{"ً":{"ٌ":31259,"ٍ":"خطبة الجمعة وأحكامها الفقهية","َ":1,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: خطبة الجمعة وأحكامها الفقهية\nالمؤلف: عبد العزيز بن محمد بن عبد الله الحجيلان\nالناشر: وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد - مركز البحوث والدراسات الإسلامية\nالطبعة: الأولى، ١٤٢٣هـ - ٢٠٠٢م\nعدد الصفحات: ٤٢٠\nعدد الأجزاء: ١\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":608,"ٕ":19,"ٖ":1770155091,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"تقديم لمعالي الشيخ صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ","level":1,"page":1},{"title":"المقدمة","level":1,"page":3},{"title":"الفصل الأول تعريف الخطبة والجمعة وحكم خطبة الجمعة","level":1,"page":18},{"title":"المبحث الأول تعريف الخطبة والجمعة وتسميتها بذلك","level":2,"page":18},{"title":"المطلب الأول تعريف الخطبة","level":3,"page":18},{"title":"المطلب الثاني تعريف الجمعة وتسميتها بذلك","level":3,"page":23},{"title":"المبحث الثاني حكم خطبة الجمعة","level":2,"page":27},{"title":"المبحث الثالث هل الشرط خطبة واحدة أو خطبتان","level":2,"page":38},{"title":"الفصل الثاني شروط الخطبة","level":1,"page":44},{"title":"المبحث الأول النية","level":2,"page":44},{"title":"المبحث الثاني حضور العدد الذي تنعقد به الجمعة","level":2,"page":48},{"title":"تمهيد","level":3,"page":48},{"title":"المطلب الأول اشتراط حضور العدد الذي تنعقد به الجمعة للخطبة","level":3,"page":50},{"title":"المطلب الثاني استمرار حضور العدد حتى نهاية الخطبة","level":3,"page":54},{"title":"المبحث الثالث أن تكون بعد دخول وقت الجمعة","level":2,"page":56},{"title":"المبحث الرابع تقديمها على الصلاة","level":2,"page":71},{"title":"المبحث الخامس القيام","level":2,"page":74},{"title":"المبحث السادس الجهر بالخطبة","level":2,"page":91},{"title":"المبحث لسابع كونها باللغة العربية","level":2,"page":95},{"title":"المبحث الثامن الموالاة في الخطبة","level":2,"page":101},{"title":"تمهيد","level":3,"page":101},{"title":"المطلب الأول الموالاة بين أجزاء الخطبة","level":3,"page":102},{"title":"المطلب الثاني الموالاة بين الخطبة والصلاة","level":3,"page":105},{"title":"الفصل الثالث أركان خطبة الجمعة","level":1,"page":107},{"title":"التهميد","level":2,"page":107},{"title":"المبحث الأول حمد الله تعالى","level":2,"page":125},{"title":"المبحث الثاني الصلاة على النبي ﷺ","level":2,"page":129},{"title":"المبحث الثالث الموعظة","level":2,"page":134},{"title":"المبحث الرابع قراءة شيء من القرآن","level":2,"page":141},{"title":"المطلب الأول حكم قراءة شيء من القرآن في الخطبة","level":3,"page":141},{"title":"المطلب الثاني أقل مقدار للقراءة","level":3,"page":150},{"title":"المطلب الثالث قراءة ما فيه سجود تلاوة في الخطبة والسجود له","level":3,"page":153},{"title":"المبحث الخامس حكم ترتيب هذه الأركان عند من قال بها","level":3,"page":161},{"title":"المبحث السادس","level":3,"page":165},{"title":"الفصل الرابع سنن خطبة الجمعة","level":1,"page":171},{"title":"المبحث الأول السنن لها","level":2,"page":171},{"title":"المطلب الأول الطهارة","level":3,"page":171},{"title":"المسألة الأولى الطهارة من الحدث الأكبر (الجنابة)","level":4,"page":171},{"title":"المسألة الثانية الطهارة من الحدث الأصغر","level":4,"page":177},{"title":"المطلب الثاني ستر العورة وإزالة النجاسة","level":3,"page":182},{"title":"المطلب الثالث التجمل","level":3,"page":183},{"title":"المسألة الأولى لبس أحسن ثيابه","level":4,"page":183},{"title":"المسألة الثانية لون الثياب التي يتجمل بها","level":4,"page":188},{"title":"المطلب الرابع أن تكون على منبر أو موضع عال","level":3,"page":192},{"title":"تمهيد","level":4,"page":192},{"title":"المسألة الأولى حكم اتخاذ المنبر","level":4,"page":193},{"title":"المسألة الثانية حكم الخطبة على المنبر أو ما يقوم مقامه","level":4,"page":196},{"title":"المسألة الثالثة مكان المنبر ومكان الوقوف عليه","level":4,"page":200},{"title":"المطلب الخامس استقبال الخطيب للناس","level":3,"page":204},{"title":"المسألة الأولى استقبال الناس واستدبار القبلة","level":4,"page":204},{"title":"المسألة الثانية أن يقصد تلقاء وجهه فلا يلتفت","level":4,"page":208},{"title":"المطلب السادس استقبال الناس للخطيب","level":3,"page":211},{"title":"المطلب السابع السلام على الناس","level":3,"page":221},{"title":"المسألة الأولى السلام إذا دخل المسجد","level":4,"page":221},{"title":"المسألة الثانية السلام على الناس إذا صعد المنبر","level":4,"page":222},{"title":"المطلب الثامن الجلوس على المنبر حتى يفرغ المؤذن","level":3,"page":228},{"title":"المطلب التاسع اعتماد الخطيب على قوس أو عصا أو سيفا أو نحوها","level":3,"page":231},{"title":"المسألة الأولى حكم الاعتماد على قوس أو عصا أو سيف أو نحوها","level":4,"page":231},{"title":"المسألة الثانية اليد التي يمسك بها الخطيب القوس أو العصا أو نحوهما","level":4,"page":242},{"title":"المسألة الثالثة ما يفعل الخطيب بيديه إذا لم يعتمد على شيء","level":4,"page":245},{"title":"المطلب العاشر رفع الصوت بها زيادة على القدر الواجب","level":3,"page":245},{"title":"المطلب الحادي عشر الجلسة بين الخطبتين","level":3,"page":248},{"title":"المسألة الأولى حكم الجلوس بين الخطبتين","level":4,"page":248},{"title":"المسألة الثانية مقدار الجلسة بين الخطبتين","level":4,"page":258},{"title":"المبحث الثاني السنن في خطبة الجمعة","level":2,"page":261},{"title":"المطلب الأول تقصيرها","level":3,"page":261},{"title":"المسألة الأولى تقصير الخطبتين معا","level":4,"page":261},{"title":"المسألة الثانية تقصير الخطبة الثانية أكثر من الأولى","level":4,"page":266},{"title":"المطلب الثاني أن تكون الخطبة فصيحة بليغة مؤثرة مرتبة","level":3,"page":268},{"title":"المطلب الثالث قراءة سورة (ق) في الخطبة","level":3,"page":271},{"title":"المطلب الرابع الدعاء للمسلمين في الخطبة الثانية","level":3,"page":273},{"title":"المطلب الخامس الدعاء لولاة أمور المسلمين في الخطبة الثانية","level":3,"page":276},{"title":"المطلب السادس ختم الخطبة الثانية بالاستغفار","level":3,"page":284},{"title":"الفصل الخامس مسائل متفرقة في خطبة الجمعة","level":1,"page":285},{"title":"المبحث الأول التقصير في إعدادها بالاعتماد على خطب مدونة قديما ونحو","level":2,"page":285},{"title":"المبحث الثاني إخراجها عن مقصودها الشرعي","level":2,"page":290},{"title":"المبحث الثالث صلاة الخطيب تحية المسجد بعد دخوله وقبل صعود المنبر","level":2,"page":293},{"title":"المبحث الرابع دعاء الخطيب عند صعود المنبر وقبل جلوسه حال الأذان","level":2,"page":298},{"title":"المبحث الخامس الخطبة من صحيفة","level":2,"page":300},{"title":"المبحث السادس الكلام في الخطبة","level":2,"page":302},{"title":"المطلب الأول حكم السلام في الخطبة","level":3,"page":302},{"title":"المسألة الأولى حكم كلام الخطيب","level":4,"page":302},{"title":"المسألة الثانية حكم كلام الحاضر للخطبة","level":4,"page":309},{"title":"الأمر الأول حكم كلامه إذا كان يسمع الخطبة","level":5,"page":309},{"title":"الأمر الثاني حكم كلام الحاضر للخطبة إذا كان لا يسمعها","level":5,"page":325},{"title":"الأمر الثالث حكم رد السلام وتشميت العاطس","level":5,"page":329},{"title":"الأمر الرابع حكم الصلاة على النبي ﷺ إذا ذكره الخطيب","level":5,"page":337},{"title":"الأمر الخامس حكم التأمين على الدعاء والجهر به","level":5,"page":341},{"title":"المسألة الثالثة ما يستثنى من تحريم الكلام أو كراهته في خطبة الجمعة","level":4,"page":343},{"title":"المطلب الثاني وقت المنع من الكلام في الخطبة","level":3,"page":344},{"title":"المسألة الأولى حكم الكلام بعد صعود الخطيب المنبر وقبل الشروع في","level":4,"page":344},{"title":"المسألة الثانية حكم الكلام بين الخطبتين","level":4,"page":353},{"title":"المسألة الثالثة حكم الكلام إذا سكت الخطيب للتنفس","level":4,"page":356},{"title":"المسألة الرابعة حكم الكلام إذا شرع الخطيب في الدعاء","level":4,"page":357},{"title":"المبحث السابع الدق بالسيف على المنبر","level":2,"page":362},{"title":"المبحث الثامن إشارة الخطيب باليد أثناء الخطبة","level":2,"page":363},{"title":"المبحث التاسع التفات الخطيب يمينا وشمالا أثناء الخطبة","level":2,"page":365},{"title":"المبحث العاشر قول الخطيب في آخر الخطبة الأولى ادعوا الله وأنتم موقنون","level":2,"page":366},{"title":"المبحث الحادي عشر المبالغة في الإسراع في الخطبة الثانية وخفض الصوت","level":2,"page":368},{"title":"المبحث الثاني عشر رفع اليدين حال الدعاء في الخطبة","level":2,"page":371},{"title":"المبحث الثالث عشر ختم الخطبة الثانية بقوله تعالى إن الله يأمر","level":2,"page":376},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":379},{"title":"فهرس المصادر والمراجع","level":1,"page":384}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"1,19":19,"1,20":20,"1,21":21,"1,22":22,"1,23":23,"1,24":24,"1,25":25,"1,26":26,"1,27":27,"1,28":28,"1,29":29,"1,30":30,"1,31":31,"1,32":32,"1,33":33,"1,34":34,"1,35":35,"1,36":36,"1,37":37,"1,38":38,"1,39":39,"1,40":40,"1,41":41,"1,42":42,"1,43":43,"1,44":44,"1,45":45,"1,46":46,"1,47":47,"1,48":48,"1,49":49,"1,50":50,"1,51":51,"1,52":52,"1,53":53,"1,54":54,"1,55":55,"1,56":56,"1,57":57,"1,58":58,"1,59":59,"1,60":60,"1,61":61,"1,62":62,"1,63":63,"1,64":64,"1,65":65,"1,66":66,"1,67":67,"1,68":68,"1,69":69,"1,70":70,"1,71":71,"1,72":72,"1,73":73,"1,74":74,"1,75":75,"1,76":76,"1,77":77,"1,78":78,"1,79":79,"1,80":80,"1,81":81,"1,82":82,"1,83":83,"1,84":84,"1,85":85,"1,86":86,"1,87":87,"1,88":88,"1,89":89,"1,90":90,"1,91":91,"1,92":92,"1,93":93,"1,94":94,"1,95":95,"1,96":96,"1,97":97,"1,98":98,"1,99":99,"1,100":100,"1,101":101,"1,102":102,"1,103":103,"1,104":104,"1,105":105,"1,106":106,"1,107":107,"1,108":108,"1,109":109,"1,110":110,"1,111":111,"1,112":112,"1,113":113,"1,114":114,"1,115":115,"1,116":116,"1,117":117,"1,118":118,"1,119":119,"1,120":120,"1,121":121,"1,122":122,"1,123":123,"1,124":124,"1,125":125,"1,126":126,"1,127":127,"1,128":128,"1,129":129,"1,130":130,"1,131":131,"1,132":132,"1,133":133,"1,134":134,"1,135":135,"1,136":136,"1,137":137,"1,138":138,"1,139":139,"1,140":140,"1,141":141,"1,142":142,"1,143":143,"1,144":144,"1,145":145,"1,146":146,"1,147":147,"1,148":148,"1,149":149,"1,150":150,"1,151":151,"1,152":152,"1,153":153,"1,154":154,"1,155":155,"1,156":156,"1,157":157,"1,158":158,"1,159":159,"1,160":160,"1,161":161,"1,162":162,"1,163":163,"1,164":164,"1,165":165,"1,166":166,"1,167":167,"1,168":168,"1,169":169,"1,170":170,"1,171":171,"1,172":172,"1,173":173,"1,174":174,"1,175":175,"1,176":176,"1,177":177,"1,178":178,"1,179":179,"1,180":180,"1,181":181,"1,182":182,"1,183":183,"1,184":184,"1,185":185,"1,186":186,"1,187":187,"1,188":188,"1,189":189,"1,190":190,"1,191":191,"1,192":192,"1,193":193,"1,194":194,"1,195":195,"1,196":196,"1,197":197,"1,198":198,"1,199":199,"1,200":200,"1,201":201,"1,202":202,"1,203":203,"1,204":204,"1,205":205,"1,206":206,"1,207":207,"1,208":208,"1,209":209,"1,210":210,"1,211":211,"1,212":212,"1,213":213,"1,214":214,"1,215":215,"1,216":216,"1,217":217,"1,218":218,"1,219":219,"1,220":220,"1,221":221,"1,222":222,"1,223":223,"1,224":224,"1,225":225,"1,226":226,"1,227":227,"1,228":228,"1,229":229,"1,230":230,"1,231":231,"1,232":232,"1,233":233,"1,234":234,"1,235":235,"1,236":236,"1,237":237,"1,238":238,"1,239":239,"1,240":240,"1,241":241,"1,242":242,"1,243":243,"1,244":244,"1,245":245,"1,246":246,"1,247":247,"1,248":248,"1,249":249,"1,250":250,"1,251":251,"1,252":252,"1,253":253,"1,254":254,"1,255":255,"1,256":256,"1,257":257,"1,258":258,"1,259":259,"1,260":260,"1,261":261,"1,262":262,"1,263":263,"1,264":264,"1,265":265,"1,266":266,"1,267":267,"1,268":268,"1,269":269,"1,270":270,"1,271":271,"1,272":272,"1,273":273,"1,274":274,"1,275":275,"1,276":276,"1,277":277,"1,278":278,"1,279":279,"1,280":280,"1,281":281,"1,282":282,"1,283":283,"1,284":284,"1,285":285,"1,286":286,"1,287":287,"1,288":288,"1,289":289,"1,290":290,"1,291":291,"1,292":292,"1,293":293,"1,294":294,"1,295":295,"1,296":296,"1,297":297,"1,298":298,"1,299":299,"1,300":300,"1,301":301,"1,302":302,"1,303":303,"1,304":304,"1,305":305,"1,306":306,"1,307":307,"1,308":308,"1,309":309,"1,310":310,"1,311":311,"1,312":312,"1,313":313,"1,314":314,"1,315":315,"1,316":316,"1,317":317,"1,318":318,"1,319":319,"1,320":320,"1,321":321,"1,322":322,"1,323":323,"1,324":324,"1,325":325,"1,326":326,"1,327":327,"1,328":328,"1,329":329,"1,330":330,"1,331":331,"1,332":332,"1,333":333,"1,334":334,"1,335":335,"1,336":336,"1,337":337,"1,338":338,"1,339":339,"1,340":340,"1,341":341,"1,342":342,"1,343":343,"1,344":344,"1,345":345,"1,346":346,"1,347":347,"1,348":348,"1,349":349,"1,350":350,"1,351":351,"1,352":352,"1,353":353,"1,354":354,"1,355":355,"1,356":356,"1,357":357,"1,358":358,"1,359":359,"1,360":360,"1,361":361,"1,362":362,"1,363":363,"1,364":364,"1,365":365,"1,366":366,"1,367":367,"1,368":368,"1,369":369,"1,370":370,"1,371":371,"1,372":372,"1,373":373,"1,374":374,"1,375":375,"1,376":376,"1,377":377,"1,378":378,"1,379":379,"1,380":380,"1,381":381,"1,382":382,"1,383":383,"1,397":384,"1,398":385,"1,399":386,"1,400":387,"1,401":388,"1,402":389,"1,403":390,"1,404":391,"1,405":392,"1,406":393,"1,407":394,"1,408":395,"1,409":396,"1,410":397,"1,411":398,"1,412":399,"1,413":400},"ٜ":{"1":[1,413]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413"],"ٞ":{"1":[1],"3":[2],"18":[3,4,5],"23":[6],"27":[7],"38":[8],"44":[9,10],"48":[11,12],"50":[13],"54":[14],"56":[15],"71":[16],"74":[17],"91":[18],"95":[19],"101":[20,21],"102":[22],"105":[23],"107":[24,25],"125":[26],"129":[27],"134":[28],"141":[29,30],"150":[31],"153":[32],"161":[33],"165":[34],"171":[35,36,37,38],"177":[39],"182":[40],"183":[41,42],"188":[43],"192":[44,45],"193":[46],"196":[47],"200":[48],"204":[49,50],"208":[51],"211":[52],"221":[53,54],"222":[55],"228":[56],"231":[57,58],"242":[59],"245":[60,61],"248":[62,63],"258":[64],"261":[65,66,67],"266":[68],"268":[69],"271":[70],"273":[71],"276":[72],"284":[73],"285":[74,75],"290":[76],"293":[77],"298":[78],"300":[79],"302":[80,81,82],"309":[83,84],"325":[85],"329":[86],"337":[87],"341":[88],"343":[89],"344":[90,91],"353":[92],"356":[93],"357":[94],"362":[95],"363":[96],"365":[97],"366":[98],"368":[99],"371":[100],"376":[101],"379":[102],"384":[103]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>[تقديم لمعالي الشيخ صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ]</span>\nخطبة الجمعة وأحكامها الفقهية تقديم لمعالي الشيخ صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ\nوزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد\nالمشرف العام على مركز البحوث والدراسات الإسلامية الحمد لله أفضل الحمد وأكمله، وأثني عليه أحسن الثناء وأجمله، وأصلي وأسلم على خير خلقه، وأفضل رسله محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:\nفإن من منن الله أن جعل لهذه الأمة مواسم للخيرات، تنال بها أعلى الدرجات، ويكفر عنها السيئات، بأقل عمل تنال عظيم الأجر، وتضع عن نفسها عظيم الوزر، فأعظم بها من منة، وأكرم بها من نعمة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.\nومن تلك المواسم العظيمة، يوم الجمعة الذي يكفي في بيان فضله وعظيم شأنه قول نبي الأمة ﷺ: «خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أهبط منها، وفيه تقوم الساعة، وفيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم يصلي يسأل الله فيها خيرا إلا أعطاه الله إياه» .\nومن المنن العظيمة في هذا اليوم، أن شرع الله لعباده فيه خطبة الجمعة، فيها يتعلم الجاهل، ويتذكر الناسي، ورتّب على أدائها وحضورها الأجر العظيم، والثواب الجزيل، ولأهمية هذا وجب على المكلف تعلم أحكام الجمعة وخطبتها بالجملة، لإدراك فضلها","vol":"1","page":1},{"text":"واغتنام أجرها، فخطبة الجمعة - كسائر العبادات - علق بها مع تقادم العهد أمور كدرت السنة، وأحيت البدعة.\nوقد كان لأئمة الدعوة الإصلاحية، منهج واضح في خطبة الجمعة، بُني على السنة، وما درج عليه أهل العلم من أئمة السلف، فأبانوا عما ينبغي، ويجب توافره فيها، من الحرص على الوعظ والتذكير فيها، والاهتمام بأمر الاعتقاد، وقراءة القرآن، والإِكثار منه، والدعاء لأئمة المسلمين بالخير والثبات، والإيجاز فيها، والحرص على مخالفة أهل البدع فيها، بالترضي عن الأئمة الخلفاء الراشدين، والدعاء لمن ولاه الله الأمر، في أشياء وتفاصيل يطول ذكرها.\nوكان من فضل الله - جل شأنه - على مؤلف هذا المصنف أن وفقه لبيان أحكام خطبة الجمعة بدليل الكتاب والسنة، وبيان ما عليه أئمة السلف ومن تبعهم من أئمة الدعوة الإصلاحية وغيرهم، ففي هذا المؤلف \" خطبة الجمعة وأحكامها الفقهية \" للدكتور عبد العزيز بن محمد الحجيلان - وفقه الله - بيان لجل أحكام الخطبة، فشكر الله له جهده، ونفع به. وأشكر مركز البحوث والدراسات الإسلامية بوزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد على اهتمامه بهذا الموضوع، وعنايته بإصدار هذا الكتاب المفيد.\nوالحمد لله أولا وآخرا، وصلى الله على محمد رسوله وعبده وعلى آله وصحبه وسلم.","vol":"1","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>[المقدمة]</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\nالمقدمة إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] (١) .\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] (٢) .\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا - يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١] (٣) (٤) .\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآية رقم (١٠٢) .\n(٢) سورة النساء، الآية رقم (١) .\n(٣) سورة الأحزاب، الآيتان (٧٠، ٧١) .\n(٤) هذه هي ما تسمى بـ \" خطبة الحاجة \" التي رواها عبد الله بن مسعود - ﵁ - عن النبي - ﷺ -، وأخرجها أبو داود في سننه في كتاب النكاح - باب في خطبة النكاح ٢ / ٢٣٨ - ٢٣٩، الحديث رقم (٢١١٨)، وسكت عنه وقال النووي في شرح صحيح مسلم ٦ / ١٦٠: \" بإسناد صحيح \"، والترمذي في سننه في أبواب النكاح - باب ما جاء في خطبة النكاح ٢ / ٢٨٥ - ٢٨٦ وقال: \" حديث حسن \"، وأحمد في مسنده ١ / ٣٩٢، ٣٩٣، وعبد الرزاق في مصنفه في كتاب الجامع - باب خطبة الحاجة ١١ / ١٦٢ - ١٦٣، الحديث رقم (٢٠٢٠٦)، وابن أبي شيبة في مصنفه في كتاب النكاح - باب ما قالوا في خطبة النكاح ٤ / ٣٨٣، وغيرهم.","vol":"1","page":3},{"text":"أما بعد. . .\nفإن نعم الله - تعالى - على هذه الأمة عظيمة وكثيرة: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤] (١) ومن أعظم النعم التي اختصَّ بها دين الإسلام وتميز بها عن غيره من الأديان الجمعة وخطبتها، فهي - أي الخطبة - موعظة أسبوعية عامة، توقظ القلوب الغافلة، وتشحذ الهمم العالية، وتصل النفوس بخالقها - جل وعلا -، لتعبد ربها على علم وبصيرة حتى يأتيها اليقين، كل ذلك وغيره من الفوائد الكثيرة إنما يدل على أهميتها، والحاجة إلى العناية التامة بها.\nوإنما تتحقق هذه الفوائد وغيرها إذا توفر للخطيب ما هو مطلوب من الشروط والأركان والسنن، وخلت مما لم يشرعه الله - تعالى - من الأمور المحرمة والمبتدعة، فكانت وفق هدي\n_________\n(١) سورة إبراهيم، جزء من الآية رقم (٣٤) .","vol":"1","page":4},{"text":"النبي - ﷺ -، وأصحابه، والسلف الصالح من هذه الأمة.\nوقد كنت أفكر في الكتابة في هذا الموضوع من الناحية الفقهية منذ وقت بعيد، لما أرى من أهميته، وحاجة الناس إلى معرفة أحكامه معرفة تامة مبنية على بحث علمي دقيق وعميق كما أسلفت، ولكن الشواغل أدت إلى التأخير حتى يَسَّر الله - تعالى - لي فسحة من الوقت، فله الحمد أولا وآخرا، وظاهر، وباطنا.\nوتتلخص أبرز الأسباب التي دفعتني للكتابة في هذا الموضوع فيما يلي:\n١ - أهمية خطبة الجمعة الكبيرة كما أسلفت.\n٢ - خلو الساحة - حسب علمي حين الكتابة - من بحث علمي يتناول خطبة الجمعة وأحكامها من الناحية الفقهية بدقة وعمق، فرغبت في القيام به، جامعا أقوال الفقهاء وأدلتها والمناقشات الواردة عليها، ومنتهيا إلى الترجيح المبني على قوة الأدلة. والموجود إما بحوث تتناول الخطبة من الجانب الدعوي، أو الأدبي، أو التاريخي، أو تنبيهات وتوجيهات موجزة حول بعض الأخطاء، أو نحو ذلك، فأردت المشاركة بهذا البحث المتواضع في هذا المجال.","vol":"1","page":5},{"text":"٣ - ما يحتمله مقتضى عملي، حيث أقوم بإلقاء خطبة الجمعة بصفتي إماما احتياطيا، فأردت معرفة أحكامها معرفة مبنية على البحث والتمحيص، وإفادة إخواني المسلمين بها.\n٤ - حصول بعض النواقص والأخطاء من بعض الخطباء، نتيجة عدم الإلمام ببعض الأحكام الفقهية للخطبة، مما قلل من الاستفادة منها مع أهميتها كما أسلفت.\nوبعد القراءة حول الموضوع، وتتبع ما وقع في يدي مما كتب عن الخطبة من مختلف الجوانب، واستشارة بعض مشايخي، وزملائي من الأساتذة، وطلاب العلم عقدت العزم متوكلا على الله - ﷿ -، ومستعينا به في الكتابة في هذا الموضوع [خطبة الجمعة وأحكامها الفقهية] .\nمنهج البحث: وسلكت في هذا البحث المنهج العلمي المتعارف عليه وذلك حسب النقاط التالية:\n١ - اقتصرت على ما يدخل تحت العنوان دخولا ظاهرا، وهو ما يتعلق بذات الخطبة والخطيب من الأحكام، دون ما يتعلق بالحاضرين إلا ما رأيت أنه قد يتعلق بالخطيب في بعض الأحيان كالكلام حال الخطبة ونحوه، وذلك حرصا على المحافظة على مقصود العنوان، وعدم تشعب الموضوع تشعبا يجر إلى الخروج عن مقتضى عنوانه.","vol":"1","page":6},{"text":"٢ - أعبر بلفظ \" الخطبة \" مفردا وأقصد الخطبتين معا غالبا ما لم تدل قرينة الكلام على قصد أحدهما، وذلك اتباعا لعامة الفقهاء.\n٣ - ذكرت الشروط والأركان والسنن المختلف فيها في أماكنها حسب ما ترجح لدي ما عدا الأركان الأربعة: الحمد، والصلاة على رسول الله - ﷺ -، والموعظة، وقراءة آية، فقد ذكرتها أركانا وإن لم أرجح ذلك في جميعها، لكثرة من قال بركنيتها وشهرته.\n٤ - اقتصرت على ذكر أقوال أصحاب المذاهب الفقهية الأربعة المشهورة - الحنفي، والمالكي، والشافعي، والحنبلي - حسب المستطاع - ومذهب ابن حزم في بعض الأحيان، وقد أذكر أقوال السلف إذا خالفت المذاهب الأربعة، وإذا لم أجد لمذهب قولا في مسألة فإني لا أشير إلى عدم وجوده، بل أسكت، تلافيا للتكرار والإطالة.\n٥ - رتبت أقوال الفقهاء حسب القوة، فقدمت القول الذي ظهر لي رجحانه وأخرت الضعيف لكون ذلك - فيما يظهر لي - أوضح للقارئ، ويغني عن تكرار بعض الأدلة وأنسب للبحث.\n٦ - رتبت المذاهب داخل القول حسب الترتيب الزمني،","vol":"1","page":7},{"text":"فقدمتُ المذهب الحنفي، ثم المالكي، ثم الشافعي، ثم الحنبلي، ثم ابن حزم.\n٧ - اعتمدت في نسبة القول للمذهب على أمهات كتب أصحابه إلا إذا لم أطلع على قول صريح لهم في المسألة فإني أحاول أن أستنتج ذلك ولو لم يكن صريحا، أو أبينه على قول آخر لهم إن ظهر لي ذلك، ولا أوثقه من غير كتب المذهب إلا إذا تعذر ذلك من كتبه.\n٨ - اكتفيت في توثيق كل مذهب بالإحالة على بعض كتبه، وقد أنقل بعض النقول إذا رأيت أن المقام يتطلب ذلك لتوضيح القول، أو أن الكلام جيد في تحرير المسألة، أو أن صاحبه من المعروفين بالتحقيق كشيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم - رحمهما الله - أو نحو ذلك.\n٩ - نهجت في ترتيب المسائل بتقديم الأقوال، ثم ذكر الأدلة لكل قول، مقدما الأدلة من الكتاب، ثم السنة، ثم آثار الصحابة - ﵃ -، ثم المعقول، وأتبعت كل دليل بما يتعلق به من مناقشة وإجابة عنها ونحو ذلك لأن هذه الطريقة - فيما يظهر لي - أوضح للقارئ، وأبعد عن انقطاع تفكيره.\n١٠ - استدللتُ للأقوال التي لم أعثر على أدلة لها - حسب ما","vol":"1","page":8},{"text":"ظهر لي - إلا ما لم يتبين لي فيه دليل.\n١١ - وجهتُ الاستدلال بكل دليل نقلي من خلال كلام أهل العلم إذا اطلعتُ على كلام لهم فيه، وإلا وجهته ما لم يكن واضح الدلالة.\n١٢ - ناقشت ما ورد عليه مناقشة من الأدلة من خلال كلام أهل العلم عليه، مصدرا ذلك بلفظ \" نُوقشَ \"، وما لم أطلع على كلام لهم عليه ناقشته حسب ما ظهر لي مُصدِّرا ذلك بلفظ \" يناقش \".\nكما أجبتُ عما يمكن الإجابة عنه منها من خلال كلام أهل العلم، مصدرا ذلك بلفظ \" أجيب \" وإلا أجبتُ عنه حسب ما ظهر لي، مُصدِّرا ذلك بلفظ \" يُجاب \".\n١٣ - بعد استعراض الأقوال والأدلة والمناقشات والإجابات أعمل على التوفيق إن أمكن إعمالا للأدلة، فإن تعذر عمدتُ إلى الترجيح بناءً على قوة الأدلة، وسلامتها من المناقشات، وبما يتمشى مع قواعد الشريعة ومقاصدها العامة، معتمدًا في صيغة الترجيح على قوة الدليل ووضوحه.\n١٤ - عزوتُ الآيات القرآنية إلى مواضعها من كتاب الله - تعالى - بذكر السورة ورقم الآية.","vol":"1","page":9},{"text":"١٥ - خرَّجتُ الأحاديث من كتب السنة المعروفة، وما كان منها في الصحيحين أو أحدهما اكتفيتُ بتخريجه منهما، ولم أتعرض للكلام على الحكم عليه؛ للاتفاق على صحة ما ورد فيهما أو في أحدهما، وما لم يكن كذلك خرجته مما ورد فيه من كتب السنة حسب المستطاع مع بيان درجته نقلا عن أصحاب هذا الفن، ولم أترك إلا ما لم أعثر على كلام عنه، وما لم أعثر عليه في كتب السنة أبين من ذكره من الفقهاء، وهي قليلة.\n١٦ - خرَّجتُ الآثار من كتب الآثار المعروفة مع الحكم عليها من خلال كلام أهل العلم عليها، ولم أترك إلا ما لم أعثر على كلام حوله، وما لم أعثر عليه في كتب الآثار أبين من ذكره من الفقهاء، وهي قليلة.\n١٧ - تجنبتُ ذكر الأحاديث والآثار الضعيفة إلا ما ظهر لي الاعتماد عليه في الاستدلال بم يكون أكثر من قال بالقول يستدل به، مع بيان ضعفه.\n١٨ - عرفتُ الكلمات والألفاظ الغريبة الواردة في بعض الأحاديث والآثار وكلام الفقهاء من كتب اللغة والغريب، والشروح.\n١٩ - ترجمتُ لما سوى الخلفاء الأربعة والأئمة الأربعة بترجمة موجزة، حيث رأيتُ أن الشهرة أمر نسبي غير منضبط.","vol":"1","page":10},{"text":"خطة البحث (١) سرتُ في هذا البحث حسب الخطة التالية: قسَّمتُ البحث إلى مقدمة وخمسة فصول، وخاتمة.\nالمقدمة: تشتمل على الافتتاحية، والأسباب الدافعة لبحث الموضوع، ومنهج البحث، وخطته.\nالفصل الأول: تعريف الخطبة والجمعة، وحكم خطبة الجمعة.\nوفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: تعريف الخطبة، والجمعة وتسميتها بذلك.\nوفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: تعريف الخطبة.\nالمطلب الثاني: تعريف الجمعة وتسميتها بذلك.\nالمبحث الثاني: حكم خطبة الجمعة.\nالمبحث الثالث: هل الشرط خطبة واحدة، أو خطبتان؟\nالفصل الثاني: شروط خطبة الجمعة.\nوفيه ثمانية مباحث:\n_________\n(١) اقتصرت على ذكر الفصول والمباحث والمطالب تحاشيا للإطالة، واكتفاء بورود ما سوى ذلك في ثنايا البحث، وفي فهرس الموضوعات.","vol":"1","page":11},{"text":"المبحث الأول: النية.\nالمبحث الثاني: حضور العدد الذي تنعقد به الجمعة.\nوفيه تمهيد، ومطلبان:\nالتمهيد: في أقوال الفقهاء في العدد الذي تنعقد به الجمعة إجمالا.\nالمطلب الأول: اشتراط العدد الذي تنعقد به الجمعة للخطبة.\nالمطلب الثاني: استمرار الحضور حتى نهاية الخطبة.\nالمبحث الثالث: أن تكون بعد دخول وقت الجمعة.\nالمبحث الرابع: تقديمها على الصلاة.\nالمبحث الخامس: القيام.\nالمبحث السادس: الجهر.\nالمبحث السابع: كونها باللغة العربية.\nالمبحث الثامن: الموالاة.\nوفيه تمهيد، ومطلبان:\nالتمهيد في معنى الموالاة، وضابطها هنا.\nالمطلب الأول: الموالاة بين أجزاء الخطبة.\nالمطلب الثاني: الموالاة بين الخطبة والصلاة.\nالفصل الثالث: أركان خطبة الجمعة.","vol":"1","page":12},{"text":"وفيه تمهيد، وستة مباحث:\nالتمهيد: وفيه خلاف الفقهاء في وجوب توفر أركان في الخطبة إجمالا.\nالمبحث الأول: حمد الله - تعالى -.\nالمبحث الثاني: الصلاة على النبي - ﷺ -.\nالمبحث الثالث: الموعظة.\nالمبحث الرابع: قراءة شيء من القرآن.\nوفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: حكم قراءة شيء من القرآن في الخطبة.\nالمطلب الثاني: أقل مقدار للقراءة.\nالمطلب الثالث: قراءة ما فيه سجود تلاوة في الخطبة، والسجود له.\nالمبحث الخامس: حكم ترتيب هذه الأركان عند من قال بها.\nالمبحث السادس: الإتيان بهذه الأركان في كل خطبة من الخطبتين عند من قال بها.\nالفصل الرابع: سنن خطبة الجمعة.\nوفيه مبحثان:","vol":"1","page":13},{"text":"المبحث الأول: السنن لها.\nوفيه أحد عشر مطلبا:\nالمطلب الأول: الطهارة.\nالمطلب الثاني: ستر العورة، وإزالة النجاسة.\nالمطلب الثالث: التجمل.\nالمطلب الرابع: أن تكون على منبر أو موضع عال.\nالمطلب الخامس: استقبال الخطيب للناس.\nالمطلب السادس: استقبال الناس للخطيب.\nالمطلب السابع: السلام على الناس.\nالمطلب الثامن: الجلوس على المنبر حتى يفرغ المؤذن.\nالمطلب التاسع: الاعتماد على قوس أو عصا أو سيف أو نحوها.\nالمطلب العاشر: رفع الصوت بها زيادة على القدر الواجب.\nالمطلب الحادي عشر: الجلسة بين الخطبتين.\nالمبحث الثاني: السنن في خطبة الجمعة.\nوفيه ستة مطالب:\nالمطلب الأول: تقصيرها.\nالمطلب الثاني: أن تكون فصيحة بليغة مؤثرة مرتبة.\nالمطلب الثالث: قراءة سورة (ق) فيها.\nالمطلب الرابع: الدعاء للمسلمين في الخطبة الثانية.","vol":"1","page":14},{"text":"المطلب الخامس: الدعاء لولاة أمور المسلمين في الخطبة الثانية.\nالمطلب السادس: ختم الخطبة الثانية بالاستغفار.\nالفصل الخامس: مسائل متفرقة في خطبة الجمعة.\nوفيه ثلاثة عشر مبحثا:\nالمحبث الأول: التقصير في إعدادها، بالاعتماد على خطب مدونة قديما، ونحو ذلك.\nالمبحث الثاني: إخراجها عن مقصودها الشرعي.\nالمبحث الثالث: صلاة الخطيب تحية المسجد بعد دخوله وقبل صعود المنبر.\nالمبحث الرابع: دعاء الخطيب عند صعود المنبر وقبل جلوسه حال الأذان.\nالمبحث الخامس: الخطبة من صحيفة.\nالمبحث السادس: السلام فيها.\nوفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم الكلام في الخطبة.\nالمطلب الثاني: وقت المنع من الكلام في الخطبة.\nالمبحث السابع: الدق بالسيف على المنبر.\nالمبحث الثامن: إشارة الخطيب في أثنائها.","vol":"1","page":15},{"text":"المبحث التاسع: التفات الخطيب يمينا وشمالا في أثنائها. ٥٠ المبحث العاشر: قول الخطيب في آخر الأولى: \" ادعو الله وأنتم موقنون بالإجابة \"، ونحو ذلك، والمداومة عليه.\nالمبحث الحادي عشر: المبالغة قي الإسراع في الثانية، وخفض الصوت بها.\nالمبحث الثاني عشر: رفع اليدين حال الدعاء في الخطبة.\nالمبحث الثالث عشر: ختم الثانية بقوله - تعالى -: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] والمداومة على ذلك.\nالخاتمة: وتشتمل على أهم النتائج التي توصلت إليها.\nثم ذيّلتُ البحث بفهارس شاملة تتيح للمطلع سهولة الرجوع إلى ما يريد والاستفادة منه، وهي كما يلي:\nأولا: فهرس الآيات القرآنية.\nثانيا: فهرس الأحاديث النبوية.\nثالثا: فهرس الآثار.\nرابعا: فهرس الأعلام.\nخامسا: فهرس المصادر والمراجع.\nسادسا: فهرس الموضوعات.","vol":"1","page":16},{"text":"هذا وقد بذلتُ جهدي - قدر المستطاع - في الإلمام بالموضوع وجمع أطرافه، معتذرا للقارئ الكريم عما حصل فيه من نقص أو خطأ أو زلة قلم؛ لأن قدرة البشر محدودة، فقد جُبلوا على النقص، إذ الكمال لله وحده، والعصمة لرسله - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين -.\nوفي الختام أحمد الله - ﷿ - وأشكره على نعمه العظيمة، وأسأله المزيد من فضله، وأن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم، ومن العلم الذي يُنتفع به في حياتي وبعد وفاتي، وأرجو من إخواني طلاب العلم والخطباء الذين يطلعون عليه إبداء ما يرونه من توجيهات وملاحظات لتلافيها مستقبلا، فالمرء قليل بنفسه كثير بإخوانه، والله - تعالى - من وراء القصد، وهو حسبي ونعم الوكيل، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وأصحابه أجمعين ومن اهتدى بهديه وتمسك بسنته إلى يوم الدين.\nكتبه\nد / عبد العزيز بن محمد بن عبد الله الحجيلان","vol":"1","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>[الفصل الأول تعريف الخطبة والجمعة وحكم خطبة الجمعة]</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>[المبحث الأول تعريف الخطبة والجمعة وتسميتها بذلك]</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>[المطلب الأول تعريف الخطبة]</span>\nالفصل الأول\nتعريف الخطبة والجمعة وحكم خطبة الجمعة وفيه ثلاث مباحث:\nالمبحث الأول: تعريف الخطبة، والجمعة وتسميتها بذلك.\nالمبحث الثاني: حكم خطبة الجمعة.\nالمبحث الثالث: هل الشرط خطبة واحدة، أو خطبتان؟","vol":"1","page":18},{"text":"المبحث الأول\nتعريف الخطبة والجمعة وتسميتها بذلك وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: تعريف الخطبة.\nالمطلب الثاني: تعريف الجمعة، وتسميتها بذلك.\nالمطلب الأول: تعريف الخطبة أولا: تعريفها في اللغة: الخُطْبَةُ: هي بضم الخاء، وهي ما يُقال على المنبر، يُقال: خَطَبَ على المنبر خُطْبَة - بضم الخاء - وخَطَابة، وأما خِطْبَة - بكسر الخاء - فهي طلب نكاح المرأة.\nوهي مشتقة من المخاطبة، وقيل: من الخطب، وهو الأمر العظيم؛ لأنهم كانوا لا يجعلونها إلا عنده.\nقال في تهذيب اللغة: \" والخطبة مصدر الخطيب، وهو يخطب المرأة ويخطِبُها خِطبة وخِطِّيبى. . . قلت: والذي قال الليث أن الخطبة مصدر الخطيب لا يجوز إلا على وجه واحد، وهو أن الخُطبة اسم للكلام الذي يتكلم به الخطيب، فيوضع موضع المصدر، والعرب تقول: فلانٌ خِطْبُ فلانة، إذا كان يخطبها (١) .\n_________\n(١) تهذيب اللغة الأزهري، مادة \" خطب \" ٧ / ٢٤٦.","vol":"1","page":19},{"text":"وقال في القاموس: \". . . وخَطَبَ الخاطب على المِنْبَر خَطابة بالفتح، وخُطبة بالضم، وذلك الكلام خُطبة أيضا، أو هي الكلام المنثور المُسَجَّع ونحوه، ورجل خَطِيبٌ حسن الخُطبة بالضم \" (١) .\n- وقال في مختار الصحاح: \" خاطَبَه بالسلام مُخَاطَبة وخِطَابا، وخطب على المنبر خُطْبَة - بضم الخاء - وخَطَابة، وخَطَب المرأة في النكاح خِطْبَة - بكسر الخاء - يخْطُبُ بضم الخاء فيهما، واختَطَبَ أيضا فيهما، وخَطُبَ من باب ظَرُفَ صار خطيبا \" (٢) .\nوقال في المصباح: \" خَاطَبَه مُخَاطَبَة وخِطَابا، وهو الكلام بين متكلم وسامع، ومنه اشتقاق الخُطبَة - بضم الخاء وكسرها - باختلاف معنيين، فيُقال في الموعظة: خَطَبَ القوم وعليهم من باب قتل، خُطبة - بالضم -، وهي فُعلة بمعنى مفعولة. . . وجمعها خُطب، وهو خطيب القوم إذا كان هو المتكلم عنهم، وخَطَبَ المرأة إلى القوم إذا طلب أن يتزوج منهم، واختطبها، والاسم الخِطْبة - بالكسر -. . . . (٣) .\n_________\n(١) القاموس المحيط، مادة \" خطب \" ١ / ٦٥.\n(٢) مختار الصحاح، مادة \" خطب \" ص (٧٦) .\n(٣) المصباح المنير للفيومي، مادة \" خطب \" ١ / ١٧٣.","vol":"1","page":20},{"text":"وقال في حلية الفقهاء: \" وأما الخُطْبة فاشتقاقها من المُخاطبة، ولا تكون المخاطبة إلا بالكلام بين المُخاطَبين، وكذلك خِطْبَة النكاح، وقال قوم: إنما سمِّيتْ الخُطبة لأنهم كانوا لا يجعلونها إلا في الخَطْب والأمر العظيم، فلهذا سميت خُطْبة \" (١) .\nثانيا: تعريفها في الاصطلاح: عرَّفها بعضهم بأنها: الكلام المؤلف المُتضمِّن وعظا وإبلاغا (٢) .\nولكن هذا فيه إجمال.\nوأوضح منه تعريف من قال: إنها قياس مركب من مقدمات مقبولة أو مظنونة، من شخص معتقد فيه، والغرض منها ترغيب الناس فيما ينفعهم من أمور معاشهم ومعادهم (٣) .\nوعرَّف بعض المعاصرين الخطابة: بأنها فنّ من فنون الكلام، يقصد به التأثير في الجمهور عن طريق السمع والبصر معا (٤) .\nوكل هذه التعريفات ونحوها تدور حول التعريف بالخطبة عموما، ومعناها متقارب.\n_________\n(١) حلية الفقهاء لابن فارس ص (٨٧) .\n(٢) تحرير ألفاظ التنبيه، أو المسمى بـ \" لغة الفقهاء \" للنووي ص (٨٤ - ٨٥) .\n(٣) التعريفات للجرجاني ص (٩٩) .\n(٤) الخطابة في الإسلام للدكتور / مصلح سيد بيومي ص (١١) .","vol":"1","page":21},{"text":"وأما خطبة الجمعة بخصوصها فلم أطلع على تعريف صريح لها - فيما بين يدي من كتب الفقهاء - لعلهم تركوا ذلك لوضوحها عندهم، وقد جاء في بدائع الصنائع في معرض كلامه على أحكام خطبة الجمعة قوله: \" والخطبة في المتعارف اسم لما يشتمل على تحميد الله والثناء عليه، والصلاة على رسول الله - ﷺ -، والدعاء للمسلمين، والوعظ والتذكير لهم \" (١) .\nوهذا بيان لمعناها حسب المتعارف عليه، وليس تعريفا دقيقا تتوفر فيه الشروط المعتبرة عند الأصوليين.\nولكن بعد تأمل ما تقدم ذكره من التعريف اللغوي والتعاريف الأخرى، وبناءً على ما ترجح في أحكامها يمكن أن أعرّفها تعريفا تقريبيا بأنها: ما يُلقى من الكلام المتوالي الواعظ باللغة العربية قبيل صلاة الجمعة بعد دخول وقتها بنية جهرا قياما مع القدرة على عدد يتحقق بهم المقصود.\n_________\n(١) بدائع الصنائع١ / ٢٦٢.","vol":"1","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>[المطلب الثاني تعريف الجمعة وتسميتها بذلك]</span>\nالمطلب الثاني: تعريف الجمعة وتسميتها بذلك هي بضم الميم وإسكانها وفتحها: الجُمُعَة، والجُمْعَة، والجُمَعَة، والمشهور الضم، وبه قُرئ في السبع في قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩] (١) والإسكان تخفيف منه، ووجه الفتح بأنها تجمع الناس كما يُقال: هُمزة، وضُحكة للمكثرين من ذلك، والفتح لغة بني عُقَيل، ويُجمع على جُمُعات وجُمَع.\nقال في لسان العرب: \". . . والأصل فيها التخفيف جُمْعَة فمن ثقل أتبع الضمة الضمة، ومن خفف فعلى الأصل، والقرّاء قرءوا بالتثقيل، ويُقال: يوم الجُمَعَة لغة بني عُقَيل، ولو قُرئ بها كان صوابا، قال: والذين قالوا: الجُمَعَة ذهبوا بها إلى صفة اليوم أنه يجمع الناس كما يُقال: رجل هُمَزة لُمَزة ضُحَكة، وهو الجُمْعَة، والجُمُعَة والجُمَعَة. . . ويُجمع على جُمُعات، وجُمَع، وقيل: الجُمْعَة على تخفيف الجُمُعَة، والجُمَعَة لأنها تجمع الناس كثيرا كما قالوا: رجل لُعَنة يُكثر لعن الناس، ورجل ضُحَكة يُكثر\n_________\n(١) سورة الجمعة، جزء من الآية (٩) .","vol":"1","page":23},{"text":"الضحك. . . . (١) .\nوقال في مختار الصحاح: \" ويوم الجُمُعَة بسكون الميم وضمها يوم العروبة، ويُجمع على جُمُعات وجُمَع، والمسجد الجامع، وإن شئت قلتَ مسجد الجامع بالإضافة، كقولك: حق اليقين، والحق اليقين، بمعنى مسجد اليوم الجامع، وحق الشيء اليقين، لأن إضافة الشيء إلى نفسه لا تجوز إلا على هذا التقدير \" (٢) .\nوقال في تحرير ألفاظ التنبيه: \" الجُمُعَة بضم الميم وإسكانها وفتحها، حكاها الفراء والواحدي، سُميت بذلك لاجتماع الناس، وكان يُقال ليوم الجمعة في الجاهلية العروبة، وجمعها جُمُعات وجُمَع \" (٣) .\n- تسميتها وسببها: يُقال إن هذا اليوم كان يُسمى في الجاهلية بـ \" يوم العُروبة \" كما تقدم في النقول السابقة (٤) ونقل ابن حجر الاتفاق على\n_________\n(١) لسان العرب، مادة \" جمع \" ٨ / ٥٨.\n(٢) مختار الصحاح، مادة \" جمع \" ص (٤٧) .\n(٣) تحرير ألفاظ التنبيه للنووي ص (٨٤)، وينظر أيضا المجموع له ٤ / ٤٨٢.\n(٤) وينظر أيضا: المحلى ٥ / ٤٥، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٨ / ٩٧، وفتح الباري ٢ / ٣٥٣، والإنصاف ٢ / ٣٦٤، ونيل الأوطار ٣ / ٢٢٢.","vol":"1","page":24},{"text":"ذلك (١) ثم سُمِّي قبيل الإسلام بـ \" يوم الجمعة \"، سمَّاه بذلك كعب (٢) بن لؤي، فكانت قريش تجمع إليه فيه، فيخطبهم ويعظهم، وقيل: لم يسم بيوم الجمعة إلا بعد الإسلام \" (٣) .\nوأما سبب التسمية فتعددت الأقوال فيه: - فقيل: لأن الله - تعالى - جمع فيه خلق آدم - ﵇، ويستدلون بما روي عن النبي - ﷺ - أنه قيل له: لأي شيء سُمِّي يوم الجمعة؟ قال: «لأن فيها طُبعت طينة أبيك آدم، وفيها الصعقة والبعثة، وفيها البطشة، وفي آخر ثلاث ساعات منها ساعة من دعا الله فيها استُجيب له» (٤) .\n_________\n(١) فتح الباري ٢ / ٣٥٣.\n(٢) هو كعب بن لؤي بن غالب، من قريش، من عدنان، يكنى بأبي هُصيص، من سلسلة النسب النبوي، ومن أبرز خطباء الجاهلية، كان عظيم القدر عند العرب حتى أرّخوا بوفاته إلى عام الفيل، أول من سن الاجتماع يوم الجمعة الذي كان يسمى بـ \" يوم العروبة \"، توفي سنة ١٨٣ قبل الهجرة.\n (ينظر: الكامل لابن الأثير ٢ / ٩، وتاريخ الطبري ٢ / ١٨٥) .\n(٣) تنظر المراجع في الصفحة السابقة.\n(٤) أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٢ / ٣١١ من حديث أبي هريرة - ﵁ - وقال ابن حجر في فتح الباري ٢ / ٣٥٣: \" ذكره ابن أبي حاتم موقوفا بإسناد قوي، وأحمد مرفوعا بإسناد ضعيف \"، وقال الأرنؤوط في تخريجه في هامش زاد المعاد ١ / ٣٩٢: \" وفي سنده الفرج بن فضالة، وهو ضعيف وعلي بن أبي طلحة لم يسمع من أبي هريرة \"، وقد جاء خلق آدم - ﵇ - في هذا اليوم في عدد من الأحاديث في السنن وغيرها.","vol":"1","page":25},{"text":"وصحَّحَ هذا القول في فتح الباري (١) ونيل الاوطار (٢) .\n- فقيل: لاجتماع الناس فيها في المكان الجامع لصلاتهم (٣) .\n- وقيل: لأن الله - تعالى - جمع فيه آدم مع حواء في الأرض.\n- وقيل: لما جُمع فيه من الخير (٤) .\nوقيل غير ذلك.\nوهذه الأقوال بعضها مأخوذ من دلالة الاسم، وبعضها مستند إلى أحاديث لم تثبت، ولا مانع أن تكون كل هذه الأشياء سببا للتسمية، والله أعلم.\n_________\n(١) فتح الباري ٢ / ٣٥٣.\n(٢) نيل الاوطار ٣ / ٢٢٢.\n(٣) وجزم به ابن حزم في المحلى.\n(٤) تنظر هذه الأقوال وغيرها في: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٨ / ٩٧، وفتح الباري ٢ / ٣٥٣، والإنصاف ٢ / ٣٦٤، وكشاف القناع ٢ / ٢٠ - ٢١، ونيل الأوطار ٣ / ٢٢٢ - ٢٢٣.","vol":"1","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>[المبحث الثاني حكم خطبة الجمعة]</span>\nالمبحث الثاني: حكم خطبة الجمعة اختلف الفقهاء في حكم الخطبة لصلاة الجمعة هل هي شرط لها فلا تصح بدونها، أو سنة فتصح الصلاة بدون خطبة؟ وذلك على قولين:\nالقول الأول: أن الخطبة شرط للجمعة.\nوبهذا قال الحنفية (١) وجمهور المالكية وهو الصحيح عندهم (٢) والشافعية (٣) والحنابلة (٤) .\nقال في الحاوي: \" فهو مذهب الفقهاء كافة إلا الحسن البصري فإنه شذ عن الإجماع وقال: إنها ليست واجبة \" (٥) .\n_________\n(١) ينظر: المبسوط ٢ / ٢٣ - ٢٤ والهداية للمرغيناني ١ / ٨٣، وبدائع الصنائع ١ / ٢٦٢، وتبيين الحقائق ١ / ٢١٩، والفتاوى الهندية ١ / ١٤٦.\n(٢) ينظر: الإشراف ١ / ١٣١، والتفريع ١ / ٢٣١، وبداية المجتهد ١ / ١٦٠، والقوانين الفقهية ص (٨٦)، والفواكه الدواني ١ / ٣٠٦.\n(٣) ينظر حلية العلماء ٢ / ٢٧٦، والوجيز ١ / ٦٣، والمجموع ٤ / ٥١٣، ٥١٤، وروضة الطالبين ٢ / ٢٤، ومغني المحتاج ١ / ٢٨٥.\n(٤) ينظر: الهداية لأبي الخطاب ١ / ٥٢، وشرح الزركشي ٢ / ١٧٣، والمغني ٣ / ١٧٠ - ١٧١، والفروع ٢ / ١٠٩، والمحرر ١ / ١٤٦، والإنصاف ٢ / ٣٨٦.\n(٥) الحاوي ٣ / ٤٤.","vol":"1","page":27},{"text":"وقال في المغني: \" وجملة ذلك أن الخطبة شرط في الجمعة لا تصح بدونها. . . ولا نعلم فيه مخالفا إلا الحسن \" (١) .\nالقول الثاني: أن الخطبة سنة للجمعة.\nوبه قال الحسن البصري (٢) . (٣) .\nوهو مروي عن الإمام مالك، وبه قال بعض أصحابه (٤) .\nوبه قال ابن حزم (٥) (٦) .\n_________\n(١) المغني ٣ / ١٧٠ - ١٧١.\n(٢) هو الحسن بن يسار البصري، يكنى بأبي سعيد، من كبار فقهاء التابعين، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر، قال عنه سليمان التيمي: شيخ أهل البصرة، وكان يرسل ويدلس، توفي سنة ١٢٠هـ.\n (ينظر: طبقات ابن سعد ٧ / ١٥٦، وتهذيب التهذيب ٢ / ١٦٣) .\n(٣) وممن نقل ذلك عنه ابن قدامة في المغني ٣ / ١٧١، والماوردي في الحاوي ٣ / ٤٤، النووي في المجموع ٤ / ٥١٤، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن ١٨ / ١١٤، وأخرج عنه ابن حزم في المحلى ٥ / ٩٥ قوله: \" من لم يخطب يوم الجمعة صلى ركعتين على كل حال \".\n(٤) ينظر: الإشراف ١ / ١٣١، وأحكام القرآن لابن العربي ٤ / ١٨٠٥، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٨ / ١١٤.\n(٥) هو علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي، يكنى بأبي محمد، أحد أئمة الظاهرية، كان ذكيا حافظا، وكان شافعي المذهب فانتقل إلى القول بالظاهر، قال عنه صاعد بن أحمد: \" أجمع أهل الأندلس لعلوم الإسلام \"، له مصنفات منها: المحلى، ومراتب الإجماع، توفي سنة ٤٥٦ هـ.\n (ينظر: تذكرة الحفاظ ٣ / ١١٤٦، وشذرات الذهب ٣ / ٢٩٩) .\n(٦) المحلى ٥ / ٥٧.","vol":"1","page":28},{"text":"الأدلة:\nأدلة أصحاب القول الأول: استدل أصحاب القول الأول بأدلة من الكتاب، والسنة، وآثار الصحابة والتابعين:\nأولا: من الكتاب: ١ - قول الله - ﷾ -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] الآية (١) .\nوقد اختلف السلف في المراد بذكر الله فيها على قولين: فمنهم من قال: الخطبة، ومنهم من قال: الصلاة (٢) وصحَّح ابن العربي (٣) أنها تشمل الجميع (٤) .\nفعلى القول بأن المراد الخطبة تدل على وجوبها من وجهين:\n_________\n(١) سورة الجمعة، جزء من آية رقم (٩) .\n(٢) ذكر ذلك الطبري في تفسيره ٢٨ / ٦٥ - ٦٦، وابن العربي في أحكام القرآن ٤ / ١٨٠٥، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن ١٨ / ١٠٧، وغيرهم.\n(٣) هو محمد بن عبد الله بن محمد المعافري، الأندلسي، المالكي، المعروف بابن العربي، دخل بغداد وسمع بها، ولقي جماعة من المحدثين بالقاهرة، ثم عاد إلى الأندلس، وتولى قضاء أشبيلية، له مصنفات منها: أحكام القرآن، والمحصول في الأصول، وتوفي سنة ٥٤٣ هـ.\n (ينظر: الديباج المذهب ص (٢٨١)، وشذرات الذهب ٤ / ١٤١) .\n(٤) أحكام القرن ٤ / ١٨٠٥، ونقله عنه القرطبي في الجامع ١٨ / ١١٤.","vol":"1","page":29},{"text":"الأول: أنه أمر بالسعي إليها، والأصل في الأمر الوجوب، والسعي الواجب لا يكون الا إلى واجب (١) .\nالثاني: أن الله - ﷿ - أمر بترك البيع عند النداء لها، أي أن البيع يحرم في ذلك الوقت، فتحريمها للبيع دليل على وجوبها، لأن المستحب لا يحرم المباح (٢) .\nوعلى القول بأن المراد الصلاة فإن الخطبة من الصلاة، والعبد يكون ذاكرا لله بفعله كما يكون مسبِّحا لله بفعله (٣) .\n٢ - قول الله - ﷿ -: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١] الآية (٤) .\nوجه الدلالة: أن الله - تعالى - ذمهم على الانفضاض وترك الخطبة، والواجب هو الذي يذم تاركه شرعا (٥) .\n_________\n(١) المبسوط ٢ / ٢٤، وبدائع الصنائع ١ / ١٦١، والحاوي ٣ / ٤٤، وشرح الزركشي على الخرقي ٢ / ١٧٣، وكشاف القناع ٢ / ٣١.\n(٢) أحكام القرآن لابن العربي ٤ / ١٨٠٥.\n(٣) المرجع السابق.\n(٤) سورة الجمعة، جزء من الآية رقم (١١) .\n(٥) ينظر: أحكام القرآن لابن العربي ٤ / ١٨١٠، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٨ / ١١٤.","vol":"1","page":30},{"text":"ثانيًا: من السنة: ١ - ما رواه عبد الله (١) بن عمر - ﵄ - قال: «كان النبي - ﷺ - يخطب قائما، ثم يقعد، ثم يقوم، كما تفعلون الآن» (٢) .\n٢ - ما رواه جابر (٣) بن سمرة - ﵁ - قال: «كان رسول الله - ﷺ - يخطب قائما، ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب قائما، فمن نبأك أنه كان يخطب جالسا فقد\n_________\n(١) هو عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي، العدوي، ابن الخليفة الثاني، أسلم مع أبيه وهو صغير، ورده رسول الله - ﷺ - يوم بدر لصغره، واختلف في شهوده أحدا، وشهد الخندق وما بعدها، وكان شديد الاحتياط والتوقي لدينه في الفتوى، ولم يشهد شيئا مما وقع بين الصحابة، وتوفي سنة ٧٣ هـ، وقيل غير ذلك.\n (ينظر: أسد الغابة ٣ / ٢٢٧، والإصابة ٤ / ١٠٧) .\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الجمعة - باب الخطبة قائما ١ / ٢٢١، وباب القعدة بين الخطبتين يوم الجمعة ١ / ٢٢٣.\nومسلم في صحيحه في كتاب الجمعة - باب ذكر الخطبتين قبل الصلاة وما فيهما من الجلسة ٢ / ٥٨٩، الحديث رقم (٨٦١) .\n(٣) هو جابر بن سمرة بن جنادة بن جندب بن حجير العامري، ثم السوائي، مولى بني زهرة، روى عن النبي - ﷺ - وسكن الكوفة، وتوفي سنة ٧٣ هـ، وقيل غير ذلك (ينظر: أسد الغابة ١ / ٢٥٤، والإصابة ١ / ٢١٢) .","vol":"1","page":31},{"text":"كذب، فقد صليتُ معه أكثر من ألفي صلاة» (١) .\nوهذا الفعل دلالته ظاهرة.\nمناقشة هذين الدليلين: نوقشا بأن ما ورد فيهما مجرد فعل، والفعل المجرد لا يدل على الواجب (٢) .\nالإجابة عن هذه المناقشه: يجاب عنها بالتسليم بذلك لو لم يكن هناك دليل غيرهما على المسألة، لكن ورد الأمر بالخطبة مجملا في قوله - تعالى -: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] كما تقدم، فيكون هذا الفعل بيانا لهذا الأمر المجمل، فيكون واجبا، والله أعلم.\n٣ - ما جاء في حديث مالك (٣) بن الحويرث أن النبي - ﷺ - قال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (٤) .\n_________\n(١) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الجمعة - باب ذكر الخطبتين قبل الصلاة وما فيهما من الجلسة ٢ / ٥٨٩، الحديث رقم (٨٦٢) .\n(٢) ينظر: نيل الأوطار ٣ / ٢٦٥.\n(٣) هو مالك بن الحويرث بن أشيم بن زياد بن خشيش الليثي، يكنى بأبي سليمان، سكن البصرة، وقدم على النبي - ﷺ - في شبيبة من قومه فعلمهم الصلاة، وأمرهم بتعليم قومهم إذا رجعوا إليهم، وتوفي سنة ٧٤ هـ.\n (ينظر أسد الغابة ٤ / ٢٧٧، والإصابة ٣ / ٣٤٢) .\n(٤) أخرجه البخاري في صحيحة في كتاب الأذان - باب الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة والإقامة. ١ / ١٥٥.","vol":"1","page":32},{"text":"وجه الدلالة: قال غير واحد من أهل العلم: والنبي - ﷺ - ما صلى الجمعة في عمره بغير خطبة (١) وقد أمرنا بالصلاة كما كان يصلي، ولو جازت الجمعة بغير خطبة لفعله ولو مرة تعليما للجواز (٢) .\nمناقشة هذا الاستدلال: نوقش من وجهين:\nالأول: أن هذا الحديث - حديث مالك بن الحويرث - لا يصلح الاستدلال به على الوجوب؛ لأنه لو قيل بذلك للزم أن يكون كثير من السنن واجبات لفعل النبي - ﷺ - لها في صلاته (٣) .\nالإجابة عن هذا الوجه: يجاب عنه بأنه يقال بذلك لو لم يكن هناك أدلة أخرى تفيد الوجوب، وتجعل هذا الفعل دالا على الوجوب كما سبق في الآيات وكما سيأتي - إن شاء الله - بالإضافة إلى المداومة.\n_________\n(١) ينظر: المبسوط ٢ / ٢٤، وتبيين الحقائق ١ / ٢١٩، والإشراف ١ / ١٣١، والفواكه الدواني ١ / ٣٠٦، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٨ / ١١٤، والمغني ٣ / ١٧١، وشرح الزركشي على الخرقي ٢ / ١٧٣، وكشاف القناع ٢ / ٣١.\n(٢) ينظر المبسوط ٢ / ٤٢.\n(٣) ينظر: نيل الأوطار ٣ / ٢٦٥.","vol":"1","page":33},{"text":"الثاني: أن حديث مالك هذا ليس فيه إلا الأمر بإيقاع الصلاة على الصفة التي كان يوقعها عليها، والخطبة ليست بصلاة (١) .\nالإجابة عن هذا الوجه: يجاب عن ذلك بأن الخطبة وإن كانت ليست بصلاة فهي عمل متعلق بها ومن أجلها، ولا اعتبار له بدونها فأخذ حكمها، بالإضافة إلى أن بعض السلف - كما سيأتي إن شاء الله - قال: إن الخطبتين بدل عن ركعتين، فيكون لهما حكم الصلاة، والله أعلم.\nثالثا: من آثار الصحابة - ﵃ - والتابعين: -\nما روي عن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: \" الخطبة موضع الركعتين، من فاتته الخطبة صلى أربعا \" (٢) وفي رواية: \" إنما جُعِلَت الخطبة مكان الركعتين فإن لم يدرك الخطبة فليصل أربعا \" (٣) .\n_________\n(١) المرجع السابق.\n(٢) أخرج ذلك عبد الرزاق في مصنفه في كتاب الجمعة - باب من فاتته الخطبة ٣ / ٢٣٧، الأثر رقم (٥٤٨٥) .\nوابن حزم في المحلى ٥ / ٥٨.\n(٣) أخرجها ابن أبي شيبة في مصنفه في كتاب الصلوات - باب الرجل تفوتة الخطبة ٢ / ١٢٨.","vol":"1","page":34},{"text":"وجه الدلالة: دل هذا الأثر على أن الخطبتين بدل عن ركعتين من صلاة الظهر، وهما واجبتان؛ لأنهما جزء منها، فكذلك حكم بدلهما.\nمناقشة هذا الدليل: يناقش من وجهين:\nالأول: أن هذا الأثر منقطع السند (١) فلا يصلح للاستدلال.\nالثاني: أن هذا على تقدير ثبوته قول صحابي، وهو مختلف في الاحتجاج به.\nوقد نُسِبَ القول بذلك إلى عبد الله بن عمر - ﵄ - (٢) وإلى عائشة (٣) - ﵂ - (٤) .\n_________\n(١) ذكر ذلك محقق شرح الزركشي على الخرقي في هامشه ٢ / ١٧٣، ولم أطلع على كلام عليه في كتب التخريج التي بين يدي.\n(٢) وممن نسبه إليه الزركشي في شرح الخرقي ٢ / ١٧٣، ولم أعثر عليه فيما بين يدي من كتب الآثار.\n(٣) هي أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق، الصديقة بنت الصديق، تزوجها النبي - ﷺ - قبل الهجرة بسنتين وكان عمرها ست سنين، وبنى بها بالمدينة وهي بنت تسع، وكانت من أفقه الناس وأحسنهم رأيا، وروت عن النبي - ﷺ - كثيرا، وتوفيت سنة ٥٧ هـ، وقيل: ٥٨ هـ.\n (ينظر: أسد الغابة ٥ / ٥٠١، والإصابة ٨ / ١٣٩) .\n(٤) وممن نسبه إليها ابن قدامة في المغني ٣ / ١٧١، والزركشي في شرح الخرقي ٢ / ١٧٣، ولم أعثر عليه فيما بين يدي من كتب الآثار.","vol":"1","page":35},{"text":"ويناقش بالوجه الثاني من وجهي مناقشة أثر عمر - ﵁ - المتقدم.\nكما قال بمثل ذلك بعض التابعين (١) ولكن قولهم ليس بحجة، فلا أطيل بذكر ذلك، وإنما أشرتُ إليه لاستدلال بعض الفقهاء به.\nدليل أصحاب القول الثاني: أن الجمعة تصح ممن لم يحضر الخطبة، ولو كانت شرطا يجب الإتيان به لم يصح إدراك الجمعة إلا بها (٢) .\nمناقشة هذا الدليل: قال صاحب الحاوي بعد ذكر هذا الدليل: \" وهذا خطأ، ويوضحه إجماع من قبل الحسن وبعده \"، ثم ناقشه بأنه غير صحيح، لأن الركعتين واجبتان بالإجماع.\n_________\n(١) ومنهم عطاء، وطاوس، ومجاهد، ومكحول وغيرهم.\nوأخرجه عنهم ابن أبي شيبة في مصنفه في كتاب الصلوات - باب الرجل تفوته الخطبة ٢ / ١٢٨، كما أخرجه عن إبراهيم النخعي، وعطاء، وسعيد بن جبير: البيهقي في سننه الكبرى في كتاب الجمعة - باب وجوب الخطبة وأنه إذا لم يخطب صلى ظهرا أربعا ٣ / ١٩٦.\n(٢) الحاوي ٣ / ٤٤.","vol":"1","page":36},{"text":"ثم إنه لا يتعلق إدراك الجمعة بها، فلو أدرك ركعة صحت له بالجمعة، فكذلك الخطبة (١) .\nالترجيح: الراجح في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بأن الخطبة شرط لصحة الجمعة، لقوة أدلته، بل نقل بعضهم شبه إجماع عليه كما تقدم عن صاحب الحاوي.\n_________\n(١) المرجع السابق.","vol":"1","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>[المبحث الثالث هل الشرط خطبة واحدة أو خطبتان]</span>\nالمبحث الثالث\nهل الشرط خطبة واحدة أو خطبتان؟ اختلف القائلون في المسألة السابقة باشتراط الخطبة للجمعة - وهم الجمهور - فيما يتحقق به هذا الشرط، هل يتحقق بخطبة واحدة، أو لا بد من خطبتين؟ وذلك على قولين:\nالقول الأول: أنه يشترط خطبتان.\nوبهذا قال الإمام مالك في رواية عنه، وبها أخذ بعض أصحابه (١) وبه قال الشافعية (٢) وهو الرواية المشهورة عن الإمام أحمد، والمذهب عند أصحابه (٣) .\nالقول الثاني: أنه لا يشترط خطبتان، بل يجزئ خطبة واحدة.\n_________\n(١) ينظر: الكافي لابن عبد البر ١ / ٢٥٠، والقوانين الفقهية ص (٨٦)، والتاج والإكليل بهامش مواهب الجليل ٢ / ١٥٨.\n(٢) ينظر حلية العلماء ٢ / ٢٧٦، والمجموع ٤ / ٥١٣، ٥١٤، وروضة الطالبين ٢ / ٢٤، ومغني المحتاج ١ / ٢٨٥.\n(٣) ينظر الهداية لأبي خطاب ١ / ٥٢، والمغني ٣ / ١٧٣، والمحرر ١ / ١٤٦، وشرح الزركشي ٢ / ١٧٧، والإنصاف ٢ / ٣٨٦، وكشاف القناع ٢ / ٣١.","vol":"1","page":38},{"text":"وبهذا قال الحنفية (١) والإمام مالك في رواية عنه، وبها أخذ بعض أصحابه (٢) وهو رواية عن الإمام أحمد (٣) .\nالأدلة:\nاستدل أصحاب القول الأول بما يلي: ١ - ما رواه عبد الله بن عمر - ﵄ - «أن النبي - ﷺ - كان يخطب خطبتين وهو قائم، يفصل بينهما بجلوس» (٤) .\n٢ - ما رواه جابر بن سمرة - ﵁ - قال: «كان رسول الله - ﷺ - يخطب قائما، ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب قائما. . .» الحديث (٥) .\nوجه الدلالة من هذين الحديثين: أن فيهما أن النبي - ﷺ - كان يخطب للجمعة خطبتين، وقد قال:\n_________\n(١) ينظر: المبسوط ٢ / ٢٦، والهداية للمرغيناني ١ / ٨٣، وتبيين الحقائق ١ / ٢٢٠.\n(٢) ينظر: عارضة الأحوذي ٢ / ٢٩٤، والقوانين الفقهية ص (٨٦) .\n(٣) ينظر: المغني ٣ / ١٧٣، وشرح الزركشي ٢ / ١٧٧، والإنصاف ٢ / ٣٨٦.\n(٤) تقدم تخريجه ص (٣١) .\n(٥) تقدم تخريجه ص (٣٢) .","vol":"1","page":39},{"text":"«صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (١) (٢) .\nويرد على هذا الاستدلال ما ورد عليه في المسألة السابقة من أن هذا مجرد فعل، وهو لا يدل على الوجوب، ولكن يجاب عنه بما أجيب عنه هناك.\n٣ - أن الخطبتين أقيمتا مقام الركعتين من صلاة الظهر، فكل خطبة مكان ركعة، فالإخلال بإحداهما كالإخلال بإحدى الركعتين (٣) .\nمناقشة هذا الدليل: يمكن مناقشته بأن اعتبار الخطبتين بدل عن ركعتين من الظهر لم يثبت كما تقدم (٤) فلا يصح الاستدلال به، والله أعلم.\nأدلة أصحاب القول الثاني: استدلوا بأدلة من السنة، وآثار الصحابة: -\nأولا: من السنة: ما رواه جابر بن سمرة - ﵁ - «أن رسول الله\n_________\n(١) تقدم تخريجه من حديث مالك بن الحويرث - ﵁ - ص (٣٢) .\n(٢) ينظر: المغني ٣ / ١٧٣.\n(٣) ينظر: التاج والإكليل بهامش مواهب الجليل ٢ / ١٨٥، والمغني ٣ / ١٧٣، وشرح الزركشي ٢ / ١٧٧، وكشاف القناع ٢ / ٣١.\n(٤) ص (٣٤ - ٣٥) .","vol":"1","page":40},{"text":"- ﷺ - كان يخطب قائما خطبة واحدة، فلما أسنَّ جعلها خطبتين يجلس جلسة» (١) .\nقال في المبسوط بعد سياقه له: \" ففي هذا دليل أنه يجوز الاكتفاء بالخطبة الواحدة \" (٢) .\nمناقشة هذا الدليل: يناقش بأنه لم يثبت هذا عن النبي - ﷺ - كما في تخريجه في الهامش؛ لعدم العثور عليه في كتب السنة المعروفة، وإنما ثبت من حديث جابر كما تقدم في أدلة أصحاب القول الأول من أنه - ﷺ - كان يخطب خطبتين، والله أعلم.\nثانيا: من آثار الصحابة - ﵃ -: ١ - ما روي عن علي بن أبي طالب - ﵁ - في\n_________\n(١) هكذا أورد هذا الحديث السرخسي في المبسوط ٢ / ٢٦ مستدلا به، ولم يذكر من خرجه، ولم أعثر عليه فيما بين يدي من كتب السنة المعروفة، وقد ذكر بن العربي في عارضة الأحوذي ٢ / ٢٩٤ من حديث ابن عباس - ﵄ - بهذا المعنى، ولم يذكره من خرجه، ولم أعثر عليه أيضا، وضعفه فقال: \" وهذا الحديث ضعيف، يرويه الحسن بن عمارة \"، وأشار إليه الترمذي بعد سياق حديث بن عمر - ﵄ - المتقدم في أدلة أصحاب القول الأول.\n(٢) المبسوط ٢ / ٢٦.","vol":"1","page":41},{"text":"الجمعة أنه خطب فلم يجلس حتى فرغ (١) .\nوجه الدلالة: أن عليا - ﵁ - لم يجلس في أثناء خطبته، فدل على أنه اكتفى بخطبة واحدة؛ لأنه لو خطب خطبتين لفصل بينهما بجلسة.\nمناقشة هذا الدليل: يناقش من وجهين:\nالأول: أنه مُتكلم في سنده كما في تخريجه.\nالثاني: على القول بصحته فإنه ليس فيه تصريح بأنه اكتفى بخطبة واحدة، وإنما غاية ما فيه أنه لم يجلس حتى فرغ، فيحتمل أنه اكتفى بالسكوت اليسير بينهما دون الجلوس ثم استفتح الثانية كالأولى، والله أعلم.\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه في كتاب الصلوات - باب من كان يخطب قائما ٢ / ١١٢، وعبد الرزاق في مصنفه في كتاب الجمعة - باب الخطبة قائما ٣ / ١٨٩ - ١٩٠، الأثر رقم (٥٢٦٧) مع قصة، وكلاهما أخرجه من طريق أبي إسحاق السبيعي - وهو ممن رأى عليا ولم يسمع منه - كما في تهذيب التهذيب ٨ / ٦٣، فيكون الأثر منقطعا، وقال بعضهم أنه اختلط بآخره، ولم يعرف أن ابن صالح - الراوي عنه - سمع منه قبل الاختلاط.\nوقال في الجوهر النقي عن سند ابن أبي شيبة: \" وهذا سند صحيح على شرط الجماعة \".\n (ينظر: الجوهر النقي بهامش سنن البيهقي ٣ / ١٩٨، وإعلاء السنن ٨ / ٥٥) .","vol":"1","page":42},{"text":"٢ - ما روي عن المغيرة (١) بن شعبة - ﵁ - أنه لم يجلس بين الخطبتين (٢) .\nوتوجيه الاستدلال كالذي قبله.\nويناقش - إن ثبت - بالوجه الثاني من الوجهين الذين نوقش بهما ما قبله، وبأنه فعل صحابي، وهو مختلف في الاحتجاج به، والله أعلم.\nالترجيح: الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل باشتراط خطبتين للجمعة؛ لقوة أكثر أدلتهم.\n_________\n(١) هو المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود الثقفي، أسلم عام الخندق، وشهد الحديبية، وكان موصوفا بالدهاء، ولاه عمر - ﵁ - على البصرة، ثم الكوفة، ثم أمره عثمان - ﵁ - عليها، ثم عزله، وشهد اليمامة، وفتوح الشام والقادسية وغيرها، وتوفي سنة ٥٠ هـ.\n (ينظر: أسد الغابة ٤ / ٤٠٦، والإصابة ٦ / ١٣١) .\n(٢) هكذا ذكره عنه ابن قدامة في المغني ٣ / ١٧٦، والزركشي في شرح الخرقي ٢ / ١٧٦، والزيلعي في تبيين الحقائق ٢ / ٢٢٠ مستدلين به، ولم يعزوه لأحد ولم أعثر عليه صريحا فيما بين يدي من كتب الآثار، وقد أخرج عنه ابن أبي شيبة في مصنفه في كتاب الصلوات - باب من كان يخطب قائما ٢ / ١١٣ من طريق عبد الملك بن عمير قال: \" كان المغيرة يخطب في الجمعة قائما، ولم يكن له إلا مؤذن واحد \"، وليس بصريح.","vol":"1","page":43},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>[الفصل الثاني شروط الخطبة]</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>[المبحث الأول النية]</span>\nالفصل الثاني\nشروط الخطبة وفيه ثمانية مباحث:\nالمبحث الأول: النية.\nالمبحث الثاني: حضور العدد الذي تنعقد به الجمعة.\nالمبحث الثالث: أن تكون بعد دخول وقت الجمعة.\nالمبحث الرابع: تقديمها على الصلاة.\nالمبحث الخامس: القيام.\nالمبحث السادس: الجهر.\nالمبحث السابع: كونها باللغة العربية.\nالمبحث الثامن: الموالاة.","vol":"1","page":44},{"text":"المبحث الأول: النية اختلف الفقهاء في اشتراط النية لخطبة الجمعة، أي نية الخطيب، وذلك على قولين:\nالقول الأول: أنها شرط لصحة الخطبة.\nوبهذا قال بعض الشافعية (١) وبه قال الحنابلة (٢) .\nالقول الثاني: أنها ليست بشرط، فتصح الخطبة بدون نية. وهذا هو القول المعتمد عند الشافعية (٣) .\nالأدلة:\nأدلة أصحاب القول الأول: استدلوا بالسنة، والمعقول:\nأولا: من السنة: ما رواه عمر بن الخطاب - ﵁ - أن النبي - صلى\n_________\n(١) ينظر فتح العزيز من المجموع ٤ / ٥٩٥، ومغني المحتاج ١ / ٢٨٨.\n(٢) ينظر: الفروع ٢ / ١١٣، والإنصاف ٢ / ٣٨٩، والمبدع ٢ / ١٥٩، وكشاف القناع ٢ / ٣٣.\n(٣) ينظر مغني المحتاج ١ / ٢٨٨.","vol":"1","page":45},{"text":"الله عليه وسلم - قال: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى. . .» الحديث (١) .\nفهو شامل بعمومه لخطبة الجمعة، لأنها عبادة من العبادات (٢) .\nثانيا: من المعقول: القياس على الصلاة، بجامع أن كلا منهما فرض يشترط فيه الطهارة، والستر، والموالاة (٣) .\nمناقشة هذا الدليل: يناقش بأنه قياس مع الفارق، فليس كل ما يشترط للصلاة يشترط للخطبة، ومن ذلك الطهارة، وستر العورة - كما سيأتي إن شاء الله تعالى -.\nدليل أصحاب القول الثاني: أن خطة الجمعة أذكار، وأمر بمعروف، ونهي عن المنكر،\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه - باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ -. ١ / ٢، وفي كتاب العتق - باب الخطأ والنسيان في العتاقة والطلاق ونحوه ٣ / ١١٩، وفي كتاب الأيمان - باب النية في الأيمان ٧ / ٢٣١، ومسلم في صحيحه في كتاب الإمارة باب قوله - ﷺ -: \" إنما الأعمال بالنيات \" ٣ / ١٥١٥ -١٥١٦.\n(٢) وممن صرح بالاستدلال به على هذه المسألة البهوتي في كشاف القناع ٢ / ٣٣.\n(٣) مغني المحتاج ١ / ٢٨٨.","vol":"1","page":46},{"text":"ودعاء، وقراءة، ولا تشترط النية في شيء من ذلك، لأنه ممتاز بصورته منصرف إلى الله - تعالى - بحقيقته، فلا يفتقر إلى نية تصرفه إليه (١) .\nمناقشة هذا الدليل: يناقش بأن هذه الأشياء وإن كانت لا تشترط النية لكل منها بانفراده إلا أنها تكون بمجموعها عبادة متكاملة، وهي خطبة الجمعة، فتشترط لها النية، كالصلاة مثلا فإنها أقوال وأفعال تكون بمجموعها عبادة، وأما القول بأنه ممتاز بصورته منصرف إلى الله بحقيقته فلا يحتاج إلى نية، فإنه لو قيل به لسرى في بقيه العبادات، وهذا لا قائل به.\nالترجيح: الراجح في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل باشتراط النية لخطبة الجمعة؛ لما استدلوا به من عموم حديث عمر - ﵁ -.\n_________\n(١) المرجع السابق.","vol":"1","page":47},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>[المبحث الثاني حضور العدد الذي تنعقد به الجمعة]</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>[تمهيد]</span>\nالمبحث الثاني\nحضور العدد الذي تنعقد به الجمعة وفيه تمهيد، ومطلبان:\nالتمهيد: في أقوال الفقهاء في العدد الذي تنعقد به الجمعة إجمالا.\nالمطلب الأول: اشتراط حضور العدد الذي تنعقد به الجمعة للخطبة.\nالمطلب الثاني: استمرار الحضور حتى نهاية الخطبة.\nالتمهيد\nأقوال الفقهاء في العدد الذي تنعقد به الجمعة إجمالا الكلام على شرط حضور العدد الذي تنعقد به الجمعة للخطبة يتطلب التمهيد له بأقوال الفقهاء في أقل عدد تنعقد به الجمعة على سبيل الإجمال.\nوقد اختلفوا في ذلك - بعد إجماعهم على اشتراط الجماعة لها (١) - على أقوال أهمها ثلاثة، وهي: -\n_________\n(١) وممن نقل هذا الإجماع: النووي في المجموع ٤ / ٥٠٤، ٥٠٨، وابن حجر في فتح الباري٢ / ٣٠٨، والشوكاني في نيل الأوطار ٣ / ٢٢٦، ٢٣٠.","vol":"1","page":48},{"text":"الأول: أنها تنعقد بثلاثة، وهذا هو قول الحنفية (١) وهو رواية عن الإمام أحمد (٢) واختارها شيخ الإسلام ابن تيمية (٣) (٤) .\nالثاني: أنها لا تنعقد إلا بأربعين، وهذا هو قول الشافعية (٥) وهو الرواية المشهورة عن الإمام أحمد، والمذهب عند أصحابه، وعليه أكثرهم (٦) .\n_________\n(١) على خلاف بينهم هل يعتبر الإمام منهم؟ فقال أبو حنيفة ومحمد: ثلاثة سوى الإمام، وقال أبو يوسف: اثنان سوى الإمام، ينظر: مختصر الطحاوي ص (٣٥)، وبدائع الصنائع ٢ / ٢٦٨، والهداية للمرغيناني ١ / ٨٣.\n(٢) وهناك روايات أخرى عن الإمام أحمد، حيث بلغت الروايات عنه في هذه المسألة سبع روايات، ينظر: الفروع ٢ / ٩٩، والإنصاف ٢ / ٣٧٨، والمبدع ٢ / ١٥٢.\n(٣) هو شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله الحراني، ثم الدمشقي، تقي الدين، أبو العباس، قدم مع والده من حران إلى دمشق في صغره، وأخذ عنه وعن غيره من علمائها، وبرع في مختلف العلوم، وامتحن وأوذي وحبس عدة مرات، وصنف مصنفات كثيرة وجليلة منها: منهاج السنة، والسياسية الشرعية، وتوفي سنة ٧٢٨ هـ.\n (ينظر: ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب ٢ / ٣٨٧، والمقصد الأرشد ١ / ١٣٢) .\n(٤) الاختيارات ص (٧٩) .\n(٥) ينظر: الأم ١ / ١٩٠، والمجموع ٤ / ٥٠٢، وروضة الطالبين ٢ / ٧.\n(٦) ينظر: المغني ٢ / ٢٠٤، والفروع ٢ / ٩٩، والمحرر ١ / ١٤٢، والإنصاف ٢ / ٣٧٨.","vol":"1","page":49},{"text":"الثالث: أنها لا تنعقد إلا بعدد تتقرَّى بهم القرية، ولا تنعقد بالثلاثة والأربعة ونحوهم، وهو المشهور عند المالكية (١) .\nوليست هذه المسألة مقصودة بالبحث، فلا أرى الإطالة بتفصيل الأدلة والمناقشات فيها، والأظهر - حسب ما تبين لي - هو القول الأول، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>[المطلب الأول اشتراط حضور العدد الذي تنعقد به الجمعة للخطبة]</span>\nالمطلب الأول\nاشتراط حضور العدد الذي تنعقد به الجمعة للخطبة اختلف الفقهاء في اشتراط حضور العدد الذي تنعقد به الجمعة للخطبة، وذلك على قولين:\nالقول الأول: يشترط حضور العدد الذي تنعقد به الجمعة للخطبة.\nوبهذا قال المالكية (٢) والشافعية (٣) والحنابلة (٤) .\n_________\n(١) ينظر: بداية المجتهد ١ / ١٥٨، والكافي لابن عبد البر ١ / ١٤٩، والقوانين الفقهية ص (٨٥) .\n(٢) ينظر: الإشراف ١ / ١٣٤، ومواهب الجليل ٢ / ١٦٥ - ١٦٦، والفواكه الدواني ١ / ٣٠٦.\n(٣) ينظر: الوجيز ١ / ٦٢، والمجموع ٤ / ٥٠٧، وروضة الطالبين ٢ / ٢٧، ومغني المحتاج ١ / ٢٨٣، ٢٨٧.\n(٤) ينظر: الهداية لأبي الخطاب ١ / ٥٢، والمغني ٣ / ٢١٠، والفروع ٢ / ١١١، والمحرر ١ / ١٤٨، والإنصاف ٢ / ٣٩٠.","vol":"1","page":50},{"text":"القول الثاني: لا يشترط حضور العدد الذي تنعقد به الجمعة للخطبة.\nوهذا القول منسوب إلى الإمام أبي حنيفة (١) .\nالأدلة:\nأدلة أصحاب القول الأول: استدلوا بأدلة من السنة، والمعقول: -\nأولا: من السنة: ما رواه مالك بن الحويرث - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي)» (٢) .\nوجه الدلالة: أن النبي - ﷺ - أمر بالصلاة كما صلى، ولم يخطب وحده، وإنما خطب بحضرة العدد الذين تنعقد بهم الجمعة (٣) .\nمناقشة هذا الدليل: يناقش من وجهين:\n_________\n(١) لم أطلع على قول للحنفية فيما بين يدي من كتبهم، وقد نسب هذا القول لأبي حنيفة القاضي عبد الوهاب في الإشراف ١ / ١٣٤، وابن قدامة في المغني ٣ / ٢١٠ رواية.\n(٢) تقدم تخريجه ص (٣٢) .\n(٣) ينظر: الإشراف ١ / ١٣٤، ومواهب الجليل ٢ / ١٦٦.","vol":"1","page":51},{"text":"الأول: أن هذا استدلال بالفعل، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب.\nالثاني: أن هذا الدليل - على تقدير القول بأنه يدل على الوجوب - لا يقتضي اكتمال العدد الذي تنعقد به الجمعة، وإنما يتحقق بحضور عدد يستمع الخطبة.\nثانيا: من المعقول: ١ - أن الغرض من خطبة الجمعة الوعظ والتذكير، وذلك ينافي كون الخطيب وحده (١) .\nمناقشة هذا الدليل: يناقش بالوجه الثاني من وجهي مناقشة الدليل السابق، من أن ذلك لا يتطلب اكتمال العدد الذي تنعقد به الجمعة، فيتحقق غرض الوعظ والتذكير بحضور أيّ عدد.\n٢ - أن الخطبة ذكر جعل شرطا في صحة الجمعة وانعقادها، فوجب أن يكون من شرطه اجتماع العدد، كتكبيرة الإحرام (٢) .\nمناقشة هذا الدليل: يناقش من وجهين:\n_________\n(١) ينظر: المرجعان السابقان.\n(٢) ينظر: الإشراف ١ / ١٣٤، والمغني ٣ / ٢١٠، والبدع ٢ / ١٥٩، وكشاف القناع ٢ / ٣٤.","vol":"1","page":52},{"text":"الأول: أن اعتبار الخطبة شرطا في صحة الجمعة محل خلاف بين الفقهاء، فمنهم من لا يعتبرها شرطا - كما تقدم - فلا يلزمه هذا الدليل.\nالثاني: أنه قياس مع الفارق، فإن تكبيرة الإحرام جزء من الصلاة، وقد ثبت اشتراط العدد فيها - أي الصلاة - بأدلة خاصة، بخلاف الخطبة فليست جزء من الصلاة، والله أعلم.\nدليل صاحب القول الثاني: أن الخطبة ذكر يتقدم الصلاة، فلم يشترط له العدد، كالأذان (١) .\nمناقشة هذا الدليل: نوقش بأنه قياس مع الفارق؛ لأن الأذان ليس بشرط، وإنما مقصوده الإعلام، والإعلام للغائبين، والخطبة مقصودها التذكير والموعظة، وذلك يكون للحاضرين، كما أنها مشتقة من الخطاب، والخطاب إنما يكون للحاضرين (٢) .\nالترجيح: بعد التأمل في أدلة القولين في المسألة اتضح أنها جميعا محل\n_________\n(١) ينظر: المغني ٣ / ٢١٠.\n(٢) ينظر المرجع السابق.","vol":"1","page":53},{"text":"للمناقشة كما هو مبين، ولكن الذي يظهر - والله أعلم بالصواب - هو أنه يجب حضور الخطبة جماعة يتحقق بهم مقصودها من الوعظ والتذكير، لكن لا يجب اكتمال العدد الذي تنعقد به الجمعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>[المطلب الثاني استمرار حضور العدد حتى نهاية الخطبة]</span>\nالمطلب الثاني\nاستمرار حضور العدد حتى نهاية الخطبة اختلف القائلون في المطلب السابق باشتراط حضور العدد للخطبة هل يجب أن يكون الحضور لجميع الخطبة، أو يكفي حضور بعضها، فلو انفضوا أو بعضهم في أثنائها لم تصح؟ وذلك على قولين:\nالقول الأول: يشترط حضور القدر الواجب منها، فإن انفضوا في أثنائها لم يعتد بالركن المفعول حال غيبتهم.\nوبهذا قال الشافعية (١) والحنابلة (٢) .\n_________\n(١) ينظر: المجموع ٤ / ٥٠٧، وروضة الطالبين ٢ / ٧ - ٨، ومغني المحتاج ١ / ٢٨٣.\n(٢) ينظر: المغني ٣ / ٢١٠، والفروع ٢ / ١١١، والإنصاف ٢ / ٣٩٠، وكشاف القناع ٢ / ٣٤.","vol":"1","page":54},{"text":"على اختلاف بينهم في وجوب توفر أركان في الخطبتين جميعا - كما سيأتي - إن شاء الله - في المسألة المتعلقة بذلك، وما سيأتي من باقي الشروط.\nالقول الثاني: يشترط حضور جميع الخطبة.\nوهذا هو الظاهر من قول المالكية حيث أطلقوا القول باشتراط حضور العدد الذي تنعقد به الجمعة للخطبة (١) .\nولم أطلع على أدلة صريحة لأصحاب القولين، ولعل أصحاب القول الأول يستدلون بأن القدر الواجب من الخطبة - وهي شروطها - هي التي لا تصح إلا بها، فلو أخلّ الخطيب بشيء منها لم تصح، فيكون استماع العدد الذي تنعقد به الجمعة إليها واجبا ليتحقق المقصود من هذا الواجب، وهو الاستماع للتذكر والاتعاظ.\nوأما القول الثاني فلم يتبين لي الوجه فيه.\nوأما الترجيح فإن القول باشتراط حضور العدد للقدر الواجب من الخطبة هو الأظهر، ولكن لا يلزم اكتمال العدد الذي تنعقد به الجمعة - كما تقدم في المطلب السابق - والله تعالى أعلم بالصواب.\n_________\n(١) ينظر: الإشراف ١ / ١٣٤، ومواهب الجليل ٢ / ١٦٥.","vol":"1","page":55},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>[المبحث الثالث أن تكون بعد دخول وقت الجمعة]</span>\nالمبحث الثالث\nأن تكون بعد دخول وقت الجمعة ذهب أصحاب المذاهب الأربعة إلى أنه يشترط في خطبة الجمعة أن تكون بعد دخول وقت صلاة الجمعة، فإن وقعت أو جزء منها قبله لم تجزئ.\nفقد قال بذلك الحنفية (١) والمالكية (٢) والشافعية (٣) والحنابلة (٤) .\nوقال به ابن حزم (٥) أيضا.\nوبناء على ذلك لا بد من تفصيل القول في أول وقت صلاة الجمعة، وخلاف الفقهاء فيه حتى يتبين المراد.\n_________\n(١) ينظر: بدائع الصنائع ١ / ٢٦٢، والهداية للمرغيناني ١ / ٨٣، ومجمع الأنهر ١ / ١٦٦، والفتاوي الهندية ١ / ١٤٦.\n(٢) ينظر: الفواكه الدواني ١ / ٣٠٥ -٣٠٦، والشرح الكبير للدردير ١ / ٣٧٢، والشرح الصغير له ١ / ١٧٨.\n(٣) ينظر: الوجيز ١ / ٦٤، والمجموع ٤ / ٥١٤، ٥٢٢، وروضة الطالبين ٢ / ٦٢، ومغني المحتاج ١ / ٢٧٨.\n(٤) ينظر: شرح الزركشي ٢ / ١٨٠، والفرع ٢ / ١٠٩، والإنصاف ٢ / ٣٨٧، والمبدع ٢ / ١٥٧، وكشاف القناع ٢ / ٣١.\n(٥) ينظر: المحلى ٥ / ٨٥.","vol":"1","page":56},{"text":"وقد اختلف الفقهاء في ذلك على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أنه يبدأ بعد زوال الشمس كوقت الظهر.\nوبهذا قال الحنفية (١) والمالكية (٢) والشافعية (٣) والإمام أحمد في رواية عنه (٤) وابن حزم (٥) .\nالقول الثاني: إنه يبدأ من ارتفاع الشمس قيد رمح.\nوبهذا قال الإمام أحمد في الرواية المشهورة عنه، وهي المذهب عند أصحابه، وعليها أكثرهم (٦) .\nالقول الثالث: أنه يبدأ في الساعة السادسة قبل الزوال، أي في الجزء السادس من الزمن الواقع بين طلوع الشمس إلى الزوال.\n_________\n(١) ينظر: المبسوط ٢ / ٤٢، وتبيين الحقائق ١ / ٢١٩، والفتاوى الهندية ١ / ١٤٦.\n(٢) ينظر: الإشراف ١ / ١٣٤، والكافي لابن عبد البر ١ / ٢٥٠، والفواكه الدواني ١ / ٣٠٥.\n(٣) ينظر: الأم ١ / ٢٢٣، وحلية العلماء ٢ / ٢٧٢، وروضة الطالبين ٢ / ٣، والمجموع ٤ / ٥٠٩، ٥١١.\n(٤) ينظر: الفروع ٢ / ٩٦، والإنصاف ٢ / ٣٧٦، والمبدع ٢ / ١٤٧.\n(٥) ينظر: المحلى ٥ / ٦٥.\n(٦) ينظر: الهداية لأبي خطاب ١ / ٥٢، والمغني ٣ / ٢٣٩، والمحرر ١ / ١٤٣، والفروع ٢ / ٩٦، والإنصاف ٢ / ٣٧٥، والمبدع ٢ / ١٤٧.","vol":"1","page":57},{"text":"وبهذا قال الإمام أحمد في رواية عنه، واختارها بعض أصحابه (١) .\nالأدلة:\nأدلة أصحاب القول الأول: استدلوا بأدلة من السنة، وآثار الصحابة، والمعقول:\nأولا: من السنة: ١ - ما رواه أنس (٢) بن مالك - ﵁ - «أن النبي - ﷺ - كان يصلي الجمعة حين - تميل الشمس» (٣) .\n٢ - ما رواه سلمة (٤) بن الأكوع - ﵁ - قال:\n_________\n(١) ينظر: الفروع ٢ / ٩٦، والإنصاف ٢ / ٣٧٥، والمبدع ٢ / ١٤٨.\n(٢) هو أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم الخزرجي، الأنصاري، النجاري، يكنى بأبي حمزة، خادم رسول الله - ﷺ - ومن المكثرين من الرواية عنه، نزل البصرة، وتوفي فيها سنة ٩١، وقيل: ٩٢ هـ.\n (ينظر: أسد الغابة ١ / ١٢٧، والإصابة ١ / ٧١) .\n(٣) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الجمعة - باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس ١ / ٢١٧.\n(٤) هو سلمة بن الأكوع، واسم الأكوع: سنان بن عبد الله الأسلمي، يكنى بأبي مسلم، كان ممن يبايع تحت الشجرة، سكن المدينة ثم انتقل إلى الربذة، وغزا مع الرسول - ﷺ - سبع غزوات، وتوفي سنة ٦٤، وقيل: ٧٤ هـ.\n (ينظر: أسد الغابة ٢ / ٣٣٣، والإصابة ٣ / ١١٨) .","vol":"1","page":58},{"text":"«كنا نجمع مع رسول الله - ﷺ - إذا زالت الشمس» (١) .\nوكل من الحديثين واضح الدلالة.\n٣ - ما روته عائشة - ﵂ - قالت: (كان الناس مهنة أنفسهم (٢) وكانوا إذا راحوا إلى الجمعة راحوا في هيئتهم، فقيل لهم: لو اغتسلتم) (٣) .\nوجه الدلالة: أن المقصود بالرواح في الحديث ما بعد الزوال، ودليل ذلك أنهم كان يصيبهم العرق والغبار ونحوهما، وذلك بعد اشتداد الحر في وقت مجيئهم من العوالي (٤) (٥) وذلك لا يكون إلا بعد الزوال.\n_________\n(١) أخرجه بهذا اللفظ مسلم في صحيحه في كتاب الجمعة - باب صلاة الجمعة حين تزول الشمس ٢ / ٥٨٩، حديث رقم (٨٦٠) .\n(٢) يعني خدم أنفسهم.\n (ينظر: النهاية، مادة \" مهن \"، وفتح الباري ٢ / ٣٨٨) .\n(٣) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الجمعة - باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس ١ / ٢١٧، معلقا بصيغة الجزم.\n(٤) العوالي أماكن بأعلى أراضي المدينة، والنسب إليها علوي، على غير قياس، وأدناها على أربعة أميال من المدينة، وأبعدها من جهة نجد ثمانية. (ينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، مادة \" علا \" ٣ / ٢٩٥) .\n(٥) ينظر: فتح الباري ٢ / ٣٨٧.","vol":"1","page":59},{"text":"٤ - ما رواه جابر (١) بن عبد الله - ﵄ - قال: «كان رسول الله - ﷺ - إذا زالت الشمس صلى الجمعة، فنرجع وما نجد فيئا (٢) نستظل به» (٣) . وهذا الحديث واضح الدلالة.\nمناقشة هذا الدليل: يناقش بأنه ضعيف كما في تخريجه.\nثانيا: من آثار الصحابة: ١ - ما روي أن أبا بكر - ﵁ - كان يصلي إذا زالت الشمس (٤) .\n٢ - ما روي أن عمر بن الخطاب - ﵁ - كان يصلي الجمعة إذا زالت الشمس (٥) .\n_________\n(١) هو جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري يكنى بأبي عبد الله، وقيل بأبي عبد الرحمن، شهد العقبة الثانية مع أبيه وهو صبي، قيل: شهد بدرا وأحدا، وقيل: لا، وشهد ما بعدهما، وتوفي سنة ٧٤ هـ، وقيل: ٧٧ هـ بالمدينة.\n (ينظر أسد الغابة ١ / ٢٥٦، والإصابة ١ / ٢١٢) .\n(٢) قال الفيومي: \" فاء الظل يفيء فيئا: رجع من جانب المغرب إلى جانب المشرق \".\n (ينظر: المصباح المنير ٢ / ٤٨٦) .\n(٣) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٢ / ١٨٤، وعزاه للطبراني في الأوسط، وقال: \" في إسناده يحيى بن سليمان ضعفه ابن خراش \".\n(٤) ذكره ابن حجر في فتح الباري ٢ / ٣٨٧ وعزاه لابن أبي شيبة ولم أعثر عليه في مصنفه - حسب إطلاعي - وقال - أي ابن حجر -: \" إسناده قوي \".\n(٥) أخرجه البخاري في صحيحه معلقا بصيغة التمريض في كتاب الجمعة - باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس ١ / ٢١٧.","vol":"1","page":60},{"text":"٣ - ما روي أن علي بن أبي طالب - ﵁ - كان يصلي الجمعة بعدما تزول الشمس (١) .\n٤ - ما روي عن النعمان (٢) بن بشير - ﵁ - أنه كان يصلي الجمعة بعدما تزول الشمس (٣) .\n٥ - ما روي أن عمرو (٤) بن حريث - ﵁ - كان يصلي الجمعة إذا زالت الشمس (٥) .\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه في كتاب الصلوات - باب من كان يقول: وقتها زوال الشمس ٢ / ١٠٨، وقال ابن حجر في الفتح ٢ / ٣٨٧: \" إسناده صحيح \".\n(٢) هو النعمان بن بشير بن سعد بن ثعلبة الأنصاري، الخزرجي، قيل: إنه أول مولود في الإسلام من الأنصار، ولم يصحح أكثر أهل العلم بالحديث سماعه من النبي - ﷺ - وصححه ابن عبد البر، كان أميرا لمعاوية على الكوفة، وتوفي سنة ٦٤ هـ.\n (ينظر: الاستيعاب ٣ / ٥٥٠، والإصابة ٣ / ٥٥٩) .\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه في الكتاب والباب السابقين ٢ / ١٠٨، وقال ابن حجر في فتح الباري ٢ / ٣٨٧: \" إسناده صحيح \".\n(٤) هو عمرو بن حريث بن عمرو بن عثمان بن عبد الله القرشي، المخزومي، يكنى بأبي سعيد، الكوفي، صحابي صغير، توفي النبي - ﷺ - وهو ابن اثنتي عشرة سنة وتولى إمرة الكوفة وتوفي سنة ٨٥ هـ.\n (ينظر: الإصابة ٤ / ٢٩٢، أسد الغابة ٤ / ٩٨) .\n(٥) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه في الكتاب والباب السابقين ٢ / ١٠٨، وقال ابن حجر في الفتح ٢ / ٣٨٧: \" إسناده صحيح \".","vol":"1","page":61},{"text":"ثالثا: من المعقول: أن صلاة الجمعة بدل عن صلاة الظهر، والبدل له حكم المبدل (١) .\nأدلة أصحاب القول الثاني: استدلوا بأدلة من السنة، وآثار الصحابة.\nأولا: من السنة: ١ - ما رواه سلمة بن الأكوع - ﵁ - قال: «كنا نصلي مع رسول الله - ﷺ - ثم ننصرف وليس للحيطان ظل يستظل به» (٢) .\nوجه الدلالة: أن الحديث دل على أن صلاتهم كانت قبل الزوال؛ لأنها لو كانت بعده لما انصرفوا إلا وللحيطان ظل يستظل به (٣) .\nمناقشة هذا الدليل: نوقش بأنه دليل على أن صلاتهم بعد\n_________\n(١) ينظر: منهاج الطالبين ١ / ١١٦، وحاشية قليوبي ١ / ١١٦.\n(٢) أخرجه البخاري بهذا اللفظ في صحيحه في كتاب المغازي - باب غزوة الحديبية ٥ / ٦٥، ومسلم في صحيحه في كتاب الجمعة - باب صلاة الجمعة حيت تزول الشمس ٢ / ٥٨٩، حديث رقم (٨٦٠) .\n(٣) ينظر: نيل الأوطار ٣ / ٣٦١.","vol":"1","page":62},{"text":"الزوال؛ لأن النفي للظل الذي يستظل به لا لأصل الظل، بدليل قوله: (ثم نرجع نتتبع الفيء) (١) فهذا صريح بوجود الفيء لكنه قليل، لأن حيطانهم قصيرة، وبلادهم متوسطة من الشمس، فلا يظهر الفيء الذي يستظل به إلا بعد الزوال بزمنٍ طويلٍ (٢) .\n٢ - ما رواه جابر بن عبد الله - ﵁ - قال: «كان رسول الله - ﷺ - يصلي الجمعة ثم نذهب إلى جمالنا فنريحها حين تزول الشمس» (٣) .\nوجه الدلالة: أن جابرا - ﵁ - ذكر أنهم يصلون الجمعة ثم يذهبون إلى جمالهم فيريحونها عند الزوال، فدل على أنهم يصلون قبله (٤) .\nمناقشة هذا الدليل: نُوقش من وجهين:\nالوجه الأول: أن في الحديث إخبارا بأن الصلاة والرواح كانا حين الزوال (٥) .\n_________\n(١) أخرجها مسلم في صحيحه في الكتاب والباب السابقين ٢ / ٥٨٩.\n(٢) ينظر: المجموع ٤ / ٥١٢.\n(٣) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الجمعة - باب صلاة الجمعة حين تزول الشمس ٢ / ٥٨٨، الحديث رقم (٨٥٨) .\n(٤) ينظر نيل الأوطار ٣ / ٢٦١.\n(٥) ينظر: المجموع ٤ / ٥١٢.","vol":"1","page":63},{"text":"وأجيب عنه: بأنه - أي الحديث - يدل على أن إراحة الجمال فقط عند الزوال، وأما الصلاة فهي قبل ذلك بدليل قوله: (ثم نذهب إلى جمالنا. . .) (١) .\nورُدَّ ذلك: بأن المراد بقوله: (حين الزوال) الزوال وما يدانيه، كما في قوله - ﷺ -: «صلى بي العصر حين صار ظل كل شيء مثله» (٢) .\nالوجه الثاني: أن ذلك محمول على شدة المبالغة في التبكير بعد الزوال (٣) بدليل ما سبق من أدلة القول الأول.\n٣ - ما رواه سهل (٤) بن سعد - ﵁ - قال: «ما\n_________\n(١) المرجع السابق.\n(٢) هذا جزء من حديث ابن عباس - ﵄ - في إمامة جبريل للنبي - ﷺ - والذي أخرجه الإمام أحمد في مسنده ١ / ٣٣٣، وأبو داود في سننه في كتاب الصلاة - باب ما جاء في المواقيت ١ / ١٠٧، الحديث رقم (٣٩٣)، والترمذي في سننه في أبواب الصلاة - باب ما جاء في المواقيت عن النبي - ﷺ - ١ / ١٠٠، الحديث (١٤٩)، وقال: \" حسن صحيح \"، كما صححه النووي في المجموع ٣ / ٢٣ وغيره.\n(٣) ينظر: شرح النووي على مسلم ٦ / ١٤٩.\n(٤) هو سهل بن سعد بن مالك بن خالد الأنصاري، الساعدي، يكنى بأبي العباس، قيل: كان اسمه حزنا فسماه النبي - ﷺ - سهلا، وكان عمره حين توفي النبي - ﷺ - خمس عشرة سنة، وعاش حتى أدرك الحجاج، وتوفي سنة ٨٨ هـ، وقيل: ٩١ هـ.\n (ينظر: أسد الغابة ٢ / ٣٦٦، والإصابة ٣ / ١٤٠) .","vol":"1","page":64},{"text":"كنَّا نقيل ولا نتغدَّى إلى بعد الجمعة على عهد رسول الله - ﷺ -» (١) .\nوجه الدلالة: أن الغداء والقيلولة محلهما قبل الزوال، والحديث يدل على أنهم كانوا يصلون الجمعة قبلهما (٢) .\nمناقشة هذا الدليل: نوقش بأنهم كانوا يؤخرون القيلولة والغداء في هذا اليوم إلى ما بعد الصلاة بم لأنهم نُدِبوا إلى التبكير، فلو اشتغلوا بذلك خافوا التبكير أو الصلاة (٣) .\nهذه أبرز أدلتهم من السنة.\nثانيا: من آثار الصحابة - ﵃ - ١ - ما رواه عبد الله (٤) بن سيدان قال: \" شهدت الجمعة مع\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الجمعة - باب (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ.) ١ / ٢٢٥، ومسلم في صحيحه في كتاب الجمعة - باب الجمعة حين تزول الشمس ١ / ٥٨٨، الحديث رقم (٨٥٩) .\n(٢) ينظر: الشرح الكبير لابن قدامة ١ / ٤٦٦.\n(٣) ينظر: شرح النووي على مسلم ٦ / ١٤٩.\n(٤) هو عبد الله بن سيدان السلمي المطرود، الرقي، مولى بني سليم، قال عنه البخاري: لا يتابع على حديثه، وقال اللالكائي: مجهول لا حجة فيه. (ينظر: الجرح والتعديل ٥ / ٦٨، وطبقات ابن سعد ٧ / ٤٣٨، وميزان الاعتدال ٢ / ٤٣٧) .","vol":"1","page":65},{"text":"أبي بكر فكانت صلاته وخطبته قبل نصف النهار، ثم شهدتها مع عمر فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول: انتصف النهار، ثم شهدتها مع عثمان فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول: زال النهار، فما رأيت أحدا عاب ذلك ولا أنكره (١) .\n٢ - ما روي أن عبد الله (٢) بن مسعود - ﵁ - صلى الجمعة ضحى وقال: \" خشيتُ عليكم الحر \" (٣) .\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في كتاب الصلوات - باب من كان يقيل بعد الجمعة ويقول هي أول النهار ٢ / ١٠٧، وعبد الرزاق في كتاب الجمعة - باب وقت الجمعة ٣ / ١٧٥ دون ذكر لفعل عثمان، الدارقطني في كتاب الجمعة - باب صلاة الجمعة قبل نصف النهار ٢ / ١٧، وقال العظيم آبادي في التعليق المغني عليه بهامشه: \" الحديث رواته ثقات إلا عبد الله بن سيدان فَمُتَكَلَّمٌ فيه \".\nقال النووي في المجموع ٤ / ٥١٢ عن هذا الحديث: \" ضعيف باتفاقهم، لأن ابن سيدان ضعيف عندهم \"، كما ضعفه الألباني في إرواء الغليل ٣ / ٦١.\n(٢) هو عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب الهذلي، يكنى بأبي عبد الرحمن، أسلم قديما، وشهد المشاهد كلها، ولازم النبي - ﷺ - وروى عنه كثيرا، وتوفي سنة ٣٢ هـ.\n (ينظر: أسد الغابة ٣ / ٢٥٦، والإصابة ٤ / ١٢٩) .\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في كتاب الصلوات - باب من كان يقيل بعد الجمعة ٢ / ١٠٧، وقال ابن حجر في الفتح ٢ / ٣٨٧: \" عبد الله بن سلمة صدوق إلا أنه ممن تغير لما كبر \". وينظر أيضا تقريب التهذيب ٢ / ٤٢٠.","vol":"1","page":66},{"text":"٣ - ما روي عن معاوية (١) بن أبي سفيان - ﵁ - أنه صلى الجمعة ضحى (٢) .\nمناقشة هذه الآثار: تناقش بأنها ضعيفة الأسانيد كما في تخريجها، فلا تصلح للاحتجاج.\nدليل أصحاب القول الثالث: استُدل له بما رواه أبو هريرة (٣) - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «من اغتسل يوم الجمعة\n_________\n(١) هو معاوية بن صخر بن حرب بن أمية القرشي، الأموي، يكنى بأبي عبد الرحمن، أسلم في فتح مكة، وولاه عمر على الشام بعد وفاة أخيه يزيد، ثم أقره عثمان، ثم انفرد بها في خلافة علي، ثم تولى الخلافة بعد تنازل الحسن، ولم يزل خليفة حتى توفي سنة ٥٩، وقيل: ٦٠ هـ.\n (ينظر: أسد الغابة ٤ / ٣٨٥، والإصابة ٦ / ١١٢) .\n(٢) أخرج ابن أبي شيبة في الكتاب والباب السابقين ٢ / ١٠٧، وقال ابن حجر في الفتح ٢ / ٣٨٧: \" سعيد بن سويد ذكره ابن عدي في الضعفاء \"، وقال الذهبي في ميزان الاعتدال ٢ / ١٤٥: \" قال البخاري: لا يُتابع في حديثه \".\n(٣) اختُلف في اسمه، وقد صحح النووي في كتابه \" تهذيب الأسماء واللغات \" أن اسمه: عبد الرحمن بن صخر الدوسي، وكُني بأبي هريرة واشتهر بذلك لأنه كان يحمل هرة معه، لَزِمَ النبي - ﷺ - وأكثر من الرواية عنه، وولي إمرة المدينة، ثم البحرين، وتوفي سنة ٥٧ هـ.\n (ينظر: الإصابة ٧ / ١٩٩، وتهذيب الأسماء واللغات ٢ / ٢٧٠) .","vol":"1","page":67},{"text":"غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قَرّب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قَرّب كبشا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرَّب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قَرّب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر» (١) .\nوجه الدلالة: دل الحديث على أن أول وقت الجمعة من السادسة، إذ بانتهاء الخامسة يدخل الإمام، وهذا قبل الزوال؛ لأن الزوال لا يكون إلا بعد تمام السادسة.\nمناقشة هذا الدليل: نوقش من وجهين:\nالوجه الأول: أن الساعة الأولى جُعِلَتْ للتأهب بالاغتسال وغيره، فيكون المجيء من أول الثانية، فتكون أولى بالنسبة للمجيء وثانية بالنسبة للنهار، وعلى هذا يكون آخر الخامسة أول الزوال (٢) .\nوأجيب: بأن هذا مخالف لظاهر الحديث، ولا دليل عليه.\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الجمعة - باب فضل الجمعة ١ / ٢١٢ - ٢١٣، ومسلم في صحيحه في كتاب الجمعة - باب الطيب والسواك يوم الجمعة ٢ / ٥٨٢، الحديث رقم (٨٥٠) .\n(٢) ينظر: فتح الباري ٢ / ٣٦٨.","vol":"1","page":68},{"text":"الوجه الثاني: أن الساعات ست، بدليل ما جاء في رواية (أن في الرابعة بطة، وفي الخامسة دجاجة، وفي السادسة بيضة)، وفي رواية أخرى (أن في الرابعة دجاجة، وفي الخامسة عصفورا، وفي السادسة بيضة) (١) .\nوأجيب: بأنهما شاذتان؛ لمخالفتهما سائر الروايات في الصحيحين وغيرهما (٢) .\nالترجيح: الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول؛ لقوة أدلتهم، وضعف أدلة المخالفين من حيث الدلالة، وبعضها من حيث الثبوت أيضا، ولأنه أحوط، خاصة بالنسبة للنساء فإنهن قد يصلين عند سماع الأذان، فتكون صلاتهن قبل دخول وقت الظهر، لكن إن فُعِلت في بعض الأحيان في الساعة الخامسة أو السادسة فلا بأس، وخاصة عند الح اجة لما استدل به أصحاب القول الثالث.\n_________\n(١) أحرجهما النسائي في سننه في كتاب الجمعة - باب التبكير إلى الجمعة ١ / ١٠٠، وقال النووي في المجموع ٤ / ٥٣٩: \" وإسناد الروايتين صحيحان \".\n(٢) ينظر: المجموع ٤ / ٥٣٩.","vol":"1","page":69},{"text":"فبناءً على ذلك لا تجزئ الخطبة عند الحنفية، والمالكية، والشافعية، والإمام أحمد في رواية، وابن حزم إلا بعد الزوال، فإن خطب قبله أو ابتدأ الخطبة لم تجزئ ولو كانت الصلاة بعده، وتجزئ على المشهور عند الحنابلة ولو كانت في أول النهار بعد ارتفاع الشمس قيد رمح، وتجزئ على الرواية الثالثة عن الإمام أحمد إذا كانت في آخر الضحى في الساعة السادسة، وقد ذكرتُ الراجح في ذلك - والله أعلم -.","vol":"1","page":70},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>[المبحث الرابع تقديمها على الصلاة]</span>\nالمبحث الرابع\nتقديمها على الصلاة ذهب أصحاب المذاهب الأربعة إلى أن تقديم الخطبة على الصلاة شرط من شروط صحتها، وأنها لو أخِّرت عن الصلاة فإنها لا تصح.\nفقد قال بذلك الحنفية (١) والمالكية (٢) والشافعية (٣) والحنابلة (٤) . قال في الإنصاف مبينا عدم الخلاف في ذلك عند الحنابلة: \" ويشترط تقدمهما [يعني الخطبتين] على الصلاة بلا نزاع \" (٥) .\nبل قال في مغني المحتاج: \". . . بالإجماع إلا من شدَّ \" (٦) .\n_________\n(١) ينظر: المبسوط ٢ / ٣٦، وبدائع الصنائع ١ / ٢٦٢، ومجمع الأنهر ١ / ١٦٦، والهداية للمرغيناني ١ / ٨٣، والفتاوى الهندية ١ / ١٤٦.\n(٢) ينظر: المدونة ١ / ١٥٦، والفواكه الدواني ١ / ٣٠٦، والشرح الصغير ١ / ١٧٨.\n(٣) ينظر: الوجيز ١ / ٦٤، وحلية العلماء ٢ / ٢٧٦، والمجموع ٤ / ٥١٤، وروضة الطالبين ٢ / ٢٦، ومغني المحتاج ١ / ٢٨٥.\n(٤) ينظر: الهداية لأبي الخطاب ١ / ٥٢، وشرح الزركشي ٢ / ١٨٠، والنكت بهامش المحرر ١ / ١٤٧، والإنصاف ٢ / ٣٨٩، والمبدع ٢ / ١٥٧، وكشاف القناع ٢ / ٣١.\n(٥) الإنصاف ٢ / ٣٨٩.\n(٦) مغني المحتاج ١ / ٢٨٥.","vol":"1","page":71},{"text":"الأدلة: استدلوا بأدلة من السنة، والمعقول.\nأولا: من السنة: حديث مالك بن الحويرث - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (١) .\nوجه الدلالة: أن النبي - ﷺ - أمرنا بالصلاة كما كان يصلي، وقد كان - ﷺ - يخطب قبل الصلاة، فيجب أن نفعل كفعله اقتداءً به (٢) .\nقال في المجموع: \" وثبتت صلاته - ﷺ - بعد خطبتين \" (٣) .\nثانيا: من المعقول: ١ - أن الخطبة شرط لصحة الجمعة، والشرط لا يتأخر عن\n_________\n(١) سبق تخريجه ص (٣٢)، وممن صرح بالاستدلال به على هذه المسألة الشربيني في مغني المحتاج ١ / ٢٨٥.\n(٢) وممن استدل بفعله - ﷺ - على لك: السرخسي في المبسوط ٢ / ٣٦، والكاساني في بدائع الصنائع ١ / ٢٦٢، والنووي في المجموع ٤ / ٥١٤، والشربيني في مغني المحتاج ١ / ٢٨٥، والزركشي في شرح الخرقي ٢ / ١٨٠، وبرهان الدين ابن مفلح في المبدع ٢ / ١٥٧، والبهوتي في كشاف القناع ٢ / ٣١.\n(٣) المجموع ٤ / ٥١٤.","vol":"1","page":72},{"text":"المشروط له، بل يشترط أن يكون سابقا عليه (١) .\nلكن هذا لا يلزم في كل الأحوال، فقد يكون الشرط مصاحبا للمشروط.\n٢ - أن الجمعة فريضة تؤدى جماعة، فأُخِّرت فيها الصلاة عن الخطبة ليدركها المتأخر (٢) .\n_________\n(١) ينظر: بدائع الصنائع ١ / ٢٦٢، ومجمع الأنهر ١ / ١٦٦، والمجموع ٤ / ٥١٣ - ٥١٤، ومغني المحتاج ١ / ٢٨٥، والمبدع ٢ / ١٥٧، وكشاف القناع ٢ / ٣١.\n(٢) ينظر: المجموع ٤ / ٥١٤، ومغني المحتاج ١ / ٢٨٥، والمبدع ٢ / ١٥٧، وكشاف القناع ٢ / ٣١.","vol":"1","page":73},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>[المبحث الخامس القيام]</span>\nالمبحث الخامس: القيام اختلف الفقهاء في اشتراط القيام للخطيب حال الخطبة، وذلك على ثلاثة أقوال: -\nالقول الأول: أن قيام الخطيب حال الخطبة شرط مع القدرة عليه وهذا هو القول الصحيح والمشهور عند الشافعية (١) وهو رواية عن الإمام أحمد، واختارها بعض أصحابه (٢) . قال في الجامع لأحكام القرآن: \" وعلى هذا جمهور الفقهاء وأئمة العلماء \" (٣) .\nبل قال النووي (٤) \" وحكى ابن عبد البر إجماع العلماء على\n_________\n(١) ينظر: الوجيز ١ / ٦٤، وحلية العلماء ٢ / ٢٧٦، والمهذب والمجموع معه ٤ / ٥١٤، وروضة الطالبين ٢ / ٢٦، ومغني المحتاج ١ / ٢٨٧.\n(٢) ينظر في: شرح الزركشي ٢ / ١٧٤، والمغني ٣ / ١٧١، والفروع ٢ / ١١٩، والإنصاف ٢ / ٣٩٧، والمبدع ٢ / ١٦٣.\n(٣) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٨ / ١١٤.\n(٤) هو يحيى بن شرف بن مري الحزامي، النووي، يكنى بأبي زكريا، محيي الدين، ولد في نوى عام ٦٣١ هـ، وتعلم في دمشق، وأقام بها زمنا طويلا، يعد أستاذ المتأخرين من الشافعية، صنف مصنفات جليلة ومتنوعة، منها: شرح صحيح مسلم، ورياض الصالحين، وتوفي سنة ٦٧٦ هـ.\n (ينظر: تذكرة الحفاظ ٤ / ١٤٧٠، وطبقات الشافعية للسبكي ٥ / ١٦٥) .","vol":"1","page":74},{"text":"أن الخطبة لا تكون إلا قائما لمن أطاقه (١) .\nولكن هذه الدعوى - أي دعوى الإجماع - مردودة بما سيأتي من قول أصحاب القول الثاني.\nالقول الثاني: أن قيام الخطيب حال الخطبة سنة.\nوبهذا قال الحنفية (٢) وبعض المالكية (٣) وهو وجه عند الشافعية (٤) ولكن قال عنه في المجموع: \" وهو شاذ ضعيف أو باطل \" (٥) .\nوهو الرواية المشهورة عن الإمام أحمد، والصحيح من المذهب عند أصحابه، وعليه جمهورهم (٦) .\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم ٦ / ١٥٠.\n(٢) ينظر: المبسوط ٢ / ٦٢، والهداية للمرغيناني ١ / ٨٣، وبدائع الصنائع ١ / ٢٦٣، ورؤوس المسائل للزمخشري ص (١٨٤)، والفتاوى الهندية ١ / ١٤٦.\n(٣) ينظر: الفواكه الدواني ١ / ٣٠٧، وشرح الخرشي ٢ / ٧٩، ومواهب الجليل والتاج والإكليل بهامشه ٢ / ١٦٦.\n(٤) ينظر في: المجموع ٤ / ٥١٤، وروضة الطالبين ٢ / ٢٦.\n(٥) المجموع ٤ / ٥١٤.\n(٦) ينظر: الهداية لأبي الخطاب ١ / ٥٢، والتمام ١ / ٢٢٣، وشرح الزركشي ٢ / ١٧٤، والمغني ١٢٣ / ١٧١، والفروع ٢ / ١١٩، والمحرر ١ / ١٥١، والإنصاف ٢ / ٣٩٧، والمبدع ٢ / ١٦٢.","vol":"1","page":75},{"text":"القول الثالث: أن قيام الخطيب حال الخطبة واجب، فإن خطب جالسا مع القدرة على القيام فقد أساء، وتجزئه.\nوبهذا قال أكثر المالكية (١) .\nالأدلة:\nأدلة أصحاب القول الأول: استدلوا بأدلة من الكتاب، والسنة، وآثار الصحابة، والمعقول.\nأولا: من الكتاب: قول الله - ﷾ -: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١] (٢) .\nوجه الدلالة: أن الله - تعالى - أخبر أن النبي - ﷺ - كان يخطب قائما، وقد قال - تعالى -: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] (٣) مع قوله - تعالى -:\n_________\n(١) ينظر الإشراف ١ / ١٣٣، ومواهب الجليل والتاج والإكليل بهامشه ٢ / ١٦٦، وحاشية الدسوقي ١ / ٣٧٩.\n(٢) سورة الجمعة، جزء من الآية رقم (١١) .\n(٣) سورة الأحزاب، جزء من الآية رقم (٢١) .","vol":"1","page":76},{"text":"﴿وَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأعراف: ١٥٨] (١) وقوله - تعالى -: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] (٢) مع قوله - ﷺ -: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (٣) (٤) .\nمناقشة هذا الدليل: نوقش بأنه حكاية فعل، وذلك لا يدل على الوجوب بل على الاستحباب (٥) .\nوأما التأسي به واتباعه وأخذ ما جاء به - ﷺ - فهو حسب صيغة ما جاء، فما جاء بصيغة الأمر وجب العمل به، وما جاء بصيغة الاستحباب أو مجرد فعل كهذا فإنه يستحب العمل به ولا يجب، وأما الأمر بالصلاة كما صلى فإن الخطبة ليست صلاة، وفي الاستدلال به على الوجوب خلاف كما تقدم.\nثانيا: من السنة: ١ - ما رواه جابر بن سمرة - ﵁ - قال: «كان\n_________\n(١) سورة الأعراف، جزء من الآية رقم (١٥٨) .\n(٢) سورة الحشر، جزء من الآية رقم (٧) .\n(٣) تقدم تخريجه من حديث مالك بن الحويرث - ﵁ - ص (٣٢) .\n(٤) ذكر هذا الاستدلال النووي في شرح صحيح مسلم ٦ / ١٥٢.\n(٥) وممن ذكر ذلك الزركشي في شرح الخرقي ٢ / ١٧٤.","vol":"1","page":77},{"text":"النبي - ﷺ - يخطب قائما، ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب قائما، فمن قال: إنه كان يخطب جالسا فقد كذب، فلقد والله صليتُ معه أكثر من ألفي صلاة» (١) .\nقال النووي: \" وفي هذه الرواية دليل لمذهب الشافعي والأكثرين أن خطبة الجمعة لا تصح من القادر على القيام إلا قائما في الخطبتين \" (٢) .\nثم قال - أي النووي - على قوله: «ألفي صلاة»: \" المراد الصلوات الخمس لا الجمعة \" (٣) .\nولا شك أن هذا الحديث يدل على مواظبته - ﷺ - على القيام حال الخطبة.\n٢ - ما رواه عبد الله بن عمر - ﵄ - قال:\n«كان النبي - ﷺ - يخطب قائما، ثم يقعد، ثم يقوم، كما تفعلون الآن» (٤) .\n_________\n(١) تقدم تخريجه ص (٣١- ٣٢) .\n(٢) شرحه على صحيح مسلم ٦ / ١٤٩.\n(٣) المرجع السابق ٦ / ١٥٠.\n(٤) تقدم تخريجه ص (٣١) .","vol":"1","page":78},{"text":"٣ - ما رواه جابر بن عبد الله - ﵄ - «أن النبي - ﷺ - كان يخطب قائما يوم الجمعة، فجاءت عير الشام. . .» الحديث (١) .\nوفي لفظ: «بينا النبي - ﷺ - قائم يوم الجمعة إذ قدمت عير إلى المدينة. . .» الحديث (٢) .\nوجه الدلالة من الحديثين: قال في التمام بعد الاستدلال بهما: \" وفعل النبي - ﷺ - إذا تعلق بالقرينة وجب الاقتداء به؛ لقوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأعراف: ١٥٨] (٣) (٤) .\nولم يبيّن القرينة، ولعل المواظبة الكاملة التي دل عليها حديث جابر بن سمرة - ﵁ - قرينة مع ما سبق.\n٤ - ما رواه طاوس (٥) قال: ١١ خطب رسول الله - صلى الله\n_________\n(١) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الجمعة - باب في قوله - تعالى -: وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا (٢ / ٥٩٠، الحديث رقم (٨٣٦) .\n(٢) أخرجه مسلم في صحيحه في الكتاب والباب السابقين ٢ / ٥٩٠.\n(٣) سورة الأعراف، جزء من الآية رقم (١٥٨) .\n(٤) التمام ١ / ٢٣٣ - ٢٣٤.\n(٥) هو طاوس بن كيسان الحميري، مولى بحير بن ريسان، يكنى بأبي عبد الرحمن، عالم اليمن، قال عنه ابن حبان: \" كان من عباد أهل اليمن، ومن سادات التابعين، وقد حج أربعين حجة، وهو حجة باتفاق \"، وتوفي سنة ١٠١ هـ.\n (ينظر: طبقات ابن سعد ٥ / ٥٣٧، وتهذيب التهذيب ٥ / ٨) .","vol":"1","page":79},{"text":"عليه وسلم - قائما، وأبو بكر قائما، وعمر قائما، وعثمان قائما، وأول من جلس على المنبر معاوية بن أبي سفيان \" (١) .\nوفيه دلالة على مواظبة النبي - ﷺ - وخلفائه على القيام حال الخطبة.\nولكن هذا مرسل كما هو واضح؛ لأن طاوس تابعي.\nقال في فتح الباري - في معرض استدلاله بهذه الأدلة وتوجيهها -: \" وبمواظبة النبي - ﷺ - على القيام، وبمشروعية الجلوس بين الخطبتين، فلو كان القعود مشروعا في الخطبتين ما احتيج إلى الفصل بالجلوس \" (٢) .\nثالثا: من آثار الصحابة: ١ - تقدم ما رواه طاوس عن أبي بكر وعمر وعثمان - ﵃ -، وقد ورد بلفظ: \" لم يكن أبو بكر ولا عمر يقعدون على المنبر يوم الجمعة، وأول من قعد معاوية \" (٣) .\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه في كتاب الصلوات - باب من كان يخطب قائما ٢ / ١١٢.\n(٢) فتح الباري ٢ / ٤٠١.\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه في كتاب الصلوات - باب من كان يخطب قائما ٢ / ١١٢.","vol":"1","page":80},{"text":"٢ - ما روي عن كعب (١) بن عجرة - ﵁ - أنه دخل المسجد وعبد الرحمن (٢) بن أم الحكم يخطب قاعدا، فقال: \" انظروا إلى هذا الخبيث يخطب قاعدا، وقال الله - تعالى -: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١] (٣) \" (٤) .\nوفي رواية: \" ما رأيتُ كاليوم قط إماما يؤم المسلمين يخطب وهو جالس \"، يقول ذلك مرتين (٥) .\nوقد وجه النووي الاستدلال به بتوجيهه للآية فيما سبق.\n_________\n(١) هو كعب بن عجرة بن أمية بن عدي البلوي، المدني، حليف الأنصار، يكنى بأبي محمد، صحابي مشهور، شهد الحديبية والمشاهد كلها، ونزلت فيه قصة الفدية، وسكن الكوفة، مات بالمدينة بعد الخمسين.\n (ينظر: الإصابة ٥ / ٣٠٤، وأسد الغابة ٤ / ٢٤٣) .\n(٢) هو عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عقيل الثقفي، اشتهر بأمه، وهي أخت معاوية بن أبي سفيان، ولاه خاله الكوفة بعد موت زياد في سنة ٥٧ هـ، فأساء السيرة، فعزله. مات في أول خلافة عبد الملك، ذكره البخاري وغيره من التابعين.\n (ينظر: الإصابة: ٣ / ٧١، ط دار الكتاب العربي) .\n(٣) سورة الجمعة، جزء من الآية رقم (١١) .\n(٤) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الجمعة - باب في قوله - تعالى - وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ٢ / ٥٩١، الحديث رقم (٦٨٤) .\n(٥) هذه الرواية ذكرها ابن حجر في الفتح ٢ / ٤٠١ وعزاها إلى ابن خزيمة ولم أعثر عليها في صحيحه.","vol":"1","page":81},{"text":"ولا شك أن إنكار كعب هذا مع هذا الوصف الذميم، وتعليله بخطبته جالسا مع الاستدلال بالآية يدل على ما فهمه الصحابة - ﵃ - من المواظبة عن النبي - ﷺ - ومن بعده من الوجوب، والرواية الثانية تدل على أن عليه عمل المسلمين قاطبة مع عدم العذر.\nقال ابن العربي المالكي عن الاستدلال بكل ما سبق: \" وملازمة النبي - ﷺ- والصحابة القيام أصل في الوجوب، والعمدة قول الله - تعالى -: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١] فذمهم، وذلك دليل على الوجوب المختص به، ولا سيما وقد قلنا إنه عوض عن الركعتين، والقيام واجب في العوض فوجب في المعوض (١) .\nلكن القول بأن الخطبتين بدل عن الركعتين محل نظر سبق بيانه عدة مرات (٢) .\nرابعا: من المعقول: أن الخطبة أحد فرضي الجمعة، فوجب فيها القيام والقعود، كالصلاة (٣) .\n_________\n(١) ينظر: عارضة الأحوذي ٢ / ٢٩٥ - ٢٩٦.\n(٢) ينظر ص (٣٤ - ٣٥) .\n(٣) ينظر: المهذب مع المجموع ٤ / ٥١٤.","vol":"1","page":82},{"text":"أدلة أصحاب القول الثاني: استدلوا بأدلة من الكتاب، والسنة، وآثار الصحابة، والمعقول.\nأولا: من الكتاب: قول الله - ﷾ -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] الآية (١) .\nوجه الدلالة: أن الله - تعالى - أطلق الذكر في الآية ولم يقيده بحال القيام، والمقصود يحصل بدونه، فدل على عدم اشتراط القيام حال الخطبة (٢) .\nمناقشة هذا الدليل: يناقش من وجهين:\nالوجه الأول: أن الله - ﷾ - بيّن بعد هذه الآية أن هذا الذكر في حال القيام، وذلك في قوله: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١] (٣) فكأنه تقييد لما قبله.\n_________\n(١) سورة الجمعة، جزء من الآية رقم (٩) .\n(٢) ينظر: شرح الزركشي على الخرقي ٢ / ١٧٤.\n(٣) سورة الجمعة، جزء من الآية رقم (١١) .","vol":"1","page":83},{"text":"الوجه الثاني: أن النبي - ﷺ - أتى بهذا الذكر قائما وواظب على ذلك، وكذلك الخلفاء كما تقدم في أدلة أصحاب القول الأول، وذلك بيان لإطلاق الآية.\nثانيا: من السنة: ١ - ما روي أن رجالا أتوا سهل بن سعد الساعدي - ﵁ - وقد امتروا (١) في المنبر مِمَّ عُوده؟ فسألوه عن ذلك، فقال: «والله إني لأعرف مما هو، ولقد رأيتُهُ أول يوم وضِعَ، وأول يوم جلس عليه رسول الله - ﷺ -؛ أرسل رسول الله - ﷺ - إلى فلانة - امرأة قد سماها سهل - مُرِي غلامك النجار أن يعمل لي أعوادا أجلس عليهن إذا كلمتُ الناس، فأمرته، فعملها من طرفاء الغابة (٢) ثم جاء بها فأرسلت إلى رسول الله - صلى الله عليه\n_________\n(١) قال ابن حجر: من المماراة، وهي المجادلة.\n (ينظر: فتح الباري ٢ / ٣٩٧) .\n(٢) قال ابن حجر: \" في رواية سفيان عن أبي حازم \" من أثل الغابة \" ولا مغايرة بينهما فإن الأثل هو الطرفاء، وقيل يشبه الطرفاء، وهو أعظم منه، والغابة - بالمعجمة وتخفيف الموحدة - موضع من عوالي المدينة جهة الشام، وأصلها كل شجر ملتف.\n (ينظر: فتح الباري ٢ / ٣٩٩) .","vol":"1","page":84},{"text":"وسلم - فأمر بها فوُضِعتْ هاهنا، ثم رأيتُ رسول الله - ﷺ - صلى عليها، وكبَّر وهو عليها، ثم ركع وهو عليها، ثم نزل القهقرى (١) فسجد في أصل المنبر ثم عاد، فلما فرغ أقبل على الناس فقال: أيها الناس إنما صنعتُ هذا لتأتموا بي، ولتعلموا صلاتي» (٢) .\nالشاهد من الحديث قوله - ﷺ -: «أجلس عليهن إذا كلمتُ الناس» .\nوالحديث واضح الدلالة حسب قولهم.\nمناقشة هذا الدليل: نوقش بأنه يحتمل أن تكون الإشارة إلى الجلوس أول ما يصعد، وبين الخطبتين (٣) .\n٢ - ما رواه أبو سعيد الخدري (٤) - ﵁ - قال:\n_________\n(١) قال ابن حجر: \" القهقرى - بالقصر - المشي إلى الخلف \".\n (ينظر: فتح الباري ٢ / ٤٠٠) .\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الجمعة - باب الخطبة على المنبر ١ / ٢٢٠.\n(٣) ينظر: فتح الباري ٢ / ٤٠١.\n(٤) هو سعد بن مالك بن سنان الأنصاري، الخزرجي، الخدري، مشهور بكنيته أبي سعيد، استصغره النبي - ﷺ - يوم أحد فرده، وشهد ما بعدها، وكان من حفاظ حديث رسول الله - ﷺ - المكثرين، توفي سنة ٦٤هـ، وقيل غير ذلك.\n (ينظر: أسد الغابة ٥ / ٢١١، والإصابة ٣ / ٨٥) .","vol":"1","page":85},{"text":"«إن رسول الله - ﷺ - جلس ذات يومٍ على المنبر وجلسنا حوله» الحديث (١) .\nوهذا الحديث واضح الدلالة حسب قولهم.\nمناقشة هذا الدليل: نوقش بأن هذا في غير خطبة الجمعة، فلا دليل فيه (٢) .\nثالثا: من آثار الصحابة: ١ - ما روي عن عثمان بن عفان - ﵁ - أنه كان يخطب قاعدا (٣) .\nمناقشة هذا الدليل: يناقش بأن المشهور عنه - ﵁ - القيام حال الخطبة كما تقدم في أدلة أصحاب القول الأول وغيرها، وإنما فعل ذلك لعارض حيث كان يصيبه رعدة لكبر\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الجمعة - باب يستقبل الإمام القوم. ١ / ٢٢١، وفي كتب أخر مطولا.\n(٢) ينظر: فتح الباري ٢ / ٤٠١.\n(٣) هكذا استدل به السرخسي في المبسوط ٢ / ٢٦، والكاساني في بدائع الصنائع ١ / ٢٦٣، وقد أخرجه عبد الرزاق في مصنفه في كتاب الجمعة - باب الخطبة قائما ٣ / ١٨٨، ١٨٩، الأثر رقم (٥٢٦٢)، ورقم (٥٢٦٦) بأن ذلك حينما كبر وأصبح تصيبه رعدة بسبب ذلك.","vol":"1","page":86},{"text":"سنه، ولم يثبت عنه أيضا أنه كان يخطب عند جلوسه في هذه الرعدة كما في بعض الآثار (١) .\n٢ - ما روي عن معاوية بن أبي سفيان - ﵁ - أنه كان يخطب وهو قاعد (٢) .\nمناقشة هذا الدليل: نوقش بأن جلوسه كان لعذر، فقد روي عنه أنه خطب جالسا لما كثر شحم بطنه ولحمه (٣) (٤) .\nوقد أورد في فتح الباري وجه الاحتجاج بهذين الأثرين وأجاب عنه حيث قال: \" وأما من احتجَّ بأنه لو كان شرطا ما صلى من أنكر ذلك مع القاعدة، فجوابه: أنه محمول على أن من صنع ذلك خشي الفتنة، أو أن الذي قعد قعد باجتهاد كما قالوا في إتمام عثمان الصلاة في السفر، وقد أنكر ذلك ابن مسعود ثم إنه صلى خلفه فأتم معه، واعتذر بأن الخلاف شر \" (٥) .\n_________\n(١) تقدم تخريجها ص (٨٠) .\n(٢) تقدم تخريجه عن طاوس ص (٨٠) .\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه عن الشعبي في كتاب الصلوات - باب من كان يخطب قائما ٢ / ١١٣.\n(٤) ينظر: فتح الباري ٢ / ٤٠١.\n(٥) ينظر: المرجع السابق.","vol":"1","page":87},{"text":"رابعا: من المعقول: ١ - أن الخطبة ذكر يتقدم الصلاة، فلم يكن من شرطه القيام، قياسا على الأذان، والإقامة (١) .\nمناقشة هذا الدليل: يناقش بأنه قد ورد من الأدلة على القيام في الخطبة والمواظبة عليه، والإنكار على تركه كما تقدم في أدلة القول الأول ما لم يرد في الأذان والإقامة، فلا يصح القياس.\n٢ - أن الخطبة ذكر ليس من شرطه الاستقبال، فلم يجب له القيام، كالأذان (٢) .\nويناقش بما نوقش به ما قبله.\nأدلة أصحاب القول الثالث: الظاهر أنهم يستدلون على الوجوب بما استدل به أصحاب القول الأول.\nوأما الإجزاء عند عدم القيام مع عدم العذر فاستدلوا عليه بما يلي: -\n_________\n(١) ينظر رؤوس المسائل الخلافية للعكبري ١ / ٣٢٩، والمبدع ٢ / ١٦٢، وكشاف القناع ٢ / ٣٦.\n(٢) ينظر: المغني ٣ / ١٧١.","vol":"1","page":88},{"text":"١ - ما استدل به أصحاب القول السابق من أن الخطبة ذكر يتقدم الصلاة لأجلها، فلم يكن من صحته القيام كالأذان، والإقامة (١) .\nويناقش بما تقدم مناقشته به.\n٢ - أن الغرض من القيام أن يشاهد الناس الخطيب ويتمك نوا من سماع الخطبة، فلم يؤثر الإخلال به، كالصعود على المنبر (٢) .\nمناقشة هذا الدليل: يناقش من وجهين: الوجه الأول: أن الصعود على المنبر عندهم - أي المالكية - سنة وليس بواجب (٣) بل هو سنة بالإجماع (٤) كما سيأتي، فهم قاسوا أمرا واجبا على سنة، فلا يصح.\nالوجه الثاني: أنه قد جاء في القيام من الأدلة ما لم يأت في الصعود على المنبر، فلا يقاس عليه.\n_________\n(١) ينظر: الإشراف ١ / ١٣٣.\n(٢) ينظر: المرجع السابق.\n(٣) ينظر: مواهب الجليل ٢ / ١٧٢.\n(٤) نقله النووي في المجموع ٤ / ٥٢٧.","vol":"1","page":89},{"text":"الترجيح: بعد استعراض الأقوال في المسألة وأدلتها والمناقشات الواردة عليها تبين أن الأدلة فعلية في الجملة، ولكنها دالة على المواظبة، ليس من النبي - ﷺ - فحسب بل ومن خلفائه من بعده، حتى ورد الإنكار الشديد على من قعد، فالذي يظهر من ذلك - والله أعلم بالصواب - رجحان القول الأول القائل بأن قيام الخطيب حال الخطبة شرط مع القدرة عليه.","vol":"1","page":90},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>[المبحث السادس الجهر بالخطبة]</span>\nالمبحث السادس\nالجهر بالخطبة اختلف الفقهاء في اشتراط جهر الخطيب بالخطبة، وذلك على قولين:\nالقول الأول: أنه يشترط جهر الخطيب بالخطبة بحيث يسمعه العدد المعتبر إن لم يكن مانع.\nوبهذا قال المالكية (١) وهو الصحيح عند الشافعية (٢) . وبه قال الحنابلة (٣) .\nالقول الثاني: أنه لا يشترط الجهر بالخطبة، فلو خطب سرا أجزأ.\nوبهذا قال الحنفية (٤) والشافعية في وجه عندهم (٥)\n_________\n(١) ينظر: مواهب الجليل والتاج والإكليل بهامشه ٢ / ١٧٢، والفواكه الدواني ١ / ٣٠٦، بلغة السالك والشرح الصغير بهامشه ١ / ١٧٨.\n(٢) ينظر: الوجيز ١ / ٦٤، وحلية العلماء ٢ / ٢٧٩، وروضة الطالبين ٢ / ٢٧، والمجموع ٤ / ٥٢٣، ومغني المحتاج ١ / ٣٨٧.\n(٣) ينظر: شرح الزركشي ٢ / ١٨٠، الفروع ٢ / ١١٩، والإنصاف ٢ / ٣٩٠، وكشاف القناع ٢ / ٣٣.\n(٤) ينظر: الفتاوى الهندية ١ / ١٤٦، ومراقي الفلاح ص (١٠٣) .\n(٥) ينظر: روضة الطالبن ٢ / ٢٧، والمجموع ٤ / ٥٢٣.","vol":"1","page":91},{"text":"لكن قال عنه النووي: \" وهو غلط \" (١) .\nالأدلة:\nأدلة أصحاب القول الأول: استدلوا بأدلة من الكتاب، والسنة، والمعقول.\nأولا: من الكتاب: ١ - قول الله - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] الآية (٢) .\nوجه الدلالة: أن الله - تعالى - أمر بالسعي إلى ذكره، ويدخل في ذكره الخطبة كما تقدم، وإنما أمرهم ليستمعوا ويتعظوا ويتذكروا، وهذا لا يحصل إلا مع الجهر بها، فدل على أن الجهر مأمور به، فهو واجب على الخطيب.\n٢ - قول الله - تعالى -: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١] الآية (٣) .\nوجه الدلالة: أن الله - تعالى - أنَّبَهُمْ على ترك الخطبة\n_________\n(١) ينظر المرجعان السابقان.\n(٢) سورة الجمعة، جزء من الآية رقم (٩) .\n(٣) سورة الجمعة، جزء من الآية رقم (١١) .","vol":"1","page":92},{"text":"والانفضاض للتجارة، فدل على وجوب الاستماع للخطبة لمن حضرها وعدم الانصراف لغير عذر، فاقتضى ذلك ضمنا الأمر بالجهر بها، والأصل في الأمر الوجوب.\nثانيا: من السنة: ما رواه أبو هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ- قال: «إذا قلتَ لصاحبك يوم الجمعة أنصتْ والإمام يخطب فقد لغوت» (١) .\nوجه الدلالة: أن النبي - ﷺ - أمر بالإنصات للخطبة، وحرم السلام حالها، وهذا لا يكون له فائدة إلا إذا كان الإمام يجهر بها، فاقتضى ذلك وجوب الجهر بالخطبة.\nثالثا: من المعقول: أن المقصود من الخطبة وعظ الناس وتذكيرهم، وهذا لا يحصل إلا مع الجهر بها، فدل ذلك على اشتراطه (٢) .\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الجمعة - باب الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب. ١ / ٢٢٤، ومسلم في صحيحه في كتاب الجمعة - باب في الإنصات يوم الجمعة في الخطبة ٢ / ٥٨٣، الحديث رقم (٨٥١) .\n(٢) ينظر: مغني المحتاج ١ / ٣٨٧، وكشاف القناع ٢ / ٣٣.","vol":"1","page":93},{"text":"دليل أصحاب القول الثاني: لم أطلع على دليلٍ لهم، ولكن لعلهم يستدلون بأن الوارد مجرد فعل، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب، وإنما على الاستحباب.\nولكن يناقش هذا بأنه وإن كان مجرد فعل إلا أنه لا يتحقق المقصود من الخطبة بدونه مطلقا، وهو الوعظ والتذكير، فيكون وجوبه مستمدًا من أصل وجوب الخطبة ذاتها، والله أعلم.\nالترجيح: الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بأن الجهر بالخطبة شرط لصحتها؛ لقوة ما استدلوا به، ولأن الخطبة واجبة وشرط لصحة الجمعة كما تقدم، والجهر وسيلة لأدائها وتحقيق المقصود منها، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.","vol":"1","page":94},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>[المبحث لسابع كونها باللغة العربية]</span>\nالمبحث السابع\nكونها باللغة العربية اتفق الفقهاء كما هو واضح من كلامهم الآتي على أن الأولى أن تكون الخطبة باللغة العربية، ولكنهم اختلفوا في اشتراط ذلك باستثناء قراءة القرآن فيها عند من يقول بأنها ركن كما سيأتي، وهذا الخلاف على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: يشترط أن تكون بالعربية للقادر عليها، إلا إذا كان السامعون جميعا لا يعرفون العربية فإنه يخطب بلغتهم.\nوهذا الوجه الصحيح عند الشافعية (١) وبه قال بعض الحنابلة (٢) .\nالقول الثاني: يشترط أن تكون بالعربية للقادر عليها ولو كان السامعون لا يعرفون العربية.\nوبهذا قال المالكية (٣) وهو المذهب والمشهور عند\n_________\n(١) ينظر: حلية العلماء ٢ / ٢٧٩، والمجموع ٤ / ٥٢١ - ٥٢٢، وروضة الطالبين ٢ / ٢٦، ٣٠، مغني المحتاج ١ / ٢٨٦ لكنهم قيدوا الجواز إذا كان السامعون لا يعرفون العربية بمدة التعلم، أي حتى يتعلموا اللغة العربية.\n(٢) ينظر: الفروع ٢ / ١١٣، ١١٧.\n(٣) ينظر: الفواكه الدواني ١ / ٣٠٦، بلغة السالك والشرح الصغير بهامشه ١ / ١٧٨.","vol":"1","page":95},{"text":"الحنابلة (١) .\nالقول الثالث: يستحب أن تكون بالعربية.\nوهذا هو الظاهر من إطلاق الحنفية لجواز الخطبة بغير العربية (٢) وهو وجه عند الشافعية (٣) .\nالأدلة:\nأدلة أصحاب القول الأول: أولا: استدلوا على عدم الجواز مع القدرة على العربية بما يلي:\nالقياس على قراءة القرآن، فكما أنها لا تجزئ بغير العربية، فكذلك خطبة الجمعة (٤) .\nمناقشة هذا الدليل: يناقش بما نقله في الفروع عن القاضي (٥) وهو قوله: \" إن لفظ القرآن دليل النبوة وعلامة الرسالة\n_________\n(١) ينظر: الفروع ٢ / ١١٣، والإنصاف ٢ / ٣٩٠، والمبدع ٢ / ١٥٩، وكشاف القناع ٢ / ٣٤.\n(٢) ينظر: مراقي الفلاح ص (١٠٢) .\n(٣) ينظر: المجموع ٤ / ٥٢٢، وروضة الطالبين ٢ / ٢٦.\n(٤) ينظر: الفروع ٢ / ١١٣، والمبدع ٢ / ١٥٩، وكشاف القناع ٢ / ٣٤.\n(٥) المقصود به عند الإطلاق إلى أثناء المائة الثامنة كما هنا حسب ما ذكره ابن بدران في المدخل ص (٢٠٤) محمد بن الحسين بن محمد بن خلف الحنبلي، البغدادي، المعروف بأبي يعلى، شيخ الحنابلة وإمامهم في عصره، تفقه على ابن حامد وغيره، وصنف مصنفات منها: العدة في أصول الفقه، والأحكام السلطانية، وتوفي سنة ٤٤٧ هـ.\n (ينظر: طبقات الحنابلة ٢ / ١٩٣، والمنهج الأحمد ٢ / ١٠٥) .","vol":"1","page":96},{"text":"ولا يحصل بالعجمية، والخطبة المقصود بها الوعظ والتذكير وحمد الله والصلاة على رسوله، ولأن القرآن الاعتبار فيه باللفظ والنظم دون المعنى، والخطبة يجزئ فيها المعنى \" (١) .\nثانيا: واستدلوا على الجواز مع عدم القدرة على العربية بما يلي:\nأن المقصود بالخطبة الوعظ والتذكير، وذلك يحصل بغير العربية (٢) .\nمناقشة هذا الدليل: يناقش بأنه إذا كان هذا هو المقصود فإنها تجوز مع القدرة إذا كان المستمعون لا يعرفون العربية، فيكون الدليل حجة عليهم.\nأدلة أصحاب القول الثاني: استدلوا بأدلة من السنة، والآثار، والمعقول.\n_________\n(١) الفروع ٢ / ١١٣.\n(٢) ينظر: كشاف القناع ٢ / ٣٤.","vol":"1","page":97},{"text":"أولا: من السنة: ما رواه مالك بن الحويرث - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (١) (٢) .\nوجه الدلالة: أن النبي - ﷺ - أمر بالصلاة كما صلى، وقد كان يخطب باللغة العربية، فيجب أن نفعل كما فعل.\nمناقشة هذا الدليل: يناقش بأن الخطبة ليست من الصلاة، كما أن الاستدلال بهذا الحديث على الوجوب محل نظر كما تقدم أكثر من مرة.\nثانيا: من الآثار: أن السلف والخلف كانوا يخطبون بالعربية، فيجب اتباعهم في ذلك (٣) .\n_________\n(١) تقدم تخريجه ص (٣٢) .\n(٢) استدل به النووي في المجموع ٤ / ٥٢٢.\n(٣) ينظر: مغني المحتاج ١ / ٢٨٦.","vol":"1","page":98},{"text":"ثالثا: من المعقول: أن الخطبة ذكر مفروض، فشرط فيه العربية، كالتشهد، وتكبيرة الإحرام (١) .\nمناقشة هذا الدليل: يناقش بالفرق بين الخطبة وبين التشهد وتكبيرة الإحرام، حيث لم ترد الخطبة بلفظ مخصوص، بل المقصود حصول الوعظ بأي لفظ كان، بخلاف التشهد وتكبيرة الإحرام، والله أعلم.\nدليل أصحاب القول الثالث: أن المقصود هو الوعظ، وهو حاصل بكل اللغات (٢) .\nمناقشة هذا الدليل: يناقش بأن حصوله باللغة العربية أبلغ وأكثر فائدة وتأثيرا، ولذلك اختارها الله - تعالى - لكتابه وشرعه، وهي التي كان يخطب بها الرسول - ﷺ - وخلفاؤه والمسلمون من بعدهم، فهي المتعينة، والله أعلم.\nالترجيح: الذي يظهر في هذه المسألة بعد التأمل في الأقوال وأدلتها - والله أعلم بالصواب - هو رجحان القول باشتراط أن تكون خطبة\n_________\n(١) ينظر: المجموع ٤ / ٥٢١ - ٥٢٢، ومغني المحتاج ١ / ٢٨٦.\n(٢) ينظر: المجموع ٤ / ٥٢٢.","vol":"1","page":99},{"text":"الجمعة باللغة العربية، لكن إن كان جميع الحاضرين لا يعرفونها، فإن للإمام بعد أن يأتي بها باللغة العربية أن يأتي بها بلغتهم، لما استدل به أصحاب القولين الأول والثاني من الأدلة، ولأن في ذلك خروجا من الخلاف وتحقيقا للمقصود، وهذا ما أفتى به سماحة الشيخ محمد (١) بن إبراهيم آل الشيخ - ﵀ - (٢) واللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة (٣) واختار فضيلة شيخنا محمد بن صالح العثيمين - حفظه الله - القول الأول (٤) .\n_________\n(١) هو سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، مفتي المملكة العربية السعودية في وقته، ولد في الرياض عام ١٣١١هـ، وتعلم فيها، وفقد بصره وهو صغير فتابع الدراسة وحفظ كتاب الله ومتون العلم، ثم تصدر للإفتاء وعين مفتيا للملكة، ثم رئيسا للجامعة الإسلامية، وللمجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي، ولتعليم البنات، أملى من تأليفه عددا من الكتب منها: تحكيم القوانين، والجواب المستقيم، وتوفي في الرياض عام ١٣٨٩ هـ.\n (ينظر: مشاهير علماء نجد ص (١٦٩ - ١٨٤)، والأعلام (٥ / ٣٠٦) .\n(٢) فتاوى ورسائل سماحته ٣ / ١٩.\n(٣) مجلة البحوث الإسلامية، العدد (١٥)، ص (٨٤) .\n(٤) ينظر: الشرح الممتع على زاد المستقنع ٥ / ٧٨.","vol":"1","page":100},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>[المبحث الثامن الموالاة في الخطبة]</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>[تمهيد]</span>\nالمبحث الثامن\nالموالاة في الخطبة وفيه تمهيد، ومطلبان:\nالتمهيد: في معنى الموالاة، وضابطها هنا.\nالمطلب الأول: الموالاة بين أجزاء الخطبة.\nالمطلب الثاني: الموالاة بين الخطبة والصلاة.\nالتمهيد\nمعنى الموالاة وضابطها هنا معنى الموالاة: المتابعة بين أجزاء الشيء.\nقال في اللسان: \" والى بين الأمر موالاة وولاء: تابع، وتوالى الشيء: تتابع، والموالاة: المتابعة، وافعل هذه الأشياء على الولاء: أي متتابعة. . . . \" (١) .\nوقال في مختار الصحاح: \" يقال: والى بينهما ولاء بالكسر أي تابع، وافعل هذه الأشياء على الولاء، أو متتابعة، وتوالى عليهم شهران، تتابع \" (٢) .\n_________\n(١) لسان العرب، مادة \" ولي \" ١٥ / ٤١٢.\n(٢) مختار الصحاح، مادة \" ولي \" ص (٣٠٦) .","vol":"1","page":101},{"text":"وقال في المصباح: \" والاه موالاة وولاء من باب قاتل: تابعه، وتوالت الأخبار: تتابعت \" (١) فبناء على ذلك يكون معنى موالاة الخطبة المتابعة بين أجزائها بدون فاصل طويل.\nوأما ضابطها هنا فهو عدم الفصل الطويل عادة، قال في المغني: \" والمرجع في طول الفصل وقصره إلى العادة \" (٢) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>[المطلب الأول الموالاة بين أجزاء الخطبة]</span>\nالمطلب الأول\nالموالاة بين أجزاء الخطبة اختلف الفقهاء في اشتراط الموالاة بين أجزاء الخطبة على قولين:\nالقول الأول: أنها شرط، فإن حصل فصل طويل عادة وجب الاستئناف.\nوبهذا قال المالكية (٣) وهو القول الصحيح عند الشافعية (٤)\n_________\n(١) المصباح المنير، مادة \" ولي \" ٢ / ٦٧٢.\n(٢) المغني ٣ / ١٨١.\n(٣) ينظر مواهب الجليل ٢ / ١٦٦، والفواكه الدواني ١ / ٣٠٧.\n(٤) ينظر الوجيز ١ / ٦٢، والمجموع ٤ / ٥٠٧، وروضة الطالبين ٢ / ٨، ومغني المحتاج ١ / ٢٨٨.","vol":"1","page":102},{"text":"والقول الصحيح عند الحنابلة (١) .\nالقول الثاني: أنها ليست شرطا، فلا يجب الاستئناف ولو طال الفصل.\nوهذا قول للشافعية (٢) وقول للحنابلة (٣) .\nالأدلة:\nدليل أصحاب القول الأول: أن المقصود من الخطبة الوعظ والتذكير واستمالة القلوب، ومع عدم الموالاة لا يتحقق ذلك على الوجه المطلوب لانفصال بعض الكلام عن بعض (٤) .\nدليل أصحاب القول الثاني: أن الغرض من الخطبة الوعظ والتذكير، وهذا يحصل مع تفريق الكلمات (٥) .\n_________\n(١) ينظر: المغني ٣ / ١٨١، وشرح الزركشي ٢ / ١٨٠، والفروع ٢ / ١١٢، والنكت بهامش المحرر ١ / ١٤٦، والمبدع ٢ / ١٥٩، والإنصاف ٩ / ٣٨.\n(٢) ينظر: المجموع ٤ / ٥٠٧، وروضة الطالبين ٢ / ٨، ومغني المحتاج ١ / ٢٨٨.\n(٣) ينظر: الإنصاف ٩ / ٣٨.\n(٤) ينظر: مغني المحتاج ١ / ٢٨٨.\n(٥) المرجع السابق.","vol":"1","page":103},{"text":"مناقشة هذا الدليل: يناقش بعدم التسليم بحصول ذلك لكل الحاضرين وعلى الوجه المطلوب كما تقدم في دليل أصحاب القول الأول.\nالترجيح: الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل باشتراط الموالاة بين أجزاء الخطبة لما يلي:\n١ - قوة دليله العقلي، وضعف دليل القول الثاني.\n٢ - أن الخطبة شيء واحد، والشيء الواحد يجب الترابط بين أجزائه كالوضوء، والصلاة، ونحوهما.\n٣ - أن عدم الموالاة قد يؤدي إلى تعدد الخطب في الجمعة أكثر مما ورد وخاصة إذا تعددت موضوعات الخطبة، وتقدم أن المشروع فيها خطبتان.\n٤ - أن عدم الموالاة يؤدي إلى السآمة والملل من قبل السامعين.","vol":"1","page":104},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>[المطلب الثاني الموالاة بين الخطبة والصلاة]</span>\nالمطلب الثاني\nالموالاة بين الخطبة والصلاة اختلف الفقهاء في اشتراط الموالاة بين خطبة الجمعة وصلاتها، وذلك على قولين:\nالقول الأول: أنها شرط، فإن حصل فصل طويل وجب استئناف الخطبة.\nوبهذا قال المالكية (١) وهو القول الجديد للإمام الشافعي، والصحيح عند أصحابه (٢) .\nوهو الصحيح من المذهب عند الحنابلة (٣) .\nالقول الثاني: أنها ليست شرطا، فلا يجب استئناف الخطبة ولو طال الفصل.\nوهو القول القديم للإمام الشافعي (٤) وقول الحنابلة (٥) .\n_________\n(١) ينظر: مواهب الجليل ٢ / ١٦٦، والفواكه الدواني ١ / ٣٠٧.\n(٢) ينظر: المجموع ٤ / ٥٠٧، وروضة الطالبين ٢ / ٨، ومغني المحتاج ١ / ٢٨٨.\n(٣) ينظر: المغني ٣ / ١٨١، وشرح الزركشي ٢ / ١٨٠، والفروع ٢ / ١١٢، والإنصاف ٢ / ٣٨٩، والمبدع ٢ / ١٥٩، وكشاف القناع ٢ / ٣٣.\n(٤) ينظر: المجموع ٤ / ٥٠٧، وروضة الطالبين ٢ / ٨، ومغني المحتاج ١ / ٢٨٨.\n(٥) ينظر: الإنصاف ٢ / ٣٨٩.","vol":"1","page":105},{"text":"الأدلة:\nدليل أصحاب القول الأول: أن الخطبة والصلاة في الجمعة شبيهتان بصلاة الجمع، فلم يجر التفريق بينهما (١) .\nأما أصحاب القول الثاني فلم أطلع على دليل لهم فيما بين يدي من كتبهم.\nالترجيح: الراجح في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل باشتراط الموالاة بين خطبة الجمعة وصلاتها، لما استدلوا به، ولأن الخطبة للجمعة فهي تسمى \" خطبة الجمعة \"، وهذا يتطلب اتصالها بالصلاة وإلا لم تكن لها.\n_________\n(١) ينظر: الفواكه الدواني ١ / ٣٠٧، ومغني المحتاج ١ / ٢٨٨.","vol":"1","page":106},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>[الفصل الثالث أركان خطبة الجمعة]</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>[التهميد]</span>\nالفصل الثالث\nأركان خطبة الجمعة (١) وفيه تمهيد، وستة مباحث:\nالتمهيد: وفيه خلاف الفقهاء في وجوب توفر أركان في الخطبة إجمالا.\nالمبحث الأول: حمد الله - تعالى -.\nالمبحث الثاني: الصلاة على النبي - ﷺ -.\nالمبحث الثالث: الموعظة.\nالمبحث الرابع: قراءة شيء من القرآن.\nالمبحث الخامس: حكم ترتيب هذه الأركان عند من قال بها.\nالمبحث السادس: الإتيان بهذه الأركان في كل خطبة من الخطبتين عند من قال بها.\n_________\n(١) هذه الأمور اختلف من قال بلزوم الإتيان بها وعدم صحة الخطبة بدونها في تسميتها فبعضهم يسميها أركانا، ومنهم: الغزالي في الوجيز ١ / ٦٣، والنووي في روضة الطالبين ٢ / ٢٤، وفي المنهاج، والشربيني في شرحه مغني المحتاج ١ / ٢٨٥، والزركشي في شرح الخرقي ٢ / ١٧٨، ومنهم من يسميها شروطا، ومنهم: أبو الخطاب في الهداية ١ / ٥٢، وابن قدامة في المغني ٣ / ١٧٣، والمرداوي في الإنصاف ٢ / ٣٨٧، ومنهم من يسميها فروضا، ومنهم: النووي في المجموع ٤ / ٥١٩، والمؤدى واحد، ولكني غلبت تسميتها أركانا تبعا لمن سماها، ولأن إطلاق الركن عند الفقهاء ينطبق عليها.","vol":"1","page":107},{"text":"التمهيد\nخلاف الفقهاء في وجوب توفر أركان في خطبة الجمعة إجمالا من المناسب قبل الكلام على ما ذكره بعض الفقهاء من أركان لخطبة الجمعة بالتفصيل التمهيد له بذكر الخلاف في مبدأ إيجاب توفر أركان لها وما تحصل به؛ لأن ما بعده من تفصيل القول في كل ركن على حدة ينبني عليه، وهذا الخلاف على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: ليس لها أركان، بل تحصل بما يقع عليه اسم الخطبة عرفا.\nوبهذا قال أبو يوسف (١) ومحمد بن الحسن (٢) صاحبا أبي\n_________\n(١) هو يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري، لزم أبا حنيفة، وغلب عليه الرأي، وكان له فضل كبير في نشر المذهب الحنفي، وولي قضاء بغداد، وهو أول من صنف في مذهب الحنفية، ومن مصنفاته: الخراج، والأمالي، وتوفي سنة ١٨٢ هـ.\n (ينظر: تذكرة الحفاظ ١ / ٢٩٢، وشذرات الذهب ١ / ٢٩٨) .\n(٢) هو محمد بن الحسن بن فرقد، الشيباني بالولاء، نشأ بالكوفة ولزم أبا حنيفة وأخذ عنه، ونشر مذهبه، وولاه الرشيد قضاء بغداد بعد أبي يوسف، وصنف مصنفات منها: الجامع الكبير، والصغير والمبسوط، وتوفي سنة ١٨٩ هـ.\n (ينظر: سير أعلام النبلاء ٩ / ١٣٤، والفوائد البهية ص (١٦٣) .","vol":"1","page":108},{"text":"حنيفة (١) والإمام مالك في رواية عنه، وهو المشهور من مذهب أصحابه (٢) .\nوهو الظاهر من قول شيخ الإسلام ابن تيمية - عليه رحمة الله - حيث جاء في الاختيارات: \" ولا يكفي في الخطبة ذم الدنيا وذكر الموت، بل لا بد من مسمى الخطبة عرفا، ولا تحصل باختصار يفوت به المقصود \" (٣) .\nواختاره الشيخ السعدي (٤) - ﵀ - حيث قال في معرض كلامه على الخطبتين: \" والصواب أنه إذا خطب خطبة يحصل بها المقصود والموعظة أن ذلك كاف وإن لم يلتزم بتلك المذكورات،\n_________\n(١) ينظر المبسوط ٢ / ٣٠، وبدائع الصنائع ١ / ٢٦٢، والهداية للمرغيناني ١ / ٨٣، وتبيين الحقائق ٢ / ٢٢٠.\n(٢) ينظر: الإشراف ١ / ١٣١، بداية المجتهد ١ / ١٦١، والكافي لابن عبد البر ١ / ٢٥١، والقوانين الفقهية ص (٨٦)، والفواكه الدواني ١ / ٣٠٦.\n(٣) الاختيارات ص (٧٩) .\n(٤) هو عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله آل سعدي، الناصري، التميمي، علامة القصيم في زمانه، كان حافظا ذكيا حريصا على طلب العلم منذ الصغر، أخذ الحديث عن إبراهيم الجاسر، والفقه والنحو عن محمد الشبل، ومختلف العلوم عن صالح بن عثمان القاضي، فصار علامة زمانه، وألف مؤلفات جليلة منها: تفسير الكريم المنان، والإرشاد إلى معرفة الأحكام، وتوفي سنة ١٣٧٦ هـ.\n (ينظر: النعت الأكمل ص (٤٢٨)، ومشاهير علماء نجد ص (٣٩٢) .","vol":"1","page":109},{"text":"نعم من كمال الخطبة الثناء على الله وعلى رسوله. . . \" (١) .\nوقال عندما سئل عن اشتراط الأركان الأربعة في كل من الخطبتين: \" اشتراط الفقهاء والأركان الأربعة في كل من الخطبتين فيه نظر، وإذا أتى في كل خطبة بما يحصل به المقصود من الخطبة الواعظة الملينة للقلوب فقد أتى بالخطبة، ولكن لا شك أن حمد الله، والصلاة على رسول الله - ﷺ -، وقراءة شيء من القرآن من مكملات الخطبة، وهي زينة لها \" (٢) . وبه قال ابن حزم (٣) .\nالقول الثاني: لا تحصل إلا بتوفر أركان فيها منها: حمد الله، والصلاة على النبي - ﷺ -، وقراءة آية، والوصية بتقوى الله.\nوبهذا قال الشافعية في المشهور من مذهبهم (٤) وهو\n_________\n(١) المختارات الجلية ص (٧٠) .\n(٢) الفتاوى السعدية ص (١٩٣) .\n(٣) ينظر المحلى ٥ / ٥٧.\n(٤) ينظر الوجيز ١ / ٦٣، وحلية العلماء ٢ / ٢٧٧، والمجموع ٤ / ٥٢٢، وروضة الطالبين ٢ / ٢٤، ومغني المحتاج ١ / ٢٨٥.","vol":"1","page":110},{"text":"المذهب عند الحنابلة (١) .\nولهم أقوال أخرى وتفصيلات سيأتي الكلام عليها عند ذكر كل ركن على حدة - إن شاء الله تعالى -.\nالقول الثالث: ليس لها أركان، بل تحتمل بذكر الله - تعالى - على قصد الخطبة، قل الذكر أو كثر، حتى لو سبح أو هلل أو حمد الله - تعالى - أجزأ.\nوبهذا قال الإمام أبو حنيفة (٢) . والإمام مالك في رواية عنه (٣) .\nالأدلة:\nأدلة أصحاب القول الأول: استدلوا بأدلة من السنة، والمعقول.\nأولا: من السنة: ما رواه مالك بن الحويرث - ﵁ - أن رسول الله\n_________\n(١) ينظر: الهداية لأبي خطاب ١ / ٥٢، والفروع ٢ / ١٠٩، والمحرر ١ / ١٤٦، والمغني ٣ / ١٧٣، وشرح الزركشي ٢ / ١٧٥، والإنصاف ٢ / ٣٨٧ - ٣٨٨.\n(٢) ينظر: المبسوط ٢ / ٣٠، وبدائع الصنائع ١ / ٢٦٢، والهداية للمرغيناني ١ / ٨٣، وتبيين الحقائق ١ / ٢٢٠.\n(٣) ينظر: الإشراف ١ / ١٣١.","vol":"1","page":111},{"text":"- ﷺ - قال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (١) .\nوجه الدلالة: أن النبي - ﷺ - أمرنا أن نصلي كما صلى، ويدخل في ذلك الخطبة للجمعة، ولم يكن يقتصر فيها على تسبيحة أو تسبيحتين (٢) .\nثانيا: من المعقول: ١ - أنه إذا وجب اسم الخطبة وجب الرجوع إلى العادة والعرف، والعرب تفرق بين الخطبة وغيرها، ولا تسمي من قال: سبحان الله، ولا إله إلا الله، وإن كرر خاطبا (٣) .\nمناقشة هذين الدليلين: أن المتأمل فيهما يتضح له أنهما عبارة عن رد على القول الثالث، وهو قول الإمام أبي حنيفة، وليس فيهما دلالة واضحة على القول الأول، والله أعلم.\n_________\n(١) تقدم تخريجه ص (٣٢) .\n(٢) ينظر: الإشراف ١ / ١٣٢.\n(٣) ينظر: المرجع السابق، والمبسوط ٢ / ٣٠، والهداية للمرغيناني ١ / ٨٣، وتبيين الحقائق ١ / ٢٢٠، وشرح النووي على صحيح مسلم ٦ / ١٥٠، ورؤوس المسائل الخلافية للعكبري ١ / ٣٣١.","vol":"1","page":112},{"text":"٢ - أن المشروط هو الخطبة، والخطبة في المتعارف اسم لما يشتمل على تحميد الله، والثناء عليه، والصلاة على رسول الله - ﷺ -، والدعاء للمسلمين، والوعظ والتذكير لهم، فينصرف المطلق إلى المتعارف (١) .\nأدلة أصحاب القول الثاني: استدلوا بأدلة من الكتاب، والسنة.\nأولا: من الكتاب: قول الله - تعالى -: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] (٢) .\nوجه الدلالة: أن الله أمر بالسعي إلى ذكره وهو الخطبة، وقد فسره بفعله كما سيأتي، فيجب الرجوع إلى تفسيره (٣) .\nثانيا: من السنة: ١ - ما رواه جابر بن سمرة - ﵁ - قال: «كانت صلاة رسول الله - ﷺ - قصدا، وخطبته قصدا، يقرأ آيات من القرآن، ويُذكّر الناس» (٤) .\n_________\n(١) ينظر: بدائع الصنائع ١ / ٢٦٢.\n(٢) سورة الجمعة، جزء من الآية رقم (٩) .\n(٣) ينظر: بدائع الصنائع ١ / ٢٦٢، والمغني ٣ / ١٧٥.\n(٤) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الجمعة - باب تخفيف الصلاة والخطبة - الحديث رقم (٨٦٦) .","vol":"1","page":113},{"text":"٢ - ما رواه جابر بن عبد الله - ﵄ - قال: «كان رسول الله - ﷺ - يخطب الناس، يحمد الله، ويثني عليه بما هو أهله، ثم يقول: من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وخير الحديث كتاب الله» (١) .\nوغيرهما من الأحاديث الواردة في هذا المعنى.\nمناقشة هذه الأدلة: تناقش من ثلاثة وجوه:\nالأول: أن هذا مجرد فعل، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب، بل على الاستحباب على القول الراجح (٢) ولم يرد ما\n_________\n(١) أخرجه مسلم في صحيحه في الكتاب والباب السابقين ٢ / ٥٩٣، الحديث رقم (٨٦٧) .\n(٢) ينظر في هذه المسألة: المحصول للرازي ٣ / ٣٤٦ وما بعدها، والإحكام للآمدي ١ / ١٧٣ - ١٨٥، ورجح الاستحباب، والتمهيد لأبي الخطاب ٢ / ٣١٧ - ٣٢٩، وشرح الكوكب المنير ٢ / ١٨٧ - ١٨٨، وشرح العضد لابن الحاجب ٢ / ٢٣، ورجح الاستحباب، وإرشاد الفحول لشوكاني ص (٣٦ - ٣٨)، ورجح الاستحباب أيضا، وفصل الكلام في المسألة ورجح الندب الأشقر في كتابه أفعال الرسول - ﷺ - ودلالتها على الأحكام الشرعية ٢ / ٣٢٣ - ٣٨١.","vol":"1","page":114},{"text":"يؤيد حمله على الوجوب.\nالثاني: أن الاستدلال بهذه الأدلة على الركنية قد يتحقق لو كان هناك تصريح بمداومته - ﷺ - على الإتيان بهذه الأمور في جميع خطبه، ولكن ذلك لم يكن هنا؛ لأن عبارة: \" كان. . . \" لا تدل على الدوام على أصح القولين، وإنما تدل على التكرار والعادة الماضية، فلا تصلح دليلا على وجوب الفعل حتى عند من يقول: إن المواظبة دليل الوجوب، فلو قال قائل: \" كان زيد يقري الضيف \" فإنه يدل على أن عادته وغالب أحواله، لا أنه لا يتخلف عن ذلك البتة (١) .\nالثالث: أن من أهل العلم من يقول: إن المداومة - على تقدير ثبوتها هنا - لا تدل على الوجوب (٢) وهو الأظهر.\nأدلة أصحاب القول الثالث: استدلوا بأدلة من الكتاب، والسنة، وآثار الصحابة - ﵃ -:\n_________\n(١) ينظر أفعال الرسول - ﷺ - ودلالتها على الأحكام الشرعية ٢ / ٥٠٧ - ٥١٠.\n(٢) ينظر المرجع السابق ٢ / ٤٧٧، ٥١٠.","vol":"1","page":115},{"text":"أولا: من الكتاب: قول الله - تعالى -: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] (١) .\nوجه الدلالة: أن الواجب في الآية هو ذكر الله، وذكر الله - تعالى - معلوم لا جهالة فيه، فلم يكن مجملا، لأنه تطاوع العمل من غير بيان يقترن به، فتقييده بذكر طويل لا يجوز إلا بدليل (٢) .\nمناقشة هذا الوجه: يناقش بأنه لا إشكال في معرفة ذكر الله - تعالى - عموما، ولكنه غير محدد المقدار، فيرجع إلى ما يناسب مقصود الشارع من الخطبة وما يسمى خطبة عرفا، لأن ما لم يرد تحديده في الشرع يرجع فيه إلى العرف، والله أعلم.\nثانيا: من السنة: ١ - ما رواه البراء (٣) بن عازب - ﵁ - قال: «جاء أعرابي إلى النبي - ﷺ - فقال: يا\n_________\n(١) سورة الجمعة، جزء من الآية رقم (٩) .\n(٢) ينظر: بدائع الصنائع ١ / ٢٦٢، وذكر معناه في المبسوط ٢ / ٣١.\n(٣) هو البراء ين عازب بن الحارث الأنصاري، الأوسي، الحارثي، يكنى بأبي عمارة، رده النبي - ﷺ - يوم بدر لصغره، وأول مشاهده أحد، وقيل: الخندق، وشهد ما بعدها، وشهد الجمل وصفين والنهروان مع علي؛ وتوفي أيام مصعب بن الزبير.\n (ينظر: أسد الغابة ١ / ١٧١، والاستيعاب ١ / ١٥٥) .","vol":"1","page":116},{"text":"رسول الله، علمني عملا يدخلني الجنة، فقال: لئن أقصرت الخطبة لقد أعرضت (١) المسألة» الحديث (٢) .\nوجه الدلالة: أن النبي - ﷺ - سمى كلام الأعرابي خطبه مع قلته، فدل على أن اسم الخطبة يقع على ذلك وأمثاله، وليس على الكلام الطويل فقط (٣) فتصح به الجمعة.\nمناقشة هذا الدليل: نوقش بأن تسمية النبي - ﷺ - لكلام الأعرابي هذا خطبة أسلوب من أساليب العرب غير الخطبة الشرعية المعروفة؛ لأن السؤال لا يسمى خطبة شرعا، ولذلك لو ألقى مسألة على الحاضرين لم يكف ذلك بالاتفاق (٤) .\n٢ - ما رواه عدي (٥) بن حاتم - ﵁ - «أن رجلا خطب عند النبي - ﷺ - فقال: (من يطع الله\n_________\n(١) قال الليث: أعرضت الشيء: جعلته عريضا. ومعنى الحديث: جئت بالخطبة قصيرة، وبالمسألة واسعة كبيرة.\n (ينظر: اللسان، مادة \" عرض \" ٧ / ١٦٦) .\n(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٤ / ٢٩٩.\n(٣) ينظر: المغني ٣ / ١٧٥.\n(٤) ينظر المرجع السابق.\n(٥) هو عدي بن حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج الطائي، ولد الجواد المشهور، يكنى بأبي طريف، صحابي شهير، أسلم سنة ٩، وقيل ١٠ هـ وكان نصرانيا، وكان ممن ثبت في الردة، وحضر فتوح العراق وحروب علي، ومات سنة ٨٠، وقيل: ٨٦ هـ.\n (ينظر: الإصابة ٤ / ٢٨٨، أسد الغابة ٣ / ٣٩٢) .","vol":"1","page":117},{"text":"ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، فقال رسول الله - ﷺ -: بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله)» (١) .\nوجه الدلالة: أن النبي - ﷺ - سماه خطيبا بهذا القدر القليل من الكلام، فدل على أن خطبة الجمعة تحصل بمثل ذلك (٢) .\nمناقشة هذا الدليل: نوقش من وجهين:\nالوجه الأول: أن الصحيح من أقوال أهل العلم كما ذكر النووي أن إنكار النبي - ﷺ- على الرجل كان بسبب اختصاره حيث قال: \" والصواب أن سبب النهي أن الخطبة شأنها البسط والإيضاح، واجتناب الإشارات والرموز \" (٣) وقد ساق - أي النووي - الأدلة على أن الإنكار ليس لأجل التشريك في الضمير، وبهذا يكون الحديث دليلا عليهم لا لهم.\n_________\n(١) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الجمعة - باب تخفيف الصلاة والخطبة ٢ / ٥٩٤، الحديث رقم (٨٧٠) .\n(٢) ينظر: بدائع الصنائع ١ / ٢٦٣.\n(٣) شرح صحيح مسلم ٦ / ١٥٩ - ١٦٠.","vol":"1","page":118},{"text":"الوجه الثاني: أنه ليس في الحديث ما يدل على أن الرجل اقتصر على هذا القدر، فيحتمل أن هذا مطلع خطبته، وأن الراوي ذكر منها ما أنكره النبي - ﷺ - عليه، والله أعلم.\n٣ - ما ورد من الأحاديث في الحث على تقصير الخطبة، ومن أبرزها ما روي عن عمار (١) - ﵁ - أنه خطب فأوجز، فقيل له: يا أبا اليقظان لقد أبلغت وأوجزت، فلو كنت تنفست (٢) فقال: إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة (٣) من فقهه، فأطيلوا الصلاة، وأقصروا الخطبة، وإن من البيان لسحرا» (٤) .\n_________\n(١) عمار بن ياسر بن عامر بن مالك العنسي، يكنى بأبي اليقظان، مولى بني مخزوم، صحابي جليل، من السابقين الأولين، شهد المشاهد كلها واليمامة، واستعمله عمر على الكوفة، وقتل مع علي بصفين سنة ٣٧ هـ.\n (ينظر: الإصابة ٤ / ٢٧٣، وطبقات ابن سعد ٣ / ٢٤٦) .\n(٢) قال النووي: أي أطلت كثيرا.\n(٣) قال ابن الأثير: أي إن ذلك ما يعرف به فقه الرجل، وكل شيء دل على شيء فهو مئنة له، (ينظر النهاية، مادة \" مأن \" ٤ / ٢٩٠) .\n(٤) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الجمعة - باب تخفيف الصلاة والخطبة ٢ / ٥٩٤، الحديث رقم (٨٦٩) .","vol":"1","page":119},{"text":"وجه الدلالة: أن النبي - ﷺ - ندب في هذا الحديث تقصير الخطبة، وقول: (الحمد لله) مثلا كلمة وجيزة تحتها معان جمة تشتمل على قدر الخطبة وزيادة، والمتكلم بقوله: (الحمد لله) كالذاكر لذلك كله، فيكون ذلك خطبة لكنها وجيزة، ويتحقق بها ما ندب إليه من التقصير (١) .\nمناقشة هذا الدليل: يناقش من وجهين:\nالوجه الأول: أن تقصير الخطبة المندوب إليه بهذا الحديث وأمثاله ليس إلى هذا الحد بالاقتصار على (الحمد لله) مثلا، فإن هذا لا يسمى خطبة لا شرعا ولا لغة ولا عرفا، بدليل أن النبي - ﷺ - كان يقرأ في خطبته آيات من القرآن، ويُذكّر الناس، ويحمد الله ويثني عليه، إلى غير ذلك في خطبته كما تقدم في حديثي جابر بن سمرة وجابر بن عبد الله - ﵄ - (٢) ولكنه لا يطيل إطالة مملة، ولا يمكن أن يندب إلى شيء ويخالفه بفعله، والله أعلم.\nالوجه الثاني: على تقدير التسليم بأن قول (الحمد لله)\n_________\n(١) ينظر: المبسوط ٢ / ٣١.\n(٢) تقدم تخريجهما ص (١١٣ - ١١٤) .","vol":"1","page":120},{"text":"يسمى خطبة بناء على ما يتضمنه من المعاني، فإن ذلك مما نهى عنه الشارع لاختصاره الشديد كما ذكر النووي في الوجه الأول من مناقشة الدليل السابق.\nثالثا: من آثار الصحابة - ﵃ -: ١ - ما روي عن عثمان بن عفان - ﵁ - أن لما استخلف خطب في أول جمعة، فلما قال: \" الحمد لله \"، أرتج عليه، فقال: \" أنتم إلى إمام فعال أحوج منكم إلى إمام قوال، وإن أبا بكر وعمر كانا يعدان لهذا المكان مقالا، وستأتيكم الخطب من بعد، وأستغفر الله لي ولكم \"، ونزل وصلى بهم الجمعة (١) .\nوجه الدلالة: أن عثمان - ﵁ - قد اقتصر على هذا الذكر القليل في خطبة الجمعة، وكان ذلك بمحضر من المهاجرين والأنصار، وصلوا خلفه، وما أنكروا عليه صنيعه مع أنهم كانوا موصوفين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكان هذا إجماعا من الصحابة - ﵃ - على أن الشرط هو\n_________\n(١) لم أطلع على هذا الأثر فيما بين يدي من كتب الآثار، وإنما أورده بعض الفقهاء في كتبهم مستدلا به، ومنهم: الكاساني في بدائع الصنائع ١ / ٢٦٢، والسرخسي في المبسوط ٢ / ٣٠ - ٣١، والزيلعي في تبيين الحقائق ١ / ٢٢٠، والحطاب في مواهب الجليل ٢ / ١٦٥ وغيرهم، ولم يعزوه لأحد.","vol":"1","page":121},{"text":"مطلق ذكر الله - تعالى -، ومطلق ذكر الله - تعالى - مما ينطلق عليه اسم الخطبة لغة، وإن كان لا ينطلق عليه عرفا (١) .\nمناقشة هذا الدليل: تكلم ابن العربي بكلام جيد جدا في مناقشة هذا الأثر، وأنه كذب حيث قال: \" وحكى المؤرخون عن عثمان كذبة عظيمة: أنه صعد المنبر فأرتج منه، فقال كلاما منه: وأنتم إلى إمام فعال أحوج منكم إلى إمام قوال، فيالله والعقول إن قلنا اليوم لا يرتج عليه، فكيف عثمان! لا سيما وأقوى أسباب الحصر في الخطبة أنه لا يدري ما يرمي السامعين ويميل قلوبهم؛ لأنه يقصد الظهور عندهم، ومن كان خطبته لله فليس يحصر عن حمد وصلاة وحض على خير، وتحذير من شر، أي شيء كان، ولم يخلق من تحصير إلا من كان له غرض غير الحق، فربما أعانه عليه بالفصاحة فتنة، وربما خلق له العي تعجيزا \" (٢) .\n٢ - ما روي عن الحجاج (٣) أنه لما أتى العراق صعد المنبر\n_________\n(١) بدائع الصنائع ١ / ٢٦٢.\n(٢) ينظر: عارضة الأحوذي ٢ / ٢٩٦، ونقله عن الحطاب في مواهب الجليل ٢ / ١٦٥.\n(٣) هو الحجاج بن يوسف بن الحكم الثقفي، الأمير الأموي الشهير، ولي إمرة العراق لعبد الملك بن مروان عشرين سنة، وقاتل عبد الله بن الزبير في الحجاز، وبنى مدينة واسط، وكان قائدا داهية، وخطيبا فصيحا، ومات سنة ٩٥ هـ.\n (ينظر: سير أعلام النبلاء ٤ / ٣٤٣، وتهذيب التهذيب ٢ / ٢١٠) .","vol":"1","page":122},{"text":"فقال: \" الحمد لله \"، فأرتج عليه، فقال: \" يا أيها الناس قد هالني كثرة رؤوسكم، وإحداقكم إلي بأعينكم، وإني لا أجمع عليكم بين الشح والعي، إن لي نعما في بني فلان فإذا قضيتم الصلاة فانتهبوها \"، ونزل وصلى معه من بقي من الصحابة كابن عمر، وأنس بن مالك - ﵃ - (١) .\nوجه الدلالة: أن ابن عمر وأنسا - ﵃ - صليا مع الحجاج مع اقتصاره في خطبته على هذا الكلام القليل، ولو كان غير مجزئ لأنكرا عليه ولم يصليا معه، لعدم الخطبة المجزئة.\nمناقشة هذا الدليل: يناقش بأنه على تقدير ثبوته فإنه تقرير صحابة، وهو مختلف بالاحتجاج به، لا سيما وقد خالف فعل النبي - ﷺ - كما تقدم، حيث كان يخطب بأكثر من ذلك، ويذكر الناس، كما خالف العرف.\nالترجيح: عند ال تأمل في الأقوال والأدلة في هذه المسألة يتضح أن الأظهر من الأقوال فيها - والله أعلم بالصواب - هو القول بأنه ليس لخطبة الجمعة أركان معينة بعينها غير تحصيل مقصودها وهو\n_________\n(١) لم أطلع على هذا الأثر فيما بين يدي من كتب الآثار، وقد ذكره مستدلا به السرخسي في المبسوط ٢ / ٣١.","vol":"1","page":123},{"text":"الوعظ والتذكير، فتحصل بما يطلق عليه خطبة في العرف؛ لأن المأمور به هو ذكر الله وتذكير الناس، ولم يرد تحديده في الشرع، وأما ما ذكره أصحاب القول الثاني فهو مجرد فعل، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب، كما أن القول بالركنية يقتضي بطلان الخطبة التي لا تشتمل على الأركان أو أحدها، وبالتالي بطلان صلاة الجمعة بأكملها، لأن الخطبة شرط لها كما تقدم في أول البحث، والقول بالبطلان دون دليل صريح وواضح الدلالة فيه صعوبة بالغة.","vol":"1","page":124},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>[المبحث الأول حمد الله تعالى]</span>\nالمبحث الأول\nحمد الله - تعالى - اختلف الفقهاء في حمد الله - تعالى - في خطبة الجمعة هل هو ركن، أو لا؟ وذلك على قولين:\nالقول الأول: أنه سنة.\nوبهذا قال الحنفية (١) والمالكية (٢) وهو ظاهر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن سعدي كما تقدم (٣) .\nوبه قال ابن حزم (٤) .\nالقول الثاني: أنه ركن، فلا تصح الخطبة إلا به.\nوبهذا قال الشافعية (٥) والحنابلة (٦) قال في الإنصاف:\n_________\n(١) ينظر: بدائع الصنائع ١ / ٢٦٣، والفتاوى الهندية ١ / ١٤٦، ومراقي الفلاح ص (١٠٣) .\n(٢) ينظر: المدونة ١ / ١٥٦، والإشراف ١ / ١٣٢، والفواكه الدواني ١ / ٣٠٦.\n(٣) ص (١٠٩) .\n(٤) ينظر: المحلى ٥ / ٥٧.\n(٥) ينظر: الحاوي ٣ / ٥٧، والوجيز ١ / ٦٣، وحلية العلماء ٢ / ٢٧٧، والمجموع ٤ / ٥١٩، وروضة الطالبين ٢ / ٢٤، ومغني المحتاج ١ / ٢٨٥.\n(٦) ينظر: الهداية لأبي الخطاب ١ / ٥٢، وشرح الزركشي ٢ / ١٧٥، والمغني ٣ / ١٧٣، والفروع ٢ / ١٠٩، والمحرر ١ / ١٤٦، والإنصاف ٢ / ٣٨٧.","vol":"1","page":125},{"text":"\" بلا نزاع \"، يعني عند الحنابلة (١) .\nالأدلة:\nأدلة أصحاب القول الأول: لم أعثر على تصريح لهم بدليل، ولكن ظاهر كلامهم الاستدلال بفعل النبي - ﷺ - كما في حديث جابر بن عبد الله - ﵁ - الآتي في أدلة أصحاب القول الثاني، فحملوه على الاستحباب؛ لكونه مجرد فعل، والله أعلم.\nأدلة أصحاب القول الثاني: ١ - ما رواه جابر بن عبد الله - ﵁ - قال: «كانت خطبة النبي - ﷺ - يوم الجمعة: يحمد الله ويثني عليه، ثم يقول على إثر ذلك - وقد علا صوته واشتدّ غضبه. . .» الحديث (٢) .\nقال النووي: \" فيه دليل للشافعي - ﵁ - أنه يجب حمد الله - تعالى - في الخطبة، ويتعين لفظه، ولا يقوم غيره\n_________\n(١) الإنصاف ٢ / ٣٨٧.\n(٢) أخرجه بهذا اللفظ مسلم في صحيحه في كتاب الجمعة - باب تخفيف الصلاة والخطبة ٢ / ٥٩٢، الحديث رقم (٨٦٧ / ٤٤) .","vol":"1","page":126},{"text":"مقامه \" (١) .\nمناقشة هذا الدليل: يناقش بأن هذا مجرد فعل، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب، بل على الاستحباب، كما أن لفظ: (كان. . . .) لا يدل على المداومة، وإن دل عليها فإنها لا تدل على الوجوب، كما تقدم بيانه (٢) .\n٢ - ما رواه أبو هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «كل كلامٍ لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم» (٣» (٤) .\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم ٦ / ١٥٦.\n(٢) ص (١١٤ - ١١٥) .\n(٣) قال الرازي في المختار: جذم الرجل صار أجذم: وهو المقطوع اليد.\n (مختار الصحاح، مادة \" جذم \" (٤٢) .\n(٤) أخرجه أبو داود في سننه في كتاب الأدب - باب الهدي في الكلام ٤ / ٢٦١ الحديث رقم (٤٨٤٠)، وقال: \" رواه يونس، وعقيل، وسعيد بن عبد العزيز عن الزهري عن النبي - ﷺ - مرسلا \"، وابن ماجه في كتاب النكاح - خطبة النكاح ١ / ٦١٠، الحديث رقم (١٨٩٤)، بلفظ (أقطع)، وقال السندي: \" الحديث حسنه ابن الصلاح والنووي \"، والإمام أحمد في مسنده ٢ / ٣٥٩، والدارقطني في سننه في كتاب الصلاة ١ / ٢٢٩، الحديث رقم (١) . وقال: \" تفرد به قرة. وأرسله غيره عن الزهري. وقرة ليس بقوي في الحديث، والمرسل هو الصواب \"، والبيهقي في سننه الكبرى في كتاب الجمعة - باب ما يستدل به على وجوب التحميد في خطبة الجمعة ٣ / ٢٠٩.","vol":"1","page":127},{"text":"مناقشة هذا الدليل: يناقش من ثلاثة وجوه:\nالوجه الأول: أن في ثبوته كلاما لأهل العلم كما في تخريجه.\nالوجه الثاني: على تقدير ثبوته فإنه ليس ظاهر في الدلالة على الوجوب؛ لأنه يفيد النقص، وغير الصحيح لا يوصف بالنقص وإنما يوصف بعدم الإجزاء.\nالوجه الثالث: على تقدير ثبوته لو دل على وجوب التحميد لدل على وجوبه في كل أمر ذي بال، ولا نعلم أحدا يقول بذلك (١) .\nالترجيح: الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بسنية حمد الله - تعالى - في الخطبة؛ لعدم ثبوت ما يدل على الركنية، وإنما الذي ثبت هو مجرد الفعل، وهو لا يدل على الركنية وإنما على الاستحباب كما ذكرت.\n_________\n(١) ذكر هذا الوجه صاحب الجوهر النقي بهامش سنن الكبرى للبيهقي ٣ / ٢٠٨.","vol":"1","page":128},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>[المبحث الثاني الصلاة على النبي ﷺ]</span>\nالمبحث الثاني\nالصلاة على النبي - ﷺ - اختلف الفقهاء في الصلاة على النبي - ﷺ - في خطبة الجمعة هل هي ركن، أو لا؟ وذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنها سنة.\nوبهذا قال الحنفية (١) والمالكية (٢) وبعض الحنابلة (٣) وذكره في المغني احتمالا (٤) واختاره ابن سعدي - ﵀ - كما تقدم (٥) .\nالقول الثاني: أنها ركن، فلا تصح الخطبة إلا بها.\n\" وبهذا قال الشافعية (٦) وهو المذهب عند الحنابلة، وعليه أكثرهم (٧) .\n_________\n(١) ينظر: بدائع الصنائع ١ / ٢٦٣، والفتاوى الهندية ١ / ١٤٦، ومراقي الفلاح ص (١٠٣) .\n(٢) ينظر: الإشراف ١ / ١٣٢، والفواكه الدواني ١ / ٣٠٦.\n(٣) ينظر: الإنصاف ٢ / ٣٨٧، والمبدع ٢ / ١٥٨.\n(٤) المغني ٣ / ١٧٤.\n(٥) ص (١٠٩) .\n(٦) ينظر: الحاوي ٣ / ٥٧ - ٥٨، والوجيز ١ / ٦٣، وحلية العلماء ٢ / ٢٧٧، والمجموع ٤ / ٥١٩، وروضة الطالبين ٢ / ٢٤ - ٢٥، ومغني المحتاج ١ / ٢٨٥.\n(٧) ينظر: الهداية لأبي الخطاب ١ / ٥٢، وشرح الزركشي ٢ / ١٧٥، والمغني ٣ / ١٧٣ - ١٧٤، والفروع ٢ / ١٠٩، والمحرر ١ / ١٤٦، والإنصاف ٢ / ٣٨٧.","vol":"1","page":129},{"text":"القول الثالث: أنها واجبة، وليست بركن يشترط الإتيان به.\nوهذا مروي عن شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - حيث جاء في الاختيارات: \" ويجب في الخطبة أن يشهد أن محمدا عبد الله ورسوله، وأوجب أبو العباس في موضع آخر الشهادتين، وتردد في وجوب الصلاة على النبي - ﷺ - في الخطبة، وقال في موضع آخر: ويحتمل - وهو الأشبه - أن الصلاة عليه - ﷺ - فيها واجبة. . . \" (١) .\nالأدلة:\nدليل أصحاب القول الأول: الظاهر أنهم يستدلون على السنية بما استدل به أصحاب القول الثاني، وأما عدم الركنية والوجوب فاستدلوا عليه بما يلي:\n١ - أن النبي - ﷺ - لم يذكر الصلاة عليه في خطبته، ولو كانت ركنا أو واجبا لذكره (٢) .\n_________\n(١) الاختيارات ص (٧٩ - ٨٠)، ونقله عنه تلميذه ابن مفلح في الفروع ٢ / ١٠٩، والمرداوي في الإنصاف ٢ / ٣٨٧، ونقل - أي المرداوي - عن المجد أنه اختار الصلاة على النبي - ﷺ - أو يشهد أنه عبد الله ورسوله، فالواجب عنده ذكر الشهادة للرسول - ﷺ - بالرسالة لا لفظ الصلاة.\n(٢) ينظر: مغني المحتاج ١ / ٢٨٥، والمغني ٣ / ١٧٤، والمبدع ٢ / ١٥٨.","vol":"1","page":130},{"text":"٢ - أن الأصل عدم الركنية والوجوب، فيعمل به (١) .\nأدلة أصحاب القول الثاني. استدلوا بأدلة من السنة، والمعقول:\nأولا: من السنة. ما رواه أبو هريرة - ﵁ - في ذكر إسراء النبي - ﷺ - وذكر فيه قول الله - تعالى -: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤] (٢) قال: «فلا أُذكر إلا ذكرت معي، وجعلت أمتك لا تجوز لهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي» (٣) .\nوهذا واضح الدلالة.\nمناقشة هذا الدليل: يناقش من ثلاثة وجوه:\n_________\n(١) ينظر: المبدع ٢ / ١٥٨.\n(٢) سورة الشرح، الآية رقم (٤) .\n(٣) هكذا ذكره الزركشي في شرحه ٢ / ١٧٥ مستدلا به، وذكره ابن قدامة في المغني ٣ / ١٧٤ بمعناه، وقد عزاه الزركشي للخلال في كتاب العلم وكتاب السنة، ولم أعثر عليه فيما بين يدي من كتب السنة، وقد أخرج البيهقي في سننه الكبرى في كتاب الجمعة - باب ما يستدل به على وجوب ذكر النبي - ﷺ - في الخطبة ٣ / ٢٠٩ عن مجاهد في قوله: (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ) قال: لا أذكر إلا ذكرت أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله \".","vol":"1","page":131},{"text":"الوجه الأول: أن مبنى الاستدلال على ثبوت الدليل، وهذا مما لم يتحقق لي في هذا الحديث كما في تخريجه.\nالوجه الثاني: على تقدير ثبوته فقد نوقش الاستدلال بـ وَرَفَعْنَا بأنه خبر لا عموم فيه، وقد أريد به كلمة الشهادة ونحوها، فلا يلزم إرادة غير ذلك، فإن قيل: تجعل خبرا بمعنى الأمر، رُدَّ بأن جعل الأمر فيه للوجوب يلزم منه مخالفة الإجماع، إذ لا يعلم أحد يقول بوجوب ذكره - ﵊ - كلما ذكر الله - تعالى - وإن جعل للاستحباب بطل الاستدلال (١) .\nالوجه الثالث: على تقدير ثبوته فإنه يدل على الشهادة لا على الصلاة.\nثانيا: من المعقول: أن الخطبة عبادة افتقرت إلى ذكر الله - تعالى - فافتقرت إلى ذكر رسوله - ﷺ - كالأذان، والتشهد، والصلاة (٢) .\n_________\n(١) ذكر هذا الوجه ابن التركماني في الجوهر النقي بهامش السنن الكبرى للبيهقي ٣ / ٣٠٩.\n(٢) ينظر: المهذب مع المجموع ٤ / ٥١٦، ومغني المحتاج ١ / ٢٨٥، وشرح الزركشي ٢ / ١٧٥، والمغني ٣ / ١٧٤، والمبدع ٢ / ١٥٨، وكشاف القناع ٢ / ٣٢.","vol":"1","page":132},{"text":"مناقشة هذا الدليل: يناقش بأن هذا وإن كان حاصلا في بعض العبادات فهو غير مطرد، فمثلا الوضوء تشرع له التسمية ولا تشرع له الصلاة على النبي - ﷺ -، وكذلك الذكاة وغيرهما، حتى الأذان يشرع فيه ذكر الرسول - ﷺ - لا الصلاة عليه. وأما القول الثالث فلم أطلع على دليل له، إلا أن يكون ما قاله أصحاب القول الثاني في دليلهم العقلي، وقد تمت مناقشته، والله أعلم.\nالترجيح: الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بسنية الصلاة على رسول الله - ﷺ - في خطبة الجمعة، لعدم ثبوت ما يدل على ركنيتها أو وجوبها حسب اطلاعي، ولما استدلوا به.","vol":"1","page":133},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>[المبحث الثالث الموعظة]</span>\nالمبحث الثالث: الموعظة اختلف الفقهاء في اشتمال خطبة الجمعة على الموعظة هل هو ركن من أركانها، أم لا؟ على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أنها ركن، فلا بد من اشتمالها على الموعظة، ولا يتعين لفظ الوصية بتقوى الله - تعالى - بل يقوم مقامه أي وعظ كان، ولا يكفي ذم الدنيا والتحذير من الاغترار بها. وبهذا قال الإمام الشافعي وجمهور أصحابه (١) وظاهر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية الميل إلى ذلك، حيث جاء في الاختيارات: \" ولا يكفي في الخطبة ذم الدنيا وذكر الموت، بل لا بد من مسمى الخطبة عرفا. . . وأما الأمر بتقوى الله فالواجب إما معنى ذلك، وهو الأشبه من أن يقال الواجب لفظ التقوى \" (٢) .\nكما اختاره ابن سعدي كما تقدم (٣) .\n_________\n(١) ينظر: الحاوي ٣ / ٥٧ - ٥٨، والوجيز ١ / ٦٤، والمجموع ٤ / ٥١٩، وروضة الطالبين ٢ / ٢٥، ومغني المحتاج ١ / ٢٨٥.\n(٢) الاختيارات ص (٧٩ -٨٠) .\n(٣) ص (١٠٩) .","vol":"1","page":134},{"text":"القول الثاني: أنها ركن فلا بد من اشتمالها على الموعظة، وتحين في ذلك لفظ الوصية بتقوى الله - تعالى -.\nوبهذا قال الشافعية في وجه عندهم (١) لكن قال عنه النووي: \" وهذا ضعيف أو باطل \" (٢) . وهو المذهب عند الحنابلة، وعليه أكثرهم، وقطع به كثير منهم (٣) .\nالقول الثالث: أنها سنة.\nوبهذا قال الحنفية (٤) والمالكية (٥) .\nالأدلة:\nأدلة أصحاب القول الأول: أولا: استدلوا على الركنية بأدلة من السنة، والمعقول:\n_________\n(١) ينظر: المجموع ٤ / ٥١٩ - ٥٢٠، وروضة الطالبين ٢ / ٢٥، ومغني المحتاج ١ / ٢٨٥.\n(٢) ينظر: المجموع ٤ / ٥٢٠.\n(٣) ينظر: الهداية لأبي الخطاب ١ / ٥٢، وشرح الزركشي ٢ / ١٧٧ - ١٧٨، والفروع ٢ / ١٠٩ - ١١٠، والمحرر ١ / ١٤٧، والإنصاف ٢ / ٣٨٨، والمبدع ٢ / ١٥٨.\n(٤) ينظر: الفتاوى الهندية ١ / ١٤٧، ومراقي الفلاح ص (١٠٣) .\n(٥) ينظر: الإشراف ١ / ١٣٢.","vol":"1","page":135},{"text":"فمن السنة: ما جاء في حديث جابر بن سمرة - ﵁ - قال: «كان للنبي - ﷺ - خطبتان، يجلس بينهما، يقرأ القرآن، ويذكِّر الناس» (١) .\nفالشاهد من الحديث قوله: (ويذكِّر الناس) .\nقال النووي: \" فيه دليل للشافعي في أنه يشترط في الخطبة الوعظ والقرآن \" (٢) .\nمناقشة هذا الدليل: يناقش بأن هذا مجرد فعل، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب، بل على الاستحباب، وأن لفظ: (كان. . .) لا يدل على المداومة، وإن دل عليها فإنها لا تدل على الوجوب كما تقدم (٣) .\nومن المعقول: أن المقصود من خطبة الجمعة الموعظة، فلا يجوز الإخلال بها (٤) .\n_________\n(١) تقدم تخريجه ص (٣٢) .\n(٢) ينظر: شرح صحيح مسلم ٦ / ١٥٠، وقد استدل به على ذلك أيضا الشيرازي في المهذب ٤ / ٥١٦، والزركشي في شرح الخرقي ٢ / ١٧٧.\n(٣) ص (١١٤ - ١١٥) .\n(٤) ينظر: المهذب مع المجموع ٤ / ٥١٦، ومغني المحتاج ١ / ٢٨٥، وشرح الزركشي ٢ / ١٧٧، والمبدع ٢ / ١٥٨، وكشاف القناع ٢ / ٣٢.","vol":"1","page":136},{"text":"ثانيا: واستدلوا على عدم تعين لفظ الوصية بتقوى الله - تعالى - بما يلي:\nأن الغرض هو الوعظ والحمل على طاعة الله - تعالى - فيكفي ما دل على الموعظة طويلا كان أو قصيرا، كأطيعوا الله وراقبوه، ولا يتعين لفظ التقوى (١) .\nثالثا: واستدلوا على أنه لا يكفي في الوعظ ذم الدنيا والتحذير من الاغترار بها بما يلي:\nأن ذلك قد يتواصى به منكرو الشرائع والبعث، فلا بد من الحمل على طاعة الله، والمنع من معصيته (٢) .\nأدلة أصحاب القول الثاني: أولا: استدلوا على الركنية بما استدل به أصحاب القول الأول.\nثانيا: استدلوا على تعين الوصية بتقوى الله - تعالى - بأدلة من الكتاب، والمعقول.\nفمن الكتاب: قول الله - تعالى -: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١] الآية (٣) .\n_________\n(١) ينظر: مغني المحتاج ١ / ٢٨٥.\n(٢) ينظر المرجع السابق، والمجموع ٤ / ٥٢٠.\n(٣) سورة النساء، جزء من الآية رقم (١٣١) .","vol":"1","page":137},{"text":"وجه الدلالة: أن الموعظة جاءت في هذه الآية بلفظ التقوى، فيتعين هذا اللفظ في خطبة الجمعة (١) .\nمناقشة هذا الدليل: يناقش بأنه غير ظاهر الدلالة، فلا ارتباط بين لفظ التقوى في هذه الآية وبين تعينه في خطبة الجمعة، والله أعلم.\nومن المعقول: أن لفظ التقوى يتعين في خطبة الجمعة كلفظ الحمد، والصلاة على رسول الله - ﷺ - (٢) .\nمناقشة هذا الدليل: يناقش من وجهين:\nالوجه الأول: أن تعين لفظ الحمد والصلاة على رسول الله - ﷺ - في الخطبة محل خلاف، فمن الفقهاء من يقول: لا يتعين (٣) .\nالوجه الثاني: على القول بتعين لفظ الحمد والصلاة على رسول الله - ﷺ - فقد نوقش بأن لفظ الحمد والصلاة تعبدنا به في مواضع، وأما لفظ الوصية فلم يرد نص بالأمر به ولا بتعينه (٤) .\n_________\n(١) هكذا جاء في الاختيارات الاستدلال بهذه الآية ص (٨٠) .\n(٢) ينظر: المجموع ٤ / ٥٢٠، ومغني المحتاج ١ / ٢٨٥.\n(٣) ينظر: المجموع ٤ / ٥١٩.\n(٤) ينظر المرجع السابق ٤ / ٥٢٠.","vol":"1","page":138},{"text":"دليل أصحاب القول الثالث: أن المطلوب للجمعة هو الخطبة، واسم الخطبة يقع على الكلام المجتمع أو الوصف وإن لم يشتمل على الموعظة، فلا تكون ركنا يجب الإتيان به (١) .\nمناقشة هذا الدليل: يناقش بأنه وإن كان ذلك خطبة إلا أن لها مقصدا، لا بد أن تحققه، وهو هنا الوعظ، فإذا لم تحقق مقصدها لم تكن الخطبة المطلوبة.\nالترجيح: الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بأن الوعظ ركن في خطبة الجمعة يجب الإتيان به، ولكن لا يتعين لفظ الوصية بتقوى الله - تعالى - بل يتحقق بما يفيد الموعظة بحسب الحال وحاجة المخاطبين ومصلحتهم، وهذا باب واسع، لما استدل به أصحاب هذا القول، ولأن هذا هو منهج النبي - ﷺ -، قال ابن القيم - ﵀ -: \" وكان مدار خطبته على حمد الله، والثناء عليه بآلائه، وأوصاف كماله ومحامده، وتعليم قواعد الإسلام، وذكر الجنة والنار والمعاد، والأمر بتقوى الله، وتبيين موارد غضبه\n_________\n(١) ينظر: الإشراف ١ / ١٣٢.","vol":"1","page":139},{"text":"ومواقع رضاه، فعلى هذا كان مدار خطبه. . . وكان يخطب كل وقت بما تقتضيه حاجة المخاطبين ومصلحتهم \" (١) .\nوكلام ابن القيم هذا يدل على أن الضابط في الوعظ هو كل ما يدعو إلى رضوان الله وجنته من الاستقامة على دينه والتمسك بشريعته في العبادات والمعاملات والقضايا الاجتماعية ونحوها، ويحذر من موارد سخطه وعقابه، في كل وقت بما يناسبه ويناسب حال السامعين، والله أعلم.\n_________\n(١) ينظر: زاد المعاد ١ / ١٨٨.","vol":"1","page":140},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>[المبحث الرابع قراءة شيء من القرآن]</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>[المطلب الأول حكم قراءة شيء من القرآن في الخطبة]</span>\nالمبحث الرابع\nقراءة شيء من القرآن وفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: حكم قراءة شيء من القرآن في الخطبة.\nالمطلب الثاني: أقل مقدار القراءة.\nالمطلب الثالث: قراءة ما فيه سجود تلاوة في الخطبة، والسجود له.\nالمطلب الأول\nحكم قراءة شيء من القرآن في الخطبة اتفق أصحاب المذاهب على مشروعيتها كما هو ظاهر من أقوالهم الآتية، قال النووي: \" مشروعة بلا خلاف \" (١) ولكنهم اختلفوا في اشتراطها على قولين:\nالقول الأول: أنها سنة.\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم ٦ / ١٦٠.","vol":"1","page":141},{"text":"وبهذا قال الحنفية (١) والمالكية (٢) والشافعية في وجه عندهم (٣) والإمام أحمد في رواية عنه، وبها أخذ بعض أصحابه (٤) كما اختاره ابن سعدي كما تقدم (٥) .\nالقول الثاني: أنها ركن، فلا تصح الخطبة إلا بها.\nوبهذا قال الإمام الشافعي، وهو الوجه المشهور عند أصحابه (٦) والإمام أحمد في الرواية المشهورة عنه، وهو الصحيح من المذهب عند أصحابه، وعليها أكثرهم (٧) .\nالأدلة:\nأدلة أصحاب القول الأول:\n_________\n(١) ينظر: المبسوط ٢ / ٢٦، وبدائع الصنائع ١ / ٢٦٣، ومجمع الأنهر ١ / ١٦٨، والفتاوى الهندية ١ / ١٤٧.\n(٢) ينظر: الشرح الصغير ١ / ١٨١، وحاشية الدسوقي ١ / ٣٨٢، والتاج والإكليل بهامش مواهب الجليل ٢ / ١٧٢.\n(٣) ينظر: المجموع ٤ / ٥٢٠، وروضة الطالبين ٢ / ٢٥، ومغني المحتاج ١ / ٢٨٦.\n(٤) ينظر: المغني ٣ / ١٧٦، والفروع ٢ / ١١٠، والإنصاف ٢ / ٣٨٨، والمبدع ٢ / ١٥٨.\n(٥) ص (١٠٩) .\n(٦) ينظر: الأم ١ / ٢٣٠، والحاوي ٣ / ٥٧ - ٥٨، وحلية العلماء ٢ / ٢٧٧ - ٢٧٨، والمجموع ٤ / ٥٢٠، وروضة الطالبين ٢ / ٢٥، ومغني المحتاج ١ / ٢٨٦.\n(٧) ينظر: الهداية لأبي الخطاب ١ / ٥٢، وشرح الزركشي ٢ / ١٧٦، والمغني ٣ / ١٧٤، والفروع ٢ / ١١٠، والمحرر ١ / ١٤٧، والإنصاف ٢ / ٣٨٧.","vol":"1","page":142},{"text":"استدلوا بأدلة من الكتاب، والسنة:\nأولا: من الكتاب: ١ - قول الله - ﷿ -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] الآية (١) .\nوجه الدلالة: أن الله - تعالى - أمر بالذكر مطلقا عن قيد القراءة، فلا تُجعل شرطا بخبر الواحد، لما يترتب عليه من نسخ الكتاب بخبر الواحد، وهو غير صالح لذلك، ولكن يصلح مكملا له (٢) .\nمناقشة هذا الدليل: يناقش بأن هذا لا يُعدُّ نسخا، لأن النسخ رفع للحكم الذي تضمنه النص، وإبطال للعمل به، وليس هذا حاصلا هنا.\n٢ - قول الله - ﷿ -: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] (٣) .\nوجه الدلالة: أن هذه نزلت في الخطبة، وسمَّاها الله - تعالى\n_________\n(١) سورة الجمعة، جزء من الآية رقم (٩) .\n(٢) ينظر: بدائع الصنائع ١ / ٢٦٣.\n(٣) سورة الأعراف، الآية رقم (٢٠٤) .","vol":"1","page":143},{"text":"- قرآنا لما فيها من قراءة القرآن، وكان الرسول - ﷺ - يُبلِّغ أصحابه ما أنزل الله عليه في خطبته (١) .\nولكن فيما نزلت فيه الآية خلاف، هذا أحد الأقوال فيها.\nثانيا: من السنة: ما روي عن النبي - ﷺ - أنه قرأ في خطبته ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] (٢) (٣) .\nوهذا واضح الدلالة على فعل النبي - ﷺ - ولكنه لم يثبت لعدم الاطلاع على سند له، ولكن يغني عنه ما استدل به أصحاب القول الثاني كما سيأتي.\nأدلة أصحاب القول الثاني: استدلوا بأدلة من السنة، وآثار الصحابة، والمعقول.\nأولا: من السنة: ما ورد من فعل النبي - ﷺ - ومن ذلك:\n_________\n(١) ينظر: المبسوط ٢ / ٢٦.\n(٢) سورة البقرة، جزء من الآية رقم (٢٨١) .\n(٣) ذكره مستدلا به الشرنبلالي في مراقي الفلاح ص (١٠٣)، ولم يعزه لأحد، ولما عثر عليه فيما بين يدي من كتب الحديث.","vol":"1","page":144},{"text":"١ - ما رواه جابر بن سمرة - ﵁ - قال: «كان للنبي - ﷺ - خطبتان، يجلس بينهما، يقرأ القرآن، ويُذكِّر الناس» (١) .\nقال النووي: \" فيه دليل للشافعي في أنه يشترط في الخطبة الوعظ والقرآن \" (٢) .\n٢ - ما روته أم هشام (٣) بنت حارثة بن النعمان - ﵂ - قالت: «ما أخذتُ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١] (٤) إلا عن لسان رسول الله - ﷺ» -)، وعن عمرة (٥) .\n_________\n(١) أخرجه بهذا اللفظ مسلم في صحيحه في كتاب الجمعة - باب ذكر الخطبتين قبل الصلاة وما فيها من الجلسة ٢ / ٥٨٩، الحديث رقم (٨٦٢) .\n(٢) شرح النووي على صحيح مسلم ٦ / ١٥٠.\n(٣) هي أم هشام بنت حارثة بن النعمان بن يفع بن زيد الأنصارية، أسلمت وبايعت النبي - ﷺ - وروت عنه، وروت عنها أختها لأمها عمرة بنت عبد الرحمن، وعبد الرحمن بن سعد بن زرارة وغيرهما، وتزوجها عمارة بن الحبحاب.\n (ينظر: أسد الغابة ٥ / ٦٢٥، والإصابة ٤ / ٥٠٤) .\n(٤) سورة (ق)، الآية رقم (١) .\n(٥) هي عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة بن عدس الأنصارية، كانت في حجر عائشة، وثّقها ابن معين، والعجلي، وابن حبان، وقال عمر بن عبد العزيز: ما بقي أحد أعلم بحديث عائشة من عمرة: توفيت سنة ٩٨ هـ.\n (ينظر: طبقات ابن سعد ٨ / ٤٨٠، وتهذيب التهذيب ١٢ / ٤٣٨) .","vol":"1","page":145},{"text":"بنت عبد الرحمن عن أختٍ لعمرة (١) قالت: «أخذتُ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١] (٢) من فِي رسول الله - ﷺ - يوم الجمعة وهو يقرأ بها على المنبر في كل جمعة» (٣) .\nوهذا واضح الدلالة، قال النووي: \" وفيه دليل للقراءة في الخطبة \" (٤) .\n٣ - ما رواه أبو سعيد الخدري - ﵁ - قال: «قرأ رسول الله - ﷺ - وهو على المنبر (ص) فلما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد الناس معه، فلما كان يوم آخر قرأها، فلما بلغ السجدة تَشَزَّنَ (٥) الناس للسجود، فقال النبي - ﷺ -: إنما هي توبة نبي، ولكني\n_________\n(١) الظاهر أنها أم هشام السابقة، لأنها أخت عمرة لأمها، وقد روت عنها كما تقدم في ترجمتها.\n(٢) سورة (ق)، الآية رقم (١) .\n(٣) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الجمعة - باب تخفيف الصلاة والخطبة ٢ / ٥٩٥، الحديث رقم (٨٧٢)، قال النووي في شرحه ٦ / ١٦١: \" هذا صحيح يحتج به، ولا يضر عدم تسميتها؛ لأنها صحابية، والصحابة كلهم عدول \".\n(٤) شرح صحيح مسلم ٦ / ١٦١.\n(٥) التشزن: هو التأهب والتهيؤ للشيء، والاستعداد له.\n (ينظر: النهاية، مادة \" شزن \" ٢ / ٤٧١) .","vol":"1","page":146},{"text":"رأيتكم تشزنتم للسجود، فنزل فسجد فسجدوا» (١) .\nوهذا - أيضا - واضح الدلالة.\n٤ - ما رواه صفوان (٢) بن يعلى عن أبيه «أنه سمع النبي - ﷺ - يقرأ: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ﴾ [الزخرف: ٧٧]» (٣) (٤) .\nوهذا - أيضا - واضح الدلالة، قال النووي: \" فيه القراءة في الخطبة \" (٥) .\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في سننه في كتاب الصلاة - أبواب قراءة القرآن وتحزيبه وترتيله - باب السجود في (ص) ٢ / ٥٩ - ٦٠، الحديث رقم (١٤١٠) وسكت عنه، والدارقطني في كتاب الصلاة - باب سجود القرآن ١ / ٤٠٨، الحديث رقم (٧)، والبيهقي في كتاب الصلاة - باب سجدة (ص) ٢ / ٣١٨ وقال: هذا حسن الإسناد صحيح \"، والحاكم في كتاب الجمعة ١ / ٢٨٤ - ٢٨٥، وقال: \" هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه \".\nوقال النووي في المجموع ٤ / ٥١٨: \" صحيح، رواه أبو داود وغيره بأسانيد صحيحة \".\n(٢) هو صفوان بن يعلى التميمي، المكي، حليف لقريش، روى عن أبيه، وروى عنه عطاء بن أبي رباح وغيره، ووثقه ابن حجر وغيره.\n (ينظر: الجرح والتعديل ٤ / ٤٢٣، التقريب (١ / ٣٦٩) .\n(٣) سورة الزخرف، جزء من الآية رقم (٧٧) .\n(٤) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الجمعة - باب تخفيف الصلاة والخطبة ٢ / ٥٩٤ - ٥٩٥، الحديث رقم (٨٧١) .\n(٥) شرح صحيح مسلم ٦ / ١٦٠.","vol":"1","page":147},{"text":"مناقشة هذه الأدلة: تناقش بأنها مجرد أفعال، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب، وإنما يدل على الاستحباب، وأن لفظ (كان. . .) لا يدل على المداومة، وإن دلَّ عليها فإنها لا تدل على الوجوب كما تقدم بيانه (١) .\nثانيا: من آثار الصحابة - ﵃ -: ما رواه ربيعة (٢) بن عبد الله بن الهدير أن عمر بن الخطاب - ﵁ - قرأ يوم الجمعة على المنبر بسورة النحل حتى إذا جاء السجدة نزل فسجد، وسجد الناس، حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها، حتى إذا جاء السجدة قال: \" يا أيها الناس إنا نمر بالسجود فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه \"، ولم يسجد عمر - ﵁ - (٣) .\n_________\n(١) ص (١١٤- ١١٥) .\n(٢) هو ربيعة بن عبد الله بن الهدير، ويقال: ابن ربيعة بن الهدير بن عبد العزى التميمي، المدني، ولد في عهد النبي - ﷺ - وروى عن أبي بكر وعمر - ﵄ - وغيرهما، قال عنه الدارقطني: تابعي كبير قليل السند، توفي سنة ٩٣ هـ.\n (ينظر: الاستيعاب ١ / ٥١٤، والإصابة ١ / ٥٢٣، وتهذيب التهذيب ٣ / ٢٥٧) .\n(٣) أخرجه البخاري في صحيحه في أبواب سجود القرآن وسننها - باب من رأى أن الله - ﷿ - لم يوجب السجود ٢ / ٣٣ - ٣٤.","vol":"1","page":148},{"text":"وهذا واضح الدلالة.\nمناقشة هذا الدليل: يناقش بما سبق من مناقشة الأحاديث من أنه مجرد فعل، فلا يدل على الوجوب.\nثالثا: من المعقول: أن الخطبة فرض في الجمعة، فتجب فيها قراءة القرآن، كالصلاة (١) .\nمناقشة هذا الدليل: يناقش بأنه قياس مع الفارق، فلا يشترط في الخطبة ما يشترط في الصلاة من استقبال القبلة وغيرها، إلا أنه تجوز فيها مخاطبة الإمام للمأمومين، ومخاطبتهم له عند الحاجة كما سيأتي - إن شاء الله - في موضعه.\nالترجيح: الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بسنية قراءة شيء من القرآن في خطبة الجمعة؛ لعدم ورود ما يدل على الركنية، وإنما الوارد هو مجرد الفعل، والفعل المجرد كما ذكرت يدل على الاستحباب.\n_________\n(١) ينظر: الكافي لابن قدامة ١ / ٢٢١، والمبدع ١ / ١٥٨، وكشاف القناع ٢ / ٣٢.","vol":"1","page":149},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>[المطلب الثاني أقل مقدار للقراءة]</span>\nالمطلب الثاني\nأقل مقدار للقراءة اختلف الفقهاء - سواء من قال بالسنية أو الركنية - في أقل مقدار من القرآن يقرأ في خطبة الجمعة، وذلك على أربعة أقوال: القول الأول: يجزئ ما دون آية إذا استقل بمعنى، ولا يجزئ ما لا يستقل ولو كان آية كاملة.\nوبهذا قال بعض الحنابلة (١) .\nالقول الثاني: أقله آية، سواء كانت طويلة أو قصيرة.\nوبهذا قال المالكية (٢) والإمام الشافعي وأصحابه (٣) والإمام أحمد في رواية عنه، وهو الصحيح من المذهب عند أصحابه، وعليه أكثرهم (٤) .\nالقول الثالث: أن أقله ثلاث آيات أو آية طويلة.\n_________\n(١) ينظر: شرح الزركشي ٢ / ١٧٩، والفروع ٢ / ١١٠، والإنصاف ٢ / ٣٨٨.\n(٢) ينظر: الشرح الصغير للدردير ١ / ١٨١.\n(٣) ينظر: الأم ١ / ٢٣١، والمجموع ٤ / ٥٢٠، وروضة الطالبين ٢ / ٢٥، ومغني المحتاج ١ / ٢٨٦.\n(٤) ينظر: الهداية لأبي الخطاب ١ / ٥٢، وشرح الزركشي ٢ / ١٧٩، والمغني ٣ / ١٧٥، والفروع ٢ / ١١٠، والإنصاف ٢ / ٣٨٧، والمبدع ٢ / ١٥٨، وقال بعضهم: لا بد أن تستقل بمعنى.","vol":"1","page":150},{"text":"وهذا هو الظاهر من مذهب الحنفية (١) جاء في الفتاوى الهندية: \" ومقدار ما يقرأ فيها [يعني خطبة الجمعة] من القرآن ثلاث آيات قصار أو آية طويلة \" (٢) .\nالقول الرابع: يجزئ ما دون آية مطلقا.\nوبهذا قال الإمام أحمد في رواية عنه، وبها أخذ بعض أصحابه (٣) .\nالأدلة:\nدليل أصحاب القول الأول: أصحاب هذا القول نظروا إلى المعنى، فما لم يستقل بمعنى لا يحصل به المقصود من القراءة، فلا فائدة منه فلا يجزئ ولو كان آية كاملة، وما استقل بمعنى أجزأ ولو كان دون آية (٤) .\nأدلة أصحاب القول الثاني: ١ - أن النبي - ﷺ - لم يقتصر في قراءته في\n_________\n(١) ينظر: المبسوط ٢ / ٢٦، والفتاوى الهندية ١ / ١٤٧.\n(٢) الفتاوى الهندية ١ / ١٤٧.\n(٣) ينظر: شرح الزركشي ٢ / ١٧٩، والكافي لابن قدامة ١ / ٢٢١، والفروع ٢ / ١١٠، والإنصاف ٢ / ٣٨٨.\n(٤) ينظر: شرح الزركشي ٢ / ١٧٩.","vol":"1","page":151},{"text":"خطبة الجمعة على أقل من آية (١) .\n٢ - أن الحكم لا يتعلق بما دون الآية، بدليل منع الجنب من قراءتها دون ما هو أقل منها (٢) .\nمناقشة هذا الدليل: يناقش بأن قراءة الجنب لما دون آية محل خلاف، فمن الفقهاء من يرى منع قراءته، بل هو رواية عن الإمام أحمد، وأخذ بها بعض أصحابه (٣) .\nدليل أصحاب القول الثالث: أن فرض قراءة القرآن في الصلاة يتأدى بثلاث آيات قصار أو آية طويلة، فسنة القراءة في الخطبه تتأدى بهذا القدر من باب أولى (٤) .\nمناقشة هذا الدليل: يناقش بعدم التسليم بأن المفروض في الصلاة قراءة ثلاث آيات قصار أو آية طويلة، بل المفروض هو قراءة الفاتحة بعينها.\n_________\n(١) ينظر: المغني ٣ / ١٧٥، والشرح الكبير ٢ / ١٨٣.\n(٢) ينظر: المغني ٣ / ١٧٥، والمبدع ٢ / ١٥٨، وكشاف القناع ٢ / ٣٢.\n(٣) ينظر: الفروع ١ / ٢٠١، والإنصاف ١ / ٢٤٣، والمبدع ١ / ١٨٧ - ١٨٨.\n(٤) ينظر: المبسوط ٢ / ٢٦.","vol":"1","page":152},{"text":"دليل أصحاب القول الرابع: أنه ليس في قراءة القرآن في الخطبة على المنبر شيء موقت، فما شاء الخطيب قرأ، ولو كان دون الآية (١) .\nالترجيح: الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بأن أقل مقدار لقراءة القرآن في خطبة الجمعة هو ما يستقل بمعنى، سواء كان آية أو أقل؛ لقوة ما استدلوا به، ولعدم ورود دليل على التجديد، وقد تقدم في المطلب السابق ترجيح السنية، فيكون المقصود في هذا الترجيح أقل مقدار للإتيان بالسنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>[المطلب الثالث قراءة ما فيه سجود تلاوة في الخطبة والسجود له]</span>\nالمطلب الثالث\nقراءة ما فيه سجود تلاوة في الخطبة والسجود له اختلف الفقهاء في حكم قراءة الخطيب في خطبة الجمعة لآية فيها سجود تلاوة، والسجود إذا قرأ، وذلك على قولين:\n_________\n(١) ينظر: المغني ٣ / ١٧٦.","vol":"1","page":153},{"text":"القول الأول: يباح قراءة ما فيه سجود تلاوة في الخطبة، والسجود له.\nوبهذا قال الحنفية (١) والإمام الشافعي وأصحابه (٢) والحنابلة (٣) وابن حزم (٤) .\nالقول الثاني: يكره قراءة ما فيه سجود تلاوة في الخطبة، ويكره السجود له.\nوبهذا قال الإمام مالك، وأصحابه (٥) .\nالأدلة:\nأدلة أصحاب القول الأول: استدلوا بأدلة من السنة، وآثار الصحابة، والمعقول:\n_________\n(١) ينظر: الحجة على أهل المدينة ١ / ٢١٨، وبدائع الصنائع ١ / ١٩٢ - ١٩٣، وفتح القدير ٢ / ٢٧.\n(٢) ينظر: الأم ١ / ٢٣١، والمجموع ٤ / ٥٢٠، وروضة الطالبين ٢ / ٢٦، ومغني المحتاج ١ / ٢١٦.\n(٣) ينظر: المغني ٣ / ١٨٠، والفروع ٢ / ١١٢.\n(٤) ينظر: المحلى ٥ / ٦٠.\n(٥) ينظر: الموطأ ١ / ٢٠٦، والمنتقى شرح الموطأ ١ / ٣٥١، الشرح الكبير للدردير ١ / ٣٠١، وحاشية العدوي ١ / ٣٢٠.","vol":"1","page":154},{"text":"أولا: من السنة: ما رواه أبو سعيد الخدري - ﵁ - قال: «قرأ رسول الله - ﷺ - وهو على المنبر (ص) فلما بلغ السجدة نزل فسجد، وسجد الناس معه، فلما كان يوم آخر قرأها، فلما بلغ السجدة تَشَزَّنَ الناس للسجود، فقال النبي - ﷺ -: إنما هي توبة نبي، ولكني رأيتكم تَشَزَّنتم للسجود، فنزل فسجد فسجدوا» (١) .\nوفعل النبي - ﷺ - واضح ومتكرر.\nثانيا: من آثار الصحابة - ﵁ -: ١ - ما رواه ربيعة بن عبد الله بن الهدير عن عمر بن الخطاب - ﵁ - أنه قرأ يوم الجمعة على المنبر بسورة النحل حتى إذا جاء السجدة نزل فسجد، وسجد الناس، حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها حتى إذا جاء السجدة قال: \" يا أيها الناس إنا نمر بالسجود، فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه \"، ولم يسجد عمر - ﵁ - (٢) .\n_________\n(١) سبق تخريجه ص (١٤٧) .\n(٢) سبق تخريجه ص (١٤٧) .","vol":"1","page":155},{"text":"وجه الدلالة: أن عمر - ﵁ - قرأ السجدة في خطبة الجمعة ونزل فسجد، وفعله هذا كان مع حضور الصحابة - ﵃-، ولم ينكر عليه أحد منهم، فدل ذلك على إباحة قراءة ما فيه سجود تلاوة في خطبة الجمعة والسجود لذلك (١) .\nمناقشة هذا الدليل: نوقش بأن ذلك مما لم يتبع عليه عمر - ﵁ -، ولا عمله أحد من بعده (٢) .\nوالإجابة عن هذه المناقشة: يجاب عنها بأن دليل الإباحة ليس مقصورا على فعل عمر - ﵁ -، بل ثبت من فعل النبي - ﷺ - كما تقدم في حديث أبي سعيد.\nكما أنه لا يسلم بأنه لم يعمله أحد بعده، بل فعله غيره من الصحابة والتابعين كما سيأتي.\n٢ - ما روي أن النعمان بن بشير - ﵁ - قرأ سجدة (ص) وهو على المنبر فنزل فسجد، ثم عاد إلى مجلسه (٣) .\n_________\n(١) ينظر: فتح الباري ٢ / ٥٥٩.\n(٢) ينظر: المنتقى شرح موطأ مالك ١ / ٣٥١.\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه في كتاب الصلوات - باب السجدة تقرأ على المنبر ما يفعله صاحبها ٢ / ١٨.","vol":"1","page":156},{"text":"٣ - ما رواه صفوان (١) بن محرز قال: \" بينا الأشعري (٢) يخطب يوم الجمعة إذ قرأ السجدة الآخرة من سورة الحج، قال: نزل عن المنبر فسجد، ثم عاد إلى مجلسه \" (٣) .\n٤ - ما روي عن عمار بن ياسر - ﵁ - أنه قرأ على المنبر ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١] (٤) ثم نزل إلى القرار فسجد بها (٥) .\n_________\n(١) هو صفوان بن محرز بن زياد المازني، وقيل: الباهلي، قال أبو حاتم: جليل، ووثقه العجلي، وابن سعد وغيرهما، وقال ابن حجر: ثقة عابد، توفي سنة ٧٤ هـ.\n (ينظر: طبقات ابن سعد ٧ / ١٤٧، وتهذيب التهذيب ٤ / ٤٣٠، وتقريب التهذيب ١ / ٣٦٨) .\n(٢) ظاهره أن المقصود به الصحابي الجليل أبو موسى الأشعري - ﵁ -.\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في الكتاب والباب السابقين ٢ / ١٨.\n(٤) سورة الانشقاق، الآية رقم (١) .\n(٥) أخرجه ابن أبي شيبة في الكتاب والباب السابقين ٢ / ١٨، وفي باب من كان يسجد في المفصَّل ٢ / ٨، وعبد الرزاق في مصنفه في كتاب فضائل القرآن - باب كم في القرآن من سجدة ٢ / ٣٤٠، وفي كتاب الجمعة - باب القراءة على المنبر ٣ / ١٩٣، والبيهقي في سننه الكبرى في كتاب الصلاة - باب السجدة في (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ) ٢ / ٣١٦.","vol":"1","page":157},{"text":"٥ - ما روي عن عقبة (١) بن عامر - ﵁ - أنه قرأ على المنبر السجدة فنزل (٢) .\nوهذه الآثار واضحة الدلالة.\nثالثا: من المعقول: أن سجود التلاوة حال خطبة الجمعة سنة وجد سببها، ولا يطول الفصل بها، فاستُحِبَّ فعلها كحمد الله - ﷾ - إذا عطس، وتشميت العاطس (٣) .\nأدلة أصحاب القول الثاني: ١ - أن الخطيب إذا قرأ في الخطبة ما فيه سجود تلاوة فإنه بين أمرين إما أن يسجد، وفي هذا إخلال بنظام الخطبة، وإما ألا يسجد، فيدخل في الوعيد الوارد في قول الله - تعالى -: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: ٢١] (٤) فلذا يكره له قراءتها، والسجود\n_________\n(١) عقبة بن عامر بن عبس بن عمرو الجهني، يكنى بأبي حماد، من المهاجرين قديما، وهو أحد من جمع القرآن، ولي إمرة مصر لمعاوية، وتوفي سنة ٥٨ هـ، وقيل غير ذلك.\n (ينظر: طبقات ابن سعد ٤ / ٣٤٣، وتهذيب التهذيب ٧ / ٢٤٢) .\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه في كتاب الصلوات - باب السجدة تقرأ على المنبر ما يفعله صاحبها ٢ / ١٩.\n(٣) ينظر: المغني ٣ / ١٨١.\n(٤) سورة الانشقاق، الآية رقم (٢١) .","vol":"1","page":158},{"text":"لها (١) .\nمناقشة هذا الدليل: يناقش من وجهين:\nالوجه الأول: أنه اجتهاد في مقابل نص، وهو ما تقدم في أدلة أصحاب القول الأول من فعل النبي - ﷺ -، فهو مردود.\nالوجه الثاني: عدم التسليم بإخلاله بنظام الخطبة؛ لأنه عمل يسير متعلق بها، كما أنه أولى من تكليم المأموم للخطيب وتكليم الخطيب للمأموم الذي ورد من فعل النبي - ﷺ - حيث إنه - أي التكليم - لأمر لا علاقة له بالخطبة.\n٢ - أن السجود حال الخطبة يسبب التخليط على الناس، وذلك بأن يتوهموا أن الإمام قد فرغ من الخطبة وقام إلى الصلاة، فيكره (٢) .\nمناقشة هذا الدليل: يناقش من وجهين:\nالوجه الأول: ما تقدم في مناقشة الدليل السابق أنه اجتهاد في مقابل النص، فهو مردود.\n_________\n(١) ينظر: حاشية الدسوقي ١ / ٣٠١.\n(٢) ينظر: المنتقى شرح موطأ مالك ١ / ٣٥١.","vol":"1","page":159},{"text":"الوجه الثاني: عدم التسليم بتسببه في التخليط؛ لأن الناس مأمورون بالإنصات واستماع الخطبة، فإذا قرأ الخطيب ما فيه سجود علموا إن نزوله للسجود وليس لفراغه.\n٣ - أن سجود التلاوة صلاة تطوع، فلا يشتغل بها في أثناء الخطبة، كصلاة ركعتين (١) .\nمناقشة هذا الدليل: نوقش بأنه قياس مع الفارق؛ لأن صلاة ركعتين لم يوجد سببها، ويطول الفصل بها، بخلاف السجود (٢) .\nالترجيح: الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بإباحة قراءة ما فيه سجود تلاوة في خطبة الجمعة، والسجود لذلك؛ لقوة ما استدلوا به، وعدم قيام الدليل على خلافه.\nولكن ينبغي للإمام أن ينبه المأمومين إذا أراد السجود ويتأكد ذلك إذا كان هناك من لا يراه لبعد أو حائل حتى لا يحصل تشويش على الناس.\n_________\n(١) ذكر هذا الدليل لهم ابن قدامة في المغني ٣ / ١٨١.\n(٢) ينظر: المغني ٣ / ١٨١.","vol":"1","page":160},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>[المبحث الخامس حكم ترتيب هذه الأركان عند من قال بها]</span>\nالمبحث الخامس\nحكم ترتيب هذه الأركان عند من قال بها اختلف من قال بركنية هذه الأمور الأربعة، وهي الحمد، والصلاة على النبي - ﷺ -، والموعظة، وقراءة شيء من القرآن في خطبة الجمعة، وهم الشافعية والحنابلة كما تقدم في حكم ترتيبها، وذلك على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: لا يشترط الترتيب في هذه الأركان، ولكن يستحب، فله التقديم والتأخير، وصفته: أن يبدأ بالحمد، ثم الصلاة على النبي - ﷺ -، ثم الموعظة، ثم قراءة القرآن.\nوهذا هو الوجه الصحيح عند الشافعية كما ذكر النووي (١) وهو الصحيح من المذهب عند الحنابلة (٢) .\nالقول الثاني: يشترط الترتيب في هذه الأركان على الصفة\n_________\n(١) ينظر: المجموع ٤ / ٥٢٢، وروضة الطالبين ٢ / ٣٠ - ٣١، ومغني المحتاج ١ / ٢٨٦ - ٢٨٧، ٢٨٨.\n(٢) ينظر: المغني ٣ / ١٨٠، والإنصاف ٢ / ٣٨٩، المبدع ٢ / ١٥٩، وكشاف القناع ٢ / ٣٣.","vol":"1","page":161},{"text":"التي ذكر أصحاب القول الأول، فلا يجوز التقديم والتأخير.\nوهذا وجه عند الشافعية (١) وقول لبعض الحنابلة (٢) .\nالقول الثالث: يشترط ترتيب الحمد، ثم الصلاة، ثم الوصية، ولا ترتيب بين القراءة وغيرها.\nوبهذا قال بعض الشافعية (٣) .\nالأدلة:\nأدلة أصحاب القول الأول: ١ - أن المقصود من الخطبة الوعظ والتذكير، وهذا حاصل مع عدم الترتيب (٤) .\n٢ - أنه لم يرد نص في اشتراط الترتيب، فلا يلزم (٥) .\nأدلة أصحاب القول الثاني: لم أطلع على أدلة صريحة لهم، ولكن الظاهر أنهم يستدلون\n_________\n(١) ينظر: المجموع ٤ / ٥٢٢، ومغني المحتاج ١ / ٢٨٧.\n(٢) ينظر: الإنصاف ٢ / ٣٨٩.\n(٣) ينظر: المجموع ٤ / ٥٢٢، وروضة الطالبين ٢ / ٣٠، ومغني المحتاج ١ / ٢٨٦ - ٢٨٧.\n(٤) ينظر: المجموع ٤ / ٥٢٢، ومغني المحتاج ١ / ٢٨٨، وكشاف القناع ٢ / ٣٣.\n(٥) ينظر: المجموع ٤ / ٥٢٢، ومغني المحتاج ١ / ٢٨٨.","vol":"1","page":162},{"text":"بما يلي:\nأولا: الاستدلال على البداءة بالحمد بما رواه أبو هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «كل كلام لا يُبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم» (١) .\nوهذا واضح الدلالة.\nمناقشة هذا الدليل: يناقش بما سبقت مناقشته به في مسألة اشتراط الحمد في الخطبة (٢) .\nثانيا: الاستدلال على التثنية بالصلاة على رسول الله - ﷺ - بأن كل عبادة ذكر الله - تعالى - فيها يذكر فيها رسوله - ﷺ - بعده كالأذان، والتشهد، وغيرهما.\nمناقشة هذا الدليل: يناقش من وجهين:\nالوجه الأول: أن ذكر الرسول - ﷺ - بعد ذكر الله - تعالى - غير مطرد في جميع العبادات، فمنها ما يشرع فيها ذكر الله دون ذكر رسوله كالوضوء، والذكاة.\n_________\n(١) تقدم تخريجه ص (١٢٧) .\n(٢) ص (١٢٨) .","vol":"1","page":163},{"text":"الوجه الثاني: أنه ليس ظاهر الدلالة على وجوب الترتيب.\nوأما الوصية والقراءة فلم يظهر لي دليلهم عليهما.\nأما أصحاب القول الثالث فالظاهر أنهم يستدلون على اشتراط البدء بالحمد، ثم الصلاة على رسول الله - ﷺ - بما سبق الاستدلال به لأصحاب القول الثاني عليه.\nوأما الوصية والقراءة فلم يظهر لي دليل لهم عليهما.\nالترجيح: الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بسنية ترتيب الأمور الأربعة: الحمد، ثم الصلاة، ثم الوصية، ثم القراءة؛ لقوة ما استدلوا به، ولأن الأصل عدم وجوب الترتيب.","vol":"1","page":164},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>[المبحث السادس]</span>\nالإتيان بهذه الأركان في كل خطبة من الخطبتين عند من قال بها اتفق من قال بركنية هذه الأربعة، وهي: الحمد، والصلاة على النبي - ﷺ -، والوصية، وقراءة شيء من القرآن في خطبة الجمعة، وهم الشافعية، والحنابلة على أن الحمد ركن في كل خطبة من الخطبتين (١) .\nواختلفوا في غيره من الأركان، وذلك كما يلي:\nاختلفوا في الصلاة على النبي - ﷺ - على قولين:\nالقول الأول: أنها ركن في كل منهما.\nوبهذا قال الشافعية في الصحيح والمشهور عندهم (٢) والحنابلة (٣) .\nالقول الثاني: أنها ركن في إحداهما من غير تعيين.\n_________\n(١) ينظر: المجموع ٤ / ٥٢٠، وروضة الطالبين ٢ / ٢٥، ومغني المحتاج ١ / ٢٨٦، وشرح الزركشي ٢ / ١٧٧، والمغني ٣ / ١٧٣، والإنصاف ٢ / ٣٨٧.\n(٢) ينظر: المجموع ٤ / ٥٢٠، وروضة الطالبين ٢ / ٢٥.\n(٣) ينظر: شرح الزركشي ٢ / ١٧٧، والإنصاف ٢ / ٣٨٧، وكشاف القناع ٢ / ٣٢.","vol":"1","page":165},{"text":"وهذا وجه عند الشافعية (١) لكن قال عنه النووي: \" شاذ مردود \" (٢) .\nوسيأتي دليل أصحاب القول الأول.\nأما أصحاب القول الثاني فلم أطلع على قول لهم، لكن قولهم ضعيف كما ذكر النووي.\nواختلفوا في الوصية بتقوى الله - تعالى - على قولين:\nالقول الأول: أنها ركن في كل منهما.\nوبهذا قال الشافعية (٣) وهو المذهب عند الحنابلة، وعليه أكثرهم (٤) .\nالقول الثاني: أنها ركن في الثانية فقط.\nوبهذا قال بعض الحنابلة (٥) .\nالأدلة:\nاستدل أصحاب القول الأول في الركنين بما يلي:\n_________\n(١) ينظر: المجموع ٤ / ٥٢٠، وروضة الطالبين ٢ / ٢٥.\n(٢) ينظر: المجموع ٤ / ٥٢٠.\n(٣) ينظر المرجع السابق، وروضة الطالبين ٢ / ٢٥، ومغني المحتاج ١ / ٢٨٦.\n(٤) ينظر: شرح الزركشي ٢ / ١٧٧، والمغني ٣ / ١٧٣ - ١٧٤، والإنصاف ٢ / ٣٨٨.\n(٥) ينظر: الإنصاف ٢ / ٣٨٧.","vol":"1","page":166},{"text":"أن كل خطبة من خطبتي الجمعة منفصلة عن الأخرى، فيجب أن تستقل بأركانها، ومنها الصلاة على النبي - ﷺ -، والوصية بتقوى الله - تعالى - (١) .\nوأما الأقوال الأخرى فلم أطلع على أدلة لها.\nولا شك أن ما استدل به أصحاب القول الأول فيه قوة، مما يرجح قولهم.\nواختلفوا في قراءة القرآن على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنها ركن في كل منهما.\nوهذا وجه مشهور عند الشافعية (٢) وهو الصحيح من المذهب عند الحنابلة، وعليه أكثرهم (٣) .\nالقول الثاني: أنها ركن في الأولى فقط.\nوهذا وجه عند الشافعية (٤) وبه قال بعض الحنابلة (٥) .\n_________\n(١) ينظر: مغني المحتاج ١ / ٢٨٦.\n(٢) ينظر: حلية العلماء ٢ / ٢٧٨، والمجموع ٤ / ٥٢٠، وروضة الطالبين ٢ / ٢٥.\n(٣) ينظر: الكافي لابن قدامة ١ / ٢٢١، وشرح الزركشي ٢ / ١٧٨، والفروع ٢ / ١١٠، والإنصاف ٢ / ٣٨٧، والمبدع ٢ / ١٥٨.\n(٤) ينظر: المجموع ٤ / ٥٢٠، وروضة الطالبين ٢ / ٢٥.\n(٥) ينظر: شرح الزركشي ٢ / ١٧٨، والفروع ٢ / ١١٠، والإنصاف ٢ / ٣٨٨.","vol":"1","page":167},{"text":"القول الثالث: أنها ركن في إحداهما من غير تعيين.\nوبهذا قال الإمام الشافعي، وهو الوجه الصحيح عند أصحابه (١) .\nالأدلة:\nأدلة أصحاب القول الأول: ١ - أن كل خطبة من خطبتي الجمعة منفصلة عن الأخرى، فيجب أن تستقل بأركانها، ومنها قراءة القرآن (٢) .\n٢ - أن ما وجب في إحدى الخطبتين وجب في الأخرى، كسائر الفروض (٣) .\n٣ - أن الخطبتين أقيمتا مقام الركعتين، فكانت قراءة القرآن في كل واحدة منهما شرطا كالركعتين (٤) .\nمناقشة هذا الدليل: يناقش بأن قيام الخطبتين مقام الركعتين لم يثبت عليه دليل كما تقدم (٥) .\n_________\n(١) ينظر: الأم ١ / ٢٣١، وحلية العلماء ٢ / ٢٧٨، والمجموع ٤ / ٥٢٠، وروضة الطالبين ٢ / ٢٥، ومغني المحتاج ١ / ٢٨٦.\n(٢) ينظر: مغني المحتاج ١ / ٢٨٦.\n(٣) ينظر: الكافي لابن قدامة ١ / ٢٢١.\n(٤) ينظر: المغني ٣ / ١٧٤، والمبدع ٢ / ١٥٨.\n(٥) ص (٣٤ - ٣٥) .","vol":"1","page":168},{"text":"دليل أصحاب القول الثاني: ما رواه الشعبي (١) قال: «كان رسول الله - ﷺ - إذا صعد المنبر يوم الجمعة استقبل الناس فقال: (السلام عليكم)، ويحمد الله، ويثني عليه، ويقرأ سورة، ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب، ثم ينزل، وكان أبو بكر وعمر يفعلانه» (٢) .\nوجه الدلالة: ظاهر الحديث يدل على أن النبي - ﷺ - إنما قرأ في الخطبة الأولى فقط، ووعظ في الثانية، وهذا يدل على أن محل قراءة القرآن في الخطبة الأولى (٣) .\nمناقشة هذا الدليل: يناقش من وجهين:\nالوجه الأول: أنه مرسل، لأن الشعبي تابعي، فهو لم يولد إلا في خلافة عمر - ﵁ - كما في ترجمته، فلا يصلح\n_________\n(١) هو عامر بن شراحبيل الهمذاني، الكوفي، علامة التابعين، يكنى بأبي عمرو، ولد في خلافة عمر، وكان إماما، حافظا، فقيها، ثبتا، قال فيه الحبّال: كان واحد زمانه في فنون العلم، توفي سنة ١٠٣هـ وقيل غير ذلك.\n (ينظر تذكرة الحفاظ ١ / ٧٩، وتهذيب التهذيب ٥ / ٦٥) .\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه في كتاب الصلوات - باب الإمام إذا جلس على المنبر يسلم ٢ / ١١٤، وعبد الرزاق في مصنفه في كتاب الجمعة - باب تسليم الإمام إذا صعد ٣ / ١٩٣ مختصرا وهو مرسل.\n(٣) ينظر: المغني ٣ / ١٧٤.","vol":"1","page":169},{"text":"للاحتجاج.\nالوجه الثاني: على تقدير ثبوته فإنه ليس بظاهر الدلالة، فليس فيه أنه لم يقرأ في الثانية، وقوله: \" ثم يقوم فيخطب \" محتمل للقراءة أثناءها.\nأما أصحاب القول الثالث فلم أطلع على دليل لهم، ولعلهم يستدلون بأن المطلوب هو قراءة القرآن في الخطبة، وذلك حاصل بالقراءة في أي واحدة من الخطبتين.\nلكن هذا غير ظاهر لما ذكره أصحاب القول الأول من استقلال كل منهما عن الأخرى.\nالترجيح: تقدم ترجيح سنية قراءة القرآن في خطبة الجمعة، ولكن بناء على قول من قال بركنيتها الذين اختلفوا هنا فإن الأدلة مع أصحاب القول الأول، والله أعلم.","vol":"1","page":170},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>[الفصل الرابع سنن خطبة الجمعة]</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>[المبحث الأول السنن لها]</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>[المطلب الأول الطهارة]</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>[المسألة الأولى الطهارة من الحدث الأكبر (الجنابة)]</span>\nالفصل الرابع\nسنن خطبة الجمعة وفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: السنن لها.\nالمبحث الثاني: السنن فيها.","vol":"1","page":171},{"text":"المبحث الأول\nالسنن لخطبة الجمعة يسن للخطيب عند الخطبة وأثناءها عدد من السنن تتمثل في المطالب التالية:\nالمطلب الأول: الطهارة.\nالمطلب الثاني: ستر العورة، وإزالة النجاسة.\nالمطلب الثالث: التجمل.\nالمطلب الرابع: أن تكون على منبر أو موضع عال.\nالمطلب الخامس: استقبال الخطيب للناس.\nالمطلب السادس: استقبال الناس للخطيب.\nالمطلب السابع: السلام على الناس.\nالمطلب الثامن: الجلوس على المنبر حتى يفرغ المؤذن.\nالمطلب التاسع: الاعتماد على قوس أو عصا أو سيف أو نحوها.\nالمطلب العاشر: رفع الصوت بها زيادة على القدر الواجب.\nالمطلب الحادي عشر: الجلسة بين الخطبتين.","vol":"1","page":172},{"text":"المطلب الأول: الطهارة وفيها مسألتان:\nالمسألة الأولى: الطهارة من الحدث الأكبر (الجنابة) .\nالمسألة الثانية: الطهارة من الحدث الأصغر.\nالمسألة الأولى: الطهارة من الحدث الأكبر (الجنابة) اختلف الفقهاء في اشتراط طهارة الخطيب حال الخطبة من الحدث الأكبر، وذلك على قولين:\nالقول الأول: لا تشترط الطهارة من الحدث الأكبر للخطيب حال الخطبة، بل تستحب.\nوبهذا قال الإمام أبو حنيفة وأكثر أصحابه (١) وهو الظاهر من قول المالكية، حيث أطلقوا القول بصحة الخطبة مع الحدث (٢)\n_________\n(١) ينظر: المبسوط ٢ / ٢٦، وبدائع الصنائع ١ / ٢٦٣، وتبيين الحقائق ١ / ٢٢٠، والفتاوى الهندية ١ / ١٤٦.\n(٢) ينظر: التفريع ١ / ٢٣١، والكافي لابن عبد البر ١ / ٢٥١، والإشراف ١ / ١٣٣ - ١٣٤.","vol":"1","page":173},{"text":"وهو قول للشافعية (١) وهو رواية عن الإمام أحمد، والمذهب عند أصحابه (٢) .\nالقول الثاني: تشترط الطهارة من الحدث الأكبر.\nوبهذا قال أبو يوسف صاحب أبي حنيفة (٣) وهو القول الجديد للإمام الشافعي، والصحيح عند أصحابه، بل ذكر بعضهم أن خطبة الجنب لا تصح قولا واحدا (٤) وهو رواية عن الإمام أحمد، واختارها بعض أصحابه (٥) بل قال في المغني: \" والأشبه بأصول المذهب اشتراط الطهارة من الجنابة، فإن أصحابنا قالوا يشترط قراءة آية فصاعدا، وليس ذلك للجنب. . . . \" (٦) .\nالأدلة:\nدليل أصحاب القول الأول:\n_________\n(١) ينظر: المجموع ٤ / ٥١٥، وروضة الطالبين ٢ / ٢٧.\n(٢) ينظر: شرح الزركشي ٢ / ١٨١، والمغني ٣ / ١٧٧، والفروع ٢ / ١١٤، والمبدع ٢ / ١٥٩ - ١٦٠، والإنصاف ٢ / ٣٩١ - ٣٩٢، وكشاف القناع ٢ / ٣٤.\n(٣) ينظر: المبسوط ٢ / ٢٦، وبدائع الصنائع ١ / ٢٦٣.\n(٤) ينظر: المجموع ٤ / ٥١٥، وروضة الطالبين ٢ / ٢٧، ومغني المحتاج ١ / ٢٨٨.\n(٥) ينظر: شرح الزركشي ٢ / ١٨١، والمغني ٣ / ١٧٧، والفروع ٢ / ١١٤، والمبدع ٢ / ١٥٩ - ١٦٠، والإنصاف ٢ / ٣٩١ - ٣٩٢.\n(٦) المغني ٣ / ١٧٧.","vol":"1","page":174},{"text":"أن الخطبة من باب الذكر، والجنب لا يمنع من ذكر الله - تعالى - (١) .\nدليل أصحاب القول الثاني: استدلوا بأدلة من السنة، والمعقول:\nأولا: من السنة: أن النبي - ﷺ - كان يخطب متطهرا (٢) وقد قال - ﷺ -: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (٣) (٤) .\nمناقشة هذا الدليل: يناقش من وجهين:\nالوجه الأول: أن الخطبة وإن كانت شرطا للصلاة وأمرا مرتبطا بها إلا أنها ليست بصلاة يشترط لها ما يشترط للصلاة.\nالوجه الثاني: أن هذا مجرد فعل، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب، بل على الاستحباب.\n_________\n(١) ينظر: بدائع الصنائع ١ / ٢٦٣.\n(٢) لم أطلع على حديث صريح بذلك، ولعل النووي أخذه من استقراء حال النبي - ﷺ -، والله أعلم.\n(٣) تقدم تخريجه من حديث مالك بن الحويرث - ﵁ - ص ٣٢) .\n(٤) ذكر هذا الدليل النووي في المجموع ٤ / ٥١٥ - ٥١٦.","vol":"1","page":175},{"text":"ثانيا: من المعقول: ١ - أن الخطبة بمنزلة شطر الصلاة كما جاء في بعض الآثار (١) ولهذا لا تجوز في غير وقت الصلاة، فيشترط لها الطهارة كما تشترط للصلاة (٢) .\nمناقشة هذا الدليل: يناقش من وجهين:\nالوجه الأول: أن الآثار الواردة في أن الخطبة بمنزلة شطر الصلاة لم يثبت شيء منها حسب اطلاعي.\nالوجه الثاني: أن اعتبارها بالصلاة غير سديد، فهي تؤدى حال استدبار القبلة، ولا يفسدها الكلام بخلاف الصلاة (٣) .\n٢ - أن قراءة القرآن في الخطبة واجبة، ولا تحسب قراءة الجنب، فلا تصح خطبته (٤) .\nمناقشة هذا الدليل: يناقش بأن وجوب قراءة القرآن في الخطبة محل خلاف كما تقدم (٥) فمن الفقهاء من يرى أنها سنة.\n_________\n(١) تقدم ذلك عن عمر، وابنه عبد الله، وعائشة - ﵃ - ص (٣٤ - ٣٥) .\n(٢) ينظر: بدائع الصنائع ١ / ٢٦٣.\n(٣) ينظر: بدائع الصنائع ١ / ٢٦٣.\n(٤) ينظر: المجموع ٤ / ٥١٥، وروضة الطالبين ٢ / ٢٧.\n(٥) ص (١٤١ - ١٤٢) .","vol":"1","page":176},{"text":"الترجيح: بعد التأمل في أدلة القولين في المسألة تبين أنه ليس هناك أدلة واضحة على اشتراط الطهارة الكبرى لخطبة الجمعة، فيكون الظاهر عدم اشتراطها، بل تستحب؛ لأن الأصل عدم الاشتراط، وهذا إذا كان الخطيب خارج المسجد - وإن كان فيه بعد -، فإن كان داخله فإنه يحرم عليه اللبث فيه للخطبة، فإن فعل صحت الخطبة مع الإثم، لأن الخلل حصل بأمر خارج عن الخطبة (١) والله أعلم بالصواب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>[المسألة الثانية الطهارة من الحدث الأصغر]</span>\nالمسألة الثانية: الطهارة من الحدث الأصغر اختلف الفقهاء في اشتراط طهارة الخطيب حال الخطبة من الحدث الأصغر، وذلك على قولين:\nالقول الأول: لا تشترط الطهارة من الحدث الأصغر للخطيب حال الخطبة، بل تستحب.\n_________\n(١) ينظر: كشاف القناع ٢ / ٣٤.","vol":"1","page":177},{"text":"وبهذا قال الإمام أبو حنيفة وأكثر أصحابه (١) والمالكية (٢) وهو القول القديم للإمام الشافعي (٣) ورواية عن الإمام أحمد، وهي المذهب عند أصحابه، وعليها أكثرهم (٤) .\nالقول الثاني: تشترط الطهارة من الحدث الأصغر للخطيب حال الخطبة.\nوبهذا قال أبو يوسف صاحب أبي حنيفة (٥) والإمام الشافعي في الجديد، وهو الصحيح عند أصحابه (٦) وهو رواية عن الإمام أحمد، واختارها بعض أصحابه (٧) .\n_________\n(١) ينظر: المبسوط ٢ / ٢٦، وبدائع الصنائع ١ / ٢٦٣، والهداية للمرغيناني ١ / ٨٣، وتبيين الحقائق ١ / ٢٢٠، وفتاوى قاضيخان ١ / ١٨٠، والفتاوى الهندية ١ / ١٤٦.\n(٢) ينظر: الإشراف ١ / ١٣٣ - ١٣٤، والتفريع ١ / ٢٣١، والكافي لابن عبد البر ١ / ٢٥١.\n(٣) ينظر: حلية العلماء ٢ / ٢٧٧، والمجموع ٤ / ٥١٥، ٥٢٢ - ٥٢٣، وروضة الطالبين ٢ / ٢٧، ومغني المحتاج ١ / ٢٨٨.\n(٤) ينظر: الهداية لأبي الخطاب ١ / ٥٢، والمغني ٣ / ١٧٧، وشرح الزركشي ٢ / ١٨٠، والفروع ٢ / ١١٤، والمحرر ١ / ١٥٠، والإنصاف ٢ / ٣٩١.\n(٥) ينظر: المبسوط ٢ / ٢٦، وبدائع الصنائع ١ / ٢٦٣.\n(٦) ينظر: حلية العلماء ٢ / ٢٧٧، والمجموع ٤ / ٥١٥، وروضة الطالبين ٢ / ٢٧.\n(٧) ينظر: المغني ٣ / ١٧٧، وشرح الزركشي ٢ / ١٨٠، والفروع ٢ / ١١٤، والإنصاف ٢ / ٣٩٢.","vol":"1","page":178},{"text":"الأدلة:\nأدلة أصحاب القول الأول: أولا: استدلوا على عدم الاشتراط بما يلي:\n١ - أن الخطبة من باب الذكر، والمحدث لا يمنع من ذكر الله - تعالى - (١) .\n٢ - أن الخطبة ذكر يتقدم الصلاة، فلم يكن من شرطه الطهارة، كالأذان (٢) .\n٣ - أن الخطبة ذكر ليس من شرطه استقبال القبلة، فلم يكن من شرطه الطهارة، كالتلبية، والشهادتين (٣) .\n٤ - أن الخطبة لو افتقرت إلى الطهارة لافتقرت إلى استقبال القبلة، كالصلاة (٤) .\nثانيا: واستدلوا على الاستحباب بأدلة من السنة، والمعقول.\nأولا: من السنة: أن النبي - ﷺ - كان يصلي عقيب الخطبة،\n_________\n(١) ينظر: المبسوط ٢ / ٢٦، وبدائع الصنائع ١ / ٢٦٣.\n(٢) ينظر: الإشراف ١ / ١٣٤، والمغني ٣ / ١٧٧، والمبدع ٢ / ١٥٩ - ١٦٠، وكشاف القناع ٢ / ٣٤.\n(٣) ينظر: الإشراف ١ / ١٣٤.\n(٤) ينظر: المهذب مع المجموع ٤ / ٥١٥.","vol":"1","page":179},{"text":"لا يفصل بينهما بطهارة (١) فدل على أنه كان متطهرا (٢) .\nثانيا: من المعقول: ١ - أن الطهارة مستحبة للأذان، فالخطبة أولى (٣) .\n٢ - أن الخطيب لو لم يكن متطهرا لاحتاج إلى الطهارة بين الصلاة والخطبة، فيفصل بينهما، وربما شق على الحاضرين (٤) .\nدليل أصحاب القول الثاني: استدلوا من السنة، والمعقول:\nأولا: من السنة: استدلوا بما استدل به أصحاب القول الأول من أن النبي - ﷺ - لم يكن يفصل بين الخطبة والصلاة بطهارة (٥) فدل على أنه كان متطهرا (٦) .\nمناقشة هذا الدليل: يناقش بأن هذا مجرد فعل، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب، بل على الاستحباب كما تقدم.\n_________\n(١) لم أطلع على حديث في ذلك، ولعله أخذ ذلك عن استقراء حاله - ﷺ - والله أعلم.\n(٢) ينظر: المغني ٣ / ١٧٧.\n(٣) المرجع السابق.\n(٤) المرجع السابق.\n(٥) لعله مأخوذ من استقراء حاله - ﷺ - كما تقدم.\n(٦) ذكر الاستدلال بذلك برهان الدين ابن مفلح في المبدع ٢ / ١٥٩.","vol":"1","page":180},{"text":"ثانيا: من المعقول: ١ - ما استدلوا به على الاشتراط في المطالب السابقة من أن الخطبة بمنزلة شطر الصلاة، كما جاء في بعض الآثار، ولهذا لا تجوز غير وقت الصلاة، فيشترط لها الطهارة كما تشترط للصلاة (١) .\nويناقش بما تقدم مناقشته به في المطالب السابقة.\n٢ - أن الخطبة ذكر شرط في الجمعة، فشرط فيه الطهارة، كتكبيرة الإحرام (٢) .\nمناقشة هذا الدليل: يناقش بأنه قياس مع الفارق؛ لأن الإحرام جزء من الصلاة، فيشترط لها ما يشترط لسائر الصلاة، بخلاف الخطبة فليست كذلك.\nالترجيح: الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بعدم اشتراط الطهارة من الحدث الأصغر للخطيب حال الخطبة، بل إنها مستحبة، لقوة ما استدلوا به وخاصة ما ورد عن النبي - ﷺ - فهو مجرد فعل.\n_________\n(١) ينظر: المبسوط ٢ / ٢٦، وبدائع الصنائع ١ / ٢٦٣.\n(٢) ينظر: المهذب مع المجموع ٤ / ٥١٥، والمبدع ٢ / ١٥٩.","vol":"1","page":181},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>[المطلب الثاني ستر العورة وإزالة النجاسة]</span>\nالمطلب الثاني\nستر العورة وإزالة النجاسة لم يتطرق كثير من الفقهاء - فيما اطلعت عليه - للكلام على اشتراط ستر العورة وإزالة النجاسة للخطيب حال الخطبة، ومنه الحنفية، والمالكية، ولعل ذلك عائد إلى وضوح الحكم فيه عندهم؛ لكونه يأخذ حكم الطهارة من الحدث الأكبر، وقد تقدم أنه سنة.\nوأما عند الشافعية، والحنابلة فيجري في ذلك الخلاف الذي جرى في الطهارة من الحدث الأصغر في المطلب السابق، وهو كما يلي:\nالقول الأول: لا يشترط ستر العورة وإزالة النجاسة للخطيب حال الخطبة، بل يسنّ.\nوهذا هو القول القديم للإمام الشافعي (١) وهو رواية عن الإمام أحمد، والمذهب عند أصحابه، وعليه أكثرهم (٢) كما تقدم في الطهارة الصغرى، قال في الإنصاف: \" وحكم ستر العورة\n_________\n(١) ينظر: المجموع ٤ / ٥١٥، وروضة الطالبين ٢ / ٢٧.\n(٢) ينظر: الفروع ٢ / ١١١، والإنصاف ٢ / ٣٩١ - ٣٩٣، وكشاف القناع ٢ / ٣٤.","vol":"1","page":182},{"text":"وإزالة النجاسة حكم الطهارة الصغرى في الإجزاء وعدمه \" (١) .\nالقول الثاني: يشترط ستر العورة وإزالة النجاسة للخطيب حال الخطبة.\nوهذا هو القول الجديد للإمام الشافعي، والصحيح عند أصحابه (٢) ورواية عن الإمام أحمد، واختارها بعض أصحابه (٣) .\nولم يصرحوا بأدلة على ذلك، والظاهر أنهم يستدلون بما استدلوا به على اشتراط الطهارة من الحدث الأصغر، فاكتفوا بذكرها هناك، والظاهر فيها رجحان السنية كما ظهر هناك، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>[المطلب الثالث التجمل]</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>[المسألة الأولى لبس أحسن ثيابه]</span>\nالمطلب الثالث: التجمل (٤) وفيها مسألتان:\nالمسألة الأولى: لبس أحسن ثيابه.\nالمسألة الثانية: لون الثياب التي يتجمل بها.\n_________\n(١) الإنصاف ٢ / ٣٩٣.\n(٢) ينظر: المجموع ٤ / ٥١٥، وروضة الطالبين ٢ / ٢٧، ومغني المحتاج ١ / ٢٨٨.\n(٣) ينظر: الفروع ٢ / ١١١، والإنصاف ٢ / ٣٩٢ - ٣٩٣.\n(٤) تعرضت لهذه المسألة مع أنها مما لا يختص بالخطيب، لتأكيد أهل العلم عليها في حق الخطيب أكثر من غيره كما سيأتي.","vol":"1","page":183},{"text":"المسألة الأولى: لبس أحسن ثيابه: لا خلاف في استحباب لبس أحسن الثياب للجمعة كما ذكر في المغني (١) وقد ثبتت أحاديث كثيرة في ذلك منها:\n١ - ما رواه أبو سعيد وأبو هريرة - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «من اغتسل يوم الجمعة، واستن، ومسّ من طيب إن كان عنده، ولبس أحسن ثيابه، ثم خرج حتى يأتي المسجد، ولم يتخط رقاب الناس، ثم ركع ما شاء الله أن يركع، وأنصت إذا خرج الإمام كانت كفارة لما بينها وبين الجمعة التي قبلها» (٢) .\n٢ - ما رواه أبو أيوب (٣) - ﵁ - قال: سمعت\n_________\n(١) المغني ٣ / ٢٢٤.\n(٢) أخرجه أبو داود في سننه في كتاب الطهارة - باب في الغسل يوم الجمعة ١ / ٩٤ - ٩٥، الحديث رقم (٣٤٣)، والإمام أحمد في مسنده ٥ / ١٧٧، وقال النووي في المجموع ٤ / ٥٣٧: \" رواه أحمد بن حنبل في مسنده وأبو داود في سننه وغيرهما بأسانيد حسنة \".\n(٣) هو خالد بن زيد بن كُلَيب الأنصاري، يكنى بأبي أيوب، من كبار الصحابة، شهد بدرا، ونزل النبي - ﷺ - حين قدم المدينة عنده، مات غازيا الروم سنة خمسين، وقيل بعدها.\n (ينظر: الإصابة ١ / ٤٠٥، وتقريب التهذيب (١٦٣٣) .","vol":"1","page":184},{"text":"رسول الله - ﷺ - يقول: «من اغتسل يوم الجمعة، ومسّ من طيب إن كان له، ولبس من أحسن ثيابه، ثم خرج وعليه السكينة حتى يأتي المسجد، ثم يركع إن بدا له، ولم يؤذ أحدا، ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يصلي كانت كفارة لما بينهما» (١) .\n٣ - ما رواه عبد الله (٢) بن سلام - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «ما على أحدكم إن وجد أو ما على أحدكم إن وجدتم أن يتخذ ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مهنته» (٣) .\n_________\n(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٥ / ٤٢٠، وابن خزيمة في صحيحه كتاب الجمعة - باب فضل إنصات المأموم عند خروج الإمام. ٣ / ١٣٨، الحديث رقم (١٧٧٥) وقال الأرنؤوط في هامش زاد المعاد ١ / ٣٨١: \" وإسناده حسن \".\n(٢) هو عبد الله بن سلام بن الحارث الإسرائيلي، ثم الأنصاري، من ولد يوسف بن يعقوب ﵉، يكنى بأبي يوسف، حليف الخزرج، قيل: كان اسمه الحصين فسماه النبي - ﷺ - عبد الله، أسلم أول ما قدم النبي - ﷺ - المدينة وكان يهوديا، روى عدة أحاديث، ومات سنة ٤٣ هـ.\n (ينظر: الإصابة ٤ / ٨٠، وأسد الغابة ٣ / ١٧٦) .\n(٣) أخرجه أبو داود في سننه في كتاب الصلاة - باب اللبس للجمعة ١ / ٢٨٢ - ٢٨٣، الحديث رقم (١٠٧٨)، وابن ماجه في سننه في كتاب إقامة الصلاة - باب ما جاء في الزينة ١ / ٣٤٨، الحديث رقم (١٠٩٥)، وقال في الزوائد: \" وإسناده صحيح ورجاله ثقات \".","vol":"1","page":185},{"text":"قال في المغني: \" والإمام في هذا ونحوه آكد من غيره؛ لأنه المنظور إليه من بين الناس \" (١) .\nوقد نص الشافعية (٢) والحنابلة (٣) على أنه يسنّ له أن يعتم ويرتدي اقتداء بالنبي - ﷺ - في ذلك.\nودليل الاعتمام: ما رواه عمرو بن حريث - ﵁ - قال: «أن النبي - ﷺ - خطب الناس وعليه عمامة سوداء» (٤) .\nودليل الارتداء ببرد: ما رواه جابر بن عبد الله - ﵁ - قال: «كان للنبي - ﷺ - برد يلبسه في العيدين والجمعة» (٥) .\nومع ما ورد عنه - ﷺ - في الاعتمام والارتداء أثناء الخطبة إلا أن هذا يحمل على أن هذه هي أحسن\n_________\n(١) المغني ٣ / ٢٣٠، ومثله قال في المهذب مع المجموع ٤ / ٥٣٧.\n(٢) ينظر: الحاوي: ٣ / ٥٤، والمجموع ٤ / ٥٣٨، وروضة الطالبين ٢ / ٤٥.\n(٣) ينظر: المغني ٣ / ٢٢٩، والمبدع ٢ / ١٧٠، وكشاف القناع ٢ / ٤٢.\n(٤) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الجمعة - باب جواز دخول مكة بغير إحرام ٢ / ٩٩٠، الحديث رقم (١٣٥٩) .\n(٥) أخرجه البيهقي في سننه الكبرى في كتاب الجمعة - باب ما يستحب من الارتداء ببرد ٣ / ٢٤٧.","vol":"1","page":186},{"text":"ثيابهم في وقتهم، وإلا فلا تلزم بعينها؛ لأن المقصود هو التجمل في الأحاديث التي تقدمت، ومن المعلوم أن لكل بلد ثيابا خاصة، ولكل زمان ثياب خاصة، تعتبر هي أحسن الثياب عند الناس فيه، والواقع شاهد بذلك. وأما أن يتخذ الخطيب لباسا معينا يختلف به عن الناس، ويلتزم به وينكر عليه لو تركه فهذا مما لا أصل له، قال ابن القيم (١) - ﵀ - مبينا هدي النبي - ﷺ - في خطبته ومنكرا لما يُتخذ من ذلك في وقته: \" ولم يكن يلبس لباس الخطباء اليوم لا طرحة (٢) ولا زيقا (٣) واسعا (٤) وقال في موضع\n_________\n(١) هو محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي، الدمشقي، يكنى بأبي عبد الله، ويعرف بـ \" ابن قيم الجوزية \"، تفقه على شيخ الإسلام ابن تيمية حتى صار من أبرز تلاميذه، وامتحن وأوذي مرارا، له مصنفات نفيسة في فنون متعددة منها: زاد المعاد، وإعلام الموقعين، وتوفي سنة ٧٥١ هـ.\n (ينظر: ذيل طبقات الحنابلة ٢ / ٤٤٧، والمقصد الأرشد ٢ / ٣٧٤) .\n(٢) قال في القاموس: \" الطرحة: الطيلسان \"، وسيأتي، ولم أطلع على من فسرها بغير ذلك، ولعل بينهما تشابها شديدا ففسر كل واحد بالآخر، والله أعلم.\n (القاموس المحيط، مادة \" طرح \" ١ / ٢٤٦) .\n(٣) قال في اللسان: الزيق: ما كُفَّ من جانب الجيب، وزيق القميص ما أحاط بالعنق.\n (لسان العرب، مادة \" زيق \" ١٠ / ١٥٠ - ١٥١) .\n(٤) زاد المعاد ١ / ١٨٩.","vol":"1","page":187},{"text":"آخر: \" ولا طيلسان (١) ولا طرحة \" (٢) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>[المسألة الثانية لون الثياب التي يتجمل بها]</span>\nالمسألة الثانية: لون الثياب التي يتجمل بها اختلف الفقهاء في لون الثياب التي يفضل للخطيب التجمل بها أثناء خطبة الجمعة، وذلك على قولين:\nالقول الأول: الأفضل له لبس البياض.\nوبهذا قال الحنابلة (٣) .\nالقول الثاني: يخير بين البياض والسواد.\n_________\n(١) قال في اللسان: \" الطيلسان ضرب من الأكسية، وهو فارسي معرب \"، وقال في المصباح: الطيلسان من لباس العجم.\n (ينظر: لسان العرب، مادة \" طلس \" ٦ / ١٢٥، والمصباح المنير، مادة \" طلس \" ١ / ٣٧٥) .\n(٢) زاد العاد ١ / ٤٢٩.\n(٣) ينظر: المغني ٣ / ٢٢٩، والفروع ٢ / ١٠٤، والإنصاف ٢ / ٤٠٨، والمبدع ٢ / ١٧٠، وكشاف القناع ٢ / ٤٢.","vol":"1","page":188},{"text":"وبهذا قال الحنفية (١) والشافعية (٢) .\nالأدلة:\nأدلة أصحاب القول الأول: ١ - ما رواه سمرة بن جندب - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «البسوا ثياب البيض فإنها أطهر وأطيب» (٣) .\n٢ - ما رواه ابن عباس - ﵄ - أن النبي - ﷺ - قال: «خير ثيابكم البياض، ألبسوها\n_________\n(١) ينظر: مراقي الفلاح ص (١٠٣) .\n(٢) ينظر: الحاوي ٣ / ٥٤، والمجموع ٤ / ٥٣٨، وروضة الطالبين ٢ / ٤٥.\n(٣) أخرجه النسائي في سننه في كتاب الجنائز - باب أي الكفن خير ٤ / ٣٥، الحديث رقم (١٨٩٦)، وفي كتاب الزينة - باب الأمر بلبس البيض من الثياب ٨ / ٢٠٥، الحديثان (٥٣٢٢، ٥٣٢٣)، وابن ماجه في كتاب اللباس - باب البياض من الثياب ٢ / ١١٨١، الحديث (٣٠٦٧)، والإمام أحمد في مسنده ٥ / ١٠، ١٢، ١٧، ١٩، ٢١، والبيهقي في السنن الكبرى، في كتاب الجنائز - باب استحباب البياض في الكفن ٣ / ٤٠٢ - ٤٠٣.\nوالحاكم في مستدركه في كتاب الجنائز - باب الكفن في ثياب البيض أطهر وأطيب ١ / ٣٥٤ - ٣٥٥، وصححه، ووافقه الذهبي في تلخيصه، وصححه النووي في المجموع ٤ / ٥٣٧.","vol":"1","page":189},{"text":"أحياءكم، وكفنوا فيها موتاكم» (١) .\nفهذا العموم يدخل فيه الخطيب حال خطبة الجمعة، بل هو أولى لما سبق من الحث على تحسين الثياب، ومن تحسينها بياضها.\nأدلة أصحاب القول الثاني: استدلوا على البياض بما استدل به أصحاب القول الأول.\nواستدلوا على السواد بحديث عمرو بن حريث - ﵁ «أن النبي - ﷺ - خطب الناس وعليه عمامة سوداء» (٢) .\nمناقشة هذا الدليل: يناقش من وجهين:\nالوجه الأول: أن ذلك في غير خطبة الجمعة، بل في فتح مكة؛ لما جاء في حديث جابر - ﵁ - «أن رسول الله - ﷺ - دخل يوم فتح مكة وعليه عمامة\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في سننه في كتاب الطب - باب في الأمر بالكحل ٤ / ٨، الحديث رقم (٣٨٧٨)، وفي كتاب اللباس - باب في البياض ٤ / ٥١، الحديث رقم (٤٠٦١)، والترمذي في أبواب الجنائز - باب ما جاء ما يستحب من الأكقان ٢ / ٢٣٢، الحديث رقم (٩٩٩) وقال: \" حديث حسن صحيح \"، وابن ماجه في كتاب الجنائز - باب ما جاء فيما يستحب في الكفن ١ / ٤٧٣، الحديث رقم (١٤٧٢)، وفي كتاب اللباس - باب البياض من الثياب ٢ / ١١٨١، الحديث رقم (٣٥٦٦)، والإمام أحمد في مسنده ١ / ٢٤٧، ٢٧٤، ٣٢٨، ٣٥٥، ٣٦٣.\n(٢) تقدم تخريجه ص (١٨٦) .","vol":"1","page":190},{"text":"سوداء بغير إحرام» (١) قال ابن القيم بعد أن ذكر ذلك واستدل به على جواز لبس السواد أحيانا: \" والنبي - ﷺ - لم يلبسه لباسا راتبا، ولا كان شعاره في الأعياد والجمع والمجامع العظام البتة، وإنما اتفق له لبس العمامة السوداء يوم الفتح دون سائر الصحابة، ولم يكن سائر لباسه يومئذ السواد، بل كان لواؤه أبيض \" (٢) .\nالوجه الثاني: أن فعله هذا لبيان الجواز جمعا بينه وبين أدلة القول الأول.\nالترجيح: الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بأن الأفضل للخطيب في الجمعة لبس البياض، لعموم ما استدلوا به، وعموم أدلة استحباب لبس أحسن الثياب المتقدمة في الأمر الأول.\nهذا ما لم يكن هناك حاجة تدعو إلى لبس غيره كبرد أو غيره، فإنه يلبس ما يدفع حاجته ويقيه من الضرر.\n_________\n(١) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الحج - باب جواز دخول مكة بغير إحرام ٢ / ٩٩٠، الحديث رقم (١٣٥٨) .\n(٢) زاد المعاد ٣ / ٤٥٩.","vol":"1","page":191},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>[المطلب الرابع أن تكون على منبر أو موضع عال]</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>[تمهيد]</span>\nالمطلب الرابع\nأن تكون على منبر أو موضع عال وفيها تمهيد، وثلاث مسائل:\nالتمهيد في تعريف المنبر أو ما يقوم مقامه.\nالمسألة الأولى: حكم اتخاذه.\nالمسأله الثانية: حكم الخطبة عليه.\nالمسألة الثالثة: مكانه، ومكان الوقوف عليه.\nالتمهيد: تعريف المنبر. المنبر: مأخوذ من النبر، وهو الارتفاع.\nقال في القاموس: \" نبر الحرف ينبره: همزه، والشيء رفعه، ومنه المنبر بكسر الميم \" (١) .\nوقال في اللسان: \" النبر بالكلام الهمز، قال: وكل شيء رفع شيئا فقد نبره. . . والنبرة وسط النقرة، وكل شيء ارتفع من شيء نبره لانتباره. . . وكل ما رفعته فقد نبرته تنبره نبرا، وانتبر الجرح ارتفع وورم. . . والمنبر مرقاة الخاطب، سمي منبرا لارتفاعه\n_________\n(١) القاموس المحيط، مادة \" نبر \" ٢ / ١٤٢.","vol":"1","page":192},{"text":"وعلوه، وانتبر الأمير، ارتفع فوق المنبر \" (١) .\nوقال النووي: \" المنبر - بكسر الميم - مشتق من النبر، وهو الارتفاع \" (٢) .\nوقال في المصباح: \" النبر في الكلام الهمز، وكل شيء رفع فقد نبر، ومنه المنبر لارتفاعه، وكسرت الميم على التشبيه بالآلة \" (٣) .\nوالمفهوم من جملة كلام الفقهاء أن المنبر هو ما يتخذ على يمين المحراب من مرتفع يتكون من درجات ليقوم عليه الخطيب أثناء الخطبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>[المسألة الأولى حكم اتخاذ المنبر]</span>\nالمسألة الأولى: حكم اتخاذ المنبر: أجمع الفقهاء على استحباب اتخاذ المنبر، وممن نقله النووي حيث قال في شرح مسلم: \". . . فيه استحباب اتخاذ المنبر، وهو سنة مجمع عليها \" (٤) .\n_________\n(١) لسان العرب، مادة \" نبر \" ٥ / ١٨٩.\n(٢) تحرير ألفاظ التنبيه المسمى بـ \" لغة الفقه \" ص (٨٥) .\n(٣) المصباح المنير، مادة \" نبر \" ٢ / ٥٩٠.\n(٤) شرح مسلم ٦ / ١٥٢.","vol":"1","page":193},{"text":"وقال في المبدع: \" واتخاذه سنة مجمع عليها \" (١) .\nالأدلة:\nمن الأدلة على ذلك ما يلي: ١ - ما روي «أن رجالا أتوا سهل بن سعد الساعدي - ﵁ - وقد امتروا في المنبر مم عوده؟ فسألوه عن ذلك، فقال: (والله إني لأعرف مما هو، ولقد رأيته أول يوم وضع، وأول يوم جلس عليه رسول الله - ﷺ - أرسل رسول الله - ﷺ - إلى فلانة - امرأة قد سماها سهل - مري غلامك النجار أن يعمل لي أعوادا أجلس عليهن إذا كلمت الناس، فأمرته، فعملها من طرفاء الغابة، ثم جاء بها فأرسلت إلى رسول الله - ﷺ - فأمر بها فوضعت هاهنا، ثم رأيت رسول الله - ﷺ - صلى عليها، وكبر وهو عليها، ثم ركع وهو عليها، ثم نزل القهقرى فسجد في أصل المنبر، ثم عاد، فلما فرغ أقبل على الناس فقال: أيها الناس إنما صنعت هذا لتأتموا بي، ولتعلموا صلاتي» (٢) .\n_________\n(١) المبدع ٢ / ١٦١، ومثله قال البهوتي في كشاف القناع ٢ / ٣٥.\n(٢) تقدم تخريجه ص (٨٤ - ٨٥)، وتفسير غريبه.","vol":"1","page":194},{"text":"قال عنه في فتح الباري: \" وفيه استحباب اتخاذ المنبر، لكونه أبلغ في مشاهدة الخطيب والسماع منه \" (١) .\n٢ - ما رواه جابر بن عبد الله - ﵁ - قال: «كان جذع يقوم إليه النبي - ﷺ -، فلما وضع له المنبر سمعنا للجذع مثل أصوات العشار (٢) حتى نزل النبي - ﷺ - فوضع يده عليه» (٣) .\n٣ - ما رواه عبد الله بن عمر وأبو هريرة - ﵃ - أنهما سمعا رسول الله - ﷺ - يقول على أعواد منبره: «لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين» (٤) .\nقال عنه النووي: \". . . فيه استحباب اتخاذ المنبر \" (٥) .\n_________\n(١) فتح الباري ٢ / ٤٠٠.\n(٢) قال في مختار الصحاح: العشار - بالكسر -: جمع عشراء كفقهاء، وهي الناقة التي أتى عليها وقت الحمل عشرة أشهر.\n (مختار الصحاح، مادة \" عشر \" ص (١٨٢) .\n(٣) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الجمعة - باب الخطبة على المنبر ١ / ٢٢٠.\n(٤) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الجمعة - باب التغليظ في ترك الجمعة ٢ / ٥٩١، الحديث رقم (٨٦٥) .\n(٥) شرح صحيح مسلم ٦ / ١٥٢.","vol":"1","page":195},{"text":"هذا طرف من الأحاديث الثابتة عن رسول الله - ﷺ - في اتخاذ المنبر، ثم توارثته الأمة من بعده حتى زمننا الحاضر.\nقال الزركشي الحنبلي (١) - ﵀ -: \" وقد ثبت أن رسول الله - ﷺ - اتخذ منبرا، وخطب عليه، ولذلك توارثته الأمة بعده \" (٢) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>[المسألة الثانية حكم الخطبة على المنبر أو ما يقوم مقامه]</span>\nالمسألة الثانية: حكم الخطبة على المنبر أو ما يقوم مقامه ذهب أصحاب المذاهب الأربعة - الحنفية (٣) والمالكية (٤)\n_________\n(١) هو محمد بن عبد الله الزركشي الحنبلي، شمس الدين، أخذ الفقه عن موفق الدين عبد الله قاضي الديار المصرية وغيره، وكان إماما في المذهب، وصنف مصنفات نفيسة منها: شرح الخرقي، وشرح قطعة من المحرر، ومن الوجيز، وتوفي سنة ٧٧٢ هـ.\n (ينظر: شذرات الذهب ٦ / ٢٢٤، والسحب الوابلة ٣ / ٩٦٦) .\n(٢) شرح الزركشي على الخرقي ٢ / ١٦٥.\n(٣) ينظر: الفتاوى الهندية ١ / ١٤٧، ومراقي الفلاح ص (١٠٣) .\n(٤) ينظر: مواهب الجليل ٢ / ١٧٢، وبلغة السالك ١ / ١٨١.","vol":"1","page":196},{"text":"والشافعية (١) والحنابلة (٢) - إلى استحباب الخطبة للجمعة على منبر أو ما يقوم مقامه من موضع عال.\nبل نقل النووي وغيره (٣) إجماع أهل العلم على ذلك. قال النووي في المجموع: \" أجمع العلماء على أنه يستحب كون الخطبة على منبر \" (٤) .\nالأدلة:\nأولا: الأدلة من السنة: بالإضافة إلى ما سبق من الأدلة على مشروعية اتخاذ المنبر في الأمر السابق فهي - أيضا - تدل على استحباب الخطبة عليه استدلوا بما يلي:\n١ - ما رواه السائب (٥) بن يزيد - ﵁ - قال:\n_________\n(١) ينظر: المجموع ٤ / ٥٢٧، وروضة الطالبين ٢ / ٣١، ومغني المحتاج ١ / ٢٨٨.\n(٢) ينظر: الهداية لأبي الخطاب ١ / ٥٢، وشرح الزركشي ٢ / ١٦٥، المغني ٣ / ١٦٠، والفروع ٢ / ١١٨، والمحرر ١ / ١٥٠، والإنصاف ٢ / ٣٩٥، وكشاف القناع ٢ / ٣٥.\n(٣) ومنهم الزركشي ٢ / ١٦٥، والبهوتي في كشاف القناع ٢ / ٣٥.\n(٤) المجموع ٤ / ٥٢٧.\n(٥) هو السائب بن يزيد ين سعيد بن ثمامة الكندي، يعرف بابن أخت النمر، صحابي صغير، له أحاديث قليلة، وحج به في حجة الوداع وهو ابن سبع سنين، وولاه عمر سوق المدينة، مات سنة ٩١ هـ وقيل قبل ذلك، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة.\n (ينظر: الإصابة ٣ / ٦٢، وأسد الغابة ٢ / ٢٥٧) .","vol":"1","page":197},{"text":"«كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وعمر. . .» الحديث (١) .\nفالشاهد هنا قوله: «إذا جلس الإمام على المنبر» يعني ليخطب بعد الأذان عليه.\n٢ - ما روته أم هشام بنت حارثة بن النعمان قالت: «لقد كان تنورنا (٢) وتنور رسول الله - ﷺ - واحدا سنتين أو سنة وبعض سنة، وما أخذت ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١] (٣) إلا عن لسان رسول الله - ﷺ - يقرؤها كل يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس» (٤) .\nوهذا واضح الدلالة.\n٣ - ما رواه جابر بن عبد الله - ﵁ - قال: «جاء\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الجمعة - باب الأذان يوم الجمعة ١ / ٢١٩.\n(٢) قال في المصباح: التنور: الذي يخبز فيه، ووافقت لغة العرب العجم، وقال أبو حاتم: ليس بعربي صحيح، والجمع التنانير.\n (المصباح المنير، مادة \" تنر \" ١ / ٧٧) .\n(٣) سورة (ق)، الآية رقم (١) .\n(٤) تقدم تخريجه ص (١٤٦)، وهذا اللفظ أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الجمعة - باب تخفيف الصلاة والخطبة ٢ / ٥٩٥، الحديث رقم (٨٧٣) .","vol":"1","page":198},{"text":"رجل (١) والنبي - ﷺ - على المنبر يوم الجمعة يخطب، فقال له: أركعت ركعتين؟ قال: لا، فقال: فاركع» (٢) .\nوهذا - أيضا - واضح الدلالة.\nهذا طرف من الأحاديث الكثيرة الدالة على استحباب الخطبة على المنبر.\nثانيا: من المعقول: ١- أن الخطبة على المنبر أبلغ في إعلام الحاضرين الذي يتحقق به مقصود الخطبة (٣) .\n٢ - أن الإمام إذا كان على منبر شاهده الناس، وإذا شاهدوه كان أبلغ في وعظهم (٤) .\n_________\n(١) ذكر ابن حجر في فتح الباري ٢ / ٤٠٧ أن اسمه سليك الغطفاني، وقد جاء ذلك في إحدى روايات مسلم.\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الجمعة - باب إذا رأى الإمام رجال جاء وهو يخطب أمره أن يصلي ركعتين ١ / ٢٢٣، بدون لفظ (على المنبر) وهو محل الشاهد، وأخرجه بهذا اللفظ مسلم في صحيحه في كتاب الجمعة - باب التحية والإمام يخطب ٢ / ٥٩٦، الحديث رقم (٨٧٥) .\n(٣) ينظر: المهذب مع المجموع ٤ / ٥٢٥ - ٥٢٦، والمجموع ٤ / ٥٢٧، ومغني المحتاج ١ / ٢٨٩، وشرح الزركشي ٢ / ١٦٥، وكشاف القناع ٢ / ٣٥.\n(٤) ينظر: المجموع ٤ / ٥٢٧.","vol":"1","page":199},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>[المسألة الثالثة مكان المنبر ومكان الوقوف عليه]</span>\nالمسألة الثالثة: مكان المنبر ومكان الوقوف عليه وفيها أمران:\nالأمر الأول: مكان المنبر.\nالأمر الثاني: مكان الوقوف عليه.\nالأمر الأول: مكان المنبر: ذهب أصحاب المذاهب الأربعة - الحنفية (١) والمالكية (٢) والشافعية (٣) والحنابلة (٤) - إلى أن السنة كون المنبر على يمين المحراب، أي على يمين مستقبل القبلة إذا كان في المحراب.\nالدليل:\nأن منبر النبي - ﷺ - كان على يمين محرابه،\n_________\n(١) ينظر: مراقي الفلاح ص (١٠٣) .\n(٢) ينظر: البيان والتحصيل ١ / ٣٤١.\n(٣) ينظر: الحاوي ٣ / ٥٢، وروضة الطالبين ٢ / ٣١، ومغني المحتاج ١ / ٢٨٨.\n(٤) ينظر: المغني ٣ / ١٦١، والفروع ٢ / ١١٨، والإنصاف ٢ / ٣٩٥، والمبدع ٢ / ١٦١، وكشاف القناع ٢ / ٣٥.","vol":"1","page":200},{"text":"فيسن الاقتداء به (١) .\nهذا إذا وقف على المنبر، أما إذا وقف على الأرض فإنه يقف على يسار المحراب، خلاف المنبر (٢) .\nالأمر الثاني: مكان الوقوف على المنبر: قال بعض الشافعية (٣) والحنابلة (٤) إنه يقف على الدرجة التي تلي المستراح.\nواستدلوا بالسنة، والمعقول:\n_________\n(١) ذكر ذلك الرافعي في فتح العزيز مع المجموع ٤ / ٥٩٦، والحنابلة في المراجع السابقة، وقال ابن حجر في تلخيص الحبير بهامش المجموع ٤ / ٥٩٦: \" لم أجده حديثا ولكنه كما قال فالمستند فيه إلى المشاهدة، ويؤيده حديث سهل بن سعد في البخاري في قصة عمل المرأة المنبر قال: (فاحتمله النبي - ﷺ - فوضعه حيث ترون) .\n(٢) ينظر: الفروع والإنصاف ٢ / ٣٩٥، وكشاف القناع ٢ / ٣٥.\n(٣) ينظر: المهذب مع المجموع ٤ / ٥٢٦، والمجموع ٤ / ٥٢٦، وروضة الطالبين ٢ / ٣١، ومغني المحتاج ١ / ٢٨٩.\n(٤) ينظر: الفروع ٢ / ١١٨، والإنصاف ٢ / ٣٩٥، والمبدع ٢ / ١٦١، وكشاف القناع ٢ / ٣٥.","vol":"1","page":201},{"text":"أولا: من السنة: فعل النبي - ﷺ - كما ذكر صاحب المهذب وغيره (١) .\nوقال في الفروع مبينا موقف النبي - ﷺ - والخلفاء من بعده: \" وكان منبره - ﵇ - ثلاث درجات، يقف على الثالثة التي تلي مكان استراحة، ثم وقف أبو بكر على الثانية، ثم عمر على الأولى تأدبا، ثم وقف عثمان مكان أبي بكر، ثم علي موقف النبي - ﷺ -، ثم زمن معاوية قلعه مروان وزاد فيه ست درج، فكان الخلفاء يرتقون ستا يقفون مكان عمر \" (٢) .\nلم أعثر على تخريج هذا الفعل فيما بين يدي من كتب السنة، لكن ذكره النووي في المجموع شرحا لكلام صاحب المهذب دون ذكر لمن أخرجه فقال: \" وأما أن النبي - ﷺ - كان يقف على الدرجة التي تلي المستراح فهذا الحديث موجود في أكثر النسخ وليس موجودا في بعض النسخ\n_________\n(١) المهذب مع المجموع ٤ / ٥٢٦، ومغني المحتاج ١ / ٢٨٩.\n(٢) الفروع ٢ / ١١٨، كما ذكر ذلك أيضا المرداوي في الإنصاف ٢ / ٣٩٥، والبهوتي في كشاف القناع ٢ / ٣٥.","vol":"1","page":202},{"text":"المقابلة بأصل المصنف، وهو حديث صحيح \" (١) .\nوقد ذكر بعض الشافعية إشكالا على الاستدلال بذلك، وهو أنه روي أن أبا بكر نزل عن موقف النبي - ﷺ - درجة، وعمر درجة أخرى، وعثمان أخرى، ووقف علي - ﵁ - في موقف النبي - ﷺ -.\nلكن أجابوا عنه بأن كلا منهم له قصد صحيح، وليس بعضهم حجة على بعض، والمختار هو موافقة النبي - ﷺ -؛ لعموم الأمر بالاقتداء به (٢) .\nثانيا: من المعقول: أن وقوف الخطيب على المستراح أمكن له، فيستحب (٣) .\nوقد ذكر بعض الشافعية أنه يستحب للخطيب أن يقف في يمين المنبر إذا كان واسعا (٤) .\n_________\n(١) المجموع ٤ / ٥٢٦.\n(٢) ينظر: المجموع ٤ / ٥٢٩ - ٥٣٠، ومغني المحتاج ١ / ٢٨٩.\n(٣) ينظر: المهذب مع المجموع ٤ / ٥٢٦.\n(٤) ينظر: المجموع ٤ / ٥٢٧، وروضة الطالبين ٢ / ٣٣، ومغني المحتاج ١ / ٢٨٩.","vol":"1","page":203},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>[المطلب الخامس استقبال الخطيب للناس]</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>[المسألة الأولى استقبال الناس واستدبار القبلة]</span>\nالمطلب الخامس\nاستقبال الخطيب للناس وفيه مسألتان:\nالمسألة الأولى: استقبال الناس واستدبار القبلة.\nالمسألة الثانية: أن يقصد تلقاء وجهه فلا يلتفت.\nالمسألة الأولى: استقبال الناس واستدبار القبلة: اختلف الفقهاء في حكم استقبال الخطيب الناس واستدبار القبلة أثناء الخطبة، وذلك على قولين:\nالقول الأول: أن ذلك سنة.\nوبهذا قال الحنفية (١) وهو المشهور عند الشافعية (٢) والصحيح من المذهب عند الحنابلة (٣) .\n_________\n(١) ينظر: بدائع الصنائع ١ / ٢٦٣، والفتاوى الهندية ١ / ١٤٦، ومجمع الأنهر ١ / ١٦٨، ومراقي الفلاح ص (١٠٣) .\n(٢) ينظر: الحاوي ٣ / ٥٤، والوجيز ١ / ٦٤، وروضة الطالبين ٢ / ٣٢، ومغني المحتاج ١ / ٢٨٩ - ٢٩٠.\n(٣) ينظر: الهداية لأبي الخطاب ١ / ٥٢، والمغني ٣ / ١٧٨، والفروع ٢ / ١٢١، والمحرر ١ / ١٥١، والمبدع ٢ / ١٦٢، والإنصاف ٢ / ٣٩٦، وكشاف القناع ٢ / ٣٧.","vol":"1","page":204},{"text":"القول الثاني: أنه واجب، فلو استدبرهم واستقبل القبلة لم يصح.\nوبهذا قال بعض الشافعية (١) وبعض الحنابلة (٢) .\nالقول الثالث: أنه واجب، لكن لو استدبرهم واستقبل القبلة أجزأ.\nوبهذا قال بعض الشافعية (٣) .\nالأدلة:\nأدلة أصحاب القول الأول: أولا: استدلوا على الاستحباب بأدلة من السنة، والمعقول:\nفمن السنة: فعل النبي - ﷺ -، قال ابن القيم - ﵀ -: \" وكان وجهه - ﷺ - قبلهم في وقت الخطبة \" (٤) ومما روي في ذلك ما يلي:\n_________\n(١) ينظر: روضة الطالبين ٢ / ٣٢، وفتح الباري ٢ / ٤٠٢.\n(٢) ينظر: الفروع ٢ / ١٢١، والإنصاف ٢ / ٣٩٦، والمبدع ٢ / ١٦٣.\n(٣) ينظر: فتح الباري ٢ / ٤٠٢.\n(٤) ينظر: زاد المعاد ١ / ٤٣٠.","vol":"1","page":205},{"text":"١ - ما رواه الشعبي قال «كان رسول الله - ﷺ - إذا صعد المنبر يوم الجمعة استقبل الناس بوجهه فقال: (السلام عليكم) ويحمد الله، ويثني عليه، ويقرأ سورة، ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب، ثم ينزل، وكان أبو بكر وعمر يفعلانه» (١) .\nالشاهد قوله: \" استقبل الناس بوجهه \".\nولكن هذا الحديث مرسل كما تقدم في تخريجه.\n٢ - ما رواه ابن عمر - ﵄ - عن النبي - ﷺ -: «كان إذا دنا من منبره سلم على من عند المنبر، ثم يصعد، فإذا استقبل الناس بوجهه سلم عليهم ثم قعد» (٢) .\n_________\n(١) تقدم تخريجه ص (١٦٩) .\n(٢) أخرجه البيهقي في سننه الكبرى في كتاب الجمعة - جماع أبواب آداب الخطبة - باب الإمام يسلم على الناس إذا صعد المنبر قبل أن يجلس ٣ / ٢٠٥، وقال: \" تفرد به عيسى به عبد الله بن الحكم بن النعمان بن بشير أبو موسى الأنصاري، قال أبو سعد: قال أبو أحمد بن عدي: عامة ما يرويه لا يتابع عليه \"، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٢ / ١٨٤: \" رواه الطبراني في الأوسط وفيه عيسى بن عبد الله الأنصاري وهو ضعيف، وذكره ابن حبان في الثقات \". وذكره الرافعي في فتح العزيز ٤ / ٥٩٧، وقال ابن حجر في التلخيص بهامش المجموع ٤ / ٥٩٧: ابن عدي (يعني أخرجه) من حديث ابن عمر، أورده في ترجمة عيسى الأنصاري، وضعفه وكذا ضعفه به ابن حبان \".","vol":"1","page":206},{"text":"ولكن هذا ضعيف أيضا كما في تخريجه.\nومن المعقول: أن الخطيب يعظ الناس بخطبته، ويوصيهم بتقوى الله - سبحانه - ومراقبته، فكان إقباله عليهم أبلغ في الانتفاع بها (١) .\nثانيا: واستدلوا على الصحة مع الاستدبار بما يلي: أن المقصود هو سماع الخطبة، وهو حاصل مع الاستدبار، كالأذان فإن من سننه استقبال القبلة، ويجزئ مع استدبارها (٢) .\nأما أصحاب القولين الثاني والثالث فلم أطلع على أدلة لهم، ولكن لعلهم يستدلون على الوجوب بفعل النبي - صلى الله عليه سلم - ومواظبته، ولكن هذا مجرد فعل، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب، وإنما على الاستحباب.\n_________\n(١) ينظر: الحاوي ٣ / ٥٤.\n(٢) ينظر: الحاوي ٣ / ٥٥، وينظر في أوله المغني ٣ / ١٧٨، والمبدع ٢ / ١٦٣، وكشاف القناع ٢ / ٣٧.","vol":"1","page":207},{"text":"واستدل أصحاب القول الثاني على عدم الإجزاء بأن في الاستدبار تركا للجهة المشروعة، فلا تجزئ الخطبة (١) .\nمناقشة هذا الدليل: يناقش بأن استقبال الجهة لا دليل على وجوبه، وإنما الوارد فيه فعل مجرد، وهو لا يدل على الوجوب كما أسلفت.\nوأما أصحاب القول الثالث فلعلهم يستدلون على الإجزاء بما استدل به أصحاب القول الأول، والله أعلم.\nالترجيح: الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بسنية استقبال الخطيب للناس واستدبار القبلة أثناء الخطبة؛ لما استدلوا به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>[المسألة الثانية أن يقصد تلقاء وجهه فلا يلتفت]</span>\nالمسألة الثانية: أن يقصد تلقاء وجهه فلا يلتفت: اختلف الفقهاء في قصد الخطيب تلقاء وجهه أثناء الخطبة، وعدم الالتفات، وذلك على قولين:\n_________\n(١) ينظر: المبدع ٢ / ١٦٣.","vol":"1","page":208},{"text":"القول الأول: يسن قصد تلقاء وجهه.\nوبه قال الشافعية (١) والحنابلة (٢) .\nالقول الثاني: يسن الالتفات في بعض الخطبة.\nوهذا منسوب إلى الإمام أبي حنيفة (٣) .\nالأدلة:\nأدلة أصحاب القول الأول: استدلوا بأدلة من السنة، والمعقول:\nأولا: من السنة: فعل النبي - ﷺ - لذلك (٤) .\nويظهر أنهم أخذوا ذلك من حديثي ابن عمر - ﵄ - والشعبي المتقدمين في المسألة الأولى.\n_________\n(١) ينظر: الأم ١ / ٢٣٠، والحاوي ٣ / ٥٥، والمجموع ٤ / ٥٢٨، وروضة الطالبين ٢ / ٣٢، ومغني المحتاج ١ / ٢٨٩.\n(٢) ينظر: المغني ٣ / ١٧٨، والفروع ٢ / ١١٩، والمبدع ٢ / ١٦٣، وكشاف القناع ٢ / ٣٦.\n(٣) نسبه إليه النووي في المجموع ٤ / ٥٢٨.\n(٤) وممن استدل بذلك ابن قدامة في المغني ٣ / ١٧٨، وبرهان الدين ابن مفلح في المبدع ٢ / ١٦٣، والبهوتي في كشاف القناع ٢ / ٣٦.","vol":"1","page":209},{"text":"ثانيا: من المعقول: ١ - أنه إذا قصد وجهه عم الحاضرين سماعه، وإذا التفت يمينا قصر عن سماع يسرته، وإذا التفت شمالا قصر عن سماع يمنته (١) .\n٢ - أن في إعراضه عمن أقبل إليه وقصد بوجهه إليه قبح عشرة، وسوء أدب (٢) .\nدليل صاحب القول الثاني: استدل له النووي بأنه يسن الالتفات في بعض الخطبة قياسا على الأذان (٣) .\nمناقشة هذا الدليل: يناقش بأنه قياس مع الفارق، فإن الأذان إعلام لغير الحاضرين، فيحتاج فيه إلى الالتفات لإعلام من على اليمين والشمال، أما الخطبة فهي خطاب للحاضرين في المسجد، فلا حاجة فيه للالتفات؛ لحصول الإبلاغ بدونه.\nقال النووي عن هذا القول ودليله: \" وهذا غريب، لا\n_________\n(١) ينظر: الأم ١ / ٢٣٠، والحاوي ٣ / ٥٥، ومعناه في المغني ٣ / ١٧٨، والمبدع ٢ / ١٦٣، وكشاف القناع ٢ / ٣٦.\n(٢) ينظر: الأم ١ / ٢٣٠، والحاوي ٣ / ٥٥.\n(٣) ينظر: المجموع ٤ / ٥٢٨.","vol":"1","page":210},{"text":"أصل له \" (١) .\nالترجيح: الذي يظهر - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بأنه يسن أن يقصد الخطيب تلقاء وجهه أثناء الخطبة فلا يلتفت؛ لقوة أدلته، وخاصة العقلية، وضعف القول الثاني.\nوسيأتي - إن شاء الله - في المبحث الخامس بدعية الالتفات والكلام عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>[المطلب السادس استقبال الناس للخطيب]</span>\nالمطلب السادس\nاستقبال الناس للخطيب اختلف الفقهاء في حكم استقبال الناس للخطيب أثناء الخطبة، وذلك على قولين:\nالقول الأول: يسن للناس استقباله.\nوبهذا قال الحنفية (٢) والمالكية في قول\n_________\n(١) ينظر: المجموع ٤ / ٥٢٨.\n(٢) ينظر: المبسوط ٢ / ٣٠، وبدائع الصنائع ١ / ٢٦٣، وفتاوى قاضي خان ١ / ١٨١، والفتاوى الهندية ١ / ١٤٧، ومجمع الأنهر ١ / ١٧١.","vol":"1","page":211},{"text":"لهم (١) والشافعية (٢) والحنابلة (٣) .\nقال في المغني: \" قال ابن المنذر (٤) هذا كالإجماع \" (٥) .\nالقول الثاني: يجب على الناس استقباله.\nوهذا قول للمالكية، قال بعضهم: إنه المذهب، وقيل: المذهب الأول (٦) .\nالقول الثالث: لا يسن للناس استقباله، وإنما يستقبلون القبلة.\n_________\n(١) ينظر: الشرح الصغير للدردير ١ / ١٨٠، ومواهب الجليل ٢ / ١٦٦.\n(٢) ينظر: الحاوي ٣ / ٤٦ - ٤٧، والوجيز ١ / ٦٤، والمجموع ٤ / ٥٢٨، وروضة الطالبين ٢ / ٢٨، ومغني المحتاج ١ / ٢٨٧.\n(٣) ينظر: الهداية لأبي الخطاب ١ / ٥٢، والمغني ٣ / ١٧٢، والفروع ٢ / ١٢١، والمحرر ١ / ١٥١، والإنصاف ٢ / ٣٩٦، وكشاف القناع ٢ / ٣٧.\n(٤) هو محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري، يكنى بأبي بكر، نزل مكة، يعد من كبار الشافعية، قال عنه الذهبي: كان غاية في معرفة الاختلاف الدليل، وكان مجتهدا لا يقلد أحدا، له مصنفات منها: الإشراف على مذاهب أهل العلم، والإجماع، توفي سنة ٣١٩ هـ.\n (ينظر: طبقات الشافعية للسبكي ٢ / ١٢٦، وطبقات الشافعية للإسنوي ٢ / ١٩٧) .\n(٥) المغني ٣ / ١٧٢، وقال ابن حجر في الفتح ٢ / ٤٠٢: \" قال ابن المنذر: لا أعلم في ذلك خلافا بين العلماء \".\n(٦) ينظر: مواهب الجليل والتاج والإكليل بهامشه ٢ / ١٦٦، والفواكه الدواني ١ / ٣١٠، عارضة الأحوذي ٢ / ٢٩٧ - ٢٩٨.","vol":"1","page":212},{"text":"وبهذا قال الحسن البصري، وسعيد (١) بن المسيب (٢) .\nالأدلة:\nأدلة أصحاب القول الأول: استدل أصحاب هذا القول بأدلة من السنة، وآثار الصحابة، والمعقول:\nأولا: من السنة: فعل أصحاب رسول الله - ﷺ - أثناء خطبته وإقراره السكوتي لذلك، قال ابن القيم - ﵀ - بعد أن ذكر المنبر: \". . . وكان إذا جلس عليه النبي - ﷺ - في غير الجمعة، أو خطب قائما في الجمعة استدار أصحابه إليه بوجوههم \" (٣) .\n_________\n(١) هو سعيد بن المسيب بن حزن القرشي، المخزومي، من كبار التابعين وفقهائهم، قال فيه قتادة: ما رأيت أحدا قط أعلم بالحلال والحرام منه، وثقه أبو زرعة، وابن حبان، وغيرهما، وتوفي سنة ٩٣ هـ، وقيل ٩٤ هـ.\n (ينظر: طبقات ابن سعد ٢ / ٣٧٩، وتهذيب التهذيب ٤ / ٨٤) .\n(٢) نقل ذلك عنهما ابن قدامة في المغني ٣ / ١٧٢، ولم أعثر عليه فيما بين يدي من كتب الآثار.\n(٣) زاد المعاد ١ / ٤٣٠.","vol":"1","page":213},{"text":"ومن الأحاديث الواردة في هذا الفعل ما يلي: ١ - ما رواه أبو سعيد الخدري - ﵁ - قال: «إن رسول الله - ﷺ - جلس ذات يوم على المنبر وجلسنا حوله. . .» الحديث (١) .\nوجه الدلالة: أن جلوسهم حوله - ﷺ - لسماع كلامه، وهذا يقتضي نظرهم إليه غالبا (٢) .\n٢ - ما رواه عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: «كان رسول الله - ﷺ - إذا استوى على المنبر استقبلناه بوجوهنا» (٣) .\nمناقشة هذا الدليل: يناقش بأنه ضعيف الإسناد كما في\n_________\n(١) تقدم تخريجه ص (٨٥) .\n(٢) ينظر: فتح الباري ٢ / ٤٠٢.\n(٣) أخرجه الترمذي في سننه في أبواب الجمعة - باب ما جاء في استقبال الإمام إذا خطب ٢ / ١٠، الحديث رقم (٥٠٧)، وقال عنه: \" حديث منصور لا نعرفه إلا من حديث محمد بن الفضيل بن عطية، ومحمد بن الفضيل بن عطية ذاهب الحديث عند أصحابنا. ولا يصح في هذا الباب عن النبي - ﷺ - شيء \" قال ابن حجر في الفتح ٢ / ٤٢: \" يعني صريحا \".\nوقال ابن حجر في التلخيص بهامش المجموع ٤ / ٦٠١ عنه: \" وفيه محمد بن الفضل بن عطية وهو ضعيف، وقد تفرد به الدارقطني، وابن عدي وغيرهما \".","vol":"1","page":214},{"text":"تخريجه.\n٣ - ما رواه عدي (١) بن ثابت عن أبيه عن جده قال: «كان النبي - ﷺ - إذا قام على المنبر استقبله أصحابه بوجوههم» (٢) .\nوهذا واضح الدلالة كالذي قبله، ولكن في ثبوته كلام كما في تخريجه.\nثانيا: من آثار الصحابة - ﵃ -: ١ - ما روي عن أنس بن مالك - ﵁ - أنه كان إذا أخذ الإمام في الخطبة يستقبله بوجهه حتى يفرغ\n_________\n(١) هو عدي بن ثابت الأنصاري، الكوفي، وثقه الإمام أحمد، والنسائي، والعجلي، وقد رمي بالتشيع، قيل: كان إمام مسجد الشيعة وقاصهم، مات سنة ١١٦ هـ.\n (ينظر: سير أعلام النبلاء ٥ / ١٨٨، وتهذيب التهذيب ٧ / ١٦٥) .\n(٢) أخرجه ابن ماجه في سننه في كتاب إقامة الصلاة - باب ما جاء في استقبال الإمام وهو يخطب ١ / ٣٦٠، الحديث رقم (١١٣٦)، وقال في الزوائد: \" رجال إسناده ثقات لأنه مرسل \"، وابن أبي شيبة مرسلا في كتاب الصلوات - باب من كان يستقبل الإمام يوم الجمعة ٢ / ١١٧، وقال ابن حجر في التلخيص بهامش المجموع ٤ / ٦٠٢: \" ووالد عدي لا صحبة له إلا أن يراد بأبيه جده أبو أبيه فله صحبة على رأي بعض الحفاظ المتأخرين \".\nوقال محقق شرح الزركشي ٢ / ١٦٧ عما رواه ابن أبي شيبة: \" بسند صحيح عن عدي بن ثابت مرسلا \".","vol":"1","page":215},{"text":"من خطبته (١) .\n٢ - ما روي عن عبد الله بن عمر - ﵄ - أنه كان يفرغ من سبحته يوم الجمعة قبل خروج الإمام، فإذا خرج لم يقعد الإمام حتى يستقبله (٢) .\n٣ - ما روي عن عدي بن ثابت أنه كان يستقبل الإمام بوجهه إذا قام يخطب، فقيل له عن ذلك، فقال: \" رأيت أصحاب رسول الله - ﷺ - يفعلونه \" (٣) .\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الجمعة - باب يستقبل الإمام القوم. ١ / ٢٢١، مختصرا معلقا بصيغة الجزم، والبيهقي بسنده بهذا اللفظ في سننه الكبرى في كتاب الجمعة - باب يحول الناس وجوههم إلى الإمام ويسمعون الذكر ٣ / ١٩٩، وقال ابن حجر في الفتح ٢ / ٤٠٢: \" بإسناده صحيح \"، وابن أبي شيبة في مصنفه في كتاب الصلوات - باب من كان يستقبل الإمام يوم الجمعة ٢ / ١١٨ مختصرا.\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الجمعة - باب يستقبل الإمام القوم. ١ / ٢٢١، مختصرا معلقا بصيغة الجزم، والبيهقي بسنده بهذا اللفظ في سننه الكبرى في كتاب الجمعة - باب يحول وجوههم إلى الإمام ويسمعون الذكر ٣ / ١٩٩، وعبد الرزاق في مصنفه في باب الجمعة - باب استقبال الناس ٣ / ٢١٧، الأثر رقم (٥٣٩١) مختصرا.\n(٣) أخرجه البيهقي في سننه الكبرى في كتاب يوم الجمعة - باب يحول الناس وجوههم إلى الإمام يسمعون الذكر ٣ / ١٩٨ - ١٩٩ وفي لفظ له: هكذا كان أصحاب رسول الله - ﷺ - يفعلون برسول الله - ﷺ - فيكون حديثا مرسلا، قال في الجوهر النقي بهامشه: \" هذا مسند وليس بمرسل، لأن الصحابة كلهم عدول فلا تضرهم الجهالة \".","vol":"1","page":216},{"text":"٤ - وعن الزهري (١) أنه سئل عن استقبال الناس الإمام يوم الجمعة فقال: \" كذا كانوا يفعلون \" (٢) .\nوظاهره أنه يقصد الصحابة - ﵃ - فيكون بمعنى ما قبله، ويؤيده.\nثالثا: من المعقول: ١ - أن الخطيب يعظ الناس، ولهذا استقبلهم بوجهه وترك استقبال القبلة، فيسن لهم أن يستقبلوه بوجوههم؛ لتظهر فائدة الوعظ، وتعظيم الذكر (٣) .\n٢ - أن الإسماع والاستماع للخطبة كليهما واجب، وهذا وإن كان يحصل مع عدم الاستقبال إلا أنه لا يتكامل إلا به، فيسن (٤) .\n_________\n(١) هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، القرشي، يكنى بأبي بكر، كان من أبرز حفاظ التابعين، وفقهائهم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: حفظ الزهري الإسلام نحوا من سبعين سنة، توفي سنة ١٢٣هـ، وقيل غير ذلك.\n (ينظر: طبقات ابن سعد ٢ / ٣٨٨، وتذكرة الحفاظ ١ / ١٠٨.\n(٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه في كتاب الجمعة - باب من استقبل الناس ٣ / ١١٧، والأثر رقم (٥٣٩٠) .\n(٣) ينظر: المبسوط ٢ / ٣٠، والحاوي ٣ / ٤٧.\n(٤) ينظر: بدائع الصنائع ١ / ٢٦٣، والمغني ٣ / ١٧٣.","vol":"1","page":217},{"text":"٣ - أن الخطيب مقبل على الناس، فكان من الأدب إقبالهم عليه (١) .\nدليل أصحاب القول الثاني: أن الإمام ترك استقبال القبلة واستقبل الناس، ليكون أبلغ في وعظهم، فيجب عليهم أن يستقبلوه إجابة له وطاعة (٢) .\nمناقشة هذا الدليل: يناقش بأن القصد هو الوعظ كما جاء في مضمون الدليل، وهو الذي تجب على الناس إجابته وطاعة الإمام فيه، وهذا حاصل مع عدم الاستقبال، أما الاستقبال فهو وسيلة إلى حصول هذا القصد على وجه الكمال، والكمال ليس واجبا، فليس في عدم الاستقبال عدم إجابة وطاعة، لأنه غير مقصود لذاته.\nدليل صاحبي القول الثالث: لم أطلع على أدلة لهما، ولعله يستدل لهما بما يلي:\n_________\n(١) ينظر: مواهب الجليل ٢ / ١٦٦، والحاوي ٣ / ٤٧، والمجموع ٤ / ٥٢٨، ومغني المحتاج ١ / ٢٨٧.\n(٢) ينظر: مواهب الجليل ٢ / ١٦٦.","vol":"1","page":218},{"text":"١ - أن المقصود هو سماع الخطبة، وهذا حاصل مع عدم استقبال الخطيب.\nمناقشة هذا الدليل: يناقش بأنه وإن كان السماع يحصل مع عدم الاستقبال إلا أنه مع الاستقبال أكمل وأدعى للاستفادة، وأبعد عن الغفلة، فيسن.\n٢ - أن سماع الخطبة عبادة، فاستقبال القبلة فيها أفضل كحال الدعاء، والذكر، وتلاوة القرآن الكريم.\nمناقشة هذا الدليل: يناقش بالفرق، وذلك أن حال سماع الخطبة يكون الإنسان بحاجة إلى غيره وهو الخطيب للاستماع والاستفادة، بخلاف حال الدعاء والذكر والتلاوة فهو بحاجة إلى التفرغ لما هو مشتغل به.\nالترجيح: الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بسنية استقبال الخطيب أثناء الخطبة؛ لما استدلوا به، لكن إذا كان في استقباله مشقة وحرج أثناء ذلك لشدة زحام أو غيره كما هو الحال في كثير من المساجد الآن فلا بأس بتركه، قال في المبسوط: \" وينبغي للرجل أن يستقبل","vol":"1","page":219},{"text":"الخطيب بوجهه إذا أخذ في الخطبة. . . ولكن الرسم الآن أن القوم يستقبلون القبلة، ولم يؤمروا بترك هذا لما يلحقهم من الحرج في تسوية الصفوف بعد فراغه، لكثرة الزحام إذا استقبلوه بوجوههم في حالة الخطبة \" (١) .\n_________\n(١) المبسوط ٢ / ٣٠.","vol":"1","page":220},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>[المطلب السابع السلام على الناس]</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>[المسألة الأولى السلام إذا دخل المسجد]</span>\nالمطلب السابع\nالسلام على الناس وفيه مسألتان:\nالمسألة الأولى: السلام إذا دخل المسجد.\nالمسألة الثانية: السلام إذا صعد المنبر.\nالمسألة الأولى: السلام على الناس إذا دخل المسجد: ظاهر كلام أصحاب المذاهب الأربعة - الحنفية (١) والمالكية (٢) والشافعية (٣) والحنابلة (٤) - اتفاقهم على أنه يسنّ\n_________\n(١) لم أطلع على كلام صريح لهم في ذلك إلا أنه يفهم من كلامهم على السلام بعد صعود المنبر الذي سيأتي ومن قول ابن قدامة في المغني ٣ / ١٦١: \" وقال مالك، وأبو حنيفة: لا يسن السلام عقيب الاستقبال، لأنه قد سلم حال خروجه \"، ولذلك قلت في مطلع كلامي: \" ظاهر كلام. \".\n(٢) ينظر: مواهب الجليل والتاج والإكليل بهامشه ٢ / ١٧١.\n(٣) ينظر: الوجيز ١ / ٦٤، والمجموع ٤ / ٥٢٧، وروضة الطالبين ٢ / ٣١، ومغني المحتاج ١ / ٢٨٩.\n(٤) ينظر: المغني ٣ / ١٦١، والفروع ٢ / ١١٨، والإنصاف ٢ / ٣٩٦، والمبدع ٢ / ١٦١، وكشاف القناع ٢ / ٣٥.","vol":"1","page":221},{"text":"للخطيب أن يسلم على من حوله إذا دخل وقبل أن يصعد المنبر.\nالأدلة: استدلوا بأدلة من السنة، والمعقول.\nأولا: من السنة: ما رواه عبد الله بن عمر - ﵄ - قال: «كان رسول الله - ﷺ - إذا دنا من منبره يوم الجمعة سلَّم على من عنده من الجلوس، فإذا صعد المنبر استقبل الناس بوجهه ثم سلَّم» (١) .\nلكنه ضعيف الإسناد كما في تخريجه.\nثانيا: من المعقول: أن دخول الخطيب على الناس إقبال منه عليهم، فيسنّ له السلام عليهم، كالإقبال في سائر الأحوال (٢) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>[المسألة الثانية السلام على الناس إذا صعد المنبر]</span>\nالمسألة الثانية: السلام على الناس إذا صعد المنبر: اختلف الفقهاء في حكم الخطيب على الناس إذا صعد\n_________\n(١) تقدم تخريجه ص (٢٠٦) .\n(٢) ينظر: مغني المحتاج ١ / ٢٨٩.","vol":"1","page":222},{"text":"المنبر واستقبلهم، وذلك على قولين:\nالقول الأول: أنه يسن سلامه عليهم.\nوبهذا قال الشافعية (١) والحنابلة (٢) . قال في الإنصاف: \" بلا نزاع \" (٣) يعني عند الحنابلة.\nالقول الثاني: لا يشرع السلام عليهم.\nوبهذا قال الحنفية (٤) والمالكية (٥) .\nالأدلة:\nأدلة أصحاب القول الأول: استدلوا بأدلة من السنة، وآثار الصحابة، والمعقول:\nأولا: من السنة: ١ - ما رواه جابر بن عبد الله - ﵄ - قال:\n_________\n(١) ينظر: الحاوي ٣ / ٥٣، والوجيز ١ / ٦٤، وحلية العلماء ٢ / ٢٧٨، والمجموع ٤ / ٥٢٧، وروضة الطالبين ٢ / ٣١، ومغني المحتاج ١ / ٢٨٩.\n(٢) ينظر: الهداية لأبي الخطاب ١ / ٥٢، والمغني ٣ / ١٦١، والفروع ٢ / ١١٨، والمحرر ١ / ١٥١، والإنصاف ٢ / ٣٩٥ - ٣٩٦، وكشاف القناع ٢ / ٣٥.\n(٣) الإنصاف ٢ / ٣٩٦.\n(٤) ينظر: البناية ٢ / ٨١٠، وحاشية ابن عابدين ٢ / ١٥٠، وحاشية الشلبي على تبيين الحقائق بهامشه ١ / ٢٢٠، ومراقي الفلاح ص (١٠٤) .\n(٥) ينظر: الإشراف ١ / ١٣٣، ومواهب الجليل والتاج والإكليل بهامشه ٢ / ١٧١، والمنتقى شرح الموطأ ١ / ١٨٩.","vol":"1","page":223},{"text":"«كان رسول الله - ﷺ - إذا صعد المنبر سلم» (١) .\n٢ - ما رواه عبد الله بن عمر - ﵄ - قال: «كان رسول الله - ﷺ - إذا دنا من منبره يوم الجمعة سلَّم على من عنده من الجلوس، فإذا صعد المنبر استقبل الناس بوجهه ثم سلَّم» (٢) .\n٣ - ما رواه الشعبي قال: «كان رسول الله - ﷺ - إذا صعد المنبر يوم الجمعة استقبل الناس فقال: (السلام عليكم، ويحمد ال له، ويثني عليه، ويقرأ سورة، ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب، ثم ينزل، وكان أبو بكر وعمر يفعلانه» (٣) .\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه في سننه في كتاب إقامة الصلاة - باب ما جاء في الخطبة يوم الجمعة ١ / ٣٢٥، الحديث رقم (١١٠٩)، وقال البوصيري في الزوائد ١ / ٣٧٠: \" هذا إسناد ضعيف لضعف ابن لهيعة \"، والبيهقي في كتاب الجمعة - باب الإمام يسلم على الناس إذا صعد المنبر قبل أن يجلس ٣ / ٢٠٤ - ٢٠٥، وقال ابن حجر في التلخيص بهامش المجموع ٤ / ٥٩٨: \" إسناده ضعيف \"، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه ١ / ١٨٣.\n(٢) تقدم تخريجه ص (٢٠٦)، وبيان ضعفه، وقال النووي في المجموع ٤ / ٥٢٦ عنه وعن الذي قبله: \" وإسنادهما ليس بقوي \".\n(٣) تقدم تخريجه ص (١٦٩) .","vol":"1","page":224},{"text":"وهذه الأحاديث واضحة الدلالة.\nمناقشة هذه الأدلة: تناقش بأنها متكلم في صحتها كما في تخريجها.\nثانيا: من آثار الصحابة - ﵃ -: ١ - تقدم في حديث الشعبي فعل ذلك عن أبي بكر وعمر - ﵄ -.\n٢ - ما روي عن عثمان - ﵁ - أنه كان إذا صعد المنبر سلَّم، فأطال قدر ما يقرأ إنسان أم الكتاب (١) .\nثالثا: من المعقول: أنه استقبال بعد استدبار، فيسنّ له التسليم، كما لو استدبر قوما ثم عاد فاستقبلهم (٢) .\nأدلة أصحاب القول الثاني: ١ - أن عمل أهل المدينة المتصل بينهم عدم التسليم في هذه الحال، فلو كان عندهم شيء عن النبي - ﷺ - لم\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه في كتاب الصلوات - باب الإمام إذا جلس على المنبر يسلم ٢ / ١١٤.\n(٢) ينظر: المهذب مع المجموع ٤ / ٥٢٦، ومغني المحتاج ١ / ٢٨٩ ورؤوس المسائل الخلافية للعكبري ١ / ٣٣٥، والمبدع ٢ / ١٦١ - ١٦٢، وكشاف القناع ٢ / ٣٥.","vol":"1","page":225},{"text":"يعدلوا عنه (١) .\nمناقشة هذا الدليل: يناقش بأن مبناه على الاحتجاج بعمل أهل المدينة، وهذا أصل من أصول المالكية لا يوافقون عليه.\n٢ - أن صعود الخطيب على المنبر اشتغال بافتتاح عبادة، فلم يشترط فيه السلام، كسائر العبادات (٢) .\nمناقشة هذا الدليل: يناقش بأن أصحاب القول الأول لم يقولوا بالاشتراط، وإنما قالوا بالسنية، ثم إن الخطيب لم يشتغل بالافتتاح حتى الآن وإن كان قد صعد.\n٣ - أن الخطبة ذكر يتقدّم الصلاة، فلم يشرع له السلام، كالأذان، والإقامة (٣) .\nمناقشة هذا الدليل: يناقش بأن سبب التسليم ليس لكون الخطبة ذكرا متقدما على الصلاة، وإنما لأجل الدخول والإقبال على الحاضرين، وهذا لا يتحقق في الأذان والإقامة.\n٤ - القياس على الخطبة الثانية، فكما أنها لا تفتتح بالتسليم فكذلك الأولى (٤) .\n_________\n(١) ينظر: الإشراف ١ / ١٣٣، والمنتقى شرح الموطأ ١ / ١٨٩.\n(٢) ينظر: المرجعان السابقان.\n(٣) ينظر: الإشراف ١ / ١٣٣.\n(٤) المرجع السابق.","vol":"1","page":226},{"text":"مناقشة هذا الدليل: يناقش بأنه قياس مع الفارق، فالخطيب في الأولى قد دخل على الناس من خارج المسجد واستقبلهم فاقتضى عموم الأدلة التسليم، بخلاف الثانية فهو بينهم، ولم يحصل منه استقبال جديد، فلم يكن هناك ما يقتضي التسليم.\nهذه المناقشات بناء على القول بأن الأحاديث التي استدلَّ بها أصحاب القول الأول لا تصلح جميعها للاستدلال، ولا يعضد بعضها بعضا، وإلا فإن من جعلها أو بعضها صالحة للاستدلال إنه يرد هذه الأدلة بأنها أدلة عقلية في مقابل نص، فلا يلتفت إليها. الترجيح: الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بسنية سلام الخطيب على الناس إذا صعد المنبر؛ لما استدلوا به، ولعموم الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة في الحث على إفشاء السلام.","vol":"1","page":227},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>[المطلب الثامن الجلوس على المنبر حتى يفرغ المؤذن]</span>\nالمطلب الثامن\nالجلوس على المنبر حتى يفرغ المؤذن اختلف الفقهاء في حكم جلوس الخطيب على المنبر بعد صعوده وقبل البدء في الخطبة حتى يفرغ المؤذن، وذلك على قولين:\nالقول الأول: أن هذا الجلوس سنة.\nوبهذا قال الحنفية (١) والمالكية في المشهور عندهم (٢) والشافعية (٣) والحنابلة (٤) .\nبل ذكر ابن عقيل الحنبلي (٥) إجماع الصحابة - رضي الله\n_________\n(١) ينظر: الفتاوى الهندية ١ / ١٤٧، ومراقي الفلاح ص (١٠٣) .\n(٢) ينظر: الكافي لابن عبد البر ١ / ٢٥١، والإشراف ١ / ١٣٣، ومواهب الجليل والتاج والإكليل بهامشه ٢ / ١٧١، والفواكه الدواني ١ / ٣٠٧.\n(٣) ينظر: الحاوي ٣ / ٥٣، والمجموع ٤ / ٥٢٧، وروضة الطالبين ٢ / ٣١، ومغني المحتاج ١ / ٢٨٩.\n(٤) ينظر: الهداية لأبي الخطاب ١ / ٥٢، وشرح الزركشي ٢ / ١٦٧، والمغني ٣ / ١٦٢، والفروع ٢ / ١١٨، والإنصاف ٢ / ٣٩٦، وكشاف القناع ٢ / ٣٥.\n(٥) هو علي بن عقيل بن محمد بن عقيل البغدادي، الحنبلي، يكنى بأبي الوفاء، مقرئ، فقيه، أصولي، واعظ، وأحد الأئمة المجتهدين، قال فيه السلفي: ما رأت عيناي مثل الشيخ أبي الوفاء ابن عقيل، له مصنفات منها الفنون، توفي سنة ٥١٣ هـ.\n (ينظر: طبقات الحنابلة ٢ / ٢٥٩، والمقصد الأرشد ٢ / ٢٤٥) .","vol":"1","page":228},{"text":"عنهم - عليه (١) .\nالقول الثاني: أن هذا الجلوس واجب.\nوبهذا قال بعض المالكية، وأنكر هذا القول بعضهم (٢) .\nالأدلة:\nأدلة أصحاب القول الأول: استدلوا بأدلة من السنة، والمعقول.\nأولا: من السنة: ١ - ما رواه السائب بن يزيد - ﵁ - قال: «كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وعمر» . . .) الحديث (٣) .\nوهذا واضح الدلالة.\n٢ - ما رواه ابن عمر - ﵄ - قال: «كان النبي - ﷺ - يخطب خطبتين، كان يجلس إذا صعد المنبر حتى يفرغ - أراه قال: المؤذن -، ثم يقوم فيخطب،\n_________\n(١) ذكر ذلك ابن مفلح في الفروع ٢ / ١١٨، والبهوتي في كشاف القناع ٢ / ٣٥ وغيرهما.\n(٢) ينظر: مواهب الجليل والتاج والإكليل بهامشه ٢ / ١٧١، وممن أنكره ابن عرفة.\n(٣) تقدم تخريجه ص (١٩٧) وهو في صحيح البخاري.","vol":"1","page":229},{"text":"ثم يجلس فلا يتكلم، ثم يقوم فيخطب» (١) .\nوهذا واضح الدلالة.\nمناقشة هذا الدليل: يناقش بأنه ضعيف الإسناد، فلا يصلح للاحتجاج، ولكن كما قال النووي (٢) يغني عنه حديث السائب - الذي قبله - \". ثانيا: من المعقول: ١ - أن الخطيب بجلوسه بعد الصعود يستريح من تعب الصعود، ويتمكن من الكلام التمكن التام (٣) .\n٢ - أن في الجلوس بعد الصعود زيادة وقار، فيسنّ (٤) .\nوأما أصحاب القول الثاني فلم أطلع على دليل لهم، والظاهر أنهم يستدلون بحديث السائب الذي استدل به أصحاب القول الأول، لكنه مجرد فعل، فلا يدل على الوجوب، بل على السنية\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في سننه في كتاب الصلاة - باب الجلوس إذا صعد المنبر ١ / ٢٨٦، الحديث رقم (٢٨٦)، وقال النووي في المجموع ٤ / ٥٢٦: \" بإسناد ضعيف \".\n(٢) المجموع ٤ / ٥٢٦.\n(٣) ينظر: مغني المحتاج ١ / ٢٨٩، والمبدع ٢ / ١٦٢، وكشاف القناع ٢ / ٣٥ - ٣٦.\n(٤) ينظر: مواهب الجليل ٢ / ١٧١.","vol":"1","page":230},{"text":"الترجيح: الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بسنية جلوس الخطيب على المنبر بعد صعوده حتى يفرغ المؤذن؛ لقوة ما استدلوا به، وخاصة حديث السائب - ﵁ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>[المطلب التاسع اعتماد الخطيب على قوس أو عصا أو سيفا أو نحوها]</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>[المسألة الأولى حكم الاعتماد على قوس أو عصا أو سيف أو نحوها]</span>\nالمطلب التاسع\nاعتماد الخطيب على قوس أو عصا أو سيفا أو نحوها وفيه ثلاث مسائل:\nالمسألة الأولى: حكم الاعتماد على قوس، أو عصا، أو سيف، أو نحوها.\nالمسألة الثانية: اليد التي يمسك بها ذلك.\nالمسألة الثالثة: ما يفعل بيديه إذا لم يعتمد على شيء.\nالمسألة الأولى: حكم اعتماد الخطيب على قوس، أو عصا، أو سيف، أو نحوها: وفيها أمران:\nالأمر الأول: حكم الاعتماد على قوس أو عصا أو نحوهما.\nالأمر الثاني: حكم الاعتماد على سيف.","vol":"1","page":231},{"text":"الأمر الأول: حكم اعتماد الخطيب على قوس، أو عصا، أو نحوهما: اختلف الفقهاء في حكم اعتماد الخطيب أثناء خطبة الجمعة على قوس، أو عصا، وذلك على قولين:\nالقول الأول: يسنّ اعتماده على ذلك.\nوبهذا قال المالكية (١) والشافعية (٢) والحنابلة (٣) .\nالقول الثاني: يكره الاعتماد على ذلك.\nوبه قال الحنفية (٤) .\nالأدلة:\nأدلة أصحاب القول الأول:\n_________\n(١) ينظر: المدونة ١ / ١٥٦، والبيان والتحصيل ١ / ٣٤١، ومواهب الجليل ٢ / ١٧٢، والشرح الصغير ١ / ١٨١، والفواكه الدواني ١ / ٣٠٧.\n(٢) ينظر: الأم ١ / ٢٣٠، والحاوي ٣ / ٥٣ - ٥٤، والوجيز ١ / ٦٤، والمجموع ٤ / ٥٢٨، وروضة الطالبين ٢ / ٣٢، ومغني المحتاج ١ / ٢٩٠.\n(٣) ينظر: الهداية لأبي الخطاب ١ / ٥٢، والمغني ٣ / ١٧٩، والفروع ٢ / ١١٩، والمحرر ١ / ١٥١، والإنصاف ٢ / ٣٩٧، والمبدع ٢ / ١٦٣.\n(٤) ينظر: حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص (٣٣٤) .","vol":"1","page":232},{"text":"استدلوا بأدلة من السنة، والمعقول:\nأولا: من السنة:\n١ - ما رواه الحكم (١) بن حَزْنٍ الكُلَفِيُّ قال: «وفدتُ إلى رسول الله - ﷺ - سابع سبعة، أو تاسع تسعة، فدخلنا عليه فقلنا: زرناك فادع الله لنا بخير، فأمر بنا، أو أمر لنا بشيء من التمر والشأن إذ ذاك دُون، فأقمنا بها أياما شهدنا فيها الجمعة مع رسول الله - ﷺ - فقام مُتوكئا على عصا، أو قوس، فحمد الله وأثنى عليه كلمات خفيفات طيبات مباركات، ثم قال: أيها الناس إنكم لن تطيقوا، أو لن تفعلوا كل ما أمرتم به ولكن سددوا وابشروا» (٢) .\n_________\n(١) هو الحكم بن حزْن الكُلفي، التميمي، صحابي، قليل الحديث، قال مسلم: \" لم يرو عنه إلا شعيب (يعني ابن زريق) .\n (ينظر: طبقات ابن سعد ٥ / ٥١٦، أسد الغابة ٢ / ٣١) .\n(٢) أخرجه أبو داود في سننه في كتاب الصلاة - باب الرجل يخطب على قوس ١ / ٢٨٧، الحديث رقم (١٠٩٦)، والإمام أحمد في ٤ / ٢١٢، والبيهقي في سننه الكبرى في كتاب الجمعة - باب الإمام يعتمد على عصا أو قوس أو ما أشبههما إذا خطب ٣ / ٢٠٦، وابن خزيمة في صحيحه في كتاب جماع أبواب صلاة العيدين - باب الاعتماد على القسي أو العصي على المنبر في الخطبة ٢ / ٣٥٢.\nوقال عنه النووي في المجموع ٤ / ٥٢٦: \" حديث حسن رواه أبو داود وغيره بأسانيد حسنة \"، وقال ابن حجر في التلخيص بهامش المجموع ٤ / ٦٠٢: \" وإسناده حسن \"، كما حسنه الألباني في إرواء الغليل ٣ / ٧٨، وتوصل محمد بن عبد الوهاب العبدلي في تحفة الأريب بما جاء في العصا للخطيب ص (٨) إلى تصحيحه.","vol":"1","page":233},{"text":"٢ - ما رواه عبد الله (١) بن الزبير - ﵁ - «أن النبي - ﷺ - كان يخطب بمِخْصَرَةٍ (٢) في يده» (٣) .\n٣ - ما روى عطاء (٤) بن أبي رباح أنه سُئِل: أكان النبي -\n_________\n(١) هو عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد القرشي، الأسدي، أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق - ﵁ -، وهو أول مولود في الإسلام بعد الهجرة للمهاجرين، حنكه النبي ﷺ وسماه، بويع بالخلافة بعد يزيد، وأطاعه أهل الحجاز والعراق واليمن، وجدد بناء الكعبة، وقتل سنة ٧٣هـ.\n (ينظر: أسد الغابة ٣ / ١٦١، والإصابة ٤ / ٦٩) .\n(٢) قال في المصباح: الْمِخْصَرَةُ - بكسر الميم - قضيب أو عنزة ونحوه يشير به الخطيب إذا خاطب الناس.\n (ينظر المصباح المنير، مادة \" خصر \" ١ / ١٧١) .\n(٣) أخرجه البزار كما في كشف الأستار ١ / ٣٠٦ - ٣٠٧، وأبو الشيخ الأصبهاني في أخلاق النبي - ﷺ - ص (١٢٨)، وابن سعد في الطبقات ١ / ٢٧٧، وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف لكن قال العبدلي في تحفة الأريب ص (٩): \" وحديثه يصح في الشواهد والمتابعات \"، ثم قال عن الحديث: \" حسن لغيره يشهد له حديث الحكم بن حزن الكلفي \".\n(٤) هو عطاء بن أبي رباح القرشي، المكي، ولد في خلافة عمر، وقيل: في خلافة عثمان، وكان أحد الفقهاء المجتهدين، له آراء فقهية كثيرة، لقي كثيرا من الصحابة وأخذ عنهم، وانتهت إليه الفتوى في مكة، وتوفي سنة ١١٤ هـ.\n (ينظر: تذكرة الحفاظ ١ / ٩٨، وتهذيب التهذيب ٧ / ١٩٩) .","vol":"1","page":234},{"text":"﵌ - يقوم إذا خطب على عصا؟ قال: \" نعم، كان يعتمد عليه اعتمادًا \" (١) .\nوهذا وإن كان مرسلا فقد جعله بعض المحدِّثين شاهدًا لحديث الحكم بن حزن المتقدم، فلهذا ذكرته.\n٤ - ما رواه البراء بن عازب - ﵁ - «أن النبي - ﷺ- نُووِلَ يوم العيد قوسًا فخطب عليه» (٢) .\n٥ - ما رواه جابر بن عبد الله - ﵁ - قال: «بدأ رسول الله - ﷺ - بالصلاة قبل الخطبة في العيدين بغير أذان ولا إقامة، قال: ثم خطب الرجال وهو متكئ على\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه في كتاب الجمعة - باب اعتماد رسول الله - ﷺ - على العصا ٣ / ١٨٣، رقم (٥٢٤٣)، والبيهقي في سننه الكبرى في كتاب الجمعة - باب الإمام يعتمد على عصا أو قوس أو ما يشبهها إذا خطب ٣ / ٢٠٦، وقال الألباني في إرواء الغليل ٣ / ٧٨: \" وهو مرسل صحيح \"، وجعله شاهدا لحديث الحكم بن حزن، لكن ذكر العبدلي في تحفة الأريب ص (١٩) أنه مرسل، والمرسل من قسم الضعيف، ولا يصلح في الشواهد والمتابعات، لأن التابعي قد يكون أخذه عن تابعي آخر فأكثر.\n(٢) أخرجه أبو داود في سننه في كتاب الصلاة - باب يخطب على قوس ١ / ٢٩٨، رقم (١١٤٥)، وجعله ابن حجر شاهدًا لحديث الحكم بن حزن المتقدم كما في التلخيص مع المجموع ٤ / ٦٠٢، وقال عنه: \" وصححه ابن السكن \"، وضعَّفه العبدلي في تحفة الأريب ص (١٧) .","vol":"1","page":235},{"text":"قوس» . . . \" الحديث (١) .\nوهما وإن كانا في خطبة العيد إلا أن بعض أهل العلم (٢) استدل بها للجمعة أيضا، ولعل وجه ذلك أن كليهما قيام لوعظ الناس وتذكيرهم، فما يسنّ في أحدهما يسنّ في الأخرى ولاتفاقهما في كثير من الأحكام.\nهذه هي أبرز وأصح الأحاديث الواردة في سنية اعتماد الخطيب على قوس أو عصا - حسب اطلاعي -، وقد ذكر صاحب \" تحفة الأريب بما جاء في العصا للخطيب \" اثني عشر حديثا في ذلك من أبرزها ما ذكرت، والباقي شاذ أو ضعيف لإرسال أو غيره، أو موضوع.\nوقد جعل ابن القيم فعل النبي - ﷺ - هذا قبل اتخاذ المنبر، أما بعده فلم يعتمد على شيء (٣) لكن ليس في الأحاديث السابقة دلالة على ذلك، والله أعلم.\n_________\n(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٣ / ٣١٤، وقال الألباني في إرواء الغليل ٣ / ٩٩: \" بسند صحيح على شرط مسلم \"، وقد أخرجه البخاري في صحيحه وغيره بلفظ: \" وهو يتوكأ على بلال \" لكن حكم العبدلي في تحفة الأريب ص (١١) على هذه الرواية بالشذوذ.\n(٢) ومنهم الألباني في إرواء الغليل ٣ / ٧٨، والعبدلي في تحفة الأريب ص (٩) .\n(٣) ينظر: زاد المعاد ١ / ٤٢٩.","vol":"1","page":236},{"text":"ثانيا: من المعقول: ١ - أن في الاعتماد على قوس أو عصا أو نحوهما شغلا عن مس اللحية والعبث باليد (١) .\n٢ - أن اعتماد الخطيب على القوس أو العصا أو نحوهما أعون له، وأمكن لروعه، وأهدأ لجوارحه (٢) .\nدليل أصحاب القول الثاني: أن الاعتماد على القوس والعصا ونحوهما خلاف السنة، فيكره (٣) .\nمناقشة هذا الدليل: يناقش بأنه ثبت في السنة الاعتماد على ذلك كما في أدلة أصحاب القول الأول.\nالترجيح: الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - القول الأول القائل بسنية اعتماد الخطيب على قوس أو عصا\n_________\n(١) ينظر: البيان والتحصيل ١ / ٣٤١، ومواهب الجليل ٢ / ١٧٢، والفواكه الدواني ١ / ٣٠٧.\n(٢) ينظر: الحاوي ٣ / ٥٤، والمهذب مع المجموع ٤ / ٥٢٦، والمغني ٣ / ١٧٩، والمبدع ٢ / ١٦٣، وكشاف القناع ٢ / ٣٦.\n(٣) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص (٣٣٤) .","vol":"1","page":237},{"text":"أو نحوهما في خطبة الجمعة، لقوة ما استدلوا به، وخاصة حديث الحكم بن حزن الذي حسَّنه بعض العلماء المحققين في علم الحديث كالنووي وابن حجر كما في تخريجه.\nوهذا ما اختاره سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ - ﵀ - حيث قال في تقرير له في ذكر فوائد حديث الحكم ابن حزن: \" منها شرعية الاعتماد في الخطبة على قوس، أو عصا، وذلك لكونه أرفق للخطيب وأثبت له، ولا سيما إذا كان يطول وقوفه أو مقصود مهم، فكونه معتمدا على قوس أوعصا هو السنة، وخص القوس والعصا لأنهما يستصحبان عادة زمن النبي - ﷺ - كما تستصحب العصا عندنا \" (١) . الأمر الثاني: اعتماد الخطيب على سيف: اختلف الفقهاء في حكم اعتماد الخطيب على سيف أثناء خطبة الجمعة، وذلك على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: لا يشرع الاعتماد على السيف مطلقا.\n_________\n(١) فتاوى ورسائل سماحته ٣ / ٢١.","vol":"1","page":238},{"text":"وبهذا قال الإمام ابن القيم - ﵀ - (١) .\nالقول الثاني: يسنّ الاعتماد على السيف مطلقا كالقوس ونحوهما.\nوبهذا قال المالكية (٢) والشافعية (٣) والحنابلة (٤) .\nالقول الثالث: يسنّ الاعتماد على السيف في البلاد التي فتحت عنوة دون البلاد التي فتحت صلحًا.\nوبهذا قال الحنفية (٥) .\nالأدلة:\nدليل صاحب القول الأول: استدل بعدم فعل النبي - ﷺ - لذلك (٦) .\nدليل أصحاب القول الثاني: أن في الاعتماد على السيف إشارة إلى أن هذا الدين فتح\n_________\n(١) ينظر: زاد المعاد ١ / ٤٢٩.\n(٢) ينظر: الشرح الصغير ١ / ١٨١، والفواكه الدواني ١ / ٣٠٧.\n(٣) ينظر: المجموع ٤ / ٥٢٨، وروضة الطالبين ٢ / ٣٢، ومغني المحتاج ١ / ٢٩٠.\n(٤) ينظر: الهداية لأبي الخطاب ١ / ٥٢، والمغني ٣ / ١٧٩، والفروع ٢ / ١١٩، والإنصاف ٢ / ٣٩٧، وكشاف القناع ٢ / ٣٦.\n(٥) ينظر: مراقي الفلاح (١٠٣)، وحاشية الطحطاوي عليه ص (٣٣٤) .\n(٦) ينظر: زاد المعاد ١ / ٤٢٩.","vol":"1","page":239},{"text":"به، وقام به، ولهذا يسنّ أن يكون ذلك في يده اليسرى كعادة من يريد الجهاد به (١) .\nمناقشة هذا الدليل: ناقشه ابن القيم بأنه جهل قبيح من وجهين:\nالوجه الأول: أن المحفوظ أنه - ﷺ - توكأ على العصا والقوس.\nالوجه الثاني: أن الدين قام بالوحي، وأما السيف فلمحق أهل الضلال والشرك، ومدينة النبي - ﷺ - التي كان يخطب فيها إنما فُتحت بالقرآن، ولم تُفتح بالسيف (٢) .\nأدلة أصحاب القول الثالث: استدلوا على سنية الاعتماد على السيف في البلاد التي فتحت عنوة بما يلي:\nأن الخطيب إذا اعتمد على السيف في هذه البلاد فإنه يُري أهلها أنها فُتِحَتْ بالسيف، وأنهم إذا رجعوا عن الإسلام فذلك باقٍ بأيدي المسلمين، يقاتلونهم به حتى يرجعوا إلى الإسلام (٣) .\n_________\n(١) ينظر: مغني المحتاج ١ / ٢٩٠، والمبدع ٢ / ١٦٣، وكشاف القناع ٢ / ٣٦.\n(٢) ينظر: زاد المعاد ١ / ١٩٠، وفتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم ٣ / ٢١.\n(٣) مراقي الفلاح ص (١٠٣) .","vol":"1","page":240},{"text":"مناقشه هذا الدليل: يناقش بالوجه الثاني من مناقشة دليل القول السابق من أن الإسلام انتشر بالوحي، وبقاؤهم على الإسلام يكون بنشر الإسلام بينهم، لا بفرضه عليهم بحد السيف.\nوأما قولهم بعدم مشروعية الاعتماد على السيف في البلاد التي فتحت صلحا فالظاهر أنهم يستدلون بما استدل به صاحب القول الأول.\nالترجيح: الراجح في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول الذي قال به ابن القيم - ﵀ -، وهو عدم مشروعية اعتماد الخطيب في الجمعة على السيف؛ لقوة دليله، وعدم قيام الدليل على سنيته.\nوهو ما اختاره سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ - ﵀ - حيثما قال بعد الكلام على سنية الاعتماد على القوس والعصا: \". . . وأما السيف فليس بمشروع. . . \" (١) .\n_________\n(١) فتاوى ورسائل سماحته ٣ / ٢١.","vol":"1","page":241},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>[المسألة الثانية اليد التي يمسك بها الخطيب القوس أو العصا أو نحوهما]</span>\nالمسألة الثانية: اليد التي يمسك بها الخطيب القوس، أو العصا، أو نحوهما: اختلف القائلون بسنية اعتماد الخطيب على قوس، أو عصا، أو نحوهما أثناء خطبة الجمعة في اليد التي يمسك بها ذلك، على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: يمسكه بما شاء من يديه، والأخرى بحرف المنبر أو يرسلها.\nوهذا هو المشهور من المذاهب عند الحنابلة (١) .\nالقول الثاني: يمسكه بيسراه، والأخرى بحرف المنبر.\nوبهذا قال الشافعية (٢) وهو توجيه لصاحب الفروع من الحنابلة (٣) .\nالقول الثالث: يمسكه بيمناه.\nوبهذا قال المالكية (٤) .\n_________\n(١) ينظر: الفروع ٢ / ١١٩، والإنصاف ٢ / ٣٩٧، والمبدع ٢ / ١٦٣، وكشاف القناع ٢ / ٣٦.\n(٢) ينظر: المجموع ٤ / ٥٢٨، وروضة الطالبين ٢ / ٣٢، ومغني المحتاج ١ / ٢٩٠.\n(٣) الفروع ٢ / ١١٩.\n(٤) ينظر: الفواكه الدواني ١ / ٣٠٧.","vol":"1","page":242},{"text":"الأدله: لم أطلع على دليل لأصحاب القول الأول، والظاهر أنهم يستدلون بعدم ورود ما يدل على التحديد، فيبقى الخيار في ذلك للخطيب؛ لأنه أعرف بما يناسبه ويُمَكِّنه.\nدليل أصحاب القول الثاني: ما تقدم في الفرع الثاني من المسألة السابقة بالنسبة للاعتماد على السيف من أن الاعتماد عليه إشارة إلى أن هذا الدين قام بالسيف، فيسنّ أن يكون في اليد اليسرى كعادة من يريد الجهاد (١) .\nوقد سبق هناك مناقشة ذلك.\nولم أطلع على دليل لهم بالنسبة للقوس والعصا ونحوهما.\nدليل أصحاب القول الثالث: لم أطلع على دليل صريح لهم، ولكن ظاهر كلامهم الاستدلالي على ذلك بأن من الحكم في الاعتماد على القوس والعصا ونحوهما الابتعاد عن العبث باللحية ونحوها أثناء\n_________\n(١) ينظر: مغني المحتاج ١ / ٢٩٠.","vol":"1","page":243},{"text":"الخطبة، والغالب استخدام اليد اليمنى في ذلك (١) .\nمناقشة هذا الدليل: يناقش بأن ما ذكروه غير منضبط، فقد يحصل العبث باليسار، بل إن من الناس من يكون عمله باليسار أكثر وأجود من اليمين.\nالترجيح: المتأمل لهذه المسألة يجد أنه ليس فيها أدلة واضحة وصريحة، ولهذا فالذي يظهر رجحانه فيها - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول، وهو التخيير؛ لما ذكرت.\n_________\n(١) ينظر: الفواكه الدواني ١ / ٣٠٧.","vol":"1","page":244},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>[المسألة الثالثة ما يفعل الخطيب بيديه إذا لم يعتمد على شيء]</span>\nالمسألة الثالثة: ما يفعل الخطيب بيديه إذا لم يعتمد على شيء: إذا لم يعتمد الخطيب أثناء خطبة الجمعة على قوس أو عصا أو نحوهما كما تقدم فقال الشافعية (١) والحنابلة (٢) له أن يمسك يده الشمال بيده اليمين، أو يرسلهما.\nالدليل: أن الغرض هو الخشوع أثناء الخطبة، وعدم العبث، فما يرى الخطيب أنه يحقق له ذلك من الإمساك أو الإرسال يفعله (٣) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>[المطلب العاشر رفع الصوت بها زيادة على القدر الواجب]</span>\nالمطلب العاشر\nرفع الصوت بها زيادة على القدر الواجب تقدم في الشروط الكلام على الجهر بخطبة الجمعة، وبقي الكلام على رفع الصوت بها زيادة على الجهر وهو المقصود\n_________\n(١) ينظر: الحاوي ٣ / ٥٤، والمجموع ٤ / ٥٢٨، وروضة الطالبين ٢ / ٣٢، ومغني المحتاج ١ / ٢٩٠.\n(٢) ينظر: المغني ٣ / ٢٨٠، والفروع ٢ / ١١٩، والإنصاف ٢ / ٣٩٧، والمبدع ٢ / ١٦٣، وكشاف القناع ٢ / ٣٦.\n(٣) ينظر: روضة الطالبين ٢ / ٣٢ والمجموع ٤ / ٥٢٨.","vol":"1","page":245},{"text":"بالبحث في هذه المسألة.\nوقد ذهب أصحاب المذاهب الأربعة - الحنفية (١) والمالكية (٢) والشافعية (٣) والحنابلة (٤) - إلى أن رفع الصوت بالخطبة زيادة على القدر الواجب، وحسب الطاقة سنة من سنن الخطبة.\nالأدلة: استدلوا بأدلة من السنة، والمعقول:\nأولا: من السنة: ١ - ما رواه جابر بن عبد الله - ﵁ - قال: «كان رسول الله - ﷺ - إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم، ويقول: بعثت أنا والساعة كهاتين، ويقرن\n_________\n(١) ينظر: الفتاوى الهندية ١ / ١٤٧، ومراقي الفلاح، ص (١٠٣) .\n(٢) ينظر: مواهب الجليل، والتاج والإكليل بهامشه ٢ / ١٧٢، والشرح الصغير وبلغة السالك معه ١ / ١٨١.\n(٣) ينظر: الأم ١ / ٢٣٠، والحاوي ٣ / ٥٥، والمجموع ٤ / ٥٢٨، وشرح النووي على صحيح مسلم ٦ / ١٥٦.\n(٤) ينظر: المغني ٣ / ١٧٨، والفروع ٢ / ١١٩، والإنصاف ٢ / ٣٩٧، والمبدع ٢ / ١٦٣، وكشاف القناع ٢ / ٣٦.","vol":"1","page":246},{"text":"بين إصبعيه السبابة والوسطى، ويقول: أما بعد، فإِن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، كل بدعة ضلالة، ثم يقول: أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، من ترك مالا فلأهله، ومن ترك دين أو ضياعا (١) فإليَّ وعليَّ» (٢) .\nقال النووي: \" يستدل به على أنه يستحب للخطيب أن يفخم أمر الخطبة، ويرفع صوته، ويجزل كلامه \" (٣) .\n٢ - ما رواه النعمان بن بشير - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يخطب يقول: «أنذركم النار، أنذركم النار، حتى لو أن رجلا كان بالسوق لسمعه من مقامي هذا، قال: حتى وقعت خميصة كانت على عاتقه عند رجليه» (٤) .\n_________\n(١) قال النووي: قال أهل اللغة: الضياع - بفتح الضاد - العيال، قال ابن قتيبة: أصله مصدر ضاع يضيع ضياعا، المراد من ترك أطفالا وعيالا ذوي ضياع، فأوقع المصدر موضع الاسم.\n (ينظر: شرح صحيح مسلم ٦ / ١٥٥) .\n(٢) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الجمعة - باب تخفيف الصلاة والخطبة ٢ / ٥٩٢، الحديث رقم (٨٦٧) .\n(٣) شرح صحيح مسلم ٦ / ١٥٥ - ١٥٦.\n(٤) أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٤ / ٢٦٨، ٢٧٢، والبيهقي في كتاب الجمعة - باب رفع الصوت بالخطبة ٣ / ٢٠٧.\nوذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٢ / ١٨٧ - ١٨٨ وقال: \" ورواه أحمد ورجاله رجال الصحيح \".","vol":"1","page":247},{"text":"قال في إعلاء السنن: \" دلالته على بعض ألفاظ الخطبة، ورفع الصوت فيها ظاهرة \" (١) .\nثانيا: من المعقول: أن رفع الصوت بالخطبة أبلغ في إعلام الناس، فيتحقق المقصود بها (٢) .\n- ومع ما سبق من سنية الجهر بالخطبة زيادة عن القدر الواجب إلا أن ذلك تيسر في وقتنا الحاضر بفضل الله - تعالى - ثم بفضل وجود مكبرات الصوت، فما على الخطيب لتطبيق هذه السنة إلا الاعتناء بهذه الأجهزة ومراعاة وضعها عند الإلقاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>[المطلب الحادي عشر الجلسة بين الخطبتين]</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>[المسألة الأولى حكم الجلوس بين الخطبتين]</span>\nالمطلب الحادي عشر\nالجلسة بين الخطبتين وفيه مسألتان:\nالمسألة الأولى حكم الجلوس بين الخطبتين.\nالمسألة الثانية مقدار هذا الجلوس.\n_________\n(١) إعلاء السنن ٨ / ٥٧.\n(٢) ينظر: المهذب مع المجموع ٤ / ٥٢٦، وكشاف القناع ٢ / ٣٦.","vol":"1","page":248},{"text":"المسألة الأولى: حكم الجلوس بين الخطبتن: اختلف الفقهاء في حكم جلوس الخطيب بين الخطبتين الأولى والثانية، وذلك على قولين:\nالقول الأول: أن الجلوس بين الخطبتين سنة.\nوبهذا قال الحنفية (١) والمالكية (٢) وهو وجه عند الشافعية (٣) لكن قال عنه النووي: \" وهو شاذ ومردود \" (٤) وهو الرواية المشهورة عن الإمام أحمد، والصحيح من المذهب عند أصحابه، وعليه جمهورهم، وقطع به كثير منهم (٥) .\n_________\n(١) ينظر: المبسوط ٢ / ٢٦، والهداية للمرغيناني ١ / ٨٣، وبدائع الصنائع ١ / ٢٦٣، وتبيين الحقائق ١ / ٢٢٠، والفتاوى الهندية ١ / ١٤٧.\n(٢) ينظر: الإشراف ١ / ١٣٣، والكافي لابن عبد البر ١ / ٢٥١، ومواهب الجليل والتاج والإكليل بهامشه ٢ / ١٧١، والفواكه الدواني ١ / ٣٠٧.\n(٣) ينظر: المجموع ٤ / ٥١٥، وروضة الطالبين ٢ / ٢٧.\n(٤) ينظر: المجموع ٤ / ٥١٥، وروضة الطالبين ٢ / ٢٧.\n(٥) ينظر: الهداية لأبي الخطاب ١ / ٥٢، والتمام ١ / ٢٣٥، وشرح الزركشي ٢ / ١٧٦، والمغني ٣ / ١٧٦، والفروع ٢ / ١١٨ - ١١٩، والمحرر ١ / ١٥١، والإنصاف ٢ / ٣٩٧.","vol":"1","page":249},{"text":"القول الثاني: أن الجلوس بين الخطبتين شرط لصحتهما.\nوهو الوجه الصحيح والمشهور عند الشافعية (١) ورواية عن الإمام أحمد، واختارها بعض أصحابه (٢) .\nالأدلة:\nأدلة أصحاب القول الأول: استدلوا بأدلة من الكتاب، والسنة، وآثار الصحابة، والمعقول:\nأولا: من الكتاب: قول الله - ﷾ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] الآية (٣) .\nوجه الدلالة: أن الله - تعالى - أمر بالذكر مطلقا عن قيد الجلسة بين الخطبتين، فلا تجعل شرطا بخبر الواحد؛ لأنه يصير\n_________\n(١) ينظر: الأم ١ / ١٩٩، والوجيز ١ / ٦٤، وحلية العلماء ٢ / ٢٧٦، والمجموع ٤ / ٥١٤، وروضة الطالبين ٢ / ٢٧، ومغني المحتاج ١ / ٢٨٧.\n(٢) ومنهم أبو بكر النجاد، ينظر التمام ١ / ٢٣٥، وشرح الزركشي ٢ / ١٧٧، والفروع ٢ / ١١٩، والمبدع ٢ / ١٦٢، والإنصاف ٢ / ٣٩٧.\n(٣) سورة الجمعة، جزء من الآية رقم (٩) .","vol":"1","page":250},{"text":"ناسخا لحكم الكتاب، ولا يصلح ناسخا له ولكن يصلح مكملا له، فيقال: إن قدر ما ثبت بالكتاب يكون فرضا، وما ثبت بخبر الواحد يكون سنة عملا بهما بقدر الإمكان (١) .\nمناقشة هذا الاستدلال: يناقش من وجهين:\nالوجه الأول: أن الاستدلال بالإطلاق له نصيب من القوة، لكن بناء على أن خبر الواحد لا يكون ناسخا للكتاب الذي هو رأي الحنفية فيه نظر، وهو قول مرجوح.\nالوجه الثاني: أنه ليس فيه نسخ، وإنما هو تقييد لمطلق، والله أعلم.\nثانيا: من السنة: ١ - ما رواه جابر بن سمرة - ﵁ - قال: «كان - ﷺ - يخطب قائما، ويجلس بين الخطبتين، ويقرأ آيات، ويذكّر الناس» (٢) .\nوفي رواية: «ثم يقعد قعدة لا يتكلم» الحديث (٣) .\n_________\n(١) ينظر: بدائع الصنائع ١ / ٢٦٣.\n(٢) تقدم تخريجه ص (١٤٥) .\n(٣) أخرجها أبو داود في سننه في كتاب الصلاة، باب الخطبة قائما ١ / ٢٨٦ الحديث رقم (١٠٩٥) وغيره وقال الألباني في إرواء الغليل ٢ / ٧١: \" وسندها جيد \".","vol":"1","page":251},{"text":"٢ - ما رواه عبد الله بن عمر - ﵁ - قال: «كان رسول الله - ﷺ - يخطب خطبتين يقطع بينهما» (١) .\nوفي رواية: «كان النبي - ﷺ - يخطب قائما، ثم يقعد، ثم يقوم، كما تفعلون الآن» (٢) .\nوكلاهما واضح الدلالة.\nثالثا: من آثار الصحابة - ﵃ -: ١ - ما روي عن علي بن أبي طالب - ﵁ - أنه خطب فلم يجلس حتى فرغ (٣) .\nوجه الدلالة: أن عليا - ﵁ - ترك الجلسة بين الخطبتين، ولو كانت شرطا لما تركها.\nمناقشة هذا الدليل: يناقش بأنه متكلم في سنده كما تقدم عند تخريجه (٤) .\n_________\n(١) أخرجها البخاري في صحيحه في كتاب الجمعة - باب القعدة بين الخطبتين يوم الجمعة ١ / ٢٢٣.\n(٢) تقدم تخريجها ص (٣١) .\n(٣) تقدم تخريجه ص (٤٢) .\n(٤) ص (٤٢) .","vol":"1","page":252},{"text":"٢ - ما روي عن المغيرة بن شعبة - ﵁ - أنه خطب فلم يجلس بين الخطبتين (١) .\nووجه الدلالة كالذي قبله.\nمناقشة هذا الدليل: يناقش بأنه لم يتحقق ثبوته كما تقدم عند تخريجه (٢) وإن ثبت فهو فعل صحابي، وهو مختلف في الاحتجاج به.\n٣ - ما روي عن عبد الله (٣) بن عباس - ﵄ - أنه كان يخطب خطبة واحدة، فلما ثقل - أي أسن - جعلها خطبتين وقعد بينهما (٤) .\n_________\n(١) تقدم تخريجه ص (٤٣) .\n(٢) ص (٤٣) .\n(٣) هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم، ابن عم رسول الله - ﷺ -، ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، ودعا له النبي - ﷺ - بالفقه في الدين وتعليمه التأويل، فكان يسمى \" حبر الأمة \"، ولاه علي على البصرة، وتوفي سنة ٦٨ هـ.\n (ينظر: أسد الغابة ٣ / ١٩٢، والإصابة ٤ / ٩٠) .\n(٤) هكذا ذكره الكاساني في بدائع الصنائع ١ / ٢٦٣ مستدلا به لهذا القول، ولم يعزه لشيء من كتب السنة والآثار، ولم أطلع عليه فيما بين يدي منها، وذكره في التمام ١ / ٢٣٥ حديثا ولم يعزه أيضا، ولم أطلع عليه فيما بين يدي من كتب السنة بهذا اللفظ.","vol":"1","page":253},{"text":"وجه الدلالة: أن ابن عباس - ﵄ - كان لا يجلس، فلما أسن جلس، فهذا دليل على أن الجلسة للاستراحة وليست بشرط للخطبة (١) .\nمناقشة هذا الدليل: يناقش بأنه لم يتحقق لي ثبوته؛ لعدم الاطلاع على سنده، وعلى تقدير ثبوته فهو فعل صحابي، وهو مختلف في الاحتجاج به.\nرابعا: من المعقول: ١ - أن الجلسة بين الخطبتين جلسة ليس لها ذكر مشروع، فلم تكن واجبة، كالجلسة الأولى أي قبل الخطبة (٢) .\n٢ - أن الخطبتين ذكران يتقدمان الصلاة، فلم يكن الجلوس بينهما شرطا، كالأذان والإقامة (٣) .\n٣ - أن الجلسة بين الخطبتين قعود على المنبر قبل خطبته، فلم تكن شرطا كالجلسة الأولى (٤) .\n٤ - أن الغرض بهذه الجلسة الفصل بين الخطبتين والإعلام\n_________\n(١) ينظر: بدائع الصنائع ١ / ٢٦٣.\n(٢) ينظر: المغني ٣ / ١٧٦، والمبدع ٢ / ١٦٢.\n(٣) ينظر: الإشراف ١ / ١٣٣، ورؤوس المسائل الخلافية للعكبري ١ / ٣٢٩ - ٣٣٠.\n(٤) ينظر: الإشراف ١ / ١٣٣.","vol":"1","page":254},{"text":"بالفراغ من الأولى، وذلك لا يوجب كونه شرطا كقوله: «اذكروا الله يذكركم» (١) .\n٥ - الغرض من الخطبة هو الوعظ والتذكير، وهو يتحقق بدون هذه الجلسة، فلا تكون شرطا (٢) .\nدليل أصحاب القول الثاني: استدلوا بأدلة من السنة، والمعقول:\nأولا: من السنة: ما رواه مالك بن الحويرث - ﵁ - أن النبي - صلى عليه وسلم - قال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (٣) .\nوجه الدلالة: أن النبي - ﷺ - أمر بالصلاة كما صلى، وقد جلس بين الخطبتين في الجمعة وواظب على ذلك كما في حديثي جابر بن سمرة وعبد الله بن عمر - ﵃ - كما تقدم في أدلة القول الأول، فيجب أن نفعل كما فعل (٤) .\n_________\n(١) المرجع السابق.\n(٢) شرح الزركشي ٢ / ١٧٦.\n(٣) تقدم تخريجه ص (٣٢)، وممن استدلوا به لهذا القول النووي في شرح مسلم ٦ / ١٥٠، وابن حجر في فتح الباري ٢ / ٤٠٦.\n(٤) ينظر: فتح الباري ٢ / ٤٠٦.","vol":"1","page":255},{"text":"مناقشة هذا الدليل: يناقش من ثلاثة وجوه:\nالوجه الأول: أن خطبة الجمعة ليست جزءا من الصلاة كما تقدم أكثر من مرة.\nالوجه الثاني: على تقدير التسليم بأنها من الصلاة فإن هذا الحديث لا يدل على وجوب كل ما فعل النبي - ﷺ - في الصلاة، فإن من أفعاله ما هو سنة باتفاق.\nالوجه الثالث: إذا كانت المواظبة تدل على الشرطية فإن النبي - ﷺ - قد واظب على الجلسة الأولى، فيلزم القول بشرطيتها، وهم - أي الشافعية - لا يقولون بذلك كما سيأتي (١) .\nالإجابة عن هذا الوجه: أجيب عنه بأن جل الروايات عن ابن عمر ليس فيها الجلسة الأولى، وإنما وردت في رواية ضعيفة، فلم تثبت المواظبة عليها بخلاف التي بين الخطبتين (٢) .\nوأما ما استدلوا به من مواظبته - ﷺ - كما في حديث ابن عمر، وجابر بن سمرة - ﵃ - فإنه مجرد فعل، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب، بل على الاستحباب،\n_________\n(١) المرجع السابق.\n(٢) المرجع السابق.","vol":"1","page":256},{"text":"والله أعلم.\nثانيا: من المعقول: أن الخطبة أحد فرضي الجمعة، فوجب فيها القيام والقعود، كالصلاة (١) .\nمناقشة هذا الدليل: يناقش بأنه لا يلزم من التماثل في الحكم المماثلة في الأفعال وإلا لزم القول بوجوب الركوع والسجود وغيرهما من أركان الصلاة في الخطبة.\nكما أنه يلزمكم - أي الشافعية - بناء على هذا القول بوجوب الأولى حال الأذان؛ لأنها قعود بعد دخول الإمام للخطبة.\nالترجيح: الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بأن الجلسة بين الخطبتين سنة؛ لقوة ما استدلوا به، وعدم قيام الدليل على الشرطية.\n_________\n(١) ينظر: المهذب مع المجموع ٤ / ٥١٤.","vol":"1","page":257},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>[المسألة الثانية مقدار الجلسة بين الخطبتين]</span>\nالمسألة الثانية: مقدار الجلسة بين الخطبتين: اختلف الفقهاء في مقدار الجلسة بين الخطبتين سواء من قال بسنيتها ومن قال بشرطيتها - بعد اتفاقهم على أنها خفيفة - وذلك على أربعة أقوال:\nالقول الأول: أنها بقدر قراءة سورة الإخلاص.\nوبهذا قال بعض المالكية (١) وبه قال الشافعية (٢) وجماعة من الحنابلة (٣) .\nالقول الثاني: أنها بقدر قراءة ثلاث آيات.\nوهذا هو ظاهر الرواية عند الحنفية (٤) .\n_________\n(١) ينظر: الكافي لابن عبد البر ١ / ٢٥٠، وبلغة السالك ١ / ١٨٠، ومواهب الجليل ٢ / ١٧١ - ١٧٢.\n(٢) ولكنهم اختلفوا في قدر الواجب منه، ففي وجه أنه بقدر الطمأنينة، وهذا هو الصحيح والمشهور عندهم، والوجه الثاني: يشترط كونه قدر سورة الاخلاص.\nينظر: المجموع ٤ / ٥١٤ - ٥١٥، وروضة الطالبين ٢ / ٣٢، ومغني المحتاج ١ / ٢٩٠.\n(٣) ينظر: الفروع ٢ / ١١٩، والإنصاف ٢ / ٣٩٧، والمبدع ٢ / ١٦٣، وكشاف القناع ٢ / ٣٦.\n(٤) ينظر: الفتاوى الهندية ١ / ١٤٧، ومراقي الفلاح ص (١٠٣)، ومجمع الأنهر والدر المنتقى بهامش ١ / ١٦٨.","vol":"1","page":258},{"text":"القول الثالث: أنها بقدر تمكن الخطيب في موضع جلوسه واستقرار كل عضو منه في موضعه.\nبهذا قال بعض الحنفية (١) .\nالقول الرابع: أنها بقدر الجلسة بين السجدتين.\nوبهذا قال بعض المالكية (٢) .\nوهذه الأقوال لم أطلع على أدلة لها فيما بين يدي من كتب أصحابها، وليس في الأحاديث الواردة فيها والتي تقدمت في المطالب السابقة لها، والظاهر - والله أعلم - أنها جلسة خفيفة للاستراحة والفصل بين الخطبتين، وأنه لا تقدير لها، بل بحسب اجتهاد الخطيب فيها، ولذلك لم يقدرها أكثر الفقهاء في كتبهم وخاصة الحنابلة بل يقتصرون على قولهم بأنها جلسة خفيفة (٣) ومما يؤيد عدم التقدير ما يلي:\n١ - عدم تقديرها في الأحاديث الصحيحة كحديثي ابن عمر وجابر بن سمرة - ﵃ -.\n_________\n(١) ينظر: المراجع السابقة.\n(٢) ينظر: الفواكه الدواني ١ / ٣٠٧، ومواهب الجليل ٢ / ١٧١.\n(٣) ومنهم أبو الخطاب في الهداية ١ / ٥٢، وابن قدامة في المغني ٣ / ١٧٦، وغيرهما.","vol":"1","page":259},{"text":"٢ - أن في تقديرها حرجا ومشقة على الإمام، حيث سيقوم فيها بحساب المقدر، إما بقراءة سورة الإخلاص، أو ثلاث آيات، أو الذكر بين السجدتين.\n٣ - أن التقدير ينافي أصل مشروعيتها، حيث إنها مشروعة للاستراحة والفصل، وحساب المقدار يشغل عن ذلك.","vol":"1","page":260},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>[المبحث الثاني السنن في خطبة الجمعة]</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>[المطلب الأول تقصيرها]</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>[المسألة الأولى تقصير الخطبتين معا]</span>\nالمبحث الثاني\nالسنن في خطبة الجمعة يسن في خطبة الجمعة عدد من السنن تتمثل في ستة مطالب هي:\nالمطلب الأول: تقصيرها.\nالمطلب الثاني: أن تكون فصيحة بليغة مؤثرة مرتبة.\nالمطلب الثالث: قراءة سورة (ق) فيها.\nالمطلب الرابع: الدعاء للمسلمين في الخطبة الثانية.\nالمطلب الخامس: الدعاء لولاة أمور المسلمين في الخطبة الثانية.\nالمطلب السادس: ختم الخطبة الثانية بالاستغفار.","vol":"1","page":261},{"text":"المطلب الأول\nتقصير خطبة الجمعة وفيه مسألتان:\nالمسألة الأولى: تقصير الخطبتين معا.\nالمسألة الثانية: تقصير الثانية أكثر من الأولى.\nالمسألة الأولى: تقصير الخطبتين معا: ذهب أصحاب المذاهب الأربعة - الحنفية (١) والمالكية (٢) والشافعية (٣) والحنابلة (٤) - إلى أن يسنّ للخطيب في الجمعة تقصير الخطبتين بقدر لا يحصل به الإخلال بأركانها، ويفوت به\n_________\n(١) ينظر: بدائع الصنائع ١ / ٢٦٣، والفتاوى الهندية ١ / ١٤٧، ومجمع الأنهر ١ / ١٦٨، ومراقي الفلاح ص (١٠٣)، وقد حدد بعضهم ذلك بقدر سورة من طوال المفصَّل.\n(٢) ينظر: القوانين الفقهية ص (٨٦)، والشرح الصغير وبلغة السالك معه ١ / ١٨٠ - ١٨١، والتاج والإكليل بهامش المواهب ٢ / ١٦٦.\n(٣) ينظر: الوجيز ١ / ٦٤، والمجموع ٤ / ٥٢٨ - ٥٢٩، وروضة الطالبين ٢ / ٣٢، ومغني المحتاج ١ / ٢٨٩.\n(٤) ينظر: الهداية لأبي الخطاب ١ / ٥٢، والمغني ٣ / ١٧٩، والفروع ٢ / ١١٩، والمحرر ١ / ١٥١، والإنصاف ٢ / ٣٩٧، وكشاف القناع ٢ / ٣٦.","vol":"1","page":262},{"text":"المقصود منها حسب ما يراه أصحاب كل مذهب في ذلك كما تقدم عند الكلام على الأركان.\nقال النووي: \" ويكون قصرها معتدلا، ولا يُبالغ بحيث يمحقها \" (١) .\nالأدلة: استدلوا بأدلة من السنة، وآثار الصحابة، والمعقول:\nأولا: من السنة: ١ - ما روي عن عمار بن ياسر - ﵁ - أنه خطب فأوجز، فقيل له: يا أبا اليقظان لقد أبلغت وأوجزتَ، فلو كنت تنفستَ، فقال: إني سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مَئِنَّةٌ من فقهه، فأطيلوا الصلاة، واقصروا الخطبة، وإِن من البيان لسحرًا» (٢) .\nوفي رواية: «أمرنا رسول الله - ﷺ - بإقصار الخطب» (٣) .\n_________\n(١) المجموع ٤ / ٥٢٩.\n(٢) تقدم تخريجه ص (١١٩) من صحيح مسلم.\n(٣) أخرجها أبو داود في سننه في كتاب الصلاة - باب إقصار الخطب ١ / ٢٨٩، الحديث رقم (١١٠٦)، والبيهقي في سننه الكبرى في كتاب الجمعة - باب ما يستحب من القصد في الكلام وترك التطويل ٣ / ٣٠٨، وقال الألباني في إرواء الغليل ٣ / ٧٩: \" بسند حسن في المتابعات والشواهد \".","vol":"1","page":263},{"text":"٢ - ما رواه جابر بن سمرة - ﵁ - قال: «كنت أصلي مع رسول الله - ﷺ - فكانت صلاته قصدا، وخطبته قصدا» (١) .\nوفي رواية: «كان رسول الله - ﷺ - لا يطيل الموعظة يوم الجمعة، إنما هي كلمات يسيرات» (٢) .\nقال في نيل الأوطار: \" وفيه أن الوعظ في الخطبة مشروع، وأن إقصار الخطبة أولى من إطالتها \" (٣) .\n٣ - ما رواه عبد الله (٤) بن أبي أوفى - ﵁ - قال: «كان رسول الله - ﷺ - يطيل الصلاة، ويقصر\n_________\n(١) تقدم تخريجه ص (١١٣) من صحيح مسلم.\n(٢) أخرجها أبو داود في سننه في كتاب الصلاة - باب إقصار الخطب ١ / ٢٨٩، الحديث رقم (١١٠٧)، وقال في نيل الأوطار ٣ / ٢٦٦: \" رجال إسناده ثقات \".\n(٣) نيل الأوطار ٣ / ٢٦٦.\n(٤) هو عبد الله بن علقمة بن خالد بن الحارث الأسلمي، شهد الحديبية، وبايع بيعة الرضوان، وشهد خيبر وما بعدها، ولم يزل بالمدينة حتى قبض رسول الله - ﷺ - فتحول إلى الكوفة، وتوفي بها سنة ٨٦، وقيل: ٨٧ هـ.\n (ينظر: طبقات ابن سعد ٤ / ٣٠١، وأسد الغابة ٣ / ١٢١) .","vol":"1","page":264},{"text":"الخطبة» (١) .\nقال في نيل الأوطار بعد ذكر هذه الأحاديث الثلاثة: \" فيها مشروعية إقصار الخطبة، ولا خلاف في ذلك \" (٢) .\nهذه هي أبرز وأصح الأحاديث الواردة في تقصير الخطبة من قوله - ﷺ - وفعله.\nثانيا: من آثار الصحابة - ﵃ -: ١ - تقدم في الحديث الأول فعل عمار - ﵁ -.\n٢ - ما روي عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - أنه قال: \" إن قصر الخطبة وطول الصلاة مَئِنَّةٌ من فقه الرجل \" (٣) .\nثالثا: من المعقول: أن إطالة الخ طبة تؤدي إلى ملل الناس، فيسن تقصيرها حتى\n_________\n(١) أخرجه النسائي في سننه في كتاب الجمعة - باب ما يستحب من تقصير الخطبة ٣ / ١٠٨ - ١٠٩، الحديث رقم (١٤١٤)، وقال في نيل الأوطار ٣ / ٢٦٩: \" قال العراقي في شرح الترمذي: \" إسناده صحيح \".\n(٢) نيل الأوطار ٣ / ٢٧٠.\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه في كتاب الصلوات - باب الخطبة تطول أو تقصر ٢ / ١١٤، وقال الألباني في إرواء الغليل ٣ / ٧٩: \" وقال المنذري بعدما عزاه للطبراني: \" بإسناد صحيح \"، ووافقه، وذكره الهيثمي في مجع الزوائد ٢ / ١٩٠ مرفوعا وقال: \" رواه البزار، وروى الطبراني بعضه موقوفا في الكبير، ورجال الموقوف ثقات \".","vol":"1","page":265},{"text":"لا يحصل ذلك (١) .\nومع هذه الأدلة على سنية تقصير الخطبة وخاصة الأدلة من السنة إلا أن النبي - ﷺ - لم يكن مواظبا على هذا، وإنما كان يفعله في أكثر الأحيان، وإذا لم يكن هناك حاجة تستدعي التطويل، فإن كان هناك حاجة أطال، قال ابن القيم - ﵀ -: \" وكان يقصر خطبته أحيانا، ويطيلها أحيانا بحسب حاجة الناس، وكانت خطبته العارضة أطول من الراتبة \" (٢) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>[المسألة الثانية تقصير الخطبة الثانية أكثر من الأولى]</span>\nالمسألة الثانية: تقصير الخطبة الثانية أكثر من الأولى: ذكر بعض الفقهاء أن من السنن في خطبتي الجمعة أن تكون الخطبة الثانية أقصر من الأولى.\nوممن ذكر ذلك المالكية (٣) والحنابلة (٤) .\n_________\n(١) ينظر: المجموع ٤ / ٥٢٨.\n(٢) زاد المعاد ١ / ١٩١.\n(٣) ينظر: الشرح الصغير وبلغة السالك معه ١ / ١٨٠ - ١٨١، والتاج والإكليل بهامش المواهب ٢ / ١٦٦.\n(٤) ينظر: المستوعب ٣ / ٣٠، والفروع ٢ / ١١٩، والإنصاف ٢ / ٣٩٧، والمبدع ٢ / ١٦٣، وكشاف القناع ٢ / ٣٦.","vol":"1","page":266},{"text":"الدليل: القياس على الإقامة مع الأذان، فكما أن السنة في الأذان أن يكون شفعا والإقامة وترا، فتكون الإقامة أقصر، فكذلك خطبتا الجمعة (١) .\nكما يمكن الاستدلال لذلك بالقياس على ركعتي الصلاة، فالسنة أن تكون الثانية أقصر من الأولى؛ لما جاء في حديث عبد الله (٢) بن أبي قتادة عن أبيه «أن النبي - ﷺ - كان يقرأ في الظهر في الأوليين بأم الكتاب وسورتين، وفي الركعتين الأخريين بأم الكتاب، ويُسمعنا الآية، ويطوِّل في الركعة الأولى ما لا يطوِّل في الركعة الثانية، وهكذا في العصر، وهكذا في الصبح» (٣) .\n_________\n(١) ينظر: الفروع ٢ / ١١٩، والمبدع ٢ / ١٦٣، وكشاف القناع ٢ / ٣٦.\n(٢) هو عبد الله بن أبي قتادة الأنصاري، السلمي، المدني، يكنى بأبي إبراهيم، وثقه ابن سعد، والنسائي، وابن حبان، وابن حجر، وتوفي سنة ٩٥ هـ.\n (ينظر: تهذيب التهذيب ٥ / ٣٦٠، وتقريب التهذيب ١ / ٤٤١) .\n(٣) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الأذان - باب يقرأ في الأخريين بفاتحة الكتاب ١ / ١٨٩، ومسلم في كتاب الصلاة - باب القراءة في الظهر والعصر ١ / ٣٣٣، الحديثان (١٥٤، ١٥٥) .","vol":"1","page":267},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>[المطلب الثاني أن تكون الخطبة فصيحة بليغة مؤثرة مرتبة]</span>\nالمطلب الثاني\nأن تكون الخطبة فصيحة بليغة مؤثرة مرتبة أن تكون الخطبة فصيحة، بليغة، مؤثرة، مرتبة ذكر بعض الفقهاء صفات يسن للخطيب أن يميز بها خطبته، وأن يأخذها في الاعتبار عند إعداد الخطبة وإلقائها، لتكون أكثر تأثيرًا وتحقيقًا للمقصود، منها ما ذكرت في العنوان ومنها أيضًا الترسل، والبيان، والإعراب، واجتناب الألفاظ الغريبة، وعدم العجلة والتمطيط.\nوممن ذكر هذه الصفات الشافعية (١) والحنابلة (٢) .\nولا شك أن غيرهم من الفقهاء يوافقونهم على ذلك وإن لم يصرحوا به، ولعل عدم التصريح به لكونه أمرًا واضحًا ومعلومًا، والله أعلم.\nوما أجود ما قاله صاحب الحاوي في هذا الشأن حيث قال: \" المقصود بالخطبة شيئان: الموعظة، والإِبلاغ، ويقصد بموعظته ثلاثة أشياء: إيراد المعنى الصحيح، واختيار اللفظ الفصيح،\n_________\n(١) ينظر: الأم ١ / ٢٣٠، والحاوي ٣ / ٥٥، والوجيز ١ / ٦٤، والمجموع ٤ / ٥٢٨، وروضة الطالبين ٢ / ٣١، ومغني المحتاج ١ / ٢٨٩.\n(٢) ينظر: المغني ٣ / ١٨٠، وكشاف القناع ٢ / ٣٦.","vol":"1","page":268},{"text":"واجتناب ما يقدح في فهم السامع من تمطيط الكلام ومده، أو العجلة فيه عن إبانة لفظه، أو ركب ما يستنكر من غريب الكلام وإعرابه، ولا يطيل إطالة تضجر، ولا يقصر تقصيرا يبتر، ويعتمد في كل زمان على ما يليق بالحال \" (١) .\nالأدلة: استدلوا بأدلة من السنة، وآثار الصحابة، والمعقول:\nأولا: من السنة: ١ - ما روته عائشة - ﵂ - قالت: «كان رسول الله - ﷺ - لا يسرد الكلام كسردكم هذا، كان كلامه فصلا بينا، يحفظه كل من سمعه»، وفي لفظ: «. . . لكن كان إذا تكلم تكلم فصلا، يبينه، يحفظه كل من سمعه» (٢) .\n٢ - ما رواه جابر بن عبد الله - ﵁ - قال: «كان في\n_________\n(١) الحاوي ٣ / ٥٥.\n(٢) أخرجه بلفظيه البيهقي في سننه الكبرى في كتاب الجمعة - باب ما يستحب من تبيين الكلام وترتيله، وترك العجلة فيه ٣ / ٢٠٧، وقال: \" وبهذا الإسناد رواه وكيع بن الجراح وأبو أسامة عن الثوري: أخبرنا أبو الحسن بن عبدان، قال: قال أبو القاسم سليمان بن أحمد اللخمي: أسامة عن القاسم والزهري صحيحان جميعا \".","vol":"1","page":269},{"text":"كلام رسول الله - ﷺ- ترتيل أو ترسيل» (١) . فعموم هذين الحديثين يشمل كلامه - ﷺ - في خطبة الجمعة.\nثانيا: من آثار الصحابة - ﵃ -: الأثر الذي استدلوا به هنا هو في تجنب الكلام البعيد عن أفهام الحاضرين، وما لا يعرفونه، وهو ما روي عن علي بن أبي طالب - ﵁ - قال: \" حدِّثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يُكذَّبَ الله ورسوله \" (٢) .\nثالثا: من المعقول: أن الخطبة إذا لم تتصف بهذه الصفات فإنها لا تقع في النفوس موقعًا كاملا، ولا يحصل مقصودها (٣) .\n_________\n(١) أخرجه البيهقي في الكتاب والباب السابقين ٣ / ٢٠٧.\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب العلم - باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية ألا يفهموا ١ / ٤١.\n(٣) ينظر: المجموع ٤ / ٥٢٨.","vol":"1","page":270},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>[المطلب الثالث قراءة سورة (ق) في الخطبة]</span>\nالمطلب الثالث\nقراءة سورة (ق) في الخطبة ذكر بعض الفقهاء أنه يستحب للخطيب في خطبة الجمعة قراءة سورة (ق) (١) .\nالأدلة: استدلوا بأدلة من السنة، والمعقول.\nأولا: من السنة: ١ - ما روته أم هشام بنت حارثة بن النعمان - ﵂ - قالت: «ما حفظت (ق) إلا من رسول الله - ﷺ - يخطب بها كل جمعة، قالت: وكان تنورنا وتنور رسول الله - ﷺ - واحدًا» (٢) .\nوفي لفظ: «وما أخذت ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١] (٣) إلا عن رسول الله - ﷺ - يقرؤها كل يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس» (٤) .\n_________\n(١) ينظر: روضة الطالبين ٢ / ٢٥، وشرح النووي على صحيح مسلم ٦ / ١٦١، ومغني المحتاج ١ / ٢٨٦.\n(٢) تقدم تخريجه ص (١٤٥) من صحيح مسلم.\n(٣) سورة (ق)، الآية رقم (١) .\n(٤) تقدم تخريجها ص (١٤٦) .","vol":"1","page":271},{"text":"٢ - ما روته عمرة بنت عبد الرحمن عن أخت لعمرة قالت: «أخذت ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١] (١) من في رسول الله - ﷺ - يوم الجمعة وهو يقرأ بها على المنبر في كل جمعة» (٢) .\nقال النووي: \" وفيه استحباب قراءة (ق) أو بعضها في كل خطبة \" (٣) .\nوقال ابن القيم - ﵀ - أيضا مشيرا إلى فعل النبي - ﷺ - هذا: \" حُفِظَ من خطبه - ﷺ - أنه كان يكثر أن يخاطب بالقرآن وسورة ق \" (٤) .\nثانيا: من المعقول: أن سورة (ق) مشتملة على البعث، والموت، والمواعظ الشديدة، والزواجر الأكيدة، فاستحب قراءتها في الخطبة (٥) .\nفلما ثبت فعل النبي - ﷺ - لذلك، وتكراره له استحب للخطيب فعل ذلك في بعض الأحيان اقتداء به، والله أعلم.\n_________\n(١) سورة (ق)، الآية رقم (١) .\n(٢) تقدم تخريجه ص (١٤٦) من صحيح مسلم.\n(٣) شرح صحيح مسلم ٦ / ١٦١.\n(٤) زاد المعاد ١ / ٤٢٤.\n(٥) ينظر: شرح النووي على صحيح مسلم ٦ / ١٦١، ومغني المحتاج ١ / ٢٨٦.","vol":"1","page":272},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>[المطلب الرابع الدعاء للمسلمين في الخطبة الثانية]</span>\nالمطلب الرابع\nالدعاء للمسلمين في الخطبة الثانية اختلف الفقهاء في حكم دعاء الخطيب للمسلمين في الخطبة الثانية من خطبتي الجمعة، وذلك على قولين:\nالقول الأول: أنه سنة.\nوبهذا قال الحنفية (١) والشافعية في قول لهم وصححه بعضهم (٢) والحنابلة (٣) قال في الإنصاف: \" وهذا بلا نزاع \" (٤) . يعني عند الحنابلة.\nالقول الثاني: أنه ركن من أركان الخطبة الثانية.\nوهذا هو القول الصحيح عند الشافعية (٥) قال النووي:\n_________\n(١) ينظر: الفتاوى الهندية ١ / ١٤٧، ومراقي الفلاح (١٠٣) .\n(٢) ينظر: حلية العلماء ٢ / ٢٧٧، والمجموع ٤ / ٥٢١، وروضة الطالبين ٢ / ٢٥، ومغني المحتاج ١ / ٢٨٦.\n(٣) ينظر: الهداية لأبي الخطاب ١ / ٥٢، وشرح الزركشي ٢ / ١٩٠، المغني ٣ / ١٨١، والفروع ٢ / ١١٩، والمحرر ١ / ١٥٢، والإنصاف ٢ / ٣٩٧، وكشاف القناع ٢ / ٣٧.\n(٤) الإنصاف ٢ / ٣٩٧.\n(٥) ينظر: حلية العلماء ٢ / ٢٧٧، والحاوي ٣ / ٥٨، والوجيز ١ / ٦٤، والمجموع ٤ / ٥٢١، وروضة الطالبين ٢ / ٢٥، واختلفوا فيما يكفي على قولين: الأول: ما يقع عليه اسم الدعاء، والثاني: يجب أن يكون متعلقًا بأمور الآخرة.","vol":"1","page":273},{"text":"\" وهو الصحيح المختار \" (١) .\nالأدلة:\nأدلة أصحاب القول الأول: أولا: استدلوا على السنية بأدلة من السنة، والمعقول.\nمن السنة: ما رواه سمرة بن جندب - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «كان يستغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات كل جمعة» (٢) .\nوهذا واضح الدلالة، لكن في ثبوته كلام كما في تخريجه.\nومن المعقول: أن الدعاء للمسلمين مسنون في غير خطبة الجمعة، ففيها أولى (٣) .\n_________\n(١) المجموع ٤ / ٥٢١.\n(٢) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٢ / ١٩٠ وقال: \" رواه البزار والطبراني في الكبير، وقال البزار: لا نعلمه عن النبي - ﷺ - إلا بهذا الإسناد، وفي إسناد البزار يوسف بن خالد السمتي وهو ضعيف \".\nكما ذكره ابن حجر في بلوغ المرام ص (٤٩٢)، وقال: \" رواه البزار بإسناد لين \".\nقال في إعلاء السنن ٨ / ٥٩: \" قلت: ولكن الحافظ لم يضعف الإسناد، بل لينه، وهو يدل على أن السمتي فيه ضعف يسير، ولما رواه شاهد \".\n(٣) ينظر: المبدع ٢ / ١٦٣، وكشاف القناع ٢ / ٣٧.","vol":"1","page":274},{"text":"ثانيا: واستدلوا على عدم الركنية بما يلي:\n١ - أن الدعاء للمسلمين ليس ركنا يجب الإتيان به في غير خطبة الجمعة، فكذلك فيها، كالتسبيح (١) .\n٢ - أن الأصل عدم الوجوب، ومقصود الخطبة الوعظ (٢) .\nدليل أصحاب القول الثاني: أن الدعاء للمسلمين في خطبة الجمعة قد نقله الخلف عن السلف، فيكون ركنا فيها (٣) .\nمناقشة هذا الدليل: يناقش من وجهين:\nالوجه الأول: لم يذكروا مَنْ مِنَ السلف ثبت عنه ذلك، ولم أطلع على شيء فيه.\nالوجه الثاني: على تقدير ثبوته عن أحد منهم فإنه إن كان من الصحابة فمختلف في الاحتجاج بقوله، وإن كان ممن دونهم فليس بحجة بالاتفاق، خاصة وأن ذلك في إثبات ركن يتعلق به صحة الجمعة.\n_________\n(١) ينظر: مغني المحتاج ١ / ٢٨٦.\n(٢) ينظر: المجموع ٤ / ٥٢١.\n(٣) ينظر: مغني المحتاج ١ / ٢٨٦.","vol":"1","page":275},{"text":"الترجيح: الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بسنية الدعاء للمسلمين في الخطبة الثانية من خطبتي الجمعة، والأولى في آخرها، لما استدلوا به، ويؤيد السنية بأن الساعة ساعة ترجى فيها إجابة الدعاء، والدعاء للمسلمين من أعظم الأمور وأهمها وأكثرها فائدة للإسلام والمسلمين في هذا الوقت.\nقال سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ - ﵀ - في تقرير له موضحا ما ينبغي أن يتضمنه الدعاء: \" ويكون دعاؤه للمسلمين بالأمور الهامة من نصرة الإسلام والمسلمين، وكبت أعداء الدين، ونحو ذلك \" (١) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>[المطلب الخامس الدعاء لولاة أمور المسلمين في الخطبة الثانية]</span>\nالمطلب الخامس\nالدعاء لولاة أمور المسلمين في الخطبة الثانية وفيه مسألتان:\nالمسألة الأولى: الدعاء لولاة أمور المسلمين عامة بدون تعيين.\n_________\n(١) فتاوى ورسائل سماحته ٣ / ٢١.","vol":"1","page":276},{"text":"المسألة الثانية: الدعاء لولي أمر بعينه. المسألة الأولى: الدعاء لولاة أمور المسلمين عامة بدون تعيين: الدعاء لولاة أمور المسلمين عامة وبدون تعيين بالصلاح والإعانة على الحق، والقيام بالعدل، ونحو ذلك في الخطبة الثانية من خطبتي الجمعة مستحب كما ذكر النووي حيث قال: \" فأما الدعاء لأئمة المسلمين وولاة أمورهم بالصلاح والإعانة على الحق والقيام بالعدل ونحو ذلك، ولجيوش الإسلام فمستحب بالاتفاق \" (١) . المسألة الثانية: الدعاء لولي أمر بعينه: كما أن للناس حقوقا على ولي الأمر، فكذلك له عليهم حقوق أعظمها وأهمها محبته، وطاعته في غير معصية الله، والدعاء له بالصلاح والهداية والتوفيق والإعانة ونحو ذلك مما فيه منفعة له ولعموم رعيته وللمسلمين عامة، وعلى هذا المنهج كان\n_________\n(١) ينظر: المجموع ٤ / ٥٢١، وروضة الطالبين ٢ / ٣٣.","vol":"1","page":277},{"text":"سلفنا الصالح من عهد النبي - ﷺ - إلى يومنا هذا حتى وإن نالهم شيء منهم كما حصل للإمام أحمد، وشيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهما، وقد كان الإمام أحمد يقول: \" لو كان لنا دعوة مستجابة لدعونا بها لإمام عادل، لأن في صلاحه صلاحا للمسلمين \" (١) وقال: \" إني لأدعو له بالتوفيق والتسديد \" (٢) وذلك اتباعا لما يعلمونه من شرع الله - ﷿ -، وإيمانا منهم بما يحصل من طاعته وصلاحه من اجتماع الكلمة، ووحدة الصف، واستتباب الأمن، وأداء الحقوق، وقيام مصالح الناس وحياتهم على الوجه السوي، وما يحصل بضدِّ ذلك من الأضرار والمفاسد التي لا يعلم قدرها إلا الله - ﷿ -، ولا يعرف ذلك إلا من جربه.\nوخطبة الجمعة من الأوقات التي تُرجى فيها إجابة الدعاء؛ لأنها تحصل في الساعة التي لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه على أرجح الأقوال - في نظري -، كما أنها تحصل في مجمع من الناس يؤمنون عليها، وقد يكون منهم من هو مستجاب الدعوة، فهل يشرع في الخطبة الثانية الدعاء له بعينه؟\n_________\n(١) ينظر: الفروع ٢ / ١٢٠، والإنصاف ٢ / ٣٩٨.\n(٢) ينظر: الفروع ٢ / ١٢٠، والمبدع ٢ / ١٦٤.","vol":"1","page":278},{"text":"اختلف الفقهاء فيها على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أنه مستحب.\nوبهذا قال بعض المالكية (١) وبعض الحنابلة (٢) وعبارة صاحب المغني توحي بأنه يميل إليه حيث قال: \" وإن دعا لسلطان المسلمين فحسن \" (٣) وكذا صاحب الإنصاف حيث قال عنه: \" وما هو ببعيد \" (٤) .\nالقول الثاني: أنه جائز.\nوبهذا قال بعض الشافعية، واختاره النووي (٥) وهو الصحيح من المذهب عند الحنابلة (٦) .\nالقول الثالث: أنه غير مشروع، بل ذهب بعضهم إلى ما هو أبعد من ذلك فقال ببدعيته.\n_________\n(١) ينظر: مواهب الجليل ٢ / ١٦٥.\n(٢) ينظر: المغني ٣ / ١٨١، والفروع ٢ / ١٢٠، والإنصاف ٢ / ٣٩٨، والمبدع ٢ / ١٦٤.\n(٣) المغني ٣ / ١٨١.\n(٤) الإنصاف ٢ / ٣٩٨.\n(٥) ينظر: المجموع ٤ / ٥٢١، وروضة الطالبين ٢ / ٣٢ - ٣٣، ومغني المحتاج ١ / ٢٩٠.\n(٦) ينظر: شرح الزركشي ٢ / ١٨٢، والمغني ٣ / ١٨١، والفروع ٢ / ١٢٠، والإنصاف ٣ / ٣٩٧، والمبدع ٢ / ١٦٤، وكشاف القناع ٢ / ٣٧.","vol":"1","page":279},{"text":"وبهذا قال بعض المالكية (١) وبعض الشافعية (٢) .\nالأدلة:\nأدلة أصحاب القول الأول: استدلوا بأدلة من آثار الصحابة، والمعقول:\nأولا: من آثار الصحابة - ﵃ -: ما رواه ضبة (٣) بن محصن أن أبا موسى الأشعري (٤) - ﵁ - \" كان إذا خطب فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي - ﷺ - يدعو لعمر، وأبي بكر، وأنكر عليه ضبة البداية بعمر قبل الدعاء لأبي بكر، ورفع ذلك إلى عمر،\n_________\n(١) ينظر: مواهب الجليل ٢ / ١٦٥.\n(٢) ينظر: الأم ١ / ٢٣٣، والمجموع ٤ / ٥٢١، وروضة الطالبين ٢ / ٣٢ - ٣٣.\n(٣) هو ضبة بن محصن العنزي، البصري، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن سعد: قليل الحديث، وقال الأزدي: ثقة مشهور.\n (ينظر: طبقات ابن سعد ٧ / ١٠٣، وتهذيب التهذيب ٤ / ٤٤٢) .\n(٤) هو عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار الأشعري، مشهور بكنيته أبي موسى، قيل: إنه هاجر إلى الحبشة وقدم المدينة بعد فتح خيبر، واستعمله النبي - ﷺ - على بعض اليمن، ثم عمر على البصرة، ثم عثمان على الكوفة، وكان أحد الحكمين بصفين، ثم اعتزل الفتنة، وتوفي سنة ٤٢ هـ.\n (ينظر: طبقات ابن سعد ٢ / ٣٤٤، والإصابة ٤ / ١١٩) .","vol":"1","page":280},{"text":"فقال لضبة: أنت أوفق منه وأرشد \" (١) .\nوهو واضح الدلالة لكن لم يتحقق لي ثبوته.\nثانيا: من المعقول: ١ - أن إمام المسلمين إذا صلح كان فيه صلاح لهم، ففي الدعاء له دعاء لهم، وذلك مستحب غير مكروه (٢) .\nدليل أصحاب القول الثاني: أن الدعاء للمعين يجوز في الصلاة على الصحيح، ففي الخطبة أولى (٣) .\nوهذا الدليل لا مخالفة فيه لما ذكره أصحاب القول الأول.\nدليل أصحاب القول الثالث: ما روي عن عطاء بن أبي رباح أنه قيل له: الذي يدعو الناس به في الخطبة يومئذ أبلغك عن النبي - ﷺ - أو عمن بعد النبي - ﷺ - قال: لا إنما أحدث،\n_________\n(١) ذكره بهذا اللفظ مستدلا به ابن قدامة في المغني ٣ / ١٨١، وأشار إليه باختصار برهان الدين ابن مفلح في المبدع ٢ / ١٦٤، والبهوتي في الكشاف ٢ / ٣٧، ولم يذكروا من أخرجه، ولم أطلع عليه في ما بين يدي من كتب السنة والآثار.\n(٢) ينظر: المغني ٣ / ١٨١، والمبدع ٢ / ١٦٤، وكشاف القناع ٢ / ٣٧.\n(٣) ينظر: شرح الزركشي ٢ / ١٨٢.","vol":"1","page":281},{"text":"إنما كانت الخطبة تذكيرا (١) .\nوهو واضح الدلالة على قولهم.\nمناقشه هذا الدليل: يناقش من وجهين:\nالوجه الأول: أنه متكلم في صحته كما في تخريجه.\nالوجه الثاني: على تقدير ثبوته فقد فعله الصحابة - ﵁ - كما تقدم في أدلة أصحاب القول الأول، وهو مقدم على قول عطاء (٢) .\nالترجيح: الراجح في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل باستحباب الدعاء لولي الأمر بعينه في خطبة الجمعة؛ لما استدلوا به، ولما في ذلك من المصالح العظيمة له وللعباد والبلاد وأهمها جمع الكلمة، ووحدة الصف، وتأكيد محبته وطاعته في قلوب عامة الناس، وتشهد لذلك قواعد الشريعة العامة،\n_________\n(١) أخرجه البيهقي في سننه الكبرى في كتاب الجمعة - باب ما يكره من الدعاء لأحد بعينه، أو على أحد بعينه في الخطبة ٣ / ٢١٧، وذكره الإمام الشافعي في الأم ١ / ٢٣٣، وقال النووي في المجموع ٤ / ٥١٨: \" وهو إسناد صحيح إلا عبد المجيد فوثقه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، وضعفه أبو حاتم الرازي، والدارقطني \".\n(٢) ينظر: المغني ٣ / ١٨١.","vol":"1","page":282},{"text":"وعقيدة السلف الصالح ومنهجهم.\nوهذا إذا لم يأمر بذلك ولي الأمر، فإن أمر بذلك فإن المسألة إلى الوجوب؛ للأدلة المتظاهرة من الكتاب والسنة على وجوب طاعته في غير معصية الله، ولأنه لا يأمر بذلك إلا لمصلحة ظاهرة يراها تستدعي ذلك.","vol":"1","page":283},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>[المطلب السادس ختم الخطبة الثانية بالاستغفار]</span>\nالمطلب السادس\nختم الخطبة الثانية بالاستغفار ذكر كثير من الفقهاء أن من سنن خطبتي الجمعة أن يختم الثانية بالاستغفار كقوله: \" أستغفر الله لي ولكم \".\nوممن ذكر ذلك الحنفية (١) والمالكية (٢) والشافعية (٣) .\nالأدلة: ١ - ما رواه سمرة بن جندب - ﵁ - أن النبي - ﷺ - «كان يستغفر للمؤمنين والمؤمنات في كل جمعة» (٤) .\n٢ - ما رواه ابن شهاب الزهري قال: \" بلغنا أن رسول الله - ﷺ - «كان يبدأ فيجلس على المنبر، فإذا سكت المؤذن قام فخطب الخطبة الأولى، ثم جلس شيئا يسيرا، ثم قام\n_________\n(١) ينظر: مراقي الفلاح ص (١٠٣) .\n(٢) ينظر: مواهب الجليل والتاج والإكليل بهامش ٢ / ١٧٢، والشرح الصغير ١ / ١٨١.\n(٣) ينظر: الحاوي ٣ / ٥٨، والمجموع ٤ / ٥٢٩، وروضة الطالبين ٢ / ٣٣، ومغني المحتاج ١ / ٢٩٠.\n(٤) تقدم تخريجه وبيان الحكم عليه وأن في صحته كلاما ص (٢٧٤) .","vol":"1","page":284},{"text":"فخطب الخطبة الثانية، حتى إذا قضاها استغفر ثم نزل فصلى» (١) .\nقال في إعلاء السنن: \" قلت: دلالته على استغفاره - ﷺ - في الخطبة ظاهرة، وبهذا بطل حمل بعض الناس حديث سمرة على الاستغفار خارج الخطبة \" (٢) .\nومع ما في هذين الحديثين من ضعف - كما في تخريجهما - فإن كلام ابن القيم - ﵀ - يوحي بصلاحيتها للاحتجاج عنده، حيث قال في معرض كلامه على هدي النبي - ﷺ - في خطبته: \" وكان يختم خطبته بالاستغفار \" (٣) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>[الفصل الخامس مسائل متفرقة في خطبة الجمعة]</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>[المبحث الأول التقصير في إعدادها بالاعتماد على خطب مدونة قديما ونحو] </span>ذلك\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في مراسيله ص (١٢٥)، وقال في إعلاء السنن ٨ / ٦٠: \" وفي آثار السنن: هو مرسل جيد \" ووافقه على ذلك، وقال أيضا - أعني صاحب إعلاء السنن -: \" فالحق أن مراسيل الزهري مختلف فيها، ضعفها بعضهم، واحتج بها بعضهم، ومثله يكون حسنا صالحا للاحتجاج كما ذكرناه في المقدمة. \" لكن على كل الأحوال فإن المرسل يعد عند أهل العلم من أقسام الحديث الضعيف، والله أعلم.\n(٢) إعلاء السنن ٨ / ٥٩.\n(٣) زاد المعاد ١ / ١٨٧.","vol":"1","page":285},{"text":"الفصل الخامس\nمسائل متفرقة في خطبة الجمعة وفيه ثلاثة عشر مبحثا:\nالمبحث الأول: التقصير في إعدادها، بالاعتماد على خطب مدونة قديما، ونحو ذلك.\nالمبحث الثاني: إخراجها عن مقصودها الشرعي.\nالمبحث الثالث: صلاة الخطيب تحية المسجد عند دخوله وقبل صعود المنبر.\nالمبحث الرابع: دعاء الخطيب عند صعود المنبر وقبل جلوسه حال الأذان.\nالمبحث الخامس: الخطبة من صحيفة.\nالمبحث السادس: الكلام فيها.\nالمبحث السابع: الدق بالسيف على المنبر.\nالمبحث الثامن: الإشارة باليد.\nالمبحث التاسع: التفات الخطيب يمينا وشمالا.","vol":"1","page":286},{"text":"المبحث العاشر: قول الخطيب في آخر الأولى: \" ادعو الله وأنتم موقنون بالإجابة \" ونحوه، والمداومة عليه.\nالمبحث الحادي عشر: المبالغة في الإسراع في الثانية، وخفض الصوت بها.\nالمبحث الثاني عشر: رفع اليدين حال الدعاء في الخطبة.\nالمبحث الثالث عشر: ختم الثانية بقوله - تعالى -: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] والمداومة على ذلك.","vol":"1","page":287},{"text":"المبحث الأول\nالتقصير في إعداد الخطبة بالاعتماد على خطب مدونة قديما ونحو ذلك يعتمد بعض الخطباء على كتب مدونة قديما، يقرءونها بنصها، وبعضهم يقرؤها من الكتب المدونة فيها مباشرة، وغالب ما فيها لا يتناسب مع هذا العصر وما جد فيه من قضايا، وذلك إما عجزا عن إعداد الخطبة، وإما تكاسلا.\nولا شك أن هذا تقصير في إعداد الخطبة، وخطأ يجب تصحيحه.\nجاء في السنن والمبتدعات: \" ومن التكاسل والجهل والتقصير اعتمادهم على قراءة ما في الدواوين القديمة وإن كانت لا توافق عصرنا ولا حالنا، وإن كان فيها ما يخالف الشريعة، وقراءتهم للأحاديث الموضوعة والضعيفة الواهية كأحاديث فضل رجب ونصف شعبان وغيرها من غير تبيانها للناس، وهذا تدليس بل وغش للمسلمين \" (١) .\nوالمشروع في الخطبة أن تكون بما تقتضيه حاجة المخاطبين\n_________\n(١) السنن والمبتدعات ص (٧٦) .","vol":"1","page":288},{"text":"ويناسب العصر وقضاياه حتى تتم الفائدة المنشودة منها، وهذا هو هدي النبي - ﷺ - في خطبته الذي هو خير الهدي.\nقال ابن القيم - ﵀ -: \" وكان يخطب في كل وقت بما تقتضيه حاجة المخاطبين ومصلحتهم \" (١) .\nوتجدر الإشارة إلى أن هذا قد قل في بلادنا - ولله الحمد - بفضل الله - تعالى - ثم جهود حكومتنا - وفقها الله - في هذا الشأن بما تبذله وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد من إقامة دورات للأئمة والخطباء، ووضع ضوابط لتعيين الخطباء من ضمنها القدرة الجيدة على إعداد الخطبة، كما أن الوزارة الآن بصدد جمع بعض الخطب المتميزة وتنقيحها وطباعتها وتوزيعها على من ليس لديهم القدرة التامة على إعداد الخطب، أسأل الله أن يثيبهم ويسدد خطاهم.\n_________\n(١) زاد المعاد ١ / ١٨٩.","vol":"1","page":289},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>[المبحث الثاني إخراجها عن مقصودها الشرعي]</span>\nالمبحث الثاني\nإخراجها عن مقصودها الشرعي المقصود الشرعي من خطبة الجمعة هو الثناء على الله - تعالى - وتمجيده، وتعليم الناس قواعد الإسلام، ووعظهم وتذكيرهم، وحثهم على طاعة الله، وتحذيرهم من موارد غضبه وعقابه، وبيان جزاء المطيع وعقوبة العاصي، وبيان الأخطاء المنتشرة في المجتمع وسبل معالجتها، والبدع والتحذير منها، ونحو ذلك.\nقال ابن القيم - ﵀ - ملخصا هدي النبي - ﷺ- في خطبه: \" وكان مدار خطبه على حمد الله، والثناء عليه بآلائه، وأوصاف كماله ومحامده، وتعليم قواعد الإسلام، وذكر الجنة والنار والمعاد، والمسألة بتقوى الله، وتبيين موارد غضبه، ومواقع رضاه، فعلى هذا كان مدار خطبه \" (١) .\nوقال في موضع آخر: \" وكان يعلم أصحابه في خطبته قواعد الإسلام، وشرائعه، ويأمرهم وينهاهم في خطبته إذا عرض له أمر أو نهي \" (٢) .\n_________\n(١) زاد المعاد ١ / ١٨٨.\n(٢) المرجع السابق ١ / ٤٢٧.","vol":"1","page":290},{"text":"هذا ملخص هدي النبي - ﷺ - في الخطبة الذي أرسله ربه إلى الناس ليقتدوا ويتأسوا به في أقواله وأفعاله، فهديه هو المقصود الشرعي من الخطبة، وقد تقدم في أركان الخطبة أن الوعظ ركن من أركانها حسب ما ظهر رجحانه (١) .\nوإذا كان الأمر كذلك فلا يشرع للخطيب أن يخرج بخطبته عن هذا المنهج النبوي، والمقصود الشرعي، بل عليه أن يلتزم به، فلا يخرج عنه إلى مقاصد أخرى كالموضوعات التي يخالف منهج السلف الصالح، أو التي تثير الفتنة والخلاف والعداوة بين المسلمين، أو الدخول في قضايا لا علاقة لعامة الناس بها، أو ليس فيها فائدة تذكر، أو نحو ذلك.\nكما يدخل في إخراج الخطبة عن مقصودها الشرعي الاهتمام بالمحسنات الشكلية والبلاغية مع إهمال المضمون.\nوفي هذا كله يقول ابن القيم - ﵀ - أيضا موضحا منهج النبي ومنهج أصحابه ومن بعدهم من السلف أكثر مما سبق: \" ومن تأمل خطب النبي - ﷺ - وخطب أصحابه وجدها كفيلة ببيان الهدى والتوحيد، وذكر صفات الرب جل\n_________\n(١) ص (١٣٩) .","vol":"1","page":291},{"text":"جلاله، وأصول الإيمان الكلية، والدعوة إلى الله، وذكر آلائه تعالى التي تحببه إلى خلقه، وأيامه التي تخوفهم من بأسه، والمسألة بذكره وشكره الذي يحببهم إليه، فيذكرون من عظمة الله وصفاته وأسمائه ما يحببه إلى خلقه، ويأمرون من طاعته وشكره وذكره ما يحببهم إليه، فينصرف السامعون وقد أحبوه وأحبهم، ثم طال العهد، وخفي نور النبوة، وصارت الشرائع والأوامر رسوما تقام من غير مراعاة حقائقها ومقاصدها، فأعطوها صورها، وزينوها بما زينوها به، فجعلوا الرسوم والأوضاع سننا لا ينبغي الإخلال بها، وأخلوا بالمقاصد التي لا ينبغي الإخلال بها، فرصعوا الخطب بالتسجيع والفقر، وعلم البديع، فنقص بل عدم حظ القلوب منها، وفات المقصود بها \" (١) .\nما أعظمه من منهج!! وما أحوجنا إلى الالتزام به!! لكي تؤدي الخطب المقصود منها، وتصل إلى قلوب الناس، فتستنير وتحيا حياة طيبة، وفق شرع الله - تعالى- ومنهج نبيه - ﷺ -، والسلف الصالح.\n_________\n(١) زاد المعاد ١ / ٤٢٣ - ٤٢٤.","vol":"1","page":292},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>[المبحث الثالث صلاة الخطيب تحية المسجد بعد دخوله وقبل صعود المنبر]</span>\nالمبحث الثالث\nصلاة الخطيب تحية المسجد بعد دخوله وقبل صعود المنبر اختلف الفقهاء في الخطيب في الجمعة إذا دخل يريد الخطبة هل يصلي تحية المسجد قبل صعود المنبر كغيره، أو تسقط عنه؛ وذلك على قولين:\nالقول الأول: أن السنة في حقه أن يصعد المنبر حال دخوله، ولا تشرع له تحية المسجد.\nوبهذا قال المالكية (١) وهو المذهب عند الشافعية (٢) وبه قال الحنابلة (٣) .\nالقول الثاني: تسن له تحية المسجد عند دخوله وقبل صعود المنبر كغيره.\nوبهذا قال بعض الشافعية (٤) لكنه ضعيف، بل قال عنه النووي: \" غريب، وشاذ، ومردود، فإنه خلاف ظاهر المنقول\n_________\n(١) ينظر: المنتقى شرح الموطأ ١ / ١٨٩، والفواكه الدواني ١ / ٣١٣.\n(٢) ينظر: الحاوي ٣ / ٥٢، والمجموع ٤ / ٥٢٩، وروضة الطالبين ٢ / ٣٣، ومغني المحتاج ١ / ١٨٩.\n(٣) ينظر: الفروع ٢ / ١٢٣، والإنصاف ٢ / ٤١٦، وكشاف القناع ٢ / ٤٦.\n(٤) ينظر: المجموع ٤ / ٥٢٩، وروضة الطالبين ٢ / ٣٣.","vol":"1","page":293},{"text":"عن فعل رسول الله - ﷺ - والخلفاء الراشدين، ومن بعدهم \" (١) .\nالأدلة:\nأدلة أصحاب القول الأول: استدلوا بأدلة من السنة، وآثار الصحابة، والمعقول:\nأولا: من السنة: ما رواه عبد الله بن عمر - ﵄ - قال: «كان رسول الله - ﷺ - إذا دنا من منبره يوم الجمعة سلم على من عنده من الجلوس، فإذا صعد المنبر استقبل الناس بوجهه ثم سلم» (٢) .\nوفي حديث آخر لابن عمر - ﵄ - أيضا قال:\n«كان النبي - ﷺ - إذا خرج يوم الجمعة فقعد على المنبر أذن بلال» (٣) .\n_________\n(١) روضة الطالبين ٢ / ٣٣.\n(٢) تقدم تخريجه ص (٢٠٦) .\n(٣) أخرجه البيهقي في سننه الكبرى في كتاب الجمعة - باب الإمام يجلس على المنبر حتى يفرغ المؤذن عن الأذان ثم يقوم فيخطب ٣ / ٢٠٥.","vol":"1","page":294},{"text":"هكذا استدل أصحاب هذا القول بفعل النبي - ﷺ - بصعوده المنبر عند دخوله مباشرة، ولم ينقل عنه صلاة تحية المسجد قبله (١) والحديث الأول تقدم بيان ضعفه عند تخريجه، والثاني لم أطلع على كلام لأهل العلم عليه، وكأنهم أخذوا ذلك من استقراء حاله - ﷺ -، وهذا ما يفهم من كلام ابن القيم - ﵀ - حيث قال: \" وكان يمهل يوم الجمعة حتى يجتمع الناس، فإذا اجتمعوا خرج إليه وحده. . . فإذا دخل المسجد سلم عليهم، فإذا صعد المنبر استقبل الناس بوجهه وسلم عليهم \" (٢) .\nثانيا: من آثار الصحابة - ﵃ -: ما رواه ثعلبة (٣) بن أبي مالك القرظي أنهم كانوا في زمان عمر بن الخطاب يصلون يوم الجمعة حتى يخرج عمر، فإذا خرج\n_________\n(١) ومن هؤلاء النفراوي في الفواكه الدواني ١ / ٣١٣، والنووي في المجحموع ٤ / ٥٢٩، وروضة الطالبين ٢ / ٣٣، والفروع ٢ / ١٢٣، والإنصاف ٢ / ٤١٦.\n(٢) زاد المعاد ١ / ٤٢٩.\n(٣) هو ثعلبة بن أبي مالك القرظي المدني، حليف الأنصار، له رؤية، قال أبو حاتم هو من التابعين، وقال العجلي: تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات.\n (ينظر: طبقات ابن سعد ٥ / ٧٩، وتهذيب التهذيب ٢ / ٢٥) .","vol":"1","page":295},{"text":"عمر وجلس على المنبر وأذن المؤذنون (قال ثعلبة): \" جلسنا نتحدث، فإذا سكت المؤذنون وقام عمر يخطب أنصتنا، فلم يتكلم منا أحد \" (١) .\nقال في المنتقى شرح الموطأ: \" فإذا خرج عمر وجلس على المنبر \" يقتضي استقراره للعمل وتتبعه الأخبار عند اتصال خروجه على الناس بارتقاء المنبر، ولا يفصل بينهما بركوع ولا غيره، وهذه السنة أن يدخل الإمام إلى المسجد فيرقى المنبر بإثر دخوله ولا يركع \" (٢) .\nثالثا: من المعقول: القياس على الحاج إذا دخل المسجد الحرام يريد الطواف، فتسقط تحية المسجد عن الخطيب بسبب الاشتغال بالخطبة كما تسقط في حق الحاج إذا دخل المسجد الحرام بسبب الطواف (٣) .\n_________\n(١) أخرجه مالك في الموطأ في كتاب الجمعة - باب ما جاء في الإنصاب يوم الجمعة والإمام يخطب ١ / ١٠٣، الحديث رقم (٧)، واللفظ له، وابن أبي شيبة في مصنفه في كتاب الصلوات - باب في الكلام إذا صعد الإمام المنبر وخطب ٢ / ١٢٤، وعبد الرزاق في مصنفه في كتاب الجمعة - باب جلوس الناس حين يخرج الإمام ٣ / ٢٠٨، الأثر رقم (٥٣٥٢)، وقال في المبدع ٢ / ١٧٦: \" بسند جيد \".\n(٢) المنتقى شرح الموطأ ١ / ١٨٩.\n(٣) ينظر: المجموع ٤ / ٥٢٩.","vol":"1","page":296},{"text":"دليل أصحاب القول الثالث: لم أطلع على دليل لهم فيما بين يدي من كتبهم، والظاهر لهم يستدلون بعموم ما ورد من المسألة لتحية المسجد، ومن ذلك قوله - ﷺ -: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين» (١) .\nمناقشة هذا الدليل: يناقش بأن الخطيب لا يدخل في هذا \" العموم بدليل فعل النبي - ﷺ - كما تقدم في أدلة أصحاب القول الأول.\nالترجيح: الراجح في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بعدم مشروعية تحية المسجد للخطيب يوم الجمعة إذا دخل للخطبة؛ لقوة ما استدلوا به.\n_________\n(١) أخرجه من حديث أبي قتادة - ﵁ - البخاري في صحيحه في كتاب الكسوف - باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى ٢ / ٥٠.","vol":"1","page":297},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>[المبحث الرابع دعاء الخطيب عند صعود المنبر وقبل جلوسه حال الأذان]</span>\nالمبحث الرابع\nدعاء الخطيب عند صعود المنبر وقبل جلوسه حال الآذان من الأمور التي لا تشرع قيام الخطيب بالدعاء عند صعود المنبر وقبل جلوسه للأذان، فهذا من البدع المحدثة التي تفعل في بعض البلدان.\nوممن ذكرها من البدع الشافعية (١) والحنابلة (٢) .\nكما قال به شيخ الإسلام ابن تيمية (٣) وتلميذه ابن القيم (٤) .\nجاء في الاختيارات: \" ودعاء الإمام بعد صعوده المنبر لا أصل له \" (٥) .\nالدليل: أن النبي - ﷺ - لم يكن يفعل ذلك.\nقال ابن القيم: \" وكان منبره ثلاث درجات، فإذا استوى عليه واستقبل الناس أخذ المؤذن في الأذان فقط، ولم يقل شيئا قبله\n_________\n(١) ينظر: المجموع ٤ / ٥٢٩، وروضة الطالبين ٢ / ٣٢، ومغني المحتاج ١ / ٢٩٠.\n(٢) ينظر: الفروع ٢ / ١٢٥، وكشاف القناع ٢ / ٣٧.\n(٣) الاختيارات ص (٨٠) .\n(٤) زاد المعاد ١ / ١٨٩، ٤٢٩.\n(٥) الاختيارات ص (٨٠) .","vol":"1","page":298},{"text":"ولا بعده \" (١) .\nوقال في موضع آخر: \" فإذا صعد المنبر استقبل الناس بوجهه وسلم عليهم، ولم يدع مستقبل القبلة، ثم يجلس ويأخذ بلال في الأذان \" (٢) .\nوأوضح دليل اطلعت عليه على ذلك ما رواه ابن عمر -، ﵄ - قال: «كان النبي - ﷺ - يخطب خطبتين، كان يجلس إذا صعد المنبر حتى يفرغ - أراه قال: المؤذن - ثم يقوم فيخطب، ثم يجلس فلا يتكلم، ثم يقوم فيخطب» (٣) .\nإلا أن هذا الحديث فيه ضعف كما تقدم في تخريجه، ولعلهم أخذوا ما ذكروه من استقراء الأحاديث الواردة في خطبة الجمعة ومفهومها، والله أعلم.\n_________\n(١) زاد المعاد ١ / ١٨٩.\n(٢) المرجع السابق ١ / ٤٢٩.\n(٣) سبق تخريجه ص (٢٣٠) .","vol":"1","page":299},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>[المبحث الخامس الخطبة من صحيفة]</span>\nالمبحث الخامس\nالخطبة من صحيفة من المعلوم أن النبي - ﷺ - كان يخطب في الجمعة وغيرها من غير صحيفة، بل يخطب مباشرة، لأنه أمي، وهذا ما أفاده ظاهر الأحاديث، وكذلك الخلفاء ومن بعدهم، ولم يظهر تدوين الخطبة وقراءتها على الناس إلا بعدهم وفي القرون المتأخرة، وذلك لأسباب مختلفة ومتعددة منها قلة الجرأة، وقلة العلم، والرغبة في إتقان الخطبة وترتيبها على نسق معين، بل وصل الحال في بعض الفترات إلى عدم القدرة عند البعض على إعداد الخطبة والاستعانة بما جمع من الخطب في بعض الكتب.\nوقد قال بعض فقهاء الحنابلة: إنه لا يشرع قراءة خطبة الجمعة من صحيفة إلا لمن لا يحسن الخطبة بدونها (١) .\n_________\n(١) ينظر: الفروع ٢ / ١١٧، والمبدع ٢ / ١٦١، ونقلا ذلك عن ابن عقيل، وأبي المعالي، وشرح منتهى الإرادات ١ / ٢٩٩.\nوينظر أيضا: إرشادات لتحسين خطبة الجمعة ص (٧٠) .","vol":"1","page":300},{"text":"الدليل: القياس على القراءة في الصلاة، فهي تصح من المصحف على الصحيح من المذهب لمن لا يحسن القراءة عن ظهر قلب، فكذلك خطبة الجمعة (١) .\nمناقشة هذا الدليل: يناقش بأنه قياس مع الفارق، حيث إن أهم مانع من القراءة من المصحف لمن يحسن القراءة عن ظهر قلب في الصلاة هو ما يؤدي إليه من كثرة الحركة والانشغال، وهذا لا محذور فيه حال الخطبة، والله أعلم.\n- والأظهر هنا أن الحاجة داعمة في أكثر الأحيان إلى الخطبة من صحيفة، لما في ذلك من إتقان للخطبة، وحسن ترتيب وتسلسل للمعلومات، وضبط لنصوص الكتاب والسنة التي تتضمنها الخطبة، وعدم تشعب الموضوع والخروج عنه، وضبط لمقدارها بحيث لا يسترسل الخطيب فيطيل ويترك السنة، كما أن في ذلك تقييدا لعواطف الخطيب التي قد تجره مع شدة الحماس أثناء الإلقاء إلى قول ما لا يناسب وما لا مصلحة في ذكره للسامعين، إلى غير ذلك من المصالح الكثيرة، والله أعلم.\n_________\n(١) ينظر: المرجع السابق.","vol":"1","page":301},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>[المبحث السادس الكلام في الخطبة]</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>[المطلب الأول حكم السلام في الخطبة]</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>[المسألة الأولى حكم كلام الخطيب]</span>\nالمبحث السادس\nالكلام في الخطبة وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم السلام في الخطبة.\nالمطلب الثاني: وقت المنع من الكلام في الخطبة.\nالمطلب الأول\nحكم الكلام في الخطبة وفيه ثلاث مسائل:\nالمسألة الأولى: حكم كلام الخطيب.\nالمسألة الثانية: حكم كلام الحاضر للخطبة.\nالمسألة الثالثة: ما يستثنى من التحريم أو الكراهة عند من يقول بهما.\nالمسألة الأولى: حكم كلام الخطيب: اختلف الفقهاء في حكم كلام الخطيب في خطبة الجمعة بغير الخطبة، وذلك على قولين:\nالقول الأول: أن ذلك لا يجوز إلا لمصلحة، فيباح.","vol":"1","page":302},{"text":"وبهذا قال المالكية (١) وبعض الشافعية (٢) وهو الصحيح من المذهب عند الحنابلة، وعليه أكثرهم (٣) .\nالقول الثاني: أن ذلك يباح مطلقا.\nوبهذا قال الشافعية في القول الصحيح عندهم، وعليه جمهورهم (٤) وبعض الحنابلة (٥) .\nالقول الثالث: أنه يكره إلا لمصلحة.\nوبهذا قال الحنفية (٦) وبعض الحنابلة (٧) .\nالأدلة:\nأدلة أصحاب القول الأول: أولا: استدلوا على عدم الجواز إذا لم يكن هناك مصلحة\n_________\n(١) ينظر: الشرح الكبير للدردير ١ / ٣٨٦، والشرح الصغير له ١ / ١٨٢.\n(٢) ينظر: المجموع ٤ / ٥٢٢، وروضة الطالبين ٣ / ٢٨.\n(٣) ينظر: الهداية لأبي الخطاب ١ / ٥٣، والمحرر ١ / ١٥٢، والمستوعب ٣ / ٤٢، والفروع ٢ / ١٢٧، والإنصاف ٢ / ٤١٧، والمبدع ٢ / ١٧٦، وكشاف القناع ٢ / ٤٧.\n(٤) ينظر: المجموع ٤ / ٥٢٢، وروضة الطالبين ٢ / ٢٨.\n(٥) ينظر: المغني ٣ / ١٩٦، والفروع ٢ / ١٧٢، والمبدع ٢ / ١٧٦.\n(٦) ينظر: بدائع الصنائع ١ / ٢٦٥، والفتاوى الهندية ١ / ١٤٧.\n(٧) ينظر: الفروع ٢ / ١٢٧، والمبدع ٢ / ١٧٦.","vol":"1","page":303},{"text":"بعموم الأدلة الدالة على تحريم الكلام حال الخطبة والتي ستأتي، ومن أبرزها حديث أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت» (١) .\nوجه الدلالة: أنه إذا كان المستمع مأمورا بالإنصات للاستماع ويحرم ﵇ فذلك الخطيب مأمور بمواصلة الخطبة إذا لم تكن هناك حاجة؛ لكيلا يفوت على المستمع فائدة الاستماع.\nثانيا: استدلوا على الإباحة عند الحاجة بما ورد من فعل النبي - ﷺ -، والصحابة لذلك، ومنه:\n١ - ما رواه جابر بن عبد الله - ﵁ - قال: «جاء رجل والنبي - ﷺ - يخطب الناس يوم الجمعة فقال: أصليت يا فلان؟ قال: لا، قال: قم فاركع» (٢) وفي\n_________\n(١) تقدم تخريجه ص (٩٣) .\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الجمعة - باب إذا رأى الإمام رجلا جاء وهو يخطب أمره أن يصلي ركعتين ١ / ٢٢٣، ومسلم في كتاب الجمعة - باب التحية والإمام يخطب ٢ / ٥٩٦، الحديث رقم (٨٧٥)، وتقدم تخريجه بهذا اللفظ، وفي بعض الروايات: أن الرجل هو سليك الغطفافي.","vol":"1","page":304},{"text":"رواية: «فصل ركعتين» (١) .\nقال النووي عن هذا الحديث برواياته: \" وفي هذه الأحاديث أيضا جواز الكلام في الخطبة لحاجة \" (٢) .\n٢ - ما رواه بريدة (٣) - ﵁ - قال: «كان رسول الله - ﷺ - يخطبنا فجاء الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله - ﷺ - من المنبر فحملهما، فوضعهما بين يديه، ثم قال: صدق الله ورسوله: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] (٤) نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما» (٥) .\n_________\n(١) أخرجها البخاري في الكتاب السابق - باب من جاء، والإمام يخطب صلى ركعتين خفيفتين ١ / ٢٢٣، ومسلم في الكتاب والباب السابقين.\n(٢) شرح صحيح مسلم ٦ / ١٦٤.\n(٣) هو بريدة بن الحصيب بن عبد الله بن الحارث الأسلمي، قدم النبي - ﷺ - بعد أحد فشهد معه المشاهد، وشهد الحديبية وبيعة الرضوان، سكن المدينة، ثم تحول إلى البصرة، تم خرج غازيا إلى خراسان فأقام بمرو حتى توفي زمن يزيد بن معاوية.\n (ينظر: طبقات ابن سعد ٤ / ٢٤١، وأسد الغابة ١ / ١٧٥) .\n(٤) سورة التغابن، جزء من الآية رقم (١٥) .\n(٥) أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة - باب الإمام يقطع الخطبة للأمر يحدث ١ / ٢٩٠، الحديث رقم (١١٠٩)، والنسائي في كتاب الجمعة - باب نزول الإمام عن المنبر قبل فراغه من الخطبة. ٣ / ١٠٨، الحديث رقم (١٤١٣)، وابن ماجه في كتاب اللباس - باب لبس الأحمر للرجال ٢ / ١١٩٠، الحديث رقم (٣٦)، والإمام أحمد في مسنده ٥ / ٣٥٤، وغيرهم.\nوقال عنه ابن عبد الهادي في التنقيح ٢ / ١٢١٧: \" إسناد هذا الحديث على شرط مسلم \".","vol":"1","page":305},{"text":"٣ - ما رواه عبد الله (١) بن بسر قال: «جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة والنبي - ﷺ - يخطب، فقال له النبي - ﷺ -: اجلس فقد آذيت» (٢) .\nقال ابن القيم مبينا ذلك: \" وكان يقطع خطبته للحاجة تعرض، أو السؤال من أحد أصحابه فيجيبه تم يعود إلى خطبته فيتمها، وكان ربما نزل عن المنبر للحاجة. . . وكان يدعو الرجل في خطبته: تعال يا فلان، اجلس يا فلان، صل يا فلان \" (٣) .\n_________\n(١) هو عبد الله بن بسر المازني، الحمصي، صحابي صغير، ولأبيه صحبة، روى عن النبي - ﷺ عن أبيه وأخيه، وصلى إلى القبلتين، ومات سنة ٨٨ وقيل ٩٦هـ وله مائة سنة، وهو آخر من مات بالشام من الصحابة.\n (ينظر: الإصابة ٤ / ١٠٣، وأسد الغابة ٣ / ١٢٥) .\n(٢) أخرجه أبو داود في سننه في كتاب الصلاة - باب تخطي رقاب الناس يوم الجمعة ١ / ٢٩٢، الحديث رقم (١١١٨)، والنسائي في كتاب الجمعة - باب النهي عن تخطي رقاب الناس. ٣ / ١٠٣، الحديث رقم (١٣٩٩)، وقال الأرناؤوط في هامش زاد المعاد ١ / ٤٢٧: \" إسناده حسن \".\n(٣) زاد المعاد ١ / ٤٢٧ - ٤٢٨.","vol":"1","page":306},{"text":"ثانيا: من آثار الصحابة - ﵃ -: ما رواه عبد الله بن عمر - ﵄ - قال: \" بينما عمر بن الخطاب - ﵁ - قائم في الخطبة يوم الجمعة إذ دخل رجل من المهاجرين الأولين من أصحاب رسول الله - ﷺ - فناداه عمر: أية ساعة هذه؟ قال: إني شغلت فلم أنقلب إلى أهلي حتى سمعت التأذين، فلم أزد أن توضأت، فقال: والوضوء أيضا!!، وقد علمت أن رسول الله - ﷺ - كان يأمر بالغسل \" (١) .\nوفي رواية: إذ دخل عثمان بن عفان (٢) .\nوالدلالة واضحة، والمُنْكَر عليه عثمان - ﵁ - وبمحضر من الصحابة، ولم يُنْكِروا على عمر كلامه في الخطبة.\nأدلة أصحاب القول الثاني: استدلوا بما استدل به أصحاب القول الأول على الجواز عند الحاجة، وهي حديث جابر، وبريدة، وعبد الله بن بسر، وأثر\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الجمعة - باب فضل الغسل يوم الجمعة. واللفظ له، ومسلم في أول كتاب الجمعة ٢ / ٨٥٠، الحديث رقم (٨٤٥) .\n(٢) أخرجها مسلم في الكتاب السابق.","vol":"1","page":307},{"text":"عمر مع عثمان - ﵃ - وحملوها على الجواز للخطيب مطلقا.\nمناقشة هذا الاستدلال: يناقش بأنها محمولة على الحاجة كما ذكر أصحاب القول الأول، وأيضا النووي في المجموع (١) ويؤيد ذلك أن المواقف التي تكلم فيها النبي - ﷺ - وعمر - ﵁ - مواقف حاجة، فهي إما أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، أو شفقة على ضعيف، أو نحو ذلك.\nأدلة أصحاب القول الثالث: أن خطبة الجمعة شرعت منظومة كالأذان، والكلام يقطع النظم إلا إذا كان الكلام أمرا بالمعروف فلا يكره (٢) .\nمناقشة هذا الدليل: يناقش بأنها إذا كانت كالأذان في أنها منظومة فإن الإسلام يفسدها، ولا يكون مكروها فقط.\nكما استدلوا بالإباحة عند الحاجة بما استدل به أصحاب القول الأول عليها.\n_________\n(١) ينظر: المجموع ٤ / ٥٢٢.\n(٢) ينظر: المبسوط ٢ / ٢٧، وبدائع الصنائع ١ / ٢٦٥.","vol":"1","page":308},{"text":"الترجيح: الذي يظهر رجحانه في هذه المطلب - والله أعلم بالصواب - القول الأول القائل بعدم جواز كلام الخطيب حال الخطبة بما ليس منها إلا عند الحاجة ولا سيما ما ورد فيه نص، لقوة ما استدلوا به، ووجاهته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>[المسألة الثانية حكم كلام الحاضر للخطبة]</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>[الأمر الأول حكم كلامه إذا كان يسمع الخطبة]</span>\nالمسألة الثانية: حكم كلام الحاضر للخطبة: وفيها خمسة أمور:\nالأمر الأول: حكم كلامه إذا كان يسمع الخطبة.\nالأمر الثاني: حكم كلامه إذا كان لا يسمع الخطبة.\nالأمر الثالث: حكم رد السلام وتشميت العاطس.\nالأمر الرابع: حكم الصلاة على النبي ﷺ.\nالأمر الخامس: حكم التأمين على الدعاء.\nالأمر الأول: حكم كلام الحاضر للخطبة إذا كان يسمعها: اختلف الفقهاء في حكم كلام الحاضر للخطبة إذا كان يسمعها، وذلك على قولين:","vol":"1","page":309},{"text":"القول الأول: يحرم الكلام، ويجب الإنصات، وتباح مخاطبة الإمام لحاجة.\nوبهذا قال الحنفية (١) والمالكية (٢) وهو القول القديم للإمام الشافعي (٣) وهو الصحيح من المذهب عند الحنابلة (٤) .\nوبه قال ابن حزم (٥) .\nالقول الثاني: لا يحرم الكلام، ولكنه يستحب الإنصات.\nوهو القول الجديد للإمام الشافعي، والصحيح والمشهور عند أصحابه (٦) ورواية عند الإمام أحمد (٧) .\n_________\n(١) ينظر: المبسوط ٢ / ١٢٨، وبدائع الصنائع ١ / ٢٦٣، والفتاوى الهندية ١ / ١٤٧، وعبر بعضهم بالكراهة، والظاهر أنه يقصدون كراهة التحريم.\n(٢) ينظر: الإشراف ١ / ١٣٢، والكافي لابن عبد البر ١ / ٢٥١، والبيان والتحصيل ١ / ٣٨٥، والقوانين الفقهية ص (٨٦)، ومواهب الجليل ٢ / ١٧٨.\n(٣) ينظر: الحاوي ٣ / ٤١، وحلية العلماء ٢ / ٢٨٥، والمجموع ٤ / ٥٢٢، وروضة الطالبين ٢ / ٢٨، ومغني المحتاج ١ / ٢٨٧.\n(٤) ينظر: الهداية لأبي الخطاب ١ / ٥٣، والمغني ٣ / ١٥٣، والفروع ٢ / ١٢٤، والمحرر ١ / ١٥٢، والإنصاف ٢ / ٤١٧.\n(٥) ينظر: المحلى ٥ / ٦١ - ٦٢.\n(٦) ينظر: الحاوي ٣ / ٤٢، وحلية العلماء ٢ / ٢٨٥، والمجموع ٤ / ٥٢٢، وروضة الطالبين ٢ / ٢٨.\n(٧) ينظر: المغني ٣ / ١٩٣، والفروع ٢ / ١٢٥.","vol":"1","page":310},{"text":"الأدلة:\nأدلة أصحاب القول الأول: أولا: استدلوا على تحريم الكلام إذا لم يكن مخاطبة للإمام لحاجة بأدلة من الكتاب، والسنة، وآثار الصحابة، والمعقول:\n- فمن الكتاب: قول الله - تعالى -: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] الآية (١) .\nفقد ورد عن بعض التابعين أنها نزلت في شأن الخطبة (٢) وقد أمر بالاستماع والإنصات، ومطلق المسألة للوجوب (٣) وذلك يقتضي تحريم الكلام.\nمناقشة هذا الدليل: نوقش بأنها محمولة على الاستحباب جمعا بين الأدلة، إن سلم بأن المراد الخطبة (٤) .\nالإجابة عن هذه المناقشة: يجاب بأن هذا الحمل مخالف لظاهر الآية المؤيدة بالأحاديث الآتية، والجمع بين الأحاديث يكون بإبقائها على ظاهر دلالتها وقصر ما ورد فيه الكلام على الحاجة\n_________\n(١) سورة الأعراف، جزء من الآية رقم (٢٠٤) .\n(٢) ومنهم مجاهد وعطاء كما ذكر الطبراني في تفسيره ٩ / ١٦٥.\n(٣) بدائع الصنائع ١ / ٢٦٤.\n(٤) ينظر: المجموع ٤ / ٥٢٥، ومغني المحتاج ١ / ٢٨٧.","vol":"1","page":311},{"text":"حسب ما يدل عليه مضمونها.\n- من السنة: ما رواه أبو هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «إذا قلت لصاحبك: أنصت، يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت» (١) .\nومعنى \" فقد لغوت \" أي قلت اللغو، وهو الكلام الملغي الساقط الباطل المردود، وقيل: معناه قلت غير الصواب، وقيل: تكلمت بما لا ينبغي (٢) .\nونقل في الفتح عن بعضهم قوله: \" اتفقت أقوال المفسرين على أن اللغو ما لا يحسن من الكلام \" (٣) .\nقال النووي: \" ففي الحديث النهي عن جميع أنواع الكلام حال الخطبة، ونبه بهذا على ما سواه؛ لأنه إذا قال: أنصت، وهو في الأصل أمر بمعروف، وسماه لغوا، فغيره من الكلام أولى \" (٤) .\n_________\n(١) تقدم تخريجه ص (٩٣) .\n(٢) ينظر: شرح النووي على صحيح مسلم ٦ / ١٣٨، وفتح الباري ٢ / ٤١٤، ونيل الأوطار ٣ / ٢٧٣، وذكروا أقوالا أخرى.\n(٣) فتح الباري ٢ / ٤١٤.\n(٤) ينظر: شرح صحيح مسلم ٦ / ١٣٨.","vol":"1","page":312},{"text":"مناقشة هذا الدليل: نوقش من وجهين:\nالأول: أن المراد باللغو الكلام الفارغ، ومنه لغو اليمين فلا يدل على تحريم الكلام (١) .\nالإجابة عن هذه المناقشة: يجاب عنها بأنه قد ورد في بعض الأحاديث ما يرد ذلك، ويفيد التحريم، ومن ذلك ما رواه عبد الله بن عمرو - ﵄ - أن النبي - صلى الله عليه سلم - قال: (ومن لغا أو تخطى كانت له ظهرا) (٢) .\nوفي لفظ: «ومن تكلم فلا جمعة له» (٣) هذا بالإضافة إلى ما سيأتي من حديث ابن عباس - ﵄ - من تشبيهه بالحمار يحمل أسفارا.\nالثاني: أن معنى قوله: «فقد لغوت» أي أمرت بالإنصات من لا يجب عليه (٤) .\n_________\n(١) ينظر: المجموع ٤ / ٥٢٥.\n(٢) أخرجه ابن خزيمة في كتاب الجمعة - باب ذكر الخبر المفسر. ٣ / ١٥٦، الحديث رقم (١٨١٠)، وقال الأرنؤوط في هامش زاد المعاد ١ / ٤٣٠: \" وسنده حسن \".\n(٣) أخرجه أحمد في المسند ١ / ٩٣ لكن قال الأرنؤوط في هامش زاد المعاد ١ / ٤٣٠: \" إسناده ضعيف لجهالة مولى امرأة عطاء الخرساني، لكن يشهد له ما رواه ابن خزيمة. \"، يعني ما تقدم تخريجه قبله.\n(٤) نقله ابن حجر في فتح الباري ٢ / ٤١٤ - ٤١٥ عن ابن التين عن بعض من قال بجواز الكلام.","vol":"1","page":313},{"text":"الإجابة عن هذه المناقشة: أجيب عنها بأن هذا جمود؛ لأن الإنصات لم يختلف في مطلوبيته، فكيف يكون من أمر بما طلبه الشارع لاغيا؟ بل النهي عن الكلام مأخوذ من الحديث بدلالة الموافقة؛ لأنه جعل قوله: (أنصت) مع كونه أمرا بمعروف لغوا، فغيره من الكلام أولى أن يسمى لغوا (١) .\n٢ - ما رواه أُبي (٢) بن كعب - ﵁ - قال: «قرأ رسول الله - ﷺ - يوم الجمعة (تبارك) وهو قائم، فذكرنا بأيام الله، وأبو الدرداء (٣) أو أبو ذر (٤) يغمزني،\n_________\n(١) ينظر: فتح الباري ٢ / ٤١٥.\n(٢) هو أبي بن كعب بن قيس الأنصاري، الخزرجي، سيد القراء، شهد العقبة وبدرا وما بعدها، قال فيه النبي - ﷺ -: (أقرؤكم أبي)، وقال عمر: \" أبي سيد المسلمين \"، توفي سنة ٢٢، وقيل ٣٠هـ، وقيل غير ذلك.\n (ينظر: أسد الغابة ١ / ٤٩، والإصابة ١ / ١٦) .\n(٣) هو عويمر بن مالك بن زيد قيس الخزرجي الأنصاري، مشهور بكنيته أبي الدرداء، تأخر إسلامه قليلا، ثم أسلم وحسن إسلامه، وكان فقيها عاقلا، حكيما، ولي قضاء دمشق في خلافة عثمان، وتوفي قبل مقتل عثمان بسنتين.\n (ينظر: طبقات ابن سعد ٧ / ٣٩١، والإصابة ٥ / ٤٦) .\n(٤) اختلف في اسمه وأسم أبيه، فقيل: هو جندب بن جنادة، وقال ابن حجر: هو المشهور، وصححه ابن الأثير، وهو من بني غفار، وكان من كبار الصحابة وفضلائهم، أسلم قديما ثم انصرف إلى قومه فأقام عندهم حتى قدم رسول الله - ﷺ - المدينة فصحبه، وتوفي سنة ٣١ هـ، وقيل غير ذلك.\n (ينظر: أسد الغابة ٥ / ١٨٦، والإصابة ٧ / ٦٠) .","vol":"1","page":314},{"text":"فقال: متى أنزلت هذه السورة؟ فإني لم أسمعها إلا الآن، فأشار إليه أن اسكت، فلما انصرفوا قال: سألتك متى أنزلت هذه السورة فلم تخبرني، فقال: إنه ليس لك من صلاتك اليوم إلا ما لغوت، فذهب إلى رسول الله - ﷺ - فذكر له ذلك، وأخبره بالذي قال له أبي، فقال رسول الله - ﷺ -: صدق أُبي» (١) .\nووجه الدلالة فيه في تسمية الكلام حال الخطبة لغوا.\nمناقشة هذا الدليل: نوقش بأن المراد نقص جمعته بالنسبة إلى الساكت (٢) .\nالإجابة عن هذه المناقشة: يجاب عنها بأن هذا مخالف لظاهر الحديث، ثم إنه إذا كان الكلام ينقص الجمعة فهذا يدل على تحريمه ووجوب الإنصات؛ لأن ترك المستحب لا ينقصها، وإنما يفوت به أجر فعل المستحب، والله أعلم.\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه في سننه في كتاب إقامة الصلاة - باب ما جاء في الاستماع للخطبة ١ / ٣٥٣، الحديث رقم (١١١١)، وقال في الزوائد: \" إسناده صحيح رجاله ثقات \"، وأحمد في مسنده ٥ / ١٤٣، ١٩٨، وصححه الألباني في إرواء الغليل ٣ / ٨٠ - ٨١، وصحيح سنن ابن ماجه ١ / ١٨٣ وغيرهما. وقال الأرنؤوط في هامش زاد المعاد ١ / ٤٣١: \" وإسناده حسن \".\nوروي من رواية أبي الدرداء - ﵁ -.\n(٢) ينظر: المجموع ٤ / ٥٢٥.","vol":"1","page":315},{"text":"٣ - ما رواه عبد الله بن عمرو - ﵄ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «يحضر الجمعة ثلاثة نفر: رجل حضرها يلغو، وهو حظه منها، ورجل حضرها يدعو، فهو رجل دعا الله - ﷿ - إن شاء أعطاه، وإن شاء منعه، ورجل حضرها بإنصات وسكوت، ولم يتخط رقبة مسلم، ولم يؤذ أحدا فهي كفارة إلى الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام، وذلك بأن الله - ﷿ - يقول: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]» (١) (٢) .\nوجه الدلالة: أن النبي - ﷺ - جعل المنصت لخطبة الجمعة هو الحاصل على تكفير الذنوب، والمتكلم فيها لاغيا، وهذا يدل على وجوب الإنصات، وتحريم الكلام؛ لأن الإنسان مأمور بتحصيل فائدة العبادة والبعد عما يفسدها.\n_________\n(١) سورة الأنعام، جزء من الآية رقم (١٦١) .\n(٢) أخرجه أبو داود في سننه في كتاب الصلاة - باب الكلام والإمام يخطب ١ / ٢٩١، الحديث رقم (١١١٣)، والإمام أحمد في مسنده ٢ / ٢١٤، والبيهقي في كتاب الجمعة - باب الإنصات للخطبة ٣ / ٢١٩، وصححه، وقال النووي في المجموع ٤ / ٥٢٥: \" حديث صحيح \"، وقال الألباني في إرواء الغليل ٣ / ٨٠: \" وإسناده جيد \"، وقال في نيل الأوطار ٣ / ٢٧٢: \" قال العراقي: وإسناده جيد \"، وقال الأرنؤوط في هامش زاد المعاد ١ / ٤٣٠: \" وإسناده حسن \".","vol":"1","page":316},{"text":"٤ - ما رواه عبد الله بن عباس - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفارا، والذي يقول له: أنصت، ليس له جمعة» (١) .\nوجه الدلالة: يدل على وجوب الإنصات وتحريم الكلام من وجهين:\nالأول: أنه شبه المتكلم بالحمار، ومعلوم أن ذلك صفة ذم ونقص لا يوصف بها تارك الندب.\nالثاني: نفي أن تكون له جمعة، وقد علمنا أنها جمعة، فلما استعار له لفظ نفي الإجزاء وعدم الصحة دل على تأكيد منعه وشدة تحريمه (٢) .\nومن آثار الصحابة - ﵃ -: ١ - ما روي عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - أنه\n_________\n(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده ١ / ٢٣٠، وابن أبي شيبة في مصنفه في كتاب الصلوات - باب في الكلام إذا صعد الإمام المنبر وخطب ٢ / ١٢٥، وقال ابن حجر في بلوغ المرام ص (٧٩): \" لا بأس بإسناده \"، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢ / ١٨٤: \" رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير، وفيه مجالد بن سعيد وقد ضعفه الناس ووثقه النسائي في رواية \".\n(٢) ينظر: الإشراف ١ / ١٣٢.","vol":"1","page":317},{"text":"قال: \" كفى لغوا إذا صعد الإمام المنبر أن تقول لصاحبك أنصت \" (١) .\nوهذا الأثر واضح الدلالة كما تقدم في الأحاديث.\n٢ - ما روي عن ابن عمر - ﵄ - أنه قال للذي سأله عن كلامه مع صاحبه: \" أما أنت فلا جمعة لك، وأما صاحبك فحمار \" (٢) .\nوتوجيه الاستدلال كما تقدم في حديث ابن عباس - ﵄ -.\nومن المعقول: ١ - أن الإباحة للكلام وترك الإنصات أثناء الخطبة استخفاف بالخطيب، وإبطال لمعنى الخطبة، وإزالة لفائدتها، وذلك أوفى ما وصف بأنه محرم (٣) .\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه في كتاب الصلوات - باب في الكلام إذا صعد المنبر وخطب ٢ / ١٢٤، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢ / ١٨٦: \" رواه الطبراني: في الكبير، ورجاله رجال الصحيح \"، وقال في نيل الأوطار ٣ / ٢٧٢ - ٢٧٣: \" قال العراقي: ورجاله ثقات محتج بهم في الصحيح، قال: وهو إن كان موقوفا فمثله لا يقال من قبل الرأي، فحكمه الرفع \".\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في الكتاب والباب السابقين ٢ / ١٢٥، وابن حزم في المحلى ٥ / ٦٣.\n(٣) ينظر: المبسوط ٢ / ٢٨، والإشراف ١ / ١٣٢ - ١٣٣.","vol":"1","page":318},{"text":"٢ - أن الصلاة قربة وطاعة، وقد حرمت لأجل الخطبة، فلأن يحرم الكلام أولى (١) .\nمناقشة هذا الدليل: يناقش بأن مبناه على القول بتحريم الصلاة أثناء الخطبة، وهذا قول مرجوح، لمخالفته للأحاديث على مشروعية تحية المسجد لمن دخل والإمام يخطب.\n٣ - أنه لا يجوز أن يتعلق على الخاطب إظهار الخطبة إلا على الحاضرين وجوب استماعها، ألا ترى أنه لما حُظِرَ لشاهد كتمان الشهادة كان ذلك علما على إيجاب استماعها (٢) .\n٤ - أن الخطبتين بدل ركعتين، فحرم الكلام بينهما، كالصلاة (٣) .\nمناقشة هذا الدليل: يناقش بعدم التسليم بأنهما بدل ركعتين؛ لعدم ثبوت ذلك كما تقدم (٤) .\n_________\n(١) ينظر: الإشراف ١ / ١٣٢.\n(٢) ينظر: الحاوي ٣ / ٤٢.\n(٣) ينظر: المجموع ٤ / ٥٢٥.\n(٤) ص (٣٤ - ٣٥) .","vol":"1","page":319},{"text":"كما أن القياس لا يصح، لأن الصلاة تفسد بالكلام بخلاف الخطبة (١) .\nثانيا: واستدلوا على إباحة مخاطبة الإمام لحاجة بما يلي: ١ - ما رواه أنس بن مالك - ﵁ - قال: «أصابت الناس سنة على عهد رسول الله - ﷺ - فبينما رسول الله - ﷺ - يخطب في يوم الجمعة قام أعرابي فقال: يا رسول الله، هلك المال، وجاع العيال، فادع الله لنا، فرفع يديه، وما نرى في السماء قَزَعة (٢) فوالذي نفسي بيده ما وضعها حتى ثار السحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيتُ المطر يتحادر على لحيته - ﷺ -، فمطرنا يومنا ذلك، ومن الغد، وبعد الغد، والذي يليه حتى الجمعة الأخرى، وقام ذلك الأعرابي، أو قال: غيره، فقال: يا رسول الله - ﷺ -! تهدَّم البناء، وغرق المال فادع الله لنا، فرفع يده فقال: اللهم حوالينا ولا علينا،\n_________\n(١) ينظر: المجموع ٤ / ٥٢٥.\n(٢) قال النووي: هي بفتح القاف والزاي، وهي القطعة من السحاب.\n (شرح صحيح مسلم ٦ / ١٩٢) .","vol":"1","page":320},{"text":"فما يشير بيده إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت، وصارت المدينة مثل الجَوْبة (١) وسال الوادي قناةُ (٢) شهرا، ولم يجئ أحد، من ناحية إلا حَدَّثَ بالجود» (٣) .\nوهذا واضح الدلالة، وفي خطبتين.\n٢ - ما رواه جابر بن عبد الله - ﵄ - قال: «جاء أعرابي والنبي - ﷺ - يخطب الناس يوم الجمعة فقال: أصليت يا فلان؛ قال: لا، قال: قم فاركع» (٤) .\nقال النووي عنه برواياته المختلفة: \" وفي هذه الأحاديث أيضا جواز الكلام في الخطبة لحاجة، وفيها جوازه للخطيب وغيره \" (٥) .\n_________\n(١) قال النووي: هي بفتح الجيم وإسكان الواو وبالباء الموحدة، وهي الفجوة، ومعناه تقطع السحاب عن المدينة وصار مستديرًا حولها وهي خالية منه.\n (المرجع السابق ٦ / ١٩٤) .\n(٢) قال النووي: قناة بفتح القاف اسم لواد من أودية المدينة، وعليه زروع لهم.\n (المرجع السابق) .\n(٣) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الجمعة - باب الاستسقاء في الخطبة يوم الجمعة ١ / ٢٢٤ بهذا اللفظ، وفي مواضع آخر، ومسلم في كتاب الاستسقاء - باب الدعاء في استسقاء ٢ / ٦١٢، الحديث رقم (٨٩٧) .\n(٤) تقدم تخريجه ص (٣٠٤) .\n(٥) شرح صحيح مسلم ٦ / ١٦٤.","vol":"1","page":321},{"text":"أدلة أصحاب القول الثاني: استدلوا بأدلة من السنة، والمعقول:\nأولا: من السنة: ١ - حديث أنس بن مالك - ﵁ - في قصة الأعرابي مع النبي - ﷺ - واستسقائه في يوم الجمعة المتقدم قبل قليل.\nوجه الدلالة: أن الأعرابي تكلم أثناء الخطبة، ولم ينكر عليه النبي - ﷺ - ذلك، ولو حرم عليه لأنكره (١) .\nمناقشه هذا الدليل: نوقش بأن الاستدلال به على جواز الكلام في الخطبة مطلقا فيه نظر؛ لأنه استدلال بالأخص على الأعم، فيمكن أن يخص عموم المسألة بالإنصات بمثل ذلك كأمر عارض في مصلحة عامة، كما خص بعضهم رد السلام لوجوبه (٢) .\n٢ - ما رواه أنس بن مالك - ﵁ - «أن رجلا قام والنبي - ﷺ - يخطب يوم الجمعة فقال: يا رسول\n_________\n(١) ينظر: مغني المحتاج ١ / ٢٨٧، والمغني ٣ / ١٩٥.\n(٢) ينظر: فتح الباري ٢ / ٤١٥.","vol":"1","page":322},{"text":"الله! متى الساعة؟ فأعرض النبي - ﷺ - وأومأ له بالسكوت، فلم يقبل، وأعاد الكلام، فلما كان في الثالثة قال له النبي - ﷺ -: (ويحك، ما أعددت لها؟ قال: حب الله ورسوله، قال: إنك مع من أحببت» (١) .\nووجه الدلالة كالذي قبله.\nويناقش بما نوقش به الذي قبله.\nثانيا: من المعقول: ١ - أنه لو كان الإنصات للخطبة واجبا كان إبلاغهما برفع الصوت واجبا، فلما لم يجب على الإمام إبلاغها لم يجب على المأموين الإنصات لها (٢) .\nمناقشة هذا الدليل: يناقش بأن الجهر بها واجب على الإمام كما تقدم أما رفع الصوت فلم يجب دفعا للمشقة، ثم هذا يستقيم على القول بوجوب الإنصات مع عدم السماع، هذا مرجوح كما سيأتي - إن شاء الله -.\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب فضائل الصحابة - باب مناقب عمر بن الخطاب ٤ / ٢٠٠، وفي موضع آخر، ومسلم في كتاب البر والصلة - باب المرء مع من أحب ٤ / ٢٠٣٢، الحديث رقم (٢٦٣٩) .\n(٢) ينظر: الحاوي ٣ / ٤٣.","vol":"1","page":323},{"text":"٢ - أن الخطبة عبادة لا يفسدها الكلام، فوجب أن لا يحرم فيها الكلام، كالطواف، والصيام.\nمناقشة هذا الدليل: يناقش بأنه قياس مع الفارق؛ لأن الكلام في الخطبة يفوت المقصود منها، وهو الاستماع والاتعاظ، بخلاف الطواف والصيام (١) .\nالترجيح: الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بتحريم الكلام على الحاضرين لخطبة الجمعة إلا مخاطبة الإمام لحاجة؛ لقوة ما استدلوا به، وجمعه بين الأحاديث الواردة في ذلك، وتحقيقه المقصود من الخطبة وهو الاتعاظ.\n_________\n(١) ينظر المرجع السابق.","vol":"1","page":324},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-85>[الأمر الثاني حكم كلام الحاضر للخطبة إذا كان لا يسمعها]</span>\nالأمر الثاني: حكم كلام الحاضر للخطبة إذا كان لا يسمعها: (١) اختلف الفقهاء في حكم الكلام للحاضر لخطبة الجمعة إذا لم يسمعها لبعد أو غيره، وذلك على قولين:\nالقول الأول: يحرم عليه الكلام.\nوبهذا قال بعض الحنفية (٢) وبه قال المالكية (٣) وهو قول للشافعية (٤) والمذهب عند الحنابلة وعليه أكثرهم (٥) وبه قال ابن حزم (٦) .\nالقول الثاني: يجوز له الكلام.\n_________\n(١) هذه المسألة كان لها وجود كثير في السابق قبل وجود مكبرات الصوت، وأما الآن بعد وجود المكبرات - ولله الحمد - فقد قلت، وإن كانت قد توجد عند انقطاع الكهرباء ونحو ذلك.\n(٢) ينظر: المبسوط ٢ / ٢٨، وبدائع الصنائع ١ / ٢٦٤، والفتاوى الهندية ١ / ١٤٧.\n(٣) ينظر: الكافي لابن عبد البر ١ / ٢٥١، ومواهب الجليل والتاج والإكليل بهامشه ٢ / ١٧٨، والمنتقى شرح الموطأ ١ / ١٨٨.\n(٤) ينظر: الحاوي ٣ / ٤٤، والمجموع ٤ / ٤٢٣ - ٤٢٤، وروضة الطالبين ٢ / ٩١.\n(٥) ينظر: المغني ٣ / ١٩٦، والفروع ٢ / ١٢٤ - ١٢٥، والإنصاف ٢ / ٤١٧، والمبدع ٢ / ١٧٥.\n(٦) ينظر: المحلى ٥ / ٦١.","vol":"1","page":325},{"text":"وبهذا قال بعض الحنفية (١) وهو القول الصحيح عند الشافعية (٢) ورواية عن الإمام أحمد (٣) .\nالأدلة:\nأدلة أصحاب القول الأول: استدلوا بأدلة من السنة، وآثار الصحابة، والمعقول:\nأولا: من السنة: عموم ما تقدم في الأمر السابق من الأدلة الدالة على تحريم الكلام في خطبة الجمعة، ومن أبرزها حديث أبي هريرة - ﵁ -: «إذا قلت لصاحبك: أنصت، يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت» (٤) وحديث عبد الله بن عمرو، فقالوا: إنها عامة تشمل من يسمع الخطبة ومن لا يسمعها (٥) .\nثانيا: من آثار الصحابة - ﵃ -: ما روي عن عثمان بن عفان - ﵁ - أنه كان\n_________\n(١) ينظر: بدائع الصنائع ١ / ٢٦٤.\n(٢) ينظر: المجموع ٤ / ٤٢٣ - ٤٢٤، وروضة الطالبين ٢ / ٢٩.\n(٣) ينظر: الفروع ٢ / ١٢٥، والإنصاف ٢ / ٤١٧، والمبدع ٢ / ١٧٥.\n(٤) تقدم تخريجه ص (٩٣) .\n(٥) ينظر: المنتقى شرح الموطأ ١ / ١٨٨، والمغني ٣ / ١٩٦.","vol":"1","page":326},{"text":"يقول في خطبته، قلَّما يدع ذلك إذا خطب: \" إذا قام الإمام يخطب يوم الجمعة فاستمعوا وأنصتوا، فإن للمنصت الذي لا يسمع في الحظ مثل ما للسامع مع المنصت، فإذا قامت الصلاة فاعدلوا الصفوف. . . \" (١) الأثر.\nوهذا واضح الدلالة.\nثالثا: من المعقول: أن المأمور به في الخطبة شيئان الاستماع والإنصات، فمن قرب من الإمام فقد قدر عليهما، ومن بعد عنه فقد قدر على أحدهما وهو الإنصات، فيجب عليه أن يأتي بما قدر عليه (٢) .\nأدلة أصحاب القول الثاني: استدلوا بما استدلوا به في الأمر السابق على جواز الكلام في الخطبة للسامع، فقالوا: إذا كان يجوز مع السماع فمع عدمه من باب أولى.\nوقد تقدمت مناقشته هناك.\n_________\n(١) أخرجه البيهقي في سننه الكبرى في كتاب الجمعة - باب الإنصات للخطبة وإن لم يسمعها ٣ / ٢٢٠.\n(٢) ينظر: المبسوط ٢ / ٨٢، وبدائع الصنائع ١ / ٢٦٤.","vol":"1","page":327},{"text":"ومن الأدلة أيضا: أن الإنصات ليس مقصودا لذاته، بل ليتوصل به إلى الاستماع، فإذا سقط عنه فرض الاستماع سقط عنه الإنصات أيضا (١) .\nمناقشة هذا الدليل: يناقش بأن الإنصات ليس للاستماع فقط، بل له ولعدم التشويش على غيره من الحاضرين ليستمعوا، فإذا سقط الاستماع لتعذره للبعد بقي التشويش على الحاضرين ممن يمكنهم الاستماع لقربهم من الخطيب.\nالترجيح: الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بتحريم الكلام في خطبة الجمعة لغير السامع لها، لقوة ما استدلوا به وخاصة عموم الأدلة، ولأنه يؤدي إلى التشويش، وقد يجر إلى كلام مكروه أو محرم في المسجد، كما قد يحصل معه إهانة له، ويُجَرِّئ السفهاء على ابتذاله.\n_________\n(١) ينظر: بدائع الصنائع ١ / ٢٦٤.","vol":"1","page":328},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>[الأمر الثالث حكم رد السلام وتشميت العاطس]</span>\nالأمر الثالث: حكم رد السلام، وتشميت العاطس: اختلف الفقهاء في حكم رد السلام وتشميت العاطس في خطبة الجمعة إذا حصل موجبه، وذلك على أربعة أقوال:\nالقول الأول: يحرم.\nوبهذا قال أكثر الحنفية (١) وبه قال المالكية (٢) وهو الوجه الصحيح عند الشافعية (٣) ورواية عن الإمام أحمد (٤) .\nالقول الثاني: يجوز.\nوبهذا قال أبو يوسف في رواية عنه (٥) وهو وجه عند الشافعية (٦) والرواية الصحيحة عن الإمام أحمد، والصحيح عند\n_________\n(١) ينظر: المبسوط ٢ / ٢٨، وبدائع الصنائع ١ / ٢٦٤، والفتاوى الهندية ١ / ١٤٧، وعبر بعضهم بالكراهة والظاهر أنه يعني كراهة التحريم.\n(٢) ينظر: بداية المجتهد ١ / ١٦١، والقوانين الفقهية ص (٨٦) .\n(٣) ينظر: المجموع ٤ / ٥٢٣ - ٥٢٤، وروضة الطالبين ٢ / ٢٨ - ٢٩، ومغني المحتاج ١ / ٢٨٧ - ٢٨٨.\n(٤) ينظر: الفروع ٢ / ١٢٦، والإنصاف ٢ / ٤١٨، والمبدع ٢ / ١٧٦.\n(٥) ينظر: المبسوط ٢ / ٢٩، وبدائع الصنائع ١ / ٢٦٤.\n(٦) ينظر: الحاوي ٣ / ٦١، والمجموع ٤ / ٥٢٣ - ٥٢٤، وروضة الطالبين ٢ / ٢٨ - ٢٩.","vol":"1","page":329},{"text":"أصحابه (١) وبه قال ابن حزم (٢) .\nالقول الثالث: يحرم على من يسمع الخطبة، ويجوز لمن لا يسمعها.\nوبهذا قال الإمام أحمد في رواية عنه، وهو قول لبعض أصحابه (٣) .\nالقول الرابع: لا يجوز رد السلام، ويجوز تشميت العاطس.\nوهذا قول للشافعية (٤) قال عنه في حلية العلماء: \" وليس بشيء \" (٥) .\nالأدلة:\nأدلة أصحاب القول الأول: استدلوا بأدلة من السنة، والمعقول:\n_________\n(١) ينظر: المغني ٣ / ١٩٨ - ١٩٩، والفروع ٢ / ١٢٥، والمستوعب ٣ / ٤٢، والإنصاف ٢ / ٤١٨، والمبدع ٢ / ١٧٦، وكشاف القناع ٢ / ٤٨.\n(٢) ينظر: المحلى ٥ / ٦٢.\n(٣) ينظر: المغني ٣ / ١٩٩، والفروع ٢ / ١٢٦، والإنصاف ٢ / ٤١٨.\n(٤) ينظر: الحاوي ٣ / ٦١، وحلية العلماء ٢ / ٢٨٥، والمجموع ٤ / ٥٢٤، وروضة الطالبين ٢ / ٢٩.\n(٥) حلية العلماء ٢ / ٢٨٥.","vol":"1","page":330},{"text":"أولا: من السنة: ١ - حديث أبي هريرة - ﵁ - المشهور الذي تقدم مرارا، وهو قوله - ﷺ -: «إذا قلت لصاحبك: أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت» (١) .\nوجه الدلالة: أن النبي - ﷺ - سمى الأمر بالمعروف حال الخطبة لغوا، مع أنه أمر مطلوب شرعا، وفيه فائدة متعدية للآخرين وهي منع التشويش عليهم، فكذلك رد السلام وتشميت العاطس، بل هو أولى.\n٢ - ما رواه أُبَيُّ بن كعب - ﵁ - قال: «قرأ رسول الله - ﷺ - يوم الجمعة (تبارك) وهو قائم، فذكرنا بأيام الله، وأبو الدرداء، أو أبو ذر يغمزني، فقال: متى أُنزلت هذه السورة؟ فإني لم أسمعها إلا الآن، فأشار إليه أن اسكت، فلما انصرفوا قال: سألتُك متى أُنزلت هذه السورة فلم تخبرني، فقال: إنه ليس لك من صلاتك إلا ما لغوتَ، فذهب إلى رسول الله - ﷺ - فذكر له ذلك، وأخبره بالذي قال له أُبي، فقال رسول الله - ﷺ -:\n_________\n(١) تقدم تخريجه ص (٩٣) .","vol":"1","page":331},{"text":"صدق أُبي» (١) .\nوجه الدلالة: أن ما طلبه أبو الدرداء أو أبو ذر من أبي بن كعب - ﵄ - من تاريخ المنزل، فقد كان فرضا عليهم، ليعرفوا الناسخ من المنسوخ، وقد جعله رسول الله - ﷺ - من اللغو في حالة الخطبة، فكذلك رد السلام وتشميت العاطس (٢) .\nثانيا: من المعقول: ١ - أن تشميت العاطس يترتب عليه ترك الاستماع المفروض والإنصات، والتشميت ليس بفرض، فلا يجوز ترك الفرض لأجله، وكذا رد السلام في هذه الحالة ليس بفرض، لأنه يرتكب بسلامه مأثما، فلا يجب الرد عليه كما في حالة الصلاة (٣) .\n٢ - أن السلام في حال الخطبة لم يقع تحية، فلا يستحق الرد (٤) .\n_________\n(١) تقدم تخريجه ص (٣١٥) .\n(٢) ينظر: المبسوط ٢ / ٢٩.\n(٣) ينظر: بدائع الصنائع ١ / ٢٦٤.\n(٤) المرجع السابق.","vol":"1","page":332},{"text":"٣ - أن رد السلام مما يمكن تحصيله في كل حالة، أما سماع الخطبة فلا يتصور إلا في هذه الحالة، فكانت إقامته أحق، ونظيره ما قاله بعض الفقهاء من أن الطواف تطوعا بمكة في حق الآفاقي أفضل من صلاة التطوع، والصلاة في حق المكي أفضل من الطواف (١) .\nواستدلوا على تحريمهما على من لم يسمع بما يلي:\nأن وجوب الإنصات شامل لهم، فيكون المنع من رد السلام وتشميت العاطس ثابتا في حقهم، كالسامعين (٢) .\nأدلة أصحاب القول الثاني: استدلوا بأدلة من السنة، والمعقول:\nأولا: من السنة: ١ - ما رواه أبو هريرة - ﵁ - قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ- يقول: «حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس» (٣) .\n_________\n(١) المرجع السابق.\n(٢) ينظر: المغني ٣ / ١٩٩.\n(٣) أخرجه البخاري في صحيحه في الجنائز - باب الأمر باتباع الجنائز ٢ / ٧٠، ومسلم في كتاب السلام - باب من حق المسلم للمسلم رد السلام ٤ / ١٧٠٤ لحديث رقم (٢١٦٢) .","vol":"1","page":333},{"text":"٢ - ما رواه البراء بن عازب - ﵁ - قال: «أمرنا رسول الله - ﷺ - بسبع، ونهانا عن سبع، أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنائز، ورد السلام، وإجابة الداعي، وإبرار المقسم، وتشميت العاطس، ونصر المظلوم» . . .) الحديث (١) .\nوجه الدلالة من هذين الحديثين ونحوهما مما جاء في معناهما: أن النبي - ﷺ - أمر برد السلام وتشميت العاطس، وهذا الأمر عام، فيشمل بعمومه الرد والتشميت حال خطبة الجمعة.\nمناقشة هذا الاستدلال: يناقش بأن هذا محمول على حال غير الخطبة جمعا بين ذلك وبين ما ورد في تحريم الكلام حال الخطبة والأمر بالإنصات.\n٣ - ما رواه جابر بن عبد الله - ﵄ - قال: «جاء رجل والنبي - ﷺ - يخطب الناس يوم الجمعة فقال: أصليت يا فلان؟ قال: لا، قال: قم فاركع» (٢) .\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه في الكتاب والباب السابقين.\n(٢) تقدم تخريجه ص (٣٠٤) .","vol":"1","page":334},{"text":"قال في فتح الباري: \" واستدل به على جواز رد السلام وتشميت العاطس في حال الخطبة، لأن أمرهما أخف وزمنهما أقصر، ولا سيما رد السلام فإنه واجب \" (١) .\nمناقشة هذا الدليل: يناقش بأن هناك فرقا بين الصلاة والرد والتشميت، فالصلاة يفوت بها الاستماع على المصلى وحده، أما الرد والتشميت فيفوت بهما الاستماع على الراد والمشمت ومن حولهما من الحاضرين، فضررهما أبلغ.\nثانيا: من المعقول: ١ - أن رد السلام فرض والاستماع سنة، فلا يترك الفرض لفعل سنة (٢) .\nمناقشة هذا الدليل: يناقش من وجهين:\nالوجه الأول: أن رد السلام إنما يكون فريضة إذا كان تحية، وفي حال الخطبة المسلم ممنوع من السلام، فلا يكون جوابه فرضا (٣) .\n_________\n(١) ينظر: فتح الباري ٢ / ٤١٢.\n(٢) ينظر المبسوط ٢ / ٢٩، وبدائع الصنائع ١ / ٢٦٤.\n(٣) ينظر المبسوط ٢ / ٢٩.","vol":"1","page":335},{"text":"الوجه الثاني: عدم التسليم بأن الاستماع للخطبة سنة، بل هو واجب كما تقدم.\n٢ - أن رد السلام وتشميت العاطس واجب، فوجب الإتيان به في الخطبة، كتحذير الضرير (١) .\nمناقشة هذا الدليل: يناقش بأنه وإن كان الرد والتشميت واجبا فإنه لا يصل إلى مماثلة تحذير الضرير من الهلكة؛ لأن الضرر المترتب على ترك التحذير أعظم من الضرر المترتب على ترك واجب الرد والتشميت، فلا يصح القياس.\nأدلة أصحاب القول الثالث: أولا: استدلوا على التحريم على من يسمع بما استدل به أصحاب القول الأول.\nثانيا: واستدلوا على جواز الرد والتشميت لمن لا يسمع بما يلي:\nأن الإنصات واجب، فلم يجز الكلام المانع منه من غير ضرورة للأمر بالإنصات، بخلاف من لم يسمع فإنه لم يؤمر بالإنصات، فله الرد والتشميت (٢) .\n_________\n(١) ينظر: المغني ٣ / ١٩٩، والمبدع ٢ / ١٧٦، وكشاف القناع ٢ / ٤٨.\n(٢) ينظر: المغني ٣ / ١٩٩.","vol":"1","page":336},{"text":"مناقشة هذا الدليل: يناقش بعدم التسليم بأن من لم يسمع لم يؤمر بالإنصات، بل إن عموم الأدلة تشمله كما تقدم.\nدليل أصحاب القول الرابع: أن السلام قد وضعه المسلم في غير موضعه باختياره، فلم يستحق الرد عليه، والعاطس عطس بغير اختياره فلم يكن منسوبا إلى وضعه في غير موضعه، فاستحق التشميت (١) .\nمناقشة هذا الدليل: يناقش بأن ليس المانع عدم الاستحقاق للاختيار، وإنما المانع هو عموم الأحاديث المانعة من الكلام في هذه الحال؛ لما يترتب عليه من ترك الإنصات والتشويش على السامعين.\nالترجيح: الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بتحريم رد السلام وتشميت العاطس في خطبة الجمعة، لقوة ما استدلوا به، وعدم استقامة أدلة الأقوال الأخرى.\nوقد أفتى بعدم جواز رد السلام فيها فضيلة شيخنا محمد بن صالح العثيمين - حفظه الله - (٢) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>[الأمر الرابع حكم الصلاة على النبي ﷺ إذا ذكره الخطيب] </span>والجهر بها\n_________\n(١) ينظر: الحاوي ٣ / ٦١.\n(٢) ينظر: فتاوى فضيلته ١ / ١٢٦ المنشورة ضمن سلسلة كتاب الدعوة رقم (٤) .","vol":"1","page":337},{"text":"الأمر الرابع: حكم الصلاة على النبي ﷺ إذا ذكره الخطيب والجهر بها: اختلف الفقهاء في حكم صلاة المستمع على النبي - ﷺ - إذا ذكره الخطيب في الخطبة، والجهر بها، وذلك على قولين:\nالقول الأول: تجوز الصلاة عليه سرا.\nوهذا مروي عن أبي يوسف من الحنفية (١) وبه قال الحنابلة (٢) وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٣) .\nالقول الثاني: لا تجوز الصلاة عليه.\nوبهذا قال الحنفية، وهو ظاهر الرواية عندهم (٤) .\n_________\n(١) ينظر: المبسوط ٢ / ٢٩، وبدائع الصنائع ١ / ٢٦٤.\n(٢) ينظر: الفروع ٢ / ١٢٥، والإنصاف ٢ / ٤١٨، والمبدع ٢ / ١٧٦، وكشاف القناع ٢ / ٤٨.\n(٣) ينظر: الاختيارات ص (٨٠) .\n(٤) ينظر: المبسوط ٢ / ٢٨ - ٢٩، وبدائع الصنائع ١ / ٢٦٤؛ والفتاوى الهندية ١ / ١٤٧.","vol":"1","page":338},{"text":"الأدلة:\nأدلة أصحاب القول الأول: ١ - أن الصلاة على النبي - ﷺ - سرا لا يشغل عن سماع الخطبة، ففي فعله إحراز للفضيلتين: الصلاة والاستماع (١) .\n٢ - أن الخطيب إذا قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٥٦] (٢) فهو يبلغ الحاضرين أمرا، فيجب عليهم امتثاله (٣) .\nدليل أصحاب القول الثاني: ١ - أن حال الخطبة كحال الصلاة في المنع من الكلام، فكما أن الإمام لو قرأ قوله - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٥٦] (٤) في صلاته لم يشتغل الحاضرون بالصلاة عليه، فكذلك إذا قرأها في الخطبة (٥) .\nمناقشة هذا الدليل: يناقش بعدم التسليم بأن حال الخطبة\n_________\n(١) ينظر: بدائع الصنائع ١ / ٢٦٤، وفتح القدير ٢ / ٣٨.\n(٢) سورة الأحزاب جزء من الآية رقم (٥٦) .\n(٣) ينظر: المبسوط ٢ / ٢٩.\n(٤) سورة الأحزاب جزء من الآية رقم (٥٦) .\n(٥) ينظر: المبسوط ٢ / ٢٩.","vol":"1","page":339},{"text":"كحال الصلاة في المنع من الكلام، بل الخطبة أخف حيث يجوز فيها مخاطبة الإمام لحاجة، وما كان لضرورة من تحذير ضرير ونحوه، ولا يؤثر ذلك في صحتها، بخلاف الصلاة.\n٢ - أن إحراز فضيلة الصلاة على النبي - ﷺ - مما يمكن في كل وقت، وإحراز ثواب سماع الخطبة يختص بهذه الحالة، فكان السماع أفضل (١) .\nمناقشة هذا الدليل: يناقش بأن في الرد سرا جمعا بين الأمرين تحصيل فضيلة الصلاة والاستماع، وعدم التشويش على الحاضرين.\nالترجيح: الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بجواز الصلاة على النبي - ﷺ - سرا عند ذكره في خطبة الجمعة؛ لقوة ما استدلوا به، ولما في ذلك من الجمع بين الأدلة التي ورد فيها الأمر بالصلاة على النبي - ﷺ - عند ذكره، والتي ورد فيها تحريم الكلام في خطبة الجمعة.\n_________\n(١) ينظر: بدائع الصنائع ١ / ٢٦٤.","vol":"1","page":340},{"text":"وأما رفع الصوت بها فغير مشروع، جاء في اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية: \" والسنة في الصلاة على النبي - ﷺ - أن يصلي عليه سرا، كالدعاء، أما رفع الصوت بها قدام بعض الخطباء فمكروه أو محرم اتفاقا \" (١) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>[الأمر الخامس حكم التأمين على الدعاء والجهر به]</span>\nالأمر الخامس: حكم التأمين على الدعاء والجهر به: لا إشكال في جواز التأمين على دعاء الخطيب في خطبة الجمعة، والجهر به عند من يقول بعدم حرمة الكلام حال الخطبة وهم الشافعية في القول الصحيح عندهم كما تقدم (٢) ومن يقول بجواز الكلام حال الدعاء وهم الحنابلة في وجه عندهم (٣) .\nوأما من قال بتحريم الكلام حال الخطبة مطلقا فلم أطلع على قول لهم في ذلك إلا الحنابلة في الصحيح عندهم فإنهم قالوا: يسن التأمين سرا (٤) وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، حيث\n_________\n(١) الاختيارات ص (٨٠) .\n(٢) ص (٣٠٣) .\n(٣) ينظر: الفروع ٢ / ١٢٥، والإنصاف ٢ / ٤١٨.\n(٤) ينظر: الفروع ٢ / ١٢٥، والإنصاف ٢ / ٤١٨، وكشاف القناع ٢ / ٤٨، وشرح منتهى الإرادات ١ / ٣٠٤.","vol":"1","page":341},{"text":"جاء في الاختيارات: \" والسنة في الصلاة على النبي - ﷺ - أن يصلي عليه سرا، كالدعاء \" (١) .\nفيتلخص في المطلب بناء على ما ظهر لي مما تقدم قولان:\nالأول: يجوز التأمين سرا لا جهرا، وهو القول الصحيح عند الحنابلة، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية.\nالثاني: يجوز التأمين جهرا، وهو مقتضى قول الشافعية في الصحيح عندهم، ووجه عند الحنابلة.\nالأدلة:\nدليل أصحاب القول الأول: أن الحاضر للخطبة يشغل غيره عن الاستماع إذا جهر بالتأمين، فيؤمّن سرا (٢) .\nوأما أصحاب القول الثاني فقد تقدمت أدلة الشافعية على قولهم باستحباب الإنصات للخطبة وعدم تحريم الكلام، ومناقشتها، وسيأتي دليل القائلين بجواز الكلام حال الدعاء من الحنابلة ومناقشته - إن شاء الله - (٣) .\n_________\n(١) الاختيارات ص (٨٠) .\n(٢) منتهى الإرادات ١ / ٣٠٤.\n(٣) ص (٣٥٧ - ٣٦١) .","vol":"1","page":342},{"text":"الترجيح: هذه المسألة لم أطلع على أقوال صريحة فيها سوى قول الحنابلة، كما أنه ليس فيها أدلة واضحة، ولكن قول الحنابلة بالتأمين سرا قول وسط فيه إدراك لفضيلة التأمين على الدعاء، وعدم تشويش على السامعين ومخالفة للأمر بالإنصات، فهو الأظهر في المسألة كما تقدم في الصلاة على النبي - ﷺ -، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>[المسألة الثالثة ما يستثنى من تحريم الكلام أو كراهته في خطبة الجمعة] </span>عند من يقول بهما\nالمسألة الثالثة: ما يستثنى من تحريم الكلام أو كراهته في خطبة الجمعة عند من يقول بهما: استثنى من قال من الفقهاء في المسألتين السابقتين بتحريم الكلام أو كراهته حال خطبة الجمعة للإمام والحاضر ما كان لأمر واجب ناجز، كتحذير ضرير من الوقوع في بئر، أو من يخاف عليه من نار، أو حية، أو حريق، أو نحوه مما يقتل أو يضر (١) .\n_________\n(١) ينظر: المجموع ٤ / ٥٢٣، وروضة الطالبين ٢ / ٢٨، ومغني المحتاج ١ / ٢٨٧، والمغني ٣ / ١٩٨، والإنصاف ٢ / ٤١٨، والمبدع ٢ / ١٧٦، وكشاف القناع ٢ / ٤٧.","vol":"1","page":343},{"text":"الدليل: أن التحذير من هذه الأشياء يجوز في نفس الصلاة مع فسادها به، ففي الخطبة أولى (١) .\nكما يمكن الاستدلال لذلك بالقاعدة المشهورة \" الضرورات تبيح المحظورات \" (٢) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>[المطلب الثاني وقت المنع من الكلام في الخطبة]</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-91>[المسألة الأولى حكم الكلام بعد صعود الخطيب المنبر وقبل الشروع في] </span>الخطبة وبعد الفراغ منها وقبل الشروع في الصلاة\nالمطلب الثاني\nوقت المنع من الكلام في الخطبة تقدم في المطلب الأول بيان حكم الكلام أثناء كلام الإمام حال خطبة الجمعة، وأنه محرم على القول الراجح إلا في حالات معينة تم بيانها في موضعها، وهذا هو المحل الذي يقصده غالب الفقهاء بالتحريم عند كلامهم على الكلام حال الخطبة.\nوهناك أحوال يلحقها بعضهم بذلك وحالات يخرجونها منه تتمثل في المسائل التالية:\n_________\n(١) ينظر: المغني ٣ / ١٩٨؛ والمبدع ٢ / ١٧٦، وكشاف القناع ٢ / ٤٧.\n(٢) تنظر في: الأشباه والنظائر لابن نجيم ص (٨٥)، والأشباه والنظائر للسيوطي ص (٨٤) .","vol":"1","page":344},{"text":"المسألة الأولى: حكم الكلام بعد صعود الخطيب المنبر وقبل الشروع في الخطبة، وبعد الفراغ منها وقبل الشروع في الصلاة.\nالمسألة الثانية: حكم الكلام بين الخطبتين.\nالمسألة الثالثة: حكم الكلام إذا سكت الخطيب للتنفس.\nالمسألة الرابعة: حكم الكلام إذا شرع الخطيب في الدعاء.\nالمسألة الأولى\nحكم الكلام بعد صعود الخطيب المنبر وقبل الشروع في الخطبة، وبعد الفراغ منها وقبل الشروع في الصلاة: اختلف الفقهاء في ذلك على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: يجوز الكلام في الحالتين.\nوبهذا قال أبو يوسف ومحمد بن الحسن صاحبا أبي حنيفة (١) والمالكية (٢) والشافعية (٣) وهو المذهب عند الحنابلة، وعليه أكثرهم (٤) .\n_________\n(١) ينظر: المبسوط ٢ / ٢٩، والهداية للمرغيناني ١ / ٨٥، وبدائع الصنائع ١ / ٢٦٤.\n(٢) ينظر: الإشراف ١ / ١٣٣، ومواهب الجليل ٢ / ١٧٨، والفواكه الدواني ١ / ٣٠٩.\n(٣) ينظر: الحاوي ٣ / ٤٣، والمجموع ٤ / ٥٢٣، وروضة الطالبين ٢ / ٢٨، ومغني المحتاج ١ / ٢٨٧.\n(٤) ينظر: الهداية لأبي الخطاب ١ / ٥٣، والمغني ٣ / ١٩٩، والمستوعب ٣ / ٤٣، والفروع وتصحيحه بهامشه ٢ / ١٢٤، والإنصاف ٢ / ٤١٩.","vol":"1","page":345},{"text":"القول الثاني: لا يجوز الكلام في الحالتين.\nوبهذا قال الإمام أبو حنيفة (١) .\nالقول الثالث: يكره الكلام في الحالتين.\nوبهذا قال بعض الحنابلة (٢) .\nالأدلة:\nأدلة أصحاب القول الأول: أولا: استدلوا على جواز الكلام بعد صعود المنبر وقبل الشروع في الخطبة بأدلة من السنة، وآثار الصحابة، والمعقول:\nفمن السنة: ١ - ما رواه أبو هريرة - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: «إذا كان يوم الجمعة وقفت الملائكة على باب المسجد يكتبون الأول فالأول، ومثل المُهَجِّر (٣) كمثل الذي يهدي بدنة، ثم كالذي يهدي بقرة، ثم كبشا، ثم دجاجة، ثم بيضة، فإذا خرج الإمام طووا صحفهم ويستمعون\n_________\n(١) ينظر: المبسوط ٢ / ٢٩، وبدائع الصنائع ١ / ٢٦٤، وتبيين الحقائق ١ / ٣٢٣؛ وعبر بعضهم بالكراهة والظاهر أنه يقصد كراهة التحريم، بدليل ما يذكرونه من أدلة.\n(٢) ينظر: الفروع وتصحيحه بهامشه ٢ / ١٢٤، والإنصاف ٢ / ٤١٩.\n(٣) التهجير: التبكير إلى كل شيء، والمبادرة إليه، والمُهَجِّر إلى الصلاة المبكر إليها. (ينظر: النهاية في غريب الحديث، مادة \" هجر \" ٥ / ٢٤٦) .","vol":"1","page":346},{"text":"الذكر» (١) .\nقال في فتح الباري: \" وفيه إشارة إلى أن منع الكلام من ابتداء الإمام في الخطبة؛ لأن الاستماع لا يتجه إلا إذا تكلم \" (٢) .\n٢ - حديث أبي هريرة - ﵁ - المشهور والذي تقدم مرارا: «إذا قلتَ لصاحبك يوم الجمعة: أنصت، والإمام يخطب فقد لغوت» (٣) .\nوجه الدلالة: أن قوله: «والإمام يخطب» جملة حالية تُخرِج ما قبل الخطبة من حين خروج الخطيب وما بعده إلى أن يشرع في الخطبة (٤) وكذلك ما بعدها إلى إقامة الصلاة.\nومن آثار الصحابة - ﵃ -: ما رواه ثعلبة بن أبي مالك القرظي أنهم كانوا في زمان عمر بن الخطاب - ﵁ - يصلون الجمعة حتى يخرج عمر،\n_________\n(١) تقدم تخريجه ص (٦٧) بغير هذا اللفظ، وقد أخرجه بهذا اللفظ البخاري في صحيحه في كتاب الجمعة - باب الاستماع إلى الخطبة يوم الجمعة ١ / ٢٢٣.\n(٢) ينظر: فتح الباري ٢ / ٤٠٧.\n(٣) تقدم تخريجه ص (٩٣) .\n(٤) ينظر: فتح الباري ٢ / ٤١٤، والإشراف للقاضي عبد الوهاب ١ / ١٣٣، وشرح النووي على صحيح مسلم ٦ / ١٣٩، ونيل الأوطار ٣ / ٢٧٣، والمغني ٣ / ٢٠٠.","vol":"1","page":347},{"text":"فإذا خرج عمر وجلس على المنبر وأذن المؤذنون، قال ثعلبة: \" جلسنا نتحدث، فإذا سكت المؤذنون وقام عمر يخطب أنصتنا فلم يتكلم منا أحد، قال ابن شهاب: \" فخروج الإمام يقطع الصلاة، وكلامه يقطع الكلام \" (١) .\nقال في المغني: \" وهذا يدل على شهرة الأمر بينهم \" (٢) بل عده في الحاوي إجماعا فعليا من الصحابة - ﵃ - على أن تحريم الكلام يبدأ ببدء الخطبة (٣) .\nومن المعقول: ١ - أن النهي عن الكلام إنما هو لأجل الإنصات واستماع الخطبة، فيقتصر على حالة الخطبة (٤) .\n٢ - أن ما قبل الشروع في الخطبة ليس فيه خطبة، فيباح الكلام فيه، أشبه ما قبل صعود المنبر (٥) .\n_________\n(١) تقدم تخريجه ص (٢٩٥) .\n(٢) المغني ٣ / ٢٠٠.\n(٣) الحاوي ٣ / ٤٣.\n(٤) ينظر: المبسوط ٢ / ٣٠، وبدائع الصنائع ١ / ٢٦٤، والإشراف للقاضي عبد الوهاب ١ / ١٣٣، والمغني ٣ / ٢٠٠.\n(٥) ينظر: الإشراف للقاضي عبد الوهاب ١ / ١٣٣.","vol":"1","page":348},{"text":"ثانيا: واستدلوا على جواز الكلام بعد الفراغ من الخطبة وقبل الشروع في الصلاة بالسنة، والمعقول:\nفمن السنة: حديث أبي هريرة - ﵁ - المتقدم قبل قليل: (إذا قلتَ لصاحبك: أنصت، والإمام يخطب فقد لغوت) (١) .\nووجه الدلالة: أن قوله: (والإمام يخطب) دليل على أن التحريم مقتصر على حال الخطبة، فبعد الفراغ منها لا يشمله التحريم كما تقدم.\nومن المعقول: الدليل الأول من الدليلين السابقين وهو أن النهي لأجل الإنصات والاستماع، فما بعد الفراغ لا حاجة فيه إلى ذلك؛ لعدم الخطبة.\nأدلة صاحب القول الثاني: استدل بأدلة من السنة، وآثار الصحابة، والمعقول:\nأولا: من السنة: حديث أبي هريرة - ﵁ - الذي استدل به\n_________\n(١) تقدم تخريجه ص (٩٣) .","vol":"1","page":349},{"text":"أصحاب القول الأول، وهو قول النبي - ﷺ -: «إذا كان يوم الجمعة وقفت الملائكة يكتبون الأول فالأول، ومثل المهجر كمثل الذي يهدي بدنة، ثم كالذي يهدي بقرة، ثم كبشا، ثم دجاجة، ثم بيضة، فإذا خرج الإمام طووا صحفهم ويستمعون الذكر» (١) .\nوجه الدلالة: أن النبي - ﷺ - أخبر عن طي الصحف عند خروج الإمام، وإنما يطوون الصحف إذا طوى الناس الكلام، لأنهم إذا تكلموا يكتبون عليهم؛ لقوله - تعالى -: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] (٢) .\nمناقشة هذا الدليل: يناقش بأنه يحمل قوله: «فإذا خرج الإمام» على البدء بالخطبة بعد خروجه، وليس فور خروجه؛ لأن الوقت الواقع بين الخروج والشروع في الخطبة قليل وهو وقت الأذان فقط، فيكون الخطيب قد شرع في الخطبة عند خروجه، كما أن الحديث في بيان الوقت الذي يؤجر الإنسان على المجيء فيه لصلاة الجمعة، وليس في تحديد الوقت الذي يبدأ فيه الإنصات.\n_________\n(١) تقدم تخريجه ص (٣٤٧) .\n(٢) سورة (ق)، الآية رقم (١٨) .","vol":"1","page":350},{"text":"ثانيا: من آثار الصحابة - ﵃ -: ما روي عن ابن عباس وابن عمر - ﵃ - أنهما كانا يكرهان الصلاة والكلام يوم الجمعة بعد خروج الإمام (١) .\nوهذا واضح الدلالة.\nمناقشة ذلك: يناقش من وجهين:\nالوجه الأول: أنه أثر عن صحابيين، وهو مختلف في الاحتجاج به.\nالوجه الثاني: أنه قد خالفهما غيرهما من الصحابة، بل أكثرهم (٢) كما تقدم في أدلة أصحاب القول الأول.\nثالثا: من المعقول: أن الخطيب إذا خرج للخطبة كان مستعدا لها، والمستعد للشيء كالشارع فيه، ولهذا ألحق الاستعداد بالشروع في أمر الصلاة، فكذلك في الخطبة (٣) .\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه في كتاب الصلوات - باب في الكلام إذا صعد الإمام المنبر وخطب ٢ / ١٢٤.\n(٢) ينظر: المغني ٣ / ٢٠٠.\n(٣) ينظر: المبسوط ٢ / ٣٠، وبدائع الصنائع ١ / ٢٦٤.","vol":"1","page":351},{"text":"مناقشة هذا الدليل: نوقش بأنه قياس مع الفارق، وذلك أن الصلاة تمتد، وربما لا يمكنه قطعها حتى يأخذ الإمام في الخطبة ويفوت سماع أولها، بخلاف الكلام فيمكن قطعه متى شاء (١) .\nوأما أصحاب القول الثالث فلم أطلع على دليل لهم، وقد يستدل لهم بما روي عن ابن عباس وابن عمر - ﵃ - وقد سبقت مناقشته.\nالترجيح: الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بجواز الكلام بعد صعود الخطيب المنبر وقبل شروعه في الخطبة، وبعد الفراغ منها وقبل الصلاة؛ لقوة ما استدلوا به ولا سيما حديث أبي هريرة - ﵁ - الثاني فهو واضح الدلالة.\n_________\n(١) ينظر: الحاوي ٣ / ٤٣، ومغني المحتاج ١ / ٢٨٨.","vol":"1","page":352},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-92>[المسألة الثانية حكم الكلام بين الخطبتين]</span>\nالمسألة الثانية: حكم الكلام بين الخطبتين: اختلف الفقهاء في حكم الكلام في الجلسة بين الخطبتين، وذلك على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: يجوز الكلام في هذه الحال.\nوبهذا قال أبو يوسف صاحب أبي حنيفة (١) وهو قول للشافعية (٢) والوجه الصحيح عند الحنابلة (٣) .\nالقول الثاني: يحرم الكلام في هذه الحال.\nوبهذا قال الإمام أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن من أصحابه (٤) والمالكية (٥) وهو قول للشافعية (٦) ووجه عند\n_________\n(١) ينظر: مراقي الفلاح ص (١٠٤) .\n(٢) ينظر: المجموع ٤ / ٥٢٣، وروضة الطالبين ٢ / ٢٨، ومغني المحتاج ١ / ٢٨٧.\n(٣) ينظر: المغني ٣ / ٢٠٠ وذكره احتمالا، والفروع وتصحيحه بهامشه ٢ / ١٢٤ - ١٢٥، والإنصاف ٢ / ٤١٧، والمبدع ٢ / ١٧٦.\n(٤) ينظر: المبسوط ٢ / ٢٩، وبدائع الصنائع ١ / ٢٦٤، ومراقي الفلاح ص (١٠٤) .\n(٥) ينظر: الفواكه الدواني ١ / ٢٠٩، مواهب الجليل والتاج والإكليل بهامشه ٢ / ١٧٨، ١٧٩، والمنتقى شرح الموطأ ١ / ١٨٨.\n(٦) ينظر: المجموع ٤ / ٥٢٣، وروضة الطالبين ٢ / ٢٨.","vol":"1","page":353},{"text":"الحنابلة (١) .\nالقول الثالث: يكره الكلام في هذه الحالة.\nوهو وجه عند الحنابلة (٢) .\nالأدلة:\nأدلة أصحاب القول الأول: استدلوا بالسنة، والمعقول:\nأولا: من السنة: حديث أبي هريرة - ﵁ - المشهور: «إذا قلت لصاحبك: أنصت، والإمام يخطب فقد لغوت» (٣) .\nوجه الدلالة: أن النبي - ﷺ - وصف المتكلم حال خطبة الإمام باللغو، وهذا لا ينطبق على حال جلوسه - أي الإمام - بين الخطبتين؛ لأنه لا يخطب، فيباح.\n_________\n(١) ينظر: المغني ٣ / ٢٠٠ وذكره احتمالا، والفروع وتصحيحه بهامشه ٢ / ١٢٤ - ١٢٥، والإنصاف ٢ / ٤١٧، والمبدع ٢ / ١٧٦.\n(٢) ينظر: الفروع وتصحيحه ٢ / ١٢٤ - ١٢٥؛ والإنصاف ٢ / ٤١٧، والمبدع ٢ / ١٧٦.\n(٣) تقدم تخريجه ص (٩٣) .","vol":"1","page":354},{"text":"ثانيا: من المعقول: أن الإمام بين الخطبتين غير خاطب ولا متكلم، فيباح الكلام، أشبه ما قبل الخطبة وما بعدها (١) .\nدليل أصحاب القول الثاني: أن الجلوس بين الخطبتين سكوت يسير في أثناء الخطبتين، فلا يجوز الكلام فيه، أشبه السكوت للتنفس (٢) .\nمناقشة هذا الدليل: يناقش بأنه قياس مع الفارق، فالسكوت للتنفس أقل من السكوت بين الخطبتين في العادة، وليس فيه جلوس، وهو عارض لا يعلم به الحاضر إلا بعد فوات أكثره أو جميعه، بخلاف السكوت بين الخطبتين، فلا يصح القياس.\nوأما أصحاب القول الثالث فلم أطلع على دليل لهم.\nالترجيح: الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بجواز الكلام بين الخطبتين؛ لقوة ما استدلوا به.\n_________\n(١) ينظر: المغني ٣ / ٢٠٠.\n(٢) ينظر: المغني ٣ / ٢٠٠.","vol":"1","page":355},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-93>[المسألة الثالثة حكم الكلام إذا سكت الخطيب للتنفس]</span>\nالمسألة الثالثة\nحكم الكلام إذا سكت الخطيب للتنفس اختلف الفقهاء في حكم الكلام إذا سكت الخطيب للتنفس، وذلك على قولين:\nالقول الأول: يحرم الكلام في هذه الحالة.\nوهذا هو القول المشهور عند الحنابلة (١) .\nالقول الثاني: يجوز الكلام في هذه الحالة.\nوهذا احتمال عند الحنابلة (٢) .\nالأدلة:\nدليل أصحاب القول الأول: يمكن الاستدلال لهم بأن السكوت للتنفس سكوت عارض قليل، لا يقصد به فعل شيء مشروع، ولا الفصل بين أجزاء الخطبة، والخاطب في حاله يعد مستمرا في خطبته شرعا وعرفا وحكما، فيحرم الكلام، كما لو كان الخطيب يتكلم.\n_________\n(١) ينظر: الفروع ٢ / ١٢٤، والإنصاف ٢ / ٤١٨.\n(٢) ينظر: المرجعان السابقان.","vol":"1","page":356},{"text":"دليل أصحاب القول الثاني: يمكن الاستدلال لهم بأن الخطيب في حال السكوت للتنفس ليس بمتكلم، فلا يجب الإنصات والاستماع؛ لعدم الموجب، كما هو الحال قبل الخطبة، وبعدها.\nمناقشة هذا الدليل: يناقش بأن الخطيب وإن كان لا يتكلم في حال التنفس إلا أنه في حكم المتكلم، لأنه لا يقصد السكوت باختياره، وإنما هو مجبر على السكوت العارض، وأما القياس على ما قبل الخطبة وبعد الفراغ منها فهو قياس مع الفارق؛ لأنه قبلها لم يشرع فيها، وبعدها قد فرغ، ولا يعد خاطبا في الحالين لا حقيقة ولا حكما، بخلاف حال السكوت للتنفس كما تقدم.\nالترجيح: الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بتحريم الكلام إذا سكت الخطيب للتنفس، لما ذكرت من الاستدلال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>[المسألة الرابعة حكم الكلام إذا شرع الخطيب في الدعاء]</span>\nالمسألة الرابعة\nحكم الكلام إذا شرع الخطيب في الدعاء: تقدم الكلام على مشروعية الدعاء في خطبة الجمعة، وإذا","vol":"1","page":357},{"text":"قيل بمشروعيته فدعا الخطيب فهل ينتهي وقت تحريم الكلام، فيجوز، أم لا، فيحرم كسائر أجزاء الخطبة؟ اختلف الفقهاء في ذلك على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: يحرم الكلام في حال الدعاء مطلقا.\nوهذا هو الظاهر من قول الحنفية، والمالكية، وأحد القولين للشافعية، حيث قالوا بتحريم الكلام على الحاضر حال الخطبة، ولم يستثنوا شيئا منها كما تقدم (١) .\nوهو الصحيح من المذهب عند الحنابلة (٢) .\nالقول الثاني: يجوز الكلام في حال الدعاء مطلقا.\nوهذا هو الظاهر من القول الصحيح عند الشافعية، حيث قالوا باستحباب السكوت حال الخطبة كما تقدم (٣) .\nوهو وجه عند الحنابلة (٤) .\n_________\n(١) ص (٣٠٢ - ٣٠٣) .\n(٢) ينظر: المغني ٣ / ٢٠١، والفروع ٢ / ١٢٥، والإنصاف ٢ / ٤١٨، والمبدع ٢ / ١٧٥ - ١٧٦.\n(٣) ص (٣٠٣) .\n(٤) ينظر: المغني ٣ / ٢٠٠، والفروع ٢ / ١٢٥، والإنصاف ٢ / ٤١٨، والمبدع ٢ / ١٧٦، وكشاف القناع ٢ / ٤٨.","vol":"1","page":358},{"text":"القول الثالث: يجوز إذا كان الدعاء غير مشروع، ويحرم إذا كان مشروعا.\nوهذا احتمال عند الحنابلة (١) .\nالأدلة:\nدليل أصحاب القول الأول: أن الدعاء تابع للخطبة، فيثبت له ما ثبت لها، ومن ذلك تحريم الكلام، كالتطويل في الموعظة (٢) .\nدليل أصحاب القول الثاني: أن الخطيب إذا شرع في الدعاء فقد فرغ من الخطبة وشرع في غيرها، فيجوز الكلام، أشبه ما لو نزل (٣) .\nمناقشة هذا الدليل: يناقش بعدم التسليم بفراغ الإمام من الخطبة بشروعه في الدعاء، بل لا يزال في الخطبة ويطلق عليه أنه يخطب، وأما القياس على ما بعد النزول فهو قياس مع الفارق، فما بعد النزول لا يسمى خطيبا، وينزل من المنبر ويشرع في\n_________\n(١) ينظر: المغني ٣ / ٢٠١، والإنصاف ٢ / ٤١٨، والمبدع ٢ / ١٧٦.\n(٢) ينظر: المغني ٣ / ٢٠١.\n(٣) ينظر: المغني ٣ / ٢٠٠.","vol":"1","page":359},{"text":"الصلاة، بخلاف حال الدعاء فإنه يسمى خطيبا، ولا يزال قائما على المنبر يتكلم.\nدليل أصحاب القول الثالث: استدلوا على التحريم إذا كان الدعاء مشروعا بما استدل به أصحاب القول الأول.\nواستدلوا على الجواز إذا كان الدعاء غير مشروع بأن الدعاء في هذه الحالة لا حرمة له، فلا يجب الإنصات له (١) .\nمناقشة هذا الدليل: يناقش من وجهين:\nالوجه الأول: أن عموم الأدلة الدالة على تحريم الكلام لم تفرق بين كلام وكلام، فتبقى على العموم.\nالوجه الثاني: أن المشروعية وعدمها مما تختلف فيها الآراء والاجتهادات، فقد يرى الحاضر أن ما يدعو به الإمام ليس بمشروع ويرى غيره أنه مشروع، بل واجب، ويكون الحق مع الإمام، فيقع في المحرم ويشوش على من يرى أنه مشروع.\n_________\n(١) ينظر: المغني ٣ / ٢٠١.","vol":"1","page":360},{"text":"الترجيح: الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بتحريم الكلام حال دعاء الخطيب مطلقا، لقوة ما استدلوا به، ولعموم الأدلة الدالة على تحريم الكلام على الحاضر حال الخطبة، فهي لم تفرق بين الدعاء وغيره، وبين المشروع وغيره، خاصة وأن الخطيب لا يمكن أن يدعو بشيء مجمع على عدم مشروعيته، فهذا بعيد جدا، بل قد يدعو بشيء مختلف في مشروعيته.","vol":"1","page":361},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-95>[المبحث السابع الدق بالسيف على المنبر]</span>\nالمبحث السابع\nالدق بالسيف على المنبر تقدم في مسألة اعتماد الخطيب على قوس أو عصا أو سيف بيان عدم مشروعية الاعتماد على السيف، وأنه لم يثبت عن النبي - ﷺ - (١) .\nوعلى قول من قال بمشروعيته فإنه لا يشرع الدق به على المنبر، بل قالوا: إنه بدعة (٢) .\nقال النووي: \" يكره في الخطبة أشياء، منها ما يفعله بعض جهلة الخطباء من الدق بالسيف على درج المنبر في صعوده، وهذا باطل لا أصل له، وبدعة قبيحة \" (٣) .\nالدليل: ظاهر كلامهم عدم ورود الدليل على مشروعيته، والعبادات توقيفية، وبناء عليه يستدل لهم بعموم حديث عائشة - ﵂ - المشهور: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» (٤) .\n_________\n(١) ص (٢٣٨ - ٢٤١) .\n(٢) ينظر: المجموع ٤ / ٥٢٩، وروضة الطالبين ٢ / ٣٢، ومغني المحتاج ١ / ٢٩٠، وتنبيه الغافلين لابن النحاس ص (٢٦٨)، والفروع ٢ / ١٢٢، وسبل السلام ٢ / ٥٩.\n(٣) المجموع ٤ / ٥٢٩.\n(٤) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب البيوع - باب النجش ومن قال: لا يجوز ذلك البيع ٣ / ٢٤، وفي مواضع أخر معلقا بصيغة الجزم، ووصله مسلم في كتاب الأقضية باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور ٣ / ١٢٤٤، وله ألفاظ أخرى في الصحيحين وغيرهما.","vol":"1","page":362},{"text":"وهذا العمل لا أعلم له وجودا في وقتنا الحاضر، وقد ذكرته استكمالا للبحث، ولذكر السابقين له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>[المبحث الثامن إشارة الخطيب باليد أثناء الخطبة]</span>\nالمبحث الثامن\nإشارة الخطيب باليد أثناء الخطبة قد يتحمس الخطيب أثناء إلقاء الخطبة، ويدفعه مضمون الكلام إلى الانفعال، فيدفعه ذلك إلى الإشارة باليد تعبيرا عما يتكلم عنه، وقد ذكر بعض الفقهاء أن ذلك غير مشروع، وإنما المشروع الإشارة بالإصبع (١) بل صرح بعض أهل العلم بأنه - أي رفع اليد - بدعة، وهذا إن كان بقصد، فإن كان بدون قصد فلا مؤاخذة فيه (٢) .\nالدليل على عدم المشروعية: حديث عمارة بن رويبة (٣) - ﵁ - أنه رأى بشر بن\n_________\n(١) ينظر: روضة الطالبين ٢ / ٣٣، وكشاف القناع ٢ / ٣٦.\n(٢) ينظر: تنبيه الغافلين لابن النحاس ص (٢٦٨) .\n(٣) هو عمارة بن رويبة الثقفي، أبو زهرة، من بني جشم بن ثقيف، صحابي، سكن الكوفة، وتأخر إلى بعد السبعين، روى عنه ابنه أبو بكر وأبو إسحاق السبيعي.\n (ينظر: أسد الغابة ٤ / ٤٩، وتقريب التهذيب (٤٨٤٥) .","vol":"1","page":363},{"text":"مروان (١) على المنبر رافعا يديه، فقال: «قبح الله هاتين اليدين، لقد رأيت رسول الله - ﷺ - ما يزيد على أن يقول بيده هكذا، وأشار بإصبعه المسبحة» (٢) .\nقال النووي: \" هذا فيه أن السنة أن لا يرفع اليد في الخطبة \" (٣) .\nوفيه أيضا مشروعية الإشارة بالإصبع عند ذكر الله، وأشار إلى ذلك ابن القيم - ﵀ - حيث قال في بيان هديه - ﷺ - في خطبة الجمعة: \" وكان يشير بأصبعه السبابة في خطبته عند ذكر الله تعالى. . . . \" (٤) .\n_________\n(١) هو بشر بن مروان بن الحكم بن أبي العاص القرشي، الأموي، من أمراء بني أمية، ولي إمرة البصرة والكوفة لأخيه عبد الملك سنة ٧٤ هـ، وكان سمحا جوادا، وتوفي سنة ٧٥هـ.\n (ينظر: سير أعلام النبلاء ٤ / ١٤٥، والأعلام ٢ / ٥٥) .\n(٢) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الجمعة - باب تخفيف الصلاة والخطبة ٢ / ٥٩٥ الحديث رقم (٨٧٤) .\n(٣) شرح صحيح مسلم ٦ / ١٦٢.\n(٤) زاد المعاد ١ / ٤٢٨.","vol":"1","page":364},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>[المبحث التاسع التفات الخطيب يمينا وشمالا أثناء الخطبة]</span>\nالمبحث التاسع\nالتفات الخطيب يمينا وشمالا أثناء الخطبة تقدم في الكلام على السنن أن السنة في حق الخطيب أن يقصد تلقاء وجهه أثناء الخطبة (١) .\nوقد نص بعض الفقهاء على أن الالتفات يمينا وشمالا في حقه غير مشروع، بل عده بعضهم من البدع - وإن كان ذلك فيه بعد -، وخاصة ما يفعله بعض الخطباء عند الصلاة على النبي - ﷺ - (٢) .\nقال النووي: \". . . ولا يفعل ما يفعله بعض الخطباء في هذه الأزمان من الالتفات يمينا وشمالا في الصلاة على النبي - ﷺ - ولا غيرها، فإنه باطل لا أصل له، واتفق العلماء على كراهة هذا الالتفات، وهو معدود من البدع المنكرة \" (٣) .\nوالظاهر من الكلام أن قصده بالكراهة كراهة التحريم.\n_________\n(١) ص (٢٠٨) وما بعدها.\n(٢) ينظر: الحاوي ٣ / ٥٥، والمجموع ٤ / ٥٢٨، وروضة الطالبين ٢ / ٣٢، ومغني المحتاج ١ / ٢٨٩ - ٢٩٠، والمغني ٣ / ١٧٨، وكشاف القناع ٢ / ٣٦.\n(٣) المجموع ٤ / ٥٢٨.","vol":"1","page":365},{"text":"الأدلة: أن هذا خلاف فعل النبي - ﷺ -، حيث كان يقصد تلقاء وجهه إذا قام في الخطبة (١) وقد تقدمت الأحاديث في ذلك (٢) .\nكما تقدم بعض الأدلة العقلية في عدم مشروعية الالتفات (٣) .\nوهذا - فيما يظهر لي - إذا قصد الالتفات ولم يكن هناك حاجة، أما إذا فعله بدون قصد، أو كان هناك حاجة فلا بأس كما تقدم في الإشارة باليد، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>[المبحث العاشر قول الخطيب في آخر الخطبة الأولى ادعوا الله وأنتم موقنون] </span>بالإجابة لله ونحو ذلك والمداومة عليه\n_________\n(١) ينظر: المغني ٣ / ١٧٨، وكشاف القناع ٢ / ٣٦.\n(٢) ص (٢٠٥ - ٢٠٦) .\n(٣) ص (٢٠٧) .","vol":"1","page":366},{"text":"المبحث العاشر\nقول الخطيب في آخر الخطبة الأولى: ادعوا الله وأنتم موقنون\nبالإجابة لله ونحو ذلك، والمداومة عليه اعتاد بعض الخطباء قول \" فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٥] (١) أو «ادعو الله وأنتم موقنون بالإجابة» (٢) أو «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» (٣) ونحو ذلك في آخر الخطبة الأولى من خطبتي الجمعة، والمداومة على ذلك حتى صار عند الناس كالفرض ينكرون على تاركه.\nوقد ذكر بعض أهل العلم أن ذلك - أي المداومة - من البدع (٤) .\n_________\n(١) سورة النحل، جزء من الآية رقم (٤٥) .\n(٢) أخرجه من حديث أبي هريرة - ﵁ - الترمذي في أبواب الدعاء - باب رقم (٦٦)، ٥ / ١٧٩ - ١٨٠، الحديث رقم (٣٥٤٥)، وقال: \" حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه \"، وحسنه الألباني في صحيح الجامع ١ / ١٠٨.\n(٣) أخرجه من طريق أبي عبيدة بن عبد الله عن أبيه ابن ماجه في كتاب الزهد - باب ذكر التوبة ٢ / ١٤١٩ - ١٤٢٠، الحديث رقم (٤٢٥٠) .\nوحسنه الألباني في صحيح الجامع ١ / ٥٧٨.\n(٤) ينظر: الشرح الصغير للدردير بهامش البلغة ١ / ١٨٢، والسنن والمبتدعات ص (٧٧)، ورسالة إلى الخطباء ص (٢٣) .","vol":"1","page":367},{"text":"ولكن إن قاله الخطيب في بعض الأحيان لا على أنه سنة يقوم بتطبيقها فلا بأس، والله أعلم.\nالدليل: ظاهر كلامهم أنهم يستدلون على ذلك بأن المداومة على ذلك يفهم منها أنه عمل مشروع بدليل، ولم يرد دليل على مشروعيته، والعبادات توقيفية، لا تشرع إلا بدليل.\nوقد تقدم حديث عائشة - ﵂ (١) . - الذي يعد أصلا في تحريم الابتداع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>[المبحث الحادي عشر المبالغة في الإسراع في الخطبة الثانية وخفض الصوت] </span>بها\n_________\n(١) ص (٣٦٢) .","vol":"1","page":368},{"text":"المبحث الحادي عشر\nالمبالغة في الإسراع في الخطبة الثانية، وخفض الصوت بها تقدم في السنن أن من سنن الخطبة أن يترسل فيها الخطيب ولا يعجل، وأن يرفع بها صوته قدر الإمكان، وذكرت الأدلة هناك (١) .\nوبعض الخطباء يخالف هذا في الخطبة الثانية، فيسرع، ويخفض الصوت فيها، وقد ذكر بعض الفقهاء أن ذلك من البدع، فيحرم (٢) .\nقال النووي: \" ويكره في الخطبة أمور ابتدعها الجهلة. . . ومنها: مبالغتهم في الإسراع في الخطبة الثانية \" (٣) .\nوقال: \". . . ومنها مبالغتهم في الإسراع في الخطبة الثانية، وخفض الصوت بها \" (٤) .\nوظاهر السياق أن المقصود بالكراهة كراهة التحريم.\n_________\n(١) ص (٢٤٥) .\n(٢) ينظر: المجموع ٤ / ٥٢٩، وروضة الطالبين ٢ / ٣٣، ومغني المحتاج ١ / ٢٩٠، وتنبيه الغافلين ص (٢٦٨) .\n(٣) روضة الطالبين ٢ / ٣٣.\n(٤) المجموع ٤ / ٥٢٩.","vol":"1","page":369},{"text":"الدليل: ظاهر كلامهم الاستدلال بأن ذلك خلاف هدي النبي - ﷺ - الذي تقدم بيانه في السنن (١) وحكم الخطبتين واحد، بل قال بعض الفقهاء: إنه يسن رفع الصوت بالخطبة الثانية أكثر من الأولى (٢) وهذا أيضا لا دليل عليه.\n_________\n(١) ص (٢٦٨) وما بعدها.\n(٢) ينظر ذلك في الفتاوى الهندية ١ / ١٤٧.","vol":"1","page":370},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-100>[المبحث الثاني عشر رفع اليدين حال الدعاء في الخطبة]</span>\nالمبحث الثاني عشر\nرفع اليدين حال الدعاء في الخطبة تقدم الكلام على الدعاء في خطبة الجمعة، وأن أقل الأقوال فيه السنية، وهو ما ظهر رجحانه (١) .\nوقد اختلف الفقهاء في حكم رفع اليدين أثناء هذا الدعاء، وذلك على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أنه مكروه في غير دعاء الاستسقاء، والمشروع الإشارة بالإصبع.\nوهذا هو الصحيح من الوجهين عند الحنابلة (٢) .\nوهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - حيث جاء في الاختيارات: \" ويكره للإمام رفع يديه حال الدعاء في الخطبة، وهو أصح الوجهين لأصحابنا \" (٣) .\nالقول الثاني: أنه بدعة في غير دعاء الاستسقاء، والمشروع الإشارة بالإصبع.\n_________\n(١) ص (٣٥٧) وما بعدها.\n(٢) ينظر: الفروع ٢ / ١١٩، والإنصاف ٢ / ٣٩٨، وكشاف القناع ٢ / ٣٧، واختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية ص (٨٠) .\n(٣) الاختيارات ص (٨٠) .","vol":"1","page":371},{"text":"وهذا منسوب إلى أكثر المالكية، والشافعية (١) وبه قال بعض الحنابلة (٢) .\nالقول الثالث: أنه مباح مطلقا.\nوهذا منسوب إلى بعض المالكية (٣) وبه قال بعض الحنابلة (٤) .\nالأدلة:\nأدلة أصحاب القول الأول: أولا: استدلوا على الكراهة في غير دعاء الاستسقاء ومشروعية الإشارة بالإصبع بما يلي:\n١ - ما روي عن عمارة بن رؤيبة - ﵁ - «أنه رأى بشر بن مروان على المنبر رافعا يديه فقال: (قبح الله هاتين اليدين، لقد رأيت رسول الله - ﷺ - ما يزيد\n_________\n(١) نسبه إليهم - أي إلى أكثر المالكية، والشافعية - ابن مفلح في الفروع ٢ / ١١٩، والبهوتي في الكشاف ٢ / ٣٧، ونسب إليهم النووي في شرح صحيح مسلم ٦ / ١٦٢ القول بأن السنة ألا يرفع اليد، ولم يصرح بالبدعة.\n(٢) ومن أشهر من قال بذلك منهم المجد كما في الفروع ٢ / ١١٩، والإنصاف ٢ / ٣٩٨.\n(٣) نسبه إليهم النووي في شرح صحيح مسلم ٦ / ١٦٢.\n(٤) ينظر: الفروع ٢ / ١١٩، والإنصاف ٢ / ٣٩٨.","vol":"1","page":372},{"text":"على أن يقول بيده هكذا، وأشار بإصبعه المسبحة» (١) .\n٢ - ما رواه سهل بن سعد - ﵁ - قال: «ما رأيت رسول الله - ﷺ - شاهرا يديه قط يدعو على منبره ولا على غيره، ولكن رأيته يقول هكذا، وأشار بالسبابة، وعقد الوسطى والإبهام» (٢) .\nقال في نيل الأوطار: \" والحديثان المذكوران في الباب يدلان على كراهة رفع الأيدي على المنبر حال الدعاء. . . \" (٣) وقال ابن القيم - ﵀ - عن الإشارة بالإصبع: \" وكان يشير بإصبعه السبابة في خطبته عند ذكر الله تعالى ودعائه \" (٤) .\nثانيا: واستدلوا على عدم الكراهة في دعاء الاستسقاء بما يلي:\nما رواه أنس بن مالك - ﵁ - قال: «أصابت الناس سنة على عهد رسول الله - ﷺ - فبينما\n_________\n(١) سبق تخريجه ص (٣٦٣) .\n(٢) أخرجه أبو داود في سننه في كتاب الصلاة - باب رفع اليدين على المنبر ١ / ٢٨٩، الحديث رقم (١١٠٥)، وقال الألباني في إرواء الغليل ٣ / ٧٧: \" بإسناد حسن \".\n(٣) ينظر: نيل الأوطار ٣ / ٢٧١.\n(٤) زاد المعاد ١ / ٤٢٨.","vol":"1","page":373},{"text":"النبي - ﷺ - يخطب في يوم الجمعة قام أعرابي فقال: يا رسول الله، هلك المال وجاع العيال، فادع الله لنا، فرفع يديه، وما نرى في السماء قزعة، فوالذي نفسي بيده ما وضعها حتى ثار السحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته - ﷺ -، فمطرنا يومنا ذلك، ومن الغد، وبعد الغد، والذي يليه حتى الجمعة الأخرى، وقام ذلك الأعرابي، أو قال: غيره، فقال: يا رسول الله، تهدم البناء، وغرق المال، فادع الله لنا، فرفع يده فقال: اللهم حوالينا ولا علينا، فما يشير بيده في ناحية من السحاب إلا انفرجت وصارت المدينة مثل الجوبة، وسال الوادي قناة شهرا، ولم يجئ أحد من ناحية إلا حدث بالجود» (١) .\nوهذا واضح الدلالة.\nأدلة أصحاب القول الثاني: أولا: استدلوا على البدعية في غير دعاء الاستسقاء ومشروعية الإشارة بالإصبع بحديث عمارة بن رويبة - ﵁ - الذي استدل به أصحاب القول الأول، حيث شدد عمارة\n_________\n(١) سبق تخريجه ص (٣٢١) .","vol":"1","page":374},{"text":"في إنكاره على بشر بقوله: \" قبح الله هاتين اليدين \"، ثم ذكر حال النبي - ﷺ -، والإنكار بهذه الصيغة لا يكون إلا على فعل أمر شديد الحرمة يصل إلى حد البدعة.\nمناقشة هذا الاستدلال: يناقش بأن الحجة في الحديث هي فعل النبي - ﷺ - لا في قول عمارة - ﵁ -، وقد ورد عن النبي - ﷺ - في حديث أنس - ﵁ - رفع اليدين في الاستسقاء في خطبة الجمعة وقد عممه بعض الفقهاء في القول الثالث فقالوا بالجواز مطلقا، فلذلك يبعد القول بالبدعية.\nثانيا: واستدلوا على القول بالجواز في حال الاستسقاء بما استدل به أصحاب القول الأول من حديث أنس بن مالك - ﵁ -.\nدليل أصحاب القول الثالث: استدلوا بحديث أنس بن مالك - ﵁ - الذي استدل به أصحاب القولين الأول والثاني على الجواز في حال دعاء الاستسقاء، فحملوه على العموم في الاستسقاء وغيره، فقالوا","vol":"1","page":375},{"text":"بالجواز مطلقا (١) .\nمناقشة هذا الاستدلال: نوقش بأن هذا الرفع كان لعارض الاستسقاء (٢) فيختص بهذه الحالة، حيث لم يرد رفعه في غيرها.\nالترجيح: الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بكراهة رفع اليدين حال الدعاء في خطبة الجمعة في غير الاستسقاء، لما استدلوا به، ويبعد القول بالبدعة لحديث أنس - ﵁ - الذي قال بعض الفقهاء بعمومه، ولما جاء في بعض الأحاديث من رفع اليدين حال الدعاء في بعض الأحوال في غير خطبة الجمعة، فكأن أصحاب القول الأول توسطوا في المسألة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>[المبحث الثالث عشر ختم الخطبة الثانية بقوله تعالى إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ] </span>بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ. . . والمداومة عليه\n_________\n(١) ينظر: شرح النووي على صحيح مسلم ٦ / ١٦٢.\n(٢) ينظر المرجع السابق.","vol":"1","page":376},{"text":"المبحث الثالث عشر\nختم الخطبة الثانية بقوله - تعالى -: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] والمداومة عليه دأب كثير من الخطباء على ختم الخطبة الثانية بقول الله - تعالى -: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠] (١) والمداومة على ذلك.\nوقد ذكر بعض الفقهاء أن أول من قرأ ذلك عمر بن عبد العزيز (٢) - ﵀ - بدلا عما كان يختم به بنو أمية خطبتهم (٣) .\nوقال بعض الفقهاء: إن ذلك غير مشروع (٤) بل عده البعض من البدع (٥) وهذا فيه نظر.\n_________\n(١) سورة النحل، الآية (٩٠) .\n(٢) عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص الأموي، أمير المؤمنين، يكنى بأبي حفص، ولي إمرة المدينة للوليد، وكان مع سليمان كالوزير، وولي الخلافة بعده، وكان زاهدا عادلا ورعا، مات في رجب سنة ١٠١ هـ، وله أربعون سنة.\n (ينظر: طبقات ابن سعد ٥ / ٣٣٠، وسير أعلام النبلاء ٥ / ١١٤) .\n(٣) وممن ذكره الصاوي في بلغة السالك ١ / ١٨١.\n(٤) ينظر المرجع السابق.\n(٥) ومنهم الشقيري في السنن والمبتدعات ص (٧٨) .","vol":"1","page":377},{"text":"الدليل: أن عمل أهل المدينة على خلاف ذلك، فلا يشرع (١) .\nمناقشة هذا الدليل: يناقش بأن عمل أهل المدينة ليس حجة تبنى عليه الأحكام على القول الراجح من قولي أهل العلم (٢) فلا يصح الاحتجاج به.\nكما يمكنهم الاستدلال لذلك بأن النبي - ﷺ - كان يختم خطبته بالاستغفار كما تقدم في السنن (٣) وممن ذكر ذلك ابن القيم - ﵀ -.\n- ومع ذلك فقد تناقل علماء الدعوة السلفية من آل الشيخ وتلامذتهم - رحم الله الجميع - في نجد الختم بذلك، ولا شك أن لهم مستندا فيه وإن كنتُ لم أطلع عليه رغم البحث الطويل، كما أن الآية تشتمل على أوامر ونواهي عظيمة تفيد السامعين، ولا أستطيع البت في المسألة بحكم؛ لعدم اطلاعي على دليل ظاهر، والله أعلم.\n_________\n(١) ينظر: بلغة السالك ١ / ١٨١.\n(٢) ينظر: أصول السرخسي ١ / ٣١٤، والإحكام للآمدي ١ / ٢٤٣، والعدة في أصول الفقه للقاضي أبي يعلى ٤ / ١١٤٢، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب ٣ / ٢٧٣.\n(٣) ص (٢٨٤) وما بعدها.","vol":"1","page":378},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-102>[الخاتمة]</span>\nالخاتمة الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، أحمده وأشكره على توفيقه في البدء والختام، وأصلي وأسلم على خير الأنام نبينا محمد وعلى آله وصحبه الكرام.\nأما بعد، فلا يخفى أن كل باحث يطرق موضوعا لا بد أن يتوصل فيه إلى بعض النتائج، وقد توصلت في هذا البحث إلى نتائج كثيرة، منها ما هو عام، ومنها ما هو خاص، ومن أبرزها ما يلي:\nأولا: من أبرز النتائج العامة: ١ - أن أكثر الأدلة التي استدل بها الفقهاء على خطبة الجمعة وأحكامها أفعال مجردة، وأفعال النبي - ﷺ - المجردة لا تدل على الوجوب، وإنما على الاستحباب كما هو معلوم في أصول الفقه، ولذلك ترجح في أكثر المسائل السنية، حتى فيما يعتبره كثير من الفقهاء شروطا وأركانا؛ لأن القول بالشرط والركن لا بد أن يعتمد على أدلة صحيحة وصريحة؛ لما يترتب عليه من بطلان الخطبة بفقده، وبطلان الصلاة بناء عليه؛ لأن الخطبة شرط لصحتها.","vol":"1","page":379},{"text":"٢ - أن أعظم المقاصد الشرعية من خطبة الجمعة هو الوعظ والتذكير، بما فيه صلاح الفرد والمجتمع في الدنيا والآخرة، فيجب أن تدور حوله الخطبة.\n٣ - عند تطبيق هذه الأحكام على واقع كثير من الخطب اليوم يتضح وجود تقصير واضح، وسنن مهجورة، وأخطاء ظاهرة.\nثانيا: ومن أبرز النتائج الخاصة: ١ - أن خطبة الجمعة شرط لصحة الصلاة، وأن الشرط خطبتان، لا خطبة واحدة.\n٢ - أنه يشترط لخطبة الجمعة: النية، وحضور جماعة يتحقق بهم المقصود من الوعظ والتذكير - وإن لم يكونوا بالعدد الذي تنعقد به الجمعة - للقدر الواجب من الخطبة، وأن تكون بعد دخول وقت الجمعة وهو زوال الشمس إن لم تكن حاجة في بعض الأحيان وإلا جازت في الساعة الخامسة أو السادسة، وأن تقدم على الصلاة، والقيام مع القدرة، والجهر بها، وأن تكون باللغة العربية للقادر عليها ما لم يكن السامعون جميعا غير عرب فتجزئ بلغتهم، والموالاة بين أجزائها، وبينها وبين الصلاة.\n٣ - أنه ليس لخطبة الجمعة أركان معينة بعينها، بل تحصل بما يطلق عليه خطبة في العرف، ويحصل به مقصودها الشرعي وهو","vol":"1","page":380},{"text":"الوعظ والتذكير، فلا يعد الحمد لله، والصلاة على النبي - ﷺ - وقراءة شيء من القرآن أركانا، بل هي سنن، وأما الموعظة فهي ركن لكونها المقصود الشرعي الأعظم من الخطبة كما أسلفت.\nوأقل مقدار لقراءة القرآن هو ما يستقل بمعنى، سواء كان آية أو أقل، ويباح قراءة ما فيه آية سجود في الخطبة.\nكما يسن ترتيب الأمور الأربعة المتقدمة، وهي أركان في كل من الخطبتين عند من قال بركنيتها.\n٤ - أنه لا يشترط لخطبة الجمعة الطهارة من الحدثين الأصغر والأكبر، ولا ستر العورة وإزالة النجاسة، ولا الجلسة بين الخطبتين، بل يسن ذلك لها، ومقدار الجلسة بقدر قراءة سورة الإخلاص.\nكما يسن لها التجمل بلبس أحسن الثياب، والأفضل البياض، وأن تكون على منبر أو موضع عال، والسنة كون المنبر على يمين المحراب، ويقف الخطيب على الدرجة التي تلي المستراح، وأن يستقبل الخطيب الناس بوجهه، ويقصد تلقاء وجهه ولا يلتفت، وأن يستقبل الناس الخطيب ما لم يكن هناك حرج ومشقة، وأن يسلم على من حوله إذا دخل وقبل أن يصعد المنبر، ويسلم على الناس إذا صعد المنبر واستقبلهم، وأن يجلس","vol":"1","page":381},{"text":"على المنبر حتى يفرغ المؤذن، وأن يعتمد على قوس أو عصا ونحوهما، ولا يشرع الاعتماد على السيف، ويكون بما شاء من يديه، فإن لم يعتمد على شيء فهو بالخيار بين إمساك يده الشمال باليمين أو يرسلهما، وأن يرفع صوته بالخطبة زيادة على القدر الواجب وحسب الطاقة.\n٥ - أنه يسن في خطبة الجمعة التقصير، وتكون الثانية أقصر من الأولى، وأن تكون فصيحة بليغة مؤثرة مرتبة، وأن يقرأ فيها سورة (ق) في أكثر الأحيان، وأن يدعو للمسلمين في الثانية، وأن يدعو لولاة أمور المسلمين عامة، ولولي أمر البلد بعينه ما لم يأمر بذلك فيجب، وأن يختم الثانية بالاستغفار.\n٦ - أن على الخطيب في الجمعة الاعتناء بإعداد الخطبة وعدم الاعتماد على دواوين قديمة أو نحو ذلك، وألا يخرجها عن مقصودها الشرعي من الوعظ والتذكير والثناء على الله وتمجيده، والحث على طاعته والتحذير من معصيته إلى غير ذلك، ولا تشرع له تحية المسجد عند دخوله، ولا الدعاء عند صعود المنبر وقبل جلوسه للأذان بل هو بدعة، ولا يشرع له الخطبة من صحيفة إن أحسن بدونها.\nولا يجوز للخطيب الكلام بغير الخطبة إلا لمصلحة، كما لا يجوز الكلام للحاضر إلا مخاطبة الإمام لحاجة سواء سمع الخطبة أم","vol":"1","page":382},{"text":"لا، حتى رد السلام وتشميت العاطس، وأما الصلاة على النبي - ﷺ - إذا ذكره الخطيب والتأمين على الدعاء فيجوز سرا، ويستثنى من التحريم ما كان لأمر واجب ناجز كتحذير ضرير ونحوه، ويجوز الكلام بعد دخول الخطيب وقبل الشروع في الخطبة، وبين الخطبتين وبعدها وقبل الصلاة، ولا يجوز حال التنفس والدعاء.\nولا يشرع للخطيب الدق بالسيف على المنبر، ولا قصد الإشارة باليد أثناء الخطبة بل بالإصبع، ولا قصد الالتفات يمينا وشمالا في أثنائها، ولا المداومة على قوله في آخر الأولى: \" ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة \" ونحو ذلك، ولا المبالغة في الإسراع في الخطبة الثانية وخفض الصوت بها، كما لا يشرع رفع اليدين حال الدعاء في الخطبة إلا في الاستسقاء.\nوآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.","vol":"1","page":383},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>[فهرس المصادر والمراجع]</span>\nخامسا: فهرس المصادر والمراجع أولا: كتب التفسير: ١ - أحكام القرآن لابن العربي: أبي بكر محمد بن عبد الله، تحقيق: علي محمد البجاوي، دار المعرفة (بيروت - لبنان) .\n٢ - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: أبي عبد الله محمد الأنصاري، دار إحياء التراث العربي، (بيروت - لبنان) .\n٣ - جامع البيان في تفسير القرآن للطبري: أبي جعفر محمد بن جرير، الطبعة الرابعة، دار المعرفة، (بيروت - لبنان) .\nثانيا: كتب الحديث وعلومه: ٤ - إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل / للشيخ ناصر الدين الألباني، إشراف: زهير الشاويش، الطبعة الأولى ١٣٩٩ هـ، المكتب الإسلامي.\n٥ - إعلاء السنن للتهانوي، ظفر أحمد العثماني، الناشر إدارة القرآن والعلوم الإسلامية (كراتشي - باكستان) .\n٦ - بلوغ المرام من أدلة الأحكام لابن حجر: أحمد بن علي بن حجر تصحيح وتعليق: محمد حامد الفقي، دار البخاري - القصيم، الطبعة الأولى ١٤٠٩ هـ.\n٧ - تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير لابن حجر: أحمد بن علي بن محمد، مطبوع بحاشية المجموع للنووي، الناشر: دار الفكر (بيروت - لبنان) .\n٨ - الجوهر النقي لابن التركماني: علاء الدين علي بن عثمان،","vol":"1","page":397},{"text":"مطبوع بحاشية السنن الكبرى للبيهقي، الناشر: دار الفكر، (بيروت - لبنان) .\n٩ - سبل السلام شرح بلوغ المرام للصنعاني: محمد بن إسماعيل، الطبعة الرابعة ١٣٧٩ هـ، دار إحياء التراث العربي (بيروت - لبنان) .\n١٠ - سنن الترمذي، ويسمى الجامع الصحيح للترمذي: أبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة، تحقيق وتصحيح: عبد الوهاب عبد اللطيف، الطبعة الثانية ١٤٠٣ هـ، دار الفكر (بيروت - لبنان)، الناشر: دار الكتب العلمية، (بيروت - لبنان) .\n١١ - سنن الدارقطني للدارقطني: علي بن عمر، طبعة سنة ١٣٨٦هـ الناشر: عبد الله هاشم يماني المدني بالمدينة المنورة.\n١٢ - سنن أبي داود لأبي داود: سليمان بن الأشعث السجستاني، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار إحياء التراث العربي، (بيروت - لبنان) .\n١٣ - السنن الكبرى للبيهقي: أبي بكر أحمد بن الحسين بن علي، دار الفكر، (بيروت - لبنان) .\n١٤ - سنن ابن ماجه لابن ماجه: محمد بن يزيد القزويني، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، الناشر: دار الفكر، (بيروت - لبنان) .\n١٥ - سنن النسائي: للنسائي: أحمد بن شعيب، ترقيم وفهرسة عبد الفتاح أبو غدة، الطبعة الأولى المفهرسة ١٤٠٦ هـ، طبع دار البشائر الإسلامية (بيروت - لبنان)، الناشر: مكتبة المطبوعات الإسلامية (حلب - سورية) .\n١٦ - شرح النووي على صحيح مسلم للنووي: أبي زكريا يحيى بن شرف، دار الفكر (بيروت - لبنان) .","vol":"1","page":398},{"text":"١٧ - صحيح البخاري للبخاري: أبي عبد الله محمد بن إسماعيل، طبعت بالأفست عن طبعة دار الكتب العامرة باستانبول، الناشر: دار الكتب العلمية (بيروت - لبنان) .\n١٨ - صحيح سننابن ماجه للألباني: محمد ناصر الدين، إشراف زهير الشاويش، الطبعة الثالثة ١٤٠٨ هـ، المكتب الإسلامي بيروت، الناشر: مكتب التربية العربي لدول الخليج العربي بالرياض.\n١٩ - صحيح مسلم لأبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، الطبعة الثانية ١٣٩٢ هـ، الناشر: دار إحياء التراث العربي (بيروت - لبنان) .\n٢٠ - عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي لابن العربي: أبي بكر محمد بن عبد الله، دار الكتب العلمية (بيروت - لبنان) .\n٢١ - فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر: أحمد بن علي العسقلاني، تصحيح سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الناشر دار المعرفة (بيروت - لبنان) .\n٢٢ - الكتاب المصنف في الأحاديث والآثار لابن أبي شيبه: أبي بكر عبد الله بن محمد، تحقيق: عامر العمري الأعظمي، الناشر: مختار أحمد الندوي السلفي، الدار السلفية (بومباي - الهند) .\n٢٣ - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للهيثمي: علي بن أبي بكر، الناشر دار الكتاب العربي، (بيروت - لبنان) .\n٢٤ - المراسيل لأبي داود: سليمان بن الأشعث السجستاني، مراجعة وفهرسة د. يوسف عبد الرحمن المرعشلي، مطبوع مع سلسلة الذهب فيما رواه الإمام الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر، الطبعة الأولى ١٤٠٦هـ، دار المعرفة (بيروت - لبنان) .","vol":"1","page":399},{"text":"٢٥ - المستدرك على الصحيحين في الحديث للحاكم: أبي عبد الله محمد بن عبد الله النيسابوري، دار الفكر (بيروت - لبنان) .\n٢٦ - المصنف لأبي بكر عبد الرزاق بن همام الصنعاني، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، الطبعة الثانية ١٤٠٣ هـ، طبع المجلس العلمي بجوهانسبرج - جنوب أفريقيا، وكراتشي - باكستان، وسملك - الهند توزيع المكتب الإسلامي.\n٢٧ - المنتقى شرح موطأ مالك للباجي: أبي الوليد سليمان بن خلف، الطبعة الأولى ١٣١٤ هـ، مطبعة السعادة بمصر.\n٢٨ - الموطأ / للإمام مالك بن أنس، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، الناشر: دار إحياء التراث العربي (بيروت - لبنان) .\n٢٩ - نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار للشوكاني: محمد بن علي، دار القلم (بيروت - لبنان) .\nثالثا: كتب الفقه:\nكتب الفقه الحنفي: ٣٠ - بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكاساني: علاء الدين أبي بكر بن مسعود، الطبعة الثانية ١٤٠٢ هـ، الناشر: دار الكتاب العربي (بيروت - لبنان) .\n٣١ - تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق للزيلعي: فخر الدين عثمان بن علي، الطبعة الثانية، الناشر دار المعرفة (بيروت - لبنان) .\n٣٢ - حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح للطحطاوي: أحمد بن محمد بن إسماعيل، الطبعة الثالثة، المطبعة الكبرى الأميرية ببولاق سنة ١٣١٨ هـ، الناشر دار إحياء التراث العربي (بيروت - لبنان) .","vol":"1","page":400},{"text":"٣٣ - الحجة على أهل المدينة لمحمد بن حسن الشيباني، الطبعة الثانية ١٤٠٣هـ، الناشر عالم الكتب.\n٣٤ - فتاوى قاضيخان لحسن الأوزجندي، مطبوع بهامش الجزء الأول والثاني والثالث من الفتاوى الهندية، الطبعة الثالثة ١٤٠٠ هـ، الناشر دار إحياء التراث العربي (بيروت - لبنان) .\n٣٥ - الفتاوى الهندية / للشيخ نظام ومجموعة من علماء الهند، الطبعة الثالثة ١٤٠٠ هـ، الناشر دار إحياء التراث العربي (بيروت - لبنان) .\n٣٦ - فتح القدير لابن الهمام: كمال الدين محمد بن عبد الواحد، الناشر دار إحياء التراث العربي (بيروت - لبنان) .\n٣٧ - المبسوط للسرخسسي: شمس الدين محمد بن أحمد، الطبعة الثالثة ١٣٩٨ هـ، الناشر دار المعرفة (بيروت - لبنان) .\n٣٨ - مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر لدماد أفندي: عبد الله بن محمد بن سليمان، الناشر دار إحياء التراث العربي (بيروت - لبنان) .\n٣٩ - مختصر الطحاوي للطحاوي: أبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة، تحقيق أبي الوفاء الأفغاني، الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ، الناشر دار إحياء العلوم (بيروت - لبنان) .\n٤٠ - مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح للشرنبلالي: حسن بن عمار بن علي، دار المعرفة (بيروت - لبنان) .\n٤١ - الهداية شرح بداية المبتدي للمرغيناني: أبي الحسن علي بن أبي بكر، الطبعة الثانية ١٣٩٧هـ، الناشر: دار الفكر (بيروت - لبنان) .\nكتب الفقه المالكي: ٤٢ - الإشراف على مذاهب الخلاف / للقاضي عبد الوهاب بن علي بن نصر البغدادي، مطبعة الإدارة.","vol":"1","page":401},{"text":"٤٣ - بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد: أبي الوليد محمد بن أحمد الطبعة الرابعة ١٣٩٨ هـ، الناشر دار المعرفة (بيروت - لبنان) .\n٤٤ - بلغة الطالب لأقرب المسالك للصاوي: أحمد بن محمد، الناشر دار المعرفة (بيروت - لبنان) ١٣٩٨ هـ.\n٤٥ - البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل في مسائل المستخرجة لأبي الوليد بن رشد القرطبي، تحقيق الأستاذ أحمد الجبابي وغيره، طبع دار الغرب الإسلامي (بيروت - لبنان) ١٤٠٥ هـ.\n٤٦ - التاج والإكليل لمختصر خليل للمواق: محمد بن يوسف العبدري مطبوع بهامش مواهب الجليل، الطبعة الثانية ١٣٩٨ هـ، الناشر دار الفكر (بيروت - لبنان) .\n٤٧ - التفريع لابن الجلاب: أبي القاسم عبيد الله بن الحسين بن الحسن دراسة وتحقيق د حسين بن سالم الدهمان، الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ دار الغرب الإسلامي (بيروت - لبنان) .\n٤٨ - جواهر الإكليل شرح مختصر الخليل للآبي: صالح بن عبد السميع، الناشر دار الفكر (بيروت - لبنان) .\n٤٩ - حاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدسوقي: شمس الدين محمد بن عرفة، الناشر دار الفكر (بيروت - لبنان) .\n٥٠ - الشرح الصغير على مختصر خليل للدردير: أحمد بن محمد، مطبوع بهامش بلغة السالك، الناشر دار المعرفة (بيروت - لبنان) .\n٥١ - الشرح الكبير على مختصر خليل للدردير: أحمد بن محمد، مطبوع بهامش حاشية الدسوقي، الناشر دار الفكر (بيروت - لبنان) .\n٥٢ - الفواكه الدواني للنفراوي: أحمد بن غنيم بن سالم، الناشر دار المعرفة (بيروت - لبنان) .","vol":"1","page":402},{"text":"٥٣ - القوانين الفقهية لابن جزي: محمد بن أحمد، الدار العربية للكتاب، ليبيا - تونس.\n٥٤ - الكافي في فقه أهل المدينة لابن عبد البر: أبي عمر يوسف بن عبد الله، تحقيق محمد محمد أحيد ولد ماديك الموريتاني، الطبعة الأولى ١٣٩٨ هـ، الناشر مكتبة الرياض الحديثة بالرياض.\n٥٥ - المدونة الكبرى / للإمام مالك بن أنس، رواية سحنون التنوخي، تصوير الطبعة الأولى، مطبعة السعادة. بمصر ١٣٢٣ هـ، الناشر دار صادر (بيروت - لبنان) .\n٥٦ - مواهب الجليل شرح مختصر خليل للحطاب: أبي عبد الله محمد بن محمد، الطبعة الثانية ١٣٩٨ هـ، دار الفكر (بيروت - لبنان) .\nكتب الفقه الشافعي: ٥٧ - الأم / للإمام الشافعي: أبي عبد الله محمد بن إدريس، الطبعة الثانية، الناشر دار المعرفة (بيروت - لبنان) .\n٥٨ - الحاوي الكبير للماوردي: أبي الحسن علي بن محمد بن حبيب، تحقيق د محمود مطرجي ومن معه، الناشر دار الفكر (بيروت - لبنان) ١٤١٤ هـ.\n٥٩ - حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء للشاشي القفال: أبي بكر محمد بن أحمد، تحقيق د ياسين أحمد إبراهيم درادكة، الطبعة الأولى ١٩٨٨ م، الناشر مكتبة الرسالة الحديثة (عمان - الأردن) .\n٦٠ - روضة الطالبين وعمدة المفتين للنووي: أبي زكريا يحيى بن شرف، المكتب الإسلامي (بيروت - لبنان) .\n٦١ - فتح العزيز شرح الوجيز للرافعي: أبي القاسم عبد الكريم بن محمد، مطبوع بحاشية المجموع للنووي، دار الفكر (بيروت - لبنان) .","vol":"1","page":403},{"text":"٦٢ - المجموع شرح المهذب للنووي: أبي زكريا يحيى بن شرف الناشر دار الفكر (بيروت - لبنان) .\n٦٣ - مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج لمحمد الخطيب الشربيني، الناشر دار الفكر (بيروت - لبنان) .\n٦٤ - المهذب في فقه الإمام الشافعي للشيرازي: أبي إسحاق إبراهيم بن علي الفيروزآبادي، مطبوع مع شرحه المجموع، الناشر دار الفكر (بيروت - لبنان) .\n٦٥ - الوجيز في فقه الإمام الشافعي لأبي حامد الغزالي، الناشر دار المعرفة (بيروت - لبنان) .\nكتب الفقه الحنبلي: ٦٦ - الاختيارات الفقهية من فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية اختارها علاء الدين أبو الحسن علي بن محمد البعلي، تحقيق: محمد حامد الفقي، الناشر دار المعرفة (بيروت - لبنان) .\n٦٧ - الإفصاح عن معاني الصحاح لابن هبيرة: أبي المظفر يحيى بن محمد، طبع ونشر المؤسسة السعيدية بالرياض.\n٦٨ - الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام المبجل أحمد بن حنبل للمرداوي: علاء الدين أبي الحسن على بن سليمان تصحيح وتحقيق: محمد الفقي، الطبعة الأولى ١٣٧٦ هـ، دار إحياء التراث العربي (بيروت - لبنان) .\n٦٩ - تصحيح الفروع للمرداوي: علاء الدين أبي الحسن علي بن سليمان، مطبوع بحاشية الفروع لابن مفلح، الطبعة الثالثة ١٤٠٢ هـ عالم الكتب (بيروت - لبنان) .","vol":"1","page":404},{"text":"٧٠ - التمام لما صح في الروايتين والثلاث والأربع عن الإمام. . . للقاضي أبي الحسن: محمد بن محمد بن الحسين، تحقيق د عبد الله بن محمد الطيار، ود عبد العزيز بن محمد المدالله (الحجيلان)، الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ، دار العاصمة بالرياض.\n٧١ - رؤوس المسائل الخلافية بين جمهور الفقهاء للعكبري: أبي المواهب الحسين بن محمد، تحقيق خالد بن سعد الخشلان (رسالة دكتوراه) مطبوعة بالحاسب الآلي.\n٧٢ - زاد المعاد في هدي خير العباد لابن القيم: أبي عبد الله محمد بن أبي بكر الزرعي الدمشقي، تحقيق شعيب وعبد القادر الأرنؤوط، الطبعة الثانية ١٤٠١ هـ، الناشر مؤسسة الرسالة (بيروت - لبنان) .\n٧٣ - شرح الزركشي على مختصر الخرقي للزركشي: محمد بن عبد الله تحقيق الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرينطبع شركة العبيكان بالرياض.\n٧٤ - الشرح الكبير على المقنع لابن قدامة: أبي الفرج عبد الرحمن بن محمد المقدسي، مطبوع بحاشية المغني، دار الكتاب العربي (بيروت - لبنان) .\n٧٥ - الشرح الممتع على زاد المستنقع للشيخ محمد بن صالح العثيمين، جمع وترتيب وتخريج د سليمان بن عبد الله أباالخيل، ود خالد بن علي المشيقح، الطبعة الأولى ١٤١٦هـ، مؤسسة آسام بالرياض.\n٧٦ - شرح منتهى الإرادات للبهوتي: منصور بن يونس، عالم الكتب (بيروت - لبنان) .\n٧٧ - فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، جمع وترتيب وتحقيق محمد بن عبد الرحمن بن قاسم، الطبعة الأولى","vol":"1","page":405},{"text":"١٣٩٩ - هـ، مطبعة الحكومة بمكة المكرمة.\n٧٨ - الفتاوى السعدية / للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي، نشر المؤسسة السعيدية بالرياض.\n٧٩ - فتاوى فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين، الجزء الأول، سلسلة كتاب الدعوة، رقم (٤) مؤسسة الدعوة الإسلامية الصحفية.\n٨٠ - الفروع لابن مفلح: شمس الدين أبي عبد الله محمد بن مفلح، مراجعة عبد الستار أحمد فراج، الطبعة الثالثة، عالم الكتب (بيروت - لبنان) .\n٨١ - الكافي في فقه الإمام المبجل أحمد بن حنبل لابن قدامة: موفق الدين أبي محمد عبد الله بن أحمد بن محمد، الطبعة الثانية، طبع ونشر المكتب الإسلامي (بيروت - لبنان) .\n٨٢ - كشاف القناع عن متن الإقناع للبهوتي: منصور بن يونس، عالم الكتب (بيروت - لبنان) .\n٨٣ - المبدع في شرح المقنع لابن مفلح: أبي إسحاق برهان الدين إبراهيم بن محمد بن عبد الله، الطبعة الأولى، طبع ونشر المكتب الإسلامي (بيروت - لبنان) .\n٨٤ - مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية / جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد بن قاسم النجدي وابنه محمد، طبع إدارة المساحة العسكرية بالقاهرة، ١٤٠٤ هـ، توزيع الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية.\n٨٥ - المحرر في الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل للشيخ مجد الدين أبي البركات ابن تيمية، الناشر دار الكتاب العربي (بيروت - لبنان) .","vol":"1","page":406},{"text":"٨٦ - المستوعب للسامري: نصير الدين محمد بن عبد الله، دراسة وتحقيق: د مساعد بن قاسم الفالح، الطبعة الأولى ١٤١٣ هـ، الناشر مكتبة المعارف بالرياض.\n٨٧ - المغني على مختصر الخرقي لابن قدامة: موفق الدين أبي محمد عبد الله بن أحمد بن محمد، تحقيق د عبد الله بن عبد المحسن التركي، ود عبد الفتاح محمد الحلو، الطبعة الأولى ١٤٠٧ هـ، هجر للطباعة والنشر، بالقاهرة.\n٨٨ - الهداية لأبي الخطاب: محفوظ بن أحمد الكلوذاني، تحقيق إسماعيل الأنصاري، وصالح السليمان العمري، مراجعة ناصر السليمان العمري، الطبعة الأولى ١٣٩٠ هـ، طبع في مطابع القصيم.\nكتب الفقه الظاهري: ٨٩ - المحلى لابن حزم: أبي محمد علي بن أحمد بن سعيد، تحقيق لجنة إحياء التراث العربي في دار الآفاق الجديدة، الناشر دار الآفاق الجديدة (بيروت - لبنان) .\nرابعا: كتب أصول الفقه والقواعد الفقهيه: ٩٠ - الإحكام في أصول الأحكام للآمدي: علي بن محمد، تعليق الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الطبعة الثانية ١٤٠٢ هـ، المكتب الإسلامي (بيروت - لبنان) .\n٩١ - إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول للشوكاني: محمد بن علي، دار المعرفة (بيروت - لبنان) .\n٩٢ - الأشباه والنظائر على مذهب أبي حنيفة النعمان لابن نجيم: زين العابدين بن إبراهيم، طبعة عام ١٤٠٠ هـ، دار الكتب العلمية (بيروت - لبنان) .","vol":"1","page":407},{"text":"٩٣ - الأشباه والنظائر في قواعد وفروع الشافعية للسيوطي: جلال الدين عبد الرحمن السيوطي، دار إحياء الكتاب العربي، عيسى البابي الحلبي وشركاه.\n٩٤ - أصول السرخسي للسرخسي: أبي بكر محمد بن أحمد، تحقيق أبي الوفاء الأفغاني، عنيت بنشره لجنة إحياء المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن - الهند، دار المعرفة بيروت ١٣٩٣ هـ.\n٩٥ - أفعال الرسول - ﷺ - ودلالتها على الأحكام الشرعية للأشقر: محمد بن سليمان، الطبعة الأولى ١٣٩٨ هـ، مكتبة المنار الإسلامية في الكويت.\n٩٦ - بيان المختصر، شرح مختصر ابن الحاجب للأصفهاني: شمس الدين محمود بن عبد الرحمن بن أحمد، تحقيق د محمد مظهر بقا، الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ، دار المدني بجدة، وهو من مطبوعات مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي بجامعة أم القرى بمكة المكرمة.\n٩٧ - التمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب: محفوظ بن أحمد بن الحسن الكلوذاني، دراسة وتحقيق د مفيد محمد أبو عمشة، الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ، دار المدني بجدة، وهو من مطبوعات مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي بجامعة أم القرى بمكة المكرمة.\n٩٨ - شرح الكوكب المنير المسمى بمختصر التحرير، أو المختصر المبتكر شرح المختصر في أصول الفقه، لابن النجار: محمد بن أحمد، تحقيق كل من: د محمد الزحيلي، ود نزيه حماد، طبعة عام ١٤٠٠ هـ دار الفكر بدمشق، وهو أيضا من مطبوعات مركز","vol":"1","page":408},{"text":"البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي بجامعة أم القرى بمكة المكرمة.\n٩٩ - العدة في أصول الفقه للقاضي أبي يعلى: محمد بن الحسين الفراء، تحقيق وتعليق وتخريج د أحمد بن علي سير المباركي، الطبعة الثانية ١٤١٠ هـ.\n١٠٠ - المحصول في علم أصول الفقه للرازي: فخر الدين محمد بن عمر، دراسة وتحقيق د طه جابر فياض العلواني، الطبعة الأولى ١٤٠٠ هـ، طبع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض.\nخامسا: كتب اللغة والغريب: ١٠١ - تحرير ألفاظ التنبيه، أو لغة الفقهاء للنووي: أبي زكريا يحيى بن شرف، تحقيق عبد الغني الدقر، الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ، دار القلم (دمشق - سورية) .\n١٠٢ - التعريفات للجرجاني؛ علي بن محمد، الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ، دار الكتب العلمية (بيروت - لبنان) .\n١٠٣ - تهذيب اللغة للأزهري: أبي منصور محمد بن أحمد، تحقيق الأستاذ عبد العظيم محمود، ومراجعة محمد علي النجار، الدار المصرية للتأليف والترجمة، مطابع سجل العربي في القاهرة.\n١٠٤ - حلية الفقهاء لابن فارس: أبي الحسين أحمد بن فارس بن زكريا الرازي، تحقيق د عبد الله بن عبد المحسن التركي، الطعبة الأولى ١٤٠٣ هـ، الشركة المتحدة للتوزيع (بيروت - لبنان) .\n١٠٥ - القاموس المحيط للفيروزآبادي: مجد الدين محمد بن يعقوب، المؤسسة العربية للطباعة والنشر (بيروت - لبنان) دار الجيل.","vol":"1","page":409},{"text":"١٠٦ - لسان العرب لابن منظور: جمال الدين محمد بن مكرم بن علي، الناشر: دار صادر، (بيروت - لبنان) .\n١٠٧ - مختار الصحاح للرازي: محمد بن أبي بكر بن عبد القادر، إخراج دائرة المعاجم في مكتبة لبنان ببيروت.\n١٠٨ - المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي للفيومي: أحمد بن محمد بن علي، المكتبة العلمية (بيروت - لبنان) .\n١٠٩ - النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير: مجد الدين أبي السعادات المبارك بن محمد الجزري، تحقيق طاهر أحمد الزاوي، ومحمود محمد الطناحي، توزيع دار الباز بمكة المكرمة.\nسادسا: كتب التاريخ والرجال والطبقات: ١١٠ - الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر: أبي عمر يوسف بن عبد الله بن محمد، مطبوع بهامش الإصابة، الطبعة الأولى، الناشر مكتبة الكليات الأزهرية.\n١١١ - أسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير: علي بن أبي الكرم محمد بن محمد الشيباني، دار إحياء التراث العربي (بيروت - لبنان) .\n١١٢ - الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر: أحمد بن علي، دار الكتب العلمية (بيروت - لبنان) .\n١١٣ - الأعلام للزركلي: خير الدين الزركلي، الطبعة الخامسة ١٩٨٠ هـ، الناشر دار العلم للملايين، (بيروت - لبنان) .\n١١٤ - تذكرة الحفاظ للذهبي: شمس الدين أبي عبد الله محمد الذهبي، دار إحياء التراث العربي (بيروت - لبنان) .","vol":"1","page":410},{"text":"١١٥ - تقريب التهذيب لابن حجر: أحمد بن علي، تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف، الطبعة الثانية ١٣٩٥ هـ، الناشر دار المعرفة (بيروت - لبنان) .\n١١٦ - تهذيب الأسماء واللغات للنووي: أبي زكريا يحيى بن شرف، طبع المطبعة المنيرية، الناشر دار الكتب العلمية (بيروت - لبنان) .\n١١٧ - تهذيب التهذيب لابن حجر: أحمد بن علي، الطبعة الأولى ١٣٢٥ هـ، مطبعة مجلس دائرة المعارف النظامية (حيدر آباد - الدكن - الهند) .\n١١٨ - الجرح والتعديل لأبي محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، الطبعة الأولى ١٣٧٢ هـ، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، (حيدر آباد - الدكن - الهند) .\n١١٩ - ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب: أبي الفرج عبد الرحمن بن شهاب الدين، الناشر دار المعرفة (بيروت - لبنان) .\n١٢٠ - السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة لابن حميد: محمد بن عبد الله النجدي ثم المكي، تحقيق وتقديم وتعليق د بكر عبد الله أبو زيد، ود عبد الرحمن بن سليمان العثيمين، الطبعة الأولى ١٤١٦ هـ، مؤسسة الرسالة (بيروت - لبنان) .\n١٢١ - سير أعلام النبلاء للذهبي: شمس الدين محمد بن أحمد، تحقيق شعيب الأرنؤوط وجماعة، الناشر مؤسسة الرسالة ١٤٠١ هـ وما بعدها.\n١٢٢ - شذرات الذهب في أخبار من ذهب لابن العماد: أبي الفلاح عبد الحي بن العماد الحنبلي، دار الكتب العلمية (بيروت - لبنان) .","vol":"1","page":411},{"text":"١٢٣ - طبقات الحنابلة للقاضي أبي الحسين: محمد بن محمد بن الحسين الفراء، الناشر دار المعرفة (بيروت - لبنان) .\n١٢٤ - طبقات الشافعية للسبكي: عبد الوهاب بن تقي الدين، الناشر دار المعرفة (بيروت - لبنان) .\n١٢٥ - طبقات الشافعية للإسنوي: عبد الرحيم الإسنوي، تحقيق كمال يوسف الحوت، الطبعة الأولى ١٤٠٧ هـ، طبع ونشر دار الكتب العلمية (بيروت - لبنان) .\n١٢٦ - الطبقات الكبرى لابن سعد: محمد بن سعد بن منيع، الناشر دار صادر (بيروت - لبنان) .\n١٢٧ - المقصد الأرشد في ذكر أصحاب الإمام أحمد لابن مفلح: برهان الدين إبراهيم بن محمد بن عبد الله) تحقيق د عبد الرحمن بن سليمان العثيمين، الطبعة الأولى ١٤١٠ هـ، مطبعة المدني بالقاهرة، الناشر مكتبة الرشد بالرياض.\n١٢٨ - المنهج الأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد للعليمي: أبي اليمن مجير الدين عبد الرحمن بن محمد، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، الطبعة الثانية ١٤٠٤ هـ، عالم الكتب (بيروت - لبنان) .\n١٢٩ - ميزان الاعتدال في نقد الرجال للذهبي: أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان، تحقيق محمد علي البجاوي، الناشر دار المعرفة (بيروت - لبنان) .\nسابعا: كتب وبحوث متنوعة: ١٣٠ - الإبداع في مضار الابتداع لعلي محفوظ، الطبعة الخامسة ١٣٧٥ هـ، الناشر دار الاعتصام.","vol":"1","page":412},{"text":"١٣١ - إرشادات لتحسين خطبة الجمعة لمحمد عبد القادر أبو فارس، نشر وتوزيع دار الفرقان (عمان - الأردن) .\n١٣٢ - تحفة الأريب بما جاء في العصا للخطيب لمحمد بن عبد الوهاب بن علي الوصابي العبدلي، الطبعة الأولى ١٤٠٩ هـ، الناشر مكتبة التوعية الإسلامية لإحياء التراث الإسلامي بالقاهرة.\n١٣٣ - تنبيه الغافلين عن أعمال الجاهلين وتحذير السالكين من أعمال الهالكين لابن النحاس: أحمد بن محمد الدمشقي، مطابع الرياض بالرياض.\n١٣٤ - الخطبة في الإسلام وإعداد الخطيب الداعية للدكتور مصلح سيد بيومي، الطبعة الثانية ١٤٠٨ هـ، الناشر مكتبة المجد العربي بالقاهرة.\n١٣٥ - رسالة إلى الخطباء لإسماعيل بن مرشود الرميح، الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ، الناشر دار طويق بالرياض.\n١٣٦ - السنن والمبتدعات المتعلقة بالأذكار والصلوات لعبد السلام خضر الشقيري، الطبعة الثانية ١٤٠٣هـ، الناشر مكتبة ابن تيمية.\n١٣٧ - مجلة البحوث الإسلامية، مجلة دورية تصدر عن الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء في الرياض، العدد الخامس عشر.","vol":"1","page":413}]}