧).\n* \" شرِق بذلك \" يقال: شَرق بالماء يشرق، شَرَقا: إذا غص به، شبه ما أصابه من فوات الرِّيَاسة بالغصص (٨).\n* \" صناديد قريش \" الصناديد الأشراف وأكابر الناس (٩).\n* \" قفل \" رجع والقفول: الرجوع من السفر (١٠).\n* \" هذا أمر قد توجه \" أي قد استمر فلا طمع في إزالته وتغييره (١١).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها.\n١ - من موضوعات الدعوة: الحض على مكارم الأخلاق.\n_________\n(١) تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٣٨٣.\n(٢) المرجع السابق ص ٣٨٣.\n(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الغين مع الشين. مادة: \" غشا \" ٣/ ٣٦٩.\n(٤) تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٣٨٣.\n(٥) المرجع السابق ص ٣٨٣.\n(٦) المرجع السابق ص ٣٨٣.\n(٧) المرجع السابق ص ٣٨٣.\n(٨) المرجع السابق ص ٣٨٣.\n(٩) المرجع السابق ص ٣٨٣.\n(١٠) المرجع السابق ص ٣٨٣، وانظر: شرح غريب الحديث رقم ٨٠، ص ٤٨٣.\n(١١) تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٣٨٣.","vol":"1","page":617},{"text":"٢ - من صفات الداعية: التواضع.\n٣ - من وسائل الدعوة: الزيارة والعيادة.\n٤ - من آداب الداعية: إفشاء السلام.\n٥ - من صفات الداعية: الحلم.\n٦ - أهمية أدب المدعو مع العلماء والدعاة.\n٧ - من أعظم أساليب الدعوة: التذكير بالقرآن والسنة في المجامع المشتركة وغيرها.\n٨ - من صفات الداعية: الصبر على الابتلاء والأذى.\n٩ - من وظائف الداعية: إطفاء نار الفتن.\n١٠ - من أصناف المدعوين: المشركون.\n١١ - من أصناف المدعوين: اليهود.\n١٢ - من أصناف المدعوين: المسلمون.\n١٣ - من صفات الداعية: العناية الدائمة بالدعوة إلى الله ﷿.\n١٤ - أهمية استشارة الداعية لأصحابه.\n١٥ - من وظائف المدعو: الدفاع عن العلماء والدعاة المخلصين.\n١٦ - من صفات الداعية: العفو والصفح.\n١٧ - من أساليب الدعوة: التأليف بالنداء بالكنى.\n١٨ - من أسباب إعراض المدعوين: الحسد وحب الرياسة والجاه.\n١٩ - من وسائل الدعوة: استخدام القوة عند الحاجة.\n٢٠ - من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة.\n٢١ - إخفاء المنافقين نفاقهم دليل على قوة المسلمين.\n٢٢ - من أساليب الدعوة: التشبيه.\n٢٣ - من ميادين الدعوة المجالس العامة.\n\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من موضوعات الدعوة: الحض على مكارم الأخلاق: دل هذا الحديث على أن مكارم الأخلاق من موضوعات الدعوة؛ لأن","vol":"1","page":618},{"text":"النبي ﷺ دعا الناس بفعله في هذا الحديث إلى التواضع، والحلم، والصبر، وتحمل الأذى، وإفشاء السلام، وإطفاء الفتن، والعفو والصفح، والحرص على الدعوة إلى الله ﷿ (١) وهذا يؤكد على الدعاة إلى الله ﵀ العناية بتعليم الناس وحضهم على مكارم الأخلاق؛ قال النبي ﷺ: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» (٢) وقد دعا الناس إلى هذه المكارم بقوله وفعله ﷺ (٣).\nثانيا: من صفات الداعية: التواضع: دل هذا الحديث على صفة التواضع من عدة وجوه: ركوب النبي ﷺ الحمار، وركوبه على قطيفة، وإردافه الغلام، وزيارته ﷺ لسعد بن عبادة؛ فإن زيارة الكبير للصغير من التواضع (٤).\nفينبغي للداعية أن يكون متواضعا اقتداء بالرسول ﷺ (٥).\nثالثا: من وسائل الدعوة: الزيارة والعيادة: إن من وسائل الدعوة المؤثرة في حياة المدعو: الزيارة وعيادة المرضى، وقد دلَّ فعل النبي ﷺ بزيارته لسعد بن عبادة في هذا الحديث على ذلك؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀: \" فيه عيادة الكبير بعض أتباعه في داره \" (٦).\nفينبغي للداعية أن يعتني بهذه الوسيلة عناية خاصة؛ ولهذا بين النبي ﷺ فضل الزيارة في الله ﷿ وعيادة المرضى، فعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: «جاء أبو موسى الأشعري ﵁: يعود الحسن بن علي ﵄، فقال له عليّ ﵁: أجئت عائدا أم شامتا؟ فقال: بل جئت عائدا، فقال علي: إن جئت عائدا فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \" من أتى أخاه المسلم عائدا مشى في خرافة\n_________\n(١) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ١٢/ ٤٠١.\n(٢) البيهقي، ١٠/ ١٩٢، وأحمد، ٢/ ٣٨١، والحاكم، ٢/ ٦١٣، وتقدم تخريجه في الحديث رقم ١٤، الدرس الأول، ص ١٣٩.\n(٣) انظر: الحديث رقم ١٤، الدرس الأول، ورقم ٣٥، الدرس التاسع.\n(٤) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ١٢/ ٤٠٥، وعمدة القاري للعيني، ١٤/ ٢٤٠، ١٨/ ٥٥.\n(٥) انظر: الحديث رقم ٣٣، الدرس الحادي عشر، ورقم ٦٢، الدرس الثالث.\n(٦) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٨/ ٢٣١.","vol":"1","page":619},{"text":"الجنة حتى يجلس، فإذا جلس غمرته الرحمة، فإن كان غدوة صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي، وإن كان مساء صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح» (١) وعن ثوبان ﵁ مولى رسول الله ﷺ، قال: قال رسول الله ﷺ: «من عاد مريضا لم يزل في خرفة الجنة حتى يرجع» «وفي رواية؛ قيل: يا رسول الله، وما خرفة الجنة؟ قال: جناها» (٢).\nوالزيارة في الله ﷿- ولو لم يكن المسلم مريضا- من وسائل الدعوة ومن أعظم القربات، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ: «أن رجلا زار أخا له في قرية أخرى فأرصد الله. (٣) له على مدرجته ملكا، فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخا لي في هذه القرية، قال؛ هل لك عليه من نِعْمَة تَربهّا (٤)؟ قال: لا غير أني أحببته في الله ﷿، قال: فإني رسول الله إليك، بأن الله قد أحبَّك كما أحببته فيه» (٥) وعنه ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي (٦) اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي» (٧).\nفينبغي للداعية أن يعتني بزيارة المدعوين وخاصة الأحبة في الله ﷿، ويعتني بزيارة المرضى؛ فإن لذلك الأثر العظيم في نفوسهم، والثواب الجزيل عند الله ﷿؛ ولهذا وجبت محبة الله ﷿ للمتحابين فيه، والمتزاورين فيه، والمتباذلين فيه، فعن معاذ بن جبل ﵁، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «قال الله ﵎: وجبت محبتي للمتحابين في، والمتجالسين في،\n_________\n(١) أبو داود، بنحوه، كتاب الجنائز، باب فضل العيادة، ٣/ ١٨٥، برقم ٣٠٨٩، ٣٠٩٩، وابن ماجه بلفظه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في ثواب من عاد مريضا، ١/ ٤٦٣، برقم ١٤٤٢، والحاكم وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي ١/ ٣٤٩، والبيهقي في السنن الكبرى، ٣/ ٣٨٠، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة ٣/ ٣٥٣، وصحيح الجامع الصغير، ٥/ ١٨٠.\n(٢) صحيح مسلم، كتاب البر والصلة، والآداب، باب فضل عيادة المريض، ٤/ ١٩٨٩، برقم ٢٥٦٨.\n(٣). فأرصد: أي أقعده يرقبه، والمدرجة: الطريق، سميت بذلك؛ لأن الناس يدرجون عليها: أي يمضون. شرح النووي ١٦/ ٣٦٠.\n(٤) تربها: أي تقوم بإصلاحها، وتنهض إليه بسبب ذلك، المرجع السابق ١٦/ ٣٦٠.\n(٥) مسلم، كتاب البر والصلة، باب فضل الحب في الله، ٤/ ١٩٨٨، برقم ٢٥٦٧.\n(٦) المتحابون بجلالي: أي بعظمتي وطاعتي لا للدنيا. شرح النووي على صحيح مسلم ١٥/ ٣٥٩.\n(٧) مسلم، كتاب البر والصلة، باب فضل الحب في الله، ٤/ ٩٨٨، برقم ٢٥٦٦.","vol":"1","page":620},{"text":"والمتزاورين فيَّ، والمتباذلين فيَّ» (١) وعن معاذ ﵁ أيضا، قال؛ سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قال الله ﷿؛ المتحابّون في جلالي لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء» (٢).\nرابعا: من آداب الداعية: إفشاء السلام: إن من الآداب الإِسلامية إفشاء السلام على كل مسلم، ولو كان معه غيره؛ ولهذا سلم النبي ﷺ على مجلس فيه أخلاط من المسلمين، والمشركين، واليهود كما في حديث أسامة هذا؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀: \" يؤخذ منه جواز السلام على المسلمين إذا كان معهم كفار، وينوي حينئذٍ بالسلام المسلمين \" (٣) وقال الإِمام النووي ﵀: \" وفيه جواز الابتداء بالسلام على قوم فيهم مسلمون وكفار وهذا مجمع عليه \" (٤).\nفينبغي للداعية أن يعتني بإفشاء السلام، ولهذا أجاب ﷺ رجلا سأله: «أي الإِسلام خير؟ قال؛ \" تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف» (٥) وقال ﷺ: «لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؛ أفشوا السلام بينكم» (٦) وقال عمار بن ياسر ﵁: \" ثلاث من جمعهن فقد جمع الإِيمان: الإِنصاف من نفسك، وبذل السلام لِلْعَالَم، والإِنفاق من الإِقتار \" (٧) وهذا كله يبين أهمية السلام\n_________\n(١) أخرجه الإِمام مالك في الموطأ، كتاب الشعر، باب ما جاء في المتحابين في الله، ٢/ ٩٥٤، والحاكم وصححه علي شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، ٤/ ١٦٩، وانظر: الاستذكار لابن عبد البر، ٢٧/ ١١٠، والتمهيد له، ٢/ ١٢٤.\n(٢) الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في الحب في الله، ٤/ ٥٩٨، برقم ٢٣٩٠، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٢٨٤.\n(٣) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٨/ ٢٣٢.\n(٤) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٢/ ٤٠٠، وانظر؛ عارضة الأحوذي شرح سنن الترمذي لابن العربي، ٥/ ٣٦١، وعمدة القاري للعيني ١٨/ ١٥٦.\n(٥) متفق عليه: البخاري برقم، ١٢، ومسلم برقم ٣٩، وتقدم تخريجه في الحديث رقم ١٩، الدرس الثالث، ص ١٦٨.\n(٦) مسلم، كتاب الإِيمان، باب بيان أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون، وأن محبة المؤمنين من الإِيمان، وأن إفشاء السلام سبب لحصولها، ١/ ٧٤، برقم ٥٤ عن أبي هريرة ﵁.\n(٧) البخاري، كتاب الإِيمان، باب السلام من الإِسلام، ١/ ١٥.","vol":"1","page":621},{"text":"وأنه من أعظم الآداب التي ينبغي للداعية أن يتخلق بها (١).\nخامسا: من صفات الداعية؛ الحلم: ظهر في هذا الحديث حلم النبي ﷺ؛ لأنه ضبط نفسه عن هيجان الغضب فلم يغضب عندما صدر الأذى من زعيم المنافقين بقوله لرسول الله ﷺ: \" لا تغبروا علينا \" وخمر أنفه بردائه، وأساء الأدب مع النبي ﷺ حيث قال: \" أيها المرء لا أحسن مما تقول، إن كان حقا فلا تؤذنا به في مجالسنا، فمن جاءك فاقصص عليه \" وقابل النبي ﷺ هذا الكلام القبيح بالحلم فلم يغضب، فدل ذلك على الحلم العظيم والخلق الكريم.\nفينبغي لكل مسلم، وخاصة الداعية إلى الله، أن يقتدي بهذا النبي العظيم ﷺ (٢).\nسادسا: أهمية أدب المدعو مع العلماء والدعاة: لا ريب أن من أهم المهمات وأعظم القربات الخلق الحسن، والأدب الجميل وخاصة مع العلماء والدعاة، وقد ظهر في هذا الحديث سوء الأدب مع رسول الله ﷺ؛ لأن المنافق عبد الله بن أبيّ قَلَّ حياؤه وساء أدبه فخمّر أنفه بردائه وقال: لا تغبروا علينا، وقال للنبي ﷺ عندما سمع قراءته للقرآن: \" أيها المرء لا أحسن مما تقول، إن كان حقا فلا تؤذنا به في مجالسنا فمن جاءك فاقصص عليه \" وكان يجب عليه أن يستقبل رسول الله ﷺ، ولا يؤذيه، ولا يرد دعوته، ولا يناديه بنداء الاستخفاف كقوله: \" أيها المرء \" بل كان يلزمه: أن يسلم، ويخلص، ويقول: يا رسول الله، رضينا بالله ربا وبالإِسلام دينا وبمحمد ﷺ رسولا.\nفينبغي لجميع المدعوين أن يلزموا الأدب مع العلماء والدعاة، ويقبلوا دعوتهم، والله المستعان. (٣).\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٨٩، الدرس الثالث.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٣٥، الدرس الثاني، ورقم ٨٩، الدرس الخامس.\n(٣) انظر: الحديث رقم ١٤، الدرس الثالث، ورقم ٢١، الدرس الأول، ورقم ٣٥، الدرس الأول.","vol":"1","page":622},{"text":"سابعا: من أعظم أساليب الدعوة: التذكير بالقرآن والسنة في المجامع المشتركة وغيرها: دل هذا الحديث على أهمية أسلوب التذكير بالقرآن الكريم؛ ولهذا عندما جاء رسول الله ﷺ في هذا الحديث إلى مجلس فيه أخلاط من المشركين واليهود والمسلمين، سلم ثم وقف ونزل ودعاهم إلى الله ﷿ وقرأ عليهم القرآن. وهذا يؤكد العناية بالقرآن الكريم، وتذكير الناس به وقراءته عليهم؛ لأنه أبلغ الكلام وأعظمه تأثيرا في القلوب؛ قال الله ﷿: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١] (١) وقال ﷾: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: ٤٥] (٢) وقال ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧] (٣) وقال ﷾: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا - وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الإسراء: ٩ - ١٠] (٤).\nوقال ﷿: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] (٥) وقال ﷿: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢] (٦).\nوقال ﷾: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤] (٧).\nومما يدل على تأثير القرآن العظيم في القلوب ما قاله جبير بن مطعم ﵁: «سمعت النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالطور فلما بلغ هذه الآية: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ - أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ - أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٥ - ٣٧] (٨)\n_________\n(١) سورة الحشر، الآية ٢١.\n(٢) سورة ق، الآية ٤٥.\n(٣) سورة يونس، الآية ٥٧.\n(٤) سورة الإسراء، الآيتان ٩ - ١٠.\n(٥) سورة الإسراء، الآية ٨٨.\n(٦) سورة الإسراء، الآية ٨٢.\n(٧) سورة فصلت، الآية ٤٤.\n(٨) سورة الطور، الآيات٣٥ - ٣٧.","vol":"1","page":623},{"text":"كاد قلبي أن يطير [وذلك أول ما وقر الإِيمان في قلبي]» (١) وهذا يدل على تأثير القرآن الكريم في القلوب، وكذلك ينبغي للداعية أن يذَكِّر بأحاديث رسول الله ﷺ، فإنها الوحي الثاني ولها تأثير في القلوب أيضا ومما يدل على تأثير كلام رسول الله ﷺ في القلوب قصة ضماد ﵁ عندما قدم مكة وكان يرقي من الجن فسمع سفهاء من أهل مكة يقولون إن محمدا مجنون، فقال: لو أني رأيت هذا الرجل لعل الله أن يشفيه على يديَّ، فلقيه فقال: «يا محمد إني أرقي من هذه الريح (٢) وإن الله يشفي على يديَّ من شاء، فهل لك (٣)؟ فقال رسول الله ﷺ: \" إن الحمدَ لله، نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله. أما بعد \" فقال: أعد عليَّ كلماتك هؤلاء، فأعادهن عليه رسول الله ﷺ ثلاث مرات. فقال: لقد سمعت قول الكهنة، وقول السحرة، وقول الشعراء، فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء، ولقد بَلَغْنَ ناعوس البحر (٤) فقال؛ هات يدك أبَايعْكَ على الإِسلام، فقال رسول الله ﷺ: \" وعلى قومك؟ \" قال: وعلى قومي» (٥). وهكذا ما جاء عن الطفيل بن عمرو ﵁ أنه كان شاعرا وسيدا في قومه فقدم مكة فحذرته قريش من مقابلة الرسول ﷺ، وقالوا: إن كلامه كالسحر فاحذره أن يدخل عليك وعلى قومك ما أدخل علينا؛ فإنه يفرق بين المرء وزوجه، وبين المرء وابنه، فما زالوا يحذرونه، حتى حلف أن لا يدخل المسجد إلا وقد سد أذنيه، فسد أذنيه بقطن، ثم دخل المسجد، فأعجبه فقال في نفسه: إني امرؤ ثبت ما تخفى عليَّ الأمور: حسنها\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب تفسير القرآن، سورة الطور، باب: حدثنا عبد الله بن يوسف، ٦/ ٦٨ برقم ٤٨٥٤، وما بين المعكوفين من الطرف رقم ٤٠٢٣ من كتاب المغازي ٥/ ٢٥، وأخرجه مسلم بنحوه في كتاب الصلاة باب القراءة في الصبح، ١/ ٣٣٨، برقم ٤٦٣.\n(٢) المراد بالريح هنا: الجنون ومس الجن. شرح النووي على صحيح مسلم ٦/ ٤٠٦.\n(٣) أي فهل لك رغبة في رقيتي وهل تميل إليها. انظر: المرجع السابق ٦/ ٤٠٦.\n(٤) قيل: ناعوس البحر، وقيل: قاموس البحر، وهو وسطه، ولجته، أو قعره. انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ٦/ ٤٠٧.\n(٥) مسلم، كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة، ٢/ ٥٩٣، برقم ٨٦٨.","vol":"1","page":624},{"text":"وقبحها، والله لأسمعن منه فإن كان أمره رشدا أخذته منه وإلا اجتنبته، فنزع القطن فلم يسمع كلاما أحسن من كلامه، فلحقه إلى بيته ودخل معه وأخبره الخبر، وقال: اعرض عليَّ دينك؛ فعرض عليه الإِسلام فأسلم (١).\nفينبغي للدعاة إلى الله ﷿ أن يعتنوا بتذكير الناس بالقرآن الكريم، وبسنة محمد ﷺ. والله المستعان.\nثامنا: من صفات الداعية: الصبر على الأذى والابتلاء: دل هذا الحديث على أهمية الصبر على الأذى والابتلاء؛ لأن النبي ﷺ صبر الأذى والابتلاء كما في هذا الحديث حيث صدر الأذى من المنافق عبد الله بن أبيِّ بن سلول، بالتأفف وقوله: \" لا أحسن مما تقول إن كان حقا فلا تؤذنا به. . . \" ومما يدل على ذلك ما جاء في هذا الحديث أيضا: \" وكان رسول الله ﷺ وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله، ويصبرون على الأذى قال الله تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٦] (٢).\nوقال ﷿: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠٩] (٣).\nوهذا يبين للدعاة ما كان عليه النبي ﷺ من الصبر على الأذى والابتلاء (٤) فينبغي الاقتداء به ﷺ (٥).\nتاسعا: من وظائف الداعية: إطفاء نار الفتن: إن من الوظائف المهمة للداعية إطفاء نار الفتن وإخمادها، وقد دل هذا الحديث على ذلك؛ لأن المسلمين استبوا والمشركين واليهود حينما قال عبد الله بن رواحة\n_________\n(١) انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي ١/ ٣٤٥.\n(٢) سورة آل عمران، الآية ١٨٦.\n(٣) سورة البقرة، الآية ١٠٩.\n(٤) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ١٢/ ٤٠١، وإكمال إكمال المعلم للأبي، ٦/ ٤٤٤.\n(٥) انظر: الحديث رقم ٩، الدرس الثامن، ورقم ٦٦، الدرس الأول.","vol":"1","page":625},{"text":"﵁: \" بلى يا رسول الله فاغشنا في مجالسنا فإنا نحب ذلك \" وعبد الله بن أبيٍّ يقول: \" إن كان حقا فلا تؤذنا به في مجالسنا \" فاستمر السباب حتى كاد بعضهم يثور على بعض بالقتال والمشاجرة. فلم يزل النبي ﷺ يسكنهم حتى سكتوا ثم ركب دابته بعد أن أطفأ الفتنة وسار، وهذا فيه حكمة أخرى، وهو أنه فارق ذلك المجلس؛ لئلا تعود المشاجرة والمسابة مرة أخرى.\nفينبغي للداعية أن يكون مفتاحا للخير والصلح والسلامة، والله الموفق. (١).\nعاشرا: من أصناف المدعوين: المشركون: دل هذا الحديث على أن من أصناف المدعوين المشركون؛ لأن النبي ﷺ عم بالدعوة المشركين الذين في مجلس عبد الله بن أبيٍّ وقرأ على الجميع القرآن الكريم ودعاهم إلى الله ﷿.\nفينبغي للداعية أن يعتني بدعوة المشركين على حسب الطرق الحكيمة في دعوتهم إلى الله ﷿ (٢).\nالحادي عشر: من أصناف المدعوين: اليهود: ظهر في هذا الحديث أن اليهود من أصناف المدعوين؛ ولهذا عم النبي ﷺ اليهود الذين في مجلس عبد الله بن أبي بدعوته وقرأ عليهم القرآن، وذكرهم. ولا شك أن اليهود قلوبهم قاسية كالحجارة أو أشد قسوة إلا من هدى الله منهم للإِسلام، ولكن ينبغي مع ذلك دعوتهم إلى الإِسلام وإقامة الحجة عليهم حسب الطرق الحكيمة في دعوتهم إلى الله ﷾ (٣).\nالثاني عشر: من أصناف المدعوين: المسلمون: دل هذا الحديث على أن المسلمين من أصناف المدعوين؛ لأن النبي ﷺ شملهم بالدعوة والتذكير وقراءة القرآن في مجلس عبد الله بن أبيٍّ؛ ولكن\n_________\n(١) انظر: فتح الباري، لابن حجر، ٨/ ٢٣٢.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٩١، الدرس الثامن.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٨٩، الدرس العاشر.","vol":"1","page":626},{"text":"ينبغي للداعية أن يراعي أحوالهم والطرق الحكيمة في دعوة المسلمين؛ لأن المسلمين ينقسمون إلى قسمين: قسم ينقادون للحق ولا يعاندون فهؤلاء يكفي في دعوتهم أن يبين لهم الحق علما وعملا واعتقادا، وحينئذ ينقادون لذلك. وقسم من المسلمين عندهم: غفلة وشهوات، وأهواء، وهم عصاة المسلمين، فهؤلاء تكون دعوتهم عن طريق ثلاثة مسالك:\n١ - الموعظة الحسنة: وهي الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب، والقول الحق الذي يلين القلوب، ويؤثر في النفوس، ويكبح جماح النفوس المتمردة، ويزيد النفوس المهذبة إيمانا وهداية (١) قال الله ﷿: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء: ٦٦] (٢).\nوالوعظ في الحقيقة ينبغي أن يكون على نوعين:\n(أ) وعظ التعليم: ويكون ببيان عقائد التوحيد، وبيان الأحكام الشرعية الخمسة: من الواجب، والحرام، والمسنون، والمكروه، والمباح، مع مراعاة ما يناسب كل طبقة. وينبغي أن تساق هذه الأحكام مساق الوعظ، ولا تسرد سردا خاليا من وسائل وأساليب التأثير، وأسلوب القرآن على هذا، يبين الحكم مقرونا بالترغيب، أو الترهيب، أو الجمع بين الأمرين؛ ولهذا يأخذ بمجامع القلوب، وحينئذ تستقبل العقائد والأحكام برغبة واشتياق للعمل والتطبيق.\n(ب) وعظ التأديب: ويكون بتحديد الأخلاق الحسنة: كالحلم والأناة، والصبر والكرم، والوفاء، والأمانة. . . وبيان آثارها ومنا فعها في المجتمع، والحث على التخلق بها والتزامها، وتحديد وتعريف الأخلاق السيئة: كالغضب، والعجلة، والغدر، والجزع، والجبن، والبخل، والتحذير من الاتصاف بها من طريقي: الترغيب والترهيب. ويكون ذلك مقرونا بالأدلة من الكتاب والسنة (٣).\n_________\n(١) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ١٩/ ١٦٤، ومفتاح دار السعادة لابن القيم ١/ ٤٧٤.\n(٢) سورة النساء، الآية ٦٦.\n(٣) انظر: تفسير ابن كثير، ١/ ٢٦٦، ٤٦٢، وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للسعدي، ١/ ٢٧٨، ٢/ ٣٥، وهداية المرشدين لعلي بن محفوظ ص ١٤٣ - ١٤٥ وص ١٩٢ وص ٢٤١ - ٢٤٤.","vol":"1","page":627},{"text":"٢ - الترغيب والترهيب: ويكون بالترغيب في جنس الطاعات وأنواعها، والترهيب بذكر الوعيد بالعذاب والعقوبات على جنس المعاصي والذنوب، وعلى أنواع الذنوب وآحادها (١).\n٣ - استخدام الأساليب التصويرية التي تدخل على القلوب مباشرة وتشد أذهان المستمعين: كالقصص من القرآن الكريم والسنة النبوية، وضرب الأمثال، ولفت الأنظار إلى الأوصاف الحميدة المعنوية، وبيان آثارها العملية التي تحصل بسبب تطبيقها والعمل بها، ومن ذلك ذكر أوصاف المؤمنين، ومن الأساليب التصويرية: لفت الأنظار إلى الآثار المحسوسة، كلفت أنظار المدعوين إلى آثار الأمم الماضية، والأفراد والجماعات الظالمة، والقرى والأمصار المكذبة، وقد تكون الآثار في الأزمان القريبة أو الأماكن والأزمان المعاصرة؛ فإن في النظر فيما حل بهم من الهلاك والدمار والزلازل، والمحن، والأمراض أعظم العبر لمن اعتبر وتفكر، ونظر واتعظ، والنظر في مساكنهم وديارهم، وكيف أبادهم وأذلهم، وأهلكهم الملك الجبار، وجعل أخبارهم عبرة لأولي الأبصار (٢).\nولا شك أن الله ﷿ قد بين مراتب الدعوة وكانت بحسب مراتب البشر فقال ﷿: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] (٣).\nقال الإِمام ابن القيم ﵀: \" جعل الله سبحانه مراتب الدعوة بحسب مراتب الخلق فالمستجيب القابل الذكي الذي لا يعاند الحق ولا يأباه يدعى بطريق الحكمة، والقابل الذي عنده نوع غفلة وتأخر يدعى بالموعظة الحسنة، وهي الأمر والنهي المقرون بالرغبة والرهبة، والمعاند الجاحد يجادل بالتي هي أحسن، وهذا هو الصحيح في معنى هذه الآية \" (٤).\n_________\n(١) انظر: مفتاح دار السعادة لابن القيم، ١/ ٤٧٤، وهداية المرشدين لعلي محفوظ ص ١٩٢ - ٢١٩.\n(٢) انظر: تفسبر ابن كثير، ٢/ ١٢٥، ٣/ ٥٦٣، ٤٢٨، وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للسعدي، ٢/ ٣٧٧، ٦/ ١١٤، ١٣٥، ٣٣٠، ٥١٩، ٥٥٤، ٧/ ٦٨، وهداية المرشدين لعلي بن محفوظ، ص ٢١٩ - ٢٤٠.\n(٣) سورة النحل، الآية ١٢٥.\n(٤) مفتاح دار السعادة، ١/ ٤٧٤.","vol":"1","page":628},{"text":"فإن ظلم المعاند ولم يرجعِ إلى الحق انتقِل معه إلى مرتبة استخدامِ القوة (١) قال الله ﷿: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦] (٢).\nواستخدام القوة بالكلام والتأديب لمن له سلطة وقوة مشروعة، وبالجهاد في سبيل الله تحت لواء ولي أمر المسلمين بالشروط التي دل عليها الكتاب والسنة، وهذا ما يقتضيه مفهوم الحكمة الصحيح؛ لأنها وضع الشيء في موضعه بإحكام، وإتقان، وإصابة (٣).\nالثالث عشر: من صفات الداعية: العناية الدائمة بالدعوة إلى الله ﷿: إن من الصفات الحميدة والأعمال الجليلة: العناية الفائقة الدائمة بالدعوة إلى الله ﷿؛ ولهذا كان أعظم الناس فيها حظا ونصيبا محمد بن عبد الله ﷺ، وقد ظهر في هذا الحديث أنه ﷺ سار في طريقه إلى جموع مختلطة من المشركين عبدة الأوثان، واليهود، والمسلمين، فدعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرآن، ثم عمل عملا دعويا آخر وهو الإِصلاح بين هؤلاء حينما كادت الجموع أن يثور بعضها على بعض فسكنهم حتى أطفأ الفتنة ﷺ، ثم قام وسار في عملٍ دعوي آخر وهو زيارته لسعد بن عبادة ﵁، وهذا يدل على أن عمله كله دائم في الدعوة والعبادة؛ قال ﷺ: «أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قل» (٤) قال النووي ﵀: \" وفي هذا الحديث بيان ما كان عليه ﷺ من: الحلم، والصفح، والصبر على الأذى في الله تعالى، ودوام الدعاء إلى الله تعالى، وتألف القلوب والله أعلم \" (٥).\n_________\n(١) انظر: مفتاح دار السعادة لابن القيم، ١/ ٥١٧.\n(٢) سورة العنكبوت، الآية ٤٦.\n(٣) انظر: فتاوى ابن تبمية، ٢/ ٤٤، ٤٥، ١٥/ ٢٤٣، ١٩/ ١٦٤، والتفسير القيم لابن القيم، ص ٣٤٤، ومفتاح دار السعادة، لابن القيم ١/ ٤٧٤، ٥١٧، وتفسير ابن كثير ٣/ ٤١٦ و٤/ ٣١٥، وأضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، لمحمد الأمين بن المختار الشنقيطي، ٢/ ١٧٤ - ١٧٥، وفتاوى محمد بن إبراهيم آل الشيخ، ١/ ٩٠.\n(٤) متفق عليه: البخاري، برقم ١٩٧٠، ومسلم برقم ٧٨٢، وتقدم تخريجه في الحديث رقم ١٨، الدرس السادس، ص ١٦٣.\n(٥) شرح النووي على صحيح مسلم ١٢/ ٤٠١.","vol":"1","page":629},{"text":"فينبغي للداعية أن تكون دعوته دائمة على حسب الأحوال، وحاجة الناس إلى الدعوة، ولكن ينبغي اختيار الأوقات والموضوعات المناسبة، لكل فئة.\nالرابع عشر: أهمية استشارة الداعية لأصحابه: دل هذا الحديث على أن الداعية ربما يستشير أصحابه وأتباعه وهذا من هدي النبي ﷺ؛ ولهذا جاء رسول الله ﷺ إلى سعد بن عبادة ﵁ فقال: «أي سعد ألم تسمع ما قال أبو حباب»؟ \" فأشار عليه ﵁ بقوله: \" أي رسول الله بأبي أنت اعف عنه واصفح فوالذي أنزل عليك الكتاب لقد جاء الله بالحق الذي أنزل عليك ولقد اصطلح أهل هذه البحرة على أن يتوجوه ويعصبوه بالعصابة فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاك شرق بذلك، فذلك فعل به ما رأيت \" فعفا عنه رسول الله ﷺ.\nوهذا يبين أهمية الشورى ومشاورة الداعية أصحابه، وما فيها من الفوائد (١).\nالخامس عشر: من وظائف المدعو: الدفاع عن العلماء والدعاة المخلصين: يظهر في هذا الحديث أن من وظائف المدعو المخلص الصالح الدفاع عن العلماء والدعاة المخلصين؛ ولهذا دافع عبد الله بن رواحة ﵁ في مجلس عبد الله بن أبيٍّ ابن سلول فقال عندما حصل النقاش: \" بلى يا رسول الله فاغشنا في مجالسنا فإنا نحب ذلك \" وهذا رد على قول عبد الله بن أبي حيث قال: \" فلا تؤذنا في مجالسنا \".\nفينبغي الدفاع عن علماء الإِسلام بالحق في حياتهم وبعد مماتهم، والله المستعان (٢).\nالسادس عشر: من صفات الداعية: العفو والصفح: ظهر عفو النبي الكريم ﷺ في هذا الحديث عن عبد الله بن أبي، حيث لما يعاقبه ﷺ، ولم يقاتله، ولم يأمر أصحابه باغتياله؛ وإنما عفا عنه وصفح؛\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٦٤، الدرس الثالث.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٤، الدرس الثالث، ورقم ٦٣، الدرس الأول.","vol":"1","page":630},{"text":"قال الحافظ ابن حجر ﵀: \" عفوه ﷺ عن كثير من المشركين واليهود، بالمنِّ والفداء، وصفحه عن المنافقين مشهور في الأحاديث والسير \" (١).\nفينبغي للداعية أن يعفو ويصفح اقتداء بالنبي ﷺ. (٢).\nالسابع عشر: من أساليب الدعوة: التأليف بالنداء بالكنى: إن التأليف بالنداء بالكنى من أساليب الدعوة النافعة؛ ولهذا والله أعلم، قال النبي ﷺ لسعد: «ألم تسمع ما قال أبو الحباب»؟ \" يعني عبد الله بن أبيٍّ! قال الحافظ ابن حجر ﵀: \" كناه النبي ﷺ في تلك الحالة؛ لكونه كان مشهورا بها أو لمصلحة التأليف \" (٣) ونقل ﵀ عن ابن بطال أنه قال: \" فيه جواز تكنية المشركين على وجه التأليف، إما رجاء إسلامهم، أو لتحصيل منفعة منهم \" (٤) ثم رجح ابن حجر ﵀ جواز تكنية الكافر للتأليف أو خشية الفتنة (٥) والله المستعان (٦).\nالثامن عشر: من أسباب إعراض المدعوين: الحسد، وحب الرئاسة والجاه: لا شك أن من أسباب إعراض المدعوين عن قبول الدعوة والانقياد لدين الله ﷿: الحسد، والحقد، وحب الرئاسة والجاه، ولهذا قال سعد بن عبادة ﵁ للنبي في شأن عبد الله بن أبيٍّ: \" ولقد اصطلح أهل هذه البحرة على أن يتوِّجوه ويعصبوه بالعصابة، فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاك شِرق بذلك، فلذلك فعل به ما رأيت \" قال الحافظ ابن حجر ﵀ على قوله: \" شرق بذلك \" أي غصَّ به، وهو كناية عن الحسد، يقال: \" غص بالطعام، وشَجيَ بالعظم، وشرق بالماء إذا اعترض شيء من ذلك في الحلق فمنعه الإساغةَ \" (٧) وعلاج\n_________\n(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري ٨/ ٢٣٣، وانظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٢/ ١٠١.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٨٠، الدرس الثالث، ورقم ١٠٥، الدرس الرابع.\n(٣) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٨/ ٢٣٢.\n(٤) نقلا عن فتح الباري ٨/ ٢٣٢؛ لعدم وقوفي على شرح ابن بطال.\n(٥) انظر: فتح الباري بشرح صحح البخاري، ١٠/ ٥٩٣.\n(٦) انظر: الحديث رقم ٧، الدرس الحادي عشر.\n(٧) فتح الباري، بشرح صحيح البخاري ٨/ ٢٣٢، وانظر. أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري للخطابي ٣/ ١٨٣٠.","vol":"1","page":631},{"text":"هذا الإِعراض بالدعوة الصادقة، فإن لم تجْدِ فالجهاد في سبيل الله ﷿.\nالتاسع عشر: من وسائل الدعوة: استخدام القوة عند الحاجة: دل هذا الحديث على أن من وسائل الدعوة النافعة استخدام القوة عند الحاجة إذا لم ينفع الرفق واللين؛ وقد جاء في هذا الحديث: «فكان رسول الله ﷺ يتأوَّل في العفوِ ما أمره الله به حتى أذن له فيهم، فلما غزا رسول الله ﷺ بدرا فقتل الله بها من قتل من صناديد الكفار وسادة قريش قفل رسول الله ﷺ وأصحابه منصورين غانمين معهم أسارى من صناديد الكفار وسادة قريش»، وهذا فيه دلالة على أن القوة عند الحاجة إليها من أعظم وسائل الدعوة إلى الله ﷿، فإذا لم يؤثر الرفق واللين، والعفو والصفح، في أصناف المدعوين: من الملحدين، والمشركين، وأهل الكتاب، ولم يستفيدوا من الأدلة والبراهين العقلية والنقلية، والمعجزات الحسية، ولم ينقادوا للجدال بالتي هي أحسن، وأعرضوا وكذبوا، فحينئذٍ يكون آخر الطب الكي: وهو استخدام القوة تحت لواءِ ولي أمر المسلمين؛ فإن لذلك الأثر العظيم في نشر الدعوة، وقمع الباطل وأهله، ونصر الحق وأهله؛ قال الله ﷿: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: ٢٥] (١) ولقد أحسن القائل:\nوما هوَ إلّا الوحْي أوحَدّ مرْهَفٍ (٢) ... تميل ظبَاه (٣) أخَدعَي كلِّ مائِلِ\nفَهَذا دَوَاء الدَّاءِ مِنْ كلِّ عَالمٍ ... وَهذا دَواء الدَّاءِ من كلِّ جاهل\nهَوَ الحَقّ إنْ تَسْتَيقظوا فيه تَغْنَموا ... وإِنْ تَغْفلوا فالسَّيف لَيْسَ بِغَافِلِ (٤)\n_________\n(١) سورة الحديد، الآية ٢٥.\n(٢) المرهف السيف المحدد المسنون، يقال؛ رهف سيفه: رققه وحدده. انظر: المعجم الوسيط لمجمع اللغة العربية، مادة: \" رهف \" ١/ ٣٧٧.\n(٣) الظبة: حد السيف والسنان والخنجر، وما أشبهها، والجمع ظبا وظبات. انظر: المرجع السابق، مادة: \" الظبة \" ٢/ ٥٧٥.\n(٤) ديوان أبي تمام، بشرح الخطيب التبريزي، ٣/ ٨٦ - ٨٧.","vol":"1","page":632},{"text":"وقال آخر: يعني رسول الله ﷺ:\nقَالوا غَزَوْتَ وَرسل اللهِ مَا بعثوا ... لِقتلِ نَفْسٍ ولا جاءوا لسَفْكِ دَم\nجَهْل وتَضليل أَحْلامٍ وسَفْسطةَ (١) ... فَتَحتَ بِالسَّيْفِ بعد الفتح بالقلمَ\nلمَا أتى لك عفوا كلّ ذي حَسَبِ ... تكفَّلَ السيف بِالجهالِ والَعَمَمِ (٢)\nوما أحكم ما قال الآخر:\nدعا المصطفى دهرا بمكة لم يجب ... وقد لان منه جانب وخطاب\nفلما دعا والسيف صلت بكفه ... له أسلموا واستسلموا وأنابوا (٣)\nفالعاقل ذو الفطرة السليمة ينتفع بالبينة والبرهان، ويقبل الحق بدليله، أما الظالم المتبع لهواه فلا يرده إلا السيف، وأنواع القوة والسلاح (٤).\nالعشرون: من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة: ظهر في هذا الحديث أن القدوة الحسنة من وسائل الدعوة؛ لأن النبي ﷺ مع عظم مكانته عند الله ﷿ لم يكن يرفع نفسه عن الإِرداف على الدابة؛ قال العلامة العيني ﵀: \" وكان يردف لتتأسَّى به في ذلك أمته فلا يأنفوا مما لم يكن يأنف منه رسول الله ﷺ، ولا يستنكف منه مما لم يستنكف \" (٥).\nفينبغي الاقتداء به ﷺ (٦).\nالحادي والعشرون: إخفاء المنافقين نفاقهم دليل علي قوة المسلمين: دل هذا الحديث على أن المنافقين يختفون بشرهم عند ظهور قوة المسلمين،\n_________\n(١) يقال: سفسط: غالط وأنى بحكمة مضللة \" من اليونانية \" انظر: المعجم الوسيط لمجمع اللغة العربية مادة: \" سفسط \" ١/ ٤٣٣.\n(٢) العمم: اسم جمع للعامة من الناس بخلاف الخاصة، انظر: المرجع السابق، مادة. \" عم \" ٢/ ٦٢٩، والبيت من شعر أحمد شوقي: الشوقيات ١/ ٢٠١.\n(٣) انظر: فتاوى سماحة العلامة عبد العزبز بن عبد الله ابن باز ٣/ ١٨٤ و٢٠٤، وقال، هذا الشعر يروى لحسان بن ثابت ﵁.\n(٤) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٨/ ٣٧ و٢٦٤، وتفسير ابن كثير ٣/ ٤١٦، وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للسعدي، ٧/ ٣٠١.\n(٥) عمدة القاري شرح صحيح البخاري، ١٤/ ٢٤٠.\n(٦) انظر: الحديث رقم ٣، الدرس الثالث، ورقم ٨، الدرس الخامس.","vol":"1","page":633},{"text":"ويظهرون نفاقهم وشرهم وأذاهم للإِسلام والمسلمين عند ضعف المسلمين؛ ولهذا جاء في هذا الحديث: «فقفل رسول الله ﷺ وأصحابه منصورين غانمين معهم أسارى من صناديد الكفار وسادة قريش قال ابن أبيِّ بن سلول ومن معه من المشركين عبدة الأوثان \" هذا أمر قد توجه، فبايعوا رسول الله ﷺ على الإِسلام فأسلموا» وهذا؛ لخوفهم وجزعهم، وإلا فابن أبيٍّ لا زال على عداوته لرسول الله ﷺ، حتى مات منافقا. أسأل الله العافية لي ولجميع المسلمين.\nالثاني والعشرون: من أساليب الدعوة: التشبيه: ظهر في هذا الحديث أسلوب التشبيه؛ لأن سعد بن عبادة ﵁ قال في شأن عبد الله بن أبيِّ ابن سلول \" شرق بذلك \" قال الحميدي ﵀: \" شرق بذلك، يقال شرق بالماء يشرق شرقا، إذا غص، شبه ما أصابه من فوات الرئاسة بالغصص \" (١) والله المستعان (٢).\nالثالث والعشرون: من ميادين الدعوة: المجالس العامة: لا شك أن من الميادين المهمة للدعوة إلى الله ﷿ المجالس العامة التي يجتمع الناس فيها؛ ولهذا عندما مرَّ النبي ﷺ بمجلس عبد الله بن أبيِّ بن سلول ورأى فيه أخلاطا من المسلمين، والمشركين، واليهود، نزل ﷺ ووقف فدعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرآن. وهذا يؤكد أهمية استخدام المجالس العامة ميدانا للدعوة إلى الله، وتعليم الناس ما يحتاجون إليه، اقتداء بالنبي ﷺ.\n_________\n(١) تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي، ص ٣٨٣.\n(٢) انظر: الحديث رقم ١٨، الدرس الرابع ورقم ١٩، الدرس الخامس.","vol":"1","page":634},{"text":"١٢٩ -<span data-type=\"title\" id=toc-206> باب كراهية السفر بالمصحف إلى أرض العدو</span>\nوَكَذَلِكَ يرْوَى عَنْ محَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ، عَنْ عبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عمَرَ، عنِ النَّبِيِّ ﷺ. وَتَابَعَه ابْن إِسْحَاقَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.\n«وَقَدْ سَافَرَ النَّبِيّ ﷺ وأَصْحَابه فِي أَرْضِ العَدوِّ وَهمْ يَعْلَمونَ الْقرْآنَ».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-207>[حديث سافر النبي وأصحابه في أرض العدو وهم يعلمون القرآن]</span>\n١٠٩ - [٢٩٩٠] حَدَّثَنَا عَبْد اللهِ بْن مَسْلَمةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِع، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن عمَرَ (١) ﵄: «أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ نَهَى أَنْ يسَافَرَ بالْقرآنِ إِلَى أَرْضِ العَدوِّ» (٢).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من موضوعات الدعوة: الحض على تعظيم القرآن الكريم.\n٢ - من صفات الداعية: الحرص على إكرام وتعظيم القرآن الكريم.\n٣ - شدة عداوة أعداء الدين وخطرهم على الإِسلام وأهله.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من موضوعات الدعوة: الحض على تعظيم القرآن الكريم: إن هذا الحديث يدل على أن من الموضوعات المهمة في الدعوة إلى الله ﷿ الحض على العناية بالقرآن الكريم وتعظيمه؛ ولهذا \" نهى النبي ﷺ أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدوِّ \"؛ قال الإِمام ابن عبد البر ﵀: \" أجمع الفقهاء أن لا يسافر بالقرآن إلى أرض العدو في السرايا والعسكر الصغير المخوف عليه، واختلفوا في جواز ذلك في العسكر المأمون الكبير. . \" (٣) وفي رواية\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ١.\n(٢) وأخرجه مسلم في كتاب الإمارة، باب النهي أن يسافر بالمصحف إلى أرض الكفار إذا خيف وقوعه بأيديهم، ٣/ ١٤٩٠، برقم ١٨٦٩.\n(٣) الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار، ١٤/ ٥١.","vol":"1","page":635},{"text":"لمسلم: أن رسول الله ﷺ: «كان ينهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدوِّ مخافة أن يناله العدوّ» (١) وفي رواية: «لا تسافروا بالقرآن فإني لا آمن أن يناله العدوّ» (٢) قال الإمام النووي ﵀: \" فيه النهي عن المسافرة بالمصحف إلى أرض الكفار للعلة المذكورة في الحديث، وهي خوف أن ينالوه فينتهكوا حرمته، فإن أمنت هذه العلة، بأن يدخل في جيش المسلمين الظاهرين عليهم فلا كراهة ولا منع منه حينئذ هذا هو الصحيح، وبه قال أبو حنيفة والبخاري وآخرون \" (٣).\nوسمعت العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله يقول في النهي عن السفر بالقرآن إلى بلاد العدوّ: \" وهذا إذا كان يخشى عليه أن يمتهنوه، أما إذا لم يخشَ عليه فلا حرج، والخطر على ما في المصاحف أما ما في الصدور فيحمل ويدعى به، وحمل المصحف إلى بلاد الكفار منهي عنه: سواء كانوا حربيين أو غير ذلك إذا خشي عليه \" (٤).\nفينبغي للدعاة إلى الله ﷿ أن يحضوا الناس على تعظيم القرآن الكريم وإكرامه، وعدم السفر به إلى بلاد الكفار إذا خشي عليه الإِهانة والامتهان.\nثانيا: من صفات الداعية: الحرص على إكرام وتعظيم القرآن الحكيم: ظهر في هذا الحديث حرص النبي ﷺ على تعظيم القرآن الكريم وإكرامه؛ ولهذا نهى عن السفر به إلى بلاد العدوِّ؛ لئلا يهان؛ لأن المشركين واليهود والنصارى أعداء الإِسلام وخاصة إذا كانوا حربيين؛ قال الله ﷿: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠] (٥) والقرآن الكريم لا يمسه إلا طاهر، وهؤلاء خبثاء نَجَس، قال الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] (٦)\n_________\n(١) صحيح مسلم، كتاب الإِمارة، باب النهي أن يسافر بالمصحف إلى أرض الكفار إذا خيف وقوعه بأيديهم، ٣/ ١٤٩١ برقم ١٨٦٩.\n(٢) المرجع السابق، في الكتاب والباب المشار إليهما، ٣/ ١٤٩١.\n(٣) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٣/ ١٦، وانظر: إكمال إكمال المعلم للأبي، ٦/ ٥٩٠، وفتح الباري لابن حجر، ٦/ ١٣٣، وعمدة القاري للعيني، ١٤/ ٢٤٢، وشرح الزرقاني على موطأ مالك، ٣/ ١٣.\n(٤) سمعت ذلك من سماحته أثناء شرحه لحديث رقم ٢٩٩٠، من صحيح البخاري.\n(٥) سورة البقرة، الآية ١٢٠.\n(٦) سورة التوبة، الآية ٢٨.","vol":"1","page":636},{"text":"وفي الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم: «لا يمس القرآن إلا طاهر» (١) وهذا يؤكد حرص النبي ﷺ على تعظيم القرآن الكريم وإكرامه.\nفينبغي للداعية أن يكون حريصا على تعظيم القرآن العزيز وإكرامه، اقتداء برسول الله ﷺ.\nثالثا: شدة عداوة أعداء الدين وخطرهم على الإسلام وأهله: إن أعداء الإِسلام: من الملحدين، والمشركين وأهل الكتاب لهم غدرات، وعداوة شديدة للإِسلام وأهله؛ ولهذا نهى النبي ﷺ عن السفر بالقرآن إلى أرضهم، خشية أن يمتهنوا هذا القرآن العظيم.\nفينبغي للمسلمين أخذ الحذر؛ لقول الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١] (٢) وقال ﷾: ﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١١٩] (٣).\n_________\n(١) موطأ الإِمام مالك، كتاب القرآن، باب الأمر بالوضوء لمن مس القرآن، ١/ ١٩٩، والدارقطني في سننه، كتاب الطهارة، باب في نهي المحدث عن مس القرآن، ١/ ١٢٢، وله شاهد من حديث ابن عمر عند الدارقطني في الكتاب والباب السابق ١/ ١٢١، والطبراني في الكبير، ١٢/ ٢١٣ برقم ١٣٢١٧، والأوسط والصغير [مجمع البحرين ١/ ٣٤٦ برقم ٤٣١] والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٨٨، وله شاهد آخر من حديث حكيم بن حزام، عند الدارقطني في سننه، ١/ ١٢٢، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي ٣/ ٤٨٥، والطبراني في المعجم الأوسط والصغير، [مجمع البحرين، ١/ ٣٤٧، برقم ٤٣٢] وفي المعجم الكبير، ٣/ ٢٠٥، برقم ٣١٣٥. وقال ابن عبد البر \" وكتاب عمرو بن حزم هذا قد تلقاه العلماء بالقبول والعمل، وهو عندهم أشهر وأظهر من الإِسناد الواحد \": الاستذكار ١/ ١٠ وصححه الألباني في إرواء الغليل، لشواهده وطرقه ١/ ١٥٨، وانظر: تلخيص الحبير، لابن حجر ١/ ١٣١.\n(٢) سورة النساء، الآية٧١.\n(٣) سورة آل عمران، الآية ١١٩.","vol":"1","page":637},{"text":"١٣١ -<span data-type=\"title\" id=toc-208> باب مَا يكره مِنْ رفع الصوت في التكبير</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-209>[حديث أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا]</span>\n١١٠ - [٢٩٩٢] حَدَّثَنَا محَمَّد بْن يوسفَ: حَدَّثَنَا سفْيَان، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي عثْمَانَ، عَنْ أَبِي موسَى الأشعري (١) ﵁، قَالَ: «كنَّا مَعَ رَسولِ اللهِ ﷺ، فَكنَا إِذَا أشْرَفْنَا عَلَى وَادٍ هَلَّلْنَا وَكَبَّرنَا، ارْتَفَعَتْ أصوَاتنَا. فَقَالَ النَّبِيّ ﷺ: يَا أيهَا النَّاس، ارْبَعوا عَلَى أَنْفسِكمْ، فَإِنَكمْ لَا تَدْعونَ أَصَمَّ، وَلَا غَائِبا، إِنَّه مَعَكمْ، إِنَّه سَمِيع قَرِيب، تَبَارَكَ اسْمه، وَتَعَالَى جَدّه» (٢).\nوفي رواية: «لَمَّا غَزَا رَسول اللهِ ﷺ خَيْبَرَ- أَوْ قَالَ: لَمَّا تَوَجهَ رَسول اللهِ ﷺ- أَشْرَفَ النَّاس عَلَى وَادٍ فَرَفَعوا أَصْوَاتَهمْ بالتَّكْبيرِ: الله أَكْبَر، الله أَكْبَر، لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله. فَقَالَ رَسول اللهِ ﷺ: \" ارْبَعوا علَى أنفسِكم، إِنَكم لَا تدْعونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبا، إِنَكم تَدْعون: سَمِيعا، قَرِيبا، وَهوَ مَعَكمْ \" وَأنا خَلْفَ دَابَّةِ رَسولِ اللهِ ﷺ فَسَمِعَنِي وَأنا أَقول: لاَ حَوْلَ وَلاَ قوةَ إِلاَّ بِاللهِ. فَقَالَ لِي: \" يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ \" قلْت لَبَّيْكَ رَسولَ اللهِ. قَالَ: \" أَلَا أَدلكَ عَلَى كَلِمَةٍ مِنْ كَنْزٍ مِنْ كنوزِ الْجَنَّةِ؟ \" قلْت: بَلَى يَا رَسولَ اللهِ فِدَاكَ أَبِي وأمِّي. قَالَ: \" لَا حَوْلَ وَلا قوَّةَ إِلّا باللهِ» (٣).\nوفِي رواية: «أَخَذَ النَّبِي ﷺ فِي عَقَبَةٍ - أَوْ قَالَ في ثَنِيةٍ - قَالَ: فَلَمَّا عَلاَ عَلَيْهَا رَجل نَادَى فرَفعَ صَوْتَه: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهِ، وَالله أَكْبَر، قَالَ: وَرَسول الله ﷺ عَلَى بَغْلَتِهِ.» (٤).\nوفي رواية: «كنَّا مَعَ رَسولِ اللهِ ﷺ فِي غَزَاةٍ فَجَعَلْنَا لاَ نَصْعَد شَرَفا، وَلاَ نَعْلو شَرَفا، وَلاَ نَهْبِط فِي وَادٍ إِلاَّ رَفَعْنَا أَصْوَاتَنَا بِالتَّكْبِيرِ، قَالَ: فَدَنَا مِنّا رَسول اللهِ\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ٦٦.\n(٢) [الحديث ٢٩٩٢] أطرافه في: كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، ٥/ ٨٩، برقم ٤٢٠٥. وكتاب الدعوات، باب الدعاء إذا علا عقبة، ٧/ ٢٠٩، برقم ٦٣٨٤. وكتاب الدعوات، باب قول لا حول ولا قوة إلا بالله، ٧/ ٢١٧، برقم ٦٤٠٩. وكتاب القدر، باب لا حول ولا قوة إلا بالله، ٧/ ٢٧١، برقم ٦٦١٠. وكتاب التوحيد، باب (وكَاَنَ الله سميعا بَصِيرا)، ٨/ ٢١٢، برقم ٧٣٨٦. وأخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب استحباب خفض الصوت بالذكر، ٤/ ٢٠٧٦، برقم ٢٧٠٤.\n(٣) الطرف رقم: ٤٢٠٥.\n(٤) الطرف رقم: ٦٤٠٩.","vol":"1","page":638},{"text":"ﷺ فَقَالَ: \" يَا أَيّهَا النَّاس ارْبَعوا عَلَى أَنْفسِكمْ فَإِنَّكمْ لَا تَدْعونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبا، إِنَّمَا تَدْعونَ سَمِيعا بَصِيرا.» (١).\nوفي رواية: «سَمِيعا بَصِيرا، قَريبا \" ثمَّ أَتَى علَيَّ وأَنا أَقول فِي نَفْسِي: لَا حَوْلَ وَلَا قوَّةَ إِلَّا باللهِ، فَقَالَ: \" يَا عَبْدَ اللهِ بنَ قَيْسٍ، قلْ: لَا حَوْلَ وَلَا قوَّةَ إِلَّا بِاللهِ؛ فإِنَّهَا كَنْز مِنْ كنوزِ الْجَنَّةِ \" أَوْ قَالَ: \" أَلَا أَدلكَ عَلَى كَلِمَةٍ هِيَ كَنْز مِنْ كنوزِ الْجَنَّةِ؟ لَا حَوْلَ وَلَا قوَّةَ إِلَّا بِاللهِ» (٢).\n* شرح غريب الحديث: * \" اربعوا على أنفسكم \" أي ارفقوا بها واخفضوا أصواتكم. (٣).\n* \" عقبة \" والعقبة المرقى الصعب في الجبال (٤).\n* \" أو ثنية \" الثنية في الأرض: طريق بين جبلين، وقيل: الثنية في الجبل: كالعقبة فيه، وقيل: هو الطريق العالي فيه، وقيل أعلى السيل في رأسه (٥).\n* \" لا نصعد شرفا \" الشرف من الأرض العالي، ومشارف الأرض أعاليها، وشَرَف كلّ شيءٍ أعلاه (٦).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - حرص الصحابة ﵃ على ذكر الله ﷿.\n٢ - من موضوعات الدعوة: بيان صفات الله ﷿.\n_________\n(١) الطرف رقم: ٦٦١٠.\n(٢) الطرف رقم: ٧٣٨٦.\n(٣) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي، ص ٨١، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الراء مع الباء، مادة: \" ربع \" ٢/ ١٨٧، وشرح الكرماني على صحيح البخاري، ٢٣/ ٨١.\n(٤) المعجم الوسيط، لمجمع اللغة العربية، مادة: \" عقب \" ٢/ ٦١٣.\n(٥) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي، ص ١٩٢، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الثاء مع النون، مادة: \" ثنا \" ١/ ٢٢٦.\n(٦) تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي، ص ١٩٢.","vol":"1","page":639},{"text":"٣ - محبة الصحابة ﵃ لرسول الله ﷺ.\n٤ - من أساليب الدعوة: السؤال والجواب.\n٥ - من معجزات الرسول ﷺ: إخباره بالأمور الغيبية.\n٦ - من صفات الداعية: الحرص على زيادة الخير للمدعو.\n٧ - من موضوعات الدعوة: الحث على ذكر الله ﷿.\n٨ - من موضوعات الدعوة: الحض على خفض الصوت بالذكر إلا ما شرع الجهر به.\n٩ - من صفات الداعية: الاستسلام لله وتفويض الأمور إليه ﷿.\n١٠ - من صفات الداعية: التواضع.\n١١ - من أساليب الدعوة: التشبيه.\n١٢ - من أساليب الدعوة: الترغيب.\n١٣ - من صفات الداعية: الحرص على الدقة في نقل الحديث.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: حرص الصحابة ﵃ على ذكر الله ﷿: دل هذا الحديث على حرص الصحابة ﵃ على ذكر الله ﷿ ولهذا قال أبو موسى ﵁: \" كنا مع رسول الله ﷺ، فكنا إذا أشرفنا على وادٍ هللنا وكبَّرنا ارتفعت أصواتنا \" ومما يدل على حرصهم ﵃ أيضا، ما كان يقوله أبو موسى الأشعري ﵁ عن نفسه، وأن رسول الله ﷺ أتى عليه وهو يقول في نفسه: \" لا حول ولا قوة إلا بالله. . . \".\nفينبغي للمسلم وخاصة الداعية إلى الله ﷿ أن يكون حريصا على ذكر الله ﷿ في كل أحواله؛ في السراء والضراء، وفي الشدة والرخاء، وفي السفر والحضر، حتى يحصل على الثواب العظيم، ويكون قدوة لغيره؛ وقد مدح الله أصحاب العقول السليمة وبين أن من صفاتهمِ ذكر الله ﷿ في كل أحوالهم، قال الله ﷿: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ - الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١] (١).\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآيات ١٩٠ - ١٩١.","vol":"1","page":640},{"text":"وهذا يؤكد حرصهم على ذكر الله ﷾ في كل أحوالهم (١).\nثانيا: من موضوعات الدعوة: بيان صفات الله ﷿: دل هذا الحديث على أن من موضوعات الدعوة، بيان صفات الرب ﷿ من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل؛ ولهذا قال ﷺ في هذا الحديث: «يا أيها الناس اربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبا إنه سميع قريب تبارك اسمه وتعالى جده» وفي الرواية الأخرى: «وهو معكم» وفي الرواية الثالثة: «سميعا بصيرا» وهذا يؤكد على أن النبي ﷺ دعا إلى إثبات صفات الكمال لله ﷿، ولا ريب أنه ينبغي للداعية أن يبين للمدعوين صفات الكمال، فيحث المدعوين على أن يثبتوا ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ، وينفوا ما نفاه الله عن نفسه أو نفاه عنه رسوله ﷺ، ومن صفات الكمال التي وردت في هذا الحديث: السمع، والبصر، والمعية، والقرب، وقد أثبت الله ذلك لنفسه فقال ﷿: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] (٢).\nفله ﷾ سمع وبصر يليق بجلاله، لا كسمع خلقه ولا بصرهم بل أحاط سمعه بجميع المسموعات وبصره بجميع المخلوقات؛ فهو يسمع ويبصر كل شيء وإن خفي ظاهرا وباطنا (٣) وقوله ﷺ: «وهو معكم» المعية المعيتان: معية عامة لجميع المخلوقات، وهذه المعية من صفات الله الذاتية التي لا تنفك عن الله ﷿، ومقتضى هذه المعية العلم والإحاطة والاطلاع لقول الله ﷿: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤] (٤).\n_________\n(١) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ١٧/ ٢٨، وفتح الباري لابن حجر ٦/ ١٣٥، وعمدة القاري للعيني ١٤/ ٢٤٤، والمنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود، لمحمود محمد خطاب السبكي ٨/ ١٨٩.\n(٢) سورة الشورى، الآية ١١.\n(٣) انظر فتاوى ابن تيمية، ٣/ ١٣٤، وتوضيح الكافية الشافية، للسعدي ص ١١٧، وشرح العقيدة الواسطية، لمحمد بن عثيمين ١/ ٢٠٦.\n(٤) سورة الحديد، الآية ٤.","vol":"1","page":641},{"text":"ومعية خاصة لأهل الإِيمان والتقوى، ومقتضاها: الحفظ، والعناية، والنصرة، والتوفيق، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨] (١) وقوله ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩] (٢) والمعية الخاصة من الصفات الفعلية (٣) وقوله ﷺ: «إنه سميع قريب» قال الله ﷿: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [هود: ٦١] (٤).\nفمن أسماء الله ﷾ \" القريب \"، ومن صفاته القرب، وقربه ﷿ نوعان: قرب عام، وهو إحاطة علمه بجميع الأشياء، وهو أقرب للإِنسان من حبل الوريد، وهو بمعنى المعية العامة. وقرب خاص بالداعين، والعابدين، والمحبين، وهو قرب يقتضي المحبة والنصرة، والتأييد في الحركات والسكنات، والإِجابة للداعين، والقبول والإِثابة للعابدين (٥) قال الله ﷿: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] (٦).\nوإذا فهم القرب بهذا المعنى في العموم والخصوص لم يكن هناك تعارض أصلا بينه وبين ما هو معلوم من وجوده تعالى فوق عرشه، فسبحان من هو عليّ في دنوّه قريب في علوِّه (٧).\nفينبغي للداعية أن يوضح هذه العقيدة للمدعوين والله ولي التوفيق (٨).\nثالثا: محبة الصحابة لرسول الله ﷺ: إن الصحابة ﵃ يحبون رسول الله ﷺ أكثر من أنفسهم، وأولادهم،\n_________\n(١) سورة النحل، الآية ١٢٨.\n(٢) سورة البقرة، الآية ٢٤٩.\n(٣) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية، ٥/ ١٠٣ - ١٠٤.\n(٤) سورة هود، الآية ٦١.\n(٥) انظر: الحق الواضح المبين في شرح توحيد الأنبياء والمرسلين من الكافية الشافية للسعدي ص ٦٤، وشرح العقيدة الواسطية لابن عثيّمين ١/ ٤٠٠.\n(٦) سورة البقرة، الآية ١٨٦.\n(٧) انظر: شرح القصيدة النونية لابن القيم، للدكتور محمد خليل الهراس ٢/ ٩٢، وتوضيح المقاصد وتصحيح القواعد، شرح قصيدة ابن القيم، لأحمد بن إبراهيم بن عيسى ٢/ ٢٢٩.\n(٨) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٥/ ٥ - ١٢١ [الفتوى الحموية الكبرى] و٣/ ١٢٩ - ١٥٩ [العقيدة الواسطية] وانظر: الحديث رقم ٣٩، الدرس الأول.","vol":"1","page":642},{"text":"ووالديهم، والناس أجمعين؛ ولهذا قال عبد الله بن قيس للنبي ﷺ عندما ناداه: \" لبيك رسول الله \" وقال للنبي ﷺ: \". . . يا رسول الله فداك أبي وأمي \".\nفينبغي الاقتداء بالصحابة ﵃ في حب رسول الله ﷺ. (١).\nرابعا: من أساليب الدعوة: السؤال والجواب: لا ريب أن السؤال والجواب من أساليب الدعوة إلى الله ﷿؛ وقد سأل النبي ﷺ عبد الله بن قيس في هذا الحديث ثم أجابه، فقال: «يا عبد الله بن قيس» فقال عبد الله ﵁: لبيك رسولَ الله. فقال النبي ﷺ: «ألا أدلك على كلمة من كنز من كنوز الجنة»؟ \" فقال عبد الله ﵁: بلى يا رسول الله فداك أبي وأمي. فقال ﷺ: «لا حول ولا قوة إلا بالله» وهذا يدل على أهمية سؤال الداعية للمدعو؛ ليشد انتباهه ويلقي سمعه، ثم يجيبه على السؤال.\nفينبغي العناية بالسؤال والجواب عند الحاجة إليه (٢).\n\nخامسا: من معجزات الرسول ﷺ إخباره بالأمور الغيبية: ظهر في هذا الحديث أن عبد الله بن قيس ﵁ بين أن النبي ﷺ أتى عليه وهو يقول في نفسه: \" لا حول ولا قوة إلا بالله \" فقال: «يا عبد الله بن قيس: \" قل: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ فإنها كنز من كنوز الجنة» وظاهره يدل على أن النبي ﷺ أطلعه الله على ما أخفاه عبد الله من الذكر وكشفه له فأخبره ﷺ بفضل هذا الذكر (٣) والله أعلم (٤).\nسادسا: من صفات الداعية: الحرص على زيادة الخير للمدعو: إن من صفات الداعية الحرص على زيادة الخير للمدعو؛ ولهذا عندما سمع النبي ﷺ أصحابه يرفعون أصواتهم بالتكبير، زادهم ﷺ علما وخيرا، وهو إخبارهم بأن الله يسمع ذكرهم، وهو معهم وقريب منهم، وهذا يفيد الداعي\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٦٢، الدرس الثامن، وحديث رقم ٦٣، الدرس الثامن.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٥٨، الدرس الرابع.\n(٣) انظر: مرقاة المفاتيح للملا علي القاري ٥/ ١٣٢.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٢١، الدرس الرابع.","vol":"1","page":643},{"text":"والذاكر استحضار عظمة الله ومراقبته، فيحصل بذلك الإِخلاص والخشوع (١) وزادهم ﷺ ذكرا آخر هو كنز من كنوز الجنة: «لا حول ولا قوة إلا بالله»؛ ولهذا نقل ابن حجر ﵀ عن ابن بطال ﵀ أنه قال: \" كان ﵇ معلما لأمته، فلا يراهم على حالة من الخير إلا أحب لهم الزيادة، فأحب للذين رفعوا أصواتهم بكلمة الإِخلاص والتكبير أن يضيفوا إليها التبري من الحول والقوة، فيجمعوا بين التوحيد والإِيمان بالقدر \" (٢).\nسابعا: من موضوعات الدعوة: الحث على ذكر الله ﷿: دل هذا الحديث على أن من موضوعات الدعوة الحث على ذكر الله ﷿، وتعليم الناس الأذكار النافعة، والدعوات الجامعة؛ ولهذا قال النبي ﷺ في هذا الحديث لعبد الله بن قيس ﵁ «ألا أدلك على كلمة هي كنز من كنوز الجنة: لا حول ولا قوة إلا بالله» وقد أمر الله ﷿ بذكره فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا - وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢] (٣) وقال ﷿: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥] (٤).\nفينبغي للداعية أن يحض الناس على ذكر الله ﷿، ويرغبهم في ذلك؛ ليحصلوا على الثواب العظيم والأجر الجزيل.\nثامنا: من موضوعات الدعوة: الحض على خفض الصوت بالذكر إلا ما شرع الجهر به: ظهر في هذا الحديث أن الحض على خفض الصوت بالذكر من موضوعات الدعوة إلى الله ﷿، قال النبي ﷺ في هذا الحديث: «يا أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبا إنه معكم، إنه سميع قريب تبارك اسمه وتعالى جدّه» وهذا فيه حث على خفض الصوت بالذكر؛ لأن الله ﷿ سميع قريب مجيب لا تخفى عليه خافية؛ وقد جاء في رواية لمسلم لحديث\n_________\n(١) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ١٧/ ٢٩.\n(٢) نقلا عن فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ١١/ ٥٠١.\n(٣) سورة الأحزاب، الآيتان ٤١ - ٤٢.\n(٤) سورة الأعراف، الآية ٢٠٥.","vol":"1","page":644},{"text":"الباب: «والذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلة أحدكم» (١).\nوقد أمر الله ﷿ بإخفاء الصوت بالدعاء فقال ﷿: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥] (٢) فينبغي للداعية أن يحث الناس على خفض الصوت بالذكر إلا ما ورد الشرع برفعه والجهر به: كالتلبية في إحرام الحج والعمرة؛ والذكر أدبار الصلوات، فعن ابن عباس ﵄ قال: «كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ بالتكبير» وفي لفظ: «أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة، كان على عهد رسول الله ﷺ، وكنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته» (٣) وكذلك ما ورد من الجهر بالذكر في التلبية وغيرها مما شرع الرفع به (٤) قال النووي ﵀ في فوائد حديث عبد الله بن قيس ﵁: \". . . . فيه الندب إلى خفض الصوت بالذكر إذا لم تدع الحاجة إلى رفعه؛ فإنه إذا خفضه كان أبلغ في توقيره وتعظيمه، فإن دعت الحاجة إلى الرفع رفع كما جاءت به الأحاديث \". (٥).\nتاسعا: من صفات الداعية: الاستسلام لله وتفويض الأمور إليه: دل الحديث على أنه ينبغي لكل مسلم وخاصة الداعية إلى الله ﷿ أن يستسلم لله ويفوض أموره إليه ﷿؛ ولهذا قال النبي ﷺ لعبد الله بن قيس: «قل لا حول ولا قوة إلا بالله» قال الإِمام النووي ﵀: \" الحول: الحركة والحيلة: أي لا حركة ولا استطاعة، ولا حيلة إلا بمشيئة الله تعالى، وقيل معناه: لا حول في رفع شر، ولا قوة في تحصيل خير إلا بالله، وقيل: لا حول عن معصية الله إلا بعصمته، ولا قوة على طاعته إلا بمعونته، وحكِيَ هذا عن ابن مسعود ﵁، وكله\n_________\n(١) مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب استحباب خفض الصوت بالذكر إلا في المواضع التي ورد الشرع برفعه فيها كالتلبية وغيرها، ٤/ ٢٠٧٧ برقم ٢٧٠٤.\n(٢) سورة الأعراف، الآية ٥٥.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الآذان، باب الذكر بعد الصلاة، ١/ ٢٢٩، برقم ٨٤١، ٨٤٢، ومسلم كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب الذكر بعد الصلاة، ١/ ٤١٠، برقم ٥٨٣.\n(٤) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم: ١٧/ ٢٩، وفتح الباري لابن حجر، ٦/ ١٣٥.\n(٥) شرح النووي على صحيح مسلم ١٧/ ٢٩، وانظر: تحقيق الكلام في مشروعية الجهر بالذكر بعد السلام، لسليمان بن سحمان ص ١٣ - ٣٤.","vol":"1","page":645},{"text":"متقارب \" (١) وقال الكرماني ﵀: \" لا حول ولا قوة إلا بالله: كلمة استسلام وتفويض إلى الله تعالى، ومعناه؛ لا حيلة في رفع شر، ولا قوة في تحصيل خير إلا بالله \". (٢).\nفينبغي للعبد أن يتبرأ من كل حول ومن كل قوة، ومن أي استطاعة، إلا أن يكون المعين هو الله ﷿، فهو صاحب الحول الكامل وصاحب الطول والقوة، ولا شك أن العبد له إرادة وقدرة وفعل، ولكن ذلك لا يخرج عن إرادة الله ﷿ ومشيئته، فالله ﷾ يطلب من عبده العمل الصالح، والعبد يريده ويعمله ويسأل الله الإِعانة عليه، ويتبرأ من حوله وقوته، ويسلم الأمور إلى الله ﷿ لا معطي لما منع ولا مانع لما أعطي، لا إله غيره ولا رب سواه، ولا حول ولا قوة إلا به ﷾ (٣).\nعاشرا: من صفات الداعية: التواضع: لا شك أن هذا الحديث دل على صفة التواضع؛ لأن النبي ﷺ ركب على بغلة، وهو أفضل الخلق ومع ما أعطاه الله من الفضل والمكانة العالية لم يترفع عن ركوبها، وإلا فقد كان عنده من الخيل والإِبل ما يركب عليه، ولهذا قال عبد الله بن قيس ﵁: «نادى رجل فرفع صوته: لا إله إلا الله والله أكبر، قال ورسول الله ﷺ على بغلته. . .». فينبغي للداعية أن يكون متواضعا اقتداء برسول الله ﷺ (٤).\nالحادي عشر: من أساليب الدعوة: التشبيه: ظهر في هذا الحديث أسلوب التشبيه في قوله ﷺ: «قل لا حول ولا قوة إلا بالله؛ فإنها كنز من كنوز الجنة» وذكر الطيبي ﵀ أن المشبه الحوقلة \" لا حول ولا قوة إلا بالله \" والمشبه به الكنز، \" فإنها كنز من كنوز الجنة \" (٥) وقال الكرماني ﵀: \" كنز: أي كالكنز في كونه أمرا نفيسا مدخرا مكنونا عن أعين الناس \" (٦).\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٧/ ٣١، وانظر: فتح الباري لابن حجر، ١١/ ٥٠١.\n(٢) شرح صحيح البخاري ٢٢/ ١٧١، وانظر: المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود، للسبكي ٨/ ١٨٨.\n(٣) انظر: سبل السلام شرح بلوغ المرام للصنعاني ٤/ ١٦٢٧، وتوضيح الأحكام من بلوغ المرام، للبسام، ٦/ ٤١٥.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٣٣، الدرس الحادي عشر، ورقم ٦٢، الدرس الثالث.\n(٥) انظر: شرح الطيبي على مشكاة المصابيح، ٦/ ١٨٢٤، وانظر: شرح السندي على سنن ابن ماجه ٤/ ٢٥٩.\n(٦) شرح صحيح البخاري للكرماني، ٢٢/ ١٧١، وانظر: ٢٢/ ١٨٩، ٢٣/ ٨٢.","vol":"1","page":646},{"text":"وهذا يدل على أهمية التشبيه، وأنه أسلوب من أساليب الدعوة إلى الله ﷿ يستخدم عند الحاجة إليه (١).\nالثاني عشر: من أساليب الدعوة: الترغيب: دل هذا الحديث على أسلوب الترغيب؛ لترغيب النبي ﷺ في الحوقلة وفضلها وأنها كنز من كنوز الجنة، قال ﷺ لعبد الله بن قيس: «قل لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنها كنز من كنوز الجنة» قال النووي ﵀: \" قال العلماء: سبب ذلك أنها كلمة استسلام، وتفويض إلى الله تعالى، واعتراف بالإِذعان له، وأنه لا صانع غيره، ولا راد لأمره، وأن العبد لا يملك شيئَاَ من الأمر، ومعنى الكنز هنا أنه ثواب مدخر في الجنة، وهو ثواب نفيس، كما أن الكنز أنفس أموالكم \" (٢).\nوهذا يؤكد أهمية الترغيب في الدعوة إلى الله ﷿ (٣).\nالثالث عشر: من صفات الداعية: الحرص على الدقة في نقل الحديث: دل هذا الحديث على أن الحرص على الدقة في نقل حديث رسول الله ﷺ من الصفات الجميلة والأعمال الجليلة؛ لأن الراوي قال: «أخذ النبي ﷺ في عقبة أو قال ثنية» قال الكرماني ﵀: \" شك الراوي في اللفظ على مذهب من يحتاط ويريد نقل اللفظ بعينه \" (٤) وثبت في هذا الحديث أيضا: «يا عبد الله بن قيس قل: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ فإنها كنز من كنوز الجنة \"، أو قال: \" ألا أدلك على كلمة هي كنز من كنوز الجنة؛ لا حول ولا قوة إلا بالله»، فقول الراوي: أو قال: يدل على حرصه عل الدقة في نقل الحديث.\nوهذا يؤكد على أهمية الاتصاف بالحرص على الدقة في نقل الحديث (٥).\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ١٨، الدرس الرابع، ورقم ١٩، الدرس الخامس.\n(٢) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٧/ ٣٠، وانظر: شرح الكرماني على صحيح البخاري، ٢٣/ ٨٢، وفتح الباري لابن حجر، ١١/ ١٨٨، ٥٠١.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٧، الدرس الرابع عشر.\n(٤) شرح الكرماني على صحيح البخاري، ٢٢/ ١٨٨، ٢٥/ ١٠٨، وانظر: عمدة القاري للعيني ٢٣/ ٢٩.\n(٥) انظر: الحديث رقم ٢١، الدرس العاشر.","vol":"1","page":647},{"text":"١٣٢ -<span data-type=\"title\" id=toc-210> باب التسبِيح إذا هَبط وَاديا</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-211>[حديث كنا إذا صعدنا كبرنا وإذا نزلنا سبحنا]</span>\n١١١ - [٢٩٩٣] حَدّثنا محَمَّد بْن يوسفَ: حَدَثَنَا سفيَان، عَنْ حصَيْنِ بْنِ عَبْد الرَّحْمنِ، عَنْ سَالمِ بْنِ أِبي الجَعْدِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ (١) ﵄، قَالَ: «كنَا إِذَا صَعِدْنَا كَبرنَا، وَإذَا نَزَلنا سَبَّحْنَا» (٢).\nوفي رواية: «كنّا إِذَا صَعِدْنَا كَبَّرنَا، وإِذَا تصوَّبْنَا سَبّحْنَا» (٣).\n* شرح غريب الحديث: * \" تصوَّبنا \" أي انخفضنا ونزلنا (٤).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - حرص الصحابة ﵃ على ذكر الله ﷿.\n٢ - من صفات الداعية: تعظيم الله ﷿.\n٣ - من صفات الداعية: تنزيه الله ﷿.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: حرص الصحابة ﵃ على ذكر الله ﷿: دل هذا الحديث على حرص الصحابة ﵃ على ذكر الله ﷾؛ ولهذا كانوا ﵃ إذا صعدوا على عقبة أو جبل، أو مكان مرتفع قالوا: \" الله أكبر \" وفي حديث عبد الله بن قيس ﵁: «لا إله إلا الله والله أكبر» (٥) وإذا نزلوا واديا أو مكانا منخفضا قالوا: \" سبحان الله \" كما قال جابر ﵁: \" كنَّا\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ٣٢.\n(٢) [الحديث ٢٩٩٣] طرفه في: كتاب الجهاد والسير، باب التكبير إذا علا شرفاَ، ٤/ ٢٠، برقم ٢٩٩٤.\n(٣) الطرف رقم ٢٩٩٤.\n(٤) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الصاد مع الواو، مادة. \" صوب \" ٣/ ٥٧، وشرح الكرماني على صحيح البخاري ١٣/ ١٢، وفتح الباري لابن حجر، ٦/ ١٣٦.\n(٥) تقدم تخريجه في الحديث السابق رقم ١١٠ - ٢٩٩٢.","vol":"1","page":648},{"text":"إذا صعدنا كبرنا وإذا نزلنا سبحنا \" (١).\nثانيا: من صفات الداعية: تعظيم الله ﷿: لا ريب أن تعظيم الله ﷾ من أهم الواجبات على كل مسلم ومسلمة وخاصة الدعاة إلى الله ﷿؛ ولهذا كان أصحاب رسول الله ﷺ يعظمون الله ﷿ ويكبرونه، وخاصة إذا كانوا على مكان مرتفع؛ لاستشعارهم عظمة الله ﷿، وعلوَّه واستواءه على عرشه استواء يليق بجلاله، وكبريائه؛ ولأن الإِنسان إذا صعد على مكان مرتفع تقع عينه على عظيم خلق الله ﷿ فيتذكر أن الله أكبر وأعظم من كل شيء؛ ولهذا قال جابر ﵁: \" كنا إذا صعدنا كبرنا \".\nقال الله ﷿: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج: ٦٢] (٢) وقال ﷾: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] (٣).\nفينبغي لكل مسلم تعظيم الله ﷿، ومن المناسب إذا صعد على شيء كبر الله تعظيما لشأنه ﷿ (٤).\nثالثا: من صفات الداعية: تنزيه الله ﷿: إن تنزيه الله ﷿ عما لا يليق به من النقائص والعيوب من أهم المهمات وأعظم القربات؛ ولهذا كان الصحابة ﵃ يسبحون الله وينزهونه، وخاصة إذا هبطوا واديا أو نزلوا وانخفضوا إلى مكان منحدر؛ لاستشعارهم تنزيه الله ﷿ عن الانخفاض، قال ابن حجر ﵀: \" وقيل: مناسبة التسبيح في الأماكن المنخفضة من جهة أن التسبيح هو التنزيه، فناسب تنزيه الله عن صفات الانخفاض كما ناسب تكبيره عند الأماكن المرتفعة \" (٥).\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ١١٠، الدرس الأول.\n(٢) سورة الحج، الآية ٦٢.\n(٣) سورة البقرة، الآية ٢٥٥.\n(٤) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٦/ ١٣٦، ومرقاة المفاتيح لملا علي القاري، ٥/ ٣٠٩.\n(٥) فتح الباري بشرح صحيح البخاري ٦/ ١٣٦.","vol":"1","page":649},{"text":"وسمعت سماحة العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله يقول: \" النزول فيه السفول فناسب التسبيح؛ لأن الله في العلوِّ، والصعود فيه ارتفاع فناسب التكبير؛ لأن الله فوق العرش \" (١) ولا مانع مع ذلك أن يستشعر المسلم عفو الله وقدرته عليه في بطون الأودية وغيرها، فيسبح الله لتعظيمه وعلوِّه وتنزيهه عن النقائص؛ ولينجيه كما أنجى يونس من الظلمات وبطن الحوت (٢).\nقال الله ﷿: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ - لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: ١٤٣ - ١٤٤] (٣).\nفينبغي للداعية أن يكون منزِّها لله مسبحا؛ فإن الله ﷿ يسبحه كل شيء كما قال ﷾: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤] (٤) ولمكانة التنزيه لله ﷿ جعل الله الثواب العظيم على ذلك، فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر» (٥) وعن مصعب بن سعد، عن أبيه ﵁ قال: كنا عند رسول الله ﷺ فقال: «أيعجز أحدكم أن يكسب كل يوم ألف حسنة؟ \" فسأله سائل من جلسائه: كيف يكسب أحدنا ألف حسنة؟ قال: \" يسبح مائة تسبيحة فيكتب له ألف حسنة، أو يحط عنه ألف خطيئة» (٦) وهذا يؤكد على الداعية الصادق أن يعتني بالتسبيح؛ لعظمته ومكانته عند الله، ولثوابه الكبير.\n_________\n(١) سمعته من سماحته أثناء شرحه لحديث رقم ٢٩٩٣، ورقم ٢٩٩٤ من صحيح البخاري.\n(٢) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٦/ ١٣٦.\n(٣) سورة الصافات، الآيتان ١٤٣ - ١٤٤.\n(٤) سورة الإسراء، الآية ٤٤.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب الدعوات، باب فضل التسبيح، ٧/ ٢١٥، برقم ٦٤٠٥، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل التهليل والتسبيح والدعاء، ٤/ ٢٠٧١، برقم ٢٦٩١.\n(٦) مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل التهليل والتسبيح، والدعاء، ٤/ ٢٠٧٣، برقم ٢٦٩٨.","vol":"1","page":650},{"text":"١٣٥ -<span data-type=\"title\" id=toc-212> باب يكتب للمسافر ما كان يعمل في الإقامة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-213>[حديث إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا]</span>\n١١٢ - [٢٩٩٦]- حدثنا مطر بن الفضل: حدثنا يزيد بن هارون: حدثنا العوام: حدثنا إبراهيم أبو إسماعيل السكسكي قال: سمعت أبا بردة واصطحب هو ويزيد بن أبي كبشة في سفر فكان يزيد (١) يصوم في السفر، فقال له أبو بردة (٢) سمعت أبا موسى (٣) مرارًا يقول: قال رسول الله ﷺ: «إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا»\n\nالدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من موضوعات الدعوة: الحض على النية الصالحة.\n٢ - من صفات الداعية: النية الخالصة.\n٣ - من صفات الداعية: الحرص على الخير.\n٤ - من أساليب الدعوة: الترغيب.\n* والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولًا: من موضوعات الدعوة: الحض على النية الصالحة: إن الحث على النية الصالحة من أهم موضوعات الدعوة؛ لأن الأعمال\n_________\n(١) يزيد بن أبي كبشة بن جبريل بن يسار بن عد في التابعين، وهو من كبار الأئمة، كان صاحب شرطة عبد الملك، وولي على الغزاة ثم ولي إمرة العراقيين للوليد، فلما استخلف سليمان ولاه خراج السند، فأدركه الأجل قبل سنة مائة للهجرة. وورد أنه كان يصوم في السفر، وكان كبير الشأن ﵁، انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي ٤/ ٤٤٣.\n(٢) أبو بردة بن قيس الأشعري أخو أبي موسى الأشعري، مشهور بكنيته كأخيه، قال ﵁: خرجنا من اليمن في بضع وخمسين رجلا من قومنا ونحن ثلاثة إخوة: أبو موسى، وأبو بردة، وأبو رهم فأخرجتنا سفينتنا إلى النجاشي بأرض الحبشة، وعنده جعفر بن أبي طالب وأصحابه، فأقبلنا جميعا في سفينتنا إلى النبي ﷺ حين افتتح خيبر. انظر: الاستيعاب لابن عبد البر، ٤/ ١٨، والإصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر ٤/ ١٨، وتعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة، لابن حجر، ٢/ ٤١٦.\n(٣) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ٦٦.","vol":"2","page":651},{"text":"بالنيات؛ ولهذا حض النبي ﷺ أمته على إصلاح النية بقوله في هذا الحديث: «إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا»\n* فينبغي للداعية أن يحث الناس على النية الصالحة؛ قال العلامة محمد بن صالح العثيمين حفظه الله: \"وفي هذا تنبيه على أنه ينبغي للعاقل ما دام في حال الصحة والفراغ أن يحرص على الأعمال الصالحة، حتى إذا عجز عنها لمرض أو شغل كتبت له كاملة\" (١) وهذا يؤكد على الدعاة أن يحثوا الناس على الأعمال الصالحة حتى يغتنموها في حال الفراغ والصحة، وتكتب لهم عند العجز والمرض والهرم (٢).\nثانيًا: من صفات الداعية: النية الخالصة: يظهر في هذا الحديث أنه ينبغي للمسلم، وخاصة الداعية إلى الله ﷿، أن يتصف بالنية الصالحة؛ لأنها من أهم أعمال القلوب المخلصة؛ قال النبي ﷺ في هذا الحديث: «إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا» وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء.\n* فينبغي للداعية أن يغتنم الفرص، والفراغ، والصحة، والشباب، والغنى قبل حصول ما يضاد هذه النعم؛ فإنه إذا اغتنمها كتب الله له أعماله عند مفارقة هذه النعم، قال النبي ﷺ: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ» (٣) وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ لرجل وهو يعظه: «اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك» (٤). وهذا يبين أهمية\n_________\n(١) شرح رياض الصالحين، ٣/ ٢٧٧.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٧٣، الدرس السابع.\n(٣) البخاري، كتاب الرقاق، باب ما جاء في الصحة والفراغ، ولا عيش إلا عيش الآخرة، ٧/ ٢١٨، برقم ٦٤١٢.\n(٤) الحاكم وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، ٤/ ٣٠٦ ورواه ابن المبارك في الزهد، ١/ ١٠٤، برقم ٢، من حديث عمرو بن ميمون مرسلًا، وقال ابن حجر في فتح الباري ١١/ ٢٣٥: بسند صحيح من مرسل عمرو بن ميمون. فمرسل عمرو بن ميمون شاهد لرواية الحاكم. وصحح الحديث الألباني في صحيح الجامع الصغير ٢/ ٣٥٥ برقم ١٠٨٨.","vol":"2","page":652},{"text":"اتصاف المسلم بحسن النية والعمل في حال الصحة والفراغ والإقامة (١).\nثالثًا: من صفات الداعية: الحرص على الخير: ظهر في إسناد هذا الحديث حرص التابعي الجليل: يزيد بن أبي كبشة على الأعمال الصالحة في السفر رغبة وحرصًا على الثواب والخير؛ ولهذا كان يصوم في السفر، فبين له الصحابي الجليل أبو بردة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا»\n* فينبغي للداعية أن يكون حريصًا على فعل الخير، ولكن عليه أن يراعي في ذلك هدي النبي ﷺ، والله المستعان (٢). رابعًا: من أساليب الدعوة: الترغيب: دل هذا الحديث على أن الترغيب من أساليب الدعوة إلى الله ﷾؛ وقد رغب النبي ﷺ في الأعمال الصالحة والمداومة عليها في الصحة والإقامة؛ ليكتب للعبد ما كان يعمل إذا مرض أو سافر؛ ولهذا قال ﷺ: «إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا»\n* فينبغي للداعية أن يرغب الناس في الأعمال والمداومة عليها حتى يكتب لهم إذا سافروا أو مرضوا ما كانوا يعملون في صحتهم وإقامتهم (٣).\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٢٢، الدرس السادس.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٩، الدرس الخامس عشر. ورقم ١٨، الدرس السادس.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٧، الدرس الرابع عشر. ورقم ٨، الدرس الرابع.","vol":"2","page":653},{"text":"١٣٥ -<span data-type=\"title\" id=toc-214> باب السير وحده</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-215>[حديث لو يعلم الناس ما في الوحدة ما أعلم ما سار راكب بليل وحده]</span>\n١١٣ - [٢٩٩٨] حدثنا أبو الوليد: حدثنا عاصم بن محمد قال: حدثني أبي عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ: حدثنا أبو نعيم: حدثنا عاصم بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن ابن عمر (١) عن النبي ﷺ قال: «لو يعلم الناس ما في الوحدة ما أعلم ما سار راكب بليل وحده»\n\nالدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من موضوعات الدعوة: بيان آداب السفر.\n٢ - من صفات الداعية: الرحمة والشفقة على مصلحة المدعو.\n٣ - الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل.\n٤ - من أساليب الدعوة: الترهيب.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولًا: من موضوعات الدعوة: بيان آداب السفر: إن من الموضوعات المهمة في الدعوة إلى الله ﷿ أن يبين الداعية للمدعوين آداب السفر، ويحثهم على الالتزام بها؛ لما فيها من المصالح والثواب باتباع السنة؛ قال النبي ﷺ في هذا الحديث: «لو يعلم الناس ما في الوحدة ما أعلم ما سار راكب بليل وحده» وهذا فيه إرشاد من النبي ﷺ لأمته، ولا شك أن التحذير من السفر منفردًا يشمل الماشي على الأقدام أيضًا؛ قال الكرماني ﵀: \"وهذا من قبيل الغالب وإلا فالراجل أيضًا كذلك\" (٢) والسفر منفردًا فيه مضار كثيرة: منها الضرر الديني؛ لأن المسافر وحده لا يجد\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ١.\n(٢) شرح الكرماني على صحيح البخاري، ١٣/ ١٤.","vol":"2","page":654},{"text":"من يصلي معه جماعة، ودنيوي؛ لأنه لا يجد المعين في الطريق، وقيد النبي ﷺ السير بالليل: «ما سار راكب بليل وحده»؛ لأن احتمال الضرر في الليل أكبر، وإلا فالمشروع أن لا يسافر المسلم وحده بليل ولا نهار إلا لضرورة أو مصلحة لا تنتظم إلا بالانفراد، كإرسال الجاسوس، والطليعة (١).\nقال ابن حجر ﵀: \"ويحتمل أن تكون حالة الجواز مقيدة بالحاجة عند الأمن، وحالة المنع مقيدة بالخوف حيث لا ضرورة\" (٢) قال النبي ﷺ: «الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب» (٣). قال الإمام الخطابي ﵀؛ \"معناه والله أعلم: أن التفرد والذهاب وحده في الأرض من فعل الشيطان، أو هو شيء يحمله عليه الشيطان ويدعوه إليه، فقيل على هذا: إن فاعله شيطان. ويقال: إن اسم الشيطان مشتق من الشطون: وهو البعد والنزوح، ويقال: بئر شطون: إذا كانت بعيدة المهوى، فيحتمل على هذا أن يكون المراد أن الممعن في الأرض وحده مضاهئًا للشيطان في فعله، وشبه اسمه، وكذلك الاثنان ليس معهما ثالث، فإذا صاروا ثلاثة فهم ركب: أي جماعة وصحب\" (٤) ويوضح معنى الحديث ما رواه سعيد بن المسيب مرسلًا، عن النبي ﷺ: «الشيطان يهم بالواحد، والاثنين، فإذا كانوا ثلاثة لم يهم بهم» (٥). قال الإمام ابن عبد البر: \"كان مالكًا ﵀ يجعل الحديث الثاني في هذا\n_________\n(١) انظر: شرح الطيبي على مشكاة المصابيح، ٨/ ٢٦٧٨، وفيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي ٥/ ٣٣٦، وفتح الباري لابن حجر، ٦/ ٢٣٨، وعمدة القاري للعيني ١٤/ ٢٤٨.\n(٢) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٦/ ٢٣٨، وانظر: عارضة الأحوذي بشرح سنن الترمذي، لابن العربي، ٤/ ١٤٥.\n(٣) أبو داود، كتاب الجهاد، باب الرجل يسافر وحده، ٣/ ٣٦، برقم ٢٦٠٧، والترمذي، وحسنه، في كتاب الجهاد، باب ما جاء في كراهية أن يسافر الرجل وحده، ٤/ ١٩٣، برقم ١٦٧٤، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي ٢/ ١٠٢، وأحمد في المسند ٢/ ١٨٦، والبغوي في شرح السنة وحسنه ١١/ ٢١ من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.\n(٤) معالم السنن للخطابي ٣/ ٤١٣.\n(٥) مالك في الموطأ، كتاب الاستئذان، باب ما جاء في الوحدة في السفر للرجال والنساء، ٢/ ٩٧٨، وقال ابن عبد البر: وقد روى عبد الرحمن بن أبي الزناد هذا الحديث عن عبد الرحمن بن حرملة وعن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي ﷺ فوصله وأسنده. الاستذكار ٢٧/ ٢٦٧ برقم ٤١٠٨٦، وقد ذكر إسناده في التمهيد ٢٠ ٨.","vol":"2","page":655},{"text":"الباب مفسرًا للأول، والمعنى أن الجماعة - وأقلها ثلاثة - لا يهم بهم الشيطان، ويبعد عنهم، وإنما سمي الواحد شيطانًا؛ لأن الشيطان في أصل اللغة: هو البعيد من الخير، من قولهم: نوى شطون: أي بائنة بعيدة، فالمسافر وحده بعيد عن خير الرفيق وعونه، والأنس به، وتمريضه، ودفع وسوسة النفس بحديثه، ولا يؤمن على المسافر وحده أن يضطر إلى المشي بالليل فتتعرضه الشياطين المردة: هازلين، ومتلاعبين، ومفزعين\" (١). وقال الخطابي ﵀: \"المنفرد وحده في السفر إن مات لم يكن بحضرته من يقوم بغسله ودفنه وتجهيزه، ولا عنده من يوصي إليه في ماله، ولا يحمل تركته إلى أهله ويورد خبره عليهم، ولا معه في سفره من يعينه على الحمولة، فإذا كانوا ثلاثة تعاونوا، وتناوبوا المهنة والحراسة، وصلوا الجماعة وأحرزوا الحظ منها\" (٢). وعن عبد الله بن عمر ﵁ قال: خطبنا عمر بالجابية فقال: \"أيها الناس إني قمت فيكم كما قام رسول الله ﵁ فينا فقال: «أوصيكم بأصحابي، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب حتى يحلف الرجل ولا يستحلف، ويشهد الشاهد ولا يستشهد، ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان، عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة؛ فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد، من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، ومن سرته حسنته وساءته سيئته فذلك المؤمن» (٣). فينبغي للداعية أن يحض الناس على أن لا يسافر الإنسان وحده، بل ثلاثة فأكثر إلا لضرورة، ويحثهم على العمل بآداب السفر؛ ليقتدوا برسول الله ﷺ في ذلك (٤).\n_________\n(١) الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار، ٢٧/ ٢٦٦.\n(٢) معالم السنن ٣/ ٤١٣، وانظر: شرح السنة للبغوي ١١/ ٢٢.\n(٣) الترمذي، كتاب الفتن، باب ما جاء في لزوم الجماعة، ٤/ ٤٦٥، برقم ٢١٦٥، وقال. \"هذا حديث حسن صحيح\"، وابن ماجه مختصرًا، كتاب الأحكام، باب كراهية الشهادة لمن لم يشهد، ٢/ ٧٩١، وأحمد في المسند، ١/ ١٨، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي ١/ ١١٤ وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ٢/ ٢٣٢ وقال أحمد محمد شاكر في ترقيمه للمسند ١/ ٢٠٤ برقم ١١٤: \"إسناده صحيح \".\n(٤) انظر: آداب السفر في جامع الأصول من أحاديث الرسول ﷺ، فقد ذكر أربعين حديثًا ٥/ ١٥ - ٣٦ من حديث رقم ٢٩٩١ - ٣٠٣١، ومشكاة المصابيح للتبريزي، فقد ذكر أربعة وثلاثين حديثًا، ٢/ ١١٤٢ - ١١٤٨ من حديث رقم ٣٨٩٢ - ٣٩٢٥. والآداب الشرعية لابن مفلح ١/ ٤٥٣ - ٤٦٠.","vol":"2","page":656},{"text":"ثانيًا: من صفات الداعية: الرحمة والشفقة على مصلحة المدعو: إن الداعية الصادق مع الله ﷿ يحب للناس ما يحبه لنفسه، فيرحمهم، ويعطف عليهم، ويشفق على مصالحهم فيعلمهم ما ينفعهم في الدنيا والآخرة، ولهذه الرحمة قال ﷺ: «لو يعلم الناس ما في الوحدة ما أعلم ما سار راكب بليل وحده» فكان ﷺ بالمؤمنين رحيما (١) فوجههم إلى ما يجلب لهم الخير ويدفع عنهم السوء والشر (٢).\nثالثًا: الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل: إن الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل على الله ﷿؛ لأن التوكل يقوم على أصلين: اعتماد القلب على الله ﷿، والعمل بالأسباب التي يقتضيها التوكل على الله ﷾، ففي قوله ﷺ: «لو يعلم الناس ما في الوحدة ما أعلم ما سار راكب بليل وحده» دلالة على أهمية الرفيق في السفر، وقد بينت الأحاديث الأخرى أن أقل المسافرين ثلاثة؛ لما يحصل بينهم من التعاون في أمور الدين والدنيا، وهذا لا ينافي التوكل، بل هو من التوكل على الله ﷿ (٣).\nرابعًا: من أساليب الدعوة: الترهيب: ظهر في هذا الحديث أسلوب الترهيب؛ في قوله ﷺ: «لو يعلم الناس ما في الوحدة ما أعلم ما سار راكب بليل وحده» وهذا فيه تخويف من سفر المسلم منفردًا؛ لأن الرسول ﷺ يعلم أضرارًا لا يعلمها الناس، وقد بين ﷺ للناس ذلك، وهذا يؤكد على أهمية أسلوب الترهيب في الدعوة إلى الله ﷿ (٤).\n_________\n(١) انظر: بهجة النفوس لابن أبي جمرة، ٣/ ١٤٣، وشرح الطيبي على مشكاة المصابيح، ٨/ ٢٦٧٨ ومرقاة المفاتيح للملا علي القاري ٧/ ٤٤٥.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٥، الدرس الأول. ورقم ٥٠، الدرس الرابع.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٣٠، الدرس الخامس.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٧، الدرس الثالث عشر، ورقم ١٢، الدرس الثالث.","vol":"2","page":657},{"text":"١٣٨ -<span data-type=\"title\" id=toc-216> باب الجهاد بإذن الأبوين</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-217>[حديث جاء رجل إلى النبي ﷺ يستأذنه في الجهاد فقال أحي والداك]</span>\n١١٤ - [٣٠٠٤] حدثنا آدم: حدثنا شعبة: حدثنا حبيب بن أبي ثابت قال: \"سمعت أبا العباس الشاعر - وكان لا يتهم في حديثه - قال: سمعت عبد الله بن عمرو (١) ﵁ يقول: «جاء رجل إلى النبي ﷺ يستأذنه في الجهاد فقال: \"أحي والداك؟ \" قال: نعم. قال: \"ففيهما فجاهد» (٢). وفي رواية: \". . «قال رجل للنبي ﷺ: أجاهد؛ قال: \"ألك أبوان؟ \" قال: نعم. قال: \"ففيهما فجاهد» (٣).\n\nالدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - أهمية الشورى مع الإمام أو العلماء والدعاة.\n٢ - حرص الصحابة ﵃ على الجهاد في سبيل الله ﷿.\n_________\n(١) عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل، الإمام الحبر العالم، صاحب رسول الله ﷺ وابن صاحبه، قيل: أسلم قبل أبيه، وقيل: كان اسمه العاص، فلما أسلم غيره النبي ﷺ بعبد الله، وقد حمل عن النبي ﷺ علما جمًا، روى أحاديث كثيرة، وأسند منها سبعمائة حديث، اتفق البخاري ومسلم على إخراج سبعة منها، وانفرد البخاري بثمانية، ومسلم بعشرين، وعدد أحاديثه في المسند ستمائة وستة وعشرون حديثًا (٦٢٦) انظر: المسند ٢/ ١٥٨، وكان رجلا عابدا داعيا إلى الله تعالى، وذلك بنقل أحاديث رسول الله ﷺ وتبليغها للناس، وكان ﵁ قدوة حسنة لمن رآه أو سمع عنه من المسلمين، فكان يصوم يوما ويفطر يومًا، ويقرأ القرآن في كل سبع، وقيل في كل ثلاث، وكان يقوم الليل، وغير ذلك من الأعمال المباركة التي كان فيها أسوة حسنة لمن سمع به أو رآه ﵁، وكان بينه وبين أبيه في السن اثنتا عشرة سنة، وقيل: إحدى عشرة، وكان أكثر الناس أخذا للحديث والعلم عن رسول الله ﷺ؛ ولهذا قال أبو هريرة ﵁: \"ما كان أحد أكثر حديثًا مني عن رسول الله ﷺ، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو؛ فإنه كان يكتب ولا أكتب\"، وإنما قلت الرواية عنه مع كثرة ما حمل؛ لأنه سكن مصر وكان الواردون إليها قليلا، بخلاف أبي هريرة؛ فإنه استوطن المدينة، وهي مقصد المسلمين من كل جهة، مات ﵁ سنة ثلاث وستين، وقيل: خمس وستين، وقيل: ثمان وستين، وقيل: تسع وستين، عن عمر بلغ اثنتين وسبعين سنة. انظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي ١/ ٢٨١، وسير أعلام النبلاء للذهبي ٣/ ٧٩ - ٩٥، والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، ٢/ ٣٥١.\n(٢) [الحديث ٣٠٠٤، طرفه في كتاب الأدب، باب لا يجاهد إلا بإذن الأبوين، ٧/ ٩٢، برقم ٥٩٧٢. وأخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب بر الوالدين وأنهما أحق به، ٤/ ١٩٧٥، برقم ٢٥٤٩.\n(٣) الطرف رقم ٥٩٧٢.","vol":"2","page":658},{"text":"٣ - أهمية سؤال المدعو عما أشكل عليه.\n٤ - من أساليب الدعوة: السؤال والجواب.\n٥ - من موضوعات الدعوة: الحض على بر الوالدين.\n٦ - من أساليب الدعوة: الترغيب.\n\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولًا: أهمية الشورى مع الإمام أو العلماء والدعاة: إن الشورى لها أهمية بالغة؛ لما لها من المنافع والفوائد الدينية والدنيوية، ومما يوضح أهمية ذلك ما فعله هذا الرجل الذي جاء إلى النبي ﷺ يستأذنه في الجهاد، ويستشيره في ذلك، قال عبد الله بن عمرو ﵄: «جاء رجل إلى النبي ﷺ يستأذنه في الجهاد فقال: \"أحي والداك؟» وفي رواية: «قال رجل للنبي ﷺ: أجاهد؟ قال: \"لك أبوان؟ \" قال: نعم، قال: \"ففيهما فجاهد» فدل ذلك على أهمية الشورى وعظم مكانتها، وأن المستشار مؤتمن، فيتأكد عليه أن يشير بالنصيحة الخالصة (١).\nفينبغي للداعية أن يعتني بالشورى عناية فائقة؛ لما فيها من جلب المنافع ودفع المضار وزيادة الأجر؛ ولهذا حصل لهذا السائل بالشورى أفضل من جهاد التطوع الذي جاء في طلبه (٢) وهذا يؤكد أهميتها (٣) وأن الإنسان العاقل لا يستبد برأي نفسه في الأمور المهمة حتى يستشير من هو أعرف منه بهذا الأمر (٤).\nولا شك أن الداعية أو غيره ممن يستشار يتأكد عليه أن يتأنى ويتعرف على أحوال المستشير؛ ليقدم إليه الشورى السديدة؛ قال الإمام ابن أبي جمرة ﵀: \"فيه دليل على أن المستشار يسأل عن أحوال المستشير حتى يعلمها وحينئذ يشير عليه بما هو الأصلح في حقه؛ لأن النبي ﷺ لما استشاره هذا الصحابي هل يخرج للجهاد أم لا؟ سأل عن حاله في قوله ﷺ: «أحي والداك؟» حتى علم\n_________\n(١) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ١٦/ ٣٣٩، وفتح الباري لابن حجر، ٦/ ١٤١.\n(٢) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٦/ ١٤١.\n(٣) انظر: الحديث رقم ١١، الدرس الرابع، ورقم ٦٤، الدرس الثالث، ورقم ١٠٨، الدرس الرابع عشر.\n(٤) انظر: بهجة النفوس، لعبد الله بن أبي جمرة ٣/ ١٤٦.","vol":"2","page":659},{"text":"ما هو الأقرب في حقه بالنسبة إلى حاله، فأرشده إليه\" (١).\nثانيًا: حرص الصحابي ﵁ على الجهاد في سبيل الله ﷿: إن الصحابة ﵃ أفضل الناس وأحرص الخلق على الخير والرغبة فيما عند الله ﷿؛ ولهذا جاء هذا الرجل يستأذن النبي ﷺ في الجهاد، فقال: «أجاهد؟» فسأله النبي ﷺ: «أحي والداك؟» قال: نعم، فدله النبي ﷺ على أفضل من جهاد التطوع فقال: «ففيهما فجاهد» أي خصصهما بجهاد النفس في رضاهما (٢).\nوهذا كله يدل على حرص هذا الصحابي ﵁ على الأفضل؛ وقد بين ابن حجر ﵀: أن هذا الرجل استفصل \". . . عن الأفضل في أعمال الطاعات ليعمل به؛ لأنه سمع فضل الجهاد فبادر إليه، ثم لم يقنع حتى استأذن فيه فدل على ما هو أفضل منه في حقه\" (٣). فينبغي لكل مسلم وخاصة الداعية إلى الله ﷿ أن يكون حريصا على فعل الطاعات دائما حتى يأتيه اليقين، والله المستعان وعليه التكلان.\nثالثًا: أهمية سؤال المدعو عما أشكل عليه: إن السؤال عما أشكل من أمور الدين أمر مهم؛ لأنه يفتح للإنسان باب العلم والمعرفة؛ وقد ظهر في هذا الحديث أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ فسأله بقوله: \"أجاهد؟ \" ثم أرشده النبي ﷺ إلى الجهاد في بر والديه؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀: \"ولولا السؤال ما حصل له العلم بذلك \" (٤). فينبغي للمسلم أن يسأل عما أشكل عليه حتى يحصل له العلم النافع، ويرتفع عنه الجهل (٥).\n_________\n(١) بهجة النفوس، ٣/ ١٤٦.\n(٢) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٦/ ١٤٠.\n(٣) المرجع السابق ٦/ ١٤٠.\n(٤) فتح الباري بشرح صحيح البخاري ٦/ ١٤٠.\n(٥) انظر: الحديث رقم ٨، الدرس الأول، ورقم ١٩، الدرس الرابع، ورقم ٣٠، الدرس الرابع.","vol":"2","page":660},{"text":"رابعًا: من أساليب الدعوة: السؤال والجواب: لا ريب أن من الأساليب المهمة في الدعوة إلى الله ﷿ أسلوب السؤال والجواب؛ وقد سأل النبي ﷺ هذا الرجل في هذا الحديث فقال: «أحي والداك»؟ \" فلما أجابه الرجل بنعم قال له ﷺ: «ففيهما فجاهد».\nفينبغي للداعية أن يسأل بعض المدعوين ليختبر ما عندهم ثم يجيبهم بالجواب الصحيح كما كان النبي ﷺ يفعل مع بعض المدعوين (١).\nخامسًا: من موضوعات الدعوة: الحض على بر الوالدين: إن الحث على بر الوالدين من أهم المهمات، وأعظم القربات، ولهذه الأهمية العظيمة قال النبي ﷺ لمن استأذنه في الجهاد: «أحي والداك؟» قال: نعم، قال: «ففيهما فجاهد» قال ابن حجر ﵀: \"أي إن كان لك أبوان فبالغ جهدك في برهما والإحسان إليهما؛ فإن ذلك يقوم مقام الجهاد\" (٢)؛ لأن المراد بالجهاد في الوالدين: بذل الجهد والوسع والطاقة في برهما؛ ولأهمية ذلك بينً العلماء أنه لا يجوز الخروج للجهاد إلا بإذن الأبوين بشرط أن يكونا مسلمين؛ لأن برهما فرض عين والجهاد فرض كفاية، فإن تعين الجهاد وكان فرض عين فلا إذن؛ لأن الجهاد أصبح فرضا على الجميع: إما باستنفار الإمام، أو هجوم العدو على البلاد، أو حضور الصف (٣).\n\nوبر الوالدين ملزم به كل مسلم ومسلمة، وهو من أعظم الطاعات وأوجب الواجبات لعدة أدلة منها:\n١ - قرن الله حق الوالدين والإحسان إليهما بعبادته ﷾ كما قرن شكرهما بشكره؛ لأنه الخالق وحده، وقد جعل الوالدين السبب الظاهر\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٥٨، الدرس الثالث، ورقم ١١٠، الدرس الرابع.\n(٢) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ١٠/ ٤. ٣.\n(٣) وانظر: شرح مشكل الآثار للطحاوي ٥/ ٥٦٣، ومعالم السنن للخطابي، ٣/ ٣٧٨، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم للقرطبي ٦/ ٥٠٩.","vol":"2","page":661},{"text":"في وجود الولد، وهذا يدل على شدة تأكد حقهما والإحسان إليهما قولًا وفعلًا؛ لأن لهما من المحبة للولد والإحسان إليه في حال صغره وضعفه ما يقتضي تأكد الحق ووجوب البر.، وتحريم أدنى مراتب الأذى: وهو التضجر أو التأفف من خدمتهما، وزجرهما بالكلمة العالية، أو نفض اليد عليهما، وقد جاء حق الوالدين مقرونة بعبادة الله ﷿ في آيات كثيرة (١) منها قوله ﷿: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: ٣٦] (٢). وقال ﷾: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الأنعام: ١٥١] (٣). وقال ﷿: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] (٤) وقال ﷿: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤] (٥).\n٢ - بر الوالدين أفضل الأعمال بعد الصلاة التي هي أعظم دعائم الإسلام؛ لأن النبي ﷺ أخبر بذلك ورتبه بثم التي تعطي الترتيب والمهلة (٦) فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال «سألت رسول الله ﷺ أي العمل أفضل؛ قال: \"الصلاة لوقتها\" قال: قلت: ثم أي؟ قال: \"ثم بر الوالدين\" قال: قلت: ثم أي؟ قال: \"ثم الجهاد في سبيل الله» (٧).\n٣ - بر الوالدين يرضي الرب ﷿، فعن عبد الله بن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: «رضى الرب في رضى الوالد، وسخط الرب في سخط الوالد» (٨).\n٤ - بر الوالدين يدخل الجنة، فعن أبي الدرداء ﵁ قال سمعت رسول\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن كثير، ٣/ ٣٥، وفتح القدير للشوكاني، ٣/ ٢١٨، وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للسعدي، ٤/ ٢٧٥، وأضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن للشنقيطي ٣/ ٤٩٧.\n(٢) سورة النساء، الآية: ٣٦.\n(٣) سورة الأنعام، الآية: ١٥١.\n(٤) سورة الإسراء، الآية: ٢٣.\n(٥) سورة لقمان، الآية: ١٤.\n(٦) انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، ١٠/ ٢٤٣.\n(٧) متفق عليه: البخاري برقم، ٥٢٧، ومسلم برقم ٨٥، وتقدم تخريجه في الحديث رقم ١٩، الدرس الثالث، ص ١٦٨.\n(٨) الترمذي، كتاب البر والصلة، باب ما جاء من الفضل في رضى الوالدين، ٤/ ٣١٠ برقم ١٨٩٩، والحاكم وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي ٤/ ١٥٢، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة ٢/ ٢٩، برقم ٥١٦، وفي صحيح الأدب المفرد ص ٣٣، برقم ٢.","vol":"2","page":662},{"text":"الله ﷺ يقول: «الوالد أوسط أبواب الجنة فإن شئت فأضع ذلك الباب أو احفظه» (١) وعن معاوية بن جاهمة ﵄ «أن جاهمة جاء إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله أردت أن أغزو وقد جئت أستشيرك فقال ﷺ: \"هل لك من أم؟ \" قال؛ نعم. قال: \"فالزمها فإن الجنة تحت (٢) رجليها» (٣).\n٥ - دعا رسول الله ﷺ على من لم يبر والديه عند الكبر، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «رغم أنفه (٤) ثم رغم أنفه، ثم رغم أنفه\" قيل: من يا رسول الله؟ قال: \"من أدرك والديه عند الكبر: أحدهما، أو كليهما ثم لم يدخل الجنة» (٥) قال الإمام القرطبي ﵀: \"وهذا دعاء مؤكد على من قصر في بر أبويه، ويحتمل وجهين: أحدهما أن يكون معناه: صرعه الله لأنفه فأهلكه، وهذا إنما يكون في حق من لم يقم بما يجب عليه من برهما. وثانيهما أن يكون معناه: أذله الله؛ لأن من ألصق أنفه - الذي هو أشرف أعضاء الوجه - بالتراب - الذي هو موطئ الأقدام وأخس الأشياء - فقد انتهى من الذل إلى الغاية القصوى، وهذا يصلح أن يدعى به على من فرط في متأكدات المندوبات، ويصلح لمن فرط في الواجبات، وهو الظاهر، وتخصيصه عند الكبر بالذكر - وإن كان برهما واجبًا على كل حال - إنما كان ذلك لشدة حاجتهما إليه؛ ولضعفهما عن القيام بكثير من مصالحهما، فيبادر الولد اغتنام فرصة برهما؛ لئلا تفوته بموتهما فيندم على ذلك\" (٦).\n_________\n(١) الترمذي، كتاب البر والصلة، باب ما جاء من الفضل في رضى الوالدين، وقال؛ هذا حديث صحيح ٤/ ٣١١، برقم ١٩٠٠، وقال عبد القادر الأرنؤوط وهو كما قال. انظر: تحقيقه لجامع الأصول، ١/ ٤٠٤.\n(٢) أي نصيبك من الجنة لا يصل إليك إلا برضاها، وكأنه لها وهي قاعدة عليه فلا يصل إليك إلا من جهتها. انظر: حاشية السندي على سنن النسائي، ٦/ ١١.\n(٣) النسائي، كتاب الجهاد، باب الرخصة في التخلف لمن له والدة، ٦/ ١١، برقم ٣١٠٤، وأحمد في المسند، ٣/ ٤٢٩، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي ٤/ ١٥١، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/ ١٣٨: (رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات\" وحسنه عبد القادر الأرنؤوط في جامع الأصول، ١/ ٤٥٣.\n(٤) رغم أنفه: أي لصق أنفه بالرغام وهو التراب المختلط برمل شرح النووي على صحيح مسلم ١٦/ ٣٤٤.\n(٥) صحيح مسلم، كتاب البر والصلة، باب رغم أنف من أدرك أبويه أو أحدهما عند الكبر فلم يدخل الجنة، ٤/ ١٩٧٨، برقم ٢٥٥١.\n(٦) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٦/ ٥١٨.","vol":"2","page":663},{"text":"وقد خص الله حالة الكبر للوالدين بمزيد من الأمر بالإحسان، والبر، والعطف، والشفقة والرحمة؛ لأنها الحالة التي يحتاجان فيها إلى بره؛ لتغير الحال عليهما بالضعف، والكبر، فألزم ﷾ في هذه الحالة من مراعاة أحوالهما أكثر مما ألزمه من قبل؛ لأنهما في هذه الحالة قد صارا كلا عليه، فيحتاجان أن يلي منهما في الكبر ما كان يحتاج في صغره أن يليا منه؛ ولهذا خص هذه الحالة بالذكر، وأيضًا فطول المكث للمرء يوجب الاستثقال للمرء عادة، ويحصل الملل، ويكثر الضجر، فيظهر غضبه على أبويه، وتنتفخ لهما أوداجه، ويستطيل عليهما لقلة دينه وضعف بصيرته، وأقل المكروه ما يظهر بتنفسه المتردد من الضجر، وقد أمر الله أن يقابلهما بالقول الموصوف بالكرامة وهو السالم عن كل عيب (١) فقال ﷿: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: ٢٣] (٢) وأمره الله ﷿ أن يتواضع لهما ويخفض لهما جناح الذل من الرحمة احتسابا للأجر لا للخوف منهما، وأمره ﷿ أن يدعو لهما بالرحمة أحياءً وأمواتا، جزاءً على تربيتهم وإحسانهم، فقال ﷿: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤] (٣) ٦ - بين رسول الله ﷿ بما يجزي الولد والده، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يجزي ولد والدًا إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه» (٤). وعن أبي بردة أنه شهد: «ابن عمر ﵄، ورجل يماني يطوف بالبيت، حمل أمه وراء ظهره يقول:\nإني لها بعيرها المذلل ... إن أذعرت ركابها لم أذعر\nثم قال: يا ابن عمر، أتراني جزيتها؛ قال: \"لا، ولا بزفرة واحدة» (٥).\n_________\n(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، ١٠/ ٢٤٦.\n(٢) سورة الإسراء، الآية: ٢٣.\n(٣) سورة الإسراء، الآية: ٢٤.\n(٤) مسلم، كتاب العتق، باب فضل عتق الوالد، ٢/ ١١٤٨، برقم ١٥١٠.\n(٥) الأدب المفرد للبخاري، ١/ ٦٢ برقم ١١، وقال الألباني في صحيح الأدب المفرد ١/ ٣٦: \"صحيح الإسناد\".","vol":"2","page":664},{"text":"٧ - من بر الوالدين والإحسان إليهما أن لا يتعرض لسبهما، ولا يعقهما ولا يكون سببا في شتمهما، فعن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «من الكبائر شتم الرجل والديه\" قالوا يا رسول الله، هل يشتم الرجل والديه؟ قال: \"نعم، يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه» (١) وعن علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من آوى محدثا (٢) ولعن الله من لعن والديه، ولعن الله من غير منار الأرض» (٣).\n٨ - بر الوالدين وإن كان فرضًا فإنه يتفاوت في الأحقية، فالأم عانت صعوبة الحمل، وصعوبة الوضع، وصعوبة الرضاع والتربية، فهذه ثلاث منازل تمتاز بها الأم (٤) «فعن أبي هريرة ﵁ قال جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ (٥) قال: \"أمك\" قال: ثم من؟ قال: \"أمك\" قال: ثم من؟ قال: \"أمك\" قال: ثم من؟ قال: \"ثم أبوك» (٦) وفي رواية لمسلم: «أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أبوك، ثم أدناك أدناك» (٧).\n٩ - من تمام البر صلة أهل ود الوالدين، فعن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رجلًا من الأعراب لقيه بطريق مكة، فسلم عليه عبد الله وحمله على حمار كان يركبه، وأعطاه عمامة كانت على رأسه، فقال عبد الله بن دينار: أصلحك الله إنهم الأعراب وإنهم يرضون باليسير، فقال عبد الله: إن أبا هذا كان ودا لعمر بن الخطاب وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \" إن أبر\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الأدب، باب لا يسب الرجل والديه، ٧/ ٩٢، برقم ٥٩٧٣، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها، ١/ ٩٢، برقم ٩٠، ولفظ البخاري \"إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه\" الحديث.\n(٢) المحدث من يأتي بفساد في الأرض، ومنار الأرض: علامات حدودها، وانظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ١٣/ ١٥٠.\n(٣) صحيح مسلم، كتاب الأضاحي، باب تحريم الذبح لغير الله تعالى ولعن فاعله، ٣/ ١٥٦٧، برقم ١٩٧٨.\n(٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، ١٥/ ٢٤٤.\n(٥) صحابتي هنا بمعنى: الصحبة. انظر \"شرح النووى على صحيح مسلم ١٦/ ٣٣٧.\n(٦) متفق علبه: البخاري، كتاب الأدب، باب من أحق الناس بحسن الصحبة، ٧/ ٩١، برقم ٥٩٧١، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب بر الوالدين وأنهما أحق به، ٤/ ١٩٧٤، برقم ٢٥٤٨.\n(٧) رواية للحديث السابق عند مسلم، في الكتاب والباب السابقين، ٤/ ١٩٧٤.","vol":"2","page":665},{"text":"البر صلة الولد أهل ود أبيه \" (١) ومن الأعمال الطيبة المباركة التي يوصل بها الوالدان بعد موتهما: الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما (٢).\n١٠ - بر الوالدين لا يختص بأن يكونا مسلمين، بل حتى ولو كانا كافرين، يبرهما ويحسن إليهما قال الله ﷿: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] (٣). «وعن أسماء بنت أبي بكر ﵂ قالت: أتتني أمي راغبة (٤) في عهد النبي ﷺ، فسألت النبي ﷺ: أأصلها؟ قال: \"نعم» قال ابن عيينة فأنزل الله تعالى فيها: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الممتحنة: ٨] (٥). ومن أعظم البر دعوتهما إلى الله ﷿ وتعليمهما ما ينفعهما؛ لأنهما أحق الناس بالتوجيه مع الرفق والرحمة.\n١١ - من عظم حقهما قرن النبي ﷺ عقوقهما بالشرك بالله ﷿، فعن أبي بكرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ \" ثلاثًا. قالوا: بلى يا رسول الله، قال: \"الإشراك بالله، وعقوق الوالدين\" وجلس وكان متكئا فقال: \"ألا وقول الزور\" فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت» (٦) وعن أنس ﵁ قال: «سئل النبي ﷺ عن الكبائر قال: \"الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، وشهادة الزور» (٧).\n_________\n(١) مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب فضل صلة أصدقاء الأب والأم ونحوهما، ٤/ ١٩٧٩، برقم ٢٥٥٢.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٨، الدرس الرابع.\n(٣) سورة لقمان، الآية: ١٥.\n(٤) راغبة: أي طامعة تسأل. انظر: جامع الأصول لابن الأثير، ١/ ٤٠٦.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب الأدب، باب صلة الوالد المشرك، ٧/ ٩٤، برقم ٥٩٧٨، ومسلم، كتاب الزكاة، باب فضل النفقة على الأقربين والزوج والأولاد والوالدين ولو كانوا مشركين، ٢/ ٩٩٦، برقم ١٥٠٣، والآية من سورة الممتحنة: ٨.\n(٦) متفق عليه: البخاري، كتاب الشهادات، باب ما قيل في شهادة الزور، ٢/ ٢٥٤، برقم ٢٦٥٤، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الكبائر وأكبرها، ١/ ٩١، برقم ٨٧.\n(٧) متفق عليه: البخاري، كتاب الشهادات، باب ما قيل في شهادة الزور، ٣/ ٢٠٤، برقم ٢٦٥٣، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الكبائر وأكبرها، ١/ ٩١، برقم ٨٨.","vol":"2","page":666},{"text":"١٢ - دعوة الوالدين مستجابة؛ ففي حديث أبي هريرة ﵁ أن رجلًا عابدًا، وكان في صومعة له، فأتته أمه وهو يصلي فقالت: يا جريج أنا أمك كلمني، فقال: يا رب أمي وصلاتي، فأقبل على صلاته، وفي اليوم الثاني كذلك فأقبل على صلاته، وفي اليوم الثالث أتته، فقال: رب أمي وصلاتي فأقبل على صلاته، قالت: \"اللهم لا تمته حتى ينظر إلى وجوه المومسات\" فاستجاب الله دعاءها فبهتته بغي من بني إسرائيل حامل من الزنا، وقالت: هو الذي فعل بها، فعذب وهدمت صومعته، وأخيرًا أنجاه الله بعد العقوبة العاجلة (١).\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: \" ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة الوالد، ودعوة المسافر، ودعوة المظلوم \" (٢).\n١٣ - ولعظم حقهما أكرم الله من برهما بإجابة دعواته، ومن ذلك حديث الثلاثة الذين انحدرت عليهم صخرة عظيمة فأغلقت عليهم باب الغار؛ فإن منهم رجلًا كان برًا بوالديه، فتوسل بذلك العمل الصالح فاستجاب الله دعاءه (٣) ومن ذلك إخبار النبي ﷺ عن أفضل التابعين وأنه لو أقسم على الله لأبره، والسبب أن له والدة هو بها بر (٤).\nفينبغي للداعية أن يحض الناس ويحثهم على بر الوالدين، ويحذرهم من العقوق والقطيعة؛ فإن تعليم الناس ما ينفعهم مما أوجب الله عليهم من أهم الواجبات والله المستعان.\n_________\n(١) انظر: صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا) ٤/ ١٦٨، برقم ٣٤٣٦، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب تقديم بر الوالدين على التطوع بالصلاة وغيرها، ٤/ ١٩٧٦، برقم ٢٥٥٠.\n(٢) أبو داود، كتاب الصلاة، باب الدعاء بظهر الغيب، ٢/ ٨٩، برقم ١٥٣٦، والترمذي، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في دعوة الوالدين، ٤/ ٣١٤، برقم ١٩٠٥، وابن ماجه، كتاب الدعاء، باب دعوة الوالد ودعوة المظلوم، ٢/ ١٢٧٠، برقم ٣٨٦٢ وحسنه الألباني في صحيح الأدب المفرد للبخاري ص ٤٣، وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني ٢/ ١٤٧، برقم ٥٩٦.\n(٣) متفق عليه: انظر: البخاري، كتاب البيوع، باب إذا اشترى شيئًا لغيره بدون إذنه فرضي، ٣/ ٥٠، برقم ٢٢١٥، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء، والتوبة والاستغفار، باب قصة أصحاب الغار الثلاثة والتوسل بصالح الأعمال، ٤/ ٢٠٩٩ برقم ٢٧٤٣.\n(٤) مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل أويس القرني، ٤/ ١٩٦٨ برقم ٢٥٤٢.","vol":"2","page":667},{"text":"سادسًا: من أساليب الدعوة: الترغيب: إن الترغيب من الأساليب المهمة التي تجذب قلوب المدعوين؛ وقد ظهر هذا الأسلوب في قول النبي ﷺ «للرجل الذي يستأذن في الجهاد: \" أحي والداك؟ \" قال: نعم. قال: \" ففيهما فجاهد» فدل ذلك على فضل بر الوالدين وأنه أفضل من جهاد التطوع في سبيل الله ﷿، قال الحافظ ابن حجر ﵀: \"وفي هذا الحديث فضل بر الوالدين، وتعظيم حقهما، وكثرة الثواب على برهما\" (١) وهذا يوضح للداعية إلى الله ﷿ أهمية الترغيب وأثره (٢).\n_________\n(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٦/ ١٤١.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٧، الدرس الرابع عشر، ورقم ٨، الدرس الرابع.","vol":"2","page":668},{"text":"٢٣٩ -<span data-type=\"title\" id=toc-218> باب ما قيل في الجرس ونحوه في أعناق الإبل</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-219>[حديث لا تبقين في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلا قطعت]</span>\n١١٥ - [٣٠٠٥] حدثنا عبد الله بن يوسف: أخبرنا مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عباد بن تميم: أن أبا بشير الأنصاري (١) ﵁ أخبر أنه كان مع رسول الله ﵁ في بعض أسفاره، قال عبد الله: حسبت أنه قال: والناس في مبيتهم، فأرسل رسول الله ﷺ رسولًا: «لا تبقين في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلا قطعت» (٢).\nشرح غريب الحديث: \" قلادة من وتر \" قيل: أراد بالأوتار: جمع: وتر القوس، أي: لا تجعلوا في أعناقها الأوتار فتختنق؛ لأن الخيل ربما رعت الأشجار فنشبت الأوتار ببعض شعبها فخنقتها. وقيل: إنما نهاهم عنها؛ لأنهم كانوا يعتقدون أن تقليد الخيل بالأوتار يدفع عنها العين والأذى، فتكون كالعوذة لها، فنهاهم وأعلمهم أنها لا تدفع ضررا ولا تصرف حذرًا، ولا ترد من أمر الله شيئًا (٣).\n\nالدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من ميادين الدعوة: السفر وطرق السير.\n_________\n(١) أبو بشير الأنصاري الساعدي، ويقال: المازني، ويقال: الحارثي، المدني، مخرج حديثه في الصحيحين من طريق عباد بن تميم، وروى عنه أيضًا ضمرة بن سعيد، وسعيد بن نافع، قيل: اسمه قيس بن عبيد، قال ابن عبد البر: ولا يصح ولا يوقف له على اسم صحيح، وليس في الصحابة أبو بشير غيره، قيل: شهد أحدا وهو غلام، وقيل: شهد الخندق، وقيل: مات سنة الحرة بعد أن عمر طويلًا، وقيل. مات سنة أربعين، قال ابن حجر والصحيح الأول، وأنه مات بعد سنة ستين من أثر جرح بالحرة. انظر. الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر ٤/ ٢٠، وتهذيب التهذيب له، ١٢/ ٢٤، وفتح الباري له ٦/ ١٤١.\n(٢) وأخرجه مسلم في كتاب اللباس والزينة، باب كراهة قلادة الوتر في رقبة البعير، ٣/ ١٦٧٢، برقم ٢١١٥.\n(٣) انظر: تفسير غريب مما في الصحيحين للحميدي ص ١٢٥، ومشارق الأنوار للقاضي عياض، حرف الواو مع التاء، مادة: \"وتر\" ٢/ ٢٧٨، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب القاف مع اللام، مادة: \"قلد\" ٤/ ٩٩، وباب الواو مع التاء، مادة: \"وتر\" ٥/ ١٤٩\".","vol":"2","page":669},{"text":"٢ - من وسائل الدعوة: إرسال الرسل.\n٣ - من موضوعات الدعوة: التحذير من الشرك ووسائله.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولًا: من ميادين الدعوة: السفر وطرق السير: إن السفر وطرق السير من ميادين الدعوة التي استخدمها رسول الله ﷺ في دعوته؛ ولهذا جاء في هذا الحديث عن عباد بن تميم أن أبا بشير الأنصاري ﵁ أخبره أنه كان مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، فأرسل رسول الله ﷺ رسولًا: «لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر، أو قلادة إلا قطعت» فظهر أن السفر من ميادين الدعوة إلى الله ﷿.\nفينبغي للداعية أن يعتني بالدعوة إلى الله ﷿ في السفر كما يعتني بها في غيره (١).\nثانيًا: من وسائل الدعوة: إرسال الرسل: لا شك أن إرسال الرسل والدعاة إلى الله ﷿ من أهم وسائل الدعوة خارج البلاد أو في الأماكن البعيدة منها التي لا يصل إليها الدعاة في الغالب، أو في الجمع الكبير الذين لا يسمعون صوت الداعية؛ ولهذا أرسل رسول الله ﷺ رسولًا يبلغ الناس أن: «لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلا قطعت» وذكر الإمام ابن عبد البر ﵀: \"أن الرسول الذي أرسله النبي ﷺ في هذا الحديث هو: زيد بن حارثة ﵁ (٢) وقد كان النبي ﷺ يرسل الرسل، ويبعث البعوث للدعوة إلى الله ﷾. فينبغي العناية بهذه الوسيلة؛ لأهميتها (٣).\nثالثًا: من موضوعات الدعوة: التحذير من الشرك ووسائله: ظهر في هذا الحديث أن النبي ﷺ أمر بقطع القلائد من الأوتار وغيرها سدًا\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٤٧، الدرس الثالث.\n(٢) انظر: الاستذكار، لابن عبد البر، ٢٦/ ٣٦٢، برقم ٣٩٩٦٢، والتمهيد له، ١٧/ ١٥٩.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٦٦، الدرس الثالث، ورقم ٩٠، الدرس الثاني.","vol":"2","page":670},{"text":"لأبواب الشرك وقطعا لوسائله؛ ولهذا قال: «لا تبقين في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلا قطعت» قوله: \"أو قلادة\" قيل: للتنويع (١) وقيل: للشك (٢) ووقع في رواية أبي داود: «لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر ولا قلادة إلا قطعت» (٣) فدل ذلك على أنه من عطف العام على الخاص (٤) وقد اختلف أهل العلم في المقصود بالأوتار: فقيل: إنهم كانوا يقلدون الإبل أوتار القسي؛ لئلا تصيبها العين، الواحد منه \"وتر القوس\" (٥) فأمروا بقطعها إعلاما بأن الأوتار لا ترد من أمر الله شيئا. وقيل: نهاهم عن ذلك لئلا تختنق الدابة بها عند الركض أو عند الرعي في الأشجار. وقيل: نهاهم عن ذلك، لأنهم كانوا يعلقون فيها الأجراس؛ لقوله ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁ «لا تصحب الملائكة رفقة فيها كلب ولا جرس» (٦)؛ ولحديث أبي هريرة ﵁ الآخر: «الجرس مزامير الشيطان» (٧) وقيل: إن الأوتار في هذا الحديث بمعنى طلب الدم والثأر، أي: لا تطلبوا بها ذحول الجاهلية (٨) وأنكر الإمام القرطبي وغيره هذا القول الرابع فقال: \"يعني بالوتر: وتر القوس ولا معنى لقول من قال: إنه يعني بذلك: الوتر الذي هو الذحل: وهو طلب الثأر؛ لبعده لفظا ومعنى\" (٩) قلت: والصواب ما قاله الإمام مالك ﵀ أنهم كانوا يقلدون الإبل أوتار القسي؛ لئلا تصيبها العين، وسمعت العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز حفظه الله يقول: \"والصواب أن ذلك النهي في باب الاعتقاد، وخشية العين،\n_________\n(١) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي ٥/ ٤٣٦، وفتح الباري، لابن حجر، ٦/ ٣٤١.\n(٢) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي ٥/ ٤٣٦، وشرح النووي على صحيح مسلم ١٤/ ٣٤١.\n(٣) سنن أبي داود، كتاب الجهاد، باب في تقليد الخيل بالأوتار، ٣/ ٢٤، برقم ٢٥٥٢.\n(٤) انظر: فتح الباري، لابن حجر، ٦/ ١٤١.\n(٥) انظر: موطأ الإمام مالك، ٢/ ٩٣٧، وصحيح مسلم برقم ٢١١٥.\n(٦) صحيح مسلم، كتاب اللباس والزينة، باب كراهية الكلب والجرس في السفر، ٣/ ١٦٧٢، برقم ٢١١٣.\n(٧) المرجع السابق في الكتاب والباب المشار إليهما، ٣/ ١٦٧٢ برقم ٢١١٤.\n(٨) انظر: أعلام الحديث للخطابي ٢/ ١٤٢٥، والاستذكار لابن عبد البر، ٢٦/ ٣٦٢ - ٣٦٥، وتفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ١٢٥، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، ٤/ ٩٩، وشرح النووي على صحيح مسلم، ١/ ٣٤١، وفتح الباري لابن حجر، ٦/ ١٤١، وعمدة القاري للعيني ١٤/ ٢٥٢، وشرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك ٤/ ٤٠٥.\n(٩) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٥/ ٤٣٥.","vol":"2","page":671},{"text":"أو المرض، أو الجن، أو غير ذلك من اعتقادات الجاهلية والقلادة من الأوتار: كالتمائم، سواء كانت على الإبل أو الخيل، أما للزينة فلا بأس بها\" (١). فينبغي للداعية أن يحذر الناس من الشرك ووسائله؛ قال الله ﷿: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: ٣٨] (٢). وقال ﷿: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] (٣). وعن عبد الله بن عكيم مرفوعا: «من تعلق شيئًا وكل إليه» (٤) وعن عقبة بن عامر ﵁ مرفوعًا: «من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة (٥) فلا ودع الله له» (٦) وفي رواية: «من تعلق تميمة فقد أشرك» (٧). فينبغي للداعية أن يبين للناس أن تعليق القلائد من الوتر وغيرها من الخيوط والتمائم من وسائل الشرك؛ لأن بعض الناس يظنون أن تعليق ذلك من أسباب السلامة، ولا بد للعبد أن يعرف في الأسباب ثلاثة أمور:\n١ - لا يجعل من الأسباب سببا إلا ما ثبت أنه من الأسباب المشروعة.\n٢ - لا يعتمد على الأسباب بل يعتمد على مسببها ومقدرها مع قيام العبد بالمشروع منها وحرصه على النافع منها.\n_________\n(١) سمعت ذلك من سماحته أثناء شرحه لحديث رقم ٣٠٠٥ من صحيح البخاري.\n(٢) سورة الزمر، الآية: ٣٨.\n(٣) سورة يوسف، الآية: ١٠٦.\n(٤) الترمذي، كتاب الطب، باب ما جاء في كراهية التعليق، ٤/ ٤٠٣، برقم ٣٠٧٢، والحاكم ٤/ ٢١٦، وأحمد في المسند ٤/ ٣١٠، والبيهقي في السنن الكبرى، ٩/ ٣٥١، وحسنه الألباني في غاية المرام تخريج أحاديث الحلال والحرام ص ١٨١ برقم ٢٩٧ لشاهده عن الحسن البصري، وأطال في تخريجه وذكر طرقه: الشيخ فريح بن صالح البهلال، في كتاب تخريج أحاديث منتقدة في كتاب التوحيد لابن عبد الوهاب، وأقره العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز على التخريج وقدم له. انظر: ص ٢٥.\n(٥) الودع: جمع ودعة، وهي شيء أبيض يجلب من البحر يعلقه المشركون في حلوق الصبيان وغيرهم مخافة العين. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الواو مع الدال، مادة: \"ودع\" ٥/ ١٦٨.\n(٦) أحمد في المسند، ٤/ ١٥٤، وأبو يعلى في المسند، ٣/ ٢٩٦، برقم ١٧٥٩، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي ٤/ ٤١٧، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، ٥/ ١٠٣: \"رواه أحمد والطبراني وأبو يعلى ورجالهم ثقات \".\n(٧) أحمد في المسند، ٤/ ١٥٦، والحاكم، ٤/ ٢١٩ وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، ٥/ ١٠٣: \"رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد ثقات\".","vol":"2","page":672},{"text":"٣ - يعلم أن الأسباب مهما عظمت وقويت فإنها مرتبطة بقضاء الله وقدره ولا خروج لها عنه، والله يتصرف فيها كيف يشاء إن شاء أبقى سببيتها جارية على مقتضى حكمته؛ ليقوم بها العباد ويعرفوا بذلك مقتضى حكمته حيث ربط المسببات بأسبابها والمعلولات بعللها، وإن شاء غيرها كيف شاء، لئلا يعتمد عليها العباد؛ وليعلموا كمال قدرته.\nإذا علم ذلك فمن علق شيئًا أو لبس حلقة أو خيط أو نحو ذلك، قاصدًا بها رفع البلاء بعد نزوله أو دفعه قبل نزوله فقد أشرك شركًا أكبر إذا اعتقد أنها هي الدافعة الرافعة للبلاء. أما إذا اعتقد أن الله هو الدافع الرافع وحده ولكن اعتقدها سببا، يستدفع بها البلاء فقد جعل ما ليس سببا شرعيًا سببا وهذا كذب على الشرع والقدر: فأما الكذب على الشرع؛ فلأن الشرع نهى عن ذلك أشد النهي وما نهى عنه فليس من الأسباب النافعة، وأما القدر؛ فلأن هذا ليس من الأسباب المعهودة ولا غير المعهودة التي يحصل بها المقصود ولا من الأدوية المباحة النافعة، وهو من جملة وسائل الشرك؛ لأن قلبه لا بد أن يتعلق بها، وذلك نوع شرك ووسيلة إليه (١) وهذا كله يؤكد تعليم الناس التوحيد وتحذيرهم من الشرك ووسائله.\n_________\n(١) انظر: القول السديد في مقاصد التوحيد، حاشية على كتاب التوحيد لمحمد بن عبد الوهاب، للعلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي ص ٤٣.","vol":"2","page":673},{"text":"١٤١ -<span data-type=\"title\" id=toc-220> بَابُ الجَاسُوسِ</span>\nوقول الله ﷿: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ﴾ [الممتحنة: ١] (١). التجسس: التبحث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-221>[حديث انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة ومعها كتاب فخذوه منها]</span>\n١١٦ - [٣٠٠٧] حدثنا علي بن عبد الله: حدثنا سفيان: حدثنا عمرو بن دينار سمعت منه مرتين قال: أخبرني حسن بن محمد قال: أخبرني عبيد الله بن أبي رافع قال: «سمعت عليا \" (٢) ﵁ يقول: \"بعثني رسول الله ﷺ أنا والزبير (٣) والمقداد (٤) وقال: \"انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينةً ومعها كتاب فخذوه منها\". فانطلقنا تعادى بنا خيلنا، حتى انتهينا إلى الروضة، فإذا نحن بالظعينة، فقلنا: أخرجي الكتاب. فقالت: ما معي من كتاب. فقلنا: لتخرجن الكتاب، أو لنلقين الثياب. فأخرجته من عقاصها، فأتينا به رسول الله ﷺ، فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة (٥) إلى أناس من المشركين من أهل مكة\n_________\n(١) سورة الممتحنة، الآية: ١.\n(٢) علي بن أبي طالب ﵁ تقدمت ترجمته في الحديث رقم ٧٨.\n(٣) الزبير بن العوام تقدمت ترجمته في الحديث رقم ٥٢.\n(٤) المقداد بن عمرو بن ثعلبة بن مالك القضاعي، الكندي البهراني، وقيل: الحضرمي، صاحب رسول الله ﷺ، أصاب عمرو بن ثعلبة دما في قومه في بهراء فلحق بحضر موت فحالف كندة، وتزوج هناك فولد له المقداد، فلما كبر المقداد أصاب دمًا فهرب إلى مكة فحالف الأسود بن عبد يغوث الزهري وكتب إلى أبيه فقدم عليه، وتبناه الأسود فنسب إليه، وهو من السابقين الأولين؛ لأنه من السبعة الذين سبقوا إلى إظهار إسلامهم، وهاجر إلى الحبشة، ثم عاد إلى المدينة، وشهد مع رسول الله ﷺ بدرًا وسائر المشاهد، وقيل: لم يثبت أنه شهد بدرًا فارس مع رسول الله ﷺ، غير المقداد، وقيل: كان الزبير فارسا أيضا. روي له عن رسول الله ﷺ اثنان وأربعون حديثًا، اتفق البخاري ومسلم على حديث واحد، ولمسلم ثلاثة ومن حكمته وشجاعته أنه قال للنبي ﷺ يوم بدر: يا رسول الله إنا لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﷺ: \" فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [المائدة: ٢٤]، ولكن امض ونحن معك \"فكأنه سري عن رسول الله ﷺ. مات ﵁ سنة ثلاث وثلاثين بالمدينة وهو ابن سبعين سنة وصلى عليه عثمان ﵁. انظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي ٢/ ١١١، وسير أعلام النبلاء للذهبي ١/ ٣٨٥، والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، ٣/ ٤٥٤، وتقريب التهذيب له، ص ٩٦٨.\n(٥) حاطب بن أبي بلتعة بن عمرو بن عمير اللخمي حليف بني أسد، قيل: كان مولى عبيد الله بن حميد بن زهير فكاتبه فأدى كتابته، شهد بدرا والحديبية ﵁، وقيل: كان حليفا للزبير وهو من أهل اليمن، قيل: وأرسله رسول الله إلى المقوقس صاحب الإسكندرية سنة ست من الهجرة، وبعث معه مارية القبطية، وأختها سيرين وجارية أخرى. مات حاطب ﵁ سنة ثلاثين في خلافة عثمان ﵁، وكان عمره خمسا وستين سنة. انظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي ١/ ١٥١، والإصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر ١/ ٣٠٠.","vol":"2","page":674},{"text":"يخبرهم ببعض أمر رسول الله ﷺ. فقال رسول الله ﷺ: \"يا حاطب ما هذا؟ \" قال: يا رسول الله لا تعجل علي إني كنت امرأً ملصقا في قريش، ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون بها أهليهم وأموالهم فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدًا يحمون بها قرابتي، وما فعلت كفرًا ولا ارتدادًا ولا رضًا بالكفر بعد الإسلام. فقال رسول الله ﷺ: \"لقد صدقكم\". فقال عمر ﵁: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق. قال: \"إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك لعل الله أن يكون قد اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم». قال سفيان: وأي إسناد هذا؟ (١).\nوفي رواية: حدثنا موسى بن إسماعيل: حدثنا أبو عوانة، عن حصين، عن فلان قال: تنازع أبو عبد الرحمن، وحبان بن عطية فقال أبو عبد الرحمن لحبان: لقد علمت الذي (٢) جرأ صاحبك على الدماء - يعني عليا - قال: ما هو لا أبا لك؟ قال شيء سمعته يقوله: قال: ما هو؟ قال: بعثني رسول الله ﷺ والزبير وأبا مرثد (٣) وكلنا فارس قال: «انطلقوا حتى تأتوا روضة\n_________\n(١) [الحديث ٣٠٠٧] أطرافه في: كتاب الجهاد والسير، باب إذا اضطر الرجل إلى النظر في شعور أهل الذمة، والمؤمنات إذا عصين الله وتجريدهن، ٤/ ٤٨، برقم ٣٠٨١. وكتاب المغازي، باب فضل من شهد بدرا، ٥/ ١٣، برقم ٣٩٨٣. وكتاب المغازي، باب غزوة الفتح وما بعث به حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة يخبرهم بغزو النبي ﷺ، ٥/ ١٠٥، برقم ٤٢٧٤. وكتاب تفسير القرآن، ٦٠ سورة الممتحنة، باب لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ ٦/ ٧١، برقم ٤٨٩٠. وكتاب الاستئذان، باب من نظر في كتاب من يحذر على المسلمين ليستبين أمره، ٧/ ١٧٣، برقم ٦٢٥٩. وكتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، باب ما جاء في المتأولين، ٨/ ٦٩، برقم ٦٩٣٩. وأخرجه مسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أهل بدر ﵃، وقصة حاطب بن أبي بلتعة، ٤/ ١٩٤١، برقم ٢٤٩٤.\n(٢) في نسخة البخاري مع الفتح الطبعة السلفية ١٢/ ٣٠٦ \"لقد علمت ما الذي جرأ\" قال الحافظ ابن حجر: \"كذا للكشميهني وكذا في أكثر الطرق\".\n(٣) أبو مرثد الغنوي: قيل اسمه: كناز بن الحصين، وقيل: حصين بن كناز، قيل: والمشهور الأول، شهد بدرا، وذكر في إسناد هذا الحديث أن النبي ﷺ بعثه إلى الظعينة مع علي والزبير، وفي الروايات السابقة: أن النبي ﷺ بعث علي بن أبي طالب والزبير والمقداد ﵃، قال الكرماني ﵀: \"ذكر القليل لا ينافي الكثير\" وقال: \"ولا منافاة بينهما بل بعث الأربعة\" شرح الكرماني على صحيح البخاري ١٣/ ١٩، ٢٤/ ٥٨، وسكن الشام. روى عن النبي ﷺ حديث: \"لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها\" [مسلم برقم ١٩٧] انظر: شرح الكرماني على صحيح البخاري، ٢٤/ ٥٨، والإصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر ٤/ ١٧٧.","vol":"2","page":675},{"text":"حاج (١) \" قال أبو سلمة: هكذا قال أبو عوانة حاج \"فإن فيها امرأةً معها صحيفة من حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين فائتوني بها\" فانطلقنا على أفراسنا حتى أدركناها حيث قال لنا رسول الله ﷺ تسير على بعير لها وكان كتب إلى أهل مكة بمسير رسول الله ﷺ إليهم فقلنا: أين الكتاب الذي معك؟ قالت: ما معي كتاب، فأنخنا بها بعيرها فابتغينا في رحلها فما وجدنا شيئًا فقال صاحبي (٢) ما نرى معها كتابا قال: فقلت: لقد علمنا ما كذب رسول الله ﷺ، ثم حلف علي: والذي يحلف به لتخرجن الكتاب أو لأجردنك، فأهوت إلى حجزتها وهي محتجزة بكساء، فأخرجت الصحيفة، فأتوا بها رسول الله ﷺ فقال عمر: يا رسول الله قد خان الله ورسوله والمؤمنين دعني فأضرب عنقه، فقال رسول ﷺ: \"يا حاطب ما حملك على ما صنعت؟ \" قال: يا رسول الله ما لي أن لا أكون مؤمنًا بالله ورسوله، ولكني أردت أن يكون لي عند القوم يد يدفع بها عن أهلي ومالي، وليس من أصحابك أحد إلا له هنالك من قومه من يدفع الله به عن أهله وماله. قال: \"صدق لا تقولوا له إلا خيرًا\" قال: فعاد عمر فقال: يا رسول الله قد خان الله ورسوله والمؤمنين دعني فلأضرب عنقه، قال: \"أوليس من أهل بدر؟ وما يدريك لعل الله اطلع عليهم فقال: اعملوا ما شئتم فقد أوجبت لكم الجنة\" فاغرورقت عيناه فقال: الله ورسوله أعلم. قال أبو عبد الله: خاخ أصح، ولكن كذلك قال أبو عوانة: حاج وحاج تصحيف، وهو موضع وهشيم يقول: خاخ» (٣).\nوفي رواية: «ما حملك يا حاطب على ما صنعت؟ \" قال: ما بي إلا أن أكون\n_________\n(١) هكذا في نسخة الفتح ١٢/ ٣٠٦، ونسخة استانبول ٨/ ٥٤، قال الحافظ: \"بمهملة ثم جيم\" وفي النسخة المعتمدة بالخاء المكررة، والصواب ما قرره البخاري في آخر هذه الرواية \"خاخ \".\n(٢) في نسخة البخاري المطبوعة مع فتح الباري ١٢/ ٣٠٤ \"صاحباي\" قال الكرماني ٢٤/ ٥٨ \"في بعضها صاحبي وهو بلفظ المفرد ظاهر، وبالمثنى صحيح على مذهب من يقلب الألف ياء\".\n(٣) الطرف رقم ٦٩٣٩.","vol":"2","page":676},{"text":"مؤمنا بالله ورسوله، وما غيرت ولا بدلت». . . \" (١).\nوفي رواية: \". . . «فأنزل الله السورة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الممتحنة: ١] إلى قوله: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [الممتحنة: ١]» (٢). وفي رواية: «انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها امرأةً من المشركين معها كتاب من حاطب». . . \" (٣). وفي رواية: «ما هذا يا حاطب؟ \" قال: لا تعجل علي يا رسول الله إني كنت امرأً من قريش». . . \" (٤).\n\nشرح غريب الحديث: * \" روضة خاخ \" هي بخاءين معجمتين: موضع بين مكة والمدينة (٥).\n* \" ظعينة \" جمعها: ظعن، وأصل الظعينة؛ الراحلة التي يرحل ويظعن عليها، أي: يسار عليها، وقيل للمرأة ظعينة؛ لأنها تظعن مع الزوج حيثما ظعن (٦).\n* \" عقاصها \" ضفائرها، وقيل: هو الخيط الذي تعقص به أطراف الذوائب ويقال: عقص الشعر: ضفره وفتله، وأصل العقص اللي والعقد (٧).\n* \" حجزتها \" أصل الحجزة موضع شد الإزار ومعقده في الوسط عند السرة، ثم قيل للإزار: حجزة للمجاورة (٨).\n_________\n(١) من الطرف رقم ٦٢٥٩.\n(٢) من الطرف رقم ٤٢٧٤.\n(٣) من الطرف رقم ٣٩٨٣.\n(٤) من الطرف رقم ٤٨٩٠.\n(٥) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الخاء مع الواو، مادة: \"خوخ\" ٢/ ٨٦.\n(٦) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٥٤، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير \"باب الظاء مع العين، مادة: \"ظعن\" ٣/ ١٥٧.\n(٧) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٥٤، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير \"باب العين مع القاف، مادة: \"عقص\" ٣/ ٢٧٦.\n(٨) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٩٩، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الحاء مع الجيم، مادة: \"حجز، ١/ ٣٤٤.","vol":"2","page":677},{"text":"* \" ملصقا في قريش \" الملصق. هو الرجل المقيم في الحي وليس منهم بنسب (١).\n\nالدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من وسائل الدعوة: إرسال الرسل وبعث البعوث.\n٢ - من موضوعات الدعوة: التحذير من الخيانة لله ولرسوله ﷺ.\n٣ - من صفات الداعية: المسارعة في الاستجابة لله ولرسوله ﷺ.\n٤ - من صفات الداعية: الشجاعة.\n٥ - من صفات الداعية: الأناة والتثبت.\n٦ - من معجزات الرسول ﷺ: الإخبار بالأمور الغيبية.\n٧ - أهمية هتك أستار الجواسيس والمفسدين.\n٨ - أهمية الشورى مع الإمام والعالم والحاكم.\n٩ - من صفات الداعية: اليقين بصدق الرسول ﷺ.\n١٠ - من أساليب الدعوة: الشدة على بعض أهل المعاصي بالقول والفعل عند الحاجة تأديبًا.\n١١ - أهمية صدق المدعو.\n١٢ - أهمية قول الداعية لما لا يعلمه: الله أعلم.\n١٣ - من أساليب الدعوة: الترغيب.\n١٤ - من صفات الداعية: العفو والصفح.\n١٥ - من موضوعات الدعوة: الولاء والبراء.\n١٦ - من أساليب الدعوة: الحوار.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولًا: من وسائل الدعوة: إرسال الرسل وبعث البعوث. دل هذا الحديث على أهمية وسيلة إرسال الرسل، ولهذا بعث ﷺ علي بن\n_________\n(١) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب اللام مع الصاد، مادة \"لصق\" ٤/ ٢٤٩.","vol":"2","page":678},{"text":"أبي طالب والزبير بن العوام، والمقداد، وفي رواية وأبا مرثد الغنوي ﵃ وقال لهم: «انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة ومعها كتاب فخذوه منها» وهذا يؤكد أهمية إرسال الرسل وبعثهم لنصرة الإسلام والدعوة إليه (١).\nثانيًا: من موضوعات الدعوة: التحذير من الخيانة لله ولرسوله ﷺ: ظهر في مفهوم هذا الحديث أن من موضوعات الدعوة تحذير الناس من الخيانة لله ورسوله ﷺ؛ لأن حاطب بن أبي بلتعة ﵁ أرسل كتابًا إلى قريش يخبرهم فيه بغزو رسول الله ﷺ، وذكر ابن حجر ﵀ أن لفظ الكتاب: \"أما بعد يا معشر قريش؛ فإن رسول الله ﷺ جاءكم بجيش كالليل، يسير كالسيل، فوالله لو جاءكم وحده لنصره الله وأنجز له وعده، فانظروا لأنفسكم، والسلام\" (٢). وهذا فيه إفشاء سر رسول الله ﷺ، وخيانته، وقد حذر الله ﷿ من الخيانة لله ورسوله فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ - وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٢٧ - ٢٨] (٣). فينبغي للداعية أن يحذر الناس من الخيانة عامة، وخاصة من خيانة الله ورسوله ﷺ.\nثالثًا: من صفات الداعية: المسارعة في الاستجابة لله ولرسوله ﷺ: دل هذا الحديث على أن المسارعة في الاستجابة لله ورسوله من أهم المهمات، وأعظم القربات؛ ولهذا سارع هؤلاء الأربعة: علي، والزبير، والمقداد، وأبو مرثد ﵃، في الاستجابة لرسول الله ﷺ. قال علي ﵁: \". . . فانطلقنا تعادى بنا خيلنا حتى انتهينا إلى الروضة فإذا نحن بالظعينة. . . \" وهذا فيه دلالة ظاهرة على استجابتهم لله ورسوله ﷺ والمسارعة في ذلك، قال الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٤] (٤).\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٦٦، الدرس الثالث، ورقم ٩٥، الدرس الثاني.\n(٢) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٧/ ٥٢١.\n(٣) سورة الأنفال، الآيتان: ٢٧ - ٢٨.\n(٤) سورة الأنفال، الآية: ٢٤.","vol":"2","page":679},{"text":"فينبغي لكل مسلم وخاصة الداعية إلى الله أن يكون مسارعًا في الاستجابة لله ورسوله ﷺ (١).\nرابعًا: من صفات الداعية: الشجاعة: إن الشجاعة القلبية والعقلية من أهم الصفات التي يتأكد على الداعية أن يتصف بها؛ لأنها من أجمل وأكمل الصفات الحميدة، وقد ظهرت صفة الشجاعة في هذا الحديث في قول علي ﵁ للظعينة: \"أخرجي الكتاب\" فقالت: ما معي من كتاب. فقال: لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب فأخرجته من عقاصها\" وفي رواية: \"فأهوت إلى حجزتها وهي محتجزة بكساء فأخرجت الصحيفة. . . \" وقد جمع العلماء ﵏ بين هذين اللفظين؛ قال الإمام الكرماني ﵀: \"لعلها أخرجتها من حجزتها أولًا وأخفتها في الشعر ثم اضطرت إلى الإخراج منها أو بالعكس\" (٢) وذكر الحافظ ابن حجر هذا الجمع ثم قال: \"أو بأن تكون عقيصتها طويلة بحيث تصل إلى حجزتها فربطته في عقيصتها وغرزته حجزتها وهذا الاحتمال أرجح\" (٣) وعلى كل حال فقد وفق الله ﷿ عليًا وأصحابه ﵃ للشجاعة العقلية والحكمة فاستخرجوا الكتاب وجاءوا إلى رسول الله ﷺ (٤).\nخامسًا: من صفات الداعية: الأناة والتثبت: دل فعل النبي ﷺ وقوله مع حاطب ﵁ إلى أهمية التثبت وعدم العجلة؛ ولهذا لم يبادر إلى قتله، بل سأله عن مقصده وعمله فقال: «يا حاطب ما هذا؟ \" قال: يا رسول الله لا تعجل علي إني كنت امرأً ملصقا في قريش، ولم أكن من أنفسها». . . \" ثم ذكر عذره للنبي ﷺ فقبله ولم يعاقبه.\nفينبغي للداعية التثبت والتأني، والله المستعان (٥).\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٤٥، الدرس التاسع عشر.\n(٢) شرح الكرماني على صحيح البخاري، ٢٤/ ٥٩.\n(٣) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٦/ ١٩١.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٣٥، الدرس الخامس، ورقم ٦١، الدرس الثاني.\n(٥) انظر: الحديث رقم ٩١، الدرس الثاني، ورقم ٩٢، الدرس الخامس.","vol":"2","page":680},{"text":"سادسًا: من معجزات الرسول ﷺ: الإخبار بالأمور الغيبية: ظهر في هذا الحديث معجزة عظيمة تدل على صدق النبي ﷺ وأن الله ﷿ أرسله؛ ولهذا قال العلامة العيني ﵀: \"وفيه البيان عن بعض أعلام النبوة، وذلك إعلام الله تعالى نبيه بخبر المرأة، الحاملة كتاب حاطب إلى قريش ومكانها الذي هي به، وذلك كله بالوحي\" (١) وهذا يؤكد على الدعاة أن يبينوا للناس أعلام نبوته ﷺ عند الحاجة لذل (٢).\nسابعًا: أهمية هتك أستار الجواسيس والمفسدين: إن الستر الذي رغب الشرع فيه هو الذي لا يترتب عليه مفسدة، ولا يفوت به مصلحة؛ ولهذا لم يستر على المرأة حاملة كتاب حاطب ولم يستر أيضًا على حاطب ﵁، بل وبخ وأدب بالكلام القوي؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «يا حاطب ما هذا؟» وفي رواية: «يا حاطب ما حملك على ما صنعت؟» وقال علي ﵁ وأصحابه ﵃ للمرأة: \"لتخرجن الكتاب أو لأجردنك\"؛ قال الإمام النووي ﵀: \"وفيه هتك أستار الجواسيس بقراءة كتبهم سواء كان رجلًا أو امرأة، وفيه هتك ستر المفسدة إذا كان فيه مصلحة، أو كان في الستر مفسدة، وإنما يندب الستر إذا لم يكن فيه مفسدة ولا يفوت به مصلحة، وعلى هذا تحمل الأحاديث الواردة في الندب إلى الستر\" (٣) وسمعت سماحة العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز حفظه الله يقول: \"هذا الحديث عظيم وفيه مسألتان: ١ - جواز التجسس إذا كان فيه نفع للمسلمين، كما فعل علي والزبير والمقداد ﵃.\n٢ - تحريم التجسس إذا كان فيه ضرر للمسلمين، أو لم يكن فيه مصلحة للمسلمين، والتجسس فيما يضر المسلمين يوجب القتل، لكن هذا الرجل له شبهة؛ ولهذا قبل النبي ﷺ عذره؛ لأمرين؛ كونه شبه عليه الأمر، [و] كونه\n_________\n(١) عمدة القاري شرح صحيح البخاري، ١٤/ ٢٥٧.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٢١، الدرس الرابع.\n(٣) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٦/ ٢٨٨، وانظر: عمدة القاري للعيني ١٤/ ٢٥٧.","vol":"2","page":681},{"text":"من أهل بدر، أما من فعل ذلك من المسلمين. . . فيقتل لأن هذا ردة\" (١) \"إلا في حق حاطب ﵁\" (٢).\nثامنًا: أهمية الشورى. مع الإمام، والعالم، والحاكم: ظهر في هذا الحديث أن الشورى من الأمور المهمة مع الإمام أو العالم أو الحاكم في الأمور العظيمة؛ ولهذا قال عمر بن الخطاب ﵁: «يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق» وفي رواية قال: «يا رسول الله قد خان الله ورسوله والمؤمنين دعني فلأضرب عنقه» قال الإمام النووي ﵀: \"وفيه إشارة جلساء الإمام والحاكم بما يرونه، كما أشار عمر بضرب عنق حاطب \" (٣) وهذا يبين أهمية الشورى ومكانتها؛ لأن عمر لم يقدم على قتل حاطب بل استشار النبي ﷺ فمنعه من ذل (٤).\nتاسعًا: من صفات الداعية: اليقين بصدق الرسول ﷺ: إن من الصفات العظيمة للداعية أن يتيقن صدق النبي فيما صح عنه مما أخبر به ﷺ؛ ولهذا اليقين قال علي ﵁ للمرأة حينما أنكرت أن يكون معها كتاب حاطب: «لقد علمنا ما كذب رسول الله ﷺ ثم حلف علي: والذي يحلف به لتخرجن الكتاب أو لأجردنك فأهوت إلى حجزتها وهي محتجزة بكساء فأخرجت الصحيفة» وهذا يدل على أهمية اليقين الصادق بصدق رسول الله ﷺ في كل ما صح عنه مما أخبر ب (٥).\nعاشرًا: من أساليب الدعوة: الشدة على بعض أهل المعاصي بالقول والفعل عند الحاجة: دل هذا الحديث على أن من أساليب الدعوة: الشدة على بعض المدعوين\n_________\n(١) سمعت ذلك من سماحته أثناء شرحه لحديث رقم ٣٠٠٧، و٤٢٧٤ من صحيع البخاري.\n(٢) سمعت ذلك من العلامة السابق أثناء شرحه لحديث رقم ٤٨٩٠ من صحيح البخاري.\n(٣) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٦/ ٢٨٩.\n(٤) انظر: الحديث رقم ١١، الدرس الرابع، و٦٤، الدرس الثالث.\n(٥) انظر: الحديث رقم ٧٣، الدرس التاسع.","vol":"2","page":682},{"text":"العصاة بالقول، والفعل عند الحاجة إلى ذلك؛ ولهذا قال عمر ﵁ في شأن حاطب ﵁: «يا رسول الله قد خان الله ورسوله والمؤمنين دعني فلأضرب عنقه» فأقره رسول الله ﷺ على توبيخه وتأديبه لحاطب بهذا القول القوي، ولم يوافقه على قتله؛ قال الإمام الْأُبِّيّ ﵀: \"وفيه الشدة على أهل المعاصي بالقول والفعل، وبالسب تأديبا لهم\" (١).\nالحادي عشر: أهمية صدق المدعو: إن الصدق يهدي إلى البر، ولا يأتي إلا بخير، فإذا صدق العبد دل ذلك على إيمانه ونجاه الله بالصدق، وقد دل هذا الحديث على أهمية صدق المدعو وأن نجاته بذلك؛ ولهذا أنجى الله حاطبًا؛ ولأنه من أهل بدر. قال ﷺ: «يا حاطب ما حملك على ما صنعت؟ \" قل يا رسول الله ما بي أن لا أكون مؤمنًا بالله ورسوله ولكني أردت أن يكون لي عند القوم يدًا يدفع الله بها عن أهلي ومالي» وفي الرواية الأخرى: «وما فعلت كفرًا ولا ارتدادًا ولا رضا بالكفر بعد الإسلام\" فقال رسول الله ﷺ: \"لقد صدقكم»؛ قال الإمام ابن هبيرة ﵀: \"وفيه أن المؤمن إذا أخطأ واستبان له الخطأ أن لا يتبع خطأه بأن يجحده ويناكر عليه بل يعترف بذلك ولا يجمع بين معصيتين: في الخطأ، والجحد، كما أنه يتعين على كل مخطئ إذا تيقن خطأه في شيء أن يقلع عنه حالة تيقنه ذلك، فإن الله يغفر له خطأه إذا رجع إلى الصواب، إن شاء الله تعالى\" (٢).\nفينبغي لكل مسلم أن يقول الحق ولو على نفسه إلا فيما شرع الله الستر فيه مع التوبة ورد المظالم لأهله (٣).\nالثاني عشر: أهمية قول الداعية لما لا يعلمه: الله أعلم: دل هذا الحديث على أنه ينبغي للداعية إذا لم يعلم شيئًا مما حصل النقاش أو الحوار فيه والأسئلة أن يقول: الله أعلم؛ ولهذا قال عمر ﵁ عندما عفا\n_________\n(١) إكمال إكمال المعلم للأبي، ٨/ ٤١٥.\n(٢) الإفصاح عن معاني الصحاح، ١/ ٢١١، وانظر: ١/ ٢٥٠.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٩، الدرس الرابع.","vol":"2","page":683},{"text":"رسول الله ﷺ عن حاطب ولم يوافقه على قتله: \"الله ورسوله أعلم\" وانتهى ﵁ عن المراجعة واغرورقت عيناه ﵁ (١).\nالثالث عشر: من أساليب الدعوة: الترغيب: إن في هذا الحديث الدلالة على أن من أساليب الدعوة الترغيب؛ ولذلك قال ﷺ لعمر بن الخطاب ﵁ في قصة حاطب ﵁: «إنه قد شهد بدرًا وما يدريك لعل الله أن يكون قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» وفي لفظ: \"أوليس من أهل بدر؟ وما يدريك لعل الله اطلع عليهم فقال: اعملوا ما شئتم فقد أوجبت لكم الجنة\" قال الحافظ ابن حجر ﵀: \"قال العلماء إن الترجي في كلام الله وكلام رسوله ﷺ للوقوع\" (٢) وقال ﵀: \"واتفقوا على أن البشارة المذكورة فيما يتعلق بأحكام الآخرة، لا بأحكام الدنيا من إقامة الحدود وغيرها\" (٣).\nوقال الإمام القرطبي ﵀: \"إن الله تعالى أظهر صدق رسوله ﷺ للعيان في كل من أخبر عنه بشيء من ذلك؛ فإنهم لم يزالوا على أعمال أهل الجنة من أمور الدين ومراعاة أحواله والتمسك بأعمال البر والخير إلى أن توفوا على ذلك، ومن وقع منهم في معصية أو مخالفة لجأ إلى التوبة ولازمها حتى لقي الله تعالى عليها، يعلم ذلك قطعًا من أحوالهم من طالع سيرهم وأخبارهم\" (٤).\nوهذا يبين أهمية ترغيب النبي ﷺ في كل خير وأنه واقع لا محال (٥).\nالرابع عشر: من صفات الداعية: العفو والصفح: لا ريب أن العفو والصفح من الأخلاق الكريمة التي ينبغي لكل مسلم أن يتخلق بها، ولكن لا بد أن يكون العفو في محله، ولا يحصل به مفسدة، ولا يفوت\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٨، الدرس الثامن عشر، ورقم ٥٨، الدرس الحادي عشر.\n(٢) فتح الباري بشرح صحيح البخاري ٧/ ٣٠٥، ٨/ ٦٣٥.\n(٣) المرجع السابق ٥/ ٣٥٦، وانظر: شرح النووي على صحيح مسلم ١٦/ ٢٨٩.\n(٤) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٦/ ٤٤٢، وانظر: فتح الباري لابن حجر، ٨/ ٦٣٥.\n(٥) انظر: الحديث رقم ٧، الدرس الرابع عشر، ورقم ٨، الدرس الرابع.","vol":"2","page":684},{"text":"به مصلحة أعظم؛ ولهذا عفا ﷺ عن حاطب ﵁، وصفح، وبين أن أهل بدر قد أوجب الله لهم الجنة. فينبغي أن يكون عفو الداعية عن حكمة، ومؤاخذته عن حكمة كحال النبي ﷺ (١).\nالخامس عشر: من موضوعات الدعوة: الولاء والبراء: لا شك أن الولاء والبراء من موضوعات الدعوة، وقد ظهر ذلك في هذا الحديث بعد ذكر قصة حاطب ﵁: \"فأنزل الله السورة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الممتحنة: ١] إلى قوله: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [الممتحنة: ١] (٢) وقد أمر الله المؤمنين بموالاة الله ورسوله والمؤمنين، ونهاهم عن موالاة أعداء الله ورسوله، قال ﷿: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢] (٣).\nوقال الله ﷾ ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ - وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ - يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٥٥ - ٥٧] (٤).\nوقد بين العلماء ﵏ حقيقة الولاية والعداوة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"الولاية ضد العداوة، وأصل الولاية: المحبة والقرب، وأصل العداوة: البغض والبعد\" (٥)؛ ولأهمية الولاء والبراء ثبت عن النبي ﷺ أنه قال، «من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله فقد استكمل الإيمان» (٦)\n_________\n(١) انظر الحديث رقم ٨٥، الدرس الثالث، ورقم ١٥٥، الدرس الرابع.\n(٢) من الطرف رقم ٤٢٧٤، وتقدم تخريجه في أصل الحديث، والآية من سورة الممتحنة الآية: ١.\n(٣) سورة المجادلة، الآية: ٢٢.\n(٤) سورة المائدة، الآيات: ٥٥ - ٥٧.\n(٥) الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، ص ٥٣.\n(٦) أبو داود، ٤/ ٢٢٠، برقم ٤٦٨١، والترمذي، ٤/ ٦٧٠، برقم ٢٥٢١، وأحمد في المسند، ٣/ ٤٣٨، ٤٤٠، وتقدم تخريجه في الحديث رقم ٦٨، الدرس الرابع، ص ٤١٣.","vol":"2","page":685},{"text":"وعن ابن عباس ﵁ يرفعه: «أوثق عرى الإيمان: الموالاة في الله، والمعاداة في الله، والحب في الله، والبغض في الله» وله شواهد منها حديث عبد الله بن مسعود والبراء (١) ﵄ ومن أعظم الأحاديث في الولاء حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله قال من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب». . . \" (٢) وقد بين الله ﷿ أولياءه الكمل فقال: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ - الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ - لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٤] (٣) وأولياء الله درجات في الكمال الإيماني قال الله ﷿: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر: ٣٢] (٤).\nولا شك أن الولاء والبراء مبنيان على قاعدة: الحب والبغض، فينبغي للداعية أن يوضح للناس ويحضهم على الموالاة والمعاداة وتكون على ثلاثة أوجه: ١ - من يحب محبة كاملة: وهذه المحبة للمؤمنين المتقين: من الأنبياء والمرسلين وعباد الله المحسنين القائمين بجميع ما أمر الله به، المبتعدين عن جميع ما نهى الله عنه.\n٢ - من يحب من وجه ويكره من وجه؛ لأنه قد يجتمع في المؤمن ولاية من وجه وعداوة من وجه آخر وهذا هو المسلم الذي خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا فيحب ويوالى على قدر ما معه من الخير، ويبغض ويعادى على قدر ما معه من الشر.\n_________\n(١) أما حديث ابن عباس فأخرجه الطبراني في المعجم الكبير، ١١/ ٢١٥، برقم ١١٥٧، وأما حديث عبد الله بن مسعود ﵁ فأخرجه الطبراني أيضًا في المعجم الكبير، ١٠/ ١٧١، برقم ١٠٣٥٧ و١٠/ ٢٢٠، برقم ١٠٥٣١، والحاكم ٢/ ٤٨٠، وأما حديث البراء ﵁، فأخرجه أحمد في المسند، ٤/ ٢٨٦، وقال الألباني \"قلت: فالحديث بمجموع طرقه يرتقي إلى درجة الحسن على الأقل، والله أعلم\" انظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة، ٤/ ٣٠٧، برقم ٧٢٨، و٢/ ٧٣٤. برقم ٩٩٨.\n(٢) البخاري، كتاب الرقاق، باب التواضع، ٧/ ٢٤٣، برقم ٦٥٠٢.\n(٣) سورة يونس، الآيات: ٦٢ - ٦٣.\n(٤) سورة فاطر، الآية: ٣٢.","vol":"2","page":686},{"text":"٣ - من يبغض من كل وجه: وهو من كفر بالله ﷿، فيجب بغضه بالقلب كاملًا لازمًا لا نقص فيه، أما بالبدن والأعمال فعلى حسب القدرة ومتى كانت إرادة القلب وكراهته كاملة لا نقص فيها، وفعل العبد معها بحسب قدرته فإنه يعطى ثواب الفعل الكامل إن شاء الله تعال (١).\nالسادس عشر: من أساليب الدعوة: الحوار: ظهر أسلوب الحوار في هذا الحديث؛ لما دار فيه من الحوار بين حبان بن عطية وأبي عبد الرحمن في شأن علي بن أبي طالب ﵁ (٢).\n_________\n(١) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية، ١٠/ ٧٥٢ - ٧٥٤، و١١/ ١٥٩، و٢٨/ ٢٠٨ - ٢١٠، والفرقان ببن أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، لابن تيمية، ص ٥٠ - ٢٥٠، ومختصر الفتاوى المصرية، لابن تيمية ص ٥٠٩، وجامع الرسائل لابن تيمية المجموعة الثانية ص ١٩٣، وشرح العقيدة الطحاوية لعلي بن أبي العز، ص ٤٠٤، والفتاوى السعدية لعبد الرحمن بن ناصر السعدي ص ٩٨، وأوثق عرى الإيمان لسليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ص ٢٨ - ٤٠.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٢٩، الدرس السادس، ورقم ٧٧، الدرس السابع.","vol":"2","page":687},{"text":"١٤٤ -<span data-type=\"title\" id=toc-222> بَابُ الأُسَارَى فِي السَّلَاسِلِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-223>[حديث عجب الله من قوم يدخلون الجنة في السلاسل]</span>\n١١٧ - [٣٠١٠] حدثنا محمد بن بشار: حدثنا غندر: حدثنا شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة (١) ﵁ عن النبي ﷺ قال: «عجب الله من قوم يدخلون الجنة في السلاسل» (٢).\nوفي رواية: \"عن أبي هريرة ﵁: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] (٣) قال: خير الناس للناس، تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم، حتى يدخلوا في الإسلام\" (٤).\n\nالدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من موضوعات الدعوة: إثبات صفات الكمال لله ﷿.\n٢ - من أساليب الدعوة: الترغيب.\n٣ - من وظائف الداعية: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\n٤ - من وسائل الدعوة: الجهاد في سبيل الله ﷿.\n٥ - شدة إعراض بعض المدعوين حتى لا ينفع معهم إلا القوة.\n٦ - من خصائص أمة محمد ﷺ: الخيرية.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولًا: من موضوعات الدعوة: إثبات صفات الكمال لله ﷿: إن إثبات صفات الكمال لله ﷿ من أهم الموضوعات التي يلزم الداعية بيانها للناس؛ لأن عقيدة أهل السنة والجماعة: إثبات ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسول الله ﷺ، ونفي ما نفاه الله عن نفسه أو نفاه عنه رسول الله ﷺ: من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تمثيل، ولا تكييف (٥) وقد ظهر في هذا الحديث إثبات\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ٧.\n(٢) [الحديث ٣٠١٠] طرفه في: كتاب تفسير القرآن، ٣ سورة آل عمران، باب (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) ٥/ ٢٠١، برقم ٤٥٥٧.\n(٣) سورة آل عمران، الآية: ١١٠.\n(٤) الطرف رقم ٤٥٥٧.\n(٥) انظر: الرد على الجهمية للإمام الحافظ ابن منده، ص ٣٥ - ١٠٢.","vol":"2","page":688},{"text":"صفة العجب لله ﷿ على ما يليق بجلاله وعظمته، ولا يشبه في ذلك شيئًا من خلقه (١) لأن صفاته لا تشبه الصفات، كما أن ذاته لا تشبه الذوا (٢).\nثانيًا: من أساليب الدعوة: الترغيب: دل هذا الحديث على أسلوب الترغيب؛ لقوله ﷺ: «يدخلون الجنة في السلاسل» ولقوله ﷿: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]\n* وهذا يبين أهمية الترغيب في الدعوة إلى الله سبحانه وتعال (٣).\nثالثًا: من وظائف الداعية: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: إن من أهم وظائف الداعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ ولهذا ورد في أثناء هذا الحديث قول الله ﷿: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]\n* ولا ريب أن الأمر بالمعروف إذا ظهر تركه والنهي عن المنكر إذا ظهر فعله على حسب الحاجة، والحال، والقدرة، على كل مسلم بحسبه (٤)؛ لقوله ﷾: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤] (٥).\nومدح الله أمة محمد ﷺ فقال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠] (٦).\nوقال ﷿: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٧١] (٧).\nوقد أوضح النبي ﷺ درجات إنكار المنكر فقال: «من رأى منكم منكرًا\n_________\n(١) انظر: كتاب الصفدية لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص ٥.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٣٩، الدرس الأول، ورقم ١١٠، الدرس الثاني.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٧، الدرس الرابع عشر، ورقم ٨، الدرس الرابع.\n(٤) انظر: الحسبة في الإسلام، لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص ٤٠ - ٤٢، ٤٦، وهذه الرسالة ضمن فتاواه ٢٨/ ٦٠ - ١٢٠، وفصل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الفتاوى أيضًا، ٢/ ١٢١ - ١٧٩.\n(٥) سورة آل عمران، الآية: ١٠٤.\n(٦) سورة آل عمران، الآية: ١١٠.\n(٧) سورة التوبة، الآية: ٧١.","vol":"2","page":689},{"text":"فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» (١).\nوولي أمر المسلمين ينفع الله به في ذلك نفعًا عظيمًا؛ لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يتم إلا بالعقوبات الشرعية؛ فإن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، في إقامة الحدود وغيرها، وفي التعزير وهو أنواع: منه ما يكون بالتوبيخ والزجر بالكلام، ومنه ما يكون بالحبس، ومنه ما يكون بالنفي عن الوطن، ومنه ما يكون بالضرب، واختلف العلماء في أكثر التعزير، فقيل عشر جلدات، وقيل: أكثره دون أقل الحدود، وقيل: لا حد لأكثره لكن إذا كان التعزير فيما فيه مقدر لم يبلغ به ذلك المقدر. قال ابن تيمية ﵀: \"وهذا القول أعدل الأقوال وعليه دلت سنة رسول الله ﷺ، وسنة خلفائه الراشدين (٢) ومن لم يندفع فساده في الأرض إلا بالقتل قتل. وهذا كله من وظائف الإمام الأعظم للمسلمين (٣) ولا بد للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر من أمور ثلاثة: العلم، والرفق، والصبر: العلم قبل الأمر والنهي، والرفق معه، والصبر بعد (٤).\nفينبغي للداعية أن يكون أمره بالمعروف معروفا ونهيه عن المنكر غير منكر (٥) قال الإمام ابن القيم ﵀: \"إنكار المنكر أربع درجات: الأولى أن يزول ويخلفه ضده، والثانية أن يقل وإن لم يزل بجملته، الثالثة أن يخلفه ما هو مثله، الرابعة أن يخلفه ما هو شر منه، فالدرجتان الأوليان مشروعتان، والثالثة موضع اجتهاد والرابعة محرمة\" (٦).\nفينبغي للداعية أن يراعي هذه القواعد الدعوية حتى ينفع الله بأمره ونهيه والله المستعان.\nرابعًا: من وسائل الدعوة الجهاد في سبيل الله ﷿: إن من الوسائل النافعة في الدعوة إلى الله ودخول الناس في الإسلام: الجهاد\n_________\n(١) صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، كتاب الإيمان، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان وأن الإيمان يزيد وينقص وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان، ١/ ١٩، برقم ٤٩.\n(٢) الحسبة في الإسلام ص ٣٠، وانظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٨/ ١٠٧، ١٢٦، ١٣٤.\n(٣) انظر: الحسبة في الإسلام لابن تيمية، ص ٣١.\n(٤) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٢٨/ ١٣٧.\n(٥) انظر: المرجع السابق ٢٨/ ١٢٦.\n(٦) أعلام الموقعين عن رب العالمين، ٣/ ١٦.","vol":"2","page":690},{"text":"في سبيل الله ﷿؛ لأن من البشر من لا ينفع فيهم إلا القوة؛ ولهذا جاء في خبر أبي هريرة ﵁: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] \"خير الناس للناس تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام \" قال الإمام الكرماني ﵀ على قوله: \"خير الناس للناس\": \"أي خير بعض الناس لبعضهم وأنفعهم لهم من يأتي بأسير مقيد في السلسلة إلى دار الإسلام؛ ليسلم؛ وإنما كان خيرًا؛ لأنه بسببه صار مسلمًا وحصل أصل جميع السعادات الدنيوية والأخروية\" (١) فينبغي للمسلمين العناية بهذه الوسيلة العظيمة. والله المستعا (٢).\nخامسًا: شدة إعراض بعض المدعوين حتى لا ينفع فيهم إلا القوة: دل هذا الحديث على شدة إعراض بعض المدعوين؛ ولهذا قال أبو هريرة: \"تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم\" وقد عجب الله ﷿ من شأنهم وعنادهم، ثم دخولهم الجنة بسبب أسرهم في السلاسل ثم إسلامهم؛ ولهذا قال النبي ﷺ في أول الحديث: «عجب الله من قوم يدخلون الجنة في السلاسل» ومن حكمته وعظمته ﷿ أن جعل لكل داء دواءً، فشرع استخدام القوة مع المعاندين المعرضين، وأذن في ذلك وأمر به فسبحانه ما أعظم شأنه وما أحكمه ﷿ (٣).\nسادسًا: من خصائص أمة محمد ﷺ: الخيرية: دل هذا الحديث والآية التي في سياقه أن أمة محمد ﷺ خير الأمم، كما قال أبو هريرة ﵁ في قول الله ﷿: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] قال: \"خير الناس للناس تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام\" فالأمة الإسلامية خير الأمم؛ لأنها تخرج الناس من الظلمات إلى النور، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، حتى لو كان ذلك بالجهاد في سبيل الله ﷿ (٤)\n_________\n(١) شرح الكرماني على صحيح البخاري، ١٧/ ٥٩، وانظر: فتح الباري لابن حجر، ٨/ ٢٢٥، وعمدة القاري للعيني ١٨/ ١٤٨.\n(٢) انظر: الحديث رقم ١٨، الدرس الثالث.\n(٣) انظر: الحديث رقم ١٠٨، الدرس التاسع عشر.\n(٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، ٤/ ١٧٨ - ١٨٠.","vol":"2","page":691},{"text":"١٤٦ -<span data-type=\"title\" id=toc-224> بَابُ أَهْلِ الدَّارِ يُبَيَّتُونَ، فَيُصَاُب الوِلْدَانُ وَالذَّرَارِيُّ</span>\n﴿بَيَاتًا﴾ [الأعراف: ٤] (١) ليلًا. ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ [النمل: ٤٩] (٢) ليلًا. ﴿بَيَّتَ﴾ [النساء: ٨١] (٣) ليلًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-225>[حديث حمى إلا لله ولرسوله ﷺ]</span>\n١١٨ - [٣٠١٢] حدثنا علي بن عبد الله: حدثنا سفيان: حدثنا الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس «عن الصعب بن جثامة (٤) ﵁ قال: مر بي النبي ﷺ بالأبواء - أو بودان - وسئل (٥) عن أهل الدار يبيتون من المشركين فيصاب من نسائهم وذراريهم، قال: \"هم منهم \".» وسمعته يقول: «لا حمى إلا لله ولرسوله ﷺ» (٦).\n\nشرح غريب الحديث: * \" يبيتون \" أي يصابون ليلًا، وتبييت العدو: هو أن يقصد في الليل من غير أن يعلم فيؤخذ بغتةً، وهو البيات (٧).\n* \" حمى \" الحمى: خلاف المباح: وهو الممنوع، وحمى الله: محارمه التي حرمها ومنع منها، والحمى الذي حماه عمر مرعى الخيل التي كان يعدها للجهاد. وقيل: كان الشريف في الجاهلية إذا نزل أرضًا استعوى كلبا فحمى مدى عواء الكلب لا يشركه فيه غيره، وهو شريك القوم في سائر ما يرعون فيه، فنهى النبي ﷺ عن ذلك، وأضاف الحمى إلى الله ورسوله: أي إلا ما يحمى للخيل التي ترصد للجهاد، والإبل التي يحمل عليها في سبيل الله، وإبل الزكاة، وغيرها، كما\n_________\n(١) سورة الأعراف، الآية: ٤، والآية: ٩٧.\n(٢) سورة النمل، الآية: ٤٩.\n(٣) سورة النساء، الآية ٨١.\n(٤) الصعب بن جثامة بن قيس الليثي الحجازي حليف قريش، قيل: توفي في خلافة أبي بكر، وقيل: بل مات في خلافة عثمان ﵁، وقد شهد فتح إصطخر، وفتح فارس، ولم يرجح ابن حجر ولا النووي شيئًا من ذلك، والله أعلم. انظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي ١/ ٢٤٩، والكاشف للذهبي ٢/ ٢٨، والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، ٢/ ١٨٤.\n(٥) في نسخة فتح الباري \"فسئل\" ٦/ ١٤٦.\n(٦) وأخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب جواز قتل النساء والصبيان في البيات من غير تعمد، ٣/ ١٣٦٤، برقم ١٧٤٥.\n(٧) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الباء مع الياء، مادة: \"بيت\" ١/ ١٧٠.","vol":"2","page":692},{"text":"حمى عمر بن الخطاب ﵁ النقيع لنعم الصدقة والخيل المعدة في سبيل الله (١).\n* \" الأبواء \" قرية من عمل الفرع من عمل المدينة بينها وبين الجحفة مما يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلًا (٢).\n* \" ودان \" بفتح الواو وتشديد الدال المهملة: قرية جامعة من عمل الفرع بينها وبين هرشى نحو ستة أميال، وبينها وبين الأبواء نحو ثمانية أميال قريب من الجحفة (٣).\n\nالدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - أهمية سؤال المدعو عما أشكل عليه.\n٢ - من صفات الداعية: الحرص على الدقة في نقل الحديث.\n٣ - من القواعد الدعوية: عمل الداعية بالعام حتى يرد الخاص.\n٤ - من وسائل الدعوة: الجهاد في سبيل الله ﷿.\n٥ - من موضوعات الدعوة: الحض على إبطال عادات الجاهلية.\n٦ - أهمية رعاية مصالح المسلمين.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولًا: أهمية سؤال المدعو عما أشكل عليه: إن سؤال المدعو عن الأمور التي تشكل عليه من أهم الوسائل لتحصيل العلم؛ ولهذه الأهمية سأل بعض الصحابة النبي ﷺ عن أهل الدار يبيتون من المشركين فيصاب من نسائهم وذراريهم، فقال ﷺ: \"هم منهم\" أي لا بأس بقتلهم إذا اختلطوا بآبائهم (٤).\n_________\n(١) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٤٩، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الحاء مع الميم مادة: \"حمى\" ١/ ٤٤٧.\n(٢) مشارق الأنوار للقاضي عياض، حرف الألف مع الباء، ١/ ٥٧.\n(٣) المرجع السابق، حرف الواو مع الدال، ٢/ ٣٠٢.\n(٤) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ١٢/ ٢٩٤، وانظر: الدرس الثالث من هذا الحديث.","vol":"2","page":693},{"text":"فينبغي العناية بالسؤال عن كل ما يشكل، حتى يحصل العلم والبصيرة. (١).\nثانيًا: من صفات الداعية: الحرص على الدقة في نقل الحديث: لا شك أن الحرص على الدقة في نقل الحديث من صفات أهل العقول السليمة؛ لأنهم يخشون الوقوع في الكذب على رسول الله ﷺ؛ ولهذا الحرص جاء في هذا الحديث: «مر بي النبي ﷺ بالأبواء أو بودان» فقد شك الراوي هل قال الصعب ﵁: بالأبواء، أو قال: بودان. قال العلامة العيني ﵀: \"شك من الراوي\" (٢).\nوهذا يبين أهمية الحرص على الدقة والتثبت في نقل الحديث عن رسول الله ﷺ. (٣).\nثالثًا: من القواعد الدعوية: عمل الداعية بالعام حتى يرد الخاص: دل هذا الحديث على أنه إذا ثبت الدليل في العمل بأمر عام فإنه يعمل بالعام حتى يثبت الخاص؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀ في فوائد هذا الحديث: \"وفي هذا الحديث دليل على جواز العمل بالعام حتى يرد الخاص؛ لأن الصحابة ﵁ تمسكوا بالعمومات الدالة على قتل أهل الشرك، ثم نهى النبي ﷺ عن قتل النساء والصبيان فخص ذلك العموم، ويحتمل أن يستدل به على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة\" (٤)؛ ولهذا ثبت عن عبد الله ابن عمر ﵁ «أن امرأة وجدت في بعض مغازي رسول الله ﷺ مقتولة فأنكر رسول الله ﷺ قتل النساء والصبيان» (٥) قال النووي ﵀: \"أجمع العلماء على العمل بهذا الحديث، وتحريم قتل النساء والصبيان إذا لم يقاتلوا، فإن\n_________\n(١) انظر: حديث رقم ١٩، الدرس الرابع، ورقم ٣٠، الدرس الرابع أيضا.\n(٢) عمدة القاري، ١٤/ ٢٦٠.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٢١، الدرس العاشر.\n(٤) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٦/ ١٤٨.\n(٥) البخاري، برقم ٣٠١٤، ومسلم برقم ١٧٤٤، ويأتي تخريجه كاملا في الحديث الذي بعد هذا الحديث برقم ١١٩ - [٣٠١٤]، وانظر: رواياته وألفاظها في تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف للحافظ المزي ٣/ ٨٦.","vol":"2","page":694},{"text":"قاتلوا، قال جماهير العلماء: يقتلون\" (١) أما إذا اختلط النساء والأطفال أو الصبيان بأهل الشرك فلم يميز المسلمون بينهم فلا حرج في قتلهم معهم؛ قال الإمام الخطابي ﵀ في ذكره لفوائد حديث الصعب بن جثامة ﵁: \"وفيه بيان أن قتلهم في البيات وفي الحروب إذا لم يتميزوا وإذا لم يتوصل إلى الكبار إلا بالإتيان عليهم جائز، وأن النهي عن قتلهم منصرف إلى حال التميز والتفرق\" (٢).\nرابعًا: من وسائل الدعوة: الجهاد في سبيل الله ﷿: إن من وسائل الدعوة العظيمة: الجهاد في سبيل الله ﷿؛ ولهذا بذل الصحابة ﵃ الجهود البارزة في جهاد أعداء الإسلام، وقد ظهر ذلك في هذا الحديث؛ ولهذا سأل بعضهم النبي ﷺ: عن أهل الدار يبيتون من المشركين فيصاب من نسائهم وذراريهم، قال: \"هم منهم\" (٣).\nخامسًا: من موضوعات الدعوة: الحض على إبطال عادات الجاهلية: لا ريب أن حض الناس على إبطال عادات الجاهلية من أهم الموضوعات التي ينبغي للداعية أن يعتني بها عناية حكيمة مسددة؛ ولهذا قال ﷺ في هذا الحديث؛ «لا حمى إلا لله ورسوله ﷺ» قال الإمام الخطابي ﵀: \"وفيه إبطال ما كان أهل الجاهلية يفعلونه من ذلك، وكان الرجل العزيز منهم إذا [نزل] بلدًا مخصبا أوفى بكلب على جبل ووقف من يسمع منتهى صوته بالعواء، فحيث انتهى صوته حماه من كل ناحية لنفسه ومنع الناس منه\" (٤) وهو شريك قومه في سائر ما يرعون فنهى النبي ﷺ عن ذلك وأضاف الحمى إلى الله ورسوله، وأبطل ﷺ هذا الظلم الذي هو من عادات الجاهلية قال الله ﷿ لنبيه محمد ﷺ: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ - إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية: ١٨ - ١٩] (٥).\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٢/ ٢٩٢.\n(٢) معالم السنن، ٤/ ١٤ - ١٥.\n(٣) انظر: الحديث رقم ١٨، الدرس الثالث.\n(٤) معالم السنن ٤/ ٢٧٠.\n(٥) سورة الجاثية، الآيتان: ١٨ - ١٩.","vol":"2","page":695},{"text":"قال الإمام ابن تيمية ﵀: \"ثم جعل محمدًا ﷺ على شريعة شرعها له، وأمره باتباعها، ونهاه عن اتباع أهواء الذين لا يعلمون، وقد دخل في الذين لا يعلمون كل من خالف شريعته\" (١)؛ ولهذا امتثل أمر ربه وقال ﷺ في حجة الوداع: «إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا. ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة». . . \" (٢) وهذا يوضح للداعية أهمية إبطال عادات الجاهلية السيئة.\nفينبغي له أن يوجه الناس إلى ما أمر به رسول الله ﷺ، وإلى ترك ما نهى عنه ﷺ من عادات الجاهلية.\nسادسًا: أهمية رعاية مصالح المسلمين: إن رعاية مصالح المسلمين والنظر فيما يعود عليهم بالنفع والخير في الدنيا والآخرة من أعظم القربات؛ ولهذا قال ﷺ: «لا حمى إلا لله ورسوله ﷺ» قال الإمام الخطابي ﵀: \"معناه لا حمى إلا على الوجه الذي أذن الله ورسوله فيه، وذلك على قدر الحاجة ووجه المصلحة من غير منع حق المسلم؛ فإن المسلمين شركاء في الماء والكلأ\" (٣)؛ وقد قال رسول الله ﷺ: «المسلمون شركاء في ثلاث: في الكلأ، والماء، والنار» (٤) قال ابن الأثير ﵀: \"وأضاف ﷺ، الحمى إلى الله ورسوله: أي إلا ما يحمى للخيل التي ترصد للجهاد، والإبل التي يحمل عليها في سبيل الله، وإبل الزكاة وغيرها كما حمى عمر بن الخطاب ﵁ النقيع (٥) لنعم\n_________\n(١) اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم، ١/ ٨٤.\n(٢) صحيح مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي ﷺ، ٢/ ٨٨٩، برقم ٢١٨، من حديث جابر ﵁.\n(٣) أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري، ٢/ ١٤٢٨.\n(٤) سنن أبي داود، كتاب البيوع، باب في منع الماء، ٣/ ٢٧٨، برقم ٣٤٧٧، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ وجهالة الصحابي لا تضر، وصححه الألباني، في صحيح سنن أو داود، ٢/ ٦٦٥، وإرواء الغليل ٦/ ٧.\n(٥) النقيع موضع حماه عمر ﵁، لخيل المسلمين وهو من أودية الحجاز على نحو عشرين فرسخا من المدينة. انظر؛ معجم البلدان، لياقوت الحموي، ٥/ ٣٠١، وطبقات ابن سعد ٥/ ٨، والنهاية في غريب الحديث لابن الأثير، ٥/ ١٠٨، وقال الحافظ ابن حجر ﵀: \"النقيع هو على عشرين فرسخًا من المدينة، وقدره: ميل في ثمانية أميال\" فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٥/ ٤٥.","vol":"2","page":696},{"text":"الصدقة والخيل المعدة في سبيل الله ﷿\" (١).\nوسمعت العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز حفظه الله يقول: وأما قوله: «لا حمى إلا لله ورسوله»: فمعناه: لا يجوز لأحد أن يحمي الكلأ إلا لله ورسوله: أي يكون ذلك في مصلحة المسلمين، وولي الأمر يقوم مقام رسول الله ﷺ، إذا دعت الحاجة لمصلحة المسلمين عامة لا لمصلحة خاصة، وبشرط أن لا يضر المسلمين\" (٢).\nوقد تعين في بعض الطرق لحديث الصعب بن جثامة ما حماه النبي ﷺ ثم ما حماه عمر بن الخطاب ﵁؛ لمصلحة المسلمين، فعن ابن عباس ﵄ أن الصعب بن جثامة قال: إن رسول الله ﷺ قال: «لا حمى إلا لله ورسوله» وقال: \"بلغنا أن النبي ﷺ حمى النقيع، وأن عمر حمى الشرف (٣) والربذة (٤) \" (٥)\n_________\n(١) النهاية في غريب الحديث والأثر، باب الحاء مع الميم، مادة: \"حمى\" ١١/ ٤٤٧.\n(٢) سمعت ذلك منه أثناء شرحه لحديث رقم ٢٣٧٠، ورقم ٣٠١٢ من صحيح البخاري.\n(٣) الشرف من الأرض: العالي، ومشارف الأرض أعاليها، وشرف كل شيء: أعلاه، والمشارف من قرى العرب: ما دنا من الريف، وبيداء المدينة: هي الشرف الذي أمام ذي الحليفة. انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ١٩٢، ومشارق الأنوار للقاضي عياض، حرف الشين مع الراء، ٢/ ٢٦٢، وحرف السين مع الراء، ٢/ ٢٣٣، وحرف الباء مع الياء، ١/ ١١٦، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الشين مع الراء، مادة: \"شرف\" ٢/ ٤٦٣.\n(٤) الربذة: بفتح الراء والباء والذال المعجمة: موضع خارج المدينة بينه وبينها ثلاث مراحل، وهي قريب من ذات عرق. مشارق الأنوار للقاضي عياض ١/ ٣٠٥.\n(٥) البخاري، كتاب المساقاة، باب لا حمى إلا لله ورسوله، ٣/ ١٠٩، برقم ٢٣٧٠، وقوله \"بلغنا أن النبي ﷺ حمى النقيع وأن عمر حمى الشرف والربذة\" هذا بلاغ لابن شهاب الزهري وليس من حديث ابن عباس رضي لله عنهما عن الصعب، وقد تكلم الحافظ ابن حجر ﵀ على ذلك كلاما وافيا، انظر: فتح الباري ٥/ ٤٥.","vol":"2","page":697},{"text":"١٤٧ -<span data-type=\"title\" id=toc-226> بَابُ قَتْلِ الصِّبْيَانِ فِي الْحَرْبِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-227>[حديث إنكار النبي ﷺ قتل النساء والصبيان]</span>\n١١٩ - [٣٠١٤] حدثنا أحمد بن يونس: أخبرنا الليث، عن نافع: أن عبد الله (١) ﵁ أخبره: «أن امرأةً وجدت في بعض مغازي النبي ﷺ مقتولةً، فأنكر رسول الله ﷺ قتل النساء والصبيان» (٢).\nوفي رواية: «وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي رسول الله ﷺ، فنهى رسول الله ﷺ عن قتل النساء والصبيان» (٣).\n\nالدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من موضوعات الدعوة: تحذير المجاهدين في سبيل الله عن قتل النساء والصبيان.\n٢ - من صفات الداعية: مراعاة أحوال المدعوين.\n٣ - من صفات الداعية: الرحمة.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولًا: من موضوعات الدعوة: تحذير المجاهدين في سبيل الله عن قتل النساء والصبيان: إن الإسلام دين العدالة، والرحمة والرعاية لمصالح الناس؛ وقد أنكر رسول الله ﷺ في هذا الحديث قتل النساء والصبيان في الجهاد في سبيل الله ﷿ ونهى عن ذلك، وهذا يؤكد على أن ذلك من موضوعات الدعوة التي ينبغي أن يبينها الداعية للمجاهدين ويحذرهم من قتل النساء والصبيان إلا إذا شاركوا في المعارك الحربية، أو اختلطوا أثناء المعارك بالكفار ولا يستطيع المسلمون التمييز؛ فإنهم حينئذ يقتلون تبعًا لا قصدًا، لعدم التمييز (٤)؛ ولهذا ثبت عن بريدة ﵁ أنه قال: «كان رسول الله\" إذا أمر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه في خاصة نفسه\n_________\n(١) عبد الله بن عمر ﵄، تقدمت ترجمته في الحديث رقم ١.\n(٢) [الحديث ٣٠١٤] طرفه في: كتاب الجهاد والسير، باب قتل النساء في الحرب، ٤/ ٢٦، برقم ٣٠١٥. وأخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب تحريم قتل النساء والصبيان في الحرب، ٣/ ١٣٦٤، برقم ١٧٤٤.\n(٣) الطرف رقم ٣٠٥١.\n(٤) انظر: الحديث رقم ١١٨، الدرس الثالث.","vol":"2","page":698},{"text":"بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: \"اغزوا بسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال. . . \" ثم بين هذه الخصال: الإسلام والهجرة، أو الإسلام دون الهجرة ويكونون كأعراب المسلمين، فإن أبوا الإسلام دعاهم إلى بذل الجزية، فإن امتنعوا عن ذلك استعان بالله وقاتلهم» (١).\nوهذا يؤكد على أن الهدف من الجهاد هو إعلاء كلمة الله ﷿ (٢).\nثانيا: من صفات الداعية: مراعاة أحوال المدعوين: ظهر في هذا الحديث أن النبي ﷺ يراعي أحوال المدعوين؛ ولهذا أنكر ﷺ قتل النساء والصبيان في الجهاد، ونهى عن ذلك؛ لأن هؤلاء ليسوا من أهل القتال، وهم من جملة غنائم المسلمين (٣) ولكن إذا شاركوا في القتال أو اختلطوا بالمقاتلين الكفار قتلوا معهم، قال الله ﷿: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠] (٤).\nفقتال المجاهدين يكون لمن نصب الحرب للمسلمين أو أعان على ذلك معهم (٥) وهذا يؤكد على أهمية مراعاة أحوال المدعوين (٦).\nثالثًا: من صفات الداعية: الرحمة: لا شك أن من الصفات الحميدة التي ينبغي للداعية أن يتصف بها الرحمة؛ لأن النبي ﷺ نهى عن قتل النساء والصبيان رحمة بهم، وأنكر قتل هؤلاء (٧).\n_________\n(١) صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث ووصيته إياهم بآداب الغزو وغيرها، ٣/ ١٣٥٦، برقم ١٧٣١.\n(٢) انظر: الاستذكار لابن عبد البر، ١٤/ ٥٤ - ٨٢، والمنهل العذب الفرات، لعبد العال أحمد ٣/ ٢٤٣.\n(٣) انظر: الإفصاح عن معاني الصحاح للوزير ابن هبيرة ٤/ ١٩٦، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي ٣/ ٥٢٧.\n(٤) سورة البقرة، الآية: ١٩٠.\n(٥) انظر: الاستذكار لابن عبد البر، ١٤/ ٦٣.\n(٦) انظر: الحديث رقم ١٩، الدرس الثالث.\n(٧) انظر: الحديث رقم ٥، الدرس الأول، ورقم ١٥، الدرس الأول، ورقم ٥٠، الدرس الرابع.","vol":"2","page":699},{"text":"١٤٩ -<span data-type=\"title\" id=toc-228> باب لا يعذب بعذاب الله</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-229>[حديث لا تعذبوا بعذاب الله]</span>\n١٢٠ - [٣٠١٧] حدثنا علي بن عبد الله: حدثنا سفيان، عن أيوب، عن عكرمة: أن عليا (١) ﵁ حرق قومًا، فبلغ ابن عباس فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم؛ لأن النبي ﷺ قال: «لا تعذبوا بعذاب الله»، ولقتلتهم كما قال النبي ﷺ: «من بدل دينه فاقتلوه» (٢).\nوفي رواية: \"أتي علي ﵁ بزنادقة فأحرقهم، فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم؛ لنهي رسول الله ﷺ. «لا تعذبوا بعذاب الله»؛ ولقتلتهم؛ لقول رسول الله ﷺ: «من بدل دينه فاقتلوه» (٣).\n\nشرح غريب الحديث: * \" الزنديق \": المشهور على ألسنة الناس أن الزنديق هو الذي لا يتمسك بشريعة، ويقول بدوام الدهر، والعرب تعبر عن هذا بقولهم: ملحد: أي طاعن في الأديان (٤) وقيل: الزنديق: من الثنوية، أو القائل بالنور والظلمة، أو من لا يؤمن بالآخرة وبالربوبية، أو من يبطن الكفر ويظهر الإيمان (٥).\nوقيل: الزنديق: هو كل من ليس على ملة من الملل المعروفة، ثم استعمل في كل معطل، وفي من أظهر الإسلام وأسر غيره (٦).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"الزنديق في عرف الفقهاء: هو المنافق الذي كان على عهد النبي ﷺ، وهو أن يظهر الإسلام ويبطن غيره، سواء أبطن\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ٧٨.\n(٢) [الحديث ٣٠١٧] طرفه في: كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، باب حكم المرتد والمرتدة، ٨/ ٦٤، برقم ٦٩٢٢.\n(٣) الطرف رقم ٦٩٢٢.\n(٤) المصباح المنير، للفيومي، كتاب الزاي، مادة: \"الزنديق\" ١/ ٢٥٦.\n(٥) القاموس المحيط، للفيروز آبادي، فصل الزاي، باب القاف، ص ١١٥١.\n(٦) مشارق الأنوار للقاضي عياض، حرف الزاي مع النون، ١/ ٣١١.","vol":"2","page":700},{"text":"دينًا من الأديان: كدين اليهود والنصارى، أو غيرهم، أو كان معطلًا جاحدًا للصانع والمعاد، والأعمال الصالحة\" (١).\n\nالدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من موضوعات الدعوة: التحذير من التعذيب بعذاب الله ﷿.\n٢ - أهمية ذكر الدليل عند الفتوى لرفع الإلباس.\n٣ - من أصناف المدعوين: الزنادقة الملحدون.\n٤ - من وظائف الإمام المسلم: قتل المرتدين بعد استتابتهم.\n٥ - من أساليب الدعوة: الترهيب.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولًا: من موضوعات الدعوة: التحذير من التعذيب بعذاب الله ﷿: إن هذا الحديث فيه دلالة واضحة على أن التحذير من التعذيب بعذاب الله من موضوعات الدعوة التي ينبغي للداعية أن يحذر الناس من فعلها؛ لقوله ﷺ: «لا تعذبوا بعذاب الله» وهذا يعم تعذيب الإنسان والحيوان، أما ما فعله علي ﵁، فلأنه لم يبلغه نهي النبي ﷺ عن التعذيب بالنار؛ قال الكرماني ﵀: \"كان ذلك من علي ﵁ بالرأي والاجتهاد\" (٢) والمجتهد المصيب له أجران، وغيره له أجر على اجتهاده (٣).\nثانيًا: أهمية ذكر الدليل عند الفتوى لرفع الإلباس: إن من الأمور المهمة للداعية أن يذكر الدليل على ما يقول أو يفتي به؛ لأن الدليل يرفع الإلباس، ويقوي اليقين، ويزيل الشك؛ ولهذا قال ابن عباس\n_________\n(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٧/ ٤٧١.\n(٢) شرح الكرماني على صحيح البخاري، ١٣/ ٢٧.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٩٤، الدرس الثاني.","vol":"2","page":701},{"text":"﵄ في هذا الحديث: لو كنت أنا لم أحرقهم؛ لأن النبي ﷺ قال: «لا تعذبوا بعذاب الله» ولقتلتهم كما قال النبي ﷺ: «من بدل دينه فاقتلوه».\nوهذا يبين أهمية ذكر الدليل والعناية به (١).\nثالثًا: من أصناف المدعوين: الزنادقة الملحدون: ظهر في هذا الحديث أن علي بن أبي طالب ﵁ حرق الزنادقة، فدل ذلك على أنهم من أصناف المدعوين الذين يدعون إلى الله ﷿.\nفينبغي للداعية أن يسلك معهم أربعة مسالك: ١ - بيان الأدلة الفطرية على وجود الله ﷿ وربوبيته؛ لأن الفطرة: الخلقة التي خلق عليها كل موجود أول خلقه (٢) والخلقة التي خلق عليها المولود في بطن أمه، والدين (٣) قال النبي ﷺ: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه أو يمجسانه» (٤) واستدل أبو هريرة ﵁ بعد سياقه للحديث بقوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] (٥).\nفينبغي للداعية أن يوضح للملحدين أن كل مولود يولد على نوع من الجبلة والطبع المتهيئ لقبول الدين فلو ترك عليها لاستمر على لزومها ولم يفارقها إلى غيرها، وإنما يعدل عنها من يعدل لآفة من آفات البشر والتقليد، وكل مولود يولد على معرفة الله والإقرار به، فلا تجد أحدًا إلا وهو يقر بأن له صانعًا، وإن سماه بغير اسمه، أو عبد معه غيره (٦) وإذا نظر العاقل ورجع إلى نفسه وعقله أدنى رجوع عرف افتقاره إلى الخالق ﷿: في تكوينه، وبقائه، وتقلبه في\n_________\n(١) انظر: حديث رقم ٩٤، الدرس الثامن.\n(٢) انظر: المعجم الوسيط، لمجمع اللغة العربية، مادة: \"فطر\" ٢/ ٦٩٤.\n(٣) القاموس المحيط للفيروز آبادي؛ فصل الفاء، باب الراء، ص ٥٨٧.\n(٤) متفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁: البخاري، كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه؛ وهل يعرض على الصبي الإسلام؛ ٢/ ١١٩ برقم ١٣٥٨، ومسلم، في كتاب القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة: حكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين، ٤/ ٢٠٤٧ برقم ٢٦٥٨.\n(٥) سورة الروم، الآية: ٣٠.\n(٦) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، ٣/ ٤٥٧، وفتاوى ابن تيمية، ٤/ ٢٤٥، ودرء تعارض العقل والنقل له، ٩/ ٣٧٥، وفتح الباري لابن حجر، ٣/ ٢٤٨،.","vol":"2","page":702},{"text":"أحواله (١) وإذا نظر إلى الخلائق علم فقرهم كلهم إلى الخالق في كل شيء: فقراء إليه في الخلق والإيجاد، وفي البقاء والرزق والإمداد، وفقراء إليه في جلب المنافع ودفع المضار، فانظر إلى حالة الناس إذا كربتهم الشدائد ووقعوا في المهالك، وأشرفوا على الأخطار، أو شاهدوا شيئًا من الحوادث المتجددة: كالصواعق أو الرعد، والبرق والزلازل، والبراكين المتفجرة الثائرة، والريح الشديدة، وانهمار الأمطار الغزيرة، واضطراب أمواج البحار، وفيضانات الأنهار؛ فإنهم إذا حصلت هذه المشاهد العظيمة يلجئون إلى الله، وترتفع أصواتهم بالدعاء، وقلوبهم تنظر إلى إغاثة الخالق ﷿، ولو لم يكن إلا خلق الإنسان؛ فإنه من أعظم الآيات، فكل يعلم أنه لم يحدث نفسه، ولا أبواه أحدثاه، ولا أحد من البشر أحدثه، ويعلم أنه لا بد له من خالق خلقه، وأن هذا الخالق موجود، حي، عليم، قدير، سميع، بصير، حكيم، حفيظ (٢) قال الله ﷿: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] (٣).\n٢ - بيان البراهين والأدلة العقلية؛ فإن هذه الأدلة لها التأثير البليغ في دعوة هؤلاء إلى الله ﷿، فيقال لهؤلاء الذين ينكرون وجود الله ﷿: الأمور الممكن تقسيمها في العقل ثلاثة لا رابع لها: (أ) إما أن توجد هذه المخلوقات بنفسها صدفة من غير محدث ولا خالق خلقها، فهذا محال ممتنع تجزم العقول ببطلانه ضرورة ويعلم يقينًا أن من ظن ذلك فهو إلى الجنون أقرب منه إلى العقل؛ لأن كل من له عقل يعرف أنه لا يمكن أن يوجد شيء من غير موجد ولا محدث، فلا بد لكل حادث من محدث ولا سبيل إلى إنكار ذلك؛ فإن وجود الشيء من غير موجد محال وباطل، بالمشاهدة والحس والفطرة السليمة.\n(ب) وإما أن تكون هذه المخلوقات الباهرة هي المحدثة الخالقة لنفسها،\n_________\n(١) انظر: كتاب الداعي إلى الإسلام، لعبد الرحمن الأنباري ص٢١١، ودرء تعارض العقل والنقل لابن تيمية، ٣/ ١١٣.\n(٢) انظر: درء تعارض العقل والنقل، لابن تيمية ٣/ ١٢٢، ١٢٩، ١٣١، ١٣٧، ٨/ ٤٨٧ والرياض الناضرة والحدائق النيرة الزاهرة للسعدي، ص ٢٥١ - ٢٥٢، وأضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشنقيطي، ٢/ ٢٣٧.\n(٣) سورة الذاريات، الآية: ٢١.","vol":"2","page":703},{"text":"فهذا أيضًا محال ممتنع بضرورة العقل، وكل عاقل يجزم أن الشيء لا يحدث نفسه ولا يخلقها؛ لأنه قبل وجوده معدوم فكيف يكون خالقا؟! فإذا بطل هذان القسمان عقلًا وفطرة، وبان استحالتهما تعين القسم الثالث: (ج) وهو أن هذه المخلوقات بأجمعها علويها وسفليها، وهذه الحوادث لا بد لها من خالق ينتهي إليه الخلق، والملك، والتدبير، وهو الله العظيم الخالق لكل شيء المتصرف في كل شيء، المدبر للأمور كلها (١)؛ ولهذا الدليل العقلي والبرهان القطعي قال الله ﷿: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ - أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ - أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٥ - ٣٧] (٢).\nوهذا يوضح أن العدم لا يخلق شيئا، والطبيعة لا تملك قدرة، والصدفة العمياء لا توجد حياة.\n٣ - ذكر الأدلة الحسية المشاهدة التي تدل على وجود الله، وربوبيته، وأنه الخالق لكل شيء المستحق للعبادة، وهذه الأدلة على نوعين: (أ) النوع الأول: إجابة الله ﷿ للدعوات في جميع الأوقات، فلا يحصي الخلق ما يعطيه الله للسائلين وما يجيب به أدعية الداعين، ويرفع به كرب المكروبين فتحصل المطالب الكثيرة بأسباب دعاء بعض العباد لربهم، والطمع في فضله والرجاء لرحمته، وهذا برهان مشاهد محسوس، لا ينكره إلا مكابر (٣) قال الله ﷿: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢] (٤).\n(ب) - النوع الثاني: معجزات الأنبياء وهي آيات يشاهدها الناس أو يسمعونها وهي من أعظم البراهين القاطعة على وجود مرسلهم؛ لأنها أمور خارجة عن نطاق البشر يجريها الله ﷿ تأييدًا لرسله ونصرًا لهم عليهم\n_________\n(١) انظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم ١/ ٦٦، ودرء تعارض العقل والنقل لابن تيمية، ٣/ ١١٣، والرياض الناضرة للسعدي ص ٢٤٧، وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للسعدي، ٧/ ١٩٥، وأضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشنقيطي، ٤/ ٣٦٨.\n(٢) سورة الطور، الآيات: ٣٥ - ٣٧.\n(٣) انظر: الرياض الناضرة للسعدي ص ٢٥٣.\n(٤) سورة النمل، الآية: ٦٢.","vol":"2","page":704},{"text":"الصلاة والسلام (١) ومن ذلك قوله ﷿: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣] (٢) إلى غير ذلك من الآيات العظيمة (٣) ٤ - ذكر الأدلة الشرعية: وهي طريق الهداية الكاملة، وهي ما جاء عن الله ﷿ وعن رسله عليهم الصلاة والسلام، وهي تجمع بين الأدلة العقلية والنقلية، فالكتب السماوية كلها تنطق بأن الله الخالق لكل شيء المستحق للعبادة، وما جاءت به من مصالح العباد دليل على أنها من رب حكيم عليم بمصالح خلقه، وما جاءت به من الأخبار الكونية التي شهد الواقع بصدقها دليل على أنها من رب قادر على إيجاد ما أخبر به (٤).\nرابعًا: من وظائف الإمام المسلم: قتل المرتدين بعد استتابتهم: لا ريب أن من الوظائف العظيمة والأمور المهمة قتل إمام المسلمين للمرتدين عن دين الإسلام بعد استتابتهم وامتناعهم عن الرجوع إلى دين الإسلام؛ ولهذا قال ﷺ في هذا الحديث: «من بدل دينه فاقتلوه» وقد بين الله ﷿ عظم جريمة المرتدين فقال: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧] (٥).\nقال الإمام ابن قدامة ﵀: \"وأجمع أهل العلم على وجوب قتل المرتدين\" (٦) فإذا كان المرتد عن دين الإسلام بالغًا، عاقلًا،، دعاه الإمام أو نائبه إلى الإسلام ثلاثة أيام فإن رجع وإلا قتل (٧).\n_________\n(١) انظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسح لابن تيمية ٦/ ٣٦١.\n(٢) سورة الشعراء، الآية: ٦٣.\n(٣) انظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية ٦/ ٥٥ - ٤٨١.\n(٤) انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية، ١/ ١٧٢ - ١٨٠، ٧/ ٣٩، ومجموع الفتاوى له، ٦/ ٧١، وشرح أصول الإيمان لمحمد بن صالح العثيمين ص ١٧.\n(٥) سورة البقرة، الآية: ٢١٧.\n(٦) المغني، ٢٦٤/ ١٢.\n(٧) انظر: عارضة الأحوذي بشرح سنن الترمذي لابن العربي ٣/ ٤٢٤، والمغني لابن قدامة، ١٢/ ٢٦٤.","vol":"2","page":705},{"text":"خامسًا: من أساليب الدعوة: الترهيب: دل هذا الحديث على أسلوب الترهيب؛ لقوله ﷺ: «من بدل دينه فاقتلوه»؛ فإن فيه الترهيب من الردة؛ لأن من ارتد عن الإسلام قتل، وأسأل الله العفو والعافية لي ولجميع المسلمين (١).\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٧، الدرس الثالث عشر.","vol":"2","page":706},{"text":"١٥٣ -<span data-type=\"title\" id=toc-230> بَابٌ</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-231>[حديث أن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم تسبح الله]</span>\n١٢١ - [٣٠١٩] حدثنا يحيى بن بكير: حدثنا الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة: أن أبا هريرة (١) ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قرصت نملة نبيا من الأنبياء، فأمر بقرية النمل فأحرقت، فأوحى الله إليه أن قرصتك نملة أحرقت أمةً من الأمم تسبح الله»! \" (٢).\nوفي رواية: «نزل نبيّ من الأنبياء تحت شجرة فلدغته نملة فأمر بجهازه فأخرج من تحتها، ثم أمر ببيتها فأحرق بالنار، فأوحى الله إليه: فهلا نملةً واحدةً»! \" (٣).\n\nشرح غريب الحديث: * \" فأمر بجهازه \" الجهاز: جهاز السفر وما يحتاج إليه فيه (٤).\n* \"قرية النمل\" هي مساكنها وبيتها، والجمع قرى، والقرية من المساكن والأبنية: الضياع وقد تطلق على المدن. (٥).\n\nالدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من أساليب الدعوة: القصص.\n٢ - من موضوعات الدعوة: التحذير من مؤاخذة أحد بذنب غيره.\n٣ - من صفات الداعية: الصبر على الأذى.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ٧.\n\n(٢) [الحديث ٣٥١٩] طرفه في: كتاب بدء الخلق، باب إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء، وخمس من الدواب فواسق يقتلن في الحرم، ٤/ ١٢٠، برقم ٣٣١٩، ومسلم، في كتاب السلام، باب النهي عن قتل النمل، ٤/ ١٧٥٩، برقم ٢٢٤١.\n(٣) طرف رقم ٣٣١٩.\n(٤) انظر: مشارق الأنوار للقاضي عياض، حرف الجيم مع الهاء، ١/ ١٦١، والمصباح المنير، للفيومي، ١/ ١١٣.\n(٥) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب القاف مع الراء، مادة: \" قرا\" ٤/ ٥٦.","vol":"2","page":707},{"text":"أولًا: من أساليب الدعوة: القصص: إن أسلوب القصص في الدعوة إلى الله ﷿ من الأمور المهمة التي ينبغي للداعية أن يعتني بها عناية خاصة؛ لما للقصص من تأثير على المدعو؛ لأنه يشد الأذهان ويقرب الفهم للسامعين؛ وقد قص النبي ﷺ علينا قصة هذا النبي الكريم مع النملة وإحراقه لقرية النمل، وعتاب الله له على قتله لجميع النمل. فقال: «فهلا نملة واحدة» (١).\nثانيًا: من موضوعات الدعوة: التحذير من مؤاخذة أحد بذنب غيره: دل هذا الحديث على أن من موضوعات الدعوة: الحض على عدم مؤاخذة أحد بذنب غيره؛ ولهذا عاتب الله ﷿ هذا النبي الذي أحرق قرية النمل من أجل نملة واحدة: \"فأوحى الله إليه أن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم تسبح الله؟ \" وقد قال الله ﷿: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨] (٢).\nوهذا يؤكد على أنه لا يؤاخذ أحد بذنب أحد، قال الإمام النووي ﵀: \"قال العلماء: وهذا الحديث محمول على أن شرع ذلك النبي ﷺ كان فيه جواز قتل النمل، وجواز الإحراق بالنار، ولم يعتب عليه في أصل القتل والإحراق، بل في الزيادة على نملة واحدة، وقوله تعالى: «فهلا نملة واحدة» أي فهلا عاقبت نملة واحدة هي التي قرصتك؛ لأنها الجانية، وأما غيرها فليس لها جناية، وأما في شرعنا فلا يجوز الإحراق بالنار للحيوان (٣) إلا إذا حرق إنسان فمات بالإحراق فلوليه الاقتصاص بإحراق الجاني. . \" (٤) وأما قتل النمل في شريعة محمد ﷺ، فمنهي عنه، فعن ابن عباس ﵄ قال: «إن رسول الله ﷺ نهى عن قتل أربع من الدواب: النملة، والنحلة، والهدهد، والصرد» (٥) (٦).\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ١٧، الدرس الثالث، ورقم ٢٨، الدرس الثامن، ورقم ٣٤، الدرس الثالث.\n(٢) سورة فاطر، الآية: ١٨.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٩٤، الدرس الثاني، ورقم ١٢٠، الدرس الأول.\n(٤) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٤/ ٤٨٩، وانظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم للقرطبي، ٥/ ٥٤٢، وفتح الباري، لابن حجر، ٦/ ٣٥٨.\n(٥) الصرد: طائر ضخم الرأس والمنقار، له ريش عظيم، نصفه أبيض ونصفه أسود. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الصاد مع الراء، مادة: \"صرد\" ٣/ ٢١.\n(٦) أبو داود، كتاب الأدب، باب في قتل الذر، ٤/ ٣٦٧، برقم ٥٢٦٧، وابن ماجة، كتاب الصيد، باب ما ينهى عن قتله، ٢/ ١٠٧٤، برقم ٣٢٢٤، وصححه النووي على شرط البخاري ومسلم، انظر: شرح صحيح مسلم، ١٤/ ٤٩٠، والألباني في إرواء الغليل، ٨/ ١٤٢ برقم ٢٤٩٠.","vol":"2","page":708},{"text":"قال الإمام الخطابي ﵀: \"إن النهي إنما جاء في قتل النمل في نوع منه خاص. وهو الكبار منها، ذوات الأرجل الطوال وذلك: أنها قليلة الأذى والضرر، ونهى عن قتل النحلة؛ لما فيها من المنفعة، فأما الهدهد والصرد فنهيه في قتلهما يدل على تحريم لحومهما، وذلك أن الحيوان إذا نهي عن قتله، ولم يكن ذلك لحرمته ولا لضرر فيه كان ذلك لتحريم لحمه. . . \" (١) وقال الإمام النووي ﵀: \"وأما قتل النمل فمذهبنا أنه لا يجوز واحتج أصحابنا فيه بحديث ابن عباس. . . \" (٢).\nوهذا يبين للداعية أنه ينبغي له أن يحذر الناس من أخذ بعض الناس ومعاقبتهم بذنوب غيرهم أو جناية غيرهم، والله المستعان.\nثالثًا: من صفات الداعية: الصبر على الأذى: لا ريب أن الصبر على الأذى في ذات الله ﷿ من الصفات الحميدة التي ينبغي للداعية أن يتصف بها؛ ولهذا عوتب هذا النبي الكريم في هذا الحديث؛ لأنه قتل أمةً من النمل من أجل واحدة، قال الإمام القرطبي ﵀: \"وظاهر هذا الحديث أن هذا النبي إنما عاتبه الله تعالى، حيث انتقم لنفسه بإهلاك جمع آذاه واحد منه، وكان الأولى به الصبر والصفح، لكن وقع للنبي: أن هذا النوع مؤذ لبني آدم، وحرمة بني آدم أعظم من حرمة غيره من الحيوان غير الناطق، فلو انفرد له هذا النظر، وينضم إليه التشفي الطبيعي يعاتب، والله تعالى أعلم.\nلكن لما انضاف إليه التشفي الذي دل عليه سياق الحديث عوتب عليه، والذي يؤيد ما ذكرنا: التمسك بأصل عصمة الأنبياء، وأنهم أعلم الناس بالله، وبأحكامه، وأشدهم له خشية\" (٣) رحم الله الإمام القرطبي فقد أجاد وأفاد (٤).\n_________\n(١) معالم السنن، ٨/ ١١٣.\n(٢) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٤/ ٤٩٠، وانظر. المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم للقرطبي، ٥/ ٥٤٢.\n(٣) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٥/ ٥٤٢، وانظر: فتح الباري لابن حجر، ٦/ ٣٥٩.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٢٧، الدرس الأول، ورقم ٦٦، الدرس الأول.","vol":"2","page":709},{"text":"١٥٤ -<span data-type=\"title\" id=toc-232> باب حرق الدور والنخيل</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-233>[حديث ألا تريحني من ذي الخلصة]</span>\n١٢٢ - [٣٠٢٠] حدثنا مسدد: حدثنا يحيى، عن إسماعيل قال: حدثني قيس بن أبي حازم قال: قال لي جرير (١) قال لي رسول الله ﷺ: «ألا تريحني من ذي الخلصة؟» - وكان بيتًا في خثعم يسمى كعبة اليمانية - قال فانطلقت في خمسين ومائة فارس من أحمس، وكانوا أصحاب خيل، قال: وكنت لا أثبت على الخيل، فضرب في صدري حتى رأيت أثر أصابعه في صدري وقال: «اللهم ثبته واجعله هاديًا مهديًّا». فانطلق إليها فكسرها وحرقها. ثم بعث إلى رسول الله ﷺ يخبره فقال رسول جرير: والذي بعثك بالحق ما جئتك حتى تركتها كأنها جمل أجوف أو أجرب. قال: \"فبارك في خيل أحمس ورجالها خمس مرات\" (٢).\nوفي رواية: «ألا تريحني من ذي الخلصة؛» فقلت: بلى، فانطلقت في خمسين ومائة فارس من أحمس وكانوا أصحاب خيل، وكنت لا أثبت على الخيل، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فضرب يده على صدري حتى رأيت أثر يده في صدري فقال: «اللهم ثبته واجعله هاديًا مهديًّا» قال: فما وقعت عن فرس بعد، قال وكان ذو الخلصة بيتًا باليمن لخثعم وبجيلة، فيه نصب يعبد يقال له: الكعبة، قال: فأتاها فحرقها بالنار وكسرها، قال: ولما قدم جرير اليمن كان بها رجل يستقسم بالأزلام فقيل له إن رسول رسول الله ﷺ ها هنا فإن قدر عليك ضرب عنقك قال: فبينما هو يضرب بها إذ وقف عليه جرير، فقال: لتكسرنها ولتشهدن أن لا إله إلا الله، أو لأضربن عنقك، قال: فكسرها\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ٦٩.\n(٢) [الحديث ٣٠٢٠] أطرافه في: كتاب الجهاد والسير، باب من لا يثبت على الخيل، ٤/ ٣٢، برقم ٣٠٣٦. وكتاب الجهاد والسير، باب البشارة في الفتوح، ٤/ ٤٧، برقم ٣٠٧٦. وكتاب مناقب الأنصار، باب ذكر جرير بن عبد الله البجلي، ٤/ ٢٨٠، برقم ٣٨٢٣. وكتاب المغازي، باب غزوة ذي الخلصة، ٥/ ١٣١، برقم ٤٣٥٥ و٤٣٥٦ و٤٣٥٧ وكتاب الأدب، باب التبسم والضحك، ٧/ ١٢٣، برقم ٦٠٨٩. وكتاب الدعوات، باب قول الله تعالى: وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ومن خص أخاه بالدعاء دون نفسه، ٧/ ١٩٦، برقم ٦٣٣٣. وأخرجه مسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل جرير بن عبد الله، رضي الله تعالى عنه، ٤/ ١٩٢٥، برقم ٢٤٧٥.","vol":"2","page":710},{"text":"وشهد، ثم بعث جرير رجلًا من أحمس يكنى أبا أرطاة (١) إلى النبي ﷺ يبشره بذلك فلما أتى النبي ﷺ قال: يا رسول الله والذي بعثك بالحق ما جئت حتى تركتها كأنها جمل أجرب. قال: فبرك النبي ﷺ على خيل أحمس ورجالها خمس مرات (٢).\nوفي رواية: \"ما حجبني النبي ﷺ منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسم في وجهي\" (٣).\n\nشرح غريب الحديث: * \" ذو الخلصة\" بيت كان فيه صنم لدوس وخثعم، وبجيلة، وغيرهم، وقيل: ذو الخلصة الكعبة اليمانية التي كانت باليمن (٤).\n* \"أحمس\" أحمس طائفة من بجيلة، منهم أبو أرطاة: حصين بن ربيعة الأحمسي (٥).\n\nالدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من صفات الداعية: راحة القلب بالتوحيد ونشره بين الناس.\n٢ - من موضوعات الدعوة: الحض على إزالة الشركيات.\n٣ - من وسائل الدعوة: بعث البعوث وإرسال الدعاة.\n٤ - أهمية سرعة استجابة المدعو.\n٥ - من صفات الداعية: التواضع.\n_________\n(١) أبو أرطاة: هو حصين بن ربيعة بن عامر بن الأزور الأحمسي ﵁، وهو مشهور بكنيته، وأرسله جرير بن عبد الله يبشر رسول الله ﷺ بإحراق ذي الخلصة. انظر: تهذيب التهذيب لابن حجر، ٢/ ٣٣١، والإصابة في تمييز الصحابة له، ٣/ ٣٣٧.\n(٢) طرف الحديث رقم ٤٣٥٧.\n(٣) طرف الحديث رقم ٦٠٨٩.\n(٤) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الخاء مع اللام، مادة: \"خلص\" ١/ ٦٢. وسمعت سماحة العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز حفظه الله أثناء شرحه لحديث رقم ٤٣٥٥ من صحيح البخاري، يقول: \"ذو الخلصة: الصنم المعروف في أطراف بيشة، وقد أعيدت، وهدمها المسلمون في عهد الإمام محمد بن سعود ﵀.\n(٥) اللباب في تهذيب الأنساب، لابن الأثير، ١/ ٣٢.","vol":"2","page":711},{"text":"٦ - من أساليب الدعوة: التأليف بالدعاء.\n٧ - من وسائل الدعوة: إزالة كل ما يفتن به الناس من بناء وغيره.\n٨ - أهمية البشارة وأثرها في النفوس.\n٩ - أهمية التأكيد بالقسم.\n١٠ - من أساليب الدعوة: التأكيد بالتكرار.\n١١ - من معجزات النبي ﷺ: استجابة دعواته.\n١٢ - من أساليب الدعوة: الترهيب.\n١٣ - من صفات الداعية: مراعاة أحوال المدعوين.\n١٤ - من صفات الداعية: حسن الخلق.\n١٥ - من صفات الداعية: الحرص على الدقة في نقل الحديث.\n١٦ - من وسائل الدعوة: استمالة قلب من له شأن في قومه.\n١٧ - من وسائل الدعوة: تعليم المجاهدين وتدريبهم استعدادًا للجهاد.\n١٨ - أهمية سؤال المدعو عما أشكل عليه.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولًا: من صفات الداعية؛ راحة القلب بالتوحيد ونشره بين الناس: إن الداعية الصادق في دعوته هو الذي يرتاح قلبه بنشر التوحيد بين الناس، وإذا انتشر الشرك أتعب ذلك قلبه وأقلقه؛ ولهذا قال ﷺ لجرير بن عبد الله: «ألا تريحني من ذي الخلصة؟» قال الحافظ ابن حجر ﵀: \"المراد بالراحة راحة القلب؛ وما كان شيء أتعب لقلب النبي ﷺ من بقاء ما يشرك به من دون الله تعالى\" (١).\nفينبغي للداعية أن يتصف بهذه الصفة الكريمة فيسر ويفرح بانتشار التوحيد بين الناس، ويعلمهم ذلك.\nثانيًا: من موضوعات الدعوة: الحض على إزالة الشركيات: لا ريب أن من أهم الموضوعات حض الناس وحثهم على إزالة كل ما يكون\n_________\n(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٨/ ٧٢.","vol":"2","page":712},{"text":"وسيلة للشرك: من مشاهد، وآثار، وأشجار، وأماكن شركية؛ ولهذا قال ﷺ لجرير بن عبد الله ﵁: «ألا تريحني من ذي الخلصة؟» وعن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب ﵁: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ: \"أن لا تدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفا إلا سويته\" (١).\nفينبغي للداعية أن يحض الناس على هدم الأشياء الشركية، ووسائل الشرك؛ لأمر النبي ﷺ بذلك.\nثالثًا: من وسائل الدعوة: بعث البعوث وإرسال الدعاة: إن من وسائل الدعوة التي لها أهمية بالغة: بعث البعوث وإرسال الرسل والدعاة إلى الله ﷿؛ لتعليم الناس الخير والقضاء على الشرك ووسائله؛ ولهذا عرض النبي ﷺ على جرير بن عبد الله ﵁؛ ليرسله إلى هدم ذي الخلصة، فقال: «ألا تريحني من ذي الخلصة؟» فانطلق جرير ﵁ في خمسين ومائة فارس من قومه، فهدم ذا الخلصة وكسرها وأحرقها. وقد اعتنى النبي ﷺ بهذه الوسيلة، فكان يرسل الدعاة ويبعث البعوث والسرايا للدعوة إلى الله ﷿ (٢).\nرابعًا: أهمية سرعة استجابة المدعو: المدعو ينبغي له الإسراع في الاستجابة لله ورسوله ﷺ؛ لأن ذلك من أهم المهمات وأعظم القربات له ﷿؛ ولهذا أسرع جرير ﵁ في الاستجابة لله ﷿ ولرسوله ﷺ، فانطلق بمائة وخمسين فارسًا على خيلهم حتى كسر الصنم المعروف: بذي الخلصة وحرقه (٣).\nخامسًا: من صفات الداعية: التواضع: دل هذا الحديث على تواضع النبي ﷺ؛ لأنه ضرب في صدر جرير بن عبد الله\n_________\n(١) صحيح مسلم كتاب الجنائز باب تسوية القبر، ٢/ ٦٦٦، برقم ٩٦٩.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٦٦، الدرس الثالث، ورقم ٩٠، الدرس الثاني.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٤٥، الدرس التاسع عشر، ورقم ٥٢، الدرس الخامس.","vol":"2","page":713},{"text":"ودعا له؛ قال العلامة العيني ﵀: \"فيه أنه لا بأس للإمام أو العالم إذا أشار إليه إنسان في مخاطبة أو غيرها أن يضع عليه يده، ويضرب بعض جسده، وذلك من التواضع واستمالة النفوس\" (١) فينبغي للداعية الاقتداء بالنبي ﷺ في تواضعه وغيره، مما لا يكون من خصائصه ﷺ (٢).\nسادسًا: من أساليب الدعوة: التأليف بالدعاء: ظهر في هذا الحديث أن الدعاء من أساليب الدعوة، التي ينبغي للداعية العناية بها؛ لأهميتها في استمالة القلوب؛ قال ابن حجر ﵀: \"وفيه استمالة نفوس القوم بتأمير من هو منهم، والاستمالة بالدعاء والثناء. . \" (٣).\nوهذا يؤكد أهمية العناية بالدعاء للمدعوين؛ لاستمالة قلوبهم (٤).\nسابعًا: من وسائل الدعوة: إزالة كل ما يفتتن به الناس من بناء وغيره: إن من سائل الدعوة إزالة ما يفتتن به الناس من الشرك ووسائله؛ ولهذا قال ﷺ لجرير بن عبد الله ﵁: «ألا تريحني من ذي الخلصة؟» فانطلق ﵁ في خمسين ومائة فارس فكسرها وحرقها؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀: \"وفي الحديث مشروعية إزالة ما يفتتن به الناس من بناء وغيره، سواء كان إنسانًا، أو حيوانًا، أو جمادًا. . \" (٥) وهذا يؤكد أهمية إزالة كل ما يفتتن به الناس. (٦).\nثامنًا: أهمية البشارة وأثرها في النفوس: لا ريب أن البشارة بما يسر الإنسان من الأمور المهمة في الدعوة إلى الله ﷿؛ لما في ذلك من تأليف القلوب واستمالتها؛ ولهذا أرسل جرير بن عبد الله ﵁\n_________\n(١) عمدة القاري، شرح صحيح البخاري، ١٤/ ٢٨٠.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٣٣، الدرس الحادي عشر، ورقم ٦٢، الدرس الثالث.\n(٣) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٨/ ٧٣.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٢١، الدرس الخامس، ورقم ٤٥، الدرس الثامن.\n(٥) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٨/ ٧٣.\n(٦) انظر: الحديث رقم ٩٧، الدرس الأول.","vol":"2","page":714},{"text":"حصين بن ربيعة أبا أرطاة؛ ليبشر النبي ﷺ بتكسير وتحريق صنم خثعم المعروف بذي الخلصة؛ ليدخل السرور على رسول الله ﷺ، فلما أتى البشير النبي ﷺ قال: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق ما جئت حتى تركتها كأنها جمل أجرب، فسر النبي ﷺ بذلك، فبارك على خيل أحمس ورجالاتها خمس مرات. وهذا يدل على سروره ﷺ العظيم بذلك، ويدل على مكانة البشارة في النفوس (١)؛ قال النووي ﵀: \"وفي هذا الحديث استحباب إرسال البشير بالفتوح ونحوها\" (٢).\nتاسعًا: أهمية التأكيد بالقسم: ظهر أسلوب القسم في هذا الحديث؛ لقول أبي أرطاة ﵁: يا رسول الله والذي بعثك بالحق ما جئت حتى تركتها كأنها جمل أجرب. ولا ريب أن التأكيد بالقسم من الأمور المهمة؛ لتأكيد ما يقوله الإنسان، وهذا يؤكد أهمية هذا الأسلوب عند الحاجة (٣).\nعاشرًا: من أساليب الدعوة: التأكيد بالتكرار: ظهر في هذا الحديث أسلوب التكرار، وذلك أن النبي ﷺ برك في خيل أحمس ورجالها خمس مرات؛ وقد ذكر (٤) ﵀ الحكمة من ذلك، فقال: \"قيل: مبالغة واقتصارًا على الوتر؛ لأنه مطلوب، ثم ظهر لي احتمال أن يكون دعا للخيل والرجال أولهما معًا، ثم أراد التأكيد في تكرير الدعاء ثلاثا، فدعا للرجال مرتين أخريين، وللخيل مرتين أخريين؛ ليكمل لكل من الصنفين ثلاثا، فكان مجموع ذلك خمس مرات\" (٥).\nوهذا يدل على أهمية أسلوب التكرار (٦).\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٩، الدرس التاسع، ورقم ٨٣، الدرس الأول، ورقم ٨٩، الرابع.\n(٢) شرح النووي على صحيح مسلم: ١٦/ ٢٦٨، وانظر: شرح الكرماني على صحيح البخاري ١٣/ ٢٩.\n(٣) انظر: الحديث رقم ١٠، الدرس الخامس، ورقم ١٤، الدرس الخامس.\n(٤) ابن حجر.\n(٥) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٨/ ٧٣.\n(٦) انظر: الحديث رقم ٤، الدرس الخامس، ورقم ٧، الدرس الثاني عشر.","vol":"2","page":715},{"text":"الحادي عشر: من معجزات النبي ﷺ: استجابة دعواته: دل هذا الحديث على أن من معجزات النبي ﷺ إجابة دعواته؛ ولهذا دعا النبي ﷺ لجرير بعد أن اشتكى إليه عدم ثبوته على الخيل فضرب صدره وقال: «اللهم ثبته واجعله هاديًا مهديًّا» قال الإمام القرطبي ﵀: \"فدعا له النبي ﷺ بأكثر مما طلب بالثبوت (١) مطلقا، وبأن يجعله هاديًا لغيره، مهديًّا لنفسه، فكان كل ذلك، وظهر عليه جميع ما دعا له به، وأول ذلك أنه نفر في خمسين ومائة فارس لذي الخلصة فحرقها، وعمل فيها جميلًا لا يعمله خمسة آلاف\" (٢) وسمعت العًلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز حفظه الله يقول: \"وفيه علم من أعلام النبوة؛ لأنه ﷺ ضرب صدره فثبت على الراحلة\" (٣).\nوهذا يدل على صدقه ﷺ وأنه عبد الله ورسوله (٤).\nالثاني عشر: من أساليب الدعوة: الترهيب: دل هذا الحديث على أسلوب الترهيب؛ لأن جرير بن عبد الله ﵁ عندما قدم إلى اليمن كان بها رجل يستقسم بالأزلام، فقيل له: إن رسول رسول الله ﷺ ها هنا، فإن قدر عليك ضرب عنقك، فبينما هو يضرب بها إذ وقف عليه جرير فقال: \"لتكسرنها ولتشهدن أن لا إله إلا الله أو لأضربن عنقك، فكسرها وشهد. . . \". وهذا يبين أهمية أسلوب الترهيب في الدعوة إلى الله ﷿. (٥).\nالثالث عشر: من صفات الداعية: مراعاة أحوال المدعوين: ظهر في هذا الحديث أن من الصفات الحميدة الحكيمة؛ مراعاة أحوال المدعوين؛ ولهذا ما حجب النبي ﷺ جرير بن عبد الله منذ أسلم، والمقصود أنه ﷺ عندما يعلم استئذان جرير يترك كل شيء ويأذن له فورًا، مبادرًا لذلك،\n_________\n(١) هكذا في الأصل، ولعله \"بالثبات\".\n(٢) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٦/ ٤٠٤.\n(٣) سمعت ذلك من سماحته أثناء شرحه لحديث رقم ٣٠٧٦ من صحيح البخاري.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٩١، الدرس التاسع.\n(٥) انظر: الحديث رقم ٧، الدرس الثالث عشر، ورقم ١٢، الدرس الثالث.","vol":"2","page":716},{"text":"مبالغة في إكرامه (١) قال الإمام القرطبي على قول جرير ﵁: \"ما حجبني رسول الله ﷺ منذ أسلمت\": \"ولا يفهم من هذا أن جريرًا كان يدخل على النبي ﷺ بيته من غير إذن، فإن ذلك لا يصلح؛ لحرمة بيت النبي ﷺ؛ ولما يفضي ذلك إليه من الاطلاع على ما لا يجوز من عورات البيوت\" (٢).\nوهذا يدل على أن النبي ﷺ راعى حال جرير بن عبد الله ﵁؛ لمكانته في قومه، فلم يحجبه ويمنعه من الدخول عليه كما يحجب بعض الناس في أوقات خاصة بل كان يبادر ﷺ إلى الإذن له بالدخول، وهذا يؤكد على الدعاة مراعاة أحوال المدعوين (٣).\nالرابع عشر: من صفات الداعية: حسن الخلق: ظهر في هذا الحديث أن حسن الخلق من الصفات العظيمة التي ينبغي للداعية أن يتصف بها؛ ولهذا الخلق قال جرير ﵁ عن النبي ﷺ: \"ولا رآني إلا تبسم في وجهي\" قال الإمام القرطبي ﵀: \"هذا منه ﷺ فرح به، وبشاشة للقائه، وإعجاب برؤيته؛ فإنه من كملة الرجال: خَلْقًا وَخُلُقًا\" (٤) وقال النووي ﵀: \"وفعل ذلك إكرامًا، ولطفًا، وبشاشةً، ففيه استحباب هذا اللطف للوارد، وفيه فضيلة ظاهرة لجرير \" (٥) وقال العلامة العيني ﵀: \"فيه أن لقاء الناس بالتبسم، وطلاقة الوجه من أخلاق النبوة، وهو مناف للتكبر، وجالب للمودة\". (٦) وهذا يؤكد على الداعية التزامه بحسن الخلق (٧).\nالخامس عشر: من صفات الداعية: الحرص على الدقة في نقل الحديث: ظهر في الحديث أن الدقة في نقل الحديث من الصفات الحميدة؛ لأن رسول جرير ﵁ قال للنبي ﷺ عن ذي الخلصة: \"ما جئتك حتى تركتها كأنها\n_________\n(١) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، ٦/ ٤٠٣.\n(٢) المرجع السابق ٦/ ٤٠٣.\n(٣) انظر: الحديث رقم ١٩، الدرس الثالث.\n(٤) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٦/ ٤٠٣.\n(٥) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٦/ ٢٦٨.\n(٦) عمدة القاري شرح صحيح البخاري، ١٤/ ٢٨٠، وانظر: شرح الكرماني على صحيح البخاري، ١٥/ ٥٩.\n(٧) انظر: الحديث رقم ١٤، الدرس الأول، ورقم ٢١، الدرس الثاني.","vol":"2","page":717},{"text":"جمل أجوف أو أجرب\"، فالراوي شك هل قال: أجوف، أو قال: أجرب (١).\nوهذا يؤكد حرص السلف الصالح على العناية بنقل الحديث (٢).\nالسادس عشر: من وسائل الدعوة: استمالة قلب من له شأن في قومه: إن من الوسائل المهمة في الدعوة إلى الله ﷿ استمالة قلب من له شأن في قومه؛ ليتألف؛ ولهذا ما رأى النبي ﷺ جرير بن عبد الله ﵁ إلا تبسم في وجهه، قال الإمام الأبي ﵀: \"فيه بر أشراف الناس وحسن لقائهم؛ لأنه كان كبير قومه\" (٣) وسمعت العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز حفظه الله يقول: \"وهذا يدل على التأليف وتقدير أهل الفضل، ومن كان له شأن في قومه\" (٤).\nوعن عبد الله بن عمر ﵁ يرفعه: «إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه» (٥) وعن جابر بن عبد الله ﵁ يرفعه: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فإذا أتاه كريم قوم فليكرمه» (٦) وهذا يؤكد أهمية العناية بكبير القوم وإكرامه، تأليفًا له واستمالةً لقلبه؛ لأن له الأثر الكبير في قومه، فإذا وافق على شيء وافقوا عليه أو فعل شيئًا فعلوه.\nفينبغي العناية بهذه الوسيلة لأهميتها في الدعوة إلى الله ﷿.\nالسابع عشر: من وسائل الدعوة: تعليم المجاهدين وتدريبهم استعدادًا للجهاد: ظهر في هذا الحديث أن من الوسائل المهمة في الدعوة إلى الله تعليم المجاهدين وتدريبهم على وسائل الجهاد؛ وقد اعتنى النبي ﷺ بذلك فدعا لجرير بن\n_________\n(١) انظر: عمدة القاري للعيني ١٤/ ٢٧٠.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٢١، الدرس العاشر.\n(٣) إكمال إكمال المعلم، ٨/ ٣٧١.\n(٤) سمعته من سماحته أثناء شرحه لحديث رقم ٣٨٢٢، من صحيح البخاري.\n(٥) سنن ابن ماجه، كتاب الأدب، باب إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه، ٢/ ١٢٢٣، برقم ٣٧١٢، وحسنه الألباني؛ لشواهده الكثيرة في صحيح سنن ابن ماجه ٢/ ٣٠٣.\n(٦) الحاكم وصحح إسناده، ٤/ ٢٩١ - ٢٩٢، وذكر له الألباني ثمانية شواهد في سلسلة الأحاديث الصحيحة، ٣/ ٣٠٥، برقم ١٢٠٥.","vol":"2","page":718},{"text":"عبد الله أن يثبت على الخيل فقال: «اللهم ثبته واجعله هاديًا مهديًّا» قال الحافظ ابن حجر ﵀: \"وفي الحديث. . . فضل ركوب الخيل في الحرب\" (١) وقال العلامة العيني ﵀: \"وفيه فضل الفروسية، وأحكام ركوب الخيل؛ فإن ذلك مما ينبغي أن يتعلمه الرجل الشريف والرئيس\" (٢).\nفينبغي العناية بهذه الوسيلة عناية خاصة؛ لأهميتها في الدعوة إلى الله ﷿ (٣).\nالثامن عشر: أهمية سؤال المدعو عما أشكل عليه: ظهر في هذا الحديث أن جرير بن عبد الله ﵁ شكا إلى النبي ﷺ أنه لا يثبت على الخيل، فدعا له النبي ﷺ، فما سقط عنها قط، وهذا يؤكد أهمية السؤال؛ فإنه استفاد من هذا السؤال استفادة عظيمة فثبت على الخيل بدعوة النبي ﷺ (٤).\n_________\n(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٨/ ٧٣ بتصرف يسير جدًا.\n(٢) عمدة القاري، شرح صحيح البخاري، ١٤/ ٢٨٠.\n(٣) انظر: الحديث رقم ١٨، الدرس الثاني، ورقم ٧٨، الدرس الأول.\n(٤) انظر: الحديث رقم ١٩، الدرس الرابع، ورقم ٣٠، الدرس الرابع.","vol":"2","page":719},{"text":"١٥٥ -<span data-type=\"title\" id=toc-234> بَابُ قَتْلِ النَّائِمِ المُشْرِكِ</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-235>[حديث بعث الرسول ﷺ رهطا من الأنصار إلى أبي رافع]</span>\n١٢٣ - [٣٠٢٢] حدثنا علي بن مسلم: حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة قال: حدثني أبي، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب (١) ﵁ قال: «بعث رسول الله ﷺ رهطا من الأنصار إلى أبي رافع؛ ليقتلوه، فانطلق رجل منهم فدخل حصنهم، قال: فدخلت في مربط دواب لهم، قال: وأغلقوا باب الحصن، ثم إنهم فقدوا حمارًا لهم فخرجوا يطلبونه، فخرجت فيمن خرج أريهم أنني أطلبه معهم، فوجدوا الحمار، فدخلوا ودخلت، وأغلقوا باب الحصن ليلًا، فوضعوا المفاتيح في كوة حيث أراها، فلما ناموا أخذت المفاتيح ففتحت باب الحصن، ثم دخلت عليه فقلت: يا أبا رافع، فأجابني، فتعمدت الصوت فضربته، فصاح، فخرجت، ثم جئت ثم رجعت كأني مغيث، فقلت يا أبا رافع -وغيرت صوتي- فقال: ما لك لأمك الويل، قلت: ما شأنك؟ قال: لا أدري من دخل علي فضربني، قال: فوضعت سيفي في بطنه، ثم تحاملت عليه حتى قرع العظم، ثم خرجت وأنا دهش، فأتيت سلما لهم لأنزل منه فوقعت، فوثئت رجلي، فخرجت إلى أصحابي فقلت: ما أنا ببارح، حتى أسمع الناعية، فما برحت حتى سمعت نعايا أبي رافع تاجر أهل الحجاز. قال: فقمت وما بي قلبة، حتى أتينا النبي ﷺ فأخبرناه» (٢).\nوفي رواية: «بعث رسول الله ﷺ إلى أبي رافع اليهودي رجالًا من الأنصار فأمر عليهم عبد الله بن عتيك (٣) وكان أبو رافع يؤذي رسول الله ﷺ ويعين عليه، وكان في حصن له بأرض الحجاز فلما دنوا منه وقد غربت الشمس وراح الناس\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ٣٠.\n\n(٢) [الحديث ٣٠٢٢] أطرافه في: كتاب الجهاد والسير، باب قتل النائم المشرك، ٤/ ٢٩، برقم ٣٠٢٣. وكتاب المغازي، باب قتل أبي رافع عبد الله بن أبي الحقيق، ٥/ ٣١ - ٣٣، برقم ٤٠٣٨ و٤٠٣٩ و٤٠٤٠.\n(٣) عبد الله بن عتيك بن قيس بن الأسود الأنصاري ﵁، لا خلاف في أنه شهد أحدا وما بعدها مع رسول الله ﷺ، وقيل: شهد بدرا، وقيل: إنه قتل يوم اليمامة شهيدًا في خلافة أبي بكر ﵁، سنة ثنتي عشرة. انظر: الإصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر، ٢/ ٣٤١.","vol":"2","page":720},{"text":"بسرحهم، فقال عبد الله لأصحابه: اجلسوا مكانكم، فإني منطلق ومتلطف للبواب، لعلي أن أدخل، فأقبل حتى دنا من الباب، ثم تقنع بثوبه كأنه يقضي حاجةً، وقد دخل الناس فهتف به البواب يا عبد الله إن كنت تريد أن تدخل فادخل فإني أريد أن أغلق الباب، فدخلت فكمنت، فلما دخل الناس أغلق الباب، ثم علق الأغاليق على وتد قال: فقمت إلى الأقاليد فأخذتها ففتحت الباب، وكان أبو رافع يسمر عنده، وكان في علالي له فلما ذهب عنه أهل سمره صعدت إليه فجعلت كلما فتخت بابا أغلقت علي من داخل قلت: إن القوم نذروا بي لم يخلصوا إلي حتى أقتله فانتهيت إليه فإذا هو في بيت مظلم وسط عياله، لا أدري أين هو من البيت؟ فقلت: أبا رافع، فقال: من هذا؟ فأهويت نحو الصوت فأضربه ضربةً بالسيف وأنا دهش فما أغنيت شيئًا، وصاح فخرجت من البيت فأمكث غير بعيد، ثم دخلت إليه فقلت: ما هذا الصوت يا أبا رافع؟ فقال: لأمك الويل إن رجلًا في البيت ضربني قبل بالسيف، قال فأضربه ضربةً أثخنته ولم أقتله، ثم وضعت ظبة السيف في بطنه حتى أخذ في ظهره فعرفت أني قتلته فجعلت أفتح الأبواب بابا بابا حتى انتهيت إلى درجة له فوضعت رجلي وأنا أرى أني قد انتهيت إلى الأرض فوقعت في ليلة مقمرة فانكسرت ساقي فعصبتها بعمامة ثم انطلقت حتى جلست على الباب، فقلت: لا أخرج الليلة حتى أعلم أقتلته فلما صاح الديك قام الناعي على السور، فقال: أنعى أبا رافع تاجر أهل الحجاز فانطلقت إلى أصحابي فقلت النجاء فقد قتل الله أبا رافع فانتهيت إلى النبي ﷺ فحدثته فقال لي: \"ابسط رجلك\" فبسطت رجلي فمسحها فكأنها لم أشتكها قط». (١).\nوفي رواية: «بعث رسول الله ﷺ إلى أبى رافع عبد الله بن عتيك وعبد الله بن عتبة في ناس معهم فانطلقوا حتى دنوا من الحصن فقال لهم عبد الله بن عتيك:\n_________\n(١) الطرف رقم ٤٠٣٩.","vol":"2","page":721},{"text":"امكثوا أنتم حتى أنطلق فأنظر قال: فتلطفت أن أدخل الحصن ففقدوا حمارًا لهم، قال: فخرجوا بقبس يطلبونه قال: فخشيت أن أعرف فغطيت رأسي ورجلي كأني أقضي حاجةً، ثم نادى صاحب الباب من أراد أن يدخل فليدخل قبل أن أغلقه، فدخلت ثم اختبأت في مربط حمار عند باب الحصن، فتعشوا عند أبي رافع وتحدثوا حتى ذهبت ساعة من الليل، ثم رجعوا إلى بيوتهم، فلما هدأت الأصوات ولا أسمع حركةً خرجت قال: ورأيت صاحب الباب حيث وضع مفتاح الحصن في كوة فأخذته ففتحت به باب الحصن، قال: قلت إن نذر بي القوم انطلقت على مهل، ثم عمدت إلى أبواب بيوتهم فغلقتها عليهم من ظاهر، ثم صعدت إلى أبي رافع في سلم فإذا البيت مظلم قد طفئ سراجه فلم أدر أين الرجل؟ فقلت: يا أبا رافع، قال: من هذا؟ قال: فعمدت نحو الصوت فأضربه وصاح فلم تغن شيئًا؟ قال: ثم جئت كأني أغيثه فقلت: ما لك يا أبا رافع؟ وغيرت صوتي، فقال: ألا أعجبك لأمك الويل؟ دخل علي رجل فضربني بالسيف، قال: فعمدت له أيضًا فأضربه أخرى فلم تغن شيئًا فصاح وقام أهله، قال: ثم جئت وغيرت صوتي كهيئة المغيث، فإذا هو مستلق على ظهره فأضع السيف في بطنه أنكفئ عليه حتى سمعت صوت العظم، ثم خرجت دهشا حتى أتيت السلم أريد أن أنزل فأسقط منه فانخلعت رجلي فعصبتها ثم أتيت أصحابي أحجل، فقلت لهم: انطلقوا فبشروا رسول الله ﷺ فإني لا أبرح حتى أسمع الناعية، فلما كان في وجه الصبح صعد الناعية فقال: أنعى أبا رافع، قال: فقمت أمشي ما بي قلبة، فأدركت أصحابي قبل أن يأتوا النبي ﷺ فبشرته». (١).\n*شرح غريب الحديث: * \" الرهط \" الجماعة من الناس دون العشرة (٢).\n_________\n(١) الطرف رقم ٤٠٤٠.\n(٢) انظر: جامع الأصول من أحاديث الرسول ﷺ لابن الأثير، ٨/ ٢٣٣.","vol":"2","page":722},{"text":"* \" الكوة \" ثقب في جدار البيت أو الثقبة النافذة في الحائط (١).\n* \" فوثئت \" فوثئت رجلي: أصابها وهن وألم دون الخلع والكسر (٢).\n* \" الناعية \" أي النائحة، والنعاة: المخبرون بموت من مات. (٣).\n* \" قلبة \" ما به قلبة: أي ليست به علة يقلب بها فينظر إليه (٤).\n* \" سرحهم \" السرح، والسارحة، والسارح سواء: الماشية (٥).\n* \" الأقاليد \" المفاتيح (٦).\n* \" الأغاليق \" هي المفاتيح واحدها إغليق (٧).\n* \" علالي \" الغرفة في الطبقة الثانية من الدار وما فوقها (٨).\n* \" أثخنته \" أي بالغت فيه يقال: أثخنته الجراحة: أي بالغت فيه (٩).\n* \" ظبة \" وضعت ظبة السيف في بطنه: أي طرف السيف (١٠).\n* \" النجاء \" مصدر منصوب: أي انجوا النجاء، تكراره للتأكيد: النجاء، النجاء: أي انجوا بأنفسكم، والنجاء: السرعة: يقال: نجا ينجو نجاءً إذا أسرع (١١).\n* \" نذروا بي أي علموا بي (١٢).\n* \" دهش \" يقال: دهش ودهش: إذا بهت، وأنا داهش: أي باهت (١٣).\n_________\n(١) انظر: مختار الصحاح، للرازي، باب الكاف، مادة: \"كوى\" ص ٢٤٣، وجامع الأصول لابن الأثير ٨/ ٢٣٣.\n(٢) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص١٣٠، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الواو مع الثاء، مادة: \"وثا\" ٥/ ١٥٠.\n(٣) تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص١٣٠.\n(٤) المرجع السابق، ص١٣٠.\n(٥) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب السين مع الراء، مادة: \"سرح\" ٢/ ٣٥٨.\n(٦) تفسير غريب ما في الصحيحين، ص ١٣٠.\n(٧) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الغين مع اللام، مادة: \"غلق\" ٣/ ٣٨٠.\n(٨) المعجم الوسيط لمجمع اللغة العربية، مادة: \"علا\" ٢/ ٦٢٥.\n(٩) تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ١٣٠.\n(١٠) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الظاء مع الباء، مادة: \"ظبب\" ٣/ ١٥٥.\n(١١) انظر؛ المرجع السابق، باب النون مع الجيم، مادة: \"نجا\" ٥/ ٢٥.\n(١٢) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ١٣٠، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب النون مع الذال، مادة: \"نذر\" ٥/ ٣٩.\n(١٣) تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ١٣٠.","vol":"2","page":723},{"text":"* \" أحجل \" يحجل في مشيه إذا قارب الخطو، والحجل أن يرفع رجلًا ويقفز على الأخرى (١).\n\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من وسائل الدعوة: بعث البعوث.\n٢ - من صفات الداعية: الفطنة والذكاء.\n٣ - من صفات الداعية: الشجاعة.\n٤ - من وسائل الدعوة: قتل الإمام كل من آذى الله ورسوله.\n٥ - الابتلاء والامتحان لأولياء الله ﷿.\n٦ - الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل.\n٧ - أهمية الحرص على الأخذ باليقين في الأمور كلها.\n٨ - من صفات الداعية: إثبات النعم لله والثناء عليه بها.\n٩ - من معجزات رسول الله ﷺ: شفاء المرضى بإذن الله ﷿.\n١٠ - أهمية البشارة في الدعوة إلى الله ﷿.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولًا: من وسائل الدعوة: بعث البعوث: لا ريب أن بعث البعوث للدعوة والجهاد من أهم وسائل الدعوة إلى الله ﷿؛ ولهذا اعتنى النبي ﷺ ببعث البعوث ومن ذلك ما جاء في هذا الحديث: «بعث رسول الله ﷺ رهطًا من الأنصار إلى أبي رافع؛ ليقتلوه».\nفينبغي العناية بهذه الوسيلة؛ لأهميتها في الدعوة إلى الله ﷿ (٢).\nثانيًا: من صفات الداعية: الفطنة والذكاء: ظهر في هذا الحديث أهمية الفطنة والذكاء، وأن الداعية ينبغي له أن يتصف\n_________\n(١) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين، للحميدي، ص ١٢٩.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٦٦، الدرس الثالث، ورقم ٩٢، الدرس الحادي عشر.","vol":"2","page":724},{"text":"بهذه الصفة الحميدة؛ ولهذه الصفة عمل عبد الله بن عتيك ﵁ أمورًا تدل على ذكائه وفطنته: منها: دخوله في مربط الدواب؛ ليتمكن من دخول الحصن، وخروجه مع من يخرج يبحث معهم عن الحمار؛ ليظهر لهم أنه يطلبه معهم، وانتباهه لمكان المفاتيح؛ ليتمكن من قبضها، وتقنعه بثوبه كأنه يقضي حاجته حتى لا يفطن له، وأخذه المفاتيح وإغلاقه أبواب بيوتهم عليهم من ظاهر وإغلاقه الأبواب على نفسه من داخل حتى لا يستطيعوا الوصول إليه إذا علموا به، ونداؤه لأبي رافع عندما لم يستطع الحصول على مكانه في البيت المظلم، وتغييره لصوته ونداؤه مرة أخرى لأبي رافع؛ ليعرف مكانه ثم يجهز عليه فيتحقق من قتله، وهذه أمور تدل على ذكاء عبد الله بن عتيك وفطنته ﵁. فينبغي للداعية أن يكون ذكيا فطنًا منتبها. والله المستعان (١).\nثالثًا: من صفات الداعية: الشجاعة: ظهرت صفة الشجاعة في هذا الحديث من فعل عبد الله بن عتيك ﵁، لأنه عمل أعمالًا تدل على شجاعته وقوة قلبه وعقله؛ حيث دخل في حصن أبي رافع بن أبي الحقيق، وكان متسترًا في تلك الجموع الكثيرة: من الحراس، والضيوف وغيرهم، فتجسس على هذا الطاغية حتى قتله؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀: \"وفي هذا الحديث جواز اغتيال المشرك الذي بلغته الدعوة وأصر (٢) وجواز التجسس على أهل الحرب وتطلب غرتهم، والأخذ بالشدة في محاربة المشركين، وجواز إبهام القول للمصلحة. . . \" (٣).\nفينبغي للداعية أن يكون شجاعًا عقليًّا وقلبيًّا في أموره كلها، والله الموفق (٤).\nرابعًا: من وسائل الدعوة: قتل الإمام كل من آذى الله ورسوله ﷺ: دل هذا الحديث على أن من وسائل الدعوة قتل كل من صدر منه أذىً لله أو\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٢٩، الدرس الأول.\n(٢) وأصر: أي استمر على كفره ومحاربته الإسلام والمسلمين. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الصاد مع الراء، مادة \"صرر\" ٣/ ٢٢.\n(٣) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٧/ ٣٤٥، بتصرف يسير.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٣٥، الدرس الخامس، ورقم ٦١، الدرس الثاني.","vol":"2","page":725},{"text":"لرسوله ﷺ؛ ولهذا «بعث رسول الله ﷺ رهطًا إلى أبي رافع ليقتلوه»؛ لأنه كان يؤذي رسول الله ﷺ، ويعاديه، ويؤلب عليه الناس (١)؛ قال ابن حجر ﵀: \"وفي الحديث من الفوائد جواز. . . قتل من أعان على رسول الله ﷺ: بيده، أو ماله، أو لسانه\" (٢) وهذا يؤكد أهمية قتل من آذى الله ورسوله ﷺ. (٣) وهو من أهم وسائل الدعوة؛ لأنه يزيل العوائق التي في طريقها، وفيه نصرة لله ولرسوله ﷺ، وكذلك قتل الإمام للمرتدين بعد استتابتهم، وإقامة القصاص في قتل العمد، وتنفيذ الحدود، كل هذه الأمور من الوسائل الدعوية المهمة (٤).\nخامسًا: الابتلاء والامتحان لأولياء الله ﷿: ظهر في هذا الحديث أن من سنة الله ﷿ أن يبتلي عباده بالسراء والضراء؛ وقد حصل لعبد الله بن عتيك ﵁ من ذلك بعض الابتلاء، فانكسرت ساقه بعد أن قتل صاحب الأذية البالغة لرسول الله ﷺ \" أبا رافع: عبد الله بن أبي الحقيق، ويقال: سلام بن أبي الحقيق اليهودي \" (٥) وهذا يؤكد على الدعاة إلى الله ﷿ أن يعلموا أن الله ﷿ يبتلي عباده بالسراء والضراء، فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط، أسأل الله لي ولجميع المسلمين العافية في الدنيا والآخرة (٦).\nسادسًا: الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل: دل هذا الحديث على أن الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل؛ ولهذا أخذ عبد الله بن عتيك بالأسباب في عدة أمور منها: أنه اختفى من الحرس وأهل الحصن، وعمل بالمكر لهم، وأغلق عليهم الأبواب، وأغلق على نفسه من\n_________\n(١) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٧/ ٣٤٥.\n(٢) المرجع السابق ٧/ ٣٤٥ ببعض التصرف اليسير.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٩٤، الدرس الرابع.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٨٩، الدرس الثامن، والحديث رقم ٩٤، الدرس الرابع.\n(٥) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٧/ ٣٤٢.\n(٦) انظر: الحديث رقم ٩، الدرس الثامن، ورقم ٦٦، الدرس الأول.","vol":"2","page":726},{"text":"الداخل، وعصب رجله عندما انكسرت، وغير ذلك، وهذا يؤكد أهمية الأخذ بالأسباب مع اعتماد القلب على الله وحده ﷾ (١).\nسابعًا: أهمية الحرص على الأخذ باليقين في الأمور كلها: إن طرح الشك والأخذ باليقين من أهم القواعد الدعوية التي ينبغي للداعية أن يعمل بها في كل شيء من أمور حياته؛ ولهذه الأهمية عمل عبد الله بن عتيك في هذا الحديث بهذه القاعدة، فعندما ضرب أبا رافع بالسيف شك هل قتله أم لا، فرجع وغير صوته وقال: ما هذا الصوت يا أبا رافع فتأكد أنه لم يمت فوضع ظبة السيف في بطنه حتى سمع صوت العظم، وهذا يدل على رغبة عبد الله ﵁ في اليقين؛ ولهذا أراد أن يزداد يقينه فقال لأصحابه: ما أنا ببارح حتى أسمع الناعية، فبقي حتى صاح الديك فقام الناعي على السور فقال: أنعى أبا رافع تاجر أهل الحجاز، فعندما تيقن ﵁ رجع إلى النبي ﷺ، وهذا يؤكد أهمية العمل باليقين وطرح الشك (٢).\nثامنًا: من صفات الداعية: إثبات النعم لله والثناء عليه بها: لا شك أن من الأدب إثبات النعم لله ونسبتها إليه، والثناء عليه بها؛ لأنه سبحانه الذي أعطى النعم؛ ولهذا قال الله ﷿: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣] (٣).\nوقد ظهرت تلك الصفة في قول عبد الله بن عتيك ﵁: \"فانطلقت إلى أصحابي فقلت: النجاء فقد قتل الله أبا رافع \" وهذا يدل على صدقه وإخلاصه لله، وأدبه الكامل؛ لأنه لم يقل: قتلت وإنما قال: قتل الله، فنسب هذه النعمة لله ﷿.\nفينبغي للداعية أن ينسب جميع النعم لله ويثني عليه بها (٤).\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٣٠، الدرس الخامس.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٢٨، الدرس الرابع.\n(٣) سورة النحل، الآية ٥٣.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٤٦، الدرس السادس عشر، ورقم ١٠٦، الدرس الخامس.","vol":"2","page":727},{"text":"تاسعًا: من معجزات الرسول ﷺ: شفاء المرضى بإذن الله ﷿: إن من دلائل النبوة الحسية التي تدل على صدق النبي ﷺ ما جعل الله على يد محمد ﷺ من شفاء بعض المرضى، ومن ذلك ما فعله مع عبد الله بن عتيك ﵁ عندما انكسرت ساقه، قال عبد الله بن عتيك ﵁: «فانتهيت إلى النبي ﷺ فحدثته فقال: \"ابسط رجلك\" فبسطت رجلي فمسحها فكأنها لم أشتكها قط» وقد حصل للنبي ﷺ مثل ذلك في وقائع كثيرة (١).\nعاشرًا: أهمية البشارة في الدعوة إلى الله ﷿: إن البشارة لها أهمية بالغة في الدعوة إلى الله ﷿؛ لما لها من إدخال السرور والفرح المحمود على المسلم؛ ولهذا رغب عبد الله بن عتيك ﵁ في أن يكون هو الذي يبشر رسول الله ﷺ بقتل أبي رافع، فقال لأصحابه: \"انطلقوا فبشروا رسول الله ﷺ، فإني لا أبرح حتى أسمع الناعية، فلما كان في وجه الصبح صعد الناعية فقال: أنعى أبا رافع، قال فقمت أمشي ما بي قلبه فأدركت أصحابي قبل أن يأتوا النبي ﷺ فبشرته\". وهذا يدل على رغبة عبد الله ﵁ في أن يكون هو الذي يبشر رسول الله ﷺ ويدخل السرور عليه (٢).\n_________\n(١) انظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية ٦/ ٢٠١ - ٢٠٨، وانظر: الحديث رقم ٩٢، الدرس الأول.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٩، الدرس التاسع، ورقم ٨٣، الدرس الأول، ورقم ٨٩، الدرس الرابع.","vol":"2","page":728},{"text":"١٥٦ -<span data-type=\"title\" id=toc-236> باب لا تمنوا لقاء العدو</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-237>[حديث لا تمنوا لقاء العدو]</span>\n١٢٤ - [٣٠٢٦] وقال أبو عامر: حدثنا مغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة (١) ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا تمنوا لقاء العدو، فإذا لقيتموهم فاصبروا» (٢).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من موضوعات الدعوة: الحث على سلوك الأدب.\n٢ - من موضوعات الدعوة: الحث على الجهاد.\n٣ - من صفات الداعية: الصبر.\n٤ - من صفات الداعية: التواضع (٣).\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ٧.\n(٢) وأخرجه مسلم، في كتاب الجهاد والسير، باب كراهة تمني لقاء العدو، والأمر بالصبر عند اللقاء، ٣/ ١٣٦٢، برقم ١٧٤١.\n(٣) تقدمت جميع هذه الفوائد في الحديث رقم ٣٣، من حديث عبد الله بن أبي أوفى، والحديث رقم ٨٨.","vol":"2","page":729},{"text":"١٥٧ -<span data-type=\"title\" id=toc-238> باب الحرب خدعة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-239>[حديث هلك كسرى ثم لا يكون كسرى بعده]</span>\n١٢٥ - [٣٠٢٧] حدثنا عبد الله بن محمد: حدثنا عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن همام، عن أبي هريرة (١) ﵁، عن النبي ﷺ قال: «هلك كسرى، ثم لا يكون كسرى بعده. وقيصر ليهلكن، ثم لا يكون قيصر بعده. ولتقسمن كنوزهما في سبيل الله» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-240>[حديث تسمية النبي ﷺ الحرب خدعة]</span>\n١٢٦ - [٣٠٢٨]، «وسمى الحرب خدعةً» (٣).\nوفي رواية: حدثنا أبو بكر بن أصرم: أخبرنا عبد الله: أخبرنا معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة ﵁ قال: «سمى النبي ﷺ الحرب خدعة» (٤).\nوفي رواية: «إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله» (٥).\nوفي رواية: \". . «والذي نفس محمد بيده». . \" (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-241>[حديث الحرب خدعة]</span>\n١٢٧ - [٣٠٣٠] حدثنا صدقة بن الفضل: أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو: سمع جابر بن عبد الله (٧) ﵁ قال: قال النبي ﷺ: «الحرب خدعة» (٨).\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ٧.\n(٢) [الحديث ٣٠٢٧] أطرافه في: كتاب فرض الخمس، باب قول النبي ﷺ: \"أحلت لكم الغنائم\"، ٤/ ٦٠، برقم ٣١٢٠. وكتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، ٤/ ٢١٩، برقم ٣٦١٨. وكتاب الأيمان والنذور، باب كيف كانت يمين النبي ﷺ، ٧/ ٢٧٧، برقم ٦٦٣٠. وأخرجه مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب \"لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء\"، ٤/ ٢٢٣٦، برقم ٢٩١٨.\n(٣) [الحديث ٣٠٢٨]، طرفه في كتاب الجهاد والسير، باب الحرب خدعة، ٤/ ٣٠، برقم ٣٠٢٩. وأخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب جواز الخداع في الحرب، ٣/ ١٣٦٢، برقم ١٧٤٠.\n(٤) الطرف رقم ٣٠٢٩.\n(٥) الطرف رقم ٣٦١٨.\n(٦) الطرف رقم ٦٦٣٠.\n(٧) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ٣٢.\n(٨) وأخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب جواز الخداع في الحرب، ٣/ ١٣٦١، برقم ١٧٣٩.","vol":"2","page":730},{"text":"* شرح غريب الأحاديث: * \" كسرى \" لقب لكل من ملك الفرس (١).\n* \" قيصر \" لقب لكل من ملك الروم (٢).\n* \" خدعة \" يروى بفتح الخاء وضمها مع سكون الدال: \"خدعة\" و\"خدعة\" وبضم الخاء مع فتح الدال: \"خدعة\" فالمعنى الأول: أن الحرب ينقضي أمرها بخدعة واحدة، من الخداع، أي أن المقاتل إذا خدع مرة واحدة لم تكن لها إقالة، وهي أفصح الروايات وأصحها. ومعنى الثاني: هو الاسم من الخداع، ومعنى الثالث: أن الحرب تخدع الرجال وتمنيهم ولا تفي لهم، كما يقال: فلان رجل لعبة وضحكة: أي كثير اللعب والضحك (٣).\n*الدراسة الدعوية للأحاديث: في هذه الأحاديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من موضوعات الدعوة: التحريض على خداع الكفار في الحرب.\n٢ - من وظائف الإمام المسلم: التدبير ووضع الخطط والحيل الحربية.\n٣ - من موضوعات الدعوة: الحث على أخذ الحذر والحيطة في الحروب.\n٤ - حرص النبي ﷺ على انتصار أمته على أعداء الإسلام.\n٥ - من معجزات النبي ﷺ: تحقق وقوع ما أخبر به.\n٦ - من أساليب الدعوة: البشارة.\n٧ - من أساليب الدعوة: التأكيد بالقسم.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولًا: من موضوعات الدعوة: التحريض على خداع الكفار في الحرب: إن من الموضوعات المهمة التي ينبغي العناية بها: التحريض على خداع\n_________\n(١) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ١٢/ ٣٥٥.\n(٢) انظر: المرجع السابق، ١٢/ ٣٤٦، و١٢/ ٣٥٥، وشرح الكرماني على صحيح البخاري ١٣/ ٣٢.\n(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الخاء مع الدال، مادة: \"خدع\" ٢/ ١٤، وانظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٥٥.","vol":"2","page":731},{"text":"الكفار في الحرب؛ لما في ذلك من أسباب النصر وهزيمة الأعداء؛ ولهذا قال ﷺ في هذا الحديث: «الحرب خدعة» وفي حديث أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ﵁ قالت عن النبي ﷺ: \"ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقول الناس إلا في ثلاث\" بمثل ما جعله يونس من قول ابن شهاب. ونص قول ابن شهاب: \"ولم أسمع يرخص في شيء مما يقول الناس كذب إلا في ثلاث: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها\" (١).\nوهذا يؤكد العناية بخداع الكفار في الحرب؛ قالي الإمام القرطبي ﵀: \". . . وأما كذبة تنجي ميِّتًا، أو وليًّا، أو أممًا، أو مظلومًا ممن يريد ظلمه، فذلك لا تختلف في وجوبه أمة من الأمم: لا العرب، ولا العجم\" (٢) وقال الإمام النووي ﵀: \"واتفق العلماء على جواز خداع الكفار في الحرب، وكيف أمكن الخداع إلا أن يكون فيه نقض عهد أو أمان فلا يحل\" (٣).\nثانيًا: من وظائف الإمام المسلم: التدبير ووضع الخطط والحيل الحربية: إن من وظائف الإمام التدبير ووضع الخطط؛ لأن الحرب تدبير، واحتيال، وكثيرًا ما كان ﷺ - مع اعتماده على الله وتوكله عليه- يجتهد في وضع الخطط العسكرية والحيل الحربية، واستعمال الرأي والمشورة في الحرب (٤)؛ ولهذا قال ﷺ في هذا الحديث: «الحرب خدعة» وهذا يدل على أهمية التدبير ووضع الخطط في المعارك؛ للفوز بالنصر وتجنب الزلل؛ ولأن ذلك يشحذ الفكر، ويقوي العزيمة؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀: \"وفي الحديث إشارة إلى استعمال الرأي في الحرب: بل الاحتياج إليه أكبر من الشجاعة\" (٥)؛ قال كعب بن مالك ﵁: «ولم يكن\n_________\n(١) صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الكذب وبيان المباح منه، ٤/ ٢٠١١، ٢٠١٢، برقم ٢٦٠٥.\n(٢) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٦/ ٥٩٢.\n(٣) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٢/ ٢٨٩، وانظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم للقرطبي، ٣/ ٥٢٢، والأذكار للنووي ص ٣٢٤، وانظر: قصة محمد بن مسلمة ﵁ في قتله لكعب بن الأشرف، بعد أن استأذن النبي ﷺ في الكذب على كعب، فاحتال علبه بالكذب حتى قتله. البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب الكذب في الحرب، ٤/ ٣١، برقم ٣٠٣٢، وباب الفتك بأهل الحرب، برقم ٣٠٣٢.\n(٤) انظر: منار القاري في شرح مختصر صحيح البخاري، لحمزة محمد قاسم، ٤/ ١٢١، والمنهل العذب الفرات، لعبد العال أحمد، ٣/ ٢٤٦.\n(٥) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٦/ ١٥٨.","vol":"2","page":732},{"text":"رسول الله ﷺ يريد غزوة إلا ورى (١) بغيرها. . .» (٢) قال الإمام ابن العربي ﵀: \"الخديعة في الحرب تكون بالتورية، وتكون بالكمين (٣) يعده الجيش، وتكون بخلف الوعد، وذلك كذب من المستثنى الجائز من المحرم \" (٤).\nثالثًا: من موضوعات الدعوة: الحث على أخذ الحذر والحيطة في الحرب: لا شك أن قوله ﷺ: «الحرب خدعة» يحث على أخذ الحذر والحيطة في الحروب القائمة بالجهاد في سبيل الله ﷿، وهذا يؤكد أن النبي ﷺ أعطي جوامع الكلم، فهو يتكلم بالكلمة الواحدة التي تشمل المعاني والفوائد الكثيرة (٥) قال الحافظ ابن حجر ﵀ في فوائد حديث الباب: \"فيه التحريض على أخذ الحذر في الحرب، والندب إلى خداع الكفار في الحرب، وأن من لم يتيقظ لذلك لم يأمن أن ينعكس الأمر عليه\" (٦)؛ قال الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١] (٧).\nوهذا يؤكد على الدعاة إلى الله ﷿ أن يحضوا المسلمين وخاصة المجاهدين على أخذ الحذر والحيطة، والعمل بأسباب النجاة وعوامل النصر، والله المستعان (٨).\nرابعًا: حرص النبي ﷺ على انتصار أمته على أعداء الإسلام: دل هذا الحديث على حرص النبي ﷺ على انتصار أمته على أعداء الإسلام؛ لأنه قال ﷺ: «الحرب خدعة» وهذا فيه توجيه منه ﷺ لأمته؛ لتأخذ بأسباب النصر والتمكين وخداع أعداء الدين في المعارك، وقد بين الله حرص النبي ﷺ على ما يعود على أمته بالخير والصلاح فقال ﷿: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] (٩).\n_________\n(١) ورى بغيرها: التورية في الشيء: أن تستر الذي تريده وتظهر غيره. أعلام الحديث للخطابي، ٢/ ١٤١١.\n(٢) متفق عليه. البخاري، برقم ٤٤١٨، ومسلم، برقم ٢٧٦٩، وتقدم تخريجه في أصل الحديث رقم ٩، ص ٩٤.\n(٣) الكمين في الحرب: وهو أن يستخفوا في مكمن بحيث لا يفطن بهم ثم ينهضوا على العدو على غفلة. المصباح المنير، للفيومي، باب الكاف، مادة: \"كمن\" ٢/ ٥٤١.\n(٤) عارضة الأحوذي شرح سنن الترمذي، ٤/ ١٤٦.\n(٥) انظر: الحديث رقم ١٠٦: الدرس الأول والدرس الثاني.\n(٦) فتح الباري بشرح صحصح البخاري، ٦/ ١٥٨.\n(٧) سورة النساء، الآية: ٧١.\n(٨) انظر: المنهل العذب الفرات لعبد العال أحمد ٣/ ٢٤٦.\n(٩) سورة التوبة، الآية: ١٢٨.","vol":"2","page":733},{"text":"فينبغي للداعية أن يكون حريصًا على انتصار أمة الإسلام اقتداء بالنبي ﷺ (١).\nخامسًا: من معجزات النبي ﷺ: تحقق وقوع ما أخبر به: دل الحديث على معجزة ظاهرة للنبي ﷺ، تدل على صدقه وأنه رسول الله حقًّا؛ لأنه قال: «إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله» فقد وقع ذلك كله فافتتح المسلمون بلادهما، واستقرت لهم، واقتسموا كنوزهما (٢) ولا شك أن هذا من أعلام نبوته ﷺ (٣).\nسادسًا: من أساليب الدعوة: البشارة: بشر النبي ﷺ المسلمين بأن ملك كسرى وقيصر سيزول، وأن كنوزهما ستنفق في سبيل الله ﷿، ووقعت البشارة وتحققت للمسلمين والحمد لله (٤) وهذا يؤكد على أهمية البشارة وأنها من الأساليب النافعة في الدعوة إلى الله ﷿؛ لما لها من التأثير المباشر في القلوب. فينبغي العناية بهذا الأسلوب عناية فائقة، والله المستعان (٥).\nسابعًا: من أساليب الدعوة: التأكيد بالقسم: ظهر في هذا الحديث أسلوب التأكيد بالقسم في قوله ﷺ: «والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله». وهذا يؤكد أهمية القسم للتأكيد في الأمور المهمة عند الحاجة لذلك كما فعل رسول الله ﷺ (٦).\n\n[باب من لا يثبت على الخيل]\n_________\n(١) انظر: المنهل العذب الفرات، لعبد العال أحمد ٣/ ٢٤٦.\n(٢) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ١٨/ ٢٥٥، وشرح الكرماني على صحيح البخاري، ١٣/ ٣٣، ٢٣/ ٩٦.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٢١، الدرس الرابع.\n(٤) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٦/ ٦٢٦، ومنار القاري، لحمزة محمد قاسم، ٤/ ١٢٠ - ١٢١.\n(٥) انظر: الحديث رقم ٩، الدرس التاسع، ورقم ٨٣، الدرس الأول، ورقم ٨٩، الدرس الرابع.\n(٦) انظر: الحديث رقم ١٠، الدرس الخامس، ورقم ١٤، الدرس الخامس.","vol":"2","page":734},{"text":"١٦٢ -<span data-type=\"title\" id=toc-242> باب من لا يثبت على الخيل</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-243>[حديث ما حجبني النبي ﷺ منذ أسلمت ولا رآني إلا تبسم في وجهي]</span>\n١٢٨ - [٣٠٣٥] حدثني محمد بن عبد الله بن نمير: حدثنا ابن إدريس، عن إسماعيل، عن قيس، عن جرير (١) ﵁ قال: «ما حجبني النبي ﷺ منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسم في وجهي» (٢).\nوفي رواية: \". . «ولا رآني إ لا ضحك» (٣).\nوفي رواية: «ولقد شكوت إليه أني لا أثبت على الخيل، فضرب بيده في صدري وقال: \"اللهم ثبته واجعله هاديًا مهديًّا» (٤).\n*الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من صفات الداعية: مراعاة أحوال المدعوين.\n٢ - من صفات الداعية: حسن الخلق.\n٣ - من صفات الداعية: التواضع.\n٤ - من أساليب الدعوة: التأليف بالدعاء.\n٥ - من وسائل الدعوة: استمالة قلب من له شأن في قومه.\n٦ - من معجزات النبي ﷺ: استجابة دعواته.\n٧ - من وسائل الدعوة: تعليم المجاهدين وتدريبهم استعدادًا للجهاد.\n٨ - أهمية سؤال المدعو عما أشكل عليه (٥).\n\n[باب ما يكر من التنازع والاختلاف في الحرب وعقوبة من عصى إمامه]\n[حديث جعل النبي ﷺ على الرجالة يوم أحد عبد الله بن] جبير\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ٦٩.\n(٢) [الحديث ٣٠٣٥]، طرفاه في: كتاب مناقب الأنصار، باب ذكر جرير بن عبد الله البجلي ﵁، ٤/ ٢٨٠، برقم ٣٨٢٢. وكتاب الأدب، باب التبسم والضحك، ٧/ ١٢٣، برقم ٦٠٨٩. وأخرجه مسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل جرير بن عبد الله ﵁، ٤/ ١٩٢٥، برقم ٢٤٧٥.\n(٣) الطرف رقم ٣٨٢٢.\n(٤) الطرف رقم ٦٠٩٠.\n(٥) تقدمت هذه الفوائد في الحديث رقم ١٢٢ - ٣٠٢٠، فأغنى عن إعادة شرحها هنا.","vol":"2","page":735},{"text":"١٦٤ - باب ما يكر من التنازع والاختلاف في الحرب وعقوبة من عصى إمامه قال الله ﷿: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦] (١).\nوقال قتادة: الريح الحرب.\n١٢٩ - [٣٠٣٩] حدثنا عمرو بن خالد: حدثنا زهير: حدثنا أبو إسحاق قال: سمعت البراء بن عازب (٢) ﵄ يحدث قال: «جعل النبي ﷺ على الرجالة يوم أحد -وكانوا خمسين رجلًا- عبد الله بن جبير (٣) فقال: \"إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم\". فهزموهم. قال: فأنا والله رأيت النساء يشددن، قد بدت خلاخلهن وأسوقهن، رافعات ثيابهن. فقال أصحاب عبد الله بن جبير: الغنيمة أي قوم الغنيمة، ظهر أصحابكم فما تنتظرون؟ فقال عبد الله بن جبير: نسيتم ما قال لكم رسول الله ﷺ؛ قالوا: والله لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة، فلما أتوهم صرفت وجوههم، فأقبلوا منهزمين، فذاك إذ يدعوهم الرسول في أخراهم، فلم يبق مع النبي ﷺ غير اثني عشر رجلًا، فأصابوا منا سبعين، وكان النبي ﷺ وأصحابه أصاب من المشركين يوم بدر أربعين ومائةً وسبعين أسيرًا وسبعين قتيلا (٤) فقال أبو سفيان: أفي القوم محمد؟ ثلاث مرات. فنهاهم النبي ﷺ أن يجيبوه. ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ ثلاث مرات. ثم قال: أفي القوم ابن الخطاب؟ ثلاث مرات ثم رجع إلى أصحابه فقال: أما هؤلاء فقد قتلوا. فما ملك عمر نفسه فقال: كذبت والله يا عدو الله، إن الذين عددت لأحياء كلهم، وقد بقي لك ما يسوءك.\n_________\n(١) سورة الأنفال، الآية: ٤٦.\n(٢) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ٣٠.\n(٣) عبد الله بن جبير بن النعمان، الأنصاري ﵁، شهد العقبة مع السبعين، وبدرا وأحدا، واستعمله رسول الله ﷺ أميرًا على الرماة يوم أحد، وهم خمسون رجلا، فلما انهزم المشركون ذهب الرماة؛ ليحضروا الغنيمة، فنهاهم عبد الله بن جبير فمضوا وتركوه، وقتل يومئذ شهيدا ﵁. انظر. سير أعلام النبلاء للذهبي ٢/ ٣٣١، والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، ٢/ ٢٨٦.\n(٤) هكذا في النسخة المعتمدة، وفي نسخة فتح الباري، وثبت في رواية للبخاري \". . أصابوا من المشركين يوم بدر أربعين ومائة: سبعين أسيرا وسبعين قتيلًا\" انظر: الطرف رقم ٣٩٨٦، وهذا هو الصواب والله أعلم.","vol":"2","page":736},{"text":"قال: يوم بيوم بدر، والحرب سجال. إنكم ستجدون في القوم مثلةً لم آمر بها ولم تسؤني. ثم أخذ يرتجز: أُعْلُ هُبَلْ، أُعْلُ هُبَلْ. قال النبي ﷺ: \"ألا تجيبونه؟ \" قالوا: يا رسول الله ما نقول؛ قال: \"قولوا: الله أعلى وأجل\". قال: إن لنا العزى ولا عزى لكم. فقال النبي ﷺ: \"ألا تجيبونه؟ \" قال: قالوا يا رسول الله ما نقول؟ قال: \"قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم» (١).\nوفي رواية: «جعل النبي ﷺ على الرماة يوم أحد عبد الله بن جبير». . \" (٢).\nوفي رواية: «. . وأجلس النبي ﷺ جيشًا من الرماة، وأَمَّرَ عليهم عبد الله، وقال: \"لا تبرحوا إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا. .» (٣).\nوفي رواية: «. . . وكان النبي ﷺ وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر أربعين ومائة: سبعين أسيرًا، وسبعين قتيلًا» (٤).\n* شرح غريب الحديث: * \" الرجالة \" جمع راجل: أي ماش (٥).\n* \" وأوطأناهم \" أي غلبناهم وقهرناهم (٦).\n* \" الخلخال \" حلية كالسوار تلبسها النساء في أرجلهن (٧).\n_________\n(١) [الحديث ٣٠٣٩]، أطرافه في: كتاب المغازي، باب، ٥/ ١٤، برقم ٣٩٨٦. وكتاب المغازي، باب غزوة أحد، ٥/ ٣٥، برقم ٤٠٤٣. وكتاب المغازي، باب إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ، ٥/ ٤١، برقم ٤٠٦٧. وكتاب تفسير القرآن، ٣ سورة آل عمران، باب قوله: وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ، ٥/ ٢٠٢، برقم ٤٥٦١.\n(٢) من الطرف رقم ٣٩٨٦.\n(٣) من الطرف رقم ٤٠٤٣.\n(٤) من الطرف رقم ٣٩٨٦.\n(٥) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الراء مع الجيم، مادة: \"رجل\" ٢/ ٢٠٤.\n(٦) انظر: المرجع السابق، باب الواو مع الطاء، مادة: \"وطأ\" ٥/ ٢٠١.\n(٧) انظر: القاموس المحيط للفيروز آبادي، باب اللام، فصل الخاء، ص ١٢٨٦، والمعجم الوسيط لمجمع اللغة العربية، مادة: \"خلخل\" ١/ ٢٤٩.","vol":"2","page":737},{"text":"* \" أسوقهن \" الساق ما بين الكعب والركبة: جمعه سوق، وسيقان، وأسؤق (١).\n* \" يرتجز \" الرجز: بحر من بحور الشعر ونوع من أنواعه، ويسمى قائله راجزًا، كما يسمى. قائل بحور الشعر شاعرًا، وقد قيل لفرس في عهد النبي ﷺ \"المرتجز\" سمي به لحسن صهيله (٢).\n* \" الحرب سجال \" أي تكون مرة على هؤلاء ومرة على هؤلاء، أي تصيبون منا مرة ونصيب منكم أخرى. مأخوذ من السجل: وهو الدلو الذي يستقى به؛ لأن الواردين على الماء لكل واحد منهم سجل: أي لكل واحد منهم نوبة فالسقي بالدلو تكون له بعد صاحبه أو قبله على حسب الاتفاق. (٣).\n* \" مثلة \" المثلة: الخروج بالعقوبات عن رسوم الشريعة، يقال: مثلت بالقتيل: إذا جدعت أنفه، أو مذاكيره، أو شيئًا من أطرافه، والاسم: المثلة: فأما مثل بالتشديد فهو للمبالغة (٤).\n* \" هبل \" صنم للمشركين كانوا يعبدونه في مكة (٥).\n* \" العزى \" صنم لأهل الجاهلية كانوا يحلفون به تعظيمًا له (٦).\n*الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من وظائف الإمام: التخطيط والتدبير في القتال.\n٢ - من موضوعات الدعوة: التحذير من معصية النبي ﷺ وبيان خطرها.\n_________\n(١) القاموس المحيط للفيروزآبادي، باب القاف، فصل السين، ص ١١٥٦.\n(٢) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الراء مع الجيم، مادة: \"رجز\" ٢/ ١٩٩.\n(٣) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ١٣٠ و٤١٢، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب السين مع الجيم، مادة: \"سجل\" ٢/ ٣٤٤.\n(٤) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ١١٨، والنهابة في غريب الحديث، والأثر، لابن الأثبر، باب الميم مع الثاء، مادة: \"مثل\" ٤/ ٢٩٤.\n(٥) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الهاء مع الباء، مادة: \"هبل\" ٥/ ٢٤٠.\n(٦) تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٣١١.","vol":"2","page":738},{"text":"٣ - من صفات الداعية: تذكر النعم والاعتراف بالتقصير.\n٤ - من أساليب الدعوة: الجدل.\n٥ - من سنن الله ﷿: ابتلاء الأنبياء وأتباعهم.\n٦ - من أصناف المدعوين: المشركون.\n٧ - من أساليب الدعوة: الترهيب.\n٨ - من تاريخ الدعوة: ذكر غزوة أحد.\n٩ - خطر حب الدنيا وزينتها على قلب الإنسان.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من وظائف الإمام: التخطيط والتدبير في القتال: إن فعل النبي ﷺ يوم أحد يدل على حكمته ومعرفته العظيمة بالتخطيط والتدبير في الحرب؛ ولهذا أمر خمسين من أصحابه الرماة أن يجلسوا في الجبل وأمَّر عليهم عبد الله بن جبير، وأمرهم أن لا يفارقوا مكانهم حتى يرسل إليهم، ولو أراد الله ﷿ بقاءهم كما أمرهم النبي ﷺ لم تحصل هزيمة المسلمين؛ لأن هؤلاء الرماة سيحمون المجاهدين من التفاف المشركين على الجبل ولكن الله له الحكمة البالغة والحجة الدامغة. وهذا يبين أهمية التخطيط في الحرب.\nثانيا: من موضوعات الدعوة: التحذير من معصية النبي ﷺ وبيان خطرها: لا ريب أن التحذير من معصية النبي ﷺ من أهم الموضوعات التي ينبغي للداعية أن يعتني بها؛ لأن معصية الرسول ﷺ من أسباب الخذلان والهزيمة؛ ولهذا عندما خالف الرماة يوم أحد أمره ﷺ هزم المسلمون بسبب تلك المعصية، فقد قال لهم ﷺ: «إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم» فهزم رسول الله ﷺ وأصحابه المشركين فولوا مدبرين مخذولين، فقال الرماة لأميرهم عبد الله بن جبير: الغنيمة أي قوم الغنيمة ظهر أصحابكم فما تنتظرون؛ فقال عبد الله بن جبير: أنسيتم ما قال لكم رسول الله ﷺ؟ قالوا: والله لنأتين","vol":"2","page":739},{"text":"الناس فلنصيبن من الغنيمة فلما أتوهم صرفت وجوههم فانقلبوا منهزمين، فذاك إذ يدعوهم الرسول في أخراهم فلم يبق مع رسول الله ﷺ إلا اثنا عشر رجلًا، فقتل من أصحاب النبي ﷺ سبعون شهيدًا. قال الكرماني ﵀: \"صرف وجوههم عقوبة لمعصية رسول الله ﷺ\" (١) وقال الحافظ ابن حجر ﵀: \"الهزيمة وقعت بسبب مخالفة الرماة\" (٢) وقال أيضًا: \"وفيه شؤم ارتكاب النهي وأنه يعم ضرره من لم يقع منه، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] (٣).\nوأن من آثر دنياه أضر بآخرته ولم تحصل له دنياه\" (٤) قال الله ﷿ عن المخالفة التي وقعت في يوم أحد: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ - إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ١٥٢ - ١٥٣] (٥) وقال ﷿ ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٦٥] (٦).\nولا شك أن من أسباب النصر والتمكين في الأرض: طاعة الله ورسوله.\nفينبغي لكل مسلم أن يحذر معصية الله ورسوله، ويلزم طاعة الله ورسوله؛ فإن هذا من أسباب التوفيق والتسديد والإعانة (٧).\n_________\n(١) شرح الكرماني على صحيح البخاري، ١٥/ ٢١٩.\n(٢) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٦/ ١٦٣.\n(٣) سورة الأنفال، الآية: ٢٥.\n(٤) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٧/ ٣٥٣.\n(٥) سورة آل عمران، الآيتان: ١٥٢ - ١٥٣.\n(٦) سورة آل عمران، الآية: ١٦٥.\n(٧) انظر: الحديث رقم ٩٦، الدرس الأول.","vol":"2","page":740},{"text":"ثالثا: من صفات الداعية: تذكر النعم والاعتراف بالتقصير: ظهر في هذا الحديث أن تذكّر النعم والاعتراف بالتقصير من الصفات الحميدة؛ ولهذا قال البراء ﵁: \" فأصابوا منا سبعين وكان النبي - ﷺ - وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر أربعين ومائة: سبعين أسيرا وسبعين قتيلا \" ففي هذا الحديث اعتراف الصحابة - ﵃ - بالتقصير يوم أحد، وتذكرهم لنعمة الله عليهم يوم بدر، وما منَّ الله به عليهم من النصر والتأييد والإِعانة على عدوِّهم حتى قتلوا منهم سبعين رجلا، وأسروا سبعين؛ قال الحافظ ابن حجر - ﵀: \" وفي هذا الحديث. . . أنه ينبغي للمرء أن يتذكر نعمة الله ويعترف بالتقصير عن أداء شكرها \" (١) فينبغي للداعية أن يتذكر نعمة الله عليه ويشكره عليها، ويعترف بالتقصير عن أداء شكرها.\nرابعا: من أساليب الدعوة: الجدل: لا ريب أن الجدل في اللغة مأخوذ من شدة الفتل، يقال: جدلتُ الحبل أجدله جدلًا إذا شددت فتله، وفتلته فتلا محكما (٢) وهو في الحقيقة: دفع المرء خصمه عن إفساد قوله بحجة أو شبهة، ويقصد به تصحيح كلامه (٣) ويكون في مقابلة الأدلة لظهور أرجحها، وإظهار الحق، وإلزام الخصم (٤) وقد ظهر هذا الأسلوب في هذا الحديث عندما دار الجدل بين عمر بن الخطاب - ﵁ - وأبي سفيان - ﵁ - في يوم أحد، ومن ذلك قول أبي سفيان: \" اعل هبل \" فقال عمر: \" الله أعلى وأجل \" فقال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم، فقال عمر: الله مولانا ولا مولى لكم. إلى غير ذلك من جدل عمر - ﵁ - لأبي سفيان.\n_________\n(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٦/ ٧٥٣ بتصرف يسير جدا.\n(٢) انظر: لسان العرب لابن منظور، باب اللام فصل الجيم، ١١/ ١٠٣.\n(٣) انظر: التعريفات للجرجاني ص ١٠٦، والجدل نوعان: الجدل الممدوح: وهو كل جدل أيد الحق وأوصل إليه بنية صالحة وطريقة سليمة، أما الجدال المذموم: فهو كل جدال أيد الباطل وأوصل إليه. انظر: كتاب استخراج الجدل من القرآن الكريم، لعبد الرحمن بن نجم الحنبلي ص ٥١، ومناهج الجدل في القرآن الكريم، للدكتور زاهر بن عواض الألمعي ص ٥٠ وص ٦٢.\n(٤) انظر: المصباح المنبر للفيومي ١/ ٣٦، والحوار آدابه وضوابطه في الكتاب والسنة ليحيى محمد زمزمي ص ٢٣ - ٢٤.","vol":"2","page":741},{"text":"فينبغي للداعية أن يستخدم الجدل عند الحاجة إليه، ويقصد بذلك إظهار الحق وإبطال الباطل بالأدلة العقلية والنقلية (١) امتثالًا لأمر الله - ﷿ - بذلك: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] (٢).\nخامسا: من سنن الله - ﷿: ابتلاء الأنبياء وأتباعهم: إنما حصل للنبي - ﷺ - يوم أحد من الابتلاء والامتحان ما هو إلا سنة من سنن الله - ﷿ - كما قال - ﷿: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١] (٣) وقال - ﷿ - عن ابتلاء الصحابة وما أصابهم يوم أحد: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ - وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٦ - ١٦٧] (٤).\nوسمعت العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز حفظه الله يقول في ذكره لبعض فوائد حديث البراء - ﵁: \" وهذا ابتلاء وامتحان، فلو كان المسلمون لا يصيبهم شيء ما بقي على الكفر أحد، فهو سبحانه يبتلي هؤلاء بهؤلاء، وهؤلاء بهؤلاء، ولكن العاقبة تكون للمتقين \" (٥)؛ قال الله - ﷿:\n_________\n(١) قد شاع بين الناس ألفاظ قريب بعضها من بعض: الجدل، والمناظرة، والحوار أو المحاورة، والمحاجة، والمناقشة. ويظهر بعض الفروق بين هذه الألفاظ: وهو أن المجادلة يظهر فيها أسلوب القوة، والحوار ورد في القرآن الكريم بمعنى المجادلة، ولكن يظهر في الحوار الهدوء والبعد عن الخصومة، وهو نوع من أنواع الأدب الرفيع وأسلوب من أساليبه، أما المناظرة، فقال الجرجاني في التعريفات ص ٢٨٧: \" المناظرة: لغة من النظير أو من النظر بالبصيرة، واصطلاحا النظر بالبصيرة من الجانبين في النسبة بين الشيئين إظهارا للصواب \" وتمتاز بدلالتها على النظر والتفكر. فهذه الألفاظ كلها: \" الجدل، الحوار، المناظرة، المناقشة، المحاجة \" تشترك في أنها مراجعة في الكلام ومداولة له بين طرفين. انظر: التعريفات للجرجاني ص١٠٦، وص٢٨٧، ولسان العرب لابن منظور، باب اللام، فصل الجيم، ١١/ ١٠٣ - ١٠٦، وباب الراء فصل الحاء، ٤/ ٢١٨ - ٢١٩، وباب الراء، فصل النون، ٥/ ٢١٨ - ٢٢٠، والحوار. آدابه وضوابطه، ليحيى بن محمد، ص ٣١.\n(٢) سورة النحل، الآية: ١٢٥.\n(٣) سورة محمد، الآية: ٣١.\n(٤) سورة آل عمران، الآيتان: ١٦٦ - ١٦٧.\n(٥) سمعته من سماحته أثناء شرحه لحديث رقم ٤٠٤٣ من صحيح البخاري.","vol":"2","page":742},{"text":"﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ - وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ - أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٠ - ١٤٢] (١) وقال - ﷿: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩] (٢) ولا شك أن الصحابة - ﵃ - استفادوا من هذا الابتلاء والامتحان، فلم يعودوا إلى مثل ما فعلوه في معركة أحد؛ وبالغوا في طاعة رسول الله - ﷺ، وأخذوا الحذر من عدوِّهم، وعرفوا المنافقين من الصادقين - ﵃ (٣)؛ ولهذا مدحهمِ الله - ﷿ - فقال: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ - الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ - فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٧٢ - ١٧٤] (٤).\nوذلك أن النبي - ﷺ - عندما رجع من أحد إلى المدينة أمر من حضر الجهاد في أحد أن يخرجوا معه على ما بهم من الجراح فاستجابوا لله ورسوله ووصلوا إلى حمراء الأسد، وجاءهم الخبر بأن أبا سفيان قد جمع لهم جموع الناس \" فقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل \" (٥) وهذا يدل على صبرهم - ﵃ - الكامل على الابتلاء، ويدل على كمال إيمانهم - ﵃ - (٦).\nسادسا: من أصناف المدعوين: المشركون: دل هذا الحديث على أن من أصناف المدعوين: المشركون؛ لأن النبي - ﷺ - دعاهم إلى الله، وقاتلهم؛ لعدم استجابتهم لله وعدم دخولهم في الإِسلام،\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآيات: ١٤٠ - ١٤٢.\n(٢) سورة آل عمران، الآية: ١٧٩.\n(٣) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٧/ ٣٥٢ - ٣٥٣.\n(٤) سورة آل عمران، الآيات: ١٧٢ - ١٧٤.\n(٥) انظر: تفسير الطبري \" جامع البيان عن تأويل آَي القرآن \" ٧/ ٤٠٠، وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للسعدي ١/ ٤٥٦.\n(٦) انظر: الحديث رقم ٩، الدرس الثامن، ورقم ٦٦، الدرس الأول.","vol":"2","page":743},{"text":"ولا شك أن دعوة المشركين لها أساليب ومناهج بينها الله في كتابه وبينها رسول الله - ﷺ - بسيرته وسنته. فينبغي السير على ضوئها، والله المستعان (١).\nسابعا: من أساليب الدعوة: الترهيب: ظهر أسلوب الترهيب في هذا الحديث في قول عمر بن الخطاب - ﵁ - لأبي سفيان: \" كذبت والله يا عدوّ الله إن الذين عددت لأحياءٌ كلهم، وقد بقي لك ما يسوءك \" وهذا فيه تخويف للأعداء، وإظهار للقوة، وأن أصحاب النبي - ﷺ - الذين عدهم أبو سفيان لا يزالون على قيد الحياة وهم مستعدون لقتال أعداء الله؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀: \" وفي هذا الحديث منزلة أبي بكر وعمر من النبي - ﷺ، وخصوصيتهما به حيث كان أعداؤه لا يعرفون بذلك غيرهما إذ لم يسأل أبو سفيان عن غيرهما \" (٢) فرد عليه عمر ﵁، ليدخل الرعب في قلبه ويخوفه، وهذا أسلوب من أساليب الدعوة.\nفينبغي للداعية أن يعتني بأسلوب الترهيب عند الحاجة إليه (٣).\nثامنا: من تاريخ الدعوة: ذكر غزوة أحد: لا شك أن من تاريخ الدعوة ذكر غزوة أحد وزمنها؛ لقول البراء بن عازب ﵁: \" جعل النبي - ﷺ - على الرجالة يوم أحد - وكانوا خمسين رجلا - عبد الله بن جبير \"، وقد كانت في شوال من السنة الثالثة للهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة، وأتم التسليم (٤).\nتاسعا: خطر حب الدنيا وزينتها على قلب الإِنسان: إن الحرص على الدنيا وزينتها من أخطر الأشياء على قلوب البشر، وقد ظهر هذا الحرص في قلوب بعض أصحاب عبد الله بن جبير ﵁، حيث خالفوا\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٩١، الدرس الثامن.\n(٢) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٧/ ٣٥٣.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٧، الدرس الثالث عشر، ورقم ١٢، الدرس الثالث.\n(٤) انظر: زاد المعاد في هدي خير العباد، لابن القيم، ٣/ ١٩٢.","vol":"2","page":744},{"text":"أمر النبي - ﷺ - وهو قوله لهم: «إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم وإن رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم»، فهزم الرسول - ﷺ - والمسلمون المشركين، فقال أصحاب الجبل \" الرماة \": الغنيمة الغنيمة، ونزلوا من الجبل فَهُزِمَ المسلمون بسبب حب الدنيا وزينتها، قال الله - ﷿: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٢] (١).\nفينبغي لكل مسلم أن يحذر من الحرص على حب الدنيا وزينتها؛ فإنها زائلة وفانية، قال الله - ﷿: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [القصص: ٦٠] (٢) والله المستعان (٣).\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآية: ١٥٢.\n(٢) سورة القصص، الآية: ٦٠.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٦١، الدرس السادس.","vol":"2","page":745},{"text":"١٦٦ -<span data-type=\"title\" id=toc-244> باب من رأى العدو فنادى بأعلى صوته: يا صباحاه، حتى يسمع الناس</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-245>[حديث أخذ لقاح النبي ﷺ]</span>\n١٣٠ - [٣٠٤١] حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمة (١) أنَّهُ أَخْبَرَهُ قَالَ: «خَرَجْتُ مِن الْمَدينةِ ذَاهِبا نَحْوَ الْغَابَة، حَتَّى إِذَا كُنْتُ بِثَنِيّهِ الْغَابة لَقيَنِي غُلام لِعبد الرَحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ. قُلْتُ: وَيْحَكَ، مَا بِكَ؟ قَالَ: أُخِذَتْ لِقَاحُ النَّبِيِّ - ﷺ. قُلْتُ: مَنْ أَخَذَهَا؟ قَالَ: غَطَفانُ وَفَزَارَةُ. فَصَرَخْتُ ثَلاث صَرَخَاتٍ أَسْمَعتُ مَا بَيْنَ لابَتَيْهَا: يَا صَبَاحَاهُ، يَا صَبَاحَاهُ. ثُمَّ انْدَفَعْتُ حَتَّى أَلْقَاهُم وَقَدْ أَخَذُوهَا، فَجَعَلْتُ أَرْمِيهِمْ وأَقُولُ: أَنا ابْنُ الأَكْوَعِ، وَالْيَومُ يَوْمُ الرُّضَّعِ. فَاسْتَنْقذْتُهَا منْهُمْ قَبْلَ أَنْ يَشْرَبوا، فَأَقْبَلْتُ بِهَا أَسُوقُهَا، فَلَقيَنِي النَّبِيُّ - ﷺ - فقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! إِنَّ الْقَوْمَ عِطَاشٌ، وَإِنِّي. أَعْجَلْتُهُمْ أَنْ يَشْرَبُوا سِقيَهُم، فَابْعَثْ فِي إِثرِهِمْ. فَقَالَ: \" يَا ابْنَ الأكوَعِ مَلَكْتَ فَأَسْجِحْ، إِنَّ الْقَوْمَ يُقْرَوْنَ فِي قَوْمهمْ» (٢).\nوفي رواية: \". . «ثُمَّ انْدَفَعْتُ عَلَى وَجْهِي حَتَّى أَدْرَكْتُهُمْ وَقَدْ أَخَذُوا يَسْتَقُونَ الْمَاءَ فَجَعَلْتُ أَرْمِيهِمْ بِنبلِي -وَكُنْتُ رَامِيا - وَأَقُولُ: أَنا ابْنُ الأَكْوَعِ وَالْيَوْمُ يَومُ الرُّضعِ، وَأَرْتَجزُ حَتَّى اسْتَنْقَذْتُ اللِّقاحَ مِنْهُمْ، وَاسْتَلَبْتُ مِنْهُمْ ثَلاثِينَ بُرْدَة، قَالَ وَجَاءَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَالنَّاسُ، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ الله قَدْ حَمَيْتُ الْقَوْمَ المَاءَ وَهُمْ عِطَاش فَابْعَثْ إِلَيْهِمْ السَّاعَةَ. فَقَالَ: \" يَا ابْنَ الأَكْوَعِ مَلَكْتَ فَأسْجِحْ \" قَالَ؛ ثُمَّ رَجَعْنَا وَيُرْدِفُني رَسُولُ الله - ﷺ - علَى نَاقَتِهِ حَتَّى دَخَلْنَا المَدِينَةَ» (٣).\n\n* شرح غريب الحديث: * \" الغابة \" الغابة قرب المدينة من عواليها، والغابة: الأجمة ذات الشجر المتكاثف؛ لأنها تُغيِّب ما فيها، وجمعها: غابات (٤).\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ٧٤.\n(٢) [الحديث ٣٠٤١] طرفه في: كتاب المغازي، باب غزوة ذات قرد، ٥/ ٨٥، برقم ٤١٩٤. وأخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب غزوة ذي قرد وغيرها، ٣/ ١٤٣٢، برقم ١٨٠٦.\n(٣) من الطرف رقم ٤١٩٤.\n(٤) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الغين مع الهمزة، مادة: \" غيب \" ٣/ ٣٩٩.","vol":"2","page":746},{"text":"* \" لقاح \" اللَّقاح من النوق: الحوامل، واحدها: لَقُوح ولواقح. وقيل: اللّوَاقح: الحَوَامِل، واللِّقاح: ذوات الألبان (١).\n* \" اليوم يوم الرضع \" أي: هذا يوم هلاك اللئام، والرضع جمع راضع: وهو اللئيم، وسُمِّي به؛ لأنه لِلُؤمِهِ يرضع إبله أو غنمه ليلا؛ لئلا يسمع صوت حلبه. (٢).\nوقيل صنع ذلك؛ لئلا يتبدَّد من اللبن شيء إذا حلب في الإِناء (٣) وقيل: هو الذي رضع اللؤم من ثدي أمه (٤) * \" ما بين لابتيها \" أي ما بين جانبيها، واللاَّبة: الحرة، وهي حجارة سود قد أحاطت بالمدينة (٥).\n* \" ملكت فأسْجحْ \" أي قدرْتَ فسهِّل الأمر وأحسن العفو، وَهُوَ مَثَلٌ سائر. والسُّجُح: السَّهلة، والسَّجحاء: تأَنيث الأسجح: وهو السَّهْل (٦)\n\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من صفات الداعية: الصوت الجهوري.\n٢ - من صفات الداعية: الشجاعة.\n٣ - من موضوعات الدعوة: الحث على العفو والرفق وتسهيل الأمور.\n٤ - من أساليب الدعوة: تعريف الداعية بنفسه عند الحاجة.\n٥ - من أساليب الدعوة: الرجز.\n_________\n(١) انظر: أعلام الحديث للخطابي ص ١٤٣٤، وتفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ١٤٢، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب اللام مع القاف، مادة: \" لقح \" ٤/ ٣٦٢، وجامع الأصول من أحاديث الرسول - ﷺ - لابن الأثير، ٨/ ٣٣٥.\n(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الراء مع الضاد، مادة: \" رضع \" ٢/ ٢٣٠.\n(٣) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، ٣/ ٦٧٣، وشرح صحيح مسلم للنووي ١٢/ ٤١٥ - ٤١٦، وفتح الباري لابن حجر، ٧/ ٤٦٢.\n(٤) أعلام الحديث للخطابي، ٢/ ١٤٣٤، وانظر: شرح غريب الحديث رقم ٦١، ص٣٧٥.\n(٥) تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ١٤٢.\n(٦) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب السين مع الجيم، مادة: \"سجح\" ٢/ ٢٤٢، وجامع الأصول في أحاديث الرسول - ﷺ - له، ٨/ ٣٣٥.","vol":"2","page":747},{"text":"٦ - من أساليب الدعوة: قول الداعية عند الحاجة: أنا ابن فلان.\n٧ - من أساليب الدعوة: التأكيد بالتكرار.\n٨ - من أساليب الدعوة: التأليف بالثناء عند أمْنِ الفتنة.\n٩ - من وسائل الدعوة: الإِعداد للجهاد بالتدريب على الرمي وغيره.\n١٠ - من معجزات الرسول - ﷺ: الإِخبار بالمغيبات.\n١١ - من صفات الداعية: التواضع.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآَتي:\nأولا: من صفات الداعية: الصوت الجهوري: إن الصوت الجهوري من الصفات التي يُفَضَّلُ أن يتصف بها الداعية؛ لأن ذلك يُسمع الناس ما يقوله الداعية؛ ولهذا كان النبي - ﷺ - يرفع صوته في الخطب حتى كأنه منذر جيش (١) وقد دل هذا الحديث على رفع الصوت في إنذار الناس والمبالغة في إيصال الكلام إليهم؛ ولهذا قال سلمة بن الأكوع - ﵁: \" فصرخت ثلاث صرخات أسمعت ما بين لابتيها: يا صباحاه، يا صباحاه \" قال الحافظ ابن حجر - ﵀: \" فيه إشعار بأنه كان واسع الصوت جدا، ويحتمل أن يكون ذلك من خوارق العادات \" (٢) وقال الإمام القرطبي - ﵁ - على رفع سلمة صوته بقوله: يا صباحاه: \" معناه هنا؛ الإِعلام بهذا الأمر المهم، الذي قد دهمهم في الصباح \" (٣) وقال الإمام الكرماني ﵀: \" يا صباحاه: هو منادى مستغاث، والألف للاستغاثة، والهاء للسكت، وكأنه نادى الناس استغاثة بهم في وقت الصباح: أي وقت الغارة، وحاصله أنها كلمة يقولها المستغيث \" (٤) وقال الحافظ ابن حجر ﵀: \" وكانت عادتهم يغيرون وقت الصباح، فكأنه قال: تأهبوا لما دهمكم صباحا\" (٥).\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٤٥، الدرس العاشر.\n(٢) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٧/ ٣٦١.\n(٣) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٣/ ٦٧٣.\n(٤) شرح الكرماني على صحيح البخاري، ١٣/ ٤٠.\n(٥) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٦/ ١٦٤.","vol":"2","page":748},{"text":"ثانيا: من صفات الداعية: الشجاعة: ظهر في هذا الحديث شجاعة سلمة بن الأكوع - ﵁، لقوله ﵁: «ثم اندفعت على وجهي حتى أدركتهم وقد أخذْوا يستقون الماء، فجعلت أرميهم بنبلي - وكنت راميا- وأقول: أنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع، وأرتجز حتى استنقذت اللقاح منهم، واستلبت منهم ثلاثين بردة» وهذا يدل على الشجاعة العظيمة؛ ولهذا ذكر الحافظ ابن حجر ﵀: أن سلمة - ﵁ - كان مثل الأسد إذا حملت عليه الخيل فرَّ، ثم عارضهم فنضحها عنه بالنبل (١).\nفينبغي للداعية أن يكون شجاعا: عقليا وقلبيّا، وهذا من أعظم الصفات الحميدة (٢).\nثالثا: من موضوعات الدعوة: الحث على العفو والرفق وتسهيل الأمور: إن الرفق، والعفو، ومعاملة الناس بالأسهل والأحسن من الموضوعات التي ينبغي للدعاة حث الناس عليها وترغيبهم في التعامل بها مع الناس؛ ولهذا قال النبي - ﷺ - لسلمة في هذا الحديث: \" ملكت فأسْجِحْ \" أي قدرت فسهِّل الأمر، وأحسن العفو، وارفق ولا تأخذ بالشدة (٣).\nوهذا يؤكد الحض على تعليم الناس الأخذ بالتيسير وترك التعسير، والله المستعان (٤).\nرابعا: من أساليب الدعوة: تعريف الداعية بنفسه عند الحاجة: دل هذا الحديث على أن من أساليب الدعوة: تعريف الإِنسان بنفسه عند الحاجة لذلك مع القصد الحسن والنية الصالحة؛ ولهذا قال سلمة بن الأكوع ﵁: \" أنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع \". قال الإمام النووي - ﵀: \" فيه جواز مثل هذا الكلام في القتال، وتعريف الإِنسان بنفسه إذا كان شجاعا، ليرعب خصمه \" (٥).\n_________\n(١) انظر: فتح الباري شرح صحيح البخاري، ٧/ ٤٦٢.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٣٥، الدرس الخامس، ورقم ٦١، الدرس الثاني.\n(٣) انظر: جامع الأصول من أحاديث الرسول ﷺ، لابن الأثير، ٨/ ٣٣٥، وشرح الكرماني على صحيح البخاري، ١٣/ ٤٠، وفتح الباري لابن حجر، ٧/ ٤٦٣.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٧٦، الدرس الثالث، ورقم ٨٠، الدرس الثالث.\n(٥) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٢/ ٤١٥.","vol":"2","page":749},{"text":"وهذا يؤكد للسامع أهمية تعريف الداعية بنفسه عند الحاجة وتخويف الأعداء \" (١).\nخامسا: من أساليب الدعوة: الرجز: لا ريب أن من أساليب الدعوة: قول الرجز المحمود؛ ولهذا ارتجز سلمة - ﵁ - في هذا الحديث بقوله: \" أنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع \" ويكون ذلك عند الحاجة إلى الرجز مع بعض المدعوين على حسب الحاجة والمصلحة (٢).\nسادسا: من أساليب الدعوة: قول الداعية عند الحاجة: أنا ابن فلان: إن قول الداعية والمجاهد في سبيل الله - ﷿ - عند الحاجة: أنا فلان، أو أنا ابن فلان من أساليب الدعوة، إذا كان في ذلك مصلحة واضحة؛ ولهذا قال سلمة: \" أنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع \". قال الإمام الكرماني - ﵀: \" وفيه جواز. . . قولهم: أنا ابن فلان في الحرب، إذا كان شجاعا؛ لتخويف الخصم \" (٣).\nوهذا فيه تأكيد لأهمية هذا الأسلوب عند الحاجة (٤).\nسابعا: من أساليب الدعوة: التأكيد بالتكرار: إن أسلوب التأكيد بالتكرار من الأساليب المهمة في الدعوة إلى الله - ﷿؛ لما له من تثبيت المعاني وتفهيم الكلام؛ ولهذا قال سلمة - ﵁: \" فصرخت ثلاث صرخات: يا صباحاه، أسمعت ما بين لابتيها \". قال الإمام النووي ﵀: \" فيه جواز مثله للإِنذار بالعدوِّ\" (٥) وهذا يؤكد أهمية تكرير الكلام عند الحاجة للتأكيد وتثبيت المعاني، والله المستعان (٦).\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ١٦، الدرس الرابع، ورقم ٦١، الدرس التاسع.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٢٧، الدرس الثالث، ورقم ٤٥، الدرس السادس، ورقم ٦١، الدرس الثامن.\n(٣) شرح الكرماني على صحيح البخاري، بتصرف يسير جدا ١٣/ ٤١.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٦١، الدرس العاشر.\n(٥) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٢/ ٤١٥.\n(٦) انظر: الحديث رقم ٤، الدرس الخاص، ورقم ٧، الدرس الثاني عشر.","vol":"2","page":750},{"text":"ثامنا: من أساليب الدعوة: التأليف بالثناء عند أَمْنِ الفتنة: لا شك أن من أساليب الدعوة: التأليف بالثناء على المدعو أو غيره، وذكر بعض ما فيه من الفضائل؛ ليستزيد من الخير ويثبت عليه، بشرط أن لا يدخل عليه العجب فيفتتن بذلك، وقد أثنى رسول الله - ﷺ - على سلمة - ﵁ - بقوله: \" ملكت فأسجح \" والمعنى: قدرت فسهِّل وأحسن العفو (١) قال الحافظ ابن حجر ﵀: \" وفي الحديث. . . استحباب الثناء على الشجاع ومن فيه فضيلة، ولا سيما عند الصنع الجميل؛ ليستزيد من ذلك، ومحلّهُ حيثُ يؤمَنُ الافتتان \" (٢).\nفينبغي مراعاة أحوال المدعوين في الثناء، فإن كان ينفع أثنى عليهم، وإن كان يجلب عجبا ترك (٣).\nتاسعا: من وسائل الدعوة: الإعداد للجهاد بالتدريب على الرمي وغيره: ظهر في الحديث أهمية الرمي؛ لقول سلمة ﵁: \" فجعلت أرميهم بنبلي، وكنت راميا \" ولا زال - ﵁ - يستخدم الرمي حتى استنقذ لقاح النبي - ﷺ؛ قال العلامة العيني - ﵀ - في ذكره لبعض فوائد هذا الحديث: \" وفيه فضيلة الرمي، على ما لا يخفى\" (٤).\nوهذا يؤكد أهمية تعلم الرمي وتعليمه إعدادا للجهاد في سبيل الله - ﷿ - (٥).\nعاشرا: من معجزات الرسول - ﷺ: الإخبار بالمغيبات: دل هذا الحديث على عَلَمٍ من أعلام النبوة؛ لقوله - ﷺ - لسلمة ﵁: \" إن القوم يقرون في قومهم \" والمقصود أنهم وصلوا إلى غطفان، وهم يضيفونهم فلا حاجة في الحال إلى البعث في الأثر؛ لأنهم لحقوا بأصحابهم (٦) وهذا\n_________\n(١) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٧/ ٤٦٣.\n(٢) المرجع السابق، بتصرف يسير جدا، ٧/ ٤٦٣.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٦٧، الدرس السادس.\n(٤) عمدة القاري شرح صحيح البخاري، ١٤/ ٢٨٧.\n(٥) انظر: الحديث رقم٢، الدرس الثالث، ورقم ١٢٢، الدرس السابع عشر، ورقم ١٢٨، الدرس السابع.\n(٦) انظر: شرح الكرماني على صحيح البخاري، ١٣/ ٤١.","vol":"2","page":751},{"text":"إعلام منه - ﷺ - بأمر لم يشاهده الصحابة ولم يشاهده هو، بل أمر غيبيٌّ؛ قال الإمام النووي ﵀: \" وفي هذا معجزة ظاهرة لرسول الله - ﷺ \" (١).\nوهذا يؤكد على صدق نبوته - ﷺ - صدقا يقينا محققا (٢).\nالحادي عشر: من صفات الداعية: التواضع: ظهر في هذا الحديث صفة التواضع؛ لأن سلمة - ﵁ - قال: «ثم رجعنا ويردفني رسول الله على ناقته حتى دخلنا المدينة» وهذا فيه تواضع النبي - ﷺ - حيث أردف سلمة بن الأكوع على ناقته؛ لأن الكبراء والوجهاء لا يردفون على دوابهم؛ لتعاظمهم في الغالب، فخالفهم رسول الله - ﷺ - تواضعا وعطفا ورحمة (٣).\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٢/ ٤١٦.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٢١، الدرس الرابع، ورقم ٥٣، الدرس الثالث.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٣٣، الدرس الحادي عشر، ورقم ٦٢، الدرس الثالث.","vol":"2","page":752},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-246>[باب إذا نزل العدو على حكم رجل]</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-247>[حديث حكم سعد في بني قريظة]</span>\n١٣١ - [٣٠٤٣] حدثنا سليمان بن حرب: حدثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم وعن أبي أمامة هو ابن سهل بن حنيف، عن أبي سعيد الخدري (١) ﵁ قال: «لما نزلت بنو قريظة على حكم سعد (٢) بعث رسول الله - صلي الله عليه وسلم - وكان قريبا منه - فجاء على حمار، فلما دنا قال رسول الله ﷺ: \" قوموا إلى سيدكم \"، فجاء فجلس إلى رسول الله - ﷺ، فقال له: \" إن هؤلاء نزلوا على حكمك \". قال فإني أحكم أن تقتل المقاتلة، وأن تسبى الذرية، قال: \" لقد حكمت فيهم بحكم الملك» (٣).\nوفي رواية: «نزل أهل قريظة على حكم سعد بن معاذ، فأرسل النبي - ﷺ - إلى\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ١٩.\n(٢) هو سعد بن معاذ بن النعمان، بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل، الأنصاري، الأوسي، الأشهلي، السيد الكبير، الشهيد أبو عمرو ﵁ وهو سيد الأوس، أسلم على يد مصعب بن عمير - ﵁ - حين بعثه رسول الله - ﷺ - قبله مهاجرا على المدينة يعلم المسلمين أمور دينهم، فلما أسلم سعد قال لبني عبد الأشهل: كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا فضلا وأيمننا نقيبة، قال: \" فإن كلامكم علي حرام: رجالكم ونساؤكم، حتى تؤمنوا بالله ورسوله \" فلم يبق في دار بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا أسلموا. وكان سعد - ﵁ - من أعظم الناس نصرا للإسلام، ومن أنفعهم لقومه، شهد بدرا، وأحدا والخندق، وقريظة، ونزلوا على حكمه، فحكم فيهم بقتل الرجال وسبي الذرية فقال النبي ﷺ: \" قضيت بحكم الله \" في رواية: \" لقد حكمت فيهم بحكم الملك \"، أصيب يوم الخندق بجرح في الأكحل، فقال: \" اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها؛ فإنه لا قوم أحب إلي من أن أجاهدهم فيك؛ آذوا نبيك، وكذبوه، وأخرجوه، اللهم إن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعلها لي شهادة، ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة \" [البخاري برقم ٤١٢٢، وسيرة ابن هشام عن ابن إسحاق، ٣/ ٢٤٤، ومسند أحمد ٦/ ١٤١] فاستجاب الله دعوت وحكمه في بني قريظة، وجعلها له شهادة بعد حكمه فيهم حيث انفجر جرحه فمات شهيدا بعد شهر من غزوة الخندق، وقال النبي ﷺ: \" اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ \" [البخاري برقم ٣٨٠٣، ومسلم برقم ٢٤٦٦] وأهدي لرسول الله ﷺ حرير فجعل الصحابة يعجبون من لينه، فقال رسول الله ﷺ: \" لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا \" [البخاري برقم ٣٢٤٨، ٣٢٤٩، ومسلم برقم ٢٤٦٨، ٢٤٦٩] رضي الله عن سعد بن معاذ ورحمه. انظر: سيرة بن هشام، ٣/ ٢٤٤، وتهذيب الأسماء واللغات للنووي، ١/ ٢١٤، وسير أعلام النبلاء للذهبي، ١/ ٢٧٩، والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، ٢/ ٣٧.\n(٣) [الحديث ٣٠٤٣] أطرافه في: كتاب مناقب الأنصار، باب مناقب سعد بن معاذ ﵁، ٤/ ٢٧٤، برقم ٣٨٠٤، وكتاب المغازي، باب مرجع النبي - ﷺ - من الأحزاب، ومخرجه إلى بني قريظة ومحاصرته إياهم، ٥/ ٦٠، برقم ٤١٢١. وكتاب الاستئذان، باب قول النبي ﷺ: \" قوموا إلى سيدكم \"، ٧/ ١٧٤، برقم ٦٢٦٢. وأخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب جواز قتال من نقض العهد وجواز إنزال أهل الحصن على حكم حاكم عدل أهل للحكم، ٣/ ١٣٨٨، برقم ١٧٦٨.","vol":"2","page":753},{"text":"سَعْدٍ فَأَتَى عَلَى حِمَارٍ فَلَمَّا دَنَا مِنَ الْمَسْجدِ قَالَ لِلأنصَارِ: \" قُومُوا إِلى سَيِّدِكُم أَوْ خَيْرِكُمْ - فَقَالَ: هَؤُلَاءِ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِكَ \" فَقَالَ: تُقْتَلُ مُقَاتِلَتُهُمْ وَتُسْبَى ذَرَاريهمْ قَالَ: \" قَضَيْتَ بِحُكْم الله \"، وَرُبَّمَا قَالَ: \" بِحُكْم المَلِكِ» (١).\n\n* شرح غريب الحديث: * - \" وتُسْبَى ذرَارِيهم \" السَّبْي، والسَّبيَّة، والسَّبايا: النهبُ وأخذ الناس عبيدا وإماءً، والسَّبيَّة: المرأة المنهوبة، وجمعها: سبايا، والذرية: النساء والصبيانَ (٢).\n\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - أهمية حكم العالم برضى الخصمين.\n٢ - من وسائل الدعوة: القيام للمقابلة بالسلام والمصافحة والتهنئة.\n٣ - من صفات الداعية: التواضع.\n٤ - من صفات الداعية: وضع كل شيء في موضعه.\n٥ - من صفات الداعية: الحرص على الدقة في نقل الحديث.\n٦ - من أصناف المدعوين: اليهود.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: أهمية حكم العالم برضى الخصمين: لا شك أن حكم العالم برضى الخصمين له أهمية بالغة؛ لما يفصل وينهي من المنازعات، والأصل في ذلك قصة سعد بن معاذ مع بني قريظة حينما نزلوا على حكمه فأرسل إليه النبي ﷺ، وعندما وصل قال - ﷺ - له: \" إن هؤلاء نزلوا على حكمك \" فقال ﵁: فإنِّي أحكم أن تقتل المقاتلة وأن تسبى الذرية. فقال النبي\n_________\n(١) الطرف رقم ٤١٢١.\n(٢) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب السين مع الباء، مادة: \"سبا\" ٢/ ٣٤٠، وشرح الكرماني على صحيح البخاري، ١٣/ ٤٢.","vol":"2","page":754},{"text":"ﷺ: \" لقد حكمّت فيهم بحكم المَلِكِ \". قال الحافظ ابن حجر ﵀: \" يستفاد منه لزوم حكم المحكم برضى الخصمين \" (١) وقال العلامة العيني ﵀: \" فيه لزوم حكم المحكم برضى الخصمين، سواء كان في أمور الحرب أو غيرها، وهو رد على الخوارج الذين أنكروا التحكيم على علي ﵁ \" (٢) وقد تكلم الإمام النووي ﵀ كلاما جامعا قال فيه: \" فيه جواز التحكيم في أمور المسلمين، وفي مهماتهم العظام، وقد أجمع العلماء عليه، ولم يخالف فيه إلا الخوارج، فإنهم أنكروا على عليٍّ التحكيم، وأقام الحجة عليهم، وفيه جواز مصالحة أهل قرية أو حصن على حكم حاكم مسلم، عدل، صالح للحكم، أمين على هذا الأمر، وعليه الحكم بما فيه مصلحة للمسلمين، وإذا حكم بشيء لزم حكمه، ولا يجوز للإِمام ولا لهم الرجوع عنه، ولهم الرجوع قبل الحكم، والله أعلم \" (٣) وحاصل ذلك أن الإمام إذا وافق على التحكيم لحَكَمٍ من أهل العلم والفقه، والديانة، فحكم بما فيه مصلحة المسلمين: من قتل، أو سباء، أو إقرار على الجزية، أو إجلاء، نفذ حكمه إذا لم يكن فيه مخالفة للشرع بأي وجه من الوجوه (٤).\nثانيا: من وسائل الدعوة: القيام للمقابلة بالسلام والمصافحة أو التهنئة: ظهر في هذا الحديث أن القيام للقادم لمقابلته بالسلام والمصافحة أو التهنئة، أو إجلاسه في مكانه، أو إنزاله من على دابته إذا كان مريضا من وسائل الدعوة؛ قال النبي - ﷺ - في هذا الحديث: \" قوموا إلى سيدكم \" وقد كان - ﷺ - يقوم للمقابلة بالسلام لبعض أصحابه عند القدوم عليه (٥) ومن ذلك حديث عائشة ﵂\n_________\n(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٦/ ١٦٥.\n(٢) عمدة القاري شرح صحيح البخاري، ١٤/ ٢٨٨.\n(٣) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٢/ ٣٣٦، وانظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، ٣/ ٥٩٢.\n(٤) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم للقرطبي، ٣/ ٥٩٢.\n(٥) كما قام لفاطمة وقبلها وأجلسها مكانه، وكانت تفعل ذلك له، وذكر أن أخاه من الرضاعة أقبل عليه فقام فأجلسه بين يديه؛ للتوسيع له في الجلوس، وقام لعكرمة حينما جاء من اليمن مسلما، فرحا بإسلامه، وقام لجعفر بن أبي طالب عندما قدم من الحبشة فرحا بقدومه ومقابلة له بالسلام، وقدم إليه زيد بن حارثة فقام إليه فاعتنقه وقبله، وغير ذلك وهذا كله للاستقبال بالسلام، أو المصافحة أو التقبيل أو إجلاس القادم في مكانه، أما للتعظيم فلا. انظر: فتح الباري ١١/ ٥٢.","vol":"2","page":755},{"text":"قالت: «ما رأيت أحدا أشبه سمتا، ودلّا (١) وهديا برسول الله - ﷺ - في قيامها وقعودها من فاطمة بنت رسول الله - ﷺ» قالت: «وكانت إذا دخلت على النبي - ﷺ - قام إليها فقبّلها وأجلسها في مجَلسه، وكان النبي - ﷺ - إذا دخل عليها قامت من مجلسها فقبلته وأجلسته في مجلسها» (٢) ومن ذلك ما فعله طلحة بن عبيد الله - ﵁ - بحضرة رسول الله - ﷺ - حينما قام إلى كعب بن مالك - ﵁ - قال كعب: «فقام إليَّ طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وَهَنَّاني» (٣).\nوهذا كله يدل على أهمية المقابلة بالسلام، والتهنئة، والمعانقة، للقادم من السفر، والمصافحة عند المقابلة، فعن البراء بن عازب - ﵁ - قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يتفرقا» (٤) وعن سلمان الفارسي - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «إن المسلم إذا لقي أخاه المسلم فأخذ بيده تحاتت عنهما ذُنُوبُهُمَا، كما تتحات الورق من الشجرة اليابسة في يومِ ريحٍ عاصفٍ، وإلا غُفِرَ لَهُمَا ولو كانت ذنوبهما مِثْلَ زبَدِ البحر» (٥) وعن أنس - ﵁ - قال عن أصحاب النبي ﷺ: «كانوا إذا تلاقوا تصافحوا، وإذا قدموا من سفر تعانقوا» (٦).\n_________\n(١) سمتا، ودلا، وهديا، قيل: هذه الألفاظ متقاربة المعاني، فمعناها الهيئة والطريقة وحسن الحال، ونحو ذلك. انظر: تحفة الأحوذي بشرح سنن الترمذي، للمباركفوري، ١٠/ ٣٧٣.\n(٢) أبو داود، كتاب الأدب، باب ما جاء في القيام، ٤/ ٣٥٥، برقم ٥٢١٧، والترمذي، وحسنه، في كتاب المناقب، باب فضل فاطمة بنت محمد ﷺ، ٥/ ٧٠٠، برقم ٣٨٧٢، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٣/ ٢٤١، وصحيح سنن أبي داود، ٣/ ٩٧٩.\n(٣) البخاري برقم ٤٤١٨، ومسلم برقم ٢٧٦٩، وتقدم تخريجه في الحديث رقم [٩ - ٢٧٥٧] ص ٩٤.\n(٤) أبو داود، كتاب الأدب، باب في المصافحة، ٤/ ٣٥٤، برقم ٥٢١١، والترمذي، وحسنه، في كتاب الاستئذان، باب ما جاء في المصافحة، ٥/ ٧٤، برقم ٢٧٢٧، وابن ماجه، كتاب الأدب، باب المصافحة ٢/ ١٢٢٠، برقم ٣٧٠٣، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ٣/ ٩٧٩، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم ٥٢٥، وذكر له طرقا كثيرة.\n(٥) الطبراني في المعجم الكبير، ٦/ ٢٥٦، برقم ٦١٥٠، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/ ٣٧: ورجاله رجال الصحيح غير سالم ابن غيلان وهو ثقة. وسمعت العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز حفظه الله أثناء كلامه على تفسير الآية رقم ٦٣ من سورة الأنفال وعلى الحديث الذي أورده ابن كثبر في تفسير هذه الآية، بتاريخ ١٢/ ١٠ / ١٤١٧ هـ في جامع الأميرة سارة، في البديعة في الرياض، يقول: \" سند الطبراني صحيح وقد فات الألباني في السلسلة الصحيحة، لكن جميع ما ذكره شواهد لهذا \".\n(٦) الطبراني في الأوسط، [مجمع البحرين في زوائد المعجمين] ٥/ ٢٦٢، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/ ٣٦: \" ورجاله رجال الصحيح \".","vol":"2","page":756},{"text":"وما تقدم يؤكد أن القيام للقادم - من أجل المقابلة بالسلام والمصافحة أو المعانقة، أو التهنئة، أو إجلاسه في مكان القائم - كل ذلك من وسائل الدعوة. وأما القيام للقادم أو القائم من المجلس بدون سلام ولا مصافحة أو معانقة أو تهنئة؛ أو لإِجلاسه في مجلس القائم فلا يجوز؛ لأن ذلك من فعل العجم لعظمائهم.\nولا ينبغي للمسلم وخاصة الداعية أن يقوم الناس لتعظيمه واحترامه؛ لأن النبي - ﷺ - كان لا يحب أن يقوم له أحد من أصحابه، فكانوا لا يقومون له، إِلا للسلام والمقابلة، أو إجلاسه مكان أحدهم (١) وقد قال - ﷺ: «مَنْ أحبَّ أنْ يُمثَّل له الرجال قياما فليتبوَّأْ مقعده من النار» (٢) ولهذا قال أنس - ﵁ - عن الصحابة - ﵃: «لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله ﷺ، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا؛ لما يعلمون من كراهيته لذلك» (٣).\nوالخلاصة أن القيام ينقسم إلى ثلاث مراتب: قيام على رأس الرجل وهو جالس وهو فعل الجبابرة، وقيام له عند رؤيته أو عند قيامه من المجلس تعظيما له وهذا متنازع فيه، والصواب عدم جوازه، وقيام إليه عند قدومه لمقابلته بالمصافحة أو المعانقة، أو التهنئة مع المصافحة، أو إجلاسه في مجلس القائم وهذا لا بأس به، بل هو من وسائل الدعوة النافعة (٤) قال الإمام ابن القيم ﵀: \" ففرق بين القيام للشخص المنهي عنه، والقيام عليه المشبه لفعل فارس والروم، والقيام إليه عند قدومه الذي هو سنة العرب، وأحاديث الجواز تدل عليه فقط \" (٥).\n_________\n(١) انظر: معالم السنن للخطابي، ٨/ ٨٢ - ٨٥، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، ٣/ ٥٩٢ - ٥٩٣، وفتح الباري لابن حجر، ١١/ ٥٠ - ٥٤.\n(٢) أبو داود، كتاب الأدب، باب في قيام الرجل للرجل، ٤/ ٣٥٨، برقم ٥٢٢٩، والترمذي، في كتاب الأدب، باب ما جاء في كراهية قيام الرجل للرجل، ٥/ ٩٠، برقم ٢٧٥٥، وقال: \" هذا حديث حسن \". ولفظه: \" من سره أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوَأ مقعده من النار \" وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٣/ ٩٨٢، وصحيح سنن الترمذي، ٢/ ٣٥٧.\n(٣) الترمذي، كتاب الأدب، باب كراهية قيام الرجل للرجل، ٥/ ٩٠، برقم ٢٧٥٤، وقال: \" هذا حديث حسن صحيح \"، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٣٥٦.\n(٤) انظر: تهذيب الإمام ابن قيم الجوزية مع معالم السنن للخطابي ٨/ ٨٤.\n(٥) المرجع السابق، ٨/ ٩٣.","vol":"2","page":757},{"text":"ولكن إذا كان من عادة الناس إكرام القادم بالقيام، ولو تُرِكَ لاعتقد أن ذلك لترك حقه، أو قصد خفضه، ولم يعلم العادة الموافقة للسنة فالأصلح أن يقام له؛ لأن ذلك أصلح لذات البين وإزالة التباغض والشحناء، وذلك من باب دفع أعظم المفسدتين بالتزام أدناهما كما يجب فعل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما (١) ولكن ينبغي للداعية أن يقرن القيام بالمقابلة والمصافحة على حسب الاستطاعة، ويعلم الناس السنة بالحكمة والموعظة الحسنة، والله المستعان.\nثالثا: من صفات الداعية: التواضع: ظهر في هذا الحديث صفة التواضع من عدة وجوهٍ، منها: كون النبي - ﷺ - وافق على طلب من أراد تحكيم سعد بن معاذ، ولو شاء - ﷺ - لم يقبل ذلك (٢) ويدل على التواضع قوله ﷺ: \" قوموا إلى سيدكم \"؛ فإن العظماء لا يحبون أن يقام إلى غيرهم ولا مساعدته، وقوله ﷺ: \" قضيت فيهم بحكم الله \" وهذا يؤكد تواضعه - ﷺ - وبيانه للحق وعدم ردِّه. وكذلك ما فعله سعد بن معاذ ﵁، وأنه ركب على حمار، وهذا يبين تواضعه ﵁.\nفينبغي للداعية أن يتصف بالتواضع لله - ﷿ (٣).\nرابعا: من صفات الداعية: وضع كل شيء في موضعه: إن من صفات الداعية وضع كل شيء في موضعه بإحكام وإتقان، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء، وقد دل هذا الحديث على هذه الصفة العظيمة لسعد ﵁؛ ولهذا قال ﷺ: \" قضيت فيهم بحكم الملك \" وذلك أنه قال ﵁: «فإني أحكم أن تقتل المقاتلة وأن تُسبى الذرية»، وسمعت سماحة العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز حفظه الله يقول: \" وهذا من توفيق الله لسعد ﵁، فحكم فيهم\n_________\n(١) انظر. مجموع فتاوى ابن تيمية، ١/ ٣٧٥ - ٣٧٦، وفتح الباري لابن حجر، ١١/ ٥٤.\n(٢) انظر: زاد المعاد لابن القيم، ٣/ ١٣٤.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٣٣، الدرس الحادي عشر، ورقم ٦٢، الدرس الثالث.","vol":"2","page":758},{"text":"بحكم الله، فقتل النبي - ﷺ - رجالهم البالغين، وسبى ذراريهم ونساءهم \" (١).\nفينبغي للداعية أن يسأل الله الصواب في الأقوال والأفعال ويحرص على ذلك (٢).\nخامسا: من صفات الداعية: الحرص على الدقة في نقل الحديث: دل هذا الحديث على أن الحرص على الدقة في نقل الحديث من صفات الداعية المخلص؛ ولهذا قال الراوي في نقل كلام النبي ﷺ: \" قوموا إلى سيدكم \" أو \" خيركم \". قال الحافظ ابن حجر ﵀: \" الشك فيه من أحد رواته أي اللفظين قال \" (٣).\nوهذا يؤكد حرص السلف الصالح ﵏ على الدقة في نقل الحديث (٤).\nسادسا: من أصناف المدعوين: اليهود دل هذا الحديث على أن اليهود من أصناف المدعوين؛ ولهذا دعاهم رسول الله - ﷺ - إلى الإسلام، ثم عقد معهم العهد، وعندما نقضوا العهد والميثاق حاصرهم، ووافق على أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ ﵁، فحكم فيهم بأن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم ونساؤهم، فقال ﷺ: \" لقد حكمت فيهم بحكم الملِكِ \" وفي لفظ: \" قضيت بحكم الله \" (٥).\n_________\n(١) سمعته من سماحته أثناء شرحه لحديث رقم ٤١٢١ من صحيح البخاري.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٦٤، الدرس الخامس، ورقم ٧٥، الدرس الثاني.\n(٣) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٧/ ٤١٢، وانظر: عمدة القاري للعيني، ١٦/ ٢٦٩.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٢١، الدرس العاشر.\n(٥) انظر: الحديث رقم ٨٩، الدرس العاشر، ورقم ٩٢، الدرس الرابع عشر.","vol":"2","page":759},{"text":"١٧٠ -<span data-type=\"title\" id=toc-248> بَابُ هل يستأسر الرجل؟ ومن لم يستأسر، وَمَنْ ركَعَ رَكعَتينِ عندَ القتل</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-249>[حديث بعث الرسول ﷺ عشرة رهط سرية]</span>\n١٣٢ - [٣٠٤٥] حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أخْبَرني عَمْرُو بْنُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ أَسِيد بْنِ جَارِيةَ الثَّقَفيُّ - وَهُوَ حَلِيف لِبَنِي زُهْرةَ، وكَانَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي هُرَيْرَة - أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ (١) ﵁ قَالَ: «بَعَثَ رَسُولُ الله ﷺ عَشَرَةَ رَهْطٍ سَرِيَّةً عَيْنا، وأَمَّرَ عَلِيْهمْ عَاصِمَ بنَ ثَابِتٍ الأنصَارِيَّ (٢) - جَدَّ عاصِمٍ بنِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ - فَانْطَلَقُوا، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالْهَدْأَةِ - وَهُوَ بَيْنَ عُسْفانَ ومَكَّةَ - ذُكِروا لِحيّ مِنْ هُذَيْلٍ يُقَالُ لَهُمْ: بَنُو لِحْيَانَ، فنَفَروا لَهُمْ قَرِيبا مِنْ مِائتي رجُلٍ كُلُهُمْ رَامٍ، فَاقْتَصُّوا آثارَهُمْ حَتَّى وَجَدُوا مَأْكَلَهُمْ تَمْرا تَزَوَّدُوهُ مِنَ المَدِيَنة، فَقَالُوا: هَذَا تَمْرُ يَثْرِبَ، فَاقْتَصُّوا آثارَهُمْ، فَلَمَّا رآهُمْ عَاصِمٌ وَأَصْحَابُهُ لَجَؤُوا إِلَى فَدْفَدٍ، وَأَحَاطَ بِهِمُ الْقَوْمُ، فَقَالُوا لَهُمْ: انْزِلُوا وَأَعْطُونَا بِأَيْدِيكُمْ، وَلَكُمْ الْعَهدُ وَالميثاقُ وَلا نَقْتُلُ مِنْكُمْ أَحَدا. قَالَ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ أَمِيرُ السَّرِيَّة: أَمَّا أنا فوالله لا أَنزِلُ الْيَوْمَ فِيِ ذِمَّةِ كَافِرٍ، اللهمَّ أَخْبِرْ عَنَّا نَبيَّكَ، فَرمَوْهُمْ بِالنَّبْلِ، فَقَتَلُوا عَاصِما في سَبْعَةٍ. فنَزَلَ إِلَيْهِمْ ثَلاثةُ رَهْطٍ بِالْعَهْدِ وَالْمِيثَاق، مِنْهُمْ خبيب الأنصَارِيُّ (٣) وابْنُ دَثِنَة (٤) وَرَجُل آخَرُ، فَلَمَّا اسْتَمْكَنُوا مِنْهُمْ أَطْلَقُوا أَوْتَارَ قِسِيِّهِم فَأَوْثَقُوهُمْ، فَقَالَ الرَّجُلُ الثَّالِثُ: هَذَا أَوَّلُ الْغَدْرِ، وَالله لا أَصْحَبُكُم، إنَّ لِي فِي هَؤُلاءِ لأسْوَةً - يُرِيدُ الْقَتْلَى - فَجَرَّرُوهُ وَعَالَجُوهُ عَلَى أَنْ يَصحَبَهُمْ\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ٧.\n(٢) عاصم بن ثابت بن أبي الأفلح الأنصاري، جد عاصم بن عمر بنٍ الخطاب لأمه، من السابقين الأولين من الأنصار، ﵁ قيل: شهد العقبة، وشهد بدرا، وقتل شهيدا حين بعثه رسول الله - ﷺ - أميرا على سرية عينا. انظر: معالم السنن للخطابي ٤/ ٨، والإِصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر، ٢/ ٢٤٤.\n(٣) خبيب بن عدي بن مالك بن عامر، الأنصاري، الأوسي، شهد بدرا واستشهد في عهد النبي ﷺ، وكان هو الذي سن صلاة ركعتين لمن قتل صبرا، قتل شهيدا صبرا بمكة، ﵁. انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي ١/ ٢٤٦، والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، ١/ ٤١٨.\n(٤) زيد بن الدثِنَة بن معاوية، بن عبيد بن عامر بن بياضة الأنصاري، البياضي، شهد بدرا وأحدا، وكان في غزوة بئر معونة فأسره المشركون وقتلته قريش بالتنعيم، كما قتلت خبيبا؛ لأنه في سريته. انظر: الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، ١/ ٥٦٥ - ٥٦٦.","vol":"2","page":760},{"text":"فَأَبَى، فَقَتَلوهُ، فَانْطَلَقُوا بِخُبَيْبٍ وَابْن دَثِنَةَ حَتَّى بَاعُوهُمَا بِمَكَّةَ بَعْدَ وَقِيعَةِ بَدْر، فَابتَاع خُبَيْبا بَنُو الحَارِثِ بْنِ عَامِرِ بْن نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَكَان خُبَيْبٌ هُوَ قتل الحارِثَ بْنَ عَامرٍ يَوْمَ بَدْرٍ، فَلَبِثَ خُبَيْبٌ عِنْدَهُمْ أَسِيرا فَأَخْبَرَني عُبَيْدُ الله بْنُ عِيَاضٍ أَنَّ بِنْتَ الحَارِثِ أَخْبَرتْهُ أنهُمْ حِينَ اجْتَمَعُوا اسْتَعَارَ مِنْهَا مُوسَى يَسْتَحِدُّ بِهَا فأَعَارَتْهُ، فَأَخَذَ ابْنا لِي وأَنا غَافِلَة حِينَ أَتاهُ، قَالَتْ: فَوَجَدْتُهُ مُجْلِسَهُ عَلَى فَخِذِه وَالْمُوسَى بِيَدِهِ، فَفَزعْتُ فَزْعَةً عَرَفَها خُبَيْبٌ فِي وَجْهي، فَقَالَ: تَخْشَيْنَ أَنْ أَقْتُلَهُ؛ مَا كُنْتُ لأِفْعَل ذَلِكَ. وَالله مَا رَأَيْتُ أَسِيرا قَطُّ خَيْرا مِنْ خُبَيْبٍ، والله لَقَدْ وَجَدْتُهُ يَوْما يَأْكُلُ مِنْ قِطْفِ عِنَبٍ فِي يَدِهِ وإنَّهُ مُوثَق فِي الْحَدِيدِ وَمَا بِمَكَّةَ مِن ثَمَرٍ. وَكَانَتْ تَقُولُ إِنَّهُ لرِزقٌ مِنَ الله رَزَقَهُ خُبَيْبا. فَلَمَّا خَرَجُوا مِنَ الحَرَمِ لِيَقتُلوهُ في الحِلِّ قَالَ لَهُمْ خُبَيْبٌ: ذَرُوني أَرْكَع رَكْعَتَينِ. ثُمَّ قَالَ: لَوْلا أَنْ تَظُنُّوا أَنْ مَا بِي جَزع لَطَوَّلتُها، اللهمَّ أَحْصِهِمْ عَدَدا.\nوَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِما ... عَلَى أَيِّ شِق كَانَ لله مَصْرَعِي\nوَذَلِكَ فِي ذَاتِ الإِلهِ، وَإِنْ يَشَأْ ... يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ\nفَقَتَلَهُ ابْنُ الحَارِثِ، فَكَانَ خُبَيْب هُوَ سَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ لِكُلِّ امْرِئ مُسْلِمٍ قُتِلَ صَبْرا. فاسْتَجابَ الله لِعَاصِمِ بْنِ ثَابِتٍ يَوْمَ أُصِيبَ، فَأَخبرَ النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ خَبَرَهُمْ وَمَا أُصِيبُوا، وَبَعَثَ نَاسٌ مِنْ كُفّارِ قُرَيْشٍ إِلَى عَاصِمٍ حِينَ حُدِّثُوِا أَنَّه قُتِلَ ليؤتَوا بِشَيءٍ مِنْهُ يُعْرَفُ، وَكَانَ قَدْ قتلَ رَجُلا مِنْ عُظَمائِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، فبُعِثَ على عَاصِمٍ مِثْلُ الظُّلَّةِ مِنَ الدَّبْرِ، فَحَمَتْهُ مِنْ رَسُولِهِمْ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى أنْ يقطعُوا مِنْ لحْمِهِ شَيْئا» (١).\nوفي رواية: «اللهمَّ أَحْصِهِمْ عَدَدا، وَاقْتُلْهُمْ بَدَدا، وَلا تَبْقِ مِنْهُمْ أَحدا، ثُمَّ أَنشَأَ يَقُولُ:\n_________\n(١) [الحديث ٣٠٤٥]، أطرافه في: كتاب المغازي، باب، ٥/ ١٥، برقم ٣٩٨٩. وكتاب المغازي، باب غزوة الرجيع ورِعل وذكوان وبئر معونة وحديث عضل والقارة، وعاصم بن ثابت وخبيب وأصحابه، ٥/ ٤٨، برقم ٤٠٨٦. وكتاب التوحيد، باب ما يذكر في الذات والنعوت وأسامى الله، ٨/ ٢١٥، برقم ٧٤٠٢.","vol":"2","page":761},{"text":"فَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقتَلُ مُسْلِما ... عَلَى أَيِّ جَنْبٍ كَانَ لله مَصْرَعِي\nوَذَلِكَ في ذَاتِ الإِلهِ وَإنْ يَشَأْ ... يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ\nثُمَّ قَامَ إِلَيْهِ أَبُو سِرْوَعَةَ عُقْبَةُ بْنُ الحَارِثِ فَقَتَلَهُ وَكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ سَنَّ لِكُلِّ مُسْلِمٍ قُتِلَ صبرا الصَّلاةَ. وَأَخْبَرَ - يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ - أَصْحَابَهُ يَوْمَ أُصِيبُوا خَبَرَهُمْ، وَبَعَثَ نَاسٌ مِنْ قُرَيشٍ إِلَى عَاصِم بْنِ ثابِتٍ حِينَ حُدِّثُوا أَنَّه قُتِلَ أَنْ يؤتَوْا بِشَيْءٍ مِنْهُ يُعْرَفُ - وَكَانَ قَتَلَ رَجُلا عَظِيما مِنْ عُظَمَائِهمْ - فَبَعَثَ الله لِعَاصِم مِثْلَ الظُّلَّة مِن الدَّبْرِ فَحَمَتْهُ مِنْ رُسُلِهِمْ، فَلَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَقْطَعُوا مِنْهُ شَيْئا»، وقَال كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ (١) \" ذَكَرُوا مُرَارَةَ بْنَ الرَّبيعِ الْعَمْرِي (٢) وَهِلالَ بْنَ أُمَيَّةَ الْوَاقِفِيَّ (٣) رَجُليْنِ صَالِحيْنِ \" (٤).\n\n* شرح غريب الحديث: * \" الرهط \" الرهط من الناس: العصابة دون العشرة، وقيل إلى الأربعين، ولا تكون فيهم امرأة، ولا واحد له من لفظه. وأصل كلمة من الرهط: وهم عشيرة الرجل وأهله (٥).\n* \" عينا \" العين: الجاسوس، يقال: اعتان له: إذا أتاه بالخبر. (٦).\n* \" فدفد \" الموضع الذي فيه غلظ وارتفاع. (٧).\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ٩.\n(٢) مرارة بن الربيع الأنصاري الأوسي من بني عمرو بن عوف، ويقال إن أصله من قضاعة حالف بني عمرو بن عوف، صحابي جليل مشهور، وهو أحد الثلاثة الذين خلفوا وتاب الله عليهم. انظر: الإِصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، ٣/ ٣٩٦.\n(٣) هلال بن أمية بن عامر بن قيس بن عبد الأعلم، بن عامر بن كعب، بن واقف، الأنصاري الواقفي، وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم، وهو الذي نزلت قصة اللعان من أجله، ﵁. انظر: الإِصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، ٣/ ٦٠٦.\n(٤) من الطرف رقم ٣٩٨٩.\n(٥) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي، ص ١٦٠، والنهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير، باب الراء مع الهاء، مادة: \" رهط \" ٢/ ٢٨٣، وانظر: شرح غريب الحديث رقم ١٢٣، ص ٧٢٢.\n(٦) النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير، باب العين مع الياء، مادة: \" عين \" ٣/ ٣٣١.\n(٧) المرجع السابق، باب الفاء مع الدال، مادة: \" فدفد \" ٣/ ٤٢٠.","vol":"2","page":762},{"text":"* \" ليستحد بها \" الاستحداد: استعمال الحديد في الْحَلْقِ بِهِ، ثم استُعْملَ في حلق العانة (١).\n* \" قطف \" القطف: العنقود، وجمعه قطوف، وهو اسم لكل ما قطف، كالذبح لكل ما ذبح، والطحن لكل ما طحن (٢).\n* \" صبرا \" القتل صبرا: هو أن يمسك شيء من ذوات الأرواح حيّا ثم يُرمَى بشيءٍ حتى يموت (٣).\n* \" الظُّلَّة \" السحاب وكل شيء أظلك فهو ظلة، سواء من السحاب أو الجبال أو غير ذلك. (٤).\n* \" الدَّبْرُ \" هو بسكون الباء: النحل، وقيل: الزنابير، والظلة: السحاب (٥).\n* \" شلْوٍ ممزع \" الشَّلْو: العضو، وممزع: أي مقطع، يقال: يتمزع أي: يتقطع ويتشقق (٦).\n* \" أحصهم عددا \" دعاءٌ عليهم بالهلاك استئصالًا: أي لا تبقِ منهم أحدا (٧).\n* \" اقتلهم بددا \" يروى بكسر الباء، جمع بُدَّة، وهي الحصة والنصيب: أي اقتلهم حصصا مقسمة لكل واحد منهم حصته ونصيبه، ويروى بالفتح: أي متفرقين في القتل (٨).\n\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n_________\n(١) تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٢٠٨.\n(٢) المرجع السابق ص٥٦٨.\n(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الصاد مع الباء، مادة. \" صبر \" ٣/ ٨.\n(٤) المرجع السابق، باب الظاء مع اللام، مادة: \" ظلل \" ٣/ ١٦٠.\n(٥) المرجع السابق، باب الدال مع الباء، مادة: \"دبر\" ٢/ ٩٩.\n(٦) المرجع السابق، باب الشين مع اللام، مادة: \" شلا \" ٢/ ٤٩٨، وباب الميم مع الزاي، مادة: \" مزع \" ٤/ ٣٢٥.\n(٧) أعلام الحديث للخطابي، ٢/ ١٤٣٦، وشرح صحيح البخاري للكرماني ١٣/ ٤٦.\n(٨) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الباء مع الدال، مادة: \"بد\" ١/ ١٠٥.","vol":"2","page":763},{"text":"١ - من وسائل الدعوة: إرسال الدعاة وبعث البعوث.\n٢ - من وسائل الدعوة: تأمير الأمير على السرايا والبعوث، أو الرسل أو المسافرين.\n٣ - أهمية أخذ الداعية بالشدة والقوة عند الحاجة أو المصلحة.\n٤ - من صفات الداعية: الأمانة.\n٥ - من صفات الداعية: قوة اليقين.\n٦ - من صفات الداعية: الصبر على الابتلاء والامتحان.\n٧ - من وسائل الدعوة: إغاظة الأعداء بالامتداح بالشعر وغيره وإظهار القوة.\n٨ - من أساليب الدعوة: تخويف الأعداء بالدعاء عليهم بالتعميم عند الحاجة.\n٩ - من معجزات الرسول ﷺ: ظهور الكرامات على أيدي أتباعه.\n١٠ - من معجزات الرسول ﷺ: الإِخبار بالمغيبات.\n١١ - من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة.\n١٢ - من صفات الداعية: النظافة والاستعداد للقاء الله ﷿.\n١٣ - استجابة الله ﷿ للداعية المخلص وإكرامه حيّا وميتا.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولاٌ: من وسائل الدعوة: إرسال الدعاة وبعث البعوث: دل هذا الحديث على أن من وسائل الدعوة إرسال الدعاة وبعث البعوث؛ ولهذا جاء في هذا الحديث: «بعث رسول الله - ﷺ - عشرة رهط سرية عينا وأمَّر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري» وقد كان - ﷺ - يبعث البعوث ويرسل السرايا والرسل والدعاة إلى الله - ﷿؛ ليبلغوا الناس الإسلام قولًا وفعلا، وهذا من أعظم الوسائل النافعة في الدعوة إلى الله - ﷿ (١).\nثانيا: من وسائل الدعوة: تأمير الأمير على السرايا والبعوث أو الرسل والمسافرين: دل هذا الحديث على أهمية تأمير الأمير على السرايا أو البعوث أو الرسل، أو المسافرين إذا كانوا ثلاثة فأكثر؛ لما في ذلك من اجتماع الكلمة والاعتصام بالله\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٦٦، الدرس الثالث، ورقم ٩٠، الدرس الثاني.","vol":"2","page":764},{"text":"وحده ثم باتحاد الرأي وعدم التفرقة؛ ولهذا أمَّر رسول الله - ﷺ - عاصم بن ثابت على الرهط الذين بعثهم وفيهم خبيب - ﵃، وقد كان - ﷺ - يقول: «إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمِّروا أحدهم» (١).\nولا شك أن تأمير الأمير على المسافرين والسرايا والبعوث يكون أجمع لشملهم، وأدعى لاتفاقهم، وأقوى لتحصيل غرضهم (٢).\nثالثا: أهمية أخذ الداعية بالشدة والقوة عند الحاجة أو المصلحة: لا شك أن من الأعمال الجليلة للداعية الأخذ بالقوة والشدة عند الحاجة أو المصلحة الراجحة؛ ولهذا قال عاصم بن ثابت أمير السرية: \" أمَّا أنا فوالله لا أنزل اليوم في ذمة كافر، اللهم أخبر عنا نبيك \" فرماه المشركون ومن معه بالنبل حتى قتلوا عاصما وسبعة معه، ونزل إليهم خبيب وزيد بن الدثنة، وعبد الله بن طارق الظفري بالعهد والميثاق، فلما استمكن المشركون من الثلاثة أوثقوهم، فقال عبد الله بن طارق (٣) \" هذا أول الغدر والله لا أصحبكم \" فقتلوه ﵁، وانطلقوا بخبيب وزيد بن الدثنة - ﵄. وهذا يؤكد على أهمية الأخذ بالشدة والقوة عند الحاجة أو المصلحة كما أخذ بها عاصم ﵁.\nرابعا: من صفات الداعية: الأمانة: ظهر في هذا الحديث أهمية صفة الأمانة للداعية؛ لأن الداعية الصادق لا يغدر، ولا ينقض عهده؛ ولهذه الصفة الكريمة قالت بنت الحارث عن خبيب ﵁: \" فأخذ ابنا لي وأنا غافلة حين أتاه فوجدته مجلسه على فخذه والموسى بيده، ففزعت فزعة عرفها خبيب في وجهي، فقال: تخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك، والله ما رأيت أسيرا قطَّ خيرا من خبيب \".\nوهذا يدل على أمانة خبيب؛ ولهذا قال الحافظ ابن حجر ﵀: \" وفيه\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الجهاد، باب في القوم يسافرون يؤمرون أحدهم، ٣/ ٣٦، برقم ٢٦٠٨، ٢٦٠٩ من حديث أبي سعيد وأبي هريرة - ﵄ -، وقال الألباني في صحيح سنن أبي داود ٢/ ٤٩٤، ٤٩٥: \"حسن صحيح \".\n(٢) انظر: معالم السنن للخطابي ٣/ ٤١٤، وعون المعبود شرح سنن أبي داود، للعلامة محمد شمس الحق العظيم أبادي، ٧/ ٢٦٧.\n(٣) انظر: شرح الكرماني على صحيح البخاري، ١٦/ ١٧.","vol":"2","page":765},{"text":"الوفاء للمشركين بالعهد والتورع عن قتل أولادهم \" (١) وقال العلامة العيني ﵀: \" وفيه أداء الأمانة إلى المشرك وغيره، وفيه التورع من قتل أطفال المشركين رجاء أن يكونوا مؤمنين \" (٢).\nفينبغي للمؤمن، وخاصة الداعية إلى الله - ﷿، أن يلتزم بالعهد، وأداء الأمانة والابتعاد عن الخيانة؛ قال الله - ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨] (٣) وقال - ﷿: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢] (٤) وهذا يؤكد أهمية الأمانة وأنها تشمل القيام بحقوق الله - ﷿ - وحقوق عباده، والقيام بالواجبات والابتعاد عن المحرمات على علم وبصيرة، ورغبة فيما عند الله من الثواب وخوفا من عقابه وانتقامه، والله المستعان (٥).\nخامسا: من صفات الداعية: قوة اليقين: ظهر في هذا الحديث أن قوة اليقين من صفات الداعية؛ ولهذا قال خبيب ﵁:\nفلست أبالي حين أقتل مسلما ... على أيِّ جنب كان لله مصرعي\nوذلك في ذات الإِله وإن يشأ ... يُبارك على أوصالِ شِلْوٍ مُمزَّعِ\nوهذا يؤكد أهمية قوة اليقين عند الداعية، ويبين مكانة خبيب وقوة يقينه، وقوته في دين الله - ﷿ - وثباته عليه ﵁ (٦).\nسادسا: من صفات الداعية: الصبر على الابتلاء والامتحان: دل الحديث على أهمية الصبر على الابتلاء والامتحان والاختبار؛ لأن هؤلاء العشرة من الصحابة صبروا على ذلك، فعاصم بن ثابت صبر مع سبعة من\n_________\n(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٧/ ١٤ / ٣، وانظر: معالم السنن للخطابي، ٤/ ٩.\n(٢) عمدة القاري شرح صحيح البخاري، ١٤/ ٢٩٤.\n(٣) سورة الأنفال، الآية: ٥٨.\n(٤) سورة الأحزاب، الآية: ٧٢.\n(٥) انظر: الحديث رقم ٢٩، الدرس الثالث.\n(٦) انظر: الحديث رقم ٢٨، الدرس الرابع، وفتح الباري لابن حجر، ٧/ ٣٨٥.","vol":"2","page":766},{"text":"الصحابة - ﵃ - على مجاهدة الأعداء وعدم النزول على عهد الكفار حتى قتلوا، وخبيب وابن الدثنة وعبد الله بن طارق صبروا على أسر الأعداء وتعذيبهم وقتلهم صبرا؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀ في فوائد هذا الحديث: \" وفيه أن الله يبتلي عبده المسلم بما شاء كما سبق في علمه ليثيبه، ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: ١١٢] (١).\nوسمعت العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله يقول: \" وهذه قدرة الله تعالى؛ ليكون المؤمنون قدوة لغيرهم \" (٢) وهذا كله يؤكد أهمية الصبر على الابتلاء واحتساب الثواب عند الله - ﷿، والله المستعان (٣).\nسابعا: من وسائل الدعوة: إغاظة الأعداء بالامتداح بالشعر وغيره وإظهار القوة: دل هذا الحديث على أهمية إغاظة أعداء الإِسلام بالامتداح بالشعر وغيره مما يغيظهم، وإظهار القوة والشجاعة أمامهم؛ ولهذا قال خبيب ﵁:\nولست أبالي حين أقتل مسلما ... على أيِّ شق كان لله مصرعي\nوذلك في ذات الإِله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع\nوهذا فيه إظهار القوة والشجاعة والرغبة فيما عند الله - ﷿ - أمام أعداء الإِسلام؛ قال العلامة العيني ﵀: \" وفيه الامتداح بالشعر حين ينزل بالمرء هوان في دينٍ، أو ذلة القتل، يرغم بذلك أنف عدوِّه، ويجدِّد في نفسه صبرا وأنفة \" (٤).\nفينبغي إظهار القوة والنشاط، وعدم المبالاة بالأعداء؛ ليكون ذلك من أسباب إذلال الأعداء وإدخال الرعب في قلوبهم. (٥).\nثامنا: من أساليب الدعوة: تخويف الأعداء بالدعاء عليهم بالتعميم عند الحاجة: ظهر في الحديث أن من أساليب الدعوة الدعاء على المشركين بالتعميم عند إعراضهم وعنادهم واستكبارهم ومحادتهم لله ورسوله، تخويفا لهم،\n_________\n(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٧/ ٣٨٥، والآية ١١٢ من سورة الأنعام.\n(٢) سمعت ذلك من سماحته أثناء شرحه لحديث رقم ٤٠٨٦ من صحيح البخاري.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٩، الدرس الثامن، ورقم ٦٦، الدرس الأول.\n(٤) عمدة القاري، شرح صحيح البخاري، ١٤/ ٢٩٤.\n(٥) انظر: الحديث رقم ١٠٣، الدرس الأول.","vol":"2","page":767},{"text":"وإذلالًا، وإهانة، وانتصارا للإِسلام؛ ولهذا قال خبيب - ﵁ - في دعوته على الكفار: \" اللهم أحصهم عددا، واقتلهم بددا، ولا تبقِ منهم أحدا \" وقد كان النبي - ﷺ - يسلك طريق الحكمة في الدعاء للمشركين والدعاء عليهم فيعمل الأنسب والأصلح، وسار الصحابة - ﵃ على هذا المنهج (١).\nتاسعا: من معجزات الرسول ﷺ ظهور الكرامات على أيدي أتباعه: دل هذا الحديث على أن من معجزات النبي محمد - ﷺ - ظهور الكرامات (٢) على أيدي أتباعه، وقد ظهرت هذه الكرامات على أنواع كثيرة منها ما جاء على يد خبيب، حيث قالت بنت الحارث: \" والله ما رأيت أسيرا قط خيرا من خبيب، والله لقد وجدته يوما يأكل من قطف عنب في يده وإنه لموثق في الحديد وما بمكة من ثمر \"، وكانت تقول: \" إنه لرزق من الله رزقه خبيبا \" وهذه الكرامة لخبيب ﵁ تدل على صدق النبي - ﷺ - وهي معجزة له، ويمكن أن الله جعلها آية للكفار وبرهانا لنبيه لتصحيح رسالته (٣) وقد جزم الإمام ابن تيمية - ﵀ - أن كرامات الأولياء من معجزات النبي ﷺ، وأوضح أن الآيات الدالة على نبوة محمد - ﷺ - وعموم رسالته نوعان:\n(أ) ما صار معلوما بالخبر الصادق كمعجزات موسى وعيسى ﵉.\n(ب) ما هو باقٍ إلى اليوم، كالقرآن الذي هو من أعلام نبوة النبي ﷺ، وكالعلم والإِيمان الذي في أتباعه؛ فإنه من أعلام نبوته، وكشريعته التي أتى بها؛ فإنه من أعلام نبوته، وكالآيات التي يظهرها الله وقتا بعد وقت من كرامات الصالحين من أمته، وظهور دينه بالحجة والبرهان، واليد والسنان، والعقوبات\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٢١، الدرس الخامس، وفتح الباري لابن حجر ٦/ ١٠٦.\n(٢) الفرق بين المعجزة والكرامة: هو أن المعجزة أمر خارق للعادة مقرون بدعوى النبوة والتحدي للعباد. أما الكرامة: فهي أمر خارق للعادة غير مقرون بدعوى النبوة ولا التحدي، ولا تكون الكرامة إلا لعبد ظاهره الصلاح، مصحوبا بصحة الاعتقاد والعمل الصالح. أما إذا ظهر الأمر الخارق على أيدي المنحرفين فهو من الأحوال الشيطانية، وإذا ظهر الأمر الخارق على يد إنسان مجهول الحال، فإن حاله يعرض على الكتاب والسنة كما قال الإمام الشافعي ﵀: \" إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء ويطير في الهواء، فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة \"، انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي، ١٠/ ٢٣، وشرح العقيدة الطحاوية لعلي بن أبي العز، ص ٥١٠.\n(٣) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٧/ ٢٨٣.","vol":"2","page":768},{"text":"التي تحيق بأعدائه، وصفاته - ﷺ - الموجودة في كتب الأنبياء قبله، كل هذا وغيره من معجزاته التي تدل على صدق نبوته ﷺ (١).\nعاشرا: من معجزات الرسول ﷺ: الإخبار بالمغيبات: دل هذا الحديث على أن من أعلام نبوة محمد - ﷺ - الإِخبار بالمغيبات؛ ولهذا أخبر - ﷺ - أصحابه - ﵃ - بما حدث لعاصم وأصحابه وما أصابهم، وهذا يؤكد صدقه - ﷺ - وما جعل الله على يديه من الخوارق (٢).\nالحادي عشر: من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة: ظهر في هذا الحديث أن القدوة الحسنة من وسائل الدعوة النافعة؛ لأنه جاء فيه: \" فكان خبيب هو سن الركعتين لكل امرئ مسلم قتل صبرا \"، لأنه قال - ﵁ - عندما أراد المشركون قتله: \" ذروني أركع ركعتين \".\nوهذا يؤكد أهمية القدوة الحسنة وما لها من الأثر العظيم (٣).\nالثاني عشر: من صفات الداعية: النظافة والاستعداد للقاء الله - ﷿ -: دل هذا الحديث على أن من صفات الداعية النظافة؛ ولهذا استحد خبيب - ﵁ - عندما أراد المشركون قتله، قال الإمام الكرماني ﵀: \" وإنما أراد بالاستحداد التنظف استعدادا للقاء ربه؛ لأن ذلك كان حين فهم إجماعهم على القتل \" (٤).\nوهذا يؤكد أهمية النظافة والاستعداد للقاء الله - ﷿ (٥).\nالثالث عشر: استجابة الله - ﷿ - للداعية المخلص وإكرامه حيّا وميِّتا: إن الله - ﷿ - يكرم عباده المؤمنين بإجابة دعواتهم وخاصة الدعاة المخلصين\n_________\n(١) انظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، ٥/ ٤٢٠ - ٤٢١.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٢١، الدرس الرابع.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٣، الدرس الثالث، ورقم ٨، الدرس الخامس.\n(٤) شرح الكرماني على صحيح البخاري، ١٥/ ١٧٥.\n(٥) انظر: الحديث رقم ١، الدرس الثالث، ورقم ٥١، الدرس الثالث، ورقم ١٠٣، الدرس الثالث.","vol":"2","page":769},{"text":"الصادقين؛ ولهذا استجاب الله دعاء عاصم بن ثابت - ﵁ - حينما لم ينزل في ذمة المشركين حيث قال: \" أما أنا فوالله لا أنزل اليوم في ذمة كافر، اللهم أخبر عنا نبيك \" فاستجاب الله دعاءه فأخبر النبي - ﷺ - أصحابه خبر عاصم وأصحابه وما أصيبوا. وهذا فيه إكرام لعاصم، وأكرمه الله كرامة أخرى وهو أنه سبحانه حمى لحمه من المشركين ففي هذا الحديث: \" وبعث ناس من كفار قريش إلى عاصم حين حُدِّثوِا أنه قُتِلَ ليُؤتوا بشيء منه يُعرف، وكان قد قتل رجلا من عظمائهم يوم بدر، فبُعِث على عاصم مثل الظلة من الدَّبْرِ فَحَمَتْهُ من رسولهم فلم يقدروا على أن يقطعوا من لحمه شيئا \" قال الحافظ ابن حجر ﵀: \" وفيه استجابة دعاء المسلم وإكرامه حيّا وميتا \". (١).\nوهذا يؤكد إكرام الله - ﷿ - للداعية المخلص حيّا وميتا، والله المستعان وعليه التكلان.\n_________\n(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٧/ ٣٨٥.","vol":"2","page":770},{"text":"١٧١ -<span data-type=\"title\" id=toc-250> باب فكاك الأسير</span>\nفيه عن أبي موسى عن النبي ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-251>[حديث فكوا العاني وأطعموا الجائع وعودوا المريض]</span>\n١٣٣ - [٣٠٤٦] حَدَّثَنَا قُتَيبةُ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائلٍ، عَنْ أِبِي مُوسَى (١) ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «فكُّوا الْعَانِيَ - يَعْنِي الأَسِيرَ - وَأطْعِمُوا الجَائِعَ، وَعُودُوا الْمَرِيضَ» (٢).\nوفي رواية: «فكُّوا الْعَانِي، وَأَجِيبُوا الدَّاعِي، وَعُودُوا الْمَرِيضَ» (٣).\n\n* شرح غريب الحديث: * العاني العاني: الأسير، وفكاكه السعي في إطلاقه (٤) ويقال: العاني: الأسير وكل من ذل واستكان وخضع فقد عنا يعنو، والمرأة عانية وجمعها عوانٍ (٥).\n\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من صفات الداعية: الحرص على تعليم الناس الخير.\n٢ - من موضوعات الدعوة: الحث على تخليص أسرى المسلمين من أعداء الإِسلام.\n٣ - من موضوعات الدعوة: الحض على إطعام الطعام.\n٤ - من موضوعات الدعوة: الحث على عيادة المرضى.\n٥ - من موضوعات الدعوة: الحض على إجابة الدعوة.\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ٦٦.\n(٢) [الحديث ٣٠٤٦] أطرافه في: كتاب النكاح، باب حق إجابة الوليمة والدعوة ومن أولم سبعة أيام ونحوه، ٦/ ١٧٤، برقم ٥١٧٤، وكتاب الأطعمة، باب قول الله تعالى، كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ الآية، ٦/ ٢٤٠، برقم ٥٣٧٣، وكتاب المرضى، باب وجوب عيادة المريض، ٧/ ٥، برقم ٥٦٤٩، وكتاب الأحكام، باب إجابة الحاكم الدعوة، ٨/ ١٤٥، برقم ٧١٧٣.\n(٣) طرف الحديث رقم ٥١٧٤.\n(٤) تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي، ص ٨١.\n(٥) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب العين مع النون، مادة: \" عنا \" ٣/ ٣١٤.","vol":"2","page":771},{"text":"والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من صفات الداعية: الحرص على تعليم الناس الخير: ظهر في هذا الحديث أن من صفات الداعية المخلص الحرص على تعليم الناس الخير؛ ولهذا حرص النبي - ﷺ - على ذلك حرصا بالغا، فحث أمته على تخليص أسرى المسلمين من أيدي أعداء الدين، وحضهم على إطعام الفقراء والمساكين، من الآدميين وغيرهم، ورغبهم وأمرهم بعيادة المرضى وإجابة دعوة الداعي. فينبغي لكل مسلم أن يحرص على نفع إخوانه، ويتأكد ذلك على الداعية المخلص، والله المستعان (١).\nثانيا: من موضوعات الدعوة: الحث على تخليص أسرى المسلمين من أعداء الإسلام: إن من الموضوعات المهمة حث المسلمين على تخليص أسراهم من أيدي أعداء الإسلام بأي وسيلة كانت: سواء كان ذلك بالجهاد، أو بالفِداء، أو بمبادلة الأَسرى، أو بغير ذلك من الوسائل المشروعة؛ ولهذا أمر النبيُّ - ﷺ - بفك الأسير فقال: «فكُّوا العاني». . . \"؛ ولأهمية ذلك فإن المسلمين لو كان عندهم أسارى، وعند المشركين أسارى، واتفقوا على المفاداة تعينت، ولم تُجْزِ مفاداة أسارى المشركين بالمال (٢).\nفينبغي للداعية إلى الله - ﷿ - أن يحث على ذلك ويُرَغِّب فيه؛ لعناية النبي - ﷺ - وأمره بفك الأسرى وحثه على ذلك (٣).\nثالثا: من موضوعات الدعوة: الحض على إطعام الطعام: إن إطعام الجائع والحث عليه من الموضوعات المهمة في الدعوة إلى الله - ﷿؛ ولهذا أمر به النبي - ﷺ - في هذا الحديث فقال: \". . . «وأطعموا الجائع» وهذا فيه حفاظٌ على صحة الجائع وحياته، وصيانة لكرامته؛ ولأهمية إطعام\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ١، الدرس الأول.\n(٢) ذكر ذلك عن الإِمام أحمد، انظر: فتح الباري لابن حجر، ٦/ ١٦٧.\n(٣) انظر: المرجع السابق ٦/ ١٦٧، والمنهل العذب الفرات من الأحاديث الأمهات من صحيح البخاري، للدكتور عبد العال أحمد، ٣/ ٢٥١.","vol":"2","page":772},{"text":"الطعام فقد ثبت من حديث عبد الله بن سلام - ﵁ - أنه قال: لما قدم النبي - ﷺ - المدينة انجفل الناس قِبَلَه، وقيل: قدم رسول الله ﷺ، قدم رسول الله ﷺ، قدم رسول الله ﷺ. ثلاثا. فجئت في الناس؛ لأنظر، فلما تبيَّنتُ وجهه عرفتُ أن وجهه ليس بوجه كذاب، فكان أوَّل شيء سمعته تكلم به أن قال: «يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام» (١).\nوعن أبي مالك الأشعري - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إن في الجنة غُرفا يُرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها أعدها الله لمن أطعم الطعام، [وأفشى السلام]، وألان الكلام، وتابع الصيام، وصلى بالليل والناس نيام» (٢).\nوعن علي - ﵁ - قال: قال رسول الله ﷺ: «إن في الجنة لَغُرَفا يُرى ظهورها من بطونها وبُطونُها من ظهورِها \" فقام إليه أعرابي فقال: لمن هي يا رسول الله؟ قال: \" هي لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى بالليل والناس نيام» (٣).\nوالمقصود أن هذا الحديث العظيم فيه حث على هذه الخصال الكريمة: إطعام الطعام، وإفشاء السلام، وطيب الكلام، وإدامة الصيام، والصلاة بالليل والناس نيام؛ فإن من عمل ذلك كانت له هذه الغرف، وهي جمع غرفة: أي علالي في غاية اللطافة ونهاية الصفاء والنظافة، وهي شفافة لا تحجب من\n_________\n(١) ابن ماجه، في كتاب الأطعمة، باب إطعام الطعام، ٢/ ١٠٨٣، برقم ٣٢٥١، واللفظ له، والترمذي، في كتاب صفة القيامة، باب: حدثنا محمد بن بشار، ٤/ ٦٥٢، برقم ٢٤٨٥، وقال: هذا حديث صحيح، وصححه الألباني في إرواء الغليل ٣/ ٢٣٩، وصحيح سنن ابن ماجه ١/ ٢٢٣، وصحيح سنن الترمذي ٢/ ٣٠٣، ورواه أحمد في المسند، ١/ ١٦٥، و٢/ ٣٩١، والدارمي في سننه، ١/ ١٥٦.\n(٢) أخرجه أحمد في المسند، ٥/ ٣٤٣، والطبراني في المعجم الكبير، ٣/ ٣١٠، برقم ٣٤٦٦، ورقم ٣٤٦٧، وابن حبان في صحيحه، ٢/ ٢٦٢، برقم ٥٠٩، والبغوي في شرح السنة، ٤/ ٤٠، برقم ٩٢٧، والبيهقي في السنن الكبرى، ٤/ ٣٠٠، وعبد الرزاق في المصنف، ١١/ ٤١٨، برقم ٢٠٨٣، وما بين المعكوفين لابن حبان، ولفظ أحمد، وعبد الرزاق، والبيهقي: \" إن في الجنة غرفة يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها. . \"، وأخرجه أحمد عن عبد الله بن عمرو، ٢/ ١٧٣، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، ١/ ٣٢١.\n(٣) الترمذي، كتاب صفة الجنة، باب ما جاء في غرف الجنة، ٤/ ٦٧٣، برقم ٢٥٢٧، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٣١١، وصحيح الجامع ٢/ ٢٢٠ برقم ٢١١٩، ورواه الترمذي أيضا في كتاب البر والصلة، باب ما جاء في قول المعروف، ٤/ ٣٥٤، برقم ١٩٨٤.","vol":"2","page":773},{"text":"وراءها، وهي مخصصة لمن له خلق حسن مع الناس، وخاصة بمن يُطيِّب الكلام؛ لكونه من عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما، وهي لمن أطعم الطعام: للعيال، والفقراء، والأضياف ونحو ذلك، ولمن أدام الصيام: أي أكثر منه بعد الفريضة، وأقله أن يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، وصلى بالليل والناس نيام: أي غالبهم نيام أو غافلون عنه، لأن العمل بالليل والناس نيام لا رياء فيه ولا سمعة، وهذا يؤكد على أن من فعل ذلك فقد بلغ الغاية العظمى في الإِخلاص لله - ﷿ - (١) وقد ذكر الله هذه الغرف في القرآن الكريم فقال - ﷿ -: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ [الزمر: ٢٠] (٢) وقال الله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [العنكبوت: ٥٨] (٣).\nرابعا: من موضوعات الدعوة: الحث على عيادة المريض: إن عيادة المريض من الموضوعات المهمة التي ينبغي للداعية أن يحث الناس عليها؛ لأن المريض بحاجة إلى تفقد أحواله، والتلطف به، وتكون عيادته سببا في نشاطه وقوته وصبره في الغالب؛ لأنه يستأنس بزيارة إخوانه ويدافع المرض مع ما في ذلك من الثواب العظيم؛ ولهذا أمر النبي - ﷺ - في هذا الحديث بعيادة المريض فقال: \". . . «وعودوا المريض». . . \" وهذا يؤكد أهمية العيادة لمرْضَى المسلمين (٤).\nخامسا: من موضوعات الدعوة: الحض على إجابة الدعوة: إن إجابة الدعوة من الموضوعات التي ينبغي للداعية أن يحث الناس عليها، ويرغبهم فيها، ويخوفهم من عدم إجابتها؛ ولهذا أمر النبي - ﷺ - في هذا الحديث\n_________\n(١) انظر: تحفة الأحوذي بشرح سنن الترمذي، للمباركفوري، ٦/ ١١٩.\n(٢) سورة الزمر، الآية: ٢٠.\n(٣) سورة العنكبوت، الآية: ٥٨.\n(٤) انظر: الحديث رقم ١٠٨، الدرس الثالث، وانظر: شرح الكرماني على صحيح البخاري ٢٠/ ١٨١.","vol":"2","page":774},{"text":"بإجابة الدعوة فقال:. . . «وأجيبوا الداعي». . . . \".\nوقد حض النبي - ﷺ - على إجابة الداعي في أحاديث كثيرة، منها ما ثبت عن عبد الله بن عمر - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا دعي أحدكم إلى الوليمة (١) فليأتها» (٢) وعن أبي هريرة - ﵁ - أنه كان يقول: \" شر الطعام طعامُ الوليمة يدعى لها الأغنياء ويترك الفقراء، ومن ترك الدعوة فقد عصى الله ورسوله - ﷺ - \" (٣) وعن ابن عمر - ﵄ - قال رسول الله ﷺ: «مَنْ دُعِيَ إلى عرس أو نحوه فليجب»، وفي لفظ «إذا دعا أحدكم أخاه فليجب عرسا كان أو نحوه». (٤).\nوهذه الأحاديث تؤكد أهمية إجابة الدعوة والحض عليها سواء كانت لعرس أو غيره، ولكن تسقط إجابة الدعوة بأعذار منها: أن يكون في الطعام شبهة واضحة، أو يخص بالدعوة الأغنياء دون الفقراء، أو يكون هناك من يتأذَّى بحضوره معه، أو لا تليق به مجالسته، أو يدعوه لخوف شره أو لطمع في جاهه، أو لِيُعان على باطل، وأن لا يكون هناك منكر من: خمر، أو لهو، أو فرش حرير أو آَنية ذهب وفضة، أو صور إنسانِ، أو حيوان غير مفروشة (٥) أو غير ذلك مما حرمه الله ورسوله - ﷺ - \" ورأى ابن مسعود - ﵁ - صورة في البيت فرجع \"؛ (٦) وقد ذكر الإِمام القرطبي ﵀: أن الوليمة إذا كان فيها منكر فلا يجوز حضورها عند كافة العلماء (٧).\nإلا إذا أمكنه الإِنكار وإزالة المنكر لزمه الحضور والإِنكار؛ لأنه يؤدي فرضين:\n_________\n(١) الوليمة: ما يصنع من الطعام عند السرور. انظر: هداية الباري مقدمة فتح الباري لابن حجر، ص٢٠٧.\n(٢) البخاري، كتاب النكاح، باب حق إجابة الوليمة والدعوة، ٦/ ١٧٤ برقم ٥١٧٣، ومسلم، كتاب النكاح، باب الأمر بإجابة الداعي إلى دعوة، ٢/ ١٠٥٢، برقم ١٤٢٩.\n(٣) البخاري، كتاب النكاح، باب من ترك الدعوة فقد عصى الله ورسوله، ٦/ ١٧٥ برقم ٥١٧٧، ومسلم، كتاب النكاح، باب الأمر بإجابة الداعي إلى دعوة، ٢/ ١٠٥٥، برقم ١٤٣٢.\n(٤) مسلم، كتاب النكاح، باب الأمر بإجابة الداعي إلى دعوة، ٢/ ١٠٥٣، برقم ١٤٢٩.\n(٥) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٩/ ٢٤٨، وفتح الباري لابن حجر، ٩/ ٢٤٢، والمغنى لابن قدامة ١٠/ ١٩٣ - ٢٠٦.\n(٦) البخاري، كتاب النكاح، باب هل يرجع إذا رأى منكرا في الدعوة؟ في ترجمة الباب، ١٠/ ٢٠٣.\n(٧) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٤/ ١٥٣.","vol":"2","page":775},{"text":"إجابة دعوة أخيه المسلم وإزالة المنكر (١) ومن الأعذار في عدم الإجابة أن يعتذر إلى الداعي فيتركه ويعفو عنه، وقد بالغ بعض الصحابة - ﵃ - في ترك إجابة الدعوة إذا وجد فيها بعض المكروهات، لْقد دعا ابن عمر أبا أيوب فرأى في البيت سِترا على الجدار فقال ابن عمر ﵄: غلبنا عليه النساء، فقال: من كنت أخشى عليه فلم أكن أخشى عليك، والله لا أطعم لكم طعاما فرجع (٢) قال ابن قدامة ﵀: \" فأما ستر الحيطان بستور غير مصورة؛ فإن كان لحاجة من وقاية حرٍّ أو بردٍ فلا بأس؛ لأنه يستعمله في حاجته، فأشبه الستر على الباب، وما يلبسه على بدنه، وإن كان لغير حاجة فهو مكروه وعذر في الرجوع عن الدعوة وترك الإِجابة \" (٣)؛ وإنما كره لما فيه من السرف (٤).\nوالذي ينبغي للداعية أن يحض على إجابة الدعوة وإزالة المنكر أو المكروه، فإذا لم يستطع الإِنكار أو لم يزل المنكر فلا حرج في عدم الإِجابة إلا إذا ترتب على ذلك منكر أنكر منه؛ فإنه يجيب ويرتكب أدنى المفسدتين لتفويت كبْرَاهما، والله المستعان.\n_________\n(١) انظر: المغني لابن قدامة، ١٠/ ١٩٨.\n(٢) البخاري، كتاب النكاح، باب هل يرجع إذا رأى منكرا في الدعوة؟ قبيل الحديث رقم ٥١٨١.\n(٣) المغني، ١٠/ ٢٠٣.\n(٤) انظر: المرجع السابق، ١٠/ ٢٠٥.","vol":"2","page":776},{"text":"١٧٣ -<span data-type=\"title\" id=toc-252> باب الحربِي إِذَا دخَل دار الإسْلامِ بغَيْرِ أمَانٍ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-253>[حديث أتى النبي ﷺ عين من المشركين وهو في سفر]</span>\n١٣٤ - [٣٠٥١] حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو العُمَيْسِ، عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَع (١) عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - عَيْنٌ مِنَ المُشْرِكِينَ- وَهُوَ فِي سَفَرٍ - فجَلَسَ عِنْدَ أَصْحَابِهِ يَتَحَدَّثُ، ثمَ انفتلَ، فَقَالَ النَّبِي - ﷺ: \" اطْلُبُوهُ، وَاقْتُلُوه \"، فقتَلْتُهُ، فَنَفَّلَهُ سَلَبَه» (٢).\n\n* شرح غريب الحديث: * \" عين \" العين: الجاسوس (٣).\n* \" انفتل \" التوى وانصرف (٤).\n* \" نَفَّلَهُ \" النفْل: الزيادة، والنَّفَل بالتحريك الغنيمة. (٥).\n* \" سلبه \" السلب: هو الذي يُقْضَى به للقاتل في الحرب وهو ما كان على المقتول: من اللباس، وما كان معه من السلاح والدوابِّ وآلة الحرب وغير ذلك (٦).\n\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من صفات الداعية: طاعة ولي أمر المسلمين في المعروف.\n٢ - من صفات الداعية: الشجاعة.\n٣ - من وظائف الإمام المسلم: قتل الجاسوس الحربي الكافر.\n٤ - من وسائل الدعوة: تشجيع الشجاع على شجاعته.\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ٧٤.\n(٢) وأخرجه مسلم، في كتاب الجهاد والسير، باب استحقاق القاتل سلب القتيل، ٣/ ١٣٧٤، بر قم ١٧٥٤.\n(٣) انظر: غريب الحديث رقم ١٣٢، ص ٧٦٢.\n(٤) المعجم الوسيط، لمجمع اللغة العربية، مادة: \" فتل \" ٢/ ٦٧٣.\n(٥) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب النون مع الفاء، مادة \" نفل \" ٥/ ٩٩.\n(٦) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٤٣٨، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب السين مع اللام، مادة: \" سلب \" ٢/ ٣٨٧.","vol":"2","page":777},{"text":"٥ - من وسائل الدعوة: أخذ الحذر والحيطة.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من صفات الداعية: طاعة ولي أمر المسلمين في المعروف: إن من الصفات الحميدة والأعمال الجليلة: طاعة ولي أمر المسلمين في غير معصية الله - ﷿؛ ولهذه الأهمية بادر سلمة بن الأكوع - ﵁ - امتثال أمر النبي - ﷺ - فلحق بالجاسوس فقتله، وهذا يبيِّن أهمية طاعة ولي أمر المسلمين بالمعروف (١).\nثانيا: من صفات الداعية: الشجاعة: ظهر في هذا الحديث أن الشجاعة من صفات الداعية؛ ولهذا قتل ابن الأكوع الجاسوس بأمر النبي - ﷺ، وظهرت قوته وشجاعته - ﵁ - في ذلك كما في هذا الحديث (٢).\nثالثا: من وظائف الإمام المسلم: قتل الجاسوس الحربي الكافر: إن من الأمور المهمة أن يُقْضَى على جواسيس الكفار بالقتل، وذلك من وظائف الإمام الأعظم، يأمر به ويشرف على تنفيذه؛ ولهذا أمر النبي - ﷺ - ابن الأكوع - ﵁ - بقتل الجاسوس فقتله ﵁؛ قال الإمام النووي - ﵀ - في ذكره لفوائد هذا الحديث: \" وفيه قتل الجاسوس الكافر الحربي وهو كذلك بإجماع المسلمين \" (٣).\nرابعا: من وسائل الدعوة: تشجيع الشجاع على شجاعته: لا شك أن من وسائل الدعوة تشجيع الشجاع على شجاعته؛ ولهذا أعطى النبي - ﷺ - سلمة بن الأكوع - ﵁ - سلب الجاسوس الذي قتله ففي هذا الحديث: «فنفله سلبه»، وفي رواية مسلم قال ابن الأكوع ﵁: «فخرجت أشتد فكنت عند ورك الجمل، ثم تقدمت حتى أخذت بخطام الجمل فأنخته، فلما وضع\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٩٥، الدرس الأول، ورقم ٩٦، الدرس الثاني، ورقم ١٠٢، الدرس التاسع.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٣٥، الدرس الخامس، ورقم ٦١، الدرس الثاني.\n(٣) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٢/ ٣١٠.","vol":"2","page":778},{"text":"ركبته في الأرض اخترطت سيفي فضربت رأس الرجل فندر، ثم جئت بالجمل أقوده عليه رحله وسلاحه، فاستقبلني رسول الله - ﷺ - والناس معه، فقال: \" من قتل الرجل؟ \" قالوا: ابن الأكوع، قال: \" له سلبه أجمع» (١) وهذا يؤكد أهمية تشجيع الشجاع؛ قال العلامة الملا علي القاري ﵀: \" ويستحب للإِمام التحريض على القتال بالتنفيل، فيقول: من قتل قتيلا فله سلبه، أو يقول للسرية: قد جعلت لكم النصف أو الربع بعد الخمس \" (٢).\nخامسا: من وسائل الدعوة: أخذ الحذر والحيطة: دل هذا الحديث بمفهومه على أن من وسائل الدعوة أخذ الحذر والحيطة من أعداء الإِسلام؛ ولهذا أخذ النبي - ﷺ - بالحذر عندما جاء الرجل وجلس مع أصحابه كما في هذا الحديث، ففطن - ﷺ - لذكائه وعلم بأنه جاسوس فقال: «اطلبوه واقتلوه». وهذا يؤكد أهمية أخذ الحذر والحيطة مع الاستعانة بالله والاعتماد عليه (٣).\n_________\n(١) مسلم برقم: ١٧٥٤ وتقدم تخريجه في أول الحديث في هذا الباب، ص ٧٧٧.\n(٢) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، ٧/ ٥٠٦.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٤٥، الدرس الثاني.","vol":"2","page":779},{"text":"١٧٨ -<span data-type=\"title\" id=toc-254> بَابُ كيفَ يُعرَض الإسلامُ على الصّبيّ</span>؟\n<span data-type=\"title\" id=toc-255>[حديث ذكر الدجال وقوله فيه تعلمون أنه أعور وإن الله ليس بأعور]</span>\n١٣٥ - [٣٠٥٧] وَقَالَ سَالِمٌ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ (١).\n«ثمَّ قَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي النَّاسِ فَأَثْنَى عَلَى الله بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ ذَكَرَ الدَّجَّالَ فَقَالَ: \" إِنِّي أُنْذِرُكُمُوه، وَمَا مِنْ نَبِي إِلَّا قَدْ أَنْذَرَهُ قَوْمَهُ، لَقَدْ أَنْذَرَهُ نُوح قَوْمَه: وَلَكِنْ سَأَقُولُ لَكُمْ فِيه قَوْلا لَم يَقُلْهُ نَبِي لِقَوْمهِ: تَعْلَمُون أَنَّهُ أَعْوَرُ، وَإِنَّ الله لَيْسَ بِأَعْوَرَ» (٢).\nوفي رواية: «إِنَّ الله لَيْسَ بأَعْوَرَ، ألا إنَّ المَسيحَ الدَّجَالَ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنى، كَأن عَيْنَهُ عِنَبَة طَافِيَة» (٣).\nوفي رواية: «كُنَا نَتَحَدَّثُ بِحَجَّةِ الْوَدَاع وَالنَّبِيُّ - ﷺ - بيْنَ أَظْهُرِنَا، وَلَا نَدْرِي مَا حَجَّةُ الْوَدَاعِ، فَحَمِدَ الله وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ ذَكَرَ الْمَسِيحَ الدَّجَّال فَأَطْنَبَ فِي ذِكْرِهِ وَقَالَ: \" مَا بَعَثَ الله مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَنْذَرَهُ أُمَّتَهُ: أَنْذَرَهُ نُوح والنَّبيُّونَ مِنْ بَعْدِهِ، وَإنَّه يَخْرُجُ فِيكُمْ فَمَا خَفِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ شَأنِهِ، فَلَيْسَ يَخْفَى عَلَيْكُم أَنَّ رَبكُمْ لَيْسَ عَلَى مَا يَخْفَى عَلَيْكُمْ \" ثلاثا \" إِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، وَإِنَّهُ أَعْوَرُ العَين الْيُمْنَى، كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَة طَافِيَة» (٤).\n\n* شرح غريب الحديث: * \" فأطنب \" يقال: أطنب في الكلام أو الوصف أو الأمر: بالغ وأكثر (٥).\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ١.\n(٢) [الحديث ٣٠٥٧] أطرافه في: كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله - ﷿ -: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ، ٤/ ١٢٦، برقم ٣٣٣٧. وكتاب أحاديث الأنبياء، باب: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا ٤/ ١٧٠، برقم ٣٤٣٩. وكتاب المغازي، باب حجة الوداع، ٥/ ١٤٧، برقم ٤٤٠٢. وكتاب الأدب، باب قول الرجل للرجل: اخسأ، ٧/ ١٤٨، برقم ٦١٧٥. وكتاب الفتن، باب ذكر الدجال، ٨/ ١٣٠، برقم ٧١٢٣ و٧١٢٧. وكتاب التوحيد، باب قول الله تعالى. وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي، ٨/ ٢١٧، برقم ٧٤٠٧. وأخرجه مسلم في كتاب الإِيمان، باب ذكر المسيح ابن مريم والمسيح الدجال، ١/ ١٥٤، برقم ١٦٩. وكتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال وصفة ما معه، ٤/ ٢٢٤٧، برقم ١٦٩.\n(٣) طرف الحديث رقم ٣٤٣٩.\n(٤) طرف الحديث رقم ٤٤٠٢.\n(٥) انظر: القاموس المحيط، للفيروز آبادي، باب الباء، فصل الطاء، ص ١٤١، والمعجم الوسيط لمجمع اللغة العربية، ٢/ ٥٦٧.","vol":"2","page":780},{"text":"* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من وسائل الدعوة: الخطابة.\n٢ - من آداب الداعية: الثناء على الله بما هو أهله.\n٣ - من صفات الداعية: الحرص على تعليم الناس الخير.\n٤ - من موضوعات الدعوة: التحذير من فتنة الدجال وبيان صفاته للحذر منه.\n٥ - من موضوعات الدعوة: بيان صفات الكمال لله - ﷿.\n٦ - من أساليب الدعوة: التأكيد بالتكرار.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من وسائل الدعوة: الخطابة: إن من الوسائل المهمة في الدعوة إلى الله - ﷿ - الخطابة، وقد ظهر استخدام النبي - ﷺ - لها في هذا الحديث؛ لقول ابن عمر - ﵄ - عن النبي ﷺ: «ثم قام النبي - ﷺ - في الناس فأثنى على الله بما هو أهله»، وهذا يؤكد أن الخطابة من أهم وسائل الدعوة. فينبغي للداعية العناية بها عناية فائقة (١).\nثانيا: من آداب الداعية: الثناء على الله بما هو أهله: إن من الآداب العظيمة التي ينبغي للداعية أن يبدأ بها في خطبه ومحاضراته، وكلماته أن يحمد الله ويثني عليه بما هو أهله، ويصلي على النبي - ﷺ؛ ولهذا جاء في هذا الحديث قول ابن عمر - ﵄: \" ثم قام النبي - ﷺ - فأثنى على الله بما هو أهله ثم ذكر الدجال. . . \". وهذا يؤكد أهمية الثناء على الله - ﷿ - بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، وبما هو أهله كما فعل النبي - ﷺ، ومن ذلك خطبة الحاجة التي كان يخطب بها النبي - ﷺ - في أول الخطبة (٢).\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٧، الدرس السادس، ورقم ٣٣، الدرس التاسع.\n(٢) انظر: صحيح مسلم، ٢/ ٥٩٣، برقم ٨٦٨، وتقدم تخريجه في الحديث رقم ١٠٨، الدرس السابع، ص ٦٢٤، وانظر. مشكاة المصابيح للتبريزي، ٢/ ٩٤٢، برقم ٣١٤٩.","vol":"2","page":781},{"text":"ثالثا: من صفات الداعية: الحرص على تعليم الناس الخير: دل هذا الحديث على أن من صفات الداعية الحرص على تعليم الناس الخير وتحذيرهم مما يضرهم؛ ولهذا حرص النبي - ﷺ - حرصا عظيما على تعليم أمته الصفات التي يعرف بها الدجال؛ ليحذر أمته. وهذا يؤكد أن من أهم صفات الداعية الحرص على تعليم الناس ما ينفعهم وتحذيرهم مما يضرهم (١).\nرابعا: من موضوعات الدعوة: التحذير من فتنة الدجال وبيان صفاته للحذر منه: إن من موضوعات الدعوة التي ينبغي للداعية أن يعتني بها: التحذير من فتنة الدجال؛ ولهذا حذر النبي - ﷺ - في هذا الحديث عن الدجال فقال: «إني أنذركموه وما من نبي إلا قد أنذره قومه، لقد أنذره نوح قومه، والنبيون من بعده»، قال الإمام النووي ﵀: \" هذا الإِنذار؛ لِعِظَمِ فتنته وشدة أمرها \" (٢)؛ ولعظم فتنة الدجال وخطرها على المسلمين بَيَّن النبي - ﷺ - صفاته كاملةً؛ لِيَحْذَرَ منه المؤمنون، ومن هذه الصفات على وجه الإِجمال اقتباسا من أحاديث النبي - ﷺ - ما يأتي: هو شاب جعد الشعر، أعور العين اليمنى حقيقة، وعينه اليسرى معيبة (٣) ويخرج من خلة بين الشام والعراق من المشرق: من خراسان، ويمكث في الأرض أربعين يوما: يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كأسبوع، وسائر أيامه كالأيام المعروفة، وتُصَلَّى الصلوات على تقدير الأيام العادية في كل أربعٍ وعشرين ساعة خمس صلوات، وسرعته في الأرض كالغيث استدبرته الريح، ويأمر السماء أن تمطر فتمطر والأرض أن تنبت فتنبت، ومن أجابه إلى أنه الرب - تعالى الله عن قوله - أو أنه نبي كان في رغد من العيش وسعة، ومن عصاه ولم يجبه ذهبت أمواله معه وأصبح فقيرا، ويضرب شابَا مسلما بالسيف فيكون\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ١، الدرس الأول.\n(٢) شرح النووي على صحيح مسلم، ٨/ ٢٧١، وانظر: فتح الباري لابن حجر، ١٣/ ٩٦.\n(٣) انظر: كتاب الإِيمان من إكمال المعلم بفوائد صحيح مسلم، للقاضي عياض، ٢/ ٧٢٥، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم للقرطبي، ٧/ ٢٧٤، وشرح النووي على صحيح مسلم، ٢/ ٥٩٢.","vol":"2","page":782},{"text":"قطعتين ثم يقف بين القطعتين ويناديه فيحْيى، ويدخل جميع البلدان والقرى إلا مكة والمدينة فإنه لا يدخلهما لحراسة الملائكة لهما، ولكن ترجف المدينة ثلاث رجفات، فيخرج الله كل كافر ومنافق فيصيبه الدجال، ومعه نار وماء، فماؤه نار وناره ماءٌ، فمن رأى ذلك فليلق بنفسه في النار ويبتعد عن الماء، ومعه جنة ونار فناره جنة وجنته نار، ومكتوب بين عينيه كافر [ك ف ر] يقرؤه كل مسلم قارئ وغير قارئ، وهو قصير متباعد ما بين الفخذين والرِّجل، ويتبعه سبعون ألفا من يهود أصبهان، وما خلق الله فتنة منذ أوجد السموات والأرض أعظم من فتنة الدجال؛ ولهذا حذره النبيون أممهم، ومن أعظم ما ينجي من الدجال قراءة عشر آيات من أول سورة الكهف والاستعاذة بالله من فتنته دبر كل صلاة، وفي آخر الأمر ينزل عيسى ابن مريم - ﷺ - فيقتل الدجال (١) نعوذ بالله من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن.\nوهذه الصفات التي ذكرها النبي - ﷺ - عن الدجال تؤكد أهمية التحذير من فتنته، وتوضيح أمره للناس، حتى يسلم من فتنته من أدركه، أسأل الله العافية في الدنيا والآخرة لي ولجميع المسلمين.\nخامسا: من موضوعات الدعوة: بيان صفات الكمال لله - ﷿ -: إن من الموضوعات المهمة بيان صفات الكمال لله - ﷿ -، ولهذا قال النبي - ﷺ - في هذا الحديث: «إن ربكم ليس بأعور» والله - ﷿ - لا يشبهه شيء من خلقه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] (٢).\nفينبغي للداعية أن يبيَن للناس منهج أهل السنة والجماعة في إثبات الأسماء الحسنى، والصفات العُلَى، ونفي النقائص والعيوب عن الله - ﷿ (٣).\n_________\n(١) انظر: الأدلة على ما سبق، صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب ذكر الدجال، ٨/ ١٣٠ - ١٣٢ من الحديث رقم ٧١٢٢ - ٧١٣٦، وصحيح مسلم، كتاب الفتن، باب ذكر الدجال وصفته وما معه، ٤/ ٢٢٤٧، من الحديث رقم ٢٩٣٢ - ٢٩٤٧، وقد جمع ابن الأثير في جامع الأصول اثنين وثلاثين حديثا، ١٠/ ٣٣٢ - ٣٧٥ من حديث رقم ٧٨٣٨ - ٧٨٦٩.\n(٢) سورة الشورى، الآية: ١١.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٣٩، الدرس الأول، ورقم ١١٠، الدرس الثاني، ورقم ١١٧، الدرس الأول.","vol":"2","page":783},{"text":"سادسا: من أساليب الدعوة: التأكيد بالتكرار: إن من أساليب الدعوة التأكيد بالتكرار؛ ولهذا استخدم النبي - ﷺ - هذا الأسلوب في هذا الحديث عند ذكره لصفات الدجال فقال: «فما خَفِيَ عليكم من شأنه فليس يخفى عليكم أن ربكم ليس على ما يخفى عليكم» ثلاثا. وهذا يؤكد أهمية هذا الأسلوب.\nفينبغي للداعية العناية به؛ لفعل النبي ﷺ (١).\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٤، الدرس الخامس، ورقم ٧، الدرس الثاني عشر.","vol":"2","page":784},{"text":"١٨٠ -<span data-type=\"title\" id=toc-256> باب إذا أسلم قوم في دَارِ الحرب ولهُمْ مال وأَرَضُونَ فَهي لهمْ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-257>[حديث استعمال عمر بن الخطاب مولى له يدعى هنيا ونصيحته له]</span>\n١٣٦ - [٣٠٥٩] حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْن أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ (١) \" أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّاب - ﵃ - اسْتَعْملَ مَوْلىً لَهُ يُدْعَى هُنَيا (٢) عَلَى الْحِمَى، فَقَالَ: يَا هُنَيُ اضْمُمْ جَنَاحكَ عَن الْمُسْلِمِينَ، وَاتَقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ (٣) فإن دعْوَةَ الْمَظْلُومٍ مُسْتَجَابة. وأَدْخِلْ ربَّ الصُّرَيمَةِ، وَرَبَّ الغُنَيْمَةِ، وَإِيَّايَ وَنَعَمَ ابْنِ عَوْفٍ وَنعَمَ ابْنِ عَفَّانَ؛ فَإنَهُمَا إِنْ تَهْلِكْ مَاشِيَتُهُمَا يَرْجِعَا إِلَىِ نَخْلٍ وَزَرْعٍ، وإن رَبَّ الصُّرَيْمَةِ وَرَبَّ الغُنَيْمَةِ إِنْ تَهْلِكْ مَاشِيَتُهُمَا يَأْتِنِي بِبَنِيهِ فيَقُولُ: يَا أَمِيرَ الْمؤمِنينَ أَفَتَارِكُهُمْ أَنا لَا أَبَا لَكَ؟ فَالْمَاءُ وَالْكَلأُ أَيْسَرُ عَلَيَّ مِنَ الذَّهَب وَالْوَرِقِ، وَأيْمُ الله إِنَهُمْ لَيَرَوْنَ أني قَدْ ظَلَمْتُهُمْ؛ إِنَهَا لَبِلادُهُمْ، فَقَاتَلَوا عَلَيْهًا فِي الْجَاهِليِّة وَأسْلَمُوا عَلَيْهَا فِي الإِسْلامِ. وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا الْمَالُ الَّذِي أَحْمِلُ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ الله مَا حَمَيْتُ عَلَيْهِمْ مِنْ بِلادهِمْ شِبْرا\".\n\n* شرح غريب الحديث: * \" الحمى \" الحمى خلاف المباح وهو الممنوع (٤).\n* \" اضمم جناحك عن المسلمين \": أي أَلِنْ جَانِبَك وارفق بهم (٥).\n* \" الصريمة \" الإِبل القليلة (٦).\n_________\n(١) أسلم أبو زيد، الفقيه الإمام، القرشي العدوي المدني، مولى عمر بن الخطاب ﵁، قيل: هو من سبي عين التمر - بلدة غرب الكوفة - وقيل: هو يماني وعليه الأكثر، وقيل: حبشي، اشتراه عمر في الحج في العام الذي يلي حجة الوداع، روى عن عمر وعثمان ومعاوية ومعاذ وابن عمر، والصديق وطائفة من الصحابة - ﵃ - علما كثيرا وبلغه، قيل: مات سنة ثمانين للهجرة. انظر: تهذيب الأسماء واللغات، للنووي، ١/ ١١٧، وسير أعلام النبلاء للذهبي ٤/ ٩٨.\n(٢) هني مولى عمر وعامله على الحمى، روى عن أبي بكر، وعمر، ومعاوية، وعمرو بن العاص، ولم أجد له غير هذه الترجمة، انظر: تهذيب التهذيب لابن حجر، ١١/ ٦٥.\n(٣) وفي نسخة فتح الباري \" واتق دعوة المسلمين \" قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: ٦/ ١٧٦، \" في رواية الإسماعيلي، والدارقطني، وأبي نعيم \" دعوة المظلوم \".\n(٤) انظر: شرح غريب الحديث رقم ١١٨، ص ٦٩٢.\n(٥) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الضاد مع الميم، مادة: \" ضمم \" ٣/ ١٠١.\n(٦) المرجع السابق، باب الصاد مع الراء، مادة: \" صرم \" ٣/ ٢٧.","vol":"2","page":785},{"text":"* \" الغنيمة \" الغنم القليلة (١).\n* \" الكلأ \" النبات والمرعى. (٢).\n\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - أهمية اختيار الرجل الصالح النبيل للأمور المهمة.\n٢ - من أصناف المدعوين: الموالي والخدم.\n٣ - من موضوعات الدعوة: التحذير من الظلم.\n٤ - من موضوعات الدعوة: الحث على رحمة المسلمين والشفقة عليهم.\n٥ - من صفات الداعية: القوة وجودة النظر.\n٦ - من أساليب الدعوة: الترهيب.\n٧ - من أساليب الدعوة: الاستفهام الإِنكاري.\n٨ - من أساليب الدعوة: التأكيد بالقسم.\n٩ - أهمية رعاية مصالح المسلمين.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: أهمية اختيار الرجل الصالح النبيل للأمور المهمة: دل هذا الحديث على أنه ينبغي للداعية أو الإمام المسلم، أو من ولاه الله أمرا من أمور المسلمين أن يختار الرجل الصالح النبيل للأمور المهمة؛ لأن من الحكمة وضع الرجل المناسب في المكان المناسب؛ ولهذا جاء في هذا الحديث أن عمر - ﵁ - \" استعمل مولىً له يُدعى هنيّا على الحمى \"؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀: \" ولولا أنه كان من الفضلاء النبهاء الموثوق بهم لما استعمله عمر \" (٣).\n_________\n(١) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الغين مع النون، ٣/ ٢٧، وانظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٤٩.\n(٢) تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٤٩.\n(٣) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٦/ ١٧٦، وانظر: الحديث رقم ٦٧، الدرس الخامس.","vol":"2","page":786},{"text":"ثانيا: من أصناف المدعوين: الموالي والخدم: إن مما لا شك فيه أن من أصناف المدعوين الموالي والخدم، ونحوهم؛ ولهذا حَذَّر أمير المؤمنين عمر - ﵁ - مولاه من الظلم، وأمره بالشفقة على الفقراء فقال: واتقِ دعوة المظلوم؛ فإن دعوة المظلوم مستجابة، وأدخل رب الصريمة ورب الغنيمة \". وهذا يؤكد أهمية عناية المسلم وخاصة الداعية إلى الله - ﷿ - بمن تحت يده من الموالي والخدم وغيرهم: من دعوتهم إلى الخير وتحذيرهم من الشر، ومراقبتهم مراقبة دقيقة؛ لإِلزامهم بطاعة الله - ﷿ - وإبعادهم عن معصيته.\nثالثا: من موضوعات الدعوة: التحذير من الظلم: ظهر في هذا الحديث أن من موضوعات الدعوة المهمة تحذير الناس من الظلم؛ ولهذا قال عمر - ﵁ - لمولاه: \" واتق دعوة المظلوم؛ فإن دعوة المظلوم مستجابة \" وقد حذر الله - ﷿ - من الظلم فقال: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ - مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ - وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ - وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴾ [إبراهيم: ٤٢ - ٤٥] (١) وقال - ﷿: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر: ٥٢] (٢) وقال - ﷿: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [الشورى: ٤٠] (٣) وقال سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] (٤).\nوعن أبي ذر - ﵁ - عن النبي - ﷺ - فيما يرويه عن الله ﵎ أنه قال: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا». . . \" (٥).\n_________\n(١) سورة إبراهيم، الآيات: ٤٢ - ٤٥.\n(٢) سورة غافر، الآية: ٥٢.\n(٣) سورة الشورى، الآية: ٤٠.\n(٤) سورة لقمان، الآية: ١٣.\n(٥) مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، ٤/ ١٩٩٤، برقم ٢٥٧٧.","vol":"2","page":787},{"text":"وعن جابر بن عبد الله - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلُوا محارمهم» (١) وقد ثبت عن عبد الله بن عمر - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرّج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة» (٢).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «أتدرون من المفلس؟ \" قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع فقال: \" إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة، وصيام، وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فَيُعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناتُهُ قبل أن يُقضى ما عليه أُخِذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طُرِحَ في النار» (٣).\nوالظالم يؤدي ما عليه من حقوق الخلق حتى البهائم يقتص بعضها من بعض؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «لتؤدَّنَّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء» (٤).\nوالظلم للعباد يوجب النار وإن كان يسيرا، فعن أبي أمامة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرَّم عليه الجنة \" فقال له رجل: وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله؟ قال: \" وإن قضيبا من أراك» (٥) والله - ﷿ - وإن أمهل الظالم وذهبت الأيام والشهور، فإنه لا يغفل عنه ولا ينساه؛ ولهذا ثبت من حديث أبي موسى - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «إن الله - ﷿ - يملي للظالم فإذا أخذه لم يفلته» (٦) ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] (٧).\n_________\n(١) مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، ٤/ ١٩٩٦، برقم ٢٥٧٨.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب المظالم، باب لا يظلم المسلم المسلم ولا يسلمه، ٣/ ١٣٤ برقم ٢٤٤٢، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم ٤/ ١٩٩٦، برقم ٢٥٨٠.\n(٣) مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، ٤/ ١٩٩٧، برقم ٢٥٨١.\n(٤) مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، ٤/ ١٩٩٧، برقم ٢٥٨٢، من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٥) مسلم، كتاب الإيمان، باب وعيد من اقتطع حق المسلم بيمين فاجرة بالنار، ١/ ١٢٢، برقم ١٣٧.\n(٦) متفق عليه: البخاري، كتاب التفسير، تفسير سورة هود، باب قوله تعالى: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ، ٥/ ٢٥٥، برقم ٤٦٨٦، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، ٤/ ١٩٩٧، برقم ٢٥٨٣.\n(٧) سورة هود، الآية: ١٠٢.","vol":"2","page":788},{"text":"وقد أمر النبي - ﷺ - بنصر المظلوم؛ فقال: \". . . «ولينصر الرجل أخاه ظالما أو مظلوما، إن كان ظالما فلينهه فإنه له نصر، وإن كان مظلوما فلينصره» (١).\nوعن أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله ﷺ: «انصر أخاك ظالما أو مظلوما \"، قالوا: يا رسول الله هذا ننصره مظلوما فكيف ننصره ظالما؟ قال: \" تأخذ فوق يديه» (٢).\nوينبغي لكل مسلم أن يتحلل من كانت له عنده مظلمة قبل أن يكون الوفاء من الحسنات؛ قال النبي - ﷺ: «من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أُخِذَ منه بقدر مظلمته، وإن لم تكن له حسنات أُخِذ من سيئات صاحبه فَحُمِلَ عليه» (٣).\nوقد يكون الظلم للرعية أو الأهل والذرية فيستحق الظالم العقاب على ذلك، قال الرسول ﷺ: «ما من عبد يسترعيه اللهُ رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة» (٤).\nوقد حذر النبي - ﷺ - من دعوة المظلوم، فقال - ﷺ - لمعاذ بن جبل ﵁: \". . . «واتقِ دعوة المظلوم؛ فإنها ليس بينها وبين الله حجاب» (٥) ومن أمثلة ذلك قصة سعيد بن زيد مع أروى بنت أويس؛ فإنها ادعت عليه أنه أخذ شيئا من أرضها، فخاصمته إلى مروان بن الحكم فقال: \" أنا كنت آخذ من أرضها شيئا بعد الذي سمعت من رسول الله ﷺ؟ قال وما سمعت من رسول الله ﷺ؟ قال:\n_________\n(١) مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، ٤/ ١٩٩٨، برقم ٢٥٨٤.\n(٢) البخاري، كتاب المظالم، باب أعن أخاك ظالما أو مظلوما، ٣/ ١٣٥، برقم ٢٤٤٥.\n(٣) البخاري، كتاب المظالم، باب من كانت له مظلمة عند رجل فحللَهَا له هل يبين مظلمته؟، ٣/ ١٣٦، برقم ٢٤٤٩، من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٤) متفق عليه: من حديث معقل بن يسار: البخاري، كتاب الأحكام، باب من استرعِيَ رعية فلم ينصح، ٨/ ١٣٦، برقم ٧١٥١، ومسلم، كتاب الإيمان باب استحقاق الوالي الغاش لرعيته النار، ١/ ١٢٥، برقم ١٤٢، واللفظ له.\n(٥) متفق عليه: من حديث ابن عباس - ﵄: البخاري، كتاب المظالم، باب الاتقاء والحذر من دعوة المظلوم، ٣/ ١٣٦، برقم ٢٤٤٨، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام، ١/ ٥٠، برقم ١٩.","vol":"2","page":789},{"text":"سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من أخذ شبرا من الأرض ظلما طُوِّقه إلى سبع أرضين (١) يوم القيامة» فقال له مروان: لا أسألك بينة بعد هذا، فقال: اللهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها، واقتلها في أرضها [وفي رواية: واجعل قبرها في دارها] قال: فرأيتها عمياء تلتمس الجدر تقول: أصابتني دعوة سعيد بن زيد، فبينما هي تمشي في الدار، [وفي رواية: تمشي في أرضها] مرت على بئر في الدار، فوقعت فيها، فكانت قبرها \" (٢).\nومن صور استجابة دعوة المظلوم على من ظلمه، قصة سعد بن أبي وقاص ﵁، فعن جابر بن سمرة - ﵁ - قال: \" شكا أهل الكوفة سعدا إلى عمر - ﵁ - فعزله واستعمل عليهم عمارا، فشكوا حتى ذكروا أنه لا يحسن يصلي فأرسل إليه فقال: يا أبا إسحاق إن هؤلاء يزعمون أنك لا تحسن تصلي، قال أبو إسحاق: أمَّا أنا والله فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله - ﷺ - ما أخرِمُ عنها، أصلي صلاة العشاء فأركدُ في الأوليين وأخفف في الأخريين، قال: ذاك الظنُّ بِك يا أبا إسحاق، فأرسل معه رَجُلا أو رجالًا إلى الكوفة، فسأل عنه أهل الكوفة، ولم يدعْ مسجدا إلا سأل عنه، ويثنون معروفا حتى دخل مسجدا لبني عبس فقام رجلٌ منهم يقال له أسامة بن قتادة يُكنى أبا سعدة، قال: أمَّا إذا نشدتنا فإن سعدا كان لا يسير في السرية، ولا يقسم بالسوية، ولا يعدل في القضية. قال سعدٌ: أَمَا والله لأدعوَنَّ بثلاث: اللهم إن كان عبدك هذا كاذبا قام رياءً وسمعة فأطل عمره، وأطل فقره، وعرضه للفتن، وكان بعد إذا سئل يقول: شيخ كبير مفتون أصابتني دعوة سعد، قال عبد الملك فأنا رأيته بعد قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر وإنه ليتعرض للجواري في الطرق يغمزهن (٣).\n_________\n(١) طوقه إلى سبع أرضين: يحتمل أن معناه: يحمل مثله من سبع أرضين ويكلف إطاقة ذلك، ويحتمل أن يكون يجعل له كالطوق في عنقه ويطول الله عنقه كما جاء في غلظ جلد الكافر وعظم ضرسه، وقيل معناه: أنه يطوق إثم ذلك ويلزمه كلزوم الطوق في عنقه. انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ١١/ ٥٣.\n(٢) أصل الحديث متفق عليه عن سعيد بن زيد ﵁: البخاري، كتاب المظالم، باب إثم من ظلم شيئا من الأرض، ٣/ ١٣٧، برقم ٢٤٥٢، ومسلم، كتاب المساقاة، باب تحريم الظلم وغصب الأرض وغيرها، ٣/ ١٢٣٠، برقم ١٦١٠، واللفظ لمسلم مع سبب ورود الحديث.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب وجوب القراءة للإِمام والمأموم في الصلوات كلها في الحضر والسفر، وما يجهر فيها وما يخافت، ١/ ٢٠٦ برقم ٧٥٥، واللفظ والقصة له، ومسلم بنحوه، كتاب الصلاة، باب القراءة في الظهر والعصر، ١/ ٣٣٤، برقم ٤٥٣.","vol":"2","page":790},{"text":"والأحاديث تؤكد أن دعوة المظلوم مستجابة حتى ولو كان فاجرا فاسقا، فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله ﷺ: «دعوة المظلوم مستجابة وإن كان فاجرا ففجوره على نفسه» (١).\n، وقد ذكر الإِمام ابن عبد البر ﵀ آثارا كثيرة عن السلف الصالح يحذرون فيها من الظلم ويبينون فيها استجابة دعوة المظلوم، ثم قال ﵀: ولقد أحسن القائل: \"\nنامت جفونك والمظلوم منتبه ... يدعو عليك وعين الله لم تنم\n\" (٢).\nوالظلم في الحقيقة: وضع الأشياء في غير مواضعها (٣).\nوهو على نوعين: ١ - ظلم النفس، وهو ضربان: ظلم النفس بالشرك الذي لا يغفره الله إذا مات العبد عليه قبل التوبة منه، وظلمها بالمعاصي التي يكون صاحبها تحت المشيئة إن لم يتب منها، إن شاء الله غفر له، وإن شاء عذبه بقدر معصيته ثم يخرجه من النار ويدخله الجنة، بعد التطهير من إثم المعصية.\n٢ - ظلم العبد لغيره من الخلق وهذا لا يترك الله منه شيئا بل يعطي المظلوم حقه من الظالم ما لم يستحله في الدنيا (٤).\nوالله - ﷿ - إذا عاقب الظالمين على ظلمهم لم يظلمهم؛ ولهذا قال - ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [يونس: ٤٤] (٥) وقال - ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠] (٦) وقال ﷾: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] (٧).\n_________\n(١) أحمد في المسند، ٢/ ٣٦٧، وابن أبي شيبة في المصنف، ١٠/ ٢٧٥، وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ٣/ ٣٦٠: \" وإسناده حسن \" وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، ٢/ ٤٠٧، برقم ٧٦٧.\n(٢) الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار، ٢٧/ ٤٣٨.\n(٣) انظر: جامع العلوم والحكم لابن رجب، ٢/ ٣٥.\n(٤) انظر: المرجع السابق، ٢/ ٣٦.\n(٥) سورة يونس، الآية: ٤٤.\n(٦) سورة النساء، الآية: ٤٠.\n(٧) سورة فصلت، الآية: ٤٦.","vol":"2","page":791},{"text":"وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢] (١).\nفينبغي للداعية أن يُحذِّر الناس من الظلم وعواقبه في الدنيا والآخرة.\nأسأل الله العافية لي ولجميع المسلمين في الدنيا والآخرة.\nرابعا: من موضوعات الدعوة: الحث على رحمة المسلمين والشفقة عليهم: دل هذا الحديث على أن من موضوعات الدعوة الحث على الشفقة والرحمة بالمسلمين؛ ولهذا قال عمر - ﵁ - لمولاه: \" وأدخل رب الصريمة ورب الغنيمة. . \" وهذا يؤكد أهمية العناية بالفقراء والمحاويج ورحمتهم، وقال عمر - ﵁ - في أول هذا الحديث لمولاه: \" يا هنيُّ اضمم جناحك عن المسلمين \". قال الإمام الكرماني - ﵀ - في مفهوم ذلك: \" كناية عن الرحمة والشفقة \" (٢) وقد حث النبي - ﷺ - على الشفقة والرحمة بالمسلمين ورغب في ذلك فقال: «مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» (٣) فينبغي للداعية أن يحض الناس على التراحم والتعاطف والشفقة على المسلمين (٤).\nخامسا: من صفات الداعية: القوة وجودة النظر: ظهر في هذا الحديث أن القوة وجودة النظر من صفات الداعية، ومما يدل على ذلك فعل عمر وقوله لمولاه هني، حيث أوصاه بضم الجناح للمسلمين، واتقاء دعوة المظلوم، والعناية بأصحاب الأموال القليلة ومراعاة أحوالهم، ومنع غيرهم من الحمى، وبين - ﵁ - أن رب الصريمة والغنيمة إذا هلكت ماشيتهما؛ فإنهم يأتون إليه ويسألونه الذهب والفضة، وقال ﵁: \" فالماء والكلأ أيسر\n_________\n(١) سورة طه، الآية: ١١٢.\n(٢) شرح الكرماني على صحيح البخاري، ١٣/ ٥٥.\n(٣) متفق عليه: من حديث النعمان بن بشير ﵁: البخاري، كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم، ٧/ ١٠٢، برقم ٦٠١١، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم، وتعاضدهم، ٤/ ١٩٩٩، برقم ٢٥٨٦.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٥، الدرس الأول، ورقم ٥٠، الدرس الرابع.","vol":"2","page":792},{"text":"علي من الذهب والورق \". وهذا يؤكد جودة نظره، وقوته حين منع الأغنياء من الحمى؛ ولهذا قال الحافظ ابن حجر ﵀: \" وفي الحديث ما كان فيه عمر من القوة وجودة النظر، والشفقة على المسلمين \" (١).\nسادسا: من أساليب الدعوة: الترهيب: دل هذا الحديث على أن أسلوب الترهيب من أهم الأساليب في الدعوة إلى الله - ﷿؛ ولهذا قال عمر بن الخطاب - ﵁ - لمولاه: \" واتقِ دعوة المظلوم فإن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب \"، وهذا فيه تخويف من دعوة المظلوم، وحينئذ يبتعد الإِنسان عن الظلم ووسائله (٢).\nسابعا: من أساليب الدعوة: الاستفهام الإنكاري: ظهر في هذا الحديث أسلوب الاستفهام الإِنكاري، وذلك في قول عمر - ﵁ - لمولاه: \" أفتاركهم أنا؟ \" قال الحافظ ابن حجر ﵀: \" استفهام إنكاري، معناه لا أتركهم محتاجين \" (٣) وهذا يؤكد أهمية هذا الأسلوب (٤).\nثامنا: من أساليب الدعوة: التأكيد بالقسم: دل هذا الحديث على أن من أساليب الدعوة التأكيد بالقسم؛ ولهذا قال عمر ﵁: \" وأيم الله إنهم ليرون أني قد ظلمتهم؛ إنها لبلادهم فقاتلوا عليها في الجاهلية وأسلموا عليها في الإِسلام، والذي نفسي بيده لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حميت عليهم من بلادهم شبرا \". وهذا يؤكد أهمية التوكيد بالقسم في الدعوة إلى الله - ﷿ - (٥).\nتاسعا: أهمية رعاية مصالح المسلمين: ظهر في هذا الحديث عناية عمر بن الخطاب - ﵁ - بمصالح المسلمين\n_________\n(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٦/ ١٧٧.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٧، الدرس الثالث عشر، ورقم ١٢، الدرس الثالث.\n(٣) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٦/ ١٧٧.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٤، الدرس الرابع.\n(٥) انظر: الحديث رقم ١٠، الدرس الخامس، ورقم ١٤، الدرس الخامس أيضا.","vol":"2","page":793},{"text":"وإنزال كل إنسان منزلته على حسب حاجته، مراعاة لحاله، وأنه لم يحمِ إلا لمصلحة المسلمين والجهاد في سبيل الله - ﷿؛ ولهذا قال: \" والذي نفسي بيده لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حميت عليهم من بلادهم شبرا \" وسمعت سماحة العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله يقول: \" وهذا يدل على أن لولي الأمر أن يحمي للجهاد لا لنفسه، [و] يوصي بالرحمة للفقراء وأهل الحاجة \" (١) وهذا كله يؤكد أهمية العناية بمصالح المسلمين. (٢).\n_________\n(١) سمعت ذلك من سماحته أثناء شرحه لحديث رقم ٣٠٥٩ من صحيح البخاري.\n(٢) انظر: الحديث رقم ١١٨، الدرس السادس.","vol":"2","page":794},{"text":"١٨١ -<span data-type=\"title\" id=toc-258> باب كتابة الإمام الناس</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-259>[حديث اكتبوا لي من تلفظ بالإسلام من الناس]</span>\n١٣٧ - [٣٠٦٠] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عن أبي وائل، عن حذيفة (١) ﵁ قال: قال النبي ﷺ: «اكتبوا لي من تلفظ بالإسلام من الناس» فكتبنا له ألفا وخمسمائة رجل. فقلنا: نخاف ونحن ألف وخمسمائة؟ فَلَقَدْ رَأَيْتُنَا ابْتُلِينَا حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيُصَلِّي وَحْدَه وَهُوَ خَائِفٌ \".\nحَدَّثَنَا عَبْدَانُ عَنْ أَبِي حَمْزةَ، عَنِ الأَعْمش: \" فَوَجَدْنَاهُمْ خَمْسَمائَة \". قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: \" مَا بَيْنَ سِتّمِائَةٍ إِلَى سَبْعِمائَةٍ \". (٢).\n\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - أهمية الإِعداد للجهاد وإحصاء الإمام عدد الجيوش.\n٢ - من موضوعات الدعوة: التحذير من الإِعجاب بالكثرة.\n٣ - من سنن الله - ﷿: الابتلاء والامتحان.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\n_________\n(١) حذيفة بن اليمان، واسم اليمان حسل، وقيل: حُسَيل، بن جابر العبسي، سمي والده: اليمان؛ لأنه أصاب دما في قومه فهرب إلى المدينة وحالف بني عبد الأشهل، فسماه قومه \" اليمان \"؛ لأنه حالف الأنصار وهم من اليمن، شهد حذيفة غزوة أحد، وقتل اليمان في أحد خطأ، وتصدق حذيفة على المجاهدين بدية أبيه، وكان حذيفة صاحب سر رسول الله - ﷺ - في المنافقين يعلمهم وحده، وأرسله رسول الله - ﷺ - ليلة الأحزاب سرية وحده؛ ليأتيه بخبر القوم فوصل إليهم وجاءه بخبرهم، وبلغ عن رسول الله - ﷺ - علما كثيرا منه في الصحيحين اثنا عشر حديثا متفق عليها، وفي البخاري ثمانية، وفي مسلم سبعة عشر حديثا، وحضر حذيفة الحرب بنهاوند فلما قتل النعمان بن مقرن أمير الجيش أخذ حذيفة الراية، وفتحت همذان، والري، والدينور على يد حذيفة، وشهد فتح الجزيرة، وولاه عمر - ﵁ - المدائن، وكان كثير السؤال لرسول الله - ﷺ - عن أحاديث الفتن والشر ليجتنبها، وتوفي - ﵁ - بالمدائن سنة ست وثلاثين بعد قتل عثمان ﵁ بأربعين ليلة، وكان قتل عثمان في الثامن عشر من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، ولم يدرك حذيفة - ﵁ - وقعة الجمل لأنها كانت في جمادى الأولى سنة ست وثلاثين. انظر: الأسماء واللغات للنووي، ١/ ١٥٣، وسير أعلام النبلاء للذهبي ٢/ ٣٦١، والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، ١/ ٣١٧.\n(٢) وأخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب الاستسرار بالإيمان للخائف، ١/ ١٣١، برقم ١٤٩.","vol":"2","page":795},{"text":"أولا: أهمية الإعداد للجهاد وإحصاء الإمام عدد الجيوش: دل هذا الحديث على أهمية الإِعداد للجهاد بكل ما يستطيعه المسلمون من قوة، كما دل على أن من الإِعداد للجهاد معرفة الإمام عدد الجيوش؛ لأخذ الحذر والحيطة والاستعداد للجهاد؛ ولهذا قال ﷺ: «اكتبوا لي من تلفظ بالإِسلام من الناس» قال الحافظ ابن حجر ﵀: \" وفي الحديث مشروعية كتابة ديوان الجيوش، وقد يتعين ذلك عند الاحتياج إلى تمييز من يصلح للمقاتلة بمن لا يصلح \" (١).\nوهذا يؤكد أهمية العناية بالإِعداد للجهاد في سبيل الله - ﷿. (٢).\nثانيا: من موضوعات الدعوة: التحذير من الإعجاب بالكثرة: إن من الموضوعات المهمة في الدعوة إلى الله - ﷿ - تحذير المسلمين من الإِعجاب بالكثرة والقوة؛ لأن ذلك من أسباب الهزيمة والخذلان، وقد دل هذا الحديث على خطر ذلك؛ لقول حذيفة ﵁: \" فكتبنا له ألفا وخمسمائة رجل، فقلنا: نخاف ونحن ألف وخمسمائة؟ فلقد رأيتنا ابتلينا حتى إن الرجل ليصلي وحده وهو خائف \"، وهذا يؤكد أهمية التحذير من الإِعجاب بالكثرة والقوة؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀: \" وفيه وقوع العقوبة على الإِعجاب بالكثرة \" (٣) وهو نحو قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥] (٤).\nفينبغي للداعية أن يحذر الناس عن الإِعجاب بالكثرة أو القوة، ويحثهم على التوكل والاعتماد على الله مع الأخذ بالأسباب والاستعانة بالله - ﷿ (٥).\nثالثا: من سنن الله - ﷿: الابتلاء والامتحان: دل هذا الحديث على أن من سنن الله - ﷿ - الابتلاء والامتحان، لقول حذيفة\n_________\n(١) فتح الباري، بشرح صحيح البخاري، ٦/ ١٧٨.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٢، الدرس الثالث، ورقم ١٨، الدرس الثاني.\n(٣) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٦/ ١٧٨.\n(٤) سورة التوبة، الآية: ٢٥.\n(٥) انظر: الحديث رقم ٦١، الدرس الثالث.","vol":"2","page":796},{"text":"﵁: \" فلقد رأيتنا ابتلينا حتى إن الرجل ليصلي وحده وهو خائف \" قال الإمام النووي ﵀: \" أما قوله: ابتلينا، فلعله كان في بعض الفتن التي جرت بعد النبي - ﷺ - فكان بعضهم يخفي نفسه ويصلي سرا مخافة من الظهور والمشاركة في الدخول في الفتنة والحروب والله أعلم \" (١).\nوقال الحافظ ابن حجر ﵀: \" وأما قول حذيفة فيشبه أن يكون أشار بذلك إلى ما وقع في أواخر خلافة عثمان ومن ولاية بعض أمراء الكوفة كالوليد بن عقبة حيث كان يؤخر الصلاة أو لا يقيمها على وجهها، وكان بعض الورعين يصلي وحده سرا ثم يصلي معه خشية من وقوع الفتنة \" (٢).\nفينبغي للداعية أن يسأل الله العافية ويستعيذ به من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن، والله المستعان (٣).\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم، ٢/ ٥٣٨.\n(٢) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٦/ ١٧٨.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٩، الدرس الثامن، ورقم ٦٦، الدرس الأول.","vol":"2","page":797},{"text":"١٨٢ -<span data-type=\"title\" id=toc-260> بَاب إِن الله يُؤيِّدُ الدِّين بالرجُل الفاجر</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-261>[حديث قال لرجل ممن يدعي الإسلام هذا من أهل النار]</span>\n١٣٨ - [٣٠٦٢] حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيْب، عَنِ الزُّهْرِيِّ. ح. وَحَدثَنِي مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ: حَدَثَنَا عَبْدُ الرَّزّاق: أَخْبَرَنَا مَعْمرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُريْرَةَ (١) ﵁ قَالَ: «شَهِدْنَا مَعِ رَسُولِ الله - ﷺ، فَقَالَ لِرَجُلٍ مِمَّنْ يَدَّعِي الإسْلامَ: \" هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ \". فَلمَّا حَضَرَ الْقِتَالُ قَاتَلَ الرَّجُلُ قِتَالا شَدِيدا فَأصَابَتْهُ جِرَاحَة فَقيلَ يَا رَسُولَ الله، الَّذِي قُلْتَ: إنهُ مِنْ أَهْلِ النَّار، فَإِنَّهُ قَاتَلَ اليَوْمَ قِتَالا شَدِيدا وَقَدْ مَاتَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: \" إِلَى النَّارِ \". قَالَ فَكَادَ بَعْضُ النَّاسِ أَنْ يَرْتَابَ. فَبيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ إِذْ قِيلَ إِنَّهُ لَمْ يمتْ، وَلَكِنَّ بِهِ جِرَاحا شَدِيدا. فَلَمَّا كَانَ مِنَ اللَّيْل لَمْ يَصْبِرْ عَلَى الْجِراحِ فَقَتلَ نَفْسَهُ، فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِذَلِكَ فَقَالَ: \" الله أَكْبَرُ، أشْهَدُ أَنِّي عَبْدُ الله وَرَسُولُهُ \". ثمَّ أَمرَ بِلالا فَنَادَى فِي النَّاسِ: \" إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إلَّا نَفْس مُسْلِمَة، وَإِنَّ الله لُيؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ» (٢).\nوفي رواية: «شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ الله - ﷺ - خيْبَرَ، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ - لرَجُلٍ مِمَّنْ معه يَدَّعِي الإِسْلامَ: \" هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ \" فَلمَا حَضَر الْقِتَالُ قَاتَلَ الرَجُلُ. .» الحديث (٣).\n\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من موضوعات الدعوة: الحض على الإِيمان بالقدر والعمل بأسباب النجاة.\n٢ - من موضوعات الدعوة: التحذير من الاغترار بالأعمال.\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ٧.\n(٢) [الحديث ٣٠٦٢] أطرافه في: كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، ٥/ ٨٩، برقم ٤٢٠٣ و٤٢٠٤. وكتاب القدر، باب العمل بالخواتيم، ٧/ ٢٧٠، برقم ٦٦٠٦. وأخرجه مسلم في كتاب الإِيمان، باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه وإن من قتل نفسه بشيء عذب به في النار وأنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، ١/ ١٠٥، برقم ١١١.\n(٣) طرف الحديث رقم ٦٦٠٦.","vol":"2","page":798},{"text":"٣ - من صفات الداعية: الجمع بين الخوف والرجاء.\n٤ - من معجزات الرسول ﷺ: الإخبار بالمغيبات.\n٥ - من صفات الداعية: الأخذ بالظاهر والله يتولى السرائر.\n٦ - من أساليب الدعوة: الترغيب والترهيب.\n٧ - من موضوعات الدعوة: الحث على النية الصالحة.\n٨ - من موضوعات الدعوة: حث الناس على طلب حسن الخاتمة بالقول والفعل.\n٩ - عظم يقين الصحابة - ﵃ - بصدق ما يخبر به رسول الله ﷺ.\n١٠ - قد يؤيد الله - ﷿ - الإِسلام بالمدعو الفاجر (١).\n_________\n(١) تقدمت جميع هذه الدروس في حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁ برقم [٧٣ - ٢٨٩٨].","vol":"2","page":799},{"text":"١٨٥ -<span data-type=\"title\" id=toc-262> باب من غلب العدو، فأقام على عرصتهم ثلاثا</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-263>[حديث أنه كان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال]</span>\n١٣٩ - [٣٠٦٥] حَدَّثَنَا مُحَمّدُ بْنُ عبد الرَحِيمِ: حَدَّثَنَا رَوحُ بنُ عُبَادةَ: حَدَّثَنَا سَعِيد، عَنْ قتَادَةَ قَالَ: \" ذَكَرَ لَنَا أنسُ بْنُ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي طَلْحة (١) - ﵄، «عنِ النَّبيِّ - ﷺ - أنه كَانَ إِذَا ظَهرَ عَلَى قَوْم أَقَامَ بِالعَرْصَةِ ثَلاثَ لَيَالٍ». تَابَعهُ مُعَاذ وَعَبْدُ الأَعْلَى: \" حَدَّثَنَا سَعِيد، عَنْ قَتَادةَ، عَن أنسٍ، عَنْ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ النَبِيِّ ﷺ \" (٢).\nوفي رواية «أَنَّ نَبِيَّ الله - ﷺ - أَمَرَ يَوْم بَدْرٍ بِأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلا مِنْ قُرَيْشٍ فَقُذِفُوا فِي طَويٍّ مِنْ أَطْوَاءِ بَدْرٍ خَبِيثٍ مُخْبِثٍ، وَكَانَ إِذَا ظَهَرَ عَلَى قَوْمِ أَقَامَ بِالْعَرْصَةِ ثَلاثَ لَيَالٍ. فَلَمَّا كَانَ بِبَدْرٍ الْيَوْمَ الثَّالِثَ أَمَرَ برَاحِلَتِهِ فَشُدَّ عَلَيْهَا رَحْلُها، ثُمَّ مَشَى وَتَبعَهُ أَصْحَابُهُ وَقالُوا: مَا نَرى يَنْطَلِقُ إِلاّ لِبَعضِ حَاجَتِهِ، حَتَّى قَامَ عَلَى شَفَةِ الرَّكِيِّ، فَجَعَلَ يُنَادِيهِمْ بأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ: \" يَا فلانُ ابنَ فلَانٍ، وَيَا فلانُ ابنَ فلَانٍ، أيسُرُكُمْ أَنًكُمْ أَطَعْتُمُ الله وَرَسُولَهُ؟ فَإِنَّا قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّا، فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبّكُمْ حَقّا؟ \" قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ الله مَا تُكَلِّمُ مِنْ أَجْسَادٍ لا أَرْوَاحَ لَهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: \" وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا أَنتمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهم» قَالَ قَتَادَةُ: أَحْيَاهُمُ الله حَتَّى أَسْمَعَهُمْ قَوْلَهُ: تَوْبِيخا، وتَصْغِيرا، وَنقْمَةً، وحَسْرَةً، وَنَدَما \" (٣).\n\n* شرح غريب الحديث: * \" ظهر على قوم \" أي غلبهم (٤).\n* \" العَرْصةُ \" كل موضع واسعٍ لا بناء فيه (٥).\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ٤١.\n(٢) [الحديث ٣٠٦٥] طرفه في كتاب المغازي، باب قتل أبي جهل، ٥/ ١١، برقم ٣٩٧٦. وأخرجه مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه، وإثبات عذاب القبر والتعوذ منه، ٤/ ٢٢٠٤، برقم ٢٨٧٥.\n(٣) طرف الحديث رقم ٣٩٧٦.\n(٤) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الظاء مع الهاء، مادة: \" ظهر \" ٣/ ١٦٧.\n(٥) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب العين مع الراء، مادة: \" عرص \" ٣/ ٢٠٨، وانظر: فتح الباري لابن حجر، ٦/ ١٨١.","vol":"2","page":800},{"text":"* \" صناديد \" صناديد قريش: أشرافهم، وعظماؤهم، ورؤساؤهم، وكل عظيم غالب صنديد (١).\n* \" طويّ \" الطويُّ: البئر المطويّة (٢).\n* \" الركيّ \" الركيّ: هي البئر التي لم تطوَ (٣).\n* \" القليب \" القليب: البئر التي لم تطوَ أيضا (٤).\n\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من وسائل الدعوة: إظهار انتصار الإِسلام وشعار المسلمين.\n٢ - من معجزات الرسول ﷺ: الإِخبار بالأمور الغيبية.\n٣ - من موضوعات الدعوة: بيان عذاب القبر ونعيمه.\n٤ - من أساليب الدعوة: الترهيب.\n٥ - من أساليب الدعوة: التأكيد بالقسم.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من وسائل الدعوة: إظهار انتصار الإسلام وشعار المسلمين: لا ريب أن إظهار انتصار الإِسلام وشعار المسلمين من وسائل الدعوة التي تدخل الرعب في قلوب أعداء الإِسلام، وقد كان النبي - ﷺ - إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال؛ قيل: الحكمة من ذلك؛ ليظهر تأثير الغلبة وتنفيذ الأحكام، وقلة المبالاة بأعداء الإِسلام، وإظهار شعار المسلمين، وإيقاع الطاعة في الأرض التي وقعت فيها المعاصي، وغير ذلك من الحكم التي تظهر أثناء الإِقامة: كالنظر\n_________\n(١) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الصاد مع النون، مادة: \" صند \" ٣/ ٥٥، وانظر: شرح غريب الحديث رقم ١٠٨، ص ٦١٧.\n(٢) المرجع السابق، باب الطاء مع الواو، مادة: \" طوى \" ٣/ ١٤٦.\n(٣) تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٢٦٧.\n(٤) المرجع السابق، ص ٢٦٧.","vol":"2","page":801},{"text":"في عدد القتلى والقيام بشؤونهم، وإراحة المجاهدين إذا أُمن مكر العدو (١).\nوهذه الأعمال تؤيد أن إظهار الانتصار والقوة من أهم وسائل الدعوة؛ لما في ذلك من المصالح التي من أعظمها تخويف الأعداء وإذلالهم.\nثانيا: من معجزات الرسول ﷺ: الإخبار بالأمور الغيبية: إن مما يدل على صدق رسالة النبي محمد - ﷺ - وعمومها ما أخبر به من الأمور الغيبية التي لا يعلمها إلا الله - ﷿؛ ومن ذلك إخباره بأن صناديد المشركين يسمعون قوله ﷺ لهم: «أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله؟ فإنا وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا». وهذا يدل على أن ذلك من معجزاته - ﷺ - الباهرة (٢).\nثالثا: من موضوعات الدعوة: بيان عذاب القبر ونعيمه: إن من الموضوعات المهمة التي ينبغي أن يبينها الداعية للناس: عذاب القبر ونعيمه؛ وقد ظهر في هذا الحديث ما يدل على ذلك، فقد «قال عمر - ﵁ - للنبي - ﷺ - حينما خاطب صناديد قريش بعد إلقائهم في قليب بدر: \" يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح لها؟ \" فقال ﷺ: \" والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم». قال قتادة: \" أحياهم الله حتى أسمعهم قوله: توبيخا، وتصغيرا، ونقمة، وحسرة، وندما \"، وهذا يؤكد أهمية بيان عذاب القبر؛ ولهذا خاطب النبي - ﷺ - صناديد قريش يوبخهم؛ لإِعراضهم وعنادهم التام في الدنيا عن دين الإِسلام، بل وقفوا في طريقه وقاتلوا أهله؛ ولأهمية التحذير من عذاب القبر ذكر الله - ﷿ - عذاب آل فرعون في البرِزخ فقال - ﷿: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ - النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٥ - ٤٦] (٣) وقال - ﷿ - في عذاب الكفار في الدنيا والبرزخ: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ - يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ - وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الطور: ٤٥ - ٤٧] (٤).\n_________\n(١) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٦/ ١٨١، إرشاد الساري للقسطلاني، ٥/ ١٧٨.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٢١، الدرس الرابع، ورقم ١٣٢، الدرس التاسع.\n(٣) سورة غافر، الآيتان: ٤٥ - ٤٦.\n(٤) سورة الطور، الآيات: ٤٥ - ٤٧.","vol":"2","page":802},{"text":"وقد ذكر البراء بن عازب، وابن عباس، وعلي - ﵃ -، أن قوله - ﷿: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الطور: ٤٧] هو عذاب القبر، وقيل: هو الجوع في الدنيا والمصائب التي تصيبهم في الدنيا، ورجح الإمام الطبري ﵀ أن ذلك يشمل الأمرين وأن للذين ظلموا أنفسهم بكفرهم به عذابا دون يومهم الذي فيه يصعقون، وذلك يوم القيامة، فعذاب القبر دون يوم القيامة؛ لأنه في البرزخ، والجوع والمصائب التي تصيبهم في أنفسهم وأموالهم وأولادهم دون يوم القيامة، ولم يخصص نوعا من ذلك أنه لهم دون يوم القيامة دون نوع بل عمَّ (١) وقد بين النبي - ﷺ - للناس عذاب القبر في أحاديث كثيرة، ومن ذلك قوله ﷺ: «إن أحدكم إذا مات، عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله عليه يوم القيامة» (٢) وعن زيد بن ثابت - ﵃ - قال: «بينما النبي - ﷺ - في حائط لبني النجار على بغلة له ونحن معه، إذ حادت به (٣) فكادت تلقيه، وإذا أقبر ستة أو خمسة أو أربعة، فقال: \" من يعرف أصحاب هذه الأقبر؟ \" قال رجل: أنا، قال: \" فمتى مات هؤلاء؟ \" قال: ماتوا في الإِشراك، فقال: \" إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه \"، ثم أقبل علينا بوجهه فقال: \" تعوّذوا بالله من عذاب النار \" قالوا: نعوذ بالله من عذاب النار. فقال: \" تعوذوا بالله من عذاب القبر \" قالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر، قال: \" تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن \" قالوا: نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، قال: \" تعوّذوا\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري: [جامع البيان عن تأويل آي القرآن]، ٢/ ٤٨٨، وتفسير القرطبي [الجامع لأحكام القرآن]، ١٧/ ٧٩، والروح لابن القيم، ١/ ٣٣٦ - ٣٣٩ وذكر ﵀ الآيات في عذاب القبر في هذا الموضع.\n(٢) متفق عليه من حديث ابن عمر ﵄: البخاري، كتاب الجنائز، باب الميت يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي، ٢/ ١٢٦ برقم ١٦٧٩، ومسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو من النار عليه وإثبات عذاب القبر والتْعوذ منه، ٤/ ٢١٩٩، برقم ٢٨٦٦.\n(٣) حادت به: أي مالت عن الطريق ونفرت، انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ١٨/ ٢٠٩.","vol":"2","page":803},{"text":"بالله من فتنة الدجال \" قالوا: نعوذ بالله من فتنة الدجال» (١).\nوعن أبي أيُّوب - ﵁ - قال: «خرج رسول الله - ﷺ - بعدما غربت الشمس فسمع صوتا فقال: \" يهودُ تعذب في قبورها» (٢).\nوعن أنس - ﵃ - قال: قال نبي الله ﷺ: «إن العبد إذا وضع في قبره وتولَّى عنه أصحابُه، إنه ليسمع قرعَ نعالهم، أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ \" محمد ﷺ \" فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعدا من الجنة، فيراهما. جميعا\" [قال قتادة: \" وذُكِرَ لنا أنه يفسح له في قبره \" ثم رجع إلى حديث أنس قال] \" وأما المنافق والكافر فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؛ فيقول: لا أدري كنت أقول ما يقوله الناس، فيقال: لا دَريت ولا تليت، ويضرب بمطارِقَ من حديد ضربة، فيصيح صيحةً يسمعها من يليه غير الثقلين» (٣) وعن البراء بن عازب ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: «إذا أقعد المؤمن في قبره أُتي ثم شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]» (٤).\nوفتنة القبر كانت تحدث عند الصحابة خشوعا لله وإقبالًا عظيما إلى طاعته حينما يذكرهم رسول الله ﷺ، فعن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: «قام رسول الله - ﷺ - خطيبا فذكر فتنة القبر التي يفتتن بها المرءُ، فلما ذكر ذلك ضجَّ المسلمون ضجَّةً» (٥).\n_________\n(١) مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه، وإثبات عذاب القبر والتعوذ منه، ٤/ ٢١٩٩، برقم ٢٨٦٧.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب التعوذ من عذاب القبر، ٢/ ١٢٥، برقم ١٣٧٥، ومسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه، وإثبات عذاب القبر والتعوذ منه، ٤/ ٢٢٠٠، برقم ٢٨٦٩.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر، ٢/ ١٢٥، برقم ١٣٧٤، ومسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه، وإثبات عذاب القبر والتعوذ منه، ٤/ ٢٢٠٠، برقم ٢٨٧٠، وما بين المعكوفين لفظ البخاري دون مسلم.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر، ٢/ ١٢٤، برقم ١٣٦٩، واللفظ له، ومسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه، وإثبات عذاب القبر والتعوذ منه، ٤/ ٢٢٠١، برقم ٢٨٧١، والآية من سورة إبراهيم، الآية: ٢٧.\n(٥) البخاري، كتاب الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر، ٢/ ١٢٤، برقم ١٣٧٣.","vol":"2","page":804},{"text":"والقبر له ضغطة لا ينجو منها أحد، لكنَّ هذه الضغطة ضغطة سخط وغضب على المجرمين، وضغطة فرح وسرور للمؤمنين (١) فعن ابن عمر - ﵄ - عن رسول الله - ﷺ - قال: «هذا الذي تحرك له العرش، وفتحت له أبواب السماء وشهده سبعون ألفا من الملائكة، لقد ضُمَّ ضمةً ثم فرِّج عنه» (٢) يعني سعد بن معاذ - ﵁ - فينبغي للمسلم أن يسأل الله العافية؛ فإن للقبر ضغطة، فلو نجا أو سلم أحد منها لنجا سعد بن معاذ.\nومما يزيد الأمر وضوحا في عذاب القبر قوله ﷺ: «أسرعُوا بالجنازة، فإن تكُ صالحةً فخيرٌ تقدمونها إليه، وان تَكُ غير ذلك فشر تضعونه عن رقابكم» (٣) وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا وضعت الجنازة واحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قدموني، وإن كانت غير صالحة قالت يا ويلها أين تذهبون بها؟ يسمع صوتَها كلُّ شيءٍ إلا الإنسان، ولو سمعه لَصَعِق» (٤).\nولهول عذاب القبر أمر رسول الله - ﷺ - أمته بالاستعاذة منه دبر كل صلاة، فقال ﷺ: «إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع، يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال» (٥) وكان هو - ﷺ - يدعو في صلاته فيقول: «اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم» فقال له قائل: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم\n_________\n(١) انظر: حاشية الإمام السندي على سنن النسائي، ٤/ ١٠٠.\n(٢) أخرجه النسائي، كتاب الجنائز، باب ضمة القبر وضغطته، ٤/ ١٠٠، برقم ٢٠٥٥، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي ٢/ ٤٤١، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة ٤/ ٢٦٨ برقم ١٦٩٥.\n(٣) متفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁: البخاري، كتاب الجنائز، باب السرعة بالجنازة، ٢/ ١٠٨ برقم ١٣١٥، ومسلم، كتاب الجنائز، باب الإسراع بالجنازة، ٢/ ٦٥١، برقم ٩٤٤.\n(٤) البخاري، كتاب الجنائز، باب حمل الرجال الجنازة دون النساء، ٢/ ١٠٨، برقم ١٣١٤، وباب قول الميت على الجنازة: قدموني، ٢/ ١٠٨، برقم ١٣١٦.\n(٥) متفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁: البخاري، كتاب الجنائز، باب التعوذ من عذاب القبر، ٢/ ١٢٥ برقم ١٣٧٧، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب ما يستعاذ منه في الصلاة، ١/ ٤١٢ برقم ٥٨٨، واللفظ لمسلم.","vol":"2","page":805},{"text":"يا رسول الله؟ فقال: «إن الرجل إذا غرم حدّث فكذب ووعد فأخلف» (١).\nولا شك أن القبور لها ظلمة إلا من نوَّر الله قبره بالإِيمان والعمل الصالح، فعن أبي هريرة - ﵁ - «أن امرأة سوداء كانت تَقُمّ المسجد، أو شابا، ففقدها رسول الله ﷺ، فسأل عنها أو عنه فقالوا: مات، قال: \" أفلا آذنتموني \" فكأنهم صغَّروا أمرها أو أمره فقال: \" دلوني على قبره \" فدلوه فصلى عليها ثم قال: \" إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها وإن الله - ﷿ - ينوِّرها لهم بصلاتي عليهم» (٢).\nومن أعظم الأحاديث في عذاب القبر حديث البراء بن عازب ﵁، وفيه أن العبد المؤمن يفسح له في قبره مد بصره، وأن العبد الفاجر يضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه (٣).\nوعن هانئ مولى عثمان قال: كان عثمان إذا وقف على قبر بكى حتى يبل لحيته، فقيل له: تُذكَرُ الجنة والنار فلا تبكي وتبكي من هذا؟ فقال: إن رسول الله - ﷺ - قال: «إن القبر أوّلُ منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينجُ منه فما بعده أشدُّ منه» وقال: قال رسول الله ﷺ: «ما رأيت منظرا قطُ إلا والقبر أفظع منه» (٤).\nومما يزيد المسلم يقينا أن النبي - ﷺ - قال عن أرواح المؤمنين في البرزخ: «إنما نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله ﵎ إلى جسده يوم يبعثه» (٥).\nوأرواح الشهداء أعظم من ذلك: فإن: «أرواحهم في\n_________\n(١) متفق عليه، من حديث عائشة ﵂: البخاري، كتاب الأذان، باب الدعاء قبل السلام، ١/ ٢٢٧، برقم ٨٣٢، ومسلم، كتاب المساجد، ومواضع الصلاة، باب ما يستعاذ منه في الصلاة، ١/ ٤١٢، برقم ٥٨٨.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب الصلاة على القبر بعدما يدفن، ٢/ ١١٣، برقم ١٣٣٧، ومسلم واللفظ له، كتاب الجنائز، باب الصلاة على القبر، ٢/ ٦٥٩، برقم ٩٥٦.\n(٣) حديث البراء حديث طويل عظيم، أخرجه أحمد ٤/ ٢٨٧، ٢٨٨، ٢٩٥، ٢٩٦، والحاكم وصححه وأقره الذهبي ١/ ٣٧ - ٤٠، وغيرهما، وصححه ابن القيم في تهذيب السنن، ٤/ ٣٣٧، وقال الألباني في أحكام الجنائز ص ١٥٩ على تصحيح الحاكم وإقرار الذهبي له: \" وهو كما قالا \".\n(٤) الترمذي، وحسنه، في كتاب الزهد، باب. حدثنا هناد، ٤/ ٥٥٣، برقم ٢٣٠٨، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب ذكر القبر والبلى، ٢/ ٤٢٦، برقم ٤٢٦٧، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي ٢/ ٢٦٧ وصحيح سنن ابن ماجه ٢/ ٤٢١.\n(٥) أحمد في المسند، ٣/ ٤٥٥، والنسائي، ٤/ ١٠٨، برقم ٢٠٧٣، وغيرهما، وتقدم تخريجه في الحديث رقم ٧٣، آخر الدرس الثامن، ص ٤٥٠.","vol":"2","page":806},{"text":"جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل» (١) ولا شك أن أحكام الدنيا على الأبدان والأرواح تبع لها، وأحكام البرزخ على الأرواح والأبدان تبع لها، فإذا كان يوم القيامة كان الحكم والنعيم أو العذاب على الأرواح والأجساد جميعا (٢).\nوعذاب القبر هو عذاب البرزخ، فكل من مات وهو مستحق للعذاب ناله نصيبه منه، قبر أو لم يقبر، أو أكلته السباع، أو أحرق حتى صار رمادا أو نسف في الهواء؛ فإنه يصل إلى روحه وبدنه من العذاب ما يصل القبور (٣).\nوأحاديث عذاب القبر ونعيمه وسؤال الملكين تبلغ حد التواتر؛ فقد بلغت الأحاديث في ذلك سبعين حديثا (٤).\nومما يجير من عذاب القبر معرفة الأسباب التي يعذب بها أصحاب القبور والابتعاد عنها، والأسباب المنجية من عذاب القبر والعمل بها.\nأما أسباب عذاب القبر فمنها: الجهل بالله، وإضاعة أوامره، وارتكاب معاصيه، والنميمة، وترك الاستبراء من البول، والكذب الذي يبلغ الآفاق، وترك العمل بالقرآن والنوم عنه بالليل، والزنا، وأكل الربا، والتثاقل عن الصلاة المفروضة، وترك الزكاة المفروضة، وأكل لحوم الناس بالغيبة والوقوع في أعراضهم، وغير ذلك من أسباب عذاب القبر التي ينبغي للداعية تحذير الناس منها.\nوأما أسباب النجاة من عذاب القبر فكثيرة، منها: تجنب الأسباب التي تسبب عذاب القبر، ومن أنفع أسباب النجاة أن يجلس المسلم عندما يريد النوم فيحاسب نفسه فيما خسره وربحه في يومه، ثم يجدد له توبة نصوحا فينام على تلك التوبة \" ومن أسباب النجاة من عذاب القبر: الموت مرابطا في سبيل الله، والشهادة في\n_________\n(١) مسلم، برقم ١٨٨٧، وتقدم تخريجه في الحديث رقم ٧٣، آخر الدرس الثامن، ص ٤٥٠.\n(٢) انظر: الروح لابن القيم، ١/ ٢٦٣، ٣١١.\n(٣) انظر: المرجع السابق ١/ ٢٩٩، وشرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز، ص ٤٥٢.\n(٤) انظر: الروح لابن القيم، ١/ ١٦٥، وجامع الأصول من أحاديث الرسول ﷺ، لابن الأثير، ١١/ ١٦٤، من حديث رقم ٨٦٩٠ - ٨٧٠٤.","vol":"2","page":807},{"text":"سبيل الله، وغير ذلك من الأسباب النافعة (١) فينبغي للداعية أن يبين للناس حقيقة عذاب القبر ونعيمه، اللهم عافني وسلمني وأعذني من عذاب القبر، ووالديَّ وجميع المؤمنين.\nرابعا: من أساليب الدعوة: الترهيب: دل هذا الحديث على أسلوب الترهيب؛ ولهذا قال قتادة في آخره عن صناديد قريش: \" أحياهم الله حتى أسمعهم قوله: توبيخا، وتصغيرا، ونقمة، وحسرة، وندما \" وهذا يبين أهمية أسلوب الترهيب وتأثيره على القلوب. (٢).\nخامسا: من أساليب الدعوة: التأكيد بالقسم: ظهر في هذا الحديث أسلوب القسم الذي يبعث النفوس على التصديق وقوة اليقين؛ ولهذا قال ﷺ: «والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم» وهذا واضح في الدلالة على أهمية أسلوب التأكيد بالقسم في الدعوة إلى الله - ﷿ - (٣).\n_________\n(١) انظر: الروح لابن القيم، ١/ ٣٤٠، و٣٤٥.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٧، الدرس الثالث عشر.\n(٣) انظر: الحديث رقم ١٠، الدرس الخامس.","vol":"2","page":808},{"text":"١٨٧ -<span data-type=\"title\" id=toc-264> باب إذا غنم المشركون مال المسلم ثم وجده المسلم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-265>[حديث أن ابن عمر ذهب فرس له فأخذه العدو]</span>\n١٤٠ - [٣٠٦٧] قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله، عَنْ نَافِع، عَنِ ابْنِ عُمَرَ (١) - ﵄ - قالَ: \" ذَهَبَ فَرَسٌ لَهُ فَأَخَذَهُ الْعَدُوُّ، فَظَهَرَ عَلَيْهِ الْمُسلِمُونَ فَرُدَّ عَلَيْهِ فِي زَمَنِ رَسُولِ الله ﷺ وأَبَقَ عَبد لَهُ فَلَحقَ بِالرُوم، فَظَهَرَ عَلَيْهم الْمُسْلِمُونَ فَردَهُ عَلَيْهِ خَالدُ بْنُ الْوَلِيدِ بَعْدَ النَّبِيّ ﷺ \" (٢).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من وسائل الدعوة: الجهاد في سبيل الله - ﷿.\n٢ - من صفات الداعية: العدل.\n٣ - من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من وسائل الدعوة: الجهاد في سبيل الله - ﷿: إن الجهاد في سبيل الله - ﷿ - من أهم الوسائل؛ لنشر وتبليغ الإِسلام، ونصر المظلوم؛ وقد جاء في هذا الحديث أن فرس عبد الله بن عمر ذهب فأخذه العدو، فظهر المسلمون على العدوِّ ومما حصل عليه المسلمون مع الغنائم هذا الفرس، فرُدَّ على ابن عمر ﵁ في زمن رسول الله ﷺ.\nوهذا فيه إقامة لعلم الجهاد ونصر للمظلوم (٣).\nثانيا: من صفات الداعية: العدل: ظهر في هذا الحديث أن من صفات الداعية العدل؛ لأن المسلمين في زمن\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ١.\n(٢) [الحديث ٣٠٦٧] طرفاه في: كتاب الجهاد والسير، باب إذا غنم المشركون مال المسلم ثم وجده المسلم، ٤/ ٤٤، برقم ٣٠٦٨ و٣٠٦٩.\n(٣) انظر: الحديث رقم ١٨، الدرس الثالث، ورقم ١١٧، الدرس الرابع.","vol":"2","page":809},{"text":"رسول الله - ﷺ - عندما ظهروا على أعداء الإِسلام أعادوا فرس عبد الله بن عمر إليه، لعدلهم وأمانتهم، ورغبتهم في الخير.\nفينبغي للداعية أن يكون عدلًا منصفا من نفسه؛ قال الخطابي ﵀ في فوائد هذا الحديث: \" وفيه من الفقه أن المسلمين إذا غنموا فكان في الغنيمة مال لمسلم؛ فإنه مردود عليه، وقال بعض الفقهاء: إن كان قبل القسم رُدَّ عليه وإن كان بعده لم يُرَدَّ، ولا فرق بين الأمرين؛ لأن القسمة لا تبطل الملك، ولا تبدل الحكم \" (١) وهذا يؤكد أهمية العدل، والإِنصاف ومكانته في الدعوة إلى الله - ﷿ - (٢).\nثالثا: من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة: ظهر في هذا الحديث أن القدوة الحسنة من وسائل الدعوة إلى الله - ﷿ -، وذلك أن المسلمين في زمن رسول الله - ﷺ - رَدُّوا فرس عبد الله بن عمر - ﵄، وهذا فيه قدوة لغيرهم، ولمن يأتي من بعدهم؛ ولهذا عندما أبق عبدٌ لعبد الله - ﵁ - فلحق بالروم فظهر عليهم المسلمون رَدّ خالدُ بن الوليد ﵁ العبد بعد النبي ﷺ، وهذا يدل على أن خالد بن الوليد ﵁ اقتدى بما فُعِلَ في زمن رسول الله - ﷺ - من رد الحقوق إلى أصحابها. وهذا يؤكد أهمية القدوة الحسنة وأثرها في الدعوة (٣).\n_________\n(١) أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري، ٢/ ١٤٣٧، وانظر: الإِفصاح عن معاني الصحاح، لابن هبيرة ٤/ ٢٢١، والقواعد في الفقه الإِسلامي، لابن رجب، ص ٧١، و٢٢٧.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٦٠، الدرس الثاني، ورقم ٦٤، الدرس الأول، ورقم ٩٦، الدرس الرابع.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٣، الدرس الثالث، ورقم ٨، الدرس الخامس.","vol":"2","page":810},{"text":"١٨٨ -<span data-type=\"title\" id=toc-266> باب من تكلم بالفارسية والرطنة</span>\nوقول الله تعالى: ﴿وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ [الروم: ٢٢] (١) وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-267>[حديث إن جابرا قد صنع سور فحيهلا بكم]</span>\n١٤١ - [٣٠٧٠] حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ: أَخْبَرَنَا حَنْظَلة بن أَبِي سُفْيَانَ: أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ قَالَ: سَمعْتُ جَابِرَ بْنَ عبد الله (٣) - ﵄ - قالَ: «قُلْتُ يَا رَسُولَ الله ذَبحْنَا بُهَيْمَةً لَنَا وَطَحَنْتُ صَاعا مِنْ شَعِيرٍ فَتَعَالَ أنت وَنَفَرٌ. فَصَاحَ النَّبيُّ - ﷺ - فقَالَ: \" يَا أَهْلَ الْخَنْدَقِ، إِنَّ جَابِرا قَدْ صَنَعَ سُور فحَيَّهَلا بكُمْ» (٤).\nوفي رواية: \" حَدَّثَنَا خَلاَّدُ بْنُ يَحْيىَ: حَدَّثَنَا عبد الوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ، عَنْ أبيه قالَ: أتيْتُ جَابِرا ﵁، فَقَالَ: «إنا يَوْمِ الْخَنْدَقِ نَحْفِرُ فَعَرَضتْ كُدْيَةٌ شَدِيدة فَجَاؤُوا النَّبِيَّ - ﷺ - فقَالُوا: هَذِهِ كُدْيَةٌ عَرَضتْ فِي الْخَنْدَقِ، فَقَالَ: \" أَنَا نَازِلٌ \" ثم قَامَ وَبَطْنُهُ مَعْصُوب بِحَجَرٍ، وَلَبِثْنَا ثَلاثةَ أَيَّام لا نَذُوقُ ذَوَاقا، فَأَخَذَ النَّبِيُّ - ﷺ - المِعْوَلَ، فَضَرَبَ فَعَادَ كَثِيبا أَهْيَلَ أَوْ أَهْيَمَ، فقُلْتُ: يا رَسُولَ الله ائْذَنْ لِي إلى الْبَيْتِ؛ فَقُلْتُ لاِمْرَأَتِي رَأَيْتُ بِالنَّبِيِّ - ﷺ - شَيْئا، مَا كَانَ فِي ذَلِكَ صَبْرٌ فَعِنْدَك شَيْءٌ؟ قَالَتْ: عِنْدِي شَعِير وَعَنَاقٌ فَذَبَحْتُ الْعَنَاقَ وَطَحَنَتِ الشَّعِيرَ حَتَّى جعلنا اللحْمَ فِي الْبُرْمة، ثُمَّ جئْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - والْعَجينُ قَدِ انْكَسَرَ وَالْبُرْمَةُ بَيْنَ الأَثَافي قَدْ كَادَتْ أَنْ تَنْضَجِ فَقُلْتُ: طُعَيِّمٌ لِي فقُمْ أنتَ يَا رَسُولَ الله وَرَجُل أَوْ رَجُلان قَالَ: \" كَمْ هُوَ؟ \" فذكَرْتُ لَهُ قَالَ: \" كَثيرٌ طَيِّبٌ \" قَالَ: \" قُلْ لَهَا لَا تَنْزِعِ الْبُرْمة\n_________\n(١) سورة الروم، الآية: ٢٢.\n(٢) سورة إبراهيم، الآية: ٤.\n(٣) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ٣٢.\n(٤) [الحديث ٣٠٧٠] طرفاه في: كتاب المغازي، باب غزوة الخندق وهي الأحزاب، ٥/ ٥٥، برقم ٤١٠١، ٤١٠٢. وأخرجه مسلم في كتاب الأشربة، باب جواز استتباعه غيره إلى دار من يثق برضاه بذلك ويتحققه تحققا تاما واستحباب الاجتماع على الطعام، ٣/ ١٦١٠، برقم ٢٠٣٩.","vol":"2","page":811},{"text":"وَلَا الْخُبْزَ مِنَ التّنّورِ حَتَّى آتِيَ \" فَقَالَ: \" قُومُوا \" فَقَامَ الْمُهَاجِرُونَ والأنصَارُ فَلَمَّا دخَلَ عَلَى امْرَأتهِ قَالَ: وَيْحَكِ جَاءَ النَّبِيُّ - ﷺ - بالْمهَاجِرِينَ وَالأنصَارِ وَمَنْ مَعَهُمْ، قَالَتْ: هَلْ سألكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: \" ادْخُلُوا وَلَا تَضَاغَطوا \" فَجَعَلَ يَكْسِرُ الْخُبْزَ وَيَجْعَلُ عَلَيْهِ الّلحْمَ وَيُخَمّرُ الْبُرْمَةَ وَالتَّنُّورَ إِذَا أَخَذَ مِنْهُ وَيُقَرِّبُ إِلَى أَصْحَابِهِ ثُمَّ يَنْزعُ فَلَمْ يَزَلْ يَكْسِرُ الْخُبْزَ وَيَغْرِفُ حَتَّى شَبِعُوا وَبَقِيَ بقِيَّة، قَالَ: \" كلي هَذَا وَأهْدِي فَإِنَّ النَّاسَ أَصَابَتْهُمْ مَجَاعَة» (١).\nوفي رواية: \" حَدَّثَني عَمْرُو بْنُ عَلِيّ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ: أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سفْيَانَ: أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عبد الله - ﵁ - قَالَ: «لَمّا حُفِرَ الْخَنْدَقُ رَأَيْتُ بِالنَّبِيِّ - ﷺ - خمَصا شَدِيدا فَانْكَفَأْتُ إِلَى امْرأَتِي فُقُلْتُ: هَلْ عنْدَكِ شَيْء فَإِنِّي رَأَيْتُ بِرَسُولِ الله - ﷺ - خَمَصا شَدِيدا، فأخْرَجَتْ إِلَيَّ جِرَابا فِيهِ صاعٌ مِنْ شَعِيرٍ وَلَنَا بُهَيْمَةٌ دَاجِنٌ فَذَبَحْتُهَا وَطَحَنَتِ الشَّعِيرَ ففَرَغَتْ إِلَى فَرَاغِي وقَطَّعْتُهَا في برمَتِهَا ثُمَّ وَلَّيْتُ إِلَى رَسُولِ الله - ﷺ - فَقَالَتْ: لا تَفْضَحْنِي بِرَسُولِ الله - ﷺ - وَبِمَنْ مَعَهُ، فَجِئْتُهُ فَسَارَرْتُهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله ذَبَحْنَا بُهَيْمَةً لَنَا وَطَحَنَّا صاعا مِنْ شَعِيرٍ كَانَ عِنْدَنَا فَتَعَالَ أنتَ وَنَفَرٌ مَعَكَ فَصَاحَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَقَالَ: \" يَا أَهْلَ الْخَنْدَقِ إِنَّ جَابِرا قَدْ صَنَعَ سُوْرا فَحَي هَلًا بِكُمْ \"، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: \" لَا تُنْزِلُنَّ برْمَتكُمْ وَلَا تَخْبِزُنَّ عَجِينَكُمْ حَتَّى أجِيءَ \" فَجِئْتُ وَجَاءَ رَسُولُ الله - ﷺ - يقْدُمُ النَّاسَ حَتَّى جِئتُ امْرَأَتِي فَقَالَتْ: بِكَ وَبِكَ فَقُلْتُ قَدْ فَعَلْتُ الّذِي قُلْتِ فَأَخْرَجَتْ لَهُ عجِينا فَبَصَقَ فِيهِ وَبَارَكَ ثُمَّ عَمَدَ إِلَى بُرْمَتِنَا فَبَصَقَ وَبَارَكَ ثُمَّ قَالَ: \" ادْعُ خَابِزَةً فلْتَخْبِزْ مَعي (٢) واقْدَحِي مِنْ برمَتِكُمْ وَلَا تُنْزِلُوهَا \" وَهُمْ أَلْف فَأُقْسِمُ بِالله لَقَدْ أَكَلوا حتَّى تَرَكُوهُ وانْحَرَفُوا وَإِنَ برمَتَنَا لَتَغِطُّ كَمَا هِيَ وَإِنَّ عَجِينَنَا لَيُخْبَزُ كَمَا هُوَ» (٣).\n_________\n(١) الطرف رقم ٤١٠١.\n(٢) في رواية مسلم برقم ٢٠٣٩ \" فلتخبز مَعَكِ \" وسمعت العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله يصوب هذه اللفظة \" معكِ \" أثناء شرحه لحديث رقم ٤١٠٢ من صحيح البخاري.\n(٣) الطرف رقم ٤١٠٢.","vol":"2","page":812},{"text":"* شرح غريب الحديث: * \" سُوْرا \" السور: الطَّعام الذي يُدعى إليه، وقيل: الطعام مطلقا، وهذا المقصود في هذا الحديث. والسور: كل ما يحيط بشيء من بناء أو غيره، كالبناء الذي يحيط بالمدينة، والسؤر بالهمز: البقية من الطعام أو الشراب: يقال: \" سأر \" أبقى بقية (١).\n* \" فحيَّهلا \" حيهلا: كلمتان جعلتا كلمة واحدة، ومعناها: تعالوا وعجلوا (٢).\n* \" كُدْية \" الكدية: قطعة غليظة صلبة من الأرض لا يؤثر فيها الفأس (٣).\n* \" كثيبا أهيل أو أهيم \" الكثيب الأهيل: المنهار السائل الذي لا يتماسك في انصبابه، والكثيب الأهيم مثلُهُ: وهو الرمل اليابس (٤).\n* \" عناق \" العناق: الأنثى من أولاد المعز (٥).\n* \" البرمة \" البرمة القدر مطلقا، وجمعها برام، وهي في الأصل المتخذة من الحجر المعروف بالحجاز واليمن (٦).\n* \" الأثافي \" هي الحجارة التي تنصب وتجعل القدر عليها وهي ثلاثة (٧).\n* \" التنور \" التنور الذي يخبز فيه (٨).\n* \" ولا تضاغطوا \" أي لا تزاحموا (٩).\n_________\n(١) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب السين مع الواو، مادة: \" سور \" ٢/ ٤٢٠، وباب السين مع الهمزة، مادة: \" سأر \" ٢/ ٣٢٧، والمعجم الوسيط لمجمع اللغة العربية مادة \" سار \" ١/ ٤٦٢.\n(٢) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الحاء مع الياء، مادة: \" حيا \" ١/ ٤٧٢، وجامع الأصول له، ١١/ ٣٥٥.\n(٣) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الكاف مع الدال، مادة: \" كدا \" ٤/ ١٥٦.\n(٤) غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٢١٢.\n(٥) المرجع السابق ص ٢١٢.\n(٦) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الباء مع الراء، مادة: \" برم \" ١/ ١٢١.\n(٧) المرجع السابق، باب الهمزة مع الثاء، مادة: \" أثف \" ١/ ٢٣، وجامع الأصول له، ١١/ ٣٥٦، وانظر: فتح الباري لابن حجر ٧/ ٣٩٨.\n(٨) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب التاء مع النون، مادة: \" تنر \" ١/ ١٩٩.\n(٩) تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٢١٢.","vol":"2","page":813},{"text":"* \" داجن \" الداجن من الغنم ما يربّى في البيوت ويألفها (١).\n* \" المعول \" الفأس الذي يكسر به الحجر (٢).\n* \" خمصا شديدا \" الخمص، والخمصة، والمخمصة: الجوع والمجاعة، ويقال: رجل خُمصان، وخميص، إذا كان ضامر البطن وجمع الخميص: خِمَاص (٣).\n* \" بُهيمة \" البهيمة: تصغير البهمة، وهي ولد الضأن، ويقع على المذكر والمؤنث منها، والسخال: أولاد المعز، فإذا اجتمعت البهائم والسخال قلت لها جميعا: بهائم وبهم (٤).\n* \" لتغطّ \" يقال: غطَّت القدر تغطُّ: غلت وفارت، وغطيطها صوت غليانها (٥).\n* \" فانكفأت \" يقال: انكفأ الرجل إلى أهله: رجع وانقلب والأصل في الانكفاء: الانقلاب، من كفأت الإِناء إذا قلبته (٦).\n* \" الجراب \" الجراب وعاء من جلد يحفظ فيه الزاد (٧).\n* \" اقدحي \" يقال: قدحت القدر إذا غرفت ما فيها، والقديح: المرق، فعيل بمعنى مفعول، والمقدحة: المغرفة، والمقدح: الحديدة التي تقدح بها النار، والمعنى: اغرفي. (٨).\n* \" العجين قد انكسر \" أي لان ورطب، وتمكن من الخمير (٩).\n_________\n(١) انظر: غريب ما في الصحيحين للحميدي، ص ٢١٢.\n(٢) انظر: مختار الصحاح للرازي، مادة: \" عول \" ص ١٩٤.\n(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الخاء مع الميم، مادة: \" خمص \" ٢/ ٨٠.\n(٤) جامع الأصول من أحاديث الرسول ﷺ، لابن الأثير، ١١/ ٣٥٥.\n(٥) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٢١٢، وجامع الأصول من أحاديث الرسول ﷺ، لابن الأثير، ١١/ ٣٥٥.\n(٦) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٢١٢.\n(٧) المعجم الوسيط لمجمع اللغة العربية، مادة: \" جرب \" ١/ ١٤، وانظر: إكمال إكمال المعلم شرح الأبي على صحيح مسلم ٧/ ١٥٦.\n(٨) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٢١٢، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب القاف مع الدال، مادة: \" قدح \" ٤/ ٢١.\n(٩) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٧/ ٣٩٧، ٣٩٨.","vol":"2","page":814},{"text":"* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من صفات الداعية: إكرام العلماء والدعاة.\n٢ - من موضوعات الدعوة: الحث على الإِيثار.\n٣ - من صفات الداعية: التواضع.\n٤ - من صفات الداعية: إعانة المدعوين ومساعدتهم.\n٥ - أهمية الشورى مع العلماء والدعاة.\n٦ - أهمية الصبر على الابتلاء والامتحان.\n٧ - من صفات الداعية: الحرص على الدقة في نقل الحديث.\n٨ - من صفات الداعية: الرحمة.\n٩ - من صفات الداعية: تعجيل المعروف وتحقيره.\n١٠ - من آداب الداعية: تطييب الطعام وتعظيمه.\n١١ - أهمية كمال عقل المدعو.\n١٢ - من معجزات النبي ﷺ: تكثير الطعام.\n١٣ - أهمية الأخذ بالأسباب.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا من صفات الداعية: إكرام العلماء والدعاة: إن من الصفات الحميدة والأخلاق الكريمة إكرام العلماء والدعاة رغبة فيما عند الله - ﷿؛ ولهذا أكرم جابر بن عبد الله - ﵄ - النبيَّ ﷺ، قال ﵁: «قلت يا رسول الله ذبحنا بهيمة لنا وطحنت صاعا من شعير فتعال أنت ونفر، فصاح النبي - ﷺ - فقال: \" يا أهل الخندق إن جابرا قد صنع سورا فحيهَلا بكم» فأكرمهم جابر ﵁، وأعانه الله وجعل طعامه مباركا نافعا شاملا لأهل الخندق كلهم فينبغي للداعية أن يكرم العلماء والدعاة ويقصد بذلك وجه الله - ﷿ - والدار الآخرة (١).\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٢١، الدرس الأول.","vol":"2","page":815},{"text":"ثانيا: من موضوعات الدعوة: الحث على الإيثار: دل هذا الحديث بمفهومه على أن من موضوعات الدعوة الحث على الإِيثار؛ ولهذا آثر جابر بن عبد الله النبي - ﷺ - على نفسه وأهله، فإن الحال عندهم كانت ضعيفة؛ لقلة ما في اليد، والظاهر أن جابر بن عبد الله - ﵄ - لم يجد في بيته إلا هذه العناق وصاع الشعير، فصنع ذلك للنبي - ﷺ - ورجلٍ أو رجلين إيثارا منه، ولو كان عنده أكثر من ذلك لزاد؛ لكثرة الناس وحاجتهم الشديدة للطعام. كما يدل على الإِيثار ما فعله رسول الله - ﷺ - عندما نادى المهاجرين والأنصار جميعا فقال: \" قوموا \"، فقام المهاجرون والأنصار ومن معهم. وهذا يدل على إيثار النبي - ﷺ - وحبه الخير لأصحابه، ولو كان المدعو غيره من الكبراء لم يدع أحدا معه؛ ليحصل على ما يسد رمقه، ولا هم له غير ذلك، ولكن النبي - ﷺ - أولى بالمؤمنين من أنفسهم كما قال الله - ﷿: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] (١) ولا شك أن الله - ﷿ - قد مدح أهل الإِيثار فقال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] (٢) وهذا العمل قد بلغ بأصحابه أعلى درجات الإِيمان الكامل؛ فإن النبي - ﷺ - قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (٣).\nوهذا يدل على أن من لم يحب لأخيه ما يحب لنفسه فقد نقص إيمانه، قال الحافظ ابن رجب ﵀: \" المراد بنفي الإِيمان نفي بلوغ حقيقته ونهايته؛ فإن الإِيمان كثيرا ما يُنفى لانتفاء بعض أركانه وواجباته \" (٤) \" والمقصود أن من جملة خصال الإِيمان الواجبة أن يحب المسلم لأخيه ما يحب لنفسه، ويكره\n_________\n(١) سورة الأحزاب، الآية: ٦.\n(٢) سورة الحشر، الآية: ٩.\n(٣) متفق عليه: البخاري، ١/ ١١، برقم ١٣، ومسلم، ١/ ٦٧، برقم ٤٥، وتقدم تخريجه في الحديث رقم ٥٨، الدرس الرابع عشر، ص ٣٥٤.\n(٤) جامع العلوم والحكم، ١/ ٣٠٢.","vol":"2","page":816},{"text":"له ما يكرهه لنفسه، فإذا زال ذلك عنه فقد نقص إيمانه بذلك \" (١).\nأما الإِيثار فهو أعظم من ذلك في قوة حقيقة الإِيمان؛ لأن الإِيثار: هو تقديم الغير على النفس وحظوظها الدنيوية ورغبة في الحظوظ الدينية، وذلك ينشأ عن قوة اليقين، وتوكيد المحبة والصبر على المشقة، يقال: آثرته بكذا: أي خصصته به وفضلْته بالمال أو بالمنازل، أو بالنفس، لا عن غنىً بل مع الحاجة لذلك (٢) وقد وصل أصحاب النبي - ﷺ - إلى الدرجات العلى من الإِيثار، فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: «جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ - فقال: إني مجهود (٣) فأرسل رسول الله - ﷺ - إلى بعض نسائهِ، فقالت: والذي بعثك بالحق ما عندي إلا الماء، ثم أرسل إلى أخرى فقالت مثل ذلك، حتى قلن كلهن مثل ذلك: لا والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء، فقال: \" من يُضِيف هذا الليلة ﵀؟ \" فقام رجل من الأنصار (٤) فقال: أنا يا رسول الله، فانطلق به إلى رَحْلِهِ (٥) فقال لامرأته: هل عندك شيء؟ قالت: لا إلا قوت صبياني، قال: فَعَلِّليهم بشيءٍ فإذا دخل ضيفنا فأطفئي السراج وأريه أنا نأكل، فإذا أهوى ليأكل فقومي إلى السراج حتى تطفئيهِ، قال: فقعدوا وأكل الضيف، فلما أصبح غدا على النبي - ﷺ - فقال: \" قد عجب الله من صنيعِكما بضيفكما الليلة \"، وفي رواية أن الصحابي قال لامرأته: نوِّمي صبيانك إذا أرادوا عشاء، فهيأت طعامها. . . ونوَّمت صبيانها. . . فأنزل الله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩]» (٦) ومما يدل على الإِيثار قصة مؤاخاة النبي - ﷺ - بين عبد الرحمن بن عوف ﵁، وسعد بن الربيع ﵁،\n_________\n(١) جامع العلوم والحكم لابن رجب، ١/ ٣٠٣، وانظر: تفسير الطبري، ٢٣/ ٢٨٤، [جامع البيان عن تأويل آي القرآن].\n(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، ١٨/ ٢٨.\n(٣) الجهد: هو المشقة والحاجة، وسوء العيش والجوع، شرح النووي على صحيح مسلم، ١٤/ ٢٥٤.\n(٤) في رواية لمسلم: فقام رجل من الأنصار يقال له: أبو طلحة، ٣/ ١٦٢٥.\n(٥) رحل الإنسان: هو منزله: من حجر، أو مدر، أو شعر، أو وبر، شرح النووي على صحيح مسلم ١٤/ ٢٥٥.\n(٦) متفق عليه: البخاري، كتاب مناقب الأنصار، باب وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ، ٤/ ٢٧٣، برِقم ٣٧٩٨، ومسلم، كتاب الأشربة، باب إكرام الضيف وفضل إيثاره، ٣/ ١٦٢٤، برقم ٢٠٥٤، والآية من سورة الحشر، آية: ٩.","vol":"2","page":817},{"text":"فإن النبي - ﷺ - لما قدم المدينة آخى بينهما فقال سعد لعبد الرحمن: إني أكثرُ الأنصار مالًا، سأقسم مالي بيني وبينك نصفين، ولي امرأتان فانظر أعجبهما إليك فسمها لي أطلقها، فإذا انقضت عدتها فتزوجها، فقال عبد الرحمن بارك الله لك في أهلك ومالك [لا حاجة لي في ذلك] دلوني على السوق، فدلوه على السوق، فباع واشترى حتى تزوج، فقال له رسول الله - ﷺ: «بارك الله لك أولم ولو بشاة» (١) ومما يؤكد حرص السلف الصالح على الإِيثار قصة الرأس الذي عُرض على سبعة أبيات يقول صاحب كل بيت منهم: أعطه جاري وعياله؛ فهو أحق بذلك مني، حتى رُجِعَ بالرأس إلى البيت الأول (٢) ومما يدل على الإِيثار العظيم في القُرَبِ وغيرها قصة عمر بن الخطاب - ﵁ - مع عائشة ﵂، وذلك أن عمر عند موته قال لابنه عبد الله - ﵄: \". . . انطلق إلى عائشة أم المؤمنين فقل: يقرأ عليك عمر السلام، ولا تقل أمير المؤمنين فإني لست اليوم للمؤمنين أميرا، وقل: يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه، فَسَلَّمَ واستأذن ثم دخل عليها فوجدها قاعدة تبكي، فقال: يقرأ عليك عمر بن الخطاب السلام، ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه، فقالت: كنت أريده لنفسي ولأوثرنَهُ به اليوم على نفسي، فلما أقبل قيل: هذا عبد الله بن عمر قد جاء، قال: ارفعوني، فأسنده رجل إليه، فقال: ما لديك؟ قال الذي تحب يا أمير المؤمنين، أذنت، قال: الحمد لله ما كان شيء أهمَّ إليَّ من ذلك، فإذا أنا قبضتُ فاحملوني ثم سلم فقل: يستأذن عمر بن الخطاب، فإن أذنت لي فأدخلوني وإن ردتني فردوني إلى مقابر المسلمين. (٣).\nوهذا يؤكد جواز الإِيثار بالقرب، قال الإمام ابن القيم ﵀: \" وقول من قال من الفقهاء: لا يجوز الإِيثار بالقُرَبِ، لا يصح، وقد آثرت عائشة عمر بن\n_________\n(١) متفق عليه من حديث أنس ﵁. البخاري، كتاب مناقب الأنصار، باب إخاء النبي - ﷺ - بين المهاجرين والأنصار، ٤/ ٢٦٨، برقم ٣٧٨١، ومسلم، كتاب النكاح، باب الصداق وجواز كونه تعليم قرآن وخاتم حديد وغير ذلك، ٢/ ١٠٤٢، برقم ١٤٢٧، ورواه البخاري من حديث عبد الرحمن بن عوف، في كتاب مناقب الأنصار، باب إخاء النبي - ﷺ - بين المهاجرين والأنصار، ٤/ ٢٦٨، برقم ٣٧٨٠.\n(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، ١٨/ ٢٨.\n(٣) البخاري، كتاب الجنائز، باب ما جاء في قبر النبي - ﷺ - وأبي بكر وعمر - ﵄، ٢/ ١٣١، برقم ١٣٩٢، ولفظه من الطرف رقم ٣٧٠٠.","vol":"2","page":818},{"text":"الخطاب بدفنه في بيتها جوار النبي ﷺ، وسألها عمر ذلك فلم تكره له السؤال، ولا لها البذل، وعلى هذا فإذا سأل الرجل غيره أن يؤثره بمقامه في الصف الأول لم يكره له السؤال، ولا لذلك البذل، ونظائره، ومن تأمل سيرة الصحابة وجدهم غير كارهين لذلك ولا ممتنعين منه، وهل هذا إلا كرم وسخاءٌ، وإيثارٌ على النفس بما هو أعظم محبوباتها، تفريجا لأخيه المسلم، وتعظيما لقدره، وترغيبا له في الخير؟ وقد يكون ثواب كل واحدٍ من هذه الخصال راجحا على ثواب تلك القربة، فيكون المؤثر بها ممن تاجر فبذل قربة وأخذ أضعافها \" (١).\nوسمعت سماحة العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله يرجح جواز الإِيثار بالقرب وأنه لا حرج في ذلك إذا ظهرت المصلحة (٢).\nوهذا كله وغيره كثير يدل على أهمية الإِيثار وأنه ينبغي للداعية إلى الله - ﷿ - أن يعتني به، ويحض الناس عليه، والله المستعان.\nثالثا: من صفات الداعية: التواضع: دل هذا الحديث على أن صفة التواضع من الصفات الحميدة؛ ولهذا تواضع النبي - ﷺ - فشارك أصحابه في حفر الخندق، فقال لهم: \" أنا نازل \" ثم قام وبطنه معصوب بحجر وشاركهم - ﷺ - في الحفر.\nوهذا يؤكد تواضعه - ﷺ - وطيب عقله ونفسه (٣).\nرابعا: من صفات الداعية: إعانة المدعوين ومساعدتهم: ظهر في هذا الحديث أن من صفات الداعية الصادق إعانة المدعوين ومشاركتهم في الأعمال التي تخدم الجهاد والدعوة؛ ولهذا شارك النبي - ﷺ - الصحابة - ﵃ - في حفر الخندق. فينبغي الاقتداء به ﷺ (٤).\n_________\n(١) زاد المعاد في هدي خير العباد، ٣/ ٥٠٥.\n(٢) سمعت ذلك من سماحته أثناء شرحه لزاد المعاد، في جامع الأميرة سارة، بمدينة الرياض، حي البديعة، ليلة الاثنين ١٦/ ٧ / ١٤١٨ هـ.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٦٢، الدرس الثالث.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٤٥، ٤٦، الدرس الثالث عشر.","vol":"2","page":819},{"text":"خامسا: أهمية الشورى مع العلماء والدعاة: إن الشورى من أهم الأمور التي ينبغي أن يعتني بها الداعية إلى الله - ﷿، لما فيها من اجتماع الكلمة، وسداد الرأي، والاستفادة من الخبرات والتجارب، وقد ظهرت الشورى في هذا الحديث؛ لقول جابر ﵁: «إنا يوم الخندق نحفر فعرضت كدية شديدة فجاؤُوا إلى النبي - ﷺ - فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق، فقال: \" أنا نازل \" فأخذ النبي - ﷺ - المعول، فضرب فعاد كثيبا أهيل»، فقد استفاد الصحابة بهذه الشورى مع النبي - ﷺ - فأزيلت الكدية بعمل النبي - ﷺ. وفي هذا الحديث أيضا أن جابر بن عبد الله - ﵄ - شاور زوجته في شأن إطعام الرسول - ﷺ - فقال: «رأيت بالنبي - ﷺ - شيئا ما كان في ذلك صبر فعندك شيء؟ قالت: عندي شعير وعناق». وهذا يؤكد أهمية الشورى وخاصة مع العلماء والدعاة، والأخيار الصالحين (١).\nسادسا: أهمية الصبر على الابتلاء والامتحان: دل هذا الحديث على أهمية الصبر على الابتلاء والامتحان؛ ولهذا صبر النبي - ﷺ - على الجوع والخوف أيام الخندق، كما في الحديث أن النبي - ﷺ - قام وبطنه معصوب بحجر، وقد لبث أصحاب الخندق مع النبي - ﷺ - ثلاثة أيام لا يذوقون ذواقا؛ ولحكمة النبي - ﷺ - عصب الحجر على بطنه؛ لأن الجوع يخشى منه أن يضمر البطن فينحني الصلب، فإذا وضع الحجر على البطن وَشُدَّ بالعصابة استقام الظهر، وقيل: لعل ذلك لتسكين حرارة الجوع ببرد الحجر؛ ولأنها حجارة رقاق قدر البطن تشد الأمعاء فلا يتحلل شيء مما في البطن، فلا يحصل ضعف زائد بسبب التحلل. (٢).\nوهذا يؤكد ما أصاب النبي - ﷺ - وأصحابه - ﵃ - من شدة الحال، وقلة ما في اليد، فصبروا وصابروا والله المستعان (٣).\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٦٤، الدرس الثالث، ورقم ١٠٨، الدرس الرابع عشر.\n(٢) انظر: شرح الكرماني على صحيح البخاري، ١٦/ ٣٠، وفتح الباري لابن حجر، ٧/ ٣٩٦.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٩، الدرس الثامن، ورقم ٦٦، الدرس الأول.","vol":"2","page":820},{"text":"سابعا: من صفات الداعية: الحرص على الدقة في نقل الحديث: دل هذا الحديث على أن من صفات الداعية المخلص الحرص على الدقة في نقل الحديث؛ لقول الراوي في هذا الحديث: \" أهيل أو أهيم \" قال الحافظ ابن حجر ﵀: \" شك من الراوي \" (١).\nوهذا يؤكد حرص السلف الصالح على العناية الدقيقة بنقل أحاديث رسول الله - ﷺ - وتبليغها للناس كما جاءت (٢).\nثامنا: من صفات الداعية: الرحمة: ظهرت صفة الرحمة في هذا الحديث من قول جابر - ﵁ - لامرأته: \" رأيت بالنبي - ﷺ - شيئا ما كان في ذلك صبر فعندكم شيء؟ \" كما ظهرت صفة الرحمة من قول النبي - ﷺ - لزوجة جابر ﵄: «كلي هذا وأهدي فإن الناس قد أصابتهم مجاعة». وهذا يبين أن الرحمة من صفات الدعاة إلى الله - ﷿ (٣).\nتاسعا: من صفات الداعية: تعجيل المعروف وتحقيره: دل هذا الحديث على أن من صفات الداعية الكريم: بذل المعروف وتعجيله، وتصغيره؛ قال جابر بن عبد الله - ﵄ - للنبي ﷺ: «. . . طُعَيِّم لي فقم أنت يا رسول الله، ورجلٌ أو رجلان قال: \" كم هو؟ \" فذكرت له، قال: \" كثير طيِّب» وهذا يؤكد أهمية تقديم المعروف وفعله مع عدم استكثاره؛ قال الحافظ ابن حجر - ﵀ - عند ذكره لقول جابر ﵁: \" طعيم لنا \" هذا \" على طريقة المبالغة في تحقيره، قالوا: من تمام المعروف: تعجيله وتحقيره \" (٤).\nفينبغي للداعية أن يتصف بهذه الصفة الكريمة.\n_________\n(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٧/ ٣٩٦.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٢١، الدرس العاشر.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٥، الدرس الأول، ورقم ٥٠، الدرس الرابع.\n(٤) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٧/ ٣٩٨.","vol":"2","page":821},{"text":"عاشرا: من آداب الداعية: تطييب الطعام وتعظيمه: ظهر في هذا الحديث أن من صفات الداعية تطييب الطعام وتعظيمه واستكثاره إذا قُدِّم له؛ ولهذا عندما قال جابر للنبي ﷺ: \" طعيم لنا \" فقال ﷺ: \" كثير طيب \"، وهذا من الأدب النبوي العظيم الذي فاق فيه رسول الله - ﷺ - جميع البشر؛ ولهذا كان - ﷺ - لا يعيب الطعام، فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: «ما عاب رسول الله - ﷺ - طعاما قط، كان إذا اشتهى شيئا أكله وإن كرهه تركه» (١) وهذا من الأدب العظيم الذي ينبغي لكل مسلم التزامه اقتداءً بالنبي ﷺ، وخاصة الدعاة إلى الله - ﷿.\nالحادي عشر: أهمية كمال عقل المدعو: إن من الأمور المهمة التي تعين الدعاة إلى الله - ﷿ - على دعوتهم كمال عقل المدعو، وقد ظهرت هذه الصفة العظيمة في هذا الحديث عندما قالت زوجة جابر ﵄: هل سألك؟ أي عن كمية الطعام، فقال جابر: نعم. فسكن ما عندها لعلمها بأن الله أعلم ورسوله؛ ولعلمها بإمكان خرق العادة؛ ولهذا قبل أن يذهب جابر - ﵁ - إلى رسول الله - ﷺ - قالت له: لا تفضحني برسول الله - ﷺ - وبمن معه، وعندما أخبره بكمية الطعام لم تلمه بعد ذلك؛ ولهذا الصنيع العظيم قال الحافظ ابن حجر ﵀ عن هذه المرأة: \" لما قال لها إنه جاء بالجميع ظنت أنه لم يعلمه فخاصمته، فلما أعلمها أنه أعلمه سكن ما عندها لعلمها بإمكان خرق العادة، ودل ذلك على وفور عقلها وكمال فضلها \" (٢).\nوهذا يبين أهمية كمال عقل المدعو. والله المستعان.\nالثاني عشر: من معجزات النبي ﷺ: تكثير الطعام: إن من المعجزات الظاهرة الحسية التي تدل على صدق النبي ﷺ: تكثير\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب المناقب، باب صفة النبي ﷺ، ٤/ ٢٠٢، برقم ٣٥٦٣، ومسلم، كتاب الأشربة، باب لا يعيب الطعام، ٣/ ١٦٣٢، برقم ٢٠٦٤.\n(٢) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٧/ ٣٩٨.","vol":"2","page":822},{"text":"الطعام على يديه، وقد ظهرت هذه المعجزة في هذا الحديث، وذلك أن عناق جابر وصاع الشعير أشبع أمة من الناس وبقي الطعام كما هو لم ينقص منه شيء، قال جابر ﵁: \" وهم ألف فأقسم بالله لقد أكلوا حتى تركوه وانحرفوا، وإن برمتنا لتغط كما هي، وإن عجيننا ليخبز كما هو \" قال الإمام النووي ﵀: \" وقد تضمن هذا الحديث علمين من أعلام النبوة: أحدهما تكثير الطعام القليل، والثاني علمه - ﷺ - بأن هذا الطعام القليل الذي يكفي في العادة خمسة أنفس أو نحوهم سيكثر فيكفي ألفا وزيادة، فدعا له ألفا قبل أن يصل إليه، وقد علم أنه صاع شعير، وبهيمة والله أعلم \" (١).\nوهذا يؤكد أهمية إبلاغ الداعية للناس بعلامات نبوة محمد ﷺ (٢).\nالثالث عشر: أهمية الأخذ بالأسباب: ظهر في هذا الحديث أهمية الأخذ بالأسباب والتوكل على الله - ﷿؛ ولهذا حفر النبي - ﷺ - الخندق من باب الأخذ بالأسباب وقد علم أن الأحزاب تكالبوا عليه من كل حدب وصوب ولكن لثقته العظيمة وتوكله الكامل على الله - ﷿ - صمد لذلك وحفر الخندق على ضعف الصحابة وقلة ما في اليد؛ ولضعفهم البدني حُدَّدَ لكل عشرة رجال عشرة أذرع (٣) فأخذ رسول الله - ﷺ - بالأسباب هو وأصحابه مع التوكل الكامل فنصرهم الله وأنزل جنوده، وريحه، وإعانته ونصره سبحانه - ﷿ (٤).\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٤/ ٢٣١.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٢١، الدرس الرابع.\n(٣) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٧/ ٣٩٧.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٣٠، الدرس الخامس، ورقم ١٣٢، الدرس التاسع.","vol":"2","page":823},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-268>[حديث أبلي وأخلقي ثم أبلي وأخلقي ثم أبلي وأخلقي]</span>\n١٤٢ - [٣٠٧١] حدثَنَا حبَّانُ بْنُ مُوسَى: أَخْبَرَنَا عبد الله، عَنْ خَالِدِ بْنِ سعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عنْ أُمِّ خَالِدٍ (١) بنْتِ خَالِد بْنِ سَعِيدٍ قَالَتْ: «أتيْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - معَ أَبِي وَعَلَيَّ قَمِيصٌ أَصْفَرُ، قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: \" سِنَهْ سِنَهْ \". قَالَ عبد الله: وَهِيَ بِالحَبَشِيّةِ: حَسَنَة. قَالَتْ: فَذَهَبْتُ أَلْعَبُ بِخَاتَم النبوَّةِ، فَزَبَرَني أَبِي. قالَ رَسُولُ الله ﷺ: \" دَعْهَا \". ثُمِّ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: \" أَبْلِي وَأَخْلِقي، ثُمَّ أَبْلِي وأَخْلِقي، ثُمَّ أَبْلِي وَأَخْلِقي \". قَالَ عبد الله: فبَقِيَتْ حَتَّى (٢) دَكَن. (٣).\nوفي رواية الأكثر: \" ذَكَر» (٤).\nوفي رواية: «. . . قَدِمْتُ مِنْ أرْضِ الْحَبَشَةِ وَأَنَا وجُوَيْرِيَة، فَكَسَانِي رَسُولُ الله - ﷺ - خمِيصَةً لَهَا أَعْلام، فَجَعَلَ رَسُولُ الله - ﷺ - يمْسَحُ الأَعْلامَ بِيَدِهِ وَيَقُولُ: \" سَنَاهْ سَنَاهْ». قَالَ الْحُمَيْدِيّ: يَعنِي: حَسَن حَسَن (٥).\nوفي رواية: «أُتِيَ النَّبِيُّ - ﷺ - بثِيَابٍ فِيهَا خَمِيصَةٌ سَوْدَاءُ صَغِيرَةٌ فَقَالَ: \" مَنْ تَرَوْنَ أَنْ نَكْسُوَ هَذِهِ؟ \" فَسَكَتَ الْقَوْمُ. قَالَ: \" ائتوني بِأمِّ خَالد \"، فَأُتِي بِهَا تُحْمَلُ، فَأَخَذَ الْخَمِيصَةَ بِيَدِهِ فَأَلْبَسَهَا وَقَالَ: \" أَبْلِي وَأَخْلِقِي \". وَكَانَ فِيهَا عَلَمٌ\n_________\n(١) أم خالد اسمها: أمة بنت خالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، القرشية، الأموية، المكية، الحبشية المولد، وهي مشهورة بكنيتها، لها ولأبويها صحبة وكانت ممن هاجر إلى الحبشة، وقُدِمَ بها على النبي - ﷺ - وهي صغيرة، وتزوجها الزبير بن العوام فولدت له، عمرا وخالدا، وروت عن رسول الله - ﷺ - حديثين، وكانت فيمن أقرأ رسولَ الله - ﷺ - السلام من النجاشي، وقيل: بأنها آخر الصحابيات وفاة، بقيت إلى أيام سهل بن سعد الواقدي. انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي، ٣/ ٤٧٠، والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، ٤/ ٤٤٧.\n(٢) قوله \" فبقيت حتى دكن \" هكذا في النسخة المعتمدة، قال الحافظ ابن حجر ﵀: \" وفي رواية أبي ذر عن الكشميهني حتى \" دكن \" أي صار أدكن أي أسود، وقد جزم جماعة بأن رواية الكشُميهني تصحيف \" ورواية الأكثر. \" حتى ذكر \" والتقدير فبقيت أي أم خالد حتى ذكر الراوي زمنا طويلًا، وفي رواية \" فبقي حتى ذكر \" أي بقى الثوب المذكور. انظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر، ١٠/ ٤٢٥ - ٤٢٦.\n(٣) [الحديث ٣٠٧١] أطرافه في: كتاب مناقب الأنصار، باب هجرة الحبشة، ٤/ ٢٩٦، برقم ٣٨٧٤. وكتاب اللباس، باب الخميصة السوداء، ٧/ ٥٤، برقم ٥٨٢٣. وكتاب اللباس، باب ما يدعى لمن لبس ثوبا جديدا، ٧/ ٦١، برقم ٥٨٤٥. وكتاب الأدب، باب من ترك صبية غيره حتى تلعب به، أو قبلها أو مازحها، ٧/ ٩٨، برقم ٥٩٩٣.\n(٤) قال ابن حجر في فتح الباري، ١٠/ ٤٢٦: \" جزم جماعة بأن رواية \" دكن \" صحيحة \".\n(٥) الطرف رقم ٣٨٧٤.","vol":"2","page":824},{"text":"أخضر أو أصفر، فقال: \" يا أم خالد هذا سناه \" وسناه بالحبشية» (١).\nوفي رواية «. . . . فبقيت حتى ذكر. . . يعني من بقائها» (٢).\n* شرح غريب الحديث: * \" سَنَهْ \" أو \" سَنَاه \" سنا بالحبشية: حَسَنٌ، وسَنّاه بالتشديد والتخفيف (٣).\n* \" زبرني \" يقال: زبرتُ الرجل: زجرته وانتهرته (٤).\n* \" خميصة لها أعلام \" الخميصة: كساء من خز أو صوف أسود، وجمعه خمائص، وكانت من لباس النساء، ولا تكون الخمائص إلا معلمة (٥).\n* \" دكن \" يقال: دكن الثوب أي عاد لونه إلى الدكنة وهي السواد (٦).\n* \" أبلي وأخلقي \" من إخلاق الثوب: أي تقطيعه (٧).\nوأبلي: من أبليت الثوب إذا جعلته عتيقا، وهو بمعنى أخلقي (٨).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من أصناف المدعوين: الأطفال.\n٢ - من صفات الداعية: التواضع.\n٣ - من صفات الداعية: الحلم.\n٤ - من صفات الداعية: المشاورة للأصحاب.\n_________\n(١) الطرف رقم ٥٨٢٣.\n(٢) الطرف رقم ٥٩٩٣.\n(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير، باب السين مع النون مادة: \" سنا \" ٢/ ٤١٥.\n(٤) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٥٧٥، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الزاي مع الباء، مادة: \" زبر \" ٢/ ٢٩٣.\n(٥) تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٥٧٥.\n(٦) انظر: المرجع السابق ص ٥٧٥، وفتح الباري لابن حجر، ١٠/ ٤٢٥.\n(٧) النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير، باب الخاء مع اللام، مادة: \" خلق \" ٢/ ٧١.\n(٨) انظر: شرح الكرماني على صحيح البخاري، ١٣/ ٦٢.","vol":"2","page":825},{"text":"٥ - من أساليب الدعوة: استمالة قلب المدعو بمخاطبته بلغته.\n٦ - من أساليب الدعوة: الدعاء بطول العمر على طاعة الله - ﷿.\n٧ - من معجزات الرسول ﷺ: استجابة دعواته.\n٨ - من وسائل الدعوة: الإِهداء.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من أصناف المدعوين: الأطفال: دل هذا الحديث على أن من أصناف المدعوين الأطفال؛ ولهذا أدخل النبي - ﷺ - السرور على أم خالد بنت خالد - ﵄ - فقال لها: \" سنهْ سنهْ \" واستمال قلبها بذلك، وبالهدية، وبالدعاء، فدل ذلك كله على أهمية العناية بالأطفال؛ لأنهم من أصناف المدعوين؛ وقد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه استمال قلوب كثير من الأطفال إما بالدعاء والهدية والمداعبة كما في حديث أم خالد هذا، وإما بالسلام كما في حديث أنس - ﵁ - «أنه كان يمشي مع رسول الله - ﷺ - \" فمر بصبيان فسلم عليهم» (١) وكان - ﷺ - إذا رأى بعض الصبيان يعمل عملا لا ينبغي أنكر عليه بالأسلوب الحسن الجميل الذي يناسبه، فعن أبي هريرة ﵁: «أن الحسن بن علي أخذ تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه فقال له النبي - ﷺ - بالفارسية: \" كخْ، كخْ، ارمِ بها، أما علمت أنا لا نأكل الصدقة» (٢).\nوهذا يدل على أن الصبيان ينكر عليهم على حسب عقولهم؛ فإن معنى: كِخْ كِخْ: الزجر للصبي عما يريد فعله (٣).\nوسمعت العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله يقول: \" كِخ كِخ، يعني اتركها، وهذا فيه تعليم الصبيان ما أمر الله به، ونهيهم عما نهى الله عنه، حتى يتعوَّدوا؛ لئلا يتمردوا، وهكذا لا يلبسوا\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الاستئذان، باب التسليم على الصبيان، ٧/ ١٦٩، برقم ٦٢٤٧، ومسلم، كتاب السلام، باب استحباب السلام على الصبيان، ٤/ ١٧٠٨، برقم ٢١٦٩.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الجهاد، باب من تكلم بالفارسية والرطانة، / برقم ٣٠٧٢، ومسلم، كتاب الزكاة، باب تحريم الزكاة على رسول الله - ﷺ وآله -، ٣/ ٧٥١، برقم ١٠٦٩.\n(٣) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٦/ ١٨٥.","vol":"2","page":826},{"text":"الذهب ولا الحرير، ويمنعوا من الإِسبال، وظاهر الحديث أن كلمة كخ كخ كانت تستخدم في المدينة، فخاطبهم بما يفهمون، وأصلها فارسي فأصبحت عربية بالنقل، وكل كلمة ليست بعربية ثم نقلت إلى العربية واستخدمها العرب، فإنها تصبح عربية بالنقل \" (١) وقد كان النبي - ﷺ - يؤدب الصبيان بالكلام الحكيم ويأمرهم بالأدب الكريم، فعن عمر بن أبي سلمة قال: «كنت غلاما في حجر رسول الله - ﷺ، وكانت يدي تطيش (٢) في الصحفة فقال لي رسول الله ﷺ: \" يا غلام سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك \" فما زالت تلك طعمتي بعد» (٣) وكان - ﷺ - يعلم الصبيان ما ينفعهم، ويحذرهم مما يضرهم، فعن ابن عباس - ﵄ - قال: كنت خلف رسول الله - ﷺ - يوما فقال: «يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف» (٤) ومما يدل على عنايته - ﷺ - بتعليم الصبيان ما رواه عنه ابن عباس - ﵄ - \" أن النبي - ﷺ - توضأ فقام يصلي، فقمت عن يساره فأخذ بأذني فأدارني عن يمينه فتتامت صلاته ثلاث عشرة ركعة. . . \" (٥).\nوهذا كله يؤكد أن الأطفال من أصناف المدعوين، فينبغي العناية بهم، ومراعاة أحوالهم ومخاطبتهم على قدر عقولهم.\n_________\n(١) سمعت ذلك من سماحته حفظه الله أثناء شرحه لحديث رقم ٣٠٧٢، من صحيح البخاري.\n(٢) تطيش: أي تتحرك وتمتد إلى نواحي الصحفة ولا تقتصر على موضع واحد، والصحفة دون القصعة وهي ما تسع ما يشبع خمسة، والقصعة تشبع عشرة، وقيل: الصحفة كالقصعة. شرح النووي على صحيح مسلم، ١٣/ ٢٠٤.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الأطعمة، باب التسمية على الطعام، والأكل باليمين، ٦/ ٢٤١، برقم ٥٣٧٦، ومسلم، كتاب الأشربة، باب آداب الطعام والشراب وأحكامهما، ٣/ ١٥٩٩، برقم ٢٠٢٢.\n(٤) الترمذي، ٤/ ٦٦٧، برقم ٢٥١٦، وتقدم تخريجه في الحديث رقم ٥٨، الدرس الثاني، ص ٣٤٣.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب الدعوات، باب الدعاء إذا انتبه من الليل، ٧/ ١٩٠، برقم ١٣١٦، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، ١/ ٥٢٦، برقم ٧٦٣.","vol":"2","page":827},{"text":"ثانيا: من صفات الداعية: التواضع: دل هذا الحديث على أن من صفات الداعية التواضع؛ ولهذا تواضع النبي - ﷺ - مع أم خالد فلاطفها وقال: \" سنهْ سنهْ \" قال العلامة العيني ﵀ في فوائد هذا الحديث: \" وفيه تواضع النبي ﷺ \" (١) وسمعت العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله يقول: \" فيه تواضعه - ﷺ - مع أم خالد وحسن خلقه؛ لكونه قال: \" سناه سناه \" يعني حسن حسن \". (٢).\nفينبغي أن يعتني الداعية بهذه الصفة العظيمة (٣).\nثالثا: من صفات الداعية: الحلم: ظهر في هذا الحديث أن الحلم صفة عظيمة من أهم الصفات التي ينبغي للداعية أن يتصف بها؛ ولهذا حلم النبي - ﷺ - على أم خالد عندما لعبت بخاتم النبوة، وقد زجرها أبوها ﵁، ولكن النبي - ﷺ - قال له: \" دعها \" وهذا يؤكد عظم حلمه - ﷺ - وحسن خلقه (٤).\nفينبغي للداعية أن يقتدي به ﷺ (٥).\nرابعا: من صفات الداعية: المشاورة للأصحاب: دل هذا الحديث على أن من صفات الداعية المشاورة لأصحابه؛ ولهذا شاور النبي - ﷺ - أصحابه فيمن يعطي الخميصة السوداء الصغيرة فقال: «من ترون أن نكسُوَ هذه؟ \" فسكت القوم، قال: \" ائتوني بأم خالد \" فأخذ الخميصة بيده فألبسها فقال: \" أبلي وأخلقي». وهذا يؤكد أهمية الشورى مع الأصحاب؛ لما في ذلك من تطييب القلوب وسداد الرأي، والله المستعان (٦).\n_________\n(١) عمدة القاري شرح صحيح البخاري، ٢٢/ ٩٨.\n(٢) سمعت ذلك من سماحته أثناء شرحه لحديث رقم ٣٨٧٤ من صحيح البخاري.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٦٢، الدرس الثالث.\n(٤) انظر: عمدة القاري للعيني، ١٥/ ٦، ٢٢/ ٩٨.\n(٥) انظر: الحديث رقم ٣٥، الدرس الثاني، ورقم ٨٩، الدرس الخامس.\n(٦) انظر: الحديث رقم ١١، الدرس الرابع، ورقم ٦٤، الدرس الثالث، ورقم ١٠٨، الدرس الرابع عشر.","vol":"2","page":828},{"text":"خامسا: من أساليب الدعوة: استمالة قلب المدعو بمخاطبته بلغته: ظهر في هذا الحديث أن من أساليب الدعوة استمالة قلب المدعو بمخاطبته بلغته، ومن ذلك قول النبي - ﷺ - لأم خالد في هذا الحديث: \" سنه سنه \" أي حسنةٌ حسنة، أو حسنٌ حسنٌ، وخاطبها بذلك؛ لأنها ولدت في الحبشة وهذه لغة حبشية؛ قال الكرماني ﵀: \" وإنما كان غرض رسول الله - ﷺ - من التكلم بهذه الكلمة الحبشية استمالة قلبها؛ لأنها ولدت بأرض الحبشة \" (١).\nفينبغي للداعية أن يخاطب الناس بما يستميل به قلوبهم، وإذا استطاع أن يستميل قلوبهم بمخاطبتهم بلغاتهم فعل؛ لما في ذلك من تأليف قلوبهم وجذبها لمحبة الإِسلام، والله المستعان.\nسادسا: من أساليب الدعوة: الدعاء بطول العمر على طاعة الله - ﷿: إن من أساليب الدعوة الدعاء بطول العمر على طاعة الله - ﷿؛ وقد دعا رسول الله - ﷺ - لأمِّ خالد بطول العمر فقال عندما ألبسها الخميصة: «أبلي وأخلقي، ثم أبلي وأخلقي، ثم أبلي وأخلقي» وهذا دعاء منه - ﷺ - بطول العمر لأم خالد، قال الحافظ ابن حجر ﵀: \" ووقع في نسخة الصاغاني هنا من الزيادة في آخر الباب \" قال أبو عبد الله هو المصنف: \" لم تعش امرأة مثل ما عاشت هذه، يعني أم خالد \" ثم قال الحافظ ابن حجر: \" قلت وإدراك موسى بن عقبة لها دال على طول عمرها؛ لأنه لم يلق من الصحابة غيرها \" (٢) وقول النبي ﷺ: «أبلي وأخلقي» دعاء بطول العمر؛ لأن العرب تطلق ذلك وتريد الدعاء بطول البقاء للمخاطب بذلك: أي إنها تطول حياتها حتى يبلى الثوب ويخلق، يقال: أبلِ وأخلِقْ معناه: عش وخرق ثيابك وأرقعها (٣) ولكن ينبغي أن يقيد الدعاء بطول العمر بطاعة الله - ﷿؛ لحديث أبي بكرة ﵁: «أن رجلا قال: يا رسول الله أيُّ الناس خير؟ قال: \" من طال عمره وحسن عمله \"\n_________\n(١) شرح الكرماني على صحيح البخاري، ٢١/ ٧٥.\n(٢) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٦/ ١٨٤.\n(٣) انظر المرجع السابق، ١٠/ ٢٨٠.","vol":"2","page":829},{"text":"قال: فأي الناس شر؟ قال؛ \" من طال عمره وساءَ عمله» (١) وسمعت العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله يقول: \" الدعاء بطول العمر ينبغي أن يقرن بالطاعة، وإذا دعا بطول العمر ونوى بذلك على الطاعة كفت النية \" (٢).\nسابعا: من معجزات الرسول ﷺ: استجابة دعواته: دل هذا الحديث على أن من معجزات الرسول - ﷺ - استجابة الله - ﷿ - لدعواته؛ ولهذا دعا - ﷺ - لأم خالد فقال لها: «أبلي وأخلقي ثم أبلي وأخلقي ثم أبلي وأخلقي» وهذا الدعاء بطول العمر، وقد استجاب الله دعوته - ﷺ - فعاشت زمنًا طويلا ﵂ (٣) وهذا يؤكد أن من معجزاته - ﷺ - استجابة دعواته (٤).\nثامنا: من وسائل الدعوة: الإهداء: دل هذا الحديث على أن من وسائل الدعوة الإهداء؛ لما في ذلك من استمالة القلوب، وإزالة الشحناء، وجمع القلوب؛ ولهذا أهدى رسول الله - ﷺ - لأم خالد الخميصة كما في الحديث، وقد حث النبي - ﷺ - على الهدية فقال: «تهادوا تحابوا» (٥).\nفينبغي العناية بالهدية، وقبولها والإثابة عليها. بشرط أن لا تكون سببا للوقوع في أخذ الرشوة التي حرم الشرع.\nفلا بد من التأمل أثناء الإهداء، وقبول الهدية والله المستعان (٦).\n_________\n(١) الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في طول العمر للمؤمن، ٤/ ٥٦٥ - ٥٦٦، برقم ٢٣٣٠، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ٢/ ٢٧١.\n(٢) سمعته من سماحته أثناء شرحه لحديث رقم ٣٠٧١ من صحيح البخاري.\n(٣) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٦/ ١٨٤، ١٠/ ٢٨٠.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٩١، الدرس التاسع، ورقم ١٢٢، الدرس الحادي عشر.\n(٥) البيهقي في السنن الكبرى، ٦/ ١٦٩، والبخاري في الأدب المفرد برقم ٥٩٤، وتقدم تخريجه في الحديث رقم ٧، الدرس التاسع، ص ٨٦.\n(٦) انظر: الحديث رقم ٧، الدرس التاسع.","vol":"2","page":830},{"text":"١٩٠ -<span data-type=\"title\" id=toc-269> باب القليل من الغلول</span>\nوَلَم يَذْكُر عبد الله بْنُ عَمْرو عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أنهُ حَرَّقَ مَتَاعَهُ، وَهَذا أصَحّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-270>[حديث كان على ثقل النبي ﷺ رجل يقال له كركرة]</span>\n١٤٣ - [٣٠٧٤] حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ عبد الله: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ سالِم بْنِ أَبِي الجَعْدِ، عَنْ عبد الله بْن عَمْرٍو (١) قَالَ: «كَان عَلَى ثَقَلِ النَّبِيِّ - ﷺ - رجلٌ يُقَالُ لَهُ كِرْكِرَة (٢) فَمَاتَ، فَقَال رَسُولُ الله ﷺ: \" هُوَ فِي النَّارِ \"، فَذهَبُوا ينظُرُونَ إِلَيْهِ فَوَجَدُوا عَبَاءَةً قَدْ غَلَّهَا».\nقَالَ أَبُو عبد الله: قَالَ ابْنُ سَلامٍ: كَرْكَرَة: يَعْنِي بفَتْحِ الكَافِ، وَهُوَ مَضْبُوط كَذَا.\n\n* شرح غريب الحديث: * ثقل النبي ﷺ \" الثقل: الرَّحْلُ والمتاع، وجمعه: أثقال (٣).\n* عباءة، العباءَة: ضرب ونوع من الأكسية فيها خشونة (٤).\n* \" غلها \" الغلول في المغنم أن يخْفى من الغنيمة شيء ولا يرد إلى القسمة؛ لأن ذلك من حقوق من شهد الغنيمة، وهو في معنى الخيانة يقال: غل يغل غلولا: إذا أخذ من الأموال المغنومة شيئا فأخفاه، وكل من خان شيئا في خفاء فقد غل، وسمي ذلك غلولا؛ لأن الأيدي مغلولة عنه: أي ممنوعة منه (٥).\n\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ١١٤.\n(٢) كركرة: مولى رسول الله ﷺ، كان نوبيا، أهداه له هوذة بن علي الحنفي اليمامي فأعتقه، قيل له صحبة ولا تعرف له رواية، وكان يمسك دابة النبي - ﷺ - يوم خيبر، وقيل: مات على عهد النبي - ﷺ - وهو مملوك، وقيل: \" كركرة بفتح الكافين وبكسرهما، ومقتضاه أن فيه أربع لغات، وقال النووي: إنما الخلاف في الكاف الأولى، وأما الثانية فمكسورة جزمًا. انظر: البداية والنهاية لابن كثير، ٤/ ١٨٠، والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، ٣/ ٢٩٣.\n(٣) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٩٠٧، والنهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير، باب الثاء مع القاف، مادة: \" ثقل \"، ١/ ٢١٧.\n(٤) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٨٣ وص ٤٣٢.\n(٥) انظر: المرجع السابق، ص ٥٠، ص ٢٧، ص ٤٨٩.","vol":"2","page":831},{"text":"١ - من موضوعات الدعوة: التحذير من الغلول.\n٢ - من صفات الداعية: الأمانة.\n٣ - من أساليب الدعوة: الترهيب.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من موضوعات الدعوة: التحذير من الغلول: ظهر في هذا الحديث أن من موضوعات الدعوة التي ينبغي أن يعتني بها الداعية: التحذير من الغلول وبيان خطره؛ ولهذا قال - ﷺ - فيمن غل العباءة: «هو في النار» وقد نفى الله - ﷿ - الغلول عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وحذر وتوعد أصحاب الغلول يوم القِيَامة فقال - ﷿: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٦١] (١).\nوحذر النبي - ﷺ - عن الغلول، فعن أبي هريرة ﵁، قال: «قام فينا رسول الله - ﷺ - ذات يوم فذكر الغلول، فعظّمه وعظّم أمره ثم قال: \" لَا أُلفِيَنَّ (٢) أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء (٣) يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئا، قد أبلغتك. لا أُلفِيَنَّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة (٤).\nفيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئا، قد أبلغتك. لا أُلفِيَنَّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثُغاءٌ (٥) يقول يا رسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئا قد أبلغتك. لا أُلفِيَنَّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته نفس لها صياح (٦) فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئا قد أبلغتك. لا أُلْفِيَنَّ أحدكم\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآية: ١٦١.\n(٢) لا أُلْفِيَنَّ: ذكره النووي بضم الهمزة وكسر الفاء: أي لا أجدن أحدكم على هذه الصفة، ومعناه: لا تعملوا عملا أجدكم بسببه على هذه الصفة: انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ١٢/ ٤٥٨، وفتح الباري لابن حجر، ٦/ ١٨٦.\n(٣) الرغاء: صوت الإبل، وذوات الخف. جامع الأصول لابن الأثير، ٢/ ٧١٧.\n(٤) حمحمة: صوت الفرس عند العلف، وهو دون الصهيل، انظر: فتح الباري لابن حجر، ٦/ ١٨٦.\n(٥) الثغاء: صوت الشاة: انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٥٢١، وجامع الأصول لابن الأثير، ٢/ ٧١٧.\n(٦) الصياح صوت الإنسان: كأنه أراد ما يغله من رقيق، انظر: فتح الباري لابن حجر، ٦/ ١٨٦.","vol":"2","page":832},{"text":"يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع (١) تخفق (٢) فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئا قد أبلغتك، ولا ألفِيَنَّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت (٣) فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئا قد أبلغتك» (٤) وعن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: «لما كان يوم خيبر أقبل نفر من صحابة النبي - ﷺ - قالوا: فلان شهيد، فلان شهيد، حتى مرُّوا على رجل فقالوا: فلان شهيد، فقال رسول الله ﷺ: \" كلا إني رأيتُهُ في النار في بردة (٥) غلَّها، أو عباءَةٍ \" ثم قال رسول الله ﷺ: \" يا ابن الخطاب، اذهب فنادِ في الناس إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون \" قال فخرجت فناديت: \" ألا إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون» (٦) وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: «خرجنا مع النبي - ﷺ - إلى خيبر، ففتح الله علينا، فلم نغنم ذهبا ولا ورقا إنما غنمنا [البقر، والإِبل] والطعام، والثياب [ثم انصرفنا مع رسول الله - ﷺ - إلى وادي القرى، ومعه عبد له يقال له مدعم أهداه له أحد بني الضباب]، وفي رواية مسلم: ومع رسول الله - ﷺ - عبد له، وهبه له رجل من جُذام يُدعى رفاعة بن زيد من بني الضبيب، فلما نزلنا الوادي قام عبد رسول الله - ﷺ - يحلُّ رحله، فرُمِيَ بسهم فقال الناس: هنيئا له الشهادة يا رسول الله، فقال رسول الله - ﷺ: \" كلا والذي نفسي بيده إن الشملة التي أصابها يوم خيبر من الغنائم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا \" فجاء رجل حين سمع ذلك من النبي - ﷺ - بشراك (٧) أو\n_________\n(١) الرقاع: يريد ما عليه من الحقوق المكتوبة في الرقاع، وقيل: المراد بها الثياب. انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٣٣٥، وجامع الأصول لابن الأثير، ٢/ ٧١٧، وفتح الباري لابن حجر، ٦/ ١٨٦.\n(٢) تخفق: أي تتحرك: انظر: جامع الأصول لابن الأثير، ٢/ ٧١٧.\n(٣) الصامت: الصامت من الأموال الذهب والفضة وما لا روح فيه من أصناف المال، والمال الناطق: الإبل والغنم والخيل ونحوها، انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٣٣٥، وفتح الباري لابن حجر، ٦/ ١٨٦.\n(٤) متفق عليه: البخاري كتاب الجهاد والسير، باب الغلول، وقول الله تعالى: وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ٤/ ٤٦، برقم ٣٠٧٣، ومسلم، كتاب الإِمارة، باب غلظ تحريم الغلول، ٣/ ١٤٦١، برقم ١٨٣١، واللفظ له.\n(٥) البردة: هي الشملة المخططة، وجمعها برد، وهي النمرة، وهي إزار يؤتزر به، وقيل: هي كساء أسود صغير مربع يلبسه الأعراب. انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٤٧٠، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم للقرطبي، ١/ ٣٢١.\n(٦) مسلم كتاب الإِيمان، باب غلظ تحريم الغلول وأنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون، ١/ ١٠٧، برقم ١١٤.\n(٧) الشراك: سير من سيور النعل التي على وجهها. انظر: جامع الأصول من أحاديث الرسول ﷺ، لابن الأثير، ٢/ ٧١٩.","vol":"2","page":833},{"text":"بشراكين، فقال: هذا شيء كنت أصبته، فقال رسول الله ﷺ: \" شراك أو شراكان من نار» (١).\nويدخل في الغلول ما يؤخذ من بيت مال المسلمين عن طريق الخفية، وما يأخذه العمال من هدايا من أجل وظائفهم، فعن أبي حميد الساعدي قال: «استعمل رسول الله - ﷺ - عاملا (٢) فجاء العامل حين فرغ من عمله فقال: يا رسول الله هذا لكم، وهذا أهدي إليّ فقال له: \" أفلا قعدت في بيت أبيك وأمك فنظرت أيهدى لك أم لا؟ \" ثم قام رسول الله - ﷺ - عشيةً بعد الصلاة، فتشهد وأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: \" أما بعد فما بال العامل نستعمله، فيأتينا فيقول: هذا من عملكم وهذا أهدي لي، أفلا قعد في بيت أبيه وأمه فنظر هل يُهدى له أم لا؟ فوالذي نفس محمد بيده لا يغلُّ أحدكم منها شيئا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه، إن كان بعيرا جاء به له رغاء، وإن كانت بقرة جاء بها لها خوار، وإن كانت شاة جاء بها تيعرُ (٣) فقد بلغت» [وفي رواية مسلم: «اللهم هل بلغت؟ \" مرتين»] (٤).\nوالغلول من أعظم الذنوب ولو كان يسيرا، فعن زيد بن خالد الجهني - ﵁ - «أن رجلا من أصحاب النبي - ﷺ - توفي يوم خيبر فذكروا ذلك لرسول الله - ﷺ - فقال: \" صلوا على صاحبكم \" فتغيرت وجوه الناس لذلك، فقال: \" إن صاحبكم غل في سبيل الله \" ففتشنا متاعه فوجدنا فيه خرزا من خرز يهود لا يساوي درهمين» (٥).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، ٥/ ٩٥، برقم ٤٢٣٤، ومسلم، كتاب الإيمان، باب غلظِ تحريم الغلول وأنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون، ١/ ١٠٨، برقم ١١٥، واللفظ الذي بين المعكوفين للبخاري.\n(٢) هو ابن اللتبية استعمله على الصدقة. انظر: صحيح مسلم، برقم ١٨٣٢.\n(٣) تيعر: معناه: تصيح، واليُعار صوت الشاة. انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ١٢/ ٤٦١.\n(٤) متفق عليه: البخاري، ٧/ ٢٧٨، برقم ٦٦٣٦، ومسلم، ٣/ ١٤٦٣، برقم ١٨٣٢، وما بين المعكوفين له، وتقدم تخريجه في الحديث رقم ٤، آخر الدرس الرابع، ص ٦٩.\n(٥) أبو داود، كتاب الجهاد، باب في تعظيم الغلول، ٣/ ٦٨، برقم ٢٧١٠، والنسائي، كتاب الجنائز، باب الصلاة على من غل، ٤/ ٦٤، برقم ١٩٥٩، وموطأ مالك، كتاب الجهاد، باب ما جاء في الغلول، ٢/ ٤٥٨، وابن ماجه، كتاب الجهاد، باب الغلول، ٢/ ٩٥٠، برقم ٢٨٤٨، وأحمد في مسنده، ٤/ ١١٤، ٥/ ٩٢، وقال الشيخ عبد القادر الأرنؤوط في تحقيقه لجامع الأصول، ٢/ ٧٢١: \" إسناده عند مالك وابن ماجه صحيح \".","vol":"2","page":834},{"text":"وعن عبادة بن الصامت - ﵁ - قال: «صلى بنا رسول الله - ﷺ - يوم حنين إلى جنب بعير من المقاسم ثم تناول شيئا من البعير فأخذ منه قردة - يعني وبرة - فجعل بين أصبعيه ثم قال: \" أيها الناس إن هذا من غنائمكم. أدوا الخيط والمخيطَ فما فوق ذلك فما دون ذلك، فإن الغلول عار على أهله يوم القيامة، وشنار (١) ونار» (٢) فينبغي للداعية أن يحذر المدعوين من الغلول ويُبيِّن لهم خطره، أسأل الله لي ولجميع المسلمين العافية في الدنيا والآخرة.\nثانيًا: من صفات الداعية: الأمانة: ظهر في مفهوم هذا الحديث أن الأمانة من صفات الداعية؛ لأن النبي - ﷺ - بين أن هذا الرجل دخل النار بسبب عباءة غلها، فدل ذلك على خيانته وعدم حفظه للأمانة، ودل مفهوم المخالفة على أنه ينبغي للداعية أن يكون أمينا في كل شيء، والله المستعان (٣).\nثالثا: من أساليب الدعوة: الترهيب: دل هذا الحديث على أن أسلوب الترهيب له مكانة عظيمة في الدعوة إلى الله - ﷿؛ لما يحمل عليه من التخويف؛ ولهذا قال - ﷺ - لهذا الرجل: «هو في النار» بسبب العباءة التي غلها، وهذا فيه تخويف عظيم من الغلول يردع النفوس عن مثل هذا العمل القبيح (٤).\n_________\n(١) الشنار: العيب والعار، وقيل: هو العيب الذي فيه عار. النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الشين مع النون، مادة \" شنر \" ٢/ ٥٠٤.\n(٢) ابن ماجه، كتاب الجهاد، باب الغلول، ٢/ ٩٥٠، برقم ٢٨٥٠، وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه ٢/ ١٣٩، وسلسلة الأحاديث الصحيحة برقم ٩٨٥٠ وإرواء الغليل ٥/ ٧٤، وانظر: القواعد في الفقه الإسلامي لابن رجب، ص ٢٣٠.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٢٩، الدرس الثالث، ورقم ١٣٢، الدرس الرابع.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٧، الدرس الثالث عشر، ورقم ١٢، الدرس الثالث.","vol":"2","page":835},{"text":"١٩٤ -<span data-type=\"title\" id=toc-271> باب لا هجرة بعد الفتح</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-272>[حديث انقطعت الهجرة منذ فتح الله على نبيه ﷺ مكة]</span>\n١٤٤ - [٣٠٨٠] حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ عبد الله: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ: قَالَ عَمْرو وابْنُ جرَيجٍ: سَمِعْتُ عَطَاءً يَقَولُ: ذَهبْتُ مَعَ عُبَيدِ بْنِ عُمَيرٍ إِلَى عَائشةَ (١) ﵂ وَهِيَ مجَاوِرَةٌ بِثَبِيرٍ، فَقَالَتْ لَنَا: «انقَطَعَتِ الْهِجْرَةُ منْذُ فَتَحَ اللهُ عَلَى نَبِيِّهِ - ﷺ - مكَّةَ» (٢).\nوفي رواية: «زُرْتُ عَائِشَةَ ﵂، مَعَ عُبيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ اللَّيْثِي فَسَأَلْنَاهَا عَنِ الْهِجْرَةِ فَقَالَتْ: لا هِجْرَةَ الْيَوْمَ، كَانَ الْمُؤمِنُونَ يَفِرُّ أَحَدُهُمْ بدِينِهِ إِلَى الله تَعالى وَإِلَى رَسُولِه ﷺ، مَخَافَةَ أَنْ يُفْتَنَ عَلَيْهِ، فَأَمَّا الْيَوْمَ فَقَدْ أظْهَرَ الله الإِسْلامَ، وَالْيَوْمَ يَعْبُدُ رَبَّهُ حَيْثُ شَاءَ، وَلَكِنْ جِهَاد وَنيَّةٌ» (٣).\nوفي رواية: \". . «فَقَدْ أَظْهَرَ الله الإِسْلامَ، فَالمُؤمِنُ يَعْبُدُ رَبَّهُ حَيْثُ شَاءَ، وَلَكِنْ جِهَادٌ ونيَّةٌ» (٤).\n\n* شرح غريب الحديث: * \" ثبير \" جبل عظيم بالمزدلفة على يسار الذاهب منها إلى منى، وعلى يمين الذاهب من منى إلى مزدلفة (٥).\n\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n_________\n(١) تقدمت ترجمتها في الحديث رقم ٤.\n(٢) [الحديث ٣٠٨٠] طرفاه في: كتاب مناقب الأنصار، باب هجرة النبي - ﷺ - وأصحابه إلى المدينة، ٤/ ٣٠٥، برقم ٣٩٠٠ وكتاب المغازي، باب ٥/ ١١٥، برقم ٤٣١٢.\n(٣) الطرف رقم ٣٩٠٠.\n(٤) من الطرف رقم ٤٣١٢.\n(٥) انظر: مشارق الأنوار للقاضي عياض، حرف الثاء مع الباء، ١/ ١٣٦، وتهذيب الأسماء واللغات للنووي ٣/ ٤٦، وشرح الكرماني على صحيح البخاري ١٣/ ٦٨، وهدي الساري مقدمة فتح الباري لابن حجر ص ٩٤، وعمدة القاري للعيني ١٥/ ١١، وكل هؤلاء أجمعوا على أن جبل ثبير على يسار الذاهب من مزدلفة إلى منى. وانظر: معجم البلدان لياقوت بن عبد الله الحموي، ٢/ ٧٣، وكأنه أشار إلى أن ثبيرًا سُميَ بذلك، لحبسه الشمس عن الشروق في أول طلوعها.","vol":"2","page":836},{"text":"١ - أهمية زيارة العلماء للاستفادة من علمهم.\n٢ - أهمية السؤال في تحصيل العلم.\n٣ - من معجزات النبي ﷺ: الإخبار ببقاء مكة دار إسلام.\n٤ - من صفات الداعية: الصبر على الابتلاء والامتحان.\n٥ - من موضوعات الدعوة: الحث على الجهاد في سبيل الله ﷿.\n٦ - من موضوعات الدعوة: الحض على النية الصالحة.\n٧ - من موضوعات الدعوة: بيان بقاء الهجرة من بلد الكفر إلى بلد الإسلام.\n٨ - من صفات الداعية: التحدث بنعم الله ﷿.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: أهمية زيارة العلماء للاستفادة من علمهم: دل هذا الحديث على أنه ينبغي للمسلم وخاصة الداعية إلى الله ﷿ أن يزور العلماء؛ ليستفيد من علمهم ويتخلق بأخلاقهم الجميلة، لأنهم ورثة الأنبياء والأنبياء في الحقيقة إنما ورثوا العلم فمن أخذ به فقد أخذ بحظ وافر؛ ولهذا زار عطاء بن أبي رباح وعبيد بن عمير رحمهما الله عائشة ﵂؛ ليستفيدا من علمها كما جاء في هذا الحديث، قال عطاء: «ذهبت مع عبيد بن عمير إلى عائشة ﵂ وهي مجاورة بثبير فسألناها عن الهجرة فقالت: \"لا هجرة اليوم». . . \". وهذا يبين أهمية زيارة العلماء والاستفادة من علمهم (١).\nثانيا: أهمية السؤال في تحصيل العلم: ظهر في هذا الحديث أهمية السؤال في تحصيل العلم؛ ولهذا سأل عطاء وعبيد بن عمير عائشة ﵂ عن الهجرة، فقالت ﵂: «لا هجرة اليوم. . . ولكن جهاد ونية». وهذا يؤكد أهمية العناية بالسؤال عن العلم؛ للاستفادة (٢).\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ١٠٨، الدرس الثالث.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٩٢، الدرس الرابع.","vol":"2","page":837},{"text":"ثالثا: من معجزات النبي ﷺ: الإخبار ببقاء مكة دار إسلام: دل هذا الحديث على أن مكة تبقى دار إسلام فلا يهاجر منها إلى المدينة أو غيرها؛ ولهذا قالت عائشة ﵂: «انقطعت الهجرة منذ فتح الله على نبيه ﷺ مكة». وهذا يؤكد صدق النبي ﷺ وأن بقاء مكة دار إسلام من علامات نبوته (١).\nرابعا: من صفات الداعية: الصبر على الابتلاء والامتحان: ظهر في هذا الحديث أن من صفات الداعية: الصبر على الابتلاء والامتحان؛ ولهذا قالت عائشة ﵂ في هذا الحديث: \"كان المؤمنون يفر أحدهم بدينه إلى الله تعالى وإلى رسوله ﷺ، مخافة أن يفتن عليه. . . \" وهذا يبين ما وقع للصحابة ﵃ من الابتلاء والامتحان فصبروا وهاجروا، ونصرهم الله ﷿ (٢) فينبغي للداعية أن يسأل الله العافية في الدنيا والآخرة دائما، وإذا حصل شيء من الابتلاء صبر واحتسب (٣).\nخامسا: من موضوعات الدعوة: الحث على الجهاد في سبيل الله ﷿: إن من الموضوعات المهمة التي ينبغي أن يعتني بها الدعاة الحض على الجهاد في سبيل الله ﷿؛ بالنفس، والمال، والسنان، واللسان؛ ولهذا حثت عائشة ﵂ في هذا الحديث على الجهاد بقولها: «ولكن جهاد ونية». وهذا يؤكد أهمية الحث على الجهاد في سبيل الله ﷿ (٤).\nسادسا: من موضوعات الدعوة: الحض على النية الصالحة: دل هذا الحديث على أن من موضوعات الدعوة الحث والحض على النية\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ١٥٥، ١٠١، الدرس السادس.\n(٢) انظر: معالم السنن للخطابي، ٣/ ٣٥٣، وفتح الباري، لابن حجر، ٧/ ٢٢٩ - ٢٣٠، وفيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي ٦/ ٤٣٨، ومرقاة المفاتيح للملا علي القاري، ٥/ ٥٩٥، ٧/ ٣٨٢.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٩، الدرس الثامن، ورقم ١٦، الدرس الخامس.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٢، الدرس الثاني، ورقم ١٨، الدرس الثاني.","vol":"2","page":838},{"text":"الصالحة (١)؛ ولهذا قالت عائشة ﵂ في هذا الحديث: «لكن جهاد ونية» وهذا فيه حث على النية الخالصة والعناية بها. فينبغي للداعية أن يبين ذلك للناس بيانا واضحا كاملا؛ لأهميتها ومكانتها في الإسلام (٢).\nسابعا: من موضوعات الدعوة: بيان بقاء الهجرة من بلد الكفر إلى بلد الإسلام: الناظر في هذا الحديث يظهر له أن الهجرة قد انقطعت؛ لقول عائشة ﵂: «انقطعت الهجرة منذ فتح الله على نبيه ﷺ مكة» ولكن أحاديث النبي ﷺ يفسر بعضها بعضا؛ فإن الهجرة التي انقطعت هي الهجرة من مكة إلى المدينة؛ لأن مكة صارت دار إسلام (٣) أما الهجرة من بلد الكفر إلى بلد الإسلام، أو من بلد المعاصي والسيئات إلى بلد الطاعات والحسنات فهذه باقية إلى يوم القيامة (٤).\nثامنا: من صفات الداعية: التحدث بنعم الله ﷿: دل هذا الحديث على أهمية التحدث بنعم الله ﷿ وشكره عليها؛ ولهذا قالت عائشة ﵂: «فأما اليوم فقد أظهر الله الإسلام، والمؤمن يعبد ربه حيث شاء. . .» وهذا فيه إظهار النعم والتحدث بها.\nفينبغي للداعية أن يتحدث بنعم الله عليه ويثني على الله ﷿ بها ويشكره عليها بقوله وفعله (٥).\n\n[باب استقبال الغزاة]\n_________\n(١) انظر: إكمال إكمال المعلم للآبي، ٦/ ٥٨١، وشرح رياض الصالحين لابن عثيمين ١/ ٢٥.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٧٣، الدرس السابع، ورقم ١١٢، الدرس الأول.\n(٣) انظر: عارضة الأحوذي شرح سنن الترمذي لابن العربي، ٤/ ٨٩.\n(٤) انظر: الحديث رقم ١٠٠، ١٠١، الدرس السابع.\n(٥) انظر: الحديث رقم ٤٦، الدرس السادس عشر، ورقم ١٠٦، الدرس الخامس، ورقم ١٢٣، الدرس الثامن.","vol":"2","page":839},{"text":"١٩٦ -<span data-type=\"title\" id=toc-273> باب استقبال الغزاة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-274>[حديث قول ابن الزبير لابن جعفر أتذكر إذ تلقينا رسول الله ﷺ]</span>\n١٤٥ - [٣٠٨٢] حدّثنا عبد الله بن أبي الأسود: حدّثنا يزيد بن زريع وحميد بن الأسود، عن حبيب بن الشّهيد، عن ابن أبي مليكة: «قال ابن الزّبير (١) لابن جعفر (٢) ﵃: أتذكر إذ تلقّينا رسول الله ﷺ أنا وأنت وابن عبّاس؛ قال: نعم، فحملنا وتركك» (٣).\n_________\n(١) عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد، بن عبد العزى، القرشي الأسدي، أمه أسماء بنت أبي بكر، ولد عام الهجرة، وهو أول مولود ولد للمهاجرين إلى المدينة بعد الهجرة، وفرح المسلمون بولادته فرحا شديدا؛ لأن اليهود يقولون قد سحرناهم فلا يولد لهم فأكذبهم الله تعالى: وحفظ عن النبي ﷺ وهو صغير، وهو أحد العبادلة، وأحد الشجعان من الصحابة، وأحد من ولي الخلافة منهم، وكانت ولادته بعد عشرين شهرا من الهجرة، وقيل: في السنة الأولى، وكان صوّاما قواما طويل الصلاة، وصولا للرحم، وغزا إفريقية مع عبد الله بن سعد بن أبي السرح فأتاهم ملك إفريقية في مائة وعشرين ألفا، وكان المسلمون عشرين ألفا، وسقط في أيديهم فنظر ابن الزبير ملكهم قد خرج من عسكره فأخذ ابن الزبير جماعة فقصده فقتله ثم كان الفتح على يديه، وشهد اليرموك مع أبيه الزبير، وكان يقاتل عن عثمان ﵁، وشهد الجمل مع عائشة ثم اعتزل حروب علي ومعاوية ﵃، ثم بايع لمعاوية، فلما أراد أن يبايع ليزيد امتنع وتحول إلى مكة، ولما كانت وقعة الحرة تحولوا إلى مكة وقاتلوا ابن الزبير، فمات يزيد فرجع أهل الشام وبايع الناس عبد الله بن الزبير بالخلافة وأرسل إلى أهل الأمصار يبايعهم إلا بعض أهل الشام، فغلب مروان على بقبة أهل الشام ثم على مصر، ثم مات فقام عبد الملك بن مروان فغلب على العراق وقتل مصعب بن الزبير، ئم جهز الحجاج إلى ابن الزبير فقاتله إلى أن قتل ابن الزبير في جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين من الهجرة، وهذا هو المحفوظ وهو قول الجمهور، وكان أطلس لا لحية له، وقد روى عن رسول الله ﷺ ثلاثة وثلاثين حديثا اتفق البخاري ومسلم على ستة وانفرد مسلم بحديثين ﵁.\nانظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي ١/ ٢٦٦، والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، ٢/ ٣٠٩.\n(٢) عبد الله بن جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب، العالم الجواد بن الجواد ذي الجناحين، أمه أسماء بنت عميس ولدت عبد الله بالحبشة في الهجرة وكان أول مولود ولد في الإسلام في الحبشة باتفاق العلماء، وقدم مع أبيه من الحبشة مهاجرين إلى المدينة، وهو أخو محمد بن أبي بكر الصديق لأمه، وأخو يحيى بن علي بن أبي طالب لأمه، لأن أسماء تزوجها جعفر، ثم أبو بكر، ثم علي ﵃: روي لعبد الله خمسة وعشرون حديثا عن رسول الله ﷺ، اتفق البخاري ومسلم منها على حديثين، وتوفي رسول الله ﷺ ولعبد الله عشر سنين وكان كريما جوادا حليما، وكان يسمى بحر الجود، وأخبار أحواله في السخاء والجود مشهورة ومنها انه أقرض الزبير بن العوام ألف ألف درهم فلما قتل الزبير قال عبد الله بن الزبير لعبد الله بن جعفر. وجدت في كتب أبي أن له عليك ألف ألف درهم، فقال هو صادق فاقبضها إذا شئت، ثم ذهب عبد الله بن الزبير فنظر وتأكد فوجد أن المال لعبد الله بن جعفر فلقيه فقال. يا أبا جعفر إني وهمت، المال لك على أبي قال فهو لك قال: لا أريد ذلك، وتوفي ﵁ في المدينة سنة ثمانين من الهجرة، وهو ابن ثمانين سنة، وهذا هو الصحيح وقول الجمهور، وحضر غسله وكفنه وصلى عليه أبان بن عثمان والي المدينة. ﵁. انظر تهذيب الأسماء واللغات للنووي ١/ ٢٦٣، وسير أعلام النبلاء للذهبي ٣/ ٤٥٦ - ٤٦٢، والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، ٢/ ٢٨٩.\n(٣) وأخرجه مسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل عبد الله بن جعفر ﵄، ٤/ ١٨٨٥، برقم ٢٤٢٧.","vol":"2","page":840},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-275>[حديث ذهبنا نتلقى رسول الله ﷺ مع الصبيان إلى ثنية الوداع]</span>\n١٤٦ - [٣٠٨٣] حدّثنا مالك بن إسماعيل: حدّثنا ابن عيينة، عن الزهريّ، قال: «قال السّائب بن يزيد (١).\n﵁: ذهبنا نتلقّى رسول الله ﷺ مع الصبيان إلى ثنيّة الوداع». (٢).\nوفي رواية: «أذكر أني خرجت مع الصّبيان نتلقّى النّبيّ ﷺ إلى ثنيّة الوداع مقدمه من غزوة تبوك». (٣).\n\n* شرح غريب الحديثين: * \" ثنية الوداع \" موضع بالمدينة على طريق مكة، سميت بذلك؛ لأن الخارج من المدينة يودعه فيها مشيعه، وهو اسم جاهلي قديم سمي لتوديع المسافرين (٤).\n\n* الدراسة الدعوية للحديثين: في هذين الحديثين دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من موضوعات الدعوة: الحث على الإحسان إلى اليتيم وحفظه.\n٢ - من صفات الداعية: الاعتزاز بما يقع من إكرام الشرع.\n٣ - من صفات الداعية: التواضع.\n٤ - أهمية تلقي العلماء والقادمين من سفر الطاعة.\n٥ - من أصناف المدعوين: الصبيان.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من موضوعات الدعوة: الحث على الإحسان إلى اليتيم وحفظه: دل فعل النبي ﷺ مع عبد الله بن جعفر ﵄ على أن من موضوعات الدعوة\n_________\n(١) السائب بن يزيد تقدمت ترجمته في الحدث رقم ٣٨.\n(٢) [الحديث ٣٠٨٣] طرفاه في كتاب المغازي، باب كتاب النبي ﷺ إلى كسرى وقيصر، ٥/ ١٥٨، برقم ٤٤٢٦ و٤٤٢٧.\n(٣) الطرف رقم ٤٤٢٧.\n(٤) انظر: مشارق الأنوار للقاضي عياض، ١/ ١٣٦، ومعجم البلدان لياقوت الحموي، ٢/ ٨٦ وقد أشكل قوله في الحديث: \"نتلقى النبي ﷺ إلى ثنية الوداع مقدمه من غزوة تبوك\" قال ابن حجر: \"لا يمنع كونها في جهة الحجاز أن يكون خروج المسافر إلى الشام من جهتها\" فتح الباري، ٨/ ١٢٨.","vol":"2","page":841},{"text":"الحث على الإحسان إلى اليتيم وحفظه؛ وقد حمل النبي ﷺ عبد الله بن جعفر، وعبد الله بن عباس ﵃، وقد اعتنى ﷺ بعبد الله بن جعفر؛ لأنه كان يتيما، فعن عبد الله بن جعفر ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا قدم من سفر تلقّي بصبيان أهل بيته، قال: إنه قدم من سفر فسبق بي إليه فحملني بين يديه ثم جيء بأحد ابني فاطمة فأردفه خلفه، قال: فأدخلنا المدينة ثلاثة على دابة» (١) وهذا يدل على عناية النبي ﷺ باليتيم وحفظه؛ لأن جعفر بن أبي طالب مات شهيدا فعطف النبي ﷺ على ولده عبد الله فحمله بين يديه (٢) وقد أمر الله ﷿ بالإحسان إلى اليتيم في آيات كثيرة (٣) ومن ذلك قوله ﷿: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦] (٤) وأمر بالمحافظة على أموالهم فقال ﷿: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤] (٥) وحذر من أكل أموالهم بالباطل فقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] (٦) وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «كافل اليتيم له أو لغيره، أنا وهو كهاتين في الجنة» وأشار مالك بالسبابة والوسطى (٧).\n/ +٥٠ وبين ﷺ ما لمن سعى على الضعفاء والأرامل من الثواب فقال: «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، أو القائم الليل الصائم النهار» (٨).\n_________\n(١) مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل عبد الله بن جعفر ﵄، ٤/ ١٨٨٥، برقم ٢٤٢٨.\n(٢) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٦/ ١٩٢.\n(٣) في اثنين وعشرين موضعا من القرآن الكريم، انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، لمحمد فؤاد عبد الباقي، ص ٧٧٠ مادة: \"يتم\".\n(٤) سورة النساء، الآية: ٣٦.\n(٥) سورة الإسراء، الآية: ٣٤.\n(٦) سورة النساء، الآية: ١٠.\n(٧) مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب الإحسان إلى الأرملة والمسكين واليتيم، ٤/ ٢٢٨٧، برقم ٢٩٨٣، وأخرجه البخاري من حديث سهل بن سعد الساعدي، كتاب الأدب، باب فضل من يعول يتيما ٧/ ١٠١، برقم ٦٠٥.\n(٨) البخاري، كتاب النفقات، باب فضل النفقة على الأهل، ٦/ ٢٣٢ برقم ٥٣٥٣، ومسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب الإحسان إلى الأرملة والمسكين واليتيم، ٤/ ٢٢٨٦، برقم ٢٩٨٢، من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"2","page":842},{"text":"وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «اللهم إني أحرّج (١) حق الضعيفين: اليتيم والمرأة» (٢) فينبغي للداعية أن يحث الناس على العناية باليتيم وهو الذي مات أبوه وهو دون البلوغ، والله المستعان.\nثانيا: من صفات الداعية: الاعتزاز بما يقع من إكرام الشرع: إن من الصفات الحميدة أن يعتز المسلم وخاصة الداعية إلى الله ﷿ بما أكرمه الله ﷿ من الفضائل؛ ولهذا اعتز عبد الله بن جعفر ﵄ بتفضيل النبي ﷺ له على غيره من الصبيان وذلك عندما قال له ابن الزبير ﵄: «أتذكر إذ تلقينا رسول الله ﷺ أنا وأنت وابن عباس؛ قال: نعم، فحملنا وتركك»، وقد ذكر الحافظ ابن حجر ﵀ أن من فوائد هذا الحديث: \"جواز الفخر بما يقع من إكرام النبي ﷺ\" (٣) وقال العلامة العيني ﵀: \"وفيه الفخر بإكرام الشارع\" (٤) ولا حرج من الفرح بفضل الله ورحمته، بل ينبغي ذلك؛ لقول الله ﷿: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨] (٥).\nثالثا: من صفات الداعية: التواضع: لا شك أن من صفات الداعية التواضع؛ ولهذا تواضع النبي ﷺ فحمل الصبيان على دابته وأردفهم، ولاطفهم، كما في هذين الحديثين، قال عبد الله بن جعفر ﵄ لعبد الله بن الزبير: \"فحملنا وتركك\" فكان ﷺ من أعظم الناس تواضعا وخلقا (٦).\nرابعا: أهمية تلقي العلماء والقادمين من سفر الطاعة: دل هذان الحديثان على أهمية تلقي المسافرين من العلماء ومن قدم من سفر\n_________\n(١) أحرج حق الضعيفين: أي أضيقه وأحرمه على من ظلمهما. النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الحاء مع الراء، مادة: \"حرج\" ١/ ٣٦١.\n(٢) ابن ماجة، كتاب الأدب، باب حق اليتيم، ٢/ ١٢١٣، برقم ٣٦٧٨، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة، ٢/ ٢٩٨، وسلسلة الأحاديث الصحيحة ٣/ ١٢، برقم ١٠١٥.\n(٣) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٦/ ٩٢.\n(٤) عمدة القاري شرح صحيح البخاري، ١٥/ ١٣.\n(٥) سورة يونس، الآية: ٥٨.\n(٦) انظر: الحديث رقم ٣٣، الدرس الحادي عشر، ورقم ٦٢، الدرس الثالث.","vol":"2","page":843},{"text":"الحج أو العمرة، أو الجهاد، أو الدعوة، أو غيرها من سفر الطاعة؛ قال عبد الله ابن الزبير لعبد الله بن جعفر ﵃: «أتذكر إذ تلقينا رسول الله ﷺ أنا، وأنت، وابن عباس» وقال السائب ﵁: «ذهبنا نتلقى رسول الله ﷺ مع الصبيان إلى ثنية الوداع»؛ قال الإمام النووي ﵀: \"هذه سنة مستحبة أن يتلقى الصبيان المسافر، وأن يركبهم، وأن يردفهم، ويلاطفهم، والله أعلم\" (١) وقال ابن العربي ﵀: \"قيل: إذا سافر الرجل ودع إخوانه في منازلهم، وإذا جاء تلقوه، والتشييع سنة\" (٢) وقال العلامة العيني ﵀: \"وفيه من الفوائد أن التلقي للمسافرين والقادمين من الحج والجهاد، بالبشر والسرور: أمر معروف ووجه من وجوه البر\" (٣) ولفظ الحديث في سنن أبي داود يدل على أن الناس تلقوا رسول الله ﷺ: الرجال والصبيان، قال السائب ﵁: «لما قدم رسول الله ﷺ من غزوة تبوك تلقاه الناس، فلقيته مع الصبيان على ثنية الوداع» (٤).\nخامسا: من أصناف المدعوين: الصبيان: دل هذان الحديثان على أن الصبيان من أصناف المدعوين؛ ولهذا اعتنى النبي ﷺ بإكرامهم، والإحسان إليهم، وملاطفتهم، وإدخال السرور عليهم، وتعليمهم مكارم الأخلاق (٥)؛ قال الإمام الخطابي ﵀ في ذكره لفوائد حديث عبد الله بن السائب: \"فيه تمرين الصبيان على مكارم الأخلاق، واستجلاب الدعاء لهم\" (٦) فينبغي العناية بالأطفال والإحسان إليهم ومراعاة أحوالهم في دعوتهم إلى الله بالقدوة الحسنة والعطف عليهم وإدخال السرور في قلوبهم (٧).\n_________\n(١) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ١٥/ ٢٠٧.\n(٢) عارضة الأحوذي شرح سنن الترمذي، ٤/ ١٧٥.\n(٣) عمدة القاري، شرح صحيح البخاري، ١٥/ ١٣ وهذا الكلام الذي ذكره العيني منسوب للمهلب، كما قال الخطابي في معالم السنن، ٤/ ٨٨.\n(٤) سنن أبي داود، كتاب الجهاد، باب في التلقي، ٣/ ٩٠ برقم ٢٧٧٩، وأصله تقدم تخريجه في حديث الباب، ص ٨٤١.\n(٥) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ١٥/ ٢٠٧، وعمدة القاري للعيني ١٥/ ١٣.\n(٦) معالم السنن، ٤/ ٨٧، وانظر: فتح الباري لابن حجر، ٣/ ٦١٩، ١٠/ ٣٩٥.\n(٧) انظر: الحديث رقم ١٤٢، الدرس الأول.","vol":"2","page":844},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-276>الفصل الثالث: كتاب الفرائض</span>","vol":"2","page":845},{"text":"١ -<span data-type=\"title\" id=toc-277> باب فرض الخمس</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-278>[حديث أن فاطمة سألت أبا بكر الصديق بعد وفاة رسول الله ﷺ أن يقسم لها ميراثها]</span>\n١٤٧ - [٣٠٩٢] حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله: حدّثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزّبير أنّ عائشة أمّ المؤمنين ﵂ أخبرته «أنّ فاطمة (١) ﵍ ابنة رسول الله ﷺ سألت أبا بكر الصّدّيق (٢).\nبعد وفاة\n_________\n(١) فاطمة الزهراء بنت رسول الله ﷺ، سيدة نساء أهل الجنة، ولدت قبل المبعث بقليل، وهي أصغر بنات رسول الله ﷺ على الصحيح، وأمها خديجة بنت خويلد ﵂، أنكحها رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب ﵁ بعد وقعة بدر في السنة الثانية من الهجرة، وقيل: بل ولدت والكعبة تبنى والنبي ﷺ ابن خمس وثلاثين سنة، وقيل: إنها ولدت سنة إحدى وأربعين من مولد النبي ﷺ، وهي أسن من عائشة بنحو خمس سنين والله أعلم. قيل تزوجها علي ﵁ وسنها ثمان عشرة سنة، وقيل خمس عشرة، وتوفيت بعد موت النبي ﷺ بستة أشهر على الصحيح، وعمرها سبع وعشرون سنة، وقيل: ثلاثون، وقيل: غير ذلك، وقد انقطع نسل رسول الله ﷺ إلا من فاطمة، وكان رسول الله ﷺ يحبها ويجلها، وإذا جاءت إليه قام إليها وسلم عليها وقبلها وأجلسها مكانه، وإذا قدم إليها فعلت له مثل ذلك، وقال ﷺ في فضلها: \"كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء غير مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام\" [البخاري برقم ٣٤١١، ومسلم برقم ٢٤٣١ واللفظ نقله ابن الأثير في جامع الأصول لرزين ٩/ ١٢٤]. وعن أنس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: \"حسبك من نساء العالمين: مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد ﷺ، وآسية امرأة فرعون\" [الترمذي برقم ٣٨٨٨، وقال: هذا حديث صحيح، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، ٣/ ١٥٧]. انظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي، ٢/ ٣٥٢، وسير أعلام النبلاء للذهبي، ٢/ ١١٨، والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، ٤/ ٣٧٧.\n(٢) أبو بكر الصديق ﵁ خليفة رسول الله ﷺ، اسمه: عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب، الصحابي الجليل، القرشي التيمي، يلتقي مع رسول الله ﷺ في مرة بن كعب، كان أعلم قريش بأنسابها، وأول من آمن من الرجال برسول الله ﷺ وبرسالته، أجمعت الأمة على تسميته صديقا؛ لأنه بادر إلى تصديق رسول الله ﷺ ولازم الصدق فلم يقع منه وقفة عن ذلك في حال من الأحوال، ووقعت له مع رسول الله مواقف رفيعة عظيمة منها: قصة صباح ليلة الإسراء، وثباته وجوابه للكفار في ذلك، وهجرته مع رسول الله ﷺ، وترك عياله وأطفاله، وملازمته له في الغار وسائر الطريق، وثباته مع النبي ﷺ في يوم بدر والحديبية، وملازمته لرسول الله ﷺ من حين أسلم إلى أن توفي رسول الله ﷺ، فلم يفارقه في حضر ولا سفر، وبكى حين ذكر النبي ﷺ أن عبدا خيره الله بين الدنيا وبين ما عند الله فاختار ما عنده، فكان بذلك أفقه الصحابة، وثبت عند وفاة النبي ﷺ، وسكّت الناس وخطبهم وقرأ عليهم القرآن فثبتوا وانقادوا، وقصته في البيعة مشهورة، وعنايته بمصلحة المسلمين، ثم اهتمامه وثباته في إنفاذ جيش أسامة بن زيد ﵄ إلى الشام، ثم قيامه في قتال أهل الردة ومناظرته للصحابة في ذلك حتى حجهم بالدلائل، ثم تجهيزه الجيوش إلى الشام وإمدادهم، ثم ختم مناقبه باستخلافه عمر الفاروق على أمة محمد ﷺ، وهذه حسنة من حسناته وقد كان في حياة النبي ﷺ من أعظم الناس جهادا وبذلا في سبيل الله ﷿، فقد أنفق أمواله كلها في مكة، وفي الهجرة، وفي الغزوات مع رسول الله ﷺ، وأسلم على يديه خلق كثير، منهم خمسة من العشرة المشهود لهم بالجنة، وأعتق رقيقا لا يحصى عددهم، منهم سبعة كانوا يعذبون في مكة؛ ولمساندته للنبي قال عنه ﷺ \"إن من أمن الناس على في صحبته وماله أبو بكر ولو كنت متخذا خليلا غير ربي لاتخذت أبا بكر، ولكن إخوة الإسلام ومودته\" [البخاري برقم ٣٦٥٤، ومسلم، برقم ٢٣٨٢]. وأجمع أهل السير أن أبا بكر ﵁ لم يتخلف عن رسول الله ﷺ في مشهد من مشاهده، وقد شهد له أن إيمانه أعظم من إيمان أمة محمد ﷺ فقد قال عنه عمر ﵁: \"لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح بهم\" [أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، ١/ ٦٩، برقم ٣٦]، ولد أبو بكر ﵁ بعد الفيل بثلاث سنين تقريبا، وهو أول خليفة في الإسلام، وأول أمير أرسل على الحج بالناس، وهو من كبار الصحابة وحديثه في الصحيحين، وذكر له أبو يعلي في مسنده مائة وتسعة وثلاثين حديثا، [من رقم ١ - ١٣٩]، وهو من كبار الصحابة الذين حفظوا القرآن كله، وهو أول من جمع القرآن، وهو أول الخلفاء الراشدين وأفضلهم ﵃، وقد أنجز هذه الأعمال - وغيرها كثير - في زمن قصير جدا حيث كانت خلافته سنتين وأربعة أشهر إلا أربع ليال، توفي ﵁ سنة ثلاث عشرة عن ثلاث وستين سنة، ﵁. انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد ٣/ ١٢٥، وحلية الأولياء وطبقات الأصفياء لأبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني ١/ ٢٨ - ٣٨، وتهذيب الأسماء واللغات للنووي ٢/ ١٨١، وسير أعلام النبلاء للذهبي [سيرة الخلفاء الراشدين] ص ٧ - ٦٧، والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، ٢/ ٣٤١، وتاريخ الإسلام للذهبي ١/ ١٠٥ - ١٢٢، وتذكرة الحفاظ، للذهبي ١/ ٢ - ٥، وتاريخ الخلفاء للسيوطي ص ٢٧، وطبقات الحفاظ، لجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي ص ١٣.","vol":"2","page":846},{"text":"رسول الله ﷺ أن يقسم لها ميراثها ممّا ترك رَسُولُ الله ﷺ ممّا أفاء الله عليه\".» (١).\nوفي رواية: «أن فاطمة ﵍ أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من النّبيّ ﷺ فيما (٢) أفاء الله على رسوله ﷺ، تطلب صدقة النّبيّ ﷺ، الّتي بالمدينة وفدك، وما بقي من خمس خيبر\".» (٣).\nوفي رواية: «أنّ فاطمة ﵍، والعبّاس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما: أرضه من فدك وسهمه من خيبر\".» (٤).\nوفي رواية: «أنّ فاطمة ﵍ بنت النّبيّ ﷺ أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها بفيء رسول الله ﷺ ممّا أفاء الله عليه بالمدينة، وفدك، وما بقي من خمس خيبر،\n_________\n(١) [الحديث ٣٠٩٢، أطرافه في: كتاب فضائل أصحاب النبي ﷺ، باب مناقب قرابة رسول الله ﷺ ومنقبة فاطمة ﵍ بنت النبي ﷺ، ٤/ ٢٥٢، برقم ٣٧١١. وكتاب المغازي، باب حديث بني النضير ٥/ ٣٠، برقم ٤٠٣٥. وكتاب المغازي، باب غزوة خيبر ٥/ ٩٧، برقم ٤٢٤٠. وكتاب الفرائض، باب تعليم الفرائض ٨/ ٤، برقم ٦٧٢٥. وأخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب قول النبي ﷺ. \"لا نورث ما تركنا فهو صدقة\" ٣/ ١٣٨٠، برقم ١٧٥٩.\n(٢) وفي النسخة السلفية المطبوعة مع فتح الباري: \"مما أفاء الله عليه\" وقد وافق ما في النسخة المعتمدة ما في نسخة استانبول، ٤/ ٢١٠.\n(٣) من الطرف رقم ٣٧١١.\n(٤) من الطرف رقم ٤٠٣٥.","vol":"2","page":847},{"text":"فقال أبو بكر: إنّ رسول الله ﷺ قال: \"لا نورث ما تركنا صدقة\"، إنما يأكل آل محمّد في هذا المال وإنّي والله لا أغيّر شيئا من صدقة رسول الله ﷺ عن حالها الّتي كان عليها في عهد رسول الله ﷺ، ولأعملنّ فيها بما عمل به رَسُولُ الله ﷺ فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئا فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرته فلم تكلّمه حتّى توفّيت (١) وعاشت بعد النّبيّ ﷺ ستة أشهر، فلمّا توفّيت دفنها زوجها عليّ ليلا ولم \"يؤذن بها أبا بكر (٢) وصلّى عليها، وكان لعلي من النّاس وجه (٣).\nحياة فاطمة، فلمّا توفّيت استنكر عليّ وجوه النّاس فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته، ولم يكن يبايع تلك الأشهر، فأرسل إلى أبي بكر أن ائتنا ولا يأتنا أحد معك كراهية لمحضر عمر فقال عمر: لا والله لا تدخل عليهم وحدك، فقال أبو بكر: وما عسيتهم أن يفعلوا بي والله لآتينّهم، فدخل عليهم أبو بكر فتشهّد عليّ فقال: إنّا قد عرفنا فضلك وما أعطاك الله ولم ننفس عليك خيرا ساقه الله إليك ولكنّك استبددت علينا بالأمر وكنّا نرى لقرابتنا من رسول الله ﷺ نصيبا، حتّى فاضت عينا أبي بكر، فلمّا تكلم أبو بكر قال: والّذي نفسي بيده لقرابة رسول الله ﷺ أحبّ إليّ أن أصل من قرابتي وأمّا الّذي\n_________\n(١) قال الإمام القرطبي ﵀: \"لم تلتق بأبي بكر لشغلها بمصيبتها برسول الله ﷺ؛ ولملازمتها بيتها، فعبر الراوي عن ذلك بالهجران، وإلا فقد قال رسول الله ﷺ: \"لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث\" [متفق عليه من حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁: البخاري برقم ٦٠٧٧، ومسلم برقم ٢٥٦٠]، وهي أعلم الناس بما يحل من ذلك ويحرم، وأبعد الناس عن مخالفة رسول الله ﷺ، كيف لا يكون كذلك وهي بضعة من رسول الله ﷺ، وسيدة نساء أهل الجنة؟ \". المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٣/ ٥٦٩.\n(٢) قال الإمام القرطبي ﵀: \"دفن عليّ لفاطمة ليلا، يحتمل أن يكون ذلك مبالغة في صيانتها، وكونه لم يؤذن أبا بكر بها، لعله إنما لم يفعل ذلك؛ لأن غيره قد كفاه ذلك، أو خاف أن يكون ذلك من باب النعي المنهي عنه، وليس في الخبر ما يدل على أن أبا بكر لم يعلم بموتها، ولا صلى عليها، ولا شاهد جنازتها بل اللائق بهم المناسب لأحوالهم حضور جنازتها، ولا تسمع أكاذيب الرافضة المبطلين الضالين المضلين\". المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٣/ ٥٦٩.\n(٣) \"وكان لعلي من الناس وجه: أي جاه واحترام. قال الإمام القرطبي ﵀: \"كان الناس يحترمون عليا في حياتها كرامة لها؛ لأنها بضعة من رسول الله ﷺ وهو مباشر لها، فلما ماتت وهو لم يبايع أبا بكّر انصرف الناس عن ذلك الاحترام، ليدخل فيما دخل فيه الناس ولا يفرق جماعتهم، ألا ترى أنه لما بايع أبا بكر أقبل الناس عليه بكل إكرام وإعظام\". المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٣/ ٥٦٩.","vol":"2","page":848},{"text":"شجر بيني وبينكم من هذه الأموال فلم آل فيها عن الخير ولم أترك أمرا رأيت رسول الله ﷺ يصنعه فيها إلّا صنعته فقال علي لأبي بكر: موعدك العشية للبيعة فلما صلى أبو بكر الظهر رقي المنبر فتشهد وذكر شأن علي وتخلفه عن البيعة وعذره بالّذي اعتذر إليه ثمّ استغفر وتشهّد علي فعظّم حقّ أبي بكر وحدّث أنه لم يحمله على الذي صنع نفاسة على أبي بكر، ولا إنكارا للّذي فضّله الله به ولكنّا كنّا نرى لنا في هذا الأمر نصيبا فاستبدّ علينا فوجدنا في أنفسنا، فسرّ بذلك المسلمون وقالوا: أصبت وكان المسلمون إلى عليّ قريبا حين راجع الأمر بالمعروف\".» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-279>[حديث لا نورث ما تركنا صدقة]</span>\n١٤٨ - [٣٠٩٣] «فقال لها أبو بكر: إنّ رَسولَ اللهِ ﷺ قال: \" لا نورث، ما تركنا صدقة\". فغضبت فاطمة بنت رَسُولِ الله ﷺ، فهجرت أبا بكر، فلم تزل مهاجرته حتّى توفّيت، وعاشت بعد رَسُولِ الله ﷺ ستّة أشهر. قالت: وكانت فاطمة تسأل أبا بكر نصيبها ممّا ترك رَسُولُ الله ﷺ من خيبر وفدك، وصدقته بالمدينة، فأبى أبو بكر عليها ذلك وقال: لست تاركا شيئا كان رَسُولُ الله ﷺ يعمل به إلّا عملت به، فإنّي أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ، فأما صدقته بالمدينة فدفعها عمر إلى عليّ وعبّاس، وأمّا خيبر وفدك فأمسكها عمر وقال: هما صدقة رسول الله ﷺ، كانتا لحقوقه الّتي تعروه ونوائبه، وأمرهما إلى وليّ الأمر، قال: فهما على ذلك إلى اليوم\". قال أبو عبد الله: (اعتراك، افتعلت، من عروته فأصبته، ومنه: يعروه، واعتراني» (٢).\n_________\n(١) الطرف رقم ٤٢٤٠ - ٤٢٤١.\n(٢) [الحديث ٣٠٩٣، أطرافه في: كتاب فضائل أصحاب النبي ﷺ، باب مناقب قرابة رسول الله ﷺ ومنقبة فاطمة ﵍ بنت النبي ﷺ ٤/ ٢٥٢ برقم ٣٧١٢. وكتاب المغازي، باب حديث بعث النضير ٥/ ٣٠، برقم ٤٠٣٦. وكتاب المغازي، باب غزوة خيبر ٥/ ٩٧ برقم ٤٢٤١. وكتاب الفرائض، باب تعليم الفرائض ٨/ ٤، برقم ٦٧٢٦ وأخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب قول النبي ﷺ: \"لا نورث ما تركنا فهو صدقة\" ٣/ ١٣٨٠، برقم ١٧٥٩.","vol":"2","page":849},{"text":"وفي رواية: «إنّ رسول الله ﷺ قال: \"لا نورث ما تركنا فهو صدقة، إنّما يأكل آل محمّد من هذا المال - يعني مال الله - ليس لهم أن يزيدوا على المأكل\"، وإنّي والله لا أغيّر شيئا من صدقات النّبيّ ﷺ الّتي كانت عليها في عهد النّبيّ ﷺ، ولأعملنّ فيها بما عمل فيها رَسُولُ الله ﷺ، فتشهّد عليّ ثمّ قال: إنّا قد عرفنا يا أبا بكر فضيلتك - وذكر قرابتهم من رَسُولِ الله ﷺ وحقّهم - فتكلّم أبو بكر فقال: والّذي نفسي بيده لقرابة رَسُولِ الله ﷺ أحبّ إليّ أن أصل من قرابتي\".» (١).\nوفي رواية: «قال أبو بكر: والله لا أدع أمرا رأيت رسول الله ﷺ يصنعه فيه إلّا صنعته، قال: فهجرته فاطمة فلم تكلّمه حتّى ماتت\".» (٢).\n\nشرح غريب الحديثين: * \" لم ننفس عليك \" أي لم نحسدك، يقال: نفاسة على فلان: أي صدا له ورغبة وحرصا على ما ناله، ولم يره له أهلا، ويقال: نفست عليه الشيء، نفاسة: إذا لم تره يستأهله (٣).\n* \" فلم آل فيها عن الخير \" أي لم أقصّر (٤).\n* \" فدك \" قرية بالحجاز بينها وبين المدينة يومان بالسير، وقيل: ثلاثة، أفاءها الله على رسول الله ﷺ صلحا سنة سبع؛ لأنه عندما فتح خيبر بلغ ذلك أهل فدك فأرسلوا إلى رسول الله ﷺ أن يصالحهم على النصف من ثمارهم، فهي مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب فكانت خالصة لرسول الله ﷺ، وكان فيها عين فوارة، ونخيل كثيرة (٥).\n_________\n(١) من الطرف رقم ٣٧١٢.\n(٢) من الطرف رقم ٦٧٢٦.\n(٣) انظر: مشارق الأنوار، للقاضي عياض، حرف النون مع الفاء، مادة: \"نفس\" ٢/ ٢١، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب النون مع الفاء، مادة: \"نفس\" ٥/ ٩٦.\n(٤) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٥٥٧.\n(٥) معجم البلدان، لياقوت الحموي، مادة: \"فدك\" ٤/ ٢٣٨، وانظر: مشارق الأنوار للقاضي عياض، حرف الفاء مع الدال، مادة. \"فدك\" ٢/ ١٦٧.","vol":"2","page":850},{"text":"* \" فوجدت \" أي غضبت، يقال: لا تجد عليّ: أي تغضب (١).\n* \" وما عسيتهم \" أي وما حسبتهم، فعسيت هنا بمعنى حسبت، وأجريت مجراها فنصبت ضمير الغائبين على أنه مفعول ثان (٢) أما قوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ - أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٢ - ٢٣] (٣) فمعناها: فلعلكم إن توليتم. (٤).\n* \" استبددت \" انفردت، يقال: استبدّ فلان بكذا: أي انفرد به، واستبدّ برأيه: انفرد به عن غيره (٥).\n* \" أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ \" أزيغ: أجور وأعدل عن الحق. (٦).\n* \" تعروه \" أي تغشاه وتنتابه (٧).\n* \" نوائبه \" النوائب ما ينوب الإنسان: أي ما ينزل به من المهمات، ويقال: نابه ينوبه نوبا، وانتابه، إذا قصده مرة بعد مرة. ويقال: احتاطوا، هل الأموال في النائبة والواطئة: أي الأضياف الذين ينوبونهم (٨)\n\nالدراسة الدعوية للحديثين: في هذين الحديثين دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من صفات الداعية: الزهد.\n٢ - لا ينكر أن يغيب عن الداعية بعض العلم.\n٣ - من وسائل الدعوة: المنبر.\n٤ - من آداب الخطيب: البدء بالشهادتين بعد الحمد والثناء على الله ﷿.\n_________\n(١) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الواو مع الجيم، مادة. \"وجد\" ٥/ ١٥٥.\n(٢) انظر: لسان العرب، لابن منظور، مادة. \"عسى\" ١٥/ ٥٥، وفتح الباري لابن حجر ٧/ ٤٩٤.\n(٣) سورة محمد، الآيتان: ٢٢ - ٢٣.\n(٤) تفسير الطبري [جامع البيان عن تأويل آي القرآن\"، ٢٢/ ١٧٧.\n(٥) انظر: لسان العرب، لابن منظور، باب الدال، فصل الباء، مادة: \"بدد\" ٣/ ٨١.\n(٦) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الزاي مع الياء، مادة: \"زيغ\" ٢/ ٣٢٤.\n(٧) انظر: المرجع السابق، باب العين مع الراء، مادة: \"عثر\" ٣/ ٢٢٦.\n(٨) انظر: المرجع السابق، باب النون مع الواو، مادة: \"نوب\" ٥/ ١٢٣.","vol":"2","page":851},{"text":"٥ - أهمية الاستدلال بالأدلة الشرعية.\n٦ - من صفات الداعية: الحذر من مخالفة أمر رسول الله ﷺ.\n٧ - من أساليب الدعوة: الحوار.\n٨ - من صفات الداعية: الرجوع إلى الحق بدليله.\n٩ - من صفات الداعية: التواضع.\n١٠ - أهمية الاعتراف بالفضل لأهله.\n١١ - من صفات الداعية: الخشوع لله ﷿.\n١٢ - أهمية محبة النبي ﷺ وأهل بيته.\n١٣ - من أساليب الدعوة: ذكر الداعية بعض مناقبه عند الحاجة انتصارا للحق.\n١٤ - من صفات الداعية: العفو والصفح.\n١٥ - من صفات الداعية: الاقتداء برسول الله ﷺ قولا وفعلا.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من صفات الداعية: الزهد: إن الزهد من الصفات الحميدة التي ينبغي للداعية أن يتصف بها؛ وقد كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أزهد الناس في الدنيا؛ لأنهم لم يبعثوا لجمع الأموال، وإنما بعثوا لإخراج الناس من الظلمات إلى النور؛ ولهذا قال ﷺ في هذا الحديث: «لا نورث ما تركنا صدقة»، وقد كان النبي ﷺ زاهدا ويزهّد الناس في الدنيا، فعن مطرف عن أبيه ﵁ قال: «أتيت النبي ﷺ وهو يقرأ ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: ١] قال: \"يقول ابن آدم: مالي، مالي، وهل لك من مالك يا ابن آدم إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت» (١) وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «يقول العبد: مالي مالي، إنما، له من ماله ثلاث: ما أكل فأفنى أو لبس فأبلى، أو أعطى فاقتنى، وسوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس\".» (٢).\n_________\n(١) مسلم، كتاب الزهد والرقائق، ٤/ ٢٢٧٣، برقم ٢٩٥٨.\n(٢) كتاب الزهد والرقائق، ٤/ ٢٢٧٣، برقم ٢٩٥٩.","vol":"2","page":852},{"text":"وهذا يؤكد أن ما يقتنيه الإنسان للآخرة ويدخر ثوابه عند الله ﷿ هو الذي ينفعه حقيقة، وهذا لا يتحقق إلا بالزهد في الدنيا. (١).\nثانيا: لا ينكر أن يغيب عن الداعية بعض العلم: إن الداعية أو العالم العظيم قد يغيب عنه بعض العلم ويعلمه غيره، وهذا يدل على أن علم البشر محدود، ويكمل بعضهم بعضا؛ ولهذا خفي على عليّ ﵁ وفاطمة الزهراء ﵂ قول النبي ﷺ: «لا نورث ما تركنا صدقة\"،» قال الإمام القرطبي ﵀: \"فأما طلب فاطمة ميراثها من أبيها من أبي بكر، فكان ذلك قبل أن تسمع الحديث الذي دل على خصوصية النبي ﷺ بذلك، وكانت متمسكة بما في كتاب الله من ذلك، فلما أخبرها أبو بكر بالحديث توقفت عن ذلك ولم تعد عليه بطلب\" (٢) وقال العيني ﵀: \"قيل: إن فاطمة ﵁ لم تكن علمت هذا\" (٣) وهذا لا ينقص من قدرها ولا من علمها وفضلها ﵂ (٤).\nثالثا: من وسائل الدعوة: المنبر: لاشك أن من الوسائل المهمة التي تعين على إيصال العلم للناس استخدام المنبر في الخطب، وفي المواعظ التي يحضرها جموع من الناس؛ ولهذا كان النبي ﷺ يستخدم هذه الوسيلة، ثم استخدمها أصحابه ﵃ من بعده، ومن ذلك ما ثبت في هذا الحديث من قول عائشة ﵂: «فلما صلى أبو بكر الظهر رقي على المنبر فتشهد» وهذا يؤكد أهمية هذه الوسيلة (٥).\nرابعا: من آداب الخطيب: البدء بالشهادتين بعد الحمدلة والثناء على الله ﷿: لا ريب أن من الآداب التي ينبغي أن يعتني بها الداعية البدء في خطبه،\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٢، الدرس الأول، ورقم ١٥، الدرس الأول.\n(٢) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٣/ ٥٦٣.\n(٣) عمدة القاري شرح صحيح البخاري، ١٦/ ٢٢٢.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٧٧، الدرس الرابع عشر.\n(٥) انظر: الحديث رقم ٧، الدرس السابع.","vol":"2","page":853},{"text":"ومواعظه، ومحاضراته، وكلماته: بالثناء على الله ﷿ بما هو أهله، وبالإقرار بالشهادتين والصلاة عنى النبي ﷺ ولهذا بدأ أبو بكر ﵁ بذلك في هذا الحديث، وكذا علي ﵁ لقول عائشة ﵂: «فلما صلى أبو بكر الظهر رقي المنبر فتشهد»، وقالت ﵂: «ثم استغفر وتشهد عليّ فعظّم حق أبي بكر» وهذا يؤكد أهمية استخدام هذا الأدب في الخطب والمواعظ، والله المستعان. (١).\nخامسا: أهمية الاستدلال بالأدلة الشرعية: ظهر في هذا الحديث أهمية الاستدلال بالأدلة الشرعية؛ لقول أبي بكر ﵁: إن رسول الله ﷺ قال: «لا نورث ما تركنا صدقة»، فقد استدل ﵁ بهذا الحديث؛ ليقنع فاطمة وعليا ﵄، وهذا يؤكد أهمية العناية بالأدلة من الكتاب والسنة، أو من أحدهما، وإقناع المدعوين بذلك (٢).\nسادسا: من صفات الداعية: الحذر من مخالفة أمر رسول الله ﷺ: دل هذا الحديث على أن من صفات الداعية الناجح الحذر من مخالفة أمر رسول الله ﷺ؛ لأن مخالفة أمره ﷺ من أسباب الخذلان والهلاك في الدنيا والآخرة؛ ولهذا قال أبو بكر ﵁ في هذا الحديث: «إني أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ» وصدق ﵁؛ فإن الله ﷿ قال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] (٣) وقال ﷿: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦] (٤) وقال النبي ﷺ: «وجعل الذّلّ والصغار على من خالف أمري\".» (٥).\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ١٣٥، الدرس الثاني.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٧٧، الدرس الحادي عشر، ورقم ٩٤، الدرس الثامن.\n(٣) سورة النور، الآية: ٦٣.\n(٤) سورة الأحزاب، الآية: ٣٦.\n(٥) أخرجه أحمد في المسند، ٢/ ٥٠، ٩٢، وابن أبي شيبة في المصنف، ٥/ ٣١٣، وصححه الألباني في إرواء الغليل، ٥/ ١٠٩.","vol":"2","page":854},{"text":"سابعا: من أساليب الدعوة: الحوار: الحوار أسلوب مهم من أساليب الدعوة إلى الله ﷿، وقد ظهر في هذا الحديث الحوار بين أبي بكر وعلي ﵄، واستمر الحوار بينهما حتى فاضت عينا أبي بكر ﵁، ورضي كلّ منهما على صاحبه، ثم اعتذر عليّ ﵁، وبايع أبا بكر بحضرة الناس في مسجد النبي ﷺ، وهذا يؤكد أهمية الحوار الهادف وأثره العظيم. فينبغي للداعية أن يعتني به في دعوته إلى الله ﷿ (١).\nثامنا: من صفات الداعية: الرجوع إلى الحق بدليله: الحق هو مقصد كل مسلم إذا ظهر واتضح، والرجوع إليه من أهم الصفات التي ينبغي للداعية أن يتصف بها، وقد ظهر في هذا الحديث رجوع علي بن أبي طالب ﵁ للحق عندما اتضح الدليل وبان البرهان فأرسل ﵁ إلى أبي بكر؛ ليأتيه فأتاه أبو بكر ﵁ فدخل عليه، «فتشهد عليّ فقال: \"إنّا قد عرفنا فضلك وما أعطاك الله، ولم ننفس عليك خيرا ساقه الله إليك\"،» ثم قال: «موعدك العشية للبيعة»، ثم حضر ﵁، وبعد صلاة الظهر بايع أبا بكر بحضرة الصحابة ﵃ واعتذر وعظّم حق أبي بكر، فسرّ بذلك المسلمون، وقالوا: \"أصبت\" ومن تأمل ما دار بين أبي بكر وعليّ ﵄ عرف أن كلا منهما كان يعترف بفضل الآخر، وأن قلبيهما متفقان على الاحترام والمحبة، وإن كان الطبع البشري قد يغلب أحيانا، لكن الديانة والتقوى ترد ذلك (٢).\nينبغي للداعية أن يكون من أوّل الناس رجوعا إلى الحق إذا ظهر بدليله كما فعل علي بن أبي طالب ﵁.\nتاسعا: من صفات الداعية: التواضع: دل هذا الحديث على أهمية التواضع وأنه ينبغي للداعية أن يتصف به، لما في ذلك من الفوائد العظيمة؛ ولهذا تواضع أبو بكر خليفة رسول الله ﷺ\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٢٩، الدرس السادس، ورقم ٧٧، الدرس السابع.\n(٢) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم للقرطبي، ٣/ ٥٧١، وفتح الباري لابن حجر، ٧/ ٤٩٥.","vol":"2","page":855},{"text":"فذهب إلى بيت علي ﵁ كما في هذا الحديث فحصل بهذا التواضع: سلامة القلوب، وطيب النفوس، واجتماع الكلمة والحمد لله، وهذا يبين أهمية التواضع والاتصاف به، وخاصة للدعاة إلى الله ﷿ (١).\nعاشرا: أهمية الاعتراف بالفضل لأهله: إن من الأمور المهمة الاعتراف بالفضل لأهله وشكرهم على أعمالهم الطيبة، وقد ظهر ذلك في هذا الحديث من قول عليّ ﵁ لأبي بكر الصديق ﵁: «إنّا قد عرفنا فضلك وما أعطاك الله، ولم ننفس عليك خيرا ساقه الله إليك»، وهذا يبين أن عليّ بن أبي طالب ﵁ قد أنصف، واعترف بالفضل لأبي بكر ﵁. قال الإمام القرطبي ﵀: \"ولا يظنّ بعليّ أنه خالف الناس في البيعة، ولكنه تأخر عن الناس لمانع منعه، على الموجدة التي وجدها حين استبدّ بمثل هذا الأمر العظيم ولم ينتظر مع أنه كان أحق الناس بحضوره، وبمشورته، لكن العذر للمبايعين لأبي بكر على ذلك الاستعجال: مخافة ثوران الفتنة بين المهاجرين والأنصار، كما هو معروف في حديث السقيفة، فسابقوا الفتنة، فلم يتأتّ لهم انتظاره لذلك، وقد جرى بينهم في هذا المجلس من المحاورة، والمكالمة، والإنصاف ما يدل على معرفة بعضهم بفضل بعض، وأن قلوبهم متفقة على احترام بعضهم لبعض، ومحبة بعضهم لبعض ما يشرق به الرافضي وتشرق به قلوب أهل الدين\". (٢).\nفينبغي لكل مسلم الاعتراف بالفضل لأهله، وإنزال الناس منازلهم، وهذا يتأكد على الدعاة أكثر من غيرهم، والله المستعان.\nالحادي عشر: من صفات الداعية الخشوع لله ﷿: إن الخشوع لله ﷿ من الصفات التي ينبغي للداعية إلى الله ﷿ أن يتصف بها، وقد دل خشوع أبي بكر في هذا الحديث على ذلك حينما تكلم عليّ ﵁ ففاضت عينا أبي بكر ﵁ وقال: «والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله ﷺ\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٦٢، الدرس الثالث.\n(٢) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٣/ ٥٧٠.","vol":"2","page":856},{"text":"أحب إليّ أن أصل من قرابتي»، وقد مدح الله الخاشعين في كتابه العزيز وأثنى عليهم فقال ﷿ بعد أن ذكر آل زكريا بعد عدد من الأنبياء: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠] (١)؛ ولأهمية الخشوع استعاذ النبي ﷺ من قلب لا يخشع فقال: «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها» (٢) وأصل الخشوع لله ﷿: لين القلب، ورقته، وسكونه وخضوعه، فإذا خشع القلب لله تبعه خشوع جميع الجوارح والأعضاء، فإذا خشع القلب خشع السمع والبصر، والرأس، وسائر الأعضاء؛ لأنه أمير البدن، والجوارح رعيته وجنوده، وبصلاح الأمير تصلح الرعية (٣).\n«وعن أبي الدرداء ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ فشخص ببصره إلى السماء ثم قال: \"هذا أوان يختلس العلم من الناس حتى لا يقدروا منه على شيء\"، فقال زياد بن لبيد الأنصاري: كيف يختلس منّا وقد قرأنا القرآن، فوالله لنقرأنّه، ولنقرئنّه نساءنا وأبناءنا، فقال: \"ثكلتك أمك يا زياد إن كنت لأعدّك من فقهاء أهل المدينة، هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى فماذا تغني عنهم؛» قال جبير فلقيت عبادة بن الصامت قلت: ألا تسمع إلى ما يقول أخوك أبو الدرداء؛ فأخبرته بالذي قال أبو الدرداء، قال: صدق أبو الدرداء إن شئت لأحدثنك بأول علم يرفع من الناس؛ الخشوع، يوشك أن تدخل مسجدَ جماعةٍ فلا ترى فيه رجلا خاشعا\" (٤).\nفينبغي لكل مسلم وخاصة الداعية إلى الله ﷿ أن يسأل الله أن يصلح قلبه ويجعله خاشعا لله وحده، ويستعيذ بالله من قلب لا يخشع.\n_________\n(١) سورة الأنبباء، الآية: ٩٠، وانظر: تفسير ابن جرير الطبري، \"جامع البيان عن تأويل آي القرآن\" ١٨/ ٥٢١، وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ٥/ ٢٥٩.\n(٢) مسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل، ٤/ ٢٠٨٨، برقم ٢٧٢٢.\n(٣) انظر: مدارج السالكين لابن القيم، ١/ ٥٢٠ - ٥٣٠.\n(٤) الترمذي، كتاب العلم، باب ما جاء في ذهاب العلم، ٥/ ٣١، برقم ٢٦٥٣، وحسنه، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٣٣٧، وله شواهد من حديث شداد بن أوس ﵁ في معجم الطبراني الكبير، ٧/ ٢٩٥، برقم ٧١٨٣، ومن حديث عوف بن مالك ﵁ عند الحاكم ١/ ٩٨ - ٩٩.","vol":"2","page":857},{"text":"الثاني عشر: أهمية محبة النبي ﷺ وأهل بيته: محبة النبي ﷺ وأهل بيته من أعظم الصفات الواجبة التي يتأكد على كل مسلم أن يتصف بها وخاصة الداعية إلى الله ﷿؛ ولهذه الأهمية قال أبو بكر الصديق ﵁ في هذا الحديث: «والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله ﷺ أحبّ إليّ أن أصل من قرابتي»، وهذا يبين عظم محبة النبي ﷺ وأهل بيته في قلوب أصحابه ﷺ. فينبغي أن يتصف كل مسلم بمحبة النبي ﷺ أكثر من النفس، والمال، والولد، والوالد، والناس أجمعين، كما يظهر في هذا الحديث أن من كمال الإيمان تقديم محبة أهل بيت النبي ﷺ الصالحين على محبة الأقرباء، إكراما لرسول الله ﷺ (١).\nالثالث عشر: من أساليب الدعوة: ذكر الداعية بعض مناقبه عند الحاجة انتصارا للحق: لا شك أن من الأساليب النافعة عند الحاجة إليها، ذكر الداعية بعض مناقبه التي يكون في إظهارها نفع للمدعوين؛ ولهذا أظهر أبو بكر بعض مناقبه في هذا الحديث عندما رأى أن المصلحة تقتضي ذلك، فقال ﵁: «فلم آل جهدا عن الخير، ولم أترك أمرا رأيت رسول الله ﷺ يصنعه فيها إلا صنعته»، وهذه منقبة من أعظم المناقب العظيمة لأبي بكر ﵁، ذكرها انتصارا للحق (٢).\nالرابع عشر: من صفات الداعية: العفو والصفح: العفو والصفح من أعظم الصفات السامية التي يتصف بها النبلاء: من العلماء، والدعاة، وأهل الديانة المستقيمة، والأخلاق الكريمة، ولهذا عفا وصفح الصديق ﵁ عما حصل من علي ﵁؛ لأن عليا ﵁ يرى أن الحق معه حتى تبين له الدليل على أن النبي ﷺ لا يورث لقوله ﷺ: «لا نورث ما تركنا صدقة»، وعند اتضاح الحق لعليّ عفا عنه أبو بكر؛ ولهذا جاء في هذا \"الحديث: «فلما صلى أبو بكر الظهر رقي المنبر فتشهد وذكر شأن عليّ\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٦٢، الدرس الثامن، ورقم ٦٣، الدرس الثامن.\n(٢) انظر. الحديث رقم ٦١، الدرس التاسع، ورقم ٧٧، الدرس الثالث عشر.","vol":"2","page":858},{"text":"﵁ وتخلفه عن البيعة، وعذره بالذي اعتذر إليه\"،» فاجتمعت الكلمة وطهرت القلوب والحمد لله، وهذا يؤكد أهمية العفو ويوضح آثاره الحميدة، والله المستعان (١).\nالخامس عشر: من صفات الداعية: الاقتداء برسول الله ﷺ قولا وعملا: إن الاقتداء برسول الله ﷺ من أهم الصفات وأعظم القربات التي يتقرب بها المخلصون إلى الله ﷿؛ ولهذه الأهمية قال أبو بكر ﵁: «إنما يأكل آل محمد في هذا المال، وإني والله لا أغير شيئا من صدقة رسول الله ﷺ عن حالها التي كان عليها في عهد رسول الله، ولأعملنّ فيها بما عمل به رسول الله ﷺ\"،» وقال: «ولم أترك أمرا رأيت رسول الله ﷺ يصنعه فيها إلا صنعته\"،» وهذا يدل على كمال اتباع الصديق لرسول الله ﷺ ظاهرا وباطنا. فينبغي للداعية أن يكون أكمل الناس في الاتباع وأبعدهم عن الابتداع، وأن يكون قدوة صالحة لغيره، والله المستعان (٢).\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٨٠، الدرس الثالث، ورقم ١٠٥، الدرس الرابع، ورقم ١٣٠، الدرس الرابع.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٢٩، الدرس الخامس.","vol":"2","page":859},{"text":"٣ -<span data-type=\"title\" id=toc-280> باب نفقة نساء النّبي ﷺ بعد وفاته</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-281>[حديث توفي رسول الله ﷺ وما في بيته من شيء]</span>\n١٤٩ - [٣٠٩٧] حدّثنا عبد الله بن أبي شيبة: حدّثنا أبو أسامة: حدّثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂ (١).\nقالت: «توفّي رَسُولُ الله ﷺ وما في بيتي من شيء يأكله ذو كبد، إلّا شطر شعير في رف لي، فأكلت منه حتّى طال علي، فكلته، ففني\".» (٢).\n\n* شرح غريب الحديث: * \" شطر الشعير \" شطر الشيء: نصفه، إلا أن الحديث ليس فيه مقدار يكون ما أشارت إليه نصفه، فكأنها أشارت إلى جزء مبهم: أي شيء. من شعير وجزء من شعير (٣).\n* \" رف \" الرّفّ خشب يرفع عن الأرض إلى جنب الجدار يوقى به ما يوضع عليه (٤).\n\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - حرص السلف الصالح على تعليم أولادهم الرقائق.\n٢ - من صفات الداعية: الزهد.\n٣ - من صفات الداعية: الصبر على الابتلاء والامتحان.\n٤ - أهمية التوكل على الله ﷿.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\n_________\n(١) تقدمت ترجمتها في الحديث رقم ٤.\n(٢) [الحديث ٣٠٩٧، طرفه في كتاب الرقائق، باب فضل الفقر، ٧/ ٢٢٩، برقم ٦٤٥١، وأخرجه مسلم في كتاب الزهد والرقائق، ٤/ ٢٢٨٣، برقم ٢٩٧٣.\n(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الشين مع الطاء، مادة: \"شطر\" ٢/ ٤٧٣، وجامع الأصول من أحاديث الرسول ﷺ لابن الأثير، ٤/ ٦٨٨.\n(٤) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الراء مع الفاء، مادة: \"رفف\" ٢/ ٢٤٥.","vol":"2","page":860},{"text":"أولا: حرص السلف الصالح على تعليم أولادهم الرقائق: إن السلف الصالح كانوا حريصين أشد الحرص على تعليم أولادهم، وأقربائهم العلم النافع، ومما يؤكد ذلك ما ثبت في إسناد هذا الحديث من تعليم عروة بن الزبير بن العوام لابنه هشام حديث عائشة ﵂ في وصفها شدة عيش النبي ﷺ وما كان عليه من الزهد، فقالت ﵂: «توفي رسول الله ﷺ وما في بيتي من شيء يأكله ذو كبد، إلا شطر شعير في رف لي\".» (١).\nفينبغي للداعية أن يعلم أولاده وأهل بيته ما ينفعهم، ويذكر لهم الرقائق؛ لتصح قلوبهم وترق وتخشع كما فعل سلفنا الصالح ﵏ (٢).\nثانيا: من صفات الداعية: الزهد: الزهد من الصفات الحميدة التي يجمل ويحسن لكل مسلم أن يتصف بها، وقد ظهر في هذا الحديث ما يؤكد ذلك من زهد النبي ﷺ في الدنيا، قالت عائشة ﵂: «توفي رسول الله ﷺ وما في بيتي من شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رفّ لي»، وقد كان ﷺ يطيّب قلوب أتباعه الزهاد فيقول: «انظروا إلى من أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم» (٣) وهذا يؤكد عناية النبي ﷺ بالزهد والحث عليه؛ لما فيه من السلامة والعافية من الوقوع فيما لا يرضاه الله ﷿ (٤).\nثالثا: من صفات الداعية: الصبر على الابتلاء والامتحان: ظهر في هذا الحديث أن من صفات الداعية الصبر على الابتلاء والاختبار؛ ولهذا صبر النبي ﷺ على شدة العيش وشظفه، وقد مات ﷺ ولم يخلف شيئا لورثته؛ ولهذا قالت عائشة ﵂ في الحديث: «توفي رسول الله ﷺ وما في\n_________\n(١) انظر: عمدة القاري شرح صحيح البخاري، للعيني، ١٥/ ٢٧، وإرشاد الساري شرح صحيح البخاري للقسطلاني، ٥/ ١٩٦.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٧، الدرس الأول، ورقم ٣٦، الدرس الخامس، ورقم ١٠١، الدرس الخامس.\n(٣) مسلم، كتاب الزهد والرقائق، ٤/ ٢٢٧٥، برقم ٢٩٦٣، من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٢، الدرس الأول، ورقم ١٥، الدرس الأول.","vol":"2","page":861},{"text":"بيتي من شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير\".» فينبغي لكل مسلم وخاصة الداعية أن يصبر على الابتلاء في السراء والضراء، وفي العسر واليسر، ويسأل الله العافية في الدنيا والآخرة (١).\nرابعا: أهمية التوكل على الله ﷿: دل مفهوم هذا الحديث على أن التوكل على الله واعتماد القلب عليه من أهم المهمات وأعظم القربات؛ لتوكل عائشة أم المؤمنين ﵂ على الله، فبقيت تأكل من الشعير القليل في الرف زمنا طويلا، ويبارك الله فيه حتى كالته ففني، قال الحافظ ابن حجر ﵀: \"يستفاد منه أن من رزق شيئا، أو أكرم بكرامة، أو لطف به في أمر ما، فالمتعين عليه موالاة الشكر، ورؤية المنة لله تعالى، ولا يحدث في تلك الحالة تغيير\" (٢) ويتعين على المتوكل العمل بالأسباب التي شرعها الله ﷿ (٣).\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٩، الدرس الثامن، ورقم ٦٦، الدرس الأول.\n(٢) فتح الباري بشرح صحيح البخاري ٦/ ٢٨١.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٣٠، الدرس الخامس.","vol":"2","page":862},{"text":"٤ -<span data-type=\"title\" id=toc-282> باب ما جاء في بيوت أزواج النّبيّ ﷺ وما نسب من البيوت إليهنّ</span>\nوقول الله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣] (١) و﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥٣] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-283>[حديث ها هنا الفتنة من حيث يطلع قرن الشيطان]</span>\n١٥٠ - [٣١٠٤] حدّثنا موسى بن إسماعيل: حدّثنا جويرية، عن نافع، عن عبد الله (٣) ﵁، قال: \" قام النّبيّ ﷺ خطيبا فأشار نحو مسكن عائشة فقال: «ها هنا الفتنة - ثلاثا - من حيث يطلع قرن الشّيطان» (٤).\nوفي رواية: \" رأيت رسول الله ﷺ يشير إلى المشرق فقال: «ها إنّ الفتنة هاهنا، إنّ الفتنة هاهنا، من حيث يطلع قرن الشّيطان» (٥).\nوفي رواية: \" سمعت رسول الله ﷺ يقول وهو على المنبر. . . \" (٦).\nوفي رواية: «الفتنة هاهنا، الفتنة هاهنا من حيث يطلع قرن الشّيطان - أو قال - قرن الشّمس» (٧).\nوفي رواية: \"أنه سمع رسول الله ﷺ وهو مستقبل المشرق يقول. . . \" (٨).\n\n* شرح غريب الحديث: * \" الفتنة \": أصل الفتنة من قولك: \"فتنت الذهب\" إذا أحرقته بالنار ليتبين الجيد من الرديء، وهي الابتلاء والاختبار، والامتحان، وكثر استعمالها\n_________\n(١) سورة الأحزاب، الآية: ٣٣.\n(٢) سورة الأحزاب، الآية: ٥٣.\n(٣) تقدمت ترجمته في الحديث رقم: ٤.].\n(٤) [الحديث ٣١٠٤] أطرافه في: كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده، ٤/ ١١١، برقم ٣٢٧٩. وكتاب المناقب، باب، ٤/ ١٩٠، برقم ٣٥١١. وكتاب الطلاق، باب الإشارة في الطلاق والأمور، ٦/ ٢١٥، برقم ٥٢٩٦. وكتاب الفتن، باب قول النبي ﷺ: \"الفتنة من قبل المشرق\"، ٨/ ١٢٢، برقم ٩٢٠٧ و٧٠٩٣. وأخرجه مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب الفتنة من المشرق من حيث يطلع قرنا الشيطان، ٤/ ٢٢٢٨، برقم ٢٩٠٥.\n(٥) من الطرف رقم ٣٢٧٩.\n(٦) من الطرف رقم ٣٥١١.\n(٧) من الطرف رقم ٧٠٩٢.\n(٨) من الطرف رقم: ٧٠٩٣.","vol":"2","page":863},{"text":"بمعنى: الإثم، والكفر، والضلال، والقتال، والفضيحة، والعذاب (١).\n\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية؛ منها:\n١ - من وسائل الدعوة: الخطابة.\n٢ - من معجزات الرسول ﷺ: الإخبار ببعض المغيبات.\n٣ - من موضوعات الدعوة: التحذير من الفتن.\n٤ - من صفات الداعية: الحرص على الدقة في نقل الحديث.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من وسائل الدعوة: الخطابة: دل الحديث على أن من وسائل الدعوة: الخطابة؛ لما فيها من إيصال الحق للناس؛ ولهذا قام النبي ﷺ - كما في هذا الحديث - خطيبا فأشار إلى مسكن عائشة ﵂، وحذر من الفتن، وهذا يؤكد أهمية الخطابة، ويؤكد أهمية القيام فيها؛ ليرى الناس الخطيب ويسمعوا كلامه، والله المستعان (٢).\nثانيا: من معجزات الرسول ﷺ: الإخبار ببعض المغيبات: لا شك أن من معجزات النبي محمد ﷺ الإخبار ببعض المغيبات، ومن ذلك قوله ﷺ في هذا الحديث: «هاهنا الفتنة - ثلاثا - من حيث يطلع قرن الشيطان»، وقد تحقق ما أخبر به ﷺ؛ فإن الفتن ظهرت من قبل المشرق كثيرا، والفتنة الكبرى التي كانت مفتاح فساد ذات البين هي قتل عثمان ﵁ - وهي سبب وقعة الجمل، وحروب صفين - كانت في ناحية المشرق، ثم ظهور الخوارج في أرض نجد والعراق وما وراءها من المشرق، وأكثر البدع إنما ظهرت من المشرق فكانت سببا إلى افتراق كلمة المسلمين ومذهبهم، وفساد نيات كثير منهم إلى اليوم، وإلى قيام الساعة، وآخر الفتن خروج الدجال من قبل المشرق (٣).\n_________\n(١) انظر: غريب الحديث رقم ٣٦، ص ٢٥٥.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٧، الدرس السادس، ورقم ٣٣، الدرس التاسع.\n(٣) انظر: الاستذكار لابن عبد البر، ٢٧/ ٢٤٥ - ٢٤٦.","vol":"2","page":864},{"text":"وهذا كله يؤكد صدق النبي ﷺ؛ لوقوع ما أخبر به على حقيقته (١).\nثالثا: من موضوعات الدعوة: التحذير من الفتن: التحذير من الفتن من أهم الموضوعات التي ينبغي للداعية أن يعتني بها، ويحذر الناس منها؛ ولهذا قال النبي ﷺ في هذا الحديث: «هاهنا الفتنة - ثلاثا - من حيث يطلع قرن الشيطان»، وهذا فيه تحذير النبي ﷺ لأمته من الفتن، وبيان منه ﷺ أن الفتن تأتي من قبل المشرق؛ ليحذر منها الناس وينتبهوا أشد الانتباه، قال العيني ﵀: \"وكان ﷺ يحذر من ذلك ويعلم به قبل وقوعه، وذلك من دلالات نبوته ﷺ\" (٢) وقد حث النبي ﷺ أمته على المبادرة بالأعمال الصالحة قبل الانشغال عنها بما يحدث من الفتن الشاغلة والمتراكمة، المتكاثرة، فقال ﷺ: «بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا، يبيع دينه بعرض من الدنيا» (٣).\nقال القاضي عياض ﵀: \"وفائدة المبادرة بالعمل: إمكانه قبل شغل البال والجسد بالفتن، وقطعها عن العمل\" (٤) ومما يؤكد التحذير من الفتن حديث حذيفة بن اليمان ﵁، قال: «كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؛ قال: \"نعم\". فقلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؛ قال: \"نعم وفيه دخن\". قلت: وما دخنه؟ قال: \"قوم يستنون بغير سنتي، ويهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر\". فقلت: هل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: \"نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها. فقلت: يا رسول الله، صفهم لنا، قال: \"نعم، قوم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا\". قلت: يا رسول الله، فما تأمرني إن أدركني ذلك؛ قال: \"تلزم جماعة المسلمين وإمامهم \". فقلت: فإن لم تكن لهم جماعة\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٢١، الدرس الرابع.\n(٢) عمدة القاري شرح صحيح البخاري، ٢٤/ ١٩٩.\n(٣) مسلم، كتاب الإيمان، باب الحث على المبادرة بالأعمال قبل تظاهر الفتن، ١/ ١١٠، برقم ١١٨، من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٤) إكمال المعلم بفوائد صحيح مسلم كتاب الإيمان، ١/ ٤٩٤.","vol":"2","page":865},{"text":"ولا إمام؟ قال: \"فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعضّ على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك» (١).\nوهذا فيه التحذير العظيم من الفتن وبيان المخرج منها، ولاشك أن الزمان كلما تأخر زادت الفتن في الغالب حتى قيام الساعة؛ ولهذا قال أنس بن مالك ﵁: «اصبروا فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده أشر منه حتى تلقوا ربكم»، سمعته من نبيكم ﷺ (٢) فأسأل الله لي ولجميع المسلمين العافية في الدنيا والآخرة، والله المستعان.\nرابعا: من صفات الداعية: الحرص على الدقة في نقل الحديث: ظهر في هذا الحديث أن من صفات الداعية الحرص على الدقة في نقل الحديث؛ ولهذا قال الراوي: «من حيث يطلع قرن الشيطان»، أو قال: «قرن الشمس»، شك أي اللفظين قال النبي ﷺ (٣) والمقصود بقرن الشيطان: هو التمثيل لمن يسجد للشمس عند طلوعها فكأن الشيطان سوّل له ذلك، فإذا سجد لها كان كأن الشيطان مقترن بها (٤).\nوعن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تحرّوا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها فإنها تطلع بقرني شيطان» (٥) قيل: المراد بقرني الشيطان: حزبه وأتباعه، وقيل: قوته وغلبته وانتشار فساده، وقيل: القرنان: ناحيتا الرأس وأنه على ظاهره، وهذا هو الأقوى، قالوا: ومعناه أنه يدني رأسه إلى الشمس في هذه الأوقات؛ ليكون الساجدون لها من الكفار كالساجدين له في الصورة، وحينئذ يكون له ولبنيه تسلط ظاهر وتمكن من أن يسلبوا على المصلين صلاتهم، فكرهت الصلاة حينئذ صيانة لها، كما كرهت في الأماكن التي هي مأوى الشيطان (٦).\n_________\n(١) البخاري، كتاب الفضائل، باب كيف الأمر إذا لم تكن جماعة، ٨/ ١١٩، برقم ٧٠٨٤، ومسلم، كتاب الإمارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين، عند ظهور الفتن وفي كل حال، وتحريم الخروج على الطاعة ومفارقة الجماعة، ٣/ ١٤٧٥، برقم ١٨٤٧.\n(٢) البخاري، كتاب الفتن، باب لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه، ٨/ ١١٥، برقم ٧٠٦٨.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٢١، الدرس العاشر.\n(٤) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب القاف مع الراء، ٤/ ٥٢.\n(٥) صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها، ١/ ٥٦٨، برقم ٨٢٨.\n(٦) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٣٦١.","vol":"2","page":866},{"text":"٥ -<span data-type=\"title\" id=toc-284> باب ما ذكر من درع النبي ﷺ، وعصاه، وسيفه، وقدحه، وخاتمه وما استعمل الخلفاء بعده من ذلك مما لم يذكر قسمته، ومن شعره، ونعله، وآنيته، ممّا تبرك أصحابه وغيرهم بعد وفاته</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-285>[حديث إخراج أنس نعلين جرداوين لهما قبالان]</span>\n١٥١ - [٣١٠٧] حدّثنا عبد الله بن محمّد: حدّثنا محمّد بن عبد الله الأسديّ: حدّثنا عيسى بن طهمان (١) قال: \"أخرج إلينا أنس نعلين جرداوين لهما قبالان، فحدثني ثابت البنانيّ (٢) بعد عن أنس (٣) أنهما نعلا النّبيّ ﷺ\". (٤).\nوفي رواية: \"خرج إلينا أنس بن مالك بنعلين لهما قبالان، فقال ثابت البنانيّ: هذه نعل النّبيّ ﷺ\" (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-286>[حديث إخراج عائشة كساء ملبدا وقولها في هذا نزع روح النبي ﷺ]</span>\n١٥٢ - [٣١٠٨] حدّثني محمّد بن بشّار: حدّثنا عبد الوهّاب: حدّثنا أيّوب: حدّثنا حميد بن هلال، عن أبي بردة قال: أخرجت إلينا عائشة (٦) ﵂، كساء ملبّدا وقالت: في هذا نزع روح النّبيّ ﷺ. وزاد سليمان عن حميد، عن أبي بردة قال: أخرجت إلينا عائشة إزارا غليظا ممّا يصنع باليمن، وكساء من هذه الّتي يدعونها الملبّدة\" (٧).\nوفي رواية: \"أخرجت إلينا عائشة كساء وإزارا غليظا فقالت: قبض روح النبيّ ﷺ في هذين\" (٨).\n_________\n(١) عيسى بن طهمان بن رامة الجشمي، أبو بكر البصري، سكن الكوفة، روى عن أنس وثابت البناني، والمساور مولى أبي برزة وغيرهم. انظر: تهذيب التهذيب لابن حجر، ٨/ ١٩٣.\n(٢) ثابت بن أسلم الإمام القدوة أبو محمد البناني، ولد في خلافة معاوية ﵁، وحدث عن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن مغفل المزني، وعبد الله بن الزبير، وأبي برزة الأسلمي، وأنس بن مالك، وجماعة من الصحابة ﵃. وكان من أئمة العلم والعمل ﵀. انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي ٥/ ٢٢٠.\n(٣) أنس بن مالك ﵁، تقدمت ترجمته في الحديث رقم ١٤.\n(٤) [الحديث ٣١٠٧، طرفاه في: كتاب اللباس، باب قبالان في نعل ومن رأى قبالا واحدا واسعا، ٧/ ٦٤، برقم ٥٨٥٧ و٥٨٥٨.\n(٥) من الطرف رقم: ٥٨٥٨.\n(٦) تقدمت ترجمتها في الحديث رقم ٤.\n(٧) [الحديث ٣١٠٨] طرفه في كتاب اللباس، باب الأكسية والخمائص، ٧/ ٥٣، برقم ٥٨١٨. وأخرجه مسلم في كتاب اللباس والزينة، باب التواضع في اللباس والاقتصار على الغليظ منه واليسير في اللباس والفرائض وغيرهما، وجواز لبس الثوب الشعر وما فيه أعلام، ٣/ ١٦٤٩، برقم ٢٠٨٠.\n(٨) من الطرف رقم: ٥٨١٨.","vol":"2","page":867},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-287>[حديث أن قدح النبي ﷺ كسر]</span>\n١٥٣ - [٣١٠٩] حدّثنا عبدان، عن أبي حمزة، عن عاصم، عن ابن سيرين، عن أنس بن مالك ﵁: \"أنّ قدح النبيّ ﷺ كسر فاتخذ مكان الشّعب سلسلة من فضّة. قال عاصم (١) رأيت القدح وشربت فيه\" (٢).\nوفي رواية: \"عن عاصم الأحول قال: رأيت قدح النبيّ ﷺ عند أنس بن مالك، وكان قد انصدع فسلسله بفضّة، قال: وهو قدح جيّد عريض من نضار. قال أنس: لقد سقيت رسول الله ﷺ في هذا القدح أكثر من كذا وكذا. قال: وقال ابن سيرين: (٣) إنّه كان فيه حلقة من حديد فأراد أنس أن يجعل مكانها حلقة من ذهب أو فضّة فقال له أبو طلحة: لا تغيرنّ شيئا صنعه رَسُولُ الله ﷺ فتركه\" (٤).\n\n* شرح غريب الحديث: * \" نعلين جرداوين \" أي لا شعر عليهما. (٥).\n* \" قبالان \" القبال: زمام النعل، وهو السير الذي يكون بين الإصبع الوسطى والتي تليها (٦).\n_________\n(١) عاصم بن سليمان الأحول، أبو عبد الرحمن البصري، مولى بني تميم، يقال: مولى عثمان، ويقال: مولى آل زياد، روى عن أنس وعبد الله بن سرجس، وعمر بن سلمة الجرمي، وغيرهم، كان من أهل مصر، وكان يتولى الولايات: فكان بالكوفة على الحسبة، والأوزان، وكان قاضيا بالمدائن لأبي جعفر، مات سنة إحدى أو اثنتين أو ثلاث وأربعين. انظر: تهذيب التهذيب لابن حجر، ٥/ ٣٨.\n(٢) [الحديث ٣١٠٩] طرفه في: كتاب الأشربة، باب الشرب من قدح النبي ﷺ وآنيته، ٦/ ٣١٦، برقم ٥٦٣٨.\n(٣) هو محمد بن سيرين الإمام أبو بكر الأنصاري، مولى أنس بن مالك ﵁، كان أبوه من سبي جرجرايا - بلد من أعمال النهروان - تملكه أنس ﵁ ثم كاتبه على ألوف من المال فوفاه وعجل له مال الكتابة قبل حلوله، فامتنع أنس ﵁ من أخذه، سمع أبا هريرة، وعمران بن حصين، وابن عباس، وجماعة من الصحابة ﵃، قال ابن عون: ثلاثة لم تر عيني مثلهم: ابن سيرين بالعراق، والقاسم بن محمد بالحجاز، ورجاء بن حيوة بالشام، كأنهم التقوا فتواصوا، وكان ابن سيرين ﵀ ينطق بالحكمة ومن ذلك قوله: \"إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم\" [صحيح مسلم ١/ ١٤]، وكان يأمر السلطان بالمعروف والحكمة، وقد جاء عنه عجائب في تفسير الرؤى، وكان له في ذلك تأييد إلهي، ولد ﵀ لسنتين بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب ﵁، وتوفي لتسع مضين من شوال سنة عشر ومائة للهجرة. انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي ٤/ ٦٠٦ - ٦٢٢.\n(٤) من الطرف رقم: ٥٦٣٨.\n(٥) تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٢٦٠.\n(٦) انظر: المرجع السابق ص ٢٦٠، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب القاف مع الباء، مادة \"قبل\" ٤/ ٨.","vol":"2","page":868},{"text":"* \" كساء ملبّدا \" أي مرقعا. يقال: لبدت القميص ألبده، ولبدته، وألبدته إذا رقعته، ويقال للخرقة التي يرقع بها صدر القميص: اللبدة، والتي يرقع بها قبله: القبيلة، وقيل: الملبّد: الذي ثخن وسطه وصفق حتى صار يشبه اللبدة. (١).\n* \" فاتخذ مكان الشعب سلسلة \" الشعب: أي الصدع والشق. (٢).\n* \" نضار \" قدح جيد عريض من نضار: أي من خشب نضار، وهو خشب معروف، وقيل: هو الأثل الورسيّ اللون (٣).\n* الدراسة الدعوية للأحاديث: في هذه الأحاديث الثلاثة دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - أهمية استخدام وسائل الإيضاح في الدعوة إلى الله ﷿.\n٢ - عظم محبة الصحابة لرسول الله ﷺ.\n٣ - من صفات الداعية: الزهد.\n٤ - من صفات الداعية: التواضع.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: أهمية استخدام وسائل الإيضاح في الدعوة إلى الله ﷿: إن استخدام وسائل الإيضاح الحسية في الدعوة إلى الله ﷿ من الأمور المهمة؛ وقد استخدمها أنس بن مالك وعائشة ﵄ في هذه الأحاديث، فأنس: \"أخرج نعلين جرداوين\" وهما نعلا النبي ﷺ، وأخرجت عائشة \"إزارا غليظا مما يصنع باليمن وكساء\"، وهذا فيه إيضاح للناس وتعليم لهم بما كان عليه النبي ﷺ من الزهد في الدنيا، وإيثار الآخرة والرغبة فيها؛ لأن ما عند الله خير وأبقى. فينبغي للداعية أن يستخدم وسائل الإيضاح الحسية في دعوته إلى الله ﷿،\n_________\n(١) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب اللام مع الباء، مادة: \"لبد\" ٤/ ٢٢٤.\n(٢) المرجع السابق، باب الشين مع العين، مادة: \"شعب\" ٢/ ٤٧٧.\n(٣) المرجع السابق، باب النون مع الضاد، مادة: \"نضر\" ٥/ ٧١.","vol":"2","page":869},{"text":"وقد كان النبي ﷺ يستخدم هذه الوسائل، فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «خط النبي ﷺ خطا مربعا، وخط خطا في الوسط خارجا منه، وخط خطوطا صغارا إلى هذا الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط، وقال: \"هذا الإنسان، وهذا أجله محيط به - أو قد أحاط به - وهذا الذي هو خارج أمله، وهذه الخطوط الصغار الأعراض، فإن أخطأه هذا نهشه هذا، وإن أخطأه هذا نهشه هذا» (١) وقيل: هذه صفة الخط (٢).\n: وهذا يؤكد للداعية أهمية استخدام الوسائل الحسية للإيضاح والتبيين وشد الانتباه للمدعوين والله المستعان.\nثانيا: عظم محبة الصحابة لرسول الله ﷺ: الصحابة ﵃ كانوا يحبون النبي ﷺ حبا عظيما؛ وقد بلغ بهم هذا الحب العظيم إلى أن احتفظ بعضهم ببعض ما يختص به ﷺ تبركا به ﷺ، فقد احتفظ أنس ﵁ بنعليه، وقدحه، واحتفظت عائشة ﵂، بإزاره، وكسائه كما في الحديث، وغير ذلك كثير، كالاحتفاظ بدرعه، وخاتمه (٣) وهذا يؤكد حب الصحابة ﵃ لرسول الله أكثر من أنفسهم وأموالهم، وأولادهم ووالديهم، والناس أجمعين، فينبغي لكل مسلم أن يكون كذلك (٤).\nثالثا: من صفات الداعية: الزهد: ظهر في هذه الأحاديث زهد النبي ﷺ في الدنيا؛ لكونه قبضه الموت وهو يلبس إزارا غليظا، وكساء ملبدا مرقعا، ويأكل في قدح من خشب النضار منصدع، قال الإمام النووي ﵀: \"في هذه الأحاديث المذكورة في الباب ما كان عليه النبي ﷺ من الزهادة في الدنيا، والإعراض عن متاعها وملاذها، وشهواتها، وفاخر لباسها، ونحوه، واجتزائه بما يحصل به أدنى التجزئة في ذلك كله، وفيه الندب للاقتداء به ﷺ في هذا وغيره\" (٥) وهذا يؤكد عظم\n_________\n(١) البخاري، كتاب الرقاق، باب في الأمل وطوله، ٧/ ٢١٩، برقم ٦٤١٧.\n(٢) انظر: فتح الباري، لابن حجر، ١١/ ٢٣٧.\n(٣) انظر: منار القاري، لحمزة محمد قاسم، ٤/ ١٣٢.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٦٢، الدرس الثامن، ورقم ٦٣، الدرس الثامن.\n(٥) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٤/ ٣٠١.","vol":"2","page":870},{"text":"زهده ﷺ ورغبته فيما عند الله ﷿. (١).\nرابعا: من صفات الداعية: التواضع: دل الحديث على أن التواضع من الصفات الحميدة التي ينبغي للداعية أن يتصف بها؛ فقد لبس النبي ﷺ الإزار الغليظ والكساء المرقع كما في هذا الحديث تواضعا ﷺ (٢) وهذا يبين أن التواضع من الأخلاق الكريمة التي يحمد عليها المسلم، ويثاب عليها عند الله ﷿، ويدخل الله ﷿ بها حبه في قلوب الناس (٣).\nولا شك أن هدي النبي ﷺ في اللباس أجمل الهدي وأحسنه، فقد كان ﷺ متواضعا في لباسه، ومع ذلك كان يتجمل للوفود، وفي يوم الجمعة، ويحث أمته على إظهار نعمة الله عليهم، فقد قال رجل للنبي ﷺ: إن الرجل يحبّ أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة فقال النبي ﷺ: «إن الله جميل يحبّ الجمال، الكبر: بطر الحق (٤) وغمط (٥) الناس» (٦) وعن أبي الأحوص عن أبيه ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال له: «إذا آتاك الله مالا فلير أثر نعمة الله عليك» (٧) قال الإمام ابن القيم ﵀: \" لبس الدني من الثياب يذمّ في موضع ويحمد في موضع: فيذم إذا كان شهرة وخيلاء، ويمدح إذا كان تواضعا واستكانة، كما أن لبس الرفيع من الثياب يذمّ إذا كان تكبّرا وفخرا وخيلاء، ويمدح إذا كان تجملا وإظهارا لنعمة الله \" (٨).\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٢، الدرس الأول، ورقم ١٥ الدرس الأول.\n(٢) انظر: عمدة القاري للعيني، ١٥/ ٣٢.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٦٢، الدرس الثالث.\n(٤) بطر الحق: دفعه وإنكاره، ترفعا وتجبرا. شرح النووي على صحيح مسلم، ٢/ ٤٤٩.\n(٥) غمط الناس: احتقارهم. المرجع السابق، ٢/ ٤٤٩.\n(٦) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب تحريم الكبر وبيانه، ١/ ٩٣، برقم ٩١، من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.\n(٧) أبو داود، كتاب اللباس، باب غسل الثوب وفي الخلقان، ٤/ ٥١، برقم ٤٠٦٣، والنسائي، كتاب الزينة، باب ذكر ما يستحب من لبس الثياب وما يكره منها، ٨/ ١٩٦، برقم ٥٢٩٤، والحاكم وصحح إسناده ووافقه الذهبي، ٤/ ١٨١، وأحمد في المسند بلفظ: \"فإن الله ﷿ إذا أنعم على عبده نعمة أحب أن ترى عليه\"، ٣/ ٤٧٣ - ٤٧٤، وصححه الألباني في غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام، ص ٦٣، برقم ٧٥. وله شاهد عند الترمذي وحسنه \"إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده\"، ٥/ ١٢٤، برقم ٢٨١٩.\n(٨) زاد المعاد، ١/ ١٤٦.","vol":"2","page":871},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-288>[حديث لو كان علي ذاكرا عثمان ذكره يوم جاءه ناس</span>. . .]\n١٥٤ - [٣١١١] حدّثنا قتيبة بن سعيد: حدّثنا سفيان، عن محمّد بن سوقة، عن منذر، عن ابن الحنفيّة (١) قال: \"لو كان عليّ ﵁ ذاكرا عثمان ﵁ ذكره يوم جاءه ناس فشكوا سعاة عثمان، فقال لي عليّ: اذهب إلى عثمان فأخبره إنها صدقة رَسُولِ الله ﷺ، فمر سعاتك يعملون فيها (٢).\nفأتيته بها فقال: أغنها عنّا. فأتيت بها عليّا فأخبرته فقال: ضعها حيث أخذتها\" (٣) وفي رواية: \"وقال الحميديّ: حدّثنا سفيان: حدّثنا محمّد بن سوقة قال: سمعت منذرا الثّوريّ، عن ابن الحنفيّة قال: أرسلني أبي: خذ هذا الكتاب فاذهب به إلى عثمان، فإنّ فيه أمر النّبيّ ﷺ بالصّدقة\". (٤).\n\n* شرح غريب الحديث: * \" سعاة عثمان \" الساعي هو الذي يستعمل على الصدقات ويتولىّ استخراجها من أربابها، وبه سمي عامل الزكاة: الساعي (٥).\n* \" أغنها عنا \" أي اصرفها وكفها، كقوله تعالى ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧] (٦) أي يكفيه ويكفيه (٧).\n_________\n(١) محمد بن علي بن أبي طالب أبو القاسم المدني المعروف بابن الحنفية، وهي خولة بنت جعفر بن قيس من بني حنيفة، سبيت في الردة من اليمامة، روى عن أبيه، وعثمان، وعمار، ومعاوية، وأبي هريرة، وابن عباس ﵃، ودخل على عمر، وكان رجلا صالحا، وتسميه الشيعة المهدى، وكانت شيعته تزعم أنه لم يمت لضعف عقولهم وجهلهم، قيل ولد في خلافة أبي بكر، وقيل: في خلافة عمر، مات سنة ثلاث وسبعين، وقيل: سنة ثمانين، وقيل: غير ذلك. انظر: تهذيب التهذيب لابن حجر، ٩/ ٣١٥.\n(٢) في النسخة السلفية المطبوعة مع فتح الباري \"يعملون بها\" ٦/ ٢١٣، وفي نسخة استانبول ٤/ ٤٨ كما في النسخة المعتمدة.\n(٣) [الحديث ٣١١١] طرفه في كتاب: فرض الخمس، باب ما ذكر من درع النبي ﷺ وعصاه وسيفه وقدحه وخاتمه وما استعمل الخلفاء بعده من ذلك مما لم يذكر قسمته، ومن شعره ونعله وآنيته مما تبرك أصحابه وغيرهم بعد وفاته، ٤/ ٥٨، برقم ٣١١٢.\n(٤) من الطرف رقم: ٣١١٢.\n(٥) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب السين مع العين، مادة: \"سعى\" ٢/ ٣٦٩.\n(٦) سورة عبس، الآية: ٣٧.\n(٧) النهابة في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الغين مع النون، مادة: \"غنا\" ٣/ ٣٩٢.","vol":"2","page":872},{"text":"* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من صفات الداعية: سلامة القلب وحفظ اللسان.\n٢ - من موضوعات الدعوة: الحض على النصيحة بالحكمة.\n٣ - من صفات الداعية: التثبت.\n٤ - من وسائل الدعوة: إرسال الكتب والرسائل.\n٥ - أهمية الاستدلال بالأدلة الشرعية.\n٦ - أهمية تربية الأبناء وتدريبهم على الأمور المهمة.\n٧ - من أصناف المدعوين: أهل العلم والتقوى.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من صفات الداعية: سلامة القلب وحفظ اللسان: إن سلامة القلب وحفظ اللسان من الصفات الكريمة الجميلة التي يتأكد على كل مسلم الاتصاف بها، وخاصة الدعاة إلى الله ﷿، وقد دل قول محمد بن علي ابن الحنفية على ذلك حين قال في هذا الحديث: \"لو كان عليّ ﵁ ذاكرا عثمان ﵁ ذكره يوم جاءه ناس فشكوا سعاة عثمان \"، والمقصود لو كان عليّ ﵁ ذاكرا عثمان ﵁ بما لا يليق ولا يحسن لذكره يوم جاءه ناس فشكوا سعاة عثمان، ولكن، لسلامة قلبه أرسل إليه بالكتاب الذي فيه أمر النبي ﷺ بالصدقة (١) وقد بين النبي ﷺ فضل ومكانة صاحب القلب السالم من الحقد والبغضاء والحسد، فعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قيل: يا رسول الله، أي الناس أفضل؛ قال: «كلّ مخموم القلب صدوق اللسان\"، قالوا: صدوق اللسان نعرفه فما مخموم القلب؟ قال: \"هو التقي، النقي، لا إثم فيه، ولا بغي، ولا غلّ، ولا حسد» (٢).\n_________\n(١) انظر: شرح الكرماني على صحيح البخاري، ١٣/ ٨٩.\n(٢) أخرجه ابن ماجه، في كتاب الزهد، باب الورع والتقوى، ٤/ ١٤٩، برقم ٤٢١٦، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة، ٢/ ٤١١.","vol":"2","page":873},{"text":"وفي حديث أنس بن مالك ﵁ في قصة الرجل الذي شهد له رسول الله ﷺ بالجنة ثلاث مرات في ثلاثة أيام فتابعه عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄؛ ليقتدي به فبقي معه ثلاثة أيام فلم ير عملا زائدا على عمله، ولم يقم من الليل شيئا إلا أنه إذا استيقظ من الليل وتقلب على فراشه ذكر الله ﷿ وكبره حتى يقوم لصلاة الفجر، ولم يسمعه يقول إلا خيرا، فلما مضت الثلاث ليال كاد أن يحتقر عبد الله عمل الرجل، فسأله وقال: ما الذي بلغ بك ما قال رسول الله ﷺ؟ فقال: \"ما هو إلا ما رأيت غير أنى لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشا، ولا أحسد أحدا على خير أعطّاه الله إياه\"، فقال عبد الله بن عمرو: هذه التي بلغت بك، وهي التي لا نطيق (١).\nوهذا كله يؤكد على كل مسلم أن يسأل الله ﷿ أن يطهر قلبه من الحقد، والحسد، والبغضاء للمسلمين، وأن يطهر لسانه من قول الزور، ومن كل ما يغضب الله ﷿، والله المستعان.\nثانيا: من موضوعات الدعوة: الحض على النصيحة بالحكمة: النصيحة لله وكتابه، ورسوله، وأئمة المسلمين، وعامتهم من أعظم القربات، وأهم الواجبات؛ ولهذه الأهمية نصح عليّ ﵁ لعثمان بن عفان ﵁، كما في هذا الحديث، فأرسل إليه كتاب أمر النبي ﷺ بالصدقة، قال الحافظ ابن حجر ﵀: \"ويستفاد من هذا الحديث: بذل النصيحة للأمراء، وكشف أحوال من يقع منه الفساد من أتباعهم، وللإمام التنقيب عن ذلك\" (٢) وقد حث النبي ﷺ على النصيحة بالحكمة، فعن تميم الداري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الدين النصيحة\" قلنا: لمن يا رسول الله؛ قال: \"لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم» (٣).\n_________\n(١) أحمد في المسند، ٣/ ١٦٦، وإسناده جيد.\n(٢) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٦/ ٢١٥.\n(٣) أخرجه مسلم، في كتاب الإيمان، باب بيان أن الدين النصيحة ١/ ٧٤، برقم ٥٥.","vol":"2","page":874},{"text":"وعن جرير بن عبد الله ﵁ قال: «بايعت رسول الله ﷺ على: إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنّصح لكلّ مسلم» (١).\n، والنصيحة كلمة جامعة معناها حيازة الحظ للمنصوح له، وقيل: النصيحة مأخوذة من نصح الرجل ثوبه إذا خاطه، فشبّهوا فعل الناصح فيما يتحراه من صلاح المنصوح له بما يسده من خلل الثوب، وقيل: إنها مأخوذة من نصحت العسل إذا صفيته من الشمع، شبّهوا تخليص القول من الغش بتخليص العسل من الخلط. فينبغي للمسلم أن يلمّ شعث أخيه كما يلم الخياط خرق الثوب ويخلص النصيحة لأخيه صافية كما يصفو العسل (٢) ومما يؤكد ذلك قول النبي ﷺ: «نضّر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها، وحفظها، وبلغها، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغلّ عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة أئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم؛ فإن دعوتهم تحيط من ورائهم» (٣) وهذه الثلاث تستصلح بها الثوب فمن تمسك بها سلم قلبه من الحقد والحسد، والخيانة، والشحناء، ولا يبقى فيه شيء من ذلك (٤).\nفينبغي لكل مسلم النصح لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم، ويحث الناس على ذلك، والله المستعان (٥).\nثالثا: من صفات الداعية: التثبت: لا شك أن التثبت في الأمور وعدم العجلة من الأمور المهمة التي ينبغي العناية بها؛ ولهذا تثبّت عثمان بن عفان ﵁ - كما في هذا الحديث - فلم يعجل على عقاب سعاته ولم يعزلهم في الحال، وهذا يدل على تثبته ﵁؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀: \"يحتمل أن عثمان ﵁ لم يثبت عنده ما طعن به\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الأحكام، باب كيف يبايع الإمام الناس، ٨/ ١٥٤، برقم ٧٢٠٤، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان أن الدين النصيحة، ١/ ٧٥، برقم ٥٦.\n(٢) انظر: المعلم بفوائد مسلم، لأبي عبد الله محمد بن علي بن عمر المازري، ١/ ١٩٧، وشرح النووي على صحيح مسلم، ٢/ ٣٩٧، ومفتاح دار السعادة لابن القيم ١/ ٢٧٤.\n(٣) الترمذي، ٥/ ٣٤، برقم ٢٦٥٨، وأحمد في المسند، ١/ ٤٣٧، وتقدم تخريجه في الحديث رقم ٦، الدرس الأول، ص ٧٤.\n(٤) انظر: مفتاح دار السعادة، لابن القيم، ١/ ٢٧٧.\n(٥) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٢/ ٣٩٧.","vol":"2","page":875},{"text":"على سعاته، أو ثبت عنده وكان التدبير يقتضي تأخير الإنكار، أو كان الذي أنكره من المستحبات لا من الواجبات؛ ولذلك عذره عليّ ولم يذكره بسوء\" فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٦/ ٢١٥، وقيل: إن عثمان ﵁ لم يرد الصحيفة إلا لأن عنده علما من ذلك، فاستغنى به، ورد الصحيفة بحكمة ورفق (١) وكل ما تقدم يوضح للداعية أهمية التثبت والأناة في الأمور؛ لما في ذلك من الصلاح والإصلاح، وسلامة القلوب واجتماع الكلمة (٢).\nرابعا: من وسائل الدعوة: إرسال الكتب والرسائل: إن إرسال الكتب والرسائل من الوسائل النافعة التي ينبغي أن تستخدم في الدعوة إلى الله ﷿؛ ولهذه الأهمية أرسل عليّ ﵁ بكتاب فيه الأمر بالزكاة إلى عثمان ﵁، كما قال محمد ابن الحنفية في هذا الحديث: \"أرسلني أبي: خذ هذا الكتاب فاذهب به إلى عثمان؛ فإن فيه أمر رسول الله ﷺ بالصدقة\"، وهذا يؤكد أهمية إرسال الرسائل والكتب؛ للدعوة إلى الله وتبليغ العلم النافع للناس (٣).\nخامسا: أهمية الاستدلال بالأدلة الشرعية: الاستدلال بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة أو من أحدهما من أهم الأمور وأعظم الطاعات، وقد دل على ذلك في هذا الحديث قول علي ﵁ لابنه محمد: \"خذ هذا الكتاب فاذهب به إلى عثمان؛ فإن فيه أمر النبي ﷺ بالصدقة\". فينبغي للداعية أن يعتني بذكر الأدلة على ما يقول، وعلى ما يدعو الناس إليه؛ لما في ذلك من إيجاد الثقة بما يقول في قلوب المدعوين، وحصول اليقين بصدقه، ومن ثم قبول قوله ودعوته (٤).\n_________\n(١) انظر: جامع الأصول، لابن الأثير، ٤/ ٦٥٢.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٩١، الدرس الثاني، ورقم ٩٢، الدرس الخامس، ورقم ١١٦، الدرس الخامس.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٩٠، الدرس الثاني، ورقم ١١٥، الدرس الثاني.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٩٤، الدرس الثامن، ورقم ١٢٠، الدرس الثاني.","vol":"2","page":876},{"text":"سادسا: أهمية تربية الأبناء وتدريبهم على الأمور المهمة: ظهر في هذا الحديث أهمية التربية والتدريب للأبناء على الأمور المهمة، والدعوة إلى الله ﷿، ففيه أن علي بن أبي طالب ﵁ أرسل ابنه محمد ابن الحنفية بكتاب الصدقة التي أمر بها النبي ﷺ، فيؤخذ من ذلك أنه ينبغي للداعية أن يربي أبناءه ويدربهم على تحمل المسؤولية، والقيام بالأمور المهمة؛ ليتعودوا على ذلك؛ ويشعروا بالثقة بالله ثم بأنفسهم، وحمل مصالح المسلمين، والله ﷿ المستعان.\nسابعا: من أصناف المدعوين: أهل العلم والتقوى: المدعوّون أصناف على حسب الأحوال، وقد يكون المدعو من أهل العلم والتقوى؛ لأن المسلم مرآة أخيه، وقد ظهر ذلك في هذا الحديث من إرسال علي ﵁ إلى عثمان بكتاب الصدقة؛ ليبلغه سعاته؛ لأن فيه أمر النبي ﷺ بالصدقة، وهذا يوضح ويدل على أن كل إنسان يحتاج إلى توجيه إخوانه وتذكيرهم له، فلا يأنف، ولا يرد الحق، بل عليه أن يقبل الحق بدليله (١).\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٧١، الدرس السابع، ورقم؛ ٧٦ الدرس الرابع، ورقم ٧٧ الدرس السابع عشر.","vol":"2","page":877},{"text":"٦ -<span data-type=\"title\" id=toc-289> باب الدّليل على أنّ الخمس لنوائب رسول الله ﷺ والمساكين </span>وإيثار النّبي ﷺ أهل الفاقّة والأرامل، حين سألته فاطمة وشكت إليه الطّحن والرّحى أن يخدمها من السّبي فوكلها إلي الله.\n<span data-type=\"title\" id=toc-290>[حديث أن فاطمة اشتكت ما تلقى من الرحى مما تطحنه]</span>\n١٥٥ - [٣١١٣] حدّثنا بدل بن المحبّر: أخبرنا شعبة: أخبرني الحكم قال: سمعت ابن أبي ليلى: أخبرنا عليّ (١).\n«أنّ فاطمة (٢) ﵍ اشتكت ما تلقى من الرّحى ممّا تطحنه، فبلغها أنّ رسول الله ﷺ أتي بسبي، فأتته تسأله خادما فلم توافقه، فذكرت لعائشة، فجاء النّبيّ ﷺ فذكرت ذلك عائشة له، فأتانا وقد دخلنا مضاجعنا فذهبنا لنقوم فقال: \"على مكانكما\"، حتّى وجدت برد قدمه على صدري، فقال: \"ألا أدلكما على خير ممّا سألتماه؛ إذا أخذتما مضاجعكما فكبّرا الله أربعا وثلاثين، واحمدا ثلاثا وثلاثين، وسبّحا ثلاثا وثلاثين، فإنّ ذلك خير ممّا سألتماه» (٣).\nوفي رواية: \"فذهبت لأقوم فقال: «على مكانكما» فقعد بيننا حتّى وجدت برد قدميه على صدري. . \" (٤).\nوفي رواية: «إذا أخذتما مضاجعكما أو أويتما إلى فراشكما فسبّحا ثلاثا وثلاثين، واحمدا ثلاثا وثلاثين، وكبّرا أربعا وثلاثين» (٥).\nوفي رواية: \"عن عليّ بن أبي طالب: «أنّ فاطمة ﵍ أتت النّبيّ ﷺ تسأله خادما فقال: \"ألا أخبرك ما هو خير لك منه: تسبّحين عند منامك ثلاثا وثلاثين،\n_________\n(١) علي بن أبي طالب ﵁، تقدمت ترجمته في الحديث رقم ٧٧.\n(٢) تقدمت ترجمتها في الحديث رقم ١٤٧.\n(٣) [الحديث ٣١١٣] أطرافه في: كتاب فضائل أصحاب النبي ﷺ، باب مناقب علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي أبي الحسن ﵁، ٤/ ٢٥٠، برقم ٣٧٠٥. وكتاب النفقات، باب عمل المرأة في بيت زوجها، ٦/ ٢٣٦، برقم ٥٣٦١. وكتاب النفقات، باب خادم المرأة، ٦/ ٢٣٦، برقم ٥٣٦٢. وكتاب الدعوات، باب التكبير والتسبيح عند المنام، ٧/ ١٩٢، برقم ٦٣١٨. وأخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب التسبيح أول النهار وعند النوم، ٤/ ٢٠٩١، برقم ٢٧٢٧.\n(٤) من الطرف رقم ٣٧٠٥.\n(٥) من الطرف رقم: ٥٣٦١.","vol":"2","page":878},{"text":"وتحمدين ثلاثا وثلاثين، وتكبرين الله أربعا وثلاثين»، ثمّ قال سفيان إحداهنّ أربع وثلاثون فما تركتها بعد. قيل: ولا ليلة صفّين؛ قال: ولا ليلة صفّين\" (١).\n\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من صفات الداعية: الصبر على الابتلاء.\n٢ - من صفات الداعية: التواضع.\n٣ - أهمية أسلوب السؤال والجواب في الدعوة إلى الله ﷿.\n٤ - من موضوعات الدعوة: تعليم الأذكار المشروعة.\n٥ - من صفات الداعية: الرحمة.\n٦ - من أصناف المدعوين: الأهل والأقارب.\n٧ - أهمية الحرص على المداومة على العمل الصالح.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من صفات الداعية: الصبر على الابتلاء: الصبر على الابتلاء والامتحان والاختبار من صفات الداعية؛ ولهذا صبرت فاطمة بنت رسول الله ﷺ على التعب، ومشقة الرحى والطحن، وهي سيدة النساء بنت سيد الخلق ﷺ، وقد ذكر القرطبي وابن حجر رحمهما الله أن في هذا الحديث من الفوائد: ما كان عليه السلف الصالح من شظف العيش وقلة الشيء، وشدة الحال، وأن الله حماهم الدنيا مع إمكان ذلك صيانة لهم من تبعاتها، وتلك سنة أكثر الأنبياء، والأولياء (٢) فإذا كان هؤلاء صبروا فينبغي التأسي بهم والصبر على الابتلاء؛ أسأل الله لي ولجميع المسلمين العافية في الدنيا والآخرة (٣).\n_________\n(١) من الطرف رقم ٥٣٦٢.\n(٢) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، ٧/ ٥٤، وفتح الباري بشرح صحيح البخاري، لابن حجر، ١١/ ١٢٤.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٩، الدرس الثامن، ورقم ٦٦، الدرس الأول.","vol":"2","page":879},{"text":"ثانيا: من صفات الداعية: التواضع: دل هذا الحديث على عظم تواضع النبي ﷺ؛ ولهذا ذهب بنفسه في وقت النوم والراحة إلى بنته فاطمة وعلي ﵄، ليعلمهما ما ينفعهما، فينبغي للداعية أن يكون متواضعا تأسّيا برسول الله ﷺ (١).\nثالثا: أهمية أسلوب السؤال والجواب في الدعوة إلى الله ﷿: ظهر في هذا الحديث أهمية أسلوب السؤال والجواب؛ لاستخدام النبي ﷺ له بقوله لعلي وفاطمة ﵄: «ألا أدلكم على خير مما سألتماه\" ثم أخبرهما ودلهما على ذلك فقال: \"إذا أخذتما مضاجعكما فكبّرا الله أربعا وثلاثين، واحمدا ثلاثا وثلاثين، وسبحا ثلاثا وثلاثين؛ فإن ذلك خير مما سألتماه»، فالنبي ﷺ سألهما؛ ليشد الانتباه، ثم أجابهما ﷺ بعد أن أحضرا ذهنيهما، وهذا يؤكد أهمية السؤال والجواب في الدعوة إلى الله ﷿ (٢).\nرابعا: من موضوعات الدعوة: تعليم الأذكار المشروعة: لاشك أن من أعظم الموضوعات في الدعوة إلى الله ﷿ تعليم الناس الأذكار المشروعة؛ لأن بها ترفع الدرجات، ويبارك الله ﷿ في الأوقات، ويحفظ بها العبد المسلم من الشياطين، ويزيد الله بها في النشاط والقوة على الطاعات والأعمال، وبها تطمئن القلوب كما قال الله ﷿: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] (٣).\nوقد دل هذا الحديث على مشروعية تعليم الأذكار؛ لأن النبي ﷺ قال لعلي وفاطمة ﵄: «إذا أخذتما مضاجعكما فكبّرا الله أربعا وثلاثين، واحمدا ثلاثا وثلاثين، وسبحا ثلاثا وثلاثين، فإن ذلك خير مما سألتماه». قال الحافظ ابن حجر ﵀: \"ويستفاد من الحديث أن الذي يلازم ذكر الله يعطى قوة أعظم من القوة التي يعملها له الخادم، أو تسهّل الأمور عليه بحيث يكون تعاطيه أموره أسهل من تعاطي الخادم\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٦٢، الدرس الثالث.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٥٨، الدرس الثالث، ورقم ١١٠، الدرس الرابع، ورقم ١٤، الدرس الرابع.\n(٣) سورة الرعد، الآية: ٢٨.","vol":"2","page":880},{"text":"لها\" (١) وقال العلامة الملا علي القاري: \"كأن قراءة هذه الأذكار تزيل تعب خدمة النهار والآلام\" (٢) وسمعت العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز حفظه الله يقول: \"وهذا يدل على أن الذكر يعين ويستعان به على كل الأمور\" (٣) وهذا يؤكد تعليم الأذكار المشروعة للمدعوين على حسب الأحوال، والأوراد، والأوقات، والمناسبات التي تشرع فيها الأذكار (٤).\nخامسا: من صفات الداعية: الرحمة: إن الرحمة من أعظم الصفات التي ينبغي للداعية أن يتحلىّ بها؛ ولهذا ظهرت رحمة النبي ﷺ لابنته فاطمة ﵂ في هذا الحديث، وذلك أنه عندما أخبرته أم المؤمنين عائشة ﵂ أن فاطمة ﵂ جاءت تسأل خادما، فذهب النبي إلى فاطمة وقت الراحة والنوم رحمة بها وشفقة عليها، قال الحافظ ابن حجر ﵀: \"وفيه بيان غاية التعطف والشفقة على البنت والصهر\" (٥) وهذا يوضح ويؤكد أهمية الرحمة والشفقة على الأقارب، والمدعوين. (٦).\nسادسا: من أصناف المدعوين: الأهل والأقارب: دعوة الأقربين من أهم المهمات وأعظم القربات، وأولى الواجبات؛ ولهذا اعتنى النبي ﷺ بتعليم ابنته فاطمة ﵂ وابن عمه وصهره علي ﵁ هذا الذكر العظيم: \"إذا «أخذتما مضاجعكما فكبرا الله أربعا وثلاثين، واحمدا ثلاثا وثلاثين، وسبحا ثلاثا وثلاثين»، فنفعهما الله به، ونفع به المخلصين من أمة محمد ﷺ، قال الحافظ ابن حجر ﵀: \"يستفاد من هذا الحديث حمل\n_________\n(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٩/ ٥٠٦، وانظر: مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح للملا علي القاري ٥/ ٢٣٣.\n(٢) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، ٥/ ٢٣٣.\n(٣) سمعت ذلك من سماحته أثناء شرحه لحديث رقم ٣١١٣ من صحيح البخاري، في جامع الإمام تركي بن عبد الله بالرياض.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٣٦، الدرس الثامن.\n(٥) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ١١/ ١٢٤.\n(٦) انظر: الحديث رقم ٥، الدرس الأول، ورقم ٩، الدرس الثالث، ورقم ٥٠، الدرس الرابع.","vol":"2","page":881},{"text":"الإنسان أهله على ما يحمل عليه نفسه من التقلل والزهد في الدنيا، والقنوع بما أعد الله لأوليائه الصابرين في الآخرة\" (١).\nوهذا يؤكد العناية بدعوة الأهل والأقارب وأنهم من أصناف المدعوين الذين ينبغي أن يعتني بهم الداعية عناية خاصة (٢)؛ لأن الله ﷿ قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] (٣).\nسابعا: أهمية الحرص على المداومة على العمل الصالح: ظهر في هذا الحديث أهمية الحرص على المداومة على العمل الصالح وملازمته في الشدة والرخاء؛ ولهذا قال علي ﵁: \"فما تركتها بعد\" أي لم يترك جملة التسبيح والتحميد والتكبير بالعدد المذكور بعد أن سمع ذلك من النبي ﷺ، فقيل له: ولا ليلة صفين؛ قال: \"ولا ليلة صفين\"، وهذا فيه منقبة لعلي ﵁؛ فقد داوم على هذا العمل الصالح، قال الحافظ ابن حجر ﵀: \"وفيه أن من واظب على الذكر عند النوم لم يصبه إعياء؛ لأن فاطمة شكت التعب من العمل فأحالها ﷺ على ذلك\" (٤) وهذا يؤكد أهمية قيمة المداومة على العمل الصالح. (٥).\n_________\n(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٦/ ٢١٦، وانظر: ١١/ ١٢٤.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٧، الدرس الأول، ورقم ٣٦، الدرس الخامس.\n(٣) سورة التحريم، الآية: ٦.\n(٤) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ١١/ ١٢٥.\n(٥) انظر: الحديث رقم ٩، الدرس الخامس عشر، ورقم ١٨، الدرس السادس.","vol":"2","page":882},{"text":"٧ -<span data-type=\"title\" id=toc-291> باب قول الله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [</span>الأنفال: ٤١] (١).\nيعني للرّسول قسم ذلك قال رَسُولُ الله ﷺ: «إنمّا أنا قاسم وخازن، والله يعطي».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-292>[حديث إنما أنا قاسم وخازن والله يعطي]</span>\n١٥٦ - [٣١١٤] حدّثنا أبو الوليد: حدثنا شعبة، عن سليمان ومنصور وقتادة: أنهم سمعوا سالم بن أبي الجعد، عن جابر بن عبد الله (٢).\n﵁، أنه قال: «ولد لرجل منّا من الأنصار غلام، فأراد أن يسمّيه محمّدا» - قال شعبة في حديث منصور: إنّ الأنصاريّ قال: «حملته على عنقي، فأتيت به النّبيّ ﷺ». وفي حديث سليمان: «ولد له غلام فأراد أن يسمّيه محمّدا قال: سمّوا باسمي ولا تكنوا بكنيتي، فإنّي إنّما جعلت قاسما أقسم بينكم». وقال حصين: «بعثت قاسما أقسم بينكم». وقال عمرو: أخبرنا شعبة، عن قتادة: سمعت سالما، عن جابر: «أراد أن يسمّيه القاسم فقال النّبيّ ﷺ: \"سمّوا باسمي، ولا تكنّوا بكنيتي» (٣).\nوفي رواية: «ولد لرجل منّا غلام فسمّاه القاسم، فقالت الأنصار: لا نكنيك أبا القاسم ولا ننعمك عينا. فأتى النّبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله ولد لي غلام فسمّيته القاسم، فقالت الأنصار: لا نكنيك أبا القاسم ولا ننعمك عينا. فقال النّبيّ ﷺ: \" أحسنت الأنصار، سمّوا باسمي ولا تكنّوا بكنيتي، فإنّما أنا قاسم» (٤).\nوفي رواية: «ولد لرجل منّا غلام فسماه القاسم، فقلنا: لا نكنيك أبا القاسم ولا كرامة، فأخبر النّبيّ ﷺ فقال: \"سمّ ابنك عبد الرّحمن» (٥).\n_________\n(١) سورة الأنفال، الآية: ٤١.\n(٢) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ٣٢.\n(٣) [الحديث ٣١١٤] أطرافه في: كتاب فرض الخمس، باب قول الله تعالى: فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ ٤/ ٥٩، برقم ٣١١٥. وكتاب المناقب، باب كنية النبي ﷺ، ٤/ ١٩٧، برقم ٣٥٣٨. وكتاب الأدب، باب أحب الأسماء إلى الله ﷿، ٧/ ١٥١، برقم ٦١٨٦. وكتاب الأدب، باب كنية النبي ﷺ: \"سموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي\"، ٧/ ١٥١، برقم ٦١٨٧ و٦١٨٩. وكتاب الأدب، باب من سمى بأسماء الأنبياء، ٧/ ١٥٣، برقم ٦١٩٦. وأخرجه مسلم في كتاب الأدب، باب النهي عن التكني بأبي القاسم، وبيان ما يستحب من الأسماء، ٣/ ١٦٨٢، برقم ٢١٣٣.\n(٤) من الطرف رقم: ٣١١٥.\n(٥) من الطرف رقم: ٦١٨٦.","vol":"2","page":883},{"text":"وفي رواية: «سمّوا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي، فإنّما أنا قاسم أقسم بينكم» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-293>[حديث إنما أنا قاسم أضع حيث أمرت]</span>\n١٥٧ - [٣١١٧] حدّثنا محمّد بن سنان: حدّثنا فليح: حدّثنا هلال، عن عبد الرّحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة (٢).\n﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «ما أعطيكم ولا أمنعكم، إنّما أنا قاسم أضع حيث أمرت».\n\n* شرح غريب الحديثين: * \"لا ننعمك عينا\" أي لا نقول لك: نعمت عينك، بمعنى قرّت، ولا نقر عينك بذلك، ولا نرضيك به، ولا نساعدك عليه (٣).\n* \" إنما أنا قاسم \" إشارة إلى أن هذه الكنية تصدق على النبي ﷺ وحده؛ لأنه يقسم مال الله بين المسلمين كما أمره الله ﷿، وغيره ليس بهذه المرتبة (٤).\n* \"ولا كرامة\" أي لا نكرمك بذلك (٥).\n\n* الدراسة الدعوية للحديثين: في هذين الحديثين دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من موضوعات الدعوة: الحض على احترام النبي ﷺ وتوقيره وتعزيره.\n٢ - عظم محبة الصحابة للنبي ﷺ.\n٣ - من موضوعات الدعوة: الحث على اختيار التسمية بالأسماء الحسنة.\n٤ - من أساليب الدعوة: تطييب قلوب المدعوين وربطها بخالقها.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من موضوعات الدعوة: الحض على احترام النبي ﷺ وتوقيره وتعزيره: إن هذا الحديث يدل على أن الحض على احترام النبي ﷺ، وتوقيره من\n_________\n(١) من الطرف رقم: ٦١٩٦.\n(٢) أبو هريرة ﵁ تقدمت ترجمته في الحديث رقم ٧.\n(٣) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٢١٠، وجامع الأصول من أحاديث الرسول ﷺ لابن الأثير، ١/ ٣٨١.\n(٤) انظر: شرح الكرماني على صحيح البخاري، ٢٢/ ٤٩.\n(٥) تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٢١٠.","vol":"2","page":884},{"text":"الموضوعات التي ينبغي أن يحض الناس عليها؛ ولهذا قال ﷺ في هذا الحديث: «تسموا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي»، وقد ثبت عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: «نادى رجل رجلا بالبقيع: يا أبا القاسم، فالتفت إليه رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني لم أعنك، إنما دعوت فلانا، فقال رسول الله ﷺ: \"تسموا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي» (١).\n* قال الإمام القرطبي ﵀ عن هذا الحديث: \"صدر هذا القول عن النبي ﷺ مرات، فعلى حديث أنس إنما قاله حين نادى رجل: يا أبا القاسم، فالتفت إليه النبي ﷺ فقال الرجل لم أعنك، فقال النبي ﷺ ذلك القول، وهذه حالة تنافي الاحترام، والتعزير المأمور به، فلما كانت الكناية بأبي القاسم تؤدي إلى ذلك نهى عنها\" (٢).\n، وقد أمر الله ﷿ بالتزام الأدب مع رسول الله ﷺ واحترامه وتوقيره فقال: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩] (٣).\n، وقال ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: ١] (٤).\n، وقال ﷿: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣] (٥).\n، وحرمة النبي ﷺ بعد موته وتوقيره، لازم كحال حياته، وذلك عند ذكر حديثه، وسنته، وسماع اسمه، وسيرته، وتعلم سنته، والدعوة إليها ونصرتها (٦).\n* ولاشك أنه ينبغي للداعية أن يحض الناس على التزام الأدب مع رسول الله ﷺ، والإيمان الصادق به وبما جاء به، وطاعته، واتباعه واتخاذه قدوة في جميع الأحوال إلا ما كان خاصا به، ومحبته أكثر من النفس، والأهل والولد، والوالد، والناس أجمعين، والصلاة عليه عند ذكر اسمه ﷺ، ووجوب التحاكم إليه والرضى بحكمه، وإنزاله مكانته التي أنزله الله إياها ﷺ (٧).\n، وقد كان النهي عن الجمع بين اسمه وكنيته في\n_________\n(١) مسلم، كتاب الأدب، باب النهي عن التكني بأبي القاسم، وبيان ما يستحب من الأسماء ٣/ ١٦٨٢، برقم ٢١٣١.\n(٢) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٥/ ٤٥٦.\n(٣) سورة الفتح، الآية: ٩.\n(٤) سورة الحجرات، الآية: ١.\n(٥) سورة النور، الآية: ٦٣.\n(٦) انظر: الشفاء بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض، ٢/ ٥٩٥، ٦١٢.\n(٧) انظر: المرجع السابق ٢/ ٥٣٧ - ١١٠٦، وجلاء الأفهام في الصلاة والسلام على محمد خير الأنام، لابن القيم، ص ٢٩ - ٤٨٢.","vol":"2","page":885},{"text":"حياته أما بعد وفاته ﷺ فقال الإمام القرطبي ﵀: \"وذهب الجمهور من السلف والخلف وفقهاء الأمصار إلى جواز كل ذلك، فله أن يجمع بين اسمه وكنيته، وله أن يسمي بما شاء من الاسم والكنية\" (١).\nوقد ثبت عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: «قلت: يا رسول الله، إن ولد لي من بعدك ولد أسميه باسمك وأكنيه بكنيتك؛ قال: \"نعم» (٢).\n، وسمعت العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز حفظه الله يقول: \"نهى ﵊ عن التكني بكنيته وأذن في التسمي باسمه، ثم بعد أن مات زالت العلة فجاز التكني بكنيته بعد موته كما جاز التسمي باسمه في حياته وبعد موته، والجمع بين اسمه وكنيته بعد موته\" (٣).\n* فينبغي للداعية أن يبين للناس حقوق النبي ﷺ، ويحضهم على احترامه وتوقيره ونصرته ﷺ.\nثانيا: عظم محبة الصحابة للنبي ﷺ: لاشك أن الصحابة يحبون النبي ﷺ أكثر من أنفسهم، وأولادهم، ووالديهم والناس أجمعين، وقد ظهر ذلك في هذا الحديث؛ لقول الأنصار: «ولد لرجل منا غلام فسماه القاسم فقلنا: لا نكنيك أبا القاسم ولا كرامة»، وفي لفظ: «لا نكنيك أبا القاسم ولا ننعمك عينا». . \"، فقال النبي ﷺ: «أحسنت الأنصار سموا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي فإنما أنا قاسم»، وهذا يؤكد محبة الصحابة لرسول الله ﷺ، فينبغي التأسي بهم ﵃. (٤).\nثالثا: من موضوعات الدعوة: الحث على اختيار التسمية بالأسماء الحسنة: دل هذا الحديث على أن من موضوعات الدعوة حث الناس على اختيار الأسماء الطيبة الحسنة؛ لقول النبي ﷺ هذا الحديث لرجل من الأنصار:\n_________\n(١) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٥/ ٤٥٨.\n(٢) أخرجه أبو داود، كتاب الأدب، باب في الرخصة في الجمع بينهما، ٤/ ٢٩٢، برقم ٤٩٦٧، والترمذي، كتاب الأدب، باب ما جاء في كراهية الجمع بين اسم النبي ﷺ وكنيته، ٥/ ١٣٧، برقم ٢٨٤٣، وقال: هذا حديث صحيح، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٣/ ٩٣٨.\n(٣) سمعت ذلك من سماحته أثناء شرحه لحديث رقم ٣١١٤ و٣١١٥ من صحيح البخاري.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٦٢، الدرس الثامن، ورقم ٦٣، الدرس الثامن.","vol":"2","page":886},{"text":"\" سمّ ابنك عبد الرحمن \"، وهذا فيه حث وتأكيد على التسمية بهذا الاسم؛ وقال ﷺ: «إن أحب أسمائكم إلى الله: عبد الله وعبد الرحمن» (١).\n، وهذا يؤكد للداعية أهمية حض الناس على تسمية أولادهم بالأسماء الطيبة الحسنة، والله المستعان (٢).\nرابعا: من أساليب الدعوة: تطييب قلوب المدعوين وربطها بخالقها: إن في هذين الحديثين دلالة واضحة على أن من أساليب الدعوة إلى الله ﷿ تطييب قلوب المدعوين وربطها بخالقها، وذلك في قوله ﷺ: «إنما أنا قاسم أقسم بينكم»، وفي حديث أبي هريرة ﵁: «ما أعطيكم ولا أمنعكم إنما أنا قاسم أضع حيث أمرت»، أي لا أعطي أحدا ولا أمنع أحدا إلا بأمر الله ﷿ (٣).\nقال الإمام القرطبي ﵀: \" فإنما أنا قاسم \" \"يعني أنه هو الذي يبين قسم الأموال في المواريث، والغنائم، والزكوات، والفيء وغير ذلك من المقادير، فيبلغ عن الله حكمه، ويبيّن قسمه، وليس ذلك لأحد إلا له\" (٤).\n، وهذا فيه تطييب لقلوب المدعوين وربط لها بخالقها، ويؤكد ذلك قوله ﷺ: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم والله يعطي». . . \" (٥).\n* قال ابن بطال ﵀: \"معناه أني لم أستأثر من مال الله تعالى شيئا دونكم، وقاله تطييبا لقلوبهم حين فاضل في العطاء، فقال: الله هو الذي يعطيكم لا أنا، وإنما أنا قاسم فمن قسمت له شيئا فذلك نصيبه قليلا كان أو كثيرا\" (٦).\n، وهذا يؤكد أهمية تطييب قلوب المدعوين بما يدخل السرور عليهم ويربط قلوبهم بربهم ﷿.\n_________\n(١) مسلم، كتاب الآداب، باب النهي عن التكني بأبي القاسم، وبيان ما يستحب من الأسماء، من حديث ابن عمر ﵄، ٣/ ١٦٨٢، برقم ٢١٣٢.\n(٢) انظر: تحفة المودود بأحكام المولود، لابن القيم، ص ٧١.\n(٣) انظر: فتح الباري، لابن حجر، ٦/ ٢١٨.\n(٤) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٥/ ٤٥٧.\n(٥) متفق عليه من حديث معاوية ﵁: البخاري، كتاب العلم، باب من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، ١/ ٣٠، برقم ٧١، ومسلم، كتاب الزكاة، باب النهي عن المسألة، ٢/ ٧١٩، برقم ١٠٣٧.\n(٦) نقلا عن النووي من شرح صحيح مسلم، ١٤/ ٣٦٢.","vol":"2","page":887},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-294>[حديث إن رجالا يتخوضون في مال الله بغير حق]</span>\n١٥٨ - [٣١١٨] حدّثنا عبد الله بن يزيد: حدّثنا سعيد بن أبي أيّوب قال: حدّثني أبو الأسود، عن ابن أبي عيّاش - واسمه نعمان -، عن خولة الأنصاريّة (١).\n﵂ قالت: سمعت النّبيّ ﷺ يقول: «إنّ رجالا يتخوّضون في مال الله بغير حقّ، فلهم النّار يوم القيامة».\n\n* شرح غريب الحديث: * \" يتخوضون في مال الله \" أي يتصرفون فيه ويتقحمون في استحلاله، وأصل الخوض: المشي في الماء وتحريكه، ثم استعمل في التلبس في الأمر والتصرف فيه: والمقصود بالتخوض في المال: التصرف فيه بما لا يرضي الله ﷿، وقيل: هو التخليط في تحصيله من غير وجهه كيف أمكن. (٢).\n\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من موضوعات الدعوة: التحذير من صرف الأموال في الباطل.\n٢ - من أساليب الدعوة: الترهيب.\n٣ - من أساليب الدعوة: عدم التصريح بذكر اسم المخطئ.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من موضوعات الدعوة: التحذير من صرف الأموال في الباطل: إن التحذير من صرف الأموال في الباطل من موضوعات الدعوة؛ ولهذا حذر النبي ﷺ في هذا الحديث عن التصرف في المال بما لا يرضي الله ﷿، وقيل عن التخليط في تحصيله من غير وجهه كيف أمكن (٣).\n، فقال ﷺ: «إن رجالا يتخوضون في مال الله بغير حق فلهم النار يوم القيامة»، ويدخل في ذلك\n_________\n(١) خولة بن ثامر وثامر اسمه قيس وثامر لقب، الأنصارية ﵂ لها صحبة، وأخرج حديثها البخاري وأبو داود وغيرها. انظر: الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر ٤/ ٢٨٩، وتهذيب التهذيب له، ١٢/ ٤٤٤ و٤٩٩، وتقريب التهذيب له ص ١٣٨١.\n(٢) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٥٧٦، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير باب الخاء مع الواو، مادة: \"خوض\" ٢/ ٨٨.\n(٣) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٥٧٦، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الخاء مع الواو، مادة: \"خوض\" ٢/ ٨٨.","vol":"2","page":888},{"text":"المال الذي جعل في مصالح المسلمين فقسم بالباطل بغير عدل، أو بغير إذن الإمام، لأن ما في بيت مال المسلمين: من الزكاة، والخراج، والجزية، والغنيمة، وغير ذلك يجب العناية به عناية فائقة كما يرضي الله ﷿ (١).\nقال الحافظ ابن حجر ﵁: \" من مال الله \" \"مظهر أقيم مقام المضمر إشعارا بأنه لا ينبغي التخوض في مال الله ورسوله، والتصرف فيه بمجرد التشهّي\" (٢).\n، وذكر ﵀ أن في هذا الحديث من الفوائد: \"أن من أخذ من الغنائم شيئا بغير قسم الإمام كان عاصيا، وفيه ردع الولاة أن يأخذوا من المال شيئا بغير حقه، أو يمنعوه من أهله\" (٣).\n، وسمعت العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز حفظه الله يقول: \"يجب أن تصرف الأموال في الطرق الشرعية، ومن خالف ذلك فهو متوعّد بالنار\" (٤).\nوقد نهى الله ﷿ عن أكل الأموال بالباطل فقال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٨] (٥).\nوعن أبي برزة الأسلمي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه فيما فعل، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه» (٦).\n، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله يرضى لكم ثلاثا ويكره لكم ثلاثا: فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا، ولا تفرقوا، ويكره لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال» (٧).\n، وعن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: «إن الله ﷿ حرم عليكم عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنعا وهات. وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال\n_________\n(١) انظر: إرشاد الساري للقسطلاني ٥/ ٢٠٥، ومرقاة المفاتيح للملا علي القاري ٧/ ٣١٧.\n(٢) فتح الباري بشرح صحيح البخاري ٦/ ٢١٩.\n(٣) المرجع السابق، ٦/ ٢١٩، وانظر: عمدة القاري للعيني، ١٥/ ٤٠.\n(٤) سمعت ذلك من سماحته أثناء شرحه لحديث رقم ٣١١٨، من صحيح البخاري.\n(٥) سورة البقرة، الآية: ١٨٨ وانظر سورة النساء، الآية: ٢٩.\n(٦) الترمذي، كتاب صفة القيامة، باب في القيامة، ٤/ ٦١٢، برقم ٢٤١٧، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب للمنذري ص ٥٤، برقم ١٢٢، وانظر: الترغيب والترهيب لعبد العظيم بن عبد القوي المنذري، ١/ ١٧٠ و٤/ ٢٩٩.\n(٧) مسلم، كتاب الأقضية، باب النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة، والنهي عن منع وهات، وهو الامتناع من أداء حق لزمه أو طلب ما لا يستحقه، ٣/ ١٣٤٠، برقم ١٧١٥.","vol":"2","page":889},{"text":"وإضاعة المال» (١).\n، وهذا يؤكد على الداعية العناية بتحذير الناس عن إضاعة المال وعن صرفه في الباطل، وعن اكتسابه من غير حله والله المستعان.\nثانيا: من أساليب الدعوة: الترهيب: إن الترهيب من الأساليب المهمة التي ينبغي للداعية أن يعتني بها في دعوته إلى الله ﷿؛ ولهذا حذر النبي ﷺ في هذا الحديث بأسلوب الترهيب فقال: «إن رجالا يتخوضون في مال الله بغير حق، لهم النار يوم القيامة»، قال الحافظ ابن حجر ﵀ على قوله ﷺ: «فلهم النار يوم القيامة»: \"حكم مرتب على الوصف المناسب، وهو الخوض في مال الله، ففيه إشعار بالغلبة\" (٢).\n، وهذا يؤكد استخدام هذا الأسلوب؛ للتنفير من صرف الأموال في غير حق، ومن اكتسابها من غير الطرق الشرعية (٣).\nثالثا: من أساليب الدعوة: عدم التصريح بذكر اسم المخطئ: عدم التصريح بذكر اسم المخطئ وعدم مواجهة الناس بالعتاب من أساليب الدعوة التي ينبغي للداعية العناية بها في دعوته إلى الله ﷿؛ ولهذا والله أعلم لم يصرح النبي ﷺ بذكر الرجال الذين يتخوضون في مال الله؛ بل قال: «إن رجالا يتخوضون في مال الله بغير حق فلهم النار يوم القيامة»، وقد كان النبي ﷺ يستخدم هذا الأسلوب كثيرا، فقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: «ما بال أحدكم يقوم مستقبل ربه فيتنخع أمامه، أيحب أحدكم أن يستقبل فيتنخع في وجهه؟». . \" (٤).\n، وقال ﷺ: «ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم لينتهن عن ذلك أو لتخطفن أبصارهم» (٥).\n، وغير ذلك كثير في أساليبه ﷺ في الدعوة إلى الله ﷿ (٦).\n_________\n(١) البخاري، كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس، باب ما ينهى عن إضاعة المال، ٣/ ١٢٠، برقم ٢٤٠٨، ومسلم، كتاب الأقضية، باب النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة، ٣/ ١٣٤١، برقم ٥٩٣.\n(٢) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٦/ ٢١٩.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٧، الدرس الثالث عشر، ورقم ١٢، الدرس الثالث، وانظر: الكبائر، للحافظ محمد بن أحمد الذهبي ص ٨٨، وتنبيه الغافلين عن أعمال الجاهلين وتحذير السالكين من أفعال الهالكين، للإمام أحمد بن إبراهيم النحاس، ص ١٤٩ وص ٢٥٢.\n(٤) مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن البصاق في المسجد، ١/ ٣٨٩، برقم ٥٥٠، عن أبي هريرة ﵁.\n(٥) أخرجه البخاري، ١/ ٢٠٥، برقم ٧٥٠، وتقدم تخريجه، في الحديث رقم ١٠، الدرس الرابع، ص ١٢٣.\n(٦) انظر: صحيح البخاري، الحديث رقم ٦١٤، ورقم ٢٥٦١، ورقم ٦١٠١، ومسلم برقم ٦٥١، ورقم ١٤٠١، ورقم ٢٣٥٦.","vol":"2","page":890},{"text":"٨ -<span data-type=\"title\" id=toc-295> باب قول النبي ﷺ: «أحلّت لكم الغنائم»</span>\nوقول الله تعالى: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ [الفتح: ٢٠] (١).\nوهي للعامّة حتّى يبيّنه الرّسول ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-296>[حديث أحلت لكم الغنائم]</span>\n١٥٩ - [٣١٢١] حدّثنا إسحاق سمع جريرا، عن عبد الملك، عن جابر بن سمرة (٢).\n﵄ قال: قال رَسُولُ الله ﷺ: «إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والّذي نفسي بيده لتنفقنّ كنوزهما في سبيل الله» (٣).\n\n* شرح غريب الحديث: * \" كسرى \" لقب لكل من ملك الفرس. (٤).\n* \" قيصر \" لقب لكل من ملك الروم (٥).\n\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من أساليب الدعوة: البشارة.\n٢ - من أساليب الدعوة التأكيد بالقسم.\n٣ - من معجزات الرسول ﷺ: تحقق وقوع ما أخبر به. (٦).\n_________\n(١) سورة الفتح، الآية: ٢٠.\n(٢) جابر بن سمرة، بن جنادة، بن جندب، أبو خالد السوائي ﵁، ويقال: أبو عبد الله، وهو وأبوه صحابيان ﵄، وشهد ابن سمرة فتح المدائن، وله عن رسول الله ﷺ مائة وستة وأربعون حديثا، اتفق البخاري ومسلم على حديثين، وانفرد مسلم بثلاثة وعشرين حديثا، وقال عن نفسه: \"والله لقد صليت مع رسول الله ﷺ أكثر من ألفي صلاة\" وهذا يدل على ملازمته لرسول الله ﷺ كثيرا، قيل: توفي ﵁ سنة ست وسبعين، وقيل: ست وستين، قال الذهبي ﵀: \"والأول أصح\". انظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي، ١/ ١٤٢، وسير أعلام النبلاء للذهبي، ٣/ ١٨٦، وتقريب التهذيب لابن حجر، ص ١٩١.\n(٣) [الحديث ٣١٢١] طرفاه في: كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، ٤/ ٢١٩، برقم ٣٦١٩ وكتاب الأيمان والنذور، باب كيف كانت يمين النبي ﷺ، ٤/ ٢٧٧، برقم ٦٦٢٩، وأخرجه مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء، ٤/ ٢٢٣٧، برقم ٢٩١٩.\n(٤) انظر: شرح غريب الحديث رقم ١٢٥، ص ٧٣١.\n(٥) انظر: شرح غريب الحديث رقم ١٢٥، ص ٧٣١.\n(٦) تقدم هذا الحديث وشرح فوائده، من حديث أبي هريرة ﵁، برقم ١٢٥ - [٣٠٢٧].","vol":"2","page":891},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-297>[حديث غزا نبي من الأنبياء فقال لقومه لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة]</span>\n١٦٠ - [٣١٢٤] حدّثنا محمّد بن العلاء: حدّثنا ابن المبارك، عن معمر، عن همّام بن منبّه، عن أبي هريرة (١).\n﵁ قال: قال النّبيّ ﷺ: «غزا نبي من الأنبياء فقال لقومه: لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة وهو يريد أن يبني بها ولمّا يبن بها، ولا أحد بنى بيوتا ولم يرفع سقوفها، ولا أحد اشترى غنما أو خلفات وهو ينتظر ولادها، فغزا. فدنا من القرية صلاة العصر أو قريبا من ذلك، فقال للشّمس: إنّك مأمورة وأنا مأمور، اللهمّ احبسها علينا، فحبست حتّى فتح الله عليه، فجمع الغنائم، فجاءت - يعني النّار - لتأكلها فلم تطعمها، فقال: إنّ فيكم غلولا، فليبايعني من كلّ قبيلة رجل، فلزقت يد رجل بيده، فقال: فيكم الغلول، فليبايعني قبيلتك، فلزقت يد رجلين أو ثلاثة بيده، فقال: فيكم الغلول، فجاءوا برأس مثل رأس بقرة من الذّهب فوضعوها، فجاءت النّار فأكلتها. ثمّ أحلّ الله لنا الغنائم، رأى ضعفنا وعجزنا فأحلّها لنا». [(٢).\n\n* شرح غريب الحديث: * \" ملك بضع امرأة \" البضع يطلق على عقد النكاح والجماع معا، وعلى الفرج (٣).\n* \" خلفات \" الخلفة - بفتح الفاء وكسر اللام - الحامل من النوق، وتجمع على خلفات، وخلائف (٤).\n* \" الغلول \" الغلول في المغنم: أن يخفى من الغنيمة شيئا ولا يرد إلى القسمة؛ لأن ذلك من حقوق من شهد الغنيمة، وهو في معنى الخيانة؛ لأن كل من خان شيئا في خفاء فقد غل، وسمي ذلك غلولا؛ لأن الأيدي مغلولة عنه: أي ممنوعة منه (٥).\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ٧.\n(٢) الحديث ٣١٢٤] طرفه في: كتاب النكاح، باب من أحب البناء قبل الغزو، ٦/ ١٧٠، برقم ٥١٥٧. وأخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب تحليل الغنائم لهذه الأمة خاصة، ٣/ ١٣٦٦، برقم ١٧٤٧.\n(٣) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الباء مع الضاد، مادة: \"بضع\"، ١/ ١٣٣.\n(٤) انظر: المرجع السابق، باب الخاء مع اللام، مادة: \"خلف\"، ٢/ ٦٨.\n(٥) انظر: شرح غريب الحديث رقم: ١٤٣، ص ٨٣١.","vol":"2","page":892},{"text":"* \" يبني بها \" يقال: بنى الرجل بأهله: إذا دخل بها، والأصل فيه أن الرجل كان إذا تزوج امرأة بنى عليها قبة (١).\n\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - أهمية تفريغ قلب الداعية من المشاغل الدنيوية.\n٢ - من أساليب الدعوة: القصص.\n٣ - من خصائص النبي ﷺ وأمته: حل الغنائم.\n٤ - من معجزات النبوة: حبس الشمس واستجابة الدعاء.\n٥ - من صفات الداعية: التواضع.\n٦ - من أساليب الدعوة: التشبيه.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: أهمية تفريغ قلب الداعية من المشاغل الدنيوية: من الأمور المهمة التي ينبغي أن يعتني بها الداعية تفريغ القلب من مشاغل الدنيا أثناء الدعوة والجهاد؛ ولهذا قال هذا النبي ﷺ في هذا الحديث: «لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة ولما يبن بها، ولا أحد بنى بيوتا ولم يرفع سقوفها، ولا أحد اشترى غنما أو خلفات وهو ينتظر ولادها»، وهذا يؤكد أهمية اختمار الرجل الحازم الذي قد فرّغ قلبه للأمور المهمة؛ لأن من كان قلبه معلقا بشيء من أمور الدنيا؛ فإنه ينقص من جدّه واجتهاده وحزمه وعزيمته في الدعوة إلى الله ﷿ أو الجهاد؛ قال الإمام الكرماني ﵀: \"وفيه أن الأمور المهمة لا ينبغي أن تفوض إلا إلى أولي الحزم وأولي الفراغ؛ لأن تعلق القلب بغيرها يفوت كمال بذل القاضي وسعه\" (٢).\nوقد أوضح الإمام النووي في فوائد هذا الحديث أهمية التفرغ للأمور المهمة فقال ﵀: \"وفي هذا الحديث أن الأمور\n_________\n(١) انظر: جامع الأصول من أحاديث الرسول ﷺ، لابن الأثير، ٢/ ٧١٦.\n(٢) شرح الكرماني على صحيح البخاري، ١٣/ ٩٦.","vol":"2","page":893},{"text":"المهمة ينبغي أن لا تفوّض إلا إلى أولي الحزم وفراغ البال لها، ولا تفوّض إلى متعلق القلب بغيرها؛ لأن ذلك يضعف عزمه، ويفوت كمال بذل وسعه فيه\" (١).\n، وسمعت العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز حفظه الله يقول: \"المقصود أن الغازي يفرّغ قلبه، فإذا دخل بأهله قبل الغزو كان ذلك أفرغ لقلبه، فيكون قلبه بعد ذلك معلقا بالجهاد\" (٢).\nثانيا: من أساليب الدعوة: القصص: القصص الحكيم من الكتاب أو من السنة من الأساليب المهمة في الدعوة إلى الله ﷿؛ لما فيه من شحذ ذهن المدعو؛ ولهذا استخدمه النبي ﷺ في دعوته، ففي هذا الحديث قال ﷺ: «غزا نبي من الأنبياء فقال لقومه لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة وهو يريد أن يبني بها ولما يبن بها»، وهذا يوضح للداعية أهمية استخدام أسلوب القصص في دعوته إلى الله ﷿ (٣).\nثالثا: من خصائص النبي ﷺ وأمته: حل الغنائم: ظهر في هذا الحديث أن من خصائص النبي ﷺ وأمته تفضل الله ﷿ عليهم بأن أحل لهم الغنائم، أما الأنبياء قبله فكانت الغنائم تجمع ثم يرسل الله ﷿ عليها نارا فتحرقها، ويكون ذلك علامة لقبولها، وعدم الغلول فيها (٤).\n؛ ولهذا بيّن النبي ﷺ في هذا الحديث أن الغنائم خاصة بأمته فقط: «ثم أحل الله لنا الغنائم رأى ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا» (٥).\nرابعا: من معجزات النبوة: حبس الشمس واستجابة الدعاء: دل هذا الحديث على أن من معجزات النبوة حبس الشمس واستجابة الدعاء؛\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٢/ ٢٩٦.\n(٢) سمعت ذلك من سماحته أثناء شرحه لحديث رقم ٥١٥٧ من صحيح البخاري، في جامع الإمام تركي بن عبد الله بالرياض، بتاريخ ١٧/ ٥ / ١٤١٨ هـ.\n(٣) انظر: الحديث رقم ١٧، الدرس الثالث، ورقم ٢٨، الدرس الثامن، ورقم ٣٤، الدرس الثالث.\n(٤) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ١٢/ ٢٩٧.\n(٥) انظر: الحديث رقم ١٠٦، الدرس الأول.","vol":"2","page":894},{"text":"ولهذا قال ﷺ يحكي هذا النبي الغازي في الحديث: «فدنا من القرية صلاة العصر أو قريبا من ذلك فقال للشمس: إنك مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها علينا فحبست حتى فتح الله عليه»، وقد ذكر الإمام النووي، والحافظ الهيثمي، والحافظ ابن حجر ﵏ آثارا تدل على أن الشمس حبست لنبينا محمد بن عبد الله ﷺ (١).\n، وعن جابر بن عبد الله ﵄: «أن رسول الله ﷺ أمر الشمس فتأخرت ساعة من نهار» (٢) \"، وهذا كله يؤكد أن حبس الشمس واستجابة الدعاء من معجزات النبوة التي تدل على صدق النبي ﷺ وأنه مرسل من عند الله ﷿.\nخامسا: من صفات الداعية: التواضع: لا ريب أن التواضع من الصفات الجميلة الحميدة التي ينبغي أن يتصف بها الداعية إلى الله ﷿، ومن ذلك ما ثبت في هذا الحديث من قول النبي ﷺ: \". . . «ثم أحل الله لنا الغنائم رأى ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا»، وهذا يؤكد عظم تواضع النبي ﷺ لله ﷿ حيث قال: \"رأى ضعفنا وعجزنا\"، فينبغي للداعية إلى الله أن يكون كذلك (٣).\nسادسا: من أساليب الدعوة: التشبيه: إن التشبيه أسلوب نافع من أساليب الدعوة إلى الله ﷿، وقد ظهر هذا الأسلوب في هذا الحديث في قوله ﷺ: «فجاؤوا برأس مثل رأس بقرة من الذهب فوضعوها، فجاءت النار فأكلتها»، وهذا يؤكد أهمية استخدام هذا الأسلوب عند الحاجة إليه (٤).\n_________\n(١) انظر: هذه الآثار والكلام عليها في شرح النووي على صحيح مسلم، ١٢/ ٢٩٦، ومجمع الزوائد، للهيثمي، ٨/ ٢١٦، وفتح الباري بشرح صحيح البخاري، لابن حجر، ٦/ ٢٢١.\n(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط [مجمع البحرين] ٦/ ١٥٤، برقم ٣٥٢٢، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، ٨/ ٢٩٧ \"وإسناده حسن\"، وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ٦/ ٢٢١: \"وإسناده حسن.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٦٢، الدرس الثالث.\n(٤) انظر: الحديث رقم ١٨، الدرس الرابع، ورقم ١٩، الدرس الخامس، وانظر: كتاب أمثال الحديث للقاضي الحسن بن عبد الرحمن الرامهرمزي، ص ٦ - ١٦٢.","vol":"2","page":895},{"text":"١٣ -<span data-type=\"title\" id=toc-298> باب بركة الغازي في ماله حيّا وميتا، مع النّبي ﷺ وولاة الأمر</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-299>[حديث لما وقف الزبير يوم الجمل دعا ابنه عبد الله]</span>\n١٦١ - [٣١٢٩] حدّثني إسحاق بن إبراهيم قال: قلت لأبي أسامة: أحدّثكم هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزّبير؟ (١) قال: \"لمّا وقف الزّبير (٢) يوم الجمل دعاني فقمت إلى جنبه فقال: يا بنيّ إنّه لا يقتل اليوم إلّا ظالم أو مظلوم، وإنّي لا أراني إلّا سأقتل اليوم مظلوما، وإنّ من أكبر همّي لديني، أفترى يبقي ديننا من مالنا شيئا؟ فقال: يا بنيّ، بع ما لنا، فاقض ديني. وأوصى بالثلث، وثلثه لبنيه - يعني بني عبد الله بن الزّبير، يقول: ثلث الثلث - فإن فضل من مالنا بعد قضاء الدّين فثلثه لولدك. قال هشام: وكان بعض ولد عبد الله قد وازى بعض بني الزّبير - خبيب وعبّاد - وله يومئذ تسعة بنين وبنات. قال عبد الله فجعل يوصيني بدينه ويقول: يا بنيّ إن عجزت عن شيء منه فاستعن عليه مولاي. قال: فوالله ما دريت ما أراد حتّى قلت: يا أبت من مولاك؟ قال: الله. قال: فوالله ما وقعت في كربة من دينه إلّا قلت: يا مولى الزّبير اقض عنه دينه، فيقضيه. فقتل الزّبير ﵁ ولم يدع دينارا ولا درهما، إلّا أرضين منها الغابة، وإحدى عشرة دارا بالمدينة، ودارين بالبصرة، ودارا بالكوفة، ودارا بمصر. قال: وإنّما كان دينه الّذي عليه أنّ الرّجل كان يأتيه بالمال فيستودعه إيّاه، فيقول الزّبير: لا، ولكنّه سلف، فإنّي أخشى عليه الضّيعة. وما ولي إمارة قطّ ولا جباية خراج، ولا شيئا إلّا أن يكون في غزوة مع النّبيّ ﷺ أو مع أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ قال عبد الله بن الزّبير: فحسبت ما عليه من الدّين فوجدتة ألفي ألف ومائتي ألف قال: فلقي حكيم بن حزام عبد الله بن الزّبير فقال: يا ابن أخي: كم على أخي من الدّين؛ فكتمه فقال مائة ألف. فقال حكيم: والله ما أرى أموالكم تسع لهذه. فقال له عبد الله: أفرأيتك إن كانت ألفي ألف ومائتي\n_________\n(١) عبد الله الزبير ﵁ تقدمت ترجمته في الحديث رقم: ١٤٥.\n(٢) الزبير بن العوام ﵁ تقدمت ترجمته في الحديث رقم: ٥٢.","vol":"2","page":896},{"text":"ألف؟ قال: ما أراكم تطيقون هذا، فإن عجزتم عن شيء منه فاستعينوا بي. قال: وكان الزّبير اشترى الغابة بسبعين ومائة ألف. فباعها عبد الله بألف ألف وستمائة ألف. ثمّ قام فقال: من كان له على الزّبير حقّ فليوافنا بالغابة. فأتاه عبد الله بن جعفر - وكان له على الزّبير أربعمائة ألف - فقال لعبد الله: إن شئتم تركتها لكم. قال عبد الله: لا. قال: فإن شئتم جعلتموها فيما تؤخّرون إن أخّرتم. فقال عبد الله: لا. قال: قال: فاقطعوا لي قطعة. فقال عبد الله: لك من هاهنا إلى هاهنا. قال فباع منها فقضى دينه فأوفاه. وبقي منها أربعة أسهم ونصف، فقدم على معاوية - وعنده عمرو بن عثمان والمنذر بن الزّبير، وابن زمعة - فقال له معاوية: كم قوّمت الغابة: قال: كلّ سهم مائة ألف. قال: كم بقي؟ قال: أربعة أسهم ونصف. فقال المنذر بن الزّبير: قد أخذت سهما بمائة ألف. قال عمرو بن عثمان: قد أخذت سهما بمائة ألف. وقال ابن زمعة: قد أخذت سهما بمائة ألف. فقال معاوية كم بقي؛ فقال: سهم ونصف. قال: أخذته بخمسين ومائة ألف. قال: وباع عبد الله بن جعفر نصيبه من معاوية بستّمائة ألف. فلمّا فرغ ابن الزّبير من قضاء دينه قال بنو الزّبير: اقسم بيننا ميراثنا. قال: لا والله لا أقسم بينكم حتّى أنادي بالموسم أربع سنين. ألا من كان له على الزّبير دين فليأتنا فلنقضه. قال: فجعل كلّ سنة ينادي بالموسم. فلمّا قضى أربع سنين قسم بينهم. قال: فكان للزّبير أربع نسوة، ورفع الثّلث فأصاب كلّ امرأة ألف ألف ومائتا ألف\". فجميع ماله خمسون ألف ألف ومائتا ألف.\n\n* شرح غريب الحديث: * \"الغابة \" الغابة قرب المدينة من عواليها، والغابة الأجمة ذات الشجر المتكاثف، وسمّيت غابة؛ لأنها تغيّب ما فيها، وجمعها غابات، وغابة المدينة من ناحية الشام، كان فيها أموال لأهل المدينة وقيل: إن الغابة بريد من المدينة","vol":"2","page":897},{"text":"على طريق الشام، وقد صنع منبر النبي ﷺ من طرفاء الغابة (١).\n\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من صفات الداعية: الاستعداد للقاء الله ﷿.\n٢ - من صفات الداعية: الثقة بالله ﷿.\n٣ - أهمية الالتجاء إلى الله ﷿ بالدعاء.\n٤ - أهمية الحرص على أداء الأمانة.\n٥ - من صفات الداعية: الجود والكرم.\n٦ - من صفات الداعية: العفة وقوة النفس.\n٧ - أهمية النية الصالحة.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من صفات الداعية: الاستعداد للقاء الله ﷿: الاستعداد للقاء الله ﷿ من أهم المهمات وأعظم الواجبات، ومما ينبغي لكل مسلم أن يعتني به وخاصة الداعية إلى الله ﷿، وقد دل هذا الحديث على هذه الصفة العظيمة؛ لقول الزبير بن العوام ﵁ لابنه عبد الله: يا بني إنه لا يقتل اليوم إلا ظالم أو مظلوم، وإني لا أراني إلا سأقتل مظلوما، وإن من أكبر همي لديني، أفترى يبقي ديننا من مالنا شيئا؟ يا بني بع ما لنا فاقض ديني، وأوصى بالثلث\". وهذا يؤكد ويبين للداعية أهمية الاستعداد للقاء الله ﷿، فيقوم بجميع الواجبات، ويبتعد عن جميع المحرمات، ويوصي بما يريد أن يوصي به من دين وغيره، والله المستعان (٢).\nثانيا: من صفات الداعية: الثقة بالله ﷿: إن من الصفات العظيمة المهمة التي ينبغي أن يتحلى بها كل مسلم وخاصة\n_________\n(١) انظر شرح غريب الحديث رقم ١٣٠، ص ٧٤٦، ومعجم البلدان لياقوت الحموي، باب الغين، ٤/ ١٨٢.\n(٢) انظر: الحديث رقم ١، الدرس الثالث.","vol":"2","page":898},{"text":"الداعية إلى الله ﷿: الثقة بالله ﷿ \"ولهذه الثقة قال عبد الله بن الزبير ﵁ عن أبيه: \"فجعل يوصيني بدينه ويقول: يا بني إن عجزت عن شيء منه فاستعن عليه مولاي، قال عبد الله: فوالله ما دريت مما أراد حتى قلت: يا أبت من مولاك؟ قال: الله، قال: فوالله ما وقعت في كربة إلا قلت: يا مولى الزبير اقض عنه دينه فيقضيه\"، قال الحافظ ابن حجر ﵀: \"وفيه منزلة الزبير عند نفسه، وأنه في تلك الحالة كان في غاية الوثوق بالله والإقبال عليه والرضا بحكمه والاستعانة به\" (١) وهذا دليل على ثقة الزبير العظيمة بالله ﷿، وقد كان سبحانه عند ظنه به؛ قال ﷺ: «يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني» (٢) وهذا يؤكد على الداعية أن يثق بربه ﷿ ويحسن الظن به.\nثالثا: أهمية الالتجاء إلى الله ﷿ بالدعاء: إن الالتجاء إلى الله ﷿ من أعظم الصفات الحميدة التي ينبغي للداعية أن يتصف بها؛ لأن الله ﷿ يجيب دعاء السائلين ويكشف كرب المكروبين؛ ولهذا التجأ عبد الله بن الزبير إلى الله فأجابه في قضاء دين والده، قال ﵁: \"فوالله ما وقعت في كربة من دينه إلا قلت: يا مولى الزبير اقض عنه دينه، فيقضيه\"، قال الله ﷿: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢] (٣) وهذا يؤكد أهمية الالتجاء إلى الله ﷿ عند الشدائد والكرب (٤).\nرابعا: أهمية الحرص على أداء الأمانة: ظهر في هذا الحديث الحرص على أداء الأمانة؛ لأن الزبير بن العوام ﵁ إنما كان دينه الذي عليه أن الرجل كان يأتيه بالمال فيستودعه إياه، فيقول الزبير: \"لا، ولكنه سلف، فإنّي أخشى عليه الضيعة\"، وهذا يبين عظم أمانته ﵁؛\n_________\n(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٦/ ٢٣٥.\n(٢) متفق عليه: البخاري ٨/ ٢١٦، برقم ٧٤٠٥، ومسلم، ٤/ ٢٠٦١، برقم ٢٦٧٥، وتقدم تخريجه في الحديث رقم ٧٣، الدرس الثامن، ص ٤٤٩.\n(٣) سورة النمل، الآية: ٦٢.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٣٦، الدرس السادس.","vol":"2","page":899},{"text":"لأنه يريد أن يضمن للناس أموالهم لو تلفت بدون تفريط منه. قال الحافظ ابن حجر ﵀: \"وفيه مبالغة الزبير في الإحسان لأصدقائه؛ لأنه ﵁ يحفظ لهم ودائعهم في غيبتهم، ويقوم بوصاياهم على أولادهم بعد موتهم، ولم يكتف بذلك حتى احتاط لأموالهم وديعة أو وصية بأن يتوصل إلى تصييرها في ذمته مع عدم احتياجه لها غالبا، وإنما ينقلها من اليد للذمة مبالغة في حفظها لهم\" (١) فينبغي للداعية أن يكون حريصا على أداء الأمانة وحفظها (٢).\nخامسا: من صفات الداعية: الجود والكرم: الكرم والجود من الصفات الحميدة التي ينبغي أن يتصف بها المسلم، وخاصة الداعية إلى الله ﷿، وقد ظهرت هذه الصفة في هذا الحديث من وجهين: الأول: كرم حكيم بن حزام ﵁، قال عبد الله بن الزبير ﵁ في دين والده: \"فحسبت ما عليه من الدين فوجدته ألفي ألف ومائتي ألف أي مليونان ومائتا ألف، فلقي حكيم بن حزام عبد الله بن الزبير فقال حكيم: يا ابن أخي كم على أخي من الدين؟ فكتمه فقال: مائة ألف، فقال حكيم: والله ما أرى أموالكم تسع لهذه، فقال له عبد الله: أفرأيت إن كانت ألفي ألف ومائتي ألف؟ قال: ما أراكم تطيقون هذا، فإن عجزتم عن شيء منه فاستعينوا بي. وهذا يدل على كرم حكيم ﵁.\nالثاني: كرم عبد الله بن جعفر ﵁؛ فإنه كان يطلب الزبير أربعمائة ألف فقال لعبد الله بن الزبير: إن شئتم تركتها لكم، فامتنع عبد الله بن الزبير من ذلك وأعطاه من الغابة. وهذا يدل على كرم عبد الله بن جعفر ﵁؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀: \"وفيه بيان جود ابن جعفر لسماحته بهذا المال العظيم\" (٣) وهذا يبين للداعية أهمية الكرم والجود وأثره في الدعوة إلى الله ﷿ (٤).\n_________\n(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٦/ ٢٣٤.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٢٩، الدرس الثالث، ورقم ١٣٢، الدرس الرابع، ورقم ١٤٣، الدرس الثاني.\n(٣) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٦/ ٢٣٤.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٣٥، الدرس الثالث.","vol":"2","page":900},{"text":"سادسا: من صفات الداعية: العفة وقوة النفس: مما يدل على قوة النفس وعفتها ما فعله عبد الله بن الزبير ﵁ مع حكيم ابن حزام وعبد الله بن جعفر؛ فإن حكيم بن حزام ﵁ طلب عبد الله بن الزبير أن يعينه على قضاء دين الزبير فامتنع ابن الزبير من ذلك، وسأله عبد الله بن جعفر ﵁ أن يضع الدين عن الزبير - وكان أربعمائة ألف - فامتنع عبد الله بن الزبير عن ذلك، وهذا يدل على عفة عبد الله بن الزبير ﵁ وقوة نفسه، قال الحافظ ابن حجر ﵀: \"وفيه قوة نفس عبد الله بن الزبير لعدم قبوله ما سأله حكيم بن حزام من المعاونة، وما سأله عبد الله بن جعفر من المحاللة\" (١).\nسابعا: أهمية النية الصالحة: إن النية الصالحة من الصفات العظيمة التي يفوز صاحبها بسعادة الدنيا والآخرة، وهي من أسباب البركة، ومما يدل على ذلك ما وقع في هذا الحديث في قصة دين الزبير بن العوام، وأن دينه بلغ ألفي ألف ومائتي ألف، ولم يكن له في الظاهر من المال إلا الغابة اشتراها بمائة وسبعين ألفا، ثم باعها ابنه عبد الله بأموال طائلة عظيمة فاجتمعت تركته فكان جميع المال خمسين ألف ألف ومائتى ألف: [أي خمسين مليونا ومائتي ألف] قضى منها الدين وأخرجت الوصية ووزّع الباقي على الورثة، وهذا يدل على أن الله ﷿ بارك في مال الزبير؛ لنيته الصالحة ﵁. وسمعت سماحة العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز حفظه الله يقول في فوائد هذا الحديث إنه: \"بركة من الله؛ لحسن النية، فبارك الله له، وهذا من ثمرات النية الصالحة\" (٢) وهذا يؤكد أهمية النية الصالحة وأثرها وثمراتها، والله المستعان. (٣).\n_________\n(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٦/ ٢٣٥.\n(٢) سمعته من سماحته أثناء شرح الحديث رقم ٣١٢٩، من صحيح البخاري. [ثم بكى سماحة الشيخ حفظه الله].\n(٣) انظر: الحديث رقم ١٢٢، الدرس السادس.","vol":"2","page":901},{"text":"١٤ -<span data-type=\"title\" id=toc-300> باب إذا بعث الإمام رسولا في حاجة، أو أمره بالمقام، هل يسهم له</span>؟\n<span data-type=\"title\" id=toc-301>[حديث قوله ﷺ لعثمان إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه]</span>\n١٦٢ - [٣١٣٠] حدّثنا موسى: حدّثنا أبو عوانة: حدّثنا عثمان بن موهب، عن ابن عمر (١) ﵁ قال: إنّما تغيّب عثمان عن بدر فإنّه كان تحته بنت رسول الله ﷺ، وكانت مريضة، فقال له النّبيّ ﷺ: «إنّ لك أجر رجل ممّن شهد بدرا وسهمه» (٢).\nوفي رواية: \"كنّا في زمن النّبيّ ﷺ لا نعدل بأبي بكر أحدا، ثمّ عمر، ثم عثمان، ثمّ نترك أصحاب النّبيّ ﷺ لا نفاضل بينهم\" (٣).\nوفي رواية: عن عبيدة قال: \"جاء رجل إلى ابن عمر فسأله عن عثمان، فذكر عن محاسن عمله، قال: لعلّ ذاك يسوءك؟ قال: نعم. قال: فأرغم الله بأنفك. ثمّ سأله عن عليّ، فذكر محاسن عمله قال: هو ذاك، بيته أوسط بيوت النّبيّ ﷺ. ثمّ قال: لعلّ ذاك يسوءك؛ قال: أجل. قال: فأرغم الله بأنفك، انطلق فاجهد عليّ جهدك\" (٤).\nوفي رواية: عن عثمان بن موهب قال: \"جاء رجل حجّ البيت فرأى قوما جلوسا فقال: من هؤلاء القعود؛ قال: هؤلاء قريش، قال: من الشّيخ؟ قالوا: ابن عمر فأتاه فقال: إنّي سائلك عن شيء أتحدّثني؟ قال: أنشدك بحرمة هذا البيت أتعلم أنّ عثمان بن عفّان فرّ يوم أحد؟ قال: نعم، قال:\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في الحديث رقم: ١.\n(٢) [الحديث ٣١٣٠] أطرافه في: كتاب فضائل أصحاب النبي ﷺ، باب مناقب عثمان بن عفان أبي عمرو القرشي ﵁، ٤/ ٢٤٤، برقم ٣٦٩٨. وكتاب فضائل أصحاب النبي ﵁، باب مناقب علي بن أبي طالب القرشي الهاشمى أبي الحسن ﵁، ٤/ ٢٤٧، برقم ٣٧٠٤ وكتاب المغازي، باب قول الله تعالى إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ٥/ ٤١، برقم ٤٠٦٦ وكتاب تفسير القرآن، باب: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ ٥/ ١٨٤ و١٨٥، برقم ٤٥١٣ و٤٥١٤ و٤٥١٥ وكتاب تفسير القرآن، باب وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ، ٥/ ٢٣٨؛ و٢٣٩، برقم ٤٦٥٠ و٤٦٥١. وكتاب الفتن، باب قول النبي ﷺ: \"الفتنة من قبل المشرق\"، ٨/ ١٢٢، برقم ٧٠٩٥.\n(٣) الطرف رقم: ٣٦٩٨.\n(٤) الطرف رقم: ٣٧٠٤.","vol":"2","page":902},{"text":"فتعلمه تغيّب عن بدر فلم يشهدها؟ قال: نعم. قال: فتعلم أنه تخلّف عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم، قال فكبّر، قال ابن عمر: تعال لأخبرك ولأبيّن لك عمّا سألتني عنه أمّا فراره يوم أحد فأشهد أنّ الله عفا عنه، وأمّا تغيّبه عن بدر فإنه كان تحته بنت رَسُولِ الله ﷺ وكانت مريضة، فقال له النّبيّ ﷺ: «إنّ لك أجر رجل ممّن شهد بدرا وسهمه». وأمّا تغيّبه عن بيعة الرّضوان فإنّه لو كان أحد أعز ببطن مكّة من عثمان بن عفّان لبعثه مكانه، فبعث عثمان وكانت (١) بيعة الرّضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكّة فقال النّبيّ ﷺ بيده اليمنى: «هذه يد عثمان»، فضرب بها على يده فقال: \"هذه لعثمان \" اذهب بهذا الآن معك\" (٢).\nوفي رواية: عن نافع عن ابن عمر ﵄، أتاه رجلان في فتنة ابن الزّبير فقالا: إنّ النّاس صنعوا وأنت ابن عمر وصاحب النبيّ ﷺ فما يمنعك أن تخرج؟ فقال: يمنعني أنّ الله حرّم دم أخي فقالا: ألم يقل الله ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣] (٣) فقال: قاتلنا حتّى لم تكن فتنة، وكان الدّين لله وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتّى تكون فتنة ويكون الدّين لغير الله (٤).\nوفي رواية: عن بكير عن نافع، عن ابن عمر ﵄ أنّ رجلا جاءه فقال: يا أبا عبد الرّحمن ألا تسمع ما ذكر الله في كتابه ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] إلى آخر الآية، فما يمنعك أن لا تقاتل كما ذكر الله في كتابه؟ فقال: يا ابن أخي أغترّ بهذه الآية ولا أقاتل أحبّ إليّ من أن أغترّ بهذه الآية الّتي يقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣] (٥) إلى آخرها قال: فإنّ الله يقول: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣] قال ابن عمر: قد فعلنا على عهد رسول الله ﷺ إذ\n_________\n(١) هكذا في النسخة السلفية المطبوعة مع فتح الباري، ٧/ ٣٦٣، وفي النسخة المعتمدة \" وكان بيعة الرضوان\" وكذا في نسخة استانبول، ٥/ ٣٤.\n(٢) من الطرف رقم: ٤٠٦٦.\n(٣) سورة البقرة، الآية: ١٩٣.\n(٤) من الطرف رقم: ٤٥١٣.\n(٥) سورة النساء، الآية: ٩٣.","vol":"2","page":903},{"text":"كان الإسلام قليلا، فكان الرّجل يفتن في دينه إمّا يقتلوه، وإمّا يوثقوه، حتّى كثر الإسلام فلم تكن فتنة فلمّا رأى أنه لا يوافقه فيما يريد قال: فما قولك في عليّ وعثمان؟ قال \" ابن عمر: ما قولي في عليّ وعثمان؟ أمّا عثمان فكان الله قد عفا عنه فكرهتم أن تعفوا عنه، وأمّا عليّ فابن عمّ رَسُولِ الله ﷺ وختنه، وأشار بيده وهذه ابنته أو بنته حيث ترون (١).\nوفي رواية: عن سعيد بن جبير قال: خرج علينا أو إلينا ابن عمر فقال رجل: كيف ترى في قتال الفتنة؟ فقال: وهل تدري ما الفتنة؟ كان محمّد ﷺ يقاتل المشركين وكان الدّخول عليهم فتنة، وليس كقتالكم على الملك (٢).\nوفي رواية: قال: خرج علينا عبد الله بن عمر فرجونا أن يحدّثنا حديثا حسنا قال: فبادرنا إليه رجل فقال: يا أبا عبد الرّحمن حدّثنا عن القتال في الفتنة والله يقول: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣] فقال: هل تدري ما الفتنة ثكلتك أمّك؟ إنّما كان محمّد ﷺ يقاتل المشركين، وكان الدّخول في دينهم فتنة، وليس كقتالكم على الملك (٣).\n\n* شرح غريب الحديث: * \" فأرغم الله أنفك\" أي ألصقه بالرّغام وهو التراب، هذا هو الأصل، ثم استعمل في الذّلّ والعجز عن الانتصاف والانقياد على كره (٤).\n* \"وختنه\" أي زوج ابنته، والأختان من قبل المرأة، والإحماء من قبل الرجل، والصهر يجمعهما، وخاتن الرجل الرجل إذا تزوج إليه (٥).\n* \"ثكلتك أمك\" أي فقدتك، والثكل: فقد الولد، ويجوز أن تكون من\n_________\n(١) الطرف رقم ٤٦٥٠.\n(٢) الطرف رقم: ٤٦٥١.\n(٣) من الطرف رقم: ٧٠٩٥.\n(٤) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الراء مع الغين، مادة: \"رغم\"، ٢/ ٢٣٨.\n(٥) انظر: المرجع السابق، باب الخاء مع التاء، مادة: \"ختن\"، ٢/ ١٠.","vol":"2","page":904},{"text":"الألفاظ التي تجري على ألسنة العرب ولا يراد بها الدعاء، كقولهم تربت يداك، وقاتلك الله (١).\n* \"اجهد عليّ جهدك\" أي ابلغ غايتك في هذا الأمر واعمل في حقي ما تستطيع وتقدر عليه (٢).\n\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - أهمية النية الصالحة.\n٢ - من صفات الداعية: العدل.\n٣ - من وظائف الداعية الدفاع عن أئمة الهدى والتماس العذر لهم.\n٤ - من أساليب الدعوة: استخدام الشدة مع بعض المدعوين.\n٥ - أهمية الكف عما جرى بين الصحابة ﵃.\n٦ - من أساليب الدعوة: الجدل.\n٧ - أهمية اعتزال الفتن المضلة.\n٨ - أهمية الاستدلال بالأدلة الشرعية.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: أهمية النية الصالحة: النية الصالحة من أهم الأعمال القلبية التي ينبغي أن يتصف بها كل مسلم؛ لما في ذلك من أسباب السعادة في الدنيا والآخرة (٣) وفي هذا الحديث دلالة على النية الصالحة، وأنه يكتب للعبد الصالح ما نوى ولم يقدر على عمله؛ ولهذا قال النبي ﷺ لعثمان بن عفان حينما لم يشهد بدرا: «إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه»؛ لأنه ﵁ كان مشغولا بتمريض بنت رسول الله ﷺ وكانت\n_________\n(١) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الثاء مع الكاف، مادة: \"ثكل\"، ١/ ٢١٧.\n(٢) انظر: المرجع السابق، باب الجيم مع الهاء، مادة: \"جهد\"، ١/ ٣١٩، وشرح الكرماني على صحيح البخاري، ١٤/ ٢٤٤.\n(٣) انظر: بستان العارفين، للإمام محيي الدين أبي زكريا يحيى بن شرف النووي، ص ٢٢ - ٢٧.","vol":"2","page":905},{"text":"زوجته، ولو لم يشغل بذلك لكان من المجاهدين فأعطاه الله ﷿ ما نوى (١).\nثانيا: من صفات الداعية: العدل: العدل من أهم الصفات الحميدة التي ينبغي لكل مسلم أن يتصف بها وخاصة الداعية إلى الله ﷿، وقد ظهر ذلك في هذا الحديث؛ لقول عبد الله بن عمر ﵁: \"كنا لا نعدل بأبي بكر أحدا، ثم عمر، ثم عثمان \" ولم يقدم أباه على أبي بكر حمية، ولكن حمله إيمانه على الصدق، وهذا هو العدل، وهو مذهب أهل السنة والجماعة، وأنهم يرتبون أصحاب النبي ﷺ على حسب فضلهم وسبقهم للإسلام وجهادهم ﵃، فأفضل الصحابة: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، قال الإمام ابن تيمية ﵀: \"ومن طعن في خلافة أحد من هؤلاء فهو أضل من حمار أهله\" (٢) وقد استقر إجماع الصحابة ﵃ على ترتيب هؤلاء الأربعة في الفضل وفي الخلافة، وهذا هو العدل الذي أخذ به أهل السنة والجماعة (٣) أهل الصراط المستقيم (٤) وهذا يؤكد أهمية العدل، وأن الداعية ينبغي له أن يبتعد عن طرق أهل البدع (٥) ويلتزم بصفة العدل في جميع أحواله (٦).\nثالثا: من وظائف الداعية: الدفاع عن أئمة الهدى والتماس العذر لهم: لاشك أن من الأعمال المباركة: الدفاع عن أئمة الهدى ومصابيح الدجى من الصحابة، والتابعين، ومن سلك طريقهم من أهل العلم والإيمان؛ ولهذا دافع عبد الله بن عمر ﵁ عن علي بن أبي طالب وعن عثمان ﵄، فقال لهذا الرجل الضال الذي يظهر عداوته لعلي ﵁: \"فأرغم الله بأنفك انطلق\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٢٢، الدرس السادس.\n(٢) العقيدة الواسطية، ص ٤٢.\n(٣) انظر: شرح اعتقاد أهل السنة والجماعة، للحافظ أبي القاسم هبة الله بن الحسن الطبري اللالكائي، ٧/ ١٣١٠ - ١٤٢٥، ومختصر سيرة النبي ﷺ وسيرة أصحابه العشرة، للحافظ أبي محمد عبد الغنى بن عبد الواحد المقدسي، ص ٧٤ - ١١٨.\n(٤) انظر: الاعتصام، لأبي إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي، ٢/ ٨٠١ - ٨٠٨.\n(٥) انظر: المرجع السابق، ٢/ ٧١٨ - ٧٣٢.\n(٦) انظر: الحديث رقم ٦٠، الدرس الثاني، ورقم ٦٤، الدرس الأول، ورقم ٩٦، الدرس الرابع.","vol":"2","page":906},{"text":"فاجهد علي جهدك! \"، وقال ﵁ في الدفاع عن عثمان حين سأل هذا الضال: \"أما عثمان فكان الله قد عفا عنه وكرهتم أن تعفوا عنه، وأما عليّ فابن عمّ رسول الله ﷺ وختنه\"، ثم أخذ يذكر من محاسن علي وعثمان ﵄ حتى أفحم هذا الضال فذهب خائبا، وقال له ابن عمر ﵁: \"اذهب بهذا الآن معك\"، قال العيني ﵀: أي اقرن هذا العذر بالجواب حتى لا يبقى لك فيما أجبتك به حجة على ما كنت تعتقد\" (١) فينبغي للداعية أن يدافع عن الصحابة ﵃ وعن أئمة الهدى من علماء أهل السنة والجماعة، ولكن بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالحسنى.\nرابعا: من أساليب الدعوة: استخدام الشدة مع بعض المدعوين: الأصل في الأساليب في الدعوة إلى الله ﷿ الرفق واللين، ولكن من المدعوين من لا يجدي ولا ينفع فيه ومعه إلا الشدة والقوة؛ ولهذا استخدم عبد الله بن عمر ﵁ أسلوب الشدة مع الرجل الضال الذي يطعن في علي وعثمان ﵄، فقال: \"أرغم الله بأنفك\"، وقال ﵁: \"قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة ويكون الدين لغير الله\"، وهذا فيه قوة في الأسلوب، ولكن لا يفعل ذلك إلا مع الأمن من الوقوع في المفاسد، والله المستعان (٢).\nخامسا: أهمية الكف عما جرى بين الصحابة ﵃: إن من الأمور المهمة التي ينبغي للداعية أن يعرض عنها ولا يخوض فيها ما جرى بين الصحابة ﵃، وما حصل لبعضهم؛ لأن الكف عن ذلك مذهب أهل الحق والاعتدال (٣)؛ ولهذا قال عبد الله بن عمر ﵄ في هذا الحديث: \"أما عثمان فكان الله قد عفا عنه فكرهتم أن تعفوا عنه، وأما عليّ فابن عمّ رسول الله ﷺ\"، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في مذهب أهل\n_________\n(١) عمدة القاري، شرح صحيح البخاري، ١٦/ ٢٠٧.\n(٢) انظر: الحديث رقم ١١٦، الدرس العاشر.\n(٣) انظر: شرح العقيدة الواسطية، لابن تيمية، تأليف محمد خليل الهراس، ص ٢٥٠.","vol":"2","page":907},{"text":"السنة والجماعة فيما شجر بين الصحابة ﵃: \"ويمسكون عما شجر بين الصحابة، ويقولون إن هذه الآثار المروية في مساوئهم، منها ما هو كذب، ومنها ما قد زيد فيه ونقص، وغيّر عن وجهه، والصحيح منه هم فيه +مُعذرون، إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون، وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره، بل يجوز عليهم الذنب في الجملة، ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما صدر منهلا إن وجد. . \"، ثم قال ﵀: \"هذا في الذنوب المحققة فكيف بالذنوب التي كانوا فيها مجتهدين، إن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطأوا فلهم أجر واحد والخطأ مغفور\" (١).\nسادسا: من أساليب الدعوة: الجدل: إن أسلوب الجدل من الأساليب النافعة عند الحاجة إليه في الدعوة إلى الله ﷿؛ ولهذا استخدمه عبد الله بن عمر ﵄ مع الرجل الضال الذي يطعن في علي وعثمان ﵁ في هذا الحديث، فسأله أولا عن عثمان وعن تخلفه، فرد عليه ابن عمر بقوله: أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه، وأما تغيبه عن بدر فإنه كان تحته بنت رسول الله ﷺ، وكانت مريضة فقال له النبي ﷺ. «إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه»، وسأل هذا الرجل الضال عن علي ﵁ وطعن فيه فقال له عبد الله: \"وأما علي فابن عمّ رسول الله ﷺ وختنه. . . \" وجادله ﵁ حتى أفحمه، فينبغي للداعية أن يستخدم أسلوب الجدل عند الحاجة إليه، ولكن بالحسنى (٢).\nسابعا: أهمية اعتزال الفتن المضلة: ظهر في هذا الحديث أهمية اعتزال الفتن المضلة؛ ولهذا اعتزل عبد الله بن\n_________\n(١) العقيدة الواسطية، لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص ٤٣، وانظر: فضائل الصحابة للإمام أحمد بن شعيب النسائي، ص ١٥ - ٢١٧، والعواصم من القواصم في تحقيق مواقف الصحابة بعد النبي ﷺ، للإمام القاضي أبي بكر بن العربي المالكي، ص ٧٧، وص ١٥٥، وص ٢٦٠.\n(٢) انظر: الحديث رقم ١٢٩، الدرس الرابع.","vol":"2","page":908},{"text":"عمر ﵄ الفتن كما جاء في هذا الحديث، فجادله بعض الناس في ذلك قال: \"قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة، ويكون الدين لغير الله\"، وهذا يؤكد اعتزال الفتن المضلة، أسأل الله لي ولجميع المسلمين العفو والعافية في الدنيا والآخرة (١).\nثامنا: أهمية الاستدلال بالأدلة الشرعية: الاستدلال بالأدلة الشرعية من الأمور المهمة التي ينبغي للداعية أن يعتني بها في دعوته إلى الله ﷿؛ لما لها من التأثير على المدعوين وإقناعهم؛ ولهذا استخدمها عبد الله بن عمر ﵄ في هذا الحديث، فرد على الرجل الضال الذي طعن في عثمان، وبين له بالدليل أن النبي ﷺ قال لعثمان: «إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه»، واستدل ﵁ على عدم الدخول في القتال في الفتنة بقوله ﷿: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣] (٢) وهذا فيه تخويف من الدخول في الفتن العمياء المضلة (٣).\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ١٩، الدرس الثاني، ورقم ١٥٠، الدرس الثالث.\n(٢) سورة النساء، الآية: ٩٣.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٧٧، الدرس الحادي عشر، ورقم ٩٤، الدرس الثامن.","vol":"2","page":909},{"text":"١٥ -<span data-type=\"title\" id=toc-302> باب ومن الدّليل على أنّ الخمس لنوائب المسلمين</span>\nما سأل هوازن النّبيّ ﷺ برضاعه فيهم فتحلّل من المسلمين، وما كان النّبي ﷺ يعد النّاس أن يعطيهم من الفيء، والأنفال من الخمس وما أعطي الأنصار، وما أعطي جابر بن عبد الله من تمر خيبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-303>[حديث والله لا أحملكم وما عندي ما أحملكم]</span>\n١٦٣ - [٣١٣٣] حدّثنا عبد الله بن عبد الوهّاب: حدّثنا حمّاد: حدّثنا أيّوب، عن أبي قلابة. قال: وحدّثني القاسم بن عاصم الكلينيّ - وأنا لحديث القاسم أحفظ - عن زهدم قال: كنّا عند أبي موسى (١) فأتى ذكر دجاجة وعنده رجل من بني تيم الله أحمر كأنه من الموالي، فدعاه للطّعام فقال: إنّي رأيته يأكل شيئا فقذرته فحلفت لا آكل. فقال: هلمّ فلأحدّثكم عن ذلك: إنّي أتيت رسول الله ﷺ في نفر من الأشعريّين نستحمله، فقال: «والله لا أحملكم، وما عندي ما أحملكم». وأتي رسول الله ﷺ بنهب إبل فسأل عنّا فقال: «أين النّفر الأشعريّون؟» فأمر لنا بخمس ذود غرّ الذّرى، فلمّا انطلقنا قلنا: ما صنعنا؟ لا يبارك لنا. فرجعنا إليه فقلنا: إنّا سألناك أن تحملنا، فحلفت أن لا تحملنا، أفنسيت؟ قال: «لست أنا حملتكم، ولكنّ الله حملكم، وإنّي والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلّا أتيت الّذي هو خير وتحلّلتها» (٢).\nوفي رواية: لمّا قدم أبو موسى أكرم هذا الحيّ من جرم وإنّا لجلوس عنده، وهو يتغدّى دجاجا وفي القوم رجل جالس فدعاه إلى الغداء، فقال: إنّي رأيته\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في الحديث رقم: ٦٦.\n(٢) [الحديث ٣١٣٣] أطرافه في: كتاب المغازي، باب قدوم الأشعريبن وأهل اليمن، ٥/ ١٤٢، برقم ٤٣٨٥. وكتاب المغازي، باب غزوة تبوك وهي غزوة العسرة، ٥/ ١٥٠، برقم ٤٤١٥. وكتاب الذبائح والصيد باب لحم الدجاج، ٦/ ٢٨٤، برقم ٥٥١٧ و٥٥١٨. وكتاب الإيمان والنذور، باب قول الله تعالى: لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ إلى قوله. لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ الآية، ٧/ ٢٧٥، برقم ٦٦٢٣. وكتاب الإيمان والنذور، باب لا تحلفوا بآبائكم، ٧/ ٢٨٢، برقم ٦٦٤٩. وكتاب الإيمان والنذور، باب اليمين فيما لا يملك وفي المعصية وفي الغضب، ٧/ ٢٩٠، برقم ٦٦٧٨ و٦٦٨٠ وكتاب كفارات الأيمان، باب الاستثناء في الأيمان، ٧/ ٣٠٢، برقم ٦٧١٨ و٦٧١٩. وكتاب كفارات الأيمان، باب الكفارة قبل الحنث وبعده، ٧/ ٣٠٣، برقم ٦٧٢١. وكتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ، ٨/ ٢٧١، برقم ٧٥٥٥. وأخرجه مسلم في كتاب الأيمان، باب ندب من حلف يمينا فرأى غيرها خيرا منها، أن يأتي الذي هو خير ويكفر عن يمينه، ٣/ ١٢٦٨، برقم ١٦٤٩.","vol":"2","page":910},{"text":"يأكل شيئا فقذرته، فقال: هلمّ فإنّي رأيت النّبيّ ﷺ يأكله\" فقال: إنّي حلفت لا آكل!، فقال: هلمّ أخبرك عن يمينك، إنّا أتينا النّبيّ ﷺ نفر من الأشعريّين فاستحملناه فأبى أن يحملنا فاستحملناه فحلف أن لا يحملنا ثمّ لم يلبث النّبيّ ﷺ أن أتي بنهب إبل فأمر لنا بخمس ذود فلمّا قبضناهما قلنا تغفّلنا النّبي ﷺ يمينه لا نفلح بعدها أبدا، فأتيته فقلت: يا رسول الله إنك حلفت أن لا تحملنا وقد حملتنا قال: «أجل ولكن لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلّا أتيت الّذي هو خير منها». (١).\nوفي رواية: عن أبي بردة، عن أبي موسى ﵁ قال: أرسلني أصحابي إلى رسول الله ﷺ، أسأله الحملان لهم إذ هم معه في جيش العسرة، وهي غزوة تبوك فقلت: يا نبيّ الله إنّ أصحابي أرسلوني اليك لتحملهم، فقال: «والله لا أحملكم على شيء»، ووافقته وهو غضبان ولا أشعر ورجعت حزينا من منع النبي ﷺ ومن مخافة أن يكون النّبيّ ﷺ وجد في نفسه عليّ فرجعت إلى أصحابي فأخبرتهم الّذي قال النّبيّ ﷺ فلم ألبث إلّا سويعة إذ سمعت بلالا ينادي أي عبد الله بن قيس فأجبته فقال: أجب رسول الله ﷺ يدعوك، فلمّا أتيته قال: «خذ هذين القرينين وهذين القرينين - لستّة أبعرة ابتاعهنّ حينئذ من سعد - فانطلق بهنّ إلى أصحابك فقل: إنّ الله - أو قال - إن رسول الله ﷺ يحملكم على هؤلاء فاركبوهنّ» فانطلقت إليهم بهنّ فقلت: إنّ النّبيّ ﷺ يحملكم على هولاء، ولكنّي والله لا أدعكم حتّى ينطلق معي بعضكم إلى من سمع مقالة رسول الله ﷺ، لا تظنّوا أني حدّثتكم شيئا لم يقله رَسُولُ الله ﷺ، فقالوا لي: إنك عندنا لمصدق، ولنفعلنّ ما أحببت فانطلق أبو موسى بنفر منهم حتّى أتوا الذين سمعوا قول رَسُولِ الله ﷺ منعه إيّاهم ثمّ إعطاءهم بعد فحدّثوهم بمثل\n_________\n(١) من الطرف رقم: ٤٣٨٥.","vol":"2","page":911},{"text":"ما حدّثهم به أبو موسى (١).\nوفي رواية: «رأيت النّبيّ ﷺ يأكل دجاجا».! (٢).\nوفي رواية: «والله لا أحملكم، وما عندي ما أحملكم عليه» قال: ثمّ لبثنا ما شاء الله أن نلبث، ثمّ أتي بثلاث ذود غرّ الذّرى فحملنا عليها\".\nوفيها: «ما أنا حملتكم بل الله حملكم وإنّي والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلّا كفّرت عن يميني، وأتيت الّذي هو خير، أو أتيت الّذي هو خير وكفّرت عن يميني» (٣).\nوفي رواية: عن زهدم: \"كان بين هذا الحيّ من جرم وبين الأشعريّين ودّ وإخاء، فكنّا عند أبي موسى الأشعريّ فقرّب إليه طعام فيه لحم دجاج. . . \" الحديث (٤).\nوفي رواية: عن زهدم الجرميّ أيضا: \"كنّا عند أبي موسى وكان بيننا وبين هذا الحيّ من جرم إخاء ومعروف. . . \" الحديث. (٥).\nوفي رواية: \"أخبرك أو أحدّثك إنّي أتيت النّبيّ ﷺ في نفر من الأشعريّين فوافقته وهو غضبان، وهو يقسم نعما من نعم الصدقة\" (٦).\n\n* شرح غريب الحديث: * \" بنهب إبل \" أي غنيمة إبل، والنهب الغارة والسّلب (٧).\n* \" ذود \" الذود من الإبل ما بين الثنتين إلى التسع، وقيل: ما بين الثلاث إلى العشر، واللفظة مؤنثة ولا واحد لها من لفظها: كالنعم (٨).\n_________\n(١) من الطرف رقم: ٤٤١٥.\n(٢) من الطرف رقم: ٥٥١٧.\n(٣) من الطرف رقم: ٦٦٢٣.\n(٤) من الطرف رقم: ٦٦٤٩.\n(٥) من الطرف رقم ٦٧٢١.\n(٦) من الطرف رقم: ٥٥١٨.\n(٧) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب النون مع الهاء، مادة: \"نهب\"، ٥/ ١٣٣.\n(٨) المرجع السابق، باب الذال مع الواو، مادة: \"ذود\"، ٢/ ١٧١.","vol":"2","page":912},{"text":"* \" غر الذرى \" جمع ذروة وهي سنام البعير وذروة كل شيء: أعلاه (١).\n* \" من جرم \" نسبة إلى قبيلة \"الجرمي\" بفتح الجيم وسكون الراء، وهي نسبة إلى جرم بن ريان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، وفي بجيلة: جرم بن علقمة بن أنمار، وفي عاملة: جرم بن شعل بن معاوية بن عاملة، وفي طي جرم وهو ثعلبة بن عمرو بن الغوث (٢).\n* \" تغفلنا يمينه \" أي جعلناه غافلا عن يمينه بسبب سؤالنا. (٣).\n* \" وجد في نفسه عليّ \" أي غضب (٤).\n\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - أهمية الاستدلال بالأدلة الشرعية.\n٢ - من صفات الداعية: إضافة النعم إلى الله ﷿.\n٣ - أهمية الحنث في اليمين والتكفير عنها للمصلحة الراجحة.\n٤ - أهمية تحصيل العلم من مصادره الأصلية مباشرة والتثبت في ذلك.\n٥ - حرص السلف الصالح على الدقة في نقل الحديث.\n٦ - من صفات الداعية: الكرم.\n٧ - أهمية الاستثناء في اليمين.\n٨ - من أدب الداعية: إكرام الضيف.\n٩ - من تاريخ الدعوة: ذكر غزوة تبوك.\n١٠ - من صفات الداعية: الصبر على الابتلاء والامتحان.\n١١ - حرص الصحابة على الجهاد والدعوة.\n١٢ - عظم محبة الصحابة لرسول الله ﷺ.\n_________\n(١) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الذال مع الراء، مادة. \"ذرا\"، ٢/ ١٥٩، وانظر ٣/ ٣٥٣.\n(٢) انظر: اللباب في تهذيب الأنساب، لابن الأثير، ١/ ٢٧٣.\n(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الغين مع الفاء، مادة: \"كفل\"، ٤/ ٣٧٥.\n(٤) انظر: شرح غريب الحديث، رقم ١٤٧، ١٤٨.","vol":"2","page":913},{"text":"١٣ - من أساليب الدعوة: التأكيد بالقسم.\n١٤ - من أساليب الدعوة: تأديب بعض المدعوين بالقول.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: أهمية الاستدلال بالأدلة الشرعية: الاستدلال بالأدلة الشرعية يزيد اليقين ويزيل اللبس؛ ولهذا استدل أبو موسى الأشعري ﵁ على جواز التكفير عن اليمين لمن حلف على شيء فرأى غيره خيرا منه فقال عن النبي ﷺ إنه قال: «وإني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها»، وقال أبو موسى لمن استقذر أكل الدجاج: \"هلم فإني رأيت النبي ﷺ يأكله\"، وهذا يؤكد أهمية الاستدلال بالأدلة الشرعية (١).\nثانيا: من صفات الداعية: إضافة النعم إلى الله ﷿: النعم من فضل الله ﷿ وإحسانه على عباده، فينبغي أن تنسب إلى الله الكريم؛ ولهذا نسب النبي ﷺ نعمة حمل المجاهدين على الذود إلى الله ﷿؛ لأنه الذي يسّرها، فقال ﷺ للأشعريين: «لست أنا حملتكم ولكن الله حملكم»، وهذا يؤكد أهمية إضافة النعم لمسديها والمنعم بها سبحانه (٢).\nثالثا: أهمية الحنث في اليمين والتكفير عنها للمصلحة الراجحة: إن من يسر الإسلام وسماحته أن المسلم إذا حلف على أمر من الأمور ثم رأى بأن غيره خير منه؛ فإنه يكفر عن يمينه ويأتي الذي هو خير؛ ولهذا قال ﷺ في هذا الحديث: «وإني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير»، قال الإمام النووي ﵀: \"وفي هذه الأحاديث دلالة على أن من حلف على فعل شيء أو تركه، وكان الحنث خيرا من التمادي على اليمين استحب له الحنث وتلزمه الكفارة، وهذا متفق\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٧٧، الدرس الحادي عشر، ورقم ٩٤، الدرس الثامن.\n(٢) انظر. الحديث رقم ٤٦، الدرس السادس عشر، ورقم ١٠٦، الدرس الخامس، وفتح الباري، لابن حجر، ١١/ ٦١٤.","vol":"2","page":914},{"text":"عليه، وأجمعوا على أنه لا تجب عليه الكفارة قبل الحنث، وعلى أنه يجوز تأخيرها عن الحنث، وعلى أنه لا يجوز تقديمها على اليمين\" (١) وهذا يؤكد أهمية الحنث في اليمين إذا رأى الحالف ما هو خير، والحمد لله.\nرابعا: أهمية تحصيل العلم من مصادره الأصلية مباشرة والتثبت في ذلك: العلم أعظم الكنوز التي ينعم الله بها على من يشاء من عباده، فينبغي أن يطلب من مصادره الأصلية، وسماعه من أهله مباشرة على قدر الاستطاعة، والتثبت في ذلك، وقد ثبت في هذا الحديث ما يؤكد ذلك، وذلك: \"أن النبي ﷺ أعطى عبد الله بن قيس ستة أبعرة؛ ليحمل عليها أصحابه، فانطلق بها إلى قومه ثم قال: إن النبي ﷺ يحملكم على هؤلاء ولكني والله لا أدعكم حتى ينطلق معي بعضكم إلى من سمع مقالة رسول الله ﷺ، لا تظنوا أني حدثتكم شيئا لم يقله رسول الله ﷺ، فقالوا له: إنك عندنا لمصدق ولنفعلن ما أحببت، فانطلق أبو موسى بنفر منهم حتى أتوا الذين سمعوا قول رسول الله ﷺ: منعه إياهم ثم إعطاءهم بعد، فحدثوهم بمثل ما حدثهم به أبو موسى \" وهذا يؤكد أهمية تلقي العلم عن أهله مباشرة إن أمكن ذلك (٢).\nخامسا: حرص السلف الصالح على الدقة في نقل الحديث: كان السلف الصالح يحرصون على الدقة في نقل الحديث كما جاء عن رسول الله ﷺ، ومما يدل على ذلك قول النبي ﷺ: «وإني والله إن شاء الله، لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير، أو أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني»، قال الكرماني ﵀: \"هذا شك من الراوي في تقديم: \"أتيت\" على \"كفّرت\" أو العكس، وإما تنويع من تنويع رسول الله ﷺ إشارة إلى جواز تقديم الحنث وتأخيرها\" (٣) وهذا يدل على حرص السلف ﵏ على الدقة في نقل العلم (٤).\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم، ١١/ ١١٩، وانظر: فتح الباري، لابن حجر، ٨/ ١١٢.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٧٧، الدرس الرابع.\n(٣) شرح الكرماني على صحيح البخاري، ٢٣/ ٩٣.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٢١، الدرس العاشر.","vol":"2","page":915},{"text":"سادسا: من صفات الداعية: الكرم: الكرم من الصفات الحميدة، ولهذا كان أكمل الخلق في الكرم هو إمامهم وخيرهم محمد بن عبد الله ﷺ، وقد دل هذا الحديث على شيء من كرمه؛ فإنه أعطى خمس ذود، وفي الرواية الأخرى: \"ستة أبعرة\"؛ ليحمل عليه عبد الله بن قيس الأشعري وأصحابه ﵃، وهذا غيض من فيض من كرم رسول الله ﷺ (١).\nسابعا: أهمية الاستثناء في اليمين: كرم الله على عباده وإحسانه لا يحصى، ومن ذلك الاستثناء في اليمين بقول الحالف في قسمه \"إن شاء الله\" فإذا قال ذلك لا يحنث ولا يحتاج إلى كفارة، وقد ثبت في هذا الحديث أن النبي ﷺ استثنى فقال: \"إني «والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير»، وثبت عنه ﷺ أن من حلف على يمين فاستثنى فيها فلا حنث عليه ولا كفارة، ففي حديث أبي هريرة ﵁ عن قصة سليمان ﷺ حينما أقسم أن يطأ في ليلة واحدة مائة امرأة كل واحدة تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله ﷿، ولم يقل: إن شاء الله، فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة، جاءت بشق رجل، فقال نبينا محمد ﷺ: «لو قال: إن شاء الله لم يحنث وكان دركا لحاجته» (٢) قال الإمام النووي ﵀ في فوائد حديث قصة سليمان ﷺ: \"ومنها أنه إذا حلف وقال متصلا بيمينه: إن شاء الله تعالى، لم يحنث بفعل المحلوف عليه، وأن الاستثناء يمنع انعقاد اليمين؛ لقوله ﷺ: \"لو «قال إن شاء الله لم يحنث وكان دركا لحاجته»، ويشترط لصحة الاستثناء شرطان: أحدهما أن يقوله متصلا باليمين، والثاني أن يكون نوى قبل فراغ اليمين أن يقول: \"إن شاء الله\" (٣) ونقل ﵀: إجماع المسلمين على أن قوله: \"إن شاء الله\" يمنع انعقاد اليمين بشرط كونه متصلا وأن الإمام مالكا، والأوزاعي والشافعي، والجمهور، يرون أن يكون قوله:\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٣٥، الدرس الرابع.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ٥٢٤٢، ومسلم، برقم ١٦٥٤، وتقدم تخريجه في الحديث رقم ٣٤، ص ٢٣٩.\n(٣) شرح النووي على صحيح مسلم، ١١/ ١٢٩.","vol":"2","page":916},{"text":"إن شاء الله متصلا باليمين من غير سكوت بينهما، ولا تضر سكتة النفس (١) فينبغي للداعية أن يحفظ يمينه، وإذا كان لا بد من القسم استثنى في ذلك، والله المستعان.\nثامنا: من أدب الداعية: إكرام الضيف: لا شك أن من الآداب السامية إكرام الضيف، واستقباله بالسرور، والبشاشة، والاستقبال الحسن، والتبسم، وقد ظهر في هذا الحديث حسن الأدب مع الضيف؛ لأن أبا موسى الأشعري ﵁ دعا ضيفه؛ ليأكل معه ومع أصحابه الغداء فامتنع الضيف؛ لأنه قد حلف أن لا يأكل الدجاج؛ ولحرص أبي موسى ﵁ على إكرامه أخبره أن النبي ﷺ بين أن من حلف على شيء فرأى غيره خيرا منه أتى الذي هو خير وكفر عن يمينه، وهذا يدل على حسن أدب أبي موسى ﵁؛ فإنه يطلب من الضيف أن يتغدّى معه ويكفر عن يمينه؛ ولهذا قال \" الحافظ ابن حجر ﵀: \"وفي الحديث دخول المرء على صديقه في حال أكله، واستدناء صاحب الطعام الداخل، وعرضه الطعام عليه، ولو كان قليلا؛ لأن اجتماع الجماعة على الطعام سبب للبركة فيه\" (٢) وقد ذكر الله ﷿ قصة إبراهيم ﷺ وإكرامه لأضيافه فقال ﷿: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ - إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ - فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ - فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات: ٢٤ - ٢٧] (٣) وقد حث النبي ﷺ على إكرام الضيف، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت» (٤) وهذا يؤكد العناية بالضيف والآداب\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم، ١١/ ١٢٩، وانظر: مختصر اختلاف العلماء، لأبي جعفر أحمد بن محمد الطحاوي، اختصار أحمد بن علي الجصاص الرازي ٣/ ٢٣٥، وبداية المجتهد ونهاية المقتصد للإمام محمد بن أحمد بن رشد، ١/ ٣٠١، والمغني لابن قدامة المقدسي، ١٣/ ٤٨٤، المسألة رقم ١٧٩٧، والكافي له، ٦/ ٧، والمقنع، لعبد الله بن أحمد ابن محمد بن قدامة، ٢٧/ ٤٨٨، والشرح الكببر، لعبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن قدامة، ٢٧/ ٤٨٨، مسألة رقم ٤٦٩٧، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، لعلي بن سليمان بن أحمد المرداوي ٧/ ٤٨٨.\n(٢) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٩/ ٦٤٨.\n(٣) سورة الذاريات، الآيات: ٢٤ - ٢٧.\n(٤) متفق علبه: البخاري، كتاب الأدب، باب إكرام الضيف وخدمته إياه بنفسه، ٧/ ١٣٥، برقم ٦١٣٦، ومسلم كتاب الإيمان، باب الحث على إكرام الضيف والجار ولزوم الصمت إلا عن الخير، ١/ ٦٨، برقم ٤٧.","vol":"2","page":917},{"text":"التي ينبغي للداعية أن يعتني بها (١).\nتاسعا: من تاريخ الدعوة: ذكر غزوة تبوك: دل هذا الحديث على أن من تاريخ الدعوة ذكر غزوة تبوك، وما وقع فيها من الشدة والابتلاء، لقول أبي موسى ﵁: \"أرسلني أصحابي إلى رسول الله ﷺ أسأله الحملان لهم إذ هم معه في جيش العسرة، وهي غزوة تبوك\"، وقد كانت هذه الغزوة في السنة التاسعة للهجرة، وأظهر الله فيها كثيرا من المنافقين لرسول الله ﷺ، وفضحهم الله. أسأل الله لي ولجميع المسلمين العفو والعافية في الدنيا والآخرة (٢).\nعاشرا: من صفات الداعية: الصبر على الابتلاء والامتحان: الله ﷿ يبتلي عباده بالسراء والضراء؛ ليختبرهم ويمتحنهم، فينبغي أن يقابل ذلك بالشكر في السراء، والصبر في الضراء، وقد ظهر في هذا الحديث الابتلاء بالضراء والصبر على ذلك، وهو أن النبي ﷺ لم يجد ما يحمل الأشعريين عليه؛ لقلة ما في اليد وشدة الحال، وهو سيد الخلق ويريد الغزو في جيش العسرة، ومع ذلك حصل له من الابتلاء ما جاء في هذا الحديث، فيقول لأبي موسى ومن معه: «والله لا أحملكم وما عندي ما أحملكم عليه»، ثم يسر الله له ﷺ ما يحملهم عليه فحملهم بفضل الله ﷿ بعد الصبر على هذه الشدة (٣).\nالحادي عشر: حرص الصحابة على الجهاد والدعوة: إن الصحابة ﵃ كانوا أحرص الناس على الجهاد والدعوة إلى الله ﷿، ومما يدل على حرصهم ما ثبت في هذا الحديث أن أبا موسى الأشعري ﵁ أرسله أصحابه إلى رسول الله ﷺ، ليحملهم معه في الجهاد، فلم يجد لهم رسول\n_________\n(١) انظر: الآداب الشرعية لابن مفلح ٢/ ٢٢، وغذاء الألباب، للسفاريني ٢/ ١٥٧.\n(٢) انظر: البداية والنهاية لابن كثير، ٥/ ٣ - ١٨، وانظر: الحديث رقم ١٨٧، الدرس الأول.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٩، الدرس الثامن، ورقم ٦٦، الدرس الأول.","vol":"2","page":918},{"text":"الله ﷺ ما يحملهم عليه، ثم يسر الله له ﷺ بعض الإبل فأعطاهم ستة أبعرة، وفي رواية \"خمس ذود\" فحملهم ﷺ، وهذا يؤكد حرص الصحابة على الجهاد؛ ولهذا جاء بعض الفقراء ليغزو مع رسول الله ﷺ فلم يجد لهم ما يحملهم عليه فنفى عنهم الحرج، قال ﷿: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ - وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة: ٩١ - ٩٢] (١) وهذا والله يدل على أعظم الحرص على الجهاد والدعوة فرضي الله عنهم (٢).\nالثاني عشر: عظم محبة الصحابة لرسول الله ﷺ: الصحابة ﵃ يحبون رسول الله ﷺ حّبا عظيما، يفوق محبة النفس، والولد، والوالد، والناس أجمعين، ويشفقون عليه ﷺ؛ ولهذا ثبت في هذا الحديث أن أبا موسى وأصحابه سألوا رسول الله ﷺ أن يحملهم، فقال ﷺ: «والله لا أحملكم وما عندي ما أحملكم عليه»، ثم بعد أن يسر الله له وأعطاهم خمس ذود، أو ستة أبعرة، فلما أخذوها وذهبوا قالوا: تغفلنا النبي ﷺ يمينه، لا نفلح، لا يبارك لنا، فرجعوا إلى النبي ﷺ فقالوا: إنا سألناك أن تحملنا فحلفت أن لا تحملنا أفنسيت؟ فقال ﷺ: «لست أنا حملتكم، ولكن الله حملكم، وإني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها»، وهذا يؤكد محبة الصحابة ﵃ لرسول الله ﷺ، وشفقتهم وعدم غشهم له ﷺ (٣).\nالثالث عشر: من أساليب الدعوة: التأكيد بالقسم: التأكيد بالقسم من أساليب الدعوة؛ ولهذا استخدمه النبي ﷺ، وقد ظهر في هذا الحديث؛ لقوله ﷺ: «إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها\n_________\n(١) سورة التوبة، الآيتان: ٩١ - ٩٢، وانظر: تفسير الإمام الطبري \"جامع البيان عن تأويل آي القرآن\" ١٤/ ٤٢١.\n(٢) انظر: الحديث رقم: ١٠٢، الدرس الرابع.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٦٢، الدرس الثامن، ورقم ٦٣، الدرس الثامن.","vol":"2","page":919},{"text":"خيرا منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير»، وهذا فيه تأكيد بالقسم (١).\nالرابع عشر: من أساليب الدعوة: تأديب بعض المدعوين بالقول: من الأساليب في الدعوة تأديب بعض المدعوين بالقول القوي، وقد ظهر ذلك في هذا الحديث في قوله ﷺ: «والله لا أحملكم»، قال ذلك للأشعريين عندما سألوه أن يحملهم، قال الإمام القرطبي ﵀: \"وفيه من الفقه ما يدل على جواز اليمين عند التبرّم (٢) وجواز رد السائل المثقل عند تعذر الإسعاف، وتأديبه بنوع من الإغلاظ بالقول، وذلك أنهم سألوه في حال تحقق فيها أنه لم يكن عنده شيء، فأدبهم بذلك القول، ثم إنه ﷺ بقي مترقبا لما يسعف به طلبتهم ويجبر به انكسارهم، فلما يسر الله تعالى ذلك عليه أعطاهم وجبرهم على مقتضى كرم خلقه\" (٣).\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ١٠، الدرس الخامس، ورقم ١٤، الدرس الخامس.\n(٢) التبرم: السامة والضجر. انظر: القاموس المحيط، للفيروزآبادي، باب الميم، فصل الباء، ص ١٣٩٤.\n(٣) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٤/ ٦٢٩.","vol":"2","page":920},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-304>[حديث بعث النبي ﷺ سرية قبل نجد فيها عبد الله بن عمر]</span>\n١٦٤ - [٣١٣٤] حدّثنا عبد الله بن يوسف: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر (١) ﵄: \"أنّ رسول الله ﷺ بعث سريّة فيها عبد الله بن عمر قبل نجد فغنموا إبلا كثيرة، فكانت سهمانهم اثني عشر بعيرا أو أحد عشر بعيرا، ونفّلوا بعيرا بعيرا\" (٢).\nوفي رواية: \"بعث النّبيّ ﷺ سريّة قبل نجد فكنت فيها، فبلغت سهامنا اثني عشر بعيرا، ونفّلنا بعيرا بعيرا، فرجعنا بثلاثة عشر بعيرا\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-305>[حديث أن رسول الله ﷺ كان ينفل بعض من يبعث من السرايا لأنفسهم خاصة سوى قسم عامة الجيش]</span>\n١٦٥ - [٣١٣٤] حدّثنا يحيى بن بكير: أخبرنا اللّيث عن عقيل، عن ابن شهاب، عن سالم، عن ابن عمر (٤) ﵄: \"أنّ رسول الله ﷺ كان ينفّل بعض من يبعث من السّرايا لأنفسهم خاصة سوى قسم عامّة الجيش\". (٥).\n\n* شرح غريب الحديثين: * \" سهمانهم \" السهم في الأصل: واحد السهام التي يضرب بها في الميسر، وهي: القداح، ثم سمّي به ما يفوز به الفالج سهمه، ثم كثر حتى سمّي كلّ نصيب سهما، ويجمع السهم على أسهم، وسهام، وسهمان. (٦).\n* \" نفلوا \" النّفل بالتحريك: الغنيمة، وجمعه أنفال، والنّفل بالسكون وقد يحرّك: الزيادة (٧).\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في الحديث رقم: ١.\n(٢) [الحديث ٣١٣٤] طرفه في كتاب المغازي، باب السرية التي قبل نجد، ٥/ ١٢٥، برقم ٤٣٣٨. وأخرجه مسلم، في كتاب الجهاد والسير، باب الأنفال، ٣/ ١٣٦٨، برقم ١٧٤٩.\n(٣) من الطرف رقم: ٤٣٣٨.\n(٤) تقدمت ترجمته في الحديث رقم: ١.\n(٥) وأخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب الأنفال، ٣/ ١٣٦٩، برقم ١٧٥٠.\n(٦) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب السين مع الهاء، مادة: \"سهم\" ٢/ ٤٢٩.\n(٧) المرجع السابق، باب النون مع الفاء، مادة: \"نفل\" ٥/ ٩٩.","vol":"2","page":921},{"text":"* الدراسة الدعوية للحديثين: في هذين الحديثين دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من وسائل الدعوة: بعث البعوث وإرسال المجاهدين في سبيل الله ﷿.\n٢ - من وسائل الدعوة: إعطاء النفل للشجعان تشجيعا لهم.\n٣ - أهمية الحرص على الدقة في نقل الحديث.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من وسائل الدعوة: بعث البعوث وإرسال المجاهدين في سبيل الله ﷿: من الوسائل النافعة في الدعوة إلى الله ﷿ بعث البعوث وإرسال المجاهدين؛ للجهاد والدعوة إلى الإسلام، وقد كان النبي ﷺ يعتني بذلك عناية فائقة، وهذان الحديثان يدلان على ذلك؛ لأن النبي ﷺ \"بعث سرية فيها عبد الله بن عمر قبل نجد\" فينبغي العناية بإرسال المجاهدين والدعاة إلى الله ﷿؛ ليبلغوا الناس الإسلام (١).\nثانيا: من وسائل الدعوة: إعطاء النفل للشجعان تشجيعا لهم: إن من الوسائل التي استخدمها النبي ﷺ في دعوته تشجيع الشجعان بإعطائهم شيئا زائدا على الغنيمة، ففي هذا الحديث \"أن النبي ﷺ بعث سرية فغنموا إبلا كثيرة، فكانت سهمانهم اثني عشر بعيرا، ونفلهم بعيرا بعيرا، فكان نصيب كل واحد منهم ثلاثة عشر بعيرا\". وقد ذكر الإمام ابن عبد البر ﵀ أن النفل يكون على ثلاثة أوجه:\nأحدها: أن يريد الإمام تفضيل بعض الجيش بشيء يراه؛ لشجاعته وغنائه، وبأسه، وبلائه، أو لمكروه تحمله دون سائر الجيش، فينفله الإمام من خمس الخمس من سهام النبي ﷺ، ويجعل له سلب قتيله.\nالثاني: إذا دفع الإمام سرية من العسكر فأراد أن ينفلهم مما غنمت دون\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٦٦، الدرس الثالث، ورقم ٩٤، الدرس الأول، ورقم ١٢٢، الدرس الثالث.","vol":"2","page":922},{"text":"أهل العسكر، فحقه أن يخمس ما غنمت، ثم يعطي السرية مما بقي بعد الخمس (١) ما شاء: ربعا أو ثلثا ولا يزيد على الثلث؛ لأنه أقصى ما ورد، ويقسم الباقي على الجيش والسرية معه.\nالثالث: أن يحرض الإمام أو أمير الجيش أهل العسكر على القتال قبل لقاء العدو، وينفل من شاء منهم أو جميعهم ما عسى أن يصير بأيديهم، ويفتحه الله عليهم: الربع، أو الثلث قبل القسم تحريضا لهم على القتال (٢) وهذا يؤكد هذه الوسيلة، والله أعلم.\nثالثا: أهمية الحرص على الدقة في نقل الحديث: إن الحرص على الدقة في نقل الحديث من أهم الأمور التي ينبغي العناية بها، ولهذا الحرص ثبت في هذا الحديث قول ابن عمر ﵄ عن نفل السرية التي بعثها رسول الله ﷺ قبل نجد: \"فغنموا إبلا كثير فكانت سهمانهم اثني عشر بعيرا أو أحد عشر بعيرا\" فشك الراوي هل قال: اثني عشر أو قال: أحد عشر، ولم يجزم بأحدهما؛ لحرصه على الدقة في نقل الحديث (٣).\n_________\n(١) أي بعد إخراج خمسه فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ.\n(٢) انظر: الاستذكار، لابن عبد البر، ١٤/ ١٠١ - ١٠٤، والمغني لابن قدامه، ١٣/ ٥٣ - ٦٢، وشرح النووي على صحيح مسلم، ١٢/ ٢٩٩، والشرح الكبير، لعبد الرحمن بن محمد المقدسي، ١٠/ ١٣٣ - ١٤٢، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، لعلي بن سليمان المرداوي، ١٠/ ١٣٣ - ١٣٨، وتهذيب السنن، لابن القيم، ٤/ ٥٥، والقواعد في الفقه الإسلامي لابن رجب، ص ٢١.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٢١، الدرس العاشر.","vol":"2","page":923},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-306>[حديث قسم النبي لإصحاب السفينة مع جعفر وأصحابه حين افتتح خيبر]</span>\n١٦٦ - [٣١٣٦] حدّثنا محمّد بن العلاء: حدّثنا أبو أسامة: حدّثنا يزيد ابن عبد الله، عن أبي بردة، عن أبي موسى (١) ﵁ قال: \"بلغنا مخرج النّبيّ ﷺ ونحن باليمن، فخرجنا مهاجرين إليه - أنا وأخوان لي أنا أصغرهم: أحدهما أبو بردة والآخر أبو رهم - إما قال في بضع وإمّا قال في ثلاثة وخمسين أو اثنين وخمسين رجلا من قومي، فركبنا سفينة، فألقتنا سفينتنا إلى النّجاشيّ بالحبشة، ووافقنا جعفر بن أبي طالب وأصحابه عنده، فقال جعفر: إنّ رسول الله ﷺ بعثنا هاهنا، وأمرنا بالإقامة، فأقيموا معنا. فأقمنا معه حتّى قدمنا جميعا، فوافقنا النّبيّ ﷺ حين افتتح خيبر، فأسهم لنا - أو قال: فأعطانا - منها، وما قسم لأحد غاب عن فتح خيبر منها شيئا، إلّا لمن شهد معه، إلّا أصحاب سفينتنا مع جعفر وأصحابه، قسم لهم معهم\" (٢).\nوفي رواية: \"فوافقنا النّبيّ ﷺ حين افتتح خيبر فقال النّبيّ ﷺ: «لكم أنتم يا أهل السّفينة هجرتان» (٣).\nوفي رواية: \"فوافقنا النّبيّ ﷺ حين افتتح خيبر، وكان أناس من النّاس يقولون لنا - يعني لأهل السّفينة - سبقناكم بالهجرة، ودخلت أسماء بنت عميس - وهي ممّن قدم معنا - على حفصة وأسماء عندها، فقال عمر حين رأى أسماء: من هذه؟ قالت: أسماء بنت عميس (٤) قال عمر: الحبشيّة هذه؟ البحريّة\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ٦٦.\n(٢) [الحديث ٣١٣٦] أطرافه في: كتاب مناقب الأنصار، باب هجرة الحبشة، ٤/ ٢٩٧، برقم ٣٨٧٦. وكتاب المغازي، باب غزوة خيبر، ٥/ ٩٤ و٩٥، برقم ٤٢٣٠ و٤٢٣١ و٤٢٣٣، وأخرجه مسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل جعفر بن أبي طالب وأسماء بنت عميس، وأهل سفينته ﵃، ٤/ ١٩٤٦، برقم ٢٥٠٢.\n(٣) من الطرف رقم: ٣٨٧٦.\n(٤) أسماء بنت عميس بن معبد بن الحارث الخثعمية أم عبد الله، من المهاجرات الأول، قيل: أسلمت قبل دخول رسول الله ﷺ دار الأرقم بن أبى الأرقم بمكة وبايعت رسول الله ﷺ، كانت تحت جعفر بن أبي طالب ﵁، وهاجرت معه إلى أرض الحبشة، ثم هاجرت معه إلى المدينة سنة سبع، ثم استشهد يوم مؤتة فتزوجها أبو بكر الصديق ﵁، ثم مات عنها فغسلته، ثم تزوجها علي بن أبى طالب ﵁، ولدت لجعفر: عبد الله، ومحمدا، وعونا، وولدت لأبى بكر: محمدا وقت الإحرام، فأمرها النبي ﷺ أن تغتسل وتستثفر وتحرم، وولدت لعلي: يحيى. وهي أخت ميمونة، وأم الفضل امرأة العباس، وأخت أخواتهن لأمهن، وكن عشر أخوات لأم، وقيل: تسع، وكانت أسماء أكرم الناس أصهارا فمن أصهارها رسول الله ﷺ، وحمزة، والعباس، وغيرهم، ومن بركتها أنها سألت الصحابة ﵃ عندما غسّلت أبا بكر في يوم بارد فقالت: \"إني صائمة وهذا يوم شديد البرد فهل علي من غسل؟ فقالوا: لا، فدل ذلك على أن الغسل من غسل الميت ليس بواجب، بل مستحب، ﵂. انظر: الطبقات الكبرى، لابن سعد ٨/ ٢١٩، وتهذيب الأسماء واللغات، للنووي، ٢/ ٣٣٠، وسير أعلام النبلاء، للذهبي، ٢/ ٢٨٢.","vol":"2","page":924},{"text":"هذه؟ قالت أسماء: نعم. قال: سبقناكم بالهجرة فنحن أحقّ برسول الله ﷺ، منكم فغضبت وقالت: كلاّ والله كنتم مع رَسُولِ الله ﷺ يطعم جائعكم، ويعظ جاهلكم، وكنّا في دار أوفي أرض البعداء البغضاء بالحبشة وذلك في الله وفي رسوله ﷺ، وأيم الله لا أطعم طعاما ولا أشرب شرابا حتّى أذكر ما قلت لرَسُولِ الله ﷺ، ونحن كنّا نؤذى ونخاف، وسأذكر ذلك للنّبي ﷺ، وأسأله، والله لا أكذب، ولا أزيغ، ولا أزيد عليه\" (١).\nوفي رواية: \"فلمّا جاء النّبيّ ﷺ قالت: «يا نبي الله إنّ عمر قال: كذا وكذا، قال: \"فما قلت له؟ \"، قالت: قلت له: كذا وكذا. قال: \"ليس بأحقّ بي منكم وله ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم أهل السّفينة هجرتان»، قالت: فلقد رأيت أبا موسى وأصحاب السّفينة يأتوني أرسالا يسألوني عن هذا الحديث، ما من الدنيا شي هم به أفرح ولا أعظم في أنفسهم ممّا قال لهم النّبيّ ﷺ (٢) [قال أبو بردة: قالت أسماء: فلقد رأيت أبا موسى وإنّه ليستعيد هذا الحديث منّى] \". (٣).\n\n* شرح غريب الحديث: * \" أرسالا \" أي جماعة جماعة، وفرقا فرقا، وأفواجا أفواجا (٤).\n\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n_________\n(١) من الطرف رقم: ٤٢٣٠.\n(٢) من الطرف رقم: ٤٢٣١.\n(٣) هذه الزيادة التي بين المعكوفين ليست في الأصل المعتمد، ولكنها في النسخة السلفية المطبوعة مع فتح الباري ٧/ ٤٨٥، ونسخة استانبول، ٥/ ٨٠، فدل ذلك على أن الناسخ أسقطها سهوا لوجودها في النسخ الأخرى.\n(٤) انظر: أعلام الحديث للإمام الخطابي، ٣/ ١٧٤٢، وجامع الأصول من أحاديث الرسول ﷺ لابن الأثير، ١١/ ٦٠٥، وشرح النووي على صحيح مسلم، ١٦/ ٢٩٧.","vol":"2","page":925},{"text":"١ - من صفات الداعية: الفرح بنعمة الله ﷿ والتحدث بها.\n٢ - من وسائل الدعوة: التأليف بالمال.\n٣ - حرص السلف الصالح على الدقة في نقل الحديث.\n٤ - أهمية النية الصالحة.\n٥ - من سنن الله ﷿: الابتلاء والامتحان.\n٦ - أهمية الحرص على أخذ العلم من مصادره الأصلية مباشرة.\n٧ - من صفات الداعية: الرغبة فيما عند الله ﷿:\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من صفات الداعية: الفرح بنعمة الله ﷿ والتحدث بها: إن من الصفات الحميدة التي دل عليها هذا الحديث: الفرح بفضل الله ورحمته والتحدث بذلك؛ لأن عمر بن الخطاب ﵁ قال لأسماء ﵂: \"سبقناكم بالهجرة، فنحن أحق برسول الله ﷺ منكم \"وذكر الإمام الأبي ﵀: \"أن هذا القول من عمر على وجه الفرح بنعمة الله تعالى والتحدث بها؛ لما علم من عظيم شأن أجر الهجرة، لا على وجه الفخر، ولمّا سمعت أسماء ذلك غضبت على وجه المنافسة في الأجر\" (١) وقد بين الله ﷿ لعباده أنه لا حرج على من فرح بفضل الله سبحانه فقال: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ - قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٧ - ٥٨] (٢).\nثانيا: من وسائل الدعوة: التأليف بالمال: إن التأليف بالمال من الوسائل النافعة في الدعوة إلى الله ﷿؛ ولهذا استخدم النبي ﷺ هذه الوسيلة في دعوته، ففي هذا الحديث أن أبا موسى الأشعري ﵁ قال: \"فوافقنا النبي ﷺ حين افتتح خيبر فأسهم لنا - أو قال:\n_________\n(١) إكمال إكمال المعلم، لمحمد بن خليفة الأبي، ٨/ ٤٣١.\n(٢) سورة يونس، الآيتان: ٥٧ - ٥٨.","vol":"2","page":926},{"text":"\"فأعطانا - منها وما قسم لأحد غاب عن فتح خيبر منها شيئا إلا لمن شهد معه، إلا أصحاب سفينتنا مع جعفر وأصحابه قسم لهم معهم\"، وسمعت العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز حفظه الله يقول: \"وهذا من تأليف القلوب بالمال؛ لما أصابهم من التعب\" (١) وسمعته أيضا يقول: \"تقديرا لتعبهم، وجهادهم، وصبرهم قسم لهم مع الناس في خيبر\" (٢) وهذا يؤكد أهمية التأليف بالمال في الدعوة إلى الله ﷿ (٣).\nثالثا: حرص السلف الصالح على الدقة في نقل الحديث: لا شك أن السلف الصالح كانوا أحرص الناس على الدقة في نقل الحديث؛ ولهذا جاء في هذا الحديث: \"فأسهم لنا، أو قال فأعطانا\" شك الراوي، وفي الرواية الأخرى: \"وكنا في دار أو في أرض البعداء\" شك الراوي أيضا. وهذا يؤكد الحرص على الدقة في نقل الحديث؛ لئلا يدخل فيه ما ليس منه (٤).\nرابعا: أهمية النية الصالحة: النية الصالحة هي أساس العمل، وبها يبارك الله ﷿ في الأعمال، وقد ظهر في مفهوم هذا الحديث أهميتها؛ لأن المهاجرين إلى الحبشة كتب الله لهم بنيتهم الصالحة هجرتين: هجرتهم من مكة إلى الحبشة، والهجرة الثانية: من الحبشة إلى المدينة؛ ولهذا قال ﷺ في هذا الحديث: «ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان»، وسمعت العلامة ابن باز حفظه الله يقول: \"كتب لهم بالنية هجرتان وهذا فضل الله\" (٥) يؤتيه من يشاء (٦).\nخامسا: من سنن الله ﷿: الابتلاء والامتحان: لا شك أن الابتلاء بالخير والشر من سنن الله ﷿، وقد ظهر الابتلاء بالخوف\n_________\n(١) سمعته من سماحته أثناء شرحه لحديث رقم ٣١٣٦ من صحيح البخاري في جامع الإمام تركي بن عبد الله.\n(٢) سمعته من سماحته أثناء شرحه لحديث رقم ٤٢٢٣ من صحيح البخاري في جامع الإمام تركي بن عبد الله.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٧، الدرس التاسع.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٣، الدرس الرابع، ورقم ٢١، الدرس العاشر.\n(٥) سمعته من سماحته أثناء شرحه لحديث رقم ٣٨٧٦، ورقم ٤٢٣١، من صحيح البخاري في جامع الإمام تركي بن عبد الله.\n(٦) انظر: الحديث رقم ٢٢، الدرس السادس.","vol":"2","page":927},{"text":"والتشريد لأصحاب الهجرتين كما في هذا الحديث، فابتلاهم سبحانه بأعدائهم فهاجروا إلى الحبشة، وكذلك ابتلاء الأشعريين وهجرتهم من أوطانهم إلى الحبشة ثم إلى المدينة، يبتغون فضلا من الله ورضوانا، ﵃ ورحمهم (١).\nسادسا: أهمية الحرص على أخذ العلم من مصادره الأصلية مباشرة: أخذ العلم من مصادره الأصلية مباشرة من أهم المهمات؛ ولهذا اعتنى السلف الصالح بذلك، ومن هذا ما ثبت في هذا الحديث أن أسماء بنت عميس ﵂ أخذت تحدث بحديث فضل هجرة الحبشة، وهو قوله ﷺ: «ولكم أصحاب السفينة هجرتان»، قالت: \"فلقد رأيت أبا موسى وأصحاب السفينة يأتوني أرسالا يسألوني عن هذا الحديث\"، وقالت: \"فلقد رأيت أبا موسى وإنه ليستعيد هذا الحديث مني\" وهذا يؤكد أهمية أخذ العلم وسماعه من أهله مباشرة بدون واسطة عند الاستطاعة؛ لأن الأشعريين ﵃ يريدون سماع هذا الحديث من أسماء ﵂؛ لكونها سمعته من رسول الله ﷺ (٢).\nسابعا: من صفات الداعية: الرغبة فيما عند الله ﷿: إن الداعية المخلص الصادق يرغب فيما عند الله ﷿، ويبذل جهده وطاقته فيما يقربه من ربه؛ ولهذه الرغبة صبر أصحاب الهجرتين على الشدة وفراق الأهل والأوطان؛ وأعظم من ذلك فراق النبي ﷺ مع حبهم له؛ ولهذا قالت أسماء بنت عميس ﵂ لعمر ﵁ عندما قال: \"سبقناكم بالهجرة فنحن أحق برسول الله ﷺ منكم\"، فقالت: \"كلا والله، كنتم مع رسول الله ﷺ يطعم جائعكم، ويعظ جاهلكم، وكنا في دار، أو في أرض البعداء البغضاء بالحبشة وذلك في الله، وفي رسوله ﷺ\"، وهذا يؤكد رغبتهم فيما عند الله ﷿؛ ولهذا عندما أخبرهم رسول الله ﷺ بقوله: «ولكم أهل السفينة هجرتان»، ما من الدنيا شيء هم به أفرح ولا أعظم في أنفسهم مما قال لهم النبي ﷺ (٣).\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٩، الدرس الثامن، ورقم ٦٦، الدرس الأول.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٧٧، الدرس الرابع، ورقم ١٦٣، الدرس الرابع.\n(٣) انظر: الحدث رقم ١٣، الدرس الثاني، ورقم ١٦، الدرس الثالث، ورقم ٢١، الدرس السادس.","vol":"2","page":928},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-307>[حديث لقد شقيت إن لم أعدل]</span>\n١٦٧ - [٣١٣٨] حدّثنا مسلم بن إبراهيم: حدّثنا قرّة بن خالد: حدّثنا عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله (١) ﵁ قال: «بينما رَسُولُ الله ﷺ يقسم غنيمة بالجعرانة إذ قال له رجل: اعدل. قال له: \" لقد شقيت إن لم أعدل» (٢).\n\n* شرح غريب الحديث: * \"غنيمة\" الغنيمة، والغنم، والمغنم، والغنائم: هو ما أصيب من أموال أهل الحرب، وأوجف عليه المسلمون بالخيل، والركاب. (٣).\n\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من صفات الداعية: العدل.\n٢ - من أساليب الدعوة: الترهيب.\n٣ - من صفات الداعية: الحلم.\n٤ - سوء أدب بعض المدعوين.\n٥ - من القواعد الدعوية: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من صفات الداعية: العدل: العدل من أهم الصفات التي يتأكد على الداعية أن يتصف بها، وقد ظهر في مفهوم هذا الحديث أهمية العدل؛ لقوله ﷺ: «لقد شقيت إن لم أعدل»، قال الحافظ ابن حجر ﵀: \"بضم المثناة للأكثر، ومعناه ظاهر ولا محذور فيه، والشرط لا يستلزم الوقوع؛ لأنه ليس ممن لا يعدل حتى يحصل له الشقاء،\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ٣٢.\n(٢) وأخرجه مسلم في كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم، ٢/ ٧٤٠، برقم ١٠٦٣.\n(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الغين مع النون، مادة: \"غنم\" ٣/ ٣٨٩.","vol":"2","page":929},{"text":"بل هو عادل فلا يشقى\" (١) ﵊ (٢).\nثانيا: من أساليب الدعوة: الترهيب: دل هذا الحديث على أن الترهيب من أساليب الدعوة إلى الله ﷿؛ ولهذا قال ﷺ لهذا الرجل: \"لقد شقيت إن لم أعدل\"، قال الحافظ ابن حجر ﵀: \"والمعنى لقد شقيت: أي ضللت أنت أيها التابع حيث تقتدي بمن لا يعدل، أو حيث تعتقد في نبيك هذا القول الذي لا يصدر عن مؤمن\" (٣) وهذا على رواية فتح التاء: \"لقد شقيت\"، ورجح الفتح الإمام النووي ﵀، (٤) فتأكد أسلوب الترهيب (٥).\nثالثا: من صفات الداعية: الحلم: الحلم من أعظم صفات أهل العلم والإيمان؛ لما فيه من ضبط النفس عن هيجان الغضب والانتقام، وقد ظهر واضحا في هذا الحديث؛ لأن النبي ﷺ يعاقب هذا الرجل الذي قال: \"اعدل\"، ومما يؤكد حلمه ﷺ رواية الحديث عند مسلم ﵀؛ فإنه قد زاد في آخره: «فقال عمر بن الخطاب ﵁: دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق؟ \" فقال ﷺ: \"معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي، إن هذا وأصحابه يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم (٦) يمرقون منه كما يمرق السهم (٧) من الرمية» (٨) وهذا يؤكد حلم النبي وحكمته ﷺ، فينبغي التأسي به (٩).\n_________\n(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٦/ ٢٤٣، وانظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم للقرطبي، ٣/ ١٠٩.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٦٠، الدرس الثاني، ورقم ٦٤، الدرس الأول، ورقم ٩٦، الدرس الرابع.\n(٣) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٦/ ٢٤٣.\n(٤) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٧/ ١٦٥.\n(٥) انظر: الحديث رقم ٧، الدرس الثالث عشر، ورقم ١٢، الدرس الثالث.\n(٦) لا يجاوز حناجرهم: لا تفقهه قلوبهم ولا ينتفعون بما تلوا منه، وليس لهم حظ سوى تلاوة الفم والحنجرة، وقيل: لا يصعد لهم عمل ولا تلاوة ولا يتقبل. انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٧/ ١٦٥.\n(٧) وفي الرواية الأخرى يمرقون من الإسلام، وفي رواية أخرى: يمرقون من الدين: والمعنى يخرجون منه خروج السهم إذا نفذ الصيد من جهة أخرى، ولم يتعلق به شيء منه، والرمية: هي الصيد المرمي. انظر شرح النووي على صحيح مسلم، ٧/ ١٦٥ - ١٦٦.\n(٨) مسلم برقم ١٠٦٣، وتقدم تخريجه مع أصل الحديث في الصفحة السابقة، ص ٩٢٩.\n(٩) انظر: الحديث رقم ٣٥، الدرس الثاني، ورقم ٨٩، الدرس الخامس.","vol":"2","page":930},{"text":"رابعا: سوء أدب بعض المدعوين: إن من أهم الآداب اللازمة مع الدعاة والعلماء: التأدب معهم، وأخذ العلم عنهم، والالتزام بأخلاق أهل العلم وطلاّبه، وقد ظهر في هذا الحديث سوء أدب هذا الرجل مع رسول الله ﷺ وهو قائد العلماء وإمام الأتقياء، فدل ذلك على أن بعض المدعوين يتصف بالجفاء وسوء الأدب والخلق، فيلزم المدعوين أن يسلكوا منهج الحق واحترام العلماء والاستفادة منهم، والله المستعان.\nخامسا: من القواعد الدعوية: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح: ظهر من مفهوم هذا الحديث أن من القواعد الدعوية قاعدة: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، دل على ذلك أن هذا الرجل الذي قال للنبي ﷺ: \"اعدل\" قد استحق القتل، ولكن عفا النبي ﷺ عنه درءا للمفاسد، ومما يؤكد ذلك رواية الحديث عند الإمام مسلم ﵀، فقد زاد في آخره: \"فقال عمر بن الخطاب ﵁: دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق؛ \" فقال ﷺ: «معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي» (١) فقتل هذا المنافق مصلحة، ولكن يعارض هذه المصلحة مفسدة وهي أن الناس سيقولون إن محمدا يقتل أصحابه، فحينئذ تترك المصلحة لتفويت المفسدة، قال العلامة عبد الرحمن السعدي ﵀:\n\"الدين مبنيّ على المصالح ... في جلبها والدرء للقبائح\nفإن تزاحم عدد المصالح ... يقدم الأعلى من المصالح\nوضده تزاحم المفاسد ... يرتكب الأدنى من المفاسد (٢)\nومن درء المفاسد أيضا ما فعله رسول الله ﷺ مع عبد الله بن أبي ابن سلول، فقد عمل أعمالا كثيرة توجب قتله فقال عمر ﵁؛ «يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق؟ فقال ﷺ: \"دعه لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل\n_________\n(١) مسلم برقم ١٠٦٣، وتقدم تخريجه مع أصل الحديث، ص ٩٢٩.\n(٢) رسالة في القواعد الفقهية، للعلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي، ص ١٥ - ٢٣.","vol":"2","page":931},{"text":"أصحابه» (١) وقال ﷺ لعائشة ﵂: «يا عائشة لولا أن قومك حديث عهدهم بجاهلية، لأمرت بالبيت فهدم، فأدخلت فيه ما أخرج منه، وألزقته بالأرض، وجعلت له بابين: بابا شرقيا، وبابا غربيا، فبلغت به أساس إبراهيم» (٢) وهذا يوضح للداعية أن المصالح إذا تعارضت قدم الأعلى منها، وإذا تعارضت مصلحة ومفسدة تركت المصلحة لدفع المفسدة، وإذا تعارضت مفسدة ومفسدة يرتكب الأدنى لدفع الأعلى من المفاسد، وهذه قواعد دعوية ينبغي للداعية أن يعتني بها، والله المستعان وعليه التكلان (٣).\n_________\n(١) متفق عليه من حديث جابر بن عبد الله ﵁: البخاري، كتاب التفسير، سورة المنافقين، باب قوله: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)، ٦/ ٧٧، برقم ٤٩٠٥، ومسلم كتاب البر والصلة، باب نصر الأخ ظالما أو مظلوما، ٤/ ١٩٩٨، برقم ٢٥٨٤.\n(٢) متفق عليه من حديث عائشة ﵂؛ البخاري، كتاب الحج، باب فضل مكة وبنائها، ٢/ ١٩١، برقم ١٥٨٦، ومسلم، كتاب الحج، باب نقض الكعبة وبنائها، ٢/ ٩٦٨، برقم ١٣٣٣.\n(٣) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٣/ ١٩٥ - ١٩٦، ٩/ ٩٦، وفتح الباري، لابن حجر، ١/ ٣٢٥.","vol":"2","page":932},{"text":"١٦ -<span data-type=\"title\" id=toc-308> بَابُ ما مَنَّ النبي ﷺ على الأَسارى من غيرِ أن يخمّسَ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-309>[حديث قوله في أسارى بدر لو كان المطعم بن عدي حيا ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتتركتهم له]</span>\n١٦٨ - [٣١٣٩] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ: أَخْبَرَنَا عبد الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا معمر، عَنِ الزُّهرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ (١) ﵁ أَنَّ النَّبِي ﷺ قَالَ فِي أَسَارَى بَدْرٍ: «لَوْ كَانَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِي حَيّا ثُمَّ كَلَّمَنِي فِي هَؤُلَاءِ النَّتْنَى لتترَكتُهم لَهُ» (٢).\nوفي رواية: \"وَقَالَ اللَيْثُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: \"وَقَعَتْ الفتنة الأولى - يَعْنِي مَقْتَلَ عُثْمَانَ - فَلَمْ تُبْقِ مِنْ أَصْحَاب بَدْرٍ أَحَدا، ثُمَّ وَقَعَتْ الفتنَةُ الثَّانِيَةُ - يَعْنِي الْحَرَّةَ - فَلَمْ تُبْقِ مِنْ أَصْحَاب الْحُدًيْبيةِ أَحَدا، ثُمَّ وَقَعَتْ الثالِثَةُ فَلَمْ تَرْتَفِعْ وَللنَّاسِ طَبَاخٌ\" (٣).\n\n* شرح غريب الحديث: * \"نتنى\" يعني أسارى بدر، واحدهم نتن، كزمِنَ وزمنى، سماهم: نتنى: أي نجس؛ لكفرهم (٤).\n* \"طَبَاخٌ\" أصل الطَّبَاخ: القوة والسِّمَن، ثم استعمل في غيره، فقيل: فلان لا طباخ له: أي لا عقل له ولا خير عنده، أراد أنها لم تبقِ في النَّاس من الصحابة أحدا (٥).\n* \"الفتنة\" الابتلاء والاختبار، والامتحان، وأصل الفتنة من قولك: فتنت الذهب إذا أحرقته بالنار؛ ليتبيَّن الجيد من الرديء، وقد كثر استعمالها بمعنى: الكفر، والإِثم، والضلال، والقتال، والإحراق، والإِزالة، والصرف عن الشيء، والفضيحة، والعذاب، والجنون (٦).\n_________\n(١) تقدمت ترجمة جبير بن مطعم، في الحديث رقم: ٣٥.\n(٢) [الحديث ٣١٣٩] طرفه في: كتاب المغازي، باب، ٥/ ٢٥، برقم ٤٠٢٤.\n(٣) من الطرف رقم: ٤٠٢٤.\n(٤) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب النون مع التاء، مادة: \"نتن\" ٥/ ١٤.\n(٥) انظر: المرجع السابق، باب الطاء مع الباء، مادة: \"طبخ\" ٣/ ١١١.\n(٦) تقدم شرحه في غريب الحديث رقم: ٣٦ و٣٧، ص ٢٥٥.","vol":"2","page":933},{"text":"* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من صفات الداعية: المكافأة على المعروف.\n٢ - أهمية العناية بتعليم الأقارب.\n٣ - من موضوعات الدعوة: بيان خطر الفتن على الأمة.\n٤ - من أساليب الدعوة: الترهيب.\n٥ - من تاريخ الدعوة: تحديد وفاة البدريين وأهل الحديبية.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من صفات الداعية: المكافأة على المعروف: المكافأة على المعروف من مكارم الأخلاق؛ ولهذا قال ﷺ عن أسرى معركة بدر: \"لو كان المُطعم بن عدي حيا ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له\"، وذلك، لأن النبي ﷺ دخل في جوار المطعم عندما رجع من الطائف فأجاره ودخل مكة (١) قال الإِمام الخطابي ﵀: \"هذا يدل على أن للإِمام أن يَمُنَّ على الأسارى من غير فداء ولا مال\" (٢) وسمعت العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز حفظه الله يقول: \"وفي هذا الحث على المكافأة على المعروف، وقاله ﵊؛ لأنه دخل في جواره عندما رجع من الطائف فأجاره، فشكر له النبي ﷺ هذا العمل من باب المكافأة، وقد مات المطعم كافرا\" (٣) وقد حث النبي ﷺ على المكافأة على المعروف، فعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «من استعاذكم بالله فأَعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن دعاكم فأجيبوه، ومن أتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا فادعوا له حتى تعلموا أن قد\n_________\n(١) انظر: إرشاد الساري، للقسطلاني، ٥/ ٢١٩.\n(٢) أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري، ٢/ ١٤٥٥، وانظر: تهذيب السنن، لابن القيم، ٤/ ٢٤، وشرح الكرماني على صحيح البخاري، ١٣/ ١١٠.\n(٣) سمعته من سماحته أثناء شرحه لحديث رقم ٣١٣٩ من صحيح البخاري.","vol":"2","page":934},{"text":"كافأتموه» (١) وعن أسامة بن زيد ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ: «مَن صُنع إليه معروف فقال لفاعله: جزاك الله خيرا، فقد أبلغ في الثناء» (٢) وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا يشكُرُ الله من لا يشكرُ الناسَ» (٣) وهذا يؤكد على الداعية المكافأة على المعروف بحسب الاستطاعة، ولو بالاعتراف والدعاء.\nثانيا: أهمية العناية بتعليم الأقارب: لا شك أن تعليم الأقارب من أعظم القربات؛ لأن حقهم أعظم من حق غيرهم، وقد ظهر ذلك في هذا الحديث؛ لأن جبير بن مطعم علَّم ابنه محمدا قول النبي ﷺ في أسارى بدر: \"لو كان المطعم بن عدي حيا ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له\"، وهذا يبين أهمية تعليم الأبناء والأقارب العلم النافع (٤).\nثالثا: من موضوعات الدعوة: بيان خطر الفتن على الأمة: إن من الموضوعات التي ينبغي العناية بها: بيان أخطار الفتن للناس وأنها تضعف القوى وتوهن التكاتف والترابط بين المسلمين، وقد دل هذا الحديث على بيان ذلك للناس؛ لقول سعيد بن المسيب ﵀: \"وقعت الفتنة الأولى - يعني مقتل عثمان - فلم تبقِ من أصحاب بدر أحدا، ثم وقعت الفتنة الثانية - يعني الحرة - فلمِ تبقِ من أصحاب الحديبية أحدا، ثم وقعت الفتنة الثالثة فلم ترتفع وللناس طبَاخٌ\"، وهذا يوضح للداعية أهمية بيان أخطار الفتن على المسلمين، وأنها تذهب قوتهم وتضعفها؛ لقوله: \"فلم ترتفع وللناس طباخ\"، أسأل الله لي ولجميع المسلمين العفو والعافية في الدنيا والآخرة (٥).\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الأدب، باب الرجل يستعيذ من الرجل، ٤/ ٣٢٨، برقم ٥١٠٩، والنسائي، كتاب الزكاة، باب من سأل بالله ﷿، ٥/ ٨٢، برقم ٢٥٦٧، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ٤٠٣، وفي صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٩٦٢.\n(٢) الترمذي، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في المتشبع بما لم يعطه، ٤/ ٣٨٠، برقم ٢٠٣٥، وقال: هذا حديث حسن جيد غريب، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، للمنذري، ١/ ٤٠٤.\n(٣) أبو داود، ٤/ ٢٥٥، برقم ٤٨١١، والترمذي بنحوه، ٤/ ٣٣٩، وأخرجه أحمد في المسند، ٢/ ٢٩٥، ٥/ ٢١١، وتقدم تخريجه في الحديث رقم ٦٧، الدرس السادس، ص ٤٠٦.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٧، الدرس الأول، ورقم ٣٦، الدرس الخامس، ورقم ١٤٩، الدرس الأول.\n(٥) انظر: الحديث رقم ١٥٠، الدرس الثالث.","vol":"2","page":935},{"text":"رابعا: من أساليب الدعوة الترهيب: لترهيب من أساليب الدعوة التي ينبغي للداعية العناية بها في دعوته، وقد ظهر هذا الأسلوب في مفهوم هذا الحديث؛ لأن النبي ﷺ أطلق على أسارى بدر الكفار \"نتنى\" أي نجس، كما قال الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] الآية، (١) وهذا فيه تنفير من الكفر وأهله وأنهم نجس (٢).\nخامسا: من تاريخ الدعوة: تحديد وفاة البدريين وأهل الحديبية: ظهر من مفهوم هذا الحديث تحديد آخر من مات من أهل بدر وآخر من مات من أهل الحديبية؛ لقول سعيد بن المسيب ﵀: \"وقعت الفتنة الأولى فلم تُبْقِ من أصحاب بدر أحدا، ثم وقعت الفتنة الثانية فلم تبقِ من أصحاب الحديبية أحدا، ثم وقعت الفتنة الثالثة فلم ترتفع وللناس طَبَاخ\". فالفتنة الأولى، هي مقتل عثمان بن عفان ﵁ في يوم الجمعة الثامن من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، والمقصود والله أعلم أن الفتنة الأولى كانت سببا لموت البدريين فماتوا منذ الفتنة الأولى إلى بداية الفتنة الثانية وهي فتنة الحرة في سنة ثلاث وستين للهجرة النبوية، وكان آخر من مات من البدريين سعد بن أبي وقاص، مات قبل فتنة الحرة ببضع سنين، ثم مات أهل الحديبية ابتداء من الفتنة الثانية. والثالثة من هذه الفتن رجح الحافظ ابن حجر ﵀، والعلامة العيني أنها فتنة يوم خروج أبي حمزة الخارجي في خلافة مروان بن محمد بن الحكم سنة مائة وثلاثين للهجرة، قبل موت يحيى بن سعيد بمدة (٣).\n_________\n(١) سورة التوبة، الآية: ٢٨.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٧، الدرس الثالث عشر، ورقم ١٢، الدرس الثاني.\n(٣) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٧/ ٣٢٥، ١٣/ ٧١، وعمدة القاري للعيني، ١٧/ ١١٩ - ١٢٠.","vol":"2","page":936},{"text":"١٧ -<span data-type=\"title\" id=toc-310> باب وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الخُمُسَ لِلإِمَامِ، وأَنهُ يُعْطِي بعض قَرَابَتِهِ دُونَ بعض </span>مَا قَسَمَ النَّبِيُّ ﷺ لِبَنِي الْمُطَّلِبِ وَبَنِي هَاشِمٍ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ قَال عُمَرُ بْنُ عبد العزيز: لَمْ يَعُمَّهُمْ بِذَلِكَ ولم يخص قريبا دُون مَنْ أحوج إَلَيْهِ وَإَنْ كان الَّذِي أعطى لما يشكو إليه من الحاجة، ولما مستهم في جنبه من قومه وخلفائهم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-311>[حديث إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد]</span>\n١٦٩ - [٣١٤٠] حَدثنَا عبد الله بْن يوسُف: حَدثنَا الليْث، عنْ عقيلٍ، عنِ ابن شهَاب، عن ابْن المُسَيَّب، عَنْ جُبَيْر بْن مُطْعِمِ (١) قَالَ: مَشيت أنا وعثمان بن عفان إِلى رَسولِ اللهِ ﷺ فقلنا: - «يا رسول اللهِ، أعطيت بنِي المطلِبِ وتركتنا. ونحنُ وَهُمْ مِنْكَ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: \"إِنَّمَا بَنُو الْمُطَّلِبِ وَبَنُو هاشم شيء وَاحدٌ». قَالَ الليثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ وَزَادَ: \"قَالَ جُبَيْر: ولم يَقْسِم النبي ﷺ لبني عبد شمس ولا لبني نوفل. وقال ابن إِسْحَاق: عِبد شمسٍ، وَهاشِم، والمطلب إخوة لأمٍّ. وَأمُّهُمْ عَاتِكَةُ بِنْتُ مُرَّةَ. وَكَانَ نَوْفَل أخَاهُمْ لأبيهمْ\" (٢).\nوفي رواية: «أَعْطَيْتَ بَنِي الْمُطَّلِبِ مِنْ خمس خَيْبَرَ وَتَرَكْتَنَا» (٣).\n\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من صفات الداعية: مراعاة أحوال المدعوين.\n٢ - أهمية السؤال عما أشكل.\n٣ - من صفات الداعية: المكافأة على المعروف.\n٤ - من وسائل الدعوة: التأليف بالمال.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في الحديث رقم: ٣٥.\n(٢) [الحديث ٣١٤٠]، طرفاه في: كتاب المناقب، باب مناقب قريش، ٤/ ١٨٧، برقم ٣٥٠٢، وكتاب المغازي، باب غزوة خيبر، ٥/ ٩٤، برقم ٤٢٢٩.\n(٣) من الطرف رقم: ٤٢٢٩.","vol":"2","page":937},{"text":"أولا: من صفات الداعية: مراعاة أحوال المدعوين: مراعاة أحوال المدعوين من الأمور المهمة، التي ينبغي للداعية أن يعتني بها؛ وقد دل مفهوم هذا الحديث على ذلك؛ لأن النبي ﷺ قسم لبني المطلب، وبني هاشم من سهم ذوي القربى ولم يقسم لبني عبد شمس ولا لبني نوفل؛ لأن بني المطلب ناصروا بني هاشم في الشدة والرخاء، قال الحافظ ابن حجر ﵀: \"العلة النصرة، فلذلك دخل بنو هاشم وبنو المطلب ولم يدخل بنو عبد شمس وبنو نوفل؛ لفقدان جزء العلة أو شرطها\" (١) وسمعت العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز حفظه الله يقول: \"بنو المطلب ناصروا بني هاشم في الشدة والرخاء، في الجاهلية والإسلام\" (٢) وهذا يؤكد مراعاة أحوال المدعوين (٣).\nثانيا: أهمية السؤال عما أشكل: السؤال عما أشكل من الأمور المهمة التي ينبغي للداعية أن يعتني بها؛ وقد ظهر في هذا الحديث أهمية السؤال عما أشكل؛ لأن جبير بن مطعم وعثمان بن عفان ﵄ سألا رسول الله ﷺ فقالا: أعطيت بني المطلب وتركتنا، ونحن وهم منك بمنزلة واحدة؟ فقال رسول الله ﷺ: \"إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد\"، قال الحافظ ابن حجر ﵀: وفي الحديث حجة للشافعي ومن وافقه أن سهم ذي القربى لبني هاشم والمطلب خاصة دون بقية قرابة النبي ﷺ من قريش\" (٤) وسمعت العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز حفظه الله يقول: \"بنو المطلب يعطون من الخمس؛ لأنهم ناصروا النبي ﷺ في الجاهلية والإِسلام، ويعطون من الزكاة على الصحيح؛ لأن منع الزكاة عن بني هاشم فقط \" (٥) وهذا يؤكد أهمية السؤال للداعية، فينبغي أن يسأل عما أشكل عليه أهل العلم الراسخين فيه، والله المستعان (٦).\n_________\n(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٦/ ٢٤٦.\n(٢) سمعت ذلك من سماحته أثناء شرحه لحديث رقم ٤٢٢٩، من صحيح البخاري.\n(٣) انظر الحديث رقم ١٩، الدرس الثالث، ورقم ٥٨، الدرس السابع.\n(٤) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٦/ ٢٤٥.\n(٥) سمعت ذلك من سماحته أثناء شرحه لحديث رقم ٣١٤٠ من صحيح البخاري.\n(٦) انظر: الحديث رقم ٥٨، الدرس السادس، ورقم ٩٢، الدرس الرابع.","vol":"2","page":938},{"text":"ثالثا: من صفات الداعية: المكافأة على المعروف: المكافأة على المعروف من مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال التي ينبغي للداعية أن يعتني بها، ويتخلق، وقد دل هذا الحديث على ذلك؛ لأن النبي ﷺ أعطى بني المطلب مع بني هاشم من الخمس، وترك بقية قرابته؛ لما لبني المطلب من النصرة لبني هاشم في الجاهلية والإِسلام؛ ولهذا كافأهم على معروفهم وإحسانهم (١).\nرابعا: من وسائل الدعوة: التأليف بالمال: لا ريب أن من وسائل الدعوة التأليف بالمال؛ ولهذا أعطى النبي ﷺ بني المطلب مع بني هاشم من خمس ذوي القربى، ولم يعطِ غيرهم من قرابته من قريش، وهذا والله أعلم فيه جبر لنفوسهم واستمالة لقلوبهم؛ لما لهم من النصرة لبني هاشم في الجاهلية والإِسلام، والله ﷿ أعلم وأحكم (٢).\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ١٦٨، الدرس الأول.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٧، الدرس التاسع، ورقم ١٦٦، الدرس الثاني.","vol":"2","page":939},{"text":"١٨ -<span data-type=\"title\" id=toc-312> باب مَنْ لم يخَمِّس الأَسلابَ وَمَنْ قَتَلَ قَتِيلا فَله سَلبه من غَير أن يخَمّسَ، وحكم الإمَامِ فيهِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-313>[حديث قتل إبي جهل]</span>\n١٧٠ - [٣١٤١] حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ المَاجِشُونِ، عَنْ صالِحِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عبد الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّه (١) «قَالَ: بَيْنَا أَنا واقِف في الصَّفِّ يَوْمَ بَدْرٍ، فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي وَشِمَالِي، فَإِذَا أَنا بِغُلامَيْنِ من الأنصَارِ حدِيثَةٍ أَسْنَانُهُمَا تَمَنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ بَيْنَ أَضْلَعَ مِنْهُما، فَغَمَزَني أَحَدُهُمَا فَقَالَ: يَا عَمِّ هلْ تَعْرِفُ أَبَا جَهْلٍ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، مَا حَاجَتُكَ إِلَيْهِ يَا ابْنَ أَخِي؟ قَالَ: أُخْبِرْتُ أَنهُ يَسُبُّ رَسُولَ الله ﷺ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِه لَئِنْ رَأَيْتُهُ لَا يُفَارِقُ سَوَادِي سوَادَهُ حَتَّى يَمُوتَ الأَعْجَلُ مِنَّا. فَتَعَجَّبْتُ لِذَلِكَ، فَغَمَزنَي الآخَرُ فَقَالَ لِي مِثْلَهَا، فَلَمْ أنشَبْ أَنْ نَظَرْتُ إِلَى أَبِي جَهْلٍ يَجُولُ فِي النَّاس فَقُلْتُ: أَلَا إِنَّ هَذَا صَاحِبُكُمَا الَّذِي سَأَلتُمَانِي، فَابْتَدَرَاه بِسَيْفَيْهِمَا فَضَرَبَاهُ حَتَّى قَتَلاهُ. ثُمَّ انصَرَفَا إِلَى رَسُولِ الله ﷺ فَأَخْبَرَاهُ. فَقَالَ: \"أَيُّكُمَا قتلَهُ؟ \" قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: أَنا قَتَلْتُهُ. فَقَالَ: \"هَلْ مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا؟ \" قَالَا: لَا. فَنَظَرَ فِي السَّيْفَيْنِ فَقَالَ: \"كِلاكُمَا قتلَهُ\". سلَبُهُ لِمُعَاذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الجَمُوحِ (٢).\nوَكَانَا: مُعَاذَ ابْنَ\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في الحديث رقم: ٨٢.\n(٢) معاذ بن عمرو بن الجموح بن زيد بن حرام بن كعب بن غنم بن سلمة الأنصاري الخزرجي السلمي المدني البدري، قاتِل أبي جهل، شهد العقبة، وبدرا، وهو أحد المشاركين في قتل أبي جهل، بل حكم له رسول الله ﷺ بسلبه، وهذا يؤكد بأنه الذي قتله أولًا، وكان معه أخوه لأمه معاذ بن الحارث قد شد على أبي جهل، ثم جاء معوَذ بن الحارث بن عفراء فمر على أبي جهل فضربه حتى أثبته وتركه وبه رمق ثم قاتل معوذ حتى قتل وقتل أخوه عوف بن الحارث قبله، ثم مر ابن مسعود ﵁ فوبخه وبه رمق ثم احتز رأسه؛ ولهذا جمع ابن حجر ﵀ بين الأحاديث فقال: \"فيحتمل أن يكون معاذ بن عفراء شد عليه مع معاذ بن عمرو كما في الصحيح، وضربه بعد ذلك معوذ حتى أثبته، ثم حز رأسه ابن مسعود، فتجتمع الأقوال كلها\" [فتح الباري ٧/ ٢٩٦]، ومما يدل على شجاعة معاذ بن عمرو بن الجموح ما ذكره الذهبي ﵀: أن معاذ بن عمرو بن الجموح حمل على أبي جهل فضربه ضربة قطع نصف ساقه، وضرب عكرمة بن أبي جهل معاذ بن عمرو على عاتقه فطرح يده وبقيت معلقة بجلده بجنبه وأجهضه عنها القتال فقاتل عامة يومه وهو يسحبها فلما آذته وضع قدمه عليها ثم تمطأ عليها حتى طرحها. قال الحافظ الذهبي ﵀: \"هذه والله الشجاعة، لا كآخر مِنْ خَدْشٍ بسهم ينقطع قلبه وتخور قواه\" وعاش معاذ بن عمرو ﵁ إلى زمن عثمان ﵁. انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي، ١/ ٢٤٩ - ٢٥٢، والإِصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، ٣/ ٤٢٩.","vol":"2","page":940},{"text":"عفْراء (١) وَمُعَاذَ بْن عَمْرو بْنِ الجَمُوحِ» (٢).\nوفي رواية: «إِنِّي لفي الصَّفِّ يَوْمَ بَدْرٍ إِذِ الْتَفَتّ فَإِذَا عَنْ يَمِينِي وَعَنْ يَسَارِي فتَيَانِ حَدِيثَا السِّنِّ فَكأني لَمْ آمَنْ بِمَكَانِهمَا إِذْ قَالَ لِي أَحَدُهُمَا سِرّا مِنْ صَاحِبِهِ: يَا عَمِّ أَرني أَبَا جَهْلٍ! فَقُلْتُ: يَا ابْنَ أَخِي وَمَا تَصْنَعُ بِهِ؟ قَالَ: عَاهَدْتُ الله إِنْ رأَيتُهُ أَنْ أَقْتُلَهُ أَوْ أَمُوتَ دونَهُ، فَقَالَ لِي الآخرُ سِرّا مِنْ صَاحِبهِ مِثْلَهُ، قَالَ؛ فَمَا سرني أني بَيْنَ رَجُليْنِ مَكَانَهُمَا، فَأَشَرْتُ لَهُمَا إِلَيْهِ، فَشَدَّا عَلَيْهِ مِثْلَ الصَّقْرَيْنِ حتَّى ضَرَبَاهُ، وَهُمَا ابْنَا عَفْراءَ» (٣).\n\n* شرح غريب الحديث: * \"حديثة أسنانهما\" أي أعمارهما: أي شباب حدث في العمر (٤).\n* \"بين أَضْلَعَ مِنْهُمَا\" أي بين رجلين أقوى منهما (٥).\n* \"سوادي\" أي شخصي، فقوله: \"لا يفارق سوادي سواده\" أي: لا يفارق شخصي شخصه (٦).\n* \"فلم أنشب\" أي لم ألبث، وحقيقته لم يتعلق بشيء غيره، ولا أشتغل بسواه، ويقال: نَشِبَ في الشيء إذا وقع فيما لا مخلص له منه (٧).\n_________\n(١) معاذ ابن عفراء: هو معاذ بن الحارث بن رفاعة، بن الحارث بن سواد بن مالك، بن غنم الأنصاري النجاري، شهد العقبتين جميعا، وشهد بدرا وشارك في قتل أبي جهل وهو يعرف بابن عفراء، مات ﵁ بعد مقتل عثمان ﵁، وقيل: بل جرح في بدر فمات من جراحته. والله أعلم. انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي ٢/ ٣٥٨، والإِصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، ٣/ ٤٢٨.\n(٢) [الحديث ٣١٤١] طرفاه في كتاب المغازي، باب قتل أبي جهل، ٥/ ٨، برقم ٣٩٦٤. وكتاب المغازي، بَابٌ: ٥/ ١٤، برقم ٣٩٨٨. وأخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب استحقاق القاتل سلب القتيل، ٣/ ١٣٧٢، برقم ١٧٥٢.\n(٣) من الطرف رقم ٣٩٨٨.\n(٤) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب السين مع النون، مادة: \"سنن\" ٢/ ٤١٢.\n(٥) انظر: المرجع السابق، باب الضاد مع اللام، مادة \"ضلع\" ٣/ ٩٧.\n(٦) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي، ص ٦٩.\n(٧) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب النون مع الشين، مادة: \"نشب\" ٥/ ٥٢، وانظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٥١٠.","vol":"2","page":941},{"text":"\"فغمزني\" الغمز شبه النخس، يقال: غمزه بيده يغمزه: وهو كالنخس في الشيء بالشيء، ويقال: غمز بالعين والجفن والحاجب: أشار، ويقال غمز: إذا عاب وذكر بغير الجميل، والمغامز المعايب، ويقال: فيه مغمز أو غميزة: أي مطعن. والمقصود هنا: الغمز باليد (١).\n* \"يجول\" أي يدور، يقال: جال واجتال: إذا ذهب وجاء ومنه الجوَلان في الحرب (٢).\n* \"سلبه\" السلب: الذي يُقضى به للقاتل في الحرب، وهو ما كان على المقتول: من لباسه، ومن آلة الحرب، والسلاح، والثياب، والدواب وغيرها (٣).\n\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من صفات الداعية: الحرص على تعليم الأقارب.\n٢ - أهمية سؤال الداعية عما أشكل عليه.\n٣ - من صفات الداعية: الشجاعة.\n٤ - من أساليب الدعوة: القصص.\n٥ - من تاريخ الدعوة: معرفة وقت غزوة بدر.\n٦ - من وسائل الدعوة: إعطاء السلب للقاتل تشجيعا له.\n٧ - من أساليب الدعوة: تطييب قلب المدعو.\n٨ - أهمية الأخذ بالقرائن في إثبات الحقوق عند عدم البينة.\n٩ - أهمية أسلوب التشبيه في الدعوة إلى الله ﷿.\n١٠ - أهمية المسارعة إلى الخيرات.\n١١ - أهمية الغضب لله ولرسوله في حدود الحكمة.\n_________\n(١) انظر: معجم المقاييس في اللغة لابن فارس، باب الغين ص ٨١٤، والقاموس المحيط للفيروز آبادي، باب الزاي فصل الغين، ص ٦٦٨.\n(٢) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الجيم مع الواو، مادة: \"جول\" ١/ ٣١٧.\n(٣) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٤٣٨، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب السين مع اللام، مادة: \"سلب\" ٢/ ٣٨٧، وانظر: غريب الحديث رقم ١٣٤، ص ٧٧٧.","vol":"2","page":942},{"text":"١٢ - أهمية عدم احتقار الصغار في الأمور المهمة.\n١٣ - من صفات الداعية: التزام الأدب والتلطف ولين الكلام مع الكبير والصغير.\n١٤ - من أساليب الدعوة: التأكيد بالقسم.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من صفات الداعية: الحرص على تعليم الأقارب: الحرص على تعليم الأقارب، من الأولاد وغيرهم من صفات الداعية الصادق، وقد ظهرت هذه الصفة في هذا الحديث؛ لأن عبد الرحمن بن عوف ﵁ علم ابنه إبراهيم هذا الحديث الذي يدل على شجاعة معاذ بن عفراء، ومعاذ بن عمرو بن الجموح، ثم علمه إبراهيم بن عبد الرحمن لابنه صالح، وهذا يؤكد أهمية الحرص على تعليم الأبناء والأقارب ما ينفعهم (١).\nثانيا: أهمية سؤال الداعية عما أشكل عليه: إن الداعية الحريص على العلم والفهم ينبغي له أن يسأل عن كل ما يشكل عليه؛ ليكون على بصيرة، وقد ظهر ذلك في هذا الحديث؛ لأن معاذ ابن عفراء، ومعاذ بن عمرو بن الجموح سألا عبد الرحمن بن عوف عن أبي جهل فقال كل منهما على انفراد: \"يا عم هل تعرف أبا جهل؟ \" وبعد السؤال أجابهما عبد الرحمن ﵁ بعد أن رأى أبا جهل يجول في الناس بقوله: \"ألا إن هذا صاحبكما الذي سألتماني عنه، فابتدراه بسيفيهما فضرباه حتى قتلاه\"، وهذا يؤكد أهمية السؤال عما أشكل؛ لتحصل البصيرة والعلم بما سُئل عنه (٢).\nثالثا: من صفات الداعية: الشجاعة: الشجاعة صفة حميدة ينبغي أن يتصف بها الداعية عقليا وقلبيا، وقد ظهرت هذه الصفة في هذا الحديث، وذلك أن معاذ بن عفراء، ومعاذ بن عمرو بن الجموح، شدّا على أبي جهل مثل الصقرين حتى ضرباه فقتلاه. وهذا يثبت\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٧، الدرس الأول، ورقم ٣٦، الدرس الخامس، ورقم ١٠١، الدرس الخامس.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٩٤، الدرس الرابع، ورقم ١٤٤، الدرس الثاني.","vol":"2","page":943},{"text":"شجاعتهما، وقوة عزيمتيهما ﵄ (١).\nرابعا: من أساليب الدعوة: القصص: دل هذا الحديث على أن من أساليب الدعوة القصص؛ ولهذا قص عبد الرحمن بن عوف ﵁ على ابنه إبراهيم ما حصل يوم بدر من خبر هذين الشابين وقتلهما لأبي جهل، وحكم النبي ﷺ بين المعاذين ﵄، وهذا يؤكد أهمية القصص الصحيح وما فيه من الفوائد والعبر (٢).\nخامسا: من تاريخ الدعوة: معرفة وقت غزوة بدر: ظهر في هذا الحديث ذكر عبد الرحمن بن عوف ﵁ لغزوة بدر الكبرى، وأن أبا جهل قُتِلَ فيها، وقد كانت غزوة بدر في السنة الثانية للهجرة في رمضان المبارك، وجملة من حضر بدرا من المسلمين ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، معهم فرسان وسبعون بعيرا، أما المشركون فكانوا ألفا، والتحم القتال بين حزب الله وحزب الشيطان، وأمد الله حزبه بألف من الملائكة مردفين، فنصر الله المسلمين فقتلوا سبعين من المشركين، وأسروا سبعين، وانهزم الباقون، والحمد لله على نصره وتوفيقه (٣).\nسادسا: من وسائل الدعوة: إعطاء السلب للقاتل تشجيعا له: إن إعطاء السلب للقاتل من وسائل الدعوة التي تشجع المقاتل، وتزيد في قوته ونشاطه، وقد دل هذا الحديث على ذلك؛ لأن النبي ﷺ أعطى معاذ بن عمرو بن الجموح سلب أبي جهل؛ لكونه الذي قتله قتلا شرعيا يستحق به أخذ السلب (٤).\nسابعا: من أساليب الدعوة: تطييب قلب المدعو: تطييب القلوب من أعظم وسائل الدعوة؛ لما في ذلك من المصالح الدينية\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٣٥ الدرس الخامس، ورقم ٦١، الدرس الثاني.\n(٢) انظر: الحديث رقم ١٧، الدرس الثالث، ورقم ٢٨، الدرس الثامن.\n(٣) انظر: زاد المعاد في هدي خير العباد، لابن القيم، ٣/ ١٧١ - ١٨٩.\n(٤) انظر: الحديث رقم ١٣٤، الدرس الرابع.","vol":"2","page":944},{"text":"والدنيوية، وقد ثبت في هذا الحديث ما يدل على تطييب قلوب المدعوين، وذلك أن النبي ﷺ سأل معاذ ابن عفراء، ومعاذ بن عمرو بن الجموح عن قتل أبي جهل، فقال: \"أيكما قتله؟ \"، قال كل واحد منهما: أنا قتلته، فقال: \"هل مسحتما سيفيكما؟ \" قالا: لا، فنظر في السيفين، فقال: \"كلاكما قتله\" سلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح. وقد اشترك هذان الشابان في جراحة أبي جهل، لكن معاذ بن عمرو بن الجموح أثخنه أولا فاستحق السلب، وإنما قال النبي ﷺ: \"كلاكما قتله، تطييبا لقلب الآخر، من حيث إنَّ له مشاركة في قتله، وإلا فالقتل الشرعي الذي يتعلق به استحقاق السلب، وهو الإِثخان وإخراجه عن كونه ممتنعا إنما وجد من معاذ بن عمرو بن الجموح، فلهذا قضى له بالسلب، وإنما أخذ السيفين؛ ليستدل بهما على حقيقة كيفية قتلهما، فعلم أن ابن الجموح أثخنه، ثم شاركه الثاني بعد ذلك وبعد استحقاقه السلب، فلم يكن له حق في السلب (١) وقد قيل: إن عبد الله بن مسعود ﵁ حز رأسه، وقتله، وقيل: قتله معوّذ، قال ابن حجر ﵀: \"فيحتمل أن يكون معاذ ابن عفراء شد عليه مع معاذ بن عمرو، وضربه بعد ذلك معوذ حتى أثبته، ثم حز رأسه ابن مسعود، فتجتمع الأقوال كلها\" (٢) والمقصود هنا هو تطييب النبي ﷺ لقلب معاذ ابن عفراء ﵁ (٣).\nثامنا: أهمية الأخذ بالقرائن في إثبات الحقوق عند عدم البينة: لا شك أن الأخذ بالقرائن في إثبات الحقوق عند عدم البينة من الأمور المهمة، فقد ثبت الحكم بذلك في هذا الحديث حينما حكم النبي ﷺ بين معاذ ابن عفراء ومعاذ بن عمرو بن الجموح فيمن قتل أبا جهل فقال ﷺ: \"هل مسحتما سيفيكما؟ \" قالا: لا، فنظر في السيفين فقال: \"كلاكما قتله، سلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح \"، فقد ظهر للنبي ﷺ أن معاذ بن عمرو بن الجموح هو الذي أثخنه أولا؛ وهذا فيه إثبات الحقوق المالية بالقرائن؛ لأن النبي ﷺ استدل بالدم الذي في السيف على\n_________\n(١) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ١٢/ ٣٠٧، وشرح الكرماني على صحيح البخاري، ١٣/ ١١٣.\n(٢) فتح الباري بشرح صحيح البخاري ٧/ ٢٩٦، وانظر: شرح الكرماني على صحيح البخاري ١٣/ ١١٣.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٢٢، الدرس الثالث.","vol":"2","page":945},{"text":"مَنْ قَتَلَ أبا جهل وحكم له بالسلب. (١) وللحكم بالقرائن والاستدلال بالأمارات والفراسة أصل في القرآن الكريم، قال الله ﷿: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ - وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ - فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٦ - ٢٨] (٢) وهذا يؤكد أهمية الأخذ بالقرائن والله ﷿ أعلم (٣).\nتاسعا: أهمية أسلوب التشبيه في الدعوة إلى الله ﷿: التشبيه له أهمية في الأساليب الدعوية؛ لما له من تقريب المعاني، وقد ظهر هذا الأسلوب في هذا الحديث؛ لقول عبد الرحمن بن عوف ﵁ في شأن معاذ ابن عفراء، ومعاذ بن عمرو بن الجموح ﵁ حينما قتلا أبا جهل: \"فشدا عليه مثل الصقرين\"، قال الحافظ ابن حجر ﵀: \"شبههما به لما اشتهر عنه من الشجاعة، والشهامة، والإِقدام على الصيد؛ ولأنه إذا تشبث بشيء لم يفارقه حتى يأخذه\" (٤) وهذا يبين أهمية أسلوب التشبيه في الدعوة إلى الله ﷿ (٥).\nعاشرا: أهمية المسارعة إلي الخيرات: المسارعة إلى الخيرات من الصفات الحميدة التي ينبغي لكل مسلم أن يتصف بها، وخاصة الداعية إلى الله ﷿، وقد دل هذا الحديث على ذلك؛ لأن معاذ ابن عفراء ومعاذ بن عمرو بن الجموح بادرا إلى السؤال عن أبي جهل؛ ليسرعا إلى قتله، ولهذا عندما أشير إليه شدّا عليه مثل الصقرين حتى قتلاه ﵄ (٦).\nالحادي عشر: أهمية الغضب لله ولرسوله في حدود الحكمة: لقد دل هذا الحديث على أهمية الغضب لله ﷿ ولرسوله ﷺ؛ لقول كل\n_________\n(١) انظر: منار القاري، شرح مختصر البخاري، لحمزة محمد قاسم، ٤/ ١٣٤.\n(٢) سورة يوسف، الآيات: ٢٦ - ٢٨.\n(٣) انظر: الطرق الحكمية في السياسة الشرعية لابن القيم ص ٣ - ١٣.\n(٤) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٧/ ٣٠٨.\n(٥) انظر: الحديث رقم ١٨، الدرس الرابع، ورقم ٩، الدرس الخامس.\n(٦) انظر: الحديث رقم ١٦، الدرس الثاني، ورقم٣٠، الدرس الثاني.","vol":"2","page":946},{"text":"واحد من: معاذ ابن عفراء، ومعاذ بن عمرو بن الجموح في أبي جهل: \"أخبرت أنه يسب رسول الله ﷺ، والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منَّا\" وشدا عليه مثل الصقرين فقتلاه غضبا لله ولرسوله ﷺ.\nولا شك أن الغضبَ نوعان: غضب مذموم وهو الذي قال فيه رسول الله ﷺ: «ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» (١) وهو الذي أوصى بالابتعاد عنه لمن قال: «أوصني يا رسول الله\"، فقال ﷺ: \"لا تغضب» وردد مرارا «لا تغضب» (٢) أما النوع الثاني من أنواع الغضب فهو الغضب المحمود، الذي يكون من أجل الله عندما ترتكب حرماته أو تترك أوامره ويستهان بها، وهذا من علامات قوة الإِيمان، ولكن بشرط أن لا يخرج هذا الغضب عن حدود الحكمة، وقد كان رسول الله ﷺ يغضب لله إذا انتهكت محارمه، وكان لا ينتقم لنفسه، ولكن إذا انتهكت محارم الله لم يقم لغضبه شيء، ولم يضرب خادما، ولا امرأة، إلا أن يجاهد في سبيل الله ﷺ، وقد خدمه أنس بن مالك ﵁ عشر سنوات، «فما قال له: أفٍّ قط، ولا قال له لشيء فعله: لمَ فعلت كذا؟ ولا لشيء لم يفعله: ألا فعلت كذا؟» (٣) وهذا في الحقيقة هو عين الحكمة؛ لأن هذا الغضب لم يخرج عن حدود الحكمة التي هي في الحقيقة: الإِصابة في القول والفعل، كما قال مجاهد ﵀: \"الحكمة: الإصابة\" (٤) كما رجح ذلك الإِمام ابن جرير ﵀ في قوله ﷿: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] قال: \"تأويل الكلام: يؤتي الله إصابة الصواب في القول والفعل من يشاء، ومن يؤته الله\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، ٧/ ١٢٩، برقم ٦١١٤، ومسلم، ٤/ ٢٠١٤، برقم ٢٦٠٦، وتقدم تخريجه في الحديث رقم ٣٥، الدرس الأول، ص ٢٤٧.\n(٢) البخاري في كتاب الأدب، باب الحذر من الغضب، ٧/ ١٣٠، برقم ٦١١٦.\n(٣) انظر: عدة حالات غضب فيها رسول الله ﷺ لله ﷿، في البخاري مع الفتح، كتاب الأدب، باب ما جوز من الغضب والشدة لأمر الله تعالى، ١٠/ ٥١٧ - ٥١٨، وجامع العلوم والحكم لابن رجب ١/ ٣٦١ - ٣٧١، ومختصر منهاج القاصدين، لأحمد بن عبد الرحمن بن قدامة المقدسي، ص ٧٨ - ١٨٢، وأدب الدنيا والدين، لأبي الحسن الماوردي ص ٢١٤.\n(٤) أخرجه سعيد بن منصور في سننه، ٣/ ٩٧٩، برقم ٤٤٨، وابن جرير في التفسير \"جامع البيان عن تأويل آي القرآن\"، ٥/ ٥٧٧، برقم ٦١٨٣.","vol":"2","page":947},{"text":"ذلك فقد آتاه خيرا كثيرا\" (١) فالغضب لله ﷿ هو الذي يكون في موضعه، صوابا في القول والفعل. والله أعلم.\nالثاني عشر: أهمية عدم احتقار الصغار في الأمور المهمة: لا شك أن الصغار يختلفون في قدراتهم العقلية والجسدية على حسب ما منَّ الله به على كل واحد منهم، فينبغي أن ينزلوا منازلهم على حسب أحوالهم، وقد ثبت في هذا الحديث ما فعله معاذ ابن عفراء ومعاذ بن عمرو بن الجموح ﵄ من قتل عمرو بن هشام - أبي جهل - فدل ذلك على أن الصغار لا يحتقرون فقد يكون الصغير خيرا من كثير من الكبار؛ قال الإِمام الكرماني ﵀ في فوائد هذا الحديث: \"وفي هذا الحديث المبادرة إلى الخيرات، والغضب لله ولرسوله، وأنه لا ينبغي أن يحتقر الصغار في الأمور الكبار\" (٢) ومن أهم العبادات بعد الشهادتين الصلاة وقد قدَّم بعض الصحابة من يؤمهم فيها وهو عمرو بن سلمة وكان أكثرهم قرآنا، وهو ابن سبع سنين أو ثمان سنين (٣).\nالثالث عشر: من صفات الداعية: التزام الأدب والتلطف ولين الكلام مع الكبير والصغير: إن التزام الأدب، والتلطف، ولين الكلام من الصفات المهمة التي ينبغي للداعية أن يلتزم بها، وقد ظهر ذلك في هذا الحديث؛ لأن كلا من معاذ ابن عفراء، ومعاذ بن عمرو بن الجموح ﵄ قال لعبد الرحمن بن عوف ﵁: \"يا عمِّ هل تعرف أبا جهل؟ \"، فرد على كل واحد منهما: \"نعم، ما حاجتك إليه يا ابن أخي\"، وهذا فيه أدب الصغير مع الكبير بإنزاله منزلة العم، وأدب الكبير مع الصغير بإنزاله منزلة ابن الأخ، احتراما، وإكراما وتلطفا (٤).\n_________\n(١) جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ٥/ ٥٧٩.\n(٢) شرح الكرماني على صحيح البخاري ١٣/ ١١٣.\n(٣) انظر: سنن النسائي، كتاب الإِمامة، باب إمامة الغلام قبل أن يحتلم، ٢/ ٨٠، برقم ٧٨٩، وسنن أبي داود كتاب الصلاة باب من أحق بالإِمامة، ١/ ١٥٩، برقم ٥٨٥، وصححه الألباني في إرواء الغليل ١/ ١٢٧، وعزاه ابن حجر في بلوغ المرام إلى صحيح البخاري، فاطلعت على صحيح البخاري فلم أجده في نسختي ولعله في نسخة أخرى.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٥١، الدرس الثاني.","vol":"2","page":948},{"text":"الرابع عشر: من أساليب الدعوة: التأكيد بالقسم: دل هذا الحديث على أن من الأساليب المهمة التأكيد بالقسم عند الحاجة إليه؛ ولهذا قال كل من معاذ بن عمرو، ومعاذ ابن عفراء ﵄ في أبي جهل: \"والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا\"، وهذا يؤكد أهمية التأكيد بالقسم (١).\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ١٠، الدرس الخامس، ورقم ١٤، الدرس الخامس.","vol":"2","page":949},{"text":"١٩ -<span data-type=\"title\" id=toc-314> باب ما كان النبي ﷺ يُعطي المُؤلفة قلوبهم وغَيْرهم مِنَ الخمس وَنحوِه</span>\nورَوَاهُ عبد الله بْنُ زَيْدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.\n١٧١ - [٣١٤٦] حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنسٍ (١) ﵁ قَالَ: قَالَ النَبِيُّ ﷺ: «إِنِّي أُعْطِي قُرَيْشا أتألفهم؛ لأنهم حَدِيثُ عَهْدٍ بجاهِلِيَّةٍ» (٢).\nوفي رواية: «أَنَّ نَاسا مِنَ الأنصارِ قَالُوا لِرَسُولِ الله ﷺ حِينَ أَفَاءَ الله عَلَى رَسُولِهِ ﷺ منْ أَمْوَالِ هَوَازِنَ مَا أَفَاءَ، فَطَفقَ يُعْطِي رِجَالًا مِنْ قُرَيْشٍ الْمِائَةَ مِنَ الإِبِلِ، فَقَالُوا: يَغْفِرُ الله لِرَسُولِ الله ﷺ، يُعْطِي قُريشا وَيَدَعنَا، وَسُيوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهمْ.\nقَالَ أنسٌ: فَحُدِّثَ رَسُولُ الله ﷺ بمَقالَتِهِمْ، فَأَرْسَلَ إِلَى الأنصَارِ فَجَمَعَهُمْ فِي قبّةٍ مِنْ أَدَمٍ، وَلَمْ يَدْعُ مَعَهُمْ أَحَدا غَيْرَهُم، فَلَمَّا اجْتَمعُوا جَاءَهم رَسولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: \" مَا كَانَ حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكُمْ؟ \" قَال: لَه فُقَهَاؤُهُمْ: أَمَّا ذَوُو رَأْينَا فَلَمْ يَقُولُوا شَيْئا، وَأَمَّا أناس مِنَّا حَدِيثَةٌ أَسْنَانُهُمْ فَقَالُوا: يَغْفرُ اللهُ لِرَسُولِ الله ﷺ يُعْطِي قُرَيْشا ويَتْركُ الأنصَارَ، وَسُيوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِم. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: \" إِنِّي لأُعْطِي رِجَالا حَدِيث عَهْدُهُمْ بِكُفْرٍ، أمَا تَرْضَوْنَ أنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالأمْوَالِ، وَترجِعُوا إِلَى رِحَالِكُمْ بِرَسُولِ الله ﷺ، فَوالله مَا تَنْقَلِبُونَ بِهِ خَيْرٌ مِمَّا يَنْقَلِبُونَ بِهِ \". قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ الله، قَدْ رَضِينَا. فَقَالَ لَهُمْ: \" إِنَكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أثرَةً شَدِيدَةً، فَاصْبرُوا حَتَّى تَلْقَوُا الله وَرَسُولَهُ ﷺ عَلَى الْحَوْضِ \". قَالَ أَنسٌ: فَلَمْ نَصْبِر \".» (٣).\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في الحديث رقم: ١٤.\n\n(٢) [الحديث ٣١٤٦] أطرافه في: كتاب فرض الخمس، باب ما كان النبي ﷺ يعطي المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخمس ونحوه، ٤/ ٧١، برقم ٣١٤٧. وكتاب المناقب، باب ابن أخت القوم منهم، ومولى القوم منهم، ٤/ ١٩٥، برقم ٣٥٢٨. وكتاب مناقب الأنصار، باب مناقب الأنصار، ٤/ ٢٦٧، برقم ٣٧٧٨. وكتاب مناقب الأنصار، باب قول النبي ﷺ للأنصار: \"اصبروا حتى تلقوني على الحوض\"، ٤/ ٢٧٢، برقم ٣٧٩٣. وكتاب المغازي، باب غزوة الطائف في شوال سنة ثمان، ٥/ ١٢٣، برقم ٤٣٣١ و٤٣٣٢ و٤٣٣٣ و٤٣٣٤ و٤٣٣٧. وكتاب اللباس، باب القبة الحمراء من أدم، ٧/ ٦٤، برقم ٥٨٦٠. وكتاب الفرائض، باب مولى القوم من أنفسهم وابن الأخت منهم، ٨/ ١٤، برقم ٦٧٦٢. وكتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ٨/ ٢٣٢، برقم ٧٤٤١. وأخرجه مسلم في كتاب الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإِسلام وتصبر من قوي إيمانه، ٢/ ٧٣٣، برقم ١٠٥٩.\n(٣) من الطرف: ٣١٤٧.","vol":"2","page":950},{"text":"وفي رواية:\n«دَعَا النَّبِيُّ ﷺ الأنصَارَ فَقَالَ: \"هَلْ فيكُمْ أَحَدٌ مِنْ غَيْرِكُمْ؟ \" قَالُوْا: لا. إِلا ابْنُ أُخْتٍ لَنَا. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: \"ابْنُ أخْتِ الْقَوْمِ مِنْهُمْ\".» (١).\nوفي رواية:\n«لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيا أَوْ شِعْبا لَسَلَكْتُ وَادِيَ الأنصَارِ أَوْ شِعْبَهُمْ» (٢).\nوفي رواية:\n«لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ الْتَقَى هَوازِنُ وَمَعَ النَبِيِّ ﷺ عَشَرَةُ آلافٍ وَالطُلَقَاءُ فأَدْبروا، قَالَ: \"يَا مَعْشَرَ الأنصَارِ؟ \" قَالُوا: لَبَّيْكَ يا رَسُولَ الله وَسَعْدَيْكَ، لَبَّيْكَ نحنُ بَيْنَ يَدَيْكَ، فَنَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: \"أَنَا عبد الله وَرَسُولُهُ\" فانْهَزَمَ الْمُشْرِكينَ فَأعطَى الطُلَقَاءَ وَالْمُهاجِرِينَ وَلَمْ يُعْطِ الأنصَارَ شَيْئا، فَقَالُوا فَدَعَاهُمْ فَأَدْخَلَهُمْ فِي قبةٍ فَقَالَ: \"أَمَا ترضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاءِ وَالْبَعيرِ وَتَذْهَبُونَ بِرَسُولِ اللهِ\" فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: \"لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيا، وَسَلَكَتِ الأنصَارُ شِعْبا لاخْترتُ شِعْبَ الأنصَارِ» (٣).\nوفي رواية:\n«جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ نَاسا مِنَ الأنصَار فَقَالَ: \"إِنَّ قُرَيْشا حَدِيثُ عَهْدٍ بجاهِليةٍ وَمُصِيبةٍ، وَإِنِّي أَرَدْتُ أَنْ أَجْبرهُمْ، وَأتألفهم، أمَا ترضَوْنَ أَنْ يرجِعَ الناسُ بِالدُّنْيَا وَترجِعُونَ برَسُولِ الله ﷺ إلى بُيوتكُم؟» (٤).\nوفي رواية:\n«قَالَتِ الأنَصَارُ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ - وَأَعْطَى قُرَيْشا - والله إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْعَجَبُ، إِنَّ سَيُوفَنَا لتقْطُرُ مِنْ دِمَاءِ قُرَيْشٍ، وَغَنَائِمُنَا تُرَدُّ عَلَيْهِمْ. فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَدَعَا الأنصَارَ، قَالَ: فَقَالَ: \"مَا الَّذِي بَلَغَنِي عَنْكُمْ؟ \" - وَكَانُوا لا يَكْذِبُونَ - فَقَالُوا: هُوَ الَّذِي بَلَغَكَ. قَالَ: \"أَوَلَا تَرضَوْنَ أَنْ يَرجِعَ النَّاسُ بِالغَنائِم إِلى بُيوتهم وَترجِعُونَ بِرَسُولِ الله ﷺ إِلى بُيُوتكُمْ» (٥).\nوفي رواية:\n«لما كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ أَقْبَلَتْ هَوَازِنُ وَغَطَفَانُ وَغَيْرُهُمْ بنَعَمِهِم وَذَرَارِيِّهمْ وَمَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَشَرَةُ آلافٍ وَمِنَ الطُلَقَاءِ فَأَدْبروا عَنْهُ حَتَّى بقِيَ وَحْدَهُ، فنَادَى يَوْمَئِذٍ\n_________\n(١) من الطرف: ٣٥٢٨.\n(٢) من الطرف: ٤٣٣٢.\n(٣) من الطرف: ٤٣٣٣.\n(٤) من الطرف: ٤٣٣٤.\n(٥) من الطرف: ٣٧٧٨.","vol":"2","page":951},{"text":"نداءين لم يخلط بينهما التفت عن يمينه فقال: \"يا معشر الأنصار\" قالوا: لبيك يا رسول الله أبشر نحن معك، ثم التفت عن يساره فقال: \"يا معشر الأنصار\". قالوا: لبيك يا رسول الله أبشر نحن معك وهو على بغلة بيضاء فنزل فقال: \"أنا عبد الله ورسوله\" فانهزم المشركون فأصاب يومئذ غنائم كثيرة فقسم في المهاجرين والطلقاء ولم يعط الأنصار شيئا فقالت الأنصار: إذا كانت شديدة فنحن ندعى ويعطى الغنيمة غيرنا فبلغه ذلك فجمعهم في قبة فقال: \"يا معشر الأنصار ما حديث بلغني عنكم؛ \" فسكتوا فقال: \"يا معشر الأنصار ألا ترضون أن يذهب الناس بالدنيا وتذهبون برسول الله ﷺ تحوزونه إلى بيوتكم؟ \" قالوا: بلى، فقال النبي ﷺ: \"لو سلك الناس واديا وسلكت الأنصار شعبا لأخذت شعب الأنصار\" فقال هشام: يا أبا حمزة وأنت شاهد ذاك قال: وأين أغيب عنه؟.» (١).\n* شرح غريب الحديث: * قبة من أدم: القبة من البنيان تطلق على البيت المدور وهو معروف عند التركمان والأكراد، والجمع قباب، وهي من الخيام، والأدم بيت صغير مستدير وهو من بيوت العرب (٢).\n* أدم: الأدم جمع أديم وهو الجلد (٣).\n* أفاء: الفيء ما حصل للمسلمين من أموال الكفار من غير حرب ولا جهاد، وأصل الفيء الرجوع، يقال: فاء يفيء فئة، وفيوءا كأنه كان في الأصل لهم فرجع إليهم، ومنه قيل للظل الذي يكون بعد الزوال: فيء لأنه يرجع من جانب الغرب إلى جانب الشرق، ويكون الفيء: الرجوع من جهة إلى جهة أو من مفارقة إلى موافقة (٤).\n* أثرة: الأثرة: الاستئثار: أي يستأثرون عليكم فيفضل عليكم غيركم،\n_________\n(١) من الطرف: ٤٣٣٧.\n(٢) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب القاف مع الباء، مادة: \"قبب\" ٤/ ٣، والمصباح المنير للفيومي، كتاب القاف ٢/ ٤٨٧، وانظر: شرح غريب الحديث رقم ٨١، ص ٤٨٩.\n(٣) تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٥٣٧.\n(٤) انظر: المرجع السابق، ص ٤٣، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الفاء مع الباء، مادة: \"فيأ\" ٣/ ٤٨٢.","vol":"2","page":952},{"text":"أو ينفرد بالاستئثار من الفيء دونكم، والاستئثار: الانفراد بالشيء (١).\n* فطفق: طفق: بمعنى أخذ في الفعل، وجعل يفعل، وهي من أفعال المقاربة (٢).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من وسائل الدعوة: التأليف بالمال.\n٢ - من تاريخ الدعوة: ذكر غزوة الفتح وغزوة حنين.\n٣ - أهمية الستر على أهل الصلاح والتقوى.\n٤ - من صفات الداعية: التثبت.\n٥ - من وسائل الدعوة: التأليف بالجاه.\n٦ - من أساليب الدعوة: التأكيد بالقسم.\n٧ - من أساليب الدعوة: التأليف بطيب الكلام.\n٨ - من معجزات النبي ﷺ: الإخبار بالمغيبات.\n٩ - من أساليب الدعوة: ذكر الداعية بعض فضائله أو مناقبه عند الحاجة انتصارا للحق.\n١٠ - من موضوعات الدعوة: الحض على الصبر.\n١١ - عظم محبة الصحابة لرسول الله ﷺ.\n١٢ - حسن أدب الأنصار مع رسول الله ﷺ.\n١٣ - من صفات الداعية: الصدق.\n١٤ - من أسباب النصر: عدم الإعجاب بالكثرة والقوة.\n١٥ - من صفات الداعية: الشجاعة.\n١٦ - من أصناف المدعوين: المشركون.\n١٧ - من أصناف المدعوين: أهل الصلاح والتقوى.\n١٨ - من صفات الداعية: التواضع.\n١٩ - من أساليب الدعوة: الاستفهام الإنكاري.\n_________\n(١) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ١٠٨، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الهمزة مع الثاء، مادة: \"أثر\" ١/ ٢٢.\n(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الطاء مع الفاء، مادة: \"طفق\" ٣/ ١٢٩.","vol":"2","page":953},{"text":"٢٠ - من صفات الداعية: مراعاة أحوال المدعوين.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من وسائل الدعوة: التأليف بالمال: تألف النبي ﷺ في هذا الحديث قريشا بالمال فأعطى رجالا منهم المائة من الإبل، وقال ﷺ: «إني أعطي قريشا أتألفهم؛ لأنهم حديث عهد بجاهلية»، وهذا يؤكد أهمية التأليف بالمال في الدعوة إلى الله ﷿ (١).\nثانيا: من تاريخ الدعوة: ذكر غزوة الفتح وغزة حنين: غزوة الفتح الأعظم ظهر ذكرها في هذا الحديث؛ لقول الراوي: «قالت الأنصار يوم فتح مكة: وأعطى قريشا؛ والله إن هذا لهو العجب»، كما ظهر ذكر غزوة حنين في قوله: «لما كان يوم حنين أقبلت هوازن وغطفان وغيرهم». . . \"، وهذا يبين أهمية ذكر الحوادث التاريخية التي نصر الله فيها الإسلام وأهله، فقد خرج النبي ﷺ لغزوة فتح مكة في شهر رمضان ومعه عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار، ففتح الله عليه، ونصره، وأعز الله الإسلام وأهله، وطهر مكة من دنس الجاهلية (٢) وبعد فتح مكة سمعت هوازن برسول الله ﷺ وما فتح الله عليه من مكة فاجتمعوا لقتال النبي ﷺ، فخرج إليهم في أصحابه الذين فتح الله بهم مكة، وخرج معه ألفان من أهل مكة، فحصل القتال العظيم، ثم نصر الله رسوله، والمؤمنين في معركة حنين، وأمدهم بالملائكة، وغنموا غنائم عظيمة، وأسلم بعد المعركة خلق كثير، والحمد لله (٣).\nثالثا: أهمية الستر على أهل الصلاح والتقوى: إن من أهم الوسائل الدعوية التي ينبغي للداعية أن يعتني بها، الستر على الناس وعدم التشهير بهم، وقد دل هذا الحديث على هذه الوسيلة؛ «لأن النبي ﷺ لما بلغه قول الأنصار ﵃: \" يغفر الله لرسول الله ﷺ؛ يعطي قريشا ويدعنا؟\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٧، الدرس التاسع، ورقم ١٦٦، الدرس الثاني.\n(٢) انظر: زاد المعاد، لابن القيم، ٣/ ٣٩٤ - ٤١٥.\n(٣) انظر: المرجع السابق، ٣/ ٤٦٥ - ٤٧٦، وانظر أيضا: الحديث رقم ١٠١، الدرس العاشر.","vol":"2","page":954},{"text":"وسيوفنا تقطر من دمائهم\" دعاهم ﷺ فجمعهم ولم يدع معهم أحدا غيرهم، وقال: \" هل فيكم أحد من غيركم؟ \" قالوا: لا، إلا ابن أخت لنا، فقال ﷺ: \"ابن أخت القوم منهم»، وهذا يؤكد أهمية الستر على المدعو إذا وقع في زلة أو خطأ؛ ولهذا حث النبي ﷺ على الستر فقال: «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه؛ ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه» (١) والشاهد في هذا الحديث قوله ﷺ: «ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة».\nرابعا: من صفات الداعية: التثبت: ظاهر في هذا الحديث أهمية التثبت في الأمور؛ لأن النبي ﷺ عندما أخبر بمقالة الأنصار: «يغفر الله لرسول الله ﷺ؛ يعطي قريشا ويدعنا» تثبت ولم يعجل، بل جمعهم وقال: «ما كان حديث بلغني عنكم» ثم بين لهم ﷺ ما كان يخفى عليهم، فاقتنعوا ﵃، فدل ذلك على أهمية التثبت والتأني وعدم العجلة (٢).\nخامسا: من وسائل الدعوة: التأليف بالجاه: دل هذا الحديث على أن التأليف بالجاه من وسائل الدعوة إلى الله ﷿؛ ولهذا قال ﷺ فيه للأنصار: «إني لأعطي رجالا حديث عهدهم بكفر، أما ترضون أن يذهب الناس بالأموال وترجعون إلى رحالكم برسول الله ﷺ فوالله ما تنقلبون به خير مما ينقلبون به؛ \" قالوا: بلى يا رسول الله، قد رضينا،» وقال ﷺ لهم: «لو سلك الناس واديا أو شعبا لسلكت وادي الأنصار أو شعبهم»، وهذا يؤكد التأليف بالجاه، فقد تألفهم ﷺ بجاهه دون ماله (٣).\n_________\n(١) صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن والذكر، ٤/ ٢٠٧٤، برقم ٢٦٩٩.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٩١، الدرس الثاني.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٩، الدرس التاسع.","vol":"2","page":955},{"text":"سادسا: من أساليب الدعوة: التأكيد بالقسم: لا ريب أن النبي ﷺ كان يستخدم التأكيد بالقسم عند الحاجة إليه؛ ولهذا قال ﷺ في هذا الحديث للأنصار: «فوالله ما تنقلبون به خير مما ينقلبون به»، فأكد ﷺ بالقسم تأكيدا على ما يقول، فاتضح بذلك أهمية التأكيد بالقسم عند الحاجة إليه (١).\nسابعا: من أساليب الدعوة: التأليف بطيب الكلام: لا شك أن طيب الكلام، والتلطف فيه من أساليب الدعوة النافعة؛ ولهذا استخدمه النبي ﷺ فقال في هذا الحديث للأنصار: «أما ترضون أن يذهب الناس بالأموال وترجعون برسول الله ﷺ»، وهذا الكلام الطيب يظهر فيه التلطف، واللين الحكيم؛ قال الإمام الكرماني ﵀: \" إنما أراد به ﷺ تألف الأنصار، واستطابة نفوسهم، والثناء عليهم في دينهم، ومذهبهم، حتى رضي أن يكون واحدا منهم، لولا ما يمنعه عنه من الهجرة التي لا يجوز تبديلها \" (٢) وهذا يؤكد للداعية أهمية طيب الكلام والتلطف فيه (٣).\nثامنا: من معجزات النبي ﷺ: الإخبار بالمغيبات: أخبر ﷺ ببعض الغيوب ووقعت كما أخبر ﷺ فدل ذلك على أنه رسول الله حقا، ومن ذلك ما ثبت في هذا الحديث عندما قال للأنصار: \" إنكم سترون بعدي أثرة شديدة فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله على الحوض \"، قال الحافظ ابن حجر ﵀: \" وفيه علم من أعلام النبوة، فكان كما قال (٤) ﷺ \" (٥).\nتاسعا: ذكر الداعية بعض فضائله أو مناقبه عند الحاجة انتصارا للحق: لا ريب أن ذكر الداعية بعض ما يتصف به من صفات حميدة عند الحاجة لا محذور فيه إذا لم يكن على وجه العجب أو الكبر، وقد ظهر في هذا الحديث\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ١٠، الدرس الخامس، ورقم ١٤، الدرس الخامس.\n(٢) شرح الكرماني على صحيح البخاري، ١١٦/ ١٦٠.\n(٣) انظر: الحديث رقم ١٠، الدرس الثالث، ورقم ٥١، الدرس الثاني.\n(٤) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٨/ ٥٢.\n(٥) انظر: الحديث رقم ٢١، الدرس الرابع.","vol":"2","page":956},{"text":"قول النبي ﷺ: «أنا عبد الله ورسوله»، فإذا احتاج الداعية إلى ذلك؛ لكونه يؤثر على المدعوين، فإنه من الأمور النافعة (١) والله المستعان (٢).\nعاشرا: من موضوعات الدعوة: الحض على الصبر: إن الصبر من الموضوعات التي ينبغي للداعية أن يحض الناس عليها؛ ولهذا حث النبي ﷺ في هذا الحديث الأنصار على الصبر فقال: «إنكم سترون بعدي أثرة شديدة فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله على الحوض»، وهذا يؤكد أهمية الحث على الصبر. (٣).\nالحادي عشر: عظم محبة الصحابة لرسول الله ﷺ: الصحابة ﵃ يحبون النبي ﷺ حبا عظيما، ولهذا ثبت في هذا الحديث قوله ﷺ: «يا معشر الأنصار\"، فقالوا: \" لبيك يا رسول الله وسعديك، لبيك نحن بين يديك»، وهذه الاستجابة بالتلبية تدل على حبهم لرسول الله ﷺ (٤).\nالثاني عشر: حسن أدب الأنصار مع رسول الله ﷺ: ظهر في هذا الحديث حسن أدب الأنصار مع رسول الله ﷺ؛ لأنهم قالوا: «يغفر الله لرسول الله ﷺ» عندما رأوه لم يقسم لهم؛ ولأنهم لم يجادلوه، ولم يماروه عندما جمعهم وبين لهم وجه الصواب، فأسلموا له قلوبهم وعقولهم؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀ في ذكره لفوائد هذا الحديث: \" فيه حسن أدب الأنصار في تركهم المماراة \" (٥) فيلزم كل داعية بل كل مسلم أن يلتزم الأدب مع رسول الله في حياته، وبعد موته باتباع سنته والسير على منهجه ﷺ.\nالثالث عشر: من صفات الداعية: الصدق: الصدق يهدي إلى البر؛ ولهذا كان من أهم الصفات التي ينبغي للداعية أن يتصف بها، وقد ظهر في هذا الحديث أن الأنصار صدقوا مع رسول الله ولم\n_________\n(١) انظر: فتح الباري لابن حجر ٦/ ٢٥٤.\n(٢) انظر: الحديث رقم ١٦، الدرس الرابع، ورقم ٦١، الدرس التاسع، ورقم ٧٧، الدرس الثالث عشر.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٢٧، الدرس الأول، ورقم ٢٨، الدرس السادس.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٦٢، الدرس الثامن، ورقم ٦٣، الدرس الثامن.\n(٥) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٨/ ٥٢.","vol":"2","page":957},{"text":"يكذبوا عليه عندما سألهم فقال: «ما الذي بلغني عنكم؟»، قال الراوي: وكانوا لا يكذبون، فقالوا: «هو الذي بلغك» وأخبروه ﷺ بما حصل، فأخبرهم ﷺ بما عنده فرضوا ﵃، وهذا يؤكد أهمية الصدق (١).\nالرابع عشر: من أسباب النصر: عدم الإعجاب بالكثرة والقوة: إن الإعجاب بالكثرة والقوة من أسباب الهزيمة، وعدم ذلك من أسباب النصر، وقد ظهر في هذا الحديث ما يشير إلى ذلك، وهو قول الراوي: «لما كان يوم حنين أقبلت هوازن وغطفان وغيرهم، بنعمهم، وذراريهم، ومع النبي ﷺ عشرة آلاف، ومن الطلقاء، فأدبروا عنه حتى بقي وحده». . . \"، وهذا في أول الأمر ثم أنزل الله سكينته وجنوده، فنصر رسوله والمؤمنين، والهزيمة في أول المعركة إنما كانت بسبب من قال: «لن نغلب اليوم من قلة». (٢).\nالخامس عشر: من صفات الداعية: الشجاعة: تحقق في هذا الحديث أن الشجاعة من أهم الصفات التي يتأكد على الداعية أن يتصف بها عقليا وقلبيا، وقد ظهرت هذه الصفة في هذا الحديث؛ لأن النبي ﷺ بقي يقاتل يوم حنين وانهزم الناس، فقاتل قتالا عظيما حتى تراجع الناس وأنزل الله النصر والحمد لله (٣).\nالسادس عشر: من أصناف المدعوين: المشركون: دل جهاد النبي ﷺ المشركين، وقتاله لهم في معركة حنين وغيرها على أن المشركين من أصناف المدعوين الذين ينبغي للداعية أن يدعوهم على حسب الطرق الحكيمة في دعوتهم إلى الله ﷿. (٤).\nالسابع عشر: من أصناف المدعوين: أهل الصلاح والتقوى: إن أهل الصلاح والتقوى من أصناف المدعوين، وقد ظهر في هذا الحديث ما حصل من الأنصار ثم أقنعهم رسول الله ﷺ وأرضاهم بقوله ﷺ: «إني لأعطي\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٧، الدرس الثالث، ورقم ٩، الدرس الرابع، ورقم ٣٥، الدرس الرابع.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٦١، الدرس الثالث.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٣٥، الدرس الخامس، ورقم ٦١، الدرس الثاني.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٩١، الدرس الثامن، ورقم ١٠٥، الدرس السابع.","vol":"2","page":958},{"text":"رجالا حديث عهدهم بكفر، أما ترضون أن يذهب الناس بالأموال وترجعوا إلى رحالكم برسول الله ﷺ»، وهذا يؤكد أن أهل الصلاح والتقوى من أصناف المدعوين (١).\nالثامن عشر: من صفات الداعية: التواضع: النبي ﷺ أعظم الناس تواضعا؛ ولهذا ركب على البغلة في معركة حنين ثم نزل إلى الأرض فقاتل ففتح الله عليه، وهذا يدل على شجاعته ﷺ، وتواضعه، فينبغي لكل مسلم أن يتواضع لله وخاصة الداعية إلى الله ﷿؛ لما لذلك من الفوائد والتأثير على قلوب المدعوين (٢).\nالتاسع عشر: من أساليب الدعوة: الاستفهام الإنكاري: إن الاستفهام الإنكاري من الأساليب الدعوية التي ينبغي للداعية أن يعتني بها؛ ولهذا استخدم هذا الأسلوب في هذا الحديث؛ لقول هشام: «يا أبا حمزة وأنت شاهد ذاك؟ قال: \" وأين أغيب عنه» وهذا استفهام إنكاري (٣).\nالعشرون: من صفات الداعية: مراعاة أحوال المدعوين: ظهر في هذا الحديث أن النبي ﷺ راعى أحوال المدعوين، فمن كان منهم من أهل الإيمان الكامل الذي لا نقص فيه لم يقسم له من الغنائم في معركة حنين، ومن كان دون ذلك أعطاه العطاء العظيم؛ ليقوى إيمانه، ويجذب قلبه إلى الإسلام، وقد كان أصحاب الفضل العظيم في كمال الإيمان الأنصار ﵃، وهذا يؤكد أهمية مراعاة أحوال المدعوين، والله المستعان (٤).\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٧١، الدرس السابع، ورقم ٧٦، الدرس الرابع.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٣٣، الدرس الحادي عشر، والحديث رقم ٦٢، الدرس الثالث.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٤، الدرس الرابع.\n(٤) انظر: الحديث رقم ١٧٣، الدرس التاسع، ثم انظر: الحديث رقم ١٩، الدرس الثالث.","vol":"2","page":959},{"text":"١٧٢ - [٣١٤٩] حدثنا يحيى بن بكير: حدثنا مالك، عن إسحاق بن عبد الله، عن أنس بن مالك (١) ﵁ قال: «كنت أمشي مع النبي ﷺ وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجذبه جذبة شديدة حتى نظرت إلى صفحة عاتق النبي ﷺ قد أثرت به حاشية الرداء من شدة جذبته ثم قال: مر لي من مال الله الذي عندك. فالتفت إليه فضحك ثم أمر له بعطاء» (٢).\nوفي رواية: \"فجبذه بردائه جبذة شديدة\" (٣).\n* شرح غريب الحديث: * برد: البرد: نوع من الثياب معروف والجمع أبراد، وبرود، والبردة: الشملة، المخططة، وقيل: كساء أسود مربع فيه صور تلبسه الأعراب، وجمعها برد (٤).\n* غليظ الحاشية: حاشية كل شيء: طرفه وجانبه. أي غليظ الجانب أو الطرف. (٥).\n* فجبذه: الجبذ لغة في الجذب، وقيل: هو مقلوب. (٦).\n* صفحة عاتق النبي ﷺ: صفحة كل شيء: وجهه، وجانبه، وناحيته، والعاتق ما بين المنكب والعنق. (٧).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ١٤.\n(٢) [الحديث ٣١٤٩] طرفاه في: كتاب اللباس، باب البرود والحبر والشملة، ٧/ ٥١، برقم ٥٨٠٩، وكتاب الأدب، باب التبسم والضحك، ٧/ ١٢٣، برقم ٦٠٨٨. وأخرجه مسلم في كتاب الزكاة، باب إعطاء من سأل بفحش وغلظة، ٢/ ٧٣٠، برقم ١٠٥٧.\n(٣) من الطرف رقم: ٥٨٠٩.\n(٤) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الباء مع الراء، مادة: \"برد\" ١/ ١١٦، وانظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٤٧٠.\n(٥) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الحاء مع الشين، مادة: \"حشا\" ١/ ٣٩٢.\n(٦) المرجع السابق، باب الجيم مع الباء، مادة: \"جبذ\" ١/ ٢٣٥.\n(٧) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الصاد مع الفاء، مادة: \"صفح\" ٣/ ٣٤.","vol":"2","page":960},{"text":"١ - من صفات الداعية: التواضع.\n٢ - أهمية الزهد في حياة الداعية.\n٣ - من صفات الداعية: الحلم.\n٤ - من صفات الداعية: الكرم.\n٥ - أهمية أدب المدعو مع العلماء والدعاة.\n٦ - من صفات الداعية: حسن الخلق.\n٧ - من وسائل الدعوة: التأليف بالعفو مكان الانتقام.\n٨ - أهمية التأليف بالمال.\n٩ - من صفات الداعية: الصبر على الأذى.\n١٠ - من صفات الداعية: دفع السيئة بالحسنة.\n١١ - أهمية إعراض الداعية عن الجاهلين.\n١٢ - من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة.\n١٣ - من أصناف المدعوين: الأعراب.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من صفات الداعية: التواضع: التواضع من الصفات الكريمة التي يتأكد على الداعية أن يتصف بها، وقد ظهرت هذه الصفة في هذا الحديث؛ لقول أنس ﵁: \"كنت أمشي مع النبي ﷺ فدل ذلك على تواضع الرسول ﷺ؛ لأنه مشى مع خادمه، والعظماء في الغالب لا يمشون مع الخدم، وإنما مع كبار القوم ومع القوات التي تحرسهم (١).\nثانيا: أهمية الزهد في حياة الداعية: دل هذا الحديث على زهد النبي ﷺ؛ لأنه ﷺ لبس البرد النجراني غليظ الحاشية، قال الإمام الكرماني ﵀ في ذكره لفوائد هذا الحديث: \"وفيه\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٦٢، الدرس الثالث.","vol":"2","page":961},{"text":"زهد النبي ﷺ، وحلمه، وكرمه، وأنه على خلق عظيم\" (١) وهذا يؤكد زهده وغنى نفسه كما قال ﷺ: \"إن الله يحب العبد التقي، الغني، الخفي\" (٢) فهو ﷺ أولى بالزهد وغنى النفس؛ لمحبة الله له (٣).\nثالثا: من صفات الداعية: الحلم: حلم النبي ﷺ على هذا الأعرابي الجافي الذي جبذه ببرده حتى أثر في صفحة عاتقه، وقال: مر لي من مال الله الذي عندك، فلم يعاقبه على هذه الأعمال التي تثير الغضب، بل حلم ولم يغضب ﷺ، فينبغي للداعية: أن يكون حليما رفيقا، متأنيا (٤).\nرابعا: من صفات الداعية: الكرم: الكرم يدل على عظم الكريم وعلو مكانته؛ ولهذا كان النبي ﷺ أكرم الخلق وأجودهم، ومما يؤكد ذلك ما فعله مع هذا الأعرابي الذي جبذه بردائه، وسأله من المال؛ فأمر له ﷺ بعطاء، وهذا يؤكد غاية الكرم؛ فإن من يعطي عدوه بطيب نفس منه يدل على كرمه العظيم، وجوده المؤكد (٥).\nخامسا: أهمية أدب المدعو مع العلماء والدعاة: لا شك أن هذا الأعرابي قد أساء الأدب، وبالغ في الإساءة مع رسول الله ﷺ، وعمل أعمالا تدل على جهله: فجبذ النبي ﷺ ببردته حتى أثر في صفحة عاتقه، ومع ذلك يأمره أن يعطيه! فلا ينبغي للمدعو أن يسيء الأدب بل يلزمه لزوما مؤكدا أن يتأدب مع العلماء والدعاة، ويناصرهم على الحق، ويدفع عنهم الأذى امتثالا لأمر الله ﷿؛ وأمر رسوله ﷺ (٦).\n_________\n(١) شرح الكرماني على صحيح البخاري ١٣/ ١٢٠، ٢١/ ٦٩.\n(٢) مسلم، كتاب الزهد والرقائق، ٤/ ٢٢٧٧، برقم ٢٩٦٥، عن سعد بن أبي وقاص ﵁.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٢، الدرس الأول، ورقم ١٥، الدرس الأول.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٣٥، الدرس الثالث، ورقم ٨٩، الدرس الخامس.\n(٥) انظر: الحديث رقم ٣٥، الدرس الثالث.\n(٦) انظر: الحديث رقم ١٤، الدرس الثالث، ورقم ٢١، الدرس الأول، ورقم ٣٥، الدرس الأول.","vol":"2","page":962},{"text":"سادسا: من صفات الداعية حسن الخلق: حسن الخلق من الصفات العظيمة التي يتأكد على الداعية إلى الله ﷿ أن يتصف بها؛ وقد دل هذا الحديث على هذه الصفة الحميدة؛ لأن النبي ﷺ عندما جبذه الأعرابي ببردته، حتى أثرت به حاشية الرداء من شدة جبذته، وقال: مر لي من مال الله الذي عندك، لم يزد ﷺ إلا أن التفت إليه فضحك ثم أمر له بعطاء، وهذا والله يؤكد حسن خلقه ﷺ تأكيدا بالغا (١).\nسابعا: من وسائل الدعوة: التأليف بالعفو مكان الانتقام: العفو والصفح من الأمور العظيمة التي ينبغي العناية بها في الدعوة إلى الله ﷿؛ ولهذا عفا النبي ﷺ عن هذا الأعرابي، فلم يعاقبه، وصفح عنه فأزال ما في نفسه عليه فضحك ﷺ، وإلا فجبذه النبي ﷺ ببرده حتى أثرت في صفحة عاتقه، يؤكد عقوبته والغضب عليه، ولكن النبي ﷺ تألفه بالعفو مكان الانتقام؛ لأن الله ﷿ أمره بالعفو فقال: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٩] (٢) وقال ﷿: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] (٣) فينبغي للداعية أن يتألف المدعوين بالعفو، ويتصف به، حتى يجذب قلوب المدعوين، ويحبه الله ﷿. (٤).\nثامنا: أهمية التأليف بالمال: التأليف بالمال من أهم وسائل الدعوة التي تجذب بها قلوب المدعوين، وقد دل هذا الحديث على هذا الأسلوب؛ لأن النبي ﷺ تألف الأعرابي الذي جبذه ببرده وقال مر لي من مال الله، فأمر له النبي ﷺ بعطاء، وهذا يؤكد أهمية التأليف بالمال (٥).\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ١٤، الدرس الأول، ورقم ٢١، الدرس الثاني، وانظر: أخلاق العلماء، لأبي بكر محمد بن الحسين الآجري، ص ٦٤.\n(٢) سورة الزخرف، الآية: ٨٩.\n(٣) سورة آل عمران، الآية: ١٣٤.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٨٠، الدرس الثالث.\n(٥) انظر: الحديث رقم ٧، الدرس التاسع، ورقم ١٦٦، الدرس الثاني.","vol":"2","page":963},{"text":"تاسعا: من صفات الداعية: الصبر على الأذى: إن من الصفات الجميلة التي ينبغي للداعية أن يتصف بها: الصبر على الأذى؛ لأن الصبر يحبس به الداعية نفسه ويضبطها عن الجزع؛ ولهذا صبر النبي ﷺ، على أذى هذا الأعرابي الذي جبذه ببرده حتى انشق، وبقيت حاشيته في عنق رسول الله ﷺ (١) وقد أمر الله عباده بالصبر ووعدهم عليه بالجزاء بغير حساب، قال ﷿: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] (٢) قال الحافظ ابن حجر ﵀: \"وفي هذا الحديث بيان حلمه ﷺ، وصبره على الأذى؛ في النفس، والمال، والتجاوز على جفاء من يريد تألفه على الإسلام؛ وليتأسى به الولاة بعده في خلقه الجميل: من الصفح، والإغضاء، والدفع بالتي هي أحسن\" (٣) وهذا يؤكد جملا من الأخلاق الكريمة، ومنها الصبر على الأذى (٤).\nعاشرا: من صفات الداعية: دفع السيئة بالحسنة: الدفع بالحسنى من الصفات الجميلة التي ينبغي أن يتخلق بها الداعية إلى الله ﷿، وقد دل هذا الحديث على هذه الصفة؛ لأن النبي ﷺ قابل إساءة الأعرابي بالحلم، والعفو، والعطاء؛ قال الإمام النووي ﵀ في ذكره لفوائد هذا الحديث: \"وفيه احتمال الجاهلين والإعراض عن مقابلتهم، ودفع السيئة بالحسنة، وإعطاء من يتألف قلبه، والعفو عن مرتكب كبيرة لا حد فيها، وإباحة الضحك عند الأمور التي يتعجب منها في العادة، وفيه كمال خلق رسول الله ﷺ وحلمه\" (٥) والداعية قد جعل الله له مخرجا من أعدائه؛ فإن العدو عدوان: عدو يرى بالعين، وهو شيطان الإنس، والعدو الآخر شيطان الجن، وهو لا يرى، فالمخرج من شيطان الإنس: بالإعراض عنه، والعفو، والدفع بالتي هي أحسن، والمخرج من شيطان الجن: بالاستعاذة بالله منه. قال الله ﷿: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤] (٦)\n_________\n(١) هذه رواية لمسلم في صحيحه برقم ١٠٥٧.\n(٢) سورة الزمر، الآية: ١٠.\n(٣) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ١٠/ ٥٠٦.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٩، الدرس الثامن، ورقم ٢٧، الدرس الأول، ورقم ٢٨، الدرس السادس.\n(٥) شرح النووي على صحيح مسلم، ٧/ ١٥٣.\n(٦) سورة فصلت، الآية ٣٤.","vol":"2","page":964},{"text":"وقال عن النجاة من العدو الثاني: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت: ٣٦] (١) وما أحسن ما قاله القائل.\nفما هو إلا الاستعاذة ضارعا ... أو الدفع بالحسنى هما خير مطلوب\nفهذا دواء الداء من شر ما يرى ... وذاك دواء الداء من شر محجوب (٢)\nفينبغي للداعية: أن يدفع السيئة بالحسنة، ويحسن إلى من أساء إليه، ويعفو عمن ظلمه، ويعطي من حرمه، ويبش في وجه من قل أدبه، حتى يحصل على الثواب العظيم، وينجو من شر أهل الشر، ويجذب قلوب العقلاء إلى دعوته، والله المستعان (٣).\nالحادي عشر: أهمية إعراض الداعية عن الجاهلين: الإعراض عن الجاهلين صفة من صفات الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، ولهذا أعرض النبي ﷺ عن هذا الأعرابي امتثالا لأمر الله ﷿ حيث قال ﷿: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] (٤) وقد مدح الله من فعل ذلك فقال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] (٥) ومما يدل على التزام الصحابة ﵃ بهذا الخلق العظيم، ما ثبت عن ابن عباس ﵄ قال: «قدم عيينة بن حصن بن حذيفة فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر ﵁، وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته، كهولا كانوا أو شيبا، فقال عيينة لابن أخيه:\nيا ابن أخي، لك وجه عند هذا الأمير فاستأذن لي عليه، قال: سأستأذن لك عليه، قال ابن عباس ﵄: فاستأذن الحر لعيينة، فأذن له عمر ﵁، فلما دخل عليه قال: هي يا ابن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم بيننا\n_________\n(١) سورة فصلت، الآية ٣٦.\n(٢) انظر: زاد المعاد لابن القيم، ٢/ ٤٦٢، وأضواء البيان للشنقيطي، ٢/ ٣٤١ - ٣٤٢.\n(٣) انظر: إكمال إكمال المعلم للأبي ٣/ ٥٣٨.\n(٤) سورة الأعراف الآية ١٩٩.\n(٥) سورة الفرقان الآية ٦٣.","vol":"2","page":965},{"text":"بالعدل، فغضب عمر ﵁ حتى هم به، فقال له الحر: يا أمير المؤمنين إن الله تعالى قال لنبيه ﷺ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] وإن هذا من الجاهلين، والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافا عند كتاب الله» (١) وهذا يؤكد للدعاة إلى الله ﷿ أهمية الإعراض عن الجاهلين.\nالثاني عشر: من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة: الداعية الصادق مع الله ﷿: هو الذي يقتدي برسول الله ﷺ، ويكون قدوة لغيره، وقد دل هذا الحديث على هذه الوسيلة الجميلة؛ ولهذا ذكر الحافظ ابن حجر ﵁ في فوائد هذا الحديث: أن النبي ﷺ صبر على الأذى، وتجاوز على جفاء من يريد تألفه للإسلام؛ ليتأسى به الولاة بعده في خلقه الجميل (٢) فينبغي للداعية أن يكون كذلك، والله المستعان (٣).\nالثالث عشر: من أصناف المدعوين: الأعراب: ظهر في هذا الحديث أن من أصناف المدعوين الأعراب؛ ولهذا حلم النبي ﷺ على هذا الأعرابي الذي جبذه بردائه، وتألفه بالعفو، والعطاء، فدل ذلك على أن الأعراب من أصناف المدعوين الذين ينبغي أن يدعوا إلى الله ﷿ على حسب عقولهم، والأعراب لهم جفاء، وشدة، وقسوة، ومن كان منهم من أهل الكفر كان أشد من غيره في الإعراض، قال الله ﷿: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ - وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ - وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٩٧ - ٩٩] سورة التوبة الآيات ٩٧ - ٩٩.، ولا شك أن من سكن البادية يغلب عليه الجفاء في الغالب والغلظة، وقد يكون بعض أهل البادية على غير ذلك، ولكن هذا هو الأغلب، فعن\n_________\n(١) البخاري، كتاب تفسير سورة الأعراف، باب خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ٥/ ٢٣٥، برقم ٤٦٤٢.\n(٢) انظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ١٠/ ٥٠٦.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٣، الدرس الثالث، ورقم ٨، الدرس الخامس، ورقم ٩، الدرس الثالث عشر.","vol":"2","page":966},{"text":"أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من بدا جفا (١) ومن اتبع الصيد غفل (٢) ومن أتى أبواب السلطان افتتن (٣) وما ازداد عبد من السلطان قربا إلا ازداد من الله بعدا» (٤) وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «من سكن البادية جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى أبواب السلطان افتتن» (٥) وهذا الحديث يبين أحوال الأعراب، فليعتن الداعية بهم على حسب حالهم.\n_________\n(١) من سكن البادية جفا: أي غلظ قلبه وقسا؛ لأن سكان البادية لا يخالطون العلماء إلا قليلا، فلا يتعلمون مكارم الأخلاق، ورأفة القلب على صلة الأرحام والبر، والغالب عليهم أن طباعهم كطباع الوحوش؛ لقلة علمهم ولبعدهم عن الناس. انظر: تحفة الأحوذي بشرح سنن الترمذي للمباركفوري، ٦/ ٥٣٢، وفتح الملك المعبود تكملة المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود، لأمين محمود خطاب السبكي، ٣/ ١١٧.\n(٢) من اتبع الصيد غفل: أي لازم اتباع الصيد والاشتغال به، غفل عن طاعة الله لأن قلبه يشتغل به ويستولي عليه حتى يصير فيه غفلة، وربما يغفل عن الجمعة والجماعة، أما من احتاج إلى ذلك ولم يشغله عن طاعة الله ﷿ فلا يدخل فيه والله أعلم. انظر: عون المعبود شرح سنن أبي داود، لمحمد شمس الحق، ٨/ ٦١، وتحفة الأحوذي بشرح سنن الترمذي للمباركفوري، ٦/ ٥٣٢، وفتح الملك المعبود، لأمين محمود ٣/ ١١٧.\n(٣) من أتى أبواب السلطان افتتن: أي صار مفتونا في دينه؛ لأنه إن وافقه في كل ما يأتي ويذر فقد خاطر على دينه، وإن خالفه فقد خاطر على دنياه. ولا شك أن المحذور في ذلك الموافقة على ما لا يرضي الله ﷿، أو الطمع الزائد في الدنيا، أما من دخل عليهم من باب النصح والتعاون على البر والتقوى، والحذر من كل ما نهى الله عنه ورسوله ﷺ فهذا من أعظم القربات، ومن أفضل الجهاد لقوله ﷺ: \"الدين النصيحة\" قلنا: لمن يا رسول الله، قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم\" [مسلم برقم ٥٥]، وانظر: عون المعبود شرح سنن أبي داود، لمحمد شمس الحق، ٨/ ٦١، وتحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي للمباركفوري، ٦/ ٥٣٢، وفتح الملك المعبود تكملة المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود، لأمين بن محمود بن خطاب السبكي، ٣/ ١١٧.\n(٤) أخرجه أحمد في المسند، ٢/ ٣٧١، ٤٤٠، وأبو داود، كتاب الصيد، باب في اتباع الصيد، ٣/ ١١١، برقم ٢٨٦٠، ومسند الشهاب، للقاضي أبي عبد الله محمد بن سلامة القضاعي، ١/ ٢٢٢، برقم ٣٣٩، وحسن إسناده عند الإمام أحمد، العلامة الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، ٣/ ٢٦٧، برقم ١٢٧٢، وقال العجلوني: \"وأخرجه أحمد والبيهقي بسند صحيح\"، كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس، ٢/ ٣٠٩، برقم ٢٤١٧ و٢/ ٣٣٢، برقم ٢٤٩٩، وصحح إسناده أيضا محمود درويش الحوت فقال. رواه أحمد وإسناده صحيح. أسنى المطالب في أحاديث مختلفة المراتب ص ٢٨٦.\n(٥) أخرجه النسائي، في كتاب الصيد والذبائح، باب اتباع الصيد، ٧/ ١٩٥، برقم ٤٣٠٩، وأبو داود بلفظه، في كتاب الصيد، باب في اتباع الصيد، ٣/ ١١١، برقم ٢٨٥٩، والترمذي، كتاب الفتن، باب: حدثنا محمد بن بشار، ٤/ ٥٢٣، برقم ٢٢٥٦، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث ابن عباس لا نعرفه إلا من حديث الثوري، والطبراني في المعجم الكبير، ١١/ ٥٦، برقم ١١٠٣٠، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٥٥٢، وصحيح سنن النسائي ٣/ ٩٠٢، وصحيح سنن الترمذي، ٢/ ٢٥٥. وانظر: تمييز الطيب من الخبيث فيما يدور على ألسنة الناس من الحديث للعلامة عبد الرحمن بن علي الشيباني الشافعي ص ١١٥، وللحديث شاهد ثالث من حديث البراء بن عازب ﵁، في مسند الإمام أحمد ٤/ ٢٩٧، وفي مسند أبي يعلى، ٣/ ٢١٥، برقم ١٦٥٤، وانظر: المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية، للحافظ ابن حجر العسقلاني ٣/ ٤٠٤، برقم ٣٢٨٨.","vol":"2","page":967},{"text":"١٧٣ - [٣١٥٠] حدثنا عثمان بن أبي شيبة: حدثنا جرير، عن منصور، عن أبي وائل، عن عبد الله (١) ﵁ قال: «لما كان يوم حنين آثر النبي ﷺ في القسمة: فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى عيينة مثل ذلك. وأعطى أناسا من أشراف العرب فآثرهم يومئذ في القسمة. قال رجل (٢) والله إن هذه القسمة ما عدل فيها وما أريد بها وجه الله. فقلت: والله لأخبرن النبي ﷺ فأتيته فأخبرته. فقال: \"فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله؟ رحم الله موسى. قد أوذي بأكثر من هذا فصبر» (٣).\nوفي رواية:\n«قسم النبي ﷺ قسما فقال رجل: \"إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله\"، فأتيت النبي ﷺ فأخبرته فغضب حتى رأيت الغضب في وجهه ثم قال: \"يرحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر\".» (٤).\nوفي رواية: «رحمة الله على موسى». . . \" (٥).\nوفي رواية: \". . . «فأخبرته فتمعر وجهه». . . \" (٦).\nوفي رواية: \". . . «فأتيته وهو في أصحابه فساررته فشق ذلك على النبي ﷺ وتغير وجهه حتى وددت أني لم أكن أخبرته» (٧).\nوفي رواية: \". . . «فغضب حتى احمر وجهه». . . \" (٨).\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ١٠٢.\n(٢) رجح الحافظ ابن حجر في فتح الباري ٨/ ٥٦، أن هذا الرجل هو معتب بن قشير، من بني عمرو بن عوف وكان من المنافقين.\n(٣) [الحديث ٣١٥٠] أطرافه في: كتاب أحاديث الأنبياء، باب، ٤/ ١٥٦، برقم ٣٤٠٥. وكتاب المغازي، باب غزوة الطائف في شوال سنة ثمان، ٥/ ١٢٤، برقم ٤٣٣٥ و٤٣٣٦. وكتاب الأدب، باب من أخبر صاحبه بما يقال فيه ٧/ ١١٤، برقم ٦٠٥٩. وكتاب الأدب، باب الصبر على الأذى، ٧/ ١٢٥، برقم ٦١٠٠. وكتاب الاستئذان، باب إذا كانوا أكثر من ثلاثة فلا بأس بالمسارة والمناجاة، ٧/ ١٨٣، برقم ٦٢٩١. وكتاب الدعوات، باب قول الله تعالى: وَصَلِّ عَلَيْهِمْ، ٧/ ١٩٧، برقم ٦٣٣٦. وأخرجه مسلم في كتاب الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام وتصبر من قوى إيمانه، ٢/ ٧٣٩، برقم ١٥٦٢.\n(٤) من الطرف رقم: ٣٤٠٥.\n(٥) من الطرف رقم: ٤٣٣٥.\n(٦) من الطرف رقم: ٦٠٥٩.\n(٧) من الطرف رقم: ٦١٠٠.\n(٨) من الطرف رقم: ٦٢٩١.","vol":"2","page":968},{"text":"* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من وسائل الدعوة: نقل الكلام بقصد التحذير والإصلاح وإزالة المنكر.\n٢ - من صفات الداعية: الصبر على الأذى.\n٣ - أهمية الإعراض عن الجاهلين.\n٤ - من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة.\n٥ - أهمية التأليف بالمال في الدعوة إلى الله ﷿.\n٦ - من وسائل الدعوة: التأليف بالعفو مكان الانتقام.\n٧ - من صفات الداعية: الحلم.\n٨ - من أساليب الدعوة: الدعاء للقدوات الحسنة.\n٩ - من صفات الداعية: مراعاة أحوال المدعوين.\n١٠ - من أساليب الدعوة: الاستفهام الإنكاري.\n١١ - من أصناف المدعوين: أشراف الناس.\n١٢ - من تاريخ الدعوة: ذكر غزوة حنين.\n١٣ - من القواعد الدعوية: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.\n* والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من وسائل الدعوة: نقل الكلام بقصد التحذير والإصلاح وإزالة المنكر: إن نقل الكلام على جهة التحذير والإصلاح من وسائل الدعوة إلى الله ﷿ عند الحاجة، وقد دل هذا الحديث على ذلك؛ لأن عبد الله بن مسعود ﵁ أخبر النبي ﷺ بقول من قال: \"والله إن هذه قسمة ما عدل فيها وما أريد بها وجه الله \"، فأقر النبي ﷺ عبد الله بن مسعود على هذا الإخبار وقال: «فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله؟، رحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر»، وقد ترجم البخاري ﵀ لهذا الحديث فقال: \"باب من أخبر صاحبه بما يقال فيه\" (١) وقال الحافظ\n_________\n(١) انظر: صحيح البخاري، ٧/ ١١٤.","vol":"2","page":969},{"text":"ابن حجر ﵀ على هذه الترجمة: \"المذموم من نقلة الأخبار من يقصد الإفساد، وأما من يقصد النصيحة، ويتحرى الصدق، ويجتنب الأذى فلا، وقل من يفرق بين البابين فطريق السلامة في ذلك لمن يخشى عدم الوقوف على ما يباح من ذلك مما لا يباح: الإمساك عن ذلك\" (١) وقال ﵀ في مراد البخاري ﵀ بالترجمة: \"وأراد البخاري بالترجمة بيان جواز النقل على جهة النصيحة؛ لكون النبي ﷺ لم ينكر على ابن مسعود نقله ما نقل، بل غضب من مقول المنقول عنه، ثم حلم وصبر على أذاه، اتساء بموسى ﵇، وامتثالا (٢) لقوله تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] سورة الأنعام، الآية: ٩٠، وقال النووي ﵀ في النميمة ونقل الكلام: \"فإن دعت حاجة إليها فلا مانع منها، وذلك كما إذا أخبره بأن إنسانا يريد الفتك به أو بأهله، أو بماله، أو أخبر الإمام أو من له ولاية: بأن إنسانا يفعل كذا، ويسعى بما فيه مفسدة، ويجب على صاحب الولاية الكشف عن ذلك، وإزالته، فكل هذا وما أشبهه ليس بحرام، وقد يكون بعضه واجبا وبعضه مستحبا على حسب المواطن والله أعلم\" (٣) وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في فوائد هذا الحديث: \"وفي هذا الحديث جواز إخبار الإمام وأهل الفضل بما يقال فيهم مما لا يليق بهم؛ ليحذروا القائل، وفيه بيان ما يباح من النميمة، لأن صورتها موجودة في صنيع ابن مسعود هذا، ولم ينكره النبي ﷺ، وذلك أن قصد ابن مسعود ﵁ كان نصح النبي ﷺ وإعلامه بمن يطعن فيه، ممن يظهر الإسلام ويبطن النفاق ليحذر منه، وهذا جائز كما يجوز التجسس على الكفار ليؤمن كيدهم\" (٤) وهذا يؤكد أهمية نقل الكلام عند الحاجة للتحذير والنصيحة الخالصة بشرط أن يكون الأمر واضحا لا شك فيه، وأن لا يحصل بذلك منكر أكبر، والله أعلم.\n_________\n(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ١٠/ ٤٧٥.\n(٢) المرجع السابق، ١٠/ ٤٧٦.\n(٣) شرح النووي على صحيح مسلم، ٢/ ٤٧٣.\n(٤) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ١٠/ ٥١٢، وانظر: شرح الكرماني على صحيح البخاري، ٢١/ ١٩٨.","vol":"2","page":970},{"text":"ثانيا: من صفات الداعية: الصبر على الأذى: الصبر على الأذى من الصفات المهمة التي يتأكد على الداعية الاتصاف بها، وقد دل هذا الحديث على ذلك؛ لأن النبي ﷺ صبر على أذى هذا الرجل الذي قال له: \" إن هذه القسمة ما عدل فيها وما أريد بها وجه الله! \"، قال الحافظ ابن حجر ﵀: \"قال بعض العلماء: الصبر على الأذى من باب جهاد النفس وقد جبل الله الأنفس على التألم بما يفعل بها ويقال فيها؛ لهذا شق على النبي ﷺ نسبتهم له إلى الجور في القسمة، لكنه حلم عن القائل؛ لما علم من جزيل ثواب الصابرين، وأن الله تعالى يأجره بغير حساب، والصابر أعظم أجرا من المنفق؛ لأن حسنته مضاعفة إلى سبعمائة أما الصابر فيجزى بغير حساب \" (١) وقال ﵀: \"وفيه أن أهل الفضل قد يغضبهم ما يقال فيهم مما ليس فيهم، ومع ذلك فيتلقون ذلك بالصبر والحلم كما صنع النبي ﷺ اقتداء بموسى ﵇ \" (٢) وهذا يبين للداعية أهمية الصبر على الأذى، والله المستعان (٣).\nثالثا: أهمية الإعراض عن الجاهلين: الإعراض عن الجاهلين من الصفات الحميدة؛ ولهذا أعرض النبي ﷺ عن هذا المنافق الذي قال: \"إن هذه قسمة ما عدل فيها\"، وهذا يوضح للداعية ويبين له أن الإعراض عن الجاهلين من صفات الرسل عليهم الصلاة والسلام (٤).\nرابعا: من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة: لا شك أن القدوة الحسنة من أهم وسائل الدعوة؛ ولهذا اقتدى محمد بن عبد الله ﷺ بموسى في صبره على الأذى، فصبر ﷺ على قول من قال: \"إن هذه قسمة ما عدل فيها\"، وقال ﷺ: «رحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر»، وهذا فيه استخدام قياس الأولى، فإذا كان موسى ﷺ صبر على\n_________\n(١) فتح الباري شرح صحيح البخاري ١٠/ ٥١١، بتصرف يسير، وانظر: شرح الكرماني على صحيح البخاري، ٢١/ ٢٢٣.\n(٢) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ١٠/ ٥١٢.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٩، الدرس الثامن، ورقم ١٦، الدرس الخامس.\n(٤) انظر: الحديث رقم ١٧٢، الدرس الحادي عشر.","vol":"2","page":971},{"text":"الأذى الذي هو أكثر من هذا، فالصبر على الأذى القليل أولى بالتحمل (١).\nخامسا: أهمية التأليف بالمال في الدعوة إلى الله ﷿: التأليف بالمال له أهمية بالغة في الدعوة إلى الله ﷿؛ ولهذا أعطى النبي ﷺ - كما في هذا الحديث- الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى عيينة مثل ذلك، وأعطى أناسا من أشراف العرب فآثرهم في القسمة، وقد جاء التفصيل بأكثر من هذا في رواية الحديث عند مسلم، «فقد آثر ﷺ يوم حنين أشرافا من العرب في القسمة: فأعطى صفوان بن أمية مائة من الإبل، وأعطى أبا سفيان مائة، وعيينة بن حصن مائة، والأقرع بن حابس مائة، وعلقمة بن علاثة مائة، وقيل: أعطى مالك بن عوف مائة من الإبل، وأعطى عباس بن مرداس دون ذلك فقال عباس بن مرداس:\nأتجعل نهبي ونهب العبيد ... بين عيينة والأقرع\nفما كان بدر ولا حابس ... يفوقان مرداس في المجمع\nوما كنت دون امرئ منهما ... ومن تخفض اليوم لا يرفع\nفأتم له رسول الله ﷺ، مائة من الإبل مثلهم» (٢) وهذا يؤكد على أهمية التأليف بالمال وأثره على النفوس، وخاصة ضعفاء الإيمان (٣).\nسادسا: من وسائل الدعوة: التأليف بالعفو مكان الانتقام: إن التأليف بالعفو مكان الانتقام من أهم الوسائل الدعوية؛ ولهذا عفا ﷺ عن هذا الرجل الجافي الجاهل الذي قال: \"إن هذه قسمة ما عدل فيها\"، وهذا يؤكد للداعية أهمية التأليف بالعفو مكان الانتقام، والله المستعان (٤).\nسابعا: من صفات الداعية: الحلم: حلم النبي ﷺ على هذا الرجل الذي قال فيه: \"إن هذه قسمة ما عدل فيها\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٣، الدرس الثالث، ورقم ٨، الدرس الخامس، ورقم ٩، الدرس الثالث عشر.\n(٢) صحيح مسلم برقم ١٠٦٢، وتقدم تخريجه مع أصل الحديث، ص ٩٦٨.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٧، الدرس التاسع، ورقم ١٦٦، الدرس الثاني.\n(٤) انظر: الحديث رقم؛ ٨، الدرس الثامن، ورقم ١٧٢، الدرس السابع.","vol":"2","page":972},{"text":"وما أريد بها وجه الله \"، فلم يعاقبه على ذلك، فدل ذلك على كمال حلمه ﷺ، فينبغي للداعية أن يقتدي بالنبي ﷺ في حلمه، وعفوه وصفحه، وفي جميع أحواله التي لا تختص به ﷺ (١).\nثامنا: من أساليب الدعوة: الدعاء للقدوات الحسنة: إن من أساليب الدعوة النافعة الدعاء للقدوات الحسنة: من الأنبياء، والعلماء، والدعاة؛ لما في ذلك من لفت قلوب المدعوين إلى أعمالهم الطيبة، فيحبونهم ويقتدون بهم، وقد دل الحديث على هذا الأسلوب بقوله ﷺ: \"رحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر\"؛ فإن هذا يشد قلوب المدعوين إلى الاقتداء بمن دعي له، فينبغي للداعية أن يدعو للعلماء عند ذكرهم ويترحم عليهم، ويثني عليهم بأعمالهم الطيبة بحضرة المدعوين؛ لما في ذلك من ترغيب في أعمالهم؛ ولحقهم على من استفاد من علمهم، والله ﷿ أعلم (٢).\nتاسعا: من صفات الداعية: مراعاة أحوال المدعوين: ظهر في هذا الحديث أن النبي ﷺ يراعي أحوال المدعوين؛ ولهذا أعطى أناسا من أشراف قريش وترك آخرين (٣) قال ﷺ: «إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه خشية أن يكب في النار على وجهه» (٤) وعن عائشة ﵂ أنها قالت: «أمرنا أن ننزل الناس منازلهم» (٥) وقال عبد الله بن مسعود ﵁: «ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة» (٦).\nوقال علي بن أبي طالب ﵁: «حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله» (٧)\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٣٥، الدرس الثاني، ورقم ٨٩، الدرس الخامس.\n(٢) انظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري، لابن حجر، ١١/ ١٣٥، ١٣٧، وعمدة القاري للعيني، ٢٢/ ١٣٢.\n(٣) انظر: فتح الباري، لابن حجر، ٨/ ٥٣، وعمدة القاري للعيني، ١٥/ ٦٩.\n(٤) متفق عليه: البخاري، ١/ ١٤، برقم ٢٧، ومسلم، ١/ ١٣٢، برقم ١٥٠، وتقدم تخريجه في الحديث رقم ٧، الدرس التاسع، ص ٨٥.\n(٥) مسلم في المقدمة، ١/ ٦، وسنن أبي داود، كتاب الأدب، باب إنزال الناس منازلهم، ٤/ ٢٦١، برقم ٤٨٤٢.\n(٦) مسلم في المقدمة، باب النهي عن الحديث بكل ما سمع، ١/ ١١.\n(٧) البخاري، كتاب العلم، باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية أن لا يفهموا، قي ترجمة الباب، ١/ ٤٦، قبل حديث رقم ١٢٧.","vol":"2","page":973},{"text":"وهذه الأحاديث وغيرها تؤكد مراعاة أحوال المدعوين على حسب عقولهم، وعقيدتهم، وأجناسهم، ومجتمعاتهم، وعلمهم، وغير ذلك (١).\nعاشرا: من أساليب الدعوة: الاستفهام الإنكاري: إن الاستفهام الإنكاري من الأساليب المهمة في الدعوة إلى الله ﷿، وقد دل هذا الحديث على هذا الأسلوب في قوله ﷺ: «فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله»؟ \"، وهذا يؤكد أهمية أسلوب الاستفهام الإنكاري، فينبغي أن يعتني به الداعية عند الحاجة إليه والله الموفق. (٢).\nالحادي عشر: من أصناف المدعوين: أشراف الناس: إن أشراف الناس صنف من أصناف المدعوين؛ ولهذا تألفهم رسول الله ﷺ وأعطاهم- كما في هذا الحديث- عطاء خاصا، مراعاة لأحوالهم، وإنزالا لهم منازلهم، قال عبد الله بن مسعود ﵁: «وأعطى أناسا من أشراف العرب وآثرهم يومئذ في القسمة»، وهم من الطلقاء الذين أسلموا يوم الفتح، ومنهم من هو من المهاجرين، وقد اعتنى النبي ﷺ بجماعة فأجزل لهم العطاء، منهم أبو سفيان، وصفوان بن أمية، وعيينة بن حصن، ومالك بن عوف، والأقرع بن حابس، وعلقمة بن علاثة، والعباس بن مرداس، وغيرهم، وقد أعطى كل واحد من هؤلاء مائة من الإبل \"، (٣) فينبغي للداعية أن يعتني بدعوة أشراف الناس، ويخاطبهم على قدر مكانتهم، ومنازلهم؛ لأن النبي ﷺ سلك هذا المنهج الحكيم وأنزل كل إنسان منزلته.\nالثاني عشر: من تاريخ الدعوة: ذكر غزوة حنين: ظهر في هذا الحديث ذكر غزوة حنين؛ لقول عبد الله بن مسعود ﵁: «لما\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ١٩، الدرس الثالث، ورقم ٥٨، الدرس السابع.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٤، الدرس الرابع، ورقم ٣١، الدرس الخامس.\n(٣) انظر: صحيح مسلم، برقم ١٠٦٢، وتقدم تخريجه في أصل الحديث، ص ٩٦٨، وانظر: فتح الباري لابن حجر، ٨/ ٥٣ و٥٥.","vol":"2","page":974},{"text":"كان يوم حنين آثر النبي ﷺ أناسا في القسمة»، وهذا فيه بيان لأهمية هذه الغزوة، والعناية بها، وبذكرها، وتاريخها (١).\nالثالث عشر: من القواعد الدعوية: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح: لا شك أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح؛ ولهذا والله أعلم لم يقتل النبي ﷺ هذا الرجل الذي قال له في هذا الحديث: \"إن هذه قسمة ما عدل فيها \"؛ لأنه لو قتله، لقيل: إن محمدا يقتل أصحابه، وهذا فيه تنفير من الإسلام؛ لأن المنافقين من جملة أصحاب النبي ﷺ فيما يبدو للناس، فإذا قتلهم كان في ذلك مفاسد عظيمة، والله أعلم (٢).\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ١٧١، الدرس الثاني.\n(٢) انظر: الحديث رقم ١٦٧، الدرس الخامس.","vol":"2","page":975},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-315>[حديث أسماء كنت أنقل النوى من أرض الزبير</span>. . .]\n١٧٤ - [٣١٥١] حدثنا محمود بن غيلان: حدثنا أبو أسامة: حدثنا هشام قال: أخبرني أبي عن أسماء بنت أبي بكر (١) ﵄ قالت: «كنت أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله ﷺ على رأسي. وهي مني على ثلثي فرسخ \".» وقال أبو ضمرة عن هشام، عن أبيه: «أن النبي ﷺ أقطع الزبير أرضا من أموال بني النضير\".» (٢).\nوفي رواية: «عن أسماء ﵂ قالت: تزوجني الزبير وما له في الأرض من مال ولا مملوك، ولا شيء غير ناضح، وغير فرسه، فكنت أعلف فرسه وأستقي الماء، وأخرز غربه، وأعجن، ولم أكن أحسن أخبز، وكان يخبز جارات لي من الأنصار، وكن نسوة صدق، وكنت أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله ﷺ على رأسي، وهي مني على ثلثي فرسخ، فجئت يوما والنوى على رأسي، فلقيت رسول الله ﷺ ومعه نفر من الأنصار، فدعاني ثم قال: \"إخ إخ \" ليحملني خلفه، فاستحييت أن أسير مع الرجال، وذكرت الزبير وغيرته، وكان أغير الناس، فعرف رسول الله ﷺ أني قد استحييت فمضى، فجئت الزبير فقلت: لقيني رسول الله ﷺ وعلى رأسي النوى ومعه نفر من أصحابه، فأناخ؛ لأركب فاستحييت منه وعرفت غيرتك، فقال: والله لحملك النوى كان أشد علي من ركوبك معه. قالت: حتى أرسل إلي أبو بكر بعد ذلك بخادم يكفيني سياسة الفرس فكأنما أعتقني \".» (٣).\n\n* شرح غريب الحديث: * \" فرسخ \" الفرسخ من المسافة المعلومة في الأرض مأخوذ منه، والفرسخ ثلاثة أميال أو ستة، سمي بذلك؛ لأن صاحبه إذا مشى قعد واستراح من ذلك\n_________\n(١) تقدمت ترجمتها في الحديث رقم: ١٠٧.\n(٢) [الحديث ٣١٥١] طرفه في كتاب النكاح، باب الغيرة، ٦/ ١٩١، برقم ٥٢٢٤. وأخرجه مسلم في كتاب السلام، باب جواز إرداف المرأة الأجنبية إذا أعيت في الطريق، ٤/ ١٧١٦، برقم ٢١٨٢.\n(٣) من الطرف رقم: ٥٢٢٤.","vol":"2","page":976},{"text":"كأنه سكن (١) وقيل: الفرسخ: ثلاثة أميال هاشمية، أو اثنا عشر ألف ذراع، أو عشرة آلاف (٢).\n* \" ناضح \" الناضح، والنواضح: الإبل السواني التي يسقى عليها الزرع والنخل، واحدها: ناضح، وجمعها نواضح (٣).\n* \" غربه \" الغرب الدلو (٤).\n* \" سياسة الفرس \" أي القيام على الفرس بما يصلحه (٥).\n* \" الغيرة \" أي الحمية والأنفة، يقال: رجل غيور، وامرأة غيور، بلا هاء؛ لأن فعولا يشترك فيه الذكر والأنثى (٦).\n\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - مكانة الصحابيات وصبرهن على خدمة الأزواج.\n٢ - من صفات الداعية: الكرم.\n٣ - من صفات الداعية: التواضع.\n٤ - أهمية الحياء وعظم منزلته.\n٥ - من صفات الداعية: الغيرة المحمودة.\n٦ - من صفات الداعية: الحرص على صلة الأرحام.\n٧ - أهمية الصدق ومكانته.\n٨ - من صفات الداعية: الرحمة.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\n_________\n(١) لسان العرب، لابن منظور، باب الخاء، فصل الفاء، ٣/ ٤٤.\n(٢) القاموس المحيط، للفيروز آبادي، باب الخاء، فصل الفاء، ص ٣٢٩.\n(٣) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين، للحميدي، ص ٢٠٨، ص ٥٦٧.\n(٤) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٥٦٨ والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الغين مع الراء، مادة: \"غرب \" ٣/ ٣٥١.\n(٥) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب السين مع الواو، مادة: \"سوس\" ٢/ ٤٢١.\n(٦) انظر: المرجع السابق، باب الغين مع الياء، مادة \"غير\"، ٣/ ٤٠١.","vol":"2","page":977},{"text":"أولا: مكانة الصحابيات وصبرهن على خدمة الأزواج: إن نساء الصحابة ﵃ كن مجاهدات عاملات في خدمة الأزواج، صابرات على المشقة والتعب ابتغاء وجه الله ﷿، ومما يدل على ذلك ما فعلته أسماء بنت أبي بكر ﵄، من العمل العظيم في خدمة الزوج الشجاع الزبير بن العوام ﵁، فقد كانت تنقل النوى من أرض بعيدة عن منزلها، وتخرز الغرب، وتستقي الماء، وتعجن وكل ذلك بيدها، والحمل على ظهرها ورأسها، وهذا يدل على قوة عزيمتها، ورغبتها فيما عند الله ﷿ (١).\nثانيا: من صفات الداعية: الكرم: الكرم من الصفات الحميدة؛ ولهذا اتصف به رسول الله ﷺ، وقد دل هذا الحديث على ذلك؛ لأنه ﷺ أقطع الزبير أرضا، وهذا غيض من فيض من كرم رسول الله ﷺ، فينبغي لكل مسلم أن ينهج منهجه، ويسلك طريقه ﷺ (٢).\nثالثا: من صفات الداعية: التواضع: ظهر في هذا الحديث تواضع النبي ﷺ، وحسن خلقه مع أصحابه؛ فقد رأى أسماء بنت أبي بكر تحمل النوى على رأسها من أرض الزبير البعيدة عن منزلها، فدعاها ﷺ ثم قال: «إخ إخ» لراحلته؛ لتبرك فيحمل أسماء عليها خلفه، كما كان يردف أصحابه خلفه مرارا لا تحصر، وهذا يدل على عظم تواضعه ﷺ (٣).\nرابعا: أهمية الحياء وعظم منزلته: لا شك أن الحياء مهم وخاصة للمرأة، وقد دل هذا الحديث على عظم حياء أسماء بنت أبي بكر ﵂؛ لأنها عندما أناخ رسول الله ﷺ راحلته لتركب خلفه استحيت ﵂ ولم تركب، قالت: «فاستحييت أن أسير مع الرجال»، وقالت: «فعرف رسول الله ﷺ أني قد استحييت فمضى»، وهذا يؤكد أهمية\n_________\n(١) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ١٤/ ٤١٥، وفتح الباري لابن حجر، ٦/ ٢٥٢، ٩/ ٣١٩.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٣٥، الدرس الثالث.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٦٢، الدرس الثالث.","vol":"2","page":978},{"text":"الحياء (١) ولهذا قال ﷺ: «الإيمان بضع وسبعون شعبة (٢) والحياء شعبة من الإيمان» (٣) وفي رواية لمسلم: «الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، فأولها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» (٤) وعن عمران بن حصين ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «الحياء لا يأتي إلا بخير» (٥) ولأهمية الحياء عده النبي ﷺ من شرائع الأنبياء التي لم تنسخ، بل يكون إلى يوم القيامة (٦) فعن أبي مسعود ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح (٧).\nفاصنع ما شئت» (٨) وأعظم من ذلك دلالة أن هذا الحياء من أخلاق النبي ﷺ، فعن أبي سعيد ﵁: «كان النبي ﷺ أشد حياء من العذراء (٩) في خدرها، وكان إذا كره شيئا عرفناه في وجهه» (١٠) فينبغي للدعاة إلى الله ﷿ أن يلتزموا الحياء الذي يحبه الله ﷿؛ وليعلم أن الحياء الذي يمنع من العلم أو من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس حياء، وإنما هو من الضعف والخور، والجبن، والله المستعان.\n_________\n(١) انظر: مختصر شعب الإيمان للبيهقي، اختصره الإمام عمر بن عبد الرحمن القزويني، ص ١١٠، والتوضيح والبيان لشجرة الإيمان، لعبد الرحمن بن ناصر السعدي.، ص ٩ - ٣٨.\n(٢) البضع: ما بين الثلاث إلى عشر، وقيل ما بين الثلاث إلى تسع. شرح النووي على صحيح مسلم ١/ ٣٦٣.\n(٣) متفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁: البخاري، كتاب الإيمان، باب أمور الإيمان، ١/ ١٠، برقم ٩، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها، ١/ ٦٣، برقم ٣٥، واللفظ له.\n(٤) مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان عدد شعب الإيمان، ١/ ٦٣، برقم ٣٥.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب الأدب، باب الحياء، ٧/ ١٣٠، برقم ٦١١٧، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان عدد شعب الإيمان، ١/ ٦٤، برقم ٣٧ وفي لفظ له: \"الحياء كله خير\".\n(٦) انظر: جامع الأصول، لابن الأثير، ٣/ ٦٢١.\n(٧) إذا لم تستح فاصنع ما شئت: هذا له تفسيران: المعنى الأول المشهور: إذا لم تستح من العيب ولم تخش العار مما تفعله فافعل ما تحدثك به نفسك من أغراضها سواء كان حسنا أو قبيحا، وهذا لفظه أمر. ومعناه: توبيخ وتهديد. والمعنى الثاني: إذا كنت من أفعالك آمنا أن تستحي منها فاصنع منها ما شئت، كأنه يقول: إذا كنت في أفعالك جاريا على سنن الصواب، فافعل منها ما شئت، جامع الأصول من أحاديث الرسول ﷺ، لابن الأثير، ٣/ ٦٢١، وانظر: شرح الأربعين النووية، للإمام ابن دقيق العيد، ص ٦٢.\n(٨) البخاري، في كتاب أحاديث الأنبياء، باب ٤٠/ ١٨٣، برقم ٣٤٨٣.\n(٩) العذراء: البكر، والخدر: هو الموضع الذي تصان فيه من الأعين. جامع الأصول لابن الأثير، ٣/ ٦٢٢.\n(١٠) متفق عليه: البخاري، كتاب الأدب، باب الحياء، ٧/ ١٣٠، برقم ٦١١٩، ومسلم، كتاب الفضائل، باب كثرة حيائه ﷺ، ٤/ ١٨٠٩، برقم ٢٣٢٠، واللفظ له.","vol":"2","page":979},{"text":"خامسا: من صفات الداعية: الغيرة المحمودة: إن الغيرة المحمودة هي التي تبعث على القيام بالواجبات وتنفر من المحرمات، وقد ظهر في هذا الحديث أن الغيرة من الصفات الحميدة التي ينبغي أن يتصف بها الداعية، قالت أسماء ﵂: «فاستحييت أن أسير مع الرجال، وذكرت الزبير وغيرته وكان أغير الناس»، ويؤكد ذلك ما صح في مدح الغيرة، فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا أحد أغير من الله؛ ولذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه المدح من الله؛ ولذلك مدح نفسه، [وليس أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أنزل الكتاب وأرسل الرسل]»، \" (١) وعن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: «قال سعد بن عبادة ﵁: لو رأيت رجلا مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح عنه (٢) فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: \"أتعجبون من غيرة سعد؛ فوالله لأنا أغير منه، والله أغير مني، من أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا شخص أغير من الله، ولا شخص أحب إليه العذر من الله، ومن أجل ذلك بعث الله المرسلين مبشرين ومنذرين، ولا شخص أحب إليه المدحة من الله، ومن أجل ذلك وعد الله الجنة» (٣) وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله يغار، وإن المؤمن يغار، وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم [الله] عليه» (٤) ومما يؤكد غيرة الله على محارمه ما روته عائشة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «يا أمة محمد، ما أحد أغير من الله أن يرى عبده أو أمته يزني، يا أمة محمد لو تعلمون ما أعلم\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب التفسير، سورة الأنعام، باب قوله وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر، ٥/ ٢٣١، برقم ٤٦٣٤، ومسلم، كتاب التوبة، باب غيرة الله تعالى وتحريم الفواحش، ٤/ ٢١١٤، برقم ٢٧٦٠، واللفظ له.\n(٢) غير مصفح: أي يضربه بحد السيف لا بعرضه. جامع الأصول لابن الأثير، ٨/ ٤٣٣.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب التوحيد، باب قول النبي ﷺ: \"لا شخص أغير من الله \"، ٨/ ٢٢٠، برقم ٧٤١٦، ومسلم، كتاب اللعان، ٢/ ١١٣٦، برقم ١٤٩٩.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب النكاح، باب الغيرة، ٦/ ١٩١، برقم ٥٢٢٣، ومسلم، كتاب التوبة، باب غيرة الله تعالى وتحريم الفواحش، ٤/ ٢١١٤، برقم ٢٧٦١، واللفظ لمسلم، وما بين المعكوفين من صحيح البخاري.","vol":"2","page":980},{"text":"لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا» (١).\nوقد ذكر الإمام ابن القيم ﵀: أن الغيرة نوعان: غيرة من الشيء، وغيرة على الشيء، والغيرة من الشيء: كراهة مزاحمته ومشاركته لك في محبوبك، والغيرة على الشيء: شدة حرصك على المحبوب أن يفوز به غيرك دونك أو يشاركك في الفوز به.\nوالغيرة أيضا نوعان: غيرة العبد من نفسه على نفسه، كغيرته من نفسه على قلبه، ومن تفرقه على جمعيته، ومن إعراضه على إقباله، ومن صفاته المذمومة على صفاته المحمودة، وهذه الغيرة خاصية النفس الشريفة الذكية، وما للنفس الدنية المهينة فيها نصيب.\nثم الغيرة أيضا نوعان: غيرة الله على عبده، وغيرة العبد لربه لا عليه، فأما غيرة الرب على عبده، فهي أن لا يجعله للخلق عبدا، بل يتخذه ﷿ لنفسه وحده عبدا. وغيرة العبد لربه نوعان، أيضا: غيرة من نفسه وغيرة من غيره، فالتي من نفسه: أن لا يجعل شيئا من أعماله، وأقواله، وأحواله، وأوقاته، وأنفاسه لغير ربه، والتي من غيره: أن يغضب لمحارمه ﷿ إذا انتهكها المنتهكون، ولحقوقه إذ اتهاون بها المتهاونون (٢) فينبغي للداعية أن يتصف بالغيرة التي يحبها الله ﷿، ويدعو الناس إليها ويحثهم عليها، ويحذرهم من محارم الله ﷿؛ لأن الله يغار وغيرته لا تشبه غيرة أحد من خلقه؛ فإنه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] والله الموفق للصواب.\nسادسا: من صفات الداعية: الحرص على صلة الأرحام: دل هذا الحديث على أن من الصفات الحميدة الحرص على صلة الأرحام؛ لأن أبا بكر ﵁ أحسن إلى بنته أسماء ﵂ فأرسل إليها خادما يكفيها الفرس وما يحتاج إليه؛ ولهذا قالت ﵂: \". . . «حتى أرسل إلي أبو بكر بعد ذلك بخادم يكفيني سياسة الفرس، فكأنما أعتقني»، وقد تأثرت ﵂ بهذه الصلة حتى\n_________\n(١) البخاري، كتاب النكاح، باب الغيرة، ٦/ ١٩١، برقم ٥٢٢١.\n(٢) انظر: مدارج السالكين، لابن القيم، ٣/ ٤٣.","vol":"2","page":981},{"text":"قالت: «فكأنما أعتقني»، وهذا يؤكد ويحث على العناية بالأرحام وصلتهم؛ لما في ذلك من الثواب العظيم، والأجر الكبير؛ ولأهمية صلة الرحم ألزم الله بها كل مسلم ومسلمة لنصوص كثيرة وفوائد عظيمة منها ما يأتي: ١ - أمر الله ﷿ بصلة الأرحام فقال: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦] (١) وقال الله ﷿: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٦] (٢) وقال سبحانه: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الروم: ٣٨] (٣) وقال ﷿: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٥] (٤).\n٢ - صلة الأرحام يزيد الله بها في العمر، ويبسط في الرزق، ويصل من وصلها، وهي من أسباب المحبة بين الأهل والأقارب، فعن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره (٥) فليصل رحمه» (٦) وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال لها: «إنه من أعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه من خير الدنيا والآخرة، وصلة الرحم، وحسن الخلق وحسن الجوار، يعمران الديار، ويزيدان في الأعمار» (٧) وعن أبي هريرة\n_________\n(١) سورة النساء، الآية: ٣٦، وانظر: أحكام القرآن لعماد الدين الطبري الهراس، ٢/ ٣٧١.\n(٢) سورة الإسراء، الآية: ٢٦.\n(٣) سورة الروم، الآية: ٣٨.\n(٤) سورة البقرة، الآية: ٢١٥.\n(٥) ينسأ له في أثره: أي يؤخر له في أجله، وبسط الرزق: توسيعه وكثرته، وقيل: البركة فيه. وأما التأخير في الأجل، فقيل: هذه الزيادة بالبركة في عمره والتوفيق للطاعات، وعمارة أوقاته بما ينفعه في الآخرة، وصيانتها عن الضياع في غير ذلك، ورجحه النووي. وقيل: إن التأجيل في العمر بالنسبة لما يظهر للملائكة وفي اللوح المحفوظ ونحو ذلك، فيظهر لهم أن عمره ستون سنة مثلا، فإن وصل رحمه زيد له أربعون سنة وقد علم الله ﷿ ما سيقع من ذلك وقدره. انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ١٦/ ٣٤٩.\n(٦) متفق عليه: البخاري، كتاب الأدب، باب من بسط له في الرزق بصلة الرحم، ٧/ ٩٦، برقم ٥٩٨٦، ومسلم كتاب البر والصلة، والآداب، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها، ٤/ ١٩٨٢، برقم ٢٥٥٧.\n(٧) مسند الإمام أحمد، ٦/ ١٥٩، وتقدم تخريجه في الحديث رقم ٧٦، الدرس الثالث، ص ٤٦٢.","vol":"2","page":982},{"text":"﵁ عن النبي ﷺ قال: «تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم؛ فإن صلة الرحم محبة في الأهل، مثراة في المال، منسأة (١) في الأثر» (٢) وعن جبير بن مطعم ﵁ أنه سمع عمر بن الخطاب ﵁ يقول على المنبر: \"تعلموا أنسابكم، ثم صلوا أرحامكم، والله إنه ليكون بين الرجل وبين أخيه الشيء، ولو يعلم الذي بينه وبينه من داخلة الرحم (٣) لأوزعه ذلك عن انتهاكه \" (٤) وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «اعرفوا أنسابكم تصلوا أرحامكم، فإنه لا قرب لرحم إذا قطعت وإن كانت قريبة، ولا بعد لها إذا وصلت وإن كانت بعيدة» (٥) وزاد البخاري في الأدب المفرد موقوفا على ابن عباس ﵄: «. . . وكل رحم آتية يوم القيامة أمام صاحبها تشهد له بصلة إن كان وصلها، وعليه بقطيعة إن كان قطعها». (٦).\n٣ - صلة الأرحام من أسباب دخول الجنة، فعن أبي أيوب الأنصاري ﵁ «أن رجلا قال يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة، فقال ﷺ: \"تعبد الله لا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم» (٧) وعن عبد الله بن سلام ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام» (٨).\n_________\n(١) قال الترمذي في سننه منسأة في الأثر، يعني زيادة في العمر، ٤/ ٣٥١.\n(٢) أخرجه الترمذي، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في تعليم النسب، ٤/ ٣٥١، برقم ١٩٧٩، وأحمد في المسند، ٢/ ٣٧٤، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي ٤/ ١٦١، وقال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٢٧٦: \"إسناده جيد، ورجاله ثقات\".\n(٣) داخلة الراحم: علامة القرابة. فضل الله الصمد في توضيح الأدب المفرد، لفضل الله الجيلاني ١/ ١٥٥.\n(٤) أخرجه البخاري في الأدب المفرد في باب: تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم، ص ٣٩، برقم ٧٢، وحسن إسناده الألباني في صحيح الأدب المفرد ص ٥٥.\n(٥) أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي ٤/ ١٦١، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم ٢٧٧.\n(٦) الأدب المفرد ص ٣٩، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد ص ٥٦، وقال في سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم ٢٧٧ في هذه الزيادة: \"وهذا سند على شرط البخاري في صحيحه، ولكنه موقوف بيد أن من رفعه ثقة حجة وهو الإمام الطيالسي وزيادة الثقة مقبولة\".\n(٧) البخاري، كتاب الأدب، باب فضل صلة الرحم، ٧/ ٩٥، برقم ٥٩٨٣.\n(٨) أخرجه ابن ماجه برقم: ٣٢٥١، والترمذي برقم: ٢٤٨٥، وأحمد في المسند ١/ ١٦٥، وتقدم تخريجه في الدرس الثالث من الحديث رقم ١٣٣، ص ٧٧٣.","vol":"2","page":983},{"text":"٤ - صلة الرحم من أسباب النجاة من العقوبة؛ لأن قطيعة الرحم تسبب العقوبة، في الدنيا والآخرة، فعن أبي بكرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة: من البغي وقطيعة الرحم» (١) وعن جبير بن مطعم ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يدخل الجنة قاطع» (٢) يعني قاطع رحم (٣) وعن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ: «إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت: \"هذا مقام العائذ بك من القطيعة\". قال: \"نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؛ \" قالت: بلى يا رب، قال: \"فهو لك \"، ثم قال رسول الله ﷺ: اقرؤوا إن شئتم: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ - أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ - أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٢ - ٢٤]»، (٤) وعن عائشة ﵂ قالت، قال رسول الله ﷺ: «الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله» (٥) وعن عبد الرحمن بن عوف ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «قال الله ﷿ أنا الرحمن، وأنا خلقت الرحم، وشققت لها من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها بتته» (٦).\n٥ - صلة الرحم الكاملة التي تحصل بها الإعانة هي أن المسلم يصل من\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الأدب، باب في النهي عن البغي، ٤/ ٢٧٦، برقم ٤٩٠٢، والترمذي، كتاب صفة القيامة، باب: حدثنا علي بن حجر، ٤/ ٦٦٤، برقم ٢٥١١، وقال: \"هذا حديث حسن صحيح، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد، باب عقوبة قاطع الرحم في الدنيا، ١/ ١٤٧، برقم ٦٧، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم ٩١٧، ٩٧٦. وصحيح الأدب المفرد ص ٥٣.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الأدب، باب إثم القاطع ٧/ ٩٥، برقم ٥٩٨٤، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها، ٤/ ١٩٨١، برقم ٢٥٥٦.\n(٣) من رواية مسلم المتقدمة برقم ٢٥٥٦.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الأدب، باب من وصل وصله الله، ٧/ ٩٦، برقم ٥٩٨٧، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها، ٤/ ١٩٨٠، برقم ٢٥٥٤، والآيات من سورة محمد ٢٢ - ٢٤.\n(٥) مسلم، كتاب البر والصلة، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها، ٤/ ١٩٨١، برقم ٢٥٥٦.\n(٦) البخاري في الأدب المفرد، باب فضل صلة الرحم، ص ٣٣، برقم ٥٣، بلفظه، وأبو داود، في كتاب الزكاة، باب في صلة الرحم، ٢/ ١٣٣، برقم ١٦٩٤، والترمذي، وصححه في كتاب البر والصلة، باب ما جاء في قطيعة الرحم، ٤/ ٣١٥، برقم ١٩٠٧، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: ٥٢٠، وصحيح الأدب المفرد ص ٤٩.","vol":"2","page":984},{"text":"قطعه، فعن أبي هريرة ﵁: «أن رجلا قال: يا رسول الله، إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي، فقال: \"لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل (١) ولا يزال معك من الله ظهير عليهم (٢) ما دمت على ذلك \".» (٣) وعن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: «ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها» (٤) والمراد بالواصل في هذا الحديث: الكامل؛ فإن المكافأة نوع صلة، ولا يلزم من نفي الوصل ثبوت القطع، فهم ثلاث درجات: واصل، ومكافئ، وقاطع، فالواصل من يعطي ويتفضل ولا يتفضل عليه، والمكافئ الذي لا يزيد في الإعطاء على ما يأخذ، والقاطع الذي يأخذ ولا يعطي، ويتفضل عليه ولا يتفضل، وكما تقع المكافأة بالصلة من الجانبين كذلك تقع بالمقاطعة من الجانبين، فمن بدأ بالوصل فحينئذ هو الواصل.\nانظر: فتح الباري لابن حجر، ١٠/ ٤٢٤.\n٦ - الصدقة على ذي الرحم: اثنتان: صدقة وصلة، فعن سليمان بن عامر الضبي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «الصدقة على المسكين صدقة، والصدقة على ذي الرحم اثنتان: صلة وصدقة». (٥).\n٧ - والرحم التي أمر بصلتها، هي كل ما يرتبط بقرابة سواء كانت من الأصول: كالآباء والأمهات وإن علوا، والفروع وإن نزلوا، والحواشي: من الإخوة والأخوات، والأعمام والعمات، والأخوال والخالات، كما دل على أصل ذلك حديث أبي هريرة ﵁ قال: «قال رجل: يا رسول الله، من أحق بحسن الصحبة؛ قال: \" أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أبوك، ثم أدناك، أدناك» (٦).\n_________\n(١) المل: هو الرماد الحار، شرح النووي على صحيح مسلم، ١٦/ ٣٥٠.\n(٢) الظهير: المعين الدافع لأذاهم. انظر: المرجع السابق ١٦/ ٣٥٠.\n(٣) مسلم، كتاب البر والصلة، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها، ٤/ ١٩٨٢، برقم ٢٥٥٨.\n(٤) البخاري، كتاب الأدب، باب ليس الواصل بالمكافئ، ٧/ ٩٧، برقم ٥٩٩١.\n(٥) أخرجه أحمد في مسنده، ٢/ ١٧، ١٨، ٢١٤، والترمذي، ٣/ ٣٨، برقم ٦٥٨، وتقدم تخريجه في الحديث رقم ٧، الدرس الأول، ص ٨٠.\n(٦) متفق عليه: البخاري، ٧/ ٩١، برقم ٥٩٧١، ومسلم، ٤/ ١٩٧٤، برقم ٢٥٤٨، وتقدم تخريجه في الدرس الخامس، من الحديث رقم ١١٤، ص ٦٦٥.","vol":"2","page":985},{"text":"وصلة الرحم أنواع على حسب الحاجة، فتكون بالنفقة لمن يحتاج ذلك، وتكون بالهدية، وبالتودد إليهم، وبالعون والإعانة على الحاجات، وبالنصيحة، وبدفع الضرر، وبالإنصاف معهم، وطلاقة الوجه، وبالعدل والقيام بالحقوق الواجبة، وبالدعاء، وبتفقد أحوالهم، والتغافل عن زلاتهم، والزيارة، وبالشفاعة الحسنة، والمعنى الجامع: إيصال ما أمكن من الخير، ودفع ما أمكن من الضرر (١).\nويجمع أنواع الصلة قول الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠] (٢) فينبغي للداعية أن يعتني بالرحم ويصلها؛ فيكون قدوة حسنة، ويحض على ذلك ويدعو إليه بالقول والفعل. والله المستعان وعليه التكلان.\nسابعا: أهمية الصدق ومكانته: ظهر في هذا الحديث أن الصدق من الصفات الحميدة؛ ولهذا أثنت أسماء بنت أبي بكر على من اتصف به فقالت: «ولم أكن أحسن أخبز، وكان يخبز جارات لي من الأنصار، وكن نسوة صدق»، وهذا يؤكد أهمية الصدق ومكانة أهل الصدق في القلوب. (٣).\nثامنا: من صفات الداعية: الرحمة: دل هذا الحديث على صفة الرحمة؛ لأن النبي ﷺ رحم أسماء بنت أبي بكر ﵄ وأشفق عليها من حمل النوى على رأسها، فأراد أن يحملها خلفه؛ لأن الزبير ﵁، قال حينما بلغه الخبر: «والله لحملك النوى كان أشد علي من ركوبك معه»، قال الإمام النووي ﵀: \"وفيه ما كان عليه ﷺ من الشفقة على المؤمنين والمؤمنات، ورحمتهم ومواساتهم فيما أمكنه \" (٤) وهذا يؤكد أهمية الرحمة بالمؤمنين والمؤمنات (٥).\n_________\n(١) انظر: فتح الباري لابن حجر، ١٠/ ٤١٨، وسبل السلام شرح بلوغ المرام للصنعاني ٤/ ١٥٣٣ وتوضيح الأحكام شرح بلوغ المرام، لعبد الله البسام، ٦/ ٢٤٤.\n(٢) سورة النحل، الآية: ٩٠.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٧، الدرس الثالث، ورقم ٩، الدرس الرابع، ورقم ٣٥، الدرس الرابع.\n(٤) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٤/ ٤١٧.\n(٥) انظر: الحديث رقم ٥، الدرس الأول، ورقم ٩، الدرس الثالث، ورقم ٥٠، الدرس الرابع.","vol":"2","page":986},{"text":"٢٠ -<span data-type=\"title\" id=toc-316> باب ما يصيب من الطعام في أرض الحرب</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-317>[حديث استحياء عبد الله بن مغفل من رسول الله]</span>\n١٧٥ - [٣١٥٣] حدثنا أبو الوليد: حدثنا شعبة، عن حميد بن هلال، عن عبد الله بن مغفل (١) ﵁ قال: «كنا محاصرين قصر خيبر، فرمى إنسان بجراب فيه شحم، فنزوت لآخذه فالتفت فإذا النبي ﷺ، فاستحييت منه». (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-318>[حديث ابن عمر كنا نصيب في مغازينا العسل والعنب فنأكله ولا نرفعه]</span>\n١٧٦ - [٣١٥٤] حدثنا مسدد: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، «عن ابن عمر (٣) قال: \"كنا نصيب في مغازينا العسل والعنب، فنأكله ولا نرفعه \".»\n\n* شرح غريب الحديثين: * \" جراب \" الجراب: وعاء من جلد يحفظ فيه الزاد (٤).\n* \" فنزوت \" أي وثبت وأسرعت. (٥).\n\n* الدراسة الدعوية للحديثين: في هذين الحديثين دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من خصائص الإسلام: التيسير ورفع الحرج.\n٢ - من صفات الداعية: توقير النبي ﷺ وإجلاله.\n_________\n(١) عبد الله بن مغفل بن عبد غنم، وقيل: ابن عبد نهم بن عفيف المزني، وكان من أهل بيعة الرضوان، وقال: إني لممن رفع عن رسول الله ﷺ أغصان الشجرة، سكن المدينة، ثم تحول إلى البصرة، وابتنى بها دارا قرب الجامع، وكان أحد البكائين الذين نزل فيهم قوله تعالى: وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ [سورة التوبة، الآية: ٩٢]، وكان أحد العشرة الذين بعثهم عمر بن الخطاب ﵁ إلى البصرة يفقهون الناس، وهو أول من دخل مدينة تستر حين فتحها المسلمون، روى عن رسول الله ﷺ ثلاثة وأربعين حديثا اتفق البخاري ومسلم على أربعة منها، وانفرد البخاري بحديث ومسلم بآخر، توفي بالبصرة سنة ستين، وقيل: سنة تسع وخمسين. انظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي ١/ ٢٩٠، وسير أعلام النبلاء للذهبي ٢/ ٤٨٣.\n(٢) [الحديث ٣١٥٣] طرفاه في: كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، ٥/ ٩٢، برقم ٤٢١٤ وكتاب الذبائح والصيد، باب ذبائح أهل الكتاب وشحومها من أهل الحرب وغيرهم، ٦/ ٢٨١، برقم ٥٥٠٨. وأخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب جواز الأكل من طعام الغنيمة في دار الحرب، ٣/ ١٣٩٣، برقم ١٧٧٢.\n(٣) تقدمت ترجمته في الحديث رقم ١.\n(٤) تقدم في شرح غريب الحديث رقم ١٤١، ص ٨١٤.\n(٥) تفسير غريب ما في الصحيحين، للحميدي ص ٦٤.","vol":"2","page":987},{"text":"٣ - من صفات الداعية: الحياء.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من خصائص الإسلام: التيسير ورفع الحرج: التيسير ورفع الحرج من خصائص الإسلام، وقد دل هذان الحديثان على ذلك؛ لأن بعض الصحابة ﵃ كانوا يأكلون من الغنيمة قبل القسم على قدر الحاجة: من الشحم، والعسل، والعنب، والطعام اليسير، ولم ينكر عليهم النبي ﷺ، فدل على جواز مثل ذلك، ويسر الإسلام وسماحته. ونقل النووي ﵀: \"إجماع العلماء على جواز أكل طعام الحربيين ما دام المسلمون في دار الحرب، فيأكلون منه قدر حاجتهم، ويجوز بإذن الإمام وبغير إذنه \"، (١) وقال الإمام ابن القيم ﵀: لا أعلم خلافا بين الفقهاء أن الطعام لا يخمس، في جملة ما يخمس من الغنيمة، وأن لواجده أكله ما دام الطعام في حد القلة، وعلى قدر الحاجة، ما دام صاحبه مقيما في دار الحرب \" (٢) وهذا يبين أن من خصائص الإسلام التيسير ورفع الحرج، والحمد لله (٣).\nثانيا: من صفات الداعية: توقير النبي ﷺ وإجلاله: الصحابة ﵃ كانوا يوقرون النبي ﷺ، ويجلونه، إكراما، وتعظيما، ومحبة، وقد دل الحديث الأول من هذين الحديثين على ذلك؛ لقول عبد الله بن مغفل ﵁: «كنا محاصرين قصر خيبر، فرمى إنسان بجراب فيه شحم، فنزوت لآخذه، فالتفت فإذا النبي ﷺ فاستحييت منه»، قال العلامة العيني ﵀: \"وفيه إشارة إلى ما كانوا عليه من توقير النبي ﷺ، ومن الإعراض عن خوارم المروءة\" (٤).\nفينبغي لكل مسلم أن يحترم النبي ﷺ ويوقره، وينصره في حياته وبعد موته بنشر سنته والذب عن دينه، والدعوة إليه. قال الله ﷿:\n_________\n(١) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ١٢/ ٣٤٥.\n(٢) تهذيب السنن، ٤/ ٣٤، وانظر: القواعد في الفقه الإسلامي، لابن رجب، ص ١٩٩.\n(٣) انظر: الحديث رقم ١، الدرس الخامس، ورقم ٣٢، الدرس الأول.\n(٤) عمدة القاري شرح صحيح البخاري، ١٥/ ٧٦.","vol":"2","page":988},{"text":"﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩] (١) وقال ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: ١] (٢) وهذا يبين أهمية احترام النبي ﷺ، وتعظيمه وإنزاله منزلته ﷺ (٣).\nثالثا: من صفات الداعية: الحياء: إن الحياء من الصفات المهمة العظيمة التي ينبغي للداعية العناية بها، وقد ظهرت هذه الصفة في هذا الحديث في قول عبد الله بن مغفل ﵁: «فنزوت لآخذه، فالتفت فإذا النبي ﷺ فاستحييت منه»، وهذا يؤكد أهمية الحياء (٤) وخاصة من أهل العلم والفضل، والله المستعان (٥).\n* * * *\n_________\n(١) سورة الفتح، الآية: ٩، وانظر: تفسير الطبري \"جامع البيان عن تأويل آي القران \"، ٢٢/ ٢٠٧.\n(٢) سورة الحجرات، الآية: ١.\n(٣) انظر: الحديث رقم ١٥٦، ١٥٧، الدرس الأول.\n(٤) انظر: شرح الكرماني على صحيح البخاري، ١٥/ ٧٦، وفتح الباري لابن حجر، ٦/ ٢٥٦.\n(٥) انظر: الحديث رقم ١٧٤، الدرس الرابع.","vol":"2","page":989},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-319>[حديث نهى النبي ﷺ عن أكل لحوم الحمر الأهلية]</span>\n١٧٧ - [٣١٥٥] حدثنا موسى بن إسماعيل: حدثنا عبد الواحد: حدثنا الشيباني قال: «سمعت ابن أبي أوفى (١) ﵄ يقول: \"أصابتنا مجاعة ليالي خيبر، فلما كان يوم خيبر وقعنا في الحمر الأهلية فانتحرناها، فلما غلت القدور نادى منادي رسول الله ﷺ أكفئوا القدور فلا تطعموا من لحوم الحمر شيئا\"، قال عبد الله: فقلنا إنما نهى النبي ﷺ؛ لأنها لم تخمس. قال: وقال آخرون حرمها ألبتة. وسألت سعيد بن جبير فقال: حرمها ألبتة.» (٢).\nوفي رواية: «لا تأكلوا من لحوم الحمر شيئا وأهريقوها\"، قال ابن أبي أوفى فتحدثنا أنه إنما نهى عنها لأنها لم تخمس، وقال بعضهم: نهى عنها ألبتة؛ لأنها كانت تأكل العذرة» (٣).\nوفي رواية: «نهى النبي ﷺ عن لحوم الحمر» (٤).\n\n* شرح غريب الحديث: * العذرة: فناء الدار وناحيتها، ويطلق على الغائط الذي يلقيه الإنسان؛ لأنهم كانوا يلقون الغائط في أفنية الدور فسمي بالعذرة (٥).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من تاريخ الدعوة: ذكر زمن وقعة خيبر.\n٢ - من القواعد الدعوية: الأصل في الأشياء الإباحة.\n٣ - أهمية تفقد الإمام أحوال رعيته.\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في الحديث رقم: ٣.\n(٢) [الحديث ٣١٥٥] أطرافه في: كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، ٥/ ٩٣، برقم ٤٢٢٠ و٤٢٢٢ و٤٢٢٤ وكتاب الذبائح والصيد، باب لحوم الحمر الإنسية، ٦/ ٢٨٦، برقم ٥٥٢٦. وأخرجه مسلم في كتاب الصيد والذبائح، باب تحريم أكل لحوم الحمر الإنسية، ٣/ ١٥٣٨، برقم ١٩٣٧.\n(٣) من الطرف رقم: ٤٢٢٠.\n(٤) من الطرف رقم: ٥٥٢٦.\n(٥) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب العين مع الذال، مادة: \"عذر\" ٣/ ١٩٩.","vol":"2","page":990},{"text":"٤ - من سنن الله ﷿: الابتلاء والامتحان.\n٥ - أهمية الإسراع في تغيير المنكر وإزالته إذا ظهر.\n٦ - من موضوعات الدعوة: بيان تحريم الحمر الأهلية.\n٧ - من أصناف المدعوين: أهل الصلاح والتقوى.\n٨ - من وسائل الدعوة: إرسال الدعاة.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من تاريخ الدعوة: ذكر وقت غزوة خيبر: ظهر في هذا الحديث الإشارة إلى غزوة خيبر في قول عبد الله بن أبي أوفى ﵁: «أصابتنا مجاعة ليالي خيبر»، ولا شك أن غزوة خيبر كانت بعد غزوة الحديبية، فبعد أن رجع رسول الله ﷺ من غزوة الحديبية في نهاية السنة السادسة للهجرة، غزا غزوة خيبر في السنة السابعة على قول الجمهور، وقد نصر الله ﷿ رسوله وأصحابه على اليهود، وغنموا غنائم كثيرة (١).\nثانيا: من القواعد الدعوية: الأصل في الأشياء الإباحة: ظهر في هذا الحديث أن من القواعد الدعوية أن الأصل في الأشياء: من المآكل والمشارب، وأصناف الملابس: هو الإباحة، ولهذا أخذ الصحابة بهذا الأصل في غزوة خيبر، فأكلوا الحمر الإنسية؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀ أثناء ذكره لفوائد هذا الحديث: \"الأصل في الأشياء الإباحة، لكون الصحابة أقدموا على ذبحها وطبخها، كسائر الحيوان، من قبل أن يستأمروا، مع توفر دواعيهم على السؤال عما أشكل \" (٢) وهذا يؤكد للداعية أن الأصل في العادات الإباحة؛ لأن الله خلق لنا جميع ما على الأرض، لننتفع به بجميع أنواع الانتفاعات، إلا ما حرمه الشارع علينا، أما العبادات فالأصل فيها الحظر إلا ما ورد عن الشارع تشريعه (٣).\n_________\n(١) انظر: زاد المعاد، لابن القيم، ٣/ ٣١٦.\n(٢) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٩/ ٦٥٦.\n(٣) انظر: الإحكام في أصول الأحكام لأبي محمد علي بن حزم ١/ ٤٧، وإحكام الفصول في أحكام الأصول، للوليد بن سليمان بن خلف الباجي ص ٦٨١، وفتاوى ابن تيمية ١/ ٣٤٢، ورسالة مختصرة في أصول الفقه، للعلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي ص ١٣١، والقواعد والأصول الجامعة والفروق والتقاسيم البديعة النافعة له، ص ٢٣.","vol":"2","page":991},{"text":"فينبغي للداعية أن يراعي الأصول والضوابط الشرعية حتى لا يأمر بشيء أو ينهى عن شيء والحق خلافه؛ ولهذا قال العلامة السعدي ﵀:\nوالأصل في عاداتنا الإباحة ... حتى يجيء صارف الإباحة\nوليس مشروعا من الأمور ... غير الذي في شرعنا مذكور (١)\nثالثا: أهمية تفقد الإمام أحوال رعيته: إن تفقد الإمام أو الأمير أحوال رعيته من الأمور المهمة، وقد دل هذا الحديث على ذلك؛ فإن النبي ﷺ، بتفقده لأحوال أصحابه علم بأن بعضهم نحر الحمر وطبخها فنهاهم ﷺ عن ذلك، قال عبد الله بن أبي أوفى ﵄: \". «. . فلما غلت القدور نادى منادي رسول الله ﷺ: أكفئوا القدور فلا تطعموا من لحوم الحمر شيئا»؛ ولهذا قال الإمام عبد الله بن أبي جمرة ﵀: \"وفيه دليل على كثرة مشاهدته عليه [الصلاة] والسلام لشأن أصحابه، وما يزيد عليهم وما ينقص، والسؤال عن جميع أحوالهم، فعلى هذا فيجب على كل من كان راعيا على أي شيء استرعي دوام النظر إليه، والالتفات لما يزيد فيه وينقص، حتى يعلم ما حكم الله تعالى فيما يظهر من الزيادة والنقص فينفذه \" (٢) وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في ذكره لفوائد هذا الحديث: \"ينبغي لأمير الجيش تفقد أحوال رعيته، ومن رآه فعل ما لا يسوغ في الشرع منعه، وأشاع منعه، إما بنفسه كأن يخاطبهم، وإما بغيره، بأن يأمر مناديا فينادي؛ لئلا يغتر به من رآه فيظنه جائزا\" (٣) وقد أوضح النبي ﷺ أهمية العناية بالرعية فقال ﷺ: «ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته: فالإمام الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده وهي مسؤولة عنهم، والعبد راع على مال سيده وهو مسؤول عنه، ألا فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» (٤) ومما يؤكد أهمية العناية بالرعية ومراقبتهم،\n_________\n(١) رسالة في القواعد الفقهية للعلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي، ص ٣١.\n(٢) بهجة النفوس، ٣/ ١٦٧.\n(٣) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٩/ ٦٥٦.\n(٤) متفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁: البخاري، كتاب الأحكام، باب قول الله تعالى: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء: ٥٩]، ٨/ ١٣٣، برقم ٣١٣٨، ومسلم، كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر والحث على الرفق بالرعية والنهي عن إدخال المشقة عليهم، ٣/ ١٤٥٩، برقم ١٨٢٩.","vol":"2","page":992},{"text":"وإلزامهم بطاعة الله ﷿ قوله ﷺ: «ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة» (١) ومع الأمر بالعناية بالرعية ومراقبة أحوالهم أمر ﷺ بالرفق بهم وعدم المشقة عليهم، فقال ﷺ: «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به» (٢).\nرابعا: من سنن الله ﷿: الابتلاء والامتحان: إن الله ﷿ يختبر عباده ويمتحنهم بالسراء والضراء، وباليسر والعسر، وقد دل هذا الحديث على أنه سبحانه ابتلى أولياءه أصحاب محمد ﷺ بالجوع وهم يجاهدون في سبيله ﷿، قال عبد الله بن أبي أوفى ﵄: «أصابتنا مجاعة ليالي خيبر»، وهذا يؤكد ابتلاءه لعباده المؤمنين؛ ليعلم الصادق من الكاذب؛ ويرفع درجات الصابرين، أسأل الله لي ولجميع المسلمين العفو والعافية في الدنيا والآخرة (٣).\nخامسا: أهمية الإسراع في إزالة المنكر وتغييره إذا ظهر: دل هذا الحديث على أهمية الإسراع في إزالة المنكر، وتغييره إذا ظهر فعله؛ لقول عبد الله بن أبي أوفى ﵄: «وقعنا في الحمر الأهلية فانتحرناها فلما غلت القدور نادى منادي رسول الله ﷺ: أكفئوا القدور فلا تطعموا من لحوم الحمر شيئا»، قال الإمام ابن أبي جمرة ﵀: \"وفي هذا دليل على الإسراع في تغيير المنكر عند معاينته؛ لأن النبي ﷺ لم يتركه حين رآه حتى غيره \" (٤) وهذا يؤكد على كل مسلم- وخاصة الدعاة إلى الله ﷿- أهمية الإسراع في إزالة المنكر (٥).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، ٨/ ١٣٦، برقم ٧١٥١، ومسلم، ٣/ ١٤٦٠، برقم ١٨٢٧، وتقدم تخريجه في الحديث رقم ١٣٦، الدرس الثالث، ص ٧٨٩.\n(٢) مسلم، ٣/ ١٤٥٨، برقم ١٨٢٨، ونقدم تخريجه، في الحديث رقم ١٠٢، الدرس الخامس، ص ٥٨٢.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٩، الدرس الخامس، ورقم ٦٦، الدرس الأول.\n(٤) بهجة النفوس، ٣/ ١٦٨.\n(٥) انظر: الحديث رقم ١١٧، الدرس الثالث.","vol":"2","page":993},{"text":"سادسا: من موضوعات الدعوة: بيان تحريم الحمر الأهلية: لا شك أن من الموضوعات المهمة بيان تحريم الحمر الأهلية لمن لا يعرف حرمتها من المدعوين؛ لأن النبي ﷺ بين لمن نحرها وأراد أكلها أنها لا تحل، وأرسل رسوله فنادى: «لا تأكلوا من لحوم الحمر شيئا وأهريقوها»، واختلف العلماء ﵏ في سبب النهي عن لحوم الحمر الأهلية لاختلاف الأدلة: فقيل: حرمت؛ لأنها لم تخمس، وقيل: لأنها كانت تأكل الجلة، وقيل: لأنها كانت تحمل الناس وهم بحاجة إليها، وقيل: لأنها رجس: أي نجس. قال الإمام ابن القيم ﵀: \"وهذه أصح العلل \"، ثم قال: \"وما عدا هذه من العلل فإنما هي حدس وظن ممن قاله \" (١) فينبغي للداعية أن يبين للناس ما حرم الله عليهم، والله الموفق للصواب.\nسابعا: من أصناف المدعوين: أهل الصلاح والتقوى: بين هذا الحديث أن من أصناف المدعوين: أهل الصلاح والتقوى؛ لأن النبي ﷺ نهى أصحابه الذين نحروا الحمر الأهلية عن أكلها، بل أمر بإتلافها وإراقتها، وهم أفضل البشر بعد الأنبياء، فدل ذلك على أن كل إنسان من أهل الصلاح والتقوى قد يخفى عليه بعض العلم، فحينئذ يلزم تنبيهه وإرشاده، وتوجيهه؛ فإن المسلم مرآة أخيه، والله المستعان (٢).\nثامنا: من وسائل الدعوة: إرسال الدعاة: إرسال الدعاة من الوسائل النافعة؛ ولهذا أرسل الرسول ﷺ الرسل بالكتب، وأرسل الدعاة والمجاهدين، ومن ذلك ما ثبت في هذا الحديث من إرساله من ينادي في الناس بتحريم الحمر الأهلية، قال عبد الله بن أبي أوفى ﵄: «فلما غلت القدور نادى منادي رسول الله ﷺ: أكفئوا القدور فلا تطعموا من لحوم الحمر شيئا»، فينبغي العناية بإرسال الدعاة لتعليم الناس الخير، وتحذيرهم من الشر، والله الهادي إلى سواء السبيل (٣).\n_________\n(١) تهذيب السنن، ٥/ ٣٢٤.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٧١ الدرس السابع، ورقم ٧٦، الدرس الرابع، ورقم ٧٧، الدرس السادس عشر.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٦٦، الدرس الثالث، ورقم ٩٠، الدرس الثاني، ورقم ٩٢، الدرس الحادي عشر.","vol":"2","page":994},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-320>[الفصل الرابع كتاب الجزية والموادعة]</span>","vol":"2","page":995},{"text":"١ -<span data-type=\"title\" id=toc-321> باب الجزية والموادعة، مع أهل الذمة والحرب</span>\nوقول الله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] (١) يعني أذلاء. وما جاء في أخذ الجزية من اليهود والنصارى والمجوس والعجم، وقال ابن عيينة عن ابن أبي نجيح: قلت لمجاهد ما شأن أهل الشام عليهم أربعة دنانير، وأهل اليمن عليهم دينار؛ قال: جعل ذلك من قبل اليسار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-322>[حديث قول عمر فرقوا بين كل ذي محرم من المجوس]</span>\n١٧٨ - [٣١٥٦] حدثنا علي بن عبد الله قال: حدثنا سفيان قال: سمعت عمرا قال: \"كنت جالسا مع جابر بن زيد وعمرو بن أوس فحدثهما بجالة سنة سبعين- عام حج مصعب بن الزبير بأهل البصرة- عند درج زمزم قال: كنت كاتبا لجزء بن معاوية عم الأحنف، فأتانا كتاب عمر بن الخطاب (٢) قبل موته بسنة: فرقوا بين كل ذي محرم من المجوس. ولم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-323>[حديث أن رسول الله ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر]</span>\n١٧٩ - [٣١٥٧] حتى شهد عبد الرحمن بن عوف (٣) «أن رسول الله ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر».\n\n* شرح غريب الحديثين: * \" هجر \" المقصود به هنا اسم بلد معروف بالبحرين، وهي قاعدتها، وقيل: هجر ناحية البحرين كلها (٤) قال ياقوت الحموي ﵀ \"وهو الصواب \" (٥).\n_________\n(١) سورة التوبة، الآية: ٢٩.\n(٢) تقدمت ترجمته في الحديث رقم: ٦٤.\n(٣) تقدمت ترجمته في الحديث رقم: ٨٢.\n(٤) انظر: مشارق الأنوار للقاضي عياض، حرف الهاء مع الجيم، ٢/ ٢٧٥، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الهاء مع الجيم، مادة: (هجر)، ٥/ ٢٤٦.\n(٥) معجم البلدان، لياقوت الحموي، باب الهاء، مادة: \"هجر\" ٥/ ٣٩٣.","vol":"2","page":996},{"text":"* الدراسة الدعوية للحديثين: في هذين الحديثين دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من أساليب الدعوة: القصص.\n٢ - من وسائل الدعوة: إرسال الكتب والرسائل.\n٣ - من موضوعات الدعوة: إنكار المنكر إذا ظهر فعله.\n٤ - لا ينكر أن يغيب عن الداعية أو العالم الكبير ما علمه غيره.\n٥ - صفات الداعية: التثبت.\n٦ - من صفات الداعية: الانقياد للدليل الشرعي والعمل به.\n٧ - من أصناف المدعوين: المجوس.\n٨ - من وسائل الدعوة: أخذ الجزية من أهل الكتاب والمجوس.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من أساليب الدعوة: القصص: ظهر في هذا الحديث أن من أساليب الدعوة القصص؛ لأن بجالة بن عبدة التميمي التابعي الجليل (١) قص على جابر بن زيد أبي الشعثاء البصري وعمرو بن أوس الثقفي، وعمرو بن دينار يسمع، أنه كان كاتبا لجزء بن معاوية بن حصن بن عبادة التميمي التابعي عامل عمر بن الخطاب ﵁، على الأهواز، فأتاهم كتاب عمر بن الخطاب قبل موته بسنة، وفيه: \"فرقوا بين كل ذي محرم من المجوس \"، وهذا يبين أهمية القصص، وأنه مما يلفت انتباه القلوب والأذهان، فينبغي للداعية أن يعتني به عند الحاجة إليه (٢).\nثانيا: من وسائل الدعوة: إرسال الكتب والرسائل: إن إرسال الكتب والرسائل؛ لبيان الحق وإنكار الباطل من وسائل الدعوة المهمة: ولهذا كتب عمر بن الخطاب ﵁ كتابا إلى جزء بن معاوية عامله على\n_________\n(١) انظر: تقريب التهذيب، لابن حجر، ص ١٦٣، وفتح الباري له، ٦/ ٢٦٠.\n(٢) انظر: الحديث رقم ١٧، الدرس الثالث، ورقم ٢٨، الدرس الثامن، ورقم ٣٤، الدرس الثالث.","vol":"2","page":997},{"text":"الأهواز وفيه: \"فرقوا بين كل ذي محرم من المجوس \"، وهذا فيه بيان لأهمية هذه الوسيلة؛ لما لها من الأهمية النافعة في إيصال الدعوة إلى المدعو، ونشرها (١).\nثالثا: من موضوعات الدعوة: إنكار المنكر إذا ظهر فعله: لا شك أن من الموضوعات المهمة إنكار المنكر، وتغييره بأي وسيلة مشروعة، وقد ظهر جليا في هذا الحديث إنكار عمر بن الخطاب ﵁ على المجوس استحلالهم المحارم، فكتب كتابه إلى جزء بن معاوية عامله على الأهواز، وفيه: \"فرقوا بين كل ذي محرم من المجوس \"، قال الإمام الخطابي ﵀: \"ولم يحملهم عمر على هذه الأحكام فيما بينهم وبين أنفسهم إذا خلوا، وإنما منعهم من إظهار ذلك للمسلمين، وأهل الكتاب لا يكشفون عن أمورهم التي يتدينون بها ويستعملونها فيما بينهم، إلا أن يترافعوا إلينا في الأحكام، فإذا فعلوا ذلك فإن على حاكم المسلمين أن يحكم فيهم بحكم الله المنزل، وإن كان ذلك في الأنكحة فرق بينهم وبين ذوات المحارم، كما يفعل ذلك في المسلمين \" (٢) وهذا يؤكد على المسلمين منع إظهار شعائر وعقائد الكفار بين المسلمين؛ لئلا يفتتن بها ضعفة المسلمين، ولا يُسأل عما أخفوه بينهم، ولم يظهروه في مجتمعات المسلمين. (٣).\nرابعا: لا ينكر أن يغيب عن الداعية أو العالم الكبير ما علمه غيره: إن الداعية أو العالم العظيم قد تخفى عليه بعض المسائل ويعرفها غيره من أهل العلم، كما خفي على عمر بن الخطاب ﵁ «أن النبي ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر، حتى شهد عبد الرحمن بن عوف بذلك؛» قال الحافظ ابن حجر ﵀ في فوائد هذا الحديث: \"وفي الحديث قبول خبر الواحد، وأن الصحابي الجليل قد يغيب عنه علم ما اطلع عليه غيره من أقوال النبي ﷺ، وأحكامه، وأنه لا نقص عليه في ذلك \" (٤) وهذا يؤكد أهمية عدم انتقاد العلماء إذا فاتهم بعض العلم؛ لهذا السبب (٥).\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٦٦، الدرس الثالث، ورقم ٩٠، الدرس الثاني، ورقم ٩٢، الدرس الحادي عشر.\n(٢) معالم السنن، ٤/ ٢٥١، وانظر: شرح الكرماني على صحيح البخاري ١٣/ ١٢٥.\n(٣) انظر: الحديث رقم ١١٧، الدرس الثالث، ورقم ١٧٧، الدرس الخامس.\n(٤) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٦/ ٢٦٢.\n(٥) انظر: الحديث رقم ٧٧، الدرس الرابع عشر، ورقم ١٤٧، ١٤٨، الدرس الثاني.","vol":"2","page":998},{"text":"خامسا: من صفات الداعية: التثبت: التثبت في الأمور وعدم العجلة من الصفات الحميدة التي ينبغي للداعية أن يتصف بها، وقد دل هذا الحديث على ذلك؛ لأن عمر بن الخطاب ﵁ لم يعلم بأن النبي ﷺ أخذ الجزية من المجوس، فلم يأخذها حتى شهد عبد الرحمن بن عوف ﵁: «أن رسول الله ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر»، وهذا فيه تثبت عمر ﵁ وعدم عجلته حتى ثبت عنده الدليل (١).\nسادسا: من صفات الداعية: الانقياد للدليل الشرعي والعمل به: انقاد الفاروق عمر بن الخطاب ﵁ للعلم الشرعي بدليله وعمل به ﵁، وذلك أن عبد الرحمن بن عوف ﵁ شهد: «أن رسول الله ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر» فأخذها عمر ﵁ انقيادا للدليل الشرعي؛ قال الإمام ابن عبد البر ﵀: \"وفيه انقياد العالم للعلم حيث كان \" (٢) وهذا يؤكد أهمية الانقياد للأدلة الشرعية (٣).\nسابعا: من أصناف المدعوين: المجوس: إن المجوس من أصناف المدعوين الذين ينبغي للداعية أن يعتني بدعوتهم إن وجدوا؛ لأن النبي ﷺ أخذ منهم الجزية، وهذا دليل على أنه ﷺ قد دعاهم إلى الإسلام، فلم يدخلوا ووافقوا على دفع الجزية، وهذا يؤكد أهمية العناية بهم ودعوتهم إلى الله ﷿ على حسب أحوالهم؛ ولهذا أخذ عمر بن الخطاب ﵁ الجزية منهم (٤).\nثامنا: من وسائل الدعوة: أخذ الجزية من أهل الكتاب والمجوس: ظهر في هذا الحديث مشروعية أخذ الجزية من المجوس؛ لأن عبد الرحمن بن عوف شهد عند عمر بن الخطاب ﵁: «أن رسول الله ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر»، ولا شك أن أخذ الجزية من أهل الكتاب والمجوس من أعظم وسائل الدعوة؛ لما يحصل بذلك من إذلال الكافرين، ونفع المسلمين؛ ولهذا شرع الله\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٩١، الدرس الثاني، ورقم ٩٢، الدرس الخامس، ورقم ١١٦، الدرس الخامس.\n(٢) الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار، ٩/ ٢٩٢.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٧٧، الدرس الحادي عشر، ورقم ٩٤، الدرس الثامن، ورقم ١٤٧، الدرس الخامس.\n(٤) انظر: الحديث رقم ١٧٣، الدرس التاسع.","vol":"2","page":999},{"text":"﷿ أخذ الجزية من أهل الكتاب: اليهود والنصارى، قال ﷿: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] (١) وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يوصي أمير الجيش بوصايا، ومنها: \"أنه إذا لقي عدوه من المشركين يدعوهم إلى الإِسلام، فإن أبوا فيسألهم الجزية، فإن أبوا فيستعين بالله ويقاتلهم\" انظر: (٢) والجزية ثبت أخذها من أهل الكتاب بالقرآن الكريم والسنة، وأخذها من المجوس بالسنة كما في شهادة عبد الرحمن بن عوف ﵁ أن النبي ﷺ أخذها منهم؛ قال الإِمام الخطابي ﵀: \"وفي امتناع عمر بن الخطاب ﵁ من أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف «أن رسول الله ﷺ أخذها من مجوس هجر»، دليل على أن رأي الصحابة: \"أن لا تقبل الجزية من مشرك \" (٣) أما غير أهل الكتاب والمجوس فلا تقبل منهم الجزية: فلا بد من الإِسلام أو يقاتلوا، وهذه مسألة خلافية بين أهل العلم (٤) وسمعت العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله يقول: \"الصواب أنها لا تؤخذ إلا من اليهود والنصارى والمجوس؛ لأن الله تعالى قال في اليهود والنصارى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] وأخذ ﷺ الجزية من المجوس، أما كفار العرب فلا يقبل منهم إلا الإِسلام أو يقاتلوا\" (٥).\nوأخذ الجزية من أهم وسائل الدعوة إلى الله ﷿ قال الإِمام ابن عبد البر ﵀: \"الجزية لم تؤخذ من الكتابيين رفقا بهم، وإنما أُخذت منهم تقوية للمسلمين، وذلًّا للكافرين\" (٦) وسمعت العلامة ابن باز حفظه الله يقول: \"والحكمة في أخذ الجزية والله أعلم: إذلال الكافرين، ونفع المسلمين \" (٧).\n_________\n(١) سورة التوبة، الآية: ٢٩.\n(٢) صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب تأمير الإِمام الأمراء على البعوث، ووصيته إياهم بآداب الغزو وغيرها، ٣/ ١٣٥٦، برقم ١٧٣١.\n(٣) معالم السنن ٤/ ٢٥٢.\n(٤) انظر: الاستذكار لابن عبد البر، ٩/ ٢٨٨ - ٢٩٨، وزاد المعاد لابن القيم، ٣/ ١٥٣ - ١٥٥.\n(٥) سمعت ذلك من سماحته أثناء شرحه لهدي النبي ﷺ في أخذ الجزية، في زاد المعاد لابن القيم ٣/ ١٥٤، في جامع الأميرة سارة بالبديعة، بتاريخ ١٨/ ٧ / ١٤١٦ هـ.\n(٦) الاستذكار لابن عبد البر، ٩/ ٢٩٣.\n(٧) سمعته من سماحته أثناء شرحه لحديث رقم ٣١٥٦ من صحيح البخاري.","vol":"2","page":1000},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-324>[حديث بعثه ﷺ أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها]</span>\n١٨٠ - [٣١٥٨] حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حدَثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ أنَّه أَخْبَرَهُ أَنَّ عَمْرَو بْنَ عَوْفٍ الأنصارِيَّ (١) - وَهُوَ حَلِيف لِبَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَكَانَ شَهدَ بَدْرا- أَخْبَرَهُ «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الجَرَّاحِ (٢) إِلَى الْبَحْرَيْنِ يَأْتِي بِجِزْيَتِهَا، وَكَانَ رسُولُ اللهِ ﷺ هُوَ صَالَحَ أَهْلَ الْبَحْرَيْنِ وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ الْعَلاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ (٣)\n_________\n(١) عمرو بن عوف الأنصاري حليف بني عامر بن لؤي ﵁، كان ممن شهد بدرا، روى عن النبي ﷺ: \"ما الفقر أخشى عليكم \"، ولم يذكر أنه روى عن النبي ﷺ غير هذا الحديث، وهو غير عمرو بن عوف بن زيد، وعمرو بن عوف بن يربوع، وقد قيل: إنه شهد بدرا وما بعدها من المشاهد، ومات ﵁ في خلافة عمر بن الخطاب ﵁ فصلى عليه. انظر: الإِصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، ٣/ ٩، وتهذيب التهذيب له، ٨/ ٧٥.\n(٢) أبو عبيدة بن الجراح: عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر بن مالك يلتقي مع رسول الله ﷺ في الجد السابع وهو فهر، أحد السابقين الأولين، ومن عزم الصديق على توليته الخلافة بعد رسول الله ﷺ، وأشار به يوم السقيفة، لكمال أهليته عند أبي بكر، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة فشهد له رسول الله ﷺ بذلك، وقال ﷺ عنه: إن لكل أمة أمينا وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح [البخاري برقم ٣٧٤٤]، وروى عن رسول الله ﷺ أحاديث معدودة، ولكنه غزا غزوات مشهودة، وشهد بدرا فقتل يومئذ أباه، وأبلى يوم أحُدٍ بلاءً حسنا، ونزع يومئذ الحلقتين اللتين دخلتا في وجنة رسول الله ﷺ من المغفر من الضربة التي أصابته فانقلعت ثنيتاه فحسُن ثغرُه بذهابهما، حتى قيل: ما رؤي هَتْمٌ قطُ أحسن من هتم أبي عبيدة- والهتم كسر في الثنايا من أصولها- وكان النبي ﷺ يستعمله مرات، ومنها أنه استعمله على سرية كانوا ثلاثمائة فألقى إليهم البحر الحوت العظيم الذي يقال له: العنبر فأكلوه. ولما فرغ أبو بكر من حرب أهل الردة وحرب مسيلمة الكذاب جَهَزَ أمراء الأجناد لفتح الشام فبعث أبا عبيدة، ويزيد بن أبي سفيان وعمرو بن العاص، وشرحبيل بن حسنة فتمت وقعة إجنادين بقرب الرملة ونصر الله المؤمنين فجاءت البشرى والصديق في مرض الموت، ثم كانت وقعة فِحْل، ووقعة مرج الصفراء، وكان قد سير أبو بكر خالدا لغزو العراق، فبعث إليه لينجد أمراء الشام وجيشهم فقطع المفاوز فأمَّره الصديق على الأمراء كلهم وحاصروا دمشق وتوفي أبو بكر فبادر عمر واستعمل على الكل أبا عبيدة فكان فتح دمشق على يديه ولم يُظْهر وصول تقليده من عمر إلا بعد الفتح وهذا من دينه، ولينه، وحلمه ثم أظهر ذلك؛ ليعقد الصلح مع الروم ففتحوا له باب الجابية صلحا وإذا بخالد ﵁ قد افتتح البلد عنوة من الباب الشرقي فأمضى لهم أبو عبيدة الصلح، ثم كان أبو عبيدة رأس الإِسلام يوم وقعة اليرموك التي استأصل الله فيها جيوش الروم وقتل منهم خلق عظيم. وكان أبو عبيدة معدودا فيمن جمع القرآن العظيم فحفظه وعمل به، وكان موصوفا بحسن الخلق، وبالحلم، والتواضع، والزهد العظيم، وتوفي ﵁ بعد أن شهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ وجاهد بعده في الفتوحات العظيمة- في طاعون عمواس في الشام سنة ثمان عشرة للهجرة وله ثمان وخمسون سنة ﵁. انظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي ٢/ ٢٥٩، وسير أعلام النبلاء للذهبي ١/ ٥ - ٢٣، والإِصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، ٢/ ٢٥٣.\n(٣) العلاء بن الحضرمي، واسم الحضرمي عبد الله بن عماد بن أكبر بن ربيعة الحضرمي كان حليفا لبني أمية وكان من سادات المهاجرين، ولاه رسول الله ﷺ البحرين وتوفي النبي ﷺ وهو عليها فأقره أبو بكر ثم عمر ﵁، وله حديث واحد عن رسول الله ﷺ في مكث المهاجر بعد قضاء نسكه بمكة ثلاثا [البخاري برقم ٣٩٣٣]، قيل: كان مجاب الدعوة، وأنه خاض البحر بكلمات قالهن، وكان له أثر عظيم في قتال أهل الردة ﵁. انظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي ١/ ٣٤١، وسير أعلام النبلاء للذهبي ١/ ٢٦٢، والإِصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، ٢/ ٤٩٧.","vol":"2","page":1001},{"text":"فَقَدِمَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِمَالٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ، فَسَمِعَتِ الأَنصَارُ بِقُدُومِ أَبِي عُبَيْدَةَ فَوَافَتْ صَلاة الصُّبْح مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمَّا صَلَّى بِهم الفَجْرَ انْصَرَفَ، فَتَعرَّضُوا لَهُ، فتَبَسَّمَ رَسُول اللهِ ﷺ حِينَ رَآهُمْ وَقَالَ: \"أظنُّكُمْ قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّ أَبَا عبيدَةَ قَدْ جَاءَ بِشيءٍ \"، قَالوا: أَجَلْ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ؟ \"فَأَبْشرُوا وَأَمِّلُوا مَا يَسرُكُمْ، فَوَاللهِ لَا الفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُم الدُّنْيَا كَمَا بُسِطتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ» (١).\nوفي رواية: \" وَتُلْهِيكُمْ كَمَا أَلْهَتْهُمْ \". (٢).\n\n* شرح غريب الحديث: * \" فوافت \" أي أتت، يقال: وافيته موافاةً: أتيته، ووافيت القوم: أتيتهم (٣).\n* \" أمِّلوا \" هذا أمر بالرجاء يقال: أمَلَهُ أمْلا، وأمَّلَهُ: رجاه وترقبه (٤).\n* \" فتنافسوها \" أي تتحاسدون فيها فتختلفون، وتتقاتلون فيُهلك بعضكم بعضا (٥).\n\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من وسائل الدعوة: بعث البعوث وإرسال الدعاة.\n_________\n(١) [الحديث ٣١٥٨] طرفاه في كتاب المغازي، باب، ٥/ ٢٣، برقم ٤٠١٥. وكتاب الرقاق، باب ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها، ٧/ ٢٢١، برقم ٦٤٢٥. وأخرجه مسلم في كتاب الزهد والرقائق، ٤/ ٢٢٧٣، برقم ٢٩٦١.\n(٢) من الطرف رقم: ٦٤٢٥.\n(٣) انظر: المصباح المنير، للفيّومي، كتاب الفاء، مادة: \"وفى\" ٢/ ٦٦٧، والقاموس المحيط للفيروز آبادي، باب الياء فصل الواو، ص ١٧٣١.\n(٤) انظر: المرجع السابق، باب اللام فصل الهمزة، ص ١٢٤٤، والمصباح المنير للفيومي، كتاب الألف، مادة: \"أملت \" ١/ ٢٢، والمعجم الوسيط لمجمع اللغة العربية ١/ ٢٧.\n(٥) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، ٧/ ١١٣.","vol":"2","page":1002},{"text":"٢ - من صفات الداعية: الفطنة والذكاء.\n٣ - من صفات الداعية: حسن الخلق.\n٤ - أهمية تأمير الأمراء على الأقطار.\n٥ - من أساليب الدعوة: السؤال والجواب.\n٦ - من موضوعات الدعوة: التحذير من التنافس في الدنيا والانشغال بها.\n٧ - أهمية التأكيد بالقسم في الدعوة إلى الله ﷿.\n٨ - من معجزات الرسول ﷺ: الإِخبار بما يقع.\n٩ - من أصناف المدعوين: أهل الصلاح والتقوى.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من وسائل الدعوة: بعث البعوث وإرسال الدعاة: بعث البعوث وإرسال الدعاة من أهم الوسائل النافعة في الدعوة إلى الله؛ ولهذا كان النبي ﷺ يستخدم هذه الوسيلة في دعوته، وقد دل هذا الحديث على ذلك؛ لأن عمرو بن عوف الأنصاري ﵁ أخبر «أن رسول الله ﷺ: \"بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها»، وهذا فيه بيان لأهمية بعث الدعاة إلى الله ﷿، للدعوة إلى الله؛ ولكل ما فيه نفع للإِسلام والمسلمين (١).\nثانيا: من صفات الداعية: الفطنة والذكاء: لا ريب أن الفطنة والذكاء من أعظم الصفات التي ينبغي أن تكون من سمات الداعية؛ لأنه يحتاج إلى ذلك في معاملة الناس ودعوتهم إلى الله ﷿، وقد ظهرت هذه الصفة في هذا الحديث؛ لأن النبي ﷺ عندما رأى الأنصار تعرَّضوا له بعد صلاة الصبح، فطن لذكائه أنهم علموا بقدوم أبي عبيدة بمالٍ من البحرين فقال ﷺ: «أظنكم قد سمعتم أن أبا عبيدة جاء بشيء»، فينبغي للداعية أن يسأل الله ﷿ أن يوفقه ويعينه ويرزقه البصيرة والفطنة التي تنفعه في الدنيا والآخرة (٢).\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٦٦، الدرس الثالث، ورقم ٩٠، الدرس الثاني، ورقم ٩٢، الدرس الحادي عشر.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٢٩، الدرس الأول، ورقم ١٢٣، الدرس الثاني.","vol":"2","page":1003},{"text":"ثالثا: من صفات الداعية: حسن الخلق: دل هذا الحديث على حسن خلق النبي ﷺ؛ لأنه عندما رأى الأنصار تعرضوا له، وعلم ما أرادوا تبسم ﷺ، ولم يغضب، ولم يسب بل بشَّرهم (١) وسمعت العلامة ابن باز حفظه الله يقول: \"وفيه حسن خلقه ﷺ؛ فإنه ضحك تعجبا، ثم بشرهم، ولا شك أنهم أهل حاجة\" (٢) فينبغي للداعية أن يحسن أخلاقه (٣).\nرابعا: أهمية تأمير الأمراء على الأقطار: من وسائل الدعوة النافعة تأمير الأمراء على الأقطار، والقبائل؛ ولهذا أمر النبي ﷺ على البحرين العلاء بن الحضرمي كما ثبت في هذا الحديث؛ لأن الأمير يجتمع إليه الناس، ويرفع مصالحهم للإِمام وما يحتاجون إليه، ويؤمهم في الجمعة والأعياد، ويتولىَّ قيادتهم في الجهاد، ويجمع الله به الكلمة وغير ذلك (٤).\nخامسا: من أساليب الدعوة: السؤال والجواب: السؤال والجواب من أساليب الدعوة التي تشد انتباه المدعو، وقد دل هذا الحديث على هذا الأسلوب؛ لقول النبي ﷺ للأنصار: «أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قد جاء بشيء\"، قالوا: أجل يا رسول الله، فقال ﷺ: \"فأبشروا وأملوا ما يسركم، فوالله لا الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا». . . \"، وهذا يؤكد أهمية أسلوب السؤال والجواب. (٥).\nسادسا: من موضوعات الدعوة: التحذير من التنافس في الدنيا والانشغال بها: ظهر في مفهوم هذا الحديث التحذير من التنافس في الدنيا؛ لأن النبي ﷺ قال: «فوالله لا الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما\n_________\n(١) انظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر، ١/ ٣٦٣.\n(٢) سمعت ذلك من سماحته أثناء شرحه لحديث رقم ٣١٥٨، من صحيح البخاري، في جامع الإِمام تركي ابن عبد الله بالرياض.\n(٣) انظر: الحديث رقم ١٤، الدرس الأول، ورقم ٢١، الدرس الثاني، ورقم ٦٢، الدرس الرابع.\n(٤) انظر: الحديث رقم ١٣٢، الدرس الثاني.\n(٥) انظر: الحديث رقم ٥٨، الدرس الثالث، ورقم ١١٠، الدرس الرابع، ورقم ١١٤، الدرس الرابع.","vol":"2","page":1004},{"text":"بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم»، قال الحافظ ابن حجر ﵀ في فوائد هذا الحديث: \"وفيه أن المنافسة في الدنيا قد تجر إلى هلاك الدين\" (١) \"لأن المال مرغوب فيه فترتاح النفس لطلبه، فتمنع منه، فتقع العداوة المقتضية للمقاتلة، المفضية إلى الهلاك \" (٢) وقوله ﷺ: «وتلهيكم كما ألهتهم»، دليل على أن الانشغال بالدنيا فتنة، قال الإِمام القرطبي ﵀: \"تلهيكم\" أي تشغلكم عن أمور دينكم وعن الاستعداد لآخرتكم (٣) كما قال الله ﷿: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ - حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر: ١ - ٢] (٤) وهذا يؤكد للمسلم أن التنافس في الدنيا والانشغال بها شر وخطر، ولهذا قال ﷺ: «إن أكثر ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من بركات الأرض \"، قيل وما بركات الأرض؛ قال: \"زهرة الدنيا\"، ثم قال: \"إن هذا المال خَضِرة حلوة. . . من أخذه بحقه ووضعه في حقه فنعم المعونة هو، ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع [ويكون عليه شهيدا يوم القيامة]». (٥).\nوعن قيس بن حازم قال: دخلنا على خباب ﵁ نعوده. . فقال: \"إن أصحابنا الذين سلفوا مضوا ولم تنقصهم الدنيا، وإنا أصبنا ما لا نجد له موضعا إلا التراب ولولا أن النبي ﷺ نهانا أن ندعو بالموت لدعوتُ به \"، ثم أتيناه مرة أخرى وهو يبني حائطا له فقال: \"إن المسلم يؤجر في كل شيء ينفقه إلا في شيء يجعله في هذا التراب\" (٦) قال الحافظ ابن حجر ﵀: \"أي الذي يوضع في البنيان، وهو محمول على ما زاد على الحاجة\" (٧) وذكر ﵀ آثارا كثيرة في\n_________\n(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٦/ ٣٦٣.\n(٢) المرجع السابق ١١/ ٢٤٥.\n(٣) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٧/ ١٣٣.\n(٤) سورة التكاثر، الآيتان: ١ - ٢.\n(٥) متفق عليه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁. البخاري، كتاب الرقاق، باب ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها، ٧/ ٢٢٢، برقم ٦٤٢٧، ومسلم، كتاب الزكاة، باب تخوف ما يخرج من زهرة الدنيا، ٢/ ٧٢٧، برقم ١٠٥٢، وما بين المعكوفين من رواية مسلم.\n(٦) متفق عليه: البخاري، كتاب المرضى، باب تمني المريض الموت، ٧/ ١٢، برقم ٥٦٧٢، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب تمني كراهية الموت لضر نزل به، ٤/ ٢٠٦٤، برقم ٢٦٨١.\n(٧) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ١٠/ ١٢٩.","vol":"2","page":1005},{"text":"ذم البنيان ثم قال: \"وهذا كله محمول على ما لا تمس الحاجة إليه مما لا بد منه للتوطن وما يقي البرد والحر\" (١) وقد بين الله ﷿ حقيقة الدنيا فقال ﷿: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٢٤] (٢) وقال ﷿: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد: ٢٠] (٣) وقال ﷿: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا - الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف: ٤٥ - ٤٦] (٤) ولا شك أن الإِنسان إذا لم يجعل الدنيا أكبر همه وفقه الله وأعانه، فعن معقل بن يسار ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «يقول ربكم ﵎ يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ قلبك غنى وأملأ يديك رزقا، يا ابن آدم لا تباعد عني فأملأ قلبك فقرا وأملأ يديك شغلا» (٥) وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن الله تعالى يقول: يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنىً وأسد فقرك، وإن لم تفعل ملأت يديك شغلا ولم أسد فقرك» (٦) ولا شك أن كل عمل صالح يُبْتَغى به وجه الله فهو عبادة، وعن زيد بن ثابت ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره، وجعل\n_________\n(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ١١/ ٩٣.\n(٢) سورة يونس، الآية: ٢٤.\n(٣) سورة الحديد، الآية: ٢٠.\n(٤) سورة الكهف، الآيتان: ٤٦، ٤٥.\n(٥) الحاكم وصححه ووافقه الذهبي ٤/ ٣٢٦، وقال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة ٣/ ٣٤٧: \"وهو كما قالا\".\n(٦) الترمذي، كتاب صفة القيامة، باب: حدثنا قتيبة، ٤/ ٦٤٢، برقم ٢٤٦٦، وحسنه، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب الهم بالدنيا، ٢/ ١٣٧٦، برقم ٤١٠٨، وأحمد ٢/ ٣٥٨، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي ٢/ ٤٤٣، وانظر. سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني ٣/ ٣٤٦.","vol":"2","page":1006},{"text":"فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته، جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة» (١).\nوقد ذم الله الدنيا إذا لم تستخدم في طاعة الله ﷿، فعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ألا إن الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكرُ الله، وما والاهُ، وعالم، أو متعلمٌ» (٢) وهذا يؤكد أن الدنيا مذمومة مبغوضة من الله وما فيها، مبعدة من رحمة الله إلا ما كان طاعة لله ﷿؛ (٣) ولهوانها على الله ﷿ لم يبلِّغ رسولَه ﷺ فيها وهو أحب الخلق إليه، فقد «مات ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودي في ثلاثين صاعا من شعير» (٤) ومما يزيد ذلك وضوحا وبيانا حديث سهل بن سعد ﵁ يرفعه: «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء» (٥) فينبغي للداعية أن لا ينافس في الدنيا، ولا يحزن عليها، وإذا رأى الناس يتنافسون في الدنيا، فعليه تحذيرهم، وعليه مع ذلك أن ينافسهم في الآخرة. والله المستعان.\nسابعا: أهمية التأكيد بالقسم في الدعوة إلى الله ﷿: دل هذا الحديث على التأكيد بالقسم؛ لقوله ﷺ: «فوالله لا الفقر أخشى عليكم،\n_________\n(١) ابن ماجه، كتاب الزهد، باب الهم بالدنيا، ٤/ ١٣٧٥، برقم ٤١٠٥، وصحح الألباني إسناده في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٩٥٠، وصحيح الجامع ٥/ ٣٥١.\n(٢) الترمذي بلفظه، كتاب الزهد، باب: حدثنا محمد بن حاتم، ٤/ ٥٦١، برقم ٢٣٢٢، وحسنه، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب مثل الدنيا، ١٢/ ١٣٧٧، برقم ٤١١٢، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ٣٤، برقم ٧١، و١/ ٦ برقم ٧.\n(٣) قوله: \"وما والاه\" أي ما يحبه الله من أعمال البر وأفعال القرب، وهذا يحتوي على جميع الخيرات والمفاضلات ومستحسنات الشرع. وقوله: \"وعالم أو متعلم\" والرفع فيها على التأويل: كأنه قيل: الدنيا مذمومة لا يُحمدُ مما فيها \"إلا ذكرُ الله، وما والاهُ، وعالم أو متعلم\" والعالم والمتعلم: العلماء بالله الجامعون بين العلم والعمل، فيخرج منه الجهلاء، والعالم الذي لم يعمل بعلمه، ومن يعلم علم الفضول وما لا يتعلق بالدين، انظر: شرح الطيبي على مشكاة المصابيح ١٠/ ٣٢٨٤ - ٣٢٨٥، ومرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، للملا علي قاري، ٩/ ٣١، وتحفة الأحوذي على شرح سنن الترمذي، ٦/ ٦١٣.\n(٤) انظر: البخاري، كتاب البيوع، باب شراء الطعام إلى أجل، ٣/ ٤٦، برقم ٢٢٠٠، ومسلم، كتاب المساقاة، باب الرهن وجوازه في الحضر والسفر ٣/ ١٢٦٦، برقم ١٦٠٣.\n(٥) الترمذي، ٤/ ٥٦٠، برقم ٢٣٢٠، وابن ماجه، ١٤/ ١٣٧٦، برقم ٤١١٠، وتقدم تخريجه في الحديث رقم ٧٧، الدرس الثالث، ص ٤٦٩.","vol":"2","page":1007},{"text":"ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم»، وهذا يؤكد أهمية أسلوب التأكيد بالقسم (١).\nثامنا: من معجزات الرسول ﷺ: الإخبار بما يقع: إن هذا الحديث دل على أن الإِخبار بما يقع من معجزات النبوة؛ لأن النبي ﷺ خشي أن تبسط الدنيا على أمته فيتنافسوها فوقع كما خشي ﷺ، قال الحافظ ابن حجر ﵀: \"وفيه من أعلام النبوة إخباره ﷺ بما يفتح عليهم \" (٢) وقد وقع كما أخبر ﷺ. (٣).\nتاسعا: من أصناف المدعوين: أهل الصلاح والتقوى: دل هذا الحديث على أن أهل التقوى من أصناف المدعوين؛ ولهذا وعظ النبي ﷺ الأنصار وحذرهم التنافس في الدنيا؛ لأن ذلك يسبب الهلاك، فقال: «فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم» (٤).\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ١٠، الدرس الخامس، ورقم ١٤، الدرس الخامس.\n(٢) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٦/ ٢٦٣.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٢١، الدرس الرابع، ورقم ٥٣، الدرس الثالث.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٧١، الدرس السابع، ورقم ٧٦، الدرس الرابع.","vol":"2","page":1008},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-325>[حديث بعث عمر الناس في أفناء الأمصار يقاتلون المشركين]</span>\n١٨١ - [٣١٥٩] حَدَّثَنَا الفَضْلُ بْنُ يَعْقُوبَ: حَدَّثَنَا عبد الله بْن جَعْفرٍ الرَّقِّيُّ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمانَ: حَدَّثَنَا سَعِيد بْنُ عُبَيْدِ اللهِ الثَّقَفِيُّ: حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ عبد الله المُزَني (١) وَزِيَادُ بْنُ جُبَيْرٍ بنِ حَيَّةَ (٢) قَالَ: «بَعَثَ عمر النَّاسَ فِي أَفْنَاءِ الأَمْصَارِ يُقَاتِلونَ المُشْرِكِينَ، فأَسْلَمَ الهُرْمزَان (٣) فَقَالَ: إِنيِّ مُسْتَشِيرُكَ فِي مغَازِيَّ هَذِهِ؛ قَالَ: نَعَمْ، مَثَلُهَا وَمَثَلُ مَنْ فِيهَا مِنَ النَّاسِ مِنْ عَدُوِّ المسْلِمينَ مَثَلُ طَائِر لَهُ رَأس وَلَهُ جَنَاحَانِ وَلَهُ رِجْلانِ، فَإِنْ كسِرَ أَحَدُ الجَنَاحَيْنِ نَهَضَتِ الرِّجْلانِ بِجَنَاح وَالرَّأس. فَإِنْ كُسِرَ الْجَنَاحُ الآخَرُ نَهضتِ الرِّجْلانِ وَالرَّأْسُ. وإِنْ شُدِخَ الرَّأْسُ ذَهبَتِ الرِّجْلانِ والْجَنَاحَانِ وَالرَّأْسُ. فَالرَّأْسُ كِسْرَى والْجَنَاح قيصَرُ وَالجَنَاحُ الآخَرُ فَارِسُ. فَمُرِ المُسْلِمِينَ فَلْيَنْفِرُوا إِلَى كِسْرَى. وَقَال بَكْر وَزِيَاد جَمِيعا عَنْ جُبَيْرِ بْنِ حَيَّةَ: فَنَدَبَنَا عُمَرُ. واستَعْمَلَ عَلَيْنَا النُّعْمَانَ بْنَ مُقَرِّنٍ. حَتَّى إِذَا كُنَّا بِأَرْضِ العَدُوِّ، وَخَرَجَ عَلَيْنَا عَامِلُ كِسْرَى فِي أرْبَعِينَ ألْفا، فَقَامَ ترجمَانٌ فَقَال: لِيُكَلِّمْنِي رَجُل مِنكُمْ. فَقَالَ الْمُغِيرَة (٤) سَلْ عَمَّا شِئْتَ. قَالَ:\n_________\n(١) بكر بن عبد الله بن عمرو المزني أبو عبد الله البصري، روى عن أنس، وابن عباس، وابن عمر، والمغيرة بن شعبة؛ وغيرهم، وروى عنه ثابت البناني، وسليمان التيمي، وقتادة، وغالب القطان، وعاصم الأحول، كان ثبتا حجة، قال: أدركت ثلاثين من فرسان مزينة منهم عبد الله بن المغفل، ومعقل بن يسار، مات سنة مائة وست، وكان عابدا فاضلا، وكان يقول: \"إياك من الكلام ما إن أصبت فيه تؤجر وإن أخطأت فيه أثمت، وهو سوء الظن بأخيك \". انظر: تهذيب التهذيب لابن حجر، ١/ ٤٢٤، وتقريب التهذيب له، ص ١٧٥.\n(٢) زياد بن جبير بن حية بن مسعود بن معتِّب الثقفي البصري، روى عن أبيه وابن عمر، والمغيرة بن شعبة وغيرهم، قال ابن حجر ثقة من الثالثة، وكان يرسل. انظر: تهذيب التهذيب لابن حجر، ٣/ ٣٠٨، وتقريب التهذيب له، ص ٣٤٣.\n(٣) الهُرمزان، وهو اسم لبعض أكابر الفرس، وهو دهقانهم الأصغر، أسره أبو موسى الأشعري وبعثه إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقال له عمر: تكلم فلم يتكلم، فقال له: تكلم لا بأس عليك فتكلم ثم طلب ماءً فأحضر له، فقال له عمر أيضا: اشرب فلا بأس عليك، ثم أراد عمر قتله لكونه أسيرا فقال له أنس قد أمَنْتَهُ بقولك: لا بأس عليك، فتركه عمر، ثم أسلم الهرمزان. انظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي ٢/ ١٣٥.\n(٤) المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود بن معتب بن مالك، الثقفي الصحابي الجليل، أسلم عام الخندق وشهد الحديبية وبيعة الرضوان، له عن رسول الله ﷺ مائة وستة وثلاثون حديثا، اتفق البخاري ومسلم على تسعة منها، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بحديثين، وأخذ الحديث عنه خلق كثير، وكان المغيرة موصوفا بالدهاء والحلم، وقيل بأنه أحصن ثلاثمائة امرأة في الإسلام، وقيل: ألفا، وولاه عمر بن الخطاب ﵁ البصرة مدة ثم نقله عنها فولاه الكوفة فلم يزل عليهَا حتى قتل عمر فأقره عثمان عليها ثم عزله، وشهد اليمامة، وفتح الشام، وذهبت عينه يوم اليرموك، وشهد القادسية، وشهد فتح نهاوند، وكان على ميسرة النعمان بن مقرن، وشهد فتح همدان وغيرها، واعتزل الفتنة بعد قتل عثمان، وشهد الحكمين، ثم استعمله معاوية على الكوفة، فلم يزل عليها حتى توفي بها سنة خمسين. وقيل: سنة إحدى وخمسين، وله سبعون سنة، قالوا: وهو أول من وضع ديوان البصرة. وكان من الدهاة الأذكياء، ومن ذلك ما قيل: إن عمر ﵁ استعمل المغيرة على البحرين فكرهوه وشكوا منه فعزله فخافوا أن يعيده عليهم فجمعوا مائة ألف وأحضرت إلى عمر فقام الدهقان إلى عمر فقال: إن المغيرة اختان هذه فأودعها عندي، فدعاه فسأله فقال: كذب إنما أودعت عنده مائتي ألف، فقال وما حملك على ذلك، قال: كثرة العيال فسقط في يد الدهقان فحلف وأكد الأيمان أنه لم يودع عنده قليلا ولا كثيرا، فقال عمر للمغيرة ما حملك على هذا. قال: إنه افترى علي فأردت أن أخزيه، رضي الله عن المغيرة. انظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي، ٢/ ١٠٩، وسير أعلام النبلاء للذهبي ٣/ ٢١، الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، ٣/ ٤٥٢.","vol":"2","page":1009},{"text":"ما أنتمْ؛ قَالَ: نَحْن أناسٌ مِنَ العَرَب كنّا فِي شقاءٍ شدِيد وَبَلاء شدِيد. نمص الجلْدَ وَالنَّوى مِنَ الجُوع. وَنَلْبَسُ الوبر والشَّعرَ. وَنعْبدُ الشَّجَرَ والحَجَرَ. فَبَيْنَا نحنُ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ ربُّ السماوات وَرَبُّ الأَرَضِينَ- تَعَالى ذِكْرهُ وَجَلَّتْ عَظَمَته - إِلَيْنَا نَبيّا منْ أنفسِنَا نَعْرِفُ أَبَاهُ وَأُمَّه فَأَمَرَنَا نَبِيُّنَا رَسولُ رَبِّنا ﷺ أَنْ نُقَاتلِكُم حَتَّى تَعْبدُوا اللهَ وَحْدهُ. أَوْ تؤدّوا الجزْيَةَ. وَأَخْبَرنَا نَبِيُّنَا ﷺ عَنْ رسَالةِ رَبِّنَا أنهُ مَنْ قتِلَ مِنَّا صَارَ إلَى الجَنَّةِ فِي نَعيم لمْ يُرَ مِثْلُهَا قَط. وَمَنْ بقِيَ مِنَّا مَلَكَ رِقَابَكُمْ». (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-326>[حديث كان إذا لم يقاتل في أول النهار انتظر حتى تهب الأرواح وتحضر الصلوات]</span>\n١٨٢ - [٣١٦٠] «فَقَالَ النُّعْمَان (٢) \"ربَّمَا أَشْهَدَكَ اللهُ مِثْلَهَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يُندِّمْكَ وَلَمْ يخْزِكَ وَلَكِنِّي شَهِدْتُ القِتَالَ مَع رَسُولِ اللهِ ﷺ، كَانَ إِذَا لَمْ يُقَاتِلْ فِي أَوَّل النَّهَارِ انْتَظَرَ حَتَّى تَهُبَّ الأَرْوَاحُ، وَتَحْضُرَ الصّلَوات».\n\n* شرح غريب الحديثين: * \" نلبس الوبر والشعر \" الوبر: صوف الإِبل والأرانب ونحو ذلك، والشعر: نبتة الجسم مما ليس بصوف ولا وبر (٣)\n_________\n(١) [الحديث ٣١٥٩] طرفه في كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ، ٨/ ٢٦٤، برقم ٧٥٣٠.\n(٢) النعمان بن مقرن. بن عائذ المزني، أبو حكيم، ويقال: أبو عمرو، الأمير صاحب رسول الله ﷺ، كان إليه لواء قومه يوم فتح مكة، ثم كان أمير الجيش الذي افتتح نهاوند، فاستشهد يومئذ، وقد قدم قبل ذلك على عمر بشيرا بفتح القادسية، وهو الذي فتح أصبهان، وكان استشهاده ﵁ سنة إحدى وعشرين للهجرة. انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي، ٢/ ٣٥٦، الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، ٣/ ٥٦٥، وتهذيب التهذيب له، ١٠/ ٤٠٧.\n(٣) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الواو مع الباء، مادة: \"وبر\" ٥/ ١٤٥، والقاموس المحيط للفيروز آبادي، باب الراء فصل الواو، ص ٦٣٠، وباب الراء فصل الشين، ص ٥٣٣.","vol":"2","page":1010},{"text":"* \" تهب الأرواح \" جمع ريح؛ لأن أصلها الواو، وتجمع على أرياح قليلا، وعلى رياح كثيرا (١).\n\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذين الحديثين دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من وسائل الدعوة: بعث البعوث للدعوة والجهاد.\n٢ - من صفات الداعية: الفصاحة والبلاغة.\n٣ - أهمية مراعاة أوقات نشاط المدعو.\n٤ - من وسائل الدعوة: الجهاد في سبيل الله ﷿.\n٥ - أهمية الشورى في الدعوة إلى الله ﷿.\n٦ - من وسائل الدعوة: تأمير الأمراء على الجيوش.\n٧ - من معجزات الرسول ﷺ: الإِخبار بالمغيبات.\n٨ - من أساليب الدعوة: ضرب الأمثال.\n٩ - من وسائل الدعوة: البدء بقتال الأهم فالأهم من أعداء الإِسلام (٢).\n١٠ - من أساليب الدعوة: الترغيب والترهيب.\n١١ - من أصناف المدعوين: المشركون.\n١٢ - من موضوعات الدعوة: الحض على الجهاد حتى يعبد الله وحده.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من وسائل الدعوة: بعث البعوث للدعوة والجهاد: بعث البعوث للدعوة إلى الله ﷿، من أعظم الوسائل النافعة، وقد ظهر في هذا الحديث؛ لقول جبير بن حيَّة: \" بعث عمر الناس في أفناء الأمصار يقاتلون المشركين، فأسلم الهرمزان وهذا يؤكد أهمية هذه الوسيلة في الدعوة إلى الله ﷿ (٣)\n_________\n(١) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الراء مع الواو، مادة: \"روح\" ٢/ ٢٧٢.\n(٢) هكذا قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ٦/ ٢٦٦: \"الأهم فالأهم \".\n(٣) انظر: الحديث رقم ٦٦، الدرس الثالث، ورقم ٩٠، الدرس الثاني.","vol":"2","page":1011},{"text":"ثانيا: من صفات الداعية: الفصاحة والبلاغة: لا شك أن الفصاحة والبلاغة من الصفات التي ينبغي للداعية أن يتحلى بها حسب الاستطاعة، وقد دل هذا الحديث على ذلك؛ لقول المغيرة بن شعبة ﵁ لعامل كسرى: «نحن أناس من العرب كنا في شقاء شديد، وبلاء شديد، نمص الجلد والنوى من الجوع، ونلبس الوبر والشعر، ونعبد الشجر والحجر، فبينما نحن كذلك إذ بعث رب السماوات والأرضين- تعالى ذكره وجلت عظمته- إلينا نبيا من أنفسنا، نعرف أباه وأمه، فأمرنا نبينا رسول ربنا أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده، أو تؤدوا الجزية، وأخبرنا نبينا ﷺ عن رسالة ربنا أنه من قتل منا صار إلى الجنة في نعيم لم ير مثلها قط، ومن بقي منا ملك رقابكم»، قال الكرماني ﵀: \"فيه فصاحة المغيرة من حيث إنَّ كلامه مبيِّن لأحوالهم فيما يتعلق بدنياهم: من المطعوم والملبوس، وبدينهم من العبادة، وبمعاملتهم مع الأعداء: من طلب التوحيد أو الجزية، ولمعادهم في الآخرة إلى كونهم في الجنة، وفي الدنيا إلى كونهم ملوكا، مُلَّاكا للرقاب \" (١) أي الكافرة المعاندة، وهذا يؤكد أهمية البلاغة للداعية (٢).\nثالثا: أهمية مراعاة أوقات نشاط المدعو: إن مراعاة أوقات نشاط المدعو من الأمور المهمة التي ينبغي للداعية العناية بها؛ ولهذا ثبت في هذا الحديث ما يدل على ذلك؛ لقول النعمان ﵁: «لكني شهدت القتال مع رسول الله ﷺ، كان إذا لم يقاتل في أول النهار انتظر حتى تهب الأرواح وتحضر الصلوات»، وقد ذكر الحافظ ابن حجر ﵀ في فوائد هذا الحديث: \"أن هذا يدل على فضل القتال بعد زوال الشمس على ما قبله، ولا يعارضه أنه ﷺ كان يغير صباحا؛ لأن هذا عند المصافة، وذاك عن الغارة\" (٣) وهذا يؤكد أهمية مراعاة أوقات نشاط المدعو (٤).\n_________\n(١) شرح الكرماني على صحيح البخاري، ١٣/ ١٢٨، وانظر: فتح الباري لابن حجر، ٦/ ٢٦٤.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٥٣، ٥٤ و٥٥، الدرس الثاني.\n(٣) انظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٦/ ٢٦٦.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٧، الدرس الثامن، ورقم ٣٣، الدرس الثالث.","vol":"2","page":1012},{"text":"رابعا: من وسائل الدعوة: الجهاد في سبيل الله ﷿: الجهاد في سبيل الله ﷿ من أعظم الوسائل في نشر الدعوة؛ ولهذه الأهمية بعث عمر بن الخطاب ﵁ الناس في أفناء الأمصار (١) يقاتلون المشركين فأسلم الهرمزان \"، وهذا يبيِّن عناية الصحابة بعد رسول الله ﷺ بهذه الوسيلة سيرا على منهج رسول الله ﷺ، فينبغي العناية بها (٢).\nخامسا: أهمية الشورى في الدعوة إلي الله ﷿: الشورى ذات أهمية بالغة؛ لما لها من الاتفاق على الحق وإصابة الصواب في الغالب؛ ولهذه الأهمية استشار عمر بن الخطاب ﵁ الهرمزان؛ لأنه كان من أهل تلك البلاد، وكان أعلم بأحوال أهلها من غيره؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀ في فوائد هذا الحديث: \"وفيه فضل المشورة وأن الكبير لا نقص عليه في مشاورة من هو دونه \" (٣) وهذا يؤكد على الداعية العناية بالشورى عناية خاصة؛ لمكانتها وفضائلها وحسن آثارها (٤).\nسادسا: من وسائل الدعوة: تأمير الأمراء على الجيوش: تأمير الأمراء على الجيوش، والسرايا من الوسائل النافعة في الدعوة إلى الله ﷿؛ لما يحصل بذلك من اجتماع الكلمة، واتحاد الصف، ونبذ الاختلاف؛ ولهذا استعمل عمر بن الخطاب ﵁ على هذا الجيش المذكور في هذا الحديث: النعمان بن مقرِّن ﵁، (٥) ففتح الله على يديه، وهذا يبين أهمية تأمير الأمراء على الجيوش (٦).\nسابعا: من معجزات الرسول ﷺ: الإخبار بالمغيبات: دل هذا الحديث على أن من معجزات الرسول ﷺ، الإِخبار بالمغيبات؛\n_________\n(١) في أفناء الأمصار: أي في مجموع البلاد الكبار. فتح الباري لابن حجر، ٦/ ١٦٤.\n(٢) انظر: الحديث رقم ١٨، الدرس الثالث، ورقم ١١٧، الدرس الرابع.\n(٣) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٦/ ٢٦٦.\n(٤) انظر: الحديث رقم ١١، الدرس الرابع، ورقم ٦٤، الدرس الثالث، ورقم ١٠٨، الدرس الرابع عشر.\n(٥) انظر: الإصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر، ٣/ ٥٦٥.\n(٦) انظر: الحديث رقم ١٣٢، الدرس الثاني، ورقم، ١٨٠، الدرس الرابع.","vol":"2","page":1013},{"text":"لأن المغيرة ﵁ قال لعامل كسرى: «وأخبرنا نبينا ﷺ عن رسالة ربنا أنه من قتل منا صار إلى الجنة في نعيم دائم لم ير مثلها، ومن بقي منا ملك رقابكم»، وقد ذكر ابن حجر ﵀ في فوائد هذا الحديث: \"أنه دل على بيان معجزات الرسول ﷺ وإخباره بالمغيبات، ووقوعها كما أخبر\" (١) وهذا لا شك يؤكد صدقه ﷺ وأنهم ملكوا رقاب كسرى وقيصر (٢).\nثامنا: من أساليب الدعوة: ضرب الأمثال: ظهر في هذا الحديث أسلوب ضرب المثل؛ لأن الهرمزان قال لعمر ﵁ عن مغازيه: \"مثلها ومثل من فيها من الناس من عدوِّ المسلمين مثل طائر له رأس، وله جناحان، وله رجلان، فإن كسر أحد الجناحين نهضت الرجلان بجناح والرأس، فإن كسر الجناح الآخر نهضت الرجلان والرأس، وإن شدخ الرأس ذهبت الرجلان والجناحان والرأس، فالرأس كسرى، والجناح قيصر، والجناح الآخر فارس، فمر المسلمين فلينفروا إلى كسرى \"، قال الحافظ ابن حجر ﵀ في فوائد هذا الحديث: \"وفيه ضرب المثل وجودة تصور الهرمزان؛ ولذلك استشاره عمر، وتشبيهٌ لغائب المجوس بحاضر محسوس لتقريبه إلى الفهم \" (٣) وهذا يؤكد أهمية ضرب الأمثال في الدعوة إلى الله ﷿؛ لأن ضرب الأمثال من أوضح وأقوى أساليب الإِيضاح والبيان في إبراز الحقائق المعقولة في صورة الأمر المحسوس، وفي القرآن الكريم كثير من الأمثال المضروبة، والداعية لا بد له من ذلك في دعوته، ومن ذلك أن الله تعالى مثَّلَ المنفق في سبيله بمن بذر بذرا فأنبتت كل حبّة سبع سنابل، اشتملت كل سنبلة على مائة حبّة، والله يُضاعف فوق ذلك لمن يشاء بحسب حال المنفق وإخلاصه (٤).\nومثل المنفق رياء وسمعة وبطلان عمله كمثل حجر أملس عليه تراب فأصابه\n_________\n(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٦/ ٢٦٦.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٢١، الدرس الرابع، ورقم ٥٣، الدرس الثالث.\n(٣) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٦/ ٢٦٦.\n(٤) انظر: سورة البقرة، الآية: ٢٦١.","vol":"2","page":1014},{"text":"مطر شديد، فتركه أملس لا شيء عليه (١) ومثل سبحانه الدنيا في زهرتها وسرْعة زوالها بالماء الذي ينزل من السماء فأنبت الكلأ والعشب، ثم صار بعد هذه النّضرة هشيما (٢) ومن أعظم ضرب الأمثال قول الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ - مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٧٣ - ٧٤] (٣).\nحق على كل عبد أن يستمع لهذا المثل، ويتدبره حق تدبره؛ فإنه يقطع مواد الشرك من قلبه، فالآلهة التي تُعبَد من دون الله لن تقدر على خلق الذباب ولو اجتمعوا كلهم لخلقه، فكيف بما هو أكبر منه، بل لا يقدرون على الانتصار من الذباب إذا سلبهم شيئا مما عليهم من طيب ونحوه، فيستنقذوه منه، فلا هم قادرون على خلق الذباب الذي هو أضعف المخلوقات، ولا على الانتصار منه واسترجاع ما سلبهم إياه، فلا أعجز من هذه الآلهة الباطلة، ولا أضعف منها، فكيف يستحسن عاقل عبادتها من دون الله؟!.\nوهذا المثل من أبلغ ما أنزل الله تعالى في بطلان الشرك وتجهيل أهله (٤).\nومن أحسن الأمثال وأدلّها على بطلان الشرك، وخسارة صاحبه، وحصوله على ضد مقصوده، قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ - إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ - وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤١ - ٤٣] (٥) فهذا مثل ضربه الله لمن عبد معه غيره يقصد به التعزز والتقوي والنفع، فبين- سبحانه- أن\n_________\n(١) انظر: سورة البقرة، الآية: ٢٦٤.\n(٢) انظر: سورة الكهف، الآية: ٤٥، وسورة يونس، الآية: ٢٤، وسورة الحديد، الآية: ٢٠.\n(٣) سورة الحج، الآيتان: ٧٣، ٧٤.\n(٤) انظر: تفسير البغوي ٣/ ٢٩٨، وأمثال القرآن لابن القيم ص ٤٧، والتفسير القيم لابن القيم ص ٣٦٨، وتفسير ابن كثير ٣/ ٢٣٦، والبرهان في علوم القرآن، للزركشي ١/ ٤٨٦، والإتقان في علوم القرآن، للسيوطي ٢/ ١٠٤١، وفتح القدير للشوكاني ٣/ ٤٧٠، وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ٥/ ٣٢٦.\n(٥) سورة العنكبوت، الآيات: ٤١ - ٤٣.","vol":"2","page":1015},{"text":"هؤلاء ضعفاء، وأن الذين اتخذوهم أولياء من دون الله أضعف منهم، فهم في ضعفهم وما قصدوه \"من اتخاذ الأولياء كالعنكبوت التي هي من أضعف الحيوانات، اتخذت بيتا وهو من أضعف البيوت، فما ازدادت باتخاذه إلا ضعفا، وكذلك من اتخذ من دون الله أولياء، فإنهم ضعفاء، وازدادوا باتخاذهم ضعفا إلى ضعفهم (١) ومن أبلغ الأمثال التي تُبيّن أن المشرك قد تشتت شمله واحتار في أمره، ما بيّنه الله ﷿ بقوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩] (٢) فهذا مثل ضربه الله تعالى للمشرك والموحد، فالمشرك لما كان يعبد آلهة شتى مُثِّلَ بعبد يملكه جماعة متنازعون مختلفون، سيئة أخلاقهم، متنافسون في خدمته، لا يمكنه أن يبلغ رضاهم أجمعين، فهو في عذاب. والموحد لما كان يعبد الله وحده لا شريك له، فمثله كمثل عبد لرجل واحد، قد سلم له، وعلم مقاصده، وعرف الطريق إلى رضاه، فهو في راحة من تشاحن الخلطاء فيه واختلافهم، بل هو سالم لمالكه من غير تنازع فيه، مع رأفة مالكه به، ورحمته له، وشفقته عليه، وإحسانه إليه، وتوليه لمصالحه، فهل يستوي هذان العبدان؛ والجواب: كلَّا. لا يستويان أبدا (٣) والقرآن فيه كثير من ضرب الأمثال (٤).\nوضرب النبي ﷺ الأمثال في دعوته، ومن ذلك تمثيل الجليس الصالح بحامل المسك، والجليس السوء بنافخ الكير (٥) وهذا من حكمة النبي ﷺ لأنه جمع بين الترغيب والحثّ على مجالسة من يُستفاد من مجالسته في الدين والدنيا، وحذّر من مجالسة من يتأذّى بمجالسته فيهما (٦).\n_________\n(١) انظر: تفسير البغوي ٣/ ٤٦٨، وأمثال القرآن لابن القيم ص ٢١، وفتح القدير للشوكاني ٤/ ٢٠٤.\n(٢) سورة الزمر، الآية: ٢٩.\n(٣) انظر: تفسير البغوي، ٤/ ٧٨، والتفسير القيم لابن القيم، ص ٤٢٣، وتفسير ابن كثير، ٤/ ٥٢، وفتح القدير للشوكاني، ٤/ ٤٦٢، وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للسعدي، ٦/ ٤٦٨.\n(٤) انظر: أمثال القرآن لابن القيم ص ٥٠ - ٥٢.\n(٥) انظر: البخاري، كتاب الذبائح والصيد، باب المسك، ٦/ ٢٧٨، برقم ٥٥٣٤، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب استحباب مجالسة الصالحين ومجانبة قرناء السوء، ٤/ ٢٠٢٦، برقم ٢٦٢٨.\n(٦) انظر: شرح صحيح مسلم للنووي ١٦/ ٤١٧، وفتح الباري لابن حجر، ٤/ ٣٢٤.","vol":"2","page":1016},{"text":"ومن أبلغ الأمثلة على ضرب الأمثال قوله ﷺ: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا، فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأَ والعشب الكثير، وكانت منها أجادبُ أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً. فذلك مثل من فَقهَ في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فَعَلِمَ وَعَلَّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هُدى الله الذي أرسلت به» (١) والناس على هذه الأقسام الثلاثة:\nالنوع الأول: من الناس من يبلغه الهدى والعلم فيحفظه، فيحيا قلبه ويعمل به ويعلمه غيره، فهو قد انتفع ونفع، فهؤلاء عَلِمُوا، وَعَمِلُوا، وعلَّمُوا، فهم أفضل الناس،\nوالنوع الثاني: من الناس من لهم قلوب حافظة يحفظون بها العلم والهدى، ولكن ليست لهم أفهام ثاقبة ولا رسوخ لهم في العقل يستنبطون به المعاني والأحكام، وليس عندهم اجتهاد في الطاعة والعمل بها، فهم يحفظونه حتى يأتي طالب محتاج متعطش لما عندهم من العلم فيأخذه منهم فينتفع به، فهؤلاء علموا وعلَّموا، فنفعوا بما بلغهم.\nوالنوع الثالث: من الناس ليست لهم قلوب حافظة ولا أفهام واعية فإذا سمعوا العلم لا يحفظونه ولا ينتفعون به ولا ينفعون غيرهم (٢) فينبغي للداعية أن يعتني بضرب الأمثال في دعوته إلى الله ﷿، والله المستعان وبه الثقة وعليه التكلان (٣).\nتاسعا: من وسائل الدعوة: البدء بقتال الأهم فالأهم من أعداء الإسلام: البدء بقتال الكفار ينبغي أن يكون بالأهم، ثم الذي يليه في الأهمية؛ ولهذا\n_________\n(١) متفق عليه من حديث أبي موسى ﵁: البخاري، كتاب العلم، باب فضل من علم وعلم، ١/ ٣٢، برقم ٧٩، ومسلم، كتاب الفضائل، باب بيان مثل ما بعث به النبي ﷺ من الهدى والعلم، ٤/ ١٧٨٧، برقم ٢٢٨٢.\n(٢) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ١٥/ ٥٢، وفتح الباري لابن حجر، ١/ ١٧٧.\n(٣) انظر: كثيرا من الأمثال في السنة في صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضيلة حافظ القرآن، ١/ ٥٤٩، برقم ٧٩٧، وكتاب الزكاة، باب مثل البخيل، ٢/ ٧٠٨، برقم ١٠٢١، وكتاب الإمارة، باب فضل الشهادة في سبيل الله، ٣/ ١٤٩٨، برقم ١٨٧٨، وكتاب الفضائل، ٤/ ١٧٨٧ - ١٧٩١، بأرقام ٢٢٨٢ - ٢٢٨٧، وكتاب البر والصلة، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم، ٤/ ٩٩٩ - ٢٠٠٠، برقم ٢٥٨٥ - ٢٥٨٦، وكتاب صفات المنافقين ٤/ ٢١٤٦، برقم ٢٧٨٤، و٤/ ٢١٦٣ - ٢١٦٦، بأرقام ٢٨٠٩ - ٢٨١٢، وكتاب الأمثال للرامهرمزي، ص ٥ - ١٤٢، وسنن الترمذي، كتاب الأمثال ٥/ ١٤٤ - ١٤٨، ومسند الِإمام أحمد، ١/ ٤٣٥، ٤٦٥، ٤/ ١٨٢، ١٨٣، ٢٠٢.","vol":"2","page":1017},{"text":"أشار الهرمزان على عمر ﵁ أن يبدأ بقتال كسرى قبل قيصر وفارس؛ لأن كسرى بمثابة الرأس فإذا سقط الرأس فلا قيمة لبقية الجسد؛ ولهذا قال الهرمزان ﵀ \"فالرأس كسرى، والجناح قيصر، والجناح الآخر فارس، فمر المسلمين فلينفروا إلى كسرى \"؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀ في فوائد هذا الحديث: \"وفيه البداءة بقتال الأهم فالأهمِّ \" (١) فينبغي العناية بذلك وبالتدرج في جميع الأمور على حسب الحكمة والصواب.\nعاشرا: من أساليب الدعوة: الترغيب والترهيب: دل هذا الحديث على أسلوب الترغيب والترهيب؛ لأن المغيرة ﵁ قال لعامل كسرى: «وأخبرنا نبينا عن رسالة ربنا أنه من قتل منا صار إلى الجنة في نعيم دائم لم ير مثلها قط (٢) ومن بقي منا ملك رقابكم»، فقوله: «في نعيم دائم» فيه ترغيب في الجهاد وبيان فضل الشهادة في سبيل الله ﷿. وقوله: «ومن بقي منا ملك رقابكم» فيه ترغيب للمجاهدين في أن من نصره الله استولى على الأعداء، وفيه ترهيب للأعداء وتخويف من البقاء على الكفر؛ لأن من بقي على ذلك يصير إلى القتل أو إلى الرق والذل. والله أعلم. (٣).\nالحادي عشر: من أصناف المدعوين: المشركون: ظهر في هذا الحديث أن من أصناف المدعوين: كسرى، وقيصر، وفارس، ولا شك أن فارس عباد النار، والنصارى عباد عيسى ﷺ، وإن كانوا أهل كتاب، فينبغي أن يدعى هؤلاء كل على حسبه وبما يناسبه. (٤).\nالثاني عشر: من موضوعات الدعوة: الحض على الجهاد حتى يعبد الله وحده: ظهر في الحديث الحض على الجهاد لقول المغيرة ﵁ لعامل كسرى: «فأمرنا نبينا رسول ربنا أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده أو تؤدوا الجزية» (٥).\n_________\n(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٦/ ٢٦٦.\n(٢) انظر: حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح، لابن القيم ص ٣٥.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٧، الدرس الثالث، والدرس الرابع عشر.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٩٠، الدرس الرابع، ورقم ٩١، الدرس الثامن، ورقم ١٧٩، الدرس السابع.\n(٥) انظر: الحديث رقم ٢، الدرس الثالث، ورقم ١٨، الدرس الثاني.","vol":"2","page":1018},{"text":"٥ -<span data-type=\"title\" id=toc-327> بابُ إثم من قتل معاهدا بغير جرم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-328>[حديث من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة]</span>\n١٨٣ - [٣١٦٦] حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ: حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ عَمْرو: حَدَّثَنَا مُجَاهِد، عَنْ عبد الله بْنِ عَمرو (١) ﵄ عن النَّبِي ﷺ قَالَ: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا يُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَاما» (٢).\n\n* شرح غريب الحديث: * \" معاهدا \" المعاهد: من كان بينك وبينه عهد، وأكثر ما يطلق في الحديث على أهل الذمة، وقد يطلق على غيرهم من الكفار إذا صولحوا على ترك الحرب مدة معلومة (٣).\n* \" لم يَرَحْ \" لم يرح رائحة الجنة: أي لم يشم ريحها (٤) \"لم يرح \" فيه ثلاث لغات: فتح الياء والراء: أي لم يجد ريحها، وقيل: بضم الياء وكسر الراء \"يُرِحْ \"، وقيل بفتح الياء وكسر الراء \"يَرِحْ \"، ونقل الحافظ ابن حجر ﵀: أن الأجود الذي عليه الأكثر الأول \"لم يرحْ \" (٥).\n\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من موضوعات الدعوة: التحذير من قتل أهل الذمة بغير حق.\n٢ - من أساليب الدعوة: الترهيب.\n٣ - من سماحة الإِسلام: حفظه لحرمة العهد والميثاق.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في الحديث رقم: ١١٤.\n(٢) [الحديث ٣١٦٦] طرفه في كتاب الديات، باب إثم من قتل ذميا بغير جرم، ٨/ ٦٠، برقم ٦٩١٤.\n(٣) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب العين مع الهاء، مادة: \"عهد\" ٣/ ٣٢٥.\n(٤) انظر: المرجع السابق، باب الراء مع الواو، مادة: \"روح \" ٢/ ٢٧٢.\n(٥) انظر: أعلام الحديث للخطابي، ٤/ ١٤٦٤، وجامع الأصول لابن الأثير، ٢/ ٦٥٠، وفتح الباري لابن حجر، ٦/ ٢٧٠.","vol":"2","page":1019},{"text":"أولا: من موضوعات الدعوة: التحذير من قتل أهل الذمة بغير حق: إن من موضوعات الدعوة: التحذير من قتل أهل الذمة بدون حق؛ لقوله ﷺ في هذا الحديث: «من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة»، قال الحافظ ابن حجر ﵀: \"والمراد به من له عهد مع المسلمين، سواء كان بعقد جزية، أو هدنة من سلطان، أو أمان مسلم \" (١) وسمعت العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز حفظه الله يقول: \"المعاهد هو الذي له ذمة، أي عهد، سواء كان من أهل الجزية أو أهل الأمان، فلا يجوز قتله حتى ينبذ إليه عهده \" (٢) فينبغي للداعية أن يُحذِّر الناس من قتل أهل الذمة بغير حق عند الحاجة للتحذير من ذلك.\nثانيا: من أساليب الدعوة: الترهيب: الترهيب من أساليب الدعوة النافعة؛ ولهذا ثبت هذا الأسلوب في هذا الحديث في قوله ﷺ: «من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها يوجد من مسيرة أربعين عاما»، وهذا فيه ترهيب ووعيد لمن فعل هذه الكبيرة، قال الإِمام الطيبي ﵀: \"والمعنى: أنه لم يشم رائحة الجنة ولم يجد ريحها، ولم يرد به أنه لا يجده أصلا، بل أول ما يجدها سائر المسلمين الذين لم يقترفوا الكبائر، توفيقا بينه وبين ما تعاضدت به الدلائل النقلية والعقلية على أن صاحب الكبيرة إذا كان موحِّدا محكوما بإسلامه لا يخلد في النار ولا يحرم من الجنة\" (٣) هذا إن لم يستحل هذه الكبيرة، أو يأتِ بناقض من نواقض الإِسلام، وسمعت العلامة ابن باز حفظه الله يقول: \"وهذا من باب الوعيد، فهو تحت المشيئة، فهذا جزاؤه إن جازاه \" (٤) فإن شاء الله عذبه بذنبه حتى يطهر ثم يخرجه من النار، وإن شاء عفا عنه وأدخله الجنة من أول مرة بعفوه سبحانه، وإحسانه (٥) أسأل الله لي ولجميع المسلمين العفو والعافية في الدنيا والآخرة (٦).\n_________\n(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ١٢/ ٢٥٩.\n(٢) سمعته من سماحته أثناء شرحه لحديث رقم ٣١٦٦ من صحيح البخاري.\n(٣) شرح الطيبي على مشكاة المصابيح، ٨/ ٢٤٥٧.\n(٤) سمعته من سماحته أثناء شرحه لحديث رقم ٤٧٤٩ من سنن النسائي.\n(٥) انظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، للالكائي ٦/ ١١٦٠ - ١١٨٤.\n(٦) انظر: الحديث رقم ٧، الدرس الثالث عشر.","vol":"2","page":1020},{"text":"ثالثا: من سماحة الإسلام: حفظه لحرمة العهد والميثاق: دل هذا الحديث على أن الإِسلام يحفظ حرمة العهد والميثاق؛ ولهذا حرم قتل المعاهد الذي دخل في ذمة المسلمين: بصلح، أو عهد، أو أمان، أو بدفع الجزية، إلا أن ينقض العهد ويأتي بما يحل دمه وماله؛ ولهذا قال ﷺ: «من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة»، وقد أمر الله ﷿ المؤمنين بالوفاء بالعقود والعهود والمواثيق فقال ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] (١).\nقال الإِمام أبو جعفر الطبري ﵀: \"أوفوا بالعقود\" يعني: أوفوا بالعهود التي عاهدتموها ربكم، والعقود التي عاقدتموها إياه، وأوجبتم بها على أنفسكم حقوقا، وألزمتم أنفسكم بها لله فروضا، فأتموها بالوفاء، والكمال، والتمام منكم لله بما ألزمكم بها، ولمن عاقدتموه منكم، بما أوجبتموه له بها على أنفسكم، ولا تنكثوها، فتنقضوها بعد توكيدها\" (٢).\nونقل ﵀: اتفاق أهل التفسير على أن معنى \"العقود\" العهود (٣) وقد جعل النبي ﷺ نقض العهد من علامات النفاق الخالص، فعن عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: «أربع من كُنَّ فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يَدَعَها: إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر» (٤) وهذا يؤكد للداعية أنه ينبغي له أن يبين سماحة الإِسلام وحفظه لحرمة العهود والمواثيق.\n_________\n(١) سورة المائدة، الآية: ١.\n(٢) تفسير الطبري: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ٩/ ٤٤٩.\n(٣) انظر: المرجع السابق، ٩/ ٤٤٩، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي، ٦/ ٣٥.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الإِيمان، باب علامة المنافق، ١/ ١٧، برقم ٣٤، ومسلم كتاب الإيمان، باب بيان خصال المنافق، ١/ ٧٨، برقم ٥٨.","vol":"2","page":1021},{"text":"٦ -<span data-type=\"title\" id=toc-329> بابُ إِخْراجِ اليهُودِ من جزيرةِ العرب</span>\nوَقَالَ عُمَرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «أُقركم مَا أَقَرَّكُم الله».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-330>[حديث أقركم ما أقركم الله]</span>\n١٨٤ - [٣١٦٧] حَدَّثَنَا عبد الله بْنُ يُوسُفَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ (١) ﵁ قَالَ: «بَيْنَمَا نَحْنُ فِي الْمَسْجدِ خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: \"انْطلِقُوا إِلَى يَهُودَ\" فَخَرَجْنا حَتَى جِئْنَا بَيْتَ المِدْرَاسِ فَقَال: \"أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُجْلِيَكُمْ مِنْ هَذِهِ الأَرض، فَمَنْ يَجِدْ مِنْكُمْ بِمَالِهِ شَيْئا فَلْيَبِعْهُ، وإِلَّا فَاعلَمُوا أَنَّ الأَرْض لِلَّهِ وَرَسُولِهِ». (٢).\nوفي رواية: «فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَنَادَاهُمْ: \"يَا مَعْشَرَ يَهُودَ أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا\" فَقَالُوا: قَدْ بَلَّغْتَ يَا أبا الْقَاسِم، فَقَالَ: \"ذَلِكَ أُرِيدُ\"، ثُمَّ قَالَهَا الثَّانِيَةَ. فَقَالُوا: قَدْ بلَغْتَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، ثُم قَالَ الثَّالِثَةَ فَقَالَ: \" اعْلَمُوا أَنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ» (٣).\n\n* شرح غريب الحديث: * \" بيت المدراس \"المدراس: صاحب دراسة كتب اليهود، وبيت المدراس: البيت الذي يدرسون فيه (٤).\n\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من ميادين الدعوة: المسجد.\n٢ - من وسائل الدعوة: إرسال الدعاة.\n٣ - من موضوعات الدعوة: الحض على الدخول في الإِسلام.\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في الحديث رقم: ٧.\n(٢) [الحديث ٣١٦٧] طرفاه في: كتاب الإكراه، باب في بيع المكره ونحوه في الحق وغيره، ٨/ ٧١، برقم ٦٩٤٤، وكتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب قوله تعالى: وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [العنكبوت: ٤٦]، ٨/ ١٩٧، برقم ٧٣٤٨، وأخرجه مسلم، في كتاب الجهاد والسير، باب إجلاء اليهود من الحجاز ٣/ ١٣٨٧، برقم ١٧٦٥.\n(٣) الطرف رقم: ٦٩٤٤.\n(٤) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الدال مع الراء، مادة: \"درس \" ٢/ ١١٣.","vol":"2","page":1022},{"text":"٤ - من أساليب الدعوة: الجدل بالتي هي أحسن.\n٥ - من موضوعات الدعوة: الحض على إخراج المشركين من جزيرة العرب.\n٦ - من صفات الداعية: الفصاحة والبلاغة.\n٧ - من أساليب الدعوة: الترغيب.\n٨ - أهمية أسلوب التأكيد بالتكرار.\n٩ - من أصناف المدعوين: اليهود.\n١٠ - من صفات اليهود: المكر والخديعة.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من ميادين الدعوة: المسجد: دل هذا الحديث على أن من ميادين الدعوة إلى الله ﷿ المسجد؛ لقول أبي هريرة ﵁: بينما نحن في المسجد خرج النبي ﷺ فقال: \"انطلقوا إلى يهود\"، وهذا يؤكد أهمية الدعوة إلى الله في المسجد؛ لأنه من أعظم الميادين النافعة، لما جعل الله في المساجد من البركة، والاستفادة من العلم، وغير ذلك مما يختص بالدين ونشره وتعلمه وتعليمه، والله ولى التوفيق (١).\nثانيا: من وسائل الدعوة: إرسال الدعاة: ظهر في هذا الحديث أن إرسال الدعاة من وسائل الدعوة؛ لقوله ﷺ لبعض الصحابة: \"انطلقوا إلى يهود\"، فينبغي العناية بإرسال الدعاة إلى الله ﷿؛ لنشر العلم بين الناس، وتبليغ الإِسلام إلى كافة الناس، والله المستعان (٢).\nثالثا: من موضوعات الدعوة: الحض على الدخول في الإسلام:\nإن دعوة غير المسلمين وحضهم على الدخول في الإِسلام من أعظم الواجبات، وأعلى الثواب في رفع الدرجات؛ ولهذا حض النبي ﷺ جميع البشر على الدخول في الإسلام، ومن ذلك حض اليهود وأمرهم بالدخول في دين الله ﷿ فقال:\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٧٦، الدرس الثاني.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٦٦، الدرس الثالث، ورقم ٩٠، الدرس الثاني.","vol":"2","page":1023},{"text":"«يا معشر يهود أسلموا تسلموا، واعلموا أن الأرض لله ورسوله»، وهذا فيه بيان واضح على أن الحض على الدخول في الإِسلام من أهم المهمات.\nفينبغي للداعية أن يعتني بدعوة الناس إلى الإِسلام، وبيان محاسنه وخصائصه؛ لترغيب الناس فيه، ولا شك أن أول ما يبدأ الداعية به لدعوة الناس إلى الدخول في الإِسلام: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، فإن هم انقادوا لذلك فحينئذٍ يبدأ معهم بالتدرج في تعليم شرائع الإِسلام وأخلاقه (١).\nرابعا: من أساليب الدعوة: الجدل بالتي هي أحسن: إن من أهم الأساليب مع المعاندين المجادلة بالتي هي أحسن؛ ولهذا جادل النبي ﷺ اليهود فقال: «يا معشر يهود أسلموا تسلموا\"، فقالوا: قد بلغت يا أبا القاسم، فقال \"ذلك أريد»، ثم قالها الثانية، فقالوا: قد بلغت يا أبا القاسم، ثم قالها الثالثة، وهذا فيه مجادلة بالتي هي أحسن؛ وقد ذكر ابن حجر ﵀ في فوائد هذا الحديث: \"أن النبي ﷺ بلغ اليهود، ودعاهم إلى الإِسلام والاعتصام به، فقالوا بلغت ولم يذعنوا لطاعته، فبالغ في تبليغهم وكرره، وهذه مجادلة بالتي هي أحسن \" (٢) وهذا يؤكد أهمية الجدل بالتي هي أحسن (٣).\nخامسا: من موضوعات الدعوة: الحض علي إخراج المشركين من جزيرة العرب: إخراج المشركين من جزيرة العرب أوصى به رسول الله ﷺ قبل موته، وقد ظهر في هذا الحديث قول النبي ﷺ لليهود: «إني أريد أن أجليكم من هذه الأرض، فمن يجد \" (٤) منكم بماله شيئا فليبعه وإلا فاعلموا أن الأرض لله ورسوله»، وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال قبل موته بثلاثة أيام: «أوصيكم بثلاث: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم»\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٩٠، الدرس الأول، والدرس الثاني، ورقم ٩٢، الدرس السابع والدرس الثامن.\n(٢) انظر: فتح الباري لابن حجر، ١٣/ ٣١٥.\n(٣) انظر: الحديث رقم ١٢٩، الدرس الرابع، ورقم ١٦٢، الدرس السادس.\n(٤) فمن يجد منكم بماله \" من الوجدان: أي يجد مشتريا، أو من الوجد: أي المحبة: أي يحبه، والغرض \"أن منهم من يشق عليه فراق شيءٍ من ماله، مما يعسر تحويله فقد أذن له في بيعه \"، فتح الباري لابن حجر، ٦/ ٢٧١.","vol":"2","page":1024},{"text":"وسكت عن الثالثة أو أنسِيهَا (١) وعن عمر بن الخطاب ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلما» (٢) وجزيرة العرب التي يُخْرَجُ منها المشركون هي: ما بين أقصى عدن اليمن إلى ريف العراق في الطول، وأما في العرض فمن جدة وما والاها إلى أطراف الشام، وقيل لها جزيرة العرب؛ لأن بحر الحبش، وبحر فارس، ودجلة والفرات قد أحاطت بها، وأضيفت إلى العرب؛ لأنها الأرض التي كانت بأيديهم قبل الإِسلام (٣).\nفينبغي إنفاذ وصية رسول الله ﷺ، وقد أنفذها عمر ﵁ في خلافته (٤) ولا يمنع الكفار من التردد مسافرين في جزيرة العرب، ولا يمكنوا من الإِقامة فيها أكثر من ثلاثة أيام إلا لضرورة رآها ولي أمر المسلمين بدون إقامة دائمة، وإنما مؤقتة ثم يُخرجون بعد زوال الضرورة المحددة (٥).\nوسمعت العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز حفظه الله يقول: \"الواجب إخراج الكفرة من هذه الجزيرة، إلا إذا دخل لحاجة، كرسول لدولته، أو لبيع شيء وليس معه إقامة، فيبقى ثلاثة أيام أو نحوها ثم يخرج\" (٦) وسمعته حفظه الله يقول: \"فعلى المسلمين أن لا يستقدموا الكفار، بل يستقدموا المسلمين، إلا إذا احتاج ولي الأمر لاستقدامهم للضرورة لبعض الأعمال، فليكن ذلك وقت الضرورة ثم يرجعوا إلى بلادهم \" (٧) وهذا وما قبله يؤكد أهمية التحريض على إخراج المشركين من جزيرة العرب، إنفاذا لوصية\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الجزية والموادعة، باب إخراج اليهود من جزيرة العرب، ٤/ ٧٨، برقم ٣١٦٨، ومسلم كتاب الوصية، ٣/ ٢٥٧، برقم ١٦٣٧.\n(٢) مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، ٣/ ١٣٨٨، برقم ١٧٦٧.\n(٣) انظر: معالم السنن للخطابي ٤/ ٢٤٦، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي ٣/ ٥٨٩، وشرح النووي على صحيح مسلم، ١١/ ١٠٢.\n(٤) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٦/ ١٧١.\n(٥) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ١١/ ١٠٣، وفتح الباري لابن حجر ٦/ ٢٧١ - ٢٧٢، ٨/ ١٣٤.\n(٦) سمعت ذلك من سماحته أثناء شرحه لحديث رقم ٣١٦٧ من صحيح البخاري، في جامع الإمام تركي بن عبد الله بالرياض.\n(٧) سمعت ذلك من سماحته أثناء شرحه لحديث رقم ٤٤٣١ من صحيح البخاري، في فجر يوم الخميس ١٩/ ١٠ / ١٤١٦ هـ، في جامع الإِمام تركي بن عبد الله \"الجامع الكبير\" بالرياض.","vol":"2","page":1025},{"text":"رسول الله ﷺ. والله المستعان وعليه التكلان (١).\nسادسا: من صفات الداعية: الفصاحة والبلاغة: الفصاحة والبلاغة من الصفات الجميلة التي يجمل أن يتصف بها الداعية، وقد ظهر هذا الأسلوب في الحديث، لقوله ﷺ لليهود: \"أسلموا تسلموا\" قال الإِمام النووي ﵀: \"وفي هذا الحديث استحباب تجنيس الكلام، وهو من بديع الكلام، وأنواع الفصاحة\" (٢) وقال الحافظ ابن حجر ﵀: وقوله ﷺ: «أسلموا تسلموا» من الجناس الحسن؛ لسهولة لفظه وعدم تكلفه\" (٣) وهذا يبيِّن أهمية الفصاحة للداعية في الدعوة إلى الله ﷿ (٤).\nسابعا: من أساليب الدعوة: الترغيب: الترغيب في الدخول في الإِسلام بالوعد بالخير والسلامة من الشر من أساليب الدعوة الناجحة، وقد استخدمه النبي ﷺ في هذا الحديث فقال لليهود: «أسلموا تسلموا»، قال الإِمام القرطبي ﵀: \"أي: ادخلوا في دين الإِسلام طائعين تسلموا من القتل والسباء مأجورين \" (٥) وهذا يؤكد أهمية أسلوب الترغيب (٦).\nثامنا: أهمية أسلوب التأكيد بالتكرار: إن التكرار من الأساليب الجميلة التي ينبغي للداعية أن يستخدمها في دعوته إلى الله ﷿، وقد ظهر هذا الأسلوب في هذا الحديث؛ لأن النبي ﷺ قال لليهود: «أسلموا تسلموا»، ثم كرر ذلك ثلاث مرات؛ قال الحافظ ابن حجر\n_________\n(١) انظر: معالم السنن للخطابي ٤/ ٢٤٦، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، ٣/ ٥٨٧ - ٥٨٩، وشرح النووي على صحيح مسلم ١١/ ١٠٢ - ٢٠٣ و١٢/ ٣٣٥، وفتح الباري لابن حجر، ٦/ ١٧٠ - ١٧١ و٦/ ٢٧٠ - ٢٧٢، و٨/ ١٣٢ - ١٣٥.\n(٢) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٢/ ٣٣٣.\n(٣) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٦/ ٢٧١، وانظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، ٣/ ٥٨٧.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٥٣، ٥٤، ٥٥، الدرس الثاني، ورقم ٥٨، الدرس السابع عشر.\n(٥) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٣/ ٥٨٧.\n(٦) انظر: الحديث رقم ٧، الدرس الرابع عشر، ورقم ٨، الدرس الرابع.","vol":"2","page":1026},{"text":"﵀: \"بَلّغ اليهود ودعاهم إلى الإِسلام والاعتصام به، فقالوا: بلغت، ولم يذعنوا لطاعته، فبالغ في تبليغهم وكرره \" (١) وهذا يدل على حرصه ﷺ على هدايتهم، ولكن الله يهدي من يشاء (٢).\nتاسعا: من أصناف المدعوين: اليهود: دل قول النبي ﷺ: «أسلموا تسلموا» على أن اليهود من أمة الدعوة، فينبغي العناية بدعوتهم على حسب الطرق الحكيمة في دعوتهم، والله الهادي إلى سواء السبيل (٣).\nعاشرا: من صفات اليهود: المكر والخديعة: ظهر في هذا الحديث مكر اليهود للنبي ﷺ لأنه قال لهم: \"أسلموا تسلموا\"، فقالوا: قد بلغت يا أبا القاسم، فقال: \"ذلك أريد\"، فكرر فكرروا، حتى قال ذلك ثلاث مرات. وقولهم: \"قد بلغت يا أبا القاسم \" كلمة مكر وخديعة تحمل العداوة المستترة؛ قال الإِمام القرطبي ﵀: \"قولهم: قد بلغت يا أبا القاسم: كلمة مكر وخديعة، ومداجاة؛ (٤) ليُدافعوه بما يوهمه ظاهرها، وذلك: أن ظاهرها يقتضي أنه قد بلغ رسالة ربه تعالى؛ ولهذا قال رسول الله ﷺ: \"ذلك أريد\"، أي التبليغ، قالوا ذلك وقلوبهم منكرة، مكذبة\" (٥) وهذا فيه تحذير من مكر اليهود وغدرهم؛ قال الله ﷿: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة: ٨٢] (٦) * * * *\n_________\n(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ١٣/ ٣١٥.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٤، الدرس الخامس، ورقم ٧، الدرس الثاني عشر.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٨٩، الدرس العاشر، ورقم ٩٢، الدرس الرابع عشر.\n(٤) المداجاة: المداراة، يقال: داجيته: أي داريته وكأنك ساترته العداوة، ويقال: داجى الرجل: ساتره بالعداوة وأخفاها عنه، فكأنه أتاه في الظلمة. لسان العرب لابن منظور، باب الواو، فصل الدال، ١٤/ ٢٥٠.\n(٥) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٣/ ٥٨٨، وانظر: فتح الباري لابن حجر، ٦/ ٢٧١.\n(٦) سورة المائدة، الآية: ٨٢.","vol":"2","page":1027},{"text":"٨ -<span data-type=\"title\" id=toc-331> بابُ إِذا غدر الْمُشْركُون بِالْمُسْلمين هلْ يُعْفى عنْهمْ</span>؟\n<span data-type=\"title\" id=toc-332>[حديث لما فتحت خيبر أهديت للنبي ﷺ شاة فيها سم]</span>\n١٨٥ - [٣١٦٩] حَدَّثَنَا عبد الله بْنُ يُوسُفَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدٌ، عَنْ أَبِي هُريْرَةَ (١) ﵁ قَالَ: «لَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ أُهْدِيَتْ للنَّبِيِّ ﷺ شاة فِيهَا سُمّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: \"اجْمَعُوا لِي مَنْ كَانَ هَاهُنَا مِنْ يَهُودَ\"، فَجُمِعُوا لَهُ، فَقَالَ لَهُمْ: \"إِنِّي سَائِلُكُمْ عَنْ شَيء، فَهَلْ أَنتم صَادِقِيَّ عَنْهُ؟ \" فَقَالُوا: نَعَمْ. قَالَ لَهم النَّبِيُّ ﷺ: \" مَنْ أَبُوكُمْ؟ \" قَالُوا: فلانٌ. فَقَال: \"كَذَبْتُمْ، بَلْ أَبُوكُمْ فلانٌ \". قَالوا: صَدَقْتَ. قَالَ: \"فَهَلْ أنتمْ صَادِقِيَّ عَنْ شيء إِنْ سَأَلْتُ عَنْهُ؟ \" فَقَالُوا: نَعم يَا أَبَا الْقَاسِمِ، وَإِنْ كَذَبْنَا عَرَفْتَ كَذِبَنَا كَمَا عَرَفْتَهُ فِي أَبينَا. فَقَالَ لَهُمْ: \"مَنْ أَهْلُ النَّارِ؟ \" قَالُوا: نَكُونُ فِيهَا يَسِيرا، ثُمَّ تَخْلُفُونَا فِيهَا. فَقَال النَّبِيُّ ﷺ: \"اخْسَؤُوا فيها، واللهِ لَا نَخْلُفكُمْ فِيهَا أَبَدا\". ثُمَّ قَالَ: \"هَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْ شَيءٍ إِنْ سَأَلْتُكُمْ عَنْهُ؟ \" فَقَالُوا: نَعَمْ يَا أبَا القَاسِمِ. قَالَ: \"هَلْ جَعَلْتُمْ فِي هَذِهِ الشَّاةِ سُمّا\" قَالُوا: نعَمْ. قَالَ: \"مَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ؟ \" قَالُوا: أرَدْنا إِنْ كُنْتَ كَاذِبا نَسْتَريحُ، وإن كُنْتَ نَبيّا لَمْ يَضُرَّكَ» (٢).\nوفي رواية: «مَنْ أَبُوكُمْ؟ \" قَالُوا: أَبُونَا فُلان، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: \"كَذَبْتُمْ، بَلْ أَبُوكُمْ فلانٌ \"، فَقَالُوا: صَدَقْتَ وَبَرِرْتَ» (٣).\n\n* شرح غريب الحديث: * \" اخسؤوا \"يقال. خسأت الكلب: طردته وأبعدته، والخاسئ: المبعد كما قال الله ﷿: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] (٤) ويقال: اخسأ: أي تباعد تَبَاعُدَ سَخَطٍ وَصُغرٍ (٥).\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في الحديث رقم: ٧.\n(٢) [الحديث ٣١٦٩] طرفاه في: كتاب المغازي، باب الشاة التي سمت للنبي ﷺ بخيبر، ٥/ ٩٩، برقم ٤٢٤٩. وكتاب الطب، باب ما يذكر في سم النبي ﷺ، ٧/ ٤١، برقم ٥٧٧٧.\n(٣) من الطرف رقم: ٥٧٧٧.\n(٤) سورة المؤمنون، الآية: ١٠٨.\n(٥) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ١٦٨، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الخاء مع السين، مادة. \"خسأ\" ٢/ ٣١.","vol":"2","page":1028},{"text":"* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية منها:\n١ - من تاريخ الدعوة: ذكر فتح خيبر.\n٢ - من أساليب الدعوة: السؤال والجواب.\n٣ - من أساليب الدعوة: الجدل.\n٤ - من صفات الداعية: العفو.\n٥ - من وسائل الدعوة: التأليف بقبول هدية المشرك مع الحذر.\n٦ - من أساليب الدعوة: استخدام الشدة بالقول عند الحاجة.\n٧ - من سنن الله ﷿: الابتلاء لأوليائه.\n٨ - من معجزات الرسول - ﷺ -: الإِخبار ببعض المغيبات.\n٩ - من أصناف المدعوين: اليهود.\n١٠ - من صفات اليهود: الخيانة والخبث.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من تاريخ الدعوة: ذكر فتح خيبر: دل الحديث على ذكر شيء مما وقع في غزوة خيبر؛ لقول أبي هريرة ﵁: لما فتحت خيبر أهديت لرسول الله - ﷺ - شاةٌ فيها سم \"، وهذه الحادثة من الحوادث التاريخية المهمة في السنة السابعة للهجرة، وقد ظهر خبث اليهود وخيانتهم لله ورسوله - ﷺ - (١).\nثانيا: من أساليب الدعوة: السؤال والجواب: السؤال والجواب من الأساليب الدعوية، وقد ظهر في هذا الحديث؛ لأن النبي - ﷺ - سأل اليهود عن أبيهم؟ ثم أجابهم، وسألهم: من أهل النار؟ ثم أجابهم بالجواب الصحيح، وسألهم هل جعلوا في الشاة سما؟ ثم سألهم عن السبب لذلك، وهذا يبين أهمية السؤال والجواب في الدعوة إلى الله ﷿ (٢).\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ١٧٧، الدرس الأول.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٥٨، الدرس الثالث، ورقم ١١٠، الدرس الرابع، ورقم ١١٤، الدرس الرابع.","vol":"2","page":1029},{"text":"ثالثا: من أساليب الدعوة: الجدل: الجدل بالتي هي أحسن من أساليب الدعوة؛ ولهذا استخدمه النبي - ﷺ - في هذا الحديث في المجادلة في أول الأمر، فقال لليهود: «إني سائلكم عن شيء فهل أنتم صادقي عنه\"، فقالوا: نعم. فقال: \"من أبوكم؟ \" قالوا: فلان، فقال: \"كذبتم بل أبوكم فلان\" قالوا: صدقت. قال: \"فهل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه؛ \" فقالوا؛ نعم، وإن كذبنا عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا. فقال لهم: \"من أهل النار؟ \" قالوا: نكون فيها يسيرًا ثم تخلفونا فيها، فقال النبي - ﷺ -: \"اخسئوا فيها والله لا نخلفكم فيها أبدا» وقد دل هذا الجدل على القوة والغلظة على اليهود؛ لأنهم ظلموا وكذبوا ولم ينقادوا؛ قال الله ﷿: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦] (١) وهذا يؤكد أن الجدال بالتي هي أحسن إنما يكون مع من استمع للحق ولم يتجاوز حدود الأدب، فإذا تجاوز ذلك أغلظ عليه عند القدرة كما قال الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التحريم: ٩] (٢) وهذا فيه تأكيد على أهمية استخدام الجدل على حسب أحوال المجادل، والله المستعان (٣).\nرابعا: من صفات الداعية: العفو: ظهر في هذا الحديث أن النبي - ﷺ - لم يعاقب اليهود بالقتل، أو غيره انتقاما لنفسه، ولكنه عفا وصفح، وقد أكل معه من أصحابه من الشاة: بشر بن البراء ومات بعد ذلك بسبب السم فقتل النبي - ﷺ - اليهودية التي سمته قصاصا بالبراء، أما هو - ﷺ - فقد عفا عنها؛ لأنه كان لا ينتقم لنفسه - ﷺ - (٤) فينبغي للداعية أن يعفو ويصفح ولا ينتقم لنفسه إلا أن يجاهد في سبيل الله لنصر الإِسلام (٥).\n_________\n(١) سورة العنكبوت، الآية: ٤٦.\n(٢) سورة التحريم، الآية: ٩.\n(٣) انظر: الحديث رقم ١٢٩، الدرس الرابع.\n(٤) انظر: البداية والنهاية لابن كثير، ٤/ ٢٠٨ - ٢١٢، وفتح الباري لابن حجر، ٧/ ٤٩٧.\n(٥) انظر: الحديث رقم ٨٠، الدرس الثالث، ورقم ١٠٥، الدرس الرابع.","vol":"2","page":1030},{"text":"خامسا: من وسائل الدعوة: التأليف بقبول هدية المشرك مع الحذر: دل هذا الحديث على أن من وسائل الدعوة قبول هدية المشرك تأليفا له؛ لأن النبي - ﷺ - قبل الشاة المصلية التي أهدتها له اليهود، ولكن لا يؤكل من ذبائح غير أهل الكتاب. وقد ذكر الحافظ ابن حجر ﵀ أن من فوائد هذا الحديث: \"جواز الأكل من طعام أهل الكتاب وقبول هديتهم\" (١) ولكن يتأكد على الداعية أن يأخذ حذره من المشركين كافة؛ لأن الله ﷿ قد بين أن اليهود والنصارى لا يرضون حتى تُتَّبع ملتهم، قال الله ﷿: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠] (٢) وقال ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١] (٣).\nسادسا: من أساليب الدعوة: استخدام الشدة بالقول عند الحاجة: إن استخدام الشدة بالقول عند الحاجة من الأساليب الدعوية إذا احتاج الداعية إلى ذلك، ولكن يشترط أن لا يحصل منكر بالشدة، وقد دل هذا الحديث على هذا الأسلوب؛ لأن النبي - ﷺ - قال لليهود: «كذبتم بل أبوكم فلان»، وقال لهم: «اخسئوا فيها والله لا نخلفكم فيها أبدا»، وهذا كلام فيه شدة للحاجة إليه من رسول الله - ﷺ -، فينبغي للداعية أن يعمل الأصلح عند القدرة عليه والله ﷿ الموفق (٤).\nسابعا: من سنن الله ﷿: الابتلاء لأوليائه: إن من السنن الثابتة الابتلاء للأولياء من الأنبياء والصالحين، وقد دل هذا الحديث على ذلك؛ لأن أعداء الله اليهود عملوا السم لرسول الله - ﷺ - فتأثر بذلك وهو حبيب الله وخليله، فينبغي للداعية أن يسأل الله العفو والعافية كثيرا، وإذا حصل له ابتلاء فيلزم الصبر والاحتساب، والله المستعان (٥).\n_________\n(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٧/ ٤٩٨.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ١٢٠.\n(٣) سورة النساء، الآية: ٧١.\n(٤) انظر: الحديث رقم ١١٦، الدرس العاشر، ورقم ١٦٢، الدرس الرابع.\n(٥) انظر: الحديث رقم ٩، الدرس الثامن، ورقم ٦٦، الدرس الأول.","vol":"2","page":1031},{"text":"ثامنا: من معجزات الرسول - ﷺ -: الإخبار ببعض المغيبات: لا شك أن قول النبي - ﷺ - في هذا الحديث لليهود: \"أبوكم فلان\"، وقوله لهم: «اخسؤوا فيها، والله لا نخلفكم فيها أبدا»، وإعلام الله ﷿ له بأن اليهود جعلوا في الشاة المصلية سما، يدل ذلك كله على أنه رسول الله - ﷺ - حقا وصدقا؛ لإِخباره بأمور غائبة عنه - ﷺ - وهي كما قال؛ لأن الله أخبره بذلك، والله المستعان وعليه التكلان (١).\nتاسعا: من أصناف المدعوين: اليهود: ظهر في هذا الحديث أن اليهود من أصناف المدعوين؛ لأن النبي - ﷺ - تألفهم بالعفو والصفح، فلم ينتقم - ﷺ - لنفسه عندما سمَّه اليهود، ولأنه - ﷺ - جادلهم بالتي هي أحسن، ثم أغلظ لهم في القول عندما احتاج إلى ذلك (٢).\nعاشرا: من صفات اليهود: الخيانة والخبث: إن اليهود أعداء الله أشد خبثا وعداوة للمسلمين من غيرهم من الكفرة؛ ولهذا عملوا هذا العمل القبيح: من جعل السم في الشاة، ومن مجادلة رسول الله - ﷺ - وهم كاذبون في جدالهم، وقد بين الله ﷿ خيانتهم وعداوتهم فقال: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة: ٨٢] (٣) فينبغي الحذر منهم ومن غدرهم وخيانتهم، ومكرهم قاتلهم الله.\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٢١، الدرس الرابع، ورقم ٥٣، ٥٤، ٥٥، الدرس الثالث.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٨٩، الدرس العاشر، ورقم ٩٢، الدرس الرابع عشر.\n(٣) سورة المائدة، الآية: ٨٢.","vol":"2","page":1032},{"text":"١٤ -<span data-type=\"title\" id=toc-333> بَاب هَل يُعفَى عنِ الذِّمِّيِّ إذا سَحَر</span>؟\nوَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: أخبرني يُونُسَ، عَن ابْنِ شِهَابٍ سُئِلَ: أَعَلَى مَنْ سَحَرَ مِنْ أهْلِ الْعَهْدِ قَتْل؛ قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَدْ صُنِعَ لَهُ ذَلِكَ فَلَمْ يَقتلْ مَنْ صنَعَهُ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-334>[حديث أن النبي ﷺ سحر حتى كان يخيل إليه أنه صنع شيئًا ولم يصنعه]</span>\n١٨٦ - [٣١٧٥] حَدَّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ المُثَنَّى: حَدَّثَنَا يَحْيَى: حَدَّثَنَا هِشَام قالَ: حَدَّثَنِي أبِي عَنْ عَائِشَة (١) «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - سُحِرَ حَتَّى كَانَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أنهُ صَنَعَ شَيْئًا وَلَمْ يَصنَعْهُ» (٢).\nوفي رواية: «سُحِرَ النَّبِيُّ - ﷺ - حَتَّى كَانَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أنه يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا يَفْعَلُهُ، حتَّى كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ دَعَا وَدَعَا ثُمَّ قَالَ: \"أشَعرتِ أَنَّ اللهَ أَفْتَانِي فيمَا فِيهِ شِفَائِي؟ أتانِي رجُلانِ فَقَعَدَ أحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي وَالآخَر عِنْدَ رِجْلَي فَقَالَ أَحَدهما لِلآخَرِ: مَا وَجَعُ الرَّجُلِ؛ قَالَ: مَطْبُوبٌ. قَالَ: وَمَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَم. قَالَ: في مَاذَا؟ قَالَ: فِي مُشْطٍ وَمَشَاقَةٍ وَجُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ. قَالَ: فَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: فِي بِئْرِ ذرْوَانَ \". فَخَرَجَ إِلَيْهَا النَّبِيُّ - ﷺ - ثمَّ رَجَعَ فَقَالَ لِعَائِشَةَ حِينَ رَجَعَ: \"نَخْلُهَا كَأَنَّهُ رؤوسُ الشَّيَاطِين\"، فَقُلْتُ: أَسْتخرجْتَه؟ فَقَالَ: \"لَا. أَمَّا أَنَا فَقَدْ شَفَانِي اللهُ وخَشِيتُ أَنْ يُثيرَ ذلكَ عَلَى النَّاسِ شَرًّا، ثُمَّ دُفِنَتِ الْبِئر» (٣).\nوفي رواية: «سَحَرَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ يُقَالُ لَهُ: لَبِيدُ بْنُ\n_________\n(١) تقدمت ترجمتها في الحديث رقم: ٤.\n(٢) [الحديث ٣١٧٥] أطرافه في: كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده، ٤/ ١٠٨، برقم ٣٢٦٨. وكتاب الطب، باب السحر، ٧/ ٣٧، برقم ٥٧٦٣. وكتاب الطب، باب هل يستخرج السحر، ٧/ ٣٨، برقم ٥٧٦٥. وكتاب الطب، باب السحر، ٧/ ٣٨، برقم ٥٧٦٦. وكتاب الأدب، باب قول الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، ٧/ ١١٥، برقم ٦٠٦٣. وكتاب الدعوات، باب تكرير الدعاء، ٧/ ٢١١، برقم ٦٣٩١. وأخرجه مسلم في كتاب السلام، باب السحر، ٤/ ١٧١٩، برقم ٢١٨٩.\n(٣) الطرف رقم: ٣٢٦٨.","vol":"2","page":1033},{"text":"الأَعْصَمِ. . . \"، وفيها: \"مَا وَجَعُ الرَّجُلِ؟ فَقَالَ مَطْبُوبٌ، قَالَ: مَنْ طَبهُ؟ قَالَ؛ لَبيدُ بْنُ الأَعْصَمِ، قَالَ: فِي أَيِّ شَيْءٍ؟ قَالَ: فِي مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ وجُفِّ طَلْعِ نَخلَةٍ ذَكَرٍ. قَالَ: وَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: فِي بئْرِ ذَرْوَانَ. فَأَتَاهَا رَسُولُ الله - ﷺ - في نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَجَاءَ فَقَالَ: \"يَا عَائِشَةُ كَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الحِنَّاءِ وَكَأَنَّ رُؤوسَ نَخْلِهَا رُؤوسُ الشَّيَاطِين \" قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَفَلا اسْتَخْرَجْتَهُ؛ قَالَ: \"قَدْ عَافَانِي اللهُ فَكَرِهْتُ أَنْ أُثِيرَ عَلَى النَّاسِ شَرًّا\".، فأَمَرَ بِهَا فَدُفِنَتْ» (١).\nوفي رواية: «كانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - سُحِرَ حَتَّى كَانَ يَرَى أنهُ يَأْتِي النِّسَاءَ وَلَا يَأْتِيهِنَّ، قَالَ سُفْيَانُ: وَهَذَا أَشَدُّ مَا يَكُونُ مِنَ السِّحْرِ إِذَا كَانَ كَذَا. . . \"، وفي هذه الرواية قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: \"فَأَتَى النَّبِيُّ - ﷺ - البِئْرَ حَتَّى اسْتَخْرَجَهُ». . . \" (٢).\nوفي رواية: «فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ - ﷺ - فأُخْرِجَ، قَالَتْ عَائِشَةُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ فَهَلاَّ - تَعْنِي تَنشَّرْتَ -؟ فَقَالَ النَّبيُّ - ﷺ -: \"أَمَّا اللهُ فَقَدْ شَفَانِي، وَأَما أَنَا فَأَكْرَهُ أَنْ أُثِيرَ عَلَى النَّاسِ شَرًّا» (٣).\n\n* شرح غريب الحديث: * سحر: السحر: كل ما لطف مأخذه ودق (٤) وهو عبارة عما خفي ولطُف سببه (٥) والسحر في عرف الشرع مختص بكل أمرٍ يخفى سببه ويتخيل على غير حقيقته ويُجرى مجرى التمويه والخداع (٦) والسحر: عزائم وَرُقًى وَعُقدٌ تُؤَثِّرُ في الأبدان والقلوب، فيُمرضُ، وَيَقْتُلُ وَيُفرِّقُ بين المرء وزوجه، ويأخذ أحد الزوجين عن صاحبه (٧).\n_________\n(١) من الطرف رقم: ٥٧٦٣.\n(٢) من الطرف رقم ٥٧٦٥.\n(٣) من الطرف رقم: ٦٠٦٣.\n(٤) القاموس المحيط للفيروزآبادي، باب الراء، فصل السين، ص ٥١٩.\n(٥) انظر: فتح المجيد لشرح كتاب التوحيد، لعبد الرحمن بن حسن، ٢/ ٤٦٣.\n(٦) المصباح المنير، للفيومي، كتاب السين، مادة: \"سحر \"، ١/ ٢٦٨.\n(٧) انظر: الكافي للإمام عبد الله بن أحمد بن قدامة، ٥/ ٣٣١.","vol":"2","page":1034},{"text":"* مطبوب: أي مسحور، كنوا بالطب عن السحر تفاؤُلًا بالبرء كما كنوا بالسليم عن اللديغ (١).\n* مشط ومشاطة: المشاطة: هي الشعر الذي يسقط من الرأس واللحية عند التسريح بالمشط (٢).\n* مشاقة: هي المشاطة كما تقدم (٣).\n* جف طلعة ذكر: الجف: وعاء الطلع للنخل، وهو الغشاء الذي يكون فوقه (٤).\n* بئر ذروان: هي بئر لبني زريق بالمدينة (٥).\n* نقاعة الحناء: النقع: الماء الناقع وهو المجتمع، فنقع البئر هو ماؤها الناقع المجتمع (٦).\n* راعوفة البئر: راعوفة البئر وراعونة، تقال: بالفاء والنون، وهي صخرة تترك في أسفل البئر إذا حفرت تكون ثابتة هناك فإذا أرادوا تنقية البئر يقوم عليها المستقي، ويقال: بل هو حجر ثابت في بعض البئر يكون صُلْبا لا يمكنهم إخراجه ولا كسره، فيترك على حاله (٧).\n* تنشرت: النُّشرة بالضم نوع من الرقية يعالج به من كان يُظنُّ أن به مسا من الجن، سميت نشرة؛ لأنه ينشر بها عنه ما خامره من الداء: أي يكشف ويزال (٨).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من صفات الداعية: الصبر على الابتلاء والامتحان.\n٢ - من صفات الداعية: الإلحاح في الدعاء وتكريره.\n_________\n(١) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الطاء مع الباء، مادة: \"طبب\" ٣/ ١١٠.\n(٢) المرجع السابق، باب الميم مع الشين، مادة: \"مشط\" ٤/ ٣٣٤.\n(٣) انظر: المرجع السابق، باب الميم مع الشين، مادة: \"مشق\" ٤/ ٣٣٤.\n(٤) المرجع السابق، باب الجيم مع الفاء، مادة: \"جفف \" ١/ ٢٧٨، ١/ ٢٣٤.\n(٥) انظر: المرجع السابق، باب الذال مع الراء، مادة: \"ذرا\" ٢/ ١٦٠.\n(٦) انظر: المرجع السابق، باب النون مع القاف، مادة: \" نقع\" ٥/ ١٠٨.\n(٧) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٥٤١، وانظر: رواية للبخاري برقم ٦٠٦٣.\n(٨) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب النون مع الشين، مادة: \"نشر\" ٥/ ٥٤.","vol":"2","page":1035},{"text":"٣ - من صفات الداعية: العفو.\n٤ - من القواعد الدعوية: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.\n٥ - من أساليب الدعوة: التشبيه.\n٦ - من معجزات الرسول - ﷺ -: عصمته فيما يبلغه عن ربه ﷿، وإخباره بمكان السحر.\n٧ - من موضوعات الدعوة: بيان أهمية الأخذ بالأسباب وأنها لا تنافي التوكل.\n٨ - من صفات اليهود: الخيانة لله ولرسوله - ﷺ -.\n٩ - من موضوعات الدعوة: التحذير من السحر وبيان خطره.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من صفات الداعية: الصبر على الابتلاء والامتحان: دل هذا الحديث على أن من صفات الداعية الصبر على الابتلاء والامتحان؛ لصبر النبي - ﷺ - على أذى اليهود قاتلهم الله، فقد سحره اليهودي لبيد بن الأعصم، فلم يجزع - ﷺ -، ولم ينتقم لنفسه، بل صبر، واحتسب وعفا - ﷺ - عنه (١).\nثانيا: من صفات الداعية: الإلحاح في الدعاء وتكريره: من اليقين الذي لا شك فيه أن الإِلحاح في الدعاء وتكريره من أسباب الإِجابة وآداب الدعاء؛ ولهذا كرر النبي - ﷺ - الدعاء لطلب الشفاء من الله ﷿ من مرض السحر كما قالت عائشة ﵂: «سحر النبي - ﷺ - حتى كان يخيل إليه أنه يقول الشيء وما يفعله، حتى كان ذات يومٍ دَعَا ودَعَا». . . \" قال الإِمام القرطبي ﵀: \"وقوله دعا ثم دعا: أي إظهارًا للعجز والافتقار، وعلما منه بأن الله هو الكاشف للكرب والأضرار، وقياما بعبادة الدعاء عند الاضطرار\" (٢) وقال الإِمام النووي ﵀ في إلحاح النبي - ﷺ - في الدعاء وتكريره: \"هذا دليل لاستحباب الدعاء عند حصول الأمور المكروهات، وحسن الالتجاء إلى الله\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٩، الدرس الثامن، ورقم ٦٦، الدرس الأول.\n(٢) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٥/ ٥٧١، وانظر: فتح الباري لابن حجر، ١٠/ ٢٢٨.","vol":"2","page":1036},{"text":"تعالى\" (١) ومعلوم أن الإِلحاح في الدعاء: هو الإِقبال على الدعاء ولزومه والمواظبة عليه والإِقبال عليه، وتكريره (٢) كما ذكر النبي - ﷺ -: \"الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه: يا ربِّ يا ربِّ \" (٣).\nوهذا يؤكد أهمية الإِلحاح في الدعاء؛ ولهذا قال - ﷺ -: \"يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، فيقول: قد دعوت فلم يستجب لي \" (٤) فينبغي للداعية أن يلح في الدعاء، ويكرره، ولا يستهين به، وقد أحسن الإِمام الشافعي ﵀ حيث قال:\nأتهزأُ بالدعاء وتزدريه ... وما تدري بما صنع الدعاءُ\nسهام الليل لا تخطي ولكن ... لها أَمَدٌ وللأَمدِ انقضاءُ (٥)\nثالثا: من صفات الداعية: العفو: ظهر في هذا الحديث كمال عفو النبي - ﷺ -؛ لأنه لم يعاقب لبيد بن الأعصم، ولم يتعرض له حتى بالكلام، ولم يسأله لِمَ سحره؟ وقد ذكر الإِمام الكرماني ﵀ في فوائد هذا الحديث أن فيه: \"كمال عفو رسول الله - ﷺ -\" (٦) وهذا يوضح للداعية أهمية الاقتداء برسول الله - ﷺ - في العفو والصفح، وعدم الانتقام للنفس، وبالله الثقة وعليه التكلان (٧).\nرابعا: من القواعد الدعوية: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح: لا شك أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح؛ ولهذا لم يقتل النبي لبيد بن الأعصم، ولم يُخرج السحر للناس فينشره ويشيعه ويخبر به من\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٤/ ٤٢٧، وانظر: فتح الباري لابن حجر، ١٠/ ٢٢٨.\n(٢) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب اللام مع الحاء، ٤/ ٢٣٦.\n(٣) مسلم، من حديث أبي هريرة ﵁، في كتاب الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها، ٢/ ٧٠٢، برقم ١٠١٥.\n(٤) متفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁: البخاري، كتاب الدعوات، باب يستجاب للعبد ما لم يعجل، ٧/ ١٩٨، برقم ٦٣٤٠، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب بيان أنه يستجاب للداعي ما لم بعجل، ٤/ ٢٠٩٥، برقم ٢٧٣٥.\n(٥) ديوان الإمام الشافعي، جمعه محمد عفيف الزعبي، ص ١٧.\n(٦) شرح الكرماني على صحيح البخاري، ٣/ ١٩٧.\n(٧) انظر: الحديث رقم ٨٠، الدرس الثالث، ورقم ١٠٥، الدرس الرابع.","vol":"2","page":1037},{"text":"قابله، لئلا يثير شرّا على المسلمين (١) وقال - ﷺ -: «أما الله فقد شفاني، وأما أنا فأكره أن أثير على الناس شرّا»، قال الإِمام النووي ﵀: \"هذا من باب ترك مصلحة لخوف مفسدة أعظم منها، وهو من أهم قواعد الإِسلام \" (٢) وهذا يؤكد على الداعية العناية بالعمل بهذه القاعدة الدعوية النافعة (٣).\nخامسا: من أساليب الدعوة: التشبيه: التشبيه من أساليب الدعوة؛ ولهذا ثبت في هذا الحديث قول النبي - ﷺ - لعائشة عن صفة بئر ذروان: «يا عائشة كأن ماءَها نقاعة الحناء، وكأن رؤوس نخلها رؤوس الشياطين»، قال الإِمام الكرماني ﵀ في هذا التشبيه: \"في كونها وحشة المنظر، سمجة الأشكال، وهو مثل في استقباح الصورة\" (٤) وقال الإِمام القرطبي ﵀: \"وتشبيهه نخلها برؤوس الشياطين يعني أنها مستكرهة، مستقبحة المنظر، والمخبر، وهذا على عادة العرب إذا استقبحوا شيئا شبهوه بأنياب أغوال أو رؤوس الشياطين. . . \" (٥).\nوهذا يبين أن أسلوب التشبيه يستخدم في التنفير، كما يستخدم في شد الانتباه، والله أعلم (٦).\nسادسا: من معجزات الرسول - ﷺ -:\nعصمته فيما يبلغه عن ربه ﷿ وإخباره بمكان السحر: من المعجزات التي تدل على صدق نبوة محمد - ﷺ -: إعلام الله ﷿ له بمكان السحر، وعصمته - ﷺ - فيما يبلغه عن ربه ﷾، فلم يؤثِّر السحر على عقله، ولا على رسالته، وقد ثبت في هذا الحديث أن الله ﷿ أخبره عن طريق الملكين: بأنه مسحور، وأن الذي سحره لبيد بن الأعصم في مشط ومشاطة، وأن هذا السحر في بئر ذروان. وهذا كله يدل على صدق نبُوَّته - ﷺ -.\n_________\n(١) انظر: الجمع بين روايات الحديث التي ظاهرها التعارض وليست كذلك: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ٥/ ٥٧٤، وشرح النووي على صحيح مسلم، ١٤/ ٤٢٨، وفتح الباري لابن حجر، ١٠/ ٢٣٤ - ٢٣٥.\n(٢) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٤/ ٤٢٨، وانظر: فتح الباري لابن حجر، ١٠/ ٢٣١.\n(٣) انظر: الحديث رقم ١٦٧، الدرس الخامس ورقم ١٧٣، الدرس الثالث عشر.\n(٤) شرح الكرماني على صحيح البخاري، ٢١/ ٣٨.\n(٥) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٥/ ٧٣٥.\n(٦) انظر: الحديث رقم ١٨، الدرس الرابع، ورقم ١٩، الدرس الخامس.","vol":"2","page":1038},{"text":"أما ما حصل له من السحر فلا شك فيه؛ لأن أهل السنة وجمهور العلماء من الأمة على إثبات السحر وأن له حقيقة، كحقائق غيره من الأشياء الثابتة خلافا لمن أنكره ونفى حقيقته، وأضاف ما يقع منه إلى خيالات باطلة لا حقائق لها، وقد ذكره الله تعالى في كتابه العزيز، وذكر أنه مما يُتَعَلَّم، وذكر ما فيه إشارة إلى أنه مما يكفر بتعلمه، وأنه يفرق بين المرء وزوجه، وهذا كله مما لا يمكن أن يكون فيما لا حقيقة له، وكيف يُتعلَّم ما لا حقيقة له؛ (١).\nوذكر الإِمام القرطبي ﵀: أن حديث عائشة ﵂ يدل على أن السحر موجود، وأن له أثرا في المسحور بإذن الله ﷿، قال: \"وقد دل على ذلك مواضع كثيرة من الكتاب والسنة، بحيث يحصل بذلك القطع بأن السحر حق، وأنه موجود، وأن الشرع قد أخبر بذلك، كقصة سحرة فرعون \"، ثم قال: \"وبالجملة فهو أمر مقطوع به بإخبار الله تعالى ورسوله - ﷺ - عن وجوده، ووقوعه، فمن كذب بذلك فهو كافر، مكذب لله ولرسوله، منكر لما عُلم مشاهدة وعيانًا. . . \" (٢).\nأما ما حصل للنبي - ﷺ - فإنما سلط السحر على جسده وظاهر جوارحه، لا على عقله وقلبه واعتقاده (٣) وقد بين الإِمام المازري، والإِمام القرطبي، والإِمام النووي ﵏: أن بعض المبتدعة أنكر هذا الحديث، وزعم أنه يحط من منصب النبوة ويشكك فيها، وأن تجويزه يمنع الثقة بالشرع، وهذا الذي ادعاه هؤلاء المبتدعة باطل؛ لأن الدلائل القطعية قد قامت على صدقه - ﷺ -، وعصمته فيما يتعلق بالتبليغ بقوله وفعله وتقريره، والمعجزة شاهدة بذلك، وتجويز ما قام الدليل بخلافه باطل، فأما ما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث النبي - ﷺ - بسببها، ولا كان مفضلا من أجلها، وهو مما يعرض للبشر فغير بعيد أن يخيل إليه من أمور الدنيا ما لا حقيقة له (٤).\n_________\n(١) انظر: المعلم بفوائد مسلم، لأبي عبد الله محمد بن علي المازري ٣/ ٩٣، وشرح النووي على صحيح مسلم، ١٤/ ٤٢٤ - ٤٢٥، وبدائع الفوائد لابن القيم ٢/ ٢٢٧، وفتح الباري لابن حجر، ١٠/ ٢٢٦ - ٢٢٧.\n(٢) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٥/ ٥٦٨ - ٥٦٩.\n(٣) انظر: المعلم بفوائد مسلم للمازري، ٣/ ٩٣، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، ٥/ ٥٧٠، وشرح النووي على صحيح مسلم، ١٤/ ٤٢٥، وفتح الباري لابن حجر، ١٠/ ٢٢٧.\n(٤) انظر: المعلم بفوائد مسلم، للمازري، ٣/ ٩٣، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، ٥/ ٥٧٠ وشرح النووي على صحيح مسلم، ١٤/ ٤٢٥.","vol":"2","page":1039},{"text":"قال الإِمام القرطبي ﵀: \"وأما عدم علم الطاعن فقد سلبه الله تعالى العلم بأحكام النبوات، وما تدل عليه المعجزات، فكأنهم لم يعلموا أن الأنبياء من البشر، وأنه يجوز عليهم من الأمراض، والآلام، والغضب، والضجر، والعجز، والسحر، والعين، وغير ذلك ما يجوز على البشر، لكنهم معصومون عما يناقض دلالة المعجزة، من معرفة الله تعالى، والصدق، والعصمة عن الغلط في التبليغ. . . \"، ثم قال في النبي - ﷺ -: \"وهو الذي شهد له العليُّ الأعلى، بأن بصره ما زاغ وما طغى، وبأن فؤاده ما كذب ما رأى، وبأن قوله وحيٌ يُوحى، وأنه ما ينطق عن الهوى\" (١) وهذا كله يؤكد عصمة النبي - ﷺ - فيما يبلغه عن ربه ﷿، وأنها من معجزاته التي تدل على صدقه.\nسابعا: من موضوعات الدعوة: بيان أهمية الأخذ بالأسباب وأنها لا تنافي التوكل: دل هذا الحديث على أن تعاطي الأسباب لا ينافي التوكل (٢) ولهذا عندما سُحِرَ النبي - ﷺ -، توكل على الله ﷿ وعمل بالأسباب، ومن أعظم ما فعله من الأسباب: أنه دعا الله ﷿ والتجأ إليه، وكرر الدعاء، فدعا ثم دعا، ثم عندما علم مكان السحر أمر بالبئر فدفنت، واستخرج السحر، وفي رواية: \"فأمر به فأخرج\"، وهذا يؤكد الأخذ بالأسباب وأنها لا تنافي التوكل، بل هي من التوكل (٣).\nومن الأسباب التي ينبغي أن يأخذ بها المسلم وخاصة الداعية إلى الله ﷿ الوقاية من السحر قبل وقوعه، وعلاجه إذا وقع ويكون ذلك على النحو الآتي:\nأولا: الوقاية من السحر قبل وقوعه: وذلك بالقيام بجميع الواجبات، وترك جميع المحرمات، والتوبة من جميع السيئات، والإِكثار من قراءة القرآن والتحصن بالدعوات والتعوذات المشروعة: كدعاء الصباح والمساء، وأدبار الصلوات المكتوبة، وأذكار النوم والاستيقاظ من النوم، وغير ذلك من الأذكار\n_________\n(١) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٥/ ٥٧٠، وانظر: فتح الباري، لابن حجر، ١٠/ ٢٢٧.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٣٠، الدرس الخامس.\n(٣) انظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ١٠/ ٢٢٨، وانظر: حديث رقم ٣، الدرس الخامس.","vol":"2","page":1040},{"text":"المشروعة (١) ومما ينفع بإذن الله ﷿ قبل وقوع السحر أكل سبع تمرات على الريق كل صباح، فعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من اصطبح بسبع تمرات عجوة (٢) لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر» (٣) والأكمل أن تكون من تمر المدينة مما بين الحرتين؛ لرواية مسلم: «من أكل سبع تمرات مما بين لابتيها حين يصبح لم يضره سم حتى يمسي» (٤) وقد ذكر الإمام ابن القيم أسبابا عشرة يندفع بها شر الحاسد، والعائن، والساحر، وهي: الاستعاذة بالله، وتقوى الله ﷿، والصبر مع العفو، والتوكل على الله، ولا يخاف إلا من الله، والإقبال على الله والإخلاص له، والتوبة من الذنوب، والصدقة والإحسان، وإطفاء نار من يخاف شره بالإحسان إليه، وتجريد التوحيد وإخلاصه للعزيز الحكيم (٥).\nثانيا: علاج السحر بعد وقوعه: وذلك بإخراج السحر وإبطاله إذا علم مكانه بالطرق المباحة شرعا، وهذا من أبلغ ما يعالج به المسحور كما قال الإمام ابن القيم ﵀، (٦) وإذا لم يعلم مكانه بالطرق المباحة شرعا، فحينئذ لم يبق إلا الالتجاء إلى الله ﷿، والرقية بالقرآن، والدعوات النبوية التي ثبتت عن رسول الله - ﷺ - (٧) وإن أخذ بالتجارب في العلاج بالرقية كان ذلك حسنا، ومن ذلك أن يدق سبع ورقات من سدر أخضر بين حجرين، أو نحوهما، ثم يصب عليها ما يكفيه للغسل من الماء، ويقرأ فيها: آية الكرسي (٨) وآيات السحر: في سورة الأعراف، ويونس، وطه (٩) وسورة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] وسور\n_________\n(١) انظر: زاد المعاد لابن القيم، ٤/ ١٢٦ - ١٢٧، وفتاوى العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز، ٣/ ٢٧٧.\n(٢) العجوة: نوع جيد من التمر، شرح النووي على صحيح مسلم، ١٤/ ٢٤٦.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الطب، باب شرب السم والدواء به وبما يخاف منه والخبيث، ٧/ ٤٢، برقم ٥٧٧٩، ومسلم، كتاب الأشربة، باب فضل تمر المدينة، ٣/ ١٦١٨، برقم ٢٠٤٧.\n(٤) صحيح مسلم برقم ٢٠٤٧، وتقدم تخريجه في الذي قبله. وانظر: الطب من الكتاب والسنة للعلامة موفق الدين عبد اللطيف البغدادي ص ٧٨.\n(٥) انظر: بدائع الفوائد، ٢/ ٢٣٨ - ٢٤٥.\n(٦) انظر: زاد المعاد لابن القيم، ١٤/ ١٢٤، وقد دل عليه أصل حديث الدراسة، الطرف رقم ٥٧٦٥، والطرف رقم ٦٠٦٣.\n(٧) انظر: مجموع فتاوى ابن باز، ٣/ ٢٧٩.\n(٨) انظر: سورة البقرة، الآية: ٢٥٥.\n(٩) انظر: سورة الأعراف الآيات: ١١٧ - ١٢٢، ويونس، الآيات: ٧٩ - ٨٢، وطه، الآيات: ٦٥ - ٧٠.","vol":"2","page":1041},{"text":"المعوذات الثلاث: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق: ١] و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: ١] ثم يشرب منه ثلاث مرات ويغتسل بالباقي، وبذلك يزول الداء إن شاء الله، وإن دعت الحاجة إلى إعادته أعيد ولو مرات، حتى يزول المرض، وقد جرب كثيرا فنفع الله به، وهو جيد لمن حبس عن زوجته (١).\nثامنا: من صفات اليهود: الخيانة لله ولرسوله - ﷺ -: إن اليهود لهم صفات قبيحة ذميمة منها الخيانة لله ولرسله عليهم الصلاة والسلام، وقد دل هذا الحديث على هذه الصفة؛ لأن لبيد بن الأعصم سحر رسول الله - ﷺ -، وحصل له ما حصل من الألم والمشقة، وقد فعلوا أكثر من هذا بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، قال ﷿: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٥٥] (٢).\nتاسعا: من موضوعات الدعوة: التحذير من السحر وبيان خطره: لا شك أن من موضوعات الدعوة التي ينبغي للداعية أن يعتني بها تحذير الناس من السحر وبيان خطره، ومما يدل على خطره تأثر سيد الخلق - ﷺ - به، فكيف بضعفاء المسلمين؟ ولهذا الخطر العظيم حذر النبي - ﷺ - من السحر أشد التحذير فقال: «اجتنبوا السبع الموبقات\" (٣) قالوا: يا رسول الله، وما هن؟ قال: \"الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات» (٤) وقد بين الله ﷿ أن الساحر لا يفلح فقال: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه: ٦٩] (٥)\n_________\n(١) انظر: فتح المجيد شرح كتاب التوحيد، لعبد الرحمن بن حسن، ٢/ ٥٠٢، ومجموع فتاوى العلامة ابن باز، ٣/ ٢٧٩، وانظر: مصنف عبد الرزاق ١١/ ١٣، وفتح الباري لابن حجر، ١٠/ ٢٣٣، وقد شاهدت الشفاء بإذن الله ﷿ لمن رقي بذلك مرات عديدة ولله الحمد.\n(٢) سورة النساء، الآية: ١٥٥.\n(٣) الموبقات: المهلكات. تقدم في شرح غريب الحديث رقم ١٢، ص ١٣٠.\n(٤) متفق عليه: البخاري برقم ٢٧٦٦، ومسلم برقم ٨٩، وتقدم تخريجه في أحاديث الدراسة برقم ١٢، ص ١٣٠.\n(٥) سورة طه الآية: ٦٩.","vol":"2","page":1042},{"text":"والساحر ليس له في الآخرة من نصيب، قال الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢] (١) وبين الله ﷿ أن من تعلم السحر كفر، فقال: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢] (٢)؛ ولخطر السحر على المسلمين حذر النبي - ﷺ - من الذهاب إلى السحرة والكهان فقال: «من أتى عرافا (٣) فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة» (٤).\nوهذا فيه التحذير الشديد من إتيان الكهان والعرافين، وأن من فعل ذلك ولم يصدقهم فلا ثواب له في صلاة أربعين ليلة (٥) أما من أتاهم وصدقهم فإنه يكفر بالقرآن والسنة (٦)؛ لحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: «من أتى كاهنا (٧) أو عرافا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد - ﷺ» -\" (٨).\nوهذا يؤكد كفر الكاهن والساحر والعراف؛ لأنهم يدعون علم الغيب، والمصدق لهم الذي يعتقد ذلك ويرضى به كافر، أسأل الله لي ولجميع المسلمين العفو والعافية في الدنيا والآخرة (٩).\nوقد برئ رسول الله - ﷺ - ممن تعاطى السحر والكهانة وممن تلقى ذلك عنهم فقال: «ليس منا من تطير أو تطير له، أو تكهن أو تكهن له، أو سحر أو سحر\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ١٠٢.\n(٢) سورة البقرة الآية: ١٠٢.\n(٣) العراف: هو الذي يستدل على الأمور بأسباب ومقدمات يدعي معرفته بها، وهو الذي يدعي معرفة مكان المسروق، ومكان الضالة ونحو ذلك. انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ١٤/ ٤٧٤، ٤٧٨.\n(٤) مسلم عن بعض أزواج النبي - ﷺ -، كتاب السلام، باب تحريم الكهانة وإتيان الكهان، ٤/ ١٧٥١، برقم ٢٣٣٠، وانظر: شرح علل الترمذي للحافظ ابن رجب ٢/ ٦٦٧.\n(٥) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ١٤/ ٤٧٨.\n(٦) انظر: فتح المجيد لشرح كتاب التوحيد، لعبد الرحمن بن حسن، ٢/ ٤٩٠.\n(٧) الكاهن: هو الذي يخبر عن الكوائن في مستقبل الزمان، ويدعي معرفة الأسرار ومطالعة علم الغيب.\nالتعريفات للجرجاني ص ٢٣٣، وانظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ١٤/ ٤٧٤.\n(٨) أحمد في المسند، ٢/ ٤٢٩، والبيهقي في السنن الكبرى ٨/ ١٣٥؛ والحاكم وصححه ووافقه الذهبي ١/ ٨، وقال الذهبي في الكبائر ص ١٤١: \"إسناده صحيح\"، وأخرجه مطولا: أبو داود، كتاب الطب، باب في الكاهن، ٤/ ١٥، برقم ٣٩٠٤، والترمذي كتاب الطهارة، باب ما جاء في كراهية إتيان الحائض، ١/ ٢٤٢، برقم ١٣٥، وأحمد في المسند ٢/ ٤٠٨، وابن ماجه في كتاب الطهارة، باب النهي عن إتيان الحائض؛ ١/ ٢٠٩، برقم ٦٣٩، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود ٢/ ٧٣٩، برقم ٣٣٠٥.\n(٩) انظر: فتح المجيد لشرح كتاب التوحيد لعبد الرحمن بن حسن، ٢/ ٤٩١.","vol":"2","page":1043},{"text":"له، ومن أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد - ﷺ» -\" (١) ومما يؤكد خطر السحر والتحذير منه الأمر بقتل الساحر؛ لعظم شره، وإراحة الناس من سحره، فعن عمرو بن دينار سمع بجالة يحدث عمرو بن أوس وأبا الشعثاء: كنت كاتبا لجزء بن معاوية عم الأحنف بن قيس إذ جاءنا كتاب عمر قبل موته بسنة: \"اقتلوا كل ساحر وساحرة\"، قال فقتلنا في يوم ثلاث سواحر (٢) وأمرت حفصة بنت عمر بن الخطاب ﵂ بقتل جارية لها سحرتها فقتلت (٣) وقتل جندب الأزدي ساحرا عند الوليد بن عقبة أمير الكوفة (٤) وعن جندب البجلي ﵁: \"حد الساحر ضربة بالسيف\" (٥) قال الترمذي ﵀: \"والصحيح عن جندب موقوف، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ - وغيرهم، وهو قول مالك بن أنس، وقال الشافعي: إنما يقتل الساحر إذا كان يعمل في سحره ما يبلغ به الكفر، فإذا عمل عملا دون الكفر فلم نر عليه قتلا\" (٦) وقال الإمام ابن قدامة ﵀: \"وحد الساحر القتل روي ذلك عن عمر، وعثمان بن عفان، وابن عمر، وحفصة، وجندب بن عبد الله، وجندب بن كعب، وقيس بن سعد، وعمر بن عبد العزيز، وهو قول\n_________\n(١) أخرجه البزار [مختصر زوائد مسند البزار على الكتب الستة ومسند أحمد لابن حجر] ١/ ٦٤٦، برقم ١١٧٠، وقال المنذري في الترغيب والترهيب ٣/ ٦١٨: \"رواه البزار بإسناد جيد\".\n(٢) أبو داود، كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب أخذ الجزية من المجوس، ٣/ ١٦٨، برقم ٣٠٤٣، وأحمد في المسند، ١/ ١٩٠ - ١٩١ واللفظ له ولابن أبي شيبة في المصنف، ١٠/ ١٣٦، برقم ٩٠٣١، وعبد الرزاق في المصنف، ١/ ١٧٩، برقم ١٨٧٤٥، والبيهقي في السنن الكبرى، ٨/ ١٣٦، والبيهقي في معرفة السنن والآثار ١٢/ ٢٠٣، برقم ١٦٤٥٦. وانظر: صحيح البخاري، حديث رقم ٣١٥٦، وسنن الترمذي برقم ١٥٨٦، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٥٩٠.\n(٣) موطأ الإمام مالك ٢/ ٨٧١، وعبد الرزاق في المصنف، ١٠/ ١٨٠، برقم ١٨٧٤٧، وابن أبي شيبة في المصنف، ٩/ ١٤٦، و١٠/ ١٣٥، برقم ٩٠٢٩، ومعرفة السنن والآثار، لأحمد بن حسين البيهقي ١٢/ ٢٠٣، برقم ١٦٤٥٧.\n(٤) الطبراني في المعجم الكبير ٢/ ١٧٧، برقم ١٧٢٥، وعبد الرزاق في المصنف، ١٠/ ١٨٢، برقم ١٨٧٤٨، والبيهقي في السنن الكبرى، ٨/ ١٣٦.\n(٥) سنن الترمذي، كتاب الحدود، باب ما جاء في حد الساحر، ٤/ ٦٠، برقم ١٤٦٠، والطبراني في الكبير، ٢/ ١٦١، برقم ١٦٦٥، و١٦٦٦، وانظر: فتح المجيد لشرح كتاب التوحيد لعبد الرحمن بن حسن ٢/ ٤٧٧.\n(٦) سنن الترمذي ٤/ ٦٠.","vol":"2","page":1044},{"text":"أبي حنيفة، ومالك \" (١).\nوسمعت العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز حفظه الله يقول: \"والمقصود أن الساحر إذا عرف يقتل، فحده السيف، مثل ما أمر عمر ﵁ بقتل السحرة، والسحر يعالج بالرقى الشرعية، ولا يجوز تعلم السحر، ولا تعليمه، ولا إقراره\" (٢).\nوكل ما سبق يؤكد للداعية أهمية تحذير الناس أشد التحذير من السحر وتعلمه، وتعليمه، والعلاج به، والله ﷿ المستعان.\n_________\n(١) المغني لابن قدامة، ١٢/ ٣٠٢. وانظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم للقرطبي ٥/ ٥٧٤، وزاد المعاد لابن القيم ٥/ ٦٢، وفتح المجيد لشرح كتاب التوحيد لعبد الرحمن بن حسن، ٢/ ٤٧٤ - ٤٧٥.\n(٢) سمعت ذلك من سماحته أثناء شرحه لحديث رقم ٣١٧٥. من صحيح البخاري.","vol":"2","page":1045},{"text":"١٥ -<span data-type=\"title\" id=toc-335> باب ما يحذر من الغدر</span>\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٦٢] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-336>[حديث اعدد ستا بين يدي الساعة]</span>\n١٨٧ - [٣١٧٦] حدثنا الحميدي: حدثنا الوليد بن مسلم: حدثنا عبد الله بن العلاء بن زَبْر قال: سمعت بسر بن عبيد الله أنه سمع أبا إدريس قال: سمعت عوف بن مالك (٢) قال: أتيت النبي - ﷺ - في غزوة تبوك - وهو في قبة من أدم فقال: «اعدد ستا بين يدي الساعة: موتي، ثم فتح بيت المقدس، ثم موتان يأخذ فيكم كقعاص الغنم، ثم استفاضة المال حتى يعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطا، ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته، ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر فيغدرون، فيأتونكم تحت ثمانين غاية، تحت كل غاية اثنا عشر ألفا».\n\n* شرح غريب الحديث: * \" قبة من أدم \" القبة تطلق على البيت الصغير المدوَّر والقبة من الأدم كذلك (٣).\n* \" قعاص الغنم \" القعاص: داء يأخذ الغنم لا يلبثها أن تموت (٤).\n* \" بني الأصفر \" يعني الروم لأن أباهم كان أصفر اللون، وهو روم بن عيصون بن إسحاق بن إبراهيم (٥).\n* \" غاية \" الغاية والراية سواء: فالغاية: الراية (٦).\n_________\n(١) سورة الأنفال، الآية: ٦٢.\n(٢) عوف بن مالك بن أبي عوف الأشجعي الغطفاني، أول مشاهده مع النبي - ﷺ - خيبر، وشهد معه فتح مكة، وكانت معه راية أشجع، نزل الشام وسكن دمشق، روي له عن رسول الله - ﷺ - سبعة وستون حديثا، انفرد البخاري عن مسلم بواحد، وانفرد مسلم بخمسة، وأخذ العلم عنه جماعات من التابعين، توفي سنة ثلاث وسبعين في خلافة عبد الملك بن مروان، وذلك بدمشق ﵁. انظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي ٢/ ٤٠، والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر ٣/ ٤٣.\n(٣) انظر: شرح غريب الحديث رقم: ١٧١، ص ٩٥٢.\n(٤) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب القاف مع العين، مادة: \"قعص\"، ٤/ ٨٨.\n(٥) المرجع السابق، باب الصاد مع الفاء، مادة: \"صفر\" ٣/ ٣٧.\n(٦) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٤٣٧، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الغين مع الياء، مادة: \"غيا\" ٤/ ٤٠٤.","vol":"2","page":1046},{"text":"* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من تاريخ الدعوة: ذكر غزوة تبوك.\n٢ - من أسباب تحصيل العلم: زيارة العلماء.\n٣ - من أساليب الدعوة: استخدام العدد إجمالا ثم تفصيلا.\n٤ - من موضوعات الدعوة: بيان علامات الساعة.\n٥ - من معجزات الرسول - ﷺ - الإخبار بالمغيبات.\n٦ - من أساليب الدعوة: الموعظة الحسنة.\n٧ - من أصناف المدعوين: النصارى.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من تاريخ الدعوة: ذكر غزوة تبوك: ظهر في الحديث ذكر غزة تبوك؛ لقول عوف بن مالك ﵁: \"أتيت النبي - ﷺ - في غزوة تبوك، وهو في قبة من أدم\"، وغزوة تبوك غزاها رسول الله - ﷺ - في السنة التاسعة للهجرة، وقد أمر أصحابه قبل الغزو بالتهيؤ لغزو الروم، وذلك في زمان عسرة من الناس، وشدة من الحر، وجدب من البلاد، وحين طابت الثمار، فالناس يحبون المقام في ثمارهم، ويكرهون مفارقتها، وهذا فيه امتحان وابتلاء، فقد أظهر الله المنافقين لرسوله - ﷺ -، وظهر صدق أهل الإيمان والتقوى، فتخلف خلق كثير من المنافقين، وغزى بشر كثير من المؤمنين، ثم أعز الله أهل الإيمان وكفاهم القتال، وأخزى الله المنافقين وفضحهم، أسأل الله لي ولجميع المسلمين العفو والعافية في الدنيا والآخرة (١).\nثانيا: من أسباب تحصيل العلم: زيارة العلماء: دل هذا الحديث على أن من أسباب تحصيل العلم زيارة العلماء، للأخذ\n_________\n(١) انظر: تاريخ الأمم والملوك، للطبري، ٢/ ١٨٠، والكامل في التاريخ لابن الأثير، ٢/ ١٨٩، والبداية والنهاية لابن كثير، ٥/ ٣ - ١٨، وانظر: الحديث رقم ١٦٣ والدرس العاشر.","vol":"2","page":1047},{"text":"عنهم؛ لأن عوف بن مالك ﵁ قال: «أتيت النبي - ﷺ - في غزوة تبوك، وهو في قبة من أدم فقال: \"اعدد ستا بين يدي الساعة. .»، ثم عد له النبي - ﷺ - علامات الساعة المذكورة في هذا الحديث، فلو لم يزر النبي - ﷺ - ويذهب إليه ما حصل على هذا العلم، وهذا يؤكد على طالب العلم أن يعتني بزيارة العلماء في الأوقات المناسبة، ويلازمهم للاستفادة من علمهم؛ ولهذا قال الإمام الشافعي ﵀:\nأخي لن تنال العلم إلا بستة ... سأنبيك عن تفصيلها ببيان\nذكاء، وحرص، واجتهاد، وبلغة ... وصحبة أستاذ، وطول زمان (١)\n/ ٥٠ ثالثا: من أساليب الدعوة: استخدام العدد إجمالا ثم تفصيلا: ظهر في هذا الحديث أسلوب ذكر العدد إجمالا ثم تفصيلا؛ لقول النبي - ﷺ - لعوف بن مالك ﵁: «اعدد ستا بين يدي الساعة»، وهذا فيه إجمال يشد الانتباه؛ للتشوق إلى ذكر هذه الست تفصيلا، ثم قال - ﷺ -: «موتي ثم فتح بيت المقدس، ثم موتان يأخذ فيكم كقعاص الغنم، ثم استفاضة المال حتى يعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطا». . . \" فينبغي العناية بهذا الأسلوب عند الحاجة لذكره في الدعوة إلى الله - ﷺ - (٢).\nرابعا: من موضوعات الدعوة: بيان علامات الساعة: إن بيان علامات الساعة من الموضوعات التي ينبغي للداعية أن يعتني بها في دعوته إلى الله ﷿؛ لقوله - ﷺ - في هذا الحديث لعوف بن مالك ﵁: «اعدد ستا بين يدي الساعة» فدل ذلك على أهمية بيان علامات الساعة للناس اقتداء بالنبي - ﷺ -. وعلامات الساعة تدل على اقتراب القيامة، فإذا ذكر الداعية بعض هذه العلامات؛ فإن فيها التحذير من الغفلة والحض على الإقبال علي الله ﷿؛ قال الله ﷿: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ [محمد: ١٨] (٣).\n_________\n(١) ديوان الإمام الشافعي، جمعه محمد عفيف ص ٨١.\n(٢) انظر الحديث رقم ١٢، الدرس الرابع.\n(٣) سورة محمد، الآية: ١٨.","vol":"2","page":1048},{"text":"وقد قسم العلماء أشراط الساعة إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: ما وقع وانقضى على وفق ما قال رسول الله - ﷺ -. والقسم الثاني: ما وقعت مباديه ولا يزال يزداد ويتتابع ويكثر. والقسم الثالث: ما لم يظهر إلى الآن وهي العلامات الكبرى (١) فأما القسمان الأولان فهما من أشراط الساعة الصغرى، ومن ذلك بعثة النبي - ﷺ -، وموته، وفتح بيت المقدس، وطاعون عمواس، واستفاضة المال وكثرته، وظهور الفتن، وظهور مدعي النبوة، وظهور نار الحجاز، وقتال الترك والعجم، وضياع الأمانة، وقبض العلم وظهور الجهل، وانتشار الزنا والربا، وظهور المعازف وشرب الخمر، والتطاول في البنيان، وكثرة القتل، وتقارب الزمان، وتقارب الأسواق، وظهور الفحش وقطيعة الرحم وكثرة الشح، وكثرة الزلازل، وأن تكون التحية للمعرفة، وظهور الكاسيات العاريات، وكثرة الكذب، وعدم التثبت في نقل الأخبار، وكلام الجماد والسباع للإنس. . . وغير ذلك من العلامات.\nوأما القسم الثالث الذي لم يظهر منها: فالدخان، وخروج المسيح الدجال وخروج الدابة، وطلوع الشمس من مغربها، وظهور المهدي، ونزول عيسى ابن مريم - ﷺ -، وخروج يأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوفات: خسف بالمشرق وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم (٢).\nفينبغي للداعية أن يبين للناس علامات الساعة في الأوقات المناسبة؛ لما في ذلك من الحث على الاستقامة، والتخويف الجالب للمسارعة إلى الخيرات.\nخامسا: من معجزات الرسول - ﷺ -: الإخبار بالمغيبات: دل هذا الحديث على صدق النبي - ﷺ -؛ لأنه أخبر بأمور غيبية وقعت كما أخبر - ﷺ -، قال لعوف بن مالك: «اعدد ستا بين يدي الساعة»، ثم ذكر موته؛\n_________\n(١) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٣/ ٨٣.\n(٢) والأدلة على علامات الساعة كثيرة جدا ذكر منها الإمام ابن الأثير مائة وسبعة أحاديث في جامع الأصول ١٠/ ٣٢٧ - ٤١٩، من الحديث رقم ٧٨٣١ - ٧٩٣٨، وهذا يدل على عناية النبي - ﷺ - بذكر علامات الساعة وبيانها للناس.","vol":"2","page":1049},{"text":"وفتح بيت المقدس، والموتان: وهو طاعون عمواس، واستفاضة المال وفتنة لا يبقى بيت إلا دخلته - وهي ما وقع من قتل عثمان ﵁، وغدر الروم. وقد ذكر ابن حجر ﵀: \"أن هذه العلامات قد خرجت كلها إلا قصة الروم فلم تقع إلى الآن\" (١) وسمعت العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز حفظه الله يقول: \"هذا من علامات النبوة؛ فإن هذا كله قد وقع، أما الخمس الأولى فقد وقعت، وأما السادسة، وهي تجمعات الروم فيحتمل أن يكون ما حصل في عهد عمر وعثمان من تجمعات، ويحتمل أن يكون ذلك هو الذي في آخر الزمان\" (٢) وهذا كله يؤكد صدق النبي - ﷺ - ويدل على معجزاته العظيمة التي جعلها الله من علامات نبوته (٣).\nسادسا: من أساليب الدعوة: الموعظة الحسنة: ظهر في هذا الحديث ترغيب وترهيب، لأن النبي - ﷺ - أخبر أن هدنة تكون بين المسلمين والروم، فيغدر الروم ويأتون تحت ثمانين راية، تحت كل راية اثنا عشر ألفا، فيكون عددهم تسعمائة وستين ألفا، وهذا جيش عظيم، قال الحافظ ابن حجر ﵀ في فوائد هذا الحديث: \"وفيه بشارة ونذارة، وذلك أنه دل على أن العاقبة للمؤمنين مع كثرة ذلك الجيش، وفيه إشارة إلى أن عدد جيوش المسلمين سيكون أضعاف ما هو عليه\" (٤) ولا شك أن الموعظة الحسنة: هي الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب، والقول الحق الذي يلين القلوب، ويؤثر في النفوس، ويكبح جماح النفوس المتمردة، ويزيد النفوس المهذبة إيمانا وهداية (٥).\nفينبغي للداعية أن يستخدم هذا الأسلوب النافع مع المدعوين؛ ليحصل\n_________\n(١) انظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري ٦/ ٢٧٨.\n(٢) سمعت ذلك من سماحته أثناء شرحه لحديث رقم ٣١٧٦ من صحيح البخاري.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٢١، الدرس الرابع.\n(٤) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٦/ ٢٧٨.\n(٥) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية، ١٩/ ١٦٤، ومفتاح دار السعادة لابن القيم، ١/ ٤٧٤، والتفسير القيم لابن القيم، ص ٣٤٤، وهداية المرشدين لعلي بن محفوظ ص ٧١.","vol":"2","page":1050},{"text":"النفع التام بإذن الله ﷿؛ ولأهمية الموعظة الحسنة قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء: ٦٦] (١) وينبغي للداعية يكون وعظه للناس على نوعين:\nوعظ التعليم: ويكون ببيان عقائد التوحيد، وبيان الأحكام الشرعية الخمسة: من الواجب، والحرام، والمسنون، والمكروه، والمباح، ويراعي ذلك كله ما يناسب كل طبقة، ويسوق إلى الناس التعليم مساق الوعظ الذي يلين القلوب، ويبعثها على العمل، ولا يسرد سردا خاليا من وسائل التأثير (٢).\nوعظ التأديب: ويكون بتحديد الأخلاق الحسنة: كالحلم، والأناة، والكرم، والصبر، وبيان آثارها ومنافعها في المجتمع، والحث على التخلق بها، والتزامها، وتحديد الأخلاق السيئة: كالغضب، والعجلة، والغدر، والجزع، والبخل. . والتحذير عن الاتصاف بها عن طريق: الترغيب والترهيب، ويتأكد على الداعية أن يستشهد في ذلك كله بما جاء فيه من الكتاب والسنة الثابتة، وآثار الصحابة ﵁، والتابعين والأئمة المجتهدين، وأحوالهم في ذلك فإن لهذا شأنا عظيما يوصل إلى الغاية المقصودة متى صدر من قلب سليم متخلق بما يدعو إليه. والله المستعان (٣).\nسابعا: من أصناف المدعوين: النصارى: إن هذا الحديث دل على أن من أصناف المدعوين النصارى؛ لأن النبي - ﷺ - أخبر بقتال المسلمين لهم، ولهم طرق في دعوتهم ينبغي للداعية أن يلتزمها مراعاة لعقيدتهم وأحوالهم (٤).\n_________\n(١) سورة النساء، الآية: ٦٦.\n(٢) انظر: تفسير ابن كثير، ١/ ٢٦٦، ٤٦٢، وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي ١/ ٢٧٨، ٢/ ٣٥، وهداية المرشدين لعلي بن محفوظ ص ١٤٣.\n(٣) انظر: مفتاح دار السعادة لابن القيم، ٤٧٤ - ٤٧٥، وهداية المرشدين لعلي بن محفوظ ص ١٤٥، ١٩٢.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٩٠، الدرس الرابع.","vol":"2","page":1051},{"text":"١٧ -<span data-type=\"title\" id=toc-337> باب إثم من عاهد ثم غدر</span>\nوقول الله ﷿: ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾ [الأنفال: ٥٦] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-338>[حديث كيف أنتم إذا لم تجتبوا دينارا ولا درهما]</span>\n١٨٨ - [٣١٨٠] قَالَ أَبُو مُوسَى: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (٢) ﵁ قَالَ: «كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا لَمْ تَجْتَبُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا؟ فَقِيلَ لَهُ: وَكَيْفَ تَرَى ذَلِكَ كَائِنًا يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: إِيْ وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ، عَنْ قَوْلِ الصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ: قَالُوا: عَمَّ ذَلِكَ؟ قَالَ: تُنْتَهَكُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ - ﷺ -، فَيَشُدُّ اللَّهُ ﷿ قُلُوبَ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَيَمْنَعُونَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ».\n* شرح غريب الحديث: * \" إذا لم تجتبوا دينارا ولا درهما \" أي إذا لم تأخذوا من الجزية والخراج شيئا. (٣).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من أساليب الدعوة: السؤال والجواب.\n٢ - من أساليب الدعوة: التأكيد بالقسم.\n٣ - أهمية الاستدلال بالأدلة الشرعية.\n٤ - من موضوعات الدعوة: الحض على الوفاء بالعهد.\n٥ - من معجزات الرسول - ﷺ -: تحقق ما أخبر به.\n٦ - من موضوعات الدعوة: التحذير من الظلم.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من أساليب الدعوة: السؤال والجواب: إن السؤال والجواب من أهم أساليب الدعوة؛ لما فيه من شحذ الهمم ولفت\n_________\n(١) سورة الأنفال، الآية: ٥٦.\n(٢) تقدمت ترجمته في الحديث رقم: ٧.\n(٣) فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر، ٦/ ٢٨٠.","vol":"2","page":1052},{"text":"انتباه المدعو، وقد ظهر ذلك في هذا الحديث؛ لقول أبي هريرة ﵁: «كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا لَمْ تَجْتَبُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا» فقيل له: «وكيف ترى ذلك كائنا يا أبا هريرة؟» فأجابهم بما يريد أن يلقي إليهم من العلم، وهذا يؤكد أهمية أسلوب السؤال والجواب (١).\nثانيا: من أساليب الدعوة: التأكيد بالقسم: التأكيد بالقسم أسلوب ناجح من أساليب الدعوة؛ ولهذا قال أبو هريرة ﵁ في هذا الحديث: «إي والذي نفس أبي هريرة بيده» ثم ساق الحديث وهذا يدل على استخدام الصحابة ﵃ لهذا الأسلوب في دعوتهم لأهميته (٢).\nثالثا: أهمية الاستدلال بالأدلة الشرعية: إن الاستدلال بالأدلة الشرعية من أهم الأمور التي ينبغي للداعية أن يعتني بها في دعوته؛ ليثق الناس بما يقوله، ويسلم من الوقوع في الخطأ، وقد ظهر ذلك في قول أبي هريرة ﵁ في هذا الحديث: «إي والذي نفس أبي هريرة بيده عن قول الصادق المصدوق»، فنسب القول إلى الرسول - ﷺ - استدلالا على ما يقول ﵁ (٣).\nرابعا: من موضوعات الدعوة: الحض على الوفاء بالعهد: دل مفهوم الحديث على الحض على الوفاء بالعهد؛ لقول أبي هريرة ﵁ الذي رفعه إلى النبي - ﷺ -: «كيف أنتم إذا لم تجتبوا دينارا ولا درهما» أي كيف تكون حالكم إذا انقطعت عنكم أموال الجزية والخراج، وبين السبب في انقطاع ذلك فقال: «تنتهك ذمة الله وذمة رسول الله - ﷺ» -\"، وذلك أن المسلمين ينقضون عهد الله وعهد رسوله الذي يتعلق بحقوق أهل الذمة، ويعاملونهم بالظلم والعدوان فيعاقب الله المسلمين في الدنيا قبل الآخرة: «فيشد الله ﷿ قلوب أهل الذمة فيمنعون ما في أيديهم» من الأموال: من الجزية والخراج فلا يدفعونها إلى المسلمين. وهذا يبين أنه يجب على المسلمين الوفاء بالعهد لأهل الذمة وإعطاؤهم حقوقهم\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٥٨، الدرس الأول، ورقم ١١٠، الدرس الرابع.\n(٢) انظر: الحديث رقم ١٠، الدرس الخامس، ورقم ١٤، الدرس الخامس.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٧٧، الدرس الرابع عشر، ورقم ١٤٧، الدرس الخامس، ورقم ١٧٩، الدرس الرابع.","vol":"2","page":1053},{"text":"بشرطين: الأول: أن يخضعوا لأحكام الإسلام في الجملة، والثاني: أن يدفعوا الجزية. فإذا فعلوا ذلك وجب القيام بالوفاء لهم بالعهود (١) وقد ذكر الحافظ ابن حجر ﵀ أن من فوائد هذا الحديث: «التوصية بالوفاء لأهل الذمة؛ لما في الجزية التي تؤخذ منهم من نفع للمسلمين» (٢) فينبغي الوفاء بالعهد وحض الناس على ذلك؛ لما فيه من طاعة لله ولرسوله - ﷺ - قال الله ﷿: ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٢] (٣) وهذا يؤكد أهمية الوفاء بالعهود، والمواثيق (٤).\nخامسا: من معجزات الرسول - ﷺ -: تحقق ما أخبر به: إن من المعجزات الباهرة التي تدل على صدق النبي - ﷺ - ما أعطاه الله من دلائل صدق النبوة، ومن ذلك تحقق ما أخبر به من أن أهل الذمة يمتنعون عن أداء الجزية والخراج، وقد وقع ذلك، قال الحافظ ابن حجر ﵀ في ذكره لفوائد هذا الحديث: \"وفيه علم من أعلام النبوة\" (٥) وهذا فيه تأكيد لصدقه - ﷺ - وأنه رسول الله حقا (٦).\nسادسا: من موضوعات الدعوة: التحذير من الظلم: ظهر من مفهوم الحديث التحذير من ظلم أهل الذمة، والتحذير من نقض العهد المبرم؛ لأن نقض ذلك من كبائر الذنوب وسبب لضعف المسلمين، وزوال هيبتهم، وقلة مواردهم المالية؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀ في فوائد هذا الحديث المتعلقة بظلم أهل الذمة: \"وفيه التحذير من ظلمهم، وأنه متى وقع ذلك نقضوا العهد فلم يجتب المسلمون منهم شيئا، فتضيق أحوالهم\" (٧) فينبغي للداعية تحذير الناس من ظلم أهل الذمة وغيرهم، والابتعاد عن جميع أنواع الظلم (٨).\n_________\n(١) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٦/ ٢٨٠، وإرشاد الساري للقسطلاني، ٥/ ٢٤٤، ومنار القاري، لحمزة بن محمد بن قاسم، ٤/ ١٤٠.\n(٢) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٦/ ٢٨٠.\n(٣) سورة الأنعام، الآية: ١٥٢.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٢٨، الدرس الثاني.\n(٥) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٦/ ١٨٠، وانظر: إرشاد الساري، للقسطلاني، ٥/ ٢٤٤.\n(٦) انظر: الحديث رقم ٢١، الدرس الرابع، ورقم ٥٣، الدرس الثالث.\n(٧) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٦/ ٢٨٠، وانظر: إرشاد الساري للقسطلاني، ٥/ ٢٤٤.\n(٨) انظر: الحديث رقم ١٣٦، الدرس الثالث.","vol":"2","page":1054},{"text":"١٨ -<span data-type=\"title\" id=toc-339> باب</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-340>[حديث قول سهل بن حنيف اتهموا رأيكم رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد أمر النبي لرددته]</span>\n١٨٩ - [٣١٨١] حَدَّثَنَا عَبْدَانُ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَمْزَةَ قَالَ: سَمِعْتُ الْأَعْمَشَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا وَائِلٍ: شَهِدْتَ صِفِّينَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَسَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ (١) يَقُولُ: «اتَّهِمُوا رَأْيَكُمْ، رَأَيْتُنِي يَوْمَ أَبِي جَنْدَلٍ وَلَوْ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَرُدَّ أَمْرَ النَّبِيِّ - ﷺ - لَرَدَدْتُهُ، وَمَا وَضَعْنَا أَسْيَافَنَا عَلَى عَوَاتِقِنَا لِأَمْرٍ يُفْظِعُنَا إِلَّا أَسْهَلْنَ بِنَا إِلَى أَمْرٍ نَعْرِفُهُ غَيْرَ أَمْرِنَا هَذَا» (٢).\nوفي رواية: «كُنَّا بِصِفِّينَ، فَقَامَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ اتَّهِمُوا أَنْفُسَكُمْ فَإِنَّا كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ وَلَوْ نَرَى قِتَالًا لَقَاتَلْنَا؛ فَجَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَهُمْ عَلَى الْبَاطِلِ؛ فَقَالَ: \"بَلَى\". فَقَالَ أَلَيْسَ قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلَاهُمْ فِي النَّارِ؛ قَالَ: \"بَلَى\". قَالَ: فَعَلَامَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا؟ أَنَرْجِعُ وَلَمَّا يَحْكُمِ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ؟ فَقَالَ: \"يَا ابْنَ الْخَطَّابِ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وَلَنْ يُضَيِّعَنِي اللَّهُ أَبَدًا\". فَانْطَلَقَ عُمَرُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَلَنْ يُضَيِّعَهُ اللَّهُ أَبَدًا. فَنَزَلَتْ سُورَةُ الْفَتْحِ، فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ عَلَى عُمَرَ إِلَى آخِرِهَا، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَ فَتْحٌ هُوَ؟ قَالَ: \"نَعَمْ\".» (٣).\nوفي رواية: «لَمَّا قَدِمَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ مِنْ صِفِّينَ أَتَيْنَاهُ نَسْتَخْبِرُهُ فَقَالَ: اتَّهِمُوا\n_________\n(١) سهل بن حنيف بن واهب بن العكيم، الأوسي، الأنصاري، المدني كان من السابقين، شهد بدرا؛ وثبت يوم أحد حين انكشف الناس وكان ينفح عن رسول الله - ﷺ - يومئذ بالنبل، وشهد أيضا الخندق والمشاهد كلها مع رسول الله - ﷺ -، واستخلفه علي بن أبي طالب ﵁ على البصرة بعد وقعة الجمل، ثم شهد معه صفين، وروى عن النبي - ﷺ - علما كثيرا، فقد ذُكر له أربعون حديثا، اتفق البخاري ومسلم على أربعة وانفرد مسلم بحديثين، توفي بالكوفة سنة ثمان وثلاثين، وصلى عليه علي بن أبي طالب ﵁. انظر تهذيب الأسماء واللغات للنووي، ١/ ٢٣٧، والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، ٢/ ٨٧.\n(٢) [الحديث ٣١٨١] أطرافه في: كتاب الجزية والموادعة، باب، ٤/ ٨٤، برقم ٣١٨٢. وكتاب المغازي باب غزوة الحديبية، ٥/ ٨٣، برقم ٤١٨٩. وكتاب تفسير القرآن، ٤٨. سورة الفتح، باب قوله: إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، ٦/ ٥٣، برقم ٤٨٤٤. وكتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما يذكر من ذم الرأي وتكلف القياس، ٨/ ١٨٧، برقم ٧٣٠٨. وأخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب صلح الحديبية في الحديبية، ٣/ ١٤١١، برقم ١٧٨٥.\n(٣) من الطرف رقم: ٣١٨٢.","vol":"2","page":1055},{"text":"الرَّأْيَ فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي يَوْمَ أَبِي جَنْدَلٍ لَوْ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَرُدَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَمْرَهُ لَرَدَدْتُ، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، وَمَا وَضَعْنَا أَسْيَافَنَا عَلَى عَوَاتِقِنَا لِأَمْرٍ يُفْظِعُنَا إِلَّا أَسْهَلْنَ بِنَا إِلَى أَمْرٍ نَعْرِفُهُ قَبْلَ هَذَا الْأَمْرِ، مَا نَسُدُّ مِنْهَا خَصْمًا إِلَّا انْفَجَرَ عَلَيْنَا خَصْمٌ مَا نَدْرِي كَيْفَ نَأْتِي لَهُ». (١).\nوفي رواية: عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ قَالَ: «أَتَيْتُ أَبَا وَائِلٍ أَسْأَلُهُ فَقَالَ: كُنَّا بِصِفِّينَ فَقَالَ رَجُلٌ: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَدْعُونَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ؛ فَقَالَ عَلِيٌّ: نَعَمْ. فَقَالَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ: اتَّهِمُوا أَنْفُسَكُمْ، فَلَقَدْ رَأَيْتُنَا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ - يَعْنِي الصُّلْحَ الَّذِي كَانَ بَيْنَ النَّبِيِّ - ﷺ - وَالْمُشْرِكِينَ - وَلَوْ نَرَى قِتَالًا لَقَاتَلْنَا، فَجَاءَ عُمَرُ فَقَالَ: أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَهُمْ عَلَى الْبَاطِلِ؛ أَلَيْسَ قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلَاهُمْ فِي النَّارِ؛ قَالَ: \"بَلَى\". قَالَ: فَفِيمَ أُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا وَنَرْجِعُ وَلَمَّا يَحْكُمِ اللَّهُ بَيْنَنَا؟ فَقَالَ: \"يَا ابْنَ الْخَطَّابِ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَلَنْ يُضَيِّعَنِي اللَّهُ أَبَدًا\"، فَرَجَعَ مُتَغَيِّظًا فَلَمْ يَصْبِرْ حَتَّى جَاءَ أَبَا بَكْرٍ فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَهُمْ عَلَى الْبَاطِلِ؟ قَالَ: يَا ابْنَ الْخَطَّابِ إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَلَنْ يُضَيِّعَهُ اللَّهُ أَبَدًا، فَنَزَلَتْ سُورَةُ الْفَتْحِ» (٢).\nوَفِي رِوَايَةٍ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّهِمُوا رَأْيَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ» (٣).\n* شرح غريب الحديث: * عواتقنا: جمع عاتق وهو المنكب (٤).\n* أسهلن بنا: يقال: أسهل الرجل إذا ركب السهل من الأرض في سيره، وقوله: \"أسهلن بنا\" أي رأينا في عاقبته وفي السلوك إليه سهولة، وكأنه ركب السهل في طريقه إليه، ولم ير في آخره مكروها (٥).\n_________\n(١) من الطرف رقم: ٤١٨٩.\n(٢) من الطرف رقم: ٤٨٤٤.\n(٣) من الطرف رقم: ٧٣٠٨.\n(٤) القاموس المحيط للفيروزآبادي، باب القاف، فصل العين، ص ١١٧٠.\n(٥) تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي، ص ١٠٧.","vol":"2","page":1056},{"text":"* أعطي الدنية في ديننا: الدنية: النقيصة (١).\n* يفظعنا: أي يشتد علينا، يقال: أفظع الأمر: اشتد، وهو مفظِع وفظيع (٢).\n* خُصْمٌ: الخصم: جانب الشيء، وخُصْمُ كل شيء طرفه وجانبه، وإنما ذلك إخبار عن انتشار الأمر وشدته، وأنه لا يتهيأ إصلاحه وتلافيه، وأنه بخلاف ما كانوا عليه من قبل ذلك (٣).\n* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - أهمية سؤال الداعية عما أشكل عليه.\n٢ - أهمية إجابة السائل بأكثر مما سأل عند الحاجة.\n٣ - من موضوعات الدعوة: الحض على الأخذ بالكتاب والسنة واتهام الرأي.\n٤ - من تاريخ الدعوة: ذكر يوم أبي جندل.\n٥ - أهمية الاستدلال بالأدلة الشرعية.\n٦ - من أساليب الدعوة: الحوار.\n٧ - من صفات الداعية: الثقة بالله ﷿.\n٨ - منزلة أبي بكر العظيمة ﵁ في مؤازرة النبي - ﷺ -.\n٩ - أهمية الانقياد والتسليم لأمر رسول الله - ﷺ -.\n١٠ - من سنن الله ﷿: الابتلاء والامتحان.\n١١ - من موضوعات الدعوة: الحث على التثبت والتبصر.\n١٢ - من وسائل الدعوة: عقد الصلح والهدنة مع الأعداء عند العجز عن الجهاد.\n١٣ - من أصناف المدعوين: المشركون.\n١٤ - من أصناف المدعوين: المسلمون.\n١٥ - من معجزات الرسول - ﷺ -: تحقق ما أخبر به.\n١٦ - من صفات الداعية: الحرص على الإصلاح بين الناس.\n_________\n(١) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي، ص ١٠٧.\n(٢) انظر: المرجع السابق ص ١٠٧.\n(٣) انظر: المرجع السابق ص ١٠٧.","vol":"2","page":1057},{"text":"والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: أهمية سؤال الداعية عما أشكل عليه: إن سؤال الداعية عما أشكل عليه من وسائل تحصيل العلم المهمة؛ ولهذا سأل سليمان الأعمش أبا وائل شقيق بن سلمة فقال له: شهدت صفين؟ فقال أبو وائل: نعم، فسمعت سهل بن حنيف يقول: \"اتهموا رأيكم\" (١) وهذا يدل على أهمية سؤال الداعية عما أشكل عليه؛ ليعلمه وينتفع به والله أعلم.\nثانيا: أهمية إجابة السائل بأكثر مما سأل عند الحاجة: إجابة السائل بأكثر مما سأل دليل على علم الداعي وفقهه، وقد ظهر ذلك في هذا الحديث؛ لأن سليمان الأعمش سأل أبا وائل فقال: هل شهدت صفين؟ فأجابه أبو وائل فقال: \"نعم\"، فسمعت سهل بن حنيف يقول: \"اتهموا رأيكم. . . \"، ثم ساق له الحديث، فزاده على ما سأل علما كثيرا وفوائد نافعة، وهذا من أهم أساليب الدعوة \" ولهذا كان رسول الله - ﷺ - يستخدم هذا الأسلوب في دعوته، فعن عمرو بن العاص ﵁ قال: «لما جعل الله الإسلام في قلبي، أتيت النبي - ﷺ - فقلت: ابسط يمينك فلأبايعك، فبسط يمينه، قال: فقبضت يدي. قال: \"ما لك يا عمرو؟ \" قال قلت: أريد أن أشترط، قال: \"تشترط بماذا؟ \" قلت: أن يغفر لي، قال: \"أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله؟ وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها؟ وأن الحج يهدم ما كان قبله؟» (٢) فأجاب - ﷺ - بما يفيد عدم المؤاخذة عن كل من اعتنق الإسلام، وعن كل من هاجر، وعن كل من حج حجا مبرورا، وقد كان يكفيه في الجواب أن يقول: غفر لك، أو نحوها، ولكنه زاده علما كثيرا نافعا (٣) وقال - ﷺ - لمن سأله عن ماء البحر: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته» (٤) فأجاب\n_________\n(١) انظر: عمدة القاري للعيني ١٥/ ١٠٣، وإرشاد الساري للقسطلاني، ٥/ ٢٤٤.\n(٢) مسلم، كتاب الإيمان، باب كون الإسلام يهدم ما قبله وكذا الهجرة والحج، ١/ ١١٢، برقم ١٢١.\n(٣) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٢/ ٤٩٦، وهداية المرشدبن لعلي محفوظ ص ٣٢.\n(٤) أبو داود، كتاب الطهارة، باب الوضوء بماء البحر، ١/ ٢١، برقم ٨٣، والترمذي، كتاب الطهارة، باب ما جاء في ماء البحر أنه طهور، ١/ ١٠٠، برقم ٦٩، وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\"، والنسائي، كتاب الطهارة، باب ماء البحر، ١/ ٥٠، برقم ٥٩، وابن ماجه، كتاب الطهارة، باب الوضوء بماء البحر، ١/ ١٣٦، برقم ٣٨٦، عن أبي هريرة ﵁. وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١٩.","vol":"2","page":1058},{"text":"- ﷺ - السائل عن الحكم الذي سأل عنه، وزاده حكما لم يسأل عنه، وهو حل ميتة البحر؛ لأنه - ﷺ - عندما عرف اشتباه الأمر على السائل في ماء البحر أشفق أن يشتبه عليه حكم ميتته، وقد يبتلى بها راكب البحر، فعقب الجواب عن سؤاله ببيان حكم الميتة، وذلك من محاسن الفتوى أن يجاء في الجواب بأكثر مما سئل عنه تتميما للفائدة، وإفادة لعلم غير المسؤول عنه، ويتأكد عند ظهور الحاجة إلى الحكم أو المسألة كما هنا؛ لأن من توقف في طهورية ماء البحر فهو عن العلم بحل ميتته - مع تقدم تحريم الميتة - أشد توقفا (١).\nثالثا: من موضوعات الدعوة: الحض على الأخذ بالكتاب والسنة واتهام الرأي: إن الأخذ بالكتاب والسنة من أهم الواجبات وأعظم القربات؛ لأن الأخذ بالرأي المجرد عن الدليل الشرعي يوصل إلى المهالك؛ ولهذا قال سهل بن حنيف ﵁ في هذا الحديث: «اتهموا رأيكم، فلقد رأيتني يوم أبي جندل لو أستطيع أن أرد على رسول الله أمره لرددته، والله ورسوله أعلم»، وهذا يؤكد أن الرأي لا يعتمد عليه، وإنما المعتمد على الكتاب والسنة؛ قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] (٢) وقال ﷿: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] (٣) وقال ﷿: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٠] (٤).\nفالأصل في الحكم بين الناس أن يرد حكمه إلى كتاب الله ﷿، وإلى سنة رسوله - ﷺ - (٥) وقد ذم الله القول عليه بغير علم، فقال ﷿: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] (٦)\n_________\n(١) انظر: سبل السلام شرح بلوغ المرام، لمحمد بن إسماعيل الصنعاني ١/ ١٨، وتوضيح الأحكام من بلوغ المرام، لعبد الله بن عبد الرحمن البسام، ١/ ٩٠.\n(٢) سورة النساء، الآية: ٥٩.\n(٣) سورة النساء، الآية: ٦٥.\n(٤) سورة الشورى، الآية: ١٠.\n(٥) انظر: تفسير الطبري \"جامع البيان عن تأويل آي القرآن \"، ٨/ ٥٠٤، وتفسير ابن كثير، ١/ ٥١٩.\n(٦) سورة الأعراف، الآية: ٣٣.","vol":"2","page":1059},{"text":"فقرن سبحانه القول عليه بغير علم بالشرك بالله ﷿ وقال ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ - إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٨ - ١٦٩] (١) وهذا يؤكد أن القول على الله بغير علم من أمر الشيطان، وقال ﷿: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] (٢) وقد بين النبي - ﷺ - أن القائل على الله بغير علم من الجاهلين الضالين المضلين، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إن الله لا ينتزع العلم من الناس انتزاعا، ولكن يقبض العلماء فيرفع العلم معهم، ويبقي في الناس رؤوسا (٣) جهالا يفتون بغير علم فيضلون ويضلون» (٤).\nوالحاصل أنه لا يجوز الاعتماد على الرأي، بل يرجع إلى الكتاب والسنة، أو إلى أحدهما، فإن لم يجد فيرجع إلى الإجماع، فإذا لم يجد الأمور الثلاثة رجع إلى أقوال الصحابة ﵃، فإن وجد قولا لأحدهم ولم يخالفه أحد من الصحابة ولا عرف نص يخالفه، واشتهر هذا القول في زمانهم أخذ به؛ لأنه حجة عند جماهير العلماء، فإذا لم يجد قولا يحتج به من أقوال الصحابة واحتاج إلى القياس رجع إليه بدون تكلف بل يستعمله على أوضاعه، ولا يتعسف في إثبات العلة الجامعة التي هي من أركان القياس، بل إذا لم تكن العلة الجامعة واضحة فليتمسك بالبراءة الأصلية (٥).\nوكما دل الحديث على التمسك بالكتاب والسنة دل على التحذير من الرأي؛ لقول سهل ﵁: «اتهموا رأيكم على دينكم» قال الحافظ ابن حجر ﵀:\n_________\n(١) سورة البقرة، الآيتان: ١٦٨ - ١٦٩.\n(٢) سورة الإسراء، الآية: ٣٦.\n(٣) رؤوس: جمع رأس، وفيه التحذير من اتخاذ الجهال رؤساء. شرح النووي على صحيح مسلم ١٦/ ٤٦٥.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما يذكر من ذم الرأي وتكلف القياس، ٨/ ١٨٧، برقم ٧٣٠٧، ومسلم، كتاب العلم، باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان، ٤/ ٢٠٥٨، برقم ٢٦٧٣.\n(٥) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية، ٢٠/ ١٤، و١٩/ ١٧٦، وإعلام الموقعين لابن القيم، ١/ ٣٠، وفتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر، ١٣/ ٢٨٢.","vol":"2","page":1060},{"text":"\"أي لا تعملوا في أمر الدين بالرأي المجرد الذي لا يستند إلى أصل من الدين\" (١) وما أحسن ما قاله الإمام الشافعي ﵀:\nكل العلوم سوى القرآن مشغلة ... إلا الحديث وعلم الفقه في الدين\nالعلم ما كان فيه قال حدثنا ... وما سوى ذاك وسواس الشياطين (٢)\nوقد ذم السلف ﵏ الرأي المجرد عن الدليل، فعن ابن الأشج عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: \" إِيَّاكُمْ وَأَصْحَابَ الرَّأْيِ؛ فَإِنَّهُمْ أَعْدَاءُ السُّنَنِ، أَعْيَتْهُمُ الْأَحَادِيثُ أَنْ يَحْفَظُوهَا فَقَالُوا بِالرَّأْيِ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا \" (٣).\nوعن عروة بن الزبير أنه كان يقول: \" السُّنَنَ السُّنَنَ؛ فَإِنَّ السُنَّنَ قِوَامُ الدِّينِ [أَزْهَدُ النَّاسِ فِي الْعَالِمِ أَهْلُهُ] \" (٤) وقال الإمام أحمد ﵀: \" لا تكاد ترى أحدا نظر في هذا الرأي إلا وفي قلبه دغل \" (٥) وقال الأوزاعي ﵀: \" إذا أراد الله ﷿ أن يحرم عبده بركة العلم ألقى على لسانه الأغاليط \" (٦) وقال الحافظ ابن عبد البر ﵀ بعد أن ساق آثارا كثيرة في ذم الرأي ما ملخصه: قال أكثر أهل العلم: إن الرأي المذموم المعيب المهجور الذي لا يحل النظر فيه والاشتغال به، هو الرأي المبتدع وشبهه من أنواع البدع (٧) وقال جمهور أهل العلم: الرأي المذموم في الآثار المذكورة هو القول في أحكام شرائع الدين بالاستحسان والظنون، والاشتغال بحفظ المعضلات والأغلوطات، ورد الفروع والنوازل بعضها على بعض قياسا دون ردها على أصولها من الكتاب أو من السنة (٨).\nثم قال: \" ومن تدبر الآثار المروية في ذم الرأي المرفوعة وآثار الصحابة والتابعين في\n_________\n(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر، ١٣/ ٢٨٨.\n(٢) ديوان الشافعي، جمع محمد عفيف، ص ٨٨، وانظر: البداية والنهاية لابن كثير ١٠/ ٢٥٤.\n(٣) أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، ١/ ١٣٩، برقم ٢٠١، والدارمي في سننه ١/ ٤٧، برقم ١٢١، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله ٢/ ١٠٤١، برقم ٢٠٠١، ورقم ٢٠٠٣، ٢٠٠٥.\n(٤) ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله، ٢/ ١٠٥١، برقم ٢٠٢٩، ٢٠٣٠.\n(٥) أخرجه ابن عبد البر في المرجع السابق، ٣/ ١٠٥٤، برقم ٢٠٣٥.\n(٦) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله، ٢/ ١٠٧٣، برقم ٢٠٨٣.\n(٧) جامع بيان العلم وفضله، ٢/ ١٠٥٣.\n(٨) انظر: المرجع السابق، ٢/ ١٠٥٤.","vol":"2","page":1061},{"text":"ذلك علم أنه ما ذكرنا \" (١) فرجح ﵀ هذا القول، ثم قال: \" وليس أحد من علماء الأمة يثبت حديثا عن رسول الله - ﷺ - ثم يرده، دون ادعاء نسخ ذلك بأثر أو بإجماع، أو بعمل يجب على أصله الانقياد إليه أو طعن في سنده، ولو فعل ذلك أحد سقطت عدالته، فضلا عن أن يتخذ إماما، ولزمه اسم الفسق، ولقد عافاهم الله ﷿ من ذلك \" (٢) فينبغي للداعية إلى الله ﷿ أن يعتصم بالكتاب والسنة، ثم بالإجماع، ثم بأقوال الصحابة ﵃، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.\nرابعا: من تاريخ الدعوة: ذكر يوم أبي جندل: دل هذا الحديث على أن من تاريخ الدعوة ذكر يوم أبي جندل؛ لقول سهل بن حنيف ﵁: «فلقد رأيتني يوم أبي جندل، ولو أستطيع أن أرد على رسول الله - ﷺ - أمره لرددت، والله ورسوله أعلم»، ويوم أبي جندل هو يوم صلح الحديبية في السنة السادسة للهجرة، ولكن أضافه سهل ﵁ إلى أبي جندل؛ لما حصل للمسلمين من الغيظ على الكافرين فأرادوا القتال فقبل رسول - ﷺ - الصلح، والذي أفزع الصحابة ﵁ أمور منها:\n١ - أن سهيل بن عمرو لم يوافق على كتابة (بسم الله الرحمن الرحيم) فأمر النبي - ﷺ - بموافقته على كتابة: \" باسمك اللهم \".\n٢ - لم يوافق سهيل بن عمرو على كتابة محمد رسول الله - ﷺ -، فوافقه رسول الله - ﷺ - على كتابة: محمد بن عبد الله - ﷺ -.\n٣ - أن من أسلم من المشركين يرد إليهم، ومن ذهب من المسلمين لا يرد إليهم، ومن ذلك رد أبي جندل وقد جاء مسلما في قيوده، فرده رسول الله - ﷺ -، للوفاء بالعهد مع المشركين.\n٤ - منع الصحابة من العمرة هذه السنة.\nفأحدث ذلك غضب الصحابة ﵃؛ ولكنهم لم يخالفوا رسول الله - ﷺ -،\n_________\n(١) جامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر، ٢/ ١٠٦٢.\n(٢) انظر: المرجع السابق، ٢/ ١٠٨٠.","vol":"2","page":1062},{"text":"وإنما راجعه عمر مراجعة عظيمة لعله أن يوافق على القتال فلم يوافق - ﷺ -، فجعل الله ذلك فتحا مبينا لما فيه من المصالح العظيمة، فكان بعض الصحابة يسمي يوم الحديبية بيوم أبي جندل؛ لما حصل لهم من الغيظ العظيم برد أبي جندل إلى المشركين، وقد جاء مسلما معذبا من المشركين، وبما حصل من شروط الصلح المذكورة (١).\nخامسا: أهمية الاستدلال بالأدلة الشرعية: ظهر في هذا الحديث أهمية الاستدلال بالأدلة الشرعية؛ لأمرين:\nالأمر الأول: أن «عمر ﵁ عندما راجع رسول الله - ﷺ - في صلح الحديبية فقال له رسول الله - ﷺ -: \" يا ابن الخطاب، إني رسول الله ولن يضيعني الله أبدا \"، ثم نزلت سورة الفتح فقرأها رسول الله - ﷺ - على عمر إلى آخرها، فقال عمر: يا رسول الله، أَوَ فتح هو؟! قال: \" نعم \".»\nالأمر الثاني: أن سهل بن حنيف استدل بصلح الحديبية على صلح يوم صفين فقال - ﷺ -: «اتهموا رأيكم فلقد رأيتني يوم أبي جندل لو أستطيع أن أرد على رسول الله - ﷺ - أمره لرددت والله ورسوله أعلم». (٢) وهذا يؤكد للداعية أهمية الاستدلال بالأدلة الشرعية (٣).\nسادسا: من أساليب الدعوة: الحوار: لقد دل هذا الحديث على أسلوب الحوار الهادئ النافع؛ لأن النبي - ﷺ - حاور عمر بن الخطاب حتى أقنعه قناعة تامة، وذلك أن عمر ﵁ قال للنبي - ﷺ -: «يا رسول الله، ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ فقال: \" بلى \"، فقال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: \"بلى\"، فقال: فعلام نعطي الدنية في\n_________\n(١) انظر: خبر صلح الحديبية في البخاري، كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب، وكتابة الشروط، ٣/ ٢٣٦، برقم ٢٧٣١، ٢٧٣٢. ومسلم، كتاب الجهاد والسير، باب صلح الحديبية، ٣/ ١٤٠٩، برقم ١٧٨٣ و١٧٨٤ و١٧٨٥، وانظر: شرح صحيح مسلم للنووي، ١٢/ ٣٧٧ - ٣٨٥، وفتح الباري لابن حجر، ٥/ ٣٢٩ - ٣٥٢.\n(٢) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ١٢/ ٣٨٢، وفتح الباري لابن حجر، ٥/ ٣٥٢.\n(٣) انظر: الحديث رقم ٧٧، الدرس الحادي عشر، ورقم ١٤٧، الدرس الخامس.","vol":"2","page":1063},{"text":"ديننا؟ أنرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقال - ﷺ -: \" يا ابن الخطاب إني رسول الله، ولن يضيعني الله أبدا \"، ثم حاور أبو بكر عمر نحو محاورة رسول الله - ﷺ - فنزلت سورة الفتح فقرأها رسول الله من أولها إلى آخرها، فقال عمر: يا رسول الله، أَوَ فتح هو؟ قال: \" نعم»، فهذه محاورة هادفة مقنعة أظهر الله الحق فيها على يد رسول الله - ﷺ -، وقبل عمر ﵁ ذلك (١).\nسابعا: من صفات الداعية: الثقة بالله ﷿: إن الثقة بالله ﷿ من أجل الصفات التي يلزم كل مسلم أن يتصف بها وخاصة الدعاة إلى الله ﷿؛ ولهذه الثقة قال أعظم الناس - ﷺ - ثقة بربه: «يا ابن الخطاب إني رسول الله، ولن يضيعني الله أبدا»، وقال أبو بكر ﵁ في محاورته لعمر ﵁: \" يا ابن الخطاب إنه رسول الله ولن يضيعه الله أبدا \"، وهذا يؤكد أن رسول الله - ﷺ - أعظم الناس ثقة بربه، وأن أبا بكر ﵁ أعظم الصحابة ثقة بالله ﷿ (٢).\nثامنا: منزلة أبي بكر العظيمة ﵁ في مؤازرة النبي - ﷺ -: أبو بكر خير الأمة بعد نبيها - ﷺ -، ومما يدل على ذلك ما ثبت في هذا الحديث أن عمر ﵁ قال لأبي بكر ﵁ يوم الحديبية: يا أبا بكر ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ فقال أبو بكر ﵁: \" يا ابن الخطاب، إنه رسول الله ولن يضيعه الله أبدا \"، الله أكبر وافق قول أبي بكر قول رسول الله - ﷺ -؛ ولهذه المنزلة العظيمة؛ ولغيرها من مؤازرة رسول الله - ﷺ - ونصرته قال - ﷺ -: «إن أمنّ الناس عَلَيّ في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذا خليلا غير ربي لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوّة الإسلام ومودته» (٣) وأبو بكر ﵁ أعظم الناس منزلة عند الله ﷿ بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام (٤).\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٢٩، الدرس السادس، ورقم ٧٧، الدرس السابع.\n(٢) انظر: الحديث رقم ١٦١، الدرس الثاني.\n(٣) متفق عليه من حديث أبي سعيد ﵁: البخاري، كتاب فضائل أصحاب النبي - ﷺ -، باب قول النبي - ﷺ -: \" سدوا الأبواب إلا باب أبي بكر \" ٤/ ٢٣٠، برقم ٣٦٥٤، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة ﵃، ٤/ ١٨٥٤، برقم ٢٣٨٢.\n(٤) انظر: ترجمته ﵁ في الحديث رقم ١٤٧.","vol":"2","page":1064},{"text":"تاسعا: أهمية الانقياد والتسليم لأمر رسول الله - ﷺ -: الانقياد والتسليم والقبول لأمر رسول الله - ﷺ - من أعظم الواجبات والفروض المتحتمات على كل مسلم، وخاصة الداعية إلى الله ﷿، وقد دل هذا الحديث على ذلك لقول سهل بن حنيف ﵁: «فلقد رأيتني يوم أبي جندل لو أستطيع أن أرد على رسول الله - ﷺ - أمره لرددت، والله ورسوله أعلم»، وهذا يدل على كمال الانقياد لأمر رسول الله - ﷺ -؛ فإن الصحابة ﵃ بلغ بهم الغيظ مبلغا عظيما على المشركين يوم صلح الحديبية؛ لأن في العهد أن يرد رسول - ﷺ - من أسلم من المشركين إلى مكة ولا يرد المشركون من جاءهم من المسلمين، وبعد الموافقة على ذلك «جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسُفُ في قيوده وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل بن عمرو: هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن ترده إلي، فقال - ﷺ -: \" إنا لم نقض الكتاب بعد \"، قال فوالله إذًا لم أصالحك على شيء أبدا، فطلب النبي - ﷺ - من سهيل أن يجيزه له فمنع، فقال أبو جندل: أي معشر المسلمين أرد إلى المشركين وقد جئت مسلما ألا ترون ما قد لقيت؛ وكان قد عذب عذابا شديدا في الله. وهذا الذي أغضب عمر كثيرا، فجاء إلى النبي - ﷺ - وقال: ألست نبي الله حقا؟ قال: \" بلى\"، قال: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: \" بلى \"، قال عمر: فلم نعطي الدنية في ديننا إذا؟! قال: \" إني رسول الله ولست أعصيه، وهو ناصري \"، قال عمر: أو ليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: \" بلى، فأخبرتك أنا نأتيه العام؟ \" قال عمر: لا، قال: \" فإنك آتيه، ومطوف به» (١) وفعلا جعل الله هذا الصلح فتحا ونزلت سورة الفتح، وكان هذا الصلح خيرا للمسلمين والحمد لله.\nوالمقصود أن الانقياد والاستسلام لأمر الرسول - ﷺ - لازم، ولو يعلم الإنسان الحكمة؛ قال الله ﷿: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦] (٢) وقال ﷿: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٥٤] (٣)\n_________\n(١) البخاري برقم ٢٧٣١، ومسلم برقم ١٧٨٣ - ١٧٨٥، وتقدم تخريجه في آخر الدرس الرابع من هذا الحديث ص ١٠٦٣.\n(٢) سورة الأحزاب، الآية: ٣٦.\n(٣) سورة النور، الآية: ٥٤.","vol":"2","page":1065},{"text":"، وقال ﷿: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] (١) فينبغي الانقياد والاستسلام لأمر الله ﷿ وأمر رسوله - ﷺ -.\nعاشرا: من سنن الله ﷿: الابتلاء والامتحان: ظهر الابتلاء في هذا الحديث من وجهين: الوجه الأول: ما حصل بين الصحابة ﵃ في صفين؛ ولهذا قال سهل بن حنيف ﵁: \" وما وضعنا أسيافنا على عواتقنا لأمر يفظعنا إلا أسهلن بنا إلى أمر نعرفه قبل هذا الأمر، ما نسد منها خُصما إلا انفجر علينا خصم ما ندري كيف نأتي له \"، والمعنى أنهم ﵃ وقعوا في الفتنة العظيمة بين علي ومعاوية ﵄؛ فإنهم كل ما سدوا ثغرة انفتح عليهم ثغرة أخرى، قال القرطبي ﵀ في كلام سهل ﵁: \" ويعني هذا الكلام أن كل قتال قاتل فيه ما رفع سيفه فيه إلا عن بصيرة، لعاقبة أمره، فسهل عليه ما يلقاه من مشقات الحروب، غير تلك الأمور التي كانوا فيها، فكانوا كلما لاح لهم فيها مصلحة وعاقبة حسنة ظهر لهم نقيضها \" (٢).\nوالوجه الثاني: ما حصل للصحابة ﵃ من الابتلاء في صلح الحديبية، فإنه أصابهم بلاء عظيم؛ لما في ظاهر الصلح من الهضم لحق المسلمين، ولكن في الحقيقة أن ذلك كان فتحا ونصرا، ولكن هذا الفتح لم يأت إلا بعد الابتلاء والاختبار حتى قال عمر ﵁ يا رسول الله: «ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ فقال رسول الله - ﷺ -: \" بلى»، وفي آخر كلام عمر ﵁: «ففيم نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا؟»، قال القرطبي ﵀ على كلام عمر ﵁: \" يعني بالدنية: الحالة الخسيسة، ويعني به الصلح على ما شرطوا، ولم يكن ذلك من عمر شكا ولا معارضة، بل كان استكشافا لما خفي عنه، وحثا على قتال أهل الكفر، وإذلالهم، وحرصا على ظهور المسلمين\n_________\n(١) سورة النور، الآية: ٦٣.\n(٢) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٣/ ٦٤١.","vol":"2","page":1066},{"text":"على عدوهم، وهذا على مقتضى ما كان عنده من القوة في دين الله، والجرأة، والشجاعة التي خصه الله بها، وجواب النبي - ﷺ - وأبي بكر بما جاوباه به، يدل على أن عندهما من علم باطنه ذلك، وعاقبة أمره ما ليس عند عمر، ولذلك لم يسكن عمر حتى بشره النبي - ﷺ - بالفتح، فسكن جأشه وطابت نفسه \" (١) ﵁، وهذا فيه دلالة واضحة على صبر الصحابة على الابتلاء، والله المستعان (٢).\nالحادي عشر: من موضوعيات الدعوة: الحث على التثبت والتبصر: دل مفهوم هذا الحديث على أن من موضوعات الدعوة: الحث على التثبت والتأني في الأمور؛ لقول سهل بن حنيف ﵁: «أيها الناس اتهموا أنفسكم، رأيتني يوم أبي جندل لو أستطيع أن أرد أمر رسول الله - ﷺ - لرددته»، قال الإمام القرطبي ﵀: \" يعني به التثبت فيما كانوا فيه، والتصبر، وألا يستعجلوا في أمورهم، ووجه استدلاله بها: أن تلك الحالة كان ظاهرها مكروها لهم، صعبا عليهم، فلما تثبتوا في أمرهم، وأطاعوا رسول الله - ﷺ -، جعل الله لهم من أمرهم فرجا ومخرجا، فكأنه يقول لهم: إن صبرتم على المكروه، وتثبتم في أمركم، واتقيتم الله، جعل الله لكم من هذه الفتن مخرجا كما جعله لأصحاب رسول الله - ﷺ - يوم الحديبية \" (٣) وهذا يؤكد أهمية التثبت في الأمور، فينبغي للداعية أن يحث على التثبت والتأني؛ لما في ذلك من المصالح العاجلة والآجلة (٤).\nالثاني عشر: من وسائل الدعوة: عقد الصلح والهدنة مع الأعداء عند العجز عن الجهاد: عقد الصلح مع أعداء الإسلام مهم عند عجز المسلمين عن الجهاد؛ ولهذا ثبت في هذا الحديث أن حبيب بن أبي ثابت قال: «أتيت أبا وائل أسأله فقال: كنا بصفين فقال رجل: ألم تر إلى الذين يدعون إلى كتاب الله؛ فقال علي: نعم، فقال سهل بن حنيف: \" اتهموا أنفسكم، فلقد رأيتنا يوم الحديبية - يعني صلح\n_________\n(١) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٣/ ٦٤٠، وانظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ١٢/ ٣٨٣.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٩، الدرس الثامن، ورقم ١٦، الدرس الخامس.\n(٣) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٣/ ٦٤٠.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٩١، الدرس الثاني.","vol":"2","page":1067},{"text":"الحديبية الذي كان بين النبي - ﷺ - والمشركين لو نرى قتالا لقاتلنا، فجاء عمر فقال: ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ فقال النبي - ﷺ -: \" بلى \"، قال: ففيم أعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا؛ فقال: \" يا ابن الخطاب إني رسول الله، ولن يضيعني الله أبدا \"، فرجع عمر متغيظا فلم يصبر حتى جاء أبا بكر فقال: يا أبا بكر، ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ قال: \" يا ابن الخطاب إنه رسول الله - ﷺ - ولن يضيعه الله أبدا، فنزلت سورة الفتح \".» وسياق سهل بن حنيف ﵁ لذلك دعوة إلى الصلح بين علي ومعاوية ﵁؛ ليحصل من الفوائد ما حصل بصلح الحديبية. وقد حصل أمور عظيمة وفتح عظيم بصلح الحديبية؛ قال الإمام النووي ﵀ في صلح الحديبية: \" قال العلماء: المصلحة المترتبة على إتمام هذا الصلح ما ظهر من ثمراته الباهرة، وفوائده المتظاهرة التي كانت عاقبتها فتح مكة، وإسلام أهلها ودخول الناس في دين الله أفواجا، وذلك أنهم قبل الصلح لم يكونوا يختلطون بالمسلمين، ولا تتظاهر عندهم أمور النبي - ﷺ - كما هي، ولا يحلون بمن يعلمهم بها مفصلة، فلما حصل صلح الحديبية اختلطوا بالمسلمين، وجاءوا إلى المدينة، وذهب المسلمون إلى مكة، وحلوا بأهلهم وأصدقائهم، وغيرهم ممن يستنصحونه، وسمعوا منهم أحوال النبي - ﷺ - مفصلة بجزئياتها، ومعجزاته الظاهرة، وأعلام نبوته المتظاهرة، وحسن سيرته، وجميل طريقته، وعاينوا بأنفسهم كثيرا من ذلك، فما زالت نفوسهم إلى الإيمان حتى بادر خلق منهم إلى الإسلام قبل فتح مكة، فأسلموا بين صلح الحديبية وفتح مكة، وازداد الآخرون ميلا إلى الإسلام، فلما كان يوم الفتح أسلموا كلهم؛ لما كان قد تمهد لهم من الميل، وكانت العرب من غير قريش في البوادي ينتظرون بإسلامهم إسلام قريش، فلما أسلمت قريش أسلمت العرب في البوادي \" (١).\nقال الله ﷿: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ - وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا - فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ١ - ٣] (٢) قال الإمام القرطبي\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٢/ ٣٨٢.\n(٢) سورة النصر، الآيات: ١ - ٣.","vol":"2","page":1068},{"text":"﵀: \" وهذا الحديث يدل على جواز الصلح على ما شرطه العدو عند ضعف المسلمين عن مقاومة عدوهم، وعند الحاجة إلى ذلك. . . \" ثم قال ﵀: \" واختلف في مقدار مدة الصلح حيث يجوز. فقال مالك: ذلك مفوض إلى اجتهاد الإمام، وحد الشافعي أكثره بعشرة أعوام بناء منه على صلح الحديبية؛ فإن كان عشر سنين \" (١) وقال الإمام ابن القيم ﵀ في فوائد صلح الحديبية: \" وفيها جواز صلح أهل الحرب على وضع القتال عشر سنين، وهل يجوز فوق ذلك؟ الصواب: أنه يجوز للحاجة والمصلحة الراجحة، كما إذا كان بالمسلمين ضعف وعدوهم أقوى منهم، وفي العقد لما زاد عن العشر مصلحة الإسلام \" (٢) وسمعت سماحة العلامة ابن باز حفظه الله يقول على قول ابن القيم: \" وهذا هو الصواب، فإذا رأى الإمام المصالحة عشرين سنة أو ثلاثين فلا حرج على حسب الحاجة \" (٣) وهذا من وسائل الدعوة التي تعين المسلمين على التأهب والإعداد، والله أعلم.\nالثالث عشر: من أصناف المدعوين: المشركون: إن الصلح الذي وقع بين النبي - ﷺ - والمشركين في هذا الحديث يدل على أن المشركين من أصناف المدعوين؛ ولهذا قال سهل بن حنيف ﵁: «اتهموا أنفسكم فلقد رأيتنا يوم الحديبية - يعني الصلح الذي كان بين النبي - ﷺ - والمشركين ولو نرى قتالا لقاتلنا». . . \"، وهذا يؤكد مراعاة الأصلح في دعوة المشركين: من صلح، أو أخذ جزية، أو قتال لمن لم ينقد للإسلام ولم يدفع الجزية (٤).\nالرابع عشر: من أصناف المدعوين: المسلمون: إن في قول سهل بن حنيف ﵁: \" اتهموا رأيكم. . . \" دعوة المسلمين:\n_________\n(١) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٣/ ٦٤٢.\n(٢) زاد المعاد في هدي خير العباد، ٣/ ٤٢١.\n(٣) سمعته من سماحته أثناء شرحه للفوائد واللطائف من غزوة الحديبية، من زاد المعاد، وذلك بتاريخ ٢٠/ ٥ / ١٤١٨ هـ، بجامع الأميرة سارة بالرياض.\n(٤) انظر: الحديث رقم ٩١، الدرس الثامن، ورقم ١٠٥، الدرس السابع.","vol":"2","page":1069},{"text":"من أصحاب علي ومعاوية إلى الصلح وعدم الاستمرار في الفتنة؛ ولهذا قال ﵁: فلو رأيتنا يوم الحديبية ولو نرى قتالا لقاتلنا \" يريد ﵁ اتهام الرأي وأن الصواب قد يكون بخلافه كما في صلح الحديبية؛ فإن الصواب كان مع النبي - ﷺ - وأبي بكر خلافا لرأي الصحابة ﵃ (١).\nالخامس عشر: من معجزات الرسول - ﷺ -: تحقق ما أخبر به: إن ما حصل في صلح الحديبية من الشروط التي فيها غضاضة وهضم من حقوق المسلمين في الظاهر يدل دلالة واضحة على أن النبي محمدا - ﷺ - رسول الله حقا؛ لأنه قبل هذا الصلح لتوفيق الله له بالموافقة على ذلك؛ لما فيه من الفتح والنصر؛ ولهذا قال لعمر عند محاورته: «يا ابن الخطاب إني رسول الله ولن يضيعني الله أبدا»، فأنزل الله سورة الفتح بشارة بالنصر والفتح، فقرأها - ﷺ - على عمر، فقال عمر ﵁ يا رسول الله: أو فتح هو؟ قال: \" نعم \"، ثم حصل الفتح الأعظم فتح مكة فدخل الناس في دين الله أفواجا، وهذه معجزة عظمى لإخبار النبي - ﷺ - بالفتح قبل وقوعه، ثم تحقق (٢).\nالسادس عشر: من صفات الداعية: الحرص على الإصلاح بين الناس: إن الإصلاح بين الناس والحرص عليه من أعظم القربات وأهم الصفات التي ينبغي لكل مسلم الحرص عليها، وقد ظهر في هذا الحديث؛ لقول سهل بن حنيف ﵁: «أيها الناس اتهموا أنفسكم فلقد رأيتني يوم أبي جندل لو أستطيع أن أرد على رسول الله - ﷺ - أمره لرددت، والله ورسوله أعلم». . . \"، وهذا يؤكد حرص سهل ﵁ على الإصلاح بين هاتين الفئتين العظيمتين؛ قال الإمام النووي ﵀ على قول سهل ﵁: \" أراد بهذا تبصير الناس على الصلح وإعلامهم بما يرجى بعده من الخير، فإنه يرجى مصيره إلى خير، وإن كان ظاهره في الابتلاء مما تكرهه النفوس، كما كان شأن صلح الحديبية، وإنما قال سهل ﵁ هذا القول\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ١٠٨، الدرس الثاني عشر.\n(٢) انظر: الحديث رقم ٢١، الدرس الرابع.","vol":"2","page":1070},{"text":"حين ظهر من أصحاب علي ﵁ كراهة التحكيم فأعلمهم بما جرى يوم الحديبية من كراهة أكثر الناس الصلح وأقوالهم في كراهيته، ومع هذا فأُعْقِبَ خيرا عظيما، فقررهم النبي - ﷺ - على الصلح مع أن إرادتهم كانت مناجزة كفار مكة بالقتال \" (١) فينبغي للداعية أن يكون حريصا على الإصلاح بين الناس؛ لما في ذلك من الفضل العظيم؛ ولهذا الفضل قال الله ﷿: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٤] (٢) وقال ﷿: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١] (٣) وقال ﷿: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨] (٤).\nوقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠] (٥) وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «كل سلامى (٦) من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس: تعدل بين الاثنين صدقة (٧) وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط (٨) الأذى عن الطريق صدقة» (٩) وعن أم كلثوم بنت عقبة أنها سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس،\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٢/ ٣٨٣.\n(٢) سورة النساء، الآية: ١١٤.\n(٣) سورة الأنفال الآية: ١.\n(٤) سورة النساء، الآية: ١٢٨.\n(٥) سورة الحجرات، الآية: ١٠.\n(٦) السلامى: جمع سلامية، وهي الأنملة من أنامل الأصابع، وقيل: واحده وجمعه سواء، ويجمع على سلاميات وهي التي بين كل مفصلين من أصابع الإنسان، وقيل: السلامى كل عظم مجوف من صغار العظام: والمعنى على كل عظم من عظام ابن آدم صدقة. النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب السين مع اللام، ٢/ ٣٩٦، ويوضح هذا حديث عائشة ﵂ ترفعه: \" إنه خلق كل إنسان من بني آدم على ستين وثلاثمائة مفصل، فمن كبر الله، وحمد الله، وهلل الله، وسبح الله، واستغفر الله ﷿، وعزل حجرا عن طريق الناس أو شوكة أو عظما عن طريق الناس، وأمر بمعروف أو نهى عن منكر عدد تلك الستين والثلاثمائة السلامى فإنه يمشي يومئذ وقد زحزح نفسه عن النار\" [مسلم برقم ١٠٠٧].\n(٧) تعدل بين اثنين: أي تصلح بينهما بالعدل. شرح النووي على صحيح مسلم، ٧/ ٩٩.\n(٨) تميط الأذى عن الطريق: أي تنحيه وتبعده عنها. تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٢١٧.\n(٩) متفق عليه: البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب من أخذ بالركاب ونحوه، ٤/ ١٩، برقم ٢٩٨٩، ومسلم، كتاب الزكاة، باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف، ٢/ ٦٩٩، برقم ١٠٠٩.","vol":"2","page":1071},{"text":"ويقول خيرا، أو ينمي (١) خيرا» (٢) قالت: «ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقول الناس كذب إلا في ثلاث: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها» (٣) وعن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام، والصلاة، والصدق؟ \" قالوا: بلى، قال: \" إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة» (٤) وهذا يؤكد أهمية إصلاح ذات البين، فينبغي للداعية أن يعتني بذلك عناية فائقة. والله الموفق للصواب.\n_________\n(١) ينمي: يقال: نَمَيْتُ الخبر أو الحديث إذا بلغتَه على جهة الإصلاح، ونمَّيت بالتشديد، إذا كان على جهة النميمة وإفساد ذات البين. انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٥٧١.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الصلح، باب ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس، ٣/ ٢٢١، برقم ٢٦٩٢، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب تحريم الكذب وبيان المباح منه، ٤/ ٢٠١١، برقم ٢٦٠٥.\n(٣) رواية لمسلم في الحديث السابق رقم ٢٦٠٥.\n(٤) أبو داود، كتاب الأدب، باب إصلاح ذات البين، ٤/ ٢٨٠، برقم ٤٩١٩، والترمذي، كتاب صفة القيامة، باب: حدثنا أبو يحيى، ٤/ ٦٦٣، برقم ٢٥٠٩، وقال: \" هذا حديث صحيح \"، وأحمد في المسند، ٦/ ٤٤٤، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٣/ ٩٢٩، والحالقة: أي الماحقة للأجر والحسنات، وجاء في الترمذي، ويروى: \" لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين، ٤/ ٦٦٤، برقم ٢٥٠٩، ٢٥١٠.","vol":"2","page":1072},{"text":"٢٢ -<span data-type=\"title\" id=toc-341> باب إثم الغادر للبر والفاجر</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-342>[حديث لكل غادر لواء يوم القيامة]</span>\n١٩٠، ١٩١ - [٣١٨٦، ٣١٨٧]- حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ (١) - وَعَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ (٢) - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ \"، قَالَ أَحَدُهُمَا: يُنْصَبُ - وَقَالَ الْآخَرُ: يُرَى - يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُعْرَفُ بِهِ» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-343>[حديث لكل غادر لواء ينصب لغدرته]</span>\n١٩٢ - [٣١٨٨] حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ (٤) ﵄ قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: «لكل غادر لواء ينصب لغدرته» (٥).\nوفي رواية: «إِنَّ الْغَادِرَ يُرْفَعُ لَهُ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُقَالُ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ»، (٦).\nوفي رواية: عَنْ نَافِعٍ قَالَ: لَمَّا خَلَعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ جَمَعَ ابْنُ عُمَرَ حَشَمَهُ وَوَلَدَهُ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: «يُنْصَبُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، وَإِنَّا قَدْ بَايَعْنَا هَذَا الرَّجُلَ عَلَى بَيْعِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِنِّي لَا أَعْلَمُ غَدْرًا أَعْظَمَ مِنْ أَنْ يُبَايِعَ رَجُلٌ عَلَى بَيْعِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُنْصَبُ لَهُ الْقِتَالُ، وَإِنِّي لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْكُمْ خَلَعَهُ وَلَا بَايَعَ فِي هَذَا الْأَمْرِ إِلَّا كَانَتِ الْفَيْصَلُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ \" (٧).\n* شرح غريب الأحاديث: * \" لواء \" اللواء: الراية، ولا يمسكها إلا صاحب الجيش، والمعنى هنا أن لكل\n_________\n(١) عبد الله بن مسعود تقدمت ترجمته في الحديث رقم: ١٠٢.\n(٢) تقدمت ترجمته في الحديث رقم: ١٤.\n(٣) [الحديث ٣١٨٦] وأخرجه مسلم في كتابه الجهاد والسير، باب تحريم الغدر، ٣/ ١٣٦٠، برقم ١٧٣٦، و[الحديث ٣١٨٧] وأخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب تحريم الغدر، ٣/ ٦١، برقم ١٧٣٧.\n(٤) تقدمت ترجمته في الحديث رقم: ١.\n(٥) [الحديث ٣١٨٨] أطرافه في: كتاب الأدب، باب ما يدعى الناس بآبائهم، ٧/ ١٤٩، برقم ٦١٧٧ و٦١٧٨. وكتاب الحيل، باب إذا غصب جارية فزعم أنها ماتت، ٨/ ٨٠، برقم ٦٩٦٦. وكتاب الفتن، باب إذا نال عند قوم شيئا ثم خرج فقال بخلافه، ٨/ ١٢٧، برقم ٧١١١، وأخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب تحريم الغدر، ٣/ ١٣٥٩، برقم ١٧٣٥.\n(٦) الطرف رقم: ٦١٧٧.\n(٧) الطرف رقم: ٧١١١.","vol":"2","page":1073},{"text":"غادر علامة يشتهر بها في الناس؛ لأن موضوع اللواء: شهرة مكان الرئيس، وجمعه ألوية (١).\n* \" غادر \" الغدر ضد الوفاء وهو نقض العهد، والزوال عيه، وإبطاله، والفجور عن الحق، والانبعاث في الباطل (٢).\n* \" حشمه \" أي عصبته، وخدمه، وأهل بيته من أولاد وغيرهم من أتباعه (٣).\n* \" الفيصل بيني وبينه \" أي القطيعة التامة (٤).\n* الدراسة الدعوية للأحاديث: في هذه الأحاديث الثلاثة دروس وفوائد دعوية، منها:\n١ - من موضوعات الدعوة: التحذير من الغدر.\n٢ - من أساليب الدعوة: الترهيب.\n٣ - من أصناف المدعوين: الأقارب.\n٤ - من أساليب الدعوة: الشدة بالقول مع الأقرباء عند الحاجة والمصلحة الراجحة.\n٥ - أهمية الوفاء ببيعة الإمام المسلم.\nوالحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:\nأولا: من موضوعات الدعوة: التحذير من الغدر: الغدر صفة قبيحة ينبغي للداعية أن يحذر الناس عنه؛ لقبحه، وعظم إثمه؛ وقد بين - ﷺ - في هذه الأحاديث: أن لكل غادر علامة ترفع له يوم القيامة أمام الأشهاد فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان، والغادر هو الذي يواعد على أمر ولا يفي به، قال الإمام النووي ﵀: \"وفي هذه الأحاديث بيان غلظ تحريم الغدر لا سيما من صاحب الولاية العامة؛ لأن غدره يتعدى ضرره إلى خلق كثير\" (٥) فيتأكد عليه أن يفي بعهوده ولا يغدر فيها، سواء كان ذلك لرعيته أو\n_________\n(١) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب اللام مع الواو، مادة: \" لواء \" ٤/ ٢٧٩.\n(٢) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي، ص ٤١٢، ٤٢٦.\n(٣) انظر: المرجع السابق، ص ١٩٠، وفتح الباري لابن حجر، ١٣/ ٧١.\n(٤) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ١٩٠، وفتح الباري لابن حجر، ١٣/ ٧١.\n(٥) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ١٢/ ٢٨٧.","vol":"2","page":1074},{"text":"للكفار وغيرهم، وإذا أراد قتال قوم من الكفار وقد عاهدهم، فإذا انقضى عهده أو خاف غدرهم نبذ إليهم عهدهم: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨] (١) وينبغي للرعية أن لا يشقوا على إمامهم العصا، ولا يتعرضوا لما يسبب الفتن (٢) وقد بين الإمام القرطبي ﵀: أن قوله - ﷺ -: «لكل غادر لواء يوم القيامة يرفع له»، جاء خطاب بنحو ما كانت تفعل العرب، وذلك أنهم كانوا يرفعون للوفاء راية بيضاء، وللغدر راية سوداء ليشهروا به الوفي، فيعظموه ويمدحوه، والغادر فيذموه ويلوموه بغدره، قال \" وقد شاهدنا هذا فيهم عادة مستمرة إلى اليوم \" (٣) فمقتضى هذا الحديث الغادر يفعل به يوم القيامة مثل ذلك؛ ليشتهر بالخيانة والغدر، فيذمه أهل الموقف وقد ثبت عن النبي - ﷺ - أن هذا اللواء يكون عند مقعدة الغادر بحيث لا يقدر على مفارقته؛ ليمر به الناس فيروه، ويعرفوه، فيزداد خجلا وفضيحة عند كل من مر به (٤) فَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ عِنْدَ اسْتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُعْرَفُ بِهِ» (٥) وكأنه عومل بنقيض قصده؛ لأن عادة اللواء أن يكون على الرأس، فنصب عند السفل زيادة في فضيحته؛ لأن الأعين غالبا تمتد إلى الألوية فيكون ذلك سببا لامتدادها إلى التي بدت له ذلك اليوم فيزداد بها فضيحة (٦) وفي لفظ: «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرْفَعُ لَهُ بِقَدْرِ غَدْرَتِهِ، أَلَا وَلَا غَادِرَ أَعْظَمَ غَدْرًا مِنْ أَمِيرِ عَامَّةٍ» (٧) فالغدر على هذا اللفظ دركات، فإذا كانت غدرته كبيرة عظيمة رفع له لواء كبير عظيم، مرتفع، حتى يعرفه بذلك من قرب منه ومن بعد، وأعظم الغدر وأفحشه غدر الأمير العام؛ لما في غدر الأئمة من المفسدة فإنهم إذا غدروا وعلم ذلك منهم، لم يأمنهم العدو على عهد ولا صلح، فحينئذ\n_________\n(١) سورة الأنفال الآية: ٥٨.\n(٢) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ١٢/ ٢٨٨.\n(٣) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٣/ ٥٢٠.\n(٤) انظر: المرجع السابق، ٣/ ٥٢١.\n(٥) مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب تحريم الغدر، ٣/ ١٣٦١، برقم ١٧٣٨.\n(٦) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٦/ ٢٨٤.\n(٧) مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب تحريم الغدر، ٣/ ١٣٦١، برقم ١٧٣٨.","vol":"2","page":1075},{"text":"تشتد شوكته، ويعظم ضرره على المسلمين، ويكون ذلك منفرا من الدخول في الإسلام، موجبا لذم أئمة المسلمين (١).\nومن التشهير والفضيحة للغادر أنه ينادى يوم القيامة على رؤوس الأشهاد باسمه واسم أبيه؛ لقوله - ﷺ -: «إِنَّ الْغَادِرَ يُنْصَبُ لَهُ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يُقَالُ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ»، فظهر في هذه الرواية: أن الغادر ينسب إلى أبيه في الموقف الأعظم، وفي هذا الحديث رد لقول من زعم أنهم لا يدعون يوم القيامة إلا بأمهاتهم سترا على آبائهم (٢) والدعاء بالآباء أشد في التعريف، وأبلغ في التمييز، وهذا يقتضي جواز الحكم بالظواهر، وحمل الآباء على من كان ينسب إليه في الدنيا لا على ما هو في نفس الأمر، قال الحافظ ابن حجر ﵀: \"وهو المعتمد\" (٣) والظاهر من قوله - ﷺ -: «هذه غدرة فلان بن فلان»، أن لكل غدرة واحدة لواء. قال الإمام ابن أبي جمرة ﵀: \" ظاهر الحديث يعطي أن لكل غدرة لواء \" (٤) وقال الحافظ ابن حجر ﵀: \" فعلى هذا يكون للشخص الواحد عدة ألوية بعدد غدراته \" (٥).\nولأهمية التحذير من الغدر قال الوزير العالم ابن هبيرة ﵀: \" لما أتى الغادر بالشنعاء في اللوم وهي الغدرة، وإنما يأتي ذلك؛ لذل فيه عن المجاهرة بالغدر، رفع اللواء عليه (٦).\nلإظهار شهرته، بعقوبة يشهدها الأولون والآخرون \". (٧) وقد ذم الله المنافقين أشد الذم وأقبحه فقال ﷿: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ - فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ - فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: ٧٥ - ٧٧] (٨).\n_________\n(١) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٣/ ٥٢١.\n(٢) قال الحافظ ابن حجر ﵀ في الفتح ١٠/ ٥٦٣ \" وهو حديث أخرجه الطبراني من حديث ابن عباس، وسنده ضعيف جدا، وأخرج ابن عدي من حديث أنس مثله، وقال: منكر\".\n(٣) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ١٠/ ٥٦٣.\n(٤) بهجة النفوس، ٤/ ١٧٥.\n(٥) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ١٠/ ٥٦٣.\n(٦) جاء في الحديث \" يرفع \" وفي رواية: \" ينصب \" والمعنى واحد، وانظر: فتح الباري لابن حجر ١٠/ ٥٦٣.\n(٧) الإفصاح عن معاني الصحاح، ٢/ ٧٥، وانظر: ٤/ ١٠٢.\n(٨) سورة التوبة، الآيات: ٧٥ - ٧٧.","vol":"2","page":1076},{"text":"وقد جعل النبي - ﷺ - الغدر إحدى الخصال التي من وجدت فيه كان منافقا خالصا، فقال - ﷺ -: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا ائْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ» (١) وبين - ﷺ - أن من نقض عهد الله وعهد رسوله فإنه يسلط عليهم عدوا من غيرهم، فيأخذوا بعض ما في أيديهم، فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «كُنْتُ عَاشِرَ عَشَرَةٍ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -: أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَحُذَيْفَةُ، وَابْنُ عَوْفٍ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ﵃، فَجَاءَ فَتًى مِنَ الْأَنْصَارِ فَسَلَّمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - ثُمَّ جَلَسَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَفْضَلُ؟ قَالَ: \" أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا \"، قَالَ: فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْيَسُ؟ (٢) قَالَ: \" أَكْثَرُهُمْ لِلْمَوْتِ ذِكْرًا، وَأَحْسَنُهُمْ لَهُ اسْتِعْدَادًا قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ بِهِمْ أُولَئِكَ مِنَ الْأَكْيَاسِ \"، ثُمَّ سَكَتَ الْفَتَى، وَأَقْبَلَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ - ﷺ - فَقَالَ: \" يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ: لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا ظَهَرَ فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمْ، وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمُؤْنَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا، وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلَّا سَلَّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَيَأْخُذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ إِلَّا أَلْقَى اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ» (٣) فينبغي للداعية إلى الله ﷿ أن يحذر الناس من الغدر ويبين لهم عاقبة أمره، والله المستعان.\nثانيا: من أساليب الدعوة: الترهيب: إن الترهيب أسلوب مؤثر في نفوس المدعوين؛ ولهذا استخدمه النبي - ﷺ - في\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري برقم ٣٤، ومسلم، برقم ٥٨، وتقدم تخريجه في الحديث رقم ١٨٣، الدرس الثالث، ص ١٠٢١.\n(٢) أكيس: أي أعقل، والكيس: العاقل، النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الكاف مع الباء، مادة \" كيس \" ٤/ ٢١٧.\n(٣) الحاكم وصححه ووافقه الذهبي، ٤/ ٥٤٠، وأخرجه ابن ماجه، كتاب الفتن، باب العقوبات ٢/ ١٣٣٢، برقم ٤٠١٩، وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، ١/ ٧، برقم ١٠٦.","vol":"2","page":1077},{"text":"هذه الأحاديث للتخويف والتنفير من الغدر فقال - ﷺ -: «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يُنْصَبُ لِغَدْرَتِهِ». . . \"، وهذا يؤكد أهمية الترهيب؛ لما له من التنفير عن المعاصي وتقبيحها. (١).\nثالثا: من أصناف المدعوين: الأقارب: إن الأقارب من أهم أصناف المدعوين الذين يتأكد على الداعية أن يعتني بهم في التوجيه، والتربية، والعناية بما يعود عليهم بالنفع في الدنيا والآخرة، وقد دل هذا الحديث على ذلك؛ لأن عبد الله بن عمر ﵄ عندما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية جمع أقاربه وأهل بيته، وحاشيته فقال: إني سمعت النبي - ﷺ - يقول: «يُنْصَبُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، وإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله، وإني لا أعلم غدرا أعظم من أن يبايع رجل على بيع الله ورسوله ثم ينصب له القتال، وإني لا أعلم أحدا منكم خلعه ولا بايع في هذا الأمر إلا كانت الفيصل بيني وبينه \"، وفي هذا الكلام العظيم دليل على وفاء عبد الله بن عمر ﵄ وعدم غدره، وأنه اعتنى بأقاربه فوجههم إلى الصواب وحذرهم من الغدر، وألزمهم بذلك، فينبغي للداعية أن يعتني بأقاربه وأهل بيته (٢).\nرابعا: من أساليب الدعوة: الشدة بالقول مع الأقرباء عند الحاجة والمصلحة الراجحة: الأصل في أساليب الدعوة: الرفق، لكن قد يحتاج الداعية إلى قوة في الأسلوب على حسب القدرة وأمن وقوع المفاسد، والداعية قد يحتاج إلى قوة الكلمة في الأسلوب مع الأهل والأقارب؛ لإلزامهم بما يدعو إليه؛ ولهذا قال عبد الله بن عمر ﵄ في هذا الحديث لأهله وخدمه وحاشيته في شأن يزيد بن معاوية: \" إني سمعت النبي - ﷺ - يقول: «يُنْصَبُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، وإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله، وإني لا أعلم غدرا أعظم من أن يبايع رجل على بيع الله ورسوله ثم ينصب له القتال، وإني لا أعلم أحدا منكم خلعه ولا بايع في هذا الأمر إلا كانت الفيصل بيني وبينه \"، فقد حذر ﵁ أهله ومن تحت يده بالكلمة القوية عن الخروج على الإمام، وهكذا كان يفعل أبوه عمر ﵄ مع\n_________\n(١) انظر: الحديث رقم ٧، الدرس الثالث عشر.\n(٢) انظر: الحديث رقم ١٥٥، الدرس السادس.","vol":"2","page":1078},{"text":"أقاربه عند الحاجة والمصلحة الراجحة، فكان إذا صعد المنبر فنهى الناس عن شيء جمع أهله، فقال: \" إِنِّي نَهَيْتُ النَّاسَ عَنْ كَذَا وَكَذَا، وَإِنَّ النَّاسَ يَنْظُرُونَ إِلَيْكُمْ نَظَرَ الطَّيْرِ إِلَى اللَّحْمِ، وَأُقْسِمُ بِاللَّهِ لَا أَجِدُ أَحَدًا مِنْكُمْ فَعَلَهُ إِلَّا أَضْعَفْتُ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةَ \" (١) وهذا يؤكد للداعية أهمية أسلوب القوة مع الأهل عند الحاجة لذلك وظهور المصلحة المحققة، والله ولي التوفيق.\nخامسا: أهمية الوفاء ببيعة الإمام المسلم: إن الوفاء ببيعة الإمام المسلم من أولى الواجبات وأعظم الحسنات؛ ولهذا ثبت في هذا الحديث ما يؤكد ذلك؛ لأن ابن عمر ﵄ لما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية جمع حشمه وولده فقال: \" إِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: «يُنْصَبُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، وإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله، وإني والله لا أعلم غدرا أعظم من أن يبايع رجل على بيع الله ورسوله ثم ينصب له القتال، وإني لا أعلم أحدا منكم خلعه ولا بايع في هذا الأمر إلا كانت الفيصل بيني وبينه \"، وهذا يؤكد أهمية الوفاء ببيعة الإمام المسلم. قال الإمام ابن هبيرة ﵀: \" وفي هذا الحديث ما يدل على أن ابن عمر لم يوافق على خلع يزيد \" (٢) وقال الحافظ ابن حجر ﵀: وفي هذا الحديث وجوب طاعة الإمام الذي انعقدت له البيعة، والمنع من الخروج عليه ولو جار في حكمه، وأنه لا ينخلع بالفسق \" (٣) وإذا بايع المسلم الإمام المسلم لزمه طاعته في المعروف؛ لقوله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] (٤) ولهذا قال النبي - ﷺ -: «مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ عَصَى أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي» (٥).\n_________\n(١) تاريخ الأمم والملوك للطبري، ٢/ ٦٨، والكامل في التاريخ لابن الأثير ٣/ ٣١.\n(٢) الإفصاح عن معاني الصحاح، ٤/ ١٠٣.\n(٣) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ١٣/ ٧١.\n(٤) سورة النساء، الآية: ٥٩.\n(٥) متفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁: البخاري، كتاب الأحكام، باب (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ)، ٨/ ١٣٣، برقم ٧١٣٧، ومسلم، كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية الله وتحريمها في معصية الله، ٣/ ١٤٦٦، برقم ١٨٣٥.","vol":"2","page":1079},{"text":"ولا شك أن طاعة الله ورسوله واجبة على كل أحد، وطاعة ولاة الأمور واجبة لأمر الله بطاعتهم، فمن أطاع الله ورسوله بطاعة ولاة الأمر فأجره على الله، ومن كان لا يطيعهم إلا لما يأخذه من الولاية والمال، فإن أعطوه أطاعهم وإن منعوه عصاهم، فهذا لا يكلمه الله يوم القيامة، ولا يزكيه، وله عذاب أليم (١) ويحرم الخروج على إمام المسلمين وفاء بالعهد والبيعة؛ لقول الله ﷿: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [النحل: ٩١] (٢) وقال ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] (٣) ومعلوم أن العقود هي: العهود والمواثيق التي يجب على المسلم التزامها وعدم نقضها. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ كَانَ لَهُ فَضْلُ مَاءٍ بِالطَّرِيقِ فَمَنَعَهُ مِنِ ابْنِ السَّبِيلِ، وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا لَا يُبَايِعُهُ إِلَّا لِدُنْيَا فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا سَخِطَ [وَفِي رِوَايَةٍ: فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا وَفَى وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا لَمْ يَفِ]، وَرَجُلٌ أَقَامَ سِلْعَتَهُ بَعْدَ الْعَصْرِ فَقَالَ: وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ لَقَدْ أُعْطِيتُ بِهَا كَذَا وَكَذَا، فَصَدَّقَهُ رَجُلٌ. ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧]» (٤)؛ ولعظم الوفاء ببيعة الإمام المسلم قال النبي - ﷺ -: \". . . «وَمَنْ بَايَعَ إِمَامًا فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ فَلْيُطِعْهُ إِنِ اسْتَطَاعَ، فَإِنْ جَاءَ آخَرُ يُنَازِعُهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَ الْآخَرِ» (٥) وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: «مَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ فَمَاتَ مَاتَ مَيْتَةَ جَاهِلِيَّةٍ (٦) وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عُمِّيَّةٍ (٧) يَغْضَبُ\n_________\n(١) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٣٥/ ١٦ - ١٧.\n(٢) سورة النحل، الآية: ٩١.\n(٣) سورة المائدة، الآية: ١.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب المساقاة، باب إثم من منع ابن السبيل من الماء، ٣/ ١٠٥، برقم ٢٣٥٨، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان غلظ تحريم إسبال الإزار والمن بالعطية وتنفيق السلعة بالحلف وبيان الثلاثة الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة، ١/ ١٠٣، برقم ١٠٨، وما بين المعكوفين منه، والآية من سورة آل عمران: ٧٧.\n(٥) مسلم، كتاب الإمارة، باب وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول، ٣/ ١٤٧٣، برقم ١٨٤٤، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄.\n(٦) ميتة جاهلية: أي مات على صفة موتهم من حيث هم فوضى لا إمام لهم. شرح النووي على صحيح مسلم، ١٢/ ٤٨١، وليس المراد أنه يموت كافرا، بل يموت عاصيا. فتح الباري لابن حجر، ١٣/ ٧.\n(٧) عمية: أي الأمر الأعمى لا يستبين وجهه. كذا قاله أحمد والجمهور. شرح النووي على صحيح مسلم ١٢/ ٤٨١.","vol":"2","page":1080},{"text":"لِعَصَبَةٍ، أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبَةٍ أَوْ يَنْصُرُ عَصَبَةً (١) فَقُتِلَ فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ، وَمَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي يَضْرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا، وَلَا يَتَحَاشَى مِنْ مُؤْمِنِهَا (٢) وَلَا يَفِي لِذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ، فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ» (٣).\nولا شك أن من وفى بالعهد يثاب ويشكر؛ ولهذا استنبط الإمام ابن هبيرة ﵀ من قوله - ﷺ -: «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُقَالُ هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ»: أن من وفى بالعهد فله الكرامة \"، قال ﵀: \" وفي هذه الإهانة للغادر إكرام لأهل الوفاء بالعهود من جهة أنه شاركهم في العهد وتميز بالعقوبة، فلما أهين علمت كرامتهم \" (٤) وقد بين الإمام القرطبي ﵀ بعد أن ذكر أن الغادر يرفع له لواء يوم القيامة لغدره؛ ليشتهر بذلك فيذم ويفضح في الموقف: فقال: \" ولا يبعد أن يكون الوفي بالعهد يرفع له لواء يعرف به وفاؤه وبره، فيحمده أهل الموقف كما يرفع لنبينا محمد - ﷺ - لواء الحمد فيحمده كل من في الموقف \" (٥) ولواء الحمد الذي أشار إليه ﵀ هو ما ثبت من حديث أنس بن مالك ﵁، قال: «سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \" إِنِّي لَأَوَّلُ النَّاسِ تَنْشَقُّ الْأَرْضُ عَنْ جُمْجُمَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَأُعْطَى لِوَاءَ الْحَمْدِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ». . . \" (٦).\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ\n_________\n(١) ينصر عصبة: أي يقاتل عصبية لقومه وهواه. شرح النووي على صحيح مسلم، ١٢/ ٤٨٢.\n(٢) لا يتحاشى: أي لا يكترث بما يفعله فيها ولا يخاف وباله وعقوبته. شرح النووي على صحيح مسلم، ١٢/ ٤٨٣.\n(٣) أخرجه مسلم، كتاب الإمارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن ٣/ ١٤٧٥، برقم ١٨٤٨.\n(٤) الإفصاح عن معاني الصحاح، ٢/ ٧٥.\n(٥) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٣/ ٥٢٠.\n(٦) أخرجه الدارمي، في المقدمة، باب ما أعطي النبي - ﷺ - من الفضل، ١/ ٣١، برقم ٥٢، وأحمد في المسند، ٣/ ١٤٤. قال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة ٤/ ١٠٠ برقم ١٥٧١: \"وسنده صحيح، رجاله رجال الشيخين \"، وأخرجه ابن حبان في صحيحه ١٤/ ٣٩٨، برقم ٦٤٧٨، وهو في موارد الظمآن لزوائد ابن حبان ص ٥٢٣، برقم ٢١٢٧، عن عبد الله بن سلام، قال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة ٤/ ١٠١: \"إسناده صحيح \"، وأخرجه ابن ماجه عن أبي سعيد، في كتاب الزهد، باب ذكر الشفاعة، ٢/ ١٤٤٠، برقم ٤٣٠٨، والترمذي عن أنس، كتاب المناقب باب فضل النبي - ﷺ -، ٥/ ٥٨٥، برقم ٣٦١٠، وأخرجه أحمد عن ابن عباس ﵄ ١/ ٢٨١. وانظر: طرقه في تحفة الأشراف للمزي ١/ ٢١٨، وإتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرة، لابن حجر ٢/ ١٥٧، برقم ١٤٥٦.","vol":"2","page":1081},{"text":"يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ» (١).\nومن علامات الوفاء ببيعة الإمام المسلم: الدعاء له بالهداية والتوفيق، والسداد، والإعانة، وأن ينصر الله به الحق؛ ولهذا كان السلف الصالح: كالفضيل بن عياض، والإمام أحمد بن حنبل، وغيرهم يقولون: \" لو كان لنا دعوة مستجابة لدعونا بها للسلطان \" (٢) وقال الإمام البربهاري ﵀: \" إذا رأيت الرجل يدعو على السلطان فاعلم أنه صاحب هوى، وإذا رأيت الرجل يدعو للسلطان بالصلاح فاعلم أنه صاحب سنة إن شاء الله تعالى \" (٣) وقال الفضيل بن عياض ﵀: \" لو كان لي دعوة مستجابة ما جعلتها إلا للسلطان \"، قيل له: يا أبا علي فسر لنا هذا؛ قال: \" إذا جعلتها في نفسي لم تعدني، وإذا جعلتها في السلطان صلح، فصلح بصلاحه العباد والبلاد \" (٤) فأمرنا أن ندعو لهم بالصلاح، ولم نؤمر أن ندعو عليهم؛ وإن جاروا وظلموا؛ لأن جورهم وظلمهم على أنفسهم، وصلاحهم لأنفسهم وللمسلمين. (٥).\nفينبغي للداعية إلى الله ﷿ أن يفي بعهده، ومن ذلك الوفاء لإمام المسلمين بالبيعة، وأن يدعو لأئمة المسلمين بالتوفيق والصلاح والسداد.\nوالله أسأل بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يصلح جميع المسلمين وولاتهم، وأن يسدد خطاهم على الهدى، وأن ينصر بهم الحق، ويجعلهم هداة مهتدين إنه ولي ذلك والقادر عليه، وأن يصلح قلبي وعملي وذريتي وجميع المسلمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. (٦).\n_________\n(١) مسلم، كتاب الفضائل، باب تفضيل نبينا - ﷺ - على جميع الخلائق، ٤/ ١٧٨٢، برقم ٢٢٧٨.\n(٢) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٨/ ٣٩١.\n(٣) كتاب شرح السنة للإمام الحسن بن علي البربهاري، ص ١١٦.\n(٤) المرجع السابق، ص ١١٦.\n(٥) المرجع السابق، ص ١١٦.\n(٦) كان الفراغ من كتابة هذه الرسالة ليلة الجمعة ٩/ ٦ / ١٤١٨ هـ، الساعة السابعة وخمسين دقيقة مساء، والحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه.","vol":"2","page":1082},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-344>القسم الثاني\nالمنهج الدعوي المستخلص من الدراسة</span>\n١ - الفصل الأول: المنهج الدعوي المتعلق بالداعية.\n٢ - الفصل الثاني: المنهج الدعوي المتعلق بالمدعو.\n٣ - الفصل الثالث: المنهج الدعوي المتعلق بموضوع الدعوة.\n٤ - الفصل الرابع: المنهج الدعوي المتعلق بالوسائل والأساليب.","vol":"2","page":1083},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-345>الفصل الأول: المنهج الدعوي المتعلق بالداعية</span>","vol":"2","page":1085},{"text":"الداعية هو الذي يدعو إلى دين أو فكرة، قال ابن منظور - ﵀ -: \"والدعاة قوم يدعون إلى بيعة هدى أو ضلالة، واحدهم: داع، ورجل داعية إذا كان يدعو الناس إلى بدعة أو دين، أدخلت الهاء فيه للمبالغة، والنبي - ﷺ - داعي الله تعالى \" (١) يدعو الأمة إلى توحيد الله وطاعته (٢) قال الله ﷿ عن الجن الذين استمعوا القرآن وولوا إلى قومهم منذرين وقالوا لهم (٣) ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ﴾ [الأحقاف: ٣١] (٤) وقال الله ﷿ النبي محمد - ﷺ -: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا - وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٦] (٥) وقال النبي - ﷺ -: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا» (٦) فتبين بذلك أن لفظ الداعية يدخل فيه: الداعية إلى الحق، والداعية إلى الضلالة، وأن دعاة الحق هم الذين يدعون إلى الله على بصيرة، ويقين، وبرهان: عقلي، وشرعي، وهذه طريقة النبي - ﷺ -، ومسلكه وسنته، هو ومن اتبعه (٧) قال الله -\n_________\n(١) لسان العرب؛ لابن منظور، باب الواو والياء، فصل الدال: ١٤/ ٢٥٩. وانظر: معجم المقايس في اللغة لابن فارس، كتاب الدال، باب الدال والعين: ص: ٣٥٦، والنهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير، باب الدال مع العين، مادة: (دعا): ٢/ ١٢٠، والقاموس المحيط للفيروزآبادي، باب الواو والياء، فصل الدال، ص: ١٦٥٥، والمعجم الوسيط، لمجمع اللغة العربية، مادة: (الداعي): ١/ ٢٨٧.\n(٢) انظر: لسان العرب لابن منظور، باب الواو والياء، فصل الدال: ١٤/ ٢٥٩.\n(٣) انظر: المرجع السابق: ١٤/ ٢٥٩، والمعجم الوسيط لمجمع اللغة العربية، مادة: (الداعي): ١/ ٢٨٧.\n(٤) سورة الأحقاف، الآية: ٣١.\n(٥) سورة الأحزاب الآية: ٤٥ - ٤٦.\n(٦) مسلم: ٤/ ٢٦٠، برقم ٢٦٧٤، وتقدم تخريجه في الحديث رقم ٩٢، الدرس الثامن، ص ٥٣٩.\n(٧) انظر: تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٩٦، وتفسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للسعدي: ٤/ ٦٣.","vol":"2","page":1086},{"text":"﷾ -: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨] (١) وحقيقة ذلك أن الداعية: «هو المسلم المبلغ للإسلام، والمعلم له، والساعي إلى تطبيقه» (٢) فاتضح أن الداعي هو المسلم الدال على الخير، والمحذر عن الشر، وقد استخلصت على ضوء هذا التعريف الفوائد المتعلقة بالداعية على النحو الآتي (٣) م عنوان الدرس الصفحة ١ حرص النبي صلي الله عليه وسلم على تعليم أمته الخير والشفقة عليهم ٤٩، ٢٥٦، ٧٧٢، ٧٨٢ ٢ من صفات الداعية الحرص على هداية الناس ٥٢٤، ٥٢٩ ٣ أهمية الحزم والجزم والاحتياط في الأمور المهمة ٥٠ ٤ الاستعداد والتأهب للموت قبل فوات الأوان ٥١، ٣١٦، ٧٦٩، ٨٩٨ ٥ أهمية الكتابة في ضبط الأمور المهمة ٥٣ ٦ من صفات الداعية: الزهد ٥٧، ١٤٢، ٢٩١، ٣٧٩، ٤٠٠، ٤١٣، ٤٦٨، ٨٥٢، ٨٦١، ٨٧٠، ٩٦١ ٧ من صفات الداعية الكرم ٥٨، ١٤٤، ١٤٨، ٢٤٧، ٢٥٦، ٩٠٠، ٩١٦، ٩٦٢، ٩٧٨ ٨ من صفات الداعية الرحمة ٧١، ١٠٩، ١٣٥، ٣١٢، ٤٠١، ٥٢٩، ٦٥٧، ٦٩٩، ٨٢١، ٨٨١، ٩٨٦. ٩ من صفات الداعية: الفهم والفقه ٧١ ١٠ من صفات الداعية الصدق ٨٢، ١٠٩، ٢٤٨، ٥٧٦، ٩٥٧، ٩٨٦ ١١ أهمية ربط المدعوين بخالقهم ٨٣ ١٢ من صفات الداعية: إثبات النعم لله، والتحدث والثناء عليه بها ١٠٧، ٢٩٦، ٦٠٦، ٧٢٧، ٨٣٩، ٩١٤ ١٣ من صفات الداعية: قوة الإيمان ١٠٨، ٤٨٠\n_________\n(١) سورة يوسف، الآية: ١٠٨.\n(٢) المدخل إلى علم الدعوة للدكتور محمد أبى الفتح البيانوني: ٤٠.\n(٣) اجتهدت في اختيار الفوائد الدعوية، فأدخلت كل فائدة في أحد أركان الدعوة التي لها علاقة قويه به، وقد تصلح الفائدة لإدخالها تحت بعض الأركان الأخرى على حسب الاجتهاد، وقد يكون عنوان الفائدة في الجدول يطابق ما هو مذكور في صلب الرسالة، وقد لا يطابق إلا بعض العناوين، وبعضها أدخلته بالمعنى خشية التكرار؛ ولتكون تحت عنوان واحد في الجدول، وفوق كل ذي علم عليم.","vol":"2","page":1087},{"text":"١٤ - من صفات الداعية: محبة الله ورسوله صلي الله عليه وسلم ١٨٦ ١٥ من صفات الداعية: الأخذ بالظاهر والله يتولى السرائر ١١١، ٤٤٢، ٥٤٣، ٧٩٩ ١٦ من صفات الداعية: الحرص على حسن الخاتمة ١١٢ ١٧ من صفات الداعية: الصبر وتحمل المشاق ١١٢، ١٩٧، ٢٠٥، ٢٢٥، ٢٣٥، ٢٩٠، ٥٠٩، ٥٦١، ٥٦٤، ٧٢٩، ٩٦٤ ١٨ الابتلاء والامتحان ١١٢، ١٤٩، ٢٩٠، ٣٧٦، ٣٨٩، ٣٩٨، ٤٠٥، ٥٩١، ٦١١، ٦٢٥، ٧٠٩، ٧٢٦، ٧٤٢، ٧٦٦، ٧٩٦، ٨٢٠، ٨٣٨، ٨٦١، ٨٧٩، ٩١٨، ٩٢٧، ٩٧١، ٩٩٣، ١٠٣١، ١٠٣٦، ١٠٦٦ ١٩ العناية بالمتخلفين عن الطاعة ١١٥ ٢٠ تأديب المدعو بالهجر إذا اقتضت المصلحة لذلك ١١٥ ٢١ من صفات الداعية: المداومة على الخير ١١٧، ١٦٢، ٨٨٢ ٢٢ أهمية قول الداعية لما لا يعلمه: الله أعلم، أو لا أدري ١١٨، ٣٤٨، ٦٨٣ ٢٣ معاتبة الداعية أصحابه على التقصير ١١٩ ٢٤ من صفات الداعية: القول اللطيف الحسن ١٢٢، ٣١٦ ٢٥ الرد بالحكمة على من خالف النصوص ١٢٣ ٢٦ الرغبة فيما عند الله تعالى ١٣٥، ١٤٨، ١٧٦، ٢٠٣، ٢٨٢، ٤٠١، ٥٣٦، ٩٢٨ ٢٧ من صفات الداعية: الخلق الحسن ١٣٨، ١٧٤، ٣٨٠، ٤٥٤، ٥٩٨، ٧١٧، ٧٣٥، ٩٦٣، ١٠٠٣. ٢٨ من آداب الداعية: ترك العتاب على ما فات استئلافا ١٣٩ ٢٩ من صفات الداعية الداعي: الكيس والنشاط ١٤٠، ٢١٢، ٢٥٥، ٥٨١، ٦١٠ ٣٠ مسئولية الداعية تجاه أقاربه ١٤٤ ٣١ من صفات الداعية: المسارعة إلى الخيرات ١٤٨، ٢١٩، ٩٤٦ ٣٢ إظهار الداعية مناقبه عند الحاج ١٤٩، ٩٥٦ ٣٣ خلوة الداعية عند وجود الفتن المضلة ١٦٦، ٩٠٨ ٣٤ مراعاة أحوال المدعوين ١٦٧، ٣٤٦، ٤٩٥، ٥٣٠، ٦٩٩، ٧١٦، ٧٣٥، ٩٣٨، ٩٥٩، ٩٧٣ ٣٥ السرور بانتصار الإسلام ١٧٥ ٣٦ الحرص على الدقة في نقل الحديث ٦٤، ١٧٩، ٢١٦، ٢٤١، ٢٨٣، ٢٩٧، ٣٢٦، ٥٠٦، ٥٩١، ٦٤٧، ٦٩٤، ٧١٧، ٧٥٩، ٨٢١، ٨٦٦، ٩١٥، ٩٢٣، ٩٢٧ ٣٧ الحرص على هداية الأقربين ٨٠، ٨٥٧، ٥٧٢، ٨٦١، ٩٣٥، ٩٤٣ ٣٨ من صفات الداعية: اغتنام فرص الخير قبل حرمانها ١١٠ ٣٩ من صفات الداعية: احتساب الأجر والثواب ١٩٨، ٢٢٦، ٣٣٦","vol":"2","page":1088},{"text":"٤٠ - من صفات الداعية: جهاد النفس ١٨٦ ٤١ من صفات الداعية: استصحاب النية الصالحة ١٨٤، ٢١٨، ٢٤٢، ٢٨٢، ٢٩٩، ٦٥٢، ٩٠١، ٩٠٥، ٩٢٧ ٤٢ من صفات الداعية: بذل النفس والتضحية في سبيل الله ﷿ ٢٠٢ ٤٤ من صفات الداعية: صحة الإيمان وقوة اليقين ٢٠٤، ٣١٧، ٣٢٤، ٤٨٥، ٤٩١، ٥٨٥، ٧٢٧، ٧٦٦ ٤٥ من صفات الداعية: الشجاعة ٢٠٤، ٢٤٨، ٢٥٦، ٣١٧، ٣٢٣، ٣٦٨، ٣٨٦، ٣٩٩، ٤٥٤، ٤٧٨، ٤٨٦، ٤١٩، ٥٤٠، ٥٩١، ٦٨٠، ٧٢٥، ٧٤٩، ٧٧٨، ٩٤٣، ٩٥٨ ٤٦ شجاعة النبي وثباته صلي الله عليه وسلم ٣٦٨ ٤٧ من صفات الداعية: الفطنة والذكاء ٢١٠، ٧٢٤، ١٠٠٣ ٤٨ تقييد العلم وضبطه بالكتابة ٢١١، ٢٨٣ ٤٩ من صفات الداعية: العقل السليم ٢١٢ ٥٠ من صفات الداعية: الأمانة ٢١٢، ٧٦٥، ٨٣٥، ٨٩٩ ٥١ من صفات الداعية: الخبرة ٢١٢ ٥٢ من صفات الداعية: الحرص على العناية بالقرآن الكريم ٢١٤ ٥٣ من صفات الداعية: الحرص على الإقتداء بالنبي صلي الله عليه وسلم ٢١٥، ٨٥٩ ٥٤ أهمية اختيار الداعية الصلح للأمور المهمة ٢١٦، ٤٠٦، ٧٨٦ ٥٥ الأخذ بالأسباب لا ينفي التوكل ٢٢١، ٢٤١، ٢٨٩، ٣٦١، ٣٨٧، ٤٠٤، ٤٩٢، ٤٩٥، ٥٨٠، ٦١١، ٦٥٧، ٧٢٦، ٨٢٣ ٥٦ أهمية الخوف من عذاب الله تعالى ٢٢٦ ٥٧ محبة الصحابة للنبي صلي الله عليه وسلم ٣٨٣، ٣٨٩، ٤٠٠، ٤٠٥، ٤١٨، ٥٣٦، ٥٦١، ٥٦٤، ٥٦٧، ٦٤٢، ٨٥٨، ٨٧٠، ٨٨٦، ٩١٩، ٩٥٧ ٥٨ من أسباب نصر الداعية: الدعاء ٢٣٧، ٥٠٩ ٥٩ أهمية قول المسلم: إن شاء الله، لما يريد عمله في المستقبل ٢٤٠ ٦٠ حرص الأنبياء على الجهاد في سبيل الله ﷿ ٢٤٠ ٦١ أهمية تذكير الناسي ٢٤٢ ٦٢ من صفات الداعية: الحلم ٢٤٦، ٥١٤، ٥٢٦، ٦٢٢، ٨٢٨، ٩٣٠، ٩٦٢، ٩٧٢ ٦٣ من صفات الداعية: الالتجاء إلى الله ﷿ ٢٥٧، ٨٩٩ ٦٤ من صفات الداعية: الورع ٢٦٢، ٥٨٢ ٦٥ أهمية صحبة الأخيار ٢٦٣","vol":"2","page":1089},{"text":"٦٦ - الدفاع عن النفس بالصدق والحكمة ٢٧٢ ٦٧ من صفات الداعية: الحرص على فعل الخيرات ٢٧٥، ٦٥٣ ٦٨ من صفات الداعية: التواضع ٢٣٧، ٢٩٤، ٣١٢، ٣٤٣، ٣٧٩، ٤٠١، ٤١٤، ٤١٨، ٤٢٥، ٥٠٩، ٦١٩، ٦٤٦، ٧١٣، ٧٢٩، ٧٣٥، ٧٥٢، ٧٥٨، ٨١٩، ٨٢٨، ٨٤٣، ٨٥٥، ٨٧١، ٨٨٠، ٨٩٥، ٩٥٩، ٩٦١، ٩٧٨ ٦٩ من صفات الداعية: إعانة المدعوين ٢٩٥، ٨١٩ ٧٠ من صفات الداعية: الاستفادة مما عند الآخرين ٢٩٦ ٧١ حرص الصحابة ﵃ على الجهاد وعد تخلفهم بغير عذر ٢٩٩، ٦٦٠ ٧٢ من صفات الداعية: الإخلاص ٣٠٣، ٣٣٦، ٤١٢ ٧٣ من صفات الداعية: الإحسان ٣١٢ ٧٤ تأديب المدعو بالكلمة القوية عند الحاجة ٣١٨ ٧٥ من فقه الدعوة: معرفة أحوال المدعوين ٣٢٢ ٧٦ من صفات الداعية: التزام الأدب والتلطف في الكلام مع الكبير والصغير ٣١٦، ٩٤٨ ٧٧ من صفات النبي صلي الله عليه وسلم: الفصاحة والبلاغة ٣٣٠، ٣٥٧ ٧٨ من صفات الداعية: الفصاحة والبلاغة ١٠١٢، ١٠٢٦ ٧٩ التصريح بذكر بعض الألفاظ المستقذرة عند الحاجة ٣٣٧ ٨٠ أهمية تعليم العامة قبل أن يسألوا ٣٤٥، ٦٠٦ ٨١ من صفات الداعية: حب الخير للناس وتبشيرهم لإدخال السرور عليهم ٣٥٤ ٨٢ من صفات لداعية: التوكل على الله ﷿ ٣٥٥، ٣٦١، ٨٦٢ ٨٣ أهمية اختيار الداعية الوسائل المعينة على الدعوة ٣٥٨ ٨٤ من صفات الداعية العدل ٣٦٣، ٣٩١، ٥٥٧، ٨٠٩، ٩٠٦، ٩٢٩ ٨٥ من أسباب نصر الدعاة: عدم الإعجاب بالكثرة أو القوة ٣٧٠، ٩٥٨ ٨٦ من صفات الداعية: حسن الأدب في الجواب ٣٧١ ٨٧ من صفات الداعية: الاستنصار بالله ﷿ ٣٧١ ٨٨ أهمية الإشراف على المدعو وملاحظته ٣٨٧ ٨٩ أهمية مشاركة النساء في الجهاد بالخدمة والعلاج عند الحاجة ٣٨٨، ٣٩٢، ٣٩٤، ٦١٣ ٩٠ من صفات الداعية: مكافأة المحسن وتشجيعه على إحسانه ٣٩٢، ٤١٩ ٩١ أهمية استشارة العلماء والدعاة والأصحاب ١٢٧، ٣٩٢، ٦٣٠، ٦٥٩، ٦٨٢، ٨٢٠، ٨٢٨، ١٠١٣ ٩٢ من صفات الداعية: وضع كل شيء موضعه ٣٩٣، ٤٥٧، ٧٥٨ ٩٣ من صفات الداعية: التعاون على البر والتقوى ٣٩٩، ٤٢١","vol":"2","page":1090},{"text":"٩٤ - ذكاء النبي صلي الله عليه وسلم وفطنته ٣٨٣ ٩٥ من صفات الداعية: القناعة ٤١٢ ٩٦ من صفات الداعية: إتقان العمل ٤١٤ ٩٧ من صفات الداعية: حسن الصحبة ٤١٧، ٤٢٠ ٩٨ من النصر والرزق: الإحسان إلى الضعفاء ٤٢٣ ٩٩ من أسباب النصر: استقامة المجاهدين والدعاة على دين الله ﷿ ٤٢٩ ١٠٠ من صفات الداعية: الجمع بين الخوف والرجاء ٤٣٩، ٧٩٩ ١٠١ عظم يقين الصحابة بما يخبر به رسول الله صلي الله عليه وسلم ٤٥٠، ٦٨٢، ٧٩٩ ١٠٢ من صفات الداعية: الرفق ٤٦١، ٥١٢ ١٠٣ الادخار لا ينافي التوكل على الله ﷿ ٤٦٨ ١٠٤ أهمية الحرص على طلب الحديث وتحصيله من مصادره الأصلية ٤٦٩، ٩١٥، ٩٢٨ ١٠٥ من صفات الداعية: عدم الحرص على الإمارة والعلو في الأرض والجاه ٤٧٢ ١٠٦ لا ينكر أن يغيب عن الداعية أو العالم بعض العلم ٤٧٤، ٨٥٣، ٩٩٨ ١٠٧ أهمية العمل بمقتضى الدليل الشرعي ٤٧٤ ١٠٨ أهمية اجتماع المجاهدين والدعاة وعدم تفرقهم ٤٨٤ ١٠٩ من صفات الداعية: العفو والصفح ٤٨٥، ٥٩٧، ٦٣٠، ٦٨٤، ٨٥٨، ١٠٣٠، ١٠٣٧. ١١٠ أهمية تكرار لفظ الجلالة عند الاستغاثة والاستعانة ٤٨٧ ١١١ أهمية قصر الأمل في الدنيا والمسارعة إلى ما ينجي من الفتن ٥٠٣ ١١٢ حرص النبي صلي الله عليه وسلم على أداء الصلاة في وقتها ٥٠٥ ١١٣ من آداب الداعية: إفشاء السلام، ورده على المسلمين، ورده على أهل الكتاب بـ: \"وعليكم\". ٥١٢، ٦٢١ ١١٤ من صفات الداعية: التغافل عن سفه المبطلين ٥١٥ ١١٥ أهمية تدريب الداعية نفسه ولسانه على الأب ٥١٥ ١١٦ من صفات الداعية: التأني والتثبت ٥٢٦، ٥٣٧، ٦٨٠، ٨٧٥، ٩٥٥، ٩٩٩ ١١٧ أهمية السؤال عما يشكل على الداعية ٣٤٥، ٥٣٧، ٨٣٧، ٩٣٨، ٩٤٣، ١٠٥٨ ١١٨ من صفات الداعية: الرجوع على الحكم والفتوى إذا ظهر الدليل ٥٤٨ ١١٩ من وظائف الإمام المسلم قتل كل من آذى الله ورسوله صلي الله عليه وسلم بدون استتابة ٥٤٩ ١٢٠ أهمية استنابة الإمام والداعية من يقوم مقامه في الأمور المهمة ٥٥٠ ١٢١ من صفات الداعية: الصبر على جور الولاة والأمراء ٥٥٢ ١٢٢ أهمية ذكر الدليل عند الفتوى رفع الإلباس ٥٥٠، ٧٠١ ١٢٣ أهمية القتال مع إمام المسلمين وحمايته من الأعداء ٥٥٦","vol":"2","page":1091},{"text":"١٢٤ - من صفات الداعية: الابتعاد عن الفتن عدم الخروج على الإمام المسلم ٥٦٥ ١٢٥ من صفات الداعية: الثبات والصبر ٥٦١، ٥٦٤، ٥٦٧ ١٢٦ أهمية السؤال في تحصيل العلم ونشره ٦٣، ٥٧٠، ٥٨٥ ١٢٧ من صفات الداعية: الحرص على التثبت في حمل الحديث ٥٧٦ ١٢٨ أهمية إخبار الداعية أصحابه بما ينفعهم ٥٨٠ ١٢٩ من صفات الداعية: الحرص على الدعوة والجهاد ٥٨١، ٩١٨ ١٣٠ من صفات الداعية: التيسير على المدعوين ٥٨١ ١٣١ من صفات الداعية: التقوى ٥٨٤ ١٣٢ أهمية طاعة ولاة أمر المسلمين ٥٨٣ ١٣٣ من صفات الداعية: العناية الدائمة بالدعوة إلى الله ﷿ ٦٢٩ ١٣٤ من صفات الداعية: النظافة ٥٩٠، ٧٦٩ ١٣٥ من صفات الداعية: الإيجاز في اللفظ والاتساع في المعاني ٦٠٤ ١٣٦ من صفات الداعية: الاعتزاز بطاعة الله ﷿ ٦١٢ ١٣٧ من وظائف الداعية: إطفاء نار الفتن ٦٢٥ ١٣٨ من صفات الداعية: الحرص على إكرام وتعظيم القرآن الكريم ٦٣٦ ١٣٩ من صفات الداعية: عدم اليأس من رحمة الله ﷾ ٢٦٨ ١٤٠ حرص الصحابة على ذكر الله ﷿ ٦٤٠، ٦٤٨ ١٤١ من صفات الداعية: الحرص على زيادة الخير للمدعو ٦٤٣ ١٤٢ من صفات الداعية: الاستسلام لله وتفيض الأمور إليه ﷿ ٦٤٥ ١٤٣ من صفات الداعية: تعظيم الله ﷿ ٦٤٩ ١٤٤ من صفات الداعية: تنزيه الله ﷿ ٦٤٩ ١٤٥ من صفات الداعية: المسارعة في الاستجابة لله ورسوله صلي الله عليه وسلم ٦٧٩ ١٤٦ أهمية هتك أستار الجواسيس والمفسدين ٦٨١ ١٤٧ من وظائف الداعية: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ٦٨٩، ٩٩٣ ١٤٨ أهمية رعاية مصالح المسلمين ٦٩٦، ٧٩٣ ١٤٩ من القواعد الدعوية: عمل الداعية بالعام حتى يرد الخاص ٦٩٤ ١٥٠ من وظائف الإمام المسلم قتل المرتدين بعد استتابتهم ٧٠٥ ١٥١ من صفات الداعية: راحة القلب بالتوحيد ونشره بين الناس ٧١٢ ١٥٢ حرص النبي صلي الله عليه وسلم على انتصار أمته ٧٣٣ ١٥٣ من وظائف الإمام المسلم: التدبير ووضع الخطط والحيل الحربية ٧٣٢، ٧٣٩","vol":"2","page":1092},{"text":"١٥٤ - من صفات الداعية: تذكر النعم والاعتراف بالتقصير ٧٤١ ١٥٥ من صفات الداعية: الصوت الجهوري عند الحاجة ٧٤٨ ١٥٦ أهمية حكم العالم برضى الخصمين ٧٥٤ ١٥٧ أهمية اخذ الداعية بالشدة والقوة عند الحاجة أو المصلحة ٧٦٥ ١٥٨ استجابة دعاء الداعية وإكرامه حيا وميتا ٧٦٩ ١٥٩ من صفات الداعية: طاعة ولي أمر المسلمين بالمعروف ٧٧٨ ١٦٠ من وظائف الإمام المسلم: قتل الجاسوس الحربي الكافر ٧٧٨ ١٦١ من آداب الداعية: الثناء على الله بما هو أهله ٧٨١، ٨٥٣ ١٦٢ من صفات الداعية: إكرام العلماء والدعاة ٨١٥ ١٦٣ من صفات الداعية: القوة وجودة النظر ٧٩٢ ١٦٤ من صفات الداعية: تعجيل المعروف وتحقيره ٨٢١ ١٦٥ من آداب الداعية: تطييب الطعام وتعظيمه ٨٢٢ ١٦٦ أهمية زيارة العلماء للاستفادة من علمهم ٨٣٧ ١٦٧ من صفات الداعية: الاعتزاز بما يقع من إكرام الشرع ٨٤٣ ١٦٨ من صفات الداعية: الحذر من مخالفة أمر رسول الله صلي الله عليه وسلم ٨٥٤ ١٦٩ من صفات الداعية: الرجوع إلى الحق بدليله ٨٥٥ ١٧٠ من صفات الداعية: الخشوع لله ﷿ ٨٥٦ ١٧١ أهمية الاعتراف بالفضل لأهله ٨٥٦ ١٧٢ من صفات الداعية: سلامة القلب وحفظ اللسان ٨٧٣ ١٧٣ أهمية تربية الأبناء على الأمور المهمة ٨٧٧ ١٧٤ أهمية تفريغ قلب الداعية من المشاغل الدنيوية ٨٩٣ ١٧٥ من صفات الداعية: الثقة بالله ﷿ ٨٩٨، ١٠٦٤ ١٧٦ من صفات الداعية العفة وقوة النفس ٩٠١ ١٧٧ أهمية الكف عما جرى بين الصحابة ﵃ ٩٠٧ ١٧٨ من وظائف الداعية الدفاع عن أئمة الهدى والتماس العذر لهم ٩٠٦ ١٧٩ أهمية الحنث في اليمين والتكفير عنها للمصلحة الراجحة ٩١٤ ١٨٠ أهمية الاستثناء في اليمين ٩١٦ ١٨١ من آداب الداعية: إكرام الضيف ٩١٧ ١٨٢ من صفات الداعية: الفرح بنعمة الله ﷿ والتحدث بها ٩٢٦ ١٨٣ من صفات الداعية: المكافأة على المعروف ٩٣٤، ٩٣٩","vol":"2","page":1093},{"text":"١٨٤ - أهمية الغضب لله ولرسوله في حدود الحكمة ٩٤٦ ١٨٥ أهمية عدم احتقار الصغير في الأمور المهمة ٩٤٨ ١٨٦ حسن أدب الأنصار مع رسول الله صلي الله عليه وسلم ٩٥٧ ١٨٧ من صفات الداعية: دفع السيئة بالحسنة ٩٦٤ ١٨٨ من صفات الداعية: الإعراض عن الجاهلين ٩٦٥، ٩٧١ ١٨٩ مكانة الصحابيات وصبرهم على خدمة الأزواج ٩٧٨ ١٩٠ أهمية الحياء وعظم منزلته ٩٧٨، ٩٨٩ ١٩١ من صفات الداعية: الغيرة ٩٨٠ ١٩٢ من صفات الداعية: الحرص على صلة الأرحام ٩٨١ ١٩٣ من صفات الداعية: توقير النبي صلي الله عليه وسلم وإجلاله ٩٨٨ ١٩٤ أهمية تفقد الإمام أحوال رعيته ومراقبتهم ٩٩٢ ١٩٥ من صفات الداعية: الانقياد للدليل الشرعي والعمل به ٩٩٩ ١٩٦ من صفات الداعية: الإلحاح في الدعاء ١٠٣٦ ١٩٧ من أسباب تحصيل العلم: زيارة العلماء ١٠٤٧ ١٩٨ منزلة أبي بكر العظيمة ﵁ ومؤازرته لرسول الله صلي الله عليه وسلم ١٠٦٤ ١٩٩ أهمية الانقياد والتسليم لأمر رسول الله صلي الله عليه وسلم ١٠٦٥ ٢٠٠ من صفات الداعية: الحرص على الإصلاح بين لناس ١٠٧٠ ٢٠١ أهمية الوفاء ببيعة الإمام المسلم ١٠٧٩\nوعلى ضوء ما تقدم من الفوائد الدعوية في الجدول السابق يظهر أن المنهج الدعوي المتعلق بالداعية على النحو الآتي:\nأولا: كل مسلم دل على خير، أو حذر عن شر، فهو داعية؛ لأن الدعوة تجب على كل أحد بحسبه، فيدخل في لفظ الداعي كل مسلم دل على خير أو حث عليه، أو حذر من شر، أو نفر عنه.\nثانيا: الداعية ينجح في دعوته بإذن الله ﷿ بصفات، منها:\n١ - العلم (١).\n_________\n(١) انظر من أمثلة ذلك: ص ٧١، ١٦٩، ٢٢٠، ٣٤٧، ٣٤٨ من هذا البحث.","vol":"2","page":1094},{"text":"٢ - الرفق (١).\n٣ - الصبر (٢).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: «فلا بد من هذه الثلاثة: العلم، والرفق، والصبر، العلم قبل الأمر والنهي، والرفق معه، والصبر بعده، فإن كان كل من هذه الثلاثة مستصحبا في هذه الأحوال» (٣).\n٤ - الإخلاص (٤).\n٥ - موافقة القول للعمل (٥).\n٦ - مراعاة أحوال المدعوين (٦).\nثالثا: يزيد نشاط الداعية بصفات، منها:\n١ - قوة الإيمان (٧).\n٢ - محبة الله ورسوله ﷺ (٨).\n٣ - الرغبة فيما عند الله ﷿ (٩).\n٤ - الغيرة لله ﷿ (١٠).\n٥ - قوة اليقين والثقة بالله ﷿ (١١).\n٦ - الحذر من مخالفة أمر رسول الله ﷺ (١٢).\n_________\n(١) انظر من أمثلة ذلك: ص ٤٦١، ٥١٢ من هذا البحث.\n(٢) انظر من أمثلة ذلك: ص ٥٦١، ٥٦٤، ٥٦٧.\n(٣) الحسبة في الإسلام: ص ٤٨، ومجموع الفتاوى، ٢٨/ ١٦٧، ٣٢٢، ٣٤٦، ٤٩٥، ٥٣٠.\n(٤) انظر من أمثلة ذلك: ص ٣٠٣، ٣٣٦، ٤١٢.\n(٥) انظر من أمثلة ذلك ٦٣، ٩٣، ١١٦، ١٤٠.\n(٦) انظر من أمثلة ذلك: ٣٢٣.\n(٧) انظر من أمثلة ذلك: ١٠٨، ٤٨٠.\n(٨) انظر من أمثلة ذلك: ١٠٨، ٥٣٦، ٥٩١.\n(٩) انظر من أمثلة ذلك ١٣٥، ١٤٨، ١٧٦.\n(١٠) انظر مثال ذلك: ٩٨٠.\n(١١) انظر مثال ذلك: ص ٤٩١.\n(١٢) انظر مثال ذلك: ص ٨٥٤.","vol":"2","page":1095},{"text":"٧ - الحرص على هداية الناس (١).\n٨ - الحرص على فعل الخيرات (٢).\n٩ - الحرص على حسن الخاتمة (٣).\nرابعا: العناية بصفات الحزم والعزيمة والثبات، ومنها:\n١ - الأخذ بالحزم والاحتياط في الأمور المهمة (٤).\n٢ - تحمل المشاق (٥).\n٣ - الاستعداد والتأهب للموت قبل فوات الأوان (٦).\n٤ - اغتنام فرص الخير قبل حرمانها (٧).\n٥ - الشجاعة: العقلية والقلبية (٨).\n٦ - إتقان العمل (٩).\n٧ - العفة وقوة النفس (١٠).\n٨ - الأخذ بالشدة والقوة عند الحاجة والمصلحة (١١).\n٩ - الغضب لله ولرسوله ﷺ في حدود الحكمة (١٢).\nوغير ذلك من الصفات التي ينبغي العناية بها عناية فائقة لأهميتها.\n_________\n(١) انظر من أمثلة ذلك: ص ٥٢٤، ٥٢٩ من هذا البحث.\n(٢) انظر من أمثلة ذلك: ص ٢٧٥، ٦٥٣.\n(٣) انظر مثال ذلك: ص ١١٢.\n(٤) انظر من أمثلة ذلك: ص ٥٠، ٥٣.\n(٥) انظر من أمثلة ذلك: ص ١١٢، ١٩٧، ٢٠٥، ٢٩٠، ٥٦١.\n(٦) انظر من أمثلة ذلك: ص ٥١، ٣١٦.\n(٧) انظر من مثال ذلك: ص ١١٠.\n(٨) انظر من أمثلة ذلك: ص ٢٠٤، ٢٤٨، ٣٦٨.\n(٩) انظر مثال ذلك: ص ٤١٤.\n(١٠) انظر مثال ذلك: ص ٩٠١.\n(١١) انظر من أمثلة ذلك: ص ٦٨١، ٧٠٥، ٧٦٥.\n(١٢) انظر مثال ذلك: ص ٩٤٦.","vol":"2","page":1096},{"text":"خامسا: الاتصاف بالخلق الحسن، لأنه يشمل جميع الصفات الحميدة، ومنها:\n١ - الزهد (١).\n٢ - الجود والكرم (٢).\n٣ - الرحمة (٣).\n٤ - الصدق (٤).\n٥ - الورع (٥).\n٦ - التواضع (٦).\n٧ - الحلم (٧).\n٨ - الإحسان (٨).\n٩ - اللين (٩).\n١٠ - العدل (١٠).\n١١ - العفو والصفح (١١).\n١٢ - التثبت والأناة (١٢).\n_________\n(١) انظر من أمثلة ذلك: ص ٥٧، ١٤٢، ٢٩١، ٣٧٩ من هذا البحث.\n(٢) انظر من أمثلة ذلك: ص ٥٨، ١٤٤، ١٤٨، ٢٤٧، ٢٥٦، ٩٠٠.\n(٣) انظر من أمثلة ذلك: ص ٧١، ١٠٩، ١٣٥، ٣١٢، ٤٠١، ٥٢٩.\n(٤) انظر من أمثلة ذلك: ص ٨٢، ١٠٩، ٢٤٨، ٥٧٦، ٩٥٧.\n(٥) انظر من أمثلة ذلك: ص ٢٦٢، ٥٨٢.\n(٦) انظر من أمثلة ذلك: ص ٢٣٧، ٢٩٤، ٣١٢، ٣٤٣، ٣٧٩.\n(٧) انظر من أمثلة ذلك: ص ٢٤٦، ٥١٤، ٥٢٦، ٦٢٢، ٨٢٨، ٩٣٠، ٩٦٢، ٩٧٢.\n(٨) انظر مثال ذلك: ص ٣١٢.\n(٩) انظر من أمثلة ذلك: ص ٤٦١، ٥١٢.\n(١٠) انظر من أمثلة ذلك: ص ٣٦٣، ٣٩١، ٥٥٧، ٨٠٩.\n(١١) انظر من أمثلة ذلك: ص ٤٨٥، ٥٩٧. ٦٣٠، ٦٨٤.\n(١٢) انظر من أمثلة ذلك: ص ٥٢٦، ٥٣٧، ٦٨٠، ٨٧٥، ٩٥٥، ٩٩٩.","vol":"2","page":1097},{"text":"١٣ - الثبات (١).\n١٤ - الوفاء (٢).\n١٥ - الأمانة (٣).\n١٦ - التوكل (٤).\n١٧ - الإيثار (٥).\nقال الإمام ابن القيم - ﵀ -: «وحسن الخلق يقوم على أربعة أركان، لا يتصور قيام ساقه إلا عليها: الصبر، والعفة، والشجاعة، والعدل»، ثم قال - ﵀ -: «ومنشأ جميع الأخلاق الفاضلة من هذه الأربعة، ومنشأ جميع الأخلاق السافلة وبناؤها على أربعة أركان: الجهل، والظلم، والشهوة، والغضب» (٦).\nفينبغي للداعية العناية بصفة الخلق الحسن وأركانه؛ لاشتماله على جميع الأخلاق الحميدة، والله ﷾ الهادي إلى سواء السبيل.\nسادسا: يسلم الداعية من الزلل بإذن الله، بالتزامه بالعمل بدرجات إنكار المنكر: باليد، ثم باللسان، ثم بالقلب، وأن يكون أمره بالمعروف معروفا، ونهيه عن المنكر غير منكر، وأن ينهى عن المنكر الذي يزول بجملته ويخلفه ضده، أو يقل وإن لم يزل بجملته، ولا ينهى عن المنكر الذي يخلفه شر منه (٧).\n_________\n(١) انظر من أمثلة ذلك: ص ٥٦١، ٥٦٤، ٥٦٧ من هذا البحث.\n(٢) انظر مثال ذلك: ص ٢٠٢.\n(٣) انظر من أمثلة ذلك: ص ٢١٣، ٧٦٥، ٨٣٥.\n(٤) انظر من أمثلة ذلك: ص ٣٥٥، ٣٦١، ٨٦٢.\n(٥) انظر مثال ذلك: ص ٨١٦.\n(٦) مدارج السالكين: ٢/ ٣٠٨.\n(٧) انظر من أمثلة ذلك: ص ٦٩٨، ٦٩٠.","vol":"2","page":1098},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-346>[الفصل الثاني المنهج الدعوي المتعلق بالمدعو]</span>","vol":"2","page":1099},{"text":"المدعو: هو الإنسان المخاطب بدعوة الإسلام (١) فاتضح أن المدعو كل إنسان دل على خير، أو حذر عن شر، وعلى ضوء هذا التعريف استخلصت الفوائد الدعوية المتعلقة بالمدعو على النحو الآتي:\nالدرس الصفحة ١ قبول شهادة النفي من الداعية ٦٧ ٢ قرب المدعو من أهل الفضل لا ينفع إلا بصالح الأعمال ٨٣ ٣ أهمية سؤال المدعو عما أشكل عليه ٩١، ١٢٦، ١٣٢، ١٥٩، ١٦٩، ٢٢٠، ٢٢٥، ٤٩٦، ٦٦٠، ٦٩٣، ٧١٩، ٧٣٥ ٤ مسارعة المدعو إلى عمل الخير ٩١، ١٢٦، ٢١٩ ٥ كرم المدعو ٩٢ ٦ إيثار المدعو طاعة الله ورسوله على طاعة القريب ١١٤ ٧ استشارة المدعو للعلماء والدعاة ١٢٧ ٨ أدب المدعو مع العلماء والدعاة ١٤٠، ١٧٣، ٢٤٥، ٢٧٢، ٣٨١، ٤٧١، ٦١٢، ٦٢٢، ٩٦٢ ٩ دفاع المدعو عن العلماء والدعاة ٦٨، ٣٨٦، ٦٣٠ ١٠ من أصناف المدعوين: النساء ٢٢٧ ١١ أهمية استجابة المدعو لله ولرسوله صلي الله عليه وسلم ٢٩٧، ٣٢٤، ٧١٣ ١٢ أهمية إعانة الدعاة والمجاهدين في سبيل الله ﷿ ٣٠٧ ١٣ أهمية نصر الداعية وشد عضده ٣٢٤ ١٤ أهمية تعاون المدعو مع ولي أمر المسلمين ٣٣٩ ١٥ من أدب المدعو: الاقتراب من مجالس العلم ٣٤٨ ١٦ من أصناف المدعوين المشركون ٣٧٦، ٤٠٢، ٥٣١، ٥٩٩، ٦٢٦، ٧٤٣، ٩٥٨، ١٠١٨، ١٠٦٩ ١٧ من وظائف المدعو الصلح: حراسة السلطان المسلم والعالم العامل بعلمه ٤٠٦، ٤٨٦ ١٨ حسن أدب الصحابة مع النبي صلي الله عليه وسلم ٤٥٥ ١٩ من أصناف المدعوين: أهل الصلاح والاستقامة ٤٢٧، ٤٦٢، ٤٧٥، ٥١٦، ٨٧٧، ٩٥٨، ٩٩٤، ١٠٠٨ ٢٠ من أصناف المدعوين: اليهود مع خبثهم ٥١٧، ٥٤١، ٦٢٦، ٧٥٩، ١٠٢٧، ١٠٣٢ ٢١ من أصناف المدعوين: النصارى ٥٢٣، ١٠٥١\n_________\n(١) أصناف المدعوين وكيفيه دعوتهم للدكتور حمود بن أحمد الرحيلي: ص٥، وانظر: المدخل إلى علم الدعوة للدكتور / محمد أبو الفتح البيانوني: ص١٤٠.","vol":"2","page":1100},{"text":"٢٢ - النطق بالشاهدتين والعمل بهما أمان للمدعو المخلص ظاهرا وباطنا ٥٤٤ ٢٣ من أصناف المدعوين: الزنادقة والملحدون ٧٠٢ ٢٤ من أدب المدعو: توديع العلماء والدعاة إذا أرادا سفرا ٥٤٩ ٢٥ من أصناف المدعون: المسلمون ٦٢٦، ١٠٦٩ ٢٦ من أسباب إعراض المدعوين: الحسد وحب الرياسة والجاه ٦٣١ ٢٧ شدة عداوة أعداء الدين وخطرهم على الإسلام وأهله ٦٣٧ ٢٨ أهمية صدق المدعو ٦٨٣ ٢٩ شدة إعراض بعض المدعوين حتى لا ينفع معهم إلا القوة ٦٩١ ٣٠ خطر حرص المدعو على الدنيا ٣٧٢، ٧٤٤ ٣١ من أصناف المدعوين الموالى والخدم ٧٨٧ ٣٢ قد يؤيد الله ﷿ الإسلام بالمدعو الفاجر ٤٥١، ٧٩٩ ٣٣ أهمية كمال عقل المدعو ٨٢٢ ٣٤ من أصناف المدعوين: الأطفال ٨٢٦، ٨٤٤ ٣٥ أهمية تلقي العلماء والقادمين من سفر الطاعة ٨٤٣ ٣٦ من أصناف المدعوين: الأقارب ٨٨١، ١٠٧٨ ٣٧ سوء أدب بعض المدعوين ٩٣١ ٣٨ من أصناف المدعوين الأعراب ٢٥٢، ٩٦٦ ٣٩ من أصناف المدعوين: أشراف الناس ٩٧٤ ٤٠ من أصناف المدعوين: المجوس ٩٩٩ ٤١ من صفات اليهود: الخبث ١٠٣٢ ٤٢ من صفات اليهود: المكر والخديعة ١٠٢٧ ٤٣ من صفات اليهود: الخيانة لله ولرسوله صلي الله عليه وسلم ١٠٤٢\nوعلى ضوء ما تقدم من الفوائد الدعوية في الجدول السابق يظهر أن المنهج الدعوي المتعلق بالمدعو على النحو الآتي:\nأولا: المدعو كل إنسان دُعي إلى خير، أو حُذِّر عن شر، فيدخل في هذا التعريف جميع الناس المدعوين إلى الإسلام، والمدعوين إلى تطبيقه، أو تطبيق شيء منه، وهذا يبين للداعية أن الناس جميعا يحتاجون إلى دعوة أو توجيه كل على حسب حاله، وعلمه، ومكانته، قال الله ﷿ للنبي محمد ﷺ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨] (١)\n_________\n(١) سورة الأعراف، الآية: ١٥٨.","vol":"2","page":1101},{"text":"، وهذا يؤكد أن الدعوة توجه إلى جميع الناس بدون استثناء، لكن - يدعى كل منهم على حسب حاجته بالأساليب المناسبة له (١).\nثانيا: المدعوون أصناف على حسب عقائدهم، وقد ذكرت من أصنافهم ما يأتي:\n١ - المسلمون (٢).\n٢ - النصارى (٣).\n٣ - اليهود (٤).\n٤ - المجوس (٥).\n٥ - المشركون (٦).\n٦ - الزنادقة والملحدون (٧).\nثالثا: المدعوون أصناف على حسب أعمارهم، وأجناسهم، واستقامتهم، وأمكنتهم، ومكانتهم، وقربهم، وبعدهم من الداعية، على النحو الآتي:\n١ - الأطفال (٨).\n٢ - النساء (٩).\n٣ - أهل الصلاح والتقوى (١٠).\n_________\n(١) انظر أمثلة ذلك: ص ٢٢٧، ٤٢٦، ٥١٧، ٥٢٣، ٥٣١، ٦٢٦، ٧٠٢، ٧٨٧، ٨٢٦، ٨٨١، ٩٦٦، ٩٧٤، ٩٩٩ من هذا البحث.\n(٢) انظر من أمثلة ذلك: ص ٦٢٦، ١٠٦٩.\n(٣) انظر من أمثلة ذلك: ص ٥٢٣، ١٠٥١.\n(٤) انظر من أمثلة ذلك: ص ٥١٧، ٥٤١، ٦٢٦، ٧٥٩، ١٠٢٧.\n(٥) انظر منال ذلك: ص ٩٩٩.\n(٦) انظر من أمثلة ذلك: ص ٥٣١، ٥٩٩، ٦٢٦، ٧٤٣، ٩٥٨، ١٠١٨.\n(٧) انظر مثال ذلك: ص ٧٠٢.\n(٨) انظر من أمثلة ذلك: ص ٨٢٦، ٨٤٤.\n(٩) انظر مثال ذلك: ص ٢٢٧.\n(١٠) انظر من أمثلة ذلك: ص ٤٢٦، ٤٦٢، ٤٧٥، ٥١٦، ٨٧٧، ٩٥٨، ٩٩٤، ١٠٠٨.","vol":"2","page":1102},{"text":"٤ - الأعراب (١).\n٥ - أشراف الناس (٢).\n٦ - الأقارب (٣).\n٧ - الموالي والخدم (٤).\nرابعا: إن المدعوِّين لهم صفات على حسب عقائدهم، وعقولهم، وأخلاقهم، وصفاتهم تنقسم إلى نوعين:\nالنوع الأول: الصفات الحسنة، ومنها:\n١ - الاستجابة لله ولرسوله ﷺ (٥).\n٢ - المسارعة إلى عمل الخير (٦).\n٣ - إيثار طاعة الله ورسوله ﷺ على محبة القريب (٧).\n٤ - الجود والكرم (٨).\n٥ - كمال العقل ورجاحته (٩).\n٦ - الصدق (١٠).\nالنوع الثاني: الصفات السيئة، ومنها:\n١ - شدة العداوة والخطر على الإسلام وأهله (١١).\n٢ - الحرص على الدنيا (١٢).\n_________\n(١) انظر من أمثلة ذلك: ص ٥٢٢، ٩٦٦ من هذا البحث.\n(٢) انظر مثال ذلك: ص ٩٧٤.\n(٣) انظر من أمثلة ذلك: ص ٨٨١، ١٠٧٨.\n(٤) انظر مثال ذلك: ص ٧٨٧.\n(٥) انظر الأمثلة لذلك: ص ٢٩٧، ٣٢٤، ٧١٣.\n(٦) انظر الأمثلة لذلك: ص ٩١، ١٢٦، ٢١٩.\n(٧) انظر مثال ذلك: ص ١١٤.\n(٨) انظر مثال ذلك: ص ٩٢.\n(٩) انظر مثال ذلك: ص ٨٢٢.\n(١٠) انظر مثال ذلك: ص ٦٨٣.\n(١١) انظر مثال ذلك: ص ٦٣٧.\n(١٢) انظر من أمثلة ذلك: ص ٣٧٢، ٧٤٤.","vol":"2","page":1103},{"text":"٣ - الإعراض والجفاء (١).\n٤ - الحسد وحب الرياسة (٢).\n٥ - الخيانة لله ولرسله عليهم الصلاة والسلام (٣).\n٦ - الخبث، والمكر، والخديعة (٤).\n٧ - قد يؤيد الله الإسلام بالمدعو الفاجر (٥).\nخامسا: المدعوون مسؤولون عن أمور مهمة، منها:\n١ - قبول الحق (٦).\n٢ - سؤال أهل العلم عما أشكل (٧).\n٣ - الأدب مع العلماء والدعاة (٨).\n٤ - الدفاع عن العلماء والدعاة وإعانتهم (٩).\n٥ - استشارة العلماء والدعاة (١٠).\n٦ - حراسة السلطان المسلم، والعالم العامل بعلمه (١١).\nسادسا: اختلاف أحوال المدعوين يؤكد أهمية مراعاة أحوالهم، على حسب عقائدهم، وعقولهم، ومكانتهم، وأجناسهم، ولغاتهم، ومجتمعاتهم، وعلمهم، وصفاتهم (١٢) فينبغي للداعية أن يعتني بهذه الفروق عناية دقيقة، والله ﷿ الموفق والمعين.\n_________\n(١) انظر من أمثلة ذلك: ص ٢٥٢، ٦٩١، ٩٣١، ٩٦٦ من هذا البحث.\n(٢) انظر مثال ذلك: ص ٦٣١.\n(٣) انظر مثال ذلك: ص ١٠٤٢.\n(٤) انظر من أمثلة ذلك: ص ١٠٢٧، ١٠٣٢.\n(٥) انظر من أمثلة ذلك: ص ٤٥١، ٧٩٩.\n(٦) انظر من أمثلة ذلك: ص ٦٧، ٦٩١.\n(٧) انظر من أمثلة ذلك: ص ٩١، ١٢٦، ١٣٢، ١٥٩، ١٦٩، ٢٢٠، ٢٢٥، ٤٩٦.\n(٨) انظر من أمثلة ذلك: ص ١٤٠، ١٧٣، ٢٤٥، ٢٧٢، ٣٤٨، ٣٨١، ٤٥٥، ٤٧١، ٥٤٩، ٦١٢، ٦٢٢.\n(٩) انظر من أمثلة ذلك: ص ٦٨، ٣٠٧، ٣٢٤، ٣٣٩، ٣٨٦، ٦٣٠.\n(١٠) انظر مثال ذلك: ص ١٢٧.\n(١١) انظر من أمثلة ذلك: ص ٤٠٦، ٤٨٦.\n(١٢) انظر من أمثلة ذلك: ص ٦٧، ٣٤٦، ٤٩٥، ٥٣٠، ٦٩٩، ٧١٦.","vol":"2","page":1104},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-347>[الفصل الثالث المنهج الدعوي المتعلق بموضوع الدعوة]</span>","vol":"2","page":1105},{"text":"موضوع الدعوة: لا شك أن الدعوة إلى الله ﷿ هي: الدعوة إلى لإيمان به، وبما جاءت به رسله - عليهم الصلاة والسلام - بتصديقهم بما أخبروا به، وطاعتهم فيما أمروا به (١) وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية \"﵀ -: أن الدعوة إلى الله تتضمن الأمر بكل ما أمر الله به، والنهي عن كل ما نهى الله عنه، وهذا هو الأمر بكل معروف، والنهي عن كل منكر (٢) فظهر من هذا التعريف أن موضوع الدعوة: الدعوة إلى الخير، والحث عليه، والتحذير من الشر، والتنفير منه. قال الله ﷿: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤] (٣).\nوعلى ضوء هذا التعريف استخلصت الفوائد الدعوية المتعلقة بموضوع الدعوة على النحو الآتي:\nم الدرس الصفحة ١ الحديث عن حقوق العباد ٥٥ ٢ رفع الحرج عن الأمة ٥٣، ٢٢٩، ٢٨٤، ٣٠١، ٩٨٨ ٣ أهمية الوقف في العمل الدعوي ٦٠ ٤ الحث على الجهاد والإعداد له وبيان أهميته ٥٩، ١٦٠، ١٨٣، ١٩٢، ٢٣٤، ٣١٥، ٣٢٢، ٣٢٩، ٣٣٥، ٣٣٩، ٣٦٣، ٤٥٣، ٤٥٧، ٤٥٩، ٤٦٨، ٤٧٧، ٤٨١، ٥٠٩، ٥٤٥، ٥٧٢، ٧٢٩، ٧٩٦، ٨٣٨، ١٠١٨ ٥ الحث على العلم والعمل بالكتاب والسنة ٦٢ ٦ الرد على الفرق الضالة ٦٦ ٧ تبليغ العلم النافع ٧٤ ٨ بيان الناسخ والمنسوخ ٧٦، ١٢٢\n_________\n(١) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: ١٥/ ١٥٧.\n(٢) المرجع السابق: ١٥/ ١٦١.\n(٣) سورة آل عمران: الآية ١٠٤.","vol":"2","page":1106},{"text":"٩ - عناية الإسلام بحقوق الإنسان ٧٥، ١٥٤ ١٠ التحذير من المعاصي وبيان خطرها ١١٧ ١١ التحذير من السبع المهلكات ١٣١ ١٢ إنكار الغيبة وردها ١١٨ ١٣ الحث على الإحسان إلى الأقرباء واليتامى والمساكين ١٢١ ١٤ الحث على الإحسان إلى الوالدين بعد موتهما ٩٢، ١٢٦ ١٥ الحث على أداء الزكاة ١٢٨ ١٦ الحث على الإنفاق والصدقات في وجوه الخير ١٤٧ ١٧ الحث على الوصية عند الموت ١٥٣ ١٨ من أعلام النبوة الإخبار بالمغيبات ١٧٥، ١٩٥، ٣٣١، ٤٢٩، ٤٤١، ٤٩٩، ٥٠٢، ٥٣٥، ٥٩١، ٦٠٥، ٦٤٣، ٦٨١، ٧٣٤، ٧٥١، ٧٦٩، ٧٩٩، ٨٠٢، ٨٦٤، ٩٥٦، ١٠٠٨، ١٠١٣، ١٠٣٢، ١٠٤٩، ١٠٥٤، ١٠٧٠ ١٩ الحث على العمل بأصول الإيمان ١٨١، ٥٧١ ٢٠ الحث على العمل بأصول الإسلام ١٨٢، ٥٧١ ٢١ الحث على الدعاء ١٨٥، ٢٣٥، ٥٠٩ ٢٢ تاريخ الدعوة في تحريم الخمر ٢٣٠ ٢٣ تعليم المدعوين: الدعاء والأذكار ٢٦٠،٨٨٠ ٢٤ الحث على سلوك الأدب وتعلي المدعوين ما يحتاجون إليه ٢٣٣، ٥٠٩، ٧٢٩ ٢٥ الحث على مكارم الأخلاق ٢٥١، ٦١٨ ٢٦ إثبات صفات الكمال لله ﷿ ٢٦٥، ٦٤١، ٦٨٨، ٧٨٣ ٢٧ الحث على التوبة النصوح ٢٦٨ ٢٨ من خصائص الإسلام: شهداء غير المعركة ٢٧٧ ٢٩ الحث على اخذ الحذر والأهبة لصد أعداء الإسلام ٢٩٠ ٣٠ الحث على صيام التطوع ٣٠٢ ٣١ الحث على تجهيز وإعداد الدعاة والغزاة في سبيل الله ﷿ ٣٠٧ ٣٢ من خصائص الإسلام: البقاء إلى يوم القيامة ٣٣١، ٤٩٨ ٣٣ الدعوة إلى التوحيد والتحذير من الشرك ٣٥٢ ٣٤ الحض على الطاعات واجتناب المعاصي ٣٤٩ ٣٥ التحذير من الاتكال ٣٥٤ ٣٦ الحث على الثبات في الجهاد في سبيل الله ﷿ ٣٦٧ ٣٧ الحث على التواضع والتحذير من الكبر ٣٧٩","vol":"2","page":1107},{"text":"٣٨ - تاريخ الدعوة في الأمر بالحجاب ٣٨٨ ٣٩ التحذير من إرادة الدنيا دون الآخرة ٤١٠ ٤٠ الحث على العناية بالفقراء والضعفاء ٤٢٣ ٤١ بيان فضل السلف الصالح للتأسي بهم ٤٣٠ ٤٢ الإيمان بالقدر والعمل بأسباب النجاة ٤٣٤، ٧٩٨ ٤٣ التحذير من الاغترار بالأعمال ٤٣٨، ٧٩٨ ٤٤ الحث على النية الصالحة ٤٤٢، ٦٥١، ٧٩٩، ٨٣٨ ٤٥ الحث على طلب حسن الخاتمة بالقول والفعل ٤٤٣، ٧٩٩ ٤٦ الحث على الرمي والترغيب فيه ٤٧٧ ٤٧ من معجزات النبي صلي الله عليه وسلم: ثبات القلب وعدم الخوف والجزع ٤٨٧ ٤٨ الحث على الالتجاء إلى الله ﷿ والإلحاح في الدعاء ٤٩٠ ٤٩ من خصائص الإسلام: يسر الدين وسماحة الشريعة ٣٠١، ٤٩٤، ٩٨٨ ٥٠ من تاريخ الدعوة: ذكر غزوة الأحزاب ٥٠٧ ٥١ الحث على أداء الصلاة في وقتها ٥٠٥ ٥٢ الحض على لين الجانب بالقول والفعل ٥١٢ ٥٣ الدعوة إلى كلمة التوحيد ٥٢١، ٥٣٨، ٥٤٢ ٥٤ من معجزات النبي صلي الله عليه وسلم: إجابة دعوته ٥٣٢، ٧١٦، ٧٣٥، ٨٣٠ ٥٥ الحث على نشر العلم، وتعليم الناس الخير ٥٣٨ ٥٦ من معجزات النبي صلي الله عليه وسلم شفاء المرضى على يديه ٥٣٥، ٧٢٧ ٥٧ التحذير من التعذيب بعذاب الله ﷿ ٥٤٧، ٧٠١ ٥٨ الحض على طاعة ولاة الأمر بالمعروف ٥٥١، ٥٥٦ ٥٩ الحث على طاعة الله ورسوله صلي الله عليه وسلم ٥٥٥ ٦٠ البيان ببقاء الهجرة من بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام ٥٧٣، ٨٣٩ ٦١ من معجزات النبي صلي الله عليه وسلم: الإخبار ببقاء مكة دار إسلام ٥٧٣، ٨٣٩ ٦٢ أهمية الحراسة في الأمور المهمة ٥٩٦ ٦٣ تعظيم الكعبة وبيت الله الحرام ٥٩٩ ٦٤ بيان خصائص النبي صلي الله عليه وسلم ٦٠٢ ٦٥ الحث على حسن التفهم لمعاني جوامع الكلم ٦٠٥ ٦٦ الحض على إعانة العلماء والمجاهدين وشد أزرهم ٦١٠ ٦٧ من تاريخ الدعوة: ذكر الهجرة ٦١٣ ٦٨ الحض على تعظيم القرآن الكريم ٦٣٥","vol":"2","page":1108},{"text":"٦٤٤ - ٦٩ الحث على ذكر الله ﷿ ٦٤٤ ٧٠ الحض على خفض الصوت بالذكر إلا ما شرع الجهر به ٦٤٤ ٧١ بيان آداب السفر ٦٥٤ ٧٢ الحض على بر الوالدين ٦٦١ ٧٣ التحذير من الشرك ووسائله ٦٧٠ ٧٤ التحذير من الخيانة لله ولرسوله صلي الله عليه وسلم ٦٧٩ ٧٥ الولاء والبراء ٦٨٥ ٧٦ من خصائص الإسلام الخيرية ٦٩١ ٧٧ الحض على إبطال عادات الجاهلية ٦٩٥ ٧٨ تحذير المجاهدين عن قتل النساء والصبيان ٦٩٨ ٧٩ التحذير من مؤاخذة أحد بذنب غيره ٧٠٨ ٨٠ لحض على إزالة الشركيات ٧١٢ ٨١ التحريض على خداع الكفار في الحرب ٧٣١ ٨٢ الحث على اخذ الحذر والحيطة في الحروب ٧٣٣ ٨٣ التحذير من معصية النبي صلي الله عليه وسلم وبيان خطرها ٧٣٩ ٨٤ من تاريخ الدعوة: ذكر عزوة أحد ٧٤٤ ٨٥ الحث على العفو والرفق وتسهيل الأمور ٧٤٩ ٨٦ من معجزات النبي صلي الله عليه وسلم ظهور الكرامات لأتباعه ٧٦٨ ٨٧ الحث على تخلص أسرى المسلمين من أعداء الإسلام ٧٧٢ ٨٨ الحض على إطعام الطعام ٧٧٢ ٨٩ الحث على عيادة المرضى ٧٧٤ ٩٠ الحض على إجابة الدعوة ٧٧٤ ٩١ التحذير من فتنة الدجال ٧٨٢ ٩٢ التحذير من الظلم ٧٨٧، ١٠٥٤ ٩٣ الحث على الشفقة والرحمة بالمسلمين ٧٩٢ ٩٤ التحذير من الإعجاب بالكثرة ٧٩٦ ٩٥ بيان عذاب القبر ونعيمه ٨٠٢ ٩٦ الحث على الإيثار ٨١٦ ٩٧ من معجزات النبي صلي الله عليه وسلم تكثير الطعام ٨٢٢ ٩٨ التحذير من الغلول ٨٣٢ ٩٩ الحث على الإحسان إلى الأيتام ١٣٦، ٨٤١","vol":"2","page":1109},{"text":"١٠٠ - التحذير من الفتن ٦٨٥، ٩٣٥ ١٠١ الحض على النصيحة بالحكم ٨٧٤ ١٠٢ الحض على احترام النبي صلي الله عليه وسلم وتوقيره وتعزيزه ٨٨٤ ١٠٣ الحث على اختيار التسمية بالأسماء الحسنة ٨٨٦ ١٠٤ التحذير من صرف الأموال في الباطل ٨٨٨ ١٠٥ من خصائص النبي صلي الله عليه وسلم وأمته: حل الغنائم ٦٠٢، ٨٩٤ ١٠٦ من معجزات النبوة: حبس الشمس واستجابة الدعاء ٨٩٤ ١٠٧ من تاريخ الدعوة: ذكر غزوة تبوك ٩١٨، ١٠٤٧ ١٠٨ من تاريخ الدعوة: ذكر موت البدريين وأهل الحديبية ٩٣٦ ١٠٩ من تاريخ الدعوة: معرفة زمن وقعة بدر ٩٤٤ ١١٠ من تاريخ الدعوة: ذكر غزوة الفتح وحنين ٥٧٧، ٩٥٤، ٩٧٤ ١١١ الحض على الصبر ٩٥٧ ١١٢ من تاريخ الدعوة: ذكر غزوة خيبر ٩٩١، ١٠٢٩ ١١٣ بيان تحريم الحمر الأهلية ٩٩٤ ١١٤ إنكار المنكر إذا ظهر فعله ٩٩٨ ١١٥ التحذير من التنافس في الدنيا والانشغال بها ١٠٠٤ ١١٦ التحذير من قتل أهل الذمة بغير حق ١٠٢٠ ١١٧ من سماحة الإسلام: حفظه لحرمة العهد والميثاق ١٠٢١ ١١٨ الحض على الدخول في الإسلام ١٠٢٣ ١١٩ الحض على إخراج المشركين من جزيرة العرب ١٠٢٤ ١٢٠ من معجزات الرسول صلي الله عليه وسلم عصمته فيما يبلغه وإخباره بمكان السحر ١٠٣٨ ١٢١ أهمية الأخذ بالأسباب وأنها لا تنافي التوكل ١٠٤٠ ١٢٢ التحذير من السحر وبيان خطره ١٠٤٢ ١٢٣ بيان علامات الساعة ١٠٤٨ ١٢٤ الحض على الوفاء بالعهد ١٠٥٣ ١٢٥ الحض على الأخذ بالكتاب والسنة ١٠٥٩ ١٢٦ من تاريخ الدعوة: ذكر يوم أبي الجندل ١٠٦٢ ١٢٧ الحث على التثبت ١٠٦٧ ١٢٨ التحذير من الغدر ١٠٧٤ ١٢٩ الأصل في الأشياء الإباحة ٩٩١","vol":"2","page":1110},{"text":"وعلى ضوء ما تقدم من الفوائد الدعوية في الجدول السابق يتضح أن المنهج الدعوي المتعلق بموضوع الدعوة على النحو الآتي:\nأولا: موضوع الدعوة: هو: الدعوة إلى كل خير، والحث عليه، والتحذير من كل شر، والتنفير منه.\nثانيا: تقدم موضوعات الدعوة على حسب أهميتها، فيقدم منها ما يتعلق بأركان الإيمان، ثم ما يتعلق بأركان الإسلام، ثم ما يتعلق بالتحذير من كبائر الذنوب، والحض على عمل الواجبات، ثم ما يتعلق بالترهيب من المعاصي، والترغيب في الطاعات، ومن هذه الأصول ما يأتي:\n١ - الدعوة إلى كلمة التوحيد «شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ﷺ»، وبيان معنى هذه الكلمة، ومقتضاها، وأركانها، وشروطها، وفضلها، ونواقضها، ونواقصها؛ فإن ذلك كله هو أساس الإسلام (١).\n٢ - بيان أنواع التوحيد، وفضله، وحث الناس، وترغيبهم في العناية به عناية دقيقة فائقة (٢).\n٣ - التحذير من الشرك: كبيره، وصغيره، وبيان أنواعه، ووسائله؛ لأن الشرك أعظم الذنوب، وأشنعها (٣).\n٤ - أهمية بيان صفات الكمال لله، وإثبات ما أثبته الله ﷿ لنفسه، وما أثبته له رسوله ﷺ من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل (٤).\n٥ - بيان وتوضيح أصول الإيمان، وأصول الإسلام، والإحسان،\n_________\n(١) انظر من أمثلة ذلك: ص ٥٢١، ٥٣٨، ٥٤٢ من هذا البحث.\n(٢) انظر مثال ذلك: ص ٣٥٢.\n(٣) انظر من أمثلة ذلك: ص ٣٥٢، ٦٧٠.\n(٤) انظر من أمثلة ذلك: ص ٢٦٥، ٦٤١، ٦٨٨، ٧٨٣.","vol":"2","page":1111},{"text":"بالتفصيل والإيضاح؛ لأهمية ذلك، وحاجة الناس إليه (١).\n٦ - التحذير من كبائر الذنوب: كالسبع الموبقات، وغيرها من المهلكات، والحض على القيام بجميع الواجبات (٢).\n٧ - الحث على جميع أنواع الطاعات، والتنفير عن جميع أنواع المعاصي والسيئات (٣).\nثالثا: العناية باختيار موضوعات الدعوة على حسب أحوال المدعوين، فيقدم لكل فئة ما يحتاجون إليه، ويراعى في عرض هذه الموضوعات ما يأتي:\n١ - الأصل في الأشياء الإباحة؛ لأن الله خلق لعباده جميع ما على الأرض لينتفعوا به، إلا ما حرمه ﷾ (٤).\n٢ - الأصل في العبادات الحظر والتوقيف إلا ما ثبت في الشرع تشريعه عن الله ﷿، أو عن رسوله ﷺ (٥).\n٣ - تقديم أعلى المصالح عند تعارض عدد المصالح (٦).\n٤ - تقديم أدنى المفاسد عند تعارض عدد المفاسد (٧).\n٥ - درء المفاسد مقدم على جلب المصالح (٨).\nرابعا: الإسلام له خصائص ينبغي بيانها للناس؛ لما في ذلك من المصالح، ومن ذلك ما يأتي:\n_________\n(١) انظر من أمثلة ذلك: ص ١٨١، ١٨٢، ٥٧١ من هذا البحث.\n(٢) انظر من أمثلة ذلك: ص ١٣١، ٦٧٩، ٧٨٧، ٨٣٢، ١٠٧٤.\n(٣) انظر من أمثلة ذلك: ص ١١٧، ٣٤٩، ٦٦١، ٨٨٨، ١٠٥٣.\n(٤) انظر مثال ذلك: ص ٩٩١.\n(٥) انظر مثال ذلك: ص ٩٩١.\n(٦) انظر مثال ذلك: ص ٢٧٥.\n(٧) انظر من أمثلة ذلك: ص ٩٣١، ٩٧٥، ١٠٣٧.\n(٨) انظر من أمثلة ذلك: ص ٩٣١، ٩٧٥، ١٠٣٧.","vol":"2","page":1112},{"text":"١ - العموم لجميع الإنس والجن (١).\n٢ - البقاء إلى قيام الساعة (٢).\n٣ - اليسر والسماحة (٣).\n٤ - رفع الحرص عن الأئمة (٤).\n٥ - العناية بحقوق الإنسان (٥).\n٦ - حفظ العهود والمواثيق (٦).\n٧ - الإسلام خير الأديان، وأمته خير الأمم (٧).\nخامسا: الدلائل النبوية توضح الحق، وتزيد الإيمان، وتزيل الشبه، فينبغي توضيحها للناس عند الحاجة لذلك؛ لما فيها من الفوائد الكثيرة، والمنافع المتعددة (٨).\nوإذا قدمت الموضوعات الدعوية على حسب القواعد، والضوابط، والأحوال، والفئات، والأهمية، فإنها ستثمر، وتُنتج، وتنجح بإذن الله ﷿.\n_________\n(١) انظر من أمثلة ذلك: ص ٦٠٢، ٨٩٤ من هذا البحث.\n(٢) انظر من أمثلة ذلك: ص ٣٣١، ٤٩٨.\n(٣) انظر من أمثلة ذلك: ص ٣٠١، ٤٩٤، ٩٨٨.\n(٤) انظر من أمثلة ذلك: ص ٥٣، ٢٢٩، ٢٨٤، ٣٠١، ٩٨٨.\n(٥) انظر من أمثلة ذلك: ص ٧٥، ١٥٤.\n(٦) انظر مثال ذلك: ص ١٠٢١.\n(٧) انظر مثال ذلك: ص ٦٩١.\n(٨) انظر أمثلة ذلك: ص ٤٨٧، ٥٣٢، ٥٣٥، ٥٧٣، ٧٦٨، ٨٢٢.","vol":"2","page":1113},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-348>الفصل الرابع: المنهج الدعوي المتعلق بالوسائل والأساليب</span>\nالمبحث الأول: المنهج الدعوي المتعلق بالوسائل\nالمبحث الثاني: المنهج الدعوي المتعلق بالأساليب","vol":"2","page":1115},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-349>المبحث الأول: المنهج الدعوي المتعلق بالوسائل</span>\nالوسيلة في الأصل: ما يتوصل به إلى الشيء (١) ووسائل الدعوة: هي ما يتوصل به الداعية إلى تبليغ دعوته من أشياء وأمور (٢) وقيل: «ما يتوصل به الداعية إلى تطبيق مناهج الدعوة من أمور معنوية، أو مادية» (٣) قال الإمام ابن كثير - ﵀ -: «والوسيلة هي التي يتوصل بها إلى تحصيل المقصود» (٤) فظهر من هذه التعريفات والحدود أن الوسيلة في الدعوة إلى الله ﷿ هي: ما يستعمله الداعية من أمور حسية، أو معنوية ينقل بها دعوته إلى المدعوين.\nوعلى ضوء هذا التعريف استخلصت الفوائد الدعوية المتعلقة بالوسائل على النحو الآتي:\nم الدرس الصفحة ١ القول اعظم وسائل الدعوة ٥٤ ٢ القدوة الحسنة ٦٣، ٩٣، ١١٦، ١٢٧، ١٤٠، ١٥٠، ٢٥٠، ٢٥٩، ٢٦٣، ٢٩٣، ٣١١، ٣١٨، ٣٣٤، ٣٧٥، ٣٨٢، ٤٠٧، ٤٥٥، ٤٧٣، ٤٨٠، ٥٢٢، ٥٣١، ٥٨٣، ٦٣٣، ٧٦٩، ٨١٠، ٨٥٩، ٩٦٦، ٩٧١ ٣ من وسائل الدعوة: الخطابة ٨٤، ٢٣٦، ٥٠٩، ٧٨١، ٨٦٤ ٤ البروز للناس على مكان مرتفع ٨٤، ٨٥٣ ٥ أهمية مراعاة أوقات نشاط المدعو ٨٥، ٢٣٣، ٥٠٩، ١٠١٢ ٦ التأليف بالمال ٨٥، ٩٢٦، ٩٣٩، ٩٥٤، ٩٦٣، ٩٧٢ ٧ التأليف بالجاه والنسب ٥٦، ٩٥٥ ٨ من وسائل الدعوة: اغتنام التذكير عند الحوادث الملمة ٢٣٦، ٥٠٩\n_________\n(١) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير، باب الواو مع السين، مادة: وسل: ٥/ ١٨٥، ولسان العرب لابن منظور، باب اللام، فصل الواو: ١١/ ٢٧٥، والقاموس المحيط للفيروزآبادي: باب اللام فصل الواو: ١٣٧٩.\n(٢) انظر: الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى لسعيد بن على القحطانى: ١٢٦.\n(٣) المدخل إلى علم الدعوة للدكتور / محمد أبو الفتح البيانونى: ٤٩.\n(٤) تفسير القرآن العظيم: ٢/ ٥٤.","vol":"2","page":1116},{"text":"٩ - من وسائل الدعوة: الجهاد في سبيل الله ﷿ ٢١٦، ٦٩٠، ٦٩٥، ٨٠٩، ١٠١٣ ١٠ من وسائل الدعوة: ركوب البحر ١٧٨ ١١ من وسائل الدعوة: الكتب والرسائل ٢٣٢، ٥٠٩، ٥٢١، ٨٧٦ ١٢ من وسائل الدعوة: تسلية المدعوين وتنشيطهم ٢٩٢ ١٣ من وسائل الدعوة إثارة غيرة الرجال ٣٨٧ ١٤ من وسائل الدعوة: إرسال الرسل والدعاة والمجاهدين في سبيل الله ٢٧٣، ٣٩٩، ٥٢١، ٥٤٠، ٥٤٦، ٦٧٠، ٦٧٨، ٧١٣، ٧٢٤، ٧٦٤، ٩٢٢، ٩٩٤، ٩٩٧، ١٠٠٣، ١٠١١، ١٠٢٣ ١٥ من وسائل الدعوة: زيارة أهل المصائب وتسليتهم ٣١١ ١٦ من وسائل الدعوة: أن يتولى أمر كل قبيلة كبيرهم الصالح ٤٦٩ ١٧ من وسائل الدعوة: التطبيق العملي في التعليم ٤٨٨ ١٨ من وسائل الدعوة: التأليف بالعفو مكان الانتقام ٥١٦، ٩٦٣، ٩٧٢ ١٩ من وسائل الدعوة: إزالة الأماكن التي يفتتن بها الناس ٥٥٩، ٧١٤ ٢٠ من وسائل الدعوة: البيعة لإمام المسلمين ٥٦٢، ٥٦٥، ٥٦٨ ٢١ من وسائل الدعوة وأسباب النصر: إظهار القوة والنشاط أمام الأعداء ٥٨٩، ٥٩٨، ٧٦ ٢٢ أهمية اللواء والراية في الجهاد في سبيل الله ﷿ ٥٨٩، ٥٩١، ٥٩٦ ٢٣ من وسائل الدعوة: الخروج في سبيل الله ﷿ ٥٩٦ ٢٤ من وسائل الدعوة: الزيارة والعيادة ٦١٩ ٢٥ من وسائل الدعوة: استخدام القوة عند الحاجة ٦٣٢، ٦٩١ ٢٦ إخفاء المنافقين النفاق دليل على قوة المسلمين ٦٣٣ ٢٧ من وسائل الدعوة: استمالة قلب من له شان في قومه ٧١٨، ٧٣٥ ٢٨ من وسائل الدعوة: قتل الإمام لكل من آذى الله ورسوله صلي الله عليه وسلم ٧٢٥ ٢٩ من وسائل الدعوة: تعليم المجاهدين وتدريبهم استعدادا للجهاد ٧١٨، ٧٣٥، ٧٥١ ٣٠ من وسائل الدعوة: القيا للمقابلة بالسلام والمصافحة والتهنئة ٧٥٥ ٣١ من وسائل الدعوة: تأمير الأمراء على السريا والبعوث والرسل والمسافرين والأقطار ٧٦٤، ١٠٠٤، ١٠١٣ذ ٣٢ من وسائل الدعوة: إغاظة الأعداء بالامتداح بالشعر وإظهار القوة ٧٦٧ ٣٣ من وسائل الدعوة: أخذ الحذر والحيطة ٧٧٩ ٣٤ من وسائل الدعوة: إعطاء السلب للقاتل تشجيعا له ٧٧٨، ٩٤٤ ٣٥ من وسائل الدعوة: إظهار انتصار وشعار المسلمين ٨٠١ ٣٦ من وسائل الدعوة: الإهداء ٨٣٠ ٣٧ أهمية استخدام وسائل الإيضاح في الدعوة إلى الله ﷿ ٨٦٩ ٣٨ من وسائل الدعوة: إعطاء النفل للشجعان تشجيعا لهم ٩٢٢ ٣٩ من وسائل الدعوة: الأخذ بالقرائن عند عدم البينة ٩٤٥ ٤٠ من وسائل الدعوة: الستر على أهل الصلاح والتقوى ٩٥٤ ٤١ من وسائل الدعوة: نقل الكلام بقصد التحير والإصلاح وإزالة المنكر ٩٦٩","vol":"2","page":1117},{"text":"٤٢ - من القواعد الدعوية: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح ٩٣١، ٩٧٥، ١٠٢٧ ٤٣ من وسائل الدعوة: أخذ الجزية من أهل الكتاب والمجوس ٩٩٩ ٤٤ من وسائل الدعوة: البدء بقتال الأهم فالأهم من أعداء الإسلام ١٠١٧ ٤٥ من وسائل الدعوة: التأليف بقبول هدية المشرك مع الحذر ١٠٣١ ٤٦ من وسائل الدعوة: عقد الصلح والهدنة مع الأعداء عند العجز عن الجهاد ١٠٦٧ ٤٧ من ميدان الدعوة: مراكب المواصلات ٣٤٣ ٤٨ تقديم أعلى المصلحتين عند التعارض ٢٧٥ ٤٩ من ميادين الدعوة: طرق السير والسفر ٣٠٠، ٦٧٠ ٥٠ من ميادين الدعوة: المسجد ٤٦٠، ١٠٢٣ ٥١ من ميادين الدعوة: المجالس العامة ٦٣٤ ٥٢ الاستعانة بنوم القائلة على قيام الليل والدعوة ١٧٨\nوعلى ضوء ما تقدم من الفوائد الدعوية في هذا الجدول يظهر أن المنهج الدعوي المتعلق بالوسائل على النحو الآتي:\nأولا: الوسائل ذات أهمية بالغة؛ لأن الداعية إلى الله ﷿ يتوصل بها إلى تبليغ دعوته، وهي أوعية الأساليب، تحملها وتوصلها إلى الناس، وهذا كله يدل على مكانة الوسائل، وأنه يتأكد العناية بها عناية فائقة.\nثانيا: وسائل الدعوة تنقسم إلى قسمين:\n١ - الوسائل المحسوسة الملموسة، وهذا النوع هو أكثر وسائل الدعوة في الغالب، ومن هذا القسم:\nأ- الجهاد في سبيل الله ﷿ بالنفس والمال، واللسان (١).\nب- الكتب والرسائل (٢).\n_________\n(١) انظر من أمثلة ذلك: ص ٢١٦، ٦٩٠، ٦٩٥، ٨٠٩، ١٠١٣ من هذا البحث.\n(٢) انظر: ص ٢٣٢، ٥٠٩، ٥٢١، ٨٧٦.","vol":"2","page":1118},{"text":"جـ - إرسال الدعاة (١).\nد- إزالة الأماكن التي يفتتن بها الناس (٢).\nهـ - التطبيق العملي في التعليم (٣).\nووالخطابة على المنبر، أو على مكان مرتفع (٤).\nز- الهداية (٥).\nح- التأليف بالمال (٦).\nوغير ذلك (٧).\n٢ - الوسائل المعنوية، مثل:\nأ- اغتنام التذكير عند الحوادث الملمة (٨).\nب- مراعاة أوقات نشاط المدعو (٩).\nج- التأليف بالعفو مكان الانتقام (١٠).\nد- استمالة قلب من له شأن في قومه (١١).\n_________\n(١) انظر من أمثلة ذلك: ص ٢٧٣، ٣٩٩، ٥٢١، ٥٤٦، ٥٤٠، ٦٧٠، ٦٧٨، ٧١٣، ٧٢٤. من هذا البحث.\n(٢) انظر من أمثلة ذلك: ٥٩٩، ٧١٤.\n(٣) انظر مثال ذلك: ص ٤٨٨.\n(٤) انظر من أمثلة ذلك: ص ٨٤، ٢٣٦، ٥٠٩، ٧٨١، ٨٥٣، ٨٦٤.\n(٥) انظر مثال ذلك: ص ٨٣٠.\n(٦) انظر من أمثلة ذلك: ص ٨٥، ٩٢٦، ٩٣٩، ٩٥٤، ٩٦٣، ٩٧٢.\n(٧) انظر من أمثلة ذلك: ص ٦٣٢، ٦٩١، ٧٧٨، ٩٢٢، ٩٩٩، ١٠٢٣.\n(٨) انظر من أمثلة ذلك: ص ٢٣٦، ٥٠٩.\n(٩) انظر من أمثلة ذلك: ص ٨٥، ٢٣٣، ٥٠٩، ١٠١٢.\n(١٠) انظر من أمثلة ذلك: ص ٥١٦، ٩٦٣، ٩٧٢.\n(١١) أنظر من أمثلة ذلك: ص ٧١٨، ٧٣٥.","vol":"2","page":1119},{"text":"هـ - الستر على أهل الصلاح والتقوى (١).\nوالاستعانة بالنوم في القائلة على قيام الليل وأمور الدعوة إلى الله ﷿ (٢).\nز - التأليف بالجاه والنسب (٣).\nح - إظهار القوة والنشاط أمام الأعداء (٤).\nوغير ذلك من الوسائل المعنوية (٥).\nثالثا: العناية بجميع الوسائل المناسبة التي لا محذور فيها، ولا مخالفة شرعية، والعمل بجميع أسباب النجاة لا يقدح ذلك كله في التوكل على الله ﷿؛ بل الأخذ بالأسباب من التوكل (٦).\nرابعا: مراعاة القواعد والضوابط الشرعية أثناء استخدام الوسائل، ومراعاة أحوال من تستخدم معهم هذه الوسائل، فتوضع الوسيلة المناسبة للأحوال المناسبة، وذلك يكون بعد التأمل، والنظر، والتأني، وبذلك تنجح الوسائل بإذن الله ﷿ (٧).\n_________\n(١) انظر مثال ذلك: ص ٩٥٤ من هذا البحث.\n(٢) انظر: ص ١٧٨.\n(٣) انظر من أمثلة ذلك: ص ٨٦، ٩٥٥.\n(٤) انظر من أمثلة ذلك: ص ٥٨٩، ٥٩٨، ٧٦٧.\n(٥) وهذه الوسائل المعنوية أدوات يستخدمها الداعية، ويكون أثرها غير مباشر على المدعوين، ومما يوضح ذلك أن الداعية عندما ينام ليتقوى على قيام الليل والدعوة؛ وليؤثر في المدعوين بقوله، وحضور ذهنه، فقد استخدم وسيله من وسائل الدعوة، وهى من هذا الجانب شيء معنوي لعدم إحساس المدعوين بأثر ذلك.\n(٦) انظر أمثلة ذلك: ص ٢٢١، ٢٤١، ٢٨٩، ٣٦١، ٤٠٤، ٤٩٢، ٤٩٥، ٥٨٠، ٦١١.\n(٧) من أمثلة القواعد الدعوية: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، واختيار الأعلى من المصالح، وارتكاب الأدنى من المفاسد عند التعارض. انظر: ص ٢٧٥، ٩٣١، ٩٧٥، ١٠٣٧.","vol":"2","page":1120},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-350>[المبحث الثاني المنهج الدعوي المتعلق بالأساليب]</span>\nالمبحث الثاني: المنهج الدعوي المتعلق بالأساليب الأسلوب: الطريق والفن، يقال: هو على أسلوب من أساليب القوم:\nأي على طريق من طرقهم، ويقال: أخذنا في أساليب من القول: أي فنون متنوعة (١).\nوحقيقة أساليب الدعوة: هي العلم الذي يتصل بكيفية مباشرة تبليغ الدعوة وإزالة العوائق عنه، وهي الطريقة التي يسلكها الداعية في تأليف كلامه، واختيار ألفاظه، وتأدية معانيه، ومقاصده من كلامه (٢) وقيل: هي الطرق التي يسلكها الداعية في دعوته، أو كيفيات تطبيق مناهج الدعوة (٣) فظهر أن أساليب الدعوة هي الطرق والكيفيات المؤثرة المقنعة التي يتم بها تبليغ الإسلام، والحث على تطبيقه، ولعل الفرق بين الأساليب والوسائل يظهر من خلال التعريفات السابقة؛ وهو أن الوسائل في الغالب تكون حسية أكثر منها معنوية، وأن الأساليب في الغالب تكون معنوية، فاتضح من ذلك أن الوسائل تنقل الأساليب وتحملها إلى المدعوين، والله أعلم.\nوقد استخلصت على ضوء هذا التعريف الفوائد الدعوية المتعلقة بأساليب الدعوة على النحو الآتي:\nم الدرس الصفحة ١ من أساليب الدعوة: السؤال والجواب ٣٤٤، ٦٤٣، ٦٦١، ٨٨٠، ١٠٠٤، ١٠٢٩، ١٠٢٥ ٢ الاستفهام الاستنكاري ٦٨، ٢٢٦، ٤٢٦، ٤٨٧، ٥٩١، ٧٩٣، ٩٥٩، ٩٧٤ ٣ التوكيد ٦٩، ٨٧، ٢٩٥، ٣٢٥، ٣٤٧، ٤١٥، ٥٦٧، ٧١٥، ٧٥٠، ٧٨٤، ١٠٢٦ ٤ التدرج في الدعوة ٨١، ٢٢٩ ٥ من أساليب الدعوة: الوعد بالخير ٢٥٠\n_________\n(١) انظر: لسان العرب لابن منظور: باب الباء فصل السين: ١/ ٤٧٣، والمصباح المنير للفيومي: كتاب السين، مادة: سلب: ١/ ٢٤٨، والقاموس المحيط للفيروزآبادي: باب الباء فصل السين: ١٢٥، ومختار الصحاح للرازي: مادة: سلب: ١٣٠، والمعجم الوسيط لمجمع اللغة العربية: مادة سلب: ١/ ٤٤١.\n(٢) انظر: مناهل العرفان في علوم القرآن لمحمد بن عبد العظيم الزرقانى: ٢/ ١٩٩.\n(٣) المدخل إلى علم الدعوة للدكتور / محمد أبو الفتح البيانونى، ص ٢٤٢.","vol":"2","page":1121},{"text":"٦ - الترغيب ٨٨، ٩٢، ١٢٨، ١٣٥، ١٥٠، ١٦١ ١٦٥، ١٧٧، ١٨٣، ١٩٠، ١٩٤، ٢٠٥، ٢١٩، ٢٢٥، ٢٣٥، ٢٦٩، ٢٧٣، ٢٧٤، ٢٧٩، ٢٨٤، ٢٩٤، ٣٠٠، ٣٠٣، ٣٠٨، ٣٣٢، ٣٣٧، ٣٥٥، ٣٦٤، ٤١٣، ٤٢١، ٤٢٥، ٤٤٢، ٥٠٩، ٥٤٠، ٥٤٤، ٥٥٨، ٦٤٧، ٦٥٣، ٦٦٨، ٦٨٤، ٦٨٩، ٧٩٩، ١٠١٨، ١٠٢٦ ٧ الترهيب ٨٨، ١٣٢، ١٣٥، ١٥٤، ٣٨١، ٤١١، ٤٤٢، ٥٠٦، ٥٢٤، ٥٤٥، ٥٥٨، ٦٥٧، ٧٠٦، ٧١٦، ٧٤٤، ٧٩٣، ٧٩٩، ٨٠٨، ٨٣٥، ٨٩٠، ٩٣٠، ٩٣٦، ١٠١٨، ١٠٢٠، ١٠٧٧ ٨ التوكيد بالقسم ١٢٣، ١٤٠، ٢٤٢، ٢٩٥، ٣٧٣، ٥٤١، ٥٨٢، ٧١٥، ٧٣٤، ٧٩٣، ٨٠٨، ٩١٩، ٩٤٩، ٩٥٦، ١٠٠٨، ١٠٥٣ ٩ التهنئة ١١٣، ٤٠٠ ١٠ التبشير والبشارة والبشرى ١١٣، ٣٩٨، ٥١٤، ٧١٤، ٧٢٨، ٧٣٤، ٨٩١ ١١ السرور بما يسر المدعو ١١٣ ١٢ إخبار الداعية عن تقصيره تحذيرا لغيره ١١٨ ١٣ من أساليب الدعوة: ذكر العدد إجمالا ثم تفصيلا ١٣٢، ١٠٤٨ ١٤ التشبيه ١٦٠، ١٧٠، ١٩١، ٢٣٤، ٣٣٤، ٤١٥، ٥٠٣، ٥٠٩، ٥٣٩، ٥٥٧، ٥٨٦، ٦٠٧، ٦٣٤، ٦٤٦، ٨٩٥، ٩٤٦، ١٠٣٨ ١٥ من أساليب الدعوة: التأليف بالدعاء ١٧٦، ٢٩٣، ٤٠٢، ٥٣٠، ٥٣٧، ٧١٤، ٧٣٥ ١٦ من أساليب الدعوة: تخويف الأعداء بالدعاء عليهم بالتعميم عند الحاجة ٧٦٧ ١٧ من أساليب الدعوة: الأسلوب الحكيم ١٨٧ ١٨ من أساليب الدعوة: التمني لأفضل الأعمال ١٩٥ ١٩ من أساليب الدعوة: الرجز والشعر المحمود ١٩٨، ٢٩٢، ٣٧٣، ٧٥٠ ٢٠ من أساليب الدعوة: القصة ١٥٤، ٢٠٦، ٢٤١، ٧٠٨، ٨٩٤، ٩٤٤، ٩٩٧ ٢١ من أساليب الدعوة: الحوار ٢١٥، ٣٢٥، ٤٧٠، ٦٨٧، ٨٥٥، ١٠٦٣ ٢٢ من أساليب الدعوة: ذكر الداعية بعض عمله الصلح ليقتدى به ٢٦٣ ٢٣ من أساليب الدعوة: تسلية المصاب بذكر الثواب ٢٧٩ ٢٤ من أساليب الدعوة: رفع الصوت في الخطب والمواعظ ٢٩٣ ٢٥ من أساليب الدعوة: استفسار الداعية المدعو ليختبر ما عنده ٣٤٤ ٢٦ من أساليب الدعوة: النداء والإجابة لتأكيد الاهتمام ٣٤٥ ٢٧ من سنة إلقاء العلم: الوقار والتثبت ٣٤٧ ٢٨ من أساليب الدعوة: الثناء على من تبرع بالخير ٤٠٦، ٧٥١ ٢٩ من أساليب الدعوة: تعظيم الأمر ٤١٥ ٣٠ من أساليب الدعوة: ذكر الصفات الحسنة للمدعوين ٤١٨ ٣١ من أساليب الدعوة: الحكمة ٤٢٦ ٣٢ أهمية الشفاعة الحسنة في الدعوة إلى الله ﷿ ٤٧٠","vol":"2","page":1122},{"text":"٣٣ - من أساليب الدعوة: استشهاد من حضر لتقوى الحجة ٤٧١ ٣٤ من أساليب الدعوة: ذكر الداعية بعض مناقبه عند الحاجة انتصارا للحق ٢٥٠، ٣٧٣، ٤٧٤، ٧٤٩، ٨٥٨ ٣٥ من أساليب الدعوة: الدعاء لمن فعل خيرا ٤٧٧ ٣٦ من أساليب الدعوة: الثناء على الداعية لمخلص ليتأسى به ٥٩١ ٣٧ من أساليب الدعوة: التذكير بالقرآن والسنة في المجامع المشتركة وغيرها ٦٢٣ ٣٨ من أساليب الدعوة: النداء بالأنساب والكنى ٨٦، ٨٧، ٦٣١ ٣٩ من أساليب الدعوة: الشدة على بعض أصحاب المعاصي بالقول والفعل عند الحاجة ٦٨٢، ٩٠٧، ١٠٣١ ٤٠ من أساليب الدعوة: قول الداعية عند الحاجة: أنا فلان وأنا ابن فلان ٣٧٣، ٧٥٠ ٤١ من أساليب الدعوة: الجدل ٧٤١، ٩٠٨، ١٠٢٤، ١٠٣٠ ٤٢ من أساليب الدعوة: التأليف بالثناء عند أمن الفتنة ٧٥١ ٤٣ من أساليب الدعوة: استمالة قلب المدعو بمخاطبته بلغته ٨٢٩ ٤٤ من أساليب الدعوة: الدعاء بول العمر على طاعة الله ﷿ ٨٢٩ ٤٥ من أساليب الدعوة: تطييب قلوب المدعوين وربطها بخالقها ١٨٢، ٨٨٧، ٩٤٤ ٤٦ من أساليب الدعوة: عدم التصريح بذكر اسم المخطئ ٨٩٠ ٤٧ من أساليب الدعوة: تأديب بعض المدعوين بالقول ٩٢٠ ٤٨ من أساليب الدعوة: التأليف بطيب الكلام ٩٤٤، ٩٥٦ ٤٩ من أساليب الدعوة: الدعاء للقدوات الحسنة ٩٧٣ ٥٠ من أساليب الدعوة: ضرب الأمثال ١٠١٤ ٥١ من أساليب الدعوة: الموعظة الحسنة ١٠٥٠ ٥٢ أهمية إجابة السائل بأكثر مما سأل عند الحاجة ١٠٥٨ ٥٣ من أساليب الدعوة: الشدة بالقول مع الأقارب عند الحاجة ولمصلحة الراجحة ١٠٧٨ ٥٤ من أساليب الدعوة: الاستدلال بالأدلة الشرعية ٤٧٣، ٥٥٠، ٧٠١، ٨٥٤، ٨٧٦، ٩٠٩، ٩١٤، ١٠٥٣، ١٠٦٣.\nوعلى ضوء ما تقدم من الفوائد الدعوية في الجدول السابق يظهر أن المنهج الدعوي المتعلق بالأساليب على النحو الآتي:\nأولا: الأساليب لها مكانة بالغة في الدعوة إلى الله ﷿؛ لأنها في الحقيقة هي الطرق المؤثرة المقنعة التي يتم بها تبليغ الناس الدين الإسلامي، والحض على تطبيقه، والعمل به.","vol":"2","page":1123},{"text":"ثانيا: الأساليب كثيرة ومتنوعة، وهذا يؤكد أهميتها، ويبين للدعاة إلى الله ﷿ أنه ينبغي اختيار الأساليب التي لا محذور فيها، ولا مخالفة شرعية، فيقدم المناسب منها لكل صنف من أصناف المدعوين، ويراعي الداعية في ذلك أحوال المدعو وما يناسب: عقيدته، ومكانته، ومجتمعه، وعقله، وزمانه، وعلمه، ولغته (١).\nثالثا: أهم الأساليب هي التي استخدمها النبي ﷺ في دعوته كثيرا، واعتنى بها عناية فائقة، ومن هذه الأساليب ما يأتي:\n١ - أسلوب الترغيب والترهيب (٢).\n٢ - أسلوب التشبيه وضرب الأمثال (٣).\n٣ - أسلوب التأكيد بالقسم (٤).\n٤ - أسلوب السؤال والجواب (٥).\n٥ - أسلوب التوكيد بالتكرار (٦).\n٦ - أسلوب القصص (٧).\n٧ - أسلوب الحوار (٨).\n٨ - أسلوب الجدل (٩).\n٩ - أسلوب التأليف بالدعاء (١٠).\n_________\n(١) انظر من أمثلة ذلك: ص ٢٢٧، ٤٢٧، ٥١٧، ٥٢٣، ٥٣١، ٦٢٦، ٧٠٢، ٧٧٨، ٨٢٦، ٨٨١، ٩٦٦، ٩٧٤، ٩٩٩، ١٠٧٨. من هذا البحث.\n(٢) وقد ورد ذكر الترغيب في البحث أربعا وأربعين مرة، وأسلوب الترهيب أربعا وعشرين مرة، وهذا يدل على أهمية ذلك. انظر الجدول المتعلق بالأساليب ص ١١٢٢.\n(٣) ذكر في هذا البحث ثماني عشرة مرة. انظر: الجدول السابق: ص ١١٢٢، ١١٢٣.\n(٤) ذكر في هذا البحث ست عشرة مرة انظر: الجدول السابق ص ١١٢٢.\n(٥) ذكر سبع مرات. انظر: الجدول السابق ص ١١٢١.\n(٦) ذكر إحدى عشرة مرة. انظر: الجدول السابق ص ١١٢١.\n(٧) ذكر سبع مرات. انظر: الجدول السابق ص ١١٢٢.\n(٨) ذكر ست مرات. انظر: الجدول السابق ص ١١٢٢.\n(٩) ذكر أربع مرات. انظر: الجدول السابق ص ١١٢٣.\n(١٠) ذكر سبع مرات. انظر الجدول السابق: ص ١١٢٢.","vol":"2","page":1124},{"text":"١٠ - أسلوب الاستدلال بالأدلة الشرعية (١).\n١١ - أسلوب ذكر العدد إجمالا ثم تفصيلا (٢).\nفينبغي العناية بهذه الأساليب أكثر من غيرها لأهميتها.\nرابعا: الأساليب في الغالب لا تخرج عن خمسة أنواع على النحو الآتي:\n١ - أساليب تحريك الشعور والوجدان والعاطفة، مثل أساليب:\nأ - الموعظة الحسنة (٣).\nب - الترغيب (٤).\nج - الترهيب (٥).\nد - أسلوب الدعاء للمدعو (٦).\nهـ - أسلوب البشارة (٧).\n٢ - أساليب التدبر والاعتبار والتعقل، ومن ذلك:\nأ - أسلوب التشبيه (٨).\nب - أسلوب الحوار (٩).\nج - أسلوب الجدل والمناظرة (١٠).\nد - أسلوب الاستفهام الإنكاري (١١).\n_________\n(١) ذكر تسع مرات. انظر الجدول المتعلق بالأساليب: ص ١١٢٣ من هذا البحث.\n(٢) ذكر مرتين. انظر: الجدول السابق ص ١١٢٢.\n(٣) انظر مثال ذلك: ص ١٠٥٠.\n(٤) انظر أمثلة ذلك: ص ٨٨، ١٢٨، ١٣٥، ١٥٠، ١٦١، ١٦٥، ١٧٧.\n(٥) انظر أمثلة ذلك: ص ٨٨، ١٣٢، ١٣٥، ١٥٤، ٣٨١، ٤١١، ٤٤٢.\n(٦) انظر أمثلة ذلك: ص ١٧٦، ٢٩٣، ٤٠٢، ٥٣٠، ٥٣٧، ٧١٤، ٧٣٥.\n(٧) انظر أمثلة ذلك: ص ١١٣، ٤٩٨، ٥١٤، ٧١٤، ٧٢٨، ٧٣٤، ٨٩١.\n(٨) انظر أمثلة ذلك: ص ١٦٠، ١٧٠، ١٩١، ٢٣٤، ٣٣٤، ٤١٥، ٥٠٣.\n(٩) انظر أمثلة ذلك: ص ٢١٥، ٣٢٥، ٤٧٠، ٦٨٧، ٨٥٥، ١٠٦٣.\n(١٠) انظر أمثلة ذلك: ص ٧٤١، ٩٠٨، ١٠٢٤، ١٠٣٠.\n(١١) انظر أمثلة ذلك: ص ٦٨، ٢٢٦، ٤٢٦، ٤٨٧، ٥٩١.","vol":"2","page":1125},{"text":"٣ - الأساليب التي لها علاقة بالحس والتجارب، مثل:\nأ - أسلوب ذكر الداعية بعض أعماله؛ ليقتدى به (١).\nب - أسلوب إخبار الداعية عن تقصيره، وتفريطه تحذيرا لغيره (٢).\n٤ - الأساليب القوية، مثل:\nأ - أسلوب تأديب بعض المدعوين بالقول (٣).\nب - أسلوب الشدة بالقول مع الأقارب عند الحاجة والمصلحة الراجحة (٤).\nجـ - أسلوب القوة مع بعض أهل المعاصي في حدود الحكمة (٥).\n٥ - الأساليب العامة، ومنها:\nأ - أسلوب التدرج (٦).\nب - أسلوب الحكمة (٧).\nجـ - أسلوب التذكير بالقرآن والسنة في المجامع المشتركة وغيرها (٨).\nد- أسلوب السؤال والجواب (٩).\nهـ - أسلوب التأليف بطيب الكلام (١٠).\nوغير ذلك من الأساليب، والله أسأل لي ولجميع المسلمين التوفيق والسداد والإعانة.\n_________\n(١) انظر أمثلة ذلك: ص ٢٦٣، ٣٧٣، ٤٧٤ من هذا البحث.\n(٢) انظر مثال ذلك: ص ١١٨.\n(٣) انظر مثال ذلك: ص ٩٢٠.\n(٤) انظر مثال ذلك: ص ١٠٧٨.\n(٥) انظر أمثلة ذلك: ص ٦٨٢، ٩٠٧، ١٠٣١.\n(٦) انظر مثال ذلك: ص ٨١، ٢٢٩.\n(٧) انظر مثال ذلك: ص ٤٢٦.\n(٨) انظر مثال ذلك: ص ٦٢٣.\n(٩) انظر مثال ذلك: ص ٣٤٤، ٦٤٣، ٦٦١، ٨٨٠، ١٠٠٤.\n(١٠) انظر مثال ذلك: ص ٩٤٤، ٩٥٦.","vol":"2","page":1126},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-351>[الخاتمة]</span>\nالخاتمة الحمد لله الذي أعانني على إتمام هذه الرسالة على هذه الصورة، والمنة له أولا وآخرا، ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٧٠] (١).\nبعد هذه الرحلة المباركة - إن شاء الله ﷿ - التي طفت من خلالها بمفهوم فقه الدعوة الصحيح، وبترجمة موجزة للإمام البخاري، والتعريف بصحيحه، وجهوده في الصحيح، ومكانته عند الأمة الإسلامية، وبعد دراسة مائة واثنين وتسعين حديثا مع رواياتها المتعددة في الصحيح، واستخراج الدروس الدعوية منها، والعناية والتركيز والاهتمام بالدروس الخاصة بالداعية، والمدعو، وموضوع الدعوة، ووسائلها، وأساليبها، وتاريخ الدعوة، وميادينها، وخصائصها، ودلائل النبوة، وآداب الجدل، والحوار، والمناظرة، ثم ذكر المنهج المستخلص من الدراسة.\nأقول: هذا ما من الله به علي وأعان عليه، فإن يكن صوابا فمن الله الكريم الوهاب، وإن يكن فيه خطأ، أو نقص، فتلك سنة الله في بني الإنسان، فالكمال لله وحده، والنقص والقصور، واختلاف وجهات النظر من صفات البشر، وحسبي أني قد حاولت التسديد والمقاربة، وبذلت الجهد ما استطعت بتوفيق الله ﷿، والله أسأل أن ينفعني بذلك، وينفع به جميع المسلمين إلى يوم الدين؛ إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير.\nأما أهم النتائج التي أعانني الله ﷿، ويسر لي التوصل إليها في هذا\n_________\n(١) سورة القصص، الآية: ٧٠.","vol":"2","page":1127},{"text":"البحث، فمنها:\n١ - أن فقه الدعوة إلى الله ﷿ هو استنباط وفهم تاريخ الدعوة، والدروس التي تتعلق بالداعي، والمدعو، وموضوع الدعوة، وأساليبها، ووسائلها، وخصائص الإسلام، ودلائل النبوة، وآداب الجدل، والمناظرة، والحوار، وأهداف الدعوة، ونتائجها: استنباطا، وفهما على ضوء الكتاب والسنة، وفهم السلف الصالح؛ ليتمكن الدعاة إلى الله ﷿ من القيام بالدعوة، وعرضها على أحسن طريقة، وأقوم منهج.\n٢ - أن العلاج لما يحصل بين بعض الدعاة من خلاف وتنازع في بعض قضايا الدعوة ومناهجها، لا يكون إلا بالرد إلى كتاب الله ﷿، وسنة رسوله ﷺ الثابتة، وفهمها فهما سليما، والعمل بما فيهما عملا يقصد به وجه الله ﷿.\n٣ - أن الداعية إلى الله هو كل مسلم دل على خير، أو حذر عن شر، فيدخل في ذلك جميع المسلمين؛ كل على حسب علمه وفهمه، وقدرته، ومكانته، ولا يكون الداعية موفقا مسددا إلا بصفات يلتزمها، وأعمال يكون بها قدوة لغيره في كل خير، والتزامه منهج الرسول ﷺ في دعوته على بصيرة، ومعرفته لأحوال الناس؛ ليقدم لكل قوم ما يناسبهم، وينزلهم منازلهم، ومع ذلك كله يسأل الله التوفيق، والسداد، والإعانة، والثبات.\n٤ - أن المدعوين هم كل الناس، وكل مخاطب بدعوة الإسلام، فكل من دُلَّ على خير، أو حُثَّ عليه، أو حُذِّر من شر، أو نُفِّر عنه، فهو مدعو، مهما ارتفعت منزلته، ولا شك أن كل إنسان بحاجة إلى دعوة على حسب حاله، وعقيدته، وجنسه، ومجتمعه، وعقله، وعلمه، فيكون المدعوون على ذلك أصنافا متعددة، وأقساما كثيرة، يقدم لكل إنسان ما يناسب حاله.\n٥ - أن موضوعات الدعوة تتضمن: الدعوة لكل خير، والتحذير من كل شر، وهي تقدم للناس على حسب أحوالهم، ويبدأ فيها بأمور","vol":"2","page":1128},{"text":"العقيدة، ثم بالذي يليها في الأهمية، فالذي يليه، على حسب الأحوال، والأزمان، وما يحتاجه الناس، ولا بد في ذلك كله من مراعاة الأصول الشرعية، والقواعد المرعية، ومن ذلك: تقديم درء المفاسد على جلب المصالح، وارتكاب أدنى المفسدتين لدفع أكبرهما عند التعارض، وتقديم أعلى المصالح عند التعارض بينها، والتزام الاستدلال بنصوص الكتاب والسنة على كل ما يقدمه الداعية للناس من توجيه وتعليم، وتفقيه، مع بيان خصائص الإسلام، ودلائل النبوة، وغير ذلك مما يعود على المدعوين بالخير والبركة والنجاة.\n٦ - أن وسائل الدعوة هي ما يستعمله الداعية من أمور حسية أو معنوية، ينقل بها دعوته إلى الناس، وأن هذه الوسائل أنواع متعددة، وأصناف مختلفة، وأنه ينبغي له أن يختار ما يناسب حال المدعو، ويستخدم جميع الوسائل في دعوته التي لا محذور فيها ولا مخالفة شرعية، ويقدم ما يحتاج إليه من الوسائل على حسب أصول الحكمة، ومراعاة الضوابط الشرعية، والمناسبة لكل حال، ويكون بذلك ناجحا بإذن الله ﷿.\n٧ - أن الأساليب الدعوية هي: الطرق التي يسلكها الداعية في دعوته، والكيفيات المؤثرة المقنعة، التي يتم بها تبليغ الإسلام، والحث على تطبيقه، والعمل بأصوله وفروعه، وهي تنقل عن طريق الوسائل؛ لأن الوسائل أوعية الأساليب، ومما يدل على أهمية الأساليب كثرة أنواعها، وأقسامها، ولهذا ينبغي للداعية أن يختار الأساليب التي لا محذور فيها ولا مخالفة شرعية، ويقدم المناسب منها لكل صنف من أصناف المدعوين، ويراعي في ذلك ما يناسب عقيدة كل صنف، وعلمه، ومكانته، وجنسه، ولغته، ومجتمعه، والله هو الموفق والهادي إلى سواء السبيل.","vol":"2","page":1129},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-352>[التوصيات والمقترحات]</span>\n١ - أوصي نفسي وإخواني الباحثين والدعاة بوصية الله تعالى للأولين والآخرين: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١] (١).\n٢ - التزام منهج النبي ﷺ وأصحابه - ﵃ - في الدعوة إلى الله ﷿؛ لأن هذا المنهج خير المناهج، لقيامه على التزام توجيهات كتاب الله ﷿، وسنة نبيه ﷺ.\n٣ - العناية التامة بكتاب الله ﷿، وسنة نبيه ﷺ: حفظا، وفهما، وعملا، وتعليما للناس، وسؤال الله ﷿ التوفيق والهداية، والثبات، والتسديد، وحسن العاقبة؛ فإنه القادر على ذلك: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] (٢).\n٤ - النظر إلى أن الدنيا مزرعة للآخرة، وأن ما فيها من متاع فهو زائل لا محالة ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [القصص: ٦٠] (٣).\n٥ - أقترح تدريس فقه الدعوة في السنة المطهرة في جميع أقسام الكليات الشرعية، وأن يكون ذلك عن طريق التدرج في كتب السنة النبوية، لجميع المستويات الدراسية.\nوأسأل الله ﷿ بأسمائه الحسنى، وصفاته العلا أن يجعلني وإخواني الدعاة والباحثين، وجميع المسلمين من الهداة المهتدين، وأن يحسن لنا النية والقصد، والعاقبة، إنه حسبنا، ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده، ورسوله، وخيرته من خلقه؛ نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.\n_________\n(١) سورة النساء، الآية: ١٣١.\n(٢) سورة يس، الآية: ٨٢.\n(٣) سورة القصص، الآية: ٦٠.","vol":"2","page":1130}]}