{"ً":{"ٌ":31471,"ٍ":"أفعال الرسول ﷺ ودلالتها على الأحكام الشرعية","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"https://archive.org/download/WAQ114908WAQ/","files":["00_114908.pdf","01_114908.pdf","02_114909.pdf"]},"ّ":"الكتاب: أَفْعَالُ الرَّسُول ﷺ وَدَلَالَتَهَا عَلَى الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ\nالمؤلف: محمد سليمان الأشقر (دكتوراة في الشريعة الإسلامية من الجامعة الأزهرية)\nأصل الكتاب: رسالة دكتوراة - كلية الشريعة - جامعة الأزهر\nالناشر: مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان\nالطبعة: السادسة، ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م\nعدد الأجزاء: ٢\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1204,"ٕ":11,"ٖ":1770155534,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2"],"ٚ":[{"title":"فاتحة القول","level":1,"page":7},{"title":"تمهيد","level":1,"page":14},{"title":"المبحث الأول السنة فى اللغة وفي الاصطلاح","level":2,"page":15},{"title":"\"السنة\" في الاصطلاح","level":3,"page":16},{"title":"المبحث الثاني حجية السنة إجمالا","level":2,"page":19},{"title":"القرآنيون","level":3,"page":19},{"title":"الحديثيون","level":3,"page":21},{"title":"أدلة حجية السنة النبوية","level":3,"page":22},{"title":"١ - من القرآن","level":4,"page":22},{"title":"٢ - من السنة","level":4,"page":24},{"title":"٣ - دلالة الإجماع","level":4,"page":25},{"title":"أنواع الحديث النبوي من جهة دلالته على الأحكام","level":3,"page":27},{"title":"منزلة السنة من القرآن","level":3,"page":28},{"title":"مجالات خدمة السنة الشريفة للقرآن العظيم","level":3,"page":32},{"title":"المبحث الثالث تحديد المهمات النبوية وبيان دور الأفعال النبوية في أدائها على الوجه الأكمل","level":2,"page":35},{"title":"دور الأفعال","level":3,"page":38},{"title":"طرائق التعليم","level":3,"page":39},{"title":"أولا: طريقة الاستماع للقول","level":4,"page":39},{"title":"الطريقة الثانية للتعلم: مشاهدة الفعل لأجل الاقتداء به","level":4,"page":40},{"title":"الأفعال النبوية كوسيلة بيانية وتعليمية مشاهدة","level":5,"page":42},{"title":"هل كان محمد ﷺ مثلا أعلى","level":5,"page":44},{"title":"الطريقة الثالثة للتعليم","level":4,"page":47},{"title":"المبحث الرابع تقسيم السنن النبوية إلى قولية وفعلية صريحة وغير صريحة","level":2,"page":48},{"title":"تعريف الفعل","level":3,"page":49},{"title":"فعل غيره بأمره ﷺ","level":4,"page":49},{"title":"تقسيم الفعل إلى صريح وغير صريح","level":4,"page":52},{"title":"ما يعبر عنه بالفعل وهو قول","level":5,"page":52},{"title":"انقسام السنن الفعلية إلى صريحة وغير صريحة","level":5,"page":53},{"title":"مرتبة مباحث الأفعال من علم الأصول","level":4,"page":54},{"title":"مشتملات مباحث الأفعال","level":4,"page":56},{"title":"تصنيف الأفعال كقسيم لسائر الأدلة","level":4,"page":57},{"title":"المبحث الخامس الأفعال النبوية في التآليف الحديثية والأصولية","level":2,"page":58},{"title":"مظان التعرف على الأفعال النبوية","level":3,"page":58},{"title":"الأفعال النبوية في الدراسات الأصولية","level":3,"page":61},{"title":"الباب الأول الأفعال الصريحة","level":1,"page":63},{"title":"الفصل الأول البيان بالأفعال","level":2,"page":65},{"title":"تمهيد في القدوة والاقتداء بالأفعال النبوية","level":3,"page":66},{"title":"درجة الإمامة في الدين","level":3,"page":66},{"title":"ميزة القدرة الملتزمة وأثرها في الاتباع","level":3,"page":67},{"title":"ما كان النبي ﷺ يلاحظه في أفعاله من حيث إنها قدوة","level":3,"page":69},{"title":"ملاحظة الصحابة للأفعال النبوية من أجل الاقتداء","level":3,"page":74},{"title":"أثر اقتداء الأمة بأفعال نبيها في نشر دعوة الإسلام والاقتناع به","level":3,"page":77},{"title":"المبحث الأول البيان","level":4,"page":78},{"title":"ماهية البيان","level":5,"page":78},{"title":"ما يحتاج إلى البيان وما لا يحتاج إليه","level":5,"page":79},{"title":"الإجمال في الفعل، ووجوهه","level":5,"page":80},{"title":"ويمكن حصر وجوه الإجمال في دلالة الفعل فيما يلي","level":5,"page":81},{"title":"وظائف البيان","level":6,"page":81},{"title":"ما به يمكن البيان","level":6,"page":83},{"title":"حكم البيان","level":6,"page":84},{"title":"هل يجب البيان لجميع الأحكام","level":6,"page":85},{"title":"المبحث الثاني البيان الفعلي","level":4,"page":87},{"title":"حكم البيان بالفعل","level":5,"page":87},{"title":"هل يشترط لاعتبار الفعل بيانا عدم وجود قول صالح للبيان","level":5,"page":90},{"title":"هل يصلح الفعل وحده بيانا دون انضمام قول يدل على أنه بيان","level":5,"page":91},{"title":"كيفية بيان كل من الأحكام الخمسة بالأفعال","level":5,"page":91},{"title":"ما يمكن حصوله بالأفعال من أنواع البيان","level":5,"page":93},{"title":"القوة والوضح بين البيان القولي والبيان الفعلي","level":5,"page":94},{"title":"المذهب الأول: احتج القائلون بأن القول أدل، بما يلي","level":6,"page":94},{"title":"المذهب الثاني: احتج القائلون بأن الفعل أبلغ في البيان، بأدلة، منها","level":6,"page":96},{"title":"المذهب الثالث: القول بالتفصيل","level":6,"page":97},{"title":"أعلى أنواع البيان","level":5,"page":100},{"title":"رجوع البيان بالقول إلى البيان بالفعل","level":5,"page":101},{"title":"المبحث الثالث اجتماع القول والفعل في البيان","level":4,"page":102},{"title":"القسم الأول: حالة الاتفاق","level":5,"page":102},{"title":"القسم الثاني: حال الاختلاف","level":5,"page":104},{"title":"الموارنة بين المذهبين","level":6,"page":107},{"title":"المبحث الرابع إذا اختلف فعلان في البيان فأيهما البيان","level":4,"page":109},{"title":"الفصل الثاني أحكام النبي بالنسبة إليه - ﷺ -","level":2,"page":110},{"title":"المبحث الأول ما يصدر عن النبي ﷺ في أفعاله","level":3,"page":111},{"title":"المطلب الأول أن يفعل بناء على التكليف","level":4,"page":111},{"title":"والاجتهاد أنواع","level":5,"page":112},{"title":"النوع الأول: الاجتهاد البياني","level":6,"page":113},{"title":"النوع الثاني: الاجتهاد القياسي","level":6,"page":116},{"title":"الدليل العقلي لجواز صدور أفعال النبي ﷺ عن اجتهاد","level":7,"page":117},{"title":"الأدلة القرآنية: منها","level":7,"page":117},{"title":"الأدلة من السنة النبوية","level":7,"page":119},{"title":"أدلة المانعين","level":7,"page":119},{"title":"النوع الثالث: مسألة التفويض","level":6,"page":120},{"title":"أدلة المانعين","level":7,"page":123},{"title":"المطلب الثاني أن يفعل بناء على عدم التكليف وهي مسألة العفو","level":4,"page":124},{"title":"أدلة المذهب الأول","level":5,"page":125},{"title":"أدلة المذهب الثاني","level":5,"page":126},{"title":"رأينا في هذه المسألة","level":6,"page":127},{"title":"تنبيه","level":6,"page":128},{"title":"المبحث الثاني أحكام الأفعال النبوية البحث في هذه المسألة يتفرع فرعين","level":3,"page":129},{"title":"المطلب الأول ما يكلف به النبي ﷺ من الأفعال","level":4,"page":129},{"title":"الفرض والواجب، والحرام والمكروه، عند الحنفية، ومدى انطباقه على التكاليف النبوية","level":5,"page":130},{"title":"انحصار أفعاله ﷺ في الواجب والمحرم، من جهة منصب البيان","level":5,"page":131},{"title":"المطلب الثاني أحكام الأفعال الصادرة عن النبي ﷺ","level":4,"page":133},{"title":"المقام الأول عصمة الأنبياء عن المحرمات","level":5,"page":133},{"title":"العصمة في اللغة والاصطلاح","level":6,"page":134},{"title":"حقيقة العصمة","level":6,"page":135},{"title":"العصمة هل هي جائزة أو واجبة؟","level":6,"page":136},{"title":"لمحة عن تاريخ القول بعصمة الأنبياء","level":6,"page":137},{"title":"مذاهب العلماء في العصمة إجمالا","level":6,"page":138},{"title":"الأدلة","level":7,"page":140},{"title":"أولا: أدلة القائلين بالعصمة عن صدور الذنوب عن الأنبياء","level":8,"page":140},{"title":"ثانيا: أدلة القائلين بإمكان صدور المخالفة عن النبي ﷺ","level":8,"page":145},{"title":"أولا: دعوى الرسالة ومجموع القرآن والشريعة","level":9,"page":149},{"title":"ثانيا: تبليغ الآيات وبيان الأحكام بالقول والفعل","level":9,"page":149},{"title":"ثالثا: الكبائر","level":9,"page":150},{"title":"رابعا: الصغائر","level":9,"page":150},{"title":"خامسا: الخطأ في العمل بالشريعة، والإفتاء","level":9,"page":150},{"title":"سادسا: السهو والنسيان","level":9,"page":154},{"title":"الإقرار على النسيان","level":7,"page":156},{"title":"ملحق: العوارض البدنية والنفسية","level":6,"page":156},{"title":"خلاصة القول في العصمة","level":6,"page":158},{"title":"هل يجوز أن يرتكب النبي - ﷺ -، المحرم للمصلحة الراجحة","level":6,"page":159},{"title":"المقام الثاني هل يفعل النبي ﷺ فعلا حكمه الكراهة؟","level":5,"page":160},{"title":"الوجه الأول","level":6,"page":160},{"title":"الوجه الثاني","level":6,"page":161},{"title":"المبحث الثالث كيف يعين حكم الفعل الصادر عنه - ﷺ - بالنسبة إليه خاصة","level":3,"page":163},{"title":"المطلب الأول تعيين الواجب من أفعاله ﷺ","level":4,"page":163},{"title":"المطلب الثاني تعيين المندوب من أفعاله ﷺ","level":4,"page":172},{"title":"المطلب الثالث تعيين المباح من أفعاله ﷺ","level":4,"page":175},{"title":"الفصل الثالث حجية أفعال النبي - ﷺ - على الأحكام من حيث الجملة","level":2,"page":177},{"title":"المبحث الأول الأدلة","level":3,"page":180},{"title":"الأدلة السمعية هل حجية السنة كافية في إثبات حجية الأفعال النبوية","level":4,"page":181},{"title":"أولا: الأدلة القرآنية","level":4,"page":182},{"title":"ثانيا: الأدلة من السنة","level":4,"page":189},{"title":"ثالثا: دليل الإجماع","level":4,"page":191},{"title":"فمن النوع الأول","level":5,"page":191},{"title":"والنوع الثاني","level":5,"page":193},{"title":"المبحث الثاني الشبه التي تورد على حجية الفعل النبوي","level":3,"page":195},{"title":"المطلب الأول أن لفعله ﷺ عند الله تعالى حكما شرعيا","level":4,"page":196},{"title":"المطلب الثاني أنه ﷺ عالم بالحكم الشرعي في حق نفسه","level":4,"page":196},{"title":"المطلب الثالث أنه ﷺ يريد بفعله موافقة الحكم الشرعي في حقه","level":4,"page":197},{"title":"المطلب الرابع أنه ﷺ عالم بمطابقة فعله للحكم الشرعي","level":4,"page":202},{"title":"المطلب الخامس أن حكم أفعالنا المماثلة لأفعاله ﷺ، كحكم أفعاله ولا فرق","level":4,"page":203},{"title":"الفصل الرابع أقسام الأفعال النبوية الصريحة ودلالة كل منها على الأحكام","level":2,"page":205},{"title":"المبحث الأول الفعل الجبلي","level":3,"page":210},{"title":"والأفعال الجبلية على ضربين","level":4,"page":211},{"title":"الضرب الأول","level":5,"page":211},{"title":"الضرب الثاني","level":6,"page":213},{"title":"أقسام الفعل الجبلي الاختياري","level":4,"page":215},{"title":"القسم الأول الفعل الجبلي الصرف","level":5,"page":215},{"title":"القسم الثاني الفعل الذي له علاقة بالعبادة","level":5,"page":223},{"title":"المبحث الثاني الفعل العادي","level":3,"page":228},{"title":"المبحث الثالث الفعل في الأمور الدنيوية","level":3,"page":230},{"title":"رأينا في ذلك","level":4,"page":236},{"title":"مسائل متممة لبحث الأفعال النبوية الدنيوية","level":4,"page":238},{"title":"المبحث الرابع الأفعال الخارقة للعادة (المعجزات والكرامات)","level":3,"page":240},{"title":"أهداف خرق السنن الكونية بالمعجزة","level":4,"page":242},{"title":"حد المعجزة","level":5,"page":243},{"title":"حد الكرامة","level":5,"page":243},{"title":"خرق السنن الكونية على أيدي الأولياء","level":6,"page":244},{"title":"الأدلة","level":7,"page":245},{"title":"١ - قول المعتزلة","level":7,"page":245},{"title":"أدلة المثبتين","level":8,"page":246},{"title":"الاقتداء بالأفعال النبوية الخارقة للعادة","level":8,"page":249},{"title":"أولا: هل للمؤمن أن يعمل على حصول الكرامات الخارقة؟","level":9,"page":249},{"title":"ثانيا: تصرف النبي - ﷺ - بمقتضى الخارق هل يقتدى به فيه","level":9,"page":251},{"title":"المبحث الخامس الأفعال الخاصة به ﷺ \"الخصائص النبوية\"","level":3,"page":253},{"title":"الخصائص","level":4,"page":253},{"title":"الخصائص النبوية","level":5,"page":254},{"title":"تصنيف الخصائص النبوية","level":6,"page":254},{"title":"١ - بحسب من عنه الاختصاص.","level":7,"page":254},{"title":"٢ - بحسب زمن الاختصاص.","level":7,"page":254},{"title":"٣ - بحسب ما فيه الاختصاص.","level":7,"page":255},{"title":"الحكمة في تخصيصه - ﷺ - بما خصه الله تعالى به","level":6,"page":256},{"title":"الفعل الدائر بين الخصوصية وغيرها","level":6,"page":259},{"title":"أدلة الخصوصية","level":6,"page":260},{"title":"الخصائص التي تدخل في موضوع بحثنا","level":5,"page":263},{"title":"درجات خصائصه - ﷺ - في سلم الأحكام","level":6,"page":264},{"title":"ما يمتنع الاختصاص فيه","level":6,"page":265},{"title":"عدد الخصائص","level":6,"page":266},{"title":"الاستدلال بأفعاله ﷺ الخاصة به في الأحكام المماثلة","level":6,"page":268},{"title":"ما يختص به ﷺ في أفعال غيره","level":6,"page":272},{"title":"هل يصح تعدية هذه الخصائص إلى غير النبي ﷺ","level":6,"page":273},{"title":"خاصة التبرك بآثاره ﷺ","level":6,"page":274},{"title":"المبحث السادس الفعل البياني","level":3,"page":275},{"title":"جهات الفعل البياني","level":4,"page":275},{"title":"الفرق بين الفعل البياني والفعل الامتثالي","level":4,"page":278},{"title":"ما يعرف به الفعل البياني","level":4,"page":278},{"title":"ما يدل عليه الفعل البياني من الأحكام","level":5,"page":282},{"title":"الفعل البياني هل هو دليل الحكم؟","level":6,"page":283},{"title":"الأجزاء غير المرادة من الفعل البياني","level":7,"page":284},{"title":"الاختلاف في أن ما ورد عليه الفعل مجمل أو غير مجمل","level":7,"page":292},{"title":"المبحث السابع الفعل الامتثالي التنفيذي","level":3,"page":294},{"title":"المطلب الأول حكم الفعل الامتثالي","level":4,"page":295},{"title":"المطلب الثاني","level":4,"page":295},{"title":"المطلب الثالث الطرق التي يمكن بها معرفة النص الممتثل","level":4,"page":296},{"title":"المطلب الرابع","level":4,"page":299},{"title":"دلالة الفعل الامتثالي","level":5,"page":299},{"title":"الفرق بين دلالة الفعل البياني ودلالة الفعل الامتثالي","level":5,"page":300},{"title":"المبحث الثامن الفعل المتعدي","level":3,"page":302},{"title":"المبحث التاسع ما فعله ﷺ في انتظار الوحي","level":3,"page":305},{"title":"الفصل الخامس الفعل المجرد","level":2,"page":306},{"title":"الفعل المجرد","level":3,"page":307},{"title":"تعريف وتحديد","level":3,"page":307},{"title":"ما يستفاد من الأفعال النبوية المجردة، من الأحكام في حق الأمة","level":3,"page":308},{"title":"المبحث الأول الفعل المجرد المعلوم الصفة","level":4,"page":309},{"title":"منشأ الاختلاف","level":5,"page":310},{"title":"المبحث الثاني الفعل المجهول الصفة","level":4,"page":312},{"title":"القول المختار في محمل الفعل المجهول الصفة","level":5,"page":315},{"title":"المبحث الثالث ما ينسب إلى الأئمة من القول في الفعل المجرد بنوعيه","level":4,"page":317},{"title":"١ - الإمام أبو حنيفة وأتباعه","level":5,"page":318},{"title":"٢ - المالكية","level":5,"page":319},{"title":"٣ - الشافعية","level":5,"page":320},{"title":"٤ - الحنابلة","level":5,"page":321},{"title":"٥ - المعتزلة","level":5,"page":322},{"title":"٦ - الظاهرية","level":5,"page":322},{"title":"المبحث الرابع الأدلة والمناقشات","level":4,"page":323},{"title":"المطلب الأول في مناقشة دعوى امتناع التأسي لاحتمال الخصوصية ونحوها","level":5,"page":323},{"title":"المطلب الثاني قول الوقف","level":5,"page":327},{"title":"المطلب الثالث قول التحريم","level":5,"page":329},{"title":"المطلب الرابع قول الإباحة","level":5,"page":331},{"title":"المطلب الخامس قول الندب","level":5,"page":332},{"title":"أدلة القائلين بالندب","level":6,"page":334},{"title":"دليل بطلان قول الندب","level":7,"page":338},{"title":"كشف أمر هذه الشبهة","level":8,"page":340},{"title":"المطلب السادس قول الوجوب","level":5,"page":344},{"title":"إبطال قول الوجوب","level":6,"page":351},{"title":"المطلب السابع قول المساواة","level":5,"page":353},{"title":"المطلب الثامن قول المساواة في العبادات الخاصة","level":5,"page":360},{"title":"فائدة مهمة نلحقها بقول المساواة","level":6,"page":360},{"title":"الفصل السادس الأحكام المستفادة من الأفعال","level":2,"page":363},{"title":"المطلب الأول الوجوب","level":3,"page":364},{"title":"١ - الركن،","level":4,"page":364},{"title":"٢ - الواجب الذي ليس بركن،","level":4,"page":365},{"title":"١ - منها: صلاة العيد","level":5,"page":365},{"title":"٢ - ومنها: مسألة السعي في الحج","level":5,"page":365},{"title":"٣ - ومنها: مسألة ركعتي الطواف","level":4,"page":366},{"title":"المطلب الثاني الندب","level":3,"page":368},{"title":"مسألة تابعة للندب: دلالة الفعل على الأفضلية","level":4,"page":368},{"title":"تمايز المندوبات في الدرجة، ودلالة الأفعال على ذلك","level":4,"page":370},{"title":"المطلب الثالث الإباحة","level":3,"page":371},{"title":"نظرة في استفادة الإباحة من الأفعال النبوية","level":4,"page":371},{"title":"الإباحة المستفادة من الفعل النبوي","level":4,"page":373},{"title":"فائدة استفادة الإباحة من الأفعال النبوية المجردة","level":4,"page":373},{"title":"المطلب الرابع الكراهة","level":3,"page":375},{"title":"المطلب الخامس التحريم","level":3,"page":375},{"title":"المطلب السادس دلالة الفعل النبوي على الأحكام الوضعية","level":3,"page":377},{"title":"١ - السببية","level":4,"page":377},{"title":"٢ - الشرطية","level":4,"page":377},{"title":"٣ - المانعية","level":4,"page":379},{"title":"٤ - الرخصة والعزيمة","level":4,"page":380},{"title":"٥ - الصحة والفساد","level":4,"page":380},{"title":"الفصل السابع صفة الدلالة الفعلية الدلالة وأنواعها","level":2,"page":382},{"title":"تمهيد","level":3,"page":383},{"title":"الدلالة وأنواعها","level":4,"page":383},{"title":"أولا- جهة الارتباط بين الدال والمدلول","level":5,"page":383},{"title":"ثانيا: جهة الدال","level":5,"page":384},{"title":"الدلالة اللفظية","level":4,"page":384},{"title":"ومن الدلالة الالتزامية","level":4,"page":385},{"title":"المبحث الأول طبيعة الدلالة الفعلية","level":3,"page":386},{"title":"أنواع الدلالة الوضعية الفعلية","level":4,"page":387},{"title":"أولا: دلالة المطابقة","level":5,"page":387},{"title":"ثانيا: دلالة التضمن","level":5,"page":387},{"title":"ثالثا: دلالة الالتزام","level":5,"page":388},{"title":"أنواع الدلالة الالتزامية الفعلية","level":4,"page":389},{"title":"أولا- دلالة الاقتضاء","level":5,"page":389},{"title":"ثانيا- الإيماء","level":5,"page":389},{"title":"ثالثا- الإشارة","level":5,"page":389},{"title":"رابعا- مفهوم الفعل","level":5,"page":389},{"title":"أولا: مفهوم المخالفة (دليل الفعل)","level":6,"page":389},{"title":"ثانيا- دلالة الفحوى","level":6,"page":390},{"title":"ثالثا- مفهوم الموافقة المساوي (لحن الفعل)","level":6,"page":391},{"title":"المبحث الثاني وجه انسحاب حكم الفعل النبوي على أفعال الأمة","level":3,"page":393},{"title":"أولا- القول بالعموم","level":4,"page":393},{"title":"الثاني: القول بالقياس","level":4,"page":394},{"title":"رأينا في ذلك","level":5,"page":395},{"title":"الفصل الثامن دلالة متعلقات الفعل النبوي","level":2,"page":397},{"title":"المبحث الأول سبب الفعل","level":3,"page":403},{"title":"المطلب الأول أنواع الأفعال من حيث تعلقها بالأسباب","level":4,"page":405},{"title":"المطلب الثاني طرق معرفة سبب الفعل","level":4,"page":406},{"title":"المطلب الثالث هل يتوقف الاقتداء بالأفعال النبوية على معرفة أسبابها","level":4,"page":411},{"title":"فهي أربعة أقسام","level":5,"page":411},{"title":"القسم الأول: ما لا يكون مرتبطا بسبب أصلا، بل هو مطلق، كنوافل الصوم والصلاة","level":6,"page":411},{"title":"القسم الثاني: ما علم ارتباطه بالسبب. وهو ما كان الفعل في الأصل ممنوعا أو مكروها، وقد فعله - ﷺ - لسبب","level":6,"page":412},{"title":"١ - الرخص","level":7,"page":412},{"title":"٢ - العقوبات","level":7,"page":412},{"title":"٣ - ما أخذه - ﷺ - من مال إنسان","level":7,"page":413},{"title":"٤ - العبادات الخاصة المرتبطة بالأسباب،","level":7,"page":413},{"title":"القسم الثالث: ما فعله لسبب فزال.","level":6,"page":413},{"title":"رأينا في هذه المسألة","level":7,"page":415},{"title":"القسم الرابع: ما فعله ولم نعلم سببه","level":6,"page":418},{"title":"استدراك","level":7,"page":419},{"title":"استدراك آخر","level":7,"page":420},{"title":"المبحث الثاني الفاعل وجهاته","level":3,"page":422},{"title":"المثال الأول","level":4,"page":425},{"title":"المثال الثاني","level":4,"page":426},{"title":"المثال الثالث","level":4,"page":426},{"title":"المثال الرابع","level":4,"page":427},{"title":"المثال الخامس","level":4,"page":427},{"title":"المثال السادس","level":4,"page":428},{"title":"المثال السابع","level":4,"page":429},{"title":"المبحث الثالث جهات المفعول به","level":3,"page":430},{"title":"المبحث الرابع مكان الفعل وزمانه","level":3,"page":431},{"title":"الأدلة الدالة على اعتبار الزمان والمكان، أو الغائهما","level":4,"page":431},{"title":"ما يعتبر من زمان الفعل النبوي ومكانه","level":5,"page":433},{"title":"أمثلة تطبيقية","level":5,"page":437},{"title":"المبحث الخامس هيئة الفعل","level":3,"page":439},{"title":"المبحث السادس الدلالة الاقترانية","level":3,"page":441},{"title":"مثال أول","level":4,"page":441},{"title":"مثال آخر","level":4,"page":442},{"title":"مثال رابع: النظائر القرآنية عند ابن مسعود","level":4,"page":443},{"title":"المبحث السابع الأدوات والعناصر المادية","level":3,"page":444},{"title":"المبحث الثامن العدد والمقدار","level":3,"page":445},{"title":"المطلب الأول","level":4,"page":445},{"title":"المطلب الثاني الكثرة والقلة في مرات وجود الفعل","level":4,"page":448},{"title":"القسم الأول","level":5,"page":448},{"title":"القسم الثاني","level":5,"page":449},{"title":"المطلب الثالث دلالة الفعل النبوي على الحد الأعلى أو الحد الأدنى في التقديرات الشرعية","level":4,"page":451},{"title":"القاعدة في استفادة الحد في التقديرات من الفعل النبوي","level":5,"page":453},{"title":"الفصل التاسع مباحث متنوعة تتعلق بالأفعال","level":2,"page":456},{"title":"المبحث الأول الطريق العملي لاستفادة الحكم من الفعل","level":3,"page":457},{"title":"المبحث الثاني الاعتراضات التي تورد على الاحتجاج بالأفعال","level":3,"page":460},{"title":"المبحث الثالث نقل الأفعال النبوية","level":3,"page":463},{"title":"المطلب الأول طرق النقل","level":4,"page":463},{"title":"المطلب الثاني إدراك الصحابي للفعل المنقول","level":4,"page":465},{"title":"المطلب الثالث صور النقل","level":4,"page":467},{"title":"أولا: نقل الفعل بالفعل","level":5,"page":468},{"title":"ثانيا: نقل الفعل بالقول","level":5,"page":470},{"title":"تكييف الصحابي للفعل النبوي","level":6,"page":472},{"title":"المسألة الأولى","level":7,"page":473},{"title":"المسألة الثانية","level":7,"page":475},{"title":"١ - التكرار","level":8,"page":475},{"title":"٢ - المواظبة والدوام","level":8,"page":478},{"title":"٣ - العموم","level":8,"page":478},{"title":"المسألة الثالثة: اختلاف النقل بين الإطلاق والتقييد","level":7,"page":480},{"title":"المبحث الرابع نية التأسي","level":3,"page":483},{"title":"الباب الثاني الأفعال غير الصريحة","level":1,"page":490},{"title":"تمهيد","level":2,"page":491},{"title":"الفصل الأول الكتابة","level":2,"page":492},{"title":"المطلب الأول هل الكتابة قول أو فعل؟","level":3,"page":493},{"title":"البيان بالكتابة","level":4,"page":495},{"title":"المطلب الثاني منزلة الكتابة من القول عند الفقهاء والمحدثين","level":3,"page":497},{"title":"المطلب الثالث التعارض بين الكتابة وغيرها","level":3,"page":499},{"title":"الفصل الثاني الإشارة","level":2,"page":502},{"title":"الإشارة فعل","level":3,"page":502},{"title":"المطلب الأول كيفية الدلالة بالإشارة","level":3,"page":503},{"title":"المطلب الثاني الإشارة عند الفقهاء","level":3,"page":505},{"title":"المطلب الثالث حكم البيان بالإشارة","level":3,"page":507},{"title":"ما وقع في السنة من البيان بالإشارة","level":4,"page":507},{"title":"الذي وقع في السنة من البيان بالإشارة ثلاثة أنواع","level":4,"page":507},{"title":"المطلب الرابع التعارض بين الإشارة والقول","level":3,"page":510},{"title":"المطلب الخامس هل كانت بعض الإشارات ممتنعة على النبي ﷺ","level":3,"page":513},{"title":"الفصل الثالث الأوجه الفعلية للقول","level":2,"page":515},{"title":"المبحث الأول التفريق بين الوجه العباري وبين الوجه الفعلي للقول","level":3,"page":515},{"title":"ضابط للتفريق بين وجهي القول","level":4,"page":519},{"title":"ما يدخل تحت هذه القاعدة","level":4,"page":520},{"title":"المبحث الثاني حصر الأوجه الفعلية للقول","level":3,"page":522},{"title":"الفصل الرابع الترك تمهيد في حقيقة الترك","level":2,"page":526},{"title":"هل الكف فعل من الأفعال؟","level":3,"page":527},{"title":"تقسيمنا لمباحث الترك","level":3,"page":528},{"title":"المبحث الأول البيان بالترك","level":3,"page":530},{"title":"الترك وسيلة لبيان الأحكام، كالفعل","level":4,"page":530},{"title":"ما يحصل بالترك من أنواع البيان","level":4,"page":530},{"title":"المبحث الثاني أقسام الترك والأحكام التي تدل عليها","level":3,"page":534},{"title":"تفريق القاضي عبد الجبار في التأسي بين الترك والفعل ومناقشتنا له في ذلك","level":4,"page":536},{"title":"تكرار الترك","level":4,"page":538},{"title":"المبحث الثالث الترك المطلق والترك لسبب","level":3,"page":539},{"title":"أسباب الترك","level":4,"page":539},{"title":"المبحث الرابع نقل الترك","level":3,"page":543},{"title":"الفصل الخامس السكوت","level":2,"page":551},{"title":"أنواع السكوت","level":3,"page":551},{"title":"المطلب الأول السكوت لعدم وجود حكم في المسألة","level":3,"page":552},{"title":"السكوت عن بعض الأحكام مع بيان بعض آخر","level":4,"page":553},{"title":"المطلب الثاني السكوت لمانع","level":3,"page":555},{"title":"المطلب الثالث ترك الحكم في حادثة هل يوجب ترك الحكم في نظيرها؟","level":3,"page":558},{"title":"المطلب الرابع ترك الاستفصال عند الإفتاء ومدى دلالته على عموم الحكم","level":3,"page":560},{"title":"رأينا في المسألة","level":4,"page":563},{"title":"فروع تنبني على هذه القاعدة","level":4,"page":564},{"title":"الفرع الأول: من أسلم على أختين","level":5,"page":564},{"title":"الفرع الثاني: قضاء رمضان عن الميت","level":5,"page":565},{"title":"الفصل السادس التقرير","level":2,"page":566},{"title":"المبحث الأول الإنكار وما يحصل به","level":3,"page":570},{"title":"أنواع الإنكار","level":4,"page":570},{"title":"الإنكار وخصائصه في بيان الأحكام","level":4,"page":572},{"title":"المبحث الثاني حجية التقرير","level":3,"page":574},{"title":"أدلة القول الأول","level":4,"page":574},{"title":"أدلة القول الثاني","level":4,"page":577},{"title":"درجات التقرير من حيث القوة","level":5,"page":578},{"title":"المبحث الثالث شروط صحة دلالة التقرير","level":3,"page":582},{"title":"المبحث الرابع أنواع التقرير ودلالة كل منها أنواع التقرير","level":3,"page":591},{"title":"الأحكام التي تدل عليها التقارير","level":4,"page":592},{"title":"١ - الإقرار على الأقوال","level":5,"page":592},{"title":"٢ - الإقرار على الأفعال","level":5,"page":594},{"title":"كيفية معرفة حكم الفعل المقر عليه","level":6,"page":596},{"title":"الإقرار على ما كان في الجاهلية واستمر في أول الإسلام","level":6,"page":598},{"title":"٣ - الإقرار على الترك","level":5,"page":598},{"title":"المبحث الخامس تعدية حكم التقرير لغير المقرر","level":3,"page":601},{"title":"المبحث السادس في مسائل متفرقة","level":3,"page":603},{"title":"المسألة الأولى: ذكر الأمر في أثناء القول هل يكون تقريرا","level":4,"page":603},{"title":"المسألة الثانية: السكوت على ما يوهمه القول الجائز","level":4,"page":605},{"title":"المسألة الثالثة: الإقرار على الفعل الحادث، والفعل المستدام","level":4,"page":606},{"title":"المسألة الرابعة: بين قاعدة الإقرار وقاعدة \"لا ينسب للساكت قول\"","level":4,"page":607},{"title":"المسألة الخامسة: سعة دلالة التقرير","level":4,"page":607},{"title":"المسألة السادسة","level":4,"page":608},{"title":"الفصل السابع الهم بالفعل","level":2,"page":609},{"title":"هل الهم بالشيء حجة؟","level":3,"page":611},{"title":"الفصل الثامن الملحقات بالأفعال النبوية","level":2,"page":615},{"title":"المبحث الأول أفعاله - ﷺ - قبل البعثة","level":3,"page":616},{"title":"المبحث الثاني الشمائل النفسية (الأخلاق)","level":3,"page":619},{"title":"المبحث الثالث فعله - ﷺ - في الرؤيا","level":3,"page":621},{"title":"المطلب الأول إذا رأى النبي - ﷺ - نفسه، يفعل فعلا، فرؤيا الأنبياء حق.","level":4,"page":621},{"title":"المطلب الثاني من رأى في المنام النبي - ﷺ - يفعل","level":4,"page":622},{"title":"أخذ الأحكام الشرعية من فعله - ﷺ - في الرؤيا","level":5,"page":624},{"title":"المبحث الرابع ما فعل به ﷺ بعد موته","level":3,"page":626},{"title":"وجه الاحتجاج بذلك","level":4,"page":627},{"title":"المبحث الخامس أفعال الله تعالى","level":3,"page":628},{"title":"قولنا في ذلك","level":4,"page":629},{"title":"الأوجه الفعلية لقوله تعالى","level":4,"page":631},{"title":"المبحث السادس تقرير الله تعالى","level":3,"page":633},{"title":"رأينا في هذا الأصل","level":4,"page":637},{"title":"المبحث السابع أفعال أهل الإجماع","level":3,"page":639},{"title":"الباب الثالث التعارض والترجيح","level":1,"page":640},{"title":"مقدمة في الاختلاف بين الأدلة","level":2,"page":641},{"title":"العمل عند اختلاف الأدلة","level":3,"page":642},{"title":"الخطوة الأولى: الجمع بين الدليلين","level":4,"page":642},{"title":"الخطوة الثانية: النسخ","level":4,"page":643},{"title":"الخطوة الثالثة: الترجيح بين الدليلين","level":4,"page":643},{"title":"الخطوة الرابعة: التوقف أو التخيير","level":4,"page":644},{"title":"الفصل الأول التعارض بين الفعل والفعل (ويدخل فيه التعارض بين الفعل والترك)","level":2,"page":646},{"title":"مذاهب الأصوليين في ذلك","level":3,"page":646},{"title":"تحرير محل النزاع","level":3,"page":648},{"title":"قولنا في المسألة","level":3,"page":651},{"title":"مسألة اختلاف الفعلين قلة وكثرة","level":3,"page":655},{"title":"الفصل الثاني تعارض الأقوال والأفعال","level":2,"page":658},{"title":"المبحث الأول أسباب الاختلاف بين القول والفعل","level":3,"page":661},{"title":"العمل عند اختلاف مقتضى الفعل والقول","level":4,"page":661},{"title":"المبحث الثاني الجمع بين القول والفعل إذا اختلفا","level":3,"page":663},{"title":"تخصيص العموم بفعله - ﷺ -","level":4,"page":664},{"title":"المبحث الثالث القول الذي يعارضه الفعل","level":3,"page":667},{"title":"تكرر مقتضى القول","level":4,"page":669},{"title":"المبحث الرابع الفعل الذي يصح معارضته للقول","level":3,"page":671},{"title":"الشرط الأول: قيام دليل خاص على وجوب التأسي بالفعل","level":4,"page":671},{"title":"الشرط الثاني","level":4,"page":673},{"title":"المبحث الخامس نسخ حكم الفعل بالقول وعكسه","level":3,"page":675},{"title":"المبحث السادس العمل عند التعارض مع الجهل بالترتيب الزمني","level":3,"page":677},{"title":"المبحث السابع الصور التفصيلية لاختلاف القول والفعل","level":3,"page":679},{"title":"جدول الصور التفصيلية لاختلاف القول والفعل","level":4,"page":679},{"title":"مسالك الأصوليين في تعدد الصور التفصيلية","level":4,"page":680},{"title":"أمثلة تعين على إيضاح ما تقدم","level":4,"page":682},{"title":"الفصل الثالث تعارض الفعل والأدلة الأخرى","level":2,"page":687},{"title":"أولا - القرآن","level":3,"page":687},{"title":"ثانيا- الإجماع","level":3,"page":688},{"title":"ثالثا- القياس","level":3,"page":688},{"title":"قولنا في المسألة","level":4,"page":689},{"title":"الفصل الرابع اختلاف التقرير والقول أو الفعل","level":2,"page":691},{"title":"المبحث الأول اختلاف التقرير والقول","level":3,"page":692},{"title":"صور اختلاف التقرير والقول","level":4,"page":695},{"title":"أمثلة على اختلاف القول والتقرير","level":4,"page":697},{"title":"المبحث الثاني اختلاف التقرير والفعل","level":3,"page":700},{"title":"أمثلة على اختلاف الفعل والتقرير","level":4,"page":701},{"title":"ختام","level":1,"page":701},{"title":"ملحق الصور التفصيلية لاختلاف القول والفعل مع بيان الحكم في كل منهما","level":1,"page":703},{"title":"القطب الأول","level":2,"page":704},{"title":"القطب الثاني","level":2,"page":709},{"title":"القطب الثالث","level":2,"page":713},{"title":"القطب الرابع","level":2,"page":716},{"title":"المراجع","level":1,"page":720},{"title":"فهرس الأعلام","level":1,"page":737},{"title":"الآمدي (٥٥١ - ٦٣١ هـ)","level":2,"page":737},{"title":"ابن أبي جمرة (... -٦٩٥ هـ)","level":2,"page":737},{"title":"ابن أبي الحديد (٥٨٦ - ٦٥٥ هـ)","level":2,"page":737},{"title":"ابن أبي شريف (٨٢٢ - ٩٠٦ هـ)","level":2,"page":737},{"title":"ابن أبي هريرة (... -٣٤٥ هـ)","level":2,"page":738},{"title":"ابن الأثير (٥٤٤ - ٦٠٦ هـ)","level":2,"page":738},{"title":"ابن أمير الحاج (... -٨٨٩ هـ)","level":2,"page":738},{"title":"ابن تيمية (٦٦١ - ٧٢٨ هـ)","level":2,"page":738},{"title":"ابن تيمية (الأب) (٦٢٧ - ٦٨٢ هـ)","level":2,"page":738},{"title":"ابن تيمية الجد (... -٦٥٢ هـ)","level":2,"page":739},{"title":"ابن جماعة: (٦٣٩ - ٧٣٣ هـ)","level":2,"page":739},{"title":"ابن الجوزي (٥٠٨ - ٥٩٧ هـ)","level":2,"page":739},{"title":"ابن الحاج (... -٧٣٧ هـ)","level":2,"page":739},{"title":"ابن الحاج (... -٧٣٧ هـ)","level":2,"page":739},{"title":"ابن حبان (... -٣٥٤ هـ)","level":2,"page":739},{"title":"ابن حجر العسقلاني (٧٧٣ - ٨٥٢ هـ)","level":2,"page":740},{"title":"ابن حزم (٣٨٤ - ٤٥٦هـ)","level":2,"page":740},{"title":"ابن خلاد (... -٣٦٠ هـ)","level":2,"page":740},{"title":"ابن خلدون (٧٣٢ - ٨٠٨ هـ)","level":2,"page":740},{"title":"ابن خويز (... -٣٩٠ هـ تقريبا)","level":2,"page":741},{"title":"ابن دقيق العيد (٧٠٢ هـ)","level":2,"page":741},{"title":"ابن رشد (٤٥٠ - ٥٢٠ هـ)","level":2,"page":741},{"title":"ابن سريح (٢٤٩ - ٣٠٦ هـ)","level":2,"page":741},{"title":"ابن سعد (١٦٨ - ٢٣٠ هـ)","level":2,"page":741},{"title":"ابن سيده (٣٩٨ - ٤٥٨ هـ)","level":2,"page":741},{"title":"ابن سيرين (٣٣ - ١١٠ هـ)","level":2,"page":742},{"title":"ابن عبد السلام (٥٧٧ - ٦٦٠ هـ)","level":2,"page":742},{"title":"ابن عبدان (... -٤٣٣ هـ)","level":2,"page":742},{"title":"ابن العربي (٤٦٨ - ٥٤٣ هـ)","level":2,"page":742},{"title":"ابن عقيل (٤٣١ - ٥١٣ هـ)","level":2,"page":742},{"title":"ابن علية (١١٠ - ١٩٣ هـ)","level":2,"page":743},{"title":"ابن فورك (... -٤٠٦ هـ)","level":2,"page":743},{"title":"ابن قاسم (... -٩٩٢ هـ)","level":2,"page":743},{"title":"ابن قدامة (٥٤١ - ٦٢٠ هـ)","level":2,"page":743},{"title":"ابن القيم (٦٩١ - ٧٥١ هـ)","level":2,"page":743},{"title":"ابن اللحام (٧٥٢ - ٨٠٣ هـ)","level":2,"page":744},{"title":"ابن مسعود (... -٣٢ هـ)","level":2,"page":744},{"title":"ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤هـ)","level":2,"page":744},{"title":"ابن المنذر (٢٤٢ - ٣١٩ هـ)","level":2,"page":744},{"title":"ابن منظور (٦٣٠ - ٧١١ هـ)","level":2,"page":744},{"title":"ابن الهمام (٧٩٠ - ٨٦١ هـ)","level":2,"page":745},{"title":"ابن واصل (٦٠٤ - ٦٩٧ هـ)","level":2,"page":745},{"title":"أبو إسحاق المروزي (... -٣٤٠ هـ)","level":2,"page":745},{"title":"أبو الحسين البصري (... -٤٣٦ هـ)","level":2,"page":745},{"title":"أبو الخطاب (٤٣٢ - ٥١٠ هـ)","level":2,"page":745},{"title":"أبو شامة (٥٥٩ - ٦٦٥ هـ)","level":2,"page":746},{"title":"أبو الشعثاء (٢١ - ٩٣ هـ)","level":2,"page":746},{"title":"أبو عبد الله البصري (... -٣٧٠ هـ)","level":2,"page":746},{"title":"أبو يعلى (٣٨٠ - ٤٥٨هـ)","level":2,"page":746},{"title":"أبو يوسف (١١٣ - ١٨٢ هـ)","level":2,"page":746},{"title":"الأبياري (٥٥٧ - ٦١٨ هـ)","level":2,"page":747},{"title":"الأرموي (٥٩٤ - ٦٨٢ هـ)","level":2,"page":747},{"title":"الإسفراييني، أبو حامد (٣٤٤ - ٤٠٦ هـ)","level":2,"page":747},{"title":"الإسنوي (٧٠٤ - ٧٧٢ هـ)","level":2,"page":747},{"title":"الإصطخرى (٢٤٤ - ٣٢٨ هـ)","level":2,"page":747},{"title":"إلكيا الطبري (٤٥٠ - ٥٠٤ هـ)","level":2,"page":748},{"title":"أم سليم (... -٣٠ هـ؟)","level":2,"page":748},{"title":"أمير بادشاه (... -٩٨٧ هـ)","level":2,"page":748},{"title":"الباقلاني (٣٣٨ - ٤٠٣هـ)","level":2,"page":748},{"title":"البخاري (... -٧٣٠ هـ)","level":2,"page":749},{"title":"البزدوي (... -٤٨٢ هـ)","level":2,"page":749},{"title":"بشر الحافي (١٥٠ - ٢٢٧ هـ)","level":2,"page":749},{"title":"البلقيني (٧٢٤ - ٨٠٥ هـ)","level":2,"page":749},{"title":"البيضاوي (... -٦٨٥ هـ)","level":2,"page":749},{"title":"التفتازاني (٧١٢ - ٧٩١هـ)","level":2,"page":749},{"title":"التهانوي (... - بعد ١١٥٨ هـ)","level":2,"page":750},{"title":"التميمي (٣١٧ - ٣٧١هـ)","level":2,"page":750},{"title":"الثوري (٩٧ - ١٦١ هـ)","level":2,"page":750},{"title":"الجبائي، أبو علي (٢٣٥ - ٣٠٣هـ)","level":2,"page":750},{"title":"الجصاص (... -٣٧٠ هـ)","level":2,"page":750},{"title":"جولد زيهر، أجناس (١٢٦٦ - ١٣٤٠ هـ)","level":2,"page":751},{"title":"الجويني (٤١٩ - ٤٧٨ هـ)","level":2,"page":751},{"title":"حاجي خليفة (١٠١٧ - ١٠٦٧ هـ)","level":2,"page":751},{"title":"الحارث المحاسبي (... -٢٤٣ هـ)","level":2,"page":751},{"title":"الحليمي (٣٣٨ - ٤٠٣هـ)","level":2,"page":752},{"title":"خالد الأزهري (٨٣٨ - ٩٠٥ هـ)","level":2,"page":752},{"title":"الخطابي (... -٣٨٨ هـ)","level":2,"page":752},{"title":"الدهلوي (١١١٠ - ١١٧٦ هـ)","level":2,"page":752},{"title":"الرازي (٥٤٣ - ٦٠٦ هـ)","level":2,"page":752},{"title":"الزيدية","level":2,"page":753},{"title":"الروياني (٤١٥ - ٥٠٢ هـ)","level":2,"page":753},{"title":"الزركشي (٧٤٥ - ٧٩٤ هـ)","level":2,"page":753},{"title":"زكريا الأنصاري (٨٢٦ - ٩٢٦ هـ)","level":2,"page":753},{"title":"السبكي (٧٢٧ - ٧٧١ هـ)","level":2,"page":753},{"title":"السرخسي (... -٤٨٣ هـ)","level":2,"page":754},{"title":"السمعاني (٤٢٦ - ٤٨٩ هـ)","level":2,"page":754},{"title":"سهل التستري (٢٠٠ - ٢٨٣ هـ)","level":2,"page":754},{"title":"السهيلي (٥٠٨ - ٥٨١ هـ)","level":2,"page":754},{"title":"السيوطي (٨٤٩ - ٩١١ هـ)","level":2,"page":754},{"title":"الشربيني (... -١٣٢٦ هـ)","level":2,"page":755},{"title":"شريح (٤٢ ق. هـ-٧٨ هـ)","level":2,"page":755},{"title":"الشوكاني (١١٧٣ - ١٢٥٠هـ)","level":2,"page":755},{"title":"الشيرازي (٣٩٣ - ٤٧٦ هـ)","level":2,"page":755},{"title":"صدر الشريعة (... -٧٤٧ هـ)","level":2,"page":756},{"title":"الصغاني (٥٧٧ - ٦٥٠ هـ)","level":2,"page":756},{"title":"الصنعاني (١٠٩٩ - ١١٨٢هـ)","level":2,"page":756},{"title":"الصيرفي (... -٣٣٠ هـ)","level":2,"page":756},{"title":"الطحاوي (٢٣٩ - ٣٢١هـ)","level":2,"page":756},{"title":"العاقولي (٧٣٣ - ٧٩٧ هـ)","level":2,"page":757},{"title":"عبد الله بن سعد بن أبي السرح (... -٣٧ هـ)","level":2,"page":757},{"title":"عبد الجبار الهمداني (... -٤١٥ هـ)","level":2,"page":757},{"title":"عبد الرحمن بن مهدي (١٣٥ - ١٩٨ هـ)","level":2,"page":757},{"title":"عبد الوهاب خلاف (١٣٠٦ هـ- ...؟)","level":2,"page":757},{"title":"العضد (... -٧٥٦ هـ)","level":2,"page":758},{"title":"العلائي (٦٩٤ - ٧٦١ هـ)","level":2,"page":758},{"title":"علي المتقي الهندي (٨٨٨ - ٩٧٥ هـ)","level":2,"page":758},{"title":"(الشيخ) عليش (١٢١٧ - ١٢٩٩هـ)","level":2,"page":758},{"title":"عياض، القاضي (٤٧٦ - ٥٤٤ هـ)","level":2,"page":758},{"title":"الفاطميون","level":2,"page":759},{"title":"القرافي (... -٦٨٤ هـ)","level":2,"page":759},{"title":"القرطبي (... -٦٧١ هـ)","level":2,"page":759},{"title":"القشيري (٣٧٦ - ٤٦٥ هـ)","level":2,"page":759},{"title":"القفال (٢٩١ - ٣٦٥ هـ)","level":2,"page":759},{"title":"الكرامية","level":2,"page":760},{"title":"الكرخي (٢٦٠ - ٣٤٠ هـ)","level":2,"page":760},{"title":"المازري (٤٥٣ - ٥٣٦ هـ)","level":2,"page":760},{"title":"المحلي (٧٩١ - ٩٦٤ هـ)","level":2,"page":760},{"title":"محمد بن الحسن الشيباني (١٣١ - ١٨٩ هـ)","level":2,"page":761},{"title":"محمد خليل هراس (... -١٣٩٢ هـ؟)","level":2,"page":761},{"title":"النحاس (... -٣٣٨ هـ)","level":2,"page":761}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,15":14,"1,17":15,"1,18":16,"1,19":17,"1,20":18,"1,21":19,"1,22":20,"1,23":21,"1,24":22,"1,25":23,"1,26":24,"1,27":25,"1,28":26,"1,29":27,"1,30":28,"1,31":29,"1,32":30,"1,33":31,"1,34":32,"1,35":33,"1,36":34,"1,37":35,"1,38":36,"1,39":37,"1,40":38,"1,41":39,"1,42":40,"1,43":41,"1,44":42,"1,45":43,"1,46":44,"1,47":45,"1,48":46,"1,49":47,"1,50":48,"1,51":49,"1,52":50,"1,53":51,"1,54":52,"1,55":53,"1,56":54,"1,57":55,"1,58":56,"1,59":57,"1,60":58,"1,61":59,"1,62":60,"1,63":61,"1,64":62,"1,65":63,"1,67":64,"1,69":65,"1,71":66,"1,72":67,"1,73":68,"1,74":69,"1,75":70,"1,76":71,"1,77":72,"1,78":73,"1,79":74,"1,80":75,"1,81":76,"1,82":77,"1,83":78,"1,84":79,"1,85":80,"1,86":81,"1,87":82,"1,88":83,"1,89":84,"1,90":85,"1,91":86,"1,92":87,"1,93":88,"1,94":89,"1,95":90,"1,96":91,"1,97":92,"1,98":93,"1,99":94,"1,100":95,"1,101":96,"1,102":97,"1,103":98,"1,104":99,"1,105":100,"1,106":101,"1,107":102,"1,108":103,"1,109":104,"1,110":105,"1,111":106,"1,112":107,"1,113":108,"1,114":109,"1,115":110,"1,117":111,"1,118":112,"1,119":113,"1,120":114,"1,121":115,"1,122":116,"1,123":117,"1,124":118,"1,125":119,"1,126":120,"1,127":121,"1,128":122,"1,129":123,"1,130":124,"1,131":125,"1,132":126,"1,133":127,"1,134":128,"1,135":129,"1,136":130,"1,137":131,"1,138":132,"1,139":133,"1,140":134,"1,141":135,"1,142":136,"1,143":137,"1,144":138,"1,145":139,"1,146":140,"1,147":141,"1,148":142,"1,149":143,"1,150":144,"1,151":145,"1,152":146,"1,153":147,"1,154":148,"1,155":149,"1,156":150,"1,157":151,"1,158":152,"1,159":153,"1,160":154,"1,161":155,"1,162":156,"1,163":157,"1,164":158,"1,165":159,"1,166":160,"1,167":161,"1,168":162,"1,169":163,"1,170":164,"1,171":165,"1,172":166,"1,173":167,"1,174":168,"1,175":169,"1,176":170,"1,177":171,"1,178":172,"1,179":173,"1,180":174,"1,181":175,"1,182":176,"1,183":177,"1,185":178,"1,186":179,"1,187":180,"1,188":181,"1,189":182,"1,190":183,"1,191":184,"1,192":185,"1,193":186,"1,194":187,"1,195":188,"1,196":189,"1,197":190,"1,198":191,"1,199":192,"1,200":193,"1,201":194,"1,202":195,"1,203":196,"1,204":197,"1,205":198,"1,206":199,"1,207":200,"1,208":201,"1,209":202,"1,210":203,"1,211":204,"1,213":205,"1,215":206,"1,216":207,"1,217":208,"1,218":209,"1,219":210,"1,220":211,"1,221":212,"1,222":213,"1,223":214,"1,224":215,"1,225":216,"1,226":217,"1,227":218,"1,228":219,"1,229":220,"1,230":221,"1,231":222,"1,232":223,"1,233":224,"1,234":225,"1,235":226,"1,236":227,"1,237":228,"1,238":229,"1,239":230,"1,240":231,"1,241":232,"1,242":233,"1,243":234,"1,244":235,"1,245":236,"1,246":237,"1,247":238,"1,248":239,"1,249":240,"1,250":241,"1,251":242,"1,252":243,"1,253":244,"1,254":245,"1,255":246,"1,256":247,"1,257":248,"1,258":249,"1,259":250,"1,260":251,"1,261":252,"1,262":253,"1,263":254,"1,264":255,"1,265":256,"1,266":257,"1,267":258,"1,268":259,"1,269":260,"1,270":261,"1,271":262,"1,272":263,"1,273":264,"1,274":265,"1,275":266,"1,276":267,"1,277":268,"1,278":269,"1,279":270,"1,280":271,"1,281":272,"1,282":273,"1,283":274,"1,284":275,"1,285":276,"1,286":277,"1,287":278,"1,288":279,"1,289":280,"1,290":281,"1,291":282,"1,292":283,"1,293":284,"1,294":285,"1,295":286,"1,296":287,"1,297":288,"1,298":289,"1,299":290,"1,300":291,"1,301":292,"1,302":293,"1,303":294,"1,304":295,"1,305":296,"1,306":297,"1,307":298,"1,308":299,"1,309":300,"1,310":301,"1,311":302,"1,312":303,"1,313":304,"1,314":305,"1,315":306,"1,317":307,"1,318":308,"1,319":309,"1,320":310,"1,321":311,"1,322":312,"1,323":313,"1,324":314,"1,325":315,"1,326":316,"1,327":317,"1,328":318,"1,329":319,"1,330":320,"1,331":321,"1,332":322,"1,333":323,"1,334":324,"1,335":325,"1,336":326,"1,337":327,"1,338":328,"1,339":329,"1,340":330,"1,341":331,"1,342":332,"1,343":333,"1,344":334,"1,345":335,"1,346":336,"1,347":337,"1,348":338,"1,349":339,"1,350":340,"1,351":341,"1,352":342,"1,353":343,"1,354":344,"1,355":345,"1,356":346,"1,357":347,"1,358":348,"1,359":349,"1,360":350,"1,361":351,"1,362":352,"1,363":353,"1,364":354,"1,365":355,"1,366":356,"1,367":357,"1,368":358,"1,369":359,"1,370":360,"1,371":361,"1,372":362,"1,373":363,"1,375":364,"1,376":365,"1,377":366,"1,378":367,"1,379":368,"1,380":369,"1,381":370,"1,382":371,"1,383":372,"1,384":373,"1,385":374,"1,386":375,"1,387":376,"1,388":377,"1,389":378,"1,390":379,"1,391":380,"1,392":381,"1,393":382,"1,395":383,"1,396":384,"1,397":385,"1,398":386,"1,399":387,"1,400":388,"1,401":389,"1,402":390,"1,403":391,"1,404":392,"1,405":393,"1,406":394,"1,407":395,"1,408":396,"1,409":397,"1,411":398,"1,412":399,"1,413":400,"1,414":401,"1,415":402,"1,416":403,"1,417":404,"1,418":405,"1,419":406,"1,420":407,"1,421":408,"1,422":409,"1,423":410,"1,424":411,"1,425":412,"1,426":413,"1,427":414,"1,428":415,"1,429":416,"1,430":417,"1,431":418,"1,432":419,"1,433":420,"1,434":421,"1,435":422,"1,436":423,"1,437":424,"1,438":425,"1,439":426,"1,440":427,"1,441":428,"1,442":429,"1,443":430,"1,444":431,"1,445":432,"1,446":433,"1,447":434,"1,448":435,"1,449":436,"1,450":437,"1,451":438,"1,452":439,"1,453":440,"1,454":441,"1,455":442,"1,456":443,"1,457":444,"1,458":445,"1,459":446,"1,460":447,"1,461":448,"1,462":449,"1,463":450,"1,464":451,"1,465":452,"1,466":453,"1,467":454,"1,468":455,"1,469":456,"1,471":457,"1,472":458,"1,473":459,"1,474":460,"1,475":461,"1,476":462,"1,477":463,"1,478":464,"1,479":465,"1,480":466,"1,481":467,"1,482":468,"1,483":469,"1,484":470,"1,485":471,"1,486":472,"1,487":473,"1,488":474,"1,489":475,"1,490":476,"1,491":477,"1,492":478,"1,493":479,"1,494":480,"1,495":481,"1,496":482,"1,497":483,"1,498":484,"1,499":485,"2,1":486,"2,2":487,"2,3":488,"2,4":489,"2,5":490,"2,7":491,"2,9":492,"2,10":493,"2,11":494,"2,12":495,"2,13":496,"2,14":497,"2,15":498,"2,16":499,"2,17":500,"2,18":501,"2,19":502,"2,20":503,"2,21":504,"2,22":505,"2,23":506,"2,24":507,"2,25":508,"2,26":509,"2,27":510,"2,28":511,"2,29":512,"2,30":513,"2,31":514,"2,33":515,"2,34":516,"2,35":517,"2,36":518,"2,37":519,"2,38":520,"2,39":521,"2,40":522,"2,41":523,"2,42":524,"2,43":525,"2,45":526,"2,46":527,"2,47":528,"2,48":529,"2,49":530,"2,50":531,"2,51":532,"2,52":533,"2,53":534,"2,54":535,"2,55":536,"2,56":537,"2,57":538,"2,58":539,"2,59":540,"2,60":541,"2,61":542,"2,62":543,"2,63":544,"2,64":545,"2,65":546,"2,66":547,"2,67":548,"2,68":549,"2,69":550,"2,71":551,"2,72":552,"2,73":553,"2,74":554,"2,75":555,"2,76":556,"2,77":557,"2,78":558,"2,79":559,"2,80":560,"2,81":561,"2,82":562,"2,83":563,"2,84":564,"2,85":565,"2,87":566,"2,89":567,"2,90":568,"2,91":569,"2,92":570,"2,93":571,"2,94":572,"2,95":573,"2,96":574,"2,97":575,"2,98":576,"2,99":577,"2,100":578,"2,101":579,"2,102":580,"2,103":581,"2,104":582,"2,105":583,"2,106":584,"2,107":585,"2,108":586,"2,109":587,"2,110":588,"2,111":589,"2,112":590,"2,113":591,"2,114":592,"2,115":593,"2,116":594,"2,117":595,"2,118":596,"2,119":597,"2,120":598,"2,121":599,"2,122":600,"2,123":601,"2,124":602,"2,125":603,"2,126":604,"2,127":605,"2,128":606,"2,129":607,"2,130":608,"2,131":609,"2,132":610,"2,133":611,"2,134":612,"2,135":613,"2,136":614,"2,137":615,"2,138":616,"2,139":617,"2,140":618,"2,141":619,"2,142":620,"2,143":621,"2,144":622,"2,145":623,"2,146":624,"2,147":625,"2,148":626,"2,149":627,"2,150":628,"2,151":629,"2,152":630,"2,153":631,"2,154":632,"2,155":633,"2,156":634,"2,157":635,"2,158":636,"2,159":637,"2,160":638,"2,161":639,"2,163":640,"2,165":641,"2,166":642,"2,167":643,"2,168":644,"2,169":645,"2,171":646,"2,172":647,"2,173":648,"2,174":649,"2,175":650,"2,176":651,"2,177":652,"2,178":653,"2,179":654,"2,180":655,"2,181":656,"2,182":657,"2,183":658,"2,185":659,"2,186":660,"2,187":661,"2,188":662,"2,189":663,"2,190":664,"2,191":665,"2,192":666,"2,193":667,"2,194":668,"2,195":669,"2,196":670,"2,197":671,"2,198":672,"2,199":673,"2,200":674,"2,201":675,"2,202":676,"2,203":677,"2,204":678,"2,205":679,"2,206":680,"2,207":681,"2,208":682,"2,209":683,"2,210":684,"2,211":685,"2,212":686,"2,213":687,"2,214":688,"2,215":689,"2,216":690,"2,217":691,"2,218":692,"2,219":693,"2,220":694,"2,221":695,"2,222":696,"2,223":697,"2,224":698,"2,225":699,"2,226":700,"2,227":701,"2,228":702,"2,229":703,"2,231":704,"2,232":705,"2,233":706,"2,234":707,"2,235":708,"2,236":709,"2,237":710,"2,238":711,"2,239":712,"2,240":713,"2,241":714,"2,242":715,"2,243":716,"2,244":717,"2,245":718,"2,246":719,"2,247":720,"2,248":721,"2,249":722,"2,250":723,"2,251":724,"2,252":725,"2,253":726,"2,254":727,"2,255":728,"2,256":729,"2,257":730,"2,258":731,"2,259":732,"2,260":733,"2,261":734,"2,262":735,"2,263":736,"2,264":737,"2,265":738,"2,266":739,"2,267":740,"2,268":741,"2,269":742,"2,270":743,"2,271":744,"2,272":745,"2,273":746,"2,274":747,"2,275":748,"2,276":749,"2,277":750,"2,278":751,"2,279":752,"2,280":753,"2,281":754,"2,282":755,"2,283":756,"2,284":757,"2,285":758,"2,286":759,"2,287":760,"2,288":761},"ٜ":{"1":[1,499],"2":[1,288]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,15","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,67","1,69","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,213","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","2,1","2,2","2,3","2,4","2,5","2,7","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,30","2,31","2,33","2,34","2,35","2,36","2,37","2,38","2,39","2,40","2,41","2,42","2,43","2,45","2,46","2,47","2,48","2,49","2,50","2,51","2,52","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,58","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,66","2,67","2,68","2,69","2,71","2,72","2,73","2,74","2,75","2,76","2,77","2,78","2,79","2,80","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,87","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,98","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,104","2,105","2,106","2,107","2,108","2,109","2,110","2,111","2,112","2,113","2,114","2,115","2,116","2,117","2,118","2,119","2,120","2,121","2,122","2,123","2,124","2,125","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,131","2,132","2,133","2,134","2,135","2,136","2,137","2,138","2,139","2,140","2,141","2,142","2,143","2,144","2,145","2,146","2,147","2,148","2,149","2,150","2,151","2,152","2,153","2,154","2,155","2,156","2,157","2,158","2,159","2,160","2,161","2,163","2,165","2,166","2,167","2,168","2,169","2,171","2,172","2,173","2,174","2,175","2,176","2,177","2,178","2,179","2,180","2,181","2,182","2,183","2,185","2,186","2,187","2,188","2,189","2,190","2,191","2,192","2,193","2,194","2,195","2,196","2,197","2,198","2,199","2,200","2,201","2,202","2,203","2,204","2,205","2,206","2,207","2,208","2,209","2,210","2,211","2,212","2,213","2,214","2,215","2,216","2,217","2,218","2,219","2,220","2,221","2,222","2,223","2,224","2,225","2,226","2,227","2,228","2,229","2,231","2,232","2,233","2,234","2,235","2,236","2,237","2,238","2,239","2,240","2,241","2,242","2,243","2,244","2,245","2,246","2,247","2,248","2,249","2,250","2,251","2,252","2,253","2,254","2,255","2,256","2,257","2,258","2,259","2,260","2,261","2,262","2,263","2,264","2,265","2,266","2,267","2,268","2,269","2,270","2,271","2,272","2,273","2,274","2,275","2,276","2,277","2,278","2,279","2,280","2,281","2,282","2,283","2,284","2,285","2,286","2,287","2,288"],"ٞ":{"7":[1],"14":[2],"15":[3],"16":[4],"19":[5,6],"21":[7],"22":[8,9],"24":[10],"25":[11],"27":[12],"28":[13],"32":[14],"35":[15],"38":[16],"39":[17,18],"40":[19],"42":[20],"44":[21],"47":[22],"48":[23],"49":[24,25],"52":[26,27],"53":[28],"54":[29],"56":[30],"57":[31],"58":[32,33],"61":[34],"63":[35],"65":[36],"66":[37,38],"67":[39],"69":[40],"74":[41],"77":[42],"78":[43,44],"79":[45],"80":[46],"81":[47,48],"83":[49],"84":[50],"85":[51],"87":[52,53],"90":[54],"91":[55,56],"93":[57],"94":[58,59],"96":[60],"97":[61],"100":[62],"101":[63],"102":[64,65],"104":[66],"107":[67],"109":[68],"110":[69],"111":[70,71],"112":[72],"113":[73],"116":[74],"117":[75,76],"119":[77,78],"120":[79],"123":[80],"124":[81],"125":[82],"126":[83],"127":[84],"128":[85],"129":[86,87],"130":[88],"131":[89],"133":[90,91],"134":[92],"135":[93],"136":[94],"137":[95],"138":[96],"140":[97,98],"145":[99],"149":[100,101],"150":[102,103,104],"154":[105],"156":[106,107],"158":[108],"159":[109],"160":[110,111],"161":[112],"163":[113,114],"172":[115],"175":[116],"177":[117],"180":[118],"181":[119],"182":[120],"189":[121],"191":[122,123],"193":[124],"195":[125],"196":[126,127],"197":[128],"202":[129],"203":[130],"205":[131],"210":[132],"211":[133,134],"213":[135],"215":[136,137],"223":[138],"228":[139],"230":[140],"236":[141],"238":[142],"240":[143],"242":[144],"243":[145,146],"244":[147],"245":[148,149],"246":[150],"249":[151,152],"251":[153],"253":[154,155],"254":[156,157,158,159],"255":[160],"256":[161],"259":[162],"260":[163],"263":[164],"264":[165],"265":[166],"266":[167],"268":[168],"272":[169],"273":[170],"274":[171],"275":[172,173],"278":[174,175],"282":[176],"283":[177],"284":[178],"292":[179],"294":[180],"295":[181,182],"296":[183],"299":[184,185],"300":[186],"302":[187],"305":[188],"306":[189],"307":[190,191],"308":[192],"309":[193],"310":[194],"312":[195],"315":[196],"317":[197],"318":[198],"319":[199],"320":[200],"321":[201],"322":[202,203],"323":[204,205],"327":[206],"329":[207],"331":[208],"332":[209],"334":[210],"338":[211],"340":[212],"344":[213],"351":[214],"353":[215],"360":[216,217],"363":[218],"364":[219,220],"365":[221,222,223],"366":[224],"368":[225,226],"370":[227],"371":[228,229],"373":[230,231],"375":[232,233],"377":[234,235,236],"379":[237],"380":[238,239],"382":[240],"383":[241,242,243],"384":[244,245],"385":[246],"386":[247],"387":[248,249,250],"388":[251],"389":[252,253,254,255,256,257],"390":[258],"391":[259],"393":[260,261],"394":[262],"395":[263],"397":[264],"403":[265],"405":[266],"406":[267],"411":[268,269,270],"412":[271,272,273],"413":[274,275,276],"415":[277],"418":[278],"419":[279],"420":[280],"422":[281],"425":[282],"426":[283,284],"427":[285,286],"428":[287],"429":[288],"430":[289],"431":[290,291],"433":[292],"437":[293],"439":[294],"441":[295,296],"442":[297],"443":[298],"444":[299],"445":[300,301],"448":[302,303],"449":[304],"451":[305],"453":[306],"456":[307],"457":[308],"460":[309],"463":[310,311],"465":[312],"467":[313],"468":[314],"470":[315],"472":[316],"473":[317],"475":[318,319],"478":[320,321],"480":[322],"483":[323],"490":[324],"491":[325],"492":[326],"493":[327],"495":[328],"497":[329],"499":[330],"502":[331,332],"503":[333],"505":[334],"507":[335,336,337],"510":[338],"513":[339],"515":[340,341],"519":[342],"520":[343],"522":[344],"526":[345],"527":[346],"528":[347],"530":[348,349,350],"534":[351],"536":[352],"538":[353],"539":[354,355],"543":[356],"551":[357,358],"552":[359],"553":[360],"555":[361],"558":[362],"560":[363],"563":[364],"564":[365,366],"565":[367],"566":[368],"570":[369,370],"572":[371],"574":[372,373],"577":[374],"578":[375],"582":[376],"591":[377],"592":[378,379],"594":[380],"596":[381],"598":[382,383],"601":[384],"603":[385,386],"605":[387],"606":[388],"607":[389,390],"608":[391],"609":[392],"611":[393],"615":[394],"616":[395],"619":[396],"621":[397,398],"622":[399],"624":[400],"626":[401],"627":[402],"628":[403],"629":[404],"631":[405],"633":[406],"637":[407],"639":[408],"640":[409],"641":[410],"642":[411,412],"643":[413,414],"644":[415],"646":[416,417],"648":[418],"651":[419],"655":[420],"658":[421],"661":[422,423],"663":[424],"664":[425],"667":[426],"669":[427],"671":[428,429],"673":[430],"675":[431],"677":[432],"679":[433,434],"680":[435],"682":[436],"687":[437,438],"688":[439,440],"689":[441],"691":[442],"692":[443],"695":[444],"697":[445],"700":[446],"701":[447,448],"703":[449],"704":[450],"709":[451],"713":[452],"716":[453],"720":[454],"737":[455,456,457,458,459],"738":[460,461,462,463,464],"739":[465,466,467,468,469,470],"740":[471,472,473,474],"741":[475,476,477,478,479,480],"742":[481,482,483,484,485],"743":[486,487,488,489,490],"744":[491,492,493,494,495],"745":[496,497,498,499,500],"746":[501,502,503,504,505],"747":[506,507,508,509,510],"748":[511,512,513,514],"749":[515,516,517,518,519,520],"750":[521,522,523,524,525],"751":[526,527,528,529],"752":[530,531,532,533,534],"753":[535,536,537,538,539],"754":[540,541,542,543,544],"755":[545,546,547,548],"756":[549,550,551,552,553],"757":[554,555,556,557,558],"758":[559,560,561,562,563],"759":[564,565,566,567,568],"760":[569,570,571,572],"761":[573,574,575]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"أَفْعَالُ الرَّسُول ﷺ\nوَدَلاَلَتَهَا عَلَى الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ\nمُحَمَّد سُلَيْمَان الأشْقَر\nدكتورَاه فِي الشَّرِيعَةِ الإِسْلاَمِيَّة\nمِن الجَامِعَةِ الأَزْهَرِيَّةِ\nالجُزْءُ الأوَّلُ\nمؤسسة الرسالة","vol":"1","page":1},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم","vol":"1","page":2},{"text":"أَفْعَالُ الرَّسُول ﷺ\nوَدَلاَلَتَهَا عَلَى الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ\n١","vol":"1","page":3},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nغاية في كلمة\nجميع الحقوق محفوظة للمؤلف\nالطبعة السادسة\n١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م\nISBN ٩٩٥٣ - ٤ - ٠١٦٦ - ٧\nجميع الحقوق محفوظة ١٩٨٨ م. لا يسمح بإعادة هذا الكتاب أو جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام ميكانيكي أو إليكتروني يمكن من استرجاع الكتاب أو أي جزء منه. ولا يسمح باقتباس أي جزء من الكتاب أو ترجمته إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر. (٦)\nمؤسسة الرسالة\nللطباعة والنشر والتوزيع\nوطى المصيطبة\nشارع حبيب أبي شهلا\nبناء المسكن\nهاتف: ٣١٩٠٣٩ - ٨١٥١١٢\nفاكس: ٨١٨٢١٥ (٩٦١١)\nص. ب: ١١٧٤٦٠\nبيروت - لبنان\nresalah\npublishers\nTel: ٣١٩٠٣٩ - ٨١٥١١٢\nfax: (٩٦١١) ٨١٨٦١٥\nBeirut - lebanon\nEmail:\nresalah@resalah.com\nweb location:\nHttp://www.resalah.com","vol":"1","page":4},{"text":"بسم الله الرحمن الرحم\nسبحانك لا علم لنا إلّا ما علمتنا\nإنك أنت العليم الحكيم\nربنا آتنا من لدنك رحمة،\nوهيّء لنا من أمرنا رشدًا\nاللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه\nوأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه\nاللَّهمَّ:\nمنك\nولك","vol":"1","page":5},{"text":"نال المؤلف بهذه الرسالة درجة العالمية (الدكتوراه) بمرتبة الشرف الأولى، في أصول الفقه، من كلية الشريعة بجامعة الأزهر، بعد مناقشتها في الجلسة المنعقدة لذلك بقاعة الشيخ محمد عبده. يوم الاثنين ٢٥/ ١٠/ ١٩٧٦م. من قبل لجنة مؤلفة من فضيلة الشيخ عبد الغني عبد الخالق مشرفًا، وفضيلة الشيخ محمد أنيس عبادة عضوًا وفضيلة الدكتور محمد السعيد عبد ربه عضوًا.","vol":"1","page":6},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>فاتِحَة القَول</span>\nالحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه. وصلوات الله وتسليمه على نبيه الأمين، الذي حمل وحيه، وأدّاه إلينا كاملًا، مبينًا، لا عوج فيه، فعلمنا به من الجهالة، وهدانا به من الضلالة، وجمعنا به بعد الفرقة، وجعل لنا في الدنيا والآخرة مكانًا لا تنكره الأمم.\nوبعد، فإن نهر الشريعة الخالد ينبع أوّلًا من كتاب الله العظيم وحي الله المبارك، وكلمته إلى العالمين. ويستمد هذا النهر بعدُ من سنن النبيّ - ﷺ -.\nمنذ أن اختار اللُه نبيه محمدًا - ﷺ - لحمل الرسالة، استشعر عظم المهمة التي ألقيت على عاتقه لهداية البشر، وتخوّف ثقل القول الذي كلّف به. لقد أهمّه أمر الجموع الزائغة من البشر، في الجزيرة وخارجها، من يهديها؟ وتلك الأجيال المتلاحقة عبر الزمان إلى أن تقوم الساعة، من يعلمها أحكام الله!\nحتى وردت الطمأنينة له من السماء: ﴿ما ودّعك ربك وما قلى * وللآخرة خير لك من الأولى * ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾ الله معك، أما أنت فاستقم كما أمرت، ولا تحد عنه. لا تقهر اليتيم، ولا تنهر السائل، وحدّث الناس بما جاءك من الوحي، واعبد الله واتّقِه حق تقاته. فهذا الذي عليك. ولست عليهم بمسيطر.\nإذن الأمر هيّن: تبليغ واستقامة، بيان بالقول، وضرب مثل بالفعل. أما الهداية والإضلال فهما بيد الله وحده.","vol":"1","page":7},{"text":"فشرح الله صدره للأمر، ووضع عنه وزره الذي أنقض ظهره، ويسر له ما كان عليه عسيرًا.\nولكن هل كانت المهمة يسيرة حقًا؟ لقد كان عليه - ﷺ - أن يقوم الليل إلا قليلًا، يتدبّر تلك الكلمات الإلهية، ويقوّم بقيلها فكره وقلبه، حتى إذا أصبح، بلّغها قومه، واستقام عليها ليُقْتَدَى به، ونفّذ ما علّمه الله، ليكون شاهدًا عليهم، كما أرسل اللُه إلى فرعون رسولًا، فعصاه فأخذه الله أخذًا وبيلًا. فالأمر جدّ، وليس عبثًا.\nلقد حرصت الأمة على تدوين ما صدر عنه - ﷺ - من أقواله وأفعاله، وحفظ الله الذّكر بتلك الجهود المضنية التي بذلتها الأمّة، في شتّى ميادين العلم، والتي تكاد تماثل ما بذلته من الجهود في الجهاد والتبليغ. فكان في كلا النوعين من الجهاد، رفع ذكر محمد - ﷺ -، وذكر قومه في العالمين.\nأفعال النبي - ﷺ - في حقيقة الأمر أكثر من أقواله أضعافًا مضاعفة.\nوهذا ملاحظ في سائر البشر. فقلّما ينفكّ البشر عن فعل. ولكنه لا يتكلم إلاّ إذا بدا له ذلك.\nوالتقرير أكثر من ذلك كله، فإن ما رآه النبي - ﷺ - من أفعال الصحابة وتروكهم، وما رآه في بيئته من الأمور فلم يغيره، لا يحصى، والذي أنكره من ذلك قليل جدًا.\nلكن ما نقل إلينا في دواوين السنة من الأفعال والتقارير، أقلّ من الأقوال أو يساويه. وقد جمع السيوطي عامة السنن المروية في جامعه الكبير، فكانت الروايات الفعلية مساويًا تقريبًا للروايات القولية.\nومع ذلك، فهل خدَمَ الأصوليون الأفعال التي نقلت كما خدموا الأقوال؟\nإن كتب الأصول الشاملة تعرضت للأقوال، من جميع جوانبها تقريبًا. فبحثت في الأمر والنهي، والعموم والخصوص، والحقيقة والمجاز، وغيرها.","vol":"1","page":8},{"text":"بل تعرضوا لألفاظٍ معينة ودلالتها، فتكلموا في من وإلى وعن وعلى وأمثالها.\nوهناك المباحث التي تدخل فيها الأفعال مع الأقوال، كالحكم، والنسخ، والبيان والإجمال، وما سواها، كادت هذه المباحث أن تكون في كلام الأصوليين مقصورة على الأقوال، ولا يذكر الفعل فيها إلاّ لِمامًا، كأنه ضيف زائر، أو حبيب معاتَب.\nوكتب الباحثون المتخصصون قديمًا وحديثًا في مباحث الأقوال، وأفردوا أكثرها بمؤلفات متخصصة. فكتبوا في الأمر والنهي، وفي الحقيقة والمجاز، وفي تفسير النصوص المجملة. وكتبوا في العموم والخصوص وغير ذلك.\nوبالإضافة إلى ذلك كانت الدراسات اللغوية في النحو والبيان والمعاني تقوم بخدمة الأقوال، وبيان أدقّ الفروق في دلالاتها.\nلقد حرمت الأفعال النبوية إلاّ من مجهودات ضئيلة، لقد مسّها الأصوليون مسًّا سريعًا في مؤلفاتهم الأصولية الشاملة.\nفهل ذلك هو الوزن الحقيقيّ للأفعال؟ هل أعطيت الأفعال (كامل حقوقها وما ينبغي لها؟) إن استقراء مواقع الخلاف بين الفقهاء يظهر بجلاء، أن من أسباب الخلاف بينهم اختلافهم في الأحكام المستفادة من الأفعال، بل لعلّي لا أكون مبالِغًا إذا قلت: إنّ الخلاف في قواعد الأفعال هذه هو السبب الأكبر في الخلاف الفقهي.\nولم نجد، بعد طول البحث، أحدًا خصّ الأفعال بمؤلّف خاص، ما عدا اثنين من فضلاء المتأخرين، أحدهما الشيخ أبو شامة المقدسي، من رجال القرن السابع. ورسالته في ستين ورقة تقريبًا. والآخر من رجال القرن الثامن وهو الحافظ العلائيّ، ورسالته في نحو ثلاثين ورقة.\nلم يُغَطِّ المؤلفان المذكورات جميع نواحي مباحث الأفعال، وكان بحثهما في المواضع التي طرقاها قاصرًا من جهات.","vol":"1","page":9},{"text":"لقد كان ذلك كله حافزًا لاختيار الأفعال النبوية موضوعًا لدراسة أصولية، أخدم بها السنة المطهرة.\nوقد سرت في عملي بحماس شديد شاعرًا بعظم المهمة، ناظرًا إلى الفراغ الكبير الذي ينتظر السداد.\nلقد كان السير في الطريق الممهّدة سيرًا رفيقًا. أما الفراغ الذي لم يطرق من قبل فقد كان السير فيه عسيرًا مضلِّلًا، لولا عون الله وتسديده وتوفيقه.\nوحرصًا على الطريق الممهّدة، لم أشأ أن أبدأ السير قبل أن أطّلع على كتابات شاملة في الأفعال، فحرصت كل الحرص على الحصول على رسالتي الحافظ العلائي وأبي شامة.\nأما الأولى فقد حصلت عليها بيسر، إذ وجدتها هنا بالقاهرة.\nوأما الأخرى، فقد طال البحث عنها في مكتبات العالم العربي فلم توجد فيه. ثم يسّر الله الكريم العثور عليها صدفة في إحدى المكتبات النائية في أوروبا، ولعلها النسخة الوحيدة في العالم من المؤلف المذكور. فحصّلت صورتها بعد عناء شديد.\nإلاّ أنه قد تبيّن أن كلًا من الرسالتين المذكورتين عجالة، تغني من جوع ولكنها لا تُسمِن، وتنقع الغلة دون أن تعطي الريّ أو تشفي الصدر.\nواستعنت بالله.\nورأيت أن من الأفعال ما ليس في فعليّته خفاء، كالصلاة والصوم والجهاد والركوع والسجود والأكل والشرب والنوم.\nوأنّ من الأفعال ما اختلف في أنه فعل أو ليس بفعل كالترك والكتابة والإشارة والسكوت والإقرار.\nفخصصت النوع الأول بباب وسمّيته باب الأفعال الصريحة.","vol":"1","page":10},{"text":"وخصصت النوع الثاني بباب وسمّيته باب الأفعال غير الصريحة.\nوجعلت للتعارض بين الأفعال وما سواها من الدلائل بابًا ثالثًا.\nوقد مهّدت للرسالة بتعريف السنة لغة واصطلاحًا. وبيان حجية السنة إجمالًا ومنزلتها من القرآن. وفي تحرير المهمات النبوية وبيان دور الأفعال في أدائها على الوجه الأكمل.\nوأما الباب الأول وهو باب الأفعال الصريحة فقد انتظم في تسعة فصول:\nالفصل الأول تعرضت فيه للبيان بالأفعال في حالة انفرادها أو اجتماعها مختلفة أو متفقة. وفي حال اجتماعها مع الأقوال.\nوالفصل الثاني تعرضت فيه لأحكام أفعال النبي - ﷺ -. فأوضحت أن فعله قد يصدر عن النصوص القرآنية، أو عن اجتهاد، أو تفويض، وأنه قد يصدر على أساس مرتبة العفو، أي عدم الحكم.\nوبينت في الفصل الثاني أن الأفعال التي تصدر عنه - ﷺ -، إما أن تكون من قبيل الواجبات، أو المندوبات، أو المباحات، وتعرضت للعصمة عن المكروهات والمحرمات.\nوذكرت الطرق التي يتعيّن بها حكم فعله - ﷺ -. فحصرت ذلك، وناقشت النظريات التي أُورِدَت في أماكن شتى من كلام الأصوليين حول ذلك.\nوفي الفصل الثالث بيّنت أن الأفعال النبوية من حيث الجملة حجّة شرعية. وناقشت المخالفين في ذلك. وأوردت الأدلة المقنعة.\nوفي الفصل الرابع قسّمت الأفعال النبوية الصريحة عشرة أقسام: الفعل الجبِلّيّ. والعاديّ. والدنيويّ. والخصائص. والمعجزات. والفعل البيانيّ. والامتثاليّ. والمتعدّي. والمفعول لانتظار الوحي. ثم الفعل المجرّد.\nوخصصت كل واحد منها بمبحث خاص أوضحت ما يستدل به منها وما لا يستدل به، وكيفية ذلك.","vol":"1","page":11},{"text":"غير أني خصصت الفعل المجرّد بفصل خاص هو الفصل الخامس، لمَّا أنه لبُّ باب الأفعال، وهو الذي يقع فيه الخلاف.\nوفي الفصل السادس تحدثت عن الأحكام التي يصح استفادتها من الأفعال، ومن أين يؤخذ كل منها، سواء الأفعال التكليفية والوضعية.\nوفي الفصل السابع تحدثت عن صفة الدلالة الفعليّة، وطبيعتها، وهل تنتمي إلى الدلالة المطابقيّة أو التضمنيّة أو الالتزامية. وذكرت أن الفعل قد يدل بالمفهوم. وبيّنت كيفية انسحاب حكم الفعل النبويّ على أفعال الأمة.\nوتعرضت في الفصل الثامن لدلالة متعلّقات الفعل النبوي. فذكرت دلالة سبب الفعل، وفاعله، ومفعوله، ومكانه، وزمانه، وهيئته، وما يقارنه، وأدواته المادّية، وعدد الفعل ومقداره.\nوفي الفصل التاسع ذكرت مباحث متنوّعة تتعلق بالأفعال، فعقدت مبحثًا بيّنْتُ فيه للمجتهد الطريق العمليَّ الذي يسلكه لاستفادة الحكم من الفعل النبويّ؛\nومبحثًا آخر للاعتراضات التي تورد على الاستدلال بالأفعال، وكيف الجواب عنها.\nومبحثًا ثالثًا لنقل الفعل النبوي، وما قد يقع من الخلل في أدوات النقل وعباراته، وما يحصل من الأوهام بسبب ذلك، ليحصل التنبه لها، والحذر من الوقوع فيها.\nأما الباب الثاني: فقد عقدته للأفعال غير الصريحة وهي الكتابة والإشارة والأوجه الفعلية للقول، والترك، والسكوت، والتقرير، والهم بالفعل. وعقدت لكل منها فصلًا. ثم عقدت فصلًا لأمور تلحق بالأفعال النبوية.\nأما الباب الثالث: فقد عقدته للتعارض بين الأفعال النبوية بعضها ببعض، والتعارض بينها وبين الأدلة الأخرى. وانتظم عندي في أربعة فصول. وألحقت به قطعة من رسالة الحافظ العلائيّ المسمّاة (تفصيل الإجمال في تعارض","vol":"1","page":12},{"text":"الأقوال والأفعال) رأيت من الضروري أن تكون بين يدَيْ من يطّلع على هذا البحث.\nوقد كان مما أخذته على نفسي في هذا البحث أن أزن الأمور بما تستحقه، فلا أستقلّ قولًا للجهالة بقائله، أو لأنه نُبِزَ بوصف غير لائق، ولا أغترّ بقول نسب إلى الجمهور أو الكثير، أو إلى فلان أو فلان من المشهورين.\nوقد أوردت من الفروع الفقهية أمثلة تتّضح بها القواعد، ويبين بها المراد. وأخذت على نفسي ألاّ أستطرد وراء تلك الفروع نقاشًا واستدلالًا إلاّ بمقدار ما تتضح به القاعدة الأصولية ويبين به المراد منها. والذي يريد دراسة الفرع الفقهيّ ينبغي أن يأخذه من مظانّه من كتب الفقه.\nوخرّجت ما ورد في هذه الرسالة من الآيات والأحاديث. وترجمت للأعلام المستغربة نوعًا ما، وتركت الترجمة للمشهورين اكتفاء بشهرتهم.\nولست أدّعي العصمة، ولا أزعم الإحاطة. وإنما أدّعي وأزعم أنني بذلت جهدًا في جمع شمل نواحي هذا الموضوع الهام، وأنني حللت جزءًا من تلك المشكلات، وسلطت الأضواء على مواضع الإشكال الأخرى.\nوليس ذلك بحولي ولا بقوّتي، وإنما بفضل الله وعونه وتيسيره لكل صعب، لمست ذلك عندما رأيت تفتّح المقفلات، وتيسير الشدائد، وتسهيل كل عسير.\nوأتقدم بالشكر إلى أستاذي فضيلة الشيخ عبد الغني محمد عبد الخالق، الذي كان لتشجيعه وتوجيهه أثره الكبير في خروج هذه الرسالة على هذا الوضع، ولكل من أسدى في ذلك يدًا.\n\"والحمد لله أولًا وآخرًا\"\nالقاهرة - مدينة نصر\nيوم الخميس ١٧ من رجب الحرام ١٣٩٦ هـ\n١٥ من يوليو ١٩٧٦ م","vol":"1","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>تمهيد</span>\n١ - السنة في اللغة وفي الاصطلاح.\n٢ - حجية السنة إجمالًا، ومنزلتها من القرآن.\n٣ - تحرير المهمات النبوية وبيان دور الأفعال في أدائها على الوجه الأكمل.\n٤ - تعريف (الفعل) وانقسامه إلى صريح وغير صريح.\n٥ - الأفعال النبوية في الدراسات الحديثية والأصولية.","vol":"1","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>المبحث الأول السنّة فى اللغة وفي الاصطلاح</span>\nالسنة في اللغة الطريق: المسلوك حسيًا كان أو معنويًا (١). قال صاحب اللسان: \"السنة، وسُنن الطريق وسَنَنُهُ، نهجه. وقال شمر: السنة في الأصل سنة الطريق. وهو طريق سنّه أوائل الناس فصار مسلكًا لمن بعدهم\".\nوقال اللُه تعالى: ﴿سنة الله في الذين خلوا من قبل﴾ (٢) أي: \"سن الله في الذين نافقوا الأنبياء وأرجفوا بهم أن يقتلوا أينما وجدوا\" (٣). وقال أيضًا: فهل ينظرون إلا سنة الأولين ﴿فلن تجد لسنة الله تبديلًا ولن تجد لسنة الله تحويلًا﴾ (٤)، أي: \"إنما ينتظرون العذاب الذي نزل بالكفار الأولين. فقد أجرى الله العذاب على الكفار، وجعل ذلك سنة فيهم، فهو يعذِّب بمثله من استحقه. لا يقدر أحد أن يبدّل ذلك\" (٥).\nوسواء أكانت الطريقة حميدة أو ذميمة، فكلاهما في اللغة سنة، يدلّ للنوع الأول قول لبيد في معلقته:\nمن معشر سنت لهم آباؤهم ... ولكل قوم سنة وإمامها\n_________\n(١) المعاني الحسية الواردة في اللغة لمادة (سنن) ثلاثة:\n١ - السن بمعنى تحديد السكين ونحوها.\n٢ - السنة بمعنى الحظ. وقد ذكر في اللسان من معاني السنة الخط في جلد الحمار (الوحشي).\n٣ - السنن والسنة بمعنى الطريق.\n(٢) سورة الأحزاب: آية ٣٨ و٦٢\n(٣) تفسير الآية عن لسان العرب.\n(٤) سورة فاطر: آية ٤٣.\n(٥) تفسير هذه الآية عن القرطبي ١٤/ ٣٦٠","vol":"1","page":17},{"text":"ويدل للنوع الثاني قول خالد بن زهير:\nولا تَعْجَبَنّ من سيرةٍ أنتَ سرتَها (١) ... فأول راضٍ سُنّةً مَنْ يسيرها\nبل ورد هذا الاستعمال في السنة، كما في حديث الصحيحين، أنه - ﷺ - قال: \"من سنّ في الإسلام سنّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سنّ في الإسلام سنّة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة\". وقال - ﷺ -: \"لتتبعُنّ سُنن الذين من قبلكم، شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضبّ لدخلتموه\" (٢).\nوبهذا يتبيّن ضعف قول الخطابي: \"إن \"السنة\" في اللغة للطريقة المحمودة خاصة\" (٣).\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-4>السنة\" في الاصطلاح:</span>\nالسنة في اصطلاح الأصوليين ما صدر عن النبي - ﷺ - غير القرآن من الأقوال والأفعال.\nوهي في اصطلاح المحدّثين لمعنى أوسع من ذلك، إذ هي عندهم: \"ما أضيف إلى النبي - ﷺ -، من قول، أو فعل، أو صفة خَلْقيّة، أو خُلُقيّة، وما يتصل بالرسالة من أحواله الشريفة قبل البعثة ونحو ذلك\" (٤). وإنما جعلوها كذلك لأنهم أهل العناية برواية الأخبار.\nوتطلق السنة على ما يقابل البدعة. وبذلك تصدق على كل الشريعة، من قرآن، وحديث ثابت، واجتهاد صحيح. ومن هنا استعمل الاصطلاح المشهور\n_________\n(١) هذه رواية ابن قتيبة في (عيون الأخبار) ٤/ ١٠٨ ولكن في (الشعر والشعراء): و(الأغاني. ط بولاق ٦/ ٦٢ - ٦٣): فلا تجزعن من سنة أنت سرتها. وللبيت قصة، فلتراجع في هذه المواضع.\n(٢) متفق عليه (الفتح الكبير).\n(٣) إرشاد الفحول ص ٣٣\n(٤) محمد محمد أبو زهو: الحديث والمحدثون / ١٠","vol":"1","page":18},{"text":"\"أهل السنة\" تمييزًا لهم عن المبتدعة في الأعمال أو الاعتقادات، كالمعتزلة، والشيعة، والخوارج. ولهذا الاستعمال أصل في الحديث النبوي، قال - ﷺ -: \"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي. تَمَسّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة\" (١). فقابل السنن بالبدع.\nوفي الصدر الأول كانت السنّة تطلق على طريقة الخلفاء الراشدين، بالإضافة إلى طريقة النبي - ﷺ -. وقد روي ذلك من قول النبي - ﷺ - (سنة الخلفاء الراشدين) كما في الحديث الآنف الذكر. وقال علي بن أبي طالب ﵁: \"جلَد النبي - ﷺ - أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وجلد عمر ثمانين، وكلٌّ سنة\" (٢). إلا أنه لما أخذ الفقهاء فيما بعد بالمبدأ القائل بأنه لا حجّة في قول أحد بعد النبي - ﷺ -، قُصِرت دلالة لفظ \"السنة\" على أقوالِ وأفعالِ النبي - ﷺ - وحده. قال ابن فارس: \"كره العلماء قول من قال: سنة أبي بكر وعمر، وإنما يقال سنة الله وسنة رسوله\" (٣).\nأما في اصطلاح الفقهاء فالسنة بمعنى النافلة والمندوب، أي ما يتقرب به إلى الله تعالى مما ليس بمتحتم على المسلم.\nوبعضهم جعله لنوع خاص من القربة هي ما داوم عليه النبي - ﷺ - من التعبدات، كالوتر والرواتب وصوم الاثنين والخميس، دون ما لم يداوم عليه، كالنوافل المطلقة. واستعمل الفقهاء \"السنة\" في باب الطلاق خاصة للدلالة على الجواز الشرعي، فقالوا: طلاق السنة، وقابلوه بقولهم: طلاق البدعة، وهو غير المشروع، كالطلاق في الحيض، وطلاق الثلاث دفعة واحدة.\nهذا ويلاحظ على تعريف الأصوليين للسنة، أنه يدخل فيه ما لم يكن من أقوال النبي - ﷺ - وأفعاله حجة، كأفعاله وأقواله في شؤون الدنيا الصرفة، لقوله:\n_________\n(١) رواه أبو داود ١٢/ ٣٦٠ وحسنه الترمذي. ورواه الترمذي وابن ماجه (الفتح الكبير).\n(٢) رواه مسلم (نيل الأوطار ٧/ ١٤٧).\n(٣) إرشاد الفحول ص ٦","vol":"1","page":19},{"text":"\"أنتم أعلم بأمر دنياكم\" (١). والأولى إخراج مثل هذا (٢)، ولعلّهم إنما تركوا التصريح به لظهوره، لأن من ترك العمل بما لا حجة فيه، لا يقال إنه تارك للسنة. ويشير إلى هذا قول عائشة: \"نزول الأبطح ليس بسنّة، إنما نزله رسول الله - ﷺ - لأنه كان أسمح لخروجه\" (٣). مع أن النبي - ﷺ - فعله.\nويلاحظ أيضًا أن أقواله وأفعاله - ﷺ -، قبل النبوة، ليست بتشريع، وتخرج بقولهم في التعريف (ما صدر عن النبي) فإن ما صدر عنه - ﷺ - قبل النبوة لا يصدق عليه أنه (صادر عن النبي).\nوملاحظة ثالثة، وهي أن قول المحدّثين (ما أضيف إلى النبي - ﷺ -) أشمل مما قال الأصوليون، فالحديث عند المحدثين سنة بقطع النظر عن ثبوته. ولا يكون سنة عند الأصوليين إلاّ بقيد ثبوته عن النبي - ﷺ -، ومن أجل ذلك عبّروا بقولهم (ما صدر عن النبي - ﷺ -).\nوملاحظة رابعة، وهي أن بعض الأصوليين قال في تعريف السنة: إنها ما صدر عن النبي - ﷺ - من قول أو فعل أو تقرير، وبعضهم يضيف الترك، وبعضهم يضيف الهمّ والإشارة ونحو ذلك. والأولى ترك ذكر ما عدا الأقوال والأفعال، كما صنع البيضاوي في المنهاج، لأن كلّ ما ذكر مما سواهما فهو فعل على الراجح، كما سنذكره في مواضعه إن شاء الله.\nوأما من ادّعى أن شيئًا مما ذكر ليس فعلًا، وأنه حجة، فيلزمه ذكره في التعريف.\n_________\n(١) رواه مسلم ١٦/ ١١٨\n(٢) عبد الوهاب خلاف نص على أن ذلك \"من السنة ولكنه ليس تشريعًا واجبًا اتباعه\". وعندي أن ذلك هو من \"السنة\" في اصطلاح المحدثين لا في اصطلاح الأصوليين لأن الأصوليين يعتمدون (الحجية). وقد أشار إلى اعتبار قيد الحجية في التعريف صاحب تيسير التحرير ٣/ ٢٠\n(٣) رواه مسلم ٩/ ٥٨","vol":"1","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>المبحث الثاني حجية السنّة إجمالًا</span>\nالاحتجاج بالسنة الواردة عن النبي - ﷺ -، واعتبارها أحد أصول الشريعة الإسلاميّة الدالة على الأحكام الشرعية، هو دأب المسلمين قديمًا وحديثًا. والذين يعرضون عن اتخاذها كذلك، ولا يعتبرونها عليهم حجة، قوم زائغون منحرفون عن الحق. بل قال الشوكاني: \"إن ثبوت حجيّتها، واستقلالها بتشريع الأحكام، ضرورة دينية، ولا يخالف في ذلك إلّا من لا حظّ له في دين الإسلام\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>القرآنيون:</span>\nوقد نبغ بين المسلمين قوم سمّوا أنفسهم \"القرآنيين\"، ادّعوا أن الشريعة لا تؤخذ إلّا من القرآن، وأن المسلمين ليسوا بحاجة إلى السنة. وصنعوا من فهمهم المجرد للقرآن تركيبة شرعيّة في الطهارات والصلاة والزكاة والحج وغيرها، يعلم المطّلع عليها يقينًا أنها مخالفة لما كان عليه رسول الله - ﷺ - وأصحابه. ولهؤلاء القوم المعاصرين المذكورين سلف فيمن مضى، لم يزالوا تذرّ نجومهم، فتطمسها شموس الحق من أئمة الهدى في كل زمان. وقد ألّف السيوطي رسالته المشهورة \"مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة\" للرد على من وجد من دعاة هذه الفكرة في زمانه من الرافضة. وذكر فيه أن أصحاب هذا الرأي من الزنادقة والرافضة، كانوا موجودين\n_________\n(١) إرشاد الفحول ص ٣٣","vol":"1","page":21},{"text":"بكثرة في زمن الأئمة الأربعة فمن بعدهم \"وتصدى لهم الأئمة الأربعة، وأصحابهم، في دروسهم ومناظراتهم وتصانيفهم\" (١).\nوذكر الشاطبيّ (٢) طائفة شبيهًا حالها بحال هؤلاء، إلّا أنها كانت تقبل الحديث إذا وافق القرآن. ومع ذلك فقد قال الشاطبي عنهم: \"أنهم قوم لا خلاق لهم\". ولا شك أنهم أهل لهذا الحكم.\nومما تمسّك به هؤلاء ظواهر قرآنية، نحو ظاهر قوله تعالى: ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾ (٣) وقوله: ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شيء﴾ (٤).\nوالجواب أن الآية الأولى ليس المراد بالكتاب فيها القرآن، بل اللوح المحفوظ، كما هو واضح من السياق. وكان القرآن تبيانًا لكل شيء بما دل عليه من الأدلة الأخرى، وهي السنة والإجماع والقياس.\nومما تمسّكوا به أيضًا أحاديث ضعيفة مردودة، كما روي أن النبي - ﷺ - قال: \"ما أتاكم عني فأعرضوه على كتاب الله، فإن وافق كتاب الله فأنا قلته، وإن خالف كتاب الله فلم أقله أنا، وكيف أخالف كتاب الله وبه هداني الله؟ \". قال عبد الرحمن بن مهدي: \"الزنادقة وضعوا هذا الحديث\" (٥). وقال الصَّغَاني: \"هذا الحديث موضوع\" (٦).\nومنه ما روي أن النبي - ﷺ - قال: \"لا تكتبوا عني شيئًا إلا القرآن، فمن كتب عني شيئًا غير القرآن فليمحه\" (٧). وهو معارض بقوله - ﷺ -: \"اكتبوا لأبي شاهٍ\" (٨). وإذنه لعبد الله بن عمرو (٩) في كتابة ما يسمعه منه - ﷺ -.\n_________\n(١) السيوطي: مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة ص ٣، ٤\n(٢) الموافقات ٤/ ١٧، ١٨\n(٣) سورة الأنعام: آية ٣٨\n(٤) سورة النحل: آية ٨٩\n(٥) الموافقات للشاطبي ٤/ ١٨\n(٦) المقاصد الحسنة. وانظر أيضًا: السيوطي: مفتاح الجنة، ص ١٤\n(٧) رواه أحمد ومسلم (الفتح الكبير).\n(٨) رواه البخاري (فتح الباري) ط مصطفى الحلبي ١/ ٢١٦\n(٩) رواه أحمد وأبو داود (فتح الباري ط مصطفى الحلبي ١/ ٢١٨)","vol":"1","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>الحديثيون:</span>\nونحن وإن كنا ننعى على القوم الذين تقدّم ذكرهم أسلوبهم في فهم الدين، لا يسعنا إلّا أن نوجّه اللوم -منصفين- إلى قوم انتسبوا إلى الحديث الشريف انتسابًا جعلهم يعرضون عن كتاب الله، ولا يتدبّرونه حقّ التدبر لاستفادة الأحكام منه. بل كل اعتمادهم على السنة وحدها. ولو سألت أحد (علمائهم) عن حكم شرعي ودليله، لما عَرّج على كلام ربه، ولا التفت إليه، بل يسارع إلى الاستشهاد بالحديث والاستدلال به، ولو كان الحكم في القرآن بيّنًا واضحًا لا لبس فيه.\nولست أعني أنهم يعتقدون وجوب تقديم السنة على الكتاب، ولكن الذي أعنيه تصرفهم العمليّ في دراساتهم وتآليفهم وفتاواهم ونحو ذلك. وكان الواجب علهيم إنزال السنّة منزلتها الحقيقية، منزلة الخادم لكتاب الله، التابع له، الواقف حياله، يترجم عنه، ويوضّح ما غمض من معانيه.\nوليس هناك -في ما نعلم- طائفة من المسلمين يعتقدون تنحية القرآن عن الاحتجاج به في الدين، ولا طائفة معينة يعتقدون تقديم السنة على القرآن، وإن نقل القول بذلك عن قوم لم يعينوا (١). بل المسلمون ما بين معتقد لمساواة القرآن للسنة في الاحتجاج، وبين معتقد لتقديمه عليها، وهو الراجح، كما في الحديث المشهور من إقرار النبي - ﷺ - لمعاذ إذ قال: \"أقضي بكتاب الله، فإن لم أجد فبسنّة رسول الله، فإن لم أجد أجتهد رأيي ولا آلو\" (٢). وروي أن عمر بن الخطاب ﵁، قال في كتابه إلى شريح قاضيه على الكوفة: \"إذا أتاك أمر فاقض بما في كتاب الله، فإن أتاك ما ليس في كتاب الله فاقض بما سنّ فيه رسول الله - ﷺ -\" (٣). وفي رواية: \"إذا وجدت شيئًا في كتاب الله فاقض فيه ولا تلتفت إلى غيره\".\n_________\n(١) نقله الشاطبي في الموافقات ٤/ ٨ - ١٠ ونقله الجويني (إرشاد الفحول ص ٢٧٣).\n(٢) بمعنى ما في سنن أبي داود (٩/ ٥٠٩) وفي عون المعبود: أخرجه الترمذي وقال \"ليس إسناده بمتصل\" ولكن قال الخطيب: \"لما احتجوا به جميعًا أغنى عن طلب الإسناد له\".\n(٣) هذا الأثر بروايتيه ذكره الشاطبي في الموافقات (٤/ ٨) وقد انفرد به النسائي ٤/ ٢٣١","vol":"1","page":23},{"text":"هذا وقد ورد عن بعض أهل العلم أنه قال: \"السنة قاضية على الكتاب، وليس الكتاب بقاضٍ على السنة\" (١). ومعناه أن السنة تبين مجمل القرآن، وتخصص عامه، وتقيّد مطلقه. ولكن هذا القائل عبّر تعبيرًا غير موفق، أوجد نوعًا من التصور الفاسد لتقديم السنة على القرآن، وفتح لأعداء الإسلام مطعنًا، إذ ادّعوا أن تقييم المسلمين للسنة تطوّر صُعُدًا، حتى قدموها على القرآن. وقد ذكر أن الإمام أحمد سمع مثل هذا القول، فكان تعليقه على ذلك أن قال: \"لا أجسر أن أقوله، ولكن أقول: السنة تفسر القرآن وتبيّنه\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>أدلة حجية السنة النبوية:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>١ - من القرآن:</span>\nقوله تعالى: ﴿قل أطيعوا الله والرسول﴾ (٣). وقوله: ﴿وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون﴾ (٤)، ﴿ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا﴾ (٥) وهو - ﷺ - أمَرنا باتباع سنته، والأخذ بها، فيلزم طاعته في ذلك، ليتحقق امتثال هذه الآيات المذكورة وأمثالها.\nوهو - ﷺ - قد أمَرَنا أيضًا بأمور تفصيلية، ونهانا عن غيرها، فيلزمنا طاعته فيها عملًا بالآيات المذكورة أعلاه، وذلك هو الأخذ بالسنة.\nوورد في كتاب الله تعالى أمره لنا باتباع نبيه - ﷺ -، وتعليق فلاحنا على ذلك، وجعله مقتضى محبتنا الله، ومقتضيًا لمحبة الله لنا.\nفقد قال تعالى: ﴿الذين يتّبعون الرسول النبيّ الأمّي الذي يجدونه مكتوبًا\n_________\n(١) ذكره الشاطبي في الموافقات (٤/ ١٠) ونقل أيضًا في مادة (السنة) من دائرة المعارف\nالإسلامية (١٢/ ٢٨٤) غير منسوب إلى قائل معين، ولم نجده في مصدر مسند.\n(٢) نقله الشاطبي في الموافقات ٤/ ٢٦\n(٣) سورة آل عمران / ٣٢.\n(٤) سورة آل عمران: آية ١٣٢\n(٥) سورة الأحزاب: آية ٧١","vol":"1","page":24},{"text":"عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحلّ لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزّروه ونصروه واتبعوا النور الذي أُنزِل معه أولئك هم المفلحون﴾ (١).\nوقال: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ (٢).\nوإذا ثبتت مشروعية اتباعه - ﷺ -، فإن الاتباع هو سلوك السبيل الذي سلكه المتبوع. وسبيل محمد - ﷺ - هي سنته، وهو المطلوب.\nبل قد ورد في القرآن الكريم بيان أن تعليم السنة، بالإضافة إلى تعليم الكتاب، هو من مهمة محمد - ﷺ -. قال الله تعالى: ﴿هو الذي بعث في الأميّين رسولًا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيّهم ويعلّمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين﴾ (٣).\nقال قتادة: \"الحكمة السنّة وبيان الشرائع\" (٤).\nولكن يحتمل أن يقال: إن المراد بالحكمة الفهم العميق، ومعرفة معالجة الأمور بما تستحقه، كما فسّرها آخرون. وعلى هذا الوجه لا تكون الآية حجة في هذه المسألة.\nإلا أنه ورد في سورة الأحزاب قوله تعالى: ﴿يا نساء النبيّ لستنّ كأحد من النساء إن اتقيتنّ فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض ...﴾ إلى قوله: ﴿... واذكرن ما يتلى في بيوتكنّ من آيات الله والحكمة﴾ (٥) وهو يبيّن أن الحكمة شيء خاص متميّز كان ﴿يتلى﴾ أو يصنع به ما هو شبيه بالتلاوة (٦) من المذاكرة\n_________\n(١) سورة الأعراف: آية ١٧٥\n(٢) سورة آل عمران: آية ٣١\n(٣) سورة الجمعة: آية ٢\n(٤) تفسير القرطبي ٢/ ١٣١ وهو عند البخاري (فتح الباري ط الحلبي ١٠/ ٣٩)\n(٥) سورة الأحزاب: آية ٣٤، ٣٥\n(٦) على حد ما قال النحويون في قول الشاعر:\nعلفتها تبنًا وماءًا باردًا ... حتى شَتَتْ همّالةً عيناها","vol":"1","page":25},{"text":"والتحفظ والدراسة. وهذا يبيّن أن تفسير قتادة للحكمة هو الصواب، وتكون الآية دليلًا على حجية السنة كما تقدم (١). ومما يؤكد هذا المعنى أن الصحابة ﵃ كانوا (يتعلمون السنة كما يتعلمون القرآن) ففي صحيح مسلم: \"جاء ناس إلى النبي - ﷺ -، فقالوا: ابعث معنا رجالًا يعلموننا القرآن والسنة\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>٢ - من السنة:</span>\nشهد المسلمون أن محمدًا - ﷺ - هو رسول الله حقًا، بدلالة المعجزات التي أجراها الله على يديه، وهذا يقتضي الإيمان بعصمته من الكذب فيما يبلغنا إياه عن ربه ﷿، وما جاء به من أمر الدين.\nوقد صحّ عنه - ﷺ - أنه قال: \"تركت فيكم أمرين لن تضلّوا ما تمسَّكتم بهما، كتاب الله وسنة نبيه\" (٣).\nأخبر أن في التمسّك بالسنّة، كالكتاب، أمانًا من الضلال. وهذا يقتضي أنها حق ودليل صحيح على الأحكام.\nوقال رسول الله - ﷺ -: \"ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا يوشك أن يقعد الرجل متكئًا على أريكته، يُحَدَّث بحديث من حديثي، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه. ألا وإن ما حرّم رسول الله مثل ما حرّم الله\".\n_________\n(١) قال الشافعي ﵁ (... ما من الله به على العباد من تعلم الكتاب والحكمة دليل على أن الحكمة سنة رسول الله - ﷺ - (الرسالة ص ٣٢) وقال: \"سمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول: الحكمة سنة رسول الله. قال (الشافعي): \"وهذا يشبه ما قال والله أعلم، لأن القرآن ذكر وأتبعته الحكمة، وذكر الله منَّةً على خلقه بتعليمهم الكتاب والحكمة. فلم يجز أن يقال الحكمة ها هنا إلا سنة رسول اللُه\" والآية الأخرى التي ذكرناها أشد وضوحًا في الدلالة على المراد. والحمد لله على توفيقه.\n(٢) صحيح مسلم: ١٣/ ٤٦\n(٣) رواه مالك بلاغًا في الموطأ (عبد الباقي) ٢/ ٨٩٩","vol":"1","page":26},{"text":"وفي رواية عند أحمد، قال - ﷺ -: \"ألا إني أوتيتُ القرآن ومثله معه، ألا إني أُوتيت القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجلٌ ينثني شبعانًا [كذا بالأصل] على أريكته، يقول: عليكم بالقرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرامٍ فحرّموه. ألا لا يحل لكم الحمار الأهليّ، ولا كلُّ ذي نابٍ من السباع، ألا ولا لُقَطة من مال مُعَاهَد، إلا أن يستغني عنها صاحبها. ومن نزل بقوم فعليهم أن يَقْرُوهم، فإن لم يَقْروهم فلهم أن يعقبوهم بمثل قراهم\" (١).\nومعنى قوله - ﷺ -: \"ألا وإني أُوتيت القرآن ومثله معه\" أي أوتيت القرآن وأوتيت مثله من السنة التي لم ينطق بها القرآن. وكمثال على ذلك نذكر أن الله آتى نبيه، تحريم الخبائث، فُصِّل بعضها في القرآن، كالميتة والدم ولحم الخنزير وبعضها بالسنة، كما ذكر في هذا الحديث، كلحوم الحمر الأهلية ولحوم السباع.\nوقال: \"العلم ثلاثة. وما سوى ذلك فهو فضل: آية محكمة، أو سنّة قائمة، أو فريضة عادلة\" (٢).\nلا يقال: أن هذا الاحتجاج للسنة بالسنة، فكيف يحتج بها قبل أن يثبت أنها حجة؟\nلأن المراد أنه لما ثبت إخباره في هذه الأحاديث وأمثالها بكون سنته حقًا، ومثل القرآن في لزوم اتّباعها، فإما أن يكون خبره هذا كذبًا، وهو مستحيل، لدلالة المعجزة على صدقه، ولما ثبت من عصمته عن الكذب في أمر الدين. فلا يبقى إلاّ أن قوله هذا حقّ. وهو المطلوب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>٣ - دلالة الإجماع:</span>\nإن المتتبع لتصرفات الصحابة ﵃ في تعرّفهم لأحكام الدين لأجل العمل به، يجد أنهم إذا وجدوا السنة عملوا بها، وجعلوها حجة في الدين، ولم يستجيزوا مخالفتها وإغفالها واطّراحها.\n_________\n(١) المسند ٤/ ١٣١\n(٢) رواه أبو داود (عون المعبود ٨/ ٩٢) وابن ماجه.","vol":"1","page":27},{"text":"نجد ذلك في تصرفات أبي بكر مثلًا:\nفعنه أنه قال: \"يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسَكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم﴾ (١) وإنا سمعنا رسول الله - ﷺ - يقول: \"إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيّروه أوشك أن يعمّهم الله بعقابه\".\nوطلبت فاطمة والعباس من أبي بكر ﵃ ميراثهما من النبي - ﷺ -، فمنعهما أن يعطيهما شيئًا، وقال: إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"لا نورث. ما تركنا صدقة\" (٢).\nوأمر أبو بكر عُمّاله على الصدقة أن يعملوا بما سنّه رسول الله - ﷺ -. وهذا نص مطلع كتابه: عن أنس بن مالك أن أبا بكر كتب لهم: \"إن هذه فرائض الصدقة التي فرض رسول الله - ﷺ - على المسلمين، والتي أمر الله بها رسوله، فمن سئلها من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سئل فوق ذلك فلا يعط\" (٣) ثم بين المقادير.\nوعمر ﵁ لما جادل أبا بكر في قتال مانعي الزكاة، قال: \"كيف تقاتلهم وقد قال رسول الله - ﷺ -: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأني رسول الله، فإذا قالوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلاّ بحقها. وحسابهم على الله\". فقال أبو بكر: \"والله لأقاتلنّ من فرّق بين الصلاة والزكاة. فإن الزكاة حق المال\" (٤).\nوكان عمر يَقْصُر في السفر الآمن، ويقول: \"سألت رسول الله - ﷺ - عن ذلك فقال: صدقة تصدّق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته\" (٥).\n_________\n(١) سورة المائدة: آية ١٠٥\n(٢) مسند أحمد تحقيق أحمد شاكر ١/ ١٥٨ وقال: إسناده صحيح.\n(٣) رواه أحمد (١/ ١٨٣) وأبو داود والنسائي والدارقطني، ورواه البخاري مفرقًا في مواضع من صحيحه (أحمد محمد شاكر في تحقيق المسند).\n(٤) الحديث إسناده صحيح. رواه أحمد في المسند. تحقيق أحمد شاكر ١/ ٢٠٧\n(٥) رواه مسلم ٥/ ١٩٦ وأبو داود والترمذي.","vol":"1","page":28},{"text":"وعثمان ﵁ قال: في مملوكة ولدت من زنا: \"أقضي بينكما بقضاء رسول الله - ﷺ -: الولد للفراش، وللعاهر الحجر\" (١).\nوذكّر الناس في يوم الفطر والنحر، وقال: \"نهى رسول الله - ﷺ - عن صوم هذين اليومين\" (٢).\nوكان يعلّم الناس الوضوء بفعله، ويقول: \"رأيت رسول الله - ﷺ - توضأ نحو وضوئي هذا\" (٣).\nوعليّ ﵁ جلد الشارب أربعين، واحتجّ بسنة النبي - ﷺ -. ورجم الزانية محتجًّا بأن ذلك سنة رسول الله\".\nفي وقائع كثيرة، لا تنحصر كثرة، ثبتت عن الأربعة الراشدين، وغيرهم من الصحابة الأكرمين، مما لا يدع مجالًا للشك أنه كان متقررًا لديهم أن سنة رسول الله - ﷺ - حجة لله على عباده، وأن العمل بها عمل بدين الله وشرعه. فانعقد على ذلك إجماعهم، ولم يخالف فيه أحد منهم. واستمرّت الأمة الإسلامية على ذلك، \"ولم يخالف فيه إلاّ من لا حظّ له في الإسلام\"، كما قال الشوكاني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>أنواع الحديث النبوي من جهة دلالته على الأحكام:</span>\nذكر وليّ الله الدهلوي أن مما روي عن النبي - ﷺ - ودُوِّن في كتب الحديث، على قسمين، قال: \"الأول: ما سبيله سبيل تبليغ الرسالة\" (٤)، وفيه قوله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ (٥).\nومن هذا القسم علوم المعاد وعجائب الملكوت. وهذا كلّه مستند إلى الوحي.\n_________\n(١) رواه أحمد ١/ ٣٣٨، وإسناده حسن (أحمد شاكر).\n(٢) رواه أحمد ١/ ٤٢٧ وإسناده صحيح (أحمد شاكر).\n(٣) رواه مسلم ٣/ ١٠٨\n(٤) حجة الله البالغة ١/ ٢٧٢، ٢٧٣\n(٥) سورة الحشر: آية ٧","vol":"1","page":29},{"text":"ومنه شرائع وضبط للعبادات والاتفاقات وهذه بعضها مستند إلى الوحي، وبعضها مستند إلى الاجتهاد واجتهاده - ﷺ - بمنزلة الوحي، لأن الله تعالى عصمه من أن يتقرّر رأيه على الخطأ.\nومنه حكم مرسلة ومصالح مطلقة لم يوقّتها ولم يبيّن حدودها ...\nوالثاني: ما ليس من باب تبليغ الرسالة، وفيه قوله - ﷺ -: \"إنما أنا بشر. إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأي فإنما أنا بشر\".\nفمنه الطبّ، ومنه باب قوله - ﷺ -: \"عليكم بالأدهم الأقرح\" (١) ومستنده التجربة.\nومنه ما فعله - ﷺ - على سبيل العادة، وبحسب الاتفاق دون القصد ...\nومنه ما ذكره كما كان يذكره قومه كحديث أم زرع.\nومنه ما قصد به مصلحة جزئية يومئذ، وليس من الأمور اللازمة لجميع الأمة، وذلك مثل ما يأمر به الخليفة من تعبئة الجيوش، وتعيين الشعار ...\nومنه حكم وقضاء خاص. وإنما كان يتّبع فيه البينات والأيمان\". اهـ.\nوهو تقسيم جيد وتحديد واضح. وسوف نفصل القول في مثل ذلك في ما يتعلق بالأفعال النبوية في ما نستقبله من هذا البحث إن شاء الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>منزلة السنة من القرآن:</span>\nيتبيّن مما تقدم أن في منزلة السنة في القرآن ثلاثة أقوال:\nالأول: أن القرآن مقدّم في الرتبة على السنة، فلا يُنْسخ القرآن بالسنة. وقد\n_________\n(١) أي من الخيل، والأدهم الأسود، والأقرح الذي في جبهته بياض دون الغرة. والحديث رواه أحمد والترمذي والحاكم وابن ماجه عن أبي قتادة مرفوعًا بلفظ \"خير الخيل الأدهم الأقرح الأرثم المحجل ثلاث. فإن لم يكن أدهم فكميت على هذه الصِّفَة. وهو صحيح (صحيح الجامع الصغير).","vol":"1","page":30},{"text":"نسب ابن السمعاني (١) هذا القول إلى الشافعي في عامة كتبه، وإلى أبي حامد الإسفراييني، وابن سُريج. ومعنى ذلك أن السنة لا يمكن أن تأتي بما يعارض القرآن على وجه لا يمكن الجمع بينهما. فإن روي من ذلك شيء، فلا بدّ أن السنة منسوخة، أو في الاستدلال بها دخَل، أو تكون الآية منسوخة بآية أخرى. وإلّا فإنّ الرواية لا تكون ثابتة.\nالثاني: أنهما متساويان. وعند التعارض يقدَّم المتأخر ورودًا منهما. فإن لم يعلم يتوقّف في المسألة.\nوأصحاب القول الثاني يجيزون نسخ القرآن بالسنة. وقد نسب ابن السمعاني (٢) هذا القول إلى الحنفية وعامة المتكلمين. وقال: قيل إنه اختيار ابن سريج.\nالثالث: إن السنة مقدمة على الكتاب. فيطرح الكتاب عند التعارض. وهو قول مردود، لا ينسب إلى قائل معين.\nولا حاجة بنا إلى الخوض في ذكر أدلّة أصحاب القولين الأولين ومناقشاتها، بعد أن نعلم أنه لم يرد شيء من الأحاديث الصحيحة يتعين أنه ناسخ للكتاب، حتى نقل الغزالي عن بعضهم \"إن ذلك لم يقع أصلًا\" (٣).\nوكل ما قيل فيه من الأحاديث إنه ناسخ للقرآن خمسة ليس غيرها فيما نعلم:\n١ - حديث: \"لا وصية لوارث\" (٤). قيل إنه ناسخ لآية: ﴿الوصية للوالدين والأقربين﴾ (٥).\n_________\n(١) القواطع ق ١٤٨ أ. على أن ابن السمعاني ذكر الاتفاق على أن السنة الآحادية لا تنسخ القرآن. فعلى هذا: المقصود بالسنة التي يصح أن تكون ناسخة للقرآن عندهم المتواترة دون الآحادية.\n(٢) القواطع ق ١٤٨ أ.\n(٣) المستصفى ١/ ٨٠\n(٤) صحيح (تفسير القرطبي ٢/ ٢٦٣).\n(٥) سورة البقرة: آية ١٨٠","vol":"1","page":31},{"text":"والصحيح أن النسخ إنما هو بآيات المواريث، ولكن لمّا احتمل أن آية المواريث تَضُمُّ للوالد والقريب حظًّا آخر، أو تبدل حظًّا من حظ، جاء الحديث مبيّنًا أن المراد الاحتمال الثاني. فلولا هذا الحديث لأمكن الجمع للوارث بين الميراث والوصية. فكان الحديث مبينًا لا ناسخًا (١).\n٢ - قول النبي - ﷺ -: \"خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا: الثّيب بالثّيب جلد مائة والرجم، والبكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام\" (٢). قال بعضهم: هو ناسخ لآية إمساك الزواني في البيوت حتى يتوفاهن الموت.\nوالصواب أن الحديث مبيّن للسبيل المذكور في الآية.\n٣ - حديث قتال النبي - ﷺ - لأهل الطائف في ذي القعدة الحرام. قال بعض الفقهاء إن ذلك ناسخ لقوله تعالى (٣): ﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتالٍ فيه قل قتال فيه كبير﴾ ونحوها من الآيات الدالة على تحريم القتال في الأشهر الحرم.\nوالصواب أن تحريم القتال فيها غير منسوخ، بل هو باقٍ مؤبّد مؤكّد. وما كان من قتال النبي - ﷺ - لثقيف إنما كان من باب ردّ العدوان المذكور مع تحريم الأشهر الحرم في آية واحدة، هي قوله تعالى: ﴿الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ (٤)، وقد كانت ثقيف وسائر هوازن تجمعت بعد فتح النبي - ﷺ - لمكة، وسارت إليه، فقابلهم بحنين وهزمهم، فلجأ فلّهم إلى الطائف. فكان من تمام المعركة -بحسب المنطق العسكري الذي يدل عليه قول تعالى: ﴿فإن قاتلوكم فاقتلوهم﴾ - ملاحقة المنهزمين قبل أن يتمكنوا من إعادة الكرة، وفي الحديث عن جابر ما يدل على ذلك، حيث قال: \"كان النبي - ﷺ - لا يغزو في الشهر الحرام إلاّ أن يُغْزَى، أو يغزو، فإذا حضره أقام حتى ينسلخ\" (٥).\n_________\n(١) أشار السمعاني (ق ١٥٢أ) إلى أن الحديث مبين للآية، ولم يوضح معنى البيان كما وضحناه.\n(٢) رواه مسلم وأحمد من حديث عبادة بن الصامت (الفتح الكبير).\n(٣) سورة البقرة: آية ٢١٧.\n(٤) سورة البقرة: آية ١٩٤.\n(٥) رواه أحمد ٣/ ٣٣٤، ٣٤٥","vol":"1","page":32},{"text":"٤ - ذكروا (١) أن آياتٍ نسخت بأحاديث، الصحيح فيها أنها مخصصة وليست ناسخة، منها: ﴿ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه﴾ (٢) نسخت في حق ابن خَطَل حينما قال - ﷺ -: \"اقتلوه\" (٣). وقد كان متعلقًا بأستار الكعبة. والصواب أن هذا تخصيص وليس نسخًا.\n٥ - ومنها آية: ﴿قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرَّمًا على طاعمٍ يطعمه إلّا أن يكون ميتة ...﴾ (٤) الآية ذكروا نسخها بحديث النهي عن كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير.\nوواضح أن هذا تخصيص أيضًا وليس بنسخ.\nوممن نبّه إلى قلة جدوى الخوض في هذه المسألة الشاطبي، حيث قال: \"البحث في هذه المسألة بحث في غير واقع أو في نادر الوقوع، ولا كبير جدوى فيه\" (٥). وصرّح ابن تيمية بأنه يذهب إلى امتناع نسخ القرآن بالسنة وأن ذلك مقتضى حرمة القرآن (٦). وقال الشوكاني: \"وبه جزم الصيرفي والخفاف، بل نقل بعضهم إجماع الشافعية عليه\" (٧).\nهذا بالنظر إلى ما يصدر عن النبي - ﷺ -. وإنما يقطع بذلك من يسمعها منه مباشرة، أو تنقل إليه نقلًا قطعيًا. فإن نقلت نقلًا آحاديًا انضم إلى المسألة عنصر جديد يؤيد عدم الأخذ بها فيما عارض القرآن، إذ إن احتمالات كذب الرواة ووهمِهم تدخل في البين، لتخفف من وزن الحديث في ميزان الترجيح. ويوافق في هذا المقام على مرجوحية السنة، كثير ممن عارض ذلك في المقام الأول. فقال الشوكاني: هذا رأي الجمهور. وذكر أن ابن السمعاني وسليمًا الرازي نقلا الإجماع عليه (٨).\n_________\n(١) ابن السمعاني (ق ١٤٩ أ).\n(٢) سورة البقرة: آية ١٩٢\n(٣) صحيح مسلم ٩/ ١٣١\n(٤) سورة الأنعام: آية ١٤٥\n(٥) الموافقات: ٤/ ١١\n(٦) الفتاوى الكبرى. ط الرياض ٢٠/ ٣٩٧ - ٣٩٩\n(٧) إرشاد الفحول: ١/ ١٩٠\n(٨) إرشاد الفحول: ١/ ١٩٠.","vol":"1","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>مجالات خدمة السنة الشريفة للقرآن العظيم:</span>\nيمكن حصر المجالات التي تخدم فيها السنة القرآن العظيم فيما يلي:\n١ - تقرير مضمون الكتاب وتثبيت حقائقه بما يقطع احتمال المجاز، وذلك بأن تأمر بعين ما أمر به، وتنهى عن عين ما نهى عنه، وتخبر بعين ما أخبر به.\nمثاله أن الله تعالى أمر بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وإتمام الصوم، والحج، ونحوها من الفرائض، أعني الأمر بأصل الفعل. فجاءت السنة آمرة بذلك أيضًا. وفَعَلها النبي - ﷺ -. وكذلك جاء الكتاب ناهيًا عن نكاح الربيبة، والجمع بين الأختين، فامتنع النبي - ﷺ - من ذلك وأكّد أنه حرام (١). وقد يسمى هذا النوع بيان التقرير. وهو لا يزيد عن أن يكون توكيدًا لما في الكتاب.\n٢ - تفسير ما في القرآن من مجمل. وذلك أن يَرِد القرآن بنص لا يُدرى المراد به أصلًا، ولا يتمكن المجتهد من استنباط التفاصيل، إذ إنها تُعلم من قبل القائل الأول. ومثاله أنه تعالى أمر بالصلاة، ولم يبين أوقاتها، ولا أعدادها، ولا عدد ركعاتها، ولا هيئاتها؛ فلا اللغة تبين ذلك من لفظ (الصلاة)، ولا أحيل في بيانها على شيء آخر. فلم يبق إلا أن يُبين ذلك من قبل الله تعالى. فكان ذلك بالسنّة. ويسمى هذا النوع بيان التفسير.\n٣ - وقريب من هذا النوع بيان التخصيص للعام، وبيان التقييد للمطلق، وبيان إرادة خلاف الظاهر.\nفالأول مثل أن الله أمر بقطع السارق، وهذا يعمّ سارق القليل والكثير، وجاء في الحديث إخراج صور معينة، لا قطع فيها، كمن سرق دون النصاب، أو سرق الثمر المعلّق وأكله في مكانه. فهذا بيان أنّ المراد بقوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ (٢) ما عدا ما أُخرِج بالسنة.\n_________\n(١) انظر صحيح مسلم ٩/ ١٥ ورواه البخاري وأبو داود وأحمد.\n(٢) سورة المائدة: آية ٣٨","vol":"1","page":34},{"text":"ومن هذا النوع سائر ما بُيِّن من الشرائط لتنفيذ الأوامر الشرعية في العبادات\nوالحدود وغيرها.\nوالثاني، وهو تقييد المطلق، مثل قوله تعالى في كفارة اليمين: ﴿أو تحرير رقبة﴾ (١) قال النبي - ﷺ - لمن أراد عتق جارية بكماء، كفارةً عن ضربه لها: \"أعتقها فإنها مؤمنة\" (٢) فقاسَ بعض الفقهاء على ذلك كفارة اليمين وأوجب فيها أن تكون مؤمنة.\nوأما بيان إرادة خلاف الظاهر، فمثاله ما ورد أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن﴾ (٣) أهمَّ ذلك الصحابة، وقالوا: أيّنا لم يظلم نفسه؟ فبيّن لهم - ﷺ - أنه تعالى يريد بالظلم الشرك خاصة.\n٤ - تبديل ما في القرآن بأحكام أخرى. وهو النسخ. فهذا يثبتُه بعض الأصوليين، وينفيه آخرون. ونفيه هو الذي رجحّناه، كما تقدم.\n٥ - هذا وقد تضيف السنة إلى الشريعة أحكامًا مستقلة ليست في القرآن. وهذا النوع قسمان (٤):\nأ- قسم يمكن إرجاعه إلى القرآن بنوع من القياس، أو من العمل بالمقاصد العامة التي أرشد إليها القرآن. فمثال القياس أن الله تعالى قال: ﴿حرّمت عليكم أمهاتكم وبناتكم ... وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة﴾ (٥) فذكر سبع محرمات بالنسب واثنتين بالرضاعة. فجاءت السنة تحرم سائر السبع من الرضاع، بحديث: \"يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب\" (٦).\nومثال العمل بالمقاصد العامة: إباحة المسح على الخفين والعمامة والجبيرة، رخصة لدفع الحرج أو الضرر المشهود لهما في القرآن.\n_________\n(١) سورة المائدة: آية ٨٩\n(٢) رواه مسلم ٥/ ٢٤ وأبو داود ٩/ ١٠٦\n(٣) سورة الأنعام: آية ٨٢\n(٤) الموافقات ٤/ ١٢ وما بعدها.\n(٥) سورة النساء: آية ٢٣. والمقصود بالقياس في هذا المثال الإلحاق بنفي الفارق.\n(٦) متفق عليه (الفتح الكبير).","vol":"1","page":35},{"text":"ب- وقسم يمكن إرجاعه إلى القرآن على معنى أنّ القرآن أرشد إلى العمل بالسنة. ومثاله ما ورد عن عبد الله بن مسعود، أنه قال: \"لعن الله الواشمات والمستوشمات والنامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله\" (١). فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب، وكانت تقرأ القرآن، فأتته فقالت: ما حديث بلغني عنك أنك لعنت كيت وكيت؟ فقال: \"وما لي لا ألعن من لعن رسول الله - ﷺ -، وهو في كتاب الله ... \". قال الله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ (٢) ولو أنه ﵁ أجابها إذ أنكرت كون ذلك في القرآن، بأنه بيان لقوله تعالى عن الشيطان: ﴿ولآمرنهم فليغيّرنّ خلق الله﴾ (٣) لكان جوابًا، ولكنه قطع عليها خط الرجعة، بما يدل على حجية السنة ولو كانت مستقلة عن القرآن في الدلالة على الأحكام.\nومن ذلك أن السنة نهت عن أكل كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير (٤)، وليس ذلك في القرآن.\nوحرمت على المحرم لبس الثياب المفصّلة المخيطة، وليس ذلك في القرآن.\nوقد ذكر الشاطبي أن بعضهم رام أن يرجع ما في الأحاديث إلى النصوص القرآنية بالتفصيل بحيث يجد في القرآن دلالة تفصيلية، نصًّا أو إشارة، إلى ما دلّت عليه الأحاديث النبوية. قال: \"ولكنه لا يفي بما ادّعاه، إلا أن يتكلف في ذلك مآخذ لا يقبلها كلام العرب، ولا يوافق على مثلها السلف الصالح، ولا العلماء الراسخون في العلم\" وذكر أن: \"هذا الرجل المشار إليه نصب نفسه لاستخراج معاني الأحاديث التي أخرجها مسلم في صحيحه، دون سواه\" (٥).\nوليت الشاطبي أشار إلى اسم هذا المؤلف، ليمكن العثور على ما صنعه، إذ أنه مبحث جدير بالاهتمام.\nوسنعود إلى هذه المسألة بشيء من التفصيل في الفصل الثاني من الباب الأول إن شاء الله.\n_________\n(١) حديث ابن مسعود، مع قصة الحديث، رواه مسلم ١٣/ ١٠٦ ورواه أحمد والبخاري وأبو داود.\n(٢) سورة الحشر: آية ٧\n(٣) سورة النساء: آية ١١٩\n(٤) رواه أحمد ومسلم وأبو داود (الفتح الكبير).\n(٥) الموافقات ٤/ ٥٢","vol":"1","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>المبحث الثالث تحديد المهمات النبويّة وبيان دور الأفعال النبوية في أدائها على الوجه الأكمل</span>\nتعرّضت آيات الكتاب العزيز، بالتفصيل، للغرض من البعثة النبوية الشريفة. فذكرت أن الله أرسل رسوله ﴿رحمة للعالمين﴾ (١) و﴿لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل﴾ (٢) و﴿لينذر من كان حيًا ويحق القول على الكافرين﴾ (٣) و﴿ليُخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور﴾ (٤) و﴿ليقوم الناس بالقسط﴾ (٥).\nوفي سبيل تحقيق هذه الأهداف السامية، أنزل الله تعالى كتابه العظيم، على رسوله الكريم.\nتدبيران كل منهما بالغ الحكمة: أن جعل الله بين أيدي البشر كتابًا مشتملًا على ما يريد لهم أن يعلموه، وما يريد لهم أن يعملوا به.\nوأن حَمَّل هذا الكتاب بشرًا اختاره لكي يؤديه عن الله إلى عباد الله. وهما تدبيران متكاملان، يكوّنان تدبيرًا واحدًا، هدفه أن يعلم العباد ما يريد الله منهم، فتكون له عليهم الحجّة، فيؤمن به من شاء الله له أن يؤمن، فتتحقق له ﵀، ويحق القول على الكافرين، ولتنفذ شريعة الله في الأرض\n_________\n(١) سورة الأنبياء: آية ١٠٧\n(٢) سورة النساء: آية ١٦٥\n(٣) سورة يس: آية ٧٠\n(٤) سورة الطلاق: آية ١١\n(٥) سورة الحديد: آية ٢٥","vol":"1","page":37},{"text":"فيقوم الناس بالقسط، ويخرج الناس من الظلمات إلى النور. وبذلك تتحقق الأهداف المطلوبة من البعثة النبوية.\nوفي سبيل ذلك حمّلت الكلمات الإلهية محمدًا - ﷺ - مهمات جسيمة. وقد استقرأنا الآيات التي تعرضت لذلك، فتبين أن المهمات الرئيسية التي ذكرتها خمس هي كما يلي:\nالمهمة الأولى: التبليغ، والمراد به تبليغ القرآن، وتبليغ أحكام أخرى زائدة على ما يتضمنه القرآن العظيم. قال اللُه تعالى: ﴿إن عليك إلاّ البلاغ﴾ (١)، ﴿ما على الرسول إلاّ البلاغ﴾ (٢).\nومن البلاغ تلاوة القرآن، ليُسمع فيُعلم، وليُعرف كيف يُقرأ. قال الله تعالى: ﴿قد أنزل الله إليكم ذكرًا * رسولًا يتلو عليكم آيات الله مبينات﴾ (٣).\nالمهمة الثانية: بيان القرآن، أي تفسير ما غمض من معانيه، وإيضاح ما أشكل منه، ورفع ما فيه من إجمال، وتقييد مطلقه، وتخصيص عامّه، لكيما يفهم وينفذ على الوجه الذي أراده الله. قال الله تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبيِّن للناس ما نُزِّل إليهم ولعلهم يتفكّرون﴾ (٤).\nالمهمة الثالثة: الدعوة إلى الله، بأن يطلب من الكفار الإيمان، وأن يدعو العصاة والمذنبين إلى الإقلاع عما يبعدهم عن رحمة الله. فكان - ﷺ - مكلفًا بأن يكون داعيًا إلى الخلاص من الكفر والفسوق والعصيان في الدنيا، والخلاص كنتيجة لذلك من آثارها المدمرة في الآخرة. كما أنه كُلِّف أن يدعو إلى الأعمال الصالحة من العبادة وفعل الخير، ليكون ذلك موصلًا فاعله إلى جنة الله.\nوفي سبيل ذلك كلف، - ﷺ -، بمهمات أخرى معاونة لهذه المهمة، وهي مهمات: التذكير، والتبشير، والإنذار.\n_________\n(١) سورة الشورى: آية ٤٨\n(٢) سورة النور: آية ٥٤ وسورة العنكبوت: آية ١٨\n(٣) سورة الطلاق: آية ١٠، ١١\n(٤) سورة النحل: آية ٤٤","vol":"1","page":38},{"text":"قال الله تعالى: ﴿فذكّر إنِما أنت مذكّر * لست عليهم بمسيطر﴾ (١) وقال: ﴿يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا * وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا﴾ (٢).\nوأُمر - ﷺ - بالجهاد، تحقيقًا للدعوة، لإزالة كل ما يقف في طريقها من ظلم المتعسفين، الذين يحولون بقوتهم وسيطرتهم، بين الناس وبين أن يسمعوا كلام ربهم ويستجيبوا له.\nالمهمة الرابعة: تعليم الأمة القرآن، والسنن. فيعلّمهم تلاوة القرآن وحفظه، ويعوّدهم على تدبّره وتفهّمه واستنباط الأحكام منه، حتى يصبحوا به علماء من جميع الوجوه. وكذلك الشأن في السنن التي أراد لها أن تظهر وتصدر عن رسوله - ﷺ -. وقد روي في الحديث أن النبي - ﷺ - قال: \"إنما بعثت معلمًا\" (٣)، وقال: \"إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم\" (٤)، وقال: \"لكن الله بعثني معلمًا ميسرًا\" (٥).\nالمهمة الخامسة: التزكية، وهي التربية، أي تنمية الغرائز والمَلَكَات والقدرات الصالحة في المؤمنين به، وتطهيرهم من خبائث الاعتقادات والأخلاق والعادات والأعمال والأقوال، حتى تكون الأمة أمّة قوية نافذة في أمورها، متحررة من جميع الانحرافات التي تزيغ بها عن الطريق، وبذلك يصبحون أهلًا للخلافة في الأرض، فيقوموا بحق الخلافة بقوة وصدق، ليستحقوا أن يكونوا هم الوارثين ﴿الذين يرثون الفردوس﴾ (٦).\nهذا وإن المهمة الرابعة والمهمة الخامسة، تكادان أن تكونا مهمة واحدة، لشدة الترابط، ولأن أولاهما تؤدي إلى أخراهما، فمن تَعلّم الكتاب والسنة حقًا استقامت حاله في جميع النواحي التي ذكرناها.\nوقد ذكر الله هاتين المهمتين، مع مهمة التبليغ، مجتمعة جميعًا، في أربعة\n_________\n(١) سورة الغاشية: آية ٢١\n(٢) سورة الأحزاب: آية ٤٦، ٤٧\n(٣) رواه ابن ماجه ١/ ١٧وفي الزوائد: إسناده ضعيف.\n(٤) رواه أحمد وأبو داود وابن حبان (الفتح الكبير).\n(٥) رواه أحمد ٣/ ٣٢٨\n(٦) سورة المؤمنون: آية ١١","vol":"1","page":39},{"text":"مواضع من كتابه الكريم. منها في سورة الجمعة ﴿هو الذي بعث في الأمّيّين رسولًا منهم يتلو عليهم آياته ويزكّيهم ويعلّمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين﴾ (١).\nومن الملاحظ أن التبليغ والبيان والدعوة، تتمّ وتتأدَّى بالمرة الواحدة مع المبلّغ والمبين له والمدعوّ.\nوأما التعليم والتزكية فأمرهما أشد من ذلك، إذ \"إن التعلّم لا يقتصر على اكتساب الحقائق والمعارف والمعلومات، وإنما هو أوسع من ذلك. إذ يشمل اكتساب المهارات الحركية، والعادات السلوكية، والاتجاهات الاجتماعية، والقيم الخلقية، والدوافع الثانوية\" (٢).\nوهذا يستدعي من المعلّم الملاحقة والمواصلة لعملية التعليم يومًا بعد يوم بل وربما ساعة بعد ساعة. وأن ينتهز الفرص لإلقاء المعلومات، وتفسيرها. وتكرارها، والمناقشة فيها، وتصحيح أخطاء المتعلمين عند استذكارها وتطبيقها، والثناء عليهم إذا أحسنوا استيعابها والعمل بها، وأن لا يُخْليهم من ذلك كله إلاّ بعد أن يطمئن إلى أنّ ما حصّلوه رسخ لديهم على وجه مستقيم، وأصبحت لهم ملكة فيه قوية.\nوهكذا كان شأنه - ﷺ - مع أصحابه ﵃.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>دور الأفعال:</span>\nهذا وإن الأقوال كانت هي الوسيلة الرئيسية للنبي - ﷺ - في أداء هذه المهمات.\nولكن مع ذلك كانت الأفعال النبوية تؤدي دورًا بارزًا في تنفيذ المهمات المطلوبة منه، وخصوصًا مهمة البيان، ومهمة التعليم والتزكية.\n_________\n(١) سورة الجمعة/ ٢، وانظر المواضع الأخرى: في سورة البقرة في موضعين: الآيتان ١٢٩، ١٥١، وفي سورة آل عمران/ ١٦٤.\n(٢) أبو الفتوح رضوان: المدرس في المدرسة والمجتمع ص ١٠٦، ١٠٧.","vol":"1","page":40},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>طرائق التعليم:</span>\nكشفت الدراسات التربوية عن أن تأثر شخص ما بشخص آخر، في تحصيل أنواع من المعرفة والتعلم، واكتساب الاتجاهات والقيم والعادات، يمكن أن يتمّ بثلاث طرق: الاستماع للأقوال، والمشاهدة للأفعال والاقتداء بها، والممارسة من جانب المتعلم مع التصحيح من جانب المعلم.\nوإن دراسة طبيعة هذه الطرق وخصائصها، يكشف لنا عن مدى حاجة البشر إلى رسول منهم، يؤدي المهمات المذكورة إليهم. وتتبين بها حكمة الله في ذلك، وعظيم منته التي ذكرها في سورة آل عمران في قوله: ﴿لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولًا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>أولًا: طريقة الاستماع للقول:</span>\nإن القول أساسي في عملية التعليم. وبه تنتقل الأفكار والمعلومات من ذهن المعلم إلى ذهن المتعلم، عن طريق حاسة السمع، ويمكن بهذه الواسطة نقل معلومات وافرة في برهة قصيرة.\nوتمتاز هذه الطريقة، بإمكان التحديد الدقيق للمعلومات، وربط الأسباب بالمسببات، وذكر الصيغ بدرجة العموم والخصوص المطلوبة، وذلك بما توفره أداة اللغة من إمكانيات لا تكاد تقف عند حد، يستطاع بواسطتها أداء الفكرة على درجة عالية من الكمال، بحسب تمكن المعلّم من الفصاحة والبلاغة، ووفرة محصوله من الألفاظ والتراكيب.\nوتسمى هذه الطريقة في عالم التدريس بطريقة الإلقاء والمحاضرة.\nومن أجل الميزات المذكورة لهذه الطريقة، جعل الله أصل الشريعة الأصيل قولًا يتلى ويسمع، وسمّاه ﴿قرآنًا مبينًا﴾، وجعله مشتملًا على المسائل الرئيسية في الشريعة، وأمر بتلاوته وتدبّره وتفهّمه، ووعد على ذلك الأجر الجزيل، وجعل لقراءته واستماعه مناسبات دينية تتكرّر بتكرر الساعات والأيام والشهور،","vol":"1","page":41},{"text":"كالصلوات الخمس، والجمعات والأعياد، وكقيام الليل، وخاصة قيام شهر رمضان شهر القرآن.\nوجعله ﷿ مكتوبًا محفوظًا ليبقى دون تحريف ولا تغيير، ينتقل بين أيدي البشر جيلًا بعد جيل، ليستمعوا كلام الله غضًّا كما أُنْزِل، فتحصل منه المنافع المشار إليها لكل من وفّقه الله لرفقة القرآن.\nكما أن القسم الأكبر من السنة النبوية هو سنن قولية.\nفكان النبي - ﷺ - يبلّغ بلفظه ما يوحى إليه من أحكام، ويبينّ بلفظه ما أشكل من معاني القرآن، ويجيب على الأسئلة والاستفسارات الموجّهة إليه من صحابته الكرام، ويدعو إلى الله تعالى الأفراد والجماعات، في لقاءات خاصة، أو اجتماعات عامة لأمور واقعة، أو لمناسبات تتكرر، كما في مجالس حديثه مع المؤمنين، في المسجد، والسوق، والمنزل، والسفر والإقامة، وكما في خطبه في الجمعات والأعياد والحج وغير ذلك. واتخذ المنبر ليسمع قوله أكبر عدد من الحاضرين، بأكبر قدر من الوضوح. واتخذ له أصحابه دكّةً من طين في المسجد يجلس عليها إذا أراد أن يكلّمهم ويعلّمهم.\nوواضح أن طريقة الإلقاء والقول كانت هي الوسيلة الكبرى لأداء المهمّات النبوية الخمس التي أشرنا إليها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>الطريقة الثانية للتعلّم: مشاهدة الفعل لأجل الاقتداء به:</span>\nالراغب في تعلم مهنة ما، يدرس أولًا أسسها نظريًّا، ويتفهم قواعدها وأصولها من الأقوال المسموعة أو المدونة في دواوين تلك المهنة. فإذا انتهى من ذلك وخرج إلى الحياة العملية مزوَّدًا بتلك المعلومات، وهو يظن أنه قد أتقن ما سمع وعلمه حق العلم، يجد أنه عند المباشرة لتطبيق المعلومات التي حصلها يخفى عليه شيء كثير من التفاصيل التي تجدّ عليه، والتي هي بحاجة إلى أن يستكشف أسرارها وطرق علاجها.\nوالمشاهدة لفعل نموذجيٍّ من معلم نموذجي، من أعلى المستويات في تلك المهنة ذي خبرة بدقائقها وأسرارها، يطبق المعلومات النظرية، هذه المشاهدة هي","vol":"1","page":42},{"text":"وسيلة حية، ومصدر مهمّ، يتعلم منه طالب العلم الشيء الكثير عن المادة التي يدرسها. وخاصة إذا كانت \"مشاهدة قصدية، وموجهة توجيهًا صحيحًا، لنواحي مختلفة من عمل المدرس. وهي ضرورية مع الطلبة الصغار والكبار على السواء وينبغي ألا تتوقف طيلة مدة الدراسة. وهي طريقة ناجحة في تنمية اتجاهات محمودة نحو المهنة موضوع الدرس، وكذلك في تنمية مهارات كافية في تلك المهنة\" (١).\nهذا وقد أصبح استخدام وسائل الإيضاح المشاهدة جزءًا أساسيًا من عملية التعليم في العصر الحاضر، وأولتها المؤسسات التعليمية الاهتمام البالغ. إذ إنها تعطي للمعلومات مزيدًا من الحيوية، وتجعل الطالب متشوّقًا إلى المادة العلمية، ومتمتعًا متلذذًا بما يصحله منها، بالإضافة إلى معاونتها للطالب على تحليل المادة الدراسية، وفهمها فهمًا جيدًا. فإن من طبيعة هذه الوسائل أن توضح ما غمض في المادة. وتفسّر ما يصعب التعبير عنه بالقول.\nكما أن هذه الوسائل من شأنها أن تجعل المعلومات المدروسة ذات قيمة تطبيقية عملية، يستطيع الطالب أن يستفيد منها في فعالياته المختلفة في حياته.\nوكل ذلك يعود إلى الميزة البارزة في وسائل الإيضاح، وهي ربطها للمعلومات الجديدة التي يقدمها المعلم إلى الطالب بالمعلومات القديمة، وبذلك تعين الوسائل الإيضاحية على تثبيت ما يعرضه المدرّس من المادة في ذهن الطالب.\nوبالإضافة إلى ذلك، تثير الوسائل الإيضاحية الملاحظة والتأمّل في الأشياء والحوادث والمواقف الجديدة، حتى تطلب النفس الجواب على ما يقع من المشكلات التي يشاهد الطالب وقوعها، وتتحدد أمامه مجسمة واضحة، فيقع الجواب عنها لديه موقعًا مستقرًا.\nوواضح أن المعلومات تصل إلى ذهن الطالب، في طريقة المشاهدة، عن طريق حاسة البصر.\n_________\n(١) محمد حسين آل ياسين: مبادئ في طرق التدريس. بيروت، المكتبة العصرية ص ٢٨٤","vol":"1","page":43},{"text":"ويؤكِّد علماء النفس أن الإدراك الحسي لشيء ما، يقوى ويتعاظم لدى الفرد كلما اشترك في إدراكه من الحواس عدد أكبر. فإذا وصف المدرس للطلبة نهرًا معينًا تحصَّل لديهم فكرة ما عن هذا النهر. ولكن إذا رسم المدرس النهر، أو أخذهم إليه، تتوسع فكرتهم عن هذا النهر، وترسخ معلوماتهم عنه حتى لا تكاد تَمّحي من أذهانهم، فيسهل تذكرهم له واستعادة صورته.\nفإذا سبحوا في مائه، وشربوا منه، وشعروا ببرده أو حرِّه، قويت معرفتهم وازدادت رسوخًا.\nوبذلك تخرج المعلومات بالمشاهدة من عالم العقل إلى عالم الواقع، ومن القول إلى الفعل، ومن التصور المجرد إلى الحقيقة الواقعة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>الأفعال النبوية كوسيلة بيانية وتعليمية مشاهدة:</span>\nإن الله وهو العالم بطبائع البشر، الخبير بما يصلح لهم ويصلحهم، لم يشأ أن تكون معرفتهم بالدين عن طريق كتاب يلقى إليهم دون بيان رسول وينتهي الأمر، أو عن طريق رسول يبلّغهم الكتاب وينتهي الأمر، ولكن، لكي تتم حجّة الله على العالمين، جعل هذا الرسول نموذجًا بشريًا لذلك الكتاب، حتى كأنّ ذلك الرسول قرآن متحرك. أو كأنّ المنهج القرآني تحول \"إلى حقيقة واقعة، تتحرك بين الناس. تحوّل إلى بشر يترجم بسلوكه وتصرفاته ومشاعره وأفكاره، مبادئ ذلك المنهج ومعانيه\"، \"ووضع الله في شخص ذلك الرسول الصورة الكاملة للمنهج الإسلامي، الصورة الحية الخالدة على مدار التاريخ\" (٢).\nوقد سأل سعد بن هشام عائشة أم المؤمنين ﵂، عن خُلق رسول الله - ﷺ -، فقالت: \"ألستَ تقرأ القرآن؟ \" قال: \"بلى\"، قالت: \"فإن خلق\n_________\n(١) محمد حسين آل ياسين: مبادئ في طرق التدريس، ص ٢٥٢، ٢٥٣، وأيضًا: أبو الفتوح رضوان وآخرون: المدرس في المدرسة والمجتمع ص ٢٢٢ - ٢٢٥\n(٢) محمد قطب: منهج التربية الإسلامية ص ٢٢٠","vol":"1","page":44},{"text":"نبي الله - ﷺ - كان القرآن\"، قال: \"فهمت أن أقوم ولا أسأل عن شيء حتى أموت\" (١).\nلقد تمثّلت في النبي - ﷺ - خصائص المنهج الرّبّاني في الحياة البشرية كما تمثّلت في حياته تفاصيل ذلك المنهج، فالذي شاهد حياته وأفعاله - ﷺ - فقد شاهد ذلك المنهج، ومن قبس منه، فقد قبس من النور الذي أرسله الله لهداية البشر. ومن هنا نعلم وجه وصفه بالسراج في الآية التي حددت مهماته - ﷺ -، إذ قال الله ﷿: ﴿يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا * وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا﴾ (٢).\nإن مشاهدة الناس للمبادئ القرآنية متمثّلة في الواقع الأرضي البشري، يعطي لهم دفعات من الثقة والتصديق بذلك المنهج، لأنهم يرونه بعيونهم متحققًا، فيُسارعون إلى تطبيق تلك المبادئ، اقتداءً بمن رأوها متمثلة فيه. ولو أن القرآن نزل مجردًا عن رسول حامل له ممثِّل لما فيه، لتعوّقت كثير من النفوس عن امتثاله، توهّمًا أن ذلك أمر صعب المنال، أو لا يمكن تحقيقه في واقع الحياة.\nهذا وإن الذين شاهدوه - ﷺ - بأعينهم، تأثّروا به، وتعلّموا منه على أتم ما يمكن من أحوال هذه الطريقة.\nولكن الذين لم يشاهدوه يتيسّر لهم الاطلاع على أفعاله وأحواله بما نقل إليهم عن طريق الذين شاهدوه، ويكون هذا الاطلاع وسيلة قريبة من المشاهدة، تؤدي إلى ثمارٍ قريب من ثمار المشاهدة. فهو قدوة متجددة حيثما ذكرت سيرته وأخباره وأحواله - ﷺ -.\nوقد تمثّلت فيه - ﷺ - صور متنوعة، كل منها يوضّح للبشر كيف يكون الملتزم بالمنهج الرباني في ناحية معينة من نواحي الحياة.\nفالعالم يرى في محمد - ﷺ - الصورة السامية المثاليّة للعالم، والعابد يرى فيه\n_________\n(١) الحديث بأتم من هذا. رواه مسلم ٦/ ٢٦ وأحمد وأبو داود.\n(٢) سورة الأحزاب: آية ٤٥","vol":"1","page":45},{"text":"صورة المثل الأعلى للعابد، وهكذا الداعية، ورجل السياسة، ورجل الحرب، والأب، والزوج، والقريب، والصاحب والصديق، حتى العدوّ يستطيع أن يتعلم منه كيف ينبغي أن يعامل عدوّه.\nو\"كل هذه الصور كانت مجتمعة في محمد - ﷺ - على توافق وانسجام\" (١) وتعادل، لا يطغى بعضها على بعض كما قد تطغى بعض الصفات في الأبطال على سائر الصفات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>هل كان محمد ﷺ مثلًا أعلى:</span>\nيقول جولد تسيهر: \"لو أن الإسلام قد تمسّك بشهادة التاريخ الحق تمسكًا دقيقًا لوجد أنه لا يستطيع أن يُمدَّ المؤمنين به بفكرة مثاليّة للحياة الأخلاقية، وهي فكرة اتخاذ الرسول - ﷺ - مثلًا أعلى واحتذائه. لكن المؤمنين لم يتركوا أنفسهم يتأثرون بصورة محمد - ﷺ - كما رسمها التاريخ الصادق، بل حلّ محلها من أول الأمر، الصورة المثاليّة للنبي في رأيهم\".\nثم يقول: \"إن علم الكلام في الإسلام، حقق هذا المطلب، بما رسم للنبيّ - ﷺ - من صورة تمثله بطلًا ونموذجًا لأعلى الفضائل، لا مجرد أداة للوحي الإلهي ونشره بين غير المؤمنين. على أنه يبدو أن هذا لم يرده محمد - ﷺ - نفسه، فقد قال إن الله أرسله ﴿شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا * وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا﴾ أي إنه مرشد، لا نموذج ومثل أعلى، أو -على الأقل- إنه ليس كذلك ﴿أسوة حسنة﴾ إلاّ بفضل رجائه وذكره الله كثيرًا (سورة الأحزاب: آية ٢١) ولقد كان على ما يبدو مدركًا بإخلاص ضعفه الإنساني، ومن ثَمَّ كان عمله أكثر من شخصه\". اهـ (٢).\nهذا المعنى الذي ألح عليه المستشرق اليهودي، أشار إليه الآخر: يوسف شاخت، في مادة (أصول الفقه) في (دائرة المعارف الإسلامية) حيث ذكر أن\n_________\n(١) محمد قطب: منهج التربية الإسلامية ص ٢٢٣\n(٢) جولد تسيهر: العقيدة والشريعة في الإسلام - ترجمة محمد يوسف موسى وزميليه ط ثانية. القاهرة، دار الكتب الحديثة (د. ت) ص ٣٥","vol":"1","page":46},{"text":"أقواله - ﷺ - لم تكن موضع شك منذ البداية، أما الأفعال فإنما اتّخذ فيها مثلًا أعلى رَغمًْا عن أن شريعته لا تدل على ذلك.\nونحن سنثبت -إن شاء الله- حجية أفعال النبي - ﷺ - في الفصل الثالث من الباب الأول. ولن نرد على ما في كلامهما من الباطل الذي دعاهما إليه الكفر. ولكن يهمنا هنا إثبات أنه - ﷺ - جُعِل الصورة المقتدى بها في الدين، وأن بملاحظة أفعاله يحصل تعلم الدين، وأنه كان المثل الأعلى للبشر في حدود البشرية من جهة الدين، وأن ما أشار إليه جولد تسيهر وزاغ عنه، وهو قوله تعالى في الأخلاق والعبادة والمعاملة: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ دليل في ذلك. وسياق الآية في الثبات في الحرب، لا في مجرد العبادة.\nوحتى الآية التي كفر بها جولد تسيهر، فيها أن الله أرسل نبيه ﴿سراجًا منيرًا﴾، والسراج يضيء من داخله.\nوقد جاء ثلاثة رهط إلى أبيات النبي - ﷺ -، يسألون عن عبادته لربه، فأخبروا بها، فكأنهم تقالُّوها. فقالوا: وأين نحن من رسول الله - ﷺ -، قد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. فالتزم بعضهم أن لا ينكح النساء، والآخر أن يصوم ولا يفطر، والثالث: أن يقوم فلا ينام. فأخبر النبي - ﷺ - بقولهم، فقال: \"أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له. لكني أصوم وأفطر، وأقوم، وأنام، وأتزوّج النساء. فمن رغب عن سنتي فليس مني\" (١). فلم ينبّههم إلى الحق بذكر آية، أو تبليغ وحي، وإنما نبّههم إلى فعل نفسه، وإلى ما يلتزم به، وأن من ناقَضَ مقتضى الاقتداء به في ذلك، فليس على شريعته.\nوأمر آخر يدل على المطلوب دلالة واضحة، وهي أن الله تعالى قصّ علينا في كتابه قصص أنبيائه والصالحين من عباده. وإنما قصّهم ليكونوا عبرًا ومُثُلًا تحتذى، كما في توبة آدم، ودعوة شعيب، والتزام إبراهيم، ووصية يعقوب لبنيه بالتوحيد، وعفة يوسف، واستغفار يونس، وطاعة إسماعيل، وقوة موسى، وعبادة مريم،\n_________\n(١) بمعنى رواية البخاري (فتح الباري. ط مصطفى الحلبي ١١/ ٤) ورواه مسلم ٩/ ١٧٦","vol":"1","page":47},{"text":"وعبودية عيسى، عليهم جميعًا صلاة الله وسلامه. فكيف لا تكون أفعال أفضلهم وأكرمهم وأتقاهم لله، قدوة ومثالًا يحتذى، وهو خاتمهم الذي جعل للناس كافة رسولًا؟ وكان خاتمًا للرسل، فهو نبي جميع العصور اللاحقة حتى تقوم الساعة.\nومعلوم أن أفعاله يقتدى بها من حيث هي دليل على أحكام الله، لا لذاتها من حيث إنها أفعاله، وكونه (مثلًا أعلى) إنما هو في شدة تمسّكه بما أمره به ربه، وشدة متابعته للمنهج الذي رسمه له. وقد وضّح - ﷺ - هذا عندما قال لمن أبي الاقتداء به في حكم ديني، محتجًا بأن الله يحل لرسوله ما شاء: قال له: \"لكني أخشاكم لله، وأعلمكم بما أتّقي\" فأشار إلى أنه قدوة من حيث كونه أعلى الناس في تقوى الله، مع كونه أعلمهم بأحكام الله. وقال لبعض الصحابة: \"أما لكم فيّ أسوة\" (١) وكلام المستشرق الآنف الذكر يوهم أن المسلمين جعلوه - ﷺ - مثلًا أعلى تحتذى أفعاله لذاتها، على اعتبار أنه إن فعل شيئًا أصبح شرعًا، ولو لم يقصد به التشريع. وهذا لم يذهب إليه أحد من المسلمين، إلا بعضهم في أفعال محدودة سنبيّنها في موضعها إن شاء الله. بل أكثر كلام الأصوليين في باب الأفعال دائر حول تمييز ما هو دليل على الحكم الشرعي مما ليس بدليل.\nوقد حقّق الاقتداءُ به - ﷺ - مستويات عالية في الإيمان والإخلاص والجهاد والعلم والعبادة والدعوة، تمثّلت في أشخاص الصحابة الكرام، وفي المجاهدين المخلصين لله في كل عصر وجيل من أجيال أهل الإسلام. ولا تزال هذه القدوة العظيمة تنبت أبطالًا في كل عصر، يكونون شجىً في حلوق أعداء الله. وكأنّ الله ﷿ يشير إلى هذا بقوله: ﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم ...﴾ إلى قوله: ﴿... ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرًا عظيمًا﴾ (٢).\n_________\n(١) رواه مسلم ٥/ ١٨٦\n(٢) سورة الفتح: آخر السورة.","vol":"1","page":48},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>الطريقة الثالثة للتعليم:</span>\nالممارسة للفعل تحت نظر المعلّم ليصحح للمتعلّم إن كان في فعله خطأ، ويقرّه عليه إن كان صوابًا. ويقابلها في السنة النبوية (الإنكار والتقرير).\n\"والممارسة والعمل منهل من مناهل التعلم. وقد نادى ولا يزال ينادي بهما مربو العصر الحاضر. والقول المأثور (التعلم بالعمل) يهيمن على فلسفة جميع المدارس الأمريكية، ويسيطر على تفكير جميع مدرسيها، حتى إن المتأخرين من المربّين والمشتغلين بالتعليم أخذوا يضعون الأهميّة العظمى على الناحية العملية. وما (المدارس التجريبيّة) إلا مؤسسات أعِدّت لتطبيق هذه الفكرة، إذ نجد الطلاب في مثل هذه المدارس في غرف مملوءة بالآلات البخارية أو الكهربائية، كأننا في معمل من المعامل، لا في مدرسة جاء إليها الطلاب ليتلقّوا فيها العلوم. ومن أجل هذا فالطلاب في مثل هذه المدارس، يتلذّذون بكل ما يعهد إليهم عمله، ويتعلمون أكثر مما يتعلمه الطلاب في المدارس التقليدية\" (١).\nالمدرسة النبوية قد طبّقت هذه الطريقة بمستوى رفيع: لقد حثّ القرآن طوائف الأمّة على النفير إلى رسول الله - ﷺ -، والنفير معه، ليتعلّموا أثناء النفير، ويعملوا بأحكام دينهم تحت سمع النبي - ﷺ - وبصره. وكان النبي - ﷺ - يصحح لهم وينقد لهم أفعالهم إن كان فيها خطأ، ويقرّ ما هو صالح وصحيح من أفعالهم، ويثني على ما هو حسن، حتى يستقرّ في نفوسهم الميل إليه واستحسانه.\nوكان النبي - ﷺ - حيثما أقام أو سافر أو غزا، يلاحظ أفعال صحابته ولا يترك الخطأ (يمر)، بل ينبّه عليه، كما حدث في حديث المسيء في صلاته، وحديث أنهم كانوا يحلفون بآبائهم فنهاهم، وغير ذلك مما هو معروف في دواوين السنة. وكان يكل إلى أصحابه المهامّ الجسيمة في السرايا والبعوث والولايات والوفود في غيبته، بل يكل إليهم أحيانًا الحكم والخطابة والمفاوضة في حضرته. فيتعلّمون بالعمل. وهو - ﷺ - يقرّ لهم الصواب فيعلمون أنه صواب، وينكر عليهم الخطأ فيجتنبونه.\n_________\n(١) محمد حسين آل ياسين: مبادئ في طرق التدريس ص ٢٨٢، ٢٨٣","vol":"1","page":49},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>المبحث الرابع تقسيم السّنن النَّبَويَّة إلى قوليَّة وفعليَّة صريحة وغير صريحة</span>\nتنقسم السنن النبوية من حيث طبيعتها قسمين رئيسيين:\nالأول: الأقوال.\nوالثاني: الأفعال.\nوالزركشي في البحر المحيط توسّع في ذكر أقسام السنن بالتفصيل، فجعلها ثمانية: الأول: القول، الثاني: الفعل، الثالث: التقرير، الرابع: ما همّ به، الخامس: الإشارة، السادس: الكتابة، السابع: الترك، الثامن: التنبيه على العلة، نقله عن أبي منصور، والحارث المحاسبي (١).\nونحن نرى أن الخمسة التي ذكرها بعد الفعل راجعة إلى قسم الأفعال، وإن كانت ذات صفات خاصة تميّزها عن سائر الأفعال.\nوأما الثامن، وهو التنبيه على العلة، فهو إما راجع إلى القول، إن كان الدليل قوليًّا، أو إلى الفعل إن كان الدليل فعليًّا.\nومن أجل ذلك فإن تقسيم السنن إلى أقوال وأفعال هو تقسيم حاصر. ثم الأفعال تنقسم إلى أنواع.\nوسوف نسير في رسالتنا هذه على هذه الطريقة. فنقسم السنن إلى قسمين: قولية، وفعلية.\n_________\n(١) البحر المحيط ٢/ ٢٦٠ أ.","vol":"1","page":50},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>تعريف الفعل:</span>\nالفعل هو حركة البدن أو النفس.\nوعرّفه صاحب اللسان بأنه: \"كناية عن كل عمل متعدّ أو غير متعدّ\".\nوالفعل عند المنطقيين \"تأثير من جرم مختار أو مطبوع في جرم آخر، فيحيله عن بعض كيفيّاته إلى كيفيّات أخرى، كفعل السكّين والحجر، والقاطع بهما، فإنهما يحيلان القطوع، كالتفاحة مثلًا، عن حال الاجتماع إلى حال الافتراق. وقد يكون الفعل مجردًا، كالقيام والتحرك والتفكر، وما أشبه ذلك\" (١).\nوقال الجرجاني في التعريفات: \"الفعل هو الهيئة العارضة للمؤثّر في غيره بسبب التأثير، كالهيئة الحاصلة للقاطع بسبب كونه قاطعًا ... ومنه الفعل العلاجي، وهو ما يحتاج حدوثه إلى تحريك عضو كالضرب والشتم\" (٢).\nثم ذكر ابن حزم أن الفعل ينقسم إلى ما يبقى أثره بعد انقضائه، كفعل الحرّاث والنجّار والزوّاق، وما لا يبقى أثره بعد انقضائه كفعل السابح والماشي والمتكلّم، وما أشبه ذلك (٣).\nهذا وليس كل ما يعبر عنه بالفعل الصرفيّ مرادًا هنا، فنحو مات وعاش، واسودّ وابيضّ، وكان وصار، وحُرِمَ ورُحِمَ، هذه أفعال عند الصرفيين ولكنها ليست عند المناطقة والأصوليين أفعالًا، لأن من نسبت إليه لم يفعلها.\nوالقول هو فعل من بعض الوجود. وسيأتي بيان ذلك في الفصل الثالث من الباب الثاني إن شاء الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>فعل غيره بأمره ﷺ:</span>\nلو أمر النبي - ﷺ - أحد المسلمين أن يفعل شيئًا ففعله، فهل يكون ذلك فعلًا نبويًا حتى يستدلَّ به على طريقة الاستدلال بالأفعال، أم هو قول يفهم كغيره من الأوامر؟\n_________\n(١) بتصرف عن ابن حزم: التقريب لحد المنطق، بيروت، دار مكتبة الحياة، ص ٦٠\n(٢) ص ٧٥\n(٣) التقريب لحد المنطق.","vol":"1","page":51},{"text":"يمثّل الأصوليون في باب الأفعال النبوية بأنه - ﷺ - (رَجَم) ماعزًا، و(قطع) سارق رداء صفوان. ومن المعلوم أنه - ﷺ - لم يباشر ذلك، ولكن فعل بأمره.\nوقد اعترض على التمثيل بذلك ابن الهمام في التحرير، ثم قال: \"إلا أن يُجعل فعل المأمور كفعله - ﷺ - لمّا كان بأمره، وفيه ما فيه\" (١)\nوأنا أقول: إن القول النبوي الذي بمعنى الإفتاء والإخبار بحكم الشرع هو (قول)، وما فعل بناء عليه يكون منسوبًا إلى فاعله لا إلى الآمر به. وذلك كما نصلي ونصوم ونحج ولا ينسب فعلنا إلى النبي - ﷺ -.\nوأما الأمر التنفيذيّ الصادر عن النبي - ﷺ -، بوصفه (إمام العامة) أو القائد أو الأمير، أو نحو ذلك، فإن ما يفعله المأمور تنفيذًا مطابقًا، فهو من جهةٍ فعل للمأمور، لأنه قام بالحركة، فتنسب إليه حقيقة. ويجوز نسبته إلى الآمر به، - ﷺ -.\nوأهل البيان يجعلون نسبة الفعل إلى الآمر به من المجاز العقليّ، لما كان الآمر هو السبب في وجود الفعل وليس هو الفاعل الحقيقي.\nإلا أن مرادنا هنا توضيح أن مثل ذلك الفعل هل ينسب إلى النبيّ - ﷺ -، حتى يكون من باب الأفعال النبوية، ويستدل به كما يستدل بالأفعال، فيدل مثلًا إذا كان مجردًا على الاستحباب في ما هو من باب القرب، أو هو أمر فيستدل به على الوجوب؟ وهي مسألة مهمة تنبني عليها فروع كثيرة.\nإن الشخص الذي وُجّه إليه الأمر التنفيذي يلزمه الطاعة، لأنه (مأمور) والأمر يقتضي الوجوب. ولكن غيره ممن لم يؤمر به، يقتدي بالفعل، ويعتبره كسائر أفعاله - ﷺ -، فيجري عليه قانون الاستدلال بالأفعال النبوية.\nووجه ذلك أن المأمور في هذه الحال لا يزيد عن كونه كالآلة للآمر، وخاصّة وأنه - ﷺ - نبيّ ورسول، فتابعه المأمور ليس له الخيرة من أمره، ولا محيص له من التنفيذ، طاعة منه لأمر الله ورسوله، وثقةً بأن تقدير رسول الله - ﷺ - للحكم\n_________\n(١) التقرير والتحبير ٢/ ٣٠٢، ٣٠٣","vol":"1","page":52},{"text":"وللظروف والأسباب والطريقة والنتائج، تقدير هو الصواب بعينه، وليس لأحد من البشر أن يعقّب على حكمه.\nوأهل اللغة عندما يسندون الأفعال إلى الآمر بها، المسؤول عن تقدير أسبابها وظروفها ونتائجها، إنما يصدرون في ذلك عن قناعة نفسية بأن الفعل يعتبر صادرًا عن الأمر المسؤول كما يعتبر صادرًا عن المأمور الذي لا يزيد عن كونه مجرد آلة (١)، بل أولى.\nوكمثال لا تقدم نضرب ما ذكره ابن حزم في مسألة حكم إشعار الهدي. فقد روى ابن حزم (٢) حديثًا من طريق النسائي أن النبي - ﷺ - أمر ببدنته فأشعَر في سنامها من الشق الأيمن، ثم سَلت الدَّم عنها وقلدها نعلين.\nثم قال ابن حزم: \"ليس في هذا الخبر أنه أمَر بالإشعار. ولو كان فيه، لقلنا بإيجابه مسارعين. وإنما فيه أنه (أمر ببدنته فأشعر في سنامها)، فمقتضاه أنه أمر بها، فأُدنِيَتْ إليه، فأشعر في سنامها، لأنه هو - ﷺ - تولّى بيده إشعارها. بذلك صح الأثر\". اهـ. أي فيدل على الاستحباب.\nفليت شعري لو أن رسول الله - ﷺ - كان قد أمر أجيره، أو خادمه أو أحد\n_________\n(١) ألمح إلى ذلك سعد الدين التفتازاني في حاشيته على شرح مختصر ابن الحاجب في الأصول (١/ ١٥٧) حيث يقول في نحو (أنبت الربيع البقل): ليس هنا مجاز وضعي أصلًا لا في المفرد ولا في المركب، بل عقلي، بأن أسند الفعل إلى غير ما يقتضي العقل إسناده إليه، تشبيهًا له بالفاعل الحقيقي.\nقال: وليس المقصود بهذا التشبيه هو الذي يقال بالكاف وكأن ونحوهما، بل هي عبارة عن جهة راعوها في إعطاء الربيع -وهو الجدول- حكم القادر المختار، كما قالوا: شبه (ما) بـ (ليس) فرفع بها الاسم ونصب الخبر. اهـ. فجعله التشبيه هنا عبارة عن (جهة راعوها)، نظير لما ذكرنا من القناعة النفسية لدى أهل اللغة إذ ينسبون الفعل إلى الآمر الواجب الطاعة، ويسند الفعل في كل من الصورتين إلى غير فاعله على سبيل المجاز العقلي.\n(٢) المحلى ٧/ ١١٠، ١١٢","vol":"1","page":53},{"text":"الحاضرين، أن يتولّى عنه ما تولاه هو بنفسه، أكان ينتقل الحكم في حق الأمّة من الندب إلى الوجوب؟ إن الأوْلى أن يقال: إن الذي وجِهَ بالأمر يتعيّن عليه التنفيذ، ولكن ذلك الفعل ينسب إلى النبي - ﷺ - كسائر أفعاله، ليجري على قانونها في حق الأمة.\nوبهذا يتبيّن أن تمثيل الأصوليين للأفعال النبوية برجم ماعز، وقطع يد السارق، وقتال أهل مكة، وغير ذلك، هو تمثيل صحيح. واعتراض ابن الهمام الذي تقدم ذكره غير وارد. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>تقسيم الفعل إلى صريح وغير صريح:</span>\nمن الأفعال ما هو صريح في الفعلية، فلا يختلف في كونه فعلًا.\nوذلك كالضرب، والمشي، والحب. والمثال الأول وهو الضرب، هو للفعل المؤثّر لا غير فاعله، والثاني للمجرّد المشاهَد، والثالث للمجرّد النفسي.\nومن الأفعال ما ليس صريحًا في الفعلية، فيدور الوهم فيه بين أن يكون فعلًا أو لا يكون. ومن ذلك الكتابة، والإشارة، والترك الإيجابي الذي يعبّر عنه بالكفّ أو الإمساك، والسكوت عن الجواب، والتقرير، والهمّ بالفعل، ونحو ذلك.\nفهناك من يدعي أن الكتابة قول، وأن الترك والسكوت والتقرير ونحوها ليست أفعالًا.\nوالقول فعل غير صريح. فهو فعل من بعض الوجوه. كما سيأتي في موضعه في الفصل الثالث من الباب الثاني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>ما يعبّر عنه بالفعل وهو قول:</span>\nكثير من الأقوال يعبّر عنها بما يوهم الفعلية. ويجب أن لا يخدعنا ذلك عن حقيقة كونها أقوالًا، وذلك مثل: تشهّد، وكبّر، وسبّح، ولبّى، ومدح، وأثنى، ووبّخ فلانًا، ولعنه، ودعا عليه، وأمره، ونهَاه.\nودليل كونها أقوالًا أنها تفسير بالقول. فـ (التشهّد) هو قول: أشهد أن لا إله","vol":"1","page":54},{"text":"إلاّ الله، و(التسبيح) هو قول: سبحان الله، و(التلبية) هي قول: لبيك اللهم. وهكذا.\nولكن لا يمنع ذلك أن تكون هذه الأقوال ذات أوجه فعلية، كما يأتي (١) كغيرها من الأقوال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>انقسام السنن الفعلية إلى صريحة وغير صريحة:</span>\nتبعًا لما تقدم إيضاحه من أنَّ ما يصدر عن الإنسان من الأفعال ينقسم إلى فعل صريح وفعل غير صريح، فإن السنن الفعلية الصادرة عن النبي - ﷺ - تنقسم إلى أفعال صريحة، وأفعال غير صريحة.\nوحجيّة الأفعال النبويّة الصريحة تثبت بمجرد إثبات حجيّة الأفعال النبويّة، إذ إنها لعدم الخفاء في فعليتها، تدخل في ما تثبت حجيّته من الأفعال دخولًا أوليًّا.\nوهذا بخلاف الأفعال النبوية غير الصريحة، كالترك والسكوت، إذ إنها، لخفاء فعليّتها بما يميّزها عن الصريح من الأفعال، بحاجة إلى مزيد من الأدلة والاحتجاج، يبين عدم خروجها عما ثبتت حجيّته من الأفعال.\nيوضح هذا أننا لما أثبتنا حجيّة السنة بصفتها الإجمالية، وكان دخول السنن القولية في نطاق \"السنة\" ظاهرًا لا مرية فيه، بخلاف الأفعال، احتجنا لإثبات حجية الأفعال إلى مزيد من الأدلة.\nوشبيه هذا كله ما ذكره الأسنوي من أن: \"إطلاق الأصوليين يقتضي أن الفرد النادر يدخل في العموم، وَصَرَّحَ بعضهم بعدم دخوله\" (٢) وذكر لذلك فروعًا، منها:\n١ - الأكساب النادرة كاللقطة والهبات ونحوها، هل تدخل في المهايأة، والصحيح دخولها.\n_________\n(١) في الفصل الثالث من الباب الثاني.\n(٢) التمهيد ص ١٠٠","vol":"1","page":55},{"text":"٢ - ومنها أن المتمتع يجب عليه صوم ثلاثة أيام في الحج. فلو أراد تأخير التحلل الأول إلى ما بعد أيام التشريق، بأن يؤخّر الحلق والطواف، ويصومها في ذلك الوقت، لكونه زمن الحج، فإنه لا يجوز على الصحيح عند الرافعي، وعلّله بقوله: \"لأنها صورة نادرة\" فلا تكون مرادة من الآية، بل تحمل الآية على الغالب المعتاد.\nهذا ومن أنكر فعلية بعض ما سميناه (الأفعال غير الصريحة) -كالترك والسكوت مثلًا- فإن افتقاره إلى الاستدلال على حجيّتها افتقار حقيقي، وتكون الأدلة بالنسبة إليه تأسيسيّة.\nأما بالنسبة إلى من يرى فعليّتها -وهو ما نسير عليه- فإن الاستدلال على حجيّتها يكون للتأكيد على عدم خروجها عن حجيّة السنن الفعلية بصفتها الإجمالية.\nمن أجل ذلك رأينا أن نقسم البحث إلى قسمين، نجعل لكل منهما بابًا: الأول: للأفعال الصريحة.\nوالثاني: للأفعال غير الصريحة.\nونتبع ذلك بباب ثالث، خاص بالتعارض بين السنن الفعلية بعضها وبعض، وكذلك للتعارض بينها وبين الأقوال وغيرها من الأدلة. والله المستعان، وبه التوفيق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>مرتبة مباحث الأفعال من علم الأصول:</span>\nأصول الفقه هو العلم بأدلّة الفقه الإجمالية، وكيفيّة استفادة الأحكام الفقهية منها، وحال المستفيد. ويتعرض فيه الأصوليون لأربعة أمور أساسية، جعلها الغزالي في المستصفى (أقطابًا) أدار عليها مباحث هذا العلم، وذلك أنه جعل الحكم الشرعي كالثمرة التي يستثمرها المجتهد من الأدلة.\nالقطب الأول: في الأحكام الشرعية وهي الثمرة. وكل ثمرة لها صفة وحقيقة في نفسها وأقسام. فيبحث في هذا القطب في حقيقة الحكم، وانقسامه إلى","vol":"1","page":56},{"text":"واجب، ومحظور، ومندوب، ومكروه، ومباح، وقضاء، وأداء، ورخصة، وعزيمة، وصحة، وفساد، ويبيّن أن الحكم الشرعي لا يكون إلا من حاكم، هو الله وحده. ويبحث في أحوال المحكوم عليه. ومن يجوز تكليفه ومن لا يجوز.\nالقطب الثاني: في الأدلة إجمالًا: الكتاب والسنة والإجماع وغيرها، وهي المثمِرة للأحكام. فيبيّن في هذا القطب حدّ الكتاب، وما هو منه وما ليس منه، وطريق إثباته، وما يجوز أن يشتمل عليه من حقيقة ومجاز، وعربيّة وعجميّة، ويبحث في السنة عن أنواعها، وطرق ثبوتها، وصفات رواتها. ثم يبحث في الإجماع وسائر ما يستدل به على الأحكام الشرعيّة.\nالقطب الثالث: في طرق الاستثمار، وهي دلالات الألفاظ على المعاني بمنطوقها ومفهومها واقتضائها وما يعقل منها كالقياس.\nالقطب الرابع: في المستثمر وهو المجتهد، يذكر فيه صفات المجتهد، والموضع الذي يجري فيه الاجتهاد، دون الذي لا مجال للاجتهاد فيه، وسائر مسائل الاجتهاد والتقليد.\nولغير الغزالي من الأصوليين ترتيبات أخرى لمسائل علم الأصول يراعون فيها جهات مختلفة.\nوعلى كل حال فإنه لما كانت الأفعال النبوية دليلًا على الحكم الشرعي ومفيدة له، كان موقع مباحثها ضمن مباحث الأدلّة. وذلك على ترتيب الغزالي في القطب الثاني، وهو المثمر.\nوالأدلة: كتاب وسنة وإجماع وقياس، ويتبعها عند بعض الأصوليين أدلة أخرى.\nوالسنة أقوال النبي - ﷺ - وأفعاله.\nولما كانت الأقوال أدلّ على الأحكام، وهي الأصل في التبليغ والبيان، فإن مباحث الأفعال تؤخر في باب السنة، غالبًا، عن مباحث الأقوال.\nوإثبات ورود الأحاديث بنوعيها، وهو ما يسمى باب (الأخبار) أو باب","vol":"1","page":57},{"text":"(الإسناد) يؤخر عن باب الأفعال غالبًا، كما فعله البيضاوي (١)، لأن الغرض منه إثبات ورود السنن بصفتها العامة، أي بشقيها القولي والفعلي. وقد يؤخر إلى ما بعد ذكر الدليل الثالث وهو الإجماع كما فعله الرازي في المحصول (٢). ولعل وجهه أن باب الأخبار الغرض منه إثبات ورود الدليل سواء كان كتابًا أو سنة أو إجماعًا. فكان باب الأخبار ملحقًا بالأدلة الثلاثة.\nغير أن الأفعال النبوية تذكر أيضًا في غير باب أدلّة الأحكام. فتذكر ضمن مباحث الإجمال والبيان ونحوها من مباحث الدلالة، لبيان كيفية البيان بها.\nوتذكر أيضًا في باب القياس بإيجاز شديد، لبيان كيفية استخراج عللها لأجل القياس عليها.\nومن جهة أخرى قد تتعارض دلالة الأفعال بعضها مع بعض، أو مع الأقوال، أو مع غيرها من الأدلة، فيذكر ذلك ضمن مباحث التعارض والترجيح بين الأدلة.\nولكن كثيرًا من الأصوليين يبادرون بذكر التعارض الذي للفعل علاقة به، ضمن مباحث الأفعال من باب السنة، لتجتمع مباحث الأفعال في مكان واحد، كما فعله أبو الحسين البصري والشوكاني وغيرهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>مشتملات مباحث الأفعال:</span>\nلن نتعرض في بحثنا في الأفعال لما يتعلق بروايتها وإثباتها، فذلك أمر تشترك فيه الأقوال والأفعال على حد سواء. أفرد له المحدثون علم (مصطلح الحديث) وتعرّض له الأصوليون في باب (الأخبار) من مباحث السنة. وهو لذلك متروك للباحثين في السنة بصفتها العامة، أو في الأخبار خاصة. وسيكون بحثنا في (الأفعال النبوية) بعد افتراض ثبوتها عن النبي - ﷺ - ووقوعها منه، وذلك فيما صحّ عند أهل الحديث، ثقة بأنهم أهل الاختصاص في ذلك.\n_________\n(١) منتهى السول ٢/ ٣ وقد تعرض الأسنوي لهذه المسألة.\n(٢) المصدر نفسه والصفحة نفسها.","vol":"1","page":58},{"text":"غير أننا نستثني فنذكر مما يتعلق برواية الفعل أشياء يسيرة، لها علاقة باستفادة الأحكام من الأفعال، كتعبير الصحابي عن الفعل، وما يمكن أن يستفاد من ذلك من تعليل أو تعميم أو غيرهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>تصنيف الأفعال كقَسِيمٍ لسائر الأدلّة:</span>\nالأدلة المعتمدة في الشريعة أغلبها أقوال، فالكتاب العظيم قول الله تعالى، والسنة النبوية منها أقوال ومنها أفعال، والإجماع منه قولي ومنه فعلي. ومذهب الصحابي عند من قال به، منه قول ومنه فعل.\nولكن دليل القياس، وهو العلة، ليس قولًا ولا فعلًا، ولكن هي معنى اعتبره الشارع في الأصل.\nفالأدلة، إذن، إمّا أقوال. وإمّا أفعال. وإما غيرهما. ويقول ابن تيمية: \"الأصل قول الله، وفعله، وتركه القول، وتركه الفعل، وقول رسول الله - ﷺ - وفعله، وتركه القول وتركه الفعل. وإن كانت جرت عادة الأصوليين أن يذكروا قول الله فقط، ومن جهة النبي - ﷺ - قوله وفعله وإقراره\" (١).\nفهذا تقسيم للأدلة من وجه طبيعتها.\nوتقسيما إلى كتاب وسنة وإجماع وقياس وغير ذلك، هو تقسيم لها من وجه مصادرها. وهو التقسيم السهل المعتمد عند الأصوليين.\nوعلى التقسيم الأول ليس كل الأفعال داخلًا في بحثنا بصفة أساسية، لأن موضوعه (الأفعال النبوية). فلا تدخل فيه أفعال الله تعالى، ولا أفعال الصحابة ﵃. ولا أفعال أهل الإجماع.\nولكننا سنلحق بأبحاث الأفعال النبوية بعض ما يشاكلها مما يتعلق بأفعال غير النبي - ﷺ - تتميمًا للبحث، لأنها تشارك أفعال النبي - ﷺ - في طبيعتها (الفعلية) وفي الدلالة على أحكام عند من يقول بها.\n_________\n(١) المسودة ص ٢٩٨","vol":"1","page":59},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>المبحث الخامس الأفعال النَّبَويَّة في التآليف الحديثية والأصُوليّة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>مظان التعرّف على الأفعال النبوية:</span>\nتذكر دواوين السنة أفعال النبي - ﷺ - مبثوثة بين أحاديثه القوليّة. ولم يفردها من المسندين أحد بالرواية فيما نعلم، كما لم يفرد الأقوال أحد عن الأفعال.\nولما استقرت دواوين السنة المسندة، من الصحاح والسنن والمسانيد والموطآت والمستخرجات وغيرها، في القرن الخامس تقريبًا، وبدأ عصر التجميع منها، جمع الشيخ ابن العاقولي، وهو محمد بن محمد بن عبد الله (٧٣٣ - ٧٩٧ هـ) أحد أساتذة الجامعة المستنصرية ببغداد، كتابه (الرصف لما روي عن النبي - ﷺ - من الفعل والوصف) اعتمد فيه ما ذكره ابن الأثير في جامع الأصول، وأضاف إليه ما ذكر في بعض المصادر الأخرى. وهو -أعني ابن العاقولي- أول من اعتنى بجمع الأفعال، وإفرادها عن الأقوال، فيما يظهر.\nوقد قال في مقدمته: \"أما الأفعال فلم نر من اعتنى بجمعها مفصلة قبل كتابنا هذا، وإنما تذكر في أثناء الأقوال\" (١) فأكّد لنا هذا المعنى، وهو إغفال المتقدمين من المحدثين لإفراد الأفعال (٢).\n_________\n(١) انظر: ١/ ٣\n(٢) بعد أن كتبنا هذا اطلعنا على مقدمة صحيح ابن حبان (٣٥٤ هـ) فوجدناه يذكر أنه قسم كتابه خمسة أقسام: الأوامر، والنواهي، والأخبار، والإباحات، والأفعال. (انظر ١/ ٥٨) =","vol":"1","page":60},{"text":"ولم يكن هدف ابن العاقولي من تجميع الأفعال التهيئة لاستفادة الأحكام الفقهية منها، وإنما كان يريد التعريف بالنبي - ﷺ - (١)، ولذلك أدمج أوصاف النبي - ﷺ - الخلقيّة، ونسبه الشريف، ونحو ذلك. وأورد في ضمن ذلك أقوالًا يسيرة.\nوجاء بعد ذلك السيوطي، فأفرد الأفعال عن الأقوال. ولم يكن الذي دعاه إلى هذا أمرًا يتعلق بالاحتجاج بها، وإنما كان هدفًا فنيًّا صرفًا. وذلك أنه أراد تجميع الأحاديث النبويّة المأثورة بأسرها، من جميع دواوينها المسندة، في كتاب واحد، سمّاه (الجامع الكبير) (٢). واختار أن يرتبه ترتيبًا يمهد الطريق للباحثين، للوصول إلى الحديث المطلوب بيسر وسهولة. فكان أن رتّبه ترتيبًا هجائيًا كَلِمِيًّا (٣)،\n_________\n=ولم يطبع أصل كتابه، وإنما طُبع بترتيب الأمير علاء الدين الفارسي، الذي سمّاه \"الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان\" حيث رتّبه على أبواب الفقه، وقد نشر منه الشيخ أحمد شاكر ﵀ الجزء الأول، وتقوم الآن مؤسسة الرسالة بإصداره كاملًا بتحقيق الشيخ شعيب الأرناؤوط في ستة عشر جزءًا.\nإلا أننا نحمد الله على أن رجعنا بأولية فصل الأفعال النبوية عن الأقوال، إلى القرن الرابع. ملاحظة: يبعد أن يكون لنضج مباحث الأصول في ذلك القرن أثر على ابن حبان في ترتيبه الذي اختاره. فإنه قسم الأفعال خمسين نوعًا، يظهر في أكثر عناوينها ذلك، من مثل قوله (في ص ١٠٤، ١٠٥ من المقدمة):\nالنوع السادس: فعل فعله - ﷺ -، لم تقم الدلالة على أنه خص باستعماله دون أمته، مباح لهم استعمال مثل ذلك الفعل، لعدم وجود تخصيص فيه. وقوله أيضًا:\nالنوع الثامن عشر: أفعاله - ﷺ -، التي تفسر عن أوامره المجملة. وذلك ظاهر أيضًا في سائر الأقسام غير الأفعال.\nفإن صدق الظن، فإن كتاب ابن حبان، على أصله الذي ألفه عليه، يصلح أن يكون بستانًا للأصوليين، ينتقون منه فيتأنقون، أطايب ثماره، كأمثلة لمسائلهم الأصولية.\n(١) الرصف ١/ ٢\n(٢) بدأ بطبعه بالقاهرة.\n(٣) فرق في الترتيب الهجائي بين النظام الكلمي والنظام الحرفي. يراجع للتفصيل رسالتنا (الفهرسة والترتيب المعجمي) نشر دار البحوث العلمية، بالكويت، ١٣٧٢ هـ.","vol":"1","page":61},{"text":"بحسب حروف كلمات اللفظ النبوي، الأول فالثاني فالثالث، كلمة كلمة. فاستقام له ذلك في الأحاديث القولية الصرفة. أما \"الأحاديث الفعليّة، أو التي فيها قول وفعل، أو سبب أو مراجعة\" (١) له أو نحو ذلك، فلم يمكن إدخالها في سلسلة هذا الترتيب. فاضطره ذلك إلى إفرادها. فجمعها جميعًا في قسم مستقل، رتّبه هجائيًا بحسب أسماء الصحابة رواة الأحاديث. فثبت (الجامع الكبير) عنده على قسمين، أولهما للأقوال وثانيهما للأفعال.\nثم اختصر كتابه (الجامع الصغير) من قسم الأقوال خاصة من (الجامع الكبير) إلاّ أنه أدخل في الجامع الصغير في آخر حرف الكاف منه، ما ورد من الأحاديث الفعليّة، مبدوءة روايته بلفظ (كان يفعل).\nوجاء بعده علي المتقي الهندي، فجمع القسمين من كتاب السيوطي مرة أخرى في ترتيب مخالف. وسمّى كتابه (كنز العمال من سنن الأقوال والأفعال) فقد رتّب كتابه لا على (الهجاء)، وإنما على (الأبواب الموضوعية) كالإيمان والصلاة والنكاح ونحو ذلك، مرتّبًا بين عناوين تلك الأبواب بحسب حروفها. وأما الأحاديث في داخل كل باب فإنه يذكر أولًا ما كان قوليًّا، ثم يذكر ما كان فعليًّا. فقد بقيت الأقوال والأفعال في كتابه منفصلة بعضها عن بعض، ولكن داخل الأبواب.\nولا نجد كتابًا أفردت فيه الأفعال عن الأقوال سوى ما ذكرنا.\nوعلى هذا فالأحاديث الفعليّة، التي هي موضوع بحثنا، يرجع إليها في دواوين السنة المسندة، أو التجميعات كجامع الأصول وغيره، أو في كتاب ابن العاقولي، أو القسم الثاني من الجامع الكبير أو باب (كان يفعل) في الجامع الصغير، أو كنز العمال. والله أعلم.\n_________\n(١) من مقدمة السيوطي للجامع الكبير، نقلها صاحب كنز العمال، ط الهند ١/ ٦ - ٩","vol":"1","page":62},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>الأفعال النبوية في الدراسات الأصوليّة:</span>\nيتعرّض الأصوليون في مؤلفاتهم الشاملة للأفعال النبويّة، ضمن مباحث السنّة، كما ذكرنا. وأكثرهم يفرد الأفعال بباب، أو فصل، أو مسألة. يتعرّضون للفروق في الدلالة بينها وبين الأقوال، ويردون ما يثار حول حجيتها من الشبهات. وقليل منها يذكر مباحث السنة بصفتها العامة ويغفل الأفعال، كما فعل ابن قدامة في (روضة الناظر)، اكتفاء بكلامه على حجيّة السنة ودلالتها، غير أننا نعتبر ذلك قصورًا ممن فعله. بل ينبغي إعطاء الأفعال من الدراسة حقها، ليفرق الفقيه بين القول والفعل، ويعلم كيف يستفيد الحكم من كل منهما على استقامة، وحسب ما تقتضيه (الأصول).\nولم أجد أحدًا أفرد أفعال النبي - ﷺ - بمؤلف خاص، ما عدا اثنين من المؤلفين الفضلاء:\nأحدهما: أبو شامة المقدسي، وهو عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم الشافعي، نزيل دمشق، والمقتول غيلة ببيته سنة ٦٦٥ هـ، وهو أحد تلامذة الأصولي الشهير سيف الدين الآمدي. وأبو شامة مؤرخ، أديب، فقيه، عالم بالقراءات، بالإضافة إلى تضلعه في علم الأصول، وله باع جيد في بيان حقيقة البدع وإنكارها كما يعلم من كتابه المشهور الذي سمّاه (الباعث على إنكار البدع والحوادث).\nوتأليفه في الأفعال سمّاه (المحقّق من علم الأصول في ما يتعلّق بأفعال الرسول - ﷺ -) وهو كتاب جيد، يدل على بصر مؤلفه بعلم الأصول، ودقته في أبحاثه، مع ورع وأمانة. وقد نقل عنه الزركشي في (البحر المحيط) واعتمد ما نقل عنه. ونقل عنه أيضًا الشوكاني في (إرشاد الفحول) فأكثر، وخالفه في بعض ما نقل عنه. ونقل عنه ابن أبي شريف في حاشيته على جمع الجوامع (١) ونقل عنه غيرهم.\n_________\n(١) ق ١٧٦ ب.","vol":"1","page":63},{"text":"ثانيهما: الحافظ العلائي، وهو خليل بن كَيْكَلْدي بن عبد الله، الدمشقي الشافعي (٦٩٤ - ٧٦١ هـ) وهو محدّث فقيه أصولي. وكتابه في الأفعال ليس شاملًا لمباحثها، وإنما هو في باب خاص هو باب التعارض، كما يدل عليه اسمه (تفصيل الإجمال في تعارض الأفعال والأقوال) وقد بحث بالتفصيل مسألة التعارض بين الفعل والفعل، ثم مسألة التعارض بين الفعل والقول، وقسم هذه المسألة إلى ستين صورة، وبين حكم كل صورة منها وما تقتضيه مذاهب الأصوليين فيها، ومثل لأكثر تلك الصور.\nويظهر أنه اطّلع على كتاب أبي شامة، الذي بحث مسألة التعارض بحثًا مجملًا، فأراد العلائي أن يخدم كتابه بتفصيل إجماله. وهو -أعني العلائي- لا يذكر كتاب أبي شامة، ولكنه يوافقه في كثير من عباراته بحروفها، وكذلك تقسيماته للبحت، والله أعلم (١).\n_________\n(١) \"أفعال النبي - ﷺ -\" رسالة لأبي الحسن الأشعري. ذكر ذلك في قائمة مؤلفات الشيخ إلى الحسن الأشعري التي نقلتها المحققة: فوقيه حسين، ضمن مقدمتها لرسالة \"الإبانة\" له، ونشرتها \"دار الأنصار بالقاهرة\" ص ٦٥. وقالت ولم \"يرد عن الرسالة المذكورة أي تعليق لا من القدامى ولا من المحدثين\" وقد عزت إلى (تبيين كذب المفتري لابن عساكر) ص ١٣٥. فليراجع.","vol":"1","page":64},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>الباب الأول الأفعال الصريحة</span>\n١ - البيان بالأفعال.\n٢ - أحكام أفعال النبي - ﷺ - بالنسبة إليه.\n٣ - حجيّة أفعال النبي - ﷺ -.\n٤ - أقسام الأفعال النبوية الصريحة، ودلالتها على الأحكام.\n٥ - الفعل المجرّد.\n٦ - الأحكام المستفادة من الأفعال.\n٧ - صفة الدلالة الفعليّة.\n٨ - دلالة متعلقات الفعل النبوي.\n٩ - مباحث متنوعة تتعلق بالأفعال.\nأ- الطريق العملي لاستفادة الحكم من الفعل.\nب- الاعتراضات التي تورد على الاستدلال بالأفعال.\nج- نقل الأفعال النبوية.\nد- نية التأسي.","vol":"1","page":65},{"text":"قدمنا في التمهيد أننا نعني بالأفعال الصريحة كل أفعال النبي - ﷺ - ما عدا الترك والتقرير والسكوت والكتابة والإشارة والأوجه الفعليّة للقول، وأننا سنفرد هذه الأنواع من الأفعال بباب خاص (١).\nوأمثلة أفعاله الصريحة نحو صلاته - ﷺ - وصومه وزكاته وحجه وسائر أنواع عباداته، ونحو بيعه وشرائه، وقيامه وقعوده، ونومه، ومعاشرته لأزواجه وأقاربه وأصحابه وأعدائه من الكفار والمنافقين، وغير ذلك مما يساويه في الفعليّة دون غشاء يغطي وجه فعليته، أو يضعف رؤيتها.\nونودّ هنا أن نوضّح أن كثيرًا من مباحث هذا الباب الأول تنطبق على الأفعال غير الصريحة، فما يستوي فيه القسمان يذكر في هذا الباب. وإنما نفرد الأفعال غير الصريحة بباب خاص لنذكر فروقها، لئلا يظن الاستواء بينها وبين الأفعال الصريحة في جميع الأحكام.\n_________\n(١) تنبيه:\nقد نتساهل في التعبير في أثناء هذه الرسالة، فنقول أحيانًا: الفعل والترك، أو: الفعل والتقرير، فيكون المراد الصريح منه خاصة، بقرينة ضمه إلى قسيمه، وليس ذلك منا ارتضاء لمذهب من أخرج الترك والتقرير عن حيز الفعل.","vol":"1","page":67},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>الفَصْل الأول البيان بالأفعال</span>\nتمهيد في القدوة، والاقتداء بالأفعال النبوية.\n١ - البيان.\n٢ - البيان الفعلي.\n٣ - اختلاف القول والفعل في البيان.\n٤ - اختلاف الفعلين في البيان.","vol":"1","page":69},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>تمهيد في القدوة والاقتداء بالأفعال النبويّة</span>\nقد ذكرنا أن النبي - ﷺ - كان مكلّفًا بمهمات البيان، والتعليم، والتزكية. وأنه - ﷺ - قال: \"إنما بعثت معلِّمًا\".\nوقد حمل النبي - ﷺ - الأمانة، وأدّى المهمة على أكمل وجه وأتّمه. فاستعمل جميع الوسائل الممكنة، لإبلاغ دين الله تعالى وتمكينه في الأرض، حتى كان بحقٍّ إمامًا، بل كان إمام الأئمة، هَدَى بفعله - ﷺ - كما هَدَى بقوله، حتى كان فعله نموذجًا حيًا للمسلم، يتعلم منه الدين، كما يتعلمه من أقواله - ﷺ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>درجة الإمامة في الدين:</span>\nدرجة الإمامة في الدين درجة عالية، ذكر الله تعالى الذين يعملون للوصول إليها بطيّب الذّكر، وجعلهم ممن ﴿يجزون الغرفة﴾ إذ قالوا: ﴿واجعلنا للمتقين إمامًا﴾ (١). وامتنّ الله بها على خليله إبراهيم بقوله: ﴿إني جاعلك للناس إمامًا﴾.\nو(الإمام) في اللغة المتّبَع الدالّ. يقال للطريق إمام، ولرئيس القوم إمام. وقوله تعالى: ﴿يوم ندعو كل أناس بإمامهم﴾ (٢) قيل في تفسيره: بنبيّهم وشرعهم (٣). والإمام في الصلاة، كما في الحديث: \"إنما جعل ليؤتمّ به، فإذا كبّر فكبّروا، وإذا رفع فارفعوا\" (٤) يرشد بفعله، فيفعل المؤتمون به كما يفعل.\n_________\n(١) سورة الفرفان: آية ٧٤\n(٢) سورة الإسراء: آية ٧١\n(٣) لسان العرب.\n(٤) متفق عليه (الفتح الكبير).","vol":"1","page":71},{"text":"وقال - ﷺ - لأصحابه: \"تقدموا فأْتموا بي، وليأتمّ بكم من بعدكم\" (١) ..\nوواضح من هذا أن الإمام من يتبع فعله كما يتبّع قوله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>ميزة القدرة الملتزمة وأثرها في الاتباع:</span>\nالمقتدى به الذي هو عالم بالمبدأ الذي يدعو إليه، مؤمن به، حريص على نشره بين الناس، لا يكاد يتخلف عمله عن علمه. إذ إن ما يعلمه يصبح كالطبيعة المغروزة فيه، فيفعل ما يفعله بتأثير ذلك العلم الذي أصبح كالوصف الراسخ فيه. وذلك أنه إذا تعهّد نفسه، فلم يسمح أن يصدر عنه ما يخالف مقتضى ما يحمله من العلم، ودعاها إلى ممارسة كل ما يدعوه إليه العلم، فإنه يتعوّد أن يسير حسب المبدأ، وتتقوّى فيه تلك العادة بالتكرار والضبط، حتى تكاد أن تكون طبيعة أخرى.\nوحينئذٍ يكون ما فعله تصديقًا لأقواله ودعوته التي يدعو إليها، وترسيخًا لها في نفوس أتباعه، وتصح القدوة بفعله كما تصح بقوله.\nوعلى العكس من ذلك من خالف فعله قوله، يكون ذلك منه تكذيبًا لقوله، وعائدًا عليه بالإبطال في نفوس الأتباع، ويكون ذلك منفرًّا لهم عن دعوته، وعن استماع كلامه، والانتفاع به.\nقال الشاطبي (٢):\n\"إن المفتي إذا أمر مثلًا بالصمت عما لا يعني، فإن كان صامتًا عما لا يعنيه ففتواه صادقة، وإن كان من الخائضين فيما لا يعني، فهي غير صادقة. وإذا دلّك على الزهد في الدنيا وهو زاهد فيها صدقت فتياه، وإن كان راغبًا في الدنيا فهي كاذبة. وإن دلّك على الصلاة وكان محافظًا عليها، صدقت فتياه، وإلا فلا. وهكذا في سائر الأوامر\".\n_________\n(١) رواه مسلم وأبو داود (الفتح الكبير).\n(٢) الموافقات ٤/ ٢٥٢، ٣/ ٣١٧.","vol":"1","page":72},{"text":"\"ومثلها النواهي: فإذا نهى عن النظر إلى الأجنبيات، وكان في نفسه منتهيًا عنها، صدقت فتياه. أو نهى عن الكذب، وهو صادق اللسان، أو عن الزنا، وهو لا يزني، أو عن التفحّش وهو لا يتفحّش، وما أشبه ذلك، فهو الصادق الفتيا، والذي يقتدى بقوله وفعله، وإلا فلا، لأن علامة صدق القول مطابقة الفعل، بل هو الصدق في الحقيقة عند العلماء، قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾ (١) فهكذا إذا أخبر العالم بأن هذا واجب أو محرم، فإنما يريد: على كل مكلف، وأما منهم\". اهـ.\nوقال في موضع آخر:\n\"إذا وقع القول بيانًا فالفعل شاهد له ومصدق ... وبيان ذلك ... إن العالم إذا أخبر عن إيجاب العبادة الفلانية، أو الفعل الفلاني، ثم فعله هو ولم يخل به في مقتضى ما قال فيه، قوي اعتقاد إيجابه، وانتهض العمل به عند كل من سمعه يخبر عنه ورآه يفعله. وإذا أخبر عن تحريمه مثلًا ثم تركه، فلم يُرَ فاعلًا له، ولا دائرًا حواليه، قوي عند متبعه ما أخبر به عنه، بخلاف ما إذا أخبر عن إيجابه ثم قعد عن فعله، أو أخبر عن تحريمه ثم فعله، فإن نفوس الأتباع لا تطمئن إلى ذلك القول منه، طمأنينتها إذا ائتمر وانتهى. بل يعود من الفعل إلى القول ما يقدح فيه على الجملة: إما من تطريق احتمال إلى القول، وإما من تطريق تكذيب إلى الناقل، أو استرابة في بعض مآخذ القول. مع أن التأسي في الأفعال والتروك بالنسبة إلى من يعظّم في دين أو دنيا كالمغروز في الجبلة، كما هو معلوم بالعيان. فيصير القول بالنسبة إلى القائل كالتبع للفعل. فعلى حسب ما يكون القائل في موافقة فعله لقوله يكون اتباعه والتأسي به، أو عدم ذلك\" (٢) اهـ.\nوالنبي - ﷺ - كان أصدق الناس، وأقومهم بحق الإمامة، وأسرعهم إلى تنفيذ ما أرسل به من شريعة الله، على نفسه أولًا، ثم أهل بيته، وأقاربه، وعلى غيره ممن ينفّذ أمره عليهم، وانظر قوله يوم حجة الوداع: \"ألا إن ربا الجاهلية موضوع، ألاّ\n_________\n(١) سورة التوبة: آية ١١٩\n(٢) الموافقات ٣/ ٣١٧.","vol":"1","page":73},{"text":"وإن أول ربًا أضع ربا عمي العباس بن عبد المطلب. ألاّ وإن دماء الجاهلية موضوعة، وأول دم أضع دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>ما كان النبي ﷺ يلاحظه في أفعاله من حيث إنها قدوة:</span>\nالنبي - ﷺ - الذي أرسله الله إلى هذه الأمة كان هو إمامها في مسيرتها على شريعة الله.\nوهذه الدرجة تقتضي صاحبها أن يلاحظ أفعاله من حيث إنها قدوة ومتّبعة، ومتأسّىً بها، فلا يسترسل كما قد يسترسل غيره ممن لا يقتدى بهم.\nلقد قال النبي - ﷺ -: \"من سنّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء. ومن سنّ في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، لا ينقص من أوزارهم شيء\" (٢). وقال - ﷺ -: \"من دلّ على خير فله مثل أجر فاعله\" (٣).\nكان النبي - ﷺ - يلحظ هذا كله، ويعلم أن أفعاله حجة، وأنه منظور إليه، ومؤتمٌ به ومتبع، وهذا دعاه إلى وزن أفعاله بميزان الشرع، بالإضافة إلى عناية خاصة تتبع مهمة التعليم اقتضت أمورًا نفصلها كما يلي:\nالأمر الأول: أنه - ﷺ - كان يجتنب مواضع التهم، ولا يفعل شيئًا يتضمن نقص مروءة. ولا يفعل ما يستنكر ظاهرًا وإن كان جائزًا باطنًا. فإن وقع شيء من ذلك لحاجة أو نحوها أخبر بحكمه وعذره ومقصوده، كيلا ينفر عنه مشاهده، وليستفيد ذلك الحكم الجاهل به (٤).\nولذلك قال النبي - ﷺ - للرجلين لما رأياه يتحدّث مع زوجته صفية في المسجد\n_________\n(١) صحيح مسلم (جامع الأصول ٤/ ٢٣٦)\n(٢) رواه مسلم وأحمد والترمذي والنسائي عن جرير (الفتح الكبير).\n(٣) رواه مسلم وأحمد وأبو داود (الفتح الكبير).\n(٤) انظر: ابن جماعة: تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم. ط الهند ص ٢٠","vol":"1","page":74},{"text":"ليلًا، فولّيا، قال: \"على رسلكما، إنها صفية بنت حُيَيٍّ\" (١) ثم قال: \"إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فخفت أن يقذف في قلوبكما شيئًا\".\nوقد نبّه عبد الكريم زيدان (٢) إلى قيد جيد في هذه المسألة، وهو أن الفعل الذي يترك حذرًا من الشبهة، ينبغي أن لا يكون من صميم الدعوة، فإن كان من صميم الدعوة فينبغي فعله، ولوكان فيه تنفير. فما ظُنَّ أن حكمه التحريم وليس بمحرم، فإنه يفعل لبيان الجواز، وإن قال الناس ما قالوا. فهذا من بيان الحق، كما تزوّج النبي - ﷺ - زينب مطلقة زيد الذي كان يدعى ابنه قبل أن ينزل القرآن بإبطال التبني. فكان زواجه بها بيانًا (٣)، لم يمتنع من فعله خوف قالة الناس.\nالأمر الثاني: الحرص على خفة الفعل المظهر، فلا يكون فيه مشقة وعسر، لئلا يأخذ الاتباع أنفسهم بالشدة كما يأخذ بها نفسه.\nوقد أثنى الله تعالى على نبيه - ﷺ - بأنه كان يشقّ عليه ما يشقّ على الأمة، بقوله: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عَنِتُّم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم﴾ (٤) وتقول عائشة ﵂: \"إنْ كان رسول الله - ﷺ - لَيَدَعُ العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيشق عليهم\" (٥).\nوتقول ﵂ في الركعتين اللتين بعد العصر: \"والذي ذهب به ما تركهما حتى لقي الله، وما لقي الله حتى ثقل عن الصلاة. وكان يصلّي كثيرًا من صلاته قاعدًا. وكان يصلّيهما، ولا يصلّيهما في المسجد، مخافة أن يثقل على أمته، وكان يحبّ ما خفّف عنهم\" (٦).\nوتروي ﵂ الحادثة التالية، قالت: \"خرج رسول الله - ﷺ - من\n_________\n(١) رواه البخاري مسلم وأبو داود (جامع الأصول ١/ ٢٤٦)\n(٢) عبد الكريم زيدان: أصول الدعوة، ص ٤٠٣، ٤٠٤\n(٣) لنا في الاستدلال بالآية الواردة في ذلك رأي خاص نذكره في الفصل الثالث.\n(٤) سورة التوبة: آخر السورة.\n(٥) رواه البخاري ٣/ ١٠ ومسلم.\n(٦) رواه البخاري ٢/ ٦٤","vol":"1","page":75},{"text":"عندي، وهو قرير العين طيب النفس، فرجع وهو حزين النفس، فقلت له، فقال: إني دخلت الكعبة وودت أني لم أكن فعلت، إني أخشى أن أكون أتعبت أمّتي من بعدي\" (١).\nفإن عمل بما فيه شدة، وكان خاطئًا به، بيّن اختصاصه بذلك لئلا يقتدوا به فيه، كما فعل في الوصال في الصوم، إذ قال: \"إني لست كهيئتكم، إني أبيت لي مطعم يطعمني ويسقيني\" (٢).\nالأمر الثالث: أنه - ﷺ - كان في الأفعال الشرعية التي تتكرر يواظب غالبًا على فعل الشيء على أكمل الوجوه وأتمها، وذلك ليتعلم منه من لا يعلم، وليصححوا أفعالهم حسب فعله - ﷺ -. ومن ذلك الوضوء، كان أكثر وضوئه ثلاثًا ثلاثًا، مع الإسباغ والمبالغة. وربما توضأ مرة مرة. أو مرتين مرتين، لبيان الجواز (٣).\nومن ذلك الصلاة، يؤديها جماعة أمام الناس على أكمل الوجوه والهيئات، مع تخفيفها، لتتعلم منه كيفية الصلاة برؤيته وهو يصلي، بخلاف ما إذا صلى حيث لا يراه الناس، فقد كان يترخص فيصلي جالسًا أحيانًا، واتخذ عمودًا في مصلاه يعتمد عليه (٤).\nوقد قال ابن جماعة في مثل ذلك من آداب المعلم المقتدى به: \"أن يحافظ على القيام بشعائر الإسلام، وظواهر الأحكام، ...، ولا يرضى من أفعاله الظاهرة والباطنة بالجائز منها، بل يأخذ نفسه بأحسنها وأكملها. فإن العلماء هم القدوة، وإليهم المرجع في الأحكام، وهم حجة الله على العوّام، وقد يراقبهم من لا يعلمون\" (٥).\nالأمر الرابع: عنايته - ﷺ - بأن لا يساء فهم دلالة الفعل عنه، بأن يفهم منه\n_________\n(١) رواه الترمذي وهذا لفظه، وأبو داود (جامع الأصول ٤/ ٥٤) ورواه أحمد.\n(٢) رواه البخاري وأبو داود (جامع الأصول ٧/ ٢٥٠)\n(٣) ذكر ذلك الزركشي في (البحر المحيط) ٢/ ٢٥٢\n(٤) لما أسن وحمل اللحم. رواه أبو داود ٣/ ٢٢٦\n(٥) في (تذكرة السامع والمتكلم) ط الهند. ص ٢١","vol":"1","page":76},{"text":"النسخ لقول سابق وهو لا يريده، أو نحو ذلك. فيبيّن ما يفرق به رائي الفعل بين ما يجوز وما لا يجوز.\nمن ذلك إنه بكى - ﷺ - عندما ظنّ أن سعد بن عبادة مات. وكان قد نهى عن النياحة، وقال: \"إن الله لا يعذّب بدمع العين، ولا بحزن القلب. ولكن يعذّب بهذا أو يرحم\" (١). وأشار إلى لسانه.\nومن ذلك أنه غضب عندما علم أن عليًا يريد أن يتزوج زوجة أخرى على فاطمة ﵄، ولم يأذن في ذلك، ثم قال: \"وإني لست أُحرِّم حلالًا، ولا أُحل حرامًا. ولكن والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله مكانًا واحدًا أبدًا\" (٢). فبيّن أن غضبه ليس لكون الأمر محرمًا، بل هو على الحل، وإن كان يرفضه هو.\nولم يتحلل من عمرته في حجة الوداع، فامتنع بعض الناس من التحلل، فبيّن لهم أن الذي معه من الحل أنه ساق الهدي، فلا يحل حتى ينحر.\nومن ذلك أنه كان إذا فعل فعلًا بمقتضى الرخصة والعذر، ينبّه أحيانًا على ذلك من لا يدري، لئلا يظن أن ذلك الفعل هو العزيمة. ومثاله أنه - ﷺ - لما صلى بأصحابه بمكة قصرًا، وكان معهم في الصلاة مكيون، قال لهم: \"يا أهل البلد صلوا أربعًا فإننا قوم سفر\" (٣).\nالأمر الخامس: حرصه - ﷺ - على نقل أفعاله إلى الناس ليقتدوا بها ويتعلموا منها أحكام الشريعة، فكثيرًا ما كان يعمل العمل في مكان بارز، ويستدعي التفات الناس إليه، كما فعل في يوم عرفة، إذ شرب وهو يخطب الناس، وهم ينظرون إليه (٤)، ليعلم الناس أن سنة الواقف بعرفة الفطر.\n_________\n(١) رواه البخاري ومسلم (جامع الأصول ١١/ ٤٠٦)\n(٢) رواه البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود (جامع الأصول ١٠/ ٨٣)\n(٣) رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح (عون المعبود ٤/ ٩٦)\n(٤) يفهم من روايات البخاري (نيل الأوطار ٢٥٢، ٢٥٤).","vol":"1","page":77},{"text":"وكما صلّى يومًا على المنبر، ورجع وسجد بالأرض، وقال: \"إنما صنعت هذا لتأتمّوا بي ولتعلّموا صلاتي\" (١).\nوكان يضحّي بمصلى العيد (٢) أمام جمهور الناس.\nو\"طاف بالبيت وبين الصفا والمروة، على بعيره، ليراه الناس، وليشرف، وليسألوه\" (٣).\nومن وسائله لنقل أفعاله إخباره بنفسه عن كثير مما يفعل ابتداء، أو جوابًا على سؤال، أو إنكارًا على من فعل خلاف ذلك، أو ثناء على من فعل مثل فعله وإقرارًا له.\nمن ذلك قوله: \"إني لا آكل متكئًا\" (٤).\nوسأله سائل هل يغتسل إذا أتى أهله من غير إنزال، فقال: \"إني لأفعل ذلك ثم اغتسل\" (٥).\nوقال لرهط أرادوا التشديد على أنفسهم: \"لكني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وآكل، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني\" (٦).\nوقال لجعفر بن أبي طالب: \"أشبهت خلقي وخلقي\" (٧).\nومن وسائله أيضًا، أنه - ﷺ - كان يحاول تكثير مشاهديه، وانتقاءهم من أهل العلم والإيمان ليأخذوا عنه، كما قال في صفوف الصلاة: \"ليلني منكم أولو الأحلام\n_________\n(١) رواه البخاري ٢/ ٣٩٧ ومسلم ٥/ ٣٥\n(٢) أبو داود والنسائي (جامع الأصول ٤/ ١٤٦).\n(٣) رواه مسلم وأبو داود (الرصف/ ٥٥٣١).\n(٤) رواه البخاري ٩/ ٥٤٠ وأبو داود ١٠/ ٢٤٣\n(٥) رواه مسلم (الرصف ١/ ٢٠٤).\n(٦) رواه البخاري ٩/ ١٠٤ ومسلم ٩/ ١٧٦\n(٧) رواه البخاري ٥/ ٣٠٤ والترمذي ١٠/ ٢٧٠","vol":"1","page":78},{"text":"والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم\" (١)، وفي رواية: \"ليلني منكم الذين يأخذون عني\" (٢).\nورأى في أصحابه (٣) تأخُّرًا، فقال: \"تقدّموا فأتموا بي وليأتمَّ بكم من بعدكم، ولا يزال قوم يتأخّرون حتى يؤخّرهم الله\" (٤).\nومن ذلك أيضًا ما قال السبكي في ترشيح التوشيح عن والده: \"إن السر في نكاح النبي - ﷺ - أكثر من أربع نسوة، أن الله أراد نقل بواطن الشريعة وظواهرها، وما يُستحيا من ذكره وما لا يُستحيا. وكان رسول الله - ﷺ - أشد الناس حياء. فجعل الله له نسوة ينقلن من الشرع ما يرينه من أفعاله، ويسمعنه من أقواله التي قد يستحيا من ذكرها بحضرة الرجال، فيتكمّل نقل الشريعة. وكثر عدد النساء كتكثير الناقلين لهذا النوع. ومنهن عرف غالب مسائل الغسل والحيض والعدّة وغيرها. وأيضًا فقد نقلن ما لم ينقله غيرهن مما رأينه في منامه وحالة خلوته، من الآيات البيّنات على نبوته\" (٥) اهـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>ملاحظة الصحابة للأفعال النبوية من أجل الاقتداء:</span>\nكان ما تقدم ذكره داعيًا الصحابة ﵃ إلى ملاحظة الأفعال النبوية الشرعية وتعرف كيفياتها، لأجل الاقتداء بها.\nوتفصيل ذلك أن تأثُّر شخص ما بشخص آخر حتى يقلده في فعله وأحواله على درجات:\nالدرجة الأولى: إن أي شخصين تخالطا، ورأى أحدهما ما يفعل الآخر، فلا بد أن يتأثر به ولو قليلًا، ما لم يمنع ذلك مانع.\n_________\n(١) رواه مسلم والأربعة (الفتح الكبير ٣/ ٧٢).\n(٢) أخرجها الحاكم (الفتح الكبير ٣/ ٧٢).\n(٣) المقصود كبار أصحابه المتقدمون على غيرهم في الصحبة.\n(٤) رواه مسلم وأحمد وأبو داود (الفتح الكبير ٢/ ٣٦).\n(٥) نقله عبد الحي الكتاني في الترتيبات الإدارية (٢/ ٢٣٦) ومنه نقلنا.","vol":"1","page":79},{"text":"الدرجة الثانية: فإن كان لأحد الشخصين فضل على الآخر، ومزيد منصب ورياسةٍ كان تأثر المفضول والرؤوس بأفعال الفاضل والرئيس أظهر وأبين، حتى إنه كثيرًا ما يقلده في هيئة لباسه، وعاداته في كلامه ومشيه وأكله وشربه ونحو ذلك. وقد تقدّم قول الشاطبي: \"إن التأسّي في الأفعال والتروك، بالنسبة إلى من يعظّم في دين أو دنيا، كالمغروز في الجبلة، كما هو معلوم بالعيان\". وإلى هذا المعنى يشير المثل القائل \"الناس على دين ملوكهم\" فهو يعبّر عن هذه الطبيعة البشرية تعبيرًا صادقًا. وقد أشار ابن خلدون في المقدمة (ص ١٤٧) إلى تعليل ذلك، فليرجع إليه.\nالدرجة الثالثة: فإن كان لدى المتأثر مودة للآخر ومحبة وألفة، كان التأثر أعظم. وكلما كانت المحبة أعظم كان التأثر أعظم وأتمّ، حيث إن المحبة تدعو إلى الاتفاق بفعل ما يفعل المحبوب، ومحبة ما يحبه. وقد فصّل القول في ذلك المتكلمون في المحبة (١).\nوقد نهى الله تعالى عن تزويج المشركين والتزوّج إليهم، وعلّل ذلك بقوله: ﴿أولئك يدعون إلى النار واللُه يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه﴾ (٢) وقال النبي - ﷺ -: \"المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل\" (٣).\nوهذه الدرجات الثلاث موجودة في المؤمن بالنسبة إلى نبيه - ﷺ - وكانت في الصحابة ﵃ على أتمّ ما يكون، لكثرة مخالطتهم له، ورؤيتهم فضله عليهم بالفضائل التي حلاّه الله بها، ومنصب النبوة والإمامة الَّذَيْنَ أكرمه الله بهما، والمحبة العظيمة التي خالطت قلوبهم بما شاهدوه من رعاية الله له، وإكرام الله لهم بأن اختارهم لصحبته الكريمة، وللنقل عنه إلى العالمين.\nوانضمّ إلى ذلك عندهم بالنسبة إليه - ﷺ - درجتان أخريان، هما:\nالدرجة الرابعة: أن الله تعالى أثنى على ﴿الذين يتبعون الرسول النبيّ\n_________\n(١) راجع مثلًا: ابن القيم: روضة المحبين. ط دمشق، ص ٢٨٥ - ٢٨٧\n(٢) سورة البقرة: آية ٢٢١\n(٣) رواه الترمذي ٧/ ٤٩ وقال: حديث حسن صحيح.","vol":"1","page":80},{"text":"الأميّ﴾ وجعل لذلك نصيبًا في الحكم عليهم بقوله: ﴿أولئك هم المفلحون﴾ (١).\nالدرجة الخامسة: أن الله تعالى جعل من شأن المؤمن الذي يرجو الله واليوم الآخر أنه يتأسّى برسول الله - ﷺ -. قال الله تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر﴾ (٢)، وسيأتي القول في دلالة هذه الآية إن شاء الله، في الفصل الرابع من هذا الباب.\nأثّر ذلك كله في صحابته ﵃ حتى كانوا يراعون ما يفعل، وينظرون إليه كيف يفعل. ويتحينون الفرص لذلك لأجل أن يقتدوا به. فهذا زيد بن خالد يقول: \"قلت لأرقبن الليلة صلاة رسول الله - ﷺ -، فصلّى ركعتين خفيفتين، ثم صلّى ركعتين طويلتين طويلتين، ثم صلّى ركعتين، وهما دون اللتين قبلهما ... \" (٣) الحديث.\nوعن الفضل بن عباس قال: \"بتّ ليلة عند رسول الله - ﷺ - لأنظر كيف يصلي من الليل ... \" (٤) الحديث.\nوكان أشدَّهم في هذه الناحية، وأدومهم عليها، وأحرصهم على التحري عن أفعاله - ﷺ - حتى في أدقّ التفاصيل، عبد الله بن عمر ﵄. وقد حفظت لنا الوثائق الحديثية نماذج كثيرة من ذلك تكشف لنا عن دوافع نفسية عميقة التأثر، بل يكاد يكون هذا المعنى هو مفتاح فقه ابن عمر، والسمة الرئيسية لما ينقل عنه من الآراء التشريعية.\nفمن ذلك أنه لما دخل النبي - ﷺ - الكعبة ثم خرج، يقول ابن عمر: \"فلما فتحوا كنت أول من ولج، فلقيت بلالًا فسألته: هل صلّى فيه رسول الله - ﷺ - قال: نعيم، بين العمودين اليمانيين\". قال ابن عمر: \"فذهب عني أن أسأله: كم صلّى\" (٥).\n_________\n(١) سورة الأعراف: آية ١٥٧\n(٢) سورة الأحزاب: آية ٢١\n(٣) رواه مسلم (الرصف ١/ ٣٧٣).\n(٤) رواه أبو داود (الرصف ١/ ٣٧٧).\n(٥) رواه البخاري ومسلم (الرصف ١/ ٥٥٧).","vol":"1","page":81},{"text":"وكان ابن عمر: \"يبيت بذي طُوَى بين الثنيتين، ثم يدخل من الثنية التي بأعلى مكة. وكان إذا قدم حاجًّا أو معتمرًا لم ينخ ناقته إلاّ عند باب المسجد، وكان يذكر أن النبي - ﷺ - (كان) يفعل ذلك\" (١).\nوأحصى ابن عمر الأماكن التي صلّى فيها النبي - ﷺ - عند سفره لحجة الوداع من مكة إلى المدينة، وحدّد مواقعها بأوصاف دقيقة. وقد أورد البخاري حديثه في ذلك بتمامه، وهو حديث طريف طويل فليرجع إليه (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>أثر اقتداء الأمة بأفعال نبيها في نشر دعوة الإسلام والاقتناع به:</span>\nلقد كان اقتداء الأمة الإسلامية بنبيها - ﷺ - بعد عصر الصحابة، النابع من أحكام دينها، وتأثرها بشخصيته وأخلاقه الكريمة، دافعًا كبيرًا لها إلى الاستقامة على أمر الدين على بصيرة من أمرها.\nولم تزل سيرة نبيها - ﷺ - تمثِّل لها أنبل الصفات والأعمال والأخلاق. وتجسِّم المثل والمبادئ الإسلامية أمام أنظارها، فتعمل بدينها حق العمل، اقتداء بتلك السيرة العطرة.\nولم تزل تلك السيرة تبدع في الأمّة أجيالًا من البطولات. تحقق القدوة بالنبي - ﷺ - بدرجة عالية، حتى كأنهم نسخ أخرى لتلك الشخصية الفذّة، في صبرها وبلائها ويقينها بالله، وفي تواضعها وزهدها وصدقها مع الله، وفي معاملة الناس، مع الصدق في العلم بدين الله وإيصال منافعه إلى البشر.\nوقد كان لتلك الشخصيات العظيمة الأثر البعيد في جذب الناس إلى الإسلام، واقتناعهم به، ورغبتهم في الدخول فيه والعمل به، ما لم تؤثره الخطب والمواعظ والأقوال البليغة. لأنهم يرون بأعينهم، ويلمسون بأيديهم، مدى الإخلاص والتفاني في حب الله، ومقدار النفع الحاصل بتلك الشموس المضيئة.\n_________\n(١) رواه البخاري (الرصف ١/ ٥٨٦).\n(٢) البخاري ١/ ٥٦٧","vol":"1","page":82},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>المبحث الأول البيان</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>ماهية البيان:</span>\nالبيان اسم مصدر (بيّن) فهو بمعنى التبيين، كالسلام والكلام، بمعنى التسليم والتكليم. والتبيين في اللغة الكشف عما ليس بمعروف ولا معلوم.\nو(البيان) يستعمل عند الأصوليين استعمالين (١):\nالأول: بيان المبيّن للمعنى الذي في نفسه فيصدق على ما يسمى البيان (الابتدائي) وهو ما لم يرد بيانًا للفظ سابق. ويصدق أيضًا على البيان بالاستعمال الثاني.\nفعلى هذا كل كلام فهو بيان. قال الله تعالى في وصف كتابه العظيم: ﴿هذا بيان للناس﴾ (٢)، ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شيء﴾ (٣) وقال عزّ من قائل: ﴿الرحمن * علم القرآن * خلق الإنسان علّمه البيان﴾ (٤)\nوالاستعمال الثاني: وضّحه الصيرفي بقوله: \"البيان إخراج الشيء من حيّز الإشكال إلى حيّز التجلي والوضوح\" (٥). ومنه قول الله تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر\n_________\n(١) أشار إلى ذلك السعد التفتازاني، فليراجع: التلويح على التوضيح ٢/ ١٧ وذكره أيضًا أبو الحسين البصري: المعتمد في أصول الفقه ١/ ٢١٧ وسمى النوع الأول البيان العام والثاني البيان الخاص.\n(٢) سورة آل عمران: آية ١٣٨\n(٣) سورة النحل: آية ٨٩\n(٤) سورة الرحمن: آية ١ - ٣\n(٥) الآمدي: الأحكام في أصول الأحكام ٣/ ٣٢ البناني: حاشية جمع الجوامع ٢/ ٦٦","vol":"1","page":83},{"text":"لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ (١) فهذا الاستعمال أخصّ من الأول. وهو الأغلب في كلام الأصوليين. وهو الذي سنجري عليه، ونخص ما خرج عنه، من الاستعمال الأول، باصطلاح (البيان الابتدائي).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>ما يحتاج إلى البيان وما لا يحتاج إليه:</span>\nليس كل كلام بحاجة إلى بيان. بل إن أريد بالكلام ظاهره وحقيقته كان بيّنًا لمن يعلم وضع القول. وذلك كقوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة * وآتوا الزكاة﴾ هو بيّن في إيجاب هاتين العبادتين. وقوله: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبيّنات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ (٢) بين في إيجاب أصل الصوم، وأن الوقت شهر رمضان. وكذا آية تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، هي بيّنة في تحريم ما ذكر فيها (٣).\nفإن أراد المتكلم بالكلام غير ظاهره فلا بدّ من البيان. وكذا إن أراد غير حقيقته فهو يحتاج إلى القرينة المبيّنة للمراد.\nفمن الأول: العام إذا أريد به الخصوص. نحو ﴿اقتلوا المشركين﴾ (٤). أريد به ما عدا النساء والصبيان والرهبان ونحوهم، فهو محتاج إلى البيان.\nومن الثاني: نحو قوله تعالى: ﴿حتى يتبيّن لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾ (٥) بُيِّن بقوله: ﴿من الفجر﴾.\n_________\n(١) سورة النحل: آية ٤٤\n(٢) سورة البقرة: آية ١٨٥\n(٣) قال الشافعي ﵁: البيان في الفرائض المنصوصة في كتاب اللُه تعالى من أحد هذه الوجوه.\nمنها: ما أتى الكتاب على غاية البيان فيه فلم يحتج فيه مع التنزيل إلى غيره.\nومنها: ما أتى (الكتب) على غاية البيان في فرضه، وافترض طاعة الرسول، فبين رسول الله - ﷺ - عن الله كيف فرضه. وعلى من فرضه ومتى يزول بعضه ويثبت بعضه.\nومنها: ما بينه عن سنة نبيه بلا نص كتاب (الرسالة: تحقيق أحمد محمد شاكر ص ٣٢).\n(٤) سورة التوبة: آية ٥\n(٥) سورة البقرة: آية ١٨٧","vol":"1","page":84},{"text":"فإن لم يكن للكلام ظاهر، بأن كان محتملًا لأمور احتمالات متساوية فهو مجمل. والبيان له لا بد منه أيضًا كقوله تعالى: ﴿وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم﴾ (١) لم يعرف ذلك الحق ما هو، فلا بدّ من بيانه.\nويقول الغزالي: \"يحتاج إلى البيان كل ما يتطرق إليه احتمال، كالمجمل، والمجاز، والمنقول بتصرف الشرع، والعام المحتمل للخصوص، والظاهر المحتمل للتأويل، ونسخ الحكم بعد استقراره، ومعنى قول (افعل) أنه للندب أو الوجوب، أو أنه على الفور أو على التراخي، أو أنه للتكرار أو المرة الواحدة، والجمل المعطوفة إذا عقبت باستثناء، وما يجري مجراه مما يتعارض فيه الاحتمال، والفعل من جملة ذلك\" (٢) اهـ.\nوواضح أن الكلام قد يكون بيّنًا من وجه أو وجوه، ولكنه محتاج إلى البيان من وجه أو وجوه أخرى. كما في آية ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿... فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ فهي بيّنة من حيث إيجاب أصل الصوم، ومن حيث إن وقته شهر رمضان. لكن تبقي الحاجة إلى بيان الصوم أفي الليل هو أم في النهار، ومتى يبدأ ومتى ينتهي. وأيضًا إذا خفي دخول الشهر أو خروجه بغيم أو نحوه وكل ذلك قد بيّن في آيات أخرى أو في السنة المطهرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>الإجمال في الفعل، ووجوهه:</span>\nالفعل وإن صحّ البيان به على الراجح، قد يكون هو في ذاته مجملًا يحتاج إلى بيان.\nوقد ذكر الأصوليون من أنواع المجمل الفعل، فقد يكون الفعل دائرًا بين احتمالين فأكثر.\nويمثلون لذلك بقيام النبي - ﷺ - من الركعة الثانية دون جلوس: يحتمل أنه\n_________\n(١) سورة الذاريات: آية ١٩\n(٢) المستصفى ٢/ ٥١","vol":"1","page":85},{"text":"تركه قصدًا فيدل على عدم وجوبه، ويحتمل أنه تركه نسيانًا فلا يدلّ على ذلك. وقد بُيّن هذا الإجمال بفعل آخر، وهو أن النبي - ﷺ - سجد للسهو في آخر صلاته. فدلّ على أن تركه كان عن نسيان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>ويمكن حصر وجوه الإجمال في دلالة الفعل فيما يلي:</span>\nأولًا: أنه قد يدور حكمه بين الاختصاص بفاعله، كما في الخصائص النبويّة، وبيّن أن يكون عامًّا له وللأمة. وكذا الاختصاص بالمكان والزمان والحال التي فعل فيها وبين سائر الأمكنة والأزمنة والأحوال.\nثانيًا: أنه قد يدور حكمه بين الوجوب والندب والإباحة كما سيأتي في الفصل التالي إن شاء الله.\nثالثًا: أنه قد يدور بين أن يكون مقصودًا به التعبّد والتشريع، وبين أن يفعل على حد الإباحة العقلية.\nرابعًا: أنه حتى لو كان مقصودًا به التشريع، يدور بين أن يكون بيانًا لمجمل معين أو لا يكون بيانًا له.\nخامسًا: أنه قد يدور بين الارتباط بسبب معين وبين عدم الارتباط به، كالخروج في صلاة العيد إلى المصلى في الصحراء، هل كان لعذر ضيق المسجد فلا يسنّ إلا عند الضيق، أو لم يكن لذلك فيسن مطلقًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>وظائف البيان:</span>\nقسّم الأصوليون البيان من حيث الوظيفة التي يمكن أن يؤديها أربعة أقسام، التقرير، والتفسير، والتغيير، والتبديل (١).\n_________\n(١) يقسم الحنفية البيان إلى خمسة أقسام: هذه الأربعة، وبيان الضرورة. ونحن لم نذكر بيان الضرورة، لأنه لا يخرج في وظيفته عن الأربعة، وإنما سمي بيان الضرورة بالنظر إلى سببه لا وإلى وظيفته فلم نتعرض لذكره.","vol":"1","page":86},{"text":"النوع الأول: بيان التقرير، ومعناه تأكيد الكلام بما يقطع احتمال المجاز، إن كان المراد بالكلام المؤكَّد حقيقته، وبما يقطع احتمال الخصوص إن كان المؤكّد عامًا. فمن الأول قوله تعالى: ﴿ولا طائر يطير بجناحيه﴾ (١) فقوله: ﴿بجناحيه﴾ بيان يقرر أن المراد بالطائر حقيقته، وهي الطائر المعروف كالحمام والعصافير مثلًا، لا مجازه كالبريد مثلًا.\nومن الثاني: ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون﴾ (٢) فقوله: ﴿كلهم أجمعون﴾ بيان يقرر ويؤكد أن المراد بلفظ: ﴿الملائكة﴾ عمومه، وأن الخصوص ليس هو المراد.\nالنوع الثاني: بيان التفسير. وهو بيان ما كان غير واضح الدلالة، سواء أكان خفاء الدلالة فيه راجعًا إلى الجهل بأصل الوضع وهو الغريب، أو إلى تعدد الوضع وهو المشترك، أو إلى أمر عرض عند استعمال اللفظ وارتباطه بغيره من أجزاء الكلام، أو عند تطبيقه على بعض الصور.\nفمن بيان التفسير قوله تعالى: ﴿إن الإنسان خُلِق هلوعًا * إذا مسّه الشر جزوعًا * وإذا مسّه الخير منوعًا﴾ فإن الهلوع لفظ غريب، وقد فسرته الآيتان بعده.\nومنه قوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربّصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ فإن القرء دائر بين الطهر والحيضة، وقد بُيِّن بقول النبي - ﷺ -: \"طلاق الأمة طلقتان، وعدتها حيضتان\" (٣) فبيّن أن القرء الحيضة.\nومنه قوله تعالى: ﴿إلاّ أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح﴾ فإن الموصول ﴿الذي﴾ يحتمل أن المراد به الزوج أو الولي. وورد في حديث الدارقطني: \"وليّ عقدة النكاح الزوج\" (٤).\n_________\n(١) سورة الأنعام: آية ٣٨\n(٢) سورة الحجر: آية ٣٠\n(٣) رواه أبو داود والترمذي والحاكم (الفتح الكبير).\n(٤) انظر تفسير القرطبي ٣/ ٢٠٦","vol":"1","page":87},{"text":"ومما يخفى عند تطبيقه على بعض الصور نحو قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ فإن دخول من أخذ مال غيره على سبيل العارية ثم جحده، في مفهوم (السارق)، أمر مشتبه بحاجة إلى بيان (١). فلما قطع النبي - ﷺ - امرأة كانت تستعير المتاع وتجحده، تبيّن دخوله.\nالنوع الثالث: بيان التغيير. وهو البيان الذي فيه تغيير لموجب اللفظ من المعنى الظاهر إلى غيره. وذلك في المخصِّصات كالشرط والاستثناء ونحوها، وتقييد المطلق. نحو قول القائل لامرأته: \"أنت طالق إن دخلت الدار\" ونحو: \"له علي ألف إلاّ مائة\" وذلك أن آخر الكلام بَيّن أن المراد بأوله غير ما دلّ عليه.\nوالشافعية يجعلون التخصيص من بيان التفسير.\nالنوع الرابع: بيان التبديل، وهو النسخ، إذ هو بيان انتهاء مدة الحكم (٢) وفي اعتبار هذا النوع بيانًا اختلاف، إذ ليس هناك لفظ خفي يبيّن بالنسخ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>ما به يمكن البيان:</span>\nنقل الشوكاني (٣) عن السمعاني أن البيان يقع بستة أشياء:\nأحدها: القول، وهو الأكبر. والثاني: الفعل. والثالث: الكتابة، كما بيّن النبي - ﷺ - أسنان الديات، ومقادير الزكاة بكتبه المشهورة. والرابع: الإشارة، كقوله: \" الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا\" (٤) والخامس: التنبيه، وهو المعاني والعلل التي نبّه بها على الأحكام. كقوله في بيع الرطب بالتمر: \"أينقص الرطب إذا يبس؟ \" (٥) والسادس: الاجتهاد من العلماء.\n_________\n(١) بيان النصوص التشريعية ص ١٧٠\n(٢) محمد أديب صالح: تفسير النصوص في الفقه الإسلامي. ص ١ - ٣١ وأيضًا: بدران أبو العينين بدران: بيان النصوص التشريعية. ص ٢١٥ وما بعدها.\n(٣) إرشاد الفحول ص ١٧٢\n(٤) رواه مسلم (نيل الأوطار ٤/ ٢٠١).\n(٥) رواه الخمسة وصححه الترمذي (نيل الأوطار ٥/ ٢١١).","vol":"1","page":88},{"text":"قال الشوكاني: وزاد شارح اللُّمع وجهًا سابعًا وهو البيان بالترك، كما روي أنّ آخر الأمرين منه - ﷺ - كان ترك الوضوء مما مسّت النار.\nقلت: لم يذكروا التقرير في هذا الحصر، ولا بدّ من ذكره. فتتم بالتفصيل ثمانية.\nفالفعل أحد ما يقع به البيان. وسيأتي ذكر من خالف في ذلك إن شاء الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>حكم البيان:</span>\nالبيان لما يحتاج إلى البيان واجب، لقوله تعالى: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنًا قليلًا، فبئس ما يشترون﴾ (١).\nوإنما يجب في حالين:\nالأول: أن يكون السائل عن المسألة جاهلًا بحكمها وهي منصوصة. دلّ على ذلك قول النبي - ﷺ -: \"من سئل عن علم فكتمه، ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار\" (٢).\nالثانية: أن يأتي وقت العمل بالمجمل، ولا يتمكن المكلف من امتثاله، لجهله بالحكم أصلًا أو لخفائه عليه. كمن أسلم، وأتى عليه رمضان، وهو لا يعلم وجوب صومه، أو كيفيته، فيجب البيان له.\nفلا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.\nأما قبل الحاجة إلى التنفيذ، وقبل السؤال عن الحكم، فلا يجب البيان.\nثم حيث وجب، فإن كان في الجهة أكثر من عالم واحد كان وجوب البيان كفائيًا، وإن لم يكن إلا واحد تعيّن عليه.\n_________\n(١) سورة آل عمران: آية ١٨٧\n(٢) رواه أحمد والأربعة والحاكم (الفتح الكبير).","vol":"1","page":89},{"text":"وبالنسبة إلى النبي - ﷺ - خاصة كان بيان المجمل الذي لا يعلم إلاّ من جهة المجمِل، متعيَّنًا عليه، ككيفية الصلاة، وأعداد ركعاتها وشروطها، لأنه ليس هناك أمارة يمكن أن يعلم بها الحكم غيره من العلماء، - ﷺ -.\nومثله بيان التغيير، إنْ لم يكن على التغيير دلالة موجودة يمكن أن يُعلم من قبلها.\nويتعيّن عليه أيضًا البيان الابتدائيُّ للأحكام الشرعية الموحى بها إليه مما لم يرد في القرآن.\nويتعيّن عليه أيضًا سائر أنواع البيان حيث وجبت، إن كان لا يوجد غيره، ممن يمكن أن يدل على المطلوب.\nفإن وجد غيره كفى. كما فعل أبو بكر، إذ بينّ حكم السّلَب أنه يجب إعادته إلى القاتل. فأقر النبي - ﷺ - ما قال (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>هل يجب البيان لجميع الأحكام </span>(٢):\nقد بيّنّا أن البيان يجب في حالين: أن يسأل العالم عن المسألة وهي منصوصة، وأن تقع الحادثة ويجهل حكمها.\nفأما في الأولى: وهي حالة السؤال عن المنصوص: فالبيان واجب لجميع الأحكام الخمسة واجبها ومندوبها ومباحها ومكروهها وحرامها.\nوأما في الثانية: وهي حالة الوقوع والمكلّف جاهل: فإنه إذا جاء وقت المأمور به الواجب، فتركه المكلف، وجب بيانه له. أو أراد المكلف فعل محرم، وجب بيان حرمته له. أما بيان المستحب فيستحب، وكذلك بيان المكروه، وذلك حرصًا من المبيِّن على حصول الأجر للفاعل بفعل المستحب وترك المكروه، فيصل\n_________\n(١) انظر القصة في صحيح البخاري ٨/ ٣٥ وصحيح مسلم ١٢/ ٦٠\n(٢) هذه المسألة تعرض لها الآمدي ٣/ ٤٠، ونحن أوفيناها بحثًا، وعرضناها عرضًا أشمل.\nوبالله التوفيق. وانظر أيضًا، المحقق من علم الأصول (ق ١١ ب).","vol":"1","page":90},{"text":"للمبيِّن أجر الدلالة على الخير. ولا يكون بيان المستحب والمكروه في هذه الحالة الثانية واجبًا، وكذلك بيان المباحات.\nولعلّ هذا هو معنى ما نقله الغزالي عن (قوم من القدرية) أنهم قالوا: \"بيان الواجب واجب، وبيان المستحبّ مستحبّ\" وهو قول حق، لكن بالقيود التي ذكرناها. وقد ألزمهم الغزالي أن يقولوا: وبيان الحرام حرام، وبيان المكروه مكروه. ويظهر أنه لم يفطن إلى مقصدهم.\nويستثنى مما تقدم حالة واحدة يجب فيها بيان المستحب والمكروه، وهي أن يكون المكلف يعتقد في الفعل حكمًا غير حكمه الشرعي، كمن يتنفل في الوقت المكروه، أو يتعبّد لله بمباح ليس موضوعًا للتعبّد، أو يكره سنة من السنن أو يحرِّمها. ففي هذه الحالة يجب البيان (١).\nويمكن إعادة هذا الاستثناء إلى النوع الأول، وهو بيان الواجب، لأن اعتقاد الأحكام الصحيحة للأفعال واجب على المسلم. فإذا أخطأ في ذلك الاعتقاد فقد ترك الواجب، ووجب بيانه له.\nهذا حكم البيان في حق غير النبي - ﷺ -.\nأما بالنسبة إليه - ﷺ - فالبيان كله واجب ليخرج الحكم عن الإبهام المطلق إذ لا يعلم إلّا من جهته. فإن خرج، فحكمه - ﷺ - حكم غيره إلا في بيان المكروه. أما المكروه فيجب عليه بيانه لئلا يعتقد الفاعل والمشاهد إباحته كما يأتي في فصل التقرير من الباب الثاني إن شاء الله.\n_________\n(١) انظر: الشاطبي: الموافقات ٣/ ٣٢٢","vol":"1","page":91},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>المبحث الثاني البَيَان الفِعلي</span>\nذكرنا في المبحث السابق أحكام البيان إجمالًا، ونخصص هذا المبحث بالبيان الفعلي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>حكم البيان بالفعل:</span>\nالبيان بالفعل أحد أنواع البيان. فيمكن استعماله حيث أفاد المطلوب.\nوواضح عقلًا أن النبي - ﷺ - لما كان واسطة لتبليغ الشريعة وبيانها، فإنه يبين بالطريقة التي يختارها. فإما أن يبيِّنَ المشكل بأقواله أو بأفعاله. فلما صحّ البيان بالأقوال لكونها دليلًا على المطلوب فكذلك يصح البيان بالأفعال حيث تدل على المطلوب.\nفما أفاد فيه البيان بالأقوال والأفعال، أجزأ بكل منهما (١). ويكون ذلك واجبًا مخيَّرًا، أيَّ الخصلتين فعل فقد أدّى ما وجب عليه. وهذا مذهب أكثر العلماء. وقد قيّده عبد الجبار (٢) بأن لا يختص أحدهما في كونه مصلحة بما ليس في الآخر، وهو بمعنى ما ذكرناه أعلاه من اشتراط الإفادة.\nوقد منع بعض الأصوليين وقوع البيان بالأفعال. نُقِل ذلك عن أبي إسحاق\n_________\n(١) راجع كتاب أبي شامة: المحقق من علم الأصول، ق ١١ ب.\n(٢) المغني١٧/ ٢٥٠","vol":"1","page":92},{"text":"المروزي الشافعي، وعن أبي الحسن الكرخي الحنفي (١). ونقله السرخسي (٢) عن (بعض المتكلمين)، وقال: \"إن هذا منهم بناء على أصلهم أن بيان المجمل لا يكون إلا متصلًا به. والفعل لا يكون إلا منفصلًا عن القول\". ثم قال: \"فأما عندنا: بيان المجمل قد يكون متصلًا به، وقد يكون منفصلًا عنه\".\nوذكر البناني (٣) أن محل الخلاف إذ لم يعلّق البيان بالفعل قولًا. وإلاّ فلو قال: القصد بما كلفتم به من هذه الآية ما أفعله، ثم فعله، فلا خلاف أنه بيان، كما ذكره القاضي (الباقلاني) في تقريبه.\nأقول: فعلى هذا لا ينبغي أن يكون خلاف في أن ما فعله النبي - ﷺ - في حجة الوداع مثلًا، بيان لآية الأمر بالحج، لكونه - ﷺ - قال لهم: \"خذوا مناسككم لعليّ لا أحجّ بعد حجتي هذه\" (٤).\nوكذلك لما صلّى به جبريل لبيان أوقات الصلوات يومين متواليين، يصلي في اليوم الأول أول الوقت، وفي اليوم الثاني آخره، ثم قال: الوقت ما بين هذين.\nأقول: وينبغي أن يحصر الخلاف أيضًا في الأفعال التي تدل بالأسوة، لا فيما يستعمل بمعنى المخاطبة، كالإيماء، والإشارة، فإنها قائمة مقام القول. كما سئل النبي - ﷺ - يوم النحر: \"ذبحت قبل أن أرمي\" فأومأ بيده، قال: \"لا حرج\" (٥).\nوكما قال - ﷺ -: \"إن في الجمعة ساعةً لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله فيها خيرًا إلا أعطاه إياه\" (٦). وأشار بيده يقللها.\n_________\n(١) انظر النقل عنهما في: إرشاد الفحول ص ١٧٣\n(٢) انظر: أصول السرخسي ٢/ ٢٧\n(٣) حاشية البناني على جمع الجوامع ٢/ ٦٨ وقد جعل صاحب تيسير التحرير (٣/ ١٧٥، ١٧٦) هذا النوع مما فيه الخلاف. وما قاله البناني والباقلاني أولى.\n(٤) رواه مسلم ٩/ ٤٤ وهذا لفظه. ورواه النسائي ٥/ ٢٧٠ بلفظ يا أيها الناس خذوا مناسككم لا أدري لعلي لا أحج بعد عامي هذا.\n(٥) رواه أبو داود (جامع الأصول ٤/ ١١١).\n(٦) رواه مالك وأحمد ومسلم (الفتح الكبير).","vol":"1","page":93},{"text":"ومثل الإشارة: الكتابة والعقد، وسائر ما يؤدّي مؤدَّى القول (١).\nووجهة من يمنع كون الفعل بيانًا أن البيان بالقول ممكن، والبيان بالفعل أطول زمنًا منه بالقول، فيتأخر البيان به مع إمكان تعجيله وتيسّره بالقول، وذلك عبث، والعبث ممتنع على الشارع.\nوقد أجاب الأولون عن ذلك بأجوبة (٢):\nالجواب الأول: عدم التسليم بكون البيان بالأطول عبثًا، فإن كون أحد الطريقين إلى الهدف أقصر من الآخر، لا يلزم منه وجوب سلوكه، وترك سلوك الطريق الأطول. فقد يكون الأطول أيسر كما هو معلوم. وقد يكون أوضح وأثبت في الذهن وقد يتبع سلوكه حصول فوائد أخرى (٣). وقد تقدم إيضاح ذلك في التعليم بالمشاهدة، فلا نكرره.\n_________\n(١) أشار إلى ذلك أبو الحسين البصري في المعتمد ١/ ٣٣٨ وأيضًا الشاطبي في الموافقات ٤/ ٢٤٦، ٢٤٧\n(٢) انظر: في هذه المسألة كلام أبي الحسين البصري في المعتمد ١/ ٣٣٨ والقرافي: شرح تنقيح الفصول ص١٢٣، ١٢٤. وأيضًا: تيسير التحرير ٣/ ١٧٥، ١٧٦ والآمدي ٣/ ٣٤\n(٣) وانظر كمثال على ذلك هذا الحديث:\nعن أبي هريرة ﵁ قال: \"أقيمت الصلاة، وعدلت الصفوف قيامًا، فخرج إلينا رسول الله - ﷺ - فلما قام في مصلاه ذكر أنه جنب، فقال: \"مكانكم\" ثم رجع فاغتسل، ثم خرح إلينا ورأسه يقطر، فكبر وصلينا معه\" رواه البخاري ومسلم وغيرهما. فقد تبينت بهذا الحديث أمور، كما بوب له بها أصحاب كتب الحديث.\nفبوب له البخاري: باب إذا ذكر في المسجد أنه جنب يخرج كما هو ولا يتيمم.\nو: باب هل يخرج من المسجد (بعد الأذان) لعلة.\nو: باب إذا قال الإمام: مكانكم ثم رجع انتظروه.\nوفي صحيح مسلم: باب متى يقوم الناس إلى الصلاة.\nولمالك في الموطأ: باب إعادة الجنب الصلاة وغسله.\nولأبي داود: الجنب يصلي بالقوم وهو ناس.\nوللنسائي: الإمام يذكر بعد قيامه أنه على غير طهارة.\nوقال الحافظ في الفتح: وفي هذا الحديث من الفوائد:\nجواز النسيان على الأنبياء. قال: في أمر العبادة، لأجل التشريع.=","vol":"1","page":94},{"text":"الجواب الثاني: عدم التسليم بكون الزمان الفعل أطول في كل حال. وخاصة في الفعل ذي الهيئات والكيفيات التي يصعب تحديدها بالقول، كالوضوء مثلًا، فإن تبيين كيفيته بالفعل أخصر منه بالقول. ولو ذهبنا نحدّد بالقول ما أوضحناه بالفعل لطال الأمر وتكرر، وصعب على الذهن مع ذلك ضبطه (١).\nالجواب الثالث: أن ذلك وقع في السنة، ومنه شربه - ﷺ - يوم عرفة وهو راكب على بعيره ليعلم الناس أنه مفطر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>هل يشترط لاعتبار الفعل بيانًا عدم وجود قول صالح للبيان:</span>\nاشترط ابن فورك (٢) لصحة اعتبار الفعل بيانًا أن لا يكون هناك قول صالح لأن يكون بيانًا. ووجه ذلك عنده أن القول هو الأصل في البيان، وأن الفعل يكون بيانًا بغيره، والقول يكون بيانًا بنفسه، فإذا وجد ما هو الأصل في البيان امتنع العدول عنه إلى غيره.\nوسيأتي في مبحث اختلاف القول والفعل في البيان، ما يعلم به بطلان هذا الاشتراط.\n_________\n= جواز الفصل بين الإقامة والصلاة.\nجواز انتظار المأمومين مجيء الإمام قيامًا للضرورة.\nلا يجب على من احتلم في المسجد فأراد الخروج منه أن يتيمم.\nجواز الكلام بين الإقامة والصلاة.\nجواز تأخير الجنب الغسل عن وقت الحدث.\nفانظر هذه الفوائد كلها كيف تحصلت من فعل واحد، ويمكن للحاضرين أن يفقهوها بيسر. وكيف أنه لو اشتغل ببيانها قولًا لاحتاج إلى مجلس طويل أو مجالس، وربما لم تستقر في أذهانهم استقرارها بهذا الفعل اليسير.\n(١) يقول الآمدي (٣/ ٣٥، ٣٦): أما القول بأن البيان بالفعل مما يفضي إلى تأخير البيان مع إمكان تقدمه بالقول فغير مسلم. بل التعريف بالقول، وذكر كل فعل بصفته وهيئته وما يتعلق به، أبعد عن التشبث بالذهن من الفعل المشاهد ... وربما احتيج في ذلك إلى تكرير في أزمنة تزيد على زمان وقوع الفعل بأزمنة كثيرة، على ما يشهد به العرف والعادة.\n(٢) الزركشي: البحر المحيط ٢/ ١٨١ ب.","vol":"1","page":95},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>هل يصلح الفعل وحده بيانًا دون انضمام قول يدل على أنه بيان:</span>\nيتبيّن مما تقدم أن الفعل يمكن أن يقع بيانًا، بقرينة تدل على أنه بيان لكذا وكذا من الأقوال القرآنية أو النبويّة.\nثم قد تكون تلك القرينة قولًا، كما في الحديث: \"صلوا كما رأيتموني أصلي\" و\"خذوا مناسككم\" وقد تكون غير ذلك (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>كيفية بيان كل من الأحكام الخمسة بالأفعال:</span>\nتقدم لنا أن البيان بالفعل قد ينفرد عن القول. وقد يرد مع القول فيؤيده ويقويه، ويقطع عنه احتمالات شتى، ويدخل معنا هنا البيان الابتدائي بالفعل فيصدق عليه ما يصدق على بيان المجمل.\nوالمراد هنا أن نوضح الطرق التي بها يكون الفعل بيانًا للأحكام الواردة في الكتاب والسنة، بترتيب أحكامها. وقد اعتنى بذلك الشاطبي (٢). ونحن نذكر بإيجاز، مع العلم انها قواعد غالبية، ويكفي عنها البيان بالقول أحيانًا.\n١ - الواجب: بيانه بالفعل. مع المداومة عليه وعدم الترك، ولا يتسامح في الترك مطلقًا.\n٢ - المحرّم: بيانه بالترك المطلق، ولا يتسامح في فعله ألبتة، سواء أكان كبيرًا أو صغيرًا، وسيأتي ذلك في مبحث العصمة النبويّة، في فصل لاحقٍ إن شاء الله.\n٣ - المندوب: ينقسم قسمين، بحسب حال المبيّن له:\nأ- فإن كان جاهلًا بأصل الحكم، فالبيان له بالفعل ليقتدي به.\nب- وإن كان المبين له مظنة أن يعتقد أن ذلك المندوب واجب، كما إذا حافظ عليه والتزمه التزام الواجبات، أو خيف عليه أن يعتقد ذلك، وجب أن\n_________\n(١) وسيأتي استيفاء القول في ذلك في مبحث الفعل البياني من الفصل الرابع إن شاء الله.\n(٢) الموافقات ٣/ ٣١٨ - ٣٣٦","vol":"1","page":96},{"text":"يفرّق له بينهما بترك التزامه من قبل المبيِّن. وفي حديث عائشة: \"إن كان رسول الله - ﷺ - ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به مخافة أن يعمل به الناس فيفرض عليهم\" (١)، \"وكان يحب ما خفّ على الناس\" (٢).\nوقصة إفطاره - ﷺ - يوم عرفة بمرأى من الناس تصلح شاهدًا لهذا الأصل.\nوقام في رمضان ليلتين أو ثلاثًا، فقاموا خلفه حتى كثروا، فتركه بعد ذلك، حمله الخطابي (٣) على معنى الترك بيانًا لئلا يظن وجوبه.\n٤ - المكروه: بيانه ينقسم قسمين بحسب حال المبين له، كما تقدم في المندوب.\nأ- فإن كان المبيّن له جاهلًا بأصل الحكم، فالبيان له يكون بالامتناع من الفعل، وإظهار كراهته، لتعلم. والترك في المكروهات هو الأصل في حق النبي - ﷺ - لمقتضى العصمة، كما سيأتي في مبحث الفعل البياني.\nب- وإن كان المكروه مظنّة اعتقاد لزوم الترك، كمن اعتقد المكروه محرمًا أو خيف عليه أن يعتقد ذلك، فإن بيانه يكون بفعل المكروه. وسيأتي أن النبي - ﷺ - قد يفعل المكروه بيانًا لعدم تحريمه. وهذا الغرض هو المقصود هنا. وعندما علم النبي - ﷺ - أن أناسًا كرهوا (٤) أن يستقبلوا بفروجهم القبلة قال: \"أوَ قد فعلوها؟ حوِّلوا مقعدتي إلى القبلة\" (٥).\n٥ - المباح: بيان إباحته بفعله أحيانًا وتركه أحيانًا. ويتأكد الفعل إذا كان المباح مظنّة اعتقاد التحريم أو الكراهة، ويتأكد الترك إن كان مظنّة اعتقاد الوجوب أو الندب. وقد قال ابن مسعود: \"لا يجعلنّ أحدكم للشيطان من نفسه جزءًا، لا\n_________\n(١) رواه البخاري ٣/ ١٠\n(٢) رواه مالك في الموطأ من حديث عائشة (فتح الباري ١٠/ ٥٢٥).\n(٣) فتح الباري ٣/ ١٠\n(٤) الكراهة هنا بمعنى التحريم.\n(٥) رواه أحمد وابن ماجه، وقال النووي: إسناده حسن. وقال الذهبي حديث منكر (نيل الأوطار ١/ ٩٥، ٩٦).","vol":"1","page":97},{"text":"يرى إلا أن حقًا عليه ألا ينصرف إلا عن يمينه؛ أكثر ما رأيت رسول الله - ﷺ - ينصرف عن شماله\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>ما يمكن حصوله بالأفعال من أنواع البيان:</span>\nقال السمعاني: \"يحصل بالفعل جميع أنواع البيان\" (٢).\nأولًا: البيان الابتدائي: سيأتي ذكر إمكانية كون الفعل النبوي بيانًا ابتدائيًا، والخلاف حول ذلك، في فصل الفعل المجرّد، من هذا الباب.\nثانيًا: بيان التقرير: وهذا واضح من دلالة الأفعال. فإن السنن العملية كثيرًا ما تكون مقررة لحقائق ألفاظ الكتاب والسنة القولية، وظواهرها. فما فعله النبي - ﷺ - تنفيذًا لما في الكتاب، عُلِم به يقينًا أن المراد به حقيقة اللّفظ دون مجازه. ويمكن بهذه الطريق الرد على المؤوّلة من الفلاسفة والباطنية ودعاة الفاطميين وغيرهم من الملحدين والمبتدعين، فيما أوّلوه من الأحكام الشرعية. فلو تعسّفوا في تأويل الأقوال لم يمكنهم ذلك في الأفعال. ومن أجل ذلك يحصل التحقق دون ريب من كذبهم في دعاوى كثيرة (٣).\nهذا وإن فائدة الأفعال في هذا النوع من البيان واضحة أيضًا في قطع استبعاد الحقائق التي تتضمنها الأقوال. ومن ذلك ما قصّ الله علينا في كتابه: ﴿أو كالذي مرّ على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مِئَة عام ثم بعثه ...﴾ إلى أن قال: ﴿... فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير﴾ (٤) وفي الآية التالية لها: ﴿وإذا قال إبراهيم ربِّ أرني كيف تحيي\n_________\n(١) رواه مسلم ٥/ ٢٢٠ وروى مسلم عن أنس بمعناه.\n(٢) الزركشي: البحر المحيط ٢/ ٢٥٣ أ.\n(٣) مثل ما ذكر في (قواعد عقائد آل محمد، لمحمد بن الحسن الديلمي، استانبول، مطبعة الدولة، ١٩٣٨ ص ٤٧) من قوله: قال صاحب (تأويل الشريعة): (الصلوات الخمس طاعات الأول والثاني والناطق والأساس والإمام\" وقال صاحب (تأويل الشريعة) \"الصوم هو الستر على إمامك وحجتك\" وقال \"الشجرة الملعونة في القرآن بنو أمية\" وقال في (إذ يبايعونك تحت الشجرة): شجرة الإمام.\n(٤) سورة البقرة: ٢٥٩، ٢٦٠","vol":"1","page":98},{"text":"الموتى قال أَوَلَمْ تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصُرْهُنَّ إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءًا ثم ادعهنّ يأتينك سعيًا واعلم أن الله عزيز حكيم﴾ فحصل بالفعل من طمأنينة القلب واليقين بالخبر ما لم يحصل بالقول، وإن لم يشك في صدقه، إذ هو قول رب العالمين.\nثالثًا: بيان التفسير: وقوع هذا النوع من البيان، بالفعل، كثير. فقد بيّن - ﷺ - الوضوء فعلًا، وكذلك الصلاة، والحج، والطواف، والسعي، وغيرها.\nرابعًا: بيان التغيير: وهو بيان أن المراد باللفظ خلاف ظاهره، ومثاله نهيه - ﷺ - عن القود في الطرف قبل الاندمال (١) وروي أنه أقاد قبل الاندمال (٢)، فتبيّن بالفعل أنه أراد بالنهي الكراهة دون التحريم. ومن بيان التغيير التخصيص، وسنفرد لتخصيص الأدلّة الشرعية بالأفعال النبوية مبحثًا خاصًا في أوائل باب التعارض وهو الباب الثالث من هذه الرسالة.\nخامسًا: بيان التبديل: وهو النسخ، وسيأتي ذكره أيضًا في باب التعارض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>القوة والوضح بين البيان القوليّ والبيان الفعليّ:</span>\nاختلفت أقوال الأصوليين أيهما أقوى دلالة: القول أم الفعل؟ فمن قائل: القول أدلّ من الفعل، ومن قائل: الفعل أدلّ منه (٣)، ومن قائل بالتفصيل في ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>المذهب الأول: احتج القائلون بأن القول أدلّ، بما يلي:</span>\nأولًا: أن القول له صيغة، فيمكن أن يعلم المراد به من جميع الوجوه، والتعبير به عن كل ما في النفس، بما يكون نصًّا في المطلوب أو ظاهرًا. حيث إن الألفاظ موضوعة لمعان معلومة يمكن تركيبها لتدل على المراد عينًا، وبدرجة العموم\n_________\n(١) روى ذلك الدارقطني (نيل الأوطار ٧/ ٣٠).\n(٢) رواه أحمد والدارقطني (نيل الأوطار ٧/ ٣٠).\n(٣) قال أبو الحسين البصري في المعتمد (ص ٣٤٠): إن الفعل أكشف لأنه ينبئ عن صفة المبين مشاهدة.","vol":"1","page":99},{"text":"والخصوص المطلوبة، وبما يدل على الحكم المراد. وقد قال الشاعر:\nالقول ينفد ما لا ينفذ الإبَر\nأما الفعل فلا يقع إلاّ على صورة واحدة، ولا يتعدّى تلك الصورة بنفسه، فلا يفهم منه بنفسه درجة الحكم أهي الوجوب، أم الاستحباب، أم الإباحة، ولا يعلم قدر انسحابه على أشخاص آخرين غير الفاعل، وعلى أحوال أخرى غير الحالة التي وقع عليها (١).\nثانيًا: أن القول يمكن أن يُدَلَّ به على أنه بيان للمجمل، بخلاف الفعل، فإنه لا يدل بنفسه على ذلك، فلا يعلم ذلك إلا بدليل غير فعلي، إما بالقول، وإما بالعقل، وإما بأن يعلم ذلك بالضرورة من قصده.\nثالثًا: إن الفعل لا يمكن الدلالة به على المعدوم والمعقول، بل على الموجود والمحسوس خاصة، بخلاف القول، إذ يمكن التعبير به عن كل ذلك (٢).\nرابعًا: إن الفعل البياني، قد يلازمه حركات وأوصاف غير مراد أن تكون بيانًا، ويعرف ذلك بالاستقراء (٣). وهذا قد يجعل في كل جزء من أجزاء الفعل البياني احتمالًا أنه غير مراد. وهذه الاحتمالات لا يمكن إزالتها إلا بتكرار الفعل مع حذفها، أو بالقول، أو بغير ذلك من القرائن، كما وقف النبي - ﷺ - بعرفة في مكان معين، فلئلا يظن ظان أن ذلك المكان مقصود قال: \"وقفت هنا وعرفة كلها موقف\". وقال في مزدلفة مثل ذلك، وقال في النحر بمنى: \"نحرت هنا ومنى كلها منحر\" (٤). وفي رواية (٥): \"وكل فجاج مكة طريق ومنحر\" (٦).\n_________\n(١) القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمداني: المغني في التوحيد والعدل ١٧/ ٢٦٥، ٢٢٦، وانظر أيضًا: تيسير التحرير، حيث حكاه في ٣/ ١٤٨ والبناني: حاشيته على شرح جمع الجوامع ٢/ ١٠٠\n(٢) عبد الله دراز: حاشية على الموافقات ٣/ ٣١٤\n(٣) تيسير التحرير ٣/ ١٤٩ والبناني على شرح جمع الجوامع ٢/ ١٠٠ والعلائي: تفصيل الإجمال ق ١٢\n(٤) تيسير التحرير ٣/ ١٧٦\n(٥) رواه أبو داود ٥/ ٤١٣ وسكت عنه المنذري.\n(٦) انظر: روايات الحديث في جامع الأصول ٤/ ٧٠","vol":"1","page":100},{"text":"والقول يمكن إخلاؤه عن مثل هذه الاحتمالات.\nووجه خامس: نضيفه إلى ما ذكره الأصوليون، وهو أن القول تتبلور به الأحكام والصلاة بين الأمور. وكم من حقائق كانت موجودة بالفعل، ولكن لا يلتفت الناس إلى وجودها، ولا ينتبهون إلى أنها تمثل دورًا فيما يجري (بالفعل) أمام أبصارهم. فلما قُيِّض لها شخص ذو فطانة وذكاء، فلمحها وعبّر عنها بالقول، أصبحت شيئًا معلومًا يمكن لغيره من الناس فهمه وتطبيقه والاستفادة منه. ويؤكد ذلك حوادث استخراج قوانين الظواهر الطبيعية، كالكهرباء والجاذبية والمغناطيسية والحرارة والبرودة، وتأثيراتها المختلفة. وشبيه به ما نراه لعلماء الصحابة كعائشة ﵂، في فهمها للأحكام وأسبابها من أفعال النبي - ﷺ -، في شؤون طهارته وصلاته بالليل والنهار وصيامه وغير ذلك، وما نراه لأئمة الأصوليين من استنباطهم لقوانين الأصول، مع أنها كانت جارية قبلهم (بالفعل) في نصوص الكتاب والسنة وكلام الناس، وهكذا الخليل مع قوانين العروض، وهكذا أيضًا قوانين كل علم وفن مما يوفق الله من شاء من أهل المواهب لاستخراجه والتعبير عنه. وبه تعالى التوفيق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>المذهب الثاني: احتج القائلون بأن الفعل أبلغ في البيان، بأدلة، منها:</span>\nأولًا: أن يتبيّن بالفعل من الهيئات والتفصيلات ما يصعب بيانه بالقول، حتى أن ما يتبيّن بالفعل ليتعذّر بيانه بالقول أحيانًا (١)، خاصّةً وأن من الهيئات الفعلية ما لم يوضع له لفظ خاص.\nوثانيًا: أن الفعل أفعل في النفس، بحيث تطمئن إليه أكثر، ويستمرّ في الذاكرة زمنًا أطول (٢). وقد تقدم ذكر هذا في التعلّم بالمشاهدة، وأيضًا في البيان التقريري بالفعل.\nومما ذكروه من هذا الباب ما وقع في الحديبية، حين أمرهم النبي - ﷺ - بالفسخ\n_________\n(١) انظر تيسير التحرير. والقرافي: شرح تنقيح الفصول ص ١٢٣، ١٢٤ والآمدي: الإحكام ٣/ ٣٤\n(٢) أشار الآمدي إلى هذا الدليل، حكاه القاضي عبد الجبار في المغني.","vol":"1","page":101},{"text":"فلم يمتثلوا، حتى اشتدّ حزن النبي - ﷺ - لذلك، فلما أشارت عليه أم سلمة بأن يحلق دون أن يكلمهم، فحلق، سارعوا إلى الامتثال (١).\nوثالثًا: أن القول يؤكد بالفعل، والتأكيد أقوى من المؤكَّد. وقد كان النبيّ - ﷺ - يؤكد قوله بفعله، كفسخ الحج، والطهارات.\nولكن هذا الدليل لا يثبت، إذ ليس من المسلّم أن التوكيد لا يكون إلّا أقوى من المؤكَّد، بل قد يؤكّد الشيء بأضعف منه، إذ الحاصل بالاجتماع أقوى مما يحصل بالانفراد، وذلك هو المطلوب بالتأكيد. وسيأتي لهذا المعنى مزيد بيان في ما يأتي من هذا الفصل.\nورابعًا: أن القول يدخله احتمال المجاز والنقل، وغير ذلك. والفعل يخلو عنها (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>المذهب الثالث: القول بالتفصيل:</span>\nالشاطبي في الموافقات (٣) نحا منحى آخر غير ما تقدم، فهو يرى أنه لا يصح إطلاق القول بالترجيح بين البيانين. وقسّم المسألة قسمين:\nالقسم الأول: يستوي فيه البيانان وذلك أن يكون المأمور به فعلًا بسيطًا، أو وجد له نظير في المعتاد ولو كان مركبًا، لكونه معلومًا، فينصرف إليه اللفظ.\nفالأول: كمسألة الغسل من التقاء الختانين مثلًا، فإنه لبسطاته وقلة\n_________\n(١) أشار إلى هذا الدليل السرخسي الحنفي، انظر أصوله؛ ٢/ ٢٧\n(٢) لعل هذه الوجوه تفسر لنا لم كانت بعض الأحكام تبين بالفعل مع طوله، ويترك القول مع إيجازه وقصره، ومن ذلك أن الله تعالى اختار أن يبين مواقيت الصلاة فعلًا، فأرسل جبريل فأم النبي - ﷺ - بالصلوات الخمس في يومين متواليين، صلى في الأول في أول الوقت، وفي الثاني في آخر الوقت. وسأل سائل النبي - ﷺ - عن مواقيت الصلاة، فقال له: صل معنا، فصلى معهم يومين، صلى فيها النبي - ﷺ - وسلم الصلوات في اليوم الأول أول وقتها وفي اليوم الثاني آخر وقتها، ثم قال: الوقت ما بين هذين.\nفقد استغرق البيان لهذه المسألة يومين كاملين.\n(٣) الصفحات ٣/ ٣١١ - ٣١٥","vol":"1","page":102},{"text":"تفصيلاته، شيء واحد. ولكونه معتادًا، ينصرف إليه القول إذا سمِّي باسمه الخاص. فلو أريد تبيان الجنابة الموجبة للغسل بالقول مثلًا، كقوله - ﷺ -: \"إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل\" (١)، أو اغتسل فعلًا من التقاء الختانين، حصل بيان الجنابة بكل منهما على التساوي.\nوالثاني: وهو ما له نظير في المعتاد، ولو كان مركبًا. كما لو طلبْتَ من البنّاء أن يبني لك بيتًا على أن يكون مماثلًا لبيت معين مبنيّ فعلًا، وكان الاسم الموضوع لذلك النوع يطلق عليه بتفاصيل كثيرة إلا أنها معتادة ومتعارف عليها. فيكفي القول، ويقوم مقام الفعل، والفعل يقوم مقامه تمامًا.\nالقسم الثاني: الأفعال المركبة الكثيرة التفاصيل، من أركان وشروط ومستحسنات، وتلحقها مبطلات وعوارض، ولم تجربها عادة بين الناس تحدِّد المراد باللفظ تحديدًا وافيًا. فحينئذ يكون البيان لها بالفعل أبلغ \"من جهة بيان الكيفيّات المعيّنة المخصوصة التي لا يبلغها البيان القولي. ولذلك بيّن النبي - ﷺ - الصلاة بفعله لأمته، والحج، والطهارة، وإن جاء فيها بيانٌ بالقول، فإنه إذا عرض نصُّ الطهارة في القرآن على عين ما تلقي بالفعل من الرسول - ﷺ -، كان المدرك بالحسِّ من الفعل، فوق المدرك بالعقل من النّص، لا محالة. وهَبْه - ﷺ - زاد بالوحي الخاصّ أمورًا لا تدرك من النصّ على الخصوص، فتلك الزيادات بعد البيان إذا عرضت على النص لم ينافها، بل يقبلها، كما في آية الوضوء\". فالفعل من هذه الجهة أبلغ.\nأقول: ومثاله من الواقع ما لو أردت أن تبيّن صفة حيوان غريب لم يره السامعون من قبل، فوصفت تفاصيل خلقته وحجمه ولونه وطباعه، فمهما اطنبت في ذكر التفاصيل قولًا، فلن تتكون لدى السامعين الصورة المطابقة للحقيقة بتفاصيلها، فلو أريتهم الصورة الشمسية الملوّنة لذلك الحيوان، اتّضحت الفكرة عنه أكثر، فلو أريتهم تمثالًا مجسّمًا للحيوان بنفس حجمه ولونه تعاظم وضوح الفكرة. ثم لو أريتهم الحيوان نفسه، فرأوه بأعينهم، ولمسوه بأيديهم، ورأوا أحواله وحركاته، وشاهدوا طباعه، فإنهم يعلمون من تفاصيل ذلك ما لم يعرفوه بسماع\n_________\n(١) رواه ابن ماجه (الفتح الكبير).","vol":"1","page":103},{"text":"القول، حتى لو حصلت مقارنة بين الصورة الذهنية التي تكوّنت بسماع القول أولًا، وبين الصورة التي تكوّنت برؤيته (فعلًا) لكانت الأخيرة مختلفة عن الأولى بنسبة كبيرة، هي بها أقرب إلى الحقيقة.\nومثل ذلك في الشريعة أن الحجَّ تذكر صفته في كتب الحديث والفقه بالتفصيل، ومع ذلك فإنه لا يتبيّن تبينًا كاملًا حتى للمدرِّسين وسائر الفقهاء، إلاّ برؤية أفعال الحجاج وأماكن الحج وما يفعل في كل منها، فإذا رأى ذلك، وفَعَله، أصبحت معرفته ضرورية، على ما هو معلوم بالتجربة.\nومن جهة أخرى يكون القول أبلغ، وذلك أن القول بيان للعموم والخصوص في الأحوال والأزمان والأشخاص، فإن القول ذو صيغ يمكن بها تبيين هذه الأمور ونحوها، أما الفعل فهو قاصر على فاعله، وزمانه، ومكانه، وحالته.\nقال الشاطبي: \"لو تُرِكنا والفعلَ الذي فعله النبي - ﷺ - مثلًا، لم يحصل لنا منه غير العلم بأنه فعله، في هذا الوقت المعين، وعلى هذه الحالة المعينة. فيبقى علينا: هل ينسحب طلب هذا الفعل منه في كل حالة أو في هذه الحالة؟ أو يختصّ بهذا الزمان أو هو عامٌّ في جميع الأزمنة؟ أو يختص به وحده أو يكون حكم أمته حكمه؟ ثم بعد النظر في هذا، يتصدى نظر آخر في حكم هذا الفعل الذي فعله: من أيّ نوعٍ هو من الأحكام الشرعية\".\nفهذان النوعان لا يمكن تبيينهما بالفعل، ولا بدّ من القول، أو وضوح القرائن، لبيان ذلك. ومن هنا احتاجت الأفعال النبوية إلى دليل خارج عنها يبين أنها دليل في حق الأمة.\nوالحاصل: إن البيانين يستويان في الفعل البسيط، أو الفعل المركّب المعتاد الذي له لفظ يدل عليه بالتحديد.\nويرجح البيان بالفعل من جهة بيان الفعل الكثير التفاصيل غير المعتاد، ومن جهة قوته في عمق التأثير النفسي، وقوة التشبث بالذهن.","vol":"1","page":104},{"text":"ويرجح البيان بالقول من جهة العموم والخصوص، ومن جهة درجة حكم الفعل، ومن جهة تعليقه بما هو بيان له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>أعلى أنواع البيان:</span>\nنقل الزركشي أن بعضهم رتّب أنواع ما يقع به التبيين حسب قوتها، هكذا: القول، ثم الفعل، ثم الإشارة، ثم الكتابة ثم التنبيه على العلة (١).\nوأما الشاطبي (٢) فيرى أن اجتماع القول والفعل متطابقين هو الغاية في البيان، كما حصل بذلك تبيين الطهارة والصلاة والصَّوم والحجّ. ولا شك أن اجتماع البيانين المذكورين أقوى، وذلك من وجوه:\nالأوّل: إن كلا من القول والفعل، يسد ما في الآخر من النقص، برفع الاحتمالات التي مر ذكرها.\nالثاني: أنه يضيف إلى الآخر ما له من خصائص بيانية.\nالثالث: أنه أصلًا نوع من التكرار، والتكرار تأكيد وتقوية.\nومن الملاحظ عمليًّا أن ما ورد فيه البيان بالقول والفعل من العبادات، كالصلوات الخمس مثلًا، هو أوضح كثيرًا مما ورد فيه البيان بالقول خاصة، كصلاة الاستخارة، أو بالفعل خاصة، كصلاة الكسوف، وصلاة الجنازة، وصلاة العيدين، وصلاة الخوف، وصلاة الاستسقاء. ولعله لذلك يجري فيها من الخلاف ما هو أكثر، نسبيًا، من النوع الأول. وإن كان إثبات ذلك بحاجة إلى تتبع واستقراء.\nإلاّ أننا نرى اجتماع أنواع أخرى من البيان معهما، يكون به البيان أقوى. وأهمّ ذلك التقرير، فإنه يدل على رضا المبيِّن عن الصورة الذهنية التي حصلت لدى المبيَّن له. فإن البيان قد يكون وافيًا، ولكن أفهام بعض السامعين تقصر أو تغفل. فإن عَمِل المبيّن له بما بُيِّن، فوافقه المبيِّن على فعله، وأقرّه، فذلك أقوى ما يكون البيان، كما تقدم في التعلّم بالممارسة.\n_________\n(١) الشوكاني: إرشاد الفحول ص١٧٣\n(٢) الموافقات ٣/ ٣١١ - ٣١٤","vol":"1","page":105},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-63>رجوع البيان بالقول إلى البيان بالفعل:</span>\nإن القول المبيِّن عن الفعل قد يرجع إلى الفعل. وذلك أن الفعل يسمى بألفاظ لغوية، فإن كانت مجملة فسرت بألفاظ أخرى تعبّر عن أفعال، فـ (الصلاة) مجمل يفسّر بأنها الأفعال المعلومة، من القيام والتكبير والقراءة والركوع والسجود والتسليم وغير ذلك. ومعاني هذه الألفاظ لم تُعلم إلّا بفعلها، أو رؤية من يفعلها، بحيث إن من لا يعلمها لو أريد تفسيرها له، لفعلنا أمامه الركوع مثلًا، ثم قلنا له: هذا الركوع، وهكذا السجود وغيره، فقد عاد البيان القولي عن الفعل إلى الفعل.\nوقد قال الشاطبي: \"وإنما يقرِّب مثل هذا القول الذي معناه الفعلي بسيط وجد له نظير في المعتاد، وهو إذ ذاك إحالة على فعل المعتاد، فَبِه حصل البيان لا بالقول\" (١).\nوالألفاظ المعبِّرة عن أفعال مركبة أشدُّ حاجة إلى هذا النوع من البيان الفعلي.\nوهذا شأن الأسماء اللغوية غالبًا، فإن فهمها، أو فهم ما فُسِّرت به من الألفاظ لا يتم من غير أن تكون لدى السامع (خبرات عمليّة سابقة)، إذا سمع اللفظ نزّله عليها ليفقه المراد به. ومن هنا يعلم أن ضيق الأفق، وقلة الخبرات العملية، وقلة التجارب في الحياة، ينشأ عنها ضيق فهم اللغة، وعسر تبيّن المراد بالألفاظ.\n_________\n(١) الموافقات ٣/ ٣١٣","vol":"1","page":106},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>المبحث الثالث اجْتماع القول والفِعل في البَيان</span>\nالكلام في هذه المسألة ينقسم قسمين، لأنه إن جاء بعد المجمل قول وفعل وكلاهما صالح لأن يكون بيانًا، فإما أن يكونا متطابقين لا يزيد أحدهما على الآخر، وإمّا أن لا يكونا كذلك.\nومعنى صلاحيتهما للبيان أن يفعل ما أمر به، وأن يصفه بذكر أجزائه وأعداده وهيئاته. أما إذا أحال بالقول على الفعل، كأن قال: \"خذوا مناسككم\" و\"صلوا كما رأيتموني أصلِّي\" (١). ونحو ذلك، فهذا القول ليس بيانًا، وإنما هو قول معلِّق للبيان على الفعل، فيُعلم به كون الفعل بيانًا (٢). فإن علم بالضرورة أو بالعقل، أن الفعل بيان، كان مثل هذا مؤكِّدًا لذلك (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>القسم الأول: حالة الاتفاق:</span>\nوأمثلته أن النبي - ﷺ - بيّن بقوله عدد ما أمر به الله من الصلوات، فبيّن بالقول أنها خمس صلوات، وصلاها فعلًا كذلك، لم تزد ولم تنقص.\nوكذلك بينّ مقادير ما أمر الله به من الزكاة المفروضة في الذهب والفضة أنها ربع العشر، وأخذها كذلك.\n_________\n(١) سيأتي تخريج هذا الحديث بتوسع في فصل الفعل البياني.\n(٢) أبو الحسين البصري: المعتمد ١/ ٣٣٨ حيث قال: \"إن البيان هو الفعل، دون القول المعلق للفعل بالمبين\".\n(٣) تيسير التحرير ٣/ ١٧٦","vol":"1","page":107},{"text":"والذي يعتبر بيانًا منهما هو أولهما ورودًا، سواء علم أو جهل. إذ به يحصل التبيين (١)، ويخرج الأمر عن الإبهام. ويكون الثاني منهما مؤكّدًا له ومقويًّا، كما تقدم عند ذكر أعلى أنواع البيان.\nوهذا هو القول المعتمد.\nوقيل يكونان بمجموعهما بيانًا.\nوقيل القول هو البيان، سواء تقدم أو تأخر، دون الفعل، لأنه أقوى من الفعل (٢).\nهذا وقد قرّر الآمدي (٣) وبعض الأصوليين أن المتأخّر منهما إنما يجوز اعتباره تأكيدًا للأول في حال استوائهما في القوة، وحال كون الثاني منهما أقوى. أما إن كان الثاني أضعف فلا يكون مؤكِّدًا، إذ إنه يخلو من الإفادة، فيكون المجيء به عبثًا.\nوبَنَى على ذلك أنه في حال العلم بأولهما ورودًا يكون الثاني تأكيدًا إنْ كان أقوى من الأول.\nوفي حال الجهل بذلك، فالأشبه أن الأول ورودًا هو الأضعف منهما، لئلا يلزم المحذور الذي أشار إليه.\nوقد رفض السبكي هذه الطريقة، فرأى أن المتأخِّر يكون توكيدًا ولو كان أضعف (٤).\nوالذي نختاره هنا قول السبكي.\nونزيد أن العرب لم تزل تؤكّد في كلامها الأقوى دلالة بالأضعف. كما في\n_________\n(١) هكذا أطلق أبو الحسين البصري في المعتمد ص ٣٣٩ جعل المتقدم منهما هو البيان ولم يعرج على تفصيل.\n(٢) نقله الشوكاني ص ١٧٣\n(٣) الإحكام في أصول الأحكام ٣/ ٣٧ ونقله البدخشي ٢/ ١٥١ وأقره.\n(٤) جمع الجوامع ٢/ ٦٨","vol":"1","page":108},{"text":"الإتباع، كقولهم: جاؤوا أجمعون \"أكتعون\"، وحارٌّ \"يارّ\". إذ التابع هنا لا دلالة له أصلًا قبل اقترانه بالمتبوع، على ما هو المعتمد عند اللغويين.\nوأيضًا فإن دليل الآمدي ينتج امتناع التأكيد بالمساوي، وهو لا يقول به. وهذا نص عبارته \"لو فرضنا تأخر المرجوح امتنع أن يكون مؤكِّدًا للراجح، إذ الشيء لا يؤكّد بما هو دونه في الدلالة، والبيان حاصل دونه، فكان الإتيان به غير مفيد، ومنصب الشارع منزّه عن الإتيان بما لا يقيد\". فقوله: \"والبيان حاصل دونه\" صادق على التأكيد بالمساوي، فيلزمه منعه. وذلك معلوم بطلانه حتى في التأكيد بالمفرد (١).\nوفي الطبيعة إذا نحن أضأنا غرفة بمصباح، ثم قَوَّينا النور بمصباح آخر أضعف من الأول، فلا شكّ أن له تأثيرًا في تقوية الرؤية، ما لم يكن الأول كالشمس في قوة إضاءته، ومثل هذا بالنسبة إلى الألفاظ نادر جدًا في الدلالة على المعاني المركبة كما تقدم.\nولا ينبني على هذه المسألة شيء من الأحكام، إذ الفرض أن القول والفعل متفقان في المدلول. بل هي تذكر لمجرد استيفاء الأقسام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>القسم الثاني: حال الاختلاف:</span>\nبأن يدل أحدهما على أن المطلوب أكثر مما يدل عليه الآخر.\nومحل الخلاف إذا لم يعلّق الفعل بالمجمل قولًا. فإن قال: ما أفعله هو البيان لآية كذا، أو حديث كذا، فالفعل بيان بلا شك. ويكون بدرجة القول. فلا يجري فيه الخلاف الآتي.\n_________\n(١) التزم الإسنوي في شرح المنهاج بكون التأكيد لا يكون أضعف من المؤكد. ولكن قصره على التأكيد بالمفردات، وأجازه في التأكيد بالجمل، وجعل التأكيد بالأضعف من القول والفعل شبيهًا بالتأكيد بالجمل، فأجازه. ونحن نرى بطلان هذا القول أصلًا، وأن التأكيد بالأضعف جائز.","vol":"1","page":109},{"text":"ومثال هذا القسم، ما روي (١) أن النبي - ﷺ - قرن فطاف طوافين، وسعى سعيين. وروي عنه أنه قال بعد نزول آية الحج: \"من أحرم بالحج والعمرة، أجزأه طواف واحد، وسعي واحد عنهما، حتى يحلّ منهما جميعًا\".\nوفي المسألة ثلاثة مذاهب:\nالأول: مذهب الرازي وابن الحاجب أن القول هو البيان، سواء تقدم أو تأخر. وقال به أيضًا أبو الخطاب الحنبلي (٢) وغيرهم.\nودليل هذا المذهب أن القول يدل بنفسه على أنه بيان، والفعل لا يدل إلاّ بالواسطة. وما يدل بنفسه أولى (٣). والقول هو الأصل في البيان، فينبغي أن يكون هو البيان.\nويكون الفعل الزائد عن القول، على هذا المذهب، كالطواف الثاني في المثال، ندبًا، أو خاصًا به - ﷺ -.\nوقد نقل الزركشي (٤) عن ابن فورك، أنه يبني على هذا القول اشتراطًا معينًا في جواز اعتبار القول بيانًا. فرأى أن الفعل إنما يأتي بيانًا إن لم يكن هناك قول صالح للبيان، وإلاّ لم يرجع إلى الفعل.\n_________\n(١) أما الفعل ففي صحيح مسلم أن النبي - ﷺ - قرن فطاف طوافين- طواف القدوم وطواف الزيارة يوم النحر. وسعى سعيًا واحدًا بعد طواف القدوم، ولم يسع بعد طواف الزيارة. هذا ما يؤخذ من حديث جابر وغيره. وقد روى النسائي عن علي أن النبي - ﷺ - قرن فطاف بالبيت طوافين، وسعى سعيين\".\nوأما القول فما أخرجه أحمد من حديث ابن عمر بلفظ \"من قرن بين حجته وعمرته أجزأه لهما طواف واحد\". ولم يذكر السعي (الفتح الكبير) وروى الترمذي وابن ماجه عن ابن عمر أيضًا أنه - ﷺ - قال: \"من أحرم بالحج والعمرة أجزأه طواف واحد وسعي واحد عنهما، ولم يحل حتى يقضي حجه ويحل منهما جميعًا\" (الفتح الكبير).\n(٢) التمهيد ق ٩٢ أ.\n(٣) الشوكاني: إرشاد الفحول ص ٧٣\n(٤) البحر المحيط ٢/ ٨١ أب.","vol":"1","page":110},{"text":"الثاني: مذهب أبي الحسين البصري، وهو أن المتقدم في نفس الأمر هو البيان حقيقة. قال: \"لأن الخطاب المجمل، إذا تعقبه ما يجوز أن يكون بيانًا له، كان بيانًا له\" (١).\nثم إن علم المتقدم من القول والفعل فالحكم عنده كذلك. وإن جهل فالقول عنده هو البيان، لأن الفعل لا يكون بيانًا للمجمل إلاّ بما يعلقه به من قول أو ضرورة، ولا ضرورة هنا مع وجود القول المبيّن للمجمل.\nوقد قدم في أول هذه المسألة، قبل تفصيلها وشرحها، أنه حيث قيل إن القول هو البيان، فالطواف الثاني في المثال المضروب ندب. وحيث قيل بأنه الفعل، فالطواف الثاني واجب.\nاستدراك الآمدي على مذهب أبي الحسين:\nنقل الآمدي (٢) مذهب أبي الحسين البصري المتقدم ذكره، ووافقه في حال العلم بالتقدم على ما ذكر، غير أنه أضاف، أنه في حال تقدم الفعل، فإنه وإن دلّ على أن الطواف الثاني واجب، إلاّ أنه لا بدّ من تقديره منسوخًا بالقول، أو خاصًا بالنبي - ﷺ -. والخصوصية أرجح، لخلوّها من نسخٍ للفعل أو تعطيل للقول.\nوهذا عندي استدراك لا يخفى، وإنما الذي فعله أبو الحسين أنه نبّه إلى حكم الفعل الزائد عند وروده وقبل ورود القول عليه، ولم يذكر حكمه عند ورود القول بعده مخالفًا له.\nفمذهبهما في الحقيقة شيء واحد.\nوأما ترجيحه الخصوصيّة على النسخ فلا يوافق عليه، لأن الأصل تساوي الأحكام بين النبي - ﷺ - وأمته. وسيأتي إيضاح ذلك في مبحث الخصائص.\n_________\n(١) المعتمد ١/ ٣٤٠\n(٢) الإحكام ٣/ ٣٨","vol":"1","page":111},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>الموارنة بين المذهبين:</span>\nإن المذهبين متفقان في حال العلم بتقدم القول، أو الجهل بالمتقدم، إن القول هو المقدم في الحالين.\nوإن ما اختلف فيه المذهبان حالة العلم بتقدم الفعل. فيرى أبو الحسين أنه لا يجوز إهماله، إذ هو نوع من أنواع البيان، وقد جاء في وقت الحاجة إليه، فوجب أن يكون بيانًا.\nوأصحاب المذهب الأول نظروا إلى أرجحية القول من حيث البيان، ووضوح ارتباطه بالمبيّن. فقدموه.\nونحن نرى أن مآل القولين واحد، فعندما ورد الفعل وهو صالح للبيان، فلا بد من اعتباره بيانًا. ثم إذا جاء القول بعد ذلك، فلا بد من الأخذ به، لأنّ \"القول بإهمال دلالة القول ممتنع\" كما قال الآمدي. فهو يَرِد حينئذ على الفعل فيدل على أن ما زاد منه على القول ندب، أو يلغي دلالته على الحكم في حق الأمة دون نبيها فيكون مخصصًا، أو في حق الجميع فيكون ناسخًا.\nفالخلاف بينهم في المسألة إنما هو في مما قبل ورود القول المتأخر، فأمّا بعد وروده فالعمل يكون بالقول على كل حال بالنسبة للأمة، لأنه إما أن يكون هو البيان على القول الأول. أو يكون ناسخًا لحكم الفعل، على القول الثاني. والله أعلم.\nالثالث: وفي المسألة قول ثالث، وهو الوقف عند الجهل بالمتقدم، فلا يحكم بكون أحدهما هو البيان دون الآخر، بل البيان أحدهما لا بعينه. لأن كلًا منهما أقوى من الآخر من وجه، فلا يرجح عليه بلا مرجح. وقد رجح هذا القول ابن السمعاني (١).\nوقال العلائي في إبطال هذا الدليل: \"إن البيان بالقول أكثر، وغاية الأمر\n_________\n(١) نقله عنه الزركشي: البحر المحيط ٢/ ٢٥٣ أ.","vol":"1","page":112},{"text":"أنهما متساويان في البيان (أي في قوته ووضوحه) وتسلم بقية الأوجه (أي في ترجيح القول) وبهذا يظهر ترجيح القول تقدميه، فلا تعادل حينئذ. والله أعلم\" (١) اهـ. كلامه.\nوعندي أن جعل دلالة القول أرجح هو الذي ينبغي اعتماده. وبذلك لا يكون القول بالوقف صوابًا.\nوالحاصل: أننا بعد النظر في هذه المسألة وتشعباتها عند الأصوليين، نرى أن المسألة تلتئم بأن يقال: إنه بالنظر إلى الواقع في نفس الأمر، وعند من يعلم ذلك الواقع، لا بدّ من اعتبار أول الواردين من قول أو فعل بعد المجمل، هو البيان له.\nوأما بالنسبة إلى العمل وبالنظر لمن لا يعلم الواقع، فيعمل بالقول، ويقال إنه هو البيان، حقيقة إذا تقدم، ومجازًا إذا تأخر. وما زاد من الفعل فهو إما ندب أو خاص أو منسوخ.\nوهذا التوفيق صادق على حالتي الاتفاق والاختلاف.\nوتكون القاعدة العامة \"أنه إذا ورد بعد المجمل قول وفعل كلاهما صالح للبيان، فالبيان في الحقيقة المتقدم منهما، والعمل بالقول على كل حال\".\nتنبيه: المثال الذي ذكر في هذه المسألة الفعل فيه أكثر من القول. فلو كان العكس، ونقص الفعل، بأن أمَرَ بطوافين، وفَعَل واحدًا، فمقتضى القول الأول، وهو قول الرازي ومن معه، البيان القول، ونقْصُ الفعل تخفيف في حقه - ﷺ -، تقدم القول أو تأخّر. ومقتضى قول أبي الحسين أن البيان المتقدم، فإن كان المتقدم الفعل، فما زاده القول بعده مطلوب بالقول، وإن كان المتقدم القول فالنقص تخفيف خاص في حقه - ﷺ - (٢).\n_________\n(١) تفصيل الإجمال ق ٥٢ ب.\n(٢) المحلى: شرح جمع الجوامع ٢/ ٦٩","vol":"1","page":113},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>المبحث الرابع إذا اختلف فعلان في البيان فأيهمَا البيان</span>\nالأصوليون لم يذكروا هذه المسألة، وذكرها ابن دقيق العيد في شرح العمدة (١) وواضح أن أول الفعلين ورودًا يكون هو البيان ما لم يدل على أن البيان هو آخر الفعلين.\nفإذا اعتبرنا الفعل الأول هو البيان، يبقى الزائد من الفعل الثاني فعلًا مجردًا لا يدل على وجوب، بل قد يدل عل الندب أو الإباحة كما يأتي في الأفعال المجردة. وهذا إن كان الفعل الثاني زائدًا على الأول. أما إن نقص عنه فهو إما ناسخ للزائد في حق الجميع، وإما تخفيف في حق النبي - ﷺ - خاصة. والنسخ أولى كما تقدم. ولا يصار إلى النسخ إلا إذا تعذّر الجمع.\nوقد يعلم أن الفعل المنقول إلينا متأخر، ويعلم أن قبله فعلًا هو البيان، لكن لم ينقل إلينا أول الفعلين، كبعض رواية أصاغر الصحابة ومتأخري الإسلام منهم إذا رووا بعض هيئات الصلاة، أو أعمالًا في الصوم أو غيره من الأمور المستمرة. فإن الظاهر تأخر مروياتهم، وهي لا شك قد سبقت ببيان، فلا تكون مروياتهم تلك بيانًا. ولا يمتنع -إذا لم يدل على التغيير- الاستدلال بالفعل المتأخر، هذا على أن الفعل المتقدم مثله، لأن الأصل عدم التغير. والله أعلم.\n_________\n(١) ١/ ٢٠٦","vol":"1","page":114},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>الفصل الثاني أحكام النبي بالنسبة إليه - ﷺ </span>-\n١ - ما يصدر عنه الفعل النبوي.\nأ- الوحي.\nب- الاجتهاد.\nج- مسألة التفويض.\nد- مسألة العفو.\n٢ - أحكام الأفعال النبوية.\nأ- ما يكلف به النبي - ﷺ - من الأفعال.\nب- أحكام ما صدر عنه من الأفعال.\nج- العصمة عن المحرمات.\nد- العصمة عن المكروه.\n٣ - كيف يعيّن حكم الفعل إذا صدر عنه - ﷺ - بالنسبة إليه خاصة.","vol":"1","page":115},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>المبحث الأول ما يصدر عن النبي ﷺ في أفعاله</span>\nيدرك النبي - ﷺ - أنه مكلّف بكذا وجوبًا أو ندبًا، وبكذا تحريمًا أو كراهة، أو أو أنه حلال له كذا، فيفعل أو يترك بناء على ذلك.\nوربما يفعل الشيء بناء على أنه لم ينزل عليه فيه شيء، أي على أنه ليس فيه حكم شرعي.\nفينقسم هذا المبحث إلى مطلبين: لأنه إما أن يفعل بناء على التكليف، أو أن يفعل بناء على عدم التكليف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>المطلب الأول أن يفعل بناء على التكليف</span>\nإدراكه - ﷺ - لكونه مكلفًا بفعل ما، يحصل من طريقين:\nالأول: الوحي إليه - ﷺ -، بالطرق التي نصت عليها الآية التي في آخر سورة الشورى ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلاّ وحيًا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولًا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم﴾.\nثم قد يكون الوحي متلوًّا، وهو القرآن العظيم، بأن يكون آية أو آيات خاصة بالواقعة أو شاملة لها، كقوله تعالى: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها ...﴾ الآيتين. فإن فيهما الأمر له - ﷺ - بتخيير أزواجه.","vol":"1","page":117},{"text":"وقد يكون الوحي غير قرآن. كما في الحديث: \"أن رجلًا سأل النبي - ﷺ -: كيف ترى في رجل أحرم بعمرة في جبّة، بعدما تضمخ بطيب؟ فنظر إليه النبي - ﷺ - ساعة ثم سكت، فجاءه الوحي ...... فقال - ﷺ -: أما الطيب الذي بك فاغسله، وأما الجبّة فانزعها، ثم اصنع في عمرتك ما تصنع في حجك\" (١).\nوكما حصل في موقعة الأحزاب. فإن النبي - ﷺ - بعد رحيل المشركين \"وضع سلاحه واغتسل، فأتاه جبريل فقال: \"قد وضعت السلاح؟ والله ما وضعناه، اخرج إليهم\". قال: \"فإلى أين؟ \" قال: \"ها هنا\" -وأشار إلى بني قريظة- فخرج النبي - ﷺ - إليهم\" (٢).\nوهذا النوع كثير لا يخفى على من له خبرة بالسيرة النبوية الشريفة. وهو متفق عليه بين كل المؤمنين برسالة محمد - ﷺ -، إذ لا بد منه لتحقيق الإيمان بالرسالة.\nثم إنّ ما كان من الوحي قرآنًا، فإما أن يكون نصًا في المسألة، فلا يحتاج إلى إعمال فكر ونظر، ومنه ما يحتاج إلى ذلك، فهذا الفكر والنظر في ما يحتاج إليه من الوحي ندخله في النوع التالي وهو الاجتهاد.\nالثاني: الاجتهاد. فإذا أقرّه الله تعالى عليه كان ذلك من الله تعالى بيانًا لكونه اجتهادًا صائبًا. ومن أجل ذلك سمّى الحنفية الأول الوحي الظاهر، وسموا هذا الطريق: الوحي الباطن (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>والاجتهاد أنواع:</span>\nالأول: اجتهاد في دلالات الألفاظ الموحى بها إليه - ﷺ -، من المجمل والمشترك، والحقيقة والمجاز، والعام والخاص، وغير ذلك. فيجتهد فيها بما يعرفه من لغة قومه، وأساليبهم في القول، لأن القرآن بلغتهم نزل ليبيِّن لهم.\n_________\n(١) رواه مسلم.\n(٢) رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة (جامع الأصول ٩/ ١٩٩).\n(٣) أصول البزدوي ٣/ ٩٢٤","vol":"1","page":118},{"text":"وليست كل السنة البيانية صادرة عن اجتهاد. بل إن من المتفق عليه أن جزءًا كبيرًا منها موحىً به، فيدخل في قسم الوحي السابق الذكر. ومنها تبيين جبريل لمواقيت الصلاة.\nالثاني: الاجتهاد القياسي، بقياس غير المنصوص على المنصوص، فيلحق الفروع بالأصول بناء على الاشتراك في العلل.\nالثالث: الاجتهاد في الأمر الواقع بما يراه دون الرجوع إلى نص معين. وهي المسماة بمسألة التفويض.\nونحن نعود إلى هذه الأنواع، واحدًا واحدًا، فنبين مذاهب العلماء فيها، وأدلة المثبتين والنفاة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>النوع الأول: الاجتهاد البياني:</span>\nولا يقال هنا أن تفسير النبي - ﷺ - للقرآن هو عمل بالقرآن، فكيف يكون زائدًا عنه حتى يقال إنه بالاجتهاد؟.\nلأنه لما أمر الله تعالى بالسجود مثلًا، لم يبيّن أن الساجد يسجد على الأعضاء السبعة. فذلك ليس في القرآن، بل هو تفسير له، زائد عليه.\nومن هذا النوع رؤيته - ﷺ - تفاصيل كيفيات العمل في كثير ممّا أوحي إليه مجملًا، من الزكاة والصوم والحج وغير ذلك، وأسباب ذلك شروطه، مما لم يفصله الوحي الظاهر.\nومنه رؤيته انطباق العمومات الواردة في القرآن على أشياء معينة، فيحكم عليها بحكم العام الوارد في القرآن. ولعل من ذلك أنه - ﷺ -: \"نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير\" (٢). \"وعن أكل لحوم الحمر\n_________\n(١) يراجع لاستيفاء هذا البحث: أبواب الاجتهاد من كتب الأصول المشهورة، وأيضًا: عبد الجليل عيسى: اجتهاد الرسول، نشر بالكويت.\n(٢) رواه مسلم وأبو داود والنسائي (جامع الأصول ٨/ ٢٨٨).","vol":"1","page":119},{"text":"الأهليّة (١)، وقال: إنها ركس\" (٢). وقال في القنفذ: \"إنه خبيثٌ من الخبائث\" (٣). فالظاهر أن ذلك كان باجتهاد منه، ومن الممكن أنه - ﷺ - رآها داخلة في قوله تعالى: ﴿ويحرم عليهم الخبائث﴾ (٤).\nومنه رؤيته - ﷺ - الأمر المسكوت عنه، الدائر بين أصلين، أنه أقرب إلى أحدهما من الآخر، فيعطيه حكمه. كما في ميراث البنتين. قال الله تعالى: ﴿فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك، وإن كانت واحدة فلها النصف﴾ (٥) وسكت عن الاثنتين. فألحق - ﷺ - الاثنتين بما فوق الاثنتين فجعل لهما الثلثين. كما في قصة ابنتي سعد بن الربيع حين قال لعمهما: \"أعط ابنتي سعد الثلثين\".\nوحرّم الله ﷿ الميتة، وأحلّ المذكاة، فدار جنين المذكاة بين الطرفين، فحكم - ﷺ - بأن ذكاة أمه ذكاة له، بقوله: \"ذكاة الجنين ذكاة أمّه\".\nومنه معرفة أن إحدى الآيتين مخصصة للأخرى دون العكس. كما في حديث البخاري عن أبي سعيد بن المعلَّى أنه قال: \"كنت أصلّي في المسجد. فدعاني رسول الله - ﷺ -. فلم أجبه، فقلت يا رسول الله، كنت أصلي. فقال ألم يقل الله ﷿: ﴿استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم﴾ قلت: بلى\" (٦). فيظهر أن أبا سعيد كان يظن آية ﴿وقوموا لله قانتين﴾ مقدمة في موضع التعارض على الآية التي ذكرها النبي - ﷺ -، فبيّن له النبي - ﷺ - أن العكس هو الصواب.\nفهذا النوع من الاجتهاد قريب، وذلك أن النبي - ﷺ - كان أفصح العرب وأعلمهم بكلامهم، وكان نظره ثاقبًا، وفكره وقّادًا، وقد أمر باتباع ما أنزل إليه من ربه. ورعاية ربه فوقه، إن أخطأ صوّبه، وإن لم يصحح له يتبين أنه قد عمل بالصواب.\n_________\n(١) انظر الشاطبي: الموافقات ٤/ ٣٣ - حيث ذكر أمثلة لهذا النوع.\n(٢) رواه النسائي. وأصل النهي عنها عند البخاري ومسلم (جامع الأصول ٨/ ٢٩٠).\n(٣) رواه أبو داود (جامع الأصول ٨/ ٢٧٢) وإسناده ليس بقوي.\n(٤) سورة الأعراف: آية ١٥٧\n(٥) سورة النساء: آية ١١\n(٦) البخاري ٨/ ١٥٦ ورواه الترمذي وغيره بسياق آخر.","vol":"1","page":120},{"text":"وبعض المجيزين لاجتهاد النبي - ﷺ - يمنع اجتهاده في هذا، ويرى أن هذا النوع لا يكون إلا بوحي ظاهر، ففي تيسير التحرير (١) ما يلي:\n\" (وهو) أي الاجتهاد (في حقه) - ﷺ - (يخصّ القياس، بخلاف غيره) من المجتهدين ... أما في القياس فظاهر، وأما في غيره (ففي دلالات الألفاظ) وفي (البحث عن مخصص العام، والمراد من المشترك، وباقيها) أي باقي الأقسام التي في دلالتها خفاء، من المجمل وأخواته، ...... وكل ذلك ظاهر عنده - ﷺ - لا يحتاج إلى نظر وفكر\" اهـ.\nفهو يجيز الاجتهاد القياسي، كما سيأتي في النوع الثاني، وأما في هذا النوع فهو يرى أن ما حكم به النبي - ﷺ - من ذلك هو حكم بالوحي. ولهذا أوجه:\nالأول: أن يكون كل ذلك بوحي خاص من الله تعالى.\nالثاني: أن يكون إلهامًا منه تعالى، لأجل توضيح مراده بكلامه.\nالثالث: أن يقال كان ذلك من أثر نفاذ البصيرة، وسلامة الإدراك. فهو وضاح عنده لأجل ذلك، لا يحتاج إلى اجتهاد.\nوظاهر قوله تعالى: ﴿إن علينا جمعه وقرآنه * فإذا قرأناه فاتبع قرآنه * ثم إن علينا بيانه﴾ (٢) يؤيد هذا القول (٣)، إذ إن الله تعالى جعل على نفسه أن يبيّنه لنبيه - ﷺ -.\n_________\n(١) ٤/ ١٨٣\n(٢) من سورة القيامة.\n(٣) حكى الآمدي (٣/ ٤٣، ٤٤) عن بعضهم احتمالًا في آية (ثم إن علينا بيانه) إن المراد ببيان القرآن إظهاره وهو على وفق الظاهر، دون أن يكون المراد بيان المجمل والخصوص والتقييد الخ.\nوقد أقر الآمدي هذا الاحتمال، ومنع دلالة الآية على ما ذكرنا.\nوعندي أن حمل الآية على ذلك تأويل مردود، لأن الظاهر أن البيان إنما هو لما في المراد به خفاء، ويؤيده أنه عطف البيان بـ (ثم) على الجمع والقرآن، فهو إذن شيء آخر، فيتعين أنه بيان المجمل ونحوه.","vol":"1","page":121},{"text":"ونحن نرى أنه يجوز أن يكون بيان النبي - ﷺ - لمجملات القرآن بالأوجه الثلاثة المذكورة آنفًا، بالإضافة إلى وجه رابع، وهو الاجتهاد. فثبت جواز اجتهاده - ﷺ - في بيان القرآن.\nوأما قوله تعالى: ﴿ثم إن علينا بيانه﴾ فإذا أقرّ الله تعالى رسوله على ما بينّ، فهو بيان من الله، يوضحه أن تقرير النبي - ﷺ - لبعض أصحابه على عملٍ ما، هو بيان لمشروعية ذلك العمل، كما سيأتي في فصل التقرير، من الباب الثاني، إن شاء الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>النوع الثاني: الاجتهاد القياسيّ:</span>\nفي جواز كون النبي - ﷺ - متعبّدًا بالاجتهاد القياسيّ خلاف. قال الآمدي: \"اختلفوا في أن النبي - ﷺ - هل كان متعبدًا بالاجتهاد في ما لا نصّ فيه (١).\nفقال أحمد بن حنبل والقاضي أبو يوسف: إنه كان متعبدًا به.\nوقال أبو علي الجبائي وابنه أبو هاشم: لم يكن متعبّدًا به.\nقال: وجوز الشافعي في رسالته ذلك من غير قطع (٢)، وبه قال بعض أصحاب الشافعي، والقاضي عبد الجبار، وأبو الحسين البصري.\nوالمختار جواز ذلك عقلًا ووقوعه سمعًا (٣). اهـ كلام الآمدي.\n_________\n(١) هذه العبارة من كلام الآمدي \"في ما لا نص فيه\" مجملة، لأن (النص) يطلق على اللفظ الدال على المعنى سواء كان فيه احتمال أم لا، فيصدق على الظاهر، ويطلق على اللفظ الدال على المعنى دون احتمال، فلا يصدق على الظاهر. فإن كان مراده بعبارته الإطلاق الأول، فالخلاف عنده في تجويز الاجتهاد القياسي دون البياني. وإن كان مراده بها الإطلاق الثاني يكون الخلاف عنده في تجويز الاجتهادين القياسي والبياني، ونحن حملنا كلامه على الأول احتياطًا، حتى يتبين لنا، فذكرنا كلامه في (الاجتهاد القياسي).\n(٢) كلام الشافعي في الرسالة (تحقيق أحمد محمد شاكر) ص ٩٢\n(٣) الإحكام ٤/ ٢٢٢. وانظر أيضًا: أصول البزدوي ٣/ ٩٢٦ - ٩٣٣ وتيسير التحرير ٤/ ١٨٨، ١٨٩","vol":"1","page":122},{"text":"قلت: وقد نسب صاحب تيسير التحرير إلى الأشعرية أنه - ﷺ - لم يكن متعبّدًا به. وحكى صاحب التحرير أن القاضي والجبائيّ أجازا اجتهاده - ﷺ - في الحروب فقط، أي دون الأحكام الشرعية (١).\nوالمختار ما نص عليه الحنفية (٢) أنه - ﷺ - كان عليه العمل بالوحي أولًا، وكان عليه أن ينتظر الوحي في الوقائع، فإن لم يأته الوحي بعد الانتظار اجتهد رأيه (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>الدليل العقلي لجواز صدور أفعال النبي ﷺ عن اجتهاد:</span>\nإنا لو فرضنا أن الله تعبّده بذلك، بأن قال له: حكمي عليك أن تقيس فيما لا نص فيه، لم يلزم من ذلك أمر محال.\nوقد نوقش هذا الدليل بأنه لو كان في الأحكام الصادرة عنه - ﷺ - ما يكون عن اجتهاد، لجاز أن لا يُجعل أصلًا لغيره، وأن يخالف فيه، وأن لا يكفر مخالفه، لأن جميع ذلك من لوازم الأحكام الثابتة بالاجتهاد.\nوأجاب عن ذلك الآمدي بأنا لا نسلم أن ما ذكروه من لوازم الأحكام الثابتة بالاجتهاد، بدليل الإجماع عن اجتهاد، فإن الإجماع معصوم من الخطأ. فكذلك اجتهاد النبي - ﷺ - الذي لا يقرّ على خطأ في الأحكام الشرعية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>الأدلة القرآنية: منها:</span>\n١ - أدلة القياس، كقوله تعالى: ﴿فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾ (٤) والمأمور بالاعتبار، وهو القياس، المؤمنون، وأولهم النبي - ﷺ -. فهو مأمور بالقياس. والبحث يستوفى في باب القياس. فمن أثبت القياس أصلًا في الشريعة لزمه القول به هنا.\n٢ - قوله تعالى: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما\n_________\n(١) ٤/ ١٨٤\n(٢) أصول البزدوي ٣/ ٩٢٦ - ٩٣٣\n(٣) تيسير التحرير ٤/ ١٩٠\n(٤) سورة الحشر: آية ٢","vol":"1","page":123},{"text":"أراك الله﴾ (١) والذي أراه إياه يعمّ الحكم بالنص، والاستنباط من النصوص، والقياس عليها.\nونوقش هذا الدليل بأن ما أراه هو ما أنزله إليه.\nوالجواب أن يقال: أن ما حكم به قياسًا على المنزل هو حكم بالمنزل، لأنه حكم بمعناه وعلته.\nوجواب آخر: أن حكمه بالاجتهاد هو حكم بما أراه الله، فتقييده بالمنزل مخالف لإطلاق الآية.\n٣ - قوله تعالى: ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض﴾ (٢) فعاتبه الله على إطلاقهم، كما في حديث ابن عباس عن عمر بن الخطاب ﵄: \"جئت فإذا رسول الله وأبو بكر يبكيان. فقلت: يا رسول الله أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما. فقال رسول الله - ﷺ -: أبكي للذي عَرَض علي أصحابك من أخذهم الفداء. لقد عُرِض عليّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة -لشجرة قريبة منه- وأنزل الله ﷿: ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض ...﴾ الآيات. فأحلّ الله الغنيمة لهم\" (٣) اهـ.\nفإنه هنا حكم بالمصلحة. وإذا جاز الحكم بالمصلحة، فالحكم بالقياس أولى.\n٤ - أنه - ﷺ - صلّى على كبير المنافقين عبد الله بن أبي. فجذبه عمر، وقال: أليس الله تعالى قد نهاك أن تصلّي على المنافقين؟ فقال: \"أنا بين خيرتين، قال الله تعالى: ﴿استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم﴾ (٤) فلأزيدنّ على السبعين\". فصلّى عليه (٥). فنزل قوله تعالى: ﴿ولا تصلّ على أحد منهم مات أبدًا ولا تقم على قبره﴾ (٦).\n_________\n(١) سورة النساء: آية ١٠٥\n(٢) سورة الأنفال: آية ٦٧\n(٣) رواه مسلم والترمذي (جامع الأصول ٩/ ١٤٢).\n(٤) سورة التوبة: آية ٨٠\n(٥) حديث صلاته - ﷺ - على ابن أبي رواه البخاري ٣/ ١٣٨ ورواه مسلم والنسائي وابن ماجه.\n(٦) سورة التوبة: آية ٨٤","vol":"1","page":124},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>الأدلة من السنة النبوية:</span>\nما وقع فعلًا من النبي - ﷺ -، من العمل بالاجتهاد، في مواطن كثيرة، ثم ودَّ لو أنه عمل بطريق آخر. كما في قوله - ﷺ - في سوقه الهدي في حجة الوداع: \"لو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما أهديت، ولولا أن معي الهدي لأحللت\" (١).\nقال في تيسير التحرير: \"أي لو علمت قبل سوق الهدي، ما علمته بعده من أمري، -يريد به ما ظهر عنده من المشقة عليه، وعلى من تبعه، في سوقه الهدي، الملزم دوام الإحرام إلى قضاء مناسك الحج- لما سقته، بل كنت أحرمت بالعمرة، ثم أحللت بعد أدائها، كما هو دأب المتمتع. فعُلِم أنه لم يسق بالوحي، وإلاّ لم يقل\" (٢) اهـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>أدلة المانعين:</span>\n١ - قالوا: يمتنع ذلك لقوله تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى * إن هو إلاّ وحي يوحى﴾ (٣) وما يؤدي إليه الاجتهاد ليس بوحي. فيلزم على إجازته الخلف في القرآن، وهو مستحيل.\nويجاب عن ذلك بأن سبب نزول الآية أن المشركين كانوا يزعمون إن القرآن افتراء من محمد - ﷺ -، فنزلت. فالمقصود بالوحي فيها القرآن خاصة.\nولو سلّم أنها تعم جميع ما قاله - ﷺ - فما يؤدي إليه الاجتهاد، إن أقرّ عليه، هو وحي باطن كما قال الحنفية.\n٢ - وقالوا: لو أُمر - ﷺ - بالاجتهاد لم يؤخّر جوابًا، وقد ثبت أنه - ﷺ - كان يؤخّر الجواب في بعض الوقائع حتى يأتيه الوحي، كما في قصة (٤) من سأله في عمرة\n_________\n(١) صحيح البخاري ٣/ ٥٠٤، ٦٠٦\n(٢) ٤/ ١٨٦\n(٣) سورة النجم: آية ٣، ٤\n(٤) تقدم ذكرها قريبًا. أخرجها مسلم ٨/ ٧٨","vol":"1","page":125},{"text":"الجعرانة: كيف ترى في رجل أحرم بعمرة بعد ما تضمخ بطيب؟ فلم يجبه حتى نزل الوحي.\nوأجيب عن ذلك بأنه قد يكون التأخير لانتظار الوحي، إذ لا اجتهاد مع النص. وربما كان التأخير لغموض الدليل المجتهد فيه، فيحتاج إلى زمان مهلة.\n٣ - وقالوا: لا يجوز العلم بالظنّ مع القدرة على اليقين.\nوأجيب عن ذلك بمنع قدرته - ﷺ - على اليقين بإنزال الوحي، لأن إنزال الوحي لم يكن إليه - ﷺ -، بل هو إلى الله تعالى. فإن لم ينزل عليه وحيًا في المسألة الواقعة جاز له الاجتهاد فيها.\n٤ - قالوا: لو - ﷺ - كان يفعل بالاجتهاد، لجازت مخالفته من مجتهد آخر.\nوأجيب عن ذلك، بأن اجتهاده، إذا أقرّ عليه، وحي باطن، فلا تجوز مخالفته. وأمّا قبل تبيّن الإقرار، فقد كان الصحابة ﵃ يشيرون عليه، فيقبل مشورتهم، ويعترضون عليه أحيانًا كما تقدم النقل عن عمر ﵁، فيبيّن وجه اجتهاده (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>النوع الثالث: مسألة التفويض:</span>\nوهي أنه هل يجوز أن يكل الله إلى نبيه - ﷺ - أن يحكم في بعض الأمور بما يراه، دون نص ولا قياس على منصوص، وأن يفعل بناء على ذلك، فما قاله بناء على ذلك أو فعله فهو شرع الله، ويكون مكلّفًا به؟.\nقد أجاز ذلك كثير من أهل العلم منهم أبو علي الجبائي، والآمدي، وابن السمعاني، والسبكي، والشيرازي (٢).\n_________\n(١) تيسير التحرير ١/ ١٨٩\n(٢) انظر الآمدي ٤/ ٢٨٢، وجمع الجوامع ٢/ ٣٩١، وتيسير التحرير ٤/ ٢٣٦، والمعتمد ص\n٨٨٩، والقواطع ق ٢٨٧ أ، واللمع ص ٧٨","vol":"1","page":126},{"text":"ومنعه أبو الحسن البصري وأكثر المعتزلة، وأبو بكر الرازي الجصاص من الحنفية.\nوكثير ممن أجاز ذلك قال إنه مع جوازه لم يقع.\nوتردد الشافعي، فقيل إن تردّده في الجواز، وقيل في الوقوع (١).\nوقد احتج المجيزون لذلك:\n١ - بقوله تعالى: ﴿كل الطعام كان حلًا لبني إسرائيل إلاّ ما حرّم إسرائيل على نفسه﴾ (٢) أضاف التحريم إلى إسرائيل ﵇، فدلّ على أنه كان مفوضًا إليه، وإلاّ لكان قد فعل ما ليس له، ومنصب النبوة يأبى ذلك.\nوقد نوقش هذا الدليل، باحتمال كون تحريمه لما حرمه عن قياس.\nويجاب بأنه لو كان عن قياس، للزم أن لا يكون ما حرّمه حلالًا قبل تحريمه له، بل يكون حرامًا ظهرت حرمته بعد اجتهاده. وهو خلاف ظاهر الآية، فإنها نسبت التحريم إليه.\n٢ - واحتجوا بما روي أن النبي - ﷺ - قال يوم فتح مكة: \"إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلّط عليها رسوله والمؤمنين. وأنها لن [كذا] تحل لأحد كان قبلي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار، وإنها لن تحل لأحد بعدي، فلا يُنفّر صيدها، ولا يُخْتَلَى شوكها، ولا تحلّ ساقطتها إلاّ لمنشد ... \" فقال العباس: \"إلاّ الإذْخِر يا رسول الله، فإنا نجعله في قبورنا وبيوتنا\". قال: \"إلاّ الإذْخِر\" (٣).\n_________\n(١) قال الشافعي في الرسالة بعدما ذكر أن السنة قد تأتي بما ليس له أصل في القرآن \"منهم من\nقال: جعل الله له - ﷺ - بما افترض من طاعته وسبق في علمه من توفيقه لرضاه، أن يسن فيما\nليس فيه نص كتاب\" وهذا هو التفويض، ثم ذكر أنه قد قيل أيضًا: إنها صادرة عن\nالقرآن، أو بوحي خاص، أو بإلهام ثم قال الشافعي \"وأي ذلك كان فقد بين الله أنه فرض\nطاعة رسوله، ولم يجعل لأحد من خلقه عذرًا\" (الرسالة ص ٩١ - ١٠٣) فالتفويض عنده\nأمر محتمل وجائز.\n(٢) سورة آل عمران: آية ٩٣\n(٣) مسلم ٨/ ١٢٩وهذا لفظه ورواه البخاري.","vol":"1","page":127},{"text":"ومعلوم أن استثناءه الإذْخِر لم يكن إلاّ من تلقاء نفسه، لعلمنا بأنه يوح إليه تلك اللحظة.\nوقد نوقش الاستدلال بهذه الواقعة، باحتمال أن يكون جاءه الوحي باستثناء الإذْخِر، بوحيٍ كلمح البصر.\n٣ - ومما يجوز أن يحتج به لذلك قوله - ﷺ -: \"لقد همَمْتُ أن أنهى عن الغيلة، حتى ذكرت أن فارس والروم يصنعون ذلك، فلا يضرّ أولادهم\" (١).\nفظاهرٌ أنه عندما همّ أن ينهى عن ذلك، لم يكن نهيه لأجل وحي أتاه بذلك، بل لمجرد أنه يرى في ذلك مصلحة، وأنه امتنع من النهي عن ذلك عندما علم أن أقوامًا يفعلونه ثم لا يقَع عليهم منه ضرر.\n٤ - واحتجوا بقول النبي - ﷺ -: \"لولا أن أشقّ على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة\" (٢). وهو صريح في أن الأمر بالسّواك، وعدمه، مفوّض إليه، لأن مثل هذا القول لا يصدر إلاّ عمن كان الأمر بيده.\nومثل ذلك ما في صحيح مسلم أنه - ﷺ - أمر بالحجّ فقال رجل أفي كل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثًا. فقال رسول الله - ﷺ -: \"لو قلت نعم لوجبت، ولما استطعتم. ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم\" (٣). ولولا أن الأمر مفوّض إليه لما كان هذا الخطر محتمَلًا، لأن الوحي لا يعجل لعجلة أحد من الناس.\nومثله أيضًا ما في سيرة ابن هشام، أنه - ﷺ - قتل النضر بن الحارث في الأسر بعد وقعة بدر، فقالت أخته قُتَيْلَة أبياتًا تعاتب النبي - ﷺ - تقول منها:\nما كان ضَرَّك لو مننتَ وربّما ... منَّ الفتى وهو المَغيظُ المُحَنَّقُ\nفقال - ﷺ -: \"لو سمعت هذا قبل أن أقتله ما قتلته\". فلو لم يكن القتل وعدمه مفوضًا إليه، لكان سماعه لهذا الشعر، وعدم سماعه له، سواء.\n_________\n(١) مالك ومسلم وأحمد والأربعة (الفتح الكبير).\n(٢) رواه السبعة (الفتح الكبير).\n(٣) صحيح مسلم ٨/ ١٠١ ورواه البخاري.","vol":"1","page":128},{"text":"وقد نوقش الاستدلال بهذه الوقائع باحتمال أنه - ﷺ - خُيِّر فيها تخييرًا خاصًا.\nوالسياق يأبى هذا الاحتمال، كما لا يخفى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>أدلة المانعين:</span>\nوقد احتجّ القاضي عبد الجبار (١) للمنع من التفويض، بأن الشرائع إنما يَتَعَبَّد الله بها الناس لكونها مصالح، والإنسان قد يختار الفساد، فلو أباح الله تعالى للإنسان أن يحكم بمجرد اختياره، لكان ذلك إباحة للحكم بما لا يأمن كونه فسادًا.\nوقد أكّد هذا الاستدلال أبو الحسين البصري وأخذ به.\nونقضه الآمدي بأنه مبنيّ على رعاية المصلحة في أفعال الله تعالى، فمن لا يرى ذلك لا يلزمه القول بمقتضى دليل القاضي؛ ومن سلم رعاية المصلحة في أفعاله تعالى، فإن التفويض لا يكون إلاّ مع التسديد للمصلحة باللطف الخفي، وبذلك يؤمن اختيار الفساد، كما هو واضح في الوقائع التي حصل الاحتجاج بها. واختار ابن السمعاني القول بأنها ينبغي أن تُبنى على مسألة العصمة، فلما كان النبي - ﷺ - معصومًا، جاز التفويض إليه. وهو وجيه.\nفالحقُّ أن التفويض إلى النبي - ﷺ - قد وقع، ولو في مسائل قليلة.\nتنبيه: قال السمعاني: \"هذه المسألة أوردها متكلمو الأصوليين، وليست بمعروفة بين الفقهاء، وليس فيها كبير فائدة، وقد وجد في حق النبي - ﷺ -، فقلنا على ما وُجد\" (٢).\nولسنا معه في قوله: \"ليس فيها كبير فائدة\". فإن معرفة المسلم للطرق التي تصدر بها الأحكام عن نبيه - ﷺ - أمر له خطورته.\n_________\n(١) المعتمد لأبي الحسين البصري ص ٨٩٠\n(٢) القواطع ق ٢٨٩ ب.","vol":"1","page":129},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-81>المطلب الثاني أن يفعل بناء على عدم التكليف وهي مسألة العفو</span>\nاختلف علماء الأصول في هذه المسألة المهمة على مذهبين:\n١ - فمنهم من رأى أن الشريعة حاكمة على جميع أفعال العباد، فلا يخلو فعل منها عن حكم شرعي \"فما من عمل يُفرض، ولا حركة ولا سكون يدَّعى، إلاّ والشريعة حاكمة عليه إفرادًا وتركيبًا\" (١). وقد أحاطت الشريعة بالأفعال إحاطة تامة، فلم يشذّ منها شيء.\nوممن قال بهذا الإمام الشافعيّ، وابن السمعانيّ. قال ابن السمعاني: \"لا بد أن يكون لله تعالى في كل حادثة حكم، إما بتحليل أو بتحريم\" (٢) وفي موضع آخر: \"إنا نعلم قطعًا أنه لا يجوز أن تخلو حادثة عن حكم لله تعالى منسوب إلى شريعة نبينا محمد - ﷺ -. يبيّنه أنه لم يرد عن السلف الماضين أنهم أعروا واقعة عن بيان حكم فيها لله تعالى وتقدس. وقد استرسلوا في بثّ الأحكام استرسال واثق بانبساطها على جميع الوقائع. ولا يخفى على منصف أنهم ما كانوا يفتون فتوى من تنقسم الوقائع عنده إلى ما يعرى عن حكم وإلى ما لا يعرى عنه\" (٣). اهـ.\n٢ - ومنهم من يرى أن الشريعة جاءت بأحكام معينة في أفعال معينة، أراد الله ﷿ أن تكون تلك الأحكام هي الدين، وترك ما سوى تلك الأفعال\n_________\n(١) الشاطبي في الموافقات ١/ ٧٨\n(٢) القواطع ق ١٩٢ أ.\n(٣) القواطع ق ٢٣٩ ب.","vol":"1","page":130},{"text":"المعينة، فلم يتعرّض له، لا بأمر ولا بنهي، ولا بتحليل ولا بتحريم، بل أبقاه على ما كان عليه قبل ورود الشريعة.\nوأفعال العباد على هذا قسمان: قسم فيه حكم شرعي، سواء أكان واجبًا أو مندوبًا أو مباحًا أو مكروهًا أو محرمًا، وقسم آخر خارج عن نطاق الشريعة، مغفل من حكم شرعي، وهو ما يسمى بالعفو.\nوقد توقف الشاطبي في إثبات مرتبة العفو ولم يرجح أحدًا من المذهبين.\nوبعضهم يسلم ثبوت مرتبة العفو في زمن النبي - ﷺ -، ويمنعها بعده (١).\nوربما وسّع بعضهم معنى هذا المصطلح (العفو) ليشمل فعل المخطئ والناسي والمضطر ونحو ذلك. ونحن نقتصر على النوع الأول، إذ به يتعلق بحثنا هنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>أدلة المذهب الأول:</span>\nيحتج للمذهب الأول بأدلة:\n١ - لو لم تكن أفعال المكلفين بجملتها داخلة تحت خطاب التكليف، لكان بعض المكلفين خارجًا عن حكم خطاب التكليف، ولو في وقت أو حالة ما. لكن ذلك باطل، لأنا فرضناه مكلفًا، فلا يصح خروجه.\nويمكن إبطال هذا، بأنّا نمنع أن يكون العبد البالغ العاقل مكلفًا على الإطلاق، وإنما هو مكلّف بما كلّفه الله به، لا بما سكت عنه فلم يكلفه به.\n٢ - قول الله تعالى: ﴿ونزّلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شيء﴾. وقوله: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ (٢).\nوجه الاستدلال بالآية الأولى: أن الكتاب تبيان لكل شيء، وتدخل أفعال\n_________\n(١) الشاطبي في الموافقات ١/ ١٦٧\n(٢) سورة المائدة: آية ٣","vol":"1","page":131},{"text":"العباد دخولًا أوليًّا. إذ إن ضبطها حسب أوامر الله، هو المقصود، الأول من نزول القرآن. فينبغي أن يكون في الكتاب بيان أحكامها جميعًا.\nويمكن الجواب عن هذا، بأن الآية عامة لكل ما من شأنه أن يدخل فيها قال مجاهد: \"تبيانًا لكل شيء: للحلال والحرام\" (١)، وهي واردة في شؤون الدين، كالآية الثانية. فما ليس من الدين خارج عن عمومهما. والفعل إذا لم يرد الله تعالى إنزال حكم فيه فهو خارج عن حكم الدين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>أدلة المذهب الثاني:</span>\n١ - ورد في حديث سلمان الفارسي عن النبي - ﷺ - أنه سئل عن الجبن والسمن والفراء، فقال: \"الحلال ما أحل الله في كتابه. والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفي عنه\" (٢).\n٢ - وعن أبي الدرداء عن النبي - ﷺ - قال: \"ما أحلّ الله في كتابه فهو حلال. وما حرم فهو حرام. وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئًا\" (٣). ثم تلا: ﴿وما كان ربك نسيًا﴾.\nوهذا نص في المسألة.\nوقال ابن عباس: \"كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء، ويتركون أشياء تقذُّرًا. فبعث الله نبيه - ﷺ -، وأنزل كتابه، وأحلَّ حلاله، وحرم حرامه، فما أحلَّ فهو حلال، وما حرّم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو\" (٤). وتلا: ﴿قل لا أجد في ما أوحي إليّ محرمًا على طاعم يطعمه﴾ إلى آخر الآية.\n٣ - وعن أبي ثعلبة أن النبي - ﷺ -، قال: \"إن الله حدّ حدودًا فلا تعتدوها\n_________\n(١) تفسير القرطبي ١٠/ ١٦٤\n(٢) أخرجه الترمذي والحاكم (الفتح الكبير) قال الترمذي (٥/ ٢٩٧) حديث غريب. وهو عند ابن ماجة ٢/ ١١١٧\n(٣) ذكره الشاطبي، ولم نجده في الأصول من حديث أبي الدرداء.\n(٤) رواه أبو داود ١٠/ ٢٧٣","vol":"1","page":132},{"text":"وفرض فرائض فلا تضيعوها، وحرّم أشياء فلا تنتهكوها، وترك أشياء من غير نسيان من ربكم، ولكن رحمة منه لكم، فاقبلوها ولا تبحثوا عنها\" رواه الحاكم (١) والدارقطني (٢).\n٤ - قول النبي - ﷺ -: \"إن أعظم المسلمين في المسلمين جرمًا من سأل عن شيء لم يحرم، فحرم من أجل مسألته\" (٣).\nولهذا الحديث شاهد: ما ذكره الله في قصة بقرة بني إسرائيل حين أكثروا من السؤال فشدّد الله عليهم، فقد كان اللون خارجًا عن المحكوم فيه أصلًا، وإلاّ لم يؤاخذهم بالسؤال عنه.\n٥ - نهي النبي - ﷺ - عن كثرة السؤال، ولومه من فعل ذلك. ولو كان لكل شيء حكم شرعي لما كان السائل عنه ملومًا. ومما ورد من ذلك النهي: \"ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>رأينا في هذه المسألة:</span>\nالذي نميل إليه صحة القول بمرتبة العفو، وأن أحكام الشريعة طائفة محدودة من الأحكام، سواء أكانت مستفادة بالنص، أو الاجتهاد البياني، أو القياس، أو غير ذلك. وما لم يدل عليه دليل صحيح، يكون خارجًا عن جملة الأحكام أصلًا والله أعلم وأحكم.\nوبناء على ذلك لا يمتنع أن يكون النبي - ﷺ - يفعل الشيء بناء على أنه لا حكم فيه من قبل الله تعالى. بل هو مسكوت عنه.\nوعلى هذا يحمل ما كان - ﷺ - يفعله مما حرّمه الله بعد ذلك كالتبني، ولبس الذهب، وما أقرّ غيره عليه من ذلك كشرب الخمر.\n_________\n(١) الجامع الصغير.\n(٢) عبد الله دراز في تعليقه على الموافقات ١/ ١٦٢\n(٣) رواه مسلم ١٥/ ١١٠ ورواه البخاري وأبو داود.\n(٤) رواه مسلم ٨/ ١٠١ ورواه البخاري.","vol":"1","page":133},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-85>تنبيه:</span>\nإنه وإن كان القول بجواز كون أحكامه - ﷺ - عن اجتهاد قياسي أو مصلحيّ حقًّا، وأن أفعاله كأقواله قد تكون صادرة عن ذلك النوع من الاجتهاد، إلاّ أنه يجب التنبّه إلى أن إرجاع فعله - ﷺ - وقوله إلى القرآن، وصدورهما عن فهمه - ﷺ - للقرآن، هو أولى من اعتبارهما اجتهادًا مستقلًا. وحيث دار الفعل بين أن يكون دالًا على تشريع مستأنف، وبين أن يكون تأولًا للقرآن، فاعتباره تأولًا للقرآن أولى.\nوالمسألة خلافية، فقد قال الزركشي: \"إن السرخسي نقل عن الحنفية، أن قول النبي - ﷺ -، أو فعله، متى ورد موافقًا لما في القرآن يجعل صادرًا عن القرآن، وبيانًا لما فيه. قال: والشافعية يجعلونه بيان حكم مبتدأ حتى يقوم الدليل على خلافه ... لما في ذلك من زيادة الفائدة\" (١).\nإلاّ أن قول الحنفية يترجح بكون النبي - ﷺ - مبعوثًا في الأصل لبيان القرآن والعمل به.\n_________\n(١) البحر المحيط ٢/ ٢٥٢ ب.","vol":"1","page":134},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>المبحث الثاني أحكام الأفعال النبوية البحث في هذه المسألة يتفرع فرعين:</span>\nالأول: أحكام الأفعال التي يكلّف بها النبي - ﷺ -، أي قبل صدورها عنه.\nالثاني: أحكام الأفعال التي صدرت منه. أعني ما يحكم به على الفعل بعد صدوره عنه - ﷺ -.\nفنخصّ كل فرع منهما بمطلب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>المطلب الأول ما يكلّف به النبي ﷺ من الأفعال</span>\nالنبي - ﷺ - بشر من خلق الله، وعبد من عباد الله، مكلّف كغيره من المكلّفين. فهو مطالب بأفعال يفعلها، على وجه الحتم والإلزام، وتلك هي الواجبات. وأفعال مطلوبة منه لا على وجه الإلزام، وتلك هي المستحبات. ومطالب بأن يترك حتمًا أمورًا معينة وتلك هي المحرّمات، وأن يترك، لا على وجه الحتم، أمورًا، وتلك هي المكروهات. وجعل له الخيار في أمور أخرى أن يفعلها أو لا يفعلها، وهي ما أبيح شرعًا.\nثم قد يوجه التكليف إلى الناس عامة، أو المؤمنين عامة، فيدخل فيه - ﷺ -. وذلك كقوله تعالى: ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم","vol":"1","page":135},{"text":"لعلكم تتقون﴾ (١) وقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحلّ الله لكم ولا تعتدوا﴾ (٢).\nوقد يوجه التكليف إليه - ﷺ - بالتعيين، كقوله تعالى: ﴿يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله كان عليمًا حكيمًا * واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما تعملون خبيرًا﴾ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>الفرض والواجب، والحرام والمكروه، عند الحنفية، ومدى انطباقه على التكاليف النبوية:</span>\nمن المعلوم أن الحنفية يفرقون بين الفرض والواجب:\nفالفرض عندهم ما كان دليل التكليف به قطعيًا. والواجب ما كان في دليله اضطراب.\nولكن النبي - ﷺ - كان يأتيه الوحي من الله بطريق لا يشك فيه، لأنه كما قال تعالى: ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلاّ وحيًا، أو من وراء حجاب، أو يرسل رسولًا فيوحي بإذنه ما يشاء﴾ (٤) فيأتيه الوحي مباشرة كالتكليم وحيًا، أو من وراء حجاب، أو بسند هو رواية جبريل الأمين عن ربه ﷿. فليس في الطريق شبهة، ومن أجل ذلك قال بعض الحنفية إن أفعاله - ﷺ - التي هو مكلّف بها حتمًا، كلها من قبيل الفرض، وليس فيها من المسمّى (واجبًا) في اصطلاحهم شيء.\nولكن البزدوي والسرخسي يثبتان الواجب مع الفرض. يقول البزدوي: \"باب أفعال النبي - ﷺ -. وهي أربعة أقسام: مباح، ومستحب، وواجب، وفرض\" (٥). وقال شارحه البخاري: \"الشيخ (يعني البزدوي) وشمس الأئمة\n_________\n(١) سورة البقرة: آية ٢١\n(٢) سورة المائدة: آية ٨٧.\n(٣) سورة الأحزاب: آية ١، ٢\n(٤) سورة الشورى: آية ٥١\n(٥) أصول البزدوي مع شرحه كشف الأسرار للبخاري.","vol":"1","page":136},{"text":"(يعني السرخسي) قسما أفعاله - ﷺ - أربعة أقسام. والقاضي الإمام (١)، وسائر الأصوليين قسموها ثلاثة: واجب ومستحب ومباح. وأرادوا بالواجب الفرض. وهذا أقرب إلى الصواب، لأن الواجب الاصطلاحي ما ثبت بدليل فيه اضطراب، ولا يتصور ذلك في حقه - ﷺ -، لأن الدلائل الموجبة في حقه كلها قطعيّة\".\nهذا ما قال. ولكن بتدقيق النظر يتبين أن كلام الإمامين البزدوي والسرخسي صواب. وذلك أنهم يثبتون أن النبي - ﷺ - كان متعبّدًا بالاجتهاد، وأن اجتهاده قد يداخله الخطأ (٢)، كما تقدم. وهم وإن قالوا إنه لا يقرّ عليه، إلاّ أنه - ﷺ - عندما يقدم على الفعل باجتهاد، يقدم عليه بدليل ظنّيّ هو القياس. وشبهة الخطأ في القياس قائمة، بدليل أن الخطأ وقع فعلًا، كما قد أثبتوا ذلك.\nفهذا يبينّ أن ما ذهب إليه البزدوي والسرخسي صحيح ثابت، وأن ما رجحه البخاري مرجوح.\nأقول: وينبغي أن يقال مثل هذا القول على مذهب الحنفية، في المحرّم والمكروه. فما كُلِّف - ﷺ - بتركه حتمًا نصًا فهو محرم، وما رأى اجتهادًا منه أنه مكلف بتركه، فهو مكروه كراهة تحريم. فإذا أُقر عليه تبين أنه محرم. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>انحصار أفعاله ﷺ في الواجب والمحرم، من جهة منصب البيان:</span>\nذكر الشاطبي (٣) أن القائم في مقام البيان عن الشريعة له في أفعاله وأقواله اعتباران:\nأحدهما: من حيث إنه واحد من المكلفين، ينقسم حكم فعله إلى الأحكام الخمسة وهذا ما قدمنا ذكره في المسائل السابقة من هذا المبحث.\nوالثاني: من حيث إن أفعاله وأحواله صارت بيانًا وتقريرًا لما شرع الله عزّ\n_________\n(١) لعله يعني أبا زيد الدبوسي.\n(٢) انظر تيسير التحرير ٤/ ١٨٤\n(٣) الموافقات ٣/ ٣١٨","vol":"1","page":137},{"text":"وجل إذ انتصب في هذا المقام. فالأفعال في حقه، إما واجب، وإما محرم، ولا ثالث لهما، لأنه من هذه الجهة واجب، والبيان واجب لا غير. فيجب أن يفعل ما بيانه بالفعل. ويجب أن يترك ما بيانه بالترك، ولو كان ما يفعله أو يتركه غير واجب على الرجل العادي، إلاّ أنه على المبيِّن يجب.\nولكن هذا إنما يتعين حيث تظهر الحاجة إلى البيان، وذلك في حالين:\nالأولى: عند جهل المشاهد للفعل بحكم الفعل (مع لزوم الفعل له).\nوالثانية: عند اعتقاد خلاف الحكم، أو مظِنّة اعتقاد خلافه.\nومثاله أن يجهل قوم الحديثَ الوارد في الندب إلى التطوع قبل صلاة المغرب بعد الأذان، ويستنكروا ذلك. فعلى المبين أن يفعل ذلك، ليحصل البيان، لأن البيان في حقه واجب.\nولعلّ من هذا ما فعله النبي - ﷺ - إذ طلب أن يَطْعَم من غير صيد غير المحرم، وطلب أن يَطْعَم من الجعل الذي أخذوه على الرقية. قيامًا بواجب البيان. والله أعلم.","vol":"1","page":138},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>المطلب الثاني أحكام الأفعال الصادرة عن النبي ﷺ</span>\nإذا صدر عن النبي - ﷺ - فعل، احتمل بحسب الأصل أن يكون فعله على سبيل الوجوب، أو على سبيل الندب، أو على سبيل الإباحة، ولا إشكال في شيء من هذه الثلاثة.\nويبقى القول في مقامين:\nالأول: هل يمكن أن يكون بعض الأفعال الصادرة عنه - ﷺ - محرمة، وقد فعلها عمدًا، أو خطأ، أن نسيانًا، أو على نحو ذلك من الطرق؟ وهي المسألة التي تُعَنْوَنُ عادة بمسألة العصمة.\nالثاني: هل يفعل النبي - ﷺ - ما حكمه الكراهة؟.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-91>المقام الأول عصمة الأنبياء عن المحرمات</span>\nأصل البحث يقتضي أن يكون عنوان هذه المسألة (عصمة محمد - ﷺ -)، غير أننا أثرنا بحثها نحو عنوان (عصمة الأنبياء) لأن الأنبياء صلى الله عليهم جميعًا في هذه المسألة سواء.\nوتبحث هذه المسألة أصلًا في كتب العقائد، لأنها في ما يجب للنبي - ﷺ -، ويجوز له، ويحرم عليه، بمقتضى النبوة.","vol":"1","page":139},{"text":"ويذكرها الأصوليون في أوائل مباحث السنة، فعل ذلك ابن الهمام، وقال: إن ذلك من عادة الأصوليين من غير الحنفية (١).\nومنهم من ذكرها في بحث الأفعال النبوية من السنة، كما فعل البيضاوي في منهاجه (٢)، إذ جعلها أولى مسائل بحث الأفعال النبوية. وقال الأسنوي شارحه: \"وهي مقدمة لما بعدها، لأن الاستدلال بأفعالهم متوقف على عصمتهم\". وفعل ذلك الزركشي في البحر المحيط (٣)، وقال: القسم الثاني -من السنة- الأفعال، وعادتهم يقدمون عليها الكلام على العصمة، لأجل أنه ينبني عليها وجوب التأسي بأفعاله. اهـ. وفعله الغزالي في المنخول والمستصفى.\nونحن نرى أن مسألة العصمة ينبغي إذا ذكرت في الكتب الأصولية الشاملة؛ أن تذكر في أول مباحث السنة، إذ أن تعلقها إنما هو بالسنة بصفتها الشاملة للقول والفعل، لا بالفعل على وجه الخصوص. وإنما نذكرها نحن في قسم الأفعال لأنه أحد نوعي السنة، لا لاختصاصها به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>العصمة في اللغة والاصطلاح:</span>\nالعصمة في اللغة اسم مصدر عصم، وهي بمعنى: المنع، كذا في (لسان العرب). وفي (القاموس) عصم: منع ووقى. أقول: ولعلها بمعنى المنع المضمن معنى الوقاية، على ما تدل عليه استعمالاتها المختلفة؛ فليس كل منع عصمة، وإنما العصمة أن تمنع الشيء أن يلحقه الضرر. قال الله تعالى: ﴿قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء، قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم﴾ (٤) وقال: ﴿ومن يعتصم بالله فقد هُدِيَ إلى صراط مستقيم﴾ (٥) أي يتمسك بحبله وهداه خشية الانحراف، كما قال الله تعالى: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا﴾ (٦) وتقول العرب: اعتصم بالفرس، إذا أمسك بعرفه حين يخشى السقوط. وقال الزجاج:\n_________\n(١) تيسير التحرير ٣/ ٢٠\n(٢) ٢/ ٥٣\n(٣) ٢/ ٢٤٥ أ.\n(٤) سورة هود: آية ٤٣\n(٥) سورة آل عمران: آية ١٠١\n(٦) سورة آل عمران: آية ١٠٣","vol":"1","page":140},{"text":"أصل العصمة الحبل، وكل ما أمسك شيئًا فقد عصمه. وتقول العرب: عصام القِربة، وعصام الإناء. فالعصام: الحبل أو الحلقة التي يعلّق بها الشيء فلا يسقط.\nأما في الاصطلاح، فالعصمة: منع الله عبده من السقوط في القبيح من الذنوب والأخطاء ونحو ذلك، وهو المعنى المراد في هذا المبحث.\nهذا، وتستعمل العصمة في حق النبي - ﷺ - بمعنى آخر وهو أنه تعالى عصمه من أن يصل إليه أذى الناس، لأجل أن يتمكن من إبلاغ دعوته. ففي الحديث أن عائشة قالت: \"كان النبي - ﷺ - يحرس، حتى نزلت هذه الآية: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ (١) فأخرج رسول الله - ﷺ - رأسه من القبّة، فقال لهم: يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله\" (٢).\nوسيأتي لهذا المعنى مزيد بسط في أواخر مسألة العصمة.\nوالعصمة بهذا المعنى، خارجة عن المعنى الاصطلاحي للعصمة، الذي قدمنا ذكره، كما لا يخفى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>حقيقة العصمة:</span>\nاختلف علماء الكلام وعلماء الأصول في حقيقة العصمة، على أقوال (٣).\n١ - قيل: المعصوم من لا يمكنه الإتيان بالمعصية.\nوأصحاب هذا القول على طريقتين:\nأ- فقيل: حقيقة العصمة أن يختص المعصوم في نفسه أو بدنه بخاصّيّة تقتضي امتناع إقدامه على المعصية.\nوهذا القول في حقيقة العصمة مردود، إذ لوكان الذنب من المعصوم ممتنعًا\n_________\n(١) رواه الترمذي ٨/ ٤١١ وقال في الشرح: قال الحافظ (ابن حجر) إسناده حسن وأخرجه ابن أبي حاتم وابن جرير والحاكم في مستدركه.\n(٢) سورة المائدة: آية ٦٧\n(٣) انظر إرشاد الفحول ص ٣٤","vol":"1","page":141},{"text":"لما استحق المدح بترك الذنب، ولزال تكليفه، إذ لا تكليف بما لا يطاق، ولا ثواب عليه (١).\nب- وقيل: ليس العصمة أن يكون في نفس المعصوم أو بدنه خاصّيّة ليست في غير المعصوم، ولكن العصمة القدرة على الطاعة، وعدم القدرة على المعصية. وهذا قول الأشعري (٢). ومعناه إما أن الله يسلب من المعصوم القدرة على المعصية، فمفهوم العصمة على هذا عدمي. أو يخلق مانعًا يمنع العبد من المعصية، ومفهومها على هذا وجودي (٣).\n٢ - وقيل المعصوم يمكنه الإتيان بالمعصية، ولكن الله يمنعه منها باللطف، بصرف دواعي المعصوم عن المعصية، بما يلهمه إياه من رغبة ورهبة، وكمال معرفة، كالتحقيق بقوله تعالى: ﴿قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم﴾ (٤). وهذا قول المعتزلة.\nواللطيف عند المعتزلة هو: \"كل ما يختار المرء عنده الواجب، ويجتنب القبيح\" أو\"ما يكون العبد عنده أقرب إلى اختيار الواجب، أو ترك القبيح، مع تمكنه من الفعل في الحالين\" (٥).\nواللطف عندهم يسمى توفيقًا، أو عصمة؛ فإذا وافق اللطفُ فِعْلَ الطاعة يقال له توفيق، وإذا وافق اجتناب القبيح يسمى عصمة (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>العصمة هل هي جائزة أو واجبة</span>؟\nواضح من تعريف العصمة أن كل من وقي الوقوع في الذنب فقد عُصم منه. وفي حديث البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي - ﷺ - أنه قال: ما استُخلفَ خليفةٌ إلّا كان له بطانتان، بطانة تأمره بالخير وتحضّه عليه،\n_________\n(١) عضد الدين الإيجي: المواقف، وشرحه للشريف الجرجاني ٨/ ٢٨١\n(٢) البحر المحيط للزركشي ٢/ ٢٤٦ب.\n(٣) تيسير التحرير ٣/ ٣٠\n(٤) سورة الأنعام: آية ١٥\n(٥) د. عبد الكريم عثمان: نظرية التكليف، ص ٣٨٨، نقلًا عن المغني لعبد الجبار ١٣/ ٩٣.\n(٦) المصدر نفسه ص ٣٨٧ نقلًا عن المغني لعبد الجبار ٢٠/ ٢٣٠","vol":"1","page":142},{"text":"وبطانة تأمره بالشرّ وتحضه عليه، والمعصوم من عصم الله\" (١). فالعصمة أصلًا في حق البشر بطريق الجواز. والخلاف الواقع بين الأمة في عصمة الأنبياء إنما هو في وجوبها أو عدم وجوبها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>لمحة عن تاريخ القول بعصمة الأنبياء:</span>\nلسنا نجد في القرآن العظيم بيانًا لعصمة الأنبياء بطريق النص، وقد ذكر الرازي في كتابه (عصمة الأنبياء) اثنتي عشرة آية، رأى أنها دالة على عصمتهم. ودلالتها عنده هي بطريق اللزوم، لا بطريق النص، كما هو واضح من استقرائها في كتابه المذكور، وكما سيأتي إيضاحه إن شاء الله.\nوالسنة كذلك فيها إشارات ليست نصوصًا. ومن أصرح ما ورد في ذلك ما في الحديث أن النبي - ﷺ - قال: \"ما منكم من أحد إلاّ وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة\". قالوا: وإياك؟ قال: \"وإياي، إلاّ أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلاّ بخير\" (٢) ومن أقوال الصحابة، ما في مسند أحمد، من حديث أبي بكر الصديق ﵁، أنه قال في أول خطبة له بعد توليه الخلافة: \"لئن أخذتموني بسنة نبيكم - ﷺ - ما أطيقها، إن كان لمعصومًا من الشيطان، وإن كان لينزل عليه الوحي من السماء\" (٣).\nوذُكِر أن أول من ألّف في العصمة (الشريف) المرتضى، وكان من كبار دعاة الإمامية. فقد ألّف كتابه (تنزيه الأنبياء) قال فيه بعصمة الأنبياء، وأضاف إلى ذلك أن أوجب العصمة لأئمة الشيعة. بل يرى بعض الكاتبين أنه اتخذ القول بعصمة الأنبياء سلمًا للقول بعصمة (الأوصياء) كما ادّعاه.\nثم ألّف الرازي، وهو محمد بن عمر بن الحسين، المتكلم الأصولي الشهير، (٥٤٣ - ٦٠٦هـ) كتابه الآنف الذكر (عصمة الأنبياء) (٤) الذي أصبح\n_________\n(١) ١١/ ٥٠١\n(٢) رواه أحمد ومسلم (الفتح الكبير).\n(٣) قال أحمد محمد شاكر: إسناده حسن.\n(٤) كتاب (عصمة الأنبياء)، طبعته إداره الطباعة المنيرية بالقاهرة عام ١٣٥٥ هـ وقدم له وعلق عليه محمد منير الدمشقي.","vol":"1","page":143},{"text":"عمدة الأكثرين بعده في تقرير المسألة والاستدلال لها. وقد صنف مباحث المسألة. وذكر أقوال العلماء فيها، واختار عصمة الأنبياء في زمان نبوتهم، لا قبلها، عن تعمّد الكبائر والصغائر. وأجاز صدورها عنهم سهوًا. وذكر الأدلة، ثم تتبّع قصص الأنبياء، وتأوَّل ما ظاهره صدور الذنب عنهم مما ذكره الله تعالى في قصصهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>مذاهب العلماء في العصمة إجمالًا:</span>\n١ - الشيعة الإمامية غالت في إثبات عصمة الأنبياء، حتى منعوا صدور المخالفة عن النبي - ﷺ - قبل النبوة وبعدها، كبيرة كانت المخالفة أو صغيرة، عمدًا كانت أو سهوًا (١). ونقل البعض أن ابن أبي الحديد، من الشيعة الإمامية، شارح (نهج البلاغة)، مال إلى الاعتدال، فأجاز صدور الذنب سهوًا أو نسيانًا ولا يقرّ عليه (٢). ويظهر أن الشيعة الزيدية لم يوافقوا الإمامية على ما ذهبوا إليه (٣).\n٢ - وأكثر المعتزلة يوافق الشيعة في مذهبهم، إلّا في الصغائر غير المُسَخِّفَة قبل البعثة وبعدها، والكذب صغيره وكبيره، والسهو في ما يؤدونه. ولخّص أبو الحسين البصري ما يمتنع عليهم بقوله: \"لا يجوز عليهم ما يؤثر في الأداء، ولا ما يؤثر في التعليم، ولا في القبول\" (٤). وفصّل ما ذكرنا.\n٣ - المتكلمون ومنهم الآمدي والرازي والباقلاني (٥) وبعض المعتزلة وغيره، قالوا إنهم لا يمتنع عليهم قبل النبوة الكبائر ولا الصغائر، قال الأمدي: بل ولا يمتنع عقلًا إرسال من أسلم وآمن بعد كفره.\n_________\n(١) الآمدي ١/ ٢٤٢\n(٢) وهبه الزحيلي \"عصمة الأنبياء\" مقالة في مجلة الوعي الإسلامي الكويتية، أي شبه؟ سنة ١٣٩٥ هـ ص ٢٥\n(٣) المصدر السابق. وانظر هداية العقول.\n(٤) أبو الحسين البصري: المعتمد ١/ ٣٧٠\n(٥) قال ابن حزم في (الفصل ٤/ ٢) \"وأما هذا الباقلاني، فإنا قد رأينا في كتاب صاحبه أبي=","vol":"1","page":144},{"text":"أما بعد النبوة، فقد قالوا إن الأنبياء معصومون عن تعمّد كل ما يخلّ بصدقهم، فيما دلّت المعجزة القاطعة على صدقهم فيه من دعوى الرسالة والتبليغ عن الله تعالى. أما بطريق الخطأ والنسيان فقد اختلفوا فيه. وجوزه الباقلاني، ومال إليه الآمدي.\nوأما الكفر فقد منعوه عمدًا وسهوًا.\nوأما المعاصي الكبائر وصغائر الخِسّة فقد منعوها عمدًا وجوزوها سهوًا. كما جوزوا الصغائر على سبيل الندرة (١) ولو عمدًا. ومنهم من منع ذلك كله، ومن أولئك السبكي وابنه، والإسفرائيني والشهرستاني، والقاضي عياض (٢). بل إن القاضي عياض وافق الشيعة الإمامية في دعوى العصمة قبل النبوة، والعصمة بعد النبوة من الصغائر ولو سهوًا (٣).\n٤ - والخوارج نقل الآمدي عن الأزارقة منهم أنهم أجازوا بعثة نبي يعلم الله أنه يكفر بعد نبوته. والفُضَيْليّة منهم أجازوا صدور الذنوب عن الأنبياء، وكل ذنب فهو عندهم كفر. وبذلك يكونون قد أجازوا صدور الكفر عنهم.\n٥ - وأما أهل الحديث، فينقل الكاتبون في الأصول عنهم وعن الكرّامية، أنهم أجازوا صدور الكبائر عن الأنبياء عمدًا. وابن تيمية ينقل \"إن عصمتهم في ما\n_________\n=جعفر السمناني قاضي الموصل، أنه كان يقول: \"كل ذنب، دق أو جل، فإنه جائز على الرسل، حاش الكذب في التبليغ فقط\". قال: \"وجائز عليهم أن يكفروا\" قال: \"وإذا نهى النبي - ﷺ - عن شيء، ثم فعله، فليس ذلك دليلًا على أن ذلك النهي قد نسخ، لأنه قد يفعله عاصيًا لله ﷿\" قال: \"وليس لأصحابه أن ينكروا عليه ذلك\". اهـ.\nفإن كانت هذه النقول عن الباقلاني نفسه، فهي رواية أخرى تخالف ما يتناوله الأصوليين من مذهبه.\n(١) انظر الآمدي ١/ ٢٤٣، ٢٤٤\n(٢) ابن السبكي والمحلي: جمع الجوامع وشرحه ٢/ ٩٥ والقاضي عياض: الشفاء بتعريف حقوق المصطفى ط القاهرة، محمد علي صبيح ٢/ ١١٥\n(٣) الشفاء ٢/ ١٤٠","vol":"1","page":145},{"text":"يبلّغونه عن الله تعالى ثابتة باتفاق الأمة\" (١). وقال في موضع آخر: \"النبي معصوم في ما يبلغه عن الله تعالى، فلا يستقرّ خطأ في المبلغ\" وأما فيما يتعلق بالذنوب فليسوا عنده معصومين عن صدورها منهم، ولكن هم معصومون من الإقرار على الذنب، بل يُنَبِّهون أو يتوبون (٢) وظاهر قوله هذا أنه يجيز صدور الذنب منهم كبيرًا كان أو صغيرًا عمدًا وسهوًا. فلا عصمة عنده للنبي عن صدور الذنب والمخالفةِ منه، وإنما العصمة عن استمراره على الذنب دون توبة، وعن استقرار ما يؤديه من الشريعة على الخطأ.\n٦ - وأما الظاهريّة، فإن ابن حزم ترك ظاهريّته هنا، وقال بعصمة الأنبياء بعد النبوة عن كل ذنب صغير أو كبير عمدًا، ولم يمنع أن يصدر عنه - ﷺ - ذلك سهوًا عن غير قصد. والتزم أنهم لا يُقرُّون على ذلك، بل ينبههم الله تعالى عليه ولا بدّ، إثر وقوعه منهم، ويظهر ذلك لعباده ويبيّن لهم (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>الأدلة:</span>\nلن نستعرض بالتفصيل أدلة القائلين بالعصمة، وأدلة مخالفيهم، وسنكتفي بعرض الأدلة إجمالًا، ونضرب لها بعض أمثلة تتبين بها طريقة كل طائفة في الاستدلال لما تقول. ونختار ما نراه أرجح. سائلين الله تعالى التوفيق والعصمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>أولًا: أدلة القائلين بالعصمة عن صدور الذنوب عن الأنبياء:</span>\n١ - آيات قرآنية، من مثل قوله تعالى: ﴿ألا لعنة الله على الظالمين﴾ والعاصي ظالم، فلو عصى النبي - ﷺ - لتوجه إليه حكم الآية. واعتقاد ذلك في حق النبي - ﷺ - كفر. وقوله: ﴿ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون﴾ فلو صدرت\n_________\n(١) مجموعة فتاوى ابن تيمية، القاهرة، مطبعة كردستان العلمية ٢/ ٢٨٣ وأيضًا: منهاج السنة ١/ ١٣٠\n(٢) الفتاوى الكبرى لابن تيمية. ط الرياض ١٠/ ٢٩٠\n(٣) ابن حزم: الفصل في الملل والنحل ٤/ ٢","vol":"1","page":146},{"text":"عنهم الذنوب كانوا من حزب الشيطان ولكان من قال الله فيهم: ﴿ألا إن حزب الله هم المفلحون﴾ من العباد والصلحاء، خيرًا من الأنبياء. وذلك باطل.\nويناقش ابن تيمية مثل هذا الاستدلال، بأن الظالم هو من أصرّ على الذنب ولم يتب منه، أما من وقع منه فبادر إلى التوبة والإنابة إلى الله، فلعله يكون خيرًا ممن لم يقع منه الذنب أصلًا (١). قال: \"وفي الأثر: كان داود بعد التوبة، خيرًا منه قبل الخطيئة\" (٢). فلم يذكر الله تعالى عن نبي ذنبًا إلاّ مقرونًا بتوبة واستغفار (٣).\n٢ - أنّا مأمورون بالتأسّي بالنبي - ﷺ -، بقوله تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني﴾ ونحو ذلك من الآيات. فلو صدر تعمّد المخالفة أو الغلط أو النسيان عنه لكنا مأمورين بالاقتداء به فيه، وهذا لا يجوز. فثبت استحالة صدور المعصية عنه (٤).\nونوقش هذا الدليل بأنه لا يُنتج إلاّ منع استقرار الشرع على غير الوجه الصحيح. قال ابن تيمية: \"حجة التأسيّ بالأنبياء صلوات الله عليهم لا تنتج منع الذنب، ولكن منع الإقرار عليه\". قال: \"المختار أن العصمة ثابتة عن الإقرار على الذنوب مطلقًا. والحجج العقلية والنقلية تنتج هذا لا غير\" (٥).\nوقال أيضًا: \"إن هؤلاء من أعظم حججهم ما اعتمده القاضي عياض وغيره حيث قالوا: نحن مأمورون بالتأسيّ بهم في الأفعال، وتجويز ذلك يقدح في التأسيّ. فأجيبوا بأن التأسي هو فيما أُقِرّوا عليه، كما أن النسخ جائز في ما يبلّغونه من الأمر والنهي، وليس ذلك مانعًا من وجوب الطاعة، لأن الطاعة تجب في ما لم ينسخ. فعدم النسخ يقرر الحكم، وعدم الإنكار يقرر الفعل، والأصل عدم كل منهما\" (٦). اهـ.\n_________\n(١) الفتاوى الكبرى ط الرياض. ١٠/ ٢٩٣ - ٢٩٥\n(٢) منهاج السنة.\n(٣) الفتاوى الكبرى ط الرياض ١٠/ ٢٩٦\n(٤) الرازي: عصمة الأنبياء ص ٥، وعياض: الشفاء.\n(٥) ابن تيمية: الفتاوى الكبرى ١٠/ ٢٩٣\n(٦) ابن تيمية: الفتاوى الكبرى ١٥/ ١٤٩","vol":"1","page":147},{"text":"وقال الشيخ محمد خليل هرّاس: \"الواجب أن نستحي من الله أن نقول ما يخالف كلام الله ﷿. وما وقع من الرسل من مخالفات قليلة جدًا في أعمارهم الطويلة أدّى إليها أحيانًا غلبة طبع أو نسيان بمقتضى أنهم بشر، لا يمكن أن يغض من أقدارهم، ولا أن يخرجهم عن منصب القدوة التي جعلها الله لهم\" (١).\nونوقش هذا الدليل أيضًا مع من أجاز صدور المعصية الكبيرة نسيانًا أو سهوًا أو الصغيرة عمدًا وسهوًا، بأنا مأمورون بالاقتداء به - ﷺ - في صغير أعماله وكبيرها. فلما لم يقتض دليل الاقتداء منع النسيان والسهو والصغيرة، فكذلك لا يقتضي منع صدور الكبيرة عمدًا. وإنما يقتضي الدليل منع الإقرار على الكل كما تقدم.\nوقد أجاب أبو هاشم الجبائي عن هذا الاستدلال بقوله: \"إن التأسيّ بالعاصى قد يكون طاعة\". كالذاهب إلى الكنيسة للكفر، يتأسىّ به من يمضي معه لمطالبة غريم واسترجاع وديعة.\nوهذا الجواب غير مرضي، وقد ردّه أبو عبد الله البصري بأن: \"المتأسّي بغيره لا يكون متأسّيًا في جنس الفعل، وإنما يكون كذلك بأن يفعله على الوجه الذي فعل\". يعني بالوجه: غرضه من الفعل.\nوقد رجّح القاضي عبد الجبار طريقة شيخه أبي عبد الله البصري (٢). وهو الصواب.\nأقول: والعجب من الرازي أنه جعل الحاجة إلى التأسي به - ﷺ - دليل عصمته، ولكنه في باب الأفعال النبوية من كتابه المشهور (المحصول) توقف في مسألة التأسّي بها، ورأى أنه غير لازم (٣). لاحتمالها الخصوصية - ما لم يبيِّن لنا بالقول أن الفعل المعيّن مقصود به التأسِّي. وهذا تناقض من الرازي، عفا الله عنا وعنه.\n_________\n(١) تعليقه على الخصائص الكبرى السيوطي ٣/ ٣٣٦\n(٢) عبد الجبار: المغني ١٥/ ٢٨٦\n(٣) المحصول للرازي ق ٤٨ أ.","vol":"1","page":148},{"text":"٣ - دليل التنفير: وهو دليل عقلي. وهو عمدة المعتزلة: قالوا: كلّ ما ينفر عن القبول من النبي - ﷺ -، من الكذب فيما يؤديه وفي غير ما يؤديه، والكبائر، وصغائر الخسة ونحو ذلك، فيجب أن يكون معصومًا منه، لا يصدر عنه. ويكون لذلك معصومًا من الفظاظة والغلظة، وحتى عن كثير من المباحات القادحة في التعظيم. ويدخل فيه قول الشعر والكتابة، إذ كانت معجزة محمد - ﷺ - الفصاحة، والإخبار عن الغيوب (١).\nوقد ناقش الغزالي الاستدلال بالتنفير على العصمة، بقوله: \"لا يجب عندنا عصمتهم من جميع ما ينفرّ، فقد كانت الحرب سِجالًا بينه وبين الكفار، مع أنه حُفظ عن الخطّ والكتاب لئلا يرتاب المبطلون. وقد ارتاب جماعة بسبب النسخ، وجماعة بسبب الآيات المتشابهات\" (٢). اهـ.\nوناقشه أيضًا صاحب (التحرير) (٣) في ما قبل البعث بقوله: \"بعد صفاء السريرة، وحسن السيرة، ينعكس حالهم في القلوب (أي إلى التعظيم والإجلال) ويؤكده دلالة المعجزة، والمشاهدة واقعة به في آحاد انقادَ الخلق إلى إجلالهم، بعد العلم بما كانوا عليه. فلا معنى لإنكاره\" اهـ.\nفالحق أن دليل التنفير غير قائم، ولا يصح الاعتماد عليه في هذه المسألة.\n٤ - دليل الإجماع: قالوا: أجمعت الأمة على عصمة الأنبياء. ولكن الأصوليين وغيرهم اختلفوا فيما ادّعوا الإجماع عليه من ذلك، فالقاضي عياض ذكر الإجماع على عصمتهم. ١ - في العقيدة. و٢ - في الأقوال البلاغية، عن العمد والسهو والنسيان والغلط وغير ذلك. و٣ - من الخُلف في الأقوال الدينية عمدًا وسهوًا. و٤ - من الذنوب الكبائر.\nوالرازي أنكر الإجماع فيها إذا كان سبيله السهو والغلط، دون العمد. وادّعى\n_________\n(١) أبو الحسين البصري: المعتمد ١/ ٣٧١\n(٢) المستصفى ٢/ ٤٩\n(٣) ٣/ ٢٠ و٢١","vol":"1","page":149},{"text":"الإجماع على العصمة من تعمد الصغائر والكبائر. كما حكى عمّن سمّاهم (الحشْويّة) -ولعلّه يقصد أصحاب الحديث- إجازتهم صدور الكبائر سهوًا وعمدًا. وحكى عن الفُضَيْليَّة جواز صدور الكفر عنهم. وأيضًا حكى الزركشي في البحر المحيط، عن مالك وعن ابن السمعاني، صحة وقوع الصغائر منهم. وتُتدارك بالتوبة (١).\nوابن تيمية حكى الإجماع، ولكن جعله إجماعًا على امتناع إقرار الأنبياء على الذنوب، وعلى امتناع استقرار الخلف في التبليغ، دون ما سوى ذلك.\nوهكذا نرى أن ما يتحقق فيه الإجماع هو العصمة من الإقرار على الذنوب الكبائر المتعمدة، ومن استقرار الخلف في التبليغ.\n٥ - دليل اقتضاء المعجزة للعصمة: وهو دليل عقلي. وبه أخذ ابن فُورَك والغزالي، فيما خالف مقتضى المعجزة.\nقال الغزالي: \"كل ما يناقض مدلول المعجزة فهو محال عليهم بطريق العقل. ويناقض مدلول المعجزة جواز الكفر، والجهل بالله تعالى، وكتمان رسالة الله، والكذب والخطأ والغلط فيما يبلغ، والتقصير في التبليغ، والجهل بتفاصيل الشرع الذي أمر بالدعوة إليه\".\nقال: \"أما ما يرجع إلى مقارفة الذنب فيما يخصه، ولا يتعلق بالرسالة، فلا يدلّ على عصمتهم منه دليل العقل، بل دليل التوقيف والإجماع\" (٢) اهـ.\nإذن فدلالة المعجزة على العصمة دلالة صحيحة، ولكنها دلالة محدودة بدعوى الرسالة وما وقع عليه التحدي، وما يستقر في الشرع مما يبلغه - ﷺ - بقوله أو فعله، دون سائر الأقوال والأفعال.\n٦ - دليل عقلي: إن الذنوب تنافي الكمال، وأن الأنبياء لكرامتهم على الله لا يصدر عنهم ذنب (٣).\n_________\n(١) البحر المحيط ٢/ ٢٤٦ أ.\n(٢) المستصفى ٢/ ٤٩\n(٣) جمع الجوامع ٢/ ٩٥","vol":"1","page":150},{"text":"ونوقش هذا بأن التوبة النصوح التي يقبلها الله يرفع بها صاحبها إلى أعظم مما كان عليه (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>ثانيًا: أدلة القائلين بإمكان صدور المخالفة عن النبي ﷺ:</span>\n١ - استدلوا لذلك بما ورد في كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - من نسبة (العصيان) و(الذنوب) و(الظلم) إلى بعض الأنبياء. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وعصى آدم ربه فغوى * ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ (٣).\nوقال عن آدم وزوجه: ﴿قالا ربنا ظلمنا أنفسنا﴾ (٤) وعن يونس أنه قال: ﴿سبحانك إني كنت من الظالمين﴾ (٥) ونحو ذلك من الآيات.\n٢ - وقالوا: حذّر الله أنبياءه من الوقوع في الشرك والمعاصي بنحو قوله ﷿: ﴿ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين﴾ (٦)، وقال: ﴿ولولا أن ثَبَّتناكَ لقد كدت تركن إليهم شيئًا قليلًا * إذًا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات﴾ (٧).\n٣ - قالوا: فلو كان لا يتصور أن يقع منهم الذنب، لما كان لهذا التحذير معنى.\nوذكر الله في قصص أنبيائه، في مواضع كثيرة جدًا، وقوع الذنوب منهم. ولكن الله ﷿ لا يذكر عن نبي ذنبًا إلا أتبعه بذكر توبة النبي منه، أو تذكيره، وتنبيهه إلى ذلك كما في قصة آدم من الشجرة، وطلب نوح نجاة ابنه، وفي مغاضبة\n_________\n(١) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، طبعة كردستان العلمية ٢/ ٢٨٣ ونقله الشيخ عبد الجليل عيسى في: اجتهاد الرسول - ﷺ - ص ٤٣ وما بعدها.\n(٢) سورة طه: آية ١٢١\n(٣) سورة الفتح: آية ٢\n(٤) سورة الأعراف: آية ٢٣\n(٥) سورة الأنبياء: آية ٨٧\n(٦) سورة الزمر: آية ٦٥\n(٧) سورة الإسراء: آية ٧٥، ٧٦","vol":"1","page":151},{"text":"يونس، وقتل موسى للقبطي، وقصة داود مع الخصم الذين تسوروا المحراب، وقوله تعالى في قصة ابن أم مكتوم: ﴿عبس وتولّى * أن جاءه الأعمى﴾ الآيات. في أمثال ذلك، مما كان فيه التعليم للنبي، الذي وقعت منه المعصية، وضرب المثل لغيره من البشر، حتى يكون قدوة في المسارعة إلى الخيرات، والتباعد عن المعاصي، بعد تعليم الله له، والمسارعة إلى التوبة من المخالفات، والتحصُّن من أسبابها المؤدية إليها.\nيقول محمد قطب في مجال حديثه عن التربية بالقصة: \"يستعرض (القرآن) في حق الأنبياء، بعض مظاهر الضعف البشري. ولكن ليس الاحتفال فيها بنقطة الضعف، ولكن بالإنابة منها إلى الله. يعرضها القرآن دون مداراة على أصحابها ... ولكنه لا يصنع منها بطولة، لأنها في الحقيقة ليست كذلك ... وقصة آدم من ذلك ... إنها لحظة ضعف، أصابت آدم، فنسي نفسه، وعهده مع ربه، وجنح إلى شهوة من شهوات نفسه، فاستزلّه الشيطان منها، وقاده من مقودها\" (١).\n٤ - قالوا: وفي السنة مواضع تدل على ذلك، منها قول النبي - ﷺ -: \"يا أم سليم أما تعلمين أني اشترطت على ربي، فقلت: إنما أنا بشر، أرضى كما يرضى البشر، وأغضب كما يغضب البشر، فأيما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل، أن تجعلها له طهورًا، وزكاةً وقربةً تقرِّبه بها منك يوم القيامة\" (٢).\nومنها أن النبي - ﷺ - قبيل وفاته قام في أصحابه على المنبر فقال: \"أما بعد، أيها الناس، إنه قد دنا مني خفوقٌ مِنْ بَينْ أظهركم، ألا فمن كنت جلدتُ له ظهرًا فهذا ظهري فليَسْتَقِدْ منه، ومن كنتُ أخذت له مالًا فهذا مالي فليأخذ منه، ومن كنت شتمت له عرضًا فهذا عرضي فليستقدْ. ولا يقولَنَّ قائل: أخافُ الشحناءَ من قبل رسول الله - ﷺ -، فإنها ليست من شأني\" (٣).\n_________\n(١) منهج التربية الإسلامية ص ٢٤١\n(٢) رواه أحمد ومسلم (الفتح الكبير ٣/ ٣٧٩).\n(٣) أخرجه ابن سعد وأبو يعلى والطبراني والبيهقي وأبو نعيم من حديث الفضل بن العباس (الخصائص الكبرى ٣/ ٣٧٨).","vol":"1","page":152},{"text":"ومعلوم أن ذلك كله لو كان بحق، فلا قود، ولا وفاء فيه. ولا يجوز أن يُظَنَّ أن ذلك القول منه - ﷺ - تخييل، لمجرد التعليم، لأن التخييل يؤدي إلى اعتقاد خلاف الحق.\nوقد نوقشت هذه الأدلة وأمثالها مناقشات طويلة، حفلت بها كتب التفسير، وكتب شروح الحديث، والشمائل، والخصائص، وكتب العقائد، وكتب الأصول. وقد أخذت هذه المناقشات من علماء طوائف الملة جهودًا كبيرة. وقد اعتنى بها الرازي في كتابه عن العصمة، وعياض في الشفاء (١)، والعضد في المواقف (٢)، وغيرهم، واستعرضوا الآيات والأحاديث الدالة على إمكان وقوع الذنوب من الأنبياء، والآيات والأحاديث الدالّة على أنها وقعت فعلًا. ثم شرعوا في تأويلها وبيان احتمالات يمكن صرف الكلام إليها. ووفِّقوا في بعض ذلك، ولكن كان كثير من تأويلهم متكلّفًا بعيدًا، يغلب عند القارئ لكتاب الله أنه لم يُرَد أصلًا، وأنه لو أُريد لما كان الكتاب والسنة بيانًا، بل كانا يكونان تعمية عن الحقّ، وإيهامًا لخلافه.\nومن أمثلة ذلك ما قال الرازي في قوله تعالى: ﴿وعصى آدم ربه فغوى﴾ عصى بكونه تاركًا للمندوب.\nوفي إخراج آدم من الجنة بسبب معصيته قال: ليس في الآية إلا أنه أُخرج من الجنة عند إقدامه على هذا الفعل، أو لأجل إقدامه على هذا الفعل، وذلك لا يدل على أن ذلك الإخراج كان على سبيل التنكيل.\nوقال في قصة قتل موسى القبطي، وقوله: ﴿هذا من عمل الشيطان﴾، قال: يحتمل أن المراد: عمل المقتول من عمل الشيطان. وفي قول موسى: ﴿رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له﴾ اغفر لي: أي اقبل مني هذه الطاعة.\nوقال في قول هارون لأخيه: ﴿لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي﴾ أخذ برأس\n_________\n(١) ٢/ ١٤٩ - ١٦٩\n(٢) ٨/ ٢٦٨ - ٢٨٠","vol":"1","page":153},{"text":"أخيه ليدنيه فيتفحص كيف الواقعة، فخاف هارون أن يسبق إلى قلوبهم ما لا أصل له، فقال إشفاقًا على موسى ﵇: ﴿لا تأخذ بلحيتي﴾ لئلا يظن القوم بك ما لا يليق.\nوقال في قوله تعالى: ﴿ووجدك ضالًاّ فهدى﴾ يحتمل المراد: ضالًا عن المعيشة وطريق الكسب. أو: وجدك ضالًا في زمان الصبا في بعض المفاوز. أو مضلولًا عنه في قوم كفار.\nوقال في قوله تعالى: ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ أي ذنب أمتك، أو ليغفر لأمتك ما أذنبوا في حقك. وقال البناني: قال ابن السبكي في قوله تعالى: ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى﴾ أي لنبيٍّ غيرك. وفي قوله تعالى: ﴿تريدون عرض الدنيا﴾: المخاطب الصحابة دون النبي - ﷺ - (١).\nقال ابن تيمية: \"وفي الكتاب والسنة الصحيحة والكتب التي أنزلت قبل القرآن مما يوافق هذا القول ما يتعذر إحصاؤه\" (٢).\nوقال أيضًا: \"ثم إن العصمة المعلومة بدليل الشرع والإجماع، وهي العصمة في التبليغ، لم ينتفعوا بها، -يعني المتكلمين- إذ كانوا لا يُقِرُّون بموجب ما بلّغته الأنبياء، وإنما يقرون بلفظ يحرفون معناه. والعصمة التي كانوا ادعوها -لو كانت ثابتة- لم ينتفعوا بها، ولا حاجة بهم إليها عندهم، فإنها متعلقة بغيرهم لا بما أمروا بالإيمان به. فيتكلم أحدهم فيها على الأنبياء بغير سلطان من الله، ويدع ما يجب عليه من تصديق الأنبياء وطاعتهم. وهو الذي تحصل به السعادة، وبضده تحصل الشقاوة\". اهـ.\nوقال في موضع ثالث: \"والذين لا يقولون بصدور مخالف عن الأنبياء، تأولوا كل ذلك بمثل تأولات الجهمية، والقدرية، لنصوص الصفات والمعاد، وهي\n_________\n(١) حاشية البناني على جمع الجوامع ٢/ ٣٧٨\n(٢) الفتاوى الكبرى، ط الرياض ١٠/ ٢٩٥","vol":"1","page":154},{"text":"من جنس تأويلات الباطنية والقرامطة، التي يعلم بالضرورة أنها باطلة، وأنها من باب تحريف الكلم عن مواضعه\" (١).\n...\nقدّمنا بيانًا لمذاهب العلماء في عصمة الأنبياء، وما يحتج به لكل قول، ونحن نبيِّن ما نختاره، ونرّتب ذلك بحسب ما يقال بالعصمة منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>أولًا: دعوى الرسالة ومجموع القرآن والشريعة:</span>\nفما وقعت المعجزة مصدقة له من صحة دعوى الرسالة، وأن القرآن والشريعة من عند الله تعالى، وما بلّغه - ﷺ - وأثبته بالمعجزة، فكل ذلك مقطوع بالعصمة من أي خلف فيه، بدليل المعجزة المتقدم ذكرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>ثانيًا: تبليغ الآيات وبيان الأحكام بالقول والفعل:</span>\nتقدم أن هذا الأمر مجمع على العصمة من الإقرار عليه، فما استقرّ في الشريعة مما أبلغه - ﷺ - أمته لا بد أن يكون من عند الله تعالى، بدلالة الإجماع كما تقدم. وبدلالة قوله تعالى: ﴿ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين﴾ (٢)، وقوله: ﴿فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته﴾ (٣)، وقوله: ﴿وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذًا لاتخذوك خليلًا * ولولا أن ثبّتْناك لقد كدت تركن إليهم شيئًا قليلًا * إذًا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرًا﴾ (٤).\nلكن هل يتصور أن يصدر ما فيه خلف فيصحّح، أو لا يتصور صدروه أصلًا، هذا موضع الاشتباه، وعنده اختلفت الأنظار. وظاهر الآيات السابقة مشعر بإمكان ذلك، ومنهم من نقل الإجماع على امتناعه كما تقدم، والله أعلم.\n_________\n(١) مجموع الفتاوى الكبرى، مطبعة، كردستان العلمية، ٢/ ٢٨٣\n(٢) سورة الحاقة: آية ٤٤\n(٣) سورة الحج: آية ٥٢\n(٤) سورة الإسراء: آية ٧٣","vol":"1","page":155},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-102>ثالثًا: الكبائر:</span>\nالقول فيها كالقول في النوع الثاني المتقدم أعلاه سواء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>رابعًا: الصغائر:</span>\nأما صغائر الخسّة فهي كالكبائر ولا فرق.\nوأما ما عداها كالنظرة، والكلمة اليسيرة من السب ونحوه عند الغضب، والضربة بغير حق، فقد قال الغزالي: \"وأما الصغائر ففيه تردد بين العلماء، والغالب على الظن وقوعه، وإليه يشير بعض الآيات والحكايات\" (١).\nوأجازه كثير من المعتزلة والأشاعرة (٢) وهو المعتمد، خلافًا للإمامية والحنفية (٣) وبعض متأخري المتكلمين (٤). ويتدارك بالتوبة أو الإنكار من جهة الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>خامسًا: الخطأ في العمل بالشريعة، والإفتاء:</span>\nأي في استنباط الأحكام وفي تطبيق الأحكام على الوقائع، في حق نفسه - ﷺ -، وحق غيره، من غير تعمّد للمخالفة، لأن تعمّد المخالفة داخل في الصغائر أو في الكبائر، وحكمها قد تقدم.\nوالخطأ مبني على جواز الاجتهاد وعدمه، فمن قال بجواز اجتهاده - ﷺ - قال بإمكان صدور الخطأ تأوّلًا، وينبّه عليه. هذا على مذهب من يقول: المصيب واحد. لا على مذهب من يقول: كل مجتهد مصيب (٥).\nوصاحب جمع الجوامع صوّب أنه - ﷺ - يجتهد، ولكن لا يخطئ (٦)، مع قوله: إن المصيب في الاجتهاد واحد. وهذا الجمع بين الأمرين مستبعد.\n_________\n(١) المنخول ص ٢٢٣\n(٢) المواقف ٨/ ٢٦٥\n(٣) تيسير التحرير ٣/ ٢١\n(٤) انظر أيضًا: إرشاد الفحول ص ٣٤\n(٥) المستصفى ٢/ ٤٩\n(٦) جمع الجوامع للسبكي وشرحه للمحلى ٢/ ٣٨٧، ٣٨٩","vol":"1","page":156},{"text":"والقول بإمكان وقوع الخطأ بالتأول، مع التنبيه عليه، أصوب. وهو مذهب الحنفية (١)، وقد اختاره الآمدي، ونقله عن الحنابلة وأصحاب الحديث وجماعة من المعتزلة، وأكثر المتكلمين (٢).\nومن أدلة وقوعه قوله تعالى: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾ وقصة استغفاره - ﷺ - للمشركين، وقيامه على قبور المنافقين.\nولما ورد في قصة أسرى بدر (٣)، من أمره - ﷺ - باستئسار الأسرى، ثم مفاداتهم بإشارة أبي بكر ﵁، حتى نزل قول الله تعالى: ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم * لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم﴾ (٤).\nونحن نرى أن الخطأ الذي وقع، على القول بإمكان صدوره، أن الله تعالى أمر في سورة القتال في حق العدوّ قبل الإثخان بأمر واحد محدّد: ﴿فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدّوا الوثاق﴾ (٥) وحالة القتال في بدر كانت داخلة في هذا الحكم، إذ كان المسلمون فقراء، مستضعفين، محتقرين، لا يرهبهم أحد من العرب وخاصة أهل مكة. وكان ذلك يؤلّب العرب عليهم، ويجعلهم مطمعًا لكل أحد. فكان تأسيس الهيبة والرهبة، التي تكف العدوان عنهم، لا بد فيه من ضرب الرقاب وامتناع الأسر حتى يحصل الإثخان. وكان شدّ الوثاق، وتجميع الأسرى، مخالفًا للنص. فكان الأسر ومفاداة الأسرى اجتهادًا، وكان الحامل عليه ما قال أبو بكر ﵁: يا رسول الله هم أهلك وعشيرتك، ولعلّ الله أن يهديهم؛ وما أشار إليه (تريدون عرض الدنيا) أي الفدية. وهذا عمل بالقياس أو المصلحة في مقابلة النص. ومن أجل ذلك وقع العتاب فيه، واستحق العاملون به العقاب. قال الله تعالى: ﴿لولا كتاب من الله سبق\n_________\n(١) كشف الأسرار علي البزدوي ٣/ ٩٢٩ وتيسير التحرير - كتاب الاجتهاد.\n(٢) الأحكام ٤/ ٢٩١\n(٣) روضة الناظر بتعليق بدران ٢/ ٤٢١\n(٤) سورة الأنفال: آية ٦٨، ٦٩\n(٥) سورة محمد (القتال): آية ٤","vol":"1","page":157},{"text":"لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم﴾ ولو كان الأمر مجرد خطأ في الاجتهاد المأذون فيه، لما استحق المجتهد العقوبة، لأن الأدلة الشرعية قد قررت أن المجتهد معذور، بل هو مثاب على اجتهاده.\nولا يعني قوله تعالى: ﴿فكلوا مما غنمتم حلالًا طيبًا﴾ نسخ آية تحريم الأسر قبل الإثخان، بل هي باقية ثابتة، تؤيّدها العلوم العسكرية، واستقراء الوقائع التاريخية المعلومة عند نشأة الدول الجديدة. ولكن الذي وقع هو تسويغ التعاقد الدولي الذي تمّ مع أهل مكة. لأن العقد على المفاداة كان قد وقع، وكان في إلغائه ضرر كبير يلحق سمعة الدولة الإسلامية، وينفِّر عنها المقبلين عليها، ويمكّن للدعاية المعادية من التأثير على أهلها (١).\nوقد احتجّ مانع صدور الخطأ عنه - ﷺ - بأمور:\nالأول: أن اجتهاد أهل الإجماع معصوم من الخطأ، فاجتهاد النبي - ﷺ - أولى بالعصمة من الخطأ.\nوأجيب عن هذا بأن اجتهاده - ﷺ - أولى بالصواب من اجتهاد كل واحد من أهل الإجماع على انفراده. ذكره الرازي الجصاص (٢).\nوأجيب أيضًا، بأنه لا مانع من أن تختص الأمة برتبة بسبب اتباعها لنبيها، وله - ﷺ - من الفضائل من النبوّة وغيرها، وأصل العصمة، ما يرجح به على الأمة. ونظّروا لذلك بالإمام الأكبر، لا يلزم أن يكون له رتبة القضاء، وإن كانت رتبة القضاء مستفادة منه، ولا يعود ذلك عليه بنقص أو انحطاط رتبة.\nوإنما جاز وقوع الخطأ منه، لأجل مصلحة تشريع الاجتهاد، والتشاور،\n_________\n(١) هذا المعنى الذي أخذنا به في هذه الواقعة، وجدنا الشيخ عبد الرحمن الجزيري قد أخذ به في مقال له بمجلة الأزهر مجلد سنة ١٣٥٦ ص ٦٨٠. وقال السيد رشيد رضا \"توجه العتاب إليهم، بعد بيان سنة النبيين في المسألة، الدال بالإيماء على شمول الإنكار والعتاب له صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله\". (تفسير النار ١٠/ ٨٦).\n(٢) أصول الجصاص ٢٢٠ ب.","vol":"1","page":158},{"text":"واستنباط الأحكام، ووراء ذلك الوحي يصحح ما وقع من الخطأ، بخلاف الإجماع بعده - ﷺ - (١)، فليس هناك وحي يصححه.\nالثاني: يلزم على إجازة الخطأ، أن الصحابة كانوا مأمورين باتباع جائز الخطأ. وذلك باطل.\nوأجيب بأن بطلان ذلك ممنوع، بدليل الأمر بطاعة الأئمة وأولي الأمر في اجتهاداتهم، مع عدم عصمتهم من الخطأ.\nالثالث: أنه يلزم، على إِجازة الخطأ، الشك فيما يقوله - ﷺ - عن اجتهاد، وذلك يخلّ بمقصود البعثة.\nوأجيب عن ذلك بأن الشك في ما يصدر عن اجتهاد لا يخلّ بمقصود البعثة.\nإنما الذي يخلّ بمقصودها الشك في نفس الرسالة (٢). وقد عهد من الصحابة مراجعة النبي - ﷺ - فيما علموا أنه صدر عن اجتهاد، كما فعل الحباب بن المنذر، إذ قال: يا رسول الله أهذا منزلٌ أنزلَكَهُ الله، ليس لنا أن نتقدم عنه أو نتأخر، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة. قال: ليس هذا لك بمنزل ... إلخ الحديث (٣). وكاعتراض عمر لصلاته - ﷺ - على كبير المنافقين عبد الله بن أبيّ. وقد تقدمت.\nفالأصح إذن جواز وقوع الخطأ. كما أشرنا إلى ذلك، مع عدم الإقرار عليه.\n_________\n(١) بتصرف عن تيسير التحرير ٤/ ١٩١\n(٢) تيسير التحرير ٤/ ١٩٠\n(٣) سيرة ابن هشام في قصة بدر.\nانظر الشفاء ٢/ ١٤٤ وتيسير التحرير ٣/ ٢٦٣ وانظر أيضًا ابن دقيق العيد، الأحكام في شرح عمدة الأحكام ١/ ٢٥٢. وقد نسب صاحب تيسير التحرير إلى الحكماء أن السهو زوال الشيء من الذاكرة مع بقائه الحافظة، والنسيان ذهابه من الذاكرة والحافظة كلتيهما. فالنسيان عندهم أعمق أثرًا.","vol":"1","page":159},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-105>سادسًا: السهو والنسيان:</span>\nأما فيما لا يتعلق بالبلاغ وبالتكليف، كأنْ ينسى ما سمعه من القصص والأخبار وكلام الناس، فلا إشكال في جواز ذلك.\nوفي القرآن إشارات إلى أن الله تعالى قد يُنسي نبيه - ﷺ - شيئًا مما أوحاه إليه من القرآن مما يريد تعالى أن ينسخه، كقوله تعالى: ﴿سنقرئك فلا تنسى إلّا ما شاء الله﴾ (١)، وقوله: ﴿ما ننسخْ من آية أو نُنْسِها نأت بخير منها أو مثلها﴾ (٢).\nوأما سائر ما يوحى إليه - ﷺ - من القرآن، والأقوال التي يأمره بتبليغها، فهو معصوم من النسيان فيها بالإجماع. فإن قوله تعالى: ﴿سنقرئك فلا تنسى﴾ يدل على أن الله تعالى يعصمه من نسيانه، وكذلك قوله تعالى: ﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به * إن علينا جمعه وقرآنه﴾ (٣) وجمعه، كما قال المفسرون، جمعه في صدره - ﷺ - حتى لا يفقد منه شيء.\nولكن ورد في بعض الأحاديث أنه - ﷺ - نسي بعض الآيات. ففي سنن أبي داود عن ابن عمر: أن رسول الله - ﷺ - صلّى صلاة، فقرأ فيها، فلبِّس عليه. فلما انصرف قال لأبي بن كعب: \"أصليت معنا؟ \" قال: نعم. قال: \"فما منعك\" قال الخطابي: إسناده جيد.\nوروى أبو داود أيضًا عن مسور بن يزيد المالكي، قال: شهدت رسول الله - ﷺ - يقرأ في الصلاة، فترك آية من القرآن، فقيل: يا رسول الله: آية كذا وكذا تركتها. قال: \"فهلا ذكرتنيها\".\nفإن صحّ الحديث بذلك، فالذي ينبغي أن، يقال: إنه إذا أبلغ النبي - ﷺ - أصحابه ما أوحي إليه به، وخاصة إذا كتب في المصحف، فقد حصل البلاغ وتأدَّت الأمانة، فلا يمتنع أن ينسى - ﷺ - شيئًا منه. قال ذلك ابن عطية (٤).\n_________\n(١) سورة الأعلى: آية ٦\n(٢) سورة البقرة: آية ١٠٦\n(٣) سورة القيامة: آية ١٦\n(٤) الزركشي: البحر المحيط ٢/ ٢٤٦ ب.","vol":"1","page":160},{"text":"وأما ما كلّف به - ﷺ - من الأفعال فهل ينسى فيفعل ما نهى عنه، أو يترك ما أمر به سهوًا عنه.\nتقدم أن الإمامية من الشيعة، والرازي في بعض كتبه، وبعض من تابعهم وغلا في النبي - ﷺ -، منع صدور النسيان عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.\nوقد احتجوا برفعة مقام الأنبياء، وأن النسيان ينقص من أقدارهم.\nويجاب عن ذلك بأن النبي - ﷺ - لا يخرج عن طبيعته البشرية المقتضية لوقوع ذلك منه. قال النبي - ﷺ -: \"إنما أنا بشر مثلكم -في رواية: أذكر كما تذكرون و- أنسى كما تنسون\" (١).\nوقد استثنى بعض الذاهبين إلى امتناع النسيان عليه - ﷺ -، فأجازوا أن يسهو في أحوال خاصة، ليعلِّم أمّته كيف يصنعون إذا نسوا، كما سها في الصلاة، فعلمهم سجود السهو (٢). واحتجوا بحديث رواه مالك في موطئه (٣)، بلاغًا، وانفرد به، ونصّه: \"إني لأنسى أو أُنَسّى لأسُنّ \". وقد قال بعض الذاهبين إلى ذلك: إنه - ﷺ - كان يتعمد أن ينسى في الصلاة ليسنّ (٤). وذلك خطأ، فإن تعمد السلام من اثنتين في الظهر مثلًا يبطل الصلاة والبيان بالقول كاف، فلا ضرورة تُلْجئ إلى ذلك. هذا بالإضافة إلى عدم معقولية تعمُّد النسيان.\nوالقول الثاني: وهو الصواب إن شاء الله: جواز نسيان التكليف والسهو فيه. وبهذا قال الرازي في كتابه (عصمة الأنبياء)، والآمدي والغزالي والباقلاني وغيرهم، وهو قول جمهور العلماء، بل ادّعى بعضهم الإجماع عليه (٥).\n_________\n(١) رواه أحمد وابن ماجه (الفتح الكبير) ورواه مسلم ٥/ ٦٦ والبخاري صلاة/ ٣١\n(٢) الزركشي: البحر المحيط ٢/ ٢٤٦ ب.\n(٣) البناني: حاشيته على شرح الجوامع ٢/ ٩٥\n(٤) البحر المحيط ٢/ ٢٤٧ أ، الشفاء ٢/ ١٤٤ ونسب هذا القول إلى أبي المظفر الإسفرائيني.\n(٥) الشوكاني: إرشاد الفحول ص ٣٥","vol":"1","page":161},{"text":"والدليل لذلك أنه لا امتناع فيه عقلًا. وقد ورد في الكتاب العظيم نسبته إلى الأنبياء، كقوله تعالى: ﴿ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزمًا﴾ ووقع فعلًا كما قد ذكر في السنة. فقد حفظ من سهوه - ﷺ - في الصلاة مواضع، وقوله: \"أُريتُ ليلة القدر ثم أُنسِيتُها\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-106>الإقرار على النسيان:</span>\nالذين قالوا بجواز النسيان عليه - ﷺ - في الأفعال التكليفية، قال بعضهم: لا يُقَرّون عليه، بل ينبّهون عن قرب. وهو قول الجمهور، كما حكاه الزركشي. وقيل: قد يتراخى التصحيح، وإليه مال الجويني، ولكن لا ينقرض زمانهم وهم مستمرّون على النسيان.\nوهذا فيما يترتب عليه تشريع من الأفعال.\nأما الأفعال التي لا يترتب عليها تشريع، فقد قال ابن القشيري: لا بُعد أن ينسى، ثم لا يتذكر حتى ينقرض زمانه، وهو مستمر على النسيان، مثل أن ينسى صلاة ثم لا يتذكرها (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>ملحق: العوارض البدنية والنفسية:</span>\nلم يقل أحد بوجوب عصمة الأنبياء عن أن تلحقهم العوارض التي تلحق غيرهم، من المرض والجوع والعطش، والنوم والإغماء (٢) والتعب، والضعف والكبر، والجراح والموت. وسواء لحقهم ذلك بدون تسببٍ من البشر أو بتسبّب منهم، فقد قُتل بعض الأنبياء قتلًا.\nوفي بعض الأحوال كان الله ﷿ يعصمهم من أعدائهم، كما عصم\n_________\n(١) البحر المحيط ٢٤٧ أ.\n(٢) الإغماء الذي يطول الشهر والشهرين وأكثر، قال الداركي: هو غير جائز لأنه كالجنون. بخلاف الساعة والساعتين، فهو جائز لأنه شبيه بالمرض (البحر المحيط للزركشي ٢/ ٢٤٧ ب).","vol":"1","page":162},{"text":"إبراهيم من الاحتراق بالنار، وعصم موسى من أذى فرعون، وعصم عيسى من القتل والصلب، صلى الله عليهم أجمعين.\nوأما نبينا محمد - ﷺ - فقد أصابه ما أصابه في الله، وناله أذى المشركين، فشُجَّ يوم أحُدٍ وكُسرت رباعيته (١)، وسقط عن بعيره، وجُحِش شِقه، وسُحر. ومن جهة أخرى عصم في بعض المواقف، فعُصم من أذى أبي جهل، وأنجي ليلة الهجرة من المشركين، ومُنِع عنه سراقة بن مالك، ووُقي سيف غورث بن الحارث، واغتيال عثمان بن طلحة العبدري، وأرْبَد بن قيس، وعامر بن الطفيل، وأعلمه الله بأن بني النضير يريدون اغتياله، وأخبرته الذراع الذي سُمّت له، إلى غير ذلك من الوقائع التي ذكرت في السيرة، وعصمه الله فيها (٢).\nوهذا مُشكل مع قوله تعالى: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ فإن هذه الآية تقتضي عصمته في جميع الأحوال.\nوالذي أراه أن الوقائع التي ناله - ﷺ - فيها الأذى من الناس إنما كانت قبل نزول آية العصمة. فإنها من سورة المائدة. وسورة المائدة من أواخر ما نزل. قال القرطبي: \"روي أنها نزلت مُنْصَرَف النبي - ﷺ - من الحديبية\" (٣). ونُقل أن آية العصمة المذكورة، نزلت في قصة غورث بن الحارث التي وقعت بالحديبية (٤). فإن صح الخبر بذلك، دلّ على أن العصمة من أذى الناس أمر ضمنه الله تعالى لنبيه في السنة السابعة للهجرة، لا قبل ذلك. وحينئذ فلا إشكال إلا في قضية أكله - ﷺ - ذراعَ الشاة المسمومة، وأنه قال عند وفاته - ﷺ -: \"ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلتُ بخيبر، فهذا أوان وجدتُ انقطاعَ أبهري من ذلك السُّمّ\" رواه البخاري (٥) وانفرد به.\n_________\n(١) روى البخاري قصة شجته - ﷺ - وكسر رباعيته (فتح الباري ط الحلبي ٨/ ٣٧٥) وفي سيرة ابن هشام أنه - ﷺ - صلّى الظهر يوم أحد قاعدًا، من الجراح التي أصابته (السيرة النبوية. تحقيق مصطفى السقا وزملائه ٢/ ٨٧).\n(٢) القاضي عياض: الشفا ٢/ ١٧٣\n(٣) الجامع لأحكام القرآن ٦/ ٣٠\n(٤) الجامع لأحكام القرآن ٦/ ٢٤٦\n(٥) فتح الباري ط (مصطفى الحلبي ٩/ ١٩٥)","vol":"1","page":163},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-108>خلاصة القول في العصمة:</span>\nقد تبيّن مما نقلناه من الخلاف والاحتجاج في المسألة، أن الاتفاق حاصل على أنه لا يستقر فيما بلغه النبي - ﷺ - من الشريعة خطأ ولا عمدٌ مخالف لما أراد الله تشريعه لهذه الأمة. وهذا كافٍ من وجهة نظر الأصولي لأن يبني عليه حجية البلاغ.\nأما الأفعال النبوية فلا ينبني على الخلاف في العصمة فيها كبير أمر. فأما من قال بجواز صدور الذنب، ولم يلتزم العصمة من الإقرار عليه، فقد قيل بأنه يبني على ذلك عدم حجية الفعل النبوي. وقد نُسب إلى الباقلاني في ظاهر ما نقله ابن حزم في (الفصل) (١). وقال الآمدي في الفعل الصادر عن النبي - ﷺ -، هل يستفاد منه الحكم في حقنا أوْ لا، قال: \"وبعض من جوز المعاصي على الأنبياء قال هي على الحظر\". ورد ذلك تلميذه أبو شامة بقوله: \"ليس مأخذ قولهم إنها على الحظر تجويزهم المعاصي على الأنبياء، بل مأخذه أن الأشياء باقية على أصلها في التحريم إلى أن يقوم دليل الإباحة، وصورة الفعل لا دليل فيها بالنسبة إلى الأمة\" (٢).\nونحن سنذكر إثبات العلماء حجّية الفعل النبوي حتى على افتراض قيام هذا الاحتمال في بعض الأفعال.\nوأما من أجاز صدور الذنب والخطأ والسهو منهم، وألتزم وجوب العصمة من الإقرار عليه، فالأمر في حقه واضح. إلا أنه قد بَنَى عليه ابن عقيل الحنبلي قيدًا في الاستدلال بالفعل النبوي، وهو أن الأفعال الواقعة على غير جهة القربة، لا تدل على الإباحة إلاّ مشروطةً بأن لا تتعقّبَها مَعْتَبَة من الله، أو استغفار منه - ﷺ -، واستدراك، حيث إنه لا يقر على الخطأ. قال: \"وهذا ملحوظ في هذا الفصل على من أغفله، مستدرَكٌ على من أهمله، بل أطلق القول إطلاقًا\". وضرب مثلًا بقيامه - ﷺ - على قبور المنافقين، واستغفاره لبعض المشركين (٣).\n_________\n(١) الفصل في الملل والنحل ٤/ ٢\n(٢) المحقق من علم الأصول، مخطوط: الورقة ١٠ أ\n(٣) الواضح في أصول الفقه ق ١٢٦ أ.","vol":"1","page":164},{"text":"ومن أجل ذلك فتحقيق القول في العصمة، ليس موضعه المباحث الأصولية، وإنما موضعه كتب العقائد. وقد أحسن الآمدي بإخراج تحقيق هذه المسألة عن مباحث الأصول، والإحالة بها على كتب علم الكلام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>هل يجوز أن يرتكب النبي - ﷺ -، المحرم للمصلحة الراجحة:</span>\nذكر الشاطبي أن ذلك قد يقع (١). ومثّل ذلك بتقريره - ﷺ - للزاني بصريح القول. يعني الشاطبي قول النبي - ﷺ - للمِقِرّ: \"لعلك ... لعلك ... \" حتى قال له: \"أنكتها؟ \" لا يكني (٢). مع أن ذكر هذا اللفظ في الأصل محرم. ولكن فعل ذلك لأنه يترتب على ذكره الأمْنُ من أن يكون المقِرّ توهّم ما ليس بزنًا زنًا، فيفضي إلى رجمه بلا حقّ. ولذلك أكده - ﷺ - بقوله: \"كما يغيب الميل في المكحلة، والرشاء في البئر\". قال: نعم، قال: \"أتدري ما الزنا؟ \" إلى آخر الحديث.\nوليس معنى ذلك أن النبي - ﷺ - يكون قد فعل ما فيه الإثم، بل المصلحةُ الراجحة ألغت التحريم، فعاد الفعل مباحًا، بل واجبًا، في تلك الحالة الخاصة.\n_________\n(١) الموافقات ٣/ ٣٣١\n(٢) رواه البخاري ١٢/ ١٣٥","vol":"1","page":165},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-110>المقام الثاني هل يفعل النبي ﷺ فعلًا حكمه الكراهة</span>؟\nأما أنه - ﷺ - يفعل المكروه سهوًا أو غلطًا أو تأوُّلًا، فلا إشكال في إمكان ذلك، وخصوصًا على قول من يجيز صدور الصغائر على ذلك الوجه، لأن صغائر الذنوب من جملة المحرمات، وهي أشد من المكروهات. والمكروه لا إثم في فعله وإن كان تركه أولى.\nوأما أنه يفعله عمدًا. ففيه تفصيل. وذلك أن فعل المكروه على وجهين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>الوجه الأول:</span>\nأن يفعله لا بقصد بيان الجواز. وقد منع هذا النوع كثير من الأصوليين. ومن أجاز صدور الصغائر عنه - ﷺ -، يلزمه إجازة المكروهات من باب أولى.\nوالذين منعوه أدخلوه في ما يُعْصَم منه النبي - ﷺ - بدليلين:\nالأول: أن المكروه منهي عنه، وقبيح، فكيف يخالف النبي - ﷺ - فيرتكب ما نهاه الله عنه من القبيح؟ (١).\nوالثاني: أن التأسّي به مطلوب، فلا يقع منه مكروه، إذ لو وقع لكان التأسّي فيه مطلوبًا، فلا يكون مكروهًا (٢).\n_________\n(١) ابن السبكي: انظر النقل عنه عند البناني في حاشيته على شرح جمع الجوامع ٢/ ٩٦ ونقله الزركشي في البحر عن (بعضهم) ٢/ ٢٤٦ ب وانظر الشاطبي: الموافقات.\n(٢) ابن أبي شرف: حاشيته على جمع الجوامع. نسخة خطية بمكتبة الأوقاف بالكويت ص ١٧٥","vol":"1","page":166},{"text":"وبعضهم لم يستند في منعه إلى العصمة، وإنما لم يحمل فعله - ﷺ - على الكراهة لأن الظاهر وقوفه - ﷺ - عند النهي لا يتجاوزه. قال القرافي: \"إن فعل النبي - ﷺ -، لا يقع فيه محرّم لعصمته، ولا مكروه لظاهر حاله\". ومعنى هذا وجود احتمال ضئيل بكون فعله - ﷺ - مكروهًا، ولكن لا أثر لذلك الاحتمال في منع استفادة الأحكام من الأفعال. ولعلّ هذا مراد ابن السبكي في قوله في جمع الجوامع: (وفعله - ﷺ - غير محرَّم للعصمة، وغير مكروه للندرة) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>الوجه الثاني:</span>\nأن يفعل المكروه عَمْدًا ليبيّن الجواز. وذلك أن المكروه جائز، لعدم الإثم واللوم في فعله، وإن كان تركه أولى لأن في تركه أجرًا. فإذا أُريد بيان ذلك، أي بيان أن الفعل غير محرم، فقد يبيّنه - ﷺ - بأن يفعله، فإذا فعلهُ علم أنه غير محرم. والفعل حيئنذ في حق النبي - ﷺ - واجب من جهة البيان كما تقدم. فلا يقال إنه وقع في الكراهة، بل هذا في حقه من باب تعارض المصلحة والمفسدة، فإن في فعله مصلحة البيان، ومفسدة مخالفة النهي، ومصلحة البيان أرجح.\nوقد تكون المصلحة غير البيان، فيفعل المكروه لأجلها، كالتهاجر ثلاثًا، فإنه في الأصل مكروه، ويجوز لمصلحة التأديب.\nوقد نقل ابن تيمية (٢) عن القاضي (أبي يعلى الحنبلي)، المنع من فعله - ﷺ - المكروه لبيان الجواز، محتجًّا بأن فعله - ﷺ - يفهم منه انتفاء الكراهية، فيختلّ البيان. وربما استُدلَّ لهذا القول بقول النبي - ﷺ -: \"ما بال قوم يتنزّهون عن الشيء أصنعه، فوالله إني لأخشاكم لله، وأعلمكم بما أتقي\" (٣). والمكروه إنما يترك تنزهًا. وقد أنكر النبي - ﷺ - التنزه عن مثل فعله، فدل على أنه لا يكون مكروهًا.\nوالصواب جواز هذا النوع، لأنه يحصل به البيان المطلوب، ويمكن التنبيه على كراهته بالقول، إذا لم تعلم بالقرائن.\n_________\n(١) جمع الجوامع مع شرح المحلى ٢/ ٩٦\n(٢) المسودة في أصول الفقه ص ٧٤\n(٣) البخاري ومسلم وأحمد (الفتح الكبير).","vol":"1","page":167},{"text":"وقد جعل منه ابن حجر استعانة النبي - ﷺ - بالمغيرة في صبّ الماء عليه لأجل الوضوء. وصبّ عليه أيضًا أسامة بن زيد (١)، وجعل بعضهم منه الاقتصار في الوضوء على مرة مرة، أو مرتين مرتين. وهو المكروه الذي بمعنى خلاف الأولى. وكل ذلك ليبين جوازه وإجزاءه. وجعل منه الحنفية وضوءه - ﷺ - بسؤر الهرة.\nوالشاطبي جعل في جواز فعل المكروه للبيان شرطًا: هو أن لا يكثر الفعل المكروه، ولا يواظب عليه، لأن ذلك يفضي إلى إيهام إباحته أو استحبابه أو وجوبه، فينقلب حكمه عند من لا يعلم. قال: \"ولا سيما المكروهات التي هي عرضة لأن تتخذ سننًا، وذلك المكروهات المفعولة في المساجد، وفي مواطن الاجتماعات الإسلامية والمحاضر الجمهورية\" (٢). وهو تقييد حسن.\nوقيد أيضًا بأنه - ﷺ - يقتصر على القدر الذي يحصل به البيان، فلا يتعداه. قال: \"إذا ترجح بيان المكروه بالفعل، تعيّن الفعل على أقل ما يمكن وأقربه\" (٣).\nوموضع بيان المكروه بفعله هو أن يكون مظنة لاعتقاد تحريمه. ولذلك يكون بيانه بفعله أبلغ من بيانه بالقول. وقد تقدمت الإشارة إلى هذا المعنى.\n_________\n(١) صحيح البخاري. انظر فتح الباري ١/ ٢٨٥\n(٢) الموافقات ٣/ ٣٣٢\n(٣) الموافقات ٣/ ٣٢٠","vol":"1","page":168},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-113>المبحث الثالث كيفَ يعيّن حكم الفعل الصادر عنه - ﷺ - بالنسبة إليه خاصّة</span>\nقدمنا في المبحث السابق أن الأفعال التي تصدر عنه - ﷺ - إما أن تكون واجبة عليه، أو مندوبة، أو مباحة. وقد يفعل المكروه لبيان الجواز. وأنه على قول بعض الأصوليين قد يفعل ما نهاه الله تعالى عنه خطأ، أو نسيانًا، أو تعمدًا للصغائر، ولكنه عبد جميعهم لا يُقرّ على ما ترتب عليه من ذلك شيء من التشريع، بل يصحّح له لكي تتم عصمة الشريعة.\nفانحصرت أفعاله التشريعية التي أقر عليها في الواجب، والمندوب، والمباح، والمكروه الذي يفعله لبيان الجواز، ولكنه في حقه جائز بل ربما كان واجبًا.\nوغرضنا في هذا المبحث الذي نحن فيه أن نتعّرف الطرق التي بها يتعيّن لدينا حكم فعله - ﷺ -، إذ إن ذلك التعيين أساس لاستفادة الحكم من الفعل في حق الأمة، كما يأتي في الفصول التالية إن شاء الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>المطلب الأول تعيين الواجب من أفعاله ﷺ</span>\nيتعين الواجب من أفعاله - ﷺ - بأمور:\nالأول: القول، بأن ينص النبي - ﷺ - بالقول على أن ما فعله واجب عليه.\nالثاني: أن يكون الفعل قد ورد مورد البيان لقول دالٍّ على الوجوب.","vol":"1","page":169},{"text":"ومثاله فعله - ﷺ - لأعداد الركعات في الصلوات المكتوبات، هو بيان لقوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة﴾ (١). وسئل - ﷺ - عن أوقات الصلوات المفروضة، فقال للسائل: \"صلِّ معنا هذين اليومين\". فبيّن بفعله أول الوقت وآخره\".\nوشبيه بذلك أن يقع الفعل امتثالًا لآية دالة على الوجوب، فيعلم أنه واجب. ومثاله صوم شهر رمضان، فإنه واجب، لأنه امتثال لقوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾.\nالثالث: أن يكون موافقًا لفعل نذَره. كما لو قال - ﷺ -: \"إن هزم الله العدوّ غدا فله عليَّ أن أصوم يوم كذا، فصامه على إثر هزيمة العدو، فيعلم أن ذلك وقع وفاءً للنذر\" (٢). وقد قال الزركشي: \"أن يقع (الفعل) جزاءَ شرط، كفعل ما وجب بالنذر إن قلنا إن النذر غير مكروه\" (٣).\nالرابع: التسوية بين الفعل وفعل آخر في حكمهما (٤)، بأن يفعل النبي - ﷺ - فعلًا، ثم يقول: هذا الفعل مثل الفعل الفلاني، وقد علم حكم هذا الفعل الآخر.\nولو خُيِّر - ﷺ - بين فعلين، أحدهما قد عُلم أنه واجب، فالآخر مثله، لأن التخيير يقتضي التسوية (٥)، إذ لا يمكن التخيير بين الواجب وما ليس بواجب.\nالخامس: أن يكون وقوعه مع أمارة قد تقرر في الشريعة أنها أمارة للوجوب، كالصلاة بأذان وإقامة (٦). فلم يعهد في الشريعة الأذان والإقامة لصلاة غير واجبة.\n_________\n(١) الجصاص: أصوله. مخطوط. ق. ٢١٠ أ. وابن حزم: الإحكام ص ١٣٨\n(٢) الأسنوي: نهاية السول ٢/ ٦٣ وأبو شامة: المحقق ٣٥ أ.\n(٣) البحر المحيط ٢/ ٣٥١ ب.\n(٤) ابن السبكي: جمع الجوامع ٢/ ٩٨\n(٥) البيضاوي: منهاج الأصول، وشرحه نهاية السول للأسنوي ٢/ ٦١، أبو شامة: المحقق ق ٣٥ أ.\n(٦) أبو شامة: المحقق ق ٣٥ أ. ابن السبكي: جمع الجوامع ٢/ ٩٨","vol":"1","page":170},{"text":"السادس: قال بعض الأصوليين: أن يكون الفعل لو لم يكن واجبًا لكان ممنوعًا (١)، كالركوع الثاني في صلاة الكسوف (٢). فإنه لو زيد في الصلاة ركوع قصدًا، ولم يكن من أركانها، كصلاة الظهر، فإنها تبطل، فلما زيد في صلاة الكسوف ركوع قصدًا، كان ذلك الركوع واجبًا، لا يجوز الإخلال به.\nومثاله أيضًا: سجود السهو، فإنه لو لم يكن واجبًا لما جاز.\nقال الأسنوي (٣) بعد ذكره هذه القاعدة: \"هكذا ذكر (الرازي) في المحصول، وتبعه على ذلك من بعده\" أقول: بل قد سبق إلى تقرير هذه القاعدة القاضي عبد الجبار، كما في المغني (٤)، وخصّ ذلك بالعبادات، قال: \"لو أنه - ﷺ - تعمّد فعلًا لو لم نجعله شرعيًا لكان منهيًا عنه في العبادة، فيجب أن يعلم أنه من شرائط تلك العبادة، نحو ما روي أنه - ﷺ - ركع ركوعين في صلاة الكسوف\".\nوتقرير الدليل: أن الفعل. كالختان مثلًا، هو ممنوع منه بحسب الأصل، لأنه نوع من الجراح، وقد ورد النهي عن دم الغير بقول النبي - ﷺ -: \"إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام\". فلا يجوز ارتكاب هذا التحريم إلا بأمر ملزم. وهو الوجوب.\nفدار هذا الفعل بين الوجوب والتحريم لا غير. وحين فعله النبي - ﷺ - علمنا أنه ليس محرمًا، لأنه - ﷺ - لا يفعل المحرم، فلم يبق إلا أنه واجب، وهو المطلوب.\nومن جهة أخرى: يلزم لإجراء عملية الختان كشف العورة، وذلك محرم، والمحرّم لا يجوز ارتكابه إلاّ لواجب (٥).\n_________\n(١) ذكر ذلك السيوطي في الأشباه والنظائر (ص ١٤٨)، وجعله قاعدة فقهية بعنوان (الواجب لا يترك لسنة) و(جواز ما لو لم يشرع لم يجز، دليل على وجوبه).\n(٢) أبو شامة: المحقق ق ٣٥ أ، ابن السبكي: جمع الجوامع ٢/ ٩٨ أبو الحسين البصري: المعتمد ص ٣٨٦\n(٣) التمهيد ص ١٣٤\n(٤) ١٧/ ٢٧٢\n(٥) انظر تقرير المسألة والاستدلال فيها في المجموع للنووي في فصل الختان من الجزء الأول.","vol":"1","page":171},{"text":"وعندي في هذا الاستدلال نظر، فإن الفعل إذا كان مستحبًا أو مباحًا، فقد خرج أيضًا عن المنع، ولو كان في الأصل منهيًا عنه، فإن نقيض الحرمة رفع الحرج، وذلك صادق على كل من الوجوب والندب والإباحة، بل والكراهة كما تقدم. فبكلٍّ منها يخرج الفعل عن الحظر.\nوحاصله أننا نمنع وجود فعل دائر بين الوجوب والحرمة. ومن قال به طالبناه بأن يبيّن حده لنناقشه فيه.\nوأيضًا؛ فإن كثيرًا من الصور في الشريعة خارجة عن هذه القاعدة. فمن المستحبّات ختان النساء، بل وختان الرجال على قول، وسجود التلاوة أثناء الصلاة، وإشعار الهدي، ورفع اليدين على التوالي في تكبيرات العيد، بل والقيام الثاني والركوع الثاني في صلاة الكسوف عند بعضهم على ما ذكره النووي في المجموع، ونقله عن الكثيرين أنه مستحب (١)، وسجود السهو أيضًا عند الشافعية، وبعض الرخص كالقصر والفطر للمسافر، والفطر للمريض.\nومن المباحات أكل المضطّر الميتة، أو مال الغير، وحلق الشعر للمحرم المريض، والجمع بين الصلاتين عند العذر، وذبح البهائم، والصيد بالجوارح. وذكر السيوطي أيضًا النظر إلى المخطوبة، والمكاتبة، وقتل الحية في الصلاة، وغير ذلك مما لا يكاد يحصى.\nوقد ذكر الزركشيّ في البحر المحيط أن هذه المسألة أخذت عن ابن سريج في إيجاب الختان. وأشار إلى عدم استقامتها، ثم قال: \"وتنتقض هذه القاعدة بصور كثيرة، منها سجود السهو، وسجود التلاوة في الصلاة، فإنه ممنوع منه، ولما جاز لم يجب\" (٢).\nوقال الأسنوي أيضًا: \"وهو منتقض بصور كثيرة\" (٣).\n_________\n(١) الأسنوي: التمهيد ص ١٣٤\n(٢) ٢/ ١٥٢ أ.\n(٣) نهاية السول ٢/ ٦٣","vol":"1","page":172},{"text":"وأراد المحلِّي أن يصححها، ويجعل ما خرج عنها موقوفًا على الدليل، وذلك حيث يقول: \"وقد يتخلف الوجوب عن هنه الأمارة لدليل، كما في سجود السهو وسجود التلاوة\" (١).\nوعندي في قوله هذا نظر، إذ الشأن في صحة القاعدة أولًا، وذلك ما يحتاج إلى إثبات.\nوأيضًا فاعتبار الصور الخارجة عن القاعدة نقضًا لها، كما قال الزركشي، هو الصواب.\nوثالثًا: لو كانت هذه القاعدة صوابًا، فإنها تقتضي وجوب سجود التلاوة، وتكبيرات العيد، وختان النساء، وإشعار الهدي، ولم يرد دليل يمنع الوجوب، فلم لا يقولون به؟ وإن ادعوا وجود دليل مانع، فما هو؟.\nالسابع: أن يكون الفعل قضاء لواجب، فيعلم أنه واجب (٢)، لأنه قد عهد في الشريعة أن قضاء الواجب حيث شرع، فهو واجب. ومثاله قضاء النبي - ﷺ - لصلاة الصبح، بعدما خرجوا من الوادي الذي ناموا فيه عن الصلاة (٣).\nالثامن: وقال به بعض المالكية: أن يقضي العبادة إذا خرج وقتها دون أداء، أو فُعلت في الوقت على فساد: فيعلم بذلك أن العبادة المقضيّة واجبة، إذ أن غير الواجب لا يقضى (٤).\nومثاله: أن النبي - ﷺ -: \"كان إذا غلبه عن قيام الليل نوم أو وجع صلّى في النهار اثنتي عشرة ركعة\" (٥) فيعلم أنه كان يصلي قيام الليل على جهة الوجوب.\n_________\n(١) شرح جمع الجوامع ٢/ ٩٨\n(٢) الأسنوي: نهاية السول ٢/ ٦٣.\n(٣) أبو شامة: المحقق ق ٣٥ أ.\n(٤) القرافي: شرح تنقيح الفصول ص ١٢٨. وفي الأصل الذي نقلنا منه قوله: \"و(يستدل) بالقضاء على عدم الوجوب. هذا على مذهب مالك أن النوافل لا تقضي\" وواضح أن كلمة (عدم) في هذا النص قد دخلت خطأ من الناسخ، أو هي سبق قلم من القرافي، كما لا يخفى.\n(٥) ذكره في نيل الأوطار في مباحث الوتر.","vol":"1","page":173},{"text":"ومثال آخر: قضاؤه - ﷺ - لعمرة الحديبية، التي أحصر عنها. فقد عاد في السنة التالية واعتمر، وسميت عمرة القضاء. فيدل على أن عمرة الحديبية كانت واجبة. والمراد أنها وجبت بالدخول فيها.\nوالصواب أن هذا النوع ليس دليلًا على وجوب المقضي، لأن دعواهم أن غير الواجب لا يقضى، دعوى مردودة، لما ثبت في الصحيحين عن أم سلمة ﵂ أنه - ﷺ - قضى الركعتين اللتين بعد الظهر، قضاهما بعد العصر (١).\nوعند الجماعة، إلاّ البخاري، عنه - ﷺ -: \"من نام عن حزبه من الليل، أو عن شيء منه، فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، كتب له كأنما قرأه من الليل\". وهذا حث على قضاء ما رتّبه المسلم لنفسه من الأذكار. فالصلاة والصوم ونحوهما أولى. والذي عند الشافعية استحباب قضاء السنن الرواتب.\nولو قيل في هذه الأمارة: ما وجب قضاؤه واجب لكان صوابًا. ومنه وجوب قضاء حج التطوع، يدل على أنه وجب بالشروع. وقد أشار إلى ذلك السرخسي (٢).\nالتاسع: ذكره الزركشي في البحر المحيط: أن يداوم - ﷺ - على الفعل مع عدم ما يدل على عدم الوجوب. قال: \"لأنه لو كان غير واجب لأخلَّ به\" (٣) وذكره أيضًا صاحب مسلم الثبوت وصاحب تيسير التحرير (٤).\nوقد وضّح ذلك ابن تيمية حين قال في الاستدلال على وجوب الطمأنينة في الصلاة: \"إن مداومته - ﷺ - على ذلك في كل صلاة كل يوم، مع كثرة الصلوات، من أقوى الأدلة على وجوب ذلك، إذ لو كان غير واجب لتركه ولو مرة واحدة ليبيّن الجواز، أو لبيّن جواز تركه بقوله، فلما لم يبين -لا بقوله ولا بفعله- جواز ترك ذلك، كان ذلك دليلًا على وجوبه\" (٥).\n_________\n(١) نيل الأوطار ٣/ ٢٩، ٣٠ وفيه أن عند أحمد في رواية أنه - ﷺ - سئل: انقضيهما إذا فاتتا، قال: \"لا\". قال الشوكاني: قال البيهقي: وهي رواية ضعيفة.\n(٢) أصول السرخسي ١/ ١١٦\n(٣) ق ٢٥٢ أ\n(٤) ٣/ ١٢٧\n(٥) القواعد النورانية الفقهية ص٥٢","vol":"1","page":174},{"text":"وعندي في هذا نظر. فقد كان - ﷺ - يحافظ على الرواتب فلا يخلّ بها، بل: \"كان عمله ديمة\" (١). وكان يقول: \"أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ\" (٢). وكان يقضي ما فاته من النوافل المرتبة، كالركعتين اللتين بعد الظهر، قضاهما بعد العصر لما شُغِل عنهما.\nوما ذكره ابن تيمية منتقض بقراءة سورة بعد الفاتحة. لم يبين - ﷺ - عدم وجوبها قولًا، ولا نُقِل أنه تركها ولو مرة واحدة فيما نعلم. وأما حديث: \"لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب\" (٣) فيدل على الركنية، ولا يدل على جواز ترك ما عدا الفاتحة. ومع ذلك، فإن قراءة سورةٍ بعد الفاتحة ليس بواجب، بلا خلاف (٤). ومثل السورة كثير غيرها من أفعال الصلاة المستحبة، كالجهر في الجهرية، وبعض هيئات الركوع والسجود، ورفع اليدين، وغير ذلك. ولم يرتَضِ الأنصاري شارحُ مسلّم الثبوت القولَ بأن المواظبة مع عدم الترك دليل الوجوب عند الحنفية. ونقض ذلك بما هو معلوم عندهم من سنية صلاة الجماعة، والأذان، والإقامة، وصلاة الكسوف، والخطبة الثانية في الجمعة، والترتيب والموالاة في الوضوء، والمضمضة، والاستنشاق، وغير ذلك مما ثبتت فيه المواظبة من غير ترك، مع عدم تبيين سنّيّتها، بل ثبت عدم الترك. فيعلم أن المواظبة ليست دليل الوجوب عندهم (٥).\nوأما قول ابن تيمية: \"إنه لو كان غير واجب لتركه ولو مرة، أو بين عدم وجوبه بالقول\" فإن هذا يلزم لو كان هناك ما يجعل هذا النوع من الفعل دالًاّ على الوجوب، وفيه الخلاف. كيف وقد قال الكثيرون ومنهم الظاهرية والحنفية \"إن الوجوب لا يؤخذ من الفعل\" فيكفي ذلك للدلالة على عدم الوجوب، فلا يلزم البيان بعد ذلك بالقول ولا بالفعل. والله أعلى وأعلم.\n_________\n(١) رواه البخاري: كتاب الصوم ب ٦٤ ومسلم ٦/ ٧٣\n(٢) البخاري ٤/ ٢٣٥ ومسلم.\n(٣) رواه الشيخان (الفتح الكبير).\n(٤) ابن قدامة: المغني ١/ ٤٩١\n(٥) فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت ٢/ ١٨٠","vol":"1","page":175},{"text":"وبهذا يتبين أن الفعل النبوي لا يخرج بالداومة عليه عن أن يكون فعلًا مجردًا.\nالعاشر: ونقله الزركشي عن الصيرفي: \"أن يفعل - ﷺ - بين المتداعِيَينْ فعلًا على سبيل الجبر. فيعلم أنه واجب. قال: وكذلك ما أخذه من مال رجل وأعطاه لآخر. فيعلم أن ذلك الأخذ واجب\" (١).\nوقال الجصاص: \"ما فعله - ﷺ - من استخراج حقٍّ من رجل لغيره، ومن عقوبة رجل على فعل كان منه، فهذا على الوجوب، لأن ذلك لا يجوز على جهة الإباحة والندب\" (٢). قال - ﷺ -: \"إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام\" (٣). وقال الله تعالى: ﴿لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ (٤).\nولهذا النوع شبّه بالنوع السادس المتقدم، إلا أن هذا في القضاء والأمور التنفيذية خاصة.\nوالزركشي ذكر النوعين كليهما.\nوالذي نقوله في هذا النوع، إنه لا يدل على وجوب الفعل عل النبي - ﷺ -، وإنما يدل على أن من أوقعت به العقوبة، أو أُخذ منه المال، مستحقٌّ لذلك، وأنه قد وجب عليه. فلا يدل ذلك على وجوب القضاء أو التنفيذ.\nوقد قال الله تعالى: ﴿فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تُعرض عنهم فلن يضروك شيئًا﴾ (٥) فلو جاءه أهل الكتاب، ليحكم بينهم، وقد جاؤوه فعلًا فحكم بينهم ورجم الزانيين، فلا يدلّ ذلك على أن الحكم بينهم والتنفيذ كان واجبًا عليه، بنصّ الآية المذكورة.\nونظير ذلك وليّ الدم في جناية العمد، له أن يقتص، فإذا اقتصّ لم يصح\n_________\n(١) البحر المحيط ٢/ ٢٥١ ب\n(٢) أصول الجصاص. ٢١٠ أ\n(٣) مسلم وأبو داود (الفتح الكبير)\n(٤) سورة البقرة: ١٨٨، والنساء: ٢٩\n(٥) سورة المائدة: آية ٤٢","vol":"1","page":176},{"text":"القول إنه كان واجبًا عليه الاقتصاص، بل يقال: إن القصاص كان حقًّا له واجبًا على الجاني أن يستسلم له.\nوالحاصل أنه - ﷺ - إذا أخذ المال أو عاقب، وكان ذلك جائزًا له أو مندوبًا، صح، وخرج بذلك عن الحرمة، فلا يلزم أن يكون واجبًا عليه - ﷺ -.\nفذكر هذا النوع في هذا الموضع (وهو مبحث حكم فعل النبي - ﷺ - بالنسبة إليه) ليس صوابًا. وإنما ينبغي أن يذكر في مباحث الحكم المستفاد من الفعل في حق الأمة. ونحن سنذكره هناك إن شاء الله في مبحث الفعل المتعدي.","vol":"1","page":177},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-115>المطلب الثاني تعيين المندوب من أفعاله ﷺ</span>\nيتعين المندوب من أفعاله - ﷺ - بأمور:\nالأول: بالقول. ومثاله أنه - ﷺ - سئل عن صيامه ليومي الاثنين والخميس فقال: \"تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم\" (١).\nفبيّن - ﷺ - أنه استحبّ صيام اليومين المذكورين. ولو كان صومهما واجبًا لما ذكر هذا، بل كان يبين وجوبه.\nالثاني: أن يكون الفعل بيانًا لقول دال على الندب، أو امتثالًا له.\nالثالث: أن يسوّي بين الفعل وفعل آخر مندوب، والتخيير تسوية، لأنه لا يخيّر بين ما هو مندوب وما ليس بمندوب (٢).\nالرابع: أن يكون وقوعه مع قرينة قد تقرر في الشريعة أنها أمارة للندب، على وزن ما قالوه في الوجوب. ومثاله عندنا. أنه - ﷺ -: \"كان يوتر على البعير\" (٣). فذلك يقتصي أن الوتر في حقه - ﷺ - مندوب، وليس واجبًا، كما قاله ادّعى أنه كان واجبًا عليه - ﷺ - خاصة. وكذا يرد به على أبي حنيفة في قوله: \"إِنه واجب عليه - ﷺ - وعلينا\" (٤).\n_________\n(١) الترمذي، وقال \"غريب\" (نيل الأوطار ٤/ ٢٦٣)\n(٢) أبو شامة: المحقق ق ٣٤ ب\n(٣) متفق عليه (الفتح الكبير).\n(٤) نيل الأوطار ٣/ ٣٣","vol":"1","page":178},{"text":"الخامس: أن يقع الفعل قضاء لمندوب (١). كالركعتين بعد العصر، صلاها النبي - ﷺ - بدلًا عن الركعتين اللتين بعد الظهر.\nويشكل على ذلك قضاء الحج والعمرة المتطوع بهما إذا فسدا، فإن ذلك القضاء واجب.\nوحل هذا الإشكال أن الحج والعمرة يلزمان بالدخول فيهما وإن كانا في الأصل تطوعًا، فإذا فسدا بعد الدخول فيهما كان فسادهما بعد الوجوب، فلا تنتقض القاعدة.\nالسادس: المواظبة على الفعل في العبادة، مع الإخلال (٢) به أحيانًا لغير عذر ولا نسخ، أو كونه بالاستقراء مما لا يكون واجبًا، يدل على استحبابه بخصوصه. ومثاله أن النبي - ﷺ - كان يقرأ في الصبح يوم الجمعة ﴿آلم تنزيل﴾ و﴿هل أتى على الإنسان ...﴾ فدلّ ذلك على استحباب قراءتهما في تلك الصلاة. ومثلها القراءة في الجمعة بـ ﴿سبح﴾ و﴿الغاشية﴾، وفي العيد بـ ﴿ق﴾ و﴿اقتربت﴾. فقد أخلّ ببعض ذلك، إذ كان يقرأ أحيانًا في الجمعة بسورة ﴿الجمعة﴾ وسورة ﴿المنافقون﴾ وفي العيد بـ ﴿سبح﴾ و﴿الغاشية﴾.\nهذا بالإضافة إلى أنه لم يعهد في الشريعة وجوب تخصيص صلاة معينة بقراءة معينة.\nبخلاف ما لو لم تنقل مواظبته على الفعل، بل نقل مرة واحدة، فلا يدل ذلك على استحباب التخصيص. ومثاله ما ورد أن النبي - ﷺ - قرأ في المغرب بـ ﴿المرسلات﴾، وورد أنه قرأ فيها بـ ﴿الطور﴾.\nالسابع: أن يكون الفعل قربة من القرب، ويعرف أنه غير واجب، لانتفاء\n_________\n(١) أبو شامة: المحقق ق ٣٤ ب. الأسنوي: نهاية السول ٢/ ٦٨\n(٢) أبو شامة: المحقق ق ٣٤ ب، والزركشي: البحر الحيط ٢/ ٢٥٢ أو الأسنوي على البيضاوي: نهاية السول شرح منهاج الأصول٢/ ٦٣نقلًا عن المحصول للرازي.","vol":"1","page":179},{"text":"دليل الوجوب، فيثبت الندب (١). لأن قصد القربة يدل عل طلب الفعل الدائر بين الوجوب والندب، والوجوب منتفٍ لأجل البراءة الأصلية.\nوالحق أن هذا النوع من جنس الفعل المجرد، وفيه خلاف، وسيأتي ذكره في الفصل الخاص بالفعل المجرد إن شاء الله.\n_________\n(١) القاضي عبد الجبار: المغني ١٧/ ٢٧١، ٢٧٢ والقرافي: شرح تنقيح الفصول ص ١٢٨","vol":"1","page":180},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-116>المطلب الثالث تعيين المباح من أفعاله ﷺ</span>\nيعلم أن الفعل مباح بأمور:\nالأول: النص على أن ما فعله مباح له. ثم قد يكون النص في الكتاب العظيم، كقوله تعالى: ﴿ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله﴾ (١).\nوقد يكون في السنة: كقوله - ﷺ -: \"استأذنت ربي في أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي\" (٢).\nالثاني: أن يكون بيانًا أو امتثالًا لآية دالة على الإباحة (٣)، كأكله - ﷺ - من الغنيمة، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿فكلوا مما غنمتم حلالًا طيبًا﴾ وأكله من لحم الهدي امثتالًا لقوله تعالى: ﴿فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها﴾.\nوهذا الوجه ذكره بعض الأصوليين. وفي ذكر الامتثال في المباح نظر، إذ المباح غير مطلوب حتى يقال لفاعله إنه ممتثل.\nالثالث: التسوية بينه وبين فعل معروفة إباحته.\nالرابع: انتفاء دليل يدل على الوجوب أو الندب، وذلك لانحصار\n_________\n(١) سورة الحشر: آية ٥\n(٢) رواه مسلم ٧/ ٤٥ وأبو داود.\n(٣) أبو شامة: المحقق ق ٣٤ ب","vol":"1","page":181},{"text":"أفعاله - ﷺ - في الأنواع الثلاثة، فإذا لم يثبت الوجوب ولا الندب حمل على الإباحة لأنها الأصل (١).\nوهذا النوع أيضًا هو من الفعل المجرد، وفيه الخلاف، وسيأتي القول فيه في فصل الفعل المجرد.\n_________\n(١) أبو شامة: المحقق ق ٣٤ ب. الزركشي: البحر المحيط ٢/ ٢٥٢ أالإسنوي: نهاية السول ٢/ ٦٣ ونقله عن المحصول للرازي.","vol":"1","page":182},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-117>الفصل الثالث حجية أفعال النبي - ﷺ - على الأحكام من حيث الجملة</span>\n١ - الأدلة.\n٢ - منشأ حجيّة الأفعال، والشبه التي تورد عليها.","vol":"1","page":183},{"text":"حجيّة الأفعال النبوية على الأحكام من حيث الجملة\nأفعال النبي - ﷺ -، من حيث الجملة، حجة على العباد، إذ هي دليل شرعي يدل على أحكام الله تعالى في أفعال المكلفين.\nلقد نقل بعض الأصوليين الإجماع على ذلك، منهم القاضي عبد الجبار (١)، وأبو الحسين البصري (٢). حيث ذكرا أنه: \"لا خلاف بين أهل العلم أنه يُرْجَع إلى أفعاله - ﷺ - في ثبوت الأحكام للأفعال الشرعية، كما يرجع إلى أقواله، وذلك كله عندهم واحد في هذا الباب\" (٣).\nونقل الآمدي في ذلك خلافًا، حيث قال: \"معظم الأئمة من الفقهاء والمتكلمين، متفقون على أننا متعبّدون بالتأسيّ به - ﷺ - في فعله، واجبًا كان أو مندوبًا أو مباحًا، ومنهم من منع من ذلك مطلقًا\" (٤).\nومما يؤكّد وجود الخلاف، ما ينقله بعض الأصوليين من القول بأن الفعل النبوي على الحظر في حقنا، حتى يقوم الدليل على خلاف ذلك، كما يأتي إن شاء الله.\nوقد نُسب الخلاف في ذلك إلى أبي بكر الدقاق من الشافعية، وأبي الحسن\n_________\n(١) المغني ١٧/ ٢٥٧\n(٢) المعتمد ١/ ٣٧٧\n(٣) المغني ١٧/ ٢٥٧\n(٤) الإحكام ١/ ٢٦٥","vol":"1","page":185},{"text":"الكرخي من الحنفية، وإلى الأشعرية (١). قالوا: ليست أفعاله - ﷺ - حجة في حقنا ما لم يقم دليل الاشتراك بيننا وبينه - ﷺ - في حكم ذلك الفعل، وإلا فهو خاص به.\nونقسم الكلام في هذا الفصل إلى مبحثين، أولهما في الأدلة، وثانيهما في الشبه التي يوردها بعض الأصوليين.\n_________\n(١) انظر: تيسير التحرير ٣/ ١٢٠ وهو وإن خص خلافهم بما عدا الجبلي والبياني، فإن الجبلي أمره واضح لا يحتاج إلى استدلال، والبياني يستفاد حكمه من المبين. فالدليل في الحقيقة هو المبين. فرجع خلافهم إلى أن الأفعال النبوية لا يحتج بها لذاتها.","vol":"1","page":186},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-118>المبحث الأول الأدلَّة</span>\nأما النظر العقلي فلا يقتضي كون فعله - ﷺ - حجة (١)، بخلاف أقواله، لوجهين:\nالأول: أن الأقوال معلومة المدلول، فهي موضوعة لمعان معينة تفيدها بالوضع، إمّا الخبر، وإما الطلب. وتصديقنا له - ﷺ - فيما أخبر، وطاعتنا له فيما طلب، هي مقتضى اللفظ بالضرورة، إذ لو لم يفدنا القول ذلك، لخلا عن أي فائدة، وكان عبثًا محضًا. بخلاف الفعل، كالصلاة المعينة، فإنه - ﷺ - قد يفعله لما في الفعل من المصلحة الخاصة به، كما يفعل كل منا إذ يقضي مصالحه الخاصة، وقد يفعله لنقتدي به، أو للمقصدين جميعًا. فلو تصورنا خلو فعله من فائدة الاقتداء به، بقي الفائدة الأخرى، وهي أن يكون فعله للمصلحة الخاصة به. فلم يخلُ فعله عن فائدة.\nفافترق الفعل عن القول في ذلك.\nويكون الفعل الذي لم يدل على كونه حجة، بمنزلة اللفظ غير الموضوع، وأما الذي بمنزلة اللفظ الموضوع، فهو الفعل إذا دل الشرع على أنه حجة (٢).\nثانيًا: أنه يُتصوَّر في الفعل أن يكون مصلحة النبي - ﷺ - دون أمته، فيكون مطلوبًا منه دونهم. فقد يكون واجبًا عليه أو مندوبًا له أو جائزًا. وهو بخلاف ذلك\n_________\n(١) انظر: في هذه المسألة القاضي عبد الجبار: المغني ١٧/ ٢٥١، ٢٥٢، ٢٥٧. وأبا الحسين البصري: المعتمد ١/ ٣٧٦\n(٢) القاضي عبد الجبار: المغني ١٧/ ٢٥١، ٢٥٢","vol":"1","page":187},{"text":"في حق الأمة. فقد ثبت للنبي - ﷺ - في الشريعة أحكام خاصة به، هي ما يسمى (الخصائص النبوية)، منها أن الله أحلَّ له أن يتزوج أكثر من أربع وحرم ذلك على أمته؛ وأوجب عليه قيام الليل وليس ذلك عليهم واجبًا.\nفيدل ذلك على إمكان افتراقه - ﷺ - عنهم في سائر الأحكام.\nوقد يقع في قلوب بعض الناس شبه عقلية، يظنونها قاضية بكون فعله - ﷺ - حجة، منها:\nأولًا: أنه - ﷺ - من حيث هو رسول، ينبغي متابعته في فعله، ولو لم تطلب منا تلك المتابعة قولًا.\nوالجواب أن ذلك غير لازم، إذ يعقل أن يرسل الله تعالى رسولًا، يقول: أطيعوني في ما آمركم به، ولا تقتدوا بأفعالي، لأنها ليست كلها صالحة لكم.\nوأيضًا: لما كان الفعل غير دالٍّ إن كان من غير رسول، فكذلك لا يدل إن كان من رسول، ما لم يدل على ذلك دليل.\nثانيًا: أننا لو لم نتبعه في أفعاله لكان ذلك مخالفةً له، ولا يجوز مخالفة الرسول. والجواب: أن مخالفة الرسول تكون بترك ما أراد منا فعله، أو فعل ما أراد منا تركه. ونحن لا نعلم أنه يريد منا أن نوافقه في أفعاله، إلاّ بأن يقول لنا ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>الأدلّة السمعية\nهل حجية السنّة كافية في إثبات حجيّة الأفعال النبوية:</span>\nقد يسبق إلى بعض الأفهام الاستدلال لحجيّة الأفعال النبوية بأن يقول: إن الأفعال النبوية من السنة، وحجيّة السنة ثابتة بدلالة الكتاب والإجماع. وذلك يدل على أن الأفعال النبويّة حجة.\nوفي هذا الاستدلال نظر؛ فإن اعتبار أفعال النبي - ﷺ - من السنن، إنما يصح","vol":"1","page":188},{"text":"إذا ثبت أنها حُجّة، فإن لم يثبت أنها حجة فليست سننًا، بل تكون كأفعال غيره من الناس.\nوفي الاستدلال المذكور نظر من جهة أخرى، فإن السنة الثابتة حجّيّتها بدلالة الكتاب هي السنن القولية، وهي التي ينطبق عليها قوله تعالى: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ (١)، وقوله: ﴿وما ينطق عن الهوى﴾ (٢) ونحوهما من الآيات التي يستدل بها على حجيّة السنة. تدل على صدقه - ﷺ - في القول ووجوب طاعته فيه، فأما المتابعة في الفعل فلا تقتضيها المعجزة.\nوأما قوله تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني﴾ (٣) ونحوها من الآيات، وقوله: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ فإن الاتباعَ والتأسّي صادق على طاعة القول قطعًا. وشمول الاتباع والتأسّي للاقتداء بالفعل أمر فيه خفاء، ولذلك فهو بحاجة إلى إثبات. وهو ما يفعله الأصوليون في باب الأفعال.\n...\nبتدقيق النظر في ما ورد في القرآن العظيم، والسنن القولية، والإجماع، يتبيّن أنها تدل على حجيّة الفعل النبوي. ونحن نذكر ذلك بالترتيب، فنقول:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>أولًا: الأدلة القرآنية</span>\nاستُدِلّ من كتاب الله تعالى على كون أفعال النبي محمد - ﷺ - حجة على عباد الله، بآيات ثلاث:\nالآية الأولى: قوله تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا﴾.\nنزلت هذه الآية في شأن غزوة الخندق، في سياق تعداد نعم الله تعالى على\n_________\n(١) سورة النساء: آية ٨٠\n(٢) سورة النجم: آية ٣\n(٣) سورة آل عمران: آية ٣١","vol":"1","page":189},{"text":"المؤمنين، بأن أرسل الله على الكافرين ﴿ريحًا وجنودًا لم تروها﴾. ذكّر الله المؤمنين بأن الكفار جاءوهم من فوقهم ومن أسفل منهم وزاغت الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر، حتى ظنّوا باللُه الظنون وزلزل المؤمنون زلزالًا شديدًا، وأرجف المنافقون والذين في قلوبهم مرض، وبدأوا يتسرّبون من مواقعهم بأعذار كاذبة يريدون الفرار، وانهارت مقاومتهم، لما كانوا عليه من الجبن الخالع، لضعف إيمانهم أو انعدامه. ثم قال تعالى: ﴿يحسبون الأحزاب لم يذهبوا وإن يأت الأحزاب يودّوا لو أنهم بادون في الأعراب يسألون عن أنبائكم﴾ أي لو عاد الأحزاب إلى حصار المدينة، لودّ هؤلاء المنافقون، والمرضى القلوب، لو أنهم في البادية، بعيدين عن موطن القتال، لا يصلهم منه إلا الأخبار.\nثم تأتي الآية التي معنا ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر﴾ يحتمل أن الخطاب فيها للمنافقين، تبكيتًا لهم على مواقفهم الدنيئة التي وقفوها، وتذكيرًا لهم بما كان ينبغي لهم أن يفعلوه. ويحتمل أن الخطاب فيها للمؤمنين (١) تأييدًا لموقفهم وثناءً عليه وتثبيتًا لهم.\nوالأولى أن يقال: هو خطاب للمجموعة كلها مؤمنها ومنافقها. وتعني الآية أن الله رضي من عباده المؤمنين الصبر في مواطن البلاء، تأسّيًا بالنبي - ﷺ -، وكره من المنافقين عدم تأسّيهم به - ﷺ - في ذلك.\nإلاّ أن لفظ (الأسوة) مما ينظر فيه.\nفمادة (أس و) تكون بمعنى مداواة الجراح. تقول العرب: أسوت الجرح، وفي كلامهم: الآسي وهو الطبيب، والآسية الخاتنة، والإساء الدواء.\nوتكون بمعنى المساواة، وفي كتاب عمر إلى أبي موسى: \"آس بين الناس\" أي ساو بينهم.\n_________\n(١) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن ١٤/ ١٥٦","vol":"1","page":190},{"text":"أما (الأسوة) فقد وردت في اللغة لمعنيين:\nالأول: ما يتسلى به الحزين عن مصابه، والمهموم عن همّه.\nوالثاني: المماثلة. تقول: جعلته في مالي أُسوة، أي قسمتُ مالي بيني وبينه نصفين، حتى صار مثلي فيه. ومنه جاءت الأسوة بمعنى القُدوة.\nوبين المعنيين صلة واضحة، فإن المحزون يتسلّى بأن يقول لنفسه: قد أصاب فلانًا مثل ما أصابني، فعليّ أن أصبر كما صبر.\nويحتمل أن الأسوة التي بمعنى التسلّي عن المصاب، من (الإسا) الذي بمعنى الدواء والمعالجة، إذ إن المصيبة كالجراح، والسلوّ دواؤها.\nو(الأسوة) في الآية، لأول وهلة، يبدو أنها محتملة للمعنيين جميعًا. يقول القرطبي: \"قوله تعالى ﴿أسوة﴾ الأسوة: القدوة، والأسوة: ما يُتأسى به، أي يتعزّى به، فيقتدى به في جميع أفعاله، ويُتَعَرَّى به في جميع أحواله، فقد شُجَّ وجهه - ﷺ -، وكُسِرَت رَبَاعِيَتُه (١)، وقُتل عمه حمزة، وجاع بطنه، ولم يُلْفَ إلاّ صابرًا محتسبًا وشاكرًا راضيًا\".\nولكن إن نحن جعلنا (الأسوة) في الآية بمعنى ما يتصبّر به الحزين، لم تكن الآية حجة في الاقتداء بأفعال النبي - ﷺ -، لأن لنا أسوَةً بكل صابر.\nوإن جعلناه بمعنى القدوة، فهي حجة على المطلوب، وهو قول جمهور الأصوليين. وهو الصواب، كما نبيّنه بعد.\nوقد أورد بعضهم على الاحتجاج بهذه الآية، أنها وردت في أمر خاص هو الاقتداء به - ﷺ - في الصبر في الحرب، وليس لفظ ﴿أسوة﴾ في الآية من ألفاظ العموم حتى يقتدى به في غير هذا الفعل.\nقالوا: وحتى لو قلنا إنها ليست خاصة بما ذكر في السياق، فلا يجوز القول\n_________\n(١) الرباعية، إحدى الأسنان الأربع التي تلي الثنايا، بين الثنية والناب (اللسان).","vol":"1","page":191},{"text":"بأنها عامة في كل فعل، بل هي مطلقة. وتتحقق الآية فيمن اقتدى به - ﷺ - في بعض الأمور دون غيرها (١).\nوقد أجاب الآمدي (٢) بأن تعيين المتأسّي فيه ممتنع، لعدم دلالة اللفظ عليه. والقول بإبهام المتأسّي فيه ممتنع لأنه على خلاف الغالب من خطاب الشرع، فلم يبق إلاّ العموم.\nوهذا الجواب متهافت كما لا يخفى. إذ القول بتعيّنه في ما فيه السياق ممكن ومقبول، كما قال ابن دقيق العيد: \"إن السياق طريقٌ لتخصيص العمومات وبيان المحتملات\" (٣).\nوجواب أبي الحسين البصري (٤) أصحّ، وهو أنه لا يطلق في اللغة على الإنسان أنه أسوة لزيد إذا كان إنما ينبغي لزيد أن يتبعه في فعل واحد، وإنما يطلق ذلك إذا كان ذلك الإنسان قدوة لزيد، يهتدي به في أموره كلّها. إلا ما خصّه الدليل.\nومما يؤكد العموم أيضًا ما ورد في الحديث، مما يدلّ على الصواب من تفسير الآية، أنهم كانوا مع النبي - ﷺ - في سفر، فناموا حتى فاتتهم صلاة الفجر. فصلاّها بهم، وذلك بعد ارتفاع الشمس. فتهامس بعضهم إلى بعض \"ما كفارة ما صنعنا اليوم؟ \" فقال النبي - ﷺ -: \"أما لكم فيّ أسوة؟ \" (٥) وذلك أنه اكتفى بقضاء الصلاة. وكانت تلك كفارة ما حصل منهم. وهذا حكم شرعي حاصل بالاقتداء بالفعل.\n_________\n(١) تبنى هذه الشبهة الرازي في المحصول (ق ٥٢ أ)\n(٢) الأحكام ٢/ ٢٦٨\n(٣) يرى ابن دقيق العيد أن السياق أحد مخصصات العموم، ومبينات المراد بالمجملات. انظر كتابه: إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام ٢/ ١٩، ٢٣٢، وفرق بين ذلك وبين قاعدة (العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب) وبين أن الأصوليين لم يذكروا قاعدة التخصيص بالسياق، إلا بعض المتأخرين ممن أدرك هو أصحابهم.\n(٤) المعتمد ٣/ ٣٨٤\n(٥) رواه مسلم ٥/ ١٨٦","vol":"1","page":192},{"text":"وسيأتي في الاستدلال بالإجماع، ما يدلّ على أن الصحابة كانوا يحتجون بكونه - ﷺ - أسوة، على أحكام شرعية مأخوذة من الأفعال. فهذا يفسّر معنى الأسوة في الآية.\nوقال الصنعاني: \"أما ما قيل من أن ﴿أسوة﴾ نكرة في الإثبات لا عموم لها، وإنما هي خاصة في ما نزلت فيه، فغير صحيح، لأن قوله: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ هو في المعنى جواب لقوله: ﴿لمن كان يرجو الله واليوم الآخر﴾. وهو شرط (١)، والشرط من ألفاظ العموم\" (٢). اهـ.\nوحتى لو قلنا بأنّ الأسوة هي القدوة في أمور معينة دون غيرها، فقد ثبت مطلوبنا هنا وهو أن الأفعال النبوية، من حيث الجملة، حجة في الشريعة، لأن قولنا: \"من حيث الجملة\" نعني به: \"في بعضها دون بعض\".\nوسيأتي في الفصل التالي تمييز ما هو منها حجة، مما لا يحتج به.\nالآية الثانية: قوله تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم﴾ وشبيه بها قوله تعالى: ﴿الذين يتبعون الرسول النبيّ الأميّ ...﴾ إلى قوله: ﴿... واتبعوه لعلكم تهتدون﴾ (٣).\nفقد أمرنا الله ﷿ باتباع نبيه - ﷺ -. والاتباع في اللغة أن يسير الإنسان خلف آخر. والمراد هنا أن نتخذه - ﷺ - رئيسًا وقائدًا إلى أعمال الخير والبر نهتدي بهديه.\nوالاتّباع يكون في الأقوال والأفعال.\nفمن استعمال الاتباع في طاعة الأقوال، قوله تعالى: ﴿اتبع ما أوحي إليك من ربك﴾ (٤)، وقوله: ﴿الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه﴾ (٥).\n_________\n(١) هداية العقول.\n(٢) أي في المعنى. أما في اللفظ فـ (من) موصول. والمعنى (من كان يرجو الله واليوم الآخر فله في رسول الله أسوة حسنة).\n(٣) سورة الأعراف: آية ١٥٧، ١٥٨\n(٤) سورة الأنعام: آية ١٠٦\n(٥) سورة الزمر: آية ١٨","vol":"1","page":193},{"text":"ومن اتباع الأفعال قوله تعالى: ﴿والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم﴾ (١)، وقوله: ﴿وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض﴾ (٢).\nوقد أورد بعضهم على الاحتجاج بالآيات المذكورة، أنها ليست عامة، بل مطلقة، والمطلق يتحقق في ضمن فرد من أفراده، فربما كان المراد اتباعه في القول خاصة.\nوأجاب أبو الحسن البصري، بأن الإطلاق يقتضي صحة الاتّباع في كل ما يصدق عليه. قال: \"إن إطلاق قوله ﴿واتبعوه﴾ وإن لم يفد العموم، فإنه يفيد أن لنا اتباعه في أفعاله لأن ذلك اتباع له، والخطاب مطلق\" (٣).\nويرى القاضي عبد الجبار: \"أن الاتباع إذا أطلق انصرف إلى اتباع الأفعال، كاتباع الإمام، أما طاعة الأقوال فتسمى \"امتثالًا\"، ولا تسمّى \"اتباعًا\" إلاّ مقيّدًا\" (٤).\nالآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿فلما قضى زيد منها وطرًا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهم وطرًا﴾ (٥) قال المستدلون بها: \"لولا أن اتباعه - ﷺ - فيما يفعله يفيد الحكم الشرعي في حق الأمة، لما كان للآية معنى، لأن معناها: أنه ينتفي عنهم الحرج في نكاح مطلقات أدعيائهم، بكونه - ﷺ - تزوّج مطلقة دعيه، وهذا لا يتمّ ما لم يكن متقررًا أن أفعاله حجة\" (٦).\nوقد اعترض على الاستدلال بالآية بأنها واردة في متابعته - ﷺ - في تزوّج مطلقات الأدعياء، وليس فيها ما يدل على التأسّي في غير ذلك من الأفعال.\n_________\n(١) سورة الطور: آية ٢١\n(٢) سورة البقرة: آية ١٣٥\n(٣) المعتمد ١/ ٣٨٤\n(٤) المغني ١٧/ ٢٦٠، ٢٦١\n(٥) سورة الأحزاب: آية ٣٧\n(٦) انظر الآمدي ١/ ٢٦٦ - ٢٦٨، أبو الحسين البصري: المعتمد ١/ ٣٨٤، ابن تيمية مجموع الفتاوى الكبرى ١٥/ ٤٤٣","vol":"1","page":194},{"text":"وأجيب عن ذلك بأنه ليس فيها دلالة على خصوص متابعة المؤمنين للنبي - ﷺ - في ذلك، ولولا أن التأسّي بالنبيّ - ﷺ - في ما يصنعه قاعدة شرعية عامة، لما فهم الصحابة ﵃ الحكم في ذلك في حقهم.\nولذلك قال الآمدي: وهذا من أقوى ما يستدل به ها هنا.\nوعندي في الاستدلال بهذه الآية نظر. فإن إباحة التزويج كانت معلومة منذ نزل تحريم التبني، وبيان فساد ما سبق وقوعه منه، في قوله تعالى: ﴿وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلك قولكم بأفواهكم ..﴾ إلى قوله: ﴿.. وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به﴾ (١) مع قوله تعالى في المحرمات ﴿وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم﴾. وإلغاء نظام التبني إلغاء لكل ما ترتب عليه، ومن ذلك ما كانوا يعتقدونه من تحريم مطلقات الأدعياء.\nإذن ليس الغرض من تزويجه - ﷺ - بزينب الإعلام بالحكم، فإن العلم به حاصل من قبل.\nولكن العادات لها سلطان قويّ على النفوس، ويصعب مخالفتها، ويجد الإنسان في ذلك حرجًا كبيرًا. وكم من لباس مباح نافع للناس، يمتنع الإنسان من لبسه، وهو يعلم أنه حلال، لمجرد أنه يجد الحرج في ذلك، لعدم جريان العادة بلبسه في بيئته. وكذلك في المناكح والعلاقات الاجتماعية وغيرها. والروّاد هم الذين لا يبالون بذلك الحرج، فيفعلون الحسن لحسنه، وبذلك يكوّنون عادات جديدة نافعة، ويوجدون قبولًا لها في بيئتهم، وبذلك يفتحون المجال أمام غيرهم لينتفعوا بتلك العادات الجديدة. وهذا عين ما تشير إليه الآية (٢).\n_________\n(١) سورة الأحزاب: آية ٤\n(٢) لم أجد أحدًا من المتقدمين أشار إلى هذا المعنى. ثم وجدت الأستاذ الفاضل محمد مصطفى شلبي ذكره، وأكد لي ما فهمته، حيث قال في كتابه \"تعليل الأحكام\" ص ١٧ ما نصه (أمر الله رسوله الكريم بزواجها، معللًا هذا الحكم بدفع الحرج والضيق عن المؤمنين في إقدامهم على ذلك الفعل. وكيف لا يكون حرج وقد كانت عادة التبني في الجاهلية فاشية =","vol":"1","page":195},{"text":"فليس الحرج المطلوب إبطاله في الآية إذن هو الحرج من جهة الله تعالى، وهو الإثم، ولكن الحرج هو الضغط الاجتماعي المانع من العمل بما أباحه الشرع.\nوبذلك لا تكون الآية دالة على المطلوب في هذا الموضع. وبالله التوفيق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-121>ثانيًا: الأدلة من السنة</span>\nلا يصلح الاحتجاج بالسنة الفعلية في هذا المقام، لأنه يكون من باب إثبات الشيء بنفسه. وإنما يصح الاحتجاج هنا بالسنة القولية.\nوقد ورد مما يدل على ذلك أمور:\nالأول: أن قومًا سألوا عن عبادة النبي - ﷺ -. فكأنهم تقالّوها، فأراد أحدهم أن يقوم الليل فلا ينام، والآخر أن يصوم فلا يفطر، والثالث أن لا يتزوج النساء. فلما علم النبي - ﷺ - بأمرهم، قال: \"أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ \" قالوا: نعم. قال: \"لكني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني\" (١).\n_________\n= فيهم متأصلة، حتى حكموا للأدعياء بما للأبناء من الحقوق، فلو اقتصر القرآن في إبطال التبني على قوله: ﴿وما جعل أدعيائكم أبنائكم﴾ لشق على بعض النفوس الإقدام على نكاح حليلة المتبنى مخافة لوم الآخرين. لذلك شاء الله ما كان من زواج زيد لزينب، وحصول الكراهة بينهما، ووقوع الشكاية، حتى يتم الفراق، وأمر رسوله - ﷺ - بنكاحها ليقطع جذور هذه العادة، فإذا أقدم غيره من المؤمنين على مثل هذا أجاب بقوله: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ اهـ.\nثم وجدت صاحب مسلم الثبوت وشارحه (٢/ ١٨١) يقولان: \"القول ينفي الحرج شرعًا لا طبعًا. فإن الإنسان كثيرًا ما يتحرج من فعل المباح لما (يرى) فيه من المداهنة. ينفر الطبع، وفعل الرسول المتبوع ينفيهما جميعًا\" وهو توجيه مقبول، إلا أنه يلزمه أن هذا الفعل لا يتعين بيانًا شرعيًا، وهو مطلوبنا، خاصة وقد كان البيان القولي في هذه المسألة سابقًا للفعل.\n(١) رواه مسلم ٩/ ١٧٦ والبخاري أول كتاب النكاح.","vol":"1","page":196},{"text":"فقد أنكر عليهم مخالفته فيما يفعله، وذلك دالّ على المطلوب.\nثم أخبرهم بما يفعله هو، وغرضه أن يقتدوا به في ذلك، وفي هذا دلالة أخرى.\nثم وضع قاعدة عامة \"من رغب عن سنتي فليس مني\" ولفظ (السنة) هنا عام، وقد ورد على سبب معين هو الاقتداء بالأفعال، وقد تقرر في علم الأصول أن صورة السبب قطعيّة الدخول في العام. فثبت المطلوب. ويدلّ ذلك على أن الأفعال النبوية جزء من السنة النبوية يحتج به كما يحتج بالأقوال.\nالثاني: أن النبي - ﷺ - كان إذا عرض الأمر الذي هو بحاجة إلى بيان حكمه، يذكر للقوم أحيانًا، أن يفعله (١)، ويرى ذلك كافيًا في البيان. ولا يكون كافيًا ما لم يكن متقرّرًا أن فعله دليل وحجة. ومن ذلك على سبيل التمثيل لا الحصر:\n١ - حديث جبير بن مطعم عن النبي - ﷺ - في صفة الغسل، أنه قال: \"أما أنا فأفيض على رأسي ثلاثًا\". وأشار بيديه كلتيهما (٢).\nوروي مثله من حديث جابر (٣).\n٢ - وحديث أنس: \"إني لأتوب إلى الله تعالى في اليوم سبعين مرة\" (٤).\n٣ - وحديث أبي رافع: \"إني لا أخيس بالعهد ولا أحبس البُرُد\" (٥).\n٤ - وحديث عائشة أن رجلًا قال: يا رسول الله، تدركني الصلاة وأنا جنب، فأصوم؟ قال: \"وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم\" (٦).\n_________\n(١) ابن تيمية: الفتاوى الكبرى ١٨/ ٩\n(٢) البخاري (فتح الباري ١/ ٣٦٧) ومسلم وأصحاب السنن (الفتح الكبير).\n(٣) أحمد ومسلم (الفتح الكبير).\n(٤) النسائي وابن حبان (الفتح الكبير).\n(٥) أحمد وابن حبان أبو داود والنسائي (الفتح الكبير) والبرد جمع بريد، وهو الرسول.\n(٦) أحمد ومسلم (نيل الأوطار ٤/ ٢٢٥)","vol":"1","page":197},{"text":"وروي مثله عن أم سلمة. فقد سأل عمر بن أبي سلمة رسول الله - ﷺ -: أيقبِّل الصائم؟ قال: \"سل هذه الأم سلمة. فأخبرته أن رسول الله - ﷺ - يفعل ذلك (١).\n٥ - حديث عائشة، أن رجلًا سأل النبي - ﷺ -، عن الرجل يجامع أهله ثم يكسل. وعائشة جالسة. فقال رسول الله - ﷺ -: \"إني لأفعل هذا أنا وهذه ثم نغتسل\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-122>ثالثًا: دليل الإجماع</span>\nنجد الصحابة ﵃ فمن بعدهم من التابعين والأئمة، قد ورد عنهم ما لا يكاد يُحصى كثرة، الاحتجاج بالسنة العملية.\nوالذي عن الصحابة من ذلك صنفان:\nالأول: القول الصريح الناطق بأن أفعال النبي - ﷺ - حجة.\nوالثاني: الاحتجاج عمليًّا بالفعل النبوي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>فمن النوع الأول:</span>\n١ - أن أبا بكر ﵁ جاءته فاطمة بنت رسول الله - ﷺ -، تسأله ميراثها من رسول الله - ﷺ -. فقال أبو بكر: إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"لا نورث، ما تركنا صدقة\" إنما يأكل آل محمد في هذا المال، وإني والله لا أدع أمرًا رأيت رسول الله - ﷺ - يصنعه فيه إلا صنعته (٣) وفي رواية قال أبو بكر: لست تاركًا شيئًا كان رسول الله - ﷺ - يعمل به إلا عملته، وإني أخشى إن تركت شيئًا من أمره أن أزيغ (٤).\n٢ - حديث عمر، قال له يعلى بن أمية: ألا تستلم هذين؟ يعني الركنين من\n_________\n(١) مسلم (نيل الأوطار ٤/ ٢٢٣)\n(٢) مسلم (نيل الأوطار ١/ ٢٤٢)\n(٣) أحمد في المسند ١/ ٤\n(٤) أحمد في المسند ١/ ٦","vol":"1","page":198},{"text":"الكعبة اللذين من جهة الحِجْر. قال عمر: ألم تطف مع رسول الله - ﷺ -؟ قال: بلى. قال: أليس لك في رسول الله أسوة حسنة؟ قال: بلى. قال: فانفذ عنك (١).\nفقوله ﵁: \"أليس لك في رسول الله أسوة حسنة\" إثبات أنه يرى أن الفعل النبوي حجة. ويفيد أيضًا أنه يرى الآية دالّة على ذلك، وأن هذا هو تفسيرها، كما تقدم. وهكذا يقال في الأحاديث التالية.\n٣ - عن ابن عباس أن عمر بن الخطاب أكَبَّ على الركن (٢) فقال: \"إني لأعلم أنك حجر، ولو لم أر حبيبي - ﷺ - قبّلك أو استلمك، ما استلمتك ولا قبلتك، لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة\" (٣).\n٤ - حديث علي (٤) في مناظرته للخوارج، إذ نقموا عليه التحكيم، كان في ما قال لهم: نقموا عليَّ أني لما كاتبت معاوية، كتبت: عليّ بن أبي طالب: (يعني: لم يكتب: أمير المؤمنين) وقد جاء سهيل بن عمرو، فكتب رسول الله - ﷺ - (بسم الله الرحمن الرحيم) قال: لا تكتب بسم الله الرحمن الرحيم. قال: وكيف نكتب؟ قال سهيل: اكتب: باسمك اللهم. فقال رسول الله - ﷺ -: فاكتب: محمد رسول الله. فقال: لو أعلم أنك رسول الله لم أخالفك. فكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله قريشًا. قال علي: ويقول الله تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر﴾.\n٥ - حديث عائشة، عندما سئلت عن القبلة للصائم. قالت: كان رسول الله - ﷺ - يفعله، ولكم في رسول الله أسوة حسنة (٥).\n_________\n(١) أحمد ٤/ ٤٢٢\n(٢) يعني الركن الذي فيه الحجر الأسود.\n(٣) أحمد في المسند ١/ ٢١ قال أحمد شاكر \"صحيح. وله طرق كثيرة\" قلت هو في الصحاح والسنن من طرق، لكن ذكر الأسوة الحسنة ليس إلا في هذه الرواية لأحمد. وهي صحيحة.\n(٤) مجمع الزوائد ٦/ ٢٣٥ وقال: رواه أبو يعلى ورجاله ثقات. والحاكم في المستدرك ٣/ ١٥٢\n(٥) أحمد ٦/ ١٩٢","vol":"1","page":199},{"text":"٦ - أن ابن عمر سئل عن رجل طاف بالبيت في عمرة، ولم يطف بين الصفا والمروة، أيأتي امرأته؟ فقال: قدم النبي - ﷺ - فطاف بالبيت سبعًا، وصلّى خلف المقام ركعتين، وطاف بين الصفا والمروة سبعًا، وقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة (١).\n٧ - حديث ابن عمر أيضًا: أن أحد أصحابه نزل عن راحلته فأوتر ثم أدركه، فقال له ابن عمر: أين كنت؟ قال: خشيت الفجر، فنزلت فأوترت. فقال ابن عمر: أليس لك في رسول الله أسوة حسنة؟ قال: بلى والله. قال: إن رسول الله - ﷺ - كان يوتر على البعير (٢).\n٨ - عن أنس أنه صلّى على حماره لغير القبلة، فلما أنكروا عليه قال: \"لولا أني رأيت رسول الله - ﷺ - يفعله ما فعلته\" (٣).\nفهذه آثار مختلفة، يحتج فيها الصحابة، بأن لنا \"في رسول الله - ﷺ - أسوة حسنة\" على أن الحكم الشرعي يؤخذ من فعله - ﷺ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>والنوع الثاني:</span>\nما ورد مما لا يكاد يحصى كثرة، من بيان الصحابة للأحكام بنقلهم ما كان رسول الله - ﷺ - يفعله، في طهاراته وصلاته وصيامه وحجه، وفي بيعه وشرائه، ومعاشرته لزوجاته، ومعاملته لأهل الحرب وغيرهم. ويرون ذلك دينًا، وأنه تقوم به الحجة على الناس إذا علموا به. ونحن في غنى عن التمثيل لهذا النوع لكونه لا يخفى على أحد ممن له صلة بفقه السنة النبوية.\nهذا وقد ردّ الرازيّ (٤) والغزالي (٥) الاستدلال بالسنة والإجماع في هذه\n_________\n(١) حديث ابن عمر في العمرة: رواه البخاري (فتح الباري ٣/ ٦١٥)\n(٢) حديث ابن عمر في الوتر على الراحلة: رواه مسلم ١/ ٤٨٧ وهو في الموطأ أيضًا في باب صلاة الليل.\n(٣) مسلم ١/ ٤٨٨\n(٤) المحصول ق ٥٠ أ.\n(٥) المستصفى٢/ ٥١","vol":"1","page":200},{"text":"المسألة. قال الرازي: \"هذه أخبار آحاد لا تفيد العلم\". وأيضًا: أكثر هذه الأخبار واردة في الصلاة والحج، فلعله - ﷺ - كان قد بيّن لهم أن شرعه وشرعهم سواء في هذه الصور. قال - ﷺ -: \"صلوا كما تروني (كذا) أصلي\". وقال: \"خذوا عني مناسككم\". اهـ.\nوالشبهة الأولى التي ذكرها، مردودة بأنّ الأخبار الواردة في ذلك وإن كان كل منها بذاته خبر آحاد، إلا أنها متواترة معنويًّا، لاتفاقها على ذلك المعنى.\nوالشبهة الثانية مردودة أيضًا، إذ هي دعوى مخالفة للواقع، وخيال لا حقيقة له، فإن أهل العلم والفقه منذ عصر الصحابة، ما زالوا يعتبرون الاقتداء به - ﷺ - في أفعاله دينًا وشرعًا. ولا يخلو كتاب من كتب الفقه المدللة من الاحتجاج بأفعاله - ﷺ - في غير الصلاة والحج، كالطهارة، والبيع، والنكاح، والحرب، وغير ذلك. ونُقِل ذلك عن الصحابة فمن بعدهم. وإنكار ذلك مكابرة.\nوقد أحسن الآمدي بالإعراض عن هاتين الشبهتين وإغفال ذكرهما.","vol":"1","page":201},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-125>المبحث الثاني الشبه التي تورد على حجية الفِعل النبوي</span>\nثبت بما ذكرناه من الكتاب والسنة القولية والإجماع، أن الأصل في أفعاله - ﷺ - أنها حجة، تستفاد منها الأحكام في حق الأمة، بالاقتداء به فيها - ﷺ -. ومنشأ حجيّة الأفعال النبوية يمكن إيضاحه كما يلي:\n١ - لله تعالى في أفعال نبيه - ﷺ - أحكام شرعية معينة.\n٢ - وهو - ﷺ - عالم بتلك الأحكام.\n٣ - ويريد بفعله مطابقتها.\n٤ - ويعلم أن الفعل مطابق للحكم.\nفينتج أن فعله مطابق لحكم الله في حقه.\n٥ - وحكم أفعالنا المماثلة لأفعاله، كحكم أفعاله.\nفها هنا خمسة أمور، وما يورد من الشبه على حجية الفعل النبويّ، يرد في واحدٍ أو أكثر من هذه الأمور.\nفنذكر هذه الأمور الخمسة بالترتيب، ونذكر ما قد يورد على كل منها. فيكون الكلام على ذلك في خمسة مطالب:","vol":"1","page":202},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-126>المطلب الأول أن لفعله ﷺ عند الله تعالى حكمًا شرعيًا</span>\nوذلك أنه - ﷺ - بش ر مكلّف كسائر المكلفين، إذ هو عبد مربوب، وقد نزل عليه الوحي آمرًا وناهيًا.\nوالذي قد يورد على هذا، أن يقال: ليس كل فعل فيه حكم شرعي، وإذا لم يكن في كل فعل حكم شرعي، احتمل أن يكون ما فعله - ﷺ - صادرًا عن العمل على مرتبة الإباحة العقلية، أي بناء على أن لا حكم في المسألة، فإذا استفيد من فعله حكم الفعل في حقنا، نسب ذلك إلى الشرع. فكانت الاستفادة خطأ.\nوالذي نقوله في هذه الشبهة: إنها لا يمكن إيرادها على أحكام الأفعال التي يُتَقَرَّبُ بها واجب ومندوب، وإنما على الأفعال التي يفعلها - ﷺ - على درجة الإباحة، فتلك يحتمل فيها هذا القول. فمن قال بوجود مرتبة العفو في الشريعة، لزمه أن يقول إن تلك الأفعال لا تدل على الإباحة الشرعية، بل على الإباحة العقلية، أعني أن الفعل الذي فعله - ﷺ - يكون خاليًا عن حكم شرعي.\nومن نفى مرتبة العفو أصلًا لم يلزمه ذلك.\nوقد تقدم الكلام في مرتبة العفو.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>المطلب الثاني أنه ﷺ عالم بالحكم الشرعي في حق نفسه</span>\nفقد ضمن له الله تعالى أن لا ينسى شيئًا من الكتاب الموحى إليه به، وضمن الله تعالى أن عليه بيانه لرسوله - ﷺ -. فالأحكام الموحى بها إليه - ﷺ - ظاهرة عنده لا تخفى. وهذا العنصر الهام هو أحد الدواعي التي تحدو بعلماء الملة إلى تتّبع أفعاله - ﷺ - لأجل الاقتداء بها. وقد أشار إليه جابر بن عبد الله الأنصاري، رضي الله","vol":"1","page":203},{"text":"عنه، في سياق وصفه لحجة الوداع، عندما قال: \"أذّن رسول الله - ﷺ - في الناس (بالحج) في السنة العاشرة: أن رسول الله - ﷺ - حاجّ. فقدم المدينة بشر كثير، كلهم يلتمس أن يأتمَّ برسول الله - ﷺ -، ويعمل مثل عمله ...، ورسول الله بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل به من شيء عملنا به\" الحديث (١).\nوالذي قد يورد على هذا الأصل أنه - ﷺ - قد يفعل باجتهاد، ويخطىء، في ذلك الاجتهاد كما تقدم.\nإلاّ أن الجواب عن هذا الإيراد واضح وهو أن الله تعالى لا يقرّ رسوله على خطأ في الاجتهاد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>المطلب الثالث أنه ﷺ يريد بفعله موافقة الحكم الشرعي في حقه</span>\nوالذي قد يورد على هذا شبه أربع:\nالشبهة الأولى: أن يقال: قد أجاز بعض الأصوليين صدور المعصية عنه - ﷺ - عمدًا إذا كانت صغيرة (٢)، مع احتمال أن لا ينزل تصحيح لذلك، كما تقدم. فلو استفدنا الحكم من فعله لزم الاقتداء به في ما هو محرم.\nوالجواب من وجهين:\n١ - أن يقال: إن من أجاز ذلك أجازه على سبيل الندرة، والنادر لا يلغي\n_________\n(١) حديث جابر في حجة الوداع: رواه مسلم ٢/ ٨٨٦\n(٢) أورد هذا أبو المعالي الجويني على قول من جوز تعمد الصغيرة على الأنبياء. انظر المحقق لأبي شامة ق ١٥ وأورده التميمي الحنبلي وجعله مؤيدًا لقول الوقف في الفعل المجرد. انظر التمهيد لأبي الخطاب: ق ٩٠ ب.","vol":"1","page":204},{"text":"القانون العام الذي ثبت بالأدلة المتقدمة. بل الأصل في أفعاله - ﷺ - أنه يريد بها الموافقة. وهذا جواب المازري، وأقرّه أبو شامة، وقرّره الآمدي (١).\n٢ - أن يقال: من أجاز صدور الصغيرة عنه - ﷺ - إنما أجازها فيما لا ينبني عليه تشريع، فإذا انبنى عليها تشريع امتنعت عند قوم (٢)، ولزم التنبيه عند آخرين، كما تقدم، لئلا يستقر في الشريعة ما هو مخالف لأحكام الله، إذ الشريعة معصومة بالإجماع.\nهذا وقد تتقوى هذه الشبهة بتدخل عنصر معيّن، وهو أن الله تعالى أمدَّ رسوله - ﷺ -، جزاء صبره على تكاليف الدعوة إلى أن فتح عليه، أمدّه بمغفرة سابقة لما قد يقع منه من المخالفات. قال تعالى في أول سورة الفتح: ﴿إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا * ليغفر لك الله ما تقدّم من ذنبك وما تأخر﴾ فقد يُظَن أن ذلك مما يدعوه - ﷺ - إلى الاسترسال وعدم التحرّج، اعتمادًا على المغفرة السابقة.\nوقد عرضت هذه الشبهة في الأفعال النبوية لبعض الصحابة.\nففي صحيح مسلم عن عائشة ﵂: \"أن رجلًا جاء إلى النبيّ - ﷺ - يستفتيه، وهي تسمع من وراء الباب، فقال: يا رسول الله، تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم، فقال رسول الله - ﷺ -: وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم. فقال: لست مثلنا يا رسول الله، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. فقال: والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله، وأعْلَمكلم بما أتقي\" (٣)، وفي رواية أبي داود: \"وأعلمكم بما أتّبع\". وفي مسند أحمد: \"وأعلمكم بحدوده \". وفي رواية: \"وأحفظكم لحدوده\".\n_________\n(١) الإحكام ١/ ٢٥٠\n(٢) منهم أبو عبد الله البصري، والقاضي عبد الجبار المعتزلي، انظر كتابه: المغني ١٥/ ٢٨٨ حيث يقول: \"لم يثبت أن لا فعل إلا ويجب التأسي فيه، وإنما يجوز ذلك على وجه التأويل، وما هذا حاله لا تجوز فيه المعصية، وإنما يجوز ذلك على وجه التأويل فيما لا يتعلق بالشرائع\". ونقل مثل ذلك عن أو عبد الله (البصري) ١٥/ ٢٨٧\n(٣) صحيح مسلم، ط عبد الباقي ٢/ ٧٨١","vol":"1","page":205},{"text":"والحديث في الموطأ أيضًا.\nفلعلّ الذي خطر ببال الصحابي السائل أن بقاء النبي - ﷺ - على الجنابة أثناء الصوم يحتمل أن يكون معصية، وقد أقدم عليها اعتمادًا على المغفرة السابقة.\nوربما كان ما خطر بباله أنه - ﷺ - لم يهتمّ بتعرّف الحكم في المسألة، اعتمادًا على المغفرة المشار إليها.\nوكان جوابه - ﷺ - مبطلًا لكلا الاحتمالين:\nفقوله: \"إني أخشاكم لله\" ردّ للاحتمال الأول. وهو إشارة إلى أن المغفرة لم تمنع كمال الخشية، لعلمه - ﷺ - بجلال ربّه وعظمته.\nوقوله: \"وأعلمكم بما أتقي\"، ردّ للاحتمال الثاني، إذ هو - ﷺ - أعلم الأمة بمرادات ربه في الوحي المنزّل إليه. وقد أشرنا إلى ردّ هذا الاحتمال في المطلب الثاني المتقدم.\nالشبهة الثانية: أنه - ﷺ - قد يفعل المكروه لبيان الجواز، كما تقدم. فما يؤمّننا أن يكون الفعل الذي نراه مفيدًا للإباحة، هو في الأصل مكروه وقد فعله - ﷺ - لبيان الجواز، فتكون استفادتنا للحكم خطأ.\nويجاب عن هذا بأنه لا بد أن تتبين كراهته إما بنهي عنه في موضع آخر، أو بالقرائن.\nالشبهة الثالثة: أنه - ﷺ - كان يعامل الناس بما يتألفهم ولا ينفرهم، وقد قال الله تعالى له: ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾ (١).\nفما يؤمّننا أن يكون الفعل الذي نريد أن نقتدي به فيه مكروهًا أو محرمًا عليه في الأصل، ولكن أبيح له فعله للمصلحة الراجحة من تأليف القلوب، وحسن السياسة، والتوصّل إلى ما هو أهم وأعظم.\n_________\n(١) سورة آل عمران: آية ١٥٩","vol":"1","page":206},{"text":"والقاعدة المقررة عند الفقهاء \"جواز ارتكاب أدنى المفسدتين لدرء أعلاهما\" والقاعدة الأخرى \"احتمال المفسدة المرجوحة لتحصيل المصلحة الراجحة\" ولم تزل هاتان القاعدتان دستور الساسة المهرة في كل العصور، وقد اتفقت على صحتهما الأمم.\nوقد قال الله تعالى: ﴿لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة﴾ (١).\nوأباح الله تعالى النطق بكلمة الكفر للتخلّص من الأذى، إذا اطمأن القلب بالإيمان.\nوقال ابن حجر: روينا في مسند الروياني وغيره بإسناد صحيح عن أبي ذر أن رسول الله - ﷺ - قال له: \"كيف ترى جُعيْلًا؟ \" قال: كشكله من الناس، يعني المهاجرين. قال: \"فكيف ترى فلانًا؟ \" قال: سيد من سادات الناس. قال: \"فجعيل خير من ملء الأرض من فلان\". قال: قلت: ففلان هكذا وأنت تصنع به ما تصنع؟ قال: \"إنه رأس قومه فأنا أتألفهم به\" (٢).\nفقد كان رسول الله - ﷺ - يكرّم ذلك الرجل تألُّفًا لقومه دون أن يكون أهلًا للكرامة لذاته.\nوقد أجاب القاضي عبد الجبار بمنع جواز التُّقْيَة للرسول، في ما أمر بأدائه، يقول: \"ولو كانت مجوّزة لم تعظم رتبة النبي، لأنها إنما تعظم لأنه يتكفّل بأداء الرسالة، والصبر على كل عارض دونه\" (٣).\nوالمعتمد في الجواب أن يقال: إن المهمّة الأولى لرسول الله - ﷺ - كانت البيان عن الله تعالى. فحيث كانت السياسة لا تتعارض مع البيان، فلا إشكال، كأن يقدّم بعض المباح ويؤخّر بعضه. ومنه عندي حديث جعيل، المتقدم.\n_________\n(١) سورة آل عمران: آية ٢٨\n(٢) فتح الباري ١/ ٨٠\n(٣) المغني ١٥/ ٢٨٤","vol":"1","page":207},{"text":"وحيث تعارضا، فإن كان هناك قرائن تبيِّن أنه - ﷺ - فعل ما فعل، على سبيل السياسة، فالأمر واضح، وإيس منهلاّ امتنع أن يكون فعله له مكروهًا أو محرمًا، لأنه يؤدي إلى أن يستقر في الشريعة ما ليس منها. والله أعلم.\nالشبهة الرابعة: أنه - ﷺ - قد يكون له عذر فيما فعل، أي أن يكون فعل الفعل على سبيل الرخصة، كأن يكون أفطر في رمضان، ويكون إفطاره لأجل مرض خفيّ.\nومثاله أيضًا: أن يكون قد صلّى في ملابسَ دونٍ، لقلة الملابس اللائقة بجلال الصلاة، فمن اقتدى به - ﷺ - في ترك الملابس الفاخرة في الصلاة، كان ذلك خطأ.\nومثاله أيضًا: مما ورد في السنن أن النبي - ﷺ - كان يكثر الإنفاق حتى لا يبقي شيئًا. ويتقشف في معيشته. يحتمل أن يكون ذلك للحاجات والضرورات الواقعة في المجتمع الإسلامي مما لا بدّ من الوفاء به. فإن اقتدي به في ذلك في السعة كان خطأ.\nونظير ذلك في الإقرار ما ورد عن أبيّ بن كعب أنه قال: الصلاة في الثوب الواحد سنة، كنا نفعله مع رسول الله - ﷺ - ولا يعاب علينا، فقال ابن مسعود: إنما كان ذلك إذ كان في الثياب قلة، فأما إذ وسّع الله فالصلاة في الثوبين أزكى (١).\nومن هنا وقع الخلاف في المنيّ، ففي حديث عائشة أنها كانت تفركه من ثوب رسول الله - ﷺ - فركًا فيصلي فيه (٢). قال الشافعية والحنابلة: ذاك دليل طهارته. وقال الحنفية: هو نجس، ويجزئ فرك يابسه.\nومثاله أيضًا: تعامل النبي - ﷺ - بالدنانير الذهبية، والدراهم الكسروية، وإقراره التعامل بها، مع ما عليها من صور القياصرة، ومعابد النيران. يحتمل أن\n_________\n(١) أحمد في المسند ٥/ ١٤١\n(٢) رواه مسلم ٣/ ١٩٦","vol":"1","page":208},{"text":"يكون فعل ذلك من باب الضرورة لعدم إمكان سكّ نقود جديدة خالية من ذلك على عهده - ﷺ - (١).\nومثاله أيضًا: تركه أن يصلي العيد بالمسجد، بل خرج إلى المصلى، يحتمل أنه فعل ذلك لضيق المسجد عن أن يتسع لجميع القادمين لصلاة العيد، ويحتمل أن ذلك هو السنة.\nوالجواب: أن أفعاله هذه موافقة للحكم الشرعي في حقه - ﷺ -، وهو الرخصة، وليست مخالفة لها. والواجب الفحص عنها على أي وجه وقعت، وما العذر الذي لأجله حصلت. وهذا هو ما يصنعه المجتهدون حيال مثل هذه الأحاديث. فإذا علموا السبب أناطوا الحكم به. وإذا جهل السبب فيكون الظاهر أن الحكم مطلق، ويعمل بذلك الظاهر. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>المطلب الرابع أنه ﷺ عالم بمطابقة فعله للحكم الشرعي</span>\nوالذي قد يورد على هذا، أن النبي - ﷺ - لكونه بشرًا، قد ينسى كما تقدم. وربما فعل أثناء ذلك النسيان، أو ترك، ما هو معذور به، فنبني عليه أحكامًا شرعية. وذلك خطأ.\nوالجواب: ما تقدم في بحث العصمة من أنه - ﷺ - إذا فعل نسيانًا ما هو مخالف للحكم الشرعي، فإنه ينبّه لذلك، لئلا يُقْتَدى به فيه.\nأما على قول من منع النسيان في ما ينبني عليه حكم شرعي، فالجواب واضح.\n_________\n(١) الشيخ عبد المجيد وافي جعل هذا الوضع دليلًا على إباحة استعمال الصور وأنكر على النووي قوله بالتحريم. انظر مقاله في كتاب (عمر- نظرة عصرية جديدة) ط مؤسسة الدراسات العربية، بيروت ص ١٦١","vol":"1","page":209},{"text":"وقد يورد عليه أيضًا على أصول الحنفية، أنهم أثبتوا في أفعاله - ﷺ - الزَّلة، وعرفوها بأنها \"اسم لفعلٍ غير مقصود في عينه، لكنه اتّصل به الفاعل عن فعلٍ مباحٍ قَصَدَه، فزلّ بشغله (به) عنه إلى ما هو حرام لم يقصده أصلًا\" (١).\nوالجواب: عن هذا الإيراد أنهم التزموا أن الزّلة لا بدّ من اقترانها ببيان أنها زلّة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>المطلب الخامس أن حكم أفعالنا المماثلة لأفعاله ﷺ، كحكم أفعاله ولا فرق</span>\nفما كان واجبًا عليه فهو واجب علينا، وما كان مندوبًا له فهو مندوب لنا، وما هو حلال له فهو لنا حلال.\nومقتضى هذا أننا إذا علمنا أنه - ﷺ - فعل فعلًا على وجه الوجوب وجب علينا أن نفعله. وإذا فعل فعلًا على وجه الندب، وجب علينا اعتقاده مندوبًا لنا وصح منا التنفل به. وإذا فعله على وجه الإباحة وجب اعتقاده مباحًا لنا وجاز لنا أن نفعله.\nوالذي قد يورد على هذا الأصل، أنه قد ثبت للنبي - ﷺ - أفعال خاصة به أجمعت الأمة عليها، فما يؤمِّننا أن الفعل الذي نريد الاستدلال به هو أحد الخصائص، فيكون الاستدلال به خطأ؟.\nوالجواب: أن ما علم بدليل، أنه من خصائصه - ﷺ - خرج عن هذه القاعدة، إذ كونه خاصًّا به يقتضي أن لا نشاركه في حكمه.\n_________\n(١) البزدوي: أصول البزدوي ص ٩٢٠","vol":"1","page":210},{"text":"وما علمنا بدليل خاص أنه مشترك بيننا وبينه - ﷺ - فحكمنا فيه حكمه بالاتفاق، لأجل ذلك الدليل الخاصّ الدالّ على التأسّي.\nوأما ما لم يعلم أنه خاصّ به، ولم يعلم أنه مشترك بيننا وبينه - ﷺ -، وهو أكثر أفعاله، فهذا محل الاشتباه، وعنده اختلفت أنظار الأصوليين.\nوسيأتي إيضاح الخلاف في ذلك واستيفاء القول فيه في الفصل التالي والذي بعده إن شاء الله.","vol":"1","page":211},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-131>الفصل الرابع أقسام الأفعال النبوية الصريحة ودلالة كل منها على الأحكام</span>\n١ - الفعل الجبلي.\n٢ - الفعل العادي.\n٣ - الفعل في الأمور الدنيوية.\n٤ - الفعل الخارق للعادة (المعجزات).\n٥ - الخصائص النبوية.\n٦ - الفعل البياني.\n٧ - الفعل الامتثالي (التنفيذي).\n٨ - الفعل المتعديّ.\n٩ - ما فعله - ﷺ - لانتظار الوحي.","vol":"1","page":213},{"text":"أقسام الأفعال النبويّة ودلالتها على الأحكام\nقدمنا في الفصل السابق أن أفعال الرسول - ﷺ - من حيث الجملة حجّة على الأمة. وأن ذلك هو الأصل فيها. وأثبتنا ذلك بالأدلة، ورددنا الشبه التي قد تورد على حجيتها.\nوفي هذا الفصل نستعرض الأفعال النبوية بأنواعها، ونبيّن ما يعرف به كل نوع، وهل يدل على حكم أو لا يدل عليه، والأحكام التي تدل عليها تلك الأنواع.\n\nأقسام الأفعال النبوية:\nفعله - ﷺ -: إما متعلق بغيره وهو الفعل المتعديّ، أو قاصر عليه.\nوفعله القاصر عليه إما أن يصدر عنه لداعي الجبلة، أو اتباعًا للعادة، أو لتقديره فيه منفعة أو دفع مضرة، أو هو تابع للشرع.\nوفعله التابع للشرع إما معجز أو غير معجز.\nوفعله غير المعجز إما أن يفعله لأنه مطلوب منه خاصة وهي الخصائص النبوية، أو هو مشترك بيننا وبينه.\nوالمشترك إما أن يعلم أنه متعلق بوحي معين، يفعله بغرض تبيين مجمل في ذلك الوحي أو مشكل وارد فيه، أو لمجرد امتثال الأمر الإلهي في ذلك الوحي. وإما أنه لا يعلم تعلقه بوحي معين.","vol":"1","page":215},{"text":"والذي لا يعلم تعلقه به إما أن يفعله مؤقتًا لانتظار الوحي، وإما أن يفعله على غير ذلك الوجه، وهو الفعل المبتدأ المجرّد.\nفانحصرت أفعاله - ﷺ - في عشرة أقسام (١)، هي كما يلي:\n١ - الفعل الجبِلّيّ.\n٢ - الفعل العَادي.\n٣ - الفعل الدنيوي.\n٤ - الفعل المعجز.\n٥ - الفعل الخاص.\n٦ - الفعل الامتثالي.\n٧ - الفعل المؤقّت لانتظار الوحي.\n٨ - الفعل المتعدّي.\n٩ - الفعل المبتدأ المجرّد.\nوسوف نعقد لكل قسم منها مبحثًا خاصًا من هذا الفصل، ونخص الفعل المبتدأ بفصل مستقل، نظرًا لأن البحث فيه هو لب باب الأفعال وأهمّ ما فيه، وما عداه إنما يذكره الأصوليون مع وضوحه، بقصد تحديد المراد بالفعل المبتدأ.\nوقبل التفصيل نشير إشارة مجملة لما يدل عليه كل قسم منها، فنقول: إن الفعل الجبلي والعادي والدنيوي لا قدوة فيها، ولا تدل على أكثر من الإباحة، والفعل المعجز والخاص كذلك لا قدوة فيهما، لما فيهما من معنى الاختصاص به - ﷺ -، والفعل البياني والامتثالي يقتدى بهما، والمؤقت لانتظار الوحي لا قدوة فيه إذا جاء الوحي بخلافه، والمجرّد فيه تفصيل، يعلم في موضعه.\nونقدم قبل ذلك بيان الطرق العامة التي يسلكها علماء الأمة، على اختلاف نزعاتهم، في استفادة الحكم من الفعل النبوي.\n_________\n(١) ذكر أبو الحسين البصري (المعتمد ١/ ٣٨٥) تقسيمًا للأفعال، ولم يحصر عددها، وحصرهما أبو شامة في ستة أقسام (المحقق ٣ ب) ونحن استوفينا حصرها استيفاء لم نطلع على مثله. وبالله التوفيق.","vol":"1","page":216},{"text":"طرق العلماء في حجية أنواع الأفعال النبوية، ودلالة كل منها على الأحكام:\nللعلماء في ذلك ثلاث طرق رئيسية:\nالطريقة الأولى: أن الفعل النبويّ بمجرده دالّ على الحكم في حقنا، يعني سواء علمنا حكمه بالنسبة إلى النبي - ﷺ -، أو لم نعلم.\nوأصحاب هذه الطريقة على ثلاثة مسالك:\nفمنهم من قال: هي دالة على الوجوب في حقنا.\nومنهم من قال: هي دالة على الندب في حقنا.\nومنهم من قال: هي دالة على الإباحة.\nالطريقة الثانية: أنها لا تدل على شيء في حقنا إلاّ باعتبار حكمها بالنسبة إليه - ﷺ -.\nفما فعله على وجه الوجوب فهو علينا واجب.\nوما فعله على وجه الندب فهو لنا مندوب.\nوما فعله على وجه الإباحة فهو لنا مباح.\nوما لم نعلم حكمه بالنسبة إليه - ﷺ - حملناه على أدنى الاحتمالات.\nورأى أبو علي بن خلاد أن التساوي بيننا وبينه - ﷺ - حاصل في أحكام العبادات خاصة، وأما فيما عداها فلا.\nالطريقة الثالثة: أنها ليست أدلّة بمجردها، وليست أدلة باعتبار حكمها بالنسبة إليه - ﷺ -، لاحتمال أن يكون الفعل الذي فعله من خصائصه - ﷺ - (١).\n_________\n(١) انظر: أبا الحسين البصري: المعتمد ١/ ٣٧٧، الآمدي: الإحكام ١/ ٢٤٧ وما بعدها. المحلي: شرح جمع الجوامع ٢/ ٩٧ - ٩٩، أبا شامة: المحقق ق ٢، ٣","vol":"1","page":217},{"text":"تحرير محل النزاع:\nليس الخلاف السابق ذكره هو في جميع الأفعال، بل ما كان من أفعاله - ﷺ - جبليًا أو شبهة، أو كان من خصائص، أو اقترن به دلالة خاصة على أن المراد به التأسّي، أو وقع بيانًا لشيء من آي الكتاب، فالأمر فيه واضح. وإنما الخلاف فيما وراء ذلك وهو الفعل المجرّد المبتدأ. والأقوال المذكورة إنما هي في هذا النوع (١).\n_________\n(١) سيأتي أن أبا شامة رأى أن الفعل الجبلي يندب لنا الموافقة فيه.","vol":"1","page":218},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-132>المبحث الأول الفِعل الجبلي</span>\nإن النبي محمدًا - ﷺ - كغيره من أنبياء الله، بشر كسائر البشر، لم يتميّز عن سائر البشر إلاّ بأن الله أوحى إليه برسالته، واختاره ليؤدي مهمة البلاغ وما يتبعها مما تقدم ذكره. قال الله تعالى: ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ أنما إلهكم إله واحد﴾ (١). ﴿قل سبحان ربي هل كنت إلّا بشرًا رسولًا﴾ (٢).\nوإن اختيار الله تعالى له لحمل الرسالة لم يَستتبع انخلاعه - ﷺ - من رتبة البشرية، بل بقي واحدًا من البشر، له مثل ما لهم من الحاجات البدنية والنفسية. وذلك مقتضى إنسانيته وبشريته، من أجل ذلك كان قضاؤه لتلك الحاجات أمرًا دعت إليه جبلته البشرية، وليس بمقتضى الرسالة، أما الذي بمقتضى الرسالة فهو الأفعال التشريعية التي يفعلها لتكون مطابقة لشرع الله تعالى.\nتنبيه: إن كان الفعل مما لا تقتضيه الجبلة كالركوع والسجود، ورفع اليدين في الدعاء، ونحو ذلك، فهو خارج عن هذا المبحث، بخلاف القيام والجلوس والاضطجاع والأكل والشرب.\nفإذا وجد المخالف لمقتضى الجبلة في الفعل العبادي، فهو مشروع فيها قطعًا، إما مستحبّ أو واجب، ما لا يُظَنّ أن النبي - ﷺ - فعله في أثناء العبادة لغرض بدني أو نحوه فيكون من المباح.\n_________\n(١) سورة فصلت: آية ٦\n(٢) سورة الإسراء: آية ٩٣","vol":"1","page":219},{"text":"ونضرب لذلك مثلًا بفرعين:\nالفرع الأول: تحويل الرداء في الاستسقاء، الجمهور أنه فعل تشريعي. وعن أبي حنيفة وبعض المالكية: لا يستحب من ذلك شيء (١).\nالفرع الثاني: وضع اليدين على الصدر في الصلاة، لا تقتضيه الجبلة، وقد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه فعله. قال الجمهور باستحبابه. وهو الذي ذكره مالك في الموطأ. وروى ابن القاسم عن مالك الإرسال، وصار إليه أكثر أصحابه، ومنهم من كره الإمساك (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-133>والأفعال الجبلية على ضربين:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-134>الضرب الأول:</span>\nفعل يقع منه - ﷺ - اضطرارًا دون قصد منه لإيقاعه مطلقًا، وذلك كما نقل أنه كان إذا سُرَّ استنار وجهه كأنه قطعة قمر (٣)، وإذا كره شيئًا رؤي في وجهه (٤)، وكتألمه من جرح يصيبه، أو حصول طعم الحلو والحامض في فمه من طعام يأكله، وما يدور في نفسه من حبٍّ وكراهة لأشخاص أو أشياء، مما لا سيطرة له على منعه أو إيجاده، ككراهيته أكل لحم الضب، وكراهيته قاتل حمزة.\nومثل هذا أيضًا ما يفعله في حالات اللاّوعي، كما يقع منه من الحركات وانتقال الأعضاء في منامه، أو غفلته، أو نحو ذلك.\nفهذا النوع لا حكم له شرعًا، لوقوعه دون قصد منه - ﷺ -، وهو لذلك خارج عن نطاق التكليف، ومن أجل ذلك لا يستفاد منه حكم، ولا يتعلق به أمر باقتداء ولا نهي عن مخالفة.\nومما يستأنس به لصحة هذه القاعدة ما ورد أن النبي - ﷺ - كان يقسم بين نسائه فيعدل، ويقول: \"اللهم هذا قسمي في ما أملك، فلا تلمني في ما تملك ولا\n_________\n(١) فتح الباري، مصطفى الحلبي ٣/ ١٥٢\n(٢) ابن حجر: فتح الباري ٢/ ٢٢٤\n(٣) متفق عليه (الفتح الكبير).\n(٤) الطبراني في الأوسط (الفتح الكبير).","vol":"1","page":220},{"text":"أملك\" (١). والذي لا يملكه - ﷺ - هنا هو ميل القلب إلى إحداهنّ أكثر من الأخرى. فهذا لا قدوة فيه، والمطلوب العدل قدر الإمكان.\nوقد يقع من الأفعال ما يشتبه فيه أنه اضطراري أو غير اضطراري، فيقع الاشتباه في حكمه على أساس ذلك. ومن ذلك ما ورد عن مطرّف بن عبد الله عن أبيه، قال: \"رأيت رسول الله - ﷺ - يصلي وفي صدره أزيز كأزيز الرَّحَى من البكاء\" (٢) - ﷺ - يحتمل أنه كان يستدعي البكاء بمناسبته لمقصود العبادة، فيدل على جواز استدعائه، ويحتمل أنه - ﷺ - كان يغلبه البكاء وهو لا يريده، فلا يدل على جواز استدعاء البكاء. ولا بد لنا أن نفرق في أمر المحبّة والكراهية ونحوهما أيضًا بين نوعين منهما، لكل نوع حكمه:\nالنوع الأول: المحبّة والكراهية الناشئتان عن تعويد النفس على موافقة الشرع، بمحبة المطلوبات الشرعية، وكراهية الممنوعات، هما فعلان دالاّن على الأحكام، وينبغي الاقتداء بهما. وقد روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به\" (٣). ففي هذا الحديث، إن صحّ، حثّ على معالجة النفس لتستجيب للدواعي الشرعية، وتتّبع ما جاء به الشرع.\nوالنوع الثاني: المحبة والكراهية الطبيعيتان، من محبة المستلذّات وكراهية المؤلمات. فهذا النوع هو المقصود هنا، وهو الذي لا قدوة فيه لخروجه عن سلطان الإرادة. ومن أجل ذلك قيّدْنا ما لا قدوة فيه من المحبة والكراهة بـ \"ما لا سيطرة له على منعه أو إيجاده\".\n_________\n(١) أحمد والأربعة والحاكم (الفتح الكبير) والنسائي.\n(٢) أبو داود ٣/ ١٧٢ وهذا لفظه والترمذي.\n(٣) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص (تفسير القرطبي ١٦/ ١٦٧) ولم يسنده إلى شيء من كتب الحديث. وفي الأربعين النووية (الحديث ٤١) فال النووي: \"هذا حديث صحيح رويناه في كتاب الحجة بإسناد صحيح\" وكتاب (الحجة) هو لأبي الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي الشافعي، ورواه الطبراني.","vol":"1","page":221},{"text":"فمن النوع الأول من المحبة والكراهة، وهي التي تدل على الحكم، ويقتدى به - ﷺ - فيها، ما ورد عن عائشة ﵂ أنه - ﷺ -: \"كان يحب التيامن ما استطاع في طهوره وتنعّله وترجّله وفي شأنه كله\" (١). وكان يحب من أصحابه أبا بكر وعمر، وقال لمعاذ: \"إني أحبّك\" (٢).\nوكان يكره النفاق والمنافقين، ويكره الكذب والكاذبين، وكان يكره أن يطأ أحد عقبه (٣).\nوفي كل ذلك من أمره قدوة.\nومن النوع الثاني، وهو المحبة والكراهة الطبيعيتان، ما ورد عن عائشة أنه - ﷺ - كان يحب الحلواء والعسل (٤)، ويحب الدبّاء (٥)، وكان أحب الشراب إليه الحلو البارد (٦). وكان أحب الطعام إليه الثريد من الخبز والثريد من الحيس (٧). وكان يكره ريح الحناء (٨). فلا قدوة في شيء من ذلك.\nومنه أنه - ﷺ - ترك أكل الضبّ كراهةً له. قال: \"أجدني أعافه\" فلم يقتدِ به الصحابة في ذلك، بل أكله خالد بن الوليد على مائدته - ﷺ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-135>الضرب الثاني:</span>\nالأفعال الجبلّيّة الاختيارية، وهي ما يفعله عن قصد وإرادة، ولكنها أفعال تدعو إليها ضرورته من حيث هو بشر، ويوقعها الإنسان قصدًا عند شعوره بتلك\n_________\n(١) متفق عليه (الفتح الكبير).\n(٢) أحمد وأبو داود وابن حبان (الفتح الكبير ٣/ ٤٠١).\n(٣) الحاكم في المستدرك (الفتح الكبير).\n(٤) البخاري ومسلم والأربعة (الفتح الكبير).\n(٥) أحمد والنسائي وابن ماجه عن أنس (الفتح الكبير) والدباء القرع.\n(٦) متفق عليه (الفتح الكبير).\n(٧) أبو داود والحاكم (الفتح الكبير) والحيس التمر يعجن بسمن وأقط ويخرج منه نواه.\n(٨) أحمد وأبو داود والنسائي (الفتح الكبير).","vol":"1","page":222},{"text":"الضرورة. إلاّ أن إيقاعها تابع لإرادته وقصده، بحيث يستطيع الامتناع عن ذلك في وقت دون وقت.\nومثال هذا الضرب: تناول الطعام والشراب، وقضاء الحاجة، واتخاذ المنزل، والملابس، والفراش، والمشي والجلوس والنوم والتداوي من المرض، والنكاح.\nفإن أصل هذه الأشياء ضروريّ للإنسان من حيث هو إنسان، بحيث يصيبه الضرر لو امتنع منها كلية. فهو يفعلها تحت ضغط الضرورة، وبذلك يكون فعله لها خارجًا عن التكليف، ولا قدوة بما لا تكليف فيه، وتكون من الضرب الأول الذي تقدّم ذكره. فمن فعل شيئًا من ذلك وزعم أنه يقتدي بالنبي - ﷺ - فقد أخطأ، لأنه سيفعله شاء أم أبى.\nإلاّ أنه لا بد من التقصّي لأمور أربعة تتبع ذلك، هي التي تدخل في المراد بهذا الضرب الثاني.\nأولًا: الهيئات التي يمكن أن تقع عليها الأفعال المشار إليها في هذا الضرب. إذ الفعل يمكن أن يقع على هيئات مختلفة، فيفعل النبي - ﷺ - الفعل على إحدى تلك الهيئات دون غيرها، كما ورد أنه كان ينام على جنبه الأيمن، ويأكل بيمينه، ويشرب ثلاثًا. ويأتي أهله بطريق أو طرق معينة. فليس ذلك دليلًا على استحباب تلك الطريقة أو وجوبها، لإمكان عمله على الهيئة أو الهيئات الأخرى، ما لم يدل دليل على أنه - ﷺ - قصد بذلك موافقة الأمر الشرعي.\nووجهه أن هذه الهيئات هي أيضًا أفعال جبلية اختيارية، وتدل على الإباحة.\nثانيًا: أنواع الأشياء المستعملة من الضرورات المشار إليها، إذ قد يأكل طعامًا معينًا، كما قد أكل التمر والعسل وخبز الشعير ونحو ذلك، وليس شيء من ذلك ضروريًا، إذ قد يترك ما أكله ويأكل بدله شيئًا آخر.","vol":"1","page":223},{"text":"وكذلك اتخذ - ﷺ - بيوتًا مبنية من طين، ومسقوفة بالجريد. وكان له فراش من أدم حشوة ليف.\nوتزوّج نساء على أوصاف معينة، ومن قبائل معيّنة.\nوهذا النوع يدل على الإباحة أيضًا.\nثالثًا: الأمكنة والأزمنة التي يوقع فيها الفعل الجبلي، إذ قد يأكل في وقت دون وقت، أو ينام في مكان دون آخر.\nرابعًا: ويلتحق بذلك أن يفعل مما تقتضيه الجبلة ما ليس أصله ضروريًّا. وإنما هو حاجى، كأصل اتّخاذ المراكب، أو مراكب من أنواع خاصة كالخيل والحمير والبغال.\nوكذلك ما يفعله - ﷺ - ممّا فيه من المنفعة، وإن لم تكن حاجية، كاتخاذ العصا وشم الطيب.\nوالفعل الجبلي الاختياريّ مهما كان نوعه يدل على الإباحة، ولا يدلّ على استحباب أو وجوب، ما لم يقترن بقول أو قرينة، تدل على ذلك، أو يكون له صلة بالعبادة، كما سيأتي في بقية هذا البحث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-136>أقسام الفعل الجبلّيّ الاختياري:</span>\nالفعل الجبلي الاختياري على قسمين، لأنه إما أن يكون له صلة بالعبادة، أو\nلا يكون له بها صلة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>القسم الأول الفعل الجبلي الصرف</span>\nوالمراد به ما ليس له صلة بالعبادة، كأكل طعام معيّن كالتمر واللحم والعسل، وسير في طريق معين، ولبس ثياب ذات شكل معين، كالقباء والعباء والقميص، أو من مادة معينة كالقطن والصوف.","vol":"1","page":224},{"text":"وهذا النوع من الأفعال يقع من النبي - ﷺ - على سبيل الإباحة. والمشهور عند الأصوليين أنه لا أسوة فيه، بل من شاء أن يفعل مثله فعل، ومن شاء أن يترك تركه، دون أن يكون للفعل ميزة على الترك من ثواب أو غيره، ودون أن يكون في الترك ذم شرعي. وبعضهم ادّعى الإجماع على ذلك.\nإلاّ أن ابن حزم اشترط في جواز الترك أن لا يكون رغبةً عما فعله النبي - ﷺ -، فإن كان كذلك كان التارك آثمًا. واحتج بالحديث: \"لكني أنا أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء، وآكل اللحم، فمن رغب عن سنتي فليس مني\". فذكر أكل اللحم، وهو فعل جبلي صرف.\nورأينا أن الحديث المشار إليه وارد فيمن ترك المباح تدينًا وتقربًا إلى الله به، فهذا خلاف الشرع، إذ لا يُعْبَد الله بعبادة لم تشرع، ولأن ذلك ترك للمباح مع اعتقاد تحريمه أو كراهته، وذلك تغيير لشرع الله.\nولا يصح أن يفهم من الحديث أن من أكل بالملعقة وترك الأكل بالأصابع فقد رغب عن السنّة واستحق الوعيد، ولا أنّ من توضأ من المغسلة أو الإبريق وترك الوضوء من إناء صفر يغترف منه باليد فقد رغب عن السنة، ولو اعتقد الآكل بالملعقة والمتوضئ من المغسلة أن ذلك أنظف وأحسن فليس ذلك أيضًا رغبة عن السنة، لأنه تركٌ للمباح مع اعتقاد إباحته، وليس في ذلك حرج.\nوأما دعوى الإجماع فالصحيح أن المسألة ليست مجمعًا عليها.\nفقد نقل الباقلاني في التقريب عن قوم لم يسمِّهم، أن التأسّي به - ﷺ - في أفعاله المباحة مندوب. وكذا حكاه الغزالي عن بعض المحدّثين. وبه صرّح السبكي في قواعده (١)، وإليه يميل أبو شامة (٢)، ونقل المازريّ عن قوم لم يسمِّهم القول بوجوب التأسي في جميع الأفعال على الإطلاق، وذلك يقتضي دخول هذا النوع.\n_________\n(١) ق ١١٥ أ.\n(٢) أبو شامة: المحقق ق ٣ ب، ٤ أ.","vol":"1","page":225},{"text":"والقول بالوجوب هنا بعيد جدًا.\nأما القول بأنه يدل على الندب فله حظ من النظر. والندب هنا على طريقتين للقائلين به:\nالأولى: أن يقال: إن الظاهر من فعله - ﷺ - إنه تشريع، فيحمل على الظاهر، والوجوب لم يتحقق، فيبقى حمله على الندب منه - ﷺ -، ولما كان حكمنا كحكمه، يحمل على الندب في حقنا أيضًا. فالحكم فيه مستو بيننا وبينه.\nوالثانية: أن يقال: الأصل عدم التشريع، فهو منه - ﷺ - محمول على الإباحة، ولكن يُنْدَب لنا إيقاعه على مثل هذه الصورة التي أوقعها عليها هو - ﷺ -. فالحكم بيننا وبينه - ﷺ - مختلف، هو منه مباح، ومنّا مستحب. والتأسي هنا واقع في صورة الفعل دون حكمه. فيؤجر على القصد لا على الفعل.\nونحن نفصل القول في هذا القسم ليتبيّن الحق فيه إن شاء الله.\nفنقول: إن له أحوالًا مختلفة الدرجات.\nالدرجة الأولى: أن يرشد إلى الهيئة المخصوصة بالقول مع الفعل. وهذا يخرج الفعل عن هذا البحث، لأن النظر حينئذ في الدليل القولي.\nومثاله ما ورد في الحديث: إنه كان إذا شرب تنفّس ثلاثًا، ويقول: \"إنه أهنأ وأمرأ\".\nومثاله أيضًا: أنه كان يأكل بيمينه، وأمرَ بذلك، ويأكل مما يليه وأمر بذلك.\nالدرجة الثانية: أن يواظب النبي - ﷺ - على إيقاع الفعل الجبلي على هيئة مخصوصة ووجه معروف، كما نقل عنه ذلك في بعض هيئات الأكل والشرب والنوم ونحو ذلك. فهذا يحتمل أن المقصود به التشريع، فيكون مستحبًا، ويحتمل أنه فعل ذلك لداعي الجبلة وحدها فلا يكون مستحبًا (١). ومن ذلك أنه كان إذا نام\n_________\n(١) الزركشي: البحر المحيط ٢/ ٢٤٨ أ. الشوكاني: إرشاد الفحول ص ٣٥","vol":"1","page":226},{"text":"وضع يده اليمنى تحت خده (١)، وينام على جنبه الأيمن. وكان يأكل بثلاث أصابع (٢).\nومنشأ التردّد فيه قاعدة (تعارض الأصل والظاهر)، إذ الأصل عدم التشريع، وبراءة الذمم من التكاليف الشرعية، وهذا يقتضي في هذا النوع أن لا يكون واجبًا ولا مستحبًا. والظاهر أن فعله لما واظب عليه على طريقة معينة أنه شرع يتبع، لأن الغالب من أفعاله - ﷺ - التشريع، إذ هو - ﷺ - مبعوث لبيان الشرعيات (٣).\nوقد نقل الزركشي عن أبي إسحاق في ذلك وجهين للشافعية، أحدهما: أنه سنة متبعة، والثاني: أنه لا يتبع فيه إلاّ بدليل. ونقل عنه أيضًا من موضع آخر من كتابه أن الوجه الثاني لهم أنه يتوقف فيه لاحتمال الخصوصية (٤).\nوقد مال السبكي في القواعد إلى القول بالاستحباب.\nوالمشهور عند المحدّثين، وهو المتداوَل في كتبهم وشروحهم للحديث، أن ذلك الفعل يدل على الندب، ويطلب التأسي به - ﷺ - فيه.\nوالأرجح عندي القول الثاني، وهو أنه دالّ على الإباحة لا أكثر. ولا تنتهض المواظبة والتكرار دليلًا على كون الفعل مقصودًا به التشريع، إذ كثيرًا ما يقع من الإنسان أن يفعل الأفعال التي من نوع واحد بطريقة واحدة، بل إن ذلك هو الأغلب على الناس، لأن في ذلك اقتصادًا في المجهود الفكري، فالشيء إذا فعله الإنسان على الطريقة التي جرى عليها في مثله، أمكنه فعله دون إعمال للفكر فيه، وممكن الاستفادة من الفكر في أثناء ذلك الفعل في أشياء أخرى. فلما كان هذا من طبيعة البشر، فإن ما واظب عليه يُلْحَق بما لم يواظب عليه، ولا يستفاد من كل ذلك حكمٌ أعلى من الإباحة.\n_________\n(١) أحمد والترمذي والنسائي (الفتح الكبير).\n(٢) مسلم وأحمد وأبو داود (الفتح الكبير).\n(٣) الزركشي: البحر المحيط ٢/ ٢٤٨ أ.\n(٤) البحر المحيط ٢/ ٢٤٨ أ.","vol":"1","page":227},{"text":"الدرجة الثالثة: أن يقع منه الفعل الجبلّيّ لا على سبيل المواظبة والتكرار. ومثاله أن يكون - ﷺ - قد سار في أيمن الطريق أو أيسرها. أو جلس تحت شجرة معينة أو نحو ذلك. فهذا أضعف درجات الفعل الجبلي الاختياري. ودلالته على الإباحة واضحة. أما الندب فالقول به هنا أضعف منه فيما واظب عليه - ﷺ -.\nوقد نُقِل عن ابن عمر ﵄، ما يدل على أنه كان يَتَتَبّع آثار النبي - ﷺ -، والمواضع التي سار فيها أو جلس فيها، ذكر منها ابن سعد كاتب الواقديّ في الطبقات طرفًا (١). ومما يرويه المحدّثون من ذلك أنه ﵁ جرّ خطام ناقته حتى أبركها في الموضع الذي بركت فيه ناقة النبي - ﷺ -، وسار براحلته في جانب من الطريق سارت فيه ناقة النبي - ﷺ -، وقال: \"لعلّ خفًا يقع على خفّ\" (٢). ونزل تحت شجرة كان نزل تحتها النبي - ﷺ -، وصحث في أصلها الماء. وبال في موضع بال فيه النبي - ﷺ -، وقالت عائشة: \"ما كان أحدٌ يتبع آثار النبي - ﷺ - في منازله، كما كان يتبعها ابن عمر\" (٣).\nوشبيه بذلك ما نُقِل عنه أنه كان يلبس النِّعال السبتية اقتداء بالنبي - ﷺ -.\nوكان ابن عمر يستجمر بالألُوَّة غير مُطَرَّة، وبكافور يطرحه مع الألُوّة، ثم قال: هكذا كان يستجمر رسول الله - ﷺ - (٤).\nوهذا النقلان أشبه بالنوع الذي قبل هذا، وهو ما حصل على سبيل التكرار والمواظبة.\nوابن تيمية يفرّق بين نوعين من المتابعة في هذا: المتابعة في صورة الفعل، والمتابعة في مكان الفعل، فيقرّ بالخلاف في الأولى. وأما الثانية فهي عنده ممنوعة\n_________\n(١) طبقات ابن سعد، بيروت، دار صادر، ١٣٧٧ هـ ٤/ ١٤٢ - ١٨٨.\n(٢) نسبه علي الطنطاوي الى حلية الأولياء ١/ ٣١٠ ذكره في كتابه (سيرة عمر بن الخطاب وأخبار عبد الله بن عمر) ط بيروت، دار الفكر، ١٣٨٠ ص ٤٧٠\n(٣) طبقات ابن سعد ٤/ ١٢٥. وانظر البداية والنهاية ٥/ ١٧٩\n(٤) مسلم ٤/ ١٧٦٦ والألوة العود الهندي المعروف، وتطرية العود خلطه بالعنبر أو غيره.","vol":"1","page":228},{"text":"اتفاقًا. يقول: \"لو فعل النبي - ﷺ - فعلًا بحكم الاتفاق، مثل نزوله في السفر بمكان أو أن يفضل في إداوته ماء فيصبه في أصل شجرة، أو أن تمشي راحلته في أحد جانبي الطريق، ونحو ذلك، فهل يستحبّ قصد متابعته في ذلك؟ كان ابن عمر يحب أن يفعل مثل ذلك. وأما الخلفاء الراشدون وجمهور الصحابة فلم يستحبوا ذلك، لأن هذا ليس بمتابعة لها، إذ المتابعة لا بدّ فيها من القصد، فإذا لم يقصد هو ذلك الفعل، بل حصل له بحكم الاتفاق، كان غير متابع له في قصده.\n\"وابن عمر يقول: وإن لم يقصده، لكن نفس فعله حسن على أيّ وجه كان، فأحب أن أفعل مثله، إما لأن ذلك زيادة في محبته، وإما لبركة مشابهته له ...\n\"وهكذا للناس قولان في ما فعله من المباحات على غير وجه القصد، هل متابعته فيه مباحة فقط، أو مستحبة، على قولين في مذهب أحمد وغيره.\nيقول: \"ولم يكن ابن عمر ولا غيره، يقصدون الأماكن التي كان ينزل فيها، ويبيت فيها، مثل بيوت أزواجه، ومثل مواضع نزوله في مغازيه، وإنما كان الكلام في مشابهته في صورة الفعل فقط وإن كان هو لم يقصد التعبّد به. فأما الأمكنة نفسها فالصحابة متفقون على أنه لا يعظّم منها إلا ما عظّمه الشارع\" (١) اهـ كلامه.\nوقد يظن لأول وهلة أن هذا وهم من ابن تيمية، فقد صحّ عن ابن عمر أنه تحرى الأمكنة التي حصل الفعل النبويّ فيها بحكم الاتفاق، ومن ذلك الحديث الطويل الذي رواه البخاري (٢) في الباب الذي عقده بعنوان (باب المساجد التي على طرق المدينة والمواضع التي صلى فيها النبي - ﷺ -) ذكر فيه المواقع التي كان ابن عمر يتحرّى الصلاة فيها، ويخبر أن النبي - ﷺ - صلّى فيها في أسفاره إلى مكة.\nوأيضًا: كان ابن عمر يتحرّى أن يصلي من الكعبة في المكان الذي قيل له إن\n_________\n(١) ابن تيمية: مجموع الفتاوى الكبرى ١٠/ ٤٠٩، ٤١٠\n(٢) البخاري: ٢/ ٥٦٩.","vol":"1","page":229},{"text":"النبي - ﷺ - صلّى فيه (١). ويتحرّى أن يقف من عرفة في المكان الذي وقف فيه النبي - ﷺ - (٢).\nولكن قد بينّ ابن تيمية مراده في موضع آخر (٣)، حيث بيّن أن ما فعله ابن عمر لم يزد على أنه كان يختار إحدى الصورتين الممكنتين في الفعل الواحد، وهي الموافقة لما فعله النبي - ﷺ - دون الأخرى، بأن تحضره الصلاة مثلًا في بقعة معينة قد صلى النبي - ﷺ - في ناحية منها فيختار الصلاة في تلك الناحية ويترك سائر نواحيها. والمستنكر عند ابن تيمية، ويدعى الاتفاق على إنكاره، أن تعظّم بقعة لم يقصد النبي - ﷺ - تعظيمها، ويظهر ذلك بأن ينشئ المسلم لها سفرًا طويلًا أو قصيرًا.\nفهذا تقييد جيد في المسألة وتحرير صحيح لمحل النزاع.\nهذا وقد عوض ما كان يفعله ابن عمر من هذا النوع، بما فعله والده ﵄. قال ابن حجر: ثبت عن عمر أنه رأى الناس في سفر يتبادرون إلى مكان. فسأل عن ذلك. فقالوا: قد صلّى فيه النبي - ﷺ -. فقال: \"من عرضت له الصلاة فليصلّ، وإلاّ فليمض، فإنما هلك أهل الكتاب لأنهم تتبعوا آثار أنبيائهم فاتخذوها كنائس وبيعًا\".\nوقد أوّل ابن حجر هذا الفعل عن عمر ﵁، بحمله على من لا يعرف حقيقة الأمر، فيظن الصلاة هناك واجبة. وهو تأويل فيه نظر، فسياق القصة يأباه.\nواحتج أيضًا بحديث عتبان بن مالك، الوارد في صحيح البخاري، أنه طلب من النبي - ﷺ - أن يأتيه في بيته، ليصلي له في مكان منه يتخذه مصلى، وفعل ذلك.\n_________\n(١) البخاري ١/ ٥٧٩\n(٢) ذكره ابن حجر في الإصابة ٢/ ٣٤٩ (سيرة عمر لعلي الطنطاوي).\n(٣) ابن تيمية: اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم ص ٤٢٣","vol":"1","page":230},{"text":"وهذا خارج عن الموضوع، لأن صلاته - ﷺ - هناك مقصودة ولهدف معلوم هو أن يُتّخذ مصلى، وليس ذلك واردًا على موضع النزاع، لأن النزاع في ما حصل من الأفعال بحكم الاتفاق.\nوذكر ابن حجر أيضًا أن عمر بن عبد العزيز بنى مساجد على مواضع بالمدينة ثبت له أن النبي - ﷺ - صلى فيها (١).\nورأينا في مثل ذلك أن الفعل الجبلّيَّ الصرف لا يدل على الاستحباب مطلقًا، بل يدل على الإباحة. وسواء أكان مما واظب عليه - ﷺ - كما تقدم الترجيح فيه، أو مما لم يواظب عليه.\nورأينا في ما نقل عن ابن عمر أنه فعل ذلك لا على سبيل التعبّد لله بذلك. أعني لا على سبيل أنه مستحب شرعًا، وإنما فعله بداعي عظم المحبة للنبي - ﷺ -، فهو يسلّي نفسه، أو يستثير شوقه، بأن يعمل صورة ما عمل النبي - ﷺ -، أو بالكون في المكان الذي كان فيه: \"لعل خفًا يقع على خف\" كما قال ﵁. فهي مسألة شخصية صرفة، كما يصنع المحبّ المتيّم بآثار حبيبه، إذ يحتفظ بصورته، أو بقطعة من ثيابه، أو يذهب إلى المكان الذي قابله فيه، أو نحو ذلك.\nوقد حصل بسبب فعله ذاك، وحرصه عليه، أن نُقِلت إلينا معلومات تاريخية قيّمة في بيان أمكنة حصل فيها من النبي - ﷺ - أفعال معينة، كصلاته داخل الكعبة مثلًا، إذ حدّد لنا موقع صلاته - ﷺ - منها بالضبط. وفي مقابل ذلك حصل من أفعاله تلك ما يقابل هذه المصلحة، وهو ما حصل من الوهم عند كثير من الناس أن الاقتداء في ذلك مستحبّ.\nوأما الذي يقتدى به في هذا فهو عمر ﵁، ثاني الراشدين، اللذين أمرنا أن نقتدي بسنتهم، وهذا من سنتهم.\nتنبيه: بعض ما نقلناهُ عن ابن عمر داخل في القسم التالي، وهو ما له علاقة\n_________\n(١) فتح الباري ١/ ٥٧١","vol":"1","page":231},{"text":"بالعبادة، ولكن ذكرناه في هذا القسم استيفاء لما نقل عنه، وجمعًا له في مكان واحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-138>القسم الثاني الفعل الذي له علاقة بالعبادة</span>\nوهو ما وقع في أثناء العبادة، أو في وسيلتها (١)، أو قبلها قريبًا منها، أو بعدها كذلك.\nفمما وقع في أثناء العبادة نزوله - ﷺ - بالمحصّب ليلة النفر (٢)، وقبض الأصابع الثلاث في التشهد، ووضعها على الأرض مضمومة في السجود. وجلسة الاستراحة (٣) بعد الركعة الأولى وبعد الثالثة، والتطّيب للإحلال من الإحرام، واتكاؤه - ﷺ - أثناء الخطبة على قوس أو عصا، ولبس النعلين في الصلاة، يحتمل أنه فعله لكونه من سنة الصلاة، ويحتمل أنه فعله على سبيل الجواز فقط، كما يلبس في الصلاة قطنًا أو صوفًا أو غير ذلك (٤).\nومما وقع في وسيلة العبادة دخوله مكة من طريق كُدَيّ، وخروجه من طريق\n_________\n(١) البناني: حاشية على شرح جمع الجوامع ٢/ ٩٧\n(٢) المحصب بطحاء مكة.\n(٣) قال ابن السبكي: مما دار بين الجبلي والشرعي: جلسة الاستراحة عندما حمل اللحم. فقيل ذلك جبلي فلا يستحب، وقيل شرعي وهو الصحيح. وقيل يستحب للمبدن وفي معناه العاجز الضعيف دون غيرهما (قواعد ابن السبكي ق ١١٥ أ).\nوقال ابن دقيق العيد: جلسة الاستراحة قال بها الشافعي في قول، وأصحاب الحديث، وأباها مالك وأبو حنيفة وغيرهما، وعذرهم عن الحديث (يعني حديث مالك بن الحويرث أنه كان يجلس إذا رفع رأسه من السجود قبل أن ينهض) أنه يحمل على أنها بسبب الضعف للكبر، فإن تأيد هذا التأويل، بقرينة، مثل أن يتبين أن أفعاله - ﷺ - السابقة على حالة الكبر لم يكن فيها هذه الجلسة فلا بأس بهذا التأويل. فإن قوي ذلك باستمرار عمل السلف على ترك الجلوس كان زيادة في الرجحان. اهـ بتصرف قليل (إحكام الأحكام ١/ ٢٢٥).\n(٤) وانظر فتح الباري ١/ ٤٩٤","vol":"1","page":232},{"text":"كَدَاء ودخوله المسجد الحرام من باب بني شيبة، وطوافه - ﷺ - بالبيت راكبًا على بعير، وكذلك في السعي بين الصفا والمروة، ووقوفه في الموقف بعرفات على بعير، وعودته - ﷺ - من صلاة العيد من طريق غير طريق الذهاب، وذهابه إلى العيد ورجوعه منه ماشيًا (١)، ووقوع صلاته في السفر في مواضع معينة.\nومما وقع قبل العبادة قريبًا منها: اضطجاعه - ﷺ - قبل صلاة الفجر بعد أن يصلّي النافلة. قالت عائشة ﵂: \"كان رسول الله - ﷺ - إذا صلى ركعتي الفجر فإن كنت مستيقظةً حدثني، وإلاّ اضطجع حتى يؤذَن بالصلاة\". رواه البخاري ومسلم. وفي رواية للبخاري: اضطجع على شقه الأيمن. وقد أوجب ابن حزم (٢) الضجعة بعد ركعتي الفجر.\nوقال الشافعية باستحبابها بناء على هذا الحديث. وبوّب عليه البخاري: \"باب الضجعة على الشقّ الأيمن بعد ركعتي الفجر\". مما يوحي بأنه يرى استحبابه. واستنكره ابن مسعود وابن عمر وإبراهيم النخعي والحسن البصريّ ممن فعله، وقال ابن عمر هو بدعة (٣).\nومما وقع بعد انتهاء العبادة انصرافه - ﷺ - من الصلاة عن يمينه أو عن يساره.\nفهذا القسم الثاني وهو ما له صلة بالعبادة، بأنواعه الأربعة أعلى من القسم الذي قبله. والقول بالندب فيه أظهر من القسم الأول، وهو ما لا صلة له بالعبادة. فإذا انضمّ إلى صلته بالعبادة عنصر التكرار والمواظبة عليه قوي القول بالندب فيه.\nوباستقراء الفروع الفقهية يبتيّن أن هذا النوع على درجات (٤):\n_________\n(١) حديث: كان يخرج إلى العيد ماشيًا ..: رواه ابن ماجه (المغني لابن قدامة ٢/ ٣٧٤)\n(٢) الإحكام ص ٤٣٢\n(٣) حديث اضطجاعه - ﷺ - بعد ركعتي الفجر: البخاري ٣/ ٤٣ ومسلم. وذكر الشق الأيمن هو عند البخاري خاصة. والنقول عن السلف - ﷺ - من كلام ابن حجر في فتح الباري ٣/ ٤٣\n(٤) وانظر الزركشي: البحر المحيط٢/ ٢٤٨ب.","vol":"1","page":233},{"text":"الدرجة الأولى: أن الفعل الجبلي يُلحظ فيه أحيانًا أنه مقصود في العبادة ليكون جزءًا منها. وقد قيل بالوجوب في ذلك أحيانًا ولو لم يرد فيه قول آخر. ومن ذلك الجلوس بين الخطبتين، قال الشافعي بوجوبه، وقال غيره من الأئمة بأنه مستحبّ، ونُقِل عن بعض الصحابة أنهم خطبوا فلم يجلسوا حتى الفراغ (١).\nوكذلك القيام في الخطبتين، واظب عليه النبي - ﷺ -. فقيل بوجوبه. وهو أحد القولين في مذهب أحمد. والقول الآخر أنه لا يجب، وهو مذهب أبي حنيفة (٢).\nوعندي أن الوجوب هنا ليس متلقّى من مجرد الفعل، بل من كونه فعلًا بيانيًّا في اعتقاد القائل بالوجوب، أي اعتقاد أن الفعل مقصود به بيان صفة خطبة الجمعة المأمور بها في سورة الجمعة، فهذا القصد هو سبب القول بالوجوب. إذ الفعل البياني يمكن أن يُدَلّ به على الوجوب، كما يأتي.\nالدرجة الثانية: ما سبيله الاستحباب من ذلك، وهو ما وضح فيه أمر التعبّد، وذلك إن عُلم، أو غَلَب على الظن بأمارة، أن المقصود التعبّد به، كالقيام في الخطبتين والجلوس بينهما كما تقدم، وصلاته - ﷺ - داخل الكعبة، وإفطاره على رطباتٍ وترًا، ونحو ذلك.\nومن هذا النوع عند الجمهور تحويل النبي - ﷺ - رداءه في دعاء الاستسقاء، لم يقل أبو حنيفة بمشروعيته. وقال من احتج له: إنما قلب - ﷺ - رداءه ليكون أثبت على عاتقه عند رفع اليدين لا الدعاء، فهو عنده جبليّ. وأجيب بأن تثبيت الرداء لا يدعو لقلبه، فالظاهر أنه قلبه قصدًا تعبّدًا (٣).\nالدرجة الثالثة: ما حصل التردّد فيه بين أن يكون مقصودًا به التعبّد أو لا. فهذا الذي فيه الخلاف.\n_________\n(١) ابن قدامة: المغني ٢/ ٣٠٦.\n(٢) ابن قدامة: المغني ٢/ ٣٠٢، ٣٠٣\n(٣) ابن دقيق العيد. الأحكام ١/ ٣٤٢","vol":"1","page":234},{"text":"والخلاف فيه ناشئ عن تعارض الأصل والظاهر كما تقدم. إذ الظاهر أن المقصود به التشريع، لصلته بالعبادة، والأصل عدم هذا القصد. والذي نرجحه أنه لا يدل على الاستحباب، وإنما قصاراه أن يدل على الجواز في العبادة، كرفضه - ﷺ - التنشيف من الغسل بالمنديل، وجعل ينفض الماء بيده. واستعماله آنية من أنواع معينة في الوضوء، وكالضجعة بعد ركعتي الفجر، وأكله من كبد أضحيته يوم عيد الأضحى، وذهابه إلى عرفة من طريق ضب، ورجوعه من طريق المأزمين، وركوبه أثناء الطواف والسعي والوقوف، وكون الركوب في تلك المواضع على بعير. فكل ذلك دالّ على الإباحة فقط، ولا قدوة فيه.\nوهذا يفسّر لنا قلّة عناية الصحابة ﵃ بنقل أفعاله التي من هذا النوع، حيث إنها على الإباحة، وهي الأصل. والله أعلم.\nوقد قال ابن عباس ﵄ في المبيت بالمحصَّب بعد النفر: \"المحصّب ليس من النسك، إنما هو منزل نزله رسول الله - ﷺ - ليكون أسمح لخروجه\".\nإلاّ أن احتمالًا يرد هنا، وهو أن يقال: إن احتمال عدم قصد التعبّد بهذا النوع يقتضي عدم اعتباره جزءًا من العبادة. ولكن الاستحباب فيه وارد في جهة أخرى هي موافقة صورة ما عمله النبي - ﷺ -، فيثبت الاستحباب. وقد أشار إلى هذا ابن السبكي، قال في مسألة التحصيب: \"قال أصحابنا: يستحبّ النزول به، ولو تركه لم يؤثّر في نسكه لأنه ليس من مناسك الحج\" (١).\nوقد تقدّم القول في هذا عند ذكر متابعات ابن عمر في القسم الأول، وبيّنا ما نعتمده في ذلك. والله ولي التوفيق.\nالدرجة الرابعة: ما وضّح فيه أنه ليس مقصودًا به التعبّد، ولكن وقع لغرض جبليّ أو نحوه، فلا إشكال في أن ذلك يدل على الإباحة مطلقًا، أو إذا وجد\n_________\n(١) القواعد ١١٥ أ.","vol":"1","page":235},{"text":"سببه، ولا يُظَنَّ أن أحدًا يقول بالاستحباب فيه. وذلك كالتفاته - ﷺ - في الصلاة وقت الخطر، وسيره فيها حتى فتح الباب لعائشة، وأشار بيده ليَرُدّ السلام، واعتماده على عمود في صلاة الليل عندما أسنّ وكبر، وقعوده في موضع القيام كذلك، واختيارِه ما أكله وشربه أثناء حجه، ونزوله في خيمة حينذاك، ونحو ذلك.","vol":"1","page":236},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-139>المبحث الثاني الفعل العادي</span>\nكثيرًا ما يقصد بالأمور (العادية) في كلام الأصولين والفقهاء ما سوى الأمور العبادية. فيدخل فيه المعاملات والآداب والأمور الجبليّة وغيرها.\nونحن نقصد بالفعل (العاديّ) في هذا المبحث أمرًا أخص من ذلك، فمقصودنا به ما فعله النبي - ﷺ - جريًا على عادة قومه ومألوفهم. مما يدل دليل على ارتباطه بالشرع، كبعض الأمور التي تتصل بالعناية بالبدن، أو العوائد الجارية بين الأقوام في المناسبات الحيوية، كالزواج والولادة والوفاة.\nومن أمثلتها أنه - ﷺ - لبس المِرْط المُرَحّل، والمخَطّط، والجبّة، والعمامة، والقباء. وأطال شعره، واستعمل القرب الجلديّة في خزن الماء، وكان يكتحل، ويستعمل الطيب والعطور.\nوأيضًا كانت العروس تزف إليه في بيته، لا في بيت أبيها كما هي عادة بعض البلاد الإسلامية الآن، ودَفَن الموتى في قبور محفورة في التراب دون المبنية بالحجارة أو غيرها.\nوحكم هذه الأمور العاديّة وأمثالها، كنظائرها من الأفعال الجبليّة، والأصل فيها جميعًا أنها تدل على الإباحة لا غير، إلا في حالين:\n١ - أن يرد قول يأمر بها أو يرغّب فيها، فيظهر أنها حينئذ تكون شرعية.\n٢ - أن يظهر ارتباطها بالشرع بقرينة غير قوليّة. كتوجيه الميت في قبره إلى القبلة، فإن ارتباط ذلك بالشرع لا خفاء به.","vol":"1","page":237},{"text":"ومن هنا يتبيّن أن قول بعض المتأخرين، كالشيخ محمد أبي زهرة (١) ﵀، بأن إعفاء النبي - ﷺ - لحيته، وتقصير شاربيه، كان أمرًا عاديًّا وليس شرعيًا، هو قولٌ يخرج عما يقتضيه العمل بالأدلة، وذلك لورود القول الآمر، ولأنه - ﷺ - علّقه بأمر شرعي هو مخالفة أعداء الدين. أعني قوله - ﷺ -: \"خالفوا المشركين، وفّروا اللحى وأحفوا الشوارب\" (٢). وفي رواية: \"خالفوا المجوس\".\n_________\n(١) قال الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه (أصول الفقه ص ١٠٩): \"كثيرون على أنه -يعني إعفاء اللحية- من السنة المتبعة، وزكوا ذلك بأن النبي - ﷺ - قال: \"قصوا الشارب، وأعفوا اللحى\". فقالوا: إن هذا دليل على أن إبقاء اللحية لم يكن عادة، بل كان من قبيل الحكم الشرعي. والذين قالوا إنه من قبيل العادة قرروا أن النهي الذي [كذا بالأصل] لا يفيد اللزوم بالإجماع، وهو معلل بمنع التشبه باليهود والأعاجم، الذين كانوا يطيلون شواربهم ويحلقون لحاهم. وهذا يزكي أنه من قبيل العادة، وذلك ما نختاره\". اهـ.\nونحن نقول إن تعليله - ﷺ - بمخالفة اليهود والأعاجم هو الذي يدل على كونه شرعيًا، لأن مخالفتهم مقصد شرعي معتبر، كما في القبلة. وانظر: (اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم) لابن تيمية ففيه البيان الشافي.\n(٢) متفق عليه (جامع الأصول ٥/ ٤٢٨)","vol":"1","page":238},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-140>المبحث الثالث الفعل في الأمور الدّنيوية</span>\nنعني بالأمور الدنيوية ما فعله - ﷺ - بقصد تحصيل نفع في البدن أو المال، له أو لغيره، أو دفع ضرر كذلك، أو دبّر تدبيرًا في شأنه خاصّة أو شؤون المسلمين عامة، لغرض التوصل إلى جلب نفع أو دفع ضرر.\nويشمل هذا النوع من الأفعال الأضرب التالية:\nالضرب الأول: الأفعال الطبيّة، وهي ما يجريه على بدنه خاصة، أو أبدان غيره من الناس بقصد دفع مرضٍ حاضر أو متوقّع.\nفقد تناول النبي - ﷺ -، أو أعطى غيره، أطعمه وأشربة متنوعة على سبيل حفظ الصّحّة، أو لدرء أمراض معينة، كألبان الإبل وأبوالها (١).\nوكذلك تعاطى وأعطى أنواعًا مختلفة من العلاج، فقد احتجم واستَعَط (٢)، وكانت حجامته في وسط رأسه (٣). وكانت حجامته من شقيقة كانت به (٤).\nولما اشتدّ به وجعه أهريق عليه من سبع قرب لم تحلل أوكِيَتُهُنّ (٥). ولما جُرح بأحُد، أُلصق على جرحه رماد حصير ليرقأ الدم (٦). وداوى بريقه مع تراب (٧).\n_________\n(١) البخاري ١٠/ ١٧٨\n(٢) البخاري ١٠/ ١٤٧\n(٣) البخاري ١٠/ ١٥٢\n(٤) البخاري ١٠/ ١٥٣\n(٥) البخاري ١٠/ ١٦٧\n(٦) البخاري ١٠/ ١٧٤\n(٧) البخاري ١٠/ ٣٠٨","vol":"1","page":239},{"text":"ورفض أدويةً معيّنة كاللدود (١).\nالضرب الثاني: الأفعال في الزراعة، بأن يزرع أنواعًا معينة من النبات، أو يزرع بطريقة ما، أو يسقي المزروعات كذلك، أو يفعل بالنبات شيئًا بقصد تكثير إنتاجه أو تحسينه أو نحو ذلك.\nوشبيه بها ما يُفعل بالحيوان بقصد تكثير إنتاجه وتحسينه، كإطعامه أعلافًا معينة، أو المزاوجة بين سلالات منه مختلفة بقصد الحصول على نسل أجود.\nالضرب الثالث: الصناعة، بأن يصنع بمادّة شيئًا ما بقصد تحويلها إلى شكل ذي أوصاف مخالفة لشكلها الأول، لتكون أنفع، أو يحلّل مادة ما إلى حالات أبسط، أو يركِّب مادة مع مادة بقصد الحصول منهما على مادة جديدة، هي أنفع من الأصل.\nالضرب الرابع: التجارة، بأن يعمل ف البيع والشراء، في أشياء معينة، في ظروف معينة، بقصد تحصيل مكسب عن فروق الأسعار.\nالضرب الخامس: أنواع أخرى من المكاسب كرعي الغنم، أو العمل للغير بأجر.\nالضرب السادس: التدابير التي اتخذها - ﷺ - في الحرب من استعمال المجانيق والسيوف والرماح والسهام، وتربية الخيل للقتال، وحفر الخنادق، وترتيب الجيوش وتدريبها.\nالضرب السابع: التدابير التي اتخذها - ﷺ - في الإدارة المدنية، من اتخاذ الولاة والكتاب والحراس والحجّاب والسفراء، وكذلك الأعلام والشعارات، والمرافق من الطرق والحصون وغيرها (٢).\n_________\n(١) حديث اللدود: البخاري ١٠/ ١٦٦ واللدود ما سقي من الدواء بالمسعط في الفم (اللسان).\n(٢) انظر الكتاب القيم في تفاصيل ذلك: التراتيب الإدارية لمؤلفه عبد الحي الكتاني. نشرته ببيروت، دار إحياء التراث العربي، صورة بالأوفست.","vol":"1","page":240},{"text":"فهذه الأضراب وأمثالها قد وقع من النبي - ﷺ - الكثير من أفرادها ونقل إلينا أشياء من ذلك.\nوالنظر في الأحكام التي يمكن أن تدل عليها مثل تلك الأفعال من وجهين:\nالوجه الأول: أصل الطب والزراعة والصناعة والتجارة والقصد إلى تحصيل المكاسب، والسعي لتحقيق التدابير المدنية والعسكرية المناسبة، ونحو ذلك، يستفاد من فعله - ﷺ - في ذلك إباحته، وأنه لا يخالف العقيدة ولا الشريعة. وقد يترقّى، إلى درجة الاستحباب أو الوجوب، بحسب الأحوال الداعية إليه.\nوفي الحديث القولي إشارة إلى ذلك حيث قال - ﷺ -: \"ما أكل أحد طعامًا قطُّ خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده\" (١).\nومن قال في الأمور الجبلية التي فعلها - ﷺ - إنه يستحب لنا التأسيّ بها، فكذلك يقول هنا، ومن ادّعى الوجوب فكذلك. إلاّ أن القول بأن الأصل فيها الإباحة أصوب، كما تقدم في أفعال الجِبِلّة الاختيارية.\nالوجه الثاني: الأمر الذي عمله بخصوصه، هو مباح له، وقد يكون مستحبًا له، أو واجبًا عليه، لاعتقاده - ﷺ - أنه هو المؤدي إلى غرض مستحب أو واجب. ولكن هل يكون حكم مثله بالنسبة إلينا كذلك، كما لو شرب دواءً معينًا لعلاج مرض معين، فهل يستحب لنا شرب ذلك الدواء لذلك المرض مثلًا، أو يجب، بل هل يباح بناء على ذلك أم لا؟.\nهذا ينبني على أصل، وهو أن اعتقاداته أو ظنونه - ﷺ - في الأمور الدنيوية هل يلزم أن تكون مطابقة للواقع، بمقتضى نبوته، أو أن هذا أمر لا صلة له بالنبوّة؟.\nاختلف العلماء في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه - ﷺ - معصوم من خطأ الاعتقاد في أمور الدنيا. بل كل ما يعتقده في ذلك فهو مطابق للواقع.\n_________\n(١) رواه البخاري ٤/ ٣٠٣","vol":"1","page":241},{"text":"ولم نجد أحدًا من قدماء الأصوليين، صرّح بمثل هذا المذهب.\nولكنه لازم لمن جعل جميع أفعاله - ﷺ - حجة حتى في الطبيات والزراعة ونحوها. وهو لازم أيضًا لمن صحح منهم أن تقريره - ﷺ - لمخبر عن أمر دنيويّ يدل على صحة ذلك الخبر، كما فعل السبكي وأيّده المحلي والبناني (١).\nوالذين عند حصرهم أقسام الأفعال النبوية، لم يذكروا الفعل النبوي في الأمور الدنيوية، كقسم من أفعاله لا دلالة فيه، يظهر أنهم يقولون بهذا القول، إذ يلزمهم أن يكون فعله - ﷺ - في الطب مثلًا دليلًا شرعيًا. من هؤلاء مثلًا أبو شامة، والسبكي، وابن الهمام، وغيرهم.\nوابن القيم في كتابه (الطب النبويّ) (٢) يذهب إلى حُجيّة أفعاله - ﷺ - في الطب، فيلزمه القول بهذا المذهب.\nويظهر أن هذه طريقة المحدّثين، فإنا نجد عند البخاريّ مثلًا هذه الأبواب، ولم يذكر فيها من الأحاديث إلا أحاديث فعليّة: (باب السعوط) (باب أي ساعة يحتجم) (باب الحجامة في السفر) (باب الحجامة على الرأس) (باب الحجامة من الشقيقة والصداع) (٣) وعند غيره من المحدثين، كأصحاب السنن، تبويبات مشابهة. ويوافقهم الشراح غالبًا على ذلك، فيذكرون استحباب أدوية معيّنة لأمراض معيّنة، بناء على ما ورد في ذلك من الأفعال النبويّة.\nالمذهب الثاني: أنه لا يلزم أن يكون اعتقاده في أمور الدنيا مطابقًا للواقع، بل قد يقع الخطأ في ذلك الاعتقاد قليلًا أو كثيرًا. بل قد يصيب غيره حيث يخطئ هو - ﷺ -.\nقالوا: وليس في ذلك حطٌّ من منصبه العظيم الذي أكرمه الله به، لأن منصب النبوّة منصبٌّ على العلم بالأمور الدينية، من الاعتقاد في الله وملائكته\n_________\n(١) انظر جمع الجوامع شرحه وحاشيته ٢/ ١٢٧، ١٢٨ وأيضًا ٢/ ٩٥\n(٢) هو بعض كتابه المشهور (زاد المعاد في هدي خير العباد) وقد طبع أيضًا مفردًا.\n(٣) صحيح البخاري ١٠/ ١٤٥ - ١٥٢","vol":"1","page":242},{"text":"وكتبه ورسله واليوم الآخر، ومن الأمور الشرعية. أما إذا اعتقد أن فلانًا مظلوم فإذا هو ظالم، أو أن دواء معيّنًا يشفي من مرض معيّن، فإذا هو لا يشفى منه، أو أن تدبيرًا زراعيًا أو تجاريًا أو صناعيًا يؤدي إلى هدف معيّن، فإذا هو لا يؤدّي إليه، أو يؤدي إلى عكسه، أن تدبيرًا عسكريًا أو إداريًا سينتج مصلحة معيّنة، أو يدفع ضررًا معيّنًا، فإذا هو لا يفعل، فإن ذلك الاعتقاد لا دخل له بالنبوة، بل هو يعتقده من حيث هو إنسان، له تجاربه الشخصية، وتأثّراته بما سبق من الحوادث، وما سمع أو رأى من غيره، مما أدّى إلى نتائج معيّنة، فكل ذلك يؤدّي إلى أن يعتقد كما يعتقد غيره من البشر، ثم قد ينكشف الغطاء فإذا الأمر على خلاف ما ظنّ أو اعتقد.\nوقد صرّح بأصل هذا المذهب، دون تفاصيله، القاضي عيّاض (١) والقاضي عبد الجبار الهمداني المعزلي (٢) والشيخ محمد أبو زهرة (٣). وظاهر الحديث أنه - ﷺ - كغيره من الناس في ذلك، بل فيه التصريح بأن أصحاب الخبرة في صنائعهم وتجاراتهم وزرعاتهم قد يكونون أعلم منه بدقائقها. إلا أن القاضي عيّاضًا أوجب أن يكون الخطأ في ذلك نادرًا لا كثيرًا يؤذن بالبله والغفلة (٤).\nويُحتَجّ لهذا المذهب بأدلة، منها:\nأولًا: حديث تأبير النخل. ففي صحيح مسلم عن رافع بن خديج، أنه قال: قدم النبي - ﷺ - المدينة، فإذا هم يأبرون النخل. فقال: \"ما تصنعون؟ \" قالوا: كنا نصنعه. قال: \"لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرًا\" فتركوه. فنفضت. فذكروا ذلك له، فقال: \"إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر\".\n_________\n(١) الشفاء ٢/ ١٧٨\n(٢) المغني ١٧/ ٢٥٦ حيث جعل من شرط الاقتداء بالفعل \"أن يكون مما له مدخل في الشرع ولا يكون مما يفعل للمنافع والمضار\".\n(٣) كتابه: تاريخ المذاهب الفقهية ص ١٠\n(٤) الشفاء ٢/ ١٨٠","vol":"1","page":243},{"text":"وفي رواية طلحة، قال - ﷺ -: \"ما أظن ذلك يغني شيئًا\". فأخبِروا بذلك، فتركوه. فأخبر رسول الله - ﷺ - بذلك، فقال: \"إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإنّي إنما ظننت ظنًّا، فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئًا فخذوا به، فإني لن أكذب على الله\". وفي رواية أنس: \"أنتم أعلم بدنياكم\" (١).\nوشبيه به حديث ابن عباس في قصة الخرص (٢)، وفيه: فقال رسول الله - ﷺ -: \"إنما أنا بشر، فما حدّثتكم عن الله فهو حق، وما قلت فيه من قبل نفسي فإنما أنا بشر\".\nوقد رُدّ الاستدلال بهذا الحديث، بأن المراد: أنتم أعلم بدنياكم من أمر دينكم (٣). ويكون توبيخًا لهم.\nوسياق الأحاديث على اختلاف رواياته يأبى هذا التأويل ويبطله.\nثانيًا: حديث أم سلمة ﵂، أن النبي - ﷺ - قال: \"إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعلّ بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع. فمن قضيت له بحق أخيه شيئًا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار\" (٤).\nوفي وراية الزهري للحديث المذكور: \"إنما أنا بشر، وإنه يأتيني الخصم. فلعلّ بعضكم أن يكون أبلغ من بعض، فأحسِبُ أنه صادق، فأقضي له بذلك\" (٥).\nإذا ثبت الأصل الذي ذكرناه آنفًا، فإنه ينبني عليه أن ما فعله - ﷺ - من أمور الدينا مما مرجعه إلى تجاربه الخاصة، وخبرته الشخصية، وتفكيره وتقديره في الأمور الدنيوية التي وضحناها، لا يدل على مشروعية ذلك الفعل بالنسبة إلى الأمة.\n_________\n(١) راجع لروايات هذا الحديث: صحيح مسلم ٤/ ١٨٣٥ ومسند أحمد ٣/ ١٥٢\n(٢) ذكره القاضي عياض: الشفاء ٢/ ١٧٨ ولم يعزه.\n(٣) البناني: حاشيته على شرح جمع الجوامع ٢/ ١٢٨ وأيضًا: علي القاري: شرح الشفا.\n(٤) البخاري ١٣/ ١٥٧ وأصله عند مسلم وأبي داود.\n(٥) البخاري ١٣/ ١٧٢","vol":"1","page":244},{"text":"وممن صرّح بهذه القاعدة بصفتها العامة، من الأصوليين القدامى القاضي عبد الجبّار (١).\nوصرّح به حديثًا ولي الله الدهلوي (٢)، ومحمد أبو زهرة (٣)، وعبد الوهاب خلاف (٤)، وعبد الجليل عيسى (٥)، وفتحي عثمان (٦).\nأما من حيث التفصيل، فقد وضّحه ابن خلدون في المقدمة، في شأن ما ورد عنه - ﷺ - في شأن الطبّ، حيث قال:\n\"الطب المنقولُ في الشرعيّات من هذا القبيل (يعني طبّ البادية المبني على تجارب قاصرة) وليس من الوحي في شيء، وإنما هو أمر كان عاديًّا للعرب، ووقع في ذكر أحوال النبي - ﷺ -، من نوع ذكر أحواله التي هي عادة وجبلة، لا من جهة أن ذلك مشروع على ذلك النحو من العمل، فإنه - ﷺ - إنما بعث ليعلّمنا الشرائع، ولم يبعث لتعريف الطب ولا غيره من العاديّات. وقد وقع له في شأن تلقيح النخل ما وقع، فقال: \"أنتم أعلم بأمور دنياكم\". قال: \"فلا ينبغي أن يحمل شيء من الطبّ الذي وقع في الأحاديث المنقولة على أنه مشروع، فليس هناك ما يدل عليه. اللهم إلاّ إذا استعمل على جهة التبرّك وصدق العقد الإيماني فيكون له أثر عظيم النفع، وليس ذلك في الطب المزاجي\" (٧). اهـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>رأينا في ذلك:</span>\nنختار المذهب القائل بأن أفعاله الدنيوية ليست تشريعًا، وذلك لأجل الأدلة الآتية:\n١ - قوله تعالى: ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ﴾ وقوله: ﴿قل سبحان\n_________\n(١) المغني ١٧/ ٢٦٩\n(٢) حجة الله البالغة١/ ٢٧٢\n(٣) كتاب: تاريخ المذاهب الفقهية، ص ١٠\n(٤) كتابه: أصول الفقه ص ٤٣\n(٥) اجتهاد الرسول.\n(٦) الفكر القانوني الإسلامي بين أصول الشريعة وتراث الفقه، القاهرة، مكتبة وهبة (د. ت) ص ٦٨\n(٧) المقدمة ص ٤٩٣","vol":"1","page":245},{"text":"ربي هل كنت إلاّ بشرًا رسولًا﴾ وقد تكرر التأكيد في الكتاب على بشرية الرسول - ﷺ -، وأنه ليس إلهًا، ولا ملكًا، ولا يعلم الغيب. ومن المعلوم أنه - ﷺ - لما نَبّأه الله ﷿، لم يمنعه من تصرفاته البشرية كما يتصرف غيره من الناس على غالب الظنون والتقادير التي تخطئ وتصيب، ولا تعهّد له بأن يمنعه من الخطأ في ذلك، فالأصل استمرار حاله في ذلك كما كان قبل النبوة، لمّا لم يدل على انتقاله عن ذلك دليل. وقد أكّدت السنة النبوية ما بيّنه القرآن من ذلك، كما يأتي.\n٢ - قوله - ﷺ -: \"إنما أنا بشر، فإذا أمرتكم بأمر دينكم فاقبلوه. وإذا أمرتكم بشيء من دنياكم فإنما أنا بشر\". وفي رواية: أنتم أعلم بدنياكم. وقد تقدّم هذا الحديث.\nوبهذا الحديث، برواياته المختلفة، يوصّل النبي - ﷺ - أصلًا عظيمًا في الشريعة، ويبيّنه لنا، ويشعرنا بأن بعض أفراد الأمة قد يكونون أحيانًا أعلم منه - ﷺ - بما يتقنونه من أمور الدنيا، والمقصود أهل الخبرة في كل فن وصناعة، وأنه لا داعيَ شرعًا لالتفاتهم إلى ما يصدر عنه - ﷺ - من ذلك إلاّ كما يلتفتون إلى قول غيره من الناس.\n٣ - ما ذكر ابن إسحاق في سيرته، في سياق غزوة بدر، قال: حُدِّثت عن رجال من بني سلمة، أنهم ذكروا أن الحباب بن المنذر، قال: يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزلًا أنزلكه الله، ليس لنا أن نتقدَّمه، ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة. فقال: يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل، فانهض حتى نأتي أدنى ماء من القوم، فننزله. ثم نغوّر ما وراءه من القُلُب. ثم نبني عليه حوضًا فنملؤه ماءً، ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون. فقال رسول الله - ﷺ -: \"لقد أشرت بالرأي\" (١).\n_________\n(١) سيرة ابن هشام، وعليها الروض الأنف للسهيلي، بتحقيق عبد الرحمن الوكيل. القاهرة دار الكتب الحديثة (د. ت) ٥/ ٩٧","vol":"1","page":246},{"text":"٤ - ما ورد في الحديث أن نفرًا دَخَلوا على زيد بن ثابت، فقالوا له: حدثنا أحاديث رسول الله - ﷺ -. قال: كنت جاره، فكان إذا نزل عليه الوحي بعث إليّ فكتبته له. فكان إذا ذكرنا الدنيا ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الطعام ذكره معنا، فكلّ هذا أحدثكم عن رسول الله - ﷺ - (١).\n٥ - ما ورد عن هشام بن عروة، أن عروة بن الزبير كان يقول لعائشة: \"يا أماه، لا أعجب من فهمك، أقول: زوجة رسول الله - ﷺ - وبنت أبي بكر. ولا أعجب من علمك بالشعر وأيام الناس، أقول: ابنة أبي بكر، وكان أعلم الناس، أو من أعلم الناس. ولكن أعجب من علمك بالطبّ، كيف هو ومن أي هو؟ قال: فضرَبَتْ على منكبه، وقالت: إن عُرَيّة! أن رسول الله - ﷺ - كان يَسْقَم عند آخر عمره، أو في آخر عمره. فكانت تقدم عليه وفود العرب من كل وجه، فينعتون له الأنعات، وكنت أعالجها له\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-142>مسائل متمّمة لبحث الأفعال النبوية الدنيوية:</span>\nالمسألة الأولى: إذا انضم إلى الفعل الدنيوي قولٌ آمر، فذلك يخرجه من باب الأفعال. ويعود النظر إلى الدليل القولي، وذلك خارج عن موضوع بحثنا.\nوليت بعض الباحثين يتولّى بحث الأقوال النبوية المتعلقة بالأمور الدنيوية، ليصل في شأنها إلى قول فصل، ثم يجمعها من كتب الحديث وينص على ما يصحّ استفادته منها من الأحكام وما لا يصح.\nالمسألة الثانية: إذا نصّ القرآن على أمر دنيويّ فهو حق لا مرية فيه، لأنه من الله تعالى الذي لا تخفى عليه خافية في السماوات ولا في الأرض.\nفإن كان الفعل النبويّ في الشؤون الدنيوية استجابة لإرشادات القرآن التي تتعلّق بذلك الأمر، فيكون الفعل بيانًا أو امتثالًا للقرآن. ويحمل على الشرعيّ.\n_________\n(١) ذكره الدهلوي في حجة الله البالغة ١/ ٢٧٢ ولم يعزه.\n(٢) رواه أحمد في مسنده (٦/ ٦٧)","vol":"1","page":247},{"text":"ولعلّ خير مثال على ذلك شربُه - ﷺ - العسل للتداوي (١)، فإن ذلك تطبيق لقوله تعالى: ﴿يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس﴾.\nوشبيه بذلك ما أخبر - ﷺ - أنه فعله عن وحي من الله تعالى.\nالمسألة الثالثة: إذا تردد الفعل بين أن يكون دنيويًا أو دينيًا، حُمل على الدينيّ، لأنه الأكثر من أفعاله - ﷺ -. والله أعلم.\n_________\n(١) الخطيب البغدادي عن أنس: كان رسول الله - ﷺ - إذا اشتكى اقتمح كفًا من شونيز وشرب عليه ماء وعسلًا (الفتح الكبير).","vol":"1","page":248},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-143>المبحث الرابع الأفعال الخارقة للعادة (المعجزات والكرامات)</span>\nأجرى الله تعالى هذا الكون على سنن ثابتة وعوائد مطردة. وربط الأشياء بأسبابها، وجعل علاقة السببية هذه وسيلة إلى توليد أشياء جديدة، ذات صفات موافقة أو مخالفة لأصولها. وبها تتطور الكائنات وتتغير الموجودات، وتتجدد الحوادث.\nومعنى اطّراد السنن الكونية، أنه إذا أثّر شيء في شيء تحت ظروف معينة، فأنتج شيئًا آخر، فإنه لو أعيد تسليط المؤثر، أو مثيل له، على المؤثر فيه أو على مثيل له، مع وجود ظروف مماثلة تمامًا، فلا بدّ أن تحصل نتيجة مماثلة تمامًا لما نتج في الحالة الأولى.\nومثاله أننا لو أخذنا قضيبًا من الحديد، في درجة حرارة فعينة، وقسنا طوله، ثم سخنّاه مئة درجة مئوية، فإنه سيتمدد بالحرارة. فلو قسنا الزيادة في الطول وأثبتناها، ثم أخذنا قضيبًا آخر، أيضًا من الحديد، مساويًا في الطول للأول، وفي نفس درجة الحرارة، ورفعنا حرارته مئة درجة مئوية، فلا بدّ أن يتمدد، وأن تكون زيادته مساوية تمامًا للزيادة في حالة القضيب الأول. فإن اختلف مقدار الزيادة بين الحالتين، فلا بد أن عاملًا آخر مخالفًا لما كان في الحالة الأولى هو سبب الاختلاف، بأن كان الحديد مختلف النوعية مثلًا.\nوهذا الاطّراد في سنن الكائنات، سبب من أسباب التقدم البشري، وسيطرة البشر على الأرض، وذلك لأن العقل الذي أكرم الله به الإنسان يستطيع","vol":"1","page":249},{"text":"إدراك الصلات السببية بين الأشياء بإدراكه خواصها، فيستطيع الإنسان بذلك أن يهيّئ الظروف المختلفة التي تؤدّي إلى نتيجة معينة. فإذا كملت تلك الظروف، تولّدت عنها النتيجة ولا بدّ. وذلك حسب قاعدة اطّراد السنن.\nواطّراد السنن كما هو في العناصر البسيطة للكون وفي مركباته، وفي صفاتها العامة من الجاذبية والحرارة والرطوبة واللون والصلابة والمرونة وغير ذلك، هو أيضًا في الأحياء من النبات والحيوان، وفي النفوس الإنسانية، وفي المجتمعات البشرية، كذلك، وقد قال الله تعالى: ﴿فهل ينظرون إلا سنة الأولين فلن تجد لسنة الله تبديلًا ولن تجد لسنة الله تحويلًا﴾ (١) وقد ذكر الله تعالى أنه لا تبديل لسنته في ثلاثة مواضع أخرى غير هذه الآية (٢).\nإلاّ أن قوانين السببية في الأحياء أكثر تعقيدًا، وأبعد تصورًا، وأصعب منالًا.\nوليست العلوم الكونية، الكيميائية، والطبيعية، والحيوية، والنفسية، إلاّ نتائج المساعي لاستكشاف القوانين المشار إليها، وإلاّ تطبيقًا لتلك القوانين، واستفادة منها فيما ينفع الناس أو يضرهم.\nوقد جاءت الديانات السماوية حربًا على دعاوى السببية الكاذبة. فمن ذلك إبطال التطيّر، وإبطال الزجر والعرافة والمخرقة، وإبطال دعاوى عبدة الأصنام بأنها تنفع أو تضر، ودعاوى المنجّمين بأن حركات النجوم أسباب لعلم الغيب، أو أنها تؤثّر على الحوادث الأرضية، أو نحو ذلك، مما لا يخفى على المطّلع على حقائق ما جاء عن الأنبياء.\nوأتمُّ ما ورد من ذلك وأوضحه ما جاء به محمد - ﷺ -.\nإلا أن الإسلام جاء بأمرين عظيمين يتعلقان بقانون السببية.\n_________\n(١) سورة فاطر: آية ٦٢\n(٢) سورة الإسراء: آية ٧٧، سورة الأحزاب: آية ٦٢، سورة الفتح: آية ٢٣","vol":"1","page":250},{"text":"أولهما: البيان الواضح لكون الأسباب هي من وضع الله تعالى، فهو مسبّبها، وهو الذي جعل فيها تأثيراتها المعينة. وهذا لأنه تعالى خالق كل الأشياء، والجاعل فيها صفاتها وخصائصها. والقرآن مليء بهذا النوع من البيان. ومن أمثلته قوله تعالى: ﴿إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾ (١)، وقوله: ﴿والله جعل لكم مما خلق ظلالًا وجعل لكم من الجبال أكنانًا وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم﴾ (٢).\nوثانيهما: أنه لما كان الله تعالى هو مسبّب الأسباب، فإنها لا شكّ تحت تصرّفه وإرادته وقهره. فلو شاء أن يبطلها لأبطاها، بأن يفقدها نتائجها المحتومة، أو يوجد الأشياء من دون أسبابها المسنونة، كما قال للنار: ﴿كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم﴾ (٣) فأفقدها خاصية الإحراق، وكما أوجد عيسى من أم بلا أب.\nإلّا أن هذا النوع من التصرف الإلهي نادر، وأما الأكثر الذي هو الأصل، فهو اطّراد السنن كما تقدم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-144>أهداف خرق السنن الكونية بالمعجزة:</span>\nالمعجزات التي يؤيّد الله بها أنبياءه خرق للسنن الكونية، لتكون حججًا لهم على العباد أنهم رسل الله، إذ إن السنن الكونية لا يخرقها إلّا الذي وضعها ورتبها وهو الله تعالى. فإذا جاء ذلك على يد من يدّعي على الله أن الله أرسله، كان بيّنة على صدقه، حين أجرى الله ذلك على يده، ولا يجريه على يد من يدّعي الرسالة كذبًا عليه تعالى. ومن هنا فقد جاء أكثر رسل الله تعالى بمعجزات، أجريت على أيديهم، وشاهدها أقوامهم. كرّر الله تعالى ذكرها في كتابه، لتحصل الطمأنينة بصدقهم ويتم الانقياد لهم.\nوقد يأتي خرق العادة إعدادًا للنبي لتحمل تكاليف الدعوة، أو إظهارًا\n_________\n(١) سورة القمر: آية ٤٩\n(٢) سورة النحل: آية ٨١\n(٣) سورة الأنبياء: آية ٦٩","vol":"1","page":251},{"text":"من الله لكرامة نبيه عليه جزاء قيامه بتكاليف الدعوة، وبذل نفسه في سبيلها، كالإسراء بمحمد - ﷺ -.\nوقد يكون خرق العادة معونة من الله لنبيه على أداء تكاليف الدعوة، لضعفه عنها، كما في إنزال الملائكة للقتال يوم بدر، وفي حفظه نبيه - ﷺ - بستر شخصه عمن أراد اغتياله.\nومثلها إنجاء أنبيائه من كيد أعدائهم بغير الأسباب المعتادة، كرفع عيسى، وفلق البحر لموسى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-145>حدّ المعجزة:</span>\nالمعجزة، عند عبد الجبار المعتزلي: أمر واقع من الله تعالى، تنتقض به العادة، ويتعذّر على العباد فعله، خاصّ بمدّعي النبوّة، على وجه التصديق له (١).\nوالمعجزة عند الباقلاني الأشعري: أمر واقع من الله تعالى، تنتقض به العادة، ويتعذر على العباد فعله، يقع على يد مدّعي النبوّة، مقترنًا بالتحدّي، على وجه التصديق له.\nفاشترط الباقلاني اقتران المعجزة بالتحدّي لإثبات النبوّة، لأن الخارق عنده قد يقع للولي كرامة، ولكن لا يقع للولي إذا تحدى به لإثبات النبوّة، بل يمنع منه حينئذ (٢). وعبد الجبار لم يشترط ذلك لأنه ينكر الخوارق لغير الأنبياء أصلًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-146>حدّ الكرامة:</span>\nعرف صاحب المواقف الكرامة بأنها \"ظهور الخارق على يد العارف بالله تعالى وصفاته، مقرونًا بعمل الطاعات، غير مقرون بدعوى النبوة\" (٣).\n_________\n(١) القاضي عبد الجبار: المغني ١٥/ ١٩٩ وفي بعض كلامه يوافق الباقلاني انظر المغني ١٥/ ٢٣٤\n(٢) الباقلاني: البيان عن الفرق بين المعجزات والكرامات ص ١٧.\n(٣) شرح المواقف ٨/ ٢٢٨.","vol":"1","page":252},{"text":"وهي عند القشيري: \"فعل ناقض للعادة في أيام التكليف، ظاهر على موصوف بالولاية، في معنى تصديقه في حاله\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-147>خرق السنن الكونية على أيدي الأولياء:</span>\nاختلفت الأراء في الأمة الإسلامية حول هذه النقطة.\nفالمعتزلة وأبو إسحاق الإسفراييني والحليمي، يرون أن النواميس الكونية لا تنخرق إلا لنبيّ، لتكون معجزة له، وأما ما عدا ذلك، فالسنن مطردة اطّرادًا منضبطًا لا يتخلّف مطلقًا. فأنكروا بذلك كرامات الأولياء الخارقة للعادة.\nوسواء أكانت صغيرة أم كبيرة (٢). وأجازوا أن ييسر للأولياء نحو إجابة دعاء، وموافاة ماء في أرض فلاة مما ينحطّ عن رتبة خرق العادات (٣).\nونسب الرازي في الأربعين إلى أبي الحسين البصريّ المعتزلي، موافقة أهل السنة في إثباتهم كرامات الأولياء الخارقة (٤).\nوأهل السنة والصوفية وجمهور الأمة، على إثبات كرامات الأولياء، إلاّ أنهم في ذلك على قولين:\nالأول: أن كل ما جاز أن يكون معجزة لنبي جاز أن يكون كرامة لوليّ. ولا فرق بينهما إلا أن النبي يتحدّى بخرق العادة ليثبت نبوته، والولي لا يتحدّى (٥). ونسب هذا القول إلى جمهور العلماء وممن صرّح به النووي في شرح صحيح مسلم، والجويني في الإرشاد.\nالثاني: أن كرامات الأولياء بخرق العادات ثابتة، إلاّ أنها لا ترقى إلى مثل\n_________\n(١) الرسالة القشيرية ص ٦٦٠\n(٢) القاضي عبد الجبار: المغني ١٥/ ٢٠٥، ٢٢٥، ٢٤١، ٢٤٢\n(٣) المحلي: شرح جمع الجوامع ٢/ ٤٢٠، عليش: هداية المريد ص ١٧٧\n(٤) العضد: المواقف، وشرحه للجرجاني ٨/ ٢٨٨\n(٥) هداية المريد ص ١٧٧","vol":"1","page":253},{"text":"وجود ولد دون والد، وقلب جماد بهيمة. وممن قال بهذا القول القشيري (١)، وابن السبكي، وابن حجر العسقلاني (٢). ويظهر أن الباقلاني يقول به في كتابه في التفريق بين المعجزات والكرامات (٣)، حيث يرى أن السّحرة يقدرون على كل ما يقدر عليه الأنبياء، ما عدا ما أُجمع على أنهم لا يقدرون عليه، كإخراج ناقة من صخرة، وفلق البحر، وآيات موسى التسع. وإنما يقدرون على نحو الطيران في الهواء، وموت المسحور وحبّه أو بغضه. فيظهر أن قوله في خوارق الأولياء مثل ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-148>الأدلة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-149>١ - قول المعتزلة:</span>\nالدليل الأول: احتج عبد الجبار -ونقله عن أبي هاشم الجبّائي- لإنكار خرق العادة على سبيل الكرامة، بأن إثبات ذلك إبطال لدلالة المعجزات على صدق الأنبياء. ومن أجل ذلك أنكر أن يكون للسحر حقيقة وتأثير في قلب الأعيان (٤).\nوقد نوقش هذا الديل بأن الأولياء لا يتحدّون بها لإثبات دعوى النبوّة (٥)، ولو تحدّوا بها لمنع الله تعالى تأثيرها. ومثل ذلك يقوله في حق السحرة من أثبت أن للسحر حقيقة (٦).\nالدليل الثاني: أن إثبات الكرامة مفسدة، لأنه ينفّر عن النظر في دلالة\n_________\n(١) الرسالة القشيرية ص ٦٦٤\n(٢) ابن السبكي، والمحلي، والبناني: جمع الجوامع وشرحه وحاشيته ٢/ ٤٢٠\n(٣) ص ٤٨\n(٤) المغني ١٥/ ٢٠٥، ٢٢٦ وفي بعض كلام عبد الجبار ما يوافق فيه قول الباقلاني. وقال إنه المعتمد. انظر المغني ١٥/ ٢٣٤\n(٥) العضد: المواقف ٨/ ٢٨٨\n(٦) الباقلاني: البيان ص ٩٥ - ٩٧","vol":"1","page":254},{"text":"معجزات الأنبياء. وقد نقل هذا الدليل عن أبي إسحاق المعتزلي، وهو معتمد أبي عبد الله البصري (١).\nوالجواب ما تقدّم نقله عن الغزالي في ردّ الاستدلال بالتنفير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-150>أدلة المثبتين:</span>\nأولًا: أنها فعل ممكن في نفسه، لقدرة الله عليه. وكل ممكن وقوعه فهو جائز، ومن زعم أنه ممتنع فعليه بيان المانع (٢).\nوقد تقدم الردّ على ما ادّعاه النفاة مانعًا.\nثانيًا: احتجوا بالوقوع، لما في كتب الحديث من إضاءة السوط لعَبّاد بن بِشْر، وأُسَيْد بن حُضَيْر، وزيادة الطعام لضيوف أبي بكر، ونحو ذلك. وكما هو مأثور عن التابعين والأولياء كبشر وغيره مما يبلغ حدّ التواتر (٣).\nوقد أجاب عبد الجبار بأن التواتر في ذلك ممنوع، إذ التواتر مفيد للعلم. وقال: \"ونحن نعرف خلاف ذلك من أنفسنا، وأنتم تعلمون منّا أنا لا نعتقد ذلك، وأنا نتديّن بخلافه\" أي فلو كان يفيد العلم لأفادنا، فبقي أنه أخبار آحاد، ولا يثبت بذلك اعتقاد (٤).\nوناقشه أيضًا بأنه لو كان حقًا لكان ظهوره في الصحابة أولى من ظهوره على شيبان الراعي، وبشر الحافي، ومعروف الكرخي، وسهل التستري، وأضرابهم. أما والمنقول عن الصحابة أقلّ مما نقل عن هؤلاء كثيرًا، بل إنه لم يظهر على عليِّ بن أبي طالب مثلًا مع حاجته الشديدة إليه، وإمكان أن تحقن دماء المسلمين بظهور\n_________\n(١) المغني ١٥/ ٢٢٣\n(٢) عليش: هداية المريد ص ١٧٩\n(٣) انظر نصوصًا مجمعة منها، في (الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان) لابن تيمية ص ١٢٥.\n(٤) المغني ١٥/ ٢٢٥","vol":"1","page":255},{"text":"ذلك على يديه في قتاله مع معاوية. ولو كان حقًا لظهر حينئذ. ولاستغنوا أيضًا عن التحكيم (١).\nوالذي نختاره، أن ذلك ممكن وأنه واقع.\nأولًا: بدليل ما نقله القرآن العظيم من ذلك، فلو ادّعى مُدَّعٍ عدم صحة النقل فيما سواه، لم يمكن من مؤمنٍ إلا أن يؤمن بنقل الله. والله تعالى ذكر أن أصحاب الكهفِ: ﴿ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعًا﴾ (٢) نائمين لم يتناولوا طعامًا ولا شرابًا. وذكر عن صاحب سليمان أنه أتاه بعرش بلقيس قبل أن يرتد إليه طرفه. وإن كان في هذا الثاني احتمال (٣).\nوأيضًا ذكر عن مريم أنها كانت: ﴿كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقًا قال يا مريم أنَّى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب﴾ (٤).\nوثانيًا: بما نقل من ذلك في كتب السنة، وفي الصحيحين من ذلك جملة. وانظر أبواب فضائل الصحابة في الصحيحين وغيرهما من كتب السنة، تجد من ذلك أخبارًا إن لم تتواتر آحادها، فإنها متواترة معنويًا، لأنها متفقة في الدلالة على أنهم كانوا يصدقون بذلك وأمثاله.\nإلاّ أننا مع ذلك نرى أن أكثر ما ينقل عن كثير ممن يدعون الولاية، أو تُدّعَى لهم، من خرقهم للعادات والسنن الكونية، كذب مفترى لا أصل له، أو له أصل من الحق وقد عظمه الاتباع المغلوبون على عقولهم وأفهامهم، أو هو من الباطل من\n_________\n(١) المغني ١٥/ ٢٤١\n(٢) سورة الكهف: آية ٢٥\n(٣) سورة النمل: آية ٢٥\nفي تفسير الآية أن الذي أتى به هو سليمان نفسه، انظر، مثلًا، تفسير البغوي عند قوله تعالى: ﴿قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك﴾ من سورة النمل.\n(٤) انظر الإرشاد للجويني ص ٣٢٠","vol":"1","page":256},{"text":"الألاعيب والمخرقات، أو من تصرفات الجن والشياطين، بمعاونتهم أولياءهم وإيحائهم إليهم (١)، مما قد ينخدع به كثير من العوامّ وأشباههم من المنتسبين إلى العلم ممن لا فرقان له (٢)، حتى عظموا بسبب ذلك كثيرًا من الكفرة، ممن كفره أعظم من كفر فرعون وقارون وهامان. واعتقدوا أن أولياءهم هؤلاء يتصرفون في الكون مع الله تعالى عما يقولون علوًا كبيرًا (٣).\nوزاد بعض الصوفية المسألة عنفًا، بدعواهم أن الخارق يقع بقوة ذاتية في نفس الولي، وادّعوا أنها قوة إلهية (٤).\nوكانت من نتيجة ذلك أن انطلت الحقائق على كثير من المسلمين، وفقد قانون السببيّة عندهم فاعليته الحضارية، حتى أصبحوا في مؤخّرة الركب العالمي. وكان من أعظم العوامل التي أدّت إلى ذلك، هذا النوع من (الإيمان) الكافر.\nولما كان الخارق مخالفًا للعادات والسنن الكونية، كانت العادات والسنن الكونية شاهدًا مكذبًا لما يُروَى منه. ولذلك ينبغي أن لا يصدّق ما ينقل من ذلك أو يروى من الحوادث، ما لم يكن له شهود أكثر قوة، بأن يكون النقل على درجة عالية من الثبوت، تحصل بها الطمأنينة، ويتم عندها الإذعان والتسليم، ويكون الرواة لذلك من أهل البصيرة الذين لا ينخدعون باللعب والمخرقة.\nوها نحن في زماننا نستمع إلى شيء كثير مما ينقل من مثل ذلك من حوادث معاصرة، فإذا حقق الأمر تبيّن زيف الدعوى. ولم يحصل عندنا اليقين، ولو بحادثة واحدة مخالفة للسنن. وهذا يؤكّد ما قلنا.\nويؤكّده أيضًا ما عرف من طباع النقلة لهذا النوع من الأخبار، فإنهم يتزيدون فيها ويبالغون، فيظهرون بعض ما فيه غرابة مما هو عاديّ، بشكل الخارق\n_________\n(١) سورة الأنعام: آية ١٢١\n(٢) ابن تيمية: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص ١٤٥، ١٥٠\n(٣) محمد رشيد رضا: الوحي المحمدي ص ١٨٨\n(٤) إبراهيم إبراهيم هلال: ولاية الله والطريق إليها ص ١٨٢","vol":"1","page":257},{"text":"للعادة، كل ذلك ليجلبوا استحسان السامعين واستغرابهم، وحتى يكون لكلامهم طلاوة، ويعود المستمعون إليه مرة بعد مرة.\nفإذا كان الرواة على درجة عالية من التقوى والبصر والثقة والتشدّد، وتعدّدت طرق الرواية، جبر ذلك النقص، وصحّ الوثوق بهذا النوع من الأخبار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-151>الاقتداء بالأفعال النبوية الخارقة للعادة:</span>\nلهذا الاقتداء موقعان:\nلأنه إما أن يقتدي بما يسبق الفعل من أسبابه.\nأو يقتدي بما يلحقه من فوائده.\nأما الخارق نفسه فهو من فعل الله تعالى، ولا ينسب إلى الرسول - ﷺ - إلا مجازًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-152>أولًا: هل للمؤمن أن يعمل على حصول الكرامات الخارقة</span>؟:\nإذا وقع الخارق على يد نبي مثلًا، فوقوعه بالنسبة إليه اضطراريّ، إذ هو من فعل الله تعالى، لا يقدر عليه إلاّ الله. ولكن الذي بيد النبي - ﷺ - أسبابه التي جعلها لله له أسبابًا، كرميه - ﷺ - التراب في وجوه الكفار، فأوصله الله إلى أعينهم، وقال: ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾ (١) وعندما عطش الجيش طلب النبي - ﷺ - بقية ماء في قدح فوضع يده فيه، ودعا الله، فَنَبَع الماءُ من بين أصابعه حتى ملأ الجيش كل ما عندهم من الآنية.\nفهذا الرمي منه - ﷺ -، وهذا الطلب للماء، ووضع يده فيه، ودعاء الله، هو سبب لحصول المعجزة (٢). فهل للمؤمن، اقتداءً بذلك، أن يحاول بالرياضة التوصل إلى التمكن من ذلك، وأن يفعل الأسباب الموصلة إلى الخوارق؟.\n_________\n(١) سورة الأنفال: آية ١٧\n(٢) الشاطبي: الموافقات ٢/ ٢٧٧","vol":"1","page":258},{"text":"من العلماء من ذهب إلى أن كرامة الولي لا تقع بقصد منه، بل تقع له دون قصد (١).\nومنهم من أجاز وقوعها بالقصد. ومن هؤلاء القشيري (٢)، والشاطبي. فقد أجاز للمؤمن أن يعمل لإيقاعها (٣). ولكن ذلك عنده في موضع الرخص، والعزيمةُ عنده الدخول في الأسباب المعتادة. وإذا طلب وقوع الخارق فليطلبه لمعنى شرعيّ، لا لحظ نفسه. والحجة عند الشاطبي ذلك أن النبي - ﷺ - كان يظهر المعجزات طلبًا لإيمان الكافرين، وتقوية ليقين المتقين (٤)، وأفعاله - ﷺ - يقتدى بها.\nونحن نرى أن الكرامات لا تقع على سبيل القصد، وما يقع منها يقع ولا يعلم المؤمن به إلا بعد وقوعه.\nودليلنا على ذلك أن المعجزات خصائص للأنبياء، والأصل في الخصوصية عدم الاقتداء.\nوأيضًا فإن دليل إمكان خرق العادات على سبيل الكرامات هو وقوعها. وباستقراء ما وقع منها لغير الأنبياء مما صح نقله يتبين أنه وقع لهم دون قصد. كنوم أهل الكهف، وإنزال الطعام على مريم، وإضاءة السوط لعباد بن بشر وأسيد بن حضير، وتنزّل السكينة لأبيّ بن كعب.\nومن العلماء من أجاز للوليّ أن يتحدى بالخارق لإثبات ولايته، كما يتحدّى النبي بالمعجزة لإثبات نبوّته (٥)، بأن يقول: \"أنا وليّ الله سبحانه، وآية ولايتي\n_________\n(١) نقله الجويني في الإرشاد ص ٣١٦ ونقله محمد عليش: هداية المريد، وشرحه للسنوسي ص ١٧٧\n(٢) الرسالة القشيرية ص ٦٦٢\n(٣) الشاطبي: الموافقات ١/ ٣٥٥\n(٤) الشاطبي: الموافقات ٢/ ٢٧٨ ومقصده بالعمل لحصول الخارق أن يطلبه بالدعاء ولا يجوز عنده أن يؤدي العبادة بنية حصول الخارق.\n(٥) الشاطبي: الموافقات ١/ ٣٥٥ و٢/ ٢٥٣","vol":"1","page":259},{"text":"طيراني في الهواء، أو تعلّقي به، أو انشقاق القمر\". ولا تفترق الكرامة عن المعجزة على هذا إلاّ بدعوى الرسالة في المعجزة (١).\nوحجة من أجاز ذلك، التأسّي بأفعال النبي - ﷺ -.\nوقد تقدّم جوابه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-153>ثانيًا: تصرّف النبي - ﷺ - بمقتضى الخارق هل يقتدى به فيه:</span>\nيرى الشاطبي أن المزايا والمناقب التي أعطيها النبي - ﷺ - عامّة كعموم التكاليف، بل قد زعم ابن العربي أن سنة الله جرت أنه إذا أعطى الله نبيًا شيئًا أعطى أمته منه، وأشركهم معه فيه (٢).\nوبنى الشاطبي على هذا الأصل أن للمؤمن، إذا حصل له شيء من ذلك، أن يبني عليه ويتصرّف على أساسه، قال:\n\"ومما ينبني على هذا الأصل أنه لما ثبت أن النبي - ﷺ - حذّر وبشّر وأنذر، وتصرف بمقتضى الخوارق، من الفراسة الصادقة، والإلهام الصحيح، والكشف الواضح، والرؤيا الصالحة، كان من فعل مثل ذلك ممّن اختصّ بشيء من هذه الأمور على طريق الصواب، وعاملًا بما ليس بخارج عن المشروع\" (٣).\nواحتجّ لذلك أيضًا بأن الأصل عدم الخصوصية. فلما كان النبي - ﷺ - يفعل أشياء من ذلك، كقوله في خيبر عن علي: \"لأعطين الراية غدًا رجلًا يفتح الله على يديه\" (٤). وإخباره أنه: \"ستكون لكم أنماط\" (٥) فرتّب على الاطلاع الغيبيّ وصاياه النافعة، ومثله ما أخبر به من وصاياه عند الفتن، لحذيفة وغيره، فلنا أن نفعل مثل ذلك، لأنه لم يقل إن ذلك خاصٌّ به - ﷺ -، فيثبت بذلك [عمومه] (٦).\n_________\n(١) عليش: هداية المريد ص ٧٨، الجويني: الإرشاد ص ٣١٦\n(٢) الموافقات ٢/ ٢٤٩\n(٣) الموافقات٢/ ٢٦٣\n(٤) مسلم ١٥/ ١٧٨ ورواه البخاري.\n(٥) البخاري (مع فتح الباري ط مصطفى الحلبي ٧/ ٤٤١)\n(٦) الموافقات ٢/ ٢٦٥","vol":"1","page":260},{"text":"واحتجّ لذلك ثالثًا بفعل الصحابة، من نحو قول عمر: \"يا سارية الجبل\" (١) وقصّ على عمر رجل أنه رأى الشمس والقمر يقتتلان، فقال له: مع أيهما كنت؟ قال: مع القمر. قال: \"كنتَ مع الآية الممحوّة، لا تلي عملًا أبدًا\".\nواشترط الشاطبي لجواز التصرف على أساس الخارق، أن لا يخرم ذلك التصرف حكمًا شرعيًّا ولا قاعدة دينية. فلو حصل للمؤمن مكاشفة أن هذا الماء مغصوب أو نجس، فلا يجوز له الانتقال إلى التيمم، لأن القاعدة الشرعية أن لا ينتقل عن الوضوء إلى التيمم إذا وجد ماء محكومًا بطهارته. ولو حصلت له مكاشفةٌ أن هذا المال لزيد، وقد تحصّل بالحجة لعمرو، لم يجز له أن يشهد به لزيد (٢).\nوالجائز عنده من ذلك نحو أن يترك أحد الجائزين ويفعل الآخر. فهو عمل على وفق الأحكام الشرعية. فموضع العمل بها يتبيّن، على سبيل التمثيل، في ثلاثة أوجه:\nأحدها: أن يكون في مباح، كأن يرى أن فلانًا يقصده في وقت كذا بخير أو شر، فيستعد لذلك.\nوالثاني: أن يكون لحاجة، فكما أن النبي - ﷺ - ما كان يخبر بكل ما يعلم من المغيبات، بل بحسب الحاجة، فكذلك المكاشف بذلك.\nوالثالث: أن يكون فيه تحذير أو تبشير، ليستعدّ لكلٍ عدّته، كالإخبار عن أمر ينزل إن فعل كذا، أو لا يكون إن فعل كذا.\nونحن نوافق الشاطبي فيما نقلناه عنه هنا، لا من حيث إن العمل بذلك مدلول للفعل النبويّ، بل لأنه كما ذَكَر، تصرُّفٌ في حدود المباح، والتصرف في حدود المباح لا حرج فيه. فإن رأى رؤيا مثلًا، وغلب على ظنّه صدقها، فلا حرج عليه أن يعمل بمقتضاها فيما لا يخالف الشرع.\n_________\n(١) ابن كثير: البداية والنهاية ٧/ ١٣١ من رواية سيف بن عمرو الواقدي، وفي روايتهما مقال، عند أهل الشأن.\n(٢) الموافقات ٣/ ٢٦٣ - ٢٦٦ وأيضًا ٤/ ٨٢ - ٨٦","vol":"1","page":261},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-154>المبحث الخامس الأفعال الخاصَّة به ﷺ \"<span data-type=\"title\" id=toc-155>الخصائص </span>النبويَّة</span>\"\nبعض الأفعال التي كان يفعلها النبي - ﷺ -، هي مما أبيح له خاصة من دون سائر المؤمنين، أو وجب عليه دونهم؛ وبعض ما حرّم عليه، حرّم عليه خاصة من دونهم. وهذا النوع من الأفعال داخل فيما يسمى الخصائص النبوية.\nونحن نقدّم بين يدي القول في الاستدلال بهذا النوع من الأفعال توضيحًا للخصائص.\n\nالخصائص:\nتقول العرب: خصَّه بالشيء يخصُّه خَصًّا وخُصُوصيّةً، وخَصُوصيّة وخِصِّيصيَ، وخصَّصه واختصَّه: أفرده به دون غيره. واختصَّ فلان بالأمر، وتخصَّص إذا انفرد به (١).\nفما أفرد الله تعالى به إنسانًا من الناس، من صفة في خلْقه أو خُلُقه، أو من حكم شرعي، أو غير ذلك، فكل ذلك خصائص.\nفمن الأحكام الخاصَّة بغير النبي - ﷺ - أنه أجاز لأبي بردة هانئ بن نيار الأنصاري، التضحية بعناق، وقال له: \"تجزئ عنك ولا تجزئ عن أحد\n_________\n(١) لسان العرب","vol":"1","page":262},{"text":"بعدك\" (١). ومنها أنه جعل شهادة خزيمة بن ثابت بشهادة رجلين، وحكم بها لنفسه - ﷺ -. ومن أجل ذلك سمي خزيمة \"ذا الشهادتين\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-156>الخصائص النبويّة:</span>\nما اختصّ به النبي - ﷺ - أمور كثيرة، أفردها العلماء بالتأليف (٢). ويذكرها المؤلفون في السيرة النبوية، وفي الشمائل النبوية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-157>تصنيف الخصائص النبوية:</span>\nتقسم الخصائص النبوية بحسب ما يلي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-158>١ - بحسب من عنه الاختصاص</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-159>٢ - بحسب زمن الاختصاص</span>.\n_________\n(١) رواه الشيخان وأصحاب السنن (جامع الأصول ٤/ ١٤٢)\n(٢) ذكر حاجي خليفة في كشف الظنون (مادة: الخصائص) الأسماء التالية:\n١ - يوسف بن موسى الجذامي الأندلسي المعروف بابن السدي (- ٦٦٣ هـ)\n٢ - جمال الدين محمد سالم بن نصر الله بن واصل الحموي (- ٦٩٧ هـ) ذكره صاحب ذيل كشف الظنون.\n٣ - القطب الخيضري.\n٤ - سراج الدين، عمر بن علي بن الملقن الشافعي (- ٨٠٤ هـ)\n٥ - جلال الدين عبد الرحمن بن عمر البلقيني (- ٨٢٤ هـ)\n٦ - كمال الدين، محمد بن محمد الشامي، إمام الكاملية (- ٨٧٤ هـ)\n٧ - وألف السيوطي كتابه المشهور بعنوان (الخصائص الكبرى)، واسمه (كفاية الطالب اللبيب في خصائص الحبيب) ذكر أنه تتبع هذه الخصائص عشرين سنة حتى زادت على الألف وذكر أنه قصد به الاستيعاب، يعني أنه يذكر كل ما قيل فيه أنه من الخصائص. ولم يقصد إلى تحقيق صحة ما يذكره. وقد نشر كتاب السيوطي محققًا.\nوقد اختصر السيوطي كتابه وسمى المختصر (أنموذج اللبيب في خصائص الحبيب) واختصره أيضًا الشيخ عبد الوهاب الشعراني (- ٩٧٢ هـ)\n٨ - أقول: وقد خص ابن حبان (- ٣٥٤ هـ) الخصائص المروية في السنن بفصل من كتابه المشهور بصحيح ابن حبان، كما ذكر ذلك في المقدمة.","vol":"1","page":263},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-160>٣ - بحسب ما فيه الاختصاص</span>.\nأولًا: تنقسم الخصائص النبوية، بحسب من عنه الاختصاص، ثلاثة أقسام:\n١ - منها ما تشاركه فيه أمته، وينفرد به هو وأمته - ﷺ - عن سائر الأنبياء وأممهم. وذلك مثل ما ورد في الحديث: \"أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر؛ وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيُّما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلّ؛ وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي؛ وأعطيت الشفاعة؛ وكان النبي يبعث إلى قومه خاصّة، وبعثت إلى الناس عامة\" (١). ومثل تجويز الدية في قتل العمد ولم تكن لمن قبلنا جائزة.\n٢ - ومنها ما ينفرد به - ﷺ - عمن ليس بنبي، لكن يشاركه فيه كل الأنبياء، أو بعضهم.\nوأمثلة ذلك تأييدهم بالمعجزات، وبالعصمة من المعاصي على ما تقدم، وتكليم الله لهم. ونزول الوحي عليهم، وكونهم لا يورثون، وُيدفنون حيث يموتون.\n٣ - ومنها ما ينفرد به محمد - ﷺ - عن جميع البشر من الأنبياء وغيرهم، ككونه خاتم النبيين، وإمام المرسلين، وأنه مبعوث إلى جميع العالمين إنسهم وجنهم، وشفاعته العظمى يوم الحساب.\nثانيًا: وتنقسم بحسب زمان الاختصاص قسمين:\n١ - فمنها في الدنيا، كالإسراء به، وكإباحة نكاح أكثر من أربع نسوة.\n٢ - وفي الآخرة، ككونه \"أول من يبعث\" (٢) و\"أول شافع وأول مشفع\" و\"أول من يقرع باب الجنة\" و\"أكثر الأنبياء تابعًا يوم القيامة\" وبيده لواء الحمد يوم القيامة، وأُعطي الكوثر، والحوض.\n_________\n(١) رواه البخاري ط مصطفى الحلبي ١/ ٤٥٣\n(٢) وانظر لمثل هذا النوع من الخصائص: الفتح الكبير ٢/ ٢٧٠ وما بعدها.","vol":"1","page":264},{"text":"وتنقسم أيضًا من هذا الوجه قسمين، لأنها إما دائمة كما تقدم، وإما موقوتة بوقت محدود، كما أحِلّت له مكة \"ساعة من نهار\" (١).\nثالثًا: وتنقسم بحسب ما فيه الاختصاص إلى:\n١ - ما ليس بحكم شرعي، وأمثلته ما كان في خلقته - ﷺ -، كخاتم النبوة بين كتفيه، وتأييده بالمعجزات، والوحي، والنصر بالرعب مسيرة شهر.\n٢ - وما هو حكم شرعي.\nوهذا القسم نوعان:\nلأنه إما حكم شرعي لفعل غيره بسببه كرامة له، كتحريم نسائه على غيره، وما نسخ من وجوب الصدقة على المؤمنين عند مناجاته، ووجوب احتجاب نسائه (٢)، وتحريم أخذ الزكاة على آل بيته، وأنه لا يورث، وأن الكذب عليه عمدًا كبيرة، وتحريم رفع الصوت فوق صوته.\nوإما حكم شرعي لفعله هو - ﷺ - كوجوب قيام الليل، وتحريم الصدقة عليه، وإباحة نكاح ما زاد على أربع نسوة، وتحريم نكاح من لم تهاجر معه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-161>الحكمة في تخصيصه - ﷺ - بما خصّه الله تعالى به:</span>\nلم نجد أحدًا ممن اطلعنا على تآليفهم فصل: هذا الموضوع بالبحث، والذي يظهر عند التأمل في المناسبة، أنه - ﷺ - لما كان يشارك أمته في البشرية، ويخالفهم في الرسالة، فإن منشأ الاختصاص بما خصّه تعالى به من الخصائص، راجع إلى الرسالة دون غيرها من الأوصاف المشتركة بينه وبين سائر الناس.\n_________\n(١) رواه البخاري (فتح الباري ط الحلبي ١/ ٢١٦) وأبو داود والنسائي.\n(٢) أكثر العلماء على أن بدن المرأة كله عورة ما عدا الوجه والكفين. فعلى هذا يكون وجوب تغطية نساء النبي الوجوه والأكف من الخصائص، وهو الذي اعتمدناه أعلاه. وفي رواية عند أحمد: يجب تغطية الوجه والكفين على كل امرأة، فعلى هذا ليس في المسألة اختصاص. انظر: (بداية المجتهد ط الحلبي ١/ ١١٥. تفسير القرطبي ١٢/ ٢٢٧)","vol":"1","page":265},{"text":"أما ما يختصّ به - ﷺ - عن سائر النبين، فمنشؤه كون رسالته أهم، لأنها أعمّ بالنظر إلى المدعوين، إذ كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، ومحمد - ﷺ - مبعوث إلى الثقلين الإنس والجنّ. وبالنظر إلى الزمان، إذ رسالته - ﷺ - هي الخاتمة، فوقتها مستمر إلى قيام الساعة.\nفالخصائص إذن ناشئة من طبيعة الرسالة، ودائرة حولها، لتتم حكمة الله بأداء الرسالة على أفضل حال.\nوالوجوه التي عليها تخدم الخصائص الرسالة يظهر لنا أنها كما يلي:\nالأول: الإعداد للرسالة قبل مبعث النبي - ﷺ -، وذلك كأخذ الله تعالى الميثاق على الأنبياء أن يؤمنوا به (١) ليأخذوا هم الميثاق على أقوامهم، ويكون ذلك داعيًا للأمم إلى قبول رسالته - ﷺ -.\nومن هذا أيضًا ما حصل قبل المبعث من الإرهاصات بنبوته، والبشائر التي وقعت عند بعثته.\nالثاني: توثيق رسالته، ومن ذلك ما خصّه الله تعالى به من المعجزات، والعصمة من المعاصي، وخاتم النبوّة بين كتفيه - ﷺ -، ومنعه من الكتابة وقول الشعر.\nومن ذلك ما أخبر به من المغيبات التي تقع بعد وفاته، لتبقى دلائل التصديق والثقة مستمرة بعده، بتجدد تحقق ما أخبر به - ﷺ -.\nومن ذلك أيضًا في أحكام أفعاله: تحريم الصدقة عليه، لئلا يظن به أنه أتى بما أتى به لتحصيل مال. وتُمِّم بالحكم بأنه لا يورث، حتى تقطع الأمة بأنه لم يحصِّل برسالته منهم لآله مالًا ﴿إن هو إلاّ ذكرى للعالمين﴾ (٢).\n_________\n(١) انظر سورة آل عمران: آية ٨١\n(٢) سورة الأنعام: آية ٩٠","vol":"1","page":266},{"text":"ومن ذلك أيضًا ما أشار إليه في الحديث: \"إن كذبًا عليّ ليس ككذبٍ على أحد، فمن كذب عليّ متعمدًا فليلج النار\" (١).\nالثالث: تهيئته لأداء الرسالة، وإعداده لتحمّل أعبائها، ومن ذلك ما أوجب الله عليه من قيام الليل، ليتمّ له تدبّر الوحي الإلهي وتعلّمه وتفهّمه في أنسب الأوقات لذلك، قال الله تعالى: ﴿قم الليل إلاّ قليلًا * نصفه أو انقص منه قليلًا * أو زد عليه ورتّل القرآن ترتيلًا * إنا سنلقي عليك قولًا ثقيلًا﴾ (٢). هذه الآيات له ولغيره من أمته، ثم نسخ الوجوب في حق غيره وبقي في حقه هو، كما بُيِّنَ ذلك في حديث عائشة.\nومن ذلك الإسراء به، قال تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا﴾ (٣).\nالرابع: ما اختصّه الله به كعون له على أداء الرسالة. من ذلك عصمته من الناس، وإظهار الآيات على يديه، كتكثير الطعام ونبع الماء.\nومن ذلك إباحة نكاح ما زاد على أربع نسوة، ليقمن بمعاونته على الأداء، باطلاعهن على ما خفي من شؤونه وإبلاغها للأمّة، وليكون إصهاره إلى قبائل العرب تأليفًا لهم وتسهيلًا لدخولهم في الإسلام، كما حصل في زواجه - ﷺ - من جويرية بنت الحارث، من بني المصطلق، فقد كان ذلك سببًا لإسلام قومها. ومن ذلك إباحة القتال له بمكة، ونصره بالرعب مسيرة شهر.\nومن ذلك أيضًا تحريم نكاح من لم تهاجر معه، فإن ذلك يحصل به عمليًا تأكيدٌ قوي لفضل الهجرة، ويكون حثًّا غير مباشر، ولكنه ذو مفعول قوي، على استجابة المسلمين الذين لم يهاجروا.\nالخامس: إدامة الرسالة من بعده - ﷺ -، كحفظ الكتاب الذي جاء به من التبديل، وأنه لا تزال طائفة من أمته على الحق.\n_________\n(١) متفق عليه من حديث المغيرة (الفتح الكبير).\n(٢) سورة المزمل: آية ٢ - ٥\n(٣) أول سورة الإسراء.","vol":"1","page":267},{"text":"السادس: ما أعطاه الله من التوسعة، ومن رفع مكانته في الدنيا والآخرة جزاء على ما تحمله من التكاليف في تبليغ الرسالة. قال الله تعالى: ﴿ما ودّعك ربك وما قلى * وللآخرة خير لك من الأولى * ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾ (١).\nفمما أعطاه إباحة نكاح أكثر من أربع، وهذا وجه آخر في ذلك غير ما تقدم ذكره. ومنه ما رفع الله عنه من كثير من الحرج في مسائل النكاح، قال الله تعالى: ﴿ما كان على النبي من حرج في ما فرض الله له سنّة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدرًا مقدورًا * الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدًا إلاّ الله﴾ (٢).\nومنه قرن اسمه باسمه في الشهادتين، وما أوجب الله تعالى على المؤمنين من الصلاة عليه في الصلاة، والصلاة عليه كلما ذكر. ومن ذلك، بعد موته، تحريم نسائه على غيره، وما في الآخرة من إعطائه المقام المحمود، والحوض المورود، وسائر درجاته الخاصة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-162>الفعل الدائر بين الخصوصية وغيرها:</span>\nيدور بين الخصوصية وغيرها نوعان من الأفعال:\nالأول: ما تلمح فيه الخصوصية، كوضعه - ﷺ - جريدة على قبرين بقصد التخفيف من عذاب صاحبيهما. وسائر ما تُدَّعى فيه الخصوصية بنقول محتملة.\nوالثاني: ما لا تلمح فيه، ولكن يجوز عقلًا أن يكون خاصًّا وأن يكون مشتركًا.\nوهذا النوع الثاني هو سائر الأفعال المجرّدة، ويأتي بيان الحكم فيها في الفصل الخامس إن شاء الله.\nأما النوع الأول، فقد ادُّعِيت الخصوصية في أفعال معدودة، لمّا حصل\n_________\n(١) سورة الضحى: آية ٢ - ٤\n(٢) سورة الأحزاب: آية ٣٨، ٣٩","vol":"1","page":268},{"text":"التعارض بين الفعل وغيره من الأدلة، فتخلّص بعض العلماء بدعوى الخصوصية في الفعل.\nوالمعتمد أن الأصل في الفعل عدم الخصوصية، وأنه لا تجوز دعوى الخصوصية بغير دليل، كما سيأتي إيضاحه إن شاء الله. وكذلك لو كانت الدلالة ضعيفة وأمكن التخلّص منها.\nوسبب ذلك أن الخصوصية خلاف الأصل، لأنه - ﷺ - مبعوث قدوة وداعيًا بفعله وقوله كما تقدم. فأفعاله هي للاقتداء، والخصوصية تمنع الاقتداء.\nوفي المثال الذي أشرنا إليه قال اين حجر: \"استنكر الخطَّابي ومن تبعه وضع الناس الجريد على القبر عملًا يهذا الحديث. قال الطرطوشي: لأن ذلك خاص ببركة يده - ﷺ -. وقال عياض: لأنه علّل غرزهما على القبر بأمر مغيّب، وهو قوله: إنهما ليعذبان. يقول ابن حجر: لا يلزم من كوننا لا نعلم أيعذب أم لا، أن لا نتسبّب له في أمر يخفّف عنه العذاب لو كان يعذب. وقد تأسَّى بريدة بن الحصيب الأسلمي الصحابي بذلك، فأوصى أن يوضع عند قبره جريدتان. ذكر ذلك البخاري في باب الجنائز تعليقًا. قال ابن حجر: وهو أولى من غيره أن يتبع\" (١) اهـ.\nوكلام ابن حجر راجع إلى القاعدة التي ذكرنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-163>أدلة الخصوصية:</span>\nيعلم أن حكم الفعل من خصائصه - ﷺ - بأمور:\nالأول: أن يرد في القرآن النص على الخصوص والمنع من الاشتراك، كقوله تعالى: ﴿وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم﴾ (٢)\n_________\n(١) فتح الباري ١/ ٣١٩\n(٢) سورة الأحزاب: آية ٥٠","vol":"1","page":269},{"text":"وقد يكون في النص الدالّ على الخصوصية خفاء فيقع فيه الخلاف. ومن ذلك قوله تعالى في صلاة الخوف: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ...﴾ (١) الآيات، يقول القرطبي: \"هذه الآية خطاب للنبي - ﷺ -، وهو يتناول الأمراء بعده إلى يوم القيامة. هذا قول كافة العلماء. وشدّ أبو يوسف، وإسماعيل بن علية، فقالا: لا تصلّى صلاة الخوف بعد النبي - ﷺ -، فإن الخطاب كان خاصًّا له بقوله: ﴿وإذا كنت فيهم﴾ وإذا لم يكن فيهم لم يكن لهم ذلك، لأن النبي - ﷺ - ليس كغيره في ذلك، وليس أحد بعده يقوم مقامه ... فلذلك يصلي الإمام بفريق، ويأمر من يصلي بالفريق الآخر، وأما أن يصلوا بإمام واحد فلا\" (٢). اهـ.\nثم ذكر أن الجمهور يرون اتباعه - ﷺ - مطلقًا حتى يدل دليل واضح على الخصوص، ولئلا تكون الشريعة قاصرة على من خوطب. وقد عمل الصحابة بصلاة الخوف بعده - ﷺ -.\nثم إن خاطب الله تعالى نبيه بالحكم بضمير المفرد، أو بقوله يا أيها النبي، لم يدل ذلك على الاختصاص، لأنه - ﷺ - قائد أمته في طريقها إلى الله، والأمر للقائد أمر لأتباعه. ومن رفض المشاركة في الحكم هنا بمقتضى اللفظ لا يمنع القياس. ومثاله قوله تعالى: ﴿لا تمدّنّ عينيك إلى ما متعنا به أزواجًا منهم﴾ (٣) وقوله: ﴿وشاورهم في الأمر﴾ (٤).\nوسيأتي لهذا البحث زيادة بيان في مبحث قول المساواة من فصل الفعل المجرّد.\nالثاني: أن يقول - ﷺ - ذلك. كنهيه لهم عن الوصال لما واصل، وقال: \"إني لست كهيئتكم، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني،. وقال في دخول مكة مقاتلًا: \"إن أحد ترخص بقتال رسول الله - ﷺ -، فقولوا إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم\".\n_________\n(١) سورة النساء: آية ١٠٢\n(٢) الجامع لأحكام القرآن ٥/ ٣٦٤ - ٣٦٦\n(٣) سورة الحجر: آية ٨٨\n(٤) سورة آل عمران: آية ١٥٩","vol":"1","page":270},{"text":"أمّا لو ورد الإخبار من النبي - ﷺ - أنه يفعل كذا أو لا يفعل كذا، فلا يدل على الاختصاص، كقوله - ﷺ -: \"لا آكل متكئًا\".\nالثالث: أن يعلم ذلك بالضرورة، كما إذا فعل فعلًا، ثم نهاهم عنه في وقت قريب (١). وكما إذا أمرهم بأمر، ثم ترك في الحال ما نهاهم عنه، أو نهاههم عن شيء وفعله في الحال، فيعلم أن حكم تركه أو فعله خاص به - ﷺ - (٢).\nوكل هذا على طريقة المعتزلة، لأنهم لا يجيزون النسخ قبل التمكّن من الامتثال. أما عند غيرهم فيجوز النسخ قبل التمكن، فلا يكون هذا النوع دليل الخصوصية.\nأما إن نهاهم عن الشيء وهو متلبِّس به، فينبغي أن يكون ذلك دليل الاختصاص عند المعتزلة وغيرهم، كما نهاهم عن الوصال وهو مواصل، ونهاهم عن نكاح أكثر من أربع وهو مقيم على ذلك.\nوعلى قول المعتزلة، إن تأخّر الترك أو الفعل طرأ احتمالٌ بأن الحكم الأول قد نُسخ، فلا تتحقق الضرورة.\nومثاله أن النبي - ﷺ - نهاهم أن يصلوا قيامًا والإمام جالس، وصلّى بهم في مرض موته وهم قائمون وهو جالس.\nفقيل: ذلك من خصائصه (٣).\nوهو مردود، لما تقدم.\nثم قد قيل: إنه فعله ليبين الجواز، فبيّن بفعله أن النهي السابق إنما هو للكراهة. وهو مذهب الحنابلة.\nوقيل إن النهي منسوخ (٤).\n_________\n(١) أبو الحسن البصري، المعتمد ١/ ٣٩٠\n(٢) نفس المصدر ١/ ٣٨٧\n(٣) ابن قدامة: المغني ٢/ ٢٢٠ - ٢٢٢\n(٤) السيوطي: الخصائص الكبرى ٣/ ٢٨٤","vol":"1","page":271},{"text":"الرابع: الإجماع على الخصوصية، كإجماعهم على تحريم الزيادة على أربع نسوة. واختصاصه - ﷺ - بإباحة ذلك.\nالخامس: القياس الجلي، كتحريم نكاح امرأة تكره صحبته. لأنه إذا وجب عليه طلاق من تكره صحبته ممن قد تزوجهن، فأن لا يبتدئ نكاح الكارهة أولى.\nودليل وجوب الطلاق عليه في تلك الحال قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتنَّ تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتِّعكن وأسرِّحكن سراحًا جميلًا﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-164>الخصائص التي تدخل في موضوع بحثنا:</span>\nلا يدخل في بحثنا الآتي، ما شاركته أمته - ﷺ - فيه وانفردوا به عن سائر الأنبياء وأممهم، لأن الغرض بيان ما تقتدي به الأمة فيه من أفعاله - ﷺ -، والذي تشاركه فيه الأمة أمره واضح لا خفاء به.\nوأيضًا لا يدخل في بحثنا ما كان من الخصائص في أفعاله - ﷺ - في الآخرة، لخروجها عن نطاق التكليف.\nولا يدخل ما كان صفة من صفاته البدنية، كخاتم النبوّة، وسائر ما ليس من أفعاله - ﷺ -.\nفانحصرت الخصائص النبوية التي سنبحثها في هذا الفصل، في ما كان حكمًا شرعيًا لفعل من أفعاله - ﷺ -، في هذه الدنيا، مما ينفرد به عن أمته، سواء شاركه فيه غيره من الأنبياء، أو لم يشاركه فيه منهم أحد.\nوأما ما كان من الخصائص في فعل غيره بسببه، فسنذكر الاستدلال به بعد ذكر الاستدلال بالخاص من أحكام أفعاله - ﷺ -.\n_________\n(١) سورة الأحزاب: آية ٣٨","vol":"1","page":272},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-165>درجات خصائصه - ﷺ - في سُلّم الأحكام:</span>\nيقسم الفقهاء خصائصه - ﷺ - في أفعاله إلى ثلاثة أنواع:\n١ - أفعال واجبة عليه خاصة، كتخيير نسائه. وفائدة تخصيصه بالوجوب عند الفقهاء، زيادة الأجر والثواب، لأن ثواب الفرض أكثر من ثواب النفل.\n٢ - وأفعال محرمة عليه خاصة، كتبدّل أزواجه، ونكاح من لم تهاجر معه. وفائدة تخصيصه بالتحريم عندهم كمال التطهير والتنزيه، ولأن أجر ترك المحرم أكثر من أجر ترك المكروه.\nوليس ما ذكر من فائدة تخصيصه بالوجوب والتحريم مطّردًا في كل الخصائص، كما هو واضح. وقد ذكرنا الأوجه الستة لخصائصة في ما تقدم.\n٣ - وأفعال مباحة له خاصة، كالزيادة على أربع زوجات.\nولم يذكروا في خصائصه المندوب ولا المكروه.\nأما المندوب، فالظاهر أنه ثابت في خصائصه - ﷺ -، وعندي أن من ذلك الوصال. والفقهاء يذكرون الوصال في قسم المباح. ونسبه السيوطي إلى الجمهور. ولكن ذكره في المندوب هو الصواب، كما لا يخفى، وبه قال الجويني (١)، وأبو شامة (٢). ويفهم من كلام الشاطبي أنه لا يرى الوصال من الخصوصيات (٣).\nومثل الوصال في ذلك القسم بين الزوجات، فهو مندوب له لا شك في ذلك.\nوأما المكروه له خاصة فلم نظفر له بمثال.\nومن أجل وقوع المندوب له في خصائصه - ﷺ -، فالذي نراه أن نقسم\n_________\n(١) الخصائص الكبرى للسيوطي ٣/ ٢٨٤\n(٢) المحقق ق ١١ أ\n(٣) الموافقات ٣/ ٦٢، ١٥٠","vol":"1","page":273},{"text":"خصائصه أربعة أقسام لا ثلاثة، إلّا أن يعبر بدل المباح بالجائز ليشمل ما ذكرناه في قسم المندوب. والله أعلم.\nونلاحظ في النوع الثالث وهو المباح له خاصة أنه ينقسم ثلاث أقسام (١):\nالأول: أن يكون مباحًا له، وحكمه على الأمة الوجوب.\nوالثاني: أن يكون مباحًا له وحكمه في حق الأمة التحريم، وذلك مثل الزيادة على أربع نسوة، إذ هو علينا محرم.\nوالثالث: أن يكون مباحًا له وحكمه على الأمة الكراهة، وهذا قليل، ومنه القضاء والفتيا حال الغضب.\nوأما أن يكون مباحًا له وحكمه في حقنا الندب، فلم نظفر له بمثال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-166>ما يمتنع الاختصاص فيه:</span>\n١ - لاحظ الحافظ العلائي أن النبي - ﷺ - لم يختص في باب القربات والتعظيم بالترخص في شيء (٢)، يعني بذلك أن ما كان واجبًا على غيره من الأمة من العبادات، وتعظيم الله، وتعظيم شعائر الله، فلا يكون له - ﷺ - خصوصية بأن يكون ذلك في حقه مباحًا أو مندوبًا. وذلك واضح، فإنه - ﷺ - يخص بإيجاب ما ندب إليه غيره من العبادات، كالتهجد، زيادة في الزلفى والقربة، فكيف يرخص له في ترك ما وجب على غيره منها وهو - ﷺ - الناس بالتزام القرب والطاعات والتعظيم، لقوة علمه بالله تعالى. وكذلك ما حرّم على الناس تعظيمًا لحرمات الله، لا يرخص له - ﷺ - في فعله.\nورد العلائي بهذه القاعدة قول من زعم أن استدبار النبي - ﷺ - القبلة عند قضاء الحاجة كان خصوصية له، لأن ما ورد من النهي عن استدبارها إنما هو لتعظيم شعائر الله، وتكريمها.\n_________\n(١) قسمه الماوردي قسمين كما عند الزركشي في البحر ٢/ ٢٤٩ أ، ونحن أضفنا الثالث.\n(٢) انظر رسالته: تفصيل الإجمال، في أثناء كلامه في الفصل الثاني ق ٤٩ ب.","vol":"1","page":274},{"text":"وقوله في ذلك وجيه.\n٢ - ولاحظ السرخسي ملاحظة أخرى. وهي أن ما كان واجبًا على غيره - ﷺ - من أقوال معينة في مواقع معينة، فلا يجوز أن يختص بعدم إيجابه، قال: \"فإن معنى الخصوصية هو التخفيف والتوسعة ......... وقد كان - ﷺ - أفصح الناس، وما كان يلحقه حرج في استعمال اللفظ (الواجب) (١) ورد بهذا الأصل قول الشافعي إن انعقاد النكاح بلفظ الهبة خاص بالنبي - ﷺ -\".\nونحن نتوسّع في هذه القاعدة، فنقول: كل ما لم يكن فيه حرج على النبي - ﷺ - في اختيار من قول أو فعل، فلا يكون خاصًا به، بل هو مشترك.\nويمكن الاستفادة من ذلك أيضًا في رد قول من زعم أن استدباره - ﷺ - للكعبة في قضاء الحاجة خاص به، إذ التوجّه إلى الجهات المختلفة سواء من حيث الخفة والثقل. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-167>عدد الخصائص:</span>\nذكر صاحب كشف الظنون أن السيوطي ذكر في (الخصائص الكبرى) أنه تتبع الخصائص عشرين سنة حتى زادت عنده على الألف. وهو قد قصد أن يكون كتابه: \"مستوعبًا لما تناقلته أئمة الحديث بأسانيدها المعتبرة، ... أورد فيه كل ما ورد\" (٢).\nغير أنه لم يلتزم الصحة، إنما التزم أن لا يذكر خبرًا في ذلك موضوعًا.\nويفهم من ذلك أنه لم يلتزم ترك الضعيف من الأخبار، فورد في كتابه أخبار ضعيفة كثيرة. بل ادّعى محقق الكتاب (٣) أن السيوطي لم يلتزم بشرطه في تنزيه كتابه عن الأخبار الموضوعة (٤).\n_________\n(١) أصول السرخسي ١/ ١٨٠\n(٢) الخصائص الكبرى ١/ ٨\n(٣) الشيخ محمد خليل هراس، ﵀.\n(٤) انظر الخصائص الكبرى ٣/ ٦٥٢ التعليق رقم (٢)","vol":"1","page":275},{"text":"وما صحّ الخبر فيه مما أورده، كثيرًا ما لا يكون دالًاّ على الاختصاص، كإجابة الدعاء (١)، فالله تعالى يستجيب لمن دعاه من نبي وغيره.\nوبعض ما ذكره من الاختصاص دعوى لا سند لها (٢).\nفلو أن ما جعله من الخصائص عُرِض على ميزان النقد لما ثبت منه في تقديري أكثر من ثلث الألف أو ربعه.\nوهذا في الخصائص بصفتها العامة.\nأما ما اختصّ به - ﷺ - في أحكام أفعاله، فإن بعض فقهاء الشافعية والمالكية ذكروها في مؤلفاتهم في أوائل كتاب النكاح (٣)، لما كان كثير من خصائصه - ﷺ - هي في باب النكاح.\nوأول من استطرد إليها المزني صاحب الشافعي ﵄.\nوقد ذكرها القرطبي المالكي بالتفصيل، وحصرها في ٣٧ خاصة، قال: إن منها المتفق عليه، والمختلف فيه (٤). وذكرها السيوطي، فجعلها ٦٥ خاصة. وذكرها الرملي الشافعي في شرح المنهاج فجعلها ٤٧ خاصة.\nولعلّ ما يصح دليله من كل ما ذكر قريب من خمس عشرة خاصة لا أكثر. منها في الواجبات: التهجد بالليل، وتخيير نسائه.\nومنها في المحرمات تحريم الزكاة عليه وعلى آله، وتحريم أكل الأطعمة الكريهة الرائحة، وتحريم التبدل بأزواجه.\n_________\n(١) الخصائص الكبرى ١/ ٣٦٦ - ٣٧١\n(٢) مثلًا: أنه كلف من العلم ما كلفه الناس بأجمعهم (٣/ ٢٦٤) ولا تجب عليه الزكاة (٣/ ٢٨٧).\n(٣) انظر مثلًا من كتب الشافعية: روضة الطالبين للنووي. ونهاية المحتاج، للرملي، على المنهاج، ط الحلبي ١٣٥٧ هـ ٦/ ١٧٥ ومن كتب المالكية: حاشية الدسوقي على الشرح الكبير- كتاب النكاح.\n(٤) تفسير القرطبي ١٤/ ٢١٢","vol":"1","page":276},{"text":"ومنها في الجائزات: خُمس خُمسِ الغنيمة، وخمس الفيء، والوصال، والزيادة على أربع نسوة، وسقوط القسم بين زوجاته، والقتال بمكة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-168>الاستدلال بأفعاله ﷺ الخاصة به في الأحكام المماثلة:</span>\nإذا ثبتت الخصوصية في فعل من أفعال النبي - ﷺ - فإنها تقتضي أن حكم غيره ليس كحكمه وذلك إجماع (١)، إذ لو كان حكمه حكم غيره لما كان للاختصاص معنى.\nومن أجل ذلك كانت فائدة معرفة الخصائص معرفة أن حكم غيره - ﷺ - ليس كحكمه فيها، ولئلا يقتدي بها جاهل إذا سمع الحديث مثلًا أن النبي - ﷺ - فعل كذا. هذا ما يذكره الفقهاء من فائدة معرفتها (٢).\nإلاّ أن المهم ثبوت الخصوصية بدليل صحيح، أعني بصحته صحة الثبوت، بالإضافة إلى صحة الدلالة على الخصوصية. وليس كل ما ذكره المؤلفون من الخصوصيات صحيحًا، كما تقدم. وقد تتبّع ابن حجر في (تلخيص الحبير) (٣) ما ذكره الرافعي في شرح الوجيز من الخصائص، وهي التي يتناقلها الفقهاء، فزيّف أدلة بعضها كوجوب ركعتي الفجر، وبين عدم صحة دعوى الخصوص في بعض آخر، وأثبت أن الاشتراك أصحّ.\nثم إنه وإن امتنعت مشاركتنا للنبي - ﷺ - في خصوصياته، فإن للاقتداء به فيها وجهًا واضحًا، فإنه إذا امتنع من أكل الثوم والبصل لكونهما محرمين عليه خاصة، فيتّجه أن يقال: إن من اقتدى به في الامتناع من ذلك يؤجر، ويكون في حقه مكروهًا، وإذا وجب عليه تخيير نسائه إذا بدا منهن الضيق، استُحِبَّ ذلك لغيره.\n_________\n(١) انظر التقرير والتحبير ٢/ ٣٠٢، الآمدي: الأحكام ١/ ٢٤٧\n(٢) الرملي: نهاية المحتاج ٦/ ١٧٤\n(٣) تلخيص الحبير ٣/ ١١٧ وما بعدها.","vol":"1","page":277},{"text":"وفي هذه المسألة للعلماء قولان:\nالقول الأول: ما قاله الشوكاني: \"توقف إمام الحرمين (١) في أنه هل يمتنع التأسي به - ﷺ - في ذلك أم لا. وقال: ليس عندنا نقل لفظي أو معنوي في أن الصحابة كانوا يقتدون في هذا النوع، ولم يتحقق عندنا ما يقتضي ذلك. فهذا محل التوقف\" (٢).\nوقال أبو شامة: تابع القشيريّ والمازريّ إمامَ الحرمين على ذلك.\nوقال الغزالي: ما عرف أنه خاصيته فلا يكون دليلًا في حق غيره (٣).\nأقول: وابن السبكي في جمع الجوامع وشارحه، وافقا الجويني على ما ذهب إليه، فقد ذكر ابن السبكي أن حكم الفعل المخصّص (واضح) وفسره المحلي بأننا (لسنا متعبدين به) وذكر البناني عن (شيخ الإسلام) (٤) أن مرادهما أن الفعل الخاصّ لا يكون دليلًَا في حقنا، ولا يمتنع أن يكون الدليل شيئًا آخر كالقول مثلًا (٥).\nهذا وإن أكثر ما نُقِل من خصائصه - ﷺ - بُيِّن الحكم فيه في حقنا بأدلة مستقلة، كاستحباب الضّحى والأضحى والوتر والتهجد في حقنا للأدلة القولية الواردة في ذلك. وتخيير المرأة الكارهة نوع من الإحسان، والإحسان مطلوب شرعًا.\nوككراهية أخذ الزكاة والصدقة في حقنا، وكراهة أكل ما له ريح كريهة كالبصل والثوم.\nولعل الجويني ومن وافقه ذهبوا إلى ما ذهبوا إليه لهذا المعنى، فإن معرفتنا بكون هذه الأمور وأشباهها مستحبة لنا أو مكروهة إنما منشؤه الأدلة الخاصة الواردة\n_________\n(١) يعني الجويني.\n(٢) إرشاد الفحول ص ٣٥\n(٣) المستصفى ٢/ ٤٩\n(٤) يعني الشيخ زكريا الأنصاري.\n(٥) جمع الجوامع وشرحه وحاشية البناني ٢/ ٩٧","vol":"1","page":278},{"text":"بذلك، وإنما الدليل الذي يدل على صحة القاعدة قول الشارع، أو الإقرار، أو عمل الصحابة، ولم يتحقق شيء من ذلك عند الجويني ومن تبعه.\nوالقول الثاني: ما قاله أبو شامة (١) فإنه يرى أن الاقتداء به - ﷺ - ممنوع في ما أبيح له خاصة، لدلالة الخصوصية على امتناع ذلك في حق غيره.\nوأن الاقتداء به - ﷺ - على سبيل الاستحباب ثابت فيما فعله على سبيل الوجوب، وفي ترك ما تركه على سبيل الحرمة.\nفيندب لنا على هذا القول: فعل ما فعله - ﷺ - مما اختصّ به من الواجبات، ويندب لنا التنزه عما تركه مما اختصّ به من المحرمات.\nفخصوصيته - ﷺ -، على هذا القول، إنما هي في تحتم الفعل أو الترك بالنسبة إليه، والمشاركة بيننا وبينه هي في أصل مطلوبية الفعل أو الترك المقتضية للاستحباب أو الكراهة، وتمتنع المشاركة في ما زاد على ذلك وهو تحتّم الفعل أو الترك، لدلالة الخصوصية على هذا الامتناع.\nوقال أبو شامة: إن ما ذكره \"لا نزاع فيه لمن فهم الفقه وقواعده، ومارس أدلة الشرع ومعاقده ومعانيه\".\nوقد نقل الشوكاني بعض كلام أبي شامة، ووافقه على ما ذهب إليه (٢). ونقله قبله الزركشي في البحر وأقرَّه.\nإلاّ أن الشوكاني قيّد هذه المسألة بأنه إذا علم بدليل قوي الحكم في حقنا فهو المعتمد، فإن عارض القول ما يستفاد من هذه القاعدة يقدَّم الدليل القولي.\nويفهم من كلام أبي شامة أنه يدلل لقوله بوجهين:\nالأول: البناء على القواعد الشرعية. ولم يبيّن القاعدة التي يشير إليها. ولعله يعني أن ما أمر به - ﷺ - لا بد أن يكون مصلحة، وذلك يعني أنه في حقّنا كذلك\n_________\n(١) انظر كتابه (المحقق) ق ٥ أ\n(٢) إرشاد الفحول ص ٣٥، ٣٦ وفي كلام الشوكاني هنا خفاء، ومآله إلى ما ذكرنا.","vol":"1","page":279},{"text":"مصلحة، فيكون مستحبًا. وإن ما نهى عنه لا بد أن يكون مفسدة، فيكون في حقنا مكروهًا. وامتنع التحتّم الذي هو الإيجاب والتحريم بدليل الخصوصية.\nفإن كان هذا مقصوده، فلا يسلّم له، إذ قد يكون الشيء مصلحة لشخص ولا يكون مصلحة لآخر، كالصوم، هو مصلحة للطاهر، وليس مصلحة للحائض، وكالقصر هو مصلحة للمسافر، وليس مصلحة للمقيم. وهكذا يقال في جانب المفسدة.\nالثاني: أنه قد ورد عن الصحابة الاقتداء به - ﷺ - في الفعل الخاص. ومن ذلك أن ابن عباس ائتم بالنبي - ﷺ - في صلاة الليل. وقد امتنع النبي - ﷺ - من أكل طعام في منزل أبي أيوب الأنصاري، كان فيه ثوم، فقال أبو أيوب: \"إني أكره ما تكره\" ولم ينكر ذلك عليه، - ﷺ - (١).\nوهذا أيضًا غير مسلّم، أما ائتمام ابن عباس بالنبي - ﷺ - في صلاة الليل، فإن استحباب صلاة الليل معلوم بدلالة الكتاب والسنة القولية كما لا يخفى، فلا يكون دليلًا في المسألة.\nوأما قول أبي أيوب: \"فإني أكره ما تكره\". فهو محمول على أنه للكراهة الطبيعية، لا للكراهة الشرعية.\nوبذلك لا يثبت دليل القاعدة، الذي أراد أبو شامة ﵀ إثباتها له.\nإلاّ أننا نرى أن استقراء الخصائص الواجبة والمحرمة (وعددها ما بين خمس وثلاثين عند السيوطي إلى تسع عشرة كما عدَّها الرملي والقرطبي) يُظهر أن هذه القاعدة صادقة على جميع هذه الجزئيات. ما عدا تحريم الكتابة والشعر (٢) عليه - ﷺ -\n_________\n(١) رواه مسلم (جامع الأصول ٨/ ٢٨٣)\n(٢) من عدهما كذلك السيوطي (الخصائص ٣/ ٢٧١) ونقله عن النووي في الروضة. وقد أغفلهما الرملي.","vol":"1","page":280},{"text":"عند من عدَّهما من الخصائص، والمقصود بتحريمهما عليه تحريم تعاطي أسبابها الموصلة إليهما، فإن الكتابة والشعر لا يُكْرهان في حق الأمة إذا استعملا في مباح.\nفإن لم تثْبت قاعدة أبي شامة، بما استدَلَّ به لها، فإن الاستقراء يُغلِّب على الظن صحتها. والله أعلم.\nهذا وإن أغلب ما اختصَّ به النبي - ﷺ - في باب الوجوب والتحريم، يعلم حكمه في حقنا بأدلة غير الأفعال. ومن أجل ذلك كانت فائدة هذه القاعدة ضئيلة في استفادة الأحكام الشرعية من الأفعال الخاصة، إذ إنها تحصيل حاصل.\nويجوز استعمالها للتوكيد والاستئناس.\nونحن نرى لها فائدة أخرى. وذلك أن كثيرًا من العلماء في شروحهم للأحاديث، والجمع بين الأحاديث القولية والفعلية، كثيرًا ما يحملون الحديث الفعلي على أنه من خصائصه - ﷺ -. فإن كانت الخصوصية بالإيجاب أمكن معرفة صحة ذلك من عدمها، باستخدام هذه القاعدة: فإن وجد أن الحكم في حقنا ليس الاستحباب، بل الإباحة أو الكراهة أو التحريم، يتبيّن أن الحمل على الخصوصية فاسد.\nونظير ذلك يقال في الخصوصية بالتحريم.\nوكمثال تطبيقي لذلك نذكر مسألة عدّ تحريم الكتابة والشعر من الخصائص النبوية. فالمشهور أنه - ﷺ - لم يكن يقدر عليهما، ولو أراد تعلمهما لما أمكنه ذلك. فخرجا على هذا القول في حقه - ﷺ - عن نطاق التكليف، وهو الراجح.\nأما على القول المرجوح، وهو أنه كان قادرًا عليهما، فقد ادّعى قوم تحريمهما عليه، وإن ذلك من خصائصه. وذلك مردود، بناء على هذه القاعدة إذ لو كانا في حقه حرامًا لكانا في حقنا مكروهين، وذلك ممنوع. فتنتفي الخصوصية. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-169>ما يختص به ﷺ في أفعال غيره:</span>\nوذلك ما شرعه الله تعالى من الأحكام من فعل غيره بسببه - ﷺ -، تعظيمًا لمقامه ورفعًا لشأنه. ومنه أنه لا يرثه أحد من أقاربه ولا زوجاته، ومنه أن ما تركه","vol":"1","page":281},{"text":"من ماله صدقة، وأنه لا يحل لأحد نكاح زوجاته بعده، وأنهن أمهات المؤمنين، ومن فعل منهن معصية يضاعف لها العذاب ضعفين، ومن يقنت منهن لله ورسوله فلها الأجر مرتين، وتحريم رفع الصوت فوق صوته، والكذب عليه عمدًا كبيرة، ويجب القتل على من سبه أو هجاه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-170>هل يصحّ تعدية هذه الخصائص إلى غير النبي ﷺ:</span>\nينقل عن بعض الصوفية أنه ادّعى لنفسه في أتباعه أشياء من مثل هذا النوع من الخصائص.\nفنُقل عن بعضهم أن الوليّ في أتباعه ومريديه كالنبي - ﷺ - بين أصحابه، ولهذا يجعلون لشيوخهم من الخصائص مثل ما هو ثابت لرسول الله - ﷺ -، فلا يجوز عندهم نكاح امرأة الشيخ بعد موته، ولا يجوز رفع الصوت عنده (١).\nإن ما تقدم ذكره من الإجماع على عدم جواز الاشتراك فيما ثبت من خصائصه ينفي دعوى مشاركة (الأولياء) في خصائصه - ﷺ -.\nولما كانت خصائصه - ﷺ - لا تدل في حقنا على المماثلة، فلذلك يكون من حرَّم على الناس لنفسه مثل ما حرّم عليهم لرسول الله - ﷺ -، قد حرم ما ليس حرامًا، وذلك لا يجوز. وكذا من أوجب عليهم لنفسه مثل ما وجب عليهم لرسول الله - ﷺ - فقد أوجب ما ليس بواجب وذلك لا يجوز.\nوقد ورد عن أبي برزة الأسلمي، قال: أغلظ رجل لأبي بكر الصديق. قال، فقال أبو برزة: ألا أضرِبُ عنقه؟ قال: فانتهزه أبو بكر، وقال: ما هي لأحد بعد رسول الله - ﷺ - (٢).\nفلو كان للوليّ أن يكون له مشاركة في هذا النوع من الخصائص، لكان أولى الناس بذلك، صدّيق الأمة أفضلها بعد نبيها وأكرم (أوليائها) على الله.\n_________\n(١) محمد خليل هراس، نقلًا عن (العهد الوثيق) للشيخ محمود خطاب السبكي وغيره (الخصائص الكبرى) للسيوطي ٣/ ٣٠٦ حاشية (٢)\n(٢) رواه أحمد. وصححه أحمد شاكر (المسند، بتحقيقه ١/ ٥٥)","vol":"1","page":282},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-171>خاصة التبرك بآثاره ﷺ:</span>\nمن خصائصه - ﷺ - التبرك بآثاره والاستشفاء بها، فقد نقل أنه - ﷺ - دعا بقدح فيه ماء، فغسل يديه ووجهه، ومجَّ فيه، ثم قال لأبي موسى وبلال: اشربا منه، وأفرغا على وجوهكما، ونحوركما.\nوتوضأ وصب على جابر، وأمر بشعره أن يقسم بين المسلمين.\nوكان إذا توضأ يقتتلون على وضوئه.\nوبعض ثيابه كانت تغسل بعده ويعطى ماؤها للمرضى.\nوجمعت أم سليم عرقه لتطّيّب به.\nوشرب بعضهم دم حجامته - ﷺ -.\nوحنّك بعض صبيانهم بالتمر.\nوالدليل على أن هذا من خصائصه - ﷺ -، أن الصحابة ﵃ لم يتبرَّكوا بأفاضلهم. وليس في الأمة بعد نبيّها أفضل من أبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي. فلم ينقل عن أحد منهم، ولو حادثة واحدة، أنهم تبركوا بهؤلاء الأولياء الأربعة أو غيرهم (١). فهذا إجماع على الترْك.\nوالتبرك هنا ليس له وجه إلاّ اعتقادهم أن ذلك خاص به - ﷺ -. إذ لو كان للتشريع لعملوا به ليبينوه للأمّة.\nوقد ذكر الشاطبي احتمالًا أنهم تركوه من باب سدّ الذرائع. لئلا يصل الجهال منه إلى عبادة غير الله.\nومن أجل ذلك كانت المسألة عند الشاطبي مشتبهة (٢).\nإلاّ أن هذا الاحتمال لا ينبغي أن يُلغي دلالة الإجماع، إذ إن أكثر الأدلة الشرعية ظنية، وتطرقها بعض الاحتمالات الضعيفة، ولا يبطل ذلك العمل بها. والله أعلم.\n_________\n(١) الشاطبي: الاعتصام ٢/ ٦ - ١١\n(٢) الشاطبي: الاعتصام ٢/ ١١","vol":"1","page":283},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-172>المبحث السَّادسُ الفعل البياني</span>\nتقدم في الفصل الأول أن البيان بالفعل جائز وواقع. ويهمنا هنا أن نذكر ما يستفاد من الأحكام من الفعل الواقع بيانًا.\nوقد قدمنا أن مرادنا بالفعل البياني، ما وقع بيانًا للمشكل من مجمل وغيره مما ورد في القرآن وتكفلت السنة ببيانه، وهو الذي نقصده هنا أيضًا، أما الفعل الواقع بيانًا ابتدائيًا فهو من الفعل المجرد، وسيأتي ذكره في الفصل التالي إن شاء الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-173>جهات الفعل البياني:</span>\nللفعل البياني ثلاث جهات، يستفاد من كل منها نوع من الأحكام:\nالجهة الأولى: جهة أنه امتثال للأمر أو النهي في العبادة، فإذا بيّن - ﷺ - آية الحج بأن حج وقال لهم: \"خذوا مناسككم لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا\" فإن حجّه في حدّ ذاته امتثال لما أوجب الله عليه من الحج، ويجزيء عنه، فيسقط عنه الفرض بذلك.\nويعترض هنا سؤال، وهو أنه هل يمكن أن يتجرّد الفعل البيانيّ عن جهة الامتثال هذه، فيتخلّص بيانًا؟.\nوصورة ذلك أن يأتي - ﷺ - بفعل هيئته هيئة العبادة، وهو لا يقصد العبادة، وإنما يقصد مجرد التعليم، كما يفعله المعلّمون أحيانًا من أداء صورة الصلاةِ مثلًا، على سبيل التمثيل لطلبتهم، دون أن يقصدوا الصلاة.","vol":"1","page":284},{"text":"يفهم من كلام البناني (١) أنه يرى أن البيان والامتثال \"يحصل بكل منهما الآخر\" فظاهر هذا أنه لا يتصوّر انفصال الفعل البيانيّ عن الامتثال.\nوقد ورد في حديث عند ابن ماجه والبيهقي، أنه النبي - ﷺ - توضأ مرة مرة، ثم قال: \"هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلاّ به\". ثم توضأ مرتين مرتين، وقال: \"من توضأ مرتين آتاه الله أجره مرتين\". ثم توضأ ثلاثًا ثلاثًا، وقال: \"هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي\". قال القاضي حسين من الشافعية: من أصحابنا من قال: فعل رسول الله - ﷺ - هذه الوضوءات في مجالس، لأنه لو كان في مجلس واحد لصار غسل كل عضو ست مرات، وذلك مكروه.\nقال: ومنهم من قال: كان ذلك في مجلس واحد للتعليم، ويجوز مثل ذلك للتعليم.\nقال النووي: \"ظاهر رواية ابن ماجه أنه كان في مجلس واحد. وهذا كالمتعين، لأن التعليم لا يكاد يحصل إلا في مجلس واحد\" (٢). اهـ.\nفالوضوء الأخير من الثلاثة كان تمثيلًا لمجرد البيان. فإن صحّ الحديث كان دليلًا أنه - ﷺ - كان يفعل أحيانًا لمجرد البيان.\nومثال آخر: أنه - ﷺ - قال لعمّار بن ياسر حين أراد أن يعلمه التيمم: \"إنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا .. \" الحديث. فلا يبعد أنه - ﷺ - كان متوضئًا وأن ما فعله من التيمّم صوري. وحتى لو لم يكن متوضئًا فالظاهر أنه كان بالمدينة، والتيمّم للحاضر لا يجزئ.\nومن جهة أخرى، قد تنفرد جهة الامتثال، فيكون الفعل امتثالًا مجردًا من دون أن يكون بيانًا لشيء. ومن ذلك ما كان - ﷺ - يفعله في خلواته مما لا يطّلع عليه أحد من الأمة \"لأن ما أريد به البيان يلزم إظهاره\" (٣).\n_________\n(١) حاشية شرح جمع الجوامع ٢/ ٩٨\n(٢) النووي: المجموع ١/ ٤٧١\n(٣) الغزالي: المستصفى ٢/ ٢٨","vol":"1","page":285},{"text":"وما كان الممتثل بيّنًا بنفسه كغسل اليدين في الوضوء.\nأو سبق بيانه بقول أو فعل، كما بيّن المواقيت بصلاته يومين متواليين، فصلاة اليوم الثالث ليست بيانًا للوقت.\nالجهة الثانية: جهة أنه امتثال لما أمر به من البيان. وهو من هذه الجهة واجب أو مستحب كما تقدم. وقد يختلف حكم الفعل الواحد من هاتين الجهتين، فيكون مندوبًا من حيث إنه امتثال للأمر بعبادة مندوبة، واجبًا من حيث إنه امتثال للأمر بالبيان، كما لو بيّن بفعله صلاة مندوبة.\nوالقدوة حاصلة بأفعاله - ﷺ - من هذه الناحية. والمقتدي به فيها هم أهل العلم والدعوة، والقائمون مقامه في بيان الأحكام للأمة، وليس العوام من لا علم عنده.\nولم يزل القائمون على الدعوة والتربية يتأسّون به - ﷺ - في كيفية بيانه للأحكام من انتهاز الفرص لها، والتخول بالموعظة، والبداءة بالأهم، والتدرج في البيان، إلى غير ذلك من النواحي التي يذكرها الكاتبون في مباحث التربية الإسلامية، ومباحث الدعوة.\nوينظر حكم الاقتداء به - ﷺ - في كيفيات البيان في مبحث (الفعل الامتثالي).\nالجهة الثالثة: جهة ما يحصل بالفعل من البيان، فيعلم به تفاصيل الفعل الذي أمرنا به، ويعلم أنه واجب في حقنا أو مندوب أو مباح، وذلك بتعلقه بما هو بيان له، فإن تعلق بآية دالة على الوجوب، دلّ على الوجوب، وإن تعلق بآية دالة على الندب دلّ على الندب، وإن تعلق بما دل على الإباحة دلّ على الإباحة، كما سيأتي إن شاء الله.\nوهذه الجهة هي المرادة غالبًا في كلام الأصوليين عند ذكرهم الفعل البياني.","vol":"1","page":286},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-174>الفرق بين الفعل البياني والفعل الامتثالي:</span>\nالبيان يكون لغة بمعنى (الإظهار) ويكون بمعنى (الظهور) والبيان في مصطلح الأصوليين اختلفوا فيه على ثلاثة أوجه: إنه بمعنى (تبيين الحكم)، أو بمعنى (دليل الحكم)، أو بمعنى (العلم بالحكم الحاصل عن الدليل) (١). واختار البزدوي أنه بمعنى (التبيين)، وهو الذي نعتمده في هذا المبحث. فالبيان هو القول أو الفعل الصادر عن المبيّن بقصد إظهار المراد بالمجمل ونحوه.\nوعلى هذا فالفعل البياني هو الفعل الذي قصد به النبي - ﷺ - بيان مشكل في الأحكام الشرعية.\nأما ما فعله - ﷺ - لا بقصد التبيين، وإنما لمجرد أن الله أمره أن يفعل ففعل، على حدّ ما يفعل غيره من المكلفين، فذلك هو الفعل الامتثالي.\nوليس المراد القصد العام لبيان الشريعة ككل. فإن هذا القصد كان ملازمًا للنبي - ﷺ - طيلة حياته بعد البعثة.\nوإنما المراد القصد الخاص، بان يريد أن هذا الفعل المعيّن هو بيان لهذا المشكل المعين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-175>ما يعرف به الفعل البياني:</span>\nأنكر المروزيّ الشافعي، والكرخي الحنفي، جواز البيان بالفعل. والجمهور على جوازه. وقد تقدم ذكر ذلك.\nواختلف الجمهور القائلون بجوازه، في أن الفعل هل يكون بيانًا بنفسه؟.\n_________\n(١) قال البزدوي: \"المراد بالبيان في هذا الباب عندنا الإظهار دون الظهور\" وقال البخاري \"وعند بعض أصحابنا وأكثر أصحاب الشافعي معناه ظهور المراد للمخاطب\".\nوانظر أيضًا: المستصفى ١/ ١٥٣ والبحر المحيط ٢/ ١٨١ وبيان النصوص التشريعية ص ٢٣ - ٢٥","vol":"1","page":287},{"text":"فالأكثرون على أن الفعل لا يكون بيانًا، إلاّ بقرينة تدلّ على أنه بيان (١).\nوالقرينة التي تبيّن أن الفعل الواقع هو بيان، اشترط صاحب (الكبريت الأحمر) أن تكون قولًَا، ورأى أن غير القول لا يقوم مقامه ما لم يتكرر الفعل (٢) [على صفة واحدة].\nوقد حصر صاحب المحصول القرائن في ثلاثة: أن يعلم ذلك بالضرورة من قصده، أو بالقول، أو بالدليل العقلي، بأن يذكر الممُجْمل وقت الحاجة إلى العمل به ثم يفعل فعلًا يصلح أن يكون بيانًا. وقال: لا يحصل البيان إلاّ بأحد هذه الأمور الثلاثة (٣).\nوغيره جعل كل ما فيه دلالة بيانًا، وجعل أيّ قرينة تدل على ذلك دالّة على كونه بيانًا. فذكر الغزاليّ في المستصفى سبع طرق، وذكر أبو شامة ثمانيًا (٤). ونحن نورد منها هنا ما يتعلق بهذا الموضوع ونترك باقيها إلى مواضع هي بها أليق.\nوعندي أن مبنى اختلافهم قي هذا هو اختلافهم في ما يعبّرون عنه بـ (البيان) فمن رأى أن البيان هو (الدليل) أو العلم الحاصل عنه جعل كل ما يستدل به من الأفعال بيانًا. ومن جعل (البيان) هو (التبيين)، أي فعل المبين، فقد حصر طرق معرفة الفعل البياني في ما يدل على قصد الإظهار (٥).\nوهذا هو الذي نعتمده في هذا المبحث، لأنا قد خصصناه بـ (الفعل البياني)، وجعلنا للفعل الامتثالي مبحثًا خاصًا، وبيَّنَّا أنه يستدل به أيضًا.\n_________\n(١) الزركشي: البحر المحيط ١/ ٢ ونقله عن المازري.\n(٢) الزركشي: البحر المحيط ٢/ ١٨١ أ.\n(٣) وأبو الحسين البصري لم يذكر غير الثلاثة. المعتمد ٣٨١، ٣٨٦\n(٤) المحقق ق ٣٥ ب\n(٥) انظر الخلاف في ذلك في أصول البزدوي ٣/ ٨٢٤ - ٨٢٦ والمستصفى ١/ ١٥٣ والبحر المحيط ٢/ ١٨١ وبيان النصوص التشريعية ص ٢٣ - ٢٥ وغيرها.","vol":"1","page":288},{"text":"أما من جعل كلَّ فعل يستدل به في الأحكام بيانًا، فلا يستقيم له أن يذكر في أقسام الفعل، البيانيَّ والامتثاليَّ كليهما معًا.\nوبناء على ما اعتمدناه، فإن الأفعال الواقعة من النبي - ﷺ - يستدل على أنها بيان بطرق مختلفة:\nالطريق الأولى: القول الصريح، بأن يقول - ﷺ -: ما فعلته، أو: ما سأفعله، هو بيان لكذا. وهذه أعلى الطرق. ومثاله قول النبي - ﷺ - لعمار بن ياسر لما أراد أن يعلمه التيمم: \"إنما كان يكفيك أن تقول هكذا، ثم ضرب بيده إلى الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه، ووجهه\" (١).\nفمسح الكفّين يبيّن به الإشكال في المراد باليد في آية التيمم.\nوالبيان هنا هو الفعل، وليس القول هو البيان.\nوالذين قالوا: لا يكون البيان بالفعل، قالوا: القول هنا هو البيان.\nوقال في تيسير التحرير: الأولى أن يقال: القول لزيادة البيان (٢).\nوالصواب ما قاله أبو الحسين البصري من أن القول معلِّق للبيان على الفعل (٣).\nوهذا ما اعتمدناه، إذ جعلنا القول هنا طريقة يُستدلّ بها على كون الفعل بيانًا. وبالله التوفيق.\nوهذه الطريق مرحلتان:\nالمرحلة الأولى: أن يقول إن الفعل بيان، ولا يعيّن ما هو بيان له، ويتعيّن بالقرائن. كما تقدم من قوله - ﷺ - في التيمم.\n_________\n(١) رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي (جامع الأصول ٨/ ١٤٨)\n(٢) تيسير التحرير ٣/ ١٧٥، ١٧٦\n(٣) أبو الحسين البصري: المعتمد ١/ ٣٣٨","vol":"1","page":289},{"text":"المرحلة الثانية: أن يعيّن بقوله ما هو بيان له، كأن يقول: هذا الفعل بيان لآية كذا وكذا. ولم نظفر لهذه المرحلة بمثال.\nوالعمدة في تعيين المبيَّن على ما يأتي من الطرق سوى القول.\nالطريق الثانية: إجماع العلماء على أن الفعل المعيّن بيان لآية معينة. كإجماعهم في أعداد الركعات في الصلوات، وما فيها من الأركان التي اتفقوا عليها أن ذلك بيان للصلاة المأمور بها في الكتاب. وأن مقادير الزكاة التي أخذها - ﷺ - هي بيان للزكاة المأمور بها.\nالطريق الثالثة: أن يرد خطاب مجمل، ولم يبيّنه - ﷺ - بالقول، وأتى وقت التنفيذ، ففعَل - ﷺ - أمامهم فعلًا صالحًا للبيان، فيعلم الحاضرون أنه بيان لذلك المجمل. هذا بالنسبة إلى من شاهد الفعل الواقع بعد المجمل. أما بالنسبة إلى من لم يشاهده، كغير الصحابي، فإننا إذا بلغنا الفعل النبويّ يحتمل عندنا أنه - ﷺ - كان قد بيّنه بالقول ولم يبلغنا. فيكون الظاهر عندنا أن الفعل بيان. قاله الغزالي (١).\nومثاله أنه تعالى أمر بالوقوف بعرفة، ولم يذكر وقت الوقوف، فوقف النبي - ﷺ - تاسع ذي الحجة، فتبيّن بذلك وقته للواقفين معه.\nومثاله في جانب المحرّمات: إن الله حرّم الميتة، فاحتمل دخول الجراد في ذلك، فلما أكله - ﷺ - أمامهم، أو أقرّ آكليه وهو يراهم يفعلون، عُلِم عدم دخوله في الميتة المحرمة.\nالطريق الرابعة: أن يُسأل - ﷺ - عن بيان مشكل، فيفعل فعلًا، ويعلم بقرائن الأحوال أنه يريد جواب السائل (٢)، كالذي سأل النبي - ﷺ - عن مواقيت الصلاة، فقال: \"صل معنا\" فصلّى في اليوم الأول في أول الوقت، وصلى في اليوم الثاني في آخره، فعلم بذلك، أول الوقت وآخره. ولما قال - ﷺ -: \"أين السائل،\n_________\n(١) المستصفى ٥٢/ ٢.\n(٢) أبو شامة: المحقق ق ٣٦ ب.","vol":"1","page":290},{"text":"الوقت ما بين هذين\" (١). زاد ما علم من القرائن توكيدًا، وانتقل بذلك إلى الطريقة الأولى.\nالطريق الخامسة: وقد قرّرها أبو نصر القشيريّ، وخلاصتها أن يعتبر الفعل بيانًا للمجمل، إن كان المجمل قد ورد، وفعل النبي - ﷺ - ما يصلح أن يكون بيانًا لذلك المجمل، ولم تقترن بالفعل قرينة تدل على أنه هو البيان، ولم يرد بيان آخر قولين ولا فعليّ، وتوفيّ النبي - ﷺ - قبل أن يرد بيان غير ذلك الفعل الصالح للبيان.\nقال القشيري: \"لا يُخْتَرم - ﷺ - مع بقاء الالتباس في اللفظ المجمل. فيحمل فعله على البيان في مثل هذه الصورة إجماعًا من الأمة\" (٢).\nومثاله الجزية، إذ قد وردت مجملة، وأخذها النبي - ﷺ - بمقادير معينة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-176>ما يدلّ عليه الفعل البياني من الأحكام:</span>\nحكم الفعل البياني عند الأصوليين بحسب ما هو بيان له، فيرجع إلى المبيّن في معرفة حكمه.\nفإن كان الفعل بيانًا لآية دالة على الوجوب، دلّ على الوجوب، كقوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة﴾ بيّن - ﷺ - بفعله ميقات صلاة الظهر، مثلًا. فيجب إيقاعها في ذلك الوقت. وبيّن أنها أربع ركعات، فلا يجزئ غير ذلك. وبيّن ما فيها من القيام والركوع والسجود. فوجب الإتيان بها في الصلاة.\nوكذلك الجمعة، بيّن - ﷺ - بفعله أنها ركعتان.\nودليل كون الفعل بيانًا في أكثر هذه الفروع الإجماع.\nوإن كان المبيّن ندبًا كان الفعل البيانيّ ندبًا، كإقامة ثالث أيام التشريق بمنى إلى ما قبل الغروب. وكأفعال العمرة.\n_________\n(١) رواه مسلم والترمذي وأبو داود (جامع الأصول ٦/ ١٤٥)\n(٢) أبو شامة: المحقق ق ٣٧ ب.","vol":"1","page":291},{"text":"وإن كان إباحةً كان الفعل مباحًا (١).\nويقول القرافي: \"البيان يُعَدّ كأنه منطوق به في ذلك المبين (٢) فبيانه الحجّ الوارد في كتاب الله يعد منطوقًا به في آية الحج، كأن الله تعالى قال: ﴿ولله على الناس حِجّ البيت﴾ -على هذه الصفة- وكذلك بيانه لآية الجمعة، فَعَلها - ﷺ - بخطبة وجماعة وجامع وغير ذلك، فصار معنى الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نوديَ للصّلاة﴾ -التي هذا شأنها- ﴿من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله﴾. وإذا كان البيان يعد منطوقًا به في المبين، كان حكمه حكم ذلك المبيّن، إن واجبًا فواجب، أو مندوبًا فمندوب، أو مباحًا فمباح\" (٣). اهـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-177>الفعل البياني هل هو دليل الحكم</span>؟:\nقدّمنا أن الفعل البياني يفصِّل المراد بالمجمل، وحكم التفاصيل حكم المجمل، فأربع ركعات في الظهر حكمها الوجوب، لأن المبيّن بالفعل دالّ على الوجوب، وهو ﴿أقيموا الصلاة﴾.\nفمأخذ الوجوب على هذا، المجملُ نفسه، وليس في الفعل دلالة على الحكم. وبهذا صرّح عبد الجبار (٤)، وأبو الحسين البصري، وأبو يعلى الحنبلي (٥). قال أبو الحسين: \"غير صحيح أن البيان يدلّ على الوجوب كما يدلّ المبيّن، لأن البيان إنما يتضمن صفة المبين، وليس يتضمّن لفظًا يفيد الوجوب\" (٦). وقال في موضع آخر: \"إذا كان الفعل بيانًا لمجمل، وكان المجمل دالًا على الوجوب، عاد الفعل للوجوب، لكن الإيجاب بالمجمل، لا بالفعل، فالفعل لا يدل على الوجوب أساسًا\" (٧).\n_________\n(١) الشوكاني: إرشاد الفحول ص ٣٦ ابن عقيل: الواضح ١٢٦ أ.\n(٢) شرح تنقيح الفصول ص ١٢٦\n(٣) أي من ناحية البيان والدلالة فقط، لا من كل الجهات فلا يصح نسخ الكتاب به مثلًا، فذلك ممتنع. وانظر ابن دقيق العيد: إحكام الأحكام ١/ ١٨٦\n(٤) المغني ٢١٦/ ١٧\n(٥) العمدة ق ١٠٤ أ.\n(٦) المعتمد ١/ ٣٤١\n(٧) المعتمد (الزيادات) ٢/ ١٠٠٤","vol":"1","page":292},{"text":"ويرى البنانيّ أن الحكم يكون له، بورود الفعل البيانيّ، دليلان: المجمل، والفعل نفسه. فيكون الفعل دليلًا مؤكدًا، بالإضافة إلى أنه يفيد فائدة أخرى تأسيسية، هي وجوب الصفة التي لم تعلم إلاّ بالفعل.\nوكمثال على ذلك، الطواف الذي فعله النبي - ﷺ - بيانًا لقوله تعالى: ﴿وليطوّفوا بالبيت العتيق﴾ يستفاد منه، بالإضافة إلى توكيد الوجوب المستفاد من الآية، وجوب صفته التي وقع عليها، ككونه سبعًا، والابتداء بالحجر، وجعْل الطائف البيت عن يساره (١).\nوعندي أن من قال إن الوجوب يستفاد من المجمل لا من الفعل نظر إلى أصل التأثير، فإن الفعل ساكت عن الطلب فلا يؤثِّر إيجابًا، والمؤثر للإيجاب هو الخطاب الآمر.\nومن قال إن الوجوب يستفاد أيضًا من الفعل فقد نظر إلى أن الوجوب يمكن أن يعرف بالنظر في الفعل. فالفعل علامة على الوجوب، وليس هو المؤثر للوجوب. ثم هو يفيد أيضًا وجوب الصفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-178>الأجزاء غير المرادة من الفعل البيانيّ:</span>\nالمشكلة الكبرى في الأفعال البيانية، وخاصة في العبادات، أن النبي - ﷺ - كان يفعل الفعل بجميع أجزائه، الواجبة والمندوبة، ويفعل في أثنائه بعض الأفعال المباحة أيضًا، ولا ينفصل في بادي الرأي واجُبُه من مندوبِهِ من مباحه. وقد قال ابن الهمام: إن الاستقراء يدلّ على أن كثيرًا من الأفعال البيانية تشتمل على أفعال غير مرادة من المجمل (٢).\nويمثّل كثير من الأصوليين للفعل البيانيّ بصلاة النبي - ﷺ -، ويجعلونها بيانًا لآيات الأمر بإقام الصلاة، وبحجِّه - ﷺ -، ويجعلونه بيانًا لآية ﴿ولله على الناس حجّ\n_________\n(١) حاشية على شرح جمع الجوامع ٩٨/ ٢\n(٢) تيسير التحرير ٣/ ١٧٦","vol":"1","page":293},{"text":"البيت﴾ ويقولون: إن دليل كون صلاته - ﷺ -، وحجِّه، بيانًا للآيتين، هو الطريق القولي، وهو قوله - ﷺ -: \"صلوا كما رأيتموني أصلي\" وقوله: \"خذوا عني مناسككم\".\nففي الصلاة كان - ﷺ - يقوم، فيرفع يديه حذو منكبيه، ويكبِّر، ثم يضع يديه على صدره، ثم يقرأ الفاتحة وسورة، سرًّا في بعض الصلوات، وجهرًا في بعضها ... إلى آخر ما يذكر في صفة صلاته - ﷺ -.\nومن المعلوم أن ذلك كله ليس بواجب، بل قد قال ابن قدامة: إن أكثر أفعال النبي - ﷺ - في الصلاة مسنونة غير واجبة (١).\nوكذلك صفة أداء المناسك، من طوافِ القدوم، والرَّمل، والاضطباع، وركعتي الطواف، والصلاة داخل الكعبة، والشرب من ماء زمزم، والسعي مع الهرولة، إلى غير ذلك.\nفما يقوله جمهور الأصوليين، من أن الفعل الواقع بيانًا لواجب فهو واجب، مشكل. لأنه يقتضي أن جميع ما فعله - ﷺ - في الصلاة التي صلاها بيانًا هو واجب، وكذلك جميع أفعاله في أخذ الزكاة، وفي الحج، وغير ذلك مما فعله بيانًا. وهذا ما لا يقول به من الفقهاء أحد.\nقال ابن دقيق العيد في ما ورد أن النبي - ﷺ - كان يقرأ في الصلاة سورة بعد الفاتحة: \"قد ادُّعي في كثير من الأفعال التي قُصِد إثبات وجوبها أنها بيان لمجمل. وهذا الموضع مما يحتاج إلى إخراجه من كونه بيانًا، أو أن يفرق بينه وبين ما ادُّعي فيه كونه بيانًا من الأفعال، فإنه ليس معه في تلك المواضع إلا مجرد الفعل، وهو موجود هنا\" (٢).\nوقد تصدى لهذه المسألة أبو يعلى الحنبلي. وكان رأيه أن الجزء الذي أجمعوا على أنه بيان، يكون بيانًا، وإلاّ فلا، قال: \"ليس كل فعله - ﷺ - في الصلاة\n_________\n(١) المغني ٥٥٣/ ١\n(٢) الإحكام ١/ ٢٤٤","vol":"1","page":294},{"text":"والصدقة بيانًا للجملة التي في الكتاب، لأنه لو صلّى لنفسه لم يدلّ على أنه بيان لقوله تعالى: ﴿أقيموا الصلاة﴾، ولو تصدّق بصدقة، لم يدلّ على أنها مرادة بقوله تعالى: ﴿وآتوا الزكاة﴾. وإنما وجه البيان ما يُجْمِع الناس على أنة من المكتوبات، لأن ما يفعله في نفسه لم يثبت أنه فعله فرضًا، فلا يكون فيه دلالة على أنه فعله بيانًا\" (١).\nوعندي أن هذا لا يكفي لحل الإشكال إذ لا يمكن توقّف فهم الأحكام على الإجماع. بل ما أجمعوا على أنه بيان كعدد ركعات الصلاة فهلا بيان بلا شك، وما أجمعوا على أنه ليس بيانًا كالتثليث في غسل اليدين، فليس هو بيانًا بلا شك. وأما ما لم يجمعوا فيه بنفي ولا إثبات فقول أبي يعلى يقتضي منع كونه بيانًا، مع أنه اتّفق على أنه يمكن تعليق البيان بالفعل بقول من النبي - ﷺ - كما تقدم في الطريق الأولى، والنص على الحكم كالإجماع عليه، بل هو أولى.\nفلا يزال الإشكال قائمًا، والقاعدة التي ذكرها الأصوليون مع قوله - ﷺ -: \"صلّوا كما ... وخذوا عني ... \" تقتضي أنه بيان، فيكون واجبًا ويكون الأصل في ما فعله النبي - ﷺ - في الصلاة والحج، أنه للوجوب.\nوهذه النتيجة مخالفة للواقع. بل إن أكثر ما فعله - ﷺ - في هاتين العبادتين هو مستحبّ وليس بواجب.\nوسلك ابن دقيق العيد طريقًا آخر لحل ذلك الإشكال، فقال: \"ما ثبت استمرار فعل النبي - ﷺ - عليه دائمًا، دخل تحت الأمر كما هو في قوله - ﷺ - لمالك بن الحويرث: \"صلّوا كما رأيتموني أصلي\" وكان واجبًا. وبعض ذلك مقطوع به -أي مقطوع باستمرار فعله له- وما لم يقم دليل على وجوده في تلك الصلوات التي تعلق الأمر باتباع الصلاة على صفتها، لا يُجْزَم بتناول الأمر له\" (٢).\nوفي هذا المسلك ما فيه، أتراه - ﷺ - في الصلوات التي صلاها أثناء وفود جماعة مالك بن الحويرث، ترك ما كان يواظب عليه من المستحبات في الأقوال والأفعال\n_________\n(١) أبو يعلى الحنبلي: العدة ق ٧ أ\n(٢) إحكام الأحكام ٢٠٧/ ١","vol":"1","page":295},{"text":"والهيئات، كالجهر والإسرار، وتعديد التسبيح والأذكار، والتورك في التشهد، وقراءة سورة بعد الفاتحة؟ يغلب على الظن أنه - ﷺ - لم يترك شيئًا من ذلك، ولا يتمّ لابن دقيق العيد مسلكه.\nونحن وقد أخذنا على عاتقنا بحث مسائل الأفعال النبوية لا يسعنا إلاّ أن نعطي هذه المسألة مزيدًا من الاهتمام، وخاصّة في مسائل الصلاة والحج، كنموذج لغيرهما.\nفنقول: إن الدليل مكون من أربع حلقات:\nالأولى: إن لفظ (الصلاة) المأمور بها في قوله تعالى: ﴿أقيموا الصلاة﴾ و(الحج) في قوله: ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ هما من المجمل.\nالثانية: والأمر للوجوب.\nالثالثة: وقوله - ﷺ -: \"صلوا كما رأيتموني أصلي\" و\"خذوا عني مناسككم\" دليل على أن أفعاله، في الصلاة والحج بيان للمجمل.\nالرابعة: والبيان حكمه حكم المبين.\nفتكون النتيجة: أن أفعاله - ﷺ - في الصلاة والحج واجبة.\nونجيب عن هذه النتيجة بجوابين: مجمل ومفصل.\nأما المجمل، فلو أنها كانت صحيحة لاقتضت وجوب جميع أفعال صلاته وحجه - ﷺ -. وهو مردود يقينًا. وقد تقدم النقل عن ابن دقيق العيد في الصلاة بخصوصها.\nوأما الحج فقد قال السبكي في قواعده، في شأن ركعتي الطواف: \"فأما قوله - ﷺ -: \"خذوا عني مناسككم\"، فلا دلالة له على وجوب شيء خاص منها لأن المناسك (عامة في) (١) الواجب والمندوب، وإذا احتُجَّ به في وجوب فعل شيء\n_________\n(١) في الأصل المخطوط كلمة غير مقروءة، والسياق يقتضي ما ذكرنا.","vol":"1","page":296},{"text":"خاصّ لزم طرده في الجميع، كالرَّمل، والاضطباع، وسائر المسنونات\" (١).\nوأما الجواب الفصل، فإن الخلل لا شك، هو في واحدة أو أكثر، من هذه الحلقات الأربع.\nفالحلقة الأولى: صحيحة ولا نظير فيها.\nوأما الثانية: فإنه وإن اختلف الأصوليون في دلالة الأمر على الوجوب، فلا إِشكال في أن الصلاة والحج واجبان، ولكنهما يشتملان على أفعال مندوبة كثيرة، ولا يمكن إيقاعهما على الواجب مفصولًا من المستحبّات، إلا بتكلُّفٍ كثير.\nوأما الثالثة والرابعة: ففيهما نظر.\nفأما الحديث الأول: وهو قول النبي - ﷺ -: \"صلوا كما رأيتموني أصلي\" فهو في قصة وفود مالك بن الحويرث ورفاقه، على النبي - ﷺ -. في آخر العهد المدني. وقد أورد قصة وفوده أكثر أصحاب كتب الحديث المشهورة دون قوله - ﷺ - لهم: \"صلوا كما رأيتموني أصلي\" وهذه الزيادة ذكرها البخاري وأحمد والدارمي دون غيرهم.\nوفي أكثر روايات البخاري وأحمد ذكرت القصة بدون هذه الزيادة وهي دائرة على أبي قلابة. والزيادة من الثقة مقبولة.\nونصّه في إحدى روايات البخاري كما يلي:\nقال البخاري: حدثنا مسدّد، حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي سليمان مالك بن الحويرث، قال: \"أتينا النبي - ﷺ - ونحن شبَبَةٌ متقاربون. فأقمنا عنده عشرين ليلة. فظنّ أنا اشتقنا أهلنا، وسألنا عمّن تركنا في أهلنا، فأخبرناه. وكان رقيقًا رحيمًا، فقال: ارجعوا إلى أهليكم فعلّموهم\n_________\n(١) السبكي: القواعد ق ١١٦ ب.","vol":"1","page":297},{"text":"ومُرُوهم، وصلوا كما رأيتموني أصلي، وإذا حضرت الصلاة فليؤذّن لكم أحدكم، ثم ليؤمكم أكبركم\" (١).\nفإن صحت هذه الزيادة، فالكلام عنها في باب الأفعال متردّد بين طريقين:\nالأول: أن الأمر في قوله: \"صلوا كما رأيتموني أصلي\" للوجوب. فيدل على أن الأصل في أفعاله - ﷺ - في الصلاة الوجوب.\nالثاني: وهو الذي نعتمده، أن الأمر للإرشاد، وهو إرشاد لقومٍ مخصوصين، فهم شباب من البادية، حديث عهدهم بالإسلام، لم يقيموا عند النبي - ﷺ - مدة تكفي أن يتعلموا جميع الأحكام، بل عشرين يومًا فقط، وحملهم الشوق إلى أهلهم، لصغر أسنانهم، وعنفوان شبابهم، على أن يستعجلوا المسير. فأوصاهم النبي - ﷺ - تلك الوصية.\nفهل تصلح تلك الوصية أن تكون قاعدة عامة؟ ويكون الحكم في حق سائر الصحابة وسائر الأمة كذلك.\nكلا، بل كما يجوز أن يقال لمن يسير في طريق يجهلها: \"سر وراء فلان، واصنع ما يصنع\" لأن هذه هي العلامة الوحيدة الميسورة، مع أن فلانًا المتبوع قد يميل عن الطريق يمنة أو يسرة يستطرد لغرض خاص، فيضطر التابع له أن يسير خلفه. وقد يصنع المتبوع أشياء ليست ضرورية فيفعلها التابع، فكذلك الأمر في قصة مالك بن الحويرث ﵁.\nولم تحفظ هذه اللفظة \"صلوا كما رأيتموني أصلي\" عن غير مالك بن الحويرث، فيبعد أن تكون قاعدة عامة للمسلمين، ولا يبثّها النبي - ﷺ - في أصحابه، إذ لو بثّها لبعد أن لا ينقلها كبار النقلة من الصحابة.\nوفي حديث مالك بن الحويرث أنه كان يجلس بعد الركعة الأولى وبعد الثالثة، وهي الجلسة المسماة جلسة الاستراحة، والتي يمنعها أكثر الفقهاء، كمالك\n_________\n(١) فتح الباري ١٠/ ٤٣٧، ٤٣٨ وانظر أطراف الحديث في المصدر نفسه ١/ ١١٠","vol":"1","page":298},{"text":"وأبي حنيفة والشافعي في قول (١) وأحمد في رواية (٢)، وكان مالك بن الحويرث يعلّمها الناس. ولم ينقل فعلها عن أحد من الصحابة غيره (٣).\nوغاية ما يصحّ أن يقال في قوْلتِهِ - ﷺ -: \"صلوا كما رأيتموني أصلي\" إنها إرشاد من النبي - ﷺ - لمالك، ومن كان في مثل حاله ﵁، ممن لم يسعفه الوقت للتعلم، والتفريق بين واجبات الصلاة وسننها، وما ليس من واجباتها، ولا من سننها، فيقال له: اصنع مثل فعل فلان من الناس، وفلان ممن يحسن الصلاة. فيشابهه في الصورة دون القصد.\nأما أن يكون كل ما فعله النبي - ﷺ - في الصلاة بيانًا، ويكون بذلك واجبًا، فذلك أمر يتجاوز ما يدل عليه هذا الحديث بملابساته الواردة في كتب السنة. بل هذه واقعة حال. ووقائع الأحوال مشهور الكلام فيها. فلا تحمل على العموم، لأن الخطاب فيها موجه إلى مالك وصحبه، فلا يشاركهم في المدلول إلاّ من كان في مثل حالهم (٤).\nأما من سواهم من أهل العلم، من المجتهدين والمتفرغين، فعليهم أن يعتمدوا في التفريق بين واجبات الصلاة وسننها على الدلائل الكثيرة المبثوثة في الكتاب والسنة. فإن لم يكن ثم شيء يميّز بينها فإنها تكون من الأفعال المجردة، وسيأتي حكمها إن شاء الله.\nجواب آخر: وقد أجاب به أبو شامة: سلّمنا أن الحديث يدل على أن صلاته - ﷺ - بيان، لكنها بيان للصلاة المطلوبة من المسلمين، بواجباتها وسنها وما يجوز فيها، فلماذا يحمل فعله - ﷺ - على أنه للواجب خاصة؟.\nبل الناتج من كون صلاته بيانًا أن يكون كل فعل فعله - ﷺ - في الصلاة دائرًا بين هذه الأنواع الثلاثة، والعمدة في تمييز بعضها عن بعض إما القول، وإما\n_________\n(١) ابن دقيق العيد: الأحكام ٢٢٥/ ١\n(٢) ابن قدامة: المغني ٥٢٩/ ١\n(٣) المصدر السابق ٥٢٩/ ١\n(٤) وانظر: المحقق لأبي شامة.","vol":"1","page":299},{"text":"الإجماع، وإما القرائن الأخرى، ولا يصلح الفعل وحده دليلًا. ولذلك قال الجصاص: \"أُمرنا بالاقتداء به - ﷺ - على وصف هو أن نصلي كما رأيناه يصلي. فنحتاج أن نعلم كيف صلّى من ندب أو فرض فنفعل مثله\" (١).\nفإن لم يوجد دليل مميّز، فنحن قاطعون بأن الفعل ليس بيانًا للحكم بل يدخل في ما يأتي من الفعل المجرد، في الفصل التالي إن شاء الله.\nوأما الحديث الثاني: هو \"خذوا عني مناسككم\" فهو خطاب عام للأمة، ولا يمكن فيه دعوى الخصوص، لأنه - ﷺ - قاله لجمهور الحجاج، وهو على بعيره يرمي جمرة العقبة (٢). وفي رواية: \"قاله قبل يوم التروية وخروجهم للحج. فلا يرد هنا ما قلناه في الحديث الأول من امتناع دلالته على البيان العام\" (٣).\nوأما الوجه الآخر الذي قلناه في الحديث السابق فيأتي هنا، فإن النبي - ﷺ - فعل في حجته أفعال الحج كلّها من واجب، ومندوب. ولا يتميّز بالفعل واجبه من مندوبه، فلا يصلح الفعل بيانًا في ذلك، ما لم يقترن بكل فعل جزئي قرينة تدل على أنه بيان.\nويضاف هنا وجه ثالث، وهو أن قوله - ﷺ -: \"خذوا عني مناسككم\" لا يتعيّن أن يكون المراد به ملاحظة أفعاله بخصوصها، بل يصدق على الأخذ عنه - ﷺ - من أقواله بسؤاله عما يشكل عليهم، والاستماع إلى ما يأمر به ويرشد إليه.\nفأقصى ما يدل عليه الحديث، أن يدل على مشروعية أفعاله - ﷺ - في الحج، أما التفريق بين واجبها ومندوبها فلا بدّ من المصير إلى وجه آخر في الدلالة على ذلك. وحكم أفعاله - ﷺ - من هذه الناحية حكم سائر الأفعال المجرّدة.\nوالخلاصة: أن هذين الحديثين لا يصلحان دليلًا على أن أفعاله - ﷺ - في\n_________\n(١) أصول الجصاص ق ٢١٠ أ.\n(٢) صحيح مسلم (كتاب الحج ح ٣١٠) ومسند أحمد ٣١٨/ ٣، ٣٢٧، ٣٢٨\n(٣) مسند أحمد ٣٦٦/ ٣","vol":"1","page":300},{"text":"الصلاة والحج واجبة، بناء على أنها بيان للواجب. بل أفعاله - ﷺ - في هاتين العبادتين مختلطة واجبها بمندوبها غير متميزة، والعمدة في تمييز ذلك على الأدلة الأخرى. وينظر في كل فعل بخصوصه ما يحتفّ به من القرائن.\nلقد كثر في كلام الفقهاء إيجاب كثير من أفعاله - ﷺ - في الصلاة والحج اعتمادًا على أن هذين الحديثين دليل على أن أفعال النبي - ﷺ - في الصلاة والحج بيان للمجمل الواجب، ولا يوجبون أفعالًا منها كثيرة أخرى، حتى ليعجب الناظر من تفريقهم في ذلك.\nوالصواب إن شاء الله ما ذكرناه من أنّ أفعاله - ﷺ - فيهما ليست مميزة للواجب من المندوب إلّا فعلًا خاصًا عليه دلالة خاصة، أنه بيان لذلك. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-179>الاختلاف في أن ما ورد عليه الفعل مجمل أو غير مجمل:</span>\nإن الفعل إذا ورد وله علاقة بنص قرآني، فلا بد من اعتبار كون النصّ مجملًا حتى يكون الفعل بيانًا له، فمن لم يُثْبِتْ أنه مجمل، لم يكن الفعل عنده بيانًا. ويتبيّن ذلك بمثالين فرعيّين:\nالأول: قوله تعالى في آية الوضوء: ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾، مع فعله - ﷺ - في وضوئه، فإنه \"أدار الماء على مرفقيه\".\nمن العلماء من قال إن (إلى) مجمل، لأنه يكون بمعنى انتهاء الغاية، ويكون بمعنى (مع)، فهو مشترك، والمشترك مجمل، فجاء الفعل مبينًا أن (إلى) بمعنى (مع) دون معنى انتهاء الغاية، واقتضى ذلك وجوب غسل المرفقين (١).\nومنهم من قال إن (إلى) واضح، لانتهاء الغاية، وذلك بيّن، فلا يكون فعله - ﷺ - بيانًا (٢)، ويكون غسله - ﷺ - لمرفقيه مندوبًا.\n_________\n(١) ابن قدامة: المغني ١٢٢/ ١ وانظر تيسير التحرير ٣/ ١٢٠، ١٢١\n(٢) التقرير والتحبير ٢/ ٣٠٢ ابن دقيق العيد: الإحكام ٣٦/ ١","vol":"1","page":301},{"text":"وقد قال بالوجوب عطاء ومالك والشافعي وأصحاب الرأي. وقال بعض أصحاب مالك وداود لا يجب، وحكى ذلك عن زفر.\nالفرع الثاني: المضمضمة، في الوضوء، هي واجبة عند أحمد وابن أبي ليلى، مسنونة عند الحنفية والمالكية والشافعية. فمن قال بوجوبها فوجهته عنده أن الله قال في شأن الوضوء ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾ والفم يحتمل أنه داخل في مسمى (الوجه) ويحتمل أنه ليس بداخل لأنه غير مواجه. فكان ما فعله النبي - ﷺ - من المضمضة بيانًا، فيدل على أن الفم من الوجه، فيجب غسله.\nومن قال بأنها مستحبة فهو يقول: الفم غير داخل قطعًا في مسمى الوجه، وما فعله النبي - ﷺ - من المضمضة زيادة فعلية صرفة، فتكون مستحبة.","vol":"1","page":302},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-180>المبحث السابع الفعل الامتثالي التنفيذيّ</span>\nما يفعله عامّة المسلمين الملتزمين، من الأفعال التي طلبها الله تعالى منهم في كتابه أو على لسان رسوله، يفعلونه تنفيذًا وامتثالًا للأوامر والتوجيهات الإلهية.\nوهم حين يفعلون ذلك لا يقصدون تبيين أمر خفيّ أو دعوة معينة.\nوالنبي - ﷺ - لما كان واحدًا من الأمة، وقد وُجّهت إليه التكاليف، وهو أول المسلمين، فهو يؤدي تلك التكاليف، طاعةً لأمر ربه، وتلبية لدعوته. فأفعاله التي يستجيب بها للتكاليف الإلهية، هي أفعال امتثالية.\nلكننا نبيّن مرادنا بالفعل الامتثالي هنا بما يلي:\nفما فعله - ﷺ - امتثالًا لطلب خاص به، كقيام الليل، فهو من الخصائص وقد تقدم بحثها.\nوما فعله امتثالًا، وقَصَد به مع الامتثال بيان مجمل أو مشكل، فهو من الفعل البياني الذي تقدم ذكره، وهو في إفادة الأحكام أعلى درجة من الفعل المراد به مجرد الامتثال. ومن أجل ذلك فليس مرادًا هنا.\nوما احتمل أن يكون امتثالًا لطلب إلهي، إلّا أننا لم نعلم ذلك الطلب ما هو، فليمس مرادًا هنا، بل يدخل في الفعل المجرّد الذي يأتي ذكره بعد هذا الفصل.","vol":"1","page":303},{"text":"فالمراد هنا خاصة، الفعل الذي قصد به مجرد الامتثال لطلبٍ معلوم لم يثبت أنه خاصة من خصائص النبي - ﷺ -.\nومثاله الإتيان بالشهادة، وأداء الصلاة، والصوم والحج، وما كان يفعله - ﷺ - من القربات إلى الله تعالى، وما كان يفعله من المعاملات والعقود ملتزمًا فيها ما شرع تعالى، وكافًّا عما نهى عنه.\nوكل فعل من أفعاله - ﷺ - صادر عن الأوامر الإلهية العامّة للمكلفين، إذا لم يكن فيها إجمال ولا خفاء، أو كان فيها إجمال أو خفاء ولكن لم يفعله - ﷺ - للتبيين، فهو امتثالي.\nوقد قال أبو شامة: \"وهذا القسم لا حاجة إلى النظر فيه\" (١).\nإلا أننا نرى أنه بحاجة إلى النظر من جهات، نعرضها في مطالب:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-181>المطلب الأول حكم الفعل الامتثالي:</span>\nيتبيّن حكمه من الطلب الممتثل، فإن كان إيجابًا فالفعل واجب. وإن كان استحبابًا فالفعل مستحب. وكذلك في جانب الترك إن ترك - ﷺ - امتثالًا لطلب تحريميّ فالترك واجب، أو لطلب كراهة فالترك مستحب، وإن كان الخطاب تحليلًا وإباحة فالفعل مباح (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-182>المطلب الثاني</span>\nمعرفتنا للنصّ الممتثل بالفعل المعيّن فائدتها ربط الفعل الامتثالي بالنص الممتثل لتتضح أبعاد الحكم.\n_________\n(١) المحقق: ق ٢ ب.\n(٢) في تسمية الفعل المباح امتثالًا نظر، ويذكر هنا لتتميم الأقسام.","vol":"1","page":304},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-183>المطلب الثالث الطرق التي يمكن بها معرفة النص الممتثل</span>\nهي كما يلي:\nالطريقة الأولى: القول من النبي - ﷺ -، كقوله لما صلّى على ابن أبيّ كبير المنافقين: \"إن الله خيّرني فاخترت، ولأزيدن على السبعين\". يشير إلى قوله تعالى: ﴿استغفر لهم أو لا تستغفر لهم ...﴾ الآية.\nومن هذا أن يخبر أن الله تعالى قد أمره بفعلٍ فَعَله، كقوله - ﷺ -: \"أُمرت أن أسجد على سبعة أعظم\" (١). أو بتركٍ ترَكَه، كقوله - ﷺ - في ترك قتل المخنثين: \"نهيت عن قتل المصلين\" (٢).\nالطريقة الثانية: أن يفعل الفعل بعد نزول الأمر مباشرة، بحيث لا يخفى أنَّ فعلَه امتثال لذلك الأمر النازل، وخاصَّة إن كان سبب النزول متعلّقًا بذلك. كآية: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ (٣). نزلت في أخذ النبي - ﷺ - مفتاح الكعبة من بني شيبة، فلما نزلت أعاده إليهم وقال: \"اليوم يوم وفاءٍ وبرّ\" (٤).\nومثاله أيضًا آية الأمر للنبي - ﷺ - بتخيير نسائه فخيّرهن (٥).\nوشبيه بهذا أن يبيّن الصحابي الراوي ذلك، كما قالت عائشة: \"ما صلّى النبي - ﷺ - صلاةً بعد أن نزلت عليه ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ إلاّ يقول فيها: سبحانك اللهم ربَّنا وبحمدك، اللهم اغفر لي\" (٦) وفي بعض الروايات قالت\n_________\n(١) متفق عليه (الفتح الكبير).\n(٢) رواه أبو داود ١٣/ ٢٧٦ وانفرد به وفي سنده مجهول. وحسنه في (صحيح الجامع الصغير) من رواية الطبراني بلفظ \"نهيت عن المصلين\".\n(٣) سورة النساء: آية ٥٨\n(٤) سيرة ابن هشام بتحقيق مصطفى السقا وزميليه ط ثانية ٤١٢/ ٢ وتفسير القرطبي ٣٥٦/ ٥\n(٥) سورة الأحزاب: آية ٢٨\n(٦) البخاري (إحكام الأحكام لابن دقيق) ١/ ٢٩٦","vol":"1","page":305},{"text":"عائشة: \"يتأوَّل القرآن\". وقد بيّن ابن دقيق العيد (١) أن هذا فيما كان من فعله بعد الفتح، إذ به يتمّ الأمر، أما ما قبل الفتح فما فعله من ذلك يكون فعلًا ابتدائيًا.\nالطريقة الثانية: أن توجد مناسبة ومطابقة بين الفعل ونصّ معين. قال أبو الحسين البصري: \"أما ما يعلم به أنّ فعله أو تركه امتثال لدلالة نعرفها فهو أن يكون مطابقًا لبعض الأدلة التي نعرفها\" (٢).\nثم قد تكون المناسبة بيّنة مقبولة، وقد تكون خفية فيكون في قبولها نظر، وذلك على ثلاث درجات:\nالدرجة الأولى: أن يكون ذلك بيّنًا وواضحًا تمام الوضوح، بحيث لا يخفى ولا يحتاج إلى تطلب الدليل عليه. ومثاله سجوده - ﷺ - وركوعه في الصلاة، هو امتثال لآيات الأمر بالركوع والسجود. ومثل طوافه - ﷺ - بالبيت في حجة الوداع يوم النحر، هو امتثال لآية ﴿وليطوّفوا بالبيت العتيق﴾.\nثم قد تكون المناسبة خفية يقل التفات العالم إليها، فإذا نبِّه إلى ذلك أقرَّ به، ولم يشكَّ فيه، فيكون من هذه الدرجة، ومثاله ما ورد (٣) أن النبي - ﷺ - لما ذبح في حجة الوداع مئة ناقة، أخذ من كل ناقة بضعة، فجعدت في قدر وطبخت فشرب من مرقها، فهو تنفيذ لآية ﴿فكلوا منها﴾.\nالدرجة الثانية: أن يكون الفعل متردِّدًا بين أن يكون امتثالًا لآية معيّنة أو يكون فعلًا مبتدأ.\nوالتردد فيه ناشئ من صلاحيته ليكون امتثالًا لتلك الآية نظرًا لوجود التناسب، مع إمكان أن لا يكون امتثالًا لها، بل يكون فعلًا ابتدائيًا مجردًا.\nوقد نقل السرخسي عن الحنفيّة أن فعل النبي - ﷺ - أو قوله إذا ورد موافقًا لما\n_________\n(١) إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام ١/ ٢٩٩\n(٢) المعتمد ١/ ٣٨٦\n(٣) رواه مسلم وأبو داود والنسائي من حديث جابر الطويل في صفة حجة الوداع (جامع الأصول ٤/ ٢٤٠)","vol":"1","page":306},{"text":"في القرآن يجعل صادرًا عن القرآن. قال: والشافعية يجعلونه مبتدأ حتى يقوم الدليل على خلافه (١). قال: وعلى هذا فبيانه - ﷺ - التيمّم في حق الجنب صادر عما في القرآن. وبه يتبيّن أن المراد بقوله تعالى: ﴿أو لامستم النساء﴾ الجماع دون المسّ باليد وهم -يعني الشافعية- يجعلون ذلك بيان حكم مبتدأ، ويحملون قوله: ﴿أو لامستم﴾ على المس باليد، لأنه يحتمل أن يكون صادرًا عما في القرآن، ويحتمل أن يكون شرع حكم مبتدأ، وهو في الظاهر غير متصل بالآية، فيحمل على أنه بيان حكم مبتدأ باعتبار الظاهر، لما فيه من زيادة الفائدة.\nوقال أبو شامة: \"إذا فعل - ﷺ - فعلًا يوافق ما ورد به القرآن العزيز كالوضوء والاغتسال والصيام فإن ذلك يكون تنفيذًا لما أمر به\" (٢) وقال القاضي أبو بكر (٣): \"يجوز مع ذلك أن يكون فرضًا ابتدأ به، وما يلزمنا خاصة، أو يلزمنا وإياه، فعلٌ آخر\". فلا بد من إشعار لنا بأنه فعله اتّباعًا لحكم الآية، وإلاّ فجواز ما قلناه قائم: \"قال أبو شامة وفي هذا الكلام نظر\" (٤).\nوهذا المثال (٥) هو من أفراد الفعل البياني، ولكن القول في الامتثالي من نفس الباب، لا فرق في ذلك.\nوأما أبو يعلى الحنبليّ فإنه يرى أن الظاهر في الفعل الموافق للآية أنه امتثال لها. قال: \"لأنه - ﷺ - لا يترك فعلًا أوجبه الله عليه، أو ندبه إليه\". وهو بذلك يوافق ما نقله السرخسي عن الحنفية.\nوالذي نراه أن قول الحنفية ومن وافقهم في ذلك أولى بالصحة من قول من\n_________\n(١) ينقل عن الشافعي أنه قال: \"ما سئل أصحاب محمد - ﷺ - عن شيء إلا وعلمه في القرآن ولكن علمنا قصر عنه\". فإن صح هذا النقل كان مخالفًا لما نقله السرخسي عن الشافعية. فلينظر وليحرر.\n(٢) البحر المحيط للزركشي ٢/ ٢٥٢ ب.\n(٣) هو الباقلاني.\n(٤) أبو شامة: المحقق ق ٥ ب، ٣٧ أ.\n(٥) المقصود مثال التيمم.","vol":"1","page":307},{"text":"خالفهم نظرًا لأنه - ﷺ - مبعوثٌ بالقرآن ليعمل به ويدعو إليه، قال الله تعالى: ﴿قل إنما أتّبع ما يوحى إليّ من ربي هذا بصائر من ربكم﴾ (١).\nوقد تقدمت الإشارة إلى ذلك.\nالدرجة الثالثة: أن تكون المناسبة خفية جدًا. بحيث يكون اعتبار الفعل تطبيقًا للآية المعينة نوعًا من التحكُّم، فلا ينبغي المصير إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-184>المطلب الرابع</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-185>دلالة الفعل الامتثالي:</span>\nيقال هنا مثل ما تقدم قوله في الفعل البياني، من أن دلالته مؤكدة لدلالة النص الممتثل. والفعل حينئذ علامة على الحكم، وليس مؤثّرًا له. فيدل على الوجوب إن كان امتثالًا لواجب، وعلى الندب إن كان امتثالًا للندب، وإلاّ فعلى الإباحة، وقال أبو الحسن البصريّ: \"إن امتثل - ﷺ - فيها (يعني أفعاله) طريقة معروفة لنا فإن ذلك لا يمنع من كون فعله دلالة لنا أيضًا على أننا متعبدون بمثله .. على حدٍّ لو انفرد أحدهما لفعلْنا الفعل لأجله\".\nوقد يفيد فوائد أخرى:\n١ - فيجوز التخصيص بالفعل الامتثالي في مخالفة العموم، ومثاله أن النبي - ﷺ - صلّى بالمسجد الحرام، والناس يمرون بين يديه، خصّ به نهيه عن الصلاة إلاّ بسترة.\n٢ - ويجوز التقييد به. فالأمر القرآني الوارد بغسل الأعضاء في الوضوء مطلق من جهة العدد، قيّده - ﷺ - بفعله، فغسل مرة ومرتين وثلاثًا ولم يزد. وقد أبى مالك اعتبار العدد. قال ابن قدامة: \"الوضوء مرة مرة، والثلاث أفضل\". هذا قول أكثر\n_________\n(١) سورة الأعراف: آية ٢٠٣","vol":"1","page":308},{"text":"أهل العلم، إلاّ أن مالكًا لم يوقّت مرة ولا ثلاثًا، قال: إنما قال الله: ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾ (١).\nومثله التراويح عند الظاهرية، الأمر بها مطلق من جهة العدد، وفي الحديث عن عائشة ﵂ أنها قالت: \"لم يكن النبي - ﷺ - يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة\" (٢) أكثر الأئمة على عدم الوقوف عند هذا العدد، فاختار أحمد والشافعي وأبو حنيفة ثلاثًا وعشرين لفعل عمر، واختار مالك تسعًا وثلاثين كعمل أهل المدينة، ولم يقل أحد من متقدمي علماء الأمة بالوقوف عندما فعله - ﷺ - فيما نعلم ما عدا بعض الظاهرية (٣). قال النووي: \"قال القاضي: ولا خلاف أنه ليس في ذلك حدّ لا يزاد عليه ولا ينقص منه. وإن صلاة الليل من الطاعات التي كلما زاد فيها زاد الأجر، وإنما الخلاف في فعل النبي - ﷺ - وما اختاره لنفسه\" (٤).\nووجه ما رآه الأئمة الأربعة أن الأمر الوارد من الله تعالى مطلق، يتأدّى بالتهجد بأي عدد كان. وما فعله - ﷺ - لا يزيد عن أن يكون اختار عددًا يناسبه، ثم حافظ عليه، لأنه \"كان عَمَلُه دِيمَة\". فلا يدل ذلك على وجوب ما اختاره من العدد، ولا استحبابه. قال الشافعي: \"رأيت الناس يقومون بالمدينة بتسع وثلاثين، وبمكة بثلاث وعشرين، وليس في شيء من ذلك ضيق\" (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-186>الفرق بين دلالة الفعل البيانيّ ودلالة الفعل الامتثاليّ:</span>\nالفعل البيانيّ مقصود به البيان وإظهار المراد بالمجمل، وذلك نوع من التعليم. فالأصل أن يُعْتَنى به مزيد عناية. فإن كان بيان واجب، فلا يعمل فيه بالرخص والتيسيرات التي يمكن أن تفهم على غير وجهها. ولا يضاف إليه ما هو مستحب وليس بواجب.\n_________\n(١) المغني ١/ ١٣٩\n(٢) مسلم ٦/ ١٨ والبخاري.\n(٣) يلمح من كلام ابن حزم أنه يرى التقييد بالصور الواردة في صلاة الليل. انظر المحلى ٣/ ٤٢\n(٤) شرح صحيح مسلم ٦/ ١٩\n(٥) ابن حجر: فتح الباري ٤/ ٢٥٣","vol":"1","page":309},{"text":"فإن انضم إليه شيء من ذلك وجَبَ بيانه لئلا ينضمّ إلى الواجب ما ليس منه. وليعتبر في ذلك ببيان النبي - ﷺ - مواقيت الصلاة، فقد صلّى في اليوم الأول في أول الوقت، وصلّى في اليوم الثاني في آخر الوقت، وقال: الوقت ما بين هذين.\nوأيضًا قال - ﷺ - في عرفات: وقفت هنا وعرفة كلها موقف. وقال في مزدلفة: وقفت هنا وجمع كلها موقف. وقال في نحره بمنى: نحرت هنا فجاج مكة كلها منحر. لئلا يتوهم الاختصاص بالموضع الذي وقف فيه أو نحر.\nأما الفعل الامتثالي فلا يلاحظ فيه ما يلاحظ في الفعل البياني. بل هو امتثال مجرد، فيداخل الواجب ما ليس منه ليُفعل على وجهٍ أكمل. فهو أضعف دلالة من الفعل البياني.\n٣ - وقد يتبيّن بالفعل الامتثاليّ مجمل أو نحوه.\nفعقوبته - ﷺ - للسارق بقطع يده من المفصل، يستفاد منها أمران:\nالأول: تأكيد أصل وجوب القطع المستفاد من الآية.\nوالثاني: وجوب أن يكون القطع من المفصل. فلا يكفي قطع الأصابع مثلًا، ولا يجوز التجاوز بقطع الساعد. فقد تبيّن به موضع القطع.\nووجه استفادة هذا الحكم الثاني أن (اليد) في الآية لفظ (مجمل) على قولٍ، لاحتمال أن يكون المراد الذراع كلها، أو الكف. وعلى القول الآخر الظاهر من لفظ (اليد) الذراع (١)، وعلى كل فقد تبيّن بهذا الفعل الامتثالي أن المراد به في الآية الكف.\nووجه تبيُّن ذلك من الفعل، أن الواجب لو كان أقلَّ، لكان النبي - ﷺ - قد زاد على الواجب، وهذا ممتنع لتحريم دم المسلم بغير حق.\nولو كان الواجب أكثر لكان - ﷺ - قد نقص، ولم ينفّذ كلّ ما أمر الله به، وذلك ممتنع.\n_________\n(١) انظر القولين في حاشية ابن أبي شريف ص ١٧٥ البناني: حاشية جمع الجوامع ٢/ ٩٧","vol":"1","page":310},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-187>المبحث الثامن الفعل المتعدي</span>\nالمراد بالفعل المتعدّي ما فعله النبي - ﷺ - مما له علاقة بالغير، من العقوبات والمعاملات والقضاء بين الناس ونحو ذلك.\nوقد أفرده بعض الأصوليين نوعًا خاصًا من الأفعال، منهم أبو الحسين البصري (١)، والزركشي (٢)، والشوكاني (٣)، وغيرهم.\nوهو بالنسبة إلى صدوره عن النبي - ﷺ - وبالنسبة إليه خاصة، لا يعدو أن يكون واحدًا من الأنواع الأخرى، لأنه إما جبلّي أو خاص أو بيان أو امتثال، أو ليس كذلك فيكون من الفعل المجرّد. فحكم الاقتداء به - ﷺ - في ذلك يعلم في موضعه من المباحث المشار إليها.\nأما بالنظر إلى الغير، أعني الشخص الذي تعلّق به الفعل، فللفعل صور:\nالأول: ما يوقعه النبي - ﷺ - بشخص من العقوبة حدًّا أو تعزيرًا أو غرامة يدل على أن ما نسب إلى ذلك الشخص وكان سببًا فيها هو معصية. فيفهم منه حكم الفعل الذي فعله المعاقَب.\nويفهم منه استحقاق من فعل ذلك الفعل لمثل تلك العقوبة.\nوقال القاضي الباقلاني: \"لا يكون الأمر كذلك إلّا بتنبيه منه - ﷺ - على أن من فعل مثل ذلك استحقّ مثل تلك العقوبة. وقال: لأنه، وإن تقدّم ذلك الفعل،\n_________\n(١) المعتمد ١/ ٣٨٧\n(٢) البحر المحيط ٢/ ٢٤٩ أ.\n(٣) الإرشاد ص ٣٦","vol":"1","page":311},{"text":"فإنه لا يتعيّن لكونه موجِب أخذِ المال وإيقاع العقوبة، فإنه لا يمتنع وجود فعل آخر هو المقتضي للمال والعقوبة\" (١). اهـ.\nأقول: وحصول التنبيه يعيّن السببيّة، وأيضًا لو قامت قرائن الحال على ذلك كانت كافية. والله أعلم.\nالصورة الثانية: قد يكون الفعل المتعدّي (آمرًا) أو (ناهيًا)، بمنزلة الخطاب، فيدل كدلالة الأمر والنهي. ومثاله أن ابن عباس ائتم وحده بالنبي - ﷺ - في صلاة الليل، فقام عن يساره، فأخذ النبي - ﷺ - بيده فأقامه عن يمينه (٢). قال ابن حزم: \"هو على الوجوب، لأنه وإن كان فعلًا فهو أمر لابن عباس بالوقوف عن يمينه ونهي له عن الوقوف عن يساره\" (٣).\nوقال أبو شامة: \"ذلك على الندب\" (٤) ولعلّه بَنى ذلك على قاعدته في أن الوجوب والتحريم لا يمكن استفادته من مجرّد الفعل.\nوالصواب عندي جعله بمنزلة الأمر، إذ إن هذا ليس فعلًا مجردًا، بل تدلّ طبيعته المتعدية الآمرة، على المراد به، ويرد عليه الخلاف في مؤداه كما ترد على الأمر القوليّ. وقد قال بالوجوب في هذا الفرع الحنابلة والظاهرية، وقال مالك والشافعي والحنفية بصحة صلاة المنفرد عن يسار الإمام. ومأخذهم القرينة الدالة على أن الأمر ليس للوجوب، هي أن النبي - ﷺ - لم يُبْطِل تحريمته. فدلّ على الجواب (٥).\nومثال آخر: أن عبد الله بن مسعود كان يصلي وقد وضع يسراه على يمناه، فرآه النبي - ﷺ - فوضع يمناه على يسراه (٦). فذلك يدل على استحباب وضع اليمنى على اليسرى وكراهية العكس.\n_________\n(١) أبو شامة: المحقق ق ٣٨ أ.\n(٢) مسلم ٦/ ٥٠\n(٣) الإحكام ١/ ٤٢٩\n(٤) المحقق ص ٢٣\n(٥) ابن قدامة: المغني ٢/ ٢١٣\n(٦) رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه. وقال ابن حجر: إسناده حسن (نيل الأوطار ٢/ ١٩٤).","vol":"1","page":312},{"text":"الصورة الثالثة: قضاؤه - ﷺ - بين اثنين (١) له ثلاث جهات:\nالأولى: الإثبات بالبيّنات والشهود والقرائن. وهو من هذه الناحية فعل كسائر الأفعال، يقتدى به فيها حسبما تقدم.\nالثانية: تقديره لثبوت الواقعة. هو مبني على الظاهر، وليس يدلّ على أن المحكوم عليه هو في الباطن ظالم، ولا أن المحكوم له محق. ومجب على المحكوم عليه التسليم والرضا بحكمه - ﷺ -.\nالثالثة: ما حكم به على تقدير ثبوت الواقعة، فهو شرع، فإن ثبت لدى القضاء مثل ما ثبت لديه - ﷺ -، تعيّن الحكم بما حكم به.\nالصورة الرابعة: لو باع أو اشترى من شخص لم يدلّ ذلك على أن المال كان ملكه في الباطن إذ إنّ هذا تعامل على أساس الظاهر.\n_________\n(١) انظر في هذا البحث: الزركشي: البحر المحيط ٢٠/ ٢٤٩ أ. الشوكاني: الإرشاد ص ٣٦ عبد الوهاب خلاف: علم أصول الفقه ص ٤٤. أبو شامة: المحقق ق ٣٨ أ.","vol":"1","page":313},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-188>المبحث التاسع ما فعَله ﷺ في انتظار الوحي</span>\nهذا النوع جعله الزركشي والشوكاني قسمًا مستقلًا من أقسام الأفعال النبوية. ذكر الزركشي (١) أن النبي - ﷺ - أبهم إحرامه في الحج، يعني أنه أحرم دون أن يعيّن أنه يقرن أو يتمتع أو يُفرد الحج عن العمرة. ونقل عن الشافعية أنه يُسْتَحَبّ التأسّي به - ﷺ -، فيكون إبهام الإحرام أفضل، تأسّيًا.\nوالاقتداء بهذا النوع، على سبيل الاستحباب، غير مرضي. ففي مسألة إبهام الإحرام أنه- وإن ثبت أن النبي - ﷺ - أبهم الإحرام منتظرًا لوحي خاص -لا مساغ للاقتداء به في ذلك بعد مجيء الوحي، وتبيّن الأمر.\nولكن يدل على أن الإبهام مباح لا غير. إذ لو كان فاسدًا لم يفعله - ﷺ -.\nوانتظار الوحي لا يبيح فعل ما لا يجوز. ويتأكد الجواز بأن عليًا أحرم عند مجيئه من اليمن بمثل ما أحرم به النبي - ﷺ - وهو لا يعلم ما أحرم به النبي - ﷺ -، وعندما التقى بالنبي أمره أن يصنع كما صنع هو. فهذا إقرار يدل على الجواز. والله أعلم.\n_________\n(١) البحر المحيط: ٢/ ٢٤٩ أ. إرشاد الفحول ص ٣٦","vol":"1","page":314},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-189>الفَصل الخَامس الفعل المجرَّد</span>\n١ - الفعل المجرّد المعلوم الصفة (١).\n٢ - الفعل المجرّد المجهول الصفة.\n٣ - ما ينسب إلى الأئمة من القول في الفعل المجرّد بنوعيه.\n٤ - الأدلّة والمناقشات.\nأ- مناقشة دعوى امتناع التأسّي في الفعل المجرّد.\nب- قول الوقف.\nج- قول التحريم.\nد- قول الإباحة.\nهـ- قول الندب.\nو- قول الوجوب.\nز- قول المساواة.\nح- قول المساواة في العبادات خاصة.\n_________\n(١) المقصود بـ (الصفة) حكم الفعل من وجوب أو غيره. وقد يعبر الأصوليون عنه أيضًا بـ (الوجه).","vol":"1","page":315},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-190>الفعل المجَرَّد</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-191>تعريف وتحديد:</span>\nمرادنا بالفعل المجرّد، ما كان من أفعاله - ﷺ - خلافًا لما تقدم من الأنواع السابق ذكرها. (ص ١٦٨ وما بعدها).\nومعنى كونه مجرّدًا، أن الأفعال السابقة اقترن بكل منها قرينة يتبيّن منها حكمه بالنسبة إلينا، فالجبليّ يدلّ على الإباحة، ولسنا متعبّدين بفعل مثله، والذي عُلِم أنه بيان حكمه مأخوذ من الخطاب المبين، والذي علم أنه امتثال كذلك حكمه مأخوذ من الخطاب الممتثل، وهكذا.\nوالفعل المجرّد بالنظر إلى حقيقته على نوعين:\nالأول: ما قد يكون في الحقيقة والباطن واحدًا من الأنواع السابقة، لكن لم يظهر لدينا دليل نلحقه به. فقد يكون في الحقيقة خاصًا ولكن لم نطلع على دليل خصوصيته، أو يكون في حقيقته امتثالًا لأمر إلهي معيّن، سواء أكان في القرآن العظيم ولم نجد ما نحكم به أن الفعل امتثال لذلك الأمر، أو كان الفعل امتثالًا لوحي خاص لم نخبرَ به، بل ظهر لنا الفعل مجرّدًا.\nالثاني: أن يكون فعلًا فعله النبي - ﷺ - ابتداء من ذات نفسه مطابقًا لما فوّضه الله تعالى له من إنشاء بعض الأحكام، أو من تصرفه في حدود مرتبة العفو، كما تقدم.","vol":"1","page":317},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-192>ما يستفاد من الأفعال النبوية المجرّدة، من الأحكام في حق الأمة:</span>\nإذا علمنا أن النبي - ﷺ - فعل فعلًا مجردًا، فما حكم مثل ذلك الفعل في حقنا؟.\nإن الإجابة على هذا السؤال هي أهمُّ مسألة في باب الأفعال النبويّة، وعليها يدور أكثر كلام الأصوليين في هذا الباب، نظرًا لأن هذه الإجابة تتحكم في مسلك الفقهاء عند استنباطهم للأحكام الفقهية، مما يؤثر عنه - ﷺ - من الأحاديث الفعلية المجرّدة، ولأن ما تقدم ذكره من أقسام الأفعال النبوية، عدا المجرّد، أمره واضح لا يكاد يخفى.\nولكي نستطيع تبيين دلالة الفعل المجرَّد بجلاء، نقسمه قسمين:\nالقسم الأول: المعلوم الصفة بالنسبة إليه - ﷺ -. وهو ما علمنا بدليلٍ أنه فعله واجبًا، أو فعله ندبًا، أو على أنه مباح.\nوتُعلم صفته بالأدلة التي تقدم ذكرها.\nالقسم الثاني: المجهول الصفة.\n...\nفنعقد لكل من النوعين مبحثًا خاصًا.\nونُتبع بمبحث لذكر ما نسب إلى الأئمة المتبوعين، والأصوليين المشهورين من القول في ذلك.\nوبمبحث آخر نستوفي فيه الأدلة، ونختار ما نراه أولى بالحق. والله ولي التوفيق.","vol":"1","page":318},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-193>المبحث الأول الفعل المجرّد المعلوم الصِّفَة</span>\nإذا علمنا بصدور فعل عن النبي - ﷺ -، ولم يكن مما تقدم من أقسام الأفعال النبوية، وتعيّن عندنا بدليل أنه - ﷺ - فعله على سبيل الوجوب أو الندب أو الإباحة، فللعلماء في دلالته على الأحكام في أفعالنا المماثلة لفعله أقوال سبعة هي:\n١ - المساواة مطلقًا.\n٢ - المساواة في العبادات دون غيرها.\n٣ - الوجوب.\n٤ - الندب.\n٥ - الإباحة.\n٦ - التحريم.\n٧ - الوقف.\nأما المساواة -وبها يقول الجمهور (١) - فمعناها أننا نساوي النبي - ﷺ - في أحكام أفعاله المجردة، فما فعله واجبًا فهو علينا واجب، وما فعله ندبًا فهو علينا مندوب، وما فعله مستبيحًا له فهو لنا مباح.\nوأما قول الوجوب فمعناه أن ما فعله النبي - ﷺ -، وجب علينا أن نفعله على كل حال. سواء علمنا أنه - ﷺ - فعله واجبًا أو مندوبًا أو مباحًا. ولو جهلنا ذلك فالحكم الوجوب كذلك كما يأتي.\nوأما قول الندب فمعناه أنه يندب لنا فعل مثل ما فعله النبي - ﷺ - مطلقًا، أعني سواء علمنا صفة فعله أو جهلناها. وحتى لو علمنا أنه - ﷺ - فعله وجوبًا فإنه لا يجب علينا بل يندب.\n_________\n(١) أصول البزدوي وشرح البخاري ٣/ ٩٢٠","vol":"1","page":319},{"text":"وأما الإباحة فأنه يباح لنا مثل فعله - ﷺ -، ولا يجب ولا يندب.\nوأما التحريم، فمعناه أنه لا يجوز لنا فعل مثل شيء من أفعاله المجرّدة.\nوأما الوقف، فمعناه أنا لا نحكم على فعلنا المماثل لفعله - ﷺ - بحكم ما. سواء جهلنا حكم فعله أوعلمناه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-194>منشأ الاختلاف:</span>\nهذه الأقوال الآنفة الذكر تتجه اتجاهين رئيسين، ثم يتشعبان:\nالاتجاه الأول: أن التأسّي به - ﷺ - في أفعاله المجردة مطلوب شرعًا بدلالة ما تقدم ذكره في فصل حجية الأفعال النبوية، من الآيات والأحاديث والإجماع، الدالّة على مشروعية الاتّباع والتأسي.\nوالاتجاه الثاني: أن التأسيّ به - ﷺ - فيها غير مطلوب شرعًا. ووجهه أنه وإن ثبتَتْ حجية الأفعال النبوية، إلّا أن مانعًا منع من التأسي بالفعل المجرّد، وذلك المانع هو احتمال الخصوصية، فكيف يُتَأسّى به - ﷺ - في أمر قد يكون من خواصّه، فنكون قد أوجبنا ما لا يجب علينا أو أبحنا ما لا يباح لنا.\nوأورد بعضهم، أيضًا، احتمالَ أن يكون فعله - ﷺ - معصية، على قول من يجيز صدور الصغائر عن الأنبياء. كما تقدم في الفصل الثالث. قالوا: وذلك مانع من الاقتداء.\nثم تشعب أصحاب الاتجاه الأول شعبتين، بحسب تفسيرهم للتأسيّ المطلوب شرعًا:\nالشعبة الأولى: قالوا: التأسّي واجب، ومعنى التأسّي عندهم هو مساواة الفعل للفعل، في الصورة والحكم. وهؤلاء أصحاب القولين الأول والثاني، (المساواة المطلقة والمقيدة).\nوالشعبة الثانية: قالوا التأسّي هو المساواة في الصورة دون الحكم. ثم تفرع هؤلاء فرعين:","vol":"1","page":320},{"text":"الفرع الأول: قالوا: التأسيّ مطلوب منا على سبيل الوجوب، فيجب علينا أن نفعل صورة ما فعل - ﷺ -، سواء كان هو قد فعله على سبيل الوجوب أو غيره. وهؤلاء هم أصحاب القول الثالث (الوجوب).\nوالفرع الثاني: قالوا: التأسيّ مطلوب منا على سبيل الندب، وهم أصحاب القول الرابع (الندب).\nوأما أصحاب الاتجاه الثاني: وهم الذين قالوا إن التأسيّ بالأفعال المجرّدة غير مطلوب شرعًا، فقد منعوا بذلك دلالة فعله المجرّد على الأحكام في حقنا، فكان وجود الفعل النبوي المجرّد عندهم كعدمه بالنسبة إلى هذا الأمر. وبقي حكم فعلنا كما كان قبل ورود مثيله من الأفعال النبوية المجرّدة. فمن قال الأصل في الأفعال الإباحة، قال بها هنا وهو القول الخامس. ومن قال الأصل التحريم قال به هنا وهو القول السادس. ومن نظر إلى أن الفعل المجرّد متردد بين أن يكون خاصًا أو مشتركًا، فقد توقف، وهو القول السابع.","vol":"1","page":321},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-195>المبحث الثاني الفعل المجهول الصِّفة</span>\nيجري في الفعل المجرّد المجهول الصفة، ما يجري في المعلوم الصفة من الخلاف. وترد فيه الأقوال المتقدمة على السواء، ما عدا قولَ المساواة، ففيه هنا - أعني في مجهول الصفة- تفصيل.\nأما في ما عدا قول المساواة فلأن العلم بصفة صدوره عنه - ﷺ - لا يؤثر في الحكم المستفاد، بل الحكم المستفاد في حقنا على القول الثالث هو الوجوب مطلقًا، أعني سواء كان حكم الفعل بالنسبة إليه - ﷺ - الوجوب أو غيره، وعلى القول الرابع الندب، مطلقًا، وهكذا في سائر الأقوال. ولذلك تجري الأقوال الخمسة في مجهول الصفة.\nأما قول المساواة، فإن المساواة بين حكم فعلنا وحكم فعله - ﷺ - لا يمكن تحقيقها ما لم يتعيّن لفعله واحد من الأحكام الثلاثة.\nومن أجل تحقيق قول المساواة في الفعل المجرّد المجهول الصفة، كان لا بدّ من حمل فعله على واحد من الأحكام الثلاثة في حقه - ﷺ -، بنوع ترجيح ظاهريّ، مع الاعتراف بأنه قد يكون في الحقيقة والباطن على حكم آخر. وبعض العلماء أبى حمله على شيء من الثلاثة.\nمن أجل ذلك كان في المسألة أقوال أربعة:\nالقول الأول: أنه يحمل على الوجوب في حقه - ﷺ -، لأنه الأحوط بالنسبة إلينا (١). ولأن فعله أعظم أجرًا، فيكون أليق بحقه - ﷺ -.\n_________\n(١) القاضي أبو يعلى: العدة ق ١٠٦ أ.","vol":"1","page":322},{"text":"والقول بالوجوب في ما ظهر فيه قصد القربة من الفعل المجرّد، أقوى منه في ما لم يظهر فيه ذلك القصد.\nونقل القول بالوجوب فيما ظهر فيه قصد القربة عن مالك (١) وعن ابن سريج، وأبي سعيد الإصطخري، وابن أبي هريرة، وابن خيران من الشافعية، وعن الحنابلة (٢) ونصره القاضي أبو يعلى الحنبلي في كتابه (العدة) (٣) وصرّح به من متأخري الشافعية الشيخ زكريا الأنصاري (٤)، والتزم أنه للوجوب في حقه - ﷺ - وحقنا حتى في ما لم يظهر فيه قصد القربة.\nالقول الثاني: أنه يحمل على الندب في حقه - ﷺ -، وهو أصحّ الأقوال في ما ظهر فيه قصد القربة. إذ إن القربة دائرة بين الوجوب والندب، فالمباح لا قربة فيه.\nولما دارت القربة بين الوجوب والندب، وكان حمله على الوجوب لا بدّ له من دليل، إذ هو أمر زائد على مجرد القربة، كان الأولى حمله على الندب لأنه المتيقن، والوجوب مشكوك فيه.\nوقال أبو شامة: \"هو متردّد بين أن يكون مندوبًا له، أو واجبًا عليه وجوب الخصوصية. إذ لو كان واجبًا مشتركًا لوجب عليه أن يبلغه المكلّفين. فلما لم يفعل دلّ على أنه غير واجب عليهم. ثم إذا وقع التردد بين كونه مندوبًا إليه، أو واجبًا عليه، غلب على الظن كونه مندوبًا، لغلبة المندوب في أفعاله - ﷺ - وقلة ما اختصّ به من الواجبات\" (٥) وفي هذا التقسيم نظر يعلم مما يأتي في قول الندب.\nوأما القول بالندب في ما لم يظهر في قصد القربة، فقد وجّه بأن الغالب من أفعاله - ﷺ - المندوبات. وهو توجيه ضعيف.\nوقد قال الشوكاني (٦) بالندب، ووجّهه بأن فعل النبي - ﷺ - وإن لم يظهر فيه\n_________\n(١) تيسير التحرير ٣/ ١٢٢\n(٢) الآمدي: الأحكام ١/ ٢٤٨\n(٣) العدة ق ١٠٥ أ.\n(٤) غاية الوصول شرح لب الأصول ص ٩٢\n(٥) المحقق ق ١١ أ\n(٦) إرشاد الفحول ص ٣٨","vol":"1","page":323},{"text":"قصد القربة، فهو لا بدّ أن يكون لقربة. وأقل ما يتقرّب به المندوب، ولا دليل يدل على زيادة على الندب، فوجب القول به.\nوهذا أيضًا توجيه آخر ضعيف، لأن قوله: \"لا بدّ أن يكون لقربة\" مردود فالنبي - ﷺ - واحد من البشر، يفعل كغيره من الناس، ما أباح الله له. وليس فعل المباح عبثًا فيلزم تنزيهه عنه، بل قد يفعل لجلب نفع أو دفع ضرر.\nالقول الثالث: أنه للإباحة وهو ضعيف بالنسبة إلى ما ظهر فيه قصد القربة. ولكن هو أصح الأقوال فيما لم يظهر فيه ذلك القصد، وادّعى بعض الحنفية الإجماع عليه (١). ووجهه أن الفعل المجرد لا يفهم منه أكثر من رفع الحرج، تُرِك ذلك في ما ظهر فيه قصد القربة، وبقي ما لا قربة فيه خاليًا من دليل يدل على أكثر من الإباحة، فيحمل عليها.\nفإذا دار الفعل بين أن يكون مقصودًا به القربة أو لا يكون، فمن غلّب فيه قصد القربة استدل بالفعل على الاستحباب، ومن غلّب فيه عدم قصد القربة استدلّ به على الجواز.\nومثاله لبس النبي - ﷺ - نعليه في الصلاة قال ابن دقيق العيد: \"إنه يدل على الجواز، ولا بنبغي أن يؤخذ منه الاستحباب، لأن ذلك لا يدخل في المعنى المقصود من الصلاة إلّا أن دليل على إلحاقه بما يُتجمّل به للصلاة، فيرجع إليه\" (٢).\nأقول: قد صح فيه الحديث: \"خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا في خفافهم\" (٣). فكان قصد القربة فيه من وجه آخر غير التجمّل. والله أعلى وأعلم.\nالقول الرابع: التوقّف. ومعناه الامتناع عن حمل الفعل المجهول الصفة على حكم معيّن. فيمتنع المساواة فيه، بناء على ذلك.\n_________\n(١) انظر تيسير التحرير ٣/ ١٢٢\n(٢) الأحكام ١/ ٢٢٧\n(٣) رواه أبو داود والحاكم والبيهقي (الفتح الكبير).","vol":"1","page":324},{"text":"ووجه الوقف فيما ظهر فيه قصد القربة، احتمال أنه - ﷺ - فعله وجوبًا، أو فعله ندبًا. وعدم الدليل على كونه فعله وجوبًا، لا يدل على عدم كونه كذلك، فلا يتعين الندب.\nوأما ما لم يظهر فيه قصد القربة، فلاحتمال أنه - ﷺ - فعله وجوبًا أو ندبًا أو إباحة. وعدم الدليل على كونه فعله وجوبًا أو ندبًا لا يدل على عدم كونه كذلك، فلا تتعيّن الإباحة.\nوممن قال بهذا: الفخر الرازيّ، والغزالي.\nفالتوقف في ما ظهر فيه قصد القربة بين الوجوب والندب.\nوالتوقف في ما لم يظهر فيه ذلك القصد، بين الأحكام الثلاثة.\nوقيل: الوقف بين الثلاثة، على كل حال (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-196>القول المختار في محمل الفعل المجهول الصفة:</span>\nالذي نختاره إن ما ظهر فيه قصد القربة يحمل على الندب في حقه - ﷺ - وما لم يظهر فيه ذلك يحمل على الإباحة.\nأما ما احتجوا به لقول الوجوب، من أنه أحوط، فنترك الرد عليه إلى موضعه الأليق به في المبحث الرابع من هذا الفصل.\nوأما الاحتجاج بأن فعل الواجب أعظم أجرًا، وأن ذلك أليق بحاله - ﷺ -، فهو مردود بما هو معلوم الوقوع من أن أفعاله المندوبة في العبادات أكثر من أفعاله الواجبة، ومثال ذلك الصيام، فكان - ﷺ - يصوم الاثنين والخميس، وثلاثًا من كل شهر، ويصوم من رجب وشعبان والحرم وغير ذلك، وكان لا يلتزم بذلك. وهذا يدل على عدم وجوبه، وأن أكثر أفعاله فيما عدا العبادات على الإباحة.\nوأما ما احتجّ به الواقفون، فهو حقّ، لأن انتفاء دليل الوجوب في ما ظهر فيه قصد القربة، لا يمنع أنه - ﷺ - فعلها في الواقع وحقيقة الأمر على سبيل الوجوب. فلذلك لا يتعيّن الندب.\n_________\n(١) جمع الجوامع ٢/ ٩٩","vol":"1","page":325},{"text":"ولكن نقول: إنما نحمل القربة المجهولة الصّفة على الندب، لأنه لما ثبت لدينا وجوب التأسّي به - ﷺ - (كما سيأتي)، وعلمناه قد فعل هذه القربة، فكان لا بدّ لنا من حملها على أحد الحكمين، لنتمكن من التأسّي. ولما كان حمل القربة على الوجوب في حقه يقتضي الوجوب في حقنا، والأصل براءة ذممنا من ذلك، حملناه على الندب، لأنه المتحقق بعد ثبوت الطلب (١).\nوكذلك القول فيما فعله - ﷺ -، مما لم يظهر فيه قصد القربة، يحمل على الإباحة لأنها المتيقنّة.\nتنبيه: يتضح مما تقدم عرضه في هذا المبحث والذي قبله، أنه حيث قال أحد من العلماء في فعل من الأفعال النبوية المجردة إنه يدل على الوجوب في حقنا، فذلك القول له أحد مأخذين.\nالمأخذ الأول: أن يكون قائله ممن يرى أن الفعل المجرّد يدل على الوجوب في حقنا (القول الثالث) بقطع النظر عن حكمه بالنسبة إليه - ﷺ -.\nالمأخذ الثاني: أن يكون قائله من أصحاب القول الأول وهو قول المساواة، مع كونه يعتقد في الفعل أنه صدر عن النبي - ﷺ - واجبًا، إن كان معلوم الصفة أو يلحقه بالواجب إن كان مجهول الصفة.\nولا يتعين أحد هذين المأخذين بمجرّد نسبة القول بالوجوب إلى قائل معيّن، ما لم تقم قرينة تبيّن مقصوده.\nوكذلك القول بالندب يدور بين مأخذين موازيين لمأخذي قول الوجوب.\nومثله أيضًا القول بالإباحة.\nوأما قول الوقف فله في الفعل المعلوم الصفة مأخذ واحد، هو احتمال الخصوصية، وفي المجهول الصفة مأخذان: الأول احتمال الخصوصية والمعصية ونحوها. والآخر: عدم تعين الحكم في حقه - ﷺ - على قول المساواة.\n_________\n(١) انظر: إرشاد الفحول للشوكاني ص/ ٣٨","vol":"1","page":326},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-197>المبحث الثالث ما ينسبُ إلى الأئمَّة من القول في الفعل المجرّد بنوعَيْه</span>\nاضطربت كتب الأصول في ما تنسب إلى بعض الأئمة من القول في دلالة الفعل المجرّد على الأحكام، حتى إننا لنجدهم ينسبون إلى الإمام الواحد أقوالًا متضاربة ينقض بعضها بعضًا.\nفالإمام مالك مثلًا نسب إليه القول بالوجوب، والقول بالندب، والقول بالإباحة.\nوالثلاثة منسوبة إلى الإمام الشافعي أيضًا.\nوكذلك نسبت الأقوال الثلاثة إلى الإمام أحمد بن حنبل.\nولعلّ هذا الاضطراب راجع:\nأولًا: إلى أن ما أسند إليهم ليس منصوصًا لهم وإنما هو تخريج على بعض أقوالهم في الفروع. قال المازري: \"أشار ابن خويز منداد إلى أن قول الوجوب مذهب مالك، وقال: وجدته في موطئه يستدل بأفعال النبي - ﷺ - كما يستدل بأقواله\".\nوسنبيّن أشياء من هذه قريبًا إن شاء الله.\nوثانيًا: إلى اختلافهم في مقصودهم بالوجوب أو الندب أو الإباحة، أهو راجع إلى حكم الفعل في حقه - ﷺ -، أم في حقنا. وفي مقصودهم بالتأسّي الذي يوجبونه أو يندبون إليه، أهو المساواة في مجرد الصورة أو في الصورة مع الحكم.","vol":"1","page":327},{"text":"وكثير من ذلك سيبقى مبهمًا دون حلّ، نظرًا لتعذّر الحصول على نصوص لهم أو نسبة أقوال منضبطة محررة.\nأما متأخرو الأصوليين، فكثير من أقوالهم منضبطة محررة نسبيًا.\nوأنا أنسب الأقوال إلى أصحابها مرتّبة بحسب المذاهب، وقد كان بالإمكان ترتيبها بحسب الأقوال أنفسها كما هو المعتاد في مثل هذا، إلّا أن غرضي أن أدلّ على كثرة الاضطراب في هذه المسألة المهمة، حتى عند أصحاب المذهب الواحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-198>١ - الإمام أبو حنيفة وأتباعه:</span>\nلم نجد نقلًا عن أبي حنيفة ﵁ في كتب أتباعه، وقال الغزالي في المنخول: \"عُزِي إليه أنه يُتَلَقّى من الفعل الوجوب مطلقًا\" (١).\nوالجصّاص، من الحنفية، يرى أن الأصل في أفعاله - ﷺ - الاشتراك في معلوم الصفة، فيجب علينا المتابعة فيها حتى يقوم دليل الخصوص، وفي مجهول الصفة تثبت الإباحة حتى يقوم دليل الحكم في حقه (٢).\nوأبو الحسن الكرخي الحنفيّ اختلف النقل عنه، فبعض الحنفية نقل عنه أنه يثبت الإباحة في حقه - ﷺ - لأنه لا يقدم على معصية، ويحمل الأفعال المجرّدة كلها على الخصوصية فيمنع الاقتداء بها ما لم يقم دليل الاشتراك.\nونقل عنه آخرون أنه يثبت المتابعة في معلوم الصفة، ويمنعها في مجهول الصفة (٣). وقد أشار الجصّاص إلى اختلاف النقل عن الكرخي، ثم قال: \"والذي يغلب على ظني من مذهبه أن علينا اتّباعه فيه على الوجه الذي أوقعه عليه (٤).\nونقل عنه ابن الباقلاني أنها تدلّ على الوجوب (٥).\n_________\n(١) ص ٢٢٥\n(٢) البخاري: شرح البزدوي ٣/ ٩٢١ وأصول الجصاص ق ٢٠٥ ب.\n(٣) أصول البزدوي وشرحه ٣/ ٩٢١، ٩٢٢\n(٤) أصول الجصاص ق ٢٠٥ ب.\n(٥) المحقق لأبي شامة ق ٦ ب.","vol":"1","page":328},{"text":"ونقل عنه صاحب مسلم الثبوت (١) القول بالوقف.\nوالذي استقر عند متأخري الحنفية المساواة في معلوم الصفة، والإباحة في مجهولها. وخصّه ابن الهمّام بما لم يظهر فيه قصد القربة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-199>٢ - المالكيّة:</span>\nنقل ابن خويز منداد المالكي عن الإمام مالك أن فعله - ﷺ - على الوجوب. وقال: \"وجدته في موطئه يستدل بأفعاله - ﷺ -\" أقول: إن لم يكن عنده دليل يثبت به مذهب مالك ما عدا هذا، فإنه لا يثبت مذهبه في المسألة، لاحتمال أن مالكًا يحتج في موطئه على الوجوب بالأفعال البيانية، أو بما علم وجوبه في حقه - ﷺ -، على قول المساواة. وقد وجدنا مالكًا ﵀ ذكر في الموطأ في الوضوء تمضمض النبي - ﷺ - قبل غسل وجهه، ثم قال: \"أما الذي غسل وجهه قبل أن يتمضمض فليمضمض ولا يعد غسل وجهه\" (٣).\nفهذا فعل مجرّد لم يره مالك دالًاّ على الوجوب، وإلاّ لأوجب إعادة غسل الوجه.\nوقال صاحب تيسير التحرير (٤) ما مفاده أن قول مالك هذا هو في ما كان قربة من مجهول الصفة، يعني الدائر بين الوجوب والندب. فيحمله على الوجوب في حقه - ﷺ - وحقنا.\nونقل الرازي (٥) والآمدي (٦) عنه القول بالإباحة في ما ظهر فيه قصد القربة.\nوالباقلاني -وهو مالكي- يقول بالوقف.\n_________\n(١) مسلم الثبوت وعليه فواتح الرحموت ٢/ ١٨٠، ١٨١\n(٢) تيسير التحرير ٣/ ١٢٣\n(٣) الموطأ ١/ ٢٠\n(٤) ٣/ ١٢٢\n(٥) المحصول ق ٤٨ أ.\n(٦) الإحكام ١/ ٢٤٨","vol":"1","page":329},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-200>٣ - الشافعيّة:</span>\nأما الإمام الشافعي نفسه فقد نسب إليه القول بالوجوب (١)، والقول بالندب (٢)، والقول بالإباحة.\nوأبو إسحاق الشيرازي (٣) قال بالمساواة في ما ظهر حكمه، وبالإباحة فيما لم يظهر فيه قصد القربة من مجهول الصفة، وبالوقف في ما ظهر فيه ذلك القصد، بين الوجوب والندب.\nوالمنقول عن جمهور الشافعية أن فعله - ﷺ - على الندب في حقنا ما لم يدل على غير ذلك دليل (٤)، وقد تبنّى هذا القول أبو شامة في كتابه (المحقّق من علم الأصول فيما يتعلّق بأفعال الرسول) وانتصر له، بل بنى كتابه عليه.\nوفريق من الشافعية، وهم ابن سريج ومن معه (٥)، قالوا بأن فعله - ﷺ - في القربات، إذا كان مجهول الصفة، يحمل على الوجوب في حقه وبالتالي يكون مثله منّا واجبًا.\nومن الشافعيّة من قال بالمساواة، منهم الصيرفي وابن فورك. ونقل عنهما الزركشي وأبو شامة قول الوقف (٦).\nوكثير من المتكلمين صاروا إلى الوقف، منهم الغزالي في (المستصفى) وأما في (المنخول) (٧) فقد أخذ بقول المساواة، مع حمل القربة مجهولة الصفة على الندب، وحمل ما عدا القربة من ذلك على الإباحة.\nوالرازي قال بالوقف في كتابه (المحصول)، وقال بالوجوب في كتابه (المعالم).\n_________\n(١) المنخول ص ٢٢٦\n(٢) الآمدي ١/ ٢٤٨\n(٣) اللمع ص ٤٠\n(٤) ابن حزم: الإحكام ص ٤٢٢\n(٥) تقدم ذكرهم في المبحث السابق.\n(٦) البحر المحيط ٢/ ٢٥٠ ب. والمحقق ٨ أ.\n(٧) المنخول ص ٢٢٦","vol":"1","page":330},{"text":"ومن الواقفين في ذلك أيضًا الدقاق (١).\nوالجويني يقول في (البرهان) بالندب (٢).\nوأما الآمدي فقد قال بالمساواة في ما ظهر حكمه. وأما ما جهل حكمه وظهر فيه قصد القربة فإنه يدل عنده على ترجيح الفعل على الترك، ولعله يعني الندب (٣). وما لم يظهر فيه قصد القربة، يدل عنده على الإباحة في حقنا كما صرّح به (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-201>٤ - الحنابلة:</span>\nنسب أبو الخطاب إلى الإمام (٥). أحمد ثلاث روايات في دلالة الفعل المجرّد: الوجوب، والندب، والوقف. وقال: إنه استنبط القول بالوقف من قول أحمد \"الأمر من النبي - ﷺ - سوى الفعل، لأنه - ﷺ - يفعل الشيء على جهة الفضل، وقد يفعل الشيء وهو خاص به، وإذا أمر بالشيء فهو للمسلمين\" هذا بينما ادّعى أبو يعلى أن هذا القول من أحمد نص منه على الندب.\nوقال أبو الحسن التميمي الحنبلي: \"الذي انتهى إليّ من قول أبي عبد الله - يعني الإمام أحمد- إن فعل النبي - ﷺ - موقوف على ما يضامّه من الدليل\" (٦).\nوقد نقد ابن تيمية تخريج القول بالوقف وبين أن التخريج باطل (٧).\nوقد نسب الآمدي إلى الحنابلة القول بالوجوب في مجهول الصفة من القرب في حقه - ﷺ - وحقنا (٨) وممن صرّح به منهم القاضي أبو يعلى وقال: هذا قياس\n_________\n(١) أبو شامة: المحقق ق ٥ ب.\n(٢) أبو شامة: المحقق ٨ أ.\n(٣) أكد ابن شريف في حاشيته على جمع الجوامع أن مراد الآمدي بترجيح الفعل على الترك في ما ظهر فيه قصد القربة هو الندب. وقال: كما فهمه عنه ابن الحاجب وغيره.\n(٤) الإحكام ١/ ٢٦٤\n(٥) التمهيد لأبي الخطاب ق ٨٩ ب ونقله أبو يعلى أيضًا في العدة ق ١٠٤ أ.\n(٦) العدة ق ١٠٤ أ. ويقول أبو يعلى إنه وجد كلام التميمي في مسئلة له مفردة.\n(٧) ابن تيمية: المسودة ص ٧٢\n(٨) الإحكام ١/ ٢٤٨","vol":"1","page":331},{"text":"المذهب (١). يعني في القرب خاصة إذا لم يتعيّن حكمها بدليل. فإن تعيّن فالحكم المساواة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-202>٥ - المعتزلة:</span>\nينسب إلى طوائف من المعتزلة القول بالوجوب (٣).\nوالذي عند القاضي عبد الجبار في المغني، المساواة في معلوم الصفة. وأما مجهولها فما كان قربة فهو دائر بين الوجوب والندب، ويحمل على الندب (٤) وما لم يكن قربة يحمل على الإباحة (٥).\nورأي أبي الحسين البصري المساواة في معلوم الصفة. ولم يتّضح لنا قوله في مجهولها.\nأما ابن خلاد المعتزلي (٦) فقد نقل عنه التفريق في التأسّي بين العبادات وغيرها. فأوجب الاقتداء في الفعل العبادي المجرد، ومنع الاقتداء في غير ذلك. والنقل عنه في كتب الأصوليين مضطرب وغير محرر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-203>٦ - الظاهريّة:</span>\nيقول الظاهرية إن الأفعال المجردة تدلّ في حقنا على الندب خاصة، فإذا نقل إلينا فعله - ﷺ - فلا وجوب.\nقال ابن حزم ونقله (عن جميع أصحاب الظاهر): \"ليس شيء من أفعاله - ﷺ - واجبًا، وإنما نُدِبْنا إلى أن نتأسّى به فيها فقط ... إلا ما كان بيانًا أو تنفيذًا\" (٧).\n_________\n(١) العدة ق ١٠٥ أو نقله ابن تيمية في المسودة ص ٧٦\n(٢) العدة ق ٣٩ أ.\n(٣) البحر المحيط للزركشي ٢/ ٢٤٩ب. أبو يعلى الحنبلي: العدة ق ١٠٥ أ.\n(٤) المغني ١٧/ ٢٥٦\n(٥) المصدر نفسه ١٧/ ٢٧١\n(٦) له ترجمة قصيرة في كتاب (المنية والأمل) لابن المرتضى، نشرته دار صادر، ص ٦٢. وقد جعله من الطبقة العاشرة من المعتزلة، من أقران أبي الحسين البصري. وهو تلميذ أبي هاشم الجبائي.\n(٧) الإحكام ص ٤٢٢","vol":"1","page":332},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-204>المبحث الرابع الأدلَّة والمناقشات</span>\nنتعرّض في هذا المبحث لأدلة الأقوال السبعة المتقدمة، فنوردها، ونبيّن أوجه الاستدلال بها، ونذكر ما يورد عليها.\nوقد قدمنا أن الأقوال الثلاثة الأخيرة، وهي قول الإباحة، وقول التحريم. وقول الوقف، مبناها على عدم التأسي بالفعل النبوي المجرد بدعوى أنه محتمل للخصوصية، والفعل الخاصّ يمتنع الاقتداء به.\nونحن نناقش هذه الدعوى المشتركة بين الثلاثة في مطلب، ثم نستعرض الأقوال الثلاثة، واحدًا واحدًا، ونعقد لكل منها مطلبًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-205>المطلب الأول في مناقشة دعوى امتناع التأسيّ لاحتمال الخصوصية ونحوها</span>\nلا شك أن للنبي - ﷺ - خصائص لا يشاركه فيها أحد من أمته، وقد تقدم ذكر ذلك.\nوهناك أفعال ثبتت المشاركة في أحكامها بين النبي - ﷺ - والأمة كالإسلام والصلاة والصوم والحج وصلة الرحم ونحو ذلك. وكسائر الأفعال البيانية، والأفعال التي هي امتثال وتنفيذ لآيات معلومة عامة للنبي - ﷺ - والأمة. ومثلها أيضًا الأفعال التي أمرنا بالتأسّي فيها بأعيانها.","vol":"1","page":333},{"text":"وأما الواسطة، وهي الفعل المجرّد الذي لم يُعلم أنه خاص، ولم يُعلم أنه مشترك الحكم، فهل يُقتدى به؟ هذا موضع الاختلاف.\nفأما الذين منعوا التأسّي به أصلًا، وهم أصحاب الأقوال الثلاثة المذكورة فقد قالوا: إنه لما كان احتمال الخصوصية قائمًا في كل فعل مجرد، فليس لأحد أن يدعي جواز أخذ الحكم منه، فلعلّه أن يكون مما يجوز له - ﷺ - ويحرم على غيره، فيكون من اقتدى به قد فعل حرامًا.\nإذا نظرنا -منصفين- نجد أن خصائصه التي ثبتت بأدلة صحيحة قليلة جدًا، وقد قدرناها فيما مضى بخمس عشرة خاصة، وجزء كبير منها إنما خصوصيتها بكونها محرمة عليه، والمحرم لا يفعله - ﷺ -، فلا يبقى من الأفعال التي فعلها والتي ثبت اختصاصه بأحكامها أكثر من عشر خصائص.\nهذا بينما أكثر الأحكام الشرعية ثبت الاشتراك فيها، كأنواع العبادات وأركانها وشروطها، وما يستحب فيها من الأفعال والهيئات وكذلك الآداب والمعاملات التي ثبت الاشتراك فيها، تزيد أضعافًا مضاعفة عما ثبت الاختصاص فيه.\nومن هنا فإن الفعل المجرّد ينبغي ألاّ تُمنع دلالته في حقّنا لأجل الاحتمال الضئيل لكونه خاصة من خصائصه - ﷺ -.\nيقول الآمدي: \"وأما بالنسبة إلى أمته، فلأنه وإن كان، ﵊، قد اختصّ عنهم بخصائص لا يشاركونه فيها، غير أنها نادرة، بل أندر من النادر بالنسبة إلى الأحكام المشترك فيها. وعند ذلك، فما من أحد من آحاد الأفعال إلا واحتمال مشاركة الأمة للنبي - ﷺ - فيه أغلب من احتمال عدم المشاركة، إدراجًا للنادر تحت الأعم الأغلب، فكانت المشاركة أظهر\" (١). اهـ.\nوبمثله أجاب ابن الهمّام أيضًا (٢).\n_________\n(١) الإحكام ١/ ٢٥٠\n(٢) تيسير التحرير ٣/ ١٢٧","vol":"1","page":334},{"text":"لقد حاول الغزالي أن يردّ هذا الاستدلال بقوله: \"فإن قيل التعميم أكثر فلينزل عليه.\n\"قلنا: وَلَمْ يُجب التنزيل على الأكثر، وإذا اشتبهت أخته بعشر أجنبيات فالأكثر حلال ولا يجوز الأخذ به\" (١). اهـ.\nوهذا التنظير غير مستقيم، لأن المخالف يدّعي ندرة الخصوصيات، لا مجرّد قلتها. والتنظير الصحيح ينبغي أن يكون بما يقوله الفقهاء من أنه لو اشتبهت أخته بنساء أهل مدينة أو قرية غير محصورات، لم يحرم عليه الزواج منها (٢).\nولا شكّ أن القاعدة (الحكم للأغلب ولا عبرة بالنادر) قاعدة صحيحة في باب الأدلة الشرعية. ولو نحن أبطلنا كل دليل في الكتاب والسنة لاحتمال ضئيل، لأبطلنا بذلك حجيّة القسم الأكبر من الشريعة، من أخبار الآحاد والقياس، بل والآيات والأحاديث المتواترة التي قد يتطرق احتمال إلى دلالالتها.\nويقول المازري: \"وبالجملة فالأظهر في هذا أننا مأمورون بالاتباع على الجملة فإن الصحابة كانت تدين بهذا. وإذا طرقنا إلى مثل هذا الاستدلال ما أشار إليه الواقفية من التجويز، فتحنا على أنفسنا مطاعن من طعن علينا في استدلالنا بآثارهم في إثبات القياس والعمل بخبر الواحد. وهذا واضح. وإنما يبقى النظر في مسلكهم اتباعه - ﷺ - (كذا) هل كانوا يعتقدون الوجوب أو الندب\" (٣).\nويقول أبو شامة: \"مذهب الواقفية مستلزم للتوقيف في أقوال الشارع وأفعاله، ولزم من ذلك التوقف في أكثر الأحكام الشرعية، وهو خلاف ما عليه السلف وأئمة الهدى من فقهاء الأمصار\" (٤).\nهذا وقد أحسن أبو الخطاب صياغة الردّ على من منع التأسي لاحتمال الخصوصية، إذ يقول: \"احتجّوا بأن ما يفعله يجوز أن يكون مصلحة له دوننا (٥)\n_________\n(١) المستصفى ٢/ ٥١\n(٢) السيوطي: الأشباه والنظائر ص ٥٦\n(٣) أبو شامة: المحقق ق ١٣ ب.\n(٤) المحقق ق ٢٢ ب.\n(٥) التمهيد ق ٨٩ ب.","vol":"1","page":335},{"text":"\"والجواب أنه يجوز أن يكون مصلحة لنا أيضًا، وقد أمرنا اتباعه، فوجب ذلك، لأن الظاهر أن المصلحة في الفعل تعمّه وإيانا، إلا أن يردّ دليل بتخصيصه\".\nوأما احتمال المعصية ونحوها فقد أجبنا عليه في الفصل الثالث.","vol":"1","page":336},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-206>المطلب الثاني قول الوقف</span>\nمبنى هذا القول على أن الفعل المجرّد لا دلالة له، لأن حكمه دائر بين الاختصاص والاشتراك، ولاحتمال المعصية ونحوها عند من يقول به.\nوقد وجّهوه في الفعل المجهول الصفة أيضًا بأن التأسّي به غير ممكن، إذ التأسّي يستدعي المساواة في صورة الفعل وحكمه، فلما كان حكمه مجهولًا امتنع الاقتداء به ووجب التوقف.\nفأما الاستدلال باحتمال الخصوصية والمعصية فقد أبطلناه في ما تقدم.\nوأما توجيههم الوقف في الفعل المجهول الصفة فقد تقدم مناقشته أيضًا في مبحث الفعل المجهول الصفة.\nإلاّ أنه يتعيّن هنا النظر في مقصودهم بالتوقف، والتصرف الذي يرون أنه ينبغي إزاء الفعل المجرّد.\nفأما قولهم في الفعل المجهول الصفة أنه يتوقف فيه، فيحتمل أنهم أرادوا التوقف في حكمه بالنسبة إليه - ﷺ -. وهذا أمرُهُ قريب.\nولكنهم قالوا بالوقف أيضًا فيما ظهر حكمه، وحينئذ فإما أن يمنعوا الاقتداء به فيؤول إلى قول الحظر الآتي ذكره، ولكنهم أعني الواقفية: الغزالي، والرازي، ومن معهما- ممن ورد قول الحظر.\nوإما أن يجيزوا الاقتداء به مع الجهل بوجهه، وهذا أيضًا ما صرّحوا ببطلانه.","vol":"1","page":337},{"text":"فلا يبقى إلاّ أنهم يعتبرون وجود الفعل المجرّد كعدمه بالنسبة إلينا، وحينئذ نرجع إلى الأصل في الأفعال قبل ورد الشرع، وهو ارتفاع الحرج عن الفعل. وليس ذلك عندهم هو الإباحة لأن الإباحة عندهم حكم شرعي، وهذا ليس حكمًا (١). وانما هو خلوّ الفعل عن الحكم. ويكون الحكم في حقنا عندهم بمعنى الإباحة على قول من يقول: الإباحة حكم عقلي (٢).\n_________\n(١) المستصفى٢/ ٤٠\n(٢) انظر كشف الأسرار على أصول البزدوي ٣/ ٩٢٢ أو البحر المحيط للزركشي ٢/ ٢٥١ أ.","vol":"1","page":338},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-207>المطلب الثالث قول التحريم</span>\nلم ينسب هذا القول إلى قائل معين (١)، وإنما نسب إلى بعض من قال بأن الأصل في الأشياء قبل ورود السمع التحريم. فإذا انتفت دلالة الفعل النبوي على الأحكام بقي الفعل على ذلك الأصل. قال الغزالي: \"هذا خيال من رأى الأشياء قبل الشرع على الحظر\" (٢).\nوالآمديّ ذكر أن مبناه على قول من يجوّز على الأنبياء المعاصي (٣).\nوقد أبى أبو شامة طريقة الآمديّ في بناء هذا القول، ولم يذكر وجه رده، ولا داعي لرده إذ هو محتمل. ووجه أنه كيف يقتدى به فيما يحتمل أنه معصية؟.\nويردّ هذا القول من أصله، بأن الأصل في المنافع الإباحة، كما يعلم في موضعه من كلام الأصوليين.\nوبأن النبي - ﷺ - معصوم من المعصية، أو من الإقرار عليها.\nوأن من أجاز وقوعها فإنما يقع ذلك عنده على سبيل الفلتة والأمر النادر.\nوقد أجاب الغزالي بجواب آخر، قال: \"يلزم من هذا القول تناقض،\n_________\n(١) وجدنا ابن حزم في الفصل ٤/ ٢ ينسبه إلى الباقلاني أو صاحبه أبي جعفر السمناني بناء على احتمال كون الفعل النبوي معصية.\n(٢) المستصفى ٢/ ٤٩\n(٣) الإحكام ١/ ٢٥٠","vol":"1","page":339},{"text":"بتقدير أن يفعل النبي - ﷺ - فعلين متضادين في وقتين، فيؤدي إلى أن يحرم الشيء وضدّه، وهو تكليف محال\" (١).\nومن أجل ذلك قال أبو شامة: \"هذا قول سخيفٌ رديء على أيّ الأصلين بُني\" (٢).\n_________\n(١) المستصفى ٢/ ٤٩\n(٢) المحقق ق ١٠ أ.","vol":"1","page":340},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-208>المطلب الرابع قول الإباحة</span>\n١ - هو راجع عند بعض القائلين به إلى امتناع التأسيّ في معلوم الصفة ومجهولها. وأن الواجب العودة إلى الأصل في الأفعال، وهو الإباحة.\nويردّ على أصحاب هذا الاتجاه بما تقدم في إبطال دعوى امتناع التأسي.\n٢ - ويرجع عند آخرين إلى أننا لم يطلب منا التأسي به - ﷺ - في أفعاله المجردة، بل أبيح لنا ذلك.\nوجوابه بما تقدم في فصل حجيّة الفعل النبوي من الأدلة القاضية بأن التأسّي مطلوب شرعًا.\n٣ - ومبناه عند طائفة ثالثة أننا حملنا فعله - ﷺ - المجهول الصفة في حقه - ﷺ - على الإباحة، وذلك يقتضي الإباحة في حقنا، على قول المساواة الآتي.\nوهذا البناء صواب في الفعل المجهول الصفة إذا لم يظهر فيه قصد القربة. أما إذا ظهر قصد القربة فذلك يرقى بالفعل إلى الندب. ولا تصح دعوى الإباحة فيه، إذ أنها على خلاف مقتضى الظاهر.\n...\nانتهينا من استعراض الأقوال التي تمنع التأسيّ بالفعل المجرّد بحجّة احتمال الخصوصية أو غيرها. وانتهينا إلى بطلانها جميعًا.\nوبقي أن نستعرض الأقوال التي تقول بمشروعية التأسّي به - ﷺ -. وهي أربعة: القول بالندب، والقول بالوجوب، والقول بالتساوي في العبادات خاصة، والقول بالتساوي في جميع الأفعال المجردة.\nونعقد لكل منها مطلبًا.","vol":"1","page":341},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-209>المطلب الخامس قول الندب</span>\nالمراد بهذا القول عند من قالوا به معنيان:\nالأول: من قصر القول بالندب في الفعل المجهول الصفة على ما ظهر فيه قصد القربة، فهو من القائلين بالتساوي لكن يحمل الفعل على أنه صدر منه - ﷺ - مندوبًا. ولذا فإننا سنذكر القول بالندب بهذا المعنى مع قول التساوي.\nالثاني: أننا إذا علمنا أن النبي - ﷺ - فعل فعلًا، فإنه يندب لنا أن نفعل مثله، سواء، علمنا أنه - ﷺ - فعل ذلك على سبيل الوجوب، أو الندب، أو الإباحة، أو لم نعلم ذلك، وسواء أكان الفعل قربة أم لم يكن، كما صرّح بذلك بهذا التفصيل أبو شامة (١).\nونقصر القول في هذا المطلب على المعنى الثاني.\nوقد وضّح أبو شامة قول الندب، وما يجري فيه، حيث يقول (٢):\n\"كل فعل ظهر فيه قصد القربة، وكان معلوم الصفة من وجوب أو ندب، أو لم يكن، فالأمة مندوبون إلى إيقاع مثل ذلك الفعل مطلقًا.\nوما لم يظهر فيه قصد القربة، وكان محتملًا للقربة، وإن خفيت عنا، فكذلك. مثاله رفع اليدين عند التحرم بالصلاة، وعند الركوع، والرفع عنه، وعند القيام من الركعتين، وكنزوله - ﷺ - في حجّته بذي طُوَى ومبيته يوم ليلة يوم\n_________\n(١) المحقق ق ٦ أ\n(٢) المحقق ق ٢ أ","vol":"1","page":342},{"text":"عرفة. فهذا ونحوه أفعال صدرت منه - ﷺ - تحتمل القربة، وإن لم يظهر لنا فاستحبّ علماء المذهب متابعته والتأسيّ به فيها. وهي في هذا الباب بمثابة الأوصاف الشبهيّة في باب القياس، إلا أنها مخطوطة الدرجة عما ظهر فيه قصد القربة. فيكون الاستحباب فيها آكد مما لم يظهر فيه قصد القربة، ويكون الاستحباب فيما وجب عليه - ﷺ - آكد، لأن مصلحته أتم بدليل تحتمه عليه.\nفهذه ثلاث درجات: أعلاها متابعته - ﷺ - في ما وجب عليه.\nوبعدها متابعته في ما نُدِب إليه، أوفيما لم تعلم صفته، لكن ظهر فيه قصد القربة.\nوالدرجة الثالثة ما احتمل القربة وإن لم تظهر.\nوبعد هذه الدرجات درجة رابعة، وهي متابعته - ﷺ - في الأفعال التي يكاد يقطع فيها بخلّوها من القربة، كهيئة وضع أصابع اليد اليمنى في التشهد، فتستحب المحافظة عليها والأخذ بها ما أمكن، تدريبًا للنفس الجموح، وتمرينًا لها على أخلاق صاحب الشرع، لتعتاد ذلك، فلا تخلّ بعده بشيء مما فيه قربة. فهذا ونحوه هو الذي يظهر لي أن عبد الله بن عمر ﵄ كان يلاحظه، فأخذ نفسه بالمحافظة على جميع آثاره - ﷺ - ... فالمتّصف بالإيمان، من علامات صحّة إيمانه ومحبته لرسول الله - ﷺ - التبرك بآثاره، والاتّباع فيها. فهي -وإن لم تصدر من رسول الله - ﷺ - قربةً - قربةٌ. فنحن نرجو بفعلها التقّرب إلى الله تعالى، لما انطوى عليه فعلنا لها من محبته - ﷺ - التي حملتنا عليها، ولما يُحْدِث ذلك من رقة القلب بتذكره - ﷺ -\". اهـ.\nثم نقل أبو شامة عن ابن عَبْدان قوله: \"أفعال النبي - ﷺ - التي لم تحصل منه على وجه القُرَب، يستحبّ التأسّي به فيها، رجاء بركته، مثل أكله وشربه وعطائه ومعاشرته لنسائه، وجميع أفعاله المتعلقة بأمور الدنيا. يستحب التأسّي به في جميع ذلك\". اهـ.","vol":"1","page":343},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-210>أدلة القائلين بالندب:</span>\nالقائلون بالندب في الفعل المجرّد بأنواعه، استدلوا بما ورد في الشريعة من طلب التأسّي بالنبي - ﷺ - والاتباع له، ومن فعل الصحابة (١) وقالوا: إن الشرع طلب التأسي لا على سبيل الوجوب، فلا يبقى إلا أنه دال على الندب. واستدلوا على انتفاء الوجوب بانتفاء دليل يحتّم التأسِّي. وحاولوا رد أدلة القائلين بالوجوب بما نذكره في المطلب التالي.\nواستدلوا على انتفاء الوجوب أيضًا بأمور (٢):\nالأول: أن الفعل أضعف دلالة من القول، والقول يدل على الوجوب، فينبغي أن لا يكون الفعل دالًا عليه، بل على الندب (٣).\nويجاب عن ذلك بأنه لا يلزم من كونه أضعف دلالة خروجه من دائرة الدلالة على الوجوب.\nالثاني: حديث أبي هريرة، عن رسول الله - ﷺ -، قال: \"كل أمتي يدخلون الجنّة إلا من أبى\" قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: \"من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى\" (٤). قالوا: والطاعة والعصيان إنما هي بالنسبة إلى القول دون الفعل. فدل على أن الوجوب مستفاد من القول دون الفعل (٥).\nويجاب بأنه إذا أمر بالقول باتباع فعله، فلم يتّبع، كان عصيانًا.\nسلمنا أن الطاعة اتِّباع مقتضى القول، والعصيان مخالفته، لكن ليس في الحديث تعرّض للفعل أصلًا. ولو دلّ هذا الحديث على عدم الوجوب، بالفعل\n_________\n(١) تقدم إيضاح ذلك في الفصل الثالث.\n(٢) لم نر أحدًا تتبع هذه الأحاديث بالرد على استدلال ابن حزم وأبي شامة بها إلا قليلًا. وقد رددنا عليهما بما يسره الله.\n(٣) أبو شامة: المحقق ق ١٥ ب.\n(٤) البخاري ١٣/ ٢٤٩\n(٥) أبو شامة: المحقق ق ١٥ ب.","vol":"1","page":344},{"text":"لزم مثل ذلك في الأدلة الأخرى، التي لم تذكر في هذا الحديث، كالإجماع والقياس.\nالثالث: حديث: \"ما تركت شيئًا مما أمركم الله به إلا وقد أمرتكم به، ولا تركت شيئًا مما نهاكم الله عنه إلا وقد نهيتكم عنه\" (١). قالوا: وهذا ظاهر في القول دون الفعل (٢).\nويجاب بأنه إذا دلّهم بالقول على اتّباع فعله فقد بين بالقول.\nوأيضًا: هذا منتقض بكل ما يدل على الوجوب من غير أمره، كالقياس والمفهوم والإجماع.\nوأجاب بعض الحنفية (٣) أيضًا بأن الاستحباب كذلك يستدعي التبليغ، فإن لم يكن الفعل تبليغًا للوجوب فلا يكون تبليغًا للندب.\nالرابع: حديث: \"دعوني ما تركتكم، فإنما أهلكَ من كان قبلكم كثرةُ مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم\" (٤) قالوا: فلم يوجب على أحد إلا ما استطاع، مما أُمر به، واجتناب ما نهي عنه فقط، وأسقط ما عداه. وأمرهم بتركه ما تركهم (٥).\nويجاب عن ذلك بمثل ما تقدّم في الحديث السابق.\nالخامس: قالوا: إنا قد علمنا بضرورة الحسّ والمشاهدة أنه - ﷺ -، وكلَّ حي في الأرض، لا يخلو طرفة عين من فعل، إما جلوس، أو مشي، أو وقوف، واضطجاع، أو نوم، أو اتكاء، أو غير ذلك من الأفعال. وفعله لم يظهر دائمًا، بل هو في حال خلوته لا يترك الأفعال. قالوا: وهذا يدل على عدم وجوب شيء من\n_________\n(١) قال أبو شامة: رواه الشافعي من حديث المطّلب بن حنطب.\n(٢) أبو شامة: المحقق ق ١٥ ب.\n(٣) تيسير التحرير ٣/ ١١٢٦، وأيضًا: فواتح الرحموت ٢/ ١٨٢\n(٤) رواه مسلم ١٥/ ١٠٩\n(٥) ابن حزم: الإحكام ١/ ٤٢٩","vol":"1","page":345},{"text":"أفعاله، إذا لو كان واجبًا لوجب أن يحضره أحد منهم دائمًا، لينقل إليهم ما فعله - ﷺ - من الواجبات.\nوهذا من أقوى ما يحتجّون به (١).\nوجوابه، وبالله التوفيق، من وجوه:\n١ - أن ما يفعله - ﷺ - في غيبته مما كان واجبًا، لا يمتنع أن يفعل مثله مرة أو مرات أخرى بحضرتهم، فيحصل المقصود.\n٢ - أنه - ﷺ - قد حرص على تكثير نسائه، والحكمة أن يرين أحواله في خلوته وينقلنها إلى الناس، وهذا يدل على خلاف ما ذكروا.\n٣ - أن دليلهم ينتقض بقولهم هم. إذ إنهم يقولون: فعله يدل على الاستحباب. والاستحباب شرع يجب بيانه، فكان يلزم إظهاره كالواجب.\n٤ - أن ما مثلوا به أفعال جبلّيّة، لا ترقى إلى مرتبة الوجوب، بل ولا الاستحباب. والواجبات من أفعاله - ﷺ - قليل، فيمكن إظهارها.\nالسادس: واحتج به ابن حزم (٢)، أنّ الأفعال لو كانت على الوجوب لكان ذلك تكليفًا لما لا يطاق، من وجهين:\n١ - أنه كان يلزمنا أن نضع أيدينا حيث وضع - ﷺ - يده، وأن نمشي حيث مشى، وننظر إلى ما نظر إليه. وهذا كله خروج عن المعقول.\nويجاب عن هذا الوجه، بأن هذه مباحات جبلّيّة لا دخل لها في الأحكام، فلا ترد على قول القائلين بالوجوب، والقائلين بالمساواة.\nوأيضًا لو صحّ هذا لكان واردًا على قول الندب الذي يقول به ابن حزم، فما كان جواب القائلين بالوجوب.\n_________\n(١) انظر أصول الجصاص (ق ٢٠٩ أ).\n(٢) الأحكام ١/ ٤٣٥","vol":"1","page":346},{"text":"٢ - أن أكثر هذه الأشياء -يعني الأشياء الماديّة التي تصرف فيها النبي - ﷺ - بأعيانها- قد فنيت، فكنّا من ذلك مكلّفين ما لا نطيق.\nوالجواب أن القائلين بالوجوب، إنما يقولون بوجوب إيجاد فعلٍ مماثل لفعله - ﷺ -. والمماثلة تتحقق دون ما ذكر.\nوأيضًا هذا لو صحّ لكان واردًا على قول الاستحباب.\nالسابع: واستدلوا أيضًا بحديث الأعرابيّ (١) الذي حلف أن لا يزيد شيئًا على ما أخبره النبي - ﷺ - من أركان الإسلام الخمسة. فقال النبي - ﷺ -: أفلح إن صدق. قالوا: لم يُلزمه النبي - ﷺ - أفعاله. ولم ينكر عليه الاقتصار عليها بل شهد له بالفلاح (٢).\nوجوابه ما ثبت من إيجاب أمور أخرى كالجهاد وصلة الرحم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فاحتمل أن يكون هذا الحديث متقدّمًا ويكون كل ما ثبت وجوبه غير الخمسة المذكورة متأخّرًا. ويكون دليل التأسي متأخّر الورود عن حديث الأعرابي.\nالثامن: واستدلوا أيضًا بحديث عبد الله بن مسعود (٣)، قال: صلّى رسول الله - ﷺ - فزاد (أو قال: فنقص) فلما سلم قيل له: يا رسول الله، أحدَثَ في الصلاة شيء؟ قال: \"وما ذاك؟ \" قالوا: صليتَ كذا وكذا. قال: فثنى رجله واستقبل القبلة، فسجد بهم سجدتين ثم سلم. فلما انْفتَل أقبل علينا بوجهه، فقال: \"لو حدث في الصلاة شيء أنبأتكم به، ولكن إنما أنا بشر، أنسى كما تنسون. فإذا نسيتُ فذكِّروني. وإذا شكّ أحدكم في صلاته فليتحرّ الصواب فليبنِ عليه، ثم يسجد سجدتين\" (٤). قالوا: معنى قوله - ﷺ -: \"لو حدث في الصلاة شيء أنبأتكم به\"، ما كنت أقتصر على بيان ذلك بفعلي، بل كنت أنبئكم به قولًا.\n_________\n(١) رواه البخاري ١/ ١٠٦ ومسلم ١/ ١٦٦\n(٢) أبو شامة: المحقق ق ١٧ ب.\n(٣) رواه البخاري ومسلم وأصحاب السنن الثلاثة (جامع الأصول ٦/ ٣٥٤)\n(٤) أبو شامة: المحقق ق ٢٣ أ","vol":"1","page":347},{"text":"والجواب أن مثل هذه الحادثة خالفَ فيها الفعلُ القولَ المتقدم المستقرّ المعلوم، فلا يكفي الفعل لنسخه لو كان المراد النسخ، فلو لم ينبئهم به لقُدم القول.\nوحينئذ فإذا أريد نسخه لا بد من أن يكون ذلك بقول. وخاصة على قول من يقول: الفعل لا ينسخ القول مطلقًا، أو لا ينسخه ما لم يتكرر.\nوأيضًا ما ذكره النبي - ﷺ - من أنه ينسى كما ينسون، يجعل تركه لما ترك مجملًا، لأنه يدور بين النسيان وبين التشريع، ومن أجل ذلك لا يصلح الفعل بيانًا في مثل هذا المقام، ويتعين القول.\n...\nهذه أدلتهم التي أوردوها، وقد زيّفناها وبيّنا أنها لا تدل على مطلوبهم. ولقد صرّح أبو شامة بأن \"الاقتداء بالواجب من فعله - ﷺ - لا يكون واجبًا، وأنه لا يعلم شيئًا من الأحكام الواجبة مستندُ وجوبه الفعل\". وهذه مجازفة غير مقبولة، كان ينبغي له أن يحترز من إطلاقها، لعل الذي حمله على ذلك اقتفاء خطوات ابن حزم رحمة الله عليهما. وإلاَّ فأيّ دليل قوليّ يدل على وجوب خطبة الجمعة، وركنيّة ركعتين في صلاة العيد، ووجوب السعي بين الصفا والمروة في الحج والعمرة، والبدء بالصفا، ووجوب ركوعات صلاة الكسوف، وسجود السهو، وغير ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-211>دليل بطلان قول الندب:</span>\nالتأسّي المطلوب شرعًا يقتضي المساواة في صورة الفعل، وفي حكم الفعل. وبدون ذلك لا يكون الفعل الذي نفعله تأسيًا. فمن لم يفعل ما يماثل الفعل النبويّ في الصورة فليس متأسيًّا، بل يكون مخالفًا (١). وكذلك مَن فعَل ندبًا ما فعله النبي - ﷺ - واجبًا، فذلك ليس تأسيًّا، بل هو نوع من المخالفة، أو هو أقرب إلى الابتداع.\n_________\n(١) أبو الخطاب: التمهيد ق ٩٠ أ.","vol":"1","page":348},{"text":"وهذا دليل صحيح. وهو عمدة القائلين بالمساواة في الحكم. وهو الذي نأخذ به. وله يمكن الرد أيضًا على قول القائلين بالوجوب.\nوقد اعترض على هذا الدليل بشبهٍ أربع:\nالشبهة الأولى: وقد اعترض بها أبو شامة (١). وحاصلها أن تفسير الأسوة بالمساواة في الصورة والحكم تفسير غير مقبول، إذ لا يعرفه أئمة اللغة. بل الوارد في مصنفاته تفسير الأسوة بالاقتداء، وهو لا يقتضي المساواة في الحكم. يقول أبو شامة: \"لم أر أحدًا ممن وقفت على مصنفه في اللغة ذكر في معنى الائتساء والاتّباع ما ذكروا، ولا يشترط ما شرطوا، بل يفسّرون الائتساء بالاقتداء، هكذا مطلقًا. نحو قول الراغب: الأسوة والأسوة كالقُدوة والقدوة. وهي الحالة التي يكون الإنسان عليها في اتباع غيره، إن حسنًا وإن قبيحًا، وإن سارًّا وإن ضارًّا. ولهذا قال تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ فوصفها بالحسنة\".\nثم نقل عن غير الراغب مثل ذلك، ثم قال: \"فالتأسي على هذا عبارة عن فعلٍ يوافق فعل الغير، مفعولٍ لأجل فعله، متصفٍ بصفاته الظاهرة دون الموافقة له في النية\".\nثم قال: \"إن دعواهم مقابلة بدعوى أكثر منهم من أهل الأصول، وهم القائلون بالتعيين من وجوب أو ندب، فإنهم لا يفسّرون التأسي والاتباع بما ذكروا، فليرجع إلى تفسير أهل اللغة فإنه الأسدّ\".\nوقد تلقف هذا التفسير للأسوة المحدّث الصنعاني (٢)، وأكده بالاستشهاد بقول الخنساء في مرثاة أخيها صخر:\nوما يبكون مثل أخي ولكن ... أسلِّي النفس عنه بالتأسّي\nبعد قولها:\nولولا كثرةُ الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي\n_________\n(١) المحقق ق ١٨ أ، ب.\n(٢) حاشية هداية العقول ١/ ٤٦٦","vol":"1","page":349},{"text":"واحتجوا على القائلين بالمساواة، بأنهم أجازوا التأسي فيما لا يعلم وجهه، بأن يفعل على طريق الندب، أو على طريق الإباحة. وهذا عندهم يدل على أن التأسي لا يشترط فيه معرفة حكم الفعل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-212>كشف أمر هذه الشبهة:</span>\nونحن نقول، وبالله التوفيق: إن كلًا من القائلين بالندب والقائلين\nبالوجوب، قد شط، والذي يقتضيه ما أورده أن الائتساء والاتباع الموافقة في\nالأفعال، كما فسره أهل اللغة. والموافقة المساواة من جميع الوجوه.\nفإذا علمناه - ﷺ - عمل عملًا على وجه الوجوب لا نكون وافقناه بعملنا إياه على وجه الندب، إذ إن هذه مخالفة حقيقية، فلا تتحقّق الأسوة.\nوكذلك عكسه، فإن علمناه قد فعل الفعل ندبًا فمن المخالفة له أن نفعله على وجه الوجوب ونتخذه علينا واجبًا، وكذلك لو علمناه فعل ما فعل على وجه الإباحة يكون من الخطأ اعتبار ذلك قربة والتقرب إلى الله تعالى به وجوبًا، أو ندبًا. إذ إن ذلك نوع من الابتداع.\nأما إذا لم نعلمه فعله ندبًا أو وجوبًا أو إباحة فإن صفة الفعل لا تكون عندنا أمرًا ظاهرًا، وليس لنا حينئذ إلا العمل بالظن، وهو حمل القُرُبات على الندب، والتأسي به فيها، وحمل ما عداها على الإباحة.\nوالحاصل أن الأولى أن يقال: التساوي في الحكم في الفعل المعلوم الصفة واجب، لأن ذلك ظاهر في الفعل، وتركه مخالفة. وأما مجهولها فيعمل بقول الندب في القربة، وبالإباحة فيما عداها، وهذا هو عين قول التساوي كما يأتي إن شاء الله.\nوأما ما نقلوه من قول الخنساء، فإن التسلّي عن أخيها لا يدخلها في أغراضه الوجوب أو الندب، حتى يحتّج به في هذه المسألة، أما بالنسبة إلى أفعال النبي - ﷺ - فإن التقرب على سبيل الوجوب، أو الندب، أو فعلها على سبيل الإباحة من أهمّ الأغراض فيه، فلا بدّ من اعتباره.\nشبهة ثانية: وقد اعترض بها الفخر الرازي في (المعالم)، وهو يقول فيه","vol":"1","page":350},{"text":"بالوجوب. قال: فإن قالوا: بتقدير أن يعتقد الرسول أن تلك الأفعال غير واجبة على الأمة كان اعتقاد الأمة وجوبها عليها مخالفة، وتركًا للمتابعة. قلنا: الاعتقاد أمر خفيّ متعارض، فثبت أنّا إن اعتبرنا الاعتقاد جاء التعارض، فوجب اطّراحه والاقتصار على الأفعال الظاهرة (١).\nوبمثله أجاب أبو الطيّب الطبريّ (٢).\nوهذه شبهة مطّرحة. لأن من أُمِر بالتأسي فيما لا يعلم وجهه، وقد استطاع أن يستدل عليه بالأمارات، فلم لا يفعل؟ ثم إن فعل فأخطأ فلا يصح نسبته إلى المخالفة وترك الاتّباع. بل هو مجتهد مأجور. ولا يقتضي ذلك جواز المخالفة في معلوم الحكم.\nشبهة ثالثة: وقد أثارها أبو شامة. فقد بيّن أن من فعل فعلًا من العبادات لا يدري أواجب هو أم مندوب، أن عبادته صحيحة. ثم إن كان الشرع يقتضي وجوبها، وقع فعله واجبًا وأجزأ عنه، وإلا فيقع ندبًا، وله الأجر على كلّ حال. وكذلك لو نوى العبادة المعيّنة مطلقًا، أعني دون أن ينوي أنها فرض أو نفل، فعبادته صحيحة.\nثم استدل لذلك.\nثم احتّج بهذا على أن التأسي لا يشترط فيه معرفة حكم القربة التي علم أن النبي - ﷺ - تقرّب بها، بل يكفي عنده معرفة أنها قربة، وتميّزها مما ليس بقربة. ورأى أن ذلك يقتضي أنه لا يشترط في التأسي المساواة في حكم الفعل (٣).\nوفي سبيل الرد على ذلك نحب أن نبيّن، أن قول المساواة، وهو الذي نختاره، يوافق قول الندب فيما عُلِم أن النبي - ﷺ - فعله ندبًا، وفيما جهل حكمه مما ظهر فيه قصد القربة.\n_________\n(١) أبو شامة: المحقق ق ١٨ ب.\n(٢) أبو شامة: المحقق ١٨ ب.\n(٣) المحقق ق ٢٠ - ٢٣","vol":"1","page":351},{"text":"ويبقى الخلاف في نوعين: الأول ما علم أنه - ﷺ - فعله على سبيل الوجوب، والثاني: ما علم أنه فعله على سبيل الإباحة، والمحمول عليه.\nفأما في الثاني فبطلان دعوى أبي شامة واضح، لأن ما جاز على سبيل العادة والإباحة لا يجوز فعله على سبيل العبادة، فالله تعالى لا يُعْبَد إلا بما شرع. والمباحات لا يتعبّد بها، وذلك أصلٌ مقرّر في الشريعة.\nوأما في الأول. وهو معلوم صفة الوجوب، فإن من التحدّي والمباينة لرسول الله - ﷺ - أن يفعل الشيء واجبًا، ونحن نعلم ذلك، ثم لا نتابعه فيه، فهذا خلاف التأسّي. نعم: من جهل حكم القربة فأطلق النّيّة فلا بأس بذلك في بعض صور العبادات، وكذا مَنْ علمه فيطلق النية (١). أما أن يعلم صفة النية من رسول الله - ﷺ - ثم يتعمّد أن ينوي خلافها، فإنه مشاق ومعاند، بل ومبتدع متباعد. والله الهادي إلى أقوم طريق.\nشبهة رابعة: قالوا التساوي في حكم الفعل قد ثبت عدم اعتباره في صور من التأسّي والاقتداء معترف بها، فيدل ذلك على أن التأسّي لا يشترط لحصوله ما ذكرتم من الساواة في الحكم.\nفمن الصور المشار إليها اقتداء المصلي المتنفل بالمفترض، والاتفاق حاصل على صحته، واقتداء المفترض بالمتنفل، وهو جائز عند الشافعي وغيره (٢). وكمن خرج لجهاد فتبعه آخر يريد التجارة يسمى متبعًا له في سفره، وإن خالفه في قصده (٣).\nونحن نقول: حقيقة التأسّي والمتابعة الساواة من جميع الوجوه، فإذا دل الدليل على سقوط شيء، بقي ما عداه على الأصل (٤). ومن هنا تَطَلَّبَ الفقهاء الأدلة على جواز اقتداء المفترض بالمتنفل وعكسه. وليس حكم الفعل مما قام الدليل على سقوطه. فيجب التزام المساواة فيه.\n_________\n(١) انظر: السيوطي: الأشباه والنظائر ص ١٨\n(٢) ابن قدامة: المغني ٢/ ٢٢٥، ٢٢٦\n(٣) أبو يعلى: العدة ق ١٠٤ أ.\n(٤) الأنصاري: فواتح الرحموت ٢/ ١٨١","vol":"1","page":352},{"text":"وقال أبو الخطاب الحنبلي (١): إن المتنفل خلف المفترض إن قلنا يكون تابعًا، فلأن الصلاة تجمع قربة وإسقاط فرض والمتنفل متقرب، فهو تابع في القربة دون إسقاط الفرض.\nوعندي أن هذا الرد لا يكفي، بل هو تصحيح لجواب أصحاب الندب.\nوأجاب شارح مسلم الثبوت، على طريقة الحنفية بأن المتنفل إذا أحرم بالصلاة أصبحتْ عليه واجبة، فيستوي الإمام والمأموم في نية الوجوب. وهذا الجواب لا يجري على غير طريق الحنفية.\nوأما استشهادهم بأن من خرج لجهاد فتبعه من يريد الحجّ يسمى متبعًا، فالجواب أنه متبع له في أصل السفر، وليس هو متبعًا له في جهاده. وكذلك اتباعنا للنبي - ﷺ - يجب أن يكون اتباعًا في مقاصده الشريفة، من التقرّب إلى الله تعالى بما كان يتقرب به، من الواجبات والنوافل.\n...\nوإذ فرغنا من ذكر ما استدل به القائلون بالندب، والرد عليهم بما فتح الله به، نذكر هنا أن قول الندب إن استساغه أحد في ما وجب على النبي - ﷺ -، فلا ينبغي أن يستساغ في ما فعله - ﷺ - على وجه الإباحة، والفرق أن الواجب قد فُعِل على وجه القربة، فللندب في مثله منا وجه. أما ما فعله - ﷺ - على وجه الإباحة، فإن في فعله على وجه التعبد نوعًا من الابتداع في الدين، والتقرب إلى الله تعالى بما لم يشرعه.\nوقد تقدم القول في ذلك في مبحث الفعل الجبلي.\n_________\n(١) التمهيد: ق ٩٠ ب.","vol":"1","page":353},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-213>المطلب السادس قول الوجوب</span>\nمراد القائلين بالوجوب إن ما ثبت لدينا من الأفعال النبوية المجردة يجب علينا أن نفعل مثله في الصورة، سواء علمنا أن النبي - ﷺ - فعله وجوبًا أو ندبًا أو إباحة، أو جهلنا حكمه بالنسبة إليه - ﷺ -. وبعض القائلين به خصه بالمجهول الصفة من الأفعال (١).\nوهذا القول يوافق قول الندب في اعتبار الموافقة في صورة الفعل دون حكمه. ويخالف في الحكم المستفاد في حقنا.\nوقد استُدلّ لهذا القول بأدلة عقليّة وقرآنية وسنّيّة وإجماعية.\nالدليل الأول: أن الفعل النبوي يحتمل أن يكون حكم مثله في حقنا الوجوب أو الندب أو الإباحة. والاحتياط أعلى المراتب، فوجب الأخذ به احتياطًا لئلا نترك ما وجب علينا، كصيام الثلاثين من رمضان إذا لم يُرَ الهلال، يحتمل أن يكون من شوّال، ومع ذلك نصومه احيتاطًا لئلا يكون من رمضان.\nوأجيب عن ذلك (٢) بأن الاحتياط يمكن أن يقال به إذا خلا عن احتمال الضرر. وما نحن فيه يحتمل أن يكون الفعل حرامًا على الأمة فيكون ضررًا.\nقال الآمدي: وهذا الجواب غير صحيح، فإنه لو غمّ الهلال ليلة الثلاثين\n_________\n(١) أبو الحسين البصري: المعتمد ١/ ٣٨٢\n(٢) نقل الشوكاني هذا الجواب وأقره (إرشاد الفحول ص ٣٦)","vol":"1","page":354},{"text":"من رمضان، يجب صومه احتياطًا للواجب، وإن احتمل أن يكون حرامًا بكونه يوم العيد (١). وقال مثل ذلك صاحب تيسير التحرير (٢).\nوالجواب الصحيح أن يقال: إن الاحتياط الواجب هو في وجوب أداء ما ثبت وجوبه وشكَّ في أدائه، كمن نسي صلاة من الخمس، ولم يعلم عينها، يجب عليه أن يصلي الخمس احتياطًا. وفي ما كان ثبوته هو الأصل، كصوم الثلاثين من رمضان، إذ الأصل إنه من رمضان وإن احتمل أن يكون من شوال.\nأما ما لم يثبت وجوبه والأصل عدم وجوبه، فلا يصح إيجابه احتياطًا كصوم الثلاثين من شعبان (٣).\nالدليل الثاني: قالوا: النبي - ﷺ - لا يفعل إلا حقًا وصوابًا، فاتباعه حق وصواب. وترك الحق والصواب باطل وخطأ.\nوالجواب أن ما يفعله عُلِمَ انقسامه إلى واجب ومندوب ومباح. فما فعله على سبيل الندب فالحقّ إيقاعه على سبيل الندب، وذلك هو الحق والصواب وكذلك يقال في المباح.\nالدليل الثالث: قالوا: إن الفعل آكد في البيان من القول، فإذا أفاد الأمر الوجوب، فالفعل أولى.\nويجاب عن ذلك بأنه يجوز أن يكون الفعل في بعض الأحوال أقوى بيانًا، ولكن موضع ذلك هيئات التفاصيل، فأما قوة الطلب وتحتّمه فليس الفعل موضوعًا لذلك، بخلاف القول، فإن القول الآمر موضوع للإيجاب، فبطل كون الفعل أولى (٤).\nالدليل الرابع: وهو شبيه بما تقدم، قالوا: إن النبي - ﷺ - أمر الصحابة عام\n_________\n(١) الآمدي: الإحكام ١/ ٢٦٣\n(٢) ٣/ ١٢٦\n(٣) ابن الحاجب والعضد: منتهى السول وشرحه (٢/ ٢٤)\n(٤) أبو الحسين البصري: المعتمد ١/ ٣٧٨. أبو الخطاب: التمهيد ٩١ أ.","vol":"1","page":355},{"text":"الحديبية بالفسخ فلم يفسخوا، حتى غضب وقال لأم سلمة: أما شعرت أنني أمرتهم بأمر فإذا هم يتردّدون. فأشارت عليه بأن يخرج فينحر ويحلق ولا يكلمهم. فخرج فنحر وحلق. فلما رأوه فعل ذلك نحروا وحلقوا حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا من الغم.\nقالوا: فلولا أن الصحابة علموا أن فعله أشدّ استيجابًا لمثله منهم، لما ترددوا في طاعة الأمر، ثم انصاعوا لدلالة الفعل.\nوالذي نقوله في الجواب: إنهم استجابوا لاجتماع الفعل مع القول، إذ مجموعها أقوى من القول وحده كما لا يخفى.\nوجواب آخر أجاب به الآمدي (١): إن ترددهم كان رجاء أن ينزل أمر ينسخ الأمر بالإحلال، فلما حلق هو - ﷺ - يئسوا من ذلك فحلقوا.\nوأجاب بجواب آخر: أن فعله وقع بيانًا لقوله - ﷺ -: \"خذوا عني مناسككم\" فوجب من حيث هو بيان.\nوهذا الجواب غير مرضي، لأنه إذا اجتمع القول والفعل في البيان وتقدم القول فهو البيان اتفاقًا، كما تقدم. فالبيان هنا هو القول اتفاقًا، والفعل مؤكِّد للبيان وهذا يصحح ما أجبنا به.\nهذا إنْ سلّمنا إن هنا ما يحتاج إلى البيان، ولكن الصواب عدم التسليم بذلك، لعدم وجوده أصلًا، لأن آية الإحصار بينة وهي قوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾. وقوله - ﷺ -: \"خذوا عني مناسككم\" كان في حجة الوداع بعد الحديبية بأعوام.\nالدليل الخامس: قوله تعالى: ﴿فاتبعوه﴾ فالاتباع له - ﷺ - واجب بدلالة هذه الآية، والاتباع الامتثال للقول، والإتيان بمثل الفعل.\n_________\n(١) الإحكام ١/ ٢٦١","vol":"1","page":356},{"text":"وقد أجاب ابن حزم بأن الاتّباع هو طاعة الأمر. وهو جواب غير مرضي. فإن بين الطاعة والاتباع فرقًا لا يخفى.\nوالجواب الصحيح أن يقال: مماثلة الفعل تقتضي المماثلة من جميع الوجوه، فهي الواجبة. وليس من المماثلة والاتباع أن نفعل واجبًا ما فعله ندبًا أو إباحة.\nوبهذا أجاب عبد الجبار والآمدي (١).\nولم يرتض ابن الهمام هذا الجواب بالنسبة إلى الفعل المجهول الصفة، ورأى أن الصواب في الإجابة أن يقال: الأمر بالاتباع غير محمول على عمومه، إذ لا يجب قيام وقعود وسائر الأفعال الجبليّة. وليس ثم مخصص معيّن، فتعين حمله على أخصّ الخصوص من معلوم صفة الوجوب، ففيه خاصة يجب الاتباع (٢).\nوعندي أن قوله: (وليس ثم مخصص معين) مردود، لما تقدم في فصل الأفعال الجبلية. ولذا فجواب الآمدي أولى.\nالدليل السادس: قوله تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر﴾ قالوا: في هذه الآية تحذير من المخالفة، لأن معناها: من كان يرجو الله واليوم الآخر فله في رسول الله أسوة حسنة. ومفهومها. أن من لم يتأسّ به - ﷺ - فليس ممن يرجو الله واليوم الآخر.\nوهذا دال على الوجوب، فلا بد لنا من فعل مثل ما فعل، ولا يهمنّا على أيّ وجه فعل.\nوالجواب بتسليم دلالة الآية على وجوب التأسّي، ومنع أن يكون معنى التأسّي الموافقة في الصورة دون الحكم، بل التأسّي هو الموافقة في الصورة مع الاتفاق أيضًا في الحكم.\nالدليل السابع: قوله تعالى: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم\n_________\n(١) الآمدي: الإحكام ١/ ٢٥٧ عبد الجبار: المغني ١٧/ ٢٦٠\n(٢) تيسير التحرير ٣/ ١٢٣","vol":"1","page":357},{"text":"فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ (١) قالوا: والفعل من الأمر، بدلالة قوله تعالى: ﴿وما أمر فرعون برشيد﴾ أي أحواله وشأنه وأفعاله. ﴿إليه يرجع الأمر كله﴾ ﴿وإذا كانوا معه على أمر جامع﴾ قالوا: فلما كان فعله من أمره لم تجز مخالفته.\nوأجيب عنه بأن الأمر في الآية المستدل بها هو الأمر بالقول، بدليل قوله تعالى في أول الآية: ﴿لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضًا﴾ فما عبّر عنه أولًا بالدعاء، عبّر عنه أخرًا بالأمر.\nو(الأمر) في اللغة يأتي لمعنيين، الأول: القول الطالب، والثاني: الحال والشأن، ومنه الأفعال. والعرب قد فرّقوا بينهما. فقالوا في جمع الكلمة بالمعنى الأول (أوامر)، وفي جمعها بالمعنى الثاني (أمور). فالأمور غير الأوامر. والأمر واحد الأمور، غير الأمر واحد الأوامر. فـ (الأمر) مشترك (٢). والقرينة تبيّن أن المراد به في الآية القول دون الفعل.\nوأجاب القاضي عبد الجبار بأنه على تقدير أن الفعل داخل في مسمى الأمر، أو أن الأمر في الآية بمعنى الفعل، فالنهي عن مخالفته يقتضي الموافقة، ولا يكون أحدنا موافقًا إلا إذا فعل على الوجه الذي فعله عليه - ﷺ - (٣) وهو جواب سديد.\nالدليل الثامن: قوله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه﴾ وفعله هو مما آتاناه، فكان الأخذ به واجبًا.\nوالجواب عندنا أن هذه الآية من سورة الحشر، نزلت في شأن مال الفيء، أمَرَهم الله تعالى أن يقبلوا ما أعطاهم رسول الله منه (٤). وأن يكفوا عما نهاهم عن\n_________\n(١) سورة النور: آية ٦٣\n(٢) نقل صاحب البحر المحيط (١/ ٢٩١ ب) في (الأمر) خمسة مذاهب: ١ - أنه حقيقة في القول والفعل ٢ - حقيقة في القول مجاز في الفعل- الحنفية ٣ - مشترك بينهما- الشريف المرتضى ٤ - حقيقة في القول والشأن والطريق دون آحاد الأفعال ٥ - لا يتضمن الفعل أمرًا- الشيرازي.\n(٣) المغني ١٧/ ٢٦٢، ٢٦٣\n(٤) هذا تفسير الحسن والسدي للآية كما في تفسير القرطبي ١٨/ ١٧","vol":"1","page":358},{"text":"أخذه. فالإيتاء بمعنى الإعطاء، والأمر بأخذ المال أمر إباحة، وليس أمرَ إيجاب قطعًا. فلا صلة للآية بقضية التأسّي بالأفعال النبوية.\nوالتفسير الآخر للآية هو ما قاله ابن جريج من أن معناها: ما آتاكم الرسول من طاعتي فاقبلوه، وما نهاكم عنه من معصيتي فاجتنبوه.\nفعلى هذا التفسير، يجاب عن استدلالهم، بأن الإيتاء هنا بمعنى الأمر (١)، بدليل مقابلته بما بعده (٢) ﴿وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ وبدليل أن القول يتعدى إلينا، فيكون بمعنى العطية (٣). ومثله قوله تعالى ﴿خذوا ما آتيناكم بقوة﴾ أي افعلوا ما أمرتم به.\nولو سلمنا أن المؤتى يصدق على الأفعال، فذلك لا يدل على وجوب جميع أفعاله - ﷺ -، بل على اتِّباعها على ما هي عليه من الأحكام.\nالدليل التاسع: الإجماع، فقد رُوي عن الصحابة، \"أنهم لما اختلفوا في الغسل من الوطء دون إنزال، أرسل عمر إلى عائشة ﵂ فسألها عن ذلك، فقالت: فعلتُه أنا ورسول الله - ﷺ - واغتسلنا. فأخذ عمر بذلك. وقال: لا أسمع أحدًا قال بعد هذا: الماء من الماء، إلاّ جعلته نكالًا\" (٤). وأجمعت الأمة على ذلك بعده.\nفكان اكتفاؤهم في إيجاب ذلك بمجرد الفعل، دليلًا على أنهم مجمعون على أن الفعل دليل الوجوب.\nوقد أجيب عن ذلك بأجوبة:\n١ - إن ذلك فعل بياني وليس فعلًا مجردًا (٥)، والفعل إذا كان بيانًا لواجب\n_________\n(١) الشوكاني: إرشاد الفحول ص ٣٦\n(٢) أبو الحسين البصري المعتمد ١/ ٣٨١\n(٣) القاضي عبد الجبار: المغني ١٧/ ٢٦٤\n(٤) الطحاوي في مشكل الآثار بسند فيه ابن لهيعة (وهو ضعيف) وأصل الحديث عند مسلم (الزركشي: الإجابة ص ٧٨) قلت: هو عند الشافعي وأحمد بسياق آخر (انظر كنز العمال ٩/ ٣٢٥).\n(٥) العضد على مختصر ابن الحاجب ٢/ ٢٤، الصنعاني: هداية العقول ١/ ٤٦٧","vol":"1","page":359},{"text":"فهو يدل على الوجوب. ووجه كونه بيانًا أن الله تعالى قال: ﴿وإن كنتم جنبًا فاطهروا﴾ والجنابة، وإن كانت معلومة المعنى لغة إلا أن معرفة المقدار الموجب للغسل من العلاقة الجنسية أمر مبهم، فبُيِّن بالفعل.\nوعندي في هذا الجواب نظر، لأنه إذا كان قد سبق قوله - ﷺ -: \"إنما الماء من الماء\" فقد حصل البيان به، والفعل الزائد مستحب أو خاص حسب ما تقضى به القواعد الأصولية. فلعله - ﷺ - يكون قد اغتسل استحبابًا أو زيادة في التنظف.\n٢ - وأجيب أيضًا: بأنهم أوجبوه لكونه شرطًا في صحة الصلاة، فيكون مأمورًا به، لدخوله تحت الأمر في قوله - ﷺ -: \"صلوا كما رأيتموني أصلي\" (١). وليس هذا الجواب بمرضي أيضًا. وقد تقدم القول في دلالة حديث \"صلوا كما رأيتموني أصلي\".\n٣ - وأجيب أيضًا أن عائشة لما قالت ذلك في معرض الاحتجاج على ما يوجب الغسل، وفصله مما لا يوجبه، قصدت بالإخبار به الأخبارَ عن أن النبي - ﷺ - كان يراه واجبًا، فوجب تبعًا لذلك. فليس ذلك فعلًا بيانيًا، وإنما هو فعل مجرد قام دليل وجوبه في حقه - ﷺ -، فيجب في حقنا، على قول المساواة الآتي.\n٤ - وأيضًا: لعلها أخبرتهم بما كانت ترويه من قوله - ﷺ - (٢): \"إذا جلس بين شعبها الأربع، ومسّ الختان الختان، فقد وجب الغسل\". فإن أبا موسى الأشعري، لمّا اختلف المهاجرون والأنصار في ذلك، سألها، فروت له قول النبي - ﷺ -: \"إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل\". هذه رواية مسلم. وفي الموطأ (٣)، قالت: \"إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل\".\nفهذا ما ينبغي أن يعتمد في الجواب عن هذه الشبهة (٤).\n_________\n(١) العضد على ابن الحاجب ٢/ ٢٤\n(٢) رواه مسلم ومالك والترمذي.\n(٣) جامع الأصول ٨/ ١٦٠\n(٤) على أن دعوى الإجماع في هذا مردودة.","vol":"1","page":360},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-214>إبطال قول الوجوب</span>\nقول الوجوب في الفعل المجرد، سواء أكان مجهول الصفة أو معلومها، قول مردود، لا يثبت له أساس. ويغلب على ظني أنه لو أمكن التنقيب لتبين أن من نسب إليهم القول به من الأئمة، براء منه. وخاصة في ما لم يظهر فيه قصد القربة. وقد قال الجويني: \"نسبوه -يعني القول بالوجوب- إلى ابن سريج، وهو زلل في النقل عنه. وهو أجلّ قدرًا من ذلك\" (١).\nويكفي في بطلانه عدم الدليل على صحته.\nويمكن إبطاله أيضًا بالأدلّة التالية:\nالأول: أنه يلزمنا على هذا القول تناقض، لأن من المعلوم أن النبي - ﷺ - كان يفعل الشيء من المندوب والمباح في وقت، ثم لا يفعله، أو يفعل ضده، في وقت آخر، فمقتضى قول الوجوب أنه يجب علينا فعل الشيء وضده، أو فعله وتركه. وذلك إما أن يكون في وقت واحد، أو في وقتين مختلفين، فإن كان في وقتين مختلفين فذلك نفي للوجوب، لأن الواجب لا يجوز تركه. وإن كان في وقت واحد لزم التناقض، وهو محال (٢).\nالثاني: أنه يقتضي أن الفعل يجب علينا إن فعله النبي - ﷺ - مباحًا أو مندوبًا. وهذا ضد التأسّي والاتباع المأمور بهما في القرآن (٣).\nوقد حاول المنتصرون لهذا القول أن يردّوا هذا الدليل بمثل ما ردّه به أهل مذهب الندب، ولكن لا يتم لهم ذلك. وقد تقدّم بيانه.\nالثالث: حديث عائشة ﵂: قالت: \"إنْ كان رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) الزركشي: البحر المحيط ٢/ ٢٥٠ أ.\n(٢) أشار إلى هذا الاستدلال أبو الحسين البصري في المعتمد (١/ ٣٨١) والعضد في شرحه لمختصر ابن الحاجب (٢/ ٨٤)\n(٣) أبو الخطاب الحنبلي: التمهيد ق ٩٠ أ.","vol":"1","page":361},{"text":"ليدعُ العمل وهو يحبّ أن يعمل به، خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم\".\nففي هذا الحديث دليل على أن الفرض لم يكن بنفس فعله، بل بفرض من الله تعالى إذا اقتدوا به فيه (١).\nولا يرد هذا الدليل على قول المساواة، لأنه لا يجب علينا مثل فعله -على قول المساواة- إلا في حالة واحدة، وهي أن يعلم أنه - ﷺ - فعل الفعل على وجه الوجوب خاصة. وليس العمل الذي كان يتركه - ﷺ - مفروضًا عليه، لأن الواجب لا يترك. فالحديث وارد في المندوبات قطعًا.\nوشبيه بذلك ما قال الجصاص في رد دعوى الوجوب، فقد احتجّ بأن النبي - ﷺ - صلى بهم ليلتين في رمضان ثم لم يخرج إليهم، فلما أصبح قال: \"خشيت أن تكتب عليكم\" يقول الجصاص: قد صلى النبي بهم ليلتين، وأخبر مع ذلك أنها لم تجب بفعله، فلو كان فعله - ﷺ - يقتضي الوجوب لكان وجب بأول ليلة (٢) اهـ.\nالرابع: ألزم ابن حزم القائلين بالوجوب (٣) أن يقولوا بوجوب صوم الأيام التي كان - ﷺ - يصومها، ووجوب صلاة ما كان يصلي، ووجوب المشي حيث مشى - ﷺ -. ومثل هذا لا يقول به من الفقهاء أحد.\n_________\n(١) أبو شامة: المحقق ٣ أ، ابن حزم: الإحكام ١/ ٤٣٠\n(٢) أصول الجصاص ق ٢٠٨ أ.\n(٣) الإحكام ١/ ١٤٠","vol":"1","page":362},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-215>المطلب السابع قول المساواة</span>\nومعناه أن ما فعله النبي - ﷺ - واجبًا فإنه يدل على وجوب مثله علينا، وما فعله ندبًا فمثله مندوب منا، وما فعله على سبيل الإباحة فهو لنا مباح. وسواء كان فِعْله عبادة أو غير عبادة.\nوقد يعبّر بعض الأصوليين، كما ذكر الأسنوي (١). عن هذا القول بعنوان: (وجوب التأسّي). ولكنه عنوان يجعل هذا القول يلتبس بقول الوجوب الذي سبق ذكره. وأمّا عنوان (المساواة) الذي اخترناه، فهو عنوان معبِّر لا يحصل به التباس.\nثم إن كان حكم الفعل بالنسبة إليه - ﷺ - معلومًا فالمساواة فيه واضحة، وإن لم يكن معلومًا فإن المساواة فيه هي بحسب ما يترجح لدى المجتهد. فمن رجّح الوجوب في حقه - ﷺ -، فبمقتضى قول المساواة يكون الحكم في حقنا الوجوب، ومن رجح الندب فالندب، ومن رجح الإباحة فالإباحة.\nونحن قد رجّحنا قول من حمل فعله المجهول الصفة على الندب في حقه - ﷺ - إن ظهر قصد القربة، وعلى الإباحة إن لم يظهر. فعلى قول المساواة يكون الحكم في حقنا كذلك.\nويستدل لهذا القول بالأدلة التي سقناها في الفصل الذي دللنا فيه على حجية الأفعال النبوية من حيث الجملة، حيث سقنا الآيات والأحاديث الدالة على ذلك. وذكرنا أن الإجماع يدل عليه أيضًا، فبذلك يثبت أصل التأسّي.\n_________\n(١) نهاية السول ٢/ ٥٥","vol":"1","page":363},{"text":"ونضيف هنا أمرين لا بد منهما لاثبات قول المساواة:\nالأول: إن الاتباع والتأسي في الأفعال واجب (١).\nوالثاني: إن الاتباع والتأسي يقتضي المساواة في صورة الفعل وفي حكمه أيضًا.\nفإذا ثبت الأمران ثبت أنه يجب أن تكون أحكام أفعالنا مساوية لأحكام أفعاله - ﷺ -.\nأما الأول: فإثباته بأدلة، منها:\n١ - قوله تعالى: ﴿واتّبِعوه﴾ أمر، والأمر يفيد الوجوب.\nوالقائلون بالندب ادّعوا أن هذا الأمر (اتبعوه) لا يفيد إلا الندب، كما زعم ذلك أبو شامة (٢)، قال: الصواب حمله على الندب لا على الوجوب، لأنا لو حملناه على الوجوب لخصصناه بأشياء كثيرة ندبيّة لا تجب علينا وقد فعلها. ولو حملناه على الندب لم يلزمنا مثل ذلك.\nوالجواب على طريقته: إنا لو حملناه على الندب لخصصناه أيضًا بأشياء كثيرة واجبة تستفاد من فعله - ﷺ -.\nفالصواب حمل هذا الأمر (اتّبعوه) على ظاهره من وجوب المتابعة، الذي يقتضي المساواة في الأحكام. فلا يخصص بشيء، لأن ما فعله وجوبًا نفعله وجوبًا ونعتقد وجوبه، وما فعله ندبًا نعتقده ندبًا في حقنا، وما فعله إباحة نعتقده في حقنا كذلك.\n_________\n(١) قد يشكل القول بوجوب التأسّي في الفعل المندوب أو المباح، فكيف يكون التأسّي واجبًا ولا يكون المتأسى فيه واجبًا. وقد وضح الأنصاري شارح مسلم الثبوت مقصود القائلين بذلك حيث يقول: \"التأسّي واجب يعني أن مراعاة الصفة واجبة. وهذا كما يقال: العمل على طبق خبر الواحد واجب، مع أن بعض الأخبار يفيد الندب أو الإباحة، يعني أن مراعاة حكم الخبر واجب، فكذا التأسّي بمراعاة الصفة واجب (فواتح الرحموت ٢/ ١٨٠)\n(٢) المحقق ق ٢٥ ب.","vol":"1","page":364},{"text":"٢ - ومنها آية التأسّي، وقد تقدم إيضاح وجه دلالتها على الوجوب.\nوالقائلون بالندب نَفَوْا دلالتها على الوجوب، لقوله تعالى: ﴿لقد كان لكم﴾ ولم يقل ﴿عليكم﴾ (١).\nوالجواب أن قوله تعالى: ﴿لمن كان يرجو الله واليوم الآخر﴾ بدل من (لكم) فيؤول المعنى إلى أنّ: من كان مؤمنًا فله برسول الله أسوة حسنة. وفي مفهومه تهديد ووعيد لمن ترك ذلك، والتهديد يدل على الوجوب.\nوأجاب السمعاني (٢) أن الذي لنا هو الأجر، فالأسوة لنا من هذا الوجه لا من غيره. وهو جواب سديد، ويؤيده ما في حديث الإسراء: \"فأعطاني خمس صلوات\". فهي فرائض، وهي عطاء، أي ما في فعلها من الأجر. وأجاب أبو الحسن البصري (٣) بأن قولك: \"لنا أن نفعل\" معناه: لا حظر علينا في فعله، والواجب ليس بمحظور فعله.\nوأجاب القاضي أبو يعلى: بأن (لهم) بمعنى (عليهم). كقوله تعالى: ﴿لهم اللعنة﴾ وليس هذا الجواب مرضيًا، إذ هو خلاف. الظاهر.\n٣ - ومنها ما تقدم من قوله - ﷺ -: \"من رغب عن سنتي فليس مني\". في سياق مساواته - ﷺ - في أحكام أفعاله.\nوأما الثاني: وهو اقتضاء التأسيّ والاتباع المساواة في أحكام الأفعال: فإن مفهوم المتابعة والتأسي الموافقة والمساواة، وذلك كما هو معتبر في صورة الفعل، يعتبر أيضًا في حكمه.\nوقد أنكر القائلون بالندب، والقائلون بالوجوب، اقتضاء التأسّي والمتابعة المساواة في الحكم. وسبق جوابه. فيثبت المطلوب.\n_________\n(١) المحقق ق ٢٧ أ.\n(٢) القواطع ق ٦ - ب.\n(٣) المعتمد ١/ ٣٨٠","vol":"1","page":365},{"text":"من أجل ذلك فقول المساواة هو الذي نختاره. وبه قال الشوكاني (١). وقبله قال به أبو الحسين البصري، والآمدي، والسبكي في جمع الجوامع، وغيرهم.\nويتأيّد هذا الذي اخترناه بأن الأمر إذا وجّه إلى النبي - ﷺ - من ربه ﷿، فإن الأمة تدخل تبعًا فيما كان صالحًا لهم، ما لم ينص على اختصاصه به. وكذلك النهي. بل ربما نزلت الآية بسبب صحابي معين ولكن يوجه الخطاب فيها إلى النبي - ﷺ -، كقوله تعالى: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار وزُلفًا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين﴾. نزلت في أبي اليسَر بن عمرو الأنصاري (٢). روى الترمذي أن رجلًا جاء إلى النبيّ - ﷺ -، فقال: إني عالجت امرأة في أقصى المدينة، وإني أصبت منها ما دون أن أمسّها وأنا هذا، فاقض فيَّ ما شئت. فذكَرَ نزول الآية. فالخطاب فيها بحسب الظاهر موجّه إلى النبي - ﷺ -، وهي نازلة في شأن غيره. وما ذاك إلا لهذا الأصل، وهو الاشتراك في الأحكام.\nوليست هذه القاعدة متفقًا عليها.\nبل الواقفية يخالفون فيه أيضًا، ويقولون: إن الخطاب الموجه إلى النبي - ﷺ - بضمير المفرد، لا يدخل فيه غيره، لأن لفظ الأمر وقع خاصًا، ليس يتناول غيره، فلا يجوز إثباته. يقول الغزالي: \"قوله تعالى لنبيّه: ﴿يا أيها النبي اتق الله﴾ وقوله: ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ مختصّ به بحكم اللفظ، وإنما يشاركه فيه غيره بدليل، لا بموجب هذا اللفظ، كقوله ﴿يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك﴾ وقوله: ﴿فاصدع بما تؤمر﴾ قال: \"وقال قوم: ما ثبت في حقه فهو ثابت في حق غيره، إلا ما دل الدليل على أنه خاص به. وهذا فاسد. لأن الأصل اتباع موجَب الخطاب، وما ثبت للنبي - ﷺ - كقوله تعالى: ﴿يا أيها النبي﴾ فيختصّ به، إلا ما دل دليل على الإلحاق. وكذا قول النبي - ﷺ - لابن عمر: \"راجعها\" إنما يشمل غيره بدليل آخر، مثل قوله: \"حكمي على الواحد حكمي على الجماعة\" (٣) أو ما جرى مجراه. اهـ.\n_________\n(١) إرشاد الفحول ص ٣٦\n(٢) تفسير القرطبي ٩/ ١١١\n(٣) حديث \"حكمي على الواحد حكمي على الجماعة\" يكثر الأصوليون من ذكره والاحتجاج =","vol":"1","page":366},{"text":"أقول: ومما جرى مجراه قوله - ﷺ -: \"إنما قولي لمئة امرأة كقولي لامرأة واحدة\" (١).\nوهذا الكلام من الغزالي حق، ونحن نقول بمقتضاه، ولكن نقول إن الأدلّة قامت على التساوي في الأحكام، بصفتها العامة، وأيضًا في حق أحكام الأفعال خاصّة، وهي ما تقدم في حجية الأفعال النبوية.\nوأيضًا استعمال أهل اللغة يساعد على ذلك، فإن الرئيس الأعلى إذا قال لقائد الجيش: انزل في محل كذا، وسرْ في وقت كذا، واستعمل من السلاح كذا وكذا، ونحو ذلك، فليس ذلك خاصًا به، بل له ولمن معه. ولو أراد أن يأمره في خاصة نفسه بشيء فإنه ينصّ على الاختصاص (٢).\nفالنبي - ﷺ - صاحب شرع، ومنه يؤخذ الشرع، إذا أمره الله بالأمر من الشرع فهو له وللأمة التي هي تَبَع له.\nوفي الحديث عن النبي - ﷺ -: \"ما أمرني الله بشيء إلا وقد أمرتكم به، ولا نهاني عن شيء إلا وقد نهيتكم عنه\".\nوفي الحديث أيضًا: \"قد كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فقد أذنَ لمحمد في زيارة قبر أمه، فزوروها، فإنها تذكركم الآخرة\" (٣). فإنه - ﷺ - لما جاءه الإذن بزيارة قبر أمه، بنى على ذلك جواز زيارة سائر المسلمين للقبور.\nومما يدل على المساواة أيضًا قول الله تعالى: ﴿يا أيها النبي إنّا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك ... إلى قوله:\n_________\n= به. قال السخاوي \"ليس له أصل، قاله العراقي. وسئل عنه المزي والذهبي فأنكراه\" (المقاصد الحسنة ص ١٩٢)\n(١) رواه الترمذي وهو من الأحاديث التي ألزم الدارقطني الشيخين بإخراجها لثبوتها على شرطهما (المقاصد الحسنة ص ١٩٣)\n(٢) نقل الآمدي هذا الاستدلال عن قوم، ووجهه، ثم رد عليه. وانظر كتابه: الإحكام ٢/ ٣٨٠ - ٣٨٢\n(٣) رواه الترمذي (الفتح الكبير).","vol":"1","page":367},{"text":"وامرأةً مؤمنةً إن وهبت نفسها للنبيّ إن أراد النبي أن يستنكحها خالصةً لك من دون المؤمنين﴾ (١).\nقال ابن تيمية (٢): \"إنها تدل على هذا الأصل من وجهين:\nأحدهما: أنه قال ﴿خالصةً لك﴾ ليبيّن اختصاصه بذلك، فعلم أنه حيث سكت عن الاختصاص كان الاشتراك ثابتًا، وإلا فلا معنى لتخصيص هذا الموضع ببيان الاختصاص.\nوالثاني: أن ما أحلّه له من الأزواج والمملوكات أطْلق، وفي الواهبة قيّدها بالخلوص له، فعلم أنه حيث سَكَت عن التقييد فذلك دليل الاشتراك\".\nويتأيّد أيضًا بما بيّنه الشاطبي (٣) من أن الأدلة الجزئية في الشريعة يمكن أخذها كلية إلا ما خصّه الدليل.\nواستدل على ذلك بأدلة.\nمنها: أن الأصل عموم التشريع، كقوله تعالى: ﴿قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعًا﴾ (٤) وقوله: ﴿وما أرسلناك إلا كافةً للناس﴾ (٥) وقول النبي - ﷺ -: \"بعثت إلى كلّ أحمر وأسود\" (٦).\nومنها: أصل شرعية القياس، إذ لا معنى له إلا جعل الخاصّ الصيغة عامًّا في المعنى. قال وهو معنى متفق عليه.\nومنها: قالوا: إن النبي - ﷺ - قال: \"حكمي على الواحد حكمي على الجماعة\" (٧) وقال: \"إني لأَنْسَى أو أُنسَّى لأسُنّ\" (٨).\n_________\n(١) سورة الأحزاب: آية ٥٠\n(٢) الفتاوى الكبرى ٤/ ٤٤٤.\n(٣) الموافقات ٣/ ٥١ - ٥٣\n(٤) سورة الأعراف: آية ١٥٨\n(٥) سورة سبأ: آية ٢٨\n(٦) رواه مسلم ٥/ ١\n(٧) تقدم آنفًا اإشارة إلى أن الحديث لا أصل له.\n(٨) رواه مالك (١/ ١٠٠) بلاغًا، وانفرد به. انظر الكلام عليه في مقدمة تنوير الحوالك للسيوطي، وتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي للموطأ (١/ ١٠٠)","vol":"1","page":368},{"text":"ومنها: مما بيّنه في موضع آخر (١) من أن الشريعة موضوعة في الأصل لمصالح العباد، فأحكامها على العموم لا على الخصوص، إلا ما ثبت فيه الخصوص بالدليل، وأن دليل الاختصاص يذكر في الحكم المختص إعلامًا بأن الشريعة خارجة عن قانون الاختصاص.\n_________\n(١) الموافقات ٣/ ٥١ - ٥٣","vol":"1","page":369},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-216>المطلب الثامن قول المساواة في العبادات الخاصة</span>\nقول ابن خلاد المنسوب إليه في كتب الأصوليين أن التأسّي في العبادات واجب، وفي العادات لا يجب بل يستحب، هو قولٌ غير محرر. ولم نطلّع على ما قاله بحروفه لنرد عليه.\nقال القرافي: ووجه تخصيص الوجوب بالعادات قوله - ﷺ -: \"خذوا عني مناسككم\" و\"صلوا كما رأيتموني أصلي\" وظاهر المنطوق الوجوب، لأنه أمر، ومفهومه أن غير المذكور لا يجب (١).\nوواضح أن قوله - ﷺ -: \"صلوا كما رأيتموني أصلي\" ونحوه لا تخصيص فيه حتى يكون له مفهوم. وآية التأسيّ عامة، فيجب العمل بها في العبادات وغيرها. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-217>فائدة مهمة نلحقها بقول المساواة:</span>\nقال ابن تيمية:\n\"مسائل الأفعال لها ثلاثة أصول:\nأحدها: أن حكم أمته - ﷺ - كحكمه في الوجوب والتحريم وتوابعهما، إلا أن يأتي دليل يخالف ذلك.\nالأصل الثاني: أن نفس فعله يدل على حكمه - ﷺ - إما حكمٌ معين، أو حكم\n_________\n(١) شرح تنقيح الفصول ص ١٢٧","vol":"1","page":370},{"text":"مطلق، وأدنى الدرجات الإباحة ...... فمتى ثبت أن الفعل يدلّ على حكم كذا، وثبت أنا مساوون له في الحكم، ثبت الحكم في حقنا.\nالأصل الثالث: أن الفعل هل يقتضي حكمًا في حقّنا من الوجوب مثلًا وإن لم يكن واجبًا عليه - ﷺ -، كما يجب على المأموم متابعة الإمام في ما لا يجب على الإمام، وعلى الجيش متابعة الإمام في ما لا يجب على الإمام، وعلى الحجيج موافقة الإمام في المقام بالمعرَّف إلى إفاضة الإمام؟ هذا ممكن أيضًا. بل من الممكن أيضًا أن يكون سبب الوجوب في حقه معدومًا في حقنا، ويجب علينا لأجل المتابعة ونحوها، كما يجب علينا الرّمَل والاضطباع مع عدم السبب الوجب له في حق الأولين، أو سبب الاستحباب منتفيًا في حقنا. وقد نبه القرآن على هذا بقوله: ﴿ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه﴾ فصار واجبًا عليهم لموافقته، ولو لم يكن قد تعيّن الغزو في ذلك الوقت إلى ذلك الوجه\" (١). اهـ كلامه.\nفابن تيمية يرى أنه يخرج عن هذا الأصل -وهو الاشتراك في الحكم- ثلاثة أمور:\nالأول: ما دل عليه دليل، وهو الخصائص. وقد تقدم القول فيها.\nالثاني: ما يجب علينا، وهو عليه - ﷺ - غير واجب، وإنما وجب علينا لأجل المتابعة. كالخروج معه في الغزو.\nونحن نرى أن هذا النوع لا ينبغي أن يستثنى، لأن المتابعة له - ﷺ - إنما وقع من جهة كونه إمامًا، لا من جهة الرسالة، بدليل أنها تجب مع كل إمام في الغزو، ومع كل إمام في الصلاة. وإنما وجب من تلك المتابعة ما وجب، مؤقتًا حال حياته وتوليه السلطة. لا بعد ذلك.\nأما أن يجب ذلك في شيء من أفعاله - ﷺ - من حيث هورسول، فلا نجد له مثالًا، وهو -أعني ابن تيمية- لم يمثل له.\n_________\n(١) المسودة في أصول الفقه ص ٧٤، ص ١٩٢ (مكرر)","vol":"1","page":371},{"text":"الثالث: وقد ذكر في بقية كلامه: ما يستحب لنا، ولم يكن بالنسبة إلى النبي - ﷺ - مستحبًّا. وقد مثل لها بأن أحمد بن حنبل \"تسرّى لأجل المتابعة، واحتجم ثلاثًا لأجل المتابعة، وقال: ما بلغني حديث إلاّ عملت به، حتى أعطى الحجام دينارًا\". فإن أصل هذه الأفعال من النبي - ﷺ - مباحة، وقد فعلها أحمد على سبيل الاستحباب.\nونحن قد سبق أن بيّنّا الرأي في مثل هذه الأفعال في قول الندب، فليرجع إليه.\nأما ما ذكره ابن تيمية من أن الحكم في حق النبي - ﷺ - قد يكون معلّقًا بسبب وهو منا مطلق، فسنذكره في مبحث السبب من الفصل الثامن.","vol":"1","page":372},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-218>الفصل السادس الأحكام المستفادة من الأفعال</span>\n١ - الوجوب.\n٢ - الندب.\n٣ - الإباحة.\n٤ - الكراهة.\n٥ - التحريم.\n٦ - الأحكام الوضعية.","vol":"1","page":373},{"text":"الأحكام المستَفادة مِنَ الأفعَال\nمما تقدم في الفصول السابقة من هذا الباب، وعلى أساس القول المختار، وهو قول المساواة في الفعل المجرّد، نلخّص الأحكام التي تستفاد من أفعال النبي - ﷺ - وما فيها من بحث، في مطالب:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-219>المطلب الأول الوجوب</span>\nيستفاد الوجوب من الفعل النبوي من مواضع:\nأ- أن يكون فعله - ﷺ - قد صدر عنه بيانًا لآية دالة على الوجوب في حقّه وحقّنا.\nب- أن يكون امتثالًا لآية دالّة على الوجوب كذلك.\nجـ- أن يكون مجرّدًا، وقد علمنا بدلالة أنه - ﷺ - فعله واجبًا.\nويلاحظ أن الواجب إما أن يكون فعلًا متكاملًا، يجب إيجاده من أصله كصلاة الظهر مثلًا.\nوإما أن يكون خارجًا عن العبادة تتوقف صحتها عليه، وهو مقدور للمكلف، وهو الشرط، فيجب من حيث إن الواجب لا يتمّ إلا به، كالوضوء للصلاة. ونذكر أمثلته في بحث الشرط، وسيأتي.\nوإما أن يكون جزءًا من العبادة، وهو قسمان:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-220>١ - الركن</span>، وهو جزء الماهية الذي لا تتحقق إلا بوجوده، ولا يسقط عمدًا ولا سهوًا، ولا يجبَر، ومثاله الركوع، وهو ركن في الصلاة، والطواف بالبيت، ركن في الحج.","vol":"1","page":375},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-221>٢ - الواجب الذي ليس بركن</span>، وهو ما يجوز سقوطه سهوًا، ويجبر، كالتشهّد الأول عند الحنابلة، يجبر في الصلاة بسجود السهو، وفي الحجّ بدم، كما في ترك الإحرام من الميقات.\nثم قد يكون الجزء واجبًا في العبادة المسنونة. وكونه واجبًا فيها يعني توقُّف صحتها عليه، كالركوع في صلاة النافلة، لا من حيث إنه يعاقب على تركه، إذ يجوز ترك النافلة أصلًا، فهو بمعنى الشرط إلا أنه جزء من العبادة. ولا يدل الفعل على الركنيّة بمجرده، بل على مجرد الوجوب. وكأمثلة على استفادة الوجوب من الفعل نذكر مسائل:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-222>١ - منها: صلاة العيد:</span>\nقال الحنابلة وبعض الشافعية: هي فرض على الكفاية.\nوقال أبو حنيفة: واجبة على الأعيان.\nوقال مالك وأكثر أصحاب الشافعي: سنة مؤكدة غير واجبة.\nنقل ذلك ابن قدامة (١)، ثم قال: لنا على وجوبها في الجملة أمر الله تعالى بها بقوله: ﴿فصلّ لربك وانحر﴾ والأمر يقتضي الوجوب، ومداومة النبي - ﷺ - على فعلها وهذا دليل الوجوب. واحتجّ الحنفية لوجوبها بالمواظبة عليها (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-223>٢ - ومنها: مسألة السعي في الحج:</span>\nففي السعي ثلاثة أوجه، وهي ثلاث روايات عن أحمد (٣):\nالأول: أنه ركن لا يتمّ الحجّ إلا به. وهو قول عائشة وعروة ومالك والشافعي، وغلّط النووي من نَسَبَ إلى الشافعي القول بأنه واجب غير ركن. قالت عائشة: \"طاف رسول الله - ﷺ - وطاف المسلمون -تعني بين الصفا والمروة-\n_________\n(١) المغني ٢/ ٣٦٨\n(٢) فواتح الرحموت ٢/ ١٨٠\n(٣) انظر ابن قدامة: المغني ٣/ ٣٨٨، ٣٨٩، النووي: المجموع ٨/ ٨٦، ٨٧","vol":"1","page":376},{"text":"فكانت سنة، ولعمري ما أتم الله حجَّ من لم يطف بين الصفا والمروة ولحديث حبيبة بنت أبي تَجْرَاةٍ مرفوعًا \"اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي\" (١).\nالثاني: أنه واجب. وهو قول أبي حنيفة، والثوري، والقاضي أبي يعلى الحنبلي. نقل عن أبي حنيفة أنه يجبر بدم. ونقل النووي أنه الأصح عن أحمد.\nالثالث: أنه سنة لا يجب بتركه دم. روى عن ابن عباس وابن مسعود وأبيّ ابن كعب وأنس وابن الزبير.\nفأما القول بأنه ركن فلا يصح استفادته من الفعل، وقد نَقَل النووي عن ابن المنذر تعليق القول بركنيّته على ثبوت حديث حبيبة، وإلا فيكون تطوعًا. ورجّح ابن قدامة أنه واجب. وقال: لأن دليل من أوجبه دل على مطلق الوجوب، لا على كونه لا يتم الحجّ إلا به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-224>٣ - ومنها: مسألة ركعتي الطواف:</span>\nفي ركعتي الطواف خلاف هل هما واجب أو تطوّع. وقيل أن الطواف لا يصحّ إلا بهما فهما على هذا في معنى الرّكن (٢). ومن أسباب الخلاف فيهما الخلاف في دلالة الفعل. وقال السبكي في قواعده: \"في ركعتي الطواف قولان مشهوران، أصحّهما أنها سنة، والثاني أنها واجبة، وهما راجعان إلى دلالة الفعل المجرّد. فأما قوله - ﷺ -: \"خذوا عني مناسككم\" فلا دلالة له على وجوب شيء خاص منها\". اهـ (٣).\nومما استُدِلّ على وجوبه بالأفعال مما ذكره السبكي في القواعد: الموالاة في الوضوء، وفي الغسل والتيمم، والموالاة بين أشواط الطواف، والموالاة بين الطواف\n_________\n(١) قال النووي في المجموع (٨/ ٧٣) حديث حبيبة ليس بقوي، في إسناده ضعف. ونقل أن ابن عبد البر قال: فيه اضطراب، وقال: قد رواه الشافعي وأحمد والدارقطني والبيهقي. ثم قال النووي (٨/ ٨٧) رواه الدارقطني والبيهقي بإسناد حسن من حديث صفية بنت شيبة مرفوعًا.\n(٢) انظر المجموع ٨/ ٦٠، ٦١\n(٣) ق ١١٦ ب.","vol":"1","page":377},{"text":"والسعي، والموالاة بين الخطبة وصلاة الجمعة، والموالاة بين صلاتي الجمع في وقت الأولى أو وقت الثانية، والقيام في خطبة الجمعة مع القدرة، والفصل بين الخطبتين بجلسة، وقراءة شيء من القرآن في الخطبة، والترتيب بين أركانها، والجمع بين الوقوف بالنهار والليل بعرفة، والمبيت في المزدلفة.\nوأكثر هذه المسائل يستدل فيها بالفعل المجرد خاصة، وفي أكثرها قولان بالوجوب والاستحباب، والاستحباب أرجح إلا فيما ورد فيه دليل غير الفعل يدل على الوجوب. ويحتمل أن تكون هذه الأفعال التي ذكرها من أفراد الفعل البياني، لا من الأفعال المجردة. ونحن نرجح أن تكون من الأفعال المجرّدة كما تقدم بحثه في مبحث الفعل البياني. والله أعلم.","vol":"1","page":378},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-225>المطلب الثاني الندب</span>\nويستفاد من مواضع:\nأ- أن يكون قد فعله - ﷺ - على سبيل الوجوب، وعلم أن الوجوب خاص به.\nب- أن يكون قد فعله على سبيل البيان لأمر دالٌّ على الندب.\nجـ- أن يكون قد فعله على سبيل الامتثال لأمر دال على الندب.\nد- أن يكون قد فعلَ فعلًا مجردًا دل الدليل على أنه فعله ندبًا.\nهـ- أن يكون قد فعل فعلًا مجردًا، ولم يعلم حكمه بالنسبة إليه، ولكن يظهر فيه قصد القربة، بأن يكون مما فعله في العبادة، وكان على خلاف مقتضى الجبلة، أو ظهر فيه ذلك بقرينة أخرى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-226>مسألة تابعة للندب: دلالة الفعل على الأفضلية:</span>\nإذا كانت العبادة أو غيرها من الأفعال الجائزة أو المندوبة أو الواجبة يمكن عملها على صور مختلفة، وفَعَلها النبي - ﷺ - مرة واحدة أو مرات كثيرة، فهل يحمل فعله على أنه صادر على أفضل الوجوه لبيان الكمال فيها، أو يحمل على الأقلّ لبيان المجزئ؟.\nقال ابن تيمية في دلالة الفعل النبويّ على الأفضلية: هي مسألة كثيرة المنفعة، وذلك في صفات العبادات وفي مقاديرها وفي العادات، وفي الأخلاق والأحوال. اهـ (١).\nفمثال ما لم يكثر فعله: إحرامه من الميقات، مع أنه يجوز أن يحرم من المدينة ولا خلاف في جواز الإحرام قبل الميقات (٢)، فهل يقال: إحرام الحاجّ والمعتمر من\n_________\n(١) المسودة ص ٧٤\n(٢) ابن قدامة: المغني ٣/ ٢٦٤","vol":"1","page":379},{"text":"منزله أفضل، لكثرة العمل، أو من الميقات لأن النبي - ﷺ - أحرم منه؟.\nقال الحنابلة بأفضليّة الإحرام من الميقات استنادًا إلى فعل النبي - ﷺ -.\nوقال أبو حنيفة ومالك الإحرام من البلد أفضل. وفعَلَه بعض الصحابة. وعن الشافعي قولان كالمذهبين.\nومثله الأضحية: فقد ورد أن النبي - ﷺ - ضحّى بكبشين أقرنين أملحين ذَبَحهما بيده. استفاد منه بعض الفقهاء أفضليةَ الذكور في الأضاحي، وأن تكون باللون المذكور في الحديث. وعن مالك: الأفضل أن تكون من الغنم، بخلاف الهدي فالأفضل عنده الإبل.\nوالحنابلة فضّلوا الإبل، أخذًا ببعض الأحاديث القولية (١).\nوقد ادُّعِيَت الأفضلية بناء على فعله - ﷺ - في الركوب في الحج، وفي الوقوف بعرفة، والاقتصار في الضحى على ثمان، وغير ذلك.\nومما واظب عليه - ﷺ - قصر الصلاة في السفر، وجعله بعض الفقهاء واجبًا وبذلك يخرج عن مسألتنا. أما القائلون بأن القصر جائز ويجوز الإتمام، فمنهم من قال: القصر أفضل، أخذًا بالدليل الفعلي، وهو قول أحمد ومالك، وأحد قولي الشافعي. وقوله الآخر: الإتمام أفضل لكونه أكثر عملًا وعددًا وهو الأصل (٢).\nوالاستدلال بالفعل على الأفضلية، في الحالة الثانية، وهي المواظبة، أقوى وأتمّ.\nويرى النووي التفريق بين النوعين، فما وقع مرةً واحدة فإنه يقع على أكمل الوجوه وأتمّها، وأما ما يتكرر فإنه يفعل أحيانًا على القدر المجزئ لبيان الجواز، والأكثر على الأكمل، لما صنع - ﷺ - في الوضوء مرة مرة، وثلاثًا ثلاثًا، أكثر عمله الثلاث.\nونحن نميل إلى الأخذ بالاتجاه الناظر إلى طبيعة العمل، فما كان أكثر عملًا\n_________\n(١) ابن قدامة: المغني ٢/ ٦٢١\n(٢) المغني ٢/ ٢٧٠","vol":"1","page":380},{"text":"فهو أفضل (١)، فعلى هذا: الإحرام من الأبعد أفضل، والتضحية بالبقر أفضل من الغنم، وبالإبل أفضل، وكلما كان أكثر فضلًا فهو خير، ما لم يخرج إلى حيّز التشديد والإرهاق. وكذلك نرى أن إتمام الصلاة في السفر أفضل، على القول بأنه جائز. وإنما يكون هذا في حق من لا يقتدى به، أما من يُقْتَدى به فينبغي أن يعمد إلى التيسير والتسهيل لئلا يشقّ على المقتدين، ويكون في حقّه من هذه الناحية أفضل، ويحمل فعله - ﷺ - بالاجتزاء من بعض الأعمال بالقليل، على هذا المحمل، أو غيره من المحامل. والله أعلم وأحكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-227>تمايز المندوبات في الدرجة، ودلالة الأفعال على ذلك:</span>\nمن المعلوم أن المندوبات تتمايز في القوة، فبعضها آكد من بعض، وقد يتبين التأكّد بالقول، وهو كثير. وقد يتبيّن بالفعل، وذلك على أنواع فمنها:\nأولًا: أن يحافظ - ﷺ - على المندوب حتى مع قيام الأعذار، وذلك كركعتي الفجر والوتر، فقد قضى ركعتي الفجر في السفر لما نام عنهما، و\"لم يكن على شيء من النوافل أشدّ تعاهُدًا منه على ركعتي الفجر\" (٢) وكذلك حافظ على الوتر، حتى إنه أوتر على بعيره (٣)، فإن ذلك يدلّ من جهة تركه - ﷺ - لما عداها من الرواتب وإفرادها بالمحافظة عليها، على أنها آكد من غيرها. وقد قيل بوجوبها عليه - ﷺ - خاصة، ولا يثبت ذلك.\nثانيًا: أن يظهر - ﷺ - الاعتناء بالمندوب والاحتفال به، كما في صلاة العيد عند من يقول بندبيّتها، وصلاة الكسوف، وصلاة الاستسقاء، فإنّ فعلها في جماعة، ودعوة الناس لها، مظهران لتأكّدها، حتى لقد قال الحنابلة بوجوب صلاة العيد على الكفاية، وقال الحنفية بوجوبها على الأعيان (٤).\n_________\n(١) هذه إحدى القواعد الفقهية المشهورة، ذكرها السيوطي بهذه الصيغة \"ما كان أكثر فعلًا، كان أكثر فضلًا\" (الأشباه والنظائر ص ١٤٣).\n(٢) متفق عليه (نيل الأوطار ٣/ ٢١).\n(٣) رواه الجماعة (نيل الأوطار ٣/ ٣٢).\n(٤) المغني لابن قدامة ٢/ ٣٦٧ والقول بأنها سنة مؤكدة هو قول الشافعية والمالكية.","vol":"1","page":381},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-228>المطلب الثالث الإباحة</span>\nوتستفاد من مواضع:\n١ - ما فعله - ﷺ - من الأمور الجبلية الاختيارية.\n٢ - ما فعله من الأمور العادية والدنيوية.\n٣ - ما فعله بيانًا لآية دالّة على الإباحة.\n٤ - ما فعله امتثالًا لأية دالّة على الإباحة.\n٥ - ما فعله وعلمناه قد فعله على سبيل الإباحة لقرينة تدل على ذلك.\n٦ - ما فعله وجهلنا حكمه وليس مما ظهر فيه قصد القربة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-229>نظرة في استفادة الإباحة من الأفعال النبوية:</span>\nإن الإباحة تؤخذ من الفعل النبوي من جهة الفعل خاصّة دون جهة الترك، فبالفعل النبوي يتبين أن لا حرج في فعل ذلك الأمر، وأما ارتفاع الحرج عن الترك فيستفاد من عدم وجود دليل طالب، أو من جهة وقوع الترك أيضًا.\nومبنى الدلالة الأولى أن النبي - ﷺ - يعلم أن ما يفعله ليس معصية، وهو معصوم من المعصية، وعلى القول بعدم عصمته في حال أو عن نوع منها، فإنه يعاتب على ذلك ولا يُقَرّ عليه فيما انبنى عليه تشريع. وقد تقدم ذلك في مواضع.\nغير أنه لا بد من معرفة وجه تلك الإباحة هل هي إباحة عقلية أو إباحة شرعية.\nوللتفريق بينهما نقول: إن المعتزلة يرون أن الأشياء قبل ورود الشرع تحت حكم العقل، ثم يفصل العقل بأن الفعل واجب إذا كان في تركه مفسدة وحرام","vol":"1","page":382},{"text":"إذا كان في فعله مفسدة، وإن كان في تركه مصلحة فمكروه، أو كان في فعله مصلحة فمندوب أو لم يشتمل على مصلحة أو مفسدة فمباح (١).\nوأما عند غير المعتزلة فلا حكم قبل مجيء الشريعة أصلًا.\nوأما بعد مجيء الشريعة، فالإباحة العقلية عند المعتزلة، هي رفع الحرج عن الفعل والترك، مستمرة. فليست الإباحة عندهم حكمًا شرعيًا بل عقلي.\nوأما عند غيرهم، فالإباحة شرعية، وهي الخطاب الشرعي الدال على التخيير بين فعل الشيء وتركه.\nوأقر الآمدي بأن الإباحة بعد مجيء الشريعة قسمان: إباحة شرعية، وإباحة عقلية، وهي بقاء الشيء دون حكم يقتضي المنع منه أو إيجابه (٢). وصرح بذلك الغزالي أيضًا (٣) ولقولهما وجه بيّن، وهو معنى ما قدمناه في مرتبة العفو.\nوالأصل في الأشياء بعد مجيء الشرع الإباحة في ما ينفع، والمنع في ما يضر. وهذا ما قرره الرازي، واتبعه فيه كثير من الأصوليين.\n_________\n(١) جمع الجوامع بشرح المحلي ١/ ٦٢\n(٢) الإحكام ١/ ١٧٦\n(٣) شفاء الغليل ص ٦٣٣","vol":"1","page":383},{"text":"ويقرر ابن تيمية أصلًا آخر، وهو أن الأصل في العبادة بعد مجيء الشرع المنع حتى يرد دليل شرعيتها، وجواز الشيء على سبيل العادة لا يعني أنه يجوز على سبيل العبادة. وأما العاديّات من العقود وغيرها فالأصل بها عدم المنع ما لم يرد دليل المنع. قرّر ذلك في مواضع من كتبه ونسبه إلى فقهاء الحديث أحمد وغيره (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-230>الإباحة المستفادة من الفعل النبوي:</span>\nإن الإباحة التي يدل عليها الفعل النبوي. إن كان بيانًا أو امتثالًا لدالٍّ عليها، فهي إباحة شرعية. وأما ما فعله من المباحات الجبلية والعادية، وما حكمنا بإباحته من الأفعال المجردة، فإن إباحته عقلية، أو -كما قرر الغزالي- لا حكم فيه من جهة الشرع، وذلك أن غاية ما في الفعل الدلالة على أن ليس في الشرع ما يدل على المنع منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-231>فائدة استفادة الإباحة من الأفعال النبوية المجردة:</span>\nقد يقال: إن الإباحة هي الأصل في المعاملات والأمور الجبلية والدنيوية والعادية ونحوها. فما فائدة الفعل النبويّ في ذلك المجال؟.\nفالجواب أن فائدته من جهات:\nالأولى: أن الإباحة المستفادة من الفعل أقوى من المستفادة من العمومات الواسعة، فأكله - ﷺ - من لحم العنبر الميت أدل على إباحته من عموم الآية ﴿خلق لكم ما في الأرض جميعًا﴾ بل ومن عموم الآية: ﴿أحلَّ لكم صيد البحر وطعامه﴾ وهي، من باب أولى، أقوى في الدلالة على إباحة الفعل المعيّن من الإباحة العقلية، التي يقول بها المعتزلة.\nالثانية: نفي احتمال أن تكون الصورة مشمولة بنص مانع أو قياس مانع،\n_________\n(١) شفاء الغليل ص ٦٣٣\nالقاهرة ٢/ ٣٢٦ ابن القيم: إعلام الموقعين ٢/ ٣٢٦","vol":"1","page":384},{"text":"كما في قصة أكله - ﷺ - من لحم العنبر الميت. وقصة أكله - ﷺ - من لحم شاة تصُدّق به\nعلى بريرة فأهدت إليه منها.\nومثل تشبيكه - ﷺ - بين أصابعه في المسجد بعد الصلاة، كما في حديث ذي اليدين، يدل على إباحته وعدم القياس على ما ورد من نهيه - ﷺ - القادم إلى المسجد عن التشبيك (١).\nومثل خروجه من المسجد دون تيمم، عندما تذكر أنه جنب، وقد أوجب بعض الفقهاء التيمّم في مثل هذه الحال (٢). ومثل إخراجه - ﷺ - رأسه إلى عائشة لترجّله وهي حائض وهو معتكف في المسجد. فقد تبين به أنواع من المباحات.\nومن هنا كثر نقل الصحابة للأفعال التي من هذا النوع لبيان الإباحة حيث يُظَنّ المنع، كما في أحاديث مسح الخفين، كثر نقلها لما في الآية من الأمر بالغسل، بل كثيرًا ما كان ظن التحريم لأمر من الأمور من بعض الناس، حافزًا للصحابة على رواية الأفعال لإثبات الإباحة. وبهذا السبب ظهر جزء كبير من السنن.\nالثالثة: إثبات الجواز في ما الأصل فيه المنع. وهي قاعدة مهمة جدًا في باب العبادات، فإن الأصل فيها المنع كما تقدم، فلا يعبد الله إلا بما شرع، وحيث فعل - ﷺ - العبادة الخاصة علم أنها جائزة من أصلها، ولو فعل العبادة في حال معينة أفاد جواز فعلها في تلك الحال، كالصلاة على الميت الغائب، وفعل صلاة الفرض على الراحلة عند المطر إذا كانت الأرض مبتلّة، وفعل النافلة على الراحلة، وأنه يتجه حيثما توجهت ركابه.\n_________\n(١) انظر فتح الباري ١/ ٥٦٦\n(٢) ابن حجر: فتح الباري ١/ ٣٨٣","vol":"1","page":385},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-232>المطلب الرابع الكراهة</span>\nالفعل لا يدل على الكراهة، وقد يدل الترك عليها كما يأتي إن شاء الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-233>المطلب الخامس التحريم</span>\nلا يدل الفعل (١) على التحريم بطريق التأسي. ولكن يدل على ذلك الفعل المتعدي، أحيانًا كما تقدم، كالعقوبة بالحدّ أو التعزير، تدل على تحريم ما كان سببًا لها.\nوقد يدل نزعه - ﷺ - للشيء وكذلك كسره وتحطيمه ونحو ذلك، على تحريم لبسه واتخاذه. كما في حديث عقبة بن عامر: \"أهدي لرسول الله - ﷺ - فَروج حرير، فلبسه ثم صلى فيه، ثم انصرف، ثم نزعه نزعًا شديدًا كالكاره له، ثم قال: \"لا ينبغي هذا للمتقين\" (٢).\nو\"كان لا يترك في بيته شيئًا فيه تصاليب إلا نقضه (٣) \" ومثله ما ورد أن النبي - ﷺ - اتخذ خاتمًا من ذهب ثم نَزَعه ورمى به\" (٤). و\"رأى رجلًا يطوف بالكعبة بخزامة في أنفه فقطعها\" (٥). وفي رواية \"رأى في المطاف رجلين بزمام بينهما فقطعه\" (٦).\n_________\n(١) أما الترك فقد يدل على التحريم. وسيأتي بحث ذلك في فصل الترك من الباب الثاني.\n(٢) البخاري ومسلم (جامع الأصول ١١/ ٢٨١) والفروج: القباء.\n(٣) البخاري ١٠/ ٣٨٥\n(٤) انظر صحيح مسلم ١٤/ ٦٦ والبخاري ١٠/ ٣١٥\n(٥) البخاري ١١/ ٥٨٦\n(٦) البخاري ٣/ ٤٨٢","vol":"1","page":386},{"text":"وإنما يدل على ذلك إذا عرف أنه صنع ما صنع بقصد بيان الشرع أو الامتثال له.\nفإنَّ نزْع الثوب نزعًا معتادًا لا دلالة فيه، وكذا لو كسر شيئًا تالفًا لا يحتاج إليه.\nوإن لم يعلم أنه قصد البيان أو الامتثال فلا يدل أيضًا على التحريم.\nومثاله ما ورد في الصحيح أنه النبي - ﷺ - فرّق ما جاءه من مال البحرين حتى لم يبق منه شيء. فقال ابن حجر: \"في الحديث بيان أن الإمام ينبغي له أن يفرق مال المصالح في مستحقيه ولا يؤخره\" (١).\nونحن لا نرى دلالة الحديث على تحريم التأخير ولا كراهته، لاحتمال أنه لم يقصد امتثال حكم خاص بذلك، بل لكثرة المحتاجين، أو لوجود مال غيره مخزون لديه، ينفق منه عند الحاجة. فللإمام إذن أن يقدّم أو يؤخر بحسب المصلحة. وقد كان النبي - ﷺ - يحتبس بعض الأموال لنوائبه.\n_________\n(١) فتح الباري ١/ ٥١٧","vol":"1","page":387},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-234>المطلب السادس دلالة الفعل النبوي على الأحكام الوضعية</span>\nما تقدم قبل هذا كله راجع إلى دلالة الأفعال النبوية على الأحكام التكليفية. أما دلالتها على الأحكام الوضعية فهي دلالة خفية، وقلما يمكن بيانها بالفعل دون قول يوضح ارتباط الحكم بسببه ونحوه. فأما مع القول فهو في الشريعة كثير.\nفمن ذلك:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-235>١ - السببية:</span>\nمثال بيان السببية بالفعل دون القول أنه - ﷺ -: \"قام فتوضأ\"، \"وسها فسجد\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-236>٢ - الشرطية:</span>\nمن بيان الشرطية بالفعل وحده، في شرط الوجوب، بأن يترك الفعل في حال ويفعل في حال آخر، فيعلم أن ذلك الحال شرط. ومثال ما روي عن الزهريّ عن أبي سلمة قال: \"قلت لأبي هريرة: على كم تجب الجمعة من رجل؟ قال: لما بلغ أصحاب رسول الله - ﷺ - خمسين جمع بهم رسول الله - ﷺ -\" استدل بذلك أن شرط وجوب الجمعة وجود خمسين رجلًا\" (١).\nومن أمثلته أيضًا أن النبي - ﷺ - كان يقيم الجمعة في المدينة، ولا يقيمها في أسفاره، فعلم بذلك أن شرط وجوبها الإقامة.\n_________\n(١) اجتماع الخمسين شرط وجوب الجمعة على رواية في مذهب أحمد (المغني ٢/ ٣٢٨).","vol":"1","page":388},{"text":"وقد يتبيّن بالفعل عدم الشرطية، وهو كثير في الشريعة. وذلك أن يفعل الشيء ويجتزئ به مع انعدام ما يظن شرطًا. كفعله - ﷺ - صلاة الجمعة قبل الزوال، فيعلم بذلك أن الزوال ليس شرطًا (١). وكإجرائه عقد البيع دون إشهاد، فيعلم أن الإشهاد ليس شرطًا لصحة البيع.\nوقد استفاد بعض العلماء الشرطية من الفعل الذي لا قول معه، كما في تقدم الطواف لصحة السعي، قال النووي: \"قال أصحابنا: يشترط كون السعي بعد طواف صحيح سواء أكان بعد طواف القدوم أو طواف الزيارة ... واستدل الماوردي بأن النبي - ﷺ - سعى بعد الطواف. مع أنه قد قال - ﷺ -: \"لتأخذوا عني مناسككم\" وبإجماع المسلمين. قال: وشذ الجويني فقال في كتابه \"الأساليب\": قال بعض أئمتنا: لو قدّم السعي على الطواف اعتدّ بالسعي. قال النووي: وهذا النقل غلط ظاهر، مردود بالأحاديث الصحيحة وبالإجماع الذي قدمناه عن نقل الماوردي والله أعلم\" (٢).\nأقول: وقد نقل عدم الشرطية في ذلك عن عطاء، ونقل عن أحمد بن حنبل: يجزئه إن سعى قبل الطواف ناسيًا. واختار صاحب المغني (٣) إنه شرط، واحتج بالفعل النبوي مع قوله - ﷺ -: \"لتأخذوا عني مناسككم\".\nفإن ثبت الإجماع فهو حجة. وإلا فإن الحديث لا يدل على الوجوب كما تقدم. والشرط هنا من الواجب. ولهذا فإن القول بالاشتراط في هذه المسألة خارج عن القاعدة الأصولية. والله أعلم.\nومثله قول من قال باشتراط جعل البيت عن يسارك في الطواف:\nيقول النووي: الترتيب عندنا شرط لصحة الطواف بأن يجعل البيت عن ويطوف عن يمينه تلقاء وجهه. فإن عكسه لم يصح، وبه قال مالك وأحمد\n_________\n(١) في حديث سلمة عند أبي داود: كنا نصلي الجمعة ثم ننصرف وليس للحيطان فيء.\n(٢) المجموع ٨/ ٨١\n(٣) ابن قدامة: المغني ٣/ ٣٩٠","vol":"1","page":389},{"text":"وجمهور العلماء. وقال أبو حنيفة يعيده إن كان بمكة، فإن رجع إلى وطنه ولم يعده لزمه دم وأجزأه طوافه (١).\nوالحجة لوجوبه حديث جابر أن النبي - ﷺ - لما قبل الحجر الأسود طاف على يمينه. مع قوله - ﷺ -: \"خذوا عني مناسككم\" وبهذا احتج الشيرازي (٢).\nوأما ابن حزم فلم يستدل بالفعل في هذه المسألة، وإنما رأى (٣) إن النبي - ﷺ - لما أمرهم بالخبب، فلا بد أنه أمرهم من أين يبتدئون وكيف يصنعون فالوجوب عنده بالقول المنقول بطريق اللزوم.\nوالأولى القول بالوجوب. ومأخذه عندي أن فعله - ﷺ - بيان لآية الأمر بالطواف. فمن هنا وجبت الكيفية، والعدد أيضًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-237>٣ - المانعية:</span>\nوأما بيان المانعيّة بالفعل مع القول فهو كثير، ومنه أن النبي - ﷺ - ردّ هدية الصيد لما كان محرمًا. وقال للمهدي: \"إنّا لم نردَّه عليك إلاّ أنّا حُرُم\" (٤).\nوأما بالفعل دون قول، فإن كان الفعل ناهيًا، فكثير، كما في حديث ابن عباس قي تحويل النبي - ﷺ - له من موقفه عن يسار الإمام إلى يمينه.\nوأما الفعل الذي لا نهي فيه، فيرد قليلًا. وذلك كصلاته - ﷺ - في مرضه جالسًا، يدل على أن المرض يمنع وجوب القيام.\nوقد يدل الفعل على عدم المانعية، وذلك أن يفعل العبادة أو العقد مع التلبس بما يظن مانعًا من الصحة، فيعلم بذلك أنه ليس مانعًا. وهو كثير. ومنه عُلِم أنّ العمل اليسير في الصلاة لا يبطلها، كما صنع - ﷺ - إذ فتح الباب لعائشة وهو\n_________\n(١) المجموع ٨/ ٦٧\n(٢) المجموع ٨/ ٣٤\n(٣) المحلى ٧/ ٩٧\n(٤) رواه البخاري ومسلم ومالك (جامع الأصول ٣/ ٤١٩).","vol":"1","page":390},{"text":"في الصلاة (١)، وحمل أمامة ابنة ابنته زينب. فكان إذا قام رفعها وإذا ركع وضعها وهو في الصلاة.\nومنه علم أيضًا أن الكلام اليسير في شأن الصلاة سهوًا لا يبطلها، صنع - ﷺ - ذلك إذ تكلّم سهوًا، بعد أن سلم من نقص، كما في حديث ذي اليدين.\nومنه علم أيضًا أن السفر لا يمنع صحة الصوم، فقد كان - ﷺ - يصوم أحيانًا في السفر (٢).\nوكذلك في المنع من الوجوب. فقد أقاد النبي - ﷺ - يهوديًا من امرأة قتلها بأحجار (٣)، فعلم أنه لا يمنع وجوب القصاص كون القاتل يهوديًا، ولا كون القاتل رجلًا والمقتول امرأة، ولا كون آلة القتل مثقلًا غير محدد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-238>٤ - الرخصة والعزيمة:</span>\nأما الرخص فبيانها بالفعل الذي معه قول، كثير، كنّيته - ﷺ - صوم النفل بالنهار، والمسح على الخفين. قال - ﷺ - للمغيرة حينما أراد أن ينزع خفيه: \"دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين\". فمسح عليهما.\nوكذلك بيانها بالفعل الذي لا قول معه كثير، ووجه كثرتها هنا أنها على خلاف الأصل، فكان ذلك كافيًا في بيان أنها رخص، ومثاله جمعه - ﷺ - بين الصلاتين في السفر، وصلاته في مرضه جالسًا، وتطوعه على الدابة، وتوجهه عليها إلى غير القبلة، والاستجمار، واستدبار القبلة عند قضاء الحاجة في البنيان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-239>٥ - الصحة والفساد:</span>\nإذا فعل النبي - ﷺ - عبادة على وجه ما فإنه يدل على صحة عملها على مثل ذلك الوجه. ولكن لا يدل على فسادها إذا عملت على وجه آخر، ما لم يكن دليل\n_________\n(١) روى القصة أبو داود والترمذي والنسائي (جامع الأصول ٦/ ٣٢٩)\n(٢) رواه البخاري ومسلم (ابن دقيق العيد: شرح العمدة ٢/ ١٨)\n(٣) رواه الجماعة (نيل الأوطار ٧/ ١٨)","vol":"1","page":391},{"text":"على أن ذلك الوجه الذي عملها عليه - ﷺ - بعينه واجب. وكذلك في العقود ونحوها، فما فعله منها دل على صحته وأنه موافق للشرع ومستكمل لجميع أركانه وشروطه، ومنتفية عنه الموانع.\nومن هذا الباب مسألة القرعة، فقد ثبت أن النبي - ﷺ - كان إذا سافر سفرًا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها سافر بها معه (١). وأيضًا أقرع بين أعْبُدٍ ستة أعتقهم رجل عن دُبُر لم يكن له مال غيرهم فمات. فأقرع بينهم النبي - ﷺ -، فأعتق بالقرعة اثنين، وأرَقّ أربعة (٢). يدل هذا الفعل منه - ﷺ - على أن القرعة طريق صحيح لتعيين الحقوق إذا تساوت ولم يكن للترجيح طريق آخر. وللفقهاء تفصيل في تمييز ما تجري فيه القرعة مما لا تجري فيه (٣).\nومن هذا أيضًا اكتفاؤه - ﷺ - عن القول في قبول الهبة بالقبض، وفي تصرفه بالإذن العرفي عن الإذن القولي، كما في مبايعة نفسه عن عثمان، وإدخاله أهل الخندق إلى طعام أبي طلحة، وأيضًا إلى طعام جابر. ونحو ذلك. كل ذلك يدل على الصحة في مثله من التصرف (٤).\nومن هذه الجهة، وهي جهة دلالة الفعل على الصحة، يمكن استنباط أن شيئًا معينًا ليس ركنًا، أو أنه ليس شرطًا، كما تقدم.\n_________\n(١) مسلم ١٧/ ١٠٣ ورواه البخاري.\n(٢) رواه مسلم ١١/ ١٤٠ ورواه أبو داود والترمذي والنسائي.\n(٣) انظر: الفروق للقرافي ٤/ ١١٣\n(٤) يراجع: ابن تيمية: القواعد النورانية ص ١١٤ وما بعدها.","vol":"1","page":392},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-240>الفصل السابع صفة الدلالة الفعليّة\nالدلالة وأنواعها</span>\n١ - طبيعة الدلالة الفعلية.\n٢ - وجه انسحاب حكم فعله - ﷺ - على أفعال الأمة.","vol":"1","page":393},{"text":"صفَة الدلالة الفعليَّة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-241>تمهيد</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-242>الدلالة وَأنواعهَا</span>\nالدلالة كون الشيء بحالة يلزم من العلم به العلم بشيء آخر. والأول هو الدالّ، والثاني هو المدلول.\nوالبحث في الدلالة من جهتين: جهة الارتباط والتلازم بين الدالّ والمدلول والثانية جهة الدالّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-243>أولًا- جهة الارتباط بين الدالّ والمدلول:</span>\nالرابطة بين الدال والمدلول على أنواع، لأنها تكون عقلية، وطبيعية، وعادية، ووضعية.\nأ- فالعقليّة، كدلالة وجود الشيء على عدم نقيضه، ودلالة الأثر على أن له مؤثّرًا.\nب- والطبيعيّة أن يكون الترابط بينهما بسبب الطبع والخلق، ومثاله دلالة الدخان على النار، ودلالة الصوت ذي الصفة الخاصة الناشئ من النقر، على أن المضروب نحاس، أو حديد، ودلالة الأعراض على الأمراض عند الأطباء، ودلالة الارتجاف أو قول (إح) على إصابة صاحبه بشدة البرد.\nجـ- وأما العادية، فكأنْ تكون جرت العادة أن يقع أمران معينان متحدين في الوقت أو مع سبق أحدهما للآخر، فإن علم وقوع أحدهما دل على وقوع الآخر،","vol":"1","page":395},{"text":"ومثاله الاستدلال بوجود أحد الزوجين في بلد على وجود الآخر فيه، وبالولادة على السرور بها، وبالموت على الدفن، وعكسه، وعلى التعزية.\nد- وأما الوضعية فبأن يجعل أحدٌ أو طائفة من الناس، شيئًا ليدل على شيء، كالإشارات الضوئية التي توضع لتنبيه سائقي السيارات أو السفن أو الطائرات، وكدلالة الخط والعقد والإشارة، على ما أريد أن تدل عليه. وكالألفاظ المستعملة في اللغة، وضعت لتدل على معاني تعرف من كتب اللغة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-244>ثانيًا: جهة الدال:</span>\nالدال إما أن يكون لفظًا، أو فعلًا، أو صفة، أو شيئًا مادّيًا. وغرضنا يتعلق بالدليل إذا كان فعلًا. ولكن نقدم تقسيم المنطقيين للدلالة اللفظية، ليتبيّن حكم الدلالة الفعلية إذا قورنت بها.\n...\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-245>الدلالة اللفظية:</span>\nالألفاظ الصادرة تختلف دلالاتها، فقد تكون عقلية كدلالة الكلام على متكلم، وطبيعية، كقول (آه) على شدة الألم، وعادية كدلالة قولهم (كل عام وأنتم بخير) على أن اليوم عيد. ووضعية وهو الأكثر.\nثم الدلالة الوضعية في الألفاظ تنقسم ثلاثة أقسام، لأنها:\nأما: دلالة مطابقة، وهي دلالة اللفظ على كل معناه الموضوع له، كدلالة (البيت) على البيت.\nوإما: دلالة تضمن، وهي دلالة اللفظ على بعض معناه، كدلالة (البيت) على السقف أو الباب.\nوإما: دلالة التزام، وهي دلالة اللفظ على خارج عن معناه لازم له، كدلالة (السقف) على الحائط (١).\n_________\n(١) وانظر لاستكمال هذا البحث القطب على الشمسية، وحاشية الجرجاني ص ٢٢، وأيضًا السبكي والمحلي: جمع الجوامع وشرحه ١/ ٢٣٩، والمستصفى: المقدمة.","vol":"1","page":396},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-246>ومن الدلالة الالتزامية:</span>\n١ - الاقتضاء: وهو دلالة المذكور على مقصود للمتكلم مضمر، يتوقف عليه صدق الكلام، كقوله تعالى: ﴿واسأل القرية﴾ أي أهلها، أو تتوقف عليه صحة الكلام، كحديث \"رفع عن أمتي الخطأ والنسيان\" أي المؤاخذة بهما.\n٢ - والإيماء: وهو دلالة اللفظ على لازم مقصود للمتكلم لا يتوقف عليه صدق الكلام ولا صحته، كقوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ أي لأجل السرقة.\n٣ - والإشارة: وهي دلالة اللفظ على ما ليس مقصود للمتكلم، لكنه يعلم من كلامه.\n٤ - والمفهوم: وهو أن يدل اللفظ على حكم في غير محل النطق.\nوهو نوعان: مفهوم مخالفة، ومفهوم موافقة.\nأ- فمفهوم المخالفة، أن يكون المسكوت عنه مخالفًا في الحكم للمنطوق، كدلالة قوله - ﷺ -: \"في سائمة الغنم الزكاة\" على أن ما عدا السائمة من الغنم لا زكاة فيها.\nب- ومفهوم الموافقة: نوعان:\nالأول: ويسمى (فحوى الخطاب) وقد سماه بعض الحنابلة (التنبيه)، وهو أن يكون المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق، كدلالة قوله تعالى: ﴿ولا تقل لهما أف﴾ على تحريم ضرب الوالدين.\nوالثاني: ويسمى (لحن الخطاب) أو (دليل الخطاب) وهو أن يكون المسكوت عنه مساويًا في الحكم للمنطوق، كدلالة تحريم أكل مال اليتيم على تحريم إحراقه أو إغراقه.","vol":"1","page":397},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-247>المبحث الأول طبيعَة الدلالة الفعليَّة</span>\nقد يكون للفعل دلالات مختلفة، وغرضنا يتعلق بذكر دلالة أفعال النبي - ﷺ - خاصة.\nوليست دلالة أفعاله - ﷺ - على الأحكام في حقنا عقليه. وقد تقدم إيضاح ذلك في فصل حجية أفعال النبي - ﷺ -.\nوليست كذلك طبيعيّة، ولا عاديّة، إذ لا دخل للطّبْع ولا للعادة في شيء من ذلك.\nوإنما هي دلالة وضعيّة، بمعنى أن الشرع جعلها لنا علامة، إذا رأيناها علمنا ما الحكم في حقنا.\nومثاله أننا إذا علمنا أنه - ﷺ -، صلى بعد الجمعة ركعتين ندبًا، كان ذلك لنا علامة موضوعة تدلّنا على أن حكم ركعتين بعد الجمعة في حقنا الندب.\nويقول القاضي عبد الجبّار: \"لو كان الفعل بمجرده -يعني من غير دلالة شرعية على حجيته- يدل، لكان القول بذلك أولى، فإذا صحّ أن القول لا يدل إلا بالمواضعة على الوجوه التي تقدم ذكرها، فالواجب مثل ذلك في الفعل\" (١).\nوالذي يدلنا على هذا الوضع في الأفعال النبوية أمران:\nالأول: أمر غير شرعي، بل هو مواضعة عامة، وذلك في أفعال خاصة من\n_________\n(١) المغني ١٧/ ٢٥١","vol":"1","page":398},{"text":"أفعاله - ﷺ -، كالكتابة، والخط، والعقد، والإشارة ونحو ذلك كدلالة دفعه - ﷺ - من مرّ أمامه على منعه من ذلك، وككسره التصاليب في الدلالة على المنع منها. فهذه الدلالة ليست شرعية، أعني أن مثل هذه الأفعال دالة على مراد الفاعل بفعله، مطلقًا، سواء أكانت من نبي أم من غيره. ولو كَسَر غير نبيّ إناءً معينًا لعلمنا أنه لا يريد بقاءه. وذلك كالكلام سواء، فليس كون الكلام دالًا على مراد المتكلم خاصًا بنبي دون غيره، ومتى صدر من النبي - ﷺ - دل على الحكم الشرعي.\nوكذلك استفيدت الأحكام الشرعية من هذا النوع من الأفعال من حيث إنها صدرت عن النبي - ﷺ -، أما المواضعة فهي عامة.\nالثاني: أمر شرعي، وهو ما تقدم من الأدلة القاضية بحجية الأفعال النبوية من حيث الجملة، مع ما قدمناه من البيان لأنواع الأحكام التي تؤخذ من الفعل. فهذا وضع شرعي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-248>أنواع الدلالة الوضعية الفعلية:</span>\nمن الأفعال ما يدلّ مطابقة، وتضمنًا، والتزامًا. وهو الكتابة، لأنها بمنزلة القول، فيمكن أن تدل على ما يدل عليه القول سواء بسواء. وسيأتي إن شاء الله في الباب الثاني الكلام على الكتابة.\nوأما ما سواها من الأفعال، ففيه تفصيل:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-249>أولًا: دلالة المطابقة:</span>\nتتصور دلالة الفعل مطابقة على الحكم الشرعي في موضعين:\n١ - الإشارة، والعقد، ونحوه من الأفعال (الآمرة والناهية).\n٢ - الفعل البياني، على ما قدمنا ذكره من أنه دال على الحكم بالقصد. كبيانه - ﷺ - هيئة الطواف بفعله، وهيئة الحج، وأوقات الصلوات الخمس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-250>ثانيًا: دلالة التضمن:</span>\nلا تتأتى دلالة التضمّن على الأحكام في الأفعال. ولو دل الفعل البياني كطوافه","vol":"1","page":399},{"text":"- ﷺ -، على جزء من الطواف، كالبدء من عند الحجر، فإن تلك دلالة مطابقية، لأن حقيقتها دلالة ذلك الجزء من فعله - ﷺ - على حكم مثل ذلك الجزء في حقنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-251>ثالثًا: دلالة الالتزام:</span>\nتتأتى دلالة الفعل التزامًا، على الحكم في حقنا، في صور:\n١ - الأفعال الجبليّة والعاديّة، والأفعال الامتثالية. فإنه يلزم من فعله - ﷺ - لها أنها مطابقة للشرع، ومن معرفة أن حكمنا كحكمه فيها معرفة حكمنا.\n٢ - ما تقدم في الفعل المتعدي، من أنه - ﷺ - إذا عاقب أحدًا بحدٍّ أو تعزير، علمنا أن ذلك الشخص قد فعل كبيرة، بطريق الالتزام، ثم يعلم أن مثل ذلك الفعل في حقنا أيضًا كبيرة، بناء على أصل الاستواء في الأحكام الشرعية.\nويقول القرافي: \"إن إقدام الحاكم على بيع عبد كان قد أعتقه من أحاط الدين بماله، يستلزم الحكم ببطلان ذلك العتق\". ويقول: \"الفعل الذي هو البيع ونحوه لا تتأتى فيه دلالة التضمن ألبتة، فإن الحكم لا يقع إلا لازمًا له\" (١).\nوقوله هذا هو في الدلالة على الحكم القضائي. والحكم الشرعي أيضًا مثله سواء.\n٣ - ومما يدل عليه الفعل بالالتزام أيضًا باب الطهارة والنجاسة، فمن ذلك أنه - ﷺ - توضأ، فأدخل يديه في الإناء واغترف منه، فإن ذلك يدل بالالتزام على عدم فقدان الماء الطهورية بمثل ذلك. وحديث عائشة أنه - ﷺ - كان يصلي: \"وفي ثوبه بقع الماء\" تعني المنيّ بعد أن تحكه يابسًا. استدل به على طهارة المني الشافعية والحنابلة، وقال الحنفية: هو نجس ويكفي في تطهيره الفرك، كتطهير النعل بدلكها بالتراب (٢).\nومثله طوافه - ﷺ - بالبيت على بعير، استدل به بالالتزام على طهارة فضلات\n_________\n(١) في رسالته: الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام ص ١٢٤\n(٢) ابن دقيق العيد: الإحكام ١/ ١٠١ - ١٠٤","vol":"1","page":400},{"text":"الإبل، إذ لو كانت نجسة لم يعرّض النبي - ﷺ - المسجد للتنجيس (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-252>أنواع الدلالة الالتزامية الفعلية:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-253>أولًا- دلالة الاقتضاء:</span>\nلا تتأتى دلالة الاقتضاء في الأفعال. ولا تكون إلا لفظية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-254>ثانيًا- الإيماء:</span>\nهذه الدلالة تتأتى من الفعل، كأن يفعل النبي - ﷺ - شيئًا لم يكن من عادته فعله، بعد أمر حادث، فيدل ذلك على السببية، كصلاته ثمان ركعات بعد فتح مكة، استدل به على أن الفتح كان سببًا لذلك. وكسجوده بعد صلاة سها فيها، فيعلم أن السهو سبب للسجود.\nوكسجوده عقب تلاوة آية فيها ذكر السجود لله، يدل على أن التلاوة سبب للسجود.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-255>ثالثًا- الإشارة:</span>\nالدلالة الإشارية كثيرة في الأفعال، فبيانه - ﷺ - للصلاة على المنبر، ورجوعه وسجوده بالأرض، كان القصد منه بيان هيئات الصلاة، ولم يقصد منه بيان جواز ارتفاع الإمام عن المأموم، ولا بيان جواز الحركة خطوات قليلة أثناء الصلاة، وقد حصل العلم لنا بذلك بدلالة الإشارة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-256>رابعًا- مفهوم الفعل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-257>أولًا: مفهوم المخالفة (دليل الفعل):</span>\nقد تتأتى استفادة الأحكام من الأفعال النبوية بطريقة المفهوم المخالف. وقد وضح ذلك القاضي أبو يعلى الحنبلي في العدة (٢)، حيث يقول: \"أفعال النبي - ﷺ - لها\n_________\n(١) ابن دقيق العيد: الإحكام ٢/ ٧٦\n(٢) العدة ق ٦٤","vol":"1","page":401},{"text":"دليل (١)، وقد قال أحمد ﵀: لا يصلى على القبر بعد شهر، على ما فعل - ﷺ - إذ صلى على قبر أم سعد بعد شهر. فجعل صلاته بعد شهر دليلًا على المنع في ما زاد عليه، لأن الفعل كالقول في أنه يقتضي الإيجاب، ويخصص بها (كذا) العموم\".\nوقال ابن تيمية: (٢) \"قال ابن عقيل: ذكر (بعض) أصحابنا عن أحمد أنه جعل للفعل دليلًا، وأخذه من مسألة الصلاة على القبر، وأحال هو -يعني ابن عقيل- ذلك، وجوز أن يكون المستند استصحاب الحال. وبسط القول، وسلّم الدلالة إذا كثر الفعل\" (٣).\nوهذا يعني أن ابن عقيل يرفض نظرية القاضي أبي يعلى في نسبة القول بذلك إلى مذهب أحمد، للاحتمال الذي ذَكَر، فيما عدا حالة واحدة، وهي أن يكثر فعله - ﷺ - على صفة معينة، أو في حال أو وقت معين، فيفهم المنع في ما سواها.\nويظهر أن ما سلمه من القول بالمفهوم المخالف إذا كثر الفعل مستقيم في صور كثيرة نص الفقهاء فيها على المنع، ولا يظهر مستند إلا مفهوم المخالفة.\nفمن ذلك منعهم الزيادة في الوضوء على مرات ثلاث استدلالًا بالفعل. وفيه حديث قولي، أنه - ﷺ - توضأ ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال: \"هذا الوضوء، فمن زاد على هذا فقد أساء وظلم\" (٤). ولا يصح هذا الحديث.\nومن ذلك كراهية بعضهم لصلاة العيد في المسجد، واعتبار أن السنة فعلها بالمصلى، أخذًا من الفعل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-258>ثانيًا- دلالة الفحوى:</span>\nتتأتى دلالة الفحوى بالأفعال كثيرًا، ويقول مجد الدين ابن تيمية (الجدّ): \"قد يستفاد التنبيه من الفعل كما يستفاد من القول، ومثلّه ابن عقيل بقوله تعالى:\n_________\n(١) يعني: كدليل الخطاب، وهو مفهم المخالفة.\n(٢) المسودة ص ٣٥٣\n(٣) ابن قدامة: المغني ١/ ١٤٠\n(٤) أخرجه أحمد وابن ماجه، والنسائي بنحوه (١٤٠).","vol":"1","page":402},{"text":"﴿ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك﴾ (١) نبّه بأدائهم القنطار على أداء ما دونه\" اهـ.\nوعندي أن هذه دلاله قولية، لأن الله تعالى يدلّنا بالقول على ذلك، لا بالفعل، ولو قال: \"نبّهوا بأدائهم للقنطار على أدائهم لما دونه\" لكان لقول ابن عقيل وجه.\nويقول الجد: مثّله هو: \"يعني ابن عقيل\" بالبصاق في المسجد، وإلى القبلة، على البول. ولعلّه يعني أن حكّ النبي - ﷺ - للنخامة من قبلة المسجد يدل على المنع من التبول من باب أولى.\nويقول (٢): \"وأحسن من هذا ما أشار إليه أحمد بن حنبل واستدل به، من أن النبي - ﷺ - جمع بين الصلاتين بالمدينة من غير خوف ولا سفر، فإنه يفيد الجمع للخوف والسفر والمطر\" (٣).\nوهذا استدلال مستقيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-259>ثالثًا- مفهوم الموافقة المساوي (لحن الفعل)</span>\nوهذا كثير في الأفعال، وهو نوعان:\nالأول: كرضخه - ﷺ - من الفيء لمن كان معه في الحرب من النساء (٤) فكذلك ينبغي أن يرضخ لغيرهم ممن يماثلهم في ذلك إذا حضروا الحرب، كالصبيان. ومثل اتخاذه قبيعة سيفه من فضة، يدل على جواز اتخاذ رأس الدواة، وحلقة المرآة، ونحو ذلك، من الفضة.\n_________\n(١) سورة آل عمران: آية ٧٥\n(٢) ابن تيمية: المسودة في أصول الفقه ص ٣٤٨\n(٣) انظر الحديث في ذلك عند أحمد ٦/ ٣٨٠ وأبي داود ٧/ ٤٠١، ٤٠٢\n(٤) رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن (المغني لابن قدامة ٨/ ٣٢٢)","vol":"1","page":403},{"text":"وضابط هذا النوع أن يفهم من حكم فعله - ﷺ - حكم فعل من نوع آخر، مساوٍ له، بخلاف النوع الآتي.\nالثاني: وهو أن يقال: ما فعله - ﷺ - فحكمنا فيه كحكمه، وهو ما تقدم من قول المساواة في الفعل المجرّد.\nوهذا النوع، وهو انسحاب أحكام أفعاله - ﷺ - على أحكام أفعال الأمة بطريق المساواة، هو الدلالة الرئيسية للأفعال النبوية المجردة، وإذا أطلقت الدلالة الفعلية فإنما يراد بها هذا النوع خاصة.\nويتعلق بهذه الدلالة خاصة، أعني دلالة المساواة في الحكم بيننا وبينه - ﷺ -، مسائل مهمة، نستعرضها في المبحث التالي.","vol":"1","page":404},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-260>المبحث الثاني وجْه انسِحَاب حُكم الفِعْل النبويّ عَلى أفعَال الأمَّة</span>\nقدمنا أن ذلك من دلالة مفهوم الموافقة. وهذا هو ما نميل إليه.\nولكن قد اختلف تكييف الأصوليين لذلك الانسحاب على وجهين. فمنهم من قال بأن ذلك بطريق العموم، ومنهم من قال بأنه بطريق القياس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-261>أولًا- القول بالعموم:</span>\nنسب الزركشي في البحر المحيط، القول بجريان العموم في الأفعال إلى أصحاب مالك (١) وبعض أصحاب الشافعي.\nوقال الشوكاني: الفعل لا عموم له، فلا يشمل جميع الأوقات المستقبلة. ونسب ذلك إلى \"جمهور أهل الأصول على اختلاف طبقاتهم\" (٢).\nوقد وجّه الغزالي ذلك (٣) بأن الفعل لا يقع إلا على وجه معين، فلا يجوز أن يحمل على كل وجه يمكن أن يقع عليه.\nوقد بيّن غيره أنه كما لا عموم للفعل بالنسبة إلى الزمان والمكان والأسباب فكذلك لا عموم له بالإضافة إلى غير فاعله من الفاعلين، ولا غير مفعوله من\n_________\n(١) البحر المحيط للزركشي ق ٤ أ\n(٢) إرشاد الفحول ص ٣٨\n(٣) المستصفى ٢/ ٢٢","vol":"1","page":405},{"text":"المفعولين، ولا غير السبب الذي وقع من أجله. ومعلوم أن الفاعل لم يفعل ذلك الفعل إلا مرة واحدة، في زمان واحد، ومكان واحد، وبمفعول واحد، وعلى هيئة واحدة. وهكذا.\nفالفعل إذْ يقع إنما يقع خاصًا بفاعله، وعلى الهيئة والحال التي وقع عليها. هذا بالنظر إلى الفعل في ذاته من حيث هو فعل.\nثم إن دلّ الدليل على أنه - ﷺ - يبين بذلك الفعل مجملًا عامًّا لنا وله، كقوله - ﷺ -: لمّا صلى على المنبر \"إنما فعلت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي\" (١) وكقوله: \"خذوا عني مناسككم\" فإن فعله يكون عامًا بحسب عموم المبين، لأنه يكون حينئذٍ بمنزلة القول. وقال ابن الهمام: العموم هنا للمحل لا لنقل الفعل (٢).\nوأما فيما سوى ذلك مما دل الدليل على تأسي الأمّة به - ﷺ - كالفعل المجرّد، فإن القول بالعموم فيه لا يصحّ إلا على نوع من المسامحة. وأما في الحقيقة فإن العموم إنما هو في الأدلة الدالة على وجوب تأسيّ الأمة به - ﷺ -، في الحالات المماثلة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-262>الثاني: القول بالقياس:</span>\nلم نجد أحدًا صرح بأن إلحاق غير النبي - ﷺ - بالنبي في حكم أفعاله هو قياس، ما عدا الآمدي. فإنه يرى أن معنى التأسّي الذي أمرنا به هو القياس عينه. فقد ذكر في (باب حجية القياس) حديث أم سلمة أنها سئلت عن قبلة الصائم، فسألته - ﷺ -، فقال لها: \"هل أخبرتِهِ أني أقبّل وأنا صائم؟ \" ثم قال الآمدي: \"إنما ذكر ذلك تنبيهًا لقياس غيره عليه\" (٣). وذكر اعتراض من يعترض على ذلك بأن هذا يدل على أن فعل النبي - ﷺ - حجة متبعة، وليس بقياس. قال الآمدي: \"أنه\n_________\n(١) رواه البخاري ٢/ ٣٩٧ رواه مسلم ٥/ ٣٨\n(٢) انظر تيسير التحرير ١/ ٢٤٨\n(٣) الإحكام ٤/ ٤٤","vol":"1","page":406},{"text":"اعتراض غير صحيح، وذلك لأنه لو لم يكن اتباعنا له في فعله بطريق التأسّي به، لما كان حكم فعله ثابتًا في حقنا، ولا معنى للقياس سوى ذلك\" (١).\nوقال الآمدي أيضًا: \"إن العمل بخبر فرك المني، والغسل من التقاء الختانين، وقبلة الصائم، كل ذلك مستند إلى القياس، لا إلى عموم الفعل، لتعذره\" (٢).\nويفهم من كلام الغزالي أنه يذهب إلى مثل ما ذهب إليه الآمدي، قال الغزالي في حديث أم سلمة المتقدم ذكره: \"إن ذلك تنبيه لقياس غيره عليه - ﷺ -\" وهذا يدل على أنه يرى مساواتنا له - ﷺ - في أحكام أفعاله قياسًا (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-263>رأينا في ذلك:</span>\nإننا نرى أن الذين عبّروا بعموم الفعل إنما عبّروا به على طريق المسامحة، لا على اعتقاد أن الفعل في الحقيقة عام. ونرى أنهم إنما يقصدون العموم من حيث انطباق مثل حكم فعله - ﷺ - على أفعالنا. فليس هناك صيغة تنطبق على أفرادها حتى يقال بالعموم.\nأما القائلون بأن الحكم ينسحب على أفعالنا بطريق القياس، كما قال الآمدي وأشار إليه الغزالي، فيكون القياس حينئذٍ من القياس بنفي الفارق، لا من قياس العلة. فما يحتج به من أفعاله - ﷺ - لا يحتاج إلى الاستدلال على علته لأجل الإلحاق بها، بل يكفي أن نعرف أن لا فارق بيننا وبينه - ﷺ - إلا النبوة، ثم نعلم أن النبوة ليست فارقًا مؤثرًا في الأحكام التشريعية. ودليل ذلك ما تقدم في فصل إثبات حجية أفعاله - ﷺ - من آيات التأسّي والاتباع ونحوها، فإنها تدل على أن النبوة ليست فارقًا، فيما سوى ما ثبت بالدليل من الخصائص النبوية.\nثم ينبغي أن يقال: إن تلك الدلالة هي من باب مفهوم الموافقة، كما قدّمناه\n_________\n(١) المصدر نفسه ٤/ ٥١\n(٢) المصدر نفسه ٢/ ٣٧٢\n(٣) المستصفى ٢/ ٦٤ وأشار إلى مثل ذلك في شفاء الغليل ص ٦٤٠ - ٦٤٥","vol":"1","page":407},{"text":"قبل هذا الفصل. وهو أولى من جعلها قياسًا، وذلك أن الأصوليين ذكروا في حدّ القياس الاستواء في العلة. لذلك قال ابن الهمام: \"إن الجمع بنفي الفارق ليس من حقيقة القياس\" (١) فالأولى اعتبار الدلالة الفعلية من باب مفهوم الموافقة.\nولما اتفق الحكم بينه - ﷺ - وبين غيره، صار ذلك هو عموم الفعل على سبيل المسامحة كما تقدم ذكره.\nفأما ما كان الجمع فيه بالعلة، فإنه قياس، ولا إشكال في ذلك. ويتأتى ذلك في الفعل كثيرًا، كقياس جواز الإتمام في السفر على جواز صوم الفرض فيه، للاستواء في العلة، وهي ترك الترخص.\n_________\n(١) تيسير التحرير ٤/ ٧٧","vol":"1","page":408},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-264>الفصل الثامن دلالة متعلقات الفعل النبوي</span>\n١ - سبب الفعل.\n٢ - الفاعل وجهاته.\n٣ - المفعول به وجهاته.\n٤ - مكان الفعل وزمانه.\n٥ - هيئة الفعل.\n٦ - دلالة الاقتران.\n٧ - الأدوات والعناصر المادية.\n٨ - العدد والمقدار.","vol":"1","page":409},{"text":"دلالة متَعلقات الفِعْل النبَويّ\nذكرنا فيما تقدم من هذا الباب أن الدلالة الرئيسية للأفعال هي الدلالة على أن أحكام أفعالنا مساوية لأحكام أفعاله - ﷺ - فما وجب عليه وجب علينا، وما ندب له ندب لنا، وما أبيح له أبيح لنا.\nثم بينّا أن ذلك هو من مفهوم الموافقة لفعله - ﷺ -، أو من القياس بنفي الفارق.\nوالذي يراد بيانه في هذا الفصل، أن فعل النبي - ﷺ - لا يقع إلا مع التلبّس بأمور مختلفة، فكما أنه وقع ١ - لسبب معين، كذلك ٢ - يقع من فاعله ٣ - وقد يتعدى إلى مفعول، ٤ - ولا بدّ أنه واقع في زمان معين، ومكان معين، ٥ - وعلى هيئة معينة، ٦ - وقد تستعمل فيه آلة وعناصر مادية معينة ٧ - وقد يقارنه أمور تقع معه، ٨ - وقد يقع الفعل مرة أو مرات معلومة أو مجهولة.\nفلما قلنا إن استفادة الحكم من فعله - ﷺ - تقتضي أن نفعل مثل ما فعل، وجوبًا أو ندبًا أو إباحة، على التفصيل المتقدم بيانه، فهل يعني ذلك أن الأسوة المطلوبة شرعًا تقتضي مماثله فعلنا لفعله - ﷺ - في هذه الأمور؟.\nلم يتعرض أحد من الأصوليين الذين اطلعنا على كلامهم لهذه المسألة بالتفصيل، ونحن نرجو أن نتمكن بعون الله من إيضاح ذلك، مسترشدين بتصريحات وإشارات مجملة، وردت في مواضع متفرقة من كلام القوم.\nفنقول: أما أصل الفعل فلا بد من الاتفاق فيه، وإلا فلا تتحقق المماثلة أصلًا، وذلك كصلاة وصلاة، وصوم وصوم، ولا يتم الاستدلال بفعل صلاة على فعل صوم إلا بنوع من القياس عند الاستواء في العلة.","vol":"1","page":411},{"text":"وأما ما سوى ذلك، فإن القول الجامع أن يقال: إن المطلوب المماثلة فيه ما كان من المتعلقات المذكورة غرضًا مقصودًا على سبيل أنه شرع، عندما فعل النبي - ﷺ - ذلك الفعل.\nيقول أبو الحسين البصري في شرح قولهم: (على الوجه الذي فعل) \"أما الوجه الذي وقع عليه الفعل، فهو الأغراض والنيات، فكل ما عرفناه أنه غرض في الفعل اعتبرناه. ويدخل في ذلك نية الوجوب والنفل\" (١). ويقول ابن أمير الحاج: \"معنى على وجهه أن يكون مشاركًا له في الصفة والغرض، والنية\" (٢).\nفإن علمنا أن شيئًا منها ليس مقصودًا، فلا يدخل في التأسّي، ويقول أبو الخطاب الحنبلي: \"إذا فعل النبي - ﷺ - الفعل في زمان ومكان، وعلمنا أن في ذلك غرضًا، مثل صلاة الجمعة، وصوم رمضان، والوقوف بعرفة (فإننا لا نكون متأسِّين به إذا فعلناه في غير الزمان والمكان) وإن لم نعلم أن فيه غرضًا، مثل أن ينقل أن تصدق بيمينه وقت الظهر بباب مسجده، فإن التأسّي يحصل بالصدقة، وإن تصدق بشماله، في غير باب مسجده، وغير وقت الظهر\" (٣).\nوالحاصل أن ما علمناه مقصودًا في الفعل، من المتعلقات المذكورة فهو معتبر في الاقتداء.\nوما علمناه غير مقصود فهو خارج.\nوما لم نعلم أنه مقصود، ولا أنه غير مقصود، فهو موضع الإشكال، وهو موضع البحث في هذا الفصل.\nوقبل الشروع في التفاصيل نقدّم مسائل تتعلق بهذا الأصل العام.\nالمسألة الأولى: أن المراد بالقصد والغرض فيما تقدم، قصد التعلّق من حيث الموافقة للشريعة، لا قصد المتعلق لذاته، أو لمصلحة عارضة، فإذا صلى، - ﷺ -، في\n_________\n(١) المعتمد ١/ ٣٧٢\n(٢) التقرير والتحبير ٢/ ٣٠٣\n(٣) أبو الخطاب: التمهيد ق ٨٩ أ.","vol":"1","page":412},{"text":"بقعة من المسجد مثلًا، فقد قصد أن يصلي فيها، لا شك في ذلك، لكن قد يكون قَصدَها لأنه يريد موافقة الشرع بتخصيصها، كالصلاة عند المقام، فيكون تخصيصها مطلوبًا في حقنا شرعًا، وقد يكون قصدها مع أنها عنده غير متميزة شرعًا عما سواها بشيء، وإنما قصده قصد عاديّ لغرض موقوت، كأن تكون أقرب إليه مما سواها، أو لأنّ فيها ظلًا يستظل به من الشمس مثلًا، أو لغير ذلك. فلا يدل على استحباب تخصيصها أو وجوبه.\nوبهذا يرد على من زعم استحباب الصلاة عند أساطين معينة من المسجد\nالنبوي، أو في بقاع معينة من أنحاء المدينة وغيرها، لمجرد أنه قد نقل أن النبي - ﷺ -\nقد صلى فيها، أو عمل فيها عملًا ما (١).\nولم يفرق ابن تيمية بين القصدين، فقد ذكر تحري سلمة بن الأكوع الصلاة عند سارية المصحف من المسجد النبوي. قال سلمة: \"إني رأيت النبي - ﷺ - يتحرى الصلاة عندها\" (٢). يقول ابن تيمية: \"وقد ظنّ بعض المصنفين أن هذا مما اختلف فيه، وليس بجيّد، فإنه هنا قد أخبر أن النبي - ﷺ - كان يتحرّى البقعة، فكيف لا يكون هذا القصد مستحبًا\" (٣) اهـ.\nونحن نجيبه بما تقدم من التفريق بين القصدين. وأما ما فعله سلمة ﵁، فليس فعله حجة. ولعله فعله بناء منه على أن ذلك التحري من النبي - ﷺ - كان لقصد شرعي. فإن تلك البقعة المعينة واقعة بين المنبر والبيت، وقد قال - ﷺ -: \"ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي\".\nالمسألة الثانية: أنه - ﷺ - قد يقصد في الفعل الواحد بعض متعلقاته على سبيل الوجوب، وبعضها على سبيل الندب، وبعضها على سبيل الإباحة، فتختلف الأحكام المستفادة بحسب ذلك. فعندما صلى صلاة الاستسقاء ركعتين، كان لابسًا ملابس بذلة، لها لا شك لون خاص. فأما كون الصلاة ركعتين فذلك واجب، وأما التبذل في الثياب في صلاة الاستسقاء فمستحب، وأما اللون فمباح.\n_________\n(١) ذكر في (الرصف) مواضع نقلت فيها أفعال النبي بالمدينة وغيرها (١/ ١٦٣ - ١٧٠)\n(٢) رواه البخاري (فتح الباري ١/ ٥٧٧)\n(٣) اقتضاء الصراط ص ٣٨٩","vol":"1","page":413},{"text":"وبهذا يتبيّن أن لكل متعلق من المتعلقات الثمانية حكمه المنفرد، ثم قد تتفق تلك الأحكام أو تختلف.\nالمسألة الثالثة: أن القصد أمر قلبي، ثم قد يعلم إذا دلت عليه الأدلة القولية أو الحالية، وقد يكون خفيًا فيستدل عليه بالأمارات. ويستعان لذلك بالأصول التي نذكرها في ما يأتي.\nالمسألة الرابعة: الأصل التأسّي في المتعلق الذي نعلم أنه مراد، أو غلب على الظن إرادته بأمارة، فإنه يعتبر في التأسّي. ولا يصح التأسّي فيما علم أنه غير مراد من جهة الشرع. وأما ما لم تعلم إرادته ولم يغلب على الظن إرادته، فيختلف باختلاف نوع المتعلق. وسيتبين أن الأصل في بعضها الاعتبار، وفي بعضها عدم الاعتبار.\nالمسألة الخامسة: ما كان من المتعلقات اتفاقيًا، وقد تعلق به الفعل مصادفة دون قصد أصلًا، فهو أبعد ما يكون عن الاعتبار في التأسّي. ولا يجوز إدخاله في التأسّي وقصده في العبادة أو غيرها. ويقول ابن تيمية: \"متابعة النبي - ﷺ - في فعله بأن نفعل مثل ما فعل على الوجه الذي فعله. فإذا قصد النبي - ﷺ - العبادة في مكان، كان قصد العبادة فيه متابعة له كقصد المشاعر والمساجد. أما إذا نزل في مكان بحكم الاتفاق، لكونه صادف وقت النزول، أو غير ذلك مما يعلم أنه لم يتحرّ ذلك المكان، فإنا إذا تحرّينا ذلك المكان لم نكن متبعين له، فإنما الأعمال بالنيات\" (١).\nويقول: يجب الفرق بين الاستنان به - ﷺ - في ما فعله، وبين ابتداع بدعة لم يسنّها، لأجل تعلقها به (٢).\nونحن نرى أن مما يندرج تحت هذه القاعدة المثالين الآتيين:\nالأول: أن النبي - ﷺ - حج حجة الوداع، فوافق وقوفه بعرفة يوم الجمعة.\n_________\n(١) اقتضاء الصراط المستقيم ص ٣٨٧\n(٢) اقتضاء الصراط المستقيم ص ٣٨٩","vol":"1","page":414},{"text":"ومن المعلوم أنه - ﷺ - لم يقصد ذلك، فقد خرج من المدينة وهو لا يعلم متى يقف. لأنه خرج قبل أن يدخل شهر ذي الحجة. فمن ادعى -كالسيوطي (١) ونقله عن ابن جَمَاعَة- أن الوقوف بعرفة إذا وافق يوم الجمعة أفضل، من جهة أن النبي - ﷺ - وقف وقوفه الجمعة، فقوله مردود. وبحسبنا في رده أنه يستلزم تتبُّع أعياده - ﷺ - أي الأيام وافقت، ومسيره وحركاته متى حصلت، لنخصّها بمزيد من العمل. وذلك غير مستقيم شرعًا.\nوقد احتج السيوطي لما ذهب إليه بأدلة أخرى لا كلام لنا فيها في هذا المقام.\nالمثال الثاني: قالت عائشة: تزوجني النبي - ﷺ - في شوال، وبنى بي في شوال، فأي نسائه كان أحظى مني عنده؟ وكانت عائشة تستحب أن يبنى بنسائها في شوال.\nوقال النووي في شرح صحيح مسلم: \"فيه استحباب التزويج والدخول في شوال. قد نصّ أصحابنا (٢) على استحبابه، واستدلوا بهذا الحديث\" (٣) اهـ.\nومن المعلوم أنه - ﷺ - لم يقصد شوالًا بالبناء فيه، ولو استحب ذلك لكان علينا تتبع شهور بنائه بزوجاته الباقيات، واعتبارها مواسم يستحب فيها الزواج.\nفما قاله النووي مردود، ولا يصح بناء الاستحباب على التعلق الاتفاقي.\nولعل عائشة قالت ذلك ردًا على من تطّير من شوال فكره الزواج فيه، وقد ذكر النووي ذلك نفسه، فيكون قولها دالًا على إثبات الجواز، ونفي تطّير الجاهليين بشوال.\n_________\n(١) انظر رسالته (نور اللمعة في خصائص الجمعة) ضمن مجموعة الرسائل المنيرية ١/ ٢٢٠ قال فيه \"وقفة الجمعة تفضل غيرها من خمسة أوجه، أحدها: موافقة النبي - ﷺ -، فإن وقفته كانت يوم الجمعة، وإنما يختار الأفضل\" ثم ذكر باقي الأوجه.\n(٢) صحيح مسلم بشرح النووي ٩/ ٢٠٩\n(٣) وانظر: نهاية المحتاج ٦/ ١٨٢","vol":"1","page":415},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-265>المبحث الأول سَبَبُ الفعْل</span>\nالسبب ما يضاف إليه الحكم، لتعلق الحكم به من حيث إنه معروف للحكم، أو مؤثر في حصوله، أو باعث على اشتراعه. وهي الأقوال الثلاثة التي تذكر في علة القياس. وسواء ظهرت المناسبة في ذلك أو لم تظهر، فكل ذلك سبب (١).\nوإضافة الحكم إليه أن يقال: وجب الجلد للزنا، ووجبت الظهر بزوال الشمس.\nفإذا فعل - ﷺ - فعلًا ما، لسبب من الأسباب، فإن الذي يقتدي به فيه هو من وجد مثل ذلك السبب في حقه، أما من لم يوجد فليس له أن يفعل مثل ذلك الفعل، بدعوى الاقتداء والتأسي به - ﷺ -.\nفأدلة التأسّي والمتابعة والاقتداء، مقيّدة بحصول سبب الفعل، فإذا وجد السبب وجب الاقتداء، مقيّدة بحصول سبب الفعل، فإذا وجد السبب وجب الاقتداء، وإلا فلا.\nوسواء أكان الفعل المنوط بالسبب واجبًا أو مستحبًا أو مباحًا.\nويمكن توضيح الاقتداء به - ﷺ - عند وجود السبب بالتمثيل بأنه - ﷺ - قطع يد\n_________\n(١) جمع الجوامع للسبكي، وشرحه للمحلي ١/ ٩٤. وهذا الذي اعتمدناه في السبب هو أحد قولين في تحديده. وعليه يكون شاملًا للعلة. والقول الآخر أن السبب مباين للعلة، فالسبب ما كان موصلًا دون تأثير، والعلة ما أوصلت مع التأثير.","vol":"1","page":416},{"text":"رجل سرق رداء صفوان. فالسبب هنا هو السرقة. ولا يجوز الاقتداء به - ﷺ - في قطع يد إنسان ما لم يوجد سبب القطع، وهو السرقة. فإذا وجد ذلك السبب وجب الاقتداء بإقامة الحد على السارق.\nومثاله أيضًا أن النبي - ﷺ - وقف يصلي بأصحابه، فذكر أنه جنب، فانصرف فاغتسل ثم جاء، فلم ينصرف أحد منهم ليغتسل. ووجه ذلك أن سبب الغسل وهو الجنابة، وجد في حقه هو، ولم يوجد في حقهم. وإنما يقتدي به في ذلك من وجد في حقه السبب المماثل.\nومثال ثالث: أن رسول الله - ﷺ -: \"قرأ عام الفتح سجدة، فسجد الناس كلهم، منهم الراكب والساجد في الأرض، حتى إن الراكب ليسجد على يده\" (١).\nيحتمل أنهم سجدوا لكونه - ﷺ - قرأ سجدة التلاوة، أو سجدوا لكونه قارئًا ساجدًا للتلاوة.\nفعلى الاحتمال الأول يسجد كل من استمع للقراءة التي فيها السجدة، سواء سجد القارئ أو لم يسجد.\nوعلى الاحتمال الثاني: يسجد المستمعون إن سجد القارئ، ولا يسجدون إن لم يسجد.\nويظهر أن مذهب البخاري الأخذ بالاحتمال الثاني، فقد بوّب على الحديث: (باب من سجد لسجود القارئ) واحتجّ بقول ابن مسعود للقارئ اسجد فأنت إمامنا فيها.\nومن الحجة لذلك أيضًا رواية زيد بن أسلم، أن غلامًا قرأ عند النبي - ﷺ - السجدة. فانتظر الغلام النبي - ﷺ - أن سجد، فلما لم يسجد قال: يا رسول الله! أليس في هذه السجدة سجود؟ قال: \"بلى، ولكنك كنت إمامنا فيها ولو سجدت لسجدنا\" (٢).\n_________\n(١) رواه البخاري. فتح الباري ٢/ ٥٥٦\n(٢) رواه أبن أبي شيبة (فتح الباري ٢/ ٥٥٦)","vol":"1","page":417},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-266>المطلب الأول أنواع الأفعال من حيث تعلقها بالأسباب</span>\nالأفعال من حيث تعلقها بالأسباب على أنواع:\nالأول: ما هو مرتبط بالعبادة ارتباط الجزء بالكل، فهذا لا يطلب له سبب، وذلك كالركوع والسجود بالنسبة إلى الصلاة، وكغسل الوجه أو اليدين بالنسبة إلى الوضوء، وإنما ينظر في سبب العبادة ككل.\nوليس كل أجزاء العبادة يجري هذا المجرى، بل منها ما يتبع سببًا خاصًا، كالركوعات الزائدة عن الأول في صلاة الكسوف، فإنها منوطة بالكسوف. والقنوت، فإنه مرتبط بالوتر، وسجود السهو، فإنه مرتبط بالسهو في الصلاة. وكسجود التلاوة فيهَا، فسببه تلاوة السجدة، وهكذا.\nالثاني: النوافل المطلقة، من صلاة وصوم وصدقة وأذكار مطلقة، وغير ذلك. فإنها ليست منوطة بسبب من الأسباب.\nوكذلك ما يفعله - ﷺ - من المباحات على الإطلاق، لا يطلب لها سبب لأنها تفعل لملائمة الطبيعة البشرية كما تقدم.\nالثالث: ما هو مقيد بسبب زمانيّ كالصلوات الخمس، والرواتب، وقيام الليل، وبعض الصوم كصوم رمضان، وصوم يوم عاشوراء، وست من شوال.\nأو بسبب مكانيّ، كتحية المسجد، والطواف بالبيت، والوقوف بعرفة.\nوبيّن القرافي (١) إن الصوم لا يكون منوطًا المكان، أما الصلاة فقد تناط بالزمان وقد تناط بالمكان، كما تقدم في الأمثلة.\n_________\n(١) الفروق ٢/ ١٧٠","vol":"1","page":418},{"text":"أو بسبب حادث من الحوادث، كصلاة الكسوف.\nأو بسبب مناسب يتضمن تحصيل مصلحة أو درء مفسدة، كصلاة الاستسقاء عند القحط، وقطع يد السارق، وسائر الحدود التي أقامها، وترك الأكل من الميتة، وأكل الميتة للضرورة، وسائر الرخص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-267>المطلب الثاني طرق معرفة سبب الفعل</span>\nذكر الأصوليون في أبواب القياس طرق استخراج علة الحكم. وكان ما صرفوا إليه جل همهم استخراج علل الأحكام المدْلول عليها بالأدلة القولية. أما الأفعال فقد حظيت من اهتمامهم بحظ بخس. وقد كانت جديرة بمزيد من الاهتمام، لتفتح أمام الفقهاء باب تفهّم النقول الفعلية، ووضعها في مواضعها السليمة.\nوإننا نقتفي -هنا في بيان طرق استخراج أسباب أحكام الأفعال- آثارهم في بيانهم لأسباب الأحكام القولية، مسترشدين بما وضحوه. والله الموفق والمعين، فنقول:\nإن سبب الفعل يعرف بطرق: إما أن يعرف بالنص القولي الصريح أو غير الصريح، أو بالإجماع، أو الإيماء، أو قول الصحابي، أو الاستنباط، أو المناسبة.\nالطريقة الأولى: إثبات العلة بالنص الصريح أو الظاهر، أو بالإيماء بالقول.\nوالنص إما من كتاب الله تعالى.\nوإما من رسول الله - ﷺ -، كقوله بعد أن صلى على المنبر: \"إنما فعلت هذا لتأتمّوا بي ولتعلموا صلاتي\".","vol":"1","page":419},{"text":"وكقوله، إذ شمّت أحد العاطسين ولم يشمّت الآخر: \"إن هذا حمد الله فشمَتُّه، وإنك لم تحمد الله\" (١).\nومثال الإيماء بالقول: أنه - ﷺ - خلعَ نعليه في الصلاة فخلعوا نعالهم. فلما سلم قال لهم في ذلك، فقالوا: رأيناك خلعت نعليك فخلعنا نعالنا. فقالو: \"إن جبريل أخبرني إن فيهما أذى\".\nوكقوله عندما قام لجنازة يهودي: \"أليست نفسًا؟ \" (٢).\nوكقوله عندما وضع الحجر على قبر عثمان بن مظعون: \"أعلم به قبر أخي، وأدفن إليه من مات من أهلي\".\nالطريقة الثانية: الإيماء بالفعل. ومثاله أن يفعل النبي - ﷺ - فعلًا بعد أمر طارئ. فيعلم أنه سبب الفعل، ومن ذلك أنه - ﷺ - نقص من الصلاة سهوًا، وسلّم. فلما قيل له، أتم الصلاة، وسجد سجدتين وسلم. فإن إيقاعه سجدتين في آخر الصلاة لا يعهد في الصلاة، فارتباطهما بالنقص سهوًا أمر واضح، وإلا لكانا لغوًا لا يليق به - ﷺ - (٣).\nالطريقة الثالثة: إثبات السبب بالإجماع.\nفإذا أجمعت الأمة على أن فعلًا من أفعاله - ﷺ - كان لسبب كذا، فإنه يتعين.\nالطريقة الرابعة: إثبات السببية بقول الصحابي، وذلك أن الصحابيّ يرى الفعل، ويشاهد ما يحتف به من القرائن الدالة على سببه، وهو عدل عارف باللغة. فالظاهر أن ما أخبر بسببيته هو السبب حقًا. بل لا يبعد أن يكون سمع من النبي - ﷺ - قولًا يدل على السببية فنقل إلينا السبب ولم ينسبه إلى قول النبي - ﷺ -.\n_________\n(١) رواه البخاري ومسلم (جامع الأصول ٧/ ٣٩٦)\n(٢) رواه البخاري ومسلم (جامع الأصول ١/ ٤٣٥)\n(٣) مثل القاضي الباقلاني في التقريب بسجود السهو للاستدلال على علة الحكم بفعل النبي - ﷺ -. فذكر هذا المثال، ونحن بينا أن ذلك من قبيل الإيماء. وانظر الشوكاني: إرشاد الفحول ص ٢١٣","vol":"1","page":420},{"text":"وهذا النوع -وهو إثبات السببية بقول الصحابي- هو في الحقيقة- راجع إلى طريقة أو أكثر من الطرق الأخرى المذكورة في هذا المبحث، لأن الصحابي يفهم السببية أولًا، ثم يعبر عنها. وطريقة فهمه لها راجعة إلى طريق من الطرق المذكورة ولا شك.\nإلا أن قوله بالنسبة إلينا طريق، من حيث الجملة.\nويحتمل أن الصحابي ظنَّ ما ليس بسبب سببًا. ولكنه احتمال ضئيل لا يصح الذهاب إليه، ما لم يتبيّن أن الصحابي كان في فهمه ذاك مخطئًا (١).\nوأمثلة هذا النوع كثيرة، كقول جابر بن عبد الله في ميعاد صلاة العشاء: \"كان - ﷺ - إذا رآهم اجتمعوا عجّل، وإذا رآهم أبطأوا أخّر\" (٢) فعُرف بذلك سبب تعجيله - ﷺ - العشاء وسبب تأخيرها.\nوقول عائشة: \"كان النبي - ﷺ - إذا كان جنبًا وأراد أن يأكل أو ينام توضأ\" (٣). فبينت أن الأكل والنوم على الجنابة سببان لوضوئه.\nوقولها: \"كان إذا دخل العشر شدّ مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله\" (٤). فبيّنت أن سبب الاجتهاد في العبادة عشر رمضان الأخير.\nوقول ابن عباس: \"ذكر أن النبي - ﷺ - جمع بالمدينة بين الظهر والعصر، وجمع بين المغرب والعشاء من غير خوف ولا سفر. (٥) فسئل: ما أراد إلى ذلك؟ فقال: \"أن لا يحرج أحدًا من أمته\" (٦). فإنه يدل على أن الجمع منوط بالحرج.\nالطريقة الخامسة: أن يعرف السبب بالاستنباط. وذلك إما بالسّبْرِ والتقسيم أو بالمناسبة، أو بالدَّوَران.\n_________\n(١) انظر تيسير التحرير ٤/ ٤٠\n(٢) متفق عليه (نيل الأوطار ٢/ ١٣)\n(٣) رواه أحمد ومسلم (نيل الأوطار) ٢/ ٢٣٥\n(٤) رواه مسلم ٨/ ٧٠ ورواه البخاري.\n(٥) رواه الجماعة (جامع الأصول ٦/ ٤٥٩)\n(٦) انظر فتح الباري ٢/ ٢٤","vol":"1","page":421},{"text":"فمثال الأول، وهو معرفة السبب بالسبر والتقسيم، أنه - ﷺ - صلى يوم عرفة ركعتين وخطب. فقيل كانت خطبته للجمعة لأنه وافق يوم جمعة. وقيل إنها خطبة لعرفة، والركعتان ظهر مقصورة.\nفلما علمنا أنه أسرَّ في الركعتين بالقراءة، علمنا أن الخطبة ليست للجمعة، فلا يبقى إلا للوقوف بعرفة. وعليه فيقتدى به - ﷺ -، فيثبت للوقوف بعرفة خطبة (١).\nومثال آخر: روت أم هانئ أن النبي - ﷺ - صلى يوم فتح مكة ثماني ركعات، وذلك وقت الضحى (٢). فاختلف في سببه هل هو الوقت، فيدل على استحباب صلاة الضحى، أو الفتح. وقد ذكر ابن القيم أن الأمراء كانوا يصلونها ويسمونها صلاة الفتح (٣).\nفلما صلى، - ﷺ - الضحى في غير هذا الموطن، وعلم من شأنه الترغيب في صلاة الضحى، عرف ارتباطها بهذا السبب. والله أعلم.\nومثال الثاني: وهو المناسبة، أنه - ﷺ - حسم يد السارق بعد القطع، والغرض حفظ العضو من التلف.\nومثال إثباته بالدوران: حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: \"عرضت على النبي - ﷺ - يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة، فلم يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق، وأنا ابن خمس عشرة فأجازني\".\nاحتج به لمذهب الشافعي وأحمد في أن المدة التي إذا بلغها الإنسان ولم يحتلم\n_________\n(١) انظر مناظرة طريفة بين القاضي أبي يوسف، وبين مالك، بمحضر هارون الرشيد، في هذه المسألة. ذكرها القرافي في الفروق ٢/ ١٢٥\n(٢) حديث أم هانئ في صلاته الضحى يوم الفتح متفق عليه (نيل الأوطار ٣/ ٧٠)\n(٣) انظر الشوكاني: نيل الأوطار ٣/ ٦٧","vol":"1","page":422},{"text":"حُكِمَ ببلوغه، هي خمس عشرة سنة. فقد أجاز ابنَ عمر في القتال بخمس عشرة سنة، ولم يجزه فيما دونها، فدلّ على ذلك (١).\nوأما أبو حنيفة ومالك فلم يأخذا بذلك. وقال أبو حنيفة: يحكم ببلوغ الجارية ببلوغ سبع عشرة، وأما الغلام ففيه روايتان: أحدهما: بسبع عشرة كالجارية، والأخرى بثمان عشرة. وقال مالك: لا حدّ للبلوغ بالسن (٢).\nوقد اعتذر لمن لم يأخذ بحديث ابن عمر في ذلك: بأن الإجازة في القتال حكمها منوط بإطاقته والقدرة عليه، وأن إجازة النبي - ﷺ - لابن عمر في الخمس عشرة: لأنه رآه مطيقًا للقتال ولم يكن مطيقًا له قبلها (٣).\n_________\n(١) ابن دقيق العيد: الأحكام ٢/ ٣٣٥\n(٢) ابن قدامة: المغني ٤/ ٤٦٠\n(٣) ابن دقيق: الإحكام ٢/ ٣٣٥","vol":"1","page":423},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-268>المطلب الثالث هل يتوقف الاقتداء بالأفعال النبوية على معرفة أسبابها</span>\nإن الأفعال بالنسبة إلى هذا الأمر على أقسام:\nلأن الفعل إما أن يكون مما يتوقف على سببٍ، أو لا.\nوالأول: إما أن يعلم سببه، أو لا.\nوالأول: إما أن يكون السبب مستمرًا بعده، أو لا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-269>فهي أربعة أقسام:</span>\n١ - ما لا يتوقف على سبب. ٢ - ما فعله لسبب معلوم وهو مستمر بعده.\n٣ - ما فعله لسبب فزال. ٤ - ما جهل سببه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-270>القسم الأول: ما لا يكون مرتبطًا بسبب أصلًا، بل هو مطلق، كنوافل الصوم والصلاة:</span>\nفهذا يفعل اقتداء به - ﷺ -. ويفعل مطلقًا، كما أن المتأَسيَّ به مطلق. فلا يجوز ربط نوافل بأسباب لم يربط بها النبي - ﷺ - فعله. فمن اقتدى به - ﷺ - في نوافل الصلاة المطلقة لا يجوز أن يفعلها مرتبطة بأسباب من عنده. كما لو تداعى قوم لتخصيص الثلاثاء أو الأربعاء على سبيل القربة بصوم أو صلاة، أو تخصيص مكان لم يخصه به النبي - ﷺ - بشيء من ذلك. ووجه ذلك أن سببيّة السبب الشرعي، هي حكم شرعي. والحكم الشرعي لا يجوز إثباته إلا بدليل.","vol":"1","page":424},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-271>القسم الثاني: ما علم ارتباطه بالسبب. وهو ما كان الفعل في الأصل ممنوعًا أو مكروهًا، وقد فعله - ﷺ - لسبب</span>.\nوهذا القسم لا يجوز فعله بلا سبب، لأنه لو كلمتين لغير سبب مماثل لانتقل من حيز الممنوعات إلى حيز المباحات، فيكون نسخًا وإبطالًا للحكم الأصلي، وذلك غير مراد.\nويدخل في هذا القسم أنواع:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-272>١ - الرخص: </span>كجمعه - ﷺ - بين الصلاتين. إذ إن فيه تقديم الصلاة عن وقتها، أو تأخيرها عن وقتها، وكلاهما حرام. وإنما يجوز الجمع عند سببه.\nومثال آخر: تقريره الزاني باللفظ الصريح، والتصريح بمثل ذلك، لأنه من الفحش وهو محرم، وإنما جاز لسبب هو الأمن من إقامة الحدّ على بريء.\nومثال ثالث: ما روى الترمذي: \"أنهم كانوا مع النبي - ﷺ - في مسير، فانتهوا إلى مضيق، فحضرت الصلاة، فمُطروا، السماء من فوقهم والبِلّة من أسفل منهم. فأذّن رسول الله - ﷺ - وهو على راحلته. وأقام، فتقدم على راحلته فصلى بهم، يومىء إيماء، يجعل السجود أخفض من الركوع\" (١).\nفالأصل أن صلاة الفريضة لا تجوز على الراحلة، لما في ذلك من نقص بعض الأركان، ولكن جاز لما ذكر في الحديث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-273>٢ - العقوبات: </span>وهي منوطة بأفعال معينة صدرت من المكلفين الذين أوقعت بهم، كقطع يد السارق، ورجم الزاني الثيب، وجلد القاذفين لعائشة ﵂. قال الشوكاني: \"ما يفعله - ﷺ - مع غيره عقوبة له اختلفوا فيه هل يقتدى به أم لا؟ فقيل يجوز، وقيل هو بالإجماع موقوف على معرفة السبب، وهذا هو الحق. فإن وضح لنا السبب الذي فعله لأجله، كان لنا أن نفعل مثل فعله عند وجود مثل ذلك السبب، وإن لم يظهر السبب لم يجز\" (٢).\n_________\n(١) ٢/ ٤٥٨\n(٢) إرشاد الفحول ص ٣٦","vol":"1","page":425},{"text":"والأمر كما قال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-274>٣ - ما أخذه - ﷺ - من مال إنسان: </span>فإن الأصل تحريمه، لقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ فإذا أخذ - ﷺ - مال إنسان فلا يؤخذ مثله من مثله، حتى يعرف هل أخذه على وجه الزكاة، أو الصدقة، أو الهدية أو غير ذلك. وقد قال القاضي عبد الجبار: \"لو أنه - ﷺ - أكره غيره على أخذ شيء من ماله لعلمناه حقًا. فإذا علمنا سببه صح التأسي به\" (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-275>٤ - العبادات الخاصة المرتبطة بالأسباب</span>، فلا تفعل إلا عند وجود سببها. كصلاة الكسوف، لا تفعل إلا عند وجود السبب. وكسجود السهو، وسجود التلاوة، وكالقنوت في الصبح على رأي ابن تيمية ومن وافقه، فإنه يراه منوطًا بالنوازل، بناء على حديث أنس (٢) أنه - ﷺ -: \"قنت شهرًا بعد الركوع في صلاة الصبح، يدعو على رِعْلٍ وذَكْوانَ\" (٣). قال ابن تيمية، بعد أن ذكر حكم القنوت: \"هذا النزاع الذي وقع في القنوت، له نظائر كثيرة في الشريعة. فكثيرًا ما يفعل النبي - ﷺ - لسبب، فيجعله بعض الناس سنة، ولا يميز بين السنة العارضة والدائمة\" (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-276>القسم الثالث: ما فعله لسبب فزال</span>.\nما فعله النبي - ﷺ - لمعنى معين، ثم زال ذلك المعنى نقل فيه الزركشي (٥) عن الماوردي حكاية قولين للشافعية:\nالقول الأول: وقد قاله أبو إسحاق المروزي، أننا لا نفعله، لزوال معناه، إلا بدليل يدل على فعله بعد زوال المعنى. وبمثل هذا القول يقول أبو شامة (٦).\n_________\n(١) المغني ١٧/ ٢٧٢\n(٢) البخاري ٢/ ٤٩٠، ومسلم ٥/ ١٧٩\n(٣) رعل وذكوان اسمان لقبيلتين، تعرضوا لرسل النبي - ﷺ - فقتلوهم. فكان يقنت ويدعو عليهم.\n(٤) مجموع الفتاوى ٢٣/ ٤١١٣، ١١٤\n(٥) البحر المحيط ٢/ ٢٤٨ ب\n(٦) المحقق ق ١٧ ب","vol":"1","page":426},{"text":"القول الثاني: ونسبه إلى ابن أبي هريرة: يقتدى به وإن زال معناه، نظرًا إلى مطلق التأسيّ. لقوله تعالى: ﴿واتبعوه﴾. ولما ورد في السنة من أن النبي - ﷺ - في عمرة القضاء، وأصحابه، اضطبعوا بأرديتهم ورملوا في الطواف من الحجر الأسود إلى الركن اليماني، ومشوا من اليماني إلى الأسود، فعلوا ذلك ثلاث مرات، وبيّن - ﷺ - الغرض من ذلك بقوله: \"رحم الله أمرأ أراهم من نفسه اليوم قوة\". وكان المشركون قد وقفوا في المسجد الحرام من جهة الحِجْر، وقد قالوا فيما بينهم: إنه يقدم عليكم قوم قد وهنتم حمّى يثرب. فأمر النبي - ﷺ - أصحابه بذلك ليظهروا الجلَد والقوة والنشاط، إرغامًا للمشركين، وكسرًا لحدة سخريتهم. ثم بعد ذلك فتحت مكة، وقضي على قوة الشرك، ففعل النبي - ﷺ -، هو وأصحابه في طواف القدوم ما فعلوه في عمرة القضية، مع زوال السبّب. فلم يكن هناك مشركون يقفون من جهة الحِجْر، ينظرون إلى المسلمين تلك النظرة. فدلّ ذلك على أن ما فعله لغرض فزال، أنه يستمرّ حكمه.\nوقد يعترض على ذلك بأن يقال: لم تخل مكة عند حجة الوداع أيضًا، من قوم حاقدين من أهل مكة، يتربّصون بالمسلمين الدوائر، ولو لم يروا من المسلمين قوة وشوكة ترهبهم لانتفضوا عليهم. وبهذا يتبين أن السبب لم يزل في حجة الوداع.\nفلأصحاب القول الثاني أن يجيبوا عن ذلك بجوابين:\nالأول: أن ما ذكرتم، لو سلّم، يقتضي المحافظة على الاضطباع والرمل أما المشي من الركن اليماني إلى الأسود، فذلك لا يقتضيه، إذ كان بالإمكان أن يستمرّ الرمل الأشواط الثلاثة، أو أن تكون الاستراحة بالمشي في غير الموضع الذي مشوا فيه أولًا. فلما حافظوا على المشي في المكان عينه الذي مشوا فيه أولًا، ورملوا في المكان الذي رملوا فيه أولًا. دل ذلك على أن الفعل يستمر حكمه وإن زال سببه.\nالثاني: إنه حتى بعد أن قوي الإسلام، وزالت العداوات والإحَن،","vol":"1","page":427},{"text":"واجتمعت كلمة أهل مكة على الإسلام، لم يترك المسلمون الرَّمَل ولم يُعْلم خلاف بين أهل العلم في سنيته (١). والاضطباع سنّة كذلك عند الجمهور، وخالف فيه الإمام مالك. وعندما حجّ عمر بن الخطاب، وأتى المطاف، قال: \"ما لنا وللرمل، إنما كنّا راعينا به المشركين\" (٢) ثم قال: \"شيء فعله رسول الله - ﷺ -، لا نحبّ أن نتركه\". وفي رواية أبي داود: قال عمر بن الخطاب: \"فيم الرَّمَلان والكشف عن المناكب وقد أطّأ الله الإسلام، ونفى الكفر وأهله؟ مع ذلك لا ندع شيئًا كنا نفعله مع رسول الله - ﷺ -\". وذلك يدل على المطلوب.\nوقد نقل السبكي في قواعده (٣) القولين، ومثّل للمسألة برجوعه - ﷺ - في صلاة العيد في طريقٍ آخر. ثم ذكر المعاني المحتملة لذلك، ثم قال: \"إن رجح معنىً مما ذكر، فمن وجد فيه ذلك المعنى كان مستحبًّا في حقه، ومن لم يوجد فيه فوجهان، والأصح الاستحباب\".\nوهذا من السبكي يقتضي ترجيح القول الثاني، وهو قول ابن أبي هريرة أن الفعل النبوي يقتدى به، ولا يعتبر السبب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-277>رأينا في هذه المسألة:</span>\nالذي نراه ترجيح القول الأول، وهو أن الفعل إذا زال سببه، فلا يتّبع، لأن الفعل الذي فُعِل لغرض، إنما يكون اتباعه لتحصيل ذلك الغرض. فإن علم أنه لا يحصل، فإن فعل مثله لا يكون اتباعًا وتأسيًِّا، وإنما يكون غفلة ومخالفة.\nوأيضًا فإن السببية حكم شرعي، فإن كان الشيء مما لا يفعل إلا عند السبب لم يجز فعله بعد زوال السبب.\nونستدل لذلك أيضًا بأن النبي - ﷺ - خلع نعليه في الصلاة فخلعوا نعالهم. فلما سلم قال لهم: \"لم خلعتم نعالكم؟ \" قالوا: رأيناك خلعت نعليك فخلعنا\n_________\n(١) ابن قدامة: المغني ٣/ ٣٧٣\n(٢) جامع الأصول ٤/ ١٢\n(٣) قواعد السبكي ق ١١٥، أ، ب.","vol":"1","page":428},{"text":"نعالنا. قال: \"إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما أذىً. فإذا جاء أحدكم المسجد فلينظر في نعليه، فإن وجد فيهما أذىً أو قذرًا فليمسحه، وليصلِّ فيهما\". فلم يصرْ خلع النعال في الصلاة سنة بخلع النبي - ﷺ - لنعليه، إلا أن يكون عند وجود الأذى فيهما. أما إذا زال ذلك المعنى فلا، كما يشير إليه الحديث.\nفإن قيل: فما وجه استمرار الرمل والاضطباع سنة، حتى بعد أن انقضى السبب؟.\nفالجواب: أن هذا نوع من الأفعال غير ما تقدم ذكره. وذلك أن الشرع دل على أنه يراد لهذا الفعل أن يكون صفة من صفات الطواف، مشروعة فيه.\nوإيضاح ذلك، أن أفعال الحج مثلًا، كثير منها اتُّخذت فيه أفعال وأحوال متقدمة، من أيام إبرا هيم ﵊ وأسرته، وقعت منهم، فاتُّخذت نموذجًا وضعت على مثاله أفعال الحج.\nولنعتبر ذلك بالسّعْيِ بين الصفا والمروة. فأصله سعي أم إسماعيل بينهما، لتطلب الماء لابنها الذي تركته يضغُو عند زمزم. فعلت ذلك سبعًا، وقد هرولت في المنخفَض الذي هو بطن الوادي. فوُضِع السعي على مثال ذلك، وجعل جزءًا من أجزاء الحج. يقول ابن عباس مشيرًا إلى هذه القصة، كما روى عنه البخاري، قال رسول الله - ﷺ -: \"فذلك سعي الناس بينهما\" (١).\nوكذلك تضحية إبراهيم بالكبش اتخذت أساسًا لمشروعية الهدي. وقد أمرنا باتخاذ مقامه مصلى.\nوهذه الأفعال أبقيت في العبادات مستمرة دائمة، كما تبقى الأمم بعض الآثار الحسية المشاهدة، لتدلها على عظمة أسلافها السابقين، ولتكون ذكراها ماثلة أمام الأبناء، تثيرهم نحو التضحية والفداء، والاقتداء بسابقيهم من المعظّمين. فهذه آثار من الحجارة والطين، وتلك آثار من التفاني في طاعة الله.\n_________\n(١) البخاري بشرحه فتح الباري ط الحلبي ٧/ ٢٠٩","vol":"1","page":429},{"text":"يقول ابن دقيق العيد في شأن بقاء الرمل والاضطباع ونحوهما مما بقي من الأحكام بعد زوال سببه:\nفي ذلك من الحكمة تذكر الوقائع الماضية للسلف الكرام. وفي طيّ تذكرها مصالح دينية. إذ يتبين في أثناء كثير منها ما كانوا عليه من امتثال أمر الله، والمبادرة إليه، وبذل الأنفس في ذلك. وبهذه النكتة يظهر لنا أن كثيرًا من الأعمال التي وقعت في الحجّ، ويقال بأنها (تعبد)، ليست كما قيل. ألا ترى أنّا إذا فعلناها وتذكّرنا أسبابها، حصل لنا من ذلك تعظيم الأولين، وما كانوا عليه من احتمال المشاق في امتثال أمر الله، فكان هذا التذكّر باعثًا لنا على مثل ذلك، ومقرِّرًا في أنفسنا تعظيم الأولين. وذلك معنى معقول\" (١). اهـ.\nثم ذكر أن السعي بين الصفا والمروة اقتداء \"بفعل هاجر، وأن رمي الجمار سببه فعلُ إبراهيم، إذ رمى إبليس بالجمار في هذا الموضع\". اهـ.\nفالذي نقوله إذن في فعله - ﷺ - الرمَل والاضطباع، إنه اتخذ أساسًا، وضعت العبادة على مثاله.\nفإن قيل: هذا يدل على أن أفعاله - ﷺ - يقتدي بها حتى بعد زوال السبب.\nفالجواب: إن ما جعل منها مثالًا هو الذي يتبع. كالرمل والاضطباع، دون ما لم يجعل مثالًا، كحمل السيوف مثلًا، أو قعقعة السلاح، أو غير ذلك. والفرق بين النوعين أن الأول وضعته الشريعة أسلوبًا للعبادة، ولم تضع الثاني. وإن كان هذا الثاني مستحبًّا عند وجود سببه وهو إخافة المشركين. لكن لم تجعله الشريعة جزءًا من عبادة الحج. ولو جعلته لصار منها.\nوالحاصل، أن الفعل النبوي إذا فعل لسبب، ثم زال السبب، فإنه لا يقتدى به إلا بدليل يدل على ذلك، وهو قول أبي إسحاق المروزيّ المتقدم ذكره. والله أعلى وأعلم.\n_________\n(١) الإحكام ٢/ ٧٥","vol":"1","page":430},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-278>القسم الرابع: ما فعله ولم نعلم سببه:</span>\nويدخل في هذا القسم ما جهل سببه بالكلية. ويدخل أيضًا ما دار بين أمور لا يدرى أيها هو السبب ولم يترجح واحد منها.\nوالاقتداء بأفعال هذا القسم أعلى من الاقتداء بأفعال القسم السابق، لأن ما علم زوال معناه قطعًا لا يوازي ما جهل معناه مع احتمال أن يكون باقيًا في حق المقتدي، إذ إنه قد يفعله حينئذٍ احتياطًا لعلّه أن يصادف السبب.\nومن أجل ذلك كان حكمه أخفى.\nوقد قال أبو إسحاق المروزيّ في هذا النوع: يقتدى به (١). وضمّه إلى ما علم معناه وكان باقيًا. ولم يضمه إلى ما زال معناه.\nوكذلك قال السبكي: يقتدى به بالإطلاق (٢).\nوقال النووي أيضًا: يستحب التأسّي به قطعًا (٣).\nوهذا هو الحق، ولا يجوز سواه. لأننا قد افترضنا أنه فعل شرعي، ليس جبليًّا ولا هو من الخواصّ. فلا شكّ أنه دله فعله لمصلحة مشروعة، إما لذاته وإما منوطًا بسبب. فإذا جهلنا السبب بقي احتمال حصول المصلحة بفعله قائمًا، مرجّحًا للفعل على الترك، وذلك معنى الاستحباب. ويفارق أفعال القسم السابق، فإننا علمنا أن المصلحة لا تحصل بالفعل منها إلا عند سبب معين، فلا معنى لإيجاد الفعل مع القطع بإن المصلحة المطلوبة لا تحصل به. بخلاف أفعال هذا القسم الذي نحن فيه، فإن رجاء حصول المصلحة به لم ينعدم.\nوقد مثل له السبكي في قواعده بالذهاب للعيد من طريق والرجوع من طريق آخر. وجعل تكرار ذلك منه - ﷺ - دليل شرعيته. وذكر أن الشافعية قالوا في معناه أقوالًا:\n_________\n(١) الزركشي: البحر المحيط ٢/ ٢٤٨ ب.\n(٢) السبكي: القواعد ١١٥ أ، ب.\n(٣) الزركشي: البحر المحيط ق٢/ ٢٤٨ ب","vol":"1","page":431},{"text":"منها: أنه كان يطيل طريق الذهاب لتحصيل الفضيلة، ثم يرجع من طريق أقصر. قال وهذا هو الراجح عند الأكثرين.\nوقيل: ليتصدق فيهما.\nوقيل: ليسوّى بين أهل الطريقين.\nوقيل: لتشهد له الطريقان.\nوقيل: ليغيظ المنافقين بإظهار الشعار.\nوقيل غير ذلك.\nفهو مثال لما تردد فيه الفعل بين أسباب.\nومثال ما لم ينقدح فيه سبب أصلًا تقبيل النبي - ﷺ - للحجر الأسود، قال عمر بن الخطاب ﵁، لما وقف عند الحجر (١): \"إني لأقبلّك، وإني لأعلم أنك حجر، وأنك لا تضرّ ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله - ﷺ - قبلك ما قبلتك\".\nوهذه قاعدة ينبني عليها الاقتداء بأفعال كثيرة مما فعله النبي - ﷺ - من الأمور المشروعة التي لم تعلم أسبابها. فإنها ينبغي أن تكون محلًا للقدوة ولا ينبغي أن يقال: لا نفعلها إلا بعد معرفة السبب. فلو قيل ذلك لسقطت دلالة أفعال كثيرة تتصل بالشرع ولم تعلم أسبابها، تعلم من تتبع كتب الحديث ولكن الشرط أن يعلم أن الفعل خارج عن الجبليّ ونحوه مما تقدم، مما لا يقتدى به أصلًا. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-279>استدراك:</span>\nيلوح لنا في هذه المسألة تقييد:\nفإن الفعل إذا جهل معناه، ولكن دار بين احتمالات بعضها باق وبعضها زائل، فيتأتى القول السابق بصحة الاقتداء به. ومما هو زائد في المثال السابق الذي ذكره السبكي: قصد التصدق في الطريقين، فإنه زائد بالنسبة إلى من لا يريد أن\n_________\n(١) رواه مسلم ١٩/ ١٧والبخاري.","vol":"1","page":432},{"text":"يتصدق. وكذلك التسوية بين أهل الطريقين، فقد يكون أحد الطريقين لا ساكن به. وأما إذا قلنا: سببه تحصيل الفضيلة بأبعد الطريقين، فذلك يقتضي أن لو رجع أيضًا في الطريق الأبعد لحصل الاقتداء. وإن قلنا: المعنى أن يشهد له الطريقان، فذلك باقٍ لا يتصور زواله.\nولكن إذا دار الفعل بين احتمالات كلها باقية فذلك يتأسّى به قطعًا ولا مجال للتردد، لحصول المصلحة قطعًا.\nوكذلك إن دار بين احتمالات كلها زائلة بالنسبة إلى المقتدي، فلا يكون الفعل بالنسبة إليه من هذا القسم، بل من القسم السابق وهو ما زال حكمه. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-280>استدراك آخر:</span>\nما تقدم اختياره في أفعال هذا القسم هو ما كان الأصل في الفعل الإباحة، والسبب يقتضي فيه الاستحباب أو الوجوب، لولا ذلك السبب لكان من المباح. فيصح أن يقال حينئذٍ: يقتدى بفعله - ﷺ - وإن جهل السبب.\nأما إن كان أصل الفعل التحريم أو الكراهة والسبب يقتضي الإباحة أو غيرها، فإنه إن جهل السبب لم يصح الاقتداء. ومثال ذلك الرخصة التي تبيح المحرّم. فلو أنه - ﷺ - أفطر في رمضان لسبب لا ندري ما هو، لم يصح الاقتداء به، وكذلك لو عاقب إنسانًا لسبب لم ندره.\nوحاصل هذه القاعدة، أن ما كان الأصل فيه المنع، فلا ننتقل عن هذا الأصل إذا صدر عن النبي - ﷺ - فعل خارج عن ذلك لسبب لم يعلم.\nوشبيه بذلك في الاستدلال بالأقوال، أن بَرِيرَةَ كانت أَمَةً مملوكة كاتَبَها أهلها، فأرادت عائشة أن تشتريها لتعتقها، وأراد أهلها أن يشترطوا أن يكون لهم ولاؤها بعد عتقها. وذكرت عائشة ذلك للنبي - ﷺ -، فقال: \"اشتريها وأعتقيها واشترطي لهم الولاء، فإن الولاء لمن أعتق\" (١).\n_________\n(١) رواه مسلم ١٠/ ١٤٤ والبخاري ومالك في الموطأ.","vol":"1","page":433},{"text":"فليس لغيره - ﷺ - أن يشترط للبائعين شرطًا لهم فيه مصلحة وهو يعلم أنه لا يلزمه شرعًا، ويزعم أنه فعله بناء على إذنه - ﷺ - في ذلك، لما في ذلك من المخادعة الممنوعة شرعًا.\nفإن علم السبب جاز. والسبب على ما ذكره الشافعي في الأم (١) وما رجحه ابن القيم (٢): استحقاقهم للعقوبة، جزاء على إقدامهم على مخالفة الشريعة، وهم يعلمون حكمها القاضي بأن \"الولاء لمن أعتق\" فمن اقتدى به عند حصول مثل هذا السبب جاز. والله أعلم.\n_________\n(١) فتح الباري ٥/ ١٩١\n(٢) إعلام الموقعين ٤/ ٣٣٨","vol":"1","page":434},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-281>المبحث الثاني الفَاعِل وَجهَاته</span>\nالنبي - ﷺ - بعث مبينًا بقوله وفعله، وملتزمًا فيهما بالمنهج الرباني. وكان من تمام البيان الفعلي أن النبي - ﷺ - قام في حياته بأدوار مختلفة في البيئة الاجتماعية التي كان واحدًا من أفرادها. وكان في كل دور من تلك الأدوار قدوة لمن يأتي بعده - ﷺ - ممن يمثل ذلك الدور.\nفكان الإنسان المسلم، ورب أسرة، وكان رئيس الدولة، ومتولي السلطات، والمحتسب، وقائد الجيش، والقاضي، والمفتي، وكان إمام الصلاة.\nوكان كثير من هذه الأدوار ممتزجًا بعضه ببعض، في شخصه - ﷺ -.\nوالتصرف الذي كان يتصرفه كان ينتمي إلى واحد أو أكثر من هذه الجهات من شخصه الشريف.\nوالاقتداء به - ﷺ - في فعل من أفعاله يكون صحيحًا إذا كان المقتدي به مساويًا له في الجهة التي صدر عنها ذلك الفعل.\nفالتصرفات الصادرة عنه بوصفه رئيس الدولة، يقتدي به فيها من كان بعده رئيس دولة.\nوما فعله بوصفه مفتيًا، يقتدي به فيه المفتي.\nوما فعله بوصفه قاضيًا، يقتدي به فيه القاضي.\nوما فعله بوصفه إمامًا في الصلاة يقتدي به فيه الأئمة بعده. وذلك كتقدمة","vol":"1","page":435},{"text":"أمام الصف، ونيته الإمامة، وجهره بالقراءة بصوت مرتفع، وسبقه لهم بأفعال الصلاة، واتخاذه سترة، وتركه التطوع مكان الفريضة.\nوسائر المصلين يقتدون به في ما يفعله بوصفه مصليًا مطلقًا، كرفع اليدين، والتكبير، وقول آمين والركوع والسجود ونحو ذلك.\n\nالتمييز بين جهات الفاعلية:\nلكن تمييز ما ينتمي إليه الفعل من هذه الجهات المختلفة قد يكون أمرًا بيّنًا لا يختلف فيه، كما تقدم في ما ذكرناه من أفعال إمام الصلاة، وقد يكون مشكوكًا فيه فيقع الاختلاف فيه.\nوقد تبينت الحاجة إلى التمييز بين أوصافه التي ترجع إليها أفعاله - ﷺ - بل وأقواله، عندما انفصلت الأعمال في المجتمع الإسلامي، واختص بكل دور شخص معيّن أو طائفة من الناس. وبعض ذلك حصل في زمنه - ﷺ -.\nلقد حاول الِقرافي محاول جادة، وضع قاعدة التمييز بين الجهات المختلفة المشار إليها، لكن في حيز الأحكام القضائية، وما يمكن أن تشتبه به، وذلك في رسالته (الإحكام في تمييز الفتاوي عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام) ميّز فيها (١) بين أنواع من التصرفات:\nالأول: تصرفه - ﷺ - بمقتضى الرسالة. ومقتضاها التبليغ. يقول القرافي:\n\"أما الرسالة فليس يدخل فيها إلا مجرد التبليغ ... وهذا لا يستلزم أنه فُوِّض إليه أمر السياسة العامة. فكم من رسلٍ لله تعالى لم يؤمروا بالنظر في المصالح العامة\".\nالثاني: تصرفه بمقتضى الإمامة (السلطة العامة)، ومقتضاها السياسة العامة، وتنفيذ الأحكام، والقيام بالمصالح.\n_________\n(١) انظر الرسالة المذكورة ص ٨٧ - ٩٤","vol":"1","page":436},{"text":"الثالث: تصرفه بمقتضى الإفتاء، وهو تطبيق الأحكام الشرعية على الوقائع دون إلزام.\nالرابع: تصرفه بمقتضى الحكم، يعني القضاء. وذلك يقتضي أن له سلطة إنشاء الأحكام القضائية.\nونحن قد توسّعنا في بيان جهات أخرى غير ما ذكره القرافي.\nونضيف أيضًا بيان الحكمة في جمعه - ﷺ - لهذه المناصب، وفائدتها من جهة التبليغ.\nفقد يُقال: إنه كان بالإمكان أن يقوم - ﷺ - بمهمة الرسالة وحدها، أي بمجرد التبليغ. فيبيّن بقوله ما على رئيس الدولة أن يفعله وما على القاضي أن يفعله، وهكذا المحتسب، وإمام الصلاة، والمفتي وغيرهم، وما لهم أن يفعلوه أيضًا.\nوالجواب ما تقدم من أن وظيفة النبي - ﷺ - ومهمته التي حددت في القرآن ليست مقصورة على التبليغ. بل منها التعليم والتزكية أيضًا، وذلك يتمّ بأن يكون ما بلغه - ﷺ - بالقول، مطبّقًا تطبيقًا حيًّا مشاهَدًا، ليحصل تمام الإدراك والتعقل لما يبلغه بالقول.\nفحصل بجمعه - ﷺ - منصب القضاء إلى منصب الرسالة البيان الفعلي لما يراعى في القضاء من الأحكام الشرعية. وبجمعه منصب الإفتاء إلى منصب الرسالة البيان الفعلي لما يراعيه المفتي عند إصداره الفتيا. وبجمعه إمامة الصلاة البيان الفعلي كذلك. وكذلك يقال في الإمامة العامة والإدارة، وما سواها من المناصب.\nوكان هذا أظهر في الحكمة من أن يكون متوليًّا منصب الرسالة وحده، إذ لا تتبين حينئذٍ الأحكام الشرعية المتعلقة بسائر المناصب إلا قولًا فقط، وذلك يكون قصورًا في البيان والتعليم. والله عليم حكيم.\nولكن قد حصل بسبب هذا الجمع بين المناصب اشتباه في بعض الأحكام المستفادة من الفعل: أهي أحكام شرعية عامّة تلزم الأمة، أم هي أحكام خاصة موقتة، تلزم من تعلقت به وحده.","vol":"1","page":437},{"text":"أو بعبارة أخرى: هل هي صادرة عن النبي - ﷺ - بوصفه رسولًا، أو بغير ذلك من صفات، من الجهات التي تقدم ذكرها.\nلقد ذكر الأسنوي من هذه الجهات ثلاثًا: منصب النبوة، ومنصب الإمامة العامة، ومنصب الإفتاء. ثم قال: \"إن ما ورد بلفظ يحتمل رده إلى المناصب الثلاث يحمل عند الشافعي على التشريع العام، لأنه الغالب من أحواله - ﷺ - ولأنه المنصب الأشرف، ولأن الحمل عليه أكثر فائدة، فوجب المصير إليه ... وقال أبو حنيفة: يحمل على الثاني لأنه المتيقن\" (١).\nوقال القرافي أيضًا: \"إن غالب تصرفاته - ﷺ - بالتبليغ، لأن وصف الرسالة غالب عليه - ﷺ -\" (٢).\nونحن نضرب أمثلة يتبين منها ما تقدم ذكره في هذا المطلب:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-282>المثال الأول:</span>\nعن عبد الله بن مسعود أنه كان يصلي، فوضع يده اليسرى على اليمنى، فرآه رسول الله - ﷺ - فوضع يده اليمني على اليسرى (٣).\nبوّب عليه النسائي: باب في الإمام إذا رأى رجلًا قد وضع شماله على يمينه. وهو تبويب حسن. لأن هذا الحكم وإن كان من باب تبليغ الشريعة، وهو لائق بمنصب النبوة، ويقتدي به كل أحد، إلا أن ذلك ألصق بمهمة إمام الصلاة المرتّب لها، فكما أنه يقيم للناس صلاتهم بمتابعتهم له، فكذلك ينبغي أن يعلمهم إتقان صلاتهم.\nوكما قيل في هذا الحديث، يقال في حديث المسيء صلاته، وحديث مسح النبي - ﷺ - مناكبهم في الصلاة ليستووا، وأنه - ﷺ - كان يتخولهم بالموعظة، وسائر ما فيه وعظ أو إنكار أو تعليم من النبي - ﷺ - في شأن الصلاة والوضوء وغيرهما من\n_________\n(١) الأسنوي: التمهيد ص ١٥٦\n(٢) الفروق ١/ ٢٠٨، ٢٠٩ و٣/ ٨\n(٣) رواه النسائي ٢/ ١٢٦ وأبو داود.","vol":"1","page":438},{"text":"الأحكام الشرعية، والآداب والأخلاق الدينية، مما وقع منه - ﷺ - في مسجده، ينبغي أن يجعل مثل ذلك من مهمة إمام المسجد، ووظيفته.\nويمكن البحث من هذه الجهة، في كثير من أفعاله - ﷺ - المتعلقة بالمسجد، كبناء بيوته - ﷺ - ملتصقة بالمسجد، فإن ذلك يمكن جعله أصلًا لتقريب بيت الإمام من المسجد. ومناسبة ذلك ظاهرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-283>المثال الثاني:</span>\nقصة حديث ذي اليدين في تسليم النبي - ﷺ - من نقص، وما جرى من السؤال والجواب بينه - ﷺ - وبين ذي اليدين وأبي بكر وعمر، ثم أتمَّ الصلاة وسجد للسهو.\nقيل إن ذلك يدل على أن من سلم من نقص ثم تكلم، يظن أن صلاته قد تمت لم تفسد صلاته. وهو مروي عن مالك.\nوقيل تفسد صلاة الجميع.\nوقيل إن عدم فساد الصلاة بذلك مختص بالإمام. وتفسد صلاة من تكلم غيره. وهو مذهب الحنفية. واعتذروا عن تكلم أبي بكر وعمر بأن كلامهما كان جوابًا للنبي - ﷺ -، وقد كانت إجابتهما للنبي - ﷺ - واجبة عليهما ولو في الصلاة، أو كان جوابهما بالإيماء لا بالقول.\nوعن تكلم ذي اليدين بأنه تكلم سائلًا عن نقص في الصلاة في وقت يمكن ذلك فيها. قالوا: والنبي - ﷺ - كان إمامًا، فيدل ما فعله على حكم فعل الإمام، ويبقى ما عداه على الأصل (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-284>المثال الثالث:</span>\nحديث عبد الله بن زيد أن النبي خرج يستسقي، فحول إلى الناس ظهره، واستقبل القبلة، ثم حول رداءه.\n_________\n(١) انظر: ابن قدامة: المغني ٢/ ٥٠، ابن دقيق العيد: الإحكام ١/ ٢٥٦","vol":"1","page":439},{"text":"قال جمهور الفقهاء: يستحب لكل من حضر صلاة الاستسقاء، من إمام ومأموم تحويل أرديتهم.\nوقال الليث، وأبو يوسف، ومحمد: يستحب ذلك للإمام دون المأموم لأنه نقل عن النبي - ﷺ - دون أصحابه (١).\nفالخلاف هنا راجع إلى الاحتمال الذي ذكرنا في أول هذا المطلب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-285>المثال الرابع:</span>\nعن سلمة بن الأكوع قال: قال - ﷺ -: \"من ضحّى منكم فلا يصبحن بعد ثالثة وبقي في بيته منه شيء\". فلما كان العام المقبل قالوا: يا رسول الله، نفعل كما فعلنا العام الماضي؟ قال: \"كلوا، وأطعموا، وادّخروا، فإن ذلك العام كان بالناس جهد، فأردت أن تعينوا فيها\" (٢).\nفإن آخر القصة يدل على أن النهي الأول كان صادرًا عنه - ﷺ - بوصفه صاحب السلطة الإدارية، وكان هذا منه إجراء موقتًا لعلاج حالة اجتماعية طارئة بما يحقّق المصلحة ويدرأ المفسدة.\nولكن باجتماع منصب السلطة مع منصب الرسالة يدل هذا الحديث أنه يجوز لصاحب السلطة الإدراية أن يتخذ مثل هذا الإجراء، بالمنع من بعض المباحات، ولا يكون ذلك مخالفًا لعقيدة الإسلام ولا شريعته.\nومثل ذلك قول النبي - ﷺ - يوم حنين: \"من قتل قتيلًا فله سلبه\" هو عند الحنفية من باب تصرفات الأئمة. ويمكن البناء عليه أن للإمام أن يضع مثل هذا القانون لتحصيل مصلحة معينة عسكرية أو مدنية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-286>المثال الخامس:</span>\nحديث غضبه - ﷺ - حين علم أنه علي بن أبي طالب يريد أن يتزوج بنت أبي جهل على فاطمة بنت محمد - ﷺ -، ورفضه - ﷺ - الموافقة على ذلك (٣).\n_________\n(١) ابن قدامة: المغني ٢/ ٤٣٤\n(٢) رواه البخاري ١٠/ ٢٤\n(٣) راجع صحيح البخاري وشرحه فتح الباري ٩/ ٣٢٧ وصحيح مسلم ٣/ ١٦","vol":"1","page":440},{"text":"وقد ذكر ابن حجر أن ذلك يحمل على ثلاثة أوجه:\nالأول: أنه - ﷺ - حرَّم ذلك على علي خاصة.\nالثاني: أن الجمع كان مباحًا لعليّ، ولكن منعه - ﷺ - من ذلك رعاية لخاطر فاطمة، وقَبِل علي ذلك امتثالًا لأمر النبي - ﷺ -.\nالثالث: إنه من خصائص النبي - ﷺ - أن يحرم التزوج على بناته. أو على فاطمة خاصة، وهو راجع إلى الأول.\nولما كان الأصل عدم الخصوصية كما تقدم فإن أصوب ما تحمل عليه القصة الوجه الثاني، ويكون ما وقع من النبي - ﷺ - وقع بصفته واحدًا من المسلمين، وغضب كما يغضب الواحد منهم، ورفض كما يرفض الواحد منهم، أن يكون لابنته ضَرّة. ويؤيد ذلك أن في إحدى روايات هذه القصة، أن النبي - ﷺ - قال: \"وإني لست أحرّم حلالًا، ولا أحِلُّ حرامًا\" (١). فهو إذن أمر شخصي بحت، لا علاقة له بالتشريع. بل كما لو استؤذن أي رجل من سائر الناس في أن يتزوج صهره على ابنته فإنه قد يرفض، وإن لم يكن ذلك ممنوعًا ولا مكروها. ثم قد يطيعه صهره ويرعى خاطره إن كان له فضل عليه. وذلك كله في حيّز المباح. ويؤيد هذا ما وقع في بعض روايات البخاري للحديث، أن فاطمة قالت له - ﷺ -: \"إن الناس يزعمون أنك لا تغضب لبناتك\" أي: كما يغضب سائر الناس. فقال - ﷺ - ما قال. ويؤيده أيضًا أن في رواية مسلم، قال - ﷺ -: \"وإن فاطمة بضعة مني يَرِيِبُني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-287>المثال السادس:</span>\nقالت هند بنت عتبة: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم. فقال - ﷺ -: \"خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف\" (٢).\n_________\n(١) رواه مسلم ١٦/ ٤\n(٢) حديث هند رواه البخاري ٩/ ٥٠٧","vol":"1","page":441},{"text":"فقد بين النبي - ﷺ - الحكم في حقّ أبي سفيان وهو غائب. فهل يدل هذا على جواز الحكم على الغائب؟.\nقال بعض الشافعية: يجوز، واحتجوا بهذا الحديث. وترجم عليه البخاري: (باب القضاء على الغائب).\nوقال أبو حنيفة: لا يجوز.\nوقال النووي: لا يصح الاستدلال، بل هو إفتاء.\nوالذي عين جهة الإفتاء ما ثبت من أن أبا سفيان كان حاضرًا بمكة (١). فلو كان ذلك القول قضاء للزم أن يحضر المجلس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-288>المثال السابع:</span>\nأحاديث الإقطاع، منها أنَّه - ﷺ - أقطع الزبير حضر فرسه، وأقطع وائل بن حجر معادن القبلية. وغير ذلك.\nوهذا بالاتفاق صادر عنه - ﷺ - بوصفه إماما للعامة. وينبني على ذلك أن للإمام أن يقطع من الأراضي التي لم يَجْر عليه ملك لأحد، في حدود المصلحة.\n_________\n(١) ابن حجر: فتح الباري ٩/ ٥١٠","vol":"1","page":442},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-289>المبحث الثالث جهَاتُ المفعُول بهِ</span>\nالقول هنا شبيه من بعض الوجوه بما تقدم من القول في جهات الفاعل، غير أن المجال هنا أضيق.\nومما اختلف فيه من الفعل بسبب اختلاف جهات المفعول به، صلاة النبي - ﷺ - على النجاشي عندما مات بأرض الحبشة، فمن منع الصلاة على الغائب، اعتذر عن هذا الحديث بأن النجاشي لم يصل عليه ببلده أحد (١).\nومن ذلك في باب صلاة الجنازة أيضًا، أنه - ﷺ - قام عند صدر الرجل ووسط المرأة. فذهب الحنابلة والشافعية إلى استحباب ذلك لظاهر الحديث. وقال أبو حنيفة: يقوم عند صدر الرجل وصدر المرأة لأنهما سواء (٢).\nومثله أن النبي - ﷺ - أتي بصبي لم يأكل الطعام فأجلسه في حجره، فبال على ثيابه. فدعا بماء فنضحه ولم يغسله (٣). فقيل بناء عليه: ينضح بول الغلام والجارية، ولا يجب غسلهما. وقيل يغسلان جميعًا. وقيل ينضحان جميعًا، وهو الأصح ما لم يأت من فرّق بينهما بحجة قائمة. لأن الأصل المساواة.\n_________\n(١) ابن دقيق: الأحكام ١/ ٣٥٢\n(٢) ابن قدامة: المغني ٢/ ٩٠\n(٣) صحيح البخاري وفتح الباري ١/ ٣٢٧","vol":"1","page":443},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-290>المبحث الرابع مَكان الفعْل وَزمانِه</span>\nيعلم مما تقدم في الفصول السابقة حكم أفعال النبي - ﷺ - بالنسبة إلينا، على أساس استواء الحكم بيننا وبينه - ﷺ -. ومن المعلوم أن فعله - ﷺ - يقع في ظرف زماني ومكاني، ولا بدّ. فهل الاقتداء به - ﷺ - يقتضي أيضًا مساوتَه في زمان الفعل ومكانه؟.\nولكي نوضح المقصود بهذا السؤال، نقول إن النبي - ﷺ - صلى بأصحابه الجمعة مثلًا في مسجده، وفي الوقت المعلوم. وفهم الفقهاء أن المسجد معتبر، وأن الوقت معتبر كذلك، فتفعل صلاة الجمعة في المسجد في الوقت الذي صلى فيه، وذلك مستفاد من قضية التساوي. ومن أجل ذلك يبحثون عن الأوقات التي صلى فيها، لتكون القدوة على أتمها بإيقاع الصلاة في مثل ذلك الوقت.\nومثل ذلك في اعتبار المكان: الوقوف خاص بعرفة، والطواف خاص بالبيت، وركعتا الطواف خاصتان بمقام إبراهيم، ونحر الهدي خاص بمكة.\nومثل ذلك في الزمان: الصوم خاص برمضان، وركعتا الفجر بعد طلوعه، وبعض الصوم خاص بالاثنين والخمسين وعاشوراء.\nومما لم يعتبر فيه المكان: الصوم، والذكر، وصلاة النفل المطلق، والبيع والشراء وعقد النكاح، وغير ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-291>الأدلة الدالة على اعتبار الزمان والمكان، أو الغائهما:</span>\n١ - قد يدل على اعتبار المكان أو الزمان بالقول.\nومثاله في المكان، ما قاله - ﷺ - في حجة الوداع، في عرفة \"وقفت هنا وعرفة","vol":"1","page":444},{"text":"كلها موقف\" فدل على اعتبار عرفة في الوقوف، وألغى خصوصية المكان الذي وقف فيه من عرفة. وقال كذلك بمزدلفة \"وقفت هنا -يعني عند جبل قُزَح- وجمعٌ كلها موقف\" وقال بمنىً: \"نحرت هنا ومنى كلها منحر\". وفي رواية: \"وكل فجاج مكة منحر\".\nومثاله في الزمان: ما في حديث عائشة، أنه - ﷺ - صام عاشوراء وأمر بصيامه.\nومثاله إلغائه أنه - ﷺ - كان يصلّي بعد العصر، وينهى عنه (١).\n٢ - أن يفعله - ﷺ - بالمكان المعيّن، قاصدًا أن يُتّخذ من بعده لمثل ذلك الفعل. ومثاله أن عتبان بن مالك طلب منه - ﷺ - أن يصلي في بيته في مكان يتخذه مصلى (٢). ففعل.\n٣ - التكرار: فقد قيل بأنه يجب اعتبارهما في التأسّي إذا كرر الرسول - ﷺ - الفعل في ذلك المكان أو الزمان. نقله الباقلاني (٣) عن قوم، وضعفه.\nوإذا ترك الفعل في الزمان أو المكان فلم يفعله مرة أخرى مع التمكن والسعة فقد يدل ذلك على عدم اعتبارهما. كتركه - ﷺ - قصد غار حراء وغار ثورٍ أن يأتيهما للتعبّد فيهما، في أيام الفتح وحجة الوداع.\nوتركه - ﷺ - الفعل المعيّن في مكان آخر، ثم عوده إلى الفعل في المكان الأول يدل على اعتباره، كتركه الجمعة في السفر والعودة إليها في الحضر، يدل على أن الحضر معتبر، بخلافه في صلاة الجماعة.\n٤ - نقل الصحابي للفعل مقرونًا بذكر الزمان أو المكان. ولم أجد أحدًا ذكر\n_________\n(١) حديث: كان يصلي بعد العصر وينهي عنه: رواه أبو داود من حديث عائشة.\n(٢) رواه البخاري في مواضع ومسلم ١/ ٢٤٢ ومالك ١/ ١٧٣\n(٣) أبو شامة: المحقق ق ٣٩ أ","vol":"1","page":445},{"text":"هذا النوع. وهو واضح من ذكرهم لنظائره في مواضع أخرى. ووجهه أن الصحابيّ قد رأى قرائن الحال، وربما سمع من النبي - ﷺ - ألفاظًا تدل على اعتبار الظرف لم ينقلها إلينا. وهو عدل، فيقتضي أن الأمر كما قال. وخاصة إذا احتج به، أو أمر به.\nومع ذلك فهذه أمارة ضعيفة. ووجه ضعفها احتمال أن مراده بنقل الزمان أو المكان مجرد الإخبار، دون الاحتجاج. ولو وضح أنه يريد الاحتجاج، فذلك رأيه، وليس قوله حجة. وكونه رأى قرائن تدل على ذلك ليس إلا مجرد احتمال.\nثم إذا انضمت هذه الأمارة إلى التكرار قويت الدلالة على ذلك، ومثاله حديث جابر: \"كان النبي - ﷺ - يصلي الظهر بالهاجرة، والعصر والشمس نقية، والمغرب إذا وجبت ... والصبح كان يصليها بغلس\" (١). يدل ذلك على أفضلية إيقاع الصلاة في هذه الأوقات.\nومثاله أيضًا حديث ابن عمر: \"أنه - ﷺ - كان يأتي مسجد قباء كلَّ سبت فيصلي فيه ركعتين\" (٢). وقد أيّد مشروعيته قوله تعالى: ﴿لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحقُّ أن تقوم فيه﴾ على القول بأن المراد بالمسجد في الآية مسجد قباء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-292>ما يعتبر من زمان الفعل النبوي ومكانه:</span>\nأما ما دل دليل خاص على اعتباره في التأسّي من الزمان أو المكان، فإنه يعتبر، اتفاقًا.\nوما دل الدليل الخاص على إلغاء التأسّي فيه، فهو ملغى اتفاقًا.\nوما لم يدل دليل خاص على اعتباره ولا على إلغائه فقد اختلف فيه على مذاهب:\nالمذهب الأول: أن الأصل عدم اعتبار الزمان ولا المكان. وهذا مذهب\n_________\n(١) حديث جابر: متفق عليه.\n(٢) البخاري ٣/ ٦٩","vol":"1","page":446},{"text":"القاضي عبد الجبار الهمداني المعتزلي (١)، وتلميذه أبي الحسن، وابن الهمام الحنفي (٢) والقاضي الباقلاني، والغزالي (٣) والآمدي (٤).\nاستدل عبد الجبار بأن اعتبارهما يؤدي إلى نقض التأسي وإبطاله، لأنه يقتضي أن المتأسي لا بد أن يفعل الفعل في الوقت نفسه الذي فعل فيه المتأسي به، وقد فات، فيؤدي إلى أن التأسي مستحيل.\nوكذلك في المكان، إذ من المستحيل جمع الناس في مكان واحد، هو المكان الذي حصل فيه الفعل المتأسَّى به. فيؤدي ذلك إلى نقض التأسي وإبطاله وقد قال أبو الحسين (٥) في إبطال هذا الاستدلال: \"هذا إنما يمنع من اعتبار زمان معين، ولا يمنع من اعتبار مثل الزمان كما في صلاة الجمعة، ولا يمنع من اعتبار ذلك المكان في زمان آخر، ولا يمنع من اعتباره إذا كان المكان مستعًا كعرفة\".\nواحتج عبد الجبار بأن الواجب الاقتصار في صفات الفعل ومتعلقاته على أقل قدر، لأننا لو اعتبرنا الأكثر من الصفات لكان في ذلك التضييق الذي لا يقف عند حد، حتى يؤدي إلى امتناع التأسي، كما تقدم.\nيقول عبد الجبار: \"يلزم على ذلك أن يعتبر محل الفعل كما اعتبر المكان والوقت. وأن تعتبر الآلة. وأن تعتبر أعيان الأشخاص، حتى إذا أخذ - ﷺ - الزكاة من العربيّ يعتبر النسب في ذلك وسائر الصفات. وهذا باطل. فلا بد إذن من اعتبار الأقل في ما يمكن معه التأسي، وإنما يقال بما زاد عليه لأجل الدليل الذي يقتضيه\".\nالمذهب الثاني: أن الأصل اعتبار الزمان والمكان كليهما في التأسي. وإلى هذا ذهب أبو عبد الله البصري (*) كما نقله عنه أبو الحسن في المكان خاصة وسكت\n_________\n(١) المغني ١٧/ ٢٦٩\n(٢) التحرير، وعليه التقرير والتحبير ٢/ ٣٠٣\n(٣) أبو شامة: المحقق ق ٣٩ أ\n(٤) الإحكام ١/ ٢٤٥\n(٥) المعتمد ١/ ٣٧٢\n(*) أبو عبد الله البصري هو الحسين بن علي. أخذ عن ابن خلاد وعن أبي هاشم الجبائي وأبي الحسن الكرخي. له ترجمة في (المنية والأمل) لابن المرتضى اليماني ص ٦٢","vol":"1","page":447},{"text":"عن الزمان (١) ونقله الباقلاني عن قوم لم يسمهم (٢).\nالمذهب الثالث: يعتبر المكان، ولا يعتبر الزمان. نقله أبو نصر القشيري (٣) عن (قوم من الأصوليين) لم يسمهم، ولم يبين الوجه في تفريقهم بينهما.\nويمكن الاستدلال لاعتبار المكان بفعل ابن عمر وسالم ابنه، إذ كانا يتحريان الصلاة في المواضع التي صلى فيها النبي - ﷺ - في أسفاره إلى مكة.\nولكن ذلك معارض بما ثبت عن عمر أنه رأى الناس يتبادرون إلى مكان فسأل عن ذلك، فقالوا: قد صلى النبي فيه - ﷺ -. فقال: \"من عرضت له الصلاة فليصلّ، وإلا فليمض، فإنما هلك أهل الكتاب لأنهم تتبعوا آثار أنبيائهم فاتخذوها كنائس وبيعًا\" (٤).\nالمذهب الرابع: اعتبار الزمان دون المكان. وإليه يميل ابن تيمية. فقد ذكر\nعن جابر أن النبي - ﷺ - دعا في مسجد الفتح ثلاثًا: يوم الاثنين، ويوم الثلاثاء، ويوم الأربعاء، فاستجيب له يوم الأربعاء بين الصلاتين فعرف البشر في وجهه. قال جابر: فلم ينزل بي أمر مهم غليظ إلا توخيت تلك الساعة، فأدعو فيها، فأعرف الإجابة. يقول ابن تيمية: \"هذا الحديث يعمل به طائفة من أصحابنا وغيرهم، فيتحرون الدعاء في هذا الوقت، كما نقل عن جابر. ولم ينقل عن جابر أنه تحرى الدعاء في المكان، ولكن تحرى الزمان\" (٥).\nرأينا في ذلك: الذي نراه ترجيح القول الأول، وهو أن الأصل عدم اعتبار الزمان والمكان في التأسّي، ما لم نعلم أنه مقصود ومتحرىًّ شرعًا.\n_________\n(١) المعتمد ١/ ٣٧٣\n(٢) أبو شامة: المحقق ق ٣٩ أ.\n(٣) أبو شامة: المحقق ٣٩ أ\n(٤) ابن حجر: فتح الباري ١/ ٥٦٩ وانظر أيضًا: ابن تيمية اقتضاء الصراط المستقيم ص ٣٨٦\n(٥) ابن تيمية: اقتضاء الصراط المستقيم ص ٤٣٣","vol":"1","page":448},{"text":"وترجيحه من وجوه:\nالأول: ما تقدم عن القاضي عبد الجبار من أن اعتبارهما تضييق وتحجير في التأسّي. فينبغي إلغاؤهما ليتسع الحكم.\nالثاني: أن الزمان والكان ظرفان للأفعال، ولا بد لكل فعل مهما كان، من أن يقع في زمان ومكان. ولا شك أن الذي يقصد اعتباره من ذلك هو الأقل، فيجب بيانه. ويبقى الأكثر وهو غير المعتبر.\nالثالث: أن يقال: إن تخصيصنا للمكان أو الزمان بناء على أن النبي - ﷺ - فعل فيه، إما أن يكون لخاصية نشأت من إيقاعه - ﷺ - العمل فيه وإما لخاصية موجودة فيه قبل أن يفعل فيه - ﷺ - فعله.\nفأما الاحتمال الأول فقد تقدم إبطاله في المطلب الخاص بسبب الفعل.\nوأما الثاني وهو أن يكون في الظرف خاصيّة تقتضي تخصيصه بالعبادة، فلا يصح بناء الأحكام الشرعية عليه، لوجهين:\nأولهما: أن احتمال وجود الخاصية المذكورة معارض باحتمال عدم وجود خاصية أصلًا، وأن وقوع الفعل في ذلك الظرف طرديٌّ محْض كتغيُّم السماء وصحوها، وخاصة إذا خلا من المناسبة، كما في عقد النكاح في شوال والدخول فيه.\nوثانيهما: أن البناء على مجرد احتمال الخاصيّة لا يصلح ولا بد من بيان ذلك بالقول أو غيره. أما مجرد إيقاع الفعل في الظرف فلا يكفي بيانًا، لما تقدم من أن الظرف ضروري للفعل من حيث هو فعل.\nولا تبنى الأحكام الشرعية إلا على علم أو ظن، ناشئ عن دليل.\nفالقاعدة إذن عدم اعتبار المكان والزمان في التأسّي، إلا بدليل خاص يدل على ذلك. والله أعلم.","vol":"1","page":449},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-293>أمثلة تطبيقية:</span>\nالمثال الأول: مكان نحر الهدي للمحصر. قال تعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله ... فإن أُحصرتم فما استيسر من الهدي﴾ ونحر النبي - ﷺ - وأصحابه هديهم حيث احصروا.\nذهب أبو حنيفة إلى أن هدي المحصر ينحر بالحرم، كهدي غير المحصر. وذهب مالك والشافعي إلى أنه ينحر في مكان الإحصار (١).\nوعن أحمد روايتان كالمذهبين (٢).\nاستدل لأبي حنيفة (٣) بقوله تعالى: ﴿ثم مَحلُّها إلى البيت العتيق﴾ وبتسميته هديًا، والهدي ما يهدى إلى البيت.\nواستدل لمالك والشافعيّ بفعل النبي - ﷺ - وأصحابه (٤). قال القرطبي: \"ينحر حيث حلّ، اقتداء بفعله ﵊ بالحديبية\".\nومقتضى القاعدة التي ذكرناها، وهو الراجح عندنا في هذه المسألة، أن هدي المحصر يجب نحره بالحرم، وأما الفعل النبوي من ذبحه خارج الحرم فهو خارج على سبب، وهو أنه قد حيل بينه وبين إرساله الهدي إلى الحرم. ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهديَ معكوفًا أن يبلغ مَحلّه﴾ يعني (وصدّوا الهَدْي).\nيقول الجصاص: (٥) \"هذا من أدل الدليل على أن محلّه الحرم: .. فلما أخبر عن منعهم الهديَ عن بلوغ مِحلّه، دل ذلك على أن الحِلَّ ليس بَمَحِلّ له\".\n_________\n(١) تفسير القرطبي ٢/ ٣٧٩\n(٢) ابن قدامة: المغني ٣/ ٣٥٨\n(٣) ابن الهمام: فتح القدير ٢/ ٢٩٧\n(٤) المجموع ٨/ ٢٦٧ وانظر أيضًا: الشافعي: الأم ٢/ ١٥٩\n(٥) أحكام القرآن ١/ ٢٧٣","vol":"1","page":450},{"text":"وعلى هذا يكون المستفاد من الفعل النبوي جواز ذبحه في مكان الإحصار في حالة عدم القدرة على إرساله إلى الحرم. والله أعلم.\nالمثال الثاني: إقامة صلاة الجمعة بالقرى.\nقال الحنفية: لا تقام إلا بمصر جامع.\nوقال الشافعية والحنابلية والمالكية: تقام بالقرى.\nاحتج الحنفية بحجج منها: كما في بدائع الصنائع، أن النبي - ﷺ - كان يقيم الجمعة بالمدينة، وما روي إقامتها حولها، وكذا الصحابة ﵃، فتحوا البلاد، وما نصبوا المنابر إلا في الأمصار (١).\nواحتج الآخرون بحجج منها ما روي عن ابن عباس، أنه قال: \"إن أول جمعة جُمعت بعد جمعةٍ في مسجد النبي - ﷺ - في مسجد عبد القيس بجواثى من قرى البحرين\" (٢).\nوقال الحنفية في رد هذا الاستدلال: القرية في عرف المتقدمين المصر، المثال الثالث: جاءت إلى النبي - ﷺ - امرأة، وهو جالس بين أصحابه. فوهبت نفسها له ليتزوجها، فكأنه لم يرد ذلك، فقال بعض أصحابه: إن لم يكن لك بها حاجة فزوِّجنْيها، فزوَّجَه بها، وفي رواية: كان ذلك في المسجد (٣).\nواضح أن الفعل يدل على الجواز، فلا حرج في إجراء عقد النكاح في المساجد. ولكن لا يصح القول بأنه مستحب فيها، لعدم الدليل على ذلك.\n_________\n(١) بدائع الصنائع ١/ ٢٦١\n(٢) رواه البخاري وهذا لفظه. ورواه أبو داود بمعناه (جمع الأصول ٦/ ٤٤٣)\n(٣) فتح الباري ٩/ ٢٠٦","vol":"1","page":451},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-294>المبحث الخامس هَيئَة الفعل</span>\nقد قال البلاقاني في هيئة الفعل كلمة تناقلها من بعده كالغزالي وأبي شامة والزركشي (١). وهي أن ما يقتدى به من الأفعال النبوية تتبع هيئته. يقول الغزالي: \"إن قيل: إن فعَلَ (النبي - ﷺ -) فعلا، وكان بيانًا، ووقع في زمان ومكان وعلى هيئة، فهل يتبع الزمان والمكان والهيئة؟ قيل: أما الهيئة والكيفية فنعم، وأما الزمان والمكان فلا مدخل له إلا أن يكون لائقًا به بدليل\".\nولم يبينوا لنا ما الهيئة التي يشيرون إليها. ولا أنها تتبع وجوبًا أو استحبابًا.\nويظهر أن المقصود بالهيئة أن يتركب الفعل من أجزاء ذات أوضاع خاصة، مع الأخذ في الاعتبار كيفية ترتّب تلك الأجزاء بموقع بعضها من بعض.\nفإن كان هذا هو المراد، فأوضح ما يمثل به لذلك هيئة الصلاة من كونها ذات قيام بعده ركوع بعده رفع ثم سجودانِ بينهما جلسة إلى آخر ما يذكر في صفة الصلاة.\nولكن هذا الأمر، وهو اتباع الهيئة، هو في الصلاة واضح لا إشكال فيه، وذلك لأن لها هيئة اجتماعية علمت من قرائن كثيرة، وإشارات في الكتاب والسنة، هي دليل الترتيب.\nأما ما لم يكن كذلك من الأفعال فهل تتبع هيئته أيضًا؟.\n_________\n(١) انظر: المستصفى ٢/ ٥٢. المحقق ٣٩ أ. البحر المحيط ٢/ ٢٥٢ أ.","vol":"1","page":452},{"text":"والذي نقوله إن إتباع الهيئة، إذا لم يُدَلّ عليها إلا بالفعل النبويّ المجرد، لا يزيد عن أن يكون مستحبًا.\nفأما إن كان الفعل بيانًا لهيئة مأمور بها فيدل على وجوب تلك الهيئة، وذلك كما أن الله أمر بالسجود، فعلّمنا النبي - ﷺ - السجود بهيئته المطلوبة التي يتحقق بها كونه سجودًا. لكن ما خرج عن تبين حقيقة السجود من الهيئات، كالتّخْوِيَة، وضمِّ الأصابع، وتوجيهها إلى القبلة، فيكون مستحبًّا لا غير، أخذ من قاعدة الفعل المجرد الذي ظهر فيه قصد القربة، فهي وإن كانت من أجزاء الصلاة، إلا أنها في ذاتها أفعال يراد بها القربة، إذ إنها تعين على الخشوع واستحضار التوجه إلى الله.\nوكذلك هيئة الطواف. فقد تبين بفعله - ﷺ - وجوب البدء من عند الحجر الأسود، وجعل البيت عن يساره وهذا ما يتحقق به كون الفعل طوافًا. وأما ما زاد عن ذلك كالرمل بين الركنين والاضطباع، والأذكار، فهي أمور خارجة عن حقيقة الطواف، فتكون من قبيل الأفعال المجردة، ويقتدى بها استحبابًا إن وضح أن المراد بها القربة.","vol":"1","page":453},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-295>المبحث السَّادس الدلالة الاقتِرانيّة</span>\nمرادنا بالاقتران أن يقع الفعل النبوي مقارنًا أو سابقًا أو لاحقًا لفعل آخر مع كون الفعلين ليسا جزأين لفعل واحد. فإن الأفعال التي تكوِّن فعلًا واحدًا قد تقدمت في المبحث الخاص بالهيئة.\nوالذي يظهر لنا أن الفعل إذا اقترن بفعل آخر علم ارتباطه به حتى يكون كالوصف له (١)، بدليل قولي، فإنه يؤخذ بذلك.\nوإن لم يكن دليل قولي، فالأولى النظر إلى ذلك حسب قاعدة التأسّي بالأفعال المجردة دون قاعدة الفعل البياني، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-296>مثال أول:</span>\nومن أوضح الأمثلة لذلك ما روى ابن مسعود: \"أن المشركين شغلوا رسول الله - ﷺ - عن أربع صلوات يوم الخندق، حتى ذهب من الليل ما شاء الله، فأمر بلالًا فأذَّن. ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء\" (٢).\nفقال المالكية والحنفية والحنابلة: يجب الترتيب بين الفوائت، حتى لو قدم العصر على الظهر مثلًا فإنه يعيد العصر.\nوقال الشافعية: لا يجب ذلك بل هو مستحب.\n_________\n(١) انظر الموافقات للشاطبي ٣/ ٣٥ - ٣٨\n(٢) حديث ابن مسعود رواه الترمذي والنسائي (جامع الأصول ٦/ ١٤١)","vol":"1","page":454},{"text":"استدل الأولون بالفعل النبويّ، مع قوله - ﷺ -: \"صلوا كما رأيتموني أصلي\" فأدخلوا في دلالة الفعل الدلالة الاقترانية، وحملوها على الوجوب. وقد تقدم أن الصواب من حديث: \"صلوا كما رأيتموني أصلي\" لا يصلح دليلًا للتمييز بين واجبات الصلاة ومستحباتها، بل تبقى أفعال الصلاة من هذه الناحية في حكم الفعل المجرّد. وبيّنّا أن الفعل المجرّد إذا لم يتقدم دلالة على أنه - ﷺ - فعله على سبيل الوجوب فلا يكون واجبًا. ولم تقم قرينة على أنه - ﷺ - رتب بين الفوائت على سبيل الوجوب، فلا يبقى إلا أنه فعل ذلك استحبابًا.\nفهذه طريق من طرق الاستدلال على كون مذهب الشافعية في مسألة الترتيب بين الصلوات المقضية أرجح. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-297>مثال آخر:</span>\nحديث ابن عمر: صليت مع النبي - ﷺ - سجدتين قبل الظهر وسجدتين بعدها، وسجدتين بعد الجمعة، وسجدتين بعد المغرب، وسجدتين بعد العشاء. فأما المغرب والعشاء ففي بيته. وحدثتني حفصة أنه - ﷺ - كان يصلي ركعتين بعدما يطلع الفجر\" (١).\nوروي نحوه عن عائشة (٢).\nفقد تضمن هذا الحديث من متعلقات الفعل ثلاثة أشياء:\n١ - العدد، وسيأتي في مطلب خاص إن شاء الله.\n٢ - والمكان، وقد تقدم أن الفعل لا يدل على اعتباره في التأسّي إلا بقرينة. وقد قال ابن حجر: استُدِل بهذا الحديث على أن فعل النوافل الليلية في البيوت أفضل منه في المسجد، بخلاف رواتب النهار. قال: وفي الاستدلال بهذا الحديث لذلك نظر، والظاهر أن ذلك لم يقع عن عمد.\n_________\n(١) رواه البخاري (٣/ ٥٠)\n(٢) رواية عائشة عند مسلم (نيل الأوطار ٣/ ١٦)","vol":"1","page":455},{"text":"أقول: ولعلّ هذا من تتبعات ابن عمر لأمكنة العبادة النبويّة، مما لم يكن غيره من الصحابة يعيرها باله، ولا يلتفت إليه.\n٣ - الاقتران بالفريضة، قبلها أو بعدها، وهو المراد هنا. والاتفاق واقع على أن هذا الارتباط بين الرواتب والفرائض معتبر، وإنما اختلف الفقهاء في العدد والمكان. ولعلّ الذي دلّ على أن هذه المقارنة معتبرة في هذا المثال اتفاق ابن عمر وعائشة على ملاحظتهما، مع الاستمرار من النبي - ﷺ - على رعايتها، وخاصة في الركعتين اللتين قبل صلاة الفجر. قالت عائشة: \"لم يكن رسول الله - ﷺ - على شيء من النوافل أشدّ تعاهدًا منه على ركعتي الفجر\".\n...\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-298>مثال رابع: النظائر القرآنية عند ابن مسعود:</span>\nورد من حديث ابن مسعود أنه قال: \"كان النبي - ﷺ - يقرأ النظائر سورتين في الركعة: الرحمن والنجم، في ركعة. واقتربت والحاقة، في ركعة والطور والذاريات، في ركعة. وويل للمطففين وعبس، في ركعة\" قال أبو داود: هذا تأليف ابن مسعود.\nولا يدل هذا الاقتران على وجوب ولا استحباب، والغالب أنه وقع عرضًا، فليس هو مما ظهر فيه قصد القربة. والله أعلم.","vol":"1","page":456},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-299>المبحث السابع الأدواتُ والعناصِر الماديّة</span>\nإن النبي - ﷺ - إذا استعان في إيجاد الفعل بأدوات معينة فذلك غالبًا للمصلحة التي تحصل بتلك الأدوات، فالتأسّي بفعله لا يقتضي الاستعانة أصلًا بأدوات مماثلة، وذلك كالعصا أو القول في الخطبة، وكالخُمْرة التي كان يضعها فيسجد عليها، واستلامه الركن بالمحجن، واستناده إلى الجذع عندما كان يخطب، قبل أن يصنع له المنبر. فلا يجب ذلك ولا يستحب، وإنما يدل ذلك على الجواز.\nوإنما قلنا في ما سبق، يستحب اتخاذ المنبر، لما ورد من القول الآمر باتخاذه، ولأنه جعل من شعائر المسجد. وأجمعت الأمة عليه.\nوكما قلنا في الأدوات، كذلك يقال في جنس المواد المستعملة، إنما تختار بحسب المصلحة، فإذا بني - ﷺ - مسجده من طين وسعف النخيل، وفرشه بالرمل أو الحصباء، وكان منبره ثلاث درجات، ومصنوعًا من أثل الغابة، فلا يدل ذلك على أكثر من الإباحة، ما لم يعلم أن تخصيص ذلك الجنس لغرض شرعي، فيكون بخصوصه مستحبًا. وأما ما سوى ذلك فينظر في ما يحقق المصلحة على وجه أتمّ، فيكون أولى من غيره، كبناء السجد الآن بالإسمنت المسلّح والرخام ونحوها. وتستخدم فيه مكبّرات الصوت، والإنارة الكهربائية، والسجاجيد، وغير ذلك. والله أعلم.","vol":"1","page":457},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-300>المبحث الثامن العدد والمقدار</span>\nيتضمّن البحث في عدد الفعل ومقداره أمورًا، نعقد لكل منها مطلبًا:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-301>المطلب الأول</span>\nالفعل الواحد، إن كان يمكن عمله بقدر طويل أو قصير، فهل يعتبر طول الفعل وقصره في التأسّي؟.\nنقل أبو الحسن البصريّ (١) عن القاضي عبد الجبار أنه لا اعتبار بطول الفعل وقصره في التأسّي. ومقصوده أنه لما ثبت وجوب التأسيّ في أصل الفعل فإن ذلك لا يستلزم وجوب التأسّي في طول الفعل وقصره، ولم يمنع أن يقتدي بطول الفعل وقصره على وجه الاستحباب.\nثم قال أبو الحسين البصري: لقائل أن يقول: يجب اعتبار ذلك -يعني طول الفعل وقصره- بحسب الإمكان، إذا علم دخولهما في الأغراض. يعني إذا علم أن طول الفعل أو قصره مقصود.\nفلا شك إذا علم أن القدر مقصود، أنه يقتدى به، ولكن هل يجب لمجرد علمنا أنه مقصود، أولًا يجب إلا إذا علمنا أنه - ﷺ - قصد فعله على وجه الوجوب؟.\nوالفرق بين الأمرين أن المقصود الأول مجرد التعبّد، والمقصود الثاني: التعبّد على وجه الوجوب.\n_________\n(١) المعتمد (١/ ٣٧٤)","vol":"1","page":458},{"text":"ولنضرب المثال بسجوده - ﷺ - في الصلاة. فإنه يتحقق بوضع الرأس على الأرض لحظة لا يطمئنّ فيها (١)، وكان - ﷺ - أحيانًا يخففه مع الطمأنينة وأحيانًا كان يطيله جدًا.\nفأما القدر الأول فهو واجب لا شك في ذلك، وهو مجمع عليه، إذ لا يتحقق المأمور به إلاّ بذلك.\nوأما القدر الثاني، وهو قدر الطمأنينة فقد اختلف فيه، فقال أبو حنيفة بأن الطمأنينة في الركوع والسجود غير واجبة، أخذًا بالأمر ﴿يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا﴾.\nوقال الحنابلة والشافعية: الطمأنينة واجبة، بدليلين.\nالأول: الفعل النبويّ، فإنه وقع تفسيرًا للسجود الواجب، فيدل على أنها مرادة بالأمر. وقد حافظ - ﷺ - على الطمأنينة فلم يتركها مرة واحدة.\nوالثاني: حديث المسيء صلاته، وفيه أن النبي - ﷺ - قال له: \"اسجد حتى تطمئن ساجدًا\" (٢).\nوالقول الثاني، وهو قول الحنابلة والشافعية، ارجح، لأن هذه قرائن تدلّ على أنه - ﷺ - فعل ذلك على سبيل الوجوب، وقاعدة التأسّي تنتج أنه واجب علينا أيضًا، هذا إن اعتبرناه فعلًا مجردًّا. فأما إن اعتبرناه بيانًا للأمر فالوجوب أظهر.\nوأما القدر الثالث: وهو إطالة السجود بما يزيد على القدر الذي تتحقق به الطمأنينة، فهذا لا يدل على وجوبه دليل. بل هو مستحبّ أخذًا من قاعدة الاستحباب في الفعل المجرّد الذي قصدت به القربة.\nوالذي نستنتجه من ذلك أنه ينبغي أن ينظر لطول الفعل وقصره نظرة\n_________\n(١) انظر ابن قدامة: المغني ١/ ٥٠٠\n(٢) حديث المسيء صلاته، رواه البخاري ١١/ ٥٤٩ والترمذي ٢/ ٢٠٨ وقال هذا حديث حسن صحيح.","vol":"1","page":459},{"text":"مستقلة عن أصل الفعل، على أساس قاعدة الفعل المجرّد، فإن علم أنه - ﷺ - قصد في الفعل قدرًا معينًا على سبيل الوجوب أو الاستحباب أو الإباحة فالحكم في حقنا كذلك، وإن لم يعلم ذلك فالاستحباب إن ظهر قصد القربة، وإلاّ فالإباحة.\nومن هنا ينشأ القول باستحباب التخفيف في ركعتي الفجر، وفي صلاة الفرائض جماعة، وخاصة عند ظهور حاجة بعض المصلين إلى ذلك، كأن يبكي طفل وأمه مع المصلين. واستحباب تقصير الخطبة وإطالة الصلاة يوم الجمعة، واستحباب الإطالة في صلاة الليل، مع تخفيف الركعتين الأوليين منها. إلى غير ذلك مما ورد ذكره في السنة من مقاديرها.\nوكذلك استحباب القدر الذي وقفه النبي - ﷺ - بعرفة. والله أعلم.","vol":"1","page":460},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-302>المطلب الثاني الكثرة والقلة في مرات وجود الفعل</span>\nويدخل في هذه المسألة أن يفعل النبي - ﷺ - الفعل دائمًا، أو مرات كثيرة، أو قليلة.\nفقد قال ابن أمير الحاج: \"لا يخل بالتأسّي أن يكون فعل الغير متكررًا أو لا\" (١).\nوالصواب أن في المسألة تفصيلًا.\nفإن علم للفعل سبب ارتبط به، فكثر الفعل أو قلّ تبعًا لكثرة وجود السبب أو قلته، فالأمر واضح أن الاقتداء به يكون بفعله عند ورود السبب. كإرساله - ﷺ - السّعاة على الزكاة كل عام، وإقامته الجمعات والأعياد ونحوها، وصيام رمضان، ورجم الزاني، وقطع السارق.\nوأما ما سوى ذلك فهو على قسمين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-303>القسم الأول:</span>\nأن يعمل به - ﷺ - دائمًا أو كثيرًا (٢). فيقتضى ذلك في حقنا الإكثار من ذلك الفعل، وخاصة إن كان أصل الفعل امتثالًا للأوامر الإلهية، كالإكثار من نوافل الصلاة، والصوم، والصدقات، والإكثار من الجهاد. فهذا النوع محل للاقتداء، يستحب الإكثار من الفعل كما أكثر النبي - ﷺ - منه.\n_________\n(١) التقرير والتحبير على التحرير ٢/ ٣٠٣\n(٢) أشار الشاطبي إلى أشياء من ذلك في سياق بحث. انظر: الموافقات ٣/ ٥٦ وما بعدها.","vol":"1","page":461},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-304>القسم الثاني:</span>\nأن يقع العمل به قليلًا. وهو نوعان:\nالنوع الأول: ما علم سبب قلته. فيعلم حكمه بذلك، وله أمثلة:\nالمثال الأول: صلاته قيام رمضان بالمسجد، فإنه فعلها، ثم تركها خشية أن تفرض فدلّ ذلك على مشروعية فعلها بالمسجد لزوال السبب، ولا بأس بالإكثار منها فيه، بل السنة المحافظة عليها في المساجد بدليل فعل الصحابة والتابعين.\nالمثال الثاني: صلاة الضحى، قالت عائشة: \"ما رأيت رسول الله - ﷺ - يصلي سبحة الضحى، وإني لأسبّحها، وإن كان ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم\". فقد تبيّن سبب القلة. فلا مانع بالنسبة إلينا من الإكثار منها بل والدّوام عليها (١). وقد كانت عائشة تداوم عليها وتقول: \"لو نشِر لي أبواي ما تركتها\" (٢).\nالئوع الثاني: أن لا يعلم للقلة سبب. فالذي يقتضيه التأسّي والاقتداء عدم الإكثار منه، بل تقليله بحسب ذلك. ولهذا النوع أمثلة.\nالمثال الأول: قيامه - ﷺ - لزيد بن حارثة (٣)، فلم يكن - ﷺ - يقوم لكل قادم، بل لم ينقل عنه إلاّ هذه المرة، وأمرهم بالقيام لسعد بن معاذ (٤)، فلا يصح اتخاذ القيام -بناء على ذلك- سنة.\nالمثال الثاني: تقبيل بعض الناس يده - ﷺ -، قد وقع ذلك مرات معدودة إن صحت الروايات بذلك (٥)، ولم يكن ذلك دأب الصحابة معه - ﷺ -. فلا ينبغي أن\n_________\n(١) انظر تيسير التحرير ١/ ٢٥٥. الموافقات ٣/ ٦٠\n(٢) رواه مالك (جامع الأصول ٧/ ٧٧)\n(٣) رواه الترمذي ٧/ ٥٢٣\n(٤) سيرة ابن هشام ٢/ ٢٤٠\n(٥) منها أولًا: تقبيل بعض اليهود يديه ورجليه (الترمذي ٨/ ٥٨٠ وقال: حسن صحيح وأحمد ٤/ ٢٣٩ وابن ماجه٢/ ١٢٢١)\nثانيًا: تقبيل ابن عمر يده - ﷺ - (أحمد ٢/ ٧٠ وأبو داود ٧/ ٣٠٧ وابن ماجه ٢/ ١٢٢١).","vol":"1","page":462},{"text":"يتخذ ذلك سنة. بل الأكثر من فعلهم معه - ﷺ - هو السنة وهو المصافحة. فإن حصل التقبيل على سبيل الندرة والقلة تكريمًا للدين وأهله جاز إن صحت الرواية، ما لم يدلّ على خصوصيته بذلك - ﷺ -.\nالمثال الثالث: سجود الشكر، ورد عن النبي - ﷺ - فعله على قلة. مع كثرة ما فتح الله عليه من الفتوح. كرهه مالك وأبو حنيفة، واستحبه الشافعي وأحمد (١).\nالمثال الرابع: العمرة. فإن النبي - ﷺ - اعتمر بعد الهجرة أربع عمر، عمرة الحديبية سنة ست، والقضية سنة سبع، والجعرانة سنة ثمان، وعمرة مع حجة الوداع سنة عشر. فلم يزد عن عمرة واحدة في السفرة، أو عمرة في سنة.\nوقد اختلف الفقهاء في ذلك.\nفقال مالك: يكره أن يعتمر في السنة مرتين (٢). ومثله قول النخعي.\nوقال أحمد والشافعي: لا بأس بذلك. احتجاجًا بقصة عائشة فقد اعتمرت في شهر مرتين.\nوأما الموالاة بين العمر والإكثار منها فقد قال ابن قدامة: \"أقوال السلف وأحوالهم تدل على أنه لا يستحب ذلك. ولأن النبي - ﷺ - وأصحابه لم ينقل عنهم الموالاة بينها ... ولو كان في هذا فضل ما اتفقوا على تركه\" (٣).\nالمثال الخامس: صلاة التطوّع جماعة. فعله النبي - ﷺ - في قيام رمضان كما تقدم، فكان سنّة، وأما ما سوى ذلك فقد صلّى نفلًا جماعة بأنس وأمه، وصلّى بابن أم مكتوم. وصلّى بابن عباس. غير أنه يعلم أن الأكثر من فعله أن يصليها منفردًا. فكانت تلك هي السنة. وقال الشاطبي: \"هو الذي أخذ به مالك أنه يجيز الجماعة في النافلة في الرجلين والثلاثة، ولا يكون ذلك مظنة اشتهار، وما عدا هذا فإنه يكرهه\" (٤).\n_________\n(١) انظر المغني لابن قدامة ١/ ٦٢٨\n(٢) المدونة ١/ ٣٧٤\n(٣) المغني لابن قدامة ٣/ ٢٢٦\n(٤) الموافقات ٣/ ٦٢","vol":"1","page":463},{"text":"وبيّن ابن تيمية ما يبنيه على ذلك، فقال: \"من الناس من يجعل هذا في ما يحدث من صلاة الألفية ليلة النصف من شعبان، والرغائب، ونحوها، يداومون فيه على الجماعات. ومن الناس من يكره التطوع جماعة. ومعلوم أن الصواب فيما جاءت به السنة. فلا يكره أن يتطّوع في جماعة، كما فعل النبي - ﷺ -. ولا يجعل ذلك سنة راتبة، كمن يقيم للمسجد إمامًا راتبًا يصلي بالناس بين العشاءين، أو في جوف الليل، كما يصلي بهم الصلوات الخمس\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-305>المطلب الثالث دلالة الفعل النبوي على الحد الأعلى أو الحد الأدنى في التقديرات الشرعية</span>\nمن ذلك أنه - ﷺ - لم يكن يزيد في الوضوء على ثلاث غسلات، وفي صلاة الليل عن إحدى عشرة ركعة، وجَلَد في الخمر نحو أربعين (٢)، وأقام بمكة تسعة عشر يومًا يقصر، فهل ذلك حد أعلى لا يجوز الزيادة عليه؟.\nوكذلك قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم، فهل يمتنع القطع في ما دونه؟.\nفأما الوضوء: فقد قال البخاري: كره أهل العلم الإسراف فيه وأن يجاوزوا فعل النبي - ﷺ - (٣). وقال الشافعي لا أحب الزيادة على الثلاث، فإن زاد لم أكرهه، أي لم أحرمه. قال ابن حجر: وهذا هو الأصح عند الشافعية. وعند بعض الحنفية: إن اعتقد أن الزيادة سنة أخطأ، وإلاّ فلا لوم (٤). وقال أحمد: لا يزيد على الثلاث إلاّ رجل مبتلى (٥).\n_________\n(١) الفتاوى الكبرى ٢٣/ ١١٣، ١١٤\n(٢) رواه مسلم (فتح الباري ١٢/ ٧٠) وأبو داود والترمذي.\n(٣) فتح الباري ١/ ٢٣٤\n(٤) المصدر نفسه ١/ ٢٣٤\n(٥) المصدر نفسه ١/ ٢٣٤","vol":"1","page":464},{"text":"ويرى المالكية أن الوضوء يجب فيه الإسباغ، ولا تحديد فيه من حيث عدد الغسلات في حدود الثلاث، ويكره أن يزيد عليها (١).\nوأما قيام الليل: فقد كره بعض المحدّثين الزيادة على إحدى عشرة ركعة، ولم يكرهه أحد من أئمة المذاهب الأربعة.\nوأما الجلد في الخمر: فقد زاد عمر الحد إلى ثمانين، بإشارة علي ﵄.\nقال الشافعي: الحد أربعون، استدلالًا بالفعل النبويّ ويجوز عندي الزيادة على سبيل التعزير إلى ثمانين. وقال مالك وأبو حنيفة: الحدّ ثمانون، لإجماع الصحابة. وعن أحمد روايتان كالمذهبين (٢).\nوأما القصر: فقد قال ابن عباس: أقام النبي - ﷺ - تسعة عشر يومًا يقصر، فنحن إذا سافرنا تسعة عشر قصرنا، وإن زدنا أتممنا (٣). وقال ابن حجر: وروي في هذا الحديث: \"خمسة عشر\".\nفرأى الحنفية أن المسافر إذا أتى بلدًا فعزم على الإقامة فيه خمسة عشر يومًا فإنه يتم الصلاة، فإن نوى أقلّ من ذلك قصر.\nوقال الحنابلة: من نوى أكثر من أربعة يقصر. واحتجوا بإقامته - ﷺ - بمكة عام حجة الوداع أربعًا، يقصر فيهن (٤)، ونقل نحوه عن الشافعي (٥).\nوأما القطع في السرقة: فإن النبي - ﷺ - قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم.\n_________\n(١) ابن قدامة: المغني ١/ ١٨٤\n(٢) المصدر نفسه ١/ ١٤٠\n(٣) ابن دقيق: الإحكام. وابن رشد: مقدمات المدونة ١/ ٢\n(٤) ابن قدامة: المغني ٨/ ٣٠٧ ابن حجر: فتح الباري.\n(٥) حديث ابن عباس رواه البخاري ٢/ ٥٦١","vol":"1","page":465},{"text":"قال ابن دقيق العيد: \"جمهور الفقهاء على اعتبار النصاب، وشذ الظاهرية فلم يعتبروه، ولم يفرقوا بين القليل والكثير (١). ونقل في ذلك وجه في مذهب الشافعي\" (٢).\nثم النصاب ربع دينار أو ثلاثة دراهم. وعند الحنفية عشرة دراهم لأحاديث رويت في ذلك. ونقل ابن حجر في مقدار النصاب ما يقرب من عشرين قولًا (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-306>القاعدة في استفادة الحدّ في التقديرات من الفعل النبوي:</span>\nإنه متى كان الأصل المنع، فجاء الفعل دالًاّ على الجواز، فإنه يدل على الجواز في نفس المقدار الوارد ذكره بطريق المطابقة، وفي ما ساواه بالقياس بنفي الفارق، ويدل على ما سوى ذلك بطريق الفحوى، أعني في ما هو أولى، ويبقى ما سوى ذلك على المنع.\nوأما إن كان الأصل الجواز، فإن الفعل لا يدل على تحديد أصلًا.\nوإيضاح هذه القاعدة في الأمثلة المتقدمة كما يلي:\nففي مسألة الوضوء رأوا أن الإسراف ممنوع، وبنوا على ذلك الكراهة، في ما زاد عن ثلاث غسلات. بناء على أنه إسراف، كما ذكره البخاري، والإسراف ممنوع. ومن لم ينظر إلى الإسراف أجاز الزيادة على ثلاث.\nوفي مسألة قيام الليل: ليس الأصل المنع بل -كما في الحديث-: \"الصلاة خير موضوع فمن استطاع أن يستكثر فليستكثر\" (٤). فلا كراهة في الزيادة على إحدى عشرة. ومن كرهه فقوله مردود.\n_________\n(١) الإحكام ٢/ ٢٦٤\n(٢) فرق ابن حزم بين الذهب وغيره، فجعل للذهب نصابًا هو ربع دينار، ولا نصاب عنده فيما عداه (فتح الباري ١٢/ ١٠٧)\n(٣) فتح الباري ١٢/ ١٠٦\n(٤) رواه الطبراني في الأوسط (الفتح الكبير)","vol":"1","page":466},{"text":"وفي مسألة زيادة الصحابة في حد الخمر على أربعين: الأصل المنع، فالأصح اعتبار ما زاد تعزيرًا، كما قال الشافعي، ووجهه أن بعض الناس تحاقروا العقوبة.\nوأما في مسألة القصر: فإنه وإن كان مشروعية القصر هي الأصل في صلاة المسافر لنصّ الآية، إلاّ أن ذلك منوط في الآية بالسفر، وذلك يقتضي جواز القصر ما دام حكم السفر قائمًا. لكن من أجمع إقامة ببلد غير بلده، أيامًا كثيرة أو قليلة، اشتبه أن يكون في حكم المسافر، أو حكم المقيم. والمغلب في ما زاد على الفعل جانب الإقامة لأن القصر على خلاف الأصل.\nأما الشوكاني فإنه يقول في تحقيق أمر هذه المسألة: \"الحق أن الأصل في المقيم الإتمام، لأن القصر لم يشرعه الشارع إلا للمسافر، والمقيم غير مسافر، فلولا ما ثبت عنه - ﷺ - من قصره بمكة وتبوك مع الإقامة، لكان -يعني الإتمام- هو المتعيّن، فلا ينتقل عن ذلك الأصل إلاّ بدليل .. ولا شك أن قصره في تلك المدة، لا ينفي -يعني من حيث هو دليل فعلي- القصر في ما زاد عليها، ولكن ملاحظة الأصل المذكور هي القاضية بذلك\" (١). اهـ.\nهذا ما قاله الشوكاني، وهو استدلال بالقاعدة التي ذكرنا، ولكن فيه نظر، لإخراجه من أقام في أثناء سفره، اليوم واليومين، عن مسمّى المسافر. وذلك معاندة للغة. وأيضًا يلزم من قوله إجازة القصر لمن هو غير مسافر، وذلك خلاف ما دلّ عليه القرآن. بل الصواب ما قلنا من أن من أقام بغير بلده فهو من جهة مسافر، ومن جهة مقيم، ويغلب جانب السفر في القليل، وجانب الإقامة في الكثير. ولمّا كان الكثير لا حدّ له لمبدئه، حدوا القليل وحده بالفعل لأنه متيقن، فأخذ ابن عباس بروايته (تسعة عشر يومًا) وأخذ الحنفية برواية (خمسة عشر يومًا) وأخذ الشافعية والحنابلة بصلاته - ﷺ - بمكة قبل الخروج إلى الحج أربعة أيام.\nوأما القطع في السرقة، فإن الأصل القطع في القليل والكثيرة، للآية، ولو لم يرد إلا الدليل الفعلي لكان قول أهل الظاهر هو الظاهر. قال ابن دقيق: \"الاستدلال\n_________\n(١) نيل الأوطار ٣/ ٢٢٤","vol":"1","page":467},{"text":"بهذا الحديث -يعني أنه - ﷺ - قطع في مجن ثمنه ثلائة دراهم- على اعتبار النصاب، ضعيف، فإنه حكاية فعل. ولا يلزم من القطع في هذا المقدار فعلًا عدم القطع في ما دونه\" (١). بل الذي دلّ على اعتبار النصاب أحاديث قولية، من مثل ما رفعت عائشة: \"تقطع اليد في ربع دينار فصاعدًا\" (٢).\nوبهذا يظهر الحكم في ما شابه هذه الأمثلة. والله أعلم.\n_________\n(١) أحكام الإحكام ٢/ ٢٦٣\n(٢) حديث \"تقطع اليد ... \" البخاري ١٢/ ٩٦","vol":"1","page":468},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-307>الفصل التاسع مباحث متنوعة تتعلق بالأفعال</span>\n١ - الطريق العملي لاستفادة الحكم من الفعل.\n٢ - الاعتراضات التي تورد على الاستدلال بالأفعال.\n٣ - نقل الأفعال النبوية.\n٤ - نية التأسّي.","vol":"1","page":469},{"text":"مباحث متنوّعة تتعلّق بالأفعال الصريحة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-308>المبحث الأول الطريق العملي لاستفادة الحكم من الفعل</span>\nتعرّض الغزالي لهذه المسألة في المستصفى (١)، فرأى أن المجتهد إذا نقل إليه فعل النبي - ﷺ - فلا يجب عليه البحث إلاّ عن أمر واحد، هو أنه: \"هل ورد الفعل بيانًا لخطاب عام، أو تنفيذًا لحكم لازم عام، فيجب علينا اتباعه، أو ليس كذلك فيكون قاصرًا عليه - ﷺ -. أما إن لم يقم دليل على كونه كذلك، فالبحث عن كونه ندبًا في حقه - ﷺ - أو واجبًا، أو مباحًا، أو محظورًا، لا يجب، بل هو زيادة درجة وفضل في العلم يستحب للعالم أن يعرفه\".\nوهذا القول من الغزالي ﵀ مبنيّ على مذهبه في الفعل المجرّد، أنه لا يدلّ على شيء في حقنا، إذ إن مذهبه التوقف في الفعل المجرّد كما تقدم. وهو لازم لمن قال بذلك القول كالباقلاني والرازي، وغيرهم. وهو أيضًا لازم لكل من منع التأسيّ به - ﷺ - في أفعاله المجردة من أصحاب قول التحريم، وقول الإباحة على الوجه الذي ذكرناه في موضعه.\nوأما أبو شامة فلما كان مذهبه أن الفعل المجرّد يدلّ على الندب، بقطع النظر عن صفة صدوره عن النبي - ﷺ -، فإنه نقَل قول الغزالي المتقدم، ثم قال: \"على ما اخترناه يبحث (المجتهد) بعدما تحقق أن الفعل ليس ببيان، عن أن فيه قربة أو لا، فإن كان فيه قربة قضى بأنه مندوب للأمة، وإلاّ فهو مباح\". يعني على التفصيل الذي ذكره في المباح، من أنه يستحب لنا من وجه.\n_________\n(١) المستصفى ٢/ ٥١","vol":"1","page":471},{"text":"وهذا القول من أبي شامة مبني أيضًا على مذهبه في أن الفعل المجرّد يدل على الاستحباب في حقنا حتى لو كان قد فعله النبي - ﷺ - على سبيل الوجوب.\nأما على القول الذي صار إليه الجمهور في الفعل المجرّد، وهو الذي اخترناه فإن الأمر يختلف.\nونحن نفصل القول في ذلك، فنقول وبالله التوفيق، إن المجتهد يسير في استفادة الحكم من الفعل النبوي، الخطوات التالية بالترتيب:\nالخطوة الأولى: أن ينظر: هل الفعل من جملة الأفعال الجبلية ونحوها. فإن كان كذلك، فلا يستفاد في حقنا منه أكثر من الإباحة. وإلاّ:\nفالخطوة الثانية: أن يبحث هل هناك ما يمنع تعدية حكم الفعل إلى الأمة، كأن يوجد ما يدلّ على كون الفعل خاصًا به - ﷺ - فإن وجد ذلك وقف عنده. وإلاّ:\nفالخطوة الثالثة: هل ورد ما يدل على كون الفعل بيانًا لخطاب عام، أو تنفيذًا وامتثالًا لحكم عام، فيعلم بذلك. وهو ما ذكره الغزالي. وإلا:\nفالخطوة الرابعة: أن يعتقد أن الفعل المجرّد، فليبحث هل ورد ما يدل على حكم الفعل في حقه - ﷺ -، من وجوب أو ندب أو إباحة، فيكون الحكم في حقنا مساويًا للحكم في حقه - ﷺ - بناء على قول المساواة، وهو قول الجمهور. وسواء أكان الفعل في العبادات أو غيرها من الآداب والمعاملات والعقوبات وغير ذلك. وقد تقدم بيان طرق معرفة الحكم في حقه - ﷺ -.\nفإن لم يكن الفعل معلوم الحكم:\nفالخطوة الخامسة: أن يعتقد أن الفعل من المجهول الصفة، فلينظر هل هو مما يظهر فيه قصد القربة. فإن كان كذلك حمله على الاستحباب في حقه - ﷺ -، وبالتالي يدل على الاستحباب في حقنا بناء على قاعدة المساواة.\nوالخطوة السادسة: إن لم يظهر للمجتهد أن النبي - ﷺ - قصد القربة، فليحمل الفعل على الإباحة في حقه - ﷺ -، فيدل على الإباحة في حقنا أيضًا.","vol":"1","page":472},{"text":"والخطوة السابعة: إن تبيّن الحكم في حق الأمة، فلينظر المجتهد، هل وقع الفعل لسبب معيّن، فإن وجد ما يدلّ على ذلك، وكان السبب باقيًا، علم ارتباطه بالسبب في حقنا أيضًا. وإن كان السبب زائلًا فلا. وإن جهل السبب فالتأسّي مستحب.\nالخطوة الثامنة: لينظر المجتهد بعد ذلك بأي وصف أوقع النبي - ﷺ - ذلك الفعل، أمن جهة الإمامة العامة، أم من جهة إمامة الصلاة، أم من جهة القضاء. أم غير ذلك من الجهات التي تقدم ذكرها. فبهذا يعلم المجتهد من يلزمه حكم الفعل، من سائر المسلمين. فإن لم تتعيّن جهة ما، فالأصل العموم.\nفهذا مسلك بيِّن يتبعه المجتهد في إستفادة الحكم من الفعل النبويّ. وهناك زوايا ومنعطفات أخرى في هذا الطريق، تعلم مما تقدم بيانه. والله الموفق.","vol":"1","page":473},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-309>المبحث الثاني الاعتراضات التي تورد على الاحتجاج بالأفعال</span>\nعقد ابن عقيل الحنبلي (١) في ذلك فصلًا ممتعًا. فذكر فيه ثمانية اعتراضات تتوجه على الاستدلال بالفعل. ونحن نذكرها بإيجاز ملخصة من كلامه مع مزيد توضيح:\nالاعتراض الأول: أن يبيّن أن المستدلّ لا يقول به. ومثاله أن يستدل الحنفي في قتل المسلم بالكافر بأن النبي - ﷺ - قتل مسلمًا بكافر وقال: \"أنا أحق من وفى بذمته\" (٢). فيقول الشافعي أو الحنبلي: هذا لا تقول به، فإن الذي قتله به كان رسولًا. ولا يقتل مسلم بالرسول عند أبي حنيفة.\nقال ابن عقيل: وقد تكلّف بعض أصحاب أبي حنيفة الجواب عن ذلك، فقال: لما قتل المسلم بالرسول كان ذلك دالًا على قتل المسلم بالذميّ من طريق الأولى، فنسخ قتل المسلم بالرسول، وبقي الذميّ على مقتضاه الأول.\nالاعتراض الثاني: المنازعة في مقتضى الفعل. ومثاله أن يستدل الشافعي أو الحنبلي على وجوب الطمأنينة في الركوع والسجود بفعله - ﷺ -. فيقول المخالف: فعله لا يقتضي الوجوب. والجواب عنه من ثلاثة أوجه:\nالأول: أن يقول: فعله عندي يقتضي الوجوب، وإن لم تسلم دللت عليه.\nالثاني: أن يقول: هذا بيان لمجمل واجب في القرآن، فيدل على كونه واجبًا.\n_________\n(١) انظر كتابه (الواضح) ق ١٥٧ ب وما بعدها.\n(٢) الحديث نقله في بدائع الصنائع ٦/ ٣٣٧ معزوًا إلى محمد بن الحسن بإسناده.","vol":"1","page":474},{"text":"الثالث: أن يقول: قد اقترن به ما يدل على وجوبه، وهو قوله - ﷺ -:\"صلوا كما رأيتموني أصلي\".\nأقول: في الوجه الأول والوجه الثالث نظر عندنا بالنسبة إلى هذا المثال خاصة يعلم مما تقدم.\nويمكن أن يجاب عن هذا الاعتراض أيضًا بأن يقال: هذا الفعل صدر من النبي - ﷺ - واجبًا، وحكمنا فيه كحكمه.\nالاعتراض الثالث: دعوى الإجمال في الفعل. ومثاله أن يستدل الشافعي على طهارة المني بأن عائشة ﵂ قالت: \"كنت أفركه من ثوب رسول الله - ﷺ - وهو يصلي\". فلو كان نجسًا لقطع الصلاة. فيقول المعترض: هذا مجمل، لأنه في قضية عين فيحتمل أنه كان كثيرًا أو قليلًا، فربما كان ما فركته عائشة قليلًا، وقليل النجاسات معفو عنه.\nوالجواب عنه يكون بأن يبيّن المستدل أن الفعل متعيّن في الوجه الذي وقع به الاستدلال. ففي المثال المتقدم يبين بالدليل أن المني كان كثيرًا، لأن عائشة احتجت بهذا الخبر على طهارته، فلا يجوز أن تحتج بما يعفى عنه مع نجاسته. ولأنها أخبرت عن دوام الفعل وتكرره، ويبعد أن يستوى حاله في القلة مع تكرره.\nالاعتراض الرابع: المشاركة في الدليل. ومثاله أن يستدل الحنفي في جواز ترك قسمة الأراضي المغنومة بأن النبي - ﷺ - ترك قسمة بعض أراضي خيبر. فيقول الشافعي والحنبلي: هذا حجة على قسمته، لأنه قسم بعضه، وفعله هذا امتثال للآية، وذلك يقتضي الوجوب. وأما تركه لما تركه فربما كان لنوائبه ومهمات الإسلام.\nالاعتراض الخامس: اختلاف الرواية. وذلك مثل أن يستدل الحنفي على جواز نكاح المُحْرِم بما ورد أن النبي - ﷺ - تزوّج ميمونة وهو محرم. فيقول الشافعي أو الحنبلي: روي أنه تزوجها وهما حلالان.","vol":"1","page":475},{"text":"والجواب عنه من وجهين: أحدهما أن يجمع بين الروايتين إن إمكنه. والثاني: أن يرجّح روايته على رواية المخالف.\nالاعتراض السادس: دعوى النسخ. مثل أن يستدل الحنفي على أن سجود السهو بعد السلام، بما روي (١) أن النبي - ﷺ -، سجد بعد السلام. فيقول الشافعي: هذا منسوخ بما روى الزهري، قال: آخر الأمرين من رسول الله - ﷺ -، السجود قبل السلام (٢).\nوجوابه بالجمع بين الأمرين إذا أمكن، فإن الجمع مقدم على النسخ.\nالاعتراض السابع: التأويل. مثل أن يستدل الحنفيّ بأن النبي - ﷺ -، تزوّج ميمونة وهو محرم، فيتأوله الشافعي والحنبلي بأن المراد بالإحرام هنا أنه في الحرم أو في الشهر الحرام لا إحرام الحج والعمرة، فإن الصيغة قابلة لذلك، ومنه قولهم: أتْهم، وأنجد، وأصبح، لمن دخل في تهامة، أو نجد، أو الصبح. وقد قال الشاعر في قتل عثمان ﵁ بالمدينة:\nقتلوا ابن عفانَ الخليفةَ مُحرِمًا ... ودعا، فلم أرَ مثله مخذولًا\nوالجواب أن يتكلم الحنفي على دليل التأويل بما يسقطه، فيسلم له الظاهر.\nالاعتراض الثامن: المعارضة: ومثاله أن يستدل الشافعي في رفع اليدين برواية أبي حميد الساعدي (٣) أن النبي - ﷺ - رفع يديه حذو منكبيه. فيعارضه الحنفيّ بما روى وائل بن حجر أن النبي - ﷺ -، رفع يديه حيال أذنيه (٤).\nوجوابه بأن يرجح دليله على دليل المعترض، بما يعلم في باب الترجيح من أصول الفقه. أو يتكلم على رواية المعترض بوجه من الوجوه السابق ذكرها في هذا المبحث.\n_________\n(١) انظر: جامع الأصول ٦/ ٣٥٠\n(٢) انظر: جامع الأصول ٦/ ٣٥٠\n(٣) رواها أبو داود والترمذي، والنسائي (جامع الأصول ٦/ ٢٠٩)\n(٤) رواها مسلم وأبو داود والنسائي (جامع الأصول ٦/ ٢٠٩)","vol":"1","page":476},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-310>المبحث الثالث نقل الأفعال النبويّة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-311>المطلب الأول طرق النقل</span>\n١ - الأغلب أن أفعال النبي - ﷺ - تثبت لدى الأمة بنقل صحابته ﵃. فينقلون أفعاله كما ينقلون أقواله. وسنعود إلى هذه الطرق بشيء من التفصيل. وقد تثبت بطرق أخرى.\n٢ - منها: النقل القرآني. كقول الله تبارك اسمه: ﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم ...﴾ الآية (١)، وقوله: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾ (٢)، وقوله: ﴿يا أيها النبي لم تحرّم ما أحلَّ الله لك﴾ (٣)، وقوله: ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهوًا انفضّوا إليها وتركوك قائمًا﴾ (٤).\n٣ - ومنها: إخباره - ﷺ - عن فعل نفسه، كقوله: \"إني لا أخيس بالعهد ولا أحبس البُرُد\". وكإخباره بما وقع منه ليلة الإسراء.\n٤ - ومنها ما ذكره الزركشي (٥)، أن ينعقد الإجماع على أن إحدى صورتي الفعل أفضل من الأخرى. فنقول: هذه الصورة أفضل بالإجماع، والنبي - ﷺ - لا\n_________\n(١) سورة الفتح: آية ٢٩\n(٢) سورة التوبة: آية ٤٣\n(٣) سورة التحريم: آية ١\n(٤) سورة الجمعة: آية ١١\n(٥) البحر المحيط ٢/ ٢٥٢ ب.","vol":"1","page":477},{"text":"يواظب على ترك الأفضل، فيلزم أنه واظب على الأفضل. ومثاله: الوضوء المرتّب المنويّ، هو بالإجماع أفضل من الوضوء المنكوس، أو غير المنويّ. ورسول الله - ﷺ -، لا يواظب على ترك الأفضل، فيلزم أنه فعل الوضوء مرتبًا منويًا.\nأقول: للمخالف أن يقول إن التقسيم غير حاصر، فهناك حال سوى المواظبة على الفعل والمواظبة على الترك، هي أن يفعل دون مواظبة ويترك دون مواظبة.\nوهي الأكثر في الأفعال المندوبة، كتثليث الوضوء.\nفهذا الدليل لا ينتج أكثر من أن النبي - ﷺ -، كان يغلب في عمله الأخذ بالأفضل.\nوقد استخدم ابن قدامة هذا الدليل لإثبات أن وقت العيد بعد ارتفاع الشمس قيد رمح، لا عند طلوع الشمس. قال: \"لأن النبي - ﷺ - ومن بعده لم يصلوا حتى ارتفعت الشمس. بدليل الإجماع على أن الأفضل فعلها في ذلك الوقت. ولم يكن للنبي - ﷺ - يفعل إلاّ الأفضل والأولى\" (١).\nونحن نرى أن قوله: \"لمَ يكن يفعل إلاّ الأفضل\" ممنوع. إذ قد كان يفعل ما هو أقل فضلًا، أحيانًا، توسعة وتيسيرًا على أمته. والله أعلم.\n٥ - ومنها ما ذكره الزركشي أيضًا، وهو أن يقال في المثال السابق: لو ترك - ﷺ - النية والترتيب في الوضوء لوجب علينا تركه، بدليل الاقتداء به، لأن المتابعة كما تكون في الأفعال، كذلك تكون في التروك. ولما لم يجب علينا تركه يثبت أنه ما تركه بل فعله.\nوهذا الدليل مبني على مقدمة هي وجوب المساواة في الترك. ويأتي بحثها في فصل التروك من الباب الثاني إن شاء الله. وليست مطردة في كل التروك، بل في\n_________\n(١) المغني ٢/ ٣٧٧","vol":"1","page":478},{"text":"بعضها كما أن الأفعال كذلك. وليس هذا المثال مما يجب فيه الترك. لأنه قد ينوي ويرتب أحيانًا ويترك ذلك أحيانًا أخرى. ولأنه لم يأتنا دليل على أنه - ﷺ - تركه على سبيل الوجوب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-312>المطلب الثاني إدراك الصحابي للفعل المنقول</span>\nأما الأقوال فإن الصحابي يدركها بحاسة السمع، ويسمع ألفاظًا محددة، فيتمكن من نقلها كما سمعها، وقد يرويها بالمعنى.\nوأما الأفعال فإن إدراكها يتم في الأغلب بحاسّة البصر. وقد يتمّ بغيرها كعلمهم باستعماله - ﷺ -، للطيب والعطور.\nوما يدركه الصحابي من ذلك بحاسة البصر قد يكون إدراكًا مباشرًا، وهو الأغلب وقد يكون إدراكًا غير مباشر، ولعل من ذلك ما روى عبد الله بن عمر أنه رأى النبي - ﷺ - يصبغ بالصفرة (١)، وقال أنس: لم يخضب (٢). قال ابن حجر: \"فيحتمل أن يكون الذين أثبتوا الخضاب شاهدوا الشعر الأبيض، ثم لما واراه الدهن ظنّوا أنه خضبه\".\nوهكذا، فإن النقل للفعل يكون أتمّ وأصحّ إن كان الصحابيّ (رآه وهو يفعل) لا أن يكون (رأى ما يستدل به على أنه فعل) وقول ابن عمر: \"رأيته - ﷺ - يصبغ بالصفرة\" لا يعني أنه رآه أثناء مباشرة عملية الصبغ، بل يحتمل أنه رأى الصفرة فظنها صبغًا، كما قال ابن حجر.\nوبعض الأفعال ليس مما يدرك بحاسّة أصلًا، وإنما تدرك آثاره. فلا بدّ أن يلاحظ الناقل لها تلك الآثار، ويلاحظ تكررها، وعدم صدور مخالف لها في الدلالة، ليتمكّن من إثبات الفعل، وذلك كقول عائشة ﵂: \"كان يحب\n_________\n(١) حديث ابن عمر في الخضاب بالصفرة: البخاري ١٠/ ٣٠٤\n(٢) حديث أنس في نفي الخضاب: البخاري ١٠/ ٣٥١","vol":"1","page":479},{"text":"التيامن ما استطاع في طهوره وتنعّله وفي شأنه كله\". فإن المحبّة والكراهية ونحوهما ليست مما يرى.\nكما أن بعض الأفعال لا تقع دفعة واحدة، وإنما يقع من الفعل أجزاء مختلفة في أزمان متفاوتة، فيجمع الصحابي بعض تلك الأجزاء إلى بعض، ليكوّن منها صورة متكاملة للواقعة أو العادة. وقد يكون ذلك التجميع على قدر كبير من المطابقة للواقع، ولكن قد يفوت الراوي بعض التفصيلات التي تكمل الصورة، ويكون لذلك أثر في الأحكام المستفادة.\nفمن ذلك الجمع قول أنس: \"كان إذا كان يوم عيد خالف الطريق\" (١) فإن هذا، إن لم يكن أصله من قوله - ﷺ -، يقتضي أن أنسًا لاحظ طريق ذهابه - ﷺ -، ثم طريق رجوعه، والمخالفة بينهما، ولاحظ ذلك في عيد ثانٍ وثالث، حتى استطاع أن يخبر عن هذه العادة من فعله - ﷺ -.\nومثله قول أنس أيضًا: \"كان إذا كان مقيمًا اعتكف العشر الأواخر من رمضان. وإذا سافر اعتكف من العام المقبل عشرين\".\nوقول ابن مسعود: \"كان رسول الله - ﷺ - يتخوّلنا بالموعظة في الأيام كراهة السآمة علينا\".\nومما تبيّن فيه خفاء بعض التفصيلات على الراوي قول أبيّ: \"الصلاة في الثوب الواحد سنة، كنا نفعله مع النبي - ﷺ - ولا يعاب علينا\". فقال ابن مسعود: \"كان ذاك إذ كان في الثياب قلة، فأمّا إذ وسّع الله عليكم فالصلاة في الثوبين أزكى\".\nفتحصّل أنه لا بدّ في مثل هذا الإدراك من أمور:\nالأول: ملاحظة الفعل.\nالثاني: ملاحظة تكرره.\n_________\n(١) البخاري من حديث جابر (الفتح الكبير).","vol":"1","page":480},{"text":"الثالث: محاولة ربطه بسببه.\nالرابع: معرفة أن ذلك الارتباط مقصود.\nومن هذا يتبيّن أن تحصيل هذا الإدراك بحاجة إلى نوع من الأسلوب العلمي للمعرفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-313>المطلب الثالث صور النقل</span>\nإذا أدرك الصحابي فعل النبي - ﷺ -، وحصلت لديه صورته، فإنه ينقله إلى غيره ممن لم يشهد ذلك الفعل. ونقْله حينئذٍ إما بفعل وإما بقول.\nهذا ومن المعلوم أن الأقوال تنقل بطريقتين:\nالأولى: نقل اللفظ باللفظ المساوي له، أي النقل الحرفي. وهو جائز بالإجماع بل هو الأصل.\nوالثانية: نقل اللفظ بمعناه، بأن يبدل لفظًا مكان لفظ يساويه في الدلالة، أو يسقط من الألفاظ ما يراه غير ذي علاقة بالحكم.\nوبعض الأصوليين يمنع هذا النوع بالكلية، وبعضهم يجيزه من العارف بما يحيل المعنى على أن لا يبدل الخاص بعام، ولا المطلق بمقيد، ولا عكس ذلك. وبعضهم أجاز الرواية بالمعنى في أنواع من الأحاديث ومنع في أنواع أخرى (١).\nفمنزلة رواية الألفاظ حرفيًا، أعلى من روايتها بالمعنى، اتفاقًا، وذلك لأن الرواية الحرفية تصل بها الألفاظ النبويّة بأعيانها إلى المجتهد، فلا تتحرّف معانيها تبعًا لفروق الألفاظ. وقد دعا النبي - ﷺ -، إلى الرواية الحرفية بقوله: \"نضّر الله امرأً\n_________\n(١) انظر التفصيل في كتب الأصول في أبواب الأخبار، كإرشاد الفحول للشوكاني ص ٥٧","vol":"1","page":481},{"text":"سمع مقالتي فوعاها، فأداها كما سمعها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه\" (١).\nهذا وأما نقل الأفعال، فقد يظن لأول وهلة أنه لا يتصور فيه النقل (الحرفي)، ولكن يبدو لنا أن نقل الفعل بالفعل المشابه له في الصورة هو نظير لنقل اللفظ باللفظ. وأما نقل الفعل بالقول، فإنه نظير لنقل اللفظ بمعناه. بل هو من النقل بالمعنى بلا شك، إذ ليس هناك لفظ حتى ينقل بحروفه. ومن أجل ذلك يرد في نقله باللفظ كثير من مخاطر الرواية بالمعنى. وهو ما سنحاول أن نشير إلى بعضه في ما يأتي من هذا المبحث.\nوليس يلزم مما ذكرنا من التنظير، أن يكون نقل الفعل بالفعل أعلى من نقله بالقول، فإن من طبيعة النقل بالفعل أن يحصل فيه اشتباه يسقطه عن درجة رواية اللفظ باللفظ، بل عن رواية الفعل باللفظ. ولنعتبر ذلك بالواقع في التمثيليات المسرحية التاريخية، كيف يتولّد عند مشاهديها أوهام كثيرة في تصور الوقائع، ولولا مراجعتنا للتصوير اللفظي للواقعة في الوثائق التاريخية، لحصلت لدينا بالتمثيلية صورة تبعد قليلًا أو كثيرًا عن حقيقة الواقعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-314>أولًا: نقل الفعل بالفعل:</span>\nوذلك ما نقل إلينا عبد الله بن زيد وعثمان وعلي وأبو هريرة وابن عباس وضوء النبي - ﷺ -، بأفعالهم (٢) ثم يحتاج التابعي إلى الألفاظ لكي يعبّر عما يراه. وقد يكون بعض أجزاء فعل الصحابي مما لم يقصد به الحكاية، بل يكون قد صدر ابتداء. فيتوهّم التابعي أن المقصود به الحكاية.\nومثاله حديث أبي هريرة في حكايته لوضوء النبي - ﷺ -، وفيه أنه غسل يديه حتى أشرع في العضدين، وغسل رجليه حتى أشرع في الساقين. وقال في آخر\n_________\n(١) رواه أبو داود ١٠/ ٩٤ والترمذي ٧/ ٤١٧ وأحمد بألفاظ متغايرة.\n(٢) انظر: ذلك في كتب السنة في نيل الأوطار مثلًا ١/ ١٦٣ - ١٨٠","vol":"1","page":482},{"text":"حديثه: هكذا رأيت رسول الله - ﷺ - يتوضأ. يحتمل أن إشراعه في العضدين والساقين مما فعله هو ابتداء، وتكون إشارته (بهكذا) إلى ما عدا ذلك. فلا يكون حجة على استحباب الإشراع في الأعضاء المذكورة.\nويحتمل أنه مما رأى النبي - ﷺ - يفعله فيكون حجة.\nومثاله أيضًا: حديث المعتمر بن سليمان أنه كان يجهر بـ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ قال بعد صلاته: \"ما آلو أن أقتدي بصلاة أبي. وقال أبي: ما آلو أن أقتدي بصلاة أنس. وقال أنس: ما آلو أن أقتدي بصلاة رسول الله - ﷺ -\" (١). فهذا في النقل بالفعل. وقد صحّ عن أنس قول: \"صليت خلف رسول الله - ﷺ - وأبي بكر، وعمر، وعثمان، فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين، لا يذكرون ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ في أول قراءة ولا في آخرها\" (٢).\nوحيث تعارضت الرواية الفعلية عن الصحابي، مع الرواية القولية، يقدم القول لأنه نص، والفعل محتمل كما بيّنّا.\nومن قبيل نقل الفعل بالفعل أن يرى الصحابي رجلًا يفعل فعلًا، فيقول: رأيت النبي - ﷺ - يفعل مثله. ومنه أن عمران بن حصين صلى خلف علي بن أبي طالب، فكان إذا سجد كبّر، وإذارفع رأسه كبّر، وإذا نهض من الركعتين كبّر، فقال عمران: \"ذكّرني هذا صلاة محمد - ﷺ -\" (٣).\nومن نقل الرواة أفعاله - ﷺ - بالفعل واحدًا بعد الآخر، ما يبني عليه مالك بعض مذهبه من العمل المستمرّ بالمدينة بعد نبيها، - ﷺ -. ومنه كما قال ابن القيم: \"نقلهم الوقوف، والمزارعة، والأذان على المكان المرتفع، والأذان للصبح قبل الفجر، وتثنية الأذان وإفراد الإقامة، والخطبة بالقرآن والسنن، دون الخطبة\n_________\n(١) ذكر الحاكم أن رواته عن آخرهم ثقات (ابن دقيق: شرح العمدة ١/ ٢٤٩).\n(٢) رواية مسلم. وبمعناها رواية البخاري والموطأ والنسائي وأبي داود (جامع الأصول ٦/ ٢٢٢).\n(٣) حديث علي: متفق عليه.","vol":"1","page":483},{"text":"الصناعية بالتسجيع والترجيع، ونقلهم بعض الأعيان التي له فيها فعل كالصاع والمدّ، وموضع المنبر، وموضع موقفه للصلاة، والبقيع والمصلّى\" (١).\nوهذا شبيه بنقل الأمة تعيينه - ﷺ - لموضع الصّفا والمروة ومنى ومواضع الجمرات ومزدلفة وعرفة. وهذه النقول من نوع التواتر المنقول فعليًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-315>ثانيًا: نقل الفعل بالقول:</span>\nوهو في الجملة، أعلى درجة من نقله بالفعل كما سبقت الإشارة إليه.\nوقد تعرّض الغزالي في المستصفى، كغيره من الأصوليين (٢)، لألفاظ الرواية. فرتّبها الغزالي درجات، بحسب قوتها، وبيّن وجوه تميّز بعضها عن بعض. وكان أكثر كلامه منصبًا على رواية الأقوال. ونحن نبيِّن على وزان ذلك ألفاظ رواية الصحابيّ للفعل. فنقول إنها على درجات:\nالدرجة الأولى: أن يقول الصحابي: رأيت رسول الله - ﷺ - يفعل كذا وكذا. فهذا صريح في الإدراك الحسّيّ المباشر وهو ينفي احتمال الواسطة.\nوقد تتقوّى هذه الدرجة بأمور:\nالأول: أن يكون الراوي كثير الصحبة لرسول الله - ﷺ -. وذلك حريّ أن يجعله يفرّق بين الأفعال المقصودة في التشريع وبين غير المقصودة. ومن هنا لم يأخذ كثير من الفقهاء برواية مالك بن الحويرث لجلسة الاستراحة. وكان تضعيفهم لها من هذا الوجه.\nالثاني: أن يكون رأى النبي - ﷺ -، يفعل مثل ذلك الفعل مرّات كثيرة على صورة واحدة. ومن هنا كثر الخلاف في أحكام أفعاله - ﷺ - في الحج، لما أنّه - ﷺ - لم يحجّ إلا مرة واحدة.\n_________\n(١) إعلام الموقعين ٢/ ٣٧٢\n(٢) انظر: المستصفى ١/ ٨٣ إرشاد الفحول ص٦٠، جامع الأصول لابن الأثير ١/ ٤٨ ابن قدامة: روضة الناظر ط: السلفية ١٣٧٨ هـ ص ٦١","vol":"1","page":484},{"text":"الثالث: أن يكون الراوي فقيهًا. وللفقه في هذا المقام مكانته، نظرًا إلى أن نقل الفعل هو من باب الرواية بالمعنى كما سبقت الإشارة اليه. وأيضًا فإن كثيرًا من الأفعال منوطة بأسبابها، ويحتاج إلى معرفة حصول شروطها وانتفاء موانعها، فإنه إن لم يكن فقيهًا، فربما فاته الانتباه إلى ذلك. ولكن الفعل لا يخرج بذلك عن أن يكون حجة. ويقول الآمدي في قضية فهم السببية: \"إن كان (الراوي) فقيهًا كان الظنّ بقوله أظهر، وإذا لم يكن فقيهًا، وإن كان في أدنى الرتب، غير أنه مغلّب على الظنّ\" (١).\nالدرجة الثانية: أن يقول: فعل النبي - ﷺ - كذا وكذا. يحتمل أن الصحابي أرسله عن صحابي آخر.\nوهو مع ذلك حجة لأن مراسيل الصحابة مقبولة عند جمهور العلماء.\nوفي هذه الدرجة احتمال آخر، وهو أن يكون استنبط الفعل من آثاره ولوازمه.\nالدرجة الثالثة: أن يقول: فُعِل كذا وكذا، من الأمور الشرعية المضافة إلى عصر النبي - ﷺ -، كقول بعضهم: كنا نطرد عن الصف بين السواري.\nففي هذه الدرجة مع الاحتمالات السابقة، احتمال آخر، وهو أن يكون الفاعل لذلك غير النبي - ﷺ -. ثم إن كان مع علمه - ﷺ - بذلك، لم يخرج عن أن يكون حجة، كما يظهر ذلك في المثال المتقدم، لأنه يكون من الإقرار. وأما إن لم يظهر أنه - ﷺ - علم بذلك، فإنه يخرج عن الحجية. والله أعلم.\nالدرجة الرابعة: أن يقول الصحابي: من السنة كذا. وهذا يمكن أن يكون أصله فعلًا، أو يكون قولًا. وفيه احتمال أن يكون المقصود به سنة أحد الخلفاء الراشدين المهديين. وهو مع ذلك حجة، لأن الظاهر أنه سنة النبي - ﷺ - بخلاف ما لو قال ذلك التابعي.\n_________\n(١) أحكام الأحكام ٣/ ٣٦٧، ٣٦٨","vol":"1","page":485},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-316>تكييف الصحابي للفعل النبوي:</span>\nتقدم أن الفعل النبوي جزئي واقع في الخارج، لا عموم له، وليس له صيغة لفظية، وإن كان لا بدّ للراوي من صيغة يعبّر بها عن ذلك الفعل.\nوإن الصحابة إذ يعبّرون عن تلك الأفعال بذلك، إنما (يصنّفون) تلك الأفعال، بضمّهم الفعل إلى مجموعة الجزئيات التي ينتمي إليها هذا (العنصر) الجديد، وهو الفعل الحادث الذي يخبرون عنه، واللفظ الذي يختاره الصحابي للتعبير عن تلك المجموعة له أثره عند الفقهاء في تبنّي الحكم الشرعي الذي يستنبط من الفعل.\nوكمثال على ذلك نشير إلى الخلاف الذي نشأ من قول أبي هريرة: \"إن رجلًا أفطر في رمضان، فأمره النبي - ﷺ - بالكفارة\". فإن استعماله هذه الصيغة (أفطر) دعت بعض الفقهاء، كالمالكية، إلى أن يقولوا: كل فطر في رمضان يوجب كفارة. وغيرهم، كالشافعية، أبوا ذلك، وقالوا: من المعلوم أن ذلك الرجل لم يفطر بكل أنواع المفطرات، وإنما بمفطر واحد، هو الجماع، كما بينّ في بعض الروايات الأخرى. فيكون هو السبب الموجب للكفارة، لا غيره (١).\nفهذا مثال يدلّ على المقصود، وإن لم يكن المعبّر عنه بـ (أفطر) من فعل النبي - ﷺ -.\nوواضح أن الطريقة التي سلكها الشافعية في هذا المثال هي الطريقة الصحيحة لأن الفعل لا عموم له.\nومثال آخر: قال ابن عباس: إن رفع الصوت (بالذكر) حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد رسول الله - ﷺ - وقال: \"كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته\" (٢). وهذا يقتضي رفع الصوت بعد الصلاة بكل ذكر ولكن الرواية الأخرى للحديث تخصّ رفع الصوت بالتكبير. يقول فيها: \"كنت أعرف انقضاء صلاة النبي - ﷺ - بالتكبير\" (٣).\n_________\n(١) انظر: الزركشي: البحر المحيط ٢/ ٤ أ.\n(٢) البخاري ٢/ ٣٢٥ وأبو داود.\n(٣) رواه البخاري ٢/ ٣٢٥","vol":"1","page":486},{"text":"هذا وقد استعرض الأصوليون ألفاظًا استعملها الصحابة في التعبير عن الأفعال النبوية، وحاولوا تحديد دلالتها، ونحن نذكرها تتميمًا لبحثنا، في مسائل:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-317>المسألة الأولى:</span>\nلفظ (فَعَل) والمراد (الفعل الصرفي) المثبت، المعبّر به عن فعل نبويّ (١)، كقول ابن عباس: \"صلّى رسول الله - ﷺ - الظهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا، من غير خوف ولا سفر\" (٢).\nفهذا اللفظ مطلق عن ذكر الزمان.\nيحتمل أنه جمع بين العصرين في وقت الظهر، أو في وقت العصر، أو صلّى الظهر في آخر وقتها والعصر في أول وقتها، وهو ما يسمى الجمع الصوري.\nولا يصح حمله على العموم، لأن اللفظ يدل على أنه فعله مرة واحدة، وقد وقعت بلا شك في أحد المواعيد الثلاثة.\nفحمله أبو الشعثاء راويه عن ابن عباس على الجمع الصوري. وإليه ذهب القرطبي المالكي، والجويني الشافعي، والطحاوي من الحنفية. ويؤديهم أن الجمع الصوري لا يخرج عن دلالة الآية ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابًا موقوتًا﴾ قال ابن حجر: \"يقوّي حمله على الجمع الصوري أن طرق الحديث كلها ليس فيها تعرّض لوقت الجمع، وإما أن تحمل على مطلقها، فيلزم إخراج الصلاة عن وقتها المحدود بغير عذر، وإما أن تحمل على صفة مخصوصة لا تستلزم الإخراج. والجمع الصوري أولى. والله أعلم\" (٣).\n_________\n(١) انظر الزركشي: البحر المحيط ٢/ ٦٠ أ، والشوكاني: إرشاد الفحول ص ١٢٥، أبو الحسين البصري: المعتمد ١/ ٢٠٥، تيسير التحرير ١/ ٢٤٧، ٢٤٨، الآمدي: الإحكام ٢/ ٣٦٩\n(٢) رواه مسلم ٥/ ٢١٥ وأبو داود والترمذي والنسائي.\n(٣) الفتح ٢/ ٢٤","vol":"1","page":487},{"text":"وبعض العلماء، من غير هؤلاء، قالوا: إن ابن عباس شاهد الفعل، وعرف أنه وقع في واحد من المواعيد الثلاثة، فعبّر بما يدلّ بظاهره على عدم التفريق بينها، وذلك يقتضي أنه - ﷺ - جمع إما في وقت الظهر، أو في وقت العصر. ولا يريد الجمع الصوري، إذ لو كان كذلك لما أغفل ذكره. ولأنه علّل بما يقتضي ظاهره عدم التقييد بالجمع الصوري، وهو أنه سئل: ما أراد - ﷺ - إلى ذلك؟ فقال: \"أراد أن لا يحرج أمته\". فعلّل برفع الحرج، ولا يزول الحرج بالجمع الصوري، بل بكل صور الجمع. والله أعلم. فلهذه القرينة عمّمْنا الحكم في الصور الثلاث ليشمل كل زمن الصلاتين. فإن لم يكن ثم قرينة، فلا يصح تعميم حكم الفعل المثبت المطلق في أقسامه أو أوجهه. بل يحمل على أولى الصور بالحكم، ونتوقف في الصور الأخرى. وإن تساوت توقفنا فيه. وقد قال الشوكاني: \"الفعل المثبت إذا كان له جهات فليس بعام في أقسامه، لأنه يقع على صفة واحدة، فإن عرفت تعيّن وإلاّ كان مجملًا يتوقف فيه\".\nفمّما نحمله على أولى الصور، ما ورد أنه - ﷺ -: \"صلّى في الكعبة\" فإن عبارة الصحابي يحتمل أنه ﵊ صلّى الفرض أو صلّى النفل، واللفظ مطلق، فيحمل على الأولى بذلك، وهو النفل، لما كان قد عهد التخفيف فيه. فلا يدل على جواز صلاة الفرض داخل الكعبة، بل يتوقف في ذلك (١).\nومثله أنه - ﷺ -: \"جمع في السفر\" فالسفر إما طويل وإما قصير. فلا تكون عبارة الصحابي عامة للجمع فيهما. فالطويل داخل في مفهوم اللفظ؛ والقصير مشكوك فيه، فيتوقف فيه.\nهذا ويستثنى من جملة الأفعال المثبتة التي ذكرناها في هذه المسألة أن يرد الفعل مقترنًا بكان، فنعقد لها المسألة الثانية.\nتنبيه: الأفعال (أمر) و(نهى) و(قضى) ونحوها، ألفاظ قد يعبِّر بها الصحابي عما صدر عن النبي - ﷺ -، كقولهم (نهَى) عن بيع الغرر، و(قَضىَ)\n_________\n(١) انظر ابن السمعاني: القواطع ق ٤٩","vol":"1","page":488},{"text":"بالشفعة للجار. وقد اختلف فيها على قولين، وسوف نبيّن مبنى الخلاف فيها في الباب التالي في الفصل الثالث منه إن شاء الله.\nالأول: أنها عبارة عن فعل صدر عن النبي - ﷺ -. فعلى هذا لا يصح فيها دعوى العموم، كما قدّمناه في سائر الفعل المثبت.\nالثاني: وهو الأصوب، أنها عبارة عن قول صدر منه - ﷺ -. فإن الراوي سمع لفظًا هو: آمركم بكذا، أو: افعلوا كذا، أو: أنهاكم عن كذا، أو: لا تفعلوا كذا، أو نحو ذلك. فعبّر عنه بما ذكر. وقد اختلف فيها القائلون بذلك: هل يجوز أن تدل على عموم أم لا. وعلى هذا المذهب يكون هذا النوع خارجًا عن باب الأفعال النبوية، فلا نستطرد إليه. فليرجع إليه في مظانه من كتب الأصول (١)، في مباحث الأقوال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-318>المسألة الثانية:</span>\n(كان يفعل) والمراد به الفعل المضارع الذي دخلت عليه كان إذا عبّر به الصحابي عن شيء من أفعال النبي - ﷺ -، فهل هي دالّة على مجرد وقوع الفعل، أم على التكرار والمواظبة، وهل تدل على العموم؟.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-319>١ - التكرار:</span>\nأما دلالتها على التكرار، فذلك واضح لا خفاء به، وقال ابن دقيق العيد: \"يقال: كان يفعل كذا، بمعنى أنه تكرر منه فعله وكان عادة له، كما يقال: كان فلان يقري الضيف\" (٢).\nوقد اختلف الأصوليون من أين جاءت الدلالة على التكرار: فقيل من (كان)، وهو ظاهر كلام الشاطبي (٣). إذ أورد حديث عائشة: \"كان - ﷺ - يصلي العصر والشمس في حجرتها\" (٤). ثم قال: لفظ (كان) فعل يقتضي الكثرة\". وبه قال ابن الحاجب (٥).\n_________\n(١) انظر مثلًا: إرشاد الفحول للشوكاني ص ١٢٥، الزركشي: البحر المحيط: ٢/ ٦٠\n(٢) أحكام الإحكام ١/ ٩٠\n(٣) الموافقات ٣/ ٥٩\n(٤) البخاري ٢/ ٦ ومسلم ٥/ ١٠٨\n(٥) وقد ذكرت فيه الأقوال الثلاثة جميعًا.","vol":"1","page":489},{"text":"وقيل من مجموع كان والفعل المضارع. وهو ظاهر كلام المحلي (١). ونقله صاحب تيسير التحرير.\nوقيل من الفعل المضارع وحده. وهذا عندي هو الصحيح من هذه الأقوال، وما عداه وهم من هؤلاء الأعلام رحمة الله عليهم، وجلّ من لا يستدرك عليه قول. فإن المضارع وحده يدل على التكرار والعادة المستمرة، كقولهم فلان يقري الضيف، وينفق ماله في أبواب الخير. وقد يدلّ على المرة الواحدة لكن بشرط استمراره برهة قبل زمن التكلم حتى وقت التكلم. فإذا جاءت (كان) قبل المضارع نقلت معنى التكرار من الحاضر إلى الماضي، ولم تزد على ذلك، فمن أين جاءت بالتكرار؟ (٢).\nوأيضًا: لو أنها دلّت على التكرار مع المضارع لدلّت عليه مع الفعل الماضي، لكنها لم تدلّ عليه، كما في قوله تعالى: ﴿ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار﴾ لا يعني أنهم عاهدوه أكثر من مرة.\nهذا وإن فائدة معرفة دلالتها على التكرار في أحكام الأفعال النبوية أمر مهم، نظرًا إلى أن الفعل المجرّد إذا تكرر على صفة واحدة، وكان ذا صلة بالعبادة، فإنه يقرّب أن الفعل المجرّد على وجه الشرع، فيصلح دليلًا على الاستحباب أو على تأكد الاستحباب. وقد تقدمت الإشارة إليه في مواضع من هذا الباب.\nوقد ذكر ابن دقيق العيد أنه يجوز أن تستعمل (كان يفعل) لإفادة مجرّد وقوع الفعل، وذلك صادق بالمرة الواحدة، فلا يدل على التكرار. ولكنه يقول: الأول - وهو إفادة التكرار- أكثر في الاستعمال (٣).\n_________\n(١) شرح جمع الجوامع ١/ ٤٢٥\n(٢) (كان) الناقصة، خالية من الدلالة على الحدث، ومتمحضة للدلالة على الزمان، وهذا معنى نقصها. وهي تقلب معنى الجملة الاسمية إلى الماضي. فإن قلت: (زيد كريم) ثم دخلت عليها (كان) حولت معنى الجملة من الحاضر إلى الماضي.\n(٣) أحكام الإحكام ١/ ٩٠","vol":"1","page":490},{"text":"وأشار إلى ذلك أيضًا صاحب تيسير التحرير، فإنه قال: إن إفادة (كان يفعل) التكرار أكثرية لا كلية.\nوعندي أن إفادة (كان يفعل) للمرة الواحدة، حق، ولكن في بعض الواقع دون بعض. فإنا قد ذكرنا أن المضارع المجرّد من (كان) قد يدل على المرة إن كان الفعل مستمرًا إلى زمن التكلم، فإذا دخلت عليه (كان) أفادت ذلك الاستمرار في الزمن الماضي إلى لحظة معينة من الماضي. ومثاله أن تقول (الخطيب يتكلم الآن على المنبر) فإذا أردت نقل ذلك إلى الماضي مع استمرار الفعل إلى وقت معين، تقول مثلًا: \"دخلت المسجد وكان الخطيب يتكلم\".\nفهذا استعمال آخر غير الاستعمال الأول، ولكل منهما موضعه، ولا يتوارد الاستعمالان على موضع واحد.\nوعلامة هذا النوع أن يذكر أمر كالدخول في المثال السابق، ويكون الفعل سابقًا له مستمرًا إليه. فما عدا هذا النوع تكون دلالته على التكرار كلية لا أكثرية فقط.\nفهذا توضيح لما في كلام ابن دقيق العيد من الإجمال.\nومن هذا يتبيّن أيضًا أن بعض المؤلفين (١) في الحديث النبويّ يخطئون حين ينقلون الحديث الفعلي بعبارة (كان رسول الله - ﷺ - يفعل كذا أو يقول كذا) من أصل ليس فيه إلا (فَعَل رسول الله - ﷺ - كذا)، لما بين العبارتين من الفرق في المعنى، وقد علم أن من شرط الرواية بالمعنى التساوي بين اللفظين في معنييهما.\n_________\n(١) انظر مثلًا كتاب \"صفة صلاة النبي - ﷺ -\" ط ٧ ص ١٢٦ الحديث: كان أحيانًا يرجع صوته كما فعل يوم فتح مكة، ص ٧٦: \"وكان يقول: إنما الأعمال بالنيات، ص ٧٧\" كان إذا مرض رفع أبو بكر صوته بالتكبير حتى يسمع من خلفه، وليس شيء من ذلك في الأصول، إنما فيها (رجع)، (قال) (رفع) بدون كان.","vol":"1","page":491},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-320>٢ - المواظبة والدوام:</span>\nومعناه عدم تخلّل الترك. فهو أخصّ من التكرار. فإن تكرار الشيء هو فعله مرتين أو ثلاثًا أو أكثر، وهو واضح في (كان يفعل). أما الدوام الذي لا يتخلّله ترك، فقد ادّعاه في هذا التركيب (كان يفعل) بعض الحنابلة، ونسبه ابن تيمية (١) إلى أبي يعلى وأبي الخطاب الحنبليين. واستدل به أبو يعلى على الوجوب، قال في حديث عبد الله بن زيد في استيعاب مسح الرأس: \"هذا إخبار عن دوام فعله، وإنما يداوم على الواجب\" ويعني بالدوام ما لم يتركه ولو مرة.\nوقد تقدم أن أبا يعلى يقول بالوجوب في الفعل المجرّد، وتقدم الردّ عليه.\nوتقدم أيضًا ذكر أن الدوام على الفعل المجرّد لا يدل على وجوبه.\nولكن الذي نريد هنا بيانه أن (كان يفعل) لا تدل على الدوام، وإنما تدل على التكرار والعادة الماضية. ومن أجل ذلك فلا تصلح هذه العبارة من الصحابي في رواية فعل نبويّ دليلًا على وجوب الفعل، حتى عند من يقول إن المواظبة دليل الوجوب.\nودليلنا على أن (كان يفعل) لا تدل على الدوام، أنها تدل في الماضي على ما يدل عليه (يفعل) في الحاضر، وقولنا (زيد يقري الضيف) لا يدل على أن قراه للضيف لا يتخلف البتة، بل يدل على أن عادته وأغلب أحواله أن يقري الضيف. فكذلك (كان يقري الضيف)، تدل على مثل ذلك في الماضي. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-321>٣ - العموم:</span>\nوقد ادّعى الكثيرون أن (كان يفعل) تدل أيضًا على العموم في أقسام الفعل وأوجهه. وهي مسألة مهمة في فهم كثير من الأحاديث الفعلية المروية بهذه الصيغة. وهي غير مسألة دلالة هذا التركيب على المواظبة. فإن المواظبة تعني تكرار\n_________\n(١) المسودة في أصول الفقه ص ١١٥","vol":"1","page":492},{"text":"الفعل دائمًا عند تكرر المناسبات، وأما العموم فأن يفعله بجميع أقسامه، وعلى جميع الأوجه من الهيئات أو الأماكن أو غير ذلك.\nوروي القول بالعموم في صيغة (كان يفعل) أبو يعلى، وهو ظاهر كلام الآمدي (١).\nوقد روى البخاري الحديث: \"كان - ﷺ - يجمع الصلاتين في السفر\" فقال البعض بأن ذلك يعمّ الجمع في السفر القصير، وفي السفر الطويل.\nوقول من ادّعى العموم مردود بما قال ابن قاسم في شرح الورقات: \"يمكن أن يجاب بأن (كان يفعل، وإن أفادت التكرار، فإن) كل مرة من مرات التكرار لا عموم فيها، لأنها إنما تقع في أحد السفرين. فالمجموع لا عموم فيه، إذ المركّب مما لا عموم فيه لا عموم فيه. واحتمال أن بعض المرات في أحد السفرين، وبعضهما في الآخر، غير معلوم ولا ظاهر. فصار اللفظ مجملًا بالنسبة للسفر القصير كما أشار إليه الشيخ أبو إسحاق في اللّمع\" (٢).\nوشبيه بهذه المسألة، وإن لم يكن منها، ما قال الشوكاني في حديث عامر بن ربيعة: قال: \"رأيت رسول الله - ﷺ -، ما لا أحصى يتسوَّك وهو صائم\". قال الشوكاني: \"الحديث يدلّ على استحباب السواك للصائم من غير تقييد بوقت دون وقت. وهو يرد على الشافعي قوله بكراهة التسوّك بعد الزوال للصائم، مستدلًا بحديث: لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك\" (٣).\nفما قاله الشوكاني مردود، فإن حديث عامر يدل على تكرر وقوع السواك من النبي - ﷺ - أثناء الصوم مرات كثيرة. ولكن لا ينبغي أن يفهم من ذلك العموم بالنسبة للوقت، إذ يحتمل أن تكون المرات كلها وقعت قبل الزوال، فكيف يصلح أن يكون هذا الحديث ردًا لكلام الشافعي ﵁؟.\n_________\n(١) الأحكام ٢/ ٣٧٠\n(٢) شرح الورقات ص ١٠٥\n(٣) نيل الأوطار ١/ ١٢١","vol":"1","page":493},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-322>المسألة الثالثة: اختلاف النقل بين الإطلاق والتقييد:</span>\nقد ينقل صحابي فعلًا غير مفصل، كمسحه - ﷺ - رأسه وأذنيه في الوضوء. لم يتعرّض الراوي لكونه مسح الأذنين بماء جديد، أو بفضل ما مسح به رأسه. ثم قد ترِد رواية أخرى للصحابي نفسه أو لغيره مفصلة، كما روى أنه - ﷺ - توضأ فمسح أذنيه بماء خلاف ما مسح به رأسه (١).\nقال الغزالي: \"هذا يزيل الإجمال عن الأول. ولكن يحتمل أن الواجب ماء واحد، والمستحب ماء جديد، فيكون أحد الفعلين على الأقل، والثاني على الأكمل وجعل الغزالي هذا نوعًا من أنواع البيان بالفعل، يعني بيان إجمال الفعل بالفعل\" (٢).\nوقد اعترض أبو شامة على ذلك قائلًا: \"أورد الغزالي هذا على أنه نوع من أنواع البيان بفعل النبي - ﷺ -، وإنما هو عبارة الراوي. والراوي الأول أطلق ولم يبين أنه مسح أذنيه بفضل ما مسح به رأسه، أو بماء جديد. وكلاهما محتمل. فلما نقَل الراوي الثاني أنه مسحهما بماء جديد، تعيّن حمل ذاك المطلق، على هذا المقيد، فقلنا لا بدّ من ماء جديد للأذنين. أما لو صحّ أنه مسح الجميع بماء واحد، فيمكن حمله على الأقل، ويكون الأكمل رواية من أفرد الرأس عن الأذنين بماء جديد\" (٣). اهـ.\nقولنا في ذلك: إن الروايتين إذا أوردت إحداهما مطلقة والأخرى مقيدة فإما أن يكونا في واقعة واحدة، أو في واقعتين، أو يكون الأمر مبهمًا.\nأولًا: فإن كانا في واقعة واحدة، يجب حمل المطلق حينئذ على المقيد، وهو إطلاق وتقييد في كلام الرواة. ومثاله وإن لم يكن من باب الأفعال، قصة من (أفطر) في رمضان، فأوجب النبي - ﷺ - عليه الكفارة، ورد في رواية أخرى، أن\n_________\n(١) لم تثبت هذه الرواية، كما في نيل الأوطار ١/ ١٧٨\n(٢) المستصفى ٢/ ٥٢\n(٣) المحقق ق ٣٨ أ.","vol":"1","page":494},{"text":"إفطاره كان (بالجماع). فتختص الكفارة به، ولا تجب في الإفطار بالأكل والشرب، إلا قياسًا.\nومن أمثلته أيضًا عندي حديث المغيرة بن شعبة في المسح، ففي بعض رواياته: أن النبي - ﷺ - مسح رأسه، وفي أخرى أنه مسح على العمامة، وفي ثالثة أنه مسح على ناصيته وعمامته (١). فإن حديث المغيرة هذا هو ما وصف به وضوء النبي - ﷺ - في غزوة تبوك ذات ليلة لصلاة الصبح.\nوقد قال ابن حزم: \"بهذا تعلّق المانعون من المسح على العمامة. قالوا: ذكره المسح على العمامة، هو حديث واحد مع الذي فيه ذكر الناصية والعمامة. قال ابن حزم: وهذا خطأ، لأن الوضوء لم يكن مرة واحدة منه - ﷺ - فمن ادّعى أن ذلك كله في وضوء واحد، في وقت واحد، فقد دخل تحت الكذب، والقول بما لا يعلم. وهذا لا يحل لمسلم\" (٢).\nأقول: قوله هذا مردود، وهو من تسرّعاته المعهودة، عفا الله عنا وعنه، فإن سياق القصة يدلّ على أن الحادثة واحدة. وذلك يمنع صحة الاستدلال بهذا الحديث على الاجتراء في الوضوء بمسح بعض الرأس، كما فعل ابن قدامة (٣) أو بمسح العمامة وحدها. ولا بدّ لإثبات ذلك من أدلة أخرى غير حديث المغيرة.\nثانيًا: وإن كان في واقعتين لم يجب حمل المطلق على المقيد، فإن الواقعة التي أطلق فيها ذلك يحتمل أنه - ﷺ - فعل فيها كما فعل في الأخرى. لكن الراوي أطلق ولم يبين. ويحتمل أنه - ﷺ - ترك فيها ما فعله في الثانية، فيكون ذلك من باب التعارض بين الفعل والترك، ويكون ذلك نسخًا، أو يكون الأقل واجبًا والزائد مستحبًا. وسيأتي في باب التعارض إن شاء الله.\n_________\n(١) ذكرت الروايات الثلاث في جامع الأصول ٨/ ١٣٠ أما ذكر الرأس وحده فعند البخاري ومسلم. وأما ذكر العمامة وحدها فعند الترمذي وحده. وأما الجمع بين العمامة والناصية فعند مسلم وأبي داود والنسائي.\n(٢) الإحكام ١/ ٣٣٤\n(٣) المغني ١/ ١٢٥","vol":"1","page":495},{"text":"ولا يترجح أحد المسحين إلاّ بقرينة تدل عليه.\nوقد يصح أن يقال: الأولى الاحتمال الثاني ليجوز كلا الأمرين، دون الأول، لأنه يمنع الترك ويدل على الوجوب، والأصل عدمه. والله أعلم.\nثالثًا: وإن أبهم الأمر فلم يعرف أنه في واقعة واحدة أو واقعتين. فالاحتمالان واردان أيضًا.\nوعلى هذا فإن ما عيّنه أبو شامة، مما نقلناه عنه آنفًا، غير متعيّن. ويكون كلام الغزالي من أن في مسألة مسح الأذنين احتمالين، هو أصوب. وبالله التوفيق.\nوالحاصل: أن الأخذ بالمقيّد لا إشكال فيه، وأما الأخذ بالمطلق على إطلاقه فيمتنع إن كانا في واقعة واحدة، وإلا فيحتمل أن يصح، ويحتمل أن لا يصح. والله أعلم.","vol":"1","page":496},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-323>المبحث الرابع نيَّة التَأسيّ</span>\nفي الحديث عن النبي - ﷺ -: \"إنما الأعمال بالنيّات، وإنما لكل امرئ ما نوى\".\nوقد اعتبر الفقهاء هذا الحديث إحدى القواعد الأساسية للشريعة.\nوتدخل النية في العبادات، وفي المباحات إذا قصد بها التقوّي على طاعة الله. والمقصود الأهمّ منها في العبادات تمييز العبادة من غير العبادة، وتمييز رتب العبادات بعضها من بعض (١).\nوتتميز العبادة عن غيرها باستحضار نيات مختلفة كنية التعبّد بها لله تعالى، ونية الإخلاص له فيها، ونية امتثال أحكامه من الوجوب والندب والإباحة. وكذلك نية التأسّي فيها بعباد الله الصالحين ممن فعلها، وخاصة نبينا محمدًا - ﷺ -.\nثم إن كان دليل مشروعية العبادة فعله - ﷺ - لها، فقد ذكر كثيرون من الأصوليين أن التأسّي لا يتحقق إلا بنية التأسّي، حتى لقد جعلوا ذلك من حقيقة التأسّي. يقول أبو الحسين البصري: \"التأسّي في الفعل أن نفعل صورة ما فعل، على الوجه الذي فعل، لأجل أنه فعل\" (٢)، وبعضهم عبّر عن ذلك بأنه شرط. يقول القاضي عبد الجبار: \"شرط التأسّي اعتبار الفعل، واعتبار الوجه الذي عليه وقع، ولا بدّ مع ذلك أن يفعله من أجل أنه - ﷺ - فعله\" (٣).\n_________\n(١) السيوطي: الأشباه والنظائر ٩ - ٢٠\n(٢) المعتمد ١/ ٣٧٣\n(٣) المغني ١٧/ ٢٦٨","vol":"1","page":497},{"text":"ومقصودهم بالفعل صورته، كصلاة مع صوم. فلا يتحقق الاقتداء بصومه - ﷺ - بفعل صلاة.\nومقصودهم بالوجه: الأغراض في الفعل من نية حكمه، وزمانه ومكانه وسببه وغير ذلك، كما تقدم.\nومقصودهم بقولهم: \"من أجل أنه فعله\" أن المقتدي لا يحصل منه التأسّي ما لم ينوِ أنه يفعل فعله ذاك من أجل أن النبي - ﷺ - فعله\".\nوذكر مثل هذا الآمديّ (١) وابن تيميّة (٢) وغيرهما. ولم يذكره البيضاوي في منهاجه.\nوقد قال عبد الجبار في الاستدلال على ذلك: \"إنه لو لم يفعل على هذا الوجه، لكنه فعله امتثالًا أو لغيره من الوجوه، لم يوصف بأنه متأسٍّ به\". وقالوا: \"إن الاتفاق صدفة ليس تأسّيًا\".\nوالذي يظهر أن التأسّي يتحقق بفعل مثل ما فعله - ﷺ - إن كان على الوجه الذي فعله مع نية الامتثال، أمّا أن ينوي أنه يفعل ذاك الشيء لأجل أنه - ﷺ - فعله فلا يتعيّن، فلو لم ينو ذلك، لكن نوى إخلاص العبادة لله، أو التقرب إليه، أو امتثال أحكامه، فإن عبادته صحيحة. وكذلك لو نوى التأسّي بالنبي - ﷺ -. فكل هذه نيات صالحة يتأدّى بها المقصود ويصح بها العمل، ويثبت بها الأجر. ويحصل بها التأسّي. والله ولي التوفيق.\nوأما قول عبد الجبار: أن من قصد الامتثال فقط لا يكون متأسّيًا، فإنه قول فيه نظر، لأنه إن نوى الامتثال، وكان الحكم لم يعلم إلاّ من جهة فعله - ﷺ -، فإن نية التأسّي متضمّنة، والمتضمّن في الحاصل حاصل.\n_________\n(١) الإحكام ١/ ٢٤٥\n(٢) مجموع الفتاوى ١٠/ ٤٠٩","vol":"1","page":498},{"text":"وقول من قال: الاتفاق صدفةً لا يكون تأسّيًا، هو صواب لا يرد على ما نحن فيه، لأننا إذ نمتثل حكم الله الذي دل عليه فعل رسول الله - ﷺ -، فليس اتفاق فعلنا وفعله صدفة. والله أعلم.\nانتهى الجزء الأول -بحمده تعالى-\nوسيليه الجزء الثاني","vol":"1","page":499},{"text":"أَفْعَالُ الرَّسُول ﷺ\nوَدَلاَلَتَهَا عَلَى الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ\nمُحَمَّد سُلَيْمَان الأشْقَر\nدكتورَاه فِي الشَّرِيعَةِ الإِسْلاَمِيَّة\nمِن الجَامِعَةِ الأَزْهَرِيَّةِ\nالجُزْءُ الثَّانِي\nمؤسسة الرسالة","vol":"2","page":1},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم","vol":"2","page":2},{"text":"أَفْعَالُ الرَّسُول ﷺ\nوَدَلاَلَتَهَا عَلَى الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ","vol":"2","page":3},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nغاية في كلمة\nجميع الحقوق محفوظة للمؤلف\nالطبعة السادسة\n١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م\nISBN ٩٩٥٣ - ٤ - ٠١٦٦ - ٧\nجميع الحقوق محفوظة (c) ١٩٨٨  م. لا يسمح بإعادة هذا الكتاب أو جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام ميكانيكي أو إليكتروني يمكن من استرجاع الكتاب أو أي جزء منه. ولا يسمح باقتباس أي جزء من الكتاب أو ترجمته إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر. (٦)\nمؤسسة الرسالة\nللطباعة والنشر والتوزيع\nوطى المصيطبة\nشارع حبيب أبي شهلا\nبناء المسكن\nهاتف: ٣١٩٠٣٩ - ٨١٥١١٢\nفاكس: ٨١٨٢١٥ (٩٦١١)\nص. ب: ١١٧٤٦٠\nبيروت - لبنان\nresalah\npublishers\nTel: ٣١٩٠٣٩ - ٨١٥١١٢\nfax: (٩٦١١) ٨١٨٦١٥\nBeirut - lebanon\nEmail:\nresalah@resalah.com\nweb location:\nHttp://www.resalah.com","vol":"2","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-324>الباب الثاني الأفعال غير الصريحة</span>\n- تمهيد.\n٢ - الكتابة.\n٢ - الإشارة.\n٣ - الأوجه الفعلية للقول.\n٤ - الترك.\n٥ - السكوت.\n٦ - التقرير.\n٧ - الهم بالفعل.\n٨ - الملحقات بالأفعال النبوية:\nأ- أفعاله - ﷺ - قبل البعثة.\nب- شمائله النفسية.\nج- فعله - ﷺ - في الرؤيا.\nد- ما فعل به - ﷺ - بعد الموت.\nهـ- أفعال الله تعالى.\nو- تقرير الله تعالى.\nز- أفعال أهل الإجماع.","vol":"2","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-325>تمهيد</span>\nالفعل الصريح كالقيام والجلوس والصلاة والصوم والحب والبغض.\nوقد قدّمنا أن من الأفعال ما يكون في فعليته خفاء، وينشأ ذلك عن طبيعة الفعل.\nوالأفعال غير الصّريحة قسمان:\n١ - فبعض الأفعال تكون دلالته على مراد فاعله أظهر من دلالة سائر الأفعال العادية الصريحة، فيفارق الأفعال الصريحة من هذه الناحية. ويخرجه بعض العلماء لذلك عن الفعلية، لقرب شبهه بالقول. ومن أمثلة هذا النوع الكتابة، والإشارة، والعقد، ونحوها.\nفالقول يدلُّ بالمواضعة وجريان العرف باستعماله لمعاني خاصة تفهم منه.\nوكذلك الأمر في الكتابة والإشارة والعقد.\n٢ - وبعض الأفعال غير الصريحة يكون خفاء فعليّته ناشئًا من كونه سلبًا، كالترك والسكوت والإقرار، أو شبيهًا بالسلب كالهمّ بالفعل.\nوقد عقدنا هذا الباب لهذه الأفعال غير الصريحة، لنبيِّن فروق دلالتها عن دلالة الأفعال الصريحة.","vol":"2","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-326>الفصل الأول الكتابة</span>\nالكتابة: تدوينٌ مرئيٌّ للّغة. وهي واسطة لنقل الأفكار والمشاعر، تتميّز عن الكلام والإشارة بأنها باقية، والكلام والإشارة يزولان في الحال.\nوقد عرّف ابن حزم الكتابة، بأنها: \"إشارات تَقَع باتفاق، عمدتها تخطيط ما استقر في النفس من البيان، بخطوطٍ متباينة، ذات لون يخالف لون ما يُخَطّ فيه، متفق عليها بالصوت، فتبلغ به نفس المخطّط ما قد استبانته، فتوصله إلى العين التي هي آلة لذلك\" (١)، حتى يحصل بها الإدراك لدى المبلّغ.\nوابن حزم يشير بكلامه هذا إلى أن الكتابة تدلّ بالمواضعة. والتواضع فيها أن تدلَّ الرموز المكتوبة على الأصوات، وقد تعورف في الأصوات دلالتها عند أهل اللغة على المعاني (٢).\nوتُدْرك الأصوات بحاسّة السمع، أما الكتابة فتدرك بحاسّة البصر.\nويتميّز القول عن الكتابة بأنه يمكن أن يصاحبه من الجهارة وملامح الصوت والكيفيّات الصوتية ما يقوى به التعبير، فيؤدِّي ذلك من المعاني ما لم يُنْطَق به، حتى يدل على الغضب والرضا والحزن والسرور والقناعة والضجر وغير ذلك. وقد تصحبه ملامح وقرائن في الشخص المتكمل، من الانبساط والعنْف والإشارات. وذلك يجعل القول حيًّا نابضًا، ويلقي على المعنى ظلالًا يصعب تصويرها كتابة. ولا تزال كثير من الملامح الصوتية في العربية وغيرها ممتنعةً على العلماء أن يتمكّنوا من تصويرها بالإشارات الكتابية.\n_________\n(١) التقريب لحد النطق ص ٥\n(٢) مقدمة ابن خلدون - الفصل الثلاثون.","vol":"2","page":9},{"text":"ولكن تتميّز الكتابة عن القول بأمور:\nمنها أن الفكرة يمكن تصويرها بالكتابة، على مهل، تصويرًا منضبطًا لا ينتشر ولا يضيع.\nوتتميّز أيضًا عن القول بثباتها، فإن رسم الكلمات إذا نُقِش بقي على ما هو عليه، ما لم تغيِّره يد قاصدة أو عوادي الزمن. ولذلك يمكن أن يفهمه الحاضر والغائب. والموجود عند كتابته ومن يوجد بعد كتابته بعصر أو عصور.\nأما القول فإنه يزول حالًا بعد النطق به، ولا بدّ إذا أريد الإعلام به مرة أخرى من تكرير الجهد في تركيبه، أو أن يستعاد من الذاكرة. ولكنه قد يتغيّر في الحافظة دون قصد. ولم يمكن اختزان القول كما هو إلاّ في عصرنا الحاضر، عند اختراع وسائل التسجيل الصوتي.\nوتتميّز الكتابة، ثالثًا، بأنه يمكن ترديد النظر فيها مرة بعد أخرى، حتى يحصل بها لدى القارئ صورة تكاد تكون مطابقة للصورة الحاصلة في ذهن الكاتب.\nومن أجل ذلك كانت الكتابة واسطة اتصال مهمةً بين أفكار البشر، في دائرة أوسع من دائرة القول من حيث الزمان والمكان، وكانت ذات فاعليّةٍ أساسية في نشر الحضارة، ونقلها من مكان إلى مكان، ومن جيل إلى جيل.\nوقد امتنَّ الله تعالى على البشر بتعليمهم بالقلم، وأقسم بالقلم وما يسطرون من المكتوبات، فنبّه بذلك إلى قدرها وأثرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-327>المطلب الأول هل الكتابة قول أو فعل</span>؟\nيختلف الأصوليون في التعبير عن الكتابة، فمنهم من يجعلها فعلًا من الأفعال، ومنهم من يجعلها قولًا، ومنهم من يجعلها قسيمًا للقول والفعل.","vol":"2","page":10},{"text":"فممن عبّر عنها بأنها فعل، القرافي، حيث يقول: \"البيان إما بالقول أو بالفعل كالكتابة والإشارة ... \" (١).\nومنهم ابن حبان، حيث قسم أفعال النبي - ﷺ - إلى أنواع، فجعل كتبه - ﷺ - نوعًا من الأفعال، وذكر هناك (٢) ما أَثَره عنه - ﷺ - من ذلك.\nوممن جعل الكتابة قولًا من الأفعال، من القدماء، القاضي أبو يعلى الحنبلي في كتابه (العدة).\nومن المحدّثين عبد الكريم زيدان في كتابه (أصول الدعوة)، قال: الكتابة من أنواع القول (٣).\nوممن عبّر عن الكتابة كقسيم للقول والفعل القاضي عبد الجبار (٤)، وأبو الحسين البصري (٥) المعتزليان.\nوقد سبق تعريفُ ابن حزم للكتابة بأنها تخطيط باليد برسوم متفق عليها تدلّ على الأصوات. ومن هنا نشأ الاختلاف في التعبير عنها:\nفمن نظر إلى أن التخطيط باليد الذي هو حقيقة الكتابة، هو فعل بجارحة من الجوارح، قال إن الكتابة فعل.\nومن نظر إلى أن الكتابة أمارة على الكلام، ويفهم المراد منها بواسطة فهم ما تدلّ عليه من الكلام، قال إنها قول.\nومن نظر إلى أن الكتابة تدلّ بعبارات غير ملفوظة أصلًا، وقد تكتب ثم يطلع عليها فتفهم دون أن يتوسط ذلك تلفُّظ أصلًا، أخرجها بالنظر إلى ذلك عن أن تكون أقوالًا أو أفعالًا.\nوالذي نختاره أن الكتابة فعل، وليست قولًا.\n_________\n(١) شرح تنقيح الفصول ص ١٢٢\n(٢) صحيح ابن حبان ١/ ١٠٧\n(٣) أصول الدعوة ص ٤٥٣\n(٤) المغني ١٧/ ٢٥١\n(٥) المعتمد ١/ ٣٣٨","vol":"2","page":11},{"text":"والوجه ما تقدم من أن حقيقة الكتابة التخطيط.\nونرى أن من عبّر عن الكتابة بأنها قول، فإنه قد تجوّز به عنها، لمّا كانت دالّة عليه. وقد صرّح بعض اللغويين بأن إطلاق القول على الكتابة مجاز، منهم الشيخ خالد الأزهري في شرح التوضيح (١) ومن التجوّز به عنها ما ننسبه إلى كثير من المصنفين في كتبهم من الأقوال في مختلف الفنون، فإنهم كتبوه كتابة ولم يلفظوه قولًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-328>البيان بالكتابة:</span>\nإن مميّزات الكتابة السابق ذكرها، جعلتْها أداةً من أدوات البيان ذات قيمة فريدة. وقد كان القول الوسيلة الرئيسيّة للنبي - ﷺ - في البيان، ولكن الكتابة كانت وسيلة أخرى استُعمِلت حيث دعت الحاجة.\nفالكتابات تستفاد منها السنن كما تستفاد من الأقوال.\nوعلى القول بأن الكتابة فعل من الأفعال، فإن الأفعال قد وقع الخلاف فيها أيجوز البيان بها من قبل الشارع أم لا؟ ولكن ذلك الخلاف لا يترقّى حتى يشمل الكتابة. فإن الكتابة أدلّ من سائر الأفعال. ويقول الزركشي: \"هل يجري الخلاف الفعلي في الكتابة والإشارة؟ يحتمل أن يقال به؛ والظاهر المنع. وقد قطع ابن السمعاني بالبيان بالكتابة والإشارة، مع حكايته الخلاف في الفعل. وقال صاحب الواضح: لا أعلم خلافًا في (أن) الإشارة والكتابة يقع بهما البيان\" (٢). وصرّح بذلك الشوكاني أيضًا، وقال إنه: \"لا خلاف في أن ذلك من السنة، ومما تقوم به الحجة\" (٣).\nوقد استخدم النبي - ﷺ - الكتابة في بيان الأحكام وتبليغ الدعوة في مناسبات كثيرة جدًا، فمما وقع من بيان الأحكام بها كتابته - ﷺ - أحكام الزكاة، فقد كتب ذلك قبل وفاته في كتاب أخرجه أبو بكر وأمر به عمّال الصدقات. وحديثه عند\n_________\n(١) التصريح شرح التوضيح ١/ ٢١\n(٢) البحر المحيط ٢/ ١٨١ ب.\n(٣) إرشاد الفحول ص ٤٢","vol":"2","page":12},{"text":"أحمد وأبي داود بسندهما عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه، قال: \"كان رسول الله - ﷺ - قد كتب الصدقة. ولم يخرجها إلى عمّاله حتى توفّي. قال: فأخرجها أبو بكر من بعده فعمل بها حتى توفي، ثم أخرجها عمر من بعدِه فعمل بها\" (١) ... ثم بيّنها ابن عمر.\nوخطب - ﷺ - يوم فتح مكة، فذكر تحريم مكة، وقال: \"من قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يعقل، وإما أن يقاد أهل القتيل\". فجاء رجل من أهل اليمن، فقال: \"اكتب لي يا رسول الله\". فقال: \"اكتبوا لأبي فلان\" (٢).\nوكان له - ﷺ - كتبة يكتبون الوحي، ويكتبون له إلى عماله والمؤمنين به في أطراف الجزيرة العربية، وإلى رؤساء الدول المجاورة. ومن كتّابه زيد بن ثابت، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ومعاوية، وسواهم كثير (٣).\nوقد جمع محمد حميد الله (٤) ما أُثر عن النبي - ﷺ - من المكتوبات في شؤون التبليغ والسياسة، فكانت قريبًا من ٢٨٠ وثيقة. كثير منها في دعوة الأقوام والرؤساء إلى الله تعالى. ومنها عهود ومواثيق. ومنها إعذار وإنذار وتبشير وتثبيت وأمر بالتمسّك بدين الله. ومنها تفصيل لأحكام شرعية يُلزم بها كمقادير الزكاة ومقادير الدِّيات.\nوهذا يؤكد أنه - ﷺ - اتخذ الكتابة وسيلة لبيان أحكام الشريعة وتبليغها. وأن البيان يحصل بها ويتم.\nوقد جمع رسائله أيضًا عليّ بن حسين الأحمدي (٥) في مجلد ضخم، فيه أكثر من ١٧٠ وثيقة.\n_________\n(١) نيل الأوطار: ٤/ ١٣٩\n(٢) رواه البخاري ١/ ٢٠٥ وأبو داود.\n(٣) انظر: حصر كتابه - ﷺ - في زاد المعاد لابن القيم، والبداية والنهاية لابن كثير، وغيرهما.\n(٤) انظر كتابه: \"الوثائق السياسية والإدارية للعهد النبوي والخلافة الراشدة\" بيروت، دار الإرشاد، ١٣٨٩ هـ.\n(٥) انظر كتابه: \"مكاتيب الرسول\" بيروت، دار المهاجر (د. ت).","vol":"2","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-329>المطلب الثاني منزلة الكتابة من القول عند الفقهاء والمحدثين</span>\nإن الكتابة عند الفقهاء أحطُّ درجة من القول. فكثير مما يصحّ بالقول لا يصح بالكتابة.\nفمن ذلك الطلاق. قال ابن قدامة: \"في قولٍ للشافعي، لا يقع الطلاق بالكتابة، وسواء نوى بها الطلاق أو لم ينوه، لأنه فعل من قادر على التطليق، فلم يقع به الطلاق كالإشارة\" (١). وبمثل ذلك قال ابن حزم الظاهري (٢). ويقول الجمهور، وهو المنصوص عن الشافعي، يقع الطلاق بالكتابة إن نواه بها، لأن الكتابة حروف يفهم منها الطلاق، ولأن الكتابة تقوم مقام قول الكاتب. فإن لم ينو لم يقع. اهـ بتصرف.\nفعلى القول الأول: واضحٌ انحطاط درجة الكتابة عن درجة القول.\nوعلى القول الثاني كذلك. لأن التطليق بالقول الصريح يلزم به الطلاق ولو لم ينوه. ولا يقع بالكتابة إلا بالنية.\nوقد ذكر السيوطي مسألة الطلاق بالكتابة (٣)، ثم قال:\n\"وإن نوى فأقوال أظهرها: تطلق. والثاني: لا، والثالث: إن كانت غائبة عن المجلس طلقت، وإلاّ فلا. قال في أصل الروضة: وهذا الخلاف جار في سائر التصرفات التي لا تحتاج إلى قبول، كالإعتاق، والإبراء، والعفو عن القصاص، وغيرها.\nقال: وأما ما يحتاج إلى قبول، فغير النكاح، كالبيع والهبة والإجارة، في انعقادها بالكتابة خلاف مرتّب على الطلاق وما في معناه: إن لم يصح (الطلاق) بها فها هنا أولى، وإلاّ فوجهان، والأصح الانعقاد.\n_________\n(١) المغني ٧/ ٢٣٩\n(٢) المحلى١٠/ ١٩٧\n(٣) الأشباه والنظائر ص ٣٠٨","vol":"2","page":14},{"text":"وأما النكاح ففيه خلاف مرتّب، والمذهب منعه بسبب الشهادة، فلا اطّلاع للشهود على النيّة.\nقال: وحيث جوّزنا انعقاد البيع ونحوه بالكتابة، فذلك في حال الغيبة، فأما عند الحضور فخلاف مرتّب، والأصح الانعقاد\" (١). اهـ كلام السيوطي.\nويقول محمد سلام مدكور: \"يجوز التعاقد بالكتابة، لأنها السبيل الثاني الذي يقطع في الدلالة على الإرادة، وسواء أكان المتعاقدان يقدران على التلفظ أم يعجزان معًا، أم يعجز أحدهما دون الآخر. وسواء أكانا في مجلس واحد، أم كان التعاقد بين حاضر وغائب، ما دامت الكتابة (واضحة، مفهومة، مستبينة). وقالوا (٢) إن العقود جميعها في ذلك سواء. ولم يستثنوا منها سوى الزواج. فلم يجيزوه بالكتابة عند التمكن من التلفّظ، لاشتراط الإشهاد والإشهار، والرغبة في الإشهار زيادة في الاحتياط لخطر ما يترتّب عليه من آثار قوية تتعلق بالأعراض والأنساب ولتحقيق العلانية\".\nومن هنا يتبيّن ما قلنا من انحطاط درجة الكتابة عن درجة القول. وما ذاك إلاّ للعوامل المؤثرة، مما صرّحوا به، أو ألمحوا إليه، في تعليلاتهم، من عدم الاطلاع على النية، وأن الكاتب قد لا ينوي ما تدل عليه العبارات التي يكتبها، بل ينوي تجويد الخطّ، أو تجربة القلم، أو يعبث بالأشكال الحرفيّة، أو لغير ذلك من المقاصد. ومن صحح الكتابة للغائب دون الحاضر، فإنه لاحظ الحاجة.\nوكذلك المحدثون، تقل ثقتهم بالمكتوبات عن ثقتهم بالمحفوظات، وكان الذي يعتمد على كتابه يسمى صحفيًا، وذلك عندهم وصف ذمّ. وهذا حين كان فنّ الكتابة بدائيًا، خاليًا من النقط والشكل. فمن أخذ من الكتاب وحده لم يؤمن عليه التحريف والتصحيف. هذا بالإضافة إلى إمكانية حصول العبث بالكتاب في غفلة عن صاحبه.\n_________\n(١) المدخل للفقه الإسلامي ص ٥٣٦\n(٢) يعني فقهاء الحنفية.","vol":"2","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-330>المطلب الثالث التعارض بين الكتابة وغيرها</span>\nتعرّض لهذا البحث الزركشي في البحر المحيط، فنقل عن أبي منصور (السمعاني) أنه يقدم القول، ثم الفعل، ثم الإشارة، ثم الكتابة، ثم التنبيه على العلة (١).\nفأما تقديم القول على الكتابة، فهو واضح.\nوأما تقديم الفعل عليها فغير مسلم، وذلك أن الفعل يعتَوِره ما يضعف دلالته من الاحتمالات التي تقدم ذكرها في فصل حجيّة الأفعال من الباب الأول، كالخصوصية وغيرها، فكيف تقدم على الكتابة، والكتابة بمنزلة القول؟ ثم قد تُوجّه إلى المخاطب في شأن نفسه خاصّة. فكيف يقدِّم المكتوب إليه عليها ما رأى النبي - ﷺ - يفعله، أو سمع أنه فعله.\nوإن كان المراد تقديم الفعل عليها في حقّ غير المكتوب إليه، فهو غير مسلم أيضًا، لأنها بمنزلة القول، والقول مقدم على الفعل.\nوقد قدمنا أن خفاء فعليّة الكتابة ناشئ من كونها أعلى دلالة من الفعل، وذلك أيضًا يقتضي تقديمها عليه.\nوأما تقديم الإشارة على الكتابة مطلقًا فهو غير مسلم، بلى ينبغي التفصيل في ذلك. فلو كتب اسم شخص، ثم عيّنه بالإشارة، وتعارضا، قدمت الإشارة، لاحتمال الكتابة الاشتراك والمجاز وغير ذلك. ولا تحتمل الإشارة هنا ذلك، لأنها تدل على المراد يقينًا.\nولو كانت الإشارة مبهمة كبعض الإشارة بالعين أو الرأس، وحتى باليد، لتوضيح بعض الهيئات المركبة أو الأمور المعنوية، فإن الكتابة في ذلك أدل، فينبغي تقديمها.\nوقد تعرّض لذلك المتولّي في قضية طلاق الأخرس، فقال (٢) بعدم اعتبار\n_________\n(١) البحر المحيط ٢/ ٢٦٠ أ.\n(٢) السيوطي: الأشباه والنظائر ص ٣١٢","vol":"2","page":16},{"text":"الإشارة في الطلاق من الأخلاص إلاّ إذا عجز عن كتابة مفهمة، فإن كان عليها قادرًا فهي المعتبرة منه، ولا يعتبر طلاقه بالإشارة، لأن الكتابة أضبط؛ والجمهور أطلقوا جواز طلاق الأخرص بالإشارة.\n&lt;رأس&gt;كيفية استفادة الأحكام من الكتابة:&lt;/رأس&gt;\nللكتابات النبوية دلالات ثلاث:\nالأولى: من حيث هي فعل صادر عن النبي - ﷺ -. فيستدل بها كما يستدل بالأفعال الصريحة. فيجوز استعمال الكتابة في الشؤون الخاصة، وفي الدعوة إلى الله، وتبليغ الغائبين أحكام الشريعة استدلالًا بأن النبي - ﷺ - استعملها كذلك.\nالثانية: من حيث هي تعبير عن مرادات النفس. فيستدل بها كما يستدل بالأقوال، بفهم ما تتضمنه من الأوامر والنواهي والإخبار والتحذير والإنذار، على الوجه الذي تفهم عليه اللغة. والأحكام الأصولية التي تنطبق على الكتابة، من هذه الجهة هي أحكام الأقوال.\nالثالثة: ما كان النبي - ﷺ - يراعيه في كتبه من الأمور التي تعلم الاستقراء، من الاقتصار على القدر الضروري، وتقريب المعاني إلى المخاطبين بما هو من لغتهم، وما ألفوه من العبارات والصور التعبيرية، دون قصد إلى سجع أو تكلُّف، والقصد المباشر إلى المراد، دون مقدّمات مضنية ولا ختامات متعسّفة، والتعبير عن نفسه - ﷺ - بصيغة المفرد؛ والبدء بالبسملة.\nفهذه الأنواع ونحوها كل منها نوع مستقل من الأفعال، ينبغي تنزيلها على الأقسام التي تقدم ذكرها من الأفعال الصريحة، والحكم عليها بما يناسبها.\nولا بدّ لإثبات كل فعل منها من الاستقراء التامّ أو القريب من التمام، لتتحصل غلبة الظن به.\nثم قد يقع الخلاف في أشياء من ذلك، إما من جهة ثبوته، أو غيرها. ومن الأمثلة على استفادة الأحكام من هذه الجهة من جهات الكتابة، ما يلي:","vol":"2","page":17},{"text":"المثال الأول: الصلاة على النبي - ﷺ - في أول الرسائل، بأن يقول المرسل (بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله) لم يكن يقولها - ﷺ - في رسائله، ويكون ذلك من باب التروك.\nالمثال الثاني: الحمدلة أو البسملة، في أول الرسائل والوثائق. فقد افتتح البخاريّ كتابه بالبسملة دون حمدلة. وذكر ابن حجر اعتراض من اعترض على ذلك بكونه خلاف ما في حديث أبي داود مرفوعًا: \"كل أمر ذي بال لا يُبدأ فيه بحمد الله فهو أقطع\". وأجاب عن ذلك بأجوبة، منها: وقوع كتب رسول - ﷺ - إلى الملوك، وكتبه في القضايا، مفتَتَحة بالتسمية دون حمدلة، كما في حديث أبي سفيان في قصة هرقل، وفي حديث البراء في قصة سهيل بن عمرو في الحديبية.\nالمثال الثالث: عباراتٌ مقصود بها أن تكون على وضع خاص، ككتابته - ﷺ - إلى هرقل وغيره (سلام على من اتّبع الهدى)، فهي دليل على ترك إلقاء السلام على الكافر، واستبداله بهذه العبارة.\nالمثال الرابع: كان - ﷺ - يكتب إلى بعض ملوك الكفر بآية من القرآن. فيستدل بذلك على لمس الكافر ما فيه قرآن من كتب التفسير والفقه (١) والمجلات الإسلامية والرسائل ونحوها.\nالمثال الخامس: بداءته - ﷺ - باسمه، فيقول: \"من محمد رسول الله إلى فلان\" وقد اختلف في وجه ذلك:\nفقيل: السنة لكل كاتب أن يبدأ باسمه.\nوقيل: إنه بدأ به لأنه أفضل من غيره، فيدل على أن الأفضل يقدّم اسمه في رسالته إلى المفضول.\nقال ابن حجر عند قوله - ﷺ -: \"من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم\"، قال: \"فيه أن السنة أن يبدأ الكاتب بنفسه، وهو قول الجمهور، بل حكى النحاس فيه إجماع الصحابة. والحق إثبات الخلاف\" (٢). اهـ.\n_________\n(١) ابن قدامة: المغني ١/ ١٤٨\n(٢) فتح الباري ١/ ٣٨","vol":"2","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-331>الفَصل الثاني الإشارة</span>\nالإشارة قد تكون حسية وهي المرادة هنا، وقد تكون معنوية.\nوالإشارة: حركة بعضو من أعضاء البدن، أو متصل به، يراد بها أحيانًا أن تبيّن عما في النفس. قال صاحب لسان العرب: \"يقال شوّرت إليه بيدي، وأشرت إليه، أي لوّحْتُ إليه. وأشار باليد: أومأ. وأشار بالنّار: رفعها\". وقال: \"أشار إليه وشوّر أومأ، يكون ذلك بالكفّ والعين والحاجب. أنشد ثعلب:\nنُسِرُّ الهوى إلاّ إشارة حاجبٍ ... هناك، وإلا أن تُشيرَ الأصابعُ\nوفي الحديث: كان يشير في الصلاة، أي يومئ باليد والرأس، أي يأمر وينهي بالإشارة\". اهـ.\nثم قد تكون الإشارة بالرأس أو العين أو الحاجب أو الأكتاف، والأكثر بالكفّ أو الأصابع. وقد تكون بخرقة أو عصًا أو غير ذلك مما قد يساعد على لَفْتِ النظر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-332>الإشارة فعل:</span>\nالإشارة فعل من الأفعال، لا خفاء في ذلك، لأنها كما قلنا حركة باليد أو غيرها. وإنما جعلناها من جملة الأفعال غير الصريحة من أجل أنه يُستدل بها على الأحكام بطريق غير الأفعال الصريحة. فإن الفعل الصريح من النبي - ﷺ - يقتضي أن نفعل مثل ما فعل. وأما الإشارة فإن دلالتها بالمواضعة العامة، شبيهة في ذلك بدلالة القول. فإذا قال ﵊: \"الشهر هكذا وهكذا وهكذا\" ورفع أصابعه العشرة في مرتين، وخنس الإبهام في الثالثة، فذلك يدل على ما يدل","vol":"2","page":19},{"text":"عليه اللفظ، كأنه قال: (الشهر تسعة وعشرون). فهذه دلالة بطريقة أخرى غير طريقة دلالة أفعال.\nوليست الإشارة لفظ اسم الإشارة، الذي هو هنا (هكذا)، بل هذا اللفظ مؤكّد لمعنى الإشارة، ومنبّه للمخاطب، عن طريق حاسّة السمع، ليلتفت ببصره إلى ما يشير إليه مخاطبه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-333>المطلب الأول كيفية الدلالة بالإشارة</span>\nالإشارة تدل على مراد المتكلم بطرق مختلفة. وقد ذكر ذلك القاضي عبد الجبار مجملًا، فقال: \"تدل الإشارة كدلالة القول، إما بأن يعرف مراده باضطرار، أو بطريقة في الاستدلال، نحو أن يَعُدّ عَدًّا جرت العادة بمثله. فذكر حديث الإشارة إلى عدد أيام الشهر، ثم قال: وهذه أمور معقولة في طريقة الأدلة\" (١). اهـ.\nونحن نفصّل ذلك فنقول:\nمن طرق التي تدل بها الإشارة:\n١ - التشبيه، كما في الحديث المتقدّم، فإن رفع الأصابع يراد بها أن عدد الأيام في الشهر كعدد الأصابع المرفوعة. ولو سئل ماذا يريد أن يصنع؟ فعمل باليد أو الرجل أو الفم أو غيرهما كهيئة من يأكل أو يكتب أو يمشي أو يطرق حديدًا أو غير ذلك، لكان المراد به أنه يريد أن يفعل مثل ذلك.\n٢ - التوجيه، أعني توجيه بصر المخاطب إلى شيء معين، بملاحقة جهة امتداد إصبع المشير أو يده أو وجهه إلى حيث هي متجهة. قال التهانوي: \"تعيين الشيء بالإشارة الحسّيّة بالامتداد الموهوم الآخد من المشير المنتهي إلى المشار إليه\" (٢). اهـ.\n_________\n(١) المغني ١٧/ ٢٧٣\n(٢) كشاف اصطلاحات الفنون ١/ ٧٣٩","vol":"2","page":20},{"text":"ثم قد يراد أن يتجه بصر المخاطب إما إلى (ذات). ويوافقها من الألفاظ (هذا) وفروعه؛ وإما إلى جهة، ويوافقها من الألفاظ (هنا) وبابها من أسماء الإشارة للمكان.\n٣ - معانٍ متواضع عليها، غير منحصرة، كهزّ الرأس أو تحريكه جهة العلوّ بمعنى الإنكار والرفض والنفي، وخفضه بمعنى الموافقة والرضا والإيجاب، وهزّ الأكتاب بمعنى الاستخفاف. وكأنواع من الإشارة باليد، فنفضها، بمعنى التنصّل من الأمر وأنك منه براء، وتحريكها جهة المتكلم بمعنى الاستدعاء أو الأمر بالإدناء، وتحريكها بعيدًا عن المتكلم بمعنى الأمر بالإقصاء، والتلويح بها بمعنى التوديع. إلى غير ذلك مما يعرف بتتبع عادات الناس.\nهذا وتتميز الإشارة عن النطق من هذه الناحية. فإنّ فهم الإشارة لا يرتبط بلغة معينة، بل تكاد الإشارة تكون (لغة عامة عالمية)، ولذلك يستعملها الأخرس والطفل الذي لم يتكلم، ويستعملها الناس إذا لم يعلم أحد منهم لغة الآخر.\nولم يذكر التهانويّ من الأنواع الثلاثة إلّا النوع الثاني. ولكن النوعين الآخرين هما أيضًا من أنواع الإشارة. واللغة تدل على ذلك، كما تقدم في الشاهد الذي أنشده ثعلب، وما نقلناه من الحديث التالي له.\nومما ورد من النوع الأوّل، وهو التشبيهيّ، ما قال جبير بن مطعم: قال رسول الله - ﷺ -، في صفة الغسل \"أما أنا، فأفيض على رأسي ثلاثًا\" (١). وأشار بيديه كلتيهما.\nومنه ما يأتي في الحديث، في ذكر ساعة يوم الجمعة: \"وأشار بيده يزهِّدها\". ووضع أنملته على بطن الوسطى والخنصر.\nومما ورد من النوع الثالث وهو الدالّ على معان متعارف عليها، ما قال رسول الله - ﷺ -: \"ما لكم تشيرون بأيديكم كأنها أذناب خيل شُمْس\" (٢). يعني إشار بعضهم بالتسليم على بعض؟ فالإشارة هنا تدل على التحية.\n_________\n(١) البخاري ١/ ٣٦٧\n(٢) مسلم (عبد الباقي) ١/ ٣٢٣","vol":"2","page":21},{"text":"ومنه أيضًا: حديث عائشة في صلاة الكسوف، وفيه: \"فأشارت برأسها أي نعم\" (١).\nومنها أنه - ﷺ - مرّ بنساء، فالْوى بيده بالتسليم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-334>المطلب الثاني الإشارة عند الفقهاء</span>\nللإشارة عند الفقهاء أحوال (٢):\nالأولى: حال الأخرس، فإن إشارته معتبرة وقائمة مقام النطق من الناطق في جميع العقود، كالبيع، والإجارة، والهبة، والرهن، والنكاح، والرجعة، والظهار.\nوفي جميع الحلول كالطلاق، والعتاق، والإبراء.\nوفي غير ذلك كالإقرار، والدعوى، والقذف (٣) والإسلام. ويستثنى من ذلك الشهادة واليمين.\nوقد قسم الفقهاء الإشارة من الأخرس قسمين:\nفمنها صريح يقع به الطلاق، سواء نواه أم لا، وهو الإشارة المفهومة، التي يفهم المقصود منها كل من رآها.\nومنها كناية مفتقرة إلى النيّة، وهي الخفيّة التي لا يفهم المراد منها إلاّ بمزيد من الفطنة والذكاء.\n_________\n(١) البخاري ١/ ١٢ ومالك في الموطأ ١/ ١٨٨\n(٢) اعتمدنا في هذا الموضع على ما حرره السيوطي في الأشباه والنظائر ص ٣١٢ وما بعدها وانظر أيضًا: تفسير القرطبي ٤/ ٨١\n(٣) أكد البخاري في صحيحه وقوع القذف بإشارة الأخرى ورد على من منعه. انظر فتح الباري ٩/ ٤٣٩","vol":"2","page":22},{"text":"ووجه اعتبارها من الأخرس أنه غير قادر على النطق، فهو يعبّر عن مراده بالإشارة لأنها الأمر المتيسّر له، وقد جرت العادة أنه بها يقضي مآربه ويعبّر عن نفسه، فهي (لغته) التي بها يبلغ ما يريد.\nالثانية: المعتقل لسانه، واسطة بين الناطق والأخرس، قال السيوطي: \"فلو أوصى في هذه الحالة بإشارة مفهمة، أو قرئ كتاب في الوصية، فأشار بيده: إن نعم، صحّت\". اهـ. فأجرى عليه حكم الأخرس. وهذا منه ملاحظة للعلة التي ذكرناها آنفًا. وذكر ابن حجر في الفتح في المعتقل لسانه ثلاثة أقوال، الاعتبار، وعدمه، وثالثها عن أبي حنيفة: إن كان مأيوسًا من نطقه. وعن بعض الحنابلة إن اتصل بالموت، ورجّحه الطحاوي.\nالثالثة: القادر على الإبانة بالقول. قال السيوطي: \"وإشارته لغوٌ إلاّ في صور معيّنة، منها الإفتاء، ومنها الأمان للكافر بالإشارة، تعتبر أمانًا حقنًا للدم. ومنها ردّ السلام بالإشارة من المصلّي\". وهذا في الحقيقة راجع إلى ما تقدم قبل هذه الحالة لأن الصلاة تمنع النطق، شرعًا.\nوقال ابن عابدين من الحنفية ما حاصله (١): إن الإشارة من الناطق باطلة إلاّ في تسعة مواضع عدها وذكر منها الإفتاء، والإسلام، والكفر، والنَّسَب، والأمان، وإشارة المحرم لصيد.\nوقال ابن حجر: \"في حقوق الله تكفي الإشارة من القادر على النطق. وأما في حقوق الآدميين فلا تقوم إشارته مقام نطقه عند الأكثرين\".\nوقال محمد سلام مدكور: \"الفقه المالكي يعتبر الإشارة أداةً للتعاقد حتى بالنسبة لغير الأخرس، ما دامت مفهومة بين الناس، ومتعارفًا بينهم على مدلولها\" (٢).\n_________\n(١) حاشية ابن عابدين ط ١٢٧٢ هـ ٢/ ٤٥٤\n(٢) المدخل للفقه الإسلامي ١/ ٥٣٨","vol":"2","page":23},{"text":"ويتأيّد ما ذكره ابن حجر في حقوق الله بحديث أبي قتادة (١) عندما صاد حمار وحش، ولم يكن أحرم. فقال النبي - ﷺ - لرفقته: \"منكم أحد أمره أن يحمل عليها، أو أشار إليها؟ \" قالوا: لا، قال: \"فكلوا\". والصيد محرّم على المحرم لحق الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-335>المطلب الثالث حكم البيان بالإشارة</span>\nإن الإشارة لما كان فيها من خفاء الدلالة على المراد ما فيها، منع من اعتبارها في حقوق الآدميين، إلا حيث لا وسيلة للتعبير سواها، كما في حال الأخرس والمعتقل كما تقدم، أما القادر على النطق فلا تعتبر منه، على التفصيل المتقدم. وهذا إن كانت إشارة مجردة. لكنهم اتفقوا على أن البيان الإفتائي بها صحيح.\nأما إن انضمّ إليها نطق، فبيّنت الإشارة المراد به، فلا خلاف في أنها يصح البيان بها حتى من القادر على النطق. فلو قال الرجل لزوجته (أنت طالق، هكذا). وأشار بأصابعه الثلاث، طلقت ثلاثًا عند كل من يقول بوقوع الثلاث مجتمعة. ووجهه أن (هكذا) لفظ لا بدّ من حمله على مدلوله. وقد بيّن المراد به بالإشارة فتعيّن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-336>ما وقع في السنة من البيان بالإشارة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-337>الذي وقع في السنة من البيان بالإشارة ثلاثة أنواع:</span>\nالنوع الأول: إشارة مجتمعة مع لفظ هو اسم من أسماء الإشارة، تبيّن الإشارة المراد به. وهذا النوع في السنة كثير. ومثاله ما تقدّم في حديث ابن عمر أن النبي - ﷺ - قال: \"الشهر هكذا وهكذا وهكذا\" يعني ثلاثين. ثم قال: \"وهكذا وهكذا وهكذا\" يعني تسعة وعشرين. وقد عقد البخاري بابًا (٢) بعنوان (الإشارة في الطلاق والأمور) أورد فيه وفي ما بعده من هذا النوع حديث ابن عمر المتقدم وأحاديث أخر، منها:\n_________\n(١) جامع الأصول ٣/ ٤١٨\n(٢) ٩/ ٤٣٦","vol":"2","page":24},{"text":"١ - أن النبي - ﷺ - قال: \"إن الله لا يعذّب بدمع العين، ولكن يعذّب بهذا\". وأشار إلى لسانه.\n٢ - وقال: \"فتح من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه\". وعقد تسعين.\n٣ - وقال: \"الفتنة من هنا\". وأشار إلى المشرق.\n٤ - وأشار النبي - ﷺ - بيده نحو اليمن: \"الإيمان ها هنا\" مرتين.\n٥ - وقال: \"أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا\". وإشارة بالسبابة والوسطى وفرج بينهما.\nومن هذا الباب أيضًا حديث عمّارٍ في التيمم: \"إنما يكفيك أن تقول بيدك هكذا\". ثم ضرب بيده الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه ووجهه.\nالنوع الثاني: أن يجعل الإشارة كجزء من القول، أعني أن لا يذكر في الكلام اسم إشارة، وإنما يقيم الإشارة مقام اللفظ. وهذا النوع أقلُّ ورودًا من الأول، ومثاله ما في الحديث عن أبي هريرة مرفوعًا: \"في الجمعة ساعة، لا يوافقها عبد مسلم قائم يصلي، فسأل الله خيرًا إلا أعطاه\". ووضع أنملته على بطن الوسطى والخنصر. قلنا: يزهّدها. اهـ.\nأقول: فالإشار ها هنا قائمة مقام النعت لكلمة (ساعة) أي: ساعة قليلة.\nالنوع الثالث: الإشارة المجرّدة من القول إذا أفادت. وهي جائزة في مقام بيان الأحكام، وإن كانت لا تعتبر في الحقوق بين الآدميين من القادر على النطق، كما تقدم. وقد تقدم عن السيوطي أنه استثنى الإشارة في الإفتاء، فأجازها من القادر على النطق. وكذلك فعل ابن عبادين.\nوقد أُثر من ذلك في السنة قليل. ومنه حديث ابن عباس أن النبي - ﷺ - سئل يوم النحر عن التقديم والتأخير، فأومأ بيده أن لا حرج (١). والذي سهّل الأمر في مثل هذا الحديث أن الإشارة وقعت في جواب وسؤال.\n_________\n(١) صحيح البخاري ١/ ١٨٠","vol":"2","page":25},{"text":"فهي في الحقيقة مضمومة إلى قول. ومثله حديث أبي هريرة أنه - ﷺ - قال: \"يقبض العلم، ويظهر الجهل والفتن، ويكثر الهرج\". قيل: يا رسول الله: وما الهرج؟ فقال بيده هكذا فحرفها، كأنه يريد القتل (١).\nأما بيان الأحكام بإشارة مجرّدة عن سؤال أو نطق بالكلية، فلم نظفر له بمثال.\nوقد نقل الزركشي (٢) عن ابن السمعاني أنه قطع بصحة البيان بالإشارة. ونقل عن صاحب الواضح، ولعله يعني ابن عقيل الحنبلي، أنه قال: \"لا أعلم خلافًا في الكتابة والإشارة يقع بهما البيان\". وعدَّ الزركشي (٣) وغيره الإشارة قسمًا من أقسام السنة، ومقتضى الإطلاق أن البيان يصح حتى بهذا النوع الثالث.\nوهم إنما يمثلون بأمثلة من النوع الأول.\nواحتجّ أبو يعلى الحنبلي (٤) للبيان بالإشارة، بقوله تعالى عن زكريا: ﴿قال رب اجعل لي آية * قال آيتك ألاّ تكلم الناس ثلاث ليال سويا * فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبّحوا بكرة وعشيا﴾ (٥). ومثله قوله تعالى لزكريا: ﴿قال آيتك ألاّ تكلّم الناس ثلاثة أيام إلا رمزًا﴾ ثم قال: فقد قامت إشارته مقام القول في بلوغ المراد.\nوليس هذا بحجة. فإن زكريا أفقده الله القدرة على النطق في تلك الأيام الثلاثة فرجع كالمعتقل لسانه، كما تدل عليه الآية ﴿آيتك ألاّ تكلم الناس﴾.\nومن هذا يتبيّن أن الأصوليين لم يحرّروا هذا الموضع كما ينبغي له.\n_________\n(١) صحيح البخاري ١/ ١٨١\n(٢) البحر المحيط ٢/ ١٨١ ب.\n(٣) البحر المحيط ٢/ ٢٦٠ أ.\n(٤) العدد ٧ أ.\n(٥) سورة مريم: آية ١٠","vol":"2","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-338>المطلب الرابع التعارض بين الإشارة والقول</span>\nقعّد السيوطي في ذلك قاعدة: \"إذا اجتمعت الإشارة والعبارة واختلف موجبهما، قدمت الإشارة\" (١).\nثم ذكر فروعًا سبعة تدخل في القاعدة، وخمسة خارجة عنها.\nوهذا يدل على أنها عند الفقهاء قاعدة أغلبية.\nومن الأمثلة التي ذكرها وتدخل في القاعدة، أنْ يقول: زوَّجْتُك فلانَة هذه، ويسمّيها بغير اسمها، فإن العقد يصح على المشار إليها دون المسمّاة.\nومما وقع منه في السنة ما ورد في حديث ابن عباس أن النبي - ﷺ - قال: \"أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة -وأشار بيده على أنفه؛ وفي نسخة إلى أنفه- واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين\" (٢).\nفقد تعارض في هذا الحديث الإشارة -إلى الأنف- والعبارة- والجبهة. وفي المسألة (٣) ثلاثة مذاهب.\nالمذهب الأول: ذهب أبو حنيفة، ومالك في قول، إلى أن السجود على الأنف وحده يجزئ. ولعلهما ذهبا إلى أن الجبهة والأنف عضو واحد، بدليل النطق بأحدهما والإشارة إلى الآخر، فإذا جعلا كعضو واحد أمكن أن تكون الإشارة إلى أحدهما إشارة إلى الآخر. فتطابق الإشارة العبارة. ثم متى كانا عضوًا واحدًا فيجزئ السجود على بعضه، إذ إن العضو الواحد يجوز السجود على بعضه كما في الأعضاء الستة الأخرى. ويحتمل أن مأخذ هذا المذهب تغليب الإشارة على العبارة.\n_________\n(١) الأشباه والنظائر ص ٣١٥\n(٢) البخاري ٢/ ٢٩٧\n(٣) انظر: ابن قدامة: المغني ١/ ٥١٧، ابن دقيق العيد: الإحكام ١/ ٢١٥. ابن حجر: فتح الباري ٢/ ٢٩٦، نيل الأوطار ٢/ ٢٦٧","vol":"2","page":27},{"text":"المذهب الثاني: ذهب أحمد في رواية، ومالك في قول، والشافعي في قول، إلى أنه يجب السجود على الجبهة والأنف كليهما. ومأخذ هذا شبيه بمأخذ المذهب السابق من أنهما كعضو واحد، ولكن لا يكتفى بأحد جزأيه عن الآخر، لأن العبارة تقتضي السجود على الوجه، والإشارة تقتضي السجود على الأنف. ولا يجوز على هذا القول جعلهما عضوين منفصلين، لأن الأعضاء تكون بذلك ثمانية، وهو خلاف الحصر الوارد في أول الحديث.\nوقد رجّح ابن دقيق العيد هذا القول على القول السابق، قال: لكون الجبهة والأنف داخلين تحت الأمر، وإن أمكن أن يعتقد أنهما كعضو واحد من حيث العدد المذكور. يعني أنهما في التسمية والعدد يجعلان عضوًا واحدًا. ولكن الحكم أن يسجد عليهما جميعًا، تطبيقًا لدلالة العبارة ودلالة الإشارة.\nالمذهب الثالث: ذهب أحمد في رواية ثانية، وهو قول لبعض الشافعية، إلى أن السجود على الجبهة دون الأنف يجزئ، ولا يجزئ السجود على الأنف وحده.\nوكأنّ مأخذ هذا القول رؤية التعارض بين العبارة والإشارة، فقدمت العبارة على الإشارة. وقد وجهه ابن دقيق العيد بأن الإشارة لا تعيِّن المراد يقينًا لتقارب ما بين الأنف والجبهة، بخلاف التعبير فهو يحدّد المراد. فيقدم.\nوهذا عندي واضح جدًّا. وقد سبق أن أشرت إليه في تعارض الكتابة والإشارة، فيظهر -على قول الجمهور- أن ابن عباس لم يلاحظ الإشارة ملاحظة دقيقة. هذا على روايته (إلى أنفه)، وهي رواية مرجوحة، والثابت في أكثر النسخ من البخاري (على أنفه).\nوعندي أن فهم هذه الرواية يحل الإشكال. فإن (على أنفه) لا يجوز أن تفهم على أنها تعني (إلى أنفه) فلم يعهد في اللغة تعدية (أشار) إلى المشار إليه بـ (على) وإنما تعدّى إليه بـ (إلى). ولذا ينبغي أن يقال في (على أنفه) إنها تعني أنه وضع إصبعه، أو أصابعه، على أنفه، وأطرافها متجهة إلى الجبهة. ومن المعلوم أن المشار إليه هو ما يتجه إليه رأس الإصبع، والظاهر أن الإصبع كانت متجهة برأسها إلى الجبهة، وإن كان حرفها مرتكزًا على الأنف، ولذلك قال (على أنفه)","vol":"2","page":28},{"text":"لكن ليس ذلك إشارة إلى الأنف، بل إلى الجبهة. وبهذا يكون القول الثالث أرجح الأقوال، ويكون السجود على الأنف مع الجبهة من باب الاحتياط أو الكمال، كما قال الشافعي في الأم، ليس إلاّ، والواجب الجبهة لا غير.\nوليس معنى هذا أننا نقول بتقديم العبارة على الإشارة دائمًا. بل الذي نقوله هنا ما سبق أن قلناه في تعارض الإشارة مع الكتابة، فحيث كانت الإشارة مفهومة معينة للمراد يقينًا دون إبهام، فإنها تقدّم، وإلا نُظِر في الترجيح بينهما في كل مقام بحسبه.\nويعرض الإلتباس للإشارة أحيانًا بسبب بعد المشار إليه، فإنّ من شاهد العضو المشار به، كالإصبع، إذا كان المشار إليه بعيدًا، يصعب عليه تقدير مسقط الإتجاه. فلو كان أمامه رجال ودوابّ وغيرها. وكانت بعيدة، فأشار بأصبعه، احتمل أن يكون كل شيء من الأشياء المقابلة مرادًا، وحتى لو ضمّ إلى الإشارة لفظًا، كهذا، وعطف عليه مبينًا بلفظ آخر (كهذا الرجل) فإن الإبهام لا يزايل. أما لو سمّى رجلًا منهم باسمه العلَم فإنه يتعيّن، ما لم يكن الاسم مشتركًا. وكلّما كان المشار إليه أقرب كانت الإشارة أقوى في التعيين ويقل الاحتمال، فإذا تمّ قربه وسقط رأس الإصبع على المشار إليه فلمسه، تعيّن يقينًا، إلاّ لعارض كما في الإشارة إلى الجبهة في حديث أعضاء السجود، الآنف الذكر.\nهذا ويرتّب النحاة (١) ألفاظ المعارف من حيث قوة التعيين هكذا: ضمير المتكلم، ثم المخاطب، ثم العلم، ثم ضمير الغائب السالم عن إبهام، ثم المشار به والمنادى، ثم الموصول والمعرَّف بأل. والمضاف بحسب المضاف إليه.\nوهذا ترتيب غير تام الضبط.\nوحتى لو قلنا به فإنه لا يصحّ إطلاق القول بأن الإشارة مقدمة على العبارة، لأن النحويين قدموا عليها بعض أنواع العبارة وهي الضمائر والأعلام وأخروا عنها المعرَّف بأل والمنادى.\n_________\n(١) التصريح في شرح التوضيح ١/ ٩٥ ونقله عن ابن مالك في التسهيل.","vol":"2","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-339>المطلب الخامس هل كانت بعض الإشارات ممتنعة على النبي ﷺ</span>\nروى أبو داود: \"لما كان يوم فتح مكة اختبأ عبد الله بن سعد بن أبي السرح عند عثمان بن عفان، فجاء حتى أوقفه على النبي - ﷺ -، فقال: يا رسول الله، بايعْ عبد الله. فرفع رأسه، فنظر إليه ثلاثًا، كل ذلك يأبى، فبايَعه بعد ثلاث. ثم أقبل على أصحابه، فقال: \"أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حين رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله؟ \" فقالوا: ما ندري يا رسول الله ما في نفسك، ألا أومأت لنا بعينك. فقال: إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين\" (١).\nقال الخطابي: \"خائنة الأعين\": أن يضمر في قلبه غير ما يظهره للناس، فإذا كفَّ لسانه، وأومأ بعينه إلى ذلك، فقد خان، وقد كان ظهور تلك الخيانة من قبل عينه، فسمّيتْ خائنة الأعين. اهـ.\nورواية أبي داود مردودة لضعفها، انفرد بها إسماعيل بن عبد الرحمن السدّي، أخرج له مسلم وتكلم فيه غير واحد، كذا في عون المعبود. وقال الحافظ ابن حجر في التقريب: صدوق يهم، ورمي بالتشيّع. قلت: مثل هذا لا يقبل إذا انفرد، وخاصّة إنْ كانت روايته تؤيّد ما رمي به من البدعة، فإن روايته للحديث يؤيّد بها ما يذهب إليه من التشيّع، لأن فيها طعنًا في عثمان، وفي ابن أبي سرح، وكلاهما ممن تكره الشيعة.\nولأن ما في الحديث مشكل، فكيف يحكم النبي - ﷺ - بقتل رجل جاء يبايعه، ولا بيعة له إلاّ وقد أسلم. فكيف يريد منهم قتل المسلم. ثم ما الذي كان يمنعه من التصريح بالأمر بقتله إن كان يريد قتله؟.\n_________\n(١) ١٢/ ١٣ ورواه بمعناه أيضًا ٧/ ٣٤٥ ورواه النسائي ٤/ ١٠٦. وفي الفتح الكبير: روى ابن سعد، مرسلًا: الإيماء خيانة. ليس لنبي أن يومئ. وقال في الأحاديث الضعيفة (٢٢٦٦): ضعيف.","vol":"2","page":30},{"text":"وما قاله الخطابي مردود أيضًا، فليس من الخيانة أن يضمر الإنسان في قلبه غير ما يظهره للناس إن كان ما يضمره مباحًا. وقد كان النبي - ﷺ - يستعمل التورية، وقال: \"الحرب خدعة\" (١). ولما سئل: ممن أنتم؟ قال: \"نحن من ماء\" (٢)، عَنَى به غير ما فهمه السامع.\nفهذا الحديث ضعيف سندًا، منكر متنًا.\nوأما الآية ﴿يعلم خائنة الأعين﴾ فهي العين التي تعتدي سرًّا على ما حرّم الله عليها، وهي تظهر البراءة، كما يُعْلَم من كلام المفسرين، وليس منها ما ورد في الحديث الآنف الذّكر. والله أعلم.\nثم استدركنا فوجدنا الحديث صحيحًا بلفظ: \"ما كان لنبي أن يومض\" رواه أبو داود. ووجدنا في شرح المنتهى للفتوحي الحنبلي (٢/ ٩٢) ما يلي: \"منع النبي - ﷺ - من الرمز بالعين والإشارة بالحاجب، للحديث. وهي الإيماء بالعين إلى مباح من نحو ضرب أو قتال على خلاف ما هو الظاهر سمي بذلك لشبهه بالخيانة لإخفائه. ولا يحرم ذلك على غيره\". اهـ. فالمسألة بحاجة إلى مزيد تحرير.\n_________\n(١) البخاري ٦/ ١٥٨ ومسلم ١٢/ ٤٥\n(٢) سيرة ابن هشام ١/ ٦١٦","vol":"2","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-340>الفصل الثالث الأوجُه الفِعليَّة لِلقَول</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-341>المبحث الأوّل التفريق بين الوجه العباري وبين الوجه الفعلي للقول</span>\nتعريف القول: القول هو اللفظ المفرد أو المركب الدالّ على معنى (١).\nواضح من تعريفنا للقول بأنه (اللفظ ... إلخ) أن ذلك يقتضي إدخال القول في حد الفعل، فيكون القول فعلًا.\nوقد تعرّض لهذه القضية الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد في شرحه (٢) لحديث: \"إنما الأعمال بالنيات ... \" فقال:\n_________\n(١) خالد الأزهري: التصريح على التوضيح ١/ ٣٧\nتنبيه: استعمال القول بمعنى الفعل:\nيعبر العرب أحيانًا بـ (قال) عن الفعل، فيكون ذلك خارجًا عن موضوع هذا الفصل وداخلًا في باب الأفعال الصريحة.\nفمن ذلك أنهم يطلقونه على غير الكلام. فتقول العرب: قال بيده هكذا، أي فعل هكذا، وقال بالماء على يده، أي قلبه.\nوقد يستعمل بمعنى التهيوء للأفعال والاستعداد لها، يقال: قال فأكل، وقال فضرب. وقد يستعمل بمعنى ضرب، وغلب، ومات.\n(٢) أحكام الإحكام ١/ ١٠","vol":"2","page":33},{"text":"رأيت بعض المتأخرين من أهل الخلاف خصّص الأعمال بما لا يكون قولًا وأخرج الأقوال من ذلك. وفي هذا عندي بعد.\nوينبغي أن يكون لفظ \"العمل\" يعم جميع أفعال الجوارح.\nنعم لو خصّص بذلك لفظ \"الفعل\" لكان أقرب، فإنهم استعملوهما متقابلين، فقالوا: الأفعال والأقوال. ولا تردّد عندي في أن الحديث يتناول الأقوال أيضًا. اهـ كلامه.\nوواضح من كلامه أنه يرى أن (العمل) يشمل القول، وأن (الفعل) مباين للقول، وأن دليله على ذلك استعمال الفعل والقول متقابلين في كلام الفصحاء.\nوعندي أن هذا الدليل غير قائم. بل القول هو فعل من بعض الوجوه وخارج عن الفعل من وجه آخر.\nوتوضيح ذلك أن القول هو قول من حيث دلالة عبارته على ما دلّت عليه بالوضع أو التجوّز. وسواء كانت دلالته بالمطابقة، أو التضمّن أو الالتزام. وهو فعل من حيث إيقاعه أوْ لا إيقاعه، ومن حيث صفة صدوره عن القائل، ومن حيث تعلُّقُه بما تعلق به.\nهذا وإن العمل بمدلول العبارة هو عمل بالقول، أما إيقاع قولٍ آخر مثل القول فهو اقتداء بالقول من حيث هو فعل.\nفالقول إنما يطلق على ما يتلفّظ به من حيث مدلول العبارة، لا من جهة أخرى. ومدلول العبارة هو أن الكلام خبر أو أمر أو نهي أو تعجّب أو استفهام أو تمنٌّ أو غير ذلك من هذه المعاني القولية.\nلكن القول من حيث إخراجه من حيّز العدم إلى حيّز الوجود هو فعل من الأفعال. وكذلك من حيث تأثيره في ما يؤثر فيه، وتعلّقه بما تعلّق به.\nوأقوال النبي - ﷺ - يجري فيها على هذا الأسلوب. فهي أفعال من حيث إنه - ﷺ - أوقعها، فأخرجها إلى حيّز الوجود، ثم قد يكون قالها مرتبطةً بزمان أو مكان، كأذكار رؤية الهلال، ودخول المسجد الحرام، والوقوف بعرفة، وأذكار","vol":"2","page":34},{"text":"الصلاة وغير ذلك ... فتكون من هذه الجهة أفعالًا، ويجري في الاستدلال بها في حقّنا على قانون الأفعال. فما علم أنه - ﷺ - قاله بيانًا لواجب أو امتثالًا له وجب علينا أن نقول مثله، وما قاله بيانًا لمستحب أو امتثالًا له فمثله منا مستحب. وإن قاله بيانًا لمبيح أو تطبيقًا له فإيقاع مثله منا مباح. وإن لم يكن كذلك فهو فعل مجرّد، نستدل به كما نستدل بسائر الأفعال المجرّدة.\nوأما ما تضمنته العبارة من إسناد الخبر إلى المبتدأ، أو الفعل إلى الفاعل، أو الطلب ونحوه، فهي الدلالة القولية. والحكم المستفاد من الجهة القولية إنما يستفاد من هذه الناحية لا غير. فالأمر يدل على الوجوب، والنهي يدل على التحريم وهكذا.\nوكمثال على ذلك نذكر حديث صفية زوج النبي - ﷺ - قالت: \"كان النبي - ﷺ - معتكفًا، فأتيت أزوره ليلًا. فحدثته، ثم قمت لأنقلب، فقام معي ليقلِبَني، فمرّ رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي - ﷺ - أسرعا. فقال النبي - ﷺ - على رِسْلِكما، إنها صفيةُ بنتُ حُيَيّ. فقالا: سبحان الله يا رسول الله! فقال: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئًا\" (١) أو قال: \"شرًّا\".\nفقوله: \"على رسلكما\" طلب للتمهل، ودلالته على ذلك دلالة قولية.\nوقوله: \"إنها صفية بنت حييّ\" إخبار لهما عن المرأة التي معه، وأنها زوجته. فهذا خبر مفهوم من الجهة القولية أيضًا.\nودلالته على جواز زيارة المرأة لزوجها المعتكف دلالة قولية، من القياس بنفي الفارق.\nأما دلالته على أنه يندب للإنسان أن يبيِّن في مثل هذا الموقف، إزاحة للتهمة عن نفسه، وانتشالًا لأخيه من مهواة الإثم بسوء الظن، فهي دلالة فعلية، تستفاد من القول من حيث هو فعل كسائر الأفعال، يُجْرى فيه على قانونها في الاستدلال.\n_________\n(١) متفق عليه (جامع الأصول ١/ ٢٤٧).","vol":"2","page":35},{"text":"وقد مثّل الشاطبي في باب الأفعال (١) بتقرير النبي - ﷺ - للزاني بصريح السؤال، حيث قال له: \"أفعلت كذا؟ أفعلت كذا؟ \" حتى قال له: \"كما يدخل الرشاء في البئر؟ \" إلى آخر ما قال - ﷺ -.\nقال الشاطبي: والقول هنا فعل، لأنّه معنى تكليفيّ لا تعريفيّ. فالتعريفي هو المعدود في الأقوال، وهو الذي يؤتى به أمرًا أو نهيًا أو إخبارًا بحكم شرعي، والتكليفي هو الذي لا يعرِّف الحكم بنفسه من حيث هو قول، كما أن الفعل كذلك. اهـ.\nفهذا تفصيل جيد.\nولكنا لسنا نرتضي هذه التسمية (المعنى التكليفي) لأن التكليف متعلّق بالشرع، والمسألة لغويّة محضة. وهذا الاختلاف بين جهتي القول واقع في كل قول، سواء صدر من المنتسبين إلى الشرع أم غيرهم.\nفما عبّرنا به من (الوجه الفعلي للقول) أوضح ممّا عبّر به الشاطبي ﵀.\nوقد ذكر أبو الحسين البصري (٢) في زيادات المعتمد، في قسم الأفعال، قضاءه - ﷺ - على الغير، ثم قال:\n\"ولقائل أن يقول: لم أدخلتم القضاء في جملة الأفعال، مع أنه قول؟ وأنتم إنما تتكلمون في أبواب الأفعال في الأفعال التي هي أفعال الجوارح؟ قال: والجواب: إنما تكلّمنا في القضاء هاهنا لأنه كأفعال الجوارح بالغير. ولم يجزْ ذكره في ما قبل، فذكرناه هاهنا لمشابهته للأفعال المتعلقة بالغير قال: وإذا أردنا حَسْم هذا الاعتراض قلنا في القسمة: إن ما يسند إلى النبي - ﷺ - في ما يتعلق بغيره أفعال وتروك. والأفعال ضربان: أفعال هي أقوال، وأفعال ليست أقوالًا\".\nثم قال: \"وإنما قسمْنا الأفعال إلى أقوال وإلى غير أقوال، لأنّ الفعل إذا أطلق أفاد كل ما يفعله الفاعل من قول وغير قول. وإذا جعل في مقابلة قول، لم يدخل القول تحت الفعل\". اهـ.\n_________\n(١) الموافقات ٤/ ٥٩\n(٢) المعتمد ٢/ ١٠٠٦","vol":"2","page":36},{"text":"وهذا بيان واضح يدل على بعض ما ذكرنا. والذي نقوله إن القول فعل، سواء تعلق بالغير أو لم يتعلق به.\nوقول أبي الحسين هذا، كافٍ للردّ على استدلال ابن دقيق العيد على التباين بين (القول) و(الفعل) باستعمالها متقابلين في كلام الفصحاء، ووجه الردّ أن التباين عارض يعرض إذا استعملا متقابلين مجتمعين في كلامٍ واحد، أما إذا استعملا في كلامين فإن (القول) يدخل في (الفعل) من الوجه الذي ذكرناه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-342>ضابط للتفريق بين وجهي القول:</span>\nإن الضابط لذلك أنه حيث كان الاستدلال بالقول يقتضي أن نقول مثل ما قال - ﷺ -، فهو استدلال بالوجه الفعلي للقول.\nوحيث كان الاستدلال بالقول يقتضي أن نفهم ما قال ونمتثله، فهو استدلال بالوجه القولي.\nوبهذا المعنى الذي أشرنا إليه يتضح لنا مبنى الخلاف في ما يختلف فيه من مثل (القضاء) و(البيع) وسائر العقود، و(الأمر) و(النهي) ونحوها.\nفقد اختلف فيها هل هي أقوال أم أفعال. فمن قال: إنها أقوال، نظر إلى الصيغة، ومن قال: إنها أفعال، نظر إلى الإيقاع والتعلق.\nفمن ذلك قضاء القاضي بين الخصمين، فإنه قول، لأنه عبارة عن قول القاضي \"حَكَمْتُ بكذا\". ولكن لأنه يتعلق بالخصمين، ويكون كفًّا لأحدهما عن الآخر وفصلًا بينهما، فهو من هذه الجهة فعل. وقد جعل الجصاص القضاء بين شخصين فعلًا دالًا على الوجوب. وقال ابن الهمام: \"القضاء قولٌ يكون معه عموم وخصوص\"، وقال أبو الحسين البصري: \"إن القضاء قولٌ هو فعل\" (١) وهو أوضح من كلام غيره.\n_________\n(١) انظر أصول الجصاص ق ٢٠٨ ب، تيسير التحرير ١/ ٢٤٩، المعتمد ١/ ٣٨٧ وانظر أيضًا: القرافي: الأحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام ص ٧٥ وصحيح ابن حبان ١/ ١٠٧","vol":"2","page":37},{"text":"ومثل القضاء البيع والهبة والتمليك وسائر العقود.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-343>ما يدخل تحت هذه القاعدة:</span>\nيدخل تحت هذه القاعدة جملة كبيرة من أقواله - ﷺ -، يستدل بها، على طريقة الاستدلال بالأفعال، ونحن نذكر من ذلك أصنافًا:\nالأول: الأذكار والأدعية النبوية. سواء أكانت في العبادات المرسومة كالصلاة والزكاة والحج والصوم، أو المرتبطة بأسباب زمانيّة كأدعية الصباح والمساء ودخول الشهر، أو مكانية كأذكار دخول المنزل والخروج منه، أو بمناسبات أخرى كما كان - ﷺ - يقوله إذا استجدّ ثوبًا، أو عاد مريضًا، أو قابل وفدًا، أو غير ذلك.\nوقد قال ابن قدامة في سياق بيان حكم تسليمه - ﷺ - من الصلاة: \"أكثر أفعاله - ﷺ - في الصلاة مسنونة غير واجبة\" (١).\nالثاني: قضاؤه - ﷺ -.\nفلو شهد عنده شاهد وحلّف المدعي، ثم قضى بذلك، لكان قضاؤه بالشاهد واليمين فعلًا من الأفعال.\nوقد ذكر الجصّاص (٢) في أفعاله - ﷺ - الدالّة على الوجوب قضاءه بين اثنين.\nالثالث: افتاؤه - ﷺ -، وبيانه للأحكام الشرعية، وتعليمه أصحابه.\nوالوجه الفعلي لذلك يقتضي أن يُقْتدى به - ﷺ - في البيان، وتستخدم الطرق التي سلكها، وتراعى الأمور التي راعاها في ذلك.\nومثاله الحديث الذي في الصحيحين: عن عبد الله بن عمرو، قال: تخلّف عنا النبي - ﷺ - في سفرة سافرناها، فأدْركَنا وقد أرهقتنا الصلاة، فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته: \"ويل للأعقاب من النار\" مرتين أو ثلاثًا.\nفالعبارة تدل على وجوب استيعاب الرجل بالغسل.\n_________\n(١) المغني ١/ ٥٥٣\n(٢) أصول الجصاص ق ٢٠٨ ب.","vol":"2","page":38},{"text":"والوجه الفعلي يدل على أمور:\nمنها: ما بوّب عليه البخاري: باب من رفع صوته بالعلم (١).\nومنها: تكرير القول المبلِّغ للحكم ليستقرّ ويتأكد.\nومنها: تفقَّد الإمام للرعية في وضوئهم.\nومن هذا الصنف الثالث أيضًا ما يستدلّ به الأصوليون على إثبات بعض أصول الفقه، كاستدلالهم في باب القياس بأنه - ﷺ - قاس في مثل جوابه لمن سألته عن حجها عن أبيها: \"أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت تقضينه عنه؟ \" ثم قال: \"اقضوا الله فالله أحق بالوفاء\" فهذا النوع إنما هو استدلال بالأفعال.\nالرابع: أنواع من كلامه - ﷺ - كمدحه بعض الناس، وذمه لآخرين، ومزاحه وتوريته، ونحو ذلك.\nإلى غير ذلك من الأنواع.\nبل كلّ شيء من أقواله - ﷺ - له وجه فعلي، ثم قد يحتاج إلى ذلك الوجه في الاستدلال، وقد لا يحتاج إليه لظهوره.\n_________\n(١) فتح الباري ١/ ١٤٣","vol":"2","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-344>المبحث الثاني حصر الأوجه الفعليَّة للقول</span>\nتتعدّد الأوجه الفعلية للقول إذا نظر إليه من جهات مختلفة. ونحن سنحاول حَصْر تلك الجهات في ما يلي:\nالجهة الأولى: إيقاع القول المعين منوطًا بزمان أو مكان أو مناسبة معيّنة، كما تقدم في الأذكار والأدعية. وقد يكون القول مطلقًا عن السبب، كسائر الأذكار والأدعية المطلقة، كقوله - ﷺ -: \"استغفروا الله. إني أستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مائة مرة\" (١).\nالجهة الثانية: درجة الصوت. ومثاله ما تقدم في حديث: \"ويل للأعقاب من النار\".\nومثاله أيضًا ما في حديث جابر، قال (٢): \"كان رسول الله - ﷺ - إذا خطب احمرّت عيناه، وعلا صوته، واشتدّ غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: صبّحكُمْ ومسّاكُمْ\".\nالجهة الثالثة: استعمالاته اللّغوية.\nومن ذلك أنه - ﷺ - كان يتكلم بالعربية، ويخطب بها، ويتكلم أحيانًا بلغة خاصة بقوم وفدوا عليه، ويكتب إليهم بها. كما قال لبنت سعيد بن العاص لما رجعت من الحبشة (٣): \"يا أم خالد هذا سَنَاهْ\" و(سَنَاهْ) بلغة الحبشة بمعنى (حسن)\n_________\n(١) البخاري ١١/ ١٠١ وروى مسلم بعضه ١٧/ ٤٢\n(٢) مسلم والنسائي (جامع الأصول ٤/ ٤٣٤).\n(٣) البخاري ١٠/ ٢٧٩، ٣٠٣","vol":"2","page":40},{"text":"ولعلّه - ﷺ - إنما قال لها ذلك لأنها وُلدت بأرض الحبشة، ونشأت بها، ولعلّها كانت تفهم بها أكثر مما كانت تفهم بالعربية،، فخاطبها بما تفهم.\nوقال له أبو موسى الأشعريّ (والأشعريون من اليمن): أمِنِ آمْبِرِّ آمْصوْمُ في آمْسَفَر؟ فقال - ﷺ -: \"ليس من امبرّ امصوم في امسفر\" (١). فلما كانت هذه لغتهم خاطبهم بها.\nوكتب إلى بعض أقيال اليمن: \"إلى الأقيال العباهلة، والأرواع المشابيب ... وفي التيْعةِ شاةٌ لا مقوَّرة الألْياطِ ولا ضَناك ... وأنطوا الثَّبِجَة. وفي السُّيوب الخُمس\" (٢) إلخ. وهذا غريب على لغة قريش، ولكنه لغة من كتب إليهم.\nالجهة الرابعة: تصرفاته - ﷺ - من جهة البديع والمعاني والبيان والصور التعبيرية وما أشبه ذلك. فقد كان يستعمل الإيجاز غالبًا دون الإطناب والإسهاب مع الوفاء بالمقصود دون إخلال، ويأخذ بجوامع الكلم.\nولا يستعمل السجع والجناس. إلاّ أن يقع ذلك في الكلام دون تكلّف أو معاناة.\nواستعماله المبالغة، في مثل قوله: \"أما أبو جهم فلا يضعَ عصاه من عاتِقِه\" (٣).\n_________\n(١) قال في جامع الأصول ٧/ ٢٦١: أخرجه رزين، وقال محققه: في مجمع الزوائد: أخرجه أحمد والطبراني في الكبير ورجال أحمد ورجال الصحيح.\n(٢) محمد حميد الله: الوثائق السياسية والإدارية للعهد النبوي. الوثيقة رقم ١٣٣ شرح الغريب عن المؤلف المذكور:\nالقيل: لقب ملوك حمير. التيعة: أدنى ما تجب فيه الزكاة وهو أربعون من الغنم، والخمس من الإبل. الضناك. الكثيرة اللحم. مقورة الألياط: مسترخية الجلود. انطوا الثبجة: أعطوا الوسط. السيوب: الركاز.\n(٣) مسلم ١٠/ ٣٦ ومالك في الموطأ.","vol":"2","page":41},{"text":"واستعماله بعض ألفاظ الدعاء التي لا يراد بها أصل موضوعها، كقوله لأم سليم: \"تربت يداك\" وقوله عن صفية: \"عقرى حلقى\".\nوإجابته عما لم يسأل عنه، إذا علم من حال السائل أنه يجهل ما هو بحاجة إليه، كما سئل النبي - ﷺ - عن التوضّؤ بماء البحر، فقال: \"البحر هو الطهور ماؤه الحل ميتته\" (١).\nومنها إجماله قبل البيان توطئةً له وتثبيتًا، وتنبيهًا على قيمة ما سيقال، كقوله لأبيّ: \"لأعلمنّك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد\" (٢) ثم علّمه الفاتحة.\nإلى غير ذلك مما استقرأه المتكلّمون في علم البلاغة، وفي البلاغة النبوية خاصة (٣).\nالجهة الخامسة: العادات الكلامية كما قالت عائشة: \"ما كان - ﷺ - يسرد كسردكم هذا. كان يتكلم كلامًا فصلًا لو عدّه العادّ لأحصاه. وكان إذا تكلّم الكلمةَ أعادها ثلاثًا لتحفظ عنه\".\nالجهة السادسة: إغلاظ القول ولينه. فقد كان - ﷺ - لأمته كالطبيب المعالج، يستعمل كل شيء في موضعه الذي يستحقه.\nوكان ربما يُبْهِم إذا أراد الإنكار على معيّن، ويقول: \"ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا؟ \" ولا يسميهم.\nالجهة السابعة: بيانه - ﷺ - للأحكام مقرونة بالتعليل والبرهنة المقنعة. كما في حديث أبي هريرة: \"أن رجلًا أتى النبي - ﷺ - فقال يا رسول الله: ولد لي غلام\n_________\n(١) رواه مالك في الموطأ ١/ ٢٢ وأصحاب السنن.\n(٢) البخاري ٨/ ١٥٦ وأبو داود، وأحمد ٤/ ٢١١\n(٣) انظر مثلًا: مصطفى صادق الرافعي: إعجاز القرآن والبلاغة النبوية.","vol":"2","page":42},{"text":"أسود. فقال: هل لك من إبل؟ قال: نعم. قال: ما ألوانها؟ قال: حُمْر. قال: هل فيها من أورق؟ قال: نعم. قال: فأنّى ذلك؟. قال: لعلّ نزعه عرق. قال: فلعلّ ابنك هذا نزعه عرق\" (١).\nفهو - ﷺ - لم يخبر السائل بالحكم الشرعي مجردًا، وهو لصوق النسب به، بل جاءه بمثال مقنع، ومن واقع حال السائل.\nوقالت له عائشة: حسبك من صفية كذا وكذا، تعني: قصيرة، فقال - ﷺ -: \"لقد قلتِ كلمة لو مزجتْ بماء البحر لمزَجتْهُ\" (٢).\nومثله قوله: \"لا تجمعوا بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها، إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم\".\n_________\n(١) البخاري ٩/ ٤٤٢ ومسلم ١٠/ ١٣٣ وأبو داود والنسائي.\n(٢) أبو داود ١٣/ ٢٢١ والترمذي.","vol":"2","page":43},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-345>الفصل الرابع الترك\nتمهيد في حقيقة الترك:</span>\nالترك في اللغة: ودع الشيء وتخليته. هكذا في (لسان العرب).\nوفي المواقف وشرحه: \"الترك في اللغة: عدم فعل المقدور، سواء قصد التارك أو لم يقصد، كما في النوم، وسواء تعرّض لضدِّه أو لم يتعرض. وأما عدم ما لا يقدر عليه فلا يسمّى تركًا. ولذا لا يقال: ترك فلان خلق الأجسام.\nوقيل إن الترك: عدم فعل المقدور قصدًا، فلا يقال: ترك النائم الكتابة. ولذا لا يتعلق به المدح والذم.\nوقيل إن الترك: من أفعال القلوب، لأنه انصراف القلب عن الفعل، وكفّ النفس عن ارتياده. وقيل هو فعل الضد لأنه مقدور، وعدم الفعل مستمر. فلا يصلح أثرًا للقدرة الحادثة\" (١). اهـ.\nفبناء على أوسع الاصطلاحات مما ذكره، نقول: الترك نوعان: ترك غير مقصود وترك مقصود.\nفأما الترك غير المقصود فواضح أنه سلب محض. وهو ليس موضعًا للقدوة، ولا يستدلّ به على طريقة الاستدلال بالأفعال، فلا يدل على جوازٍ ولا كراهة ولا تحريم. ويقول ابن تيمية في سياق كلامه عن دخول الحمّامات:\n_________\n(١) شرح المواقف ٦/ ١٣٢ ونقله التهانوى ١/ ١٦٨ وانظر أيضًا: شرح جمع الجوامع للمحلى ١/ ٢١٤.","vol":"2","page":45},{"text":"\"ليس لأحد أن يحتج على كراهة دخولها، أو عدم استحبابه، بكون النبي - ﷺ - لم يدخلها، ولا أبو بكر وعمر، فإن هذا إنما يكون حجة لو امتنعوا من دخول الحمامات، وقصدوا اجتنابها، أو أمكنهم دخولها فلم يدخلوها. وقد علم أنه لم يكن في بلادهم حينئذ حمام، فليس إضافة عدم الدخول إلى وجود مانع الكراهة أو عدم ما يقتضي الاستحباب بأولى من إضافته إلى فوات شرط الدخول وهو القدرة والإمكان.\nوهذا كما أن ما خلقه الله في سائر الأرض من القوت واللباس والمراكب والمساكن لم يكن كل نوع منه كان موجودًا بالحجاز. فلم يأكل النبي - ﷺ - من كل نوع من أنواع الطعام القوت والفاكهة، ولا لبس من كل نوع من أنواع اللباس. ثم إنّ من كان من المسلمين بأرض أخرى كالشام ومصر واليمن وخراسان وغير ذلك، عندهم أطعمة وثياب مجلوبة عندهم أو مجلوبة من مكان آخر، فليس لهم أن يظنوا ترك الانتفاع بذلك الطعام واللباس سنّة، لكون النبي - ﷺ - لم يأكل مثله ولم يلبس مثله، إذ عدم الفعل إنما هو عدم دليل واحد من الأدلة الشرعية. وهو أضعف من القول، باتفاق العلماء. وسائر الأدلة من أقواله كأمره ونهيه وإذنه، ومن قول الله تعالى، هي أقوى وأكبر. ولا يلزم من عدم دليل معيّن عدم سائر الأدلة الشرعية\" (١). اهـ.\nوأما الترك المقصود، فهو الذي يعبّر عنه بالكفّ، أو الإمساك، أو الامتناع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-346>هل الكفّ فعل من الأفعال</span>؟:\nيرى كثير من الأصوليين أن الكفّ فعل من الأفعال، وهو عندهم فعل نفسي (٢). ونُسِب إلى قوم، منهم أبو هاشم الجبائي، إن الكف انتفاء محضّ، فليس بفعل (٣).\n_________\n(١) الفتاوى الكبرى ٢١/ ٣١٣ - ٣١٤\n(٢) السبكي والمحلي: جمع الجوامع وشرحه ١/ ٢١٤، الشاطبي: الموافقات ١/ ١٢ و٤/ ٥٨، شرح مختصر ابن الحاجب ٢/ ١٣، ١٤، السرخسي: أصوله ١/ ٨٠\n(٣) المحلي: في شرح جمع الجوامع ١/ ٢١٥","vol":"2","page":46},{"text":"والأول أولى، كما هو معلوم بالوجدان.\nوأيضًا نحن نجد في الكتاب والسنّة إشارات إلى أن الكفّ فعل، منها قوله تعالى: ﴿لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون﴾ (١) فسمّى الله تعالى ترك العُبّاد والعلماء للنهي عن المنكر صنعًا، والصنع فعل. ومنها قول النبي - ﷺ -: \"عُرِضت عليّ أعمال أمتي حسنها وسيئها فوجدتُ في محاسن أعمالها إماطة الأذى عن الطريق، ووجدت في مساوئ أعمالها النخامة تكون في المسجد لا تدفن\" (٢). فجعل ترك دفنها ممن يراها عملًا سيئًا.\nومن أجل ما في فعليّة الكفّ من الخفاء، ولأجل التباسه بالترك العدميّ، أخرجناه من حيّز الأفعال الصريحة.\nوقد نعبّر فيما يأتي من هذه الرسالة عن الكفّ والإمساك بـ (الترك) وحيثما عبّرنا به فإنما نعني به الكف خاصة دون الترك غير المقصود، إذ قد تبيّن أن الترك غير المقصود خارج عن الفعلية أصلًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-347>تقسيمنا لمباحث الترك:</span>\nالترك إما عدميّ: وهو أن النبي - ﷺ - أغفل الحكم في أمور لم تعرض له ولم تحدث في زمانه، فترك فعلها، وترك القول في شأنها، لعدم المقتضى لذلك القول والفعل. ويذكره الأصوليون في أبواب مختلفة، كباب القياس، والمصلحة المرسلة، وغير ذلك. ويتعرّض له الكاتبون في البدعة.\nوأما نحن فسوف نغفل الكلام فيه، لأنه خارج عن نطاق بحثنا، إذ بحثنا خاص بالأفعال النبويّة، وهذا النوع ليس فعلًا أصلًا.\nوإما وجوديّ: وهو الكفّ، وهو أن يقع الشيء، ويوجد المقتضي للفعل أو القول، فيترك الفعل والقول، ويمتنع عنهما.\n_________\n(١) سورة المائدة: آية ٦٣\n(٢) مسلم (جامع الأصول ١/ ٣٥٢).","vol":"2","page":47},{"text":"وهذا القسم نوعان:\nالأول: ترك الفعل والإعراض عنه، ونذكره في بقية هذا الفصل.\nوالثاني: ترك القول، وهو على منزلتين، لأنه إما سكوتٌ عن الجواب وغيره من أنواع القول ما عدا الإنكار. ونعقد له الفصل الخامس.\nوإما سكوت عن الإنكار خاصة، فيسمى التقرير، ونعقد له الفصل السادس. وقد جعلنا التقرير في فصل مستقل، لأهميته، ولأن كثيرًا من الأصوليين يفردونه عن التروك.","vol":"2","page":48},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-348>المبحث الأوّل البيان بالترك</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-349>الترك وسيلة لبيان الأحكام، كالفعل:</span>\nكما أن النبي - ﷺ - كان يبيّن الأحكام بفعله المجرّد من القول، أو بالفعل الذي يساعده القول، كذلك كان يبيّن الأحكام بالترك المجرّد من القول، أو بالترك الذي يساعده القول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-350>ما يحصل بالترك من أنواع البيان:</span>\nقد قدّمنا أن الأحكام التي كانت تبيّن بالفعل هي الواجب والمندوب والمباح. فأما التروك فإن الذي يبيَّن بها هو المحرم والمكروه والمباح.\nوقد قدّمنا أيضًا أن المكروه كذلك كان يقع من النبي - ﷺ - بيانه بالفعل إذا ظنّ تحريمه.\nوكذلك هنا: قد يبيّن النبي - ﷺ - المستحب، بتركه، إذا ظُنَّ وجوبه. ويقول الشاطبي: \"المطلوب تركه بيانه بالترك، أو القول الذي يساعده الترك إن كان حرامًا.\nوإن كان مكروهًا فكذلك، إن كان مجهول الحكم. وإن كان مظنّة لاعتقاد التحريم وترجح بيانه بالفعل تعيّن الفعل على أقل ما يمكن وأقربه. وإن كان مظنّةً لاعتقاد الطلب، أو مظنّة لأن يثابر على فعله فبيانه بالترك جملة إن لم يكن له أصل، أو كان له أصل في الإباحة\" (١).\n_________\n(١) الموافقات ٣/ ٣٢٠","vol":"2","page":49},{"text":"ويقول: \"إن كان الفعل المندوب مظنّة لاعتقاد الوجوب، فبيانه بالترك، أو بالقول الذي يجتمع إليه الترك\". اهـ.\nوسواء أكانت هذه المظنّة المشار إليها ناشئة عن دليل آخر قوليّ أو فعلي يظن عمومه أو إطلاقه، أو عن غير دليل.\nوإذا ورد الأمر في القرآن أو السنة القولية، أو فهم الوجوب من الفعل النبويّ، ثم ترك - ﷺ - ذلك مطلقًا أو في حال ما أو لسبب ما، علم نسخ الأول أو تخصيصه، أو حمله على الاستحباب دون الوجوب، على ما سيأتي تفصيله في باب التعارض إن شاء الله.\nوإذا فرّق النبي - ﷺ - بين بعض العبادات وبعض، ففعل في نوع من أشياء واظب عليها، وترك تلك الأشياء في نوع آخر، فإنه يتبع في ذلك، ويكون الترك كالنص على أنه لا يفعل.\nونضرب لذلك مثالين:\nالأول: أن النبي - ﷺ - كان يؤذن له للصلوات الخمس، ولكن لا يؤذّن لصلاة العيد، ولا لصلاة الخسوف، ولا لصلاة الاستسقاء.\nأما صلاة العيد، ففي حديث ابن عباس: \"لم يكن يؤذَّن يوم الفطر، ولا يوم الأضحى\" (١). وعن ابن عباس أيضًا: \"أن رسول الله - ﷺ - صلّى العيد بغير أذان ولا إقامة\" (٢).\nومثله حديث جابر: \"لا أذان يوم الفطر حين يخرج الإمام، ولا بعدما يخرج الإمام، ولا إقامة، ولا نداء، ولا شيء\".\nفأجمع الفقهاء (٣) على أن صلاة العيد لا يؤذَّن لها ولا يقام. ويقول ابن تيمية: \"ترك رسول الله للأذان في العيدين، مع وجود ما يعدّ مقتضيًا، وزوال المانع، سنة، كما أن فعله سنة.\nقال: \"فلما أمر بالأذان في الجمعة، وصلّى العيدين بلا أذان ولا إقامة، كان\n_________\n(١) البخاري ٢/ ٤٥١\n(٢) رواه أبو داود (الفتح ٢/ ٤٥٢).\n(٣) ابن دقيق العيد: الإحكام ١/ ٣٣٠ وقال ابن قدامة في المغني (٢/ ٣٧٨) أنه لا يعلم في ذلك خلافًا ممن يعتد به.","vol":"2","page":50},{"text":"ترك الأذان فيهما سنة، فليس لأحد أن يزيد في ذلك، بل الزيادة في ذلك كالزيادة في أعداد الصلاة، وأعداد الركعات، أو الحج\".\nوأما النداء لها (الصلاة جامعة)، فقد قال الشافعي: \"أحب أن يأمر الإمام المؤذن أن يقول: الصلاة جامعة\" (١). وقال: قال الزهري: \"كان النبي - ﷺ - يأمر في العيدين المؤذن أن يقول الصلاة جامعة\".\nوابن قدامة اختار الترك، وقال: \"سنة رسول الله - ﷺ - أحق أن تتبع\" يعني ما ذكر في حديث جابر.\nوأما صلاة الكسوف، فلم يكن يؤذّن لها، وإنما كان ينادي لها (الصلاة جامعة) (٢) فهذه سنتها، ولا يكون لها أذان ولا إقامة، استدلالًا بالترك. وذلك مجمع عليه.\nوأما صلاة الاستسقاء، فكذلك ليس لها أذان ولا إقامة، لما روى أبو هريرة، قال: \"خرج رسول الله - ﷺ - يستسقي، فصلّى بنا ركعتين بلا أذان ولا إقامة\" (٣).\nوقد قيل: ينادى لها (الصلاة جامعة) قياسًا على صلاة الكسوف.\nالمثال الثاني: أنه ترك الجهر في بعض الركعات في المغرب والعشاء، وجهر في الركعتين الأوليين دون ما بعدهما. وجهر في صلاة الليل، ولم يجهر في صلاة النهار. فهذا دليل اختصاص الجهر بما جهر فيه، ودليل ترك الجهر في ما لم يجهر فيه.\nالمثال الثالث: أنه - ﷺ - كان يصلّي على موتى المسلمين، ولكنه لم يصلّ على شهداء أُحد.\n_________\n(١) الأم للشافعي ١/ ٢٣٥\n(٢) رواه البخاري (جامع الأصول ٧/ ١٠٥).\n(٣) رواه الأثرم (المغني لابن قدامة ٢/ ٤٣٢).","vol":"2","page":51},{"text":"فقال مالك والشافعي وأحمد في رواية: \"الشهيد لا يصلّى عليه\" (١).\nوقال أبو حنيفة وأحمد في رواية: يصلّى عليه، إلا أن الرواية عن أحمد أن الصلاة عليه على وجه الاستحباب.\nوحجة الأولين ما روى جابر: \"أن النبي - ﷺ - أمر بدفن شهداء أحد في دمائهم، ولم يغسلوا، ولم يصلَّ عليهم\" (٢).\nواحتجّ الحنفية بأحاديث وردت (٣) أنه - ﷺ - قد صلّى عليهم، منها مُرسَل عطاء، عند أبي داود، ومنها ما روى الحاكم عن جابر أنه صلى عليهم واحدًا واحدًا. ولفظه: \"جيء بحمزة فصلّى عليه. ثم بالشهداء فيوضعون إلى جانب حمزة فيصلّي عليهم ثم يرفعون، ويترك حمزة، حتى صلّى على الشهداء كلهم\".\n_________\n(١) ابن قدامة: المغني ٢/ ٥٢٩\n(٢) حديث جابر: متفق عليه.\n(٣) انظر ابن الهمام: فتح القدير شرح الهداية ١/ ٤٧٥","vol":"2","page":52},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-351>المبحث الثاني أقسام الترك والأحكام التي تدل عليها</span>\nإن تروك النبي - ﷺ - يمكن تقسيمها إلى أقسام موازية لأقسام أفعاله. والأقسام التي يظهر انقسام الترك إليها ما يلي:\nالأول: الترك لداعي الجبلة البشرية (١). وهذا لا يدل في حقنا على تحريم ولا كراهة. ومثاله ترك النبي - ﷺ - أكل لحم الضب. وقال: \" إنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه\".\nوكان يترك الطعام إن لم يكن مما يشتهي. ففي الحديث: \"ما عاب النبي - ﷺ - طعامًا قط، إن اشتهاه أكله، وإن كرهه تركه\" (٢).\nويظهر أن من هذا النوع ما روي أنه - ﷺ - اغتسل من الجنابة فأتته ميمونة بخرقة، فلم يُرِدْها، وجعل ينفض الماء بيده. فتركه التنشيف ظاهر أنه لغرض جبلي، ولعله يتعلق برغبته في إطالة برهة ترطّب البدن، أو غير ذلك. وقال ابن دقيق العيد: \"ردّ المنديل واقعة حال يتطرّق إليها الاحتمال، فيجوز أن يكون لا لكراهة التنشيف، بل لأمر يتعلق بالخرقة، أو غير ذلك\" (٣). ولا حاجة لهذا التكلُّف بل الأولى حمله على الرغبة الجبلية، والله أعلم. ونقل ابن قدامة أن عبد الرحمن بن مهدي وجماعة من أهل العلم كرهوا التنشيف لهذا الحديث. ثم قال: \"وترك النبي - ﷺ - لا يدل على الكراهة، فإن النبي - ﷺ - قد يترك المباح كما يفعله\" (٤).\n_________\n(١) الشاطبي: الموافقات ٤/ ٦٠\n(٢) البخاري ٩/ ٥٤٧\n(٣) إحكام الأحكام ١/ ٩٦\n(٤) المغني ١/ ١٤٢","vol":"2","page":53},{"text":"الثاني: الترك الذي قام دليل اختصاصه به - ﷺ -. وهو تركه لما حرم عليه خاصة. كتركه أكل الصدقة. قال - ﷺ -: \" إنّا معشر آل محمد لا تحلّ لنا الصدقة\".\nومثله ترك ما يشتبه أنه من الصدقة. ومنه أنه - ﷺ - وجد تمرة ملقاة، فقال: \"لولا أني أخشى أن تكون من تمر الصدقة لأكلتها\".\nولا يجوز أن يحمل شيء من تروكه - ﷺ - على الخصوصية لمجرّد الاحتمال. بل لا بدّ من دليل، كما تقدم نظيره في الأفعال.\nوقد قال أبو شامة في الأفعال إنه يقتدي بالخصائص النبوية الواجبة، على سبيل الاستحباب.\nفقياس قوله هنا انه ينبغي أن يستفاد لحقّنا كراهية ما خُصَّ النبي - ﷺ - بتحريمه. فيكون أكل الصدقة، مثلًا، مكروهًا لنا.\nالثالث: الترك بيانًا أو امتثالًا لمجمل معلوم الحكم، عام لنا وله. فيستفاد حكم الترك من الدليل المبيّن والممتثَل. ومثاله تركه - ﷺ - الإحلال من العمرة مع صحابته، وقال: \"إني لبّدت رأسي وقلّدت هدي، فلا أحل حتى أنحر\". وقال: لا يحل مني حرام حتى يبلغ الهدي مَحلّه\" فقد امتثل النهي الذي في الآية، بترك التمتع، لما كان قد ساق الهدي. وتبيّن بذلك حكم من ساق الهدي. وتبيّن أيضًا أن المَحِلَّ الزمانيّ مراعىً.\nوالحكم هنا -أعني حكم الحلق- هو التحريم، لظاهر النهي في الآية.\nومن الترك الامتثالي تركه - ﷺ - الصلاة على المنافقين (١) لما نزل قوله تعالى: ﴿ولا تصلِّ على أحدٍ منهم مات أبدًا﴾.\nالرابع: الترك المجرّد، وهو الذي ليس من الأقسام السابقة. وهو نوعان:\nالأول: ما علم حكمه في حقه بقوله - ﷺ -، أو باستنباط.\nوالثاني: ما لم يعلم حكمه.\n_________\n(١) الحديث في ذلك رواه مسلم: ١٧/ ١٢١","vol":"2","page":54},{"text":"فأما ما علمنا حكمه في حقه بدليل، فينبغي أن يكون حكمنا فيه كحكمه. أخذًا من قاعدة المساواة في الأحكام، وقد تقدم إثباتها.\nوأما ما لم نعلم حكمه في حقه - ﷺ -، فما ظهر فيه أنه تركه تعبدًا وتقربًا نحمله على الكراهة في حقه، ثم يكون الحكم في حقنا كذلك أخذًا من قاعدة المساواة، كتركه ردّ السلام على غير طهارة، حتى تيمّم (١).\nوما لم يظهر فيه ذلك، نحمله على أنه من ترك المباح، كتركه السير في ناحية من الطريق، أو الجلوس في جهة من المسجد.\nفعلى ما تقدم ذكره، لا فرق بين الفعل والترك في التأسيّ فيهما، وقد صرَّح الشوكانيّ بذلك فقال: \"تركه - ﷺ - للشيء كفعله له في التأسّي به فيه\" (٢).\nويقول الجصّاص (٣)، وفيه تلخيص أحكام الترك \"نقول في الترك كقولنا في الفعل. فمتى رأينا النبي - ﷺ - قد ترك فعل شيء، ولم ندر على أي وجه تركه، قلنا تركه على جهة الإباحة. وليس بواجب علينا إلا أن يثبت عندنا أنه تركه على جهة التأثُّم بفعله، فيجب علينا حينئذٍ تركه على ذلك الوجه حتى يقوم الدليل على أنه مخصص به دوننا\". وفي هذا القول منه بعض النظر يعلم مما بيّناه في هذا المبحث.\nوقال ابن السمعاني: \"إذا ترك - ﷺ - شيئًا وجب علينا متابعته فيه\" (٤) ومقصوده بالمتابعة المساواة في حكم الترك، كما تقرّر عندنا أن ذلك مراده بهذه العبارة في بحث الأفعال. وليس مقصوده أنه يجب علينا أن نترك ما ترك في جميع الأحوال.\nفظاهر كلامهم التسوية بين الفعل والترك في مراتب التأسيّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-352>تفريق القاضي عبد الجبار في التأسيّ بين الترك والفعل ومناقشتنا له في ذلك:</span>\nفرَّق القاضي عبد الجبار بين الترك وبين الفعل، في التأسّي بهما. فعنده أن\n_________\n(١) رواه البخاري ١/ ٤٤١\n(٢) إرشاد الفحول ص ٤٢\n(٣) أصول الجصاص ق ٢١٠ ب.\n(٤) الزركشي: البحر المحيط ٢/ ٢٦٠ أ.","vol":"2","page":55},{"text":"الفعل إذا وقع منه - ﷺ - يتأسّى به فيه على كل حال، لأنه، لا يخلو أن يكون من أحد الأقسام المعلوم حكمها أو من المجرّد، فإن كان مجرّدًا فإما أن يظهر فيه قصد القربة، فيتأسى به على وجه الندب، أو لا يظهر فيه ذلك، فيتأسّى به فيه على وجه الإباحة، أما الترك فإن كان معلوم الحكم يتأسى به على أساس ذلك الحكم، لكن إن كان مجهول الحكم فالتأسي به عند عبد الجبار غير ممكن. يقول: \"أما الفعل فقد ينقل الوجه الذي عليه وقع، فيصح معه التأسّي\"، ثم قال: \"فأما تركه فإنما يدل بمقدمة زائدة، نحو أن نعلمه تاركًا لما جعل علامة لوجوب الفعل، فنعلم أنه ليس بواجب، أو خروجه عن كونه واجبًا إذا تعمّده وقصد إليه\".\nويقول في موضع آخر: \"التأسّي به - ﷺ - في الفعل أولى من الترك، لأن الترك لا يقع إلاّ على الحد الأول الذي لا تقتضيه طريقة التأسّي، فهو بمنزلة الأكل والشرب وغير ذلك، إلا بأن يكون الترك واقعًا على وجه يعلم أنه من باب الشرع\" (١). اهـ.\nوهو بهذا يشير إلى أن الترك يجوز أن يدل على التخصيص أو النسخ. فإن لم يكن كذلك وعلم حكمه من دليل خارجي صحّ التأسّي به. فإن لم يعلم حكمه فهو حينئذٍ من قبيل الترك الجبلي، ويكون بدرجة الفعل الجبلي الذي لا أسوة فيه، لأن حالة الترك هي الأصل بالنسبة إلى الأفعال الوجودية. ولا يجوز عند عبد الجبار إلحاق الترك بما ظهر فيه قصد القربة من الأفعال، حتى يدل على الكراهة.\nوتوجيه قوله أن الفعل يظهر فيه قصد القربة من كونه مخالفًا للمعتاد، كهيئة المصلي، أو الساجد، أو الملبّي، أو الطائف، أو الساعي، مع ما يظهر من الخشوع والتضرع، ونحو ذلك. أما الترك فهو أمر مجرَّد لا يظهر للتقرّب به وجه.\nوالذي نرى أنه يحل الإشكال أن يقال: إن الترك إن كان عدميًّا صرفًا، فهو الذي بمنزلة الفعل الجبليّ غير الاختياري، لأنه - ﷺ - لغفلته عن الشيء الذي ليس بحضرته، ولا داعي يدعوه لفعله، فهو خارج عن نطاق التكليف. ولذلك فلا أسوة فيه. وهو الذي نعتقد أن القاضي عبد الجبار يريده بالترك الذي لا أسوة فيه.\n_________\n(١) المغني ١٧/ ٢٧٠","vol":"2","page":56},{"text":"وأما الكفّ عن الشيء والإمساك عنه، فهو أمر تكليفي مقصود، قد يظهر فيه قصد القربة، فيدلّ على كراهة الشيء، دون تحريمه. وقد لا يظهر فيه قصد القربة، فيحمل على أنه من ترك المباح. ويدل على الإباحة.\nولذلك كان الصواب التسوية بين الفعل والترك في جميع المراتب. فكما أن من الأفعال أفعالًا جبليّة اضطرارية لا أسوة فيها، فكذلك التروك العدمية جبلية اضطرارية، ولا أسوة فيها. وكما أن من الأفعال ما هو معلوم الحكم فيتأسى به، فكذلك في التروك. وكما أن مجهول الحكم من الأفعال يحمل على الندب أو الإباحة ويتأسى به على ذلك الأساس، فكذلك الكفّ والإمساك، يحمل مجهول الحكم منه على الكراهة أو الإباحة، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-353>تكرار الترك:</span>\nإنه كما تقدم في الفعل أن تكراره والمواظبة عليه يقرِّب أنه - ﷺ - فعله على جهة التعبّد والقربة، فكذلك التروك، ترقى بها المواظبة حتى تقربها من باب ما ترك تعبّدًا.\nونضرب مثالًا على ذلك ما ورد في الصحيحين عن ابن عمر: \"أن رسول الله - ﷺ - كان يسبّح على ظهر راحلته، حيث كان وجهه، يومئ برأسه\". وفي رواية البخاري: \"إلا الفرائض\" ولمسلم: \"غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة\".\nفإنه تركه لصلاة الفريضة على الراحلة، لو كان تركه مرة أو مرتين، لا يدل على المنع منها. يقول ابن دقيق العيد: \"قد يتمسّك بما في الحديث في أن صلاة الفرض لا تؤدى على الراحلة. وليس ذلك بقويٍّ في الاستدلال لأنه ليس فيه إلا ترك الفعل المخصوص. وليس الترك بدليل على الامتناع\" (١).\nثم قال: \"وقد يقال إن دخول وقت الفريضة مما يكثر على المسافرين. فترك الصلاة لها دائمًا، مع فعل النوافل على الراحلة، يشعر بالفرقان بينهما في الجواز وعدمه\".\nوهذا الذي قاله أخيرًا هو الذي نريده. وهو المعتمد عند الفقهاء في هذا الفرع.\n_________\n(١) الإحكام ١/ ١٨٢","vol":"2","page":57},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-354>المبحث الثالث الترك المطلق والترك لسبب</span>\nإذا ترك النبي - ﷺ - أمرًا ما، وعلمنا حكمه على الطريقة المذكورة آنفًا، فإما أن يكون الترك مطلقًا، وإما أن يكون منوطًا بسبب.\nومقتضى الترك المطلق أن يكون حكمنا كحكمه - ﷺ - مطلقًا، أعني دون تقييد بسبب. ومثاله تركه - ﷺ - الأكل متكئًا، ظاهر فيه أنه على وجه التقرّب، فيحمل تركه الإتكاء أثناء الأكل على ترك المكروه، وفي حقنا كذلك، مطلقًا. ومثله أنه: \"لم ينتقم لنفسه\" (١) و\"كان لا يصافح النساء في البيعة\" (٢).\nومقتضى تركه - ﷺ - لسبب أن يكون حكمنا كحكمه - ﷺ - حال وجود السبب، فإذا زال السبب زال الحكم، ورجع الأصل.\nوإيضاح ذلك بما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-355>أسباب الترك:</span>\nإن ما تركه - ﷺ - مما كان مظنّة أن يفعله كثيرًا ما كان يتركه لسبب قائم لولاه لفعله. وترجع تلك الأسباب إلى أنواع، منها:\nالنوع الأول: ترك الفعل المستحب خشية أن يفرض على الأمة. وفي حديث عائشة قالت: \"إن كان - ﷺ - لَيَدَعُ العمل وهو يحب أن يعمل به، خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم\". ومنه أنه - ﷺ - ترك قيام رمضان جماعة، بعد أن\n_________\n(١) رواه البخاري ٦/ ٥٦٦ ومسلم ١٥/ ٨٣ من حديث عائشة.\n(٢) رواه أحمد ٢/ ٢١٣ من حديث عبد الله بن عمر. وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح.","vol":"2","page":58},{"text":"قام بهم ليلتين أو ثلاثًا. ثم قال لهم: \"إنه لم يخْفَ عليَّ مكانكم، ولكن خشيت أن تفرض عليكم\".\nولذلك لما زالت هذه الخشية بوفاته - ﷺ - وانقطاع الوحي، أعاد الصحابة ﵃ فعلها في المسجد في زمن عمر بن الخطاب ﵁.\nالنوع الثاني: ترك العمل المستحب خشية أن يظن البعض أنه واجب. وترك المباح لئلا يظنّوا أنه مستحب أو واجب.\nوهذا نوع مشابه للنوع الأول وليس منه.\nومنه أنه - ﷺ - كان يتوضأ لكل صلاة، استحبابًا. وقد ترك ذلك يوم فتح مكة، فصلّى الصلوات كلّها بوضوء واحد. فقال عمر: \"يا رسول الله فعلت اليوم شيئًا لم تكن تفعله\". فقال: \"عمدًا فعلته يا عمر\". قال الطحاوي: \"يحتمل أن ذلك كان واجبًا عليه ثم نسخ يوم الفتح. ويحتمل أنه كان يفعله استحبابًا ثم خشي أن يظنّ وجوبه فتركه لبيان الجواز\". قال ابن حجر: \"وهذا أقرب\" (١).\nوُيسَن الاقتداء به - ﷺ - في هذا النوع من الترك ممن يقتدى به إذا ظنَّ توهم بعض الحاضرين شيئًا من ذلك.\nوقد وضَّح الشاطبي قاعدة ترك المندوبات أحيانًا، ممن يقتدى به، فقال: \"لا ينبغي لمن التزم عبادة من العبادات البدنية الندبيّة أن يواظب عليها مواظبةً يفهم الجاهل منها الوجوب، إذا كان منظورًا إليه مرموقًا، أو مظنّة لذلك، بل الذي ينبغي له أن يدعها في بعض الأوقات، حتى يُعلم أنها غير واجبة\" (٢). اهـ.\nالنوع الثالث: الترك لأجل المشقة التي تلحق الأمة في الاقتداء بالفعل، ولو استحبابًا: ومنه تركه الرمل في الأشواط الأربعة الأخيرة من الطواف. ففي حديث ابن عباس قال: \"ولم يمنعه أن يرمل الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم\" (٣).\nوينبغي أن يلاحظ في هذا المثال خاصة أنه لا يستحب الرمل في الأشواط\n_________\n(١) فتح الباري ١/ ٣١٦\n(٢) الموافقات ٣/ ٣٣٢\n(٣) البخاري وأبو داود والنسائي (جامع الأصول ٤/ ٦).","vol":"2","page":59},{"text":"الأربعة الأخيرة، وإن كان السبب زائلًا، لأن الشرع أثبت الطواف على هذه الصفة. كما تقدم إيضاحه.\nومن هذا النوع عند بعض الفقهاء، ترك النبي - ﷺ - أن يحرم للحج من بيته بالمدينة، حتى أحرم من الميقات. فلا يدلُّ على أن الإحرام من الميقات أفضل، فهو أقل عملًا. وقد روي عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وغيرهما من الصحابة ﵃: \"إتمام الحج أن تحرم به من دويرة أهلك\" (١).\nوالراجج أنه إنما ترك الإحرام من المنزل خشية المشقة.\nوالمسألة خلافية (٢).\nومن هذا النوع عندي أيضًا: تركه - ﷺ - أن يغطي ركبتيه عندما جلس ودلّى رجليه في الماء (٣). وذلك لما يلحق الأمة من التضييق إذا ألزموا بتغطية الفخذين حتى في حال ملابسة المياه وخوضها. ومن قال إن: \"ذلك يدل على أن الفخذ ليست عورة\" فليس إطلاقه هكذا مرضيًّا، بل هو في حال معينة اقتضت ذلك. بل الأولى أن يكون هذا الترك تخصيصًا لعموم الأدلة القاضية بأن \"الفخذ عورة\" (٤).\nالنوع الرابع: ترك المطلوب خشية من حدوث مفسدة أعظم من بقائه. وهذا من السياسة الشرعية المقررة. ومثاله ما قاله - ﷺ - لعائشة: \"لولا قومك حديث عهدهم بكفر، لنقضْتُ الكعبة، فجعلت لها بابين، باب يدخل منه الناس وباب يخرجون\" (٥).\nوفي رواية عند مسلم: \"لولا أن قومك حديث عهدهم بجاهلية لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله، ولجعلت بابها إلى الأرض، ولأدخلت فيها الحجر\".\nوبوّب عليه البخاري: \"باب من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس فيقعوا في أشدَّ منه\". ولما زال ذلك السبب، واستقرّ الإسلام، نفّذ\n_________\n(١) تفسير القرطبي (٢/ ٣٦٥).\n(٢) راجع (سبل السلام) للصنعاني في المواقيت وتفسير القرطبي ٢/ ٣٦٦ وغيرهما.\n(٣) رواه البخاري ٧/ ٥٣\n(٤) حديث: \"الفخذ عورة\" علقه البخاري عن ثلاثة من الصحابة ورواه مالك وغيره (فتح الباري ط الحلبي ٢/ ٢٤).\n(٥) البخاري ١/ ٢٢٤","vol":"2","page":60},{"text":"ابن الزبير في خلافته ما تركه النبي - ﷺ - من البنيان، ولما جاء الحجاج أعادها إلى ما كانت عليه.\nومثال آخر: تركه - ﷺ - قتل المنافقين مع عظم فسادهم، وقولهم كلمة الكفر، وإرجافهم، \"خشية أن يقول الناس: \"أن محمدًا يقتل أصحابه\". إذ هم في الظاهر مؤمنون، فيكون قتلهم صادًّا للناس عن الدخول في الإسلام.\nالنوع الخامس: الترك على سبيل العقوبة، كتركه الصلاة على المَدِين (١) وقد نسخ هذا بقوله - ﷺ -: \"من ترك دينًا أو ضياعًا فإليّ\".\nو\"لم يصل على ماعز بن مالك ولم ينه عن الصلاة عليه\" (٢).\nوفي حديث أبي هريرة: \"أن رسول الله - ﷺ - كان يؤتى بالرجل المتوفى، عليه الدين، فإن حُدِّث أنه ترك وفاءً صلّى عليه، وإلاّ قال للمسلمين: صلّوا على صاحبكم. فلما فتح الله على رسوله كان يصلّي ولا يسأل عن الدين\" (٣).\nالنوع السادس: الترك لمانع شرعيّ: ومثاله قصة نومه - ﷺ - ومن معه عن صلاة الفجر. فما استيقظوا إلاّ بعد طلوع الشمس، وقال - ﷺ -: \"من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها\" (٤). ومع هذا لم يبادر إلى الصلاة، بل اقتادوا رواحلهم حتى خرجوا من الوادي، وصلّوا.\nفيحتمل أن الترك كان لكون الشمس في أول طلوعها وذلك مانع من فعل الصلاة. ويحتمل أن يكون لأن الواديَ به شيطان.\nفعلى هذين الاحتمالين تجب المبادرة إلى الصلاة إن لم يكن مانع.\nأما إن قدرنا أن التأخير لم يكن لشيء من ذلك، فالحديث يدل على جواز التأخير مطلقًا (٥)، في حدود عدم المبالغة في التأخير.\n_________\n(١) رواه البخاري. الفتح ٤/ ٤٧٤\n(٢) رواه أبو داود والنسائي (جامع الأصول ٧/ ١٥٩).\n(٣) متفق عليه (جامع الأصول ٧/ ١٥٩)\n(٤) متفق عليه (الفتح الكبير).\n(٥) ابن دقيق العيد: شرح العمدة ١/ ٢٧٥","vol":"2","page":61},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-356>المبحث الرّابع نقل الترك</span>\nالذي يعرف به أن النبي - ﷺ - ترك الفعل أمران.\nالأول: ذكر الصحابي ذلك، وهو الأكثر، بقوله: ترك - ﷺ - كذا، أو: لم يفعل كذا. ومن أمثلته ما تقدم في شهداء أحد: \"لم يغسلوا ولم يصلِّ عليهم\". وقول ابن عباس في صلاة العيد: \"لم يكن يؤذَّن يوم الفطر ولا يوم الأضحى\" (١). وقول جابر: \"صلّى بنا رسول الله - ﷺ - العيد بلا أذان ولا إقامة\". وقول أنس: \"قنت رسول الله - ﷺ - شهرًا يدعو على أحياءٍ من أحياء العرب، ثمّ تركه\" (٢). وقول عمر بن الخطاب في شأن تعيين الخليفة من بعده: \"إن أترككم فقد ترككم من هو خير مني\" (٣). يعني أن رسول الله - ﷺ - لم يستخلف عليهم أحدًا. وقول أنس بن مالك: \"صليت خلف رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وعمر وعثمان، فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ: \"بسم الله الرحمن الرحيم\" (٤).\nوفي هذه المسألة بحث، وهو أن الفعل أمر وجوديّ، والناقل له يخبر عما شاهده. فقلما يقع فيه الخطأ من هذه الجهة. أما نقل الترك فهو نفي للفعل. ونفي الفعل صيغة تعمّ، فيحتاج أن يكون الناقل قد اطّلع على أحواله - ﷺ - كلها، حتى يصح له النفي جزمًا، وقد ينفي بناء على ما اطّلع عليه من غالب أحوال النبي - ﷺ -، فيكون النفي على سبيل غلبة الظن، وهذا هو الأغلب في نقل الترك.\nفأما النوع الأول، وهو النفي القاطع، فمثل ما قالت عائشة: \"ما اعتمر\n_________\n(١) متفق عليه (جامع الأصول ٧/ ٨٧).\n(٢) مسلم وأحمد والنسائي (نيل الأوطار ٢/ ٣٥٩).\n(٣) مسلم ١٢/ ٢٠٥ والبخاري.\n(٤) متفق عليه (جامع الأصول ٦/ ٢٢٠).","vol":"2","page":62},{"text":"رسول الله - ﷺ - في رجب قط\". فهذا على سبيل الجزم، فإن اعتمار النبي - ﷺ - أمر لا يخفى، وعُمرُهُ التي فعلها محصورة.\nوأما النوع الثاني، فمثل ما قالت عائشة أيضًا: \"ما بالَ رسول الله - ﷺ - قائمًا منذ أنزل عليه القرآن\" (١). وقالت: \"من حدثكم أن رسول الله - ﷺ - بال قائمًا فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعدًا\" (٢). فإنها لم تشاهده في كل أحواله.\nومن هنا إذا تعارض نقل الترك مع نقل الفعل، فإن كان نقل الترك من النوع الأول، لم يترجّح أحدهما على الآخر من هذا الوجه. وينبغي الترجيح بوجه آخر، وقد يقدم نقل الترك. وقد قدموا نقل عائشة للترك على نقل ابن عمر للفعل، في قضية عمرة رجب.\nوأما النوع الثاني من نقل الترك، وهو المنقول على غلبة الظنّ. فإنه إذا تعارض مع نقل الفعل يقدم نقل الفعل. لأن ناقل الفعل جازم وناقل الترك يتكلم على غلبة الظن (٣). ومن هنا قدموا رواية حذيفة: \"أن النبي - ﷺ - أتى سباطة قوم فبال قائمًا\" (٤) على رواية عائشة التي تنفي ذلك، كما تقدم.\nالثاني: قال ابن القيم: \"عدم نقلهم لما لو فعله لتوفّرت هممهم ودواعيهم على نقله، (هو نقل لتركه)، فحيث لم ينقله واحد منهم ألبتة، ولا حدّث به، علم أنه لم يكن\" (٥). اهـ. وجعل ابن القيم منه: ترك التلفظ بالنية عند دخوله في الصلاة. وترك رفع يديه كل يوم في صلاة الصبح بعد رفع رأسه من ركوع الركعة الثانية، وقوله كل يوم: اللهم اهدني في من هديت ... ويقول المأمومون خلفه بصوت مرتفع: \"آمين\".\n_________\n(١) أبو عوانة في صحيحه (فتح الباري ١/ ٣٢٨).\n(٢) رواه الخمسة إلا أبا داود (نيل الأوطار ١/ ١٠١).\n(٣) قاعدة (تقديم المثبت على النافي) قال بها جمهور الفقهاء على ما نقله إمام الحرمين (انظر: إرشاد الفحول ص ٢٧٩) والغزالي يقول في المستصفى: (٢/ ١٢٩) هما سواء. والأول أصح بالقيد الذي ذكرناه.\n(٤) البخاري (الفتح ١/ ٣٢٨).\n(٥) إعلام الموقعين ٢/ ٣٧٠","vol":"2","page":63},{"text":"قال: \"ومن الممتنع أن يفعل ذلك ولا ينقله عنه أحد\".\nوقد قال بهذه النظرية أيضًا: ابن دقيق العيد. فقد ذكر حديث أبي هريرة في سجود السهو، وفيه أن النبي - ﷺ -: \"سجد للسهو ثم سلّم\". قال ابن دقيق العيد: \"لم يذكر التشهّد بعد سجود السهو. وفيه خلاف عند أصحاب مالك في السجود الذي بعد السلام. وقد يستدل بتركه في الحديث على عدمه في الحكم، كما فعلوا في مثله كثيرًا، من حيث إنه لو كان لذكر ظاهرًا\" (١).\nوذهب إلى ذلك ابن رشد أيضًا. فقد نقل إنكار مالك لشرعية سجود الشكر، بأنه لم يسمع أن النبي - ﷺ - فعله. ثم قال ابن رشد:\n\"استدلاله على أن رسول الله - ﷺ - لم يفعل ذلك ولا المسلمون بعده بأن ذلك لو كان لنقل، استدلال صحيح، إذ لا يصحّ أن تتوفر دواعي المسلمين على ترك نقل شريعة من شرائع الدين، وقد أمروا بالتبليغ\" (٢).\nقال: \"وهذا أصل من الأصول، وعليه يأتي إسقاط الزكاة من الخضر والبقول مع وجوب الزكاة فيها بعموم قول النبي - ﷺ -: \"فيما سقت السماء والعيون، والبعل، العشر، وفي ما سقي بالنضح نصف العشر\". لأنا نزّلنا ترك نقل أخذ النبي - ﷺ - الزكاة منها كالسنة القائمة، في أن لا زكاة فيها، فكذلك يُنزَّل ترك نقل السجود عن النبي - ﷺ - في الشكر كالسنّة القائمة في أن لا سجود فيه\". اهـ.\nوالحاصل أنّ من نقلنا عنهم -ابن القيم، وابن دقيق العيد، وابن رشد- وغيرهم كالشاطبي، يثبتون هذه القاعدة، وهي أن (ترك النقل هو نقل للترك) بدليل أنه - ﷺ - لو فعل الفعل الشرعي لتوفّرت هممهم ودواعيهم على نقله، لأنهم أُمروا بالتبليغ.\nلقد ذكر ابن القيم اعتراض من اعترض على هذا التلازم بقوله:\n\"إن قيل: من أين لكم أنه لم يفعله، وعدم النقل لا يستلزم نقل العدم؟ \" (٣).\n_________\n(١) الإحكام ١/ ٢٦٠\n(٢) الموافقات للشاطبي ٢/ ٤١٣\n(٣) إعلام الموقعين ٢/ ٢٢٧","vol":"2","page":64},{"text":"قال: \"فهذا سؤال بعيد جدًا عن معرفة هديه وسنته وما كان عليه، ولو صحّ هذا السؤال وقُبِل، لاستَحَبَّ لنا مستحب الأذان للتروايح، وقال: من أين لكم أنه لم ينقل؟ واستحبَّ لنا مستحبٌّ آخر الغسل لكل صلاة، وقال: من أين لكم أنه لم ينقل ...... وانفتح باب البدعة، وقال كل من دعا إلى بدعة: من أين لكم أن هذا لم ينقل؟ ومن هذا تركه أخذ الزكاة من الخضراوات والمباطخ، وهم يزرعونها بجواره بالمدينة كل سنة فلا يطالبهم بالزكاة، ولا هم يؤدونها إليه\".\nونحن نرى أن هذه مسألة مهمة، فإن إثبات هذه القاعدة على إطلاقها، يقتضي أن كل ما لم ينقل فعل النبي - ﷺ - له، فقد تركه، ويكون ذلك حينئذٍ بمنزلة النص على حكمه، وذلك يقتضي منع إجراء العموم على وجهه ليشمل ما لم يرد أن النبي - ﷺ - فعله، وكذلك يقتضي منع القياس في ذلك أيضًا. ومقتضى هذا ألا يعمل بعموم قرآن أو حديث حتى ينقل لنا أن النبي - ﷺ - فعله.\nونحن سنناقش هذه القاعدة الأصولية من خلال تتبعنا لخلاف العلماء في هذا الفرع الفقهي، وهو أصناف الخارج من الأرض التي تؤخذ منها الزكاة. وإنما اخترنا هذا الفرع، لأن كل الذين أثبتوا هذه القاعدة، ممن تقدّم ذكرهم، مثلوا به.\nوقد استقرأنا الأحاديث الفعليّة في قضية المعشرات من الخارج من الأرض، فوجدنا أن أصناف الخارج من الأرض التي نقل إلينا أن النبي - ﷺ - أخذ الزكاة منها أربعة أصناف لا غير، وهي التمر، والزبيب، والشعير، والقمح. ولم ينقل عنه أنه أخذ الزكاة مما سوى هذه الأصناف. ولا نصّ على شيء غيرها في حديث قوليّ.\nواستقرأنا مذاهب الفقهاء (١) فوجدناهما كما يلي:\n١ - منهم من يقتصر على هذه الأصناف ما عدا الزبيب. ومن هؤلاء أحمد في رواية وجميع الظاهرية ما عدا ابن حزم.\n_________\n(١) ابن حزم: المحلى ٥/ ٢١٠ وما بعدها. ابن قدامة: المغني ٢/ ٦٩٠ وما بعدها.","vol":"2","page":65},{"text":"٢ - ومنهم من يجعل الزكاة في كل ما خرج من الأرض، دون استثناء، وهو قول ابن حزم.\n٣ - وأبو حنيفة يرى وجوب الزكاة في كل خارج من الأرض قصد به النماء، فتجب في كل الحبوب والثمار والنوار حتى الورد والسوسن والنرجس، ما عدا ثلاثة أشياء: الحطب، والقصب، والحشيش. وصاحباه استثنيا أيضًا الخضر والفواكه.\n٤ - وقول الشافعي: كل ما عمل منه خبز أو عصيدة ففيه الزكاة، وما لم يؤكل إلاّ تفكهًا فلا زكاة فيه.\n٥ - وقول مالك: أن الزكاة تجب في القمح والشعير والسلت وسائر ما يقتات من الحبوب ولا تؤخذ من الثمار إلا من التمر والزبيب.\n٦ - وعن أحمد: أنها تجب في كل خارج من الأرض ييبس، ويبقى، ويكال. ولا زكاة عنده في سائر الفواكه ولا في الخضر.\nوقد رجّح الباحث الفاضل الشيخ يوسف القرضاوي في كتابه القيم (فقه الزكاة) (١) قول أبي حنيفة وأخذ بالعمومات القرآنية وعمومات الأحاديث القولية.\nفلو كان ترك النقل عن النبي - ﷺ - نقلًا للترك لصحّ قول الظاهرية ولكان الواجب الأخذ به، وانتفت الزكاة في ما عدا الأصناف الأربعة، لكونها لم ينقل أن النبي - ﷺ - أخذ الزكاة منها.\nلكن الجمهور أخذوا بالعموم.\nفأبو حنيفة أخذ بعموم: الآيات وعموم \"في ما سقت السماء العشر\".\nوالثلاثة عمّموا الحكم بالقياس على المنصوص.\nقال ابن قدامة: تجب الزكاة في ما جمع (الكيل، والبقاء، واليبس) من الحبوب والثمار مما ينبته الآدميون، سواء أكان قوتًا أو من القطنيات. ولا تجب في سائر الفواكه ولا في الخضر، لأنه لا نصّ فيها ولا إجماع، ولا هي في معنى المنصوص عليه، فتبقى على الأصل.\n_________\n(١) ١/ ٣٥٨","vol":"2","page":66},{"text":"فقد جعل المانع من إيجاب الزكاة في الخضار والفواكه بقاءها على الأصل. وهو شيء آخر غير إدعاء أن ترك النقل نقل للترك.\nفنرى أن جمهرة الفقهاء لم يأخذوا بهذه القاعدة في هذه المسألة. وأن المعتمد إما البقاء على الأصل، وإما الخروج عنه بدلالة.\nوأما ما قاله ابن القيم من أنه يلزم من عدم القول بهذه القاعدة جواز البدع وفتح بابها، فهو مردود، لأننا إذا ثبتنا على الأصل حتى ينقلنا عنه ناقل صحيح لم يلزم ما قال. فإنّ ما مثّل به لم يرد فيه عموم قولي.\nوالذي نؤكّده أن النصّ التشريعي إذا كان عامًا فينبغي حمله على عمومه، ما لم يخصَّص بمخصص صحيح، ولا يكفي في التخصيص أن ينقل أنه - ﷺ - فعل بعض أفراد ذلك العموم، بدعوى أن ترك النقل نقل للترك في ما سوى ذلك الذي نقل إلينا من فعله.\nأما لو نقل أنه ترك بعض أفراد العموم فذلك صالح للتخصيص بلا شك. ولو كان ترك النقل نقلًا للترك لكان القائلون بإيجاب الزكاة في سائر ما يقتات ويدّخر، عاملين على خلاف (المنقول) عن رسول الله - ﷺ -. وذلك قول مردود على مدّعيه. وقد وجدنا ابن العربي المالكي ذهب إلى هذا الذي قلناه، فقد قال في كتابه أحكام القرآن (١) عند قوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ ما يلي:\n\"فإن قيل: فلم لم ينقل عن النبي - ﷺ - أنه أخذ الزكاة من خضر المدينة ولا خيبر؟.\nقلنا كذلك قال علماؤنا، وتحقيقه أنه عدم دليل، لا وجود دليل.\nفإن قيل: لو أخذها لنقل.\nقلنا: وأيُّ حاجة إلى نقله والقرآن يكفي فيه؟ \". اهـ.\nفقوله: (والقرآن يكفي فيه) هو ما قلنا من إعمال عموم القرآن. ولا يتوقف على ما نقل الأخذ منه فعلًا.\n_________\n(١) أحكام القرآن، ط عيسى الحلبي ٢/ ٧٥٢","vol":"2","page":67},{"text":"وأما ما قاله ابن رشد من حمله كلام مالك على مقتضى هذه القاعدة، فغير مسلّم. فإنّ مالكًا قال: \"قد فتح الله على رسوله - ﷺ - وعلى المسلمين بعده، أفسمعت أن أحدًا منهم فعل ذلك؟ -يعني سجود الشكر- إذا جاءك مثل هذا مما قد كان للناس، وجرى على أيديهم، لا يسمع عنهم فيه شيء، فعليك بذلك، لأنه لو كان لذكر، لأنه من أمر الناس الذي قد كان فيهم فهل سمعت أن أحدًا منهم سجد؟ \" (١).\nفقوله: (لو كان لذكر) فلعله إنما يعني: لذكر قولًا أو فعلًا. إذ لو لم يذكر أصلًا لكان شيئًا من الدين قد ذهب وضاع. فلما لم يرد فيه نصّ قوليّ ولا فعليّ، ولا قياس نصّ، فلا يجوز إثباته بمجرد الهوى، لأن العبادات توقيفية. فليس قول مالك منصّبًا على ما وردت فيه عمومات قولية، أو ما يمكن أخذ حكمه بطريق القياس أو غيره. وشبيه بقول مالك في هذا، ما قاله الشافعي في الخارج من غير السبيلين: \"إنه ليس من الأحداث، لأن الأحداث مستقصاة في الكتاب والسنة، فلو كان من قبيل الأحداث لذكر في الكتاب أو السنة\" (٢) والله تعالى أعلى وأعلم.\nوالذي نراه في قضية ترك النقل، انقسامها إلى أقسام:\nالأول: أن يدل على المتروك نقله نصًّا يأمر بالفعل من الكتاب أو السنة، أو يدل على حكمه الإجماع أو القياس. فلا يكون ترك النقل نقلًا للترك. وإن قلنا هو نقل للترك، فينبغي جعله مرجوحًا، وتقدم عليه الأدلة الأربعة المعارضة له.\nالثاني: أن يكون المتروك نقله باقيًا على حكم الأصل، والأصل عدم المشروعية في العبادة، فترك النقل يؤكّد الأصل ويثبّته.\nالثالث: أن يروي الصحابي تفاصيل حادثةً وقعت، مما يتعلق به شرع، ويذكر ذلك على سبيل الاستقصاء، فيظهر أنه لم يغادر من تفاصيلها الرئيسية شيئًا.\n_________\n(١) الموافقات ٢/ ٤١٠ وليس المراد هنا بيان حكم سجود الشكر، وإنما المراد القاعدة الأصولية، أما سجود الشكر فهو ثابت بأدلة فعليه. راجع لذلك (أعلام الموقعين) لابن القيم، وغيره.\n(٢) نقله السمعاني (البحر المحيط ٢/ ٢٥٩ أ).","vol":"2","page":68},{"text":"ومثّل له السمعاني بنقل قصة رجم ماعز، فقد نقلها الراوي من أولها إلى آخرها، ولم ينقل أنه جَلَدَه، والجَلْد له وزنه في الخبر لو أنه وقع. فترك ذكره دليل على ترك فعله، إذ لو كان لذكر.\nقال: وقد يردّ المعترض بأن الجَلّد مع الرجم لا يُتّشَوَّف إلى نقله مع نقل الرجم، فإنه غير محتفَل به. يعني لحقارة شأنه بالإضافة إلى الرجم.\nوهذا الردّ اعتراف بصحة القاعدة، وليس إبطالًا لها، وإنما الخلاف في المثال.\nومن هذا النوع عندي ما استدلّ به ابن تيمية من عدم زيارته - ﷺ - في حجة الوداع لموضع تحنثه في الجاهلية في غار حراء، ولا لغار ثور، لأنه لو فعله لكان ظاهرًا، ولرافقوه إليه ونقلوا إلينا ذلك. وكذلك ما استدلَّ به الفقهاء من تركه - ﷺ - لتكرار العمرة قبل خروجه إلى عرفات، وبعد أيام التشريق، وفي عمرة القضاء.\nالرابع: أن ينقل الراوي الواقعة، ويسكت عن تفصيلٍ يجعل الصورة نادرة، فسكوته يكون حجة على عدم ذلك التفصيل (١). ومثاله ما روي أنه - ﷺ - أقاد مسلمًا بكافر، وقال: \"أنا أحقّ من وفى ذمته\" (٢)، قال المانعون لقتل المسلم بالكافر: لعلّ قاتلًا قتل كافرًا ثم أسلم القاتل، فهذا نادر، وتتشوّف الطباع لنقله، فسكوت الراوي عنه يدل على أنه لم يكن.\nوبهذا يتبيّن أن ترك النقل لتفصيل معتادٍ غير نادر، أو ضعيف الأهمية، أو موافق للنصوص المعلومة، لا يدل على نفي وقوعه. ولا أثر لترك نقله في الأحكام. والله أعلم.\n_________\n(١) السمعاني (البحر المحيط ٢/ ٢٥٩ أ).\n(٢) الحديث نقل في بدائع الصنائع (٧/ ٢٣٧) أن محمد بن الحسن رواه بإسناده.","vol":"2","page":69},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-357>الفَصل الخامس السُّكوت</span>\nمرادنا بالسكوت في هذا الفصل الكفّ عن القول.\nفإن لم يكن هناك ما يستدعي القول، فإن السكوت لا دلالة له، لأن ترك القول هو الغالب على حال البشر.\nأما إن كان هناك ما يستدعيه، ثم سكت، فإنه قد يدل على حكم.\nثم إن كان الذي يستدعي القول فعلًا حدث أمام النبي - ﷺ -، أو قولًا قيل أمامه، فسكت عن الإنكار عليه، فذلك هو التقرير. وسيأتي ذكره في الفصل الذي بعد هذا إن شاء الله.\nوإن كان الذي يستدعيه حادثة وقعت تستدعي بيان حكم، أو سؤالًا يتطلب جوابًا منه - ﷺ -، فسكت عن الجواب، فلسكوته دلالة. وهذا النوع من السكوت هو المراد في هذا الفصل.\nويقول عبد الجبار الهمداني: \"إن سكوته - ﷺ - لا يدل على أن لا حكم، إلا عند المسألة والطلب، لأنه على حكم الابتداء\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-358>أنواع السكوت:</span>\nالسكوت من النبي - ﷺ - على قسمين:\nالأول: أن يسكت لعدم وجود حكم شرعي في المسألة.\n_________\n(١) المغني ١٧/ ٢٧٤","vol":"2","page":71},{"text":"والثاني: أن يسكت مع وجود الحكم في المسألة. ولكن يمنعه من الإجابة مانع.\nلنعقد لكل من القسمين مطلبًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-359>المطلب الأول السكوت لعدم وجود حكم في المسألة</span>\nكان - ﷺ - إذا سئل عن حادثة ليس فيها حكم، يسكت منتظرًا للوحي. أما إن كان فيها حكم، ولم يمنع من الجواب مانع، فقد كان - ﷺ - مأمورًا بالجواب. لقوله تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لِتُبَيِّن للناس ما نزّل إليهم﴾ (١) فلو سكت لم يكن مبيّنًا.\nومن هنا، فإذا سكت، مع عدم وجود المانع، علم أنه ليس في المسألة حكم (٢). ثم إذا لم يأت بيان بعد ذلك بقي أمر تلك الحادثة على حكم الأصل.\nوقد مثل لذلك القاضي عبد الجبار (٣) بأنه - ﷺ - لو سئل عن قول القائل لزوجته: أنتِ ألبتة، وحبلكِ على غاربكِ، إلى غير ذلك من الكنايات، والحادثة واقعة، فسكت، من غير تنبيه، لوجب أن يدل ذلك على أن الكنايات لا تؤثر كتأثير الطلاق الصريح.\nفمّما ورد في السنة من هذا النوع من السكوت، ما روى جابر: \"أن امرأة سعد بن الربيع قالت: يا رسول الله، إن سعدًا هلك، وترك بنتين وأخاه، فعمد أخوه فقبض ما ترك سعد، وإنما تنكح النساء على أموالهن. فلم يجبها في مجلسها ذلك. ثم جاءته فقالت: يا رسول الله، ابنتا سعد؟ فقال ادع [هكذا بالأصل] لي أخاه، فجاء، فقال له: ادفع إلى ابنتيه الثلثين، وإلى امرأته الثمن، ولك ما بقي\" (٤). وفي رواية الترمذي: فنزلت آية المواريث.\n_________\n(١) سورة النحل: آية ٤٤\n(٢) القرافي: شرح تنقيح الفصول ص ١٢٢. الزركشي: البحر المحيط ٢/ ١٨١ ب.\n(٣) المغني: ٢/ ٢٧٤\n(٤) رواه أبو داود وهذا لفظه والترمذي وابن ماجه (تفسير القرطبي ٥/ ٥٧).","vol":"2","page":72},{"text":"ومنه أيضًا ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه: \"أن مرثد بن أبي مرثد كان يحمل الأسارى بمكة. وكانت بمكة بغيّ يقال لها عَنَاق، وكانت صديقته. قال: فجئت النبي - ﷺ -، فقلت: يا رسول الله، أنكِحُ عناق؟ قال: فسكت عني، فنزلت ﴿والزانية لا ينكحها إلا زانٍ أو مشرك﴾ فدعاني فقرأها عليّ، وقال: لا تنكحها\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-360>السكوت عن بعض الأحكام مع بيان بعض آخر:</span>\nقد يسأل النبي - ﷺ - عن حكم واقعة، أو تحدث الواقعة أمامه، فيبيّن لها حكمًا أو أحكامًا، ثم لا يذكر حكمًا آخر، فهل يدل سكوته عنه على انتفائه؟.\nإن الأمر في هذا ينقسم قسمين:\nالقسم الأول: أن يكون المسكوت عنه قد تبيّن حكمه بدليل صحيح. وفي تلك الحال لا يكون سكوت عما سكت عنه حجة على انتفائه، بل يكون إحالة منه - ﷺ - على الدليل. قال السمعاني: \"يشترط أن يكون المسكوت عنه لم تشمله أدلة الشرع، فلو كان ذكر فيها، كما لو أُتي بزانٍ فأمر بالجلد ولم يذكر المهر والعدة ونحوه، فذاك مما لا يحتج به، لأن ذلك يحال به على البيان في غير [الـ] موضع\".\nالقسم الثاني: أن يكون مما يتوهّم ثبوته، أو يتردّد فيه، لتعارض الأدلة. فينبغي أن يكون السكوت عنه دليل انتفائه.\nولنضرب لهذه المسألة مثالين:\nالمثال الأول: ما في حديث يعلى بن أمية: \"أن رجلًا سأل النبي - ﷺ - وهو بالجعرانة: كيف ترى في رجل أحرم بعمرة، في جبة، بعدما تضمخ بطيب؟ فنظر إليه النبي - ﷺ - ساعة، ثم سكت. فجاءه الوحي .. فقال: أين السائل عن العمرة؟ أما الطيب الذي بك فاغسله، وأما الجبة فانزعها، وما كنت صانعًا في\n_________\n(١) رواه أبو داود وهذا لفظه والترمذي (تفسير القرطبي ١٠/ ١٦٨).","vol":"2","page":73},{"text":"حجك فاصنعه في عمرتك\" (١). فقد أمره بنزع الطيب واللباس، لكنه - ﷺ - سكت عن أمره بالفدية لما مضى قبل السؤال من استعماله بعض محظورات الإحرام، وهو الطيب واللباس، وكان المظنون أن يأمره بذلك، قياسًا على حلق الشعر الذي تجب فيه الفدية بالنصّ القرآني. ولو كان عالمًا لوجبت عليه الفدية. فقد يدل ذلك على سقوط الفدية عمن لبس أو تطيب جاهلًا بالتحريم.\nالمثال الثاني: ما في حديث أبي هريرة في قصة الأنصاري الذي وطئ في نهار رمضان فأمره النبي - ﷺ - بالتكفير، وسكت عن بيان حكم المرأة. فاستدل بذلك بعض الفقهاء على أن المرأة لا يجب عليها لذلك كفارة.\nوقد قال السمعاني: \"مجرّد السكوت لا يدل عندنا على سقوط ما عدا المذكور، كما يدل عند من يذهب إلى أن الأصل في الأشياء الإباحة. وإنما هو بحسب الحال، وقيام الدليل عليه.\nثم قال: ومراتب الاستدلال بالسكوت -يعني عند من استدل به- تختلف، فأقوى ما تكون دلالة السكوت على سقوط ما عدا المذكور، إذا كان صاحب الحادثة -يعني المستفتي- جاهلًا بأصل الحكم في الشيء، ولم يكن من أهل الاستدلال\" (٢). اهـ.\nوجعل السمعاني من ذلك المثال الأول. فإن ذاك الأعرابيّ الذي يجهل أنّ لبس الجبة واستعمال الطيب، على المحرم، حرام، لحري أن يكون جاهلًا بحكم الفدية لو كان عليه فدية، فإن من جهل تحريم اللبس فهو بالفدية أجهل. فلما لم يذكرها - ﷺ - له، دلّ على أنه لا فدية عليه أصلًا.\nوقد عهد من النبي - ﷺ - أنه إن عرف من حال السائل أنه يجهل بعض الأحكام التي يحتاج إليها أنه يذكرها له وإن لم يسأل عنها. فمن ذلك أن قومًا سألوه: \"أنتوضأ بماء البحر؟ \" فقال: \"البحر هو الطهور ماؤه، الحل ميتته\" فأفادهم\n_________\n(١) مسلم ٨/ ٧٨\n(٢) البحر المحيط للزركشي ٢/ ٢٥٩ أ.","vol":"2","page":74},{"text":"حكمًا لم يسألوا عنه، وهو حكم الميتة، لما أن جهلهم جواز الطهارة بمائه يدل بالأولى على جهلهم إباحة ميتته، وهم يحتاجون إلى معرفة ذلك.\nفإن كان السائل ممن له حظ من العلم، وكان له بصر بالأدلة والأحكام، فيمكن أن يكون النبي - ﷺ - سكت عما سكت عنه، لا لانتفائه، وإنما تركه ثقة بفهم السائل، فهو يجيبه عما يخفى عليه، ويترك إجابته عما يثق بفهمه له. وعلى هذا يحمل سكوته عن ذكر الكفارة في شأن امرأة الأنصاري الذي وطئ في نهار رمضان. فإن كونه من الأنصار، يقتضي حرصه على تعلّم الدين، ولا يخفى عليه أن أحكام الرجال والنساء سواء في ما يتعلق بالمفطرات.\nوقد ذهب الأكثرون إلى أن الكفارة تجب في هذه المسألة على المرأة كما تجب على الرجل، فهو قول مالك وأبي حنيفة ورواية عن أحمد. والرواية الأخرى عنه أنه لا كفارة على المرأة. قال ابن قدامة: \"ووجه ذلك أنه - ﷺ - لم يأمر المرأة بذلك مع علمه بوقوعه منها\" (١).\nأما في مسألة من لَبِس ما يحرم عليه في إحرامه جاهلًا، فقد ذهب عطاء والثوري وإسحاق وابن المنذر إلى أنه لا فدية عليه. وهو المشهور في مذهب أحمد.\nوذهب مالك والليث والثوري وأبو حنيفة إلى أن عليه الفدية بكل حال (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-361>المطلب الثاني السكوت لمانع</span>\nقدمنا في المطلب السابق أن النبي - ﷺ - قد يسكت عن الإجابة عن الحكم الشرعي في المسألة لعدم وجود ذلك الحكم. فأما إن كان الحكم ثابتًا فالأصل أن يجيب عن السؤال، لأن ذلك من البيان الذي أرسل به.\n_________\n(١) القواطع ق ٨٦ أ، وقد فرق إلكيا الطبري أيضًا بين الحالتين اللتين نقلناهما عن السمعاني ونقله عن الطبري أبو شامة (المحقق ق ٤٣ أ) وأقره. ونقله الزركشي في البحر (٢/ ٣٥٩) وأقرّه كذلك.\n(٢) المغني ٣/ ١٣٣","vol":"2","page":75},{"text":"وقد يمنع من الإجابة مانع.\nوالموانع مختلفة (١).\n١ - منها: أن يقف عن الجواب لمهلة النظر. فقد كان له حق الاجتهاد في القضايا والنوازل، كما تقدم اختياره وإثباته، في موضعه. والمجتهد يحتاج أحيانًا إلى وقت للنظر والتدبر.\n٢ - ومنها: أن يكون السائل قد سأل عما لم يقع. فيترك جوابه لعدم الحاجة إلى البيان حينئذٍ، ولإشعار السائل بتكلّفه وتعمّقه، وفي ذلك من الكراهة ما فيه.\n٣ - ومنها: أن يخاف غائلة الفتوى، من ترتب شرٍّ أعظم من الإمساك عنها، فيترك الجواب ترجيحًا لدفع أعلى المفسدتين باحتمال أدناهما. ويمكن أن يحتجّ لهذا النوع، بتركه - ﷺ - الأمر بنقض الكعبة لحداث عهد قومه بالكفر.\n٤ - ومنها: أن يكون عقل السائل، أو عقل بعض السامعين، لا يحتمل الجواب، فيسكت عن جوابه لئلا يكون الجواب فتنة له. قال البخاري: \"باب من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس فيقعوا في أشد منه\". ثم روى حديث عائشة في تركه - ﷺ - نقض الكعبة.\nولعلّ من هذا ما ورد عن ابن عباس: \"أن رجلًا أتى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله إني أرى الليلة في المنام ظُلّةً تنطف السمن والعسل، فأرى الناس يتكففون منها بأيديهم، فالمستكثر والمستقلّ. وأرى سببًا واصلًا من السماء إلى الأرض، فأراك أخذت به فعلوت، ثم أخذ به رجل آخر بعدك فعلا، ثم أخذ به رجل آخر فعلا، ثم أخذ به رجل آخر فانقطع به، ثم وصل له فعلًا. قال أبو بكر: \"يا رسول الله بأبي أنت والله لتَدَعَنِّي فَلأعْبُرَنّها\". قال رسول الله - ﷺ -: \"اعبرها\". فعبرها أبو بكر، ثم قال: \"أخبرني يا رسول الله، بأبي أنتَ، أصبتُ أم أخطأتُ؟ \"، قال رسول الله - ﷺ -: \"أصبت بعضًا وأخطأت بعضًا\"، قال: \"فوالله يا رسول الله لتحدثَنِّي ما الذي أخطأت؟ \"، قال: \"لا تقسم\" (٢).\n_________\n(١) ذكر ابن القيم (إعلام الموقعين ٤/ ١٥٧) جملة منها وذكر من ذلك الشاطبي في الموافقات ١/ ٤٧ و٤/ ٣١٣، ٣١٩ أشياء.\n(٢) مسلم ١٧/ ٩٣ ورواه البخاري.","vol":"2","page":76},{"text":"ووجه كونه من هذا الباب أنه لو حدَّث الحاضرين بما يكون من شأن عثمان ﵁، وهو الرجل الثالث في الرؤيا، لربما كان لبعض السامعين فتنة، وحصل من ذلك مفسدة. قال ابن حجر في الفتح قال النووي: \"لعل المفسدة في ذل ما علمه من سبب انقطاع السبب بعثمان، وهو قتله وتلك الحروب والفتن المرتبة عليه، فكره ذكرها خوف شيوعها\" (١).\n٥ - ومنها: أن يترك الكلام أصلًا مع شخص ما، عقوبةً له على فعلٍ فعَله. فقد نهى عن كلام الثلاثة الذين خُلّفوا، حتى قال أحدهم، وهو كعب بن مالك: \"كنت أشَبَّ القوم وأجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله - ﷺ - فأسلِّم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرّك شفتيه يردّ السلام؟ \" (٢).\n٦ - ومنها: أن يعدل في الجواب إلى ما هو أنفع للسائل مما سأل عنه.\nونظير ذلك في القرآن قوله تعالى: ﴿يسئلونك عن الأهلّة قل هي مواقيت للناس والحج﴾ (٣) سألوا ما بال الهلال يبدو صغيرًا ثم يكبر تم يعود كما كان فأجيبوا ببيان المصلحة في ذلك.\n٧ - ومنها: أن يسأله السائل عمّا ليس من شأن النبوة والرسالة، فيترك جوابه إشعارًا له بما ينبغي له أن يسأل عنه. ويمكن حمل سكوته عن الإجابة عن سؤالهم على هذا الوجه، فإن تعليم الفلَك ليس من شأن الرسالة.\n٨ - ومنها: أن يكون السائل متلبّسا بمعصية ظاهرة هي أكبر من التي يسأل عنها وأهم منها. فمن ذلك أن يكون السائل كافرًا معاندًا، أو منافقًا فاجرًا. وقد قال الله تعالى لنبيه: ﴿فأعرض عمّن تولّى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا﴾ (٤).\n٩ - ومنها: سكوته على سبيل الإنكار للسؤال نفسه، لأنه مما لا ينبغي. فالله\n_________\n(١) المغني ٣/ ٥٠١\n(٢) مسلم ١٥/ ٢٨ والبخاري ١٢/ ٤٣١\n(٣) سورة البقرة: آية ١٨٩\n(٤) سورة النجم: آية ٢٩","vol":"2","page":77},{"text":"تعالى قد نهى عن السؤال عن الأمور التي عفا عنها، قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تُبْدَ لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها﴾ (١) ونهى النبي - ﷺ - عن كثرة السؤال.\nومن هذا النوع من السكوت سكوته - ﷺ - عن الأقرع بن حابس، فقد تلا عليهم النبي - ﷺ - قول الله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت ...﴾ الآية، فقام الأقرع فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ فأعرض عنه، حتى سأله ثلاثًا. فقال - ﷺ -: \"والذي نفسي بيده لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم\".\n١٠ - ويكون السكوت أحيانًا جوابًا. فمن استأذن في فعل شيء، فسكت عن الإذن له، دلّ على عدم الإذن. ومن ذلك ما روى أبو هريرة، قال: \"قلت يا رسول الله إني رجل شابّ، وأنا أخاف على نفسي العَنَت، ولا أجد ما أتزوج به النساء\" (٢). زاد في رواية (٣) فأذْن لي أن أختصي- فسكت عني. ثم قلت مثل ذلك، فسكت عني. ثم قلت مثل ذلك، فسكت عني. ثم قلت مثل ذلك، فقال النبي - ﷺ -: \"يا أبا هريرة، جفّ القلم بما أنت لاقٍ، فاختصِ على ذلك أو ذرْ\".\nقال ابن حجر: فيه (من الزوائد) جواز السكوت عن الجواب لمن يُظَنّ أنه يفهم المراد من مجرد السكوت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-362>المطلب الثالث ترك الحكم في حادثة هل يوجب ترك الحكم في نظيرها</span>؟\nإذا ترك النبي - ﷺ - الحكم في حادثة، فهل لنا أن نحكم في نظيرها؟. نقل الزركشي (٤) عن بعض المتكلمين أن تركه - ﷺ - يوجب علينا ترك الحكم في نظيرها. وقالوا: هذا كرجل شجّ رجلًا شجة، فلم يحكم فيها رسول الله - ﷺ - بحكم، فيعلم بتركه لذلك أن لا حكم لهذه الشجّة في الشريعة.\n_________\n(١) سورة المائدة ١٠١\n(٢) صحيح البخاري ٩/ ١٢٠\n(٣) هي رواية المحاملي. ذكرها ابن حجر في الشرح.\n(٤) البحر المحيط ٢/ ٢٦٠ أ.","vol":"2","page":78},{"text":"وقال بعضهم: يحتمل التوقف.\nوقال القاضي أبو يعلى الحنبلي: \"يجوز لنا أن نحكم في نظيرها\".\nوقد بيّن ابن عقيل (١) وجه تجويز القاضي لذلك، وحاصله أنه - ﷺ - ربما يكون قد سكت محيلًا لنا على بيان آخر، بأن يكون قد حكم في مسألة أخرى مشابهة، ويكون سكوته من تفويضه إلى الحاضرين استخراج الحكم بالاجتهاد.\nووافق ابن عقيل على ذلك في حالة واحدة، هي عنده جائزة، وهي أن يكون له - ﷺ - حكم في نظيرها يصحّ استخراجه من معنى نطقه. واشترط أن يكون ذلك قياسًا جليًا \"في قوة ألفاظ النصوص\".\nفإن لم يكن كذلك فلا وجه عنده لطلبنا الحكم مع إمساكه - ﷺ - عنه.\nواستدلّ بأن الحكم الذي نطلبه بالقياس أو غيره من الأدلة الاجتهادية لتلك الواقعة، إما أن يكون - ﷺ - قد علمه، وتركه، وذلك ممتنع، لأنه من تأخير البيان عن وقت الحاجة، وإما أن يكون غير عالم به. وذلك غير جائز، \"إذ لو أراد الله بيانه لما طواه عن نبيه وأوقع الأمة عليه من غير طريقه\"، فلا يبقى إلا أنه لا حكم في المسألة شرعيًّا، وذلك يمنع من طلب حكم شرعي لنظائر تلك الحادثة.\nوعندي أن كلام القاضي أصوب. فقد ذكرنا قبل هذا أن النبي - ﷺ - قد يترك الحكم في أمر من الأمور لمانع شرعي. وقد ذكرنا تلك الموانع. فإذا علمنا ذلك المانع، وعرفنا زواله، جاز أن نحكم فيه. ومثالها نقض الكعبة وإعادة بنائها على قواعد إبراهيم. تركه النبي - ﷺ - لحداثة عهدهم بالإسلام، فلمّا زال ذلك السبب، جاز أن يُفعل ذلك.\nومثاله أيضًا تركه الاستخلاف، وتركه تحديد قوم للشورى، لما حصل عنده من التنازع، فاستخلف أبو بكر عمر. وجعل عمر الأمر بعده في أهل الشورى.\nوكذلك ترك النبي - ﷺ - الحكم على المعترف بالزنا لأول مرة، والثانية، والثالثة. يقول الشافعية والمالكية: بأن الاعتراف بالزنا مرة واحدة موجب للحد.\n_________\n(١) المسودة لابن تيمية ص ٣٤٥","vol":"2","page":79},{"text":"وإنما أخذوا ذلك من أدلة أخرى غير تلك الواقعة. وحملوا ردّه - ﷺ - لماعزٍ في المرة الأولى والثانية والثالثة على محامل مختلفة، ككونه لزيادة التثبّت. فلم يجعلوا تركه للحكم في تلك الواقعة مانعًا من الحكم في نظائرها من الوقائع (١).\nوقال الحنفية والحنابلة: إن ردّه - ﷺ - لماعز قبل الرابعة دليل أن الرابعة هي الموجبة، ولا حكم في ما قبلها. إذ لو كان فيها حكم لما جاز تركه.\nأما إن حملنا كلام ابن عقيل في التناظر بين الواقعتين على ما يشمل التساوي في المانع من الحكم، بالإضافة إلى التساوي في أصل الحادثة، فإن كلامه يكون صوابًا. وتطبيق هذا على المسائل الفرعية الثلاث التي ذكرناها واضح. وقد أمر مالك الخليفة المنصور بترك نقض الكعبة لئلا يتخذه الملوك لعبة. وذلك مانع مشابه للمانع الذي لأجله تركها النبي - ﷺ - على حالها. والله أعلم.\nوالحاصل أن الوقائع التي يمكن أن يترك - ﷺ - الحكم فيها أحيانًا نوعان:\n١ - ما سبق النص عليه، أو يمكن تبين حكمه بقياس جليّ.\n٢ - ما منع من الحكم فيه مانع يتضمن مفسدة أعظم من ترك بيان الحكم فيه. فإن لم يكن كذلك فإن ترك الحكم فيه ممتنع. ويمتنع علينا الحكم فيه.\nوهذا كما هو بيّن، قيد في قياس العلة، فلا يجوز أن يكون فرع القياس مما كان حادثًا في زمنه - ﷺ - وترك ذلك الحكم فيه. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-363>المطلب الرابع ترك الاستفصال عند الإفتاء ومدى دلالته على عموم الحكم</span>\nعبّر الشافعي عن هذه المسألة بقوله: \"ترك الاستفصال، في مقام الاحتمال، ينزل منزلة العموم في المقال\" (٢). وهو أول من ذكر هذه القاعدة في ما نعلم.\n_________\n(١) انظر: نيل الأوطار ٧/ ١٠٣ المغني لابن قدامة ٨/ ١٩٢\n(٢) القرافي: الفروق ٢/ ٨٧ - ٩٠، ابن اللحام الحنبلي: القواعد ص ٢٣٤","vol":"2","page":80},{"text":"وإيضاحها أن يقال: إذا سئل النبي - ﷺ - عن حكم واقعة من الوقائع، وكانت الواقعة المسؤول عنها مما يحتمل أن تقع على صورتين فأكثر، فأجاب عنها دون استفصال عن الصورة الواقعة، فإن الحكم المذكور في الجواب النبويّ، يكون صادقًا على كلتا الصورتين. ولو أراد أن يكون حكمه صادقًا على إحداهما دون الأخرى وجب عليه إما أن يستفصل، ويحكم على المتحصّل بالاستفصال، وإما أن يقيد في كلامه فيقول: إن كان كذا فالحكم كذا.\nوهذه قاعدة في الإفتاء معروفة، ومثالها أن يقول المستفتي في الميراث: رجل ترك زوجة وأمًا وأبًا. فينبغي للمفتي أن يسال: هل ترك ولدًا أو ولد ابن؟ لأن الحكم يختلف في حال وجوده عن حال عدمه. وكذلك يسأل: هل ترك من الإخوة اثنين فأكثر؟ ولكن لا حاجة إلى أن يسأل: هل ترك عمًّا أو خالًا، إذ أن ذلك لا يؤثر في قسمة التركة.\nولإيضاح قاعدة التنزيل هذه بالمثال، نذكر حديث أم سلمة في المستحاضة: \"أن امرأة كانت تهراق الدماءَ. فاستفتت أم سلمة لها رسول الله - ﷺ -. فقال: لتنظر إلى عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر، قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر، فإذا خلفت ذلك فلتغتسل، ثم لتستثفرْ بثوب، ثم لتصلّ\" (١).\nاحتجّ به الحنفية على أن المستحاضة إن كان لها عادة معلومة فإنها تجلسها، وسواء أكان دمها متميّزًا أم لا، فلا اعتبار بالتمييز. ووجه إلغاء التمييز عندهم البناء على هذه القاعدة التي ذكرنا. فإن النبي - ﷺ - أفتاها بما ذكر في الحديث، ولم يستفصل منها، أمميزة هي أم لا، فدلّ ذلك أن الأمرين سواء، وأن المعتبر العادة. فنزلوا تركه - ﷺ - للاستفصال منزلة العموم في القول، فكأنه قال: لتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر، في حال تمييزها إن كانت مميّزة، وفي غير تلك الحال إن لم تكن عليها.\n_________\n(١) رواه مالك وأبو داود والنسائي. وانظر (جامع الأصول ٨/ ٣٣٥).","vol":"2","page":81},{"text":"والشافعية والمالكية والحنابلة المخالفون للحنفية في هذا الفرع، احتجّوا بحديث عائشة في استحاضة فاطمة بنت أبي حبيش أن رسول الله - ﷺ - قال لها: \"إن دم الحيض دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، وإذا كان الآخر فتوضئي\" (١).\nاستدلوا به على أن المستحاضة إن كانت مميزة فالمعتبر التمييز، ولا اعتبار حينئذٍ بالعادة. واستدلالهم مبني على القاعدة المذكورة نفسها. ووجه بنائها عليها لا يخفى (٢).\nهذا ولما كان من المحتمل أن يكون النبي - ﷺ - قد علم بالواقعة -ربما من مصدر آخر غير سؤال السائل- على أي الوجهين وقعت، فقد أنكر بعض العلماء صحة هذه القاعدة، لأن استفصاله عن ذلك يكون لغوًا لا فائدة فيه.\nفبالنظر إلى هذا الاحتمال حرّر الأبياري (٣) هذه القاعدة كما يلي:\nأولًا: إن كان الاستفتاء عن أمر لم يقع أصلًا، وإنما يراد إيقاعه في المستقبل، فإن ترك الاستفصال ينزّل منزلة العموم، كما لو سألته امرأة غير مستحاضة عن الحكم لو استحيضت.\nأقول: ومثله ما لو سئل عن المسألة بصفة عامة، كما لو قيل له: ما تقول في امرأة استحيضت ... إلخ.\nثانيًا: أن يتبيّن لنا اطّلاعه - ﷺ - على صفة الحال، ونعلم بطريق ما، أن الخبر كان قد وصله، فلا ريب أن تركه الاستفصال لا يدل على العموم، لأن الاستفصال لا داعي إليه.\nثالثًا: أن يثبت لنا، بطريق ما، أن القضية التي وقعت أفتى فيها - ﷺ - وهي\n_________\n(١) رواه النسائي (جامع الأصول ٨/ ٢٢٧).\n(٢) انظر الخلاف في هذا الفرع في المغني لابن قدامة ١/ ٣١١\n(٣) البحر المحيط للزركشي ٢/ ٥٣ أ.","vol":"2","page":82},{"text":"مبهمة عنده، لا يعلم على أي الحالين وقعت، فينزل تركه الاستفصال منزلة العموم، كما هو واضح.\nرابعًا: أن تكون الحادثة قد وقعت، والسؤال مطلق، ولم يثبّت أنه - ﷺ - كان عالمًا بالواقع، ولا ثبت أنه كان غير عالم به. فهذه الصورة هي المختلف فيها.\nفاعتبار قيد الوقوع، يمنع القول بالتعميم، نظرًا لاحتمال أن النبي - ﷺ - كان عالمًا بالواقعة، على أي وجه وقعت. وهذا هو المذهب الأول في المسألة.\nواعتبار الإطلاق في السؤال، وأنه قد يكون من غرض المجيب التسوية بين الاحتمالات في الحكم، يقتضي القول بالتعميم، وهو المذهب الثاني.\nوالمذهب الثالث: التوقف، للتردد بين الاحتمالين المذكورين. وهو منسوب إلى الجويني (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-364>رأينا في المسألة:</span>\nالذي نراه أن احتمال علمه - ﷺ - من طريق آخر بالقضية، كيف وقعت، خلاف الأصل، إذ الأصل عدم العلم، والظاهر أن الجواب وارد على ما ذكر في السؤال فقط. فما أوردوه على القاعدة يمنع اليقين، ولكن لا يمنع الظهور. وهذا ما رجّحه ابن تيمية (٢) والزركشي وغيرهم.\nتنبيه: إنما قالوا: \"ترك الاستفصال ينزل منزلة العموم\" ولم يجعلوه عمومًا، لأن العموم عندهم من عوارض الألفاظ، وليس الترك لفظًا حتى يقال هو عام.\nتنبيه آخر: ليس المراد بقيام الاحتمال، في القاعدة السابقة، الاحتمالات الضعيفة والمستبعدة الوقوع، إذ أنه قلما تخلو واقعة من احتمال يجيزه العقل، ومثاله في مسألة السؤال عن الميراث التي قدمنا ذكرها، احتمال أن تكون أم الميت حاملًا بتوأمين، فذلك أمر مستبعد، وليس على المفتي أن يهتمّ له، أو يعتني بالبحث عنه.\n_________\n(١) المسودة في أصول الفقه ص ١٠٩، البناني على جمع الجوامع ١/ ٤٢٦\n(٢) نفس المصدر السابق.","vol":"2","page":83},{"text":"فمثل هذه الاحتمالات، ليست مرادة بهذه المسألة، ولا يقال إن الحكم يعمها، ومثال ذلك من السنة أن أنصاريًا وطئ زوجته في رمضان، وأخبر النبي - ﷺ - بذلك، فأوجب عليه الكفارة. فجمهور الفقهاء جعلوا الكفارة على المتعمّد لذلك دون الناسي. قالوا وليس ترك الاستفصال هنا منزّلًا منزلة العموم في المقال \"لأن حالة النسيان بالنسبة إلى الجماع، ومحاولة مقدماته، وطول زمانه، وعدم (اعتياده) في كل وقت، مما يبعد جريانه في حالة النسيان، فلا يحتاج إلى الاستفصال بناء على الظاهر\" (١). وخالف في ذلك أحمد وبعض المالكية فقد تمسّكوا بالقاعدة حتى في هذه الحال (٢)، فأوجبوا الكفارة على المجامع ناسيًا صومه.\nوبناء على ما تقدم ينبغي تحرير القاعدة كما يلي:\n\"ترك النبي - ﷺ - الاستفصال، في وقائع الأحوال، مع قيام الاحتمال، ينزل منزلة العموم في المقال، إلا إذا تبيّن علمه بالحال، أو كان الاحتمال لندرته مما يعزب عن البال\" والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-365>فروع تنبني على هذه القاعدة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-366>الفرع الأول: من أسلم على أختين </span>(٣):\nفي الحديث عن فيروز قال: \"أسلمت وعندي امرأتان أختان، فأمرني النبي - ﷺ - أن أطلق إحداهما\" (٤).\nذهب مالك والشافعي وأحمد إلى أن من أسلم ومعه أختان، وجب عليه أن يفارق واحدة منهما، ويمسكُ من اختارها.\nومذهب أبي حنيفة، وهو قول للشافعي: إنه ليس مخيرًا في ذلك، بل يجب عليه أن يفارق التي تأخّر عقدها منهما. فإن كان عقد عليهما معًا بطل. وأجاب من احتجّ لأبي حنيفة عن الاستدلال بالحديث المذكور، بأنه في واقعة حال؛ فيحتمل أن فيروز كان تزوجهما في عقد واحد، وأن النبي - ﷺ - قد علم بالواقعة.\n_________\n(١) ابن دقيق العيد: شرح العمدة ٢/ ١١\n(٢) ابن حجر: فتح الباري ٤/ ١٦٤\n(٣) نيل الأوطار ٦/ ١٧٠\n(٤) رواه الخمسة إلا النسائي (نيل الأوطار ٦/ ١٧٠)","vol":"2","page":84},{"text":"واحتُجّ للأولين بالحديث المذكور، وقالوا: تخييره - ﷺ - لفيروز، مع تركه الاستفصال منه هل تزوجهما في عقدين أو عقد واحد، ينزل منزلة العموم. ويكون ذلك حكم من أسلم وتحته أختان سواء تزوجهما في عقد أو عقدين.\nوقالوا أيضًا: احتمال أن يكون - ﷺ - قد علم بالواقعة خلاف الأصل، فالظاهر عدم العلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-367>الفرع الثاني: قضاء رمضان عن الميت:</span>\nفي حديث ابن عباس: \"أن رجلًا جاء إلى النبي - ﷺ -، فقال يا رسول الله، إن أمي ماتت، وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ فقال: لو كان على أمك دين أكنت قاضيه عنها؟ قال: نعم. قال: فدين الله أحق أن يقضى\" (١).\nالحديث يدل على أنه لا يتخصص جواز النيابة بصوم النذر، وهو منصوص الشافعية، خلافًا لما قاله أحمد (٢)\nويخرج على القاعدة التي ذكرناها، والله أعلم.\n_________\n(١) حديث ابن عباس في قضاء الصوم: متفق عليه.\n(٢) ابن دقيق العيد: شرح العمدة ٢/ ٢٣","vol":"2","page":85},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-368>الفصل السادس التقرير</span>\n- تمهيد في حقيقة التقرير.\n١ - الإنكار وما يحصل به.\n٢ - حجية التقرير.\n٣ - شروط التقدير.\n٤ - أنواع التقرير ودلالة كل منها.\n٥ - تعدية حكم التقرير لغير المقرر.\n٦ - مسائل متفرقة.\nأ- ذكر الأمر في أثناء القول هل يكون تقريرًا؟.\nب- السكوت على ما يوهمه القول الجائز.\nج- الإقرار على الفعل الحادث والفعل المستدام.\nد- بين الإقرار وقاعدة: لا ينسب للساكت قول.\nهـ- سعة دلالة التقرير.","vol":"2","page":87},{"text":"تمهيد\nالإقرار في اللغة مصدر أقرّ، ومادة (ق ر ر) تكون في اللغة للبرد ضد الحر، والمصدر القُرّ. وتكون بمعنى الثبات في المكان والسكون فيه وترك الحركة. والمصدر القَرار، والقُرّ أيضًا. وتكون بمعنى إخراج الصوت على دفعات ومنه قَرُّ الدجاجة (١) ومنه القارورة، لأنها (تقرقر) إذا صُبَّ منها الماء.\nوأقرَّ الشيءَ، وقرّره، ثبته في المكان، ويكون ذلك بأن يجده في مكان فيتركه على حاله فلا ينقله منه ولا يحرّكه، أو يجده في مكان فينقله إلى مكان آخر فيثبته فيه، أو يجده متحرّكًا فيسكنِّه.\nويخرج الإقرار عن هذا الأمر الحسّيّ إلى أمور معنوية ترجع إلى ترك التغيير أو المنع منه.\nويستعمل الفقهاء الإقرار بمعنى الاعتراف، لأن من اعترف بما نسب إليه أو اتهم به، فإنهم لم يغيّر ولم يدفع عن نفسه.\nوالإقرار والتقرير من النبي - ﷺ - في عرف أهل السنن وأهل الأصول: \"فإن يسكت النبي - ﷺ - عن إنكار قول قيل، أو فعلٍ فُعِل، بين يديه، أو في عصره وعلم به\" (٢).\nوالإقرار قد يكون نوعًا من السكوت، لأنه سكوت عن الإنكار، والسكوت كفّ عن القول.\n_________\n(١) انظر عن لسان العرب.\n(٢) الشوكاني: إرشاد الفحول ص ٤١، الزركشي: البحر المحيط ٢/ ٢٥٦ ب.","vol":"2","page":89},{"text":"وقد يكون الإقرار كفًا عن الفعل، لأن بعض الأفعال يمكن إنكارها بالفعل.\nومن أجل ذلك فلا نرى من الصواب تعريف الإقرار بـ (السكوت عن الإنكار ... إلخ) لأنه - ﷺ - قد يسكت عن إنكار المنكر بلسانه ولكن يغيّره بيده، فلا يقال إنه قد أقرّه. وقد أزال ابنَ عباس عندما قام في الصلاة عن يساره فأقامه عن يمينه، ورأى رجلين يطوفان بالبيت وبينهما زمام فقطعه.\nوالأولى أن يقال في تعريف الإقرار إنه (كف النبي - ﷺ - عن الإنكار على ما علم به من قول أو فعل).\nوالتقرير على الشيء لا يرادف الرضا به. بل ما تضمّن الرضا والموافقة فهو تقرير يحتج به، وما لم يتضمنه فهو تقرير لا يحتج به. فالتقرير حجة إذا وجدت شروط الاحتجاج به وانتفت الموانع، وليس حجة في ما عدا ذلك.\n\nالتقرير فعل من الأفعال:\nوذلك من حيث إنه كفّ عن الإنكار، والكفّ فعل كما تقدم، أما الترك العدمي فلا يكون تقريرًا، وذلك كعدم نهيه - ﷺ - عن أشياء لم يعلم بها مما حدث في غير مكانه، أو بعد زمانه.\nوالذين جعلوا التقرير قسيمًا للأقوال والأفعال، فليست طريقتهم في ذلك مرضيّة. وإنما تجري على قول من أبى أن يعتبر الكفّ فعلًا من الأفعال.\n\nأهمية التقرير في البيان والتعليم:\nسبق أن أشرنا في أوائل الباب الأول إلى ميزة التقرير في البيان والتعليم.\nونعيد شيئًا من ذلك هنا مع زيادة بيان. فنقول: إن البيان والتبليغ بالقول قد لا يحصل به التبيُّن الكامل، فيحتاج المبلّغ إلى أمثلة عمليّة مطابقة للوجه المشروع، فأرسل الله نبيه - ﷺ - عاملًا بكتاب الله، ليكون عمله أنموذجًا يحتذى.\nثم إن السامع للبيان القولي، والمشاهِدَ للعمل النموذجيّ، قد يتخيّل في","vol":"2","page":90},{"text":"بعض أجزاء العمل المشاهد أنها مطلوبة، أو أنها غير مطلوبة، ويكون ذلك مخالفًا للصواب. فإذا أريد له أن يكون تعلمه سليمًا فينبغي أن يطلب منه تنفيذ العمل تحت إشرافٍ ومشاهدة ممن هو أعلى منه درجة في العلم والمعرفة. وتكون مهمة المشرف حينئذ إبطال الأجزاء الزائدة، والأمر بتكميل الأجزاء الناقصة، وتعديل المخالف في الصفة، حتى يتمّ التمرن على العمل على الوجه الصواب، ويصبح أداؤه على ذلك الوجه عادة للمتعلم، وبه يتم التعليم.","vol":"2","page":91},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-369>المبحث الأول الإنكار وما يحصل به</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-370>أنواع الإنكار:</span>\nلما كان التقرير هو عدم الإنكار، وجب أن يُعرف ما يكون إنكارًا من الأقوال والأفعال، لئلا يظن أنه - ﷺ - أقر شيئًا ويكون قد أنكره.\nقد قالت العرب في أمثالها: \"الحرُّ يُلحى والعصا للعبد\" وقال الشاعر:\nالعبد يضرب بالعصا ... والحر تكفيه الإشارة\nفإنه لما كان الإنكار نوعًا من التعامل مع النفوس البشرية، وكان كثير منها حساسًا يتأثر بأقل المؤثرات، وقد يضره القول الصريح، فإن الإنكار الخفي قد يكون أجدى فيه. وقد قال الله تعالى، لنبيه - ﷺ -: ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظًّا غليظ القلب لانفضُّوا من حولك فاعفُ عنهم واستغفر لهم﴾ (١) أمره تعالى بالعفو عنهم، يعني لما قد يصدر عنهم من الإساءات، وأن يستغفر لهم، ثم يكون ذلك الاستغفار لهم بعد الفعل نوعًا من الإنكار، لأنه مشعر لهم بأنهم قد فعلوا الإساءة.\nوالإنكار على درجات:\nالأولى: وهي أعلاها: الإنكار باليد، بإيقاع القصاص أو الحد أو التعزير، فيما ورد فيه ذلك من الأفعال.\nومثله أن يُهْدر المادّة التي عملت فيها المعصية، كما في قصة خيبر (٢)، أنهم\n_________\n(١) سورة آل عمران: آية ١٥٩\n(٢) متفق عليه (جامع الأصول ٨/ ٢٨٩)","vol":"2","page":92},{"text":"طبخوا لحوم الحمر، فأمر النبي - ﷺ - بالقدور فأُكفئت: و\"شق دنان الخمر بسكين في يده\" (١).\nالثانية: الإنكار بالقول الصريح، ومنه النهي عن الفعل، والإخبار بأنه ذنب أو معصية أو كبيرة أو صغيرة، ونحو ذلك من الصرائح، كقوله لعائشة لما نعتت صفية بالقصر: \"لقد قلتِ كلمةً لو مُزِجَتْ بماء البحر لمزجته\" (٢) وقوله للمسيء صلاته: \"ارجع فصلّ فإنك لم تصلّ\"\nالثالثة: التكلم بما هو من لوازم الذنب والمعصية، كالاستغفار للفاعل، والعفو عنه، والتنازل عن الحق المترتب على فعله، ونحو ذلك.\nالرابع: أن يتكلم بما يستلزم بطلان القول الذي سمعه. ومثال هذا النوع ما ورد في قصة سعد بن معاذ أنه قال: \"لو رأيت مع امرأتي رجلًا لضربته بالسيف غير مصفح\". فبلغ ذلك رسول الله - ﷺ -، فقال: \"تعجبون من غيرة سعد؟. والله لأنا أغير منه، والله أغير مني، ومن أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن. ولا أحد أحب إليه العذر من الله، ومن أجل ذلك بعث المبشرين والمنذرين\" (٣).\nفقد ظنّ البعض أن هذا إقرار على القول. وليس ذلك على إطلاقه، بل قد أقرّ الغيرة، وأنكر ما أوهمه القول من عدم الحاجة إلى البينة في ذلك. فإن قوله - ﷺ -: \"لا أحد أحب إليه العذر من الله\" إلزام بالبيّنة.\nومنه أنه لما خلع نعليه في الصلاة خلوا نعالهم، فقال - ﷺ -: \"لم خلعتم نعالكم؟ \" اعتبره ابن حزم (٤) إنكارًا، واعتبره غيره استفسارًا مجرّدًا.\nومنه ما روي أن النبي - ﷺ - احتجم، ثم أعطى عبد الله بن الزبير دم الحجامة ليريقه، فذهب فشرب الدم، فشعر بذلك النبي - ﷺ - فقال له: \"ويل لك من الناس، وويل للناس منك\" (٥). فهذا إنكار.\n_________\n(١) رواه البيهقي (تفسير ابن كثير. ط بيروت ٢/ ٦٤٠).\n(٢) رواه أبو داود والترمذي.\n(٣) رواه البخاري ١٣/ ٣٩٩\n(٤) الإحكام ص ٤٣٠\n(٥) رواه الطبراني (البداية والنهاية لابن كثير ٨/ ٣٤٣).","vol":"2","page":93},{"text":"وقد جعل القاضي عياض شربه الدم دليلًا على طهارة دمه - ﷺ -، وجعل هذا القول منه - ﷺ - إقرارًا. وفي ذلك ما فيه. وفي رواية الطبراني قال - ﷺ -: \"من أمرك أن تشربه؟ \".\nالخامسة: إظهار الكراهة، والإعراض عن الفاعل. ومنه: \"أن رسول الله - ﷺ - أتى بيت فاطمة ابنته فوجد على بابها سترًا موشيًا، فلم يدخل\" (١).\nوقال البخاري: باب هل يرجع إذا رأى منكرًا في الدعوة؟ وذكر فيه حديث عائشة: \"أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير، فلما رآها رسول الله - ﷺ - قام على الباب فلم يدخل، فعرفت في وجهه الكراهية فسألته ... \" (٢) الحديث.\nوفي هذا النوع خلاف نذكره في المبحث الآتي في درجات التقرير.\nومن هذا النوع أن يعيد الكلام الذي سمعه بهيئة المنكر له. ومن ذلك أن جابر بن عبد الله قال: \"أتيت النبي - ﷺ - في أمر دين كان على أبي. فدققت الباب، فقال: من ذا؟ فقلت: أنا. فقال: أنا أنا!! كأنه يكرهه\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-371>الإنكار وخصائصه في بيان الأحكام:</span>\nيلاحظ أن كثيرًا من الشرائع الإسلامية ابتدئت شرعيتها بمناسبات وقتية. والقرآن نزل منجمًا بحسب الحوادث. فكانت الحادثة إذا وقعت مخالفة لما أراد الله تعالى أن يشرعه لهذه الأمة، ينزل في ذلك القرآن آمرًا وناهيًا. ومثال ذلك آيات تحريم الخمر، نزلت في قصة سعد بن أبي وقاص. وآيات المواريث، في قصة ابنتي سعد بن الربيع إذ أراد عمهما أن يجتاح ما لهما.\nوكذلك السنة النبوية. فإن جزءًا كبيرًا منها إنما صدر عن النبي - ﷺ - أثناء مشاهدته لأصحابه وهم يتعبّدون أو يتعلمون، أو هم يتصرفون في أعمالهم في\n_________\n(١) رواه البخاري وأبو داود (جامع الأصول ٥/ ٤٥٨)\n(٢) فتح الباري ٩/ ٢٤٩\n(٣) رواه البخاري ومسلم (جامع الأصول ٧/ ٣٧٦)","vol":"2","page":94},{"text":"البيع والشراء والزراعة والصناعة والحرب، ومع أهليهم وأولادهم، وغير ذلك. فكان إذا رأى من أحدهم خروجًا عما تقتضيه الشريعة المطهرة لا يتركه على حاله، بل يبادر إلى ردّه إلى جادة الصواب. ويكون ذلك بيانًا لحكم تلك المسألة، يتعلمه المنكَر عليه، ويتعلّمه غيره ممن حضره، أو سمع بذلك.\nوإنكار المنكر من أسباب تفضيل الله لهذه الأمة، قال الله تعالى: ﴿كنتم خير أمة أُخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر﴾ (١) وهو من مقتضى الشهادة التي أكرم الله بها هذه الأمة. قال الله تعالى: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا﴾ (٢) فإن من عمل المنكر قد يكون عمله عالمًا بنكارته، وذلك معاند، وقد يكون فعله جاهلًا بنكارته. والواجب في كلتا الحالين على من حضره من أهل العلم الإنكار عليه والبيان له، حتى يحصل له التذكّر إن كان غافلًا، والعلم بحكم الله في ذلك الأمر إن كان جاهلًا. فإن أخبر بذلك أمكنه أن يشهد عليه يوم القيامة بأنه بلّغه. وقد قال الله تعالى، عن عيسى ابن مريم: ﴿وكنت عليهم شهيدًا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم﴾ (٣). وقال عمر بن الخطاب ﵁ في ما نقله الأزهري: \"ما لكم إذا رأيتم الرجل يخرق أعراض الناس أن لا تعزموا عليه؟ \" قالوا: نخاف لسانه. قال: \"ذلك أحرى أن لا تكونوا شهداء\" (٤).\nوهذا المعنى هو الملاحظ في إطلاق (الشهيد) على القتيل في سبيل الله على بعض الأقوال. وينبغي أن يكون هو الراجح. فإن الشهيد من قتل في البلاغ. وقد قال النبي - ﷺ -: \"خير الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر، فأمره ونهاه، فقلته\".\n_________\n(١) سورة آل عمران: آية ١١٠\n(٢) سورة البقرة: آية ١٤٣\n(٣) سورة المائدة: آية ١١٧\n(٤) (لسان العرب - شهد).","vol":"2","page":95},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-372>المبحث الثّاني حجية التقرير</span>\nاختلفت آراء الأصوليين في اعتبار الإقرار حجة.\n١ - فأكثر الأصوليين يذكرونه قسمًا من أقسام السنة النبوية. ونقل ابن حجر (١) الاتفاق على الاحتجاج به.\n٢ - وقال بعضهم ليس التقرير من النبي - ﷺ - حجة في الشرع.\nقال البخاري شارح البزدوي: \"ذهبت طائفة إلى أن تقريره - ﷺ - لا يدل على الجواز والنسخ\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-373>أدلة القول الأول:</span>\nاستدل القائلون بحجية التقرير بأدلة، منها:\nأولًا: أن الله تعالى أرسل نبيه بشيرًا ونذيرًا، يأمر المعروف وينهى عن المنكر. قال تعالى: ﴿الذين يتبعون الرسول النبيّ الأميّ ... يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر﴾ (٣) فلو سكت عما يفعل أمامه مما يخالف الشرع، لم يكن ناهيًا عن المنكر (٤).\nثائيًا: العصمة. فإن النهي عن المنكر واجب، وتركه معصية، يتنزه عنها أهل التقى من أفراد الأمة، فأولى أن يتنزه عنها محمد - ﷺ - وهو أول المسلمين وأتقاهم - ﷺ -. ولو جاز له ترك إنكار المنكر لجاز ذلك لأمته (٥).\n_________\n(١) فتح الباري ٣/ ٣٢٣\n(٢) ٣/ ٨٦٩\n(٣) سورة الأعراف: آية ١٥٧\n(٤) أبو شامة: المحقق ٣٩ ب. ابن حزم: الإحكام ص ٤٣٦\n(٥) الجصاص: أصوله ق ٧٢ أ.","vol":"2","page":96},{"text":"وقد قيل عن النبي - ﷺ -، إنه قال: \"الساكت عن الحق شيطان أخرس\" (١).\nوقد اعترض على هذا الدليل، بناء على قول من يجوّز على النبي - ﷺ - الصغائر، بأنه إنما يلزم أن لو قدّر الفعل المقرّ عليه محرمًا لكان كبيرة، أو لكان صغيرة وتكرر أمامه - ﷺ -، فلم ينكره. ذكر الغزالي (٢): هذا الاعتراض عن قوم.\nوأجاب عنه، بالجزم بجواز التمسّك بالإقرار، حتى على قول من يجوز الصغيرة، محتجًّا بأن الصحابة كانوا يفهمون من التقرير الجواز، دون توقف.\nوقال الآمدي: \"التقرير على غير الجائز، وإن كان من الصغائر الجائزة على النبي - ﷺ - عند قوم، إلا أنه في غاية البعد، لا سيما في ما يتعلق ببيان الأحكام الشرعية\" (٣).\nأقول: وقد قدّمت في فصل حجية الأفعال من الباب الأول، أن احتمال الصغائر لا يمنع الاحتجاج بالأفعال، فليرجع إليه.\nوقد يقال أيضًا: إن إنكار المنكر باللسان غير واجب في جميع الأحوال، بل يجوز تركه في بعض الأحوال، مع الإنكار بالقلب. بدليل قوله - ﷺ -: \"من رأى منكم منكرًا فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان\" (٤). فإذا كان كذلك فلِمَ لا يقال إن بعض ما ترك النبي - ﷺ - إنكاره يحتمل أنه تركه لعدم استطاعته تغييره، وقد أنكره بقلبه.\nويجاب عن هذا السؤال، بأن الإقرار الذي نعتبره حجة، هو إقراره - ﷺ - لأتباعه من المسلمين، وهم منصاعون لأمره، والظاهر أن قوله يؤثر في المخطئ منهم حتى يترك خطأه. فلا يصدق عليه أنه في مثل هذه الحال غير مستطيع الإنكار\n_________\n(١) حديث: \"الساكت عن الحق شيطان أخرس\" نقله البخاري شارح البزدوي (٣/ ٨٦٩) ولم نجده في كتب الحديث.\n(٢) المنخول ص ٢٣٠، المستصفى ٢/ ٥٢، المحقق ق ٣٩ ب.\n(٣) الإحكام في أصول الأحكام ١/ ٢٧٠\n(٤) مسلم وأحمد وأربعة (الفتح الكبير).","vol":"2","page":97},{"text":"باليد أو باللسان، وخاصّة بعد أن نزل عليه قوله تعالى: ﴿والله يعصمك من الناس﴾.\nثالثًا: أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز باتفاق، ومن فعل ما يخالف الشرع فإما أن يكون فعله جاهلًا بالمخالفة، أو عالمًا بها. فإن كان جاهلًا بها وجب البيان له ليستدرك ما فات إن كان مما يستدرك، كالإنكار على المسيء صلاته في الحديث المشهور، ولئلا يعود إلى المخالفة في المستقبل. وإن كان عالمًا فلئلا يتوهم نسخ الشرع المخالف، وثبوت عدم التحريم (١).\nرابعًا: ما علم من حال الصحابة في وقائع كثيرة، أنهم كانوا يحتجون بتقريره - ﷺ - على الجواز (٢). ونذكر من ذلك بعضها، على سبيل التمثيل لا الحصر.\nفمنها: \"أن أنس بن مالك سئل وهو غاد إلى عرفة: كيف كنتم تصنعون في هذا اليوم مع رسول الله - ﷺ -؟ فقال: كان يهلّ منا المهل فلا ينكر عليه، ويكبّر منا المكبر فلا ينكر عليه\" (٣).\nومنها: قول أبي بن كعب: \"الصلاة في الثوب الواحد سنة، كنا نفعله على عهد النبي - ﷺ - ولا يعاب علينا\" (٤).\nومنها: قول ابن عباس: \"أقبلت راكبًا على حمار أتان، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله - ﷺ - يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف، فنزلت وأرسلت الأتان ترتع، ودخلت في الصف، فلم ينكر ذلك علي أحد\" (٥).\nومنها: ما قال البخاري: \"باب من رأى ترك النكير من النبي - ﷺ - حجة. وروى بسنده: \"أن جابر بن عبد الله حلف بالله إن ابن صياد الدجال. فقال له:\n_________\n(١) انظر البخاري: شرح أصول البزدوي ٣/ ٢٦٩ وانظر أيضًا: تيسير التحرير ٣/ ١٢٨\n(٢) الغزالي: المنخول ٢٣٠. المستصفى ٢/ ٥٢\n(٣) البخاري ٣/ ٥١٠\n(٤) رواه أحمد ٥/ ١٤١\n(٥) حديث ابن عباس: البخاري ١/ ٥٧١","vol":"2","page":98},{"text":"تحلف بالله؟ قال: إني سمعت عمر يحلف على ذلك فلم ينكره النبي - ﷺ -\" (١).\nخامسًا: واحتجّ الجصّاص (٢): \"بأن ترك النكير من علماء الأمة على العامّة في ما جرى بينهم من المعاملات التي استفاضت بينهم، هو حجّة على جوازه، كما قاله بعضهم في الاستصناع، ودخول الحمال من غير تعيين أجرة\" (٣).\nوهذا الدليل إنما يلزم من قال إن الإجماع السكوتي حجة. أما من أبى ذلك فلا (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-374>أدلة القول الثاني:</span>\nاستدلّ أصحاب القول الثاني بأمور:\nأولها: أن السكوت وعدم الإنكار محتمل، إذ من الجائز أنه - ﷺ - سكت لعلمه بأن فاعل الفعل لم يبلغه التحريم، فلم يكن الفعل عليه إذ ذاك محرمًا. فلأجل هذا الاحتمال لا يصح التقرير دليلًا على الجواز.\nويجاب عن ذلك بما ذكرناه آنفًا في الدليل الثاني للقول الأول.\nثانيها: أنه من الجائز أنه سكت عنه لأنه أنكر عليه مرة فلم ينفع فيه الإنكار، وعلم أن إنكاره عليه ثانيًا لا يفيد، فلم يعاود، وأقرّه عليه، كما أقرّ اليهود والنصارى على معتقداتهم. وإذا كان كذلك، لا يصلح دليلًا على الجواز.\nوهذا أقوى ما يحتجّ به لهذا القول.\nويجاب عنه، بأنه يجوز ترك الإنكار على المصرّ الذي لم تنفع فيه التذكرة، لقوله تعالى: ﴿فذكر إن نفعت الذكرى﴾ على أحد القولين في تفسير الآية (٥). ولما\n_________\n(١) فتح الباري ٣/ ٣٢٣\n(٢) أصول الجصاص ق ٨٢ أ.\n(٣) انظر: الخلاف في ذلك في كتب الأصول (مثلًا: شرح جمع الجوامع للمحلي ٢/ ١٨٧ - ١٩٠).\n(٤) انظر: شرح البزدوي ٣/ ٨٦٩\n(٥) قال الشوكاني في فتح القدير (٥/ ٤١٢، ٤١٣): أن المعنى: فذكر إن نفعت الذكرى أو لم تنفع، أو يكون هذا في تكرير الدعوة.","vol":"2","page":99},{"text":"علم من حاله - ﷺ -، إذ كان لا يكرّر على الكفار والمشركين الإنكار في كل يوم وكل حال. وإنما قد بيّن لهم ما حصل به البيان الكافي، القاطع للعذر، وقاتلهم حتى أعطوا الجزية وهم صاغرون، فلو تركهم بعد ذلك لم يُظَنَّ أنّ الحكم قد تغيّر.\nإلاّ أن هذا النوع خارج عن الإقرار الذي يحتجّ به. فإن شرطه أن يكون المَقرّ مسلمًا ملتزمًا، وفي المنافق خلاف. فكيف يَترك المسلمَ الملتزمَ المطيع المتّبع، يفعل المنكر، فلا ينهاه عنه.\nولو سُلِّم أن الإقرار على مثل ذلك جائز في بعض الأحوال، لوجب افتراض أن ذلك نادر (١)، خاصة وأن أصحابه - ﷺ - أبرّ هذه الأمة قلوبًا، وأسرعها امتثالًا لأمر نبيّها، الذين شهدوا برسالته، وبذلوا أنفسهم لله في طاعته.\nفإذا كان كذلك فالنادر لا حكم له، والحكم للأعمّ الأغلب. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-375>درجات التقرير من حيث القوة:</span>\nقد يقترن بالتقرير ما يقوّي دلالته على الموافقة والرضا. فيكون على درجات:\n١ - فأعلاه أن يقترن به الثناء على الفعل، ومدح فاعله. كقوله: \"إنّ الأشعريّين إذا أرملوا في الغزو، أو قلّ طعام عيالهم بالمدينة، جعلوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم\" (٢). ولمّا قال معاذ: \"أقضي بكتاب الله، ثم بسنة رسول الله، ثم أجتهد رأيي\" (٣). قال - ﷺ -: \"الحمد لله الذي وفّق رسول رسول الله\".\n٢ - ودون ذلك أن يساعد على العمل، ويقوم فيه بدور. ومثاله قيامه - ﷺ - مع عائشة لتنظر إلى الحبشة وهم (يزفنون) (٤) في المسجد يوم العيد. فقد قام لها، وخدّها على كتفه ليسترها ويمكّنها من رؤيتهم، والنظر إلى زفنهم.\n_________\n(١) انظر الآمدي: الإحكام ١/ ٢٧١\n(٢) رواه مسلم ١٦/ ٦ والبخاري.\n(٣) مسند أحمد ٥/ ٢٣٦، ٢٤٢\n(٤) الزفن: الرقص.","vol":"2","page":100},{"text":"ومثله أن يُفعل الفعلُ به هو - ﷺ -، فيقر على ذلك. كتطييب عائشة له قبيل الإحرام، وترجيلها له وهو معتكف. وهذا النوع من التقرير، لقوته، قد يجعله البعض من الأفعال (الصريحة).\n٣ - ومثل ذلك أن يستحل ما حصل من الفعل، كأكله - ﷺ - من حصيلة رقية بن مسعود. قال - ﷺ -: \"أقسموا وأضربوا لي معكم بسهم\" (١)، وصيد أبي قتادة إذ كان مع المحرمين، وصاد حمار وحش، وبقيت منه بقية فأكل منها رسول الله - ﷺ - (٢). وعنبر أبي عبيدة أكل منه - ﷺ - (٣). وكوطئه جاريته مارية التي أهداها له المقوقس، فهو إقرار يدل على صحة تملك الكفار لرقيقهم.\n٤ - ودون ذلك: أن يسكت - ﷺ - مع الاستبشار، وإظهار علامات الرضا والقبول. فذلك حجة واضحة. لأن استبشاره لا يكون بما يخالف الشريعة. ومثاله حديث عبد الله بن مغفل قال: \"أصبت جرابًا من شحم يوم خيبر. قال: فالتزمته، فقلت: لا أعطي اليوم أحدًا من هذا شيئًا. قال فالتفتُّ فإذا رسول الله - ﷺ - متبسمًا\" (٤).\nومثله أيضًا تبسّمه لما اشتكت إليه امرأة رفاعة القرظي زوجها، وقالت: \"وإنما معه مثل هدبة الثوب\" (٥). فذلك إقرار يدل على جواز التصريح بمثل ذلك في معرض الدعوى.\nومن هذا النوع عند الشافعية، ما ورد عن عائشة أنها قالت: \"إن رسول الله - ﷺ - دخل عليّ مسرورًا تبرق أسارير وجهه. فقال: ألم تري أن مُجَزِّزًا نظر آنفًا إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد، فقال: إن بعض هذه الأقدام لمن بعض؟ \" (٦).\nوفي هذا المثال للحنفية بحث يأتي ذكره إن شاء الله.\n_________\n(١) مسند أحمد ٣/ ٨٣\n(٢) مسلم ١٣/ ٨٧\n(٣) مسلم ٨/ ١١٠\n(٤) مسلم ١٢/ ١٠٢ والبخاري.\n(٥) مسلم ١٠/ ٢ والبخاري.\n(٦) مسلم ١٠/ ٤٠ والبخاري.","vol":"2","page":101},{"text":"وقد يظهر النبي - ﷺ - الاستبشار أحيانًا مع من تبيّن إصرارهم على الفحش. ويكون ذلك منه نوعًا من السياسة، ولا يكون رضًا بما هم عليه من سوء الحال. ومثال هذا ما رواه الشيخان عن عائشة ﵂ أنها قالت: \"استأذن رجل على النبي - ﷺ -، فقال: ائذنوا له، بئس أخو العشيرة، فلما دخل ألان له الكلام -وفي رواية قالت عائشة: فلم أنشب أن سمعت ضحكه معه- قلت: يا رسول الله، قلتَ الذي قلتَ، ثم ألنت له الكلام؟ قال: أيْ عائشة، إن شر الناس من تركه الناس اتقاء فحشه\".\nأما مع المسلم المنقاد للشرائع، فإن الاستبشار لا يكون بما يخالف ظاهره الحق.\n٥ - ودون ذلك أن يسكت سكوتًا مجردًا، لا يظهر رضا ولا كراهة. وهذا النوع حجة أيضًا، لأنه الأصل في التقرير وقد بينا أدلة حجيته.\n٦ - ودون ذلك أن يسكت مع إظهار الانزعاج، أو الضيق والتبرّم، وكل ما يدلّ على عدم الرضا.\nوفي هذا النوع يقع التعارض بين دلالة سكوته على الجواز وانتفاء الحرج، ودلالة انزعاجه وتبرّمه على الكراهة. فوقع فيه الخلاف أهو إقرار أم إنكار. وقد رأى السبكي دلالة السكوت على الجواز بعدم ظهور الاستبشار منه - ﷺ -. يقول السبكي: \"سكوته - ﷺ - على الفعل، ولو غير مستبشر، دليل الجواز للفاعل\" (١). وهذا منه شامل للحالتين الخامسة والسادسة.\nوعندي أن القول بأن إظهار الانزعاج والضيق دليل الكراهة، هو المستقيم. لأن البيان يتم بكل ما يحصل به التبيين، فإذا أظهر - ﷺ - الكراهة بإعراضه وإظهاره الانزعاج، كان ذلك بيانًا، وحصل للمشاهدين تبيُّن غرضه - ﷺ - في ذلك.\nفلا يكون هذا النوع إقرارًا، بل هو إنكار.\nوالدليل على ذلك أمران:\n_________\n(١) جمع الجوامع ٢/ ٩٥","vol":"2","page":102},{"text":"الأول: ما تقدم ذكره في مبحث السكوت، أنه - ﷺ - كان يُسأل أحيانًا، فيعرض عن السائل، ويسكت عنه، إنكارًا لسؤاله. ومن ذلك إعراضه عمن سأل عن الحج أفي كل عام هو؟ بدليل أنه لما أكثر عليه السائل صرح له بإنكاره للسؤال. فدلّ على أنه لما سكت معرضًا عنه أولًا، كان يريد بيان الكراهة.\nالثاني: ما قدمنا في مبحث الإشارة، من أن الإشارة تكون بيانًا، إذا قصد بها إفهام المخاطب أمرًا. فكذلك هنا.\nومن ذلك عندي ما ورد عن ابن عمر أنه - ﷺ - سمع زمّارة راعٍ فوضع أصبعيه في أذنيه. يعني لئلا يسمعها.\nومن قال إن ذلك لا يمنع القول بالإباحة، فهو خلاف الظاهر من فعله - ﷺ -.\nوقد قال تقي الدين النبهاني في قصّة الراعي: \"هذا لا يعتبر إنكارًا على الراعي بل يعتبر سكوتًا عنه، وهو دليل على جواز الزمّارة، وجواز سماعها\" (١).\nوهذا القول منه إن عنى بالجواز فيه ما يشمل المكروه، فإن الخلاف لفظي فلا نلتفت إليه في هذا الموضع. وإن عنى به المباح، فهو مردود، فإن وضع النبي - ﷺ - إصبعيه في أذنيه ليس لكراهة طبيعة، كأكل الضب، وإنما هي كراهة شرعيّة، وذلك ظاهر.\n_________\n(١) الشخصية الإسلامية ٣/ ٩٧","vol":"2","page":103},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-376>المبحث الثالث شروط صحَّة دلالة التقرير</span>\nالشرط الأول: أن يعلم النبي - ﷺ - بالفعل. وسواء سمعه أو رآه مباشرة، وهو الأكثر من الأقارير المحتجّ بها. أو حصل في غيبته ونقل إليه، كما نقل إليه خبر تأخيرهم لصلاة العصر حتى غربت الشمس يوم بني قريظة.\nأما إن لم يعلم به فليس حجة. وصنيع ابن حجر يدل على أنه يرى أن علمه - ﷺ - بالأمر ليس شرطًا. فقد ذكر أن الصحابي إذا أضاف الفعل إلى زمان النبي - ﷺ - يكون حكمه الرفع. قال: \"لأنهم لا يقرون على فعل غير الجائز في زمان التشريع، وقد استدلّ جابر على إباحة العزل بكونهم كانوا يفعلونه والقرآن ينزل، ولو كان منهيًا لنهى عنه القرآن\" (١). اهـ.\nوالذي عليه الجمهور أن اشتراط العلم معتبر. وهو الصواب. وما نسبه ابن حجر إلى جابر الراجح أنه لا يصح منه إلا لفظ: \"كنا نعزل والقرآن ينزل\" دون قوله: \"لو كان شيئًا ينهى عنه لنهى عنه القرآن\"، وبأنه قد صح عن جابر عند مسلم أن ذلك بلغ النبي - ﷺ - فلم ينههم عنه، كما ذكره ابن حجر نفسه في موضع آخر (٢). فكيف يحتجّ بما بلغه على ما لم يبلغه ولم يعلم به؟ وسيأتي لهذا توضيح أتم.\nوعلى المختار، إن نقل إلينا أن الفعل وقع أمامه - ﷺ -، أو أنه أُخبر به، فهو حجة عند كل من رأى الإقرار حجة.\nوإن شككنا في علمه به فالأصل عدم العلم.\nفإن كان الفعل انتشر بين الصحابة وكثر فيهم وكان مما يستبعد عدم اطلاعه\n_________\n(١) فتح الباري ١/ ٢٩٩\n(٢) فتح الباري ٦/ ٣٠٩","vol":"2","page":104},{"text":"عليه، غلب على الظن اطلاعه عليه، وعمل بمقتضى الإقرار (١). وكذا لو وجدت قرينة تدل على العلم.\nفمثال ما لم يعلم به بعض ما كان في بلاد أخرى من العادات والعبادات وغيرها.\nومثال ما يشك في علمه به قول جابر: \"كنا نعزل والقرآن ينزل\". فإن العزل أمر يستسر به، ما لم يثبت بالنقل أنه بلغه. وقد ثبت ذلك في العزل كما ذكرناه آنفًا.\nولو أخبر صحابي أنه فعل شيئًا على عهد النبي - ﷺ - فلا يكون إقرارًا، لعدم القرينة الدالّة على علمه به.\nومثال ما انتشر بينهم حتى يستبعد خفاؤه عليه، قول أبي سعيد: \"كنا نخرج صدقة الفطر على عهد النبي - ﷺ - صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير أو صاعًا من برّ\" (٢).\nوقول أنس: \"إنهم كانوا ينتظرون العشاء، حتى تخفق رؤوسهم، ثم يصلون ولا يتوضأون\" (٣). ورواه مسلم بلفظ: \"كان أصحاب رسول الله - ﷺ - ينامون ثم يصلون ولا يتوضؤون\" (٤).\nومثال ما يغلب على الظن علمه به قول ابن عباس: \"كانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك\" (٥).\nومثال ما وجدت القرينة على علمه به - ﷺ - قول أسماء بنت أبي بكر: \"نحرنا على عهد النبي - ﷺ - فرسًا فأكلناه\". فهو إقرار يدل على أن لحم الخيل مباح. وقال الحنفية: هو حرام، وكرهه المالكية وغيرهم.\n_________\n(١) انظر إرشاد الفحول ص ٤١\n(٢) رواه مسلم ٧/ ٦١ ومالك والنسائي.\n(٣) رواه أبو داود ١/ ٣٣٩\n(٤) صحيح مسلم ٤/ ٧٢\n(٥) البخاري ١١/ ٨٨","vol":"2","page":105},{"text":"وقال الذين لم يأخذوا برواية أسماء، إنه ليس فيه أن النبي - ﷺ - علم بذلك وأقره.\nوأجاب من أخذوا بروايتها: إنه لا يُظَنّ بآل أبي بكر والزبير أنهم يقدمون على فعل شيء من مثل هذا، إلا وعندهم العلم بجوازه، لشدة اختلاطهم بالنبي - ﷺ - وآله، وعدم مفارقتهم له. وفي رواية الدارقطني لحديث أسماء: \"فأكلنا نحن وأهل بيت رسول الله\" (١).\nوقيل إن كل ما نقله الصحابي في معرض الاحتجاج من أفعالهم، فإنه يدل على أنه بلغه - ﷺ - فأقرّه (٢)، فيكون حجة. قاله بعض الحنابلة، والأول قول الحنفية (٣) وهو أصح، لاحتمال أن يكون العمل على ذلك اجتهادًا من الصحابي، بدليل أنه كانوا يفعلون أشياء باجتهادهم.\nفتحصّل في قول الصحابي: كنا نفعل وكانوا يفعلون على عهده - ﷺ - ثلاثة أقوال (٤):\nأولها: أنه حجة مطلقًا، لأن ذكره في معرض الحجة يدل على بلوغه.\nثانيها: أنه ليس حجة ما لم ينقل أنه - ﷺ - علم به فأقره.\nثالثها: التفصيل بين ما يستحيل خفاؤه عليه - ﷺ - أو يستبعد، فيكون حجة، وبين ما ليس كذلك فلا يكون حجة، وهو الذي رجحناه، والله أعلم.\nوهذا وقد يحتج بعض الفقهاء بالأمثلة التي ذكرناها من جهة أخرى، وهي أنها أفعال صحابة (٥)، وفعل الصحابي حجة. وهي مسألة خلافية خارجة عن موضوع هذه الرسالة.\nتنبيه: يتضمن هذا الشرط اشتراط عدم الغفلة عن الفعل. فإن الغافل غير عالم، وإن كان حاضرًا.\n_________\n(١) انظر المغني لابن قدامة ٨/ ٥٩١ وفتح الباري ٩/ ٦٤٩\n(٢) ابن تيمية: المسودة ص ٢٩٨. أبو الحسين البصري: المعتمد ١/ ٦٦٩\n(٣) المسودة ص ٢٩٨\n(٤) الشوكاني: إرشاد الفحول ٦١\n(٥) ابن تيمية: المسودة ص ٢٩٨","vol":"2","page":106},{"text":"الشرط الثاني: قال ابن الحاجب: أن يكون قادرًا على الإنكار.\nويستدل له بقوله - ﷺ -: \"من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه\". فهو يدل على سقوط الإنكار باليد واللسان عند العجز عنه. ولرخصة الله تعالى في قوله: ﴿إلاّ من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾ فرخّص في النطق بكلمة الكفر، فالسكوت أولى بالجواز.\nوقد قال الباقلاني وتابعه الزركشي، بأن وجوب إنكار المنكر لا يسقط عنه - ﷺ - بالخوف على نفسه، لدليلين:\nالأول: أن الله ضمن له النصر والظفر، وكفاه أعداءه بقوله: ﴿إنا كفيناك المستهزئين﴾.\nالثاني: أن تركه الإنكار خوفًا، يوهم الجواز ونسخ النهي.\nوقد سبق أن تكلمت في شأن عصمته - ﷺ - من أذى الناس، وذكرت أن آية العصمة متأخرة في العهد المدني، وأنه - ﷺ - كان يُحْرس قبل ذلك حتى نزلت. وأما كفاية المستهزئين فهي خاصة بهم وليست عامة في من يخاف منه.\nولذلك يظهر لنا أن هذا الشرط معتبر في الإقرار في أوائل العهد المدني. أما في العهد المكّيّ فلم يتبعه - ﷺ - إلا خُلّص المؤمنين، فلا خشية منهم. وأما بعد نزول آية العصمة فلا. وأما في العهد المدني قبل نزولها فيمكن تحقق الخشية من جهة بعض من مردوا على النفاق من أهل المدينة.\nوإنما يعتبر هذا الشرط بقدره، وحيث يتحقق لخوفه - ﷺ - على نفسه وجه. والأصل عدم الخوف. والله أعلم.\nوأما استدلال الباقلاني بأن ترك الإنكار خوفًا يوهم الجواز، فإن الإمارات لا يخفى على الحاضرين، لو حصل شيء من ذلك. فلا يتحقق ما ذكر. والله أعلم.\nالشرط الثالث: أن يكون المقرّ منقادًا للشرع، بأن يكون مسلمًا، سامعًا مطيعًا. أما إن كان كافرًا، فإن تقريره لا يدلّ على رفع الحرج. وقد أقر النبي - ﷺ - اليهود والنصارى على بِيَعهم وكنائسهم وعلى عبداتهم ورتبهم الكنسية، وبعض","vol":"2","page":107},{"text":"مراسيمهم في العقود والأقضية وغيرها. وأزال أشياء أخرى كإيذاء المسلمين. وأقرّ المجوس على معابدهم، مع ما يعمل فيها من الكفر بالله والشرك به. واعتمر عمرة القضية، فطاف بالكعبة وعليها الأصنام وفيها الصور. وطاف بين الصفة والمروة، وعليهما تمثالان لإساف ونائلة. فلم يكن ذلك حجة على صحة ذلك الوضع. ومن أجل هذا لا يكون سكوته عن الإنكار على فعل الكافر حجة على رفع الحرج. ولكن هو مع ذلك حجة على أنه يجوز للأئمة إقرار أهل الذمة على مثل ما أقرهم عليه النبي - ﷺ -. وهذا النوع هو من الاستدلال بالأفعال، لا من حيث إنه تقرير.\nوأما المنافق فقد اختلف فيه، لأنه من حيث هو كافر في الباطن، فهو ملحق بالكافر، وبهذا قال الجويني. ووافقه السبكي والشوكاني وغيرهم.\nأقول: وعندي في ذلك تفصيل، فأما من كان نفاقه خفيًا لا يعلمه جمهور الصحابة، فهذا تجري عليه أحكام المسلمين، ويكون إقراره حجة.\nوذهب آخرون إلى أن المنافق ملحق بالمؤمنين، لأنه تجري عليه أحكام المؤمنين ظاهرًا، فيكون إقراره حجة.\nوأما من كان نفاقه ظاهرًا، وقد تمرّد وعتا وجاهر بنفاقه، فلا ينبغي أن يُشَكّ في أن إقراره ليس بحجة. وهذا كما رُوِي أن عبد الله بن أبيّ رجع بأصحابه عن مساعدة النبي - ﷺ - في غزوة أحد (١)، وكان له إماء: \"يكرههن على البغاء (٢) يأكل من كسبهن السحت، وحالف اليهودَ خشية أن تصيبه الدوائر، فكل ذلك لا حجة فيه على جواز مثله من المسلمين. وقد قال ابن مسعود في شأن الصلاة: \"لقد رأيتنا وما يتخلّف عنها إلا منافق معلوم النفاق\" (٣).\nوقد قال ابن تيمية: \"إقرار النبي - ﷺ - لعبد الله بن أبيّ وأمثاله من أئمة النفاق، لما لهم من أعوان. فإزالة منكره بنوع من عقابه مستلزمة إزالة معروف أكثر من ذلك، بغضب قومه وحميّتهم، وبنفور الناس إذا سمعوا أن محمدًا يقتل أصحابه\" (٤).\n_________\n(١) سيرة ابن هشام ٢/ ٦٤\n(٢) القصة في صحيح مسلم (تفسير القرطبي١٢/ ٢٥٤).\n(٣) رواه أبو داود ٢/ ٢٥٥ وابن ماجه.\n(٤) الفتاوى الكبرى ٢٨/ ١٣١","vol":"2","page":108},{"text":"الشرط الرابع: أن لا يكون قد عُلِم من حاله - ﷺ - إنكاره لذلك الفعل قبل وقوعه وبعد وقوعه، حتى استقرّ ذلك شرعًا ثابتًا، وحكمًا راسخًا لا يحتمل التغيير ولا النسخ. فلو خالفه مخالف فسكت عليه، لم يؤخذ بسكوته حجة، ووجب حمله على غفلة عنه، أو عدم علم به، أو عذر خاصّ علمه من الفاعل، أو اكتفاء بالبيان المتقدم، أو حال لم نطّلع عليه، أو غير ذلك مما يمنع تعدية الحكم إلى غير الفاعل. وذلك كعبادة غير الله، ونكاح المحارم، وشرب الخمر إذا أقرّ على ذلك أهل الذمّة.\nوجعل الحنفية (١) والباقلاني والغزالي من هذا النوع ما ورد أن رسول الله - ﷺ - دخل على عائشة مسرورًا تبرق أسارير وجهه، فقال: \"ألم تَرَيْ أن مُجزّزًا المدلجي نظر آنفًا إلى أسامة وزيد وقد غطّيا رؤوسهما وبدت أقدامهما فقال: إن بعض هذه الأقدام لمن بعض\" (٢). وهو الحديث الذي احتجّ به الشافعي وغيره على إثبات النسب بقول القائف. قال الباقلاني: \"هذا فيه نظر، فإن قول مجزز كان موافقًا لظاهر الحق، وكان المنافقون يبدون غميزة في نسب زيد وأسامة، قاصدين بذلك إيذاء رسول الله - ﷺ -. وكان الشرع حاكمًا بالتحاق أسامة بزيد. فجرى قول مجزز منطبقًا على وفق الشرع والظاهر والأمر المستفيض الشائع\" (٣). وقال الغزالي في المنخول: \"إنما سرّ - ﷺ - بكلمة صدق. صدرت ممن هو مقبول القول فيما بين الكفار، على مناقضة قولهم لما قدحوا في نسب أسامة، إذ كان رسول الله - ﷺ - قد تأذّى به\" (٤).\nوالصواب أن الحديث دليل صحة العمل بالقيافة، حيث لا تخالف ما ثبت بطريق شرعي. وقد قال الشافعي في المسألة: \"إن الرسول لا يسره إلا الحق، فإذْ سرّه قوله تبيّن أنه من مسالك الحق\" (٥). والأمر الذي ادّعوا ظهوره غير ظاهر.\nالشرط الخامس: أن لا يكون المقرّ ممن يزيده الإنكار سوءًا، ويغريه بشرٍ مما هو فيه.\n_________\n(١) ابن دقيق العيد: الإحكام ٢/ ٢٢٢ تيسير التحرير ٣/ ١٢٩\n(٢) متفق عليه.\n(٣) أبو شامة: المحقق ق ٤٢ ب.\n(٤) ص ٢٢٩\n(٥) أبو شامة: المحقق ق ٤٢ ب.","vol":"2","page":109},{"text":"فإن المعصية لها من حيث تأثير الإنكار فيها درجات.\nالأولى: أن تزول بالإنكار ويخلفها الطاعة.\nالثانية: أن تقلّ وإن لم تزل بجملتها.\nالثالثة: أن يخلفها ما هو مثلها.\nالرابعة: أن يخلفها ما هو شرّ منها.\nفالإنكار في الأولى والثانية مشروع، وفي الثالثة موضع اجتهاد، وفي الرابعة محرم (١)، كفاسق باغ، لو ترك شرب الخمر واللعب بالقمار لانصرف إلى القتل، فلا يجوز نهيه.\nوهذا واضح في حق إنكار غير النبي - ﷺ -.\nأما في حقه هو، فقد اختلف العلماء على قولين:\nأولها: أنه كغيره فلا يجب عليه الإنكار، وهو قول المعتزلة، نسبه إليهم السمعاني في (القواطع) (٢)، فلا يكون إقراره حجة، إذا علم من حال المقَرّ أنه يغريه الإنكار.\nثانيهما: أنه يجب عليه الإنكار، ولو علم ذلك، ليزول بالإنكار توهم الإباحة. ومن هذا الوجه يكون الرسول - ﷺ - مخالفًا لغيره، وقال به الباقلاني (٣) ورجحه السبكي والبناني (٤) ونسب إلى الأشعرية.\nالشرط السادس: اختلف في أن تكليف المقَرّ شرط أم لا. وقال البناني: \"لا يقر النبي - ﷺ - أحدًا على باطل. والظاهر دخول غير المكلف. لأن الباطل قبيح شرعًا. وإن صدر من غير المكلف، ولا يجوز تمكين غير المكلف منه وإن لم يأثم به، ولأنه يوهم من جهل حكم ذلك الفعل جوازه\" (٥).\n_________\n(١) ابن القيم: أعلام الموقعين ٣/ ١٥، ١٦ وانظر أيضًا: القرافي: الفروق ٤/ ٥٥ م.\n(٢) ق ٩٦ ب.\n(٣) المحقق لأبي شامة ٤١ أ.\n(٤) شرح جمع الجوامع ٢/ ٩٦\n(٥) حاشيته على شرح جمع الجوامع ٢/ ٩٥","vol":"2","page":110},{"text":"وتوقف فيه ابن أبي شريف، مع ميله إلى الاحتجاج به، يقول: \"عِظَم منصبه - ﷺ - مع كونه وليّ كل مسلم، وأولى بكل مسلم من نفسه وأهله، الذين منهم الأب والجد، يقتضي أن لا يقِرّ الصبي المميّز على باطلٍ\" (١). ثم قال: \"والقلب إلى هذا أميل. ولعلّ الله أن يفتح بما يرفع التوقف أصلًا\".\nالشرط السابع: أن لا يمنع من الإنكار مانع سوى ما تقدم. فإن وجد مانع صحيح أمكن إحالة الإقرار عليه، فلا يكون حجة.\nودليل هذا الشرط تركه - ﷺ - نقض الكعبة، للمانع الذي ذكره كما تقدم.\nويستدل له أيضًا بما ورد (٢) عن طفيل بن سخبرة أخي عائشة لأمها، \"أنه رأى في ما يرى النائم كأنه مرّ برهط من اليهود، فقال من أنتم؟ قالوا: اليهود. قال: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تزعمون أن عزيرًا ابن الله. فقالت اليهود: وأنتم القوم لولا أنكم تقولون ما شاء الله وشاء محمد. ثم مرّ برهط من النصارى فقال: من أنتم؟ قالوا: النصارى. قال: إنكم أنتم القوم لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله. قالوا: وإنكم أنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وما شاء محمد. فلما أصبح أخبر بها من أخبر. ثم أتى النبي - ﷺ - فأخبره. فقال: هل أخبرت بها أحدًا؟ قال: نعم. فلما صلّوا خطبهم، ثم قال: إن طفيلًا رأى رؤيا، فأخبر بها من أخبر منكم. إنكم كنتم تقولون كلمة كان يمنعني الحياء منكم أن أنهاكم عنها. قال: لا تقولوا ما شاء الله وما شاء محمد\". هذه رواية أحمد. وفي رواية ابن ماجه، قال: \"أما والله إن كنت لأعرفها لكم، قولوا: ما شاء الله ثم شاء محمد\".\nفأخبر أنه كان قد أقرّهم عليها، والظاهر أنه لم يكن نزل فيها شيء من الوحي صريح. وذكر الحياء في الحديث اختلفت فيه الروايات، فلا يؤخذ مسلمًا.\n_________\n(١) حاشية (المخطوطة) على شرح جمع الجوامع ق ١٧٥ أ.\n(٢) رواه أحمد ٥/ ٧٢ واللفظ له وابن ماجه ١/ ٦٨٤ مختصرًا وقال في الزوائد: إسناده صحيح على شرط البخاري.","vol":"2","page":111},{"text":"ومن هذه الموانع أن يسكت - ﷺ - في انتظار الوحي، ويعلم ذلك من حاله، فلا يكون سكوته قبل البيان حجة على انتفاء الحرج في الفعل.\nوجعل القشيري من هذا النوع (١) أن لا يكون - ﷺ - مشتغلًا ببيان حكم من الأحكام، مستغرقًا فيه. فلو كان كذلك فرأى إنسانًا على أمر ولم يتعرّض له، فلا يكون إقراره حجة، إذ لا يمكنه بيان جميع الأحكام دفعة واحدة.\nونحن نقول: إن ما استدل به من عدم إمكان بيان جميع الأحكام دفعة واحدة حق. ولكن يمكن بيان الحكم بعد انتهائه مما هو بصدده، بل قد قطع - ﷺ - خطبته يوم الجمعة ليقول لأحد القادمين: \"اجلس فقد آذيت وآنيت\" (٢).\nولكن لكلام ابن القشيري وجه من جهة أخرى. وهي أنه لو رأى النبي - ﷺ - إنسانًا من الناس على حال سيئة وقد جمع من الجهل والمعاصي صنوفًا، فهل ينكرها عليه جميعًا أم يعتني بنهيه عن أكبرها ويتجاهل أصغرها فلا ينهى عنه، كما هو مقتضى الحكمة، وكما يشهد له تنزل الأوامر والنواهي الشرعية بالتدريج، حتى إن تحريم الربا والخمر، تأخر إلى أواخر العهد المدني؟ والظاهر أن الطريقة الثانية هي التي كان يسير عليها النبي - ﷺ -. وقد أقر أهل الطائف على إسلامهم مع ترك الزكاة والجهاد (٣)، فلم يكن ذلك حجة في جواز ترك الزكاة والجهاد.\nوخلاصة هذه الشروط ما قال أبو شامة: \"حاصل ضبط هذا الباب أن نقول: كلّ فعل أقَرَّ عليه، ولا مانع من الإنكار، أفاد جوازه، إلاّ في ما علم من دينِه إنكاره أبدًا، كأديان الكفرة، فإن سكوت لا أثر له\" (٤).\n_________\n(١) البحر المحيط للزركشي ٢/ ٢٥٧ ب.\n(٢) المحقق ق ٤١ ب.\n(٣) أبو داود ٨/ ٢٦٥ وأحمد ٤/ ٢١٨ ولفظ أبي داود من رواية جابر \"اشترطت (ثقيف) على النبي - ﷺ - أن لا صدقة عليها ولا جهاد وإنه سمع النبي - ﷺ - بعد ذلك يقول: سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلموا\".\n(٤) المحقق ق ٤١ ب.","vol":"2","page":112},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-377>المبحث الرّابع أنواع التقرير ودلالة كُلٍّ منها\nأنواع التقرير:</span>\nالتقرير على أنواع:\nأ- الإقرار على الأقوال، ومنه ما روى أحمد في قصة ماعز: أنه اعترف بالزنا أمام النبي - ﷺ - ثلاثًا، كل ذلك يرده رسول الله - ﷺ -. فقال له أبو بكر: \"إنك إن اعترفت الرابعة رجمك رسول الله - ﷺ -\" (١). احتج به الحنفية والحنابلة على أن العدد معتبر به في الإقرار بالزنا، من جهتين:\nالأول: أن ذلك مما علمه أبو بكر من حال رسول الله - ﷺ -.\nوالثانية: أن النبي - ﷺ - أقرّ ذلك، ولم يُخَطِّئ قائله.\nب- الإقرار على الأفعال. ومثاله، إقراره خالد بن الوليد على أكل لحم الضب. ومن الإقرار على الفعل الإقرار على الترك، كما نقل (٢) أن عمرو بن العاص تيمّم من الجنابة في ليلة باردة وصلّى بأصحابه، فلما أخبر النبي - ﷺ - بذلك قال له: \"صليت بأصحابك وأنت جنب؟ \" قال: ذكرت قول الله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا﴾ فتيممت ثم صليت، \"فضحك رسول الله - ﷺ - ولم يقل شيئًا\".\nفلم يأمره بالإعادة، فكان ذلك إقرارًا منه على ترك الإعادة.\n_________\n(١) أحمد (نيل الأوطار ٧/ ١٠٠).\n(٢) أحمد وأبو داود (نيل الأوطار ١/ ٢٨٠).","vol":"2","page":113},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-378>الأحكام التي تدل عليها التقارير:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-379>١ - الإقرار على الأقوال:</span>\nإن إقراره - ﷺ - أحدًا على قول ما، ينقسم، بحسب المقَرّ عليه، قسمين:\nأولهما: ما يتعلق بشؤون الدين أصوله أو فروعه، وما ينبني عليه تشريع. فتقريره عليه يدل على صحته.\nوقيل لا يدل، لاحتمال الاكتفاء ببيان سبق. وهذا مردود، لأن سكوته عليه يوهم صحته وتغيير الحكم السابق.\nثم إن كان القول إخبارًا عن الشرع، دلّ على أن الشرع كذلك، كما تقدم من حديث أبي بكر الصديق ﵁ في قوله: \"إن أقررت أربعًا رجمك رسول الله - ﷺ -\".\nوإن كان القول مظنة أن ينهى عنه فلم يفعل، أوأن يحكم فيه بحكم معيّن كإيجاب الحدّ أو التعزير فلم يحكم به، دلّ على جوازه، أعني جواز القول وانتفاء ذلك الحكم في حقه.\nومن هذا إقراره - ﷺ - شعراءه على الغزل والتغني بذكر النساء (١)، كقول حسان:\nكان سبيئةً من بيتَ رأسٍ ... يكون مزاجَها عسلٌ وماءُ\nعلى أنيابها أو طعم غضٍ ... من التفّاح هَصّرَه اجتناءُ\nوذكر فيها الخمر أيضًا، فقال:\nونشربها فتتركنا ملوكًا ... وأُسْدًا ما يُنَهْنِهُهَا اللقاء\nوقول كعب بن زهير:\nوما سعادُ غداةَ البين إذ رحلُوا ... ألا أغَنُّ غضيضُ الطرفِ مكحولُ\n_________\n(١) ابن القيم: إعلام الموقعين ٢/ ٣٧٠","vol":"2","page":114},{"text":"يرى ابن القيم أنه - ﷺ - أقرّ ذلك منهم، لكونه جريًا على عادة الشعراء في مطالعِ قصائدهم مما يذكرونه لجلب انتباه السامعين واستثارة نشاطهم ليتوصل الشاعر إلى إلقاء ما يريده إليهم، وتحصيل الأثر النفسي المطلوب لديهم.\nولا يتمّ هذا القول، في شأن الخمر خاصة، ما لم يثبت أن قول حسان المذكور كان بعد نزول آية تحريم الخمر.\nوالثاني: ما كان قولًا في شؤون الدنيا، والأمور المغيبة عنه - ﷺ -.\nوالتقرير عليه لا يدل على صدق الخبر وثبوت مدلوله. بل قد يَطّلع الله ورسوله على كذب ذلك القائل، كما أطلعه على كذب المنافقين في قولهم: ﴿نشهد إنك لرسول الله﴾ وقول كبيرهم: ﴿لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل﴾ وقد لا يطلعه عليه.\nوهذا قول الآمدي وابن الحاجب وكثير من المتأخرين.\nوقيل إن التقرير عليه يدل على صدقه لا محالة (١) وأنه لا بدّ أن يُطلع الله رسوله على كذب المخبِر، عصمةً له أن يقرّ أحدًا على الكذب. وبه قال السبكي في جمع الجوامع.\nوالقول الأول أصح، لأن إدعاء العصمة عن هذا عريٌّ عن البرهان، إذ لا يستلزم نقصًا بعد أن أمر الله تعالى نبيه أن يعلنها صريحة ﴿ولا أعلم الغيب﴾ ولأنه قد ثبت أنه - ﷺ - كان يقر على النبي ثم يتبين أنه مخالف للواقع، كإفطارهم في رمضان ثم طلعت الشمس.\nوينبغي أن يحمل على هذا (٢) النوع إقراره - ﷺ - عمر على حلفه عن ابن صياد إنه الدجّال، ثم تبيّن أنه ليس إياه.\nوقد قال ابن دقيق العيد في (الإمام) (٣): \"الأقرب عندي أن سكوته - ﷺ - لا\n_________\n(١) انظر السبكي: جمع الجوامع ٢/ ١٢٧ - ١٢٩\n(٢) عبد الجليل عيسى: اجتهاد الرسول - ﷺ - ص ١٦٧\n(٣) البحر المحيط للزركشي ٢/ ٢٥٨ أ.","vol":"2","page":115},{"text":"يدلّ على المطابقة، لأن مأخذ المسألة ومناطها، أعني كون التقرير حجة، هو العصمة من التقرير على باطل، وذلك يتوقف على تحقق البطلان، ولا يكفي فيه عدم تحقق الصحة\" (١). اهـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-380>٢ - الإقرار على الأفعال:</span>\nإن تقرير النبي - ﷺ - أحدًا على فعل، يدلّ على أن لا حرج في ذلك الفعل. وذلك يصح في الفعل إذا انتفى أن يكون حرامًا. فإن الحرام هو الذي يأثم فاعله ويعصي به، وهو المنكر الذي أمر - ﷺ - بإنكاره.\nفما أقرّ عليه إما أن يكون واجبًا، أو مندوبًا، أو مباحًا.\nوأما المكروه، فالمشهور عند الأصوليين أنه - ﷺ - لا يُقِر عليه. وذلك مشكل. ووجه إشكاله أن المكروه ليس معصية، بل يؤجر من تركه لله، وأما من فَعَله فلا إثم عليه. فليس هو معصية حتى يلزم النبي - ﷺ - إنكاره.\nهذا ما يبدو بادي الرأي.\nولكن لما كان المكروه مطلوب الترك، وهو منهي عنه، فهو منكر من هذه الناحية. فلا يترك النبي - ﷺ - إنكاره وإن لم يكن معصية. وإنما يرفع الحرج عن فاعله بعد أن يقع، أما قبل وقوعه فهو يستحق النهي عنه كالمحرمات.\nوالحاصل أن المنكر الذي يستحق الإنكار، أعمّ من المعصية.\nويقول الشاطبي: \"المكروه غير داخل تحت ما لا حرج فيه، لأن المراد بما لا حرج فيه هنا ما قبل الوقوع. ولا شك أن فاعل المكروه مصادم للنهي بحتًا كما هو مصادم في الفعل المحرم، ولكن خفة شأن المكروه، وقلة مفسدته، صيرته -بعدما وقع- في حكم ما لا حرج فيه، استدراكًا له من رفق الشارع بالمكلف. ومما يتقدمه من فعل الطاعات، تشبيهًا له بالصغيرة التي يكفّرها كثير من الطاعات\" (٢).\n_________\n(١) (الإمام) لابن دقيق شرح (الإلمام في أحاديث الأحكام) من خير ما كتب ابن دقيق العيد. وقد أثنى الزركشي على (الإمام) جدًا، وقال: (به ختم التحقيق في هذا الفن) يعني فن أصول الفقه، لما أورد فيه من التحقيقات الأصولية. ويظهر أن الإمام مفقود الآن.\n(٢) الموافقات ٤/ ٦٧، ٦٨","vol":"2","page":116},{"text":"هذا وقد أثبت الشاطبي (١) نوعًا من الإقرار لا يدل على الإباحة الصرفة. وهو أن يقر أحدًا على شيء ثم يتنزه عنه هو، كإقراره عائشة على بيان بعض شأن الحيض للمرأة السائلة وتركه هو - ﷺ -. وكإقراره بعض شأن الليل والغناء مع إعراضه عن سماعه.\nوالذي يظهر من كلام ابن حزم أنه يرى جواز الإقرار على المكروه، فإنه يقول: \"الشيء إذا تركه - ﷺ - ولم ينهَ عنه ولا أمر به، فهو عندنا مباح أو مكروه، من تركه أُجِر، ومن فعله لم يأثم ولو يؤجر، كمن أكل متكئًا، ومن استمع زمارة الراعي. فلو كان ذلك حرامًا ما أباحه لغيره، ولو كان مستحبًا لفعله، فلما تركه كارهًا له كرهناه ولم نحرمه\" (٢).\nويقول أيضًا: \"إن كان قد تقدم في ذلك الشيء نهي فقط ثم رآه - ﷺ - أو علمه فأقره، فإنما ذلك بيان أن ذلك النهي على سبيل الكراهة فقط\" (٣). وجعل منه إقراره - ﷺ - لصحابته على الصلاة خلفه وهم قيام وهو جالس، وكان قد نهاهم عن ذلك.\nهذا وإن من مشكل التقارير ما روى البخاري، واللفظ له، ومسلم، عن أم عطية، قالت: بايعْنا رسول الله - ﷺ -، فقرأ علينا: ﴿أن لا يشركن بالله شيئًا﴾ ونهانا عن النياحة. فقبضت امرأة يدها، فقالت: أسعدَتْني فلانة، فأريد أن أجزيها، فما قال لها النبي شيئًا -وفي رواية مسلم قالت: إلاّ آل فلان فإنهم كانوا أسعدوني في الجاهلية، فلا بدّ لي أن أسعدهم. قال: إلاّ آل فلان- فانطلقت ورجعت، فبايَعَها.\nفظاهره أنه أذن لها في المحرم.\nوقد اختلف تخريج العلماء له، فمنهم من تخلّص بأنه خاص بتلك المرأة. ومنهم من قال: أذن لها في البكاء دون صوت. ومنهم من قال: ليست النياحة\n_________\n(١) الموافقات ٤/ ٧٢\n(٢) الإحكام ص ٤٨٤\n(٣) الإحكام ص ٤٣٧","vol":"2","page":117},{"text":"محرمة بل مكروهة. وقال ابن حجر: \"الأقرب أن النياحة كانت مباحة، ثم كرهت كراهة تنزيه، ثم حرّمت\" (١).\nوالأولى عندي أن يقال: إن بعض المكروهات ينتقل بالبيعة عليه إلى التحريم على المبايع. إذ لو كان الحكم قبل البيعة كالحكم بعدها لما أخرت البيعة إلى أن انقضت مهمتها. وقد ورد أن النبي - ﷺ - بايع بعض أصحابه: \"أن لا يسألوا الناس شيئًا\" فيصح قول من قال: النياحة مكروهة لغير المبايعات. وإنما يصح هذا على قول من يجيز الإقرار على المكروه. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-381>كيفية معرفة حكم الفعل المقرّ عليه:</span>\nإن ما أقرّ النبي - ﷺ - عليه غيره، يعيّن حكمه على الطريقة التي تقدمت في الأفعال الصريحة. فإن كان الفعل امتثالًا لإيجاب فأقرّه على صفة معينة، فإن الإقرار يدل على الإجزاء، على تلك الصفة، ومثاله: \"أن رسول الله - ﷺ - قال لأصحابه (٢) بعد انصراف الأحزاب: لا يصلينَّ أحد منكم العصر إلّا في بني قريظة. فأدرك بعضَهم العصرُ في الطريق. فقال بعضهم: لا نصلي حتي نأتيهم. وقال بعضهم بل نصلّي ولم يرد منا ذلك. فذكر ذلك للنبي - ﷺ - فلم يعنِّف واحدًا منهم\".\nفهو دليل على أن ما فعَلوا كان سائغًا لهم. وقد اختلف في علّة هذا التقرير. وقال السهيلي: \"فيه دليل على أنه لا يعاب الأخذ بالظواهر، ولا على من استنبط من النصّ معنىً يخصصه\" (٣).\nوإن كان الفعل امتثالًا لاستحباب، دلّ على الصحة كذلك.\nوإن لم يتبيّن فيه أنه امتثال نُظِر فيه، فإن كان على وجه التعبّد، دلّ على صحّة التعبّد بذلك الفعل، فإن التعبّد توقيفي، ولا يجوز التعبّد بما لم يشرع التعبّد\n_________\n(١) انظر: فتح الباري ٨/ ٦٣٩\n(٢) البخاري ٧/ ٤٠٨\n(٣) فتح الباري ٧/ ٤٠٩","vol":"2","page":118},{"text":"به، كالإختصاء مثلًا. قال سعد بن أبي وقاص: \"ردَّ النبي - ﷺ - التبتّل على عثمان بن مظعون، ولو أذن له لاختصينا\" (١) وكالقيام في الشمس لله، نهى النبي - ﷺ - (٢) عنه أبا إسرائيل.\nولا يجوز حمل التعبّد المقَر عليه، من هذا النوع، على مرتبةٍ أعلى من الاستحباب.\nوإن لم يكن على وجه التقرب به لله، وجب حمل الفعل على الإباحة. ومن ذلك ما أقرّهم النبي - ﷺ - عليه من البيوع والإجارات والشركات والوكالات، والضرب في الأرض والصيد، والاحتشاش، وغير ذلك. وكأنواع المآكل التي رآهم يأكلونها. والملابس والهيئات التي كانوا يتخذونها، إلى غير ذلك.\nوقد قال الزركشي في البحر المحيط: \"إذا تضمّن التقرير رفع الحرج فهل يحمل على الإباحة، أو لا يقضى بكونه مباحًا أو واجبًا أو مندوبًا بل يتوقف فيه؟ \" (٣). قال: \"ذهب القاضي (الباقلاني) إلى الثاني، وذهب ابن القشيري إلى الأول\".\nوالذي اخترناه فيما ليس على وجه القربة، هو القول الأول، وهو قول القشيري. أمّا الباقلاني فقد ذهب إلى الوقف كذلك في الفعل المجرّد، وقد سبق الردّ عليه فيه، فكذلك يُرَدّ عليه مذهبه في التقرير.\nثم إذا تبيّن أن التقرير يدلّ على الجواز، فإن كان قد سُبِق بنهي عام. فإن التقرير يدل على نسخه أو تخصيصه، على ما يأتي في باب التعارض إن شاء الله.\nوقد يقال: إن هذه الأشياء على الإباحة، وهي الأصل، فلو لم يرد أنه - ﷺ - أقرّ عليها بأعيانها لحكمنا بإباحتها، فما فائدة التقرير؟.\nوقد ذكرنا الجواب عن مثل هذا السؤال في باب الأفعال الصريحة (٤)، فليرجع إليه.\n_________\n(١) البخاري ٩/ ١١٧ ومسلم ٩/ ١٧٦\n(٢) البخاري ١١/ ٥٨٦ وأبو داود ومالك.\n(٣) ق٢/ ٢٥٦ ب.\n(٤) انظر المطلب الثالث من الفصل السادس.","vol":"2","page":119},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-382>الإقرار على ما كان في الجاهلية واستمر في أول الإسلام:</span>\nإنه من المعلوم أن كثيرًا من العادات الجاهلية لم تنكر من أول الإسلام، بل بدأ إلغاؤها بالتدريج، الأهمّ فالأهمّ، حتى أكمل الله دينه، وتمّ تحريم ما أراد الله تحريمه منها. ومن ذلك الخمر، والزيادة على أربع زوجات (١).\nوقد قال ابن أبي هريرة: \"يشترط كون التقرير بعد ثبوت الشرع، وأما ما كان يقر عليه قبل استقرار الشرع حين كان داعيًا إلى الإسلام فلا\" (٢).\nومبنى قوله هذا أن الإقرار يدل في الأمور العادية على الإباحة الشرعية. فإن قلنا بأنه يدل على الإباحة العقلية وأن المسألة خالية عن حكم شرعي بالتحريم أو الكراهة، فلا حاجة إلى هذا الشرط، وهو الصواب. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-383>٣ - الإقرار على الترك:</span>\nيدل إقرار الترك لعبادة ما على عدم وجوبها، فإن أقرّ فردًا ما على تركها، دلّ ذلك أنها ليست واجبًا عينيًّا، مع احتمال أنها فرض كفاية، كما لو أقر إنسانًا على ترك صلاة العيد.\nوإن أقر جماعةَ بلدٍ أو قبيلة أو غير ذلك على ترك عبادة، دل على أنها ليست فرض عين ولا فرض كفاية. وقد أقر أهل البوادي على ترك إقامة الجمعات والأعياد، فدلّ ذلك عند العلماء على أنها غير واجبة عليهم.\nومن باب الإقرار على الترك ما ذكر ابن تيمية في (القواعد النورانية) (٣) أن النبي - ﷺ - في حجة الوداع أمرهم بالإتمام، فقال: \"يا أهل مكة أتِمُّوا صلاتكم فإنّا قومٌ سَفْر\". وأما بمنى وعرفة ومزدلفة فلم ينقل أحد أنه أمرهم بذلك. قال ابن\n_________\n(١) انظر: ولي الله الدهلوي: الحجة البالغة ص ٢٧٠. محمد قطب: منهج القرآن في تطوير المجتمع. محمد أبو زهرة: أصول الفقه ص ٤٨\n(٢) البحر المحيط للزركشي ٢/ ٢٥٧ ب.\n(٣) ص ١٠٠","vol":"2","page":120},{"text":"تيمية: \"لو كان المكيّون قد قاموا فأتموا الظُّهر أربعًا، وأتموا العصر والعشاء أربعًا أربعًا، لما أهمل الصحابة نقل هذا\". اهـ. وهذا يدل عنده على أنهم قصروا، ولم ينكر النبي - ﷺ - عليهم، ورجّح بهذا مذهب أهل المدينة من أن للمكيين القصر بالمناسك بعذر النسك، على مذهب الشافعي وأحمد أنهم لا يقصرون.\nوعندي أن مذهب الشافعي وأحمد أصح، وذلك من حيث إن ترك النقل ليس نقلًا للترك، كما تقدم بيانه في فصل الترك.\nوأيضًا فإن الشرع كان قد استقرّ على أن غير المسافر لا يقصر، وأهل مكة بالنسبة إلى المناسك ليسوا في حال سفر.\nوأيضًا لما أمرهم بالإتمام أول مرة عُلِمَ الحكم، فلا يلزم تكرار البيان. والله أعلم.\nتنبيه: يجب أن يفرق بين دلالة التقرير على جواز الفعل وصحته من حيث الظاهر، وبين دلالته على ذلك من حيث باطن الأمر، فإن الأول لازم للتقرير دون الثاني. وقد ورد من حديث أسماء بنت أبي بكر، قالت: \"أفطرنا على على عهد النبي - ﷺ - يوم غيم، ثم طلعت الشمس\" (١).\nوتخاصم إليه رجلان في أرض فقال: \"إنكم تختصمون إليّ، ولعلّ بعضكم أن يكون ألْحَنَ بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه ... \" الحديث.\nويشهد له أنه - ﷺ - قُرِّب إليه لحم الضب فأراد أن يأكل منه، فقيل له: إنه لحم ضبّ، فأمسك عنه. وتقدّم مثل هذا في بحث العصمة من باب الأفعال الصريحة.\nوقد قال أبو الحسين البصري: \"نقل عن عبد الجبار: إذا أباح إنسان\n_________\n(١) البخاري (فتح الباري ط الحلبي ٥/ ١٠٢) وأبو داود.","vol":"2","page":121},{"text":"النبي - ﷺ - أكل طعامه، فاستباح النبي - ﷺ - أكله، فإنه لا يدلّ على أنه مِلْكُه لا محالة، لأنه يكتفي في استباحة الأكل بظاهر اليد\" (١). اهـ.\nتنبيه أخر: لو تحدَّث متحدث أمامه - ﷺ -، عن إنسان فعَل فِعْلًا أو قال قولًا، وذلك الفاعل أو القائل ممن كان قد مات، أو كان كافرًا عند فعله فأسلم، أو لا يزال كافرًا، أو غير ذلك، ممن لا يؤثِّر الإنكار عليه تركًا للمعصية، فإن الإنكار والبيان لا يجب. وبالتالي لا يكون الإقرار عليه حجة.\nومن هذا يتبيّن أن ما كان يَرِد في ما يحدّث الصحابة به رسول الله - ﷺ -، أو يحدّث بعضهم بعضًا أمامه، عمّا حصل له في الجاهلية أو لغيرهم، فلا يكون حجة لحكم شرعي. ومن ذلك إخبار سلمان الفارسي بقصة تنصره وأسره ورقّه، وما حصَل له أثناء ذلك.\n_________\n(١) المعتمد ١/ ٣٨٧","vol":"2","page":122},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-384>المبحث الخامس تعدية حكم التقرير لغير المقرر</span>\nتبيّن مما تقدّم من هذا الفصل أن من أقرّه النبي - ﷺ - على فعل فإن تقريره دليل على ارتفاع الحرج بالنسبة إلى فاعل ذلك الفعل. وعلى ذلك اتفاق الأصوليين (١). فأما من سواه، فقد اختلف الأصوليون في تعدية ذلك الحكم إليهم.\nوالبحث في هذا ينقسم قسمين، لأنه إما أن يسبق تحريمه، فيتعارض القول والتقرير. ونذكره في باب التعارض إن شاء الله.\nوإما أن لا يسبق تحريمه؛ فهذا القسم ذهب جمهور الأصوليين إلى أن حكمه يتعدّى.\nووجهه قاعدة استواء الأمة في الأحكام.\nوقد ادّعى بعض الأصوليين الإجماع على هذه القاعدة، وليس الإجماع عليها ثابتًا.\nوأيضًا قد قال النبي - ﷺ -: \"ما قولي لامرأة واحدة إلاّ كقولي لمائة امرأة\" (٢). والسكوت عن الإنكار في حكم الخطاب، والخطاب يعمّ.\nومما يؤيّد ذلك أن خطابه - ﷺ - للصحابة في عصره يتعدّى إلى سائر المسلمين بعد عصره إجماعًا. فكذلك تقريره.\n_________\n(١) العلائي: تفصيل الإجمال ق ٦٨ أو نقله عن القشيري.\n(٢) الترمذي والنسائي واللفظ له من حديث أميمة بنت رفيقة. وهو من الأحاديث التي ألزم الدارقطني الشيخي بإخراجها لثبوتها على شرطهما (المقاصد الحسنة ص ١٩٣).","vol":"2","page":123},{"text":"وممن صرّح بتعدي حكم التقرير لغير المقرر أبو المعالي الجويني، وأبو نصر القشيري، والمازَري، وأبو شامة، والعلائي (١).\nونقل عن القاضي أبي بكر الباقلاني (٢) أن الحكم يختصّ بالمقرّر ولا يتعدّى إلى غيره، ووجهه أن التقرير ليس له صيغة لتعمّ جميع المكلفين.\nوالأولى أن يقال: إن شموله لغير المقرّر بضرب من القياس، وليس بطريق العموم اللفظيّ. وقد تقدّم آخر الفصل السابع من باب الأفعال الصريحة ما يغني، فليرجع إليه.\nتنبيه: تعدية حكم الفعل المقرّر عليه إلى سائر أفراد الأمة، أقوى من تعدية حكم فعله هو - ﷺ -، إلى غيره. وقد ذكر الجويني (٣) أن الذين وقفوا في تعدية حكم الأفعال النبوية، وافقوا على تعدية أحكام الأفعال التي قرر عليها غيره.\nووجه ذلك واضح، وهو أن ما فعله - ﷺ - يرد عليه احتمال الخصوصيّة وهو احتمال يضعف التعدية، أما التقرير، فإن حمله على الخصوصية ضعيف جدًا لا يكاد يستحق الذكر، لضآلة ما ثبت تخصيص أفراد الأمة به من الأحكام، كتضحية أبي بردة بالعناق، وجعل شهادة خزيمة بشهادة رجلين.\nولذلك كان احتمال المساواة بين فاعل الفعل المقَرّ عليه وسائر أفراد الأمة، هو أقوى من احتمال المساواة بين رسول الله - ﷺ - وسائر أفراد الأمة. ودلالة التقرير، لذلك، أقوى من دلالة الفعل النبوي، من جهة التعدية خاصة.\nوليس معنى ذلك تقديم التقرير على الفعل عند التعارض. فإن الفعل أقوى منه، لزيادته في الوضوح والكمال، ولأن التقرير يطرقه من الاحتمالات ما لا يطرق الفعل. ونذكر ذلك في باب التعارض إن شاء الله.\n_________\n(١) أبو شامة: المحقق ٤٠، تفصيل الإجمال ق ٦٨ أ.\n(٢) أبو شامة: المحقق ق ٤٠ أالعلائي: تفصيل الإجمال ق ٦٨ أالسبكي: جمع الجوامع ٢/ ٩٦\n(٣) ابن تيمية: المسودة ص ٣٢، ص ٧٠","vol":"2","page":124},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-385>المبحث السادس في مسائل متفرقة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-386>المسألة الأولى: ذكر الأمر في أثناء القول هل يكون تقريرًا:</span>\nإذا ذكَر النبي - ﷺ - أمرًا في أثناء قولٍ له، ثم لم يقترن بذلك مدح ولا ذمّ، ولا إشعار برضاه بذلك الأمر، ولا إشعار بإنكاره له، فهل يكون ذلك تقريرًا له بحيث يدل على أنه لا حرج فيه شرعًا؟.\nوليست هذه الدلالة قولية.\nومثاله ما قصّه النبي - ﷺ - من اغتسال موسى ﵇ عريانًا حتى ذهب الحجر بثوبه. وقصّ عن أيوب ﵇ أنه اغتسل عريانًا (١). وورد عن معاوية بن حيدة أنه - ﷺ - قال: \" احفظ عورتك إلاّ عن زوجتك وما ملكت يمينك\" فقيل له: فإذا كان أحدنا خاليًا؟ قال: \"الله أحقّ أن يُستحيا منه من الناس\" (٢).\nوقد احتجّ البخاريّ بقصّة موسى ﵇ على جواز الاغتسال مع التعرّي في الخلوة. واحتجّ بها ابن قدامة أيضًا (٣)، وقال ابن حجر: يظهر أن وجه الدلالة منه أن النبي - ﷺ - قصّ القصتين، ولم يتعقب شيئًا منهما، فدلّ على موافقتهما لشرعنا، وإلاّ لو كان فيهما شيء غير موافق لبيّنه، فيجمع بين الحديثين بحمل حديث معاوية على الأفضل.\nومثاله أيضًا: ما ورد في خبر أم زرع الذي رواه البخاري، وفيه أن أم زرع قالت: \"وأناس من حَلْي أذنيّ\" استدلّ به بعض الفقهاء على جواز تخريق آذان البنات لتعليق الحلي، من حيث إنه - ﷺ - لم يتعقّب ذكره لذلك بإنكار.\n_________\n(١) قصتهما في صحيح البخاري ١/ ٣٨٤، ٣٨٦\n(٢) حديث معاوية رواه البخاري ١/ ٣٨٤\n(٣) المغني ١/ ٢٣١","vol":"2","page":125},{"text":"والظاهر عندي أن ما قصّه - ﷺ - عن الأنبياء، راجع إلى مسألة شرائع الأنبياء هل هي شرع لنا أم لا؟ ويُعلم بحثها في موضعها من كتب الأصول. وقد رجح الأكثر أن ما قصّه الله تعالى منها في كتابه دون إنكار، مما لم يخالفه شرعنا. أنه حجّة، فكذلك ينبغي أن يكون ما قصّه رسول الله - ﷺ - من ذلك حجة. وإنما حجّيته من كونه شريعة لنبيّ سابق، وقد أُمر محمد - ﷺ - أن يقتدي بهداهم.\nأما ما كان في ضمن حديثه - ﷺ - عن سائر الناس أنهم فعلوا كذا أو تركوا كذا فلا ينبغي أن يكون حجة على الجواز ما لم يقترن به دلالة على الرضا به من ثناء أو نحوه.\nوبهذا يتبيّن أننا لا نرتضي توجيه ابن حجر للاحتجاج بقصة أيوب وموسى ﵉، بل وجهه ما أشرنا إليه من كونه موافقًا لشريعتهما، وشريعتهما لنا شريعة. وأننا لا نرتضي الاستدلال المذكور على تخريق آذان البنات.\nنوع آخر: مما يلتحق بما تقدم، استعماله - ﷺ - بعض الألفاظ التي جرت عادة بعض الأقوام بإطلاقها من ألقاب أو تسميات. فمن ذلك أنه - ﷺ - كتب: \"من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم\". فوصفه بأنه عظيمهم.\nومنها أنه قال في وصف الدجّال: \"كأنه عبد العزّى بن قطن\". فاستعمل هذا الاسم \"عبد العزّى\".\nفليس ذلك إقرارًا لكون هرقل عظيم الروم. ولا بأنه وصل إلى ذلك بطريق مشروع. ولا إقرارًا بجواز التسمية بـ \"عبد العزّى\" ونحوه. ويقول عبد الكريم زيدان: \"إطلاق هذه العبارة على رئيس الروم من قبيل بيان واقعه، وهو أنه عظيم في نظر الروم، لرئاسته عليهم، وليس بيانًا لاستحقاقه هذا الوصف\" (١). اهـ.\nوقد قال ابن حجر في قوله: \"عظيم الروم\" عدول عن ذكره بالملك أو الإمْرَة لأنه معزول بحكم الإسلام. ومع ذلك لم يُخْلِه من شيء من الإكرام لمصلحة التألف.\n_________\n(١) أصول الدعوة ص ٣٤٤","vol":"2","page":126},{"text":"وقول ابن حجر هذا، فيه نظر، فقد ذكر النبي - ﷺ - أناسًا من أئمة الكفر كثيرين بألقاب الملك، وفي القرآن من ذلك أيضًا. فلم يكن ذلك اعترافًا لأحد منهم بشيء من الاستحقاق. فهي تعريفٌ لا اعتراف. وقوله - ﷺ -: \"عظيم الروم\" هو من هذا الباب. والله أعلم.\nومع هذا، يستدلّ بمثل هذه الأحاديث من جهة أنها أفعال نبويّة يقتدى بها. فيجوز للمسلم المخاطبة بمثل هذه الألفاظ لأمثال هؤلاء. ولعل ذلك إنما يجوز حيث يتعيّن، ولا يكون هناك معرّف سواه، وذلك لما فيه من الإيهام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-387>المسألة الثانية: السكوت على ما يوهمه القول الجائز:</span>\nلو تكلّم متكلم بحضرة النبي - ﷺ - بكلام ليس كذبًا ولا إثم فيه، ولكن يلزم منه إساءة فهم حكم شرعي، فهل يجب عليه - ﷺ - الإنكار، لئلا يسبق إلى الأذهان ما يخالف الحكم الشرعي؟.\nويمثل لهذه القاعدة بقصة المتلاعنين، عويمر العجلاني وامرأته. وفيها أنه بعد تمام اللعان: \"طلقها ثلاثًا قبل أن يأمره النبي - ﷺ -\" (١). وسكت النبي - ﷺ - على قوله هذا. فاحتجّ بعض الفقهاء بسكوته على لازم القول، وهو أن اللعان لم تقع به الفرقة، إذ لو وقعت به الفرقة لما كان للطلاق بعدها معنى. وهو قول الحنفية ورواية عن أحمد.\nوالرواية الأخرى عنه وقول المالكية والشافعية أن الفرقة وقعت باللعان (٢).\nولعلّ جواب هؤلاء عن الحديث أنه لا يبعد أن يكون الأمر واضحًا للحاضرين والمتلاعنين أيضًا، أن الفرقة واقعة باللعان. ولذلك ترك الإنكار عليه. وقد أشار إلى هذا الجواب ابن دقيق العيد في شرح الإلمام (٣).\n_________\n(١) رواه الجماعة إلا الترمذي (نيل الأوطار ٦/ ٢٨٤).\n(٢) المغني لابن قدامة ٧/ ٤١٠\n(٣) البحر المحيط ٢/ ٢٥٨ أ.","vol":"2","page":127},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-388>المسألة الثالثة: الإقرار على الفعل الحادث، والفعل المستدام:</span>\nالأفعال المحرمة، إما أن يحرم ابتداؤها ودوامها، أو يحرم ابتداؤها دون دوامها (١).\nفأما ما حرم ابتداؤه ودوامه فيلزم إنكاره على كل حال. كأكل الميتة، ولبس الذهب للرجال. والإفطار في رمضان.\nوأما ما حرّم ابتداؤه ولم يحرم دوامه، فمثل النكاح في حال الإحرام.\nومن هنا، فإن التقرير إذا دلّ على ارتفاع الحرج، فإن ارتفاع الحرج يكون من جهة الدوام، مطلقًا. أما رفع الحرج عن الابتداء فقد لا يدلّ التقرير عليه.\nوعليه فلو أقرّ رجلًا عنده زوجة أمة وزوجة حرة، فلا يدلّ على جواز ابتداء زواج الأمة إذا كانت عنده حرة. وكذا لو أقرّ حرًّا تحته زوجة أمة وكان موسرًا عند إقراره، لم يدلّ على جواز الابتداء.\nوقد ورد أن بعض نساء الصحابة كن يلبسن الأقراط، وذلك يعني خرق الأذن لأجل تعليق القرط. احتجّ ابن القيم (٢) -بأن رسول الله - ﷺ - رأى ذلك فلم ينكره- على جوازه.\nوليس هذا حجة، لاحتمال أن يكون التخريق قد حصل في الجاهليّة فأقرّ - ﷺ - دوامه.\nوروي في هذا الحديث أيضًا: \"أن رجلًا قال للنبي - ﷺ -: إن عندي امرأة هي من أحبّ الناس إلي، وهي لا تمنع يد لامس، قال: طلقها إن شئت. وفي لفظ: غيِّرها. قال: إني أخاف أن تتبعها نفسي، وفي لفظ: لا أصبر عنها. قال: فاستمتع بها\" (٣). فهذا الإقرار لا يدل على جواز ابتداء العقد على مثل هذه (٤).\n_________\n(١) انظر قاعدة: \"يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء\" في (الأشياء والنظائر) للسيوطي ص ١٨٤\n(٢) تحفة الودود في أحكام المولود، دمشق، دار البيان١٣٩١هـ- ص ٢٠٩\n(٣) النسائي في موضعين ٦/ ٦٦، ١٧٠\n(٤) إعلام الموقعين لابن القيم ٤/ ٣٨٤","vol":"2","page":128},{"text":"وأما الدوام، فقال بعضهم: يحتمل جواز الدوام لمن حدث لها ذلك بعد الزواج. والراجح أن الحديث ضعيف لا يثبت. قال النسائي: \"هذا الحديث ليس بثابت\". وقال في موضع آخر: \"هذا خطأ، والصواب مرسل\".\nوإن قيل بثبوته كما ادّعاه السِّندي، فهو مؤوّل بأن اللامس طالب الصدقة، ومو ما حمله عليه الإمام أحمد، أو مردود لمعارضته ما هو أثبت منه، كحديث ابن عمر مرفوعًا: \"ثلاثة لا يدخلون الجنة، ولا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق والديه، والمرأة المترجّلة المتشبهة بالرجال، والديّوث\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-389>المسألة الرابعة: بين قاعدة الإقرار وقاعدة \"لا ينسب للساكت قول</span>\":\nقد نصّ الشافعي على أنه: \"لا ينسب للساكت قول\" (٢). وهي لا تتعارض مع قاعدة الإقرار. فإن الإقرار قد قامت الأدلة على حجّيّته كما تقدم، وما نصّ عليه الشافعي قاعدة عامة يستثنى منها ما قام الدليل على أن القول ينسب للساكت، كسكوت البكر إذا استؤذنت في إنكاحها، فهو منها بمنزلة الإذن الصريح، لورود الدليل الدالّ على ذلك، وهو قول النبي - ﷺ -: \"البكر تستأذن، وإذنها صُمَاتها\" (٣). فكذلك الإقرار مستثنى أيضًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-390>المسألة الخامسة: سعة دلالة التقرير:</span>\nإن دلالة التقرير تنطبق على أفعال لا حصر لها. وذلك لكثرة ما كان يقع تحت ناظريّ رسول الله - ﷺ - من الأفعال، وما يطرق سمعه من الأقوال من أصحابه، في أثناء مباشرتهم لأمور حياتهم وعبادتهم ودراستهم ونقاشهم وجهادهم وسفرهم وإقامتهم.\nفلذلك شيء كثير لا حصر له. ومن هنا يتبيّن أن التقارير في الحقيقة هي\n_________\n(١) أحمد ٢/ ١٣٤ واللفظ له. والنسائي ٥/ ٨٠ وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح.\n(٢) السيوطي: الأشباه والنظائر ص ١٤٢\n(٣) البخاري ١٢/ ٣٤٠ ومسلم وأصحاب السنن.","vol":"2","page":129},{"text":"الجزء الأكثر من السنة. وما عداه بالنسبة إليه لا يساوي إلا قدرًا ضئيلًا. ولكن ما نقل من التقارير إلينا قليل جدًا نسبيًا. والذي نقل من الأقوال والأفعال أكثر منه بكثير.\nوبالنسبة إلى الصحابة، كان التقرير نوعًا من التعليم الصامت للشريعة، فَعَل فِعْلة في توسيع مدارك صحابة رسول الله - ﷺ - في الحكم على الأفعال والأشياء، حتى لنعتقدُ أن المعلومات التي حصلت لديهم من هذا الباب، كانت أوسع من أن تنقل بالتنصيص عليها. وإنما يمكن أن تنقل بالأقوال العامّة. أو بتلمس العلماء في ما بعد عصر الصحابة، أحكامها، بالأقيسة وغيرها من الأدلة القوية والضعيفة.\nوهذا يكشف لنا عن جانب من جوانب قوة علم الصحابة بالشريعة، ويقوي قول من قال بأن أقوالهم في شؤون الدين حجّة لازمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-391>المسألة السادسة:</span>\nذكر ابن القيم في إعلام الموقعين أمثلة كثيرة للأفعال التي أقرّ النبي - ﷺ - أصحابه عليها. فمن ذلك إقراره لهم على تلقيح النخل، وعلى تجاراتهم التي كانوا يتّجرونها، من تجارة الضرب في الأرض، وتجارة الإدارة، وتجارة السَّلَم، وكإقراره لهم على صنائعهم المختلفة، من تجارة وخياطة وصياغة وفلاحة، وإنما حرّم عليهم فيها الغش والتوسل بها إلى المحرمات، وكإقرارهم على إنشاد الأشعار المباحة وذكر أيام الجاهلية والمسابقة على الأقدام، وكإقرارهم على المناهدة في السفر، وعلى الخيلاء في الحرب ولبس الحرير فيه، وعلى لبس ما صنعه الكفار من الثياب، وعلى إنفاق ما ضربوه من الدراهم، وربما كان عليها صور ملوكهم، وكإقراره لهم بحضرته على المزاح المباح، والنوم في المسجد، وشركة الأبدان. وكإقراره لهم على ما بأيديهم من الأموال التي اكتسبوها قبل الإسلام بربا أو بغيره، ولم يأمرهم بردها ... إلخ (١).\n_________\n(١) إعلام الموقعين لابن القيم. بيروت، دار الجيل، بالأوفست عن طبعة القاهرة بتعليق طه عبد الرؤوف سعد ٢/ ٣٨٧","vol":"2","page":130},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-392>الفصل السابع الهمّ بالفعل</span>\nإن الإنسان إذا أراد أن يفعل فعلًا ما، فإن ما يرد بباله من الفكر عن ذلك والإرادة له، ينشأ ضعيفًا، ثم يتقوّى حتى يحمل صاحبه على إخراج الفعل إلى حيّز الوجود. وقد يتوقف عند بعض المراحل.\nوقد بيّن السبكي الكبير (١) في الحلبيّات، انقسام ذلك إلى درجات خمس. ونحن نذكرها تبعًا له ونبيّنها كما يلي:\n١ - الهاجس: وهو ما يُلقى في النفس دون قصد. والهاجس لا يستمرّ، بل إنما هو كومضة الضوء. وقد قال ابن سيدة: \"هَجَس الأمر في نفسي: وقع في خلدي\". وفي لسان العرب ما ينبئ عن قصر وقت الهاجس، وسرعة انقضائه، وخفاء مضمونه، وذلك أنه ذكر الهَجْس في الأصوات، فقال: الهجسة: النبأة تسمعها ولا تفهمها.\n٢ - الخاطر: وهو أن يجري في النفس ويتردد فيها. وهو أطول من الهاجس زمنًا، وأوضح منه. وأصله من قولهم: خطر البعير بذنبه، إذا رفعه مرة بعد أخرى. وقيل: إذا حركه يمينًا وشمالًا. وخطر بالسيف إذا حرّكه كذلك (٢).\n٣ - حديث النفس: وهو أن يقع في النفس الرغبة في أن يفعله، والرغبة في أن لا يفعل. فهو يتردد بين الأمرين لاشتبهاهما، ويحدّث نفسه كالمستشير.\n_________\n(١) انظر المسألة في (الأشباه والنظائر) للسيوطي ص ٣٣ وذكرها البناني في حاشية جمع الجوامع ٢/ ٤٣٢\n(٢) لسان العرب.","vol":"2","page":131},{"text":"٤ - الهمّ: وهو أن يترجّح عنده قصد الفعل على قصد الترك. قال الحماسي:\nإذا همَّ ألقَى بين عينيه عزمه ... ونكبّ عن ذكر العواقب جانبًا\nفالهمّ قبل العزم.\nثم قد يعدل عما همّ به لخطور أمر آخر بباله يرجح الترك. وقد يعزم.\n٥ - العزم: وهو قوة قصد الفعل وانعدام قصد الترك، وذلك بعد أن يكون التردد قد انتهى ولم يبق إلا الاستعداد وإمكان الفرصة. قال الله تعالى: ﴿وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكّل على الله﴾. وقال الليث: العزم ما عقد عليه قلبك من أمرٍ أنك فاعله.\nوقد بيّن في المواقف وشرحه العزم، بما يجعله هو والهمّ شيئًا واحدًا، قال: \"العزم هو جزم الإرادة، بعد التردّد الحاصل من الدواعي المختلفة المنبعثة من الآراء العقليّة، والشهوات والنفرات النفسانية. فإن لم يترجح أحد الطرفين حصل التحيّر، وإن ترجح حصل العزم\". قال: \"والعزم قد يكون سابقًا على الفعل\" (١).\nثم قد يعدل عن الفعل لطروء أمر خارجيّ لم يكن قد حسب حسابه، أو لأمر ذكره كان له ناسيًا. وقد ينحلّ عزمه لا لشيء. تقول العرب: \"فلان ما له عزمة ولا عزيمة\". أي لا يثبت على أمر عزم عليه.\nوهذه الألفاظ الخمسة ليست في الاستعمال متباينة تمام التباين وقد يستعمل أهل اللغة بعضها في مكان بعض.\nثم إن المرتبتين الأوليين، إذا وقعتا من النبي - ﷺ -، فلا دلالة فيهما قط. لأنهما من قبيل الفعل الجبليّ غير الاختياري. فإنهما يردان على النفس دون قصد.\nوأما حديث النفس، فإنه لأجل ما فيه من التردّد بين الأمرين، وعدم الميل إلى أحدهما، لا يعتبر دليلًا شرعيًا.\n_________\n(١) ٦/ ١٣٣","vol":"2","page":132},{"text":"وإنما تكلّم الأصوليون في الهم والعزم منه - ﷺ -. ونحن نجعل القول فيهما واحدًا لتقاربهما وعسر الانفصال بينهما، حتى إن بعض أهل اللغة قال: الهم هو العزم (١).\nوهذان النوعان هما فعلان نفسيان، ومن هنا دخلا في موضوع هذه الرسالة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-393>هل الهمّ بالشيء حجة</span>؟:\nإذا همّ النبي - ﷺ - بالشيء ولم يفعله، ففي دلالته على مشروعية فعل ذلك الشيء قولان:\nالأول: أن ما همّ به حجة. وقد جعله الزركشي أحد أقسام السنة. قال: ولهذا استحبّ الشافعي في الجديد للخطيب في الاستسقاء مع تحويل الرداء تنكيسَه، بجعل أعلاه أسفلَه، محتجًا بـ \"أن النبي - ﷺ - استسقى وعليه خميصة له سوداء، فأراد أن يأخذ أسفلها فيجعله أعلاها. فلما ثقلت عليه قلبها على عاتقه\" (٢).\nقال الشافعي بعد أن ذكر الحديث: \"وبهذا أقول، فنأمر الإمام أن ينكّس رداءَه فيجعل أعلاه أسفله، ويزيد مع تنكيسه فيجعل شقّه الذي على منكبه الأيمن على منكبه الأيسر، والذي على منكبه الأيسر على منكبه الأيمن، فيكون قد جاء بما أراد رسول الله من نكسه، وبما فعل من تحويله\" (٣). اهـ.\nوقال الشوكاني: قال الشافعي ومن تابعه إنه يستحب الإتيان بما همّ به - ﷺ -. ولهذا جعل أصحاب الشافعي الهمّ من جملة أقسام السنة، وقالوا يقدم القول ثم الفعل ثم التقرير ثم الهمّ.\nالثاني: أن الهمّ ليس بحجة. وممن ذهب إلى ذلك الشوكاني. قال: \"الحق أن الهمّ ليس من أقسام السنة\" قال: \"لأنه مجرّد خطور شيء على البال من دون تنجيز له. وليس ذلك مما آتانا الرسول، ولا مما أمر الله سبحانه بالتأسيّ به فيه\" (٤)\n_________\n(١) فتح الباري ١١/ ٣٢٨\n(٢) البحر المحيط ٢/ ٢٥٩ ب.\n(٣) الذي ذكره الزركشي معنى ما قال الشافعي، ونحن نقلنا النص من (الأم) للشافعي ١/ ٢٥١\n(٤) إرشاد الفحول ص ٤١","vol":"2","page":133},{"text":"ونحن نقول وبالله التوفيق: إن الهمّ بالشيء أمر نفسي لا يظهر لنا إلاّ بإحدى طريقتين\" إما أن يخبرنا به النبي - ﷺ -، وإما أن يقدم على الفعل فيحول بينه وبينه حائل فيتركه.\nالطريق الأولى: أن يخبرنا به النبي - ﷺ -.\nوحينئذٍ فلا يخلو من أحوال.\n١ - إما أن يخبرنا به على سبيل الزجر عن عمل معين. فيدلّ على تحريم ذلك العلم أو كراهته، بدلالة القول، كقوله - ﷺ -: \"لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام. ثم آمر رجلًا فيؤمّ الناس، ثم أخالف إلى رجال لا يشهدون الصلاة فأحرّق عليهم بيوتهم بالنار\" (١).\nدلّ ذلك على وجوب حضورها، وتحريم التخلف عنها، وهي دلالة قولية، من حيث إنه بيّن بقوله ما يفيد أن ما فعلوه هو ذنب.\nوكذلك حديث: \"إنه - ﷺ - رأى في بعض مغازيه امرأة مجخًّا على باب فسطاط. فقال: لعلّه يريد أن يلمّ بها؟ قالوا: نعم. قال: لقد هممت أن ألعنه لعنًا يدخل معه قبره، كيف يستخدمه وهو لا يحلّ له، أم كيف يورثه وهو لا يحلّ له؟ \".\nأما المختلف فيه فهو أن يدل الهمّ على مثل ما يدل عليه الفعل لو فعله. فهل يجوز تحريق المتخلفين، ولعن من أراد أن يفعل كفعل صاحب تلك المرأة؟ هذا موضع الإشكال. وهذا النوع يلتحق من هذه الجهة بالهم المجرّد الآتي ذكره.\n٢ - وأما أن يخبرنا بهمّه مبيّنًا لنا أنه ترك ما همّ به وعدل عنه لأنه تبيّن له أن الداعي له غير صحيح، كقوله - ﷺ -: \"لقد هممت أن أنهى عن الغيلة، حتى ذكر لي أن فارس والروم يغيلون فلا يضر ذلك أولادهم\" (٢).\nوالحكم في هذا النوع واضح.\n٣ - وإما أن يخبرنا بأنه ترك الفعل اكتفاء بغيره من الدلالات. ولا شكّ في\n_________\n(١) حديث أبي هريرة رواه البخاري ٢/ ١٥٢\n(٢) الغيلة وطء المرضعة. والحديث رواه مسلم ومالك.","vol":"2","page":134},{"text":"حجية هذا النوع. ومنه حديث عائشة أنه - ﷺ - قال: \"لقد هممت أن أرسل إلى أبي بكر فأعهد، أن يقول قائلون أو يتمنى المتمّون، ثم قلت: يأبى الله ويدفع المؤمنون\" (١).\n٤ - وإما أن يخبرنا بأنه همّ بالشيء ولم يفعله، دون زيادة. وهو الهمّ المجرّد. ومثاله حديث: \"لقد هممت أن لا أتّهب هبة إلا من قرشي أو أنصاري أو ثقفي\" (٢).\nقولنا في ذلك: الظاهر أن الهمّ لا يدلّ على مثل ما يدل عليه الفعل لو فعله. فما قال الشوكاني من أن: \"الهمّ ليس تنجيزًا للفعل\" صحيح، وينبغي أن يعتمد. فهو - ﷺ - لم يُخْرِج ما همّ به إلى حيّز الوجود، فيحتمل أن تكون هناك موانع شرعية منعته من ذلك، أو أنه - ﷺ - وجَد السبب أقلّ من أن يكون كافيًا لبناء الحكم عليه.\nفلا يتمّ القول بأن الهمّ المجرد أقسام من أقسم السنة.\nوعليه فإن استدلال البخاريّ وابن حجر وابن العربي بحديث الهمّ بتحريق المتخلفين على بعض الأحكام، فيه نظر، ومن ذلك ما بوّب عليه البخاريّ: (باب إخراج أهل الرَيب من البيوت بعد المعرفة) (٣) وما قال ابن حجر: \"فيه من الفوائد جواز العقوبة بالمال ... وفيه جواز أخذ أهل الجرائم على غرة ... واستدل به ابن العربي وغيره على مشروعية قتل تارك الصلاة متهاونًا بها ... وفيه الرخصة للإمام أو نائبه في ترك الجماعة لأجل إخراج من يستخفي في بيته ويتركها، ولا بعد أن تلحقه في ذلك الجمعة ... واستدل به ابن العربي على جواز إعدام محل المعصية كما هو مذهب مالك\" (٤).\nوأما تبويب البخاري على الحديث في موضع آخر: \"باب وجوب صلاة\n_________\n(١) حديث عائشة: \"لقد هممت أن أرسل إلى أبي بكر ... \" انفرد به البخاري.\n(٢) حديث: \"لقد هممت أن لا أتهب ... \" رواه أحمد: المسند، تحقيق أحمد شاكر ٤/ ٢٤٠ وقال: \"قال في مجمع الزوائد: رجاله رجال الصحيح، ونسبه ابن حجر في التلخيص إلى ابن حبان في صحيحه\".\n(٣) فتح الباري ١٣/ ٢١٥\n(٤) المصدر نفسه ٢/ ١٣٠","vol":"2","page":135},{"text":"الجماعة\" (١) فهو مأخوذ من الدلالة القولية. وهو استدلال صحيح، والنظر إنما هو في التعارض بينه وبين غيره من الأدلة.\nالطريق الثانية: إن يحول بينه وبين الفعل حائل جعله يترك الفعل بعد أن عالجه. وهذا النوع هو الذي قال فيه الشافعي ما قال، واعتبره حجة. ذكر ذلك في باب صلاة الاستسقاء من (الأم) كما تقدم. فجعل قلب الرداء أعلاه أسفله سنة.\nوقد أبى ذلك جمهور الفقهاء في هذا الفرع. منهم المالكية والحنابلة (٢). وانفصل ابن قدامة عن دلالة الحديث باحتمال خطأ الراوي. وأنه يبعد أن يكون النبي - ﷺ - ترك ذلك في جميع الأوقات لثقل الرداء.\nومن أمثلته أيضًا حديث: \" أنه - ﷺ - أُتِيَ بضبٍّ محنوذ فأهوى بيده ليأكل، فقيل: أخبِروا رسول الله - ﷺ - بما يريد أن يأكل. فقيل: ضب. فرفع يده\" (٣). ففيه دلالة على جواز الإقدام على أكل ما لا يعرفه، إذا لم يظهر فيه علامة التحريم.\nقولنا في ذلك: إن هذا النوع عندنا أعلى من النوع الذي قبله، لأن المانع خارجيّ، والمباشرة قد وقعت. فالقول بأنه من أقسام السنة لا يستبعد.\nوالتفريق بين النوعين واضح. فإن هذا النوع في حقيقته من أقسام العزم. والعزم أعلى أنواع الهمّ. وينبغي حمل كلام الشافعي على هذا النوع خاصة، خلافًا للزركشي الذي جعل مذهب الشافعي أن الهمّ مطلقًا من السنة.\nولا يعني هذا أننا نأخذ بما قال الشافعي ﵁ من القول بتنكيس الرداء، وذلك لما قاله ابن قدامة، ولما ورد في الحديث: \"فحوّل الناس أرديتهم\". فإذا كان الصحابة ﵃، الحاضرون معه في تلك الصلاة تابعوه فتركوا ما هم به وتركه، فأولى أن يتابعه من بعدهم. ولعلّ هذا الفعل خاصة كان مطلوبًا على الصفة التي فعلها هو - ﷺ -. والله أعلى وأعلم.\n_________\n(١) المصدر نفس ٢/ ١٢٥\n(٢) ابن قدامة: المغني ٢/ ٤٣٥\n(٣) البخاري ٩/ ٥٤٢","vol":"2","page":136},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-394>الفصل الثامن الملحقات بالأفعال النبوية</span>\nينتسب إلى محمد - ﷺ - أمور سوى الأقوال والأفعال المنتمية إلى منصب النبوة، فيحسن النظر فيها من حيث دلالتها على الأحكام، ليكون البحث مستوفى.\nوالأمور التي نعنيها هنا، هي أفعاله - ﷺ - قبل البعثة، وشمائله النفسية، وفعله في المنام برؤياه هو أو برؤيا غيره. وما فعل به - ﷺ - بعد الوفاة.\nفنعقد لكل من ذلك مبحثًا، ونتبعها بمبحث في أفعال الله ﷿. ومبحث في تقريره.","vol":"2","page":137},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-395>المبحث الأوّل أفعاله - ﷺ - قبل البعثة</span>\nكانت بعثته - ﷺ - حدًا فاصلًا بين عهدين: عهد كان فيه بشرًا كسائر البشر غير متميّز عنهم بشيء، ولم يطالَب أحد من معاصريه بأن يقتدي بشيء من قوله أو من فعله، فهو يسير بينهم واحدًا منهم؛ وعهدٍ آخر كان فيه رسولًا من الله للعالمين.\nوقد اختلف الأصوليون هل كان - ﷺ - في العهد الأول متعبّدًا بشرع سماويّ؟.\nفمنهم من أثبت ذلك، ونسب القرافي هذا المذهب إلى الإمام مالك (١).\nومنهم من نفاه، ونسبه ابن الهمّام إلى المالكية والمتكلّمين، فمنعته المعتزلة، وقال الباقلاني يجوز ولم يقع (٢).\nوهي مسألة يتداولها الأصوليون. ولكن قال القرافي: \"قال المازري وإمام الحرمين: هذه المسألة لا تظهر لها ثمرة في الأصول ولا في الفروع ألبتة، بل تجري مجرى التواريخ. ولا ينبني عليها حكم في الشريعة\" (٣).\nوقد نقل أصحاب السِّيَر وأصحاب السنن كثيرًا من أفعاله وأحواله - ﷺ - قبل البعثة. وليس المراد بنقولهم هذه أن تكون موضعًا لاستنباط الأحكام الشرعية. والاقتداء بما قال أو فعل. وإنما كان مرادهم أن ينقلوا ما يستدلّ به على أحواله التي\n_________\n(١) القرافي: شرح تنقيح الفصول ص ١٣٠\n(٢) تيسير التحرير ٣/ ١٣٠\n(٣) القرافي: شرح تنقيح الفصول ص ١٣٠","vol":"2","page":138},{"text":"تنفع في المعرفة بنبوّته وصدقه. قال ابن تيمية: \"فهذه الأمور ينتفع بها في دلائل. النبوّة كثيرًا. ولذلك يُذكَر مثل ذلك في كتب سيرته، كما يذكر فيها نسبه وأقاربه، وغير ذلك مما يعلم به أحواله\" (١).\nومثال ذلك ما ذكرته خديجة حين قالت (٢): \"كلاّ والله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلّ، وتقري الضيف، وتكسب المعدوم وتعيّن على نوائب الحق\".\nولهذا كان أعلم الناس به - ﷺ - أسرعهم إلى تصديقه، لما يعلمون من صدقه وأمانته.\nثم ذكر ابن تيمية أن كتب الحديث أخصّ بما بعد النبوّة، وقد تذكر أشياء مما حدث قبل النبوة، ولكنها \"لا تؤخذ لتشرع ... بل قد أجمع المسلمون على أن الذي فرض (الله) على عباده الإيمان به والعمل هو ما جاء به بعد النبوة. ولهذا كان من ترك الجماعة وتخلّى في الغيران والجبال، حيث لا جمعة ولا جماعة، وزعم أنه يقتدي بالنبي - ﷺ -، لكونه متحنّثًا في غار حراء قبل النبوة، في ترك ما شرع من العبادات الشرعية التي أمر الله بها رسوله، كان مخطئًا. فإنه بعد أن كرمه الله بالنبوّة لم يكن يفعل ما فعله قبل ذلك من التحنث\".\nوهذا الكلام الذي ذكره ابن تيمية حق. إلاّ أنه يعرض النظر في أن الله تعالى، وإن لم يكن قد كلّف محمدًا - ﷺ - بأعباء الرسالة، لكنه قد صنعه على عينه، وجده يتيمًا فآواه، وعائلًا فأغناه، وأدّبه فأحسن تأديبه. وهذا يقتضي أن بعض العادات التي تميّز بها، وأُثرت عنه في ذلك العهد، يمكن أن تكون موضع قدوة. وهذا إنما يكون في ما يظهر حسنه ولا يخالف شرعًا. وقد وجدنا البخاري قال في صحيحه: باب كراهة التعرّي في الصلاة وغيرها. ولم يذكر فيه إلا حديث جابر: \"إن رسول الله - ﷺ - كان ينقل معهم الحجارة للكعبة وعليه إزاره، فقال له عمه العباس: يا ابن أخي، لو حلّلت إزارك فجعلته على منكبيك دون الحجارة\". قال: \"فحلّه فجعله على منكبيه، فسقط مغشيًا عليه. فما رؤي بعد ذلك عريانًا\" (٣).\n_________\n(١) الفتاوى الكبرى ١٨/ ١٠\n(٢) البخاري ١/ ٢٢ ومسلم.\n(٣) صحيح البخاري ١/ ٤٧٤","vol":"2","page":139},{"text":"ويحتمل أن البخاري احتجّ به من جهة ما في قوله: \"فما رؤي بعد ذلك عريانًا\"، فإنها تشمل ما بعد النبوّة. ولكن قال ابن حجر: \"فيه أنه - ﷺ - كان مصونًا عما يستقبح قبل النبوّة وبعدها\".\nوروى أبو داود في كتاب الأدب من سننه قول السائب لرسول الله - ﷺ -: \"كنت شريكي فنعم الشريك، كنت لا تداري ولا تماري\" (١).\n_________\n(١) أبو داود ١٣/ ١٨١ وأحمد ٣/ ٤٣٥","vol":"2","page":140},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-396>المبحث الثاني الشمائل النفسيّة (الأخلاق)</span>\nالخلق ملكة تصدر عنها الأفعال بلا رويّة (١).\nوالأخلاق التي كان عليها النبي - ﷺ - جَبَله الله تعالى عليها، ولذلك لم تكن محلًا للتكليف، لأن التكليف بالمقدور، والجبليّ ليس مقدورًا.\nويقول ابن عبد السلام: \"كل صفة جبلية لا كسب للمرء فيها كحسن الصور، واعتدال القامات، وحسن الأخلاق، والشجاعة، والجود، والحياء والغيرة، والنخوة، وشدة البطش، ونفوذ الحواس، ووفور العقل، فهذا لا ثواب عليه، مع فضله وشرفه، لأنه ليس بكسب لمن اتّصف به. وإنما الثواب والعقاب على ثمراته المكتسبة\" (٢).\nفالأفعال الصادرة عن هذه الصفات، يمكن أن تكون موضع قدوة. وقد بيّنا ما يقتدي به من ذلك في هذه الرسالة. لكن المقصود هنا البحث في أن صفاته - ﷺ - نفسها. هل تكون موضع قدوة؟.\nومقصودنا بذلك: هل نحن مكلّفون بتحصيل أمثال تلك الأخلاق العالية التي كان عليها - ﷺ -؟.\nإن ما تقدم نقله عن عز الدين بن عبد السلام، يفهم منه أن التكليف لا يتعلق بتلك الصفات أصلًا.\nولكن الذي أثبته علم النفس وعُرف بالتجارب، أن كثيرًا من الصفات\n_________\n(١) شرح المواقف ٦/ ١٢٩\n(٢) قواعد الأحكام ١/ ١١٧","vol":"2","page":141},{"text":"النفسية يمكن تحصيلها بالدُّربة والتعلم والتخلّق. فالجود والشجاعة والحياء والغيرة والنخوة وشدة البطش واللطف والعنف، ونحو ذلك، وإن كان بعضها جبليًا، كما يلاحظ في الفروق بين الأطفال، إلا أن المران والتعليم والتدريب العملي، كافية لإحيائها في النفوس، أو تعديلها إن كانت موجودة على وضع منحرف. والنفوس بطبعها مجبولة على تقبّل ذلك التعليم. وكما هو ملاحظ في التدريب البدنيّ العضليّ أنه يكسب العضلات قوة ومتانة، ويعطيها استعدادًا لمواجهة الأمور الحيويّة بكفاءة أكثر، فكذلك القوى النفسية، هي مهيأة لذلك. فإن اعتنُي بها نبتت ونمت، وإلاّ ضعفت وماتت. وفي حديث أبي سعيد: \"أن النبي - ﷺ - قال لأشَجّ عبد القيس: إن فيك خصلتين يحبّهما الله: الحلم والأناة. قال: يا رسول الله، أنا أتخلق بهما أم الله جبلني عليهما؟ قال: بل الله جبلك عليهما\" (١). فإن جواب النبي - ﷺ - يفهم منه أن هاتين الخصلتين يمكن أن يتخلق الإنسان بهما.\nوربما كان مقصود ابن عبد السلام ما ذكره الشاطبي من أن الصفة، كالعلم، وإن لم تكن مكتسبة، إلا أن مقدماتها التي تنتجها، كالنظر والبحث يمكن أن تكون مكتسبة.\nفهذا يمكن أن يسلّم.\nونبني عليه فنقول: إن أخلاقه - ﷺ - قد أثنى الله تعالى عليها بقوله: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ (٢)، وكثير منها لم يكن سعى لتحصيله، بل جبله الله تعالى عليه. فالاقتداء به ليس من قبيل الاقتداء بالفعل، وهو مع ذلك مطلوب بأن يتخلق المسلم بما كان خلقًا لرسول الله - ﷺ -، كالجود والحياء والشجاعة.\nودليل طلبها، ما ذكرته من ثناء الله تعالى على خلقه، فهو تنبيه على التخلق بمثله. ومن أدلته أيضًا قوله تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ فإنها في كل شؤونه - ﷺ -، لا في أفعاله خاصة.\n_________\n(١) أبو داود ١٤/ ١٣٦ وهذا لفظه وأصله عند مسلم ١/ ١٩٢ والقصة بأتم من ذلك في مسند أحمد ٤/ ٢٠٦\n(٢) سورة القلم: آية ٥","vol":"2","page":142},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-397>المبحث الثالث فعله - ﷺ - في الرؤيا</span>\nإذا رأى النبي - ﷺ - نفسَه في المنام يفعل فعلًا، أو رآه غيره من معاصريه أو ممن بعدَه يفعل فعلًا، فهل ذلك الفعل محل قدوة، كغيره من الأفعال المقتدى بها؟.\nواضحٌ انقسام المسألة إلى قسمين، فنعقد لكل منهما مطلبًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-398>المطلب الأوّل إذا رأى النبي - ﷺ - نفسه، يفعل فعلًا، فرؤيا الأنبياء حق</span>.\nوقد نقل القرطبي أن ابن عباس قال: \"رؤيا الأنبياء وحي\". واستدلّ بقوله تعالى عن إبراهيم: ﴿قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر﴾ (١) فهل كان رأى أنه يذبح ابنه وكان ذلك أمرًا؟ هذا هو الظاهر، وعليه اقتصر الأسنوي (٢). واحتجّ من الآية بثلاثة أوجه: قول إسماعيل: ﴿افعل ما تؤمر﴾، وقوله تعالى: ﴿إن هذا لهو البلاء﴾ وقوله: ﴿وفديناه﴾.\nويحتمل أنه رأى آمرًا يأمره أن يذبح ولده (٣).\n_________\n(١) سورة الصافات: آية ١٠٢\n(٢) نهاية السول ٢/ ٣٣\n(٣) ذكر القرطبي هذا الاحتمال.","vol":"2","page":143},{"text":"فعلى الأول تكون رؤيا النبي - ﷺ - أنه يفعل فعلًا: أمرًا له بالوحي، أن يفعل ذلك الشيء. وقد يكون وعدًا بتحقيق ذلك وبشارةً به.\nفمثال ما هو أمر ما في حديث أبي موسى أن النبي - ﷺ - قال: \"رأيت في المنام أني أهاجر إلى أرض بها نخل، فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو هجر فإذا هي يثرب\" (١).\nومثال الرؤيا التي هي وعد وبشرى: ما روى الطبري عن ابن عباس في تفسيره قوله تعالى: ﴿وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلاّ فتنة للناس﴾ (٢) قال: \"يقال: إن النبي - ﷺ - أُري أنه دخل مكة هو وأصحابه وهو يومئذٍ بالمدينة. فعجل رسول الله - ﷺ - السير إلى مكة قبل الأجل، فردّه المشركون. فقال أناس: قد رُدّ رسول الله - ﷺ - وقد كان حدّثنا أنه سيدخلها. فكانت رجعته فتنتهم\" (٣). اهـ.\nثم كان تأويل رؤياه تلك، عمرة القضاء في السنة التالية.\nوقد تكون رؤياه خبرًا عن حكم شرعي، كرؤيته - ﷺ - ليلة القدر أنها في إحدى العشر الأواخر من رمضان ثم أنسيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-399>المطلب الثاني من رأى في المنام النبي - ﷺ - يفعل</span>\nعقد البخاري في كتاب التعبير من صحيحه، بابًا بعنوان (من رأى النبي - ﷺ - في المنام) فذكر فيه حديثًا بألفاظ مختلفة. منها رواية أنس ﵁، قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: \"من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثّل بي\". ورواية أبي سعيد: \"من رآني فقد رأى الحقّ، فإن الشيطان لا يتكوّنني\".\n_________\n(١) البخاري ٦/ ٦٢٧ ورواه مسلم.\n(٢) تفسير الطبري. ط مصطفى الحلبي ١٣٧٣هـ - ١٥/ ١١٢\n(٣) سورة الإسراء: آية ٦٠","vol":"2","page":144},{"text":"وذكر ابن حجر في تفسير هذا الحديث أقوالًا مختلفة، ثم قال: \"قال القرطبي والصحيح في تأويله أن مقصوده أن رؤيته في كل حال ليست باطلة، ولا أضغاثًا، بل هي حق في نفسها. ولو رؤي على غير صورته، فتصوُّرُ تلك الصورة ليس من الشيطان، بل هو من قبل الله، وقال: هذا قول القاضي أبي بكر\" (١). اهـ.\nثم قد قال ابن أبي جمرة: \"قيل: معناه أن الشيطان لا يتصوّر بصورته أصلًا، فمن رآه في صورة حسنة، فذلك حسن في دين الرائي، وإن كان في جارحة من جوارحه شين أو نقص فذلك خلل في الرائي من جهة الدين. قال: وهذا هو الحق. فعلى قول القرطبي وابن أبي جمرة، كل رؤية له - ﷺ - المنام فهي حق\" (٢).\nأما القرافي فقد قال: \"إنما تصح رؤية النبي - ﷺ - لأحد رجلين\" (٣):\n١ - صحابي رآه فعلم صفته، فانطبع في نفسه مثاله، فإذا رآه جزم بأنه رأى مثاله المعصوم من الشيطان، فينتفي عنه اللبس والشك في رؤيته - ﷺ -.\n٢ - ورجل تكرّر عليه بسماع صفاته - ﷺ - المنقولة في الكتب حتى انطبعت في نفسه صفته - ﷺ - ومثاله المعصوم. فإذا رآه جزم برؤية مثاله، كما يجزم به من رآه، فينتفي عنه اللبس والشك في رؤيته - ﷺ -.\nوأما غير هذين فلا يحصل له الجزم. بل يجوز أن يكون رآه بمثاله، ويحتمل أن يكون من تخييل الشيطان. ولا يفيد قول المرئي لمن رآه: أنا رسول الله، ولا قول من يحضر معه: هذا رسول الله. لأن الشيطان يكذب لنفسه ويكذب لغيره، فلا يحصل الجزم\". اهـ.\nوهذا التحقيق موافق لما روي عن ابن سيرين: \"أنه كان إذا قصّ عليه رجل أنه رأى النبي - ﷺ - قال: صف لي الذي رأيته. فإن وصف له صفة لا يعرفها، قال له: لم تره\" (٤).\n_________\n(١) فتح الباري ١٢/ ٣٨٦\n(٢) المصدر نفسه ١٢/ ٣٩١\n(٣) الفروق ٤/ ٢٤٤\n(٤) أصله عند البخاري تعليقًا ١٢/ ٣٨٣","vol":"2","page":145},{"text":"فعلى هذا القول: ليس كل من رأى شخصًا قيل له إنه رسول الله، قد رآه حقًّا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-400>أخذ الأحكام الشرعية من فعله - ﷺ - في الرؤيا:</span>\nظاهر قوله - ﷺ -: \"إن الشيطان لا يتمثّل بي\" أن قوله وفعله في المنام بدرجة قوله وفعله في اليقظة، بل أقوى، لقلة الوسائط، وخاصّة بالنسبة إلى الرائي نفسه.\nولكن لو كان كذلك، وجب تقديم ذلك على ما نقل إلينا من الشريعة. وقد نقل الشوكاني عن أبي إسحاق: \"أن رؤيته - ﷺ - في المنام حجة\" (١).\nوقد أبى جمهور العلماء هذه الطريقة، واتفقوا على أن أي شيء مما ينتج عن الرؤيا إذا خالف الشريعة مردود، وإن وافقها، فهو أمارة يؤتنس بها. وإن لم يوافقها ولم يخالفها جاز العمل بها، كما يعمل بأنواع الخواطر السانحة والإلهامات. فلا بدّ من عرضها على الشريعة على كل حال.\nوأجابوا عن الحديث بأجوبة:\nمنها: ما ذهب إليه النووي: أن الرائي وإن كانت رؤياه حقًا، ولكن لا يجوز إثبات حكم شرعي بما جاء فيها، قال: \"لأن حالة النوم ليست حالة ضبط وتحقيق لما يسمعه الرائي. وقد اتفقوا على أن من شروط من تقبل روايته وشهادته أن يكون متيقظًا لا مغفّلًا ولا كثير الخطأ، ولا مختلّ الضبط. والنائم ليس بهذه الصفة\" (٢).\nومنها: ما ذهب إليه ابن الحاجّ: \"أن الله لم يكلّف عباده بشيء مما يقع لهم في منامهم لقوله - ﷺ -: رفع القلم عن ثلاثة ... عدّ منهم \"النائم حتى يستيقظ\" لأنه إذا كان نائمًا فليس من أهل التكليف، فلا يعمل بشيء يراه في نومه\" (٣).\n_________\n(١) إرشاد الفحول ص ٢٤٩\n(٢) المصدر السابق ص ٣٠٠\n(٣) عزت عيد عطيه: البدعة ص ٢٩٩","vol":"2","page":146},{"text":"ومنها: ما قال ابن الحاجّ أيضًا: \"أن الشرع حثّ على التمسّك بالكتاب والسنة، فإن خالفتهما الرؤيا علم أنها غير حق، وأن ما فيها من الكلام ألقاه الشيطان له في ذهنه، والنفس الأمّارة\".\nوحاصل هذا الوجه أن الحديث دلّ على صحة رؤية مثاله - ﷺ -، ولم يدلّ على صحة الكلام الذي يسمع منه.\nوهذا الجواب لا يتأتى في الأفعال.\nومنها: ما قال ابن رشد وحاصله يرجع إلى أن المرئي قد يكون غير النبي - ﷺ - وإن اعتقد الرائي أنه هو. ومعنى الحديث عنده: \"من رآني على صورتي التي خلقني الله عليها، فقد رآني، إذ لا يتمثل الشيطان بي\" (١).\nومنها: ما قال الشوكاني: \"إن الشرع الذي شرعه الله لنا قد كمّله الله ﷿، وقال: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ ... ولم يبق بعد ذلك حاجة للأمة في أمر دينها، وقد انقطعت البعثة لتبليغ الشرائع وتبيينها بالموت ... وبهذا تعلم أنا لو قدرنا ضبط النائم لم يكن ما رآه من قوله - ﷺ - أو فعله حجة عليه ولا على غيره من الأمة\" (٢). اهـ.\nوهذا عندي هو الوجه المعتمد في الجواب، وأما ما تقدمه من الأجوبة ففيها نظر.\nفالخلاصة ما قال الشاطبي: \"على الجملة فلا يستدل بالرؤيا في الأحكام إلا ضعيف المنّة. نعم يأتي المرئيّ تأنيسًا وبشارة ونذارة خاصة، بحيث لا يقطعون بمقتضاها حكمًا، ولا يبنون عليها أصلًا. وهو الاعتدال في أخذها حسب ما فهم من الشرع فيها\" (٣).\n_________\n(١) الاعتصام للشاطبي ١/ ٢٦٢\n(٢) إرشاد الفحول ص ٢٤٩\n(٣) الاعتصام للشاطبي ١/ ٢٦٤","vol":"2","page":147},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-401>المبحث الرّابع ما فعل به ﷺ بعد موته</span>\nجعل ابن حبان الأحاديث الواردة في هذا المعنى بابًا في قسم الأفعال من صحيحه (١). وليس ذلك من فعل النبي - ﷺ - في الحقيقة.\nويذكر المحدثون والفقهاء (٢) أشياء من ذلك.\nمنها: أنه: \"كُفِّن في ثلاثة أثواب بيض سَحُولِيّةٍ من كرسف ليس فيها قميص ولا عمامة\" (٣).\nومنها: \"أنه غُسل وعليه ثيابه\".\nومنها: \"أن الصحابة صلّوا عليه فرادى\" (٤).\nومنها: أنّه: \"لما توفي كان رجل يلحَدُ والآخر يَضْرَحُ، فقالوا نستخير ربنا ونبعث إليهما، فأيهما سبق تركناه. فأرسل إليهما، فسبق صاحب اللّحد فلَحَدوا له\" (٥). وقال عمرو بن العاص عند وفاته: \"الحدوا لي لحدًا، وانصبوا علي اللبن نصبًا، كما فعل برسول الله - ﷺ -\" (٦).\n_________\n(١) صحيح ابن حبان ١/ ١٠٨\n(٢) انظر في ذلك مثلًا: نيل الأوطار ٤/ ٣٦ وما بعدها.\n(٣) البخاري ٣/ ١٤٠ عن عائشة. والسحولية: نسبة إلى بلد كانت تصنع بها. والكرسف: القطن.\n(٤) ورد ذلك في حديث ابن ماجه. وسنده ضعيف (نيل الأوطار ٤/ ٤٤).\n(٥) أحمد وابن ماجه (نيل الأوطار ٤/ ٨٥) واللحد الشق في جانب القبر، والضرح الشق في وسط القبر.\n(٦) أحمد ومسلم (نيل الأوطار ٤/ ٨٥).","vol":"2","page":148},{"text":"ومنها: \"أنه دفن حيث مات، في بيت عائشة ﵂، وتولّى دفنه فيه علي بن أبي طالب ﵁\".\nومنها: \"أن قبره كان مسنمًا (١). ولم يكن مشرفًا ولا لاطئًا (٢) \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-402>وجه الاحتجاج بذلك:</span>\nإنما يحتجّ بما فعل به - ﷺ - عند الدفن من وجهين:\nالأول: أن الله تعالى لم يكن ليختار لرسوله - ﷺ - إلا الأفضل. واقتصر على هذا الوجه ابن حجر (٣) في قضية نوع ثياب الكفن وعددها. وأشار إليه بعض الصحابة في قضية اللحد والشق، فإنهم لما أرسلوا إلى الذي يلحد والذي يشق، قالوا: \"نستخير ربنا\".\nوفي هذا الوجه عندي نظر، إذ ليس بمتعيّن أن الله تعالى يختار لرسوله أفضل الأشياء، فإن القبر منزل من المنازل، وكما كان الله تعالى ييسر لرسوله - ﷺ - أنواعًا من المآكل والمشارب والمنازل والمراكب، فلا تُدَّعى أفضلية شيء منها على شيء، أو على ما عداها، فكذلك هذا النوع.\nالوجه الثاني: أنه فعل من أفعال الصحابة أو قول من أقوالهم. وهذا عندي أولى.\nفإن قيل بهذا الوجه، كان مؤخرًا عما ورد من قول النبي - ﷺ - وفعله وتقريره عند التعارض وهو الصواب.\nوإن قيل بالوجه الأول كان مقدمًا على قوله - ﷺ - وفعله وتقريره.\n_________\n(١) البخاري (نيل الأوطار ٤/ ٨٩).\n(٢) أبو داود (نيل الأوطار ٤/ ٨٩).\n(٣) فتح الباري ١٢/ ١٣٥","vol":"2","page":149},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-403>المبحث الخامس أفعال الله تعالى</span>\nهذا نوع من أصول الأحكام قلّ من ذكره من الأصوليين. وقد قال ابن تيمية: \"الأصل قول الله تعالى، وفعله، وتركه القول، وتركه الفعل، وقول رسول الله - ﷺ -، وفعله، وتركه القول، وتركه الفعل. وإن كانت جَرَت عادة عامة الأصوليين أنهم لا يذكرون من جهة الله إلا قوله الذي هو كتابه، ومن جهة رسول الله - ﷺ - ... قوله وفعله وإقراره\" (١). اهـ.\nوقد تعرّض الرازي لبيان الله تعالى فصرّح باستحالته بالإشارة. ورأى القرافي (٢) أن ذلك تنبيه من الرازي على استحالة بيانه تعالى بالفعل والكتابة أيضًا، وبيّن القرافي أن ذلك من الرازي تناقض. لتصريحه بجواز البيان بالقول، ولا فرق بين الأمرين.\nوقال السمعاني: \"يقع البيان من الله تعالى بالقول والفعل والكتابة والتنبيه على العلة، ولا يقع بالإشارة\" (٣). اهـ.\nويمثّل للاستدلال بفعله تعالى: بعذابه للمنذَرين، فإنه دليل على تحريم ما فعلوه، ووجوب ما أُمروا به. فهذا في الاستدلال بطريق اللزوم.\nوأما الاستدلال على أن نعمل مثل ما عمل، فقد قال الحنابلة ومالك والشافعي في أحد قوليه برجم اللائط بكرًا كان أو ثيبًا. واحتجّ بعضهم لذلك: \"بأن الله تعالى عذّب قوم لوط بالرجم، فينبغي أن يُعاقَب من فعل مثل فعلهم بمثل\n_________\n(١) المسودة ص ٢٩٨\n(٢) شرح تنقيح الفصول ص ١٢٣\n(٣) نقله الشوكاني في إرشاد الفحول ص ١٧٣","vol":"2","page":150},{"text":"عقوبتهم\" (١). وروى ابن عباس: \"ينظر أعلى بناء في القرية فيرمى به منكّسًا ويتبع الحجارة\" (٢) وأيّد الشوكاني هذه الطريقة في الاستدلال، فقال: \"حقيقٌ بمن أتى بفاحشة قوم ما سبقهم بها أحد من العالمين أن يصلى من العقوبة بما يكون في الشدة والشناعة كعقوبتهم\".\nوقيل إنه كالزنا سواء. وقيل لا حدّ عليه لأنه ليس بزنا، وهو قول أبي حنيفة.\nوفي الحديث عن عبد الله بن مسعود عن النبي - ﷺ -، قال: \"لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر\". قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنة. قال: \"إن الله جميل يحب الجمال. الكبر بطر الحق وغمط الناس\" (٣). فاستدلّ بكونه تعالى جميلًا يحب الجمال على جواز محبة الجمال ومشروعيته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-404>قولنا في ذلك:</span>\nأما الطريقة الأولى، وهي الاستدلال بالفعل على لازمه، فهي طريق سالكة، لا عوج فيها، وكل ما ذكره الله تعالى في القرآن من قصص الأمم مع أنبيائها، وما فعله الله تعالى بأعداء الأنبياء، فإنما ذكره لنعتبر، فنعلم حرمة ما عاقبهم الله تعالى عليه ونخاف من أن يوقع الله تعالى مثله بنا إن نحن فعلنا مثل فعلهم، لقوله تعالى: ﴿فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾ (٤).\nوأما الطريقة الثانية، وهي أن نفعل مثل فعله، كأن نعاقب اللائط بمثل ما عاقبه تعالى به، فهو باب واسع، لو كان حجّة للزم تتبع جزاءاته تعالى للمحسنين في الدنيا والآخرة، والعمل على نمطها. وكذلك عقوباته للعاصين. وللزم مثل ذلك، سواء ذكر في القرآن، أو شاهده الناس عيانًا، أو علم بطريق ما. وذلك\n_________\n(١) ابن قدامة: المغني ٨/ ١٨٨\n(٢) رواه البيهقي (نيل الأوطار ٧/ ١٢٣)\n(٣) رواه مسلم ٢/ ٨٩\n(٤) سورة الحشر: آية ٢","vol":"2","page":151},{"text":"شيء لا ينضبط. وقد نهى النبي - ﷺ - عن التعذيب بالنار. وقال: \"لا تعذّبوا بعذاب الله\" (١). فهذا نهي مصادم لهذا النوع من الاستدلال.\nومثله فرار الحجر بثوب موسى حتى رؤي عريانًا، فلا يجوز أن يستدل به على جواز تعرية الرجل لتبرئته مما يُنْبَزُ به. والله تعالى يفعل ما يشاء.\nفالذي نراه أن هذا النوع من الاستدلال باطل.\nونستثني من ذلك أمورًا:\nالأول: أن نحب ما أحب الله تعالى، وأن نكره ما يكره. فإنه تعالى لا يحب إلّا ما هو خير وحق، ولا يكره إلا ما هو باطل وإثم. وإنما يحصل لنا العلم بما يحبه الله ويكرهه بالشرع من الكتاب أو السنة. وفي الحديث، ينادي جبريل: \"إن الله يحب فلانًا فأحبوه\" (٢). وفي الحديث الآخر: \"نحب بحبّك من أحبك، ونعادي بعداوتك من عاداك\" (٣).\nالثاني: بعض ما يتردد بين الحسن والقبح إذا ورد أنه تعالى يفعله، يعلم أنه حسن وإن كان يتوهم فيه النقص، ويكون فعله تعالى دليلًا على أنه لا نقص فيه، وذلك كقوله تعالى: ﴿والله لا يستحيي من الحق﴾ (٤) يدل على جواز مباشرة العمل إذا كان حقًا ولا يمنع الحياء من ذلك.\nوكاستدراجه لأعدائه، ومكره بالماكرين، وكيده للكائدين (٥) ولعنه للكافرين، فكل ذلك جائز بدلالة فعله تعالى.\nالثالث: ما ظهر لنا حسنه ولم يعارضه دليل شرعي، كقوله تعالى؛ ﴿ويؤتِ كلَّ ذي فضل فضله﴾ يصحّ الاحتجاج به على استحباب إنزال أهل الكفاءات في منازلهم، والإكثار من الخير للناس بقدر أعمالهم، ونقض طريقة المساواة بين الناس مع تفاوت فضائلهم وأفعالهم. وكقول النبي - ﷺ -: \"إذا مرض العبد أو سافر كُتب\n_________\n(١) أحمد ١/ ٢١٧\n(٢) البخاري ٦/ ٣٠٣\n(٣) الترمذي ٩/ ٣٧٠ من حديث طويل. وقال: غريب.\n(٤) سورة الأحزاب: آية ٥٣\n(٥) انظر أعلام الموقعين ٣/ ٢٣١","vol":"2","page":152},{"text":"له من الأجر ما كان يعمله وهو صحيح مقيم\" (١). يصح الاستدلال به على إعطاء الموظّفين والعمّال مثل أجورهم إذا كان تعطّلهم لعذر صحيح.\nومن هذا النوع أيضًا ما ذكر الشاطبي (٢)، وهو عادة الله تعالى في إنزال القرآن، وخطاب الخلق به، ومعاملته بالرفق والحسنى، وأن استفادة ذلك راجع إلى الاقتداء بأفعاله تعالى، فعدّ الشاطبي من هذا عدم المؤاخذة قبل الإنذار، أخذه من قوله تعالى: ﴿وما كنّا معذبين حتى نبعث رسولًا﴾ وعد من ذلك أيضًا ترك المؤاخذة بالذنب لأول مرة، والحلم عن تعجيل العذاب للمعاندين.\nوكتدرجه تعالى في الأمر بالتكاليف الشاقة، والنهي عما ألفه الناس حتى صار كالطبع لهم.\nونحن نرى الأخذ من هذه الأنواع، مع الحذر والاحتياط، والتنبيه إلى أن الله ليس كمثله شيء، وأن ذلك يقتضي التمايز في الأفعال، فليس كل شيء يحسن منه تعالى هو حسنًا منا. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-405>الأوجه الفعلية لقوله تعالى:</span>\nيصح استفادة الأحكام من الآداب البيانية القرآنية، على ما يذكره البلاغيون وقد ذكر الشاطبي لذلك أمثلة سبعة، نقتبسها باختصار تتميمًا للفائدة.\n١ - أن القرآن حين أتى بالنداء من الله للعباد، أتى بحرف النداء المقتضي للبعد، نحو قوله: ﴿يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله﴾ (٣).\nوحين أتى بالنداء من العباد لله، ترك حرف النداء، استشعارًا للقرب، فيحصل بالاقتداء بالتعبير القرآني تعلّم هذا الأدب.\n٢ - أن نداء العبد لله جاء في القرآن بلفظ (الرب) في عامة الأمر، تنبيهًا\n_________\n(١) البخاري ٦/ ١٣٦ وأبو داود.\n(٢) الموافقات ٣/ ٣٧٦\n(٣) سورة الزمر: آية ٥٣","vol":"2","page":153},{"text":"وتعليمًا لأن يأتي العبد في دعائه بالاسم المقتضى للحال المدعوّ بها. ومثاله قوله تعالى: ﴿ربنا لا تزغ قلوبنا﴾ (١) وقوله: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ (٢).\n٣ - أتى بالكناية في الأمور التي يستحيا من التصريح بها، كقوله: ﴿من قبل أن تمسوهن﴾ ﴿فأتوهن﴾ ﴿كانا يأكلان الطعام﴾.\n٤ - أتى بالالتفات الذي ينبىء في القرآن عن أدب الإقبال من الغيبة إلى الحضور إذا كان الحال يستدعي ذلك، نحو ﴿مالك يوم الدين * إياك نعبد﴾ ﴿عبس وتولى أن جاءه الأعمى * وما يدريك لعلّه يزَّكّى﴾.\n٥ - الأدب في ترك التنصيص على نسبة الشر إلى الله تعالى، كقوله: ﴿بيدك الخير﴾ (٣) ولم يُرْدِفْه بقول: ﴿والشر﴾. ونحو قوله: ﴿والذي هو يطعمني ويسقين * وإذا مرضت فهو يشفين﴾ (٤) لم يقل ﴿وإذا أمرضني فهو يشفين﴾.\n٦ - الأدب في المناظرة أن لا يفاجئ بالردّ كفاحًا، دون التقاضي بالمجاملة والمسامحة كقوله تعالى: ﴿وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين﴾ (٥). وقوله: ﴿قل إن افتريته فعليّ إجرامي﴾ (٦).\n٧ - الأدب في إجراء الأمور على العادات في التسبّبات وتلقّي الأسباب منها، أخذًا من مساقات الترجيات العادية، كقوله تعالى: ﴿عسى أن يبعثك ربك مقامًا محمودا﴾ (٧) وقوله: ﴿لعلكم تتقون﴾ ﴿لعلكم تذكّرون﴾.\nثم قال الشاطبي بعد إيرادها: \"إن هذه الأمثلة، وما جرى مجراها، لم يُسْتَفد الحكم فيها من جهة وضع الألفاظ للمعاني، وإنما استفيد من جهة أخرى، هي جهة الاقتداء بالأفعال\" (٨).\n_________\n(١) سورة آل عمران: آية ٨\n(٢) آخر سورة البقرة.\n(٣) سورة آل عمران: آية ٢٦\n(٤) سورة الشعراء: آية ٧٩، ٨٠\n(٥) سورة سبأ: آية ٢٤\n(٦) سورة هود: آية ٣٥\n(٧) سورة الإسراء: آية ٧٩\n(٨) الموافقات ٢/ ١٠٤ - ١٠٧","vol":"2","page":154},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-406>المبحث السادس تقرير الله تعالى</span>\nليس تقرير الله تعالى حجة، فإنه يملي للظالمين ويمهلهم إلى أجل لا ريب فيه، وقد يعفو ويغفر، فذلك حقه تعالى. وقال ﷿: ﴿ولو شاء الله ما فعلوه﴾ (١).\nوقد احتجّ الكفرة بتقرير الله لهم على ما كانوا عليه من الشرك والافتراء، فرد الله عليهم حجتهم، قال: ﴿سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرّمنا من شيء كذلك كذّب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علمٍ فتخرجوه لنا إن تتبعون إلاّ الظنّ وإن أنتم إلاّ تخرُصون﴾ (٢).\nويتعيّن النظر في نوعين من تقريره تعالى، رأى بعض العلماء أنها حجة:\nالئوع الأول: تقريره لما يذكره في كتابه من القضايا. فكل قضيّة ذكرت في القرآن ولم ينبه الله تعالى على بطلانها فهي قضية حق. وكل فعل أو أمر أو نهي صدر عن أحد في القرآن فهو حق إلاّ إذا نبّه على بطلانه.\nوالدليل لهذا النوع أمران:\n١ - أنه باستقراء آيات الكتاب وجدت العادة أنه إذا حكى أمرًا لا يرضاه أو ذكر شيئًا يوهم غير المراد، فإنه يشير إلى بطلانه، أو يأتي بما يدفع الوهم وينفي الاحتمال، ومثاله قوله تعالى: ﴿وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبًا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا﴾ -إلى قوله- ﴿ساء ما يحكمون﴾ (٣). وقوله: ﴿ففهّمناها سليمان وكلًا آتينا حُكمًا وعلمًا﴾ (٤) وقوله: ﴿إذا جاءك المنافقون قالوا\n_________\n(١) سورة الأنعام: آية ١٣٧\n(٢) سورة الأنعام: آية ١٤٨\n(٣) سورة الأنعام: آية ١٣٦\n(٤) سورة الأنبياء: آية ٧٩","vol":"2","page":155},{"text":"نشهد إنك لَرسول الله والله يعلم إنك لَرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون﴾ (١).\n٢ - أن الله أنزل كتابه هداية وإرشادًا وتعليمًا للناس، يبيّن لهم ما شرعه الله تعالى ويحكم على الأفعال البشرية، بما يريد الله تعالى أن يكون لهم شرعًا ودينًا. وقد سمّى الله كتابه فرقانًا وهدىً وبرهانًا وبيانًا وتبيانًا لكل شيء. فلا يناسبه أن يذكر عن أحد من الناس ما هو باطل، ثم يسكت عن التنبيه على بطلانه، فإن ذلك يفهم منه رضاه به (٢).\nوالمقرّر عليه في القرآن قسمان:\nالأول: ما كان شريعة سماوية لنبي سابق أو قولًا من أقواله أو فعلًا من أفعاله. ويدخل ذلك في مسألة شرائع من قبلنا هل هي شرع لنا؟ وهي مذكورة في كتب الأصول فلا نطيل بذكر الخلاف فيها. والذي رجحه البزدوي وغيره، أن ما كان شريعة لمن قبلنا، وثبت لنا بكتاب الله، أو ببيانٍ من رسول الله - ﷺ -، يلزمنا العمل به على أنه شريعة لنا، ما لم يعلم عندنا نسخه في شريعتنا (٣). وإنما اشترط البزدوي أن يقص الله تعالى أو رسوله علينا ذلك من غير إنكار له، احتياطًا للدين، لما ثبت من تحريف أهل الكتاب (٤).\nوقد احتجّ بعض الفقهاء كثيرًا بأشياء من هذا النوع، فمنها المهايأة (٥): احتجّوا لصحتها بما في قصة هود: ﴿ونبئهم أن الماء قسمة بينهم﴾ (٦). والمهايأة: تَقَاسُم منافع الشيء المشترك بحسب الزمان أو غيره، بأن يستعمله كل من الشريكين سنةً أو شهرًا مثلًا.\n_________\n(١) أول سورة المنافقون.\n(٢) انظر الشاطبي: الموافقات ٣/ ٣٥٤، ٤/ ٦٤ علي حسب الله: أصول التشريع الإسلامي ص ٢٧، ٢٨\n(٣) أصول البزدوي بشرح البخاري ٣/ ٩٣٣\n(٤) أصول البزدوي بشرح البخاري ٣/ ٩٣٦\n(٥) المصدر نفسه ٣/ ٩٣٦\n(٦) سورة القمر: آية ٢٨","vol":"2","page":156},{"text":"واستدلّ المالكية والشافعية والحنابلة (١) على جواز الجعالة بقول يوسف: ﴿ولمن جاء به حِمل بعيرٍ وأنا به زعيم﴾ (٢).\nواستدلّ عبد الكريم زيدان (٣) بخروج موسى (خائف يترقب) على أخذ الداعي للحذر.\nواستدلّ البعض (٤) على إباحة صناعة التماثيل بما في قصة سليمان: ﴿يعملون له ما يشاء من محاريبَ وتماثيلَ وجِفانٍ كالجوابِ وقُدورٍ راسيات﴾ (٥).\nواستدلّ ابن عباس على السجود في سورة (ص) بفعل داود ﵇.\nواستدلّ غيره على جواز تولي العمل لدى الكفار، وعلى جواز طلب الوظائف الرئاسية، وإدلاء الطالب بما عنده من الصفات والخصائص والخبرات، بقول يوسف: ﴿اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم﴾ (٦).\nواستُدِلّ (٧) بقصة الخضر في خرق السفينة -والراجح أنه نبي- على جواز تعييب ملك الغير لأجل إنقاذه من السرقة أو التلف.\nولا بدّ عند الاستدلال بمثل هذا من النظر في ما يعارضه، على الطريقة المعهودة في سائر الأدلة.\nوعليه فلا يتم الاستدلال بقتل الخضر غلامًا، وإلقاء يونس في البحر عند\n_________\n(١) انظر ابن قدامة: المغني ٥/ ٦٥٦\n(٢) سورة يوسف: آية ٧٢\n(٣) أصول الدعوة ص ٤٢٤\n(٤) الأستاذ عبد المجيد وافي، في مجلة (الوعي الإسلامي) الكويتية، عدد ٣٦ ص ٥٦ وقد رددت عليه في مجلة (المجتمع) الكويتيه في العدد الصادر ٢٤ شوال١٣٩٠هـ - ص ١٧ وما بعدها. وقد نقل جزءًا كبيرًا من مضمون هذا الرّدّ الشيخ محمد علي الصابوني في كتابه (روائع البيان في أحكام القرآن) في تفسير سورة سبأ دون أن يشير إلى مصدره، وحسبنا الله ونعم الوكيل.\n(٥) سورة سبأ: آية ١٣\n(٦) سورة يوسف: آية ٥٥\n(٧) ابن عبد السلام: قواعد الأحكام ١/ ٧٩","vol":"2","page":157},{"text":"خوف غرق السفينة، على فعل مثل ذلك، ولا على جواز صناعة التماثيل، لتحريمها في شريعتنا بالسنة النبوية.\nالثاني: أن يكون المقَرّ عليه ليس شريعة سماوية، ولا قولًا أو فعلًا لنبيّ. وسواء أكان المذكور خبره مؤمنًا كذي القرنين ونحوه، أو لم يكن مؤمنًا.\nوالإقرار على هذا النوع أضعف من الإقرار على سابقه، لأن الأول لما كان في الأصل شريعة لنبي، وكان لدينا من الأدلة أمره تعالى لنبينا بالاقتداء بهدي من قبله من الأنبياء، كان ذلك دليلًا خاصًا لحجيته، أما إن لم يكن نبيًا فليس لدينا من الأدلة على حجيته إلاّ ذكره في القرآن من غير إنكار.\nوالذي نقوله إنه حجة ما لم يعارضه ما هو أصرح منه.\nوله أمثلة كثيرة ونذكر منها:\n١ - قول الذين غلبوا على جماعة أصحاب الكهف: ﴿لنتخذنّ عليهم مسجدًا﴾ (١). وقد جاء في حقّ من فعل مثل ذلك الحديث: \"أولئك قوم إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا، وصوّروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله\" (٢).\n٢ - قصة مؤمن آل فرعون، وفيها: ﴿يكتم إيمانه﴾ (٣) يستدَلّ بها على جواز الكتمان عند الخوف على النفس، وأفضلية الإعلان بالدعوة والصدع بها، وخاصة حيث يخشى عليها عند الكتمان من التحريف أو الضياع. يؤخذ هذا من تنويه الله بشأن هذا المؤمن وتخليده، ما قاله بعد الإعلان.\n٣ - قصة سليمان، وقول ملكة سبأ: ﴿إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزّة أهلها أذلّة﴾ (٤).\n٤ - قصة شاهد يوسف حين قال: ﴿إن كان قميصه قُدَّ من قُبُلٍ\n_________\n(١) سورة الكهف: آية ٣١\n(٢) البخاري ٧/ ١٨٨ ومسلم ٥/ ١١\n(٣) سورة غافر: آية ٢٨\n(٤) سورة النمل: آية ٣٤","vol":"2","page":158},{"text":"فصدقت ...﴾ (١) الآيات يستدل بها على العمل بالقرائن.\n٥ - قول أصحاب النار لما قيل لهم: ﴿ما سلككم في سقر * قالوا لم نَكُ من المصلين * ولم نَكُ نطعم المسكين * وكنا نخوض مع الخائضين﴾ (٢).\nاستدل به الأصوليون على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة.\nالنوع الثاني: تقريره تعالى لما كان الصحابة يفعلونه في عصر نزول الوحي وليس المراد كل ما يفعلونه حتى المعاصي التي ربما كان بعضهم يفعلها ويستخفي بها، وإنما المراد ما كانوا يفعلونه على أنه مما يأمر به الشرع أو يجيزه.\nلقد ذكر هذا النوع ابن تيمية والتزم أنه حجة، وذلك في ما نقلناه عنه قريبًا. يقول: \"الأصل قول الله، وفعله، وتركه القول وتركه الفعل، وقول رسوله، وفعله، وتركه القول والفعل\" قال هذا تثبيتًا لما ذكره عن أبي سعيد الخدري في شأن العزل إنه قال: \"كنا نعزل والقرآن ينزل، لو كان شيئًا يُنهى عنه لنهى عنه القرآن\". ثمّ قال ابن تيمية: \"فهذا لا يحتاج إلى أن يبلغ النبيّ - ﷺ -، لكن هذا المأخذ قد ذكره أبو سعيد ولم أر الأصوليين تعرضوا له\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-407>رأينا في هذا الأصل:</span>\nتحقيقًا للمسألة نبيّن أن هذه اللفظة التي نسبت إلى أبي سعيد، وهي: \"لو كان شيئًا يُنهى عنه لنهانا عنه القرآن\" وردت في كلام بعض الفقهاء والأصوليين منسوبة إلى أبي سعيد الخدري، وإلى جابر بن عبد الله ﵄. أما رواية أبي سعيد في العزل فليس فيها هذه الجملة أصلًا في مجموع الروايات التي ذكرت في (جامع الأصول) وأنما الذي فيها: \"أنهم سألوا رسول الله - ﷺ - عن ذلك فقال: لا عليكم أن لا تفعلوا، فإنما هو القدر\" (٤). ولم ترد في (كنز العمال) أيضًا. فالظاهر أنها لا أصل لها.\n_________\n(١) سورة يوسف: آية ٢٥\n(٢) سورة المدثر: آية ٤٢ - ٤٤\n(٣) المسودة ص ٢٩٨\n(٤) صحيح مسلم (عبد الباقي) ٢/ ١٠٦٢. جامع الأصول ١٢/ ١٠٤","vol":"2","page":159},{"text":"وأما رواية جابر، فقد رواها مسلم. قال: \"حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم، قال إسحاق أخبرنا، وقال أبو بكر حدثنا، سفيان، عن عمرو، عن عطاء، عن جابر، قال: كنا نعزل والقرآن ينزل. زاد إسحاق قال سفيان: لو كان شيئًا يُنهى عنه لنهانا عنه القرآن\". اهـ. رواية مسلم.\nأقول: الظاهر في هذه الرواية أن هذه الجملة الأخيرة ليست من كلام جابر، بل هي من كلام سفيان. ويحتمل أن تكون من كلام جابر. ولكن قد أخرجه مسلم والبخاري أيضًا وغيرهما من روايات أخرى فلم يذكروها في كلام جابر. وإنما الذي فيه في بعض الروايات عند مسلم: \"فبلغ ذلك النبي - ﷺ - فلم ينهنا\".\nفكلا الصحابيّين ذكرا أن هذا بلغ النبي - ﷺ -. ولم ينه عن ذلك، وليس في كلامهما الاحتجاج بتقرير الله تعالى، بل الاحتجاج بتقرير رسول الله - ﷺ -. ولعلّ الذي غرّ بعض أهل العلم، ما صنعه صاحب (العمدة) إذ اختصر حديث مسلم، وأدرج كلمة سفيان في الحديث (١)، ولم يكن له أن يفعله. وغفل ابن دقيق العيد فلم يشر إلى ذلك. وشرح الحديث على حاله، فقال: \"استدلال جابر بتقرير الله تعالى غريب، وكان يحتمل أن يكون الاستدلال بتقرير الرسول. لكنه مشروط بعلمه بذلك، ولفظ الحديث لا يقتضي إلاّ الاستدلال بتقرير الله تعالى\". اهـ.\nومن هنا كان الصواب في المسألة، أن تقرير الله في زمن الوحي يكون حجة بشرط أن يبلغ الفعل النبي - ﷺ -، ولا يحتجّ بذلك على ما لم يبلغه. وكلام الشوكاني في ذلك محرر جيد، وذلك حيث يقول في نيل الأوطار، في شرح هذا الحديث: \"فيه جواز الاستدلال بالتقرير من الله ورسوله على حكم من الأحكام، لأنه لو كان ذلك الشيء حرامًا لم يقررا عليه، لكن بشرط أن يعلمه النبي - ﷺ -\" (٢).\nوبهذا يتبيّن ما في كلام ابن تيمية ﵀، السابق ذكره، من المؤاخذة. ويتبيّن أيضًا أن إعراض الأصوليين عن هذا النوع إنما هو لعدم استقلاله بالاحتجاج. والله أعلم.\n_________\n(١) شرح عمدة الأحكام ٢/ ٢٢٤\n(٢) ٦/ ٢٠٩","vol":"2","page":160},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-408>المبحث السابع أفعال أهل الإجماع</span>\nقال صاحب مسلم الثبوت وشارحه: مسألة: لو اتّفق أهل الإجماع على فعل، بأن عمل الكلّ فعلًا، ولا قول هناك، فالمختار أنه كفعل الرسول - ﷺ -، لأن العصمة ثابتة لإجماعهم، لعموم الدلائل التي مرّت، كثبوتها له - ﷺ -.\nوإذا كان كفعله فتأتي المذاهب المذكورة سابقًا، أي في فعله - ﷺ -. قال: والإمام -لعله يعني الجويني- يحمل على الإباحة إلاّ بقرينة وهو الأظهر. وابن السمعاني قال: كل فعل لم يخرج مخرج الحكم والبيان لا ينعقد به الإجماع.\nومن اشترط الانقراض لعصر المجمعين في الإجماع القولي فالفعل أولى بالاشتراط، لقوة احتمال الرجوع فيه (١).\n_________\n(١) شرح مسلم الثبوت، القاهرة، مطبعة بولاق، بهامش المستصفى ٢/ ٢٣٥","vol":"2","page":161},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-409>الباب الثالث التعارض والترجيح</span>\n- مقدمة في الاختلاف بين الأدلة.\n١ - التعارض بين الفعل والفعل.\n٢ - تعارض الأفعال والأقوال.\n٣ - تعارض الفعل والأدلة الأخرى.\n٤ - اختلاف التقرير والقول، واختلاف التقرير والفعل.\n- ملحق: الصور التفصيلية لاختلاف القول والفعل.\n(قطعة من رسالة الحافظ العلائي).","vol":"2","page":163},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-410>مقدمة في الاختلاف بين الأدلة</span>\nإذا نظر المجتهد في المسألة، وعرف الأدلة الشرعية الواردة فيها، فقد تكون تلك الأدلة متفقة في الدلالة على الحكم فيقوّي بعضها بعضًا، ويتأكد حكم المسألة بذلك.\nوإن كانت الأدلّة مختلفة، ينفي بعضها ما أثبته البعض الآخر، فإن كان بعضها قطعيّ الثبوت والدلالة، والآخر ظنّيّ الثبوت، أو ظنّي الدلالة أو ظنيهما، قدّم القطعيّ على الظنيّ، إذ إن الظن ينتفي بمخالفة أمر قاطع. ومثاله أن يخبرك مخبر أن فلانًا غائب عن البلد، ثم تنظر فترى ذلك الشخص بعينه أمامك، فإن خبر المخبر يتبيّن خطؤه، بثبوت نقيض مدّعاه قطعًا، فينتفي ظن غيبته أصلًا (١) وقد ردّت عائشة ﵂ حديث عمر وحديث ابن عمر أن النبي - ﷺ - قال: \"إن الميت يعذَّب ببكاء أهله عليه\" (٢). ردّته بقول الله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾.\nوأما أن يكون دليلان قاطعان ينفي أحدهما عين ما يثبته الآخر، فذلك بالنظر إلى الحقيقة والواقع أمر مستحيل. لأن الشريعة من عند الله، فلا تناقض فيها، إلاّ بأن يكون أحد الدليلين ناسخًا للآخر.\nوأما تعارض ظني مع ظني فهذا أمر ممكن، وواقع.\n_________\n(١) انظر المستصفى للغزالي ٢/ ١٢٧، جمع الجوامع للسبكي ٢/ ٣٥٧\n(٢) ردها لرواية عمر متفق عليها، وردها لرواية ابن عمر متفق عليها كذلك ورواها مالك والترمذي والنسائي. وانظر: الزركشي: الإجابة لما استدركته عائشة على الصحابة.","vol":"2","page":165},{"text":"والتعارض -المصطلح عليه- بين الدليلين، هو تقابلهما على وجه يمنع كل منهما مقتضى صاحبه (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-411>العمل عند اختلاف الأدلة:</span>\nإذا اختلف مقتضى الأدلة في المسألة الواحدة عند المجتهد، على وجه يوهم التعارض، وكان كل منهما صحيحًا، فإنه يتخذ الخطوات التالية، بالترتيب، فلا يتعجل شيئًا منها قبل مكانه.\n١ - الجمع بين الدليلين\n٢ - اعتقاد النسخ\n٣ - الترجيح بينهما\n٤ - التوقف أو التخير، أو التساقط\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-412>الخطوة الأولى: الجمع بين الدليلين:</span>\nهو أولى من غيره لأن فيه العمل بالدليلين جميعًا. أما الخطوات التي بعد هذه ففيها إلغاء أحد الدليلين على الأقل، والإلغاء إبطال، فلا يجوز إبطال الدليل، إن أمكن إعماله. والجمع بين الدليلين يكون بفهم كل واحد منهما على وجه غير ما يفهم عليه الآخر بحيث يزول التعارض بين مدلوليهما.\nووجوه الجمع كثيرة.\nفمن ذلك الجمع بين النصين بحمل المطلق على المقيد. وحمل العام على الخاص.\nومنه حمل أحدهما على الحقيقة والآخر على المجاز.\nومن طرق الجمع بين الدليلين المتعارضين حملهما على حالين، أو زمانين، أو مكانين. فمثال حملهما على حالين حديث أن النبي - ﷺ - استأذنه رجل في القبلة في رمضان فأذن له، واستأذنه آخر فلم يأذن له. قال الصحابي راوي الحديث: فنظرنا فإذا الذي أذن له شيخ والذي نهاه شاب. ولم يحملوه على النسخ ولا احتاجوا إلى ترجيح.\n_________\n(١) الإسنوي: نهاية السول ٢/ ٦٤","vol":"2","page":166},{"text":"ومثال حمله على زمانين، أو مكانين، ما إذا نهى بعض المسلمين عن القتال وأذن لغيرهم، فكان النهي في شهر حرام، والإذن في غير شهر حرام، أو النهي في الحرم والأذن في الحلّ.\nومن طرق الجمع التخصيص، فإن كان أحد الدليلين أخصّ من الآخر مطلقًا قُدّم حكم الأخص في منطقة خصوصه، وبقي حكم العموم في بقية أفراد العامّ، كما يذكر ذلك في أبواب العموم والخصوص، من كتب الأصول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-413>الخطوة الثانية: النسخ:</span>\nلا يجوز المصير إلى النسخ إلا أن يعرف المتأخر من الدليلين بحجة صحيحة إذ لا يجوز أن يعتبر أحد الدليلين ناسخًا للآخر بمجرد الرأي، لاحتمال أن يكون العكس هو الصحيح.\nومن شروط النسخ أيضًا أن السنة الآحادية لا تنسخ القرآن عند جمهور العلماء. وقيل أيضًا: السنة المتواترة كذلك لا تنسخه.\nوكذلك المتواتر من الحديث لا ينسخ بحديث الآحاد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-414>الخطوة الثالثة: الترجيح بين الدليلين:</span>\nوالترجيح يكون من جهات مختلفة، يجمع بينها أن جهة الترجيح قوة في أحد الدليلين المتعارضين يتميّز بها عن الآخر، فيكون ظنّ دلالته على المطلوب أقوى من دلالة الآخر، فيعمل بالراجح، ويطرح الآخر فيهمل. وهذه الجهات مختلفة. منها:\n١ - الثبوت: لأن رجحان أحد الدليلين من حيث الثبوت، يقوّي الظن بأن الآخر مكذوب، أو موهوم.\nومن هذه الجهة -جهة الثبوت- يقدّم المتواتر على الآحاد، ويرجّح الأكثر رواة على الأقل، ويرجّح ما سلم سنده على ما فيه اضطراب، وترجّح رواية","vol":"2","page":167},{"text":"الأضبط والأوثق على رواية من هو أقل منه ضبطًا أو ثقة. ويرجّح ما له شواهد، على ما لا يشهد له في الشرع شيء.\n٢ - ومنها: جهة جنس الدليل: وهي أن يكون جنس أحد الدليلين أقوى من جنس الدليل الآخر. فيقدّم القرآن على السنة والقياس. وتقدم السنن على الأقيسة. وأما الإجماع فقد قدّمه البعض على القرآن والسنة من جهة أنه لا يقبل النسخ. ورفض ذلك ابن تيمية (١) ومنكرو الإجماع كالشوكاني (٢).\n٣ - ومنها: جهة الوضوح والصراحة: فيقدم القياس الجليّ على الخفيّ، ويقدم النصّ على الظاهر والمؤوّل، والحقيقة على المجاز. ويقدم ما ذُكرت علّته على ما لم تذكر علته، لأن ما ذكرت علته أوضح. ويقدم المنطوق على الإشارة والمفهوم.\n٤ - ومنها: جهة تأكد المدلول ولزومه للمكلّف: فيقدم النهي على الأمر، لقول النبي - ﷺ -: \"ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم\" (٣). ومثاله تقديم حديث النهي عن الصلاة بعد العصر، على الأمر بالصلاة عند دخول المسجد قبل الجلوس فيه، في حق من دخل بعد العصر. ويقدّم ما كان أقرب إلى الاحتياط.\nوالمرجحات كثيرة، إذ كل إمارة ثانويّة قد يرجّح بها إذا انقدح لدى المجتهد تغليبها لأحد الدليلين، على وجه صحيح مطابق للطرق الشرعية، والأصول المعتبرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-415>الخطوة الرابعة: التوقف أو التخيير:</span>\nإذا عجز المجتهد عن الترجيح بوجه من الوجوه، فقد قيل: إنه يتوقف عن العمل بكلٍّ منهما. وقيل: يخيّر، فيفعل أي الوجهين شاء، لأن معه دليلًا على كلتا\n_________\n(١) الفتاوى الكبرى ١٩/ ٢٦٧ - ٢٧٠\n(٢) إرشاد الفحول ص ٧٣، ٧٨\n(٣) رواه مسلم (الفتح الكبير).","vol":"2","page":168},{"text":"الصورتين. وقيل: إن ذلك يدل على بطلان الدليلين، فيتساقطان، ويرجع المجتهد كمن ليس عنده دليل. والله أعلم.\nالتعارض في الأفعال: إن الدليل الفعليّ إما أن يعارضه دليل فعليّ آخر، أو دليل قوليّ، أو غير ذلك من الأدلة. فنعقد لكل من هذه الأحوال الثلاثة فصلًا.\nونتبعها بفصل في تعارض التقرير وغيره. والله المسؤول أن يسدّد القول. ويعيّن على التمام.","vol":"2","page":169},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-416>الفصل الأوّل التعارض بين الفعل والفعل (ويدخل فيه التعارض بين الفعل والترك)</span>\nإذا ورد عن النبي - ﷺ - فعلان مختلفان بأن يفعل الشيء مرة ويتركه أو يفعل ضده، كأن يصوم يوم اثنين ويفطر في يوم اثنين آخر أو يقوم عند رؤية جنازة، ثم يقعد عند رؤية جنازة أخرى، فما موقف المجتهد إزاء ذلك؟.\nإن أمام المجتهد طريقين في هذه المسألة، وقد ذهب إلى كل منهما بعض الأصوليين:\nالأول: أن يقال: إن ورودهما جميعًا ليس من التعارض في شيء. فينبني عليه أن كلًا من الفعلين جائز، فيتخيّر بينهما. ووجه أن الفعل يدل على الجواز، فلا تعارض.\nوالثاني: أن يقال إنهما يتعارضان إذا لم يمكن الجمع بينهما، فإن علم التاريخ فإن الفعل الثاني منهما يكون ناسخًا للأول. وإن لم يعلم يرجح بينهما، وإلا تساقطا. أو يتخيّر المجتهد بينهما أو يتوقف، على ما تقدم في التعارض.\nويستدل لهذا القول بما ورد في حديث ابن عباس: \"إنهم -يعني صحابة النبي - ﷺ -- كانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمره - ﷺ -\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-417>مذاهب الأصوليين في ذلك:</span>\n١ - ذهب القاضي الباقلاني إلى القول الأول. فرأى أن الفعلين لا يتعارضان، وأن التعارض فيهما محال. يقول في كتابه التقريب: \"دخول التعارض\n_________\n(١) رواه مسلم ٢/ ٢٣١ والبخاري ومالك ١/ ٢٩٤","vol":"2","page":171},{"text":"في الفعلين محال، لأنه إن وقعا من شخصين، أو من شخص واحد في وقتين، أو على وجهين مختلفين، لم يكن بينهما تعارض، لأن الفعل يكون من أحد الفاعلين قربة، ويكون من الآخر معصية، ويكون من الشخص الواحد في وقت قربة، وفي وقت آخر حرامًا\" (١). اهـ.\nوممن قال بامتناع التعارض بين الفعلين أبو الحسين البصري والقشيري، والغزالي في المستصفى، وابن الهمّام وغيرهم (٢). والظاهر من كلام الجويني في البرهان إنه يميل إلى هذا القول. وقال العلائي: \"هذا القول هو الذي أطبق عليه جمهور أئمة الأصول\".\n٢ - وذهب جمع آخر من العلماء إلى القول الثاني:\nونسبه الجويني في البرهان إلى \"كثير من العلماء\" قال: \"وللشافعي صغو إلى ذلك\" (٣) يشير إلى مسلك الشافعي في اختلاف الروايات عن النبي - ﷺ - في صفة صلاة الخوف. وسوف نستعرض ما قاله ﵁ في موضع آخر من هذا الفصل. وقال به أبو إسحاق الشيرازي (٤) ونسب الشوكاني هذا القول إلى ابن رشد. ونسبه المازري (٥) إلى الجمهور. ولعلّه يعني جمهور الفقهاء، لا جمهور الأصوليين. فإن هذا المسلك أغلب على كلام الفقهاء، كما يأتي.\nووجه هذا القول، أن الأفعال لما كانت دالّة على الأحكام، كالأقوال، فإذا دلّ الفعل الأول على الوجوب مثلًا، ثم كان منه - ﷺ - الترك، فإنه يدل على نسخ الوجوب. وكذا لو ترك على صفة يعلم منها التحريم، ثم فعل، فإنه يدل على نسخ التحريم.\n_________\n(١) أبو شامة: المحقق ق ٤٤\n(٢) انظر النقول عن هؤلاء وغيرهم في المحقق من علم الأصول لأبي شامة ق ٤٢ - ٤٧، وفي تفصيل الإجمال للعلائي ق ٤٥ أ، ب.\n(٣) أبو شامة: المحقق ق ٤٣ أ.\n(٤) اللمع ص ٣٥\n(٥) أبو شامة: المحقق ق ٤٦ أ.","vol":"2","page":172},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-418>تحرير محل النزاع:</span>\n١ - لا نزاع في أن الفعلين لا يتعارضان بالنظر إلى حقيقتهما، لأن كل فعل منهما يقع في زمان خاص، وشرط التعارض التساوي في الزمن بين المتضادين، فإذا فعل في وقت ثم ترك في وقت آخر، لم يكن ذلك تعارضًا.\nوكما أن الذوات لا تتعارض، فكذلك الأفعال، لأنها أكوان وجودية. ويقول أبو الحسين البصري: \"الأفعال إنما تتنافى إذا كانت متضادة، وكان محلها واحدًا ووقتها واحدًا. ويستحيل أن يوجد الفعل وضده في وقت واحد، في محل واحد، فإذن يستحيل وجود أفعال متعارضة. أما الفعلان الضدّان في وقتين فليسا متعارضين بأنفسهما\" (١).\n٢ - ولا نزاع أيضًا في أن الفعل إن كان بيانًا لمجمل، أنه يحلّ محلّ القول. فإذا فعل بعد ذلك ما يعارضه، يحتمل أن يكون الفعل الثاني ناسخًا للأول، وذلك إن لم يكن الجمع بينهما.\nويقول الشوكاني: \"إن وقعت الأفعال بيانات للأقوال فقد تتعارض في الصورة، ولكن التعارض في الحقيقة راجع إلى المبيّنات من الأقوال، لا إلى بيانها من الأفعال، وذلك كقوله - ﷺ -: \"صلّوا كما رأيتموني أصلي\" فإن آخر الفعلين ينسخ الأول كآخر القولين\" (٢). اهـ.\nومما يمكن التمثيل به للأفعال البيانية المتعارضية صور صلاة الخوف. فقد وردت روايات تقتضي أن النبي - ﷺ - صلاها على أربع وعشرين صفة، يثبت منها بحسب علم الاصطلاح ستة عشرة صفة (٣). وقد مال الشافعي إلى الأخذ بالمتأخر منها، وهذا يحمل على معنى نسخ المتقدم منها بالمتأخر. ووجهه أن فعله - ﷺ - في صلاة الخوف بيان لما في القرآن.\n٣ - ولا نزاع أيضًا أن الفعل إذا دلّ دليل خاص على أن المراد دوامه وتكراره\n_________\n(١) المعتمد ١/ ٣٨٨\n(٢) إرشاد الفحول ص ٣٩\n(٣) إرشاد الفحول ص ٣٩","vol":"2","page":173},{"text":"في المستقبل في حقه - ﷺ -، ودلّ دليل خاص على أن المراد تأسي الأمة به في ذلك الفعل، أنه يجري فيه التعارض أيضًا لتنزّله منزلة القول. ويقول الباقلاني: \"لا يمتنع أن يُستدَلّ بفعله - ﷺ - على نسخ حكم ثبت، وهو أن يعلم بدليلٍ أن ما وقع من فعله - ﷺ - المراد دوام فعله، فيحل ذلك محل القول الذي يقتضي دوام التعبّد بالفعل في المستقبل. فكما يصحّ دخول النسخ في حكم قولٍ هذه حاله، فكذلك يصح نسخ حكم فعل حلّ محله\" (١).\nويعلم أن المراد دوام الفعل وتكرره في المستقبل إذا علم ارتباطه بسبب متكررٍ (٢)، كصوم الاثنين مثلًا، وصلاة الضحى.\n٤ - وواضح أيضًا أنه ليس من قبيل تعارض الفعلين اختلاف النقلة في الفعل الواحد إذا نقلوه على وجهين فأكثر. فإن هذا خارج عن مسألتنا، بل هو من قبيل التعارض في الرواية، فيجري الترجيح بين الرواة بالثقة والضبط، وغيرها، أو بالترجيح بين الصور المرويّة أنفسها.\nومثاله صلاة الخسوف، فإن مسلمًا روى فيها، في كل ركعة ثلاثة ركوعات، ورُوي كذلك في كل ركعة أربعة ركوعات. وقال ابن تيمية:\n\"هذا ضعّفه حذّاق أهل العلم، وقالوا: إن النبي - ﷺ - لم يصلّ الكسوف إلاّ مرة، يوم مات ابنه ابراهيم، وقد تواتر أنه إنما ركع ركوعين\" (٣). اهـ.\nوقد عقد الغزالي في المنخول (٤) لاختلاف النقلة في الفعل الواحد مسألة. ونقل فيها عن الشافعي أنه يُتلقّى من نقلهم للصورتين جواز الآمرين. واختار الغزالي أن ذلك من تعارض النقلة، فيجري الترجيح، ولا يدلّ اختلافهم على جواز الأمرين. وبيّن أن ما نقل عن الشافعي إنما قاله في صلاة الخوف وكان ذلك منه ترجيحًا لإحدى الروايتين لقربها من أبّهة الصلاة.\n_________\n(١) أبو شامة: المحقق ق ٤٤ أ.\n(٢) تيسير التحرير ٣/ ١٤٧\n(٣) الفتاوى الكبرى ١٨/ ١٧، ١٨ وانظر مسألة عدد ركوعات صلاة الكسوف في فتح الباري ٢/ ٥٣٢\n(٤) ص ٢٢٧.","vol":"2","page":174},{"text":"٥ - ولا نزاع أيضًا أن ما كان من الأفعال لا دلالة له على الأحكام أصلًا، فإنه لا يقع فيه التعارض كالأفعال الجبليّة الاضطرارية، كالتنفس، وأصل الأكل والشرب. وكذلك الأفعال التي ثبت اختصاصه بها - ﷺ -، لا تتعارض في حقنا، وقد تتعارض في حقه - ﷺ -.\nفالذي فيه اختلاف ونزاع، إنما هو الأفعال المجرّدة المطلقة، وهي التي سبق أن عقدنا لها فصلًا في الباب الأول.\nوقد حكى أبو نصر القشيري عن الباقلاني، تحديدَ ما فيه الخلاف، فقال: \"أما الأفعال المطلقة، التي لم تقع موقع البيان من الرسول، وهي التي يتوقف فيها الواقفية، فلا يتحقق فيها تعارض، فإن الأفعال لا صيغ لها\" (١). اهـ.\nفهذا موضع النزاع.\nوقد بيّن المازَري موضع النزاع، وذكر ما يجري فيه الخلاف، وذلك حيث يقول:\n\"إن قدّرنا تعدّي حكمه - ﷺ - إلينا، صار من ناحية تعدّي الحكم إلينا، إما وجوبًا أو ندبًا، على الخلاف في ذلك، يتصوّر فيه التعارض، وينزل الفعل منزلة القول المشتمل على المعاني. فإذا نقل عنه - ﷺ - فعلان متعارضان، ولم يتصوّر فيهما طَرْقُ التأويل (يعني الجمع) فإن أحدهما يكون ناسخًا للآخر، فيُتَطَلّب التاريخ، حتى يعلم الآخِر، فيكون هو الناسخ. هذا مذهب الجمهور. ورأى القاضي (الباقلاني) أن النسخ هنا لم تدْعُ ضرورة إليه، كما دعت في الأقوال. لأن الفعل مقصور على فاعله ولا يتعداه. وليس كالصيغ المشتملة على معان متضادة. فإذا وجدنا فعلين متعارضين، حملناهما على التجويز والإباحة، وقلنا: القصد بيان جواز كل واحد من الفعلين\" (٢).\n_________\n(١) أبو شامة: المحقق ق ٤٤ أ. الزركشي: البحر المحيط ٢/ ٢٥٣ ب.\n(٢) انظر هذا النص في المحقق لأبي شامة ٤٦ أ، وعنه نقلناه. وانظره أيضًا في تفصيل الإجمال للعلائي ق ٤٦ أ، وفي البحر المحيط للزركشي ٢/ ٢٥٤ ب.","vol":"2","page":175},{"text":"قال: \"وهذا الذي قاله القاضي فيه نظر عندي، إلاّ على رأي الذاهبين إلى أن فعله - ﷺ - يقتضي الإباحة. وليس القاضي من القائلين بذلك، بل مذهبه الوقف\". اهـ.\nوقال العلائي في مفتتح كلامه في مسألة تعارض الفعلين: \"اعلم أن الكلام في ذلك مبني على مسألة فعله - ﷺ - ماذا يدل عليه في حق الأمة، والكلام في تلك المسألة مشهور طويل\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-419>قولنا في المسألة:</span>\nلقد نقلت كلام المازري بتمامه لأني رأيته حدّد سبب الخلاف، وركّز عليه الضوء، فإن من قال بأن الفعل المجرّد يدل على الوجوب في حقنا، فإن الفعل يكون عنده شبيهًا بالقول، ولا حاجة إلى ورود دليل خاص يدل على التكرار في حقّه - ﷺ - ولا على وجوب التأسّي.\nوأيضًا على قول المساواة، يتصوّر استفادة الوجوب في حقنا إن علمنا أنه - ﷺ - فعل الفعل على سبيل الوجوب.\nأما على قول الاستحباب، فيحتمل القول بالتعارض، لأن الاستحباب حكم شرعي يتصوّر نسخه، بأن نعلم أنه - ﷺ - ترك ذلك الفعل على سبيل استباحة الترك، فيدلّ ذلك على زوال الاستحباب السابق. ويحتمل أن يقال: الترك للمستحب لا حرج فيه، فلا يدل على عدم الاستحباب.\nأما على القول بأن الفعل المجرّد لا يدلّ على أكثر من الإباحة فيتأتى القول بالتخيير بين الفعلين، وعدم التعارض بينهما.\nوأما ما استشكله المازَري من قول الباقلاني بالوقف في الأفعال المجرّدة، وقوله هنا باستفادة جواز الأمرين، فلم نر لفظ الباقلاني بحروفه لنعلم هل صرح بدلالته على الجواز في حقنا، فإن قال بذلك تناقض. ولعله إنما قال بالجواز في حقه - ﷺ - خاصة. أما الغزالي، من القائلين بالوقف، فقد صرّح بامتناع","vol":"2","page":176},{"text":"التعارض بين الفعلين، ولكن ذكر أنه لا يستفاد من كلا الفعلين حكم بالنسبة إلينا.\nفالحاصل إننا لا نذهب إلى أيٍّ من القولين بكماله، بل نذهب إلى التفصيل. فبناء على ما تقدم اختياره من قول المساواة في الفعل المجرّد، وأن الفعل المجرّد قد يدل على الوجوب أو الاستحباب نقول: إن الذي نختاره عند اختلاف الفعلين ما يلي، ولم نجد أحدًا فضله كما نذكر هنا، وبالله التوفيق:\nأولًا: إن كان الفعل بيانًا أو امتثالًا لدالٍّ على الوجوب فعارضه فعل آخر، ولم يمكن الجمع بينهما، يعدّ الثاني ناسخًا للأول في حق الجميع (١) إن علم التاريخ، وإلاّ صير إلى الترجيح بينهما.\nثانيًا: وكذلك في الفعل المجرّد، إن قامت قرينة على أن الفعل الأول يدل على الوجوب في حقنا.\nثالثًا: فإن حكمنا على الفعل الأول أنه للاستحباب، فالظاهر أن الترك له لا يعارض فعله ولا يبطل حكمه، ما لم يعلم أن الترك كان على سبيل ترك المباح، أو يتبين أنه - ﷺ - أراد إحداث طريقة جديدة في المسألة غير ما كان عليه أولًا.\nرابعًا: فإن لم يكن كذلك، وحكمنا بأن الفعل الأول دالّ على الإباحة، فإن الفعل الثاني لا يعارضه، بل يتخيّر بينهما، ما لم يعلم بقرينة أن الفعل الثاني وقع على سبيل الوجوب أو الاستحباب فيعمل به وتترك دلالة الأول.\nفالأمر في هذه المسألة، كما ترى، مبني على حكمنا على الفعل ماذا يدل عليه لو لم يعارضه الفعل الآخر، وعلى حكمنا على الفعل الثاني ماذا يدل عليه لو لم يعارض الفعل الأول، فإذا علم ذلك، جرى بينهما القانون السابق بيانه.\nونحن نضرب أمثلة يتبيّن منها المقصود.\n_________\n(١) نقل عن الكرخي أنه يكون ناسخًا في حق النبي - ﷺ - وحده. انظر تيسير التحرير ٣/ ١٤٨.","vol":"2","page":177},{"text":"المثال الأول: مسألة سجود السهو أهو قبل السلام أم بعده؟ (١).\nفيه حديث عبد الله بن بُحَيْنَة: ومعناه أن رسول الله - ﷺ - نسي التشهد فسجد قبل السلام (٢).\nوروي عن الزهري: آخر الأمرين من النبي - ﷺ - السجود قبل السلام.\nوحديث عبد الله بن مسعود: ومعناه أنه - ﷺ - صلى خمسًا فسجد بعدما سلم (٣).\nوحديث ذي اليدين وفيه: أنه - ﷺ - سجد بعد السلام.\nمذهب الشافعي أن سجود السهو كله قبل السلام.\nومدهب أبي حنيفة: سجود السهو كله بعد السلام، ويجوز قبل السلام.\nومذهب مالك: ما كان من نقصٍ فقبل السلام. وما كان من زيادة فبعد السلام.\nومذهب أحمد: السجود كله قبل السلام، إلا أن يكون ورد في مثله عن السلام.\nقول الشافعي مبني على قاعدة التعارض، وإن المتأخر ناسخ للمتقدم. والمتأخر هو السجود قبل السلام، بدلالة قول الزهري.\nوقول الحنفية مبني على أحاديث قولية في صحتها نظر.\nوقول مالك ذهب فيه مذهب الجمع بين الفعلين.\nوكذلك مذهب أحمد، أما جعله الأصل السجود قبل السلام، فمن جهة الترجيح، فإنه رجح بكون السجود من شأن الصلاة وإنه تتميم لها، فكأنه جزء من أجزائها.\n_________\n(١) انظر الخلاف والاستدلال في هذا الفرع: المغني لابن قدامة ٢/ ٢١ فتح الباري ٣/ ٩٢ وما بعدها.\n(٢) البخاري ٣/ ٩٢\n(٣) البخاري ٣/ ٩٦","vol":"2","page":178},{"text":"ولم ينقل ابن حجر، على كثرة ما نقل من كلام العلماء وخلافهم، قولًا بالتخيير، إلاّ عن البيهقي.\nفظاهر من هذا أن بعض هؤلاء الفقهاء ذهبوا إلى الطريقة الثانية في الأفعال المجردة المختلفة، وهي طريقة التعارض، ويجوز أن يحمل مسلكهم هذا على أن سجود السهو فعل بياني، فيتأتى فيه التعارض على كلا المذهبين الأصوليين في المسألة.\nالمثال الثاني: القيام للجنازة (١):\nفيه حديث علي: \"قام رسول الله - ﷺ - للجنازة، ثم قعد\" (٢).\nالظاهر أن قيامه أولًا للاستحباب، لمخالفته العادة، ولتعبير الصحابي بلام التعليل. وفيه احتمال أنه قام لسبب.\nليس هذا الفعل بيانيًّا، ولا دلّ على قصد الدوام عليه في المستقبل دليل.\nوقد ذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة إلى أن استحباب القيام منسوخ بفعله - ﷺ -. ووجه النسخ أنهما متعارضان، ويرجع إلى ما قلناه في قسم المستحب من أنه - ﷺ - قد يقصد أن يكون الترك مزيلًا لحكم السنة السابقة. ويتأيّد بفعلِ عليٍّ، إذ أمر الذين قاموا للجنازة أن يقعدوا، وذكر هذا الحديث.\nوذهب أحمد إلى أن فعله - ﷺ - لبيان الجواز، قال: إن قام لم أعِبْهُ، وإن جلس فلا بأس. وهذا أقرب إلى طريقة الأصوليين.\nونحن إنما نتعرّض للمسألة الفرعيّة من حيث التمثيل بها للمسألة الأصولية. ونحيل بباقي الكلام فيها إلى كتب الفروع، وشروح الأحاديث. والله أعلم.\nالمثال الثالث: حديث الصحيحين أن النبي - ﷺ -: \"كان يعزل لأهله نفقة سنتهم من أموال بني النضير\" (٣).\n_________\n(١) انظر لهذه المسألة الفرعية فتح الباري ٢/ ١٨١، المغني لابن قدامة ٢/ ٤٧٩، ونيل الأوطار ٤/ ٨٢\n(٢) رواه مسلم.\n(٣) رواه البخاري ٦/ ٩٣، ومسلم ١٢/ ٧٠، والترمذي ٥/ ٣٨٢","vol":"2","page":179},{"text":"مع حديث الترمذي: \"أنه - ﷺ - كان لا يدّخر شيئًا لغد\" (١).\nهذا من التعارض في النقل. ويقدّم حديث الصحيحين، ويسقط حديث الترمذي، لأن المثبِتَ مقدّم على النافي، ولأن حديث الصحيحين أقوى.\nتنبيه: الحديث الذي احتجّ به القائلون بالتعارض، وهو ما قال ابن عباس: \"يؤخذ بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله - ﷺ - ليس نصًّا في أنه يجب المصير إلى الفعل الثاني في جميع فروع المسألة، واعتبار الأول منسوخًا، بل ربما كان في بعض الصور على سبيل تقديم الثاني تقديم أولوية وأفضلية، لا تقديم ناسخ على منسوخ. وهذا واضح في حديث ابن عباس، فإنه قال ذلك في شأن إفطار النبي - ﷺ - في السفر في غزوة الفتح، فجواز الإفطار في السفر قائم باتفاق. ولكن الاختلاف في الأفضلية، فعليها ينصب استدلال ابن عباس.\nوإنما يتعيّن المصير إلى النسخ حيث يتم التعارض وتوجد شروطه. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-420>مسألة اختلاف الفعلين قلة وكثرة:</span>\nهذه مسألة مهمة ذكرها الشاطبي (٢). وهي كالتقييد لما أطلقه غيره من الأصوليين.\nوحاصلها أن النبي - ﷺ - قد يكون فِعْلُه في عبادة ما، مستمرًا على طريقة معينة، ولكنه يؤثر أحيانًا فعلًا مخالفًا للأول، إما على قلة، وإما في وقت من الأوقات، أو حال من الأحوال.\nفالذي ينبغي إزاء هذا، أن تقسم المسألة إلى قسمين:\nالأول: أن يكون للقلة سبب معلوم، من أجله خالف الأمر المستمرّ، ومثاله أنه - ﷺ - كان يصلي الصلوات لأوائل أوقاتها، هذه عادته المستمرة، ولكنه أخّر أحيانًا لعارض، كما قد أخّر الصلاة إلى آخر وقتها لكي يبيّن آخر الوقت لمن سأله عن\n_________\n(١) رواه الترمذي ٧/ ٢٦\n(٢) الموافقات ٣/ ٥٩ وما بعدها.","vol":"2","page":180},{"text":"وقت الصلاة، ثم عاد إلى الصلاة في أول الوقت. وكإبراده بالظهر، وتأخيره لأجل الجمع في السفر.\nوحكم هذا النوع أن يتّبع السبب.\nوهذا النوع يتصوّر في الواجبات، بأن يترك الواجب لسبب، كتركه الجمعة من أجل السفر، وتركه القيام في الفريضة لأجل المرض. ويتصوّر أيضًا في المستحبات كما في الأمثلة المتقدمة.\nالنوع الثاني: أن لا يتبيّن للقلة سبب، كقيام الرجل للرجل تعظيمًا له، وكتقبيل اليد. فالأمر المستمرّ منه - ﷺ - لم يكن يقوم لأحد أو يقوم له أحد، ثم قد قام لجعفر بن أبي طالب لمّا قدم من الحبشة، وكان الأمر المستمرّ أن الصحابة لا يقبّلون يده، ثم قد قبّل يده ابن عمر مرة إن صحت الرواية، وقبّل يده بعض اليهود. والذي ينبغي في هذا النوع ترك القليل والتمسّك بالأمر المستمرّ. أو فعل القليل، ولكن على سبيل الندرة والقلّة، وينبغي أن لا يتمسّك بالقليل حتى يكون هو الطريقة العامة، والعادة التي يدرج عليها المسلمون، وخاصّة أهل العلم منهم.\nوهذا النوع لا يتصوّر في الواجبات، لأنها لا تترك لغير سبب. وإنما يتصوّر في المستحبات، فإنْ تُرِك الواجب لغير سبب كان ذلك نسخًا.\nمثال فرعي: الصلاة على الغائب في الصحيحين: \"أن النبي - ﷺ - نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه وخرج بهم إلى المصلّى، فصفّ بهم، وكبّر عليه أربع تكبيرات\" (١). فإن كثيرًا من المسلمين كانوا يموتون في أطراف الأرض، ولم ينقل أن النبي - ﷺ - كان يصلّي عليهم، وذلك فعله المستمرّ وقد صلّى على النجاشي.\nفقال أبو حنيفة ومالك وأحمد في رواية: لا يصلّى على غائب.\nوقال الشافعي وأحمد في رواية: تجوز الصلاة على الغائب.\nفأما الأولون فمحمل الفعل عندهم على الخصوصية، ويتأيد بما في صحيح ابن حبان من حديث عمران بن حصين: \"فقاموا فصفوا خلفه، وهم لا يظنون إلاّ أن الجنازة بين يديه\" وبما ورد أن الأعراض زويت له - ﷺ -.\n_________\n(١) متفق عليه (جامع الأصول ٧/ ١٤٢).","vol":"2","page":181},{"text":"وأما القائلون بالجواز، فإن قولهم بالجواز هو نوع من الجمع بين الفعل والترك، فتكون صلاته على النجاشي عندهم من النوع الثاني، وهو غير المحمول على سبب خاص.\nوقد ذهب جمع من المحقّقين إلى أنه من النوع الأول الذي علم فيه سبب القلة، فقالوا إن النجاشيّ كان مسلمًا بأرض الشرك، لم يصلّ عليه أحد، فيصلّى على الغائب إن كان كذلك. ذهب إلى هذا أبو داود في سننه والخطابي وابن تيمية (١). والله أعلم.\n_________\n(١) نيل الأوطار ٣/ ٥٢ - ٥٤","vol":"2","page":182},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-421>الفصل الثاني تعارض الأقوال والأفعال</span>\n- تمهيد.\n١ - أسباب الاختلاف بين القول والفعل.\n٢ - الجمع بين القول والفعل إذا اختلفا.\n٣ - القول الذي يعارضه الفعل.\n٤ - الفعل الذي يصح معارضته للقول.\n٥ - نسخ حكم الفعل بالقول. وعكسه.\n٦ - العمل عند التعارض مع الجهل بالترتيب الزمني.\n٧ - الصور التفصيلية لاختلاف القول والفعل.\n- أمثلة تعين على إيضاح ما تقدم.","vol":"2","page":183},{"text":"تعارض الأقوال والأفعال\nهذه مسألة مهمة ينبني عليها كثير من الاختلاف الفقهي، في الفروع التي خالف فيها فعل النبي - ﷺ - قولَه.\nوالأغلب أن النبي - ﷺ - كان إذا أمر بفعل أو نهى عن فعل، يكون أول العاملين بمقتضى قوله، لقوله تعالى: ﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين * لا شريك له وبذلك أُمرت وأنا أول المسلمين﴾. ولأن اتفاق القول والفعل يؤكّد البيان ويقوّيه ويثبّته، كما تقدّم في أوائل هذه الرسالة.\nويستثنى من هذا الأصل ما كان من خصائصه - ﷺ -، فقد يترك ما أَمَر به، أو يفعل ما نهَى عنه، إن كان له في ذلك حكم خاصّ، كما تقدم في فصل الخصائص.\nفالغالب اتفاق قوله وفعله - ﷺ -.\nولكن قد وردت مواضع كثيرة في السنة النبوية يخالف فيها القولُ الفعلَ. ولما كان قوله في الأصل دليلًا شرعيًا، وكان فعله دليلًا شرعيًا كما تقدم إثباته، فإن الاختلاف بينهما له أثره القوي في باب الاستدلال على الأحكام الشرعية.\n\nأمثلة على اختلاف القول والفعل:\nالأمثلة على ذلك في الشريعة كثيرة، منها أنه - ﷺ - نهى عن استقبال القبلة واستدبارها بالبول أو الغائط، واستدبرها هو. ومنها أنه نهى أن يصلوا خلف الإمام قيامًا وهو جالس، ثم صلّى بهم كذلك. ومنها أنه أمر بعض الآكلين معه أن يأكل مما يليه، وتتبّع هو الدبّاء من نواحي القصعة. ومنها أنه أمر أن يوتر المتهجِّد","vol":"2","page":185},{"text":"بواحدة، وكان هو يوتر بسبعٍ أو تسع. ومنها أنه نهى عن الوصال في الصوم، وواصل هو. ومنها أنه أمر من نسي صلاةً، أو نام عنها، أن يصليها إذا ذكرها، ونام هو عن الصلاة، فلم يبادر إليها، بل انتقل بالذين معه إلى مكان آخر ثم صلّوا.\nإلى غير ذلك مما لا يكاد يحصى كثرة. وقد كانت المسائل التي وردت فيها هذه الأدلة موضع اختلاف صغير أو كبير، كما يعلم من تتبّع مراجع الفقه المقارن.","vol":"2","page":186},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-422>المبحث الأوّل أسبابُ الاختلاف بين القول والفعل</span>\nأسباب هذا الاختلاف بين القول والفعل في حقيقة الأمر وواقعه، ترجع إلى واحد أو أكثر من الوجوه التالية:\nالأول: أن يكون ذلك من اختلاف النّقَلة، فيكون بعضهم قد وهم، أو كذب، أو صحّف، أو غير ذلك من وجوه اختلاف الحديث. ولا بدّ لتمحيص ذلك من الرجوع إلى الروايات المختلفة للأحاديث، ونقدها وتمحيصها والترجيح بينها، بحسب القواعد التي تذكر في أبواب الترجيح بين الأخبار في علم أصول الفقه، حتى تعرف أصدق الروايات في ذلك. والمرجع في مثل هذا إلى أهل الحديث ونقاده. ومن أجل ذلك فلن نتعرض له في هذا البحث.\nالثاني: النسخ، بأن يكون أحد الدليلين متأخرًا عن الآخر، وقد قُصِد به إزالة حكم الأول.\nالثالث: الحمل على اختلاف الأسباب والدواعي فيكون - ﷺ - قد فعل الفعل، أو تركه، لسبب لم ينقل إلينا، فيظن التعارض.\nالرابع: أن يكون الفعل خاصًا به، أو مما لا يحتج به على الأمة.\nالخامس: أن يكون القول على خلاف ظاهره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-423>العمل عند اختلاف مقتضى الفعل والقول:</span>\nالطريقة المتبعة هنا هي من حيث الجملة، الطريقة العامّة المتّبعة عند اختلاف الدليلين، بخطواتها الأربع المرتبة التي بيّناها في أول هذا الباب، وهي:","vol":"2","page":187},{"text":"١ - الجمع\n٢ - اعتقاد النسخ\n٣ - الترجيح بمرجح خارجي\n٤ - التوقّف أو التخيير أو التساقط\nوفي كل من هذه الخطوات، بالنسبة إلى هذا المبحث، تفصيل نذكره في ما يلي.","vol":"2","page":188},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-424>المبحث الثاني الجمع بين القول والفعل إذا اختلفا</span>\nهذا أول المراتب وأولاها أن يعمل به إذا ظهر اختلاف بين القول والفعل، لأن الجمع بين الدليلين أولى من إلغاء أحدهما. وسواء عُلِم تأخّر الفعل، أو تقدمه، أو جهل.\nفإن كان القول أمرًا بفعل فتركه، بحمل الأمر على الاستحباب لا على الوجوب، كما أمر بأن يوتر المتهجّد بواحدة، وأوتر هو - ﷺ - بسبع أو تسع.\nوإن كان نهيًا عن فعل ففعله أمكن أن يحمل النهي على الكراهة، كما نَهَى عن الشرب قائمًا وشرِب قائمًا، ونهى عن استدبار القبلة بالبول أو الغائط واستقبالها، ثم استدبرها. ذَكَر هذه الطريقة ابن حزم الزركشي في البحر (١) وترد في كلام الفقهاء كثيرًا.\nوربما أُورد على هذه الطريقة، أن حمل الأمر على الندب، وحمل النهي على الكراهة، هو إخراج لهما عن الحقيقة التي هي الأصل، إلى المجاز وهو خلاف الأصل. أما القول بخصوصيته - ﷺ - بحكم الفعل فإنه يبقى الأمر والنهي معه على حقيقتهما، فيكون أولى.\nوقد أجاب الحافظ العلائي (٢) عن هذا الاعتراض بأن الذي اختصّ به النبي - ﷺ - عن الأمة شيء نزر يسير جدًا، بالنسبة إلى باقي الأحكام، فالتزام المجاز أولى من التزام الخصوصية.\n_________\n(١) ٢/ ٢٥٦ أ.\n(٢) تفصيل الإجمال ق ٥٣ أ.","vol":"2","page":189},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-425>تخصيص العموم بفعله - ﷺ </span>-:\nإذا ورد فعله - ﷺ - مخالفًا في الحكم لمقتضى قول عام، كما نهى عن استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة، وثبت أنه فعل ذلك، فإن إمكان خروجه هو - ﷺ - من حكم العام لا إشكال فيه. وأما بالنسبة إلى الأمة، فهل يصحّ أن يكون ذلك تخصيصًا في حقهم؟ كأن يقال في المثال المتقدّم بجواز الاستقبال والاستدبار في البنيان دون الصحراء، استدلالًا بالفعل.\nهذه المسألة تنبني على حجية الفعل في حق الأمة:\nفمن قال إن الفعل لا يدل في حق الأمة على شيء، منع التخصيص به في مخالفة العموم. وقد نقل نفي جواز التخصيص بالفعل عن الكرخي وبعض الشافعية. واشترط الكرخي للجواز تكرر الفعل، لأنه إذا فعله مرة واحدة احتمل أن يكون من خصائصه - ﷺ - (١).\nواشترط الغزالي أن يَدُلّ بالقول على أن الفعل بيان (٢).\nومن توقف في ذلك، توقف في التخصيص به.\nوأما الذين قالوا في غير حال مخالفة العموم إن الفعل دليل في حق الأمة، وهو القول المختار، فلم يتفقوا على جواز التخصيص بالفعل في مخالفة العموم، بل ساروا في اتجاهين:\nالاتجاه الأول: امتناع التخصيص بالفعل، ذهب إلى ذلك الآمدي، واختار الوقف (٣)، ووجه ذلك عنده أن عموم الأمر باتباع الأفعال والتأسّي بها، عارضه عموم القول المتقدم، وليس إبطال أحد العمومين عنده أولى من إبطال الآخر.\nونُقِل مثل هذا القول عن القاضي عبد الجبار (٤). وقال به أبو الحسين\n_________\n(١) الزركشي: البحر المحيط ٢/ ١٤٦ ب.\n(٢) المستصفى ٢/ ٢٨\n(٣) الإحكام ٢/ ٤٨٢\n(٤) العلائي: تفصيل الإجمال ق ٤٨ ب. أبو شامة: للمحقق ق ٤٧ أ.","vol":"2","page":190},{"text":"البصري في باب (الأفعال) (١) من كتابه، وأجاز التخصيص بالفعل في باب (العموم) (٢) منه.\nوابن الحاجب (٣) يرى أنه إن كان ثمة دليل خاص يوجب التأسّي بالفعل يكون نسخًا للقول إذا علم تأخره. وإن لم يكن دليل خاص، بل الدليل العام لوجوب الاتباع، فإن الدليل العام لوجوب الاتباع يكون مخصصًا بالقول المتقدم، فيبقى عليهم حكم القول المتقدم، ويمتنع اقتداؤهم به في الفعل.\nالاتجاه الثاني: وعليه عمل جمهور الفقهاء وتصرّفاتهم في الفروع؛ فإنها تدل على أنهم يجيزون التخصيص بالأفعال. ونسب الآمدي (٤) القول بذلك إلى الشافعية والحنفية والحنابلة. وإليه ذهب أبو إسحاق الشيرازي (٥)، والقاضي أبو يعلى (٦)، والسمعاني (٧) وغيرهم، واختاره الحافظ العلائي (٨). فالفعل يكون عندهم مخصّصًا للقول العام في حق الأمّة أيضًا. وسواء تقدّم الفعل أو تأخّر، أو جهل التاريخ، على القول الراجح في تقديم الخاصّ على العام.\nقال العلائي: \"والحجة لذلك أن القول بتخصيص فعله به - ﷺ -، موجبٌ إبطال الدليل الدالّ على التأسّي به في ذلك الفعل، والقول بتخصيص القول بإحدى حالاته وتعميم حكم الفعل في حقه وحق الأمة إعمال للدليلين، وإعمال الدليلين أولى من ابطال أحدهما\".\nقال: \"ويتأيّد هذا بأن الأصل مشاركة الأمة له في الأحكام، إلاّ ما دلّ دليل على تخصيصه به - ﷺ -\".\nوأما ابن حزم (٩) فيرى أنه يجوز تخصيص عموم القول بالفعل إن تأخّر\n_________\n(١) المعتمد ١/ ٣٩٢\n(٢) المعتمد ١/ ٢٧٥\n(٣) مختصر ابن الحاجب ٢/ ١٥١\n(٤) الإحكام ٢/ ٤٨٠\n(٥) اللمع ٢١\n(٦) العدة ق ١٢٣ أ.\n(٧) القواطع ق ٥٤ أ.\n(٨) تفصيل الإجمال في تعارض الأقوال والأفعال. ق ٤٨ ب.\n(٩) الإحكام ١/ ٤٣٤","vol":"2","page":191},{"text":"الفعل، لا إن تقدم الفعل، أو جهل الحال فإن تقدم الفعل وجب اعتقاد الفعل منسوخًا. وإن جهل الحال فالأشبه أن يكون الفعل متقدمًا في الزمان ويكون منسوخًا.\nوالصحيح ما اختاره الحافظ العلائي، لأن منصب النبي - ﷺ - منصب البيان والتشريع، وأفعاله - ﷺ - في ذلك هي موضع القدوة والأسوة، فيقتدى بها حيث أمكن.\nوإنما يمكن حملها على التخصيص إذا ظهر أنه - ﷺ -، إنما خالف قوله لسبب معيّن، أو أمكن تعقّل معنى مناسب، يكون مناطًا لحكم الفعل. فإن لم يمكن ذلك وجب المصير إلى النسخ.\nومن أمثلة التخصيص ما ورد من حثّه - ﷺ - على صيام يوم عرفة، وترغيبه فيه، ثم أفطر بعرفة لما كان واقفًا بها. وقد أفطر وهو على بعيره ليراه الناس فكان هذا الفعل مخصصًا لحثه وترغيبه في الصيام، بالنسبة إلى ذلك المكان لمعنى يخصّه لا يوجد في غيره، وهو التقوِّي بالفطر على الاستكثار من الدّعاء، وذكر الله تعالى في ذلك الموقف الشريف (١).\nفإن لم يمكن الجمع والتخصيص تعارض القول والفعل، ووجب المصير إلى إبطال أحد الدليلين، أو التوقف.\nونبدأ بتحقيق الظروف التي لا يتحقق التعارض دون توفرها.\n_________\n(١) تفصيل الإجمال ق ٥٣ ب. المحقق ص ٤٩","vol":"2","page":192},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-426>المبحث الثالث القول الذي يعارضه الفعل</span>\nالقول الذي يوهم معارضة الفعل له، يكون على ثلاثة أنواع:\nالأول: أن يكون عامًا له - ﷺ - وللأمة. والثاني أن يكون خاصًا به - ﷺ -.\nوالثالث: أن يكون خاصًّا بالأمة -والمراد هنا أن لا يكون القول شاملًا له - ﷺ -.\nونحن نفصل القول في كل من هذه الأحوال، بالترتيب، فنقول:\nالحالة الأولى: أن يكون القول عامًا لنا وله. بأن يقول: \"حرِّم علينا كذا\" أو \"وجب علينا كذا\".\nفإذا فعل ما يخالفه دار الأمر بين احتمالات:\n١ - أن يُجعل حكم فعله خاصًّا به. فيدل على استثنائه هو وحده - ﷺ - من حكم العموم.\nوإنما يصلح هذا الوجه إن كان عموم القول له - ﷺ - بطريق الظهور، كما لو قال: حُرِّم علينا كذا. ثم فعله، كما مثلنا. فإن نصّ على نفسه، فقال: حُرِّم عليّ وعليكم كذا، مثلًا، امتنع هذا الوجه، وتعارض في حقه، ووجب المصير إلى النسخ (١).\nويتعارض القول العام والفعل في حقه أيضًا إن تقدّم القول، وعمل النبي - ﷺ - بمقتضاه، ثم فعل ضده، فإن الفعل الثاني يكون ناسخًا، ولا يجوز الحمل على الخصوصية (٢).\n_________\n(١) نبه إليه ابن الحاجب. راجع مختصره. وانظر نهاية السول للأسنوي ٦٨\n(٢) البناني: حاشية جمع الجوامع ٢/ ١٠١","vol":"2","page":193},{"text":"٢ - أن يجعل فعله تخصيصًا لعموم قوله في حق الأمّة أيضًا، فيتبيّن بالفعل خروجه وخروج غيره، من حكم العام. ويكون ذلك إذا علم ارتباط فعله بالسبب، كما تقدم. فلا يتم التعارض. وفيه خلاف تقدم ذكره في مبحث التخصيص.\nوسواء بالنظر إلى هذين الاحتمالين، أن يتأخر الفعل عن القول أو يتقدم عليه.\n٣ - أن يُعْتَقَد المتأخر من القول أو الفعل ناسخًا للآخر، إن علم التاريخ. ويجيز الفقهاء هذا النوع من النسخ، ويتوقف فيه بعض الأصوليين. ويقدمون عليه الحمل على الخصوصية في حقه - ﷺ -.\nالحالة الثانية: أن يكون القول خاصًا به - ﷺ -. بأن يقول: حرم عليّ كذا. ويثبت أنه فعله. أو: وجب عليَّ كذا، ثم يتركه.\nوقد قيل في هذه الحال، إنه لما لم يكن القول متناولًا للأمة فليس ثمة إلاَّ احتمال واحد في حقه، هو النسخ بالمتأخر من القول أو الفعل. وفي حق الأمة لا تعارض، لعدم توارد الدليلين على موضع واحد.\nتنبيه: إذا قال - ﷺ -: حرم علي كذا، أو وجب علي كذا، فهذا وإن كان خاصًا به من حيث اللفظ، إلاّ أنه ينبغي القول أن أمته ملحقة به، لما ورد من الأدلة القاضية بذلك. وقد تقدم بيان هذا في موضع سابق. ولا يمتنع إلحاق به إلاّ بدليل. فإن جاء الدليل على اختصاصه به حكمنا به. ومثاله أنه واصَلَ ونهاهم عن الوصال. فقالوا: إنك تواصل. فقال: \"إني لست كهيئتكم، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني\".\nومن أجل ذلك تكون هذه الحالة الثانية قاصرة على ما دلّ الدليل فيه على الاختصاص. أما ورود مجرّد قوله: \"أُمِرْتُ، ونُهيتُ، وحَرُم عليّ، ووجَب عليّ\"، ونحو ذلك، فلا يمنع القول بالعموم، بل يكون من الحالة الأولى، وهي ما كان القول فيها عامًا لنا وله. لأن قوله: \"أُمِرْتُ ونُهيتُ\" بمنزلة قوله: \"أُمِرنا ونُهينا\".","vol":"2","page":194},{"text":"فإن دلّ الدليل على اختصاصه - ﷺ - بمقتضى القول، فهي الحالة الثانية. فإن خالف الفعل مثل هذا النوع من القول، فلا تعارض في حق الأمة. وأما في حقه - ﷺ - فالمتأخر من القول أو الفعل ناسخ للمتقدم.\nالحالة الثالثة: أن يكون القول خاصًا بالأمة. مثل: \"افعلوا أو اتركوا كذا، أو وجب أو حرم عليكم كذا\". فإذا صدر مثل ذلك منه - ﷺ -، وثبت أنه خالفه فقد قيل بعدم التعارض بين القول والفعل في حقه - ﷺ -. وقد وجّهه القائلون به بأنه لما لم يكن القول شاملًا له، فإنه لم يتوارد الدليلان عليه، بل ورد عليه أحدهما وهو الفعل.\nوهذا القول مبنيٌّ على قاعدة يذكرها الأصوليون في باب العموم حيث يرى بعضهم أن المتكلم لا يدخل في عموم متعلّق خطابه. ويرى الأكثرون دخوله، وهو الصواب، ما لم يكن دلّ على أن حكمه في ذلك ليس كحكمهم.\nفالحاصل فيما ورد من مثل: \"افعلوا واتركوا وآمُرُكم وأنهاكم\" أنه - ﷺ - ينبغي أن يكون داخلًا في ذلك، فتكون من الحالة الأولى أيضًا، إلا حيث يدل على خروجه عن العموم دليل خاص. فإن دلّ على خروجه عن ذلك دليل فهي الحالة الثالثة. وحينئذ إن فعل هو خلاف ما أمرهم به فلا تعارض في حقه - ﷺ -. وأما في حق الأمة فيحتمل التعارض. وسيأتي بيانه إن شاء الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-427>تكرر مقتضى القول:</span>\nهل يشترط لحصول التعارض بين القول والفعل قيام الدليل على تكرر مقتضى القول؟ ذكر أبو الحسين البصري والغزالي ما يدل على اشتراط ذلك (١). ويفهم من كلام السبكي في جمع الجوامع أن ذلك شرط. وقد وجّهه الشربيني (٢) بأن القول له مدلول لغويٌّ وضع له، فعند إطلاقه يدل عليه، وهو الماهيّة المتحققة\n_________\n(١) المعتمد ١/ ٣٨٦ المستصفى ٢/ ٥٣\n(٢) تقريره على شرح جمع الجوامع ٢/ ٩٩","vol":"2","page":195},{"text":"بالمرة الواحدة. فإن تُرك الفعل بعد ذلك لم يكن معارضًا للقول. ولم يذكر هذا الشرط جمهور الأصوليين الذي ذكروا المسألة.\nونحن نرى أن كلام السبكي هذا يصلح إن كان القول أمرًا، على القول بأن الأمر المطلق لا يدل على التكرار، أما إن كان نهيًا، فالنهي يقتضي دوام الترك، فيصدق على كل الزمان، فلا يشترط للتعارض حينئذٍ دليل خاص يدل على تكرر مدلوله.\nأما الأمر، فالدليل الدالّ على تكرر مقتضاه، قد يكون بتعليقه على متكرّر من شرط أو صفة، كقوله - ﷺ -: \"إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحّي فلا يمس من شعره بشره شيئًا\" (١). يعني بالعشر عشر ذي الحجة.\nوقد يكون غير ذلك مما يُدَل عليه بالقول.\n_________\n(١) رواه مسلم في كتاب الأضاحي رقم ١٩٧٧ من صحيحه.","vol":"2","page":196},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-428>المبحث الرّابع الفعل الذي يصح معارضته للقول</span>\nأما في حقه - ﷺ - فإن كل فعل من أفعاله يصح معارضته للقول الصادر عنه، إن كان القول خاصًّا به، أو شاملًا له.\nوأما في حق الأمة، إذا كان القول خاصًا بها أو شاملًا لها، فقد ذكر بعض الأصوليين في الفعل شروطًا لا يتم التعارض بدونها. وهي كما يلي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-429>الشرط الأول: قيام دليل خاص على وجوب التأسّي بالفعل:</span>\nفيجب أن يكون الفعل دالًا في حق الأمة، بأن لا يكون جبليًا، ولا خاصًا به - ﷺ -.\nثم الفعل البياني والامتثالي يصح معارضته للقول كما هو واضح، لقيامه مقام القول.\nوأما الفعل المجرّد، فمن قال إنه ليس دليلًا في حق الأمة، كما قاله الكرخي، والواقفية: الباقلاني والغزالي ومن تبعهما، اشترط أن يقوم دليل خاص على وجوب تأسيّ الأمة بنبيها في ذلك الفعل بعينه. فإن لم يقم مثل ذلك الدليل فلا تعارض، لأن الفعل المجرّد لا يدل عندهم في حق الأمة على شيء.\nوأما من قال بأن الفعل المجرّد دليل في حق الأمة على الوجوب، أو الندب، أو الإباحة، فقد كان ينبغي أن لا يشترط لصحة التعارض قيام دليل خاص على التأسّي. وهذا هو الذي نختاره. بناء على ما تقدم إثباته في فصل الفعل المجرّد من الباب الأول. ويقول الشوكاني: \"اعلم أنه لا يشترط وجود دليل خاص يدلّ على التأسّي، بل يكفي ما ورد في الكتاب العزيز من قوله تعالى: ﴿لقد كان لكم في","vol":"2","page":197},{"text":"رسول الله أسوة حسنة﴾ ونحوه .. ومجرد فعله لذلك الفعل بحيث يطلع عليه غيره من أمته ينبغي أن يحمل على قصد التأسّي به، إذا لم يكن من الأفعال التي لا يتأسّى به فيها كأفعال الجبلة\" (١). وقال القرافي مثل ذلك (٢).\nوكان غريبًا من الآمدي (٣) والسبكي (٤) أن يقولا في الفعل المجرّد إنه بصفته العامة دليل في حق الأمة، لما ورد في ذلك من الآيات والأحاديث، ثم يشترطا لحصول التعارض قيام دليل خاص على التأسّي بالفعل.\nوقد وجه البناني ووافقه الشربيني (٥) اشتراط قيام دليل خاص على التأسّي بالفعل، ليتم التعارض، مع إثبات التأسّي بالفعل المجرّد، بأن الفعل المجرّد إذا لم يعارضه قول، يمكن التأسّي به، للأدلة العامة القاضية بوجوب التأسيّ، أما إذا نوقض فإنه يضعف بتلك المناقضة، فيحتاج إلى قيام دليل خاص يدل على التأسّي ليصح التعارض. فإن لم يقم ذلك الدليل الخاص وجب تقديم القول مطلقًا.\nوظاهر كلام العلائي (٦) أن أول من اشترط هذا الشرط الآمدي وابن الحاجب، ولم يذكره الرازي في محصوله (٧).\nوعندي أن كلام القرافي والشوكاني أسدّ وأصوب، لأنه وإن كانت دلالة الفعل تضعف بمناقضة القول له، فدلالة القول أيضًا تضعف بمناقضة الفعل، فيبقيان على ما كان عليه من التناسب في القوة.\nوالذي نعتقده أن الفقه الإسلامي بُنِي على تجاهل هذا الشرط، فإنه بتتبع كلام الفقهاء في استدلالاهم بالأحاديث، نجد غالبهم لا يلاحظون هذا الشرط ولا يقيمون له وزنًا، كما سننقله في الأمثلة التي في آخر هذا الفصل إن شاء الله.\n_________\n(١) إرشاد الفحول ص ٤١\n(٢) القرافي: شرح تنقيح الفصول ص١٢٨والعلائي: تفصيل الإجمال ق ٥٨ ب، ٦٣ ب.\n(٣) انظر الإحكام ١/ ٢٧٨\n(٤) انظر جمع الجوامع ٢/ ١٠٠\n(٥) حاشية على شرح جمع الجوامع ٢/ ١٠٠\n(٦) تفصيل الإجمال ق ٥٢ أ.\n(٧) أبو شامة: المحقق ق ٤٩ أ.","vol":"2","page":198},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-430>الشرط الثاني:</span>\nأن يدل دليل على وجوب تكرار الفعل. وهذا الشرط أيضًا ذكره الآمدي وابن الحاجب ومن بعدهم، ولم يذكره المتقدمون.\nووجه اشتراطه أنه إذا لم يقم دليل على وجوب تكراره عليه - ﷺ - وقال قولًا مخالفًا له، فليس ذلك تعارضًا، لأنه لا عموم للفعل في الأزمان ومثاله ما لو صام يوم السبت، ثم قال بعد ذلك: صوم يوم السبت عليّ حرام.\nقال ابن الهمّام وشارحه في إيضاح ذلك: \"قد أخذَتْ صفة الفعل مقتضاها منه بذلك الفعل الواحد، والقول الصادر بعد ذلك الفعل الواحد مسألة شرعية مستأنفة في حقه، لا ناسخ\" (١).\nولم يذكر السبكي في جمع الجوامع والمحلى هذا الشرط، وأشار إلى الردّ على من اشترطه بقوله: إن الفعل الصادر منه - ﷺ - يدل على الجواز المستمرّ.\nوممن ذكَرَ بطلان هذا الشرط العطّار (٢) والشربيني. ويقول الشربيني: \"تقييد بعضهم بدلالة الدليل على تكرر مقتضى الفعل، هو تقييد لا حاجة إليه، لأن فعله - ﷺ - غير الجبلّيّ إنما يكون للتشريع، ومتى كان له، دام مقتضاه حتى يرفعه خلافه. وقد قالوا في الفعل المجهول الصفة إنه للوجوب، ولم يقل أحد إنه للوجوب مرة واحدة فقط\" (٣). اهـ.\nوعندي أن الخلاف في ذلك راجع إلى مسألة ما يدل عليه الفعل، فإن دلّ على الجواز ثم جاء القول مانعًا، لم يكن القول نسخًا ولا معارضًا عند من يقول إن الجواز المستفاد من الفعل ليس حكمًا شرعيًا، وإنما هو عدم الحكم. والى هذا نظر ابن الهمّام.\nأما من قال بأن الجواز المستفاد من الفعل هو حكم شرعي، أو حيث فهم أن\n_________\n(١) تيسير التحرير ٣/ ١٥٠\n(٢) حاشية على شرح جمع الجوامع.\n(٣) تقريره على شرح جمع الجوامع ٢/ ٩٩ بتصرف.","vol":"2","page":199},{"text":"الفعل وقع على وجه الوجوب أو الندب، فإن القول الواقع بعده يجوز أن يقال إنه ناسخ له.\nتنبيه: يقول أبو شامة إن فائدة قولنا: \"دلّ الدليل على التكرار\" فيما إذا تقدم الفعل، لتحصل المعارضة بينه وبن القول المتناول للرسول - ﷺ -. أما إذا تأخر الفعل فسواء دلّ على التكرار دليل أو لم يدل، لا أثر له فيما يرجع إلى تصوير المعارضة، اهـ. وقوله هذا سديد بيّن، لأنه - ﷺ - لو فعل الفعل مرة واحد وقد سبق تحريمه، ولم نقدر نسخ التحريم، لكان الفعل معصية.","vol":"2","page":200},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-431>المبحث الخامس نسخ حكم الفعل بالقول وعكسُه</span>\nإذا اختلف القول والفعل، ولم يمكن تخصيص القول بالفعل، ولا ظهر وجه للجمع بينهما، وتم التعارض، فإنه يتطلب التاريخ، فيكون آخرهما ورودًا ناسخًا لأولها. وقد نقل الماوردي منع الشافعي لنسخ الفعل بالقول. ووافقه ابن عقيل الحنبلي (١).\nوهذا القول مردود عند جمهور العلماء، ولعل مراد الشافعي أن الفعل يستدلّ به على تقدّم قول ناسخ للقول الأول.\nأما إن جهل التاريخ فسنذكره في المبحث التالي.\nثم قد يكون التعارض والنسخ في حقه - ﷺ - وحده، أو في حق الأمة دونه، أو في حقهما جميعًا بحسب موضع التقابل بين الدليلين.\nوإنما يجوز المصير إلى النسخ إذا تحصل أمران:\nالأول: أن تتحق الشروط العامة، التي تذكر في باب النسخ من مباحث علم الأصول. ومنها ما يلي:\n١ - أن يتراخى المتأخر من الدليلين عن المتقدم منهما، فإن تعقبه بحيث لم يمكن لأحد من الأمة تنفيذ مقتضاه، فلا يجوز النسخ. كأن يرد الدليل الثاني قبل دخول الوقت، أو دخل ولم يمض ما يتسع لتنفيذ الأول.\nوهذا الشرط ذكره بعض أصوليي المعتزلة (٢) في باب النسخ. وذكروه في باب\n_________\n(١) الشوكاني: إرشاد الفحول ص ١٩٢، ١٩٧\n(٢) المعتمد لأبي الحسين البصري ١/ ٣٩٠","vol":"2","page":201},{"text":"تعارض الأفعال وذكره كذلك الرازي في محصوله (١) قائلًا به.\nوأما غيره من الأصوليين، فليس هذا عندهم شرطًا، لأن النسخ عندهم يجوز قبل التمكن من الامتثال. واستدلوا بوقوعه، فقد نسخ الله تعالى عن إبراهيم أمره بذبح ابنه قبل أن يتمكن من الامتثال. ونسخ الله تعالى ليلة الإسراء عن هذه الأمة خمسين صلاة بخمس صلوات، قبل أن يعلموا بالمنسوخ.\nوهذا القول أصح.\nوعلى القول باشتراط التراخي إن تعقّب أحد الدليلين الآخر، وتم التعارض، لم يمكن القول بالنسخ، ووجب الحمل على الخصوصية إن أمكن.\n٢ - أن يعلم الترتيب الزمني بين الدليلين المتعارضين، فيكون آخرهما ناسخًا لأولهما ولا يجوز المصير إلى اعتبار أحدهما ناسخًا قبل تحقيق هذا الشرط.\nالأمر الثاني: أن تتحقق في كل من القول والفعل شروط التعارض التي تقدم ذكرها. فمن اعتبر في حصول التعارض شرطًا، لم يجز عنده النسخ قبل حصول ذلك الشرط.\n_________\n(١) ق ٥٤ أ، ب.","vol":"2","page":202},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-432>المبحث السادس العمل عند التعارض مع الجهل بالترتيب الزّمني</span>\nإذا تحقق التعارض وجهل التاريخ امتنع القول بالنسخ كما تقدم، وقد اختلف الأصوليون في ما على المجتهد أن يصنعه حيال ذلك، على مذاهب:\nالأول: أنه يقدم القول، لأنه الأصل في البيان، ولأنه أقوى في البيان من الفعل. قال العضد: \"ولأن العمل بالقول يبطل مقتضى الفعل في حق الأمة فقط، ويبقى في حقه - ﷺ -، والعمل بالفعل يبطل مقتضى القول جملة\" (١).\nوإنما يرد دليله هذا إذا كان القول خاصًا بالأمة، أما إن كان القول عامًا لنا وله فلا.\nوإلى هذا القول ذهب الجصاص (٢) والشيرازي والرازي والآمدي وابن حزم وأبو شامة والعلائي وغيرهم.\nالثاني: أنه يقدم الفعل، لأنه أقوى في البيان عند من قال به. ولم ينسب هذا القول إلى قائل معين. ونسبه أبو الخطاب في التمهيد (٣) إلى بعض الشافعية.\nوقد تقدم لنا في الباب الأول ذكر مسألة الوازنة في القوة، بين القول والفعل، وبيّنّا هناك ما استدلّ به كل من الفريقين.\nالثالث: الوقف عن الترجيح، وذلك لأن لكل من الطرفين جهة يترجح بها، فيتعادلان. وإليه ذهب الباقلاني والغزالي وابن القشيري (٤).\n_________\n(١) شرح المنتهى ٢/ ١٥١\n(٢) أصول الجصاص ق ١٩٩ أ.\n(٣) ق ٩٢\n(٤) العلائي: تفصيل الإجمال ص ١٥٢ أ، الزركشي: البحر المحيط ٢/ ٢٥٥ ب.","vol":"2","page":203},{"text":"الرابع: التفريق بين أن يكون التقابل في حقه - ﷺ -، فيترجح الوقف، وبين أن يكون التقابل في حق الأمة فيترجح العمل بالقول. وإلى هذا ذهب ابن الحاجب والسبكي في جمع الجوامع (١). ووجّه شارحه المحلى هذا التفريق: \"بأننا متعبّدون فيما يتعلق بنا بالعلم بحكمه، لنعمل معه، بخلاف ما يتعلق بالنبي - ﷺ - إذ لا ضرورة إلى الترجيح فيه\".\nوهذا المذهب الرابع هو ما نميل إليه، من حيث إن القول هو الأصل في البيان والتبليغ، ولأنه يدل بنفسه على المطلوب، والفعل لا يدل إلاّ بغيره، ولأن القول متفق على دلالته بخلاف الفعل، وإنما اختلف فيه لأنه أضعف دلالة من القول. هذا إن كان التقابل في حق الأمة فيرجّح لأجل العمل.\nأما إن كان التقابل في حق النبي - ﷺ - فلا حاجة إلى الاجتهاد في ذلك، إذ لا عمل ينبنى عليه، فهي مسألة خارجة عن موضوع علم الفقه، وتدخل في المسائل الاعتقادية، فيما كان يجوز للنبي - ﷺ - أو يجب عليه أو يمتنع. والله أعلى وأعلم.\n_________\n(١) ٢/ ١٠١","vol":"2","page":204},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-433>المبحث السَّابع الصَّور التفصيلية لاختلاف القول والفِعل</span>\nإن القواعد السابق بيانها في هذا الفصل تحدّد، بالإجمال، الطرق التي ينبغي للمجتهد أن يسلكها في كل حالة تعرض له من حالات اختلاف القول والفعل. ولكن الأصوليين، حرصًا منهم على أن يسنوا للمجتهدين مسالك واضحة يسلكونها عند التصرف في هذا المجال، لم يكتفوا بإجمال القول في العوامل المؤثرة في اختلاف الحكم، بل ذكروا الصور التفصيلية المحتملة، وبيّنوا الحكم في كل صورة كيف يكون. وما على المجتهد إلاّ أن يحقق في الاختلاف الذي ينظر فيه، من أي صورة هو، فيلحقه بها، فيحكم عليه بما يذكره الأصوليون لتلك الصورة.\nوتوضيحًا لذلك نذكر أولًا العوامل المؤثرة في هذه المسألة، في الجدول الآتي في الصفحة التالية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-434>جدول الصور التفصيلية لاختلاف القول والفعل</span>\nالتسلسل ............... بيان العامل .......... عدد الحالات ............. بيانها\nالعامل الأول: .......... الترتيب الزمني ........... (٣) ......... تقدم القول. تقدم الفعل. مجهول\nالعامل الثاني: ......... الفترة بين القول والفعل ... (٢) ......... تعقب. تراخي\nالعامل الثالث: ........ نوع القول ................ (٣) ....... عام لنا وله - ﷺ -. خاص به. خاص بنا\nالعامل الرابع: ......... تكرر الفعل ............... (٢) ......... قيام الدليل عليه. عدم قيام عليه\nالدليل الخامس: ....... التأسيّ بالفعل ........... (٢) ......... قيام الدليل عليه. عدم قيام عليه\nالعامل السادس: ....... تكرر مقتضى القول ...... (٢) ......... قيام الدليل عليه. عدم قيام عليه","vol":"2","page":205},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-435>مسالك الأصوليين في تعدد الصور التفصيلية:</span>\nقد ذكرنا في الجدول المبيّن جميع العوامل التي قال الأصوليون بتأثيرها في نتيجة الاختلاف بين القول والفعل، سواء ما اتفقوا على تأثيره أو اختلفوا فيه. والصور تحتمل كما يتبيّن من الجدول، ١٤٤ (مئة وأربع وأربعون) صورة، ناتجة من ضرب عدد الحالات بعضها ببعض.\nوهناك عوامل أخرى يحتاج إلى النظر فيها أيضًا، كأن يكون القول الدالّ على التحريم أو الإيجاب نصًا أو ظاهرًا، وكون العموم في العامل الرابع شاملًا للنبي - ﷺ - نصًا أو ظاهرًا. فهذه أربعة تضرب في الحالات السابقة.\nإلاّ أن بعض هذه الصور لا تعقل، وبعضها لا فائدة في تفصيله، وبعضها لا يعرف له أمثلة في السنة.\nثم إن من ألغى تأثير عامل من هذه العوامل الستة التي ذكرناها في الجدول. فإنه لا يدخله في الضرب، وينقص عدد الصور عنده بحسب ذلك.\nفمن أول من وجد له حصر لعدد هذه الصور، الرازي في محصوله (١)، وقد اعتبر العوامل الثلاثة الأولى فقط، وهي: الترتيب الزمني (٣)، التعقُّب أو التراخي (٢)، أنواع القول (٣)، تكون الصور عنده (١٨) صورة، إلاّ أنه أسقط سدس هذا العدد وهي صور ثلاث، لما كان التعقُّب أو التراخي حال الجهل بالتاريخ، لا أثر له. فانحصرت الصور عنده في (١٥) صورة، ذكرها بالتفصيل واحدة واحدة، ثم بيّن الحكم في كل منها.\nوأما الآمدي فإنه أغفل عاملين من الستة، هما: الثاني (التعقُّب أو التراخي) السادس وهو تكرر مقتضى القول، واعتبر الأول (٣)، والثالث (٣) والرابع (٢) والخامس (٢) فانحصرت الصور عنده في (٣٦) صورة ذكرها بالتفصيل وبين الحكم في كل منها.\nوالسبكي اعتبر العامل الأول، وهو الترتيب الزمني (٣)، والثالث وهو أنواع\n_________\n(١) ق ٥٣، ٥٤","vol":"2","page":206},{"text":"القول (٣)، والسادس، وهو تكرّر مقتضى القول (٢)، فانحصرت عنده الصور في (١٨) صورة (١)، وذكر عامل التأسّي بالفعل في بعض الصور.\nوأما أبو شامة (٢) فقد أربى على شيخه الآمدي باعتبار عامل التعقُّب والتراخي أيضًا، فكانت الصور عنده اثنتين وسبعين (٧٢)، أسقط منها سدسها وهو (١٢) صورة، لأن عامل التعقُّب والتراخي لا أثر له في حالة الجهل بالتاريخ، كما تقدم. فانحصرت الصور عنده في (٦٠) ستين صورة، اكتفى بأن ذكر أنها ستون، وصوّرها بعبارات تدل على كل منها. ولم يبين الحكم في كل منها، وإنما ذكر القوانين الإجمالية التي ينبغي اتباعها عند تحديد الحكم في كل صورة.\nوقد تلقّف المسألة عنه الحافظ العلائي، وأخذ على عاتقه تفصيل هذه الصور الستن، وبيان الحكم في كل منها، واحدة واحدة. ثم مثّل بأمثلة كثيرة لتكون تطبيقًا وتدريبًا ومزيد بيان. وسمّى رسالته (تفصيل الإجمال في تعارض الأقوال والأفعال) دلالة على ما صنعه في ذلك، إلا أنه لم يشر إلى أنه استمدّ مما صنع أبو شامة.\nوجاء الشوكاني (٣) بعد ذلك فذكر العوامل عينها التي اعتبرها أبو شامة والعلائي، ولكنه أخطأ في الحساب، فجعلها (٤٨) صورة، وقال ان ما ذكره أولى. ثم فصل القول في (١٤) صورة منها فقط، لأنه رأى أن أكثر الصور غير موجود في السنة.\nونحن قد بيّنا في المطالب السابقة أن الأصح في بعض هذه العوامل الستة عدم تأثيره، ولذلك سنسقطه من الحساب.\nوالعوامل التي نسقطها هي العامل الثاني، وهو عامل التعقُّب أو التراخي، والثالث وهو تكرر الفعل، والرابع وهو ثبوت الدليل على تأسّي الأمة بالفعل الخاص.\n_________\n(١) تقرير الشربيني ٢/ ٩٩\n(٢) المحقق ق ٤٨ - ٥٠\n(٣) إرشاد الفحول ص ٣٩","vol":"2","page":207},{"text":"فالعوامل التي نراها مؤثرة ثلاثة لا غير، وقد فصلت في الجدول التالي:\nالعامل الأول: .......... الترتيب الزمني ............ (٣) .......... تقدم القول. تقدم الفعل. الجهل بالتاريخ\nالعامل الثالث: .......... أنواع القول ............... (٣) .......... عامّ لنا وله. خاص به. خاص بنا\nالعامل السادس: ....... تكرّر مقتضى القول ....... (٣) .......... قيام الدليل عليه. عدم قيام الدليل عليه\nفتنحصر الصور عندنا في (١٨) صورة. وهي التي تفهم من كلام السبكي. هذا هو الذي يترجح عندنا في عدد صور اختلاف القول والفعل.\nولكننا سنعمد إلى ذكر الصور التي ذكرها أبو شامة، وفصّلها العلائي، وذلك بأن نضع كلام العلائي بنصّه ملحقًا بآخر هذا البحث.\nوقصدنا بذلك إيضاح خلاف العلماء في هذه الأصول، وبيان مآخذهم، ولعلّ الله أن يوفق لنشر رسالته كاملة في المستقبل.\nوسنكتفي بذكر كلام العلائي عن أن نفصّل القول في الصور الستين، مع أننا قد قدّمنا رأينا في كل عامل من العوامل المؤثرة في اختلاف الصور المذكورة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-436>أمثلة تعين على إيضاح ما تقدم</span>\nالمثال الأول: حديث ابن عباس قال: \"احتجم النبي - ﷺ - وهو محرم واحتجم وهو صائم\" (١) وحديث شداد بن أوس، ورافع بن خديج وثوبان وغيرهم: أن رسول الله - ﷺ - رأى رجلًا يحتجم، فقال: \"أفطر الحاجم والمحجوم\".\n١ - التاريخ: ورد أن الحديث الأول، وهو احتجام النبي - ﷺ -، كان في حجة الوداع. ذكره الشافعي.\nوأما قوله - ﷺ -: \"أفطر الحاجم والمحجوم\" فقد كان قبل ذلك لأن شداد بن أوس قال في حديثه (٢): \"أن رسول الله - ﷺ - أتى رجلًا بالبقيع وهو يحتجم، وهو آخذ\n_________\n(١) أحمد والبخاري (نيل الأوطار ٤/ ٢١٣).\n(٢) أبو داود (جامع الأصول ٧/ ١٩٣).","vol":"2","page":208},{"text":"بيدي، لثمان عشرة ليلة خلت من رمضان، فقال: \"أفطر الحاجم والمحجوم\" ومعلوم أنه - ﷺ - لم يدرك رمضان بعد حجة الوداع، فلا بدّ أن يكون قوله قبل فعله.\n٢ - نوع القول: القول عام لنا وله. على سبيل الظهور.\n٣ - قام الدليل على تكرر مقتضى القول، لأنه معلق بالصفة.\nفعلى هذا ينبغي أن يبقى حكم القول في حق الأمة، ويكون الإفطار خصوصية له. لكن يمنع القول بالخصوصية أنه لم يخص في باب القرب بشيء من الرخص. ولذلك يحصل التعارض، ويحكم بالنسخ في حقه - ﷺ - وحق الأمة.\nوقد سلك الشوكاني مسلك الجمع، فحمل القول على الكراهة، وفيه نظر، فإنه ليس نهيًا حتى يصح حمله على الكراهة وإنما هو حكم بالإفطار.\nالمثال الثاني: حديث أنس، وخلاصته: أن رهطًا من العرنيين غدروا براعي النبي - ﷺ - فقتلوه واستاقوا النعم، فبعث في آثارهم، فجيء بهم فسمل أعينهم، وتركهم في الحرة يستسقون فلا يسقون حتى ماتوا.\nمع حديث أنس والمغيرة: أنه - ﷺ - نهى عن المثلة (١).\n١ - التاريخ: في رواية أنس أنه قال بعد أن ذكر حديث العرنيين: ثم نهى النبي - ﷺ - عن المثلة، فالفعل متقدم على القول.\n٢ - القول وإن كان يبدو أنه خاص بنا، إلاّ أنه يشمله - ﷺ -، على القول بأن المتكلم يدخل في عموم متعلق خطابه.\n٣ - الدليل قائم على تكرر مقتضى القول، لأنه نهي، والنهي يقتضي دوام الترك.\nفظاهر هذا أنه يكون الحكم في حقنا وحقه - ﷺ - نسخ حكم الفعل المتقدم بالقول. والمعتمد عند الجمهور تحريم المثلة.\n_________\n(١) حديث المغيرة: رواه الحاكم والطبراني. وحديث أنس رواه مسلم.","vol":"2","page":209},{"text":"ورأى ابن الجوزي عدم التعارض، وأن ما فعله - ﷺ - بهم من سَمْلِ الأعين ليس من المثلة، بل كان من باب القصاص، لأنهم فعلوا ذلك بالراعي. ففي رواية لمسلم وغيره عن أنس أنه قال: \"إنما سمل النبي - ﷺ - أعين أولئك لأنهم سملوا أعين الرعاة\".\nوقول ابن الجوزي هذا حسن، وهو من باب الجمع بين الحديثين بحمل كل منهما على حال. فالمثلة المنهي عنها ما كان على سبيل التشفّي، بأن نفعل بالقاتل ما لم يفعله بالمقتول. أما إن فعل بالمقتول شيئًا كقلع العين أو قطع الأذن أو غير ذلك مما فيه القصاص، جاز أن يفعل به مثله، لقوله تعالى: ﴿والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ (١).\nالمثال الثالث: حديث الفضل بن عباس أنه - ﷺ - قال: من أصبح جنبًا فلا صوم له.\nوحديث عائشة وأم سلمة أنه - ﷺ - كان يصبح جنبًا من جماع غير احتلام ثم يغتسل ويصوم.\n١ - التاريخ مجهول.\n٢ - القول عام لنا وله - ﷺ - ظاهرًا.\n٣ - الدليل قائم على تكرر مقتضى القول، لأن الحكم معلق بشرط.\nفظاهر ما تقدم حمل فعله - ﷺ - على الخصوصية، ويعمل في حق الأمة بالقول. وقد ذهب إلى هذا قوم. وينبغي أن يردّ ذلك، لأن النبي - ﷺ - لا يرخص له في باب القرب بشيء مما يقتضيه التعظيم، بل هو أولى بتعظيم شعائر الله، كما تقدم في فصل الخصائص من الباب الأول.\nفقد حصل التعارض، والذي ينبغي حسب القانون السابق تقديم القول.\nولكن الذي ذهب إليه جمهور الفقهاء تقديم الفعل وهو يجري على أحد وجهين:\n_________\n(١) سورة البقرة: آية ١٩٤","vol":"2","page":210},{"text":"إما على سبيل ترجيح الفعل بموافقته لإشارة الآية: ﴿حتى يتبيّن لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾ فإن إباحة الجماع إلى هذه الغاية يلزم منه جواز تأخير الغسل إلى ما بعدها. وهي الطريقة التى سلكها الشافعي.\nوإما على سبيل نسخ القول بالفعل، وقد مال إليه الخطابي. وقواه ابن دقيق العيد (١) بدلالة الآية، فإنها تدل على إباحة إصابة الجنابة إلى آخر الليل، بعد أن كان ذلك ممنوعًا. فيظهر أن قوله: (\"من أصبح جنبًا فلا صوم له\" كان قبل نزول الرخصة. والله أعلم.\nالمثال الرابع: الوضوء مما مست النار، ورد فيه حديث أبي هريرة وعائشة عند مسلم (٢) أن النبي - ﷺ - قال: \"توضأوا مما مست النار\" وعند مسلم أيضًا أنه - ﷺ - أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ. وقال جابر: \"كان آخر الأمرين من رسول الله - ﷺ - عدم الوضوء مما مست النار\" (٣).\n١ - ذهب بعض الفقهاء إلى عدم التعارض بين الفعل والقول في هذه المسألة. والوجه في ذلك أن القول خاص بالأمة، لقوله - ﷺ - (توضأوا) وهو (أمر) والمخاطب لا يدخل في عموم خطابه. فعليه يكون الوضوء مما مست النار واجبًا في حق الأمة لم ينسخ، وترك الوضوء مما مست النار، لأنه فعل مجرّد، يكون خاصًا بالنبي - ﷺ -.\nوممن ذهب إلى وجوب الوضوء مما مست النار عمر بن عبد العزيز، والحسن البصري والزهري وأبو قلابة وأبو مجلز، والشوكاني نقل هذا عنهم (٤) وأرجعه إلى القاعدة الأصولية، على اعتبار أن القول لم يشمله - ﷺ -، وأن فعله - ﷺ - حمله على الخصوصية به.\n_________\n(١) نيل الأوطار ٤/ ٢٢٥\n(٢) ٤/ ٤٤\n(٣) رواه الأربعة وابن حبان (نيل الأوطار ١/ ٢٢١).\n(٤) (نيل الأوطار ٢/ ٢٢١) ونقله الشوكاني أيضًا وابن قدامة (المغني ١/ ٢٢١) عن جملة من الصحابة منهم ابن عمر، وأبو طلحة، وأنس بن ملك، وأبو موسى، وعائشة، وزيد بن ثابت، وأبو هريرة. والنقل عنهم في هذه المسألة مضطرب. فإن النووي ذكر أكثرهم في القائلين بعدم الوضوء مما مست النار. وانظرة شرح صحيح مسلم ٤/ ٤٤١","vol":"2","page":211},{"text":"٢ - وذهب بعض الصحابة منهم الخلفاء الراشدون، والأئمة الأربعة، إلى أنه لا يجب الوضوء مما مست النار.\nوقد احتجّ لهؤلاء بحديث جابر المتقدم: \"كان آخر الأمرين منه - ﷺ - ترك الوضوء مما مسته النار\".\nوهذا يدل على أنهم يرون فعله - ﷺ - في ذلك معارضًا لقوله، ولكونه متأخرًا عنه، يكون ناسخًا له.\nوهذه الطريقة أصحّ مما ذهب إليه الشوكاني، فإن القول وإن كان موجّهًا إلى الأمة فإنه يشمل النبي - ﷺ -، لأن المخاطب يدخل في عموم متعلق خطابه على الأرجح، ما لم يمنع من ذلك قرينة، ولا قرينة هنا، ولأن الفعل المجرّد دالّ في حق الأمة على ما اخترناه من قول المساواة، فيثبت بذلك النسخ. وهو المعتمد. والله أعلم.","vol":"2","page":212},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-437>الفصل الثالث تعارض الفعل والأدلة الأخرى</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-438>أولًا - القرآن:</span>\nإذا اختلف القول من القرآن العظيم مع الفعل من النبي - ﷺ - جاز الجمع بينهما، بوجه صحيح، كأن يحمل فعله - ﷺ - على الخصوصية به إذا دلّ عليها دليل، أو على أنه مخصص لدلالة القرآن في حقه - ﷺ - وحق الأمة.\nومثاله: أمره تعالى في القرآن بغسل الوجه، فمع كثرة ما نقلوا في صفة وضوئه - ﷺ -، وما فضلوه من ذلك، لم ينقل أحد منهم أنه كان يغسل داخل عينيه، فكان هذا دلالة على أنه مستثنى من عموم غسل الوجه (١).\nومثال الحمل على الخصوصية أن الله تعالى قال: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾ (٢) وقد جمع - ﷺ - أكثر من ذلك العدد، ودليل الخصوصية أنه منع من ذلك غيره، بل أمر غيلان بفراق ما زاد على أربعة، مع إقامته هو على الزيادة.\nومثال التخصيص في حق الأمة أيضًا أنه تعالى قال: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة﴾ (٣) ورجم النبي - ﷺ - ماعزًا ولم يجلده. فدلّ على خروج الثيب من ذلك الحكم (٤).\nفإن لم يظهر للتخصيص وجه، لم يجز نسخ القرآن بالفعل النبوي، عند من\n_________\n(١) انظر لهذه المسألة الفرعية: المجموع للنووي ط المنيرية ١/ ٣٦٨\n(٢) سورة النساء: آية ٣\n(٣) سورة النور: آية ٢\n(٤) أبو الحسين البصري: المعتمد ١/ ٢٧٥","vol":"2","page":213},{"text":"لا يجيز نسخ القرآن بالسنة النبوية (١). وهو الذي اخترناه. وقد تقدم إيضاحه. وأما من أجازه فهو يجيز نسخه بالفعل النبويّ، إلا أنه يشترط التواتر في ثبوت الفعل عند الأكثرين، لئلا يلزم نسخ المقطوع بالمظنون.\nولا يجوز كذلك نصب المعارضة بين القول القرآني والفعل النبوي عند جهل التاريخ. بل القرآن مقدم على كل حال. وينبغي حمل الفعل على أنه صدر قبل نزول القرآن المعارض له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-439>ثانيًا- الإجماع:</span>\nإذا خالف الإجماع الفعل النبويّ، فإن الإجماع مقدم عند كل من أثبت حجيّة الإجماع. وليس الإجماع هو الناسخ، وإنما يدل الإجماع على نص ناسخٍ لم ينقل إلينا. وأما من خالف في كون الإجماع حجة -كالشوكاني- فإن السنة الفعلية عنده مقدمة عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-440>ثالثًا- القياس:</span>\nإذا خالف الفعل القياس، فهو مبني على مسألة مخالفة القياس للسنة، وفيها قولان مشهوران:\nالقول الأول: أن القياس إذا خالف السنة سقط، فلا ينسخها إن وَرَد بعدها، وإن جهل التاريخ فلا يقدم عليها.\nوهذا قول الجمهور من الفقهاء والأصوليين. ووجهه أن القياس إنما يستعمل مع عدم النص، فلا يجوز أن ينسخ النص، إذا الواجب اتباع النصوص، وكل قياس خالف النصوص فهو فاسد الوضع (٢).\nفعلى هذا القول ينبغي أن ينظر: هل تكون مخالفة القياس للفعل النبويّ بدرجة مخالفته للقول النبوي تمامًا، فيردّ إذا خالف الفعل كما يرد إذا خالف القول؟.\n_________\n(١) انظر الزركشي: البحر المحيط ٢/ ٢٥٦ أ.\n(٢) إرشاد الفحول ص ١٩٣","vol":"2","page":214},{"text":"إنه كما تقدم إيضاحه، قد اختلف في الفعل هل يقوى على نسخ القول أم هو أضعف من أن ينسخه؟ والذي ينبغي أن يقال: إن من أجاز نسخ القول بالفعل يلزمه إجازة نسخ القياس بالفعل، ومن أجاز نسخ القول بفعل من نوع خاص -كالفعل البياني- مثلًا- دون ما عداه، يلزمه إجازة نسخ القياس بذلك النوع. ومن عزل الفعل كله -أو نوعًا منه كالمجرد- عن الدلالة، يلزمه عدم إجازة نسخ القياس به.\nالقول الثاني: إن القياس يعمل به إذا عارض السنة، فتنسخ به السنة المتواترة وغيرها. وقيل تنسخ به السنة الآحادية فقط، وقيل إن كانت علته منصوصة لا مستنبطة. وقال الصفي الهندي: محلّ الخلاف في حياة النبي - ﷺ - وأما بعده فلا ينسخ به باتفاق.\nفعلى هذا القول ينبغي أن يجوز نسخ حكم الفعل النبوي بالقياس من باب أولى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-441>قولنا في المسألة:</span>\nإننا بناء على قول الجمهور، من امتناع نسخ السنة بالقياس، نرى ما يلي:\n١ - القياس الجلي -ونعني به القياس بنفي الفارق- إن عارض الفعل البياني، يقدم الفعل البياني مطلقًا، كتقديم القول على القياس.\n٢ - أما القياس الجلي إن عارض الفعل المجرد، فلا ينبغي أن يشك في جواز نسخه لحكم الفعل المجرد، لأن حكم الفعل المجرد يتعدى إلينا بطريق القياس الجلي. كما تقدم إيضاحه. فيتعارض قياسان من نوع واحد، فينسح آخرهما أولهما.\n٣ - أما قياس العلة إذا خالف الفعل البياني، فعلى الخلاف المذكور في نسخ القول بالقياس. لأن الفعل البياني بدرجة القول ولا فرق بينهما، والذي ينبغي أن يقدم الفعل البياني على القياس.\n٤ - وأما قياس العلة إذا خالف الفعل المجرّد فإنه لضعف دلالته محل النظر،","vol":"2","page":215},{"text":"والأولى أن يجري فيه مذهب الجمهور في تقديم السنن على الأقيسة. فينسخ القياس بالفعل المجرّد ويمتنع نسخ القياس له.\nوالحاصل أننا نرى تقديم الفعل البياني على القياس بجميع أنواعه.\nأما الفعل المجرّد فنفرق بين مخالفته للقياس الجلي فنجعلهما بدرجة واحدة فيتعارضان، ويقدم المتأخر منهما إن علم وإلا فيرجح بينهما، فإن لم يمكن فالوقف. وبُيّن مخالفته لقياس العلة فنرى تقديم الفعل.","vol":"2","page":216},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-442>الفصل الرابع اختلاف التقرير والقَول أو الفِعْل</span>\nتقدم في الباب الثاني ذكر التقرير، وأنه يدل على عدم تحريم الفعل على ذلك الفاعل، وأن مبنى حجيته أنه لو علم النبي - ﷺ - في الفعل دليلًا يحرّمه لوجب عليه إنكاره. فلما أقرّه علم أنه لا حرج فيه ولا يمنعه دليل شرعيّ.\nوتقدم أن حكم الفعل المقرر عليه يتعدّى إلى سائر الأمة على الصحيح.\nثم يحتمل أنه قبل ذلك الإقرار لم يكن دليل يمنع من الفعل أصلًا. ويحتمل أن ثمة دليلًا ولكن أراد النبي - ﷺ - تبديله بذلك الإقرار.\nودلالة التقرير على عدم الحرج في صورة عدم تقدم دليل محرم أقوى منها في صورة تقدم مثل ذلك الدليل.\nأما بالنسبة إلينا، فإذا جاءنا الإقرار، فلم نره يعارض دليلًا شرعيًا، فالوجه فيه ما تقدم بيانه.\nوأما إن خالف دليلًا شرعيًا، فإما أن يخالف السنة القولية أو الفعلية. وعلى كل ذلك فالعمل عند الاختلاف كما يلي:","vol":"2","page":217},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-443>المبحث الأوّل اختلاف التقرير والقول</span>\nإذا اختلف القول والتقرير فإما أن يعلم تقدم التقرير على القول، أو يجهل المتقدم منهما، أو يعلم تأخر التقرير.\nفإن علم تقدم التقرير فلا عبرة به، ويقدم القول عليه، لأن التقرير قبل ورود الشروع لا يدلّ على حكم شرعي، إذ النبي - ﷺ - كان لا ينكر أمرًا لم يرد فيه شرع.\nوإن جهل المتقدّم منهما فيحتمل أن يكون الحكم كذلك، لأن القول أقوى منه. ويحتمل أن يجري فيه التعارض.\nأما إن تقدم القول، وجاء التقرير بعده مخالفًا له، فإنه يجب التخلُّص بواحد من الأوجه التالية بالترتيب:\nالأول: الجمع، بحمل القول إن كان نهيًا على الكراهه، وإن كان أمرًا على الاستحباب. وهذا أولى الوجوه وأيسرها، لأن فيه عملًا بكلا الدليلين.\nوقد قال ابن حزم: \"إن كان تقدم في ذلك الشيء نهي فقط ثم رآه - ﷺ - أو علمه فأقرّه، فإنما ذلك بيان أن النهي على سبيل الكراهة فقط، لأنه لا يحل لأحد أن يقول في شيء من الأوامر: إن هذا منسوخ، إلا ببرهان جلي. ومن قال في شيء من أوامر الله تعالى أو أوامر رسوله: هذا منسوخ أو مخصوص أو ليس عليه العمل، فقد قال: دعوا ما أمركم به ربكم ونبيكم ولا تعملوا به، وخذوا قولي وأطيعوني في خلاف ما أمرتم به\" (١).\n_________\n(١) الإحكام ١/ ٤٨٤","vol":"2","page":218},{"text":"الثاني: الحمل على الخصوصية: بأن يقال إن التقرير هذا خاص بمن قرر وحده، ولا يلتحق به غيره. وهو مقتضى ما ذهب إليه الباقلاني وسائر من قال إن حكم التقرير لا يعدى إلى غير المقرر. وقد تقدّم الرد عليه.\nفلما قام الدليل على أن الناس في أحكام الشرع سواء، لم يجز الحمل على الخصوصية إلاّ أن يأتي دليل يدل على ذلك، كتخصيص أبي بردة بالتضحية بعناق، وتخصيص خزيمة بقبول شهادته وحده.\nفهذا الوجه وإن قال به البعض، مردود من أساسه ما لم يأت الدليل المذكور.\nوقد اختار ابن الحاجب (١) وغيره الخصوصية في ما إذا لم يتبيّن معنى يقتضي إلحاق غير المقرّر بالمقرّر. وسيأتي قريبًا.\nثم حيث قيل بالخصوصية للمقرر، فهي إما على وجه التخصيص من حكم العام (أعني بيان أنه لم يرد دخوله في العامِّ أصلًا)، وإما على وجه النسخ في حقه، والأول أولى حيث أمكن، وإلاّ فيتعين النسخ.\nويتعيّن في أحوال؛ منها: أن يكون القول خاصًا بالمقرر، أو يكون المقرر قد علم دخوله في حكم العام بدليل.\n\nالثالث: التخصيص في حق الأمة:\nوذلك بأن يعلم معنى خاص في المقرر لأجله حصل الإقرار، فمن وجد فيه ذلك المعنى استثنى أيضًا من حكم العام قياسًا على المقرر، بمقتضى العلة، وبدلالة الإجماع على أن الأمة في أحكام الشرع سواء (٢).\n_________\n(١) المختصر ٢/ ١٥١\n(٢) ابن الحاجب: المختصر ٢/ ١٥١، الآمدي ٢/ ٤٨٤ وانظر: البحر المحيط للزركشي ٢/ ١٤٧ب.","vol":"2","page":219},{"text":"وهذا الوجه أيضًا مقدم على النسخ في حق الأمة، لأن فيه عملًا بدلالة التقرير في حيّز المعنى المشترك، وعملًا بدلالة القول في ما خرج عن ذلك.\nومن التخصيص أيضًا أن يكون القول عامًا في جنس من الأشياء، ويكون التقرير على خلاف العموم في نوع من ذلك الجنس، فيخصص العموم بالتقرير ومثاله: الأمر بأخذ الزكاة من الأموال، ثم أقرهم على ترك أخذ الزكاة من الدور والأثاث والخيل وغيرها.\n\nالرابع: نسخ القول بالتقرير:\nوسواء أكان القول في حق المقرر وحده أو كان عامًا له ولغيره، لأن حكم التقرير عام كما تقدم. فينسخ عموم القول.\nولم يرتض هذا الوجه الآمدي (١) وابن الحاجب (٢) وغيرهما. ورأيا أنه إذا لم يتبيّن علة تقتضي إلحاق غير المقرر بالمقرر، أن الواجب حمل التقرير على الخصوصية بالمقرر وحده.\nونقل الزركشي (٣) والعلائي: \"أن كثيرًا من أئمة الأصول صرحوا بأن الفعل إذا سبق تحريمه، فيتضمن تقريره نسخ ذلك التحريم\" (٤) قال الزركشي: \"وقد نص الشافعي أن تقرير النبي - ﷺ - للصلاة قيامًا خلفه، وهو جالس، ناسخ لأمره السابق بالقعود\" وممن صرح بنسخ الأمر بالتقرير ابن حزم (٥). وهو ظاهر صنع الغزالي (٦).\nوقد وجّه ابن الحاجب قوله، بأنه لما انتفت العلّة الجامعة امتنع قياس العلة، ولا يجوز هنا الإلحاق بنفي الفارق لأنه إنما يصح إذا علم انتفاء الفارق، لأن الاختلاف في الأحكام ثابت قطعًا، كالطاهر والحائض، والمقيم وللسافر، وهنا لم يعلم انتفاء الفارق فلا يجوز الإلحاق.\n_________\n(١) الإحكام ٢/ ٤٨٤\n(٢) المختصر ٢/ ١٥١\n(٣) البحر المحيط ٢/ ٢٥٦ ب.\n(٤) تفصيل الإجمال ق ٦٨ ب.\n(٥) الإحكام ١/ ٤٨٤\n(٦) المستصفى ٢/ ٢٩","vol":"2","page":220},{"text":"ونحن نرى أن القول بجواز نسخ القول بالتقرير، أصحّ من القول بامتناعه، وذلك من أوجه:\nالأول: أنه قد يعلم انتفاء الفارق في بعض الصور، كالمثال الذي نقلنا قول الشافعي فيه.\nالثاني: ما نقل من الإجماع على أن الأمة في أحكام الشرع سواء. ويشهد له في هذا المقام ما ورد عن سعد بن أبي وقاص أنه قال: \"ردّ النبي - ﷺ - التبتل على عثمان بن مظعون، ولو أذن له لاختصينا\" (١) إذ أن قوله هذا يدل على أنهم كانوا يرون التقرير لواحد على خلاف العموم، هو تقريره لغيره.\nالثالث: أنه لو كان الإقرار على خلاف مقتضى العموم خاصًا بالمقرر لوجب على النبي - ﷺ - بيان الخصوصية، لئلا يكون ذلك تلبيسًا على من علم بذلك الإقرار. وقد قال الغزالي: \"لو كان (الفعل القرر عليه) من خاصيته -أي المقرر- لوجب على النبي - ﷺ - أن يبيّن اختصاصه، بعد أن عرّف أمته أن حكمه في الواحد كحكمه في الجماعة، فيدلّ من هذا الوجه على النسخ المطلق\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-444>صور اختلاف التقرير والقول:</span>\nإذا أقرّ النبيّ - ﷺ - إنسانًا مؤمنًا متبعًا على فعلٍ سبق النهي عنه، أو على ترك فعل سبق الأمر به، فتقريره حجة كما تقدم.\nوفي المسألة عوامل ثلاثة تؤثّر في حكمها:\nالعامل الأول: (وله حلاّن) لأن القول إما أن يكون خاصًا بالمقرر، أو عامًا له ولغيره.\nفإذا كان القول خاصًا به، لم يحتمل أن يكون التقرير تخصيصًا، واحتمل أن يؤول القول إن أمكن، وإلاّ فالنسخ.\n_________\n(١) رواه مسلم ٩/ ١٧٦ والبخاري ٩/ ١١٧\n(٢) المستصفى ٢/ ٢٩","vol":"2","page":221},{"text":"أما إن كان القول عامًا للمقرر وغيره فإما أن يؤول القول، أو يكون التقرير تخصيصًا إذا ظهر المعنى، وإلاّ فالنسخ.\nالعامل الثاني: (وله ثلاثة أحوال) أن يكون القول نصًّا في الإلزام كلفظ الوجوب والفرض، والتحريم، والحظر، أو يكون ظاهرًا في الإلزام كلفظ الأمر والنهي. أو لا يكون للإلزام أصلًا، كألفاظ الترغيب والإباحة.\nفإن كان القول نصًّا في الإلزام، لم يحتمل الجمع بينه وبين التقرير بحمل القول على الاستحباب أو الكراهة. ولكن يجب المصير إلى التخصيص إن صح، وإلاّ فالنسخ.\nوإن كان القول ظاهرًا في الإلزام، أمكن الجمع بحمله على خلاف ظاهره، فيكون للاستحباب أو الكراهة.\nوإن كان القول للاستحباب أو الكراهة فلا تعارض.\nتنبيه: في الإقرار على فعل المكروه بحث، وينظر في فصل الإقرار من الباب الثاني.\nالعامل الثالث: (وله حالان) أن يقوم دليل على تكرار مقتضى القول، أو لا يقوم عليه دليل.\nومثال ما قام الدليل على تكراره النهي، فإنه يقتضي الدوام.\nوكذلك الأمر إن علّق بسبب أو وصفٍ متكررين.\nفإن أقرّ على خلافه وجب المصير إلى الجمع إن أمكن، وإلا فالتخصيص وإلاّ فالنسخ.\nأما إن لم يقم الدليل على وجوب تكراره فلا تعارض أصلًا إذا كان المقَرُّ قد فعله مرة واحدة. فإن كان لم يفعله ألبتة، وأقره على تركه، فهو كما لو قام الدليل على تكرر مقتضى القول.\nففي المسألة اثنتا عشرة صورة، تنشأ من ضرب عدد أحوال العوامل بعضها في بعض.","vol":"2","page":222},{"text":"وفي ما ذكرناه من هذا القول المجمل كفاية، ولا حاجة إلى ذكر الصور التفصيلية.\nونزيد المسألة بذكر عدة أمثلة تعين على توضيح المقصود. وبالله التوفيق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-445>أمثلة على اختلاف القول والتقرير:</span>\nالمثال الأول (١): حديث جابر أنه - ﷺ - قال في الإمام: \"إن صلّى قاعدًا فصلّوا قعودًا أجمعون\" (٢)\nثم ثبت أنه صلّى في مرض موته بأصحابه جالسًا وهم قيام.\nفهذا التقرير متأخّر. والقول وإن كان أمرًا يُظَنُّ إمكان حمله على الاستحباب كما فعل ابن حزم (٣) في هذا المثال، لكن لما كان في شأن متابعة الإمام، فمتابعته واجبة، كما هو ظاهر من سياق الحديث بتمامه. وكون الأمر معلقًا بالشرط يبين أنه للتكرار. واجتماع هذه الأمور يعين النسخ.\nوقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:\nالأول: أن يقدم القول. فيمتنع القيام خلف الإمام الجالس للضرورة، إذا كان المأموم قادرًا.\nوإليه ذهب الحنابلة، وابن خزيمة وابن المنذر وابن حبان من الشافعية، قالوا: وهذا إن ابتدأ الإمام الصلاة قاعدًا، فإن ابتدأها قائمًا ثم عرض له العذر فجلس، استمروا قيامًا، أخذًا من ابتداء أبي بكر الصلاة قائما ثم جاء النبي - ﷺ - فصلّى بهم جالسًا.\nوهذا نوع من الجمع بين القول والتقرير بحمل كل من الحديثين على حالة خاصة.\n_________\n(١) راجع لمذاهب الفقهاء في هذه المسألة: فتح الباري ٢/ ١٧٥. ابن دقيق العيد: شرح العمدة ١/ ١٩٦ ابن قدامة: المغني ٢/ ٢٢٢\n(٢) رواه البخاري ومسلم ٤/ ١٣٣\n(٣) الإحكام في أصول الأحكام ١/ ٤٨٤","vol":"2","page":223},{"text":"والثاني: وهو قول الشافعي والحنفية. أنهم يصلون قيامًا والإمام قاعد. ووجهه أن التقرير ناسخ للقول المتقدم. فيزول وجوب الجلوس خلف القاعد. وإذا زال تعيّن القيام، على الأصل من أن القيام ركن في الفرض في حق القادر عليه.\nوالثالث: مذهب مالك ومحمد بن الحسن، أن اقتداء القادر على القيام، بالقاعد، لا يصحّ أصلًا، سواء صلّى المأموم قاعدًا أو قائمًا.\nووجهه أيضًا نسخ القول بالتقرير، فيزول وجوب القعود خلف الإمام القاعد. ثم نسخت إمامة القاعد جملة بحديث: \"لا يؤمّنَّ أحد بعدي جالسًا\" (١).\nوهو حديث ضعيف.\nالمثال الثاني: قوله - ﷺ - للذي نشد الضالة في المسجد: \"لا وجدتّ، إنما بنيت الساجد لما بنيت له\" (٢).\nوورد أنه - ﷺ - أقرّ الحبشة يوم العيد على اللعب بالحراب في المسجد.\nواضح أن هذا من جنس التخصيص، فإن هذا النوع من اللعب تمرين على الجهاد وتنشيط له. ولأن إظهار الفرح والسرور مشروع ليوم العيد.\nالمثال الثالث: أنه - ﷺ - حرّم التصوير ولعن المصوّر (٣).\nوورد أن عائشة اتخذت وسادتين فيهما صور، وأنها كانت تلعب بالبنات - وهي اللعب الصغار- وأقرّ النبي - ﷺ - ذلك.\nفمن العلماء من أخذ بالقول، واعتبر التقرير سابقًا في التاريخ على القول، فلم يأخذ به.\n_________\n(١) أخرجه الدارقطني من طريق جابر الجعفي وهو متروك، عن الشعبي مرسلًا (الخصائص الكبرى للسيوطي ٣/ ٢١٤)\n(٢) رواه مسلم ٥/ ٥٤ وأبو داود وابن ماجه وأحمد.\n(٣) صحيح البخاري (ط الحلبي مع فتح الباري ٥/ ٢١٨).","vol":"2","page":224},{"text":"ومنهم من قال بالتخصيص، فيجوز اتخاذ الصور الممتهنة، في البسط والفرش ونحوها دون ما سواها.\nويجوز أيضًا اتخاذ اللعب لصغار النساء تدريبًا لهن على العناية بالأطفال.\nالمثال الرابع: نهيه - ﷺ - عن الغلول، وإحراقه رحل الغال (١)، يدل على تحريمه. وورد عن عبد الله بن مغفّل أنه أصاب جراب شحم يوم خيبر. قال: \"فالتزمته فقلت: لا أعطى اليوم أحدًا من هذا شيئًا. فالتفتُّ فإذا رسول الله - ﷺ - متبسمًا\".\nاتفق العلماء (٢) على أن هذا الحديث مخصّص للنهي عن الغلول، وأنه يجوز الأكل من طعام أهل الحرب ما دام المسلمون في دار الحرب، فيأكلون منه قدر حاجتهم.\n_________\n(١) أبو داود ٧/ ٣٨٣\n(٢) العلائي: تفصيل الإجمال ق ٧٠ ب.","vol":"2","page":225},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-446>المبحث الثاني اختلاف التقرير والفعل</span>\nإذا اتفق الفعل والتقرير، فذلك يزيد في قوة دلالة الفعل، لأنه يقطع احتمال الخصوصية بالنبي - ﷺ -.\nأما إذا خالف التقرير الفعل فإنه يقدح في دلالته ويضعفها (١).\nواختلاف التقرير والفعل أن يفعل النبي - ﷺ - شيئًا، ويقر أحدًا على تركه، أو بتركه شيئًا ويقر أحدًا على فعله.\nفإن كان ذلك في الأفعال الجبلية أو نحوها مما لا دلالة له على تشريع فلا أثر له. وكذلك الأفعال الدالة على الإباحة.\nوإن كان الفعل خاصًا بالنبي - ﷺ -، فإقراره على خلافه واضح أنه من باب التقرير الابتدائي.\nوأما إذا كان فعله بيانيًا، أو امتثاليًا، فأقر على خلافه أو دل الدليل على أن فعله المجرّد للوجوب فأقر على خلافه، فهو موضع للنظر.\nوالذي يظهر أنه إن أمكن الجمع وجب المصير إليه، وإلا فالتخصيص. فإن لم يكن وكان الفعل متأخرًا فهو المعتبر، وإن كان متقدمًا اعتبر حكمه منسوخًا بالتقرير، وإن جهل الحال يقدم الفعل (٢) على التقرير لأنه أدل منه، ولأن التقرير يطرقه من الاحتمالات ما لا يطرق الفعل.\n_________\n(١) انظر: الموافقات للشاطبي ٤/ ٧٢\n(٢) السبكي: جمع الجوامع ٢/ ٣٦٥","vol":"2","page":226},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-447>أمثلة على اختلاف الفعل والتقرير:</span>\nمن أمثلة اختلاف الفعل والتقرير ما في حديث جابر في صفة الحج أن النبي - ﷺ -: \"أهل التوحيد: لبيك اللهم لبيك. لبيك لا شريك لك لبيك. إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك\" ولبى الناس، والناس يزيدون \"لبَّيْكَ ذا المعارج\" والنبي - ﷺ - يسمع فلم يقل شيئًا\" (١). اهـ.\nفما كان يقوله النبي - ﷺ - في تلبيته فعل بياني. وتقريره يدل على أن الاقتصار على ذلك اللفظ غير متعين بل يجوز زيادة ما بمعناه من اللفظ.\nثم قد قيل إن الاقتصار على اللفظ النبوي أولى. وفيه نظر، إذ إن لكل ما زاد من الذكر أجره.\nمثال ثان: تركه - ﷺ - أكل الضب. وقد أكل على مائدته.\nلا تعارض هنا، لأنه تركه على وجه العيافة له، وذلك أمر جبلّيّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-448>ختام</span>\nالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.\nاللهم كما أرسلت إلينا رسولًا من أنفسنا من يعلمنا الكتاب والحكمة، ويعلمنا ما كنا به جاهلين،\nاللهم كما بدأتنا بنعمتك قبل استحقاقها، وأدمتها علينا مع الإعراض منا والغفلة والتقصير،\nاللهم وكما وجهت همتي إلى خدمة سنة رسولك العظيم، وتيسير العمل بها للعاملين،\nاللهم وكما أعنت على التمام، ويسَّرت الوصول إلى المرام، وأزحت عن البدن علله، وعن النفس عوائقها،\n_________\n(١) رواه أحمد في المسند ٣/ ٣٢٠","vol":"2","page":227},{"text":"اللهم فإني أرفع إليك ثمرة الجهد الضئيل لولا عونك، فاجعل فيها من بركاتك، فإن القليل بنعمتك كثير، والحقير بها كبير.\nربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم.\nربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير.","vol":"2","page":228},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-449>ملحق الصور التفصيلية لاختلاف القول والفعل مع بيان الحكم في كل منهما</span>\nقطعة من رسالة الحافظ العلائي المسمَّاة تفصيل الإجمال في تعارض الأقوال والأفعال\nالمخطوط رقم (١٣٥ مجاميع بدار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة)","vol":"2","page":229},{"text":"الحافظ العلائي (١):\nتفصيل حكم هذه الصور يتضح بجعلها على أربعة أقطاب، بحسب تكرر الفعل أو التأسّي به [أو عدم أحدهما]، أو عدمهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-450>القُطبُ الأوَّل</span>\nأن لا يدل دليل على وجوب تكرار الفعل في حقه - ﷺ -، ولا على وجوب تأسّي الأمة به فيه.\nويتضمن خمس عشرة صورة: لأنه إما أن يكون القول خاصًّا به، أو خاصًا بنا، أو عامًّا لنا وله. وعلى الأقسام الثلاثة: إما أن يعلم تقدم الفعل، أو تقدم القول، أو يجهل التاريخ. وفي حالتي التقدم: إما أن يتعقّب الآخر أو يتراخى.\n١ - الصورة الأولى: أن يتقدم الفعل. ويكون القول خاصًا به، متصلًا بالفعل، من غير تراخ.\n٢ - والثانية: أن يكون كذلك، إلاّ أنه متراخ عن الفعل.\nومثاله في الصورتين: أن يفعل - ﷺ - فعلًا، ثم يقول: إما على الفور أو على التراخي: لا يجوز لي مثل هذا الفعل في مثل ذلك الوقت.\nففي هاتين الصورتين لا تعارض بين القول والفعل أصلًا لا في حقه، ولا في\n_________\n(١) تفصيل الإجمال ق ٥٦ ب - ٦٤ ب.","vol":"2","page":231},{"text":"حق الأمة، أما في حقه - ﷺ - فلأن القول لم يرفع حكم ما تقدم من الفعل في الماضي ولا في المستقبل. لأن الماضي لا يرتفع، والفرض أن الفعل غير مقتضٍ للتكرار بالنسبة إليه. وأما في حق الأمة فظاهر، لأنه ليس لأحد من القول والفعل تعلّق بهم.\n٣، ٤ الصورتان الثالثة الرابعة: أن يتقدم هذا الفعل ويكون القول (١) خاصًا بالأمة إما متعقبًا، أو على التراخي. مثل أن يفعل - ﷺ - فعلًا، ثم يقول: لا يجوز لكم هذا الفعل.\nففي هاتين الصورتين أيضًا لا تعارض بينهما، لأن الفعل لم يقم دليل خاص على تأسي الأمة به فيه. فكان مختصًا به. والقول خاص بالأمة، فلا تعارض. هكذا صرح به جماعة منهم الآمدي وابن الحاجب.\nفإن قيل: لا يلزم عن عدم قيام الدليل على التأسّي به في هذا الفعل الخاص أن يكون مختصًا به، بل يكتفى بالأدلة العامة على التأسّي به مطلقًا.\nقلت: لو اعتبر ذلك لزم منه النسخ، والتخصيص أولى منه. فلذلك قلنا أن الفعل يكون خاصًا به - ﷺ -.\n٥، ٦ الصورتان الخامسة والسادسة: أن يتقدم الفعل، ويكون القول بعده، عامًا له وللأمة إما متعقبًا، أو على التراخي.\nفقال الآمدي وغيره لا معارضة بينهما أيضًا: أما بالنسبة إليه - ﷺ - فلما تقدم فيما إذا كان القول خاصًا به. وأما بالنسبة إلينا فلأن فعله غير متعلق بنا على ما وقع به الفرض.\nوفصل ابن الحاجب بين أن يكون العموم بطريق التنصيص أو بطريق الظهور. فإن كان على وجه النصوصية، مثل أن يفعل فعلًا، ثم يقول: حرم علي وعلى أمتي هذا الفعل في مثل ذلك الوقت، فلا تعارض أصلًا، لا في حقه ولا في\n_________\n(١) في الأصل: الفعل. وهو خطأ، يظهر أنه من الناسخ، كما لا يخفى.","vol":"2","page":232},{"text":"حقنا، لعدم وجوب تكرار الفعل، ولعدم وجوب التأسيّ به. وإن كان العموم على وجه الظهور، قال: فبالنسبة إلينا لا تعارض أيضًا، لما تقدم، أما بالنسبة إليه فيكون فعله مخصصًا لذلك القول.\nولقائل أن يقول:\nإما أن لا يمكن الجمع بين القول والفعل بطريق بناء العام على الخاص، أو يمكن ذلك. فإن أمكن، بأن يكون الفعل مختصًا يتضمن صورة القول كما تقدم في النهي عن استقبال القبلة عند الحاجة، واستدبارها مطلقًا، مع الفعل في البيوت، فها هنا الذي ينبغي أن يكون الراجح ما قدمناه من تخصيص القول فيما عدا صورة الفعل، إعمالًا للأدلة العامة، الدالة على التأسيّ به - ﷺ -. وأصل هذا القطب مدار على أنه لم يدل دليل على تكرر الفعل في حقه ولا تأسيّ الأمة به. ولا يلزم من عدم قيام الدليل أن يكون الفعل خاصًا به، ولا بدّ، بل ربما يكون مما تتأسىّ به الأمة فيه عملًا بالأدلة العامة، لا سيما والأصل عدم اختصاصه - ﷺ -. فتخصيص القول به، كذا الفعل بالنسبة إليه وإلى الأمة أولى لما قدمناه.\nوإن لم يمكن الجمع بينهما على وجه تخصيص العموم فعدم التعارض هنا أولى بأن يكون الفعل الأول كان خاصًا به، والقول بعده نسخ ذلك في حقه، ولا تعلق للأمة به. وهذا أولى من أن يكون حكم الأمة حكمه في ذلك الفعل. ونجعل القول ناسخًا له في حقه وحقهم.\n٧ - الصورة السابعة: أن يتقدم القول، ويكون خاصًا به - ﷺ -، ثم يتعقبه الفعل بخلافه، من غير تراخ.\nفها هنا الفعل ناسخ لمقتضى القول عند من يجوز النسخ قبل التمكن من مقتضى الامتثال، وهم جمهور أهل السنة. وأما من لم يجوز ذلك، كالمعتزلة وأبي بكر الصيرفي من أصحابنا، فقالوا: لا يتصور وجود مثل هذا الفعل، مع العهد إن لم نجوز المعاصي على النبي - ﷺ -.\n٨ - الصورة الثامنة: أن يتقدم القول، ويكون خاصًا به، ثم يقع الفعل بعده متراخيًا عنه، إما بعد العمل بمقتضى القول، أو بعد التمكن من العمل به.","vol":"2","page":233},{"text":"فالفعل ناسخ لمقتضى القول وفاقًا. وهو ظاهر على رأي من لم يجوز صدور الذنب من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وأما من جوز ذلك فكذلك أيضًا، لأن صدور المعصية خلاف الظاهر. والنسخ وإن كان خلاف الأصل الكثير أكثر منه (١). وهو متفق عليه، أعني النسخ، بخلاف صدور الذنب من الأنبياء. وما في النسخ من الخلاف فهو غير معتد به. فكان الحمل على النسخ أولى من الحمل على صدور الذنب. هذا هو اللائق بمذهب من يجوز المعاصي وإن لم نطلع (٢) عليه من حيث النقل.\n٩، ١٠ - الصورتان التاسعة والعاشرة: أن يتقدم القول ويكون خاصًا بنا، مثل: حرم عليكم كذا، ثم يفعله هو إما على الفور، أو التراخي.\nفقال الآمدي وابن الحاجب والأرموي في (نهاية الوصول): لا تعارض بينهما في هذه الصورة، بل الفعل مختص به، والقول مختص بنا، إذ لا دليل على وجوب التأسّي. وذكر القرافي أن الفعل أيضًا شأنه أن تتأسى الأمة به فيه، يعني بالأدلة العامة التي تقتضي ذلك. فالأولون لا يعتبرون إلا دلالة دليل خاص في هذا الفعل، بخلاف القرافي، فإنه يعتبر الأدلة العامة، فيراهما متعارضين. لكن قول الأولين هنا أقوى، لأن اعتبار القول الخاص بنا، وتقديمه، أولى من تقديم الأدلة العامة.\n١١، ١٢ - الصورتان الحادية عشرة والثانية عشرة: أن يكون القول عامًا لنا وله - ﷺ - ثم يقع الفعل بعده، إما متعقبًا، أو على التراخي.\nفقالوا: لا معارضة هنا أيضًا، كما تقدم مثله فيما إذا علم تقدم الفعل.\nوفرق ابن الحاجب بين العام بطريق النصوصية، والعام بطريق الظهور، كما تقدم. وفيه من البحث ما تقدم. واحتمال التخصيص حيث يمكن.\nوذكر بعضهم أن الفعل متى وقع بعد التمكن من مقتضى القول، فلا يكون\n_________\n(١) يعني: أكثر من المعصية على القول بتجويزها.\n(٢) في الأصل: يطلع.","vol":"2","page":234},{"text":"ناسخًا إلا أن يدل دليل على وجوب تكرار مقتضى القول، فحينئذٍ يكون الفعل ناسخًا لتكرار مقتضى القول. وهذا يجيء في كل موضع قيل فيه بالنسخ، فيما سيأتي من أمثاله. ونحن قد مثلنا ذلك بأن يقول - ﷺ -: حرم علينا كذا، ثم يفعله، فإن التحريم يقتضي التأبيد.\nوالحقّ في هذا الموضع أن فعله - ﷺ - ناسخ لمقتضى القول في حقه وإن كان العموم على وجه الظهور. وأما في حق الأمة فهو أما مقتضٍ للتخصيص، أو للخصوصية به، كما تقدم في الفصل الثاني.\n١٣، ١٤، ١٥ - الصورة الثالثة عشرة، والرابعة عشرة، والخامسة عشرة: أن يجهل التاريخ من التقدم والتأخر، ويكون القول أما خاصًا به، أو بنا، أو عامًا لنا وله.\nففي هذه الصور الثلاث الأقوال الثلاثة المتقدمة في الفصل الثالث.\nوالمختار تقديم القول عند بعضهم، لاحتمال أن يكون الفعل متقدمًا والقول متأخرًا. وعند ذلك لا يتحقق التعارض بينهما لما سبق. ويحتمل أن يقال، فيما إذا كان القول خاصًا به، بتقديم الفعل إعمالًا للأدلة العامة الدالة على التأسّي به - ﷺ - فإنها أرجح حينئذٍ من القول بالوقف، وهو الذي اختاره ابن الحاجب كما سيأتي إن شاء الله تعالى.","vol":"2","page":235},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-451>القُطبُ الثَّاني</span>\nأن يدل دليل على وجوب تكرر هذا الفعل في حقه. ووجوب تأسي الأمة به فيه.\nوفيه أيضًا خمس عشرة صورة:\n١٦ - الأولى: أن يعلم تقدم القول، ويكون خاصًا به، ثم يصدر الفعل متعقبًا له، قبل التمكن من الامتثال.\n١٧ - والثانية: مثلها، إلا أن الفعل وقع متراخيًا، بعد التمكن من امتثال مقتضى القول.\nففي هاتين الصورتين لا معارضة في حق الأمة، لاختصاص القول به - ﷺ - والعمل في حقهم بمقتضى الفعل. وأما في حقه - ﷺ - فالفعل ناسخ في الصورة الثانية اتفاقًا. وكذلك في الأولى، على القول بجواز النسخ قبل حضور وقت العمل، اللهم إلا أن يكون القول لم يقتضِ التكرار، ولا دليل يدل عليه فإنه حينئذٍ لا معارضة أيضًا في حقه - ﷺ -.\n١٨، ١٩ - الثالثة والرابعة: أن يتقدم الفعل، ويكون القول خاصًا به أيضًا، إما متعقبًا أو متراخيًا.\nفكذلك أيضًا لا معارضة في حق الأمة، وهم متعبدون بمقتضى الفعل. وأما في حقه - ﷺ - فالقول ناسخ لمقتضى الفعل في الصورتين اتفاقًا.\n٢٠ - الخامسة: أن يجهل التقدم والتأخر، والقول خاص به أيضًا.","vol":"2","page":236},{"text":"فلا معارضة في حق الأمة كما مر. وأما في حقه - ﷺ - فتجيء الثلاثة أقوال المتقدمة في الفصل الثالث. اختار الآمدي وغيره ترجيح القول. والذي اختاره ابن الحاجب في هذه الصورة الوقف على تَبَيُّن التاريخ لأنه يحتمل تقدم الفعل على القول، وبالعكس، وكل منهما يكون ناسخًا للآخر فلا ترجيح لتقدم أحدهما على الآخر والجزم بكون أحدهما ناسخًا والآخر منسوخًا تحكم، وهو باطل.\n٢١ - السادسة أن يتقدم القول، وهو خاص بنا، ويجيء الفعل بعده، متعقبًا، قبل التمكن من امتثال مقتضى القول.\nفقال الإمام فخر الدين: يجب المصير هنا إلى القول دون الفعل، وإلا يلزم أن يكون القول لغوًا، ولا يلغو الفعل، لأن حكمه ثابت في حق الرسول - ﷺ -. وكأنه يجعل القول الخاص بنا مخصصًا للفعل الذي دل الدليل على تأسي الأمة به بالنسبة إلينا فقط، ويبقى حكمه في حقه - ﷺ - كما قيل مثله في الفعل مع القول العام لنا وله.\nوالذي اختاره الآمدي وابن الحاجب أنه لا معارضة في حقه - ﷺ -، وأما في حق الأمة فالفعل ناسخ لمقتضى القول قبل التمكن، على رأي الجمهور.\nومن لا يجوز النسخ قبل حضور وقت العمل، فلا تُتَصوَّر المسألة عنده. أو ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (١٩٨)﴾ [الأعراف: ١٩٨] يقول بترجيح القول كما قاله فخر الدين.\n٢٢ - السابعة: أن يتقدم القول، وهو خاص بنا، ويجيء بعده الفعل المذكور متراخيًا، أما بعد العمل به، أو بعد حضور وقته.\nفاتفقوا على أن الفعل مع الدليل الدال على تكرره والتأسي به فيه ناسخ لمقتضى القول المتقدم. ولم يقل فخر الدين هنا بتقديم القول وهو لازم له أيضًا، لكن التخصيص أولى من النسخ في الموضعين. وإن كان قوله في الصورة التي قبلها تفاديًا من النسخ قبل التمكن. فهو يقول بهذه المسألة ولا ينكرها.\nوالحقّ في هذه الصورة والتي قبلها التزام النسخ، كما قال الآمدي وابن الحاجب لأن الفعل لا عموم له حتى يتطرق إليه التخصيص، وإنما عم في حقنا","vol":"2","page":237},{"text":"بالدليل الخاص الذي دل على وجوب تأسينا به فيه. وهذا الدليل مختص بنا فقط. فتقديم القول يقتضي إبطال هذا الدليل من كل وجه. وهو متأخر معارض للأول. فالقول بالنسخ أقوى.\nوذكر بعض المتأخرين في هذه الصورة التفصيل المتقدم أيضًا، وهو أن القول إذا لم يقتضِ التكرار فإنه حينئذٍ لا معارضة في حقنا أيضًا. وإنما يجيء النسخ إذا كان القول مقتضيًا للتكرار.\n٢٣، ٢٤ - الثامنة، والتاسعة: أن يتقدم الفعل، ويجيء القول بعده، خاصًا بنا، إما متعقبًا، أو على التراخي.\nفلا معارضة في حقه - ﷺ - لاختصاص القول بنا، وأما في حقنا فالقول ناسخ لمقتضى الفعل في الصورة الثانية، وفاقًا. وفي الصورة الأولى عند من يجيز النسخ قبل التمكن (وأما من) لا يجيز ذلك فلا تُتَصَوَّر المسألة عنده. أو تجعل ترجيح القول من جهة التخصيص كما قال ابن الخطيب، لا من جهة النسخ. وفيه من البحث ما قدمناه.\n٢٥ - العاشرة: أن يجهل التاريخ من التقدم والتأخر، والقول خاص بنا.\nففيه الأقوال الثلاثة المتقدمة في الفصل الثالث. واتفق الآمدي وابن الحاجب على ترجيح مقتضى القول هنا، لما تقدم في ذلك الفصل. قال ابن الحاجب: والقول بالوقف هنا ضعيف، بخلاف الصورة الخامسة، لأنا متعبدون هنا بوجوب العمل بإحداهما إما الفعل، وإما القول. لأن كُلًاّ منهما مفروض بالنسبة إلينا، ولا يمكن العمل يهما. وقد ثبت رجحان القول على الفعل بتعين المصير إلى العمل بالقول، بخلاف الصورة الخامسة التي رجح فيها الوقف، فإنهما بالنسبة إلى النبي - ﷺ - - ولا يجب علينا الحكم بوجوب العمل بإحداهما بالنسبة إليه. فالقول بالوقف أولى.\n٢٦ - الحادية عشرة: أن يتقدم القول، ويكون عامًا لنا وله، ويقع الفعل بعده متعقبًا، قبل التمكن من الامتثال لمقتضى القول.","vol":"2","page":238},{"text":"فعلى رأي المعتزلة لا تتصور هذه المسألة، إذ النسخ لا يجوز في هذه الصورة ولا يمكن فرض ذلك على أنه معصية، لقيام الدليل الخاص على تكرره في حقه وتأسي الأمة به فيه. وأما عند أصحابنا فالفعل ناسخ لمقتضى القول قبل التمكن. قال بعض المتأخرين: هذا إذا كان عموم القول بطريق النصوصية، فإن كان بطريق الظهور فإن الفعل حينئذٍ يكون مخصصًا للقول، كما تقدم. وهذا مأخوذ من مقتضى تفصيل ابن الحاجب في الصورة المتقدمة في القطب الأول. لكن جزم القول هنا بأن المتأخر ناسخ، ولم يفصل؛ وهو لازم له.\n٢٧ - الثانية عشرة: أن تكون الصورة كذلك، لكن الفعل بعد التمكن من امتثال مقتضى القول.\nوقد جزموا بأن الفعل ناسخ هنا. وفي الحقيقة الناسخ إنما هو الفعل مع الدليل الدال على وجوب تكرره وتأسي الأمة به. وقال المتأخر المشار إليه أن ذلك إنما يكون إذا اقتضى القول التكرار، فإن لم يقتضِ التكرار فلا معارضة لا في حقه ولا في حقنا.\n٢٨، ٢٩ - الثالثة عشرة، والرابعة عشرة: أن يتقدم الفعل، ويجيء القول بعده، عامًا لنا وله، إما متعقبًا، أو مع التراخي.\nفالقول هنا ناسخ لوجوب التكرار في حقه.\nوكذلك لوجوب التأسّي في حقنا، لكن في صورة التعقب على القول بجواز النسخ قبل التمكن. ومن لا يجيز ذلك يحتمل أن يكون تقديم القول عنده بطريق الترجيح للقول، لا على وجه النسخ.\n٣٠ - الخامسة عشرة: أن يجهل التاريخ، والقول أيضًا عام لنا وله - ﷺ -.\nففيه المذاهب الثلاثة. والذي يظهر ترجيح القول بالوقف في حقه - ﷺ -، والعمل بمقتضى القول في حق الأمة، لما تقدم.","vol":"2","page":239},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-452>القُطبُ الثالِث</span>\nالفعل الذي دل الدليل على وجوب تكرره في حق - ﷺ - دون تأسي الأمة به فيه.\nوفيه أيضًا خمس عشرة صورة.\nواعلم أولًا أن الفائدة إنما تظهر في هذا والقطب الذي قبله إذا كان الفعل متقدمًا، فحينئذٍ يتحقق التعارض بينه وبين القول، لمعارضة القول لمقتضى التكرار. أما إذا كان الفعل متأخرًا، فالمعارضة تحصل بمجرد الفعل، سواء دل على التكرار دليل أو لم يدل. وهذا خاص بخلاف ما إذا دل دليل على التأسّي فإن له فائدة تقدم الفعل أو تأخره وهو تعلق ذلك بالأمة.\nوبيان هذه الصور على نحو ما تقدم:\n٣١ - الأولى: أن يتقدم القول، ويكون خاصًا به، ويتعقبه الفعل من غير تراخ. فالفعل ناسخ على رأي أهل السنة كما تقدم.\n٣٢ - الثانية: مثلها إلا أن الفعل متراخ.\nفهو ناسخ للقول اتفاقًا. ولا معارضة بينهما في حق الأمة في هاتين الصورتين ولا في الثلاث التي بعدها أيضًا، لعدم تناول القول والفعل لهم.\n٣٣، ٣٤ - الثالثة، والرابعة: أن يتقدم الفعل، على نحو ما تقدم.\nفالقول ناسخ لمقتضى الدليل الدال على تكرر الفعل في صورة التمكن، اتفاقًا وفي عدمها على الراجح، كما مرّ.","vol":"2","page":240},{"text":"٣٥ - الخامسة: أن يجهل التاريخ.\nفالأقوال الثلاثة. والراجح الوقف، كما تقدم.\n٣٦، ٣٧، ٣٨، ٣٩ - السادسة، والسابعة، والثامنة، والتاسعة: أن يكون القول خاصًا بنا.\nفلا معارضة حينئذٍ تقدم القول أو الفعل، تعقب الثاني أو تراخى، لعدم توارد القول والفعل على محل واحد. والعمل في حق الأمة بمقتضى القول، والفعل من خصائصه - ﷺ -.\n٤٠ - وفي الصورة العاشرة: وهي الجهل بالتاريخ، بطريق الأولى.\n٤١، ٤٢ - الحادية عشرة، والثانية عشرة: أن يتقدم القول، ويكون عامًا لنا وله - ﷺ -، ويقع الفعل بعده، إما على التعقب أو على التراخي.\nفلا معارضة في حق الأمة، لا تقدم، والفعل ناسخ لمقتضى القول في حقه - ﷺ - في صورة التراخي اتفاقًا، وفي صورة التعقب عندنا دون المعتزلة لما تقدم. ومن يجوِّز الذنب على الأنبياء قد يمنع التعارض والنسخ، وخصوصًا إذا كان قبل التمكن. ولكن الظاهر التزام النسخ كما سبق.\n٤٣، ٤٤ - الثالثة عشرة، والرابعة عشرة: أن يتقدم هذا الفعل، ويأتي القول بعده عامًا لنا وله، وإما قبل التمكن أو بعده.\nفقال الآمدي وابن الحاجب وغيرهما: القول ناسخ لمقتضى الدليل الدال على تكرر الفعل في حقه - ﷺ -. وهذا إنما يجيء على قاعدة الحنفية، في أن العام المتأخر ينسخ الخاص المتقدم، أو كان عموما لقول له بطريق التنصيص، مثل حرم علي وعليكم. فأما متى كان بطريق الظهور مثل: حرم علينا، بعد ما تقدم منه فعله له، فكأنما الذي يجيء على طريق الشافعية ومن وافقهم تخصيص العموم بفعله - ﷺ - ويكون ذلك اللفظ من العام الذي أريد به الخاص، لتقدم المخصص له. والتخصيص خير من النسخ. وحيث قيل بالنسخ فعلى الطريق المتقدم فيما قبل التمكن.","vol":"2","page":241},{"text":"هذا في حقه - ﷺ -، وأما في حق الأمة فلا معارضة أيضًا لما تقدم.\n٤٥ - الخامسة عشرة: أن يجهل التاريخ والقول عام لنا وله.\nففي حق الأمة لا معارضة أيضًا، وفي حقه - ﷺ - المذاهب الثلاثة المتقدمة والراجح عند ابن الحاجب قول الوقف كما تقدم.","vol":"2","page":242},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-453>القطب الرَّابع</span>\nأن يكون الفعل دل الدليل على وجوب تأسي الأمة به فيه. ولم يدل على تكرر الفعل في حقه - ﷺ -.\nوفيه الخمس عشرة صورة أيضًا:\n٤٦ - الأولى: أن يكون القول خاصًا به، ويتقدم على الفعل، وليس بينهما تراخ.\nفالفعل ناسخ لمقتضى القول، قبل التمكن على رأي الجمهور، ومن لا يجيز ذلك يمنع تصوره، أو يحيله على ما يجوز عليه على الراجح من المعاصي، ومعاذ الله من إلزامه في حقه.\n٤٧ - الثانية: كذلك، لكن الفعل بعد التمكن من امتثال مقتضى القول. فالفعل ناسخ اتفاقًا.\nولا معارضة بينهما في حق الأمة، في الصورتين جميعًا.\n٤٨، ٤٩ - الثالثة، والرابعة: أن يتقدم الفعل، ويجيء القول بعده، خاصًا به، إما متعقبًا أو متراخيًا.\nفلا تعارض في الصورتين: أما في حقه - ﷺ - فلعدم وجوب تكرر الفعل وأما في حق الأمة فلعدم توارد القول والفعل على محل واحد.\n٥٠ - الخامسة: أن يجهل التاريخ والقول خاص به.\nفلا معارضة في حق الأمة، لما تقدم. وأما في حقه - ﷺ - فتجيء الأقوال الثلاثة","vol":"2","page":243},{"text":"المتقدمة لأنه يحتمل أن يكون الفعل متأخرًا فيكون ناسخًا. والمختار عند ابن الحاجب القول بالوقف، لعدم تعبدنا بذلك القول. ولما في تعيين أحدهما متقدمًا من التحكم.\n٥١، ٥٢ - السادسة، والسابعة: أن يكون القول خاصًا بنا، ويقع الفعل بعده، إما متعقبًا أو على التراخي.\nفلا معارضة في حقه - ﷺ -. والفعل ناسخ في حقنا في صورة التمكن اتفاقًا. وفي الأخرى على الراجح من قول أهل السنة. والناسخ في الحقيقة إنما هو الدليل الدال على وجوب تأسي الأمة به في ذلك الفعل، لا مجرد الفعل.\n٥٣، ٥٤ - الثامنة، والتاسعة: أن يتقدم هنا الفعل، ويجيء القول بعده، خاصًا، أما متعقبًا، أو متراخيًا عنه.\nفالقول ناسخ لمقتضى الدليل الدال على وجوب التأسّي به في ذلك الفعل، على ما تقدم من التفصيل في الصورتين. وأما في حقه - ﷺ - فلا معارضة كما تقدم.\n٥٥ - العاشرة: أن يجهل التاريخ والقول خاص بنا.\nفها هنا الأقوال الثلاثة المتقدمة، والراجح عند الجمهور العمل بمقتضى القول لما تقدم. هذا بالنسبة إلى الأمة. أما في حقه - ﷺ - فلا معارضة كما تقدم.\n٥٦ - الحادية عشرة: أن يكون القول عامًا لنا وله، متقدمًا، ووقع الفعل عقبه. قبل التمكن من الامتثال.\nففي حقه - ﷺ - الفعل ناسخ، على الراجح من قول الجمهور. هذا عند طائفة. ويجيء هنا التفصيل المتقدم عند ابن الحاجب في مثل ذلك، وهو الفرق بين ما يكون العموم بطريق النصوصية، مثل حرم علي وعليكم، فيكون ناسخًا، وبين أن يكون على وجه الظهور مثل: حرم علينا، فيكون الفعل مختصًا به، ويتخصص القول بذلك.\nوأما في حق الأمة فقال بعض المتأخرين: إن كان الدليل على وجوب التأسّي","vol":"2","page":244},{"text":"مختصًا بذلك الفعل بعينه فالفعل ناسخ، وإن كان شاملًا لهذا الفعل وغيره فالقول مخصص له. وهذا التفصيل يجيء مثله في صور كثيرة مما تقدم.\nوقد ذكرنا عن القرافي أنه لا يشترط قيام دليل خاص على التأسّي بهذا الفعل بل يكتفي بالأدلة العامة التي تشمل هذا الفعل وغيره، فقال: إذا عمهما القول، وكان الفعل الواقع بعده يعمهما أيضًا، كان ناسخًا للقول، أما في حقه - ﷺ - فلأنه المباشر له (ولا يباشر) شيئًا إلا يجوز له الإقدام عليه، وأما هم فلوجوب تأسيهم به، واندراجهم في كل ما شرع له - ﷺ - إلا ما دل الدليل عليه. فيتناقض القول والفعل، فينسخ المتأخر المتقدم.\n٥٧ - الثانية عشرة: أن يكون القول عامًا أيضًا، ويتقدم، ثم يقع الفعل متراخيًا بعد التمكن.\nفهو ناسخ لمقتضى القول على ما صرح به الآمدي وغيره. ويجيء فيه التفصيل المتقدم بين أن يكون العموم بطريق الظهور أو بطريق النصوصية. والتفصيل الآخر الذي ذكرناه عن بعض المتأخرين وهو الفرق بين أن يكون القول اقتضى التكرار أو لا. وقد صرح به هنا في هذا القسم فقال: وإن لم يقتضِ القول التكرار فلا معارضة في حقه ولا في حق الأمة. وإن اقتضى التكرار يكون الفعل ناسخًا للتكرار. وهذا تفصيل متجه.\n٥٨، ٥٩ - الثالثة عشرة، والرابعة عشرة: أن يتقدم هذا الفعل ويجيء القول بعده عامًا له وللأمة، إما متعقبًا، أو متراخيًا.\nفلا معارضة في حقه - ﷺ -، لعدم وجوب تكرار الفعل في حقه. وأما في حق الأمة ففي صورة التعقب: القول ناسخ للدليل على وجوب التأسّي بالفعل، على الراجح من جواز النسخ قبل التمكن. وفي صورة التراخي إن كان القول قبل تأسيهم به فهو ناسخ للتأسي. وإن كان بعده، فإن دل الدليل على وجوب تكرار الفعل في حقهم، فالقول ناسخ للتكرار. وإلا فلا معارضة أيضًا في حقهم والعمل حينئذٍ بمقتضى القول، لأن الفعل قد عمل به تأسيًا، فحصل الامتثال. ولا دليل على تكرره في حقهم.","vol":"2","page":245},{"text":"٦٠ - الخامسة عشرة: أن يجهل التاريخ، والقول عام.\nفتجيء الأقوال الثلاثة: والراجح العمل بالقول. والمختار عند ابن الحاجب والمحققين العمل بالقول في حق الأمة وأما في حقه - ﷺ - فالوقف كما تقدم. اهـ.\n***","vol":"2","page":246},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-454>المَرَاجع</span>\n(البيانات حسب الطبعات التي رجعنا إليها في هذا البحث. وما رجعنا إليه من الطبعات بخلاف ما ذكر هنا فقد نبهنا إليه في الهوامش).\n- القرآن الكريم.\nالآمدي، علي بن أبي علي بن محمد، سيف الدين أبو الحسن (٥٥١ - ٦٣١ هـ).\n- الإحكام في أصول الأحكام. القاهرة، دار الكتب الخديوية. طبع بمطبعة المعارف ١٣٣٢ هـ، ٤ جـ.\nابراهيم إبراهيم هلال.\n- ولاية الله والطريق إليها. القاهرة، دار الكتب الحديثة، ١٣٨٩ هـ، (٥٥٠ ص).\nابن أبي شريف، محمد بن محمد بن أبي بكر المقدسي (٨٢٢ - ٩٠٦ هـ).\n- حاشية ابن أبي شريف على جمع الجوامع. مخطوط رقم (١٩ خ) بمكتبة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت.\nابن الأثير، مبارك بن محمد، أبو السعادات (٥٤٤ - ٦٠٦ هـ).\n- جامع الأصول من أحاديث الرسول. القاهرة، مطبعة السنة المحمدية، ١٣٦٨ هـ، طبع منه ١٢ جـ تحقيق محمد حامد الفقي.\nابن أمير الحاج، محمد بن محمد بن محمد (ابن الموقِّت) (٨٢٥ - ٨٧٩ هـ).\n- التقرير والتحبير على تحرير ابن الهمام (٧٩٠ - ٨٦١ هـ) في علم الأصول الجامع بين اصطلاحي الحنفية والشافعية. القاهرة، المطبعة الأميرية ببولاق، ١٣١٦ هـ (٣ مجلدات).","vol":"2","page":247},{"text":"ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام (٦٦١ - ٧٢٨ هـ).\n- اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم. ط ثانية. القاهرة، مطبعة السنة المحمدية، ١٣٦٩ هـ، (٤٨٢ ص).\n- الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان. ط ثانية. بيروت، المكتب الإسلامي ١٣٩٠ هـ، (١٥٨ ص).\n- القواعد النورانية الفقهية. بتحقيق محمد حامد الفقي. ط ١. القاهرة، مطبعة أنصار السنة المحمدية، ١٣٧٠ هـ، (٢٧٢ ص).\n- مجموع الفتاوى الكبرى. القاهرة، مطبعة كردستان العلمية، ٥ جـ.\n- المسوّدة في أصول الفقه. تعاقب على تأليفه ثلاثة من آل تيمية: جدّ تقي الدين، ووالده، وهو نفسه ورتبها أحمد بن محمد بن عبد الغني (- ٧٤٥ هـ). ط على نفقة علي بن عبد الله آل ثاني، بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد. القاهرة مطبعة المدني (د. ت) في مجلد واحد. (٥٨٠ ص).\n- مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية. جمعها. ورتبها عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي النجدي. الرياض، نُشرت على حساب الملك الأسبق سعود بن عبد العزيز ﵀، في ٣٧ مجلدًا، مطابع الرياض.\n- منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية. بولاق، المطبعة الأميرية، ١٣٢٢ هـ (٤ جـ).\nابن تيمية، عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم، (مجد الدين ٥٤٢ - ٦٢١ هـ).\n- منتقى الأخبار. انظر: الشوكاني - نيل الأوطار.\nابن جماعة، بدر الدين بن إبراهيم (٨٢٥ - ٨٦١ هـ).\n- تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم. حيدر أباد، ١٣٥٣ هـ (٢٣٠ ص).\nابن الحاجب، عثمان بن عمر، أبو عمرو، المالكي (٥٧٠ - ٦٤٦ هـ).\n- مختصر المنتهى. وعليه شرح العضد وحواشي التفتازاني، والجرجاني والهروي. ليبيا، البيضاء، جامعة محمد بن علي السنوسي الإسلامية، ١٣٨٨ هـ (٢ جـ في مجلد).","vol":"2","page":248},{"text":"ابن حبان، محمد بن حبان بن أحمد، أبو حاتم التميمي البستي (... -٣٥٤ هـ).\n- المسند الصحيح على التقاسيم والأنواع. وهو المشهور بصحيح ابن حبان. انظر: علاء الدين الفارسي- الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان.\nابن حجر، أحمد بن علي العسقلاني، شهاب الدين (٧٧٣ - ٨٥٢هـ).\n- تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير، تحقيق عبد الله هاشم اليماني القاهرة، شركة الطباعة الفنية، ١٣٨٤ هـ في مجلدين.\n- فتح الباري بشرح صحيح البخاري. القاهرة، المكتبة السلفية. تَمَّت طباعته ١٣٩٠، (١٣ هـ).\nابن حزم، علي بن أحمد بن سعيد بن حزم، الظاهري (٣٨٤ - ٤٥٦ هـ).\n- الإحكام في أصول الأحكام. القاهرة، نشره زكريا علي يوسف. وقوبل على نسخة أشرف على طبعها الشيخ أحمد محمد شاكر. (د. ت) مجلدان.\n- التقريب لحد المنطق والمدخل إليه، بالألفاظ العاميّة والأمثلة الفقهية. تحقيق إحسان عباس. بيروت، دار مكتبة الحياة، د. ت (٢٢٤ ص).\n- الفِصَل في الملل والأهواء والنحل. القاهرة، الخانجي، ١٣٢١ هـ. (٥ جـ).\n- المُحَلّى شرح المُجَلّى. بتحقيق الشيخ أحمد محمد شاكر. القاهرة المطبعة المنيرية، ١٣٤٧ هـ، (١١ جـ).\nابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد، الحضرمي المغربي (٧٣٢ - ٨٠٨هـ).\n- المقدمة. الطبعة القديمة (مشكولة). معلومات النشر غير متوفرة.\nابن دقيق العيد، محمد بن علي بن وهب، تقي الدين القشيري (٦٢٥ - ٧٠٢ هـ).\n- إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام للحافظ عبد الغني المقدسي. بتحقيق حامد الفقي. القاهرة، مطبعة أنصار السنة المحمدية، ١٣٧٢ هـ (٢ جـ).\nابن رشد، محمد بن أحمد، أبو الوليد (٤٥٠ - ٥٢٠ هـ).\n- المدونة (في فقه الإمام مالك) رواية سحنون عن ابن القاسم. نسخة بالأوفست عن ط القاهرة، الساسي (٨ مجلدات).","vol":"2","page":249},{"text":"ابن سعد، محمد بن سعد بن منيع، كاتب الواقدي (١٦٨ - ٢٣٠ هـ).\n- الطبقات الكبرى. بيروت، دار صادر ودار بيروت، ١٣٧٧ هـ-.\nابن عبد السلام، عبد العزيز بن عبد السلام، عز الدين (٥٧٧ - ٦٦٠ هـ).\n- قواعد الأحكام في مصالح الأنام. القاهرة، المكتبة التجارية الكبرى د. ت (٢ جـ).\nابن العربي، محمد بن عبد الله، أبو بكر (٤٦٨ - ٥٤٣ هـ).\n- أحكام القرآن. تحقيق علي محمد البجاوي. القاهرة، دار إحياء الكتب. العربية. ١٩٥٧ م (٤ جـ).\nابن عقيل، علي بن عقيل بن محمد، أبو الوفاء الحنبلي (٤٣١ - ٥١٣ هـ).\n- الواضح في أصول الفقه. في مجلدين. مخطوط. بالمكتبة الظاهرية بدمشق، برقم ٢٨٧٢، ٢٨٧٣ عام.\nابن قاسم، أحمد بن قاسم العبادي الشافعي الأزهري (... -٩٩٢ هـ).\n- شرحه على شرح المحِلِّي على الورقات للجويني. مطبوع بهامش إرشاد الفحول للشوكاني. القاهرة، مصطفى الحلبي، ١٣٥٦ هـ.\nابن قدامة، عبد الله بن أحمد بن محمد، موفق الدين المقدسي الحنبلي (٥٤١ - ٦٢٠ هـ).\n- المغني شرح مختصر الخرقي. ط ثالثة. القاهرة، دار المنار، ١٣٦٧ هـ (٩ جـ).\nابن القيم، محمد بن أبي بكر الزُّرَعي، شمس الدين (٦٩١ - ٧٥١ هـ).\n- إعلام الموقِّعين عن رب العالمين. حققه محمد محيي الدين عبد الحميد، القاهرة، المكتبة التجارية الكبرى، ١٣٧٤ هـ (٤ جـ).\n- روضة المحبين ونزهة المشتاقين. بتصحيح أحمد عبيد. القاهرة، المكتبة التجارية، ١٣٧٥ هـ (٥٣٦ ص).\n- زاد المعاد في هَدْي خير العباد. ط ثانية. القاهرة، مصطفى الحلبي، ١٣٦٩ هـ (٤ جـ في مجلدين).\nابن كثير، إسماعيل بن عمر، أبو الفداء (٧٠١ - ٧٧٤ هـ).\n- البداية والنهاية في التاريخ. القاهرة، مكتبة الخانجي، ١٣٥٢ هـ (١٤ جـ).","vol":"2","page":250},{"text":"ابن اللحام، علي بن عباس، البعلي، علاء الدين، الحنبلي (٧٥٢ - ٨٠٣ هـ).\n- القواعد والفوائد الأصولية وما يتعلق بها من الأحكام الفرعية. القاهرة، مطبعة السنة المحمدية، ١٣٧٥ هـ (٣١١ ص).\nابن ماجه، محمد بن يزيد، القزويني (٢٠٧ - ٢٧٥ هـ).\n- سنن ابن ماجه. بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي. القاهرة، دار إحياء الكتب العربي ١٩٥٢ م - (٢ جـ).\nابن منظور، محمد بن المكرّم، جمال الدين الإفريقي (٦٣٠ - ٧١١ هـ).\n- لسان العرب (المحيط). أعاد بناءه على الحرف الأول فما بعده من الأصول المجردة يوسف خياط ونديم مرعشلي. بيروت، دار لسان العرب، ١٩٧٠ م (٤ جـ).\nابن هشام، عبد الملك بن هشام بن أيوب، الحميري العَافري (... -٢١٣ هـ).\n- السيرة النبوية، بتحقيق مصطفى السّقّا وزميله. ط ثانية. القاهرة، مصطفى الحلبي ١٣٧٥ هـ (٢ جـ).\nابن همام الدين، محمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد، الإسكندري الحنفي (٧٩٠ - ٨٦١ هـ).\n- التحرير في أصول الفقه الجامع بين اصطلاحي الحنفية والشافعية. وعليه الشرح المسمى تيسير التحرير لمحمد أمين المعروف بأمير بادشاه. (٤ جـ) في مجلدين. القاهرة، مصطفى البابي الحلبي، ١٣٥١ هـ.\n- انظر أيضًا ابن أمير الحاج - التقرير والتحبير.\n- فتح القدير شرح الهداية في الفقه الحنفي. القاهرة، المكتبة التجارية (د. ت) ٨ جـ.\nأبو الحسين البصري، محمد بن علي بن الطيب، المعتزلي (-٤٣٦ هـ).\n- المعتمد في أصول الفقه. اعتنى بتهذيبه وتحقيقه محمد حميد الله، مع محمد بكر وحسن حنفي. دمشق، المعهد العلمي الفرنسي للدراسات العربية، ١٣٧٤ هـ. مجلدان.","vol":"2","page":251},{"text":"أبو الخطاب، محفوظ بن أحمد بن الحسن الكلوذاني الحنبلي (٤٣٢ - ٥١٠ هـ).\n- التمهيد في أصول الفقه. النسخة الخطية المحفوظة بالمكتبة الظاهرية بدمشق، برقم (٢٨٠١) مجلد واحد (٢٤٩ ق).\nأبو داود، سليمان بن الأشعث السجستاني (٢٠٢ - ٢٧٥ هـ).\n- سنن أبي داود. وعليه شرحه المسمى: عون المعبود شرح سنن أبي داود. حققه عبد الرحمن محمد عثمان. المدينة المنورة، المكتبة السلفية، ١٣٨٩ هـ- (١٤ جـ).\n- المحقق من علم الأصول في ما يتعلق بأفعال الرسول. صورة مخطوط كتب عام ٧٠٩ هـ بيد علي بن أيوب بن منصور بن وزير. عن نسخة قرئت على مصنفه، (٦٠ ق).\nأبو الفتوح رضوان وزملاؤه.\n- المدرس في المدرسة والمجتمع. القاهرة، دار الثقافة، (د. ت).\nأبو يعلى، محمد بن الحسن الفراء، الحنبلي، القاضي (٣٨٠ - ٤٥٨ هـ).\n- العدة في أصول الفقه. مكروفيلم بمعهد المخطوطات بالجامعة العربية برقم ٧٦ أصول.\nأحمد بن محمد حنبل، الإمام (١٦٤ - ٢٤١ هـ).\n- المسند. بيروت، المكتب الإسلامي صورة عن ط الميمنية (٦ جـ).\nالإسنوي، عبد الرحيم بن الحسن القرشي، جمال الدين (٧٠٤ - ٧٧٢ هـ).\n- التمهيد في تخريج الأصول على الفروع. مكة المكرمة، المطبعة الماجدية، لأصحابها محمد كامل كردي وإخوانه، ١٣٥٣ هـ (١٧٣ ص).\n- نهاية السول شرح منهاج الأصول للبيضاوي. مطبوع بهامش التقرير والتحبير شرح التحرير.\nأمير بادشاه محمد أمين الحسيني البخاري (... -٩٧٢ هـ).\n- تيسير التحرير. انظر: ابن همام الدين - التحرير.\nالباقلاني، محمد بن الطيب، أبو بكر (٣٣٨ - ٤٠٣ هـ).\n- البيان عن الفرق بين المعجزات والكرامات والحيل والكهانة والسحر","vol":"2","page":252},{"text":"والنارنجات. بتصحيح يوسف مكارثي اليسوعي. بيروت، المكتبة الشرقية، ١٩٥٨ م (١٨٠ ص + ٢٥ ص).\nالبخاري، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم (الإمام المحدِّث) (١٩٤ - ٢٥٦ هـ).\n- صحيح البخاري. وعليه شرحه فتح الباري لابن حجر العسقلاني. القاهرة، المطبعة السلفية، تمت سنة ١٣٩٠ هـ (١٣ جـ).\nالبخاري، عبد العزيز بن أحمد بن محمد، علاء الدين الحنفي (٤٠٠ - ٧٣٠ هـ).\n- كشف الأسرار شرح أصول البزدوي. انظر: البزدوي- أصول البزدوي.\nبدران أبو العينين بدران.\n- بيان النصوص التشريعية طرقه وأنواعه. الإسكندرية، منشأة المعارف، ١٩٦٩ م (٢٤٨ ص).\nالبزدوي، علي بن محمد بن الحسين، فخر الإسلام (... -٤٨٢ هـ).\n- أصول الفقه. وعليه: كشف الأسرار لعبد العزيز البخاري. بيروت دار الكتاب العربي، ١٣٩٤ هـ (٤ جـ).\nالبناني، عبد الرحمن بن جاد الله المغربي (... -١١٩٨ هـ).\n- حاشية شرح جمع الجوامع. انظر: السبكي - جمع الجوامع.\nالبيضاوي، عبد الله بن عمر (... -٦٨٥ هـ).\n- منهاج الأصول. وعليه الشرح المسمى (نهاية السول) للإسنوي. القاهرة، المطبعة الأميرية ببولاق، ١٣١٦ هـ. بهامش التقرير والتحبير شرح تحرير ابن الهمام.\nالترمذي، محمد بن عيسى بن سورة، المحدث (٢٠٩ - ٢٧٩ هـ).\n- سنن الترمذي. وعليه شرحه المسمى: تحفة الأحوذي، لمحمد بن عبد الرحمن المباركفوري. صححه عبد الرحمن محمد عثمان. ط ثانية. المدينة المنورة، المكتبة السلفية، ١٣٨٧ هـ (١١ جـ).\nالتفتازاني، مسعود بن عمر، سعد الدين (٧١٣ - ٧٩١ هـ).\n- التلويح شرح التوضيح لمتن التنقيح. والتوضيح هو لصدر الشريعة. القاهرة، محمد علي صبيح، ١٣٧٧ هـ (٢ جـ).","vol":"2","page":253},{"text":"التهانوي، محمد علي ابن القاضي التهانوي الفاروقي الهندي (... -١١٥٨ هـ).\n- كشاف اصطلاحات الفنون. طهران، ١٩٤٧ م بالأوفست عن ط كلكتة، ١٨٦٢ هـ (٦ جـ).\nالجرجاني، علي بن محمد، الشريف (... -٨١٦ هـ).\n- التعريفات. بيروت، مكتبة لبنان، ١٩٦٩ م (٣٣٦ ص).\nالجصاص، أحمد بن علي الرازي، أبو بكر الحنفي (... -٣٧٠ هـ).\n- أحكام القرآن: دار الكتاب العربي، بالأوفست عن ط الأوقاف الإسلامية، استانبول، ١٣٢٥ هـ (٤ جـ).\n- أصول الجصاص. مخطوط، بيد محمد بن ماضي، كتبه سنة ٧٤٨ هـ محفوظ بدار الكتب المصرية، برقم ١٦١ أصول.\nجولد زيهر، إجناس.\n- العقيدة والشريعة في الإسلام. ترجمة محمد يوسف موسى وزميليه. ط ثانية، دار الكتب الحديثة، (د. ت).\nالجويني، عبد الملك بن عبد الله بن يوسف، إمام الحرمين (٤١٩ - ٤٧٨ هـ).\n- الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد. حققه محمد يوسف موسى، وعلي عبد المنعم عبد الحميد. القاهرة، مكتبة الخانجي، ١٣٦٩ هـ، (٤٦٠ ص).\nحاجي خليفة، مصطفى بن عبد الله (كاتب جلبي) (... -١٠٦٧ هـ).\n- كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون. مع ذيله إيضاح المكنون ذيل كشف الظنون لإسماعيل باشا بن محمد أمين الياباني. ط ثالثة. طهران، المكتبة الإسلامية، ١٣٧٨ هـ (٤ جـ).\nالحسين بن المنصور بالله القاسم بن محمد (زيدي).\n- هداية العقول إلى غاية السول في علم الأصول. ومعه حاشية الحسن بن يحيى سيلان، وحاشية محمد بن إسماعيل الأمير، وحاشية الحسين بن أحمد السياغي. صنعاء اليمن، مطبعة وزارة المعارف المتوكلية، ١٣٥٩ هـ (٢ جـ).","vol":"2","page":254},{"text":"الدسوقي، محمد بن عرفة، شمس الدين (... -١٢٣٠ هـ).\n- حاشية على الشرح الكبير للدردير في الفقه المالكي. القاهرة، عيسى الحلبي، د. ت (٤ جـ).\nالدهلوي، أحمد بن عبد الرحيم الفاروقي، الهندي، شاه ولي الله (١١١٠ - ١١٧٦ هـ).\n- حجة الله البالغة. بتحقيق سيد سابق. القاهرة، دار الكتب الحديثة د. ت (٦٨٦ ص).\nالرازي، محمد بن عمر بن الحسين بن الحسين التيمي البكري، فخر الدين، ابن خطيب الريّ (٥٤٣ - ٦٠٦ هـ).\n- عصمه الأنبياء. القاهرة، إدارة الطباعة المنيرية، ١٣٥٥ هـ (١١٠ ص).\nالرملي، محمد بن أحمد، شمس الدين الشافعي (١٠٠٤ هـ).\n- نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج للنووي في الفقه الشافعي. القاهرة، مصطفى الحلبي ١٣٥٧ هـ (٨ جـ).\nالزركشي، محمد بن عبد الله، بدر الدين (٧٤٥ - ٧٩٤ هـ).\n- البحر المحيط في أصول الفقه (مخطوط) في ثلاثة مجلدات. بمكتبة الأزهر برقم ٧٢٢ (٢٠ أصول).\nالزركلي، خير الدين.\n- الأعلام. قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين. ط ثانية، القاهرة، مطبعة كوستاتوماس، ١٣٧٨ هـ. (١٠ جـ).\nزكريا الأنصاري، ابن محمد بن محمود الشافعي، أبو يحيى (... -٩٧٦ هـ).\n- غاية الوصول شرح لبّ الأصول للمؤلف. ولب الأصول اختصره من جمع الجوامع للسبكي. القاهرة، عيسى الحلبي، د. ت (١٦٨ ص).\nالسبكي، عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي، تاج الدين (... -٧٧١ هـ).\n- جمع الجوامع. وعليه شرح المَحِلِّي، وحاشية البناني وتقرير الشربيني ط ثانية. القاهرة، مصطفى الحلبي، ١٣٥٦ هـ (٢ جـ).","vol":"2","page":255},{"text":"- القواعد ميكروفيلم معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية برقم ٧٤ أصول.\nالسخاوي، محمد بن عبد الرحمن بن محمد (٨٣١ - ٩٠٢ هـ).\n- المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة. القاهرة، مكتبة الخانجي، ١٣٧٥ هـ (٥١١ ص).\nالسرخسي، محمد بن أحمد بن أبي سهل، أبو بكر، الحنفي (... -٤٩٠ هـ).\n- أصول السرخسي. بتحقيق أبي الوفاء الأفغاني. بيروت، دار المعرفة، بالأوفست عن طبعة حيدر آباد، لجنة إحياء المعارف النعمانية د. ت (٢ جـ).\nالسمعاني، منصور بن محمد بن عبد الجبار بن أحمد، أبو المظفر الشافعي (٤٢٦ - ٤٨٩ هـ).\n- قواطع الأدلة في الأصول. صورة عن نسخة مكتبة فيض الله باستانبول برقم ٦٢٧ أصول. بخط أحمد بن عبد الله الصمدي. كتبه سنة ٨١٥ هـ (٣٠٩ ق).\nالسيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر (... -٩١١ هـ).\n- الأشباه والنظائر في قواعد وفروع فقه الشافعية. القاهرة، مصطفى الحلبي، ١٣٧٨ هـ (٥٥٦ ص).\n- الجامع الصغير وزيادته. انظر: النبهاني- الفتح الكبير.\n- الخصائص الكبرى. أو: كفاية الطالب اللبيب في خصائص الحبيب. القاهرة، دار الكتب الحديثة، ١٣٨٦ هـ (٣ جـ).\n- مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة، ضمن مجموعة الرسائل المنيرية.\nالشاطبي، إبراهيم بن موسى، اللخمي الغرناطي (... -٧٩٠ هـ).\n- الاعتصام. القاهرة، المكتبة التجارية الكبرى، د. ت (٢ جـ).\n- الموافقات في أصول الشريعة، وهو المسمى (التعريف بأسرار التكليف). وعليه شرح وتعليق ونقد للشيخ عبد الله دراز، القاهرة، المكتبة التجارية الكبرى (د. ت).\nالشافعي، محمد بن إدريس، المطلبي، الإمام (... -٢٠٤ هـ).\n- الأمّ. القاهرة، مكتبة الكليّات الأزهرية، ١٣٨١ هـ (٨ جـ).","vol":"2","page":256},{"text":"- الرسالة. بتحقيق أحمد محمد شاكر. القاهرة، عيسى الحلبي، ١٣٥٨ هـ (٦٧٠ ص).\nالشربيني، عبد الرحمن بن محمد بن أحمد (... -١٣٢٦ هـ).\n- تقرير على حاشية البناني على شرح جمع الجوامع: انظر: السبكي - جمع الجوامع.\nالشوكاني، محمد بن علي، اليماني (... -١٢٥٥ هـ).\n- إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول. القاهرة، مكتبة مصطفى الحلبي، ١٣٥٦ هـ، مجلد واحد.\n- فتح القدير في علم التفسير. القاهرة، مصطفى الحلبي، ١٣٥١ هـ.\n- نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار من أحاديث سيد الأخيار. والمنتقى هو لمجد الدين بن تيمية. ط ثانية. القاهرة، مصطفى الحلبي، ١٣٧١ هـ (٨ جـ).\nالشيرازي، إبراهيم بن علي بن يوسف، أبو إسحاق، الشافعي (... -٤٧٦ هـ).\n- اللمع في أصول الفقه. القاهرة، محمد علي صبيح، د. ت (٨٠ ص).\nصدر الشريعة، عبيد الله بن مسعود، الحنفي (... -٧٤٧ هـ).\n- التلويح لمتن التنقيح. انظر: التفتازاني، التلويح شرح التوضيح.\nالصنعاني، محمد بن إسماعيل (١٠٥٩ - ١١٨٢ هـ).\n- سبل السلام شرح بلوغ المرام لابن حجر. ط ٤. القاهرة، مصطفى الحلبي، ١٣٧٩ هـ- (٤ جـ).\nالعاقولي، محمد بن محمد بن عبد الله (٧٣٣ - ٧٩٧ هـ).\n- الرصف لما روي عن النبي - ﷺ - من الفعل والوصف. طبع دمشق، ١٣٩٣ هـ. في مجلدين.\nعبد الجبار بن أحمد، أبو الحسن الأسد أبادي الهمداني (... -٤١٥ هـ).\n- المغني في أبواب التوحيد والعدل: القاهرة، وزارة الثقافة والإرشاد القومي، ١٣٨٠ هـ. الأصل في عشرين مجلدًا (بقي بعضها لم ينشر).","vol":"2","page":257},{"text":"عبد الجليل عيسى أبو النصر.\n- اجتهاد الرسول - ﷺ -. الكويت، دار البيان ١٣٨٩هـ (٢٠٣ص).\nعبد الحي بن عبد الكبير، الكتاني.\n- نظام الحكومة النبوية المسمى التراتيب الإدارية والعمالات والصناعات والمتاجر والحالة العلمية التي كانت على عهد تأسيس المدينة الإسلامية. بيروت، دار إحياء التراث العربي، صورة بالأوفست عن الطبعة القديم. د. ت (٢ جـ).\nعبد الكريم زيدان.\n- أصول الدعوة. بغداد، دار النذير، ١٣٨٨ هـ (٤٦٣ ص).\nعبد الكريم عثمان.\n- نظرية التكليف آراء القاضي عبد الجبار الكلامية. بيروت، مؤسسة الرسالة، ١٣٩١ هـ (٧٣٥ ص).\nعبد الوهاب خلاف.\n- علم أصول الفقه. ط ثامنة. الكويت، الدار الكويتية، ١٣٨٨ هـ، (٢٣٦ ص).\nعزت علي عيد عطية.\n- البدعة تحديدها وموقف الإسلام منها. القاهرة دار الكتب الحديثة (د. ت) ٥٥٤ ص (رسالة دكتوراه بكلية أصول الدين).\nعضد الدين، عبد الرحمن بن أحمد، الإيجي (... -٧٥٦ هـ).\n- المواقف. ومعه شرحه للجرجاني، وحاشية للسيالكوتي وحلبي. القاهرة، الساسي ١٣٢٥ هـ (٨ جـ).\n- شرح مختصر ابن الحاجب، انظر: ابن الحاجب - مختصر المنتهى. علاء الدين، علي بن بلبان بن عبد الله الفارسي (٦٧٥ - ٧٣٩ هـ).\n- الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان. بتحقيق أحمد محمد شاكر. جـ ١ فقط. القاهرة، دار المعارف، ١٩٥٢ م (٣١٦ ص).","vol":"2","page":258},{"text":"العلائي، خليل بن كَيْكَلْدي (... -٧٦١ هـ).\n- تفصيل الإجمال في تعارض الأفعال والأقوال. مخطوط رقم (١٣٥ مجاميع) بدار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة. ولم يذكر بروكلمان أية نسخة أخرى.\nعلي الطنطاوي.\n- سيرة عمر بن الخطاب. مذيلة بدرس موجز لحياته وتحليل لنفسيته: دمشق، المكتبة العربية، ١٣٥٦ هـ (٧٦٠ ص).\nعليش، محمد.\n- هداية المريد لعقيدة أهل التوحيد. وشرحها لمحمد بن يوسف السنوسي ليبيا، البيضاء، جامعة محمد علي السنوسي، ١٣٨٨هـ، بالأوفست عن ط القاهرة، ١٣٠٦هـ (٢٩٦ ص).\nعمر رضا كحالة.\n- معجم المؤلفين: تراجم مصنفي الكتب العربية. دمشق، المكتبة العربية ١٣٧٦ هـ (١٥ جـ).\nعياض بن موسى اليحصبي المالكي، القاضي (٤٧٦ - ٥٤٤ هـ).\n- الشفا بتعريف حقوق المصطفى. القاهرة، محمد علي صبيح. د. ت. (٢ جـ).\nالغزالي، محمد بن محمد بن محمد، أبو حامد (٥٠٥ هـ).\n- المستصفى من علم الأصول. القاهرة، المكتبة التجارية، ١٣٥٦ هـ ٢ جـ في مجلد.\n- المنخول من تعليقات الأصول. حققه محمد حسن هيتو (معلومات النشر غير متوفرة) ٤٥١ ص.\nفنسنك، ومنسنج.\n- المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي. الاتحاد الأممي للمجامع العلمية، طبع بمدينة ليدن، مطبعة بريل. بدئ طبعه ١٩٣٦ م (٧ جـ).\nالفيروز أبادي، محمد بن يعقوب (... -٨١٧ هـ).\n- القاموس المحيط. القاهرة، المكتبة التجارية، ٤ جـ.","vol":"2","page":259},{"text":"القرافي، أحمد بن إدريس، شهاب الدين أبو العباس، المالكي، (٦٢٦ - ٦٨٤ هـ).\n- الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرّفات القاضي والإمام. حققه وخرج أحاديثه وعلق عليه: عبد الفتاح أبو غدة. حلب، مكتبة المطبوعات الإسلامية، ١٣٨٧ هـ.\n- شرح تنقيح الفصول. القاهرة، المطبعة الخيرية، ١٣٠٦ هـ.\n- الفروق. القاهرة، عيسى الحلبي، ١٣٤٤ هـ (٤ جـ).\nالقرضاوي، يوسف.\n- الشريعة الإسلامية، خلودها وصلاحها للتطبيق في كل زمان ومكان. بيروت، المكتب الإسلامي، ١٣٩٣ هـ.\n- فقه الزكاة. بيروت، دار الإرشاد، ١٣٨٩ هـ (٢ جـ).\nالقرطبي، محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح، أبو عبد الله الأنصاري ٦٧١ هـ.\n- الجامع لأحكام القرآن. القاهرة، دار الكاتب العربي، ١٣٨٧ هـ، مصورة عن طبعة دار الكتب، (٢٠ جـ).\nالقشيري، عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك، النيسابوري. (٣٧٦ - ٤٦٥ هـ).\n- الرسالة القشيرية، بتحقيق عبد الحليم محمود، ومحمود بن الشريف القاهرة، دار الكتب الحديثة، ١٣٨٥ هـ (٧٩٤ ص).\nقطب الدين، محمود بن محمد، الرازي (... -٧٦٦ - هـ).\n- تحرير القواعد المنطقية في شرح الرسالة الشمسية التي صنفها عمر بن علي القزويني المعروف بالكاتبي (... -٤٩٣ هـ) وبهامشه حاشية الجرجاني. ط ثانية، القاهرة، المطبعة الأزهرية، ١٣٢٨ هـ.\nالكاساني، أبو بكر بن مسعود، الحنفي (... -٥٨٧ هـ).\n- بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع. القاهرة، شركة المطبوعات، ١٣٨٧ هـ (٧ جـ).\nمالك بن أنس، الأصبحي، المدني (... -١٧٩ هـ).\n- الموطأ. بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي. القاهرة، عيسى الحلبي، ١٩٥١م (٢ جـ).","vol":"2","page":260},{"text":"المتقي، علي بن حسام الدين، علاء الدين الهندي (... -٩٧٥ هـ).\n- كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال. ط ثانية. حيدر أباد، دائرة المعارف العثمانية، ١٣٧٤ هـ طبع منه ١٤ جـ.\nمجموعة مؤلفين.\n- دائرة المعارف الإسلامية. وضعها عدد من المستشرقين، وترجمها محمد ثابت الفندي وزملاؤه طبع منها ١٥ جـ (أ-ع فقط) القاهرة، ١٣٥٥ هـ.\nمحب الله بن عبد الشكور البهاري الهندي (... -١١١٩ هـ).\n- مسلّم الثبوت في أصول الفقه. وعليه شرحه: فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت لمؤلفه محمد بن نظام الدين الأنصاري. القاهرة، مطبعة بولاق، ١٣٢٤ هـ مع المستصفى للغزالي (٢ جـ).\nالمحلي، محمد بن أحمد، جلال الدين.\n- شرح جمع الجوامع. انظر: السبكي- جمع الجوامع.\nمحمد أبو زهرة (... -١٣٩٥ هـ).\n- أصول الفقه. القاهرة. مطبعة مخيمر، (٤٠٠ ص).\n- تاريخ المذاهب الإسلامية. القاهرة، دار الفكر العربي. د. ت (٢ جـ).\nمحمد أديب صالح.\n- تفسير النصوص في الفقه الإسلامي: دراسة مقارنة ط ثانية موسعة ومنقحة. دمشق، المكتب الإسلامي، د. ت (٢ جـ).\nمحمد حسين آل ياسين.\n- مبادئ في طرق التدريس العامة. بيروت، المكتبة العصرية (د. ت) (٣٠٩ ص).\nمحمد حميد الله.\n- الوثائق السياسية والإدارية للعهد النبوي والخلافة الراشدة. بيروت، دار الإرشاد، ١٧٨٩ هـ.","vol":"2","page":261},{"text":"محمد رشيد رضا.\n- الوحي المحمدي. ط رابعة، القاهرة، دار المنار، ١٣٦٦هـ (٣٧٠ ص).\nمحمد سلام مدكور.\n- المدخل للفقه الإسلامي تاريخه ومصادره ونظرياته العامة. القاهرة، دار النهضة العربية، ١٣٨٠هـ (٧٧٧ ص).\nمحمد عجاج الخطيب.\n- أصول الحديث علومه ومصطلحه. لبنان، دار الفكر الحديث، ١٣٨٦ هـ (٤٨٠ ص).\nمحمد فؤاد عبد الباقي.\n- المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم. القاهرة، مطابع الشعب، ١٣٧٨ هـ (٧٨٢ ص).\nمحمد قطب.\n- منهج التربية الإسلامية. ط ثالثة، بيروت، بالأوفست عن ط دار القلم، ١٣٨٦هـ (٢٩١ ص).\nالمراغي، عبد الله مصطفى.\n- الفتح المبين في طبقات الأصوليين. ط ثانية. بيروت، محمد أمين دمج، ١٣٩٤ هـ (٣ جـ).\nمسلم بن الحجاج القشيري (.... -٢٦١ هـ).\n- صحيح مسلم. بشرح النووي. القاهرة، المطبعة العصرية، ١٣٤٧ هـ (١٨ جـ).\nأبو زهو، محمد محمد.\n- الحديث والمحدثون. القاهرة، مطبعة مصر، ١٣٧٨هـ (٤٩٥ ص).\nالنبهاني، تقي الدين.\n- الشخصية الإسلامية. ط بيروت (دون بيانات).","vol":"2","page":262},{"text":"النبهاني، يوسف بن إسماعيل (... -١٣٥١ هـ).\n- الفتح الكبير في ضم الزيادة إلى الجامع الصغير (كلاهما للسيوطي) القاهرة، مصطفى الحلبي، ١٣٥١ هـ (٣ جـ).\nالنسائي، أحمد بن شعيب (٢١٥ - ٣٠٣ هـ).\n- سنن النسائي، بحاشية السندي. القاهرة، المكتبة التجارية، ١٩٣٠ م ٨ أجزاء النووي. يحيى بن شرف، محيي الدين (٦٣١ - ٦٧٦ هـ).\n- روضة الطالبين. دمشق، المكتب الإسلامي، ١٩٦٦ م طبع في ١٢ جزءًا.\n- شرح صحيح مسلم. انظر: مسلم بن الحجاج - صحيح مسلم.\n- المجموع شرح المهذب للشيرازي في الفقه الشافعي. ومعه تكملة للسبكي وغيره. القاهرة، زكريا علي يوسف. د. ت (٢٠ جـ).","vol":"2","page":263},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-455>فهرس الأعلام</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-456>الآمدي (٥٥١ - ٦٣١ ه</span>ـ) (١): هو علي بن أبي علي بن سالم التغلبي، سيف الدين، أبو الحسن. الفقيه الأصولي المتكلم. كان حنبليًا ثم انتقل إلى مذهب الشافعي. له: (الإحكام في أصول الأحكام) و(منتهى السول في علم الأصول)، و(أبكار الأفكار في علم الكلام)، و(دقائق الحقائق في الحكم).\n<span data-type=\"title\" id=toc-457>ابن أبي جمرة (... -٦٩٥ ه</span>ـ): (٢) هو عبد الله بن سعد بن أبي جمرة الأزدي الأندلسي، محدث، مالكي المذهب. وفاته بمصر. من كتبه (جمع النهاية) اختصر به صحيح البخاري، ويعرف بمختصر ابن أبي جمرة. و(بهجة النفوس في شرح المختصر).\n<span data-type=\"title\" id=toc-458>ابن أبي الحديد (٥٨٦ - ٦٥٥ ه</span>ـ): (٣) هو عبد الحميد بن هبة الله، عالم أديب معتزلي شيعي. له شعر جيد. ولد بالمدائن. وانتقل إلى بغداد، وخدم في الديوان. وكان حظيًا عند الوزير ابن العلقمي. وكان جيد الإنشاء. له (شرح منهج البلاغة) و(الفلك الدائر على المثل السائر) وله ديوان شعر.\n<span data-type=\"title\" id=toc-459>ابن أبي شريف (٨٢٢ - ٩٠٦ ه</span>ـ): (٤) هو محمد بن محمد بن أبي بكر المقدسي. شافعي. عالم بالأصول، مولده ووفاته ببيت المقدس. درس وأفتى بمصر وبالقدس. من تصانيفه (الدرر اللوامع بتحرير جمع الجوامع) في الأصول، والفرائد في حل شرح العقائد)، و(المسامرة في شرح المسايرة) في التوحيد.\n_________\n(١) ترجمته في الفتح المبين في طبقات الأصوليين للمراغي ١/ ٢٦٠ - ٢٦٢، طبقات الشافعية الكبرى ٥/ ١٦٥ - ٢٢٢\n(٢) الأعلام للزركلي ٢/ ٢٢١\n(٣) الموسوعة العربية الميسرة، البداية والنهاية ١٣/ ١٩٩، الأعلام ٤/ ٦٠\n(٤) الأعلام للزركلي ٧/ ٢٨١","vol":"2","page":264},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-460>ابن أبي هريرة (... -٣٤٥ ه</span>ـ): (١) هو الحسن بن الحسن أبو علي بن أبي هريرة: تتلمذ لابن سريج وأبي إسحاق المروزي وصحبه إلى مصر ثم عاد إلى بغداد ودرس بها: انتهت إليه رياسة الشافعية ببغداد. له (المسائل) في الفقه، وشرح مبسوط وآخر مختصر، لمختصر المزني. توفي ببغداد.\n<span data-type=\"title\" id=toc-461>ابن الأثير (٥٤٤ - ٦٠٦ ه</span>ـ): (٢) هو المبارك بن محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني الجزري. أصيب بالنقرس فبطلت حركة يديه ورجليه. قيل إن تصانيفه كلها ألّفها وهو في ذلك المرض. له (النهاية في غريب الحديث) و(جامع الأصول من أحاديث الرسول) جمع فيه بين الكتب الستة. و(تحرير أسماء الصحابة) وهو أخو ابن الأثير المؤرخ، وابن الأثير الكاتب.\n<span data-type=\"title\" id=toc-462>ابن أمير الحاج (... -٨٨٩ ه</span>ـ): (٣) هو محمد بن محمد بن الحسن، الحلبي. فقيه أصول حنفي. أخذ عنه الكثيرون. من كتبه (شرح التحرير) في الأصول. (حلية المجلِّي) في الفقه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-463>ابن تيمية (٦٦١ - ٧٢٨ ه</span>ـ): (٤) هو أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله، تقيّ الدين. ولد في حرّان، وانتقل مع أبيه إلى دمشق صغيرًا فنبغ واشتهر. فناصبه قوم العداء من أجل فتاوى وآراء خالف بها المشهور في زمانه فأوذي وحبس مرات ومات في السجن. أكثر من التصنيف جدًا. من كتبه (منهاج السنة النبوية في الرد على الشيعة والقدرية) وهو كتاب نفيس. وله (الرد على الأخنائي) و(السياسة الشرعية) وطبع له بالرياض (مجموع الفتاوى الكبرى) في ٣٧ مجلدًا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-464>ابن تيمية (الأب) (٦٢٧ - ٦٨٢ ه</span>ـ): (٥) هو عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن تيمية الحراني شهاب الدين والد شيخ الإسلام. سمع من والده. ورحل إلى\n_________\n(١) معجم المؤلفين ٣/ ٢٢٠ و١٣/ ٣٨١، الفتح المبين ١/ ١٩٣\n(٢) الأعلام للزركلي ٦/ ١٥٢، طبقات الشافعية ٥/ ١٥٣\n(٣) البدر الطالع ٢/ ٢٥٤، الفتح المبين ٣/ ٤٧\n(٤) الأعلام للزركلي ١/ ١٤٠، المنهج الأحمد، الدرر الكامنة ١/ ١٤٤\n(٥) شذرات الذهب ٥/ ٣٧٦، ابن كثير ١٣/ ٣٠٣، الفتح المبين ٢/ ٨٣","vol":"2","page":265},{"text":"حلب. كان عالمًا بالأصول والفرائض والهيئة. درس وأفتى وصنف. وأقام بدمشق في نشر العلم. له تعاليق في الأصول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-465>ابن تيمية الجد (... -٦٥٢ ه</span>ـ): (١) هو عبد السلام بن عبد الله بن الخضر، مجد الدين، الفقيه الحنبلي الإمام المقرئ المحدث الأصولي. ولد بحّران ٥٩٠ هـ وحفظ بها القرآن. ثم رحل إلى بغداد فسمع بها من ابن سكينة وابن الأخضر وأقام بها ست سنين ثم رجع إلى حرّان فتلقى العلم على عمه فخر الدين، ثم عاد إلى بغداد، وأتقن العربية والحساب والجبر والفرائض والقراءات. وهو جد ابن تيمية المشهور، شيخ الإسلام. له (المحرر) في الفقه و(منتهى الغاية).\n<span data-type=\"title\" id=toc-466>ابن جماعة: (٦٣٩ - ٧٣٣ ه</span>ـ): (٢) هو محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة، الكناني، الحموي، الشافعي، بدر الدين. ولي الحكم والخطابة بالقدس، والقضاء بمصر. من تصانيفه: (المنهل الرويّ في الحديت النبويّ) و(تذكرة السامع والمتكلم في آداب العالم والمتعلم) و(مستند الأجناد في آلات الجهاد)، ورسالة في (الأسطرلاب) وغيرها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-467>ابن الجوزي (٥٠٨ - ٥٩٧ ه</span>ـ): (٣) هو عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزيّ القرشي البغدادي الحنبلي، أبو الفرج. واعظ بغداد. محدث مؤرخ. أحد المكثرين من التصنيف. له نحو ٣٠٠ مصنف. له (أخبار الأذكياء) و(تلبيس إبليس) و(المنتظم في تاريخ الملوك والأمم) و(المجالس) و(تقويم اللسان).\n<span data-type=\"title\" id=toc-468><span data-type=\"title\" id=toc-469>ابن الحاج (... -٧٣٧ ه</span></span>ـ): (٤) هو محمد بن محمد بن محمد، ابن الحاج، المالكي، الفاسي. نزيل مصر، توفي بالقاهرة. له: (المدخل إلى الشرع الشريف) و(الأزهار الطيبة النشر).\n<span data-type=\"title\" id=toc-470>ابن حبان (... -٣٥٤ ه</span>ـ): (٥) هو محمد بن حبان بن أحمد بن حبان، التميمي، أبو حاتم البستي. مؤرخ جغرافي محدث. من أهل بست في سجستان. أحد المكثرين\n_________\n(١) معجم المؤلفين ٥/ ٢٢٧. الفتح المبين ٢/ ٦٨\n(٢) فوات الوفيات ٢/ ١٧٤، البداية والنهاية ١٤/ ١٦٣، الأعلام للزركلي ٦/ ١٨٩\n(٣) البداية والنهاية ١٣/ ٢٨، مفتاح السعادة ١/ ٢٠٧، الأعلام ٤/ ٩٠\n(٤) الدرر الكامنة ٤/ ٢٣٧، للأعلام للزركلي ٧/ ٢٦٤\n(٥) معجم البلدان ٢/ ١٧١، شذرات الذهب ٣/ ١٦، الأعلام ٦/ ٣٠٧","vol":"2","page":266},{"text":"من التصنيف. ولي القضاء بسمرقند. من كتبه (المسند الجامع الصحيح) المشهور بصحيح ابن حبان، و(روضة العقلاء) و(الثقات) و(علل أوهام أصحاب التواريخ).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-471>ابن حجر العسقلاني (٧٧٣ - ٨٥٢ ه</span>ـ): (١) هو أحمد بن علي بن محمد الكناني العسقلاني الشافعي، أبو الفضل شهاب الدين. أصله من عسقلان بفلسطين. ومولده ووفاته بالقاهرة. رحل في طلب الحديث ونبغ، فقصده الناس. قال السخاوي: انتشرت مصنفاته في حياته، وتهادتها الملوك والأكابر، ولي قضاء مصر مرات ثم اعتزل.\nمن مصنفاته: (الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة) و(تهذيب التهذيب) و(تقريب التهذيب) و(فتح الباري شرح صحيح البخاري) وغيرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-472>ابن حزم (٣٨٤ - ٤٥٦ه</span>ـ): (٢) هو علي بن أحمد بن سعيد بن حزم، الظاهري، الأندلسي. أحد أئمة الإسلام. انتسب إليه بالأندلس خلق كثير سموا الحزمية. كانت إليه رئاسة الوزارة وتدبير المملكة، فزهد فيها وانصرف إلى التأليف. انتقد آراء الأئمة وسفه أقوال بعضهم، وشُبِّه لسانه بسيف الحجاج. فطورد وأقصي عن بلده. له: (المحلى في الفقه) و(جمهرة الأنساب) و(الناسخ والمنسوخ) و(المفاضلة بين الصحابة) وغيرها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-473>ابن خلاّد (... -٣٦٠ ه</span>ـ): (٣) هو الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي، الفارسي، محدث. كان من أصحاب الوزير المهلبي، له (المحدث الفاصل بين الراوي والواعي) و(أدب الناطق وغيرهما).\n<span data-type=\"title\" id=toc-474>ابن خلدون (٧٣٢ - ٨٠٨ ه</span>ـ): (٤) هو عبد الرحمن بن محمد بن محمد، أبو زيد الإشبيلي الحضرمي، فيلسوف مؤرخ اجتماعي. تولى أعمالًا رئاسية واعترضته دسائس ووشايات. ذهب إلى تونس فمصر وولي فيها قضاء المالكية. اثشهر بكتابه (العبر وديوان المبتدأ والخبر) و(بالمقدمة) وهي مقدمة كتاب العبر المذكور.\n_________\n(١) البدر الطالع ٨٧/ ١، دائرة المعارف الإسلامية ١/ ١٣١\n(٢) نفح الطيب ١/ ٣٦٤، دائرة المعارف الإسلامية ١/ ١٣٦\n(٣) يتيمة الدهر ٣/ ٣٣٣ الأعلام ٢/ ٢٠٩\n(٤) الضوء اللامع ٤/ ١٤٥، نفح الطيب ٤/ ٤١٤، الأعلام للزركلي ٤/ ١٠٦","vol":"2","page":267},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-475>ابن خويز (... -٣٩٠ هـ تقريبًا): </span>(١) هو محمد بن أحمد بن عبد الله بن خويز، ويسمى أيضًا: ابن خويز منداد العراقي المالكي. فقيه أصولي. تفقه على الأبهري. وله اختيارات في أصول الفقه. من آثاره: كتاب كبير في الخلاف. كتاب في أصول الفقه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-476>ابن دقيق العيد (٧٠٢ ه</span>ـ): (٢) هو محمد بن علي بن مطيع القشيري المنفلوطي المصري. أحاط بمذهب المالكية ثم انتقل إلى مذهب الشافعية فأحاط به. ولي فضاء الديار المصرية، يُعَدّ من أهل الاجتهاد. له (الإمام في شرح الإلمام) قال الزركشي في البحر المحيط: \"به ختم الفن في علم الأصول\". وله (الاقتراح في بيان الاصطلاح) و(شرح مقدمة المطرِّزيّ) في الأصول.\n<span data-type=\"title\" id=toc-477>ابن رشد (٤٥٠ - ٥٢٠ ه</span>ـ): (٣) هو محمد بن أحمد بن رشد، القرطبي مولدًا ووفاة. قاضي الجماعة بقرطبة. من أعيان المالكية. وهو جد ابن رشد الفيلسوف المشهور. من تأليفه: (المقدمات الممهدات) و(البيان والتحصيل) و(مختصر شرح معاني الآثار) للطحاوي.\n<span data-type=\"title\" id=toc-478>ابن سريح (٢٤٩ - ٣٠٦ ه</span>ـ): (٤) هو أحمد بن عمر بن سُرَيج البغدادي، أبو العباس. فقيه الشافعية في عصره. له نحو ٤٠٠ مصنف. ولي قضاء شيراز. وقام بنصرة المذهب الشافعي فنشره في الآفاق. يعد مجدد المئة الثالثة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-479>ابن سعد (١٦٨ - ٢٣٠ ه</span>ـ): (٥) هو محمد بن سعد بن منيع، الزهري، مولاهم. مؤرخ ثقة، من حفاظ الحديث. ولد بالبصرة، وسكن بغداد. وعرف بكاتب الواقدي. أشهر كتبه (طبقات الصحابة) المعروف بطبقات ابن سعد.\n<span data-type=\"title\" id=toc-480>ابن سيده (٣٩٨ - ٤٥٨ ه</span>ـ): (٦) هو علي بن إسماعيل بن سيده. لغوي. ولد بمرسيه بالأندلس. ومات بدانية. درس اللغة والأدب على أبيه، وصاعد، كان ضريرًا\n_________\n(١) الوافي بالوفيات ٢/ ٥٢، ومعجم المؤلفين، والديباج المذهب ص ٢٦٨\n(٢) الأعلام ٧/ ١٧٤، شذرات الذهب ٦/ ٥، البداية والنهاية ١٤٠/ ٢٧١\n(٣) أزهار الرياض ٣/ ٥٩، الديباج المذهب ص ٢٧٨، الأعلام ٦/ ٢١٠\n(٤) طبقات السبكي ٢/ ٨٧، تاريخ بغداد ٤/ ٢٨٧، الأعلام ١/ ١٧٩\n(٥) تهذيب التهذيب، ٩/ ١٨٢ الوفيات ١/ ٥٠٧، الأعلام ٧/ ٦\n(٦) معجم المؤلفين ٧/ ٣٦. الموسوعة العربية الميسرة. الأعلام للزركلي.","vol":"2","page":268},{"text":"واسع الحفظ يقول الشعر. له (الأنيق في شرح الحماسة) و(شرح مشكل شعر المتنبي) وأهم كتبه (المحكم) و(المخصص) وكلاهما في اللغة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-481>ابن سيرين (٣٣ - ١١٠ ه</span>ـ): (١) هو محمد بن سيرين البصري، الأنصاري بالولاء، كان أبوه من سبي خالد بن الوليد وولاؤه لأنَس. وأمه مولاة أبي بكر. من أشراف الكتاب، كان في أذنه صمم .. معاصر للحسن البصري. أحد الطبقة الثانية من رواه الحديث، استقر بالبصرة واشتهر بالورع. وكان حجة في تعبير الرؤيا. وله فيها كتاب. وعنه أخذ النابلسي وغيره.\n<span data-type=\"title\" id=toc-482>ابن عبد السلام (٥٧٧ - ٦٦٠ ه</span>ـ): (٢) هو عبد العزيز بن عبد السلام السُّلمي، عز الدين الملقب بسلطان العلماء. فقيه شافعي بلغ رتبة الاجتهاد. ولد ونشأ بدمشق. وزار بغداد. وعاد إلى دمشق فتولى الخطابة بالجامع الأموي. له (الإلمام في أدلة الأحكام) و(قواعد الأحكام من مصالح الأنام) و(الفتاوى) وغيرها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-483>ابن عبدان (... -٤٣٣ ه</span>ـ): (٣) هو عبد الله بن عبد الله بن محمد بن عبدان الهمذاني، أبو الفضل. فقيه شافعي. كان شيخ همذان ومفتيها. له (شرائط الأحكام) في الفقه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-484>ابن العربي (٤٦٨ - ٥٤٣ ه</span>ـ): (٤) هو محمد بن عبد الله بن محمد المعافري الإشبيلي المالكي. قاضٍ من حفاظ الحديث. رحل إلى المشرق. ولي قضاء إشبيلية. قال ابن بشكوال: هو ختام علماء الأندلس وآخر أئمتها. له (شرح الترمذي) و(أحكام القرآن) و(العواصم من القواصم) و(المحصول في أصول الفقه).\n<span data-type=\"title\" id=toc-485>ابن عقيل (٤٣١ - ٥١٣ ه</span>ـ) (٥): هو علي بن عقيل بن محمد بن عقيل البغدادي، أبو\n_________\n(١) معجم المؤلفين ١٠/ ٥٩. الموسوعة العربية الميسرة. تهذيب التهذيب ٩/ ٢١٤\n(٢) معجم المؤلفين ٥/ ٢٤٩. الأعلام للزركلي ٤/ ١٤٥\n(٣) معجم المؤلفين ٦/ ٨٠. طبقات الشافعية. الأعلام للزركلي.\n(٤) تهذيب التهذيب ٩/ ٢١٤، تاريخ بغداد، ٥/ ٣٣١، الأعلام ٧/ ٢٥\n(٥) نفح الطيب ١/ ٣٤٠، الوفيات ١/ ٤٨٩، الأعلام ٧/ ١٠٦","vol":"2","page":269},{"text":"الوفاء، الحنبلي. شيخ الحنابلة في وقته. كان قوي الحجة. اشتغل في حداثته بمذهب المعتزلة، وكان يعظم الحلاّج، فطورد واختفى. ثم أعلن توبته ورجع. أعظم تصانيفه كتاب (الفنون) في ٤٠٠ جزء. وله (الفرق) و(الفصول في فقه الحنابلة) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-486>ابن عليّة (١١٠ - ١٩٣ ه</span>ـ): (٢) هو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم، الأسدي بالولاء أبو بشر، بصري، من أكابر حفاظ الحديث. كوفي الأصل. تاجر. كان حجة في الحديث ثقة فيه. ولي صدقات البصرة. ثم ولي مظالم بغداد في آخر خلافة الرشيد. وكان يكره أن يقال له ابن عليّة، وعليّة أمه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-487>ابن فورك (... -٤٠٦ ه</span>ـ) (٣): هو محمد بن الحسن بن فورك الأنصاري الأصبهاني، أبو بكر الشافعي. واعظ أصولي، متكلم. حدَّث بنيسابور، وبنى بها مدرسة. قتله محمود بن سبكتكين بالسم. مكثر من التصنيف. له: (مشكل الحديث) و(النظامي) و(الحدود في الأصول).\n<span data-type=\"title\" id=toc-488>ابن قاسم (... -٩٩٢ ه</span>ـ): هو أحمد بن قاسم الصباغ العبادي ثم المصري الشافعي الأزهري، شهاب الدين، له: (حاشية على شرح جمع الجوامع) في أصول الفقه. وله (شرح الورقات) (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-489>ابن قدامة (٥٤١ - ٦٢٠ ه</span>ـ): هو عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة، موفق الدين، الجماعيلي، المقدسي، الحنبلي، ولد بقضاء نابلس وانتقل في صغره إلى دمشق. وجاهد مع صلاح الدين، سافر إلى بغداد ثم رجع إلى دمشق. من أكابر الحنابلة. يسمى شيخ المذهب. كتابه (المغني) من أحسن ما ألف في الفقه من حيث الترتيب. و(الكافي) و(المقنع) و(العمدة) و(الاستبصار) وغيرها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-490>ابن القيم (٦٩١ - ٧٥١ ه</span>ـ): هو محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي الدمشقي، شمس الدين. من أركان الإصلاح الإسلامي. وأحد كبار العلماء. تتلمذ\n_________\n(١) لسان الميزان ٤/ ٢٤٣، شذرات الذهب، ٤/ ٣٥، الأعلام ٤/ ١٢٩\n(٢) تهذيب التهذيب ١/ ٢٧٥، تذكرة الحفاظ ١/ ٢٩٦، الأعلام ١/ ٣٠١\n(٣) طبقات الشافعية ٣/ ٥٢، النجوم الزاهرة ٤/ ٢٤٠، الأعلام ٦/ ٣١٣\n(٤) شذرات الذهب ٨/ ٤٣٤، فهرس الأزهرية ٢/ ٧، الأعلام ١/ ١٨٩","vol":"2","page":270},{"text":"على ابن تيمية وانتصر له ولم يخرج عن شيء من أقواله، وقد سجن معه بدمشق. جمع من الكتب قدرًا عظيمًا وكتب بخطه كثيرًا.\nمن كتبه: (الطرق الحكمية) و(مفتاح دار السعادة) و(الفروسية) وغيرها كثير (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-491>ابن اللحام (٧٥٢ - ٨٠٣ ه</span>ـ): هو علي بن محمد بن عباس بن شيبان علاء الدين، دمشقي، حنبلي، فقيه، أصولي. له: (القواعد الأصولية)، (اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية) (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-492>ابن مسعود (... -٣٢ ه</span>ـ): (٣) هو عبد الله بن مسعود بن غافل الهذلي، أبو عبد الرحمن، صحابي، من أكابر الصحابة فضلًا وعقلًا وقربًا من رسول الله - ﷺ -. من السابقين من أهل مكة. أول من جهر بقراءة القرآن بها. كان خادم رسول الله وصاحب سره ورفيقه في حله وترحاله. ولي بعد وفاة النبي - ﷺ - بيت مال الكوفة. ثم قدم المدينة ومات بها عن نحو ستين عامًا. كان قصيرًا، يحب الإكثار من الطيب.\n<span data-type=\"title\" id=toc-493>ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ه</span>ـ): (٤) هو عمر بن علي بن أحمد، الأنصاري، الشافعي، سراج الدين، النحوي. محدث فقيه مؤرخ. أندلسي الأصل. نشأ بالقاهرة وتوفي بها. له: (غاية السول في خصائص الرسول) و(شرح زوائد مسلم على البخاري) و(تخريج أحاديث شرح الوجيز للرافعي).\n<span data-type=\"title\" id=toc-494>ابن المنذر (٢٤٢ - ٣١٩ ه</span>ـ): (٥) هو محمد بن إبراهيم بن المنذر، النيسابوري، فقيه مجتهد. كان شيخ الحرم بمكة. قال الذهبي: صاحب التصانيف التي لم يصنف مثلها. منها: (المبسوط) في الفقه و(الإشراف على مذاهب أهل العلم) و(اختلاف العلماء) و(تفسير القرآن).\n<span data-type=\"title\" id=toc-495>ابن منظور (٦٣٠ - ٧١١ ه</span>ـ): (٦) هو محمد بن المكرم، لسان الدين الإفريقي.\n_________\n(١) الدرر الكامنة ٣/ ٤٠٠ جلاء العينين ص٢٠، الأعلام ٦/ ٢٨١\n(٢) شذرات الذهب، ٧/ ٣١ النعيمي، الدارس ٢/ ٤٢، معجم المؤلفين ٧/ ٢٠٦\n(٣) الإصابة ٢/ ٣٦٨ الأعلام للزركلي ٤/ ٢٨٠، الفتح المبين ١/ ٦٩\n(٤) ذيل طبقات الحفاظ ١٩٧، ٣٦٩، الضوء اللامع ٦/ ١٠٠، الأعلام ٥/ ٢١٨\n(٥) تذكرة الحفاظ ٣/ ٤، الوفيات ١/ ٤٦١، الأعلام ٦/ ١٨٤\n(٦) معجم المؤلفين ١٢/ ٤٦، الموسوعة العربية الميسرة، بغية الوعاة/ ١٠٦","vol":"2","page":271},{"text":"لغوي مؤرخ. ولد بطرابلس الغرب، أو مصر. ومات بالقاهرة. خدم بديوان الإنشاء بالقاهرة، وولي قضاء طرابلس. كف بصره في آخر حياته. له رسائل وشعر. اختصر كثيرًا من الكتب المطولة في الأدب والتاريخ. كالأغاني والعقد والذخيرة وتاريخ دمشق والحيوان للجاحظ، أشهر كتبه معجمه اللغوي المعروف (لسان العرب).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-496>ابن الهمام (٧٩٠ - ٨٦١ ه</span>ـ): (١) هو محمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد بن مسعود، السيواسي، ثم الإسكندري، كمال الدين، المعروف بابن الهمام. حنفي. عارف بأصول الدين والتفسير والفرائض، والفقه والحساب واللغة. له: (فتح القدير) في شرح الهداية: و(التحرير) في الأصول و(المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة).\n<span data-type=\"title\" id=toc-497>ابن واصل (٦٠٤ - ٦٩٧ ه</span>ـ): (٢) هو محمد بن سالم بن نصر الله، المازني، التميمي، الحموي. مؤرخ منطقي، مهندس. عالم بالأصولين. اتصل بالملك الظاهر بيبرس فأرسله في سفارة إلى صقلية. من كتبه: (نخبة الفكر) في المنطق. و(مفرج الكروب في أخبار بني أيوب) و(تجريد الأغاني).\n<span data-type=\"title\" id=toc-498>أبو إسحاق المروزي (... -٣٤٠ ه</span>ـ): (٣) هو إبراهيم بن أحمد. انتهت إليه رياسة الشافعية بالعراق بعد ابن سريج. مولده بمرو قصبة خراسان. أقام ببغداد وتوفي بمصر. له تصانيف منها (شرح مختصر المزني).\n<span data-type=\"title\" id=toc-499>أبو الحسين البصري (... -٤٣٦ ه</span>ـ): (٤) هو محمد بن علي بن الطيب، أبو الحسن، البصري المعتزلي. أحد أئمة المعتزلة. ولد بالبصرة، وسكن ببغداد. وبها توفي. شهر بالذكاء، والديانة، على بدعته. من كتبه: (المعتمد في أصول الفقه) و(تصفّح الأدلة) و(غرر الأدلة) و(شرح الأصول الخمسة) وكتاب في (الإمامة).\n<span data-type=\"title\" id=toc-500>أبو الخطاب (٤٣٢ - ٥١٠ ه</span>ـ): (٥) هو محفوظ بن أحمد بن الحسن الكلوذاني، أبو\n_________\n(١) الضوء اللامع ٨/ ١٢٧، الجواهر المضيئة ٢/ ٨٦، الأعلام ٦/ ١٨٤\n(٢) بغية الوعاة ص ٤٤، الوافي بالوفيات ٣/ ٨٥، الأعلام ٧/ ٣\n(٣) وفيات الأعيان ١/ ٤، شذرات الذهب ٢/ ٣٥٥، الأعلام ١/ ٣٢\n(٤) الوفيات ١/ ٤٨٢، تاريخ بغداد ٣/ ١٠٠، الأعلام ٧/ ١٦١\n(٥) المنهج الأحمد، اللباب ٢/ ٤٩، طبقات الحنابلة ص ٤٠٩","vol":"2","page":272},{"text":"الخطاب. إمام الحنابلة في عصره. أصله من ضواحي بغداد. ومولده ووفاته ببغداد. من كتبه: (التمهيد) في أصول الفقه، و(الانتصار في المسائل الكبار) و(الهداية) في الفقه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-501>أبو شامة (٥٥٩ - ٦٦٥ ه</span>ـ): (١) هو عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي، الدمشقي، الشافعي، أبو القاسم شهاب الدين. مؤرخ محدث، باحث، أصله من القدس ومولده بدمشق، وبها وفاته غيلة. من كتبه: (الروضتين في أخبار الدولتين) و(تاريخ دمشق) و(كشف حال بني عبيد) و(الوصول) في الأصول.\n<span data-type=\"title\" id=toc-502>أبو الشعثاء (٢١ - ٩٣ ه</span>ـ): (٢) هو جابر بن زيد الأزدي البصري: تابعي فقيه من الأئمة. بصري أصله من عُمان. صحب ابن عباس. وصفه الشماخي بأنه أصل مذهب الإباضية. وأسُّه الذي قامت عليه آطامه. نفاه الحجاج إلى عمان.\n<span data-type=\"title\" id=toc-503>أبو عبد الله البصري (... -٣٧٠ ه</span>ـ): (٣) هو محمد بن أحمد بن محمد بن يعقوب بن مجاهد الطائي البصري. متكلم، وصحب أبا الحسن الأشعري، وقدم بغداد، ودرس عليه أبو بكر الباقلاني. له تصانيف في الأصول، منها (هداية المستنصر) و(معونة المستنصر).\n<span data-type=\"title\" id=toc-504>أبو يعلى (٣٨٠ - ٤٥٨ه</span>ـ): (٤) هو محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن الفراء الحنبلي القاضي. شيخ الحنابلة. عالم عصره في الأصول والفروع وأنواع الفنون. من أهل بغداد. ولاه الخليفة القائم قضاء دار الخلافة. من مؤلفاته: (الأحكام السلطانية) و(الكفاية) في أصول الفقه و(أحكام القرآن) و(تبرئة معاوية) و(المجرد في الفقه).\n<span data-type=\"title\" id=toc-505>أبو يوسف (١١٣ - ١٨٢ ه</span>ـ): (٥) هو يعقوب بن إبراهيم صاحب الإمام أبي حنيفة. من أصل عربي. تولى رياسة الدرس بعد شيخه. أخذ عن مالك وكبار المحدثين. اشتغل بالقضاء وصار كبير القضاة في عهد الرشيد. وكان لهذا أثره في دعم\n_________\n(١) الفوات ١/ ٢٥٢، بغية الوعاة ٢٩٧، الأعلام ٤/ ٧٠\n(٢) تذكرة الحفاظ ١/ ٧٧، وتهذيب التهذيب ٢/ ٣٨، البداية والنهاية ٩/ ٩٣\n(٣) تاريخ بغداد ١/ ٣٤٣، شذرات الذهب ٣/ ٧٤، معجم المؤلفين ٩/ ٢٠\n(٤) طبقات الحنابلة لابن المترجم ٢/ ١٩٣ - ٢٣٠، تاريخ بغداد ٢/ ٢٥٦، الأعلام ٦/ ٣٣١\n(٥) معجم المؤلفين ٣/ ٣٤٠. الموسوعة العربية الميسرة.","vol":"2","page":273},{"text":"المذهب الحنفي ونشره. له كتب منها (الخراج) و(اختلاف ابن أبي ليلى) و(الرد على سير الأوزاعي).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-506>الأبياري (٥٥٧ - ٦١٨ ه</span>ـ): (١) هو علي بن إسماعيل بن علي بن عطية الأبياري. مالكي. منسوب إلى بلدة (أبيار) بالغربية. فقيه أصولي محدث. ناب في القضاء. وهو من شيوخ ابن الحاجب. شرح (البرهان) للجويني. وله (سفينة النجاة) على نمط (الإحياء) للغزالي. وفضله بعضهم عليه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-507>الأرموي (٥٩٤ - ٦٨٢ ه</span>ـ): (٢) هو محمود بن أبي بكر بن حامد بن أحمد الأرموي التنوخي الدمشقي الشافعي، سراج الدين. فقيه أصولي متكلم منطقي من القضاة. أصله من أرمية من بلاد أذربيجان. قرأ بالموصل وسكن دمشق. له (شرح الوجيز) للغزالي، و(شرح الإشارات) لابن سينا، و(التحصيل) وهو مختصر المحصول للرازي.\n<span data-type=\"title\" id=toc-508>الإسفراييني، أبو حامد (٣٤٤ - ٤٠٦ ه</span>ـ): (٣) هو أحمد بن محمد بن أحمد الإسفراييني، من أعلام الشافعية. ولد في أسفرايين قرب نيسابور، ورحل إلى بغداد، فتفقه فيها وعظمت مكانته. وألف كتبًا، منها: (مطول في أصول الفقه)، ومختصر في الفقه سماه (الرونق) وتوفي ببغداد.\n<span data-type=\"title\" id=toc-509>الإسنوي (٧٠٤ - ٧٧٢ ه</span>ـ) (٤): هو عبد الرحيم بن حسن بن علي الإسنوي الشافعي، أبو محمد، جمال الدين، فقيه أصولي، نحوي. قدم من بلده إسنا إلى القاهرة سنة ٧٢١ هـ وانتهت إليه رئاسة الشافعية وولي الحسبة ووكالة بيت المال. من كتبه: (الأشباه والنظائر) و(الكوكب الدريّ في استخراج المسائل الشرعية من القواعد النحوية). (نهاية الراغب في العروض).\n<span data-type=\"title\" id=toc-510>الإصطخرى (٢٤٤ - ٣٢٨ ه</span>ـ): (٥) هو الحسن بن أحمد بن يزيد بن عيسى بن\n_________\n(١) الفتح المبين ٢/ ٥٢\n(٢) طبقات السبكي ٥/ ١٥٥، والأعلام ٨/ ٤١، وهدية العارفين ٢/ ٤٠٦\n(٣) طبقات الشافعية ٣/ ٢٤، البداية والنهاية ١٢/ ٢، الأعلام ١/ ٢٠٣\n(٤) بغية الوعاة ص ٣٠٤، البدر الطالع ١/ ٣٥٢، الزركلي ٤/ ١١٩\n(٥) ابن النديم ص٣٠٠، ابن خلكان ١/ ١٦١، ابن كثير ١١/ ١٩٣، الفتح المبين ١/ ١٧٨","vol":"2","page":274},{"text":"الفضل بن بشار بن عبد الحميد، أبو سعيد، فقيه أصولي شافعي. من إصطخر، بلدة بفارس، من تلاميذه محمد بن المظفر، وأبو الحسن الدارقطني، وأبو حفص بن شاهين. وهو من أقران ابن سريج. ولي قضاء قُمّ، وولي حسبة بغداد، له كتاب الفرائض الكبير، وكتاب (الشروط والوثائق والمحاضر والسجلات) في القضاء. توفي ودفن ببغداد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-511>إلكيا الطبري (٤٥٠ - ٥٠٤ ه</span>ـ): (١) هو علي بن محمد بن علي أبو الحسن الهراسي، عماد الدين. فقيه شافعي مفسر. ولد في طبرستان. وسكن في بغداد، ودرس بالنظامية، ووعظ واتهم بالباطنية، وأراد السلطان قتله فحماه الخليفة المستظهر. من كتبه (أحكام القرآن).\n<span data-type=\"title\" id=toc-512>أم سليم (... -٣٠ ه</span>ـ؟) (٢): هي الرميصاء بنت ملحان من بني النجار من الأنصار، وهي أم أنس بن مالك. حضرت حُنينًا وكان لها مواقف. تزوجها أبو طلحة بعد وفاة والد أنس، فكان مهرها إسلامه. توفيت في غزو قبرس.\n<span data-type=\"title\" id=toc-513>أمير بادشاه (... -٩٨٧ ه</span>ـ): (٣) هو محمد أمين بن محمود البخاري أمير بادشاه، مفسر، فقيه صوفي من آثاره (تفسير سورة الفتح) و(رسالة في أن الحج يكفر الذنوب كلها صغيرها وكبيرها).\n<span data-type=\"title\" id=toc-514>الباقلاني (٣٣٨ - ٤٠٣ه</span>ـ): (٤) هو محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر، أبو بكر، القاضي. من كبار علماء الكلام انتهت إليه رئاسة الأشاعرة. ولد بالبصرة وسكن بغداد، فتوفي بها. كان جيد الاستنباط، سريع الجواب. وجهه عضد الدولة سفيرًا إلى القسطنطينية. فجرت له مناظرات مع علماء النصرانية. من كتبه (إعجاز القرآن) و(الإنصاف) و(الملل والنحل) و(تمهيد الدلائل) و(التقريب والإرشاد في أصول الفقه) قال عنه الزركشي: هو أجل كتاب في هذا الفن مطلقًا.\n_________\n(١) وفيات الأعيان ١/ ٣٢٧، الأعلام ٥/ ١٤٩\n(٢) الإصابة ٨/ ٨٧، ١٥٣، ٨٤٣، حلية الأولياء ٢/ ٥٧\n(٣) فهرست الخديوية ٧/ ٥٢١، معجم المؤلفين ٣/ ٨٠\n(٤) وفيات الأعيان ١/ ٤٨١، الأعلام ٧/ ٤٦، البحر المحيط للزركشي (المقدمة).","vol":"2","page":275},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-515>البخاري (... -٧٣٠ ه</span>ـ): (١) هو عبد العزيز بن أحمد بن محمد، علاء الدين البخاري: فقيه حنفي أصولي. من كتبه (شرح المنتخب الحسامي)، للأخسكيتي، و(شرح أصول البزدوي).\n<span data-type=\"title\" id=toc-516>البزدوي (... -٤٨٢ ه</span>ـ): (٢) هو علي بن محمد بن الحسين بن عبد الكريم، أبو الحسن فخر الإسلام. فقيه أصولي، من أكابر الحنفية، من سكان سمرقند، منسوب إلى (بزدة) قلعة بالقرب من (نسف). من تصانيفه: (المبسوط). و(كنز الوصول في أصول الفقه) وهو المعروف بأصول البزدوي و(تفسير القرآن).\n<span data-type=\"title\" id=toc-517>بشر الحافي (١٥٠ - ٢٢٧ ه</span>ـ) (٣): هو بشر بن الحارث بن علي بن عبد الرحمن، المروزي، أبو نصر. من متقدمي الصوفية. له في الزهد والورع أخبار. من أهل مرو. سكن ببغداد وتوفي بها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-518>البلقيني (٧٢٤ - ٨٠٥ ه</span>ـ): (٤) هو عمر بن رسلان، سراج الدين. عسقلاني الأصل. ولد في بلقينة من غربية مصر. وتعلم بالقاهرة. مجتهد حافظ للحديث. ولي قضاء الشام ٧٦٩ هـ. من كتبه: (التدريب في فقه الشافعية). و(تصحيح المنهاج)، و(مناسبات تراجم أبواب البخاري).\n<span data-type=\"title\" id=toc-519>البيضاوي (... -٦٨٥ ه</span>ـ): (٥) هو عبد الله بن عمر بن محمد بن علي الشيرازي، أبو سعيد، ناصر الدين، البيضاوي. ولد في مدينة البيضاء (بفارس، قرب شيراز) وولي قضاء شيراز مدة. وصرف عن القضاء، فرحل إلى تبريز فتوفي بها. من كتبه: تفسيره المشهور. و(موضوعات العلوم وتعاريفها). و(الغاية القصوي في دراية الفتوى).\n<span data-type=\"title\" id=toc-520>التفتازاني (٧١٢ - ٧٩١ه</span>ـ): (٦) هو مسعود بن عمر بن عبد الله، سعد الدين\n_________\n(١) الفوائد البهية ص ٩٤. فهرس الأزهرية ٢/ ٧٠، الأعلام ٤/ ١٣٧\n(٢) الفوائد البهية ص ١٢٤، مفتاح السعاة ٢/ ٥٤، الأعلام ٥/ ١٤٨\n(٣) تاريخ بغداد ٧/ ٦٧ - ٨٠، الحلية ٨/ ٣٣٦، الزركلي ٢/ ٢٦\n(٤) ذيل طبقات الحفاظ. شذرات الذهب ٧/ ٥١، الأعلام ٥/ ٢٠٥\n(٥) البداية والنهاية ١٣/ ٣٠٩، مفتاح السعادة ١/ ٤٣٦، الأعلام ٢/ ٢٤٩\n(٦) بغية الوعاة ص٣٩١، الدرر الكامنة ٤/ ٣٥٠، الزركلي ٨/ ١١٣","vol":"2","page":276},{"text":"من أئمة الأصول والعربية والبيان والمنطق. ولد بتفتازان من بلاد خراسان وأبعده تيمور لنك إلى سمرقند فتوفي بها. من كتبه: (المطول) في البلاغة. و(مقاصد الطالبين) و(شرحه). و(حاشية الكشاف). و(شرح الأربعين النووية).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-521>التهانوي (... - بعد ١١٥٨ ه</span>ـ): (١) هو محمد بن علي بن محمد حامد الفاروقي، الحنفي، باحث هندي استوعب العلوم المختلفة، وألفّ بفروعها ومصطلحاتها، ويعرف بمعجمه الكبير (كشاف اصطلاحات الفنون) الذي يشتمل على مصطلحات العلوم المختلفة المتداولة. من الفلسفة والرياضة والأصول والفقه وغيرها. وله (سبق الغايات في نسق الآيات).\n<span data-type=\"title\" id=toc-522>التميمي (٣١٧ - ٣٧١ه</span>ـ): (٢) هو عبد العزيز بن الحارث بن أسد بن الليث بن سليمان بن الأسود، أبو الحسن. فقيه، حنبلي، أصولي فرضي. له تصانيف في الفقه والفرائض.\n<span data-type=\"title\" id=toc-523>الثوري (٩٧ - ١٦١ ه</span>ـ) (٣): هو سفيان بن مسروق الثوري، من بني ثور بن عبد مناة، أبو عبد الله، هو أمير المؤمنين في الحديث. كان سيد أهل زمانه في علوم الدين والتقوى. ولد ونشأ بالكوفة. وأراده المنصور على القضاء فأبى. وسكن مكة والمدينة فطلبه فتوارى. وانتقل إلى البصرة فمات بها مستخفيًا. من كتبه: (الجامع الصغير). و(الجامع الكبير). كلاهما في الحديث. وكتاب في الفرائض.\n<span data-type=\"title\" id=toc-524>الجبائي، أبو علي (٢٣٥ - ٣٠٣ه</span>ـ): (٤) هو محمد بن عبد الوهاب بن سلام الجبائي. من أئمة المعتزلة. ورئيس علماء الكلام في عصره. تنسب إليه طائفة الجبائية. ينسب إلى (جبي) من قرى البصرة. اشتهر بالبصرة. ودفن بقريته. له تفسير حافل مطول. رد عليه الأشعري.\n<span data-type=\"title\" id=toc-525>الجصاص (... -٣٧٠ ه</span>ـ): هو أحمد بن علي الرازي، أبو بكر، الجصاص. من\n_________\n(١) معجم المؤلفين ١١/ ٤٧، الموسوعة العربية الميسرة، الأعلام ٧/ ١٨٨\n(٢) تاريخ بغداد ١٠/ ٤٦١، البداية والنهاية ١١/ ٢٩٨، معجم المؤلفين ٥/ ٢٤٤\n(٣) الوفيات ١/ ٢١٠، الحلية ٦/ ٣٥٦، الأعلام ٣/ ١٥٨\n(٤) وفيات الأعيان ١/ ٤٨٠، البداية والنهاية ١١/ ١٢٥، الأعلام ٧/ ١٣٦","vol":"2","page":277},{"text":"أهل الري. سكن بغداد، ومات بها. انتهت إليه رياسة الحنفية. وخوطب في أن يلي القضاء فامتنع. ألف كتاب (أحكام القرآن) وكتابًا في أصول الفقه (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-526>جولد زيهر، أجناس (١٢٦٦ - ١٣٤٠ ه</span>ـ): (٢) مستشرق مجري يهودي تعلم في بودابست. ورحل إلى سورية فتعرف بالشيخ طاهر الجزائري ولازمه مدة. وانتقل إلى مصر حيث لازم بعض علماء الأزهر. نشر بعض المؤلفات العربية القديمة، وترجم بعض الكتب العربية إلى الألمانية. له (العقيدة والشريعة في الإسلام). ومقالات في دائرة المعارف الإسلامية. وكتاب عن الظاهرية. و(مذاهب التفسير الإسلامي).\n<span data-type=\"title\" id=toc-527>الجويني (٤١٩ - ٤٧٨ ه</span>ـ): (٣) هو عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين. شافعي. بنى له الوزير نظم الملك المدرسة النظامية بنيسابور. من تصانيفه (العقيدة النظامية في الأركان الإسلامية) و(البرهان في أصول الفقه) و(نهاية المطلب في دراية المذهب) في فقه الشافعية. و(الإرشاد) في العقيدة، و(الورقات) في الأصول.\n<span data-type=\"title\" id=toc-528>حاجي خليفة (١٠١٧ - ١٠٦٧ ه</span>ـ): (٤) هو مصطفى بن عبد الله كاتب حلبي. مؤرخ بحاثة. تركي الأصل. مولده ووفاته بالقسطنطينية. تولى أعمالًا كتابية له الجيش العثماني. ذهب إلى بغداد ١٠٣٣ هـ. ورحل إلى ديار بكر والشام وحلب ومكة. وانقطع بعد إلى تدريس العلوم. له (كشف الظنون) و(تحفة الكبار في أسفار البحار). و(سلم الوصول إلى طبقات الفحول).\n<span data-type=\"title\" id=toc-529>الحارث المحاسبي (... -٢٤٣ ه</span>ـ): (٥) هو الحارث بن أسد المحاسبي. كان صوفيًا كبيرًا. عالمًا بالأصول والمعاملات. واعظًا. ولد بالبصرة. ونشأ بها ومات ببغداد. له (آداب النفوس) و(شرح المعرفة) و(الرعاية لحقوق الله).\n_________\n(١) تاج التراحم. الجواهر المضية ١/ ٨٤، الأعلام ١/ ٦٥\n(٢) العقيدة والشريعة -الترجمة العربية- المقدمة، الأعلام ١/ ٨٠، الموسوعة العربية الميسرة.\n(٣) الأعلام للزركلي ٤/ ٣٠٦\n(٤) مقدمة كشف الظنون دائرة المعارف الإسلامية ٧/ ٢٣٥، الأعلام ٨/ ١٣٨\n(٥) معجم المؤلفين٣/ ١٧٤، الأعلام ٢/ ١٥٣ ابن خلكان ١/ ١٢٦","vol":"2","page":278},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-530>الحليمي (٣٣٨ - ٤٠٣ه</span>ـ): (١) هو الحسن بن حسن بن محمد بن حليم، البخاري، الجرجاني. فقيه شافعي، قاض. كان رئيس أهل الحديث في ما وراء النهر. مولده بجرجان ووفاته في بخاري. له (المنهاج في شعب الإيمان).\n<span data-type=\"title\" id=toc-531>خالد الأزهري (٨٣٨ - ٩٠٥ ه</span>ـ): (٢) هو خالد عبد الله بن أبي بكر. جرجاوي، أزهري نحوي. نشأ وعاش في القاهرة. له مجموعة كتب في النحو منها (التصريح على التوضيح) وهو شرح لشرح ابن هشام المسمى (أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك) وله (الألغاز النحوية) وغيرها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-532>الخطابي (... -٣٨٨ ه</span>ـ): هو حَمْدُ بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب البستي، أبو سليمان، فقيه محدث، من أهل (بست) من بلاد كابل من نسل زيد بن الخطاب أخي عمر بن الخطاب. من كتبه: (معالم السنن) في شرح سنن أبي داود و(إصلاح غلط المحدثين). و(شرح البخاري) (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-533>الدهلوي (١١١٠ - ١١٧٦ ه</span>ـ): هو أحمد بن عبد الرحيم الفاروقي الدهلوي الملقب بشاه ولي الله. فقيه حنفي من المحدثين. قيل فيه: أحيا الله به وبأولاده وأولاد بناته وتلاميذه الحديث والسنة بالهند بعد موتهما، وعلى كتبه وأسانيده المدار في تلك الديار. له: (الفوز الكبير في أصول التفسير) و(إزالة الخفاء عن خلافة الخلفاء)، و(الإنصاف في أسباب الخلاف)، و(حجّة الله البالغة) في حكمة التشريع. ترجم معاني القرآن إلى الفارسية (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-534>الرازي (٥٤٣ - ٦٠٦ ه</span>ـ): هو محمد بن عمر بن الحسن بن الحسن التيمي البكري، فخر الدين الرازي: إمام مفسر أصولي، واعظ، وهو قرشيّ النسب. ولد بطبرستان، ومولده بالري. ورحل إلى خوارزم وخراسان. كان يحسن الفارسية ويقول بها الشعر من كتبه: (مفاتيح الغيب) في التفسير. و(المباحث المشرقية). و(الأربعون في أصول الدين). و(تعجيز الفلاسفة) (٥).\n_________\n(١) الرسالة المستطرفة ٤٤، الأعلام ٢/ ٢٥٢\n(٢) معجم المؤلفين ٤/ ٩٦، الأعلام ٢/ ٣٣٩، والضوء اللامع ٣/ ١٨١\n(٣) الوفيات ١/ ١٦٦، يتيمة الدهر ٤/ ٢٣١، الزركلي ٢/ ٢٠٤\n(٤) ذيل كشف الظنون ١/ ٦٥، ١٦١، الأعلام ١/ ١٤٤\n(٥) الوفيات ١/ ٤٧٤، لسان الميزان ٤/ ٤٢٦، الأعلام ٧/ ٢٠٣","vol":"2","page":279},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-536>الرَّوياني (٤١٥ - ٥٠٢ ه</span>ـ): (١) هو عبد الواحد بن إسماعيل بن أحمد، من رويان وهي قرية في طبرستان. فقيه شافعي. رحل إلى بخاري وغزنة ونيسابور والريّ. وبنى مدرسة في آمل. فتعصب عليه جماعة فقتلوه فيها. وله (بحر المذهب) من أوسع كتب الشافعية، و(الكافي) و(حلية المؤمن).\n<span data-type=\"title\" id=toc-537>الزركشي (٧٤٥ - ٧٩٤ ه</span>ـ): (٢) هو محمد بن بهادر بن عبد الله، أبو عبد الله الزركشي، بدر الدين. عالم بفقه الشافعية والأصول. تركي الأصل. مصري المولد والوفاة. له: (لقطة العجلان) و(إعلام الساجد بأحكام المساجد) و(المنثور) وهو المعروف بقواعد الزركشي، و(البحر المحيط في أصول الفقه).\n<span data-type=\"title\" id=toc-538>زكريا الأنصاري (٨٢٦ - ٩٢٦ ه</span>ـ): (٣) هو زكريا بن محمد بن أحمد بن زكريا الأنصاري الشافعي. لقب بقاضي القضاة. وبشيخ الإسلام. ولد بالشرقية ثم انتقل إلى القاهرة، وأقام بالأزهر. قال عنه ابن حجر الهيتمي: أجل من وقع عليه بصري من العلماء العاملين والأئمة الوارثين. له (أسنى المطالب) و(منهج الطلاب) في الفقه، و(لب الأصول) وشرحه (غاية الوصول).\n<span data-type=\"title\" id=toc-535>الزيدية: </span>(٤) شيعة تنسب إلى زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وتقابل الإمامية، والزيدية أقرب من الإمامية إلى السنة لاعترافهم بإمامة أبي بكر وعمر ﵄. رأس الطائفة بعد زيد ابنه يحيى. ومنهم الآن باليمن وغيرها. والإمامة عندهم محصورة في ذرية علي من فاطمة. وليست بالوراثة، وإنما هي للأصلح منهم. وآخر من حكم اليمن منهم البدر بن يحيى حميد الدين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-539>السبكي (٧٢٧ - ٧٧١ ه</span>ـ): (٥) هو عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي، تاج الدين، شافعي، فقيه أصولي مؤرخ أديب ناظم، ولد بالقاهرة، وقدم دمشق مع\n_________\n(١) وفيات الأعيان ١/ ٢٩٧، ومرآة الزمان ٨/ ٢٩، وطبقات الشافعية ٤/ ٢٤٦\n(٢) الدرر الكامنة ٣/ ٣٩٧، كشف الظنون ١٢٥، الأعلام ٦/ ٢٨٦\n(٣) شذرات الذهب ٨/ ٣٤، معجم سركيس ص ٤٨٣\n(٤) الموسوعة العربية الميسرة.\n(٥) الدرر الكامنة ٢/ ٤٢٥، شذرات الذهب ٦/ ٢٢١، البدر الطالع ١/ ٤١٠، معجم المؤلفين ٦/ ٢٢٦","vol":"2","page":280},{"text":"والده، ولزم الذهبي وتخرج به، وولي بها القضاء وخطابة الجامع الأموي. له (طبقات الشافعية)، و(رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب) و(شرح منهاج الأصول) للبيضاوي، و(جمع الجوامع).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-540>السرخسي (... -٤٨٣ ه</span>ـ): هو محمد بن أحمد بن سهل، أبو بكر، شمس الأئمة. من كبار الحنفية. مجتهد. له (المبسوط) في الفقه الحنقي، و(شرح الجامع الكبير)، و(شرح السير الكبير) (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-541>السمعاني (٤٢٦ - ٤٨٩ ه</span>ـ): (٢) هو منصور بن محمد بن عبد الجبار بن أحمد المروزي السمعاني، أبو المظفر التميمي. كان حنفيًا ثم انتقل إلى مذهب الشافعي. من أهل مرو. محدث. مفسر. قدمه نظام الملك. من كتبه: (تفسير السمعاني) و(الانتصار لأصحاب الحديث) و(المنهاج لأهل السنة). و(الاصطلام) في الرد على الدبوسي.\n<span data-type=\"title\" id=toc-542>سهل التستري (٢٠٠ - ٢٨٣ ه</span>ـ): هو سهل بن عبد الله بن يونس التستري، أبو محمد أحد أئمة الصوفية والمتكلمين في الإخلاص والرياضة وعيوب الأفعال. له: (تفسير القرآن) و(دقائق المحبين) (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-543>السهيلي (٥٠٨ - ٥٨١ ه</span>ـ): (٤) هو عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد، الخثعمي. السهيلي، منسوب إلى (سهيلة) قرية بالقرب من مالقة بالأندلس. مؤرخ، محدث حافظ، نحوي لغوي. أخذ عن ابن العربي وغيره. طلبه والي مراكش. وأحسن إليه وأقبل عليه وأقام بها ثلاثة أعوام ثم توفي. له (شرح جمل الزجاجي) و(الروض الأنف) وهو شرح لسيرة ابن هشام، و(مسألة رؤية الله ﷿).\n<span data-type=\"title\" id=toc-544>السيوطي (٨٤٩ - ٩١١ ه</span>ـ) (٥): عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين. مؤلف. مولده ووفاته بالقاهرة. تنقل في مدن مصر والشام والحجاز واليمن والهند والمغرب طلبًا\n_________\n(١) الجواهر المضيئة ٢/ ٢٨، الفوائد البهية ص ١٥٨\n(٢) النجوم الزاهرة ٥/ ١٦٠، مفتاح السعادة ٢/ ١٩١، الأعلام ٨/ ٢٤٤\n(٣) طبقات الصوفية ٢٠٦، الوفيات١/ ٢١٨، الأعلام ٣/ ٢١٠\n(٤) وفيات الأعيان ١/ ٣٥١، البداية والنهاية ٢/ ٣١٨، معجم المؤلفين ٥/ ١٤٧\n(٥) الموسوعة العربية الميسرة.","vol":"2","page":281},{"text":"للعلم. وألم بجميع علوم الثقافة الإسلامية في عصره، وخاصة التفسير والحديثه والفقه واللغة والبلاغة والنحو. درس في جامع ابن طولون والشيخونية والبيبرسية. أخرج نحو ٦٠٠ مصنف تقوم أهميتها على ما تعطينا من معلومات من كتب لم تصل إلينا، له (المزهر في اللغة) و(الاتقان في علوم القرآن) و(الأشباه والنظائر في القواعد الفقهية) و(طبقات المفسرين).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-545>الشربيني (... -١٣٢٦ ه</span>ـ): هو عبد الرحمن بن محمد بن أحمد الشربيني. مصري فقيه شافعي أصولي. ولي مشيخة الأزهر ١٣٢٢ - ١٣٢٤ هـ. كان ورعًا زاهدًا لم يتزلف لكبير. له: (تقرير على جمع الجوامع) و(تقرير على شرح تلخيص المفتاح) (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-546>شريح (٤٢ ق. هـ-٧٨ ه</span>ـ): (٢) شريح بن الحارث بن معاوية بن عامر الكنْدي. لم يلق النبي - ﷺ -. وهو من كبار التابعين. كان محسنًا كريمًا. اختاره الإمام أمير المؤمنين عمر، قاضيًا على الكوفة. وظلّ عليها طيلة دولة الخلفاء الراشدين ودولة بني أمية حتى ولي الحجاج العراق فاستعفاه فأعفاه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-547>الشوكاني (١١٧٣ - ١٢٥٠ه</span>ـ): (٣) هو محمد بن علي بن محمد الشوكاني الصنعاني اليماني الفقيه المجتهد المحدث الأصولي المفسر، نشأ بصنعاء، وهو من أهل شوكان قرية بينها وبين صنعاء مسيرة يوم. حفظ كثيرًا من المتون. وبلغ رتبة الاجتهاد. ولقب بشيخ الإسلام. تفقه على المذهب الزيدي ولكنه خلع التقليد وأخذ يدعو إلى الاجتهاد والاتباع. له (فتح القدير) في التفسير، و(إرشاد الفحول) في الأصول. و(نيل الأوطار) في الحديث. وغيرها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-548>الشيرازي (٣٩٣ - ٤٧٦ ه</span>ـ): (٤) هو إبراهيم بن علي بن يوسف بن عبد الله، أبو إسحاق. فقيه أصولي شافعي مؤرخ أديب، ولد بفيروز أباد قرب شيراز ونشأ بها ثم انتقل إلى شيراز. أخذ عن أبي عبد الله البيضاوي وابن رامين. ثم انتقل إلى بغداد لطلب العلم.\n_________\n(١) فهرس الأزهرية ٢/ ١٩، معجم المطبوعات ١١١٠، الأعلام ٤/ ١١٠\n(٢) ابن خلكان ١/ ٢٨١، دائرة وجدي ٥/ ٣٧٣، الفتح المبين ١/ ٨٥\n(٣) الأعلام ٣/ ٩٥٣، وسركيس ص ١١٦٠، الفتح المبين ٣/ ١٤٥\n(٤) طبقات السبكي ٣/ ٨٨، ابن خلكان ١/ ٥، ابن كثير ١٢/ ١٢٤","vol":"2","page":282},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-549>صدر الشريعة (... -٧٤٧ ه</span>ـ): (١) هو عبيد الله بن مسعود بن محمود بن أحمد المحبوبي البخاري الحنفي. من علماء الحكمة والطبيعيات والأصول. من كتبه: (تعديل العلوم) و(شرح الوقاية)، و(الوشاح في علم المعاني).\n<span data-type=\"title\" id=toc-550>الصغاني (٥٧٧ - ٦٥٠ ه</span>ـ): (٢) هو الحسن بن محمد بن الحسن بن حيدر، رضي الدين. أعلم أهل عصره باللغة. كان فقيهًا محدثًا. ولد في لاهور بالهند. ونشأ بغزنة ودخل بغداد. ورحل إلى اليمن. وتوفي في بغداد. من كتبه: (مجمع البحرين) و(مشارق الأنوار)، في الحديث. و(شرح صحيح البخاري).\n<span data-type=\"title\" id=toc-551>الصنعاني (١٠٩٩ - ١١٨٢ه</span>ـ): (٣) هو محمد بن إسماعيل بن صلاح الكحلاني ثم الصنعاني المعروف بالأمير، محدث فقيه أصولي مجتهد متكلم من أئمة اليمن. رحل إلى الحرمين. له (سبل السلام شرح بلوغ المرام) و(تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد)، وغيرهما.\n<span data-type=\"title\" id=toc-552>الصيرفي (... -٣٣٠ ه</span>ـ): (٤) هو محمد بن عبد الله الصيرفي، أبو بكر، بغدادي، شافعي، أصولي، متكلم، محدث. تفقه على ابن سريج وسمع الحديث. له: (شرح رسالة الشافعي) فى الأصول و(دلائل الإعلام في أصول الأحكام) وكتاب في الإجماع. وكتاب في الشروط.\n<span data-type=\"title\" id=toc-553>الطحاوي (٢٣٩ - ٣٢١ه</span>ـ): (٥) هو أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي أبو جعفر، من (طحا) بالصعيد، انتهت إليه رئاسة الحنفية بمصر، تفقه بمذهب الشافعي، ثم تحوّل حنفيًا، وهو ابن أخت المزني صاحب الشافعي. له (شرح معاني الآثار) و(مشكل الآثار) و(أحكام القرآن) و(اختلاف الفقهاء).\n_________\n(١) الفوائد البهية ١٠٩، فهرس الأزهرية ٢/ ٢٤، ١٩٩، الأعلام ٤/ ٣٥٤\n(٢) الفوائد البهية ٦٣، النجوم الزاهرة ٧/ ٢٦، الأعلام ٢/ ٢٣٢\n(٣) معجم المؤلفين ٩/ ٥٦ والبدر الطالع ٢/ ١٣٣\n(٤) طبقات الشافعية ٢/ ١٦٩، مفتاح السعادة ٢/ ١٧٨، معجم المؤلفين ١٠/ ٢٢٠\n(٥) طبقات الحفاظ للسيوطي. البداية والنهاية ١١/ ١٧٤، الأعلام ١/ ١٩٧","vol":"2","page":283},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-554>العاقولي (٧٣٣ - ٧٩٧ ه</span>ـ): (١) هو محمد بن محمد بن عبد الله الواسطي البغدادي، غياث الدين، أبو المكارم. عالم بغداد ومدرسها. انتهت إليه الرياسة في العلم والتدريس. ولما دخل تيمورلنك بغداد هرب منه فنهبت أمواله: ورجع بعد ذلك فتوفي بها. من كتبه: (شرح منهاج البيضاوي). و(شرح مصابيح البغوي). و(كفاية الناسك في معرفة المناسك).\n<span data-type=\"title\" id=toc-555>عبد الله بن سعد بن أبي السرح (... -٣٧ ه</span>ـ): قرشي عامري. فاتح إفريقية. من أبطال الصحابة كان من كتاب الوحي. كان على ميمنة عمرو بن العاص في فتح مصر وُلي مصر سنة ٢٥ هـ وبقي عليها ١٢ سنة، زحف خلالها إلى إفريقية وتحت إمرته الحسن والحسين ابنا عليّ، وابن عباس، وعقبة بن نافع. ووصل طنجة. وغزا الروم بحرًا. وظفر بهم في معركة ذات الصواري. اعتزل أيّام صفين. ومات بعسقلان (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-556>عبد الجبار الهمداني (... -٤١٥ ه</span>ـ) (٣): هو عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الهمداني الأسد آبادي، أبو الحسن. قاضٍ، أصولي. كان شيخ المعتزلة في عصره. يلقبونه قاضي القضاة، ولا يطلقون هذا اللقب على غيره. ولي قضاء الري ومات فيها. من تصانيفه (تنزيه القرآن عن المطاعن). و(الأمالي).\n<span data-type=\"title\" id=toc-557>عبد الرحمن بن مهدي (١٣٥ - ١٩٨ ه</span>ـ): (٤) هو عبد الرحمن بن مهدي بن حسان العنبري البصري اللؤلؤي، من كبار حفاظ الحديث. حدث ببغداد، ومولده ووفاته بالبصرة. قال الشافعي: \"لا أعرف له نظيرًا في الدنيا\".\n<span data-type=\"title\" id=toc-558>عبد الوهاب خلاف (١٣٠٦ ه</span>ـ- ...؟): (٥) ولد بكفر الزيات بالغربية. حفظ القرآن ببلده ثم انتقل إلى الأزهر وحضر على الشيخ عبد الله دراز ومحمد عبده. والتحق بمدرسة القضاء الشرعي. ثم عين قاضيًا شرعيًا، ودرَّس الشريعة بجامعة فؤاد. له (علم أصول الفقه) و(حلقات في الدراسات العليا في الأصول).\n_________\n(١) الدرر الكامنة ٤/ ١٩٤، هدية العارفين ٢/ ١٧٥، الأعلام ٧/ ٢٧٢\n(٢) أسد الغابة ٣/ ١٧٣، النجوم الزاهرة ١/ ٧ - ٩٤، الأعلام ٤/ ٢٢٠\n(٣) تاريخ بغداد ١١/ ١٣١، معجم المطبوعات ١٢٦٩، الأعلام ٤/ ٤٧\n(٤) تهذيب التهذيب ٦/ ٢٧٩، تاريخ بغداد ١٠/ ٢٤٠، الأعلام ٤/ ١١٥\n(٥) الفتح المبين ٣/ ٢٠٧","vol":"2","page":284},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-559>العضد (... -٧٥٦ ه</span>ـ): هو عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الغفار، عضد الدين الإيجي. من أهل (إيج) بفارس. عالم بالأصول والمعاني والعربية. جرت له محنة مع صاحب كرمان فسجنه بالقلعة، ومات فيها. نُبِزَ بالعظائم. له: (أشرف التواريخ). و(الفوائد الغياثية في المعاني والبيان والبديع). و(جواهر الكلام)، وهو مختصر لكتابه: (المواقف) (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-560>العلائي (٦٩٤ - ٧٦١ ه</span>ـ): (٢) خليل بن كيكلدي بن عبد الله العلائي المحدث الدمشقي، أبو سعيد، صلاح الدين، محدث فاضل باحث تعلم في دمشق، ورحل رحلة طويلة. أقام بالقدس مدرسًا بالصلاحية سنة ٧٣١ هـ وتوفي بها. من كتبه (المجموع المذهب في قواعد المذهب). و(المجالس المبتكرة). و(الوشي المعلم)، و(الأربعين في أعمال المتقين).\n<span data-type=\"title\" id=toc-561>علي المتقي الهندي (٨٨٨ - ٩٧٥ ه</span>ـ) (٣): هو علي بن حسام الدين عبد الملك الجونبودي، علاء الدين، محدث واعظ. أصله من بلاد الدكن بالهند، سكن المدينة ومكة، له (كنز العمال) و(إرشاد العرفان) و(الرقّ المرقوم في غايات العلوم).\n<span data-type=\"title\" id=toc-562>(الشيخ) عُليش (١٢١٧ - ١٢٩٩ه</span>ـ) (٤): محمد بن أحمد بن محمد عليش. فقيه أصله من طرابلس الغرب، ولد بالقاهرة، وتعلم بالأزهر، وولي مشيخة المالكية به، ثم توفي بالسجن لاتهامه بممالأة عرابي. له: (شرح السنوسية في العقائد). و(منح الجليل على مختصر خليل). وغير ذلك.\n<span data-type=\"title\" id=toc-563>عياض، القاضي (٤٧٦ - ٥٤٤ ه</span>ـ) (٥): عياض بن موسى بن عياض بن عمرون اليحصبي السبتي. عالم المغرب وإمام الحديث في وقته. كان من أعلم الناس بكلام العرب وأنسابهم وأيامهم. ولي قضاء سبتة ثم قضاء غرناطة. من كتبه: (شرح صحيح\n_________\n(١) مفتاح السعادة ١/ ١٦٩. الدرر الكامنة ٢/ ٣٢٢، الأعلام ٤/ ٦٦\n(٢) الدرر الكامنة ٢/ ٩٠، الأنس الجليل ١٢/ ٤٥١، الأعلام ٢/ ٣٧٠\n(٣) معجم المؤلفين ٧/ ٥٩، وشذرات الذهب ٨/ ٣٧٩، وكشف الظنون ١/ ٥٦١\n(٤) ذيل كشف الظنون ١/ ٢٧١، معجم المطبوعات ١٣٧٢، الأعلام ٦/ ٢٤٤\n(٥) وفيات الأعيان ١/ ٣٩٢، مفتاح السعادة ٢/ ١٩، الأعلام ٥/ ٢٨٢","vol":"2","page":285},{"text":"مسلم). و(مشارق الأنوار على صحاح الآثار). و(ترتيب المدارك) وهو تراجم لأعلام المالكية والشفا في حقوق المصطفى).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-564>الفاطميون: </span>(١) فرقة من غلاة الشيعة، من الباطنية. بدأَ أمرها على يد أبي عبيد الله الشيعي الذي قضى على نفوذ الأدارسة بفاس المغرب، وشيّد المهدية بقرب القيروان فكانت حاضرتهم. نادى بنفس خليفة. وهاجم مصر. واستطاع (المعزّ) من خلفائه أن يفتح مصر ويؤسس القاهرة واتخذها عاصمته. وقد استطاعوا أن يبسطوا سلطانهم في بعض الأوقات على شمال أفريقيا وبلاد الشام وغيرها. قضى عليهم صلاح الدين الأيوبي.\n<span data-type=\"title\" id=toc-565>القرافي (... -٦٨٤ ه</span>ـ): (٢) هو أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن بن عبد الله، الصنهاجي البهنسي شهاب الدين، ولد بالبهنسا، وأخذ عن العز بن عبد السلام، وعن ابن الحاجب والفاكهاني وغيرهم. له (التنقيح) في الأصول، و(شرح المحصول) و(الذخيرة في الفقه) وغيرها كثير.\n<span data-type=\"title\" id=toc-566>القرطبي (... -٦٧١ ه</span>ـ): (٣) هو محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي الأندلسي القرطبي، المالكي، من كبار المفسرين: رحل إلى المشرق، واستقر بمصر. له (الجامع لأحكام القرآن) المشهور بتفسير القرطبي، و(الأسنى في شرح الأسماء الحسنى) و(التذكرة بأحوال الآخرة).\n<span data-type=\"title\" id=toc-567>القشيري (٣٧٦ - ٤٦٥ ه</span>ـ): هو عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك بن طلحة، أبو القاسم، النيسابوري القشيري. من بني قشير بن كعب. كان شيخ خراسان زُهدًا وعلمًا. وكان السلطان ألب أرسلان يقدمه ويكرمه. من كتبه: (التيسير في التفسير) و(لطائف الإشارات). و(الرسالة القشيرية) (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-568>القفال (٢٩١ - ٣٦٥ ه</span>ـ): (٥) هو محمد بن علي بن إسماعيل القفال الكبير\n_________\n(١) الموسوعة العربية الميسرة.\n(٢) الشجرة الزكية ص ١٨٨، الفتح المبين ٢/ ٨٧\n(٣) مقدمة تفسيره الجامع لأحكام القرآن، نفح الطيب ١/ ٤٢٨، الأعلام ٥/ ٢١٨\n(٤) طبقات السبكي ٣/ ٢٤٣ - ٢٤٨، مفتاح السعادة ١/ ٤٣٨، الأعلام ٤/ ١٨٠\n(٥) طبقات السبكي ٢/ ١٧٦، شذرات الذهب ٣/ ٥١، الفتح المبين ٢/ ٢٠١","vol":"2","page":286},{"text":"الشاشي، أبو بكر. ولد بالشاش. رحل في طلب العلم إلى العراق والشام وخراسان والحجاز. أخذ عن ابن خزيمة ومحمد بن جرير والمدائني وغيرهم. كان شاعرًا فصيحًا، إمامًا في الزهد والورع. وعنه انتشر مذهب الشافعي فيما وراء النهر. كان يميل أولًا إلى الاعتزال ثم رجع إلى مذهب أهل السنة. له كتاب في الأصول. وله شرح رسالة الشافعي. وآداب القضاء. وغيرهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-569>الكرّامية: </span>(١) فرقة من أهل البدع تنسب إلى محمد بن كرَّام الذي نشأ في سجستان، وتوفي ببيت المقدس (٢٥٥ هـ). وينسب إليهم من التجسيم، أنهم يذهبون إلى أن الله محدود من جهة العرش. وأن لا شيء يحدث في العالم قبل حدوث أعراض في ذاته. عرفوا بالزهد والعمل على نشر الإسلام. كثر أتباعهم في خراسان وما وراء النهر وببيت المقدس حتى القرن السابع الهجري.\n<span data-type=\"title\" id=toc-570>الكرخي (٢٦٠ - ٣٤٠ ه</span>ـ): هو عبيد الله بن الحسين، أبو الحسن. فقيه، انتهت إليه رئاسة الحنفية بالعراق، مولده بالكرخ، ووفاته ببغداد. من كتبه: (رسالة في الأصول التي عليها مدار فروع الحنفية). و(شرح الجامع الصغير). و(شرح الجامع الكبير) (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-571>المازري (٤٥٣ - ٥٣٦ ه</span>ـ): (٣) هو محمد بن علي بن عمر التميمي المازري، أبو عبد الله، محدث، من فقهاء المالكية، نسبته إلى مازر، بجزيرة صقلية، ووفاته بالمهدية. من كتبه (المعلم بفوائد مسلم) و(الكشف والإنباء في الرد على الأحياء) للغزالي، (إيضاح المحصول في الأصول).\n<span data-type=\"title\" id=toc-572>المحلي (٧٩١ - ٩٦٤ ه</span>ـ): هو محمد بن أحمد بن إبراهيم المحلي الشافعي، جلال الدين، أصولي مفسر. مولده ووفاته بالقاهرة. قيل فيه: تفتازاني العرب. كان مهيبًا صداعًا بالحق، يواجه الظلمة والحكام بذلك. عرض عليه القضاء الأكبر فامتتع. له:\n_________\n(١) الموسوعة العربية الميسرة. الأعلام ٧/ ٢٣٦، الملل والنحل للشهرستاني، بهامش الفصل لابن حزم ١/ ١٤٤\n(٢) الفوائد البهية ١٠٧، فهرس الأزهرية ٢/ ٤٥، الأعلام ٤/ ٣٤٧\n(٣) وفيات الأعيان ١/ ٤٨٦، أزهار الرياض ٣/ ١٦٥، الأعلام ٧/ ١٦٤","vol":"2","page":287},{"text":"(كنز الراغبين في شرح منهاج المتقين) و(البدر الطالع في حل جمع الجوامع)، و(الطب النبوي) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-573>محمد بن الحسن الشيباني (١٣١ - ١٨٩ ه</span>ـ): (٢) ولد بواسط في العراق. ونشأ بالكوفة فحفظ القرآن. ثم سمع على أئمة الحديث وحضر على الإمام أبي حنيفة، ثم بعده على أبي يوسف. وسمع من مالك والشافعي والأوزاعي والثوري. وكان إمامًا في الفقه والعربية. ولي قضاء الرقّة للرشيد. ثم أعفاه منه. فقدم بغداد ولازم الرشيد. فمات بصحبته، ودفن بالرّيّ. له (المبسوط) في فروع الفقه. و(الزيادات) و(الآثار) و(السير).\n<span data-type=\"title\" id=toc-574>محمد خليل هراس (... -١٣٩٢ ه</span>ـ؟): فاضل من أهل طنطا بمصر تخرج في الأزهر ودرّس بكلية الشريعة بالرياض. ثم عاد إلى التدريس بكلية أصول الدين بالأزهر، كان سلفي العقيدة، داعية محبًّا للعلم مكرمًا لطلبته. له (شرح العقيدة الواسطية) لابن تيمية. وتعليقات على (الخصائص) للسيوطي وغيرها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-575>النحّاس (... -٣٣٨ ه</span>ـ) (٣): هو أحمد بن محمد بن إسماعيل بن يونس، المرادي المصري، أبو جعفر، نحوي لغوي مفسر أديب وفقيه. رحل إلى بغداد. فأخذ عن المبّرد والأخفش والزجاج وغيرهم ثم عاد إلى مصر فأقام بها إلى أن توفي. من تصانيفه (معاني القرآن) و(أخبار الشعراء) و(الناسخ والمنسوخ) و(تفسير القرآن).\n_________\n(١) شذرات الذهب ٧/ ٣٠٣، الضوء اللامع ٧/ ٣٩ - ٤١، الأعلام ٥/ ٢٣٠\n(٢) الفهرست لابن النديم ص ٢٨٧، ابن خلكان ١/ ٥٧٤، الفتح المبين ١/ ١١٠\n(٣) معجم الأدباء ٤/ ٢٢٤، وإنباه الرواة ١/ ١٠١، ومعجم المؤلفين ٢/ ٨٢","vol":"2","page":288}]}