{"ً":{"ٌ":31236,"ٍ":"صلاة المسافر = السفر وأحكامه في ضوء الكتاب والسنة","َ":1,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: صلاة المسافر - مفهوم، وأنواع، وآداب، ودرجات، وأحكام في ضوء الكتاب والسنة\nالمؤلف: د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني\nالناشر: مطبعة سفير، الرياض\nتوزيع: مؤسسة الجريسي للتوزيع والإعلان، الرياض\nعدد الصفحات: ٩٤\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":150,"ٕ":19,"ٖ":1770154051,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":2},{"title":"أولا: مفهوم السفر، والمسافر","level":1,"page":4},{"title":"ثانيا: أنواع السفر","level":1,"page":4},{"title":"١ - سفر حرام، وهو أن يسافر لفعل ما حرمه الله","level":2,"page":4},{"title":"٢ - سفر واجب، مثل: السفر لفريضة الحج","level":2,"page":5},{"title":"٣ - سفر مستحب، مثل: السفر للعمرة غير الواجبة","level":2,"page":5},{"title":"٤ - سفر مباح، مثل: السفر للتجارة المباحة","level":2,"page":5},{"title":"٥ - سفر مكروه، مثل: سفر الإنسان وحده","level":2,"page":5},{"title":"ثالثا: آداب السفر والعمرة والحج","level":1,"page":6},{"title":"١ - يستخير الله سبحانه في الوقت، والراحلة، والرفيق","level":2,"page":7},{"title":"٢ - يجب على الحاج والمعتمر أن يقصد بحجه وعمرته وجه الله تعالى","level":2,"page":7},{"title":"٣ - على الحاج والمعتمر التفقه في أحكام العمرة والحج","level":2,"page":9},{"title":"٤ - التوبة من جميع الذنوب والمعاصي","level":2,"page":9},{"title":"٥ - على الحاج أو المعتمر أن ينتخب المال الحلال","level":2,"page":10},{"title":"٦ - يستحب للمسافر أن يكتب وصيته، وما له وما عليه","level":2,"page":10},{"title":"٧ - يستحب للمسافر أن يوصي أهله بتقوى الله تعالى","level":2,"page":11},{"title":"٨ - يستحب للمسافر أن يجتهد في اختيار الرفيق الصالح","level":2,"page":11},{"title":"٩ - يستحب للمسافر أن يودع أهله، وأقاربه، وأهل العلم","level":2,"page":12},{"title":"١٠ - لا يصطحب معه الجرس والمزامير والكلب في السفر","level":2,"page":13},{"title":"١١ - إذا أراد السفر بإحدى زوجاته","level":2,"page":14},{"title":"١٢ - يستحب له أن يخرج للسفر يوم الخميس من أول النهار","level":2,"page":14},{"title":"١٣ - يستحب له أن يدعو بدعاء الخروج من المنزل","level":2,"page":15},{"title":"١٤ - يستحب له أن يدعو بدعاء السفر، إذا ركب دابته","level":2,"page":16},{"title":"١٥ - يستحب له أن لا يسافر وحده بلا رفقة","level":2,"page":16},{"title":"١٦ - يؤمر المسافرون أحدهم؛ ليكون أجمع لشملهم","level":2,"page":17},{"title":"١٧ - يستحب إذا نزل المسافرون منزلا أن ينضم بعضهم إلى بعض","level":2,"page":17},{"title":"١٨ - يستحب إذا نزل منزلا في السفر أو غيره","level":2,"page":17},{"title":"١٩ - يستحب له أن يكبر على المرتفعات ويسبح إذا هبط","level":2,"page":18},{"title":"٢٠ - يستحب له أن يدعو بدعاء دخول القرية أو البلدة","level":2,"page":18},{"title":"٢١ - يستحب له السير أثناء السفر في الليل وخاصة أوله","level":2,"page":19},{"title":"٢٢ - يستحب له أن يقول في السحر إذا بدا له الفجر: «سمع سامع»","level":2,"page":19},{"title":"٢٣ - يستحب له أن يكثر من الدعاء في السفر","level":2,"page":20},{"title":"٢٤ - يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر على حسب طاقته وعلمه","level":2,"page":20},{"title":"٢٥ - يبتعد عن جميع المعاصي","level":2,"page":21},{"title":"٢٦ - يحافظ على جميع الواجبات","level":2,"page":22},{"title":"٢٧ - يتخلق بالخلق الحسن، ويخالق به الناس","level":2,"page":22},{"title":"٢٨ - يعين الضعيف، والرفيق في السفر: بالنفس، والمال","level":2,"page":23},{"title":"٢٩ - يتعجل في العودة ولا يطيل المكث في السفر لغير حاجة","level":2,"page":24},{"title":"٣٠ - يستحب له أن يقول أثناء رجوعه من سفره ما ثبت عن النبي - ﷺ -","level":2,"page":24},{"title":"٣١ - يستحب له إذا رأى بلدته أن يقول: «آيبون»","level":2,"page":25},{"title":"٣٢ - لا يقدم على أهله ليلا إذا أطال الغيبة لغير حاجة","level":2,"page":25},{"title":"٣٣ - يستحب للقادم من السفر أن يبتدئ بالمسجد","level":2,"page":26},{"title":"٣٤ - يستحب للمسافر إذا قدم من سفر أن يتلطف بالولدان","level":2,"page":26},{"title":"٣٥ - تستحب الهدية، لما فيها من تطييب القلوب","level":2,"page":27},{"title":"٣٦ - إذا قدم المسافر إلى بلده استحبت المعانقة","level":2,"page":28},{"title":"٣٧ - يستحب جمع الأصحاب وإطعامهم عند القدوم من السفر","level":2,"page":29},{"title":"رابعا: الأصل في قصر الصلاة في السفر: الكتاب والسنة والإجماع","level":1,"page":30},{"title":"١ - أما الكتاب فقول الله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح﴾","level":2,"page":30},{"title":"٢ - وأما السنة فقد تواترت الأخبار أن رسول الله - ﷺ - كان يقصر","level":2,"page":30},{"title":"٣ - وأما الإجماع، فقد أجمع أهل العلم على أن من سافر","level":2,"page":32},{"title":"خامسا: القصر في السفر أفضل من الإتمام","level":1,"page":33},{"title":"سادسا: مسافة قصر الصلاة في السفر","level":1,"page":36},{"title":"سابعا: يقصر المسافر إذا خرج عن جميع بيوت قريته","level":1,"page":42},{"title":"ثامنا: إقامة المسافر التي يقصر فيها الصلاة","level":1,"page":44},{"title":"تاسعا: قصر الصلاة بمنى لأهل مكة وغيرهم من الحجاج","level":1,"page":49},{"title":"عاشرا: جواز التطوع على المركوب في السفر","level":1,"page":51},{"title":"الحادي عشر: السنة ترك الرواتب في السفر إلا سنة الفجر، والوتر","level":1,"page":55},{"title":"الثاني عشر: صلاة المقيم خلف المسافر صحيحة ويتم المقيم بعد سلام المسافر","level":1,"page":58},{"title":"الثالث عشر: صلاة المسافر خلف المقيم صحيحة","level":1,"page":59},{"title":"الرابع عشر: نية القصر أو الجمع عند افتتاح الصلاة والموالاة بين الصلاتين","level":1,"page":61},{"title":"الخامس عشر: رخص السفر","level":1,"page":65},{"title":"١ - القصر؛ ولذلك ليس للقصر من الأسباب غير السفر","level":2,"page":65},{"title":"٢ - الجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء","level":2,"page":66},{"title":"٣ - الفطر في رمضان من رخص السفر","level":2,"page":66},{"title":"٤ - الصلاة النافلة على الراحلة أو وسيلة النقل إلى جهة سيره","level":2,"page":66},{"title":"٥ - وكذلك المتنفل الماشي","level":2,"page":66},{"title":"٦ - المسح على الخفين، والعمامة، والخمار","level":2,"page":66},{"title":"٧ - ترك الرواتب في السفر، ولا يكره له ذلك","level":2,"page":67},{"title":"٨ - من رخص السفر ما ثبت عن النبي - ﷺ -","level":2,"page":67},{"title":"السادس عشر: الجمع وأنواعه ودرجاته","level":1,"page":68},{"title":"١ - الجمع بعرفة؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄","level":2,"page":68},{"title":"٢ - الجمع بمزدلفة؛ لحديث جابر - ﵁ -","level":2,"page":69},{"title":"٣ - الجمع في الأسفار الأخرى أثناء السير في وقت الأولى أو الثانية أو بينهما","level":2,"page":70},{"title":"٤ - درجات الجمع في السفر ثلاث","level":2,"page":75},{"title":"الأولى: إذا كان المسافر سائرا في وقت الصلاة الأولى","level":3,"page":75},{"title":"الثانية: إذا كان المسافر نازلا في وقت الصلاة الأولى","level":3,"page":75},{"title":"الثالثة: إذا كان المسافر نازلا في وقت الصلاتين جميعا","level":3,"page":76},{"title":"٥ - الجمع للمريض الذي يلحقه بتركه مشقة وضعف جائز","level":2,"page":79},{"title":"٦ - الجمع في المطر الذي تحصل به المشقة على الناس","level":2,"page":82},{"title":"٧ - الجمع لأجل الوحل الشديد، والريح الشديدة الباردة","level":2,"page":87}],"ٛ":{"1,3":2,"1,4":3,"1,5":4,"1,6":5,"1,7":6,"1,8":7,"1,9":8,"1,10":9,"1,11":10,"1,12":11,"1,13":12,"1,14":13,"1,15":14,"1,16":15,"1,17":16,"1,18":17,"1,19":18,"1,20":19,"1,21":20,"1,22":21,"1,23":22,"1,24":23,"1,25":24,"1,26":25,"1,27":26,"1,28":27,"1,29":28,"1,30":29,"1,31":30,"1,32":31,"1,33":32,"1,34":33,"1,35":34,"1,36":35,"1,37":36,"1,38":37,"1,39":38,"1,40":39,"1,41":40,"1,42":41,"1,43":42,"1,44":43,"1,45":44,"1,46":45,"1,47":46,"1,48":47,"1,49":48,"1,50":49,"1,51":50,"1,52":51,"1,53":52,"1,54":53,"1,55":54,"1,56":55,"1,57":56,"1,58":57,"1,59":58,"1,60":59,"1,61":60,"1,62":61,"1,63":62,"1,64":63,"1,65":64,"1,66":65,"1,67":66,"1,68":67,"1,69":68,"1,70":69,"1,71":70,"1,72":71,"1,73":72,"1,74":73,"1,75":74,"1,76":75,"1,77":76,"1,78":77,"1,79":78,"1,80":79,"1,81":80,"1,82":81,"1,83":82,"1,84":83,"1,85":84,"1,86":85,"1,87":86,"1,88":87,"1,89":88,"1,90":89,"1,91":90,"1,92":91,"1,93":92,"1,94":93},"ٜ":{"1":[3,94]},"ٝ":[null,"1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94"],"ٞ":{"2":[1],"4":[2,3,4],"5":[5,6,7,8],"6":[9],"7":[10,11],"9":[12,13],"10":[14,15],"11":[16,17],"12":[18],"13":[19],"14":[20,21],"15":[22],"16":[23,24],"17":[25,26,27],"18":[28,29],"19":[30,31],"20":[32,33],"21":[34],"22":[35,36],"23":[37],"24":[38,39],"25":[40,41],"26":[42,43],"27":[44],"28":[45],"29":[46],"30":[47,48,49],"32":[50],"33":[51],"36":[52],"42":[53],"44":[54],"49":[55],"51":[56],"55":[57],"58":[58],"59":[59],"61":[60],"65":[61,62],"66":[63,64,65,66,67],"67":[68,69],"68":[70,71],"69":[72],"70":[73],"75":[74,75,76],"76":[77],"79":[78],"82":[79],"87":[80]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"٣٤\nسلسلة مؤلفات سعيد بن علي بن وهف القحطاني\n_\nصلاة المسافر\nمفهوم، وأنواع، وآداب، ودرجات، وأحكام\nفي ضوء الكتاب والسنة","vol":"1","page":null},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>المقدمة</span>\nإن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:\nفهذه رسالة مختصرة في «صلاة المسافر» بيّنت فيها: مفهوم السفر والمسافر، وأنواع السفر، وآدابه، والأصل في قصر الصلاة في السفر، وأنه أفضل من الإتمام، ومسافة قصر الصلاة في السفر، وأن المسافر يقصر إذا خرج عن جميع عامر بيوت قريته، ومدى إقامة المسافر التي يقصر فيها الصلاة، وقصر الصلاة في منى لأهل مكة وغيرهم من الحجاج، وجواز التطوع على المركوب","vol":"1","page":3},{"text":"في السفر، وأن السنة ترك الرواتب في السفر إلا سنة الفجر والوتر، وحكم صلاة المقيم خلف المسافر، والمسافر خلف المقيم، وحكم نية القصر والجمع والموالاة بين الصلاتين المجموعتين، ورخص السفر، وأحكام الجمع، وأنواعه، ودرجاته، سواء كان ذلك في السفر أو الحضر، وقد استفدت كثيرًا من تقريرات وترجيحات شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - ورفع درجاته في جنات النعيم.\nوالله أسأل أن يجعل هذا العمل مقبولًا عنده، مباركًا، خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفعني به في حياتي وبعد مماتي، وأن ينفع به كل من انتهى إليه؛ فإنه تعالى خير مسؤول وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وصلى الله وسلم، وبارك على نبينا محمد وعلى آله، وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.\nالمؤلف\nحرر في ليلة السبت الموافق ٢٩/ ١٢/١٤٢١هـ","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>أولًا: مفهوم السفر، والمسافر: </span>السُّفْرُ: جمع سافر، والمسافرون: جمع مسافر، والسفر والمسافرون بمعنىً. وسُمِّي المسافر مسافرًا؛ لكشفه قناع الكنِّ عن وجهه، ومنازل الحضَرِ عن مكانه، ومنزل الخفض عن نفسه، وبروزه إلى الأرض الفضاء، وسمي السفر سفرًا؛ لأنه يسفر عن وجوه المسافرين وأخلاقهم، فيظهر ما كان خافيًا منها (١)، فظهر أن السفر: قطع المسافة؛ سمي بذلك؛ لأنه يسفر عن أخلاق الرجال، ومنه قولهم: سفرت المرأة عن وجهها: إذا أظهرته، والسفر هو الخروج عن عمارة موطن الإقامة قاصدًا مكانًا يبعد مسافة يصحُّ فيها قصر الصلاة (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>ثانيًا: أنواع السفر </span>على النحو الآتي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>١ - سفرٌ حرام، وهو أن يسافر لفعل ما حرمه الله </span>أو\n_________\n(١) لسان العرب لابن منظور، باب الراء، فصل السين،٤/ ٣٦٨. وقيل: السفر لغة: قطع المسافة، وشرعًا: هو الخروج على قصد مسيرة ثلاثة أيام ولياليها فما فوقها بسير الإبل ومشي الأقدام. التعريفات للجرجاني، ص١٥٧، وقال: المسافر: هو من قصد سيرًا وسطًا ثلاثة أيام ولياليها، وفارق بيوت بلده، التعريفات للجرجاني، ص٢٦٦.\n(٢) معجم لغة الفقهاء، للدكتور محمد رواس، ص٢١٩.","vol":"1","page":5},{"text":"حرمه رسوله - ﷺ -، مثل: من يسافر للتجارة في الخمر، والمحرمات، وقطع الطريق، أو سفر المرأة بدون محرم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>٢ - سفر واجب، مثل: السفر لفريضة الحج</span>، أو السفر للعمرة الواجبة، أو الجهاد الواجب.\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>٣ - سفر مستحب، مثل: السفر للعمرة غير الواجبة</span>، أو السفر لحج التطوع، أو جهاد التطوع.\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>٤ - سفر مباح، مثل: السفر للتجارة المباحة</span>، وكل أمر مباح.\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>٥ - سفر مكروه، مثل: سفر الإنسان وحده </span>بدون رفقة إلا في أمر لابد منه (٢)؛ لقوله - ﷺ -:» لو يعلم الناس ما في الوحدة ما أعلم ما سار راكب بليل وحده» (٣).\nفهذه أنواع السفر التي ذكرها أهل العلم، فيجب على كل مسلم أن لا يسافر إلى سفر محرم، وينبغي له أن لا\n_________\n(١) انظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ١١٥،والشرح الممتع لابن عثيمين ﵀،٤/ ٤٩٢.\n(٢) انظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ١١٤ - ١١٧، والشرح الممتع للعلامة ابن عثيمين،\n٤/ ٤٩١ - ٤٩٢.\n(٣) البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب السير وحده، برقم ٢٩٩٨، من حديث ابن عمر ﵄.","vol":"1","page":6},{"text":"يتعمد السفر المكروه، بل يقتصر في جميع أسفاره على السفر الواجب، والمستحب، والمباح (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>ثالثًا: آداب السفر والعمرة والحج:</span>\nالآداب التي ينبغي للمسافر والمعتمر والحاج المسافر معرفتها والعمل بها؛ ليحصل على عمرة مقبولة، ويُوفَّق\n_________\n(١) اختلف العلماء في نوع السفر الذي تختص به رخص السفر: من القصر، والجمع، والفطر، والمسح على الخفين والعمائم ثلاثة أيام، والصلاة على الراحلة تطوعًا على أقوال:\n١ - فقيل: رخص السفر: من القصر، والجمع، والفطر في رمضان، والمسح ثلاثًا، والصلاة على الراحلة تطوعًا تكون في السفر الواجب، والمندوب، والمباح، أما السفر المحرم والمكروه فلا تباح فيه هذه الرخص.\n٢ - وقيل: لا يقصر إلا في الحج والعمرة والجهاد؛ لأن الواجب لا يترك إلا لواجب، أما السفر المباح والمحرم والمكروه فلا.\n٣ - وقيل لا يقصر إلا في سفر الطاعة؛ لأن النبي - ﷺ - إنما قصر في سفر واجب أو مندوب.\n٤ - وذهب الإمام أبو حنيفة وشيخ الإسلام ابن تيمية، وجماعة كثيرة من العلماء إلى أنه يجوز القصر حتى في السفر المحرم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «والحجة مع من جعل القصر والفطر مشروعًا في جنس السفر ولم يخص سفرًا دون سفر، وهذا القول هو الصحيح، فإن الكتاب والسنة قد أطلقا السفر». مجموع الفتاوى،\n٢٤/ ١٠٩، وانظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ١١٥ - ١١٧، والأخبار العلمية، من الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص١١٠، والكافي لابن قدامة، ١/ ٤٤٧، والشرح الكبير المطبوع مع المقنع، ٥/ ٣٠، والإنصاف للمرداوي المطبوع مع الفتح والشرح الكبير،٥/ ٣٤،والشرح الممتع لابن عثيمين،٤/ ٤٩٣، والفتاوى له، ١٥/ ٢٦٠، ٢٧٤ - ٢٨١.","vol":"1","page":7},{"text":"لحج مبرور، وسفر مبارك آداب كثيرة منها: آداب واجبة وآداب مستحبة، وأذكر منها على سبيل المثال لا الحصر الآداب الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>١ - يستخير الله سبحانه في الوقت، والراحلة، والرفيق</span>، وجهة الطريق إن كثرت الطرق، ويستشير في ذلك أهل الخبرة والصلاح. أما الحج؛ فإنه خير لا شك فيه. وصفة الاستخارة أن يصلي ركعتين ثم يدعو بالوارد (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>٢ - يجب على الحاج والمعتمر أن يقصد بحجه وعمرته وجه الله تعالى</span>، والتقرب إليه، وأن يحذر أن يقصد حطام الدنيا أو المفاخرة، أو حيازة الألقاب، أو الرياء والسمعة؛ فإن ذلك سبب في بطلان العمل وعدم قبوله. قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لله رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٢). ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا\n_________\n(١) انظر الاستخارة في البخاري، ٧/ ١٦٢، وحصن المسلم، ص٤٥، للمؤلف.\n(٢) سورة الأنعام، الآيتان: ١٦٢، ١٦٣.","vol":"1","page":8},{"text":"إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (١). والمسلم هكذا لا يريد إلا وجه الله والدار الآخرة؛ ولهذا قال الله - ﷿ -: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا﴾ (٢)، وفي الحديث القدسي: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه» (٣).\nوقد خاف النبي - ﷺ - على أمته من الشرك الأصغر فقال: «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر» فسُئل عنه فقال: «الرياء» (٤). وقال - ﷺ -: «من سمَّع سمَّع الله به، ومن يُرائي يُرائي الله به» (٥). قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا الله مُخْلِصِينَ\n_________\n(١) سورة الكهف، الآية: ١١٠.\n(٢) سورة الإسراء، الآية: ١٨.\n(٣) مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب من أشرك في عمله غير الله، برقم ٢٩٨٥.\n(٤) أحمد في المسند،٥/ ٤٢٨ وحسنه الألباني في صحيح الجامع،٢/ ٤٥.\n(٥) متفق عليه من حديث جندب - ﵁ -: البخاري، كتاب الرقاق، باب الرياء والسمعة، برقم ٦٤٩٩، ومسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب من أشرك في عمله غير الله، برقم ٢٩٨٧.","vol":"1","page":9},{"text":"لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَة﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>٣ - على الحاج والمعتمر التفقه في أحكام العمرة والحج</span>، وأحكام السفر قبل أن يسافر: من القصر، والجمع، وأحكام التيمم، والمسح على الخفين، وغير ذلك مما يحتاجه في طريقه إلى أداء المناسك قال - ﷺ -: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>٤ - التوبة من جميع الذنوب والمعاصي</span>، سواء كان حاجًّا أو معتمرًا، أو غير ذلك فتجب التوبة من جميع الذنوب والمعاصي، وحقيقة التوبة: الإقلاع عن جميع الذنوب وتركها، والندم على فعل ما مضى منها، والعزيمة على عدم العودة إليها، وإن كان عنده للناس مظالم ردّها وتحللهم منها، سواء كانت: عرضًا أو مالًا، أو غير ذلك من قبل أن يُؤخذ لأخيه من حسناته، فإن لم\n_________\n(١) سورة البينة، الآية: ٥.\n(٢) البخاري، من حديث معاوية - ﵁ -، كتاب العلم، باب من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، برقم ٧١.","vol":"1","page":10},{"text":"يكن له حسنات أُخِذَ من سيئات أخيه فطرحت عليه (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>٥ - على الحاج أو المعتمر أن ينتخب المال الحلال </span>لحجه وعمرته؛ لأن الله طيب لا يقبل إلا طيّبًا؛ ولأن المال الحرام يسبب عدم إجابة الدعاء (٢)، وأيما لحم نبت من سحت فالنار أولى به (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>٦ - يستحب للمسافر أن يكتب وصيته، وما له وما عليه </span>فالآجال بيد الله تعالى: ﴿إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ الله عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (٤)، وقال - ﷺ -: «ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة\n_________\n(١) انظر: سورة النور، الآية: ٣١، والبخاري، كتاب الرقاق، باب القصاص يوم القيامة، برقم ٦٥٣٤، ٦٥٣٥.\n(٢) انظر: صحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب، برقم ١٠١٥.\n(٣) أبو نعيم في الحلية بنحوه، ١/ ٣١، وأحمد في الزهد بمعناه، ص١٦٤ وفي المسند،\n٣/ ٣٢١، والدارمي، ٢/ ٢٢٩، وغيرهم، وصححه الألباني في صحيح الجامع،\n٤/ ١٧٢، وانظر: فتح الباري، ٣/ ١١٣.\n(٤) سورة لقمان، الآية: ٣٤.","vol":"1","page":11},{"text":"عنده» (١). ويشهد عليها، ويقضي ما عليه من الديون، ويرد الودائع إلى أهلها أو يستأذنهم في بقائها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>٧ - يستحب للمسافر أن يوصي أهله بتقوى الله تعالى</span>، وهي وصية الله تعالى للأولين والآخرين: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ الله وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لله مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ الله غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>٨ - يستحب للمسافر أن يجتهد في اختيار الرفيق الصالح</span>، ويحرص أن يكون من طلبة العلم الشرعي؛ فإن هذا من أسباب توفيقه وعدم وقوعه في الأخطاء في سفره وفي حجه وعمرته؛ لقول النبي - ﷺ - «الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل» (٣)؛ولقوله - ﷺ - «لا\n_________\n(١) متفق عليه من حديث ابن عمر ﵄: البخاري، كتاب الوصايا، باب الوصايا، برقم ٢٧٣٨، ومسلم، كتاب الوصية، برقم ١٦٢٧.\n(٢) سورة النساء، الآية: ١٣١.\n(٣) أبو داود، كتاب الأدب، باب من يؤمر أن يجالس، برقم ٤٨٣٣، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٣/ ١٨٨.","vol":"1","page":12},{"text":"تصاحب إلا مؤمنًا ولا يأكل طعامك إلا تقي» (١)، وقد مثل النبي - ﷺ - الجليس الصالح بحامل المسك، والجليس السوء بنافخ الكير (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>٩ - يستحب للمسافر أن يودع أهله، وأقاربه، وأهل العلم: </span>من جيرانه، وأصحابه، قال - ﷺ -: «من أراد سفرًا فليقل لمن يخلِّف: أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه» (٣)، وكان النبي - ﷺ - يودع أصحابه إذا أراد أحدهم سفرًا فيقول: «أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك» (٤)، وكان - ﷺ - يقول لمن طلب منه أن يوصيه من\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الأدب، باب من يؤمر أن يجالس، برقم ٤٨٣٢، والترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في صحبة المؤمن، برقم ٢٣٩٥، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود، برقم ٤٨٣٢، وصحيح الترمذي، برقم ٢٥١٩.\n(٢) متفق عليه من حديث أبي موسى - ﵁ -: البخاري، كتاب الذبائح والصيد، باب المسك، برقم ٥٥٣٤، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب استحباب مجالسة الصالحين، ومجانبة قرناء السوء، برقم ٢٦٢٨.\n(٣) أحمد، ٢/ ٤٠٣، ابن ماجه، الجهاد، باب تشييع الغزاة ووداعهم، برقم ٢٨٢٥، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١٦، ٢٥٤٧، وصحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ١٣٣.\n(٤) أبو داود، كتاب الجهاد، باب في الدعاء عند الوداع، برقم ٢٦٠٠، والترمذي، كتاب الدعوات، باب ما جاء فيما يقول إذا ودع إنسانًا، برقم ٣٤٤٢، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ٣/ ١٥٥.","vol":"1","page":13},{"text":"المسافرين: «زوَّدك الله التقوى، وغفر ذنبك، ويسَّر لك الخير حيثُ ما كنتَ» (١). وجاء رجل إلى النبي - ﷺ - يريد سفرًا فقال: يا رسول الله أوصني، فقال: «أوصيك بتقوى الله والتكبير على كل شرف»، فلما مضى قال: «اللهم ازوِ له الأرض، وهوِّن عليه السفر» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>١٠ - لا يصطحب معه الجرس والمزامير والكلب في السفر</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا تصحب الملائكة رفقة فيها كلب ولا جرس» (٣). وعنه - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «الجرس مزامير الشيطان» (٤).\n_________\n(١) الترمذي، كتاب الدعوات، باب ما يقول إذا ودع إنسانًا، برقم ٣٤٤٤، وقال الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٣/ ٤١٩: «حسن صحيح».\n(٢) الترمذي، كتاب الدعوات، باب منه وصيته - ﷺ - المسافر بتقوى الله والتكبير على كل شرف، برقم ٣٤٤٥ وابن ماجه، كتاب الجهاد، باب فضل الحرس والتكبير في سبيل الله، برقم ٢٧٧١. وأحمد، والحاكم، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي، ٣/ ١٥٦، وصحيح ابن ماجه، ٢/ ١٢٤، وصحيح ابن خزيمة، ٤/ ١٤٩.\n(٣) أخرجه مسلم، كتاب اللباس والزينة: باب كراهة الكلب والجرس في السفر، (برقم ٢١١٣).\n(٤) أخرجه مسلم في كتاب اللباس والزينة، باب كراهة الكلب والجرس في السفر، (رقم ٢١١٤)، وأحمد في مسنده، (٢/ ٣٧٢)، وأبو داود في كتاب الجهاد، باب في تعليق الأجراس، (رقم ٢٥٥٦).","vol":"1","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>١١ - إذا أراد السفر بإحدى زوجاته </span>إن كان له أكثر من واحدة أقرع بينهن فأي زوجة وقعت عليها القرعة خرجت معه؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله - ﷺ - إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه» (١). وهذا هو السنة، إذا أراد أن يسافر ببعض نسائه، فالقرعة فيها راحة عظيمة (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>١٢ - يستحب له أن يخرج للسفر يوم الخميس من أول النهار</span>؛ لفعله - ﷺ -. قال كعب بن مالك - ﵁ -: «لقلَّما كان رسول الله - ﷺ - يخرج إذا خرج في سفر إلا يوم الخميس» (٣). ودعا لأمته - ﷺ - بالبركة في أول النهار فقال: «اللهم بارك\n_________\n(١) متفق عليه، البخاري، كتاب الهبة، باب هبة المرأة لغير زوجها، برقم ٢٥٩٣، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل عائشة ﵂، برقم ٢٤٤٥.\n(٢) سمعته من شيخنا الإمام ابن باز أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ٢٨٧٩.\n(٣) البخاري، كتاب الجهاد، باب من أراد غزوة فورّى بغيرها ومن أحب الخروج يوم الخميس، برقم ٢٩٤٨.","vol":"1","page":15},{"text":"لأمتي في بكورها» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>١٣ - يستحبُّ له أن يدعو بدعاء الخروج من المنزل </span>فيقول عند خروجه: «بسم الله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله (٢)، اللهم إني أعوذ بك أن أضِلَّ أو أُضَلَّ، أو أزلَّ أو أُزَلَّ، أو أظلِمَ أو أُظلَمَ، أو أجهلَ أو يُجهلَ عليَّ» (٣).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في كتاب الجهاد، باب في الابتكار في السفر (رقم ٢٦٠٦)، والترمذي في كتاب البيوع، باب ما جاء في التبكير بالتجارة، (رقم ١٢١٢)، وابن ماجه في كتاب التجارات، باب ما يرجى من البركة في البكور، (رقم ٢٢٣٦)، وأحمد في مسنده، (١/ ١٥٤، ٣/ ٤١٦)، قال أبو عيسى: حديث حسن، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ٢/ ٤٩٤، وصحيح الترمذي، ٢/ ٧ - ٨.\n(٢) أخرجه أبو داود في كتاب الأدب، باب ما يقول إذا خرج من بيته، (رقم ٥٠٩٥)، والترمذي في كتاب الدعوات، باب ما يقول إذا خرج من بيته، (رقم ٣٤٢٦)، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب، وصححه الألباني في صحيح الترمذي،\n٣/ ٤١٠، وصحيح أبي داود، ٣/ ٩٥٩.\n(٣) أخرجه أبو داود في كتاب الأدب، باب ما يقول إذا خرج من بيته، (رقم ٥٠٩٤)، والترمذي في كتاب الدعوات، باب منه، (رقم ٣٤٢٧)، والنسائي في كتاب الاستعاذة، باب الاستعاذة من دعاء لا يستجاب، (رقم ٥٥٣٦)، وابن ماجه في كتاب الدعوات، باب ما يدعو الرجل إذا خرج من بيته، (رقم ٣٨٨٤)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ٣/ ٩٥٩، وصحيح الترمذي، ٣/ ٤١٠ - ٤١١.","vol":"1","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>١٤ - يستحبّ له أن يدعو بدعاء السفر، إذا ركب دابته</span>، أو سيارته، أو الطائرة، أو غيرها من المركوبات فيقول: «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر» ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾ (١)، «اللهمّ إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهمّ هوِّن علينا سفرنا هذا واطو عنا بعده، اللهمّ أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهمّ إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنظر، وسوء المنقلب: في المال، والأهل ..» وإذا رجع من سفره قالهن وزاد فيهن: «آيبون، تائبون، عابدون، لربنا حامدون» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>١٥ - يستحبّ له أن لا يسافر وحده بلا رفقة</span>؛ لقوله - ﷺ -: «لو يعلم الناس ما في الوحدة ما أعلم ما سار راكب بليل وحده» (٣).وقال - ﷺ -: «الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، الثلاثة ركب» (٤).\n_________\n(١) سورة الزخرف، الآيتان: ١٣ - ١٤.\n(٢) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب ما يقول إذا ركب إلى سفر الحج وغيره، (رقم ١٣٤٢).\n(٣) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب السير وحده، (رقم ٢٩٩٨).\n(٤) أخرجه أبو داود في كتاب الجهاد، باب في الرجل يسافر وحده، (رقم ٢٦٠٧)، والترمذي في كتاب الجهاد، باب ما جاء في كراهية أن يسافر الرجل وحده، (رقم ١٦٧٤)، وقال: حديث حسن صحيح. وأحمد في مسنده، (٢/ ١٨٦، ٢١٤)، والحاكم في المستدرك، (٢/ ١٠٢) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وحسّنه الألباني في الصحيحة، (رقم ٦٢)، وصحيح الترمذي، ٢/ ٢٤٥.","vol":"1","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>١٦ - يؤمِّر المسافرون أحدَهم؛ ليكون أجمعَ لشملهم</span>، وأدعى لاتفاقهم، وأقوى لتحصيل غرضهم، قال - ﷺ -: «إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمِّروا أحدهم» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>١٧ - يستحب إذا نزل المسافرون منزلًا أن ينضمّ بعضهم إلى بعض</span>، فقد كان بعض أصحاب النبي - ﷺ - إذا نزلوا منزلًا تفرقوا في الشعاب والأودية، فقال - ﷺ -: «إنما تفرقكم في هذه الشعاب والأودية إنما ذلكم من الشيطان» (٢). فكانوا بعد ذلك ينضمُّ بعضُهم إلى بعض حتى لو بسط عليهم ثوب لوسعهم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>١٨ - يستحبّ إذا نزل منزلًا في السفر أو غيره </span>من\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في كتاب الجهاد، باب في القوم يسافرون يؤمرون أحدهم، (رقم ٢٦٠٨، ٢٦٠٩)، وحسّنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٤٩٤، ٤٩٥.\n(٢) أبو داود، كتاب الجهاد، باب ما يؤمر من انضمام العسكر وسعته، برقم ٢٦٢٨، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ١٣٠.","vol":"1","page":18},{"text":"المنازل أن يدعو بما ثبت عنه - ﷺ -: «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق»؛ فإنه إذا قال ذلك لم يضرَّه شيء حتى يرتحل من منزله ذلك (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>١٩ - يستحبّ له أن يكبّر على المرتفعات ويسبح إذا هبط </span>المنخفضات والأودية، قال جابر - ﵁ -: «كنا إذا صعدنا كبرنا وإذا نزلنا سبحنا» (٢)، ولا يرفعوا أصواتهم بالتكبير، قال - ﷺ -: «يا أيها الناس اربعوا على أنفسكم؛ فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، إنه معكم، إنه سميع قريب» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>٢٠ - يستحبّ له أن يدعوَ بدعاء دخول القرية أو البلدة </span>فيقول إذا رآها: «اللهم ربَّ السموات السبع وما أظللن، ورب الأرضين السبع وما أقللن، ورب الشياطين\n_________\n(١) أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب في التعوذ من سوء القضاء ودرك الشقاء وغيره، (رقم ٢٧٠٩).\n(٢) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب التسبيح إذا هبط واديًا، (رقم ٢٩٩٣).\n(٣) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب ما يكره من رفع الصوت في التكبير، (رقم ٢٩٩٢)، ومسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب استحباب خفض الصوت بالذكر، (رقم ٢٧٠٤).","vol":"1","page":19},{"text":"وما أضللن، ورب الرياح وما ذرين، أسألك خير هذه القرية وخير أهلها، وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>٢١ - يستحبّ له السير أثناء السفر في الليل وخاصة أوله</span>؛ لقوله - ﷺ -: «عليكم بالدُّلجة؛ فإن الأرض تُطوَى بالليل» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>٢٢ - يستحبّ له أن يقول في السحر إذا بدا له الفجر: «سمّع سامعٌ </span>بحمد الله وحسن بلائه علينا. ربنا صاحبنا، وأفضل علينا عائذًا بالله من النار» (٣).\n_________\n(١) أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة، (رقم ٥٤٤)، وابن السني في عمل اليوم والليلة، (رقم ٥٢٤)، وابن حبان كما في موارد الظمآن، (رقم ٢٣٧٧)، وابن خزيمة في صحيحه، (رقم ٢٥٦٥)، والحاكم في المستدرك، (١/ ٤٤٦، ٢/ ١٠٠)، وصححه ووافقه الذهبي، وحسّنه الحافظ ابن حجر. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، (١٠/ ١٣٧): رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن. وقال ابن باز ﵀ في تحفة الأخيار، ص٣٧: «رواه النسائي بإسناد حسن».\n(٢) أخرجه أبو داود في كتاب الجهاد، باب في الدلجة، (رقم ٢٥٧١)، والحاكم في مستدركه، (١/ ٤٤٥)، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، والبيهقي في سننه الكبرى، (٥/ ٢٥٦)، وصححه الألباني في الصحيحة، (رقم ٦٨١)، وفي صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٤٦٩.\n(٣) أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل، (رقم ٢٧١٨).","vol":"1","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>٢٣ - يستحبّ له أن يكثر من الدعاء في السفر</span>؛ فإنه حريٌّ بأن تجاب دعوته، ويُعطى مسألته؛ لقوله - ﷺ -: «ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده» (١)، ويكثر الحاج من الدعاء كذلك على الصفا والمروة، وفي عرفات، وفي المشعر الحرام بعد الفجر، وبعد رمي الجمرة الصغرى، والوسطى أيام التشريق؛ لأن النبي - ﷺ - أكثر في هذه المواطن الستة من الدعاء ورفع يديه (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>٢٤ - يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر على حسب طاقته وعلمه</span>، ولابد من أن يكون على علم وبصيرة فيما يأمر وفيما ينهى عنه، ويلتزم الرفق واللين، ولا شك أنه يُخشى على من لم ينكر المنكر أن يعاقبه الله - ﷿ - بعدم قبول\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في كتاب الوتر، باب الدعاء بظهر الغيب، (رقم ١٥٣٦)، والترمذي في كتاب البر والصلة، باب ما جاء في دعوة الوالدين، (رقم ١٩٠٥)، وابن ماجه في كتاب الدعاء، باب دعوة الوالد ودعوة المظلوم، (رقم ٣٨٦٢)، وأحمد، ٣/ ٢٥٨، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي، ٤/ ٣٤٤، وغيره.\n(٢) انظر: زاد المعاد لابن القيم، ٢/ ٢٢٧ و٢٨٦.","vol":"1","page":21},{"text":"دعائه؛ لقوله - ﷺ -: «والذي نفسي بيده لتأمرنَّ بالمعروف ولتنهونَّ عن المنكر أو ليوشكنَّ الله أن يبعث عليكم عقابًا منه ثم تدعونه فلا يستجيب لكم» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>٢٥ - يبتعد عن جميع المعاصي</span>، فلا يؤذي أحدًا بلسانه، ولا بيده، ولا يزاحم الحجاج والمعتمرين زحامًا يؤذيهم، ولا ينقل النميمة ولا يقع في الغيبة، ولا يجادل مع أصحابه وغيرهم إلا بالتي هي أحسن، ولا يكذب، ولا يقول على الله ما لا يعلم، وغير ذلك من أنواع المعاصي والسيئات قال سبحانه: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا\nمُّبِينًا﴾ (٣)، والمعاصي في الحرم ليست كالمعاصي في غيره،\n_________\n(١) أخرجه الترمذي، كتاب الفتن، باب ما جاء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، برقم ٢١٦٩، وابن ماجه، وأحمد، ٥/ ٣٨٨، وحسنه الترمذي، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ٢/ ٤٦٠.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ١٩٨.\n(٣) سورة الأحزاب، الآية: ٥٨.","vol":"1","page":22},{"text":"قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>٢٦ - يحافظ على جميع الواجبات</span>، ومن أعظمها الصلاة في أوقاتها مع الجماعة، ويكثر من الطاعات: كقراءة القرآن، والذكر، والدعاء، والإحسان إلى الناس بالقول والفعل، والرفق بهم، وإعانتهم عند الحاجة. قال - ﷺ -: «مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>٢٧ - يتخلق بالخلق الحسن، ويخالق به الناس</span>، والخلق الحسن يشمل: الصبر، والعفو، والرفق، واللين، والحلم، والأناة وعدم العجلة في الأمور، والتواضع، والكرم والجود،\n_________\n(١) سورة الحج، الآية: ٢٥.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم، برقم ٦٠١١، ومسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم، (رقم ٢٥٨٦).","vol":"1","page":23},{"text":"والعدل، والثبات، والرحمة، والأمانة، والزهد والورع، والسماحة، والوفاء، والحياء، والصدق، والبر والإحسان، والعفة، والنشاط، والمروءة؛ ولعظم فضل حسن الخلق قال - ﷺ -: «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا ..» (١)، «إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>٢٨ - يعين الضعيف، والرفيق في السفر: بالنفس، والمال</span>، والجاه، ويواسيهم بفضول المال وغيره مما يحتاجون إليه، فعن أبي سعيد - ﵁ - «أنهم كانوا مع رسول الله - ﷺ - في سفر فقال: «من كان معه فضل ظهر فليعُدْ به على من لا ظهر له، ومن كان معه فضل زاد فليعُدْ به على من لا زاد له»، فذكر من أصناف المال حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في كتاب السنة، باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه، (رقم ٤٦٨٢)، والترمذي في كتاب الرضاع، باب ما جاء في حق المرأة على زوجها، (رقم١١٦٢)، وقال: حديث حسن صحيح. وأحمد في مسنده، (٢/ ٢٥٠، ٤٧٢)، والحاكم في مستدركه، (١/ ٣)، وقال: صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في الصحيحة، (رقم ٢٨٤)، وصحيح الترمذي، ١/ ٥٩٤.\n(٢) أخرجه أبو داود في كتاب الأدب، باب في حسن الخلق، (رقم ٤٧٩٨)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، (٣/ ٩١١)، وفي صحيح الجامع، (رقم ١٩٣٢).","vol":"1","page":24},{"text":"فضل» (١). وعن جابر - ﵁ - قال: «كان رسول الله - ﷺ - يتخلف في المسير فيزجي الضعيف (٢)، ويردف، ويدعو لهم» (٣). وهذا يدل على رأفته - ﷺ - وحرصه على مصالحهم؛ ليقتدي به المسلمون عامة، والمسؤولون خاصة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>٢٩ - يتعجّل في العودة ولا يطيل المكث في السفر لغير حاجة</span>؛ لقوله - ﷺ -: «السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم طعامه وشرابه، ونومه، فإذا قضى أحدكم نهمته فليعجل إلى أهله» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>٣٠ - يستحبّ له أن يقول أثناء رجوعه من سفره ما ثبت عن النبي - ﷺ </span>- أنه كان إذا قفل من غزو، أو حج، أو\n_________\n(١) أخرجه مسلم في كتاب اللقطة، باب استحباب المؤاساة بفضول المال، (رقم ١٧٢٨).\n(٢) ومعنى يزجي الضعيف: أي يسوقه ويدفعه حتى يلحق بالرفاق. انظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، ٢/ ٢٩٧.\n(٣) أخرجه أبو داود في كتاب الجهاد، باب في لزوم الساقة، (رقم ٢٦٣٩)، والحاكم في المستدرك، (٢/ ١١٥)،وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في صحيح أبي داود، (٢/ ٥٠٠)، وفي الصحيحة، (رقم ٢١٢٠).\n(٤) أخرجه البخاري في كتاب العمرة، باب السفر قطعة من العذاب، (رقم ١٨٠٤)، ومسلم في كتاب الإمارة، باب السفر قطعة من العذاب واستحباب تعجيل المسافر إلى أهله بعد قضاء شغله، (رقم ١٩٢٧)، والنهمة: هي الحاجة.","vol":"1","page":25},{"text":"عمرة، يكبِّر على كل شرف من الأرض ثلاث تكبيرات ثم يقول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، آيبون، تائبون، عابدون، ساجدون، لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>٣١ - يستحبّ له إذا رأى بلدته أن يقول: «آيبون</span>، تائبون، عابدون، لربنا حامدون». ويردِّد ذلك حتى يدخل بلدته؛ لفعله - ﷺ - (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>٣٢ - لا يقدم على أهله ليلًا إذا أطال الغَيْبة لغير حاجة </span>إلا إذا بلَّغهم بذلك، وأخبرهم بوقت قدومه ليلًا؛ لنهيه - ﷺ - عن ذلك، قال جابر بن عبد الله ﵄: «نهى النبي - ﷺ - أن يطرق (٣) الرجل أهله ليلًا» (٤). ومن الحكمة في ذلك ما\n_________\n(١) أخرجه البخاري في كتاب العمرة، باب ما يقول إذا رجع من الحج، (رقم ١٧٩٧)، ومسلم في كتاب الحج، باب ما يقول إذا قفل من سفر الحج وغيره، (رقم ١٣٤٤).\n(٢) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب ما يقول إذا ركب إلى سفر الحج وغيره، (رقم ١٣٤٢).\n(٣) لا يطرق أهله: أي لا يدخل عليهم ليلًا إذا قدم من سفر.\n(٤) أخرجه البخاري في كتاب العمرة، باب لا يطرق أهله إذا بلغ المدينة، (رقم ١٨٠١)، ومسلم في كتاب الإمارة، باب كراهة الطروق وهو الدخول ليلًا لمن ورد من سفر، (رقم ١٩٢٨/ ١٨٤).","vol":"1","page":26},{"text":"فسرته الرواية الأخرى: «حتى تمتشط الشعثة، وتستحدَّ المغيَّبة»، وفي أخرى: «نهى رسول الله - ﷺ - أن يطرق الرجل أهله ليلًا يتخوّنهم، أو يلتمس عثراتهم» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>٣٣ - يستحبّ للقادم من السفر أن يبتدئ بالمسجد </span>الذي بجواره ويصلي فيه ركعتين؛ لفعله - ﷺ -؛ فإنه «كان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>٣٤ - يستحب للمسافر إذا قدم من سفر أن يتلطف بالوِلْدَان </span>من أهل بيته وجيرانه ويحسن إليهم إذا استقبلوه، فعن ابن عباس ﵄ قال: لما قدم النبي - ﷺ - مكة استقبله أُغيلمة بني عبد المطلب فحمل واحدًا بين يديه والآخر خلفه (٣).وقال عبد الله بن جعفر - ﵁ -: «كان - ﷺ - إذا\n_________\n(١) أخرجه مسلم في كتاب الإمارة، باب كراهة الطروق وهو الدخول ليلًا لمن ورد من سفر، (رقم ١٩٢٨/ ١٨٤).\n(٢) أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، باب الصلاة إذا قدم من سفر بعد الحديث رقم ٤٤٣، ومسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب الركعتين في المسجد لمن قدم من سفر أول قدومه، (رقم ٧١٦).\n(٣) أخرجه البخاري في كتاب العمرة، باب استقبال الحاج القادمين والثلاثة على الدابة، (رقم ١٧٩٨)، وفي كتاب اللباس، باب الثلاثة على الدابة، (رقم ٥٩٦٥).","vol":"1","page":27},{"text":"قدم من سفر تُلُقِّي بنا، فَتُلُقِّيَ بي وبالحسن أو بالحسين فحمل أحدنا بين يديه والآخر خلفه حتى دخلنا المدينة» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>٣٥ - تستحبّ الهدية، لما فيها من تطييب القلوب </span>وإزالة الشحناء، ويستحب قبولها، والإثابة عليها، ويكره ردّها لغير مانع شرعي؛ ولهذا قال - ﷺ -: «تهادوا تحابّوا» (٢)، والهدية سبب من أسباب المودة بين المسلمين؛ ولهذا قال بعضهم:\nهدايا الناس بعضهم لبعض ... تولد في قلوبهم الوصالا\n\nوقد ذُكِرَ أن أحد الحجاج عاد إلى أهله فلم يقدِّم لهم شيئًا فغضب واحد منهم وأنشد شعرًا فقال:\n_________\n(١) أخرجه مسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل عبد الله بن جعفر ﵄، (رقم ٢٤٢٨/ ٦٧)، وأبو داود في كتاب الجهاد، باب في ركوب ثلاثة على دابة، (رقم ٢٥٦٦)،وابن ماجه في كتاب الأدب، باب ركوب ثلاثة على دابة، (رقم ٣٧٧٣)، وانظر فتح الباري، (١٠/ ٣٩٦).\n(٢) أخرجه أبو يعلى في مسنده، (رقم ٦١٤٨)، والبيهقي في سننه الكبرى، (٦/ ١٦٩)، وفي شعب الإيمان، (رقم ٨٩٧٦)، والبخاري في الأدب المفرد، (رقم ٥٩٤)، وقال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير، (٣/ ٧٠): إسناده حسن. وكذا حسّنه الألباني في إرواء الغليل، (رقم ١٦٠١).","vol":"1","page":28},{"text":"كأن الحجيج الآن لم يقربوا منى ... ولم يحملوا منها سواكًا ولا نعلًا\nأتونا فما جادوا بعود أراكة ... ولا وضعوا في كف طفل لنا نقلا (١)\n\nومن أجمل الهدايا ماء زمزم؛ لأنها مباركة، قال - ﷺ - في ماء زمزم: «إنها مباركة، إنها طعام طعم [وشفاء سقم]» (٢).\nوعن جابر - ﵁ - يرفعه: «ماء زمزم لما شُرِبَ له» (٣). ويُذكر أن النبي - ﷺ - «كان يحمل ماء زمزم في الأداوي والقرب، فكان يصب على المرضى ويسقيهم» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>٣٦ - إذا قدم المسافر إلى بلده استحبت المعانقة</span>؛ لما ثبت عن أصحاب النبي - ﷺ - كما قال أنس - ﵁ -: «كانوا إذا تلاقوا\n_________\n(١) انظر: المنهاج للمعتمر والحاج لسعود بن إبراهيم الشريم، ص١٢٤.\n(٢) أخرجه مسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي ذر - ﵁ -، (رقم ٢٤٧٣)، وما بين المعقوفين عند البزار، والبيهقي والطبراني، وإسناده صحيح، انظر: مجمع الزوائد، ٣/ ٢٨٦.\n(٣) أخرجه ابن ماجه في كتاب المناسك، باب الشرب من زمزم، (رقم ٣٠٦٢)، والبيهقي في السنن الكبرى، (٥/ ٢٠٢)، وأحمد في المسند، (٣/ ٣٧٢)، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ٣/ ٥٩، وإرواء الغليل، (رقم ١١٢٣)، والصحيحة، (رقم ٨٨٣).\n(٤) أخرجه الترمذي في كتاب الحج، باب رقم ١١٥، (رقم ٩٦٣) مختصرًا، والحاكم في المستدرك، (١/ ٤٨٥)، وصححه الألباني في الصحيحة، (رقم ٨٨٣)، وصحيح الجامع، (رقم ٤٩٣١).","vol":"1","page":29},{"text":"تصافحوا، وإذا قدموا من سفر تعانقوا» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>٣٧ - يستحب جمع الأصحاب وإطعامهم عند القدوم من السفر</span>؛ لفعل النبي - ﷺ -، فعن جابر بن عبد الله ﵄: «أن رسول الله - ﷺ - لما قدم المدينة نحر جزورًا أو بقرة». زاد معاذ عن شعبة عن محارب سمع جابر بن عبد الله يقول: «اشترى مني النبي - ﷺ - بعيرًا بأوقيتين ودرهم أو درهمين، فلما قدم صرارًا (٢) أمر ببقرة فذبحت فأكلوا منها ...» الحديث (٣). وهذا الطعام يقال له: (النقيعة)، وهي طعام يتخذه القادم من السفر (٤)، وهذا الحديث وما جاء في معناه يدل على إطعام الإمام والرئيس أصحابه عند\n_________\n(١) الطبراني في الأوسط (مجمع البحرين في زوائد المعجمين)، ٥/ ٢٦٢، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد، ٨/ ٣٦، وقال: رجاله رجاله الصحيح.\n(٢) صرار: موضع بظاهر المدينة على ثلاثة أميال منها من جهة المشرق. فتح الباري، ٦/ ١٩٤.\n(٣) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب الطعام عند القدوم، (رقم ٣٠٨٩)، واللفظ له، ومسلم مختصرًا في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب الركعتين في المسجد لمن قدم من سفر أول قدومه، (رقم ٧١٥/ ٧٢).\n(٤) النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير، ٥/ ١٠٩ والقاموس المحيط، ص٩٩٢، وانظر: المغني لابن قدامة، ١/ ١٩١.","vol":"1","page":30},{"text":"القدوم من السفر، وهو مستحب عند السلف (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>رابعًا: الأصل في قصر الصلاة في السفر: الكتاب والسنة والإجماع:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>١ - أما الكتاب فقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ </span>أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا﴾ (٢). وعن يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ فقد أمن الناس، فقال: عجبتُ مما عجبت منه، فسألت رسول الله - ﷺ - عن ذلك فقال: «صدقةٌ تصدَّق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>٢ - وأما السنة فقد تواترت الأخبار أن رسول الله - ﷺ - كان يقصر </span>في أسفاره: حاجًّا، ومعتمرًا، وغازيًا، قال عبد الله بن عمر ﵄: «صحبت رسول الله - ﷺ - فكان لا يزيد في\n_________\n(١) قاله ابن بطال كما في فتح الباري، ٦/ ١٩٤.\n(٢) سورة النساء، الآية: ١٠١.\n(٣) مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة المسافرين وقصرها، برقم ٦٨٦.","vol":"1","page":31},{"text":"السفر على ركعتين، وأبا بكر، وعمر، وعثمان كذلك، - ﵃ -» (١). وعن عائشة ﵂ قالت: «فرض الله الصلاة حين فرضها: ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، فَأُقرَّت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر». وفي لفظ للبخاري: «فرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجر النبي - ﷺ - ففرضت أربعًا وتركت صلاة السفر على الأولى» (٢).\nزاد أحمد: إلا المغرب، فإنها وتر النهار، وإلا الصبح، فإنها تطول فيها القراءة» (٣).\nوعن ابن عباس ﵄ قال: «فرض الله الصلاة على لسان نبيكم - ﷺ - في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب التقصير، باب من لم يتطوع في السفر دبر الصلاة، برقم ١١٠٢، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة المسافرين وقصرها، برقم ٦٨٩.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الصلاة، باب كيف فرضت الصلاة في الإسراء، برقم ٣٥٠، وكتاب التقصير، باب يقصر إذا خرج من موضعه، برقم ١٠٩٠، وكتاب مناقب الأنصار، باب التاريخ من أين أرَّخوا التاريخ، برقم ٣٩٣٥، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة المسافرين وقصرها، برقم ١٥٧٠.\n(٣) مسند أحمد، ٦/ ٢٤١، وابن خزيمة، برقم ٣٠٥، وابن حبان، برقم ٢٧٣٨.","vol":"1","page":32},{"text":"الخوف ركعة» (١)، وعن عبد الله بن مسعود - ﵁ -: «صليت مع رسول الله - ﷺ - بمنى ركعتين، وصليت مع أبي بكر الصديق - ﵁ - بمنى ركعتين، وصليت مع عمر بن الخطاب - ﵁ - ركعتين، فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان». وفي لفظ: «صليت مع النبي - ﷺ - ركعتين، ومع أبي بكر - ﵁ - ركعتين، ومع عمر - ﵁ - ركعتين، ثم تفرقت بكم الطرق، يا ليت حظي من أربع: ركعتان متقبلتان» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>٣ - وأما الإجماع، فقد أجمع أهل العلم على أن من سافر </span>سفرًا تقصر في مثله الصلاة: في حج، أو عمرة، أو جهاد أن له أن يقصر الرباعية فيصليها ركعتين (٣)، وأجمعوا على أن لا يقصر في المغرب ولا في صلاة الصبح (٤).\n_________\n(١) مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة المسافرين وقصرها، برقم ٦٨٧.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب التقصير، باب الصلاة بمنى، برقم ١٠٨٤، وكتاب الحج، باب الصلاة بمنى، برقم ١٦٥٦، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب قصر الصلاة بمنى، برقم ٦٩٥.\n(٣) انظر: الإجماع لابن المنذر، ص٤٦، والمغني لابن قدامة، ٣/ ١٠٥.\n(٤) انظر: الإجماع لابن المنذر، ص٤٦.","vol":"1","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>خامسًا: القصر في السفر أفضل من الإتمام</span>؛ لحديث\nعبد الله بن عمر ﵄، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الله يحب أن تؤتى رُخصُه كما يكره أن تؤتى معصيته» (١)، وفي رواية: «إن الله يحب أن تؤتى رخصُه كما يحب أن تؤتى عزائمُه» (٢). ولكن لو أتم المسافر الصلاة الرباعية أربعًا فصلاته صحيحة ولكنه خالف الأفضل؛ لأن عائشة ﵂ كانت تتم في السفر بعد موت النبي - ﷺ -، وأتم عثمان - ﵁ - بمنى (٣)، ولكن ما داوم عليه رسول الله - ﷺ - في أسفاره أفضل بلا شك (٤)، وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن\n_________\n(١) أخرجه الإمام أحمد في المسند، ٢/ ١٠٨، وصححه الألباني في إرواء الغليل، برقم ٥٦٤.\n(٢) أخرجه ابن حبان من حديث ابن عباس ﵄، ٢/ ٦٩، برقم ٣٥٤، والطبراني في المعجم الكبير، برقم ١١٨٨٠، وصححه الألباني في إرواء الغليل، ٣/ ١١، برقم ٥٦٤.\n(٣) إتمام عائشة ﵂ في السفر رواه مسلم، في كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة المسافرين وقصرها، برقم ٣ - (٦٨٥)، وإتمام عثمان - ﵁ - في منى رواه البخاري في كتاب التقصير، باب الصلاة بمنى، برقم ١٠٨٤، وكتاب الحج، باب الصلاة بمنى، برقم ١٦٥٦، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب قصر الصلاة بمنى، برقم ٦٩٥.\n(٤) قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وقد تنازع العلماء في التربيع [في السفر] هل هو محرم أو مكروه؟ أو ترك الأولى؟ أو مستحب؟ أو هما سواء؟ على خمسة أقوال: «أحدها: قول من يقول: الإتمام أفضل، كقولٍ للشافعي، والثاني: قول من يسوي بينهما كبعض أصحاب مالك، والثالث: قول من يقول القصر أفضل، كقول الشافعي الصحيح، وإحدى الروايتين عن أحمد، والرابع: قول من يقول: القصر واجب، كقول أبي حنيفة ومالك في رواية، وأظهر الأقوال: قول من يقول: إنه سنة والإتمام مكروه؛ ولهذا لا تجب نية القصر عند أكثر العلماء: كأبي حنيفة، ومالك، وأحمد في أحد القولين عنه في مذهبه». مجموع الفتاوى، ٢٤/ ٩، ١٠، ٢١ - ٢٢.","vol":"1","page":34},{"text":"عبد الله ابن باز ﵀ يقول: «أصل الصلاة ركعتان كما فرضها الله تعالى، ثم زاد فيها سبحانه في الحضر بعد الهجرة ثنتين، في العشاء، والظهر، والعصر، وبقيت صلاة السفر على حالها: الظهر، والعصر، والعشاء ركعتان، وهذا يؤيد الأصل، والمغرب والفجر بقيت على أصلها، فالقصر سنة مؤكدة، ولكن لا مانع من الإتمام في السفر، والقصر صدقة من الله، فمن صلى أربعًا فلا حرج، وقد كانت عائشة ﵂ تتم في السفر، وتأولت أنه لا يشق عليها، ولم ينكر عليها الصحابة، وهي من أعلم الناس» (١).\n_________\n(١) سمعته منه أثناء تقريره على بلوغ المرام، على الأحاديث ذات الأرقام ٤٥٢، ٤٥٣، ٤٥٤، ٤٥٥، وقال على حديث عائشة ﵂: «إن النبي - ﷺ - كان يقصر في السفر ويتم ويصوم ويفطر» قال أهل العلم ليس بمحفوظ، بل هو شاذ، والمحفوظ عن النبي - ﷺ - في السفر أنه كان يقصر، فقد خالفت هذه الرواية رواية الثقات كأنس وغيره، لكن فعل عائشة يدل على الجواز كما تقدم، ولكن ما سار عليه النبي - ﷺ - هو أولى وأفضل، وقد كان عثمان يقصر ثم أتم بعد ذلك، وصلى معه بعض أصحابه.","vol":"1","page":35},{"text":"وإذا نسي صلاة الحضر فذكرها في السفر فعليه أن يصليها صلاة حضر تامة من غير قصر إجماعًا؛ لأن الصلاة تعيَّن عليه فعلها أربعًا، فلم يجز له النقصان من عددها؛ ولأنه إنما يقضي ما فاته وقد فاته أربعٌ، وأما إن نسي صلاة السفر فذكرها في الحضر، فقال الإمام أحمد: عليه الإتمام احتياطًا، وبه قال الأوزاعي، وداود، والشافعي في أحد قوليه، وقال مالك والثوري وأصحاب الرأي: يصليها صلاة سفر؛ لأنه إنما يقضي ما فاته، ولم يفته إلا ركعتان (١)، والله - ﷿ - أعلم (٢). وإن نسيها في سفر وذكرها فيه أو ذكرها في سفر آخر قضاها\n_________\n(١) المغني لابن قدامة، ٣/ ١٤١ - ١٤٢، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف المطبوع مع المقنع والشرح الكبير، ٥/ ٥٣ - ٥٤، وحاشية الروض المربع لابن قاسم، ٢/ ٣٨٧.\n(٢) اختار العلامة محمد بن صالح العثيمين أن الراجح فيمن نسي صلاة سفر فذكرها في حضر صلاها قصرًا؛ لأنها صلاة وجبت عليه في سفر وصلاة السفر مقصورة فلا يلزمه إتمامها، وعلى هذا فللمسألة أربع صور:\n١ - ذكر صلاة سفر في سفر، يقصر.\n٢ - ذكر صلاة حضر في حضر، يتم.\n٣ - ذكر صلاة سفر في حضر، يقصر على الصحيح.\n٤ - ذكر صلاة حضر في سفر، يتم. انظر: الشرح الممتع لابن عثيمين،٤/ ٥١٧ - ٥١٩ و٥/ ٥٤٢ - ٥٤٣.","vol":"1","page":36},{"text":"مقصورة؛ لأنها وجبت في السفر وفُعلت فيه (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>سادسًا: مسافة قصر الصلاة في السفر: </span>قال البخاري ﵀: «بابٌ: في كم يقصرُ الصلاة، وسمَّى النبي - ﷺ - يومًا وليلة سفرًا، وكان ابن عمر وابن عباس - ﵃ - يقصران ويفطران في أربعة برد وهي ستة عشر فرسخًا» (٢)، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: «قوله: بابٌ في كم يقصر الصلاة؟ يريد بيان المسافة التي إذا أراد المسافر الوصول إليها ساغ له القصر، ولا يسوغ له في أقل منها ... وقد أورد المصنف الترجمة بلفظ الاستفهام وأورد ما يدل على اختياره أن أقل مسافة القصر يوم وليلة» (٣). وقول\n_________\n(١) المغني لابن قدامة، ٣/ ١٤٢.\n(٢) البخاري، كتاب التقصير، باب: في كم يقصر الصلاة؟ قبل الحديث رقم ١٠٨٦، قال الحافظ ابن حجر عن أثر بن عمر وابن عباس: «وصله ابن المنذر من رواية يزيد بن أبي حبيب عن عطاء بن أبي رباح: أن ابن عمر وابن عباس كانا يصليان ركعتين ويفطران في أربعة برد فما فوق ذلك» فتح الباري، ٢/ ٥٦٦، وقال الألباني عن أثر ابن عباس وابن عمر ﵄: «صحيح ... وصله البيهقي في سننه، ٣/ ١٣٧: إن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس ﵄ كانا يصليان ركعتين ركعتين ويفطران في أربعة برد فما فوق ذلك وإسناده صحيح». إرواء الغليل، ٣/ ١٧.\n(٣) فتح الباري، ٢/ ٥٦٦.","vol":"1","page":37},{"text":"البخاري ﵀: «وسمى النبي - ﷺ - يومًا وليلة سفرًا». قال الحافظ ابن حجر ﵀: «والمعنى سمى مدة اليوم والليلة سفرًا، كأنه يشير إلى حديث أبي هريرة المذكور عنده في الباب» (١)، قلت: وهو قوله - ﷺ -: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها حرمة» (٢)، وفي لفظ لمسلم: «لا يحل لامرأة مسلمة تسافر مسيرة ليلة إلا ومعها رجل ذو محرم منها». وفي لفظ: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم إلا مع ذي محرم». وعن ابن عمر ﵄ أن النبي - ﷺ - قال: «لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم»، وفي لفظ: «لا تسافر المرأة ثلاثًا إلا مع ذي محرم». وفي لفظ لمسلم: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة ثلاث ليال إلا ومعها ذو محرم» (٣). وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ -\n_________\n(١) المرجع السابق، ٢/ ٥٦٦.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب التقصير، بابٌ: في كم يقصر الصلاة، برقم ١٠٨٨، ومسلم، كتاب الحج، باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره، برقم ١٣٣٩.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب التقصير، بابٌ: في كم يقصر الصلاة، برقم ١٠٨٦، ومسلم، كتاب الحج، باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره برقم ١٣٣٨.","vol":"1","page":38},{"text":"قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرًا يكون ثلاثة أيام فصاعدًا إلا ومعها أبوها، أو ابنها، أو زوجها، أو أخوها، أو ذو محرم منها» (١).\nومن حديث ابن عباس ﵄ عن النبي - ﷺ -: «لا يخلونَّ رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم» (٢).\nقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: «فإن حُمل اليوم المطلق أو الليلة المطلقة على الكامل: أي يوم بليلته، أو ليلة بيومها قل الاختلاف واندرج في الثلاث فيكون أقل المسافة يومًا وليلة» (٣)،وقد ثبت عن ابن عباس ﵄ من قوله: «لا تقصر إلى عرفة وبطن نخلة، واقصر إلى عسفان (٤)،\n_________\n(١) مسلم، كتاب الحج، باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره، برقم ١٣٤١.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب النكاح، باب لا يخلون رجل بامرأة إلا ذو محرم، برقم ٥٢٣٣،ومسلم، كتاب الحج، باب سفر المرأة مع محرم إلى الحج وغيره، برقم ١٣٤١.\n(٣) فتح الباري، ٢/ ٥٦٦.\n(٤) عسفان: منهلة من مناهل الطريق بين الجحفة ومكة. معجم البلدان، ٤/ ١٢١.","vol":"1","page":39},{"text":"والطائف، وجدة، فإذا قدمت على أهل أو ماشية فأتمَّ» (١).\nوالخلاصة أن الجمهور من أهل العلم على أن مسافة السفر التي تقصر فيها الصلاة أربعة بُرُد، والبريد مسيرة نصف يوم، وهو أربعة فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، فإذا كانت مسافة سفر الإنسان ستة عشر فرسخًا أو ثمانية وأربعين ميلًا فله أن يقصر عند الجمهور (٢)، وهذا هو الأحوط للمسلم، وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن\n_________\n(١) البيهقي في السنن الكبرى، ٣/ ١٣٧،وابن أبي شيبة في مصنفه واللفظ له، ٢/ ٤٤٥، قال الألباني في إرواء الغليل، ٣/ ١٤: «وإسناده صحيح».\n(٢) المسافة التي إذا أراد المسافر الوصول إليها ساغ له القصر إذا خرج عن جميع بيوت قريته من الأمور التي اختلف فيه العلماء حتى حكاه ابن المنذر وغيره فيها نحوًا من عشرين قولًا، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أن العلماء تنازعوا هل يختص القصر بسفر دون سفر، أو يجوز في كل سفر، واختار أن أظهر الأقوال أنه يجوز في كل سفر قصيرًا كان أو طويلًا، كما قصر أهل مكة خلف النبي - ﷺ - بعرفة ومنى، وبين مكة وعرفة نحو بريد: أربعة فراسخ، ولكن لابد أن يكون ذلك مما يعد سفرًا مثل: أن يتزود له، ويبرز للصحراء، وتنازع العلماء في قصر أهل مكة، فقيل: كان ذلك لأجل النسك، وقيل: كان ذلك لأجل السفر، وكلا القولين قال به بعض أصحاب أحمد، والقول الثاني هو الصواب، وهو أنهم قصروا لأجل سفرهم؛ ولهذا لم يكونوا يقصرون بمكة وكانوا محرمين، والقصر معلق بالسفر وجودًا وعدمًا. انظر مجموع فتاوى ابن تيمية، ٢٤ - ١١ - ٤١. والمغني لابن قدامة، ٣/ ١٠٥ - ١٠٩، وفتح الباري لابن حجر، ٢/ ٥٦٦ - ٥٦٨.","vol":"1","page":40},{"text":"عبد الله ابن باز ﵀ يقول (١): «الأولى في هذا أن ما يعد سفرًا تلحقه أحكام السفر: من قصر وجمع، وفطر، وثلاثة أيام للمسح على الخفين؛ لأنه يحتاج إلى الزاد والمزاد: أي ما يعد سفرًا وما لا فلا، ولكن إذا عمل المسلم بقول الجمهور وهو أنَّ ما يُعدُّ سفرًا هو يومين قاصدين (٢)، أما البريد والفراسخ الثلاثة فلا تعد عندهم سفرًا، فلو عمل الإنسان بهذا القول فهذا حسن من باب الاحتياط؛ لئلا يتساهل الناس فيصلوا قصرًا فيما لا ينبغي لهم ذلك؛ لكثرة الجهل، وقلة البصيرة، ولا سيما عند وجود السيارات؛ فإن هذا قد يفضي إلى التساهل حتى يفطر في ضواحي البلد، واليومان هما سبعون كيلو\n_________\n(١) سمعته منه أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٤٥٧.\n(٢) اليومان القاصدان هما أربعة برد، والبريد مسيرة نصف يوم، ومعنى القاصدين: أي لا يسير فيها الإنسان ليلًا ونهارًا سيرًا بحتًا، ولا يكون كثير النزول والإقامة، والبريد قدروه بأربعة فراسخ، فتكون أربعة برد ستة عشر فرسخًا، والفرسخ قدروه بثلاثة أميال، فتكون ثمانية وأربعين ميلًا، والميل المعروف ألف وستمائة متر، فتكون الأربعة برد =٧٦.٨ كيلو تقريبًا، وقيل: ٨٠.٦٤ كيلو، وقيل: ٧٢، قال العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀: والميل المعروف = كيلو وستين في المائة. انظر: الشرح الممتع،٤/ ٤٩٦، تيسير العلام للبسام،١/ ٢٧٣،والفتح الرباني للبنا، ٥/ ١٠٨.","vol":"1","page":41},{"text":"أو ثمانون كيلو تقريبًا» (١).\nوقال شيخنا الإمام ابن باز رحمه الله تعالى: «وقال بعض أهل العلم إنه يحدد بالعُرف ولا يحدد بالمسافة المقدرة بالكيلوات، فما يُعدُّ سفرًا في العُرف يسمى سفرًا، وما لا فلا (٢)، والصواب ما قرره جمهور أهل العلم وهو\n_________\n(١) واختار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما تقدم أنه لا حدّ للسفر بالمسافة بل كل ما يعد سفرًا يتزود له ويبرز للصحراء فهو سفر، ورجحه العلامة ابن عثيمين، بل واختاره ابن قدامة في المغني. انظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ١٠٩، ومجموع فتاوى ابن تيمية،٢٤/ ١١ - ١٣٥،ومجموع فتاوى ابن عثيمين،١٥/ ٢٥٢ - ٤٥١، والاختيارات للسعدي، ص٦٥.\n(٢) ذكر ابن تيمية ﵀: أن حد السفر الذي علق عليه الشارع الفطر، والقصر اضطرب الناس فيه، فقيل: ثلاثة أيام، وقيل يومين، وقيل أقل من ذلك، حتى قيل: ميل، والذين حددوا ذلك بالمسافة، منهم من قال: ثمانية وأربعون ميلًا، ومنهم من قال: ستة وأربعون، وقيل: خمسة وأربعون، وقيل: أربعون، فالذين قالوا ثلاثة أيام، احتجوا بحديث يمسح المسافر ثلاثة أيام، وحديث لا تسافر المرأة مسيرة ثلاثة أيام إلا ومعها ذو محرم ... والذين قالوا: يومين اعتمدوا على قول ابن عمر وابن عباس. مجموع الفتاوى، ٢٤/ ٣٨ - ٤٠. وذكر ابن تيمية أيضًا أن ابن حزم قال: «لم نجد أحدًا يقصر في أقل من ميل». فتاوى ابن تيمية، ٢٤/ ٤١.\nوعن أنس - ﵁ - قال: «كان رسول الله - ﷺ - إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو فراسخ صلى ركعتين» مسلم، في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة المسافرين وقصرها، برقم ٦٩١، وقوله: «ثلاثة أميال أو فراسخ» شك من الراوي، وقال الظاهرية: مسافة القصر ثلاثة أميال، وأجيب عليهم بأنه مشكوك فيه فلا يحتج به على الثلاثة الأميال، نعم يحتج به على التحديد بالثلاثة الفراسخ إذ يحتج به على الثلاثة الأميال، نعم يحتج به على التحديد بالثلاثة الفراسخ إذ الأميال داخلة فيها فيؤخذ بالأكثر احتياطًا. انظر: فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٥٦٧، وسبل السلام للصنعاني، ٣/ ١٣٤، وسمعت هذا المعنى من شيخنا ابن باز أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٤٥٧. وقال ابن قدامة في المغني، ٣/ ١٠٨: «يحتمل أنه أراد إذا سافر سفرًا طويلًا قصر إذا بلغ ثلاثة أميال، كما قال في لفظه الآخر «إن النبي - ﷺ - صلى بالمدينة أربعًا وبذي الحليفة ركعتين» وقال الصنعاني في سبل السلام،٣/ ١٣٣: «المراد من قوله إذا خرج: إذا كان قصده مسافة هذا القدر لا أن المراد أنه كان إذا أراد سفرًا طويلًا فلا يقصر إلا بعد هذه المسافة».","vol":"1","page":42},{"text":"التحديد بالمسافة التي ذكرت، وهذا الذي عليه أكثر أهل العلم فينبغي الالتزام بذلك» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>سابعًا: يقصر المسافر إذا خرج عن جميع بيوت قريته </span>أو مدينته إذا كان سفره تقصر في مثله الصلاة، قال ابن المنذر ﵀: «وأجمعوا على أن للذي يريد السفر أن يقصر الصلاة إذا خرج عن جميع البيوت من القرية التي خرج منها» (٢)، وهذا مذهب جمهور أهل العلم أن المسافر إذا أراد سفرًا تقصر في مثله الصلاة لا يقصر حتى يفارق جميع البيوت (٣)، قال أنس - ﵁ -: «صليت الظهر مع النبي - ﷺ -\n_________\n(١) مجموع فتاوى ابن باز، ١٢/ ٢٦٧.\n(٢) الإجماع لابن المنذر، ص٤٧.\n(٣) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٥٦٩.","vol":"1","page":43},{"text":"بالمدينة أربعًا، وبذي الحليفة ركعتين»، وفي لفظ: «أن رسول الله - ﷺ - صلى الظهر بالمدينة أربعًا، وصلى العصر بذي الحليفة ركعتين» (١)، وهذا فيه دلالة على أنه ليس لمن نوى السفر أن يقصر حتى يخرج من عامر بيوت قريته أو مدينته أو خيام قومه ويجعلها وراء ظهره (٢). وخرج علي - ﵁ - فقصر وهو يرى البيوت، فلما رجع قيل له: هذه الكوفة؟ قال: لا، حتى ندخلها (٣).\nوإذا سافر بعد دخول وقت الصلاة فله قصرها؛ لأنه سافر قبل خروج وقتها، قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن له قصرها، وهذا قول مالك، والأوزاعي، والشافعي، وأصحاب الرأي، وهو إحدى الروايتين في مذهب الحنابلة (٤) والله أعلم (٥).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب تقصير الصلاة، باب يقصر إذا خرج من موضعه برقم ١٠٨٩،وكتاب الحج، باب من بات بذي الحليفة حتى أصبح، برقم ١٥٤٦، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة المسافرين وقصرها، برقم ٦٩٠.\n(٢) انظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ١١١، والشرح الكبير مع المقنع، ٥/ ٤٤، والإنصاف مع المقنع والشرح الكبير، ٥/ ٤٤، والشرح الممتع لابن عثيمين،٤/ ٥١٢.\n(٣) البخاري، كتاب التقصير، بابٌ: يقصر إذا خرج من موضعه، قبل الحديث رقم ١٠٨٩.\n(٤) المغني لابن قدامة، ٣/ ١٤٣، وانظر: الإنصاف للمرداوي المطبوع مع المقنع، والشرح الكبير، ٥/ ٥٣، والرواية الثانية عند الحنابلة وهي الرواية الصحيحة من مذهبهم أنه يتمها. انظر: الإنصاف المطبوع مع المقنع والشرح الكبير، ٥/ ٥٣، المغني لابن قدامة، ٣/ ١٤٣.\n(٥) واختار العلامة ابن عثيمين القصر فقال: «لو دخل وقت وهو في بلده ثم سافر فإنه يقصر، ولو دخل وقت الصلاة وهو السفر ثم دخل بلده فإنه يتم، اعتبارًا بحال فعل الصلاة» الشرح الممتع، ٤/ ٥٢٣.","vol":"1","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>ثامنًا: إقامة المسافر التي يقصر فيها الصلاة</span>، قال ابن المنذر ﵀: «وأجمع أهل العلم لا اختلاف بينهم على أن لمن سافر سفرًا يقصر في مثله الصلاة وكان سفره في حج أو عمرة، أو غزو أن له أن يقصر مادام مسافرًا» (١).\nفعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: «خرجنا مع رسول الله - ﷺ - من المدينة إلى مكة فكان يصلي ركعتين ركعتين، قلت: كم أقام بمكة (٢)؟ قال: عشرًا» (٣).\nقال ابن قدامة ﵀: «وجملة ذلك أن من لم يُجمع\n_________\n(١) الإجماع لابن المنذر، ص٤٧.\n(٢) السائل هو الراوي عن أنس: يحيى بن أبي إسحاق.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب تقصير الصلاة، باب ما جاء في التقصير وكم يقيم حتى يقصر، برقم ١٠٨١، ومسلم كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة المسافرين وقصرها، برقم ٦٩٣.","vol":"1","page":45},{"text":"إقامة مدة تزيد على إحدى وعشرين صلاة فله القصر ولو أقام سنين» (١).\nأما إذا نوى الإقامة في بلد أكثر من أربعة أيام؛ فإنه يتم؛ لأن النبي - ﷺ - قدم مكة في حجة الوداع يوم الأحد من ذي الحجة، وأقام فيها الأحد، والإثنين، والثلاثاء، والأربعاء، ثم خرج إلى منى يوم الخميس، فقد قدم لصبح رابعة، فأقام اليوم الرابع، والخامس، والسادس، والسابع، وصلى الفجر بالأبطح يوم الثامن، فكان يقصر الصلاة في هذه الأيام، وقد أجمع على إقامتها، فإذا أجمع المسافر أن يقيم كما أقام النبي - ﷺ - قصر، وإذا أجمع على أكثر من ذلك أتمَّ (٢)، قال ابن عباس ﵄: «قدم النبي - ﷺ - وأصحابه لصبح رابعة يلبُّون بالحج فأمرهم أن يجعلوها\n_________\n(١) المغني لابن قدامة، ٣/ ١٥٣.\n(٢) انظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ١٤٧ - ١٤٨، والشرح الكبير المطبوع مع المقنع،\n٥/ ٦٨، والإنصاف المطبوع مع الشرح الكبير، ٥/ ١٦٨، وحاشية ابن قاسم على الروض المربع، ٢/ ٣٩٠.","vol":"1","page":46},{"text":"عمرة إلا من معه الهدي» (١).\nقال شيخ الإسلام بن تيمية ﵀: «إذا نوى أن يقيم بالبلد أربعة أيام فما دونها قصر الصلاة كما فعل النبي - ﷺ - لما دخل مكة، فإنه أقام بها أربعة أيام يقصر الصلاة، وإن كان أكثر ففيه نزاع، والأحوط أن يتم الصلاة، وأما إن قال غدًا أسافر، أو بعد غد أسافر، ولم ينوِ المقام فإنه يقصر؛ فإن النبي - ﷺ - أقام بمكة بضعة عشر يومًا، يقصر الصلاة، وأقام بتبوك عشرين ليلة يقصر الصلاة. والله أعلم» (٢).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب التقصير، باب كم أقام النبي - ﷺ - في حجته، برقم ١٠٨٥.\n(٢) مجموع الفتاوى لابن تيمية، ٢٤/ ١٧، وسئل ﵀ عن رجل يعلم أنه يقيم شهرين فهل يجوز له القصر؟ فأجاب: «الحمد لله هذه مسألة فيها نزاع بين العلماء منهم من يوجب الإتمام، ومنهم من يوجب القصر، والصحيح أن كليهما سائغ فمن قصر فلا ينكر عليه، ومن أتم لا ينكر عليه، وكذلك تنازعوا في الأفضل، فمن كان عنده شك في جواز القصر فأراد الاحتياط فالإتمام أفضل، وأما من تبينت له السنة، وعلم أن النبي - ﷺ - لم يشرع للمسافر أن يصلي إلا ركعتين، ولم يحد السفر بزمان أو بمكان، ولا حد الإقامة أيضًا بزمن محدود، لا ثلاثة، ولا أربعة، ولا اثنا عشر، ولا خمسة عشر، فإنه يقصر كما كان غير واحد من السلف يفعل، حتى كان مسروق قد ولَّوه ولاية لم يكن يختارها، فأقام سنين يقصر الصلاة، وقد أقام المسلمون بنهاوند ستة أشهر يقصرون الصلاة، وكانوا يقصرون الصلاة مع علمهم أن حاجتهم لا تنقضي في أربعة أيام ولا أكثر كما أقام النبي - ﷺ - وأصحابه بعد فتح مكة قريبًا من عشرين يومًا يقصرون الصلاة، وأقاموا بمكة أكثر من عشرة أيام يفطرون في رمضان، وكان النبي - ﷺ - لما فتح مكة يعلم أنه يحتاج أن يقيم بها أكثر من أربعة أيام، وإذا كان التحديد لا أصل له فمادام المسافر مسافرًا يقصر الصلاة ولو أقام في مكان شهورًا والله أعلم». مجموع الفتاوى، ٢٤/ ١٧ - ١٨، وانظر: مواضع أخرى في الفتاوى، ٢٤/ ١٤٠، و٢٤/ ١٣٧، وانظر: الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص١١٠، والشرح الممتع لابن عثيمين،٤/ ٥٢٩ - ٥٣٩، والاختيارات الجلية للسعدي، ص٦٦.","vol":"1","page":47},{"text":"وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول عن إقامة النبي - ﷺ - عام الفتح بمكة تسعة عشر يومًا يقصر الصلاة (١): «وقد أقام - ﷺ - في مصالح الإسلام والمسلمين، وهذه الإقامة لم يكن مجمعًا عليها؛ لهذه الأغراض، فلما حصل المقصود ارتحل إلى المدينة، ومن المعلوم أن المهاجر لا يقيم في بلده أكثر من ثلاثة أيام، ولكنه أقام لهذه المصالح، فإذا أقام المسافر إقامة لم يُجمعها قصر» (٢). وسمعته يقول عن إقامة النبي - ﷺ - في غزوة تبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة (٣): «وإقامته - ﷺ -\n_________\n(١) البخاري، كتاب التقصير، باب ما جاء في التقصير ولم يقيم حتى يقصر، برقم ١٠٨٠، وفي كتاب المغازي، برقم ٤٢٩٨، ٤٢٩٩.\n(٢) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٤٥٩، وانظر: فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٥٦٢.\n(٣) أبو داود، كتاب الصلاة، باب إذا أقام بأرض العدو يقصر، برقم ١٢٣٥، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٣٣٦.","vol":"1","page":48},{"text":"عشرين يومًا في تبوك ينظر فيما يتعلق بحرب الروم، هل يتقدم أم يرجع، ثم أذن الله له أن يرجع، واحتج بهذه القصة وقصة الفتح على أنه لا بأس بالقصر مدة الإقامة العارضة، ولو طالت، حتى قال أهل العلم: لو مكث سنين مادام لم يجمع إقامة؛ فإنه في سفر، وله أحكام السفر، وهذا هو الصواب، أما إذا أجمع إقامة فاختلف العلماء في مقدارها هل تقدر بعشرين يومًا، أو بتسعة عشر يومًا، أو بثلاثة أيام، أو أربعة أيام على أقوال: وأحسن ما قيل في ذلك: أربعة أيام؛ لأنها إقامة النبي - ﷺ - في حجة الوداع، فإذا أجمع الإقامة أكثر من أربعة أيام أتمَّ، وإن كانت أربعة فأقلّ قصر؛ لأنها إقامة معزوم عليها، وعليه الشافعي، وأحمد، ومالك، وبقول الشافعي وأحمد ومالك، تنتظم الأدلة، ويكون ذلك صيانة من تلاعب الناس، وهذا هو الأحوط، كما قال الجمهور: أربعة أيام؛ لأن ما زاد عنها غير مجمع عليه، وما نقص","vol":"1","page":49},{"text":"من هذا مجمع عليه: أي داخل في المجمع عليه» (١). وبهذا يخرج المسلم من الخلاف ويترك ما يريبه إلى ما لا يريبه، والله - ﷿ - أعلم (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>تاسعًا: قصر الصلاة بمنى لأهل مكة وغيرهم من الحجاج</span>؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄، قال: «صليت مع النبي - ﷺ - بمنى ركعتين، وأبي بكر، وعمر، ومع عثمان صدرًا من إمارته، ثم أتمها أربعًا» (٣).وعن عبد الرحمن بن يزيد قال: «صلى بنا عثمان بن عفان - ﵁ - بمنى أربع ركعات، فقيل ذلك لعبد الله بن مسعود - ﵁ - فاسترجع، قال: صليت مع رسول الله - ﷺ - بمنى ركعتين، وصليت مع أبي بكر الصديق - ﵁ - بمنى ركعتين، وصليت مع عمر بن الخطاب - ﵁ - ركعتين، فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان» (٤).\n_________\n(١) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٤٦١.\n(٢) انظر: مجموع فتاوى الإمام ابن باز، ١٢/ ٢٧٦، وفتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ٨/ ٩٩.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب التقصير، باب الصلاة بمنى، برقم ١٠٨٢، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب قصر الصلاة بمنى، برقم ٦٩٤.\n(٤) متفق عليه: البخاري، برقم ١٠٨٤، ومسلم، برقم ٦٩٥، وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":50},{"text":"وعن يحيى بن أبي إسحاق عن أنس - ﵁ - قال: «خرجنا مع النبي - ﷺ - من المدينة إلى مكة فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة، قلت: أقمت بمكة شيئًا؟ قال: أقمنا بها عشرًا»، وفي لفظ مسلم: «كم أقام بمكة؟ قال: عشرًا». وفي لفظ لمسلم: «خرجنا من المدينة إلى الحج ...» (١).\nوحديث أنس هذا لا يعارض حديث ابن عباس: «أقام رسول الله - ﷺ - تسعة عشر يقصر فنحن إذا سافرنا تسعة عشر قصرنا وإن زدنا أتممنا» (٢)؛ لأن حديث ابن عباس كان في فتح مكة وحديث أنس في حجة الوداع، وقد قدم النبي - ﷺ - وأصحابه لصبح رابعة من ذي الحجة، ولا شك أنه - ﷺ - خرج من مكة صبح الرابع عشر فتكون مدة الإقامة بمكة وضواحيها في حجة الوداع عشرة أيام\n_________\n(١) البخاري، كتاب تقصير الصلاة، باب ما جاء في التقصير وكم يقيم حتى يقصر؟ برقم ١٥٨٠.\n(٢) البخاري، كتاب تقصير الصلاة، باب ما جاء في التقصير، وكم يقيم حتى يقصر؟ برقم ١٠٨٠.","vol":"1","page":51},{"text":"بلياليها كما قال أنس - ﵁ - (١).\nوعن حارثة بن وهب الخزاعي - ﵁ - قال: «صليت خلف رسول الله - ﷺ - بمنى والناس أكثر ما كانوا فصلى ركعتين في حجة الوداع» (٢). فهذه سنة رسول الله - ﷺ -، فينبغي العمل بها واتباعها (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>عاشرًا: جواز التطوع على المركوب في السفر:</span>\nيصح التطوع على المركوب في السفر: من راحلة،\n_________\n(١) انظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري، لابن حجر، ٢/ ٥٦٢ - ٥٦٣، وشرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ٢١٠.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب تقصير الصلاة، باب الصلاة بمنى، برقم ١٠٨٣، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب قصر الصلاة بمنى، برقم ٦٩٦.\n(٣) أما إتمام عثمان - ﵁ - فله تأويلات كثيرة ذكر الإمام ابن القيم منها ستة تأويلات يعتذر له بها، منها: أن الأعراب كثروا في ذلك العام، وقد قال له بعضهم: إنه صلى ركعتين فقال: «يا أمير المؤمنين مازلت أصليها منذ رأيتك عام أول ركعتين» فأحب عثمان - ﵁ - أن يعلم الأعراب أن الصلاة أربع، وغير ذلك من التأويلات. أما عائشة ﵂، فقد قيل إنها تأولت أن القصر رخصة وأن الإتمام لمن لا يشق عليه أفضل، فعن عروة عن أبيه أنها كانت تصلي في السفر أربعًا فقلت لها: لو صليت ركعتين؟ فقالت: يا ابن أخي إنه لا يشق علي» رواه البيهقي في السنن الكبرى، ٣/ ١٤٣، قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري، ٢/ ٥٧١: «إسناده صحيح».\nوانظر: للفائدة لاستكمال الاعتذار لعثمان - ﵁ - ولعائشة أم المؤمنين ﵂: زاد المعاد لابن القيم، ١/ ٤٦٥ - ٤٧٢، وفتح الباري لابن حجر، ٢/ ٥٧٠ - ٥٧١.","vol":"1","page":52},{"text":"وطائرة، وسيارة، وسفينة وغيرها من وسائل النقل، أما الفريضة فلابد من النزول لها إلا عند العجز؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: «كان النبي - ﷺ - يصلي في السفر على راحلته حيث توجهت به، يومئ [برأسه] إيماء صلاة الليل إلا الفرائض ويوتر على راحلته».\nوفي لفظ: «غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة» (١)؛ ولحديث عامر بن ربيعة - ﵁ - قال: «رأيت النبي - ﷺ - يصلي على راحلته حيث توجهت به». وفي لفظ: «ولم يكن رسول الله - ﷺ - يصنع ذلك في المكتوبة». وفي لفظ: «أنه رأى النبي - ﷺ - يصلي السبحة بالليل في السفر على ظهر راحلته حيث توجهت به» (٢)؛ ولحديث جابر - ﵁ - قال: «كان رسول الله - ﷺ - يصلي على راحلته حيث توجهت به، فإذا\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الوتر، باب الوتر في السفر، برقم ٩٩٩، ١٠٠٠، ورقم ١٠٩٥، ١٠٩٦، ١٠٩٨، ١١٠٥، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب جواز صلاة النافلة على الدابة في السفر حيث توجهت، برقم ٧٠٠.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ١٠٩٣، ١١٠٤، ومسلم، برقم ٧٠١، وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":53},{"text":"أراد الفريضة نزل فاستقبل القبلة» (١). وفي لفظ: «كان يصلي على راحلته نحو المشرق، فإذا أراد أن يصلي المكتوبة نزل فاستقبل القبلة». وفي هذا أحاديث أخرى كحديث أنس - ﵁ - (٢).\nويستحب استقبال القبلة عند تكبيرة الإحرام؛ لحديث أنس - ﵁ - «أن رسول الله - ﷺ - كان إذا سافر فأراد أن يتطوع استقبل بناقته القبلة، فكبر، ثم صلى حيث وجهه ركابه» (٣)، فإذا لم يفعل ذلك فالصلاة صحيحة عملًا بالأحاديث الصحيحة كما رجحه شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀ (٤).\nوذكر الإمام النووي ﵀ «أن التنفل على الراحلة في السفر الذي تُقصر فيه الصلاة جائز بإجماع المسلمين ...» (٥).\nوأما السفر الذي لا تقصر فيه الصلاة فالصواب جواز\n_________\n(١) البخاري، برقم ٤٠٠، ١٠٩٤، ١٠٩٩، ٤١٤٠، وتقدم تخريجه.\n(٢) صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب جواز صلاة النافلة على الدابة، برقم ٧٠٢.\n(٣) أبو داود برقم ١٢٢٥، وحسنه الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام، الحديث رقم ٢٢٨، وتقدم تخريجه.\n(٤) سمعته يرجح ذلك أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٢٢٨.\n(٥) شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ٢١٦.","vol":"1","page":54},{"text":"ذلك، وهو مذهب الجمهور (١)؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلله الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله إِنَّ الله وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢)، وقد رجح الإمام ابن جرير ﵀ أن هذه الآية تدخل فيها صلاة التطوع في السفر على الراحلة حيثما توجهت بك راحلتك (٣). وقد ذكر الحافظ ابن حجر ﵀ عن الإمام الطبري ﵀ أنه احتج للجمهور: أن الله جعل التيمم رخصة للمريض والمسافر، وقد أجمعوا على أن من كان خارج المصر على ميل أو أقل ونيته العود إلى منزله لا إلى سفر آخر ولم يجد ماءً أنه يجوز له التيمم، فكما جاز له التيمم في هذا القدر جاز له التنفل على الدابة لاشتراكهما في الرخصة (٤).\n_________\n(١) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٥٧٥، وشرح النووي، ٥/ ٢١٧، والمغني لابن قدامة، ٢/ ٩٦.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ١١٥.\n(٣) انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ٣/ ٥٣٠، و٥٣٣، وانظر: المغني لابن قدامة، ٢/ ٩٥ - ٩٦.\n(٤) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٢/ ٥٧٥، وقد ذكر صاحب المغني أن الأحكام التي يستوي فيها السفر الطويل والقصير ثلاثة: التيمم، وأكل الميتة في المخمصة، والتطوع على الراحلة، وبقية الرخص تختص بالسفر الطويل. المغني لابن قدامة، ٢/ ٦٩.","vol":"1","page":55},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>الحادي عشر: السنة ترك الرواتب في السفر إلا سنة الفجر، والوتر</span>؛ لحديث حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، قال: صحبت ابن عمر في طريق مكة، قال: فصلى لنا الظهر ركعتين، ثم أقبل وأقبلنا معه حتى جاء رحله، وجلس وجلسنا معه، فحانت منه التفاتةٌ نحوَ (١) حيثُ صلى، فرأى ناسًا قيامًا، فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قلت: يسبحون، قال: لو كنت مسبحًا أتممت صلاتي، يا ابن أخي إني صحبت رسول الله - ﷺ - في السفر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، ثم صحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٢). أما سنة الفجر،\n_________\n(١) المقصود: حصلت منه التفاتةٌ إلى جهة المكان الذي صلَّى فيه. انظر: شرح النووي، ٥/ ٢٠٤.\n(٢) متفق عليه: البخاري بنحوه، كتاب التقصير، باب من لم يتطوع في السفر دبر الصلاة، برقم ١١٠١، ١١٠٢، ومسلم بلفظه، كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة المسافرين وقصرها، برقم ٦٨٩.","vol":"1","page":56},{"text":"والوتر فلا تُترك لا في الحضر ولا في السفر؛ لحديث عائشة ﵂ في سنة الفجر أن النبي - ﷺ - «لم يكن يدعهما أبدًا» (١)؛ ولحديث أبي قتادة - ﵁ - في نوم النبي - ﷺ - وأصحابه في السفر عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس، وفيه: «ثم أذن بلال بالصلاة فصلى رسول الله - ﷺ - ركعتين، ثم صلى الغداة فصنع كما كان يصنع كل يوم» (٢).\nوأما سنة الوتر؛ فلحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: «كان النبي - ﷺ - يصلي في السفر على راحلته حيث توجهت به، يومئ إيماء صلاة الليل إلا الفرائض، ويوتر على راحلته». وفي لفظ: «كان يوتر على البعير» (٣).\nقال الإمام ابن القيم ﵀: «وكان تعاهده - ﷺ -\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ١١٥٩، ومسلم، برقم ٧٢٤، وتقدم تخريجه.\n(٢) أخرجه مسلم، برقم ٦٨١، وتقدم تخريجه.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الوتر، باب الوتر على الدابة، برقم ٩٩٩، وباب الوتر في السفر، برقم ١٠٠٠، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب جواز صلاة النافلة على الدابة في السفر حيث توجهت به، برقم ٧٠٠.","vol":"1","page":57},{"text":"ومحافظته على سنة الفجر أشد من جميع النوافل ولم يكن يدعها هي والوتر سفرًا ولا حضرًا ... ولم ينقل عنه في السفر أنه - ﷺ - صلى سنة راتبة غيرهما» (١).\nوأما التطوع المطلق فمشروع في الحضر والسفر مطلقًا، مثل: صلاة الضحى، والتهجد بالليل، وجميع النوافل المطلقة، والصلوات ذوات الأسباب: كسنة الوضوء، وسنة الطواف، وصلاة الكسوف، وتحية المسجد وغير ذلك (٢).\nقال الإمام النووي ﵀: «وقد اتفق العلماء على استحباب النوافل المطلقة في السفر ...» (٣).\n_________\n(١) زاد المعاد في هدي خير العباد، ١/ ٣١٥.\n(٢) انظر: مجموع فتاوى ومقالات للإمام ابن باز، ١١/ ٣٩٠ - ٣٩١.\n(٣) شرح النووي صحيح مسلم، ٥/ ٢٠٥، وقال: «واختلفوا في استحباب النوافل الراتبة فكرهها ابن عمر وآخرون، واستحبها الشافعي وأصحابه والجمهور، ودليله الأحاديث المطلقة في ندب الرواتب»، ٥/ ٢٠٥، وانظر: فتح الباري لابن حجر،\n٢/ ٥٧٧، وقال ابن قدامة: فأما سائر السنن والتطوعات قبل الفرائض وبعدها فقال أحمد: أرجو أن لا يكون بالتطوع في السفر بأس، وروي عن الحسن، قال: كان أصحاب رسول الله - ﷺ - يسافرون فيتطوعون قبل المكتوبة وبعدها، وروي ذلك عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وجابر، وأنس، وابن عباس، وأبي ذر، وجماعة من التابعين كثير، وهو قول مالك، والشافعي، وإسحاق، وأبي ثور، وابن المنذر، وكان ابن عمر لا يتطوع مع الفريضة قبلها ولا بعدها، إلا من جوف الليل، ونقل ذلك عن سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وعلي بن الحسين ... ثم قال: وحديث الحسن عن أصحاب رسول الله - ﷺ - قد ذكرناه [مصنف ابن أبي شيبة، ١/ ٣٨٢]، فهذا يدل على أنه لا بأس بفعلها، وحديث ابن عمر يدل على أنه لا بأس بتركها، فيجمع بين الأحاديث والله أعلم. المغني، ٣/ ١٥٥ - ١٥٧.\nقلت: والصواب ما رجحه شيخنا الإمام ابن باز - ﵀ -: أن المشروع ترك الرواتب في السفر، وهذا هو السنة أن يترك راتبة الظهر، والمغرب، والعشاء، ما عدا الوتر وسنة الفجر، فلا يتركهما؛ لحديث ابن عمر وغيره أن النبي - ﷺ - كان يدع الرواتب في السفر، أما النوافل المطلقة فمشروعة في السفر والحضر، وهكذا ذوات الأسباب. انظر: فتاوى الإمام ابن باز، ١١/ ٣٩٠ - ٣٩١.","vol":"1","page":58},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>الثاني عشر: صلاة المقيم خلف المسافر صحيحة ويتمُّ المقيم بعد سلام المسافر</span>؛ للآثار في ذلك (١)،والإجماع، قال ابن قدامة ﵀: «أجمع أهل العلم على أن المقيم إذا ائتمّ بالمسافر، وسلم المسافر من ركعتين أن على المقيم إتمام الصلاة» (٢). وعن عمر - ﵁ - أنه كان إذا قدم مكة صلى بهم ركعتين ثم\n_________\n(١) روي عن عمران - ﵁ - يرفعه: «أنه - ﷺ - أقام بمكة زمان الفتح ثماني عشرة ليلة يصلي بالناس ركعتين ركعتين إلا المغرب ثم يقول: يا أهل مكة قوموا فصلوا ركعتين أخريين فإنا سفر» أحمد بلفظه، ٤/ ٤٣٠، وأبو داود، كتاب صلاة السفر، باب متى يتم المسافر، برقم ١٢٢٩، ولفظه: «يا أهل البلد صلوا أربعًا فإنا قوم سفر» وفي سنده علي بن زيد بن جدعان ضعيف، قال الشوكاني: «وإنما حسّن الترمذي حديثه\n(٥٤٥) لشواهده»، نيل الأوطار، ٢/ ٤٠٢.\n(٢) المغني، ٣/ ١٤٦، وانظر: نيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٤٠٣.","vol":"1","page":59},{"text":"يقول: «يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قومٌ سفرٌ» (١).\nفظهر من ذلك أن المقيم إذا صلى خلف المسافر صلاة الفريضة: كالظهر، والعصر، والعشاء، فإنه يلزمه أن يكمل صلاته أربعًا، أما إذا صلى المقيم خلف المسافر طلبًا لفضل الجماعة، وقد صلى المقيم فريضته، فإنه يصلي مثل صلاة المسافر: ركعتين؛ لأنها في حقه نافلة (٢).\nوإذا أمّ المسافر المقيمين فأتم بهم فصلاتهم تامة صحيحة وخالف الأفضل (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>الثالث عشر: صلاة المسافر خلف المقيم صحيحة</span>، ويتم المسافر مثل صلاة إمامه، سواء أدرك جميع الصلاة، أو\n_________\n(١) مالك في الموطأ موقوفًا، كتاب قصر الصلاة في السفر، باب صلاة المسافر إذا كان إمامًا أو كان وراء الإمام، برقم ١٩، ١/ ١٤٩، قال الإمام الشوكاني في نيل الأوطار، ٢/ ٤٠٢: «وأثر عمر رجال إسناده أئمة ثقات».\n(٢) انظر: مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، للإمام ابن باز، ١٢/ ٢٥٩ - ٢٦١.\n(٣) انظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ١٤٦، ومجموع فتاوى ابن باز، ١٢/ ٢٦٠، وقد كان عثمان - ﵁ - يتم بالناس في الحج في السنوات الأخيرة من خلافته، وثبت عن عائشة أنها كانت تتم الصلاة في السفر، وتقول: إنه لا يشق عليها، فلا حرج في إتمام المسافر، ولكن الأفضل ما فعله النبي - ﷺ - لأنه المشرع المعلم - ﷺ -، انظر: مجموع فتاوى ابن باز، ١٢/ ٢٦٠، وحديث عثمان في مسلم، برقم ٦٩٤، ٦٩٥.","vol":"1","page":60},{"text":"ركعة، أو أقل، وحتى لو دخل معه في التشهد الأخير قبل السلام فإنه يتم، وهذا هو الصواب من قولي أهل العلم؛ لما ثبت عن ابن عباس ﵄ من حديث موسى بن سلمة ﵀ قال: كنا مع ابن عباس بمكة فقلت: إنا إذا كنا معكم صلينا أربعًا وإذا رجعنا إلى رحالنا صلينا ركعتين، قال: «تلك سنة أبي القاسم - ﷺ -» (١). وكان ابن عمر ﵄ إذا صلى مع الإمام صلى أربعًا وإذا صلاها وحده صلى ركعتين (٢).\nوذكر الإمام ابن عبد البر ﵀ أن في إجماع الجمهور من الفقهاء على أن المسافر إذا دخل في صلاة المقيمين فأدرك منها ركعة أنه يلزمه أن يصلي أربعًا (٣). وقال: «قال\n_________\n(١) أحمد في المسند، ١/ ٢١٦، قال الألباني في إرواء الغليل، ٣/ ٢١: «قلت وسنده صحيح رجاله رجال الصحيح»، والحديث أخرجه مسلم بلفظ: «كيف أصلي إذا كنت بمكة إذا لم أصلِّ مع الإمام»؟ فقال: «ركعتين سنة أبي القاسم - ﷺ -»، مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة المسافرين وقصرها، برقم ٦٨٨.\n(٢) مسلم، الكتاب والباب السابق، برقم ١٧ (٦٨٨)، وانظر آثارًا في موطأ الإمام مالك، ١/ ١٤٩ - ١٥٠.\n(٣) التمهيد، ١٦/ ٣١١ - ٣١٢.","vol":"1","page":61},{"text":"أكثرهم إنه إذا أحرم المسافر خلف المقيم قبل سلامه أنه تلزمه صلاة المقيم، وعليه الإتمام» (١).\nومما يدل على أن المسافر إذا صلى خلف المقيم يلزمه الإتمام عموم قوله - ﷺ -: «إنما جُعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه، فإذا كبَّر فكبِّروا ..» (٢) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>الرابع عشر: نية القصر أو الجمع عند افتتاح الصلاة والموالاة بين الصلاتين </span>المجموعتين:\nاختلف العلماء هل يشترط للقصر والجمع نية؟ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «الجمهور لا يشترطون النية: كمالك، وأبي حنيفة، وهو أحد القولين في مذهب أحمد، وهو مقتضى نصوصه، والثاني تشترط: كقول الشافعي، وكثير من أصحاب أحمد: كالخرقي وغيره،\n_________\n(١) المرجع السابق، ١٦/ ٣١٥.\n(٢) متفق عليه من حديث أبي هريرة - ﵁ -: البخاري، كتاب الأذان، باب إقامة الصف من تمام الصلاة، برقم ٧٢٢، ومسلم، كتاب الصلاة، باب ائتمام المأموم بالإمام، برقم ٤١٤.\n(٣) انظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ٣٤٦، ومجموع فتاوى الإمام ابن باز، ١٢/ ١٥٩، ٢٦٠، والشرح الممتع، لابن عثيمين،٤/ ٥١٩.","vol":"1","page":62},{"text":"والأول أظهر، ومن علم بأحد القولين لم ينكر عليه» (١). وقال ﵀: «والأول هو الصحيح الذي تدل عليه سنة النبي - ﷺ -، فإنه كان يقصر بأصحابه ولا يعلمهم قبل الدخول في الصلاة أنه يقصر، ولا يأمرهم بنية القصر ... وكذلك لما جمع بهم لم يعلمهم أنه جمع قبل الدخول، بل لم يكونوا يعلمون أنه يجمع حتى يقضي الصلاة الأولى، فعلم أيضًا أن الجمع لا يفتقر إلى أن ينوي حين الشروع في الأولى» (٢)، وقال ﵀: «والنبي - ﷺ - لما كان يصلي بأصحابه جمعًا وقصرًا لم يكن يأمر أحدًا منهم بنية الجمع والقصر، بل خرج من المدينة إلى مكة يصلي ركعتين من غير جمع، ثم صلى بهم الظهر بعرفة ولم يعلمهم أنه يريد أن يصلي العصر بعدها ثم صلى بهم العصر، ولم يكونوا نووا الجمع، وهذا جمع تقديم، وكذلك لما خرج من المدينة\n_________\n(١) فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٤/ ١٦، وانظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ١١٩.\n(٢) فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٤/ ٢١، وانظر: الإنصاف المطبوع مع المقنع والشرح الكبير، ٥/ ١٠٢.","vol":"1","page":63},{"text":"صلى بهم بذي الحليفة ركعتين ولم يأمرهم بنية قصر» (١).\nوقال سماحة شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀: «... والراجح أن النية ليست بشرط عند افتتاح الصلاة الأولى، بل يجوز الجمع بعد الفراغ من الأولى إذا وجد شرطه: من خوف، أو مطر، أو مرض» (٢). فظهر أن الصحيح من قولي أهل العلم أن النية ليست بشرط عند افتتاح الصلاة في القصر والجمع (٣).\nأما الموالاة بين الصلاتين المجموعتين فقد اشترطها بعضهم، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، والعلامة السعدي، عدم اشتراط الموالاة (٤).\n_________\n(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٤/ ٥٠.\n(٢) مجموع فتاوى ابن باز، ١٢/ ٢٩٤.\n(٣) ورجح ذلك شيخ الإسلام كما تقدم، والإمام ابن باز، والسعدي في المختارات الجلية، ص٦٧، والمرداوي في الإنصاف، المطبوع مع المقنع والشرح الكبير، ٥/ ٦٢، وابن عثيمين في الشرح الممتع، ٤/ ٥٢٣ - ٥٢٥، و٥٦٦، وانظر: الاختيارات الفقهية لابن تيمية، ص١١٣.\n(٤) انظر: فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٤/ ٥١، و٥٤، والاختيارات الفقهية له، ص١١٢، والمختارات الجلية للسعدي، ص٦٨، والإنصاف للمرداوي، ٥/ ١٠٤.","vol":"1","page":64},{"text":"وقال شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀: «الواجب في جمع التقديم الموالاة بين الصلاتين، ولا بأس بالفصل اليسير عُرفًا؛ لما ثبت عن النبي - ﷺ - في ذلك وقد قال - ﷺ -: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (١). أما جمع التأخير فالأمر فيه واسع؛ لأن الثانية تفعل في وقتها؛ ولكن الأفضل هو الموالاة بينهما تأسيًا بالنبي - ﷺ - في ذلك، والله ولي التوفيق» (٢) والله أعلم (٣).\n_________\n(١) البخاري، كتاب الأذان، برقم ٦٣١.\n(٢) مجموع فتاوى الشيخ عبد العزيز بن عبد الله ابن باز، ١٢/ ٢٩٥.\n(٣) قال العلامة ابن عثيمين: «واختار شيخ الإسلام ابن تيمية: أنه لا تشترط الموالاة بين المجموعتين، وقال: إن معنى الجمع هو الضم بالوقت: أي ضم وقت الثانية للأولى بحيث يكون الوقتان وقتًا واحدًا ... وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ نصوصًا عن الإمام أحمد تدل على ما ذهب إليه من أنه لا تشترط الموالاة في الجمع بين الصلاتين تقديمًا كما أن الموالاة لا تشترط بالجمع بينهما تأخيرًا، والأحوط أن لا يجمع إذا لم يتصل، ولكن رأي شيخ الإسلام له قوة» الشرح الممتع،٤/ ٥٦٨ - ٥٦٩.\nوالأقوال ثلاثة: الأول: الموالاة ليست شرطًا في جمع التقديم ولا في جمع التأخير، وهذا رأي شيخ الإسلام ابن تيمية.\nالثاني: الموالاة شرط في الجمعين؛ لأن الجمع هو الضم، وهو قول بعض العلماء.\nالثالث: تشترط الموالاة في جمع التقديم ولا تشترط في جمع التأخير، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة. الشرح الممتع لابن عثيمين،٤/ ٥٧٨.","vol":"1","page":65},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>الخامس عشر: رخص السفر:</span>\nمن قواعد الشريعة: «المشقة تجلب التيسير» (١)، ولما كان السفر قطعة من العذاب؛ لقوله - ﷺ -: «السفر قطعة من العذاب يمنع أحدكم طعامه وشرابه، ونومه، فإذا قضى نهمته فليعجل إلى أهله» (٢)، رتّب الشارع ما رتّب من الرخص، حتى ولو فُرِض خلوُّه من المشاق؛ لأن الأحكام تعلَّق بعللها العامة، وإن تخلفت في بعض الصور والأفراد، فالحكم الفرد يُلحق بالأعم، ولا يفرد بالحكم، وهذا معنى قول الفقهاء ﵏: «النادر لا حكم له»، يعني لا ينقض القاعدة ولا يخالف حكمه حكمها، فهذا أصل يجب اعتباره، فأعظم رخص السفر وأكثرها حاجة ما يلي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>١ - القصر؛ ولذلك ليس للقصر من الأسباب غير السفر</span>؛ ولهذا أضيف السفر إلى القصر لاختصاصه به،\n_________\n(١) انظر: إرشاد أولي البصائر والألباب للعلامة السعدي، ص١١٣، ورسالة القواعد الفقهية له، ص٤٩ - ٥٠.\n(٢) البخاري، كتاب العمرة، باب السفر قطعة من العذاب، برقم ١٨٠٤.","vol":"1","page":66},{"text":"فتقصر الرباعية من أربع إلى ركعتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>٢ - الجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء </span>في وقت إحداهما، والجمع أوسع من القصر؛ ولهذا له أسباب أُخر غير السفر: كالمرض، والاستحاضة، والمطر، والوحل، والريح الشديدة الباردة، ونحوها من الحاجات، والقصر أفضل من الإتمام، بل يكره الإتمام لغير سبب، وأما الجمع في السفر فالأفضل تركه إلا عند الحاجة إليه، أو إدراك الجماعة، فإذا اقترن به مصلحة جاز.\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>٣ - الفطر في رمضان من رخص السفر</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>٤ - الصلاة النافلة على الراحلة أو وسيلة النقل إلى جهة سيره</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>٥ - وكذلك المتنفل الماشي</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>٦ - المسح على الخفين، والعمامة، والخمار</span>، ونحوها، ثلاثة أيام بلياليها؛ لحديث علي بن أبي طالب - ﵁ -، قال: «جعل رسول الله - ﷺ -، ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويومًا","vol":"1","page":67},{"text":"وليلة للمقيم» (١). وأما التيمم فليس سببه السفر، وإن كان الغالب أن الحاجة إليه في السفر أكثر منه في الحضر، وكذلك أكل الميتة للمضطر عام في السفر والحضر، ولكن في الغالب وجود الضرورة في السفر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>٧ - ترك الرواتب في السفر، ولا يكره له ذلك</span>، مع أنه يكره تركها في الحضر، أما راتبة الفجر وصلاة الوتر، والصلوات المطلقة فتصلى حضرًا وسفرًا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>٨ - من رخص السفر ما ثبت عن النبي - ﷺ </span>- أنه قال: «إذا مرض العبد أو سافر كُتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا» (٢). فالأعمال التي يعملها في حضره: من الأعمال القاصرة على نفسه، والمتعدية يجري له أجرها إذا سافر، وكذلك إذا مرض، فيا لها من نعمة ما أجلها وأعظمها.\n_________\n(١) مسلم، كتاب الطهارة، باب التوقيت في المسح على الخفين، برقم ٢٧٦.\n(٢) البخاري، كتاب الجهاد والسير، بابٌ: يكتب للمسافر مثل ما كان يعمل في الإقامة، برقم ٢٩٩٦.","vol":"1","page":68},{"text":"وأما صلاة الخوف فليس سببه السفر، ولكنه فيه أكثر (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>السادس عشر: الجمع وأنواعه ودرجاته:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>١ - الجمع بعرفة؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ </span>قال: «إنهم كانوا يجمعون بين الظهر والعصر في السُّنّة» (٢)، «وكان ابن عمر ﵄ إذا فاتته الصلاة مع الإمام جمع بينهما» (٣). وعن جابر - ﵁ - في حديثه في حجة الوداع، وفيه: أن النبي - ﷺ - أتى بطن الوادي فخطب الناس، ثم أذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصلِّ بينهما شيئًا» (٤). ومما يدل على أنه - ﷺ - صلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين حديث أنس - ﵁ - قال: «خرجنا مع النبي - ﷺ - من المدينة إلى مكة فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة». وفي لفظ لمسلم: «خرجنا من المدينة إلى\n_________\n(١) انظر: إرشاد أولي البصائر والألباب لنيل الفقه بأقرب الطرق وأيسر الأسباب، للعلامة السعدي، ص١١٣ - ١١٦ بتصرف يسير.\n(٢) البخاري، كتاب الحج، باب الجمع بين الصلاتين بعرفة، برقم ١٦٦٢.\n(٣) البخاري، كتاب الحج، باب الجمع بين الصلاتين بعرفة، قبل الحديث رقم ١٦٦٢.\n(٤) مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي - ﷺ -، برقم ١٢١٨.","vol":"1","page":69},{"text":"الحج ..» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>٢ - الجمع بمزدلفة؛ لحديث جابر - ﵁ </span>- أن النبي - ﷺ - حينما أفاض من عرفة: «أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما (٢) شيئًا» (٣)؛ ولحديث أسامة بن زيد - ﵁ -، وفيه: «أن النبي - ﷺ - لما جاء المزدلفة نزل فتوضأ، فأسبغ الوضوء ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت العشاء فصلاها، ولم يصلِّ بينهما شيئًا» (٤)؛ ولحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: «جمع رسول الله - ﷺ - بين المغرب والعشاء بِجَمْعٍ، ليس بينهما سجدة، وصلى\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ١٠٨١، ومسلم، برقم ٦٩٣، وتقدم تخريجه في قصر الصلاة بمنى.\n(٢) ولم يسبح بينهما: لم يصلِّ صلاة النافلة. جامع الأصول لابن الأثير، ٥/ ٧٢١.\n(٣) مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي - ﷺ -، برقم ١٢١٨.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الحج، باب الجمع بين الصلاتين بمزدلفة، برقم ١٦٧٢، ومسلم، كتاب الحج، باب الإفاضة من عرفات إلى المزدلفة واستحباب صلاتي المغرب والعشاء جميعًا بالمزدلفة في هذه الليلة، برقم ١٢٨٠.","vol":"1","page":70},{"text":"المغرب ثلاث ركعات وصلى العشاء ركعتين» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>٣ - الجمع في الأسفار الأخرى أثناء السير في وقت الأولى أو الثانية أو بينهما</span>؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: «كان رسول الله - ﷺ - يجمع بين صلاة الظهر والعصر، إذا كان على ظهر سير (٢)، ويجمع بين المغرب والعشاء» (٣)، وعن ابن عمر ﵄ قال: «كان النبي - ﷺ - يجمع بين المغرب والعشاء إذا جدَّ به السير (٤») (٥)، وعن أنس - ﵁ - قال: «كان النبي - ﷺ - يجمع بين صلاة المغرب والعشاء في السفر» (٦).\nقال الحافظ ابن حجر ﵀: «أورد فيه ثلاثة\n_________\n(١) مسلم، كتاب الحج، باب الإفاضة من عرفات إلى المزدلفة واستحباب صلاتي المغرب والعشاء جميعًا بالمزدلفة في هذه الليلة، برقم ١٢٨٨.\n(٢) إذا كان على ظهر سير: أي إذا كان سائرًا. فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٥٨٠.\n(٣) البخاري، كتاب تقصر الصلاة، باب الجمع في السفر بين المغرب والعشاء، برقم ١١٠٧.\n(٤) إذا جد به السير: أي إذا اهتم به وأسرع فيه. النهاية في غريب الحديث، ١/ ٢٤٤، وقال الحافظ: «إذا جد به السير: أي اشتد». فتح الباري، ٢/ ٥٨٠.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب التقصير، باب الجمع في السفر بين المغرب والعشاء برقم ١١٠٦، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب جواز الجمع بين الصلاتين في السفر، برقم ٧٠٣.\n(٦) البخاري، كتاب تقصير الصلاة، باب الجمع في السفر بين المغرب والعشاء، برقم ١١٠٨.","vol":"1","page":71},{"text":"أحاديث (١): حديث ابن عمر وهو مقيد بما إذا جد السير، وحديث ابن عباس، وهو مقيد بما إذا كان سائرًا، وحديث أنس وهو مطلق، واستعمل المصنف الترجمة مطلقة إشارة إلى العمل بالمطلق؛ لأن القيد فرد من أفراده، وكأنه رأى جواز الجمع بالسفر: سواء كان سائرًا، أم لا، وسواء كان سيره مُجدًّا أم لا» (٢) وعلى ذلك كثير من الصحابة - ﵃ - (٣)، وهو الذي تدل عليه الأحاديث\n_________\n(١) يعني البخاري ﵀ في قوله: «باب الجمع في السفر بين المغرب والعشاء».\n(٢) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٢/ ٥٨٠.\n(٣) اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في الجمع بين الصلاتين في السفر على أقوال:\n١ - جواز الجمع مطلقًا في السفر في قول أكثر أهل العلم في وقت إحدى الصلاتين: الظهر والعصر، أو المغرب والعشاء، وعليه كثير من أصحاب النبي - ﷺ -، وكثير من التابعين، ومن الفقهاء: الثوري، والشافعي، وأحمد، ومالك.\n٢ - ومذهب أبي حنيفة لا يجوز الجمع إلا في يوم عرفة بعرفة، وليلة مزدلفة بها.\n٣ - وقيل يجوز جمع التأخير فقط وهو رواية عن أحمد، ومالك، واختاره ابن حزم.\nوالصواب الذي تدل عليه الأدلة الصحيحة الصريحة هو القول الأول. انظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ١٢٧، والشرح الكبير المطبوع مع المقنع والإنصاف، ٥/ ٨٥، وفتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٤/ ٢٢، وفتح الباري لابن حجر، ٢/ ٥٨٠، وشرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ٢٢٠، والإعلام بفوائد عمدة الأحكام لابن الملقن، ٤/ ٧١.","vol":"1","page":72},{"text":"الصحيحة الصريحة (١)، فعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: كان النبي - ﷺ - إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس (٢) أخّر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع بينهما، وإذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركب» (٣)، وفي رواية\n_________\n(١) قرَّر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أن فعل كل صلاة في وقتها قصرًا أفضل في السفر إذا لم يكن به حاجة إلى الجمع؛ فإن غالب صلاة النبي - ﷺ - التي كان يصليها في السفر إنما يصليها في أوقاتها، وإنما كان الجمع منه مرات قليلة، أما الجمع في عرفة ومزدلفة، فمتفق عليه ومنقول بالتواتر، وهو السنة، والجمع ليس كالقصر؛ فإن القصر سنة راتبة، وأما الجمع فإنه رخصة عارضة يختص بمحل الحاجة. انظر: فتاوى ابن تيمية، ٢٤/ ١٩، و٢٤/ ٢٣، ٢٧، وقال ﵀: «ومن سوّى من العامة بين القصر والجمع فهو جاهل بسنة رسول الله - ﷺ -، وبأقوال علماء المسلمين» مجموع الفتاوى، ٢٤/ ٢٧، وانظر: حاشية الروض المربع، لابن قاسم ٢/ ٣٩٦. وذكر المرداوي في الإنصاف المطبوع مع الشرح الكبير، ٥/ ٨٥: أن ترك الجمع أفضل على الصحيح من مذهب الحنابلة، وقيل: الجمع أفضل.\nوقال العلامة محمد بن صالح العثيمين: «الصحيح أن الجمع سنة إذا وجد سببه؛ لوجهين: الوجه الأول: أنه من رخص الله - ﷿ -، والله سبحانه يحب أن تؤتى رخصه. الوجه الثاني: أن فيه اقتداء برسول الله - ﷺ -، فإنه كان يجمع عند وجود السبب المبيح للجمع» الشرح الممتع، ٤/ ٥٤٨.\n(٢) تزيغ الشمس: زاغت الشمس، تزيغ: إذا مالت عن وسط السماء إلى الغرب. جامع الأصول لابن الأثير، ٥/ ٧١٠.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب تقصير الصلاة، بابٌ: يؤخر الظهر إلى العصر إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس، برقم ١١١١، وبابٌ: إذا ارتحل بعدما زاغت الشمس صلى الظهر ثم ركب، برقم ١١١٢.","vol":"1","page":73},{"text":"للحاكم في الأربعين: «صلى الظهر والعصر، ثم ركب» (١)؛ ولأبي نعيم في مستخرج مسلم: «كان إذا كان في سفر فزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعًا ثم ارتحل» (٢).\nوسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: «هذا يدل على أن الجمع يراعى فيه الرحيل قبل الوقت وبعد الوقت، فإن كان الرحيل قبل الوقت جمع جمع تأخير، وإن كان بعد الوقت جمع جمع تقديم، هذا هو الأفضل، وكيفما جمع جاز؛ لأن الوقتين صارا وقتًا واحدًا، فلو صلى أول الوقت، أو آخره، فلا بأس، ففي حالة السفر والمرض يكون وقت الظهر\n_________\n(١) قال الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام، الحديث رقم ٤٦٢، في رواية الحاكم في الأربعين: «بإسناد صحيح». وانظر: فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٥٨٣، وزاد المعاد لابن القيم، ١/ ٤٧٧ - ٤٨٠.\n(٢) عزاه إليه ابن حجر في بلوغ المرام، وقال الصنعاني في سبل السلام، ٣/ ١٤٤ في رواية المستخرج على صحيح مسلم: «لا مقال فيها». وقال الألباني في إرواء الغليل بعد ذكره للطرق: «فقد تبيّن مما سبق ثبوت جمع التقديم في حديث أنس من طرق ثلاثة عنه» إرواء الغليل، ٣/ ٣٤، و٣/ ٣٢ - ٣٣.","vol":"1","page":74},{"text":"والعصر وقتًا واحدًا، والمغرب والعشاء وقتًا واحدًا، ولكن الأفضل ما تقدم» (١).\nومما يدل على مشروعية جمع التقديم حديث معاذ - ﵁ - قال: «خرجنا مع سول الله - ﷺ - في غزوة تبوك، فكان يصلي الظهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا» (٢). وقد فصل هذا الإجمال رواية الترمذي وأبي داود عن معاذ - ﵁ -: «أن النبي - ﷺ - كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أخّر الظهر إلى أن يجمعها إلى العصر فيصليهما جميعًا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس عجل العصر إلى الظهر، وصلى الظهر والعصر جميعًا، ثم سار، وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخّر المغرب حتى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجّل العشاء فصلاها مع المغرب» (٣).\n_________\n(١) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٤٦٢.\n(٢) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب الجمع بين الصلاتين في الحضر، برقم ١٠٦.\n(٣) الترمذي، كتاب الجمعة، باب ما جاء في الجمع بين الصلاتين برقم ٥٥٣، وأبو داود، كتاب الصلاة، باب الجمع بين الصلاتين، برقم ١٢٠٨، و١١٢٠، وصححه الألباني في إرواء الغليل،٣/ ٣٨، برقم ٥٧٨، وفي صحيح سنن الترمذي، ١/ ٣٠٧، وصحيح سنن أبي داود، ١/ ٣٣٠.","vol":"1","page":75},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>٤ - درجات الجمع في السفر ثلاث </span>(١):\nالدرجة<span data-type=\"title\" id=toc-75> الأولى: إذا كان المسافر سائرًا في وقت الصلاة الأولى </span>فإنه ينزل في وقت الثانية فيصلي جمع تأخير في وقت الثانية (٢)، فهذا هو الجمع الذي ثبت في الصحيحين من حديث أنس، وابن عمر، كما تقدم، وهو نظير جمع مزدلفة.\nالدرجة<span data-type=\"title\" id=toc-76> الثانية: إذا كان المسافر نازلًا في وقت الصلاة الأولى </span>ويكون سائرًا في وقت الصلاة الثانية؛ فإنه يصلي جمع تقديم في وقت الأولى، وهذا نظير الجمع بعرفة،\n_________\n(١) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية،٢٤/ ٦٣.\n(٢) وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية: أن الجمع جائز في الوقت المشترك، فتارة يجمع في أول الوقت، كما جمع - ﷺ - بعرفة، وتارة يجمع في وقت الثانية كما جمع - ﷺ - بمزدلفة: وفي بعض أسفاره، وتارة يجمع فيما بينهما في وسط الوقتين، وقد يقعان معًا في آخر وقت الأولى، وقد يقعان معًا في أول وقت الثانية، وقد تقع هذه في هذا وهذه في هذا، وكل هذا جائز؛ لأن أصل هذه المسألة أن الوقت عند الحاجة مشترك، والتقديم، والتوسط، والتأخير بحسب الحاجة والمصلحة، ففي عرفة ونحوها يكون التقديم هو السنة، وكذلك جمع المطر: السنة أن يجمع للمطر في وقت المغرب، حتى اختلف مذهب أحمد هل يجوز أن يجمع للمطر في وقت الثانية؟ ... انظر مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية،٢٤/ ٥٦.","vol":"1","page":76},{"text":"وهذا الذي ثبت من حديث أنس - ﵁ - في رواية الحاكم ومستخرج مسلم لأبي نعيم، وثبت من حديث معاذ - ﵁ - في سنن الترمذي وأبي داود كما تقدّم.\n\nالدرجة<span data-type=\"title\" id=toc-77> الثالثة: إذا كان المسافر نازلًا في وقت الصلاتين جميعًا </span>نزولًا مستمرًا، فالغالب من سنة النبي - ﷺ - أنه لا يجمع بينهما وإنما يصلي كل صلاة في وقتها مقصورة كما فعل - ﷺ - في منى وفي أكثر أسفاره، ولكن قد يجمع أحيانًا أثناء نزوله نزولًا مستمرًا كما جاء عن معاذ - ﵁ - أنهم خرجوا مع رسول الله - ﷺ - في غزوة تبوك، «فكان رسول الله - ﷺ - يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، فأخّر الصلاة يومًا ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعًا، ثم دخل، ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعًا» (١)، قال\n_________\n(١) النسائي، كتاب المواقيت، باب الوقت الذي يجمع فيه المسافر بين الظهر والعصر، برقم ٥٨٧، وأبو داود، كتاب الصلاة، باب الجمع بين الصلاتين، برقم ١٢٠٦، وموطأ الإمام مالك، كتاب قصر الصلاة، باب الجمع بين الصلاتين في الحضر والسفر،١/ ١٤٣ - ١٤٤ وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود،\n١/ ٣٣٠، وفي صحيح سنن النسائي،١/ ١٩٦.","vol":"1","page":77},{"text":"شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «ظاهره أنَّه كان نازلًا في خيمة في السفر، وأنه أخّر الظهر ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعًا، ثم دخل إلى بيته ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعًا، فإن الدخول والخروج إنما يكون في المنزل، وأما السائر فلا يقال: دخل وخرج بل نزل وركب ... وهذا دليل على أنه - ﷺ - كان يجمع أحيانًا في السفر وأحيانًا لا يجمع، وهو الأغلب على أسفاره ... وهذا يبيّن أن الجمع ليس من سنة السفر كالقصر، بل يفعل للحاجة، سواء كان في السفر أو الحضر؛ فإنه قد جمع أيضًا في الحضر؛ لئلا يحرج أمته، فالمسافر إذا احتاج إلى الجمع جمع، سواء كان ذلك سيره وقت الثانية، أو وقت الأولى وشقَّ النزول عليه، أو كان مع نزوله لحاجة أخرى: مثل أن يحتاج إلى النوم والاستراحة وقت الظهر، ووقت العشاء، فينزل وقت الظهر وهو تعبان، سهران، جائع محتاج إلى راحة وأكل ونوم، فيؤخر الظهر إلى وقت العصر، ثم يحتاج أن يقدم العشاء مع المغرب وينام بعد","vol":"1","page":78},{"text":"ذلك؛ ليستيقظ نصف الليل لسفره، فهذا ونحوه يباح له الجمع. وأما النازل أيامًا في قرية أو مصر وهو في ذلك كأهل المصر: فهذا وإن كان يقصر؛ لأنه مسافر فلا يجمع» (١).\nواستُدِلَّ على أن المسافر يجمع بين الصلاتين عند الحاجة في نزوله في السفر بحديث أبي جحيفة - ﵁ -: أنه أتى النبي - ﷺ - وهو نازل بمكة بالأبطح في حجة الوداع في قبة له حمراء من أدم، قال: فخرج النبي - ﷺ - بالهاجرة عليه حلة حمراء، فتوضأ وأذن بلال، ثم رُكِزَت له عنزة فتقدم فصلى بهم بالبطحاء الظهر ركعتين، والعصر ركعتين ...» (٢)، قال النووي ﵀: «فيه دليل على القصر والجمع في السفر، وفيه أن الأفضل لمن أراد الجمع\n_________\n(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٤/ ٦٤ - ٦٥، وأما تلميذه ابن القيم فلا يرى الجمع وقت النزول، انظر: زاد المعاد في هدي خير العباد، ١/ ٤٨١، وأما شيخنا عبد العزيز ابن باز، فيرى أن الجمع للمسافر وقت النزول لا بأس به، ولكن تركه أفضل. انظر: مجموع فتاوى ابن باز، ١٢/ ٢٩٧.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الوضوء، باب استعمال فضل وضوء الناس، برقم ١٨٧، ومسلم، كتاب الصلاة، باب سترة المصلي، برقم ٥٠٣.","vol":"1","page":79},{"text":"وهو نازل في وقت الأولى أن يقدم الثانية إلى الأولى، وأما من كان في وقت الأولى سائرًا فالأفضل تأخير الأولى إلى وقت الثانية» (١)، والله تعالى أعلم (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>٥ - الجمع للمريض الذي يلحقه بتركه مشقة وضعف جائز</span>؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: «جمع رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم، ٤/ ٤٦٨.\n(٢) ذكر العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀ خلاف العلماء في مسألة جمع المسافر أثناء السير والنزول: قال:\nأ - فمنهم من يقول: لا يجوز الجمع للمسافر إلا إذا كان سائرًا لا إذا كان نازلًا، وذكر أدلتهم.\nب - والقول الثاني: أنه يجوز الجمع للمسافر سواء كان نازلًا، أم سائرًا واستدلوا بما يلي:\n١ - أن النبي - ﷺ - جمع بغزوة تبوك وهو نازل.\n٢ - ظاهر حديث أبي جحيفة - ﵁ - الثابت في الصحيحين أن النبي - ﷺ - كان نازلًا بالأبطح في حجة الوداع فصلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين.\n٣ - عموم حديث ابن عباس: «جمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء في المدينة من غير خوف ولا سفر».\n٤ - أنه إذا جاز الجمع للمطر ونحوه فجوازه في السفر من باب أولى.\n٥ - أن المسافر يشق عليه أن يفرد كل صلاة في وقتها: إما للعناء أو قلة الماء أو غير ذلك.\nقال ﵀: «والصحيح أن الجمع للمسافر جائز لكنه في حق السائر مستحب وفي حق النازل جائز غير مستحب، إن جمع فلا بأس وإن ترك فهو أفضل» الشرح الممتع، ٤/ ٥٥٠ - ٥٥٣.","vol":"1","page":80},{"text":"بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر»، وفي لفظ: «صلى رسول الله - ﷺ - الظهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا، في غير خوف ولا سفر»، وسئل ابن عباس لِمَ فعل ذلك؟ قال: «أراد أن لا يحرج أمته»، وفي لفظ: «أراد أن لا يحرج أحدًا من أمته» (١).\nوعنه - ﵁ - قال: «صليت مع رسول الله - ﷺ - بالمدينة ثمانيًا جميعًا، وسبعًا جميعًا، الظهر والعصر، والمغرب والعشاء» (٢).\nقال الحافظ ابن حجر ﵀: «فانتفى أن يكون الجمع المذكور: للخوف، أو السفر، أو المطر، وجوز بعض العلماء أن يكون الجمع المذكور للمرض ..» (٣)، قال الإمام النووي ﵀: «... ومنهم من قال: هو محمول على الجمع بعذر المرض أو نحوه مما هو في معناه من\n_________\n(١) مسلم، برقم ٤٩ - (٧٠٥)، ورقم ٥٤ - (٧٠٥)، وتقدم تخريجه في صلاة المريض.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب تأخير الظهر إلى العصر، برقم ٥٤٣، وكتاب التطوع، باب من لم يتطوع بعد المكتوبة، برقم ١١٧٤، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب الجمع بين الصلاتين في الحضر، برقم ٥٥ - (٧٠٥)، ورقم ٦٥ - (٧٠٥).\n(٣) فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٢٤.","vol":"1","page":81},{"text":"الأعذار ... وهو المختار في تأويله لظاهر الحديث، ولفعل ابن عباس وموافقة أبي هريرة؛ ولأن المشقة فيه أشد من المطر ...» (١). وقال شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀: «الصواب حمل الحديث المذكور على أنه - ﷺ - جمع بين الصلوات المذكورة لمشقة عارضة ذلك اليوم: من مرض غالب، أو برد شديد، أو وحل، ونحو ذلك، ويدل على ذلك قول ابن عباس لما سئل عن علة هذا الجمع قال: «لئلا يحرج أمته»، وهذا جواب عظيم، سديد، شافٍ. والله أعلم» (٢). وقد ثبت أن النبي - ﷺ - أمر حمنة بنت جحش لما كانت مستحاضة بتأخير الظهر وتعجيل العصر، وتأخير المغرب وتعجيل العشاء (٣)، وهذا هو الجمع الصوري (٤). والمرض المبيح للجمع هو\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ٢٢٥ - ٢٢٦، وانظر الإعلام بفوائد عمدة الأحكام للإمام عمر بن علي المعروف بابن الملقن، ٤/ ٨٠.\n(٢) تعليق الإمام ابن باز على فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٢٤.\n(٣) أبو داود، برقم ٢٨٧، والترمذي، برقم ١٢٨، وحسنه الألباني في إرواء الغليل، برقم ١٨٨، وقد تقدم تخريجه في صلاة المريض، وفي الطهارة في أحكام المستحاضة.\n(٤) وقال ابن قدامة، ﵀: «وقد روي عن أبي عبد الله أنه قال في حديث ابن عباس: هذا عندي رخصة للمريض والمرضع» وقال ابن قدامة أيضًا: «وكذلك يجوز الجمع للمستحاضة، ولمن به سلسل البول، ومن في معناهما» المغني لابن قدامة، ٣/ ١٣٥ - ١٣٦، وانظر: الشرح الكبير المطبوع مع المقنع والإنصاف، ٥/ ٩٠.","vol":"1","page":82},{"text":"ما يلحقه به بتأدية كل صلاة في وقتها مشقة وضعف، والمريض مخير في جمع التقديم والتأخير على حسب ما يكون أيسر له، فإن استوى عنده الأمران فالتأخير أولى (١). والله الموفق (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>٦ - الجمع في المطر الذي تحصل به المشقة على الناس</span>؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: «جمع رسول الله - ﷺ - بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر». وفي لفظ: «في غير خوف ولا سفر»، فسئل لِمَ\n_________\n(١) انظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ١٣٥ - ١٣٦ والشرح الكبير المطبوع مع المقنع، والإنصاف المطبوع مع المقنع والشرح الكبير، ٥/ ٩٠، والكافي لابن قدامة،\n١/ ٤٦٠ - ٤٦٢، وفتاوى ابن تيمية، ١/ ٢٣٣، ٢٢/ ٢٩٢، و٢٤/ ١٤، ٢٩.\n(٢) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «... فلهذا كان مذهب الإمام أحمد وغيره من العلماء كطائفة من أصحاب مالك وغيره: أنه يجوز الجمع بين الصلاتين إذا كان عليه حرج، فيجمع بينهما المريض، وهو مذهب مالك وطائفة من أصحاب الشافعي ...» مجموع فتاوى شيخ الإسلام، ١/ ٤٣٣، وانظر: حاشية ابن قاسم على الروض المربع، ٢/ ٣٩٨ - ٤٠٠، وانظر: التمهيد لابن عبد البر، ١٢/ ٢١١ - ٢١٤.","vol":"1","page":83},{"text":"فعل ذلك؟ قال: «أراد أن لا يحرج أمته» (١). قال المجد ابن تيمية ﵀: «وهذا يدل بفحواه على الجمع للمطر، والخوف، والمرض، وإنما خولف ظاهر منطوقه في الجمع لغير؛ للإجماع؛ ولأخبار المواقيت، فيبقى فحواه على مقتضاه، وقد صح الحديث في الجمع للمستحاضة، والاستحاضة نوع مرض» (٢).\nوقال العلامة الألباني ﵀ عن قول ابن عباس ﵄: «في غير خوف ولا مطر» «... يشعر أن الجمع في المطر كان معروفًا في عهده - ﷺ -، ولو لم يكن كذلك لما كان ثمة فائدة من نفي المطر كسبب مبرر للجمع فَتَأمَّل» (٣). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن قول ابن عباس ﵄ أيضًا: «من غير خوف ولا مطر»، «ولا سفر»: «والجمع الذي ذكره ابن عباس لم يكن بهذا ولا هذا، وبهذا استدل أحمد به على الجمع لهذه الأمور بطريق الأولى؛ فإن\n_________\n(١) مسلم، برقم ٧٠٥، وتقدم تخريجه في صلاة المريض.\n(٢) المنتقى من أخبار المصطفى - ﷺ -، باب جمع المقيم لمطر أو غيره، ٢/ ٤.\n(٣) إرواء الغليل، ٣/ ٤٠.","vol":"1","page":84},{"text":"هذا الكلام يدل على أن الجمع لهذه الأمور أولى، وهذا من باب التنبيه بالفعل؛ فإنه إذا جمع يرفع الحرج الحاصل بدون الخوف، والمطر، والسفر، فالحرج الحاصل بهذه أولى أن يرفع، والجمع لها أولى من الجمع لغيرها» (١).\nوقد جاء في الجمع بسبب المطر آثار (٢) عن الصحابة والتابعين، فعن نافع أن عبد الله بن عمر ﵄ كان إذا جمع الأمراء بين المغرب والعشاء في المطر جمع معهم» (٣).\nوعن هشام بن عروة أن أباه عروة، وسعيد بن المسيب، وأبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي، كانوا يجمعون بين المغرب والعشاء في الليلة المطيرة إذا جمعوا بين الصلاتين، ولا ينكرون ذلك» (٤).\n_________\n(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٤/ ٧٦.\n(٢) انظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ١٣٢.\n(٣) موطأ الإمام مالك، كتاب قصر الصلاة في السفر، باب الجمع بين الصلاتين في الحضر والسفر، برقم ٥، ١/ ١٤٥، والبيهقي، ٣/ ١٦٨، وصححه الألباني في إرواء الغليل، ٣/ ٤١، برقم ٥٨٣.\n(٤) البيهقي في الكبرى، ٣/ ١٦٨، وصحح إسناده الألباني في إرواء الغليل، ٣/ ٤٠.","vol":"1","page":85},{"text":"وعن موسى بن عقبة أن عمر بن عبد العزيز كان يجمع بين المغرب والعشاء الآخرة إذا كان المطر، وأن سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وأبا بكر بن عبد الرحمن، ومشيخة ذلك الزمان كانوا يصلون معهم ولا ينكرون ذلك» (١)، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «فهذه الآثار تدل على أن الجمع للمطر من الأمر القديم المعمول به بالمدينة زمن الصحابة والتابعين، مع أنه لم ينقل أن أحدًا من الصحابة والتابعين أنكر ذلك فعلم أنه منقول عندهم بالتواتر جواز ذلك، لكن لا يدل على أن النبي - ﷺ - لم يجمع إلا للمطر، بل إذا جمع لسبب هو دون المطر مع جمعه أيضًا للمطر، كان قد جمع من غير خوف ولا مطر، كما أنه إذا جمع في السفر، وجمع في المدينة كان قد جمع في المدينة من غير خوف ولا سفر، فقول ابن عباس: جمع من غير كذا ولا كذا ليس نفيًا منه للجمع بتلك الأسباب، بل إثبات منه؛ لأنه جمع بدونها، وإن كان\n_________\n(١) البيهقي في السنن الكبرى،٣/ ١٦٨،وصحح إسناده الألباني في إرواء الغليل،٣/ ٤٠.","vol":"1","page":86},{"text":"قد جمع بها أيضًا» (١). والله أعلم (٢)، قال الإمام ابن قدامة ﵀: «والمطر المبيح للجمع هو ما يبل الثياب وتلحق المشقة بالخروج فيه، وأما الطل والمطر الخفيف الذي لا يبل الثياب، فلا يبيح، والثلج كالمطر في ذلك؛ لأنه في معناه، وكذلك البَرَد» (٣).\nوالجمع للمطر، ونحوه الأفضل أن يقدم في وقت الأولى؛ لأن السلف إنما كانوا يجمعون في وقت الأولى؛ ولأنه أرفق بالناس، ولا شك أنه إذا جاز الجمع صار الوقتان وقتًا واحدًا (٤).\n_________\n(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٤/ ٨٣.\n(٢) يذكر بعض الفقهاء عن ابن عمر أن النبي - ﷺ -: جمع بين المغرب والعشاء في ليلة مطيرة. قالوا: رواه النجَّاد بإسناده، وذكر الألباني في إرواء الغليل، ٣/ ٣٩ أنه ضعيف جدًّا. رواه الضياء المقدسي، أما النجاد الذي عُزي إليه الحديث فله مسند، وكتاب كبير في السنن، ولم يعثر الألباني إلى على أجزاء يسيرة من أحاديث ولم يجد الحديث فيها فلعله في الأجزاء المفقودة. الإرواء ٣/ ٤٠.\n(٣) المغني لابن قدامة، ٣/ ١٣٣.\n(٤) انظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ١٣٦، وفتاوى شيخ الإسلام، ٢٥/ ٢٣٠، ٢٤/ ٥٦، والشرح الممتع لابن عثيمين،٤/ ٥٦٣.","vol":"1","page":87},{"text":"٧ - الجمع لأجل الوحل الشديد (١)، والريح الشديدة الباردة؛ لحديث عبد الله بن عباس أنه قال لمؤذنه في يوم مطير: إذا قلت أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدًا رسول الله فلا تقل حي على الصلاة، قل: صلوا في بيوتكم، فكأن الناس استنكروا ذلك فقال: أتعجبون من ذا؟ فقد فعل ذا من هو خير مني إن الجمعة عزمة (٢)، وإني كرهت أن أُحرجكم فتمشوا في الطين والدحض». وفي لفظ: «أذن مؤذِّن ابن عباس في يوم الجمعة في يوم مطير ... وقال: وكرهت أن تمشوا في الدحض والزلل (٣») (٤).\n_________\n(١) الوحل: الطين الرقيق الملوث بالرطوبة، وهو الزلق، والوحل، والدحض، والزلل، والزلق، الردغ كله بمعنى واحد، وقيل: هو المطر الذي يبل وجه الأرض. شرح النووي على صحيح مسلم،٥/ ٢١٥،وانظر: حاشية الروض المربع لابن قاسم،٢/ ٤٠٣.\n(٢) الجمعة عزمة: أي واجبة متحتمة: شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ٢٤٤.\n(٣) مسلم، برقم ٦٩٩، وتقدم تخريجه في صلاة الجماعة: في أعذار ترك الجماعة.\n(٤) والخلاصة أن الجمع بين الصلاتين يجوز في حالات:\n١ - في سفر القصر. ٢ - ولمريض يلحقه بترك الجمع مشقة، والمستحاضة.\n٣ - المرضع إذا كان يشق عليها غسل الثوب في وقت كل صلاة. ٤ - في المطر.\n٥ - والدحض الشديد. ٦ - والريح الشديدة الباردة. ٧ - ولكل عذر يبيح ترك الجمعة والجماعة. انظر: الشرح الممتع، ٤/ ٥٥٨، والاختيارات الفقهية، لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص١١٢، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف المطبوع مع المقنع والشرح الكبير، ٥/ ٩٠.\nوالجمع بين الصلاتين من غير عذر من الكبائر، مجموع فتاوى ابن تيمية، ٢٤/ ٨٤، و٢٢/ ٣١، ٥٣، ٥٤.","vol":"1","page":88},{"text":"ذكر النووي ﵀ أن هذا الحديث دليل على تخفيف أمر الجماعة في المطر ونحوه من الأعذار، وأنها متأكدة إذا لم يكن عذر، وأنها مشروعة لمن تكلف الإتيان إليها، وتحمل المشقة؛ لقوله في الرواية الأخرى: «ليصلِّ من شاء في رحله» (١)، وأنها مشروعة في السفر. والحديث دليل على سقوط الجمعة بعذر المطر ونحوه (٢).\nقال الإمام ابن قدامة ﵀: «فأما الوحل فبمجرد فقال القاضي: قال أصحابنا: هو عذر؛ لأن المشقة تلحق بذلك في النعال، والثياب كما تلحق بالمطر، وهو قول مالك ...» (٣) ثم إن هذا القول أصح؛ لأن الوحل يلوث الثياب والنعال، ويتعرض الإنسان للزلق، فيتأذى بنفسه\n_________\n(١) مسلم، برقم ٦٩٨، وتقدم تخريجه في أعذار ترك الجماعة.\n(٢) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ٢١٣ - ٢١٦.\n(٣) المغني، ٣/ ١٣٣.","vol":"1","page":89},{"text":"وثيابه، وذلك أعظم من البلل، وقد ساوى المطر في العذر في ترك الجمعة والجماعة، فدل على تساويهما في المشقة المرعية في الحكم» (١).\nوكذلك الريح الشديدة في الليلة المظلمة الباردة يجوز الجمع فيها؛ لحصول المشقة (٢).\nوسُئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن صلاة الجمع في المطر بين العشائين: هل يجوز من البرد الشديد، أو الريح الشديدة، أم لا يجوز إلا من المطر خاصة؟ فأجاب: «الحمد لله رب العالمين، يجوز الجمع بين العشائين للمطر، والريح الشديدة الباردة، والوحل الشديد، وهذا أصح قولي العلماء، وهو ظاهر مذهب أحمد، ومالك، وغيرهما، والله أعلم» (٣)، ثم قال: «وذلك أولى من أن يصلُّوا في بيوتهم، بل ترك الجمع مع الصلاة في البيوت بدعة مخالف للسنة، إذ السنة أن تصلى\n_________\n(١) المغني، ٣/ ١٣٣ - ١٣٤.\n(٢) انظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ١٣٤.\n(٣) مجموع فتاوى شيخ الإسلام، ٢٤/ ٢٩.","vol":"1","page":90},{"text":"الصلوات الخمس في المساجد جماعة، وذلك أولى من الصلاة في البيوت باتفاق المسلمين» (١).\nوقد اختلف العلماء في جواز الجمع بين الظهر والعصر، في الأعذار المبيحة للجمع في الحضر، فقال قوم: لا يجوز الجمع إلا للمغرب والعشاء؛ لأن الألفاظ وردت بالجمع في الليلة المطيرة، والقول الثاني: جواز الجمع بين الظهر والعصر؛ لأن الألفاظ لا تمنع أن يجمع في يوم مطير؛ لأن العلة هي المشقة، فإذا وجدت المشقة في ليل أو نهار جاز الجمع (٢)، وقال العلامة محمد بن قاسم ﵀: «الوجه الآخر يجوز [الجمع] بين الظهرين كالعشائين، اختاره القاضي، وأبو الخطاب، والشيخ، وغيرهم، ولم يذكر الوزير عن أحمد غيره، وقدمه، وجزم به، وصححه غير واحد، وهو مذهب الشافعي» (٣)، وقال العلامة السعدي ﵀:\n_________\n(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام، ٢٤/ ٣٠.\n(٢) انظر: الشرح الممتع، لابن عثيمين،٤/ ٥٥٨.\n(٣) حاشية الروض المربع، لابن قاسم، ٢/ ٤٠٢، وذكر القولين ابن قدامة في المغني،\n٣/ ١٣٢، وفي الكافي، ١/ ٤٥٩، والمرداوي في الإنصاف المطبوع مع المقنع والشرح الكبير، ٥/ ٩٦.","vol":"1","page":91},{"text":"«والصحيح جواز الجمع إذا وجد العذر، ولا يشترط غير وجود العذر، لا موالاة ولا نية ...» (١) وقال شيخنا عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀: «أما الجمع فأمره أوسع؛ فإنه يجوز للمريض، ويجوز أيضًا للمسلمين في مساجدهم عند وجود المطر، أو الدحض، بين المغرب والعشاء، وبين الظهر والعصر، ولا يجوز لهم القصر؛ لأن القصر مختص بالسفر فقط، وبالله التوفيق» (٢).\nوبيّن ﵀ أن الضابط في الجمع بين الصلاتين وجود العذر، فإذا وجد العذر جاز أن يجمع بين الصلاتين: الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، لعذر المرض، والسفر، والمطر الشديد في أصح قولي العلماء وبعض أهل العلم يمنع الجمع بين الظهر والعصر في البلد للمطر ونحوه: كالدحض الذي تحصل به مشقة،\n_________\n(١) المختارات الجلية، ص٦٨.\n(٢) مجموع فتاوى ابن باز، ٢/ ٢٨٩ - ٢٩٠.","vol":"1","page":92},{"text":"والصواب جواز ذلك كالجمع بين المغرب والعشاء، إذا كان الدحض أو المطر شديدًا تحصل به المشقة، فإذا جمع بين الظهر والعصر جميع تقديم فلا بأس كالمغرب والعشاء، سواء جمع في أول الوقت، أو في وسطه» (١).\nوأما صلاة العصر في جميع الأعذار فلا يصح أن تجمع إلى صلاة الجمعة؛ لأن الجمعة صلاة منفردة مستقلة في شروطها، وهيئاتها، وأركانها، وثوابها، والسنة إنما وردت في الجمع بين الظهر والعصر، ولم يرد عن النبي - ﷺ - أنه جمع العصر إلى الجمعة، فلا يصح أن تقاس الجمعة على الظهر، ولكن لو صلى المسافر ظهرًا يوم الجمعة ولم يصل الجمعة مع المقيمين فلا حرج أن يجمع إليها العصر؛ لأن المسافر لا جمعة عليه؛ ولأن النبي - ﷺ - جمع بين الظهر والعصر في حجة الوداع، يوم الجمعة يوم عرفة، بأذان واحد وإقامتين ولم يصل جمعة، ومن جمع من أهل الأعذار صلاة العصر مع الجمعة فعليه أن يعيد صلاة العصر؛ لأنه صلى قبل الوقت\n_________\n(١) انظر: مجموع فتاوى ابن باز ٢/ ٢٩٢.","vol":"1","page":93},{"text":"على وجه لا يجوز فيه الجمع، فلا يجوز الجمع بين صلاة الجمعة والعصر: لا في سفر، ولا مطر، ولا وحل، ولا غير ذلك، وإنما يجب على من صلى الجمعة من أهل الأعذار أن يصلي العصر في وقتها (١).\nوصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.\n_________\n(١) انظر: مجموع فتاوى الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ١٢/ ٣٠٠، و١٢/ ٣٠١ - ٣٠٣، والشرح الممتع للعلامة محمد بن صالح العثيمين،٤/ ٥٧٢.","vol":"1","page":94}]}