{"ً":{"ٌ":31235,"ٍ":"التحقيق والإيضاح لكثير من مسائل الحج والعمرة والزيارة على ضوء الكتاب","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"بحوث ومسائل/التحقيق والإيضاح - ابن باز","files":["taheda.pdf"]},"ّ":"الكتاب: التحقيق والإيضاح لكثير من مسائل الحج والعمرة والزيارة\nالمؤلف: عبد العزيز بن عبد الله بن باز (ت ١٤٢٠هـ)\nالناشر: وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد - وكالة المطبوعات والبحث العلمي\nالطبعة: الثانية والعشرون، ١٤٢٥هـ\nعدد الصفحات: ١١٢\nعدد الأجزاء: ١\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":67,"ٕ":18,"ٖ":1770153831,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":1},{"title":"خطبة الكتاب","level":1,"page":4},{"title":"فصل في أدلة وجوب الحج والعمرة والمبادرة إلى أدائهما","level":1,"page":5},{"title":"فصل في وجوب التوبة من المعاصي والخروج من المظالم","level":1,"page":9},{"title":"فصل فيما يفعله الحاج عند وصوله إلى الميقات","level":1,"page":14},{"title":"فصل في المواقيت المكانية وتحديدها","level":1,"page":19},{"title":"فصل في حكم من وصل إلى الميقات في غير أشهر الحج","level":1,"page":25},{"title":"فصل في حكم حج الصبي الصغير هل يجزئه عن حجة الإسلام","level":1,"page":28},{"title":"فصل في بيان محظورات الإحرام وما يباح فعله للمحرم","level":1,"page":31},{"title":"فصل فيما يفعله الحاج عند دخول مكة وبيان ما يفعله بعد دخول المسجد","level":1,"page":38},{"title":"فصل في حكم الإحرام بالحج يوم الثامن من ذي الحجة والخروج إلى منى","level":1,"page":49},{"title":"فصل في بيان أفضلية ما يفعله الحاج يوم النحر","level":1,"page":68},{"title":"فصل في وجوب الدم على المتمتع والقارن","level":1,"page":74},{"title":"فصل في وجوب الأمر بالمعروف على الحجاج وغيرهم","level":1,"page":77},{"title":"فصل في استحباب التزود من الطاعات","level":1,"page":85},{"title":"فصل في أحكام الزيارة وآدابها","level":1,"page":87},{"title":"فصل في استحباب زيارة مسجد قباء والبقيع","level":1,"page":104}],"ٛ":{"1,3":2,"1,4":3,"1,5":4,"1,6":5,"1,7":6,"1,8":7,"1,9":8,"1,10":9,"1,11":10,"1,12":11,"1,13":12,"1,14":13,"1,15":14,"1,16":15,"1,17":16,"1,18":17,"1,19":18,"1,20":19,"1,21":20,"1,22":21,"1,23":22,"1,24":23,"1,25":24,"1,26":25,"1,27":26,"1,28":27,"1,29":28,"1,30":29,"1,31":30,"1,32":31,"1,33":32,"1,34":33,"1,35":34,"1,36":35,"1,37":36,"1,38":37,"1,39":38,"1,40":39,"1,41":40,"1,42":41,"1,43":42,"1,44":43,"1,45":44,"1,46":45,"1,47":46,"1,48":47,"1,49":48,"1,50":49,"1,51":50,"1,52":51,"1,53":52,"1,54":53,"1,55":54,"1,56":55,"1,57":56,"1,58":57,"1,59":58,"1,60":59,"1,61":60,"1,62":61,"1,63":62,"1,64":63,"1,65":64,"1,66":65,"1,67":66,"1,68":67,"1,69":68,"1,70":69,"1,71":70,"1,72":71,"1,73":72,"1,74":73,"1,75":74,"1,76":75,"1,77":76,"1,78":77,"1,79":78,"1,80":79,"1,81":80,"1,82":81,"1,83":82,"1,84":83,"1,85":84,"1,86":85,"1,87":86,"1,88":87,"1,89":88,"1,90":89,"1,91":90,"1,92":91,"1,93":92,"1,94":93,"1,95":94,"1,96":95,"1,97":96,"1,98":97,"1,99":98,"1,100":99,"1,101":100,"1,102":101,"1,103":102,"1,104":103,"1,105":104,"1,106":105,"1,107":106},"ٜ":{"1":[3,107]},"ٝ":[null,"1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107"],"ٞ":{"1":[1],"4":[2],"5":[3],"9":[4],"14":[5],"19":[6],"25":[7],"28":[8],"31":[9],"38":[10],"49":[11],"68":[12],"74":[13],"77":[14],"85":[15],"87":[16],"104":[17]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"والسنة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>[مقدمة]</span>\nالتحقيق والإيضاح\nلكثير من مسائل الحج والعمرة والزيارة\nعلى ضوء الكتاب والسنة","vol":"1","page":null},{"text":"مقدمة\nبسم الله الرحمن الرحيم\nالحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.\nأما بعد:\nفهذا منسك مختصر يشتمل على إيضاح وتحقيق كثير من مسائل الحج والعمرة والزيارة على ضوء كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، جمعته لنفسي ولمن شاء الله من المسلمين، واجتهدت في تحرير مسائله على ضوء الدليل.\nوقد طُبِعَ للمرة الأولى في عام ١٣٦٣ هـ على نفقة جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل، قدس الله روحه وأكرم مثواه.\nثم إني بسطت مسائله بعض البسط وزدت فيه من التحقيقات ما تدعو له الحاجة ورأيت إعادة طبعه؛ لينتفع به من شاء الله من العباد،","vol":"1","page":3},{"text":"وسميته \" التحقيق والإيضاح لكثير من مسائل الحج والعمرة والزيارة على ضوء الكتاب والسنة \".\nثم أدخلت فيه زيادات أخرى مهمة وتنبيهات مفيدة تكميلا للفائدة، وقد طبع غير مرة.\nوأسأل الله أن يعمم النفع به وأن يجعل السعي خالصا لوجهه الكريم، وسببا للفوز لديه في جنات النعيم، فإنه حسبنا ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.\nالمؤلف\nعبد العزيز بن عبد الله بن باز\nمفتي عام المملكة العربية السعودية\nورئيس هيئة كبار العلماء\nوإدارة البحوث العلمية والإفتاء","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>[خطبة الكتاب]</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\nالحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.\nأما بعد:\nفهذه رسالة مختصرة في الحج وبيان فضله وآدابه، وما ينبغي لمن أراد السفر لأدائه وبيان مسائل كثيرة مهمة من مسائل الحج والعمرة والزيارة على سبيل الاختصار والإيضاح قد تحريت فيها ما دل عليه كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ جمعتها نصيحة للمسلمين وعملا بقول الله تعالى ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥] وقوله تعالى ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] الآية [آل عمران: ١٨٧] وقوله تعالى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]","vol":"1","page":5},{"text":"وكما في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال «الدين النصيحة ثلاثا قيل لمن يا رسول الله؟ قال \" لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» . وروى الطبراني عن حذيفة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم ومن لم يمس ويصبح ناصحا لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم فليس منهم»\nوالله المسئول أن ينفعني بها والمسلمين وأن يجعل السعي فيها خالصا لوجهه الكريم وسببا للفوز لديه في جنات النعيم إنه سميع مجيب وهو حسبنا ونعم الوكيل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>[فصل في أدلة وجوب الحج والعمرة والمبادرة إلى أدائهما]</span>\nفصل\nفي أدلة وجوب الحج والعمرة\nوالمبادرة إلى أدائهما إذا عرف هذا فاعلموا وفقني الله وإياكم","vol":"1","page":6},{"text":"لمعرفة الحق واتباعه، أن الله ﷿ قد أوجب على عباده حج بيته الحرام وجعله أحد أركان الإسلام الخمسة قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]\nوفي الصحيحين عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج بيت الله الحرام»\nوروى سعيد في سننه عن عمر بن الخطاب أنه قال: لقد هممت أن أبعث رجالا إلى هذه الأمصار فينظروا كل من كان له جدة (١) ولم يحج ليضربوا عليهم الجزية ما هم بمسلمين ما هم بمسلمين وروي عن علي أنه قال:\n_________\n(١) أي سعة من المال.","vol":"1","page":7},{"text":"من قدر على الحج فتركه فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا.\nويجب على من لم يحج وهو يستطيع الحج أن يبادر إليه، لما روي عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «تعجلوا إلى الحج - يعني الفريضة - فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له» رواه أحمد.\nولأن أداء الحج واجب على الفور في حق من استطاع السبيل إليه لظاهر قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]\nوقول النبي ﷺ في خطبته: «أيها الناس إن الله فرض عليكم الحج فحجوا» أخرجه مسلم.\nوقد وردت أحاديث تدل على وجوب العمرة منها قوله ﷺ في جوابه لجبرائيل لما سأله عن الإسلام قال ﷺ: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة","vol":"1","page":8},{"text":"وتؤتي الزكاة وتحج البيت وتعتمر وتغتسل من الجنابة وتتم الوضوء وتصوم رمضان» أخرجه ابن خزيمة والدارقطني من حديث عمر بن الخطاب ﵁. وقال الدارقطني: هذا إسناد ثابت صحيح.\nومنها حديث عائشة أنها قالت: «يا رسول الله هل على النساء من جهاد؟ قال: عليهن جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة» أخرجه أحمد وابن ماجة بإسناد صحيح.\nولا يجب الحج والعمرة في العمر إلا مرة واحدة لقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح «الحج مرة فمن زاد فهو تطوع»\nويسن الإكثار من الحج والعمرة تطوعا لما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة»","vol":"1","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>[فصل في وجوب التوبة من المعاصي والخروج من المظالم]</span>\nفصل\nفي وجوب التوبة من المعاصي\nوالخروج من المظالم إذا عزم المسلم على السفر إلى الحج، أو العمرة: استحب له أن يوصي أهله، وأصحابه بتقوى الله ﷿ وهي فعل أوامره، واجتناب نواهيه.\nوينبغي أن يكتب ما له، وما عليه من الدين، ويشهد على ذلك، ويجب عليه المبادرة إلى التوبة النصوح من جميع الذنوب، لقوله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١]\nوحقيقة التوبة: الإقلاع من الذنوب، وتركها، والندم على ما مضى منها، والعزيمة على عدم العود فيها، وإن كان عنده للناس مظالم من نفس، أو مال أو عرض ردها إليهم، أو تحلل منها قبل","vol":"1","page":10},{"text":"سفره لما صح عنه ﷺ أنه قال: «من كان عنده مظلمة لأخيه من مال أو عرض فليتحلل اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه»\nوينبغي أن ينتخب لحجه وعمرته نفقة طيبة من مال حلال لما صح عنه ﷺ أنه قال: «إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا» وروى الطبراني عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا خرج الرجل حاجا بنفقة طيبة ووضع رجله في الغرز فنادى لبيك اللهم لبيك ناداه مناد من السماء لبيك وسعديك زادك حلال وراحلتك حلال وحجك مبرور غير مأزور وإذا خرج الرجل بالنفقة الخبيثة فوضع رجله في الغرز فنادى لبيك اللهم لبيك ناداه مناد من السماء لا لبيك ولا سعديك زادك حرام ونفقتك حرام وحجك غير مبرور»","vol":"1","page":11},{"text":"وينبغي للحاج الاستغناء عما في أيدي الناس والتعفف عن سؤالهم لقوله ﷺ: «ومن يستعفف يعفه الله ومن يستغن يغنه الله» وقوله ﷺ: «لا يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم» ويجب على الحاج أن يقصد بحجه وعمرته وجه الله والدار الآخرة، والتقرب إلى الله بما يرضيه من الأقوال والأعمال في تلك المواضع الشريفة ويحذر كل الحذر من أن يقصد بحجه الدنيا وحطامها، أو الرياء والسمعة والمفاخرة بذلك، فإن ذلك من أقبح المقاصد وسبب لحبوط العمل وعدم قبوله كما قال تعالى ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ - أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥ - ١٦] وقال تعالى","vol":"1","page":12},{"text":"﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا - وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٨ - ١٩]\nوصح عنه ﷺ أنه قال: قال الله تعالى «أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه»\nوينبغي له أيضا أن يصحب في سفره الأخيار من أهل الطاعة، والتقوى، والفقه في الدين ويحذر من صحبة السفهاء والفساق.\nوينبغي له أن يتعلم ما يشرع له في حجه وعمرته، ويتفقه في ذلك ويسأل عما أشكل عليه ليكون على بصيرة، فإذا ركب دابته أو سيارته أو طائرته أو غيرها من المركوبات استحب له أن يسمي الله سبحانه ويحمده، ثم يكبر ثلاثا ويقول: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ - وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٣ - ١٤] «اللهم إني أسألك في سفري هذا البر والتقوى","vol":"1","page":13},{"text":"ومن العمل ما ترضى اللهم هون علينا سفرنا هذا واطو عنا بعده اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنظر وسوء المنقلب في المال والأهل» . لصحة ذلك عن النبي ﷺ. أخرجه مسلم من حديث ابن عمر ﵄.\nويكثر في سفره من الذكر والاستغفار ودعاء الله سبحانه والتضرع إليه وتلاوة القرآن وتدبر معانيه، ويحافظ على الصلوات في الجماعة ويحفظ لسانه من كثرة القيل والقال، والخوض فيما لا يعنيه، والإفراط في المزاح ويصون لسانه أيضا من الكذب والغيبة والنميمة والسخرية بأصحابه وغيرهم من إخوانه المسلمين.\nوينبغي له بذل البر في أصحابه وكف أذاه عنهم وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة على حسب الطاقة.","vol":"1","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>[فصل فيما يفعله الحاج عند وصوله إلى الميقات]</span>\nفصل\nفيما يفعله الحاج\nعند وصوله إلى الميقات فإذا وصل إلى الميقات استحب له أن يغتسل ويتطيب، لما روي أن النبي ﷺ تجرد من المخيط عند الإحرام، واغتسل، ولما ثبت في الصحيحين «عن عائشة ﵂ قالت كنت أطيب رسول الله ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت»\nوأمر عائشة لما حاضت وقد أحرمت بالعمرة أن تغتسل وتحرم بالحج. «وأمر ﷺ أسماء بنت عميس لما ولدت بذي الحليفة أن تغتسل وتستثفر بثوب وتحرم»، فدل ذلك على أن المرأة إذا وصلت إلى الميقات وهي حائض أو نفساء تغتسل وتحرم مع الناس، وتفعل ما يفعله الحاج غير الطواف بالبيت كما أمر النبي ﷺ عائشة وأسماء بذلك.","vol":"1","page":15},{"text":"ويستحب لمن أراد الإحرام أن يتعاهد شاربه وأظفاره وعانته وإبطيه، فيأخذ ما تدعو الحاجة إلى أخذه لئلا يحتاج إلى أخذ ذلك بعد الإحرام وهو محرم عليه؛ ولأن النبي ﷺ شرع للمسلمين تعاهد هذه الأشياء كل وقت كما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «الفطرة خمس الختان والاستحداد وقص الشارب وقلم الأظفار ونتف الآباط» وفي صحيح مسلم عن أنس ﵁ قال: «وقت لنا في قص الشارب وقلم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة أن لا نترك ذلك أكثر من أربعين ليلة» وأخرجه النسائي بلفظ: «وقت لنا رسول الله ﷺ» . وأخرجه أحمد وأبو داود والترمذي بلفظ النسائي، وأما الرأس فلا يشرع أخذ شيء منه عند الإحرام لا في حق الرجال ولا في حق النساء.","vol":"1","page":16},{"text":"وأما اللحية فيحرم حلقها أو أخذ شيء منها في جميع الأوقات بل يجب إعفاؤها وتوفيرها لما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «خالفوا المشركين وفروا اللحى واحفوا الشوارب» وأخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «جزوا الشوارب وأرخوا اللحى خالفوا المجوس»\nوقد عظمت المصيبة في هذا العصر بمخالفة كثير من الناس هذه السنة ومحاربتهم للحى ورضاهم بمشابهة الكفار والنساء ولا سيما من ينتسب إلى العلم والتعليم فإنا لله وإنا إليه راجعون، ونسأل الله أن يهدينا وسائر المسلمين لموافقة السنة والتمسك بها، والدعوة إليها، وإن رغب عنها الأكثرون، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.\nثم يلبس الذكر إزارا ورداء ويستحب أن","vol":"1","page":17},{"text":"يكونا أبيضين نظيفين، ويستحب أن يحرم في نعلين لقول النبي ﷺ: «وليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين» أخرجه الإمام أحمد ﵀.\nوأما المرأة فيجوز لها أن تحرم فيما شاءت من أسود أو أخضر أو غيرهما مع الحذر من التشبه بالرجال في لباسهم، لكن ليس لها أن تلبس النقاب والقفازين حال إحرامها، ولكن تغطي وجهها وكفيها بغير النقاب والقفازين؛ لأن النبي ﷺ نهى المرأة المحرمة عن لبس النقاب والقفازين.\nوأما تخصيص بعض العامة إحرام المرأة في الأخضر أو الأسود دون غيرهما فلا أصل له. ثم بعد الفراغ من الغسل والتنظيف ولبس ثياب الإحرام، ينوي بقلبه الدخول في النسك الذي يريده من حج أو عمرة، لقول النبي ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى»","vol":"1","page":18},{"text":"ويشرع له التلفظ بما نوى فإن كانت نيته العمرة قال: \" لبيك عمرة \" أو \" اللهم لبيك عمرة \". وإن كانت نيته الحج قال: \" لبيك حجا \" أو \" اللهم لبيك حجا \". لأن النبي ﷺ فعل ذلك والأفضل أن يكون التلفظ بذلك بعد استوائه على مركوبه من دابة أو سيارة أو غيرهما، لأن النبي ﷺ إنما أهل بعد ما استوى على راحلته وانبعثت به من الميقات للسير، هذا هو الأصح من أقوال أهل العلم.\nولا يشرع له التلفظ بما نوى إلا في الإحرام خاصة لوروده عن النبي ﷺ.\nوأما الصلاة والطواف وغيرهما فينبغي له ألا يتلفظ في شيء منها بالنية، فلا يقول: نويت أن أصلي كذا وكذا، ولا نويت أن أطوف كذا، بل التلفظ بذلك من البدع المحدثة والجهر بذلك أقبح وأشد إثما، ولو كان التلفظ بالنية","vol":"1","page":19},{"text":"مشروعا لبينه الرسول ﷺ وأوضحه للأمة بفعله أو قوله، ولسبق إليه السلف الصالح.\nفلما لم ينقل ذلك عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه ﵃ علم أنه بدعة. وقد قال النبي ﷺ: «وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة» أخرجه مسلم في صحيحه. وقال ﵊ «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» متفق على صحته، وفي لفظ لمسلم «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>[فصل في المواقيت المكانية وتحديدها]</span>\nفصل\nفي المواقيت المكانية وتحديدها المواقيت خمسة: (الأول): ذو الحليفة وهو ميقات أهل المدينة وهو المسمى عند الناس اليوم أبيار علي.\n(الثاني): الجحفة وهي ميقات أهل الشام وهي قرية خراب تلي رابغ، والناس اليوم يحرمون","vol":"1","page":20},{"text":"من رابغ، ومن أحرم من رابغ فقد أحرم من الميقات، لأن رابغ قبلها بيسير.\n(الثالث): قرن المنازل وهو ميقات أهل نجد وهو المسمى اليوم السيل.\n(الرابع): يلملم وهو ميقات أهل اليمن.\n(الخامس): ذات عرق وهي ميقات أهل العراق.\nوهذه المواقيت قد وقتها النبي ﷺ لمن ذكرنا ومن مر عليها من غيرهم ممن أراد الحج أو العمرة. والواجب على من مر عليها أن يحرم منها. ويحرم عليه أن يتجاوزها بدون إحرام إذا كان قاصدا مكة يريد حجا أو عمرة سواء كان مروره عليها من طريق الأرض أو من طريق الجو لعموم قول النبي ﷺ لما وقت هذه المواقيت: «هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة»\nوالمشروع لمن توجه إلى مكة من طريق الجو بقصد الحج أو العمرة أن يتأهب لذلك","vol":"1","page":21},{"text":"بالغسل ونحوه قبل الركوب في الطائرة، فإذا دنا من الميقات لبس إزاره ورداءه ثم لبى بالعمرة إن كان الوقت متسعا، وإن كان الوقت ضيقا لبى بالحج وإن لبس إزاره ورداءه قبل الركوب أو قبل الدنو من الميقات، فلا بأس، ولكن لا ينوي الدخول في النسك ولا يلبي بذلك إلا إذا حاذى الميقات أو دنا منه لأن النبي ﷺ لم يحرم إلا من الميقات، والواجب على الأمة التأسي به ﷺ في ذلك كغيره من شئون الدين لقول الله سبحانه ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] ولقول النبي ﷺ في حجة الوداع: «خذوا عني مناسككم»\nوأما من توجه إلى مكة ولم يرد حجا ولا عمرة كالتاجر والحطاب والبريد ونحو ذلك فليس عليه إحرام إلا أن يرغب في ذلك لقول النبي ﷺ في الحديث المتقدم لما ذكر المواقيت: «هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن","vol":"1","page":22},{"text":"أراد الحج والعمرة» فمفهومه أن من مر على المواقيت ولم يرد حجا ولا عمرة فلا إحرام عليه. وهذا من رحمة الله بعباده وتسهيله عليهم فله الحمد والشكر على ذلك، ويؤيد ذلك أن النبي ﷺ لما أتى مكة عام الفتح لم يحرم بل دخلها وعلى رأسه المغفر لكونه لم يرد حينذاك حجا ولا عمرة وإنما أراد افتتاحها وإزالة ما فيها من الشرك.\nوأما من كان مسكنه دون المواقيت كسكان جدة وأم السلم وبحرة والشرائع وبدر ومستورة وأشباهها فليس عليه أن يذهب إلى شيء من المواقيت الخمسة المتقدمة بل مسكنه هو ميقاته فيحرم منه بما أراد من حج أو عمرة، وإذا كان له مسكن آخر خارج الميقات فهو بالخيار إن شاء أحرم من الميقات وإن شاء أحرم من مسكنه الذي هو أقرب من الميقات إلى مكة لعموم قول النبي ﷺ في حديث ابن عباس لما","vol":"1","page":23},{"text":"ذكر المواقيت قال: «ومن كان دون ذلك فمهله (١) من أهله حتى أهل مكة يهلون من مكة» أخرجه البخاري ومسلم.\nلكن من أراد العمرة وهو في الحرم فعليه أنه يخرج إلى الحل ويحرم بالعمرة منه لأن النبي ﷺ لما طلبت منه عائشة العمرة أمر أخاها عبد الرحمن أن يخرج بها إلى الحل فتحرم منه فدل ذلك على أن المعتمر لا يحرم بالعمرة من الحرم وإنما يحرم بها من الحل وهذا الحديث يخص حديث ابن عباس المتقدم ويدل على أن مراد النبي ﷺ بقوله: «حتى أهل مكة يهلون من مكة» هو الإهلال بالحج لا العمرة إذ لو كان الإهلال بالعمرة جائزا من الحرم لأذن لعائشة ﵂ في ذلك ولم يكلفها بالخروج إلى الحل وهذا أمر واضح وهو قول جمهور\n_________\n(١) فمهله: أي: إهلاله بالتلبية من مكان إحرامه.","vol":"1","page":24},{"text":"العلماء رحمة الله عليهم وهو أحوط للمؤمن لأن فيه العمل بالحديثين جميعا والله الموفق.\nوأما ما يفعله بعض الناس من الإكثار من العمرة بعد الحج من التنعيم أو الجعرانة أو غيرهما وقد سبق أن اعتمر قبل الحج فلا دليل على شرعيته بل الأدلة تدل على أن الأفضل تركه لأن النبي ﷺ وأصحابه ﵃ لم يعتمروا بعد فراغهم من الحج وإنما اعتمرت عائشة من التنعيم لكونها لم تعتمر مع الناس حين دخول مكة بسبب الحيض فطلبت من النبي ﷺ أن تعتمر بدلا من عمرتها التي أحرمت بها من الميقات فأجابها النبي ﷺ إلى ذلك وقد حصلت لها العمرتان، العمرة التي مع حجها وهذه العمرة المفردة، فمن كان مثل عائشة فلا بأس أن يعتمر بعد فراغه من الحج عملا بالأدلة كلها وتوسيعا على المسلمين ولا شك أن اشتغال الحجاج بعمرة أخرى بعد","vol":"1","page":25},{"text":"فراغهم من الحج سوى العمرة التي دخلوا بها مكة يشق على الجميع ويسبب كثرة الزحام والحوادث مع ما فيه من المخالفة لهدي النبي ﷺ وسنته والله الموفق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>[فصل في حكم من وصل إلى الميقات في غير أشهر الحج]</span>\nفصل\nفي حكم من وصل إلى\nالميقات في غير أشهر الحج اعلم أن الواصل إلى الميقات له حالان: إحداهما: أن يصل إليه في غير أشهر الحج كرمضان وشعبان فالسنة في حق هذا أن يحرم بالعمرة فينويها بقلبه ويتلفظ بلسانه قائلا: \" لبيك عمرة \" أو \" اللهم لبيك عمرة \" ثم يلبي بتلبية النبي ﷺ وهي: «لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك» ويكثر من هذه التلبية ومن ذكر الله سبحانه حتى يصل","vol":"1","page":26},{"text":"إلى البيت فإذا وصل إلى البيت قطع التلبية وطاف بالبيت سبعة أشواط وصلى خلف المقام ركعتين ثم خرج إلى الصفا وطاف بين الصفا والمروة سبعة أشواط ثم حلق شعر رأسه أو قصره وبذلك تمت عمرته وحل له كل شيء حرم عليه بالإحرام.\nالثانية: أن يصل إلى الميقات في أشهر الحج وهي شوال وذو القعدة والعشر الأول من ذي الحجة.\nفمثل هذا يخير بين ثلاثة أشياء، وهي: الحج وحده والعمرة وحدها والجمع بينهما لأن النبي ﷺ لما وصل إلى الميقات في ذي القعدة في حجة الوداع خير أصحابه بين هذه الأنساك الثلاثة، لكن السنة في حق هذا أيضا إذا لم يكن معه هدي أن يحرم بالعمرة ويفعل ما ذكرناه في حق من وصل إلى الميقات في غير أشهر الحج؛ لأن النبي ﷺ أمر أصحابه لما قربوا","vol":"1","page":27},{"text":"من مكة أن يجعلوا إحرامهم عمرة، وأكد عليهم في ذلك بمكة فطافوا وسعوا وقصروا وحلوا امتثالا لأمره ﷺ إلا من كان معه الهدي، فإن النبي ﷺ أمره أن يبقى على إحرامه حتى يحل يوم النحر والسنة في حق من ساق الهدي أن يحرم بالحج والعمرة جميعا، لأن النبي ﷺ قد فعل ذلك، وكان قد ساق الهدي وأمر من ساق الهدي من أصحابه وقد أهل بعمرة أن يلبي بحج مع عمرته وألا يحل حتى يحل منهما جميعا يوم النحر وإن كان الذي ساق الهدي قد أحرم بالحج وحده بقي على إحرامه أيضا حتى يحل يوم النحر كالقارن بينهما.\nوعلم بهذا: أن من أحرم بالحج وحده أو بالحج والعمرة وليس معه هدي لا ينبغي له أن يبقى على إحرامه بل السنة في حقه أن يجعل إحرامه عمرة فيطوف ويسعى ويقصر ويحل كما أمر النبي ﷺ من لم يسق الهدي من أصحابه","vol":"1","page":28},{"text":"بذلك، إلا أن يخشى هذا فوات الحج لكونه قدم متأخرا فلا بأس أن يبقى على إحرامه والله أعلم.\nوإن خاف المحرم ألا يتمكن من أداء نسكه لكونه مريضا أو خائفا من عدو ونحوه استحب له أن يقول عند إحرامه \" فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني \" لحديث ضباعة بنت الزبير أنها قالت: «يا رسول الله إني أريد الحج وأنا شاكية فقال لها النبي ﷺ حجي واشترطي إن محلي حيث حبستني» متفق عليه.\nوفائدة هذا الشرط أن المحرم إذا عرض له ما يمنعه من تمام نسكه من مرض أو صد عدو جاز له التحلل ولا شيء عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>[فصل في حكم حج الصبي الصغير هل يجزئه عن حجة الإسلام]</span>\nفصل\nفي حكم حج الصبي الصغير\nهل يجزئه عن حجة الإسلام؟ يصح حج الصبي الصغير والجارية الصغيرة لما في صحيح مسلم عن ابن عباس رضي الله","vol":"1","page":29},{"text":"عنهما «أن امرأة رفعت إلى النبي ﷺ صبيا فقالت يا رسول الله ألهذا حج؟ فقال نعم ولك أجر» .\nوفي صحيح البخاري «عن السائب بن يزيد قال حج بي مع رسول الله ﷺ وأنا ابن سبع سنين»\nلكن لا يجزئهما هذا الحج عن حجة الإسلام.\nوهكذا العبد المملوك والجارية المملوكة يصح منهما الحج ولا يجزئهما عن حجة الإسلام لما ثبت من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «أيما صبي حج ثم بلغ الحنث فعليه أن يحج حجة أخرى وأيما عبد حج ثم أعتق فعليه حجة أخرى» أخرجه ابن أبي شيبة والبيهقي بإسناد حسن.\nثم إن كان الصبي دون التمييز نوى عنه الإحرام وليه فيجرده من المخيط ويلبي عنه، ويصير الصبي محرما بذلك فيمنع ما يمنع عنه المحرم الكبير، وهكذا الجارية التي دون التمييز ينوي عنها الإحرام وليها ويلبي عنها","vol":"1","page":30},{"text":"وتصير محرمة بذلك، وتمنع مما تمنع منه المحرمة الكبيرة، وينبغي أن يكونا طاهري الثياب والأبدان حال الطواف لأن الطواف يشبه الصلاة، والطهارة شرط لصحتها.\nوإن كان الصبي والجارية مميزين أحرما بإذن وليهما وفعلا عند الإحرام ما يفعله الكبير من الغسل والطيب ونحوهما ووليهما هو المتولي لشئونهما القائم بمصالحهما، سواء كان أباهما أو أمهما أو غيرهما، ويفعل الولي عنهما ما عجزا عنه كالرمي ونحوه، ويلزمهما فعل ما سوى ذلك من المناسك كالوقوف بعرفة والمبيت بمنى ومزدلفة والطواف والسعي، فإن عجزا عن الطواف والسعي طِيفَ بهما وسعي بهما محمولين والأفضل لحاملهما ألا يجعل الطواف والسعي مشتركين بينه وبينهما، بل ينوي الطواف والسعي لهما ويطوف لنفسه طوافا مستقلا ويسعى لنفسه سعيا مستقلا احتياطا للعبادة وعملا بالحديث الشريف «دع","vol":"1","page":31},{"text":"ما يريبك إلى ما لا يريبك» فإن نوى الحامل الطواف عنه وعن المحمول أجزأه ذلك في أصح القولين لأن النبي ﷺ لم يأمر التي سألته عن حج الصبي أن تطوف له وحده ولو كان ذلك واجبا لبينه ﷺ والله الموفق.\nويؤمر الصبي المميز والجارية المميزة بالطهارة من الحدث والنجس قبل الشروع في الطواف كالمحرم الكبير، وليس الإحرام عن الصبي الصغير والجارية الصغيرة بواجب على وليهما بل هو نفل، فإن فعل ذلك فله أجر وإن ترك ذلك فلا حرج عليه والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>[فصل في بيان محظورات الإحرام وما يباح فعله للمحرم]</span>\nفصل\nفي بيان محظورات الإحرام\nوما يباح فعله للمحرم لا يجوز للمحرم بعد نية الإحرام سواء","vol":"1","page":32},{"text":"كان ذكرا أو أنثى أن يأخذ شيئا من شعره أو أظفاره أو يتطيب.\nولا يجوز للذكر خاصة أن يلبس مخيطا على جملته يعني على هيئته التي فصل وخيط عليها كالقميص أو على بعضه كالفانلة والسراويل والخفين والجوربين إلا إذا لم يجد إزارا جاز له لبس السراويل، وكذا من لم يجد نعلين جاز له لبس الخفين من غير قطع لحديث ابن عباس الثابت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: «من لم يجد نعلين فليلبس الخفين ومن لم يجد إزارا فليلبس السراويل»\nوأما ما ورد في حديث ابن عمر من الأمر بقطع الخفين إذا احتاج إلى لبسهما لفقد النعلين فهو منسوخ لأن النبي ﷺ أمر بذلك في المدينة لما سئل عما يلبس المحرم من الثياب ثم لما خطب الناس","vol":"1","page":33},{"text":"بعرفات أذن في لبس الخفين عند فقد النعلين ولم يأمر بقطعهما، وقد حضر هذه الخطبة من لم يسمع جوابه في المدينة وتأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز كما قد علم في علمي أصول الحديث والفقه فثبت بذلك نسخ الأمر بالقطع ولو كان ذلك واجبا لبينه ﷺ والله أعلم.\nويجوز للمحرم لبس الخفاف التي ساقها دون الكعبين لكونها من جنس النعلين.\nويجوز له عقد الإزار وربطه بخيط ونحوه لعدم الدليل المقتضي للمنع.\nويجوز للمحرم أن يغتسل ويغسل رأسه ويحكه إذا احتاج إلى ذلك برفق وسهولة فإن سقط من رأسه شيء بسبب ذلك فلا حرج عليه.\nويحرم على المرأة المحرمة أن تلبس مخيطا لوجهها كالبرقع والنقاب أو ليديها","vol":"1","page":34},{"text":"كالقفازين لقول النبي ﷺ «لا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين» رواه البخاري. والقفازان: ما يخاط أو ينسج من الصوف أو القطن أو غيرهما على قدر اليدين.\nويباح لها من المخيط ما سوى ذلك كالقميص والسراويل والخفين والجوارب ونحو ذلك،\nوكذلك يباح لها سدل خمارها على وجهها إذا احتاجت إلى ذلك بلا عصابة، وإن مس الخمار وجهها فلا شيء عليها لحديث عائشة ﵂ قالت: «كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ فإذا حاذونا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها فإذا جاوزونا كشفناه» أخرجه أبو داود وابن ماجة. وأخرج الدارقطني من حديث أم سلمة مثله. كذلك لا بأس أن تغطي يديها بثوبها أو غيره ويجب عليها تغطية وجهها وكفيها إذا كانت بحضرة الرجال","vol":"1","page":35},{"text":"الأجانب لأنها عورة لقول الله ﷾ ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] الآية ولا ريب أن الوجه والكفين من أعظم الزينة. والوجه في ذلك أشد وأعظم وقد قال تعالى ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣] الآية.\nوأما ما اعتادته الكثيرات من النساء من جعل العصابة تحت الخمار لترفعه عن وجهها فلا أصل له في الشرع فيما نعلم، ولو كان ذلك مشروعا لبينه الرسول ﷺ لأمته ولم يجز له السكوت عنه.\nويجوز للمحرم من الرجال والنساء غسل ثيابه التي أحرم فيها من وسخ أو نحوه، ويجوز له إبدالها بغيرها ولا يجوز له لبس شيء من الثياب مسه الزعفران أو الورس لأن النبي ﷺ نهى عن","vol":"1","page":36},{"text":"ذلك في حديث ابن عمر.\nويجب على المحرم أن يترك الرفث والفسوق والجدال لقول الله تعالى ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]\nوصح عن النبي ﷺ أنه قال: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه» والرفث: يطلق على الجماع وعلى الفحش من القول والفعل. والفسوق: المعاصي. والجدال: المخاصمة في الباطل أو فيما لا فائدة فيه. فأما الجدال بالتي هي أحسن لإظهار الحق ورد الباطل فلا بأس به بل هو مأمور به؛ لقول الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]\nويحرم على المحرم الذكر تغطية رأسه بملاصق كالطاقية والغترة والعمامة أو نحو ذلك","vol":"1","page":37},{"text":"وهكذا وجهه لقول النبي ﷺ في الذي سقط عن راحلته يوم عرفة ومات «اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تخمروا رأسه ووجهه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا» متفق عليه. وهذا لفظ مسلم.\nوأما استظلاله بسقف السيارة أو الشمسية أو نحوهما فلا بأس به كالاستظلال بالخيمة والشجرة لما ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ ظلل عليه بثوب حين رمى جمرة العقبة، وصح عنه ﷺ أنه ضربت له قبة بنمرة فنزل تحتها حتى زالت الشمس يوم عرفة.\nويحرم على المحرم من الرجال والنساء قتل الصيد البري والمعاونة في ذلك وتنفيره من مكانه، وعقد النكاح والجماع وخطبة النساء ومباشرتهن بشهوة لحديث عثمان ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب» رواه مسلم.","vol":"1","page":38},{"text":"وإن لبس المحرم مخيطا أو غطى رأسه أو تطيب ناسيا أو جاهلا فلا فدية عليه، ويزيل ذلك متى ذكر أو علم، وهكذا من حلق رأسه أو أخذ من شعره شيئا أو قلم أظافره ناسيا أو جاهلا فلا شيء عليه على الصحيح.\nويحرم على المسلم محرما كان أو غير محرم ذكرا كان أو أنثى قتل صيد الحرم والمعاونة في قتله بآلة أو إشارة أو نحو ذلك.\nويحرم تنفيره من مكانه ويحرم قطع شجر الحرم ونباته الأخضر ولقطته إلا لمن يعرفها لقول النبي ﷺ: «إن هذا البلد - يعني مكة - حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يعضد شجرها ولا ينفر صيدها ولا يختلى خلاها ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد» متفق عليه. والمنشد هو الْمُعَرِّف، والخلا هو الحشيش الرطب، ومنى ومزدلفة من الحرم وأما عرفة فمن الحل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>[فصل فيما يفعله الحاج عند دخول مكة وبيان ما يفعله بعد دخول المسجد] </span>الحرام","vol":"1","page":39},{"text":"فصل\nفيما يفعله الحاج عند دخول مكة\nوبيان ما يفعله بعد دخول المسجد\nالحرام من الطواف وصفته فإذا وصل المحرم إلى مكة استحب له أن يغتسل قبل دخولها لأن النبي ﷺ فعل ذلك؛ فإذا وصل إلى المسجد الحرام سن له تقديم رجله اليمنى ويقول: بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم اللهم افتح لي أبواب رحمتك\nويقول ذلك عند دخول سائر المساجد وليس لدخول المسجد الحرام ذكر يخصه ثابت عن النبي ﷺ فيما أعلم.\nفإذا وصل إلى الكعبة قطع التلبية قبل أن يشرع في الطواف إن كان متمتعا أو معتمرا، ثم قصد","vol":"1","page":40},{"text":"الحجر الأسود واستقبله، نم يستلمه بيمينه ويقبله إن تيسر ذلك ولا يؤذي الناس بالمزاحمة، ويقول عند استلامه: \" بسم الله والله أكبر \". فإن شق التقبيل استلمه بيده أو عصا، وَقَبَّلَ ما استلمه به فإن شق استلامه أشار إليه وقال: \" الله أكبر \".\nولا يقبل ما يشير به، ويجعل البيت عن يساره حال الطواف، وإن قال في ابتداء طوافه اللهم إيمانا بك وتصديقا بكتابك ووفاء بعهدك واتباعا لسنة نبيك محمد ﷺ فهو حسن لأن ذلك قد روي عن النبي ﷺ ويطوف سبعة أشواط ويرمل في جميع الثلاثة الأول من الطواف الأول وهو الطواف الذي يأتي به أول ما يقدم مكة سواء","vol":"1","page":41},{"text":"كان معتمرا أو متمتعا أو محرما بالحج وحده أو قارنا بينه وبين العمرة ويمشي في الأربعة الباقية يبتدئ كل شوط بالحجر الأسود ويختم به، والرمل هو الإسراع في المشي مع مقاربة الخطى.\nويستحب له أن يضطبع في جميع هذا الطواف دون غيره والاضطباع أن يجعل وسط الرداء تحت منكبه الأيمن وطرفيه على عاتقه الأيسر، وإن شك في عدد الأشواط بنى على اليقين وهو الأقل، فإذا شك هل طاف ثلاثة أشواط أو أربعة جعلها ثلاثة وهكذا يفعل في السعي.\nوبعد فراغه من هذا الطواف يرتدي بردائه فيجعله على كتفيه وطرفيه على صدره قبل أن يصلي ركعتي الطواف.\nومما ينبغي إنكاره على النساء وتحذيرهن منه: طوافهن بالزينة والروائح الطيبة وعدم التستر وهن عورة فيجب عليهن التستر وترك الزينة","vol":"1","page":42},{"text":"حال الطواف وغيرها من الحالات التي يختلط فيها النساء مع الرجال لأنهن عورة وفتنة ووجه المرأة هو أظهر زينتها فلا يجوز لها إبداؤه إلا لمحارمها لقول الله تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] الآية، فلا يجوز لهن كشف الوجه عند تقبيل الحجر الأسود إذا كان يراهن أحد من الرجال، وإذا لم يتيسر لهن فسحة لاستلام الحجر وتقبيله فلا يجوز لهن مزاحمة الرجال بل يطفن من ورائهم وذلك خير لهن وأعظم أجرا من الطواف قرب الكعبة حال مزاحمتهن الرجال ولا يشرع الرمل والاضطباع في غير هذا الطواف ولا في السعي ولا للنساء لأن النبي ﷺ لم يفعل الرمل والاضطباع إلا في طوافه الأول الذي أتى به حين قدم مكة ويكون حال الطواف متطهرا من الأحداث والأخباث خاضعا لربه متواضعا له.\nويستحب له أن يكثر في طوافه من ذكر الله","vol":"1","page":43},{"text":"والدعاء وإن قرأ فيه شيئا من القرآن فحسن ولا يجب في هذا الطواف ولا غيره من الأطوفة. ولا في السعي ذكر مخصوص ولا دعاء مخصوص.\nوأما ما أحدثه بعض الناس من تخصيص كل شوط من الطواف أو السعي بأذكار مخصوصة أو أدعية مخصوصة فلا أصل له، بل مهما تيسر من الذكر والدعاء كفى فإذا حاذى الركن اليماني استلمه بيمينه وقال: \" بسم الله والله أكبر \" ولا يقبله، فإن شق عليه استلامه تركه ومضى في طوافه ولا يشير إليه ولا يكبر عند محاذاته لأن ذلك لم يثبت عن النبي ﷺ فيما نعلم ويستحب له أن يقول بين الركن اليماني والحجر الأسود ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١] وكلما حاذى الحجر الأسود استلمه وقبله وقال: \" الله أكبر \". فإن لم يتيسر","vol":"1","page":44},{"text":"استلامه وتقبيله أشار إليه كلما حاذاه وكبر.\nولا بأس بالطواف من وراء زمزم والمقام ولا سيما عند الزحام والمسجد كله محل للطواف ولو طاف في أروقة المسجد أجزأه ذلك، ولكن طوافه قرب الكعبة أفضل إذا تيسر ذلك.\nفإذا فرغ من الطواف صلى ركعتين خلف المقام إذا تيسر له ذلك وإن لم يتيسر له ذلك لزحام ونحوه صلاهما في أي موضع من المسجد ويسن أن يقرأ فيهما بعد الفاتحة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] ثم يقصد الحجر الأسود فيستلمه بيمينه إن تيسر له ذلك اقتداء بالنبي ﷺ في ذلك.\nثم يخرج إلى الصفا من بابه فيرقاه أو يقف عنده والرقي على الصفا أفضل إن تيسر ويقرأ عند ذلك قوله تعالى","vol":"1","page":45},{"text":"﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]\nويستحب أن يستقبل القبلة ويحمد الله ويكبره ويقول: \" لا إله إلا الله، والله أكبر، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده \" ثم يدعو بما تيسر رافعا يديه، ويكرر هذا الذكر والدعاء ثلاث مرات ثم ينزل فيمشي إلى المروة حتى يصل إلى العلم الأول فيسرع الرجل في المشي إلى أن يصل إلى العلم الثاني، وأما المرأة فلا يشرع لها الإسراع بين العلمين لأنها عورة وإنما المشروع لها المشي في السعي كله ثم يمشي فيرقى المروة أو يقف عندها والرقي عليها أفضل إن تيسر ذلك، ويقول ويفعل على المروة كما قال وفعل على الصفا. ما عدا قراءة الآية وهي قوله تعالى","vol":"1","page":46},{"text":"﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] فهذا إنما يشرع عند الصعود إلى الصفا في الشوط الأول فقط؛ تأسيا بالنبي ﷺ ثم ينزل فيمشي في موضع مشيه ويسرع في موضع الإسراع حتى يصل إلى الصفا، يفعل ذلك سبع مرات ذهابه شوط، ورجوعه شوط لأن النبي ﷺ فعل ما ذكر وقال: «خذوا عني مناسككم» ويستحب أن يكثر في سعيه من الذكر والدعاء بما تيسر وأن يكون متطهرا من الحدث الأكبر والأصغر، ولو سعى على غير طهارة أجزأه ذلك، وهكذا لو حاضت المرأة أو نفست بعد الطواف سعت وأجزأها ذلك لأن الطهارة ليست شرطا في السعي وإنما هي مستحبة كما تقدم.\nفإذا كمل السعي حلق رأسه أو قصره، والحلق للرجل أفضل فإن قصر وترك الحلق للحج فحسن، وإذا كان قدومه مكة قريبا من وقت الحج فالتقصير في حقه أفضل ليحلق","vol":"1","page":47},{"text":"بقية رأسه في الحج لأن النبي ﷺ لما قدم هو وأصحابه مكة في رابع ذي الحجة أمر من لم يسق الهدي أن يحل ويقصر ولم يأمرهم بالحلق ولا بد في التقصير من تعميم الرأس ولا يكفي تقصير بعضه، كما أن حلق بعضه لا يكفي، والمرأة لا يشرع لها إلا التقصير، والمشروع لها أن تأخذ من كل ضفيرة قدر أنملة فأقل، والأنملة هي رأس الإصبع، ولا تأخذ المرأة زيادة على ذلك.\nفإذا فعل المحرم ما ذكر فقد تمت عمرته وحل له كل شيء حرم عليه بالإحرام، إلا أن يكون قد ساق الهدي من الحل فإنه يبقى على إحرامه حتى يحل من الحج والعمرة جميعا.\nوأما من أحرم بالحج مفردا أو بالحج والعمرة جميعا فيسن له أن يفسخ إحرامه إلى العمرة ويفعل ما يفعله المتمتع إلا أن يكون قد","vol":"1","page":48},{"text":"ساق الهدي لأن النبي ﷺ أمر أصحابه بذلك وقال: «لولا أني سقت الهدي لأحللت معكم»\nوإذا حاضت المرأة أو نفست بعد إحرامها بالعمرة لم تطف بالبيت ولا تسعى بين الصفا والمروة حتى تطهر، فإذا طهرت طافت وسعت وقصرت من رأسها وتمت عمرتها بذلك فإن لم تطهر قبل يوم التروية أحرمت بالحج من مكانها الذي هي مقيمة فيه وخرجت مع الناس إلى منى، وتصير بذلك قارنة بين الحج والعمرة، وتفعل ما يفعله الحاج من الوقوف بعرفة وعند المشعر ورمي الجمار والمبيت بمزدلفة ومنى ونحر الهدي والتقصير فإذا طهرت طافت بالبيت وسعت بين الصفا والمروة طوافا واحدا وسعيا واحدا وأجزأها ذلك عن حجها وعمرتها جميعا لحديث عائشة «أنها حاضت بعد إحرامها بالعمرة فقال لها النبي ﷺ: افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري» متفق عليه.","vol":"1","page":49},{"text":"وإذا رمت الحائض والنفساء الجمرة يوم النحر وقصرت من شعرها حل لها كل شيء حرم عليها بالإحرام كالطيب ونحوه إلا الزوج حتى تكمل حجها كغيرها من النساء الطاهرات فإذا طافت وسعت بعد الطهر حل لها زوجها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>[فصل في حكم الإحرام بالحج يوم الثامن من ذي الحجة والخروج إلى منى]</span>\nفصل\nفي حكم الإحرام بالحج يوم الثامن\nمن ذي الحجة والخروج إلى منى فإذا كان يوم التروية وهو الثامن من ذي الحجة استحب للمحلين بمكة ومن أراد الحج من أهلها الإحرام بالحج من مساكنهم، لأن أصحاب النبي ﷺ أقاموا بالأبطح وأحرموا بالحج منه يوم التروية عن أمره ﷺ ولم يأمرهم النبي ﷺ أن يذهبوا إلى البيت فيحرموا عنده أو عند الميزاب وكذا لم يأمرهم بطواف الوداع عند خروجهم إلى منى، ولو كان ذلك مشروعا","vol":"1","page":50},{"text":"لعلمهم إياه، والخير كله في اتباع النبي ﷺ وأصحابه ﵃.\nويستحب أن يغتسل ويتنظف ويتطيب عند إحرامه بالحج كما يفعل ذلك عند إحرامه من الميقات، وبعد إحرامهم بالحج يسن لهم التوجه إلى منى قبل الزوال أو بعده من يوم التروية ويكثروا من التلبية إلى أن يرموا جمرة العقبة ويصلون بمنى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، والسنة أن يُصَلوا كل صلاة في وقتها قصرا بلا جمع إلا المغرب والفجر فلا يقصران.\nولا فرق بين أهل مكة وغيرهم لأن النبي ﷺ صلى بالناس من أهل مكة وغيرهم بمنى وعرفة ومزدلفة قصرا، ولم يأمر أهل مكة بالإتمام ولو كان واجبا عليهم لبينه لهم. ثم بعد طلوع الشمس من يوم عرفة يتوجه الحاج من منى إلى عرفة، ويسن أن ينزلوا بنمرة إلى الزوال، إن تيسر ذلك لفعله ﷺ.","vol":"1","page":51},{"text":"فإذا زالت الشمس يسن للإمام أو نائبه أن يخطب الناس خطبة تناسب الحال يبين فيها ما يشرع للحاج في هذا اليوم وبعده، ويأمرهم فيها بتقوى الله وتوحيده والإخلاص له في كل الأعمال، ويحذرهم من محارمه، ويوصيهم فيها بالتمسك بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ، والحكم بهما والتحاكم إليهما في كل الأمور اقتداء بالنبي ﷺ في ذلك كله، وبعدها يصلون الظهر والعصر قصرا وجمعا في وقت الأولى بأذان واحد وإقامتين لفعله ﷺ. رواه مسلم من حديث جابر.\nثم يقف الناس بعرفة، وكلها موقف إلا بطن عُرنَةَ، ويستحب استقبال القبلة وجبل الرحمة إن تيسر ذلك فإن لم يتيسر استقبالهما استقبل القبلة وإن لم يستقبل الجبل، ويستحب للحاج في هذا الموقف أن يجتهد في ذكر الله سبحانه ودعائه والتضرع إليه، ويرفع يديه حال","vol":"1","page":52},{"text":"الدعاء وإن لبى أو قرأ شيئا من القرآن فحسن، ويسن أن يكثر من قول لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير؛ لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة وأفضل ما قُلتُ أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يُحيي ويميت وهو على كل شيء قدير» وصح عنه ﷺ أنه قال: «أحب الكلام إلى الله أربع سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر»\nفينبغي الإكثار من هذا الذكر وتكراره بخشوع وحضور قلب وينبغي الإكثار أيضا من الأذكار والأدعية الواردة في الشرع في كل وقت ولا سيما في هذا الموضع في هذا اليوم العظيم ويختار جوامع الذكر والدعاء ومن ذلك:\n\" سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم \"\n﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]","vol":"1","page":53},{"text":"\" لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون \" لا حول ولا قوة إلا بالله \"\nرَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.\n\" اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي واجعل الحياة زيادة لي في كل خير والموت راحة لي من كل شر \"\n\" أعوذ بالله من جهد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء \"\n\" اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن ومن العجز والكسل ومن الجبن والبخل ومن المأثم والمغرم ومن غلبة الدين وقهر","vol":"1","page":54},{"text":"الرجال. أعوذ بك اللهم من البرص والجنون والجذام ومن سيئ الأسقام.\nاللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي. اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي واحفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني.\nاللهم اغفر لي جدي وهزلي وخطئي وعمدي وكل ذلك عندي.\nاللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أنت أعلم به مني. أنت المقدم وأنت المؤخر وأنت على","vol":"1","page":55},{"text":"كل شيء قدير.\nاللهم إني أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد. وأسألك شكر نعمتك وحسن عبادتك. وأسألك قلبا سليما ولسانا صادقا. وأسألك من خير ما تعلم. وأعوذ بك من شر ما تعلم وأستغفرك لما تعلم إنك علام الغيوب.\nاللهم رب النبي محمد ﵊ اغفر لي ذنبي وأذهب غيظ قلبي وأعذني من مضلات الفتن ما أبقيتني.\nاللهم رب السماوات ورب الأرض ورب العرش العظيم ربنا ورب كل شيء فالق الحب والنوى منزل التوراة والإنجيل والقرآن أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك","vol":"1","page":56},{"text":"شيء اقض عني الدين وأغنني من الفقر.\nاللهم أعط نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها.\nاللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل وأعوذ بك من الجبن والهرم والبخل وأعوذ بك من عذاب القبر.\nاللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت أعوذ بعزتك أن تضلني لا إله إلا أنت. أنت الحي الذي لا يموت والجن والإنس يموتون.\nاللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ومن قلب لا يخشع ومن نفس لا تشبع ومن دعوة لا يستجاب لها.\nاللهم جنبني منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء.\nاللهم ألهمني رشدي وأعذني من شر نفسي.\nاللهم اكفني بحلالك عن حرامك وأغنني","vol":"1","page":57},{"text":"بفضلك عمن سواك.\nاللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى.\nاللهم إني أسألك الهدى والسداد.\nاللهم إني أسألك من الخير كله عاجله وآجله ما علمت منه وما لم أعلم وأعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمت منه وما لم أعلم وأسألك من خير ما سألك منه عبدك ونبيك محمد ﷺ. وأعوذ بك من شر ما استعاذ منه عبدك ونبيك محمد ﷺ.\nاللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل وأسألك أن تجعل كل قضاء قضيته لي خيرا.\nلا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت بيده الخير وهو على كل شيء قدير. سبحان الله والحمد","vol":"1","page":58},{"text":"لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.\nاللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد \".\nرَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.\nويستحب في هذا الموقف العظيم أن يكرر الحاج ما تقدم من الأذكار والأدعية وما كان في معناها من الذكر والدعاء والصلاة على النبي ﷺ ويلح في الدعاء. ويسأل ربه من خيري الدنيا والآخرة.\nوكان النبي ﷺ إذا دعا كرر الدعاء ثلاثا فينبغي التأسي به في ذلك ﵊. ويكون المسلم في هذا الموقف مخبتا لربه سبحانه متواضعا له خاضعا لجنابه منكسرا","vol":"1","page":59},{"text":"بين يديه يرجو رحمته ومغفرته، ويخاف عذابه ومقته، ويحاسب نفسه ويجدد توبة نصوحا؛ لأن هذا يوم عظيم، ومجمع كبير، يجود الله فيه على عباده، ويباهي بهم ملائكته، ويكثر فيه العتق من النار، وما رئي الشيطان في يوم هو فيه أدحر ولا أصغر ولا أحقر منه في يوم عرفة إلا ما رئي يوم بدر، وذلك لما يرى من جود الله على عباده وإحسانه إليهم وكثرة إعتاقه ومغفرته. وفي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول ما أراد هؤلاء؟»\nفينبغي للمسلمين أن يروا الله من أنفسهم خيرا وأن يهينوا عدوهم الشيطان ويحزنوه بكثرة الذكر والدعاء وملازمة التوبة والاستغفار من جميع الذنوب والخطايا ولا يزال الحجاج","vol":"1","page":60},{"text":"في هذا الموقف مشتغلين بالذكر والدعاء والتضرع إلى أن تغرب الشمس، فإذا غربت انصرفوا إلى مزدلفة بسكينة ووقار وأكثروا من التلبية وأسرعوا في المتسع؛ لفعل النبي ﷺ ولا يجوز الانصراف قبل الغروب لأن النبي ﷺ وقف حتى غربت الشمس وقال «خذوا عني مناسككم»\nفإذا وصلوا إلى مزدلفة صلوا بها المغرب ثلاث ركعات والعشاء ركعتين جمعا بأذان وإقامتين من حين وصولهم إليها لفعل النبي ﷺ سواء وصلوا إلى مزدلفة في وقت المغرب أو بعد دخول وقت العشاء.\nوما يفعله بعض العامة من لقط حصى الجمار من حين وصوله إلى مزدلفة قبل الصلاة واعتقاد كثير منهم أن ذلك مشروع فهو غلط لا أصل له، والنبي ﷺ لم يأمر أن يلتقط له الحصى إلا بعد انصرافه من المشعر إلى منى ومن أي موضع لقط الحصى أجزأه ذلك، ولا يتعين لقطه من","vol":"1","page":61},{"text":"مزدلفة بل يجوز لقطه من منى والسنة التقاط سبع في هذا اليوم يرمي بها جمرة العقبة اقتداء بالنبي ﷺ أما في الأيام الثلاثة فيلتقط من منى كل يوم إحدى وعشرين حصاة يرمي بها الجمار الثلاث.\nولا يستحب غسل الحصى بل يرمي به من غير غسل لأن ذلك لم ينقل عن النبي ﷺ وأصحابه ولا يرمي بحصى قد رمي به.\nويبيت الحاج في هذه الليلة بمزدلفة ويجوز للضعفاء من النساء والصبيان ونحوهم أن يدفعوا إلى منى آخر الليل. لحديث عائشة وأم سلمة وغيرهما. وأما غيرهم من الحجاج فيتأكد في حقهم أن يقيموا بها إلى أن يصلوا الفجر ثم يقفوا عند المشعر الحرام فيستقبلوا القبلة ويكثروا من ذكر الله وتكبيره والدعاء إلى أن يسفروا جدا، ويستحب رفع اليدين هنا حال الدعاء وحيثما وقفوا من مزدلفة أجزأهم ذلك","vol":"1","page":62},{"text":"ولا يجب عليهم القرب من المشعر ولا صعوده؛ لقول النبي ﷺ: «وقمت ههنا - يعني على المشعر - وجمع كلها موقف» . رواه مسلم في صحيحه، وجمع هي مزدلفة.\nفإذا أسفروا جدا انصرفوا إلى منى قبل طلوع الشمس وأكثروا من التلبية في سيرهم فإذا وصلوا إلى محسر استحب الإسراع قليلا.\nفإذا وصلوا إلى منى قطعوا التلبية عند جمرة العقبة ثم رموها من حين وصولهم بسبع حصيات متعاقبات، يرفع يده عند رمي كل حصاة ويكبر، ويستحب أن يرميها من بطن الوادي ويجعل الكعبة عن يساره ومنى عن يمينه؛ لفعل النبي ﷺ، وإن رماها من الجوانب الأخرى أجزأه إذا وقع الحصى في المرمى، ولا يشترط بقاء الحصى في المرمى وإنما المشترط وقوعه فيه فلو وقعت الحصاة في المرمى ثم خرجت منه أجزأت في ظاهر كلام","vol":"1","page":63},{"text":"أهل العلم. وممن صرح بذلك النووي ﵀ في شرح المهذب، ويكون حصى الجمار مثل حصى الخذف، وهو أكبر من الحمص قليلا.\nثم بعد الرمي ينحر هديه ويستحب أن يقول عند نحره أو ذبحه \" بسم الله والله أكبر، اللهم هذا منك ولك \". ويوجه إلى القبلة، والسنة نحر الإبل قائمة معقولة يدها اليسرى وذبح البقر والغنم على جنبها الأيسر، ولو ذبح إلى غير القبلة ترك السنة وأجزأته ذبيحته لأن التوجيه إلى القبلة عند الذبح سنة وليس بواجب، ويستحب أن يأكل من هديه ويهدي ويتصدق لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨] ويمتد وقت الذبح إلى غروب شمس اليوم الثالث من أيام التشري ق في أصح أقوال أهل العلم، فتكون مدة الذبح يوم النحر وثلاثة أيام بعده.\nثم بعد نحر الهدي أو ذبحه يحلق رأسه أو","vol":"1","page":64},{"text":"يقصره، والحلق أفضل لأن النبي ﷺ دعا بالرحمة والمغفرة للمحلقين ثلاث مرات وللمقصرين واحدة ولا يكفي تقصير بعض الرأس بل لا بد من تقصيره كله كالحلق، والمرأة تقصر من كل ضفيرة قدر أنملة فأقل.\nوبعد رمي جمرة العقبة والحلق أو التقصير يباح للمحرم كل شيء حرم عليه بالإحرام إلا النساء ويسمى هذا التحلل: التحلل الأول، ويسن له بعد هذا التحلل التطيب والتوجه إلى مكة ليطوف طواف الإفاضة؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: «كنت أطيب رسول الله ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت» أخرجه البخاري ومسلم. ويسمى هذا الطواف طواف الإفاضة وطواف الزيارة وهو ركن من أركان الحج لا يتم الحج إلا به، وهو المراد في قوله ﷿ ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]","vol":"1","page":65},{"text":"ثم بعد الطواف وصلاة الركعتين خلف المقام يسعى بين الصفا والمروة إن كان متمتعا، وهذا السعي لحجه والسعي الأول لعمرته.\nولا يكفي سعي واحد في أصح قول العلماء لحديث عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ فذكرت الحديث وفيه فقال: «من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا إلى أن قالت فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبالصفا والمروة ثم حلوا ثم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم» رواه البخاري ومسلم.\nوقولها ﵂ عن الذين أهلوا بالعمرة ثم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم، تعني به الطواف بين الصفا والمروة على أصح الأقوال في تفسير هذا الحديث، وأما قول من قال أرادت بذلك","vol":"1","page":66},{"text":"طواف الإفاضة فليس بصحيح لأن طواف الإفاضة ركن في حق الجميع وقد فعلوه، وإنما المراد بذلك ما يخص المتمتع وهو الطواف بين الصفا والمروة مرة ثانية بعد الرجوع من منى لتكميل حجه، وذلك واضح بحمد الله وهو قول أكثر أهل العلم ويدل على صحة ذلك أيضا ما رواه البخاري في الصحيح تعليقا مجزوما به عن ابن عباس ﵄ أنه سئل عن متعة الحج فقال. «أهل المهاجرون والأنصار وأزواج النبي ﷺ في حجة الوداع وأهللنا فلما قدمنا مكة قال رسول الله ﷺ: اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا من قلد الهدي، فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة وأتينا النساء ولبسنا الثياب. وقال: من قلد الهدي فإنه لا يحل حتى يبلغ الهدي محله، ثم أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة» .","vol":"1","page":67},{"text":"انتهى المقصود منه وهو صريح في سعي المتمتع مرتين والله أعلم.\nوأما ما رواه مسلم عن جابر «أن النبي ﷺ وأصحابه لم يطوفوا بين الصفا والمروة إلا طوافا واحدا» . طوافهم الأول فهو محمول على من ساق الهدي من الصحابة لأنهم بقوا على إحرامهم مع النبي ﷺ حتى حلوا من الحج والعمرة جميعا. والنبي ﷺ قد أهل بالحج والعمرة وأمر من ساق الهدي أن يهل بالحج مع العمرة وألا يحل حتى يحل منهما جميعا والقارن بين الحج والعمرة ليس عليه إلا سعي واحد كما دل عليه حديث جابر المذكور وغيره من الأحاديث الصحيحة.\nوهكذا من أفرد الحج وبقي على إحرامه إلى يوم النحر ليس عليه إلا سعي واحد، فإذا سعى القارن والمفرد بعد طواف القدوم كفاه ذلك عن السعي بعد طواف الإفاضة وهذا هو الجمع بين","vol":"1","page":68},{"text":"حديثي عائشة وابن عباس وبين حديث جابر المذكور وبذلك يزول التعارض ويحصل العمل بالأحاديث كلها.\nومما يؤيد هذا الجمع أن حديثي عائشة وابن عباس حديثان صحيحان وقد أثبتا السعي الثاني في حق المتمتع وظاهر حديث جابر ينفي ذلك والمثبت مقدم على النافي كما هو مقرر في علمي الأصول ومصطلح الحديث والله ﷾ الموفق للصواب، ولا حول ولا قوة إلا بالله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>[فصل في بيان أفضلية ما يفعله الحاج يوم النحر]</span>\nفصل\nفي بيان أفضلية ما يفعله\nالحاج يوم النحر والأفضل للحاج أن يرتب هذه الأمور الأربعة يوم النحر كما ذكر فيبدأ أولا برمي جمرة العقبة ثم النحر ثم الحلق أو التقصير ثم الطواف بالبيت والسعي بعده للمتمتع وكذلك للمفرد والقارن إذا لم يسعيا مع طواف القدوم، فإن قدم بعض هذه","vol":"1","page":69},{"text":"الأمور على بعض أجزأه ذلك؛ لثبوت الرخصة عن النبي ﷺ في ذلك، ويدخل في ذلك تقديم السعي على الطواف لأنه من الأمور التي تفعل يوم النحر فدخل في قول الصحابي. فما سئل يومئذ عن شيء قدم ولا أخر إلا قال \" افعل ولا حرج \" ولأن ذلك مما يقع في النسيان والجهل فوجب دخوله في هذا العموم لما في ذلك من التيسير والتسهيل. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه «سئل عمن سعى قبل أن يطوف فقال لا حرج» أخرجه أبو داود من حديث أسامة بن شريك بإسناد صحيح. فاتضح بذلك دخوله في العموم من غير شك، والله الموفق.\nوالأمور التي يحصل للحاج بها التحلل التام ثلاثة وهي رمي جمرة العقبة والحلق أو التقصير وطواف الإفاضة مع السعي بعده لما ذكر آنفا، فإذا فعل هذه الثلاثة حل له كل شيء حرم عليه بالإحرام من النساء والطيب وغير ذلك، ومن","vol":"1","page":70},{"text":"فعل اثنين منها حل له كل شيء حرم عليه بالإحرام إلا النساء ويسمى هذا ب: التحلل الأول.\nويستحب للحاج الشرب من ماء زمزم والتضلع منه، والدعاء بما تيسر من الدعاء النافع، وماء زمزم لما شرب له كما روي عن النبي ﷺ في صحيح مسلم عن أبي ذر «أن النبي ﷺ قال في ماء زمزم: إنه طعام طعم» زاد أبو داود «وشفاء سقم»\nوبعد طواف الإفاضة والسعي ممن عليه سعي يرجع الحجاج إلى منى فيقيمون بها ثلاثة أيام بلياليها ويرمون الجمار الثلاث في كل يوم من الأيام الثلاثة بعد زوال الشمس ويجب الترتيب في رميها.\nفيبدأ بالجمرة الأولى: وهي التي تلي مسجد الخيف فيرميها بسبع حصيات متعاقبات يرفع يده عند كل حصاة ويسن أن يتأخر عنها ويجعلها عن يساره ويستقبل القبلة ويرفع يديه ويكثر من","vol":"1","page":71},{"text":"الدعاء والتضرع.\nثم يرمي الجمرة الثانية كالأولى، ويسن أن يتقدم قليلا بعد رميها ويجعلها عن يمينه ويستقبل القبلة ويرفع يديه فيدعو كثيرا.\nثم يرمي الجمرة الثالثة ولا يقف عندها.\nثم يرمي الجمرات في اليوم الثاني من أيام التشريق بعد الزوال كما رماها في اليوم الأول ويفعل عند الأولى والثانية كما فعل في اليوم الأول اقتداء بالنبي ﷺ.\nوالرمي في اليومين الأولين من أيام التشريق واجب من واجبات الحج وكذا المبيت بمنى في الليلة الأولى والثانية واجب إلا على السقاة والرعاة ونحوهم فلا يجب.\nثم بعد الرمي في اليومين المذكورين من أحب أن يتعجل من منى جاز له ذلك ويخرج قبل غروب الشمس، ومن تأخر وبات الليلة الثالثة ورمى الجمرات في اليوم الثالث فهو أفضل","vol":"1","page":72},{"text":"وأعظم أجرا كما قال الله تعالى ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: ٢٠٣]؛ ولأن النبي ﷺ رخص للناس في التعجل ولم يتعجل هو بل أقام بمنى حتى رمى الجمرات في اليوم الثالث عشر بعد الزوال ثم ارتحل قبل أن يصلي الظهر.\nويجوز لولي الصبي العاجز عن مباشرة الرمي أن يرمي عنه جمرة العقبة وسائر الجمار بعد أن يرمي عن نفسه، وهكذا البنت الصغيرة العاجزة عن الرمي يرمي عنها وليها لحديث جابر قال «حججنا مع رسول الله ﷺ ومعنا النساء والصبيان فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم» أخرجه ابن ماجة.\nويجوز للعاجز عن الرمي لمرض أو كبر سن أو حمل أن يوكل من يرمي عنه لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] وهؤلاء","vol":"1","page":73},{"text":"لا يستطيعون مزاحمة الناس عند الجمرات وزمن الرمي يفوت ولا يشرع قضاؤه لهم فجاز لهم أن يوكلوا بخلاف غيره من المناسك فلا ينبغي للمحرم أن يستنيب من يؤديه عنه ولو كان حجه نافلة لأن من أحرم بالحج أو العمرة ولو كانا نفلين لزمه إتمامهما لقول الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وزمن الطواف والسعي لا يفوت بخلاف زمن الرمي.\nوأما الوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة ومنى فلا شك أن زمنها يفوت ولكن حصول العاجز في هذه المواضع ممكن ولو مع المشقة بخلاف مباشرته للرمي ولأن الرمي قد وردت الاستنابة فيه عن السلف الصالح في حق المعذور بخلاف غيره.\nوالعبادات توقيفية ليس لأحد أن يشرع منها شيئا إلا بحجة ويجوز للنائب أن يرمي عن نفسه ثم عن مستنيبه كل جمرة من الجمار","vol":"1","page":74},{"text":"الثلاث وهو في موقف واحد، ولا يجب عليه أن يكمل رمي الجمار الثلاث عن نفسه ثم يرجع فيرمي عن مستنيبه في أصح قولي العلماء لعدم الدليل الموجب لذلك ولما في ذلك من المشقة والحرج والله ﷾ يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وقال النبي ﷺ: «يسروا ولا تعسروا» ولأن ذلك لم ينقل عن أصحاب رسول الله ﷺ حين رموا عن صبيانهم والعاجز منهم ولو فعلوا ذلك لنقل لأنه مما تتوافر الهمم على نقله والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>[فصل في وجوب الدم على المتمتع والقارن]</span>\nفصل\nفي وجوب الدم على المتمتع والقارن ويجب على الحاج إذا كان متمتعا أو قارنا ولم يكن من حاضري المسجد الحرام، دم وهو شاة أو سبع بدنة أو سبع بقرة. ويجب","vol":"1","page":75},{"text":"أن يكون ذلك من مال حلال وكسب طيب؛ لأن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا.\nوينبغي للمسلم التعفف عن سؤال الناس هديا أو غيره سواء كانوا ملوكا أو غيرهم إذا يسر الله له من ماله ما يهديه عن نفسه ويغنيه عما في أيدي الناس لما جاء في الأحاديث الكثيرة عن النبي ﷺ في ذم السؤال وعيبه، ومدح من تركه.\nفإن عجز المتمتع والقارن عن الهدي وجب عليه أن يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، وهو مخير في صيام الثلاثة إن شاء صامها قبل يوم النحر وإن شاء صامها في أيام التشريق الثلاثة. قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] الآية [البقرة: ١٩٦] .\nوفي صحيح البخاري عن عائشة وابن عمر قالا «لم يرخص في أيام التشريق أن يُصَمْنَ","vol":"1","page":76},{"text":"إلا لمن لم يجد الهدي» وهذا في حكم المرفوع إلى النبي ﷺ. والأفضل أن يقدم صوم الأيام الثلاثة على يوم عرفة ليكون في يوم عرفة مفطرا لأن النبي ﷺ وقف يوم عرفة مفطرا ونهى عن صوم يوم عرفة بعرفة، ولأن الفطر في هذا اليوم أنشط له على الذكر والدعاء ويجوز صوم الثلاثة الأيام المذكورة متتابعة ومتفرقة، وكذا صوم السبعة لا يجب عليه التتابع فيها بل يجوز صومها مجتمعة ومتفرقة لأن الله سبحانه لم يشرط التتابع فيها وكذا رسوله ﵊، والأفضل تأخير صوم السبعة إلى أن يرجع إلى أهله، لقوله تعالى ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]\nوالصوم للعاجز عن الهدي أفضل من سؤال الملوك وغيرهم هديا يذبحه عن نفسه، ومن أعطي هديا أو غيره من غير مسألة ولا إشراف نفس فلا بأس به ولو كان حاجا عن غيره أي إذا لم يشترط عليه أهل النيابة شراء الهدي من","vol":"1","page":77},{"text":"المال المدفوع له، وأما ما يفعله بعض الناس من سؤال الحكومة أو غيرها شيئا من الهدي باسم أشخاص يذكرهم وهو كاذب فهذا لا شك في تحريمه لأنه من التأكل بالكذب، عافانا الله والمسلمين من ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>[فصل في وجوب الأمر بالمعروف على الحجاج وغيرهم]</span>\nفصل\nفي وجوب الأمر بالمعروف\nعلى الحجاج وغيرهم ومن أعظم ما يجب على الحجاج وغيرهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمحافظة على الصلوات الخمس في الجماعة كما أمر الله بذلك في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ.\nوأما ما يفعله الكثير من الناس من سكان مكة وغيرها من الصلاة في البيوت وتعطيل المساجد فهو خطأ مخالف للشرع فيجب النهي عنه، وأمر الناس بالمحافظة على الصلاة في المساجد؛ لما","vol":"1","page":78},{"text":"قد ثبت عنه ﷺ أنه «قال لابن أم مكتوم لما استأذنه أن يصلي في بيته لكونه أعمى بعيد الدار عن المسجد: هل تسمع النداء بالصلاة؟ قال نعم قال فأجب»\nوفي رواية «لا أجد لك رخصة» وقال ﷺ: «لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلا فيؤم الناس ثم أنطلق إلى رجال لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار» وفي سنن ابن ماجه وغيره بإسناد حسن عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «من سمع النداء فلم يأت فلا صلاة له إلا من عذر» وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود قال: «من سره أن يلقى الله غدا مسلما فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى وإنهن من سنن الهدي ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم وما من رجل يتطهر فيحسن","vol":"1","page":79},{"text":"الطهور ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة ويرفعه الله بها درجة ويحط عنه بها سيئة ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف» .\nويجب على الحجاج وغيرهم اجتناب محارم الله تعالى. والحذر من ارتكابها كالزنا واللواط والسرقة وأكل الربا وأكل مال اليتيم والغش في المعاملات، والخيانة في الأمانات وشرب المسكرات والدخان، وإسبال الثياب والكبر والحسد والرياء والغيبة والنميمة والسخرية بالمسلمين واستعمال آلات الملاهي، كالاسطوانات والعود والرباب والمزامير وأشباهها واستماع الأغاني وآلات الطرب من الراديو وغيره، واللعب بالنرد والشطرنج والمعاملة بالميسر وهو القمار وتصوير ذات الأرواح من","vol":"1","page":80},{"text":"الآدميين وغيرهم، والرضا بذلك، فإن هذه كلها من المنكرات التي حرمها الله على عباده في كل زمان ومكان، فيجب أن يحذرها الحجاج وسكان بيت الله الحرام أكثر من غيرهم لأن المعاصي في هذا البلد الأمين إثمها أشد وعقوبتها أعظم. وقد قال الله تعالى ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥] فإذا كان الله قد توعد من أراد أن يلحد في الحرم بظلم فكيف تكون عقوبة من فعل؟ لا شك أنها أعظم وأشد فيجب الحذر من ذلك ومن سائر المعاصي.\nولا يحصل للحجاج بر الحج وغفران الذنوب إلا بالحذر من هذه المعاصي وغيرها مما حرم الله عليهم كما في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه»\nوأشد من هذه المنكرات وأعظم منها دعاء الأموات والاستغاثة بهم والنذر لهم والذبح","vol":"1","page":81},{"text":"لهم رجاء أن يشفعوا لداعيهم عند الله أو يشفوا مريضه أو يردوا غائبه ونحو ذلك. وهذا من الشرك الأكبر الذي حرمه الله وهو دين مشركي الجاهلية وقد بعث الله الرسل وأنزل الكتب لإنكاره والنهي عنه.\nفيجب على كل فرد من الحجاج وغيرهم أن يحذره وأن يتوب إلى الله مما سلف من ذلك إن كان قد سلف منه شيء، وأن يستأنف حجة جديدة بعد التوبة منه، لأن الشرك الأكبر يحبط الأعمال كلها كما قال الله تعالى ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨]\nومن أنواع الشرك الأصغر الحلف بغير الله، كالحلف بالنبي والكعبة والأمانة ونحو ذلك.\nومن ذلك الرياء والسمعة وقول ما شاء الله وشئت ولولا الله وأنت، وهذا من الله ومنك وأشباه ذلك.\nفيجب الحذر من هذه المنكرات الشركية","vol":"1","page":82},{"text":"والتواصي بتركها لما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال. «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي بإسناد صحيح. وفي الصحيح عن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت» وقال أيضا: «من حلف بالأمانة فليس منا» أخرجه أبو داود وقال ﷺ أيضا: «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر فسئل عنه فقال الرياء» وقال ﷺ: «لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان» وأخرج النسائي عن ابن عباس «أن رجلا قال يا رسول الله ما شاء الله وشئت فقال أجعلتني لله ندا بل ما شاء الله وحده»\nوهذه الأحاديث تدل على حماية النبي ﷺ جناب التوحيد، وتحذيره لأمته من الشرك الأكبر والأصغر، وحرصه على سلامة إيمانهم ونجاتهم","vol":"1","page":83},{"text":"من عذاب الله وأسباب غضبه فجزاه الله عن ذلك أفضل الجزاء فقد أبلغ وأنذر ونصح لله ولعباده ﷺ صلاة وسلاما دائمين إلى يوم الدين.\nوالواجب على أهل العلم من الحجاج والمقيمين في بلد الله الأمين ومدينة رسوله الكريم عليه الصلاة والتسليم أن يعلموا الناس ما شرع الله لهم ويحذروهم ما حرم الله عليهم من أنواع الشرك والمعاصي وأن يبسطوا ذلك بأدلته ويبينوه بيانا شافيا ليخرجوا الناس بذلك من الظلمات إلى النور وليؤدوا بذلك ما أوجب الله عليهم من البلاغ والبيان قال الله سبحانه ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧]\nوالمقصود من ذلك تحذير علماء هذه الأمة من سلوك مسلك الظالمين من أهل الكتاب في كتمان الحق إيثارا للعاجلة على الآجلة.","vol":"1","page":84},{"text":"وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ - إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٥٩ - ١٦٠]\n[البقرة: ١٥٩، ١٦٠] وقد دلت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية على أن الدعوة إلى الله سبحانه وإرشاد العباد إلى ما خلقوا له من أفضل القربات وأهم الواجبات وأنها هي سبيل الرسل وأتباعهم إلى يوم القيامة كما قال الله سبحانه ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣] وقال ﷿: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨] وقال النبي ﷺ: «من دل على خير فله مثل أجر فاعله» أخرجه مسلم في صحيحه. وقال لعلي ﵁: «لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم» متفق على","vol":"1","page":85},{"text":"صحته والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.\nفحقيق بأهل العلم والإيمان أن يضاعفوا جهودهم في الدعوة إلى الله سبحانه وإرشاد العباد إلى أسباب النجاة وتحذيرهم من أسباب الهلاك ولا سيما في هذا العصر الذي غلبت فيه الأهواء وانتشرت فيه المبادئ الهدامة والشعارات المضللة وقل فيه دعاة الهدى وكثر فيه دعاة الإلحاد والإباحية فالله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>[فصل في استحباب التزود من الطاعات]</span>\nفصل\nفي استحباب التزود من الطاعات ويستحب للحجاج أن يلازموا ذكر الله وطاعته والعمل لصالح مدة إقامتهم بمكة ويكثروا من الصلاة والطواف بالبيت، لأن الحسنات في الحرم مضاعفة والسيئات فيه عظيمة شديدة، كما","vol":"1","page":86},{"text":"يستحب لهم الإكثار من الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ.\nفإذا أراد الحجاج الخروج من مكة وجب عليهم أن يطوفوا بالبيت طواف الوداع ليكون آخر عهدهم بالبيت إلا الحائض والنفساء فلا وداع عليهما، لحديث ابن عباس قال: «أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض» متفق على صحته.\nفإذا فرغ من توديع البيت وأراد الخروج من المسجد مضى على وجهه حتى يخرج ولا ينبغي له أن يمشي القهقرى لأن ذلك لم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه بل هو من البدع المحدثة. وقد قال النبي ﷺ: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» وقال ﷺ: «إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة.»\nنسأل الله الثبات على دينه والسلامة مما خالفه إنه جواد كريم.","vol":"1","page":87},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>[فصل في أحكام الزيارة وآدابها]</span>\nفصل\nفي أحكام الزيارة وآدابها وتسن زيارة مسجد النبي ﷺ قبل الحج أو بعده لما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام» وعن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام» رواه مسلم. وعن عبد الله بن الزبير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في مسجدي هذا» أخرجه أحمد وابن خزيمة وابن حبان. وعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال. «صلاة في مسجدي","vol":"1","page":88},{"text":"هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه» . أخرجه أحمد وابن ماجة. والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.\nفإذا وصل الزائر إلى المسجد استحب له أن يقدم رجله اليمنى عند دخوله ويقول: بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم اللهم افتح لي أبواب رحمتك. كما يقول ذلك عند دخول سائر المساجد، وليس لدخول مسجده ﷺ ذكر مخصوص ثم يصلي ركعتين فيدعو الله فيهما بما أحب من خيري الدنيا والآخرة وإن صلاهما في الروضة الشريفة فهو أفضل لقوله ﷺ: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة» ثم بعد الصلاة يزور قبر النبي ﷺ وقبري صاحبيه أبي بكر وعمر ﵄ فيقف تجاه قبر النبي ﷺ","vol":"1","page":89},{"text":"بأدب وخفض صوت ثم يسلم عليه، ﵊ قائلا: \" السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته \" لما في سنن أبي داود بإسناد حسن عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇» وإن قال الزائر في سلامه: \" السلام عليك يا نبي الله، السلام عليك يا خيرة الله من خلقه، السلام عليك يا سيد المرسلين وإمام المتقين، أشهد أنك قد بلغت الرسالة وأديت الأمانة ونصحت الأمة وجاهدت في الله حق جهاده \". فلا بأس بذلك لأن هذا كله من أوصافه ﷺ ويصلي عليه، ﵊ ويدعو له لما قد تقرر في الشريعة من شرعية الجمع بين الصلاة والسلام عليه عملا بقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] ثم يسلم على أبي بكر وعمر ﵄","vol":"1","page":90},{"text":"ويدعو لهما ويرضى عنهما.\nوكان ابن عمر ﵄ إذا سلم على الرسول ﷺ وصاحبيه لا يزيد غالبا على قوله: \" السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه \" ثم ينصرف وهذه الزيارة إنما تشرع في حق الرجال خاصة، أما النساء فليس لهن زيارة شيء من القبور كما ثبت عن النبي ﷺ: «أنه لعن زوارات القبور من النساء والمتخذين عليها المساجد والسرج.»\nوأما قصد المدينة للصلاة في مسجد الرسول ﷺ والدعاء فيه ونحو ذلك مما يشرع في سائر المساجد فهو مشروع في حق الجميع لما تقدم من الأحاديث في ذلك.\nويسن للزائر أن يصلي الصلوات الخمس في مسجد الرسول ﷺ، وأن يكثر فيه من الذكر والدعاء وصلاة النافلة اغتناما لما في ذلك من الأجر الجزيل.","vol":"1","page":91},{"text":"ويستحب أن يكثر من صلاة النافلة في الروضة الشريفة لما سبق من الحديث الصحيح في فضلها وهو قول النبي ﷺ: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة»\nأما صلاة الفريضة فينبغي للزائر وغيره أن يتقدم إليها ويحافظ على الصف الأول بما استطاع، وإن كان في الزيادة القبلية لما جاء في الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ من الحث والترغيب في الصف الأول مثل قوله ﷺ: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا» متفق عليه ومثل قوله ﷺ لأصحابه: «تقدموا فأتموا بي وليأتم بكم من بعدكم ولا يزال الرجل يتأخر عن الصلاة حتى يؤخره الله» أخرجه مسلم وأخرج أبو داود عن عائشة ﵂ بسند حسن أن النبي ﷺ قال. «لا يزال الرجل يتأخر عن الصف المقدم حتى يؤخره الله في النار»","vol":"1","page":92},{"text":"وثبت عنه ﷺ «أنه قال لأصحابه: ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها قالوا يا رسول الله وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال يتمون الصفوف الأول ويتراصون في الصف» رواه مسلم\nوالأحاديث في هذا المعنى كثيرة وهي تعم مسجده ﷺ وغيره قبل الزيادة وبعدها وقد صح عن النبي ﷺ أنه كان يحث أصحابه على ميامن الصفوف ومعلوم أن يمين الصف في مسجده الأول خارج عن الروضة فعلم بذلك أن العناية بالصفوف الأول وميامن الصفوف مقدمة على العناية بالروضة الشريفة، وأن المحافظة عليهما أولى من المحافظة على الصلاة في الروضة وهذا بين واضح لمن تأمل الأحاديث الواردة في هذا الباب والله الموفق.\nولا يجوز لأحد أن يتمسح بالحجرة أو يقبلها أو يطوف بها؛ لأن ذلك لم ينقل عن","vol":"1","page":93},{"text":"السلف الصالح بل هو بدعة منكرة.\nولا يجوز لأحد أن يسأل الرسول ﷺ قضاء حاجة أو تفريج كربة أو شفاء مريض أو نحو ذلك، لأن ذلك كله لا يطلب إلا من الله سبحانه. وطلبه من الأموات شرك بالله وعبادة لغيره. ودين الإسلام مبني على أصلين:\nأحدهما: ألا يعبد إلا الله وحده.\nوالثاني: ألا يعبد إلا بما شرعه الرسول ﷺ.\nوهذا معنى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.\nوهكذا لا يجوز لأحد أن يطلب من الرسول ﷺ الشفاعة لأنها ملك الله سبحانه، فلا تطلب إلا منه كما قال تعالى ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤]\nفتقول: \" اللهم شفع في نبيك. اللهم شفع في ملائكتك وعبادك المؤمنين. اللهم شفع في أفراطي \" ونحو ذلك.\nوأما الأموات فلا يطلب","vol":"1","page":94},{"text":"منهم شيء لا الشفاعة ولا غيرها سواء كانوا أنبياء أو غير أنبياء لأن ذلك لم يشرع ولأن الميت قد انقطع عمله إلا مما استثناه الشارع.\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له»\nوإنما جاز طلب الشفاعة من النبي ﷺ في حياته ويوم القيامة لقدرته على ذلك، فإنه يستطيع أن يتقدم فيسأل ربه للطالب، أما في الدنيا فمعلوم وليس ذلك خاصا به بل هو عام له ولغيره، فيجوز للمسلم أن يقول لأخيه. اشفع لي إلى ربي في كذا وكذا بمعنى ادع الله لي، ويجوز للمقول له ذلك أن يسأل الله ويشفع لأخيه إذا كان ذلك المطلوب مما أباح الله طلبه.\nوأما يوم القيامة فليس لأحد أن يشفع إلا بعد","vol":"1","page":95},{"text":"إذن الله سبحانه، كما قال الله تعالى ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]\nوأما حالة الموت فهي حالة خاصة لا يجوز إلحاقها بحال الإنسان قبل الموت ولا بحاله بعد البعث والنشور لانقطاع عمل الميت وارتهانه بكسبه إلا ما استثناه الشارع، وليس طلب الشفاعة من الأموات مما استثناه الشارع فلا يجوز إلحاقه بذلك، لا شك أن النبي ﷺ بعد وفاته حي حياة برزخية أكمل من حياة الشهداء ولكنها ليست من جنس حياته قبل الموت ولا من جنس حياته يوم القيامة، بل حياة لا يعلم حقيقتها وكيفيتها إلا الله سبحانه، ولهذا تقدم في الحديث الشريف قوله ﵇: «ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇»\nفدل ذلك على أنه ميت وعلى أن روحه قد فارقت جسده لكنها ترد عليها عند السلام.","vol":"1","page":96},{"text":"والنصوص الدالة على موته ﷺ من القرآن والسنة معلومة، وهو أمر متفق عليه بين أهل العلم ولكن ذلك لا يمنع حياته البرزخية كما أن موت الشهداء لم يمنع حياتهم البرزخية المذكورة في قوله تعالى ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]\nوإنما بسطنا الكلام في هذه المسألة لدعاء الحاجة إليه بسبب كثرة من يشبه في هذا الباب ويدعو إلى الشرك وعبادة الأموات من دون الله.\nفنسأل الله لنا ولجميع المسلمين السلامة من كل ما يخالف شرعه. والله أعلم.\nوأما ما يفعله بعض الزوار من رفع الصوت عند قبره ﷺ وطول القيام هناك فهو خلاف المشروع لأن الله سبحانه نهى الأمة عن رفع أصواتهم فوق صوت النبي ﷺ وعن الجهر له بالقول كجهر بعضهم لبعض وحثهم على غض الصوت عنده في قوله تعالى:","vol":"1","page":97},{"text":"﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ - إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الحجرات: ٢ - ٣]\nولأن طول القيام عند قبره ﷺ والإكثار من تكرار السلام يفضي إلى الزحام وكثرة الضجيج وارتفاع الأصوات عند قبره ﷺ وذلك يخالف ما شرعه الله للمسلمين في هذه الآيات المحكمات وهو ﷺ محترم حيا وميتا فلا ينبغي للمؤمن أن يفعل عند قبره ما يخالف الأدب الشرعي وهكذا ما يفعله بعض الزوار وغيرهم من تحري الدعاء عند قبره مستقبلا للقبر رافعا يديه يدعو فهذا كله خلاف ما عليه السلف الصالح من أصحاب رسول الله وأتباعهم بإحسان بل هو من البدع المحدثات، وقد قال النبي ﷺ: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا","vol":"1","page":98},{"text":"بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» أخرجه أبو داود والنسائي بإسناد حسن.\nوقال ﷺ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» أخرجه البخاري ومسلم وفي رواية لمسلم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»\nورأى علي بن الحسين (زين العابدين) ﵄ رجلا يدعو عند قبر النبي ﷺ فنهاه عن ذلك وقال ألا أحدثك حديثا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا تتخذوا قبري عيدا ولا بيوتكم قبورا وصلوا علي فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم» أخرجه الحافظ محمد بن عبد الواحد المقدسي في كتابه الأحاديث المختارة.\nوهكذا ما يفعله بعض الزوار عند السلام عليه ﷺ من وضع يمينه على شماله فوق صدره أو تحته كهيئة المصلي فهذه الهيئة لا تجوز عند","vol":"1","page":99},{"text":"السلام عليه ﷺ ولا عند السلام على غيره من الملوك والزعماء وغيرهم لأنها هيئة ذل وخضوع وعبادة لا تصلح إلا لله كما حكى ذلك الحافظ ابن حجر ﵀ في الفتح عن العلماء، والأمر في ذلك جلي واضح لمن تأمل المقام وكان هدفه اتباع هدي السلف الصالح.\nوأما من غلب عليه التعصب والهوى والتقليد الأعمى وسوء الظن بالدعاة إلى هدي السلف الصالح فأمره إلى الله ونسأل الله لنا وله الهداية والتوفيق لإيثار الحق على ما سواه إنه سبحانه خير مسئول.\nوكذا ما يفعله بعض الناس من استقبال القبر الشريف من بعيد وتحريك شفتيه بالسلام أو الدعاء فكل هذا من جنس ما قبله من المحدثات ولا ينبغي للمسلم أن يحدث في دينه ما لم يأذن به الله وهو بهذا العمل أقرب إلى الجفاء منه إلى الموالاة والصفاء وقد أنكر الإمام مالك","vol":"1","page":100},{"text":"﵀ هذا العمل وأشباهه وقال: \" لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها \".\nومعلوم أن الذي أصلح أول هذه الأمة هو السير على منهاج النبي ﷺ وخلفائه الراشدين وصحابته المرضيين وأتباعهم بإحسان ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا تمسكهم بذلك وسيرهم عليه.\nوفق الله المسلمين لما فيه نجاتهم وسعادتهم وعزهم في الدنيا والآخرة إنه جواد كريم.\n\nتنبيه [حكم زيارة قبر النبي ﵊]\nليست زيارة قبر النبي ﷺ واجبة ولا شرطا في الحج كما يظنه بعض العامة وأشباههم بل هي مستحبة في حق من زار مسجد الرسول ﷺ أو كان قريبا منه.\nأما البعيد عن المدينة فليس له شد الرحل لقصد زيارة القبر، ولكن يسن له شد الرحل","vol":"1","page":101},{"text":"لقصد المسجد الشريف، فإذا وصله زار القبر الشريف وقبر الصاحبين، ودخلت الزيارة لقبره ﵇ وقبر صاحبيه تبعا لزيارة مسجده ﷺ وذلك لما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى»\nولو كان شد الرحال لقصد قبره ﵊ أو قبر غيره مشروعا لدل الأمة عليه وأرشدهم إلى فضله، لأنه أنصح الناس وأعلمهم بالله وأشدهم له خشية. وقد بلغ البلاغ المبين، ودل أمته على كل خير وحذرهم من كل شر كيف وقد حذر من شد الرحل لغير المساجد الثلاثة وقال: «لا تتخذوا قبري عيدا ولا بيوتكم قبورا وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» .\nوالقول بشرعية شد الرحال لزيارة قبره ﷺ يفضي إلى اتخاذه عيدا، ووقوع المحذور الذي خافه النبي ﷺ من الغلو والإطراء كما قد وقع","vol":"1","page":102},{"text":"الكثير من الناس في ذلك بسبب اعتقادهم شرعية شد الرحال لزيارة قبره ﵊.\nوأما ما يروى في هذا الباب من الأحاديث التي يحتج بها من قال بشرعية شد الرحال إلى قبره ﵊ فهي أحاديث ضعيفة الأسانيد بل موضوعة كما قد نبه على ضعفها الحفاظ كالدارقطني، والبيهقي، والحافظ ابن حجر، وغيرهم فلا يجوز أن يعارض بها الأحاديث الصحيحة الدالة على تحريم شد الرحال لغير المساجد الثلاثة.\nوإليك أيها القارئ شيئا من الأحاديث الموضوعة في هذا الباب لتعرفها وتحذر الاغترار بها:\nالأول: (من حج ولم يزرني فقد جفاني) .\nوالثاني: (من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي) .\nوالثالث: (من زارني وزار أبي إبراهيم في عام واحد ضمنت له على الله الجنة) .\nوالرابع: (من زار قبري وجبت له شفاعتي) .","vol":"1","page":103},{"text":"فهذه الأحاديث وأشباهها لم يثبت منها شيء عن النبي ﷺ.\nقال الحافظ ابن حجر في التلخيص: - بعد ما ذكر أكثر هذه الروايات - طرق هذا الحديث كلها ضعيفة.\nوقال الحافظ العقيلي: لا يصح في هذا الباب شيء.\nوجزم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، أن هذه الأحاديث كلها موضوعة. وحسبك به علما وحفظا واطلاعا.\nولو كان شيء منها ثابتا لكان الصحابة ﵃ أسبق الناس إلى العمل به وبيان ذلك للأمة ودعوتهم إليه لأنهم خير الناس بعد الأنبياء وأعلمهم بحدود الله وبما شرعه لعباده وأنصحهم لله ولخلقه، فلما لم ينقل عنهم شيء من ذلك دل ذلك على أنه غير مشروع ولو صح منها شيء لوجب حمل ذلك على الزيارة الشرعية","vol":"1","page":104},{"text":"التي ليس فيها شد الرحال لقصد القبر وحده؛ جمعا بين الأحاديث والله ﷾ أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>[فصل في استحباب زيارة مسجد قباء والبقيع]</span>\nفصل\nفي استحباب زيارة مسجد\nقباء والبقيع ويستحب لزائر المدينة أن يزور مسجد قباء ويصلي فيه لما في الصحيحين من حديث ابن عمر قال: «كان النبي ﷺ يزور مسجد قباء راكبا وماشيا ويصلي فيه ركعتين» وعن سهل بن حنيف ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه صلاة كان له كأجر عمرة» .\nويسن له زيارة قبور البقيع وقبور الشهداء وقبر حمزة ﵁. لأن النبي ﷺ كان يزورهم، ويدعو لهم. ولقوله ﷺ: «زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة» أخرجه مسلم.","vol":"1","page":105},{"text":"«وكان النبي ﷺ يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية» أخرجه مسلم من حديث سليمان بن بريدة عن أبيه.\nوأخرج الترمذي عن ابن عباس ﵄ قال: «مر النبي ﷺ بقبور المدينة فأقبل عليهم بوجهه فقال السلام عليكم يا أهل القبور يغفر الله لنا ولكم أنتم سلفنا ونحن بالأثر»\nومن هذه الأحاديث يعلم أن الزيارة الشرعية للقبور يقصد منها تذكر الآخرة والإحسان إلى الموتى والدعاء لهم والترحم عليهم.\nفأما زيارتهم لقصد الدعاء عند قبورهم أو العكوف عندها أو سؤالهم قضاء الحاجات أو شفاء المرضى أو سؤال الله بهم أو بجاههم ونحو ذلك، فهذه زيارة بدعية منكرة لم يشرعها الله ولا رسوله ولا فعلها السلف الصالح رضي الله","vol":"1","page":106},{"text":"عنهم، بل هي من الهجر الذي نهى عنه الرسول ﷺ حيث قال: «زوروا القبور ولا تقولوا هجرا.»\nوهذه الأمور المذكورة تجتمع في كونها بدعة ولكنها مختلفة المراتب فبعضها بدعة وليس بشرك كدعاء الله سبحانه عند القبور وسؤاله بحق الميت وجاهه ونحو ذلك، وبعضها من الشرك الأكبر كدعاء الموتى والاستعانة بهم ونحو ذلك.\nوقد سبق بيان هذا مفصلا فيما؛ تقدم، فتنبه واحذر واسأل ربك التوفيق والهداية للحق فهو سبحانه الموفق والهادي لا إله غيره، ولا رب سواه.\nهذا آخر ما أردنا إملاءه والحمد لله أولا وآخرا، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله وخيرته من خلقه محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.","vol":"1","page":107}]}