{"ً":{"ٌ":32254,"ٍ":"آراء محمد رشيد رضا العقائدية في أشراط الساعة الكبرى وآثارها الفكرية","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"العقيدة/آراء محمد رشيد رضا العقائدية في أشراط الساعة الكبرى وأثارها الفكرية_المطرفي_مكتبة الامام الذهبي","files":["160138.pdf"]},"ّ":"الكتاب: آراء محمد رشيد رضا العقائدية في أشراط الساعة الكبرى وآثارها الفكرية\nالمؤلف: مشاري سعيد المطرفي\nأصل الكتاب: رسالة ماجستير بكلية الشريعة (قسم أصول الدين تخصص العقيدة) جامعة آل البيت بعمان بإشراف د محمد خير العمري ونوقشت ٢٠١٣\nالناشر: مكتبة الإمام الذهبي للنشر والتوزيع، الكويت\nالطبعة: الأولى، ١٤٣٥ هـ - ٢٠١٤ م\nعدد الصفحات: ٣٨٨\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2904,"ٕ":1,"ٖ":1770156172,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":2},{"title":"مسوغات اختيار الموضوع","level":2,"page":3},{"title":"الدراسات السابقة","level":2,"page":4},{"title":"مشكلة الدراسة","level":2,"page":7},{"title":"حدود الدراسة","level":2,"page":8},{"title":"منهج الدراسة","level":2,"page":8},{"title":"يقوم منهج البحث في هذه الدراسة على ما يلي","level":3,"page":8},{"title":"أولا: المنهج الاستقرائي","level":4,"page":9},{"title":"ثانيا: المنهج الاستدلالي","level":4,"page":9},{"title":"ثالثا: المنهج التحليلي","level":4,"page":9},{"title":"متممات المنهج","level":3,"page":9},{"title":"الفصل التمهيدي","level":1,"page":16},{"title":"المبحث الأول معنى أشراط الساعة","level":2,"page":17},{"title":"معنى الشرط","level":3,"page":17},{"title":"معنى الساعة","level":3,"page":17},{"title":"فأشراط الساعة","level":3,"page":18},{"title":"المبحث الثاني أدلة وقوعها","level":2,"page":19},{"title":"المبحث الثالث قرب قيام الساعة","level":2,"page":21},{"title":"المبحث الرابع أقسام أشراط الساعة","level":2,"page":24},{"title":"القسم الأول: أشراط الساعة الصغرى","level":3,"page":24},{"title":"القسم الثاني: أشراط الساعة الكبرى","level":3,"page":24},{"title":"المبحث الخامس حجية خبر الآحاد في العقائد","level":2,"page":27},{"title":"توضيح شبهة هؤلاء","level":3,"page":28},{"title":"الرد على شبهتهم","level":3,"page":29},{"title":"النصوص الدالة على قبول خبر الواحد","level":3,"page":31},{"title":"أدلة الكتاب: وهي كثيرة أذكر منها","level":4,"page":31},{"title":"أدلة من السنة","level":4,"page":33},{"title":"العقائد التي تثبت بأحاديث الآحاد","level":3,"page":36},{"title":"خاتمة هذا المبحث","level":3,"page":38},{"title":"المبحث السادس حجية العقل والنقل","level":2,"page":42},{"title":"الفصل الأول نبذة عن محمد رشيد رضا","level":1,"page":49},{"title":"المبحث الأول نسبه ومولده","level":2,"page":50},{"title":"المبحث الثاني نشأته وطلبه للعلم","level":2,"page":52},{"title":"شيوخه","level":3,"page":55},{"title":"المبحث الثالث بداية التحول","level":2,"page":58},{"title":"المبحث الرابع هجرته إلى مصر","level":2,"page":60},{"title":"المبحث الخامس مجلة المنار","level":2,"page":62},{"title":"المبحث السادس جهوده الإصلاحية","level":2,"page":68},{"title":"أ) الإصلاح التعليمي","level":3,"page":68},{"title":"ب) الإصلاح الديني","level":3,"page":71},{"title":"ج) الإصلاح السياسي","level":3,"page":72},{"title":"المبحث السابع مذهبه","level":2,"page":74},{"title":"١ - قوله بجواز التيمم بالسفر حتى مع وجود الماء عند تفسير آية التيمم في سورة النساء","level":3,"page":76},{"title":"٢ - قوله بجواز ربا الفضل، لأنه كما يقول منع سدا للذريعة إلى الربا الجاهلي فيباح للضرورة","level":3,"page":77},{"title":"٣ - قوله بجواز العمل بالحساب في الرؤية الشرعية","level":3,"page":78},{"title":"٤ - موافقته أستاذه محمد عبده بجواز جمع الصلاتين دونما عذر","level":3,"page":78},{"title":"٥ - قوله بجواز نكاح الوثنيات","level":3,"page":79},{"title":"٦ - قوله بعدم حرمة أكل لحوم الحمر الأهلية","level":3,"page":80},{"title":"٧ - قوله أن تعدد الزوجات يباح عند الضرورة","level":3,"page":81},{"title":"المبحث الثامن عقيدته","level":2,"page":84},{"title":"١ - إنكاره أشراط الساعة الكبرى","level":3,"page":85},{"title":"٢ - إنكاره جميع أشراط الساعة الصغرى ما عدا بعثة النبي - ﷺ -","level":3,"page":85},{"title":"٣ - قوله بفناء النار، وعدم خلود أهلها فيها","level":3,"page":86},{"title":"٤ - طعنة في معاوية بن أبي سفيان ﵄","level":3,"page":89},{"title":"٥ - إنكاره أن للسحر حقيقة","level":3,"page":93},{"title":"٦ - إنكاره سحر النبي - ﷺ -","level":3,"page":95},{"title":"٧ - تقديمه العقل على النقل","level":3,"page":98},{"title":"٨ - إنكاره لمعجزة انشقاق القمر","level":3,"page":102},{"title":"٩ - تفسيره لبعض الآيات على رأي الخوارج والمعتزلة","level":3,"page":103},{"title":"١٠ - إنكاره لكثير من المعجزات وتأويلها","level":3,"page":104},{"title":"١١ - قوله إن الإسراء والمعراج كان رؤيا منامية","level":3,"page":105},{"title":"١٢ - متابعة شيخه محمد عبده بالقول بأن الملائكة قوى طبيعية","level":3,"page":106},{"title":"١٣ - متابعة شيخه محمد عبده في التشكيك بأن آدم أبو البشر","level":3,"page":107},{"title":"المبحث التاسع وفاته","level":2,"page":110},{"title":"المبحث العاشر آثاره ومؤلفاته","level":2,"page":112},{"title":"الفصل الثاني نبذه عن تفسير المنار","level":1,"page":114},{"title":"المبحث الأول تعريف بتفسير المنار","level":2,"page":115},{"title":"المبحث الثاني منهجه في التفسير","level":2,"page":118},{"title":"المبحث الثالث طريقته في التفسير","level":2,"page":120},{"title":"المبحث الرابع خصائص تفسير المنار","level":2,"page":122},{"title":"١ - العناية بالتحقيقات اللغوية","level":3,"page":122},{"title":"٢ - العناية بالقضايا البلاغية والإعرابية","level":3,"page":124},{"title":"٣ - بيانه لحكمة التشريع","level":3,"page":125},{"title":"٤ - ابتعاده عن الإسرائيليات","level":3,"page":127},{"title":"٥ - يسر العبارة وسهولة الأسلوب","level":3,"page":128},{"title":"٦ - كثرة استشهاده بالأحاديث النبوية","level":3,"page":128},{"title":"٧ - بيان سنن الله في الكون والإنسان والحياة","level":3,"page":128},{"title":"٨ - عدم تجاوز النص فيما ورد مبهما","level":3,"page":130},{"title":"المبحث الخامس منهجه العقدي في تفسير المنار","level":2,"page":132},{"title":"أولا: عدم الالتفات إلى أسباب النزول في تفسير آيات العقيدة","level":3,"page":132},{"title":"ثانيا: عدم اللجوء إلى تأويل الصفات","level":3,"page":135},{"title":"ثالثا: التأكيد على أن الإسلام دين العقل","level":3,"page":137},{"title":"رابعا: الدفاع عن العقيدة الإسلامية ورد الشبهات المثارة حولها","level":3,"page":139},{"title":"خامسا: استشهاده بآراء المتكلمين والرد عليها","level":3,"page":141},{"title":"المبحث السادس المآخذ التي عليه","level":2,"page":145},{"title":"أولا: عنفه على مخالفيه","level":3,"page":145},{"title":"ثانيا: كثرة الاستطرادات","level":3,"page":147},{"title":"ثالثا: مخالفته جمهور المفسرين في تفسير بعض الآيات","level":3,"page":149},{"title":"الفصل الثالث آراؤه العقدية في أشراط الساعة الكبرى، والرد عليها","level":1,"page":153},{"title":"المقدمة","level":2,"page":154},{"title":"المبحث الأول رأي رشيد رضا في أشراط الساعة الكبرى، بشكل مجمل","level":2,"page":155},{"title":"الرد على إشكالاته وتساؤلاته","level":3,"page":158},{"title":"المبحث الثاني رأيه في خروج المسيح الدجال والرد عليه","level":2,"page":163},{"title":"معنى المسيح","level":3,"page":163},{"title":"معنى الدجال","level":3,"page":163},{"title":"الأحاديث الواردة في خروج المسيح الدجال","level":3,"page":164},{"title":"تواتر أحاديث المسيح الدجال","level":3,"page":169},{"title":"الأحاديث الواردة في بيان صفته","level":3,"page":171},{"title":"فائدة","level":3,"page":173},{"title":"الحكمة من عدم ذكره بالقرآن؟","level":3,"page":174},{"title":"موقف الشيخ رشيد رضا من أحاديث الدجال","level":3,"page":177},{"title":"الرد على هذه الإشكالات","level":3,"page":179},{"title":"مناقشة الإشكال الأول","level":4,"page":180},{"title":"مناقشة الإشكال الثاني","level":4,"page":182},{"title":"مناقشة الإشكال الثالث","level":4,"page":187},{"title":"مناقشة الإشكال الرابع","level":4,"page":191},{"title":"مناقشة الإشكال الخامس","level":4,"page":192},{"title":"حديث الجساسة","level":3,"page":195},{"title":"رأي رشيد رضا في حديث الجساسة والرد عليه","level":4,"page":200},{"title":"خاتمة رأي رشيد رضا، في أحاديث الدجال","level":3,"page":215},{"title":"خلاصة القول في المسيح الدجال","level":3,"page":220},{"title":"المبحث الثالث رأيه في المهدي، والرد عليه","level":2,"page":224},{"title":"معنى المهدي","level":3,"page":224},{"title":"الأحاديث الواردة في ظهور المهدي","level":3,"page":224},{"title":"تواتر أحاديث المهدي","level":3,"page":227},{"title":"اسمه ونسبه","level":3,"page":231},{"title":"الحكمة من كونه من نسل الحسن","level":3,"page":232},{"title":"صفته","level":3,"page":233},{"title":"سبب ظهوره","level":3,"page":233},{"title":"مكان خروجه","level":3,"page":234},{"title":"حديث (لا مهدي إلا عيسى بن مريم)","level":3,"page":235},{"title":"رأي رشيد رضا في أحاديث المهدي","level":3,"page":239},{"title":"الرد على استشكالاته وتساؤلاته","level":3,"page":241},{"title":"والرد على ما ذهب إليه ابن خلدون من عدة وجوه","level":3,"page":250},{"title":"المبحث الرابع رأيه في نزول عيسى بن مريم ﵇ والرد عليه","level":2,"page":261},{"title":"معنى المسيح","level":3,"page":261},{"title":"عقيدة أهل السنة والجماعة في عيسى بن مريم ﵇","level":3,"page":261},{"title":"أدلة نزوله من القرآن","level":3,"page":266},{"title":"أدلة نزوله من السنة","level":3,"page":268},{"title":"تواتر الأحاديث في نزول عيسى بن مريم","level":3,"page":273},{"title":"مسألة: هل رفع عيسى ﵇ ببدنه وروحه أم بروحه؟","level":3,"page":277},{"title":"مدة بقائه بعد نزوله","level":3,"page":278},{"title":"رأي رشيد رضا في نزول عيسى بن مريم - ﵇ - والرد عليه","level":3,"page":280},{"title":"الرد عليه","level":4,"page":282},{"title":"خاتمة المبحث","level":3,"page":288},{"title":"المبحث الخامس رأيه في طلوع الشمس من مغربها والرد عليه","level":2,"page":297},{"title":"الأدلة من القرآن","level":3,"page":297},{"title":"الأدلة من السنة","level":3,"page":298},{"title":"تواتر الأحاديث الواردة في طلوع الشمس من مغربها","level":3,"page":301},{"title":"التوبة لا تقبل بعد طلوع الشمس من مغربها","level":3,"page":302},{"title":"رأي رشيد رضا في طلوع الشمس من مغربها","level":3,"page":304},{"title":"الرد عليه","level":4,"page":306},{"title":"الفصل الرابع الآثار الفكرية لآراء محمد رشيد رضا","level":1,"page":318},{"title":"المبحث الأول فتح باب الطعن في السنه النبوية","level":2,"page":319},{"title":"المبحث الثاني فتح باب الطعن في الصحيحين","level":2,"page":326},{"title":"المبحث الثالث تشكيك المسلمين في عقائدهم","level":2,"page":336},{"title":"المبحث الرابع إحياء تراث المعتزلة","level":2,"page":339},{"title":"المبحث الخامس إيجاد نوع من الجرأة على الثوابت الإسلامية","level":2,"page":341},{"title":"المبحث السادس خدمة أغراض المستشرقين","level":2,"page":343},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":347},{"title":"فهرس المصادر والمراجع مرتبة على الحروف الهجائية","level":1,"page":350}],"ٛ":{"1,1":1,"1,5":2,"1,6":3,"1,7":4,"1,8":5,"1,9":6,"1,10":7,"1,11":8,"1,12":9,"1,13":10,"1,14":11,"1,15":12,"1,16":13,"1,17":14,"1,18":15,"1,19":16,"1,21":17,"1,22":18,"1,23":19,"1,24":20,"1,25":21,"1,26":22,"1,27":23,"1,28":24,"1,29":25,"1,30":26,"1,31":27,"1,32":28,"1,33":29,"1,34":30,"1,35":31,"1,36":32,"1,37":33,"1,38":34,"1,39":35,"1,40":36,"1,41":37,"1,42":38,"1,43":39,"1,44":40,"1,45":41,"1,46":42,"1,47":43,"1,48":44,"1,49":45,"1,50":46,"1,51":47,"1,52":48,"1,53":49,"1,55":50,"1,56":51,"1,57":52,"1,58":53,"1,59":54,"1,60":55,"1,61":56,"1,62":57,"1,63":58,"1,64":59,"1,65":60,"1,66":61,"1,67":62,"1,68":63,"1,69":64,"1,70":65,"1,71":66,"1,72":67,"1,73":68,"1,74":69,"1,75":70,"1,76":71,"1,77":72,"1,78":73,"1,79":74,"1,80":75,"1,81":76,"1,82":77,"1,83":78,"1,84":79,"1,85":80,"1,86":81,"1,87":82,"1,88":83,"1,89":84,"1,90":85,"1,91":86,"1,92":87,"1,93":88,"1,94":89,"1,95":90,"1,96":91,"1,97":92,"1,98":93,"1,99":94,"1,100":95,"1,101":96,"1,102":97,"1,103":98,"1,104":99,"1,105":100,"1,106":101,"1,107":102,"1,108":103,"1,109":104,"1,110":105,"1,111":106,"1,112":107,"1,113":108,"1,114":109,"1,115":110,"1,116":111,"1,117":112,"1,118":113,"1,119":114,"1,121":115,"1,122":116,"1,123":117,"1,124":118,"1,125":119,"1,126":120,"1,127":121,"1,128":122,"1,129":123,"1,130":124,"1,131":125,"1,132":126,"1,133":127,"1,134":128,"1,135":129,"1,136":130,"1,137":131,"1,138":132,"1,139":133,"1,140":134,"1,141":135,"1,142":136,"1,143":137,"1,144":138,"1,145":139,"1,146":140,"1,147":141,"1,148":142,"1,149":143,"1,150":144,"1,151":145,"1,152":146,"1,153":147,"1,154":148,"1,155":149,"1,156":150,"1,157":151,"1,158":152,"1,159":153,"1,161":154,"1,163":155,"1,164":156,"1,165":157,"1,166":158,"1,167":159,"1,168":160,"1,169":161,"1,170":162,"1,171":163,"1,172":164,"1,173":165,"1,174":166,"1,175":167,"1,176":168,"1,177":169,"1,178":170,"1,179":171,"1,180":172,"1,181":173,"1,182":174,"1,183":175,"1,184":176,"1,185":177,"1,186":178,"1,187":179,"1,188":180,"1,189":181,"1,190":182,"1,191":183,"1,192":184,"1,193":185,"1,194":186,"1,195":187,"1,196":188,"1,197":189,"1,198":190,"1,199":191,"1,200":192,"1,201":193,"1,202":194,"1,203":195,"1,204":196,"1,205":197,"1,206":198,"1,207":199,"1,208":200,"1,209":201,"1,210":202,"1,211":203,"1,212":204,"1,213":205,"1,214":206,"1,215":207,"1,216":208,"1,217":209,"1,218":210,"1,219":211,"1,220":212,"1,221":213,"1,222":214,"1,223":215,"1,224":216,"1,225":217,"1,226":218,"1,227":219,"1,228":220,"1,229":221,"1,230":222,"1,231":223,"1,232":224,"1,233":225,"1,234":226,"1,235":227,"1,236":228,"1,237":229,"1,238":230,"1,239":231,"1,240":232,"1,241":233,"1,242":234,"1,243":235,"1,244":236,"1,245":237,"1,246":238,"1,247":239,"1,248":240,"1,249":241,"1,250":242,"1,251":243,"1,252":244,"1,253":245,"1,254":246,"1,255":247,"1,256":248,"1,257":249,"1,258":250,"1,259":251,"1,260":252,"1,261":253,"1,262":254,"1,263":255,"1,264":256,"1,265":257,"1,266":258,"1,267":259,"1,268":260,"1,269":261,"1,270":262,"1,271":263,"1,272":264,"1,273":265,"1,274":266,"1,275":267,"1,276":268,"1,277":269,"1,278":270,"1,279":271,"1,280":272,"1,281":273,"1,282":274,"1,283":275,"1,284":276,"1,285":277,"1,286":278,"1,287":279,"1,288":280,"1,289":281,"1,290":282,"1,291":283,"1,292":284,"1,293":285,"1,294":286,"1,295":287,"1,296":288,"1,297":289,"1,298":290,"1,299":291,"1,300":292,"1,301":293,"1,302":294,"1,303":295,"1,304":296,"1,305":297,"1,306":298,"1,307":299,"1,308":300,"1,310":301,"1,311":302,"1,312":303,"1,313":304,"1,314":305,"1,315":306,"1,316":307,"1,317":308,"1,318":309,"1,319":310,"1,320":311,"1,321":312,"1,322":313,"1,323":314,"1,324":315,"1,325":316,"1,326":317,"1,327":318,"1,329":319,"1,330":320,"1,331":321,"1,332":322,"1,333":323,"1,334":324,"1,335":325,"1,336":326,"1,337":327,"1,338":328,"1,339":329,"1,340":330,"1,341":331,"1,342":332,"1,343":333,"1,344":334,"1,345":335,"1,346":336,"1,347":337,"1,348":338,"1,349":339,"1,350":340,"1,351":341,"1,352":342,"1,353":343,"1,354":344,"1,355":345,"1,356":346,"1,357":347,"1,358":348,"1,359":349,"1,376":350,"1,377":351,"1,378":352,"1,379":353,"1,380":354,"1,381":355,"1,382":356,"1,383":357,"1,384":358,"1,385":359,"1,386":360,"1,387":361,"1,388":362},"ٜ":{"1":[1,388]},"ٝ":["1,1","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,161","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388"],"ٞ":{"2":[1],"3":[2],"4":[3],"7":[4],"8":[5,6,7],"9":[8,9,10,11],"16":[12],"17":[13,14,15],"18":[16],"19":[17],"21":[18],"24":[19,20,21],"27":[22],"28":[23],"29":[24],"31":[25,26],"33":[27],"36":[28],"38":[29],"42":[30],"49":[31],"50":[32],"52":[33],"55":[34],"58":[35],"60":[36],"62":[37],"68":[38,39],"71":[40],"72":[41],"74":[42],"76":[43],"77":[44],"78":[45,46],"79":[47],"80":[48],"81":[49],"84":[50],"85":[51,52],"86":[53],"89":[54],"93":[55],"95":[56],"98":[57],"102":[58],"103":[59],"104":[60],"105":[61],"106":[62],"107":[63],"110":[64],"112":[65],"114":[66],"115":[67],"118":[68],"120":[69],"122":[70,71],"124":[72],"125":[73],"127":[74],"128":[75,76,77],"130":[78],"132":[79,80],"135":[81],"137":[82],"139":[83],"141":[84],"145":[85,86],"147":[87],"149":[88],"153":[89],"154":[90],"155":[91],"158":[92],"163":[93,94,95],"164":[96],"169":[97],"171":[98],"173":[99],"174":[100],"177":[101],"179":[102],"180":[103],"182":[104],"187":[105],"191":[106],"192":[107],"195":[108],"200":[109],"215":[110],"220":[111],"224":[112,113,114],"227":[115],"231":[116],"232":[117],"233":[118,119],"234":[120],"235":[121],"239":[122],"241":[123],"250":[124],"261":[125,126,127],"266":[128],"268":[129],"273":[130],"277":[131],"278":[132],"280":[133],"282":[134],"288":[135],"297":[136,137],"298":[138],"301":[139],"302":[140],"304":[141],"306":[142],"318":[143],"319":[144],"326":[145],"336":[146],"339":[147],"341":[148],"343":[149],"347":[150],"350":[151]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"آراء محمد رشيد رضا العقائدية\nفي أشراط الساعة الكبرى\nوآثارها الفكرية\n\nتأليف\nمشاري سعيد حميد المطرفي","vol":"1","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>المقدمة</span>\nالحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.\nأما بعد،،،\nفإن مما لاشك فيه أن العقيدة الإسلامية ليس لها سوى مصدرين، وهما القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، فما ثبت بهما قبلناه وآمنا وسلمنا به، وما خالفهما رددناه ولو كان قائله من كان، ودعونا له بالهداية والسداد.\nوإن مما ثبت بكتاب الله والسنة النبوية الصحيحة الصريحة المتواترة، أن هناك علامات وأشراطًا تسبق قيام الساعة، وإن من هذه العلامات والأشراط ما قد ظهر وانقضى، كبعثة النبي - ﷺ -، وموته، وانشقاق القمر وغيره، وإن من هذه العلامات والأشراط ما قد ظهر ولا يزال يكثر، كأن ترى الحفاة الرعاة يتطاولون في البنيان، وكثرة الهرج والمرج، وانتشار الزنا، وكثرة النساء وغيرها.\nوإن من هذه العلامات والأشراط ما لم يظهر بعد، وإنها إذا ظهرت فإن الساعة قد اقترب قيامها مما لا ريب فيه، وهي ما يطلق عليه عند أهل العلم أشراط وعلامات الساعة الكبرى، ومنها «نزول عيسى ابن مريم، وخروج المسيح الدجال، وخروج المهدي المنتظر، وطلوع الشمس من مغربها».","vol":"1","page":5},{"text":"وقد ثبت صحة وقوع هذه الأشراط والعلامات في كتاب الله والسنة النبوية الصحيحة الصريحة المتواترة، وقد ذكر جمع من أهل العلم نقل الإجماع على صحة هذه الأخبار والآثار الواردة في أشراط الساعة الكبرى ووجوب الإيمان والتصديق بها.\nولم يخالف في هذه المسألة إلا نزرٌ يسير من أهل العلم والفضل، ومنهم أصحاب المدرسة العقلية الحديثة، وعلى رأسهم الشيخ/ محمد رشيد رضا صاحب تفسير المنار، وذلك بدعوى التعارض والتناقض فيما بينها، أو أن أحاديثها لا تصح، أو أنها مخالفة للسنن الكونية، وغيرها من الأمور التي سوف نتطرق لذكرها في ثنايا بحثنا هذا.\nوبعد استخارة الله ومشورة أهل العلم والفضل أحببت أن أجمع آراء الشيخ محمد رشيد رضا في تفسيره المنار حول أشراط الساعة الكبرى وآثارها الفكرية، وأبين ما لها وما عليها، وقد سميت بحثي بعنوان «آراء محمد رشيد رضا العقائدية في أشراط الساعة الكبرى في تفسير المنار، وآثارها الفكرية» دراسة عقدية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>مسوغات اختيار الموضوع:</span>\nهناك كثير من الأسباب والمسوغات التي دفعتني لاختيار هذا الموضوع والكتابة فيه، ولعل من أهم هذه الأسباب والمسوغات ما يأتي:\n١ - محاولة الرد على التساؤلات والشبهات التي تثار حول أشراط الساعة الكبرى وتحاول التشكيك فيها والطعن في إمكانية وقوعها.\n٢ - عدم وجود دراسة عقدية تحليلية موسعة حول آراء محمد رشيد","vol":"1","page":6},{"text":"رضا في أشراط الساعة الكبرى في تفسير المنار وآثارها الفكرية.\n٣ - بيان خطورة رد الأحاديث الصحيحة لاسيما التي في كتابي البخاري ومسلم، واللذان هما أصح الكتب بعد القرآن وقد تلقتهما الأمة بالقبول بدعوى أنها تعارض القرآن (١) أو تعارض العقل (٢) وغيرها من الأمور.\n٤ - بيان خطورة إنكار وقوع علامات وأشراط الساعة الكبرى لاسيما وأنها ثابتة بالكتاب والسنة الصحيحة الصريحة المتواترة بمجرد دعوى التعارض فيما بينها أو أنها خبر آحاد (٣)\n٥ - بيان حقيقة المنهج العقلي الذي يتبعه أصحاب المدرسة العقلية الحديثة كمحمد رشيد رضا وغيره في تقرير مسائل العقيدة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>الدراسات السابقة:</span>\nهناك الكثير من الدراسات والبحوث التي تناولت دراسة آراء محمد رشيد رضا العقائدية ومنهجه العقدي وموقفه من بعض القضايا الكلامية، ولعل من أبرز هذه الدراسات:\n١ - كتاب «الاتجاه العقدي في تفسير المنار» لأستاذنا الدكتور/ محمد\n_________\n(١) الصحيح أنه لا يوجد تعارض بين القرآن والسنة الصحيحة وهو ما سوف أبينه في البحث.\n(٢) الصحيح أنه لا يوجد تعارض بين العقل السليم والنقل الصحيح، وهو ما سوف أبينه في البحث.\n(٣) الصحيح أن خبر الآحاد يحتج به ويفيد العلم وهو ما سوف أبينه في البحث.","vol":"1","page":7},{"text":"علي الزغول عميد كلية الشريعة السابق في جامعة آل البيت، وهو عبارة عن رسالة ماجستير نوقشت في الجامعة الأردنية في الأردن وهي مكونه من ٤٤٠ صفحة تقريبًا ذكر فيها التعريف بالشيخ رشيد رضا وجهوده الإصلاحية ومنهجه في تفسيره المنار، ومنهجه العقدي في آيات العقيدة، وموقفه من الملائكة والجن والخوارق والمعجزات، وموقفه من أشراط الساعة ومن البعث والحشر.\nوفي الحقيقة أن الباحث في هذه الرسالة بذل جهدًا كبيرًا في تتبع آراء محمد رشيد رضا العقدية وبيان ما لها وما عليها، ولكن مع عدم التوسع في الرد عليها لأن الهدف من الرسالة كما ذكرنا هو ذكر آرائه العقدية.\n٢ - كتاب (موقف المدرسة العقلية الحديثة من الحديث النبوي الشريف دراسة تطبيقية على تفسير المنار) لشفيق عبد الله شقير، وهو عبارة عن رسالة ماجستير نوقشت في الجامعة الإسلامية العالمية في إسلام أباد في باكستان وهي مكونه من ٤٣٠ صفحة تقريبًا، تطرق في مبحث كامل من الدراسة عن موقف محمد رشيد رضا من أحاديث الاعتقاد، وذكر مثالًا لذلك موقفه من أحاديث أشراط الساعة الكبرى، وأحاديث سحر النبي - ﷺ - وغيرها من الأحاديث، حيث كان يذكر آراء محمد رشيد رضا ويرد عليها ولكن بشكل مجمل وسريع، بحيث لم يستوعب جميع الشبه والتساؤلات والاعتراضات التي ذكرها الشيخ في تفسيره، لاسيما التي تختص بأشراط الساعة الكبرى والتي هي مدار بحثي، كذلك عند ذكر شبه وتساؤلات محمد رشيد رضا لم يتوسع في الرد عليها وتفنيد الشبه والاعتراضات والتساؤلات وتفنيد دعوى الشيخ بالتعارض فيما بينها،","vol":"1","page":8},{"text":"وحشد الأدلة والبراهين والحجج على عدم صحة ما ذهب إليه، وذلك لأن الباحث ذكر هذا المبحث على سبيل المثال لا على سبيل دراسة هذا المبحث دراسة متكاملة من جميع الاتجاهات.\n٣ - كتاب «منهج محمد رشيد رضا في العقيدة» لتامر محمود متولي وهو عبارة عن رسالة ماجستير نوقشت في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة وهي مكونة من ٩٨٥ صفحة تقريبًا ذكر فيها جملةً من آرائه العقدية في الأسماء والصفات، وفي توحيد الألوهية، وفي التوسل، وفي البدع، وفي القدر والملائكة والكتب والرسل والجن والشياطين، وفي عصمة الأنبياء وفي آيات الأنبياء وكرامات الأولياء والخوارق، واليوم الأخر، وفي الساعة وأشراطها مع بيان ما لها وما عليها، ولكن دون التطرق للآثار الفكرية لآرائه العقدية.\nوفي الحقيقة أن هذه الدراسة من أجمل ما كتب عن آراء محمد رشيد رضا العقدية، حيث ذكر المؤلف أنه أمضى أكثر من ثلاث سنوات في كتابة رسالته هذه.\n٤ - كتاب «منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير» لفهد بن عبد الرحمن الرومي، وهو عبارة عن رسالة ماجستير نوقشت في جامعة الإمام محمد بن سعود في الرياض وهي أيضا مكونة من ٨٠٠ صفحة تقريبا، تكلم فيها عن رجال المدرسة العقلية الحديثة ومنهجهم في التفسير، وموقفهم من بعض القضايا القرآنية كالوحي والقضاء والقدر والمعجزات وعقيدة البعث وأمارات الساعة، وأصل الإنسان والملائكة والجن، وغيرها","vol":"1","page":9},{"text":"دون التوسع في الرد على الآراء العقدية لأصحاب المدرسة العقلية الحديثة عمومًا وعلى آراء محمد رشيد رضا في المنار خصوصًا في مسألة أشراط الساعة الكبرى.\nهذه أبرز الدراسات السابقة في آراء محمد رشيد رضا العقائدية، وفي الحقيقية لم أقف على دراسة تتناول آراء محمد رشيد رضا العقائدية في أشراط الساعة الكبرى بشكل موسع، مع بيان آثارها الفكرية سوى تلك الدراسات السابقة التي ذكرتها والتي لم تتوسع في الرد على استشكالات وتساؤلات رشيد رضا العقدية في رأيه في أشراط الساعة الكبرى، فضلا عن بيان آثارها الفكرية المترتبة على هذه الآراء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>مشكلة الدراسة:</span>\nتحاول هذه الدراسة الإجابة عن العديد من التساؤلات التي تخص موضوع البحث ومن أهمها:\n١ - ما سيره محمد رشيد رضا؟\n٢ - ما جهوده الإصلاحية؟\n٣ - ما عقيدته بشكل عام؟\n٤ - ما عقيدته في أشراط الساعة الكبرى؟\n٥ - ما منهجه في التفسير؟\n٦ - بم استدل رشيد رضا على آرائه في أشراط الساعة الكبرى؟\n٧ - ما الرد على استدلالاته واستشكالاته تجاه أشراط الساعة الكبرى؟","vol":"1","page":10},{"text":"٨ - ما الآثار الفكرية المترتبة على آراء محمد رشيد رضا في أشراط الساعة الكبرى؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>حدود الدراسة:</span>\nحدود دراستي في هذا البحث هو استعراض آراء الشيخ محمد رشيد رضا في مسائل الاعتقاد، وتحديدًا في مسألة أشراط وعلامات الساعة الكبرى في تفسيره المسمى بتفسير المنار، وهي «خروج المسيح الدجال - وخروج المهدي - ونزول عيسى بن مريم ﵇ - وطلوع الشمس من مغربها»، والرد عليها، وإثبات ما لها وما عليها، وبيان آثارها الفكرية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>منهج الدراسة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>يقوم منهج البحث في هذه الدراسة على ما يلي:</span>\n١ - استقراء آراء محمد رشيد رضا في أشراط الساعة الكبرى من خلال تفسيره المنار، وبما استدل به على آرائه.\n٢ - استقراء الأقوال المخالفة لآراء محمد رشيد رضا في أشراط الساعة الكبرى، وبما استدلوا على آرائهم فيها ذهبوا إليه.\n٣ - بيان ما توصلت إليه من نتائج تجاه أشراط الساعة الكبرى، مع الرد على أدلة القول الذي أخالفه مستندًا في ذلك إلى كتاب الله والسنة النبوية الصحيحة، وأقوال أهل العلم الثقات المشهود لهم بالعلم والصلاح والبعد عن الهوى والتعصب.\nوقد اعتمدت في بحثي هذا على ثلاثة مناهج:","vol":"1","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>أولا: المنهج الاستقرائي:</span>\nويكون بتتبع الموضوع واستقرائه في مظانه وجمع المعلومات المتعلقة به، سواء فيما ذكره رشيد رضا في تفسيره أو ما ذكره المخالفون له في كتبهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>ثانيا: المنهج الاستدلالي:</span>\nويكون بالتدليل على كل ما أطرحه من أفكار أو آراء بالنصوص الشرعية من الكتاب والسنة أو بأقوال أهل العلم الثقات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>ثالثا: المنهج التحليلي:</span>\nويكون بتحليل ودراسة آراء رشيد رضا والأدلة التي استند عليها للرد عليها وبيان ما لها وما عليها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>متممات المنهج:</span>\nالحرص على الآتي:\n١ - إثبات النصوص القرآنية مضبوطة بالشكل وبالرسم الإملائي الحديث مع بيان مواضعه في القرآن الكريم.\n٢ - تخريج الأحاديث النبوية وفق أسس التخريج الفني المعمول بها في كليات الشريعة.\n٣ - عزو الأقوال والآثار إلى مظانها في الكتب.\n٤ - شرح المفردات الغريبة في البحث.\n٥ - التعريف الموجز بالأعلام الذين يتم ذكرهم عدا المشهورين منهم.\n٦ - التعريف بالفرق التي يتم ذكرها تعريفًا موجزًا.","vol":"1","page":12},{"text":"خطة البحث:\nيشمل هذا البحث على مقدمة، وفصل تمهيدي، وأربعة فصول أخرى، وخاتمة.\nأما المقدمة، فتشمل على أهمية هذه الرسالة، وأسباب اختيارها، والدراسات السابقة، ومشكلة الدراسة وحدودها، والمنهج المتبع فيها، وخطتها.\nوأما الفصل التمهيدي، فيشمل على عدة مباحث:\nالمبحث الأول: ذكرت فيه معنى أشراط الساعة في اللغة والاصطلاح.\nالمبحث الثاني: ذكرت فيه الأدلة الشرعية من القرآن والسنة على أن الساعة واقعةٌ لا محالة.\nالمبحث الثالث: ذكرت فيه الأدلة الشرعية من القرآن الكريم والسنة على أن قيام الساعة قريب.\nالمبحث الرابع: تحدثت فيه على أقسام أشراط الساعة، والذي هو في الحقيقة تقسيم اجتهادي.\nالمبحث الخامس: تحدثت فيه عن حجية خبر الآحاد في العقائد.\nالمبحث السادس: وتحدثت فيه عن العقل والنقل والعلاقة بينهما وما عليه أهل السنة والجماعة.\nأما الفصل الأول، ذكرت فيه نبذة عن محمد رشيد رضا، ويشمل عدة مباحث:","vol":"1","page":13},{"text":"المبحث الأول: نسبه ومولده.\nالمبحث الثاني: نشأته وطلبه للعلم.\nالمبحث الثالث: بداية تحوله.\nالمبحث الرابع: هجرته إلى مصر.\nالمبحث الخامس: مجلة المنار.\nالمبحث السادس: جهوده الإصلاحية.\nالمبحث السابع: مذهبه.\nالمبحث الثامن: عقيدته.\nالمبحث التاسع: وفاته.\nالمبحث العاشر: آثاره ومؤلفاته.\nأما الفصل الثاني، ذكرت فيه نبذة عن تفسيره المنار، ويشتمل على عدة مباحث:\nالمبحث الأول: تعريف بتفسير المنار.\nالمبحث الثاني: منهجه في التفسير.\nالمبحث الثالث: طريقته في التفسير.\nالمبحث الرابع: خصائص تفسير المنار.\nالمبحث الخامس: منهجه العقدي في التفسير.\nالمبحث السادس: المآخذ التي على التفسير.","vol":"1","page":14},{"text":"أما الفصل الثالث، تحدثت فيه عن آرائه العقدية في أشراط الساعة الكبرى، والرد عليها، ويشمل على عدة مباحث.\nالمبحث الأول: رأيه في أشراط الساعة بشكل مجمل، والرد عليه.\nالمبحث الثاني: رأيه في خروج المسيح الدجال، والرد عليه وتضمن هذا المبحث عدة مسائل منها:\nمعنى المسيح.\nمعنى الدجال.\nالأحاديث الواردة في خروج المسيح الدجال.\nتواتر أحاديث المسيح الدجال.\nالأحاديث الواردة في بيان صفته.\nالحكمة من عدم ذكره بالقرآن؟\nموقف رشيد رضا من أحاديث المسيح الدجال.\nالرد على ما ذكره من استشكالات وتساؤلات.\nهل هناك تناقض بين حديث الجساسة وحديث ابن عمر؟\nرأي رشيد رضا في حديث الجساسة، والرد عليه.\nخاتمة رأي رشيد رضا بأحاديث الدجال، والرد عليه.\nخلاصة القول في المسيح الدجال.\nالمبحث الثاني: رأيه في المهدي، والرد عليه وتضمن هذا المبحث عدة مسائل مهمة منها:","vol":"1","page":15},{"text":"معنى المهدي.\nالأحاديث الواردة فيه.\nتواتر الأحاديث الواردة في ظهور المهدي.\nاسمه ونسبه.\nالحكمة من كونه من نسل الحسن.\nصفته.\nسبب ظهوره.\nمكان خروجه.\nبيان حال حديث «لا مهدي إلا عيسى بن مريم»\nرأي رشيد رضا في أحاديث المهدي.\nالرد على ما ذكره من استشكالات وتساؤلات.\nالمبحث الرابع، رأيه في نزول عيسى بن مريم ﵇، والرد عليه وتضمن هذا المبحث عدة مسائل منها:\nمعنى المسيح.\nعقيدة أهل السنة والجماعة بعيسى بن مريم.\nأدلة نزوله من القرآن.\nأدلة نزوله من السنة.\nتواتر الأحاديث في نزول عيسى ابن مريم ﵇.","vol":"1","page":16},{"text":"هل رفع ببدنه وروحه أم بروحه؟\nمدة بقائه بعد نزوله.\nرأي رشيد رضا في نزول عيسى بن مريم ﵇.\nالرد على استشكالاته وتساؤلاته.\nخاتمة المبحث.\nالمبحث الخامس، رأيه في طلوع الشمس من مغربها، والرد عليه وتضمن هذا المبحث عدة مسائل منها:\nأدلة طلوع الشمس من مغربها من القرآن.\nأدلة طلوع الشمس من مغربها من السنة.\nتواتر الأحاديث الواردة في طلوع الشمس من مغربها.\nالتوبة لا تقبل بعد طلوع الشمس من مغربها.\nرأي رشيد رضا في طلوع الشمس من مغربها.\nالرد على استشكالاته وتساؤلاته.\nالفصل الرابع، وذكرت فيه الآثار الفكرية لآراء رشيد رضا وتضمن ستة مباحث:\nالمبحث الأول: الطعن في السنن النبوية.\nالمبحث الثاني: الطعن في الصحيحين.\nالمبحث الثالث: تشكيك المسلمين في عقائدهم.","vol":"1","page":17},{"text":"المبحث الرابع: إحياء تراث المعتزلة.\nالمبحث الخامس: إيجاد نوع من الجرأة على الثوابت الإسلامية.\nالمبحث السادس: خدمة أغراض المستشرقين.\nوفي نهاية البحث ذكرت الخاتمة وما توصلت إليه في بحثي هذا، ثم المراجع والفهارس.","vol":"1","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>الفصل التمهيدي</span>\nويتضمن المباحث التالية:\nالمبحث الأول: معنى أشراط الساعة.\nالمبحث الثاني: أدلة وقوعها.\nالمبحث الثالث: قرب قيام الساعة.\nالمبحث الرابع: أقسام أشراط الساعة.\nالمبحث الخامس: حجية خبر الآحاد في الاعتقاد.\nالمبحث السادس: حجية العقل والنقل.","vol":"1","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>المبحث الأول\nمعنى أشراط الساعة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>معنى الشرط:</span>\nالشرَطُ هو العلامة، وجمعه أشراط.\nوأشراط الساعة أي علامتها، فهي العلامة التي تدل على قرب قيام الساعة. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>معنى الساعة:</span>\nمعنى الساعة في اللغة:\nهي جزء من أجزاء الليل والنهار، جمعها ساعات.\nوجزء من أربعة وعشرين جزءًا من الليل والنهار.\nوالليل والنهار معًا أربعةٌ وعشرون ساعة. (٢)\nمعنى الساعة في الاصطلاح الشرعي:\nالمراد بالساعة في اصطلاح الشرع، هو الوقت الذي تقوم فيه القيامة\n_________\n(١) النهاية في غريب الحديث والأثر، (٢/ ٤٦٠) للعلامة مجد الدين المبارك بن الأثير الجزري، دار الفكر، الطبعة الثانية ١٣٩٩ هـ.\n- لسان العرب (٧/ ٣٢٩، ٣٣٠) لأبي الفضل ابن منظور، دار صادر، بيروت.\n(٢) المعجم الوجيز لمجمع اللغة العربية ص ٣٢٨.","vol":"1","page":21},{"text":"وسميت بذلك لأنها تفاجئ الناس في ساعة، فيموت الخلق كلهم بصيحة واحدة. (١)\nوالقيامة هي اليوم الذي يخرج فيه الناس من قبورهم بأمر ربهم ليحاسبوا فينعم محسنهم، ويعذب مسيئهم.\nوهذا اليوم ذكر بأكثر من اسم في القرآن الكريم منها (يوم القيامة، يوم البعث، يوم الحساب، يوم الدين، الطامة، الحاقة، الواقعة، الصاخة، الغاشية ...). (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>فأشراط الساعة:</span>\nهي علامات القيامة التي تسبقها وتدل عليها. (٣)\n_________\n(١) النهاية في غريب الحديث لأبن الأثير (٢/ ٤٦٠).\n(٢) ذكر ابن كثير ليوم القيامة أكثر من ثمانين اسما، انظر (النهاية في الفتن والملاحم) تحقيق د. طه زيني (١/ ٢٥٥).\n(٣) لسان العرب (٧/ ٣٢٩)، والنهاية في غريب الحديث (٢/ ٤٦٠).","vol":"1","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>المبحث الثاني\nأدلة وقوعها</span>\nوردت الكثير من النصوص الشرعية سواء في القرآن الكريم أو في السنة النبوية ما يدل على أن الساعة واقعة لا محالة، ومن هذه النصوص.\nقوله تعالى ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾. (١)\nوقوله تعالى ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾. (٢)\nوقوله تعالى ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (١٦)﴾. (٣)\nوكقوله - ﷺ - «بعثت أنا والساعة كهاتين» وأشار بأصبعيه السبابة والتي تليها. (٤)\n_________\n(١) الحج ٧.\n(٢) القمر ١.\n(٣) طه ١٥ - ١٦.\n(٤) صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب بعثت أنا والساعة كهاتين، دار ابن كثير، بيروت، الطبعة الثالثة، ١٤٠٠ هـ (٥/ ٢٣٨٥)، رقم (٦١٣٨)، تحقيق مصطفى ديب البغا، ورواه مسلم في كتاب الفتن، باب قرب قيام الساعة، دار أحياء التراث العربي، بيروت، (٤/ ٢٢٦٨)، رقم (٢٩٥١)، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.","vol":"1","page":23},{"text":"فالنصوص الشرعية واضحة وصريحة في أن الساعة واقعة بلا ريب، بل إن وقوعها قريب كما بين ذلك النبي - ﷺ - في الحديث السابق.","vol":"1","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>المبحث الثالث\nقرب قيام الساعة</span>\nلقد دلت النصوص الشرعية من القرآن والسنة على أن الساعة واقعة لا محالة، كما ذكرت في المبحث السابق، وكذلك دلت النصوص الشرعية على أن قيام الساعة قريب، وعلى أننا في آخر أيام الدنيا.\nفمما يدل على قرب وقوعها من القرآن:\n١ - قوله تعالى ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١)﴾. (١)\n٢ - وقوله تعالى ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (٦٣)﴾. (٢)\n٣ - وقوله تعالى ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧)﴾. (٣)\n٤ - وقوله تعالى ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾. (٤)\nومما يدل على قرب وقوعها من السنة:\n_________\n(١) الأنبياء ١.\n(٢) الأحزاب ٦٣\n(٣) المعارج ٦ - ٧.\n(٤) القمر ١.","vol":"1","page":25},{"text":"١ - قوله - ﷺ - «بعثت أنا والساعة كهاتين» وأشار بأصبعيه السبابة والتي تليها. (١)\n٢ - وقوله - ﷺ - «بعثت أنا والساعة جميعا، إن كادت لتسبقني». (٢)\n- إشارة إلى شدة قربها من بعثة النبي - ﷺ - حتى خشي سبقها له لعظم القرب بينهما.\n٣ - وقال - ﷺ - «إنما أجلكم في أجل من خلا من الأمم ما بين صلاة العصر، ومغرب الشمس». (٣)\n٤ - وعن ابن عمر ﵄ قال، كنا جلوسا عند النبي - ﷺ - والشمس على قعيقعان (٤) بعد العصر فقال «ما أعماركم في أعمار من مضي إلا كما بقي من النهار، وفيما مضى منه». (٥)\n_________\n(١) رواه البخاري، كتاب الرقاق، باب «بعثت أنا والساعة كهاتين»، (٥/ ٢٣٨٥)، رقم (٦١٣٨)، ورواه مسلم، كتاب الفتن، باب قرب قيام الساعة، (٤/ ٢٢٦٨).\n(٢) مسند أحمد (٥/ ٣٤٨) تحقيق أحمد شاكر، طبعة دار المعارف، مصر ١٣٦٥ هـ قال ابن حجر: «أخرجه أحمد والطبري وسنده حسن» فتح الباري شرح صحيح البخاري، للحافظ أحمد ابن علي ابن حجر العسقلاني (١١/ ٣٤٨) تحقيق الشيخ عبد العزيز بن باز نشر إدارة البحوث العلمية والإفتاء.\n(٣) رواه البخاري، كتاب الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل (٢/ ١٢٧٤)، رقم (٣٢٧٢).\n(٤) قعيقعان، بضم القاف الأولى وكسر الثانية بلفظ التصغير وهو جبل بمكة في جنوبها، النهاية لابن الأثير (٤/ ٨٨).\n(٥) مسند أحمد (٨/ ١٧٦) تحقيق أحمد شاكر، وقال: «إسناده صحيح»، وقال ابن حجر: حسن «فتح الباري»، (١١/ ٣٥٠).","vol":"1","page":26},{"text":"فهذه النصوص الشرعية من الكتاب والسنة الصحيحة تدل دلالة قطعية على قرب قيام الساعة من زمان النبي - ﷺ -، فما بالك في قرب قيامها من زمننا هذا بعد مضي أكثر من أربعة عشر قرنًا على بعثة النبي - ﷺ -، والذي وقع فيه كثير من أشراط الساعة التي ذكرها النبي - ﷺ - ولم يبق إلا أشراط الساعة الكبرى كما يسميها أهل العلم ولا حول ولا قوة إلا بالله.\nولكن لابد من القول أنه لا يعلم مقدار ما بقي على قيام الساعة إلا الله، ولم يثبت عن النبي - ﷺ - شيء في هذا الباب، ثم إننا غير مأمورين شرعًا بمعرفة وقت وقوعها، بل نحن مأمورون بالاستعداد والعمل لها بالتقرب إلى الله بالطاعات وترك المنكرات والاستعداد ليوم الرحيل عن هذه الدنيا الفانية، والإنسان العاقل يعلم حق العلم أن الإنسان إذا مات فقد قامت قيامته.","vol":"1","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>المبحث الرابع\nأقسام أشراط الساعة</span>\nإن ليوم القيامة ووقوع الساعة علامات وأشراطًا تدل على قرب وقوعها، وتنقسم هذه الأشراط إلى قسمين وهي كالآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>القسم الأول: أشراط الساعة الصغرى:</span>\nوهي العلامات والأمارات والأشراط التي تكون قبل قيام الساعة بأزمان متطاولة، وتكون من نوع المعتاد، كقبض العلم، وانتشار الجهل، (١) وتضييع الأمانة، (٢) والتطاول في البنيان (٣) ونحوها.\nوقد يظهر بعضها مصاحبا للأشراط الكبرى، أو بعدها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>القسم الثاني: أشراط الساعة الكبرى:</span>\nوهي العلامات والأمارات والأشراط التي تظهر قرب قيام الساعة،\n_________\n(١) صحيح البخاري - كتاب العلم، باب رفع العلم وظهور الجهل (١/ ٤٣)، رقم (٨٠)، وصحيح مسلم - كتاب العلم، باب رفع العلم وقبضة وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان (٤/ ٢٠٥٦)، رقم (٢٦٧١).\n(٢) صحيح البخاري - كتاب الرقاق، باب رفع الأمانة (٥/ ٢٣٨٢)، رقم (٦١٣١).\n(٣) صحيح مسلم - كتاب الإيمان باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان (١/ ٣٦)، رقم (٨).","vol":"1","page":28},{"text":"وتكون غير معتادة الوقوع، كظهور الدجال، (١) ونزول عيسى بن مريم ﵇، (٢) وخروج يأجوج ومأجوج، (٣) وطلوع الشمس من مغربها. (٤)\nوقسم بعض أهل العلم أشراط الساعة إلى ثلاثة أقسام: (٥)\n١ - قسم ظهر وانقضى، كبعثة النبي - ﷺ -، (٦)\nوموته (٧) وفتح بيت المقدس (٨).\n٢ - قسم ظهر ولا يزال، كانتشار الزنا (٩) والربا (١٠) وكثرة شرب\n_________\n(١) صحيح مسلم - كتاب الفتن باب الآيات التي تكون قبل قيام الساعة (٤/ ٢٢٢٥)، رقم (٢٩٠١).\n(٢) نفس المصدر السابق.\n(٣) نفس المصدر السابق.\n(٤) نفس المصدر السابق.\n(٥) أنظر فتح الباري (١٣/ ٨٣، ٨٤)، و» لوامع الأنوار البهية ومواضع الأسرار الأثرية (٢/ ٦٦)، «للعلامة محمد بن أحمد السفاريني، تعليق الشيخ عبد الله بن عبدالرحمن أبا بطين والشيخ سليمان بن سحمان، منشورات مؤسسة الخافقين، دمشق، الطبعة الثانية ١٤٠٢ هـ.\n(٦) صحيح البخاري، كتاب الرقاق - باب قول النبي - ﷺ - «بعثت أنا والساعة كهاتين» (٥/ ٢٣٨٥)، رقم (٦١٣٨).\n(٧) صحيح البخاري - كتاب الجزية والموادعة - باب ما يحذر من الغدر (٣/ ١١٥٩)، رقم (٣٠٠٥).\n(٨) نفس المصدر السابق.\n(٩) صحيح البخاري - كتاب العلم - باب رفع العلم وظهور الجهل (١/ ٤٣)، رقم (٨١).\n(١٠) رواه الطبراني كما في «الترغيب والترهيب للمنذري» (٣/ ٩)، وقال «رواته رواة الصحيح».","vol":"1","page":29},{"text":"الخمر (١) وقلة الرجال وكثرة النساء (٢).\n٣ - قسم لم يظهر حتى الآن، كخروج الدجال (٣) وطلوع الشمس من مغربها، (٤) ونزول عيسى بن مريم ﵇ (٥).\n- فأما القسمان الأولان فهما من أشراط الساعة الصغرى.\n- وأما القسم الثالث، فهو من الأشراط الكبرى.\n_________\n(١) صحيح مسلم - كتاب العلم - باب رفع العلم وظهور الجهل (٤/ ٢٠٥٦)، رقم (٢٦٧١).\n(٢) صحيح البخاري - كتاب العلم - باب رفع العلم وظهور الجهل (١/ ٤٣)، رقم (٨١).\n(٣) صحيح مسلم - كتاب الفتن - باب في الآيات التي تكون قبل قيام الساعة (٤/ ٢٢٢٥)، رقم (٢٩٠١).\n(٤) نفس المصدر.\n(٥) نفس المصدر.","vol":"1","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>المبحث الخامس\nحجية خبر الآحاد في العقائد</span>\nسبب ذكر هذا المبحث، هو أن له صلة وثيقة بموضوع أشراط الساعة، وذلك لأن أكثر الأشراط جاء ذكرها في أحاديث آحاد. (١)\nوقد ذهب بعض علماء الكلام قديمًا، (٢) وبعض الأصوليين، (٣) وتابعهم\n_________\n(١) ينقسم الخبر باعتبار وصوله إلينا إلى متواتر وآحاد:\nالمتواتر: هو ما رواه جمع من العدول الثقات عن جمع من العدول الثقات حتى النبي - ﷺ -.\nالآحاد: هو ما لم يجمع شروط المتواتر.\nانظر «تيسير مصطلح الحديث» للدكتور محمود الطحان، مكتبة الهداية - العراق - أربيل ١٨ - ٢١. وكتاب «قواعد التحديث» للعلامة جمال الدين القاسمي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٣٩٩ هـ، ص ١٤٦.\n(٢) كالمعتزلة وبعض الأشاعره والماتريدية، انظر كتاب «موقف المعتزلة من السنة» لأبي لبابه حسين، وكتاب «الفرق بين الفرق» للبغدادي تحقيق محي الدين عبد الحميد ص ١٨٠.\n(٣) كإمام الحرمين في «البرهان» و» الورقات» والغزالي في «المستصفى» وابن الأثير في «مقدمة جامع الأصول» وابن الحاجب في «منتهى الوصول» وابن السبكي في «جمع الجوامع».\n- وردت نصوص هؤلاء وغيرهم في كتاب «السيف الحاد في الرد على من أخذ بحديث الآحاد في مسائل الاعتقاد» لسعيد ابن مبروك القنوبي، الطبعة الثالثة، مطابع النهضة، عُمان، ١٤١٨ هـ، ص ٦١ - ٧٨.","vol":"1","page":31},{"text":"أصحاب المدرسة العقلية الحديثة (١)، إلى أن خبر الآحاد لا تثبت به عقيدة وإنما تثبت بالنص القطعي الثبوت (٢)، وإذا لم يكن النص قطعي الثبوت، فإنه لا يجوز الاحتجاج به عندهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>توضيح شبهة هؤلاء:</span>\nسبب رد بعض علماء أهل الكلام وبعض الأصوليين لحديث الآحاد، وعدم قبولهم به في العقائد ولو كان صحيحا هو قولهم أن أدلة العقائد لابد أن تفيد اليقين، وأحاديث الآحاد لا تفيد اليقين بل هي ظنية، والظن لا يجوز أن يحتج به في العقائد.\nلقوله تعالى ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾. (٣)\nولقوله تعالى ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (٢٨)﴾. (٤)\nونحو ذلك من الآيات التي يذم الله فيها المشركين لإتباعهم الظن، فدل ذلك على عدم حجية أحاديث الآحاد في العقائد لأنها تفيد الظن ولا تفيد اليقين، والظن قد ذمه الله تعالى في كتابه.\n_________\n(١) كمحمد عبده في «رسالة التوحيد»، ص ٢٠٢، تصحيح محمد رشيد رضا، ومحمود شلتوت في «الإسلام عقيدة وشريعة»، ص ٥٣، والدكتور أحمد شلبي في «المسيحية، مقارنة الأديان»، ص ٤٤، وعبد الكريم عثمان في كتاب «قاضي القضاة عبد الجبار الهمداني»، ص ٨٨، «وهناك أيضا كثيرون يسيرون على نهج المدرسة العقلية الحديثة مثل محمد عماره وفهمي هويدي وخالد محمد خالد ومحمد سليم العوا وغيرهم.\n(٢) يعنون بالقطعي الثبوت، القرآن والحديث المتواتر.\n(٣) النجم ٢٣.\n(٤) النجم ٢٨.","vol":"1","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>الرد على شبهتهم:</span>\nمما لا شك فيه أن احتجاج القائلين بعدم حجية أحاديث الآحاد في العقائد، بهذه الآيات وأمثالها التي تذم الظن وأهله، مردود وغير صحيح. وذلك من عدة وجوه:\nأولا: إن الظن الوارد في الآية ليس المقصود به الظن الراجح أو الغالب الذي عنوه «وإنما المقصود به هو الشك والكذب والخرص والتخمين، فقد جاء في «النهاية» و«اللسان» وغيرهما من كتب اللغة»: «الظن» هو الشك يعرض لك في شيء، فتحققه وتحكم به. (١)\nقال ابن كثير في تفسير هذه الآية ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ (٢) (أي ليس لهم علم صحيح يصدق ما قالوه، بل هو كذب وزور وافتراء وكفر شنيع ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (٢٨)﴾ أي لا يجدي شيئا، ولا يقوم أبدا مقام الحق، وقد ثبت في الحديث الصحيح أن رسول الله - ﷺ - قال: «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث»). (٣) (٤)\nفالشك والكذب هو الظن الذي ذمه الله تعالى في كتابه، ونعاه\n_________\n(١) انظر النهاية في غريب الحديث والأثر «٣/ ١٦٢ - ١٦٣».\n(٢) النجم ٢٨.\n(٣) صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظن والتجسس (٤/ ١٩٨٥)، رقم (٢٥٦٣).\n(٤) تفسير القرآن العظيم للحافظ أبي الفداء إسماعيل بن كثير (٧/ ٤٣٤) تحقيق عبد العزيز غنيم وزميليه، مطبعة الشعب، القاهرة.","vol":"1","page":33},{"text":"على المشركين، ويؤيد ذلك قوله تعالى ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (١١٦)﴾. (١)\nفوصفهم بالظن والخرص الذي هو مجرد الحزر والتخمين. (٢)\nثانيا: لو كان الظن المنعي به على المشركين هو الظن الغالب أو الراجح، فإنه لا يجوز الأخذ به في الأحكام أيضًا، لأن الله أنكر على المشركين الأخذ بالظن إنكارًا مطلقًا، ولم يخصه بالعقيدة دون الأحكام، فكيف تقبلونه في الأحكام وتردونه في العقائد.\nثالثا: أما قولهم إن أحاديث الآحاد في العقائد لا تفيد اليقين ولو كانت صحيحة السند، فهو غير صحيح فحديث الآحاد إذا ثبتت صحته برواية الثقات، ووصل إلينا بطريق صحيح، فإنه يجب الإيمان به وتصديقه، سواء كان في العقائد أو الأحكام، وإنه يوجب العلم اليقيني.\nوهذا هو مذهب سلف الأمة وأئمتها، استجابة لأمر الله تعالى ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. (٣)\nوقوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ\n_________\n(١) الأنعام ١١٦.\n(٢) انظر «العقيدة في الله» ٥٩ - ٦١ للدكتور عمر سليمان الأشقر، طبع دار النفانس - الأردن - عمان - الطبعة الخامسة عشر، وكتاب «أشراط الساعة» يوسف الوابل، دار ابن الجوزي، الطبعة الأولى ٣٥.\n(٣) الحشر ٧.","vol":"1","page":34},{"text":"لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾. (١)\nثم إنه ليس هناك دليل يصح الاعتماد عليه في أن الحديث المتواتر يفيد اليقين والحديث الآحاد لا يفيد اليقين، فالأدلة الشرعية لم تفرق بين المتواتر والآحاد من حيث الحجية، بل إن التفريق بينهما في الحجية قولٌ مبتدع لم يعرفه سلف الأمة من أصحاب القرون الثلاثة المشهود لهم بالخيرية. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>النصوص الدالة على قبول خبر الواحد:</span>\nوردت نصوص كثيرة تدل على وجوب قبول خبر الواحد والاحتجاج به، سواء في العقائد أو الأحكام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>أدلة الكتاب: وهي كثيرة أذكر منها:</span>\n١ - قال تعالى ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾. (٣)\n- فهذه الآية فيها حث للقبائل والعشائر وأهل النواحي والأقطار المختلفة من المؤمنين على أن ينفر من كل منهم طائفة ليتفقهوا في دينهم، ثم يرجعوا إلى قومهم فينذرونهم.\n_________\n(١) الأحزاب ٣٦.\n(٢) انظر أشراط الساعة ليوسف الوابل، ص ٣٦.\n(٣) التوبة ١٢٢.","vol":"1","page":35},{"text":"- والطائفة في لغة العرب، تطلق على الواحد، فما فوق.\n- قال البخاري: ويسمى الرجل طائفة، لقوله تعالى ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ (١) فلو اقتتل رجلان دخلا في معنى الآية. (٢)\n- والتفقه في الدين يشمل العقائد والأحكام، بل التفقه في العقائد أهم من التفقه في الأحكام، فالإمام أبو حنيفة لما ألف كتابا في العقائد سماه «الفقه الأكبر».\n- ففي الآية دليل صريح على وجوب الأخذ بخبر الواحد، سواء في العقائد أو الأحكام وإلا لما جاز للطائفة أن تنذر قومها. (٣)\n٢ - قال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾. (٤)\n- وفي قراءة أخرى «فتثبتوا». (٥)\n- فإنها تدل على أن من لم يكن فاسقا بأن كان عدلا إذا جاء بخبر ما فالحجة قائمة به، وأنه لا يجب التثبت بل يؤخذ حالا. (٦)\n_________\n(١) الحجرات ٩.\n(٢) صحيح البخاري - كتاب التمني، باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق (٦/ ٢٦٤٦).\n(٣) انظر العقيدة في الله، الأشقر ٦٤.\n(٤) الحجرات ٦\n(٥) فتح القدير، للعلامة محمد ابن علي الشوكاني، دار الفكر، الناشر محفوظ علي، بيروت، الطبعة الثالثة ١٣٩٣ هـ.\n(٦) «العقيدة في الله» عمر الأشقر ص ٦٤.","vol":"1","page":36},{"text":"٣ - قال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾. (١)\n- قال ابن القيم: «أجمع المسلمون أن الرد إلى الرسول هو الرجوع إليه في حياته، والرجوع إلى سنته بعد مماته، واتفقوا على أن فرض هذا الرد لم يسقط بموته، فإن كان متواتر أخباره وآحادها لا تفيد علمًا، ولا يقينًا لم يكن للرد إليه وجه». (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>أدلة من السنة:</span>\nوأدلة السنة كثيرة وأذكر منها:\n١ - ما ثبت في البخاري ومسلم أيضا، أن أهل اليمن قدموا على رسول الله - ﷺ - فقالوا: ابعث معنا رجلا يعلمنا السنة والإسلام، قال، فأخذ بيد أبي عبيدة فقال «هذا أمين هذه الأمة». (٣)\n- فلو لم تقم الحجة بخبر الواحد لم يبعث النبي - ﷺ - أبا عبيدة وحده، وكذلك يقال في إرسال النبي - ﷺ - علي بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل، وأبي موسى الأشعري في بلاد مختلفة ونوبات مختلفة واحدا بعد واحد.\n_________\n(١) النساء ٥٩.\n(٢) «مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة» للإمام ابن القيم (٢/ ٣٥٢) اختصره الشيخ محمد الموصلي - الناشر مكتبة الرياض الحديثة - الرياض.\n(٣) صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل أبي عبيدة بن الجراح (٤/ ١٨٨١)، رقم (٢٤١٩)، والذي في البخاري أنه أرسله إلى أهل نجران - كتاب التمني - باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق (٦/ ٢٦٤٩)، رقم (٦٨٢٧).","vol":"1","page":37},{"text":"وأحاديثهم في الصحيحين وفي غيرهما.\n- ولا ريب أن هؤلاء كانوا يعلمون العقائد في جملة ما يعلمون، فلو لم تكن الحجة قائمة بهم عليهم لم يبعثهم رسول الله - ﷺ - أفرادا. (١)\n- قال الشافعي ﵀ في كتابه «الرسالة»: «وهو لا يبعث بأمره إلا والحجة للمبعوث إليهم وعليهم قائمة بقبول خبره عن رسول الله - ﷺ -». (٢)\n٢ - روى البخاري في صحيحة عن مالك بن الحويرث قال «أتينا إلى النبي - ﷺ - ونحن شببة متقاربون، فأقمنا عنده عشرين يوما، وكان رسول الله رحيمًا رقيقًا، فلما ظن أنَّا قد اشتهينا أهلنا، أو قد اشتقنا، سألنا عمن تركنا بعدنا، فأخبرناه، قال «أرجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم، وعلموهم، ومروهم، وصلوا كما رأيتموني أصلي». (٣)\n- ففي هذا الحديث أمر النبي - ﷺ - كل واحد من هؤلاء الشباب أن يعلم أهله، والتعليم يعم العقيدة، بل هي أول ما يدخل في العموم، فلو لم يكن خبر الآحاد مما تقوم به العقيدة لم يكن لهذا الأمر معنى. (٤)\n٣ - ما روى البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄ قال «بينا\n_________\n(١) العقيدة في الله، عمر الأشقر ٦٥.\n(٢) كتاب «الرسالة» للإمام محمد بن إدريس الشافعي، تحقيق وشرح أحمد محمد شاكر مطابع المختار الإسلامي، دار السلام، الناشر مكتبة التراث، القاهرة، ط ٢، ١٣٩٩ هـ، ص ٤١٢.\n(٣) صحيح البخاري - كتاب التمني - باب ما جاء في إجازة خير الواحد الصدوق (٦/ ٢٦٤٩)، رقم (٢٤١٩).\n(٤) «العقيدة في الله» عمر الأشقر ص ٦٥.","vol":"1","page":38},{"text":"الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم أتٍ. فقال: إن رسول الله - ﷺ - قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة». (١)\n- فلو لم يكن خبر الواحد يفيد اليقين لما أخذ أهل قباء بخبر الواحد.\n- قال ابن حجر: «والحجة منه بالعمل بخبر الواحد ظاهرة، لأن الصحابة الذين كانوا يصلون إلى جهة بيت المقدس تحولوا عنه بخبر الذي قال لهم إن النبي - ﷺ - أمر أن يستقبل الكعبة، فصدقوا خبره وعملوا به في تحولهم عن جهة بيت المقدس وهي شامية إلى جهة الكعبة وهي يمانية على العكس من التي قبلها». (٢)\n٤ - وعن عبد الله بن مسعود﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول «نضر الله أمرءًا سمع منا شيئًا فبلغه كما سمعه، فرب مبلّغٍ أوعى من سامع». (٣)\n«وهذا أيضا لا يقتصر على أحاديث الأعمال دون غيرها، بل هو عام متناول لأحاديث الأعمال والأحكام الاعتقادية، فلو لم يكن الإيمان بما ثبت عنه - ﷺ - من عقائد بأخبار الآحاد واجبًا، لما كان لهذا الأمر من النبي - ﷺ - بتبليغ حديثه مطلقا معنى، بل لبين الرسول - ﷺ - أن ذلك مقصور على أحاديث\n_________\n(١) صحيح البخاري - كتاب التمني - باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق (٦/ ٢٦٤٩)، رقم (٢٤١٩).\n(٢) فتح الباري (١٣/ ٢٣٧).\n(٣) رواه الترمذي وقال حديث «حسن» صحيح، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم ٦٧٦٤، طبعة المكتب الإسلامي.","vol":"1","page":39},{"text":"الأعمال دون غيرها». (١)\n٥ - عن أنس بن مالك قال: «كنت أسقي أبا طلحة وأبا عبيدة بن الجراح وأُبي بن كعب شرابًا من فضيخ وتمر، فجاءهم آتٍ، فقال: إن الخمر قد حرمت، فقال أبو طلحة: قم يا أنس إلى هذه الجراء فاكسرها، فقمت إلى مهراس لنا فضربتها بأسفله حتى تكسرت». (٢)\nقال الشافعي: «وهؤلاء في العلم والمكان من النبي وتَقَدمُّ صحبته بالموضع الذي لا ينكره عالم، وقد كان الشراب عندهم حلالًا يشربونه فجاءهم آتٍ وأخبرهم بتحريم الخمر، فأمر أبو طلحة، وهو مالك الجراء - بكسر الجراء ولم يقل هو ولا هم ولا واحد منهم، نحن على تحليلها حتى نلقى رسول الله - ﷺ -، مع قربه منا، أو يأتينا خبر عامة، وذلك أنهم لا يهرقون حلالا، وإهراقه سرف وليسو من أهله والحال في أنهم لا يدعون إخبار رسول الله ما فعلوا، ولا يدع لو كان ما قبلوا من خبر الواحد ليس لهم أن ينهاهم عن قبوله». (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>العقائد التي تثبت بأحاديث الآحاد:</span>\nثم إنه من مساوئ هذا القول المحدث، هو رد المئات من الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي - ﷺ - بدعوى أنها آحاد منها:\n_________\n(١) أشراط الساعة، يوسف الوابل ٤٣.\n(٢) صحيح البخاري - كتاب التمني - باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق (٦/ ٢٦٤٩)، رقم (٢٤١٩).\n(٣) كتاب «الرسالة» للشافعي تحقيق أحمد شاكر ص ٤٠١.","vol":"1","page":40},{"text":"١ - القول بنبوة آدم ﵇، وغيره من الأنبياء الذين لم ينص القرآن على نبوتهم.\n٢ - أفضلية نبينا محمد - ﷺ - على جميع الأنبياء والمرسلين.\n٤ - شفاعته - ﷺ - العظمى في المحشر.\n٥ - شفاعته - ﷺ - لأهل الكبائر من أمته.\n٦ - معجزاته كلها ما عدا القرآن.\n٧ - كيفية بدء الخلق، وصفة الملائكة والجن، وصفة الجنة والنار، وأنهما مخلوقتان، وأن الحجر الأسود من الجنة.\n٨ - سؤال منكر ونكير في القبر.\n٩ - الإيمان بعذاب القبر.\n١٠ - ضغطة القبر للميت.\n١١ - الصراط - الحوض - والميزان ذو الكفتين.\n١٢ - الإيمان بحوضه - ﷺ -، وأن من شرب منه شربه لا يظمأ بعدها أبدا.\n١٣ - دخول سبعين ألفا من أمته - ﷺ - الجنة بغير حساب.\n١٤ - خصوصياته - ﷺ - التي جمعها السيوطي في كتاب «الخصائص الكبرى» مثل دخول الجنة ورؤية أهلها، وما أعد للمتقين فيها، وإسلام قرينه من الجن.\n١٥ - القطع بأن العشرة المبشرين بالجنة من أهل الجنة.\n١٦ - عدم تخليد أهل الكبائر في النار.\n١٧ - الإيمان بالقلم الذي كتب كل شيء.","vol":"1","page":41},{"text":"١٨ - الإيمان بأن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء.\n١٩ - الإيمان بكل ما صح في الحديث في صفة القيامة والحشر والنشر مما لم يرد في القرآن الكريم.\n٢٠ - الإيمان بمجموع أشراط الساعة، كخروج المهدي، ونزول عيسى ﵇، وخروج الدجال، وخروج النار، وطلوع الشمس من مغربها والدابة وغير ذلك.\nثم إنه ليست أدلة جميع هذه العقائد التي قالوا هي ثابتة بخبر الآحاد، ليست أدلتها أحاديث آحاد، بل منها ما دليله أحاديث متواترة، ولكن قلة علم هؤلاء المنكرين لحجية خبر الآحاد، وقلة بضاعتهم في علم الحديث جعلهم يردون كل هذه العقائد، وغيرها من العقائد، التي جاءت بها الأحاديث الصحيحة. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>خاتمة هذا المبحث:</span>\nيتضح مما سبق، أن القول بأن أحاديث الآحاد لا تثبت بها عقيدة، قولٌ مبتدع محدث لا أصل له في الدين، وكل ما كان كذلك فهو مردود.\nوالصواب القول، بأن الحديث إذا ثبتت صحته برواية الثقات ووصل إلينا بطريق صحيح، فإنه يجب الإيمان به وتصديقه، سواء كان خبرا متواترا، أو آحادا، وأنه يوجب العلم اليقيني، وهذا هو مذهب علماء سلف الأمة، انطلاقا من أمر الله تعالى للمؤمنين بقوله ﴿وَمَا\n_________\n(١) انظر رسالة «وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة» للشيخ محمد ناصر الدين اللألباني، دار العلم، بنها، مصر، ص ٣٦ - ٣٩ وكتاب «العقيدة في الله» عمر الأشقر، ص ٥٤ - ٥٥.","vol":"1","page":42},{"text":"كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾. (١) ولقوله تعالى ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾. (٢) ولقوله تعالى ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. (٣)\nفأهل السنة يقبلون أحاديث الآحاد الصحيحة في العقائد والأحكام من غير تفريق في ذلك، يدلك على هذا تخريج أئمة أهل السنة كمالك وأحمد والبخاري ومسلم وأبي داوود والترمذي والنسائي والدارمي وغيرهم للأحاديث المثبتة للعقائد في مدوناتهم والمتواتر منها قليل، ولو لم يرتضوا الاستدلال بها لما أتعبوا أنفسهم في روايتها وضبطها وتدوينها، ومن قال عنهم خلاف ذلك فقد افترى عليهم. (٤)\nقال ابن حجر: «قد شاع فاشيا عمل الصحابة والتابعين بخبر الواحد، من غير نكير، فاقتضى الاتفاق منهم على القبول». (٥)\nوقال ابن أبي العز الحنفي: «خبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول، عملا به، وتصديق له، يفيد العلم اليقيني عند جماهير الأمة، وهو أحد قسمي المتواتر، ولم يكن بين سلف الأمة في ذلك نزاع». (٦)\n_________\n(١) الأحزاب ٣٦.\n(٢) النور ٦٣.\n(٣) الحشر ٧.\n(٤) العقيدة في الله، عمر الأشقر ٦٣.\n(٥) «فتح الباري» (١٣/ ٢٣٤).\n(٦) «شرح العقيدة الطحاوية» لابن أبي العز الحنفي ٣٩٩ - ٤٠٠، طبع المكتب الإسلامي، خرج أحاديثها محمد ناصر الدين الألباني، ط الرابعة بيروت.","vol":"1","page":43},{"text":"وقال الشافعي: «متى رويت عن رسول الله - ﷺ - حديثا صحيحا فلم آخذ به، فأشهدكم أن عقلي قد ذهب». (١)\nوقال الإمام أحمد: «كل ما جاء عن النبي - ﷺ - بإسناد جيد، أقررنا به، وإذا لم نقر بما جاء به الرسول - ﷺ -، ودفعناه، ورددناه، رددنا على الله أمره، قال الله تعالى ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. (٢) (٣)\nقال ابن تيمية: «السنة إذ ثبتت فإن المسلمين كلهم متفقون على وجوب إتباعها». (٤)\nوقال ابن القيم في رده على من ينكر حجية خبر الواحد: «ومن هذا إخبار الصحابة بعضهم بعضا؛ فإنهم كانوا يجزمون بما يحدث به أحدهم عن رسول الله - ﷺ -، ولم يقل أحد منهم لمن حدثه عن رسول الله - ﷺ -: خبر واحد لا يفيد العلم حتى يتواتر، وكان أحدهم إذا روى لغيره حديثا عن رسول الله - ﷺ - في الصفات؛ تلقاه بالقبول، واعتقد تلك الصفة به على القطع واليقين؛ كما اعتقد رؤية الرب، وتكليمه، ونداءه يوم القيامة لعباده بالصوت الذي يسمعه البعيد كما يسمعه القريب، ونزوله إلى سماء الدنيا كل ليلة، وضحكه،\n_________\n(١) «مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة» لأبن قيم الجوزية، اختصره محمد الموصلي، الناشر مكتبة الرياض الحديثة، الرياض (٢/ ٣٥٠).\n(٢) الحشر ٧.\n(٣) «اتحاف الجماعة» للشيخ محمود التويجري، طبع مطابع الرياني، ط الأولى ١٣٩٤ هـ (١/ ٤).\n(٤) «مجموع الفتاوي» لابن تيمية (١٩/ ٨٥)، جمع الشيخ عبد الرحمن بن قاسم، مطابع الدار العربية - بيروت، ١٣٩٨ هـ.","vol":"1","page":44},{"text":"وفرحه، وإمساك السماوات على إصبع من أصابع يده، وإثبات القدم له، من سمع هذه الأحاديث ممن حدث بها عن رسول الله - ﷺ -، أو عن صاحب اعتقد ثبوت مقتضاها بمجرد سماعها من العدل الصادق، ولم يرتب فيها، حتى إنهم ربما تثبتوا في بعض أحاديث الأحكام .. ولم يطلب أحد منهم الاستظهار في رواية أحاديث الصفات البتة، بل كانوا أعظم مبادرة إلى قبولها، وتصديقها، والجزم بمقتضاها، وإثبات الصفات بها، من المخبر لهم بها عن رسول الله - ﷺ -، ومن له أدنى إلمام بالنسبة والتفات إليها؛ يعلم ذلك، ولولا وضوح الأمر في ذلك، لذكرنا أكثر من مائة موضع، فهذا الذي اعتمده نفاة العلم عن أخبار رسول الله - ﷺ - خرقوا به إجماع الصحابة المعلوم بالضرورة، وإجماع التابعين، وإجماع أئمة الإسلام، ووافقوا به المعتزلة، والجهمية، والرافضة، والخوارج، الذين انتهكوا هذه الحرمة، وتبعهم بعض الأصوليين والفقهاء، وإلا فلا يعرف لهم سلف من الأئمة بذلك، بل صرح الأئمة بخلاف قولهم؛ ممن نص على أن خبر الواحد يفيد العلم: مالك، والشافعي، وأصحاب أبي حنيفة، وداود بن علي، وأصحابه كأبي محمد بن حزم». (١) (٢)\n_________\n(١) «مختصر الصواعق» (٢/ ٣٦١ - ٣٦٢).\n(٢) للأستزاده في مسألة حجية خبر الآحاد في العقائد انظر.\n- كتاب «الرسالة للشافعي» تحقيق أحمد شاكر.\n- وكتاب «فتح الباري شرح صحيح البخاري» لابن حجر، كتاب أخبار الآحاد.\n- ورسالة «وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة» للشيخ محمد ناصر الدين الألباني.\n- وكتاب «حجية الآحاد في العقيدة ورد شبهات المخالفين» محمد عبد الله الوهيبي، دار المسلم - الرياض.","vol":"1","page":45},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>المبحث السادس\nحجية العقل والنقل</span>\nسبب إيراد هذا المبحث هو أن له علاقة وثيقة جدًا أيضًا بالموضوع الذي سوف نتناوله وهو «آراء محمد رشيد رضا في أشراط الساعة الكبرى».\nحيث أن رشيد رضا رد غالب الأحاديث الصحيحة التي تثبت أشراط الساعة الكبرى، كالأحاديث التي تثبت خروج المسيح الدجال، والأحاديث التي تنص على خروج المهدي وأحاديث نزول عيسى بن مريم وأحاديث خروج الشمس من مغربها.\nولم يكن رده لهذه الأحاديث الصحيحة الثابتة في الصحيحين وغيرها من كتب السنن لعلةٍ في أسانيدها أو رواتها، ولكن لعللٍ أخرى يراها رشيد رضا أنها كفيله برد الحديث ولو كان صحيح السند ولو كان في الصحيحين.\nكأن تكون العلة في الحديث، كما يرى هو مخالفته للعقل والحس أو مخالفته للسنن الكونية والإلهية، أو كأن يكون فيها إشكال أو تعارض كما يقول مما يوجبُ تساقطها وردها.\nمثال ذلك رده للأحاديث الواردة في المسيح الدجال، والتي هي في الصحيحين وفي غيرها من كتب السنن، بدعوى «أنها مشكلة وأنها منافية","vol":"1","page":46},{"text":"لحكمة إنذار الناس بقرب قيام الساعة وإتيانها بغتةً، وأنها متعارضة تعارضًا كبيرًا فيما بينها، مما يوجب تساقطها». (١)\nومثال ذلك أيضا رده للأحاديث الواردة في المهدي حيث يقول «وأما التعارض في أحاديث المهدي فهوى أقوى وأظهر والجمع بين الروايات فيه أعسر، والمنكرون لها أكثر والشبهة فيها أظهر. ولذلك لم يعتد الشيخان بشيء من روايتهما في صحيحيهما». (٢)\nوكذلك رده لحديث «طلوع الشمس من مغربها» في آخر الزمان والذي رواه أبو هريرة ورفعه للنبي - ﷺ - والذي هو في الصحيحين.\nفرشيد رضا يرد هذا الحديث، بدعوى أنه مشكل وأن أبا هريرة لم يصرح في هذا الحديث بالسماع عن النبي - ﷺ -، فيخشى أن يكون قد سمع ذلك من كعب الأحبار! ! ! (٣)\nوفي الحقيقة أن الشيخ رشيد رضا لم يَردُ أحاديث أشراط الساعة الكبرى فقط، لأنه كما يقول فيها إشكال وتعارض.\nبل رد كذلك أحاديث أخرى كثيرة وهي التي سوف أذكرها في مبحث عقيدته تحت عنوان «المآخذ التي عليه».\nومنها على سبيل المثال رده للحديث الذي في صحيح البخاري والذي لا مطعن فيه وهو حديث «سجود الشمس عند العرش».\n_________\n(١) تفسير المنار، للشيخ محمد رشيد رضا، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الثانية، (٦/ ٤٥٠).\n(٢) تفسير المنار (٩/ ٤٥٩).\n(٣) تفسير المنار (٨/ ٢١١).","vol":"1","page":47},{"text":"حيث يرده رشيد رضا بدعوى أنه من أعظم المتون إشكالًا (١) كما يقول، وكذلك رده للأحاديث التي تثبت سحر النبي - ﷺ - والتي هي في الصحيحين، بدعوى أنها تورد شبهةً على الدين (٢)، وكذلك رده للأحاديث التي تنص على انشقاق القمر في زمن النبي - ﷺ - والتي هي في الصحيحين بدعوى اختلاف المتون مما يوجب تساقطهما، (٣) وغيرها الكثير من الأحاديث الأخرى.\nوهذا بلا شك مخالف لما عليه أهل السنة والجماعة في تعظيم نصوص السنة النبوية وقبولها إذا صح سندها، وعدم دفعها وردها لمجرد مخالفتها للعقل أو الحس أو غيرها من الاحتمالات والآراء التي لا قيمة لها إذا صح نسبة الحديث للنبي - ﷺ -.\nثم إن تقديم العقل على النقل من أقوال الفلاسفة ومن نحا نحوهم من المعتزلة وغيرهم من أهل الكلام، وتابعهم به أصحاب المدرسة العقلية الحديثة. (٤)\nومما ينبغي اعتقاده أن نصوص الكتاب والسنة الصحيحة والصريحة في دلالتها لا يعارضها شيء من المعقولات الصريحة، ذلك أن العقل شاهد بصحة الشريعة إجمالا وتفصيلا، فأما الإجمال، فمن جهة شهادة العقل\n_________\n(١) تفسير المنار (٨/ ٢١٠).\n(٢) مجلة المنار (١٤/ ٦٢٣).\n(٣) مجلة المنار (٣٠/ ٢٦٢).\n(٤) يقول محمد عبده «اتفق أهل الملة الإسلامية إلا قليلا ممن لا ينظر إليه على أنه إذا تعارض العقل والنقل أخذ بما دل عليه العقل ...» انظر مجلة المنار (١٣/ ٨/٦١٣).","vol":"1","page":48},{"text":"بصحة النبوة وصدق الرسول - ﷺ -، فيلزم من ذلك تصديقه في كل ما يخبر به من الكتاب والحكمة.\nوأما التفصيل، فمسائل الشريعة ليس فيها ما يرده العقل؛ بل كل ما أدركه العقل من مسائلها فهو يشهد له بالصحة تصديقًا وتعضيدًا، وما قصر العقل عن إدراكه من مسائلها، فهذا لعظم الشريعة، وتفوقها، ومع ذلك فليس في العقل ما يمنع وقوع تلك المسائل التي عجز العقل عن إدراكها، فالشريعة قد تأتي بما يحير العقول لا بما تحيله العقول.\nفإن وجد ما يوهم التعارض بين العقل والنقل، فإما أن يكون النقل غير صحيح أو يكون صحيحا ليس فيه دلالة صحيحة على المدعي، وإما أن يكون العقل فاسدا بفساد مقدماته.\nفمن احتج - مثلا - في إنكار الصفات الإلهية بأن لازم ذلك إثبات آلهة مع الله، فقد احتج بعقل غير صحيح، بل لا يجوز تسمية ذلك عقلًا أصلًا؛ إذ لا يجوز في العقل وجود موجود مجرد عن الصفات؛ بل هو من أعظم الممتنعات العقلية؛ لأنه يستلزم رفع النقيضين، حيث يقال: هو موجود ولا موجود، ولا يقال هذا في حق المخلوق، فلا يستلزم إثبات المخلوق متصفًا بصفات السمع والبصر والكلام والحياة أن يتعدد المخلوق، بحيث تكون كل صفة منها إنسانًا قائمًا بنفسه، وهذا معلوم البطلان في حق المخلوق، وبطلانه في حق الخالق أظهر وأولي، فهذا عقل فاسد لا يقاوم النقل الصحيح الصريح من آيات الصفات وأحاديثها.\nوقد يكون النقل مكذوبا والعقل صحيحًا، كما في حديث يروى عن","vol":"1","page":49},{"text":"أبي هريرة﵁ - أنه قال: «قيل يا رسول الله: مم ربنا؟ قال: من ماء مرور، لا من أرض، ولا من سماء، خلق خيلًا فأجراها فعرقت، فخلق نفسه من ذلك العرق ...» (١) (٢).\nففي هذا الكذب وأمثاله لا يقال إنه يعارض دليل العقل، فلا يصلح أن يكون دليلا فضلا عن أن ينسب إلى الشرع ليعارض به العقل، علاوة على أن الأدلة الشرعية تنقضه وتبطله.\nوقد يكون النقل صحيحًا، إلا أنه لا يدل على المعنى المدعى، فيتوهم التعارض بين المنقول والمعقول، كما في حديث أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: «إن الله ﷿ يقول يوم القيامة: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني .. الحديث» (٣).\nفمن فهم من الحديث أن الله تعالى يمرض أو يجوع ويعطش لم يفهم معنى الحديث؛ لأن الحديث فسره المتكلم به، وبين المراد منه، وهو أن العبد هو الذي جاع وعطش ومرض، وأن الله تعالى منزه عن ذلك. (٤) «والمقصود\n_________\n(١) تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة، للشيخ أبي حسن الكناني، تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٣٩٩ هـ، (١/ ١٣٤).\n(٢) علم العقيدة عند أهل السنة والجماعة، الدكتور محمد يسري، ص ٣٦٠، دار طيبة، الطبعة الأولى، ٢٠٠٦.\n(٣) أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب باب فضل عيادة المريض (٤/ ١٩٩٠)، رقم (٢٥٦٩).\n(٤) علم العقيد عند أهل السنة والجماعة، الدكتور محمد يسري، ص ٣٦١.","vol":"1","page":50},{"text":"هو بيان أنه إذا ظهر تعارض بين الدليلين النقلي والعقلي، فلا بد من أحد ثلاثة احتمالات:\nالأول: أن يكون أحد الدليلين قطعيًا والآخر ظنيًا، فيجب تقديم القطعي نقليًا كان أم عقليًا، وإن كانا ظنيين فالواجب تقديم الراجح، عقليًا كان أم نقليًا.\nالثاني: أن يكون أحد الدليلين فاسدًا، فالواجب تقديم الدليل الصحيح على الفاسد سواء أكان نقليًا أم عقليًا.\nالثالث: أن يكون أحد الدليلين صريحًا والآخر ليس بذاك، فهنا يجب تقديم الدلالة الصريحة على الدلالة الخفية، لكن قد يخفي من وجوه الدلالات عند بعض الناس ما قد يكون بينًا وواضحًا عند البعض الآخر، فلا تعارض في نفس الأمر عندئذٍ.\nأما أن يكون الدليلان قطعيين - سندًا ومتنًا - ثم يتعارضان، فهذا لا يكون أبدًا، لا بين نقليين، ولا بين عقليين، ولا بين نقلي وعقلي» (١).\nوخلاصة اعتقاد أهل السنة في الباب «أن الأدلة العقلية الصريحة توافق ما جاءت به الرسل، وأن صريح المعقول لا يناقض صحيح المنقول، وإنما يقع التناقض بين ما يدخل في السمع وليس منه، وما يدخل في العقل وليس منه» (٢).\n_________\n(١) منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد لعثمان علي حسن (١/ ٣٦٦).\n(٢) (درء تعارض العقل والنقل)، لتقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، دار الكتب العلمية، بيروت، ٤١٧ هـ، تحقيق عبداللطيف عبد الرحمن، (١/ ٢٣١، ٢٣٢).","vol":"1","page":51},{"text":"وقد أعمل الصحابة ﵃ هذا الأصل، وتلقاه عنهم التابعون، وتواترت عبارات أهل العلم بهذا المعنى.\nقال ابن تيمية ﵀: «فكان من الأصول المتفق عليها بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان أنه لا يقبل من أحد قط أن يعارض القرآن برأيه ولا ذوقه ولا معقوله ولا قياسه ولا وجده، فإنهم ثبت عنهم بالبراهين القطعيات، والآيات البينات أن الرسول جاء بالهدى ودين الحق، وأن القرآن يهدي للتي هي أقوم» (١).\nوقال الإمام الشافعي ﵀: «كل شيء خالف أمر رسول الله - ﷺ - سقط، ولا يقوم معه رأي ولا قياس، فإن الله تعالى قطع العذر بقول رسول الله - ﷺ -، فليس لأحد معه أمر ولا نهي غير ما أمر هو به» (٢).\nوقال الإمام مالك ﵀: «أو كلما جاء رجل أجدل من الآخر، رد ما أنزل جبريل على محمد - ﷺ -» (٣).\nومن ثمرات الالتزام بهذه القاعدة، إثبات عصمة الشرع الحكيم إذ ليس فيه ما يخالف العقل الصحيح، وسد باب التأويل والتفويض، واستقامة الحياة على الوجه الأتم الأكمل عند نفي التعارض بين وحي الله تعالى وخلقه، فتنعم البشرية بهدي الله وشرعه وتنتفع بما أنعم على خلقه. (٤)\n_________\n(١) مجموع الفتاوي (١٣/ ٢٨).\n(٢) (كتاب الأم) لمحمد بن إدريس الشافعي، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الثانية، ١٣٩٣ هـ، (٢/ ١٩٣).\n(٣) (شرح أصول اعتقاد السنة) لهبة الله ابن الحسن بن منصور اللألكائي، دار طيبة، الرياض، ١٤٠٢ هـ، تحقيق أحمد سعد حمدان (١/ ١٤٤).\n(٤)","vol":"1","page":52},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>الفصل الأول\nنبذة عن محمد رشيد رضا</span>\nويتضمن المباحث التالية:\nالمبحث الأول: نسبه ومولده.\nالمبحث الثاني: نشأته وطلبه للعلم.\nالمبحث الثالث: بداية التحول.\nالمبحث الرابع: هجرته إلى مصر.\nالمبحث الخامس: مجلة المنار.\nالمبحث السادس: جهوده الإصلاحية.\nالمبحث السابع: مذهبه.\nالمبحث الثامن: عقيدته.\nالمبحث التاسع: وفاته.\nالمبحث العاشر: أثاره ومؤلفاته.","vol":"1","page":53},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>المبحث الأول\nنسبه ومولده</span>\nهو محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن السيد منلا علي خليفة البغدادي.\nفهو بغدادي الأصل، حسيني النسب، حيث يرجع نسبه إلى الصحابي الجليل، الحسين بن علي بن أبي طالب ﵄. (١)\nحيث كان يؤكد ذلك النسب في كثير من كتاباته، كأن يقول عن الإمام علي﵁ - (جدنا المرتضى ﵇). (٢)\nويقول: (جدنا الحسين ﵇). (٣)\nويقول: (جدنا جعفر الصادق ﵇). (٤)\n_________\n(١) انظر كتاب (الأعلام) لخير الدين الزركلي (٦/ ١٢٦) ط دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الثانية عشر ١٩٩٧٠ م.\nوكتاب (السيد رشيد رضا أو إخاء أربعين سنة) لشكيب أرسلان، ص ٨٠٩، مطبعة ابن زيدون، دمشق، الطبعة الأولى ١٣٦٥ هـ.\n(٢) مجلة المنار (١٣/ ١٣٢).\n(٣) المصدر السابق (١٥/ ٧٨).\n(٤) تفسير المنار (١/ ٥١).","vol":"1","page":55},{"text":"وقد ولد محمد رشيد رضا في ٢٧ جمادي الأولى سنة ١٢٨٢ هـ الموافق ٢٣ سبتمبر سنة ١٨٦٥ م.\nفي القلمون بعد ما نزحت أسرته إليها من بغداد.\nوهي قرية تقع على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، وتبعد عن طرابلس الشام (١) نحو ثلاثة أميال. (٢)\n_________\n(١) طرابلس الشام يقصد بها طرابلس التي في لبنان، وذلك للتفريق بينها وبين طرابلس الأفريقية التي هي عاصمة ليبيا.\n(٢) «رشيد رضا أو إخاء أربعين سنة» شكيب أرسلان، ص ١٥، رشيد رضا «المنار والأزهر»، ص ١٣٣، ط ١، المنار سنة ١٣٥٣ هـ.","vol":"1","page":56},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>المبحث الثاني\nنشأته وطلبه للعلم</span>\nنشأ الشيخ محمد رشيد رضا في أسره متدينة، أشتهرت بالعلم والصلاح والتقى والعفاف والاستقامة على طاعة الله، فكان والد الشيخ رشيد هو شيخ قرية القلمون، وإمام مسجدها.\nوكانت قرية (القلمون) قد اشتهر أهلها بحسن السيرة، والتدين والاستقامة، وقلة ظهور المنكرات بينهم، فلقد كان لنشأة رشيد رضا في أسرة متدينة وفي قرية يغلب عليها طابع التدين والاستقامة والبعد عن المنكرات، أثر كبير في تكوين شخصيته وفكره وأخلاقه وسلوكه.\nفنشأ محبًا للتدين والاستقامة والعبادة، ملازما أهل الصلاح والتقى والخير، حريصًا على وقته، دائم الجلوس في المسجد (١).\nوقد كان في سن المراهقة يذهب إلى المسجد في السحر ولا يعود إلا بعد ارتفاع الشمس، حتى أنه أتخذ لنفسه حجرة خاصة في المسجد للعبادة والمطالعة.\nيقول عن نفسه «كانت تلذ لي صلاة التهجد تحت الأشجار في بساتينها الخالية وأفكر في صدق من قال» أهل الليل في ليلهم أنعمُ من أهل اللهو في\n_________\n(١) (المنار والأزهر) للشيخ محمد رشيد رضا، طبعة المنار، القاهرة، ١٣٥٢ هـ، ص ١٣٣.","vol":"1","page":57},{"text":"لهوهم» وقول الآخر «لو يعلم الملوك ما نحن فيه لقاتلونا عليه بالسيف» نعم إن للبكاء من خشية الله وتدبر كتابه في صلاة الليل حيث يعلم المصلي أنه لا يسمع صوته أحد إلا الله لذة روحية تعلو كل لذات الضحك واللهو على اختلاف أسبابها». (١)\nأما بداية طلبه للعلم، فكانت في قريته (القلمون) حيث دخل في كُتابها وتعلم مبادئ القراءة والكتابة وقواعد الحساب، وحفظ بعض أجزاء القرآن الكريم (٢).\nثم التحق بعد ذلك بالمدرسة (الرشيدية) في طرابلس الشام، وهي مدرسة ابتدائية تابعة للدولة العثمانية، والتعليم فيها بالتركية، حيث يُدرس فيها مبادئ العلوم الشرعية واللغوية ومبادئ الجغرافيا لكن لم يستمر بها إلا سنةً واحدة ثم تركها (٣).\nثم التحق بعد ذلك بالمدرسة (الوطنية الإسلامية في عام ١٣٠٠ هـ - ١٨٨٣ م) في طرابلس الشام أيضًا، والتي أسسها الشيخ حسين الجسر (٤)، والتي كان التعليم فيها باللغة العربية وتُدرس فيها اللغة التركية والفرنسية.\n_________\n(١) نفس المصدر ص ١٣٧.\n(٢) نفس المصدر ص ١٣٩.\n(٣) رشيد رضا (المنار والأزهر) ص ١٣٩.\n(٤) هو حسين بن محمد بن مصطفى الجسر الطرابلسي، عالم وأديب وصحفي، ولد بطرابلس الشام سنة ١٨٤٥ م وتوفي فيها سنة ١٩٠٩ م من آثاره «الرسالة الحميدية» انظر معجم المؤلفين (٤/ ٥٨).","vol":"1","page":58},{"text":"وكانت غاية الشيخ الجسر من إنشاء هذه المدرسة هو الجمع بين العلوم الدينية والعلوم العصرية، حيث كان يرى أن الأمة الإسلامية لا ترقى إلا بالجمع بين علوم الدين والدنيا.\nولكن المدرسة لم تعمر طويلًا وأغُلقت، وذلك بسبب أن الحكومة العثمانية رفضت اعتبار هذه المدرسة مدرسة دينية وبالتالي لم تعفِ طلابها من الخدمة العسكرية، الأمر الذي أدى إلى إلغائها وتفرق طلبتها على بقية المدارس (١)، فالتحق رشيد رضا بالمدارس الدينية بطرابلس، ومع هذا لم يقطع صلته بأستاذة حسين الجسر، فظل ينهل الكثير من المدرسة، ومن الشيخ الجسر، حتى نال الشهادة العالمية من المدرسة، ونال الإجازة في التدريس من شيخه.\nحيث تلقى عنه العلوم الشرعية والعربية، فشرح له حاشية البيجوري على الجوهرة في العقائد على الطريقة الأشعرية، وقرأ عليه الشيخ رشيد كتابًا في المنطق، وكان الشيخ حسين الجسر أشعريًا، وقد ألف كتابه «الحصون الحميدية» وسلك فيه طريقة المتكلمين الأشاعرة في العقيدة وألف «الرسالة الحميدية» ليوفق بين النصوص الدينية ونظرية النشوء والارتقاء. (٢)\n_________\n(١) رشيد رضا (المنار والأزهر) ص ١٣٩.\n(٢) رشيد رضا، مجلة المنار (١٩/ ٦٩) وكتاب (المنار والأزهر) ص ١٤١.","vol":"1","page":59},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>شيوخه:</span>\n١ - الشيخ محمود نشابه (١) حيث قرأ عليه الأربعين النووية وأجازه بها، وحضر دروسه في شرح صحيح البخاري في الجامع الكبير، وقرأ عليه صحيح مسلم، وشرح المنهاج في بيته، وتلقى عنه الفقه الشافعي.\nيقول عنه الشيخ رشيد: «وما عرفت قيمتهُ وتفوقه على جميع من لقيت من علماء الإسلام في علومه إلا بقراءة صحيح مسلم عليه، فإنني كنت أقرأ عليه المتن فيضبط لي الرواية أصح الضبط، من غير مراجعة ولا نظر في شرح، وأسأله عن كل ما يشكل علي من مسائل الرواية والدراية فيجيبني عنه أصح جواب، وكنت أراجع بعض تلك المسائل بعد الدرس في شرح مسلم وغيره، ولا أذكر أنني عثرت على خطأ في شيءٍ منها». (٢)\n٢ - الشيخ عبد الغني الرافعي (٣)، حيث تلقى عنه العلوم العربية\n_________\n(١) هو الشيخ محمود نشابه ولد عام (١٣٠٨ هـ) من أهل طرابلس الشام، جلس في مصر بالأزهر نحو ثلاثين سنة طالبًا ومدرسًا، كان يشبه بالشافعي، من كتبه حاشية على متن البيقونية في مصطلح الحديث وحاشية على شرح الفناري في المنطق وحاشية على همزية البوصري توفي عام ١٨١٣ هـ الموافق ١٨٩٠ م، الأعلام للزركلي (٧/ ١٨٥).\n(٢) مجلة المنار (٢١/ ١٥٥) والمنار والأزهر ص ١٤٢.\n(٣) هو الشيخ عبد الغني الرافعي البيساري الفاروقي ولد عام (١٢٢٣ هـ - ١٨١٨ م) قاضي من فقهاء الحنفية، ولد وتعلم في طرابلس الشام، عين مفتيًا لطرابلس ثلاث سنوات ثم قاضيًا في لواء تعز باليمن، فرئيسًا لاستئناف الحقوق والخبراء في ولاية صنعاء وغلب عليه التصوف في آخر عمره فانقطع للعبادة بمكة وتوفي فيها عام ١٣٠٨ هـ الموافق ١٨٩١ م، له عدة كتب منها «شرح بديعية الصفي الحلي» الأعلام (٤/ ٣٢).","vol":"1","page":60},{"text":"والأدبية، وحضر بعض دروسه في نيل الأوطار للشوكاني (١)، واستفاد كثيرًا من معاشرته في العلم والأدب والتصوف (٢).\n٣ - الشيخ محمد القاوقجي (٣)، حيث درس عليه بعض علوم الحديث، وصفه الشيخ رشيد بأنه «العالم المحدث العابد الشهير» أخذ عنه الشيخ رشيد كتابه في الأحاديث المسلسلة، ومنها المسلسل بالأولية، وكتابه «المعجم الوجيز» في الحديث، وكان الشيخ القاوقجي من أهل الطريقة الشاذلية، وتأثر به الشيخ رشيد في هذا الجانب في أول الأمر (٤).\nوفي هذه الفترة من شبابه كان يكثر من قراءة كتاب «إحياء علوم\n_________\n(١) هو العلامة محمد بن علي بن محمد الشوكاني ولد عام ١١٧٣ هـ الموافق ١٧٦٠ م، في بهجة شوكان من بلاد خولان باليمن ونشأ بصنعاء وتولى القضاء فيها عام ١٢٢٩ هـ مفسر ومحدث وفقيه مجتهد كان يرى تحريم التقليد وله العديد من المؤلفات أبرزها (نيل الأوطار من أسرار منتقى الأخبار) و(فتح القدير) و(السيل الجرار) و(الدرر البهية) وغيرها توفي عام ١٢٥٠ هـ الموافق ١٨٣٤ م، (الأعلام للزركلي ٧/ ١٩٠).\n(٢) مجلة المنار (١/ ١٦٠) (٢١/ ١٥٧).\n(٣) هو الشيخ محمد بن خليل بن إبراهيم أبو المحاسن القاوقجي، ولد عام «١٣٠٥ هـ - ١٨٨٨ م» عالم بالحديث، فقيه حنفي من أهل طرابلس الشام، ولد وتلقى مبادئ العلوم فيها ثم رحل إلى مصر سنة ١٢٣٩ هـ فتفقه في الأزهر وأقام فيه ما يقارب سبعة وعشرون سنة ثم عاد إلى بلدة كان مسند بلاد الشام في عصره له نحو مائة كتاب منها (ربيع الجنان في تفسير القرآن) و(المقاصد السنية في آداب الصوفيه)، توفي حاجًا بمكة عام ١٣٠٥ هـ الموافق ١٨٨٨ م، الأعلام للزركلي (٦/ ١١٨)\n(٤) رشيد رضا (المنار والأزهر) ص ١٤٧ ومجلة المنار (١٤/ ٤٢٨).","vol":"1","page":61},{"text":"الدين» للغزالي (١)، فتأثر به تأثرًا كبيرًا مما جعله يميل إلى الزهد والتصوف واحتقار الدنيا.\nلكنه لم يكن منعزلًا عن الناس وعن مجتمعه، فقد كان إمامًا لمسجد القرية الذي بناه جده، فكان يعظ الناس ويذكرهم ويرشدهم ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويحارب بدع البناء على القبور وتعظيمها. وكان يذهب للمقاهي وينصح من فيها بأداء الصلوات ويبسط في تعليمهم أبواب الفقه ويقرب قواعده للعامة، ويلقي الدروس على نساء القرية لتعليمهن أمور دينهن في الطهارة والعبادات واللباس. (٢)\n_________\n(١) هو العلامة محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي أبو حامد، حجة الإسلام، فيلسوف متصوف، شافعي المذهب، ولد عام ٤٥٠ هـ الموافق ١٠٥٨ م، في الطاجران (قصبة طوس، بخرسان) رحل إلى نيسابور ثم إلى بغداد فالحجاز فبلاد الشام فمصر ثم عاد إلى بلدته، له نحو مائتي مصنف أشهرها إحياء علوم الدين وتهافت الفلاسفة والمستصفى من علم الأصول وإلجام العوام عن علم الكلام وغيرها، توفي عام ٥٠٥ هـ الموافق ١١٠٠ م في خرسان «الأعلام للزركلي ٧/ ٢٢»\n(٢) رشيد رضا (المنار والأزهر) ص ١٥٠.","vol":"1","page":62},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>المبحث الثالث\nبداية التحول</span>\nكانت بداية التحول في منهج رشيد رضا بتحوله من التصوف والزهد إلى الاهتمام بإصلاح المسلمين والذود عنهم، في عام ١٣١٠ هـ/ ١٨٩٢ م، حيث كان يبلغ عمره آنذاك ثمانٍ وعشرين سنة.\nوسبب هذا التحول، هو وقوع أعداد من مجلة «العروة الوثقى» في يديه والتي كان يصدرها جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده من باريس، فأعجب بها وبمقالاتها وبما يكتب بها، فأخذ يبحث عن بقية أعداد المجلة فوجدها كاملة في مكتبة شيخه حسين الجسر، فنسخها، وأنكب على مطالعتها. (١)\nيقول الشيخ رضا: «كنتٌ أقلب في أوراق والدي فرأيت عددين من جريدة العروة الوثقى فقرأتهما بشوق ولذة، ففعلا في نفسي فعل السحر، وكان كل عدد منها كسلك من الكهرباء اتصل بي فأحدث في نفسي من الهزة والانفعال والحرارة والاشتعال ما قذف بي من طور إلى طور ومن حال إلى حال وكان همي قبل ذلك محصورا في تصحيح عقائد المسلمين ونهيهم عن المحرمات وحثهم على الطاعات وتزهيدهم في الدنيا ...\n_________\n(١) (تاريخ الأستاذ الإمام) محمد رشيد رضا، طبعة مطبعة المنار، الطبعة الأولى، ١٣٥٠ هـ، (١/ ٨٤).","vol":"1","page":63},{"text":"فتعلقت نفسي بعد ذلك بوجوب إرشاد المسلمين عامة إلى المدنية والمحافظة على ملكهم ومباراة الأمم العزيزة في العلوم والفنون والصناعات، وجميع مقومات الحياة، فطفقت استعد لذلك استعدادًا». (١)\n_________\n(١) المصدر السابق (١/ ٨٤ - ٨٥).","vol":"1","page":64},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>المبحث الرابع\nهجرته إلى مصر</span>\nبعدما قرأ رشيد رضا العروة الوثقى، أعجب أشد الإعجاب بجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، فكان يتمنى أن يلتقي بجمال الدين الأفغاني، وأن ينهل من علمه وحكمته وخبرته في الإصلاح.\nقال الشيخ رشيد: «توجهت نفسي بتأثير العروة الوثقى إلى الهجرة إلى السيد جمال والتلقي عنه، وكان قد جاء إلى الآستانة فكتبت إليه بترجمتي ورغبتي في صحبته، وأنه لا يصدني عنها إلا إقامته في الآستانة لاعتقادي أنه لا يستطيع طول المقام فيها، وعللت ذلك بقولي «لأن بلاد المشرق أمست كالمريض الأحمق يأبي الدواء ويعافه لأنه دواء»، وبعد أن توفاه الله تعالى إليه فيها، تعلق أملي بالاتصال بخليفته الشيخ محمد عبده للوقوف على أخباره وآرائه في الإصلاح الإسلامي، ومازلت أتربص الفرص لذلك حتى سنحت لي في رجب سنة ١٣١٥ هـ وكان ذلك عقب إتمام تحصيلي للعلم في طرابلس، وأخذ شهادة العالمية أو التدريس من شيوخي فيها، فهاجرت إلى مصر». (١)\nولكن في الحقيقة هناك أسباب أخرى دفعت الشيخ رضا للهجرة إلى مصر والإقامة فيها، حيث يقول الشيخ رشيد «عزمت على الهجرة إلى مصر\n_________\n(١) تفسير المنار (١/ ١٠ - ١٢).","vol":"1","page":65},{"text":"لما فيها من حرية العمل واللسان والقلم، ومن مناهل العلم العذبة الموارد، ومن طرق النشر الكثيرة المصادر، وكان أعظم ما أرجوه من الاستفادة في مصر، الوقوف على ما استفاده الشيخ محمد عبده من الحكمة والخبرة وخطة الإصلاح التي استفادها من صحبة السيد جمال الدين، وأن أعمل معه، وبإرشاده في هذا الجو الحُر ...». (١)\nفهاجر الشيخ محمد رشيد رضا إلى مصر في عام ١٣١٥ هـ الموافق ١٨٩٧ م، وكان عمره آنذاك ثلاثة وثلاثين عامًا تقريبًا.\nوحل ضيفًا على الشيخ محمد عبده وكان لا يعرف في مصر قبل هجرته أحد غيره، إذ سبق له اللقاء به أثناء فترة نفيه إلى بيروت عام ١٨٨٥ م، والتقى به كذلك في طرابلس عام ١٨٩٤ م عندما كان الشيخ عبده يصطاف هناك فلازمه ووثق علاقته به. (٢)\n_________\n(١) انظر أحمد بركات، محمد رشيد رضا ودوره في الحياة الفكرية والسياسية ص ٢٤ - ٢٧، دار عمان الأردن - ط الأولى ١٤٠٩ هـ - ١٩٨٩ م\n(٢) تاريخ الأستاذ الإمام (١/ ٩٩٥).","vol":"1","page":66},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>المبحث الخامس\nمجلة المنار</span>\nكان السيد محمد رشيد رضا من قبل هجرته إلى مصر يتمنى أن ينشئ مجلة تحل محل مجلة «العروة الوثقى» والتي توقفت بعد ثمانية عشر عددًا، وتكون بنفس القيمة العلمية لها، وتسير على نفس النهج الذي سارت عليه، حيث تدعو إلى الإصلاح ومعالجة أوضاع المسلمين وحل مشاكلهم وما يستحدث من المسائل الشرعية.\nفعرض فكرته على أستاذة الإمام محمد عبده، فوافق الأستاذ ولكن بعد أن اقترح ثلاثة أمور:\nالأولى: وهي أن لا تتحيز لحزب من الأحزاب.\nالثانية: وهي أن لا يرد على أي جريدة من الجرائد التي تتعرض له بالذم أو الانتقاد.\nالثالثة: وهي أن لا يخدم أفكار أحد من الكبراء.\nفوافقه رشيد رضا على اقتراحاته الثلاثة، ثم بعد ذلك شاوره في اختيار اسم لها وعرض عليه مجموعة من الأسماء ومن بينها المنار، فاختار المنار.\nوصدر العدد الأول من المجلة في ٢٢/ شوال سنة ١٣١٥ هـ الموافق ١٧/ مارس سنة ١٨٩٨ م.","vol":"1","page":67},{"text":"أي بعد ثلاثة أشهر تقريبا من وصوله إلى مصر. (١)\nوكتب رشيد رضا في افتتاحية العدد الأول منها: «أما بعد: فهذا صوتٌ صارخ بلسانٍ عربي مبين، ونداءُ حق يقرع سمع الناطق بالضاد مسامع جميع الشرقيين ... يقول أيها الشرقي المستغرق في منامه، المبتهج بلذيذِ أحلامه، حسبك حسبك، فقد جاوزت بنومك حد الراحة ....». (٢)\nوفي مقدمة الطبعة الثانية للعدد الأول يقول عن أغراض المنار «أغراضها كثيرة يجمعها الإصلاح الديني والاجتماعي والسياسي لأمتنا الإسلامية، هي ومن يعيش معها وتتصل مصالحة بمصالحها، وبيان اتفاق الإسلام مع العلم والعقل، وموافقته لمصالح البشر في كل قُطر وكل مصر وإبطال ما يورد من الشبهات عليه، وتفنيد ما يعزى من الخرافات إليه .....». (٣)\nوكانت في بداية إنشائها تصدر كل أسبوع على شكل «الجريدة اليومية» وتتكون من ثماني صفحات، وبعد عام من الصدور صارت على شكل «مجلة» تصدر كل أسبوع أيضًا، ثم أصبحت في العام التالي تصدر مرتين في الشهر، وبعد سنتين ونصف أو ثلاث أصبحت تصدر كل شهر عربي مرة.\nوكان الشيخ رشيد يكتب على الصفحة الأولى «المنار مجلة شهرية تبحث في فلسفة الدين وشؤون الاجتماع والعمران».\n_________\n(١) انظر «تاريخ الأستاذ الإمام» رشيد رضا (١/ ١٠٣).\n(٢) مجلة المنار (١/ ١ - ٢).\n(٣) مجلة المنار (١٢/ ١).","vol":"1","page":68},{"text":"وكانت المنار في بداية صدورها تطبع في مطابع خاصة، ثم اشترى الشيخ رشيد مطبعة خاصة للمنار، يطبع فيها المجلة وغيرها من كتبه ومطبوعاته.\nولم يمر سبعة أعوام على المجلة حتى ذاع صيتها واشتهرت بين أوساط المثقفين وطلبة العلم، وحرص الناس على اقتنائها وقراءتها، فكانت في عصرها أكبر وأشهر مجلة إسلامية في العالم، ولا تزال تحتل هذه المكانة المرموقة في الصحافة الإسلامية حتى اليوم على الرغم من مرور أكثر من سبعين عامًا على انقطاعها. (١)\nوكانت المجلة تستهل عددها بتفسير القرآن الكريم، والذي كان محمد عبده يلقيه في جامع الأزهر، ثم يقيده رشيد رضا بعد ذلك وينشره في المجلة، وبعد وفاة الإمام أصبح رشيد رضا هو الذي يكتب التفسير في أعداد المجلة.\nثم بعد ذلك يأتي قسم «فتاوى المنار» حيث تنشر فيها الإجابة على الأسئلة التي ترد إلى المجلة من جميع أقطار العالم الإسلامي.\nبالإضافة إلى أبواب أخرى في المجلة مثل «باب البدع والخرافات»، «باب المراسلة والمناظرة» «وباب تراجم الأعيان» و«باب» الآثار العلمية والأدبية» و«باب للأخبار والآراء».\nوكانت أغلب المقالات والبحوث يكتبها رشيد رضا بنفسه، وقد ينشر بعض المقالات والبحوث المميزة التي يرسلها إليه العلماء والمثقفون لنشرها\n_________\n(١) انظر «الصحافة الإسلامية في القرن التاسع عشر» للأستاذ سامي عبد العزيز العومي - دار الوفاء - المنصورة - مصر - ١٩٩٢ م.","vol":"1","page":69},{"text":"في المجلة فينشرها.\nولعل من أبرز من كتب في المنار ونشرت كتاباته «مصطفى صادق الرافعي (١) ومصطفى لطفي المنفلوطي (٢) وحافظ إبراهيم (٣) وشكيب أرسلان (٤)\nومحمد الخضر حسين (٥) وعبد القادر المغربي (٦) وغيرهم من قادة\n_________\n(١) وهو عالم بالأدب، شاعر، من كبار الكتاب في عصره، أصله من طرابلس الشام، له العديد من المؤلفات أشهرها (وحي القلم) طبع في ثلاث مجلدات وتاريخ آداب العرب طبع في مجلدين وكتاب في إعجاز القرآن والبلاغة النبوية طبع في مجلد واحد وكتاب المعركة طبع في مجلد واحد وهو رد على كتاب الدكتور طه حسين في الشعر الجاهلي (الأعلام للزركلي) (٧/ ٢٣٥).\n(٢) وهو نابغة في الإنشاء والأدب، شاعر وكاتب، ولد في منفلوط في مصر، من مدن الوجه القبلي بمصر درس في الأزهر واتصل بمحمد عبده اتصالا وثيقًا، له العديد من المؤلفات من أشهرها (مختارات المنفلوطي) (الأعلام للزركلي) (٧/ ٢٤٠).\n(٣) وهو شاعر مصر القومي، ومدون أحداثها نيفًا وربع قرن يلقب بشاعر النيل عين رئيسًا في القسم الأدبي في دار الكتب المصرية عام ١٩١١ م واستمر فيها إلى قبيل وفاته له العديد من المؤلفات منها ديوان حافظ طبع في مجلدين والبؤساء وغيرها (الأعلام للزركلي) (٦/ ٧٦).\n(٤) وهو عالم بالأدب والسياسة، مؤرخ، من أكابر الكتاب في عصره، يُنعت بأمير البيان، من أعضاء المجمع العلمي العربي، من أشهر مؤلفاته (رشيد رضا أو إخاء أربعين سنة) و(الحلل السندسية في الرحلة الأندلسية) و(غزوات العرب في فرنسا وشمالي إيطاليا) ولماذا تأخر المسلمون (الأعلام للزركلي) (٣/ ١٧٣).\n(٥) وهو عالم إسلامي أديب وباحث وممن تولوا مشيخة الأزهر، من مؤلفاته (الخيال في الشعر العربي) و(حياة اللغة العربية) و(الحرية في الإسلام) و(بلاغة القرآن)، (الأعلام للزركلي) (٦/ ١١٤).\n(٦) وهو عالم ومفسر وكاتب صحفي، وكان عضو في المجمع العلمي العربي له العديد من المؤلفات منها (الاشتقاق والتعريب) و(البيانات) و(مجموعة مقالات له في جزءين) (أعلام الأدب أدهم الجندي) ج ٢/ ١٢٠.","vol":"1","page":70},{"text":"الفكر والإصلاح في المجتمع.\nولم تقتصر المجلة على البحوث الدينية، بل نشرت كثيرا من المقالات والبحوث في الطب والصحة والأدب والشعر والاجتماع والطبيعة وغيرها من المواضيع المهمة.\nوهكذا استمرت المنار في الصدور أربعين عامًا حتى وفاه مؤسسها الشيخ محمد رشيد رضا في عام ١٩٣٥، حيث بذل كل ما في وسعه من أجل نجاحها وانتشارها واستمرارها، فكانت منارةً للعلم والإصلاح والثقافة والفتيا، وكانت سببًا في شهرة السيد رشيد رضا والأستاذ محمد عبده ولقد وصلت أعداد مجلة المنار في تلك الفترة كافة أنحاء العالم الإسلامي حتى أنها وصلت الهند وأندونيسيا.\nوبعد وفاة مؤسسها السيد رشيد رضا توقفت المجلة عن الصدور لمدة سبعة أشهر، ثم بعد ذلك أسندت رئاسة تحريرها إلى الشيخ «بهجت البيطار». (١)\n_________\n(١) هو محمد بهجت بن محمد البيطار، ولد عام ١٨٩٤ م في دمشق عالم، وقاضي، ومصلح، وخطيب، ومؤلف، يعتبر من دعاة السلفية في الشام، كان مدير المعهد العلمي في مكة في عهد الملك عبد العزيز آل سعود ومدرسًا في الحرم المكي وكان عضو في رابطة العلماء في دمشق ودَرس في كلية الشرعية في دمشق، توفي عام ١٩٧٦ م في دمشق «رجال من التاريخ، علي طنطاوي» دار المنار - جدة - السعودية - ط الثامنة ١٤١٣ هـ.","vol":"1","page":71},{"text":"فقام على تحريرها وإعادة إصدارها، وحاول إكمال التفسير الذي كان ينهض به الشيخ رشيد فأتم تفسير سورة يوسف ثم توقفت المنار مره أخرى لمدة تقترب من الثلاث سنوات، ثم أسندت أسرة الشيخ رشيد إصدار المجلة إلى الشيخ «حسن البنا» (١) فأصدر منها ستة أعداد على مدى أربعة عشر شهرًا ثم توقفت بعد ذلك في عام ١٩٤٠ م. (٢)\n_________\n(١) هو حسن بن أحمد بن عبد الرحمن البنا، مؤسس جماعة الأخوان المسلمين بمصر، ولد في المحمودية بمصر سنة ١٩٠٦ م، وكان خطيبًا مفوهًا ينحو منحي الوعظ والإرشاد في خطبة، توفي عام ١٩٤٩ م بعدما تصدى له ثلاثة أشخاص فأطلقوا عليه النار فتوفي «الأعلام ٢/ ١٨٣».\n(٢) انظر إبراهيم العدوي «رشيد رضا الإمام المجاهد» الدار المصرية للتأليف - القاهرة. وأحمد الشرباصي «رشيد رضا، الصحفي، المفسر، الشاعر» مطبوعات مجمع البحوث الإسلامية - القاهرة - ١٩٧٧ م.","vol":"1","page":72},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>المبحث السادس\nجهوده الإصلاحية</span>\nكان للشيخ محمد رشيد رضا الكثير من الجهود الإصلاحية في المجتمع، والتي حاول من خلالها إصلاح أحوال الأمة الإسلامية وإخراجها مما هي فيه من ضياع الهوية والتخلف الفكري والتعليمي والديني والسياسي، والتبعية والإعجاب بالحضارة الغربية إلى حد التقليد الأعمى والافتتان بها، وسوف أعرض فيما يلي مجالات الإصلاح التي قام بها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>أ) الإصلاح التعليمي:</span>\nكان الشيخ محمد رشيد رضا حريصًا جدًا على إصلاح التعليم في مصر لاسيما التعليم الديني المتمثل بالأزهر آنذاك.\nفكتب الكثير من المقالات في مجلة المنار ينتقد فيها الوضع التعليمي في مصر ومن ذلك قوله «ومن العار على مصر أن تكون على سبقها البلاد العربية كلها إلى التعليم العصري خالية من مدرسة كلية للعلوم العالية بجميع فروعها، تغنيهم عن المدارس الأجنبية الخالية من لغتهم ومن التربية الملَّية التي تليق بهم». (١)\nوكتب أيضا الكثير من المقالات التي ينتقد فيها التعليم بالأزهر والذي\n_________\n(١) مجلة المنار (١٤/ ٥٦٦).","vol":"1","page":73},{"text":"وصفه أنه يتسم بالجمود والتقليد وعدم مواكبة العصر، وأنه لابد من فتح باب الاجتهاد وفهم الدين على طريقة سلف الأمة، حتى أنه كتب في ذلك كتابًا بعنوان «المنار والأزهر» ضمنه آراءه في الإصلاح التعليمي.\nوقد كان الشيخ رشيد من أوائل المصلحين الذين طالبوا بإدخال بعض الفنون في ميدان التعليم لمسايرة ركب العلم والمعرفة، كعلم أصول الدين وتهذيب الأخلاق وفقه الحلال والحرام والعبادات والاجتماع والتاريخ والاقتصاد والحساب والصحة والخط. (١)\nوقد بلغ الشيخ من تشجيعه على العلم والتعليم أن أفتى بأنه إذا وجد في بلد مسجد لإقامة الشعائر، فبناء المدارس والوقوف عليها في ذلك البلد أفضل لا محالة، بل لا فضل في بناء مسجد لا حاجة إليه، لأن من أغراض الشريعة جعل المسجد على قدر الحاجة لما في كثرتها من تفريق المسلمين. (٢)\nولم يكتف الشيخ رشيد بالجانب النظري في محاولة الإصلاح التعليمي والحث على التعليم والتعلم، فلقد قام الشيخ رشيد بإنشاء مدرسة في مصر سماها باسم مدرسة «دار العلم والإرشاد» والتي أنشئت تحت رعاية جمعية عرفت باسم «جماعة الدعوة والإرشاد» حيث انتخب لرئاسة هذه الجمعية محمود بك سالم وانتخب رشيد رضا وكيلًا لها، وناظرًا لمدرسة «العلم والإرشاد». (٣)\n_________\n(١) رشيد رضا لإبراهيم العدوي ١٧٧ - ١٧٨.\n(٢) مجلة المنار (١١/ ٧٨).\n(٣) مجلة المنار (١٤/ ١١٥).","vol":"1","page":74},{"text":"والتي افتتحت الدراسة بها عام ١٣٣٠ هـ، وكانت تمنح الطالب شهادة مرشد بعد ثلاث سنوات من الدراسة تؤهله للدعوة والإرشاد بين المسلمين، أما إذا واصل الدراسة ثلاث سنوات أخرى فيصبح داعيًا من الدعاة لغير المسلمين للدخول في الإسلام، وكان لهذه المدرسة أثر كبير في إعداد الدعاة. (١)\nوأما المدرسون فيها، فقد كان يدرس فيها بجوار الشيخ رشيد رضا الشيخ محب الدين الخطيب (٢) والشيخ أحمد العبد بن الشيخ سليمان العبد من علماء الأزهر وغيرهم.\nومن أبرز الطلاب الذين درسوا بها:\n١ - الشيخ محمد بهجت البيطار. (٣)\n٢ - الشيخ يوسف ياسين. (٤)\n٣ - الشيخ محمد حامد الفقي. (٥)\n_________\n(١) انظر كتاب منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير للدكتور فهد الرومي (١/ ١٧٩) الطبعة الثانية ١٩٨٣ م.\n(٢) هو محب الدين بن أبي الفتح بن عبد القادر بن صالح الخطيب، ولد بدمشق سنة ١٣٠٣ هـ / ١٨٨٦ م، عالم ومؤلف له الكثير من الكتب أشهرها الخطوط العريضة التي قام عليها دين الشيعة، توفي عام ١٣٨٩ هـ / ١٩٦٩ م في مصر (الأعلام للزركلي) (٥/ ٨٢).\n(٣) من أكابر أهل العلم في عصره وقد تمت الترجمة له في صفحة ٥٢.\n(٤) وقد كان مستشارًا للملك عبد العزيز آل سعود ﵀، انظر الزركلي، الأعلام (٨/ ٢٥٣).\n(٥) مؤسسي جماعة أنصار السنة المحمدية في مصر، ومن أكابر أهل العلم.","vol":"1","page":75},{"text":"٤ - الشيخ محمد عبد الرزاق حمزه. (١)\n٥ - الشيخ عبد الظاهر أبو السمح. (٢)\n٦ - الشيخ أمين الحسيني. (٣) (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>ب) الإصلاح الديني:</span>\nكان للشيخ محمد رشيد رضا أيضا جهود واضحة في محاولة إصلاح الواقع الديني للمسلمين في مصر والعالم الإسلامي من خلال مجلته المنار والتي كان ينادي من خلالها المسلمين بالتمسك في دينهم والاعتصام بسنة نبيهم - ﷺ -.\nولقد كان ينادي بوجوب تصفية العقيدة الإسلامية من البدع والخرافات والشرك، وتعظيم القبور والتوسل بها.\nولقد انبرى الشيخ رشيد ومن خلال مقالاته في مجلة المنار بالدفاع عن الشريعة الإسلامية وبيان محاسنها وأنها صالحةٌ لكل زمانٍ ومكان، وكان يقوم بالرد على كثير من الشبهة والافتراءات التي تحاول الطعن في الإسلام والتقليل من شأنه، والتي كان يثيرها المستشرقين تارة ومن تأثر بالثقافة الغربية من أبناء المسلمين تارة.\n_________\n(١) كان إمام وخطيبًا ومدرسًا في الحرم المكي، له بعض المؤلفات منها ظلمات أبي ريه والشواهد والنصوص وهو نقد لكتاب الأغلال لعبد الله القصيمي الزركلي (٦/ ٢٠٣).\n(٢) من أئمة الحرم المكي، الزركلي (٤/ ١١).\n(٣) وقد كان مفتي فلسطين وزعيمها السياسي، الزركلي (٦/ ٤٥).\n(٤) مجلة المنار (٢١/ ٤٩ - ٥٤) (٢٢/ ٤٣) (١٧/ ٤٦٣).","vol":"1","page":76},{"text":"وكان الشيخ رشيد قد خصص في مجلته قسم للإجابة عن الأسئلة الشرعية التي يتلقاها من قراء المجلة ويجيب عليها، وكان الشيخ يدعو أهل العلم إلى النزول إلى الناس وتعليمهم أمور دينهم وتحمل المشاق المترتبة على ذلك، وكان دائمًا ما يقول «لا إصلاح إلا بدعوة، ولا دعوة إلا بحجة ولا حجة مع بقاء التقليد». (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>ج) الإصلاح السياسي:</span>\nكان للشيخ رشيد رضا بالإضافة إلى جهوده في الإصلاح الديني والتعليمي نشاط سياسي بارز، وهو قلما تجد في شيوخ الدين وأهل العلم، وبخاصة بعد وفاة أستاذه الشيخ محمد عبده والذي كان يكبح جماحه كلما هم بالانطلاق نحو معترك السياسة، حيث يقول «وبعد وفاة الأستاذ الإمام صرفنا وقت الفراغ والراحة الذي كنا نجالسه فيه إلى مجالسه إخواننا العثمانيين المعنيين في القاهرة فازددنا علمًا بسوء الحال وخطر المآل». (٢)\nوكان يكتب الكثير من المقالات السياسية في مجلته المنار والتي حاول من خلالها إيضاح المخاطر التي تحيط بالعالم الإسلامي والعربي، ويبين فيها الأحوال السياسية في العالم والتي تدل على حنكة سياسية قلما تجدها عند علماء المسلمين، فكان يكتب ويحلل الأوضاع السياسية، بحيث لو قرأها إنسان لا يعرفه لقال إنه رجلٌ مختص بالسياسية وتحليلها. (٣)\n_________\n(١) رشيد رضا، الأمام المجاهد، إبراهيم العدوي، صـ ٤٣.\n(٢) نفس المصدر صـ ٥٠.\n(٣) انظر مجلة المنار وكتاباته عن الأحوال السياسية في العالم (١/ ٢٣، ٥٣).","vol":"1","page":77},{"text":"فكتب سلسلة مقالات عن ثورة فلسطين وبيان أسبابها ونتائجها وبيان حال اليهود والانجليز والغرب.\nوكان له كذلك مشاركات واسعة على أرض الواقع من خلال المشاركة في الجمعيات والأحزاب السياسية، والتي من أبرزها:\n١ - جمعية الشورى العثمانية: والتي أسست عام ١٨٩٨ م في القاهرة، وكان رشيد رضا، رئيس مجلس إدارتها، وكانت أهدافها تدور حول نقد الحكم الفردي، وإبراز مزايا الحكم والشورى.\n٢ - حزب الاتحاد السوري: والذي تأسس عام ١٩١٨ م في مصر، وكان رئيسه الأمير ميشيل لطف الله اللبناني الأصل، وكان الشيخ رشيد رضا نائبًا للرئيس، وكان هدف الحزب الكفاح من أجل القضية السورية في الميدان السياسي المحلي والدولي، ضد الاستعمار الفرنسي.\n٣ - جمعية الشبان المسلمين: والتي تأسست عام ١٩٢٧ م في مصر، وكان الشيخ عضوًا نشيطًا فيها، والتي من خلالها تعرف على الشيخ حسن البنا، وحصلت بينهما مراسلات عدة تدور حول مسائل علمية والبحث في أحوال المسلمين. (١)\n_________\n(١) انظر كتاب (محمد رشيد رضا) للشوابكة، وكتاب (موقف المدرسة العقلية الحديثة من الحديث النبوي الشريف دراسة تطبيقية على تفسير المنار)، شفيق بن عبد الله شقير، طبعة المكتب الإسلامي، صـ ٨٠.","vol":"1","page":78},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>المبحث السابع\nمذهبه</span>\nدرس الشيخ محمد رشيد رضا في بداية طلبة للعلم الفقه الشافعي على شيخه العلامة «محمود نشابه»، ولكن بعد هجرته إلى مصر وأقامته واستقراره بها، وملازمته الأستاذ محمد عبده أعجب بمنهجه في محاربة التقليد والتعصب المذهبي. (١)\nفترك التمذهب والتقليد بل وحمل على التقليد والمقلدين، بعدما ظهر له «تحريم التقليد والأخذ فيه بآراء البشر ...». (٢)\nوأن «التقليد ليس من العلم في شيء، والمقلد لا يكون عالمًا ولا مفيدًا للعلم ولا مستفيدًا له». (٣)\nويشير إلى مساوئ التقليد وأثره على المقلد فيقول «ومن رُزِءَ بالتقليد كان محرومًا من ثمرة العقل وهي الحكمة، ومحرومًا من الخير الكثير الذي أوجبه الله لصاحب الحكمة، فيكون كالكرة تتقاذفه وسوسة شياطين الجن وجهالة شياطين الإنس يتوهم أنه قد يستغني بعقول الناس عن عقله وبفقه الناس عن فقه القرآن ...». (٤)\n_________\n(١) رشيد رضا في مقدمه كتاب «تاريخ الأستاذ الإمام».\n(٢) تفسير المنار (٩/ ٥٧٠).\n(٣) مجلة المنار (٦/ ٥٢١).\n(٤) تفسير المنار (٣/ ٧٦).","vol":"1","page":79},{"text":"ويقول أيضًا: «كل ما نزل من الآيات في مدح العلم وفضله واستقلال العقل والفكر وحرية الوجدان يدل على ذم التقليد، وقد ورد في ذمه والنعي على أهله آيات كثيرة، كقوله تعالى ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠)﴾. (١)\nوكقوله تعالى ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٠٤)﴾. (٢) فالله ﷾ ذمهم من ناحيتين:\nإحداهما: الجمود على ما كان عليه آباؤهم والاكتفاء عن الترقي في العلم والعمل، وليس هذا من شأن الإنسان الحي، العاقل، فإن الحياة تقتضي النمو والتوليد والعقل يطلب المزيد والتجديد.\nوالثانية: أنهم باتباعهم لآبائهم قد فقدوا مزية البشر في التمييز بين الحق والباطل، والخير والشر، والحسن والقبيح، بطريق العقل والعلم وطريق الاهتداء في العمل. (٣)\nوفي سبيل محاربة التقليد نشر عدة مقالات في ذم التقليد والتعصب المذهبي، وحمل كذلك على الأزهر لأنه لم يقبل بالحالة التي عليها الأزهر، إذ أنها قائمة على التقليد، فكان يدعو إلى إصلاح التعليم في الأزهر، وألف في ذلك كتابًا بعنوان «الأزهر والمنار».\n_________\n(١) البقرة ١٧٠.\n(٢) المائدة ١٠٤.\n(٣) تفسير المنار (١١/ ٢٥٢).","vol":"1","page":80},{"text":"فكان الشيخ رشيد رضا لا يلتزم بمذهب فقهي معين، فكانت له بعض الآراء الفقهية الجريئة، والتي قد يكون بعضها لم يسبقه إليها أحد، وقد يكون بعضها مخالفًا للإجماع.\nوسوف أذكر هنا بعض هذه الآراء ولكن بشكل موجز مع الرد عليها بشكل سريع ومختصر؛ لكي لا أخرج عن صلب موضوع الرسالة، ولكي يتضح منهجه الفقهي في ذهن القارئ:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>١ - قوله بجواز التيمم بالسفر حتى مع وجود الماء عند تفسير آية التيمم في سورة النساء:</span>\nوهي قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾. (١)\nمتبعًا في ذلك قول أستاذه وشيخه محمد عبده حيث يقول، «قال الأستاذ الإمام: المعنى أن حكم المريض والمسافر إذا أراد الصلاة كحكم المحدث حدثًا أصغر أو ملامس النساء ولم يجد الماء، فعلى كل هؤلاء التيمم فقط. (٢)\nفالشيخ رشيد رضا يرى أن التيمم مباح للمسافر مع وجود الماء، وهذا القول لم يسبق أن قال به أحد، بل إن الإجماع منعقد على خلافه، فالتيمم إنما يباح عند فقد الماء أو عند عدم القدرة على استعماله. (٣)\n_________\n(١) النساء ٤٣.\n(٢) تفسير المنار (٥/ ٩٧).\n(٣) انظر المغني (١/ ١٤٨) طبعة دار الفكر، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٥ هـ.","vol":"1","page":81},{"text":"فالتيمم بدل عن الوضوء والغسل عند انعدام الماء أو تعذر استعماله، قال النووي «هذا مذهبنا وبه قال العلماء كافة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم». (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>٢ - قوله بجواز ربا الفضل، لأنه كما يقول منع سدًا للذريعة إلى الربا الجاهلي فيباح للضرورة: </span>(٢)\nوهذا القول بلا شك مخالف لإجماع أهل العلم والذي حكاه غير واحد منهم. (٣)\nقال بن تيميه: «إن النهي عن الربا في القرآن يتناول كل ما نهي عنه من ربا النسيء والفضل والقرض الذي يجر منفعة وغير ذلك، فالنص متناول لهذا كله وإن قصر نصوص النهي على البعض إنما يقع ممن لم يفهم معاني النصوص». (٤)\nقال ابن قدامه: «والربا على ضربين، ربا الفضل، وربا النسيئه، وأجمع أهل العلم على تحريمهما». (٥)\n_________\n(١) انظر المجموع للنووي (٢/ ٢٤٠)، طبعة دار الفكر، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٥ هـ.\n(٢) انظر كتاب «الربا والمعاملات في الإسلام» محمد رشيد رضا، دار النشر للجامعات، مكتبة الوفاء، ط الأولى ٢٠٠٩.\n(٣) انظر ابن قدامه المغني (٤/ ٣) والنووي شرح مسلم (١١/ ٩) والقرطبي «الجامع لأحكام القرآن ٣/ ٣٥٢».\n(٤) انظر مجموع الفتاوي (٢٠/ ٣٤٧) طبعة عالم الكتب، الرياض ١٣١٢ هـ، وللشيخ محمد بن إبراهيم آل شيخ مفتي الديار السعودية ﵀، رسالة في الرد على رشيد رضا بعنوان «الروضة الندية في الرد على من أجاز المعاملات الربوية».\n(٥) المغني (٤/ ١٣٤).","vol":"1","page":82},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>٣ - قوله بجواز العمل بالحساب في الرؤية الشرعية: </span>(١)\nوهذا القول مخالف لإجماع أهل العلم، قال ابن تيمية: «فإنا نعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن العمل في رؤية هلال الصوم أو الحج أو العدة أو الايلاء أو غير ذلك من الأحكام المتعلقة بالهلال بخبر الحاسب أنه يرى أو لا يرى لا يجوز، والنصوص المستفيضة عن النبي - ﷺ - بذلك كثيرة، وقد أجمع المسلمون عليه، ولا يعرف فيه خلاف قديم أصلا ولا خلاف حديث إلا عن بعض المتأخرين من المتفقهة الحادثين بعد المائة الثالثة في جواز أن يعمل الحاسب في نفسه بالحساب، وهذا شاذ مسبوق بالإجماع على خلافه». (٢)\nقال النووي: «ومن قال بحساب المنازل فقوله مردود بقوله - ﷺ - في الصحيحين (إنا أمة أميه لا نحسب ولا نكتب، الشهر هكذا وهكذا)، ولأن الناس لو كلفوا بذلك ضاق عليهم لأنه لا يعرف الحساب إلا أفراد من الناس في البلدان الكبار، فالصواب ما قاله الجمهور وما سواه فاسد مردود بصرائح الأحاديث السابقة». (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>٤ - موافقته أستاذه محمد عبده بجواز جمع الصلاتين دونما عذر:</span>\nحيث ذكر في مقدمة كتابه «تاريخ الأستاذ الإمام» أن الأستاذ الإمام محمد عبده كان يجمع الصلاتين دونما عذر ثم قال «وهذه كبيرة عند المقلدين».\n_________\n(١) تفسير المنار (٢/ ١٨٥).\n(٢) انظر مجموع الفتاوي (٢٥/ ١١٣) وحاشية ابن عابدين (٢/ ٣٩٣) والمجموع (٦/ ٢٧٩) وبداية المجتهد (١/ ٤٢٣).\n(٣) المجموع (٦/ ٢٧٠).","vol":"1","page":83},{"text":"والصحيح أن هذه كبيرة عند فقهاء أهل السنة قاطبة لا عند المقلدين كما يقول الشيخ رشيد، وأن الذين يجمعون بلا عذر هم الشيعة والإباضية. (١)\nثم إنه لا يجوز الجمع في الحضر إلا عند المطر أو عند الحاجة العارضة لا أن يكون الأصل هو الجمع، وهذا هو قول جمهور أهل العلم. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>٥ - قوله بجواز نكاح الوثنيات: </span>(٣)\nوهذا مخالف لاتفاق العلماء، قال ابن قدامه: «وسائر الكفار غير أهل الكتاب، كمن عبد ما استحسن من الأصنام والأحجار والشجر والحيوان، فلا خلاف بين أهل العلم في تحريم نسائهم وذبائحهم». (٤)\nوقال سيد سابق: «اتفق العلماء على أنه لا يحل للمسلم أن يتزوج الوثنية ولا الزنديقة ولا المرتدة عن الإسلام، ولا عابدة البقر، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾. (٥)\n_________\n(١) انظر «المفسرون مدارسهم ومناهجهم» للدكتور فضل حسن عباس ٥٢، ط دار النفائس ٢٠٠٧ م.\n(٢) انظر مجموع الفتاوي (٢٤/ ٢٥) و» شرح مسلم» للنووي (٢/ ٣٥٠٩).\n(٣) تفسير المنار (٦/ ١٨٥).\n(٤) المغني (١٥/ ١٥١).\n(٥) (فقه السنة) للسيد سابق، (٢/ ٢٠٩) مكتبة الرشد - الرياض ٢٠٠١ م.","vol":"1","page":84},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>٦ - قوله بعدم حرمة أكل لحوم الحمر الأهلية:</span>\nفيقول عند تفسيره قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾. (١)\n«الآية وردت بصيغة الحصر القطعي، فهي نص قطعي في حل ماعدا الأنواع الأربعة التي حصر التحريم فيها». (٢)\n«فليس في القرآن ناسخ لهذه الآية وما في معناها من الآيات المؤكدة لها، ولا مخصص لعمومها». (٣)\nفيرى أن تحريم لحوم الحمر الأهلية كان عارضًا ومؤقتًا.\nوالصحيح هو حرمة لحوم الحمر الأهلية تحريمًا مؤبدًا لحديث أنس بن مالك﵁ - قال «أصبنا من لحوم الحمر يعني يوم خيبر، فنادى منادي رسول الله - ﷺ -، الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر، فإنها رجس أو نجس». (٤)\nوهو الذي عليه جمهور أهل العلم، قال ابن قدامه «أكثر أهل العلم يرون تحريم الحمر الأهلية، قال ابن عبد البر، لا خلاف بين علماء المسلمين اليوم في تحريمها». (٥)\n_________\n(١) الأنعام ١٤٥.\n(٢) تفسير المنار (٨/ ١٤٩).\n(٣) المصدر نفسه.\n(٤) صحيح البخاري - كتاب الذبائح والصيد، باب لحوم الحمر الإنسية (٥/ ٢١٠٣)، رقم (٥٢٠٨).\n(٥) المغني (٧/ ٤٠٤).","vol":"1","page":85},{"text":"قال النووي: «قال بتحريم الحمر الأهلية أكثر العلماء من الصحابة فمن بعدهم، لم نجد عن أحد من الصحابة في ذلك خلافًا إلا عن ابن عباس». (١)\nوذكر ابن حزم أنه نقل تحريم الحمر الأهلية عن النبي - ﷺ - عن طريق تسعة من الصحابة بأسانيد كالشمس، فهو نقل متواتر لا يسع أحد خلافه.\nثم قال «فإن ذكر ذاكر أن ابن عباس أباحها قلنا لا حجة في أحد على الرسول - ﷺ -، فكيف وابن عباس قد أخبر بأنه متوقف فيها، فقد روى البخاري عنه أنه قال «لا أدري أنهى عنه رسول الله - ﷺ -، من أجل أنه كان حمولة الناس فكره أن تذهب حمولتهم، أو حرم في يوم خيبر لحم الحمر، الحمر الأهلية» وإن ذكروا أن عائشة ﵂ أحلتها.\nواحتجت بقوله تعالى ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا ......﴾.\nقلنا لم يبلغها التحريم ولو بلغها لقالت به كما فعلت في الغراب، فقد حرمته مع أنه ليس مذكورًا في الآية». (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>٧ - قوله أن تعدد الزوجات يباح عند الضرورة:</span>\nيقول الشيخ رضا: «إن تعدد الزوجات خلاف الأصل الطبيعي في الزوجية فإن الأصل أن يكون للرجل امرأة واحدة يكون بها كما تكون به زوجًا ولكنه ضرورة تعرض للاجتماع ولا سيما في الأمم الحربية كالأمة الإسلامية، فهو إنما أبيح للضرورة واشترط فيه عدم الجور والظلم». (٣)\n_________\n(١) شرح صحيح مسلم للنووي (٤/ ٣٣٢).\n(٢) (المحلى) لعلي ابن أحمد ابن حزم، طبعة دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت، (٧/ ٤٠٦).\n(٣) تفسير المنار (٤/ ٤٢١).","vol":"1","page":86},{"text":"وهو بقوله هذا يردد ما قاله قبله أستاذه وشيخه محمد عبده إذا يقول «إن إباحة تعدد الزوجات في الإسلام أمرٌ مضيق فيه أشد التضييق كأنه ضرورة من الضرورات التي تباح لمحتاجها بشرط الثقة بإقامة العدل والأمن من الجور». (١)\nفمحمد رشيد رضا وأستاذه محمد عبده يحريان أنه لا يجوز الزواج بثانية ما دامت الزوجة الأولى في عصمته، وليس بها بأس أو عله فجاؤا بقول لم يقل به أحد من قبلهم. (٢)\nوفي الحقيقة أن هذا القول بعيد كل البعد عن الصواب بل وعن الواقع، وهو أيضًا قولٌ مردود إذ لا دليل عليه لا من كتاب الله ولا من سنة نبيه - ﷺ -، ومازال المسلمون منذ عهد النبي - ﷺ - إلى عهدنا هذا يتزوجون من غير ضرورةٍ ولا حاجة من غير نكير من أحد، فمن أين أتى الإمام محمد عبده والشيخ محمد رشيد رضا بهذا القيد وهو أن التعدد لا يباح إلا عند الضرورة؟\nوالذي عليه إجماع أهل العلم أنه يجوز للرجل أن يتزوج أكثر من زوجة، ولم يُذكر عن أحدٍ منهم أنه قيده بالضرورة والحاجة (٣)،\nبل هو من الأمور المباحة التي أباحها الله لعباده حيث قال تعالى ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (٤) قال بن كثير: «أي انكحوا ما شئتم من النساء\n_________\n(١) المصدر السابق (٤/ ٣٤٩).\n(٢) المصدر السابق.\n(٣) «فتح القدير» للشوكاني (١/ ٣٨٥).\n(٤) النساء ٣.","vol":"1","page":87},{"text":"إن شاء أحدكم اثنتين وإن شاء ثلاثًا وإن شاء أربعًا». (١)\nثم أنه لم يكتف الإمام محمد عبده بالقول أن تعدد الزوجات أبيح للضرورة، بل ذهب إلى أبعد من ذلك فقد كان يطالب بإصدار قانون يمنع بموجبه تعدد الزوجات.\nحيث يقول «يجب على العلماء النظر في هذه المسألة خصوصًا الحنفية منهم الذين بيدهم الأمر وعلى مذهبهم الحكم فهم لا ينكرون أن الدين أنزل لمصلحة الناس وخيرهم وأن من أصوله منع الضرر والضرار، فإذا ترتب على شيء مفسدة في زمن لم تكن تلحقه فيما قبله فلا شك في وجوب تغيير الحكم وتطبيقه على الحال الحاضرة، يعني على قاعدة درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وبهذا يعلم أن تعدد الزوجات محرمة قطعا عند الخوف من عدم العدل». (٢)\nويقول: «وأما جواز إبطال هذه العادة أي عادة تعدد الزوجات فلا ريب فيه» (٣) فهو يرى أنها «عادة» وليست حكمًا شرعيًا أباحة الله لعباده.\n_________\n(١) تفسير بن كثير (٢/ ٢٠٧).\n(٢) تفسير المنار (٤/ ٣٤٩).\n(٣) (الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده)، جمع وتحقيق محمد عمارة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، ١٩٧٨ م، (٢/ ٩٤).","vol":"1","page":88},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>المبحث الثامن\nعقيدته</span>\nيعتبر الشيخ محمد رشيد رضا من أصحاب المدرسة العقلية الحديثة بل هو من أحد رموزها والتي تعتبر امتدادً للمدرسة العقلية القديمة (المعتزلة).\nوالتي أسسها جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده والتي لها آراء كثيرة وشطحات تخالف رأي السلف، وذلك لمبالغتهم الشديدة في تحكيم العقل وتقديمه على النصوص الشرعية الصحيحة والتي أعطت العقل أكثر من حقه، وكلفته مالا يطيق، ورفعت من قيمته، وضخمت من حجمه حتى ساوته بالوحي، بل قدمته عليه فقدمت ما زعمته من أحكامه على أحكام الوحي. (١)\nوسوف أذكر هنا جمله من آرائه في العقيدة والتي يكفي بالحكم على من قال ببعضها أنه إلى فكر الاعتزال أقرب منه للسلفية، فكيف بمن قال بها كلها؟\n_________\n(١) للاستزادة في معرفة منهج المدرسة العقلية الحديثة انظر كتاب منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير، للدكتور فهد الرومي، وكتاب رياض الجنة في الرد على المدرسة العقلية ومنكري السنة، للدكتور سيد بن الحسن العفاني، وكتاب موقف المدرسة العلقلية الحديثة من الحديث النبوي الشريف، دراسة تطبيقية على تفسير المنار شفيق شقير.","vol":"1","page":89},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>١ - إنكاره أشراط الساعة الكبرى:</span>\nكخروج المهدي وخروج المسيح الدجال، ونزول عيسى بن مريم ﵇، وخروج الشمس من مغربها، بدعوى التعارض فيما بينها أو أنها مخالفة للعقل أو الحس أو السنن الكونية وغيرها من الأعذار.\nمع إن غالب أحاديثها في الصحيحين، وقد تلقتهما الأمة بالقبول والتصديق، والتي هي جزء من عقيدة المؤمن التي لا يمكنه إلا الإيمان بها وتصديقها لكثرة الأخبار والأثار الصحيحة الواردة فيها.\nفمذهب أهل السنة والجماعة هو الإيمان بهذه الأشراط وتصديقها لا سيما وأنها ثابتة بالأحاديث الصحيحة.\nوسوف أتطرق في الفصل الثالث بإذن الله بذكر آرائه في أشراط الساعة الكبرى والرد عليها بشكل مفصل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>٢ - إنكاره جميع أشراط الساعة الصغرى ما عدا بعثة النبي - ﷺ </span>-:\nفالشيخ رشيد رضا ينكر جميع أشراط الساعة الصغرى على الرغم من أن أغلبها في الصحيحين بحجج عقلية واستشكالات غير منطقية حيث يرى أن الأحاديث الواردة في أشراط الساعة الصغرى من الأمور المعتادة التي لا فائدة منها، حيث يقول «ويرد من الإشكال على ما ذكر أن ما ورد من الأشراط الصغرى المعتاد مثلها التي تقع عادة بالتدريج لا يذكر بقيام الساعة ولا تحصل به الفائدة التي من أجلها أخبر الشارع بقرب قيام","vol":"1","page":90},{"text":"الساعة» (١)، فهذا إشكال بحد ذاته يكفي عند الشيخ رشيد رضا لرد جميع الأحاديث الواردة في أشراط الساعة الصغرى ولا أدري كيف يرد على رجل يصطنع الإشكالات والتساؤلات ليثبت صحة رأيه وما ذهب إليه وهذا بلا شك قول مردود، فأهل السنة والجماعة يثبتون للساعة أشراطًا صغرى تكون قبل قيام الساعة بأزمنة طويلة، وذلك تذكيرًا للبشر بقرب قيام الساعة وزوال الدنيا ليتعظ من تنفع به الموعظة أما من سواه فلا يتعظ حتى تقوم قيامته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>٣ - قوله بفناء النار، وعدم خلود أهلها فيها: </span>(٢)\nفالشيخ رشيد رضا يميل للقول بفناء النار وعدم خلود أهلها فيها مخالفًا بذلك إجماع أهل السنة بالقول بعدم فناء النار وخلود أهلها فيها.\nقال الإمام أحمد ﵀: «وقد خلقت النار وما فيها، وخلقت الجنة وما فيها، خلقهما الله ﷿، ثم خلق الخلق لهما لا يفنيان ولا يفني ما فيهما أبدًا، فإن احتج مبتدعٌ أو زنديق بقول الله ﷿ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (٣) وبنحو هذا من متشابه القرآن قيل له، كل شيء مما كتب الله\n_________\n(١) المنار (٩/ ٤٨٨).\n(٢) انظر تفسير المنار سورة الأنعام آية ١٢٨، حيث أطال الشيخ رشيد رضا الكلام في هذه المسألة، ثم مال إلى القول بفناء النار وعدم خلود أهلها فيها.\n- وأنظر كذلك تفسيره سورة المائدة آية ١١٨، حيث يقول عند قوله تعالى «إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم» قال «فإن ظاهر هذه الآية جواز مغفرة الشرك، فإن قيل إن الله تعالى بين أنه لا يغفرُ الشرك، قلنا إنما يدل هذا على أن العقاب على الشرك حتمٌ مقضي ولكنه لا يدل على أنه سرمدي».\n(٣) سورة القصص ٨٨.","vol":"1","page":91},{"text":"﷿ عليه الفناء والهلاك هالك، والجنة والنار خلقهما الله للبقاء لا للفناء ولا للهلاك وهما من الآخرة لا من الدنيا». (١)\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة والجماعة، على أن من المخلوقات ما لا يعدم ولا يفني بالكلية، كالجنة والنار والعرش». (٢)\nوقال الإمامان الحافظان الرازيان رحمهما الله، أبو حاتم وأبو زرعة: «أدركنا العلماء في جميع الأمصار - حجازًا وعرقًا - شامًا - ويمنًا - فكان من مذهبهم .. الجنة حق والنار حق، وهما مخلوقتان لا يفنيان أبدًا». (٣)\nوقال الحافظ ابن حزم: «الجنة حق والنار حق، داران مخلوقتان هما ومن فيهما بلا نهاية، كل هذا إجماع من جميع أهل الإسلام، ومن خرج عنه خرج عن الإسلام». (٤) (٥)\nونسب بعضهم القول بفناء النار، وعدم خلود الكافرين فيها إلى ابن\n_________\n(١) (طبقات الحنابلة) للعلامة محمد ابن محمد أبي يعلى، طبعة دار المعرفة، بيروت، تحقيق محمد الفقي، (١/ ٢٨).\n(٢) مجموع الفتاوي (١٨/ ٣٠٧).\n(٣) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (١/ ١٩٩) للالكائي.\n(٤) (الدرة فيما يجب اعتقاده) للعلامة علي ابن أحمد ابن حزم، تحقيق عبد الحق التركماني، طبعة دار ابن حزم، بيروت، ص ٢٧.\n(٥) للاستزادة انظر، ما قاله الإمام أحمد في الرد على الجهمية وبن خزيمة في كتاب التوحيد، وأبو جعفر الطحاوي في عقيدته المشهورة بالطحاوية، وأبو الحسن البربهاري في شرح السنة، والأجرى في الشريعة، وابن أبي زيد في القيروانية، وابن حزم في المحلى.","vol":"1","page":92},{"text":"القيم بناءً على ما فهمه من كلامه سواء في «حادي الأرواح» أو في «شفاء العليل».\nوالصحيح أن ابن القيم قد صرح بأن القول بفناء الجنة والنار قولٌ مبتدع حيث يقول «والمقصود أن القول بفناء الجنة والنار قولٌ مبتدع لم يقله أحد من الصحابة ولا التابعين ولا أحد من أئمة السلف، والذين قالوه إنما تلقوه من قياسٍ فاسد كما اشتبه أصله على كثير من الناس فاعتقدوه حقًا». (١)\nوقال أيضا: «الذي دل عليه الكتاب والسنة وأجمع عليه السلف أن الجنة والنار مخلوقتان، وأن أهل النار لا يخرجون منها، ولا يخفف عنهم من عذابها، ولا يفتر عنهم وأنهم خالدون فيها». (٢)\nوقال أيضًا: «الذي دل عليه القرآن والسنة أن الكفار خالدون في النار أبدًا وأنهم غير خارجين منها، وهذا كله مما لا نزاع فيه بين الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين». (٣)\nومثل ذلك موجود في كثير من مؤلفاته، وقد حاول بعض الباحثين المعاصرين، تبرئة ابن القيم مما نسب إليه أو فهم من كلامه، ومنهم الدكتور بكر أبو زيد ﵀ في كتابه «ابن القيم حياته وآثاره» ص ١٤٨.\n_________\n(١) (حادي الأرواح) للعلامة محمد ابن أبي بكر ابن قيم الجوزية، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، ص ٢٤٧.\n(٢) (حادي الأرواح) ٣١٤.\n(٣) المصدر نفسه ٣١٢.","vol":"1","page":93},{"text":"والدكتور عبد الله محمد جار النبي في كتابه «ابن القيم وجهوده في الدفاع عن عقيدة السلف» ص ٥٦٧.\nوللعلامة محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني كتاب بعنوان: «رفع الأستار لإبطال أدله القائلين بفناء النار» وقد حققه العلامة الألباني، وكان ردًا علميًا رصينًا قويًا أبطل فيه أدلة القائلين بفناء النار وبين كذلك أن الآثار التي استشهدوا بها إما أنها لا تصح والصحيح منها غير صريح.\nوكذلك لابن تيمية رسالة بعنوان: «الرد على من قال بفناء الجنة والنار» وبيان الأقوال في ذلك» بتحقيق ودراسة د. محمد عبد الله السمهري والذي أثبت في مقدمة الرسالة صحة نسبتها لابن تيمية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>٤ - طعنة في معاوية بن أبي سفيان ﵄:</span>\nحيث يقول: «إن سيرة معاوية تفيد بجملتها وتفصيلها أنه كان طالبا للملك ومحبا للرياسة، وأنني لأعتقد أنه قد وثب على هذا الأمر مفتاتًا، وأنه لم يكن له أن يحجم عن مبايعة علي بن أبي طالب بعد أن بايعه أولوا الأمر ...». (١)\nويقول في موضع آخر: «ونحن من أولياء علي - ﵇ والرضوان لا من أولياء معاوية وفئته الباغية - عليهم من الله ما يستحقون - ولكننا لسنا بسبابين ولا لعانين كما ورد في وصف المؤمنين، وقد ذكرت في ترجمة الوالد ﵀ - من المجلد الثامن - أنه كان يقول «لا نحُب\n_________\n(١) مجلة المنار (٩/ ٢١٣).","vol":"1","page":94},{"text":"معاوية ولا نسُبه» وكيف نحُب من بغى على جدنا وخرج عليه وكان سببًا في تلك الفتن التي كانت نكتةً سوداء في تاريخ عصر النور الأول لنور الإسلام، وبه تحول شكل الحكومة الإسلامية عن القاعدة التي وضعها لنا الله تعالى في كتابه بقوله في المؤمنين ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (١) إلى حكومة شخصية استبدادية ....». (٢)\nوهذا القول بلا شك مخالف لاعتقاد أهل السنة والجماعة في معاوية بن أبي سفيان ﵄.\nفالذي عليه أهل السنة والجماعة، وسلف الأمة وأئمتها، هو محبة الصحابة والترضي عنهم والدعاء لهم ومعاوية بن أبي سفيان من جملة هؤلاء الصحابة الكرام، بل ومن خيارهم.\nكيف لا وهو خال المؤمنين، وكاتب وحي النبي - ﷺ - وقد دعي له النبي - ﷺ - فقال: «اللهم علم معاوية الكتاب وقه العذاب». (٣)\nوقال - ﷺ -: «اللهم اجعله هاديًا مهديًا، واهده واهدِ به، ولا تعذبه». (٤)\n_________\n(١) سورة الشورى، الآية ٣٨.\n(٢) مجلة المنار (١٢/ ٩٥٤).\n(٣) رواه أحمد في المسند (٤/ ١٢٧) وابن حبان في صحيحة رقم (٧٢١٠) وابن خزيمة في صحيحة برقم (١٩٣٨) وصححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (١٩٦١).\n(٤) أخرجه البخاري التاريخ الكبير (٥/ ٢٤٠) وأحمد في المسند (٤/ ٢١٦) والترمذي في سننه برقم (٤١١٣) وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي برقم (٣٠١٨) وبالسلسلة الصحيحة برقم (٣٢٢٧).","vol":"1","page":95},{"text":"وقال - ﷺ -: «أول جيشٍ من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفورٌ لهم». (١)\nوكان أول من غزا معاوية في زمن عثمان بن عفان ﵄.\nولقد ولاه عمر بن الخطاب﵁ - الشام كلها، لما رأى حسن سيرته، وقيامه بالمسلمين، وسد الثغور، وإصلاح الجند، وغلبة العدو، وسياسة الخلق.\nوسئل الإمام أحمد عن رجُلٍ انتقص معاوية وعمرو بن العاص أيقال إنه رافضي؟ قال: «إنه لم يجترئ عليهما إلا وله خبيئةُ سوء، وما يبغض أحدٌ أحدًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - إلا وله داخلةُ سوء». (٢)\nوقال ابن المبارك: «معاويةٌ عندنا محنة، فمن رأيناه ينظر إلى معاوية شزرًا أهمناه على القوم، يعني على أصحاب النبي - ﷺ -». (٣)\nوقيل لعبد الله بن المبارك، ما تقول في معاوية هو أفضل أم عمر بن عبدالعزيز؟، فقال: «لترابٌ في منخري معاوية مع رسول الله - ﷺ - خيرٌ أو أفضل من عمر بن عبدالعزيز». (٤)\nوقال ابن تيمية: «من لعن أحدًا من أصحاب النبي - ﷺ - كمعاوية بن أبي\n_________\n(١) صحيح البخاري - كتاب الجهاد والسير - باب ما قيل في قتال الروم (٣/ ١٠٦٩)، رقم (٢٧٦٦).\n(٢) (تاريخ دمشق) لابن عساكر، طبعة دار الفكر، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ، (٥٩/ ٢٠٩).\n(٣) المصدر نفسه.\n(٤) المصدر نفسه.","vol":"1","page":96},{"text":"سفيان وعمرو بن العاص ونحوهما ... فإنه مستحق للعقوبة البليغة باتفاق أئمة الدين». (١)\nوقال في العقيدة الواسطية في موقف أهل السنة والجماعة من أصحاب النبي - ﷺ -: «ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله - ﷺ -» ثم قال: «ويتبرأون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم، وطريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقولٍ أو عمل، ويمسكون عما شجر بين الصحابة، ويقولون إن هذه الآثار المروية في مساويهم منها ما هو كذب، ومنها ما قد زيد ونقص وغير عن وجهه الصريح، والصحيح منه هم فيه معذورون، وإما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون، مخطئون، وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره، بل يجوز عليهم الذنوب في الجملة، ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر». (٢)\nوقال ابن تيمية في منهاج السنة: «لم يكن من ملوك الإسلام ملكٌ خيرًا من معاوية، وكانت سيرته مع رعيته من خيار سيرة الولاة، وقد كانت رعيته يُحبونه وقد ثبت في الصحيحين عن النبي - ﷺ - أنه قال: «خيارُ أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرارُ أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم». (٣)\n_________\n(١) مجموع الفتاوي (٣٥/ ٥٨).\n(٢) (العقيدة الواسطية) لابن تيمية ص ٤٨٤، طبعة دار ابن الجوزي، الطبعة الرابعة، ١٤٢٧ هـ.\n(٣) بن تيمية «منهاج السنة» (٦/ ٨٨) مؤسسة قرطبة، تحقيق الدكتور محمد رشاد سالم.","vol":"1","page":97},{"text":"وقال ابن خلدون في تاريخه: «إن دولة معاوية وأخباره كان ينبغي أن تلُحق بدول الخلفاء الراشدين وأخبارهم فهو تاليهم في الفضل والعدالة والصحبة». (١)\nفكان الأولى بالشيخ محمد رشيد رضا جهة الصحابة أن يقول بجملة ما قاله ابن تيمية في الصحابة، لا سيما وأن ما قاله ابن تيمية هو قول أهل السنة والجماعة، وأن يبتعد عن اثاره ما جرى من الفتن والقتال بين الصحابة، والطعن والتقليل من شأن معاوية﵁ -، لا سيما أن الكلام في هذه المسألة لا يستفاد منه في شيء سوى إثارة النعرات الطائفية والخلافات بين عامة الناس، ويكون مدعاةً لسب معاوية والتنقص منه من من لا يمنعه من ذلك دينٌ ولا تقوى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>٥ - إنكاره أن للسحر حقيقة:</span>\nفالشيخ محمد رشيد رضا لا يرى أن للسحر حقيقةً مطلقًا. (٢)\nحيث يعرفه فيقول «والمعنى الجامع للسحر أنه أعمال غريبة من التلبيس والحيل تخفى حقيقتها على جماهير الناس لجهلهم بأسبابها فمن عرف سبب شيءٍ منها بطل إطلاق اسم السحر عليه ...». (٣)\nوهذا مخالف لما عليه أهل السنة والجماعة.\n_________\n(١) (مقدمة ابن خلدون) للعلامة عبد الرحمن ابن خلدون المغربي، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ١٩٦٧ م (١/ ١٠٤)، وما بعدها.\n(٢) للاستزادة أنظر تفسيره لقوله تعالى «قال الملأ من قومِ فرعون إن هذا لساحرٌ عليم» في سورة الأعراف.\n(٣) تفسير المنار (٩/ ٤٥).","vol":"1","page":98},{"text":"فالذي عليه أهل السنة والجماعة أن السحر ثابت وله حقيقة، والذين قالوا بأن السحر لا حقيقة له هم المعتزلة وبعض من شذ من أهل السنة.\nقال الخطابي: «أنكر قومٌ من أصحاب الطبائع السحر، وأبطلوا حقيقته والجواب أن السحر ثابت وحقيقته موجودة ...». (١)\nوقال القرطبي: «ذهب أهل السنة إلى أن السحر ثابت وله حقيقة وذهب عامة المعتزلة وأبو إسحاق الاستربادي من أصحاب الشافعي إلى أن السحر لا حقيقة له، وإنما هو تمويه وتخييل وإيهام لكون الشيء على غير ما هو به». (٢)\nقال النووي ﵀: «الصحيح أن السحر له حقيقة، وبه قطع الجمهور، وعليه عامة العلماء ويدل عليه الكتاب والسنة الصحيحة المشهورة». (٣)\nوقال ابن قدامه: «والسحر له حقيقة، فمنه ما يقتل وما يُمرض، وما يأخذ الرجل عن امرأته فيمنعه وطأها، ومنه ما يفرق بين المرء وزوجه». (٤)\nوقال أبو العز الحنفي: «وقد تنازع العلماء في حقيقة السحر وأنواعه والأكثرون يقولون، إنه قد يؤثر في موت المسحور ومرضه من غير وصول شيءٍ ظاهرٍ إليه». (٥)\n_________\n(١) (شرح السنة) للعلامة محمد ابن الحسين البغوي، تحقيق شعيب الأرناؤوط، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى، ١٣٩٠ هـ (١٢/ ١٨٨).\n(٢) تفسير القرطبي (٢/ ٤٦).\n(٣) نقلا عن شرح النووي على مسلم (١٠/ ٢٢٢).\n(٤) المعني (١٠/ ١٠٦).\n(٥) شرح الطحاوية لابن أبي العز الحنفي، ص ٥٠٥، طبعة المكتب الإسلامي ١٩٩٦ م.","vol":"1","page":99},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>٦ - إنكاره سحر النبي - ﷺ </span>-:\nفالشيخ محمد رشيد رضا يميل إلى إنكار سحر النبي - ﷺ - متبعًا في ذلك قول أستاذه محمد عبده، حيث يقول محمد عبده: «وقد قال كثيرٌ من المقلدين الذين لا يعقلون ما هي النبوه وما يجب لها إن الخبر بتأثير السحر في النفس الشريفة قد صح، فيلزم الاعتقاد به، وعدم التصديق به من بدع المبتدعين، لأنه ضرب من إنكار السحر، وقد جاء القرآن بصحة السحر، فانظر كيف ينقلب الدين الصحيح، والحق الصريح في نظر المقلد للبدعة». (١)\nورشيد رضا نفسه قد أورد الأحاديث التي تنص على سحر النبي - ﷺ - ضمن الأحاديث التي ينبغي أن ترد لعله في متنها؛ لأنها تمثل شبهه على الدين، ولأن نفس النبي - ﷺ - أقوى من أن يكون لمن دونه تأثيرًا فيها. (٢)\nوالصواب أن أحاديث السحر صحيحة لا مطعن ولا شبهه فيها، وهي في الصحيحين وفي غيرها من كتب السنن.\nقال ابن القيم: عن حديث السحر «ثابتٌ عند أهل العلم بالحديث، لا يختلفون في صحته، وقد أتفق أصحاب الصحيحين على تصحيحه، ولم يتكلم فيه أحد من أهل الحديث بكلمه واحده، والقصة مشهورة عند أهل التفسير والسنن والحديث والتاريخ والفقهاء، وهؤلاء أعلم بأحوال رسول الله وأيامه من المتكلمين». (٣)\n_________\n(١) تفسير جزءهم، محمد عبده، ص ١٨٠.\n(٢) مجلة المنار (١٤/ ٦٢٣).\n(٣) انظر التفسير القيم، ابن القيم سورة العلق، ص ٥٦٦.","vol":"1","page":100},{"text":"وقال الأستاذ عبد القادر الأرناؤوط: «ورواه أيضا أحمد والنسائي وابن سعد والحاكم وعبد بن حُميد وابن مردوية والبيهقي في دلائل النبوه وغيرهم، وقال ابن القيم في بدائع الفوائد: وهذا الحديث ثابت عند أهل العلم متلقى عندهم بالقبول». (١)\nتلك هي درجة الحديث عند أهل الحديث والمختصين به، أما ما ذكر من أن الحديث فيه تقليل من منصب النبوه أو أنه يمثل شبهة في الدين فهو غير صحيح.\nقال الحافظ ابن حجر في الفتح: «قال المازري قد أنكر هذا الحديث المبتدعة من حيث إنه يحبط من منصب النبوه، ويشكك فيها، وأن تجويزه يمنع الثقة بالشرع، وقالوا فلعله حينئذ يخيل إليه أن جبريل ﵇ يأتيه وليس ثم جبريل، وأن أوحى إليه وما أوحى إليه، وهذا كله مردود لأن الدليل على صدق النبي - ﷺ - فيما يبلغه عن الله تعالى وعلى عصمته في التبليغ والمعجزات شاهدات بتصديقه، فتجويز ما قام الدليل على خلافه باطل، وأما ما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث لأجلها ولا كانت الرسالة من أجلها، فهو في ذلك عرضه لما يعترض البشرى كالأمراض، فغير بعيد أن يخيل إليه في أمرٍ من أمور الدنيا ما لا حقيقة له مع عصمته عن مثل ذلك في أمور الدين». (٢)\nوقال أبو الجعني اليوسفي ﵀: «أما وقوع المرض للنبي - ﷺ - بسبب\n_________\n(١) جامع الأصول في أحاديث الرسول، ابن الأثير، تحقيق عبد القادر الأرناؤوط (٥/ ٦٧).\n(٢) فتح الباري لابن حجر (ج ١٠/ ٢٢٦).","vol":"1","page":101},{"text":"السحر فلا يجر خللًا لمنصب النبوه، لأن المرض الذي لا نقص فيه في الدنيا يقع للأنبياء ويزيد في درجاتهم في الآخرة، فإذا خيل له بسبب مرض السحر أنه يفعل شيئا من أمور الدنيا وهو لم يفعله ثم زال ذلك عنه بالكلية بسبب إطلاع الله تعالى له على مكان السحر وإخراجه إياه من محله ودفنه فلا نقص يلحق الرسالة من هذا كله، لأنه مرض كسائر الأمراض، لا تسلط له على عقله، بل هو خاص بظاهر جسده كبصره حيث صار يخيل إليه تارةً فعل الشيء من ملامسة بعض أزواجه وهو لم يفعله وهذا في زمن المرض لا يضر، والعجب ممن يظن هذا الذي وقع من المرض بسبب السحر لرسول الله - ﷺ - قادحًا في رسالته مع ما هو صريح في القرآن في قصة موسى مع سحرة فرعون، حيث صار يخيل إليه من سحرهم أن عصيهم تسعى، فثبته الله كما دل عليه قوله تعالى ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تلقف ما صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (٦٩) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (٧٠)﴾ (١)، ولم يقل أحد من أهل العلم ولا من أهل الذكاء أن ما خُيل لموسى أولًا من سعي عصي السحرة قادحًا في رسالته، بل وقوع مثل هذا للأنبياء يزيد من قوة الإيمان بهم، لكون الله ينصرهم على أعدائهم، ويخرق لهم العادة بالمعجزات الباهرة، ويخذل السحرة والكفرة ويجعل العاقبة للمتقين». (٢)\nوقال القاضي عياض ﵀: في «الشفاء» في رده على من ينكر حديث سحر النبي - ﷺ - ومن يقول بأنه فيه تشكيكًا في الشرع.\n_________\n(١) سورة طه الآية ٦٨ - ٧٠.\n(٢) زاد المسلم (٤/ ٢٢).","vol":"1","page":102},{"text":"قال: «فاعلم وفقنا الله وإياك أن هذا الحديث صحيح متفقٌ عليه، وقد طعنت فيه الملحده وتذرعت به لسخف عقولها وتلبيسها على أمثالها، إلى التشكيك في الشرع، وقد نزه الله الشرع والنبي - ﷺ - عما يدخل في أمره لبسًا، وإنما السحر مرضٌ من الأمراض وعارضٌ من العلل، يجوز عليه كأنواع الأمراض مما لا ينكر ولا يقدح في نبوته، وأما ما ورد أنه كان يخيل إليه أنه فعل الشيء ولا يفعله، فليس في هذا ما يدخل عليه داخلة في شيء من تبليغه أو شريعته، أو يقدح في صدقه؛ لقيام الدليل والإجماع على عصمته من هذا، وإنما هذا فيما يجوز طرُوُءه عليه في أمر دنياه التي لم يبعث بسببها ولا فضل من أجلها، وهو فيها عرضةٌ للآفات كسائر البشر، فغير بعيد أن يخيل إليه من أمورها مالا حقيقة له، ثم ينجلي عنه كما كان». (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>٧ - تقديمه العقل على النقل:</span>\nلعل من أكثر المأخذ على الشيخ رشيد رضا هو رده لكثير من الأحاديث الصحيحة، والتي غالبها في الصحيحين، لا لعلةٍ في سندها أو روايتها، بل لأنها تخالف العقل أو الحس، أو بدعوى وجود تعارض فيما بينها مما يوجب إسقاطها وعدم الاحتجاج بها، مما جعل الكثير من أهل العلم والباحثين يعيدون النظر في سلفيته، وذلك لأن تقديم العقل أو الحس على النقل هو من أقوال المعتزلة وغيرهم من الفرق الكلامية، وقد جرى بسبب هذا القول البدعي الكثير من المخالفات والبدع ورد للأحاديث الصحيحة.\n_________\n(١) (الشفا بتعريف أحوال المصطفى) للقاضي عياض ابن موسى الأندلسي، تحقيق أمين قرة علي، طبع الوكالة العامة للنشر، مؤسسة علوم القرآن، ومكتبة دمشق، (٢/ ١٦٠).","vol":"1","page":103},{"text":"وهو في فعله هذا يكون متابعًا لقول شيخه وأستاذه محمد عبده، حيث يقول «اتفق أهل الملة الإسلامية إلا قليلًا ممن لا ينظر إليه على أنه إذا تعارض العقل والنقل أخذ بما دل عليه العقل». (١)\nومما لا شك فيه أن هذا القول معلومٌ بطلانه، والأصل المستقر عند أهل السنة أن العقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح، والعبرة في المسائل الاعتقادية هي صحة الحديث والإسناد وسلامته من العلل القادحة فيه.\nولعل من أبرز الأحاديث التي رفضها وردها بحجج عقلية، الأحاديث الواردة في الدجال، حيث يرى أن هذه الأحاديث مشكلة حيث إنها منافية لحكمة إنذار الناس بقرب قيام الساعة وإتيانها بغتةً، وأن ما أعطي الدجال من الفتن والخوارق تضاهي أكبر الآيات التي أيد الله بها أولي العزم من الرسل، وأن أحاديثها متعارضة تعارضًا كبيرًا، مما يوجب تساقطها. (٢)\nفهو يرد أحاديث الدجال الثابتة في صحيح البخاري ومسلم والذي هما أصح الكتب بعد القرآن والذين قد تلقتهما الأمة بالقبول، لمجرد أنها تخالف العقل والحس.\nوكذلك إنكاره للأحاديث الواردة في المهدي حيث يقول «وأما التعارض في أحاديث المهدي فهو أقوى وأظهر، والجمع بين الروايات فيها أعسر، والمنكرون لها أكثر، والشبهة فيها أظهر، ولذلك لم يعتد الشيخان بشيء من روايتهما في صحيحيهما». (٣)\n_________\n(١) مجلة المنار (١٣/ ٨/٦١٣).\n(٢) تفسيرا المنار (ج ٦/ ٤٥٠).\n(٣) تفسير المنار (ج ٩/ ٤٥٩).","vol":"1","page":104},{"text":"ومن ذلك أيضا رده لحديث: «طلوع الشمس من مغربها» في آخر الزمان والذي رواه أبو هريره ورفعه للنبي - ﷺ -.\nفرشيد رضا يرد هذا الحديث بدعوى أنه مشكل وأن أبا هريرة لم يصرح في هذه الأحاديث بالسماع عن النبي - ﷺ -، فيخشى أن يكون قد روى بعضها عن كعب الأحبار! !\nوكذلك رده لحديث «سجود الشمس عند العرش» والذي أخرجه البخاري في صحيحة.\nحيث يقول: «ومن هذه الأحاديث في الباب حديث أبي ذر جندب بن أبي جناده: الذي يُعد متنه من أعظم المتون إشكالًا، فهو يقول إن النبي - ﷺ - سأله، أتدري أين تذهب الشمس إذا غربت؟ قال: قلت لا أدري، قال إنها تنحني دون العرش فتخر ساجدهً، ثم تقوم حتى يقال لها أرجعي فيوشك يا أباذر أن يقال أرجعي من حيثُ دخلتِ وذلك حين لا ينفعُ نفسًا إيمانها لم تكن أمنت من قبل». (١)\nفالشيخ يرى أن الحديث مشكل ولا يقبله العقل وإن كان إسناده من أصح الأسانيد.\nوكذلك إنكاره للأحاديث التي تثبت سحر النبي - ﷺ -، والتي هي في صحيحي البخاري ومسلم وكتب السنن الأخرى، بدعوى أنها تمثل شبهة على الدين.\n_________\n(١) تفسير المنار (٨/ ٢١٠).","vol":"1","page":105},{"text":"سبحان الله يرد حديث صحيح السند، سالم من العلة، ثابت عن النبي - ﷺ - لا لشيء إلا لأن فيه شبهة على الدين كما يقول.\nوالله إن الحديث لا شبهة فيه، لو أنه رجع لأقوال أهل العلم وشراح الحديث أهل الرواية والدراية والذين هم أعلم الناس بالحديث.\nفأي تهاون وأي تساهل في رد الأحاديث بهكذا أعذار لا قيمة لها أمام صحة السند والرواية، فالمدار عند أهل السنة على قبول الحديث أو رده هو صحة السند أو ضعفه، أما خلاف ذلك فهو قول أهل الكلام كالمعتزلة وغيرهم.\nوغير ذلك من الأحاديث الأخرى التي مقياس الحكم على صحتها هو العقل والحس لا صحة السند والرواية.\nمما جعل الكثير من أهل العلم يستاء من آرائه، بل ذهب بعضهم إلى القول بأنه إلى الاعتزال أقرب منه للسلفية. (١)\nولقد أنصف الشيخ الدكتور/ فضل حسن عباس حيث قال: «وخلاصة القول إن رشيد رضا ﵀ نفر من الإسرائيليات في تفسيره ونفر منها وحذر ولكن غالى وتطرف، وحكّم العقل أكثر مما ينبغي وجعله أعظم المقاييس التي يقاس بها تمريض الحديث أو تصحيحه، فكانت النتائج التي وصل إليها لا تقل خطورة عن الإسرائيليات بل إنها والحق يقال إنها أشد\n_________\n(١) انظر كتاب الشيخ مقبل الوادعي «ردود أهل العلم على الطاعنين بحديث السحر وبيان بُعد محمد رشيد رضا عن السلفية» طبعة دار الآثار حيث يرى الشيخ أن رشيد رضا إلى الاعتزال أقرب منه إلى السلفية وذكر جملة من آرائه وأقواله.","vol":"1","page":106},{"text":"خطورة وأسوأ آثارًا، ذلك لأنها تتعلق بمصدر من مصادر التشريع وهو السنة وليست كذلك الإسرائيليات». (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>٨ - إنكاره لمعجزة انشقاق القمر:</span>\nالشيخ رشيد رضا ﵀ وغفر له ينكر معجزة انشقاق القمر الثابتة في القرآن بقوله تعالى ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾. (٢)\nفالشيخ رشيد رضا يرى أن معنى «انشق القمر» أي طلع وانتشر نوره. (٣)\nوأما الأحاديث الصحيحة الصريحة التي تنص على أن القمر قد انشق في مكة قبل هجرة النبي - ﷺ - آية ومعجزةً من الله له.\nفيرى الشيخ أنها لا تصح للاحتجاج بها لأنها مرسلة، وإن كانت في الصحيحين كحديث أنس وابن عباس! !\nثم ذكر بعد ذلك مطعنًا آخر وهو دعوى اختلاف المتون في أحاديث انشقاق القمر مما يوجب تساقطهما! ! (٤)\nثم ختم ذلك بذكر ما أسماه الإشكال الأصولي الأعظم.\n_________\n(١) «المفسرون مدارسهم ومناهجهم د. فضل حسن عباس، ص ١٨٨.\n(٢) سورة القمر، آية ١.\n(٣) انظر مجلة المنار (٣٠/ ٢٦٢).\n(٤) المصدر نفسه، ويقصد باختلاف المتون أن في بعض روايات ابن مسعود في الصحيحين أنه قال (انشق القمر ونحن مع النبي - ﷺ - في منى)، وفي رواية أخرى أنه قال (انشق القمر بمكة)، وقد جمع ابن حجر بين هاتين الروايتين فقال بأن منى من جملة مكة لأنها تابعه لها، ولأن من كان بمنى كان بمكة من غير عكس ولكن على ما يبدو أن هذا الجمع لم يرضي الشيخ.","vol":"1","page":107},{"text":"وهو قوله: «أن سنته قد مضت بأن ينزل عذاب الاستئصال لكل قومٍ اقترحوا آية على رسولهم ولم يؤمنوا بإجابتهم إلى ذلك ....». (١)\nوقال: «وجمله القول أنه لو صح أن قريشًا سألوا النبي - ﷺ - أيةً تدل على صدق نبوته وأن الله تعالى أجابهم إلى طلبهم فجعل انشقاق القمر آية كما هو نص حديث أنس في الصحيحين وغيره في غيرهما لعذب الله أمته وقومه باستئصالهم على حسب القاعدة الصحيحة الثابتة بالنص القطعي ...». (٢)\nوهذه في الحقيقة إستشكالات لا قيمة لها أمام النصوص الصحيحة الصريحة الثابتة عن جملةٍ من الصحابه والذين منهم أنس وابن عباس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>٩ - تفسيره لبعض الآيات على رأي الخوارج والمعتزلة:</span>\nوذلك في تفسير قوله تعالى ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾. (٣)\nقال: «وقد استكبر الجمهور خلود القاتل في النار وأوله بعضهم بطول المكث فيها، وهذا يفتح باب التأويل لخلود الكفار في النار، فيقال إن المراد به طول المكث فيها». (٤)\nوقال في وعيد آكلي الربا في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥)﴾. (٥)\n_________\n(١) المصدر نفسه.\n(٢) مجلة المنار (٣٠/ ٢٦٢).\n(٣) سورة النساء، الآية ٩٣.\n(٤) تفسير المنار (٥/ ٣٤١).\n(٥) سورة البقرة، الآية ٢٧٥.","vol":"1","page":108},{"text":"قال: «ما الوعيد هنا إلا كالوعيد بالخلود في آية قتل العمد وليس هناك شبهة على إرادة الاستحلال». (١)\nوهذا القول بلا شك قول غير صحيح وهو من أقوال الخوارج والمعتزلة الذين قالوا بخلود صاحب الكبيرة في النار، أما أهل السنة والجماعة فيرون أن أصحاب الكبائر لا يخلدون في النار إلا إذا استحلوا فعلها.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ونصوص الكتاب والسنة مع اتفاق سلف الأمة وأئمتها متطابقة على أن من أهل الكبائر من يعذب، وأنه لا يبقى في النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان». (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>١٠ - إنكاره لكثير من المعجزات وتأويلها:</span>\nفالشيخ رشيد رضا يميل إلى إنكار الكثير من المعجزات أو تأويلها متبعًا في ذلك رأي شيخه محمد عبده.\nحيث يرى أن رواية القرآن لمعجزات الأنبياء السابقين كانت سببًا لإعراض العلماء والعقلاء عن الدين الإسلامي! !\nإذ يقول: «ولولا رواية القرآن لتلك المعجزات لكان إقبال أحرار الإفرنج عليه أكثر، واهتداؤهم به أعم وأوسع». (٣)\n_________\n(١) تفسير المنار (٣/ ٩٨)، ولقد أجاد وأحسن الدكتور فهد الرومي في الرد على هذه الشبهة في رسالته «منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير»، فمن أرد الاستزادة فيرجع إليها في ص ٦٥٣ وما بعدها.\n(٢) مجموع الفتاوى (١٢/ ٤٧٩)\n(٣) تفسير المنار (١١/ ١٥٥) والوحي المحمدي ٦٢.","vol":"1","page":109},{"text":"ويقول أيضا: «وأما آيته - أي محمد - ﷺ - التي احتج بها على كونه من عند الله تعالى هي القرآن، وأمية محمد - ﷺ -، فهي آية علمية تدرك بالعقل والحس والوجدان.\nكفاك بالعلم في الأمي معجزة في الجاهلية والتأديب في اليتم.\nوأما تلك العجائب الكونية فهي مثار شبهات وتأويلات كثيرة، في روايتها وفي صحتها وفي دلالتها». (١)\nولم يكتف رشيد رضا بذلك، فكان يدافع عن كتاب «حياة محمد» لمحمد حسين هيكل والذي جرد فيه النبي - ﷺ - من جميع المعجزات إلا القرآن الكريم، بل وينتصر له انتصارًا عظيمًا في كتابه «الوحي المحمدي» (٢)، ومجلته المنار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>١١ - قوله إن الإسراء والمعراج كان رؤيا منامية:</span>\nفالشيخ رشيد رضا يميل إلى القول بأن الإسراء والمعراج لم يكن حقيقيًا بالروح والبدن وإنما كان رؤيا منامية. (٣)\nوالذي عليه أكثر أهل العلم من أهل السنة والجماعة أنه أُسريَ به - ﷺ - ببدنه وروحه يقظة لا مناما، والدليل على ذلك قوله تعالى ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾. (٤)\n_________\n(١) تفسير المنار (١١/ ١٥٥).\n(٢) مجلة المنار (٣٤/ ١٠/٧٩٣).\n(٣) مجلة المنار (١/ ٧٧١).\n(٤) الإسراء، آية ١.","vol":"1","page":110},{"text":"والتسبيح إنما يكون عند الأمور العظام، فلو كان منامًا لم يكن فيه شيئ كبير، ولم يكن مستعظمًا، ولما بادرت قريش إلى تكذيبه، ولما ارتدت جماعة ممن قد أسلم، وأيضا فإن العبد عبارة عن مجموع الروح والبدن». (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>١٢ - متابعة شيخه محمد عبده بالقول بأن الملائكة قوى طبيعية:</span>\nحيث يقول الشيخ محمد عبده: «وذهب بعض المفسرين مذهبا آخر في فهم معنى الملائكة، وهو أن مجموع ما ورد في الملائكة من كونهم موكلين بالأعمال من إنماء نبات وخلقه حيوان وحفظ إنسان وغير ذلك، فيه إيماء إلى الخاصة بما هو أدق من ظاهر العبارة، وهو أن هذا النمو في النبات لم يكن إلا بروح خاص نفخه الله في البذرة، فكانت به هذه الحياة النباتية المخصوصة، وكذلك يقال في الحيوان والإنسان. فكل أمر كلي قائم بنظام مخصوص تمت به الحكمة الإلهية في إيجاده فإنما قوامه بروح إلهي سمي في لسان الشرع ملكًا، ومن لم يبال في التسمية بالتوقيف يسمى هذه المعاني القوى الطبيعية إذا كان لا يعرف من عالم الإمكان إلا ما هو طبيعة أو قوة يظهر أثرها في الطبيعة». (٢)\nفالشيخ محمد عبده يروي هذا القول أولا ثم يؤيده ويحبذه ويدافع عنه لأن فيه تقريبًا للإيمان بالملائكة من عقول الماديين، ثم يزعم أنه لا فرق بين هذا القول وقول السلف، فالحقيقة واحده وإنما الخلاف في الأسماء! !\n_________\n(١) (الإرشاد إلى سبيل الاعتقاد) للشيخ صالح الفوزان، دار ابن الجوزي، الطبعة الثاني عشر، ١٤٢٨ هـ، ص ٢٠٣.\n(٢) تفسير المنار (١/ ٢٦٧).","vol":"1","page":111},{"text":"وفي الحقيقة إن هذا القول لا يقوم على أي مستند من الكتاب أو السنة بل هو من الخوض في أمور لا تدرك إلا بالوحي، استقوه من خيالاتهم، ثم ما الفرق بين من ينكر وجود الملائكة وبين من يزعم أنها قوة طبيعية ما دام منكر الملائكة يقر ويعترف بوجود قوة نمو في النباتات، وخلقه في الحيوان، وحفظ في الإنسان، ولكنها قوة طبيعية لا ينطبق عليها ما ورد في القرآن الكريم من أوصاف للملائكة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>١٣ - متابعة شيخه محمد عبده في التشكيك بأن آدم أبو البشر:</span>\nحيث يقول محمد عبده عند تفسير قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ (١). «ليس المراد بالنفس الواحدة آدم بالنص ولا بالظاهر، فمن المفسرين من يقول إن كل نداء مثل هذا يراد به أهل مكة أو قريش، فإذ صح هذا هنا جاز أن يفهم منه بنو قريش، إن النفس الواحدة هي قريش أو عدنان، وإذا كان الخطاب للعرب عامة جاز أن يفهموا أن المراد بالنفس الواحدة يعرب أو قحطان، وإذا قلنا إن الخطاب لجميع أهل الدعوة إلى الإسلام أي لجميع الأمم فلا شك أن كل أمة تفهم منه ما تعتقده، فالذين يعتقدون أن لكل صنف من البشر أبا يحملون النفس على ما يعتقدون ... والقرينة على أنه ليس بالنفس الواحدة آدم قوله: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ بالتنكير، وكان المناسب على الوجه أن يقول: وبث منهما جميع الرجال والنساء. وكيف ينص على نفس معهودة والخطاب عام لجميع الشعوب، وهذا العهد ليس معروفا عند\n_________\n(١) سورة النساء، آية ١.","vol":"1","page":112},{"text":"جميعهم، فمن الناس من لا يعرفون آدم ولا حواء ولم يسمعوا بهما.\nوهذا النسب المشهور عند ذرية نوح مثلا هو مأخوذ عن العبرانيين، فإنهم هم الذين جعلوا للبشر تاريخا متصلا بآدم وحددوا له زمنا قريبا. وأهل الصين ينسبون البشر إلى أب آخر ويذهبون بتاريخه إلى زمن أبعد من الزمن الذي ذهب إليه العبرانيون.\nوالعلم والبحث في آثار البشر مما يطعن في تاريخ العبرانيين، ونحن المسلمين لا نكلف تصديق تاريخ اليهود وإن عزوه إلى موسى ﵇ فإنه لا ثقة عندنا بأنه من التوراة وأنه بقي كما جاء به موسى» (١).\nويقول أيضا: «نحن لا نحتج على ما وراء مدركات الحس والعقل إلا بالوحي الذي جاء به نبينا ﵇، وإننا عند هذا الوحي لا نزيد ولا ننقص كما قلنا مرات كثيرة، وقد أبهم الله تعالى ههنا أمر النفس التي خلق الناس منها وجاء بها نكرة فندعها على إبهامها.\nفإذا ثبت ما يقوله الباحثون من الإفرنج من أن لكل صنف من أصناف البشر أبا كان ذلك غير وارد على كتابنا كما يرد على كتابهم التوراة لما فيها من النص الصريح في ذلك، وهو مما حمل باحثيهم على الطعن في كونها من عند الله تعالى ووحيه وما ورد في آيات أخرى من مخاطبة الناس بقوله «يا بني آدم» لا ينافي هذا ولا يعد نصا قاطعا في كون جميع البشر من أبنائه، إذ يكفي في صحة الخطاب أن يكون من وجه إليهم في زمن التنزيل من أولاد آدم». (٢)\n_________\n(١) تفسير المنار (٤/ ٣٢٣ - ٣٢٤).\n(٢) نفس المصدر (٤/ ٣٢٤ - ٣٢٥).","vol":"1","page":113},{"text":"وتابع الشيخ رضا أستاذه على هذا القول فقال: «وأقول زيادة في الإيضاح: إذا كان جماهير المفسرين فسروا النفس الواحدة هنا بآدم، فهم لم يأخذوا ذلك من نص الآية ولا من ظاهرها، بل من المسألة المسلمة عندهم وهي أن آدم أبو البشر ...». (١)\nوهذا القول في الحقيقة مخالف لما ثبت في كتاب الله وسنة نبيه - ﷺ - في أن آدم أبو البشر، فمنها على سبيل المثال قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١) قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾ (٢)، وقوله تعالى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (٢٧) وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٢٩) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣١)﴾. (٣)\nوقوله - ﷺ -: «كلكم بنو آدم وآدم خلق من تراب». (٤)\nوقوله - ﷺ -: «يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد ....». (٥)\n_________\n(١) نفس المصدر (٤/ ٣٢٥).\n(٢) سورة الأعراف، آية ١١ - ١٢.\n(٣) سورة الجحر، آية ٢٦ - ٣١.\n(٤) أخرجه أحمد في مسنده (٢/ ٣٦١)، وأخرجه الألباني في الصحيح الجامع برقم (٤٥٦٨) وقال صحيح.\n(٥) أخرجه الأمام أحمد في مسنده وقال شعيب الأرناوط إسناده صحيح.","vol":"1","page":114},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>المبحث التاسع\nوفاته</span>\nتوفي محمد رشيد رضا في ٢٣ جمادي الأول عام ١٣٥٤ هـ الموافق ٢٢ أغسطس ١٩٣٥ م. وكان قد خرج لوداع الأمير سعود بن عبد العزيز آل سعود (١)،\nفي السويس، وفي أثناء عودته بالسيارة، إلى القاهرة فاضت روحه وهو في السيارة.\nوروى المرافقون له أنه كان يقرأ القرآن، وشعر المرافقون فجأة بسكوته واتكائه على ظهره، فإذا بروحه قد فاضت إلى خالقها.\nودفن رحمه الله تعالى في قرافة المجاورين بجوار قبر أستاذه محمد عبده (٢)، عن عمرٍ يناهز السبعين عامًا قضاها في طاعة الله والعمل الصالح، وفي طلب العلم وتعليمه وتفسير كتاب الله، ونشر سنة نبيه - ﷺ - والدفاع عنها والدفاع عن الإسلام وأهله في كل مكان، ومحاولة إصلاح أحوال المسلمين والنصح لهم ومحاربة البدع والخرافات والجمود والتقليد.\n_________\n(١) هو سعود بن عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل أل سعود، من ملوك الدولة السعودية، تولى العرش السعودي عام «١٣٧٣ هـ - ١٩٥٣ م» فور وفاة أبيه ولكن خلع عن الملك سنة ١٩٦٤ م وبويع لفيصل، توفي عام «١٣٨٨ هـ - ١٩٦٩ م» انظر الأعلام للزركلي (٣/ ٩٠).\n(٢) رشيد رضا، إبراهيم العدوي ٢٨١ - ٢٨٣.","vol":"1","page":115},{"text":"وقد أحدثت وفاته صدى هائلا في الأوساط المصرية ورثاه العلماء والأدباء والشعراء. (١)\n_________\n(١) مجلة المنار (٣٥/ ١٤٩).","vol":"1","page":116},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>المبحث العاشر\nآثاره ومؤلفاته</span>\nللشيخ محمد رشيد رضا، الكثير من الآثار والمؤلفات والكتابات منها: (١)\n١ - تفسير القرآن الكريم الشهير «بتفسير المنار» فسر فيه إلى قوله تعالى ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ يوسف: ١٠١، ويقع في ١٢ مجلدًا.\n٢ - مجلة المنار وتقع في ٣٥ مجلدًا.\n٣ - تاريخ الأستاذ محمد عبده.\n٤ - نداء للجنس اللطيف.\n٥ - الوحي المحمدي.\n٦ - المنار والأزهر.\n٧ - ترجمة القرآن وما فيها من المفاسد.\n٨ - ذكر المولد النبوي.\n٩ - الوحدة الإسلامية.\n١٠ - الخلافة أو الإمامة العظمى.\n_________\n(١) السيد رشيد رضا أو أخاء أربعين سنة لأمير البيان شكيب أرسلان ص ٨.","vol":"1","page":117},{"text":"١١ - الوهابيون والحجاز.\n١٢ - السنة والشيعة أو الوهابية والرافضة.\n١٣ - المسلمون والقبط.\n١٤ - الربا والمعاملات في الإسلام.\n١٥ - سير الإسلام وأصول التشريع العام.\n١٦ - مناسك الحج وأحكامه.\n١٧ - رسالة في الصلب والفداء.\n١٨ - خلاصة السيرة المحمدية.\n١٩ - محاورات المصلح والمقلد.\n٢٠ - شبهات النصاري وحجج الإسلام.\n٢١ - مساواة الرجل بالمرأه.\n٢٢ - رسالة في أبي حامد الغزالي.\n٢٣ - إنجيل برنابا.\n٢٤ - تفسير الفاتحة وست سور من خواتيم القرآن.\n٢٥ - المقصورة الرشيدية.","vol":"1","page":118},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>الفصل الثاني\nنبذه عن تفسير المنار</span>\nويتضمن المباحث التالية:\nالمبحث الأول: تعريف بتفسير المنار.\nالمبحث الثاني: منهجه في التفسير.\nالمبحث الثالث: طريقته في التفسير.\nالمبحث الرابع: خصائص تفسير المنار.\nالمبحث الخامس: منهجه العقدي في التفسير.\nالمبحث السادس: المآخذ التي على التفسير.","vol":"1","page":119},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>المبحث الأول\nتعريف بتفسير المنار</span>\nكان سبب تأليف تفسير المنار، هو عبارة عن اقتراح من محمد رشيد رضا إلى شيخه وأستاذه الإمام محمد عبده، بأن يلقي دروسًا في تفسير القرآن الكريم، تتلائم مع روح العصر الحديث، وتكون العناية الأولى فيه ببيان هداية القرآن على الوجه الذي يتفق مع الآيات الكريمة المنزلة في وصفه أو ما أنزل لأجله من الإنذار والتفسير والهداية والإصلاح. (١)\nوأن يكون هذا التفسير بعيدًا عن الإسرائيليات، والأحاديث الموضوعة والخرافات، وجدل المتكلمين، وتأويلات المتصوفين، وتعصب الفرق وكثرة الروايات والعلوم الرياضية والطبيعية، والتي علقت بكثير من كتب التفسير فأخرجته عن مقصوده. (٢)\nفاستحسن الشيخ محمد عبده هذا الرأي، فوافق عليه، فكان يلقي دروسه في التفسير في الجامع الأزهر، وكان رشيد رضا يكتب أهم ما يلقيه الأستاذ ثم يقوم بنشره في مجلة المنار.\nوقد بدأ الأستاذ محمد عبده والشيخ رشيد رضا في هذه الطريقة من التفسير من غرة محرم عام ١٣١٨ هـ.\n_________\n(١) تفسير المنار (١/ ١٠).\n(٢) تفسير المنار (١/ ٧ - ١٠).","vol":"1","page":121},{"text":"يقول الشيخ رضا في ذلك: «وكنت أكتب في أثناء إلقاء الدرس مذكرات أودعها ما أراه أهم ما قاله، وأحفظ ما كتب لأجل أن أبيضه وأمده بكل ما أتذكره في وقت الفراغ، ولم ألبث أن اقترح عليَّ بعض الراغبين في الإطلاع عليه من قراء المنار في البلاد المختلفة، ومن الحريصين على حفظه من الإخوان بمصر أن أنشره في المنار، فشرعت في ذلك في أول المحرم سنة ١٣١٨ هـ وذلك في المجلد الثالث من المنار، وكنت أولًا أطلع الأستاذ الإمام على ما أعده للطبع كلما تيسر ذلك بعد جمع حروفه في المطبعة وقبل طبعه فكان ربما ينقح فيه زيادةً قليلة أو حذف كلمة أو كلمات، ولا أذكر أنه انتقد شيئًا مما لم يره قبل الطبع، بل كان راضيًا بالمكتوب بل معجبًا به، على أنه لم يكن كله نقلا منه ومعزوا إليه، بل كان تفسيرا للكاتب من إنشائه اقتبس فيه من تلك الدروس العالية جل ما استفاد منها، لذلك كنت أعزو إليه القول المنقول عنه إذا جاء بعد كلام لي في بيان معنى الآية أو الجملة على الترتيب، فإذا انتهى النقل وشرعت بكلام لي بعده قلت في بدئه (أقول) ولم يكن هذا التمييز ملتزمًا في أول الأمر، بل يكثر في الجزء الأول مالا أعزو فيه، ومنه ما هو مشترك بين ما فهمته منه ومن كتب التفسير الأخرى، أو من نص الآية، على أنني عبرت عنه بأمالي مقتبسة، ولما كان رحمه الله تعالى يقرأ كل ما أكتبه إما قبل طبعه وهو الغالب، وإما بعده وهو الأقل، لم أكن أرى حرجًا فيما أعزو إليه مما فهمته منه وإن لم أكن كتبته عنه في مذكرات الدروس، لأن إقراره إياه يؤكد صحة الفهم وصدق العزو». (١)\nواستمر الإمام محمد عبده والشيخ رضا في هذه الطريقة من التفسير من عام ١٣١٨ هـ إلى عام ١٣٤٣ هـ/ حيث توفي الإمام في هذا العام، بعدما\n_________\n(١) انظر تفسير المنار (١/ ١٢ - ١٥).","vol":"1","page":122},{"text":"استمر أكثر من ست سنوات في إلقاء دروس التفسير في جامع الأزهر، مبتدءا من أول القرآن إلى أن وصل إلى قوله تعالى في سورة النساء ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (١٢٦)﴾ (١)، فكان مجمل ما قرأه الأستاذ الإمام ما يقارب خمسة أجزاء في ست سنين.\nوبعد أن توفي الإمام ﵀، شعر محمد رشيد رضا بعبء المسئولية الملقاة إليه، وأنه لابد من أن يتحمل وحده تبعه تأليف تفسير للقرآن، فعزم على إتمام هذا التفسير كاملًا، فبدأ من حيث انتهى الإمام في تفسير القرآن إلى أنه وافته المنية بعدما أنهى تفسير الآية ١٠١ من سورة يوسف وهي قوله تعالى ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾. (٢)\nفكان مجمل ما فسره بعد وفاة الإمام ما يقارب سبعة أجزاء في أكثر من ثلاثين سنة.\nوانتهى تفسير المنار بما أتمه الشيخ رضا إلى اثني عشر مجلدًا، ينتهي المجلد الثاني عشر وقد أكمل الأستاذ بهجت البيطار تفسير سورة يوسف، وطبع تفسير هذه السورة بتمامها في كتاب مستقل يحمل اسم الشيخ رضا ﵀. (٣)\n_________\n(١) النساء ١٢٦.\n(٢) يوسف ١٠١.\n(٣) انظر التفسير والمفسرون للدكتور الذهبي (٢/ ٥٧٧)، وكتاب «المفسرون مدارسهم ومناهجهم» للأستاذ الدكتور فضل حسن عباس، ٩٥ - ٩٦ دار النفائس الأردن، الطبعة الأولى ٢٠٠٧ م.","vol":"1","page":123},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>المبحث الثاني\nمنهجه في التفسير</span>\nكان المنهج المتبع في بداية تأليف المنار، هو منهج الإمام محمد عبده، حيث كان يمتاز بالخصائص التالية: (١)\n١ - نظرته للسورة القرآنية على أنها وحده كاملة.\n٢ - يسر العبارة وسهولة الأسلوب.\n٣ - عدم تجاوز النص في مبهمات القرآن.\n٤ - محاربته الإسرائيليات والخرافات.\n٥ - حرصه على بيان هداية القرآن الكريم.\n٦ - دحضه للشبهات التي تثار حول القرآن والإسلام.\n٧ - نبذ التقليد والجمود.\n٨ - بيانه لحكمة التشريع.\nولكن بعد وفاة الإمام، لم يلزم رشيد رضا نفسه بنهج الإمام وطريقته، بل كان له نهج آخر عبر عنه بقوله «وإني لما استقللت بالعمل بعد وفاته\n_________\n(١) انظر كتاب «المفسرون مدارسهم ومناهجهم» للدكتور فضل حسن عباس وكتاب «التفسير والمفسرون» للذهبي وكتاب «الإمام محمد عبده ومنهجه في التفسير» عبد الغفار عبد الرحيم.","vol":"1","page":124},{"text":"خالفت منهجه رحمه الله تعالى بالتوسع فيما يتعلق بالآية من السنة الصحيحة، سواء كان تفسيرا لها أو في حكمها، وفي تحقيق بعض المفردات أو الجمل اللغوية والمسائل الخلافية بين العلماء، وفي الإكثار من شواهد الآيات في السور المختلفة - وفي بعض الاستطرادات لتحقيق مسائل تشتد حاجة المسلمين إلى تحقيقها، بما يثبتهم بهداية دينهم في هذا العصر أو يقوي حجتهم على خصومه من الكفار والمبتدعة، أو بحل بعض المشكلات التي أعيا حلها بما يطمئن به القلب وتسكن إليه النفس». (١)\n_________\n(١) تفسير المنار (١/ ١٦).","vol":"1","page":125},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>المبحث الثالث\nطريقته في التفسير</span>\nطريقة رشيد رضا في تفسيره المنار، هو أن يذكر مقدمة للسورة كبيان مكيتها أو مدنيتها، وعدد آياتها، ومناسبتها لما قبلها، وسبب نزولها، وما يخصها من بعض الوجوه الأخرى.\nثم بعد ذلك يأخذ آية أو أكثر ويفسرها على حدة، وقد يتوسع في بعضها إذا رئي أنها تحتاج لبيان وشرح وتفصيل، وذكر للأقوال المخالفة، وقد يختصر في البعض الآخر إذا لم تكن بحاجة إلى التوسع في تفسيرها أو قد يكون تناول تفسيرها في موضوع سابق.\nوبعد أن ينتهي من تفسير السورة بشكل مجمل، يأتي بخلاصة للسورة في آخرها، عدا سورة البقرة أوردها في أولها:\nمثال ذلك:\nذكر في آخره سورة (براءة) أنها تحتوي على خمسة أبواب: (١)\nالباب الأول: في صفات الله تعالى وشؤونه في خلقه وأحكامه وسننه فيها.\n_________\n(١) تفسير المنار (١٠/ ١٣٤).","vol":"1","page":126},{"text":"الباب الثاني: في مكانة محمد - ﷺ -، وخاتم النبيين عند ربه وفي هداية دينه وحقوقه على أمته.\nالباب الثالث: في دين الإسلام، وما في السورة من حججه وأصوله وصفات أهله.\nالباب الرابع: في المسائل المالية والعسكرية والسياسية، وما فيها من أحكام القتال.\nالباب الخامس: في شؤون الكفار والمنافقين وحكم الإسلام عليهم، وسياسته فيهم.\nوذكر في آخر سورة الأعراف أنها تحتوي على ستة أبواب:\nفالباب الأول: توحيد الله تعالى إيمانا وعبادة وتشريعا، وصفاته وشؤون ربوبيته.\nالباب الثاني: الوحي والكتب والرسالة والرسل.\nالباب الثالث: الآخرة والبعث والجزاء.\nالباب الرابع: أصول التشريع وبعض قواعد الشرع العامة.\nالباب الخامس: آيات الله وسننه في الخلق والتكوين.\nالباب السادس: سنن الله تعالى في الاجتماع والعمران البشري، وشؤون الأمم، المعبر عنه في عرف عصرنا بعلم الاجتماع. (١)\n_________\n(١) المصدر السابق (٩/ ٥٧٦ - ٥٨٠).","vol":"1","page":127},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>المبحث الرابع\nخصائص تفسير المنار</span>\nإن المتأمل لتفسير المنار يجد أنه قد تفرد بخصائص كثيرة مما جعل الكثير من الناس يقبل على قراءته ودراسته والعناية به على الرغم من كثرة التفاسير، ولا عجب في ذلك فقد كان الشيخ محمد رشيد رضا عالمًا متبحرًا في جميع العلوم والفنون سواء الشرعية أو غير الشرعية، وصاحب مادة غزيرة وإلى جانب هذا فقد حباه الله قوةً في التعبير وجمالا في الأسلوب وروعةً في البيان.\nولعل من أهم الخصائص التي اختص بها ما يلي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>١ - العناية بالتحقيقات اللغوية:</span>\nيرى رشيد رضا أنه لا مجال لفهم القرآن وتذوق حلاوته إلا بالإلمام باللغة العربية التي أنزل بها القرآن.\nفكان يهتم اهتمامًا واسعًا بالتحقيقات اللغوية في تفسيره لبيان مراد الله في كتابه، وتقريب معناه للقارئ.\nحيث يقول: «لا يتعظ الإنسان بالقرآن، فتطمئن نفسه بوعده، وتخضع لوعيده إلا إذا عرف معانيه، وذاق حلاوة أساليبه، ولا يأتي هذا إلا بمزاولة الكلام العربي البليغ، مع النظر في بعض النحو كنحو ابن هشام وبعض","vol":"1","page":128},{"text":"فنون البلاغة كبلاغة عبد القاهر، وبعد ذلك يكون له ذوق في فهم اللغة يؤهله لفهم القرآن». (١)\nمثال ذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا﴾. (٢)\nيقول «وليخش» أمر من الخشية، وهي كما في المعاجم الخوف، وقال الراغب: هي خوف يشوبه تعظيم، وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى منه، ولذلك خُص العلماء بها في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. (٣) (٤)\nوعند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾. (٥)\nيذكر أقوال أهل اللغة في معنى «الذرء».\nويعقب عليها بقوله: «فإذا تأملت مع هذه الأقوال استعمال القرآن لهذا الحرف في النبات والحيوان والإنسان خاصة، علمت أن الذرء في أصل اللغة، بمعنى خلق ذلك أي إيجاده، كما أن أصل معنى الخلق التقدير، ويسند إلى الله تعالى بمعنى إيجاد الأشياء بتقدير ونظام لا جزافًا ولهذا عطف الذرء\n_________\n(١) تفسير المنار (١/ ١٨٢).\n(٢) النساء ٩.\n(٣) فاطر ٢٨.\n(٤) تفسير المنار (١/ ١٨٧).\n(٥) الأعراف ١٧٩.","vol":"1","page":129},{"text":"والبدل على الخلق في حديث الدعاء «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق وذرأ وبرأ». (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>٢ - العناية بالقضايا البلاغية والإعرابية:</span>\nكان اهتمام الشيخ بالقضايا البلاغية والإعرابية لا يقل عن اهتمامه بالتحقيقات اللغوية، فكان يهتم في تفسيره بالقضايا البلاغية المهمة، كتحدثه عن براعة خواتم السورة وفواتحها، وعلاقة السورة بما قبلها، وبلاغة التناسب بين سوره وآياته، وبلاغته في إيجازه، وكان يرى أن الإنسان لا يمكنه أن يتعظ بالقرآن إلا إذا كان لديه بعض فنون البلاغة. (٢)\nمثال ذلك عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾. (٣)\nقال: «ومن مباحث البلاغة في الآية أن ذكر «غفور» له فيها نكتة دقيقة لا تظهر إلا لصاحب الذوق الصحيح في اللغة، فقد يقال إن ذكر وصف الرحيم ينبئ بأن هذا التشريع والتخفيف بالرخصة من آثار الرحمة الإلهية، وأما الغفور فإنما يناسب أن يذكر في مقام العفو عن الزلات والتوبة عن السيئات، والجواب عن هذا أن ما ذكر في تحديد الاضطرار دقيق جدًا، ومرجعه إلى اجتهاد المضطر، ويصعب على من خارت قواه من الجوع أن\n_________\n(١) تفسير المنار «٩/ ٣٨٦».\n(٢) المصدر نفسه والصفحة.\n(٣) البقرة ١٧٣.","vol":"1","page":130},{"text":"يعرف القدر الذي يمسك الرمق وبقي من الهلاك بالتدقيق، وأن يقف عنده، والصادق الإيمان يخشى أن يقع في وصف الباغي والعادي بغير اختياره، فالله تعالى يبشره بأن الخطأ المتوقع في الاجتهاد في ذلك مغفور له ما لم يتعمد تجاوز الحدود والله أعلم». (١)\nوعند تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾. (٢)\nيقول: «قالوا إن هذا خبر لا يقصد به الأخبار، بل التحسر والتحزن والاعتذار، فهو بمعنى الإنشاء وذلك أنها نذرت تحرير ما في بطنها لخدمة بيت الله والانقطاع لعبادته فيه، والأنثى لا تصلح لذلك عادة لا سيما في أيام الحيض». (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>٣ - بيانه لحكمة التشريع:</span>\nفكان لا يكتفي رشيد رضا في تفسيره للآية أو السورة في بيان معناها وما تدل عليه والمراد منها.\nبل كان يذهب إلى أبعد من ذلك، فكان يذكر الحكمة من تشريعها وما تشتمل عليه من مصالح للفرد أو للجماعة سواء كانت روحية أو مادية، نجد هذا واضحًا في آيات الحج والصوم والقصاص وغيرها، وهو في أثناء ذلك كله يبين عظمة الإسلام وما يمتاز به من رحمة وعدالة ويسر.\n_________\n(١) تفسير المنار (٢/ ٣٠٠).\n(٢) آل عمران ٣٦.\n(٣) تفسير المنار (٣/ ٢٨٨).","vol":"1","page":131},{"text":"مثال ذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾. (١)\nفبعد أن بين معنى الآية والمراد منها ذكر الحكمة من تشريع الصيام، حيث يقول: «ومن وجوه إعداد الصوم للتقوى أن الصائم عندما يجوع يتذكر من لا يجد قوتًا فيحمله التذكر على الرأفة والرحمة الداعيتين إلى البذل والصدقة، وقد وصف الله تعالى نبيه بأنه رؤوفٌ رحيم، ويرتضي لعباده المؤمنين ما ارتضاه لنبيه - ﷺ -، ولذلك أمرهم بالتأسي به ووصفهم بقوله: «رحماء بينهم» ومن فوائد الصيام الاجتماعية المساواة بين الأغنياء والفقراء والمملوك والسوقه، ومنها تعليم الأمة النظام في المعيشة، فجميع المسلمين يفطرون في وقتٍ واحد لا يتقدم أحد على أحد آخر دقيقه واحدة وقلما يتأخر عنه دقيقة واحدة، ومن فوائده الصحية أنه يفني المواد الراسبة في البدن ولا سيما أبدان المترفين أولي النهم وقليلي العمل، ويجفف الرطوبات الضارة، ويطهر الأمعاء من فساد الذرب والسموم التي تحدثها البطنة، ويذيب الشحم أو يحول دون كثرته في الجوف وهي شديدة الخطر على القلب، فهو كتضمير الخيل الذي يزيدها قوه على الكر والفر، قال - ﷺ - «صوموا تصحو» رواه ابن السني وأبو نعيم في الطب عن أبي هريرة وأشار في الجامع الصغير إلى حسنه ويؤيده «أغزو تغنموا، وصوموا تصحوا وسافرو تستغنوا» رواه الطبراني في الأوسط عنه.\nوقال بعض أطباء الأفرنج: إن صيام شهر واحد في السنة يذهب بالفضلات الميتة في البدن مدة سنة.\n_________\n(١) البقرة ١٨٣.","vol":"1","page":132},{"text":"وأعظم فوائدة كلها الفائدة الروحية التعبدية المقصودة بالذات وهي أن يصوم لوجه الله تعالى، كما هو الملاحظ في النية على ما قدمناه ومن صام لأجل الصحة فقط فهو غير عابد لله تعالى في صيامه، فإذا نوى الصحة مع التعبد كان مثابا كمن ينوي التجارة مع الحج، فإنه لولا العبادة لاكتفى بالجوع والحمية وآية الصيام بهذه النية والملاحظة التحلي بتقوى الله تعالى وما يتبعها من أحاسن الصفات والخلال وفضائل الأعمال». (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>٤ - ابتعاده عن الإسرائيليات:</span>\nكان رشيد رضا من أشد الناس محاربة للإسرائيليات والتحذير منها. وبيان خطرها في تفسيره، متبعًا بذلك منهج شيخه محمد عبده الذي كان حريصًا على تنقيه التفسير من هذه الإسرائيليات.\nحيث يقول: «وقد قلت لكم غير مرة إنه يجب الاحتراس في قصص بني إسرائيل وغيرهم من الأنبياء، وعدم الثقة بما زاد على القرآن من أقوال المفسرين والمؤرخين، فالمشتغلون بتحرير التاريخ والعلم اليوم يقولون معنا إنه لا يوثق بشيء من تاريخ تلك الأزمنة التي يسمونها أزمنة الظلمات، إلا بعد التحري والبحث واستخراج الآثار، فنحن نعذر المفسرين الذين حشوا كتب التفسير بالقصص التي لا يوثق بها، لحسن قصدهم، ولكننا لا نعول على ذلك بل ننهي عنه، ونقف عند نصوص القرآن لا نتعداها، وإنما نوضحها بما يوافقها إذا صحت روايته». (٢)\n_________\n(١) تفسير المنار (٢/ ١١٩).\n(٢) تفسير المنار (١٠/ ٣٤٧).","vol":"1","page":133},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-75>٥ - يسر العبارة وسهولة الأسلوب:</span>\nمنَّ الله تعالى على رشيد رضا بقلمٍ سيال بحيث يستطيع أن يقدم للقارئ مادة علمية رصينة بأسلوب سهل وبعبارة يسيره بحيث توضح المعنى وتجلي الفكرة، وكل ذلك بعيدًا عن التقعر في الألفاظ والكلمات. وبأسلوب أدبي رفيع يجذب القارئ إليه.\nولا عجب ولا غرابه في ذلك فالشيخ رشيد رضا أعطى حظًا وافرًا في الكتابة والتعبير وإيصال المعاني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>٦ - كثرة استشهاده بالأحاديث النبوية:</span>\nفقد كان الشيخ محمد رشيد رضا عالمًا في علم الحديث متمكنًا منه بعكس شيخه الإمام محمد عبده الذي لم يكن له دراية في الحديث وعلومه.\nفكان يكثر من الاستشهاد بالأحاديث النبوية في تفسيره ويبين المراد منها. حيث يقول: «هذا وإنني لما استقللت بالعمل بعد وفاته خالفت منهجه رحمه تعالى بالتوسع فيما يتعلق بالآية من السنة الصحيحة، سواء كان تفسيرًا لها أو في حكمها ......». (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>٧ - بيان سنن الله في الكون والإنسان والحياة:</span>\nلعل من أعظم ما امتاز به تفسير المنار إرشاده إلى سنن الله وكونها لا تتخلف ولا تتبدل ولا تتغير.\nفلا نكاد نمر بتفسير آية إلا ونجد فيه ما يلفت المسلمين إلى واقعهم\n_________\n(١) تفسير المنار (١/ ١٦).","vol":"1","page":134},{"text":"السيئ وإلى المسافات الشاسعة بين هذا الواقع وبين هدي القرآن كما نجد الإفاضة الكثيرة في تقرير هذه السنن في الاجتماع والعمران وهذه لفتات كريمة حقًا، فإن الله ﵎ ما خلق السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق، وقد أرشدنا القرآن لأن نعتبر بأحداث الأمم ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧)﴾. (١)\nفلا عجب أن يشرح رشيد رضا هذه السنة وآثارها وأن يبث ذلك في تفسيره كل ذلك من أجل أن يستيقظ المسلمون من سباتهم وأن ينهضوا من كبوتهم وأن ينفضوا عنهم غبار اليأس المتراكم ووعثاء الغرور والتمني، حتى أننا نجده يعقد فصولًا في ذلك، من ذلك ما نراه في خلاصة تفسيره سورة الأعراف حيث يفرد بابًا في سنن الله تعالى يضمنه الأصول التالية: (٢)\n١ - إهلاك الله الأمم بظلمها لنفسها وغيرها.\n٢ - بيان أن للأمم آجالًا لا تتقدم ولا تتأخر عن أسبابها، التي اقتضتها السنن الإلهية العامة.\n٣ - ابتلاء الله الأمم بالبأساء والضراء تارة، وبضدها من الرخاء والنعماء تارة أخرى.\n٤ - بيان أن الإيمان بما دعا الله إليه، والتقوى في العمل بشرعه فعلًا\n_________\n(١) آل عمران ١٣٧.\n(٢) تفسير المنار (٩/ ٥٣١).","vol":"1","page":135},{"text":"وتركًا، سبب اجتماعي طبيعي لسعة بركات السماء والأرض وخيراتها على الأمة.\n٥ - استدراجه تعالى للمكذبين والمجرمين وإملاؤه لهم.\n٦ - سنة الله في الأمم التي ترث الأرض من بعد أهلها الإملاء، هي سنته تعالى في أهلها.\nويفصل كل أصل من هذه الأصول، ولا نعدو الحقيقة إن قلنا أن تفسير المنار كان له أثر كبير في السنن، وهو ينعي على المتواكلين، ولا نعدو الحقيقة إن قلنا إن خير ما يمتاز به هذا التفسير هو تفصيل هذه السنن تفصيلًا يجمع إلى دقه البحث وعمق الفهم نبيل الغاية وكريم المقصد. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>٨ - عدم تجاوز النص فيما ورد مبهمًا:</span>\nلقد كان منهج الإمام محمد عبده ومن بعده تلميذه رشيد رضا عدم تجاوز النص فيما ورد مبهمًا في القرآن.\nوذلك بالوقوف عند حدود ما ذكره القرآن، فلو كان فيما وراء ذلك حكمة وفائدة لما أغفلها النص وأهمل ذكرها.\nمثال ذلك يقول محمد عبده عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾. (٢)\n_________\n(١) أنظر فضل حسن عباس، المفسرون مدارسهم ومناهجهم ١٩٢.\n(٢) البقرة ٥٩.","vol":"1","page":136},{"text":"«ونسكت عن تعيين القرية كما سكت القرآن». (١)\nويقول عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩)﴾. (٢)\n«ونسكت عن تعيين نوع ذلك الرجز كما هو شأننا في كل ما أورده القرآن ....». (٣)\n_________\n(١) تفسير المنار (١/ ٣٢٤).\n(٢) البقرة ٥٩.\n(٣) تفسير المنار (١/ ٣٢٥).","vol":"1","page":137},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>المبحث الخامس\nمنهجه العقدي في تفسير المنار</span>\nللشيخ محمد رشيد رضا في تفسيره المنار منهج عقدي واضح في تفسير آيات العقيدة، يتضح ذلك من خلال الاطلاع على ما كتبه في تفسيره لبعض الآيات الواردة في الحث على الإيمان والتوحيد، وكذلك الآيات الواردة في الأسماء والصفات، أو الآيات الواردة في القضاء والقدر، أو التي تحث على التفكر والتدبر، ويمكن القول بأن منهجه العقدي في التفسير يتميز بما يلي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>أولا: عدم الالتفات إلى أسباب النزول في تفسير آيات العقيدة:</span>\nيرى الشيخ رشيد رضا أن معرفة أسباب النزول إنما يحتاج إليه في آيات الأحكام، أما آيات العقيدة والتوحيد فلا يحتاج إلى معرفة سبب نزولها.\nحيث يقول: «ويقول الأستاذ الإمام إن سبب النزول إنما يحتاج إليه في آيات الأحكام، لأن معرفة الوقائع والحوادث التي نزل فيها الحكم تعين على فهمه وفقه حكمته وسره، ومثلها ما فيه إشارة إلى بعض الوقائع كغزوة بدر والنصر فيها، ومصيبة المؤمنين في أحد، وأما الآيات المقررة للتوحيد وهو المقصود الأول من الدين فلا حاجة إلى التماس أسباب نزولها، بل هي لا تتوقف على انتظار السؤال، وإنما كان يبين عند كل مناسبة» (١)، وهذا\n_________\n(١) تفسير المنار (٢/ ٣٣).","vol":"1","page":138},{"text":"أساس من الأسس التي قام عليها منهج المنار في تفسير آيات العقيدة.\nفعند تفسير قوله تعالى (١): ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ (٢)\nقال الأستاذ الإمام: «نبههم ﷾ إلى أن المنافع التي يرقبونها من شركهم إنما هي بيده الكريمة وحده، كأنه يقول: إذا أنتم تركتم ما أنتم فيه لأجله تعالى فهو بتفرده بالالوهية يكفيكم كل ضرر تخافونه، ويعطيكم برحمته الواسعة كل ما ترجونه، فإن بيده ملكوت كل شيء، وكل ما تعتمدون عليه من دونه فليس محلًا للاعتماد، بل اعتمادكم عليه من قبيل الشرك، فيجب أن تطرحوه جانبًا، وتعتقدوا أن الإله الذي بيده أزمة المنافع والقادر على دفع المضار وإيقاعها هو واحد لا سلطان لأحد على إرادته، ولا مبدل لكلمته، ولا أوسع من رحمته، وإنما أكد أمر الوحدة هذا التأكيد تحذيرًا من طرق الشرك الخفية، على أنها أساس الدين وأصله، ثم قال: أرأيت هذا الاتصال المحكم بين الآية وما قبلها؟ إن بعض المفسرين قد قطع عراه وفصمها وجعل الآية جوابًا لقوم قالوا للنبي - ﷺ -: انسب لنا ربك .. (٣)\nفهو إن صح رواية لا يزيدنا بيانًا في فهم الآية ولا يصح أن يجعل سببًا لنزولها، لا سيما بعد الذي علم من اتصالها بما قبلها كما يليق ببلاغة القرآن، ومثل هذا السبب\n_________\n(١) ومن أمثلته أيضًا ما جاء في تفسير الآية رقم (٤٨) من سورة النساء، انظر تفسير المنار ٥/ ١٤٧. وأيضا ما جاء في تفسير آية (١٤٤) من سورة البقرة، انظر تفسير المنار ٢/ ١٠ - ١١، وانظر ١/ ٤٢٨ - ٤٢٩.\n(٢) سورة البقرة آية ١٦٣.\n(٣) انظر تفسير الجلالين ص ٣٣، وتفسير البيضاوي ص ٣٣، وتفسير أبي السعود ١/ ١٨٤، وتفسير الخازن ١/ ١٠١، وحاشية الصاوي على الجلالين ص ٧٣.","vol":"1","page":139},{"text":"يجعل القرآن مبددًا متفرقًا لا ترتبط أجزاؤه، ولا تتصل أنحاؤه. ومثله ما قالوه في سبب الآية التي بعد هذه الآية، فإنها جاءت على سنة القرآن من وصل الدليل بالدعوى، ولكنهم رووا في سببها روايات منها أن آية ﴿وإلهكم إله واحد﴾، نزلت بالمدينة، ثم سمع بها مشركوا مكة فقالوا ما قالوا وعجبوا كيف يسع الخلق إله واحد، وطلبوا الدليل على ذلك. كأنهم لم يكونوا قد سمعوا عليه دليلًا، وكأن هذه الدعوى لم تكن طرأت على أذهانهم ولا طرقت أبواب مسامعهم، على أن النبي - ﷺ - كان قد أقام فيهم يدعوهم إلى هذا التوحيد عشر سنين ونيفًا، وسبق لهم التعجب منه ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)﴾ (١) ومعظم ما نزل بمكة آيات وبراهين عليه، فكيف نسلم أن ما نراه في التنزيل المدني من آيتين متصلتين إحداهما في التوحيد والأخرى في دليله، قد كان من الفصل بينهما أن نزل الدليل بعد المدلول بزمن طويل وسبب متأخر؟ .\nوأضاف الأستاذ الإمام بعد بيان اتصال الآية بما قبلها وتقرير معناها: ومن هنا يظهر أنها لا يصح أن تكون جوابًا للذين قالوا: انسب لنا ربك، أو صف لنا ربك، لأن هذا السؤال إنما يصدر عمن لا يعرف شيئًا من صفات هذا الرب العظيم، أو ممن يبغي أن يعرف مقدار علم المسؤول بهذه الصفات، ويجب أن يكون جوابه بذكر العلم والحكمة والإدارة والقدرة، وهي صفات لا تعقل الألوهية إلا بها، وسببه أن أولئك الكفار لم يكونوا يكتمونها ولا يشركون مع الله أحدًا فيها، وإنما أشركوا في الألوهية بعبادة غير الله تعالى\n_________\n(١) سورة ص آية ٥.","vol":"1","page":140},{"text":"بالدعاء والنذور والقرابين، ويستلزم هذا عدم اكتفائهم برحمته» وقال: إن الاكتفاء بذكر الوحدة والرحمة على الوجه الذي قررناه في تفسير الآية ظاهر لا تطلب البلاغة غيره، لأن الوحدة تذكر أولئك الكافرين الكاتمين للحق بأنهم لا يجدون ملجأ غير الله يقيهم عقوبته ولعنته، وذكر الرحمة بعدها يرغبهم في التوبة ويحول دون يأسهم من فضل الله بعد إيئاسهم ممن اتخذوهم شفعاء ووسطاء عنده». (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>ثانيا: عدم اللجوء إلى تأويل الصفات:</span>\nفمنهج الشيخ رشيد رضا في آيات العقيدة، أن لا يلجأ إلى تأويل آيات الصفات مختارًا بذلك رأي ابن تيمية ومدافعًا عن نهجه. (٢)\nإلا أنه نسب إلى ابن تيمية أنه يقول بأن آيات الصفات من المتشابهات (٣)، وهذا خطأ من الشيخ، فابن تيمية ينفي التشابه عن آيات الصفات ويرى أنها معقولة المعنى مجهولة الكيف. (٤)\nفيقول عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾. (٥)\n_________\n(١) انظر تفسير المنار (٢/ ٥٥ - ٥٧).\n(٢) انظر تفسير المنار (٣/ ١٧٢) و(٧/ ٣٣٦) و(٧/ ١٤٤).\n(٣) نفس المصدر (٣/ ١٦٥).\n(٤) انظر موقف ابن تيمية من المتشابهات في القرآن من كتاب «الإمام ابن تيمية وموقفه من قضية التأويل» ص ١٦٤.\n(٥) الأعراف ١٨٠.","vol":"1","page":141},{"text":"«المعنى، ولله دون غيره جميع الأسماء الدالة على أحسن المعاني وأكمل الصفات». (١)\nويقول في موضع آخر: «وأسماء الله كثيرة وكلها حسن بدلالة كل منها على منتهي كمال معناه وتفضيلها على ما يطلق منها على المخلوقين كالرحيم والحكيم والحفيظ والعليم» (٢)، وهذا القول موافق لما عليه أهل السنة في الأسماء.\nويقول في موضع آخر: «فقاعدة السلف في جميع الصفات التي وصف الله تعالى بها نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله أن نثبتها له ونمرها كما جاءت مع التنزيه عن صفات الخلق، الثابت عقلًا ونقلًا بقوله ﷿ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (٣) فنقول إن لله علمًا حقيقيًا هو وصف له، ولكنه لا يشبه علمنا، وإن له سمعًا حقيقيًا هو وصف له لا يشبه سمعنا، وإن له رحمة حقيقية هي وصف له لا تشبه رحمتنا التي هي انفعال في النفس، وهكذا نقول في سائر صفاته تعالى، فنجمع بذلك بين العقل والنقل ...». (٤)\nويقول أيضًا مثبتًا أن طريقة السلف هي الصحيحة وأنها تجمع بين العقل والنقل، قال: «إنما الطريقة المثلي في الجمع بين العقل والنقل في الصفات أن يقال: إنه قد ثبت بهما أن الله تعالى ليس كمثله شيء، وثبت\n_________\n(١) تفسير المنار (٩/ ٤٣١).\n(٢) المصدر نفسه (٩/ ٤٣٢).\n(٣) الشورى ١١.\n(٤) تفسير المنار (١/ ١٧٧)","vol":"1","page":142},{"text":"عقلًا أن خالق العالم لابد أن يكون متصفًا بصفات الكمال، وثبت نقلًا عن الوحي الذي جاء به الرسل وصفه تعالى بالعلم والقدرة والرحمة والمحبة، والعلو فوق الخلق، والاستواء على العرش، وتدبير أمر العالم كله فنحن نتخذ قوله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾». (١)\nقاعدة ومرآة لفهم جميع ما وصف الله تعالى به نفسه وما وصفه رسوله - ﷺ - وهو أنه ليس كمثله شيء وأنه سميع بسمع ليس كمثل أسماع المخلوقين، ويبصر ببصر ليس كبصرهم، وعليم بعلم ليس كعلمهم، ورحيم برحمة ليست كرحمتهم، ويحب بمحبة ليست كمحبتهم، ومستو على عرشه استواءً ليس كاستواء ملوكهم على عروشهم، وتدبير أمورهم تدبيرًا ليس كتدبير ملوكهم ورؤسائهم لما يدبرونه ....». (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>ثالثا: التأكيد على أن الإسلام دين العقل:</span>\nكان الشيخ رشيد رضا ومن خلال تفسيره المنار دائم التركيز والتأكيد على أن الإسلام دين العقل. وأنه متوافق مع العقل من غير تضاد.\nحيث يقول: «بناء أصول الدين في العقائد وحكمة التشريع على إدراك العقل لها، واستبانته لما فيها من الحق والعدل ومصالح العباد، وسد ذرائع الفساد والشاهد عليه من هذه السورة (٣)، قوله تعالى في الاستدلال على توحيده بآياته في السموات والأرض ما بينهما: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ\n_________\n(١) الشورى ١١.\n(٢) مجلة المنار (٢٨/ ٢٧٠).\n(٣) أي سورة البقرة.","vol":"1","page":143},{"text":"وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. (١) (٢)\nفالعقل كما يرى رشيد رضا يشارك النقل في الدين بكونه مدركا له، وبالتالي فإن العقل يعتبر شريكًا للنقل في تفسير النصوص القرآنية، ويرى بأنه لا يجوز لنا أن نحرف الآية عما يقتضيه سياقها إلا بحجة من خبرٍ صحيح أو عقل. (٣)\nوقد بين رشيد رضا أن الإسلام معقول ولا محال في عقائده حيث يقول: «إنه ليس في عقائد الإسلام شيء يحكم العقل باستحالته، وإنما فيه أخبار عن عالم الغيب لا يستقل العقل بمعرفتها، لعدم الإطلاع على ذلك العالم، ولكنها كلها من الممكنات أخبر بها الوحي فصدقناه، فالإسلام لا يكلف أحدًا أن يأخذ بالمحال». (٤)\nوقال: «إن الإسلام دين البصيرة والعقل والبينة والبرهان، وآيات القرآن الكثيرة ناطقة بذلك. كقوله تعالى ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١)﴾ (٥)، وكقوله تعالى ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى\n_________\n(١) سورة البقرة ١٦٤.\n(٢) تفسير المنار (١/ ٦٢١).\n(٣) نفس المصدر (٧/ ٦١٥).\n(٤) نفس المصدر (٦/ ٣١).\n(٥) البقرة ١١١.","vol":"1","page":144},{"text":"مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ (١)، وكقوله تعالى ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨)﴾. (٢) (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>رابعا: الدفاع عن العقيدة الإسلامية ورد الشبهات المثارة حولها:</span>\nيعتبر العصر الذي عاش فيه الشيخ رشيد رضا بداية انفتاح المجتمعات الإسلامية على المجتمعات الغربية أو الإفرنجية كما كانت تسمى.\nوكانت ترسل كثيرًا من البعثات الطلابية للتعلم في تلك البلاد، وكان كثيرٌ منهم يعود إلى بلده بعد إنهاء دراسته هناك وهو محمل بكثير من الشبه والشكوك حول الدين والإسلام والعقيدة.\nوانتشرت في هذه الفترة العلمانية والشيوعية والقومية وغيرها من الأفكار والأقوال التي تتناقض مع ما جاء به الدين.\nفكان أكثر كتاب الصحف والمجلات هم من أصحاب هذه الأفكار وكانوا يكتبون ويرددون هذه الأفكار، ويثيرون الشبهات حول الإسلام من خلال ما يكتبون، فيلبّسون على العامة ومن لا علم له في الشريعة.\nفكان رشيد رضا ينبري ويدافع من خلال تفسيره المنار عن الإسلام وعن العقيدة الإسلامية ببيان صلاحيته لكل زمان ومكان، وكان يرد على كثير من الشبه والاتهامات التي توجه إلى الإسلام من أعدائه الطاعنين فيه.\n_________\n(١) الأنفال ٤٢.\n(٢) الأنعام ١٤٨.\n(٣) تفسير المنار (٦/ ١٥٢).","vol":"1","page":145},{"text":"فكان يرد على شبه المستشرقين وافتراءاتهم على الإسلام تارة، ويكشف زيف افتراءات الكنيسة تارة أخرى، ويصحح العقائد المزلزلة في نفوس المستغربين تارة ثالثة، ويبين خطورة المذاهب الدخيلة والنحل الباطنية، كالبهائية والقاديانية وغيرهما، كل ذلك بأسلوب واضح، وحجة دامغه تتبختر اتضاحا، مضمنا ذلك كله الميزات التي يمتاز بها هذا الدين، فلقد رد على منكري الوحي عموما، وعلى الخصوص منكري الرسالة المحمدية، وبين أن الإسلام دين الفطرة والعقل، كما رد على منكري الجن، وهذا يدحض ما اتهم به من أنه أنكر وجودهم، وكذلك وضح سبق الإسلام في تحرير الرقيق والمرأة، وتكلم عن مقاصد القرآن في تربية النوع الإنساني، وأظهر عظمة القرآن في ما شرعة من نظم مالية وحربية وسياسية وغير ذلك. (١)\nمثال ذلك رده على الذين يدعون أن الرسول - ﷺ - أخذ من علماء النصارى في الشام بقوله: «ولو كان النبي - ﷺ - تلقى عن علماء النصارى في الشام شيئًا أو عاشرهم لنقل ذلك أتباعه الذين لم يتركوا شيئًا علم عنه أو قيل فيه ولو لم يثبت إلا ودونوه ووكلوا أمر صحته أو عدمها إلى إسناده، ولو وقع ما ذكر لاتخذه أعداؤه من كبار المشركين شبهة يحتجون بها على أن ما يدعيه من الوحي قد تعلمه في الشام من النصارى، فإنهم كانوا يوردون عليه ما هو أضعف وأسخف من هذه الشبهة، وهو أنه كان في مكة قين «حداد» رومي يصنع السيوف وغيرها، فكان النبي - ﷺ - يقف عنده أحيانا يشاهد صنعته فاتهموه بأنه يتعلم منه، فرد الله عليهم بقوله ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ\n_________\n(١) المفسرون مدارسهم ومناهجهم، د. فضل حسن عباس، صـ ١٣٠.","vol":"1","page":146},{"text":"إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)﴾. (١) (٢)\nوكذلك رده على الكنيسة وما تثيره من شبهات وتهم للإسلام، فكتب في ثنايا تفسير سورة يونس فصلًا كاملًا بعنوان «صد الكنيسة عن الإسلام وبغيه عوجًا». (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>خامسا: استشهاده بآراء المتكلمين والرد عليها:</span>\nمن ضمن المنهج العقدي الذي اتبعه رشيد رضا في تفسير المنار هو كثرة استشهاده بآراء المتكلمين والرد عليها وبيان بعدها عن الصواب والحق، وذلك لكي يتضح للقارئ مدى صحة ما يذهب إليه من آراء وأقوال.\nوالذي يدل على سعة إطلاع الشيخ رشيد بآراء المتكلمين وأدلتهم أنه يذكر القول الذي يميلون إليه فيفسده ويبين بطلانه بأسلوب رائع وبأدلة علمية لا مجال لردها أو تأويلها.\nوسوف أذكر هنا بعض تلك الاستشهادات ورده عليها، ليتضح للقارئ الكريم مدى سعه علم الشيخ وإطلاعه.\nمثال ذلك عند تفسيره لقوله تعالى ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (٤) من سورة الأنعام.\n_________\n(١) النحل ١٠٣.\n(٢) تفسير المنار (١١/ ١٨٧).\n(٣) تفسير المنار (١١/ ١٢٧)\n(٤) الأنعام ١٦٠.","vol":"1","page":147},{"text":"يقول: «ومن المباحث الكلامية في الآية قول الأشعرية إن الثواب كله بفضل الله تعالى، ولا يستحق أحد من المحسنين منه شيئًا، وقول المعتزلة إن الثواب هو المنفعة المستحقة على العمل، والتفضل المنفعة غير المستحقة، وإن الثواب يجب أن يكون أعظم من التفضل في الكثرة والشرف، إذ لو جاز العكس أو المساواة لم يبق في التكليف فائدة، فيكون عبثًا قبيحًا، ومن ثم قال الجبائي وغيره: يجب أن تكون العشرة الأمثال في جزاء الحسنة تفضلًا، والثواب غيرها وهو أعظم منها وقال آخرون، يجوز أن يكون أحد العشرة هو الثواب، والتسعة تفضل، بشرط أن يكون الواحد أعظم وأعلى شأنًا من التسعة، ونقول، إن هذه النظريات كلها ضعيفة ولا فائدة فيها وإذا كان التفضل مازال وفضل على أهل الثواب المستحق بوعد الله تعالى وحكمته وعدله، فأي مانع أن يزيد الفرع على الأصل، وهو تابع له، متوقف عليه وإنما كان يكون الثواب حينئذ عبثًا، على تقدير التسليم، لو كان التفضل يحصل بدونه فيستغنى به، عنه كما هو واضح». (١)\nوكذلك عند تفسير قوله تعالى ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾. (٢)\nيعقد فصلًا طويلًا يتكلم فيه عن آراء المتكلمين وأهل الكلام في الخلق والتقدير والجبر والتوفيق والخذلان واختيار الإنسان.\nوالرد على الجبرية والقدرية، والقول الوسط في مسألة الحسن والقبح، ومسألة أفعال العباد وأفعال الباري عزوجل.\n_________\n(١) تفسير المنار (٨/ ٢٣٦).\n(٢) الأنعام ١٢٥.","vol":"1","page":148},{"text":"ثم يقول في آخره: «وجملة القول أن كلًا من الفريقين قصد تنزيه الله تعالى عما لا يليق به، ووصفه بالكمال الذي لا يعقل معنى الإلوهية الربوبية بدونه، فبالغ بعضهم في الإثبات وبعضهم في النفي والوسط بين ذلك وقول الرازي وأمثاله من غلاة الأشعرية في هذا المقام أبعد عن الصواب، وعن مذهب السلف.\nويمكن أن يستنبط من لوازم رأيهم، مثل ما استنبطوا من رأي خصومهم في التشنيع أو أشد، بل وجد من فعل ذلك والحق أن هذه ليست لوازم مقصودة لمذهب هؤلاء ولا هؤلاء، والجمهور على أن لازم المذهب ليس بمذهب ...........». (١)\nوكذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ (٢)، حيث يقول: «وما أخطأ كثير من العلماء في فهم كثير من الآيات، إلا لذهولهم عن مقارنة الآيات المتناسبة بعضها ببعض، واستبدالهم بذلك تحكيم الاصطلاحات والقواعد التي وضعها علماء مذاهبهم، وإرجاء الآيات إليها وحملها عليها، فهذا يستشكل نفي الظلم عن الله عزوجل، لأن العبيد لا يستحقون عنده شيءً من الأجر، فيكون منعه أو النقص منه ظلمًا، ثم يجيب عن ذلك بأنه بالنسبة إلى الوعد فهو قد وعد بإثابة المحسن، وأوعد بعقاب المسيء ثم جعلوا جواز تخلف الوعد أو الوعيد محل بحث وجدال أيضا، فهذا يقول إن إثابة المحسن وعقاب المسيء، أمر حسن في ذاته، وموافق للحكمة، فهو\n_________\n(١) تفسير المنار (٨/ ٦٢).\n(٢) سورة النساء، الآية ٤٠.","vol":"1","page":149},{"text":"واجب عليه تعالى أو واجب في حقه، كما يجب له كل كمال، ويستحيل عليه كل نقص فقام الآخرون يجادلونهم على لفظ «واجب عليه» ولعلهم قالوا «يجب له» فحرفوها، ومهما قالوا فالمقصود واحد، وهو إثبات الكمال لله تعالى وتنزيهه عن النقص، وأكثر الجدل الذي أهلك المسلمين وفرقهم شيعًا وأذاق بعضهم بأس بعض، كان مبنيًا على المشاحة في الألفاظ والاصطلاحات، وكتاب الله ودينه يتبرأ من ذلك وينهى عنه». (١)\n_________\n(١) تفسير المنار (٥/ ١٠٧).","vol":"1","page":150},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-85>المبحث السادس\nالمآخذ التي عليه</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>أولا: عنفه على مخالفيه:</span>\nلعل من أكثر المآخذ على تفسير المنار ومؤلفه رشيد رضا هو عنفه على مخالفيه وشدته عليهم، ونبزهم بأبشع الألقاب واتهامه العلماء تارةً بالتقليد وتارةً بعدم الفهم وتقليله من شأنهم ومكانتهم، ووصفهم بأسوء الأوصاف.\nمثال ذلك تشنيعه على الرازي في تفسيره: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ (١)، فيقول «إن هذا الذي قاله الرازي من أظهر هفواته الكثيرة بطلانًا، وسببه امتلاء دماغه عفا الله عنه بنظريات الكلام وجدل الاصطلاحات الحادثة، وغفلته عن معنى الإله في أصل اللغة». (٢)\nوكذلك عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٣٢)﴾ (٣)، يقول: «إننا نرى أن نصرح بأن الفخر الرازي عفا الله عنه، قد صرح في تفسيرها بأنها تدل على الجبر، وإننا نذكر عبارته بنصها، ونبين بطلانها حتى لا يغتر بها من ينخدع بلقبه وكبر شهرته». (٤)\n_________\n(١) الأعراف ١٣٨.\n(٢) تفسير المنار (٩/ ١١٠).\n(٣) الأنعام ١٣٢.\n(٤) تفسير المنار (٨/ ١١٦).","vol":"1","page":151},{"text":"وعند تفسير قول الله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (١)، يشنع عن الرازي بقوله: «فما أضعف دلائل هذا الإمام الشهير، ولا سيما في هذا التفسير الملقب بالكبير». (٢)\nومن أمثلة تجنيه على أهل العلم ووصفهم بأسوأ الأوصاف.\nيقول عند تفسيره قوله تعالى: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ (٣)، «وأبعد الناس عندنا في الصبر، وأدناهم من الجزع والهلع والفزع، المشتغلون بالعلوم الدينية، فإن الشجاعة والفروسية والرماية عندهم، من المعايب التي تزري بالعلم وتحط من قدره». (٤)\nولا شك أن هذا الكلام فيه تجن على أهل العلم وطعن فيهم، وتقليل من شأنهم، والذين هم أخشى الناس لله وأتقاهم له، والذين هم أكثر الناس إيمانًا بالله وتوكلًا عليه وصدعًا بالحق والجهر والقوه في الحق وعدم الخوف مما سواه، وأكثرهم صبرًا واحتسابًا للأجر لمعرفتهم بفضله وفضل أهله، وأبعدهم عن الهلع والجزع لعلمهم بأنه من أكبر الآثام وأسوأ الأخلاق.\nولا حاجة لذكر أمثلة أكثر لعنفه على مخالفيه، وإن كان رأيهم معتبرًا وحيث يجده القارئ مبثوثًا في ثنايا تفسيره، حتى ولو كان بعيدًا كل البعد عن موضوع الآية المفسرة.\n_________\n(١) الأنعام ١٤١.\n(٢) تفسير المنار (٨/ ١٣٨).\n(٣) البقرة ١٧٧.\n(٤) تفسير المنار (٢/ ١٢٢).","vol":"1","page":152},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>ثانيا: كثرة الاستطرادات:</span>\nكثرة الاستطرادات والتفريعات من المآخذ التي تحسب على تفسير المنار ولذا رأيناه ينصح القارئ في مقدمة تفسيره بمطالعة هذه الفصول الاستطرادية في غير وقت قراءته التفسير، ولكن هذا قد يكون صعبًا على القارئ من الناحيتين الموضوعية والنفسية، إذ لا نتصور قارئًا ما يسهل عليه أن يقرأ تفسير بعض آية ثم يترك الاستطرادات التي قد يكون لها تعلق بتفسير الآية ولو من بعيد، ولعل من أبرز تلك الاستطرادات والتفريعات الكثيرة.\nتفسيره لمطلع سورة يونس حيث كتب فصولًا عند تفسير قوله تعالى ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ﴾. (١)\nتزيد على مائة وخمسين صفحة وهي التي جردت فيما بعد فكانت كتاب «الوحي المحمدي».\nوكذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (٢) من سورة المائدة، حيث كتب ما يزيد عن سبعين صفحة.\nوعند قوله تعالى: ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨)﴾ (٣) من سورة الأنعام. كتب ما يزيد عن خمسين صفحة.\n_________\n(١) يونس ٢.\n(٢) المائدة ١٠١.\n(٣) الأنعام ١٢٨.","vol":"1","page":153},{"text":"وكذلك استطراداته وتفريعاته في خلاصات السور والتي يجعلها في نهاية كل سورة.\nولا شك أن هذه الاستطرادات والتفريعات تخرج بالقارئ في كثير من الأحيان عن موضوع الآية.\nكما أنها ليست دائما تتعلق بمسائل الدين، أو قضايا اللغة بل تتعداها إلى بعض المسائل الكونية كالنبات والفلك والرياح.\nمثال ذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (٥٨)﴾ (١) من سورة الأعراف.\nحيث استطرد في بيان بعض نعم الله على الخلق كالهواء والرياح وبدأ يتكلم عن تركيب الهواء وفائدته للحياة والإنسان والنبات. (٢)\nوكان الشيخ رشيد رضا ﵀ شعر بذلك فحاول أن يكتب تفسيرًا مختصرًا يجعله كالمتن لهذا التفسير على حد تعبير الأمير شكيب أرسلان.\nإلا أن المنية عاجلته فلم يكتب منه إلا بعض الأجزاء وسماه «التفسير المختصر المفيد». (٣)\n_________\n(١) الأعراف ٥٨.\n(٢) تفسير المنار (٨/ ٤٨٢).\n(٣) انظر «المفسرون مدارسهم ومناهجهم» د. فضل حسن عباس ٢٠١، وكتاب (رشيد رضا أو إخاء أربعين سنة) لشكيب ارسلان، ص ١٦٢ - ١٦٥.","vol":"1","page":154},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-88>ثالثا: مخالفته جمهور المفسرين في تفسير بعض الآيات:</span>\nفقد كان لرشيد رضا في تفسيره آراء وأقوال خالف فيها آراء جمهور المفسرين، وقد كانت له آراء أيضًا لم يسبقه بالقول فيها أحد.\nمثال ذلك مخالفته جمهور المفسرين في آية الوصية (١)، وهي قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠)﴾ (٢)\nفجمهور المفسرين على أنها منسوخة، ويرى رشيد رضا أنها غير منسوخة، ثم يحاول بعد ذلك أن يضعف حديث «لا وصية لوارث»، بحجة أن الشيخين لم يروياه مسندًا لعدم ثقتهما به، وأن البخاري قد رواه مرفوعًا عن ابن عباس﵁ -، وأنه لا يعقل أن ينسخ القرآن بالحديث.\nولا شك أن الصحيح هو ما ذهب إليه جمهور المفسرين بأن الآية منسوخة وأن حديث: «إن الله قد أعطى لكل ذي حقٍ حقه فلا وصية لوارث». (٣) حديثٌ صحيح تلقته الأمة بالقبول.\nوأجمع جمهور الأئمة على صحته، يقول الشافعي ﵀: «وجدنا أهل الفتيا ومن حفظنا عنهم من أهل العلم من بالمغازي من قريش وغيرهم\n_________\n(١) تفسير المنار (٢/ ١٣٧ - ١٤٠).\n(٢) البقرة: ١٨٠.\n(٣) رواه الترمذي في أبواب الوصايا، باب ما جاء لا وصية لوارث حديث (٢١٢)، وقال حديث حسن صحيح ورواه النسائي في السنن في كتاب الوصايا، باب إبطال الوصية للوارث ورواه ابن ماجه في كتاب لا وصية لوارث حديث (٢٧١٢)، ورواه الإمام أحمد في مسنده (٤/ ١٨٦، ١٨٧، ٢٣٨).","vol":"1","page":155},{"text":"لا يختلفون في أن النبي - ﷺ - قال عام الفتح: «لا وصية لوارث ولا يقتل مؤمن بكافر». (١)\nويقول: ويؤثر عمن حفظوا عنه، ممن لقوا من أهل العلم بالمغازي فكان هذا نقل عامة عن عامة، وكان أقوى في بعض الأمر من نقل واحد عن واحد، كذلك وجدنا أهل العلم عليه مجمعين». (٢)\nومثال ذلك أيضا، مخالفة جمهور المفسرين في تحديد من ينطبق عليها معنى الإحصان.\nفهو يقول عند تفسير قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾. (٣)\n«ثم قيدوا المحصنات هنا بقيد آخر وهو كونهن أبكارًا، ولأنهم يعدون من تزوجت محصنةً، وإن تأيمت بطلاق، أو موت زوجها، والوصف لا يفيد ذلك، فإن المحصنة بالزواج هي التي لها زوج يحصنها، فإذا فارقها لا تسمى محصنة بالزواج كما أنها لا تسمى متزوجة». (٤)\nوهذا القول بلا شك مخالف لما عليه جمهور المفسرين والفقهاء بأن المحصنة «هي من تزوجت وإن أمت بطلاق زوجها أو موته»، ثم أن الغامدية التي رجمت لم تكن ذات زوج والحق ما أجمع عليه العلماء. (٥)\n_________\n(١) الأم (ج ٤/ ٣٦) طبعة دار الشعب.\n(٢) الرسالة صـ ١٣٩، ت/ أحمد شاكر.\n(٣) النساء ٢٥.\n(٤) تفسير المنار (٢/ ١٥٠).\n(٥) المفسرون مدارسهم ومناهجهم، د. فضل حسن عباس، ص ١٣٩.","vol":"1","page":156},{"text":"وكذلك مخالفته إجماع المفسرين في آية التيمم في سورة النساء وهي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾. (١)\nحيث يرى أن التيمم مباح للمسافر حتى مع وجود الماء، وهذا القول لم يسبقه إليه أحد. (٢)\nوالمجمع عليه عند العلماء والأئمة أن التيمم إنما يباح عند فقد الماء أو عدم القدرة على استعماله. (٣)\nوكذلك مخالفته جمهور المفسرين في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥)﴾ (٤)، فجمهور المفسرين على أن المسخ هنا مسخ حقيقي، وذهب الشيخ رشيد رضا إلى القول بأنه معنوي، تابعًا في ذلك رأى مجاهد، لأنه موافق لمنهجه العقلي. (٥)\nقال الحافظ ابن كثير بعد أن ذكر أثر مجاهد: «وهذا قولٌ غريب خلاف الظاهر من السياق في هذا المقام وفي غيره. قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ\n_________\n(١) النساء ٤٣.\n(٢) تفسير المنار (٢/ ١٥٤).\n(٣) انظر المغني (٤/ ٣) والنووي شرح مسلم (١١/ ٩) والقرطبي «الجامع لأحكام القرآن» (٣/ ٣٥٢).\n(٤) سورة البقرة، الآية: ٦٥.\n(٥) تفسير المنار (٩/ ٣٧٩).","vol":"1","page":157},{"text":"مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٦٠)﴾ (١) (٢)\nثم قال بعد أن ساق أقوال الأئمة المؤيده لقوله: «والغرض من هذا السياق عن هؤلاء الأئمة بيان خلاف ما ذهب إليه مجاهد ﵀ من أن مسخهم إنما كان معنويا لا صوريًا، بل الصحيح أنه معنوي صوري والله تعالى أعلم». (٣) يعني أنه يشمل مسخ صورهم ومسخ أخلاقهم.\nوكذلك تأويله لقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ .....﴾ (٤)، حيث يقول: «ولا يشترط أن تكون القصة في مثل هذا التعبير واقعة بل يصح مثله في القصص التمثيلية» (٥)، وهذا بلا شك قول باطل لم يقل به أحد من أئمة التفسير، فالقصص القرآنية هي عبارة عن قصص حقيقية واقعة باتفاق أهل التفسير. (٦)\n_________\n(١) سورة المائدة، الآية: ٦٠.\n(٢) تفسير بن كثير (١/ ١٩٠).\n(٣) تفسير بن كثير (١/ ١٩٢).\n(٤) سورة البقرة، الآية: ٢٤٣.\n(٥) تفسير المنار (٢/ ٤٥٧).\n(٦) انظر (منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير) للدكتور فهد الرومي، ص ٤٤٢ - ٤٦٥.","vol":"1","page":158},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-89>الفصل الثالث\nآراؤه العقدية في أشراط الساعة الكبرى، والرد عليها</span>\nويتضمن المباحث التالية:\nالمقدمة\nالمبحث الأول: رأيه في أشراط الساعة الكبرى، بشكل مجمل، والرد عليه.\nالمبحث الثاني: رأيه في خروج المسيح الدجال، والرد عليه.\nالمبحث الثالث: رأيه في المهدي، والرد عليه.\nالمبحث الرابع: رأيه في نزول عيسى مريم، والرد عليه.\nالمبحث الخامس: رأيه في طلوع الشمس من مغربها، والرد عليه.","vol":"1","page":159},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>المقدمة</span>\nذكرنا في الفصول والمباحث السابقة، أن من المآخذ التي تثار حول رشيد رضا وسلفيته، هو رده لكثير من الأحاديث الصحيحة، باستشكالات وتساؤلات عقلية.\nلا سيما الأحاديث التي في الصحيحين، والتي اتفقت الأمة على أنها أصح الكتب بعد كتاب الله ﷿، والتي تلقتهما الأمة بالقبول.\nوكذلك رده لجملة من الأحاديث الصحيحة، التي شهد بصحتها أهل الحديث، والتي ليس فيها مطعن أو علة من العلل التي يرد بسببها الحديث أو يضعف. وذكرنا أن من جمله الأحاديث التي ردها الشيخ رشيد رضا هي الأحاديث الوارده في أشراط الساعة الكبرى.\nوذلك بدعوى أنها متعارضة فيما بينها تعارضا يوجب تساقطها، أو بدعوى معارضتها للسنن الكونية الإلهية، أو بدعوى عدم تقبل العقل لها، أو بغيرها من الدعاوي الأخرى والاستشكالات.\nوسوف أتطرق بمشيئة الله في هذا الفصل إلى ذكر آرائه في أشراط الساعة الكبرى، والتي بينها وذكرها في تفسيره المنار في سورة الأعراف عند الآية ١٨٦ وما بعدها. ومن ثم أرد على ما أثاره من استشكالات وتساؤلات حول أشراط الساعة الكبرى، مبينا ما لها وما عليها.","vol":"1","page":161},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>المبحث الأول\nرأي رشيد رضا في أشراط\nالساعة الكبرى، بشكل مجمل</span>\nللشيخ رشيد رضا حول الأحاديث الواردة في أشراط الساعة الكبرى رأيان، رأي مجمل حول هذه الأشراط بشكل عام وما تحويه من استشكالات وتساؤلات كما يسميها، ورأى مفصل تناول فيه رأيه بكل شرط وذكر ما فيه من استشكالات وتساؤلات.\nوسوف أذكر في هذا المبحث الرأي المجمل للشيخ رشيد رضا حول أشراط الساعة الكبرى بشكل عام، ثم بعد ذلك أتناول في المباحث القادمة رأيه في كل شرط من أشراط الساعة الكبرى، واستشكالاته وتساؤلاته والرد عليها.\nيرى الشيخ رشيد رضا أن الأحاديث الواردة في أشراط الساعة الكبرى.\nكالأحاديث الواردة في خروج المسيح الدجال.\nوالأحاديث الواردة في المهدي.\nوالأحاديث الواردة في نزول عيسى بن مريم ﵇.\nوالأحاديث الواردة في طلوع الشمس من مغربها.","vol":"1","page":163},{"text":"يرى أنها من الأحاديث المشكلة، وأن فيها الكثير من التعارض والتناقض والاختلاف فيما بينهما.\n- وأن فيها مخالفة للعقل والحس والسنن الكونية والإلهية مما يوجب ردها وعدم اعتقاد صحتها وعدم الإيمان بها.\nحيث يقول: إن ما ورد من الأشراط الكبرى الخارقة للعادة يضع العالم به في مأمن من قيام الساعة قبل وقوعها كلها، فهو مانع من حصول تلك الفائدة، فالمسلمون المنتظرون لها يعلمون أن لها أشراطا تقع بالتدريج، فهم آمنون من مجيئها بغتة في كل زمن، وإنما ينتظرون قبلها ظهور الدجال والمهدي والمسيح ﵇ ويأجوج ومأجوج، وهذا الاعتقاد لا يفيد الناس موعظة ولا خشية، ولا استعدادا لذلك اليوم أو لتلك الساعة، فما فائدة العلم به إذا؟ وهل من الحكمة أن تكون فائدتها محصورة في وقوع الرعب في قلوب الذين يشاهدون هذه الآيات الكبرى، ولا سيما آخر آية منها؟ وكيف يتفق هذا وما ورد من كون كل رسول كان يخوف قومه وينذرهم الساعة والدجال قبلها؟ وكيف وقع هذا منهم ولم يصدقه الواقع ومثله لا يكون بمحض الرأي؟ وهل كان نبينا - ﷺ - يريد بالإخبار بها تأمين الناس من قيام الساعة مدة قرون كثيرة إلى أن تظهر هذه الأشراط؟ أم كان يتوقع ظهورها بعده في قرنه أو فيما يقرب منه كغيره من الرسل؟ بدليل ما ورد من تجويزه ظهور الدجال في زمنه، وتصديقه ما حكاه تميم الداري من خبر الجساسة، وكون الدجال محبوسا في جزيرة). (١)\n_________\n(١) تفسير المنار (٩/ ٤٨٨).","vol":"1","page":164},{"text":"هذا هو رأي الشيخ رشيد رضا في ما ورد في أشراط الساعة الكبرى بشكل مجمل.\nفهو يرى أن ما ذكره من إشكالات وتساؤلات عقلية كفيل برد كل ما ورد من أحاديث في أشراط الساعة الكبرى ولو كانت أحاديثها من أصح الأحاديث، ولو ذكرت في أصح الكتب بعد القرآن كصحيحي البخاري ومسلم.\nوفي الحقيقة أن جميع ما ذكره من إشكالات أو تساؤلات لا قيمة لها أمام تلك الأحاديث الصحيحة الصريحة المتواترة التي لا يسع المسلم إلا أن يؤمن ويصدق بها تصديقًا جازمًا، والتي تنص وتؤكد على أن للساعة علامات وأشراطًا كبرى تسبق قيامها.\nفالذي عليه أهل السنة والجماعة أن الحديث إذا صح فلا يلتفت إلى غيره من إشكالات أو تساؤلات عقلية، فالواجب على كل مسلم هو الإيمان والتسليم بما ثبت بتلك الأحاديث الصحيحة الصريحة وعدم ردها ودفعها بتساؤلات لا قيمة لها ولا وزن ولا حجه أمام نص نبوي صحيح ثبت لدينا بأصح الأسانيد.\nثم إن الشيخ رشيد رضا ﵀ وغفر له، يستشكل ما ليس بمشكل، ويثير الإشكالات والتساؤلات العقلية ويتكلف في الدفاع عنها، من أجل إثبات وجهة نظره ورأيه، وإن كان ليس له من الحجة لرد تلك الأحاديث سوى إثارة التساؤلات والإشكالات حول تلك الأحاديث الصحيحة لكي يجعل القارئ على الأقل يفقد الثقة بصحته.","vol":"1","page":165},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-92>الرد على إشكالاته وتساؤلاته:</span>\n١ - بالنسبة لقوله «إن ما ورد من الأشراط الكبرى الخارقة للعادة، يضع العالم بها في مأمن من قيام الساعة قبل وقوعها، فهو مانع من حصول تلك الفائدة».\nفهذا كلام في الحقيقية غير صحيح، وذلك لأن كل شَرَطٍ في حد ذاته فتنةٌ، ولأن وقوع الأشراط قد يكون متسارعًا ومتتاليًا، ولا يدري أحد بوقت وقوع هذه الأشراط على وجه التعيين، ولا حتى على وجه التقريب وبالتالي فسيبقى لها منتظرًا ومترقبًا. (١) ثم أنه هو نفسه قد أثبت أن للساعة أشراطًا ونص بالذكر منها بعثة النبي - ﷺ - (٢).\n٢ - أما قوله إن الاعتقاد بأشراط الساعة لا يفيد موعظة ولا خشية.\nفيقال له ولمن يقول بقوله: هل الإيمان بالملائكة أو الجن وما شابهما مما أخبر الله به من عالم الغيب يفيد موعظة أو خشية؟\nفإن كان يفيد ذلك، فإن الإيمان بأشراط الساعة أيضا يفيد ذلك، لأنه من جنس الإيمان بالغيب.\nوالفائدة التي تحصل من الإيمان بالغيب هي نفس الفائدة التي تحصل من الإيمان بأشراط الساعة.\n_________\n(١) موقف المدرسة العقلية الحديثة من الحديث النبوي الشريف، دارسة تطبيقية على تفسير المنار، شفيق بن عبد الله شقير، المكتب الإسلامي صـ ٢٩١.\n(٢) تفسير المنار (٩/ ٤٨٣).","vol":"1","page":166},{"text":"٣ - أما قوله: إنها لا تفيد استعدادًا لذلك اليوم، أي يوم القيامة.\nفهذا الشعور في الحقيقة يختلف من شخص لآخر، بحسب حال الشخص، وبحسب قربه أو بعده من الاستقامة على طريق الله.\nفقد يستمع أحدهم موعظة أو كلمة، فتؤثر به أشد التأثير، وقد تغير مجرى حياته كلها، وتحيي قلبه ووجدانه.\nوقد يستمع شخص آخر نفس الموعظة أو الكلمة، ولا تؤثر فيه بل ولا تحرك شعره من جسده، فمسألة الموعظة والخشية مسألة نسبية تختلف من شخص إلى آخر.\nثم إنه منذ متى أصبح الحكم عن الحديث من حيث تأثيره أو عدم تأثيره دليلا على صحته أو ضعفه، فلو سرنا على هذه القاعدة التي يتبناها أصحاب المدرسة العقلية لرددنا الكثير من الأحاديث الصحيحة لا سيما الأحاديث التي في جانب الاعتقاد.\nفقد يأتي بعد ذلك قائل وهذا غير مستبعد، ويقول ما فائدة الأحاديث الواردة في عذاب القبر؟ فهي لا تفيد موعظةً ولا خشيةً ولا استعدادًا ليوم القيامة فيجب ردها، وهكذا دواليك كل حديث لا يفيد موعظة ولا خشية ولا استعدادا ليوم القيامة يجب رده، فهل يقول بهذا القول إنسان عاقل؟\nوفي الحقيقة إنه بمثل هذه الاستشكالات والتساؤلات فتح باب التشكيك في السنة والطعن فيها تحت مسمى البحث العلمي، كالذي كتبه المدعو أبو ريه في كتابه الذي سماه «أضواء على السنة المحمدية»، والذي كان يعتمد فيه في كثير من طعوناته في السنة على أقوال محمد رشيد رضا","vol":"1","page":167},{"text":"واستشكالاته وتساؤلاته والتي هي في الحقيقة ليست استشكالات ولا تساؤلات إنما هي طعونات وتشكيكات في الحديث النبوي الشريف.\n٤ - أما بالنسبة لقوله: ما الحكمة في حصر الفائدة في وقوع الرعب في قلوب الذين يشاهدون هذه الآيات ولا سيما آخر آية منها؟\nوكيف يتفق هذا مع ما ورد من تخويف كل رسول لقومه من الساعة والدجال قبلها؟\nوكيف وقع منهم هذا التخويف من الدجال ولم يحصل في الواقع، ومثله لا يكون بمحض الرأي؟\nوهل الرسول - ﷺ - كان يتوقع ظهورها بعده في قرنه أم فيما يقرب منه؟\nفواضح أن الشيخ رشيد رضا مغرم بإثارة الاستشكالات والتساؤلات، حتى ولو كانت في غير صلب الموضوع، ويعتقد أنه بإثارته لمثل هذه التساؤلات يستطيع الوقوف أمام تلك الأحاديث النبوية الصحيحة، أو على الأقل التشكيك في صحتها أو صدق وقوعها، وما علم أن هذه التساؤلات لا قيمة لها ولا وزن أمام تلك الأحاديث المتواترة عن سيد البشرية محمد - ﷺ - الواردة في أشراط الساعة الكبرى وأنه من المستحيل في الشريعة الإسلامية أن يكون هناك تناقض أو تعارض بين النصوص الشرعية.\nثم إن هذه الاستشكالات الغالب عليها التكلف في محاولة لإثارة الشكوك حول هذه الأحاديث.","vol":"1","page":168},{"text":"وإلا ما معنى تساؤله عن الحكمة في حصر الرعب في قلوب الذين يشاهدون الآيات الكبرى دون غيرهم.\nونحن نجيب عن تساؤله هذا بتساؤل مشابه له فنقول:\n- ما الحكمة من ابتلاء الله بعض البشر بالفقر دون بعض؟\n- ما الحكمة من ابتلاء الله بعض البشر بالزلازل دون بعض؟\n- ما الحكمة من ابتلاء الله بعض البشر بالمرض دون بعض؟\n- ما الحكمة من ابتلاء الله بعض البشر بالحروب والقتل دون بعض؟\nبل ما الحكمة من خلق الله البشر وامتحانهم بالخير والشر والسراء والضراء.؟\nفكما أن الله ابتلى بعض من عبادة بالمرض والفقر والقتل، فكذلك ابتلى بعض عبادة بفتنة المسيح الدجال أو يأجوج ومأجوج أو غيرها من الفتن، فالخلق خلقه، والعبيد عبيده، يفعل ما يشاء كيفما شاء، في أي وقت شاء ﷾.\n٦ - أما تساؤله عن وجه تحذير الأنبياء لأقوامهم من الساعة ومن الدجال قبلها، والحال أن الواقع لم يصدقهم؟\nفالأنبياء بشر يبلغون ما أمرهم الله بتبليغه، فكما أنهم لا يعلمون متى وقت قيام الساعة، فكذلك لا علم لهم في وقت خروج الدجال.\nثم إنه إذا حذر النبي - ﷺ - من الساعة ولم تقع في زمنه هل هذا دليل على","vol":"1","page":169},{"text":"عدم قيام الساعة؟ بالطبع لا، فكذلك عدم خروج المسيح الدجال في زمنه ليس دليلا على عدم خروجه.\nومازال الأنبياء يحذرون أقوامهم من المسيح الدجال، ولم يقع في زمن أي منهم، فهل يقال بأنهم كانوا يكذبون على قومهم وذلك لعدم خروج المسيح الدجال في زمنهم؟ بالطبع لا، فهذا أمر غيبي، علمه عند الله وحده، وما على الرسل إلا البلاغ، أما متى يخرج فهذا علمه عند الله وحده كما قلنا، وليس دليل على عدم صدق الأنبياء وحشاهم ذلك.\n٧ - أما تساؤله، هل كان رسول الله - ﷺ -، يريد تأمين الناس لقرون من الدجال أم أنه كان يتوقع ظهوره بعده أو فيما يقرب منه.\nفهذا تساؤل لا إشكال فيه لا كما يظن الشيخ رشيد رضا.\nفالنبي - ﷺ - كما ذكرنا وقلنا لم يعرف وقت ظهور الدجال بالتحديد، وإنما كان يحذر أصحابه وأمته من بعده امتثالا لأمر الله.\nولا أدل على ذلك من قوله - ﷺ - عن الدجال «إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فأمرؤُ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم». (١)\n_________\n(١) صحيح مسلم - كتاب الفتن - باب ذكر الدجال (٤/ ٢٢٥٠)، رقم (٢٩٣٧).","vol":"1","page":170},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-93>المبحث الثاني\nرأيه في خروج المسيح\nالدجال والرد عليه</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>معنى المسيح:</span>\nيقول ابن الأثير: «سمي الدجال مسيحًا، لأن عينه الواحدة ممسوحة، والمسيح، الذي أحد شقي وجهة ممسوح لا عين له ولا حاجب فهو فعيل بمعنى مفعول، بخلاف المسيح ابن مريم فإنه فعيل بمعنى فاعل، سمي به لأنه كان يمسح المريض فيبرأ بإذن الله». (١) وقيل سمي مسيحا، لأنه يمسح الأرض، ويسير فيها كلها في أربعين يومًا. (٢)\nوالقول الأول هو الأقرب للصواب، لما جاء في الحديث «إن الدجال ممسوح العين». (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>معنى الدجال:</span>\nأصل الدجل، الخلط.\nيقال دجل إذا لبس وموه.\n_________\n(١) انظر جامع الأصول (٤/ ٢٠٤).\n(٢) انظر لسان العرب (٢/ ٥٩٤)، والنهاية في غريب الحديث (٤/ ٣٢٦).\n(٣) صحيح مسلم - كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال (٤/ ٢٢٤٦)، رقم (٢٩٣٠).","vol":"1","page":171},{"text":"والدجال، هو المموه الكذاب، وهو من أبنية المبالغة على وزن فعال.\nأي يكثر منه الكذب والتلبيس.\nوجمعه دجالون، وجمعه الإمام مالك على دجاجلة وهو جمع تكسير. (١)\nولفظ «الدجال» أصبحت علمًا على المسيح الأعور الكذاب، الذي حذر منه النبي - ﷺ -.\nفإذا قيل الدجال، فلا يتبادر إلى الذهن غيره.\nوسمي الدجال دجالًا، لأنه يغطي الحق بالباطل، أو لأنه يغطي على الناس كفره بكذبه وتمويهه وتلبيسه عليهم.\nوقيل لأنه يغطي الأمر بكثرة جموعه. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>الأحاديث الواردة في خروج المسيح الدجال:</span>\nثبت بالأحاديث الصحيحة الصريحة عن الصادق المعصوم - ﷺ - أنه سوف يخرج في آخر الزمان من جهة المشرق من خراسان من يهودية أصبهان، رجلٌ يدعي الربوبية، ويكون معه ما يشبه الجنة والنار، والحقيقة أن ناره جنة، وجنته نار، يأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت ويأمر الخرائب أن تخرج كنوزها فتستجيب، ويحي الميت وغيرها من الخوارق العظيمة التي تبهر العقول وتحير الألباب، يمكث في الأرض أربعين يومًا، وما ذلك إلا فتنةً للبشر واختبارًا لإيمانهم، وصدق اتباعهم لنبيهم - ﷺ - والذي حذرهم من اتباعه وتصديقه، فمن كفر به فقد نجى وسلم، ومن صدقه فقد كفر وهلك.\n_________\n(١) انظر (النهاية في غريب الحديث» (٢/ ١٠٢) وفتح الباري (١٣/ ٩٧).\n(٢) لسان العرب (١١/ ٢٣٦ - ٢٣٧).","vol":"1","page":172},{"text":"وسوف أذكر هنا جمله من هذه الأحاديث الصحيحة التي تنص على خروج المسيح الدجال في آخر الزمان، مما لا يسع أحد ردها أو الطعن في صحتها، متحاشيًا ذكر الأحاديث الضعيفة أو المتكلم بها لكي لا يكون لأحد حجه في رد بعض الأحاديث.\n١ - عن النواس بن سمعان ﵁، قال «ذكر رسول الله - ﷺ - الدجال ذات غداة فرفع فيه وخفض حتى ظنناه في طائفة النخل، فلما رحنا إليه عرف ذلك فينا. قال: غير الدجال أخوفني عليكم، إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولستُ فيكم فأمرؤُ حجيجُ نفسه، والله خليفتي على كل مسلم. إنه شابٌ قطط (١) عينة طافئة (٢) كأني أشبهه بعبد العزى ابن قطن، فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف، إنه خارج خلة (٣) بين الشام والعراق. فعاثن يمينا وعاثن شمالًا، يا عباد الله، فاثبتوا، قلنا: يا رسول الله، وما لبثه في الأرض؟ قال أربعون يومًا يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم. قلنا يا رسول الله فذلك اليوم الذي كسنة، أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا اقدروا له قدره. قلنا يا رسول الله وما إسراعه في الأرض؟ قال، كالغيث استدبرته الريح، فيأتي على القوم فيدعوهم فيؤمنون به، ويستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، فتروحُ عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذرًا (٤) وأسبغه ضروعًا، وأمده خواصر، ثم يأتي القوم فيدعوهم فيردون عليه قوله، فينصرف عنهم\n_________\n(١) شابٌ قطط، أي شديد جعوده الشعر.\n(٢) عينة طافئه، أي ذهب نورها.\n(٣) خله، أي طريقا.\n(٤) الذرى، جمع الذروه وهي أعلى الشيء والمراد السلام.","vol":"1","page":173},{"text":"فيصبحون ممحلين ليس بأيديهم شيءٌ من أموالهم. ويمرُ بالخربه فيقول لها: أخرجي كنوزك، فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل. (١) ثم يدعو رجُلًا ممتلئا شبابًا، فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين (٢) رمية الغرض، ثم يدعوه فيقبل ويتهلل وجهه يضحك، فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح ابن مريم فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين (٣)،\nواضعًا كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدر منه جمانًا كاللؤلؤ فلا يحلُ لكافرٍ يجد ريح نفسه إلا مات، ونفسه ينتهي إلى حيث ينتهي طرفه، فيطلبه حتى يدركه بباب لد (٤) فيقتله ...». (٥)\n٢ - عن حذيفه بن أسيد الغفاري قال: اطلع النبي - ﷺ - علينا ونحن نتذاكر فقال «ما تذاكرون».\nقالوا: نذكر الساعة. قال: «إنها لن تقوم الساعة حتى ترون قبلها عشر آيات، فذكر منها الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى بن مريم ﵇، ويأجوج ومأجوج، وثلاث خسوف، خسف بالمشرق وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخرُ ذلك نارٌ تخرج من اليمن، تطرد الناس إلى محشرهم». (٦)\n_________\n(١) اليعاسيب، جمع يعسوب وهو ذكر النحل.\n(٢) جزلتين، أي قطعتين.\n(٣) مهرودتين، المهرودة الثوب المصبوغ بالورد والزعفران.\n(٤) باب لد، قرب بيت المقدس في فلسطين.\n(٥) صحيح مسلم - كتاب الفتن - باب ذكر الدجال (٤/ ٢٢٥٠)، رقم (٢٩٣٧).\n(٦) صحيح مسلم، كتاب الفتن - باب الآيات التي تكون قبل قيام الساعة (٤/ ٢٢٢٥)، رقم (٢٩٠١).","vol":"1","page":174},{"text":"٣ - عن أنس﵁ - قال، قال رسول الله - ﷺ -: «ما بعث نبي إلا أنذر أمته الأعور الكذاب، ألا إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، وإن بين عينية مكتوبٌ كافر». (١)\n٤ - وعن أبي هريرة﵁ - قال، قال رسول الله - ﷺ -: «ألا أحدثكم حديثًا عن الدجال، ما حدث به نبيٌ قومه، إنه أعور وإنه يجيء معه بمثال الجنة والنار، فالتي يقول إنها الجنة هي النار». (٢)\n٥ - عن أبي سعيد الخدري﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يأتي الدجال وهو محرمٌ عليه أن يدخل أنقاب المدينة، فينتهي إلى بعض السباخ، فيخرج إليه رجلٌ هو يومئذٍ خير الناس أو من خير الناس. فيقول، أشهدُ أنك الدجال الذي حدثنا عنك رسول الله حديثه، فيقول الدجال، أرأيتم إن قتلتُ هذا ثم أحييته، هل تشكون في الأمر؟ فيقولون لا، فيقتله ثم يُحييه، فيقول حين يُحييه (٣): والله ما كنت قط أشد بصيرةً من اليوم، فيقول الدجال، أقتلُهُ؟ ولا يُسلط عليه». (٤)\n٦ - عن حذيفة﵁ - قال، قال رسول الله - ﷺ -: «الدجال أعور العين اليسرى، جفال الشعر، معه جنةٌ ونار، فناره جنة، وجنته نار». (٥)\n_________\n(١) صحيح البخاري - كتاب الفتن، باب ذكر الدجال (٦/ ٢٦٠٨)، رقم (٦٧١٢)، صحيح مسلم - كتاب الفتن - باب ذكر الدجال (٤/ ٢٢٤٨)، رقم (٢٩٣٣).\n(٢) صحيح مسلم - كتاب الفتن - باب ذكر الدجال (٤/ ٢٢٥٠)، رقم (٢٩٣٦).\n(٣) الذي يقول هو الرجل المؤمن.\n(٤) صحيح مسلم - كتاب الفتن، باب صفة الدجال (٤/ ٢٢٥٦)، رقم (٢٩٣٨).\n(٥) صحيح مسلم، كتاب الفتن، باب ذكر الدجال (٤/ ٢٢٤٨)، رقم (٢٩٣٤).","vol":"1","page":175},{"text":"٧ - عن أبي بكر الصديق﵁ - قال، حدثنا رسول الله - ﷺ - قال: «الدجال يخرج من أرضٍ بالمشرق يقال لها خرسان». (١)\n٨ - وعن أنس﵁ - قال، قال رسول الله - ﷺ -: «يخرج الدجال من يهودية أصبهان، معه سبعون ألفًا من اليهود». (٢)\n٩ - عن أبي هريرة﵁ - قال، قال رسول الله - ﷺ -: «ثلاثٌ إذا خرجن لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا، طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض». (٣)\n١٠ - عن أبي الدرداء أن النبي - ﷺ - قال: «من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال». (٤) أي من فتنته.\n١١ - عن أبي هريرة﵁ - قال، قال رسول الله - ﷺ -: «إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع، يقول: اللهم التي أعوذُ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال». (٥)\n_________\n(١) جامع الترمذي، باب ما جاء من أين يخرج الدجال؟ (٦/ ٤٩٥) - مع تحفة الأحوذي، قال الألباني صحيح، «صحيح الجامع الصغير» (٣/ ١٥٠).\n(٢) «الفتح الرباني ترتيب مسند أحمد» (٢٤/ ٧٣)، قال ابن حجر «صحيح». «فتح الباري» (١٣/ ٣٢٨).\n(٣) صحيح مسلم - كتاب الإيمان - باب الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان (١/ ١٣٨)، رقم (١٥٨).\n(٤) صحيح مسلم - كتاب صلاة المسافرين - باب فضل سورة الكهف (١/ ٥٥٥)، رقم (٨٠٩).\n(٥) صحيح مسلم - كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب ما يستعاذ منه في الصلاة (١/ ٤١٢)، رقم (٥٨٨).","vol":"1","page":176},{"text":"وذلك تحذيرًا وتعليمًا لأمته من المسيح الدجال، لينشر خبره بينهم جيلًا بعد جيل بأنه كذاب مبطل، ساع على وجه الأرض بالفساد وحتى لا يلتبس كفره على من أدركه.\nوالأحاديث الواردة في خروجه كثيرة جدًا ذكر منها الشوكاني في التوضيح مائة حديث وهي في الصحاح والسنن والمعاجم والمسانيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>تواتر أحاديث المسيح الدجال:</span>\nصرح الكثير من أهل العلم بتواتر الأحاديث الواردة في المسيح الدجال وقد صرح بتواترها الشوكاني، كما نقل ذلك عنه القنوجي في كتابه «الإذاعة»، حيث قال: «والأحاديث الواردة فيه كثيرة جدًا ذكر منها الشوكاني في كتابه التوضيح مائة حديث وهي في الصحاح والسنن والمعاجم والمسانيد، قال: «وليس المراد هنا إلا بيان كون أحاديث خروج الدجال متواترة، والتواتر يحصل ببعض ما سقناه، وقد بقيت أحاديث وآثار عن جماعة من الصحابة تركنا ذكرها، ووقفنا على هذه المائة، التي أشرنا إليها وإلى من خرجها». (١)\nوقد صرح بتواترها أيضا ابن حجر وأبو إسحاق الشيرازي كما نص على ذلك السخاوي في فتح المغيث وابن كثير في الفتن والملاحم، حيث قال بعد ذكر أحاديث الدجال: وسبب عدم ذكره بالقرآن: «ولكن انتصر الرسل لجانب الرب ﷿ فكشفوا لأممهم عن أمره، وحذروهم مما معه من الفتن المظله والخوارق المضمحله فاكتفى بإخبار الأنبياء وتواتر ذلك عن\n_________\n(١) الإذاعة للقنوجي ١٥١.","vol":"1","page":177},{"text":"سيد ولد آدم». (١)\nوقد عنون الإمام أبو داود في سننه بابًا أسماه «باب في تواتر الملاحم»، وساق فيه أحاديث فيها ذكر الدجال. (٢)\nومن نص على التواتر أيضا الكتاني في كتابه «نظم المتناثر من الحديث المتواتر» حيث قال: «والحاصل أن الأحاديث الواردة في المهدي المنتظر متواترة، وكذا الواردة في الدجال، وفي نزول عيسى ابن مريم ﵇» (٣)، وقال أيضا: «خروج المسيح الدجال ذكر غير واحد أنها واردة من طرق كثيرة صحيحة عن جماعة كثيرة من الصحابة، وفي التوضيح للشوكاني منها مائة حديث، وهي في الصحاح والمعاجم والمسانيد، والتواتر يحصل بدونها فكيف بمجموعها، وقال بعضهم: أخبار الدجال تحتمل مجلدات، وقد أفردها غير واحد من الأئمة بالتأليف». (٤)\nونقل الأبي في شرحه على مسلم قول ابن رشد: «الأشراط عشرة المتواتر منها خمسة، الدجال، ونزول عيسى، وخروج يأجوج ومأجوج، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها». (٥)\n_________\n(١) النهاية في الفتن والملاحم (١٠٢/ ١).\n(٢) (سنن أبي داود) لأبي داود سليمان ابن الأشعث السجستاني، دار الكتاب العربي، بيروت، (٤/ ١٨٣).\n(٣) (نظم المتناثر في الحديث المتواتر) للعلامة جعفر الحسيني الكتاني (٢٢٩/ ١).\n(٤) (الأنوار الكاشفة) للعلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي، دار عالم الكتب ١٤٠٣ هـ، ص ٢٣٣.\n(٥) المصدر السابق.","vol":"1","page":178},{"text":"وقال المعلمي ﵀ في «الأنوار الكاشفة»: «فأما ذكره الدجال فمتواتر قطعًا ومن اطلع على ما في صحيح البخاري وحده علم ذلك. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>الأحاديث الواردة في بيان صفته:</span>\nثبت كذلك بالأحاديث الصحيحة كثير من صفاته لتعريف الناس به وتحذيرهم من شره.\nحتى إذا خرج عرفه المؤمنون فلا يفتنون به ولا يغترون بما جاء به من عظيم الأمور والأعمال.\nومن هذه الصفات أنه رجلٌ، شابٌ، أحمر قصير أفجع، جعد الرأس، أجلي الجبهة، عريض النحر، ممسوح العين اليمنى وعينه اليسرى عليها طفره غليظة.\nومكتوب بين عينيه «كافر»، يقرؤها كل مسلم كاتب وغير كاتب.\nوهذه جملة من الأحاديث التي جاء فيها ذكر صفاته السابقة:\n١ - عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ -، ذكر الدجال بين ظهر الناس، فقال «إن الله تعالى ليس بأعور، ألا وإن المسيح الدجال أعور العين اليمنى، كأن عينه طافية». (٢)\n_________\n(١) الأنوار الكاشفة للمعلمي (٢٣٣).\n(٢) صحيح البخاري - كتاب الفتن - باب ذكر الدجال (٦/ ٢٦٠٧)، رقم (٦٧٠٩)، وصحيح مسلم كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال (٤/ ٢٢٤٦)، رقم (٢٩٣٠).","vol":"1","page":179},{"text":"٢ - وفي حديث النواس بن سمعان﵁ - قال - ﷺ -: في وصف الدجال، «إنه شاب قطط (١)، عينه طافية، كأني أشبهه بعبد العزى بن قطن (٢)». (٣)\n٣ - وفي حديث عباده بن الصامت﵁ - قال رسول الله - ﷺ -: «إن المسيح الدجال رجل قصير، أفجع، جعدٌ، أعور، مطموس العين، ليس بناتئة ولا جحراء، فإن ألبس عليكم فاعلموا أن ربكم ليس بأعور». (٤)\n٤ - وفي حديث أبي هريرة﵁ - قال رسول الله - ﷺ -: «وأما مسيح الضلالة، فإنه أعور العين، أجلي الجبهة عريض النحر، فيه دفأ». (٥) (٦)\n٥ - وفي حديث حذيفه﵁ - قال رسول الله - ﷺ -: «الدجال أعور العين اليسرى، جفال الشعر». (٧) (٨)\n_________\n(١) قطط، أي شديد جعوده الشكر.\n(٢) ابن قطن، أسمه عبد العزى بن قطن بن عمرو الخزاعي، أمه هاله بنت خويلد «الإصابة في تمييز الصحابة» (٤/ ٢٣٩).\n(٣) صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة - باب ذكر الدجال (٤/ ٢٢٥٦)، رقم (٢٩٣٧).\n(٤) سنن أبي داود (١١/ ٤٤٣) عون المجود.\n(٥) دفأ، الدفأ مقصور، الانحناء، ورجل أدفى، بغير همز، فيه انحناء، انظر «النهاية في غريب الحديث (٢/ ١٢٦) ولسان العرب (١/ ٧٧ و١٤/ ٢٦٣) «.\n(٦) مسند الإمام أحمد (١٥/ ٢٨ - ٣٠) تحقيق وشرح أحمد شاكر، وقال إسناده صحيح - وحسنه ابن كثير، انظر «النهاية / الفتن والملاحم» (١/ ١٣٠) تحقيق طه زيني.\n(٧) جفال الشعر، أي كثير الشعر، انظر النهاية في غريب الحديث (١/ ٢٨٠).\n(٨) صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال (٤/ ٢٢٤٨)، رقم (٢٩٣٤).","vol":"1","page":180},{"text":"٦ - وفي حديث أنس﵁ - قال رسول الله - ﷺ -: «وإن بين عينيه مكتوب كافر». (١)\nوفي رواية عن حذيفة: «مكتوب بين عينيه كافر، يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب». (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>فائدة:</span>\nجاء في الروايات السابقة وصف عينه اليمنى بالعور، وفي بعضها وصف عينه اليسرى كذلك بالعور، وكل الروايات صحيحة فكيف يجمع بينهما؟\nذهب الحافظ ابن حجر إلى أن حديث ابن عمر الوارد في الصحيحين والذي جاء فيه وصف عينه اليمنى بالعور أرجح من رواية مسلم والتي جاء فيها وصف عينه اليسرى بالعور، لأن المتفق على صحته أقوى من غيره». (٣)\nوذهب القاضي عياض إلى أن عيني الدجال كلتيهما معيبة، لأن الروايات كلها صحيحة، وتكون العين المطموسة والممسوحة هي العوراء الطافئة بالهمز، أي التي ذهب ضوؤها وهي العين اليمنى، كما في حديث ابن عمر.\n_________\n(١) صحيح مسلم، كتاب بالفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال (٤/ ٢٢٤٨)، رقم (٢٩٣٣).\n(٢) صحيح مسلم مع شرح النووي (١٨/ ٦١).\n(٣) انظر فتح الباري (١٣/ ٩٧).","vol":"1","page":181},{"text":"وتكون العين اليسرى التي عليها ظفرة غليظة، وهي الطافية - بلا همز - معيبة أيضا، فهو أعور العين اليمنى واليسرى معًا فكل واحدة منهما عوراء، أي معيبة، فإن الأعور من كل شيء المعيب، لا سيما من يختص بالعين، فكلا عيني الدجال معيبة عوراء، إحداهما بذهابها، والأخرى بعيبها.\nقال النووي في هذا الجمع: «هو في نهاية من الحسن». (١) ورجحه أبوعبد الله القرطبي. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>الحكمة من عدم ذكره بالقرآن</span>؟\nورد فيما ذكرنا في الأحاديث السابقة أن الدجال أعظم فتنة خشي النبي - ﷺ - على أمته منها حتى أنه حذرنا منه - ﷺ - أشد التحذير.\nولذا حذر جميع الأنبياء أممهم منه.\nوأمرنا - ﷺ - أن نستعيذ من فتنة المسيح الدجال في آخر كل صلاة، وما ذلك إلا لعظم فتنته على البشر.\nثم إنه قد ذكر الله ﷿ في القرآن عددا من أشراط الساعة الصغرى والكبرى، مثل انشقاق القمر فقال: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾. (٣)\nويأجوج ومأجوج فقال: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦)﴾. (٤)\n_________\n(١) انظر شرح النووي لمسلم (٢/ ٢٣٥).\n(٢) التذكره صـ ٦٦٣.\n(٣) القمر ٢.\n(٤) الأنبياء ٩٦.","vol":"1","page":182},{"text":"وخروج الدابة فقال: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (٨٢)﴾ (١) وغيرها.\nومع ذلك لم يذكر الله ﷾ المسيح الدجال صراحة باسمه في القرآن فما الحكمة من ذلك؟ !\nفي الحقيقة أنه حاول كثير من أهل العلم الإجابة عن هذا التساؤل فكان بعضهم أقرب إلى الصواب من بعض، وقد حاول الحافظ ابن حجر في الفتح الإجابة على هذا التساؤل.\nحيث قال: «اشتهر السؤال عن الحكمة في عدم التصريح بذكر الدجال في القرآن مع ما ذكر عنه من الشر وعظم الفتنة به، وتحذير الأنبياء منه، والأمر بالاستعاذة منه في الصلاة، وأجيب بأجوبة به أحدها أنه ذكر في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾. (٢)\nفقد أخرج الترمذي وصححه عن أبي هريرة رفعه: «ثلاثٌ إذا خرجن لم ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل، الدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها».\nالثاني، قد وقعت الإشارة في القرآن إلى نزول عيسى بن مريم في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ (٣) وفي قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾. (٤)\n_________\n(١) النمل ٨٢.\n(٢) الأنعام ١٥٨.\n(٣) النساء ١٥٩.\n(٤) الزخرف ٦١.","vol":"1","page":183},{"text":"وصح أنه الذي يقتل الدجال فاكتفى بذكر أحد الضدين عن الآخر ولكونه يلقب المسيح كعيسى لكن الدجال مسيح الضلالة، وعيسى مسيح الهدى.\nالثالث، أنه ترك ذكره احتقارًا وتعقب بذكر يأجوج ومأجوج وليست الفتنة بهم بدون الفتنة بالدجال.\nوالذي قبله وتعقب بأن السؤال باقٍ وهو ما الحكمة ترك التنصيص عليه، وأجاب شيخنا الإمام البلقيني بأنه اعتبر كل من ذكر بالقرآن من المفسدين، فوجد كل من ذكر إنما هم ممن مضى وانقض أمره، وأما من لم يجيء بعد فلم يذكر منهم أحد. انتهى.\nوهذا ينتقض بيأجوج ومأجوج وقد وقع في تفسير البغوي أن الدجال مذكور في القرآن في قوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾. (١)\nوأن المراد بالناس هنا الدجال من إطلاق الكل على البعض وهذا إن ثبت أحسن الأجوبة فيكون من جملة ما تكفل النبي - ﷺ - ببيانه والعلم عند الله تعالى». (٢)\nوحاول كذلك الحافظ عماد الدين ابن كثير ﵀، بيان الحكمة من عدم ذكر المسيح الدجال في القرآن.\nحيث يقول: «إنه إنما لم يذكر بصريح اسمه في القرآن احتقارًا له حيث\n_________\n(١) غافر ٥٧.\n(٢) فتح الباري (١٣/ ٩٢).","vol":"1","page":184},{"text":"يدعي الإلهية وهو بشر، ينافي جلال الرب وعظمته وكبريائه وتنزيهه عن النقص، فكان أمره عند الرب أحقر من أن يذكر وأصغر وأدحر من أن يجلي عن أمر دعواه ويحذر، ولكن انتصر الرسل لجناب الرب ﷿ فجلوا لأممهم عن أمره وحذروهم ما معه من الفتن المضلة والخوارق المنقضية المضلة، فاكتفى بإخبار الأنبياء، وتواتر ذلك، عن سيد ولد آدم إمام الأتقياء عن أن يذكر أمره الحقير بالنسبة إلى جلال الله في القرآن العظيم، ووكل بيان أمره إلى كل نبي كريم، فإن قلت: فقد ذكر فرعون في القرآن وقد ادعى ما أدعاه من الكذب والبهتان، فالجواب أن أمر فرعون قد انقضى وتبين كذبه لكل مؤمن وعاقل، وهذا أمر سيأتي وكائن، فيما يستقبل فتنةً واختبارًا للعباد، فترك ذكره في القرآن احتقارًا له، وامتحانًا به». (١)\nقلت: وهذا القول هو الأقرب إلى النفس والله أعلم، فهو أحقر وأذل من أن يذكره الله تعالى بصريح اسمه.\nووكل بيان كذبه ودجله إلى رسله عليهم الصلاة والسلام فبينه النبي - ﷺ - أوضح بيان، وبين صفاته وما يجئ به، وبين كيفية الاعتصام والوقاية من شره ودجله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>موقف الشيخ رشيد رضا من أحاديث الدجال:</span>\nيقول الشيخ رضا: «إن أحاديث الدجال مشكلة من وجوه:\n(أحدها) ما ذكرناه آنفا من منافاتها لحكمة إنذار القرآن الناس بقرب الساعة وإتيانها بغتة.\n_________\n(١) الفتن والملاحم (ج ١/ ١٠٦).","vol":"1","page":185},{"text":"(ثانيا) ما ذكر فيها من الخوارق التي تضاهي أكبر الآيات التي أيد الله بها أولى العزم من المرسلين أو تفوقها، وتعد شبهة عليها، كما قال بعض علماء الكلام، وعد بعض المحدثين ذلك من بدعتهم.\nومن المعلوم أن الله ما آتاهم هذه الآيات إلا لهداية خلقه، التي هي مقتضى سبق رحمته لغضبه، فكيف يؤتى الدجال أكبر الخوارق لفتنة السواد الأعظم من عباده؟ فإن من تلك الروايات أنه يظهر على الأرض كلها في أربعين يوما إلا مكة والمدينة، وقد روى أبو نعيم في الحلية عن حسان بن عطية (١) من ثقات التابعين أنه لا ينجو إلا اثنا عشر ألف رجل وسبعة آلاف امرأة (٢). وقال الحافظ وهذا لا يقال من قبل الرأي فيحتمل أن يكون مرفوعا أرسله، ويحتمل أن يكون أخذه عن بعض أهل الكتاب أ. هـ» (٣) وهو الصحيح المختار عندي.\n(ثالثهما) وهو من متعلقات ما قبله أن ما عزي إليه من الخوارق مخالف لسنن الله تعالى في خلقه، وقد ثبت بنصوص القرآن القطعية أنه لا تبديل لسنته تعالى ولا تحويل. وهذه الروايات المضطربة المتعارضة لا تصلح لتخصيص هذه النصوص القطعية ولا لمعارضتها.\n(رابعها) اشتمال بعض هذه الأحاديث على مخالفة بعض القطعيات\n_________\n(١) حسان بن عطية المحاربي، مولاهم، أبو بكر الدمشقي، ثقة فقيه عابد، من الطبقة الرابعة، مات بعد العشرين ومائة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. (انظر تقريب التهذيب ١/ ١٦٢).\n(٢) الحلية لأبي نعيم (٦/ ٧٧).\n(٣) فتح الباري (١٣/ ٩٩).","vol":"1","page":186},{"text":"الأخرى من الدين كتخلف أخبار الرسل، أو كونها عبثًا وإقرارهم على الباطل وهو محال في حقهم.\n(خامسا) أنها متعارضة تعارضًا كثيرًا يوجب تساقطها» (١). وبين بعض أوجه التعارض (٢) فيما يراه تعارضا وقال: «وقد حاول شراح الصحيحين وغيرهم الجمع بين الروايات المتعارضة في كل مسألة، فجاءوا بأجوبة متكلفة للجمع بينها وردها المحققون كلها أو أكثرها» (٣) بل ذهب إلى اعتبار بعضها مما تعارض فتساقط. (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>الرد على هذه الإشكالات:</span>\nيرى الشيخ رشيد رضا «أن أحاديث المسيح الدجال مشكلة من عدة وجوه»، وفي الحقيقة أن أحاديث المسيح الدجال ليس فيها أي أشكال أو تعارض فيما بينها، كما يرى الشيخ رشيد رضا ﵀ وغفر له.\nوإنما الإشكال في اعتقادي هو عد الشيخ رشيد رضا وجعله مثل هذه الأحاديث مشكلة، ومحاولته رد هذه الأحاديث الصحيحة باستشكالات وتساؤلات لا قيمة لها ولا وزن أمام مجموعة الأحاديث الصحيحة الصريحة المتواتر التي ذكرت في خروج المسيح الدجال.\nفكان الواجب على الشيخ رشيد رضا وهو الضليع في علم الحديث\n_________\n(١) تفسير المنار (٩/ ٤٨٩ - ٤٩٠).\n(٢) انظر تفسير المنار (٩/ ٤٩٠ - ٤٩١).\n(٣) تفسير المنار (٩/ ٤٩١).\n(٤) انظر نفس المصدر ص (٩/ ٤٩٤).","vol":"1","page":187},{"text":"والملقب بمحي السنة في زمنه، أن ينحى ينحو أهل الحديث في التعامل مع نصوص الحديث النبوي الشريف وذلك بمحاولة الجمع بين الأحاديث الصحيحة التي ظاهرها التعارض، إن كان فيها تعارض، لا أن يرد الأحاديث الصحيحة، لا سيما المتفق عليها في الصحيحين والتي هما أصح الكتب بعد القرآن، وقد تلقتهما الأمة بالقبول، باستشكالات وتساؤلات ومعارضات عقلية لا قيمة لها ولا وزن أمام النص النبوي الثابت بأصح الأسانيد، فإن هذا من منهج المعتزلة وأهل الكلام في التعامل مع النصوص النبوية، وعدم توقيرها واحترامها، لا منهج أهل السنة والجماعة.\nحيث إنهم يردون الحديث بمجرد مناقضته للعقل بأي وجه من الوجوه، وما حديث الذباب عنا ببعيد، أو يؤولون الحديث تأويلا باطلًا يتماشى مع ما يريدون، كما أول أستاذه محمد عبده معنى الدجال بأنه رمز للخرافات والدجل والقبائح (١) وهذا بلا شك تأويل باطل لا يتماشى مع نص الحديث وما يدل عليه. ومع هذا سوف أذكر هذه الاستشكالات التي ذكرها الشيخ رشيد رضا والتي بسببها رد الأحاديث الواردة في خروج المسيح الدجال وأبين ما فيها من مجانبة الحق، وعدم معارضتها للأحاديث السابقة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>مناقشة الإشكال الأول:</span>\nوهي قوله «أنها منافيه لإتيان الساعة بغتة».\nوفي الحقيقة أنه لا تعارض ولا منافاة بين مجيء الساعة بغتة وبين وجود أمارات وعلامات تدل على قرب وقوعها.\n_________\n(١) تفسير المنار (٣/ ٣١٧)","vol":"1","page":188},{"text":"فالعلامات والأمارات قد تكون بعيده عن قيام الساعة كبعثة النبي - ﷺ - وموته والتطاول في البنيان.\nفلا تعارض إذن ولا منافاة بين وجود الأمارات، ومجيء الساعة بغته.\nثم إن هناك فرقا بين الساعة وأماراتها كما ورد في حديث جبريل ﵇، الذي ورد في الصحيحين عندما سأل جبريل النبي - ﷺ - عن الساعة فقال - ﷺ -: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، فقال جبريل ﵇: فأخبرني عن أماراتها؟ أي عن أمارات الساعة ولا أظن أن الشيخ ينكره، ثم إن بعثة النبي - ﷺ - من أعظم علامات الساعة، كما ذكر الشيخ من قبل، فلا ينافي هذا كون إتيان الساعة بغتة يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ (١) فأمارات الساعة إذا مما يستأنس به المؤمنون ويزيدهم إيمانًا. (٢)\nفالأمارات تجعل البشر يستعدون للساعة، وكأنها مقبلة الآن، فتكون حاضرة في وجدانهم، وإن لم تكن حاضرة في واقعهم، وتجعلهم يتوقعونها في كل آنٍ وحين مع جهلهم بوقتها. (٣)\nفال القرطبي: «والحكمة في تقديم الأشراط ودلالة الناس عليها تنبيه الناس على رقدتهم، وحثهم على الاحتياط لأنفسهم بالتوبة والإنابة، كي لا يباغتوا بالحول بينهم وبين تدارك العوارض منهم، فينبغي للناس أن\n_________\n(١) طه ١٥.\n(٢) المفسرون مدارسهم ومناهجهم، فضل حسن عباس، صـ ١٨٤.\n(٣) موقف المدرسة العقلية الحديثة من الحديث النبوي الشريف، شفيق شقير صـ ٢٩٧.","vol":"1","page":189},{"text":"يكونوا بعد ظهور أشراط الساعة قد نظروا لأنفسهم، وانقطعوا عن الدنيا، واستعدوا للساعة الموعود بها». (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>مناقشة الإشكال الثاني:</span>\nوهو قول الشيخ رشيد رضا عن الأحاديث الواردة في المسيح الدجال «ما ذكر فيها من الخوارق التي تضاهي أكبر الآيات التي أيد الله بها أولى العزم من المرسلين أو تفوقها، وتعد شبهه عليها كما قال بعض علماء الكلام وعد بعض المحدثين ذلك من بدعتهم ...».\nفالشيخ رشيد رضا ﵀ وغفر له، يرى أن ما ذكر عن المسيح الدجال. وما سيأتي به من خوارق الأمور والأعمال التي تبهر العقول وتحير الألباب، مشابه أو مساوي لما أيد الله به أولى العزم من المرسلين من المعجزات والكرامات.\nوهذا بحد ذاته يعتبر شبهةً وإشكالًا كبيرًا عند رشيد رضا، بل وهذه الشبهة أو الإشكال كفيلة برد كل الأحاديث الصحيحة التي ذكرت في المسيح الدجال.\nوفي الحقيقة أن المسألة أهون وأيسر من ذلك، لمن وفقه الله وأنار بصيرته للجمع بين النصوص أو التوفيق بينها.\nفالمسألة في الواقع لا شبهة ولا إشكال فيها، فالأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، مؤمنون بالله مقرون ومعترفون بربوبيته على خلقه،\n_________\n(١) التذكرة للقرطبي، صـ ٦٢٤.","vol":"1","page":190},{"text":"ومقرون ومعترفون بأن ما جاءوا به من المعجزات إنما هو بتأييد الله لهم ليعلم الناس صدقهم وصدق ما جاؤوا به من الشرائع والأحكام، وأنهم ما أرسلوا إلا لدعوة الناس إلى عبادة الله وحده، وترك عبادة من سواه.\nبعكس المسيح الدجال، فهو وإن جاء ببعض الأعمال والأمور العظيمة التي تبهر العقول وتحير الألباب كإحياء الموتى وأمره للسماء أن تمطر فتمطر وغيرها من الأمور، فإن أمره واضحٌ وبين لمن ثبته الله في تلك الفتنة وربط على قلبه، وذلك أن الدجال لم يدع النبوة فيلتبس أمره، وإنما إدعى الألوهية ودعا الناس إلى عبادته والكفر بعبادة الله، وهو مع دعوته الناس إلى إتباعه وطاعته فهو ناقص ومعيب ومشوه الخلق، فهو أحقر وأذل أن يدعي هذه الدعوة.\nثم أن النبي - ﷺ - قد بين وحذر أمته من المسيح الدجال وبين صفاته، وأن من أوضح صفاته أنه مكتوبٌ بين عينيه كافر يقرؤها كل مؤمن كاتب وغير كاتب، وأنه أعور والله تعالى متصف بصفات الكمال والجمال والجلال وليس بأعور.\nفبهذا يتبين الفرق بين ما جاء به أولوا العزم من الرسل وما سوف يجيء به المسيح الدجال من أعمال وخوارق، فأهل السنة والجماعة يثبتون هذه الأحاديث ويؤمنون بها وبما دلت عليه، ولا يعتبرون ما جاء فيها من الخوارق مظنة لردها، كما يقول أهل الكلام من المعتزلة والجهمية وغيرهم.\nوإن قال البعض منهم بأن ما مع الدجال ليس له حقيقة، وأن ذلك إنما هو في نظر العين وليس بحقيقة، كابن حزم والطحاوي وآخرين إلا أن","vol":"1","page":191},{"text":"هؤلاء دليلهم النقل لا غيره حيث تمسكوا بحديث حذيفة بن اليمان وغيره أن ماءه نار، وناره ماء بارد. (١)\nولا شك أن قول هؤلاء مخالف للصواب، ولما عليه ظاهر الحديث، ولما عليه جمهور أهل السنة والجماعة.\nوقد رد الحافظ ابن حجر على هذا القول، حيث قال: «إن خوارق الدجال حقيقة وليست بخيالات ولا تمويهات، وهذه الخوارق من الأمور التي أقدره الله عليها فتنةً وابتلاءً للعباد، والدجال لا يمكن أن يشتبه حاله بحال الأنبياء، لأنه لم يثبت أنه يدعي النبوة حال ظهور الخوارق بين يديه، بل يكون ظهور الخوارق عند إدعائه الربوبية». (٢)\nأما بالنسبة لقوله: «كيف يؤتي الله ﷿ الدجال هذه الخوارق لفتنة السواد الأعظم من عباده؟\nفهذا سؤال ما كان ينبغي للشيخ رشيد ﵀ وغفر له، أن يسأله فإن الله ﷾ يسأل ولا يُسأل سبحانه، ومن نحن حتى نسأل الله كيف تفعل كذا وكذا؟ فالخلق خلقه والعبيد عبيده، يفعلُ ما شاء ومتى شاء ﷾ لا راد لأمره ولا معقب لحكمه.\nثم إننا لو فتحنا باب (كيف) و(لم) و(لماذا) لفتحنا على الدين وأهله باب شر لن يغلق، يلج منه كل مبغضٍ للدين وأهله، فاسد النية، خبيث\n_________\n(١) النهاية في الفتن والملاحم (١٢٠/ ١)\n(٢) فتح الباري (١٠٥/ ١٣)","vol":"1","page":192},{"text":"الطوية للطعن في الدين وأحكامه وعقائده، ولأصبح الدين مسائل وأفكار قابلةً للأخذ والرد على حسب الأهواء والأمزجة، فذاك يستنكر حد الردة، وذاك يجادل في حد الرجم، وذاك يجادل في وجود الملائكة، وذاك يشكك في اليوم الآخر.\nوهكذا يكون الدين ألعوبة لكل فاسقٍ وفاسد يشكك ويطعن بالدين بدعوى البحث عن الحقيقة، وما علم أن السلامة أن يمسك عن هذه الأقوال وعن هذا الجدل العقيم، فالأصلُ بالمؤمن أن يؤمن ويصدق بكل ما ثبت بالكتاب والسنة الصحيحة سواء علم الحكمة من ذلك أو لم يعلم، فقه معناه أو لم يفقههُ فذاك أسلم لدينه وخيرٌ لعاقبته.\nإلا أننا نجيب عن ما يرى الشيخ رشيد أنه إشكال فنقول: إن الله ﵎ هو رب الخلق، خلقهم لعبادته وطاعته بفعل أوامره واجتناب نواهيه، ثم إنه ابتلاهم بالشر والخير ليعلم الصادق في عبوديته لربه من الكاذب، فالله ﷾ جعل الابتلاءات والمصائب كي يمحص إيمانهم وصدقهم فمن صبر واحتسب فله الأجر، ومن جزع واعترض فعليه الوزر.\nوقد جاءت الكثير من الآيات في هذا الصدد.\nقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)﴾ (١)\n_________\n(١) البقرة ١٥٥ - ١٥٦.","vol":"1","page":193},{"text":"وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٩)﴾ (١)\nوقال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ (٢)\nوقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)﴾ (٣)\nوقال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥)﴾ (٤)\nفالإنسان في هذه الدنيا معرض للابتلاء والمصائب والفتن كما ذكرنا في الآيات السابقة، اختبارًا وامتحانًا له.\nوفتنة المسيح الدجال من جملة هذه الفتن التي يسأل الإنسان ربه أن يقيه شرها ويسلمه منها.\nأما قوله: «وقد روى أبو نعيم في الحلية عن حسان بن عطية من ثقات التابعين أنه لا ينجو إلا اثنا عشر ألف رجل وسبعة آلاف امرأة».\n_________\n(١) آل عمران ١٧٩.\n(٢) العنكبوت ٢ - ٣.\n(٣) البقرة ٢١٤.\n(٤) الأنبياء ٣٥.","vol":"1","page":194},{"text":"فأحسن ما يقال فيه ما قاله ابن حجر في الفتح حيث قال «وهذا لا يقال من قبل الرأي فيحتمل أن يكون مرفوعًا أرسله، ويحتمل أن يكون أخذه عن بعض أهل الكتاب». (١)\nوالتابعي إذا تكلم عن أمر غيبي أو أسند شيئًا إلى رسول الله - ﷺ - يكون من قبيل الحديث المرسل الضعيف الذي لا تقوم به حجة، ثم إن ابن حجر لم يجزم بصحته إلى النبي - ﷺ -، حيث قال حسن صحيح إلى حسان بن عطية ثم قال أرسله، ثم قال لعله أخذه من أهل الكتاب، وكلام ابن حجر واضح جلي، فهو حديث مرسل تابعي وهو حسان بن عطية.\nوالمرسل كما هو معلوم ليس بحجة، قال الإمام مسلم في مقدمة صحيحه: المرسل في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة، قال النووي في المنهاج معلقًا على كلام مسلم: مذهب الشافعي وجمهور المحدثين وجماعة من الفقهاء أنه لا يحتج بالمرسل. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>مناقشة الإشكال الثالث:</span>\nوهو قوله: «أن ما أعطيه من خوارق مخالف لسنن الله تعالى في خلقه، وقد ثبت بنصوص القرآن القطعية أنه لا تبديل لسننه تعالى ولا تحويل».\nقبل الإجابة عن هذا الإشكال والذي هو ليس بإشكال في الحقيقة لابد من معرفة أمر هام.\n_________\n(١) الفتح (١٣/ ٩٢)، وقال عن سند الحديث بأنه حسنٌ صحيح.\n(٢) للاستزادة أنظر مقدمة النووي المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج صـ ١٤٩، فصل في ألفاظ يتداولها أهل الحديث.","vol":"1","page":195},{"text":"وهو أن هناك فرقا بين السنن الإلهية الإنسانية، وبين السنن الإلهية الكونية.\nفالسنن الإلهية الإنسانية، لا تتغير ولا تتبدل ولا تتحول، وهي عادة الله في سير الحياة الإنسانية، وعادته في إثابة الطائعين وعقاب المخالفين. (١)\nوالسنن الإلهية الكونية، قابلة للتغيير والتبديل والتحول، والتي هي منهج الله في تسيير هذا الكون وعمارته وحكمه. (٢)\nولابن تيمية كلام جميل يبين فيه ثبات السنن الإلهية الإنسانية وعدم انخرامها مطلقًا وأن السنن الإلهية الكونية قد تنخرم وتتبدل وتتحول.\nحيث يقول ﵀ في رسالة لفظ السنة في القرآن: «اعلم أنه قد ذكر الله تعالى لفظ سننه في مواضع من كتابه فقال تعالى: ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا (٧٧)﴾». (٣) وقال تعالى ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (٤٣)﴾. (٤) وقال تعالى: ﴿سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (٨٥)﴾. (٥)\nثم قال بعد ذلك: «وهذه السنن كلها سنن تتعلق بدينه وأمره ونهيه\n_________\n(١) السنن الإلهية في الحياة الإنسانية، للدكتور شريف الخطيب صـ ٥٥.\n(٢) نفس المصدر.\n(٣) الإسراء ٧٧.\n(٤) فاطر ٤٣.\n(٥) غافر ٨٥.","vol":"1","page":196},{"text":"ووعده ووعيده وليست هي السنن المتعلقة بالأمور الطبيعية كسنته في الشمس والقمر والكواكب وغير ذلك من العادات.\nفإن هذه السنة ينقضها إذا شاء بما شاء من الحكم، كما حبس الشمس على يوشع، وكما شق القمر لمحمد - ﷺ - وكما ملأ السماء بالشهب، وكما أحيا الموتى غير مره، وكما جعل العصا حية، وكما أنبع الماء من الصخرة بعصا، وكما أنبع الماء من بين أصابع النبي - ﷺ - ... فالعادات الطبيعية ليس للرب فيها سنة لازمة، فإنه قد عرف انتقاض عامة العادات، فالعادة في بني آدم ألا يخلقوا إلا من أبوين وقد خلق المسيح من أم، وحواء من أب، وآدم من غير أم ولا أب، وأحياء الموت متواتر مرات عديدة، وكذلك تكثير الطعام والشراب لغير واحد من الأنبياء والصالحين ...». (١)\nوما سوف يأتي به المسيح الدجال من خوارق، كإحياء الموتى وأمره السماء أن تمطر فتمطر والأرض فتنبت وغيرها إنما هو من السنن الإلهية الكونية القابلة للتغيير والتبديل.\nثم إنه لابد من التنبه إلى أمر آخر وهو أن سنن الله ليس كل ما ألفه الناس فقط، فمن سننه أيضا مالا يألفه الناس كإحياء الموتى وقلب العصا إلى حية وغيرها من الأمور الأخرى.\nولقد تنبه الأستاذ/ سيد قطب لهذا الفرق من خلال تفسيره (في ظلال القرآن)، حيث يقول في آخر تفسير سورة الفيل عند كلامه عن السنن: «إن سنة الله ليست فقط هي ما عهده البشر وما عرفوه، وما يعرف البشر من سنة\n_________\n(١) جامع الرسائل لابن تيمية صـ ٥٢.","vol":"1","page":197},{"text":"الله إلا طرفًا يسيرًا يكشفه الله لهم بمقدار ما يطيقون، وبمقدار ما يتهيأون له بتجاربهم ومداركهم في الزمن الطويل، فهذه الخوارق، كما يسمونها هي من سنة الله، ولكنها خوارق بالقياس إلى ما عهدوه وما عرفوه ...». (١)\nفما سوف يأتي به المسيح الدجال من خوارق ليس فيه خلاف أو تحول لسنن الله تعالى، بل هي من سنة الله تعالى، ولكنها خوارق وخلاف للسنن بالنسبة إلى مقاييس البشر ولما عرفوه كما ذكر سيد قطب.\nثم إن وقت ظهور الدجال هو من مقدمات اليوم الآخر، وفيه تكثر الخوارق، وكان ينبغي للشيخ رشيد أن يطبق قاعدته الصحيحة في أمور الغيب والآخرة، وهي الإيمان بما ورد منها مع تفويض الكيفية. (٢)\nثم إن ما يعطاه الدجال من الخوارق ليس فيه مخالفة لسنن الله الكونية فإننا لو أجرينا كلام السيد رشيد رضا على ظاهره لأبطلنا معجزات الأنبياء، لأنها مخالفة لسنن الله الكونية وما يقال في الخوارق التي يُعطاها الدجال على سبيل الفتنة والامتحان والبلاء، ولو سلمنا أن خوارق الدجال مخالفة لسنن الله الكونية، فإننا نقول إن زمن الدجال تنخرق فيه العادات، وتحدث أمور عظيمة مؤذنة بخراب العالم وزوال الدنيا وقرب الساعة، وإذا كان خروجه في زمن فتنة أرادها الله، فلا يقال إن الله ألطف بعباده من أن يفتنهم بخوارقه، فهو اللطيف الخبير ولكن اقتضت حكمته أن يبتلي عباده، وقد أنذرهم وحذرهم منه». (٣)\n_________\n(١) في طلال القرآن سيد قطب (ج ٦/ ٣٩٧٧).\n(٢) انظر منهج الشيخ رشيد رضا في العقيدة، تامر محمد متولي، صـ ٨٤٢.\n(٣) أشراط الساعة، يوسف الوابل، ٢٨٠.","vol":"1","page":198},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>مناقشة الإشكال الرابع:</span>\nوهو قوله «اشتمال بعض هذه الأحاديث على مخالفة بعض القطعيات الأخرى من الدين، كتخلف أخبار الرسل أو كونها عبثًا وإقرارهم على الباطل وهو محال في حقهم».\nففي الحقيقة أن إشكاله هذا ليس بإشكال، ولكن الشيخ رشيد رضا ﵀ وغفر له يصطنع التعارضات والمخالفات، ويجعل منها إشكالا يوجب رد تلك الأحاديث الصحيحة الواردة في المسيح الدجال.\nوذلك أن الأحاديث الصحيحة الواردة في المسيح الدجال ليس فيها أي مخالفة للقطعيات أو أخبار الرسل عليهم الصلاة والسلام.\nولا أدري ماذا يقصد الشيخ رشيد رضا، بمخالفتها للقطعيات فإن كان يقصد عدم وقوع ما أخبر به النبي - ﷺ - من خروج المسيح الدجال.\nفهذا إشكالٌ لا قيمة له في الحقيقة لأن النبي - ﷺ - كما حذر من الدجال حذر من قيام الساعة.\nفكما أن الساعة لم تقع ولم يأتِ وقت وقوعها فكذلك المسيح الدجال لم يخرج ولم يأتِ وقت خروجه.\nوليس في هذا دليل على مخالفتها للقطعيات أو كذب تلك الأخبار أو تخلفها.\nوهل يعقل أن ينكر أحد الساعة لعدم وقوعها في زمنه فكذلك يقال في شأن المسيح الدجال، فمن السفه أن ينكر أحدهم خروج المسيح الدجال أو","vol":"1","page":199},{"text":"خروج يأجوج ومأجوج أو غيرها من أشراط الساعة الكبرى لا لشيء إلا لعدم وقوعها في زمنه.\nثم إن النبي - ﷺ - لم يعين وقت خروج المسيح الدجال كي يقال إنها لم تقع.\nثم إن الساعة لم تقم حتى الآن كي يقال إن الأخبار الواردة في المسيح الدجال غير صحيحة أو أنها مكذوبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>مناقشة الإشكال الخامس:</span>\nوهي قوله: «إنها متعارضة تعارضًا يوجب تساقطها».\nفالشيخ رشيد رضا ﵀ وغفر له يرى أن مجرد وجود شبهة التعارض بين مجموع تلك الأحاديث الصحيحة الصريحة الواردة في المسيح الدجال، والمذكورة في أصح الكتب بعد القرآن وهما صحيح البخاري وصحيح مسلم، مجرد وجود تلك الشبهة كفيل برد تلك الأحاديث، وعدم الالتفات إليها عند الشيخ رشيد رضا. ولا يشفع لها عنده صحة إسانيدها وإن كانت أسانيدها كالشمس في رابعة النهار.\nثم إننا نقول أن دعوى التعارض فيما بينها غير صحيح ولا نقبله من الشيخ رشيد رضا، فالشيخ رشيد رضا يمزج بين الروايات الصحيحة والضعيفة والمقبول منها والمردود ثم يبني على ذلك نتائجه وما توصل إليه.\nوكان أحرى بالشيخ رشيد وهو العالم بالسنة والصحيح منها والضعيف أن يميز الروايات الصحيحة من الضعيفة ثم يحاول بعد ذلك","vol":"1","page":200},{"text":"الجمع بين الأحاديث الصحيحة إن كان في ظاهرها تعارض أو تناقض كما يقول.\nمتبعًا بذلك منهج أهل السنة والجماعة في الجمع بين الأحاديث التي ظاهرها التعارض، فالجمع بين النصوص أولى من ردها أو إهمال بعضها.\nثم إن دعوى التعارض بين الأدلة الشرعية غير ممكن، وقد حكي الباقلاني الإجماع على منع التعارض بين الأدلة الشرعية في نفس الأمر مطلقًا، كما روى الخطيب البغدادي عنه ذلك فقال «يقول الباقلاني: وكل خبرين علم أن النبي - ﷺ - تكلم بهما، فلا يصح دخول التعارض فيهما على وجه، وإن كان ظاهرهما متعارضين، لأن معنى التعارض بين الخبرين والقرآن من أمر ونهي وغير ذلك، أن يكون موجب إحداهما منافيًا لموجب الآخر، وذلك يبطل التكليف إن كان أمرًا أو نهيًا أو إباحة أو حظرًا، أو يوجب كون إحداهما صدقًا والآخر كذبًا إن كانا خبرين، والنبي - ﷺ - منزه عن ذلك أجمع، ومعصوم منه باتفاق الأمة وكل مثبت للنبوة» (١).\nفالتعارض بين النصوص الشرعية سواء بين القرآن والسنة أو بين الأحاديث فيما بينها غير ممكن، وسببه قلة العلم أو قصور في الفهم.\nقال الشيخ بن عثيمين: «إذا وقع التعارض عندك في نصوص الكتاب والسنة، فإما لقلة العلم، وإما لقصور الفهم وإما للتقصير في البحث والتدبر، ولو بحثت وتدبرت لوجدت أن التعارض الذي توهمته لا أصل له». (٢)\n_________\n(١) الكفاية للخطيب البغدادي صـ ٤٣٣.\n(٢) شرح الواسطية لابن عثيمين دار ابن الجوزي صـ ٧٠، الطبعة الرابعة ١٤٢٧ هـ.","vol":"1","page":201},{"text":"وقد استعمل هذه القاعدة كثير من أئمة العلم والدين في كسر المبتدعة وتفنيد شبهاتهم، كصنيع الإمام الشافعي ﵀ في كتاب «الرسالة»، وفي كتاب «مختلف الحديث»، وكذلك الإمام أحمد ﵀ في «الرد على الجهمية» والإمام ابن قتيبة ﵀ في كتاب «مختلف الحديث»، والطحاوي ﵀ في «مشكل الآثار» وغير هؤلاء كثير من أئمة السنة». (١)\nثم إنه لو اكتفى الشيخ رشيد رضا بذكر الروايات الصحيحة واعتمد عليها وأهمل غيرها من الروايات الموضوعة والمكذوبة وما أكثرها، لما وجد هناك تعارضًا فيما بين الأحاديث الصحيحة وإن كان هناك ما يوهم التعارض منها فقد بينه العلماء وشراح الحديث، وذلك بالجمع بين الروايات الصحيحة والترجيح بينها من دون رد لأي منها أو إهماله.\nونضرب لذلك مثالًا ليتضح المقصود، وذلك بذكر كيفية جمع القاضي عياض بين الرواية الصحيحة الواردة في الصحيحين في وصف عين الدجال اليمنى بالعور.\nوبين الرواية الصحيحة الأخرى الواردة في صحيح مسلم في وصف عين الدجال اليسرى بالعور دون رد لأي منهما.\nحيث ذهب إلى أن عيني الدجال كلتيهما معيبة، لأن الروايات كلها صحيحة، وتكون العين المطموسة والممسوحة هي العوراء الطافئة بالهمز أي التي ذهب ضوؤها وهي العين اليمنى كما في حديث ابن عمر. (٢)\n_________\n(١) منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد لعثمان علي حسن (١/ ٣٤٨).\n(٢) صحيح البخاري - كتاب الفتن - باب ذكر الدجال (٦/ ٢٦٠٧)، رقم (٦٧٠٩).","vol":"1","page":202},{"text":"وتكون العين اليسرى التي عليها ظفره غليظة، وهي الطافية بلا همز - معيبة أيضًا. (١)\nفهو أعور العين اليمنى واليسرى معًا. فكل واحدة منهما عوراء، أي معيبة، فإن الأعور من كل شيء، المعيب، لا سيما ما يختص بالعين فكلا عيني الدجال معيبة عوراء، إحداهما بذهابها، والأخرى بعيبها.\nقال النووي: «في هذا الجمع هو في نهاية من الحسن». (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>حديث الجساسة:</span>\nروى الإمام مسلم بسنده إلى عامر بن شراحيل الشعبي شعب همدان أنه سأل فاطمة بنت قيس أخت الضحاك بن قيس وكانت من المهاجرات الأول، فقال: حدثيني حديثًا سمعتيه من رسول الله - ﷺ - لا تسنديه إلى أحد غيره فقالت لئن شئت لأفعلن، فقال لها أجل حدثيني، فقالت: نكحت ابن المغيرة وهو من خيار شباب قريش يؤمنذٍ، فأصيب في أول الجهاد مع رسول الله - ﷺ - فلما تأيمت خطبني عبد الرحمن بن عوف في نفر من أصحاب رسول - ﷺ - وخطبني رسول الله - ﷺ - على مولاه أسامة بن زيد، وكنت قد حدثت أن رسول الله - ﷺ - قال «من أحبني فليحب أسامة». فلما كلمني رسول الله - ﷺ - قلت أمرى بيدك، فأنكحنى من شئت فقال: «انتقلى إلى أم شريك». وأم شريك امرأة غنية من الأنصار عظيمة النفقة في سبيل الله، ينزل عليها\n_________\n(١) صحيح مسلم - كتاب الإيمان - باب ذكر المسيح بن مريم والمسيح الدجال (١/ ١٥٤)، رقم (١٦٩).\n(٢) انظر شرح النووي لمسلم (٢/ ٢٣٥).","vol":"1","page":203},{"text":"الضيفان فقلت سأفعل فقال: «لا تفعلي إن أم شريك امرأة كثيرة الضيفان فإني أكره أن يسقط عنك خمارك أو ينكشف الثوب عن ساقيك فيرى القوم منك بعض ما تكرهين، ولكن انتقلي إلى ابن عمك عبد الله بن عمرو ابن أم مكتوم»، وهو رجل من بني فهرِ فهرِ قريش وهو من البطن الذي هي منه - فانتقلت إليه فلما انقضت عدتي سمعت نداء المنادي منادي رسول الله - ﷺ - ينادي الصلاة فكنت في صف النساء التي تلي ظهور القوم فلما قضى رسول الله - ﷺ - صلاته جلس على المنبر وهو يضحك فقال «ليلزم كل إنسان مصلاه». ثم قال: أتدرون لم جمعتكم؟ قالوا الله ورسوله أعلم. قال «إني والله ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة ولكن جمعتكم لأن تميما الداري كان رجلا نصرانيا فجاء فبايع وأسلم، وحدثني حديثا وافق الذي كنت أحدثكم عن مسيح الدجال، حدثني أنه ركب في سفينة بحرية مع ثلاثين رجلا من لخم وجذام فلعب بهم الموج شهرا في البحر، ثم أرفئوا إلى جزيرة في البحر حتى مغرب الشمس، فجلسوا في أقرب السفينة فدخلوا الجزيرة، فلقيتهم دابة أهلب كثير الشعر لا يدرون ما قبله من دبره من كثرة الشعر، فقالوا: ويلك ما أنت فقالت أنا الجساسة.\nقالوا وما الجساسة؟ قالت: أيها القوم انطلقوا إلى هذا الرجل في الدير فإنه إلى خبركم بالأشواق. قال لما سمت لنا رجلا فرقنا منها أن تكون - شيطانة قال - فانطلقنا سراعا حتى دخلنا الدير فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه قط خلقا وأشده وثاقا مجموعة يداه إلى عنقه ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد قلنا ويلك ما أنت؟ قال: قد قدرتم على خبري فأخبروني ما أنتم؟ قالوا: نحن أناس من العرب ركبنا في سفينة بحرية فصادفنا البحر حين اغتلم فلعب بنا الموج شهرًا ثم أرفأنا إلى جزيرتك هذه،","vol":"1","page":204},{"text":"فجلسنا في أقربها فدخلنا الجزيرة فلقيتنا دابة أهلب كثير الشعر لا يدري ما قبله من دبره من كثرة الشعر، فقلنا: ويلك ما أنت فقالت: أنا الجساسة.\nقلنا: وما الجساسة؟ قالت: اعمدوا إلى هذا الرجل في الدير فإنه إلى خبركم بالأشواق، فأقبلنا إليك سراعا وفزعنا منها ولم نأمن أن تكون شيطانة فقال أخبروني عن نخل بيسان، قلنا: عن أي شأنها تستخبر قال أسألكم عن نخلها هل يثمر؟ قلنا له: نعم. قال أما إنه يوشك أن لا تثمر قال أخبروني عن بحيرة الطبرية. قلنا عن أي شأنها تستخبر؟ قال: هل فيها ماء؟ قالوا: هي كثيرة الماء. قال أما إن ماءها يوشك أن يذهب، قال أخبروني عن عين زغر، قالوا: أي شأنها تستخبر قال هل في العين ماء؟ وهل يزرع أهلها بماء العين؟ قلنا له: نعم هي كثيرة الماء وأهلها يزرعون من مائها، قال أخبروني عن نبي الأميين ما فعل؟ قالوا: قد خرج من مكة ونزل يثرب. قال: أقاتله العرب؟ قلنا نعم. قال كيف صنع بهم؟ فأخبرناه أنه قد ظهر على من يليه من العرب وأطاعوه، قال لهم: قد كان ذلك؟ قلنا: نعم. قال أما إن ذاك خير لهم أن يطيعوه وإني مخبركم عني، إني أنا المسيح وإني أوشك أن يؤذن لي في الخروج، فأخرج فأسير في الأرض فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة غير مكة وطيبة، فهما محرمتان على كلتاهما، كلما أردت أن أدخل واحدة أو واحدا منهما استقبلني ملك بيده السيف صلتا يصدني عنها، وإن على كل نقب منها ملائكة يحرسونها، قالت: قال رسول الله - ﷺ - وطعن بمخصرته في المنبر «هذه طيبة هذه طيبة هذه طيبة». يعني المدينة «ألا هل كنت حدثتكم ذلك». فقال الناس نعم «فإنه أعجبني حديث تميم أنه وافق الذي كنت أحدثكم عنه وعن المدينة ومكة،","vol":"1","page":205},{"text":"ألا إنه في بحر الشام أو بحر اليمن، لا بل من قبل المشرق ما هو من قبل المشرق ما هو من قبل المشرق ما هو». وأومأ بيده إلى المشرق.\nقالت فحفظت هذا من رسول الله - ﷺ -. (١)\nمسألة:\nهل هناك تناقض أو تعارض بين حديث الجساسة الذي يدل على أن الدجال حي منذ زمن النبي - ﷺ - وبين حديث عبد الله بن عمر﵁ - الذي هو في الصحيحين وهو قوله، صلى بنا النبي - ﷺ - العشاء في آخر حياته فلما سلم قام فقال: «أرايتكُم ليلتكم هذه، فإن رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد». (٢)؟\n_________\n(١) صحيح مسلم - كتاب الفتن - باب قصة الجساسة وقد أخرج حديث الجساسة أيضا الإمام أحمد في المسند (٦/ ٣٧٤) وأبي داوود في كتاب الملاحم، باب خبر الجساسة (١٤/ ١٨) برقم (٤٣٢٥) وابن ماجة في أبواب الفتن، باب فتنة الدجال وخروج عيسى بن مريم (٢/ ٣٩٧) برقم (٤١٢٥).\n- قال الألباني: «حديث الجساسة صحيح لسببين، الأول أنه رواه مسلم في صحيحة والثاني أنه لا يوجد في إسناده مغمزًا أو مطعنًا، وممن صحح حديث الجساسة الإمام البخاري ﵀ حيث قال، وحديث الشعبي عن فاطمة بنت قيس في الدجال حديث صحيح وقد رواه غير مسلم الإمام أحمد وأبو يعلى وأبو داود وابن ماجه ورواه غير فاطمة بنت قيس أبو هريره وعائشة وجابر رضوان الله عليهم مما يدل على تعدد مخرجه وكثرة طرقه فالحديث لم ينفرد به الإمام مسلم ولم تنفرد به فاطمة بنت قيس» (شرح مختصر صحيح مسلم للمنذري للعلامة اللألباني، التعليق على حديث الجساسة).\n(٢) صحيح البخاري - كتاب العلم، باب الحديث في الليل قبل النوم (١/ ٥٥)، رقم (١١٦)، صحيح مسلم - كتاب فضائل الصحابة. باب «لا يأتي مائة سنه وعلى الأرض نفسه منفوسة» (٤/ ١٩٦٥)، رقم (٢٥٣٧).","vol":"1","page":206},{"text":"الجواب:\nالصحيح الذي لا شك فيه أنه ليس هناك تناقض أو تعارض بين حديث الجساسة وحديث ابن عمر. فحديث ابن عمر عام وحديث الجساسة خاص، فيكون مستثنى من العموم.\nقال العلامة محمد الأمين الشنقيطي ﵀: في الجواب على من قال بحياة الخضر محتجًا بأن العموم ليس نصًا في الاستغراق يعني العموم في قوله - ﷺ - «لا يبقى على ظهر الأرض أحد».\nقال: «لأن الدجال أخرجه دليل صالح للتخصيص وهو حديث ثابت في الصحيح من حديث فاطمة بنت قيس ﵂، سمعت النبي - ﷺ - يقول إنه حدثه به تميم الداري وأنه أعجبه حديث تميم المذكور، لأنه وافق ما كان يحدث به أصحابه من خبر الدجال، ثم ذكر حديث تميم ثم قال: فهذا نص صريح في أن الدجال حيٌ موجود في تلك الجزيرة البحرية المذكورة في حديث تميم الداري، وإنه باقٍ وهو حي حتى يخرج في آخر الزمان، وهو نص صالح للتخصيص يخرج الدجال من عموم حديث موت كل نفس في تلك المائة.\nوالقاعدة المقررة في الأصول، أن العموم يجب إبقاؤه على عمومه، فما أخرجه نصٌ مخصص خرج من العموم وبقى العام حجة في بقية الأفراد التي لم يدل على إخراجها دليل، كما قدمناه مرارًا وهو الحق ومذهب الجمهور، وهو غالب ما في الكتاب والسنة من العمومات، يخرج منها بعض الأفراد بنص مخصص ويبقى العام حجة في الباقي». (١)\n_________\n(١) «أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن» للعلامة المفسر محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي (٣/ ٣٩٧) دار الفكر، بيروت - لبنان، ١٤١٥ - ١٩٩٥.","vol":"1","page":207},{"text":"وقال العلامة محمد ناصر الألباني ﵀: «حديث الجساسة صحيح ولا مطعن فيه ولا يخالف حديث (فإنه لا يبقى على رأس مائة سنة منها اليوم أحد) فإن هذا الحديث عام وقد خص، فإن الشيطان الرجيم على وجه الأرض، والشيطان خالد إلى يوم القيامة، ولفظ الحديث شامل لكل من على وجه الأرض، وليس خاصًا ببني آدم، فكما خرج الشيطان من هذا العموم، فما الذي يمنع الدجال من الخروج من هذا العموم أيضًا، وما ينبغي أن ترد أحاديث النبي - ﷺ - بالرأي، وما كنا لنترك حديث رسول الله - ﷺ - لكلام أحد، فالجمع بحمد الله سهل، ولا تعارض ولا منافاة». (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>رأي رشيد رضا في حديث الجساسة والرد عليه:</span>\nيرى الشيخ رشيد رضا بأن حديث الجساسة مصنوع، ولا يصح نسبته للنبي - ﷺ -. حيث يقول: «وجملة القول في حديث الجساسة أن ما فيه من العلل والاختلاف والإشكال من عدة وجوه يدل على أنه مصنوع وأنه على تقدير صحته ليس له كله حكم الرفع». (٢)\nفالشيخ رشيد يرى أن الحديث فيه العديد من العلل والاختلافات والإشكالات التي توجب رده والحكم عليه بأنه مصنوع.\nولكن في الحقيقة أن ما أثاره الشيخ رشيد من إشكالات وتساؤلات لا ترقي إلى درجة رد الحديث لا سيما وأنه في صحيح مسلم.\n_________\n(١) في سلسلة الهدى والنور الصوتية لأبي ليلي الأثري وهي موجودة باليوتيوب بعنوان «الألباني يزيل الأشكال حول حديث الجساسة».\n(٢) تفسير المنار (٩/ ٤٩٧).","vol":"1","page":208},{"text":"فغاية ما ذكره الشيخ رضا هي إشكالات وتساؤلات يمكن الإجابة عليها، دون رد للحديث أو القول بأنه مصنوع.\nولكن الشيخ عفا الله عنه كما قلنا من قبل، يستشكل ما ليس بمشكل وما من إشكال إلا عدة هذه الأمور الواضحة الجلية إشكالات.\nوسوف أذكر هنا الإشكالات والتساؤلات التي ذكرها الشيخ رضا في تفسيره المنار حول حديث الجساسة والرد عليها:\n١ - قوله: «من علل الحديث أنه من الأحاديث التي تتوفر الدواعي على نقلها بالتواتر لغرابة موضوعه، ولاهتمام النبي - ﷺ - به وجمع الناس له وتحديثه به على المنبر، واستشهاده بقول تميم على ما كان حدثهم به قبل إسلامه، وسماع جمهور الصحابة منه، فمن غير المعقول أن لا يروى إلا آحاديًا ويؤيده امتناع البخاري عن إخراجه في صحيحة لشدة تحريه». (١)\nالرد عليه:\nفي الحقيقة أن الشيخ رشيد رضا حينما ذكر هذا الإشكال أجاب عليه بنفسه بقوله «وقد أجاب الحافظ في الفتح عند شرح حديث جابر في ابن صياد من كتاب الاعتصام عن هذا الإعلال بقوله: ولشدة التباس الأمر في ذلك أي الاختلاف بينه وبين حديث ابن صياد - سلك البخاري مسلك الترجيح فاقتصر على حديث جابر عن عمر في ابن صياد (٢)، ولم يخرج\n_________\n(١) تفسير المنار (٩/ ٤٩٢).\n(٢) يقول محمد بن المنكدر «رأيت جابر بن عبدالله يحلف بالله، أن ابن الصياد الدجال قلت، تحلف بالله؟ قال إني سمعت عمر يحلف على ذلك عند النبي - ﷺ - فلم ينكره النبي - ﷺ -. صحيح البخاري - كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة - باب من رأى ترك النكير من النبي - ﷺ - حجة، لا من غير الرسول - ﷺ -.","vol":"1","page":209},{"text":"حديث فاطمة بنت قيس في قصة تميم، وقد توهم بعضهم أنه غريب فرد وليس كذلك، فقد رواه مع فاطمة بنت قيس أبو هريرة وعائشة وجابر، أما أبو هريرة فأخرجه أحمد من رواية عامر الشعبي عن المحرز بن أبي هريرة عن أبيه بطوله، وأخرجه أبو داود مختصرًا وابن ماجه، عقب رواية الشعبي عن فاطمة قال الشعبي «فلقيت المحرز فذكره» وأخرجه أبو يعلى من وجه آخر عن أبي هريرة .. وأما حديث عائشة فهو في الرواية المذكوره عن الشعبي قال: ثم لقيت القاسم بن محمد، فقال أشهد على عائشة حدثتني كما حدثتك فاطمة بنت قيس، وأما حديث جابر فأخرجه أبو داود بسند حسن من رواية أبي سلمه عن جابر وذكر لفظه. (١)\nوقول الحافظ ابن حجر هذا بلا شك أنه هو الصحيح، فالبخاري سلك مسلك الترجيح فاقتصر على حديث جابر عن عمر في ابن صياد. مع تصحيحه لحديث الجساسة، حيث قال، وحديث الشعبي عن فاطمة بنت قيس في الدجال هو حديثٌ صحيح. ثم إن التواتر ليس شرطًا في قبول الحديث، ولا يلزم من صدور الأحاديث عن النبي - ﷺ - من على المنبر وفي حشدٍ من الناس أن يروي ذلك متواترًا.\nفكم من خطبة خطبها النبي - ﷺ - على المنبر وفي حشدٍ عظيم من الصحابة ومع ذلك لم يروها أو يرو بعضها منها إلا واحد أو اثنان أو أكثر، ممن لا يبلغ عددهم شرط التواتر؟\n_________\n(١) تفسير المنار (٩/ ٤٩٢)، فتح الباري (١٣/ ٣٤٠).","vol":"1","page":210},{"text":"«وقد خطب النبي - ﷺ - في حجة الوداع عدة خطب في أعظم حشد كان في حياة النبي - ﷺ -، ومع ذلك لم ينقل خطبته إلا العدد القليل من الصحابة ﵃.\nوقد روى الإمام أحمد ومسلم عن أبي زيد وعمرو بن أخطب الأنصاري ﵁ قال «صلى بنا رسول الله - ﷺ - الفجر، وصعد المنبر فخطبنا حتى حضرت الظهر، فنزل فصلى ثم صعد المنبر فخطبنا حتى حضرت العصر، ثم نزل فصلى ثم تصعد المنبر فخطبنا حتى غربت الشمس - فأخبرنا بما كان وبما هو كائن، فأعلمنا أحفظنا».\nوقد كانت هذه الخطبة العظيمة الطويلة جدًا على المنبر، وفي حشد من الصحابة ﵃، ومع ذلك لم ينقل شيء منها بالتواتر». (١)\nفالحديث بفضل الله صحيح ويكفي إيراد مسلم له للقطع بصحته، وإن لم يخرجه البخاري، فالبخاري لم يزعم أنه جمع كل الصحيح، إنما اشترط أن لا يخرج في كتابه إلا الصحيح، حيث قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحا وما تركت من الحديث أكثر. (٢)\nوهو مروي عن صحابية جليلة وهي فاطمة بنت قيس ﵂ وقد رواه عنها «الشعبي» الذي اعترف الشيخ نفسه بثناء المحدثين حتى على مراسيله، فكيف وقد صرح بالسماع منها، ولقد رواه مع فاطمة بنت قيس، أبو هريرة وعائشة وجابر ﵃ أجمعين.\n_________\n(١) إتحاف الجماعة، حمود عبد الله النويجري (٢/ ٦١).\n(٢) انظر هدي الساري صـ ٩.","vol":"1","page":211},{"text":"ثم إنك لتعجب من أمر الشيخ رضا والإشكالات التي يثيرها لرد الحديث النبوي فإذا كان الحديث عند البخاري ولم يوافق عليه أتى عليه بالتأويل والتشكيك كما فعل مع حديث سحر النبي - ﷺ - وانشقاق القمر.\nوإن كان عند مسلم أو غيره من الأئمة احتج عليهم بعدم رواية البخاري له في صحيحة وذلك لشدة تحريه فهو لا يسير على منهج معين في التعامل مع الحديث النبوي الشريف.\n٢ - قوله: من الإشكال المعنوي في هذه الحكاية أن تميمًا وأصحابه الثلاثين كانوا من عرب الشام، والمتبادر أنهم ركبوا سفينتهم من بعض ثغورهم في البحر المتوسط وقد ذكرت فاطمة بنت قيس أن النبي - ﷺ - قال بعد أن سرد للناس الحكاية:\nفإنه أعجبني حديث تميم أنه وافق الذي كنت حدثتكم به عنه - أي الدجال - وعن المدينة ومكة، ألا إنه في بحر الشام أو بحر اليمن لا بل من قبل المشرق، ما هو من قبل المشرق، ما هو من قبل المشرق ما هو، وأومأ بيده إلى المشرق». قالت: فحفظت هذا من حديث رسول الله - ﷺ -.\nثم قال: «فإن صح الحديث روايةً فهذا التردد من النبي - ﷺ - في مكان الجزيرة التي ذكرها تميم الداري في أي البحرين هي؟ ثم إضرابه عنهما وجزمه بأنه من جهة المشرق إلخ، إشكال آخر في متنه، وينظر إلى اختلاف الروايات الأخرى في مكان الدجال بعين وينظر إلى اختلاف الروايات في ابن صياد بالعين الأخرى، وينظر بالعينين كلتيهما إلى سبب هذا التردد،","vol":"1","page":212},{"text":"ومنافاته لأن يكون كلامه صلوات الله وسلامة عليه في أمر الدجال عن وحي من الله تعالى». (١)\nفالشيخ رشيد رضا يعتبر أن تردد النبي - ﷺ - في أول الأمر في مكان الجزيرة التي ذكرها تميم الداري، وتردده - ﷺ - كذلك في ابن صياد، يثير إشكالا معنويا، بحيث يكون كلامه - ﷺ - عن الدجال ليس عن وحي من الله.\nوفي الحقيقة كان يسع الشيخ رشيد ما وسع أهل العلم وشراح الحديث من قبله، وأن يكتفي بما قاله الأئمة في موضوعي الجساسة وابن صياد.\nيقول النووي عن ابن صياد: «قال العلماء»: وظاهر الأحاديث أن النبي - ﷺ - لم يوح إليه بأنه المسيح الدجال ولا غيره، وإنما أوحي إليه بصفات الدجال، وكان في ابن صياد قرائن محتملة، فلذلك كان النبي - ﷺ - لا يقطع بأنه الدجال ولا غيره، ولهذا قال لعمر﵁ -: «إن يكن هو فلن تستطيع قتله». (٢)\nوقال العلامة الطيبي: «لما تيقن ﵇ بالوحي، أنه من قبل المشرق نفى الأولين، وظاهر العبارة يدل على أن النبي - ﷺ - صدق تميمًا في أول الأمر ولذلك قال: «ألا إنه في بحر الشام أو بحر اليمن» بالتأكيد بـ «إن» والبدء بأداة الاستفتاح «ألا» ثم كوشف في موقفه بأنه ليس في هذا ولا ذلك بل في جهة المشرق». (٣)\n_________\n(١) تفسير المنار (٩/ ٤٩٣).\n(٢) شرح النووي عن مسلم (١٨/ ٤٦).\n(٣) النشر الطيب على شرح الشيخ الطيب يراجع (٢/ ٢٣٥) وما بعدها.","vol":"1","page":213},{"text":"وقال النووي: «قال القاضي لفظة «ما هو» زائدة صلة للكلام ليست بنا فيه، والمراد إثبات أنه في جهات المشرق». (١)\nوقال ابن كثير: «قال بعض العلماء إن ابن صياد كان بعض الصحابة يظنه الدجال الأكبر وليس به، إنما كان دجالًا صغيرًا».\nإلى أن قال: «والمقصود أن ابن صياد ليس بالدجال الذي يخرج في أخر الزمان قطعًا، لحديث فاطمة بنت قيس الفهرية، فإنه فيصل في هذا المقام» وقال ابن كثير أيضا: والأحاديث الواردة في ابن صياد كثيرة، وفي بعضها توقف في أمره هل هو الدجال؟ ويحتمل أن يكون هذا قبل أن يوحى إلى النبي - ﷺ -، في أمر الدجال وتعيينه، وقد تقدم حديث تميم الداري في ذلك، وهو فاصل في هذا المقام».\nوقال أيضا: «وقد قدمنا أن الصحيح أن الدجال غير ابن صياد، وأن ابن صياد كان دجالًا من الدجاجلة ثم تيب عليه بعد ذلك، فأظهر الإسلام والله أعلم بضميره وسريرته، وأما الدجال الأكبر فهو المذكور في حديث فاطمة بنت قيس الذي روته عن رسول الله - ﷺ - عن تميم الداري، وفيه قصة الجساسة، ثم يؤذن له في الخروج في آخر الزمان». (٢)\nولقد حاول ابن حجر أيضا التوفيق بين الأحاديث الواردة في ابن صياد، وحديث الجساسة حيث قال: «أقرب ما يجمع به بين ما تضمنه حديث تميم وكون ابن صياد هو الدجال أن الدجال بعينه هو الذي شاهده تميم موثقًا وأن ابن صياد شيطان تبدى في صورة الدجال في تلك المدة،\n_________\n(١) شرح النووي على مسلم (١٨/ ٦٦).\n(٢) النهاية لابن كثير (١/ ٧٠) تحقيق طه زيني.","vol":"1","page":214},{"text":"إلى أن توجه إلى أصبهان، فاستتر مع قرينه، إلى أن تجيء المدة التي قدر الله تعالى خروجه فيها». (١)\nثم إن النبي - ﷺ - أخبر بخروج ثلاثين دجالًا غير الدجال الموعود وقد يكون ابن صياد منهم، ورواية تميم تؤكد على أن ابن صياد ليس هو الدجال الموعود، خاصةً وأن النبي - ﷺ - لم ينص على ذلك كما قلنا.\nفابن صياد والله أعلم ليس بالمسيح الدجال الأكبر كما قال أكثر أهل العلم، وإنما هو دجال من الدجاجلة غير الدجال الموعود.\nثم إنه ما دام قد صحت رواية تميم وصحت رواية ابن صياد فالواجب الجمع، والجمع ولله الحمد ممكن وغير متعذر، بين تلك الروايات الصحيحة، ولا يصل الأمر إلى رد الحديث بإشكالات وتساؤلات يمكن الأجابة عليها والتوفيق فيما بينهما كما هو منهج أهل الحديث.\n٣ - قوله: «ثم أين الجزيرة التي رفأ إليها تميم وأصحابه في سفينتهم؟ إنها في بحر الشام أو بحر اليمن كما في اللفظ المرفوع - إن صح الحديث - أي الجهة المقابلة لسواحل سورية من البحر المتوسط أو الجهة المجاورة لشواطئ اليمن من البحر الأحمر، وكلًا قد مسح في هذه الأزمة مسحًا، وجابوا سطحهما طولًا وعرضًا، وقاسوا مياههما عمقًا، وعرفوا جزائرها فردًا فردًا، فلو كان في إحداهما جزيرة فيها دير أو قصر حبس فيها الدجال، وبه جساسة فيها تقابل الناس وتنقل إليه الأخبار، لعرف ذلك كله كل الناس». (٢)\n_________\n(١) فتح الباري (١٣/ ٣٢٨).\n(٢) تفسير المنار (٩/ ٤٩٤).","vol":"1","page":215},{"text":"الرد:\nعدم رؤية الجساسة أو المسيح الدجال ليس دليلًا على أنه غير موجود أو أن قصته مكذوبة وموضوعة. فيأجوج ومأجوج نؤمن بهم وأنهم موجودون ولكن لا نعلم مكانهم، ولم يسبق لأحد أن التقى بهم على الرغم من أن البشر مسحوا الأرض شبرًا شبرًا ولا يوجد مكان على وجه الأرض لم تطأه قدم بشر خاصةً في زمننا هذا، والذي تطورت فيه وسائل النقل والاستكشاف بشكل لم يسبق إليه من قبل.\nفالله ﷾ له حكمة في إخفاء مكان يأجوج ومأجوج وكذلك له حكمة أيضا في إخفاء المسيح الدجال والجساسة، وذلك لأن ظهوره علامة من علامات الساعة الكبرى، ولن يكون له ظهور إلا إذا أذن الله بذلك، وعلى هذا فمن الطبيعي أن يخفيه الله عن أعين البشر فلا يصل إليه أحد، ما دام أن أوان الساعة لم يحن بعد. ثم إنه ليس من المستحيل أن يخفيه الله عن أعين البشر، خاصةً وأن بقاءه مرتبط بحكمة إلهية كبرى يتوقف عليها مصير البشرية كلها بل الكون أجمع. (١)\nولكن قد يتساءل سائل فيقول: إذا كيف رآه تميم وصحبه دون الناس؟؟\nفتقول، في الحقيقة أن رؤية تميم له كانت بتقدير الله وبعلم الله كرامة لتميم وصحبه، وتقريرًا لصدق النبي - ﷺ -، إذ أنه وافق ما يقوله النبي - ﷺ - لأصحابه، وليزيد الله في بيان أمره ليحذروه ويسألوا الله أن يقيهم شره وأن يعصمهم منه.\n_________\n(١) المدرسة العقلية الحديثة، شفيق شقير صـ ٣٢١.","vol":"1","page":216},{"text":"٤ - أما قوله: «فهل يجب أن تكون حكايته - ﷺ - لما حدثه به تميم تصديقًا له؟». (١)\nالرد\nيرى الشيخ رشيد رضا، أن مجرد حكاية النبي - ﷺ - لما حدثه به تميم الداري﵁ - ليس دليلا على أنه مصدق له ولما قاله! !\nبل قد يكون مكذبًا له، ولما جاء به، ويحكيه عنه، ويرويه للناس! !\nوهذا والله مبالغة وتكلف في إيراد الإشكالات والتساؤلات والشبهات لرد حديث تميم الداري﵁ -، فالشيخ رشيد ﵀ وغفر له يحاول بكل ما أوتي من حجه وبيان أن يثير الشبه حول حديث الجساسة، من أجل رده وأنى له ذلك.\nفهل يعقل أن ينقل رجلا من عامة الناس كلامًا عن رجلٍ آخر، ويجمع له الناس ويحدثهم به وهو في قرارة نفسه غير مصدقٍ به، فضلًا عن أن يكون الناقل هو النبي - ﷺ - المؤيد بالوحي من رب العالمين.\nفإذا كان النبي - ﷺ - غير مصدق لما جاء به تميم الداري﵁ -، وغير مصدق لما قال له، فلما يجمع الناس، ويرسل المنادي أن ينادي «الصلاة جامعة» ثم يلزم الناس بالجلوس بقوله - ﷺ - «ليلزم كلُ إنسانٍ مصلاه»، ثم قال «أتدرون لم جمعتكم؟ قالوا الله ورسوله أعلم، قال إني والله ما جمعتكم لرغبة ولا رهبه، ولكن جمعتكم لأن تميم الداري كان رجلًا نصرانيًا فجاء فبايع\n_________\n(١) تفسير المنار (٩/ ٤٩٥).","vol":"1","page":217},{"text":"وأسلم وحدثني حديثًا وافق الذي كنت حدثتكم عن المسيح الدجال ....»، ثم حدثهم بما حدثه به تميم الداري﵁ -.\nاليس هذا إقرارا منه - ﷺ - على صدقه﵁ - وأنه - ﷺ - ما ينطق عن الهوى ولا يقر إلا على صواب.\nفإذا لم يعن هذا الفعل إقرارًا وتصديقًا منه - ﷺ - بصدق ما جاء به تميم، وتصديق ما قاله، فكيف هو الإقرار والتصديق.\nوإنه واللهِ إقرارٌ من النبي - ﷺ - لتميم الداري ما بعده إقرار، وإنها والله من مناقب تميم الداري وكفى به منقبة ومزية وكرامة أن يُحدث عنه النبي - ﷺ - ويروي عنه.\nقال النووي عن حديث تميم: «هذا معدود في مناقب تميم﵁ - لأن النبي - ﷺ - روى عنه هذه القصة، وفيه رواية الفاضل عن المفضول، ورواية التابع عن تابعه». (١)\nفتصديق النبي - ﷺ - واضح لا لبس فيه، إلا أن مغالاة رشيد رضا وتعصبه في رد الخوارق والغرائب أدى به إلى رد كل حديث لا يتوافق مع منهجه العقلي الذي ورثه عن شيخه وأستاذه محمد عبده.\nولو أن الشيخ لزم غرز أئمة الدين، ومنهج أهل السنة وأهل الحديث في التعامل مع الحديث النبوي، لكان أسلم له في دينه وخيرًا له في عاقبته، ولكفى المسلمين باب شر يلج منه كل مبتغٍ للفتنة، مبغضٍ للدين وأهله.\n_________\n(١) شرح النووي على مسلم (١٨/ ٣٧).","vol":"1","page":218},{"text":"٥ - ومن الإشكالات التي أوردها أيضا على حديث الجساسة قوله «إن النبي - ﷺ - صدق تميمًا في أول الأمر ولذلك قال «ألا إنه في بحر الشام أو بحر اليمن».\nفيرى الشيخ رشيد أن نفي النبي - ﷺ - لبعض قول تميم يبطل الثقة به كله، حيث يقول «ههنا يجئ إشكال آخر وهو أن نفي النبي - ﷺ - لبعض قول تميم يبطل الثقة به كله».\nالرد:\nوهذا في الحقيقة إشكال باطل، فتحديد النبي - ﷺ - لمكان الجزيرة ليس فيه أي تكذيب لتميم حتى تبطل الثقة به كله كما قال الشيخ رشيد.\nفتميم الداري لم يحدد مكان الجزيرة، بل ذكر أنه قاده البحر إليها ولا يدري أين هي أصلًا، حتى يقال إن النبي - ﷺ - نفى بعض قول تميم. ثم أنه على افتراض أنه حددها وأخطأ في تحديد مكانها فهو ليس معصوما من الخطأ والزلل. ولكنه والله التجني ولي أعناق النصوص، إلى درجة استشكال أمر غير موجود أصلا، فتميم لم يتعرض إلى مكان الجزيرة والذي تعرض لبيان مكانها هو النبي - ﷺ -، فإذا تردد النبي - ﷺ - في بداية الأمر في تحديد مكانها فما هو ذنب تميم الداري حتى تبطل الثقة به كله، وهو صحابي جليل قد صدقه النبي - ﷺ - في كل ما قاله وحدث به الناس.\n٦ - تساؤله هل كان النبي - ﷺ - معصومًا من تصديق كل كاذب في خبر، فيعد تصديقه لحكاية تميم دليلًا على صدقة فيها؟ (١)\n_________\n(١) تفسير المنار (٩/ ٤٩٥).","vol":"1","page":219},{"text":"ثم يجيب عن ذلك بقوله «أن ما قالوه في العصمة لا يدخل فيه هذا، فالمجمع عليه هو العصمة في التبليغ عن الله تعالى وعن تعمد عصيانه بعد النبوة». ثم يورد أقوالا في تحديد عصمة النبي - ﷺ - ومؤداها عدم عصمته - ﷺ - في الشؤون الدنيوية بخلاف الدينية منها. (١)\nالرد:\nيقصد الشيخ رشيد رضا ﵀ وغفر له، بقوله «هل كان النبي - ﷺ - وسلم معصوما من تصديق كل كاذب، فيعد تصديقه لحكاية تميم دليلا على صدقه فيها». هو التشكيك في صدق تميم الداري ﵁.\nوأن قد يكون ما قاله للنبي - ﷺ - كذب، وأن القصة قد ألفها ونسجها من مخيلته، وأن لا وجود لها في الواقع ورواها للنبي - ﷺ -، والنبي - ﷺ - وبكل بساطة صدقها، لأنه غير معصوم من تصديق الكاذب، ثم جمع الناس وذكر لهم ما قاله تميم الداري له.\nوقد نسى الشيخ رشيد رضا أو تناسى بأن من يتكلم عليه ويتهمه بالكذب على النبي - ﷺ - هو صحابي جليل مشهود له بالتقى والصلاح والعبادة، وغير متهم في دينه أو أمانته أو عدالته.\nوهو بنفسه قد شهد له بذلك حيث قال «كان تميم الداري من عرب فلسطين «سوريا» وقد وصف بأنه راهب زمانه، وقد جاء هو وأخوه نعيم المدينة في آخر عهد النبي - ﷺ - سنة تسع من الهجرة وأسلما، وحدث هو النبي - ﷺ - بحكاية الجساسة الغريبة، وذكروا أنه كان بعد إسلامه من العباد\n_________\n(١) المصدر نفسه.","vol":"1","page":220},{"text":"والقصاصين ولم يذكر لأحدٍ شبهةٌ فيه، بل عدوا من مناقبه أن النبي - ﷺ - روى عنه». (١)\nفهو نفسه يشهد له بالعبادة والصلاح وأنه غير متهم في دينه وأمانته ولم يذكر لأحدٍ شبهةً فيه. ثم يأتي بعد ذلك ويثير الشكوك والتساؤلات بأنه قد يكون كذب على النبي - ﷺ -، والنبي - ﷺ - صدقه.\nفهذا تناقض عجيب من الشيخ رشيد رضا، يثني على شخص في بداية الأمر، ثم يأتي ويثير الشكوك والتساؤلات التي توحي بكذبه بعد ذلك.\nولكن كما قيل إذا عرف السبب بطل العجب، فكل هذه المحاولات من الشيخ رشيد رضا والتشكيكات من أجل الطعن في أمانة الصحابي الجليل تميم الداري وذلك لرد حديث الجساسة، الذي أرق مضجعه، ولا يعرف كيف يتخلص منه، أو بأي طريقة يرده.\nوالذي يرى الشيخ أنه مصنوع حيث يقول «وجملة القول في حديث الجساسة أن ما فيه من العلل والاختلاف والإشكال من عدة وجوه يدل على أنه مصنوع». (٢)\nإلى أن وصل به الحال الطعن في عدالة تميم الداري﵁ - وغاب عن الشيخ رشيد رضا قول النبي - ﷺ - شاهدًا بصدق قول تميم الداري أمام مجمع من الصحابة بعد ما جمعهم، «وحدثني حديثًا وافق الذي كنت أحدثكم به عن المسيح الدجال».\n_________\n(١) تفسير المنار (٩/ ٤٩٢).\n(٢) تفسير المنار (٩/ ٤٩٥).","vol":"1","page":221},{"text":"أليس هذا إقرارًا من النبي - ﷺ - بصدق ما قاله تميم الداري﵁ -، وأنه - ﷺ - ما ينطق عن الهوى، ولا يقر إلا على صواب! !\nثم أن ما ذكره الشيخ رشيد رضا بقوله: «أن ما قالوه في العصمة لا يدخل فيه هذا»، ويقصد فيه تصديق النبي - ﷺ - للكاذب، ويقصد به تميم الداري﵁ - وأرضاه، فهو استشكال باطل ولا قيمة له، والرد عليه لا يحتاج إطالة.\nوذلك لأن النبي - ﷺ - معصوم في التبليغ والتحمل في أمور الدين وقد نقل الإجماع على هذا غير واحد. (١)\nأما أمور الدنيا فيجوز عليه الخطأ فيها على المشهور كما في حادثه تأبير النخل. (٢)\nوالدجال والجساسة من أمور الغيب والدين، وليس من شؤون الدنيا قطعًا، فلماذا أخرجهما الشيخ رشيد رضا من خبر العصمة بقوله «إن ما قالوه في العصمة لا يدخل فيه هذا».\nوالجواب عن هذا التساؤل بكل بساطة، هو أن إخراج رشيد رضا لحديث الجساسة من خبر العصمة من أجل رده وعدم الأخذ به، لأنه لو قال\n_________\n(١) انظر الفتاوي لابن تيمية (١٠/ ٢٨٩) وما بعدها ولوامع الأنوار البهية (٢/ ٣٠٤).\n(٢) عندما قدم النبي - ﷺ - المدينة، كانوا يأبرون النخل (يلقحونه) فقال - ﷺ - \"ما أظن يغني ذلك شيء\" فأخبروا بذلك فتركوه، فأخبر بذلك - ﷺ - فقال \"إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإني أنما ظننتوا ظنن فلا تأخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيءً فخذوا به، فإني لن أكذب - أي أخطئ على الله ﷿\" صحيح مسلم - كتاب الفضائل - باب وجوب أمتثال ما قاله شرعًا دون ما ذكره - ﷺ - من معايش الدنيا على سبيل الرأي.","vol":"1","page":222},{"text":"إن حديث الجساسة من أمور الغيب والدين، فيلزم نفسه بأن يقول بأنه - ﷺ - معصوم فيما نقله عن تميم وهو لا يريد هذا.\nولهذا قال: «إن ما قالوه في العصمة» أي عصمته - ﷺ - من الخطأ والزلل فيما ينقله عن ربه «لا يدخل فيه هذا» أي لا يدخل في مسألة العصمة من الخطأ والزلل حديث الجساسة، أي يحتمل أن تميم كذب على النبي - ﷺ - والنبي - ﷺ - صدقه. وهذا كله تناقض في إيراد الاستشكالات والتساؤلات سببه محاولة إثبات أن الحديث مصنوع بأي وسيلة، واستشكال ما ليس بمشكل والله المستعان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>خاتمة رأي رشيد رضا، في أحاديث الدجال:</span>\nبعد ما ذكر الشيخ رشيد رضا الاستشكالات والتساؤلات التي ترد على الأحاديث الواردة في خروج المسيح الدجال وحديث الجساسة، والتي حاول من خلالها التشكيك في صحة تلك الأحاديث ثم حكم عليها بالأخير بأنها مصنوعة ومكذوبة لأنها كما يقول «تتعارض تعارضًا كثيرًا يوجب تساقطها». (١)\nحيث ختم حديثه بقوله: «بمثل هذه الخرافات كان كعب الأحبار يغش المسلمين ليفسد عليهم دينهم وسنتهم، وخُدع به الناس لإظهاره التقوى ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم».\nثم يتابع فيقول: «وجمله أخبار الدجال قالوا إنها متواترة يعنون التواتر المعنوي، وهو أن لها أصلًا وإن لم يتواتر شيءٌ من روايتها».\n_________\n(١) تفسير المنار (٩/ ٤٨٩).","vol":"1","page":223},{"text":"ثم يقول بعد ذلك: «ويدل القدر المشترك منها على أن النبي - ﷺ - كشف له وتمثل له ظهور الدجال في آخر الزمان، ويظهر للناس خوارق كثيرة وغرائب يفتن بها خلقٌ كثير، وأنه من اليهود وأن المسلمين يقاتلونه ويقاتلون اليهود في هذه البلاد المقدسة وينتصرون عليهم، وقد كشف له ذلك مجملًا غير مفصل ولا يوحي به عن الله تعالى، كما كشف له غير ذلك من الفتن». (١)\nالرد:\nاتهم الشيخ رشيد رضا كعب الأحبار (٢) بأنه كان من الذين يغشون المسلمين بنشر هذه الخرافات، ويقصد بها أحاديث المسيح الدجال.\nوفي الحقيقة أن كعب الأحبار برئ من هذه التهمة التي اتهمه بها الشيخ رشيد رضا، وذلك أن جميع الأحاديث الواردة في المسيح الدجال في الصحيحين ليس هو من رواتها، وليس له رواية واحدة في الصحيحين في المسيح الدجال.\nولا أدري كيف يأتي بعد ذلك رشيد رضا وهو العالم في السنة ويتهم كعب الأحبار بأنه كان يغش المسلمين برواية تلك الأحاديث التي فيها ذكر للمسيح الدجال.\n_________\n(١) تفسير المنار (٩/ ٤٩٠) وما بعدها.\n(٢) هو أبو إسحاق كعب بن ماتع الحميري اليماني العلامة الحبر كان من يهود اليمن وصاحب معرفة وعلم كبير في التواره والإنجيل وأنبياء وروايات بني إسرائيل أسلم بعد وفاة النبي - ﷺ - وقدم المدنية في عهد الخليفة عمر بن الخطاب﵁ - وكان حسن الإسلام متين الديانة سكن في حمص في أخر حياته وتوفي فيها عن مائة وأربعة سنوات (سير أعلام النبلاء ٥/ ٤٨٨).","vol":"1","page":224},{"text":"ثم إننا لا نرتضي تسمية الشيخ رشيد رضا الأحاديث الواردة في المسيح الدجال بأنها «خرافات».\nإنما هي عقيدة ثابتةٌ بالأحاديث الصحيحة الصريحة المتواترة والتي لا يسع المؤمن سوى الإيمان بما جاءت به وتصديقها، وتصديق ما أخبرت به من الأمور والفتن التي سوف تقع في آخر الزمان، كخروج المسيح الدجال، ونزول عيسى ابن مريم ﵇ وغيرها.\nلا سيما وأن المخبر بذلك هو النبي المعصوم - ﷺ - والذي قال الله ﷾ في حقه ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ (١)\nفكان الأولى بالشيخ رشيد رضا أن يؤمن ويصدق بما دلت عليه الأحاديث الصحيحة وأن يفوض أمرها وكيفيتها إلى الله تعالى، لا أن يردها باستشكالات وتساؤلات وحجج عقلية يمكن الإجابة عليها، والجمع بينها وبين ما دلت عليه الأحاديث الصحيحة دون الحاجة لرد أي من الأحاديث الصحيحة.\nأما قوله، بأن أحاديث الدجال متواترة تواترًا معنويًا، ولم يتواتر شيء في روايتها، فهو صحيح فإن روايات المسيح الدجال متواترة تواترًا معنويًا كما صرح بذلك كثير من أهل العلم كابن كثير والسخاوي والشوكاني والكتاني وغيرهم، ولم يتواتر شيء من روايتها.\nولكن التواتر الذي يعنيه الشيخ رشيد وهو التواتر في روايتها، ليس شرطًا في صحة الحديث.\n_________\n(١) النجم آية (٣ - ٤).","vol":"1","page":225},{"text":"فالذي عليه أهل السنة والجماعة الإيمان بكل ما صح سنده إلى النبي - ﷺ - - سواء كان متواترًا أو آحادًا، وقد تقدم إيضاح ذلك في الفصل التمهيدي في مبحث حجية خبر الواحد في الاعتقاد.\nفكيف والأحاديث الواردة في المسيح الدجال متواترة كما يقول الشيخ رشيد تواترًا معنويًا، وهو نفسه يرى أن الأحاديث المتواترة تواترًا معنويًا تفيد العلم اليقيني.\nحيث يقول «ومن أحسن ما يقرر به كون المتواتر موجودًا وجود كثرة في الأحاديث، أن الكتب المشهورة المتداولة بأيدي أهل العلم شرقًا وغربًا المقطوع عندهم بصحة نسبتها إلى مصنفيها إذا اجتمعت على إخراج حديث وتعددت طرقه تعددًا تحليل العادة تواطؤهم فيه على الكذب إلى آخر الشروط أفاد العلم اليقيني إلى قائله ومثل ذلك في الكتب المشهورة كثير». (١)\nثم إن الشيخ رشيد رضا نفسه أيضا يرى أن الأحاديث الأحادية المتفق على صحتها لذاتها، كأكثر الأحاديث المسندة في صحيحي البخاري ومسلم، جديرة بأن يجزم بها جزمًا لا تردد فيه ولا اضطراب وتعد أخبارهم مفيدة لليقين. (٢)\nبل إنه ﵀ يرى أن الخبر الواحد إذا احتفت به القرائن فإنه يفيد العلم (٣) وهذا في الحقيقة تعارض في منهجه في التعامل مع الحديث، فهو\n_________\n(١) مجلة المنار (١٩/ ٣٤٢).\n(٢) نفس المصدر السابق (١٩/ ٣٤٢).\n(٣) مجلة المنار (١٩/ ٣٤٨) باختصار.","vol":"1","page":226},{"text":"يشكك في أحاديث المسيح الدجال لأنها متواترة تواترًا معنويا، ولم يتواتر شيء من روايتها.\nوهنا يصرح بأن الأحاديث المتفق على صحتها لابد من الجزم بصحتها دون تردد أو اضطراب، وأن أحاديث الآحاد إذا احتفت بها القرائن فإنها تفيد العلم.\nأما قوله أن النبي - ﷺ - قد كشف له ذلك مجملًا غير مفصل كما كشف له غير ذلك من الفتن، ولم يوح به عن الله تعالى! !\nفلا ندري ماذا يقصد الشيخ رشيد رضا بقوله: أن النبي - ﷺ - قد كشف له، ولم يوح به عن الله تعالى.\nفهو هنا يفرق بين معنى الكشف والوحي، ولكنه لم يبين هذا الفرق، حتى نحكم على قوله إن كان صحيحًا أو باطلًا.\nثم إنه في قوله هذا أوقع نفسه في أمرين كلاهما مر بالنسبة له، وذلك أنه يرى أن السنة وحي من الله تعالى حيث يقول «.. وأعني بالوحي هنا القرآن ... وكذلك الأحاديث النبوية عند من صحت عنده فصدق بالرواية»\nفهو يرى أن السنة تعتبر وحي من الله وهذا هو الصحيح وذلك لقوله تعالى ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ (١)\nولكن هنا لابد له من إبطال أحد القولين وذلك إما أن يقول إن السنة الصحيحة ليست بوحي ويناقض كلامه السابق وهذا لا يصح، وإما أن","vol":"1","page":227},{"text":"يعترف بفساد قوله الأول، وذلك بادعائه أن قوله - ﷺ - في المسيح الدجال ليس بوحي.\nثم إنه كيف يدعى رشيد رضا أن النبي - ﷺ - لم يوح به عن الله شيء عن المسيح الدجال، وقد جاءت الكثير من الأحاديث عن النبي في وصف شكله وزمن خروجه وما يجيء به من العجائب والغرائب.\nفإذا لم يكن هذا كله عن وحي من الله تعالى، فمن أين يكون إذًا، لا سيما وأن النبي - ﷺ - يتكلم عن أمور سوف تحدث في المستقبل قبل قيام الساعة، ويتكلم في أمر من أمور الدين وليس من أمور الدنيا التي قد يقال أنه يتكلم بها عن غير الوحي.\nوكما ذكرنا في السابق أنه في أمور الدين وتبليغ الرسالة معصوم عن الخطأ والزلل أو القول على الله بغير علم وحاشاه - ﷺ - ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>خلاصة القول في المسيح الدجال:</span>\nالذي عليه أهل السنة والجماعة أن الأحاديث الواردة في المسيح الدجال أحاديث صحيحة باتفاق أهل الحديث فيجب الإيمان بها وتصديقها وأن المسيح الدجال، سوف يظهر في آخر الزمان، فتنة للبشر وامتحانا من الله لهم.\nقال النووي: (قال القاضي هذه الأحاديث التي ذكرها مسلم وغيره في قصة الدجال حجة لمذهب أهل الحق في صحة وجوده، وأنه شخص بعينه ابتلى الله به عباده، وأقدره على أشياء من مقدورات الله تعالى من إحياء الميت الذي يقتله، ومن ظهور زهرة الدنيا والخصب معه، وجنته وناره ونهريه","vol":"1","page":228},{"text":"واتباع كنوز الأرض له، وأمره السماء أن تمطر فتمطر، والأرض أن تنبت فتنبت، فيقع كل ذلك بقدرة الله تعالى ومشيئته، ثم يعجزه الله تعالى بعد ذلك فلا يقدر على قتل ذلك الرجل ولا غيره، ويبطل أمره ويقتله عيسى - ﷺ -، ويثبت الله الذين آمنوا، هذا مذهب أهل السنة وجميع المحدثين والفقهاء والنظار خلافا لمن أنكره وأبطل أمره من الخوارج والجهمية وبعض المعتزلة، وخلافا للبخاري المعتزلى وموافقيه من الجهمية وغيرهم في أنه صحيح الوجود ولكن الذي يدعى مخارف وخيالات لا حقائق لها وزعموا أنه لو كان حقا لم يوثق بمعجزات الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وهذا غلط من جميعهم لأنه لم يدع النبوة، فيكون ما معه كالتصديق له، وإنما يدعي الإلهية وهو في نفس دعواه مكذب لها بصورة حاله ووجود دلائل الحدوث فيه، ونقص صورته وعجزه عن إزالة العور الذي في عينيه، وعن إزالة الشاهد بكفره المكتوب بين عينيه، ولهذه الدلائل وغيرها لا يغتر إلا الرعاع من الناس لسد الحاجة والفاقة رغبة في سد الرمق أو تقية وخوفا من أذاه لأن فتنته عظيمة جدا تدهش العقول وتحير الألباب مع سرعة مروره في الأمر، فلا يمكث بحيث يتأمل الضعفاء حاله، ودلائل الحدوث فيه والنقص فيصدقه من صدقه في هذه الحالة ولهذا حذرت الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين من فتنته ونبهوا على نقصه، ودلائل إبطاله، وأما أهل التوفيق فلا يغترون\nبه ولا يخدعون لما معه لما ذكرناه من الدلائل المكذبة له مع ما سبق لهم من العلم بحاله ولهذا يقول له الذي يقتله ثم يحييه ما ازددت فيك إلابصيرة). (١)\n_________\n(١) شرح النووي على مسلم (١٨/ ٥٨ - ٥٩).","vol":"1","page":229},{"text":"قال الحافظ ابن كثير ﵀: «ثم يؤذن له (أي: الدجال) في الخروج في آخر الزمان، يظهر أولا في صورة ملك من الملوك الجبابرة، ثم يدعي النبوة، ثم يدعي الربوبية، فيتبعه على ذلك الجهلة من بني آدم والطغام من الرعاع والعوام، ويخالفه ويرد عليه من هداه الله من الصالحين وحزب الله المتقين، يأخذ البلاد بلدا بلدا، وحصنا حصنا، وإقليما إقليما، وكورة كورة، ولا يبقى بلد من البلدان إلا وطئه بخيله ورجله، غير مكة والمدينة، ومدة مقامه في الأرض أربعون يوما، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيام الناس هذه، ومعدل ذلك سنة وشهران ونصف. ويكون نزول عيسى ابن مريم ﵊ مسيح الهدى في أيام مسيح الضلالة، فيجتمع عليه المؤمنون، ويلتف معه عباد الله المتقون، فيسير بهم المسيح عيسى ابن مريم عليه والسلام قاصدا نحو الدجال وقد توجه نحو بيت المقدس، فينهزم منه الدجال، فيلحقه عند باب مدينة لد، فيقتله بحربته وهو داخل إليها، ويقول له: إن لي فيك ضربة لن تفوتني، وإذا واجهه الدجال؛ ينحاع كما يذوب الملح في الماء، فيتداركه، فيقتله بالحربة بباب لد، فتكون وفاته هناك لعنه الله؛ كما دلت على ذلك الأحاديث الصحاح من غير وجه». (١)\nوقال الشيخ صالح الفوزان: «وقد تواترت الأحاديث من وجوه متعددة في إثبات خروج الدجال وبيان فتنته والاستعاذة منه، وأجمع أهل السنة والجماعة على خروج الدجال في آخر الزمان، وذكروا ذلك ضمن مباحث العقيدة؛ فمن أنكر خروجه؛ فقد خالف ما دلت عليه الأحاديث المتواترة،\n_________\n(١) «النهاية/ الفتن والملاحم» (١/ ١٢١).","vol":"1","page":230},{"text":"وخالف ما عليه أهل السنة والجماعة، ولم ينكر خروجه إلا بعض المبتدعة كالخوارج والجهمية وبعض المعتزلة وبعض الكتاب العصريين والمنتسبين إلى العلم، ولم يعتمدوا على حجة يدفعون بها النصوص المتواترة سوى عقولهم وأهوائهم، ومثل هؤلاء لا عبرة بهم ولا بقولهم.\nوالواجب على المؤمن الإيمان بما صح عن الله ورسوله، واعتقاد ما يدل عليه، ولا يكون من الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ (يونس: ٣٩) (١)؛ لأن مقتضى الإيمان بالله ورسوله هو التسليم لما جاء عنهما والإيمان بالله ورسوله هو التسليم لما جاء عنهما والإيمان به، ومن لم يفعل؛ فإنه متبع لهواه بغير هدى من الله». (٢)\n_________\n(١) سورة يونس الآية ٣٩\n(٢) «الإرشاد إلى سبيل الاعتقاد» الدكتور صالح الفوزان، صـ ٢٣١.","vol":"1","page":231},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-112>المبحث الثالث\nرأيه في المهدي، والرد عليه</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>معنى المهدي:</span>\nالمهدي لغة: اسم مفعول من هداه هدى، والهدى هو الرشاد والدلالة، قال ابن الأثير: المهدي الذي هداه الله إلى الحق. (١)\nوالمراد بالمهدي هنا، هو الذي بشر به النبي - ﷺ - أنه يجيء في آخر الزمان، ويؤيد الدين ويظهر العدل، ويتبعه المسلمون، ويستولي على الممالك الإسلامية، ويكون من أهل بيته - ﷺ -، ويخرج في زمنه عيسى بن مريم ﵇، والمسيح الدجال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>الأحاديث الواردة في ظهور المهدي:</span>\nجاءت الكثير من الأحاديث الصحيحة الدالة على ظهور المهدي في آخر الزمان، وسأذكر هنا بعض هذه الأحاديث والتي فيها كفاية في إثبات ظهوره:\n١ - عن أبي سعيد الخدري﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «يخرج في آخر أمتي المهدي؛ يسقيه الله الغيث، وتخرج الأرض نباتها، ويعطي المال صحاحا، وتكثر الماشية، وتعظم الأمة، يعيش سبعا أو ثمانيا (يعني: حججا». (٢)\n_________\n(١) النهاية في غريب الحديث (٥/ ٢٥٤).\n(٢) «مستدرك الحاكم» (٤/ ٥٥٧ - ٥٥٨)، وقال: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه»، ووافقه الذهبي. وقال الألباني: «هذا سند صحيح، رجاله ثقات». «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (م ٢/ ص ٣٣٦) (ح ٧١١).","vol":"1","page":232},{"text":"٢ - وعنه﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أبشركم بالمهدي؛ يبعث على اختلاف من الناس وزلازل، فيملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت جورًا وظلمًا، يرضى عنه ساكن السماء وسكان الأرض، يقسم المال صحاحًا». فقال له رجل: ما صحاحًا؟ قال: «بالسوية بين الناس».\nقال: «ويملأ الله قلوب أمة محمد - ﷺ - غنى، ويسعهم عدله، حتى يأمر مناديًا، فينادي فيقول: من له في مال حاجة؟ فما يقوم من الناس إلا رجل، فيقول: أئت السدان - يعني: الخازن، فقل له: إن المهدي يأمرك أن تعطيني مالا. فيقول له: أحث، حتى إذا حجره وأبرزه؛ ندم، فيقول: كنت أجشع أمة محمد نفسًا، أو عجز عني ما وسعهم؟ !». قال: «فيرده، فلا يقبل منه. فيقال له: إنا لا نأخذ شيئا أعطيناه، فيكون كذلك سبع سنين أو ثمان سنين أو تسع سنين، ثم لا خير في العيش بعده»، أو قال: «ثم لا خير في الحياة بعد». (١)\n٣ - وعن علي﵁ -؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «المهدي منا أهل البيت، يصلحه الله في ليلة». (٢)\n_________\n(١) «مسند الإمام أحمد» (٣/ ٣٧ - مع منتخب الكنز).\nقال الهيثمي: «رواه الترمذي وغيره باختصار كثير، ورواه أحمد بأسانيد، وأبو يعلى باختصار كثير، ورجالهما ثقات». «مجمع الزوائد» (٧/ ٣١٣ - ٣١٤).\n(٢) «مسند أحمد» (٢/ ٥٨) (ح ٦٤٥)، تحقيق أحمد شاكر، وقال: «إسناده صحيح»، و«سنن ابن ماجه» (٢/ ١٣٦٧). والحديث صححه أيضا الألباني في «صحيح الجامع الصغير» (٦/ ٢٢) (ح ٦٦١١).","vol":"1","page":233},{"text":"قال ابن كثير: «أي: يتوب عليه، ويوفقه، ويلهمه، ويرشده بعد أن لم يكن كذلك». (١)\n٤ - وعن أبي سعيد الخدري﵁ -؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «المهدي مني، أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت ظلمًا وجورًا، يملك سبع سنين». (٢)\n٥ - وعن أم سلمة ﵂؛ قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «المهدي من عترتي، من ولد فاطمة». (٣)\n٦ - وعن جابر﵁ -؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ينزل عيسى بن مريم، فيقول أميرهم المهدي: تعال صل بنا، فيقول: لا؛ إن بعضهم أمير بعض؛ تكرمة الله هذه الأمة». (٤)\n٧ - وعن أبي سعيد الخدري﵁ -؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تذهب\n_________\n(١) «النهاية في الفتن والملاحم» (١/ ٢٩)، تحقيق د. طه زيني.\n(٢) «سنن أبي داود»، كتاب المهدي، (١١/ ٣٧٥) (ح ٤٢٦٥)، و» مستدرك الحاكم» (٤/ ٥٥٧)، وقال: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه». وقال الألباني: «إسناده حسن». «صحيح الجامع» (٦/ ٢٢، ٢٣) (ح ٦٦١٢).\n(٣) «سنن أبي داود» (١١/ ٣٧٣)، و» سنن ابن ماجه» (٢/ ١٣٦٨). قال الألباني في «صحيح الجامع»: «صحيح» (٦/ ٢٢) (ح ٦٦١٠) وانظر: رسالة عبد العليم في المهدي (ص ١٦٠).\n(٤) رواه الحارث بن أبي أسامة في «مسنده»؛ كما في «المنار المنيف» لابن القيم (ص ١٤٧ - ١٤٨)، و» الحاوي في الفتاوي» للسيوطي (٢/ ٦٤). قال ابن القيم: «هذا إسناد جيدا».","vol":"1","page":234},{"text":"أو لا تنقضي الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي» (١).\nوفي رواية: «يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي». (٢)\n٨) عن عبد الله بن مسعود﵁ -، قال، قال رسول الله - ﷺ - «لا تذهب أو لا تنقضي الدنيا حتى يملك العرب رجلٌ من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي». (٣)\nفهذه الأحاديث كلها صحيحة وصريحة في النص على ظهور المهدي في آخر الزمان. (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>تواتر أحاديث المهدي:</span>\nصرح الكثير من أهل العلم أن أحاديث المهدي بلغت من الكثرة أنها\n_________\n(١) رواه أبو نعيم في «أخبار المهدي»؛ كما قال السيوطي في «الحاوي» (٢/ ٦٤)، ورمز له بالضعف، وكذلك المناوي في «فيض القدير» (٦/ ١٧). وقال الألباني: «صحيح». انظر: «صحيح الجامع الصغير» (٥/ ٢١٩) (ح ٥٧٩٦). وقال عبد العليم في رسالته: «إسناده حسن لشواهده» (ص ٢٤١).\n(٢) «مسند أحمد» (٥/ ١٩٩) (ح ٣٥٧٣)، تحقيق أحمد شاكر، وقال: «إسناده صحيح». والترمذي (٦/ ٤٨٥)، وقال: «هذا حديث حسن صحيح» و» سنن أبي داود» (١١/ ٣٧١). «سنن أبي داود» (١١/ ٣٧٠).\n(٣) مسند أحمد (٥/ ١٩٩) تحقيق أحمد شاكر وقال «إسناده صحيح» والترمذي (٦/ ٤٨٥) وقال «هذا حديث حسن صحيح».\n(٤) وقد صحح كثير من الحفاظ أحاديث المهدي، ومنهم شيخ الإسلام بن تيمية في كتابة «منهاج السنة» (١٤/ ٢٠١١). والعلامة ابن القيم في كتابه «النهاية/ الفتن والملاحم» (١/ ٢٤ - ٣٢) تحقيق طه زيني، وغيرهم من أهل العلم كما سيأتي.","vol":"1","page":235},{"text":"متواترة تواترًا معنويًا، وسوف أذكر هنا جمله من أقوالهم في النص على تواترها:\n١ - قال الحافظ أبو الحسن الآبري (١): «قد تواترت الأخبار واستفاضت عن رسول الله - ﷺ - بذكر المهدي، وأنه من أهل بيته، وأنه يملك سبع سنين، وأنه يملأ الأرض عدلا، وأن عيسي علية السلام يخرج، فيساعده على قتل الدجال، وأنه يؤم هذه الأمة، ويصلي عيسي خلفه (٢).\n٢ - وقال محمد البرزنجي (٣) في كتابه «الإشاعة لأشراط الساعة»: «الباب الثالث في الأشراط العظام والأمارات القريبة التي تعقبها الساعة، وهي كثيرة، فمنها المهدي، وهو أولها، واعلم أن الأحاديث الواردة فيه على اختلاف رواياتها لا تكاد تنحصر (٤).\nوقال أيضا: «قد علمت أن أحاديث وجود المهدي وخروجه آخر الزمان وأنه من عترة رسول الله - ﷺ - من ولد فاطمة ﵍ بلغت حد التواتر\n_________\n(١) هو الإمام الحافظ أبو الحسن محمد بن الحسين السجستاني، كان مجودا ثبتا مصنفًا، روي عن ابن خزيمة وطبقته، وله كتاب «مناقب الشافعي»، توفي سنة (٣٦٣ هـ) رحمة الله. انظر «تذكرة الحفاظ» (٣/ ٩٥٤ - ٩٥٥)، و» شذرات الذهب» (٣/ ٤٦ - ٤٧).\n(٢) «العرف الوردي في أخبار المهدي» محمد بن الحسين السجستاني (٢/ ٨٥).\n(٣) هو الشيخ محمد بن عبد الرسول بن عبد السيد الحسني البرزنجي من فقهاء الشافعية، له علم بالتفسير والأدب، رحل إلى بغداد ودمشق ومصر، واستقر في المدينة، ودرس بها، وفيها توفي سنة (١١٠٣ هـ)، وله عدة مؤلفات رحمة الله انظر:» الأعلام» للزركلي (٦/ ٢٠٣ - ٢٠٤).\n(٤) «الإ شاعة» (ص ٨٧).","vol":"1","page":236},{"text":"المعنوي، فلا معني لإنكارها» (١).\n٣ - وقال العلامة محمد السفاريني (٢): «وقد كثرت بخروجه- أي: المهدي- الروايات، حتى بلغت حد التواتر المعنوي، وشاع ذلك بين علماء السنة، حتي عد من معتقداتهم».\nثم ذكر طائفة من الأحاديث والآثار في خروج المهدي، وأسماء بعض الصحابة ممن رواها، ثم قال: «وقد روي عمن ذكر من الصحابة وغير من ذكر منهم ﵃ بروايات متعددة، وعن التابعين من بعدهم، ما يفيد مجموعة العلم القطعي، فالإيمان بخروج المهدي واجب كما هو مقرر عند أهل العلم، ومدون في عقائد أهل السنة والجماعة». (٣)\n٤ - وقال الشوكاني: «الأحاديث في تواتر ماجاء في المهدي المنتظر التي أمكن الوقوف عليها منها خمسون حديثا، فيها الصحيح والحسن والضعيف المنجبر، وهي متواترة بلا شك ولا شبهة، بل يصدق وصف التواتر علي ما هو دونها في جميع الاصطلاحات المحررة في الأصول، وأما الآثار عن\n_________\n(١) «الإ شاعة» (ص ١١٢).\nوتعبيد الأسماء لغير الله تعالي لايجوز.\n(٢) هو العلامة محمد سالم السفاريني، عالم بالحديث والأصول والأدب، محقق ولد في (سفارين)، من قرى نابلس، له عدة مؤلفات، وله منظومة في العقيدة وشرحها، سماها «لوامع أو لوائح الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية المضيئة لشرح الدرة المضيئة في عقد الفرقة المرضية»، وله «غذاء الألباب شرح منظومة الآداب» وله نفثات صدر المكمد وقرة عبن المسعد شرح ثلاثيات مسند الإمام أحمد وغيرها» توفي رحمة الله سنة (١١٨٨ هـ) في نابلس. انظر ترجمته في «الأعلام للزركلي» (٦/ ١٤).\n(٣) «لوامع الأنوار البهية» (٢/ ٨٤) وانظر «عقيدة أهل السنة والأثر «(ص ١٧٣).","vol":"1","page":237},{"text":"الصحابة المصرحة بالمهدي؛ فهي كثيرة أيضا، لها حكم الرفع، إذ لا مجال للاجتهاد في مثل ذلك» (١).\n٥ - وقال صديق حسن (٢): «الأحاديث الواردة فيه- أي: المهدي-علي اختلاف رواياتها كثيرة جدا، تبلغ حد التواتر المعنوي، وهي في السنن وغيرها من دواوين الإسلام من المعاجم والمسانيد» (٣)\n٦ - وقال الشيخ محمد بن جعفر الكتاني (٤): «والحاصل أن الأحاديث الواردة في المهدي المنتظر متوافرة، وكذا الواردة في الدجال، وفي نزول سيدنا عيسي بن مريم علية السلام». (٥)\n٧ - قال الإمام ابن باز: «أمر المهدي معلوم والأحاديث فيه مستفيضة بل متواترة متعاضدة، وقد حكى غير واحد من أهل العلم تواترها، وتواترها معنوي لكثرة طرقها، واختلاف مخارجها وصحابتها ورواتها وألفاظها،\n_________\n(١) من رسالة للشوكاني اسمها «التوضيح في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر والدجال والمسيح» ذكر ذلك صديق حسن في كتابة «الأذاعة» (ص ١١٣ - ١١٤) ونقل ذلك أيضا عن الشوكاني الكتاني في كتابة «نظم المتناثر من الحديث المتواتر» (ص ١٤٥ - ١٤٦).\n(٢) هو العلامة محمد صديق خان بن حسن الحسيني البخاري القنوجي، صاحب المصنفات في التفسير والحديث والفقة والأصول، نزل ببيهوبال، وتزوج بملكتها وتوفي سنة (١٣٠٧ هـ)، انظر» الأعلام» (٧/ ١٧٦ - ١٦٨) (ص ١١٢).\n(٣) «الإذاعة لما كان وما يكون بين يدي الساعة» (ص ١١٢).\n(٤) هو أبو عبد الله محمد بن جعفر بن إدريس الكتاني الحسني الفاسي، مؤرخ ومحدث ولد في فاس، ورحل إلى الحجاز ودمشق، ثم عاد إلى المغرب، وتوفي في فارس رحمة الله سنة (١٣٤٥ هـ)، وله عدة مصنفات. أنظر «الإعلام» (٦/ ٧٢ - ٧٣).\n(٥) نظم المتناثر من الحديث المتواتر (ص ١٤٧) للشيخ محمد بن جعفر الكتاني.","vol":"1","page":238},{"text":"فهي بحق تدل على أن هذا الشخص الموعود به أمره ثابت من ذرية الحسن بن على ﵃، وهذا الإمام من ﵀ ﷿ بالأمة في آخر الزمان يخرج فيقيم العدل والحق ويمنع الظلم والجور وينشر الله به لواء الخير على الأمة عدلًا وهداية وتوفيقًا وإرشادًا للناس». (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>اسمه ونسبه:</span>\nأما بالنسبة لاسم المهدي، فهو محمد بن عبد الله، فعن عبد الله بن مسعود﵁ -، أن النبي - ﷺ - قال «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم، حتى يبعث الله فيه رجلا مني أو من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي». (٢)\nأما نسبه، فهو يرجع إلى الحسن بن علي بن أبي طالب ﵃ ابن فاطمة ابنة النبي - ﷺ - ﵂ وعن أولادها.\nفعن أم سلمه ﵂، قالت، سمعت النبي - ﷺ - يقول: «المهدي من عترتي (٣) من ولد فاطمة». (٤)\n_________\n(١) نقلًا عن كتاب «الرد على من كذب بالأحاديث الصحيحة الواردة في المهدي» للشيخ عبدالمحسن البدر العباد، ص ١٥٧ - ١٥٩.\n(٢) رواه الترمذي في كتاب الفتن (٩/ ٧٤) وقال هذا حديثٌ حسن صحيح، وصححه ابن تيمية في منهاج السنة (٤/ ٢١١).\n(٣) قال الخطابي، العترة ولد الرجل لصلبه، ويكون العترة للأقرباء وبني العمومة، ومنه قول أبي بكر﵁ - يوم السقيفة، نحن عترة رسول الله - ﷺ -. «معالم السنن ٤/ ٤٧٤» في سنته كتاب الفتن (٢/ ١٣٦٨) وصحة الألباني في صحيح الجامع (٢/ ١٤٠\n(٤) رواه أبو داود في سننه - كتاب المهدي (٤/ ٤٧٤) وابن ماجه في سننه كتاب الفتن (٢/ ١٣٦٨) وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢/ ١٤٠).","vol":"1","page":239},{"text":"وعن علي بن أبي طالب﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «المهدي منا أهل البيت، يصلحه الله في ليله». (١)\nوعنه أيضا، أنه نظر إلى الحسن، وقال: «إن ابني هذا سيد كما سماه رسول الله - ﷺ - وسيخرج الله من صلبه رجلٌ، يسمى باسم نبيكم، يشبهه في الخُلق ولا يشبهه في الخَلق يملأ الأرض قسطًا». (٢)\nقال بن كثير في المهدي: «هو محمد بن عبد الله العلوي الفاطمي الحسني، - ﵁ -». (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-117>الحكمة من كونه من نسل الحسن:</span>\nقال ابن القيم: «وفي كونه من ولد الحسن سر لطيف وهو أن الحسن﵁ - ترك الخلافة لله فجعل الله من ولده من يقوم بالخلافة الحق المتضمن للعدل الذي يملأ الأرض، وهذه سنة الله في عباده أنه من ترك لأجله شيئًا أعطاه الله أو أعطى ذريته أفضل منه، وهذا بخلاف الحسين﵁ - فإنه حرص عليها، وقاتل عليها فلم يظفر بها، والله أعلم». (٤)\n_________\n(١) أخرجه أحمد في المسند (١/ ٨٤) تخفيف أحمد شاكر وقال إسناده صحيح وابن ماجه (٢/ ١٣٦٧) ومعنى يصلحه الله في ليلة، أي يتوب عليه ويوفقه ويلهمه رشده بعد أن لم يكن كذلك «النهاية في الفتن، لابن كثير (١/ ٥٥)».\n(٢) رواه أبو داود في سننه وصححه بن تيمية في منهاج السنة (٤/ ٢١١) وابن القيم في المنار المنيف (١/ ١٤٤).\n(٣) النهاية في الفتن والملاحم (١/ ٢٩).\n(٤) المنار المنيف (١/ ١٥١).","vol":"1","page":240},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-118>صفته:</span>\nعن أبي سعيد الخدري﵁ -: أن النبي - ﷺ - قال «المهدي مني، أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطًا وعدلًا، كما ملئت ظلمًا وجورًا، ويملك سبع سنين». (١)\nوفي رواية «المهدي منا أهل البيت، أشم الأنف، أقنى، أجلى، يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت جورًا وظلمًا». (٢)\nومعنى (الأجلى) فهو الذي انحسر الشعر عن مقدم راسه، قال ابن الأثير «الأجلى، الخفيف شعر ما بين النزعتين من الصدغين. والذي انحسر الشعر عن جبهته». (٣)\nوأما «الأقنى» فهو المحدودب الأنف، قال ابن الأثير «القنى في الأنف: طوله ورقة أرنبته مع حدب في وسطه». (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>سبب ظهوره:</span>\nيظهر المهدي في آخر الزمان، وذلك بعد ما يعم الأرض الظلم والفساد والطغيان. فيأتي ويملأ الأرض قسطًا وعدلًا بعدما ملئت جورًا وظلمًا وفسادًا.\n_________\n(١) أخرجه أبو داود - سنن أبو داود برقم (٢٤٨٥) بأسناد حسن - وحسنه الألباني في صحيح الجامع برقم (٦٧٣٦).\n(٢) أخرجه الحاكم - وقال صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.\n(٣) النهاية في غريب الحديث (١/ ٢٩٠).\n(٤) نفس المصدر (٤/ ١١٦).","vol":"1","page":241},{"text":"فعن ابن مسعود﵁ -، أن النبي - ﷺ - قال: «لو لم يبق من الدنيا إلا يومٌ واحد، لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث الله رجلًا مني، أو قال من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي، يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت جورًا وظلمًا». (١)\nقال الجوهري: «الشمم» ارتفاع في قصبة الأنف مع استواء أعلاه، فإن كان فيها أحديداب فهو القنى». (٢)\nوقال ابن منظور: «الشمم في الأنف، ارتفاع القصبة وحسنها واستواء أعلاها وانتصاب الأرنبه». (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>مكان خروجه:</span>\nالصحيح أنه ليس هناك رواية صحيحة صريحة تدل على مكان خروج المهدي، وإن كان هناك رواية واحدة يستأنس بها في هذا الباب، مع ما فيه من الضعف، وعدم التصريح في مكان خروجه.\nفقد جاء في الحديث عن ثوبان﵁ - قال، قال رسول الله - ﷺ - «يقتتل عند كنزكم ثلاثة، كلهم ابن خليفة، ثم لا يصير إلى واحدٍ منهم، ثم تطلع الرايات السود من قبل المشرق فيقتلونكم قتلًا لم يقتله قوم، ثم ذكر شيئًا لا أحفظه فقال، فإذا رأيتموه فبايعوه ولو حبوًا على الثلج». (٤)\n_________\n(١) رواه الترمذي - كتاب الفتن (٦/ ٤٨٥) هذا الحديثٌ، وقال حسن صحيح، وصححه ابن تيمية في منهاج السنة (٤/ ٢١١).\n(٢) الصحاح للجوهري (١/ ٣٦٩).\n(٣) لسان العرب (١٢/ ٣٢٥).\n(٤) أخرجه ابن ماجه - سنن ابن ماجه - كتاب الفتن - باب خروج المهدي (٢/ ١٣٦٧)، ومستدرك الحاكم (٤/ ٤٦٣) وقال حديثٌ صحيح على شرط الشيخين، وقال ابن كثير، هذا إسنادٌ قوي صحيح «النهاية/ الفتن والملاحم (١/ ٢٩) تحقيق طه زيني، وضعف الحديث آخرون كأحمد والذهبي في الميزان وحكم عليه ابن الجوزي بالوضع، وضعفة الألباني في ضعيف ابن ماجه (٩/ ٨٤).","vol":"1","page":242},{"text":"قال ابن كثير ﵀: والمراد بالكنز المذكور في هذا السياق كنز الكعبة، يقتتل عنده ليأخذه ثلاثة من أولاد الخلفاء، حتى يكون آخر الزمان فيخرج المهدي، ويكون ظهوره من بلاد المشرق لا من سرداب سامرا، كما يزعمه جهلة الرافضة من أنه موجود فيه الآن، وهم ينتظرون خروجه في آخر الزمان، فإن هذا نوع من الهذيان، وقسط كبير من الخذلان، شديد من الشيطان؛ إذ لا دليل على ذلك، ولا برهان لا من كتاب ولا سنة ولا معقول صحيح ولا استحسان، إلى أن قال: «ويؤيده بناس من أهل المشرق ينصرونه ويقيمون سلطانه ويشدون أركانه، وتكون راياتهم سوداء أيضا، وهو زي عليه الوقار؛ لأن راية رسول - ﷺ - كانت سوداء يقال له العقاب» إلى أن قال: «والمقصود: أن المهدي الممدوح الموعود بوجوده في آخر الزمان يكون أصل خروجه وظهوره من ناحية المشرق، ويبايع له عند البيت كما دل على ذلك نص الأحاديث». (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-121>حديث (لا مهدي إلا عيسى بن مريم):</span>\nاحتج بعض المنكرين لأحاديث المهدي بالحديث الذي رواه ابن ماجه والحاكم عن أنس بن مالك﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال «لا يزداد الأمر إلا شدة، ولا الدنيا إلا إدبارًا، ولا الناس إلا شحًا، ولا تقوم الساعة إلا على شرار الناس، ولا مهدي إلا عيسى بن مريم». (٢)\n_________\n(١) النهاية في الفتن والملاحم: (١/ ٥٥، ٥٦).\n(٢) سنن ابن ماجه (٢/ ١٣٤٠)، ومستدرك الحاكم (٤/ ٤٤١).","vol":"1","page":243},{"text":"ويجاب عليهم بأن هذا الحديث ضعيف، لأن مداره على محمد بن خالد الجندي: وهو مما لا يحتج به وقد ضعفه جمع من أهل الحديث كابن حجر والذهبي وابن تيمية وابن القيم وابن الجوزي والشوكاني والألباني وغيرهم.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «هذا الحديث ضعيف، وقد اعتمد أبو محمد بن الوليد البغدادي وغيره عليه، وليس مما يعتمد عليه، ورواه ابن ماجه عن يونس عن الشافعي، والشافعي رواه عن رجل من أهل اليمن يقال له محمد بن خالد الجندي، وهو ممن لا يحتج به، وليس هذا في مسند الشافعي، وقد قيل إن الشافعي لم يسمعه من الجندي، وإن يونس لم يسمعه من الشافعي». (١)\nوقال فيه ابن حجر: «مجهول». (٢)\nوقال الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة: «لا مهدي إلا عيسى».\n«منكر. أخرجه ابن ماجه (٢/ ٤٩٥) والحاكم (٤/ ٤٤١) وابن الجوزي في «الواهيات» (١٤٤٧) وابن عبد البر في «جامع العلم» (١/ ١٥٥) وأبو عمرو الداني في «السنن الواردة في الفتن» (٣/ ٣/٢، ٤/ ٩/١، ٥/ ٢٢/٢) والسلفي في «الطيوريات» (٦٢/ ١) والخطيب (٤/ ٢٢١) من طريق محمد بن خالد الجندي عن أبان بن صالح عن الحسن عن أنس مرفوعا بلفظ: «لا\n_________\n(١) منهاج السنة (٤/ ٢١١).\n(٢) تقريب التهذيب (٢/ ١٥٧).","vol":"1","page":244},{"text":"يزداد الأمر إلا شدة، ولا الدنيا إلا إدبارا، ولا الناس إلا شحا، ولا تقوم الساعة إلا على شرار الناس، ولا مهدي إلا عيسى بن مريم».\nقلت: وهذا إسناد ضعيف فيه علل ثلاث:\nالأولى: عنعنة الحسن البصري، فإنه قد كان يدلس.\nالثانية: جهالة محمد بن خالد الجندي، فإنه مجهول كما قال الحافظ في «التقريب» تبعا لغيره كما يأتي.\nالثالثة: الاختلاف في سنده.\nقال البيهقي: قال أبو عبد الله الحافظ: محمد بن خالد مجهول واختلفوا عليه في إسناده، فرواه صامت بن معاذ قال: حدثنا يحيى بن السكن، حدثنا محمد بن خالد ... فذكره، قال صامت: عدلت إلى الجند مسيرة يومين من صنعاء، فدخلت على محدث لهم، فوجدت هذا الحديث عنده عن محمد بن خالد عن أبان بن أبي عياش عن الحسن مرسلا، قال البيهقي: فرجع الحديث إلى رواية محمد بن خالد الجندي وهو مجهول عن أبان أبي عياش، وهو متروك عن الحسن عن النبي - ﷺ -، وهو منقطع، والأحاديث في التنصيص على خروج المهدي أصح البتة إسنادا، نقله في «التهذيب».\nوقال الذهبي في «الميزان»: إنه خبر منكر، ثم ساق الرواية الأخيرة عن ابن أبي عياش عن الحسن مرسلا ثم قال: فانكشف ووهي، وقال الصغاني: موضوع كما في «الأحاديث الموضوعة» للشوكاني (ص ١٩٥) ونقل السيوطي في «العرف الوردي في أخبار المهدي» (٢/ ٢٧٤) عن","vol":"1","page":245},{"text":"القرطبي أنه قال في «التذكرة»: إسناد ضعيف، والأحاديث عن النبي - ﷺ - في التنصيص على خروج المهدي من عترته من فاطمة ثابتة أصح من هذا الحديث فالحكم بها دونه، وقد أشار الحافظ في «الفتح» (٦/ ٣٨٥) إلى رد هذا الحديث لمخالفته لأحاديث المهدي، وهذا الحديث تستغله الطائفة القاديانية في الدعوة لنبيهم المزعوم: ميرزا غلام أحمد القادياني الذي ادعى النبوة، ثم ادعى أنه هو عيسى بن مريم المبشر بنزوله في آخر الزمان، وأنه لا مهدي إلا عيسى بناء على هذا الحديث المنكر، وقد راجت دعواه على كثيرين من ذوي الأحلام الضعيفة، شأن كل دعوة باطلة لا تعدم من يتباناها ويدعو إليها، وقد ألفت كتب كثيرة في الرد على هؤلاء الضلال، ومن أحسنها رسالة الأستاذ الفاضل المجاهد أبي الأعلى المودودي ﵀ في الرد عليها، وكتابه الآخر الذي صدر أخيرا بعنوان «البيانات» فقد بين فيهما حقيقة القاديانيين، وأنهم مرقوا من دين المسلمين بأدلة لا تقبل الشك، فليرجع إليهما من شاء. (١)\nقال ابن القيم في المنار المنيف: «فأما حديث لا مهدي إلا عيسى ابن مريم فرواه ابن ماجة في سننه عن يونس بن عبد الأعلى عن الشافعي عن محمد بن خالد الجندي عن أبان بن صالح عن الحسن عن أنس بن مالك عن النبي - ﷺ -، وهو مما تفرد به محمد بن خالد، قال أبو الحسين محمد بن الحسين الآبري في كتاب مناقب الشافعي، محمد بن خالد هذا غير معروف عند أهل الصناعة من أهل العلم والنقل وقد تواترت الأخبار واستفاضت عن رسول الله - ﷺ - بذكر المهدي وأنه من أهل بيته وأنه يملك سبع سنين وأنه يملأ الأرض عدلا\n_________\n(١) سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعية للألباني (١/ ١٧٦).","vol":"1","page":246},{"text":"وأن عيسى يخرج فيساعده على قتل الدجال وأنه يؤم هذه الأمة ويصلي عيسى خلفه، وقال البيهقي تفرد به محمد بن خالد هذا وقد قال الحاكم أبو عبد الله هو مجهول وقد اختلف عليه في إسناده فروي عنه عن أبان ابن أبي عياش عن الحسن مرسلا عن النبي - ﷺ - قال فرجع الحديث إلى رواية محمد بن خالد وهو مجهول عن أبان بن أبي عياش وهو متروك عن الحسن عن النبي - ﷺ - وهو منقطع والأحاديث على خروج المهدي أصح إسنادا». (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-122>رأي رشيد رضا في أحاديث المهدي:</span>\nيرى الشيخ رشيد رضا أن الأحاديث الواردة في ظهور المهدي في آخر الزمان لا يصح منها شيء.\nوذكر جملة من الاستشكالات والتساؤلات التي بسببها رد تلك الأحاديث.\nوسوف أذكر هنا أهم تلك الاستشكالات والتساؤلات التي أثارها في تفسيره المنار تحت عنوان «التعارض والإشكالات في أحاديث المهدي» ثم بعد ذلك أذكر الرد على هذه الاستشكالات والتساؤلات.\nذكر الشيخ رشيد رضا أن أحاديث المهدي متعارضة والمنكرون لها أكثر، ولذلك لم يعتد بها الشيخان، حيث يقول «وأما التعارض في أحاديث المهدي فهو أقوى وأظهر، والجمع بين الروايات فيها أعسر، والمنكرون لها أكثر، والشبهة فيها أظهر، ولذلك لم يعتد الشيخان بشيء من روايتها في صحيحهما». (٢)\n_________\n(١) المنار المنيف (١/ ١٤١).\n(٢) تفسير المنار (٩/ ٤٩٩).","vol":"1","page":247},{"text":"ثم ذكر نماذج من تعارض أحاديث المهدي وتهافتها كما يزعم ومن ذلك قوله «إن أشهر الروايات في اسمه واسم أبيه عند أهل السنة أنه محمد بن عبد الله، وفي رواية أحمد بن عبد الله، والشيعة الإمامية متفقون على أنه محمد بن الحسن العسكري، وهما الحادي عشر والثاني عشر من أئمتهم المعصومين، ويلقبون بالحجة، والقائم، والمنتظر، وزعمت الكيسانية (١) أن المهدي هو محمد بن الحنفية وأنه حي مقيم بجبل رضوي ...». (٢)\nثم قال: «المشهور من نسبه أنه علوي فاطمي من ولد الحسن وفي بعض الروايات من ولد الحسين، وهو يوافق قول الشيعة الإمامية، وهناك عدة أحاديث مصرحة بأنه من ولد العباس». (٣)\nويزعم أن سبب الاختلاف في الروايات هو كونها موضوعه حيث يقول «وسبب هذا الاختلاف أن الشيعة كانوا يسعون لجعل الخلافة في آل الرسول - ﷺ - من ذرية علي سلام الله ورضوانه عليهم، ويضعون الأحاديث تمهيدا لذلك، ففطن لهذا الأمر العباسيون فاستمالوا بعضهم، ورأى أبو مسلم الخرساني وعصبته أن آل علي يغلب عليهم الزهد، وأن بني العباس كبني أمية في الطمع في الملك، فعمل لهم توسلًا بهم إلى تحويل عصبية الخلافة إلى الفرس، تمهيدًا لإعادة الملك والمجوسية، وحينئذٍ وضعت\n_________\n(١) الكيسانية إحدى فرق الرافضة، وهم أتباع المختار بن أبي عبيد الله الثقفي الكذاب وينسبون إلى كيسان مولى علي﵁ -، وقيل كيسان لقب لمحمد بن الحنفية \"الفرق بين الفرق صـ ٣٨، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد.\n(٢) تفسير المنار (٩/ ٥٠١).\n(٣) نفس المصدر (٩/ ٥٠٢).","vol":"1","page":248},{"text":"أحاديث المهدي مشيرة إلى العباسين مصرحة بشارتهم «السواد» وأشهرها حديث ثوبان المرفوع في سنن ابن ماجه، «يقتتل عند كنزكم هذا ثلاثة كلهم ابن خليفة ثم لا تصير إلى واحدٍ منهم، ثم تطلع الرايات السود من قبل المشرق فيقتلونهم قتلًا لم يقتله قوم - ثم ذكر شيء لا أحفظه - فإذا رأيتموه فبايعوه ولو حبوًا على الثلج فإنه خليفة الله المهدي». (١)\nثم ذكر بعد ذلك أن الأحاديث الواردة في المهدي سبب للفساد والفتن، حيث يقول: «وقد كانت أكبر مثارات الفساد والفتن في الشعوب الإسلامية، إذ تصدى كثير من محبي الملك والسلطان، ومن أولياء الولاية وأولياء الشيطان، لدعوى المهدوية في الشرق والغرب، وتأييد دعواهم بالقتال والحرب، وبالبدع والإفساد في الأرض، حتى خرج ألوف الألوف عن هداية السنة النبوية، ومرق بعضهم من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية». (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>الرد على استشكالاته وتساؤلاته:</span>\nأولا: إن دعوى التعارض بين الأحاديث النبوية دعوى دائما ما يرددها ويكررها الشيخ رشيد رضا، فهو يرى أن هذه الدعوة كفيلة برد الحديث وإسقاطه ولو كان من أصح الأحاديث، بل ولو كان حتى من أحاديث الصحيحين، كالأحاديث الواردة في المسيح الدجال والتي غالبها في الصحيحين، والتي قال عنها «أنها متعارضة تعارضًا كثيرًا يوجب تساقطها». (٣) والتي في الأخير أنكرها كلها.\n_________\n(١) تفسير المنار (٩/ ٥٠٢).\n(٢) نفس المصدر السابق (٩/ ٤٩٩).\n(٣) نفس المصدر السابق (٩/ ٤٨٩).","vol":"1","page":249},{"text":"وهو الآن يدعي نفس الدعوى التي أدعها في الأحاديث الواردة في المسيح الدجال يدعيها في الأحاديث الواردة في المهدي، وذلك تمهيدًا منه وتوطئه للقول بأنها منكرة.\nومشكلة الشيخ رشيد رضا كما قلنا من قبل في مبحث المسيح الدجال ونعيد ونقوله هنا وهو أنه ﵀ وغفر له، يمزج بين الروايات الصحيحة والضعيفة بل وحتى الموضوعة، ثم يبني على ذلك نتائجه وما توصل إليه، ولو أنه أزاح الروايات الضعيفة والموضوعة واكتفى بالروايات الصحيحة، لما وجد أي تعارض بين تلك الروايات.\nفأحاديث المهدي كما قال أهل العلم مثل ابن القيم وغيره فيها الصحيح والحسن والضعيف والموضوع، فما كان منها موضوعًا أو ضعيفًا لا يحتج به، فإنه لا يلتفت إليه، ولا يعارض به غيره، أما ما صح منها فهو مؤتلف غير مختلف ومتفق غير مفترق. (١)\nفالشيخ رشيد رضا يستعمل هنا نفس الأسلوب والمنهج الذي تعامل به مع الأحاديث الواردة في المسيح الدجال، فهو يستشهد بالأحاديث الضعيفة بل والموضوعة ثم يدعي بعد ذلك التعارض والتناقض فيما بينها، وهذا بلا شك نتيجة حتمية وطبيعية عند الجمع بين الروايات الصحيحة وغير الصحيحة.\nثم إننا لا ندري هل يتعمد الشيخ رشيد رضا الاستشهاد بالأحاديث\n_________\n(١) الرد على من كذب بالأحاديث الصحيحة الواردة في المهدي عبد المحسن البدر صـ ٢٤، مطابع الرشيد، ط ١، ١٤٠٢ هـ.","vol":"1","page":250},{"text":"الضعيفة والموضوعة الواردة في المهدي ليثبت أن هناك تناقضًا وتعارضًا فيما بينها.\nأم أنه لا يعلم ولا يدري بأن هذه الأحاديث ضعيفة وموضوعة وكلا القولين لا يليقان به وهو العالم بالسنة والملقب بمحيى السنة في زمنه.\nثم إننا نقول هنا كما قلنا من قبل في مبحث المسيح الدجال، وهو أن التعارض بين الروايات الصحيحة مستحيل وغير ممكن، وإن كان ظاهرهما التعارض، وقد حكي الباقلاني الإجماع على منع التعارض بين الأدلة الشرعية في نفس الأمر مطلقًا.\nكما روى الخطيب البغدادي عنه ذلك فقال «يقول الباقلاني»: وكل خبرين علم أن النبي - ﷺ - تكلم بهما، فلا يصح دخول التعارض فيهما على وجه، وإن كان ظاهرهما متعارضين، لأن معنى التعارض بين الخبرين والقرآن من أمر ونهي وغير ذلك، أن يكون موجب إحداهما منافيًا لموجب الآخر، وذلك يبطل التكليف إن كانا أمرًا ونهيًا أو إباحة وحظرًا، أو يوجب كون أحدهما صدقًا والآخر كذبًا إن كانا خبرين، والنبي - ﷺ - منزه عن ذلك أجمع، ومعصوم منه باتفاق الأمة وكل مثبت للنبوة». (١)\nثم إن التشبث بدعوى التعارض بين الأحاديث وكثرة ترديدها من غير دليل ولا بينة ولا برهان هي من أقوال أهل البدع والأهواء «الذين قصر علمهم عن الاتساع في الآثار وعييت أذهانهم عن وجوهها فلم يجدوا شيئًا\n_________\n(١) الكفاية للخطيب البغدادي، صـ ٤٣٣.","vol":"1","page":251},{"text":"أهون عليهم من أن يقولوا: متناقضة فأبطلوها كلها». (١)\nوللأسف فإن شيخنا رشيد رضا ﵀ وغفر له دائمًا ما يردد هذه العبارة ودائمًا ما يلجأ إليها إذا ضاقت به السبل، وتعسرت عليه الاستشكالات والتساؤلات.\nوهي نفس الدعوى التي قام يرددها ويتكئ عليها من بعد الشيخ رشيد رضا، الطاعنون في السنة النبوية، كالمدعو أبو ريه في كتابه «أضواء على السنة المحمدية» والذي رد فيه الكثير من الأحاديث النبوية الصحيحة بدعوى التعارض فيما بينها ولا حول ولا قوة إلا بالله. (٢)\nفالذي دلت عليه الأحاديث الصحيحة التي ذكرتها في بداية المبحث، كحديث على بن أبي طالب، وحديث أبي سعيد الخدري وحديث أم سلمه، وحديث عبد الله بن مسعود أنه من نسل الحسن بن علي بن أبي طالب﵁ -، وهذا الذي عليه جمهور أهل السنة والجماعة وأهل الحديث قاطبة، قال ابن كثير في المهدي «هو محمد بن عبد الله العلوي الفاطمي الحسنين﵁ - (٣) ولا عبرة بما يقوله الشيعة الإمامية من أنه محمد بن الحسن العسكري، أو ما يقوله الرافضة الكيسانية من أن المهدي هو محمد بن الحنفية، فهذه كلها أقوال باطلة لا دليل عليها من السنة النبوية الذين هم أبعد الناس عن العلم فيها فضلا عن تميز الصحيح من السقيم منها.\n_________\n(١) كتاب الإيمان لابن سلام صـ ٤٠.\n(٢) انظر الكتاب أضواء على السنة المحمدية للمدعو أبو رية.\n(٣) النهاية/ الفتن والملاحم (١/ ٢٩).","vol":"1","page":252},{"text":"ثانيا: أما بالنسبة لقوله بأن المنكرين لها أكثر، فهذه دعوى غير صحيحة بل إن العكس هو الصحيح وهو أن القائلين والمقرين بها أكثر، فقد ثبتت الأحاديث الواردة في المهدي عن أكثر من ستة وعشرين صحابيًا.\nقال الشيخ عبد المحسن العباد: «جملة ما وقفت عليه من أسماء الصحابة الذين رووا أحاديث المهدي عن رسول - ﷺ - ستة وعشرون هم:\n١ - عثمان بن عفان﵁ -.\n٢ - علي بن أبي طالب﵁ -.\n٣ - طلحة بن عبيد الله﵁ -.\n٤ - عبد الرحمن بن عوف﵁ -.\n٥ - الحسين بن علي﵁ -.\n٦ - أم سلمه ﵂.\n٧ - أم حبيبة ﵂.\n٨ - عبد الله بن عباس﵁ -.\n٩ - عبد الله بن مسعود﵁ -.\n١٠ - عبد الله بن عمر﵁ -.\n١١ - عبد الله بن عمرو﵁ -.\n١٢ - أبو سعيد الخدري﵁ -.\n١٣ - جابر بن عبد الله﵁ -.","vol":"1","page":253},{"text":"١٤ - أبو هريرة﵁ -.\n١٥ - أنس بن مالك﵁ -.\n١٦ - عمار بن ياسر﵁ -.\n١٧ - عوف بن مالك﵁ -.\n١٨ - ثوبان مولى رسول الله﵁ -.\n١٩ - قرة بن إياس﵁ -.\n٢٠ - علي الهلالي﵁ -.\n٢١ - حذيفة بن اليمان﵁ -.\n٢٢ - عبد الله بن الحارث بن حمزة﵁ -.\n٢٣ - عوف بن مالك﵁ -.\n٢٤ - عمران بن حصين﵁ -.\n٢٥ - أبو الطفيل﵁ -.\n٢٦ - جابر الصدفي﵁ -». (١)\nثم ذكر بعد ذلك، أسماء الأئمة الذين خرجوا الأحاديث والآثار الواردة في المهدي في كتبهم، حيث قال: «وأحاديث المهدي خرجها جماعة كثيرون من الأئمة في الصحاح والسنن والمعاجم والمسانيد وغيرها قد بلغ عدد الذين وقفت على كتبهم أو اطلعت على ذكر تخريجهم لها ثمانية وثلاثين هم:\n_________\n(١) الرد على من كذب بالأحاديث الصحيحة الواردة في المهدي، صـ ٥.","vol":"1","page":254},{"text":"١ - أبو داود في سننه.\n٢ - الترمذي في جامعه.\n٣ - ابن ماجه في سننه.\n٤ - النسائي ذكره السفاريني في لوامع الأنوار البهية والمناوي في فيض القدير وما رأيته في الصغرى ولعله في الكبرى.\n٥ - أحمد في مسنده.\n٦ - ابن حبان في صحيحه.\n٧ - الحاكم في المستدرك.\n٨ - أبو بكر بن أبي شيبة في المصنف.\n٩ - نعيم بن حماد في كتاب الفتن.\n١٠ - الحافظ أبو نعيم في كتاب المهدي وفي الحلية.\n١١ - الطبراني في الكبير والأوسط والصغير.\n١٢ - الدارقطني في الأفراد.\n١٣ - البارودي في معرفة الصحابة.\n١٤ - أبو يعلى الموصلي في مسنده.\n١٥ - البزار في مسنده.\n١٦ - الحارث بن أبي أسامة في مسنده.\n١٧ - الخطيب في تلخيص المتشابه وفي المتفق والمفترق.\n١٨ - ابن عساكر في تاريخه.\n١٩ - ابن منده في تاريخ أصبهان.","vol":"1","page":255},{"text":"٢٠ - أبو الحسن الحربي في الأول من الحربيات.\n٢١ - تمام الرازي في فوائده.\n٢٢ - ابن جرير في تهذيب الآثار.\n٢٣ - أبو بكر بن المقري في معجمه.\n٢٤ - أبو عمرو الداني في سننه.\n٢٥ - أبو غنم الكوفي في كتاب الفتن.\n٢٦ - الديلمي في مسند الفردوس.\n٢٧ - أبو بكر الإسكاف في فوائد الأخبار.\n٢٨ - أبو الحسين بن المناوي في كتاب الملاحم.\n٢٩ - البيهقي في دلائل النبوة.\n٣٠ - أبو عمرو المقري في سننه.\n٣١ - ابن الجوزي في تاريخه.\n٣٢ - يحيى بن عبد الحميد الحماني في مسنده.\n٣٣ - الروياني في مسنده.\n٣٤ - ابن سعد في الطبقات.\n٣٥ - ابن خزيمة.\n٣٦ - الحسن بن سفيان.\n٣٧ - عمر بن شبه.\n٣٨ - أبو عوانة». (١)\n_________\n(١) نفس المصدر، صـ ٧.","vol":"1","page":256},{"text":"ثم إنه لم يشتهر القول بتضعيف الأحاديث الواردة في المهدي إلا عن عبد الرحمن بن خلدون المؤرخ المشهور (١) بدعوى عدم ورودها في الصحيحين.\nحيث قال بعد ذكر جملة من الأحاديث الواردة في المهدي «فهذه جملة الأحاديث التي خرجها الأئمة في شأن المهدي وخروجه آخر الزمان، وهي كما رأيت لم يخلص منها من النقد إلا القليل والأقل منه». (٢)\nوقال في موضع آخر مشككًا في صحة ظهور المهدي «فإن صح ظهور هذا المهدي فلا وجه لظهور دعوته ..». (٣)\nوفي الحقيقة أنه لم يقل أحد بمثل هذا القول قبل ابن خلدون، وكل من طعن في أحاديث المهدي من المتأخرين احتج بأقوال ابن خلدون. (٤)\n_________\n(١) هو عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن خلدون، ولي الدين الحضرمي الأشبيلي أشتهر بكتابه «العبر وديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والعجم والبربر» طبع في سبع مجلدات، أولها «المقدمة» وقد نشأ في تونس ورحل منها إلى مصر، وتولى قضاء المالكية فيها وتوفي بالقاهرة سنة ٨٠٨ هـ «الإعلام» (٣/ ٣٣٠).\n(٢) مقدمه ابن خلدون، صـ ٣٢٢، دار الكتاب اللبناني، بيروت ١٩٦٧ م.\n(٣) نفس المصدر ٣٢٧.\n(٤) مثل الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود في كتابه «لا مهد ينتظر بعد الرسول - ﷺ - خير البشر»، ومحمد فريد وجدي في «دائرة معارف القرن العشرين» (١٠/ ٤٨٠)، وأحمد أمين في كتابة «ضحى الإسلام»، ومحمد فهيم أبو عبيه في تعليقه على «النهاية الفتن والملاحم» لابن كثير ومحمد عبد الله عنان في كتابه «مواقف حاسمه في تاريخ الإسلام» صـ ٣٥٩، وعبد الرحمن محمد عثمان في تعليقه على «تحفة الأحوذي» (٦/ ٤٧٤)، وعبد الكريم الخطيب في كتابه (المسيح في القرآن والتوارة والأنجيل) صـ ٥٣٩، وقد تولى الرد على جميع هؤلاء الشيخ عبد المحسن العباد في كتابه القيم «الرد على من كذب بالأحاديث الصحيحة الواردة في المهدي» وخص منها رسالة الشيخ ابن محمود، حيث بين أن ما فيها مجانب للحق والصواب.","vol":"1","page":257},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-124>والرد على ما ذهب إليه ابن خلدون من عدة وجوه:</span>\nأولا: إن عبارة ابن خلدون وهي قوله «لم يخلص منها من النقد إلا القليل والأقل منه» فعبارته تدل على أنه سلم من نقده القليل من الأحاديث ولو صح حديث واحد من بين الأحاديث الكثيرة التي ردها لكفى به حجة في شأن المهدي، كيف والأحاديث فيه صحيحة ومتواترة.\nثانيا: إن ابن خلدون لا يعتد به في التصحيح والتضعيف لأنه مؤرخ، وإنما الذي يعتد به في ذلك هم، رجال الحديث وأئمته أمثال البيهقي والخطابي والعقيلي والرازي والذهبي وابن تيمية وابن القيم وغيرهم من أهل الرواية والدراية الذين قالوا بصحة الكثير من أحاديث المهدي. (١)\nوقد أحسن الشيخ أحمد شاكر في تخريجه لأحاديث المسند حيث قال «أما ابن خلدون فقد قفا ما ليس له به علم، واقتحم قحمًا لم يكن من رجالها ...». (٢)\nوقال عنه أيضا: «إنه قد تهافت في الفصل الذي عقده في مقدمته للمهدي تهافتًا عجيبًا وغلط أغلاطًا واضحة» (٣)، حيث إن ما كتبه في هذا الفصل مملوء بالأغاليط الكثيرة في أسماء الرجال ونقل العلل.\n_________\n(١) الرد على من كذب بالأحاديث الصحيحة، ص ١٠ وما بعدها.\n(٢) مسند الإمام أحمد بتحقيق أحمد شاكر (٥/ ١٩٧).\n(٣) مسند الإمام أحمد بتحقيق أحمد شاكر (٥/ ١٩٧).","vol":"1","page":258},{"text":"ثالثا: إن ابن خلدون نفسه قد شهد بأن القول في ظهور المهدي في آخر الزمان هو ما عليه أكثر أهل الإسلام، حيث يقول في مقدمته للمهدي «أعلم أن المشهور بين الكافة من أهل الإسلام على مر الأعصار أنه لابد في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت يؤيد الدين ويظهر العدل ويتبعه المسلمون ويستولي على الممالك الإسلامية ويسمى بالمهدي ....».\nفكيف يدعي بعد هذا رشيد رضا أن المنكرين لها أكثر! ثم ألا يسع رشيد رضا ما وسع أكثر أهل الإسلام على مر الأعصار! ثم هل يعقل أن كل هؤلاء الذين ذكرنا من أهل العلم على خطأ وابن خلدون ورشيد رضا على صواب؟ لا سيما وأن الأمر ليس اجتهاديًا وإنما هو أمر غيبي لا يسوغ لأحد إثباته أو نفيه إلا بدليل من الكتاب أو السنة النبوية لا سيما أيضا وأن الدليل معهم وهم أهل الاختصاص والتمييز بين المقبول منه والمردود.\nثالثا: أما احتجاجه في ردها بدعوى أن الشيخين لم يخرجا شيء من روايتها في صحيحهما، وذلك لضعفها.\nفإنها دعوى مردودٌ عليها من عدة وجوه، كالآتي:\n١ - إن الصحيح كما هو موجود في الصحيحين فإنه موجود في غيرهما، فهما لم يستوعبا كل الصحيح ولا اشترطا ذلك أبدًا، فقد قال ابن حجر في مقدمه فتح الباري: إن الإسماعيلي قد روى عن البخاري","vol":"1","page":259},{"text":"أنه قال «لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا وما تركت من الصحيح أكثر» (١)، وقال مسلم في صحيحة في آخر باب التشهد في الصلاة، «ليس كل شيء عندي صحيح وضعته ههنا، إنما وضعت ههنا ما أجمعوا عليه». (٢)\nومما يدل على أن البخاري لم يستوعب كل الأحاديث الصحيحة، قوله «أحفظ مائة ألف حديث صحيح ومائتي ألف حديث غير صحيح» (٣)، مع أن جملة ما في صحيحه من الأحاديث المسندة إلى النبي - ﷺ - بما في ذلك الأحاديث المعلقة لا تبلغ عشرة آلاف حديث.\nفالصحيح كما أنه موجود في الصحيحين، فهو موجود في غيرهما من الكتب المؤلفة في الحديث النبوي، كموطأ مالك، وصحيح ابن خزيمة، وصحيح ابن حبان، وجامع الترمذي، وسنن أبي داود والنسائي وابن ماجه والدارقطني والبيهقي، ومسند الإمام أحمد وغيرهما.\nقال ابن كثير «إن البخاري ومسلمًا لم يلتزما بإخراج جميع ما يُحكم بصحته من الأحاديث، فإنهما قد صححا أحاديث ليست في كتابيهما، كما ينقل الترمذي وغيره عن البخاري تصحيح أحاديث ليست عنده بل في السنن وغيرها». (٤)\n_________\n(١) هدي الباري صـ ٩.\n(٢) صحيح مسلم - كتاب الصلاة - باب التشهد في الصلاة (١/ ٣٠٤).\n(٣) علوم الحديث صـ ١٦.\n(٤) «الباعث الحثيث، شرح اختصار علوم الحديث لابن كثير» تأليف أحمد شاكر، صـ ٢٥، طبع دار الكتب العلمية.","vol":"1","page":260},{"text":"ثم إن هناك الكثير من العقائد لدى أهل السنة والجماعة، مصدرها أحاديث صحيحة في غير الصحيحين، مثل الحديث المشتمل على العشرة المبشرين بالجنة ﵃، فإنه في السنن ومسند الإمام أحمد وغيره وليس في الصحيحين، ومثل حديث البراء بن عازب﵁ - الطويل في نعيم القبر الذي وصف فيه النبي - ﷺ - ما يجري عند الموت حتى البعث وهو في مسند الإمام أحمد وغيره، وكذا الحديث الذي فيه تسمية الملكين السائلين في القبر بالمنكر والنكير، فهو لم يرد في الصحيحين، وكذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد وغيره الدال على وزن الأعمال وهو حديث البطاقة والسجلات وهو لم يرد في الصحيحين، والحاصل أن الأحاديث إذا كانت صحيحة يجب العمل بموجبها سواء كانت في الصحيحين أو في غيرهما ومن ذلك أحاديث المهدي. (١)\n٢ - أنه جاء في بعض الأحاديث في الصحيحين، ما يدل على ظهور المهدي، وإن لم تكن صريحة ومن ذلك.\n١) عن أبي هريرة﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ - «كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم؟ !». (٢)\n٢) عن جابر بن عبد الله ﵄، قال، سمعت رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) عبد المحسن العباد، صـ ٦٣.\n(٢) صحيح البخاري - كتاب أحاديث الأنبياء - باب نزول عيسى بن مريم ﵇ (٣/ ١٢٧٢)، رقم (٣٢٦٥)، وصحيح مسلم - كتاب الإيمان - باب نزول عيسى بن مريم ﵇ حاكمًا (١/ ١٣٥)، رقم (١٥٥).","vol":"1","page":261},{"text":"يقول «لا تزال طائفةٌ من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة» قال: «فينزل عيسى بن مريم - ﷺ - فيقول أميرهم تعال صل لنا فيقول، لا، إن بعضكم على بعضٍ أمراء، تكرمة الله هذه الأمة». (١)\nفي رواية عن غير مسلم «يقول أميرهم المهدي .....» الحديث (٢) فهذه الرواية تدل على أن ذلك الأمير المشار إليه في رواية مسلم يقال له المهدي ولا محمل له ولأمثاله إلا المهدي. (٣)\n٣) وعن جابر بن عبد الله، قال، قال رسول الله - ﷺ - «يكون في آخر أمتي خليفة يحثي المال حثيًا لا يعده عدًا».\nقال الجريري أحد رواة الحديث «قلت لأبي نضره وأبي العلاء، أتريان أنه عمر بن عبد العزيز؟ فقالا، لا».\n٤) عن عائشة ﵂ قالت، قال رسول الله - ﷺ -: «العجبُ أن ناسًا من أمتي يؤموّن البيت برجل من قريش قد لجأ بالبيت، حتى إذا كانوا بالبيداء خسف بهم». (٤)\n٥) وعن عائشة ﵂ قالت قال رسول الله - ﷺ - «يغزو جيشٌ\n_________\n(١) صحيح مسلم - كتاب الإيمان - باب نزول عيسى بن مريم ﵇ حاكمًا (١/ ١٣٧)، رقم (١٥٦).\n(٢) رواه الحارث بن أبي أسامة في مسندة عن جابر، انظر ابن القيم، المنار المنيف صـ ١٤٤، وانظر الداني، السنن الواردة في الفتن «٦/ ١٢٣٦».\n(٣) انظر صديق حسن خان، الإذاعة، صـ ١١٨.\n(٤) صحيح مسلم - كتاب الفتن - باب الخسف بالجيش الذي يؤم البيت (٤/ ٢٢١٠)، رقم (٢٨٨٤).","vol":"1","page":262},{"text":"الكعبة، فإذا كانوا ببيداء من الأرض يخسف بأولهم وآخرهم» قلت يا رسول الله كيف يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم؟ قال: «يخسف بأولهم وأخرهم ثم يبعثون على نياتهم» (١)، فهذه الأحاديث وإن لم يكن فيها ذكر اسم المهدي أو لقبه إلا أنه لا محمل لها إلا عليه كما قال أهل العلم.\nثم إنني على يقين بأنه لو وردت أحاديث صريحة في الصحيحين تنص على ظهور المهدي لما قبل بها الشيخ رشيد رضا، ولأولها وأثار الاستشكالات والتساؤلات حولها، كما فعل بالأحاديث الواردة في المسيح الدجال، حتى يردها، وذلك لأنه لا يقبل أي حديث فيه شكل من أشكال الخارقة أو الخروج عن المألوف، وإلا فكم من حديث رواه الشيخان ولم يقبل به لتعارضه مع منهجه العقلي، ولا أدل على ذلك إلا رده للأحاديث الصحيحة الصريحة التي رواها الشيخان البخاري ومسلم في صحيحيهما أن القمر انشق على زمان رسول الله - ﷺ -، بدعوى أنها لو وقعت فعلًا لتوفرت الدواعي على نقلها بالتواتر.\nورده كذلك للحديث الذي رواء الشيخان أيضا في صحيحيهما عن أبي هريرة﵁ - أنه قال: قال رسول الله - ﷺ - «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها ......». (٢) بدعوى أن أبا هريرة﵁ - لم\n_________\n(١) صحيح البخاري - كتاب البيوع - باب ما ذكر في الأسواق (٢/ ٧٤٦)، رقم (٢٠١٢).\n(٢) صحيح البخاري - كتاب الرفاق - باب طلوع الشمس من مغربها (٥/ ٣٨٦)، رقم (٦/ ٤١)، صحيح مسلم - كتاب الإيمان - باب بيان الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان (١/ ١٣٧)، رقم (١٥٧).","vol":"1","page":263},{"text":"يصرح بالسماع عن النبي - ﷺ - فيخشى أن يكون قد رواها عن كعب الأحبار! !\nورده كذلك للحديث الذي رواه البخاري في صحيحة عن أبي ذر﵁ -، حينما سأله - ﷺ -، أتدري أين تذهب الشمس إذا غربت؟ قال، قلت لا أدري، قال إنها تنتهي دون العرش فتخر ساجدة، ثم تقوم حتى يقال لها ارجعي فيوشك يا أبا ذر أن يقال لها ارجعي من حيث دخلت، وذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها، لم تكن آمنت من قبل (١) بدعوى أن متنه من أعظم المتون إشكالًا! !\nفعجيبٌ ذلك المنهج الذي يسير عليه الشيخ رشيد رضا في قبول الحديث أورده، فإذا لم تتفق الأحاديث مع مقاييسه الخاصة رفضها جملةً وتفصيلًا دون الالتفات إلى صحة أسانيدها وإذا لم تكن في الصحيحين احتج بأن الشيخين لم يعبأ بها لذا لم يخرجاها في صحيحيهما.\nوإن ورد الحديث في صحيح مسلم كحديث الجساسة رد الحديث محتجًا بأن البخاري لم يخرجه، وإذا ورد في صحيح البخاري كحديث سجود الشمس عند العرش رد الحديث بدعوى أنه مشكل أو أنه لا يخلو من علةٍ إسرائيلية أو من خطأ الرواية في المعنى.\nرابعا: أما بالنسبة لقوله بأن أحاديث المهدي موضوعة، وضعها الشيعة لأسباب سياسية، فنحن لا ننكر كما قلنا في بداية الرد على أن هناك أحاديث\n_________\n(١) صحيح البخاري - كتاب التوحيد - باب وكان عرشه على الماء (٦/ ٢٧٠٠)، رقم (٦٩٨٨).","vol":"1","page":264},{"text":"في المهدي موضوعة ومكذوبة وضعها الشيعة وغير الشيعة أيضا، لأسباب سياسية أو لأسباب أخرى.\nولكن هذه الأحاديث تتبعها أئمة الحديث وبينوا المكذوب منها من الصحيح، ثم إنه إذ كان هناك أحاديث موضوعة أو كذوبة في هذا الباب فإنه ليس معنى هذا أنه لم يرد فيها أحاديث صحيحة، ثم إنه إذ كان هناك روايات موضوعة في المهدي تعصبًا، فإن ذلك لا يجعلنا نترك ما صح من الروايات فيه، والروايات الصحيحة جاء فيها ذكر صفته واسمه واسم أبيه.\nثم إنه لا يجوز أن ترد الأحاديث الصحيحة الواردة في ظهور المهدي من أجل خرافات الشيعة وأباطيلهم، فالشيعة لهم قول في المهدي لا يعتد به عند أهل السنة، وهو قول شاذ ولا دليل عليه، ومخالف للعقل، فهم يعتقدون أن المهدي قد دخل في سرداب في سامراء منذ أكثر من ألف سنة ولم يخرج إلى الآن، وأنه سوف يخرج في آخر الزمان.\nقال ابن القيم في كلامه على المهدي عند الشيعة والرافضة: «وأما الرافضة الإمامية فلهم قول رابع، وهو أن المهدي هو محمد بن الحسن العسكري المنتظر من ولد الحسين بن علي لا من ولد الحسن الحاضر في الأمصار الغائب عن الأبصار، الذي يورث العصا ويختم الفضاء، دخل سرداب سامرا طفلا صغيرا من أكثر من خمسمائة سنة فلم تره بعد ذلك عين، ولم يحس فيه بخبر ولا أمر، وهم ينتظرونه كل يوم يقفون بالخيل على باب السرداب ويصيحون به أن","vol":"1","page":265},{"text":"يخرج إليهم، اخرج يا مولانا، ثم يرجعون بالخيبة والحرمان، فهذا دأبهم ودأبه\nولقد أحسن من قال:\nما آن للسرداب أن يلد الذي ... كلمتموه بجهلكم ما آنا\nفعلى عقولكم العفاء فإنكم ... كلمتم العنقاء والغيلانا\n\nولقد أصبح هؤلاء عارا على بني آدم وضحكة ليسخر منهم كل عاقل». (١)\nخامسا: أما بالنسبة لقوله بأن الاعتقاد في ظهور المهدي ترتب عليها فتن وفساد وكثرة دعاة المهدي، فإن ذلك حتى ولو كان صحيحًا فإنه لا يسوغ رد الصحيح من الأحاديث الواردة في المهدي، كيف وهو لا يصح سببًا، فإن سبب ذلك هو الجهل والهوى، ولو علم الناس السنة وتجردوا ومن الهوى لما وقع ذلك.\nفوقوع الفتنة بسبب فهم خاطئ لأحاديث صحيحة لا يصلح حجة لرد تلك الأحاديث، أوليس الخوارج فتنوا بنصوص الوعيد والمرجئة بنصوص الوعد؟ والمعطلة والمشبهة بنصوص الصفات بسبب فهمهم الخاطئ لها؟ فهل يعني ذلك رد تلك النصوص؟\nولو جاز رد النصوص الثابتة بسبب فهم بعض الفرق الخاطئة لها، وإفراطهم أو تفريطهم فيها لكان ذلك بابًا واسعًا لرد الشريعة كلها بأصولها وفروعها، إذ إنه ما من نص قرآني أو نبوي أفاد حكمًا شرعيًا إلا وله\n_________\n(١) المنار المنيف، صـ ١٥٢.","vol":"1","page":266},{"text":"معارضون ومحرفون يكونون على طرفي نقيض. (١)\nثم إنه هل يمنع إنكار خروج المهدي في آخر الزمان من وقوع الفتن وادعاء المهدي؟\nأليس ختم النبوة بنبينا محمد - ﷺ - مما هو مجمع عليه ومع ذلك وجد كثيرون ممن ادعى النبوه وحصل بذلك للمسلمين فتن وأضرار كثيرة، وإنما الذي يعصم حقيقة من الفتن والمصائب ويكفل السلامة والأمن والنجاة هو الاستمساك بشرع الله والاعتصام بسنة نبيه - ﷺ -.\nأما وجود دعاه المهدوية من المجانين وأشباه المجانين يخرجون في بعض الأزمان ويحصل بسببهم على المسلمين أشرار كبيرة، فإنه لا يؤثر في التصديق بمن عناة الرسول - ﷺ - في الأحاديث الصحيحة وهو المهدي الذي يصلي عيسى ابن مريم - ﷺ - خلفه، فما ثبت عن رسول الله - ﷺ - وجب التصديق به، ويجب القضاء على كل متمهدٍ يريد أن يشق عصا المسلمين ويفرق جماعتهم، والواجب قبول الحق، ورد الباطل لا أن يرد الحق ويكذب بالنصوص من أجل أنه ادّعى مقتضاها مدعون مبطلون دجالون. (٢)\nثم إنه متى كان استغلال أعداء الإسلام لعقيدة من عقائد المسلمين مبررًا لطمسها أو التشكيك في ثبوتها؟ إن أعداء الإسلام لم يستغلوا المهدوية فحسب بل استغلوا ما هو أكبر وأعظم وأوضح عند المسلمين، أعني عقيدة\n_________\n(١) بحث للدكتور خالد النجار بعنوان «محمد رشيد رضا»، موقع شبكة الألوكة.\n(٢) مجلة الجامعة الإسلامية العدد ٤٥، صـ ٣٠٢.","vol":"1","page":267},{"text":"النبوه، استغلوا هذا وخرج أدعياء النبوة، ولازلنا في هذا العصر نعاني من أولئك كالبهائية (١) والقاديانية (٢).\n_________\n(١) البهائية، حركة نبعت من المذهب الشيعي الشيخي سنة ١٨٤٤ م تحت رعاية الاستعمار الروسي واليهودية العالمية والاستعمار الانجليزي بهدف إفساد العقيدة الإسلامية، أسسها الميرزا على محمد رضا الشيرازي قام من بعده الميرزا حسين علي الملقب بالبهائي وسمى حركته بالبهائية، أدعى أولا أنه المسيح ابن مريم ثم زعم أنه يوحى إليه وبأنه نبي وله كتاب يسمى (الأقدس) أدعى أنه أوحى إليه، ولنحلته عقائد فاسدة (الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة صـ ٤١٣).\n(٢) القاديانية، حركة نشأت سنة ١٩٠٠ م بتخطيط من الاستعمار الانكليزي في القارة الهندية، بهدف إبعاد المسلمين عن دينهم وعن فريضة الجهاد بشكل خاص، مؤسسها هو الميرزا غلام أحمد القدياني، أدعى أنه المهدي ثم أدعى أنه المسيح ابن مريم ثم أدعى النبوه والرسالة وأنه يوحى إليه، ولهم عقائد فاسدة منها أن النبوه لم تختم (الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة صـ ٤١٦).","vol":"1","page":268},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-125>المبحث الرابع\nرأيه في نزول\nعيسى بن مريم ﵇\nوالرد عليه</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>معنى المسيح:</span>\nالمسيح على وزن فعيل بمعنى فاعل، وسمي به لأنه يمسح المريض وذا العاهة، فيبرأ بإذن الله. (١)\nوقيل المسيح الصَّديق، وقيل سمي به لأنه كان سائحًا في الأرض لا يستقر (٢)،\nوقيل: كلمة المسيح تعني الحاكم الذي سوف يأتي في نهاية الزمان ليملك ويملأ الأرض عدلًا، وهي من أصول عبرية. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>عقيدة أهل السنة والجماعة في عيسى بن مريم ﵇:</span>\nالذي عليه اعتقاد أهل السنة والجماعة في عيسى بن مريم ﵇، ما دل عليه الكتاب والسنة الصحيحة، وهو أنه نبي من أنبياء الله ﷿، من أولى العزم من الرسل المقربين اختصه الله بأن يوجد من أمٍ دون أب\n_________\n(١) انظر، جامع الأصول (٤/ ٢٠٤).\n(٢) انظر لسان العرب (٢/ ٥٩٤) مادة مسح.\n(٣) Habasheh، Bahjat، the Word Al- Masih in Quran and Hadith «Analylic study» Al- Manarah، Jorsan، ٢٠٠٢. pp ١٥ - ٢١","vol":"1","page":269},{"text":"وهو خاتم أنبياء بني إسرائيل.\nوقد أيده الله ببعض المعجزات كرامة وتصديقًا له، فكان يبرئ الأكمة والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله وكان يخلق من الطين كهيئة الطير، فينفخ فيها، فتكون طيرًا بإذن الله.\nفحسده بنو إسرائيل فعزموا على قتله، فحاصروه في دار ببيت المقدس، فلما دخلوا عليه ألقى الله شبهه على شاب من أصحابه الحاضرين، ورفع عيسى بن مريم ﵇ من ذلك البيت إلى السماء، وأهل البيت ينظرون، فلما دخلوا وجدوا الشاب الذي ألقي عليه شبه عيسى فأخذوه ظانين أنه عيسى بن مريم ﵇ فقتلوه وصلبوه، قال تعالى ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ (١) فهو لم يقتل ولم يصلب وإنما رفعه الله إليه.\nوسوف ينزل في آخر الزمان، على المنارة البيضاء شرقي دمشق، فينزل واضعا حالة نزوله كفيه على أجنحة ملكين وقت صلاة الصبح، وينزل ليقتل الدجال، ويدعو إلى دين الإسلام، ويحكم به، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويدعوه الناس للصلاة بهم فيمتنع ويقول إمامكم منكم، فيتقدم المهدي فيصلي إماما بهم وبه، وذلك إكرامًا لسيدنا محمد - ﷺ - ولأمته ويمكث في الأرض أربعين سنة، ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه. (٢)\n_________\n(١) النساء، آية ١٥٧.\n(٢) انظر (العقيد الصافية للفرقة الناجية) سيد سعيد عبد الغني، دار طيبة الخضراء، مكة المكرمة، الطبعة الرابعة، ١٤٢٢ هـ، ص ١٤١.","vol":"1","page":270},{"text":"وقال ابن حزم: «وأن عيسى ﵇ لم يقتل، ولم يصلب ولكن توفاه الله ﷿ ثم رفعه إليه». (١)\nقال ابن تيمية: «وأجمعت الأمة على أن الله ﷿ رفع عيسى إليه إلى السماء». (٢)\nوقال ابن تيمية أيضًا: «والمسيح - ﷺ - وعلى سائر الأنبياء لابد أن ينزل إلى الأرض .. كما ثبت في الأحاديث الصحيحة، ولهذا كان في السماء الثانية، مع أنه أفضل من يوسف وإدريس وهارون، لأنه يريد النزول إلى الأرض قبل يوم القيامة». (٣)\nوقال القاضي عياض: «نزول عيسى ﵇ وقتله الدجال حق وصحيح عند أهل السنة؛ للأحاديث الصحيحة في ذلك، وليس في العقل ولا في الشرع ما يبطله، فوجب إثباته. وأنكر ذلك بعض المعتزلة والجهمية ومن وافقهم، وزعموا أن هذه الأحاديث مردودة بقوله تعالى: ﴿وخاتم النبيين﴾، وبقوله - ﷺ -: (لا نبي بعدي)، وبإجماع المسلمين أنه لا نبي بعد نبينا - ﷺ - وأن شريعته مؤبدة إلى يوم القيامة ولا تنسخ! وهذا استدلال فاسد؛ لأنه ليس المراد بنزول عيسى ﵇ أنه ينزل نبيا بشرع ينسخ شرعنا، ولا في هذه الأحاديث ولا في غيرها شيء من هذا، بل صحت هذه الأحاديث هنا وما سبق في كتاب الإيمان وغيرها أنه ينزل حكما مقسطا يحكم بشرعنا\n_________\n(١) المحلى (١/ ٢٣).\n(٢) بيان تلبيس الجهمية (٢/ ٤١٩).\n(٣) مجموع الفتاوي (٤/ ٣٢٩).","vol":"1","page":271},{"text":"ويحيي من أمور شرعنا ما هجره الناس». (١)\nقال السفاريني: «ونزوله ﵊ ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة: ....» إلى أن قال: «وأما الإجماع؛ فقد أجمعت الأمة على نزوله، ولم يخالف فيه أحد من أهل الشريعة، وإنما أنكر ذلك الفلاسفة والملاحدة أو من لا يعتد بخلافه، وقد انعقد إجماع الأمة على أن ينزل ويحكم بهذه الشريعة المحمدية، وليس بشريعة مستقلة عند نزوله من السماء، وإن كانت النبوة قائمة به، وهو متصف بها، ويتسلم الأمر من المهدي، ويكون المهدي من أصحابه وأتباعه كسائر أصحاب المهدي». (٢)\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله: «وعيسى حي في السماء لم يمت بعد، وإذا نزل من السماء لم يحكم إلا بالكتاب والسنة، لا بشيء يخالف ذلك» (٣)،\nوقال الإمام أحمد بن حنبل ﵀: «أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب النبي - ﷺ -، والاقتداء بهم وترك البدع، وكل بدعة فهي ضلالة ....»، ثم ذكر جملة من عقائد أهل السنة، ثم قال «والإيمان أن المسيح الدجال خارج مكتوبٌ بين عينيه «كافر» والأحاديث التي جاءت فيه، والإيمان بأن ذلك كائن، وأن عيسى ينزل فيقتله بباب لد». (٤)\n_________\n(١) شرح النووي على مسلم (م ٩/ ج ١٨/صـ ٢٦١).\n(٢) لوامع الأنوار البهية (١/ ٩٤).\n(٣) مجموع الفتاوي (٤/ ٣٢٢ - ٣٢٤).\n(٤) «طبقات الحنابلة» (١/ ٢٤١) للقاضي الحسن بن محمد بن أبي يعلى، طبع دار المعرفة للنشر، بيروت.","vol":"1","page":272},{"text":"وقال أبو الحسن الأشعري ﵀ في سرده لعقيدة أهل السنة والجماعة: «الإقرار بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وما جاء من عند الله، وما رواه الثقات عن رسول الله - ﷺ - لا يردون من ذلك شيء، ويصدقون بخروج الدجال، وأن عيسى يقتله» (١)، وقال الطحاوي: «ونؤمن بأشراط الساعة، من خروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم ﵇ من السماء». (٢)\nونقل أبو حيان في البحر المحيط عن الإمام ابن عطية أنه قال في تفسيره: «وأجمعت الأمة على ما تضمنه الحديث المتواتر من أن عيسى في السماء حي وأنه ينزل في آخر الزمان، فيقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويقتل الدجال، ويفيض العدل وتظهر به مله محمد - ﷺ - ويحج البيت ويعتمر». (٣)\nقال الغماري: «وقد ثبت القول بنزول عيسى ﵇ من غير واحد من الصحابة والتابعين وأتباعهم والأئمة والعلماء من سائر المذاهب على مر الزمان إلى وقتنا هذا». (٤)\nوقال الشيخ أحمد شاكر: «نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان مما لم يختلف فيه المسلمون، لورود الأخبار الصحاح عن النبي - ﷺ - بذلك وهذا\n_________\n(١) «مقالات الإسلاميين» (١/ ٣٤٥) تحقيق الشيخ محمد محي الدين عبد الحميد، الطبعة الثانية ١٣٨٩ هـ، طبع مكتبة النهضة المصرية، القاهرة.\n(٢) شرح العقيدة الطحاوية، صـ ٥٦٤، تحقيق الألباني.\n(٣) البحر المحيط لأبي حيان (٢/ ٤٧٣).\n(٤) عقيدة أهل الإسلام في نزول عيسى ﵇، صـ ١٢، مكتبة القاهرة، مطبعة دار المختار.","vol":"1","page":273},{"text":"معلوم من الدين بالضرورة، لا يؤمن من أنكره». (١)\nوقال الشيخ صالح الفوزان: «وفي عصرنا هذا ينكر بعض الكتاب الجهال وأنصاف العلماء نزول عيسى ﵇؛ اعتمادا على عقولهم وأفكارهم، ويطعنون في الأحاديث الصحيحة، أو يؤولونها بتأويلات باطلة، والواجب على المسلم التصديق بما أخبر به النبي - ﷺ - وصح عنه واعتقاده؛ لأن ذلك من الإيمان بالغيب الذي أطلع الله رسوله عليه ...». (٢)\nوقال الشيخ صالح الفوزان أيضًا: «إن نزول عيسى ابن مريم ﵊ كما دل عليه القرآن فقد أخبر به الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى نبينا محمد - ﷺ -، وتواتر النقل عنه بذلك، وأجمع عليه علماء الأمة سلفًا وخلفًا، واعتبروه مما يجب اعتقاده والإيمان به». (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>أدلة نزوله من القرآن:</span>\nورد في القرآن الكريم آيتان تدلان دلالة واضحة على نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ (٤). أي إن نزول عيسى ﵇ قبل القيامة علامة على قرب الساعة، ويدل على هذا: القراءة الأخرى فقد قرأ ابن عباس وأبو هريرة وقتادة ومالك بن\n_________\n(١) من حاشية «تفسير الطبري» (٦/ ٤٦٠)، تخريج الشيخ أحمد شاكر، تحقيق محمود شاكر، طبعة دار المعارف مصر.\n(٢) الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد، صالح الفوزان صـ ٢٣٤.\n(٣) الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد، د. صالح الفوزان صـ ٢٣٥، دار ابن الجوازي ط ١٢ سنة ١٤٢٨ هـ.\n(٤) سورة الزخرف، الآية: ٦١.","vol":"1","page":274},{"text":"دينار والضحاك (وإنه لعَلم للساعة) بفتح العين واللام، أي خروجه علم من أعلام الساعة وشرط من شروطها وأمارة على قرب قيامها. (١)\nوروى الإمام أحمد والحاكم عن ابن عباس (﵄) في تفسير هذه الآية ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ قال: هو خروج عيسى ابن مريم ﵇ قبل يوم القيامة (٢).\nوهذا المعنى مروي عن عدد من أئمة التفسير واختاره الحافظ ابن كثير وغيره (٣).\nوالآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾. (٤)\nقرر كثير من المفسرين أن الضميرين في (به)، و(موته) لعيسى ابن مريم ﵇ (٥).\nوقد روى ابن جرير الطبري - ﵀ - عن أبي مالك - ﵀ - في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قال:\n_________\n(١) (الجامع لأحكام القرآن) للقرطبي (١٦/ ١٠٥).\n(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٤/ ٣٢٩) حديث رقم ٢٩٢١، وقال أحمد شاكر - ﵀ - إسناده صحيح، وفي مستدرك الحاكم (٢/ ٢٥٤) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.\n(٣) انظر: تفسير ابن كثير (٤/ ١٣١ - ١٣٢)، وأيضا: تفسير الطبري (٢٥/ ٩٠).\n(٤) سورة النساء، الآية: ١٥٩.\n(٥) انظر تفسير الطبري (٦/ ٢١)، وتفسير البغوي (١/ ٤٩٧)، وتفسير ابن كثير (١/ ٥٧٧).","vol":"1","page":275},{"text":"«ذلك عند نزول عيسى بن مريم ﵇، لا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمن به». (١)\nقال بن كثير: «ولا شك أن هذا هو الصحيح؛ لأنه المقصود من سياق الآي في تقرير بطلان ما ادعته اليهود من قتل عيسى وصلبه، وتسليم من سلم لهم من النصارى الجهلة ذلك، فأخبر الله أنه لم يكن الأمر كذلك، وإنما شبه لهم، فقتلوا الشبه وهم لا يتبينون ذلك، فأخبر الله أنه رفعه إليه، وأنه باق حي، وأنه سينزل قبل يوم القيامة، كما دلت عليه الأحاديث المتواترة التي سنوردها إن شاء الله قريبا، فيقتل مسيح الضلالة، ويكسر الصليب ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، يعني: لا يقبلها من أحد من أهل الأديان، بل لا يقبل إلا الإسلام أو السيف، فأخبرت هذه الآية الكريمة أنه يؤمن به جميع أهل الكتاب حينئذ ولا يتخلف عن التصديق به واحد منهم». (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>أدلة نزوله من السنة:</span>\nوجاءت في السنة أحاديث كثيرة تدل على نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان منها:\n١ - عن النواس بن سمعان قال ذكر رسول الله - ﷺ - الدجال ذات غداة فخفض فيه ورفع حتى ظنناه في طائفة النخل، فلما رحنا إليه عرف ذلك فينا، فقال «ما شأنكم». قلنا يا رسول الله ذكرت الدجال غداة فخفضت فيه\n_________\n(١) تفسير ابن جرير الطبري (٦/ ١٨).\n(٢) تفسير ابن كثير (١/ ٥١٤).","vol":"1","page":276},{"text":"ورفعت حتى ظنناه في طائفة النخل. فقال: «غير الدجال أخوفني عليكم إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم، إنه شاب قطط عينه طافئة كأني أشبهه بعبد العزى بن قطن، فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف، إنه خارج خلة بين الشام والعراق، فعاث يمينا وعاث شمالا يا عباد الله فاثبتوا». قلنا يا رسول الله وما لبثه في الأرض؟ قال «أربعون يوما، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم». قلنا يا رسول الله فذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا، اقدوار له قدره، قلنا يا رسول الله وما إسراعه في الأرض قال: «كالغيث استدبرته الريح فيأتي على القوم فيدعوهم فيؤمنون به ويستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذرًا وأسبغه ضروعًا وأمده خواصر، ثم يأتي القوم فيدعوهم فيردون عليه قوله فينصرف عنهم فيصبحون ممحلين ليس بأيديهم شيء من أموالهم، ويمر بالخربة فيقول لها أخرجي كنوزك، فتتبعه كنوزها كيعاسيب (١) النحل ثم يدعو رجلا ممتلئا شبابا فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين رمية الغرض، ثم يدعوه فيقبل ويتهلل وجهه يضحك، فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح ابن مريم فينزل عند المنارة البيضاء شرفي دمشق بين مهرودتين (٢)\nواضعا كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ، فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات، ونفسه ينتهي حيث طرفه، فيطلبه حتى يدركه بباب لد (٣) فيقتله،\n_________\n(١) يعاسيب النحل، ذكرها.\n(٢) مهرودتين، المهرودة الثوب المصبوع.\n(٣) اللد بلدة قرب بيت المقدس في فلسطين، ويعتقد اليهود أن عيسى ﵇ حكم في القدس، وصلب في المدينة اللد، حيث يعتقدون أن مدينة اللد هي مدينة الأشرار «تلمود بابل السنهدرين ١٤».","vol":"1","page":277},{"text":"ثم يأتي عيسى ابن مريم قوم قد عصمهم الله منه فيمسح عن وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة، فبينما هو كذلك إذ أوحي الله إلى عيسى إني قد أخرجت عبادًا لي لا يدان لأحدٍ بقتالهم، فحرز عبادي إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون، فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم فيقولون لقد كان بهذه مرة ماء. ويحصر نبي الله عيسى وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرًا من مائة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه، فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم، فيصبحون فرسي كموت نفسٍ واحدةٍ، ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيرسل الله طيرًا كأعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله، ثم يرسل الله مطرًا لا يَكُنُّ منه بيت مدرٍ ولا وبرٍ، فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة ثم يقال للأرض أنبتي ثمرتك وردى بركتك، فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة ويستظلون بقحفها، ويبارك في الرِّسْلِ حتى أن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس، واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس، واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس فينما هم كذلك إذ بعث الله ريحًا طيبة فتأخذهم تحت آباطهم فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم، ويبقى شرار الناس يتهارجون فيها تهارج الحمر فعليهم تقوم الساعة. (١)\n_________\n(١) صحيح مسلم - كتاب الفتن - باب ذكر الدجال (٤/ ٢٢٥٠)، رقم (٢٩٣٧).","vol":"1","page":278},{"text":"٢ - عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال اطلع النبي - ﷺ - علينا ونحن نتذاكر فقال «ما تذاكرون». قالوا نذكر الساعة. قال «إنها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات».\nفذكر الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس، من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم - ﷺ -، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف، خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم. (١)\n٣ - عن أبي هريرة﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ولا يقبلها من كافر، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة الواحدة خير من الدنيا وما فيها» (٢).\nثم يقول أبو هريرة﵁ -: اقرأوا إن شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾ (٣).\n٤ - عن جابر﵁ -: قال: سمعت النبي - ﷺ -: «لا تزال طائفة من أمتي\n_________\n(١) صحيح مسلم - كتاب الفتن وأشراط الساعة - باب في الآيات التي تكون قبل الساعة (٤/ ٢٢٢٥)، رقم (٢٩٠١).\n(٢) صحيح البخاري كتاب أحاديث الأنبياء - باب نزول عيسى ابن مريم ﵇ (١١/ ٢٦٥)، رقم (٣١٩٢)، صحيح مسلم كتاب الإيمان - باب نزول عيسى ابن مريم ﵇ (١/ ٩٣)، رقم (٤٠٦).\n(٣) سورة النساء، الآية: ١٥٩.","vol":"1","page":279},{"text":"يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة»، قال: «فينزل عيسى ابن مريم ﵇ فيقول أميرهم: تعال صل لنا، فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء، تكرمة الله لهذه الأمة». (١)\n٥ - عن أبي هريرة﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «الأنبياء إخوة لعلات (٢) أمهاتهم شتى ودينهم واحد، وإني أولى الناس بعيسى ابن مريم؛ لأنه لم يكن بيني وبينه نبي، وإنه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه: رجل مربوع إلى الحمرة والبياض، عليه ثوبان ممصران (٣)، كأن رأسه يقطر، وإن لم يصبه بلل، فيدق الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويدعو الناس إلى الإسلام، ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام، ويهلك الله في زمانه المسيح الدجال، ثم تقع الأمنة على الأرض، حتى ترتع الأسود مع الإبل، والنمار مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات لا تضرهم، فيمكث أربعين سنة، ثم يتوفى، ويصلي عليه المسلمون» (٤) إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة.\n_________\n(١) صحيح مسلم كتاب الإيمان - باب نزول عيسى ابن مريم ﵇ (١/ ٩٣)، رقم (٤٠٦).\n(٢) العلات: جمع علة، والعلة هي الضرة، والمرد: الإخوة من أمهات مختلفة وأبوهم واحد، والمراد أن إيمانهم واحد وشرائعهم مختلفة: النهاية في غريب الحديث. (٣/ ٢٩١).\n(٣) الممصران: تثنية ممصر، والممصر من الثياب الذي فجه صفرة خفيفة. النهاية لابن الأثير (٤/ ٣٣٦).\n(٤) أخرجه أحمد (٢/ ٤٠٦) وقال أحمد شاكر: حديث صحيح، عمدة التفسير (٤/ ٣٦)، وأبو داود: كتاب الملاحم، باب خروج الدجال (٤/ ٤٩٨)، والحاكم (٢/ ٥٩٥)، وفال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وقال ابن كثير ﵀ في النهاية في الفتن والملاحم (١/ ١٨٨): وهذا إسناد جيد قوي.","vol":"1","page":280},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-130>تواتر الأحاديث في نزول عيسى بن مريم:</span>\nجاءت الكثير من الأحاديث الصحيحة الصريحة في الصحاح والسنن والمسانيد التي تنص على نزول عيسى ابن مريم ﵇ في آخر الزمان، حتى بلغت هذه الأحاديث حد التواتر كما صرح بذلك جملةٌ من أهل العلم، وسوف أذكر هنا جملة من أقوالهم، حتى لا يدعي مدعٍ أن أحاديث نزول عيسى ابن مريم من أحاديث الآحاد التي ينبغي أن لا يجزم بها. (١)\nقال الحافظ ابن كثير ﵀ معلقا على أحاديث نزول عيسى ﵇: «فهذه أحاديث متواترة عن رسول الله - ﷺ - من رواية أبي هريرة وابن مسعود، وعثمان بن أبي العاص، والنواس بن سمعان، وعبد الله بن عمرو بن العاص، ومجمع بن جارية، وأبي سريحة حذيفة بن أسيد ﵃، وفيها دلالة على صفة نزوله ومكانه، وأنه بالشام، بل بدمشق عند المنارة الشرقية، وأن ذلك يكون عند الإقامة لصلاة الصبح .. فيقتل الخنزير ويكسر الصليب ويضع الجزية فلا يقبل إلا الإسلام كما تقدم في الصحيحين، وهذا إخبار من النبي - ﷺ - بذلك، وتقرير وتشريع وتسويغ له على ذلك في ذلك الزمان، حيث تنزاح عللهم، وترتفع شبههم من أنفسهم، ولهذا كلهم يدخلون في دين الإسلام متابعة لعيسى ﵇ وعلى\n_________\n(١) كما أدعى الشيخ محمود شلشوت بأن أحاديث نزول عيسى في آخر الزمان لا حجة فيها لأنها أحاديث آحاد! ! كتاب «الفتاوي» للشيخ محمود شلتوت، طبع دار الشروق، ط ٨ عام ١٣٩٥ هـ، بيروت.","vol":"1","page":281},{"text":"يديه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾ (١).\nوهذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ (٢)\nوقرئ «لعلم بالتحريك، أي أمارة ودليل على اقتراب الساعة، وذلك لأنه ينزل بعد خروج المسيح الدجال فيقتله الله على يديه ويبعث الله في أيامه يأجوج ومأجوج فيهلكهم الله ببركة دعائه». (٣)\nقال ابن جرير الطبري - بعد ذكره الخلاف في معنى وفاة عيسى ﵇: «وأولى هذه الأقوال بالصحة عندنا قول من قال: «معنى ذلك: إني قابضك من الأرض، ورافعك إلي»؛ لتواتر الأخبار عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: ينزل عيسى بن مريم فيقتل الدجال». (٤) ثم ساق بعض الأحاديث الواردة في نزوله.\nوقال صديق حسن: «والأحاديث في نزوله ﵇ كثيرة، ذكر الشوكاني منها تسعة وعشرين حديثًا؛ ما بين صحيح، وحسن، وضعيف منجبر، منها ما هو مذكورٌ في أحاديث الدجال .. ومنها ما هو مذكورٌ في أحاديث المنتظر، وتنضمُّ إلى ذلك أيضا الآثار الواردة عن الصحابة، فلها حكم الرفع، إذ لا مجال للاجتهاد في ذلك». ثم ساقها وقال: «جميع ما\n_________\n(١) سورة النساء، الآية: ١٥٩.\n(٢) سورة الزخرف، الآية: ٦١.\n(٣) تفسير ابن كثير (١/ ٥١٩، ٥٢٠)\n(٤) تفسير الطبري (٣/ ٢٩١).","vol":"1","page":282},{"text":"سقناه بالغ حد التواتر كما لا يخفى على من له فضل اطلاع». (١)\nوقال الغماري (٢): «وقد ثبت القول بنزول عيسى ﵇ من غير واحد من الصحابة والتابعين وأتباعهم والأئمة والعلماء من سائر المذاهب على مر الزمان إلى وقتنا هذا». (٣)\nوقال: «تواتر هذا تواترًا لا شك فيه، بحيث لا يصح أن ينكره إلا الجهلة الأغبياء؛ كالقاديانية ومن نحا نحوهم؛ لأنه نقل بطريق جمع عن جمع، حتى استقر في كتب السنة التي وصلت إلينا تواترًا بتلقي جيل عن جيل» (٤).\nوقد ذكر من رواه من الصحابة، فعد أكثر من خمسة وعشرين صحابيا، رواه عنهم أكثر من ثلاثين تابعيا، ثم رواه تابعو التابعين بأكثر من هذا العدد. وهكذا حتى أخرجه الأئمة في كتب السنة، ومنها المسانيد؛ كـ» مسند» الطيالسي، وإسحاق بن راهويه، وأحمد بن حنبل، وعثمان بن أبي شيبة، وأبي يعلى، والبزار، والديلمي، ومن أصحاب الصحاح: البخاري، ومسلم، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، وأبو عوانة، والإسماعيلي، والضياء المقدسي، وغيرهم، ورواه أصحاب الجوامع، والمصنفات، والسنن، والتفسير بالمأثور، والمعاجم، والأجزاء، والغرائب، والمعجزات، والطبقات، والملاحم.\n_________\n(١) «الإذاعة» (ص: ١٦٠).\n(٢) هو أبو الفضل عبد الله محمد الصديق الغماري، من علماء هذا العصر، من مؤلفاته (عقيدة أهل الإسلام في نزول الله).\n(٣) «عقيدة أهل الإسلام في نزول عيسى ﵇» (ص: ١٢).\n(٤) «عقيدة أهل الإسلام في نزول عيسى ﵇» (ص: ٥).","vol":"1","page":283},{"text":"وممن جمع الأحاديث في نزول عيسى ﵇ الشيخ محمد أنور شاه الكشميري (١) في كتابه «التصريح بما تواتر في نزول المسيح»، فذكر أكثر من سبعين حديثًا.\nوقال صاحب «عون المعبود شرح سنن أبي داود»: «تواترت الأخبار عن النبي - ﷺ - في نزول عيسى بن مريم - ﷺ - من السماء بجسده العنصري إلى الأرض عند قرب الساعة، وهذا هو مذهب أهل السنة». (٢)\nوقال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني: «اعلم أن أحاديث الدجال ونزول عيسى ﵇ متواترة، يجب الإيمان بها، ولا تغتر بمن يدعي فيها أنها أحاديث آحاد؛ فإنهم جهال بهذا العلم، وليس فيهم من تتبع طرقها، ولو فعل لوجدها متواترة؛ كما شهد بذلك أئمة هذا العلم؛ كالحافظ ابن حجر، ومن المؤسف حقا أن يتجرأ البعض على الكلام فيما ليس من اختصاصهم، لا سيما والأمر دين وعقيدة» (٣).\nونزول عيسى ﵇ ذكره طائفة من العلماء في عقيدة أهل السنة والجماعة، وأنه ينزل لقتل الدجال قبحه الله.\n_________\n(١) هو الشيخ المحدث محمد أنور شاه الكشميري الهندي، له عدة مصنفات، منها: «فيض الباري على صحيح البخاري» في أربعة مجلدات، و» العرف الشذي على جامع الترمذي»، وغيرهما، توفي (١٣٥٢ هـ) ﵀ في مدينة ديوبند، انظر ترجمته في: مقدمة كتاب «التصريح» للشيخ عبد الفتاح أبو غدة.\n(٢) «عون المعبود» (١١/ ٤٥٧) لأبي الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي.\n(٣) «حاشية شرح العقيدة الطحاوية» (ص ٥٦٥) بتخريج الشيخ محمد ناصر الدين الألباني محدث الشام.","vol":"1","page":284},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-131>مسألة: هل رفع عيسى ﵇ ببدنه وروحه أم بروحه</span>؟\nالصحيح والذي عليه جمهور المفسرين كالطبري والقرطبي وابن كثير وغيرهم. (١)\nأنه رفع ببدنه وروحه، وهو ما دل عليه الكتاب والسنة، وقد سأل ابن تيمية عن وفاة عيسى ﵇ ورفعه فقال: «الحمد لله، عيسى ﵇ حي، وقد ثبت في الصحيح عن النبي - ﷺ - أنه قال «ينزل فيكم ابن مريم عدلًا وإمامًا مقسطًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير ويضع الجزية» وثبت في الصحيح عنه أنه ينزل على المنارة البيضاء شرقي دمشق، وأنه يقتل الدجال، ومن فارقت روحه جسده، لم ينزل جسده من السماء، وإذا أحُيي فإنه يقوم من قبره، وأما قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. (٢)\nفهذا دليل على أنه لم يعن بذلك الموت، إذ لو أراد بذلك الموت، لكان عيسى في ذلك كسائر المؤمنين فإن الله يقبض أرواحهم ويعرج بها إلى السماء فعُلم أن ليس في ذلك خاصية، وكذلك قوله ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٣)\nولو كان قد فارقت الأنبياء أو غيره من الأنبياء، وقد قال تعالى في الآية الأخرى ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ\n_________\n(١) انظر تفسير الطبري (٢٥/ ٩ - ٩٥)، وتفسير القرطبي (١٦/ ١٠٥)، وتفسير ابن كثير (٧/ ٢٢٢ - ٢٢٤).\n(٢) آل عمران، الآية ٥٥.\n(٣) آل عمران، آية: ٥٥.","vol":"1","page":285},{"text":"عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨)﴾ (١)، فقوله هنا «بل رفعه الله إليه» يبين أنه رفع بدنه وروحه كما ثبت في الصحيح أنه ينزل ببدنه وروح إذا لو أرُيد موته لقال: وما قتلوه وما صلبوه بل مات .. ولهذا قال من قال من العلماء إني متوفيك، أي قابضك، أي قابض روحك وبذلك، يقال توفيت الحساب واستوفيته، ولفظ «التوفي» لا يقتضي نفسه توفي الروح دون البدن، ولا توفيهما جميعًا إلا بقرينه منفصلة، وقد يراد به توفي النوم كقوله تعالى ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ (٢)، وقوله ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ (٣)، وقوله ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ (٤) (٥)\nفهذا بلا شك ما يوافق معنى ما جاء في القرآن والسنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>مدة بقائه بعد نزوله:</span>\nوأما مدة بقاء عيسى ﵇ إذا نزل: ففي بعض الروايات أنه يمكث سبع سنين، وفي الروايات الأخرى أنه يمكث أربعين سنة ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون، ففي حديث عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي - ﷺ - قال: «فيبعث الله عيسى ابن مريم .. ثم يمكث الناس سبع سنين ليس\n_________\n(١) النساء، الآية ١٥٧ - ١٥٨.\n(٢) الزمر، الآية: ٤٢.\n(٣) الأنعام، الآية: ٦٠.\n(٤) الأنعام، الآية: ٦١.\n(٥) مجموع الفتاوي (٤/ ٣٢٢ - ٢٢٣).","vol":"1","page":286},{"text":"بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله ريحًا باردة من قبل الشام فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته». (١)\nوفي حديث أبي هريرة﵁ - السابق: «ثم يمكث في الأرض أربعين سنة، ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون». (٢)\nوقد جمع الحافظ ابن كثير ﵀ بين الروايتين فقال: «هكذا وقع في الحديث: أنه يمكث أربعين سنة، وثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو أنه يمكث في الأرض سبع سنين، فهذا مع هذا مشكل، اللهم إلا إذا حملت هذه السبع على مدة إقامته بعد نزوله، وتكون مضافة إلى مدة مكثه فيها قبل رفعه إلى السماء، وكان عمره إذ ذاك ثلاثا وثلاثين سنة على المشهور، والله أعلم». (٣)\nوقد عارض السفاريني هذا الجمع فقال بعد أن ذكره بدون عزو: وهذا والله أعلم ليس بشيء لما مر من حديث عائشة عند الإمام أحمد وغيره «فيقتل الدجال، ثم يمكث عيسى في الأرض أربعين سنة»، ثم حكى عن البيهقي أنه اعتمد رواية «أربعين»، وكما نقل عن السيوطي أنه ذهب إلى ترجيحها؛ لأن زيادة الثقة يحتج بها، ولأنهم يأخذون برواية الأكثر ويقدمونها على رواية\n_________\n(١) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب خروج الدجال (٤/ ٢٢٥٨)، رقم (٢٩٤٠).\n(٢) مسند الإمام أحمد (٢/ ٤٠٦) قال بن حجر (صحيح) (٦/ ٤٩٣)، «وسنن أبي داود» كتاب الملاحم، باب خروج الدجال (١١/ ٤٥٦).\n(٣) النهاية في الفتن والملاحم (١/ ١٩٣).","vol":"1","page":287},{"text":"الأقل لما معها من زيادة العلم، ولأنه مثبت والمثبت مقدم. (١)\nوقال البرزنجي: «إن القليل لا ينافي الكثير». (٢)\nولعل الراجح أن يقال: إن رواية «أربعين سنة» هي المعتمدة؛ لأنها رواية الأكثر، كما أشار إلى ذلك السفاريني، ولعل هذه السنين تمر كأنها سبع سنين، ويستأنس لذلك بما رواه عبد بن حميد عن أبي هريرة﵁ - في تفسير قوله تعالى ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ (٣). قال: خروج عيسى، يمكث في الأرض أربعين سنة، وتكون تلك الأربعون كأربع سنين، يحج ويعتمر (٤). والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-133>رأي رشيد رضا في نزول عيسى بن مريم - ﵇ - والرد عليه:</span>\nرأى الشيخ رشيد رضا ﵀ وغفر له في نزول عيسى بن مريم ﵇ في آخر الزمان، لا يختلف عن رأيه فيما ورد في خروج المسيح الدجال وظهور المهدي، وذلك لأنه كما قلنا من قبل يرفض أي شكل من أشكال الخارقة أو الخروج عن المألوف، متابعًا في ذلك نهج المدرسة العقلية القديمة «المعتزلة»، فهو يشكك في الأحاديث الواردة في نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان.\nويثير مجموعة من الاستشكالات والتساؤلات حولها، كما\n_________\n(١) لوامع الأنوار البهية (٢/ ٩٩).\n(٢) الإشاعة ص (٣٠٤).\n(٣) سورة الزخرف، الآية: ٦١.\n(٤) انظر: الدر المنثور: (٦/ ٢٠).","vol":"1","page":288},{"text":"فعل مع أحاديث المسيح الدجال والمهدي، معتقدًا أنه باستطاعته رد تلك الأحاديث الصحيحة الصريحة المتواترة بمجموعة استشكالات وتساؤلات لا قيمة لها أمام الكم الهائل من تلك الأحاديث النبوية التي تنص وبشكل واضح على نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان، حيث يقول: «وأما أحاديث نزول عيسى ﵇ فبعض أسانيدها صحيحة، وهي على تعارضها واردة في أمر غيبي متعلق بأحاديث الدجال المتعارضة، كما تقدم بيانه أيضا في ذلك البحث، فينبغي أن يفوض أمرها إلى الله تعالى وأن لا تكون سببًا للتقصير في إقامة الدين والدنيا بما شرعه الله تعالى فيهما». (١)\nوأجاب عن سؤال وجه إليه في مجلته المنار حول صحة اعتقاد نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان - فأجاب بقوله «إن القرآن ليس فيه نص صريح بأنه ينزل من السماء وإنما هذه عقيدة أكثر النصارى، وقد حاولوا في كل زمان منذ ظهر الإسلام إلى الآن بثها في المسلمين ...». (٢)\nثم تكلم عن الأحاديث الواردة في نزوله ﵇، حيث يقول «والأحاديث الواردة في نزوله ﵇ كثيرة في الصحيحين والسنن وغيرها، وأكثرها واردة في أشراط الساعة، وممزوجة بأحاديث الدجال، وفي تلك الأشراط ولا سيما أحاديث الدجال والمهدي المنتظر واضطراب\n_________\n(١) تفسير المنار (١٠/ ٣٩٤).\n(٢) مجلة المنار (٢٨/ ٧٥٥ - ٧٥٦).","vol":"1","page":289},{"text":"واختلاف وتعارض كثير ...». (١)\nإلى أن قال: (والخلاصة أنه لا يجب على مسلم أن يقف على تلك الأحاديث وأمثالها، لأنها ليست من أركان الإيمان ولا من أركان الإسلام، ولا يضره في إيمانه وإسلامه الاشتباه في صحتها ..». (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-134>الرد عليه:</span>\nأولا: بالنسبة لقوله عن الأحاديث الواردة في نزول عيسى ﵇ أن بعض أحاديثها صحيحة، فيه تجن على تلك الأحاديث، حيث يفهم من كلامه أن أكثر أحاديثها غير صحيحة ومكذوبة، وهذا بلا شك كلام غير صحيح، بل إن العكس هو الصحيح، وهو أن غالب أحاديثها صحيحة، سواء تلك الأحاديث التي في الصحيحين والتي هي في أعلى مراتب الصحة، أو تلك الأحاديث الأخرى الموجودة في السنن والمسانيد وغيرها من دواوين السنة.\nوالتي شهد بصحتها أكابر أهل العلم المختصين بالحديث كابن تيمية (٣)، وابن كثير (٤)، وابن حجر (٥) والنووي (٦)، والحاكم (٧)\nوالشوكاني (٨)\n_________\n(١) نفس المصدر والصفحة.\n(٢) نفس المصدر صفحة (٧٥٧).\n(٣) مجموع الفتاوي (٤/ ٣٢٢)، (٤/ ٣٢٩).\n(٤) «النهاية/ الفتن والملاحم» (١/ ١٣١)، (١/ ١٣٧).\n(٥) «فتح الباري - شرح صحيح البخاري»، (٦/ ٤٩٢).\n(٦) شرح النووي على مسلم (٢/ ١٩٣ - ١٩٤).\n(٧) «مستدرك الحاكم» (٢/ ٥٩٥).\n(٨) «التوضيح في تواتر ما جاء في المنتظر والدجال والمسيح».","vol":"1","page":290},{"text":"والكتاني (١) والغماري (٢) والكشميري (٣) والألباني. (٤)\nثانيًا: أما ادعاءه من أن الأحاديث الواردة في نزول عيسى ﵇ فيها تعارض، فهي دعوى سبق أن ذكرها في الأحاديث الواردة في المسيح الدجال والأحاديث الواردة في المهدي، وثبت عدم صحتها.\nثم إني لا أدري أين هذا التعارض الذي أشار إليه الشيخ رشيد رضا؟ ولماذا لم يذكر هذا التعارض كعادته في إثارة الاستشكالات والتساؤلات؟ والسبب في نظري في عدم ذكره لهذا التعارض هو عدم الوقوف على حدثين متعارضين حقيقةً، فجعل المسألة مبهمة ولم يبين، أما إن كان يقصد التعارض والاختلاف في مدة بقائه بعد نزوله هل هي أربعين سنة أو سبع سنين؟ فقد ذكرنا أقوال أهل العلم في هذه المسألة، والتي رجحنا أن رواية «أربعين سنة» هي الأصح لأنها رواية الأكثر.\nثم إن هذا الخلاف خلاف جزئي ومعتبر، لأن لكلٍ دليله، ولكن لا يصح أن يكون اعتبار هذا الخلاف حجة يرد بسببها تلك الأحاديث الصحيحة الصريحة المتواترة التي تنص وبدلاله قطعية على نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان وإن اختلف في مدة مكثه في الأرض.\nثالثا: أما بالسنة لقوله عن أحاديث نزول المسيح ﵇ بأنه ينبغي أن لا تكون سببًا للتقصير في إقامة الدين والدنيا بما شرعه الله، فهذا كلام\n_________\n(١) «نظم المتناثر في الحديث المتواتر»، صـ ١٤٧.\n(٢) «الإذاعة لما كان ويكون بين يدى الساعة»، (١٥٩ - ١٦١).\n(٣) «التصريح بما تواتر في نزول المسيح».\n(٤) «المسيح الدجال ونزول عيسى ﵇ وقتله إياه».","vol":"1","page":291},{"text":"طيب من الشيخ رشيد رضا، ولا يخالفه أحد في وجوب الأخذ بالأسباب وعدم التواكل، فنحن مأمورون بأن نصدق بنزول عيسى ﵇ وغيرها من الاعتقادات التي ثبتت بالنص الصحيح الصريح، والمؤمن الحق هو الذي يتوسط ويجمع بين العمل والتصديق من غير إفراط ولا تفريط. (١)\nرابعًا: أما بالسنة لقوله، بأنه ليس في القرآن نص صريح بأنه ينزل من السماء، فهي دعوى باطلة، وإلا فما معنى قوله تعالى ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ (٢)، فهذه الآية وما قبلها من الآيات جاءت في الكلام على عيسى ﵇، والتي فيها دلاله على نزوله ﵇ قبل يوم القيامة علامةً على قرب الساعة، ويدل على ذلك القراءة الأخرى ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ بفتح العين واللام، أي علامة وأمارة على قيام الساعة، وهذه القراءة مروية عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما من أئمة التفسير. (٣)\nوقال الحافظ ابن كثير: «الصحيح أنه - أي الضمير - عائد على عيسى ﵇، فإن الباقي في ذكره» (٤)، بل وما معنى قوله تعالى ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ (٥)، فهي بلا شك عند نزول عيسى ﵇.\n_________\n(١) موقف المدرسة العقلية الحديثة من الحديث النبوي الشريف، شفيق شقير، صـ ٣٣٨.\n(٢) الزخرف، الآية: ٦١.\n(٣) تفسير القرطبي (١٦/ ١٠٥)، وانظر تفسير الطبري (٢٥/ ٩٠).\n(٤) تفسير بن كثير (٧/ ٢٢٢).\n(٥) النساء، الآية: ١٥٩.","vol":"1","page":292},{"text":"فقد روى ابن جرير الطبري ﵀ عن أبي مالك ﵀ قال عن هذه الآية: «ذلك عند نزول عيسى ابن مريم ﵇، لا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمن به» (١)،\nقال الحافظ ابن كثير: «ولا شك أن هذا هو الصحيح - لأن المقصود من سياق الآي في تقرير بطلان ما ادعته اليهود من قتل عيسى وصلبه، وتسليم من سلم من النصارى الجهلة ذلك، فأخبر الله أنه لم يكن الأمر كذلك، وإنما شبه لهم، فقتلوا الشبه وهم لا يثبتون ذلك، فأخبر الله أنه رفعه إليه، وأنه باقٍ حي، وأنه سينزل قبل يوم القيامة، كما دلت عليه الأحاديث المتواترة». (٢)\nخامسًا: أما دعواه أن الاعتقاد بنزول عيسى ﵇ في آخر الزمان أنها من عقائد النصارى، فهذا الكلام وإن كان فيه بعض الصحة وهو اعتقاد بعض النصارى بنزول عيسى ﵇ في آخر الزمان إلا أنه ليس دليلًا أو مسوغًا ترد بسببه عقيدة من عقائد المسلمين ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع.\nثم إن عقيدة المسلمين في عيسى ورفعه إلى السماء ومن ثم نزوله في آخر الزمان تختلف اختلافًا كبيرًا عن ما يعتقده النصارى.\nفهم يعتقدون أن عيسى هو ابن الله، وأن اليهود صلبوه وقتلوه، ورفع بعد صلبه بثلاثة أيام إلى السماء وهذا كله بلا شك باطل وغير صحيح.\nثم إنه هناك الكثير من العقائد لدى المسلمين ويعتقد بمثلها النصارى\n_________\n(١) تفسير ابن جرير الطبري (٦/ ١٨).\n(٢) تفسير بن كثير (١/ ٥١٤).","vol":"1","page":293},{"text":"بل واليهود، كاعتقادهم بنبوة إبراهيم ويعقوب ويوسف وموسى وغيرهم فهل نترك ما ثبت لدينا بالكتاب والسنة ونرده ولا نؤمن به لا لشيء إلا لأنها من عقائد أهل الكتاب، فهذا كلام غير صحيح ولا يقول به إنسان من عامة الناس فضلًا عن أن يكون من أهل العلم.\nسادسًا: أما بالسنة لتشكيكه بصحتها بدعوى أنها واردة من ضمن أحاديث أشراط الساعة، وممزوجة بأحاديث الدجال والمهدي، والتي يرى هو أنها كلها مكذوبة وموضوعة. فقد بينا فيما سبق في مبحث المسيح الدجال ومبحث المهدي أن هناك من أحاديث أشراط الساعة ما هو مكذوب ومنها ما هو صحيح فهل من الإنصاف ومن العدل رد الأحاديث الواردة في نزول عيسى ﵇ بدعوى أنها قد تكون من ضمن تلك الأحاديث المكذوبة، دون الالتفات إلى الأحاديث الأخرى الصحيحة الصريحة المتواترة التي وردت في نزول عيسى ﵇.\nسابعًا: أما بالنسبة لقوله «إنه لا يجب على المسلم أن يقف على تلك الأحاديث وأمثالها ...»، ويقصد بها أحاديث أشراط الساعة وأحاديث الاعتقاد. «لأنها ليست من أركان الإيمان ولا من أركان الإسلام، ولا يضره في إيمانه وإسلامه الاشتباه في صحتها ....»، أي بما أن أحاديث أشراط الساعة ليست من أركان الإسلام ولا من أركان الإيمان فإنه لا يضره إنكار وقوعها وعدم الاعتقاد بها.\nوهذا والله إنه لكلامٌ خطير ينبئ عن سوء منهج المدرسة العقلية الحديثة في التعامل مع الحديث النبوي الشريف، وعدم توقيره.","vol":"1","page":294},{"text":"وإن كنا لا نستغرب هذا الموقف من جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده إلا أننا نستغربه من محمد رشيد رضا وهو العالم بالسنة.\nوإلا فكيف يرد أحاديث ثابتة عن المعصوم - ﷺ - بأصح المسانيد في أصح الكتب بعد كتاب الله، وهما صحيحًا البخاري ومسلم، بدعوى أنها ليست من أركان الإسلام أو الإيمان ولا يضره إنكارها.\nفالإسلام ليس محصورًا في أركان الإسلام والإيمان، وهناك الكثير من الأمور التي لا يصح إيمان المرء إلا بها، ويكفر إذا جحدها وليست من أركان الإسلام والإيمان.\nمثال ذلك: التصديق بوجود الجن، والتصديق بأن محمدًا - ﷺ - خاتم النبيين، واعتقاد براءة عائشة ﵂ من الزنى وغيرها الكثير.\nورحم الله الشيخ أحمد شاكر عندما قال: «نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان مما لم يختلف فيه المسلمون، لورود الأخبار الصحاح عن النبي - ﷺ - بذلك وهذا معلوم من الدين بالضرورة، لا يؤمن من أنكره». (١)\nوقال في تعليقه على مسند الإمام أحمد: «وقد لعب المجددون أو المجردون في عصرنا الذي نحيا فيه بهذه الأحاديث الدالة صراحةً على نزول عيسى بن مريم ﵇ في آخر الزمان، قبل انقضاء الحياة الدنيا، بالتأويل المنطوي على الإنكار تارة، وبالإنكار الصريح أخرى، ذلك أنهم في حقيقة أمرهم - لا يؤمنون بالغيب أو لا يكادون يؤمنون، وهي أحاديث\n_________\n(١) من حاشية «تفسير الطبري» (٦/ ٤٦٠) تخريج أحمد شاكر.","vol":"1","page":295},{"text":"متواترة المعنى في مجموعها يعلم مضمون ما فيها من الدين بالضرورة فلا يجديهم الإنكار ولا التأويل». (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-135>خاتمة المبحث:</span>\nفي الحقيقة إن المتأمل لرأي رشيد رضا في الأحاديث الواردة في نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان يعلم علم اليقين بأن رأيه هذا نابع من تأثره بآراء وأفكار شيخه وأستاذه محمد عبده، الذي لم يستطع التخلص من آثار آرائه الكلامية والفلسفية عليه حتى بعد موته بزمن طويل.\nحيث يقول محمد عبده عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٢)، إن المراد بالتوفي هنا الإماتة العادية، وإن الرفع بعد ذلك هو رفع الروح. (٣)\nثم قال، ولصاحب هذه الطريقة في حديث الرفع والنزول في آخر الزمان تخريجان:\nأحدهما: أنه حديث آحاد متعلق بأمر اعتقادي، لأنه من أمور الغيب والأمور الاعتقادية لا يؤخذ فيها إلا بالقطعي، لأن المطلوب فيها اليقين، وليس في الباب حديث متواتر.\nوثانيهما: تأويل نزوله وحكمه في الأرض بغلبة روحه، وسر رسالته\n_________\n(١) حاشية «مسند الإمام أحمد» (١٢/ ٢٥٧).\n(٢) أل عمران، الآية ٥٥.\n(٣) تفسير المنار، (٣/ ٣١٦).","vol":"1","page":296},{"text":"على الناس، وما غلب في تعليمه من الأمر بالرحمة والمحبة والسلم والأخذ بمقاصد الشريعة. دون الوقوف عند ظواهرها، والتمسك بقشورها دون لبابها، وهو حكمتها، وما شرعت لأجله، فالمسيح ﵇ لم يأت اليهود بشريعة جديدة، ولكنه جاءهم بما يزحزحهم عن الجمود على ظواهر ألفاظ شريعة موسي ﵇، ويوقفهم على فقهها، والمراد منها، ويأمرهم بمراعاته، وبما يجذبهم إلى عالم الأرواح، بتحري كمال الآداب ... فزمان عيسى على هذا التأويل هو الزمان الذي يأخذ الناس فيه بروح الدين والشريعة الإسلامية، لإصلاح السرائر من غير تقيد بالرسوم والظواهر. (١)\nوقال الشيخ رشيد معقبا على كلام أستاذه: «هذا ما قاله الأستاذ الإمام في الدرس مع بسط وإيضاح، ولكن ظواهر الأحاديث الواردة في ذلك تأباه، ولأهل هذا التأويل أن يقولوا: إن هذه الأحاديث قد نقلت بالمعني كأكثر الأحاديث، والناقل للمعني ينقل ما فهمه» وأضاف قائلا: «وسئل عن المسيح الدجال، وقتل عيسى له، فقال: إن الدجال رمز للخرافات والدجل والقبائح التي تزول بتقرير الشريعة على وجهها والأخذ بأسرارها. وأن القرآن أعظم هاد إلى هذه الحكم والأسرار، وسنة الرسول - ﷺ - مبينة لذلك فلا حاجة للبشر إلى إصلاح وراء الرجوع إلى ذلك». (٢)\nمن كل ما سبق نتبين أن المسلك الذي سلكة الأستاذ الإمام وتلميذه مسلك خطر، فالأحاديث في نزول عيسى ﵇ والدجال أحاديث صريحة صحيحة، وليست من الآحاد في شئ، ثم دعوى أن أحاديث\n_________\n(١) انظر تفسير المنار (٣/ ٣١٦ - ٣١٧).\n(٢) نفس المصدر.","vol":"1","page":297},{"text":"الآحاد لا يؤخذ بها في شئون العقائد دعوى غير مسلمة، فمحور الأمر كله يدور على صحة الحديث، وأخطر من هذا المسلك مسلك التأويل لهذه الأحاديث، وهذا قريب من تأويل الباطنية، وما كان ينبغي له أن يخوض مثل هذا الخوض، وإذا فتح باب التأويل على هذا المنوال، فإن جميع النصوص سيلحق بها هذا الظن، وللناس مشارب مختلفة، فمن يمنع كل واحد إذن أن يؤول كل ما لم يقتنع به، أو ما له هوى في تأويله، من أجل أن يوافق مذهبه وهواه. (١)\nوقد بين الشيخ محمد الصديق الغماري فساد هذا التأويل وأنه لا يليق أن يصدر من مصلح من وجوه:\nالأول: أنه لا دليل عليه.\nالثاني: أنه لو صح لكانت الأحاديث حينئذ مبشرة بانتشار روح المسيحية، وذيوع تعاليمها، وهو نقيض ما صرحت به من انتشار الإسلام عند نزوله، وتعميم تعاليم الكتاب والسنة.\nالثالث: أن الرحمة والمحبة والسلم، هي أصل تعاليم الإسلام، ولا يعرف دين حافظ على هذه المعاني، وحض عليها، وأكد حقها مثل دين الإسلام، ونصوصه في ذلك كثيرة جدا، حتى إنها أوجبت الرحمة للحيوان الأعجم، وتوعدت من قسا عليه أوعذبه باللعنة في الدنيا، والعذاب في الآخرة، وخوطب نبي الإسلام بقوله تعالي: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً\n_________\n(١) انظر (اتجاهات التفسير في العصر الحديث في مصر وسوريا) للدكتور فضل حسن عباس، ص ٢٧٠.","vol":"1","page":298},{"text":"لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ (١) وخوطب أهل الإسلام بقوله تعالي: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ (٢)\nفليس معقولا والحالة هذه أن تكني الأحاديث عن انتشار المحبة والرحمة والسلم بنزول عيسى، لأن حصة الإسلام في هذه المعاني أكثر وأثرها فيه أظهر.\nالرابع: أن أئمة الإسلام وعلماءه من الصحابة وغيرهم، عرفوا مقاصد الشريعة ولبابها، واجتهدوا قدر استطاعتهم، وخلفوا لنا ثروة علمية هائلة لم توجد في دين من الأديان، ولا ظهرت بها أمة من الأمم، ومن المحال شرعا وعادة أن يأتي من الأمة من يفوق الصحابة والتابعين وتابعيهم في فهم الشريعة وأسرارها، أو يساويهم، حتى يقال إن الأحاديث كَنَّت عنه بنزول عيسي، ثم أي علاقة بين فهم شئ وبين نزول شخص!؟ ولم لم يغير عن هذا الفهم بنزول الخضر مثلا!؟ .\nالخامس: أن اشتهار دعوة عيسى بالرحمة والمحبة والسلم إنما أتى في هذه العصور المتأخرة لما اتصل الغرب بالشرق ودرس المستشرقون كتب الإسلام، وصاروا يتهمون الإسلام بأنه دين القسوة، ولأنه انتشر بالسيف، ويفضلون دينهم بأنه دين الرحمة والمحبة والسلم، فلما ترددت في كتبهم ومحاضراتهم هذه المطاعن، وأيدوها بفقرات من أناجيلهم، رسخ في أذهان مسلمة اليوم أن دين عيسى ما يقوله هؤلاء المستشرقون حتى صار اسم عيسى عندهم عنوانا على المعاني المذكورة، من غير أن يرد شئ من ذلك في الدين،\n_________\n(١) سورة الأنبياء، الآية: ١٠٧.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٠٨.","vol":"1","page":299},{"text":"ومن الجهل القبيح أن تؤل الفاظ الكتاب والسنة بمعان دخيله مستحدثة بعد مئات القرون، نعم أديان الله كلها أتت بالرحمة والمحبة والسلم. لكن دين الإسلام أكثر وأبرز وأظهر، ولم يؤمر عيسى بالجهاد لأنه بعث إلى شعب خاص بدين خاص به، ولم يكلف إبلاغ دينه إلى سائر الناس، وهذا بخلاف الإسلام فإنه لما كان دين العالم كله كان لا بد - بمقتضى تباين استعدادات أفراد الإنسان - أن تقف في طريقة عقول مريضة، ونفوس خبيثة، لا تصفى لمنطق البرهان، ولا تستجيب لدعوة الحق، وكان فرض الجهاد أمرا حتما لا معدل عنه في سبيل إبلاغ الدين إلى بعض العقول وبعض النفوس، والعقلاء متفقون على استساغة الدواء المر لاستئصال شأفة الداء، وقد يقتضي الحال قطع بعض الأعضاء في سبيل سلامة باقيها.\nالسادس: أن دعوى جمود اليهود على ظواهر ألفاظ التوراة دعوى تفتقر إلى دليل، ودون إثباته خرط القتاد، بل يمكننا أن نقول- مطمئنين- عكس ذلك وهو أن اليهود خرجوا على ظواهر ألفاظ التوراة، وتحايلوا في التخلص منها، وذلك كان سبب كفرهم وضلالهم، فقد أخبر الله عنهم أنهم يحرفون الكلم عن مواضعه، وذكر أشياء من تحريفاتهم وتحايلاتهم في مواضع من كتابه الكريم.\nالسابع: أن الأحاديث أخبرت أن عيسى يقتل الدجال، ويقاتل الناس على الإسلام، وروح عيسى وسر رسالته وتعاليمه ليس فيها قتل ولا قتال.\nالثامن: أن النبي ﵊، أمرنا أن نبلغ سلامه إلى عيسى ﵊ حين نزوله، ومحال عقلا تبليغ السلام إلى روح عيسى","vol":"1","page":300},{"text":"وسر رسالته وتعاليمه.\nالتاسع: أن النبي - ﷺ -، أخبر أنه اجتمع بعيسى ﵇ ليلة الإسراء، وأخبره أنه نازل ليقتل الدجال، ومن المحال العقلي، أن تكون روح عيسى وسر رسالته وتعاليمه اجتمعت برسول الله - ﷺ - وأخبرته أنها ستنتشر في آخر الزمان، وتقضي على الخرافات والدجال كما يقول فضيلة المصلح العظيم.\nالعاشر: أن الأحاديث أخبرت أن عيسى ينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، واضعا يديه على أجنحة ملكين وأنه رجل مربوع إلى الحمرة والبياض، وأن عليه ممصرتين، وأنه يصلى خلف إمام المسلمين، ويقتل الدجال، ويرى المسلمين دمه في حربته ويحج البيت ويعتمر، ويزور القبر النبوي الشريف .. إلخ ويستحيل عقلا أن يقوم شئ من هذه الصفات بروح عيسى وسر رسالته وتعاليمه.\nالحادي عشر: أن النبي - ﷺ - أفصح من نطق بالضاد وهو- في فصاحته المنقطعة النظير- غير محتاج إلى استعمال الرموز والألغاز في أحاديثه، بل لا يليق به استعمالها، لأنه مبلغ عن الله، ومبين لمراده، ونحن لا ننكر أن في اللغة والقرآن والسنة كنايات واستعارات تمثيلية، ومجازات عقلية وغيرها، لكن لها حد تقف عنده، دلائل عليها، وقرآءن ترشد إليها، فإذا خرجت عن حدها المقرر لها في كلام العرب، صارت ألغازا وأحاجي تورث الكلام قبحا واختلالا، لا حسنا ورونقا، وأين الدليل في أحاديث نزول عيسى على أنه أريديها غير معناها الصريح؟ .","vol":"1","page":301},{"text":"الثاني عشر: أنه لو صح هذا التأويل، لصح تأويل بقية الأشراط بل سائر السمعيات لأنها متماثلة، فما جاز في بعضها جاز في الجميع، والتفريق تحكم، وحينئذ لا يكفر من أول الملائكة والجن والحشر والنشر والجنة والنار بغير معانيها المعروفة كما فعل الفلاسفة، وكذا لا يكفر البهائية والقاديانية المحرفون للنصوص باسم التأويل، ولا شك أن كفر هؤلاء معلوم قطعا لا يتردد فيه مسلم. (١)\nوإذا كان من عذر للأستاذ الإمام وهو قلة بضاعته في الحديث فإنه لا عذر للشيخ رشيد وهو الضليع بهذا العلم. فكنا نظن لأول وهلة أنه لن يتابع شيخه فيما ذهب اليه، حيث علق على كلامه بقوله بأن ظواهر الأحاديث تخالفه، إلا أنه عاد فقال: إنها مروية بالمعني أي إن كل راو روى بحسب ما فهم، وكان الإنصاف أن يقول: إن صرائح الأحاديث تخالفه، لأن الأحاديث في هذا الباب صريحة لا تقبل التأويل.\nأما احتمال الرواية بالمعني، الذي أورده الأستاذ رشيد، فكنا نود أن لا يصدر عن مثله، لأنه لا يخطر على بال مسلم فضلا عن أن يكون عالما! وهل يخطر على باله أن واحدا وثلاثين صحابيا، فيهم ستة من حفاظهم المشهورين وهم: أبو هريرة وابن عباس وأنس وجابر وعائشة وأبو سعيد الخدري وفيهم عبدالله بن عمر الذي كان يكتب كل ما سمعه عن النبي - ﷺ - في جده ومزاحه، وفيهم عبد الله بن مسعود الذي كان إذا روى حديثا شك في حفظه، اغرورقت عيناه، وانتفخت أوداجه، ثم قال: أو مثله أو\n_________\n(١) عن عقيدة أهل الإسلام بتصرف، انظر ص ٧٧.","vol":"1","page":302},{"text":"نحوه أو شبيه به كلهم يتواطأون على رواية الحديث بالمعني من غير أن يبينوا ذلك؟ فأين حفظ حفاظهم؟ وأين كتابة من كان يكتب منهم؟ وأين حرصهم على تأدية اللفظ الذي سمعوه، رجاء حصول النضرة وجزيل الثواب؟ ثم لا يخفى أن نزول عيسى وما يحيط به من الأحداث أمر غيبي، يتوقف على النقل، ولا يدرك بالاستنباط فلا تتأتي روايته بالمعني حسب فهم الراوي، لأنه لا يمكنه أن يدرك باستنباطه أن عيسى ينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، ويقتل الدجال بباب لد، ويقاتل الناس على الإسلام، ولا يقبل الجزية إلى آخر ما ذكر من أوصافه، والأحداث الواقعة عند نزوله وبعده، فلولا أنهم سمعوها بصريح العبارة، ما أدركوها بمجرد الإشارة، إلا أن يقال وأخذوا بعضها عن الاسرائيليات، وضموه إلى ما سمعوه من الرسول - ﷺ -، لكن هذا القول لا يجوز ولا يصح، لأنه ينطوي على اتهام الصحابة بعدم العدالة، أو الغفلة والاختلاط، وذلك باطل، لأن الله عدلهم ورسوله، فهم مبرأون من كل ما يشين - ﵃ - ثم ما الذي دعاهم إلى رواية هذا الحديث بالمعني؟ أعجزوا عن حفظ ألفاظه؟ مع أنهم حفظوا القرآن وآلاف الأحاديث، أم تركوا فهم المراد إلى ذكاء السامع؟ لكن هذا أمر غيبي نقلي بحت، أم أرادوا تضليلنا عن مراد الرسول؟ وهذ لا يليق بعامي فضلا عمن أثنى عليهم الله ورسوله، ثم إن رواية الحديث بالمعنى على القول بجوازها، لا تدخل في جميع\nالأحاديث بل بعضها، وهذا مما لا تتأتى فيه.\nوالحاصل أن الشيخ رشيدا لم يرشد في إصلاح موقف شيخه، بل زاده","vol":"1","page":303},{"text":"تورطا وتوريطا فهو على رأي المثل «زاد الطين بلة». (١) (٢)\nوفي ختام هذا المبحث أقول: إن القارئ لآراء محمد رشيد رضا ليعجب من كيفية تعامله مع السنة النبوية، وكيف أنه يصطنع المشكلات والشبهات والافتراضات والظنون والأوهام والتشكيكات من أجل رد هذا الحديث أو ذاك، ومن ذلك محاولته رد جمله من الأحاديث الصحيحة لا لشيء إلا لاحتمال أنها رويت بالمعنى، وقد نسي أو تناسى أن معظم هذه الأحاديث التي حاول ردها لشبهة الرواية بالمعنى قد رواها جملة من الصحابة وبنفس الألفاظ دون اختلاف فيما بينها، وإن كان هناك خلاف في بعض ألفاظ الأحاديث، فهو خلاف لفظي لا يخرج الحديث عن مراده ومعناه، وهي في بعض الأحاديث كما قلنا لا كلها.\n_________\n(١) المرجع السابق ص ٨٢.\n(٢) بتصرف من رسالة الماجستير التي بعنوان «الاتجاه العقدي في تفسير المنار» لاستاذنا الدكتور محمد علي الزغول حفظه الله.","vol":"1","page":304},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-136>المبحث الخامس\nرأيه في طلوع الشمس\nمن مغربها والرد عليه</span>\nمما لا شك فيه أن طلوع الشمس من مغربها في آخر الزمان من أشراط الساعة الكبرى، الثابتة بالكتاب والسنة، وسوف أذكر طرفًا من هذه الأدلة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>الأدلة من القرآن:</span>\nقال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٥٨)﴾ (١).\nقال ابن جرير الطبري ﵀ بعد ذكره لأقوال المفسرين في الآية: وأولى الأقوال بالصواب في ذلك ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «ذلك حين تطلع الشمس من مغربها». (٢)\nوقال الشوكاني: «فإذا ثبت رفع هذا التفسير النبوي من وجه صحيح لا قادح فيه، فهو واجب التقديم، محتم الأخذ به». (٣)\n_________\n(١) الأنعام، الآية: ١٥٨.\n(٢) «تفسير الطبري» (٨/ ١٠٣).\n(٣) تفسير الشوكاني (٢/ ١٨٢).","vol":"1","page":305},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-138>الأدلة من السنة:</span>\nوالأحاديث الدالة على طلوع الشمس من مغربها كثيرة وسوف أذكر هنا ثمانيةً أحاديث صحيحة تنص على طول الشمس من مغربها في آخر الزمان أغلبها في الصحيحين.\n١ - عن أبي هريرة﵁ - قال - ﷺ -: «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمن الناس أجمعون، فذلك حيث لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا». (١)\nعن أبي موسى الأشعري﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها». (٢)\nعن صفوان بن عسال﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «إن الله فتح بابا قبل المغرب، عرضه سبعون عاما للتوبة لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها». (٣)\n_________\n(١) صحيح البخاري - كتاب الرقاق - باب طلوع الشمس من مغربها (٥/ ٢٣٨٦)، رقم (٦١٤١)، صحيح مسلم - كتاب الإيمان - باب الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان (١/ ١٣٧)، رقم (١٥٧).\n(٢) صحيح مسلم - كتاب التوبة - باب قبول التوبة من الذنوب وإن تكررت الذنوب والتوبة (٤/ ٢١١٣)، رقم (٢٧٥٩).\n(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٤/ ٢٤٠)، والترمذي في سننه في كتاب الدعوات (٥/ ٥٤٦) وقال هذا حديثٌ حسنٌ صحيح، وأخرجه ابن ماجه في سننه في كتاب الفتن (٢/ ١٣٥٣) والطبراني في معجمه الكبير (٨/ ٦٧) وقال الألباني حديثٌ حسن «صحيح الجامع» (٢/ ٤٤٢).","vol":"1","page":306},{"text":"عن عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عمر ومعاوية ﵃ عن النبي - ﷺ - قال: «لا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت طبع على كل قلب بما فيه وكفي الناس العمل». (١)\nعن أبي هريرة﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا، وذكر منها طلوع الشمس من مغربها». (٢)\nعن حذيفة بن أسيد الغفاري قال: اطلع النبي - ﷺ - علينا ونحن نتذاكر فقال: ما تذاكرون؟ قالوا: نذكر الساعة، قال: إنها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات»، فذكر الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم ﵇، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوفٍ خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم. (٣)\nعن عبد الله بن عمرو﵁ -، أن النبي - ﷺ - قال: «إن أول الآيات خروجًا طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى، وأيهما ما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها قريبًا». (٤)\n_________\n(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٣/ ١٣٣) وقال أحمد شاكر إسناده صحيح وقال ابن كثير في النهاية «الفتن والملاحم» (١/ ٢٢١) إسناده جيد قوي.\n(٢) صحيح مسلم - كتاب الإيمان - باب الزمن الذي لا يقبل فيه التوبة (١/ ١٣٨)، رقم (١٥٨).\n(٣) صحيح مسلم - كتاب الفتن - باب الآيات التي تكون قبل الساعة (٤/ ٢٢٢٥)، رقم (٢٩٠١).\n(٤) صحيح مسلم - كتاب الفتن - باب ذكر الدجال (٤/ ٢٢٦٠)، رقم (٢٩٤١).","vol":"1","page":307},{"text":"عن أبي ذر﵁ - أن النبي - ﷺ - قال يومًا: «أتدرون أين تذهب هذه الشمس». قالوا الله ورسوله أعلم. قال «إن هذه تجرى حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش، فتخر ساجدة، ولا تزال كذلك حتى يقال لها ارجعي من حيث جئت، فترجع فتصبح طالعة من مطلعها، ثم تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش، فتخر ساجدة، ولا تزال كذلك حتى يقال لها ارتفعي ارجعي من حيث جئت، فترجع فتصبح طالعة من مطلعها، ثم تجري لا يستنكر الناس منها شيئا، حتى تنتهي إلى مستقرها ذاك تحت العرش، فيقال لها ارتفعي أصبحي طالعة من مغربك، فتصبح طالعة من مغربها». فقال رسول الله - ﷺ - «أتدرون متى ذاكم، ذاك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا». (١)\n_________\n(١) صحيح البخاري - كتاب التوحيد - باب وكان عرشه على الماء (٦/ ٢٧٠٠)، رقم (٦٩٨٨)، صحيح مسلم - كتاب الإيمان - باب بيان الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان (١/ ١٣٨)، رقم (١٥٩).\n\nيطعن الشيخ رشيد رضا في هذا الحديث حيث يقول «ومن هذه الأحاديث في الباب حديث أبي ذر جندب ابن أبي جنادة الذي يعد متنه من أعظم المتون إشكالًا فهو يقول أن النبي - ﷺ - سأله، أتدري أين تذهب الشمس إذا غربت؟ قال، قلت لا أدري، قال، إنها تنتهي دون العرش فتخر ساجده ثم تقوم حتى يقال لها أرجعي، فيوشك يا أباذر أن يقال أرجعي من حيث دخلتِ وذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل\" \"تفسير المنار (٨/ ٢١١)، وفي الحقيقة أن الحديث لا إشكال فيه فقد ورد في الكتاب الكريم سجود كل مخلوقات الله له طوعًا وكرهًا، يقول تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (١٥)﴾ سورة الرعد، آية: ١٥، والشمس من مخلوقات الله فالحديث بالجملة موافق للآية. «وصحة الحديث على قواعد أهل السنة والجماعة مما لا يناقش فيه، ثم إن هذا السجود للشمس لا ندري كيفيته ولا يعلمها إلا الله ﷾ الذي يسجد له كل من في السماوات والأرض كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)﴾ سورة الحج، آية: ١٨، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (٤٨) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾ سورة النحل، الآيات: ٤٨ - ٥٠. وقد تكلم العلماء رحمهم الله تعالى عن حديث سجود الشمس تحت العرش وردوا على من أول ذلك، وبينوا أن سجودها تحت العرش سجود حقيقي، قال أبو سليمان الخطابي ﵀ في قول رسول الله - ﷺ -: \"مستقرها تحت العرش\" قال: \"لا ننكر أن يكون لها استقرار تحت العرش من حيث لا ندركه ولا نشاهده وإنما أخبرنا عن غيب فلا نكذب به ولا نكيفه؛ لأن علمنا لا يحيط به .. ثم قال عن سجودها تحت العرش: وفي هذا إخبار عن سجود الشمس تحت العرش فلا ينكر أن يكون ذلك عند محاذاتها العرش في مسيرها والتصرف لما سخرت له، وأما قوله ﷿: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ سورة الكهف، آية: ٨٦، فهو نهاية مدرك البصر إياها حالة الغروب ومصيرها تحت العرش للسجود، وإنما هو بعد الغروب»، قال القاضي عياض عقب شرحه للحديث السابق: «وهو على ظاهره عند أهل الفقه والحديث والمتكلمين من أهل السنة خلافا لمن تأوله من المبتدعة والباطنية، وهو أحد أشراط الساعة العظام المنتظرة»، وقال الإمام النووي ﵀: «وأما سجود الشمس فهو بتمييز وإدراك يخلقه الله تعالى»، وقال الإمام ابن كثير ﵀: يسجد لعظمته تعالى كل شيء طوعا وكرها، وسجود كل شيء مما يختص به، وقال الشيخ حمود بن عبد الله التويجري: «إنما ينكر ذلك من يرتاب في صدق النبي - ﷺ -، فأما من لا يشك في صدقه، ويعتقد أنه مبلغ عن ربه كما أخبر الله عنه في قوله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾؛ فلا ينكر ذلك ولا يرتاب فيه، فإن قيل: إن الشمس لا تزال طالعة على الأرض، ولكنها تطلع على جهة منها، وتغرب عن الجهة الأخرى؛ فأين يكون مستقرها الذي إذا انتهت إليه سجدت واستأذنت في الرجوع من المشرق؟ !\nفالجواب أن يقال: حسب المسلم أن يؤمن بما جاء في الأحاديث الصحيحة عن النبي - ﷺ -، ويعتقد أنه هو الحق، ولا يتكلف ما لا علم له به من تعيين الموضع الذي تسجد فيه الشمس، بل يكل علم ذلك إلى الله تعالى.\nوقد روى: الإمام أحمد، والشيخان؛ \"عن أبي ذر﵁ -؛ قال: سألت رسول الله - ﷺ - عن قول الله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾؛ قال: «مستقرها تحت العرش».\nفهذا المستقر الذي أخبر رسول الله - ﷺ -؛ إذا انتهت إليه الشمس؛ سجدت، واستأذنت في الرجوع من المشرق، فيؤذن لها، فإذا كان في آخر الزمان؛ سجدت كما كانت تسجد، فلم يقبل منها، واستأذنت في الرجوع من المشرق؛ فلم يؤذن لها؛ يقال لها: ارجعي من حيث جئت. فتطلع من مغربها.\nقال ابن كثير: \"وعن ابن عباس ﵄: أنه قرأ: ﴿والشمس تجري لمستقر لها﴾؛ أي: ليست مستقرة؛ فعلى هذا تسجد وهي سائرة\".","vol":"1","page":308},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-139>تواتر الأحاديث الواردة في طلوع الشمس من مغربها:</span>\nصرح كثير من أهل العلم بتواتر الأحاديث الواردة في طلوع الشمس من مغربها، فقد ذكر الأبي في شرحه على مسلم قول ابن رشد: «الأشراط عشرة المتواتر منها خمسة، الدجال، ونزول عيسى ﵇، وخروج يأجوج ومأجوج، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها». (١)\nوقال الكتاني في كتابه «نظم المتناثر في الحديث المتواتر»: «طلوع الشمس من مغربها ورد عن أبي سعيد وأبي هريرة، وابن عمرو، وحذيفة، وأبي ذر، وابن عباس، وعبد الله ابن أبي أوفى، وصفوان بن عسال، ومعاوية بن أبي سفيان، وعبد الرحمن بن عوف، وأنس، وأبي أمامه، وحذيفة ابن أسيد، وأبي موسى الأشعري، وغيرهم، وخروج الدابة ورد عن أبي هريرة وابن عمرو، وأنس وحذيفة ابن أسيد، وحذيفة بن اليمان، وأبي أمامه، وسلمان\n_________\n(١) «نظم المتناثر في الحديث المتواتر» للكتاني (١/ ٢٢٩).","vol":"1","page":310},{"text":"وغيرهم، وخروج يأجوج ومأجوج عن ابن مسعود وحذيفة والنواس بن سمعان وأبي سعيد وأبي هريرة وغيرهم، وتواتر هذه الثلاثة تقدم في كلام الأبي في شرح مسلم والله ﷾ أعلم». (١)\nوقالا بن كثير بعدما ذكر الأحاديث الواردة في طلوع الشمس من مغربها: «فهذه الأحاديث المتواترة مع الآية الكريمة دليل على أن من أحدث إيمانًا أو توبة بعد طلوع الشمس من مغربها لا تقبل منه». (٢)\nولقد ورد ذكر طلوع الشمس من مغربها في الصحيحين فقط أكثر من ثمانية عشر مرة من طرق مختلفة تصل حد التواتر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>التوبة لا تقبل بعد طلوع الشمس من مغربها:</span>\nدلت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية أن التوبة لا تقبل بعد طلوع الشمس من مغربها، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٥٨)﴾. (٣)\nقال الطبري بعد ذكره لأقوال المفسرين في هذه الآية: «وأولى الأقوال بالصواب في ذلك ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله - ﷺ - أنه قال ذلك حيث تطلع الشمس من مغربها». (٤)\n_________\n(١) نفس المصدر السابق، (١/ ٢٣١).\n(٢) الفتن والملاحم لابن كثير (١/ ١٤٤).\n(٣) الأنعام ١٥٨.\n(٤) تفسير الطبري (٨/ ١٠٣).","vol":"1","page":311},{"text":"قلت وهو الصحيح وهو الذي عليه أكثر المفسرين، وقد رواه أبو سعيد الخدري مرفوعًا إلى النبي - ﷺ - وبمثله قال عبد الله بن مسعود﵁ -.\nفإذا طلعت الشمس من مغربها، لم تقبل التوبة بعد ذلك، قال ابن كثير في قوله تعالى: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾: «أي إذ أنشأ الكافر إيمانا يؤمئذ إذ لا يقبل منه، فأما من كان مؤمنا قبل ذلك؛ فإن كان مصلحا في عمله؛ فهو بخير عظيم، وإن لم يكن مصلحا؛ فأحدث توبة حينئذ؛ لم يقبل منه توبته؛ كما دلت عليه الأحاديث الكثيرة، وعليه يحمل قوله تعالى: ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾؛ أي: ولا يقبل منها كسب عمل صالح إذا لم يكن عاملا به قبل ذلك». (١)\nوقال القرطبي ﵀: «قال العلماء: وإنما لا ينفع نفسا إيمانها عند طلوع الشمس من مغربها؛ لأنه خلص إلى قلوبهم من الفزع ما تخمد معه كل شهوة من شهوات النفس، وتفتر كل قوة من قوى البدن، فيصير الناس كلهم لإيقانهم بدنو القيامة في حال من حضره الموت في انقطاع الدواعي إلى أنواع المعاصي عنهم وبطلانها من أبدانهم، فمن تاب في مثل هذه الحالة لم تقبل توبته كما لا تقبل توبة من حضره الموت». (٢) ومن ذلك قوله - ﷺ -: «إن الله ﷿ جعل بالمغرب بابًا عرضه مسيرة سبعين عامًا للتوبة، لا يغلق حتى تطلع الشمس من قبله، وذلك قول الله ﵎ «يوم يأتي بعضُ آيات ربك لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن\n_________\n(١) تفسير بن كثير (٣/ ٣٧١).\n(٢) تفسير القرطبي (٧/ ١٤٦)، «التذكرة» صـ ٧٠٦.","vol":"1","page":312},{"text":"آمنت من قبل ..». (١)\nوقوله - ﷺ -: «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت ورآها الناس أمنوا أجمعون فذلك حيث لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن أمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا». (٢)\nوغيرها من الأحاديث الكثيرة الأخرى التي ذكرتها في أدلة طلوع الشمس من مغربها من السنة، والتي فيها إشارة صريحة إلى عدم قبول التوبة بعد طلوع الشمس من مغربها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>رأي رشيد رضا في طلوع الشمس من مغربها:</span>\nرأي رشيد رضا في الأحاديث الواردة في طلوع الشمس من مغربها في آخر الزمان لا يختلف عن رأيه في الأحاديث الواردة في المسيح الدجال والمهدي ونزول عيسى بن مريم ﵇.\nوذلك لأن المنهج الذي يتعامل به مع هذه الأحاديث منهج واحد، وهو رفضه لأي شكل من أشكال الخارقة أو مخالفة المألوف، ومحاولة رد تلك الأحاديث الصحيحة بإثاره الاستشكالات والتساؤلات العقلية حولها تمهيدًا لردها والتشكيك في صحتها.\n_________\n(١) رواه الترمذي في باب ما جاء في فضل التوبة والاستغفار (٩/ ٥١٧)، قال الترمذي «هذا حديثٌ حسن صحيح»، وقال ابن كثير «صححه النسائي» «تفسير بن كثير» (٣/ ٣٦٩).\n(٢) صحيح البخاري - كتاب الرفاق - باب الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان صحيح مسلم - كتاب الإيمان باب الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان.","vol":"1","page":313},{"text":"حيث يقول عن الأحاديث الواردة في طلوع الشمس من مغربها: «وأقوى الأحاديث الواردة في طلوع الشمس من مغربها، ما رواه البخاري في كتاب الرقاق عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، فذلك حين «لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا ..».\nوأخرج الترمذي وأحمد وغيرهما عن أبي هريرة أيضا، وقد رفعه: «ثلاثٌ إذا خرجت لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن أمنت من قبل، طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض». (١)\nوهو مشكل مخالف للأحاديث الأخرى الواردة في نزول عيسى بعد الدجال وإيمان الناس به، والمشكلات في الأحاديث الواردة في أشراط الساعة كثيرة، أهم أسبابها فيما صحت أسانيده، واضطربت المتون، وتعارضت أو أشكلت من وجوه أخرى، وأن هذه الأحاديث رويت بالمعنى، فاختلف التعبير باختلاف الأفهام، على أنهم اختلفوا في ترتيب هذه الآيات وما استشكل أن علة عدم قبول الإيمان بعد طلوع الشمس من مغربها لا تنطبق على من رآها أو رويت له بالتواتر».\nثم قال: «هذا وإن أبا هريرة﵁ -، لم يصرح في هذه الأحاديث بالسماع من النبي - ﷺ - فيخشى أن يكون قد روى بعضها عن كعب الأحبار وأمثاله، فتكون مرسلة». (٢)\n_________\n(١) تفسير المنار (٨/ ٢١١ - ٢٢١).\n(٢) نفس المصدر.","vol":"1","page":314},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-142>الرد عليه:</span>\nفي الحقيقة أن الأحاديث الواردة في إثبات طلوع الشمس من مغربها في آخر الزمان، أحاديث صحيحة وصريحة وغالبها في الصحيحين وهي واضحة المعنى بحيث لا تحتمل التأويل أو التشكيك، فلهذا لم يستطع الشيخ رشيد رضا إثارة الاستشكالات والتساؤلات حولها كما أثار الاستشكالات والتساؤلات الكثيرة حول أحاديث المسيح الدجال وأحاديث المهدي.\nفلهذا وذاك ذهب للتشكيك بصحتها بدعوى الاختلاف في الترتيب حيث يقول عن الرواة «إنهم اختلفوا في ترتيب هذه الآيات». (١)\nوفي الحقيقة ليس هناك إشكال في مسألة ترتيب هذه الآيات، وإنما الإشكال فعلا هو عد رشيد رضا لما هو غير المشكل مشكلًا.\nقال الحافظ ابن حجر ﵀: «الذي يترجح من مجموع الأخبار أن خروج الدجال أول الآيات العظام المؤذنة بتغير الأحوال العامة في معظم الأرض، وينتهي ذلك بموت عيسى ابن مريم، وأن طلوع الشمس من المغرب هو أول الآيات العظام المؤذنة بتغير أحوال العالم العلوي، وينتهي ذلك بقيام الساعة، ولعل خروج الدابة يقع في ذلك اليوم الذي تطلع فيه الشمس من المغرب». (٢)\nقال البرزنجي في الإشاعة: وهذا جمع حسن ﵀. (٣)\n_________\n(١) تفسير المنار (٨/ ٢١٠).\n(٢) فتح الباري (١١/ ٣٥٣).\n(٣) الإشاعة صـ ٣٥٠.","vol":"1","page":315},{"text":"أما بالنسبة لقوله بأنها أحاديث رويت بالمعنى فهي شبهة سبق وأن ذكرها وكررها أكثر من مرة، فقد انبرى للرد على شبهته هذه الباحث تامر متولي في رسالته «منهج الشيخ محمد رشيد رضا في العقيدة»، حيث أثبت أنها شبهة لا أساس لها من الصحة حيث يقول: «وأريد هنا أن أجيب وباختصار عن هذه الشبهة فأقول:\nأولا: لقد دعا النبي - ﷺ - أصحابه إلى نشر حديثه وحثهم على روايته بلفظه فقال: «نضر الله أمرءا سمع مقالتي فحفظها فوعاها فأداها كما سمعها فرب مبلغ أوعى من سامع» (١)\nولا ريب أن أصحابه - ﷺ - ورضي عنهم كانوا يعظمون أمره ويمتثلونه، ولقد رد النبي - ﷺ - على رجل علمه دعاءً فقال فيه: «وبنبيك الذي أرسلت» فقال الرجل: «وبرسولك الذي أرسلت» فضربه النبي - ﷺ - في صدره وقال له «وبنبيك الذي أرسلت» (٢) وقد فهم الصحابة ﵃ ذلك وعملوا به. ونأخذ أمثلة على حرص هؤلاء ومن بعدهم على رواية اللفظ:\nأولا الصحابة:\nالمثال الأول: ابن عباس﵁ - حبر الأمة- كان من المكثرين (٣) وكان\n_________\n(١) هذا حديث متواتر وقد أثبت تواتره فضيلة الشيخ العلامة: عبد المحسن في دراسة وافية، انظر له: دراسة حديث «نصر الله امرءا سمع مقالتي ...»\n(٢) صحيح البخاري: الصحيح، كتاب الوضوء، باب: فضل من بات على وضوء (١/ ٩٧)، رقم (٢٤٤)، والرجل هو: البراء بن عازب ﵁ رواي الحديث.\n(٣) انظر: أحمد شاكر: الباعث الحثيث (ص: ١٨٧).","vol":"1","page":316},{"text":"يكتب الحديث، وقال لطلابه: «قيدوا العلم بالكتابة» (١)، وكان يحرص على اللفظ فإذا روى حديثا وشك في ألفاظه بين ذلك، فقد روى حديث وفد عبد القيس وفيه: فقال رسول الله - ﷺ -: «من الوفد؟ أو من القوم؟ وقال: مرحبا بالقوم أو بالوفد» (٢)\nالمثال الثاني: أبو سعيد الخدري﵁ - من المكثرين أيضا (٣)، وكان يحرص على اللفظ، فقد سمع أبا هريرة يروي حديثا فيه: «ذلك لك ومثله معه» فقال أبو سعيد: وعشرة أمثاله معه يا أبا هريرة، قال أبو هريرة: ما حفظت إلا قوله: «ذلك لك ومثله معه» قال أبو سعيد: أشهد أني حفظت من رسول الله - ﷺ - قوله: «ذلك لك وعشرة أمثاله» (٤). ولا تعارض بين الروايتين، فإن النبي - ﷺ - قالهما وروى كل واحد منهما ما سمعه (٥).\nوعنه أيضا في حديث الشفاعة: «ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم (أو قال: بخطاياهم) ...» (٦).\nالمثال الثالث: ابن مسعود: المقرئ الكبير، كان يحرص على اللفظ كما كان يكتب الحديث (٧)، فقد روى حديث آخر أهل النار خروجا، وفيه:\n_________\n(١) جامع بيان العلم لابن عبد البر (ص: ٧٢).\n(٢) صحيح مسلم - كتاب الإيمان - باب الأمر بالإيمان بالله ورسوله (١/ ٤٦)، رقم (١٧).\n(٣) انظرا: أحمد شاكر: الباعث (ص: ١٨٧)\n(٤) صحيح مسلم - كتاب الإيمان - باب معرفة طريق الرؤية (١/ ١٦٧)، رقم (١٨٣).\n(٥) نفس المصدر السابق.\n(٦) صحيح مسلم - كتاب الإيمان - باب إثبات الشفاعة (١/ ١٧٢)، رقم (١٨٥).\n(٧) انظر: مصطفي الأعظمي: دراسات في الحديث النبوي (١/ ١٢٥ - ١٢٦).","vol":"1","page":317},{"text":"«فيقول الله له: اذهب فادخل الجنة فإن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها» أو: «إن لك عشرة أمثال الدنيا» (١)، وفيه أيضا: «قال فيقول: أتسخر بي (أو: أتضحك بي) وأنت الملك» (٢).\nالمثال الرابع: أبو هريرة -- ﵁ - محدث الإسلام، من المكثرين (٣)، كان يحرص على أداء اللفظ وإن شك في لفظين رواهما. ففي حديث شعب الإيمان روى قول النبي - ﷺ - «الإيمان بضع وسبعون شعبة أو بضع وستون شعبة ...» (٤)، وقد سبق تمسكه بما سمعه في حديث الشفاعة، بينما تمسك أبو سعيد بما سمعه أيضا.\nالمثال الخامس: عبد الله بن عمر﵁ - من المكثرين، وكان أشد الناس حرصا على لفظ الحديث، وكان يغضب غضبا شديدا إذا تغير لفظ الحديث، ونأخذ له روايتين:\nالأولي: سمع ابن عمر عبيد بن عمير (٥) يقول: قال رسول الله - ﷺ -: «مثل المنافقين كمثل الشاة الرابضة (٦)\nبين الغنمين»، فقال ابن عمر: «ويلكم لا\n_________\n(١) صحيح مسلم - كتاب الإيمان - باب أخر أهل النار خروجًا (١/ ١٧٣)، رقم (١٨٦).\n(٢) نفس المصدر السابق.\n(٣) انظر: أحمد شاكر: الباعث (ص: ١٨٧).\n(٤) صحيح مسلم - كتاب الإيمان - باب شعب الإيمان (١/ ٦٣)، رقم (٣٥).\n(٥) هو عبيد بن عمير بن قتادة الليثي، أبو عاصم المكي، ولد على عهد النبي - ﷺ - قاله مسلم-، وعده غير في كبار التابعين، وكان قاضي أهل مكة، مجمع على ثقته، مات قبل ابن عمر. التقريب (ص: ٦٥١).\n(٦) الرابضة: ربوض الغنم والبقر مثل بروك الإبل وبابه جلس. مختار الصحاح (ص: ٩٧، مادة ربض). انظر: ابن الأثير: النهاية (٢/ ١٨٥) ط. المكتبة العلمية، بيروت.","vol":"1","page":318},{"text":"تكذبوا على رسول الله - ﷺ -: إنما قال رسول الله - ﷺ -: «مثل المنافق كمثل الشاة العائرة (١) بين الغنمين» (٢). فقد سمى ابن عمر الرواية بالمعني كذبا.\nالثانية: روى ابن عمر حديث أركان الإسلام فقال: «بني الإسلام على خمس: على أن يوحد الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، والحج» فقال رجل مستفهما: الحج وصيام رمضان؟ قال: «لا، صيام رمضان والحج، هكذا سمعته من رسول الله - ﷺ -» (٣). فقد رفض ابن عمر مجرد التقديم والتأخير في الألفاظ.\nالمثال السادس: أنس بن مالك -- ﵁ - من المكثرين (٤)، وكان يتقي مع ذلك الحديث عن النبي لقول النبي - ﷺ -: «من تعمد على كذبا فليتبوأ مقعده من النار» (٥)، وكان إذ روى حرص على اللفظ، فقد روى حديث «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه (أو قال: لجاره) ما يحب لنفسه»، فقد تردد أنس في اللفظ فبين ذلك من حرصه على أداء اللفظ كما سمعه (٦).\nالمثال السابع: أبو بكرة -- ﵁ - روى حديث الكبائر فقال: «كنا عند\n_________\n(١) العائرة: أي المترددة بين قطيعين لا تدري أيهما تتبع (انظر: ابن الأثير النهاية ٣/ ٣٢٨).\n(٢) انظر: أحمد: المسند (٨/ ١٦) ت: أحمد شاكر، وصحح إسناده. ط. دار المعارف.\n(٣) صحيح مسلم - كتاب الإيمان - باب معرف الإيمان الإسلام (١/ ٤٥)، رقم (١٦).\n(٤) انظر: أحمد شاكر: الباعث الحثيث (ص: ١٨٧).\n(٥) صحيح مسلم - المقدمة - باب التحذير من الكذب على رسول الله (١/ ١٠)، رقم (٢).\n(٦) صحيح مسلم - كتاب الإيمان - باب الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب لأخيه ما يحبه لنفسه (١/ ٦٧)، رقم (٤٥).","vol":"1","page":319},{"text":"رسول الله - ﷺ -، فقال: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ (ثلاثا) الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور (أو: وقول الزور) ...» (١)،\nوذلك أيضا من الحرص على أداء ما سمع، وقد رواه أنس بلا تردد (٢).\nوقد انتقل هذا المنهج للتابعين فقد تبعوا فيه الصحابة، ولنضرب لذلك ثلاثة أمثلة:\nالمثال الأول: أبو حازم (٣) عن سهل بن سعد، فقد روى عنه أبو حازم مرفوعا أن رسول الله - ﷺ - قال: «ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفا، أو سبعمائة ألف ...» قال مسلم: «لا يدري أبو حازم أيهما قال» (٤).\nالمثال الثاني: أبو الزبير (٥) عن جابر، فقد قال ابن جريج (٦): أخبرني أبوالزبير أنه سمع جابر بن عبد الله ﵄ يسأل عن المُهل؟ فقال: سمعت (ثم انتهي، فقال: أراه يعني) النبي - ﷺ - ...» (٧)، فقد احتاط أبو الزبير للسماع.\n_________\n(١) صحيح مسلم - كتاب الإيمان - باب بيان الكبائر وأكبرها (١/ ٩١)، رقم (٨٧).\n(٢) نفس المصدر السابق.\n(٣) هو: سلمة بن دينار، روى عن سهل بن سعد وأبي أمامة، إمام قدوة. السير (٦/ ٩٦).\n(٤) صحيح مسلم - كتاب الإيمان - باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب (١/ ٩٥)، رقم (٩٧).\n(٥) هو: محمد بن مسلم بن تدرس، إمام حافظ، مولى حكيم بن حزام، روى عن جابر، وابن عباس، وابن عمر، وابن عمرو، وغيرهم. السير (٥/ ٣٨٠).\n(٦) هو: عبد الملك بن عبد العزيز، الإمام العلامة الحافظ شيخ الحرم، صاحب التصانيف وأول من دون العلم بمكة، حدث عن عطاء بن أبي رباح فأكثر عنه، ونافع مولى ابن عمر. السير (٦/ ٣٢٥).\n(٧) صحيح مسلم - كتاب الحج - باب مواقيت الحج والعمرة (٢/ ٨٤٠)، رقم (١١٨٣).","vol":"1","page":320},{"text":"المثال الثالث: الأسود (١) عن عائشة أن رسول الله - ﷺ - «كان إذا قام من الليل فدخل إلى أهله فألم بهم ثم اضطجع، ولم تقل: نام. فإذا جاء المؤذن وثب، ولم تقل: قام. ثم أفاض على نفسه، ولم تقل: اغتسل» (٢).\nويشهد الأعمش شهادة عامة لهذا الجيل فيقول: «كان هذا العلم عند أقوام لأن يخر من السماء أحب إليهم من أن يزيد فيه واوآ أو ألفآ أو دالا» (٣).\nفإذا وصلنا إلى عصر المؤلفين نجد مالك بن أنس رحمة الله يحترز من تبديل لفظ بآخر كالذي والتي ونحوهما (٤) وكذلك أحمد يقول: حدثنا يزيد بن هارون (٥) وعباد بن عباد المهلبي (٦) قالا: أخبرنا هشام، قال عباد ابن زياد عن أبيه عن فاطمة بنت الحسين عن أبيها الحسين بن على مرفوعا: «ما من مسلم يصاب بمصيبة وإن طال عهدها، قال عباد: «وإن قدم عهدها» (٧)، فقد أشار أحمد إلى اختلاف شيخيه في ملاحظتين أحدهما في الإسناد والأخرى في المتن وذكر لفظهما.\n_________\n(١) هو: ابن يزيد بن قيس النخعي، تابعي مخضرم، إمام قدوة، روى عن معاذ بن جبل وبلال وابن مسعود وعائشة وحذيفة وغيرهم. السير (٤/ ٥٠).\n(٢) الخطيب: الكفاية (ص: ١٧٤).\n(٣) الخطيب: الكفاية (ص: ١٧٨).\n(٤) نفس المصدر والصفحة.\n(٥) هو: ابن زادي، إمام قدوة، شيخ الإسلام، كان رأسًا في العلم. السير (٩/ ٣٥٨).\n(٦) هو: ابن حبيب، إمام حافظ ثقة، حدث عن هشام بن عروة وجماعة. السير (٨/ ٢٩٤).\n(٧) أحمد: المسند (١/ ٢٠) ط. الميمنية (مصورة المكتب الإسلامي).","vol":"1","page":321},{"text":"ومسلم رحمة الله يقول: حدثنا يحيى بن يحيى، أخبرنا أبو معاوية. وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة (١) حدثنا أبو معاوية (٢) ووكيع (٣) ح وحدثنا ابن نمير (٤)، حدثنا أبي (٥) جميعا عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة (٦)،\nعن مسروق (٧) عن عبد الله، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ليس منا من ضرب الخدود أو شق الجيوب، أو دعا بدعوى الجاهلية» ثم قال مسلم: هذا حديث يحيى، وأما ابن نمير وأبو بكر فقالا: «وشق ودعا» بغير ألف» (٨)، فأنت ترى مسلما أيضا يحترز من الألف في الرواية، وهكذا صنع مسلم في كل كتابه، يبين اختلاف الرواة في الألفاظ وفي المتون والأسانيد.\nوهذا أبو داود (٩) ﵀، يقول: «وقد روى حديثا عن شيخين:\n_________\n(١) هو عبد الله بن محمد الكوفي - واسطي الأصيل- ثقة حافظ مصنف (ابن حجر: تقريب التهذيب، ص: ٥٤٠) ط. دار العاصمة، الأولي ١٤١٦ هـ.\n(٢) هو محمد بن حازم - بمعجمتين - الضرير الكوفي، ثقة أحفظ الناس لحديث الأعمش (تقريب، ص: ٨٤٠).\n(٣) هو ابن الجراح أبو سفيان الكوفي ثقة حافظ عابد من كبار التاسعة (تقريب، ١٠٣٧).\n(٤) هو محمد بن عبد الله بن نمير: ثقة حافظ فاضل من العاشرة (تقريب ٨٦٦).\n(٥) هو عبد الله بن نمير الكوفي أبو هشام ثقة حافظ من أهل السنة من كبار التاسعة (تقريب ٥٥٣).\n(٦) هو الهمداني الكوفي ثقة من الثالثة، روى له الجماعة (٥٤٤ - ٥٤٥).\n(٧) هو ابن الأجدع بن مالك، ثقة فقيه عابد مخضرم، من الثانية (تقريب: ٩٣٥).\n(٨) صحيح مسلم - كتاب الإيمان - باب تحريم ضرب الخدود وشق الجيوب (١/ ٩٩)، رقم (١٠٣).\n(٩) هو السجستاني، صاحب السنن: سليمان بن الأشعث من كبار العلماء (تقريب: ٤٠٤).","vol":"1","page":322},{"text":"عمرو بن مرزوق (١)، ومحمد بن المثنى (٢)، فيبين اختلاف ألفاظهم، ولفظ الحديث: «ولولا أن يقول الناس» فقال: قال ابن المثني: أن يقولوا. وبلفظ: «لقد أراك الله خيرا» فقال: «ولم يقل عمرو: لقد» (٣).\nثانيا: أن من كان يروي بالمعني منهم - كان يقرن ذلك بما يدل عليه - إذا كان شاكا في اللفظ - كأن يقول: نحوا من ذا قريبا من ذا (٤)، احتياطا في الأداء.\nفهذا ما كان من الصحابة والتابعين عند رواية الحديث النبوي في الرواية بالمعني وفي غير المتعبد بلفظه، ويتبعون ذلك بقول يفيد احتياطهم في روايته وينبهون أثناء سياق الحديث على موضع السهو أو التردد، بما لا تجده لأمة من الأمم في أي عصر من العصور، ويتضح ذلك بأدنى نظر في أي من كتب الرواية. وبناء على ذلك فإن كل ما كتبه المستشرقون - في الكتابة والرواية بالمعنى - وكذا من تبعهم من المسلمين - يصبح لا قيمة له.\nثالثا: أن اختلاف ألفاظ الحديث التي تتوارد على معنى واحد لا يرجع إلى الرواية بالمعني وحدها، بل كان لمجالسه - ﷺ - المتعددة بتعدد الأزمنة والأمكنة والحوادث، والسامعين والمستفتين والمتخاصمين والمتغاضبين، والوافدين والمبعوثين، أثر في ذلك كبير، فكانت ألفاظه - ﷺ - تختلف في\n_________\n(١) هو الباهلي، أبو عثمان البصري ثقة فاضل من صغار التاسعة (تقريب: ٧٤٥).\n(٢) هو العنزي، أبو موسى ثقة ثبت من العاشرة (تقريب: ٨٩٢).\n(٣) سنن أبو داود، كتاب الصلاة، أبواب الأذان، باب كيف الأذان.\n(٤) انظر: أحمد: المسند (٥/ ٢٤٥) ت: أحمد شاكر، والخطيب: الكفاية (ص: ٢٠٥).","vol":"1","page":323},{"text":"ذلك، إيجازا وإطنابا، ووضوحا وخفاء، وتقديما وتأخيرا، وزيادة ونقصا، بحسب ما يقتضيه الحال ويدعو إليه المقام (١).\nرابعا: وإذا أردنا أن نتبين حقيقة الأمر وننظر في الأمثلة التي ضربها هؤلاء لنا جدلا، فسنجد العجب، إن هذه الأمثلة هي الأدلة على الاختلاف الناتج عن الرواية بالمعني، والذي حدا بهم إلى رفض السنة، وسأعتمد على أبي رية فإنه ذكر أمثلة كثيرة لذلك (٢).\nالمثال الأول: وهو حديث رواه مسلم: جاء رجل يسأل النبي - ﷺ - عن الإسلام، فأجابه النبي - ﷺ -، وفي آخر الحديث يذكر قول النبي - ﷺ - «أفلح إن صدق». وفي رواية: «أفلح وأبيه إن صدق»، وفي ثالثة: «دخل الجنة وأبيه إن صدق». هذا هو حجم الاختلاف الذي أقاموا عليه الدنيا: «أفلح إن صدق» «أفلح وأبيه إن صدق» و«دخل الجنة وأبيه إن صدق». (٣)\n_________\n(١) انظر: أبو زهو: الحديث والمحدثون (ص: ٢٠٧)، ط. مطبعة مصر، الأولي، ١٣٧٨ هـ وقد خصص أبو زهو فصلا للرد على دعوى الشيخ رشيد، انظر له: نفس المصدر (ص: ٢٢٠ - ٢٤٢) وكذا أبو شهبة، انظر له: دفاع عن السنة (ص: ١٩٥).\n(٢) صاحب «كتاب أضواء على السنة المحمدية»، والذي ملئه بالطعن بالسنة النبوية تحت ذريعة البحث العلمي، وقد كان كثير النقل والاستشهاد بأقوال رشيد رضا في كتابه، بل إنه تلقف شبهة الرواية بالمعنى من الشيخ رشيد رضا وزاد عليها.\n\nوقد تولى الرد على كتابه الشيخ محمد أبو شهبه في كتاب أسماه «دفاع عن السنة» وكذلك العلامة المعلمي اليماني في كتاب أسماه «الأنوار الكاشفة بما في كتاب، أضواء على السنة، من الزلل والتضليل والمجازفة».\n(٣) صحيح مسلم - كتاب الإيمان - باب بيان الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام (١/ ٤٠)، رقم (١١).","vol":"1","page":324},{"text":"المثال الثاني (١): حديث الواهبة نفسها للنبي - ﷺ - وتقدم رجل بقوله: يارسول الله: أنكحنيها ولم يكن معه من المهر غير بعض القرآن، فقال له - ﷺ -: «أنكحتكها بما معك من القرآن» وفي رواية: «زوجتكما بما معك من القرآن»، وفي رواية: «زوجتكها على ما معك»، وفي رابعة: «قد ملكتكها بما معك» (٢). هذا الاختلاف: زوجتكها، ملكتكها، أنكحتكها، بما معك على ما معك ..؟ ! .\nلقد تأسف هؤلاء على أن السنة رويت بالمعني فأدت الرواية إلى هذا الاختلاف الشنيع، ولم ترو باللفظ كما روي القرآن بلفظه، كما أنها لم تكتب كما كتب، هذا ما يقولونه (٣)، ولكن القرآن أيضا وقع فيه مثل ما نقموه على السنة، فمتى جمع القرآن؟ (٤)\nوماذا يقولون في اختلاف القراءات العشر المروية، بل إن القراءات أكثر من عشر بكثير (٥). ما قولهم في قراءة: (فتثبتوا) بدلا من (فتبينوا)، و(ننسأها) بدلا من (ننسها)، وقراءة (لا تقتلوهم)\n_________\n(١) انظر: أبو ريه: أضواء (ص: ٩١).\n(٢) صحيح البخاري - كتاب النكاح - باب إذا كان الولي هو الخاطب (٥/ ١٩٧٢)، رقم (٤٨٣٩)، وسنن ابن ماجه - كتاب النكاح - باب صداق النساء.\n(٣) انظر: رشيد رضا: مجلة المنار (١٠/ ٧٦٦) وأبو ريه: أضواء (ص: ٢٠، ٧٦).\n(٤) لم يجمع القرآن في زمن النبي - ﷺ - في مصحف واحد، وأول جمع بهذا المعني كان في عهد الصديق، ثم الجمع الأكبر في عهد عثمان ﵃، انظر: ابن أبي داود: المصاحف ط. مؤسسة قرطبة، مصر. (ص: ٥) وما بعدها، ود. لبيب السعيد: المصحف المرتل (ص: ٣٢) وما بعدها، ط. دار المعارف، بمصر.\n(٥) انظر: ابن الجزري: النشر في القراءات العشر (١/ ٨٨) وما بعدها ط. مكتبة القاهرة بمصر.","vol":"1","page":325},{"text":"و(لاتقاتلوهم)، و(إثم كبير) و(إثم كثير)، (ولولا دفع الله) (ولولا دفاع الله)، و(وسارعوا) مع القراءة من دون الواو، وقراءة (لامستم) بالألف والقراءة بدونها، وقراءة (هل يستطيع ربك) و(هل تسطيع ربك)، و(أنا اخترتك) و(أنا اخترناك)، إلي غير ذلك من أوجه الخلاف في القراءة، هل يدل ذلك على الرواية بالمعني وعلى الاختلاف، وهل يقولون في القرآن مثل ما قالوه في السنة؟ (١).\nأما بالنسبة لقوله: «بأن أبا هريرة لم يصرح في هذه الأحاديث بالسماع من النبي - ﷺ - ..».\nفهو قولٌ مردودٌ عليه، وذلك لأن الإرسال في حديث الصحابي ليس بعلة، فالصحيح المشهور والذي قطع به الجمهور أن حكم مرسل الصحابي صحيحٌ محتج به، لأن رواية الصحابة عن التابعين نادرة، وإذا رووا عنهم بينوها، فإذا لم يبينوا وقالوا، قال رسول الله - ﷺ - فالأصل عندهم أنهم سمعوها من صحابي آخر، وحذف الصحابي لا يضر. (٢)\n_________\n(١) «منهج محمد رشيد رضا في العقيدة» تامر متولي (١٤٦ - ١٥٤).\n(٢) «تيسير مصطلح الحديث» الدكتور محمود الطحان، صـ ٧٤.","vol":"1","page":326},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-143>الفصل الرابع\nالآثار الفكرية لآراء محمد رشيد رضا</span>\nويتضمن المباحث التالية:\nالمبحث الأول: فتح باب الطعن في السنة النبوية.\nالمبحث الثاني: فتح باب الطعن في الصحيحين.\nالمبحث الثالث: تشكيك المسلمين في عقائدهم.\nالمبحث الرابع: إحياء تراث المعتزلة.\nالمبحث الخامس: إيجاد نوع من الجرأة على الثوابت الإسلامية.\nالمبحث السادس: خدمة أغراض المستشرقين.","vol":"1","page":327},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-144>المبحث الأول\nفتح باب الطعن\nفي السنه النبوية</span>\nمما لاشك فيه ولا ريب أن من أعظم وأسوأ الآثار الفكرية المترتبة على إنكار الشيخ محمد رشيد رضا للأحاديث الواردة الصحيحة الصريحة المتواترة في أشراط الساعة الكبرى، وطعنه في صحتها، وردها بدعوى وجود التعارض والتناقض فيما بينها، تحت ذريعة البحث العلمي، وتصفية العقيدة والسنة النبوية مما علق بها من الخرافات والإسرائيليات.\nهو فتحه باب الطعن في السنة النبوية على مصراعيه، والذي ولج منه بعده كل مبغض للسنة النبوية من أصحاب الأهواء من أعداء السنة، وأصبحت العمدة في طعونهم وشبهاتهم هي أقوال وآراء رشيد رضا التي كتبها حول السنة النبوية.\nوذلك أن الشيخ رشيد رضا كان دائم التشكيك في السنة النبوية، بإثارته للتساؤلات والاستشكالات حول جملة من الأحاديث والتي يبدأ معها بإثارة بعض الأسئلة والشبهات حولها ومن ثم إنكارها جملةً وتفصيلًا حتى ولو كانت في الصحيحين، بل حتى ولو كانت متواترة، كأحاديث المهدي ونزول عيسى بن مريم والمسيح الدجال وطلوع الشمس من مغربها.","vol":"1","page":329},{"text":"وإنك لتستغرب إن قلت لك أن الشيخ محمد رشيد رضا من المشجعين للكتابات التي تثير الشبهات والشكوك حوله السنة النبوية وتشكك في صحتها، ولا تستعجل علي بالحكم.\nفإليك الدليل، فقد نشر الشيخ محمد رشيد رضا مقالا للدكتور توفيق صدقي بعنوان «الإسلام هو القرآن وحده» يطعن فيه بحجية السنة النبوية، وقد نشره في عددين من مجلته المنار السابع والثاني عشر من السنة التاسعة.\nحيث يزعم في مقاله أن القرآن قد حوى كل شيء من أمور الدين، وكل حكم من أحكامه، وأنه بينه وفصله بحيث لا يحتاج إلى شيء آخر كالسنة وإلا كان الكتاب مفرطًا فيه ولما كان تبينا لكل شيء.\nثم بعد ذلك ذهب ليلحد في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾. (١)\nفيزعم أن الله تكفل بحفظ القرآن وحده دون السنة ولو كانت دليلًا وحجة كالقرآن لتكفل بحفظها؟ ! ومع هذا كله يقوم الشيخ محمد رشيد رضا بنشر مقاله: «الإسلام هو القرآن وحده» في مجلته المنار بدعوى البحث العلمي، فتعسًا لهذا البحث القائم على الطعن في السنة وإنكار حجيتها.\nومن بعد الدكتور توفيق صدقي، جاء الدكتور محمد حسين هيكل، وألف كتابًا سماه «حياة محمد»، ينكر فيه معجزاته - ﷺ -، ويطعن في السنة ويشككك في صحتها وفي صدق الأحاديث التي انطوت عليها بصورة\n_________\n(١) الحجر، الآية: ٩","vol":"1","page":330},{"text":"قطعية، ويقدم الكتاب الشيخ محمد مصطفى المراغي، ويقرظه السيد رشيد رضا بل ويدافع عنه في مجلته المنار دفاعًا مستميتًا! !\nومن بعد الدكتور محمد حسين هيكل، جاء المدعو محمود أبو ريه، والذي تأثر بآراء رشيد رضا في السنة النبوية، فأصدر كتابًا سماه «أضواء على السنة المحمدية أو دفاع عن الحديث»، ملأه من أوله إلى آخره بالطعن في السنة النبوية وإنكار حجيتها مع إلقاء أفظع السباب والشتائم على رواتها وناقليها لاسيما على ناقلها الأول أبي هريرة﵁ -، ثم يزعم بعد هذا أنه يدافع عن السنة النبوية.\nوإذا ما قال له قائل كيف تنكر حجية السنة وأنت تستدل على ما ذهبت إليه بأحاديث منها؟ أجاب: «أن الأحاديث التي أوردها في سياق كلامي للاستدلال بها على ما أريد في كتابي إنما أسوقها لكي نقنع من لا يقنع إلا بها، على اعتبار أنها عنده من المسلمات التي يصدقها ولا يماري فيها، ويشبه أسلوبه هذا باحتجاج المسلم على النصراني بما في الإنجيل وهو في نفسه غير مؤمن بما يحتج به أو عكس ذلك؟ ! (١)\nوحينما عاب عليه طه حسين كثرة نقله عن رشيد رضا أجاب بأنه لم يصنع ذلك «عفوًا أو فقرًا من الأدلة».\nوإنما كان يقصد من ذلك أمورًا مهمة منها «أن هذا السيد يعتبر في هذا العصر من كبار أئمة الفقهاء المجتهدين عند أهل السنة الذين يعتد برأيهم .... الخ». (٢)\n_________\n(١) أضواء على السنة المحمدية: محمود أبو ريه ص ٣٣.\n(٢) أضواء على السنة المحمدية ٣٤.","vol":"1","page":331},{"text":"«وأنه بلا منازع شيخ محدثي أهل السنة في عصرنا بحيث يعلم من أمر الأحاديث التي حملتها الكتب المشهورة لدى الجمهور ويدرك ما اعتراها من فعل الرواة وغير ذلك مما يتصل بكتابي ما لم يعلم مثله سواه». (١)\n«على أنه فوق ذلك ورث علم الأستاذ الإمام محمد عبده، وناهيك به علمًا وفضلًا بحيث لا يختلف اثنان في أنه من كبار أئمة الدين المجتهدين، فما يقوله السيد رشيد إنما أعتبره كأنه صادر عن أستاذة الإمام، وذلك فيما أرى أنه من منهج الأستاذ الإمام وأسلوبه في النظر إلى الدين». (٢)\nولا تعجب ولا تستغرب إن علمت أن محمود أبو ريه قد اعتمد بشكل أساسي في طعوناته بالسنة النبوية، بآراء وأقوال رشيد رضا، فكان كثيرًا ما يسوق نصوصه ويستشهد بها في التقليل من شأن حجية السنة، أو التجريح بصحابي جليل.\nوكانت هذه النقول تطول حتى تبلغ صفحات من مؤلفات الشيخ رشيد، بل وصل الأمر به إلى أن عقد فصلا كاملًا بعنوان «المنافقون من الصحابة» لم يكتب فيه كلمة واحدة، بل كان عبارة عن نقل عبارات رشيد رضا مع عزوها إلى صفحاتها.\nوفي كل مرة ينقل فيها عن رشيد رضا يسبق اسمه بعبارات المديح والثناء كالمحدث والفقيه والمحدث الكبير وشيخ المحدثين.\nفلقد قلد محمود أبو ريه رشيد رضا في كل آرائه وأقواله في السنة النبوية،\n_________\n(١) نفس المصدر ٣٥.\n(٢) نفس المصدر والصفحة.","vol":"1","page":332},{"text":"حتى في تقسيمها إلى سنة عملية وسنة قولية (١)،\nوفي شبهات هذا التقسيم وفي الطعن في الصحابة، وزاد عليه طعنه في أبي هريرة وعبد الله بن سلام ﵄، وطعن في الأحاديث التي طعن فيها وزاد عليها، ونقل كلام رشيد رضا في الأحاديث الواردة في أشراط الساعة ثم قال «إنه نقل ذلك ليسحب هذا البحث على السنة كلها لا أحاديث أشراط الساعة فحسب». (٢)\nولقد تولى الرد على كتاب هذا الضال المنحرف الشيخ محمد أبو شهبه في كتاب أسماه «دفاع عن السنة» والذي عقد فيه فصلًا كاملًا أيضًا للرد على بعض دعاوى وشبه رشيد رضا تجاه السنة.\nوكذلك رد عليه الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني في كتاب أسماه «الأنوار الكاشفة بما في كتاب أضواء على السنة من الزلل والتضليل والمجازفة».\nوممن تأثر بآراء رشيد رضا تجاه السنة النبوية وبمدرسة المنار التي تعتبر منارة لأصحاب المدرسة العقلية الحديثة أيضا أحمد أمين صاحب كتب «فجر الإسلام، وضحاه وظهره».\n_________\n(١) يقسم رشيد رضا السنة النبوية من حيث حجيتها إلى قسمين:\nالقسم الأول: يطلق عليه السنة النبوية العملية ويعتبره دين عام لكل زمان ومكان وتعتبر من الدين ويجب العمل بها.\n\nالقسم الثاني: يطلق عليه السنة القولية، ويعتبره ليس دينًا عامًا كالأولى وهي صالحة عنده للاهتداء لا للاحتجاج، للاستزادة في هذه المسألة انظر منهج الشيخ رشيد في العقيدة لتامر متولى صـ ١٣٦ - صـ ١٦١.\n(٢) أضواء على السنة المحمدية، ٢٠ - ٤٠، ١٦٤ - ١٨١ - ٢٥٨.","vol":"1","page":333},{"text":"تحدث في فجر الإسلام عن الحديث النبوي فمزج السم بالدسم وخلط الحق بالباطل كما يقول الشيخ مصطفى السباعي ﵀. (١)\nحيث زعم أن هناك أمورًا كثيرة تضعف من حجية السنة، منها أن الحديث لم يدون في عهد رسول الله - ﷺ - وزعم أنه نشأ عن هذا كثرة الوضع والكذب على الرسول - ﷺ - ساعد على ذلك كثرة دخول الشعوب في الإسلام، وزعم أن علماء الحديث إنما اعتنوا بالسند ولم يعتنوا بنقد المتن عشر عنايتهم بالسند، ثم شكك في حديث أبي هريرة﵁ - وفي حفظه؟ !\nوأنت قد لا تجد في كلامه نصًا صريحًا واضحًا في إنكار حجية السنة، فهو أدهى من أن يظهر هذا، بل يرشد من يريد إنكار حجية السنة إلى السبيل لذلك فيقول للدكتور علي حسن عبد القادر «إن الأزهر لا يقبل الآراء العلمية الحرة، فخير طريقة لبث ما تراه مناسبا من أقوال المستشرقين ألا تنسبها إليهم صراحة، ولكن ادفعها إلى الأزهريين على أنها بحث منك وألبسها ثوبًا رقيقا لا يزعجهم مسها، كما فعلت أنا في فجر الإسلام، وضحى الإسلام» هذا ما قاله الدكتور علي حسن نفسه للمرحوم بإذن الله مصطفى السباعي. (٢)\nومن بعد أحمد أمين جاء إسماعيل أدهم وألف كتابًا بعنوان «مصادر التاريخ الإسلامي»، زعم فيه أن الأحاديث التي تضمنتها كتب الصحاح ليست ثابتة الأصول والدعائم، بل هي مشكوك فيها ويغلب عليها صفة\n_________\n(١) السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي: مصطفى السباعي صـ ٢٣٦.\n(٢) السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي: مصطفى السباعي صـ ٢٣٨.","vol":"1","page":334},{"text":"الوضع، وثارت حول هذه الرسالة ضجة انتهت بمصادرتها ودافع أدهم عن نفسه بأن ما قاله قد وافقه عليه أدباء وعلماء كبار، ذكر منهم أحمد أمين، ولم يُكذب أحمد أمين ما قاله، بل كتب ما يفيد تألمه مما حصل لصاحبه واعتبر ذلك محاربةً لحرية الرأي، وحجر عثرة في سبيل البحوث العلمية». (١)\nوفي الأخير جاء المدعو أبو زيد الدمنهوري وألف كتابًا أسماه «الهداية والعرفان في تفسير القرآن بالقرآن» وقد أحدث هذا الكتاب ضجة كبرى في المحيط العلمي وثورة ساخطة من شيوخ الأزهر على مؤلفه، وانتهى الأمر بمصادرة الكتاب والحكم على صاحبه بالزيغ والضلال (٢)،\nويتلخص قول هذا الضال المضل في السنة أنها نكبة على المسلمين وعلى دين الله ﷿ وهو يتمنى إحراقها وإعدامها من الوجود، وتكون نقطة بداية التحريق من صحيح البخاري فمسلم فيرتاح الناس من شر ما فيهما.\nهذا هو الأثر الفكري الأول لرد رشيد رضا للأحاديث الصحيحة الصريحة المتواترة في أشراط الساعة الكبرى وهو فتح باب الطعن في السنة ولج منه كل مبغض للسنة النبوية من أصحاب الأفكار المنحرفة، وآراء رشيد رضا بلا شك كانت سببًا في جرأة كثير منهم على السنة، وذلك عندما تجرأ هو وبدأ في التشكيك في صحتها، ونشر ذلك في مجلته المنار، وبدأ بعد ذلك في نشر المقالات التي تطعن في السنة، دون التعليق عليها أو بيان خطئها، فكان كأنه مؤيدًا ما يقولون.\n_________\n(١) منهاج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير ٧٤٦.\n(٢) «الاتجاهات المنحرفة في تفسير القرآن الكريم» للدكتور محمد حسين الذهبي صـ ٩٤، و» منهاج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير» صـ ٧٣٦.","vol":"1","page":335},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-145>المبحث الثاني\nفتح باب الطعن في الصحيحين</span>\nمما لا شك فيه أن أصح الكتب بعد كتاب الله عند أهل السنة والجماعة هما صحيحًا البخاري وسلم، وقد أجمعت الأمة على تلقي كتابيهما بالقبول، وذلك لشدة تحريهما وشدة شروطهما في قبول الحديث.\nقال البخاري: «ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صح وما تركت من الصحاح أكثر». (١)\nوقال: «أحفظ مائة ألف حديث صحيح ومائتي ألف حديث غير صحيح». (٢)\nوقال مسلم: «ليس كل شيء عندي صحيح وضعته ههنا، إنما وضعت ما أجمعوا عليه». (٣)\nفلصحيحي البخاري ومسلم مكانة علمية كبيرة في التراث الإسلامي، كيف لا وهما كما ذكرنا أصح الكتب بعد كتاب الله ﷿، مازالت هذه المكانة العلمية باقية في قلوب المسلمين وعلماء الأمة.\n_________\n(١) علوم الحديث لأبن الصلاح ١٦.\n(٢) نفس المصدر والصفحة.\n(٣) نفس المصدر والصفحة.","vol":"1","page":336},{"text":"إلى أن جاء أصحاب المدرسة العقلية الحديثة وعلى رأسهم الشيخ محمد رشيد رضا ومن قبله أستاذه محمد عبده.\nفقام - بدعوى البحث العلمي، وتصفيه العقيدة وتنقية السنة مما علق بها من الإسرائيليات - برد العشرات من الأحاديث الواردة في الصحيحين كالأحاديث الواردة في المسيح الدجال وحديث الجساسة.\nوالأحاديث الواردة في نزول عيسى بن مريم ﵇ في آخر الزمان والأحاديث الواردة في طلوع الشمس من مغربها في آخر الزمان أيضا وغيرها من الأحاديث الأخرى الكثيرة.\nوكل ذلك لا لعلةٍ في أسانيدها، بل بدعوى التعارض والتناقض فيما بينها، ومخالفتها للسنن الكونية، وعدم تصديق العقل لها وغيرها من الأعذار التي في الحقيقة لا قيمة لها، ولا ترقي إلا رد جملة من الأحاديث الواردة بأصح الأسانيد في أصح الكتب.\nوبسبب آراء رشيد رضا في هذه الأحاديث وجرأته في ردها والحكم عليها بالوضع، تجرأ العديد من بعده من الكتاب والمفكرين الذين ينتمون لنفس المدرسة وهي «المدرسة العقلية الحديثة» فقاموا بالطعن في صحيحي البخاري ومسلم جهارًا ونهارًا وبنشر ذلك في الصحف والمجلات، ولعمري إن هذا من أسوء الآثار الفكرية التي ورَّثها محمد رشيد رضا بعد وفاته، وهي فتح باب الطعن في الصحيحين وتجرئة الناس عليه.\nحيث قام من بعده المدعو محمود أبو ريه، صاحب كتاب «أضواء على","vol":"1","page":337},{"text":"السنة المحمدية أو دفاع عن الحديث» وذلك فملأ كتابه بالطعن في السنة النبوية وإنكار حجيتها، والطعن في صحيحي البخاري ومسلم طعنًا لا هوادة فيه، لكي تفقد الأمة الثقة بأصح كتب الحديث عندها، وحتى يسهل فيما بعد الطعن في باقي كتب السنن والمعاجم الأخرى والتي هي دونه في الصحة والضبط.\nمعتمدًا في طعونه على آراء وأقوال رشيد رضا في رده لجمله من الأحاديث الواردة في الصحيحين التي توافق هواه ومنهجه المنحرف.\nومن بعد محمود أبو ريه، جاء الضال الزائق المدعو السيد صالح أبو بكر وألف كتابًا أسماه «الأضواء القرآنية في اكتساح الأحاديث الإسرائيلية وتطهير البخاري منها».\nوالذي زعم فيه أن من أهدافه كما يقول «تقديم حصيلة الفحص الدقيق للأحاديث المعارضة للقرآن، والمنافية لما يليق بالله وبرسوله والتي جمعناها من صحيح البخاري باعتباره عمدة المراجع في هذا المجال وعددها مئة وعشرون حديثًا، والتعقيب القرآني على كل منها بما يثبت أنها دخيلة على كلام النبي - ﷺ -». (١)\nوالذي عد من أهدافه أيضًا: «القضاء على مشاركة الحديث الباطل للقرآن الكريم»، ومنها «إدراك العواقب المترتبة على ترك الأحاديث المخالفة\n_________\n(١) الأضواء القرآنية في اكتساح الأحاديث الإسرائيلية وتطهير البخاري منها، السيد صالح أبو بكر ٣ - ٦، وقد رد على كتابه هذا الشيخ محمود التويجري في كتاب أسماه «الرد القويم على المجرم الأثيم» مكتبة دار العليان الحديثة.","vol":"1","page":338},{"text":"للقرآن الكريم دون تجريح وإظهار عيوبها»، ومنها «إثبات أن دين الله هو القرآن بدايةً ونهايةً». (١)\nوفي الحقيقة أن المؤلف السيد صالح أبو بكر، غالب كتابه نقولات عن كتاب محمود أبو ريه والتي هي في الحقيقة آراء وأقوال رشيد رضا ومحمد عبده.\nبل إن بدء هجومه على أبي هريرة﵁ - يصدره برأي مدرسة المنار والتي رشيد رضا مؤسسها ومنظرها الأول فيضع فصلًا بعنوان «أبو هريرة ورأي علماء الحديث فيه ممثلًا في مدرسة المنار» (٢)، حيث خصص من صـ ٥٨ إلى صـ ٦٣ في الطعن في أبي هريرة﵁ - وفي روايته.\nوإن شئت مثالا من الأحاديث المئة والعشرين التي كذبها المؤلف من صحيح البخاري وأسلوبه في التكذيب، حتى تدرك بعد منهجه عن عنوان الكتاب «الأضواء القرآنية» وعن أهدافه التي زعمها فإليك واحدا منها.\nففي حديث ابن عمر ﵄ «قام رسول الله - ﷺ - في الناس فأثنى على الله بما هو أهله، ثم ذكر الدجال فقال إني لأنذركموه وما من نبي إلا أنذره قومه، لقد أنذر نوح قومه، ولكني أقول لكم فيه قولا لم يقله نبي لقومه: تعلمون أنه أعور، وأن الله ليس بأعور» رواه البخاري في كتاب الأنبياء باب قول الله ﷿ ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾.\nأتدرون ماذا قال المؤلف بعد أن نقله نقلا غير ملتزم بألفاظه كما هو\n_________\n(١) نفس المصدر والصفحة.\n(٢) نفس المصدر ٥٨.","vol":"1","page":339},{"text":"شأن علماء الحديث الصالحين أتحسبون الرجل استند إلى آية قرآنية واحدة في رد الحديث فضلا عن التزام «الأضواء القرآنية»! ! لا لا ليس الأمر كما تحسبون. بل قال «ودلائل الزيف في هذا الحديث وغيره من أحاديث الدجال كلها نقول فيها ما يلي:\nأولا: إن المسيح الدجال هو كل مبدل وكل ماسخ لجمال الحق ... وأن هذا المسيح ليس رجلًا واحدًا فقط، ولكنهم كثيرون، وهم عور وغير عور، يعيشون معنا وأناس منا وكانوا مع من قبلنا، وسيكونون مع من بعدنا، وفي كل زمان ومكان .. وليسوا مسيحًا واحدًا كما يقول الحديث.\nثانيًا: إذا كان المسيح سيظهر في آخر الزمان فقط .. فمن هو المسيح الدجال الذي كان سببا في ظهور الفساد والفتن في عهود الخلفاء وزمن التابعين بل زماننا هذا.\nثالثا: إذا كان المسيح الدجال رجلا واحدا ولا يأتي إلا في آخر الزمان فمن أي مسيح كان يتعوذ النبي - ﷺ - هو وأصحابه والتابعون .. ومن أي مسيح نتعوذ نحن الآن في نهاية كل صلاة كما علمنا النبي - ﷺ -؟؟\nرابعا: بأي عقل نصدق أن يعطيه الله كل هذه الأسباب ثم يأمرنا بمحاربته أو بلوم أتباعه، وقد أعطاه من وسائل الإغراء والإقناع للناس ما لا يعطي الأنبياء والمرسلين.\nخامسا: في هذا الحديث أن النبي - ﷺ - يقول إن المسيح الدجال رجل أعور وإن ربكم ليس بأعور، فكيف يعقل أن تجري هذه الألفاظ على لسان النبي","vol":"1","page":340},{"text":"- ﷺ - وأن تكون ألفاظه قد وصلت إلى هذا النقص في التعبير عن ذات الله وأن يتكلم عن خالقه بتلك الصورة المزرية الركيكة.\nسادسا: كيف أنذر نوح قومه من المسيح الدجال كما يقول الحديث مع أن الأحاديث التي وردت فيه تقول كلها أن المسيح سيأتي في آخر الزمان. (١)\nوليس هدفنا هنا أن نرد على شبهة ونبطلها فليس هذا موضعه وإنما أردنا أن نظهر أسلوبه في النقد وأن أدلته تلك ليست أضواء قرآنية كما زعم، ولم يستند فيها إلى آية آية قرآنية بل كلها شبه من فكره ومن مفهومه الضال الذي لم يستند إلى كتاب ولا إلى سنة أيضا.\nوليس هذا الأمر في هذا الحديث فحسب، بل هو في كل الأحاديث التي أوردها، لم يستدل فيها بآية قرآنية إلا آية تعرض عرضا في حديثه وليس فيها من معارضة الحديث شيء.\nإذا فلا عجب إذا ما أكثر النقل عن «محمود أبو ريه» وعض على أقواله بنواجذه، ولا عجب أيضا إذ ما استند إلى أقوال محمد عبده ورشيد رضا بل وإلى مدرسة المنار. (٢)\nولقد رد الشيخ حمود التويجري علي السيد صالح أبي بكر في كتابه «الرد القويم على المجرم الأثيم» في جزءين فأفحمه .. قال الشيخ: «فقد رأيت كتابًا لبعض أهل الزيغ والفساد والإلحاد من العصريين تهجم فيه\n_________\n(١) الأضواء القرآنية في اكتساح الأحاديث الإسرائيلية: السيد صالح أبو بكر صـ ٢٠٦ - ٢٠٧.\n(٢) يتعرف من منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير صـ ٧٥٠ وما بعد.","vol":"1","page":341},{"text":"على بعض الصحابة والتابعين، وعلى مائة وعشرين حديثا في صحيح البخاري الذي هو أصح الكتب بعد القرآن، وزعم أنها أحاديث إسرائيلية وأنه يكتسحها بالأضواء القرآنية، ويطهر البخاري منها. وتهجم أيضا على غير ذلك من الأحاديث الصحيحة وقابلها بالرد والإنكار، وقد سمى المؤلف نفسه بالسيد صالح أبي بكر، وليس بسيد ولا صالح ولا كرامة ولا نعمة عين، لما رواه أبو داود والنسائي والبخاري في الأدب المفرد عن أبي بريدة﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تقولوا للمنافق سيد، فإنه إن يك سيدًا فقد أسخطتم ربكم ﷿» ورواه الحاكم في مستدركه والبيهقي بنحوه وصححه الحاكم، وفي تهجمه على بعض الصحابة والتابعين وعلى الأحاديث الصحيحة أوضح دليل على زيغه وفساد عقيدته وأنه ليس بصالح في الحقيقة.\nوقد سمى الملحد كتابه «الأضواء القرآنية، في اكتساح الأحاديث الإسرائيلية وتطهير البخاري منها» .. وكلام الملحد كله شبهات وحمل لكتاب الله على غير محامله، فهو في الحقيقة ظلمات بعضها فوق بعض كما سأبينه إن شاء الله تعالى، ومن تأمل كتابه لم يشك أنه محارب للإسلام والمسلمين، وأنه إنما أراد بكتابه الطعن في الإسلام وأهل الإسلام، وإن أظهر ذلك في قالب الإصلاح فهو بلا شك ممن يسعى في الأرض فسادا وإن زعم أنه مصلح. وقد قال الله تعالى مخبرا عن سلف هذا الملحد: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢)﴾ وهذه الآية الكريمة مطابقة لحال الملحد غاية المطابقة، طهر الله الأرض منه ومن أمثاله من المفسدين إنه سميع مجيب. وقد رأيت","vol":"1","page":342},{"text":"من الواجب الرد على أباطيل هذا الزائغ المفتري على الله وعلى رسوله - ﷺ - وتطهير الأحاديث في صحيح البخاري وغيره من كتب السنة من تلطيخ هذا الظالم المعتدي». (١)\nوللشيخ الفاضل أحمد شاكر ﵀ كلام حسن في توجعه من آراء بعض معاصريه من أصحاب المدرسة العقلية الحديثة وآراء رشيد رضا من قبلهم حول السنة النبوية وصحيح البخاري، حيث قال ﵀ في الكلام على حديث أبي هريرة «إذا وقع الذباب في إناء أحدكم» في الجزء الثاني عشر صفحة مائة وأربعة وعشرون من تحقيق المسند «وهذا الحديث مما لعب فيه بعض معاصرينا ممن علم وأخطأ، وممن علم وعمد إلى عداء السنة، وممن جهل وتجرأ، فمنهم من حمل على أبي هريرة وطعن في روايته وحفظه، بل منهم من تجرأ على الطعن في صدقه فيما يروي حتى غلا بعضهم فزعم أن في الصحيحين أحاديث غير صحيحة إن لم يزعم أنها لا أصل لها، بما رأوا من شبهات في نقد بعض الأئمة لأسانيد قليلة فيهما فلم يفهموا اعتراض أولئك المتقدمين الذين أرادوا بنقدهم أن بعض أسانيدها خارجة عن الدرجة العليا من الصحة التي التزامها الشيخان لم يريدوا أنها أحاديث ضعيفة، ومن الغريب أن هذا الحديث بعينه، حديث الذباب - لم يكن مما استدركه أحد من أئمة الحديث على البخاري بل هو عندهم جميعًا مما جاء على شرطه في أعلى درجات الصحة ...».\nإلى أن قال: «والحق أنه لم يعجبهم هذا الحديث لما وقر في نفوسهم\n_________\n(١) «الرد القويم على المجرم الأثيم» للشيخ حمود التويجري ص (١، ٢) - مكتبة دار العليان الحديثة.","vol":"1","page":343},{"text":"من أنه ينافي المكتشفات الحديثة من المكروبات ونحوها، وعصمهم إيمانهم على أن يجرؤا على المقام الأسمى فاستضعفوا أبا هريرة، والحق أيضًا أنهم آمنوا بهذه المكتشفات الحديثة أكثر من إيمانهم بالغيب، ولكنهم لا يصرحون ثم اختطوا لأنفسهم خطة عجيبة أن يقدموها على كل شيء، وأن يؤلوا القرآن بما يخرجه عن معنى الكلام العربي إذا ما خالف ما يسمونه «الحقائق العلمية» وأن يردوا من السنة الصحيحة ما يظنون أنه يخالف حقائقهم هذه، افتراءً على الله وحبًا في التجديد، بل إن منهم لمن يؤمن ببعض خرافات الأوربيين وينكر حقائق الإسلام أو يتأولها، فمنهم من يؤمن بخرافات استحضار الأرواح، وينكر وجود الملائكة والجن بالتأويل العصري الحديث، ومنهم من يؤمن بأساطير القدماء وما ينسب إلى القديسين والقديسات ثم ينكر معجزات رسول الله - ﷺ - كلها، ويتأول ما ورد في الكتاب والسنة من معجزات الأنبياء السابقين يخرجونها عن معنى الإعجاز كله وهكذا وهكذا ..».\nإلى أن قال: «وهذا مما أخطأ فيه كثير من الناس ومنهم أستاذنا السيد رشيد رضا ﵀ على علمه بالسنة وفقهه، لم يستطع قط أن يقيم حجته على ما يرى، وأفلتت منه كلمات يسمو على علمه أن يقع فيهما، ولكنه كان متأثرًا أشد التأثر بجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وهما لا يعرفان في الحديث شيئًا، بل كان هو بعد ذلك أعلم منهما وأعلى قدمًا وأثبت رأيًا لولا الأثر الباقي في دخيلةِ نفسه، والله يغفر لنا وله». (١)\n_________\n(١) تحقيق مسند الإمام أحمد «١٢/ ١٢٤).","vol":"1","page":344},{"text":"هذا هو الأثر الفكري لآراء رشيد رضا حول الأحاديث الصحيحة الواردة في الصحيحين ورده بها لا لعلةٍ في أسانيدها كما قلنا من قبل بل لأنها لم تتفق مع منهجه العقلي الذي يسير عليه، ففتح بابًا على صحيحي البخاري ومسلم فقام من بعده العديد ممن أعجب بآرائه وأقواله بترديدها والزيادة عليها بلا عقل ولا فهم ولا حول ولا قوة إلا بالله.","vol":"1","page":345},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-146>المبحث الثالث\nتشكيك المسلمين في عقائدهم</span>\nولعل من أبرز الآثار الفكرية التي خلفتها آراء السيد محمد رشيد رضا حول الأحاديث الواردة في أشراط الساعة الكبرى أيضا هو تشكيك المسلمين في عقيدتهم التي تلقوها من كتاب الله وسنة نبيه - ﷺ - بإثارة مجموعة من التساؤلات والاستشكالات والتعارضات التي يصعب على كثير منهم الإجابة عليها، فيقع في الحيرة والشك من أمره بسبب عدم قدرته على الإجابة عليها والتوفيق فيما بينها.\nحيث كان الشيخ محمد رشيد رضا يلبس على عامة المسلمين ويوقعهم بالحيرة بخلطه بين الأحاديث الصحيحة والموضوعة؛ لإظهار التناقض والتعارض فيما بينها دون تنبيه على الضعيف والموضوع منها.\nولو أنه أكتفى بذكر الأحاديث الصحيحة لكل شرط من أشراط الساعة الكبرى لما كان هناك أي تعارض أو تناقض فيما بينها.\nولكنه عند ما جمع بين الأحاديث الصحيحة والضعيفة في قالب واحد، ظهر هذا التعارض والتناقض وهذه نتيجة حتمية لمنهجه الذي يتبعه.\nفكان بأسلوبه ومنهجه هذا بالجمع بين الصحيح والضعيف مع ذكره","vol":"1","page":346},{"text":"لأوجه التناقض فيما بينها وتأييده له فإنه أوقع الكثير في الشك والحيرة.\nحيث أنكر الكثير من الكتاب والمفكرين ومن عامة الناس أشراط الساعة الكبرى وعدوها من الأكاذيب ومن الإسرائيليات، مستدلين بآراء وأقوال رشيد رضا، وهذا بلا شك أثر فكري خطير على الفرد وعلى المجتمع، فالإيمان بأشراط الساعة جزء من الإيمان بالغيب الذي لا يتم إيمان المسلم إلا بالإيمان به، وهو كذلك داخل في الإيمان باليوم الآخر الذي هو ركن من أركان الإيمان وعقيدة من عقائد المسلمين الأساسية.\nفالواجب على المؤمن إذا ثبت لديه صحة الحديث برواية الثقات ووصل إلينا بطريق صحيح أن يؤمن به ويصدقه، فهذا هو مذهب علماء سلفنا الصالح انطلاقًا من أمر الله تعالى للمؤمنين بقوله ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾. (١)\nوقوله تعالى ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾. (٢)\nأما أن يرد الحديث الصحيح بدعوى أنه لم يوافق العقل أو لعدم فهمه أو لغيرها من الأعذار الأخرى فهذا بلا شك منهجٌ منحرف ضال لا دليل عليه، وهو منهجٌ فاسد معلوم الفساد لكل من في قلبه حب وتوقير واحترام وإجلال للسنة النبوية المطهرة الشريفة.\nورحم الله الشافعي عندما قال: «متى ما رويتٌ عن رسول الله - ﷺ - حديثًا\n_________\n(١) الأحزاب ٣٦.\n(٢) آل عمران ٣٢.","vol":"1","page":347},{"text":"صحيحًا فلم آخذ به فأشهدكم أن عقلي قد ذهب» (١)، فكيف به لو أتى ورأى كيف يتلاعب أصحاب المدرسة العقلية الحديثة بالأحاديث النبوية وبردها دون بينه أو برهان.\n_________\n(١) مختصر الصواعق (٢/ ٣٥٠).","vol":"1","page":348},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-147>المبحث الرابع\nإحياء تراث المعتزلة</span>\nمن الآثار الفكرية الناتجة عن رد رشيد رضا للأحاديث الواردة في أشراط الساعة الكبرى هو أحياء تراث المعتزلة، القائم على تقديم العقل والبراهين والحجج العقلية على النقل، ورد النصوص النبوية باستنتاجات واستشكالات واعتراضات عقلية.\nوالمتأمل لمنهج رشيد رضا في التعامل مع النصوص النبوية، القائم على رد جملة من الأحاديث النبوية الصحيحة الصريحة المتواترة الثابتة بأصح كتب الحديث، وبأصح الأسانيد، والتي شهد بصحتها كبار الحفاظ والمحدثين، لا شيء إلا لأنها لا توافق العقل أو تخالف منهجه العقلي، يجزم أن منهجه في التعامل مع النصوص النبوية هو منهج المدرسة العقلية القديمة «المعتزلة». وذلك أنهم كانوا يردون كل حديث يرون أنه يصطدم مع العقل أو أن العقل لا يقبله، مع حرصهم على تحكيم العقل وتقديمه على النص الشرعي في الاعتبار والاستدلال في أصول العقيدة ونصوصها دون اعتبار للوحي ولا تسليم للنص المعصوم ولا احترام لما ثبت عن رسول الله - ﷺ - من الأحاديث الصحيحة.\nويقول أستاذه محمد عبده مدافعًا عن منهج المعتزلة: «اتفق أهل الملة الإسلامية إلا قليلًا ممن لا ينظر إليه، على أنه إذا تعارض العقل والنقل أخذ","vol":"1","page":349},{"text":"بما دل عليه العقل»! ! (١)\nوهذا بلا شك مخالف لمنهج أهل السنة والجماعة في تعظيم النصوص الشرعية وتقديمها على العقل إن كان هناك تعارض كما يدعون، والتي في الحقيقة أنه يستحيل أن يكون هناك تعارض بين العقل السليم والنقل الصحيح، كما بينت ذلك في الفصل التمهيدي في مبحث العقل والنقل.\n_________\n(١) الإسلام والنصرانية صـ ٥٩.","vol":"1","page":350},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-148>المبحث الخامس\nإيجاد نوع من الجرأة\nعلى الثوابت الإسلامية</span>\nومن الآثار الفكرية السيئة لآراء رشيد رضا العقدية في أشراط الساعة الكبرى، ورده للأحاديث الصحيحة الصريحة المتواترة الواردة فيها، هو إيجاد نوع من الجرأة غير المنضطة لدى الكثير ممن جاء بعده من الكتاب والمفكرين وأصحاب الأهواء في الطعن، والتشكيك في الثوابت الإسلامية القائمة على الأدلة الشرعية من القرآن والسنة وردها، بدعوى البحث العلمي وتصفية وتنقية العقيدة الإسلامية والسنة النبوية مما علق بها من الخرافات والأحاديث الضعيفة والموضوعة والإسرائيليات، والتي هي في الحقيقة ليست كذلك إنما هي مجموعة من الاستشكالات والتساؤلات التي يقصد من ورائها إثارة الشبهات وتشكيك المسلمين في دينهم وسنة نبيهم، وذلك بجعل الأصول والثوابت الإسلامية عبارة عن آراء وأقوال قابله للصواب والخطأ، وقابلة للبحث والدراسة، حتى يتهيأ لهم في المستقبل إمكانية إنكارها وردها والتشكيك في صحتها وصحة مصادرها، وهكذا حتى تصبح العقائد والأصول والمسلمات التي لدى المسلمين هي عبارة عن آراء يمكن ردها وعدم تصديقها بل حتى وتكذيبها، وهكذا حتى تنتقض عرى الإسلام عروةً عروة، كل ذلك بدعوى البحث العلمي! !\nولقد رأينا وسمعنا ممن ينتسبون للإسلام والذين تربوا في أحضان","vol":"1","page":351},{"text":"المستشرقين من بني جلدتنا من أنكر حد الردة، وسمعنا ورأينا من ينكر حجاب المرأة، بل إنا سمعنا ورأينا من يشكك بأن اليهود والنصارى ليسوا بكفار بل هم مؤمنون، وسوف يحاسبون على أعمالهم يوم القيامة ومن ثم يدخلهم الله الجنة حالهم حال الموحدين من أهل الإسلام كل ذلك بدعوى البحث العلمي وبدعوى تصفية وتنقية الإسلام مما علق به من الآراء والأفكار الخاطئة، وهكذا يهدم الدين، وتهدم العقيدة ويهدم التوحيد، ويهدم الولاء والبراء، بل وتهدم الشريعة من أساسها وتنقض وتحرف وتبدل، ويطعن ويشكك في السنة النبوية، وفي الصحيحين، وفي رواة الحديث، وحملة الدين، ويتهم المتمسكون بالنقل من القرآن والسنة بالجمود والتخلف والرجعية، كل ذلك يكون بدعوى البحث العلمي.","vol":"1","page":352},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-149>المبحث السادس\nخدمة أغراض المستشرقين</span>\nومن الآثار الفكرية لآراء رشيد رضا العقدية في أشراط الساعة الكبرى وردها بدعوى التعارض والتناقض فيما بينها وبدعوى مخالفتها للسنن الكونية والإنسانية ومخالفتها للعقل وغيرها من الدعاوي الأخرى.\nهو خدمة أغراض المستشرقين والحاقدين على الإسلام عمومًا والسنة النبوية خصوصًا، حيث وجد هؤلاء المستشرقون والحاقدون على الإسلام وأهله بغيتهم في آراء وأقوال المدرسة العقلية عمومًا وآراء محمد رشيد رضا خصوصًا. فقاموا بالطعن في العقيدة الإسلامية وفي السنة النبوية وزعموا أن فيها الكثير من التناقض والتعارض فيما بينها، وأن فيها الكثير مما لا يوافق العقل عليه ويمجه.\nمسندين آراءهم بأقوال رجالات المدرسة العقلية الحديثة في التشكيك في الكثير من العقائد والسنن النبوية، ويكفي في الدلالة على ما ذهبت إليه هو النظر إلى ثناء المستشرقين على منهج المدرسة العقلية الحديثة وعلى رجالها، فهذا «جب» يقول عنهم «لسوء الحظ ظل قسم كبير من المسلمين المحافظين ولا سيما في الهند لا يخضعون لهذه الحركات الإصلاحية المهدئة، وينظرون إلى الحركة التي تزعمتها مدرسة عليكره بالهند ومدرسة محمد عبده بمصر نظرة كلها ريبة وسوء ظن لا تقل عن ريبتهم في الثقافة","vol":"1","page":353},{"text":"الأوروبية نفسها» (١) ثم وضح هذا المستشرق الإنجليزي «جب» دور المدرسة العقلية بقوله «إن في كل البلاد الإسلامية - باستثناء شبه جزيرة العرب وأفغانستان وبعض أجزاء من أواسط إفريقيا - حركات معينة تختلف قوة واتساعا ترمي إلى تأويل العقائد الإسلامية وتنقيحها» ثم قال «وقد اتجهت مدرسة محمد عبده بكل فروعها وشعبها نحو تحقيق هذا الهدف»، ثم ذكر «إن الأب (بانيرث) المبشر يرى أن حركة الإصلاح الإسلامي - على النحو الذي تسير فيه الآن يجب أن تقابل من المسيحية الغربية بالتشجيع». (٢)\nولعله يكفي هنا أن نتقل عن «جب» رأيه في تلاميذ محمد عبده حيث يقول «إن تلامذته هم من أولئك الذي تعلموا على الطريقة الأوروبية وذلك من ناحيتين: أولاهما إن ما كتبه الشيخ كان بمثابة درع واقية للمصلحين الاجتماعيين والسياسيين، فإن عظمة اسمه قد ساهمت في نشر أخبار لم تكن تنشر من قبل، ثم إنه قد أقام جسرا من فوق الهوة السحيقة بين التعليم التقليدي والتعليم العقلي المستورد من أوربا، الأمر الذي مهد للطالب المسلم أن يدرس في الجامعات الأوروبية دون خشية من مخالفة معتقده، وهكذا انفرجت مصر المسلمة بعد كبت، فقد ساهم الشيخ محمد عبده أكثر من أي شخص آخر في خلق اتجاه أدبي جديد في إطار الروح الإسلامية». (٣)\nأما الجاسوس البريطاني الفريد سكاون بلنت فيصف دعوتهم بأنها\n_________\n(١) إلى أين يتجه الإسلام: للمستشرق «جب» عن مجلة المجتمع العدد ٣٦٤ في ٩ رمضان ٩٧ هـ، صـ ٢٩.\n(٢) المرجع السابق: صـ ٦٣، عن الفكر الإسلامي المعاصر: غازي التوبة صـ ٦١ - ٦٢.\n(٣) الاتجاهات الحديثة في الإسلام: جب صـ ٧٠.","vol":"1","page":354},{"text":"«الإصلاح الديني الحر» ويصفهم بأنهم «زعماء الإصلاح في الأزهر» ويصف مدرستهم بأنها «تلك المدرسة الواسعة التقية». (١)\nوقال عن الأفغاني: «ومن أغرب ما يروى أن الفضل في نشر هذا الإصلاح الديني الحر بين العلماء في القاهرة لا يعود إلى عربي أو مصري أو عثماني ولكن إلى رجل عبقري غريب يدعي السيد جمال الدين الأفغاني». (٢)\nوقال عن محمد عبده: «إنه رجل من أحسن وأحكم الرجال العظام، ويجب أن لا يتوهم أحد أني إذ أستخدم هذه الألفاظ ألقي القول على عواهنه، أو أبالغ مثقال ذرة، ولكني أقولها معتمدا على معرفتي بأخلاقه في ظروف مختلفة، وأحوال صعبة، فقد عرفته في أول الأمر معلما دينيا ثم قائدا لحركة الإصلاح الاجتماعي ... وأخيرًا حين سودته مواهبه العقلية ونصرته من جديد». (٣)\nوتحدث عن هدف الأفغاني فقال: «كان همه أن يطلق العقول من الأغلال التي قيدتها طوال الأجيال الماضية» وأن هذا «يماثل ما حدث من إحياء المسيحية بأوروبا في القرنين الخامس عشر والسادس عشر». (٤)\nوهذا جولد زيهر يبين قصد مدرسة المنار بأنه: «تحقيق قدرة الإسلام على الحياة بين تيارات العصر الحديث عن طريق إصلاح الأحوال المغلولة\n_________\n(١) التاريخ السري لاحتلال إنجلترا مصر: الفرد سكاون بلنت، صـ ٧٦.\n(٢) المرجع السابق: صـ ٧٧.\n(٣) المرجع السابق: صـ ٨٠.\n(٤) المرجع السابق: صـ ٧٨.","vol":"1","page":355},{"text":"بقيود المذاهب الجامدة» (١) واعتبر السيد جمال الدين الأفغاني المحرك الأول لهذا الاتجاه. (٢)\n_________\n(١) مذاهب التفسير الإسلامي: جولد زيهر، صـ ٣٤٧ - ٣٤٨.\n(٢) منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير، فهد الرومي بتعرف صـ ٨٠٥ - ٨٠٨.","vol":"1","page":356},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-150>الخاتمة</span>\nوتشمل على أهم نتائج البحث، وهي:\n١ - إن المقصود بأشراط الساعة هي العلامات والإمارات التي تسبق قيام الساعة.\n٢ - إن النصوص الشرعية من القرآن والسنة دلت دلاله قطعية على أن الساعة واقعة لا محالة.\n٣ - إن النصوص الشرعية من القرآن والسنة دلت دلاله قطعية على أن قيام الساعة قريب، وعلى أننا في آخر أيام الدنيا، إلا أنه لم يثبت حديث صحيح في تحديد عمر الدنيا.\n٤ - إن النصوص الشرعية من القرآن والسنة دلت على أن ليوم القيامة علامات وأشراطًا تدل على قرب وقوعها.\n٥ - إن علامات وأشراط الساعة تنقسم إلى قسمين، وهي علامات صغرى وهي التي تكون قبل قيام الساعة بأزمنة طويلة، والتي ظهر الكثير منها وعلامات كبرى وهي التي تكون قرب قيام الساعة، والتي لم يظهر منها إلى الآن شيء.\n٦ - إن ما ثبت عن رسول الله - ﷺ - من الأخبار - سواء كانت متواترة أو آحاد، يجب الإيمان بها وقبولها ولا يجوز ردها، فالعقائد تثبت بالخبر الصحيح ولو كان آحادً.","vol":"1","page":357},{"text":"٧ - إن ما ثبت عن رسول الله - ﷺ - من الأخبار، وجب الإيمان بها وقبولها ولا يجوز ردها باستشكالات وتساؤلات عقلية لا قيمة لها أمام النص الصحيح.\n٨ - إن تقديم العقل على النقل من أقوال الفلاسفة ومن نحا نحوهم من المعتزلة وغيرهم من أهل الكلام، وتابعهم على ذلك أصحاب المدرسة العقلية الحديثة المتمثلة بمحمد رشيد رضا ومن جاء بعده من رواد مدرسة المنار.\n٩ - يعتبر الشيخ محمد رشيد رضا من أصحاب المدرسة العقلية الحديثة بل هو أحد رموزها والتي هي امتداد للمدرسة العقلية القديمة «المعتزلة».\n١٠ - إن للشيخ محمد رشيد رضا العديد من الآراء العقدية التي يكفي بالحكم على من قال ببعضها أنه إلى فكر الاعتزال أقرب منه للسلفية.\n١١ - إن الأحاديث الواردة في خروج المسيح الدجال في آخر الزمان أحاديث صحيحة صريحة متواترة أغلبها في الصحيحين وما ذكره رشيد رضا من استشكالات وتساؤلات حول هذه الأحاديث لا يصمد أمام هذه الآثار النبوية. ولا ترقى إلى ردها.\n١٢ - إن الأحاديث الواردة في ظهور المهدي في آخر الزمان أحاديث صحيحة صريحة متواترة، وما ذكره رشيد رضا من استشكالا وتساؤلات حول هذه الأحاديث لا يصمد أمام هذه الآثار النبوية، ولا ترقى إلى ردها.\n١٣ - إن الأحاديث الواردة في نزول عيسى بن مريم ﵇ في آخر الزمان، أحاديث صحيحة صريحة متواترة أغلبها في الصحيحين، وما","vol":"1","page":358},{"text":"ذكره رشيد رضا من استشكالا وتساؤلات حول هذه الأحاديث لا يصمد أمام هذه الآثار النبوية، ولا ترقي إلى ردها.\n١٤ - إن الأحاديث الواردة في طلوع الشمس من مغربها في آخر الزمان، أحاديث صحيحة صريحة متواترة أغلبها في الصحيحين، وما ذكره رشيد رضا من استشكالات وتساؤلات حول هذه الأحاديث لا يصمد أمام هذه الآثار النبوية ولا ترقى إلى ردها.\n١٥ - إن باب التوبة مفتوح ما لم تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت أغلق ولم يقبل من عاص أو كافر عمل.\n١٦ - إن آراء محمد رشيد رضا العقائدية في أشراط الساعة الكبرى، لها آثار فكرية سيئة، فقد فتحت بابًا للطعن في السنة النبوية وفي الصحيحين، وتشكيك المسلمين في عقائدهم، وإحياء تراث المعتزلة، وإيجاد الجرأة على الثوابت الإسلامية وخدمة أغراض المستشرقين.\nولله الحمد أولًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا.","vol":"1","page":359},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-151>فهرس المصادر والمراجع\nمرتبة على الحروف الهجائية</span>\n١ - القرآن الكريم\n٢ - «إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة»، للشيخ محمود بن عبد الله التويجري طبع مطابع الرياض، الطبعة الأولى، ١٣٩٤ هـ.\n٣ - «أشراط الساعة»، يوسف الوابل، دار ابن الجوزي، الطبعة الأولى، الإصدار الثاني، ١٤٣١ هـ.\n٤ - «أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن»، للعلامة محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي، دار الفكر، بيروت، لبنان، ١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ م.\n٥ - «أضواء على السنة المحمدية» لمحمود أبو ريه، طبعة دار المعارف، مصر، الطبعة الرابعة.\n٦ - «اعتقاد أهل السنة»، للإمام هبة الله بن الحسن بن منصور اللالكائي، دار ايلاف الدولية للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، ٢٠٠٧ م.\n٧ - «الاتجاه العقدي في تفسير المنار»، للدكتور محمد علي الزغول، رسالة ماجستير لم تطبع.\n٨ - «الإذاعة لما كان وما يكون بين يدي الساعة»، للسيد محمد صديق حسن القنوجي، طبع دار الكتب العلمية، بيروت، سنة ١٣٩٩ هـ.\n٩ - «الإرشاد إلى سبيل الاعتقاد»، للشيخ صالح الفوزان دار ابن الجوزي - الطبعة الثانية عشر، ١٤٢٨ هـ.\n١٠ - «الإسلام عقيدة وشريعة»، للشيخ محمد شلتوت، طبع دار الشروق، بيروت.","vol":"1","page":376},{"text":"١١ - «الإشاعة لأشراط الساعة»، لمحمد بن عبد الرسول البرزنجي، طبع دار الكتب العلمية، بيروت.\n١٢ - «الأضواء القرآنية في اكتساح الأحاديث الإسرائيلية وتطهير البخاري منها» السيد صالح أبو بكر، شركة مطابع محرم الصناعية، ١٩٧٤ م.\n١٣ - «الأعلام/ قاموس تراجم»، لخير الدين الزركلي، طبع دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الرابعة، ١٩٧٩ م.\n١٤ - «الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده»، للدكتور محمد عمارة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الثانية، ١٩٨٠ م.\n١٥ - «الأم»، للعلامة محمد بن إدريس الشافعي الناشر دار المعرفة، بيروت، الطبعة الثانية، ١٣٩٣ هـ.\n١٦ - «الأنوار الكاشفة بما في كتاب أضواء على السنة من الزلل والتضليل والمجازفة»، للعلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني، طبعة عالم الكتب ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م.\n١٧ - «الإيمان»، لأبي عبيدة القاسم بن سلام، تحقيق الشيخ ناصر الدين الألباني، طبعة المكتب الإسلامي، الطبعة الثانية، ١٤٠٣ هـ.\n١٨ - «الباعث الحثيث، شرح اختصار علوم الحديث لابن كثير»، للشيخ أحمد شاكر، طبع دار الكتب العلمية، بيروت.\n١٩ - «البحر المحيط في التفسير» للعلامة محمد بن يوسف الأندلسي، طبعة، دار الفكر، بيروت، تحقيق صدقي محمد جميل، ١٤٢٠ هـ.\n٢٠ - «التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة»، للحافظ شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد القرطبي، المكتبة السلفية، المدينة المنورة.","vol":"1","page":377},{"text":"٢١ - «الترغيب والترهيب»، للحافظ عبد العظيم بن عبد القوي المنذري، تصحيح مصطفى محمد عماره، إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الثالثة، ١٣٨٨ هـ.\n٢٢ - «التصريح بما تواتر في نزول المسيح»، للشيخ محمد أنور شاه الكشميري الهندي، تريب تلميذه الشيخ محمد سفيع تحقيق وتعليق الشيخ عبد الفتاح أبو عزه، مطبعة الأصيل، حلب، نشر مكتب المطبوعات الإسلامية، ١٣٨٥ هـ.\n٢٣ - «التفسير القيم لابن القيم»، جمع وترتيب محمد أديس الندوي، تحقيق محمد حامد الفقي، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٣٩٨ هـ.\n٢٤ - «التفسير والمفسرون»، للدكتور محمد حسين الذهبي، طبعة مكتبة وهبة، مصر، الطبعة الرابعة، ١٤٠٩ هـ - ١٩٨٩ م.\n٢٥ - «الجامع لأحكام القرآن»، للعلامة محمد بن أحمد القرطبي، طبعة دار الكتب المصرية، القاهرة، تحقيق: أحمد البردوني، وإبراهيم أطفيش، الطبعة الثانية، ١٣٨٤ هـ - ١٩٦٤ م.\n٢٦ - «الحاوي للفتاوي»، للحافظ جلال الدين عبد الرحمن السيوطي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثالثة، ١٣٩٧ هـ.\n٢٧ - «الحديث والمحدثون» لمحمد محمد أبو زهو، مطبعة مصر، الطبعة الأولى، ١٣٧٨ هـ - ١٩٥٨ م.\n٢٨ - «الدر المنثور في التفسير بالمأثور»، للعلامة جلال الدين عبد الرحمن السيوطي، طبعة مركز هجر للبحوث، مصر ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م.\n٢٩ - «الدرة فيما يجب اعتقاده»، للعلامة علي بن أحمد بن حزم، دراسة وتحقيق، عبد الحق التركماني، دار ابن حزم للطباعة والنشر، بيروت.","vol":"1","page":378},{"text":"٣٠ - «الربا والمعاملات في الإسلام»، السيد محمد رشيد رضا دار النشر للجامعات، طبعة مكتبة الوفاء، الطبعة الأولى ٢٠٠٩ م.\n٣١ - «الرد القويم على المجرم الأثيم»، الشيخ محمود التويجري، مكتبة دار العليان الحديثة، بريده، الطبعة الثانية، ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م.\n٣٢ - «الرد على من كذب بالأحاديث الصحيحة الواردة في المهدي»، للشيخ عبد المحسن البدر العباد، مطابع الرشيد، الطبعة الأولى، ١٤٠٢ هـ.\n٣٣ - «الرسالة»، للإمام محمد بن إدريس الشافعي تحقيق وشرح أحمد شاكر، مطابع المختار الإسلامي، دار السلام، الناشر مكتبة التراث، القاهرة، الطبعة الثانية، ١٣٩٩ هـ.\n٣٤ - «السيد رشيد رضا أو إخاء أربعين سنة»، شكيب أرسلان، مطبعة ابن زيدون - دمشق - الطبعة الأولى، ١٣٦٥ هـ - ١٩٣٧ م.\n٣٥ - «السيف الحاد في الرد على من أخذ بحديث الآحاد في مسائل الاعتقاد»، سعيد بن مبروك بن حمود القنوبي، مطابع النهضة، عُمان، الطبعة الثالثة، ١٤١٨ هـ.\n٣٦ - «الشفا بتعريف أحوال المصطفى»، للقاضي عياض بن موسى اليحصبي الأندلسي، تحقيق أمين قرة علي وزملائه - طبع الوكالة العامة للنشر والتوزيع، مؤسسة علوم القرآن ومكتبة دمشق.\n٣٧ - «الصحافة الإسلامية في القرن التاسع عشر»، سامي عبد العزيز العومي، دار الوفاء، المنصورة، مصر، ١٩٩٢ م.\n٣٨ - «العبر وديوان المبتدأ والخبر/ مقدمة ابن خلدون»، للمؤرخ عبد الرحمن بن خلدون المغربي، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ١٩٦٧ م.\n٣٩ - «العقيدة في الله»، للدكتور عمر سليمان الأشقر، طبع دار النفائس - الأردن - عمان - الطبعة الخامسة عشر.","vol":"1","page":379},{"text":"٤٠ - «الفتاوى»، للشيخ محمود شلتوت، طبع دار الشروق، الطبعة الثامنة، بيروت، ١٣٩٥ هـ.\n٤١ - «الفتح الرباني ترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني»، للشيخ أحمد عبد الرحمن البنا الساعاتي، دار الحديث، القاهرة.\n٤٢ - «الفرق بين الفرق»، للعلامة عبد القادر بن طاهر البغدادي، تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد، مطبعة المدني، القاهرة.\n٤٣ - «الكفاية في علم الرواية»، للعلامة أحمد بن علي بن ثابت أبو بكر الخطيب البغدادي، تحقيق أبو عبد الله السورقي، إبراهيم حمدي المدني، المكتبة العلمية، المدينة المنورة.\n٤٤ - «المجموع شرح المهذب»، للإمام محيي الدين ابن شرف النووي، طبعة الفكر، بيروت.\n٤٥ - «المحلي»، للعلامة على بن أحمد بن حزم، طبعة دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.\n٤٦ - «المستدرك على الصحيحين»، للعلامة محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري، دار الكتب العلمية، بيروت، تحقيق، مصطفى عبد القادر عطا، الطبعة الأولى، ١٤١١ هـ - ١٩٩٠ م.\n٤٧ - «المسند»، للإمام أحمد بن حنبل، شرح وتحقيق: الشيخ أحمد محمد شاكر، أتمه د. الحسيني عبد المجيد هاشم، دار المعارف بمصر، سنة ١٣٦٥ - ١٣٧٥ هـ.\n٤٨ - «المسيح الدجال ونزول عيسى ﵇ وقتله إياه»، للشيخ محمد ناصر الدين الألباني، المكتبة الإسلامية - عمان الأردن.\n٤٩ - «المعجم الوجيز»، لمجمع اللغة العربية.","vol":"1","page":380},{"text":"٥٠ - «المغني»، للإمام عبد الله بن أحمد ابن قدامه المقدسي، طبعة دار الفكر، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ.\n٥١ - «المفسرون مدارسهم ومناهجهم»، للدكتور فضل حسن عباس، طبعة دار النفائس - عمان - الأردن - ٢٠٠٧ م.\n٥٢ - «المنار المنيف في الصحيح والضعيف»، للحافظ محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، تحقيق الشيخ عبد الفتاح أبو غدة، طبع مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب، ١٣٩٠ هـ.\n٥٣ - «المنار والأزهر»، السيد محمد رشيد رضا، مطبعة المنار، مصر، الطبعة الأولى - ١٣٥٣ هـ - ١٩٣٤ م.\n٥٤ - «الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة»، للندوة العالمية للشباب الإسلامي، إشراف ومراجعة، الدكتور مانع الجهني، نشر دار الندوة العالمية، الطبعة الخامسة، ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م.\n٥٥ - «النشر في القراءات العشر»، ابن الجزري، طبع مكتبة القاهرة، مصر، تحقيق محمد سالم محيسن.\n٥٦ - «النهاية في غريب الحديث والأثر»، للعلامة مجد الدين المبارك بن الأثير الجزري، تحقيق طاهر الزواي ومحمود الطحناجي، دار الفكر الطبعة الثانية، ١٣٩٩ هـ.\n٥٧ - «النهاية/ الفتن والملاحم»، للحافظ إسماعيل بن كثير، تحقيق: د. طه زيني، دار النصر للطباعة، الناشر، دار الكتب الحديث، مصر، الطبعة الأولى.\n٥٨ - «الوحي المحمدي»، السيد محمد رشيد رضا، طبعة المكتب الإسلامي، الطبعة التاسعة، ١٣٩٩ هـ- ١٩٧٩ م.\n٥٩ - «بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية»، لشيخ الإسلام أحمد","vol":"1","page":381},{"text":"بن عبد الحليم بن تيمية، تعليق محمد بن عبد الرحمن بن قاسم، دار القاسم، الرياض، الطبعة الثانية، ١٤٢١ هـ.\n٦٠ - «تاريخ الأستاذ الإمام»، السيد محمد رشيد رضا، مطبعة المنار، مصر، الطبعة الأولى، ١٣٥٠ هـ، ١٩٣١ م.\n٦١ - «تاريخ دمشق»، للعلامة ابن عساكر، طبعة دار الفكر، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ.\n٦٢ - «تعارض العقل والنقل»، لشيخ الإسلام أحمد بن تيمية تحقيق الدكتور، محمد رشاد سالم، دار الكنوز الأدبية، الرياض ١٣٩١ هـ.\n٦٣ - «تفسير القرآن الحكيم/ تفسير المنار»، للشيخ محمد رشيد رضا دار المعرفة، بيروت، الطبعة الثانية، بالأوفست.\n٦٤ - «تفسير القرآن العظيم»، للحافظ أبي الغداء إسماعيل بن كثير، تحقيق: د. محمد إبراهيم البنا وعبد العزيز غنيم ومحمد أحمد عاشور، دار الشعب، القاهرة.\n٦٥ - «تفسير جزء عم»، للشيخ محمد عبده، طبعة الجمعية الخيرية الإسلامية بالقاهرة، الطبعة الثانية، مطبعة مجلة المنار بمصر، ١٣٢٩ هـ.\n٦٦ - «تقريب التهذيب»، للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، تحقيق: عبد الوهاب عبد اللطيف، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الثانية، ١٣٩٥ هـ.\n٦٧ - «تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة»، للشيخ أبي الحسن علي بن محمد بن عراق الكناني، تحقيق: عبد الوهاب عبد اللطيف وعبد الله محمد الصديق، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، سنة ١٣٩٩ هـ.\n٦٨ - «تيسير مصطلح الحديث»، للدكتور محمود الطحان، مكتبة الهداية - العراق - أربيل.","vol":"1","page":382},{"text":"٦٩ - «جامع الأصول في أحاديث الرسول»، المجد الدين أبي السعادات المبارك بن محمد بن الأثير، تحقيق عبد القادر الأرناؤوط - مطبعة الملاح ومكتبة البيان.\n٧٠ - «جامع البيان عن تأويل القرآن»، للإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري، تحقيق محمود شاكر، تخريج أحمد شاكر، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، ١٤٢٠ هـ - ٢٠٠٠ م.\n٧١ - «جامع الترمذي/ مع شرحه تحفة الأحوذي»، للإمام أبي عيسى الترمذي، تصحيح عبد الوهاب عبداللطيف، دار الفكر، الطبعة الثالثة، ١٣٩٩ هـ.\n٧٢ - «جامع الرسائل»، لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، تحقيق، د. محمد رشاد سالم، دار العطاء، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م.\n٧٣ - «حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح»، للعلامة محمد بن أبي بكر ابن القيم الجوزية، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت.\n٧٤ - «حجية الآحاد في العقيدة ورد شبهات المخالفين»، محمد عبد الله الوهيبي، دار المسلم، الرياض.\n٧٥ - «حجية خبر الآحاد في العقيدة»، منيرة فراج على العقلا رسالة ماجستير، جامعة الملك سعود ١٤١٩ هـ.\n٧٦ - «حلية الأولياء وطبقات الأصفياء»، للحافظ أبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني، دار الكتاب العربي، الطبعة الرابعة، بيروت، ١٤٠٥ هـ.\n٧٧ - «خبر الآحاد وحجيته في أثبات العقائد»، عبد الله ناصر السرحاني، رسالة دكتوراه، جامعة أم القرى، ١٤٢٥ هـ.\n٧٨ - «دراسات في الحديث النبوي»، محمد مصطفى الأعطمي، طبعة شركة الطباعة العربية السعودية المحدودة، الرياض، الطبعة الثالثة، ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م.","vol":"1","page":383},{"text":"٧٩ - «دفاع عن السنة»، لمحمد بن محمد أبو شهبة، طبعة مكتبة السنة، مصر، ١٤٠٩ هـ.\n٨٠ - «رجال من التاريخ»، الشيخ علي طنطاوي، دار المنار، جده السعودية، الطبعة الثامنة، ١٤١٣ هـ.\n٨١ - «ردود أهل العلم على الطاعنين بحديث السحر، وبيان بعد محمد رشيد رضا عن السلفية»، للشيخ مقبل الوادعي، طبعة دار الآثار - صنعاء، الطبعة الثانية، ٢٠٠٦ م.\n٨٢ - «رسالة التوحيد»، للشيخ محمد عبده، تصحيح وتعليق محمد رشيد رضا، طبع دار المنار، مصر، الطبعة الحادية عشر، ١٣٦٥ هـ.\n٨٣ - «رشيد رضا الإمام المجاهد»، إبراهيم العدوي، طبعة الدار المصرية للتأليف، القاهرة.\n٨٤ - «رشيد رضا، الصحفي، المفسر، الشاعر»، أحمد الشرباصي، من مطبوعات البحوث الإسلامية - القاهرة، ١٩٧٧ م.\n٨٥ - «سلسلة الأحاديث الصحيحة»، للشيخ ناصر الدين الألباني، طبعة المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثانية، ١٣٩٩ هـ.\n٨٦ - «سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة»، للشيخ ناصر الدين الألباني، طبعة المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى، ١٣٩٩ هـ.\n٨٧ - «سنن أبي داود/ مع شرحه عون المعبود»، للإمام أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني، تحقيق عبد الرحمن بن محمد بن عثمان، دار الفكر، الناشر المكتبة السلفية، الطبعة الثالثة، ١٣٩٩ هـ.\n٨٨ - «سير أعلام النبلاء»، للإمام محمد بن أحمد الذهبي، تحقيق شعيب الأرناؤوط، ومحمد زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى، ١٣٩٠ هـ.","vol":"1","page":384},{"text":"٨٩ - «شرح السنة»، للإمام محمد بن الحسين البغوي، تحقيق شعيب الأرناؤوط ومحمد زهير الشاويش، المكتب الإسلامي بيروت، الطبعة الأولى، ١٣٩٠ هـ.\n٩٠ - «شرح العقيدة الطحاوية»، للعلامة على بن علي بن أبي العز الحنفي، حققها جماعة من العلماء وخرج أحاديثها الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الرابعة، ١٣٩١ هـ.\n٩١ - «شرح العقيدة الواسطية»، للشيخ محمد بن صالح العثيمين، دار ابن الجوزي، الطبعة الرابعة، ١٤٢٧ هـ.\n٩٢ - «شرح النووي على صحيح مسلم»، للعلامة يحيى بن شرف النووي، دار أحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الثانية، ١٣٩٢ هـ.\n٩٣ - «الجامع الصحيح»، للإمام محمد بن إسماعيل البخاري، دار السلام، الرياض، الطبعة الثالثة، ١٤٢١ هـ.\n٩٤ - «صحيح الجامع الصغير وزيادته»، تحقيق: الشيخ، محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، الطبعة الأولى، ١٣٨٨ هـ.\n٩٥ - «صحيح سنن الترمذي»، للشيخ ناصر الدين الألباني، طبعة المكتب الإسلامي، بيروت.\n٩٦ - «صحيح مسلم»، للإمام مسلم بن الحجاج، النيسابوري، دار السلام، الرياض، الطبعة الثالثة، ١٤٢١ هـ.\n٩٧ - «طبقات الحنابلة»، محمد بن محمد أبي يعلى، طبعة، دار المعرفة، بيروت، تحقيق محمد حامد الفقي.\n٩٨ - «عقيدة أهل الإسلام في نزول عيسى ﵇»، للشيخ عبد الله بن محمد الصديق الغماري، مطبعة المختار، الناشر مكتبة القاهرة.","vol":"1","page":385},{"text":"٩٩ - «علم العقيدة عند أهل السنة والجماعة»، الدكتور. محمد يسري، دار طيبة، الطبعة الأولى، ٢٠٠٦ م.\n١٠٠ - «فتح الباري، شرح صحيح البخاري»، للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، تحقيق: الشيخ عبد العزيز بن باز نشر إدارة البحوث العلمية والإفتاء، الرياض.\n١٠١ - «فتح القدير/ تفسير الشوكاني»، للعلامة محمد بن علي الشوكاني، دار الفكر، الناشر محفوظ علي، بيروت، الطبعة الثالثة، ١٣٩٣ هـ.\n١٠٢ - «فقه السنة»، للشيخ سيد سابق - طبعة مكتبة الرشد - الرياض - ٢٠٠١ م.\n١٠٣ - «في ظلال القرآن»، للشهيد سيد قطب إبراهيم، دار الشروق، القاهرة.\n١٠٤ - «فيض القدير شرح الجامع الصغير»، للعلامة محمد عبد الرؤوف المناوي، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الثانية، ١٣٩١ هـ.\n١٠٥ - «قاضي القضاة عبد الجبار الهمداني»، الدكتور، عبد الكريم عثمان، الدار العربية للطباعة والنشر، بيروت.\n١٠٦ - «قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث»، للعلامة محمد جمال الدين القاسمي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٣٩٩ هـ.\n١٠٧ - «لسان العرب»، للعلامة أبي الفضل محمد بن مكرم بن منظور دار الفكر، نشر دار صادر، بيروت.\n١٠٨ - «لوامع الأنوار البهية ومواضع الأسرار الأثرية»، للعلامة محمد بن أحمد السفاريني، تعليق: الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين، والشيخ سليمان بن سحمان، منشورات مؤسسة الخافقين، دمشق، الطبعة الثانية ١٤٠٢ هـ.","vol":"1","page":386},{"text":"١٠٩ - «مجلة الجامعة الإسلامية»، العدد الخامس والأربعون سنة، ١٤٠٠ هـ.\n١١٠ - «مجلة المنار»، نسخة الكترونية من المكتبة الشاملة الإصدار الثالث.\n١١١ - «مجمع الزوائد ومنبع الفوائد»، للحافظ نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي، دار الكتاب، بيروت، الطبعة الثانية، ١٩٦٧ م.\n١١٢ - «مجموع الفتاوى»، لشيخ الإسلام أحمد بن تيمية، جمع الشيخ عبد الرحمن بن قاسم، مطابع الدار العربية، بيروت، تصوير الطبعة الأولى، ١٣٩٨ هـ.\n١١٣ - «محمد رشيد رضا ودوره في الحياة الفكرية والسياسية»، دار عمان الأردن، الطبعة الأولى، ١٤٠٩ هـ - ١٩٨٩ م.\n١١٤ - «مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة»، للحافظ محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، اختصره الشيخ محمد بن الموصلي، الناشر مكتبة الرياض الحديثة، الرياض.\n١١٥ - «مختصر صحيح مسلم»، للحافظ زكي الدين عبد العظيم المنذري، تحقيق محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، دمشق، بيروت، الطبعة الثالثة، ١٣٩٧ هـ.\n١١٦ - «مختصر منهاج السنة»، اختصره الشيخ عبد الله الغنيمان، طبعة دار الأرقم، الطبعة الثانية، ١٤١٢ هـ - ١٩٩٢ م.\n١١٧ - «معالم التزيل/ تفسير البغوي»، للعلامة الحسيني بن مسعود البغوي، طبعة دار طيبة للنشر والتوزيع، الطبعة الرابعة، ١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ م.\n١١٨ - «معجم مقاييسي اللغة»، للعلامة أحمد بن فارس بن زكريا، طبعة مصطفى الحلبي وأولاده بمصر الطبعة الثانية، تحقيق: عبد السلام هارون، ١٣٨٩ هـ - ١٩٦٩ م.","vol":"1","page":387},{"text":"١١٩ - «مقالات الإسلاميين»، للعلامة علي بن إسماعيل الأشعري أبو الحسن، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الثالثة، تحقيق هلموت ريتر.\n١٢٠ - «مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث»، للحافظ عثمان بن عبد الرحمن المعروف بابن الصلاح، دار الكتب العلمية، بيروت ١٣٩٨ هـ.\n١٢١ - «منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد»، عثمان علي حسن، طبعة مكتبة الرشد، الطبعة الأولى الرياض، ١٤١٢ هـ - ١٩٩٢ م.\n١٢٢ - «منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير»، فهد بن عبد الرحمن الرومي، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثانية، ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م.\n١٢٣ - «منهج رشيد رضا في العقيدة»، تامر محمد متولى، دار ماجد عسيري، الطبعة الأولى، ١٤٢٥ هـ- ٢٠٠٤ م.\n١٢٤ - «موقف المدرسة العقلية الحديثة من الحديث النبوي الشريف، دراسة تطبيقية على تفسير المنار»، شفيق بن عبد الله شقير، طبعة المكتب الإسلامي.\n١٢٥ - «نظم المتناثر من الحديث المتواتر»، للشيخ جعفر الحسيني الإدريسي الكتاني، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٠ هـ.\n١٢٦ - «هدى الساري، مقدمة فتح الباري»، للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، تصحيح الشيخ محب الدين الخطيب نشر رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء، الرياض.\n١٢٧ - «وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة»، للشيخ محمد ناصر الدين الألباني، دار العلم، بنها، مصر.\n١٢٨ - دراسة حديث «نضر الله امرءًا سمع مقالتي»، رواية ودراية، للشيخ عبد المحسن العباد، مطابع الرشيد، المدينة المنورة، الطبعة الأولى، ١٤٠١ هـ.","vol":"1","page":388}]}