{"ً":{"ٌ":328,"ٍ":"تحقيق الكلام في المسائل الثلاث - ضمن «آثار المعلمي»","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"https://archive.org/download/moalemee/","files":["04_137184ps.pdf|مقدمة 4","04_137184s.pdf"]},"ّ":"الكتاب: تحقيق الكلام في المسائل الثلاث\n[آثار عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني (٤)]\nالمؤلف: عبد الرحمن بن يحيى المُعَلِّمي اليماني (١٣١٣ - ١٣٨٦ هـ)\nالمحقق: علي بن محمد العمران - محمد عزير شمس\nراجعه: عبد الرحمن بن صالح السُديس - سليمان بن عبد الله العُمير\nالناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع\nالطبعة: الأولى، ١٤٣٤ هـ\nقدمه للشاملة: مؤسسة «عطاءات العلم»، جزاهم الله خيرا\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":178,"ٕ":1,"ٖ":1780758559,"ٗ":37},"٘":{"ٙ":["مقدمة 4","4"],"ٚ":[{"title":"مقدمة التحقيق","level":1,"page":3},{"title":"موضوع الكتاب","level":2,"page":5},{"title":"اسم الكتاب","level":2,"page":5},{"title":"تاريخ تأليفه","level":2,"page":6},{"title":"سبب تأليفه","level":2,"page":7},{"title":"عرض مفصل لموضوعات الكتاب","level":2,"page":8},{"title":"(١) المسألة الأولى: في الاجتهاد والتقليد","level":3,"page":8},{"title":"(٢) المسألة الثانية: السنة والبدعة","level":3,"page":10},{"title":"(٣) المسألة الثالثة: النداء للغائبين والموتى وغيرهم","level":3,"page":19},{"title":"العثور على الكتاب ومعاناة ترتيبه والعمل عليه","level":2,"page":27},{"title":"وصف النسخة الخطية","level":2,"page":27},{"title":"طريقة العمل في الكتاب","level":2,"page":28},{"title":"ترجمة الشيخ السوركتي","level":2,"page":30},{"title":"نماذج من النسخة الخطية","level":2,"page":35},{"title":"مقدمة المصنف","level":1,"page":38},{"title":"سبب تأليفه","level":2,"page":38},{"title":"الأحاديث الواردة في النهي عن الجلوس على القبور، وبيان معناها","level":2,"page":39},{"title":"مقدمة في بيان التكليف وما يتصل به","level":2,"page":42},{"title":"المقصود من خلق الجن والإنس عبادة الله وحده","level":2,"page":42},{"title":"الكلام على الفطرة الوارد ذكرها في الكتاب والسنة","level":2,"page":43},{"title":"نقل كلام ابن القيم في ذلك من «شفاء العليل»","level":2,"page":44},{"title":"خلق الأكوان على هيئة تدل على وجود الله وإلهيته ووحدانيته","level":2,"page":44},{"title":"مسألة الحسن والقبح العقليين والخلاف في ذلك وموقف المؤلف منها","level":2,"page":46},{"title":"عدم الاكتفاء بمجرد الفطرة والعقل","level":2,"page":47},{"title":"بعثة الرسل لهداية الناس","level":2,"page":47},{"title":"كون محمد - ﷺ - خاتم النبيين، ووجوب اتباعه على جميع الأمم","level":2,"page":49},{"title":"شريعته - ﷺ - متكفلة بمصالح الخلق كافة معاشا ومعادا","level":2,"page":50},{"title":"إمداده بالقرآن العظيم والحض على العمل به","level":2,"page":51},{"title":"تعظيم شأن القرآن وسبب كونه عربيا","level":2,"page":52},{"title":"الأمر بتلاوة القرآن وتدبر آياته","level":2,"page":53},{"title":"تأييد الله تعالى نبيه بالحكمة ليبين للناس ما نزل إليهم","level":2,"page":54},{"title":"تفسير السلف للحكمة","level":2,"page":54},{"title":"وجوب اتباع محمد - ﷺ - على كل من جاء بعده إلى يوم القيامة","level":2,"page":55},{"title":"تكفل الله تعالى بحفظ القرآن يستلزم حفظ السنة واللغة، ويشهد له الواقع","level":2,"page":56},{"title":"بحفظ الكتاب والسنة واللغة حصل حفظ الدين وقامت الحجة على العالمين","level":2,"page":57},{"title":"فصل: في الدليل القطعي والظني وما يستفاد منهما من الأحكام","level":2,"page":58},{"title":"فصل: كيف يجوز العمل بالظني وقد ذم الله تعالى الظن في القرآن؟","level":2,"page":59},{"title":"معنى الظن في اللغة","level":3,"page":60},{"title":"شروط الظن الذي يعتبر حجة شرعية","level":3,"page":60},{"title":"معنى الظن المذموم في القرآن","level":3,"page":60},{"title":"تفسير الآيات التي ورد فيها ذم الظن","level":3,"page":62},{"title":"الأدلة الموجبة العمل بالظن بشرطه","level":3,"page":65},{"title":"دلالة القرآن على قبول خبر الواحد","level":3,"page":66},{"title":"فصل: في تلخيص الموضوعات السابقة","level":2,"page":68},{"title":"طريقة العمل بالقرآن والسنة في زمن النبي - ﷺ -","level":3,"page":69},{"title":"منهج الصحابة في النوازل","level":3,"page":70},{"title":"الاجتهاد والفتوى في زمن الصحابة والتابعين","level":3,"page":70},{"title":"طريقة العوام في ذلك القرن لمعرفة الأحكام","level":3,"page":71},{"title":"فصل: قيام حجة الله على كل إنسان من حيث الخلقة والفطرة والدعوة","level":3,"page":75},{"title":"تفصيل أحكام الشريعة في الكتاب والسنة","level":3,"page":75},{"title":"فرض القاصر تقليد أحد المجتهدين أو غيره؟","level":3,"page":76},{"title":"منهج المؤلف في ذكر الأحاديث في الكتاب","level":3,"page":76},{"title":"المسألة الأولى: الاجتهاد والتقليد","level":1,"page":77},{"title":"مراتب تحصيل العلم","level":2,"page":78},{"title":"(١) تحصيل علوم اللسان.","level":3,"page":78},{"title":"(٢) العلم بأصول الفقه.","level":3,"page":78},{"title":"(٣) العلم بكتاب الله وسنة رسوله","level":3,"page":78},{"title":"طريقة التدرج في العلم للمجتهد","level":2,"page":79},{"title":"فرض المجتهد الاجتهاد في كل ما يعرض له","level":2,"page":80},{"title":"فصل: فرض القاصر سؤال المجتهد","level":2,"page":81},{"title":"على المجتهد أن يجيب السائل بذكر الدليل ويلاحظ رتبته","level":2,"page":82},{"title":"حوار بين المقلدين والمانعين","level":2,"page":86},{"title":"حكم العمل بقول مفت واحد في جميع الأعمال","level":2,"page":96},{"title":"حكم تقليد الميت","level":2,"page":100},{"title":"الإجماع المعتبر","level":2,"page":103},{"title":"حكم التلفيق","level":2,"page":108},{"title":"رد القول بانقطاع الاجتهاد","level":2,"page":110},{"title":"تيسر الاجتهاد للمتأخرين","level":2,"page":112},{"title":"معنى خلو الأرض عن المجتهد المستقل","level":2,"page":115},{"title":"مبنى أصول الفقه على العقل واللغة والشرع","level":2,"page":118},{"title":"إقامة كلام الأئمة مقام كلام الله والرسول عند المقلدين","level":2,"page":120},{"title":"تأويلهم لنصوص الكتاب والسنة وتحريفهم فيها","level":2,"page":122},{"title":"تركهم لقول أئمتهم: «إذا صح الحديث فهو مذهبي»","level":2,"page":125},{"title":"فصل: في نهي الأئمة عن التقليد وإرشادهم إلى اتباع السنة","level":2,"page":128},{"title":"جمود المتأخرين على تقليد الأئمة","level":3,"page":134},{"title":"المناظرة في مسألة التقليد","level":3,"page":136},{"title":"الجواب عن اعتراضات المقلدين","level":3,"page":142},{"title":"قد يبلغنا من السنة ما لم يبلغ الأئمة المتقدمين","level":3,"page":142},{"title":"قد يتنبه الإنسان لدلالة في الكتاب والسنة عزبت عمن هو أعلم منه","level":3,"page":144},{"title":"مخالفة العلماء بعضهم بعضا لاختلاف الأفهام والمدارك","level":3,"page":147},{"title":"واجب العلماء في زماننا","level":3,"page":150},{"title":"كلام الإمام الشافعي فيما اختلف فيه الصحابة","level":3,"page":152},{"title":"صحة الحديث لا تتوقف على عمل بعض الصحابة به، ولا يقدح فيها عمل بعضهم بخلافه","level":3,"page":156},{"title":"أقسام العلماء الذين جاءوا بعد الأئمة الأربعة","level":3,"page":158},{"title":"حكم المقلدين والمشايخ ومؤلفي الكتب","level":3,"page":161},{"title":"فصل: في أن باب العمل بالدليل مفتوح بالاتفاق","level":2,"page":164},{"title":"تجزؤ التقليد","level":3,"page":165},{"title":"نقض ميزان الشعراني","level":3,"page":171},{"title":"حال كثير ممن يدعي الاجتهاد في هذا العصر","level":3,"page":174},{"title":"ظهور بدعة التقليد ودعوى انقطاع الاجتهاد","level":3,"page":176},{"title":"طلب رتبة الاجتهاد فرض كفاية","level":3,"page":178},{"title":"المسألة الثانية: السنة والبدعة","level":1,"page":180},{"title":"تمهيد في معنى السنة والبدعة والمحدثة لغة واصطلاحا وشرعا","level":2,"page":181},{"title":"معنى كون القرآن تبيانا لكل شيء","level":3,"page":182},{"title":"شرح حديث: «الحلال بين والحرام بين، وبينهما مشتبهات»","level":3,"page":184},{"title":"الأشياء الحادثة بعد عصر النبوة نوعان","level":3,"page":185},{"title":"(أ) ما يتعلق بمصالح الدنيا، فهذا داخل تحت عمومات الإباحة","level":4,"page":185},{"title":"(ب) ما يتعلق بالأمور الدينية، فهو على قسمين: وسائل ومقاصد","level":4,"page":185},{"title":"بيان حكم كل منهما","level":3,"page":185},{"title":"الكلام على صلاة التراويح وأنها من السنة","level":3,"page":186},{"title":"معنى قول عمر: «نعمت البدعة»","level":3,"page":188},{"title":"معنى حديث: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها. . .»","level":3,"page":189},{"title":"أمثلة من المخالف الموجود من أول الإسلام: شرب الخمر وغيره","level":3,"page":192},{"title":"من المخالف المبتدع: الخوض في آيات الصفات إلى صريح التشبيه","level":3,"page":192},{"title":"من المخالف المبتدع: تأويل آيات الصفات","level":3,"page":193},{"title":"الرد على شبهات المؤولين","level":3,"page":193},{"title":"بدعة الخوض في علم الكلام والعزوف عن طريقة السلف","level":3,"page":196},{"title":"جميع البلايا التي فرقت شمل المسلمين ناشئة عن سببين","level":3,"page":197},{"title":"(أ) الخوض في آيات الصفات، والرغبة في إدخالها تحت القوانين الفلسفية","level":4,"page":197},{"title":"(ب) إحياء ما أماته الدين من العصبيات القومية","level":4,"page":197},{"title":"علاج الشرع للاختلاف في الدين: بمنع الخوض في الأصول، ورد ما اختلف فيه من الفروع إلى الكتاب والسنة","level":3,"page":198},{"title":"البحث الأول: البناء على القبور","level":2,"page":204},{"title":"روايات حديث أبي الهياج عن علي","level":3,"page":204},{"title":"سرد هذه الروايات من كتب السنة","level":3,"page":204},{"title":"تلخيص هذه الروايات","level":3,"page":209},{"title":"حكم الهدم عام لقبور المشركين والمسلمين","level":3,"page":210},{"title":"علة النهي عن البناء على القبور","level":3,"page":211},{"title":"معنى البناء على القبور","level":3,"page":212},{"title":"البحث الثاني: اتخاذ القبور مساجد أو اتخاذ المساجد على القبور","level":2,"page":213},{"title":"الكلام على آية ﴿لنتخذن عليهم مسجدا﴾، وهل فيها دلالة على بناء المساجد على القبور؟","level":3,"page":213},{"title":"الكلام على شرع من قبلنا","level":3,"page":217},{"title":"الأحاديث الواردة في تحريم اتخاذ المساجد على القبور","level":3,"page":218},{"title":"بناء المساجد على القبور كان حراما في جميع الشرائع","level":3,"page":222},{"title":"تنبيهات","level":3,"page":222},{"title":"كلام ابن حجر الهيتمي في هذا الموضوع","level":3,"page":224},{"title":"تعقيب المؤلف على كلامه","level":3,"page":225},{"title":"حكم بناء القباب والمشاهد على قبور الفضلاء والملوك، والرد على من أجازه","level":3,"page":226},{"title":"كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم في هذا الموضوع","level":3,"page":227},{"title":"تتمة: في حقيقة ما فعله الصحابة بشأن قبر النبي - ﷺ -","level":3,"page":229},{"title":"البناء على قبر النبي - ﷺ - فيما بعد لا يعد دليلا على جوازه","level":3,"page":229},{"title":"لا إجماع على ذلك","level":3,"page":230},{"title":"ثمرة محبته - ﷺ - هو اتباع سنته","level":3,"page":231},{"title":"البحث الثالث: زيارة القبور","level":2,"page":232},{"title":"معنى القيام على القبر في آية: ﴿ولا تقم على قبره﴾","level":3,"page":232},{"title":"الأحاديث الواردة في زيارة القبور","level":3,"page":233},{"title":"علة النهي عن زيارة القبور أولا","level":3,"page":235},{"title":"الحكمة في استحباب زيارة القبور","level":3,"page":235},{"title":"مسألة زيارة النساء للقبور","level":3,"page":236},{"title":"هل تزار قبور الكفار؟","level":3,"page":238},{"title":"كيفية الزيارة","level":3,"page":241},{"title":"فصل: في زيارة قبور الأنبياء والصالحين","level":3,"page":242},{"title":"حكم شد الرحال لزيارة القبور","level":3,"page":242},{"title":"الغرض المقصود من الزيارة","level":3,"page":243},{"title":"حوار بين المانعين والمجيزين","level":3,"page":244},{"title":"زيارة قبر النبي - ﷺ -","level":3,"page":249},{"title":"اعتقاد أن الدعاء عند القبور أقرب إلى القبول","level":3,"page":251},{"title":"اعتقاد أن الصالحين أحياء في قبورهم","level":3,"page":252},{"title":"البحث الرابع: التبرك","level":2,"page":254},{"title":"حقيقة التبرك","level":3,"page":254},{"title":"ثبوت التبرك بأشياء","level":3,"page":255},{"title":"(١) ماء زمزم","level":4,"page":255},{"title":"(٢) القرآن الكريم والأدعية المأثورة","level":4,"page":257},{"title":"حكم تعليق التمائم","level":5,"page":259},{"title":"حكم الرقى وبيان أنها قسمان","level":5,"page":262},{"title":"(٣) التبرك بآثار النبي - ﷺ -","level":4,"page":265},{"title":"تقبيل اليدين والرجلين","level":5,"page":268},{"title":"مسألة التبرك بالصالحين","level":5,"page":271},{"title":"حوار بين المجيزين والمانعين","level":3,"page":271},{"title":"خاتمة في العلم والشرف أيهما أعظم","level":3,"page":284},{"title":"حكم التبرك بالقبور والمشاهد","level":3,"page":286},{"title":"ميزان محبة الله ورسوله الاتباع","level":3,"page":290},{"title":"البحث الخامس: التوسل","level":2,"page":292},{"title":"حقيقة التوسل وأنواعه","level":3,"page":292},{"title":"سؤال الله بجاه بعض خلقه","level":3,"page":293},{"title":"التوسل بالنبي - ﷺ -","level":3,"page":294},{"title":"الكلام على حديث الأعمى","level":3,"page":295},{"title":"حوار بين المانعين والمجيزين","level":3,"page":296},{"title":"بحث عن الحديث الشاذ","level":3,"page":297},{"title":"الكلام على حديث: «اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك. . .»","level":3,"page":300},{"title":"حديث الصحيحين في قصة الثلاثة أصحاب الغار","level":3,"page":305},{"title":"الفرق بين التوسل بالحي والميت","level":3,"page":311},{"title":"حديث الاستشفاع ليس من التوسل","level":3,"page":316},{"title":"طريقة المؤلف التي اختارها لنفسه","level":3,"page":318},{"title":"بحث في اتخاذ ليلتي المولد والمعراج عيدا","level":3,"page":320},{"title":"حوار بين المانعين والمجيزين","level":3,"page":320},{"title":"شروط العمل بالحديث الضعيف","level":3,"page":323},{"title":"بطلان قياس المولد على أيام العيد والعرس وغيرها من أيام الأفراح","level":3,"page":328},{"title":"مناقشة استدلال بعضهم على جواز الرقص عند الذكر","level":3,"page":332},{"title":"الرد على من يجيز التطبيل عند السماع والوجد","level":3,"page":336},{"title":"المسألة الثالثة: النداء للغائبين والموتى وغيرهم","level":1,"page":341},{"title":"المقام الأول: علم الغيب","level":2,"page":343},{"title":"تقسيم العلم والغيب","level":3,"page":343},{"title":"العلم الخبري بما هو غيب عن جميع الخلق","level":4,"page":344},{"title":"فصل: في أنه لا يعلم الغيب إلا الله، ولا يعلمه نبي ولا ولي","level":5,"page":347},{"title":"ذكر الآيات الدالة على ذلك","level":6,"page":347},{"title":"فصل: في علم النبي - ﷺ - الغيب","level":5,"page":349},{"title":"من المحال أن يظهر الله عبدا على جميع غيبه","level":6,"page":352},{"title":"الأحاديث الدالة على ذلك","level":6,"page":352},{"title":"معنى حديث حذيفة: «. . . ما ترك شيئا يكون إلى قيام الساعة إلا حدث به»","level":7,"page":355},{"title":"حديث عمرو بن أخطب: «فأخبرنا بما هو كائن إلى يوم القيامة»","level":7,"page":357},{"title":"القسم الأول من الغيب، والكلام على الرؤيا","level":4,"page":359},{"title":"أقسام الرؤيا","level":5,"page":361},{"title":"معنى حديث: «من رآني في المنام فقد رآني» و«من رآني فقد رأى الحق»","level":5,"page":363},{"title":"رؤياه - ﷺ - ليست من علم الغيب","level":5,"page":365},{"title":"تعلق الروح بالجسد في اليقظة والنوم","level":5,"page":368},{"title":"الكلام على التحديث والمحدث","level":5,"page":372},{"title":"تردد عمر بن الخطاب وخطؤه في أشياء","level":5,"page":372},{"title":"جواز النسيان والخطأ في الاجتهاد على النبي - ﷺ -، إلا أنه لا يقر عليه","level":5,"page":373},{"title":"الكلام على الكهانة","level":5,"page":374},{"title":"الكلام على النظر في النجوم، وأنه من أكذب الظن","level":5,"page":379},{"title":"معرفة الأنواء","level":5,"page":382},{"title":"معرفة أحوال النجوم المتعلقة بذواتها","level":5,"page":383},{"title":"الكلام على الخط في الرمل","level":5,"page":384},{"title":"العرافة","level":5,"page":385},{"title":"الفأل والطيرة","level":5,"page":385},{"title":"الطرق بالحصى","level":5,"page":387},{"title":"التفاؤل بالقرآن وغيره من الكتب وأنواع من القرعة الممنوعة","level":5,"page":387},{"title":"حكم الشرع في الاستخارة","level":5,"page":388},{"title":"القسم الثاني من الغيب وأنواعه الثلاثة","level":4,"page":389},{"title":"قصة للمؤلف في وقوع بعض الخواطر","level":5,"page":391},{"title":"رؤية الإنسي للجني وسماعه لكلامه","level":5,"page":392},{"title":"ما يؤثر عن أهل الرياضات من قبيل الرؤيا","level":5,"page":393},{"title":"ادعاء بعض المتصوفة رؤية النبي - ﷺ - يقظة","level":5,"page":397},{"title":"تلاعب الشياطين في حواسهم الباطنة والظاهرة","level":5,"page":398},{"title":"الكشف عند الصوفية","level":5,"page":401},{"title":"الكلام في حجية الإلهام وهل هو من الإظهار على الغيب","level":5,"page":402},{"title":"الإلهام ليس إلا عبارة عن خاطرة تعرض لكل إنسان","level":5,"page":409},{"title":"حوار مع مدعي حجية الإلهام","level":5,"page":409},{"title":"المقام الثاني: في تصرف بعض بني آدم في الكون","level":2,"page":417},{"title":"لم يكن النبي - ﷺ - هو المتصرف في الكون في حياته","level":3,"page":418},{"title":"ليس في قصة الخضر ما يستغرب أصلا","level":3,"page":419},{"title":"سبب إنكار موسى ﵇ عليه","level":3,"page":420},{"title":"إبطال ما يدعيه بعض الناس للصالحين من التصرف في الكون","level":3,"page":422},{"title":"أصنام من يظن بهم الصلاح","level":3,"page":423},{"title":"كلام الصوفية وأخبارهم","level":3,"page":424},{"title":"نصيحة المؤلف للمسلمين أن يعرضوا عن كتبهم ومؤلفاتهم","level":3,"page":425},{"title":"ادعاؤهم أن لهم اصطلاحات وأذواقا لا يعرفها غيرهم","level":3,"page":427},{"title":"ما ينسب إليهم من الكرامات","level":3,"page":428},{"title":"المقام الثالث: النداء والطلب","level":2,"page":430},{"title":"تفصيل الكلام على نداء الغائب والطلب منه","level":3,"page":430},{"title":"لم يكن الصحابة ينادون النبي - ﷺ - غائبا","level":3,"page":434},{"title":"لم يكونوا يطلبون منه في حياته ما لا يمكن تحصيله بالأسباب العادية، بل يسألونه الدعاء","level":3,"page":434},{"title":"لم ينقل عن أحد منهم أنه طلب منه شيئا البتة بعد وفاته","level":3,"page":436},{"title":"حوار بين المجيزين والمانعين","level":3,"page":438},{"title":"طلب الدعاء من الصالحين مستحب بشرط أن لا يقصر الإنسان في الدعاء لنفسه","level":3,"page":443},{"title":"شبهات المجيزين لنداء الغائب والرد عليها","level":3,"page":444},{"title":"الكلام على خوارق العادة وأقسامها","level":3,"page":447},{"title":"وجود الشياطين عند قبور بعض الصالحين","level":3,"page":456},{"title":"رد دعوى إجماع المسلمين على النداء والاستغاثة بالأنبياء والصالحين","level":3,"page":458},{"title":"إبطال دعوى كون الناس مفطورين على ذلك","level":3,"page":460},{"title":"شكواهم من التكفير والتفسيق","level":3,"page":463},{"title":"تقسيم هؤلاء الناس إلى ثلاث فرق","level":3,"page":464},{"title":"(١) الذين يجيزون التوسل ويخاطبون الموتى عند قبورهم بناء على أنهم يسمعون الكلام ويقدرون على الدعاء","level":4,"page":464},{"title":"(٢) الذين يعتقدون أن الله يبلغ الصالحين غائبين أو موتى","level":4,"page":465},{"title":"(٣) الذين يثبتون للأنبياء والصالحين الكشف، ويثبتون لهم التصرف في الكون","level":4,"page":465},{"title":"بيان مشابهة هؤلاء بأهل الجاهلية في الكفر والشرك","level":3,"page":467},{"title":"حوار بين المجيزين والمانعين في ذلك","level":3,"page":470},{"title":"قصة جرت للمؤلف في مجلس الإدريسي","level":3,"page":477},{"title":"بيان ما ينقض الشهادتين","level":3,"page":479},{"title":"مناظرة المؤلف مع من يقول: الوهابية كفار","level":3,"page":482},{"title":"الحكم على بعض الأعمال أنه كفر لا يسوغ إلا بعد اجتهاد ونظر","level":3,"page":483},{"title":"الميزان","level":3,"page":485},{"title":"ملاحق","level":1,"page":487},{"title":"ملحق (١) في معنى المتشابه","level":2,"page":487},{"title":"ملحق (٢) في أقسام المتشابه","level":2,"page":489},{"title":"ملحق (٣) في الكلام على البدعة","level":2,"page":492},{"title":"ملحق (٤) في اتباع الدعاء المأثور وعدم الزيادة عليه","level":2,"page":494},{"title":"ملحق (٥) في معنى «التأويل»","level":2,"page":500}],"ٛ":{"مقدمة 4,1":1,"مقدمة 4,3":2,"مقدمة 4,5":3,"مقدمة 4,6":4,"مقدمة 4,7":5,"مقدمة 4,8":6,"مقدمة 4,9":7,"مقدمة 4,10":8,"مقدمة 4,11":9,"مقدمة 4,12":10,"مقدمة 4,13":11,"مقدمة 4,14":12,"مقدمة 4,15":13,"مقدمة 4,16":14,"مقدمة 4,17":15,"مقدمة 4,18":16,"مقدمة 4,19":17,"مقدمة 4,20":18,"مقدمة 4,21":19,"مقدمة 4,22":20,"مقدمة 4,23":21,"مقدمة 4,24":22,"مقدمة 4,25":23,"مقدمة 4,26":24,"مقدمة 4,27":25,"مقدمة 4,28":26,"مقدمة 4,29":27,"مقدمة 4,30":28,"مقدمة 4,31":29,"مقدمة 4,32":30,"مقدمة 4,33":31,"مقدمة 4,34":32,"مقدمة 4,35":33,"مقدمة 4,36":34,"مقدمة 4,37":35,"مقدمة 4,39":36,"4,1":37,"4,3":38,"4,4":39,"4,5":40,"4,6":41,"4,7":42,"4,8":43,"4,9":44,"4,10":45,"4,11":46,"4,12":47,"4,13":48,"4,14":49,"4,15":50,"4,16":51,"4,17":52,"4,18":53,"4,19":54,"4,20":55,"4,21":56,"4,22":57,"4,23":58,"4,24":59,"4,25":60,"4,26":61,"4,27":62,"4,28":63,"4,29":64,"4,30":65,"4,31":66,"4,32":67,"4,33":68,"4,34":69,"4,35":70,"4,36":71,"4,37":72,"4,38":73,"4,39":74,"4,40":75,"4,41":76,"4,43":77,"4,45":78,"4,46":79,"4,47":80,"4,48":81,"4,49":82,"4,50":83,"4,51":84,"4,52":85,"4,53":86,"4,54":87,"4,55":88,"4,56":89,"4,57":90,"4,58":91,"4,59":92,"4,60":93,"4,61":94,"4,62":95,"4,63":96,"4,64":97,"4,65":98,"4,66":99,"4,67":100,"4,68":101,"4,69":102,"4,70":103,"4,71":104,"4,72":105,"4,73":106,"4,74":107,"4,75":108,"4,76":109,"4,77":110,"4,78":111,"4,79":112,"4,80":113,"4,81":114,"4,82":115,"4,83":116,"4,84":117,"4,85":118,"4,86":119,"4,87":120,"4,88":121,"4,89":122,"4,90":123,"4,91":124,"4,92":125,"4,93":126,"4,94":127,"4,95":128,"4,96":129,"4,97":130,"4,98":131,"4,99":132,"4,100":133,"4,101":134,"4,102":135,"4,103":136,"4,104":137,"4,105":138,"4,106":139,"4,107":140,"4,108":141,"4,109":142,"4,110":143,"4,111":144,"4,112":145,"4,113":146,"4,114":147,"4,115":148,"4,116":149,"4,117":150,"4,118":151,"4,119":152,"4,120":153,"4,121":154,"4,122":155,"4,123":156,"4,124":157,"4,125":158,"4,126":159,"4,127":160,"4,128":161,"4,129":162,"4,130":163,"4,131":164,"4,132":165,"4,133":166,"4,134":167,"4,135":168,"4,136":169,"4,137":170,"4,138":171,"4,139":172,"4,140":173,"4,141":174,"4,142":175,"4,143":176,"4,144":177,"4,145":178,"4,146":179,"4,147":180,"4,149":181,"4,150":182,"4,151":183,"4,152":184,"4,153":185,"4,154":186,"4,155":187,"4,156":188,"4,157":189,"4,158":190,"4,159":191,"4,160":192,"4,161":193,"4,162":194,"4,163":195,"4,164":196,"4,165":197,"4,166":198,"4,167":199,"4,168":200,"4,169":201,"4,170":202,"4,171":203,"4,172":204,"4,173":205,"4,174":206,"4,175":207,"4,176":208,"4,177":209,"4,178":210,"4,179":211,"4,180":212,"4,181":213,"4,182":214,"4,183":215,"4,184":216,"4,185":217,"4,186":218,"4,187":219,"4,188":220,"4,189":221,"4,190":222,"4,191":223,"4,192":224,"4,193":225,"4,194":226,"4,195":227,"4,196":228,"4,197":229,"4,198":230,"4,199":231,"4,200":232,"4,201":233,"4,202":234,"4,203":235,"4,204":236,"4,205":237,"4,206":238,"4,207":239,"4,208":240,"4,209":241,"4,210":242,"4,211":243,"4,212":244,"4,213":245,"4,214":246,"4,215":247,"4,216":248,"4,217":249,"4,218":250,"4,219":251,"4,220":252,"4,221":253,"4,222":254,"4,223":255,"4,224":256,"4,225":257,"4,226":258,"4,227":259,"4,228":260,"4,229":261,"4,230":262,"4,231":263,"4,232":264,"4,233":265,"4,234":266,"4,235":267,"4,236":268,"4,237":269,"4,238":270,"4,239":271,"4,240":272,"4,241":273,"4,242":274,"4,243":275,"4,244":276,"4,245":277,"4,246":278,"4,247":279,"4,248":280,"4,249":281,"4,250":282,"4,251":283,"4,252":284,"4,253":285,"4,254":286,"4,255":287,"4,256":288,"4,257":289,"4,258":290,"4,259":291,"4,260":292,"4,261":293,"4,262":294,"4,263":295,"4,264":296,"4,265":297,"4,266":298,"4,267":299,"4,268":300,"4,269":301,"4,270":302,"4,271":303,"4,272":304,"4,273":305,"4,274":306,"4,275":307,"4,276":308,"4,277":309,"4,278":310,"4,279":311,"4,280":312,"4,281":313,"4,282":314,"4,283":315,"4,284":316,"4,285":317,"4,286":318,"4,287":319,"4,288":320,"4,289":321,"4,290":322,"4,291":323,"4,292":324,"4,293":325,"4,294":326,"4,295":327,"4,296":328,"4,297":329,"4,298":330,"4,299":331,"4,300":332,"4,301":333,"4,302":334,"4,303":335,"4,304":336,"4,305":337,"4,306":338,"4,307":339,"4,308":340,"4,309":341,"4,311":342,"4,312":343,"4,313":344,"4,314":345,"4,315":346,"4,316":347,"4,317":348,"4,318":349,"4,319":350,"4,320":351,"4,321":352,"4,322":353,"4,323":354,"4,324":355,"4,325":356,"4,326":357,"4,327":358,"4,328":359,"4,329":360,"4,330":361,"4,331":362,"4,332":363,"4,333":364,"4,334":365,"4,335":366,"4,336":367,"4,337":368,"4,338":369,"4,339":370,"4,340":371,"4,341":372,"4,342":373,"4,343":374,"4,344":375,"4,345":376,"4,346":377,"4,347":378,"4,348":379,"4,349":380,"4,350":381,"4,351":382,"4,352":383,"4,353":384,"4,354":385,"4,355":386,"4,356":387,"4,357":388,"4,358":389,"4,359":390,"4,360":391,"4,361":392,"4,362":393,"4,363":394,"4,364":395,"4,365":396,"4,366":397,"4,367":398,"4,368":399,"4,369":400,"4,370":401,"4,371":402,"4,372":403,"4,373":404,"4,374":405,"4,375":406,"4,376":407,"4,377":408,"4,378":409,"4,379":410,"4,380":411,"4,381":412,"4,382":413,"4,383":414,"4,384":415,"4,385":416,"4,386":417,"4,387":418,"4,388":419,"4,389":420,"4,390":421,"4,391":422,"4,392":423,"4,393":424,"4,394":425,"4,395":426,"4,396":427,"4,397":428,"4,398":429,"4,399":430,"4,400":431,"4,401":432,"4,402":433,"4,403":434,"4,404":435,"4,405":436,"4,406":437,"4,407":438,"4,408":439,"4,409":440,"4,410":441,"4,411":442,"4,412":443,"4,413":444,"4,414":445,"4,415":446,"4,416":447,"4,417":448,"4,418":449,"4,419":450,"4,420":451,"4,421":452,"4,422":453,"4,423":454,"4,424":455,"4,425":456,"4,426":457,"4,427":458,"4,428":459,"4,429":460,"4,430":461,"4,431":462,"4,432":463,"4,433":464,"4,434":465,"4,435":466,"4,436":467,"4,437":468,"4,438":469,"4,439":470,"4,440":471,"4,441":472,"4,442":473,"4,443":474,"4,444":475,"4,445":476,"4,446":477,"4,447":478,"4,448":479,"4,449":480,"4,450":481,"4,451":482,"4,452":483,"4,453":484,"4,454":485,"4,455":486,"4,457":487,"4,458":488,"4,459":489,"4,460":490,"4,461":491,"4,462":492,"4,463":493,"4,464":494,"4,465":495,"4,466":496,"4,467":497,"4,468":498,"4,469":499,"4,470":500,"4,471":501,"4,472":502,"4,473":503},"ٜ":{"مقدمة 4":[1,39],"4":[1,473]},"ٝ":["مقدمة 4,1","مقدمة 4,3","مقدمة 4,5","مقدمة 4,6","مقدمة 4,7","مقدمة 4,8","مقدمة 4,9","مقدمة 4,10","مقدمة 4,11","مقدمة 4,12","مقدمة 4,13","مقدمة 4,14","مقدمة 4,15","مقدمة 4,16","مقدمة 4,17","مقدمة 4,18","مقدمة 4,19","مقدمة 4,20","مقدمة 4,21","مقدمة 4,22","مقدمة 4,23","مقدمة 4,24","مقدمة 4,25","مقدمة 4,26","مقدمة 4,27","مقدمة 4,28","مقدمة 4,29","مقدمة 4,30","مقدمة 4,31","مقدمة 4,32","مقدمة 4,33","مقدمة 4,34","مقدمة 4,35","مقدمة 4,36","مقدمة 4,37","مقدمة 4,39","4,1","4,3","4,4","4,5","4,6","4,7","4,8","4,9","4,10","4,11","4,12","4,13","4,14","4,15","4,16","4,17","4,18","4,19","4,20","4,21","4,22","4,23","4,24","4,25","4,26","4,27","4,28","4,29","4,30","4,31","4,32","4,33","4,34","4,35","4,36","4,37","4,38","4,39","4,40","4,41","4,43","4,45","4,46","4,47","4,48","4,49","4,50","4,51","4,52","4,53","4,54","4,55","4,56","4,57","4,58","4,59","4,60","4,61","4,62","4,63","4,64","4,65","4,66","4,67","4,68","4,69","4,70","4,71","4,72","4,73","4,74","4,75","4,76","4,77","4,78","4,79","4,80","4,81","4,82","4,83","4,84","4,85","4,86","4,87","4,88","4,89","4,90","4,91","4,92","4,93","4,94","4,95","4,96","4,97","4,98","4,99","4,100","4,101","4,102","4,103","4,104","4,105","4,106","4,107","4,108","4,109","4,110","4,111","4,112","4,113","4,114","4,115","4,116","4,117","4,118","4,119","4,120","4,121","4,122","4,123","4,124","4,125","4,126","4,127","4,128","4,129","4,130","4,131","4,132","4,133","4,134","4,135","4,136","4,137","4,138","4,139","4,140","4,141","4,142","4,143","4,144","4,145","4,146","4,147","4,149","4,150","4,151","4,152","4,153","4,154","4,155","4,156","4,157","4,158","4,159","4,160","4,161","4,162","4,163","4,164","4,165","4,166","4,167","4,168","4,169","4,170","4,171","4,172","4,173","4,174","4,175","4,176","4,177","4,178","4,179","4,180","4,181","4,182","4,183","4,184","4,185","4,186","4,187","4,188","4,189","4,190","4,191","4,192","4,193","4,194","4,195","4,196","4,197","4,198","4,199","4,200","4,201","4,202","4,203","4,204","4,205","4,206","4,207","4,208","4,209","4,210","4,211","4,212","4,213","4,214","4,215","4,216","4,217","4,218","4,219","4,220","4,221","4,222","4,223","4,224","4,225","4,226","4,227","4,228","4,229","4,230","4,231","4,232","4,233","4,234","4,235","4,236","4,237","4,238","4,239","4,240","4,241","4,242","4,243","4,244","4,245","4,246","4,247","4,248","4,249","4,250","4,251","4,252","4,253","4,254","4,255","4,256","4,257","4,258","4,259","4,260","4,261","4,262","4,263","4,264","4,265","4,266","4,267","4,268","4,269","4,270","4,271","4,272","4,273","4,274","4,275","4,276","4,277","4,278","4,279","4,280","4,281","4,282","4,283","4,284","4,285","4,286","4,287","4,288","4,289","4,290","4,291","4,292","4,293","4,294","4,295","4,296","4,297","4,298","4,299","4,300","4,301","4,302","4,303","4,304","4,305","4,306","4,307","4,308","4,309","4,311","4,312","4,313","4,314","4,315","4,316","4,317","4,318","4,319","4,320","4,321","4,322","4,323","4,324","4,325","4,326","4,327","4,328","4,329","4,330","4,331","4,332","4,333","4,334","4,335","4,336","4,337","4,338","4,339","4,340","4,341","4,342","4,343","4,344","4,345","4,346","4,347","4,348","4,349","4,350","4,351","4,352","4,353","4,354","4,355","4,356","4,357","4,358","4,359","4,360","4,361","4,362","4,363","4,364","4,365","4,366","4,367","4,368","4,369","4,370","4,371","4,372","4,373","4,374","4,375","4,376","4,377","4,378","4,379","4,380","4,381","4,382","4,383","4,384","4,385","4,386","4,387","4,388","4,389","4,390","4,391","4,392","4,393","4,394","4,395","4,396","4,397","4,398","4,399","4,400","4,401","4,402","4,403","4,404","4,405","4,406","4,407","4,408","4,409","4,410","4,411","4,412","4,413","4,414","4,415","4,416","4,417","4,418","4,419","4,420","4,421","4,422","4,423","4,424","4,425","4,426","4,427","4,428","4,429","4,430","4,431","4,432","4,433","4,434","4,435","4,436","4,437","4,438","4,439","4,440","4,441","4,442","4,443","4,444","4,445","4,446","4,447","4,448","4,449","4,450","4,451","4,452","4,453","4,454","4,455","4,457","4,458","4,459","4,460","4,461","4,462","4,463","4,464","4,465","4,466","4,467","4,468","4,469","4,470","4,471","4,472","4,473"],"ٞ":{"3":[1],"5":[2,3],"6":[4],"7":[5],"8":[6,7],"10":[8],"19":[9],"27":[10,11],"28":[12],"30":[13],"35":[14],"38":[15,16],"39":[17],"42":[18,19],"43":[20],"44":[21,22],"46":[23],"47":[24,25],"49":[26],"50":[27],"51":[28],"52":[29],"53":[30],"54":[31,32],"55":[33],"56":[34],"57":[35],"58":[36],"59":[37],"60":[38,39,40],"62":[41],"65":[42],"66":[43],"68":[44],"69":[45],"70":[46,47],"71":[48],"75":[49,50],"76":[51,52],"77":[53],"78":[54,55,56,57],"79":[58],"80":[59],"81":[60],"82":[61],"86":[62],"96":[63],"100":[64],"103":[65],"108":[66],"110":[67],"112":[68],"115":[69],"118":[70],"120":[71],"122":[72],"125":[73],"128":[74],"134":[75],"136":[76],"142":[77,78],"144":[79],"147":[80],"150":[81],"152":[82],"156":[83],"158":[84],"161":[85],"164":[86],"165":[87],"171":[88],"174":[89],"176":[90],"178":[91],"180":[92],"181":[93],"182":[94],"184":[95],"185":[96,97,98,99],"186":[100],"188":[101],"189":[102],"192":[103,104],"193":[105,106],"196":[107],"197":[108,109,110],"198":[111],"204":[112,113,114],"209":[115],"210":[116],"211":[117],"212":[118],"213":[119,120],"217":[121],"218":[122],"222":[123,124],"224":[125],"225":[126],"226":[127],"227":[128],"229":[129,130],"230":[131],"231":[132],"232":[133,134],"233":[135],"235":[136,137],"236":[138],"238":[139],"241":[140],"242":[141,142],"243":[143],"244":[144],"249":[145],"251":[146],"252":[147],"254":[148,149],"255":[150,151],"257":[152],"259":[153],"262":[154],"265":[155],"268":[156],"271":[157,158],"284":[159],"286":[160],"290":[161],"292":[162,163],"293":[164],"294":[165],"295":[166],"296":[167],"297":[168],"300":[169],"305":[170],"311":[171],"316":[172],"318":[173],"320":[174,175],"323":[176],"328":[177],"332":[178],"336":[179],"341":[180],"343":[181,182],"344":[183],"347":[184,185],"349":[186],"352":[187,188],"355":[189],"357":[190],"359":[191],"361":[192],"363":[193],"365":[194],"368":[195],"372":[196,197],"373":[198],"374":[199],"379":[200],"382":[201],"383":[202],"384":[203],"385":[204,205],"387":[206,207],"388":[208],"389":[209],"391":[210],"392":[211],"393":[212],"397":[213],"398":[214],"401":[215],"402":[216],"409":[217,218],"417":[219],"418":[220],"419":[221],"420":[222],"422":[223],"423":[224],"424":[225],"425":[226],"427":[227],"428":[228],"430":[229,230],"434":[231,232],"436":[233],"438":[234],"443":[235],"444":[236],"447":[237],"456":[238],"458":[239],"460":[240],"463":[241],"464":[242,243],"465":[244,245],"467":[246],"470":[247],"477":[248],"479":[249],"482":[250],"483":[251],"485":[252],"487":[253,254],"489":[255],"492":[256],"494":[257],"500":[258]},"ٟ":[1,2,3,4,5,6,7,8,9,10,11,12,13,14,15,16,17,18,19,20,21,22,23,24,25,26,27,28,29,30,31,32,33,34,35,36]},"pages":[{"text":"تحقيق الكلام في المسائل الثلاث\n(الاجتهاد والتقليد، السنة والبدعة، العقيدة)\n\nتأليف\nعبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني (١٣٨٦)\n\nتحقيق\nعلي بن محمد العمران ومحمد عزير شمس","vol":"مقدمة 4","page":1},{"text":"راجع هذا الجزء\n\nعبد الرحمن بن صالح السُديس\nسليمان بن عبد الله العُمير","vol":"مقدمة 4","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة التحقيق</span>\nالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.\nوبعد، فبين أيدينا الآن كتاب من أعظم كتب الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي رحمه الله تعالى، حقّق فيه الكلام على مسائل كبرى تتعلق بالعقيدة، والسنة والبدعة، والاجتهاد والتقليد، فدقّق وحقّق، وناقش واستدلّ وتعمّق، وأطال وتوسّع وأغْدَق، وناقش المخالفين وأنصفهم وتحقّق. والعجب أنه ألّف هذا السِّفر النفيس في مقتبل شبابه، وعلى حين غُربة عن وطنه، وبُعدٍ عن كتبه، وعلى جناح سفر!\nوقد دلّت تلك المعطيات جميعًا على براعة المؤلف المبكّرة، وامتلاكه لناصية علوم الاجتهاد في تلك السن، ودلت أيضًا على صفاء مشربه، ووضوح طريقته، وانتهاجه نهج السلف الصالحين والعلماء المحققين؛ في قضايا الاعتقاد، ومسالك السنة والبدعة، ومسائل الاجتهاد والتقليد. وهذه المسائل الثلاث هي المسائل الرئيسة التي ناقشها في الكتاب على ما سيأتي مفصلًا.\nوقد كان إخراج الكتاب بهذه الصورة عملًا مضنيًا شاقًّا نحتسب أجره وتعبه، وذلك لأمور اكتنفت نسخَه ومخطوطاتِه كما سيأتي شرحه، فالحمد لله على ما يسّر ووفق وأعان.\nوقد كان العمل في تحقيقه من أوله إلى ص ١٧١ من نصيب محمد عُزير شمس، ومن ص ١٧٢ إلى ٤٥٤ من نصيب علي بن محمد العمران.","vol":"مقدمة 4","page":5},{"text":"بالإضافة إلى ملاحق خمسة متعلقة بالكتاب اشتركنا فيها.\nولنتحدّث عن الكتاب بما يكشف عن مضمونه ويعرّف به في النقاط الآتية:\n- موضوع الكتاب.\n- اسم الكتاب.\n- تاريخ تأليفه.\n- سبب تأليفه.\n- عرض مفصّل لموضوعات الكتاب.\n- العثور عليه ومعاناة ترتيبه والعمل عليه.\n- وصف النسخة الخطية.\n- طريقة العمل في الكتاب.\n- ترجمة الشيخ أحمد السوركتي.\nوصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والحمد لله رب العالمين.\nالمحققان\nعلي بن محمد العمران ومحمد عزير شمس\nفي ٢٠ من رمضان ١٤٣٣ هـ","vol":"مقدمة 4","page":6},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-2> موضوع الكتاب</span>\nالكتاب عبارة عن جواب لسؤال سائل عن كتاب (المسائل الثلاث) للشيخ أحمد بن محمد السوركتي، فإن السوركتي ألف رسالة بهذا العنوان ناقش فيها ثلاث قضايا هي: بعض قضايا الاعتقاد، وبعض الأمور البدعية، ومسائل الاجتهاد والتقليد. وكان تأليف السوركتي لهذه الرسالة إبّان اشتداد الخلاف بينه وبين بعض السادة العلويين في إندونيسيا حول قضايا في العقيدة والاجتهاد والتقليد والسنة والبدعة (^١)، فيبدو أن قدوم المؤلف إلى هذا البلد كان في وقت اشتداد الخلاف في هذه القضايا وغيرها بين الفريقين.\nفطلب هذا السائل من المؤلف ثلاثة أمور: أن يبدي رأيه في هذه الرسالة إجمالًا، ثم في مؤلفها، ثم يتكلم على مسائلها تفصيلًا. فلبّى الشيخ الأمرين الأولين واعتذر عن الأخير، فألحّ عليه السائل، فاستعان بالله وكتب هذا الكتاب. وسيأتي تفصيل مباحثه في عرض موضوعات الكتاب.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-3> اسم الكتاب</span>\nلم نقف على تسمية للكتاب في أي من الأوراق التي عثرنا عليها مما هو متعلق بهذا الكتاب، ولا في أوراق المؤلف الأخرى التي وقفنا عليها،\n_________\n(^١) انظر طرفًا منه في كتاب «حضرموت وعدن وإمارات الجنوب الغربي» للبكري، و«تاريخ حركة الإصلاح والإرشاد وشيخ الإرشاديين أحمد محمد السوركتي في إندونيسيا» لأحمد أبو شوك.","vol":"مقدمة 4","page":7},{"text":"وحيث كان موضوع الكتاب كما أسلفنا هو الكلام على رسالة الشيخ أحمد السوركتي (المسائل الثلاث) استوحينا اسمًا من هذه المناسبة، فرأينا أن نطلق عليه اسم «تحقيق الكلام في المسائل الثلاث» كعنوان رئيس، وذكرنا تحته بخط أصغر الموضوعَ الرئيسَ لهذه المسائل إجمالًا؛ فقولنا: (تحقيق الكلام) مناسبته أن المؤلف نحا في كتابه نحو التحقيق والاجتهاد في كل المباحث التي عرض لها، فناسب أن نقول (تحقيق الكلام)، وقولنا: (المسائل الثلاث) لأنه عنوان رسالة السوركتي، ويصلح أيضًا أن ينطلق على المسائل التي حقّقها المؤلفُ هنا وأدارَ الكلام في الكتاب عليها.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-4> تاريخ تأليفه</span>\nأسلفنا أن هذا الكتاب ألفه الشيخ في مقتبل شبابه، فقد ألَّفه سنة ١٣٤٤ هـ في إندونيسيا وهو في الثانية والثلاثين من عمره. يدلّ على ذلك أمران:\n١ - ما ذكره المؤلف في المجموع رقم ٤٦٥٧ (ص ٢٢) فقال: «مما يحتاج إلحاقه في رسالة الاجتهاد والتقليد: الأم جزء ١ ص ١٣٢». وتحته فائدة قُيّدت في يوم الخميس جمادى الثانية ٤٤. أي سنة ١٣٤٤ هـ.\n٢ - أن الشيخ السوركتي من سكان إندونيسيا ــ كما سيأتي في ترجمته ــ، وطبعت رسالته هناك، وصار بسببها لغط ونقاشات من بعض المتصوفة والمخالفين للسنة، فقُدّمت هذه الرسالة للشيخ المعلمي أثناء مقامه هناك إبان قدومه من اليمن.\nوهل رجع المؤلف إلى كتابه بعد هذا التاريخ للإضافة والتنقيح؟\nالجواب: أن المعروف من طريقة المؤلف أنه يعتبر كتبَه، وينقّحها","vol":"مقدمة 4","page":8},{"text":"ويضيف إليها، بل يكتب نسخًا عدةً بغرض الوصول لنسخة منقحة، وما عثرنا عليه من أوراق الكتاب تدلّ أنه كتبه مرة واحدة، لكنه كان يكتب بعض المباحث مرتين، وربما أضاف بعض الفوائد أو المراجع التي لم يكن وقف عليها وقت تأليفه للكتاب كإحالته على «فتح الباري» لابن حجر، فإنا نرجّح أنه لم يكن بين يديه وقت تأليف الكتاب؛ لأنه ينقل عنه بواسطة ثم وقف عليه بعد ذلك وألحق الإحالة.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-5> سبب تأليفه</span>\nذكر المؤلف في صدر كتابه أن مناسبة تأليف الكتاب: أن بعض الإخوان أطْلَعه على كتاب بعنوان «المسائل الثلاث» للشيخ أحمد بن محمد سوركتي، وطلب من الشيخ ثلاثة أمور:\n١ - أن ينظر فيه ويقدِّر حيثية مؤلفه؛ لأن كثيرًا من المخالفين له آنذاك كانوا يجهِّلونه ويبدِّعونه. فطالعه الشيخ ووصف مؤلفه بأنه على مكانة من العلم والدين والفهم الصحيح في الكتاب والسنة، لا يُنكِر هذا إلا مَن كان ناظرًا من وراء حجاب الهوى والتقليد.\n٢ - وطلب منه السائل أن يبيِّن ما يجب التنبيه عليه في الكتاب المذكور، فذكر ملاحظةً حول رأي المؤلف في علة النهي عن الجلوس على القبور، وعقَّب عليه بما رآه راجحًا في ضوء الأحاديث.\n٣ - وطلب منه السائل أيضًا الكلام على تلك المسائل الثلاث، فاعتذر منه، ولمَّا لم يعذره شرع في كتابة ما تيسر مستعينًا بالله ومرجئًا البسط إلى وقت آخر.","vol":"مقدمة 4","page":9},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-6> عرض مفصّل لموضوعات الكتاب</span>\nحقق الشيخ في هذا الكتاب الكلام على المسائل الثلاث: (الاجتهاد والتقليد، والسنة والبدعة، ومباحث من العقيدة).\n\n* المسألة الأولى: في الاجتهاد والتقليد\nبعد الخطبة وبيان مناسبة التأليف قدم له بمقدمة في بيان التكليف وما يتصل به، وذكر في أثنائها أن بقاء التكليف لما كان متوقفًا على بقاء الكتاب والسنة واللسان الذي وردا به، تكفَّل الله ﷾ بذلك. بيَّن المؤلف طريقة حفظ القرآن والسنة واللغة، وأن بحفظها حصل حفظُ الدين، وقامت الحجة على العالمين.\nثم عقد فصلًا لبيان الدليل القطعي والظني، وأن الأحكام أيضًا على قسمين: قطعي وظني، وأحال للتفصيل إلى أصول الفقه، ثم عقد فصلًا لبيان حقيقة الظنّ، وحكم العمل بالدليل الظنّي، وما هو الظنّ الذي ذمّه الله سبحانه في القرآن الكريم، وأجاب عنه بجوابين: إجمالي وتفصيلي، بحيث تناول كل آية، وبيَّن معناها، وذكر الأدلة الموجبة للعمل بالظن بشرطه، ثم عقد فصلًا لبيان أن الله تعالى خلق بني آدم على الفطرة، وركَّب فيهم العقول، وأمدّهم بآلات توصلهم إلى المطلوب منهم من السمع والأبصار والأفئدة وغير ذلك من الحواس الظاهرة والباطنة. ثم أرسل إلى كل قوم رسولًا بلسانهم، وأرسل محمدًا - ﷺ - إلى الخلق كافة وأنزل عليه الكتاب وأمدَّه مع ذلك بالسنة بيانًا للقرآن وإيضاحًا له، واختار له أصحابًا أمناء حفظ الله بهم كتابه وسنة نبيه. ثم فصَّل القول في طريقة تلقي الصحابة الأحكام عن النبي - ﷺ -، وكيف كان عوامُّ القرن الأول يستفتون العلماء ويعملون، وكيف كان","vol":"مقدمة 4","page":10},{"text":"حالهم في زمن التابعين وأتباعهم ومن بعدهم.\nثم عقد فصلًا ذكر فيه أنه لما كان معرفة الدليل من الكتاب والسنة متوقفًا على العلم بهما، وجب أحد أمرين: إما أن تكون معرفة ذلك فرض عين على كلِّ مكلَّف، أو تكون فرض كفاية. وعليه فما هو فرضُ القاصر؟ أتقليد أحد المجتهدين أم غيره؟ ومن هنا ينشأ الكلام على المسألة الأولى في هذا الكتاب، وهي الاجتهاد والتقليد.\nوطريقة المؤلف فيها ذكر حجج الفريقين غالبًا بقوله: «قال المقلدون» و«قال المانعون»، ليطلع القارئ على ما أدلى به الفريقان، فيتيسر له الحكم بينهما.\nبدأ المؤلف كلامه في الاجتهاد والتقليد بذكر أن تحصيل العلم مراتب:\n١ - تحصيل علوم اللسان العربي.\n٢ - العلم بأصول الفقه.\n٣ - العلم بالكتاب والسنة.\nوفرض المجتهد هو الاجتهاد في كل ما يعرض له، وفرض من لم يحصّل المرتبة الثالثة سؤال المجتهد، فيتلو عليه المجتهد الآية أو يروي له الحديث، ويُخبره أنه قد اجتهد فلم يجد ما يعارض ذلك، ويفسّر للعامي أو الأعجمي الآية أو الحديث بلغته.\nوعقد فصلًا بعنوان «سؤال المجتهد» بيَّن فيه كيف كان العمل في حياة رسول الله - ﷺ - وفيما بعد من القرون الثلاثة، ثم بدأ الحوار بين المقلدين","vol":"مقدمة 4","page":11},{"text":"والمانعين، يذكر وجهة نظر كل طائفة وأدلتها، وأشار في أثنائه إلى نهي الأئمة الأربعة عن تقليدهم، وبيَّن أن إفتاءهم للناس على طريقة السلف من إجابة السائل بتلاوة الآية أو رواية الحديث وتفسير ذلك وبيان دلالته.\nوذكر أجوبة المانعين عن خمسة أسئلة للمقلدين، وهي:\n(١) أأنتم أعلم أم الأئمة الأربعة، فإن قلتم: هم أعلم، فكيف يسوغ لكم مخالفتُهم؟\n(٢) أأنتم أعلم أم الأئمة الذين جاءوا بعدهم مقلِّدين لهم؟ فإن قلتم: هم أعلم، فلِمَ لا تقلِّدون كما قلَّدوا؟\n(٣) ما تعتقدون في المقلِّدين من علماء وغيرِهم وهم جمهور الأمة، أهم على حقّ أم على ضلالة؟\n(٤) ما تعتقدون في مشايخكم الذين أخذتم عنهم العلم ومشايخهم وهلمَّ جرًّا؟\n(٥) ما تعتقدون في مؤلفي هذه الكتب التي تأخذون عنها العلم.\nوبالرد على هذه الأسئلة بتفصيل من قبل المانعِين تنتهي المسألة الأولى المتعلقة بالاجتهاد والتقليد.\n\n* المسألة الثانية: السنة والبدعة\nكتب المؤلف تمهيدًا في نحو عشرين صفحة، ذكر فيه أولًا معنى السنة والبدعة والمحدثة لغةً واصطلاحًا وشرعًا، وقرر أن كل فعل من الأفعال إما أن يكون موافقًا للكتاب والسنة وإما أن يكون مخالفًا. ولا واسطة بينهما. والموافق ما دلَّ على موافقته دليلٌ معتبر منهما، فهو من السنة، والمخالف ما","vol":"مقدمة 4","page":12},{"text":"دلَّ على مخالفته دليلٌ منهما، فإن كان موجودًا من أول الإسلام فهو حرام أو مكروه ولا يُسمَّى بدعة ولا محدثة، وإن لم يكن موجودًا من أول الإسلام بل حدثَ بعد ذلك فهو محدثة بدعة.\nوليس المراد بقوله: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ أن يكون كل شيء بنص خاص، وإنما المراد أنه ما من شيء إلّا وحكم الله فيه مبيَّن في كتابه، إن لم يكن بالمطابقة فبالتضمن أو الالتزام أو المفهوم. ثم ذكر المؤلف أمثلة لذلك في المأمورات والمباحات والوسائل. وتكلم على معنى حديث «الحلال بيِّن، والحرام بيِّن، وبينهما مشتبهات»، فإن ظاهره إثبات الواسطة. وردّ عليه بأن المشتبهات ما تعارضت فيه دليلا الحل والحرمة، فإنه عند من لم يظهر له الترجيح ــ وهم كثير من الناس ــ مشتبه، فأرشد النبي - ﷺ - بأن يُعمل فيه ما يقتضي الاحتياط، مع أنه في نفس الأمر إما حلال وإما حرام. فالحديث دليل على عدم الواسطة عند التأمل.\nثم إن الأشياء الحادثة بعد عصر النبوة نوعان:\nالأول: ما كان فيما يتعلق بمصالح الدنيا مما لا يضر بالدين، فهذا جائز لدخوله تحت عمومات الإباحة، فليس بدعة في الشرع ولا محدثة، لموافقته للشرع.\nالثاني: ما كان فيما يتعلق بالأمور الدينية خاصةً، فهذا على قسمين: وسائل ومقاصد. فأما الوسائل فإنه يجوز العمل بما أُحدِث منها بشرط تعذُّر أو تعسُّر الوفاء بمقصدها الديني بوسيلته التي كان العمل عليها في عهده - ﷺ -. ومن هذا إجماع الصحابة على جمع القرآن في مصحف واحد. وأما المقاصد فالمحدث منه كلُّه بدعة ضلالة، وليس منه صلاة التراويح كما يظن","vol":"مقدمة 4","page":13},{"text":"بعضهم، فإنها من السنة. وقد أطال الكلام في بيان ذلك.\nثم ذكر أن اختراع قواعد اللغة العربية صالح لأن يكون من النوع الأول، فإن الناس محتاجون إلى اللغة في أمور دنياهم، وأن يكون من النوع الثاني، فإن الدين محتاج إلى معرفة اللغة، وعلى هذا فهو من الوسائل.\nوفي ضوء ما ذكر شرح معنى الحديث المشهور: «من سنَّ في الإسلام سنةً حسنةً فله أجرها ...»، وبيَّن أن المراد بالسنة فيه معناها اللغوي، أي من عَمِل في الإسلام عملًا حسنًا يتبعه فيه الناس، كما يدل عليه سبب الحديث. ثم ذكر أمثلةً من المخالف الموجود من أول الإسلام: شرب الخمر ودعوى الجاهلية والنياحة، وبيَّن أن من المخالف المبتدع غلوُّ بعض الفرق بالخوض في آيات الصفات إلى صريح التشبيه، أو تأويل ما ورد في الكتاب والسنة منها، وردَّ على من يرى ضرورة الخوض في علم الكلام لإبطال شبه المبتدعة، ويجعله من القسم الأول من النوع الثاني مثل جمع القرآن ونحوه. وقرَّر أن جميع البلايا التي فرَّقت أهل الإسلام ومزَّقت شملهم ناشئة عن سببين:\nأحدهما: الخوض في آيات الصفات وأحاديثها، والرغبة في إدخالها تحت القوانين الفلسفية.\nوالثاني: إحياء ما أماته الدين من العصبيات القومية.\nوقد حرص الشارع على بقاء دين الإسلام دينًا واحدًا لا اختلاف ولا افتراق فيه، ولما كان الاختلاف في الدين قد يكون في الأصول وقد يكون في الفروع، جاء الشرع بمنع الخوض في الأصول، بل ما كان منها ظاهرًا فأمره واضح، وما كان بخلاف ذلك فالواجب الإيمان به فقط دون الخوض","vol":"مقدمة 4","page":14},{"text":"فيه. وقد أورد المؤلف الآيات والأحاديث والآثار الواردة في ذلك، وذكر أن الأشعري رجع عن الخوض فيه إلى مذهب السلف، وكذا غيره من أكابر المتكلمين. ولكن بعدما تمزَّقت الجامعة الإسلامية سلكت كل فرقة مذهبًا، وحصل الاختلاف الذي ورد النهي عنه، والتنازع والفشل الذي حذَّر الله ورسوله منه.\nأما الفروع فقد جاء الإسلام فيها بما يمنع الاختلاف، وهو ردُّ ما اختُلف فيه إلى كتاب الله وسنة رسوله، ولكن البلاء دخل على المسلمين من هذه الجهة أيضًا، بحملهم على تقيُّد كل فرقة منهم بمذهب مخصوص، مع الإعراض عن أدلة الحق ونصوصه من الكتاب والسنة، وآل بهم الأمر إلى العصبية المنهي عنها، فصار كلُّ أحد يتعصب للمذهب الذي ينتمي إليه ويقدح فيما عداه. وهكذا تجزأت العصبية الدينية.\nوبعد هذا التمهيد الذي قرَّر فيه معنى السنة والبدعة حدد ستة مباحث تتعلق بمسائل من العقيدة والتوحيد تكلم فيها عن حكم هذه المسائل بالدليل والحجة وما يجوز منها وما لا يجوز، وناقش المخالفين وفنَّد أدلتهم وشبهاتهم.\nالبحث الأول: البناء على القبور\nلم يصلنا من هذا البحث إلا مسوّدته، وهذا ظاهر من خلال سياق المؤلف للأحاديث بأسانيدها ــ على خلاف عادته ــ. وأيضًا نقص المادة العلمية في البحث، فأكثر البحث في سرد الروايات وتلخيصها. وقد تكلم المؤلف على هذه المسألة في مؤلَّف مفرد حافل سماه «عمارة القبور في الإسلام» وهو مطبوع ضمن هذه الموسوعة، فليراجع.","vol":"مقدمة 4","page":15},{"text":"البحث الثاني: اتخاذ القبور مساجد أو اتخاذ المساجد على القبور\nكتب المؤلف صدر هذا البحث عدة مرات رجّحنا أن ما أثبتناه هو أكملها وآخرها.\nفذكر أولًا حجة من يجيز البناء من القرآن وهو استدلالهم بقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف: ٢١]، ثم أجاب عن هذا الاستدلال من أوجه عديدة سواء على المنع من التسليم بالاستدلال أو بالتسليم.\nثم نظر المؤلف إلى السنة فذكر الأحاديث الواردة في المنع من ذلك، فذكر جملة صالحة منها عن عدد من الصحابة، وأن فيها الكفاية لمن هداه الله. ثم ذكر وجه الدلالة منها على المسألة، ثم ذكر اعتراضًا وأجاب عليه.\nثم عنون بقوله «تنبيهات»، فذكر تنبيهين يتعلقان بالاستدلال بالآية، والثالث كلام لابن حجر الهيتمي في عدّ الشافعية البناء على القبور من الكبائر.\nثم نقل نصًّا عن يحيى بن حمزة من أئمة الزيدية يجيز فيه بناء القباب والمشاهد على قبور الفضلاء والملوك ... مع الجواب عليه. والنص والجواب ذكرهما العلامة الشوكاني في رسالته «شرح الصدور» كما بينَّا في التعليق.\nوختم المؤلف البحث بنص لابن القيم من «زاد المعاد» في البناء على القبور وتحريمه ...\nثم عنون بـ «تتمّة» ذكر فيها الجمع بين نهي النبي - ﷺ - عن البناء على قبره، وبين إدخال قبره الشريف في المسجد وهل هو من البناء عليه؟","vol":"مقدمة 4","page":16},{"text":"البحث الثالث: زيارة القبور\nذكر أولًا ما يُحتجّ به في المسألة من القرآن مع نقاش الاستدلال به، ثم ذكر ما يحتج به من السنة على المسألة، فذكر أحاديث الباب المتعلقة بزيارة القبور. ثم ذكر عدة فروع في المسألة وهي:\n١ - علة النهي أولًا.\n٢ - الحكمة من استحباب زيارة القبور.\n٣ - في النساء هل يزرن القبور؟\n٤ - هل تُزار قبور الكفار؟\n٥ - كيفية الزيارة.\nثم عقد فصلًا في زيارة قبور الأنبياء والصالحين. فذكر أن الأصل مشروعية زيارة القبور عامة للأنبياء والصالحين وسائر المسلمين وإنما النزاع في شيئين:\n١ - في شدّ الرحال.\n٢ - الغرض المقصود من الزيارة.\nفذكر المسألة الأولى، وناقش دليلها المشهور «لا تُشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ...» ووجه الدلالة منه، والتحقيق في مسألة شدّ الرحال والمقصود منها. ثم خلص إلى مسألة الغرض من زيارة القبور، وهي المسألة الثانية، وعقد فيها مناظرة بين المانعين من شدّ الرحل لزيارة قبور الأنبياء والصالحين وبين المجيزين لها بناءً على استدلالهم بخصوصية زيارة قبور الأنبياء والصالحين على غيرها من القبور، وأطال وأطاب في المناظرة بين","vol":"مقدمة 4","page":17},{"text":"الفريقين، وخلص إلى المنع منها.\nالبحث الرابع: التبرك\nبدأ هذا البحث بتمهيد قرر فيه أن كل عاقل يعلم أن النفع والضر بيد الله تعالى، ومن اعتقد في غيره قدرةً مستقلّة على النفع والضر فذلك هو الكفر. وأن هذا مما لا خلاف بين المسلمين فيه. ثم قرر أن المقاصد الدينية (التي يراد بها رضوان الله تعالى) والمقاصد الدنيوية التي لا يقدر عليها إلا الله، أو تتناولها قدرة البشر بالأسباب العادية وأريد تحصيلها بغيرها= كل ذلك لا يكون سببه إلا شرعيًّا، أي يفتقر ثبوته في الشرع إلى دليل معتبر.\nوإذا تقرر ذلك فالتبرك هو التسبُّب لحصول البركة، والمقصود به أحد الأمور الثلاثة السالفة، فثبوته مفتقر إلى دليل معتبر من الشرع.\nثم ذكر بعض ما ثبتت بركتُه بالأدلة الشرعية؛ فذكر بركة ماء زمزم، وبركة القرآن الكريم والأدعية الشرعية، ثم خلص إلى الحديث عن الرقى وحكمها، ثم تكلم على التمائم والتِّوَلة وحكمها.\nثم عاد إلى ذكر ما ثبت التبرك به، فذكر التبرّك بآثار النبي - ﷺ - وأدلته وأطال فيها، ثم ذكر الاختلاف في حكم التبرّك بوضع اليد على منبره - ﷺ -.\nثم عقد مسألة هي معقد هذا البحث، وهي: هل للمسلمين أن يتبركوا بصلحائهم كما يتبرّك الصحابة برسول الله - ﷺ - استنادًا إلى تلك الأحاديث؟ فتكلم في المسألة في عشرين صفحة (ص ٢٣٩ - ٢٥٩) وجعلها على هيئة مناظرة بين المجيزين والمانعين، وجعل محور البحث والمناظرة في بيان الفرق بين النبي - ﷺ - وبين الصالحين والأولياء، فقياسهم التبرّك عليه لا يصح","vol":"مقدمة 4","page":18},{"text":"مع الفارق، وكذلك قياس ذريته عليه لا يصح مع الأدلة على ذلك، ودفع الاعتراضات التي أوردها المجيزون.\nثم عنون بـ «خاتمة» ذكر فيها أنه رأى في بعض الكتب بحثًا في فضل العلم والشرف أيهما أعظم ...؟ فذكر كلامه وناقشه فيه، واختار أن العلم هو الأفضل.\nثم ذكر ما بقي من أقسام التبرك، فذكر مسألة التبرك بالقبور والمشاهد وما بُني عليها، واختار التحريم، وذكر أدلة ذلك وفصَّل فيها بما لا مزيد عليه.\nالبحث الخامس: التوسُّل\nذكر معنى التوسّل، وقرّر أنه لا يُتقرَّب إلا بشيء قد أقرّه الشرع، أما التقرّب إليه بسؤاله والإقسام عليه بحق شيء من الأشياء فهو على أقسام، فذكر ثلاثة أقسام وحكم كل قسم منها.\nثم ذكر حديث أن النبي - ﷺ - علّم بعض أصحابه أن يدعو فيقول: «اللهم إني أسألك وأتوسّل إليك بنبيك نبي الرحمة ...»، وذكر من استدل به على جواز التوسّل بالنبي - ﷺ - في حياته وبعد مماته، وذكر حديث: «اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك ...». فتكلم على الحديثين من حيث الثبوت، ورجَّح ضعفهما وعدم الاحتجاج بهما، وأجاب عن اعتراضات المجيزين ــ بعد أن تبسّط في عرضها ــ على تضعيف الحديث والاستدلال به.\nثم عنون بـ «فصل» صدّره بأن المجيزين للتوسل المتعارَف لم يثبت لهم دليل صريح في ذلك، وذكر بعض حججهم وأجاب عنها ... ثم ختم البحث بقوله: «والذي أختاره لنفسي: أن أُكْثِر من الصلاة على النبي ﵌ أوّل الدعاء وأثنائه وآخره، وأتتبّع الأدعية الواردة في الكتاب والسنة","vol":"مقدمة 4","page":19},{"text":"والإرشادات التي جاءت عن النبي ﵌ في آداب الدعاء، وأكتفي بالترضِّي والترحُّم والاستغفار للعلماء والصالحين، وأدَعُ التوسُّل عملًا بحديث الحسن السبط ﵁: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» أخرجه الترمذي وابن حبان والحاكم من حديث الحسن السِّبط ﵁، وما في معناه من الأحاديث.\nوأرجو أن تكون هذه الطريقة هي الأسلم؛ لأني على يقين أنه لو ثبت التوسّل المتعارَف ثم تركه إنسانٌ لم يكن عليه إثم؛ إذ لا قائل بوجوبه، فكيف والحال أنه لم يثبت؟ فتَرْكه بنيّة الإحجام عما لم يطمئنّ القلبُ بثبوته مما أرجو أن يأجرني الله تعالى عليه.\nفمن أحبّ السلامة فهذا سبيلها، ومَن أقْدَم على التوسُّل فهو وما تولّى، ولا أقطع بخطئه ولا ضلاله، بل أرجو له التوفيق والهداية إن شاء الله تعالى».\nوهنا انتهى الكلام على البحوث الخمسة التي عنون لها.\nوقد أتبعنا هذه البحوث الخمسة بحثًا في حكم اتخاذ ليلتي المولد والمعراج عيدًا، لم يتحرّر لنا مكانه في الكتاب ولم يعنونه المؤلف بعنوان، فرأينا أن هذا الموضع هو اللائق بسياق موضوعاته.\nوقد بدأه بقوله: «قال المانعون: ومن المحدَث اتخاذ ليلتي المولد والمعراج عيدًا»، ثم ذكر أول مَن أحدث ذلك، ثم بدأ البحث ــ كما سبق في البحوث السالفة ــ على شكل مناظرة بين المجيزين لذلك والمانعين منه، فبدأ بقول المجيزين ثم المانعين وهكذا، وتطرق في أثنائه لحكم العمل بالحديث الضعيف وشروطه ... وأطال في الرد على من أجاز الاحتفال بهما والتشنيع عليهم.","vol":"مقدمة 4","page":20},{"text":"ثم ختم البحث بذكر نص وقع له في «تاريخ المحبّي» فيه رأي لبعض العلماء بجواز ضرب الطبل في المسجد قياسًا على الجهاد، وأجاب عن ذلك بكلام طويل وتقرير ماتع.\n\n* المسألة الثالثة: النداء للغائبين والموتى وغيرهم\nتكلم على هذه المسألة في تمهيد وثلاث مقامات.\nأما التمهيد فلم نعثر منه إلا على بضعة أسطر، أفادتنا بذكر المقامات الثلاثة وهي:\nالمقام الأول: في الاطلاع على الغيب (^١)\nذكر أولًا العلم القطعي وأقسامه الثلاثة، ثم عرَّف الغيب وذكر قسميه، ثم ذكر الصور الست لـ «علم الغيب» الناتجة عن الأقسام السالفة، ثم تكلم على الصور الستّ، لكن لم نعثر إلا على كلامه على الصورة الخامسة، أما باقي الصور (الأربع الأول والسادسة) فلم نقف عليها في قطع الكتاب التي وقفنا عليها.\nوفي الصورة الخامسة ــ وهي: العلم الخبري بما هو غيب عن جميع الخلق ــ ذكر أن العلم الخبري إنما يحصل بأحد خمسة أمور، فذكرها، ثم ذكر ما الذي يقع منها للأنبياء والملائكة والبشر وما الذي لا يقع.\nثم شرع في الكلام على القسم الأول من الغيب، وذكر بعض ما يستدل به أهل الأرض على الغيب وهو لا يحصّل إلا الظن، فذكر:\n_________\n(^١) صدر هذا المقام (من ص ٣١٢ إلى ص ٣٢٧) وجدناه في المجموع رقم [٤٧٠٧].","vol":"مقدمة 4","page":21},{"text":"١ - الرؤيا، وهل يلزم منها علم الغيب؟ (٣٢٨ - ٣٤٠).\nوقع في أول هذا المبحث نقص، وأول الموجود منه في حجج مَن يرى أن في الرؤيا دليلًا على علم الغيب ثم أجاب عنها فيما بعد. وتكلم على الرؤيا وأقسامها وصورها بكلام طويل نفيس، ورؤية النبي في النوم وتمثّل الشيطان به.\nثم عقد فصلًا في مسألة مفارقة الروح للجسد عند النوم فذكر المذهبين وأدلتهما، واختار المؤلف الوقف والرد في علم ذلك إلى الله تعالى.\nثم تكلم عن التنويم المغناطيسي ومعناه، وما يقاس عليه من أنواع السحر وتحضير الأرواح وغيرها، وهل تفارق الروح الجسد فيه، وتعرّض الروح لتلاعب الشيطان في تلك الأحوال.\nثم ذكر عدة أشياء مما يَستدلُّ به أهلُ الأرض على بعض الغيب من القسم الأول وهو في حقيقته لا يُحَصِّل إلا الظنَّ، فذكر:\n٢ - التحديث (٣٤١ - ٣٤٣).\n٣ - والكهانة (٣٤٣ - ٣٤٨).\n٤ - والنظر في النجوم (٣٤٨ - ٣٥١)، وذكر من متعلّقاتها.\n٥ - ومعرفة الأنواء (٣٥١ - ٣٥٢).\n٦ - ومعرفة أحوال النجوم المتعلقة بذواتها (٣٥٢ - ٣٥٣).\n٧ - والخط في الرمل (٣٥٣ - ٣٥٤).\n٨ - والعرافة (والفأل والطيرة) (٣٥٤ - ٣٥٥).","vol":"مقدمة 4","page":22},{"text":"٩ - والطّرْق بالحصى (٣٥٦).\n١٠ - والتفاؤل بالقرآن وغير ذلك (٣٥٦).\nثم تكلم المصنف في فصلين متتاليين الأول عن استقلال الله سبحانه بعلم الغيب وأنه لا يشركه معه نبيّ ولا ولي، وساق النصوص والأدلة على ذلك. والثاني في علم النبي بالغيب، ذكر فيه حجة مَن قال بذلك وأجاب عنها، وذكر الأدلة على عدم علمه بالغيب من الكتاب والسنة وأنها في حقيقة الأمر لا تُحصى.\nثم ذكر حديث حذيفة: أن النبي - ﷺ - قام مقامًا ما ترك شيئًا يكون إلى قيام الساعة إلا حدَّث به ...» وأجاب عمن استدل به على علم النبي - ﷺ - للغيب وأطال في ذلك.\nثم تكلم عن القسم الثاني من علم الغيب، وهو ما يكون غيبًا بالنسبة إلى بعض الخلق دون بعضهم، فذكر أنواعه الثلاثة، وهي: ما يختص بمشاهدته الملائكة، وما يختص بمشاهدته الجنّ، وما يشاهده البشر.\nوذكر أشياء مما يستدلون به على هذه الأنواع، فذكر منها الكهانة ووسوسة الشياطين، والنظر في النجوم والعرافة والطرق والخط والتنويم المغناطيسي وغير ذلك.\nوذكر مما يدخل في هذا الباب: ما يُؤثر عن أهل الرياضيات كالإشراقيين من الفلاسفة والبراهمة وبعض المتصوّفة ... فتكلم عن هذا النوع وما يصيب أولئك في تلك الأحوال، وما تُخيّله الشياطين لهم، ثم نقل نصًّا طويلًا عن ابن عربي الطائي نقله عنه الآلوسي في بعض كتبه ما يُفصح","vol":"مقدمة 4","page":23},{"text":"عن هذه الخيالات والوساوس.\nثم عرض لما يزعمه بعض المتصوّفة من أنهم يرون النبي - ﷺ - يقظةً ... وسبب زعمهم هذا والرد عليهم. وختم البحث بـ «خاتمة» ذكر فيها أنه أتى على جل ما يُستدل به على المغيبات، وأنه بقي كشف الصوفية وهو لا يخرج في جملته عما ذُكِر آنفًا.\nثم خرج إلى موضوع متعلّق بكشف الصوفية وهو دعوى الإلهام عند بعض المتصوّفة، وكلامهم في حجيّته، ونقل كلام الشوكاني في «إرشاد الفحول» في الموضوع ثم علق عليه وردّ من زعم حجيّة الإلهام وأطال في نقاش حججهم بما لا مزيد عليه (٣٧١ - ٣٨٥).\nوبهذا يكون انتهى الكلام على المقام الأول وهو علم الغيب.\nالمقام الثاني: في تصرُّف بعض بني آدم في الكون\nذكر أولًا قسميه، وهما: ما جرت به العادة، وهذا ثابت للأحياء، وما لم تجر به العادة، وهو ما يمكن أن يكون معجزة لنبي أو كرامة لولي، وذلك بحسب ما يتفق مع الحكمة الربانية.\nثم ذكر حال النبي - ﷺ - وما ملّكه الله إياه مما هو داخل تحت قدرة البشر أما ما فوق ذلك فيملك الدعاءَ به فقط وقد يملك شيئًا منه على سبيل خرق العادة.\nثم ذكر أنه من المعلوم أن النبي - ﷺ - لم يكن متصرفًا في الكون وحجّة ذلك، وذكر قصة الخضر وما يمكن أن يستدلّ بها على قضية التصرف في الكون والجواب عن ذلك، واستطرد إلى قضية الإنكار على المخالفين في","vol":"مقدمة 4","page":24},{"text":"تلك المسألة استدلالًا بفعل موسى مع الخضر.\nثم ذكر أن الأدلة صريحة واضحة في إبطال ادِّعاء أن بعض الصالحين يملك التصرف في الكون، والذي غرّ أولئك المدّعين أمور تتعلّق بالتزوير وانتحال الفضل أو التقشّف أو أصحاب سوء يتأكّلون باسم الشيخ وغير ذلك.\nثم انفصل إلى ذكر أن حالات أولئك المشايخ المتصوفة لا تخلو من أربع حالات:\n١ - أن يكونوا من أهل الزيغ والإلحاد تستّروا باسم التصوّف وإظهار الزهد والتقشف ليكيدوا للإسلام.\n٢ - أن يكونوا من أهل الإسلام لكن تلاعب بهم الشيطان.\n٣ - أن يكونوا من أهل الخير والصلاح، لكنهم أرادوا أن يتكلموا بما ظاهره الكفر استدعاء لذم الناس لهم؛ ليكتسبوا بذلك كسر نفوسهم والأجرَ للاعتداء عليهم.\n٤ - أن يكون لهم في كلامهم مرادات صحيحة، لكنهم عمّوها على الناس فجعلوها من قبيل الإلغاز، كما هو شائع في كلامهم ..\nواختار المؤلف أن كل أمر من هذه الأمور يوجد عند طائفة منهم، لكن الذي يدين الله به حُسن الظن بأشخاصهم وأنهم لا يعتقدون ما تدل عليهم مقالاتهم وإنما قالوها لغرض من الأغراض ظنوها حسنة، وذلك لا يمنعنا من انتقادهم وإنكار المنكر وبيان أن اعتقاد الظاهر منه فسق أو كفر أو جهل بحسب رتبته. مع النصيحة بالإعراض عن كتب هؤلاء ومؤلفاتهم.","vol":"مقدمة 4","page":25},{"text":"ثم تكلم على الصوفية وكتبهم ودعاواهم أن أناسًا دسّوا عليهم فيها ... وكيف ركّبوا من كل أولئك خطة محكمة لترويج باطلهم ونشر خرافاتهم.\nثم ذكر أن بعض من يُنسب إلى التصوّف يعدّ من أئمة الهدى كالجنيد، وأن بعض الصالحين ثبتت لهم كرامات، لكن ليس كل ما يدّعيه القصاصون صحيحًا بل كثير من حكاياتهم منقطعة ورواتها مجاهيل ...\nوأنه ينبغي أن توزن أمور الناس بميزان العدل، (فإن كان الشخص ملازمًا للطاعات، عاملًا بالكتاب والسنة معظمًا لهما ... فالظاهر أن الخارقة الواقعة على يده كرامة ... وإن كان بخلاف ذلك فالأمر بالعكس). وبهذا انتهى هذا المقام الثاني.\nالمقام الثالث: النداء والطلب\nفذكر أولًا ما تقرر من أن الغيب لا يعلمه إلا الله وحده أو ما يُطْلِع عليه بعض خلقه، وأن المخلوق لا يملك شيئًا ولا يتصرف إلا بما جرت عليه عادة الخلق عليه، وبنى على ذلك أن كل نداء للغائب باعتقاد أنه يسمع أو يُبلّغ كل شيء أو بعض الأشياء لا يسوّغ نداءَه ولا الطلب منه.\nثم ذكر المؤلف أن دعاء النبي قد لا يُستجاب لسَبْق الكتاب كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ وذكر آيات وأحاديث أخرى تدل على ذلك.\nثم قرر أن كل من له اطلاع على السنة علم أن الصحابة ﵃ لم يكونوا ينادون غائبًا ولا حتى النبي - ﷺ -، وإنما كانوا يطلبون منه ما يمكنه تحصيله بالأسباب العادية، وإلا سألوه الدعاء ... وذكر جملة من الأحاديث في ذلك، ثم قال: والأحاديث أكثر من أن تُحصى.","vol":"مقدمة 4","page":26},{"text":"أما عند موته فلم يُنقل عن أحدٍ من الصحابة ولا التابعين أنه طلب منه شيئًا البتة، بل غاية أمرهم إن حضروا إلى قبره أن يسلموا عليه وعلى صاحبيه، ولا يطلبوا منه شيئًا، وحديث الاستسقاء بالعباس صريح في أنهم كانوا لا يرون الطلب منه إلا في حياته، أما بعد قبضه فلا.\nثم أدار المؤلف حوارًا بين المجيزين للطلب منه حال موته، وبين المانعين من ذلك وأطال في تقرير حجج المانعين.\nثم ذكر حجة المجيزين بأنهم يجتهدون في الدعاء فلا يجدون إجابة حتى إذا ذهبوا إلى القبر ودعوا استجيب لهم ... وذكر كثيرًا من الأمثلة على ذلك مثل حمل النساء، وإنزال الأمطار، والوفاء بالنذر، وشفاء المريض، ووقع الكثير من الخوارق للعادات.\nفأجاب المؤلف عن ذلك بجواب تأصيلي، ثم ذكر أن الخوارق قد قسمها العلماء إلى أقسام: معجزات للأنبياء، وكرامات للأولياء (وقد سلف التفصيل فيها)، ومنها ما هي من قبيل: الاستدراج، أو السحر والشعبذة والكهانة وغيرها.\nوالكلام على هذه الخوارق من وجهين:\n١) إنكار وقوعها مطلقًا وأنها لا تثبت إلا عن مشاهدة أو تواتر، ثم إن ثبتت فيمكن أن تكون شعبذة أو سحرًا أو مخرقة .. فيجب وزنها بميزان الشرع كما سلف، وهي وإن ثبتت فلا يبنى عليها شيء مخالف للشرع.\n٢) الكلام على هذه الخوارق التي ذكروها واحدة واحدة بالتفصيل وبيان الحكم فيها وتلاعب الشياطين بعامة الناس في نسجها والتضليل بها.","vol":"مقدمة 4","page":27},{"text":"ثم ذكر تنبيهًا أجاب فيه عما استَبْعَد به الناس من وجود الشياطين عند قبور الصالحين.\nثم عاد إلى حوار المجيزين والمانعين وقد ناقش فيها مسائل مهمة في الاستعانة والاستغاثة، والطلب من المخلوقين، واعتقاد الضرر والنفع، والتوسّل، والتمسّح بالأضرحة، والنذر لها والذبح وغيرها.\nوفي نهاية البحث عقد عنوانًا بـ «الميزان» دعا فيه علماء الأمة للاستيقاظ من الغفلة والاجتماع وتأليف كتاب يكون ميزانًا في الاعتقاد، وبيَّن منهج وطريقة ذاك التأليف، وأن هذا هو الطريق الوحيد في ضم شمل الإسلام وأهله والتأليف بين قلوبهم.\nثم ذكر جماع القول في تلك المسائل وهو: أن الله إنما يُعبد بما شرع، وتلك الأمور إما محدثة قامت الأدلة على بطلانها، أو فيها خلاف ونزاع فهي دائرة بين الحرام والمكروه أو المباح، فالسلامة منحصرة في ترك تلك الأشياء، فمن تركها فهو سالم لا محالة، والمسلم من حَرَص على السلامة بأيّ تقدير كان، ولا أسلم ولا أعلم ولا أفضل مما كان عليه النبي - ﷺ - وأصحابه وتابعوهم.\nوبه ينتهي الكلام عن المقام الثالث وينتهي الكتاب.\nثم أتبعنا الكتاب بعدّة ملاحق وهي:\n١، ٢ - ملحقان يتعلقان بمباحث الاجتهاد والتقليد.\n٣، ٤ - ملحقان يتعلقان بالسنة والبدعة.\n٥ - ملحق يتعلق بالرؤيا في المنام وعلاقتها بعلم الغيب.","vol":"مقدمة 4","page":28},{"text":"وهي مباحث متفرقة بمسائل تتعلق بكتابنا، لم نجدها كاملة، ووقعت فيها خروم عديدة، وإدخالُها في متن الكتاب يشوّش ترتيبه ولا يتسق مع جملة مباحثه فألحقناها لتستفاد وأملًا في العثور على مكمّلاتٍ لها، يسّر الله ذلك بمنّه.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-10> العثور على الكتاب ومعاناة ترتيبه والعمل عليه</span>\nذكرنا في مقدمة المشروع أننا عمدنا إلى كتب المؤلف فنسخناها تمهيدا لمعرفتها ومن ثم تحقيقها، غير أن رسالتنا هذه ورسالة المواريث لم تُنسخا لالتباس ترتيب أوراقها وعدم معرفة موضوعها .. وفي آخر الأمر استقر رأينا على النظر في شأن هذه الرسالة وبدأنا بنسخ ما كان لدينا مصورا على الورق ورقة ورقة، ثم ما كان مصورًا على القرص المدمج ورقة ورقة أيضًا، ثم بدأنا بترتيب الأوراق من خلال السياق واتصال الكلام، فكان الاستدلال على اتصال الكلام يسهل حينا ويتعسر أحيانًا كثيرة، لكننا استطعنا بحمد الله ترتيب صفحات الكتاب إما يقينًا وهو الأغلب، أو اجتهادًا في بعض الصفحات.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-11> وصف النسخة الخطية</span>\nوصلنا الكتاب في أربعة دفاتر وأوراق متفرقة في مكتبة الحرم المكي، فمقدّمته التي تبيِّن حقيقة الكتاب ومناسبة تأليفه تُوجد في صفحة ضمن المجموع رقم (٤٧٠٧) وفي المجموع نفسه أوراق تتعلق بمباحث متفرقة من موضوع علم الغيب، كمعنى علم الغيب، وكونه مختصًّا بالله تعالى، وأنه لا يطلع على الغيب أحد حتى النبي - ﷺ -، والرؤيا وهل يلزم منها علم الغيب.","vol":"مقدمة 4","page":29},{"text":"ثم وجدنا مسودة المقدمة وبعض الفصول الأولى من الكتاب بعد الانتهاء من تحقيقه ضمن الأوراق والدفاتر غير المفهرسة التي عثرنا عليها في مكتبة الحرم المكي أخيرًا.\nومعظم مباحث الكتاب في دفترين مضطربي الأوراق الأول برقم [٤٦٧٤] في ٢٤٦ ورقة، والثاني برقم [٤٨٥٣] في ٧٧ ورقة، وقد رُقّمت أوراق هذين الدفترين ترقيمًا حديثًا جدًا بعد تشتتها واضطرابها، وجلّد الدفتر الأول، فزاد الأمر إشكالًا في استخراج ترتيب الكتاب وتخليصه.\nوكنّا قبل الحصول على الكتاب في أقراص مدمجة قد حصلنا على صورة ورقية غير مرقمة مصورة عن الميكروفلم بالمكتبة، وقد نسخنا كثيرا من المباحث منها، وكانت مع وعورة استخراج الكتاب منها ومع تشتت أوراقها باهتة التصوير، بل لم تظهر لنا بعض كلماتها إلا بمزيد من تكرار النظر والتأمل وتكبير الحروف .. فكان نسخ هذا الكتاب وتخليصه من أصعب الأمور وأشقّها.\nوقد قمنا بنسخ كل ورقة منه كما هي، حتى إذا اكتمل النسخ قسَّمنا المنسوخ حسب أقسام الكتاب الثلاثة الرئيسة، ثم تأملنا في المنسوخ من كل قسم لمعرفة الترتيب واتصال الكلام بعضه ببعض، حتى اهتدينا إلى الوضع الذي ينشر عليه الآن.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-12> طريقة العمل في الكتاب</span>\nكانت طريقة العمل في الكتاب كطريقته في بقية كتب المشروع وهي بين أيدي الباحثين، وما كان لنا فيه من تصرف خاص بالكتاب فهو فيما يتعلق","vol":"مقدمة 4","page":30},{"text":"بترتيب بعض المباحث التي لم يتبين ترتيبها، فاجتهدنا في وضعها في مكانها المناسب من الكتاب، وقُل مثل ذلك في ترتيب صفحات المخطوط التي شرحناها سابقًا فقد اجتهدنا في ترتيب بعض الأوراق التي لم يتبين لنا ترتيبها لا من خلال التعقيبة ولا من خلال ترتيب أوراق المخطوط بقطعه المختلفة، وما كان من إضافة إلى نصّ المؤلف من قِبَلنا فإنا نضعه بين معكوفتين [] بإشارة غالبًا وبدونها في الأقل، وقد كنا ــ كما سلف ــ وجدنا قطعة من مسودة الكتاب في الأوراق التي عثرنا عليها مؤخرًا فقارناها ووضعنا زيادات هذه القطعة بين معكوفتين، وذلك خاص بمبحث الاجتهاد والتقليد فحسب.\nوقد ختمنا الكتاب بفهارس لفظية صنعها الشيخ نبيل بن نصار السِّندي الباحث في المشروع، ثم بفهرس موضوعي مفصل. والحمد لله حق حمده.","vol":"مقدمة 4","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>ترجمة الشيخ السوركتي </span>(^١)\nتقدم في أول المقدمة أن سبب تأليف هذا الكتاب سؤال وجهه بعضهم إلى المؤلف عن كتاب المسائل الثلاث للشيخ أحمد السوركتي، فناسب أن نلقي الضوء على طرف من ترجمته فنقول:\nهو: الشيخ أحمد بن محمد السوركتي الأنصاري.\nونسبة السوركتي: لقب لأحد أجداده، وهي من لغة أهالي تلك البلاد، ومعناها: كثير الكتب، والسبب: أن جدّه رحل إلى مصر لطلب العلم، وعاد من سفره بكتب كثيرة فلقب بهذا اللقب؛ لأن «سور» عندهم الكتاب، و«كتي» للمبالغة في الكثرة.\nولد الشيخ أحمد في جزيرة أَرْقُو بالولاية الشمالية في السودان عام ١٨٧٦ م=١٢٩٤ من أسرة مشهود لها بالورع والصلاح والعلم، حفظ القرآن بخلاوي منطقة دُنْقُلا، ودرس مبادئ الفقه على والده.\nثم رحل إلى الحجاز عام ١٨٩٧ م في سبيل العلم والمعارف ورغبة في أداء الفريضة. وبعد أداء فريضة الحج أقام في المدينة المنورة أربع سنوات ونصف، درس في هذه المدة علوم القرآن والحديث والفقه واللغة العربية\n_________\n(^١) من مصادر ترجمته: «حضرموت وعدن وإمارات الجنوب الغربي» (ص ٢٣٦ - ٢٦١)، و«تاريخ حركة الإصلاح والإرشاد وشيخ الإرشاديين أحمد محمد السوركتي في إندونيسيا» للدكتور أحمد إبراهيم أبو شوك. و«جهود الشيخ أحمد بن محمد السوركتي الأنصاري في الدعوة إلى الله في إندونيسيا» للطالب شفيق ريزا حسن، رسالة ماجستير بالجامعة الإسلامية نوقشت سنة ١٤٢٨ هـ.","vol":"مقدمة 4","page":32},{"text":"على علماء المدينة، أمثال المحدث عمر بن حمدان المغربي، والفقيه المالكي أحمد بن الحاج علي المجذوب، والعالم اللغوي الشيخ أحمد البرزنجي.\nثم رحل إلى مكة المكرمة وجاور لمدة عشر سنوات حيث واصل طلب العلوم والمعارف النقلية والعقلية على كبار مشايخ الحرم المكي أمثال العلامة أسعد بن عبد الرحمن الدهان، والشيخ محمد بن يوسف الخياط، والشيخ شعيب بن موسى المغربي.\nوبعد هذه الأربعة عشرة عامًا ونصف من السياحة في حلقات العلم والمعرفة بالحرمين الشريفين حصل المترجم له على الإجازة العالمية من علماء الحجاز، وقيد اسمه في سجل علماء أم القرى، ثم صودق له بالتدريس في الحرم المكي. وافتتح مدرسة أهلية في مكة وصار لها إقبال منقطع النظير.\nوفي سنة ١٣٢٩ هـ طلبته جمعية خير في جاكرتا لإدارة التعليم في مدرستها، وكان الواسطة لذلك العلامة الشيخ محمد بن يوسف الخياط والعلامة الشيخ حسين بن محمد الحبشي، فسافر السوركتي إلى إندونيسيا وبصحبته معلمون ومندوب جمعية خير: السيد عبد الله بن عبد المعبود الموصلي، ووصل إلى مدينة جاكرتا بصحبة الشيخين محمد الطيب المغربي ومحمد عبد الحميد السوداني في شهر ربيع الأول عام ١٣٢٩ هـ ثم نزل ثلاثتهم ضيوفا على السادة العلويين الذين رحبوا بمقدمهم باعتبارهم أول هيئة علماء تصل من الأراضي المقدسة للعمل في مدارس جمعية خير.","vol":"مقدمة 4","page":33},{"text":"وفور وصولهم عُين الأستاذ السوركتي مديرًا لمدرسة باكوجان ومفتشًا للتعليم، والشيخ محمد الطيب معلمًا بمدرسة كروكت، والشيخ محمد عبد الحميد بمدرسة بوقور.\nلما وصلوا جاكرتا قابلهم السادة العلويون وغيرهم من العرب بكل إجلال واحترام، واحتفلوا بهم احتفالًا بالغًا ..\nإلا أن ذلك لم يدم طويلًا ففي السنة الثانية وقعت خلافات بين الشيخ السوركتي وبعض السادة العلويين، واشتد النزاع وطال، وقد دفع هذا النزاع الشيخ السوركتي إلى تقديم استقالته في السادس من سبتمبر سنة ١٩١٤ م إلى إدارة جمعية خير.\nويبدو من هذه الاستقالة أن السوركتي كان عازمًا على العودة إلى مكة المكرمة دون الدخول في صراع مكشوف مع السادة العلويين، إلا أن بعض وجهاء الحضارمة غير العلويين ثَنَوه عن هذا المسعى وشجعوه على إتمام المشوار التعليمي والإصلاحي الذي وضع لبناته في إندونيسيا. واستجابة لنداء هؤلاء عدَل السوركتي عن رأيه وفتح مدرسة خاصة في أحد بيوت نقيب العرب عمر بن يوسف منقوش بحارة جاتى، سماها مدرسة الإرشاد الإسلامية.\nوهذا هو أول نشوء لجمعية الإصلاح والإرشاد التي كان لها دور كبير بعد ذلك في نشر العلم والأخلاق والعقيدة، وافتُتح لها فروع كثيرة في كافة أرجاء إندونيسيا، وكثر انتفاع الناس بها، ومن أبرز مبادئ هذه الجمعية التي صاغها الأستاذ السوركتي ومن معه ما يلي:","vol":"مقدمة 4","page":34},{"text":"- توحيد الله توحيدًا خالصًا بعيدًا عن مظان الشرك الظاهر والخفي في الاعتقاد والأفعال والأقوال.\n- المحافظة على الأخلاق الإسلامية التي جماعها: أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك وتحافظ على عزة النفس وشرف العمل وعدم الخنوع لغير الله.\n- المحافظة على العبادات من صلاة وصيام وزكاة وحج وغيرها وعدم التهاون فيها.\n- إحياء السنة الصحيحة وترك البدع وعدم المشايعة لها.\n- التعاون على البر والتقوى وعدم التعاون على الإثم والعدوان.\n- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة.\n- نشر العلوم الدينية والعصرية واللغة العربية.\nوقد أثنى عليها العلامة رشيد رضا في مجلته المنار بقوله: إن جمعية الإصلاح والإرشاد «غرضها إنشاء المدارس ونشر التعليم الديني والمدني الذي تقتضيه حالة العصر من الاستقلال وإحياء هدي الكتاب والسنة ومقاومة الخرافات الفاشية من طرق الابتداع في الدين».\nوقد كان للشيخ السوركتي تأثير بالغ في الحياة العلمية والدينية في إندونيسيا في العصر الحديث، فقد ذكر البروفيسور يوسف الخليفة في مقابلة صحفية أن «أثر الشيخ أحمد سوركتي في إندونيسيا معروف هنالك فهو الذي أيقظ العلماء، حتى طرده الاستعمارُ الهولنديُّ الذي كان يستعمر إندونيسيا.","vol":"مقدمة 4","page":35},{"text":"ويذكر الشيخ محمد عبد الرحيم المؤرخ الذي كان مراسل الشيخ أحمد السوركتي أن الرئيس سوكارنو عندما خرج من السجن وقبل أن يكون رئيسًا لإندونيسيا، زار الشيخ أحمد السوركتي وكان قد فقد بصره فقال له الرئيس سوكارنو: «يؤسفني أن أزورك وقد فقدت بصرك ولكنك فتحت بصائرنا».\nومن آثاره نجد عددًا من الرسائل العلمية «الماجستير والدكتوراه» قدِّم بعضها إلى الجامعات الغربية وبعضها إلى إندونيسيا.\nأهم رسائل السوركتي وفتاويه هي:\n١ - «صورة الجواب» وهو رد على بعض من كتب من السادة العلويين في مسألة الكفاءة في النكاح يقرر فيها الكفاءة الدينية.\n٢ - «المسائل الثلاث» وهو الكتاب الذي أيّده وعلق عليه الشيخ المعلمي في كتابنا هذا.\n٣ - «أمهات الأخلاق».\n٤ - «الآداب القرآنية».\nوفاته:\nتوفي الشيخ أحمد السوركتي سنة ١٣٦٣ هـ في إندونيسيا. ﵀ وغفر له.","vol":"مقدمة 4","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>نماذج من النسخة الخطية</span>","vol":"مقدمة 4","page":37},{"text":"مقدمة (تحقيق الكلام)","vol":"مقدمة 4","page":39},{"text":"تحقيق الكلام في المسائل الثلاث\n(الاجتهاد والتقليد، السنة والبدعة، العقيدة)\n\nتأليف\nعبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني\n(١٣٨٦)","vol":"4","page":1},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الكهف: ١ - ٢]. وأنزل عليه في كتابه: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى سِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦١ - ١٦٣]. وأشهد أن لا إلـ؟ هـ إلا الله وحده لا شريك له، ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤]. اللهمَّ صلِّ على محمد وأزواجه وذريته كما صلَّيتَ على آل إبراهيم، وبارِك على محمد وأزواجه وذريته كما باركتَ على آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيدٌ، وسلِّم تسليمًا كثيرًا.\nأما بعد، فقد أطلعَني بعض الإخوان على رسالةٍ عنوانها: (المسائل الثلاث) التي قُدِّمت للأستاذ الشيخ (^١) أحمد محمد سوركتي في سورابايا،\n_________\n(^١) \"الثلاث ... الشيخ\" مخروم في الأصل، استدركناه من المسوَّدة.","vol":"4","page":3},{"text":"وسألني أن أقدِّر حيثية مؤلفها، لأن كثيرًا من المنتسبين إلى العلم يُجهِّلونه ويُبدِّعونه، ثم أُبدِي ما أراه من انتقاد في كلامه [لكونه أذن في ذلك] (^١)، ثم أتكلم على تلك المسائل بما أدينُ الله تعالى به بقدر وُسْعي. وبعدَ مطالعتي للرسالة أجبتُ عن السؤال الأول: أن هذه الرسالة على صِغَرها تُمثِّل مؤلفَها بمكانٍ من العلم [الصحيح والفضل الحقيقي] والدين [الراسخ] والفهم السديد في الكتاب والسنة، [وأنه من البقية المذكورة في قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ﴾ (^٢) [هود: ١١٦]، والطائفة المذكورة في قوله ﵊] (^٣). لا يُنكِر هذا كلُّ مَن يفهم كلامه إلا مَن كان ناظرًا من وراء حجاب الهوى والتقليد.\nوأما السؤال الثاني فلم يظهر لي في تلك الرسالة ما يجب التنبيه عليه سِوى قوله في (ص ٤٣) بعد ذكر الأحاديث الواردة في النهي عن الجلوس على القبور ما لفظه: \"والجلوس المنهيُّ عنه على ما يظهر هو الجلوس عليها للتبرك والاستشفاع أو للعبادة والدعاء، وأما الجلوس على القبر بغير قراءةٍ ولا نيةِ تبرُّك ولا لعبادةٍ، بل للاستراحة ريثَما يُدفَن الميتُ أو تُقضَى الحاجة، أو لوعظِ الحاضرين= فلا بأس [به] ... \" إلخ.\n[ص ٢] وهذا يقتضي أن ظاهر تلك الأحاديث النهي عن الجلوس عند القبور، وفي ذلك نظرٌ، بل ظاهرها هو النهي عن القعود على القبر نفسه، لأنه\n_________\n(^١) من المسوّدة، وكذا ما يأتي بين المعكوفتين.\n(^٢) في المسودة: \"ولتكن منكم بقية\".\n(^٣) \"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق ... \" الذي أخرجه مسلم (١٩٢٠) من حديث ثوبان وغيره.","vol":"4","page":4},{"text":"هو الحقيقة، ولا صارفَ عنها. وحديث أبي هريرة (^١): \"لأن يجلسَ أحدكم على جَمْرةٍ ... \" إلخ كالنصِّ في ذلك.\nوقد ذكر في الرسالة حديث مسلم (^٢) عن جابر ﵁ قال: \"نهى رسول الله ﵌ أن يُجصَّص القبر وأن يُبنَى عليه وأن يُقعَد عليه\". ويُوضح المراد منه أن لفظه عند الترمذي (^٣): \"أن تُجصَّص القبور وأن يُكتَب عليها وأن تُوطأ\".\n[وفي \"المسند\" (^٤) عن عمرو بن حزم قال: رآني النبي - ﵌ - متكئًا على قبر، فقال: \"لا تؤذِ صاحبَ هذا القبر، أو لا تُؤذِه\"].\nوأما حديث البراء (^٥) فالمراد: جلس عند القبر، إذ من المعلوم أن القبر المحفور لا يمكن أن يُجلَس عليه. ومثله حديث البخاري (^٦) عن أنس قال: \"شهدنا بنتَ رسول الله ﵌ تُدفَن ورسول الله ﵌ جالس على القبر ... \" الحديثَ، فالمراد قطعًا جالسٌ عند القبر كما مرَّ.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٩٧١).\n(^٢) رقم (٩٧٠).\n(^٣) رقم (١٠٥٢).\n(^٤) رقم (٢٤٠٠٩/ ٣٩).\n(^٥) أخرجه أبو داود (٣٢١٢) والنسائي (٤/ ٧٨) وابن ماجه (١٥٤٩)، ولفظه: \"قال: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - في جنازة، فوجدنا القبر لم يُلحَد، فجلس وجلسنا معه\".\n(^٦) رقم (١٢٨٥، ١٣٤٢).","vol":"4","page":5},{"text":"وقد قيَّد مالكٌ القعودَ المنهيَّ عنه بالقعود لقضاء الحاجة (^١)، وذلك يحتاج إلى دليل، وظواهر الأحاديث تردُّه. والظاهر ما قاله الجمهور: إن العلة هي كراهية انتهاك حرمة القبر. ومما يؤيِّده حديث النسائي (^٢) وغيره بأمره ﵌ لصاحب السِّبْتيَّتَين أن لا يمشيَ بهما في المقبرة. وغيره كثير.\nونحن نوافق الأستاذ على تحذير الناس عن التبرك بالقبور وغيرِه مما ثبت النهيُ عنه، سواء أكان مع الجلوس عندها أو مطلق الحضور أو مع الغيبة، ولكنه لا يمنعنا ذلك أن نخالفه فيما فهمنا منه غير ما فهمه (^٣)، ومهما بلغَ من حُبِّنا للحق فلا ننصره إلّا بالحق. قال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨].\nواعتذرتُ من السائل عن الأمر الثالث، وهو الكلام على تلك المسائل، لقصور باعي [وغَيبة كتبي]، ولما لم يعذرني استعنتُ الله ﷾، وشرعتُ في كتابة ما يتيسَّر لي، مُرجئًا البسطَ إلى وقت آخر إن شاء الله.\n* * * *\n_________\n(^١) قال مالك في \"الموطأ\" (١/ ٢٣٣): إنما نُهي عن القعود على القبور فيما نُرى للمذاهب.\n(^٢) (٤/ ٩٦) من حديث بشير بن الخصاصية.\n(^٣) هذا السطر جاء في طرة الورقة وقد ذهب بعض حروف كلماته، فاجتهدنا في قراءته كما هو مثبت.","vol":"4","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>مقدمة\nفي بيان التكليف وما يتصل به</span>\nقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]. حَصرتْ هذه الآية خلقَ الجن والإنس في علّيّة العبادة، لأن الاستثناء من أعم العلل، أي: لا سببَ لخلْق الله تعالى لهم إلّا إرادتُه أن يعبدوه، وعليه فلابدَّ من أن يكون خلْقُهم على هيئةٍ يكونون بها مستعدِّين لما لأجلِه خلقَهم، والأمر كذلك. [قال تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة: ٧ - ٩]. وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٨]].\nوقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [غافر: ٦٧]، وقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ (١) [عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢)] خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ١ - ٤]، وقال تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ١ - ٣]. [ص ٣] وقال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (٩) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ٨ - ١٠].","vol":"4","page":7},{"text":"[وقال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٧ - ١٠]].\nوالقصد من إيراد هذه الآيات بيانُ أن الله تعالى إنما خلق الإنسانَ ذا سمعٍ وبصرٍ، وشمٍّ ولمسٍ، وبَطْشٍ ومشي، وفكر وعقل، وحفظ ونطق، وغير ذلك من القوى الظاهرة والباطنة [التي لا يحصُر غرائبَ إتقانها وعجائب إحكامها غيرُ خالقها]، ليكون متمكنًا من العبادة التي لأجلها خُلِقَ من العدم. ويكفيك في بيان ذلك قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]. وفوقَ ذلك أودع في فِطَرِهم: الحنيفيةَ، قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الروم: ٣٠ - ٣١].\nوفي \"الصحيحين\" (^١) من حديث أبي هريرة عن النبي ﵌ أنه قال: \"كلُّ مولودٍ يُولَد على الفطرة، فأبواه يُهوِّدانه ويُنصِّرانه ويُمجِّسانِه، كما تُنتَج البهيمةُ جمعاءَ هل تُحِسُّون فيها من جدعاءَ؟ حتى تكونوا أنتم تَجْدَعونها\". ثم قرأ أبو هريرة: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾. وفي لفظ آخر (^٢): \"ما من مولودٍ إلّا يُولَد على هذه الملة\".\n_________\n(^١) البخاري (١٣٨٥)، ومسلم (٢٦٥٨).\n(^٢) أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٧٤٤٥) بهذا اللفظ.","vol":"4","page":8},{"text":"وقد عقد المحقق ابن القيم لبيان هذه الفطرة بابًا في كتابه \"شفاء العليل\" (^١) مقتبسًا أكثر كلامه من كلام شيخه أبي العباس ابن تيمية، وقال في آخره (^٢): \"فقد تبيَّن دلالةُ الكتاب والسنة والآيات واتفاق السلف على أن الخلق مفطورون على دين الله الذي هو معرفته والإقرار به ومحبته والخضوع له، وأن ذلك موجبُ فطرتهم ومقتضاها، يجب حصوله فيها إن لم يحصل ما يعارضه ويقتضي حصولَ ضدِّه، وأن حصول ذلك فيها لا يقف على وجود شرطٍ، بل على انتفاء المانع، فإذا لم يوجد فهو لوجود مُنافِيه لا لعدمِ مقتضيه. ولهذا لم يذكر النبي ﵌ لوجود الفطرة شرطًا، بل ذكر ما يمنع موجَبَها، حيث قال: \"فأبواه يُهوِّدانِه ويُنصِّرانِه ويُمجِّسانِه\". فحصول هذا التهويد والتنصير موقوف على أسبابٍ خارجة عن الفطرة، وحصولُ الحنيفية والإخلاص ومعرفة الرب والخضوع له لا يتوقف أصلُه على غير الفطرة، وإن توقَّف كمالُه وتفصيلُه على غيرها، وبالله التوفيق\". انتهى.\nثم ذكر الأدلة العقلية الموافقة لذلك، والكلام طويل، ولذلك اقتصرنا على إثبات الدعوى والدليل، ومَن أراد استيفاء البحث فعليه بـ \"شفاء العليل\".\n[ص ٤] وفوق ذلك فإن الله ﷾ خلق الأكوان المحسوسة لهم على هيئة دالة على وجودِه وإلـ؟ هيته ووحدانيته وكمالِه، فلا تقعُ عينُ ابنِ آدم ولا شيءٌ من حواسِّه إلّا على آيةٍ من آيات الله تعالى وبرهانٍ قاطع، وقد نبَّه\n_________\n(^١) هو الباب الثلاثون آخر أبواب الكتاب. وانظر \"درء التعارض\" لشيخ الإسلام (٨/ ٤٥٤ وما بعدها).\n(^٢) (ص ٤٩٩) ط. بيروت ١٤٠٧.","vol":"4","page":9},{"text":"على ذلك القرآنُ في آيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥) فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٩٦) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٩٧) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (٩٨) وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩)﴾. ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (١٠٠) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١) ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾. ثم قال جلَّ ذِكرُه: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ [الأنعام].\nوقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الروم: ٨]. وقال تعالى: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤) وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا","vol":"4","page":10},{"text":"بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الجاثية: ١ - ٥]. وقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥]. والآيات في ذلك كثيرة.\nوبناءً على ما تقدم زعمت المعتزلة أن كلَّ إنسانٍ قبلَ بلوغ الدعوة مكلَّفٌ بالنسبة لما أدرك العقل فيه صفةَ حُسْنٍ أو قُبحٍ لذاته أو لصفته أو لوجوهٍ واعتباراتٍ، على اختلافٍ بينهم في ذلك، وخالفهم غيرهم، كما ذكره الشوكاني في \"إرشاد الفحول\" (^١). وبعد أن شرح الخلاف والاحتجاج من الطرفين قال في آخره ما لفظه (^٢): \"وبالجملة فالكلام في هذا البحث يطول، وإنكارُ مجرد إدراك العقل لكون الفعل حسنًا أو قبيحًا مكابرةٌ ومباهتةٌ. [ص ٥] وأما إدراكُه لكونِ ذلك الفعل الحسن متعلقًا للثواب، وكونِ ذلك الفعل القبيح متعلقًا للعقاب= فغير مسلَّم. وغايةُ ما تُدرِكه العقول أن هذا الفعل الحسن يُمدَح فاعلُه، وهذا الفعل القبيح يُذَمُّ فاعلُه، ولا تلازُمَ بين هذا وبين كونِه متعلقًا للثواب والعقاب\".\nأقول: قوله: \"غير مسلَّم\" فيه نظر؛ لأنه إذا ثبتتْ معرفةُ الله تعالى بالفطرة والاستدلال، وثبتَ أن العقل يُدرِك حُسنَ العدل، فعندما يرى العاقل قصاصَ الله ﷾ بين بعض الخلائق في الدنيا وإملاءَه لبعضهم، يؤدِّيه نظرُه إلى أن بعد هذه الدار دارًا أخرى، يبعثُ الله بها الخلقَ ويقتصُّ من الظالم، ونحو هذا.\n_________\n(^١) (١/ ٧٨ وما بعدها).\n(^٢) (١/ ٨٣).","vol":"4","page":11},{"text":"ومع هذا فالذي أعتقده ما دلَّ عليه قولُه تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه: ١٣٤]، وقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، وقوله تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (١٣٠) ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٠ - ١٣١]. والآيات في هذا المعنى كثيرة.\nوهاهنا بحثٌ في حال الناس قبل بعثة محمد ﵌، هل تقوم ببعثة كلِّ رسولٍ الحجةُ على كل مَن بلغتْه دعوتُه ولو لم يكن مِن قومه الذين أُرسِل إليهم، أو لا تقوم الحجةُ إلّا على قومِه خاصةً؟ ولهذا البحث موضعٌ غير هذا. ومما يتعلق به قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (١٥٦)﴾، وقوله في المائدة: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا ...﴾ الآية [١٩].\nوعلى كل حالٍ فإن الله جلَّ ذِكرُه لم يكتفِ في إقامة الحجة وبيان التكاليف بمجرد الفطرة والعقل، أما فيما لا سبيلَ لهما إلى إدراكه كالصلاة والصيام فظاهر، وأما غيره فلكثرة العوارض والشواغل التي تُغيِّر الفطرة وتَشْغَل العقلَ، فاقتضت الإرادة الربانية الهداية والبيان، فاصطفى ﷾ مِن خلقه رُسُلًا يُنزل إليهم وحيَه، ويؤيِّدهم بآياته، ليذكِّروا الناسَ بآيات ربهم، [ويَلفِتوا أنظارهم إلى براهين توحيده]، ويدعوهم إليه،","vol":"4","page":12},{"text":"ويبلِّغوهم أوامرَه ونواهيَه. فأول الأنبياء آدم أبو البشر ﵇، [أسجد له ملائكته، وعلَّمه الأسماء، و] استخلفه في الأرض ليعمرها ويعلِّم أولاده. ثم لم تزل الرسلُ تترَى جيلًا بعدَ جيلٍ، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤) رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٦٣ - ١٦٥]. وقد قصَّ الله تعالى في القرآن قصص كثير من أنبيائه فيما جرى لهم مع أممهم، كما لا يخفى].\nثم إن الله ﷾ ختمهم بمحمدٍ ﵌، فأرسله للناس كافَّةً، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١]، وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٠].\n[ص ٦] فهو ﵌ خاتم النبيين، والمأخوذ عليهم","vol":"4","page":13},{"text":"وعلى أممهم الميثاقُ باتباعه، [قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٠]]. وقال تعالى في سورة آل عمران بعد ذكر الأنبياء: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٨٢) أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣) قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨٤) وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥) كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦)﴾.\nوقال تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (١٥٥) وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ","vol":"4","page":14},{"text":"يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧) قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٥ - ١٥٨].\nوقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٧) يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف: ٦ - ٩].\nوقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح: ٢٨].\n[ص ٧] ولو تركنا الأدلة السمعية جانبًا، وأَطلقَ الإنسانُ لعقله العِنان، وفَكَّه من القيود والأغلال، حتى يصير حرًّا ساذجًا، ثم استفتاه، لشهدَ أن هذه الشريعة التي جاء بها محمد ﵌ متكفِّلةٌ بمصالح الخلق كافَّةً، معاشًا ومعادًا، وأن صلاح العالم هو في الاجتماع لا في الافتراق، وأن الشرائع السابقة مع ما اعتراها من القواطع والموانع والتغيير والتبديل قد صارت مخالفةً للمصالح، فالحجة قائمة ولله الحمد.","vol":"4","page":15},{"text":"ولما كان محمد ﵌ خاتمًا للأنبياء، وكانت شريعتُه وارثةَ جميعِ الشرائع، والمعَدَّة لتدبير مصالح الناس كافةً في إبَّان رُقيِّهم وسُموّ مداركهم إلى نهاية عمر الدنيا= أمدَّه الله ﷾ بالكتاب الحكيم الذي قال تعالى فيه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨]، وقال تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [إبراهيم: ١]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: ٢٣].\n[ص ٨] وحضَّ ﷾ على العمل به في غيرِ ما آيةٍ، قال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥) أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (١٥٦) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٥ - ١٥٧].\nوقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشورى: ٥٢ - ٥٣].","vol":"4","page":16},{"text":"وجعله ﷾ عربيًّا، لأنه لسان العرب الذي بُعِث الرسول ﵌ بين أظهرهم (^١)، ولاسيَّما مع ما امتازت به لغة العرب من حسن البيان، فيكون بيان الشريعة أولًا بها، ثم بواسطتها يُفسَّر لأهل اللغات الأخرى، فيحصل المقصود من التبليغ والهداية. وقد قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [إبراهيم: ٤]. وقال تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف: ١ - ٣]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧) قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٢٧ - ٢٨]. وقال تعالى: ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [فصلت: ١ - ٤]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢) مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ (٤٣) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤١ - ٤٤]. وقال تعالى: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ\n_________\n(^١) كذا في النسخة، وفي المسودة: \"بين ظهرانيهم\".","vol":"4","page":17},{"text":"الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف: ١ - ٤].\nوإنما أتيتُ بهذه الآيات كلها هنا لما فيها من تعظيم شأن القرآن وتفخيمه، لأن ذلك هو المقصود بالذات.\n[ص ٩] وأمر ﷾ بكثرةِ تلاوته وتدبُّرِ آياته، قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]، وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]. وقال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الدخان: ٥٨]، وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧، ٢٢، ٣٢، ٤٠].\nولا ريبَ أن الله تعالى لم ينزل القرآن لمجرد التلاوة، وإنما أنزله هدًى للناس. ومَن حفظ القرآن ولم يتدبَّر معانيَه صدقَ عليه قولُه تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة: ٥]. ومَن عَلِمَه ولم يعملْ به صدقَ عليه قولُه تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦) سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٥ - ١٧٧].","vol":"4","page":18},{"text":"[ص ١٠] وأيَّد الله تعالى نبيَّه بالحكمة ليبيِّن للناس ما أُنزِل إليهم. قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية ما لفظه (^١): \"والرسول أنزل الله عليه الكتاب والحكمة، كما ذكر ذلك في غير موضع، وقد علَّم أمتَّه الكتابَ والحكمة، كما قال تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ١٢٩]. وكان يذكر في بيته الكتاب والحكمة، وأمر أزواج نبيِّه بذكر ذلك، فقال: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤]. فآيات الله هي القرآن، إذ كان نفس القرآن يدلُّ على أنه منزَّل من الله، فهو علامة ودلالة على مُنزلِه. والحكمة قال غير واحدٍ من السلف: هي السُّنَّة، وقال أيضًا طائفة كمالك وغيره: هي معرفة الدين والعمل به (^٢)، وقيل غير ذلك، وكلُّ ذلك حقٌّ، فهي تتضمَّنُ التمييزَ بين المأمور والمحظور، والحق والباطل، وتعليمَ الحقّ دون الباطل، وهذه السنة التي فُرِّق بها بين الحق والباطل، وبيَّنت الأعمال الحسنةَ من القبيحة، والخيرَ من الشرّ\" إلخ.\nوقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٦٤]. وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣]. وقال تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ\n_________\n(^١) في \"معارج الوصول\" ضمن \"مجموع الفتاوى\" (١٩/ ١٧٥).\n(^٢) انظر \"تفسير الطبري\" (٢/ ٥٧٦) وابن كثير (١/ ٦٤٥).","vol":"4","page":19},{"text":"عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٦ - ١٩].\nودلَّ الكتاب على أن جميع ما أتَى عن الرسول ﵌ حقٌّ يجب اتباعُه، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١]. وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء: ٨٠]. وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١].\nولما كان محمد ﵌ خاتم النبيين ورسولَ الله إلى الناس أجمعين، والكتاب الذي أُنزِل عليه خاتمَ الكتب، ودينُه الدينَ الذي لا يرضى الله تعالى غيرَه= دلَّ ذلك دلالةً قطعية أن كلَّ من جاء بعده إلى يوم القيامة مكلَّفٌ باتباعه. ومما يدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٩]. وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة: ٢ - ٤].\nبل في القرآن ما يكاد يكون خاصًّا بالقرون الأخيرة، وهو قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦)﴾، ثم","vol":"4","page":20},{"text":"أعقَبها ﷾ ببشارة عظيمة، وهي قوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الحديد: ١٦، ١٧].\n[ص ١١] ثم إن بقاء التكليف باتباع محمد ﵌، والعملَ بالكتاب والسنة إلى يوم القيامة، لما كان متوقفًا على بقاء الكتاب والسنة واللسان الذي وردا به، تكفَّل الله ﷾ بذلك. قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٧ - ١٩] ولا مانع من بقاء الجمع والبيان في هذه الآية على العموم.\nودخلَ في هذا التكفُّلِ السُّنَّةُ واللغةُ؛ لأنهما لازمانِ للحفظ والبيان، لأن المقصود بالحفظ والبيان هو قيام الحجة، ولا تقوم الحجة على مَن بلغه القرآنُ وهو لا يَعرِف منه شيئًا، ولا يتمكن من أن يعرف منه شيئًا. والمعرفةُ إنما تكون بمعرفة اللغة والسنة، فعُلِمَ أن مِن لازمِ التكفُّلِ بحفظِ القرآن وبيانه حِفْظَهما، ولا ريبَ أن الواقع كذلك ولله الحمدُ.\nأما حفظ القرآن فمعلوم، وهو المعجزة العظمى الدالة على صدق الرسول ﵌، وهي المعجزة التي لا تزال محفوظةً بحفظِه، وذلك أبلغُ في إقامة الحجة.\nوأما حفظ السُّنَّة، فإن أصحاب رسول الله ﵌ سمعوا منه وبلَّغوا مَن بعدَهم. ثم هيَّأ الله تعالى من اختاره من عباده لحفظها وجمعها وضبطها ونقدِ رواتها إلى غير ذلك، وها هي الآن بين أيدينا مبينةً ولله الحمد.","vol":"4","page":21},{"text":"وأما اللغة فقد كانت في القرن الأول لغةَ العرب عامةً، لا يحتاجون إلى تعلُّم شيء منها، وإنما نزل الكتاب وبُعِث الرسول بلُغتهم التي يَعرِفها صغيرهم وكبيرهم. فلما اختلطتْ بهم الأعاجم، وأوشكت اللغةُ أن تنهدم هيَّأ الله تعالى قومًا قاموا بحفظها وجمعها وضبطها وتدوينها، فاشتغل كل فريقٍ منهم بنوع منها، اعتنَوا به أحسنَ اعتناء، وذلك علم المفردات الذي خُصَّ باسم علم اللغة، وعلم الوضع، وعلم التصريف، وعلم النحو، وعلوم البلاغة، وعلم أصول الفقه، وغيرها. وها هي بين أيدينا ولله الحمد.\nوبحفظ الكتاب والسنة واللسان حصلَ حفظُ الدين، وقامت الحجة على العالمين، فإن الكتاب والسنة هما الأصلان اللذان ترجع إليهما الأحكام، إذ الإجماع والقياس ــ على عِلّاتهما ــ راجعانِ إليهما، إذ لابدَّ للأول من مستنَدٍ منهما، وللثاني من أصلٍ لذلك، مع أن الإجماعات التي قد اتفقت محفوظة بنقل العلماء، كما أنهم بينوا طرقَ القياس ووجوهَه، وإن كان حفظ الكتاب والسنة مُغنِيًا عن ذلك.\n* * * *","vol":"4","page":22},{"text":"فصل (^١)\nإنما يثبت الدليلُ إذا ثبتَ متنُه: إما قطعًا (^٢) كالقرآن ومتواتر السُّنَّة، وإما ظنًّا (^٣) كالصحيح والحسن من السُّنَّة. وإنما يثبتُ به الحكمُ إذا دلَّ عليه: إما قطعًا بأن لا يحتمل غيرَه، وإما ظنًّا بأن يحتمل غيرَه ولكن احتمالًا مرجوحًا. ويتحصلُ من هذا أن الأحكام على قسمين: قطعي كمدلول قطعيّ المتن قطعيّ الدلالة، وظني كمدلول ظنِّيهما أو ظنيِّ أحدهما وقطعيِّ الآخر إذا لم يتأيَّد بما يُبلِّغه درجةَ القطع، ولم يخالف بما يُبطِله أو يُضعِفه، فإن الأدلة فيها المنسوخ والناسخ، والمجمل والمبيَّن، والعام والمخصّص، والمطلق والمقيد، وغير ذلك مما محلُّ تفصيله أصول الفقه.\n* * * *\n_________\n(^١) كتب الشيخ هذا الفصل في المسودة كما يلي: (والدليل من حيث لفظه قطعي أو ظني، ومحتمل ومردود، وكلٌّ منها إما في المتن وإما في الدلالة. فقطعي المتن هو الكتاب وما تواتر من السنة، وقطعي الدلالة هو ما دلَّ على معنى لا يحتمل غيره. وظنّي المتن هو ما لم يتواتر لفظه من السنة وكان صحيحًا أو حسنًا، وظنّي الدلالة هو ما كان ظاهرًا في الدلالة على معنى ومحتملًا لغيره احتمالًا مرجوحًا. والمحتمل في المتن هو الحديث الضعيف، وفي الدلالة هو ما قابل الراجح في ظنّيها. والمردود في المتن هو الحديث الموضوع، وفي الدلالة ما لا يحتمل).\n(^٢) كذا في الأصل. وفي المسوَّدة: \"إما ثبوتًا قطعيًّا\".\n(^٣) في المسوّدة: \"وإما بغلبة الظن\".","vol":"4","page":23},{"text":"[ص ١٢] فصل\nإن قال قائل: وجوب العمل بالثابت ثبوتًا قطعيًا مسلَّمٌ، وأما الظني فلا، كيف وقد ذمَّ الله تعالى في كتابه الظنَّ في عدة آيات، منها قوله تعالى في الأنعام: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (١١٦)﴾، وقال تعالى فيها أيضًا: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨)﴾، وقال تعالى في سورة يونس: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [٣٦]، وقال تعالى فيها أيضًا: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٦٦)﴾، وقال تعالى في الجاثية: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٢٤)﴾، وقال تعالى في النجم: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (٢٣)﴾، وقال تعالى فيها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى (٢٧) وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (٢٨)﴾.","vol":"4","page":24},{"text":"وقبل الشروع في الجواب نُبيِّن حقيقة الظن، فنقول: لا يخفى أن حكم الذهن ينقسم إلى جازمٍ وغيره، فالجازم هو العلم والاعتقاد، وغيرُ الجازم إما أن يترجح أحد الطرفين: فالراجح الظنُّ، والمرجوح الوهمُ، وإما أن يتساويا وهو الشكُّ.\nوقد يُطلق العلم على الظن مجازًا، والعلاقةُ المجاوَرةُ في الذهن، كما يُطلق الظنُّ على العلم، كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦]، وعلى الشكّ، وعلى الوهم.\n[ص ١٣] ثم اعلم أن الظنّ الذي يُعتبر حجةً شرعيةً هو حكم الذهن الراجح، وله شروط:\nمنها: أن لا يعارضه دليلٌ آخر يُبطِله أو يُضعِفه، إذا كان هذا المعارض ظاهرًا في نفسه، بحيث يُعَدُّ الشخصُ مقصِّرًا في عدم التنبُّه له والبحث عنه.\nومنها: أن يكون عن دليل. فلو فُرِض أن شخصًا وقعَ في ذهنه ترجيحُ حكم من غير أن يستند إلى دليلٍ لم يكن حجةً، وشرطُ الدليل أن يكون مما يُحصِّل مثلُه الظنَّ، فلو وقع في ذهن أحدٍ ترجيحُ حكمٍ لحديث ضعيف لم يكن حجةً. ومن الدليل الضعيف: التقليد، قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة: ٧٨].\nقيل: ومنها ــ أي الشروط ــ: أن يكون في غير أصول الدين، فلا يكفي فيها إلّا القطعُ. إلى غير ذلك.\nإذا تقرر هذا فالجواب عن الآيات السابقة بطريقين: إجمالي وتفصيلي.\nأما الإجمالي فنقول: إن (الظنّ) قد يُستعمل لمجرد الوهم، كما في","vol":"4","page":25},{"text":"قوله تعالى في الحجرات: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [١٢]، وفي الحديث: \"إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث\" (^١). وعليه فتلك الظنون التي نعاها الله تعالى جلُّها أو كلُّها مجردُ أوهامٍ ضعيفة يبعدُ أن تكون راجحةً في ذهنِ عاقلٍ، ولذلك فسَّرها الله تعالى في الآية الأولى والثانية والرابعة بالخرص، والخرص يُطلق على الكذب وعلى الحَزْر والتخمين. وقال في الآية السادسة: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ٢٣]، فعطْفُ الهوى على الظنّ يدلُّ أن المراد به مجرد وهمٍ وخيالٍ وسوسَ لهم به الشيطانُ، وقلَّدوا آباءهم فيه، وشقَّ عليهم مخالفةُ آبائهم، وتكبَّروا عن الرجوع إلى الحق بعد أن كذَّبوه، إلى غير ذلك. ويُبيِّنه قوله بعد ذلك: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾، وذلك أن الذي جاءهم من ربهم هو بيان الحجج القواطع والبراهين الجلية التي تُبطِل ذلك الظنَّ، وقد بُيِّنتْ لهم أوضحَ بيانٍ حتى فهموها وعرفوها، فلم يبقَ مجالٌ لأن تكون أذهانُهم مرجِّحةً لما يخالفها، إذ لا يتصور أن يجتمع العلم والظنّ بشيء واحد في ذهن واحد باعتبارٍ واحد، فتعيَّن أن يكون المراد بالظنّ في الآية مجردَ الوهم الفاسد.\nونحو هذا يقال في بقية الآيات، فإن الكون مشحونٌ بالأدلة والبراهين من آيات الآفاق والأنفس، ومن بيان الرسل والكتب، فإن فُرِض أن بعض الأشخاص قصَّر عن البحث والتنبُّهِ لتلك البراهين ولم ينبَّه عليها، فإن الظنّ حينئذٍ يكون على بابه، لأنه يصدُق عليه بالنظر إلى ذلك الشخص أنه حكمُ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٠٦٤) ومسلم (٢٥٦٣) من حديث أبي هريرة.","vol":"4","page":26},{"text":"الذهنِ الراجح، ولكن يكون باطلًا لمعارضته للقواطع التي قصَّر الشخص عن البحث عنها، مع كونه في أصول الدين التي لا يفيد فيها الظنُّ، على ما مرَّ.\nوتفصيلًا بأن يقال:\nأما الآية الأولى ــ وهي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ﴾ ــ فإنه من المشاهَد أن أكثر الديانات التي على وجه الأرض ما عدا الإسلام كلّها مبنيةٌ على أوهام وخرافات لا يُتصوَّر أن تترجَّح في ذهن عاقل، ولذلك فسَّره تعالى بالخرص.\nوأما الآية الثانية ــ وهي قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ ــ فالقوم حاولوا أن يغالطوا بذلك مدَّعين أن الله تعالى راضٍ باتخاذهم شفعاءَ، يشفعون لهم إليه، ويُقرِّبونهم إليه زُلفى، كما حكى تعالى عنهم في الآية الأخرى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ [الأعراف: ٢٨]، وهذه دعوى باطلة، لقيام القواطع على إبطالها، وكفَى بدعوة الرسول المؤيَّد بالمعجزات. ولذلك قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾.\n[ص ١٤] ويُوضِّح ذلك أن الله تعالى حكى عنهم في سورة الزخرف قولهم، كما أخبر في هذه الآية أنهم سيقولونه، فقال: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾، قال تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٢٠) أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١) بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا","vol":"4","page":27},{"text":"عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢)﴾. فالقوم لما قامت عليهم الحجة والبراهين المبطلة لدعواهم تعلَّقوا بآخرِ سهم مما كانوا يلجأون إليه، وهو قولهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا ...﴾ إلخ. قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ [الزخرف: ٢٣ - ٢٤] أي أتتمسَّكون بعادة آبائكم ولو جئتكم بأهدى منه؟ أي بما هو الهدى الحقيقي، فإن ما كان عليه آباؤهم لم يكن له حظٌّ من الهدى، وإنما ورد على سبيل التنزل لإلزام الحجة، إشارةً إلى أنه لو فُرض أن آباءهم كانوا على هدى، ولكن جاء بعد ذلك ما هو أهدى، لزمَهم اتباعُه، فكيف وآباؤهم على ضلال مبين؟ ! كما قال تعالى في البقرة: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠)﴾، وفي المائدة: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٠٤)﴾، وفي لقمان: ﴿أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٢١)﴾.\nوقد قامت الدلائل القاطعة على ضلال آبائهم وهُدَى ما جاءهم به الرسول، فلما فلتَتْ من أيديهم كلُّ شبهة، ولم يبقَ لهم أدنى شيء يتعلقون به، رجعوا إلى العناد المحض، كما حكى تعالى عنهم بقوله: ﴿قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾، ولذلك أعقبها تعالى بقوله: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [الزخرف: ٢٤ - ٢٥].\nوأما الآية الثالثة ــ وهي قوله تعالى: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ ــ فهي في المشركين أيضًا، وذلك أنهم عارفون مقرُّون أن الله تعالى هو الذي يرزق من السماء والأرض، ويملك السمع والأبصار،","vol":"4","page":28},{"text":"ويُخرِج الحيَّ من الميت ويُخرِج الميت من الحي، ويُدبِّر الأمر، إلى غير ذلك مما تضمنته الآيات قبلها. فهم مع اعترافهم بذلك وغيره يزعمون أن الله تعالى راضٍ لهم بأن يتخذوا أوثانهم شفعاء، يشفعون لهم إليه، ويُقرِّبُونهم إليه زلفى، وهي دعوى باطلة وخيال فاسد، فإذا صدمَتْهم الحجة فرُّوا إلى التقليد، كما مرَّ بيانه، ونحوه الآية الرابعة (^١).\nوأما الآية الخامسة (^٢) ــ وهي قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ الآية ــ فإن آيات الآفاق والأنفس وبيان الرسل المؤيَّدين بالمعجزات مُبطِلة لما قالوه، بحيث لا يبقى مجالٌ لأن تُرجِّحه أذهانهم.\nوأما الآية السادسة ــ وهي قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) ...﴾ الآيات ــ فالأمر فيها واضح، فإن قولهم: إن تلك الأوثان بنات الله ــ تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا ــ من أبطل الباطل وأمحل المحال، وإنما كان القوم متهوِّرين متهوِّسين لا يبالون بما قالوا، فكلُّ ما نفثَه الشيطان في نفوسهم تبعوه بلا حياء ولا خجل، نعوذ بالله من الخذلان. هذا مع أن الرسول المؤيَّد بالمعجزات بين أظهُرِهم، والبراهين قائمة، فلا يشك أحدٌ أن الظنّ في هذه الآية هو مجرد الوهم الفاسد، بل الخرص الكاذب، بل البهتان العظيم.\nوأما الآية السابعة ــ وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى (٢٧) ...﴾ ــ فالأمر فيها أيضًا واضح؛ لأن الملائكة ﵈ غيب عن كل أحد، فلم يكن هناك سبيل إلى ترجيح أنوثتهم، بل\n_________\n(^١) في الأصل: \"الثالثة\". ولعل الصواب ما أثبتناه، فإنه لم يتكلم على الآية الرابعة.\n(^٢) في الأصل: \"الرابعة\"، وهي الخامسة في ترتيب الآيات التي سبق ذكرها.","vol":"4","page":29},{"text":"العكس أقرب، لأن المشركين كانوا يعلمون أن الذكر أشرف من الأنثى، ويُقرون بأن الله تعالى هو الخالق الرازق المدبِّر للأمر، إلى غير ذلك، فكان اللائق بأذهانهم ترجيحُ ذكورةِ الملائكة، ولذلك وبَّخَهم الله تعالى في سورة الزخرف بقوله: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾ الآيات [الزخرف: ١٧ - ١٩].\n[ص ١٥] فإن قيل: بقي عليك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾، فإنها جملة مستقلة مُبطِلةٌ لمطلق الظن.\nفالجواب أن يقال: هي وإن كانت جملة مستقلة، فهي مَسُوقة لإبطال ظنهم الذي هو مجرد الوهم والتخرُّص والتقليد، فتعيَّن حملُ الظنّ فيها على ذلك لتحصُلَ المطابقة، وقد عُلِم مما سبقَ أن ظنهم إنما كان مجردَ وهَم باطل، وهذا واضح ولاسيَّما في آية النجم.\n\nومع هذا كله فلو فُرِض أن في هذه الآيات أو غيرها دليلًا على عدم حجية الظن الذي هو حكم الذهن الراجح، فغاية ما هناك أن يكون دليلًا عامًّا في ذلك قابلًا للتخصيص، وحينئذٍ فيكون مخصَّصًا ب<span data-type=\"title\" id=toc-42>الأدلة الموجبة العملَ بالظن بشرطه</span>، وهي كثيرة.\nأولها: أن يقال: إن أدلة الأحكام أكثرها ظنية، كما يعلمه من كانت له أدنى مُسْكةٍ، فلو لم يتعيَّن العمل بالظن بشرطه لكانت أكثر الأحكام مهملةً أو مجملة، أي أن ما لم يثبت متنُ دليله ثبوتًا قطعيًا يبقى مهملًا، وما ثبت متنُ دليله ثبوتًا قطعيًا ولم يدلَّ دلالة قطعية يبقى مجملًا. وهذا باطلٌ لما لا يُحصَى من الأدلة:","vol":"4","page":30},{"text":"أولًا: لما فيه من تأخُّر البيان عن وقت الحاجة مع عموم التكليف، وهو ﷾ يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، و﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧].\nوثانيًا: لقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾، أي مما يحتاج إليه الناس في أمر الشريعة ويسألون عنه، بدليل قوله تعالى قبلها: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ﴾ [النحل: ٨٩]. فهذه الآية دلَّت على عدم الإهمال والإجمال. ومما بيَّنه القرآن وجوب طاعة الرسول واتباعه، فكمل واتضح البيان بالكتاب العزيز وبسنة محمد ﵌، ولذلك أنزل تعالى قُبيلَ وفاة رسوله - ﷺ -: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، فدلت هذه الآية على الإكمال الذي هو عدم الإهمال والإجمال، وعلى إتمام النعمة الذي من جملته ذلك، وكلاهما متوقف على كون العمل بالظن بشرطه حجةً.\nومن أدلة العمل بالظن قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: ٥٥]، وقال تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨]. إن اللفظ إذا احتمل معنيين، ولكنه ظاهر راجح في أحدهما، فلا شك أن الظاهر الراجح أحسن من الخفي المرجوح.\nومن الظني خبر الواحد، وقد دلَّ القرآن على قبوله، قال تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف: ١٠]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ","vol":"4","page":31},{"text":"آمَنُوا إِنْ (^١) جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]، ومفهومه أن خبر العدل يُعمل به مطلقًا. وقد تواتر أن النبي ﵌ كان يُرسِل الآحادَ إلى الملوك والجهات والقبائل، ويكتفي بذلك في إقامة الحجة وتبليغ الأحكام. كما أجمع الصحابة على الاحتجاج باللفظ في المعنى الراجح منه.\nوالأدلة في هذا كثيرة، نعم ما خصَّصه الدليل فله حكمه، كاشتراط أربعة شهود على الزنا، وغير ذلك.\n* * * *\n_________\n(^١) في الأصل: \"إذا\" سبق قلم.","vol":"4","page":32},{"text":"[فصل] (^١)\nالحمد لله، إن الله ﷾ لما خلق آدم أخرج له ذريته، وركَّب فيهم العقول، ثم أخذ عليهم الميثاق، ثم أبرزهم إلى الدنيا على الفطرة وهي الإسلام، أي أن الله ﷾ جعل في فطرته معرفتَه والإقرار به ومحبته والخضوع له، كما حققه ابن القيم في \"شفاء العليل\" (^٢)، قال: وإن ذلك موجب فطرتهم ومقتضاها، يجب حصوله فيها، وإن لم يحصل ما يُعارضه ويقتضي حصول ضدّه، وأن حصول ذلك فيها لا يقف على وجود شرط، بل على انتفاء المانع، فإذا لم يوجد فهو لوجود مُنافيه، لا لعدم مقتضيه ... إلخ.\nوأمدَّهم ﷾ بآلات تُوصِلهم إلى المطلوب منهم من السمع والأبصار والأفئدة، وغير ذلك من الحواس الظاهرة والباطنة، ثم جعل جميع مخلوقاته المحسوسة لهم في الآفاق والأنفس آياتٍ دالةً على وجوده وقدرته وإرادته وعلمه وكماله، وأنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.\nثم أرسل إلى كل قوم رسولًا بلسانهم، وأيَّده بمعجزات تُوجب اليقين بصدقه، يُذكِّرهم ذلك الميثاق وتلك الفطرة، ويرشدهم. وشرع لهم على لسانه شريعة عادلة قويمة موافقة للفِطَر السليمة والعقول المستقيمة، وداعية إلى ما ينفعهم في الدنيا والآخرة.\nثم ختم هؤلاء الأنبياء بمحمد - ﵌ -، أرسله إلى الخلق كافّةً، وفي\n_________\n(^١) هذا الفصل موجود في المسودة، ولا يوجد في نسخة الأصل.\n(^٢) سبقت الإحالة إليه (ص ٩).","vol":"4","page":33},{"text":"مقدمتهم قومه الذين بُعِث من أنفسهم وبلسانهم، وأنزل عليه الكتاب الحكيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد. وأمدَّه مع ذلك بالسنة بيانًا للقرآن وإيضاحًا له، واختار له أصحابًا أُمناء هُدَاةً أبرارًا، حفظ الله بهم كتابه وسنة نبيّه.\nفكان هو - ﵌ - يتلقّى الأحكام عن ربه بواسطة الوحي، فإذا نزلت النازلة وكان عنده وحيٌ سابقٌ من القرآن أو من غيره ظاهرٌ في حكمها قال به، وإلا فإن رأى مجالًا للاجتهاد اجتهد، واجتهاده حقٌّ لعصمته، فإن فُرِض وقوعُ شِبْه خطأٍ منه نُبِّه عليه فورًا، ولا يُقَرُّ إلا على الحق، وإلّا انتظر الوحي.\nوأما أصحابه فكانوا في حياته - ﵌ - يتلقَّون عنه كتاب الله تعالى، ويتعلمون سنته مباشرةً أو بواسطة، فإذا نزلت بأحدهم نازلة فإن كان عنده شيء من القرآن أو السنة ظاهر في الدلالة عليها عمل به، وإلَّا فإن كان حاضرًا سأل النبي - ﵌ - مباشرةً أو بواسطة، وإلّا فإن رأى مجالًا للاجتهاد اجتهد، وإلّا توقف، كما يدل عليه قصة معاذ حين أرسله - ﵌ - إلى اليمن.\nوأما الأعراب ونحوهم كأهل اليمن ممن أسلم ولم يصحب رسول الله - ﵌ - فكانوا يكتفون بمن يصل إليهم من الصحابة يستفتونه عما ينزل بهم، فيذكر لهم الآية من كتاب الله أو الخبر عن الرسول - ﵌ - فيما يتعلق بقضيتهم. وكان أحدهم يعمل ويفتي ويقضي بالآية أو الخبر مع بُعدِه عن رسول الله - ﵌ - واحتمال أنه قد تجدد ما يخالفه، حتى إذا بلغهم ذلك انتقلوا إليه، كما فعل أهل مسجد قباء عندما أُخبِروا بتحوُّل القبلة.\nفلما تمَّ نزول القرآن وبيانه من السنة بما يكفي الأمَّة الكفايةَ التامة في جميع ما يَعرِض لها وينزِل بها إلى يوم القيامة آذنَهم الله تعالى بذلك بقوله","vol":"4","page":34},{"text":"جلّ ذكره: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].\nثم توفي رسوله - ﵌ - وكان أصحابه ﵃ إذا نزلت بأحدهم النازلة فإن كان عنده فيها شيء من الكتاب أو السنة واضح الدلالة قال به، وإلّا سأل من تيسَّر من بقية الصحابة، فإن وجد عند أحدهم ذلك قال به، وإلّا اجتهدوا في ذلك وعملوا بما ترجَّح لهم، وقد يتفق اجتهادهم وقد يختلف بحسب اختلاف الأنظار. وقد يعمل أحدهم بما يظهر له زمانًا ثم يبلغه أو يتبيَّن له ما يخالف ذلك فيرجع إليه.\nوكان صغار الصحابة والتابعون على قسمين:\nمنهم مَن تكلَّم وتلقَّى كثيرًا من كتاب الله تعالى وسنة رسوله، فإذا نزلت به نازلة نظر فيما عنده من الكتاب والسنة، فإن رأى فيه دليلًا في نازلته عمل به، وإلّا سأل من وجده من كبار الصحابة وغيرهم، فإن وجد فذاك، وإلا اجتهد.\n[ومنهم] من لم يتفق له ذلك، كالأعراب ونحوهم، فكان شأن هؤلاء إذا نزلت بأحدهم النازلةُ ذهب إلى من يجده من علماء الصحابة والتابعين، فذكر له نازلته، فيذكر له المسؤول آية من كتاب الله تعالى أو حديثًا عن رسوله - ﵌ - يبيّن الحكم في نازلته، فيذهب السائل فيعمل بذلك ويرويه لغيره.\nوكان التابعون وتابعوهم غالبًا على العربية الخالصة، حاصلةً لهم مقاصدُ جميع العلوم المتعلقة بها من لغة ونحو وتصريف ومعانٍ وبيان، بل غالب مقاصد علم أصول الفقه، فكان الأعرابي إذا سأل العالمَ، فتلا عليه آية","vol":"4","page":35},{"text":"من كتاب الله تعالى، أو روى له حديثًا عن رسوله - ﵌ - = فهم المراد منه غالبًا. وإلّا كأن كان أعرابيًّا بَحْتًا، وفي الآية أو الحديث ألفاظ خصَّها الشارع بمعانٍ شرعية، أو كان أعجميًّا لا يعرف [لغة] العرب، فإنه يستفسر المفتي عن معنى الآية أو الحديث، فيفسِّره له، إمّا بأن يخبره أن هذا اللفظ خصَّه الشارع لهذا المعنى، ويروي له في ذلك ما يدلُّ على ما قاله، وإما أن يخبره أن معناه في لغة العرب كذا بطريق الترجمة. والمفتي في جميع ذلك راوٍ لا غير.\nومن هذا يظهر لك أن عوامَّ ذلك القرن كانوا في حكم المجتهدين، إلّا أن الإنسان كان يعمل بما أُفتي به، أو أخبره غيره أنه أُفتي به مع رواية الدليل، بدون أن يكتب معه جميع كتاب الله تعالى ولا الكثير من السنة، ولا يعلم الناسخ والمنسوخ، فكان يكتفي أحدهم بإخبار العالم أن هذا الدليل لا يعلم له ناسخًا ولا معارضًا، ولا مخصِّصًا ولا مقيِّدًا، ولا يشترط أن يكون الخبر بذلك لفظًا، بل يكفي فيه عدم ذكر المفتي لشيء من ذلك. وحينئذٍ فهل يقال: إن المستفتي بالنسبة إلى هذه الأمور مقلِّد أُبيح له التقليد للضرورة أو لا؟ الظاهر الثاني، ويكون قول المجتهد له ذلك بمنزلة بحثه ومراجعته، فإن ذلك أقصى جهده، ولكنه لا يجوز له الاستناد إلى مجرد قول آخر في دليل: إنه لا يعلم، بل يجب عليه البحث لقدرته.\nبل كان أحدهم إذا بلغه ولو بغير إفتاءٍ دليلٌ يدلُّ على حكم لم يتوقف عن العمل به، ولا يخلو أن يجيبه العالم بدليل يمكن أن يفهمه أو لا، وعلى الأول فإن قال له العالم: ولا أعلم ما يخالف هذا الدليل= فقد مرَّ حكمه، وإلّا فكما لو بلغه الدليل من غير مفتٍ، وقد مرَّ حكمه أيضًا. وعلى الثاني","vol":"4","page":36},{"text":"فإنه يجزئه قول العالم: هذه الأدلة تفيد هذا الحكم، ولا أعلم ما يخالف ذلك. وهل قبول العاميّ لذلك تقليد أُبيح للضروة أو لا؟ الظاهر الثاني، ويكون قول العالم \"هذه الأدلة تفيد هذا الحكم\" كافيًا في حقّه، لأنه في معنى الرواية بالمعنى. وقوله: \"ولا أعلم ما يخالف ذلك\" بعد البحث بمنزلة بحثه ومراجعته، لأن ذلك جهد استطاعته.\nوالحاصل أن العالم في تلك العصور كان يعمل ويقضي ويفتي ويروي ما بلغه ما لم يطلع على ما يخالفه، وكذلك العامي، والعالم كان يجتهد له ولغيره، بأن يراجع مظانّ الأدلة في صدور الرجال أو الكتب، ويدقّق النظر، فإن وجد دليلًا ظاهرًا لا يعلم له مخالفًا قال به، وإلّا اجتهد، بمثابة وجود العالم له. وكذلك العامي، فإن سؤاله للعالم عن حكم قضية لنفسه أو لغيره هو كمراجعة العالم للماهر، وذكْرِ العالم له الدليلَ الذي لا يعلم له مخالفًا. والعالم يراجع علماء اللغة فيما خفي عليه، فكذلك العامي في استفهامه للعالم. وكما قيل في العالم عند التعارض وعدم الترجيح قيل في العامي عند تعارض المفتين، وكما أن العالم إذا لم يؤدِّه اجتهاده إلى ترجيح شيء توقّف، فعلى نحو ذلك العامي.\nوقد كان هذا يقع من الصحابة في حياته - ﵌ - ومع القرب منه، ولم ينكره ولا قال: إذا فهمتم فهمًا في كتاب الله تعالى أو بلغكم عني حديث فلا تعملوا به حتى تراجعوني، بل قد بقي بعضهم يعمل بما نُسِخ بقيةَ حياة النبي - ﵌ - وبعد وفاته، حتى بلغه الناسخ بعد ذلك، وربما مات قبل أن يبلغه.\nثم كان صغار التابعين مع كبارهم على هذا النحو، يجيء العامي فيسأل من لقيه من العلماء عن مسألة، فيتلو عليه الآية أو يروي له الحديث ويُفهِمه","vol":"4","page":37},{"text":"معناه إن لم يفهمه، فيذهب فيعمل به، ويرويه لغيره فيعمل به ذلك الغير بدون توقف، وهكذا. مع أن العوامّ حٍ (^١) قد ضعُفتْ عربيتهم، بل الكثير منهم من الموالي الأعاجم، فقد صاروا قريبًا من عامة زماننا في انتفاء جميع شروط الاجتهاد.\nثم تابِعو التابعين ثم تابعوهم على هذا المنوال، فكان العامي يجيء إلى العالم كأحد الأئمة الأربعة، فيسأله عن مسألة، فيذكر له آية أو يروي له حديثًا بما يدل على الحكم في مسألته، ولا يزيده على ذلك، فيذهب السائل فيعمل بذلك ويرويه لغيره، وهكذا على نحو ما مرَّ.\nوفصل الخطاب فيما ذُكر أن أهل تلك القرون على قسمين: عامي وعالم، والنوازل قسمان: متعلق بالنفس ومتعلق بالغير، والأحكام على وجهين: ما وُجد فيه دليل ظاهر وغيره. فالصور ثماني:\n(١ - ٢) عالم ونازلة تتعلق به، ووجد لها دليلًا ظاهرًا، أو لا.\n(٣ - ٤) أو تتعلق بغيره، ووجد لها دليلًا ظاهرًا، أو لا.\n(٥ - ٦) عامي ونازلة تتعلق به، ووجد لها دليلًا ظاهرًا، أو لا.\n(٧ - ٨) أو تتعلق بغيره، ووجد لها دليلًا ظاهرًا، أو لا.\nفالأولى حكمها ظاهر، بأن يعمل بما دل عليه الأصل.\nوكذلك الثالثة، فيقضي بمقتضى ذلك الدليل أو يذكره للمستفتي، ويُفهِمه إن احتاج، فيعمل به.\n_________\n(^١) أي: حينئذ.","vol":"4","page":38},{"text":"وقريب من هذا الخامسة والسابعة. كان العامي في تلك العصور يعمل بما يبين له فهمه من الأدلة بدون توقف، ويرويه لغيره فيعمل به ذلك الغير بدون توقف.\nوأما الصورة الثانية فكان النبي - ﵌ - على ما سبق من التفصيل إن رأى مجالًا للاجتهاد اجتهد، وإلَّا انتظر الوحي، لأن الأدلة لم تكن قد أكملت. وأما أصحابه القريبون منه فيردُّون الأمر إليه، فيخبرهم أو يجتهد لهم أو ينتظر الوحي. وأما غيرهم فإن كانت النازلة تستدعي بيان الحكم حالًا تعين الاجتهاد، وإلّا فلا. وذلك لمن كان من الصحابة بعيدًا عن النبي - ﵌ - أو بعد وفاته، أو من علماء التابعين، وهكذا. فإن أداه اجتهاده إلى شيء فيها وإلَّا توقَّف.\nوأما الصورة الرابعة فقد مضى بيانها في حق النبي - ﵌ -، وأما أصحابه فمن كان قريبًا منه - ﵌ - أحال الأمر إليه، وأما غيرهم فإما أن لا يوجد في الجهة عالم غيره أو يوجد، وعلى كلٍّ إما أن تكون تلك النازلة تحتاج إلى البيان حالًا أو لا، فإن لم يوجد في الجهة غيره كمعاذ حين بعثه إلى اليمن وكانت النازلة تحتاج إلى البيان حالًا تعيَّن الاجتهاد، وإلّا فلا، بل هو جائز، ومن اجتهد فلم يظهر له شيء توقَّف.\nوأما السادسة فإن كانت النازلة تستدعي بيان حكمها حالًا تعيَّن عليه استفتاء عالمٍ، وإلَّا فلا.\nوأما الثامنة فلا يلزمه شيء مطلقًا، غير أنه لا يمتنع أن يستفتي عالمًا ثم يروي لصاحبه.","vol":"4","page":39},{"text":"فصل\n[ص ١٦] قد تبيَّن من هذه المقدمة قيام حجة الله تعالى على كلِّ إنسان، أولًا من حيث الخِلقة، وثانيًا من حيث الفطرة، وثالثًا من حيث الدعوة. وتَبيَّن لك أيضًا قيامها علينا كقيامها على أهل القرن الأول؛ لأن الكتاب والسنة محفوظان بين أيدينا، والمعجزة قائمة، واللغة معروفة. [أما القرآن فبالتواتر القطعي، وأما السنة فبالنقل الذي تقوم به الحجة، وكذلك ما يتوقف فهم الكتاب والسنة عليه من علوم اللغة فإنها مدوّنة] (^١).\nوقد ضرب الله تعالى في القرآن من كل مثل، وضمَّنه أكملَ الهدى، ولاسيما في الدعوة إلى توحيده ومعرفته وإخلاص العبادة له، وأرشدَ فيه إلى التفكر في آيات الآفاق والأنفس، وهذا هو متعلَّق الاعتقاد، وبه تتعلق المسألة الثالثة، وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى.\nوقد جاء فيه وفي السُّنَّة تفصيلُ أحكام الشريعة المتكفلة بمصالح العباد إلى يوم القيامة، بحيث لا يحتاجون إلى إحداثِ شيء، فمهما أحدثوه في الدين مما لا يوافق الكتاب والسنة فهو بدعةُ ضلالةٍ، مخالِفةٌ للمصلحة في الحقيقة. وهذا متعلَّق المسألة الثانية، وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى.\nولما كان معرفة الدليل من الكتاب والسنة متوقِّفًا على العلم بهما، لجواز أن يكون له ناسخ أو معارِض أو مخصِّص أو مقيِّد أو مبيِّن أو صارفٌ عن ظاهره، وعلى معرفة علوم اللغة، إذ لا يحصُلُ الوثوق بالفهم إلّا بعد معرفتها كما لا يخفى= وجبَ أحدُ أمرين:\n_________\n(^١) ما بين المعكوفتين من المسوّدة.","vol":"4","page":40},{"text":"الأول: أن تكون معرفةُ ذلك فرضَ عينٍ على كلِّ مكلَّفٍ، لأن ما لا يتمُّ الواجب إلّا به فهو واجب.\nالثاني: أن تكون فرضَ كفاية، وعليه فما هو فرضُ القاصرِ؟ أتقليدُ أحد المجتهدين أم غيرُه؟ ومن هنا ينشأ الكلام على المسألة الأولى، وهي الاجتهاد والتقليد. وقد آنَ الشروعُ فيها، وبالله تعالى نستعين.\nوطريقتي في بيان هذه المسائل ذِكْرُ حججِ الفريقين غالبًا، قائلًا في المسألة الأولى: \"قال المقلِّدون\"، \"قال المانعون\"، وفي ما بعدَها: \"قال المجيزون\"، \"قال المانعون\"، كما ستراه إن شاء الله تعالى. ليطلع القارئ على ما أدلى به الفريقان، فيتيسَّر له الحكم بينهما، إلى غير ذلك من الفوائد.\nوالأحاديث التي أذكرها فيها على ثلاثة أقسام:\nالأول: المنصوص على صحتها.\nالثاني: ورد على سبيل الشرح لبعض الأدلة الصحيحة، لكونه أقربَ إلى الفهم منها، وقد لا يكون متنُه معلومَ الصحة.\nالثالث: ما أحكيه عن استدلال بعض الناس به، وأبيِّن حكمه إن شاء الله تعالى.","vol":"4","page":41},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>المسألة الأولى\nالاجتهاد والتقليد</span>\n* فصل: سؤال المجتهد\n* فصل (في منع التقليد)\n* فصل (نهي الأئمة عن التقليد)\n* فصل (مناقشة مع المقلدين)\n* فصل (الجواب عن اعتراضات المقلدين)\n* فصل (باب العمل بالدليل مفتوح بالاتفاق)","vol":"4","page":43},{"text":"المسألة الأولى\n[ص ٥٤] الاجتهاد والتقليد\nاعلم أن تحصيل العلم مراتب:\n\nأولاها: تحصيل علوم اللسان العربي، وهذا على درجتين:\nالأولى: ما هو فرض عين، قال الإمام الشافعي (^١): \"يجب على كل مسلمٍ أن يتعلَّم من لسان العرب ما يبلغه جهده في أداء فرضه\". قال الماوردي (^٢): \"ومعرفة لسان العرب فرض [على] كل مسلم من مجتهدٍ وغيره\". وحدُّه أن يكون بحيث إذا تُلِيتْ عليه الآية من القرآن أو ذُكِر له الحديث من السُّنَّة، وفُسِّر له غريبُ الألفاظ، ونُبِّه على وجه الدلالة= فهِمَها.\nالدرجة الثانية: ما هو من فروض الكفاية، وهو أن تصير له في علوم اللسان ملكة قوية، بحيث يُوثَق بفهمه للكلام العربي من كتاب الله تعالى وسنة رسوله وكلام الأئمة، ويغلب على الظن إصابتُه ولو بمراجعة الكتب. فإذا بلغ ذلك تأهّل لتحصيل المرتبة الثانية:\n\n[وهي] العلم بأصول الفقه. وغالبُ مسائل أصول الفقه مبنية على اللغة، ومنها ما هو مبني على العقل، ومنها ما هو مبني على السمع. وينبغي في تحصيل ذلك أن ينظر في كل مسألةٍ النظرَ الذي يحصل به العلم المطلوب فيها. فإن كانت المسألة لغوية أو عقلية لم يحتج إلى شيء آخر، إذ هو عاقل\n_________\n(^١) \"الرسالة\" (ص ٤٨). والمؤلف صادر عن \"الحاوي\" للماوردي (١٦/ ١٢٠) ط. دار الكتب العلمية.\n(^٢) المصدر السابق. ومنه الزيادة بين المعكوفتين.","vol":"4","page":45},{"text":"وعالم باللسان.\nوأما ما كان منها مبنيًّا على السمع فلا يمكنه تحصيلُ العلم المطلوب فيها إلا بتحصيل المرتبة الثالثة، ولكنه ينبغي له النظر فيها بقدر جهده، ينظر الأدلة التي ذكرها العلماء فيها ما أمكنه من غيرها. ومن أصول الفقه علم مصطلح الحديث، فيجب تحصيله معه. فإذا أتقن ذلك بحيث يُوثَق باستنباطه، ويغلب على الظن عدمُ خطئه ولو بمراجعة الكتب، تأهَّل للمرتبة الثالثة:\nوهي العلم بكتاب الله تعالى وسنة رسولِه، بأن يُمارِس كتابَ الله تعالى بكثرة التلاوة والتدبر والتفكر، ويُمارِس كتب السنة بالقراءة وتأمّل المعاني وتعرُّف مواقع الأبواب، حتى يصير بحيث يغلب على الظن أنه إذا أمعن النظر في مسألة فتذكَّر كتاب الله تعالى وتصفَّح كتب السنة، لم يعزُب عنه ما فيها من الدلائل الظاهرة على مسألته، ولا يشتبه عليه ما يُحتَجُّ به من غيره، ولا الناسخ بالمنسوخ، ولا الراجح بالمرجوح، ولا ما يحتج به من الأحاديث بغيره.\nوإذا حصَّل ذلك فليبدأ بتكميل النظر في مسائل أصول الفقه التي تتوقف على السمع، حتى يستتبَّ له العلم بأصول الفقه، وهذا هو المجتهد. والحق أنه إذا حصَّلَ المرتبتين الأُولَيينِ تعيَّن عليه تحصيل الثالثة. ويكفيه من السنة أن تكون لديه كتبها المتداولة بين الناس، كالأمهات الست وغيرها من المسانيد والمجاميع، ولاسيَّما مع شروحها، فإن الشُّراح يتعرضون في كل باب لذكر ما فيه من الأدلة من الكتب العزيزة. ولا يلزمه جَمْع كتب السنة كلها، لأن أئمة السلف كانوا يجتهدون ويفتون [ص ٥٥] مع علمهم بأنه قد","vol":"4","page":46},{"text":"بقي كثيرٌ من السنة موجودًا على ظهر الأرض لم يبلغهم، ولم يكن أحدهم يمتنع عن الاجتهاد والفتوى بعلّة أنه لم يجمع السنة، وإنما كان غاية أحدهم أن لا يتصدَّر للاجتهاد والفتوى حتى يصير لديه طائفةٌ كبيرة من السنة تتعلق بأكثر أحكام الدين، وهذه كتبُهم بين أيدينا. نعم، ينبغي له أن يجمع كلَّ ما أمكنَه من كتب السنة، ولاسيَّما مع تيسُّرها في هذه الأزمان، ولله الحمد.\nثم اعلم أن فرض المجتهد هو الاجتهاد في كل ما يَعرِض له، وأما من حاز المرتبتين الأوليين فإنه يجب عليه ــ كما تقدم ــ تحصيلُ الثالثة، وفرضُه قبلَ تحصيلها سؤال المجتهد، فيتلو عليه المجتهد الآية أو يروي له الحديث، ويُخبره أنه قد اجتهد فلم يجد ما يُعارِض ذلك. ويزيد من حاز المرتبة الأولى بدرجتها أن يبيِّن له المجتهد وجهَ الاستدلال في بنائه على بعض الأصول. ويزيد من لم يُحصِّل إلا الدرجة الأولى أن ينبِّهه المجتهد على وجه الدلالة في اللسان العربي. ويزيد من دونَه من عامّي أو أعجمي أن يُفسِّر له المجتهد الآية والحديث بلغته. وإذا تعسَّر في بعض الفروع بيان وجه الاستدلال أو بيان وجه الدلالة في اللسان العربي سقطَ، بخلاف ذكر الآية أو الحديث وتفسيره، فإنه لابدّ منه على كل حال، وكذا إخبار المجتهد بعدم المعارض. والظاهر أنه يكفي فيها دلالة الحال إذا كان المقام مقام فتوى، لأن المجتهد لا يُفتي إلّا بعد أن يَغلب على ظنّه عدمُ المعارض.\n* * * *","vol":"4","page":47},{"text":"فصل (^١)\nسؤال المجتهد\nكان العمل في حياة رسول الله - ﵌ - وفيما بعد من القرون الثلاثة أن يجيء القاصرُ فيسأل العالمَ، فيجيبه العالم بذكر الدليل من كتاب الله تعالى أو سنة رسوله، ويفسِّره له، فيذهب السائل فيعمل بذلك. فإذا عرضتْ له قضية أخرى ذهب فسأل من لقيه من العلماء: الأولَ أو غيره، وهكذا. وهذا شيء لا خلافَ فيه، وعليه كان عمل الأئمة الأربعة ﵏، فقد أسند البيهقي (^٢) إلى الربيع قال: سمعت الشافعي وسأله رجل عن مسألة فقال: رُوي عن النبي - ﵌ - أنه قال كذا وكذا، فقال له السائل: يا أبا عبد الله، أتقول بهذا؟ فارتعد الشافعي واصفرَّ وحالَ لونُه، وقال: ويحك! وأيُّ أرضٍ تُقِلُّني وأيُّ سماءٍ تُظِلُّني إذا رويتُ عن رسول الله - ﵌ - شيئًا ولم أقل به؟ نعم على العين والرأس، نعم على العين والرأس.\nوقال الحميدي (^٣): سأل رجلٌ الشافعيَّ فأفتاه: قال النبي - ﵌ - كذا وكذا، فقال الرجل: أتقول بهذا يا أبا عبد الله؟ فقال الشافعي ﵀: أرأيتَ في وسطي زُنَّارًا؟ أتراني خرجتُ من الكنيسة؟ أقول: قال النبي - ﵌ -، وتقولي لي: أتقول بهذا؟ أروي عن النبي - ﵌ - ولا أقول به؟!\n_________\n(^١) عثرنا على هذا الفصل أخيرًا ضمن أوراق متفرقة من هذا الكتاب.\n(^٢) في \"مناقب الشافعي\" (١/ ٤٧٥).\n(^٣) المصدر السابق (١/ ٤٧٤).","vol":"4","page":48},{"text":"نقلهما الشوكاني (^١).\nومن ذلك ما نقل عن ابن عبد البر (^٢) قال: وجاء رجل إلى مالك فسأله، فقال له مالك: قال رسول الله - ﵌ - كذا وكذا، فقال الرجل: أرأيتَ؟ فقال مالك: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]، وقال: لم يكن فُتيا الناس أن يقال لهم: قلتُ هذا، كانوا يكتفون بالرواية ويَرضَون بها.\nوحيث كان فرض من ذُكِر سؤال المجتهد فعلى المجتهد أن يجيب السائل بذكر الدليل، أي بتلاوة الآية أو رواية الحديث، ثم يفسِّره للسائل بلُغته العامية أو الأعجمية حتى يفهمه، فيذهب السائل فيعمل بذلك. ثم إذا عرضتْ له واقعة أخرى ذهبَ فسأل مجتهدًا، إما الأول وإما غيره، وهكذا. فلا يتعين عليه استفتاء مجتهد مخصوص في كلِّ قضاياه، بل أيّ مجتهد وجده كفاه.\nإن كان السائل من الرتبة الثالثة، فإن كان الدليل قطعي المتن والدلالة كفى المجتهد أن يذكر له الدليل، ويخبره أنه محكم. وإن كان قطعي المتن ظني الدلالة ذكره له، وأخبره أنه قد اجتهد فلم يجد ما يخالفه. وإن كان ظني المتن قطعي الدلالة أخبره به، وأنه ثابت، وأنه قد اجتهد فلم يجد ما يخالفه. وكذا إن كان ظنيهما.\nوإن كان السائل من الرتبة الثانية، فإن كان الدليل قطعي المتن والدلالة\n_________\n(^١) في \"القول المفيد\" (ص ٢٣، ٢٤) طبعة القاهرة ١٣٤٧.\n(^٢) في \"التمهيد\" (٨/ ٤١١).","vol":"4","page":49},{"text":"كفى المجتهدَ أن يذكر له الدليل ويُخبره أنه محكم. وإن كان قطعي المتن ظني الدلالة ذكره له وأخبره أن تلك الدلالة معتبرة في الشرع، وأنه قد اجتهد فلم يجد ما يخالفه. وإن كان ظني المتن قطعي الدلالة أخبره به وأنه ثابت، وأنه قد اجتهد فلم يجد ما يخالفه. وإن كان ظنيهما أخبره به وأنه ثابت، وأن تلك الدلالة معتبرة في الشرع، وأنه قد اجتهد فلم يجد ما يخالفه.\nوإن كان السائل من أهل المرتبة الأولى (^١)، فإن كان الدليل قطعي المتن والدلالة ذكره له، وترجمه له بلغته العامية أو الأعجمية، وأخبره أنه محكم. وإن كان قطعي المتن ظني الدلالة ذكره له وترجمه، وبيَّن له وجه الدلالة، وأنها معتبرة في الشرع، وأخبره أنه محكم، وإن كان ظني المتن قطعي الدلالة أخبره به وبثبوته، وأن الثابت كذلك حجة في الشرع، وترجمه، وأخبره أنه قد اجتهد فلم يجد ما يخالفه. وإن كان ظنيهما أخبره به وبثبوته، وأن الثابت كذلك حجة في الشرع، وترجمه وبيَّن له وجه الدلالة وأنها دلالة معتبرة في الشرع، وأنه قد اجتهد فلم يجد ما يخالفه.\nوالثالث يستحق اسم العالم، لأنه متأهل لمعرفة أحكام الكتاب والسنة. وهل يجب عليه تحصيل الرتبة الرابعة؟ الجواب أن تحصيل الرتبة الرابعة فرض كفاية لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢]. فأمرهم الله تعالى أن لا يخرجوا جميعًا في السرايا، بل يبقى بعضهم مع رسول الله - ﵌ - للتفقه في الدين. فتحصيل\n_________\n(^١) في الأصل: \"الثالثة\"، والسياق يقتضي \"الأولى\".","vol":"4","page":50},{"text":"الدرجة الرابعة فرض كفاية على أهل كل جهة من المسلمين. فهذا الشخص في جهة من أهل فرض الكفاية. نعم إذا كان أهل الجهة كلهم قاصرين عن المرتبة الثالثة غيره تعيَّن عليه تحصيل الدرجة الرابعة؛ لأنه قد صار أقربهم إليها وأقدرهم على تحصيلها. وإذا لم يتعين عليه ففرضه فيما يعرض له من المسائل مراجعة الكتاب والسنة كما مرَّ، لأنه مأمور بالأخذ بالأحسن، ولا يكون عاملًا بذلك إلّا إذا اجتهد. نعم، كفاه أن يسأل مجتهدًا، فإن لم يجد مجتهدًا وجب عليه المراجعة لتعينها طريقًا لمعرفة الحكم. وحيث كان فرضه سؤال مجتهد غيره فالواجب على المسؤول أن يذكر له الدليل من كتاب أو سنة وكيفية الاستنباط، ويخبره أنه قد راجع الكتاب والسنة كما ينبغي، فلم يجد فيهما ما يخالف ذلك.\nوأما الثاني ففرضه سؤال مجتهد، فيذكر له المجتهد الدليل ويخبره أنه قد راجع الكتاب والسنة كما ينبغي، فلم يجد فيهما ما يخالف ذلك الدليل. وإن كان فيه ألفاظ شرعية أخبره بأن معناها في الشرع هو كذا. وإن كان فهمه للحكم باستنباط واضح [بيَّن] له دليل الاستنباط، فإن كان غامضًا اكتفى بأن يخبره أنه قد راجع الكتاب والسنة حتى غلب على ظنّه صحة ذلك الاستنباط، ولم يجد فيهما ما يخالف ذلك، وأنه راجعهما أيضًا، فلم يجد ما يخالف ذلك الاستنباط.\nوأما الأول ــ وهو مَن لم يعرف علوم اللسان ــ ففرضُه سؤال مجتهد، وعلى المسؤول أن يذكر له الدليل من كتاب أو سنة، ويترجمه له بلُغته، إن كان من عامة العرب فبالعامية، وإن كان أعجميًّا فبالأعجمية. فإن كان الدليل كافيًا فيكفي أن يخبره، فإن لم يكن قطعي الدلالة أخبره بذلك، وأنه قد نظر","vol":"4","page":51},{"text":"في علوم اللسان فلم يجد ما يخالفه، فغلب على ظنِّه أن هذا اللفظ يدلُّ على هذا المعنى، ثم يخبره أنه قد راجع، إلى آخر ما مضى في الذي قبله.\nفإن الثالث عمل بإخبار المجتهد بأنه قد راجع ونظر، فلم يجد ما يخالف ذلك الدليل والاستنباط، والثاني بذلك وبأنه قد راجع ونظر حتى غلب على ظنه اعتبار ذلك الاستنباط وصحته، والأول بذلك وبأنه قد نظر في علوم اللسان، فغلب على ظنه أن هذا اللفظ يدل على هذا المعنى. فهل يُعدُّ هذا تقليدًا أو لا؟ أوجه:\nالأول: أنه تقليد أُبيح للضرورة، وهو قضية كلام الأستاذ السوركتي، وهو الظاهر.\nالثاني: أنه ليس تقليدًا، وإنما هو من باب العمل بالرواية، وعليه كلام الشوكاني، ويَرِدُ عليه أن شرط الرواية استنادها إلى القطع، فلا يكفي قول الراوي: أحسب أن فلانًا حدّثني، إلّا أن يقال: إنه هنا جاز العمل بها للضرورة.\nويمكن في المسألة قولٌ ثالث، وهو أن يقال: إن الثالث إنما يعمل بالدليل الذي رواه له المجتهد، ويسقط عنه البحث والمراجعة، لأن الأصل العدم. وأما الثاني فيشترط أن يخبره بدليل الاستنباط، فيعمل هو في ثبوت الاستنباط بذلك الدليل، ثم يعمل بذلك الاستنباط، ويسقط عنه البحث عما يخالفه، لأن الأصل العدم.\nوأما الأول فيشترط في حقّه أن يخبره بدليل دلالة اللفظ، فيعمل هو في ثبوت تلك الدلالة بذلك الدليل، ويسقط عنه البحث عما يخالفه، لأن الأصل العدم، ثم يعمل بذلك الدليل في تلك المسألة، ويسقط عنه البحث","vol":"4","page":52},{"text":"كما مرَّ.\nويَرِدُ عليه أن الاستناد إلى كون الأصل العدم لا يكفي عن البحث كما في المجتهد.\nويُجاب بأنه اكتُفي به هنا للضرورة (^١).\n* قال المقلِّدون: إنا نراكم قد عُدتم إلى قولنا راغمين، فإنكم احتجتم إلى الرجوع إلى المجتهد وسؤالِه، وأوجبتم العملَ بقوله، وهذا هو التقليد بعينه.\n[ص ٥٦] * قال المانعون: كلَّا، ما كان لنا أن نعود إلى قولكم بعدَ إذ تبيَّن لنا بطلانُه، والفرق بين الأمرين واضح. وذلك أنكم تقولون: إذا سأل القاصرُ المجتهدَ كفى المجتهد أن يجيبه بقوله: الحكم كذا أو كذا، بدون أن يخبره بدليله. وأما نحن فنقول: إن سؤال القاصر للمجتهد إنما هو سؤال عن حكم الله تعالى، لا عن الرأي المحض، وحينئذٍ فالواجب على المجتهد أن يذكر له الدليل من كتاب الله تعالى وسنة رسوله. وعلى هذا كان عمل السلف\n_________\n(^١) ذكر المؤلف هذا الموضوع بصيغة أخرى في صفحة، ونصها: \"إن الرواية بالنفي شرطها أيضًا القطع، وهذا غير قاطعٍ بإخباره بأنه قد راجع ونظر، إذ لا يلزم من عدم الوجدان عدمُ الوجود، فقد يكون هنالك مخالف لم يُوفَّق لفهمه، لهذا لا يمكنه أن يقطع بالنفي بأن يقول: ليس في كتاب الله تعالى ما يخالف هذا، ولذلك لا يجوز للمجتهد أن يستند إلى مثل هذه الرواية. ومع ذلك فقد يكون دليل الاستنباط ودليل دلالة اللفظ غامضًا يتعذّر على العامي فهمه.\nنعم قد يقال: نسلِّم أن الرواية فيما ذُكر غير مستجمعة للشروط، ولكنه جاز العمل بها للضرورة\".","vol":"4","page":53},{"text":"الصالح أهل القرون الثلاثة.\nقال الشوكاني في رسالته \"القول المفيد\" (^١) ما لفظه: \"لا نطلب من كل فردٍ من أفراد العباد أن يَبلغ رتبة الاجتهاد، بل المطلوب هو أمرٌ دون التقليد، وذلك بأن يكون القائمون بهذه المعايش والقاصرون إدراكًا وفهمًا كما كان عليه أمثالهم في أيام الصحابة والتابعين وتابعيهم، وهم خير القرون ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، وقد عَلِمَ كلُّ عالم أنهم لم يكونوا مقلدين، ولا منتسبين إلى فردٍ من أفراد العلماء، بل كان الجاهل يسأل العالم عن الحكم الشرعي الثابت في كتاب الله تعالى أو سنة رسوله ﵌، فيفتيه به ويرويه له لفظًا أو معنًى، فيعمل بذلك من باب العمل بالرواية لا بالرأي، وهذا أسهل من التقليد، فإن تفهُّم دقائق علم الرأي أصعب من تفهُّم الرواية بمراحل كثيرة ... \" إلخ.\n* قال المقلِّدون: الكلام معكم في مقامين:\nالأول: قولكم \"بل المطلوب ... \" إلخ، إن أردتم أنه يلزم عوامَّ اليوم أن يشتغلوا بطلب العلم حتى يساووا عوامَّ الصحابة والتابعين، فهذا هو المشقة التي لأجلها عدلتم عن القول بوجوب بلوغ رتبة الاجتهاد، بل المجتهد اليوم لا يستطيع أن يبلغ هذه الدرجة، لأن عوامَّ ذلك القرن كانت علوم اللسان جميعها ملكةً لهم بدون طلبٍ ولا تكلف.\nوإن أردتم أن يكونوا بحيث إذا فُسِّرت لهم الآية من كتاب الله تعالى تفسيرًا بلغتهم أو تُرجِم لهم الحديث فهموه، فالناس جميعًا هكذا.\n_________\n(^١) (ص ١٤).","vol":"4","page":54},{"text":"ولكنه ينشأ من هنا المقامُ الثاني، وهو أنه لا يكفي فهم الآية من كتاب الله تعالى أو فهم الحديث في معرفة الحكم، وذلك أن حصول المعرفة المعتبرة متوقف على أمور كثيرة، مثالُه الحديث المختلَف في حسنه، الدالُّ على حكمٍ من الأحكام دلالةً مختلَفًا فيها، المعارَضُ بحديثٍ آخر معارضةً مختلَفًا في الترجيح فيها، مع إمكان أن يكون [في الكتاب أو السنة] (^١) [ص ٥٧] ما يخالفه بنسخٍ أو تخصيصٍ أو تقييد أو تأويلٍ أو غير ذلك.\nفالمجتهد مُلزَمٌ بالنظر في أمورٍ:\nمنها: النظر في وجوب العمل بخبر الآحاد، ويحتاج في هذا إلى اجتهاد مستقل.\nثم النظر في رُواته واحدًا واحدًا، ويحتاج في هذا إلى اجتهاد آخر.\nثم النظر إلى دلالته، ويحتاج فيها إلى اجتهاد ثالث بالنظر في علوم اللسان لمعرفة كيفية الدلالة وكونها معتبرة.\nثم إلى اجتهاد رابع بالنظر في الكتاب والسنة، هل تلك الدلالة معتبرة شرعًا أم لا؟\nثم إلى اجتهاد خامس بمراجعة الكتاب والسنة، هل فيهما ما يخالف ذلك من ناسخ أو مخصص أو غيره مما مرّ.\nثم يحتاج إلى اجتهاد سادس، وهو النظر في الترجيح عند وجود المعارض.\n_________\n(^١) تآكل في طرف الورقة أتى على عدّة كلمات، ولعلها ما أثبت.","vol":"4","page":55},{"text":"وقد يعرض في الحكم الواحد أبحاث أكثر من هذه، كلٌّ منها يستدعي اجتهادًا خاصًّا.\nولنفرضْ أن قاصرًا سألَ مجتهدًا عن الماء الذي وقعت فيه نجاسة، فإن المجتهد يحتاج إلى النظر في عدة أدلة من الكتاب والسنة، منها قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]، وقوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١]، ومن السنة كحديث \"الصحيحين\" (^١): \"لا يبولنَّ أحدكم في الماء الراكد الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل فيه\". وفي روايةٍ لمسلم (^٢): \"لا يغتسِلْ أحدكم في الماء الدائم وهو جُنُبٌ\" قالوا: كيف يفعل يا أبا هريرة؟ قال: يتناوله تناولًا.\nوحديث \"السنن\" (^٣) عن ابن عمر قال: سُئل رسول الله ﵌ عن الماء يكون في الفلاة من الأرض وما ينوبه من الدوابّ والسباع، فقال: \"إذا كان الماء قُلَّتينِ لم يحمل الخبث\". وفي روايةٍ لأبي داود (^٤): \"فإنه لا ينجس\".\nوحديث \"السنن\" (^٥) أيضًا عن أبي سعيد الخدري قال: قيل: يا رسولَ\n_________\n(^١) البخاري (٢٣٩) ومسلم (٢٨٢) من حديث أبي هريرة.\n(^٢) رقم (٢٨٣) من حديث أبي هريرة أيضًا.\n(^٣) أخرجه أبو داود (٦٣، ٦٤) والترمذي (٦٧) والنسائي (١/ ٤٦) وغيرهم.\n(^٤) رقم (٦٥).\n(^٥) أخرجه أبو داود (٦٦) والترمذي (٦٦) والنسائي (١/ ١٧٤). وقال الترمذي: حديث حسن.","vol":"4","page":56},{"text":"الله! أنتوضأُ من بئر بُضاعة؟ وهي بئرٌ يُلقَى فيه الحِيَض ولحوم الكلاب والنتن، [ص ٥٨] فقال رسول ﵌: \"إن الماء طهورٌ لا يُنجِّسُه شيء\".\nوحديث \"السنن\" (^١) عن كبشة بنت كعب بن مالك أن أبا قتادة دخلَ عليها، فسكَبَتْ له وَضوءًا، فجاءت هرَّة تشرب منه، فأصغَى لها الإناءَ حتى شربت. قالت كبشة: فرآني أنظر إليه فقال: أتعجبينَ يا ابنةَ أخي؟ قالت: فقلت: نعم، فقال: إن رسول الله ﵌ قال: \"إنها ليست بنجسٍ، إنها من الطوَّافين عليكم والطوّافات\". ونحوه عند أبي داود (^٢) من حديث عائشة.\nوحديث ابن ماجه (^٣) عن أبي سعيد أن رسول الله ﵌ سئل عن الحياض التي بين مكة والمدينة تَرِدُها السباع والكلاب والحُمر، عن الطهر منها. فقال: \"لها ما حملتْ في بطونها، ولنا ما غَبَرَ، طَهورٌ\".\nوحديث \"الصحيحين\" (^٤) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله\n_________\n(^١) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (١/ ٢٢، ٢٣)، ومن طريقه أبو داود (٧٥) والترمذي (٩٢) والنسائي (١/ ٥٥) وابن ماجه (٣٦٧). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\n(^٢) رقم (٧٦).\n(^٣) رقم (٥١٩). قال البوصيري في \"الزوائد\": في إسناده عبد الرحمن [بن زيد بن أسلم]، قال فيه الحاكم: روى عن أبيه أحاديث موضوعة. قال ابن الجوزي: أجمعوا على ضعفه. وأخرجه أيضًا الدارقطني (١/ ٣١) والبيهقي (١/ ٢٥٨).\n(^٤) البخاري (١٧٢) ومسلم (٢٧٩).","vol":"4","page":57},{"text":"عليه وآله وسلم: \"إذا شربَ الكلبُ في إناء أحدكم فليغسِلْه سبعَ مرات\". وفي روايةٍ لمسلم (^١) قال: \"طهور إناء أحدكم إذا وَلَغَ فيه الكلبُ أن يَغسِلَه سبعَ مراتٍ، أولاهن بالتراب\" وغير ذلك.\nأما الآية الأولى فيحتاج إلى مراجعة اللغة ليعرف معنى الطهارة، ثم مراجعة التصريف ليعرف صيغة \"طَهور\"، ثم مراجعة علم البلاغة لمعرفة إطلاق \"فَعُول\" الذي يقتضي المبالغة في الفعل على الماء الذي لا يمكن فيه ذلك، إذ معنى \"فلانٌ شَرُوبٌ للَّبَن\" أنه يُكثِر ما يشربُه مرةً بعد أخرى، فقياس لفظ \"طَهور\" أنه يَكثر ما يَطهُرُ مرةً بعد أخرى، وهذا المعنى غير ظاهر، فقال بعضهم: حيث لم يمكن حملُه على كثرة العدد في الفعل الذي هو الحقيقة تعيَّن حملُه على المجاز، وهو أن يُراد القوة في الفعل، بمعنى أن طهارته قويَّة، وذلك أنه طاهر في نفسه ويُطهِّر غيره، بخلاف سائر الأشياء. وقال آخرون: بل يُحمل على كثرة العدد في التطهير، أي أنه يُطهّر مرةً بعد أخرى. ويحتاج المجتهد هاهنا إلى القوة في هذه العلوم حتى يتمكن من الترجيح.\nثم بعد ذلك مراجعة الكتاب والسنة لمعرفة الطهارة في عُرف الشرع، ثم مراجعة كتب اللسان وأصول الفقه لينظر هل وَصْف الماء بالطهورية يقتضي أن لا ينجس بمجرد الملاقاة أو لا يقتضي. وبعد أن يقرر ذلك يحفظه، فينظر في الآية الثانية على نحو مما مضى، فإذا تقرر له فيها حكمٌ حفظه أيضًا. ثم ينظر في غير ذلك من الآيات التي يمكن أن يكون فيها دلالةٌ على المسألة، بأن ينظر في كل آية نظرًا خاصًّا على نحو ما تقدم، ثم يحفظ ما تقرَّر\n_________\n(^١) رقم (٢٧٩/ ٩١).","vol":"4","page":58},{"text":"له منها.\n[ص ٥٩] ثم ينظر في الحديث الأول على نحو ما تقدم، حتى يُقرِّر هل فيه دلالةٌ على أن الماء ينجس أو لا؟ وما تقرَّر له في ذلك حفِظَه. ثم يَعمِدُ إلى حديث القلَّتين، فينظر أولًا في إسناده، فإن ظهر له أنه صالح للاحتجاج به نظر فيه على نحوٍ مما تقدم. ونظر في الآثار تحديدَ القلتين، ونظر هل فيه دلالة على أن ما دونهما يتنجس بمجرد الملاقاة أو لا؟ وما تقرر له في ذلك حفظه. ثمَّ وجَّه نظره إلى حديث بئر بضاعة على نحو ما ذُكِر، وهل فيه دلالةٌ على أن الماء لا ينجس أو لا؟ وما تقرر له منه حفظه أيضًا. ثم في حديث أبي قتادة على نحو ذلك، وهل في قوله ﵌: \"إنها ليست بنجس\" دلالةٌ على أن الماء ينجس بمجرد الملاقاة أو لا؟ ثم في حديث أبي سعيد على المنوال المذكور، وهل في قوله ﵌: \"لها ما حملتء في بطونها، ولنا ما غَبَرَ، طهور\" دلالةٌ على أن الماء لا ينجس أو لا؟ ويحفظ ما تقرر له. ثم في حديث \"الصحيحين\": \"إذا شرب الكلبُ ... \" إلخ، وهل فيه دلالةٌ على أن الماء ينجس بمجرد الملاقاة أو لا؟ ويحفظ ما ظهر له. ثم ينظر في غير ذلك من الأحاديث التي يمكن أن يكون فيها دلالة على المسألة على السبيل المشروح.\nوبعد استيفاء الأدلة جميعًا ينظر ما بين المحفوظات، فيعمل بمقتضى اجتهاده، فيخصِّص عامَّها بخاصِّها، ويحمل مطلَقها على مقيَّدها، ويجمع بين المتعارضين منها. فإن لم يمكن الجمع نظرَ هل ثَمَّ دليلٌ على كون أحدهما منسوخًا، فإن لم يجد ذلك رجع إلى الترجيح، حتى يتقرر له وجهٌ واحدٌ هو الحكم الذي يجوز لك العمل به.","vol":"4","page":59},{"text":"فأنتم ترون هذه المسألة التي كل أحدٍ مضطرٌّ إلى معرفتها كيفَ تشعَّبتْ واستصعبتْ، حتى لو تصدَّى عارفٌ لبسط النظر فيها وشرح الأدلة لتحصَّل من ذلك مؤلَّف مستقل.\n* قال المقلِّدون: إذا قُرِّر هذا، فما قولكم أيها المانعون في جواب المجتهد للسائل القاصر؟ هل يجب على المجتهد أن يجيب القاصرَ بجواب يُحصِّل له المعرفةَ التي حصَلتْ للمجتهد نفسه، حتى يتلو عليه القرآن من أوله إلى آخره، ويفسِّر له كلَّ آيةٍ أمكنَ أن تكون فيها أدنى دلالةٍ، ويسردُ له أحاديث السنة ويشرح له كلَّ ما أمكن أن يكون فيه أدنى دلالة، ويذكر له من كتب اللسان على نحو ما ذُكِر ... إلخ، أو لا يجب عليه ذلك؟ لا شكَّ أنكم لا تكلِّفون المجتهدَ ولا السائلَ هذه الشُّقَّةَ البعيدة التي أيسرُ منها تكليف القاصر أن يتعلَّم [ص ١٤٦] حتى يبلغ درجة الاجتهاد.\nوإن قلتم: إنه لا يجب عليه إلَّا أن يتلو عليه إحدى الآيتين إن ترجَّح له مدلولُها، أو أحد الأحاديث إن ترجَّح له مدلوله، ويُفسِّر له معناه، فيكون السائل عاملًا بالآية أو بالحديث.\nفنقول لكم: وهل يكفي في العمل بالكتاب والسنة هذا القدرُ؟ حتى لو عمدَ مجتهدٌ إلى آية أو حديث، فعمِلَ به بدون نظرٍ إلى ما يُوافقه أو ما يخالفه كفاه، ولو عمدَ قاصر إلى آيةٍ في كتاب الله تعالى فهمَ معناها أو حديثٍ كذلك جاز له أن يعمل به، بدون معرفة هل هو منسوخ أو لا، مخصَّصٌ أو لا، مقيَّدٌ أو لا، مؤوَّلٌ أو لا، والحديث حجةٌ أو لا ... إلخ، لا شك أنكم لا تجيزون ذلك، فنسألكم: ما هو الفرق بين الأمرين: العمل بعد سؤال","vol":"4","page":60},{"text":"المجتهد حيث أخَّرتموه، والعمل بدون سؤاله حيث لم تُجيزوه؟ هل هو إلا إخبار المجتهد الذي يحصل به الظنُّ؟ هو هو ولا محالةَ، وعليه فذلك هو التقليد بعينه وإن أبيتم.\n* قال المانعون:\nأما المقام الأول فإننا نختار الشِّقّ الثاني، وهو أنهم أي عوامُّ اليوم يكونون بحيث إذا فُسِّرت لهم الآية من كتاب الله تعالى، أو تُرجم لهم الحديث بلغتهم، فهموا. على أنه قد تقدم في أول الرسالة أن تعلُّم العربية فرض عين على كل مسلم، ولكنه على كل حال أن العامي أو الأعجمي قبل تعلُّمه العربية محتاجٌ إلى التفسير بلغته.\nوأما المقام الثاني وإن أطلتم بما لا طائل تحته، [ص ١٦١] فإنا وإياكم متفقون على أن الاجتهاد على المجتهد فرضُ عينٍ لقدرته عليه، وأنّ أخْذَ القاصر بقول المجتهد إنما هو للضرورة، لأنه لو كُلِّف الناس جميعًا بلوغَ رتبة الاجتهاد لضاعت المعايش والمصالح التي هي فروض كفاية، ولعظُمتِ المشقةُ، وعليه فإنه يسقط عن القاصرِ القدرُ الموجب للمشقَّة فقط. وليس من المشقَّة أن يسأل المجتهد عن حكم من الأحكام، فيُخبره المجتهد بالدليل، ويُفسِّره له، فيكون عاملًا بذلك الدليل بما فهمه منه.\n[ص ١٦٢] وقولنا: إنه يسقط عن المستفتي البحثُ والمراجعة، ولا يجب على المفتي أن يُبيِّن له جميعَ ما يتعلق بالبحث مما لا يبلُغه فهمُه، أولى من قولكم: إن للعامي في هذه الأعصار استفتاءَ فقيه مقلِّدٍ، فيُخبره الفقيه بما فهمه من كلام متأخري فقهاء مذهبه، ولا يلزمه أن يشرح له جميع ما يتعلَّق","vol":"4","page":61},{"text":"بالبحث، فهذا الفقيه اجتهد في كلام متأخري فقهاء مذهبه، ومتأخرو فقهاء مذهبه إنما اجتهدوا في كلام مَن قبلَهم، والذين قبلَهم اجتهدوا في كلام من تقدمهم، وهكذا تسلسلت الاجتهادات حتى تصلَ الإمامَ المجتهد المطلق.\nفإن قلتم: إن هذا العامي بالصفة المذكورة مقلِّدٌ لذلك المجتهد المطلق صاحب المذهب، فأولى منه أن نقول: إن العامي المستفتي للمجتهد عامل بالدليل، لا مقلِّد لذلك المجتهد، وإنما عَمِلَ بقوله في نفي المعارض، وهذه رواية ظنية على النفي، جاز العمل بها للضرورة، مع موافقتها للأصل الذي هو عدم المعارض.\nوإن قلتم: إن العامي المستفتي للمقلِّد مقلِّد له، وهَلُمَّ جرًّا، فقد نسلِّم أن المستفتي للمجتهد قد يضطرُّ إلى نوع من التقليد للضرورة التي ذكرتموها، ولكن ما جاز للضرورة قُدِّر بقدرها، ولا يلزم من جواز الشيء للضرورة جوازه مطلقًا. وهذا بخلاف حال العامي المستفتي للفقيه المقلّد فإنه مقلّد له بلا ضرورة، لقدرته على سؤال المجتهدين وتحصيلِ علمٍ مقتبسٍ من الدليل. وكذلك المفتي في تقليده لمن قبله، والذين قبله في تقليدهم في بعض المسائل لمن قبلهم، وكذلك الذين قبلهم في تقليدهم لمن تقدمهم، وهكذا حتى يبلغ إلى الإمام.\nولا يستوي البحران، فإن مستفتي المجتهد لم يُقلّده في المسألة من أصلها، فإننا نوجب أن يتلو عليه الآية أو يُخبره بالحديث، فهو إنما عمِلَ بتلك الآية أو بذلك الحديث، وإنما قلَّده في عدم المعارض ونحو ذلك للضرورة، على فرض تسليم أن ذلك تقليد.","vol":"4","page":62},{"text":"[ص ١٦٣] وأما مستفتي المقلِّد فإنه قلَّده في المسألة من أصلها، مع أنه مثله مقلِّد، وليتَه كان مقلِّدًا فحسب، بل هو مقلِّد في المسألة من أصلها لمقلِّدٍ كذلك لمقلِّدٍ كذلك لمقلِّدٍ كذلك، وهَلُمَّ جرًّا.\nوالفرق مثل الشمس ظاهر، فإن صاحبنا يذهب يعمل بتلك الآية التي تلاها عليه المجتهد وفهَّمه دلالتَها بقدر الإمكان، أو بالحديث كذلك على سبيل الرواية الصحيحة في المتن والترجمة، وقد غلب على ظنِّه أن تلك الدلالة صحيحة معتبرة لأمرين: الأول أن الأصل عدم المعارض، والثاني أن الظاهر عدم خطأ المجتهد في إخباره بذلك على سبيل الرواية الجائزِ العملُ بها للضرورة.\nوأما صاحبكم فإنه إنما يذهب يعمل بقول ذلك الفقيه، عالمًا أنه إنما أخبره بما فهمه من كلام مَن قبله، وأن الذين قبله إنما قالوا بما فهموه من كلام مَن تقدمهم، وهلمَّ جرًّا.\nفأيهما أولى بالحق وأقربُ إلى الدين؟\n[ص ١٦٤] مع أن العمل بقول المفتي بدون أن يذكر دليله بدعة مخالِفةٌ لما كان عليه العمل في خير القرون، والتزام العمل بقولِ مفتٍ واحدٍ في جميع الأعمال بدعةٌ أخرى أشدُّ، فالأئمة الأربعة ﵏ إنما كانت فتواهم على عادة السلف، وهكذا من كان في زمانهم وبعده.\nنقل السيوطي في رسالته في الاجتهاد (^١) فيما نقله عن ابن حزم ما\n_________\n(^١) \"الردّ على من أخلد إلى الأرض وجهلَ أن الاجتهاد في كل عصرٍ فرض\" (ص ٥٦ - ٥٩) ولم أجد النصَّ في كتب ابن حزم المطبوعة.","vol":"4","page":63},{"text":"لفظه: قد دل الكتاب والسنة وحَضَّا على النظر والاجتهاد وترك التقليد، ووجدنا أصحاب رسولِ الله ﵌ أوَّلَهم عن آخرهم ليس منهم أحدٌ أتى إلى من هو فوقه في القرب والسابقة والعلم، وأخذ قوله كله، فيقلِّده في دينه، بل رأيت كلَّ امرئٍ منهم يجتهد لنفسه.\nثم بحثنا عن عصر التابعين، فوجدناهم على تلك الطريقة، ليس منهم أحدٌ أتى إلى تابعٍ أكبر منه أو إلى صاحبٍ، فتقلّد قوله كلَّه. وكذلك أتباع التابعين ليس منهم أحدٌ أتى إلى تابعٍ أو صاحبٍ أو فقيهٍ من أهل عصره أكبر منه، فأخذ بقوله كلِّه ولم يخالفه في شيء منه، ولا أمروا بذلك عاميًّا منهم ولا خاصيًّا. وهذه القرون المحمودة الثلاثة، فعلمنا يقينًا أنه لو كان أخذُ قول عالمٍ واحدٍ بأسْرِه فيه شيء من الخير والصواب ما سبقَهم إليه مَن حدثَ في القرون المذمومة، ولو كان ذلك فضيلةً ما سبقناهم إليها.\nوهذا العصر الثالث هو الذي كان فيه ابن جريج، وسفيان بن عيينة بمكة؛ وابن أبي ذئب، ومحمد بن إسحاق، وعبيد الله (^١) بن عمر، وإسماعيل بن أمية (^٢)، ومالك بن أنس، وسليمان بن بلال، وعبد العزيز بن أبي سلمة، وعبد العزيز الدراوردي، وإبراهيم بن سعد بالمدينة؛ وسعيد بن أبي عَروبة، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، ومعمر بن راشد، وأبو عوانة، وشعبة، وهمام بن يحيى، وجرير بن حازم، وهشام الدستوائي، وزكريا بن أبي زائدة، وحبيب بن الشهيد، وسوَّار بن عبد الله، وعبيد الله بن الحسن،\n_________\n(^١) في الأصل: \"عبد الله\" مصحفًا.\n(^٢) في الأصل: \"أبي أمية\"، وهو خطأ. والتصويب من رسالة السيوطي.","vol":"4","page":64},{"text":"وعثمان بن سليمان بالبصرة؛ وهشام بن بشر بواسط، وسفيان الثوري، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، [ص ١٦٥] والحسن بن يحيى (^١)، وشَرِيك، وأبو حنيفة، وزهير بن معاوية، وجرير بن عبد الحميد، ومحمد بن خازم بالكوفة؛ والأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز (^٢)، والزبيدي، والقاضي حمزة بن يحيى، وشعيب بن أبي حمزة بالشام؛ والليث بن سعد، وعقيل بن خالد بمصر، كلهم على الطريقة التي ذكرت، ما منهم من أحدٍ أخذَ بقول إمامٍ ممن قبله، فقبِلَه كلَّه دونَ أن يردَّ منه شيئًا.\nثم حدث بعدهم من اعتصم بهداهم وسلك سبيلَهم في ذلك، نحو: يحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وبشر بن المفضّل، وخالد بن الحارث، وعبد الرزاق، ووكيع، ويحيى بن آدم، وحميد بن عبد الرحمن الرُّؤَاسي، والوليد بن مسلم، والحميدي، والشافعي، وابن المبارك، وحفص بن غياث، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وأبي (^٣) داود الطيالسي، وأبي الوليد الطيالسي، ومحمد بن [أبي] عدي، ومحمد بن جعفر، ويحيى بن يحيى النيسابوري، ويزيد بن هارون، ويزيد بن زريع، وإسماعيل ابن عُلَيّة، وعبد الوراث بن سعيد، وابنه عبد الصمد، ووهب بن جرير، وأزهر (^٤) بن أسد، وعفان بن مسلم، وبشر بن عمر، وأبي عاصم\n_________\n(^١) كذا في الأصل تبعًا للمطبوعة، وصوابه: \"الحسن بن حيٍّ\". راجع ترجمته في \"سير أعلام النبلاء\" (٧/ ٣٦١).\n(^٢) في الأصل: \"سعيد بن الضرير\"، وهو خطأ، والتصويب من رسالة السيوطي.\n(^٣) في الأصل هنا وفي الموضع بعده: \"أبو\" سهو.\n(^٤) كذا تبعًا للمطبوعة، واستظهر الشيخ في الهامش أن صوابه: \"بهز\".","vol":"4","page":65},{"text":"النبيل، والمعتمر بن سليمان، والنضر بن شميل، ومسلم بن إبراهيم، والحجاج بن منهال، وأبي عامر العقدي، وعبد الوهاب الثقفي، والفريابي، ووهب بن خالد، وعبد الله بن نمير، وغيرهم، ما من هؤلاء أحدٌ قلَّد إمامًا كان قبلَه.\nثم تلاهم على مثلِ ذلك: أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور، وأبو عبيد، وأبو خيثمة، وأبو أيوب الهاشمي، وأبو إسحاق الفزاري، ومخلد بن الحسين، ومحمد بن يحيى الذهلي، وأبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة، وسعيد بن منصور، وقتيبة، ومسدَّد، والفضل بن دُكين، ومحمد بن المثنى، وبُندار، ومحمد بن عبد الله بن نمير، ومحمد بن العلاء، والحسن بن محمد الزعفراني، وسليمان بن حرب، وعارم (^١) وغيرهم، وليس منهم من أحدٍ قلَّد رجلًا، وقد شاهدوا مَن قبلهم ورأوهم، فلم يروا أنفسَهم في سعةٍ من أن يُقلِّدوا دينَهم أحدًا منهم.\n[ص ١٦٦] ثم أتى بعدَ هؤلاء: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، ومحمد بن سَنْجر، ويعقوب بن شيبة، وداود بن علي، ومحمد بن نصر المروزي، ومحمد بن جرير الطبري، وبقي بن مخلد، ومحمد بن عبد السلام الخُشَني وغيرهم، ما منهم أحدٌ أتى إلى إمامٍ قبلَه، فأخذ قولَه كلَّه فتديَّنَ به، بل كلُّ هؤلاء نهى عن ذلك وأنكره.\nولم أجد أحدًا ممن يُوصَف بالعلم قديمًا وحديثًا يستجيز التقليد ولا يأمر به، وكذلك ابن وهب، وأشهب، وابن الماجشون، والمغيرة بن أبي\n_________\n(^١) في الأصل: \"عامر\"، والتصويب من رسالة السيوطي.","vol":"4","page":66},{"text":"حازم، ومطرِّف و[ابن] كنانة، لم يُقلِّدوا شيخهم مالكًا في كل ما قال، بل خالفوه في مواضع، واختاروا غيرَ قوله. وكذلك الأمر في زفر، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، والحسن بن زياد، وبكار بن قتيبة، والطحاوي. وكذلك القول في المزني، وأبي عُبيد بن حَرْبويه، وابن خزيمة، وابن سُرَيج، فإن كلًّا منهم خالفَ إمامَه في أشياء، واختار فيها غير قولِه. ومِن آخر مَن أدركنا على ذلك شيخنا أبو عمر (^١) الطلمنكي، فما كان يقلِّد أحدًا، وذهب إلى قول الشافعي في بعض المسائل. إلى كثيرٍ من سلفٍ وخلفٍ لو ذكرتهم لطال الخَطْب (^٢) بذكرهم.\nثم أنشد لنفسه قصيدةً في الاجتهاد، وقال في آخرها:\nواهْرُبْ من التقليد فهو ضلالةٌ ... إنَّ المقلِّد في السبيلِ الهالك\nإلخ.\n[ص ١٦٧] فصل\n* قال المانعون: وهَبْ أنه لا فرقَ بين أن يجيب المجتهد سائلَه بتلاوة الآية أو رواية الحديث، وأن يُجيبه بذكر الحكم مجردًا عن الدليل، فإنكم لم تقفوا عند هذا، بل جاوزتموه إلى ما هو أبعدُ، وهو تقليد الميت، وقد نقل الغزالي في \"المنخول\" (^٣) إجماعَ أهل الأصول على عدم جواز تقليد\n_________\n(^١) في الأصل: \"أبا عمر\".\n(^٢) في الأصل: \"الخطاب\". والتصويب من رسالة السيوطي.\n(^٣) (ص ٤٨٠).","vol":"4","page":67},{"text":"الميت، نقله الشوكاني في \"إرشاد الفحول\" (^١)، وحكى عن الرازي في \"المحصول\" (^٢)، ولفظه المنقول: فإن حكى عن ميت لم يجزْ له الأخذُ بقوله، لأنه لا قولَ للميت، لأن الإجماع لا ينعقد على خلافه حيًّا، وينعقد على موته، وهذا يدلُّ على أنه لم يبقَ له قولٌ بعد موته.\nفإن قلتَ: لِمَ صُنِّفتْ كتب الفقه مع فناء أربابها؟\nقلتُ: لفائدتين:\nإحداهما: استفادة طُرق الاجتهاد من تَصرُّفِهم في الحوادث، وكيف بُني بعضُها على بعض.\nوالثانية: معرفة المتفق عليه من المختلف فيه، فلا يُفتى بغير المتفق عليه. انتهى.\nثم قال الشوكاني (^٣): وفي كلامه هذا التصريحُ بالمنع من تقليد الأموات. قال الروياني في \"البحر\" (^٤): إنه القياس، وعلَّلوا ذلك بأن الميت ليس من أهل الاجتهاد، كمن تجدَّد فسقُه بعد عدالتِه، فإنه لا يبقى حكمُ عدالته، وإما لأن قوله وصفٌ له، وبقاء الوصف بعد زوال الأصل محالٌ، وإما لأنه لو كان حيًّا لوجبَ عليه تجديدُ الاجتهاد، وعلى تقدير تجديده لا يتحقق بقاؤه على القول الأول، فتقليده بناءٌ على وهمٍ أو تردُّدٍ، والقولُ بذلك\n_________\n(^١) (٢/ ١٠٩٧).\n(^٢) (٦/ ٧٠، ٧١).\n(^٣) \"إرشاد الفحول\" (٢/ ١٠٩٧).\n(^٤) انظر \"البحر المحيط\" للزركشي (٦/ ٢٩٨)، ففيه نقل كلام الروياني في \"البحر\".","vol":"4","page":68},{"text":"غير جائز. اهـ.\nثم حكى قولَ المجيزين، قال (^١): واحتجَّ بعضُ أهل هذا القول بانعقاد الإجماع في زمنه على جواز العمل بفتاوى الموتى. قال الهندي (^٢): وهذا فيه نظر؛ لأن الإجماع إنما يُعتبر من أهل الحلّ والعقد، وهم المجتهدون، والمجمعون ليسوا بمجتهدين، فلا يُعتَبر إجماعُهم بحالٍ.\nثم نقل عن ابن دقيق العيد كلامًا ظاهره موافقة المجيزين، وردَّه (^٣).\nوالحاصل أن المقلدين قاطبةً يلتزمون حجيةَ الإجماع، فما بَقي إلّا أن يُنظَر في الإجماع الذي ذكره عن الغزالي، فإن كان مستوفيًا للشروط على مذاهب المقلدين فقد لزِمَتْهم الحجةُ به، وإلّا فلا.\nفنقول أولًا: هذا الإجماع حكاه الغزالي، فهل حكايته لذلك كافيةٌ في إثباته؟ فنقول:\nقال في \"إرشاد الفحول\" (^٤): الإجماع المنقول بطريق الآحاد حجة، وبه قال الماوردي وإمام الحرمين والآمدي، ونُقِل عن الجمهور اشتراطُ عدد التواتر. وحكى الرازي في \"المحصول\" (^٥) عن الأكثر أنه ليس بحجة، فقال: الإجماع المروي بطريق الآحاد حجة [خلافًا] لأكثر الناس، لأن ظنّ\n_________\n(^١) \"إرشاد الفحول\" (٢/ ١٠٩٨).\n(^٢) هو الصفي الهندي، انظر \"البحر المحيط\" (٦/ ٢٩٧).\n(^٣) \"إرشاد الفحول\" (٢/ ١٠٩٩).\n(^٤) (١/ ٤٢٠).\n(^٥) (٤/ ١٥٢).","vol":"4","page":69},{"text":"وجوب العمل به حاصلٌ، فوجبَ العملُ به دفعًا للضرر المظنون، ولأن الإجماع نوعٌ من الحجة، فيجوز التمسك بمظنونه كما يجوز بمعلومه، قياسًا على السنة. ولأنا بيّنا أن أصل الإجماع فائدته ظنية، فكذا القول في تفاصيله. انتهى.\nوبهذا يظهر أن الراجح حجيته عندهم.\n[ص ١٦٨] وثانيًا: هذا الإجماع منقول عن أهل الأصول فقط، فهل إجماعُهم وحدَهم كافٍ في هذه المسألة؟ فنقول:\n\nقال الشوكاني أيضًا (^١):<span data-type=\"title\" id=toc-65> الإجماع المعتبر </span>في فنون العلم هو إجماع أهل ذلك الفن العارفين به دونَ من عداهم، فالمعتبر في الإجماع في المسائل الفقهية قول جميع الفقهاء، وفي المسائل الأصولية قول جميع الأصوليين، وفي المسائل النحوية قول جميع النحويين، ونحو ذلك. ومَن عَدا أهل ذلك الفن فهو في حكم العوامّ، فمن اعتبرهم في الإجماع اعتبر غيرَ أهلِ الفن، ومَن لا فلا.\nوقال (^٢) في بحث اعتبار العامَّة في الإجماع بعد كلامٍ: قال الروياني في \"البحر\": إن اختصَّ بمعرفة الحكم العلماءُ، كنُصُبِ الزكوات، وتحريم نكاح المرأة وعمَّتها وخالتها، لم يُعتَبر وفاقُ العامّة معهم. وإن اشترك في معرفته الخاصة والعامة، كأعداد الركعات، وتحريم بنت البنت، فهل يُعتبر إجماع العوامّ معهم؟ فيه وجهان، أصحهما: لا يُعتبر، لأن الإجماع إنما يصحُّ عن\n_________\n(^١) \"إرشاد الفحول\" (١/ ٤١٦).\n(^٢) المصدر نفسه (١/ ٤١٤، ٤١٥).","vol":"4","page":70},{"text":"نظرٍ واجتهاد. والثاني: يعمُّ لاشتراكهم في العلم به. قال سليم الرازي: إجماعُ الخاصة هل يُحتاج معهم فيه إلى إجماع العامة؟ فيه وجهان، والصحيح أنه لا يُحتاج فيه إليهم. قال الجويني: حكم المقلِّد حكم العامّي في ذلك، إذْ لا واسطةَ بين المقلِّد والمجتهد. اهـ.\nفأقول: هذه المسألة التي هي تقليد الأموات مسألة أصولية قطعًا، وقد علمتَ مما نقلناه أن الراجح أن إجماع أهل كل فنٍّ على شيء من مسائله كافٍ في الحجية، بل إذا كانت المسألة مما يختصون بمعرفته كان إجماعهم فيها حجةً وفاقًا، كما هو قضية كلام الروياني.\nوثالثًا: قد زعم بعض المجيزين الإجماع في عصره على الجواز، ولا شك أن ذلك بعد إجماع الأصوليين الذي نقله الغزالي، فعلى فرض تسليم هذا الإجماع الثاني هل يكون ناقضًا للأول؟ فنقول:\nحكى الشوكاني أيضًا (^١) في بحث الإجماع على شيء بعد الإجماع على خلافه: أن الجمهور على المنع.\nإلى أن قال: وحكى أبو الحسن السهيلي في \"آداب الجدل\" له في هذه المسألة أنها إذا أجمعت الصحابة على قول، ثم أجمع التابعون على قولٍ آخر، فعن الشافعي جوابان:\nأحدهما ــ وهو الأصحُّ ــ: أنه لا يجوز وقوعُ مثلِه، لأن النبي ﵌ أخبر أن أمته لا تجتمع على ضلالة (^٢).\n_________\n(^١) \"إرشاد الفحول\" (١/ ٤٠٥).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٣٩٥٠) من حديث أنس بن مالك، وفي إسناده أبو خلف الأعمى متروك، وأخرجه ابن أبي عاصم في \"السنة\" (٨٣) من طريق آخر، لكن فيه مصعب بن إبراهيم منكر الحديث. وله شواهد يرتقي بها إلى الحسن لغيره.","vol":"4","page":71},{"text":"والثاني: لو صحَّ وقوعه فإنه يجب على التابعين الرجوعُ إلى قول الصحابة.\nقال: وقيل: إن كلّ واحدٍ منهما حقٌّ وصوابٌ، على قولِ من يقول: إن كل مجتهد مصيب. وليس بشيء. انتهى.\n[ص ١٦٩] وبهذا تبيَّن لك أنه لو ثبت الإجماع الثاني لم يكن حجةً، بل الواجب الرجوع إلى الأول، ومع هذا فالإجماع الثاني عند من ادعاه إنما هو سكوتي، وهو ليس بحجة عند الإمام الشافعي وأحمد وغيرهما، صرَّح به الشافعي في \"الأم\" (^١) في باب الأوقات التي يُكره فيها الصلاة.\nقال الشوكاني (^٢) في بحث الإجماع السكوتي والمذاهب التي فيه: الأول: أنه ليس بإجماع ولا حجة. قاله داود الظاهري وابنُه والمرتضى، وعزاه القاضي إلى الشافعي واختاره، وقال: إنه آخر أقوال الشافعي. وقال الغزالي والرازي والآمدي: إنه نصُّ الشافعي في الجديد: وقال الجويني: إنه ظاهر مذهبه.\nإلى أن قال (^٣): القول الحادي عشر: إنه إجماعٌ بشرط إفادة القرائنِ العلمَ بالرضا، وذلك بأن يوجود من قرائن الأحوال ما يدلُّ على رضا\n_________\n(^١) (١٠/ ١٠٩، ١١٠ ضمن \"اختلاف الحديث\").\n(^٢) \"إرشاد الفحول\" (١/ ٣٩٩، ٤٠٠).\n(^٣) المصدر نفسه (١/ ٤٠٣، ٤٠٤).","vol":"4","page":72},{"text":"الساكتين بذلك القول. واختار هذا الغزالي في \"المستصفى\" (^١). وقال بعض المتأخرين: إنه أحقُّ الأقوال، لأن إفادة القرائنِ العلمَ بالرضا كإفادة النطق، فيصير كالإجماع القطعي.\nالقول الثاني عشر: إنه يكون حجةً قبل استقرار المذاهب لا بعدها، فإنه لا أثر للسكوت، لما تقرَّر عند أهل المذاهب من عدم إنكار بعضهم على بعضٍ إذا أفتى أو حكمَ بمذهبه، مع مخالفته لمذهب غيره. وهذا التفصيل لابدَّ منه على جميع المذاهب. اهـ.\nأقول: وأنت خبيرٌ أنه لو ثبتَ وقوعُ الإجماع الثاني فإنه لا يكون إلّا سكوتيًا كما مرَّ، وليس هناك قرائن تدلُّ على الرضا، بل بالعكس إن القرائن تدلُّ على أن من كان يرى خلافَ ذلك يمنعه الخوف من المقلّدين الذين هم جمهور الناس وأرباب السَّطوة والأُبَّهة أن يبطشوا به، وقد وقع بعض ذلك، ومع ذلك فهو إنما وقع بعد استقرار المذاهب. هذا على سبيل التنزل، وإلّا فلم يزل في كل عصرٍ جماعةٌ من العلماء يمنعون التقليد رأسًا، فدعوى الإجماع الثاني ساقطة من أصلها.\nفإن قلت: قد سلَّمتم أن القاصر قد يضطر إلى نوع من التقليد، وهو في العمل بإخبار المجتهد بعدم المعارض للدليل الذي يُبينه له، وإذَنْ فهذا النوع من التقليد لم يزل موجودًا منذ العصر الأول، ولا يخفى أن القاصر منهم كان يستفتي المجتهدَ فيُفتيه، ويلزم في ذلك هذا النوع من التقليد. ثم إن ذلك القاصر يذهب يعمل بتلك الفتوى طولَ عمرِه، ولم يُنقَل أن أحدًا من\n_________\n(^١) (١/ ١٩١).","vol":"4","page":73},{"text":"المجتهدين أمرَ مستفتيه أن لا يعمل بفتواه إلّا مدةَ حياته، فإذا ماتَ استفتى غيرَه، بل هذا مما لا ريبَ في عدمه، فهو إجماعٌ أرجح من الإجماع [ص ١٧٠] الذي نقلتم عن الغزالي. بل فوقَ ذلك لم يكن كل أحدٍ من أهل البوادي يذهب يستفتي المجتهدَ رأسًا، بل كان يذهب بعضهم فيستفتي أحدَ المجتهدين، ثم يرجع فيُخبر أهلَه وجيرانَه وغيرهم، فيعملون بمقتضاها، وربما أخبر أولادَه فأخبروا أولادهم، واتصل العمل بذلك زمنًا طويلًا. وعلى هذا كان العمل في تلك العصور.\nفالجواب أولًا: أننا أسلفنا أن أخْذَ القاصر بقول المجتهد في عدم المعارِض إنما هو من العمل بالرواية، غاية ما فيه أنها رواية لا يجوز العمل بمثلها إلا للضرورة، وعلى هذا فلا تقليدَ هناك، فعملُ القاصر بذلك بعد وفاةِ المجتهد ليس من تقليد الميت في شيء، كما أن عمله بذلك في حياته ليس في شيء من تقليد الحي.\nثم إن عمل غيره من أهله وجيرانه بما أخبرهم به إنما هو عملٌ بالرواية، فهو يذكر لهم ما ذكره له المجتهد من الآية وتفسيرها، أو الحديث وترجمته على سبيل الرواية الصحيحة، ثم يذكر لهم إخبارَ المجتهد له أنه لا معارضَ لذلك على سبيل الرواية الجائزة للضرورة، فيجوز لهم العمل بروايته الصحيحة والاضطرارية، كما جاز له العمل برواية المجتهد كذلك. فإن أبيتم إلّا تسمية العمل الاضطراري بهذه الرواية تقليدًا فقد أسلفنا أننا قد نسلِّم ذلك، ولكنه لا يلزم من جواز هذا النوع من التقليد اضطرارًا جواز مطلق التقليد. وهكذا نقول هنا: لا يلزم من جواز هذا النوع من تقليد الميت جوازُ مطلق التقليد.","vol":"4","page":74},{"text":"ولا يقدح هذا في الإجماع الذي نقله الغزالي، لأن كلامه في التقليد المطلق، أي في العمل بمجرد إخبار المجتهد بدون معرفة دليله، وفي هذا دليل واضح على أن أهل الأصول لم يكونوا يعتبرون عملَ القاصر بإخبار العالم بعدمِ المعارض تقليدًا، وإلّا لم يُطلِقوا القولَ بمنع تقليد الميت بإجماعٍ منهم، وهذا هو عينُ ما قدَّمناه أن ذلك إنما هو نوع من الرواية يجوز العمل بها للضرورة.\n* قال المانعون: ولم تقفوا عند هذا، بل أوجبتم التزامَ مذهب إمام معين، وهذا مع عمل القرون الثلاثة في طرَفيْ نقيض، وإنما قاله من قاله لِمَا التزمه من جواز التقليد المطلق، فرأى أن العامي مُعرَّضٌ لتتبع الرخص وللتلفيق، فاحترز بإلزامه مذهبًا معينًا، على خلافٍ بينهم [ص ١٧١] يطول شرحُه. حتى إن بعضهم أجاز تتبُّعَ الرخص مطلقًا وكذلك التلفيق، وفي المثل: \"لا يَلِدُ الغلطُ إلا غلطا\". ما على فاهم الحق من عدم إباحة التقليد المطلق، بل يجب على العامي سؤال المجتهد، فإنه لا يريد تتبع الرخص، فإن اتفقت له رخصة فهو لم يقصدها عينًا. فإذا كان هناك عدة مجتهدين، فذهب العاميُّ فسأل كلَّ واحدٍ منهم، وعرفَ دليله، فوجدها متعارضة، فالواجب عليه الترجيح بين الأدلة إن اتَّسع عقلُه لذلك، وإلّا فبيْنَ المفتين بالعلم فالورع ونحو ذلك بقدر ما يفهمه. هذا إن ذهب فاستفتى كلَّ واحدٍ منهم، أما إذا اكتفى بسؤال واحدٍ منهم وهو الأولى له، فإنه يعمل بفتواه، وإن بلغَه أن غيره ــ ولو أرجح منه ــ يخالفه في ذلك.\nوأما التلفيق فإنه لا محذور فيه لإجماع أهل القرون الأولى على عدم","vol":"4","page":75},{"text":"التزام مفتٍ واحدٍ، بل تَعرِض لأحدهم مسألة في نواقض الوضوء كخروج الدم، فيذهب فيستفتي أحدَ العلماء فيُفتِيه بأنه لا ينقُض، ثم تَعرِض له مسألة في مسّ الفرج، فيذهب فيستفتي عالمًا آخر، فيُفتيه بعدم النقض، فيذهب فيتوضأ ويخرج منه دمٌ، فلا يعتبره ناقضًا بناءً على فتوى الأول، ويمسُّ فرجَه ولا يعتبره ناقضًا بناءً على فتوى الثاني، ويُصلِّي بذلك الوضوء مع أنه قد يكون المفتي الأول يرى النقضَ بمس الفرج، والثاني يرى النقض بخروج الدم. فكان جميع القاصرين في تلك الأزمنة معرَّضين للتلفيق كما ترى، والصحابة ﵃ والتابعون ومَن بعدهم من جميع العلماء لا يجهلون ذلك. ولم يكن أحدٌ منهم يُلزِم العاميَّ أن لا يستفتي إلّا مفتيًا واحدًا، ولم يكن أحدٌ منهم يُلزِمُ العاميَّ إذا جاء يستفتيه عن شيء من نواقض الوضوء أن يسمع منه جميع المسائل المتعلقة بنواقض الوضوء، فضلًا عن بقية أحكام الوضوء، فضلًا عن الصلاة، وهذا يقتضي إجماعَهم على أنه لا حرجَ في التلفيق.\nوإذا تأملتَ ما قدّمناه من أن المستفتي ليس مقلِّدًا للمفتي في شيء، وإنما هو عاملٌ بالدليل، اتضح لك أنه لا معنى لخشية التلفيق، لأنه في حكم المجتهد إذا أداه اجتهادُه إلى صورةٍ ملفَّقةٍ من مذهبَيْ مجتهدين ممن قبله، ولا حرجَ في ذلك اتفاقًا، فكذا هذا. نعم، وكما أن الإجماع المذكور حجة واضحة [ص ١٧٢] في عدم الحرج في التلفيق على الصفة المذكورة، فهو حجة على عدم الحرج في التلفيق حتى تتركَّب صورةٌ مُجمَعٌ على منعها. وهذا ظاهر أنهم كانوا يعتبرون كل جزئية من الجزئيات حكمًا مستقلًّا، فكما أن المجتهد قد يؤدِّيه اجتهاده إلى حكم من أحكام الصلاة يخالف بعضَ المجتهدين ممن قبلَه ويوافق بعضهم، ويؤديه اجتهاده إلى حكم من أحكام","vol":"4","page":76},{"text":"الصيام يخالف فيه من وافقه في الأول ويوافق من خالفَه فيه، فإنه يعمل بما أدَّى إليه اجتهاده، ولا عبرةَ بكونه يتركَّب من عبادته صورة مخالفةٌ للإجماع. وهكذا في الصلاة والوضوء، وهكذا في بعض أحكام الوضوء مع بعض. فكذلك يقال في المستفتي، وإنما يحذر مخالفة الإجماع إذا كان في جزئية واحدة. فتأمَّلْ هذا، فإنه واضح، والله أعلم.\nوفوق ما ذُكِر فإنكم حكمتم بانقطاع الاجتهاد، وقد حكى في \"إرشاد الفحول\" الخلاف في ذلك، حتى قال (^١): وقالت الحنابلة: لا يجوز خلوُّ العصر عن مجتهدٍ، وبه جزم أبو إسحاق والزبيري، ونسبه أبو إسحاق إلى الفقهاء. قال: ومعناه أن الله تعالى لو أخلى زمانًا من قائم بحجةٍ زال التكليف، إذ التكليف لا يثبت إلا بالحجة الظاهرة، وإذا زال التكليف بطلت الشريعة. قال الزبيري: لن تخلُوَ الأرضُ من قائمٍ لله بالحجة في كل وقتٍ ودهرٍ وزمانٍ، وذلك قليل في كثير، فأما أن يكون غير موجودٍ كما قال الخصم فليس بصواب، لأنه لو عُدِمَ الفقهاء لم تَقُم الفرائضُ كلُّها، ولو عُطِّلت الفرائضُ كلها لحلَّتِ النقمةُ بالخلقِ، كما جاء في الخبر: \"لا تقوم الساعةُ إلّا على شِرار الناس\" (^٢). ونحن نعوذ بالله أن نُؤخَّر مع الأشرار. انتهى.\nقال ابن دقيق العيد: هذا هو المختار عندنا، لكن إلى الحدّ الذي ينتقض به القواعد بسبب زوالِ الدنيا في آخر الزمان.\n_________\n(^١) (٢/ ١٠٣٧).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٩٤٩) من حديث ابن مسعود.","vol":"4","page":77},{"text":"وقال في شرح خطبة \"الإلمام\" (^١): والأرض لا تخلو من قائمٍ لله بالحجة، والأمة الشريفة لابدَّ لها من سالكٍ إلى الحقّ على واضح المحجة (^٢)، إلى أن يأتي أمرُ الله في أشراط الساعة الكبرى. انتهى.\nوما قاله الغزالي ﵀ من أنه قد خلا العصرُ عن المجتهد، قد سبقَه إلى القول به القفَّال، ولكنه ناقَضَ ذلك فقال: إنه ليس بمقلِّدٍ للشافعي، وإنما وافقَ رأيُه رأيَه، كما نقلَ ذلك عنه الزركشي (^٣)، وقال: قول هؤلاء القائلين بخلوّ العصر عن المجتهد ممّا يُقضَى منه العجبُ، فإنهم إن قالوا ذلك باعتبار المعاصرين لهم فقد عاصر القفال والغزالي والرازي والرافعي من الأئمة القائمين بعلوم الاجتهاد على الوفاء والكمال جماعة منهم. [ص ١٧٣] ومن كان له إلمامٌ بعلم التاريخ، والاطلاعُ على أحوال علماء الإسلام في كل عصرٍ، لا يخفى عليه مثلُ هذا، بل قد جاء بعدهم من أهل العلم مَن جمعَ الله له من العلوم فوقَ ما اعتدَّه أهلُ العلم في الاجتهاد.\nوإن قالوا ذلك لا بهذا الاعتبار، بل باعتبار أنَّ الله ﷿ رفعَ ما تفضَّل به على مَن قبلَ هؤلاء من هذه الأمة (^٤) من كمال الفَهم، وقوة الإدراك، والاستعداد للمعارف، فهذه دعوى من أبطل الباطلات، بل هي جهالةٌ من الجهالات.\n_________\n(^١) يراجع \"البحر المحيط\" (٦/ ٢٠٨).\n(^٢) في الأصل: \"الحجة\" تبعًا للمطبوعة القديمة من \"إرشاد الفحول\"، والتصويب من الطبعة المحققة (٢/ ١٠٣٨) و\"البحر المحيط\".\n(^٣) المصدر السابق (٦/ ٢٠٨، ٢٠٩).\n(^٤) في الأصل: \"الأئمة\" تبعًا للمطبوعة القديمة، والمثبت من الطبعة المحققة (٢/ ١٠٣٨).","vol":"4","page":78},{"text":"وإن كان ذلك باعتبار تيسُّر العلم لمن قبل هؤلاء المنكرين وصعوبته عليهم وعلى أهل عصورهم، فهذه أيضًا دعوى باطلة، فإنه لا يخفى على من له أدنى فهمٍ أن الاجتهاد قد يسَّره الله تعالى للمتأخرين تيسيرًا لم يكن للسابقين، لأن التفاسير للكتاب العزيز قد دُوِّنتْ، وصارت في الكثرة إلى حدٍّ لا يُمكِن حصْرُه، والسنة المطهَّرة قد دُوِّنتْ، وتكلم الأئمة على التفسير والتجريح والتصحيح والترجيح بما هو زيادة على ما يحتاج إليه المجتهد. وقد كان السلف الصالح ومَن قبلَ هؤلاء المنكرين يرحلُ للحديث الواحد من قُطْرٍ إلى قُطر. فالاجتهاد على المتأخرين أيسرُ وأسهلُ من الاجتهاد على المتقدمين، ولا يخالف في هذا مَن له فهمٌ صحيح وعقلٌ سويٌّ.\nوإذا أمعنتَ النظر وجدتَ هؤلاء المنكرين إنما أُتُوا من قِبَلِ أنفسهم، فإنهم لما عكفوا على التقليد واشتغلوا بغير علم الكتاب والسنة حكموا على غيرهم بما وقعوا فيه، واستصعبوا ما سهَّله الله على من رزقه العلم والفهم، وأفاض على قلبه أنواعَ علوم الكتاب والسنة.\nولما كان هؤلاء الذين صرَّحوا بعدم وجود المجتهدين شافعية، فها نحن نصرِّح لك مَن وُجِد من الشافعية بعد عصرهم ممن لا يخالف مخالفٌ في أنه جمعَ أضعافَ علوم الاجتهاد، فمنهم: ابن عبد السلام، وتلميذه ابن دقيق العيد، ثم تلميذه ابن سيد الناس، ثم تلميذه زين الدين العراقي، ثم تلميذه ابن حجر العسقلاني، ثم تلميذه السيوطي (^١). فهؤلاء ستة أعلام، كلُّ\n_________\n(^١) كونه تلميذ ابن حجر فيه نظر، فقد كان عمر السيوطي ثلاث سنوات عند وفاة الحافظ. وفي \"شذرات الذهب\" (٨/ ٥٢): أحضره والده مجلسَ الحافظ ابن حجر.","vol":"4","page":79},{"text":"واحدٍ منهم تلميذُ مَن قبلَه، قد بلغوا من المعارف العلمية ما يَعرِفه مَن يعرف مصنَّفاتهم حقَّ معرفتها، وكلُّ واحدٍ منهم إمام كبير في الكتاب والسنة، محيطٌ بعلوم الاجتهاد إحاطةً متضاعفةً، عالمٌ بعلومٍ خارجةٍ عنها. ثم في المعاصرين لهؤلاء كثيرٌ من المماثلين لهم، وجاء بعدهم من لا يقصر عن بلوغ مراتبهم، والتعدادُ لبعضهم فضلًا عن كلِّهم يحتاج إلى بسطٍ طويل.\nوقد قال الزركشي في \"البحر\" (^١) ما لفظه: لم يختلف اثنان في أن ابن عبد السلام بلغَ رتبةَ الاجتهاد، وكذلك ابن دقيق العيد. انتهى.\nو[حكاية] هذا الإجماع من هذا الشافعي [ص ١٧٤] يكفي في مقابلة حكاية الاتفاق من ذلك الشافعي الرافعي.\nوبالجملة، فتطويل البحث في مثل هذا لا يأتي بكثيرِ فائدة، فإن أمرَه أوضحُ من كلِّ واضح، وليس ما يقوله مَن كان من أُسَراء التقليد بلازمٍ لمن فتح الله عليه أبوابَ المعارف، ورزقه من العلم ما يخرج به عن تقليد الرجال، وما هذه بأولِ فاقرةٍ جاء بها المقلدون، ولا هي بأول مقالةٍ باطلةٍ قالها المقصِّرون.\nومن حَصَر فضلَ الله تعالى على بعض خلْقِه، وقصَرَ فهمَ هذه الشريعة المطهرة على مَن تقدَّم عصرُه، فقد تجرَّأ على الله ﷿، ثم على شريعته الموضوعة لكل عباده، ثم على عباده الذين تعبَّدهم الله بالكتاب والسنة.\nويالله العجب من مقالاتٍ هي جهالاتٌ وضلالاتٌ، فإن هذه المقالة تستلزم رفعَ التعبد بالكتاب والسنة، وأنه لم يبقَ إلّا تقليد الرجال الذين هم\n_________\n(^١) (٦/ ٢٠٩).","vol":"4","page":80},{"text":"متعبدون بالكتاب والسنة كتعبد من جاء بعدهم على حدٍّ سواء، فإن كان التعبد بالكتاب والسنة مختصًا بمن كانوا في العصور السابقة، ولم يبقَ لهؤلاء إلا التقليد لمن تقدَّمهم، ولا يتمكنون من معرفة أحكام الله من كتاب الله وسنة رسوله، فما الدليل على هذه التفرقة الباطلة والمقالة الزائفة؟ وهل النسخُ إلا هذا؟ ! سبحانك هذا بهتانٌ عظيم. انتهى (^١).\nوقد نقلتُ هذا الكلام بطوله لما فيه من التحقيق النيِّر.\nوبعد، فلا يخفاك أن الحنابلة مُطبِقون على عدم خُلوِّ الأرض من مجتهد، وأكثر أصحابنا الشافعية معهم، وثَمَّ على وجه الأرض طوائفُ من المسلمين لم يزالوا ولا يزالون يقولون بدوام الاجتهاد، كالهادوية في اليمن وغيرهم، فما معنى حكاية الرافعي الاتفاق؟ مع أن عبارته غير جازمة بذلك، ولفظها كما في \"ارشاد الفحول\" (^٢): \"الخلقُ كالمتفقين على أنه لا مجتهد اليوم\".\nوذكر الشوكاني عقبهَا ما لفظه (^٣): قال الزركشي: ولعله أخذه من كلام الإمام الرازي، أو من قول الغزالي في \"الوسيط\": \"قد خلا العصر عن المجتهد المستقل\". قال الزركشي: ونقلُ الاتفاق عجيب، والمسألة خلافية بيننا وبين الحنابلة، وساعدهم بعضُ أئمتنا. اهـ.\nومن تأمَّل ما شرطَه العلماء في المجتهد علم بطلان القول بخلوّ الزمان\n_________\n(^١) أي كلام الشوكاني في \"إرشاد الفحول\" الذي بدأ باقتباسه قبل أربع صفحات.\n(^٢) (٢/ ١٠٣٦).\n(^٣) المصدر نفسه (٢/ ١٠٣٧). وانظر \"البحر المحيط\" (٦/ ٢٠٧).","vol":"4","page":81},{"text":"عنه إلى انتقاض قواعده. وقد بيَّن السيوطي في رسالته \"الرد على من أخلدَ إلى الأرض، وجهلَ أن الاجتهاد في كل عصرٍ فرض\" أقوالَ هؤلاء الزاعمين أنه قد خلا الزمانُ من المجتهد، وأنهم إنما أرادوا المجتهد المستقل لا المجتهد المطلق، ولعله يأتي نقلُ ذلك إن شاء الله تعالى.\n[ص ١٧٥] ثم ظهر لي أن الإمام الغزالي ﵀ مصيبٌ في قوله: \"قد خلا العصر عن المجتهد المستقل\"، وأراد بالمستقل من لا ينتسب إلى مذهبٍ من المذاهب، وهذا صحيح، فإن المذاهب الأربعة لما انتشرت واستفحل أمرها عَمَّ الانتسابُ إليها أكثرَ الناس، ثم صار تعليم العلم إنما هو على طرقها، فطالب العلم لابدَّ أن يكون أبوه منتسبًا إلى أحدها، فيُرسِله إلى العلماء المنتسبين إلى مذهبه، فينشأ على ذلك المذهب، ويطلب العلم على طريقه، ثم إذا بلغ رتبةَ الاجتهاد لم تَزُلْ عنه تلك النسبة، وإن صار إنما يعمل باجتهاده ويخالف ذلك المذهب في كثير، وهو بنفسه لا يحبُّ أن تزول عنه النسبة خشيةً من الجهّال أن ينسبوه إلى الضلال، لاسيَّما والمناصب والمراتب اللائقة بأهل العلم قد صارت مختصَّةً بالمنتسبين إلى المذاهب، فيرى بقاءه منتسبًا ليتولَّى بعض تلك المناصب، فيأخذ منه ما يقتاتُه في مقابل معرفته بذلك المذهب إن كان الوقف خاصًّا ورأى صحته وصحة التخصيص، أو في مقابلِ قيامِه بتلك الوظيفة العلمية، أو غير ذلك. وهو مع ذلك يجتهد ويُصرِّح بمخالفته لمذهبه في مؤلفاته، وغير ذلك، ولكنه من حيث الاعتبار لا يزال في عداد أهل ذلك المذهب، فهو منتسبٌ على كل حال، وبهذا الاعتبار لا يُطلق عليه مستقل. وسائر المجتهدين في عصر الغزالي وقبلَه بكثير كلهم منتسبون على هذا.","vol":"4","page":82},{"text":"فهذا مراد الغزالي في قوله: \"إن العصر خلا عن المجتهد المستقل\"، وإن لم يفهمها من جاء بعده، فبنى عليها انقطاع الاجتهاد. وكيف يُعقَل أن الغزالي يقول بانقطاع الاجتهاد وهو نفسه يجتهد في أصول الدين وأصول الفقه، وله فيهما المؤلفات العديدة، والناس فيهما عيالٌ عليه، والاجتهاد فيهما يُشتَرط له شروط الاجتهاد في الفروع بالأولى.\nومع ذلك فهو القائل (^١): إنه يكفي المجتهدَ من الحديث أن يكون عنده \"سنن أبي داود\"، ويكفيه أن يَعرِف مواقعَ كلّ بابٍ، فيراجعه وقتَ الحاجة.\n[ص ١٧٦] والحاصل أنهم فهموا أن \"المستقلّ\" في عبارته قيدٌ للاجتهاد المدلول عليه بقوله \"المجتهد\"، وأنه يريد المستقلّ في اجتهاده، أي المجتهد اجتهادًا مستقلًّا. والذي أراه أنه ليس بقيدٍ للاجتهاد، وإنما هو قيدٌ للشخص، أي الشخص الجامع بين الاجتهاد والاستقلال عن الانتساب، والذي رأيتُه هو المتعين جمعًا بين أقوال هذا الإمام، وعليه فقوله بمعزِلٍ عن انقطاع الاجتهاد، إذ الاستقلال في كلامه أمرٌ اعتباري، يكفي في وجوده أن يقوم أحد أولئك المجتهدين المعدودين في أتباع المذاهب، فيصرِّح باتصافه بالاجتهاد، ويُعلِن به على رؤوس الأشهاد، فيزول ذلك الانتساب اللفظي، ويصير مستقلًّا لفظًا ومعنًى. وإذ لم يقع هذا التصريح في عصره فما المانع أن يقع بعده؟ وليس من شرط المستقل أن لا يطلب العلم (^٢) على طريقة أحد المذاهب، بل يطلبه على طريق مستقلة، ومع ذلك فلا مانعَ من أن يوجَد من يطلب العلم على طريق مستقلة.\n_________\n(^١) انظر \"المستصفى\" (٢/ ٣٥١).\n(^٢) في الأصل: \"العالم\"، وهو سبق قلم.","vol":"4","page":83},{"text":"وقد قيل: إن المراد بالمجتهد المستقل المنفيّ هو الذي يقوم بإنشاء مذهب جديد. وهذا أيضًا أمر اعتباري، فما المانع أن يُوجَد مجتهد ذو جاهٍ يكثُر تلامذتُه، فيؤسِّسون له مذهبًا؟\nوحاول بعضهم أن يجعل الفرق بين \"المستقلّ\" المنفي في كلام الغزالي في \"الوسيط\"، و\"المطلق\" المعترف بوجوده (^١)، [ص ١٧٧] وحاصلُه أن أحكام الشريعة فروع منتشرة، وإنما يتم الاجتهادُ فيها بضبطها بأصول وقواعد تُرَدُّ إليها وتُحمَل عليها، كقولهم: العام يُبنى على الخاصّ أو لا يبنى؟ المطلق يُحمَل على المقيَّد أو لا يُحمَل؟ وهكذا بقية الأصول المبيَّنة في أصول الفقه. فالأئمة السابقون قد تتبعوا الأدلة الشرعية واستقرأوها، ثم أصَّلُوا تلك الأصول، وجعلوا لكل أصلٍ عبارةً تدلُّ عليه صارت بعد ذلك حقيقةً عرفيَّةً، فمن فعلَ مثلَ ذلك كان مجتهدًا مستقلًّا. ولا شكَّ أن تلك الأصول والقواعد محصورة، وقد أتى عليها أولئك الأئمة. فالمجتهد اليوم لا يُمكِنه تأصيلُ أصلٍ لم يَسبِقُوه إليه، فهو عيالٌ عليهم في ذلك.\nوبهذا يتبيَّن أن العصر قد خلَا عن المجتهد المستقل، ليس لقصور الناس، بل لاستحالة أن يأتي أحدٌ بأصولٍ أخرى بعد أن استُغرِقت الأصول الممكنة. فالمجتهد في هذه العصور إذا اجتهد في بناء العام على الخاص، فإن ترجَّح له البناء فهو مذهب الشافعي، وإن ترجَّح له عدمُ البناء فهو مذهب أبي حنيفة، وهكذا في سائر الأصول.\nوهذا الفرق كما تراه اعتباريٌّ، وذلك أن الأئمة المتقدمين لم يأتوا بشيء\n_________\n(^١) بعده بياض في الأصل في بقية الصفحة. والكلام متصل بما بعده.","vol":"4","page":84},{"text":"من عندهم، بل ولم يعتبروا أصلًا لم يُسبَقُوا إلى اعتباره، ولو فعلوا ذلك ــ وحاشاهم ــ لكانوا من شِرار خَلْق الله تعالى. بل ولا يُحْوِج تأصيلُ تلك الأصول إلى استقراء، لأن لها دلائلَ خاصَّةً تدلُّ عليها، بخلاف الأصول اللغوية.\nمثاله: كون الحال منصوبًا بشرائط، فإن أئمة النحو إنما عرفوا ذلك باستقراء كلام العرب، وبعد الاستقراء جعلوا له هذا الضابط، وصار الناس بعدهم لا يتوصلون إلى معرفة اللغة إلّا بواسطة تلك الضوابط.\nبخلاف أصول الفقه، فإن منها ما هو مبني على العقل كالمجمل والمبيَّن، والعقل لا يحتاج إلى استقراء.\nومنها ما هو مبني على اللغة، وهو لا يحتاج إلى استقراء، بل مَن عرفَ اللغة عرفَه، ومعرفة اللغة تحصُلُ بدون معرفة كلام الأئمة في أصول الفقه.\nفمن عرف علومَ اللغة عرفَ أن صيغة \"افْعَلْ\" أصلها للطلب الجازم، وتجيء لغيره بقرينةٍ عليه، وأن نحو ﴿لَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] يدلُّ على النهي عن الضرب بالأولى، ونحو \"في الغنم السائمة زكاةٌ\" (^١) يدلُّ على أن غير السائمة لا شيء فيها. وتعلُّم اللغة هذه الأزمان ليس موقوفًا على تعلُّم ما قرَّره الأئمة في أصول الفقه، بل على أصول علوم اللغة التي أصَّلَها غيرُهم.\nومنها ما هو مبني على الشرع، وهذا لا يحتاج إلى استقراء، بل عليه\n_________\n(^١) في كتاب رسول الله - ﷺ - في الصدقة: \"في سائمة الغنم إذا كانت أربعين ففيها شاة ... \". أخرجه أبو داود (١٥٦٧) وغيره. ونحوه في كتاب أبي بكر الصديق لأنس، كما رواه البخاري (١٤٥٤).","vol":"4","page":85},{"text":"دليلٌ خاصٌّ، كما يُستدَلُّ للقياس بقوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢]. [ص ١٧٨] فالأصول المبنية على الشرع لها أدلة خاصة تدلُّ على نفس الأصل، بخلاف الضوابط التي وضعها أئمة اللغة، فليس لها أدلة كذلك، وإنما كان أمامَهم كلمات العرب المنتشرة، فلم يتم لهم وضعُ تلك الضوابط إلّا باستقرائها.\nولو فُرِض أن بعض الأصول تحتاج إلى استقراء الأدلة الشرعية، فالأدلة الشرعية في هذه العصور باقية مجموعة متيسِّرٌ الاطلاعُ عليها أكثر مما كان متيسِّرًا للأئمة السابقين، فاستقراء العالمِ لها اليومَ أتمُّ من استقرائهم، بخلاف الأصول اللغوية.\nوأما كون المجتهد اليوم إذا اجتهد في بناء العام على الخاص فلابدّ أن يوافقَ أحدَ الإمامين، فهكذا الإمامانِ لكلٍّ منهما سلفٌ من الصحابة ﵃، وإلّا لكان أحدهما خارقًا للإجماع. فلو قصرنا لفظ \"المجتهد المستقل\" على مَن لم يُسبَقْ إلى اعتبار ذلك الأصل لم يكن إلّا من الصحابة، بل والصحابة أيضًا لابدَّ أن يكون لها سلفٌ من الكتاب والسنة، فلكلٍّ من المختلفين دليلٌ، وإن كان الحقُّ في نفس الأمر واحدًا، إلَّا أنَّ كلًّا منهما يرى الموافق للكتاب والسنة هو ما رآه.\nنعم، الأئمة السابقون انفردوا بجمع تلك الأصول في تآليفَ، وبيَّنوها وبيَّنوا دلائلَها من العقل واللغة والشرع، ووضعوا لكلِّ أصلٍ عبارةً تدلُّ عليه، فكانوا ينظرون في أدلة العقل والشرع واللغة أولًا، ثم يذكرون الأصلَ ويختارون له عبارةً تدلُّ عليه. والمجتهدون المتأخرون ينظرون في تلك الكتب أولًا، ثم ينظرون في أدلة العقل والشرع واللغة.","vol":"4","page":86},{"text":"وأيضًا فالأئمة المتقدمون كانوا عارفين باللغة سليقةً، فلم يكونوا محتاجين إلى تعلُّم علوم اللغة على ما وضعه علماؤها. وعلى كل حال فالفرقُ كما قدَّمنا اعتباري. [ص ١٧٩] فإن جمعهم لتلك الأصول وبيان دلائلها وإن كانت مزيةً إلّا أنها لا تقتضي كونَ نظرهم في الأحكام أصوبَ من نظر المتأخرين، بل الأمر بالعكس، فإن في جَمْع المتقدمين لها وعنايتهم بها كابرًا عن كابرٍ [ما] يُقرِّب للمجتهد المتأخر المسافةَ، ويَجمعُ له المتشتِّت، فتكون الأدلةُ جميعًا نُصْبَ عينَيْه، وتجتمعُ له معارفُ الأولين جميعًا. وكذلك تعريفُهم تلك الأصول بعباراتٍ استحسنوها لا يَقدحُ في اجتهاد غيرِهم، بل الأمر بالعكس لما ذكرنا.\nوأما كونهم كانوا عارفين باللغة سليقةً ففيه نظرٌ، ومع ذلك فالمتأخر يتمكن من بلوغ درجتهم فيما يحتاج إليه الشرع من اللغة، بل ربما كان المتأخر أولى بذلك، فإن المتقدمين لم يكونوا عارفين بلغة العرب كلها على اختلافها، غايتُهم أن يَعرِفوا لغة أهل الأرض التي هم فيها، بخلاف المتأخرين، فإن أئمة اللغة جمعوا لهم سائر فروع اللغة كما هو معروف في كتبهم.\nوعلى كلّ حالٍ فهذه فروقٌ لا تُعتبر في الاجتهاد، ولنرجعْ إلى سياق كلام المانعين.\n* [ص ١٨٠] قال المانعون: ومع هذا كلِّه فإنكم أقمتم كلامَ أئمتكم مقامَ كلام الله تعالى وكلام رسوله في جعله أصلًا، يُؤخذ بظاهره وإيمائه وإشارته ومفهومه، ويُقاس عليه. وهكذا متأخرو أصحابِه يقيمون كلامَ مَن تقدَّمهم مقام كلام الله تعالى وكلام رسوله وكلام الإمام، وهكذا يتسلسل التقليد","vol":"4","page":87},{"text":"طبقة بعد طبقة، مع الإعراض عن كتاب الله تعالى وسنة رسوله، فاختلط ــ ولاسيّما في كتب المتأخرين ــ كلامُ الإمام بكلام أصحابه فيما استنبطوه من كلامه بكلام مَن تبعَهم واستنبط من كلامهم، إلى آخر السلسلة.\nفكم من مسألةٍ ورد فيها حكمٌ عن الإمام، وصحَّ الدليلُ بخلافها، وعمل به غيرُه من الأئمة، فأعرض أصحابه عن الدليل وعملوا بكلامه، مع أنه كان لهم العملُ بالدليل وعدُّه من مذهب الإمام، لِمَا تواتَر عن الأئمة من قولِ كلٍّ منهم: \"إذا صحَّ الحديث فهو مذهبي\" أو معناه. فإن لم تطمئن نفوسهم إلى هذا فكان لهم أن يُقلِّدوا في ذلك الحكم غيرَه من الأئمة المتفق عليهم.\nوكم من مسألةٍ لم يَرِدْ فيها عن الإمام نصٌّ، وحكمها في كتاب الله تعالى أو سنة رسوله واضح، وعمل به غيرُه من الأئمة (^١) = لم يلتفت الأتباع إلى الدليل الشرعي بل استنبطوا حكمًا من كلام الإمام، ولم يعبأوا بموافقة (^٢) الدليل الشرعي ومن عَمِل به أو مخالفته.\nوكم من مسألةٍ لم يَرِد فيها عن الإمام ولا عن أصحابه شيء، ودليلُها في كتاب الله أو سنة رسوله، وأخذ به غيرُه من الأئمة، فجاء متأخرو أتباعه فأعرضوا عن الدليل الشرعي ومَن عمل به، ونظروا في كلام مَن تقدَّمَهم مِن أتباع ذلك المذهب، فاستنبطوا منه حكمًا ما، غير ملتفتين إلى موافقة الدليل الشرعي أو مخالفته.\n_________\n(^١) قوله: \"وعمل به غيره من الأئمة\" ألحقه الشيخ بين الأسطر، فوضعناه في مكانه المناسب.\n(^٢) في الأصل: \"بمخالفة ... أو مخالفته\" سبق قلم.","vol":"4","page":88},{"text":"وهكذا اتخذوا القرآن مهجورًا، واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، والتمسوا الهدى في غير كتاب الله تعالى. وليتَهم إذْ فعلوا ذلك تركوا الدليل المخالف لهم من الكتاب والسنة ظِهْريًّا، وجعلوه نسيّا منسيًّا، لكنهم يعودون عليه بالتأويل والتحويل، والتحريف والتبديل، وصَرْفِه عن ظاهره بالوجوه البعيدة حتى يردُّوه عَسْفًا إلى موافقة ما التزموه من الأقوال التي تخالفه، حتى لقد تجيء عن الإمام أو أحدِ أتباعه عبارةٌ ظاهرها الدلالةُ على حكم، ثم نجد في كتاب الله تعالى وسنة رسوله عبارةٌ ظاهرها الدلالةُ على خلاف ذلك، فيقدِّمون ما ظهر لهم من عبارة الإمام أو أحد أصحابه على ما يظهر من عبارة الكتاب أو السنة، وإن كانت دلالة الآية أو الحديث أظهر وأرجح من دلالة عبارتهم. بل لو اتفق ورود نصٍّ قرآني لا يقبل التأويل أصلًا أو نصّ من السنة المتواترة كذلك ما رفعوا له رأسًا. وبعضهم يجيب عن ذلك بقوةٍ: هذا منسوخ، فإن طُولِب بالناسخ قال: لا أعلمه، ولكن قول إمامي بخلافه يدلُّ على اطّلاعه على ناسخه، حتى لو لم يكن قول إمامه نصًّا في ذلك، بل مما استنبطه بعض أصحابه.\n[ص ١٨١] فكأيِّنْ من دليلٍ من كتاب الله تعالى أو من سنة رسوله ﵌ أجلب عليه مقلِّد بخيله ورَجله، وعدا عليه بنَابِه وظُفْرِه، فغادرَه يتشحَّطُ في الدم، ووَدَعَه قائلًا:\n[فخرَّ صريعًا] لليدين وللفم (^١)\n_________\n(^١) عجز بيت في شعر عدد من الشعراء، منهم جابر بن حُنَي كما في \"شرح المفضليات\" للأنباري (ص ٤٤١)، وربيعة بن مكدم كما في \"الأغاني\" (١٦/ ٦٧)، والمكعبر الأسدي كما في \"الاقتضاب\" (ص ٤٣٩)، وعصام بن المقشعر كما في \"معجم الشعراء\" للمرزباني (ص ٢٧٠).","vol":"4","page":89},{"text":"لدى حيث ألقتْ رحلَها أمُّ قَشْعم (^١)\nأتدري أيها الشيخ أيَّ دمٍ أرَقْتَ؟ وأيَّ أديم مزَّقْتَ؟ أتحسبُ فريستَك هي ذلك الدليل المخالف لهواك؟ كلَّا فإنه حجة من حُجج الله تعالى على خلقه، وحجج الله تعالى معصومة: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧]. إنما مُثِّلَ لك دينُك وإيمانُك، فعليهما كان عدوانك! ومن دَمِهما ارتوى سيفُك وسنانُك! وبمَصْرعِهما اشتفَى هواك وشيطانُك! وقد كنتَ في غِنًى عن هذا، فإنك تقول: إنك مقيَّدٌ بمذهبك، لا يلزمك الخروج عنه ولو ثبتَ الدليل، ولا يلزمُك إقامةُ دليلٍ على صحة مذهبك ولا دَفْعُ دليلٍ يخالفه، وتقول: إن فَهْمَ الأدلةِ كما ينبغي خاصٌّ بالمجتهد. فما حملَكَ بعد ذلك أن تسعَى لتكلُّف الاحتمالات البعيدة لمناصرة مذهبك، وتعدو على الأدلة المخالفة له فتؤوِّلها وتحوِّلها وتحرِّفها عن مواضعها؟ فهل هذا إلّا التناقض المحض والتعصب البحت؟ وهل هذا إلّا غِلٌّ في قلبك على كل ما خالف مذهبك وغلوٌّ في التعصب له؟ عكس ما ورد في الحديث الصحيح: \"لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئتُ به\" (^٢).\nنعم، التأويل جائزٌ للمجتهد عند تعارض الأدلة للجمع بينها، مع تحرِّي الحقّ وتوخِّي الأرجح في نفس الأمر، أما في غير ذلك فلا، ولا كرامة.\n[ص ١٨٢] بالله عليك تدبَّرْ قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي\n_________\n(^١) عجز بيت لزهير من معلقته.\n(^٢) أخرجه ابن أبي عاصم في \"السنة\" (١٥) والخطيب في \"تاريخ بغداد\" (٤/ ٣٦٩) والبغوي في \"شرح السنة\" (١٠٤) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص. قال ابن رجب في \"جامع العلوم والحكم\" (٢/ ٣٩٤): تصحيح هذا الحديث بعيدٌ جدًّا من وجوه، ثم ذكرها.","vol":"4","page":90},{"text":"مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٦) وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٥٠) إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور: ٤٦ - ٥٢]. فانظُرْ أين تضعُ نفسَك؟ فإن لنفسك عليك حقًّا، فلا تُلْقِها في مهاوي الهلاك، وقد خلق الله لك سمعًا وبصرًا وفؤادًا، والحق واضح ما عليه حجاب.\n[ص ١٨٣] وَيْحَك يا مسكين! إن كنتَ من الذين آمنوا فإن الله تعالى خاطبهم بقوله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣) إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١ - ٥].\nوقال ﷾: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ","vol":"4","page":91},{"text":"إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النساء: ٥٩ - ٦٢].\nما أشبه حالَ المقلدين بقولِ هؤلاء: \"إن أردنا إلا إحسانًا وتوفيقًا\".\nقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (٦٣) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤) فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٣ - ٦٥].\nفعلى المؤمن أن يتأدب مع الأحاديث الثابتة عن رسول الله ﵌ كما لو كان بحضرته ﵌. فانظر يا مسكين كيف حالُك في هذا الواجب؟\nومن العجائب أن المقلدين يتركون النصوص المتواترة عن إمامهم بأنه إذا صحَّ الحديث فهو مذهبه، وأنه راجعٌ عما يخالفه، إلى آخر ما ورد، ويأخذون بمفهومٍ من قوله أو إشارةٍ أو إيماءٍ، أو مجردِ رأي أحدِ أتباعِه. ومن ذلك ما ذكره أصحاب الإمام الشافعي رحمه الله تعالى أن مذهبه جواز تعدد الجمعة في بلد واحدٍ للحاجة، وذكروا أنهم أخذوا ذلك من تقريره لأهل","vol":"4","page":92},{"text":"بغداد، حيث دخلَها والجمعةُ متعددةٌ بها، فلم ينكر ذلك. ومع هذا فنصُّه ظاهرٌ في منع التعدد مطلقًا (^١). فلا أدري من أيهما أَعجَبُ؟ أمِن استدلالِهم بتقريرِه أم من تركِهم لنصِّه حيثُ لم يوافقْ هواهم؟ مع كونهم مسجِّلين على أنفسهم أنهم لا يتركون كلامَه ولو ظهرتْ دلالةُ القرآن بخلافه، أو صحَّ الحديث بخلافه، وعاملين بذلك كأنهم لم يعلموا أن تقرير النبي ﵌ إنما كان حجةً لعصمته - ﵌ -، فمن المحال أن يرى أحدًا يفعل شيئًا غيرَ جائزٍ فيسكت عن إرشاده. والشافعي رحمه الله تعالى على فضله لم يَصِلْ إلى هذه الدرجة، ومع هذا فإنه دخلَ بغداد وهي مقرُّ الخلافة، وفيها جماعة مجتهدون هم المُفتون بجواز تعدد الجمعة، فهل يسوغُ للشافعي أن يقول: أيها الناس! لا تعملوا بفتوى هؤلاء العلماء، بل أنا أفتيكم؟ ومع ذلك فهو لا يأمنُ على نفسِه من الضرر. ومع هذا فالجمعتان في بغداد كانت إحداهما في الجانب الشرقي، والأخرى في الغربي، والنهر حائل بين الجانبين، وكلٌّ من الجانبين في حكم بلدٍ مستقل. ومع هذا فقد كان هذا التقرير في القديم، وقد نصَّ في الجديد على خلافه، فقد [ص ١٨٤] [نصَّ على] (^٢) المنع، أي منع إقامة جمعتين مطلقًا، وأن ذلك هو المتعين (^٣)، لإجماع السلف على عدم التعدُّد مع الحاجة إليه، وبَسَطَ ذلك بما ينبغي أن تراجعه.\nفإن قيل: إن الأصحاب رأوا منعَ التعدُّد مشدَّدًا جدًّا، فعَدَلوا عنه.\nفالجواب: أنه إن كان التشديد في هذه المسألة هو حكم الله تعالى\n_________\n(^١) انظر \"الأم\" (٢/ ٣٨٥).\n(^٢) ذهب التآكل في رأس الورقة بكلمتين أو ثلاث. ولعلها ما أثبتناه.\n(^٣) هنا كلمة لم نتبينها، والسياق مستقيم بدونها.","vol":"4","page":93},{"text":"فليس لهم أن يخففوا ما شدَّد الله، وإن لم يكن التشديد فيها هو حكم الله فمن أين فهموا ذلك؟\nفإن قالوا: مِن مذهب الشافعي.\nقيل لهم: كلَّا، فإنه ليس معكم إلّا إقراره لأهل بغداد، وهذا لا يتمسك به عاقل.\nوإن قلتم: مِن قواعده \"أن المشقة تَجلِبُ التيسير\".\nقيل لكم: هذه قاعدة أغلبية، وقد نصَّ في هذا الفرع على خلافها، فكان مخصّصًا لها، ومذهبُه ﵀ بناءُ العامّ على الخاص. ومع ذلك فالمشقة هنا لم تتحقق، إذ يُمكِن أهلَ البلد الواحد أن يُصلُّوا في الشوارع التي عند الجامع، أو يوسِّعوا جامعَهم، أو يبنوا أوسعَ منه. ويمكنكم أن تقولوا بأن من لم يدرك وُسْعًا في الجامع وحوالَيْه تسقط عنه الجمعة ويجب عليه الظهر، ونحو ذلك.\nوإن قلتم: فهمنا ذلك من كتاب الله تعالى وسنة رسوله.\nقيل: فما هو؟ سلَّمنا وجودَه، لكن أنتم مقلِّدون لا تُسوِّغون لنفوسكم الخروجَ عن المذهب.\nفإن قالوا: إن الإمام ﵀ قال: \"إذا صحَّ الحديثُ فهو مذهبي\". وفي معنى صحة الحديث صحةُ دليلٍ آخر.\nقيل: فهلَّا طردتُم هذا في جميع المسائل؟ فعملتم بقول الإمام فيما وافقَ الكتابَ والسنة، وعدلتم عما لم يوافق إلى عموم قوله: \"إذا صحَّ الحديث فهو مذهبي\"، فتكونوا أسعدَ خلقِ الله بمذهبه، ومِن أسعدِ خَلْقِ الله باتباع كتاب الله تعالى وسنة رسوله.","vol":"4","page":94},{"text":"ثم لماذا عدلتم في هذه المسألة عن ذكر هذا، وأوهمتم الناسَ أن تقرير غير النبي ﵌ حجة؟ سبحانك هذا بهتان عظيم. إذا كان قولُ العشرة المبشَّرين بالجنة وجمهور الصحابة لا يُعدُّ دليلَ حجةٍ حتى يُجمع جميعُ الصحابة، فما بالك بواحدٍ من غيرِهم؟ وقد مرَّ أن مدار حجية التقرير على العصمة، وهذا مما لا خلافَ فيه. نعم، إنما عدلتم عن ذلك لئلا يلزمكم ما أُلزِمُكموه من ترك قوله في كل ما خالف الحديث الصحيح، بل ذلك ما ألزمتموه أنفسَكم بكلمة الإسلام وشهادة الحق، فإنّ مِن لازمها أن لا تُحِلُّوا إلّا ما ثبتَ حِلُّه عن الله ورسوله، ولا تُحرِّموا إلّا ما ثبتَ تحريمُه عن الله ورسولِه، وإلّا كنتم كالذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا. والله يهدي مَن يشاء إلى صراطٍ مستقيم.\n[ص ٢٨] فصل\nالأئمة الأربعة كغيرهم من أئمة السلف قد ثبت عنهم النهيُ عن التقليد من طرقٍ كثيرة، وكان إفتاؤهم للناس على عمل السلف من إجابة السائل بتلاوة الآية أو رواية الحديث، وتفسير ذلك وبيان دلالته. وقد أسند البيهقي (^١) إلى الربيع قال: سمعتُ الشافعي وسأله رجلٌ عن مسألة، فقال: رُوي عن النبي ﵌ أنه قال كذا وكذا، فقال له السائل: يا أبا عبد الله! أتقول بهذا؟ فارتعد الشافعي واصفرَّ وحالَ لونُه، وقال: ويحك! أيُّ أرضٍ تُقِلُّني، وأيُّ سماء تُظِلّني إذا رويتُ عن رسول الله ﵌ شيئًا ولم أقل به؟! نعم على الرأس والعين، نعم على الرأس والعين.\n_________\n(^١) في \"مناقب الشافعي\" (١/ ٤٧٥). وقد تقدم.","vol":"4","page":95},{"text":"وفي \"إعلام الموقعين\" (^١): وقال الحميدي: سأل رجلٌ الشافعيَّ فأفتاه: قال النبي ﵌ كذا وكذا، فقال الرجل: أتقول بهذا يا أبا عبد الله؟ فقال الشافعي ﵀: أرأيتَ في وسطي زُنَّارًا؟ أتُراني خرجتُ من الكنيسة؟ [ص ٢٩] أقول: قال النبي ﵌، وتقول لي: أتقولُ بهذا؟ أروي عن النبي ﵌ ولا أقول به؟ !\nومن ذلك ما نُقِل عن ابن عبد البر (^٢) قال: وجاء رجلٌ إلى مالك فسأله، فقال له مالك: قال رسول الله ﵌ كذا وكذا، فقال الرجل: أرأيتَ؟ فقال مالك: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]. وقال: لم يكن فُتيا الناس أن يقال لهم: قلتُ هذا، بل كانوا يكتفون بالرواية ويرضون بها.\nوإنما نقلنا هذه لتعلموا أن الأئمة الأربعة ﵏ كان عملهم في الإفتاء بعمل السلف بتلاوة الآية أو ذِكْر الحديث على ما مرَّ.\nوأما منعهم عن التقليد وإرشادهم الناسَ إلى اتباع السُّنَّة وتركِ قولهم، فالآثار عنهم في ذلك كثيرة مشهورة في كتب المؤلفين. وكفى في ذلك ما ذكره المزني في أول \"المختصر\". وإننا لنعوذ بالله ﷿ من أن نتَّهم الأئمة الأربعة أو غيرهم من العلماء بأنهم يرضَون بتقديم قولهم على قول الله تعالى ورسوله، حاشاهم، بل وحاشا كلّ مسلمٍ من هذا القول الذي هو الكفر الصُّراح والشرك البَواح. وقد كان تعليمهم لتلامذتهم إنما هو بذكر\n_________\n(^١) (٢/ ٢٦٦). وانظر \"مناقب الشافعي\" (١/ ٤٧٤).\n(^٢) انظر \"التمهيد\" (٨/ ٤١١) و\"الاستذكار\" (٢١/ ٢٥).","vol":"4","page":96},{"text":"أدلة الحكم والاستدلال بها، والإجابة عما يخالفها، فكانوا يعلِّمونهم الاجتهادَ. وهذا واضح من كتبهم.\nومع ذلك فتقليد الميت باطلٌ بإجماع أهل الأصول كما مرَّ. على أنكم غيرُ مقلِّدين لهم، فإنهم لم يتكلَّموا في كل مسألةٍ، وإنما أخذ أتباعُهم يُفرِّعون على أقوالهم ويقيسون ويُرجِّحون، فصار التقليد مركبًا بدرجات كثيرة. ثم جاء المتأخرون، فخلطوا الأحكام المأخوذة عنهم بالأحكام المقيسة على كلامهم [و] بالأحكام التي (^١) اخترعها الأتباعُ بآرائهم، مع أن المقرر في الأصول أن لازمَ [ص ٣٠] المذهب ليس بمذهب. فالأحكام المأخوذة من لازِم قولهم ليست على هذا مذهبًا لهم.\nوالحاصل أن التقليد من أصله قد قام الدليل على مَنْعه، كما هو مفصَّلٌ في كتب القوم، مما هو معروفٌ متداولٌ بين الناس، ومرَّ في هذه الرسالة وسيأتي فيها إن شاء الله تعالى ما يكفي في ذلك.\nولو سلَّمنا جواز التقليد للأحياء فإنه لا يجوز للأموات، ولو سلَّمنا جوازه للأموات لما جاء إلّا لما ثبتَ من نصوصهم.\n* [ص] (^٢) قال المقلدون: هاهنا ثلاثة أمور:\nالأول: قولكم: \"إن أهل الثلاثة القرون إنما كانت فتواهم بتلاوة الآية أو رواية الحديث\" فنقول: هذا ليس على إطلاقه، كيف وفي المجتهدين مَن يقول بمجرد اجتهاده إذا لم يجد دليلًا من كتاب الله تعالى وسنة رسوله، كما\n_________\n(^١) في الأصل: \"الذي\" سهوًا.\n(^٢) بداية صفحة جديدة ولم ترقم في الأصل.","vol":"4","page":97},{"text":"ورد عن كثير من الصحابة ﵃، منهم الصدِّيق ﵁ وغيره، كانوا إذا جرت واقعةٌ وأعوزَهم الدليلُ من كتاب الله تعالى أو سنةِ رسوله اجتهدوا برأيهم، ثم يقول المجتهد: إن كان صوابًا فمِن الله، وإن كان خطأ فمنِّي ومن الشيطان (^١)، أو نحو ذلك.\nالثاني: قولكم: \"إنه لم يكن منهم مَن يلتزم اتباعَ إمامٍ معين\". وهذا قد يُنازَعُ فيه، فقد كان لابن عباس أتباعٌ مخصوصون، ولابن مسعودٍ كذلك، وكذا مَن بعدهم. وأما الأئمة الأربعة فاتِّباعُ تلامذتهم لهم لا يخفى على أحد.\nالثالث: حكاية إجماع الأصوليين على منع تقليد الميت، لا يخفى ما فيها، فإن تلامذة الأئمة الأربعة لم يزالوا عاملين بمذاهبهم بعد موتهم، وهكذا مَن بعدهم، وهلُمَّ جرًّا.\n* قال المانعون: أما الأول فإننا إنما أطلقنا القول لأن الحكم لا يؤخذ إلّا عن دليل من الكتاب والسنة ولو بواسطة القياس، فإن فُرض أن مجتهدًا لزِمَه النظرُ في واقعة، وتعيَّن عليه فورًا، فإنه يسوغ له أن يجتهد رأيَه بما هو الأولى والأشبه بالشرع، ويلزمه حينئذٍ أن يخبر بأن ذلك اجتهاد منه، كما قال الصدِّيق وغيره، وحينئذٍ فيجوز العمل بذلك الاجتهاد للضرورة. فإن ظهر دليلٌ وجب\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في \"المصنَّف\" (١٩١٩١) وابن أبي شيبة في \"المصنَّف\" (١١/ ٤١٥، ٤١٦) والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٦/ ٢٢٣) عن أبي بكر، وأخرجه الطحاوي في \"مشكل الآثار\" (٩/ ٢١٤) والبيهقي (١٠/ ١١٦) عن عمر، وأخرجه أحمد في \"المسند\" (١/ ٤٣١، ٤/ ٢٧٩) وأبو داود (٢١١٦) والنسائي (٦/ ١٢٢) عن ابن مسعود. وانظر \"التلخيص الحبير\" (٤/ ١٩٥).","vol":"4","page":98},{"text":"المصير إليه. [٣١] وسيأتي شرح هذا إن شاء الله في كلام الإمام الشافعي.\nوأما الثاني فليس الأمر كما زعمتم، فإن أصحاب ابن عباس لم يكونوا مقلدين له، وإنما كانوا يأخذون عنه العلم بالرواية، وكثيرًا ما يأخذون عن غيره كما يعرفه من مارسَ الآثار، وكذا أصحاب ابن مسعود وغيره، وكذا أصحاب الأئمة الأربعة، كان أخذهم عنهم بطريق الرواية لا غير، كما هو معروف في كتبهم. كيف لا وقد تواتر عن الأئمة الأربعة المنعُ من التقليد مطلقًا؟ وإنما كان تعليمهم لتلامذتهم روايةً للأحاديث وتعليمًا لطُرق الاجتهاد، فدوَّن تلامذتهم كلامهم كذلك ليستعين به مَن بعدهم في حفظ الأحاديث وتعلُّم كيفية الاجتهاد، لا ليجمُدوا عليه، بل بيَّنوا أنهم ــ أي الأئمة ــ يمنعون من التقليد، كما تراه في أول \"مختصر المزني\". ولهذا ترى أصحاب كل إمام قد خالفوه في عدة مسائل ترجَّح لهم فيها خلافُ ما ترجَّح له. وقال بعض المنتسبين إلى مذهب الشافعي (^١): لسنا مقلدين للشافعي، [ص] (^٢) وإنما وافق رأيُنا رأيَه.\nوقال السيوطي في رسالته: \"الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض\" (^٣) ما لفظه: \"وللمفتي المنتسب أربعة أحوال، أحدها أن لا يكون مقلِّدًا لإمامه، لا في المذهب ولا في دليله، لاتصافه بصفة المستقلّ، وإنما يُنسَب إليه لسلوكه طريقَه في الاجتهاد، وادَّعى الأستاذ أبو إسحاق هذه الصفة لأصحابنا، فحكى عن أصحاب مالك وأحمد وداود\n_________\n(^١) انظر ما سبق (ص ٧٨).\n(^٢) بداية صفحة جديدة لم ترقم في الأصل.\n(^٣) (ص ١١٤).","vol":"4","page":99},{"text":"وأكثر الحنفية أنهم صاروا إلى مذاهب أئمتهم تقليدًا لهم، ثم قال: والصحيح الذي ذهب إليه المحققون ما ذهب إليه أصحابنا، وهو أنهم صاروا إلى مذهب الشافعي لا تقليدًا له، بل لمّا وجدوا طريقَه في الاجتهاد والقياس أسدَّ الطرق، ولم يكن لهم بدٌّ من الاجتهاد، سلكوا طريقَه، فطلبوا معرفةَ الأحكام بطريق الشافعي\".\nوذكر في تلك الرسالة نحو هذا عن القاضي عبد الوهاب المالكي (^١)، نقل عنه كلامًا طويلًا في إبطال التقليد، وفي آخره (^٢):\n\"فإن قيل: فهذا خلاف ما أنتم عليه من دعائكم إلى درسِ مذهب [مالك] بن أنس واعتقادِه، والتديُّنِ بصحته وفسادِ ما خالفه.\nقلنا: هذا ظنٌّ منك بعيد، وإغفال شديد، لأنا لا ندعو من ندعوه إلى ذلك، إلّا إلى أمرٍ قد عرفنا صحته وعلمنا صوابه بالطريق الذي بيَّناه، فلم نخالفْ بدعائنا إليه ما قررناه وعقدنا البابَ عليه\".\nقلتُ: وكان تعليمهم مذهب مالك حينئذٍ ليس بذكر مجرد قوله، بل بسَرْد حُججِه من الكتاب والسنة وبيانِ ما لها وعليها. وهذا وجه اندفاع المناقضة. ثم إن قول الأستاذ أبي إسحاق في أصحابنا المتقدمين: \"إنهم صاروا إلى مذهب الشافعي ... \" إلخ، أي: في معظم الأحكام، فلا ينافي ذلك أنهم قد يخالفونه إذا ترجَّح لهم ما يخالفه. ويحتمل أن يبقى الكلام على إطلاقه، مع اعتبار مذهب الشافعي بما ثبت بالدليل، وإن نُقِل عنه ما\n_________\n(^١) (ص ١٢٣ - ١٢٦).\n(^٢) (ص ١٢٦).","vol":"4","page":100},{"text":"يخالفه، عملًا بقوله: \"إذا صحَّ الحديث فهو مذهبي\". ومثلُ هذا يقال في كلام القاضي عبد الوهاب ليتم اندفاع المناقضة في كلامه. والله أعلم.\n[ص ٣٢] وبهذا عُلِمَ الجواب على الأمر الثالث، فإن تلامذة الأئمة وعدة طبقات ممن بعدهم لم يكونوا متبعين للأئمة اتباعَ تقليدٍ، وإنما كانوا يتعلمون علمه، فيستعينون به على الاجتهاد، وكثيرًا ما يخالفونه كما علمتَ.\nوأما مَن جاء بعد ذلك فجمَدَ على التقليد، فاستغنى بكلام الإمام عن كتاب الله تعالى وسنة رسوله، واتخذ كتابَ الله مهجورًا، ولم يرفع إليه رأسًا، فهؤلاء لا حجةَ في عملهم، لأنهم لم يكونوا مجتهدين فيُعتَبر قولهم في الإجماع، ولا تجوز فتواهم، ولا تُجيزون أنتم تقليدهم، فأنتم وهُم سواءٌ. ومن راجع مؤلفاتهم علم مقدارَ علمهم بكتاب الله تعالى وسنة رسوله.\nعلى أنه لم يزل في المنتسبين إلى الأئمة علماء أجلَّةٌ عارفون بكتاب الله تعالى وسنة رسوله، ينكرون التقليد ويمنعونه ويتبعون الدليل، كما هو مفصَّل في محالِّه من الكتب المؤلفة في إبطال التقليد. فأولئك في الحقيقة مجتهدون، وإن كان تيَّار التقليد حين طمَّ على الأمة حَرَمَهم من لقب الاجتهاد، وحَرَمَ الأمةَ من الاهتداء بهَدْيهم والانتفاع بعلمهم، إلّا أن آثارهم والحمد لله محفوظة.\nتلك آثارنا تدلُّ علينا ... فانظروا بعدنا إلى الآثار (^١)\nنحن لا ننكر أن تقديم المقلدين لقول إمامهم على الدليل الشرعي صادر عن حسنِ ظنٍّ به [ص ٣٣] أنه قد أحاط بأدلة الكتاب والسنة، فرأوا أنه\n_________\n(^١) البيت في \"ريحانة الألباء\" (١/ ٣٠٢) بلا نسبة.","vol":"4","page":101},{"text":"إذا كان صريحُ كلامه أو مفهومه يخالف ظاهرَ آيةٍ أو حديثٍ، فالظاهر أنه إنما ذهب إلى خلاف ذلك لدليلٍ أقوى منه ثبتَ لديه، ولا يلزم من عدم اطلاعنا على دليله عدمُه، لما لا يخفى أن عدم العلم ليس علمًا بالعدم.\nوهذا في الحقيقة غلوٌّ مذموم وجهلٌ فاحش، لأن الأصل عدم اطلاعه على هذا الدليل، والأصل أنه لا دليل يخالفه. وكم من حديث لم يعمل به الأئمة لعدم صحته لديهم، وقد صحَّ بعدهم، وسيأتي إن شاء الله.\n[ص ٣٤] ومن جنس ما ذكرناه دليل بقاء وقت المغرب إلى غروب الشفق، فإن الشافعي ﵀ نصَّ على أنه لم يصحَّ لديه، وأنه إن صحَّ وجبَ العمل به. وقد صحَّ بعده ذلك الدليل، بل هو في أعلى درجات الصحة، وصار إليه أصحابه، إما عملًا بالدليل الثابت، وإما ــ وهو الظاهر ــ عملًا بوصيته. وعلى كلٍّ فكان ينبغي لهم أن يُوسِّعوا الدائرة، فيعملوا بكل ما ثبت من الأدلة عملًا بوصية الإمام أنه إذا صحَّ الحديث فهو مذهبه، وأن يعملوا بما صحَّ عنه من نهيه عن تقليده وتقليد غيره، ويقتدوا بسيرته في الإفتاء والتدريس ببيان الحجج.\nومن المعلوم أن السُّنَّة كانت في عهد الأئمة مفرَّقةً بتفرق التابعين في مشارق الأرض ومغاربها، وإنما تتبعها مَن بعدهم ودوَّنها، وذلك من فضل الله تعالى على هذه الأمة.\nوأيضًا كيف يسوغ لرجلٍ يؤمن بالله واليوم الآخر تركُ العمل بآية من كتاب الله تعالى أو حديث صحيح عن رسول الله ﵌، لمجرد احتمالِ أنه ثبتَ عند إمامِه ما يخالفه؟ مع أن الأئمة نصُّوا على أنه إذا صحَّ الحديث بخلاف قولهم وجبَ أن يُرمى بقولهم عرضَ الحائط، وأنهم","vol":"4","page":102},{"text":"راجعون عن ذلك القول المخالف في حياتهم وبعد مماتهم، وأنه إذا صحَّ الحديث فهو قولهم ومذهبهم. فلو أن إنسانًا من المنتسبين إلى أحد الأئمة عملَ بحديث صحيح لكان أسعدَ خلْقِ الله باتباعِ مذهب ذلك الإمام، لأن القول الذي يخالف الحديث إن كان نصًّا من الإمام فهو مرجوع عنه بما ذكر، وإن كان من تخريج الأصحاب فهو أوهى وأوهنُ. هذا علاوةً على أنه أسعدُ خلق الله باتباع دين الله في تلك القضية.\nفصل\nويقال لمن ناظر في مسألة التقليد: أمجتهدٌ أنتَ فيها أم مقلِّد؟\nفإن قال: مجتهد، كان ذلك تسليمًا منه ببقاء الاجتهاد.\nوقيل له: مجتهد مطلق أم في هذه المسألة فقط؟\nفإن قال: مُطْلق.\nقيل له: فلماذا تُنازع في مسألة التقليد؟\nقال: ليترخص به العامة.\nقيل له: إنه لا يَسوغُ للعامي العملُ بالتقليد إلا بعد علمه بجوازه، ولا سبيلَ له إليه، لأنه إن ادّعاه عن دليلٍ فالأدلة في ذلك ــ على علّاتها ــ ظنية، يفتقر جوازُ العمل بها إلى اجتهاد، وليس من أهله. أو عن تقليدٍ أيضًا عاد السؤال وهكذا. ونعني بالعلم الظنَّ الذي يُسوِّغ الشرعُ الاستنادَ إلى مثله.\nوإن قال: بل في هذه المسألة فقط.\nقيل له: هذا متوقّفٌ على القول بجواز تجزِّي (^١) الاجتهاد، وإنها مسألة\n_________\n(^١) كذا في الأصل، مصدر تجزَّى بالتسهيل، والأصل: \"التجزُّؤ\".","vol":"4","page":103},{"text":"خلافية، فمقلدٌ أنت فيها أم مجتهد؟\nفإن قال: مقلِّد.\nقيل له: فاجتهادك في مسألة التقليد باطل، لبنائه على أصلٍ أنتَ فيه مقلِّد.\nوإن قال: بل مجتهد فيها أيضًا.\nقيل له: هذا لا يصحّ، وذلك أن كونه يجوز لك الاستناد إلى القول بجواز التجزِّي متوقفٌ على غلبة ظنك بجواز التجزِّي، وغلبةُ ظنك بجواز التجزِّي متوقف على اجتهادك في مسألته اجتهادًا يغلبُ على ظنِّك صحتُه، واجتهادُك فيها اجتهادً يغلب على ظنك صحتُه متوقف على غلبة ظنك بأنك أهلٌ للاجتهاد فيها، وغلبةُ ظنك بأنك أهلٌ للاجتهاد فيها متوقف على غلبة ظنك أنه يجوز لك الاستنادُ إلى القول بجواز التجزِّي، وإنه دَوْر.\nوإن قال: أنا في مسألة التقليد مقلِّدٌ أيضًا، أُورِدَ عليه السؤالُ الذي قدَّمنا.\nفقيل له: إنه لا يَسُوغ لك الاستنادُ إلى التقليد إلّا بعد غلبة ظنك بجوازه، ولا سبيل لك إليها، لأن غلبة الظن إمّا عن دليل، والأدلة في هذا ــ على علاتها ــ ظنية تفتقر إلى الاجتهاد، ولستَ من أهله؛ وإما عن تقليدٍ، فيعود السؤال، وهكذا.\nفإن قال: فإن غلبة الظن بجواز التقليد حصلتْ لي بفتوى مجتهدٍ ذكرَ لي فيها الأدلة الشرعية، وفسَّرها لي، وأخبرني أنه ليس لها معارض معتبر.","vol":"4","page":104},{"text":"قيل له: مجتهد مقيّد أم مطلق؟\nفإن قال: مقيّد، أُورِدَ عليه ما مرَّ.\nفإن قال: مطلق.\nقيل له: فهلَّا صنعت في جميع فروع دينك هكذا، فتكون ناجيًا بيقين؟\nويقال له ولمن تعامَى عن البرهان المتقدم: لمن أنتَ مقلِّد؟ فإن سمَّى أحدًا من الأئمة [ص ٦٠] قيل له: إن هذا الإمام قائلٌ ببطلان التقليد، وهذه نصوصه في كتبه وكتب أصحابه وغيرها، وهذه الأدلة من كتاب الله تعالى وسنة رسوله وأقوال العلماء، مع عمل السلف الصالح الصحابة فمَن بعدهم والأئمة، تؤيِّد ما قاله من المنع.\nفإن قال: لكن بعض العلماء نُسِب إليه القول بجواز التقليد.\nقيل له: دعْ \"قِيل وقال\" العاطل عن الاستدلال، واسمعْ نصوصَ ربك ﷿ ونصوصَ نبيك وأصحابه وأتباعهم وأئمة الدين، ومنهم إمامك. فإن وفَّقه الله تعالى فلله الحمد، وإلّا فقل له: فهاهنا مخرجٌ حسن، وهو أن تعتمد استفتاء علماء الكتاب والسنة الموجودين في عصرك، فتسألهم عما يعرض لك من أمور دينك، فيخبرك المسؤول بالدّليل الذي في المسألة من كتاب الله تعالى وسنة رسوله، ويفسِّر لك معناه، ويبيِّن لك وجه الدلالة، ويُخبرك بأنه لا معارضَ له، وأنه أخذ بمقتضاه من الأئمة المشهورين فلانٌ، فيكون عملك بهذه الفتوى عملًا بكتاب الله تعالى وسنة رسولِه وفتوى العالم المعاصر لك، مع اطمئنان قلبك بقول أحد الأئمة المشهورين ما يوافق ذلك، إذ تكون في حكم المقلد له، وأنت ترى صحة تقليده.","vol":"4","page":105},{"text":"فإن قال المتعامي عن البرهان المتقدم: لكن في هذا تبعيض التقليد [ص ٢٦] والتعرض للتلفيق. وقد أخبرني بعض العلماء بمنع ذلك ووجوبِ الالتزام لمذهب إمام معين.\nقيل له: هذا التحريج قول باطل، وذُكِر له عملُ الأمة في زمن الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وغيرهم، مع نصوص العلماء المصرّحين بجواز تجزِّي التقليد ونحو ذلك مما مرَّ بيانه، وذُكِّر بنصوص الكتاب والسنة وعمل السلف في وجوب العمل بالدليل، وبنصوص إمامه وغيره في ذلك، وبُيِّن له أن الإمام الذي يريد أن يلتزم مذهبَه مطلقًا غير معصوم ولا محيط بالشريعة، ولا يدَّعى له ذلك. وقد تواتر عنه ما يفيد ذلك من الاعتراف بأنه معرَّض للخطأ مع عدم إحاطته بالشريعة، وتواتر عنه الأمر بتقديم ما صحَّ من الأدلة على قوله.\nومثلُه في ذلك سائر الأئمة وجميع أفراد الأمة ما عدا نبيها ﵌. وذُكِر له بعض الأدلة العقلية والنقلية على ذلك مما بيَّناه في هذه الرسالة وغيره.\nوقيل له: إننا نتلو عليك آية من كتاب الله تعالى، أو نروي لك حديثًا صحيحًا عن رسوله ﵌، ونبيِّن لك دلالته على حكم من الأحكام بحسب ما تقتضيه اللغةُ العربية والإطلاقات الشرعية، ونذكر لك مَن أخذ بذلك من الأئمة الأربعة، وأنه لا معارضَ لذلك من الأدلة الشرعية، فيجيء رجلٌ مقلِّد فيخبرك بحكمٍ فهمه من كلام مقلِّد آخر، وأن ذلك المقلد فهمه من كلام مقلِّد ممن تقدَّمه، وهلُمَّ جرًّا، حتى تتصل الحلقات بالإمام المجتهد. ففهْمُ المقلّد الذي أفتاك يحتمل الخطأ، وتلك العبارة التي فهم منها ذلك يحتمل أن يكون لها معارض من العبارات","vol":"4","page":106},{"text":"الأخرى، وقسْ على هذا قولَ مَن تقدمَه وهكذا مَن قبلهم إلى آخر السند، مع أن الإمام المجتهد يحتمل أن يكون أفتى بما أفتى عن دليل ثابت، ويحتمل أن يكون اجتهد في ذلك برأيه لعدم استحضاره للدليل، كما وقع كثير من ذلك لأكابر الصحابة ﵃ وغيرهم. وعلى فرض كونه أخذه من دليل ثابت، فذلك الدليل محتملٌ لأن يكون له معارضٌ لم يطلع عليه الإمام واطلعَ عليه غيره، أو لم يثبت عنده وثبتَ عند غيره، كما في وقت المغرب في قول الشافعي، وغير ذلك مع ما تقدم بيانه [ص ٢٧] من أن جَمْع العلم كان صعبًا في القرون الأولى قبلَ تدوينه؛ فأيهما أرجحُ إن كنتَ مسلمًا عاقلًا؟\nآلحكمُ المفهومُ من كتاب الله وسنة رسوله كما يبينه لك أحد علماء الكتاب والسنة، العارفين بأحكامهما، والمطلعين على مذاهب الأئمة وأدلتهم، مع إخباره لك أنه لا معارضَ لذلك، وموافقة قول أحد الأئمة المشهورين لذلك، فتكون عاملًا بما فهمتَه من الكتاب والسنة، مع أن الأصل أنه لا معارضَ لذلك، وتأكَّد ذلك بإخبار ذلك العالم، وتَمَّ الاطمئنان بموافقة أحد الأئمة المشهورين؟\nأم الحكم المفهوم من عبارة بعض المقلدين، كما يحكيه لك أحد المقلّدين الذين لا يعرفون أحكام كتاب الله تعالى ولا سنة رسوله، ولا هم مطَّلعون على مذاهب الأئمة وأدلتهم، بل غايتهم معرفة كلام بعض من تقدَّمهم من المقلِّدين الذين هم قريب منهم في ذلك، وهلُمَّ جرًّا، ولاسيَّما مع إصرارهم على مخالفة إمامهم الأعظم في منع التقليد وفي منع العمل بقوله فيما جاء الدليل الشرعي بخلافه، ومع ردِّهم لما ثبت من الكتاب أو السنة بخلاف قول إمامهم أو بخلاف قول أحد أتباعه فيما ادَّعى أنه استنبطه","vol":"4","page":107},{"text":"من قول الإمام أو من قول تابعٍ آخر، وتنقُّصِهم لبقية الأئمة المجتهدين في ردّ أقوالهم جملةً؟\nوهذا بخلاف الطريقة التي أَرشدْنا إليها، فإن المستفتي لا يكون رادًّا لحكم من أحكام كتاب الله وسنة رسوله، ولا رادًّا لما قاله إمامُه من مَنْع التقليدِ ومَنْع العمل بقوله فيما جاء الدليل الشرعي بخلافه، ولا متنقِّصًا لأحد الأئمة المجتهدين لكونه إنما يُرجِّح بالدليل لا بمجرَّد التشهِّي، مع أنه وإن خالفَ قولَ أحدهم في مسألةٍ وافقه في أخرى. ولا يَرِدُ على هذا شيء من المحذورات، لأنه قد عمِلَ بالكتاب والسنة بعد تفهُّمِ ذلك ممن يُعرَف بالعلم، واعتمدَ في عدمِ المعارض على الأصل، مع ظاهر إخبار المفتي، مع تأكُّدِ ذلك بموافقة أحد المجتهدين المشهورين. فإن كان مفتيه مجتهدًا فقد أدى الواجب، وإلَّا فهو في الحكم المقلِّد لذلك الإمام الذي وافق قوله. وتجزِّي التقليد عند من يقول به لا مانعَ منه إلّا تتبع الرخص، وهو منتفٍ في هذه الطريقة. وأما التلفيق فلا محذورَ فيه كما بيناه آنفًا (^١). فإن هداه الله تعالى لهذه الطريقة فلله الحمد، وإلَّا فإنّ الله غنيٌّ عن العالمين.\nوهذا الفصل كافٍ في إبطال التقليد، لتأيُّده بالبراهين القاطعة، ولا يخرج عن ذلك إلا صورة واحدة، وهي ما إذا استفتى القاصرُ مجتهدًا مطلقًا في مسألة التقليد، فأفتاه بالجواز فتوًى متفقًا على صحتها، بأن ذكر له دليلًا شرعيًّا وفسَّره له، وأخبره أنه لا مُعارضَ لذلك. وهذه الصورة مع عزَّتها قد بينّا ما ينقُضُ هذه الفتوى، وبيَّنا الطريقة التي إذا اعتمدها الإنسان كان ناجيًا بيقين، والحمد لله رب العالمين.\n_________\n(^١) انظر (ص ٧٥).","vol":"4","page":108},{"text":"[فصل]\n[ص ٣٥] * قال المقلدون: أخبِرونا أيها المانعون:\n(١) أأنتم أعلمُ أم الأئمة الأربعة؟ فإن قلتم: هم أعلمُ، فكيف تَسُوغ لكم مخالفتُهم؟\n(٢) أأنتم أعلم أم الأئمة الذين جاءوا بعدهم مقلدين لهم؟ فإن قلتم: هم أعلم، فلِمَ لا تقلِّدون كما قلَّدوا؟\n(٣) ما تعتقدون في المقلِّدين من علماءَ وغيرِهم وهم جمهور الأمة، أهم على حق أم على ضلالة؟\n(٤) ما تعتقدون في مشايخكم الذين أخذتم عنهم العلم ومشايخهم وهلمَّ جرًّا؟\n(٥) ما تعتقدون في مؤلفي هذه الكتب التي تأخذون عنها العلم؟\n* قال المانعون:\n(١) الأئمة الأربعة أعلم إجمالًا، فأما تفصيلًا فقد يبلُغنا من السنة ما لم يبلغهم، وهذا كثير. وذلك أن السُّنَّة كانت في وقتهم لم تُدوَّن. وفي ترجمة الإمام مالك (^١) أن الرشيد قال له: إني عزمتُ أن أحمل الناس على \"الموطأ\" كما حمل عثمان الناسَ على المصحف. فقال: أما حملُ الناس على \"الموطأ\" فليس لك إلى ذلك سبيلٌ؛ لأن أصحاب رسول الله ﵌ افترقوا بعده في الأمصار فحدَّثوا، فعند أهل كل مصرٍ علمٌ.\n_________\n(^١) انظر \"طبقات ابن سعد\" (ص ٤٤٠ - القسم المتمم)، وفيه أن أبا جعفر المنصور قال له ذلك. وانظر \"ترتيب المدارك\" (١/ ١٩٢، ١٩٣) و\"سير أعلام النبلاء\" (٨/ ٧٨).","vol":"4","page":109},{"text":"وفي \"إعلام الموقعين\" (^١) أن الربيع قال: سمعتُ الشافعي يقول: كل مسألة يصحُّ فيها الخبرُ عن رسول الله ﵌ عند أهل النقل بخلاف ما قلتُ فأنا راجعٌ عنها في حياتي وبعد مماتي.\nونقل إمام الحرمين في \"نهايته\" (^٢) عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى أنه قال: إذا صحَّ خبرٌ يخالف مذهبي فاتبعوه، واعلموا أنه مذهبي.\nوفي \"تدريب الراوي\" (^٣) للسيوطي تنبيهات، الأول: اعتُرِض على التمثيل بـ \"مسند أحمد\" بأنه شرطَ في مسندِه الصحيحَ. قال العراقي: ولا نسلِّم ذلك، والذي رواه عنه أبو موسى المديني أنه سُئل عن حديث فقال: انظروه، فإن كان في \"المسند\" وإلّا فليس بحجة. فهذا ليس بصريح في أن كلَّ ما فيه حجة، بل ما ليس فيه ليس بحجة. قال: على أن ثَمَّ أحاديثَ صحيحة مخرجة في \"الصحيحين\" وليست فيه، منها: حديث عائشة في قصة أم زرع (^٤). انتهى.\nوساق السيوطي الكلام إلى أن قال (^٥): \"وقال الهيثمي في \"زوائد المسند\": \"مسند أحمد\" أصحُّ صحيحًا من غيرِه، [وقال ابن كثير] (^٦): لا\n_________\n(^١) (٢/ ٢٦٦).\n(^٢) \"نهاية المطلب\" (٤/ ٢٦٠).\n(^٣) (١/ ١٧٢).\n(^٤) أخرجه البخاري (٥١٨٩) ومسلم (٢٤٤٨).\n(^٥) (١/ ١٧٣). وكلام الهيثمي في أول \"غاية المقصد\" بنحوه.\n(^٦) زيادة من \"تدريب الراوي\". وكلام ابن كثير في \"اختصار علوم الحديث\" (١/ ١١٨، ١١٩).","vol":"4","page":110},{"text":"يُوازي \"مسندَ أحمد\" كتابٌ مسند في كثرته وحسنِ سياقاته، وقد فاته أحاديث كثيرة جدًّا، بل قيل: إنه لم يقع له جماعة من الصحابة الذين في الصحيحين قريبًا من مئتين\".\nوإذا كان هذا الإمام أحمد، وهو وارثُ مَن قبله من الأئمة وجامعُ علمِهم وزيادة، وهو أكثر الأئمة روايةً للحديث وأجمعهم، كما يُعلَم من الموازنة بين ما رُوِي عنه وما رُوي عنهم= إذا كان ذلك في حقِّه ففي حقِّ غيره أولى وأحرى. وهذا واضح جدًّا، والله أعلم.\n[ص ٣٦] ومع هذا فقد يتنبه الإنسان لدلالةٍ في كتاب الله تعالى أو في السنة الثابتة عزُبَتْ عن من هو أعلم منه، كما رُوي عن عمر بن الخطاب ﵁ حيثُ ذكَّرتْه المرأةُ بقوله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠] (^١). وابن مسعود حيث ذكَّره أبو موسى بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا [فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً] فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦] (^٢). وفي \"زاد المعاد\" (^٣) في الكلام على حديث فاطمة بنت قيس وقول عمر: \"لا نردُّ كتابَ ربنا لقولِ امرأةٍ لعلها نسيتْ ... \" إلخ: أن الإمام أحمد كان يتعجب من ذلك\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (١٠٤٢٠) وابن المنذر في \"تفسيره\" (١٥٥١) عن أبي عبد الرحمن السلمي. وفي الباب روايات أخرى تكلم عليها الألباني في \"إرواء الغليل\" (٦/ ٣٤٨) وضعفها. وانظر \"تفسير ابن كثير\" (٣/ ٤٥، ٤٦) و\"فتح الباري\" (٩/ ٢٠٤) و\"الدر المنثور\" (٤/ ٢٩٣، ٢٩٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٤٥، ٣٤٦، ٣٤٧) ومسلم (٣٦٨).\n(^٣) (٥/ ٤٧٨).","vol":"4","page":111},{"text":"ويقول: وأين في كتاب الله أن للمطلقة ثلاثًا السكنى والنفقة؟ أو كما ذكر.\nوهذا كثير جدًّا عن أكابر الصحابة، ولا يحتاج إلى إثبات دليلٍ، فإنه مما لا خفاءَ فيه أن الإنسان معرَّضٌ للنسيان مهما كانت رتبتُه، وقد كان النبي ﵌ يسهو في الصلاة وينسى بعض الآيات حتى يُذكِّره بعضُ أصحابه، كما ثبت في حديث ذي اليدين (^١) وغيره، ولكنه ﵌ معصوم، إذا نسي ذكَّره الله تعالى بوحيٍ أو إلهامٍ، أو يُقيِّظُ له من يذكِّره من أصحابه، وذلك لئلا يُعتبر فعلُه المبني على النسيان شرعًا.\nوأما غيره من الأمة أكابرها وأصاغرها إذا نسي فقد يُذكَّر، كما في نسيان عمر وابن مسعود المارّ ذكره، وقد لا يَذكُر ولا يُذكَّر، وذلك لأنه لا محذورَ في عدم تذكيرهم، إذ ليس قول أحدٍ منهم ولا فعلُه حجةً تُفيد شرعًا لغيره.\nوأما قولكم: \"فإن قلتم: هم أعلم منا فكيف يسوغ لكم مخالفتهم؟ \"، فأخبِرونا أهم أعلمُ أم أكابرُ الصحابة: أبو بكر وعمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وعائشة وغيرهم؟ ولا شك أن أكابر الصحابة أعلم، فكيف ساغ لهؤلاء الأئمة مخالفةُ مَن هو أعلمُ منهم. وجوابكم هو جوابنا.\nإن الله ﷾ لم يُنزل كتابه خاصًّا بأحد، بل عامًّا في كل مكلَّف، قائلًا سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾، ﴿يَاعِبَادِيَ﴾. فكلُّ مكلَّفٍ من بني آدم مكلَّفٌ بأن يفهم خطابَ ربّه، وإنه لَعارٌ وشنارٌ وفضيحة الأبد أن يكون كلام الله تعالى الذي أنزله على نبيه مخاطبًا لنا خطابًا يتناول كلَّ واحدٍ منا، موجودًا بين أيدينا، ميسَّرةٌ الطريقُ إلى فهمه والعمل به، ثم نُعرِض عنه\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٢٢٨) ومسلم (٥٧٣) من حديث أبي هريرة.","vol":"4","page":112},{"text":"ونهجره! إنا لله وإنا إليه راجعون.\nوأيْمُ الله لو أن أهل مدينة من المدن جاءهم كتابٌ من ملكهم يتناول كلَّ واحدٍ منهم، ما بقي واحدٌ منهم إلّا وأحبّ أن يسمع خطابَ الملك ويفهمه، فأما إذا علموا أنه أمرهم أن من عملَ بما في ذلك الكتاب استحق الإنعام والإكرام، ومَن لم يعمل بما فيه استحق التخليد في الحبس، فإن كلّ واحدٍ منهم يبذل جِدَّه وجهدَه ليطلع على ذلك الكتاب، وعلى الأقل على خبر جازمٍ ممن يثق به أن الذي في الكتاب هو كذا. فأما إذا قال له من يثق: أظن أن فيه كذا، فإنه لا يكتفي بذلك. [ص ٣٧] وكذا لو أرسل الملك رسولًا، وأمر كلَّ أحدٍ باتباعه والعملِ بقوله. إذا كان هذا في مَلِك من ملوك الدنيا، لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعًا ولا ضرًّا، وإن أثاب فثوابُه محدود، وإن عاقب فعقابه منقطع، فكيف بنا وكتاب الله ﷻ وسنة رسوله بين أيدينا، وثوابُه الجنة وعقابه النار؟ !\nولما كان سلف هذه الأمة وخير القرون يعلمون ذلك، ويعلمون أن كلَّ فردٍ منهم مكلَّفٌ بأن يعرف حكم الله تعالى من كتابه الكريم، أو مما يرويه له الثقات عن رسوله عليه أفضل الصلاة والتسليم= لم يكونوا يُعرِّجون على غير ذلك ولا يلتفتون إليه، ولاسيما مع علمهم أن غير المعصوم وإن علَتْ رتبتُه في العلم والفضل معرَّضٌ للخطأ والنسيان والغفلة وعدم الاطلاع وغير ذلك، فلم يكونوا يعملون إلّا بكتاب الله تعالى وإلَّا بما أخبرهم الثقات عن رسول الله ﵌، لأن الخطأ والنسيان والغفلة وغيرها منتفيةٌ في الرواية، إذ لا تُقبل إلا بالجزم، بخلاف الرأي، فإن المجتهد مكلَّف بما غلب على ظنه، وقد يعزُب عنه الدليلُ فيعمل برأيه، فلم يكن مجرد رأيه","vol":"4","page":113},{"text":"حجةً.\nولهذا قال الإمام الشافعي وغيره: ليس قول الصحابي حجةً، وإذا روى الصحابي حديثًا ورأى خلافَه عمِلْنا نحن بما رواه لا بما رآه.\nفلذلك ترى أصاغر الصحابة قد يخالفون أكابرَهم، وترى التابعين قد يخالفون أصاغر الصحابة وأكابرَهم، كما يخالف بعضهم بعضًا. وهكذا تابِعوا التابعين على هذا المنوال، إلّا إذا أجمع الصحابة على أمرٍ الإجماعَ المعتبر.\nولهذا رُوي عن الإمام الشافعي أنه قال (^١): ما جاء عن الله ورسوله فعلى الرأس والعين، وما جاء عن الصحابة تخيَّرنا، وما جاء عن التابعين فهم رجال ونحن رجالٌ. أي أن ما جاء عن الصحابة فإن كانوا أجمعوا فإجماعُهم حجة، وحاشاهم أن يُجمِعوا إلّا على حكمٍ ثابت في الكتاب أو السنة، وإن اختلفوا اجتهدنا واخترنا ما رأيناه أقربَ إلى دلالة الكتاب والسنة، وإن كان قولًا لأحد أصاغرهم يخالف ما عليه الأكابر.\nوكذا لم يزل علماء الأمة يخالف كلُّ واحدٍ منهم مَن هو أكبر منه، فضلًا عمن هو مثلُه أو دونَه، لاختلاف الأفهام والمدارك، والتفاوت في الاطلاع على الدليل، وكل واحدٍ مكلَّفٌ بما غلبَ على ظنّه أنه حكم الله تعالى، [ص ٣٨] بدليلٍ من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﵌، وإن خالفَ مَن هو أجلُّ منه وأفضل وأكمل وأكثر. ولا يلزم من مخالفة\n_________\n(^١) هذا مروي عن الإمام أبي حنيفة في \"الانتقاء\" (ص ١٤٤) و\"المدخل\" للبيهقي (ص ١١١) و\"الإحكام\" لابن حزم (٤/ ١٨٨) وغيرها.","vol":"4","page":114},{"text":"الإنسان لغيره استنقاصُه له، ولا بُغضُه له، ولا تفضيلُه نفسَه عليه، ولا غيرُ ذلك، وإنما اجتهد ذاك، فعمِلَ بما أدَّاه إليه اجتهادُه كما هو فرضُه، واجتهد هذا، فعمِلَ بما أدَّاه إليه اجتهادُه كما هو فرضه.\n[ص ٣٩] وفي \"الأم\" (^١) في باب الأوقات التي تُكْرَه فيها الصلاة، باب الخلاف في هذا الباب: حدثنا الربيع قال الشافعي رحمه الله تعالى: فخالَفَنا بعضُ أهل ناحيتنا وغيره فقال: يُصلَّى على الجنائز بعد العصر وبعد الصبح ما لم تقارب الشمس أن تطلع، وما لم تتغيَّر الشمس. واحتجَّ في ذلك بشيء رواه عن ابن عمر يُشبِه بعضَ ما قال.\nقال الشافعي: وابن عمر إنما سمع من النبي ﵌ النهيَ أن يتحَّرى أحدٌ فيصلِّي عند طلوع الشمس وعند غروبها (^٢)، ولم أعلمه روى عنه النهي عن الصلاة بعد العصر ولا بعد الصبح. فذهب ابن عمر إلى أن النهي يُطلَق على كل شيء، فنهى عن الصلاة على الجنائز لأنها صلاةٌ في هذين الوقتين، وصلَّى عليها بعد الصبح وبعد العصر، لأنا لم نعلمه روى النهيّ عن الصلاة في هذه الساعات.\nأقول: انظر احتياط هذا الإمام بقوله: \"ولم أعلمه روى عنه النهي ... \" إلخ، حيث عدلَ عن قوله: \"ولم يسمع منه\"؛ لأنه قد يكون سمع منه ونسي أو تأوَّل، كما أنه قد يكون ثبت سماع ابن عمر عند غير الإمام الشافعي، فعبَّر بعبارة لا شبهةَ فيها، مشيرًا بها إلى أنه لا يلزمه العمل إلا بما علم.\n_________\n(^١) \"اختلاف الحديث\" ضمن كتاب \"الأم\" (١٠/ ١٠٢، ١٠٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٨٥)، ومسلم (٨٢٨).","vol":"4","page":115},{"text":"ثم قال بعد كلام (^١): قال الشافعي: وذهب أيضًا إلى أنه لا يُصلِّي أحد للطواف بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس. واحتج بأن عمر بن الخطاب طاف بعد الصبح، ثم نظر فلم يرَ الشمس طلعتْ، فركب حتى أناخ بذي طُوى، فصلَّى (^٢).\nقال الشافعي: فإن كان عمر كره الصلاة في تلك الساعة فهو مثل مذهب ابن عمر، وذلك أن يكون علمَ أن رسول الله ﵌ نهى عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر، فرأى نهيه مطلقًا، فترك الصلاة في تلك الساعة حتى طلعت الشمس.\nإلى أن قال (^٣): قال الشافعي: وفي هذا المعنى أن أبا أيوب الأنصاري سمع النبي ﵌ ينهى أن تُستقبَل القبلةُ أو بيت المقدس لحاجة الإنسان (^٤) ... إلخ.\nإلى أن قال (^٥): قال الشافعي: علم أبو أيوب النهيَ، فرآه مطلقًا، وعلم ابن عمر استقبالَ النبي ﵌ لحاجته، ولم يعلم النهي، ومن علمهما معًا قال ... إلخ.\nإلى أن قال (^٦): قال الشافعي: وفي هذا المعنى أن أُسَيد بن حُضَير\n_________\n(^١) المصدر السابق (١٠/ ١٠٤).\n(^٢) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (١/ ٣٦٨).\n(^٣) \"الأم\" (١٠/ ١٠٤).\n(^٤) أخرجه البخاري (١٤٤) ومسلم (٣٦٤).\n(^٥) \"الأم\" (١٠/ ١٠٥).\n(^٦) المصدر نفسه (١٠/ ١٠٥).","vol":"4","page":116},{"text":"وجابر بن عبد الله صلَّيا مريضَين قاعدينِ بقومٍ أصحَّاءَ، فأمراهم بالقعود معهما (^١)، وذلك أنهما ــ والله أعلم ــ علما أن رسول الله ﵌ [ص ٤٠] صلَّى جالسًا وصلَّى وراءه قومٌ قيامًا، فأمرهم بالجلوس (^٢)، فأخذا به، وكان الحق عليهما. ولا شكَّ أنه قد عزبَ عنهما أن النبي ﵌ صلَّى في مرضه الذي مات فيه جالسًا، وأبو بكر إلى جنبه قائمًا (^٣) ... إلخ.\nأقول: انظر كيف جزمَ الإمام ﵁ بأن هذين الصحابين الجليلين عزبَ عنهما ذلك الأمر المشهود الذي لا يكاد يعزُب عن أحد. وهذا حسْنُ ظنٍّ من الإمام ﵁، وذلك أن الواجب عليه الأخذ بما ثبت عن النبي ﵌، ولو ثبت عن الصحابة خلافه، ومع ذلك فيُحسِن الظنَّ بالصحابة ما أمكنَ، فإن أمكنَ عدمُ الاطلاع قيل: لعله لم يعلم، وإن لم يمكن قيل: لعله عزبَ عنه. وهذا هو الواجب على كل متأخّرٍ في حقِّ من تقدَّمه.\nوالعالم في زماننا يجب عليه الأخذ بالحديث وإن خالفه بعض المجتهدين، ومع ذلك يُحسِن الظنَّ والأدب بمثل ما مرَّ. وإذا ساغ للإمام ﵁ أن يُجوِّز أن أكابر الصحابة لم يطلعوا على بعض الأحاديث،\n_________\n(^١) راجع \"مصنف عبد الرزاق\" (٢/ ٤٦٢) و\"مصنف ابن أبي شيبة\" (٢/ ٢٢٤، ٢٢٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٨٨، ١١١٣، ١٢٣٦) ومسلم (٤١٢) من حديث عائشة. وفي الباب أحاديث أخرى.\n(^٣) أخرجه البخاري (٦٨٣) ومسلم (٤١٨) من حديث عائشة.","vol":"4","page":117},{"text":"وكان يعزُب عنهم مثل ذلك الأمر المشهور الذي لا يكاد يستقرُّ في الذهن أنه يعزُب عن أحدٍ منهم، فلَأنْ يجوزَ مثلُ ذلك للعلماء المتأخرين في حق المتقدمين أولى وأحرى.\nوالحاصل أن الواجب هو الأخذ بالحديث مطلقًا، ثم يتلطَّف العالم في الاعتذار عمن تقدَّمه بما أمكن، ولو بأن يقول: ربما بلغَهم دليلٌ لم يبلُغْنا، وليس لنا أن نعمل إلا بما بلغَنا.\nثم قال بعد كلام: قال الشافعي (^١): وفي مثل هذا المعنى أن علي بن أبي طالب ﵁ خطبَ الناسَ وعثمانُ بن عفان محصورٌ، فأخبرهم أن النبي ﵌ نهاهم عن إمساك لحوم الضحايا بعد ثلاث (^٢) ... إلخ.\nإلى أن قال: وكلٌّ قال بما سمعه من رسول الله ﵌، وكان من رسول الله ﵌ ما يدلُّ على أنه قاله على معنًى دون معنًى أو نسخَه، فعلمَ الأولَ ولم يعلم غيرَه، فلو علمَ أمْرَ رسول الله ﵌ فيه صارَ إليه إن شاء الله.\nأقول: في \"المسند\" (^٣) من طرقٍ عن علي ﵁ حديث إباحة الادّخار من لحوم الأضاحي بعد ثلاث، فليراجَع.\n_________\n(^١) \"الأم\" (١٠/ ١٠٦).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٥٧٣) ومسلم (١٩٦٩).\n(^٣) رقم (١٢٣٦، ١٢٣٧). وأخرجه أيضًا الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ١٨٥). وفي إسناده ضعف. والحديث صحيح لغيره.","vol":"4","page":118},{"text":"ثم قال: قال الشافعي (^١): ولهذا أشباهٌ غيره في الأحاديث، وإنما وضعت هذه الجملة عليه لتدلَّ على أمورٍ غلِط فيها بعضُ من نظرَ في العلم، ليعلَمَ مَن علِمَه أن من متقدمي الصحبة وأهلِ الفضل والدين والأمانة من يعزُب عنه من سنن رسول الله ﵌ شيء علِمَه غيرُه، ممن لعله لا يُقاربه في تقدُّم صحبته وعلمِه. ويعلَمَ أن علم خاصِّ السنن إنما هو علم خاصٌّ لمن فتح الله ﷿ له علمه، لا أنه عام مشهورٌ شهرةَ الصلاةِ، وجُملِ الفرائض التي كُلِّفَتْها العامةُ، ولو كان مشهورًا شهرةَ جُملِ الفرائض ما كان الأمر فيما وصفتُ من هذا وأشباهه كما وصفتُ.\nويعلَمَ أن الحديث إذا رواه الثقاتُ عن رسول الله ﵌ فذلك ثبوته. وأن لا نعوِّل على حديثٍ ليثبتَ أنْ وافقه بعضُ أصحاب النبي ﵌، ولا يُردّ لأنْ عَمِلَ بعضُ أصحاب النبي ﵌ عملًا خالفَه، لأنَّ لأصحاب النبي ﵌ والمسلمين كلِّهم حاجةً إلى أمرِ رسولِ الله ﵌، وعليهم اتباعُه، لا أن شيئًا من أقاويلهم تبِعَ ما رُوي عنه ووافقَه يزيد قولَه شدَّةً، ولا شيئًا من أقاويلهم يُوهِن ما روى عنه الثقة، [ص ٤١] لأن قوله المفروض اتباعُه عليهم وعلى الناس، وليس هكذا قول بشرٍ غيرِ رسول الله ﵌.\nقال الشافعي (^٢): فإن قال قائل: أَتَّهمُ الحديث المروي عن رسول الله\n_________\n(^١) كتاب \"الأم\" (١٠/ ١٠٧).\n(^٢) كتاب \"الأم\" (١٠/ ١٠٧).","vol":"4","page":119},{"text":"﵌ إذا خالفَه بعض أصحابه، جاز له أن يتَّهم [الحديث] عن بعض أصحابه لخلافه، لأن كلًّا روي خاصة معًا. وإن يُتَّهما فما رُوِي عن النبي ﵌ أولى أن يُصار إليه. ومن قال منهم قولًا لم يروِه عن النبي ﵌ لم يَجُزْ لأحدٍ أن يقول: إنما قاله عن رسول الله ﵌، لِما وصفتُ أنه يَعزُب عن بعضهم بعضُ قوله، ولم يجز أن نذكره عنه إلّا رأيًا له ما لم يقلْه عن رسول الله ﵌. فإن كان هكذا لم يجز أن يُعارَضَ بقول أحدٍ قولُ رسول الله ﵌. ولو قال قائل: لا يجوز أن يكون إلا عن رسول الله ﵌، لم يحلَّ له خلاف من وضعه هذا الموضع. وليس من الناس أحد بعد رسول الله ﵌ إلّا وقد أُخِذ من قوله وتُرِك لقول غيره من أصحاب رسول الله ﵌، ولا يجوز في قول النبي ﵌ أن يُردَّ لقولِ أحدٍ غيرِه.\nفإن قال قائل: فاذكُر لي في هذا ما يدلُّ على ما وصفتَ فيه.\nقيل له: ما وصفتُ في هذا الباب وغيرِه متفرقًا وجملةً. ومنه: أن عمر بن الخطاب إمامَ المسلمين، والمقدَّمَ في المنزلة والفضل وقِدَم الصحبة والورع، والثقة والثبت، والمبتدئ بالعلم قبلَ أن يُسأله، والكاشفَ عنه، لأن قوله حكمٌ يلزم، كان (^١) يقضي بين المهاجرين والأنصار أن الدية للعاقلة، ولا تَرِث المرأةُ من دية زوجها شيئًا، حتى أخبره أو كتب إليه\n_________\n(^١) في الأصل: \"حتى كان\". و\"حتى\" لا توجد في \"الأم\"، وبدونها يستقيم السياق.","vol":"4","page":120},{"text":"الضحاك بن سفيان أن النبي ﵌ كتب إليه أن يُورِّث امرأةَ أشيمَ الضبابي من دية زوجها، فرجع إليه عمر وترك قوله (^١).\nوكان عمر يقضي أن في الإبهام خمس عشرة، والوسطى والمسبِّحة عشرًا عشرًا، وفي التي تلي الخنصرَ تسعًا، وفي الخنصر ستًّا، حتى وجد كتابًا عند آل عمرو بن حزم الذي كتبه له النبي ﵌: \"وفي كلِّ إصبعٍ مما هنالك عشْرٌ من الإبل\"، فترك الناس قولَ عمر (^٢)، وصاروا إلى كتاب النبي ﵌. [ص ٤٢] ففعلوا في ترك أمرِ عمر لأمر النبي ﵌ فِعْلَ عمر في فِعْلِ نفسه، في أنه ترك فِعْلَ نفسِه لأمر النبي ﵌، وذلك الذي أوجب الله جلَّ وعزَّ عليه وعليهم وعلى جميع خلقه.\nقال الشافعي (^٣): وفي هذا دلالةٌ على أن حاكمهم كان يحكم برأيه فيما لرسول الله ﵌ فيه سنة لم يعلمها، ولم يعلمها أكثرهم، وذلك يدلُّ على أن علم خاصِّ الأحكام خاصٌّ كما وصفتُ، لا عامٌّ كعامِّ جُملِ الفرائض.\nقال الشافعي: وقسمَ أبو بكر حتى لقي الله ﷿، فسوَّى بين الحرّ والعبد، ولم يفضِّل بين أحدٍ بسابقةٍ ولا نسبٍ. ثم قسمَ عمر، فألغى العبيد،\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٢٩٢٧) والترمذي (٢١١٠)، وقال: هذا حديث حسن صحيح.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (١٧٦٩٨) والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٩٣). وكتاب عمرو بن حزم في \"الموطأ\" (٢/ ٤٨٩) وغيره.\n(^٣) كتاب \"الأم\" (١٠/ ١٠٨).","vol":"4","page":121},{"text":"وفضَّل بالنسب والسابقة، ثم قسمَ عليٌّ، فألغى العبيد وسوَّى بين الناس، وهذا أعظمُ ما يلي الخلفاء وأعمُّه وأولاه أن لا يختلفوا فيه.\nوإنما لله جلَّ وعزَّ في المال ثلاثة أقسام: قسم الفيء، وقسم الغنيمة، وقسم الصدقة. فاختلف الأئمة فيها، ولم يمتنع أحدٌ من أخذِ ما أعطاه أبو بكر ولا عمر ولا علي. وفي هذا دلالةٌ على أنهم يُسلِّمون لحاكمهم وإن كان رأيهم خلافَ رأيه، وإن كان حاكمهم قد يحكم بخلاف آرائهم، لا أن جميع أحكامهم من جهة الإجماع منهم. وعلى أن من ادَّعَى أن حكم حاكمهم إذا كان بين أظهرهم ولم يردُّوه، فلا يكون إلا وقد رأوا رأيَه، قِيْل: إنهم لو رأوا رأيَه فيه لم يخالفوه بعده.\nفإن قال قائل: قد رأوه في حياته، ثم رأوا خلافه بعده.\nقيل له: فيدخلُ عليك في هذا ــ إن كان كما قلتَ ــ أن إجماعهم لا يكون حجةً عندهم ... إلخ، بكلام يُبطل فيه ما يُسمَّى بالإجماع السكوتي.\nثم قال (^١): فإن قال قائل: أفتجدُ مثلَ هذا؟\nقلنا: إنما بدأنا به لأنه أشهرُ ما صنع الأئمةُ، وأولى أن لا يختلفوا فيه وأن لا يجهله العامة، ونحن نجد كثيرًا من ذلك. إن أبا بكر جعلَ الجدَّ أبًا، ثم طرحَ الإخوةَ معه، ثم خالفه فيه عمر وعثمان وعلي. ومن ذلك أن أبا بكر رأى على بعض أهل الردّة فداءً وسبيًا، وحبسَهم لذلك، فأطلقَهم عمر وقال: لا سَبْيَ ولا فداءَ. مع غيرِ هذا مما سكتنا عنه، ونكتفي بهذا منه.\n_________\n(^١) \"الأم\" (١٠/ ١١٠).","vol":"4","page":122},{"text":"[ص ٤٣] ثم ذكر مسائل أخرى مما وقع فيها الخلاف بين الصحابة ﵃، وقال في أثناء كلامه (^١): فدلَّ ذلك على أن قائل السلف يقول برأيه ويخالفه غيرُه، ويقول برأيه ولا يُروى عن غيره فيما قال به شيء.\nإلى أن قال (^٢): وفي هذا دليلٌ على أن بعضهم لا يرى قولَ بعضٍ حجةً تلزمُه إذا رأى خلافها، وأنهم لا يرون اللازمَ إلا الكتاب والسنة.\nثم ذكر كلامًا يُبطِل به إمكانَ العلم بالإجماع الحقيقي، إلى أن قال: قال الشافعي: والعلم من وجهين: اتباع أو استنباط، والاتباع اتباعُ كتابٍ، فإن لم يكنْ فسنَّة، فإن لم يكن فقول عامةِ من سلَفَنا لا نعلم له مخالفًا، فإن لم يكن فقياسٌ على كتاب الله جلَّ وعزّ، فإن لم يكن فقياسٌ على سنة رسول الله ﵌، فإن لم يكن فقياس على قول عامةِ مَن سلف لا مخالفَ له، ولا يجوز القول إلا بالقياس، وإذا قاس من له القياس فاختلفوا، وسِعَ كلًّا أن يقول بمبلغ اجتهاده، ولم يَسَعْه اتباعُ غيرِه فيما أدَّى إليه اجتهاده بخلافه. والله أعلم اهـ (^٣).\nوفي ما ذكرناه الدلالةُ التي ليس بعدها أصرحُ منها على كثير مما ذكرناه في هذه الرسالة. ومن تأمَّلَ هذا الفصل من كلام الإمام الشافعي رحمه الله تعالى عرفَ سقوطَ التقليد جملةً إذا ثبتَ الحديثُ، خصوصًا قوله: \"ويعلم أن الحديث إذا رواه الثقات عن رسول الله ﵌ فذلك\n_________\n(^١) \"الأم\" (١٠/ ١١٢).\n(^٢) المصدر نفسه (١٠/ ١١٣).\n(^٣) إلى هنا انتهى النقل من كتاب \"الأم\".","vol":"4","page":123},{"text":"ثبوته، وأن لا نُعوِّل على حديثٍ ليثبتَ أن وافقَه بعضُ أصحاب النبي ﵌، ولا يُرَدُّ لأن عمِلَ بعضُ أصحاب النبي ﵌ عملًا خالفَه، لأنَّ لأصحاب النبي ﵌ والمسلمين كلِّهم حاجةً إلى أمرِ رسول الله ﵌، وعليهم اتباعه لا أنَّ شيئًا من أقاويلهم تَبِعَ ما رُوي عنه ووافقَه يزيدُ قولَه شِدَّةً، ولا شيئًا خالفَه من أقاويلهم يُوهِن ما رَوى عنه ــ أي عن النبي ﵌ ــ الثقةُ، لأن قولَه المفروضُ اتباعُه عليهم وعلى الناس، [ص ٤٤] وليس هكذا قول بشرٍ غيرِ رسول الله ﵌.\nقال الشافعي: فإن قال قائل: أَتَّهِمُ الحديثَ المروي عن رسولِ الله ﵌ إذا خالفه بعض أصحابه جاز له أن يتَّهِمَ [الحديث] عن بعض أصحابه لخلافِه، لأن كلًّا روي خاصةً معًا. وإن يُتَّهما، فما رُوي عن النبي ﵌ أولى أن يُصار إليه. ومن قال منهم قولًا لم يَرْوِه عن النبي ﵌ لم يجز لأحدٍ أن يقول: إنما قاله عن رسول الله ﵌، لِما وصفتُ من أنه يعزُبُ عن بعضهم بعضُ قوله، ولم يجزْ أن نذكره عنه إلّا رأيًا له، ما لم يقلْه عن رسول الله ﵌. فإن كان هكذا لم يجزْ أن يُعارَضَ بقولِ أحدٍ قولُ رسول الله ﵌.\nولو قال قائل: لا يجوز أن يكون إلّا عن رسول الله ﵌ لم يحلَّ له خلاف من وضعه هذا الموضع. وليس من الناس أحد بعد رسول الله ﵌ إلّا وقد أُخِذ من قوله وتُرِك لقولِ غيرِه من أصحاب رسول الله ﵌، ولا يجوز في قول النبي","vol":"4","page":124},{"text":"﵌ أن يُرَدَّ لقولِ أحدٍ غيرِه\".\nهذا الإمام الشافعي ﵀ يقول: \"ومَن قال منهم ــ أي الصحابة ﵃ ــ قولًا لم يَروِه عن النبي ﵌، لم يجزْ لأحدٍ أن يقول: إنما قاله عن رسول الله ﵌، ولم يجز أن نذكره عنه إلّا رأيًا له ... \" إلخ. وبالضرورة إن جميع الأئمة هكذا، فلا يجوز أن يُردَّ الدليلُ الصحيح بخلافِهم له واحتمالِ أن يكون ثبت لديهم أرجحُ منه. والله الموافق.\n[ص ٤٥] السؤال الثاني: قولكم: \"أأنتم أعلمُ أم الأئمة الذين جاءوا بعدهم ــ أي بعد الأئمة الأربعة ــ مقلِّدين لهم؟ \".\nفالجواب: أن العلماء الذين جاءوا بعد الأئمة الأربعة ثلاثة أقسام:\nففيهم الكثير الطيب أئمة مجتهدون، حتى من الذين يظنُّ الناس أنهم مقلِّدون، حتى لقد عَدَّ أهلُ كلِّ مذهبٍ كثيرًا من المجتهدين في عِدادِ المقلِّدين لإمامهم تكثيرًا للسواد، حتى تنازعت المذاهب الأربعة إمامَ السنة محمد بن إسماعيل البخاري، فعدَّه أهلُ كلِّ مذهب في المقلِّدين لإمامهم، ولا يخفى على أحدٍ أنه كان مجتهدًا مستقلًّا، فكم في \"صحيحه\" من ردٍّ على كلِّ مذهب منها. ومن طالع مصنَّفات أولئك العلماء عرفَ الحقيقة.\nالقسم الثاني: قوم منتسبون إلى مذاهب الأئمة، وهم مع ذلك مجتهدون، كما مرَّ فيما نقلناه عن السيوطي، وقد قال الشيخ أبو إسحاق: إن أصحاب الشافعي رحمه الله تعالى من هذا القسم. ومرَّ عن القاضي عبد الوهاب المالكي نحوه.","vol":"4","page":125},{"text":"وعليه فتلامذة الأئمة لا يخرجون عن هذين القسمين، وكذا تلامذتهم. ومن راجع كتب الأصول عرف أن كثيرًا من العلماء الذين يظنّ الناس أنهم كانوا مقلِّدين قائلون بمنع التقليد وذمِّه، وإذا منعوه وذمُّوه علمنا أنهم لم يكونوا عاملين به، وإنما كانوا يتظاهرون بالتقليد [ص ٤٦] حذرًا على أنفسهم من مثلِ ما عُومِل به ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وغيرهما. ومع ذلك فكانوا يبلِّغون حجةَ الله تعالى بالإشارة والإيماء، كما يقول بعضهم: \"والمختار من حيث الدليل كذا\" أو \"وظاهر هذه الآية أو هذا الحديث كذا\"، أو يقول: \"هذا مذهبنا، ومذهبُ فلانٍ (يذكر إمامًا آخر) كذا، مستدلًّا بكذا\"، ويذكر الآية أو الحديث.\nوقد يُصرِّحون بالحقّ إذا ألَّفوا أو درسوا في أصول الفقه، حيث يذكرون شروط الاجتهاد، ويصرِّحون أن من جمعَها فهو مجتهدٌ، فرضُه الاجتهاد. ويذكرون ممن منع التقليد مطلقًا من العلماء، ويُردِّدون في مؤلفاتهم قولَ إمامهم إذا صحَّ الحديث فهو مذهبي، وغير ذلك مما يعرفه مَن طالع مؤلفاتهم. وإذا استفتاهم الناسُ عن مذهب إمامهم نقلوا لهم قوله نقْلَ الراوي المخبر فقط. وهؤلاء على هُدًى وصراطٍ مستقيم.\nوأما القسم الثالث: المقلدون الذين استخبرتمونا أهم أعلمُ أم مجتهدو هذا العصر؟ [ص ٤٧] فنقول: أهل هذا القسم فِرَقٌ:\nالأولى: المشتغلون بعلوم اللسان وتأليفها وتصنيفها، ولم يُحصِّلوا غيرَها.\nالثانية: المشتغلون بنقل أقوال أحد الأئمة والتخريج عليها، وجَمْع","vol":"4","page":126},{"text":"ذلك وتأليفه وتصنيفه، ولم يُحصِّلوا غيرَ ذلك.\nالثالثة: المشتغلون بالكلام والجدل والمنطق والفلسفة والتأليف فيها، ولم يحصِّلوا غير ذلك.\nالرابعة: المشتغلون بالتصوف والعبادة والسياحة والتخلِّي عن الناس، ولم يُحصِّلوا غيرَ ذلك.\nالخامسة: المشتغلون بعلوم الاجتهاد، ولكن لم يبلغوا رتبة الاجتهاد.\nوهذه الفِرق كلُّها وإن كانوا أو بعضُهم أعلمَ من مجتهدي هذا العصر بالنسبة إلى بعض العلوم، فهم بالنسبة إلى الأحكام الشرعية من العامة لا من العلماء، وإن طار صيتُهم وعظمتْ سُمعتُهم.\nالفرقة السادسة (^١): أناسٌ تدلُّ مؤلفاتهم على أنهم أحرزوا علوم الاجتهاد وبرَّزوا فيها، وتدلُّ مؤلفاتهم على تعصُّبٍ شديد للمذهب المنتسبين إليه، بحيث يُقطَع بعدم دخولهم في القسم الثاني. فهؤلاء إذا كان فيهم مَن هو أعلم من مجتهدي هذا العصر فهو لم ينتفع بعلمه، بل يَصدُق عليه من بعض الوجوه قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾. ومع هذا فإننا لا نقول في شخصٍ معين: إنه كذلك، بل نتخلَّص من ذلك بأن نرجِّح شهادةَ مؤلفاتِه على تعصبه الذي يدلُّ على قصورِه، لاعتضادها بظاهرِ اعترافه بأنه قاصر.\n_________\n(^١) في الأصل: \"الخامسة\".","vol":"4","page":127},{"text":"[ص ٤٨] السؤال الثالث: قولكم: \"ما تعتقدون في المقلدين من علماء وغيرهم وهم جمهور الأمة: أعلى حقٍّ أم ضلالة؟ \".\nالجواب: فقد علمتم أننا نعتقد أن من كان من العلماء بالغًا رتبةَ الاجتهاد فهو مجتهد، وإن لم يُصرِّح بذلك، لما مرَّ. والمجتهدون كلُّهم على هدًى من ربهم وصراطٍ مستقيم.\nوأما من كان قاصرًا عن ذلك، فإن كان من المتعصبين المضادِّين لكتاب الله تعالى وسنة رسوله ولأهل العلم بهما، قائمًا بعداوتهم وإثارةِ العامة عليهم، فهذا هالك بلا شكٍّ. وإن لم يكن بهذه الصفة فهو كمن دونَه من العامة إن لم تقُمْ حجة الله عليهم بمنع التقليد، ومنعِ الإعراض عن كتاب الله تعالى واتخاذِه مهجورًا، والمنعِ من عداوة رسول الله ﵌ بمقاطعة سنته، فهو معذور إن شاء الله. وإلّا فأمره إلى الله، إن شاء غفر له، وإن شاء عذَّبه، ما دام محرزًا للإيمان المعتبر.\nالسؤال الرابع: قولكم \"ما تعتقدون في مشايخكم الذين أخذتم عنهم العلم، ومشايخهم وهلمَّ جرًّا\"؟\nالجواب: أنهم قد دخلوا في عموم العلماء، وقد تقدم حكمهم. ومع هذا فهم على قسمين:\nقسم بلغَ رتبةَ الاجتهاد، فنحن نعتقد فيه كما كان الإمام أحمد بن حنبل يعتقد في الإمام الشافعي، وكما كان الشافعي يعتقده في الإمام مالك، وكما كان مالك يعتقده في كبار التابعين، وكما كان التابعون يعتقدونه في الصحابة ﵃. ولنا أسوةٌ بهم في مخالفة كل واحدٍ منهم لشيخه أو مشايخه","vol":"4","page":128},{"text":"في بعض الأحكام، إيثارًا لدلالة كتاب الله تعالى وسنة رسوله، عملًا بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران: ٣١]، وقوله ﵌: \"لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به\" (^١). قال النووي في \"أربعينه\" (^٢): هذا حديث صحيح، رويناه في كتاب \"الحجة\" بإسناد صحيح.\nوقِسم لم يبلغوا رتبة الاجتهاد، فهؤلاء نعتقد فيهم كما كان يعتقده الأئمة في الرواة.\nالسؤال الخامس: \"ما تعتقدون في مؤلِّفي هذه الكتب التي تأخذون عنها العلم\"؟\nالجواب: أنهم قد دخلوا في عموم العلماء، وقد تقدم حكمهم. ومع ذلك فإننا نعتقد فيهم ما كان الأئمة يعتقدونه في الرواة. ولنذكر هاهنا حديثًا ... (^٣) ذهبَ كثيرًا من صدوركم، وهو حديث \"الصحيحين\" (^٤) عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﵌: \"مثلُ ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثلِ الغيثِ الكثير أصابَ أرضًا، فكانت منها طائفة طيبة قَبِلتِ الماءَ فأنبتتِ الكلأ والعُشْبَ الكثير، وكانت منها أجادبُ أمسكتْ الماء فنفع الله بها الناسَ، فشرِبوا وسَقَوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى\n_________\n(^١) سبق تخريجه (ص ٩٠).\n(^٢) انظره مع شرحه \"جامع العلوم والحكم\" (٢/ ٣٩٣).\n(^٣) خرم بمقدار كلمة.\n(^٤) البخاري (٧٩) ومسلم (٢٢٨٢).","vol":"4","page":129},{"text":"إنما هي قِيعانٌ لا تُمسِك ماءً ولا تُنبِتُ كلأً. فذلك مثلُ مَن فَقِهَ في دين الله ونفعَه ما بعثني الله به فعَلِمَ وعلَّم، ومثلُ من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يَقبلْ هُدى الله الذي أُرسِلْتُ\".\n* * * *","vol":"4","page":130},{"text":"فصل\nقد بينّا بحمد الله تعالى الأجوبة عما أوردتموه من الأسئلة، وبعدُ، فإنكم لا تجهلون أننا مأمورون بتدبُّر كتاب الله ﷿، وتعلُّم وتفهُّم سنة رسوله، فإذا وجدنا آية أو حديثًا يدلُّ على حكم من الأحكام، وبَحثنا حتى غلب على ظننا أنه لا معارضَ له، فهل تُسوِّغون لنا الإعراضَ عن ذلك الدليل إلى قول العلماء؟\nهَبُوا أنه يَسُوغ ذلك فيما إذا قام الإجماع على خلافِ ذلك الدليل، وهذا إن لم يكن معدومًا فهو أقلُّ قليل، فما تقولون إذا كان الأئمة مختلفين، فبعضهم يقول بمقتضى ذلك الدليل، وبعضهم يقول بخلافه؟ وقد علمتم أن الله تعالى أمر بردِّ ما اختُلِفَ فيه إلى كتابه وسنة رسوله، فهل تُوجِبون علينا اختيارَ قول الإمام الموافق لذلك الدليل، عملًا بأمر الله تعالى لنا ولسائر المسلمين باتباع كتابه وسنة رسوله، وردِّ ما اختُلِف فيه إليها، أم تُسوِّغون لنا اتباعَ القول المخالف لذلك الدليل لمجرد احتمال أن قائله وقفَ على معارضٍ له؟ وقد علمتم أن هذا مجردُ احتمالٍ الأصلُ عدمُه، والأدلة متواترة والأئمة مُجمِعون على أنه لا يسوغُ الاستناد إلى مثله. وقد مرَّ في كلام الإمام الشافعي بيان ذلك، وهو مع ذلك معارَضٌ بأشياء كثيرة:\nأولها: احتمال أن يكون ذلك الإمام الذي قال بخلاف ذلك الدليل لم يطلع عليه، أو اطلع عليه وعَزَبَ عنه، أو عَزَبَتْ عنه دلالتُه، ولاسيَّما وقد تقوم قرينة على بعض هذه الاحتمالات، كما سيأتي في مسألة البناء على القبور إن شاء الله.","vol":"4","page":131},{"text":"وثانيها: أن الظاهر عدم هذا المحتمل بدليل عمل الإمام الآخر بما يوافق ذلك الدليل.\nوثالثها: بحث العالم البحث الواجب حتى يغلب على ظنه المحتمل، ولاسيَّما وأدلة الشريعة في هذه الأزمنة مدوَّنة مخدومة ميسَّرة، ولاسيَّما مع تيسُّر جمع الكتب بهذه المطابع. فمن المعلوم أن مَن جمع الأمهاتِ الستَّ و\"مسند\" الإمام أحمد وغيرها من كتب السنة المطبوعة الآنَ كان عنده من الأحاديث ما لم يكن عند أحد الأئمة المتقدمين، بل هذا المتعيَّن في بعض الأحاديث بعينه.\nهَبُوا أنه لا يَسُوغ لنا اختيارُ أحد القولين على سبيل الاجتهاد لعدم التأهل له في زعمكم، فما تقولون في اختيار أحد القولين أو الأقوال على سبيل التقليد؟ ويكون الاختيار لما ظهر رجحانه بموافقة الدليل الراجح، فإن علماء التقليد إلّا من شذَّ يقولون: إن للإنسان أن يُقلِّد من شاء من الأئمة في حقّ نفسه، ويتجزَّأ التقليد، وهذا هو الذي لا ينبغي غيره، لما هو معلوم من عمل السلف الصالح، حتى الأئمة الأربعة أنفسهم، فلم يكونوا يُلزِمون العاميَّ أن لا يستفتيَ إلا عالمًا واحدًا.\nواستثنى بعضهم ما إذا كان بقصد تتبُّعِ الرخص، فإنه لا يجوز. وصرَّح بعضهم بجواز تتبُّع الرخص أيضًا، وتتبُّعُ الرخص لا يتأتَّى إلّا فيما إذا كان التقليد بحسب الهوى والتشهّي، أما إذا كان اتباعًا لما يُرجِّحه الدليل ــ كما هو الفرض في مسألتنا ــ فلا يتأتى ذلك. وشرطَ آخرون أن لا يُؤدِّي تجزِّي التقليد إلى التلفيق بحيث تتركَّب قضيةٌ لا يقول بها كلٌّ من المقلَّدين، كأن يقلِّد الشافعيَّ في عدم نقض الوضوء بخروج الدم، ويقلِّد أبا حنيفة في عدم","vol":"4","page":132},{"text":"النقض بمسِّ الذكر، ويريد أن يعمل بهما في وضوء واحد، قال: لأن وضوءه باطل اتفاقًا. وأجازه بعضهم، وهو المتعيِّن، كما يقتضيه إجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم. يأتي العاميُّ أحدَ العلماء فيسأله عن مسألة في نواقض الوضوء مثلًا، فيفتيه، ثم يأتي عالمًا آخر، فيسأله عن مسألة أخرى في نواقض الوضوء أيضًا، فيفتيه، فيذهب فيعمل بهما معًا، وقد يكون ذلك تلفيقًا على ما وُصِف، كأن يُفتِيَه الأول بعدم النقض بخروج الدم، والثاني بعدم النقض بمسّ الذكر، ويكون الأول يرى النقض بمسِّ الذكر، والثاني يرى النقض بخروج الدم. بل ربما تتركب من العمل بمجموع الفتاوى صورة باطلة إجماعًا من حيث جملتها، فقد كان العاميُّ في تلك القرون معرّضًا لهذا، والعلماء ــ الصحابة ومَن بعدهم ــ لا يخفى عليهم مثل هذا، ولم يأمر أحدٌ منهم أحدًا من العامة الاحتراز عن ذلك.\nفإن قيل: لكن الفتوى في تلك القرون كانت ببيان الدليل كما ذكرتم، فكان العامي في حكم المجتهد، فكما أنه لا بدعَ في قول المجتهد بعدم النقض بالأمرين مثلًا تبعًا للدليل، وإن كان لم يسبقه أحدٌ من المجتهدين إلى القول بذلك، بل بعضهم يرى عدم النقض بالأول ويرى النقض بالثاني، وبعضهم بالعكس، فكذلك العامي في الفتوى المبيَّن فيها الدليلُ.\nفالجواب: أن كلامنا مبني على التنزل في جواز التقليد، والقائلون بجواز التقليد يزعمون أن العمل بهذا النوع من الفتيا تقليد، وأن عامة السلف كانوا مقلِّدين لعلمائهم، وبهذا يتم لنا الاستدلال بذلك على جواز تجزِّي التقليد وجواز التلفيق.","vol":"4","page":133},{"text":"وأما من يعترف بأن العمل بهذا النوع من الفتيا ليس تقليدًا، فهو يرى بطلانَ التقليد من أصله، وهذا هو الأصل الذي ندعو إليه، وإنما أردنا أن نُثبت أن العمل بالطريق التي ندعو إليها صحيح اتفاقًا، وذلك أننا نقول: إن العالم منا يجتهد قدرَ وُسْعِه، وينظر في أدلة المجتهدين المشهورين، ثم يعمل بالراجح من الأدلة، ولابدَّ أن يكون موافقًا لأحدهم. فمن اعترف ببطلان التقليد فإنه يُصحِّح عملَنا، لأنه هو الفرض المتعيَّن علينا، إذ قد اجتهدنا في الأدلة وأخذنا بالراجح. وأما مَن يزعم صحةَ التقليد فإنه يصحِّح عملنا أيضًا، لشرطِنا موافقةَ أحد المجتهدين المشهورين. وأما المتحيِّر فإنه يرى أن عملنا صحيح على كلا التقديرين، والحمد لله رب العالمين.\nوكما أن جمهور علماء المقلِّدين قائلون بجواز أن يقلِّد الإنسان مَن شاء من الأئمة في حقِّ نفسه مع تجزئة التقليد، فكذلك محققوهم قائلون بجواز تجزِّي التقليد في الحكم والفتوى. وأما نحن فنقول: إنما منعَ بعضُهم تجزِّي التقليد في الحكم والفتوى لأمرين:\nالأول: خشية أن يكون الحاكم والمفتي رقيقَ الدين، فيتبع هواه، فإذا جاءه أحد الخصمين أو السائل بعَرَضٍ من الدنيا حكمَ له أو أفتاه بالمذهب الذي وافق هواه، وإذا جاءه خصمه بعَرَضٍ أكثر حكم بالمذهب الآخر، فاتخذ دينَ الله لُعبةً وشبكةً يصطاد بها أعراض الدنيا.\nالثاني: أن القضاء يحتاج إلى توليةٍ من السلطان، وكذلك تبعتْه الفتوى في الأزمنة الأخيرة، وجرت عادة السلاطين أن يُعيِّنوا للقاضي أو المفتي مذهبًا معيَّنًا ليقضي أو يفتي به.\nوأيضًا فالمفتي وإن لم يكن مُولًّى من قِبل السلطان جرت العادة أنه","vol":"4","page":134},{"text":"يكون منتسبًا إلى مذهبٍ من المذاهب المشهورة، فلا يأتيه يستفتيه إلّا العامة الملتزمون لذلك المذهب، وهم إنما يسألونه عن ذلك المذهب المعيَّن، فكيف يجيبهم بغيره؟ ولهذا حكى بعضهم قال (^١): كان السيوطي رحمه الله تعالى ربَّما يُرجِّح خلافَ مذهب الشافعي في بعض المسائل اجتهادًا، فإذا جاءه سائل في تلك المسألة أفتاه بمذهب الشافعي، فقيل له في ذلك، فقال: إنما يسألونني عن مذهب الشافعي لا عن الراجح عندي.\nإذا تقرر ذلك فقد قال المحققون من علماء التقليد: إذا كان القاضي أو المفتي عدلًا ولم يمنعه السلطان من الحكم بغير مذهب معيَّن، فله تجزئة التقليد في القضاء أيضًا، فيختار من مذاهب الأئمة ما يُرجِّحه الدليل إن كان متأهلًا أو نحو ذلك. وأما المفتي فإن كان مُولًّى، فإذا كان عدلًا ولم يمنعه السلطان من الفتوى بغير مذهب معين فله تجزئة التقليد في الفتوى أيضًا، فيختار ما يرجِّحه الدليل أو تقتضيه المصلحة كالتشديد على القوي المفرِّط والتخفيف على الضعيف المعذور ونحو ذلك. وإن لم يكن مولَّى (^٢) فيُشترط في حقه العدالة فقط، كذا قيل. وينبغي أنه يشترط في المفتي أن لا يفتي بغير المذهب المنتسب إليه، إلّا أن يذكر للسائل أن مذهب إمامنا كذا. ولكن مذهب فلانٍ من الأئمة كذا، ويرشده إلى تقليده إن أراد.\nهذا على مقتضى تفريع المقلدين، وأما ما ندعو إليه فإننا نقول: إنه ينبغي لأولي الأمر أن لا يُولُّوا القضاء أو الفتوى إلّا مَن كان عدلًا عالمًا بالكتاب والسنة وأقوال الأئمة، وهو الذي ندَّعي له الاجتهاد، وهو المستحق للقضاء\n_________\n(^١) انظر \"الميزان\" للشعراني (١/ ١٦).\n(^٢) بعده في الأصل: \"فإن كان\".","vol":"4","page":135},{"text":"والفتوى إجماعًا، فيولِّيه السلطان القضاءَ بما ترجَّح له دليله الشرعي بعد اجتهاده، بشرط موافقة أحد المجتهدين المشهورين، وكذلك الفتوى، ويشترط فيها أيضًا أن يُبيِّن للمستفتي أن الفتوى هي بما اقتضاه اجتهاده، ويُبيِّن له مَن وافقه من المجتهدين.\nوينبغي للناس أن يَعْمِدوا إلى مَن كان بقربهم من مدّعي الاجتهاد الظاهري العدالة، فيستفتوهم في سائر أمور دينهم، فيفتي العالم سائلَه كما كان عليه العمل في السلف الصالح، بذكرِ الدليل وتفسيره وغير ذلك، ثم يخبره بمن وافق ذلك من الأئمة، فيعمل السائل بتلك الفتوى ويكون بريئًا بيقين، لأنه إن كان العمل بالتقليد غير جائز فهو قد أدّى أقصى ما يمكنه، وهو سؤال العلماء المعاصرين له طبقَ ما كان عليه العملُ في القرون الأولى بمعرفة الدليل ودلالته وعدم المعارض، وليس يمكنه أكثر من هذا إلّا أن يتفرغ لطلب العلم حتى يبلغ رتبة الاجتهاد، وهذا ليس مكلَّفًا به كلُّ أحدٍ بلا خلاف.\nوإن كان العمل بالتقليد جائزًا فإما أن يكون متعينًا في هذه الأزمان كما زعم، وإما أن لا يكون متعينًا، فإن لم يكن متعينًا فالأمر واضح، لأنه يكون المرء حينئذٍ (^١) مخيَّرًا بين التقليد وبين استفتاء علماء عصره، واستفتاءُ علماء عصره على ما ذكرنا أرجح لما قررناه، وهو مع (^٢) ذلك في حكم المقلد للإمام الذي شرطنا موافقة قوله. وإن كان متعينًا فقد شرطنا أن يخبره المفتي بموافقة أحد المجتهدين المشهورين، وحينئذٍ يكون في حكم المقلد لذلك المجتهد، وقد التزم الأدب مع كتاب الله تعالى وسنة رسوله، ومع علماء\n_________\n(^١) اختصرها المؤلف إلى (ح) وكذا ما بعدها.\n(^٢) هكذا استظهرنا الكلمتين من الأصل.","vol":"4","page":136},{"text":"عصره، ومع الأئمة المجتهدين، إذ لم يُرجِّحْ أحدَهم على غيره مطلقًا بدون مرجِّح ظاهر، كما هو شأن المقلد المحض، بل عمل بقول هذا في مسألة، وقولِ الآخر في أخرى، وترجيحه بمقتضى الدليل الشرعي كما عرفه وفهمه، وكما أخبره مفتيه أنه لا معارضَ له. وهذا كما كان علماء التابعين ومَن بعدهم يتخيرون في أقوال الصحابة، ويرجِّحون بحسب ما يقتضيه الدليل، ويُفتون القاصرين بذلك.\nرُوي عن الإمام الشافعي أنه قال (^١): ما جاء عن الله ورسوله فعلى العين والرأس، وما جاء عن الصحابة تخيَّرنا، وما جاء عن التابعين فهم رجال ونحن رجال.\nونحن نقول: ما جاء عن الله ورسوله فعلى الرأس والعين، وما جاء عن الأئمة المجتهدين من الصحابة وغيرهم مجمعًا عليه فهو في حكم ما جاء عن الله ورسوله، فعلى الرأس والعين؛ أو مختلَفًا فيه تخيَّرنا، فاخترنا ما ظهر لنا رجحانه بالنسبة إلى الدليل من كتاب الله تعالى وسنة رسوله. ومع ذلك فنعوذ بالله ﷿ ونبرأ إليه من تنقُّص أحدٍ من الأئمة ﵃، كما كانوا يعوذون بالله ويبرأون إليه من تنقُّص أحدٍ من الصحابة، ولكن فرض الله في حقِّنا أن نتخيَّر في أقوال المجتهدين إذا اختلفوا، عملًا بأمره أن يُرَدَّ ما اختُلِف فيه إليه وإلى رسوله، وكان هذا في حياة رسوله بالرد إلى كتاب الله تعالى وإلى رسوله بنفسه، وبعد وفاة رسولِه بالرد إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله، وهذا كما كان عمل الأئمة رحمهم الله تعالى إذ فرض الله عليهم ذلك، فكانوا يتخيرون في أقوال الصحابة إذا اختلفوا بردّها إلى كتاب الله\n_________\n(^١) هذا مشهور عن الإمام أبي حنيفة، وقد سبق تخريجه (ص ١١٤).","vol":"4","page":137},{"text":"تعالى وسنة رسوله، واختيار ما ظهر لهم رجحانُه.\nوبهذا تبيَّن أوضحَ البيان أن باب العمل بالدليل مفتوح بالاتفاق، أما على القول بوجود المجتهدين اليوم فواضح، وأما على القول بانقطاع الاجتهاد فالأدلة الشرعية محفوظة، وأقوال المجتهدين مدوَّنة، ولا مانعَ من تقليد أيّ مجتهدٍ كان، فلا أقلّ من ترجُّح من يوافق قوله الدليل، ولا أقلّ من أن يكون مدَّعي الاجتهاد اليوم أهلًا للترجيح، مع أنه لو فُرِض أنه ليس مجتهدًا وأنه أخطأ في الترجيح، فليس في ذلك محذور، لأن القائلين بالتقليد يجيزون التقليد ابتداءً، فلأن يجوز بعد بذل الوسع في طلب المرجِّح الشرعي أولى وأحرى. وبهذا يَسْلَم القاصر من محاربة الله ورسوله باتخاذ القرآن مهجورًا والزيغ عن اتباع الرسول ﵌، والله ﷾ يقول: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]. وفي الحديث الصحيح: \"لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئتُ به\" (^١). ويَسْلَم من الجهل بالدليل الشرعي في عمله، ويَسْلَم من سوء الأدب مع بعض الأئمة المجتهدين بتنقُّصِهم والتعصُّب عليهم والترجيح عليهم بدون مرجِّح معتبر، ويَسْلَم من عناد علماء عصره القائمين بعلوم الكتاب والسنة وغير ذلك، وحَسْبُه أنه موافق للشرع بيقين.\nفهذه الميزان، لا \"ميزان\" الشعراني ﵀، فإنه بناها على أن كل فردٍ من أفراد المجتهدين في المسائل الخلافية مصيبٌ باعتبارٍ مخطئ باعتبارٍ، أما إصابته ففي نسبته الحكمَ الذي قال به إلى الشريعة، وأما خطأه ففي زعمه\n_________\n(^١) سبق تخريجه (ص ٩٠).","vol":"4","page":138},{"text":"إطلاقَ الشريعة ذلك الحكم. مثاله: الماء المستعمل، قال أبو ثور وداود وأصحابه: إنه طاهر مطهِّر غير مكروهٍ استعمالُه، وقال مالك وأصحابه: طاهر مطهِّر مكروهٌ استعمالُه، وقال الشافعي: طاهر غير مطهِّر، وقال أبو يوسف: إنه نجس. كذا في \"بداية المجتهد\" (^١). فالشعراني ﵀ يقول (^٢):\nالأول مخفف، وهو محمول على أن يكون المستعمل نبيًّا أو وليًّا، فيبقى الماء على أصله، لا يتقاطر فيه شيء من الذنوب.\nوالثاني أشدُّ منه قليلًا، وهو محمولٌ على ما إذا كان المستعمل مستورًا ومريدُ التطهير غير مُكَاشَف، فهو شاكٌّ هل تقاطَرَ فيه شيء من الخطايا أو لا؟ ولما كان الظاهر التقاطر كُرِه له التطهُّر به، وكذا إذا كان مكاشفًا، ووجد أن الماء لم يتقاطر فيه إلّا شيء من المكروهات ونحوها.\nوالثالث أشدّ، وهو محمول على ما إذا كان المستعملُ مسرِفًا على نفسه ومريد التطهير غير مكاشف، فإنه حينئذ يتأكَّد عنده أنه تقاطر في الإناء شيء من المعاصي، ولكنه لما لم يكن مشاهدًا لها لم يُحكَم في حقه بنجاسة الماء، غير أنه غير مطهِّر. وكذا إذا كان مريد التطهير مكاشفًا، وشاهد الماء، فإذا هو لم يتقاطر فيه إلّا شيء من الصغائر.\nوالرابع أشدُّ من الجميع، وهو خاصٌّ بما إذا كان مريد التطهير مكاشفًا، وشاهد الماء قد تقاطر فيه شيء من الكبائر.\nهذا قضية كلام الشعراني ﵀ أو نحوه، وحاصل ما ذكر أن الحكم\n_________\n(^١) (١/ ٣٠).\n(^٢) انظر \"الميزان الكبرى\" (١/ ١٠٨).","vol":"4","page":139},{"text":"الشرعي في الماء المستعمل أنه يختلف باختلاف الأحوال، ففي الحال الأول طاهر ومطهِّر غير مكروه، وفي الثاني مكروه، وفي الثالث غير طهور، وفي الرابع نجس. وحينئذ فأبو ثور وداود وأصحابه وإن أصابوا في قولهم بالنسبة إلى ما حمل عليه قولهم، فإنهم أخطأوا في إطلاق ذلك وتعميمه، وذلك أنهم رأوا بعض الأدلة تدل على أن شيئًا من المستعمل طاهر طهور غير مكروه، فقالوا به وعمَّموه في جميع الأحوال، والحال أنه واقع فيما إذا كان المستعمل نبيًا أو وليًّا فقط. وعلى هذا فقِسْ.\nوالحاصل أن قضية ميزانه أنهم جميعهم على خطأ، لم يصيبوا الحكم الشرعي، وإن أخذ كلٌّ منهم بطرفٍ منه. وهكذا عمَّم ميزانه في جميع مسائل الخلاف، فإذا جميع أئمة الصحابة والتابعين وتابعيهم والأئمة المجتهدين الأربعة وغيرهم كلهم عنده كما ترى مخطئون.\nوهذا ضدُّ ما قاله قوم: إن كل مجتهد مصيب، وإن الحق متعدد. وكلاهما باطل، وقوله ﵀: أظهر بطلانًا لاقتضائه إجماعَ الأئمة على الخطأ في جميع مسائل الخلاف ما عداه.\nفإن قيل: إنه أراد بميزانه دفعَ ما يُوهمه الاختلاف من تناقض الأدلة الشرعية.\nفالجواب: أن هذا مندفعٌ بما هو معلوم أن المجتهدين غيرُ معصومين عن الخطأ في الاجتهاد، فقد يجهل أحدهم الدليل، وقد ينساه، وقد يَعزُب عنه، وقد تَعزُب عنه دلالته، إلى غير ذلك. فلا جَرمَ كانوا معرَّضين للخطأ، وهذا يقتضي أن يكونوا في المسائل الخلافية على قسمين: مصيب فحسبُ،","vol":"4","page":140},{"text":"ومخطئ فحسبُ. وبهذا ثبت الحديث الصحيح (^١) أنه \"إذا حكم الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا حكم فأخطأ فله أجرٌ واحد\"، وعلى هذا أجمع الصحابة ﵃ فمَن بعدهم من أئمة الأمة. وبهذا يثبتُ نزاهةُ الشريعة عن التناقض، ويثبتُ نزاهة الأئمة، لأننا لا نقول: إنهم جميعهم مخطئون كما هو قضية قوله، بل ولا نجزم في أحدٍ منهم بعينه أنه مخطئ، وإنما نُرجِّح ما ترجَّح لنا من حيث الدليل. ويثبتُ أيضًا نزاهةُ الصحابة ﵃ وجميع الأمة عن الإجماع على الخطأ، بخلاف ما يقتضيه قوله. إلى غير ذلك مما هو واضح جلي.\nفوازِنْ أيها القارئ بين الميزانين وفَّقك الله تعالى.\nقال المقلِّدون: أيها القوم! قد جادلتمونا فأطلتم جدالَنا، وما لنا ولتضييع أعمارنا في نزاعٍ لا ينقطع. هَبُوا أن كلّ ما احتججتم به صحيح، وكلّ ما دافعنا به هَباءٌ تذهب به الريح، ولاسيَّما والطريقة التي أرشدتم إليها قريبةٌ من الصواب أو هي الصواب عينُه. لكن أنتم لا تجهلون أنّ بين زماننا هذا والقرون الثلاثة بَونًا بعيدًا، فقد كان المجتهدون لا يُحصَون كثرةً، وأما في عصرنا هذا فأنتم تعلمون أنه بعد تسليم وجود الاجتهاد فلأفراد يُعدُّون بالأصابع، لو كلَّفتم جميعَ المسلمين قصدَهم من أطراف المعمورة في كل واقعةٍ تعرِضُ لكان هذا تكليفَ ما لا يُطاق. وكيف يصنع الناس بعباداتهم ومعاملاتهم اليومية؟ مع أن كثيرًا ممن يدّعي الاجتهاد ليس عنده من العلم شيء، بل كثيرًا ما تُتَّخذ دعوى الاجتهاد وسيلةً إلى اتباع الشهوات، والاسترسال في الأهواء، واستخدام الأدلة الشرعية في الأغراض النفسية\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٣٥٢) ومسلم (١٧١٦) من حديث عمرو بن العاص.","vol":"4","page":141},{"text":"بدون هدًى من الله، فيجعلون الشرع تبعًا لأهوائهم وسُلَّمًا لشهواتهم، وينظرون إلى البدع الناشئة عن الاختلاط بالأجانب، فيأخذون على عاتقهم نصرتَها بتأويل أدلة الشرع إليها، إلى غير ذلك من المفاسد التي لا تخفى على أحد.\nوكلُّ أحدٍ لا يخفى عليه أن تقليد أحد الأئمة الأربعة أقربُ إلى دين الله تعالى من سؤال أحد هؤلاء المنتحلين للاجتهاد على هذه الصفة.\n* يقول عبد الله المفتقر إليه: هذا الكلام صحيح، فإنا لا نعلم الآن على ظهر الأرض من يصحُّ منه دعوى الاجتهاد إلّا أفرادًا معروفين، وأما من ينتحل الاجتهاد لأغراضه (^١)، بل لخدمة شهواته وهواه فهذا أضرُّ على الدين من غلاة المقلِّدين، فإن المقلدين إنما أُتُوا من الغلوّ في حسن ظنِّهم بالأئمة الأعلام، حتى أدَّاهم ذلك إلى تقديم قولهم على أدلَّة الكتاب والسنة، ظنًّا أنهم اطلعوا عليها، وإنما خالفوها لما هو أقوى منها كما مرَّ بيانه. وأما هؤلاء المنتحلون فإنما يتخذون انتحال الاجتهاد وسيلةً لأغراضهم وأهوائهم.\nوهذا الأمر هو الذي غرَّ بعضَ صالحي المقلِّدين حتى ذهب إلى سدِّ باب الاجتهاد، وإن لم يُوفَّق للصواب في ذلك، لأن الأرض لا تخلو من قائم لله تعالى بالحجة، وحجة الله تعالى بكتابه وسنة رسوله باقيةٌ إلى يوم القيامة. وإنما الواجب أن يُميَّز بين المُحِقِّ والمُبْطِل، فلا ينبغي أن يُدْفَع الباطل بوجهٍ يقتضي دفع الحق، كيف وهو إذن باطل مثله يحتاج إلى دفع، ومع ذلك فهو غير مستحق أن يظهر عليه؛ لأن الله تعالى إنما وعد الحقَّ بالظهور على\n_________\n(^١) هكذا استظهرنا الكلمة، ورسمها غير واضح.","vol":"4","page":142},{"text":"الباطل، وإنما أوقع المسلمين فيما أوقعَهم فيه هذه الحيلة العوجاء، يريد أحدهم أن يدفع الباطل فيَعْمِد إلى باطلٍ مثلِه ليدفعه به، فيُزْهِق الله الجميع ويُظهِر الحقَّ على لسان من اختار، كما قال تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٧].\nومع هذا فالمفسدة في دفع الحق أضرُّ من المفسدة في صولة الباطل؛ لأن في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ما يُميِّز بين المحق والمبطل، والهادي من المُضِلّ، وقد وعد الله تعالى الحقَّ بالظهور على الباطل، قال ﷿: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١٨].\nوالجواب عمّا مرَّ أن يقال: أما قولكم: \"أين زماننا هذا من القرون الثلاثة؟ ... \" إلخ، فالجواب: هذا مسلَّم، والسبب في ذلك ظهور بدعة التقليد، فإنها لما ظهرت صار من يريد طلب العلم إنما همُّه أن يتعلَّم في مذهب بعض الأئمة، فيشتغل بذلك من أول عمره، فينشأ على ذلك، وربما أفنى فيه جميع عمره. وأما سائر أهل المعاش فغاية أحدهم أن يتعلم مختصرًا في المذهب الذي عليه أبوه، ليعمل به، ثم يذهب في عمل دنياه، وزادَ الطينَ بِلَّةً كون الدُّوَل التي تتولَّى أمور المسلمين من المقلدين، فصاروا يُولُّون القضاء والإفتاء والتدريس غير أهلها، بل يشترطون أن يكون مقلدًا، فلو كان مجتهدًا لم يولُّوه شيئًا. وبعد أن صارت المذاهب أحْزابًا كلٌّ منها يتعصب لحزبه صار اجتهاد المتفقهين فيها إنما هو في جمع العامة، وجَرِّهم إلى جانبه، وتسليطهم على مَن يخالفه.","vol":"4","page":143},{"text":"ولمّا تكافأت هذه الأربعة المذاهب اصطلح فقهاؤها على أن يعترف كلٌّ منهم للآخر، ويتعصبوا على مَن خرج عنهم. فصار الاجتهاد مطرودًا متعصَّبًا عليه، ومن تظاهر به قيل: هذا مبتدع خارج عن المذاهب الأربعة، فاجتمعوا على أذيته، ولم يجد من يردُّ عنه، لأن أمور الدولة بأيديهم. ثم يجيء طالب العلم، فيرى هوانَ الاجتهاد وما وقع فيه صاحبه من المشقة والعناء، فتنصرف همتُه عن سلوك تلك الطريق، لما يرى أن نتيجتها في الدنيا العناء والتعب، بخلاف طريق التقليد، فإنه يرى نتيجتها في الدنيا القضاء والإفتاء، والمناصب العالية، والرتب السامية، والأموال الواسعة، والمواكب التابعة، إلى غير ذلك.\nثم طرأتْ بعد ذلك تلك القولة، أي انقطاع الاجتهاد، وشاعت في الناس، فكانت ضِغثًا على إبَّالةٍ، إذ انتشر بين الناس أن الاجتهاد ممتنع، فانقطعت رغبات الناس فيه ضرورةَ أن الهمم لا تتعلق إلا بما في نيله مطمع. ومع ذلك فإن الله تعالى لا يُخلِف وعدَه بحفظ الدين، فلم يزل في هذه العصور كلها من تقوم به الحجة من المجتهدين رغمًا عن تلك العوائق والقواطع، كما بُيِّن في هذه الرسالة وغيرها، والطريق بحمد الله تعالى واضحة ميسَّرة.\nوأما قولكم: إنه لا يطيق جميع المسلمين قصدَ المجتهد في كل واقعة، فهذا صحيح، ولكن البلاد على قسمين:\nالأول: الذي فيه أو بالقرب منه عالمٌ بالكتاب والسنة وأقوال الأئمة، عدلٌ يدعي الاجتهاد، فهؤلاء يتعين عليهم الرجوع إلى قوله على ما شرحنا، وبعد شرط العلم والعدالة وموافقة أحد المجتهدين ينتفي المحذور.","vol":"4","page":144},{"text":"والثاني: البلد الذي ليس فيه ولا بالقرب منه عالمٌ كذلك، فالواجب على أهل هذا البلد أن يُرسِلوا إلى أقرب عالم كذلك منهم من يستفتيه في الوقائع على ما شرحنا، وينقل إليهم على سبيل الرواية، ويُهَيِّئوا من طلبة العلم مَن يرحل لطلب العلم والسموّ إلى درجة الاجتهاد، فإن ذلك فرض كفاية إجماعًا. قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢]، والأدلة في هذا لا تُحصَى. كيف والإمامة والقضاء والفتوى والحسبة وغيرها مشروط فيها الاجتهاد إجماعًا.\n\nوكونُ<span data-type=\"title\" id=toc-91> طلب رتبة الاجتهاد فرضَ كفاية </span>مما لا يخالف فيه مسلم، وما من بلدٍ إلا وفيه كثير من طلبة العلم، فإذا قام أغنياؤه بكفاية نفرٍ من الطلبة وكفاية عائلاتهم وساعدوهم على الرحلة إلى العلماء لطلب العلم، لكانوا قد أدَّوا ما يجب عليهم في هذا. بل لو فُرِض أنه ليس على وجه الأرض مجتهد لما منع ذلك من وجوب طلب رتبة الاجتهاد، وذلك أن العلوم مدوَّنة، والأدلة الشرعية محفوظة مبيَّنة موضَّحة ميسَّرة، وما من علمٍ إلا وثمَّ رجالٌ كثير يُتْقِنونه، غايةُ الأمر أنه يَقلُّ الجامعون للعلوم، وهذا ليس مانعًا، فالطالب يأخذ من هذا علم النحو، ومن هذا علم التصريف، ومن هذا علم البيان، ومن هذا علم أصول الفقه وهلمَّ جرًّا، وإذا هو قد جمع علوم الاجتهاد.\nوبما أن هذا غير ممتنع قطعًا على كل تقدير، فإن ما ذكرناه من أنه يجب على أهل كل بلدٍ ترشيحُ نفرٍ من طلبة العلم لطلب علوم الاجتهاد= أمرٌ لا ينبغي أن يخالف فيه أحدٌ.\nوأما أعمالهم في عبادتهم اليومية، فإن كانوا مقصِّرين عن الإرسال إلى","vol":"4","page":145},{"text":"أقرب عالم كما مرَّ، وعن تهيئة بعض الطلبة، فأعمالهم ــ والله أعلم ــ باطلة. وإن كانوا غير مقصِّرين بل يرسلون إلى ذلك العالم فيما يَعرِض لهم، وقد هيَّأوا بعض الطلبة كما مرَّ فإنه يَسُوغ لهم في مدة انتظار عود الخبر من ذلك العالم أن يسألوا مَن كان له بعضُ إلمامٍ بالعلم من أهل بلدهم، ليطالع بعض الكتب التي بينت فيها الحكم بأدلته، ككتاب \"الأم\" للشافعي وغيرها، ويعملوا بما يخبرهم أنه ظهر له مع موافقته لأحد المجتهدين.\nوالحاصل أنهم يبذلون أقصى ما يُمكِنهم في ذلك، حتى يعود جواب العالم الجامع الشروط، فيعملون به، فإذا منَّ الله تعالى على أولئك النفر الذين رشَّحوهم لطلب علوم الاجتهاد أو بعضهم استغنَوا بهم.\nعلى أننا لا نرى للقاصر الاقتصارَ على استفتاء عالم واحدٍ في جميع دينه، بل الأولى أن يستفتي هذا العالم في هذه المسألة، والعالم الآخر في أخرى، وهكذا. فإن اقتصر على استفتاء عالم واحد بأن لم يتيسَّر له غيره فلا بأس.\nولو أن الناس فزعوا إلى هذه الطريقة التي فتح الله علينا ببيانها لعادتِ الأرضُ مُشرِقةً بنور هذا الدين الشريف، ولم يَمْضِ زمنٌ يسيرٌ حتى تعود الأمة الإسلامية من حيث علومها الدينية كما كانت عليه في القرون الثلاثة، وكذلك من حيث عزّها وشرفها وقوتها، لأن تلك الطريقة تقضي على هذا التفرق والتحزُّب والتعصُّب قضاءً باتًا، وتصبح الأمة كما كانت بالأمس على مذهب واحدٍ، ولاسيَّما إذا تيسَّرتْ لها في الاعتقاد طريقةٌ نحو هذه. ولعل الله تعالى يفتح عليَّ ببيانها في المسألة الآتية إن شاء الله تعالى.","vol":"4","page":146},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-92>المسألة الثانية\nالسنة والبدعة</span>\n* تمهيد\n* البحث الأول: البناء على القبور\n* البحث الثاني: اتخاذ القبور مساجد\n* البحث الثالث: زيارة القبور\n* البحث الرابع: التبرك\n* البحث الخامس: التوسُّل\n* بحث في اتخاذ ليلتي المولد والمعراج عيدًا","vol":"4","page":147},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n[تمهيد]\n[ص ١] السنة لغةً: الطريقة والسيرة، واصطلاحًا للفقهاء: مرادف المندوب، وشرعًا إطلاقانِ: الأول ما جاء عن الرسول ﵌ قولًا وفعلًا وتقريرًا. والثاني ما شرعه الله تعالى لعباده بكتابه وعلى يد نبيه ﵌.\nوالبدعة لغةً: الأمر المبتدع، أي المخترع على غير مثالٍ سبقَ، إما مطلقًا، كقوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١١٧] أي: مُبدِعُهما، كما في \"المختار\" (^١) وغيره. وإما مقيَّدًا، كأن رأيتَ بخيلًا أعطَى دينارًا، فإنك تقول: هذا الفعل من هذا الرجل بدعة. وشرعًا: الأمر المبتدع في الدين على غير مثالٍ من الكتاب والسنة.\nوالمحدَثة لغةً: الأمر المكوَّن بعد أن لم يكن: إما باعتبار ذاتِه، كما إذا أعطى كريمٌ دينارًا أو أكثر، فإنك تقول لتلك الإعطاءة: محدثة. وإما باعتبار نوعه، كما إذا أعطى بخيلٌ دينارًا، فإنك تقول: هذا الفعل من هذا الرجل مُحدَث، وهي بهذا الاعتبار مرادفة للبدعة. قال (^٢):\nقوم إذا حاربوا ضرُّوا عدوَّهمُ ... أو حاولوا النفعَ في أشياعهم نفعوا\n_________\n(^١) \"مختار الصحاح\" (بدع).\n(^٢) هو حسَّان بن ثابت ﵁، والبيتان من قصيدة له في الديوان (١/ ١٠٢، ١٠٣) و\"سيرة ابن هشام\" (٢/ ٥٦٤) و\"تاريخ الطبري\" (٣/ ١١٨) و\"الأغاني\" (٤/ ١٤٩).","vol":"4","page":149},{"text":"سجيَّةٌ تلك فيهم غيرُ مُحدَثةٍ ... إن الخلائقَ فاعلَمْ شرُّها البِدَعُ\nوشرعًا: مرادفُ البدعة شرعًا.\nفالبدعة والمحدثة شرعًا: الأمر المبتدع في الدين على غيرِ مثالٍ من الكتاب والسنة. والمراد بقوله: \"على غير مثالٍ من الكتاب والسنة\" أن يكون غيرَ موافقٍ لهما، وكلُّ فعلٍ من الأفعال إما أن يكون موافقًا للكتاب والسنة، وإما أن يكون مخالفًا. والموافق ما دلَّ على موافقته دليلٌ معتبرٌ منهما دلالةً معتبرةً، فهو من السُّنَّة، والمخالف ما دلَّ على مخالفته دليلٌ منهما دلالةً معتبرة، فإن كان موجودًا من أول الإسلام فهو حرام أو مكروه بحسب ما يقتضيه دليله، ولا [يسمَّى] (^١) بدعة ولا مُحدَثة. وإن لم يكن موجودًا من أول الإسلام بل حدثَ بعد ذلك فهو محدثة بدعة. ولا واسطةَ بين الموافق والمخالف. [ص ٢] لأن الله تعالى قال: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾، وأومأ إلى وجه ذلك بقوله عقبَ هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]، ليعلم أنه ليس المراد بقوله: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ أن يكون كل شيء بنصٍّ خاص، وإنما المراد أنه ما من شيء إلّا وحكم الله تعالى فيه مبيَّن في كتابه، إن لم يكن بالمطابقة فبالتضمن أو الالتزام أو المفهوم، كأن يكون ذلك الشيء داخلًا تحت أمرٍ عامّ مبيَّنٍ حكمُه في كتاب الله تعالى. ومنها في المأمورات: العدل والإحسان وإيتاء ذي القربى والتقوى والمعروف\n_________\n(^١) مخروم في الأصل.","vol":"4","page":150},{"text":"والإنصاف، وفي المنهيات: الجور والإساءة وحرمان ذي القربى والفحشاء والمنكر والبغي، وكلها في هذه الآية. ولذلك رُوي عن ابن مسعود أن أجْمعَ آيةٍ في القرآن لخيرٍ وشرٍّ هذه الآية (^١).\nومما يبيِّن ذلك حديث مسلم (^٢) عن شدّاد بن أوس عن رسول الله ﵌ قال: \"إن الله ﵎ كتب الإحسانَ على كلِّ شيء، فإذا قتلتم فأَحسِنُوا القِتلةَ، وإذا ذبحتم فأحْسِنوا الذَّبحَ، وَلْيُحِدَّ أحدُكم شَفْرتَه ولْيُرِحْ ذبيحتَه \".\nيقول عبد الله الفقير إليه: أراد ﵌ بقوله: \"كتبَ الإحسانَ على كل شيء\" قولَه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾. وهذا حجة في عموم مثل هذه الصيغة وفي حجية العموم.\nوفي المباحات: قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢]، وقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤]، وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ الآية [الأنعام: ١٤٥]، وقوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، وقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣].\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" (٤٨٩) والطبري في \"تفسيره\" (١٤/ ٣٣٧) والطبراني في \"المعجم الكبير\" (٨٦٥٨) وغيرهم.\n(^٢) رقم (١٩٥٥).","vol":"4","page":151},{"text":"ومن العمومات الواردة في كتاب الله تعالى: في اتباع الرسول وطاعته المأمور بهما، فإنه يدخل تحت ذلك جميع ما جاء عن النبي ﵌ في جميع الأحكام.\nفإن قيل: فما تقول في الحديث الصحيح: \"الحلال بيِّنٌ، والحرام بيِّنٌ، وبينهما مشتبهات\" (^١)؟ فإن ظاهره إثباتُ الواسطة.\nقلت: هذه واسطة بين الحلال البيِّن والحرام البيِّن، لا بين الحلال والحرام من حيث هما. والمراد بالحلال هو ما عبَّرنا عنه بالموافق، وبالحرام ما عبَّرنا عنه بالمخالف، والمشتبهات ما تعارضت فيه دليلَا الحلِّ والحرمة، فإنه عند مَن لم يظهر له الترجيح ــ وهم كثير من الناس ــ مشتبه، فأرشد النبي ﵌ بأن يُعمل فيه ما يقتضي الاحتياط. هذا مع أنه في نفس الأمر إما حلال وإما حرام، فالحديث دليلٌ على عدم الواسطة، فتأمَّلْ.\nومما يكون حكمه مبيّنًا في كتاب الله تعالى بدلالة الالتزام: الوسائل، أي الأمور التي لا تتم الأمور المشروعة إلّا بها، فإنّ لكل وسيلةٍ حكْمَ مقصدِها، فإن تعدَّدت الوسائل وكلٌّ منها يكفي في تحصيل المقصد كان الحكم لواحدةٍ منها لا بعينها، ويكون الدليل الشرعي الدال على حكم [مقصد] (^٢) ها [دالًا] على [حكمها] دلالةً مطلقةً [عامّةً] عمومًا بدليًّا، كما إذا قلت لإنسانٍ: اضرِبْ رجلًا، فإنه يحصُلُ امتثال الأمر بضرب أي رجلٍ كان.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٢، ٢٠٥١) ومسلم (١٥٩٩) من حديث النعمان بن بشير.\n(^٢) الكلمات التي بين المعكوفتين مخرومة في الأصل.","vol":"4","page":152},{"text":"فقول الشارع: \"أدُّوا النُّسُك\" [أمرٌ] بأداء النسك، وأداء النسك لا يتم إلّا بسفرٍ إلى الحرم، وما لا يتمُّ الواجب إلّا به فهو واجب، فالسفر إلى الحرم واجب، فكان الأمر بأداء النسك أمرًا بالسفر إلى البيت، وهذا السفر مطلق يصدُق على السفر برًّا والسفر بحرًا وغير ذلك.\nإذا تقرر ما ذُكِر فإنه ما من شيء من الأشياء إلّا وحكمه الشرعي مبيَّنٌ في كتاب الله تعالى بإحدى الدلالات الثلاث أو المفهومات المعتبرة، سواء كان موجودًا في عهد رسول الله ﵌ أم حدثَ بعده، وحينئذٍ فالآتي بشيء ما من الأشياء إن كان الإتيان به موافقًا للشرع فتلك السُّنَّة، وإن كان مخالفًا له فإن كان موجودًا من أول الإسلام فهو حرام أو مكروه فحسب، وإلَّا فهي المحدثة البدعة.\n\n[ص ٣] والحاصل أن<span data-type=\"title\" id=toc-96> الأشياء الحادثة بعد عصر النبوة نوعان:</span>\nالأول: ما كان فيما يتعلق بمصالح الدنيا، من مطاعم ومشارب وملابس ومراكب ومناظر ومزارع وغير ذلك مما لا يضر بالدين، فهذا جائز لدخوله تحت عمومات الإباحة، فليس في الشرع بدعةً ولا محدثةً لموافقته للشرع، ولا مانعَ من استعمال المحدث من ذلك وسيلةً لتحصيل الأمور الدينية، كركوب الطيارات لأداء النسك، لأن مقصود الشارع من الأمر بالسفر لأداء النسك هو الانتقال إلى الحرم بأيّ وسيلةٍ كانت لأداء المقصود الذي هو النسك، وإن كان الاتباع أفضل.\nالنوع الثاني: ما كان فيما يتعلق بالأمور الدينية خاصةً، فهذا على قسمين: وسائل ومقاصد.\nفأما الوسائل فإنه يجوز العمل بما أُحدِث منها بشرط تعذُّر أو تعسُّرِ","vol":"4","page":153},{"text":"الوفاء بمقصدها الديني بوسيلته التي كان العمل عليها في عهده ﵌. ومن هذا إجماع الصحابة ﵃ على جمع القرآن في مصحف واحد، وذلك أن المحافظة على القرآن هي أهم الأمور الدينية، وكانت الوسيلة لذلك في عهده ﵌ الحفظ، فلما استحرَّ القتلُ بالقرَّاء في عهد الصدِّيق، وانتشر المسلمون في الآفاق، وبدأت الهِمَمُ تَكِلِّ عن الحفظ، [و] رأى الصحابة ﵃ أن الوسيلة الأولى قد ضعُفت عن الوفاء بالمقصد الذي هو المحافظة على القرآن، وأن الاقتصار عليها يُخشَى أن يؤدّي إلى ضياع المقصد= قرروا أن الأمر بالمحافظة على القرآن يلزمهم أن يعملوا لتحصيله بكل وسيلة، فإن أمكن حصولُه بالوسيلة التي كان [العمل] عليها في عهده ﵌ تعيَّن ذلك، وإلّا نظروا وسيلة أخرى، وعملُهم بالوسيلة الأخرى من السُّنَّة، لأنه عملٌ بمقتضى الدليل.\nوالحاصل أن الإذن في هذا كأنه على الترتيب، فلا يجوز العمل بالمحدث حتى يمتنع العمل بما قبله، فالعمل بالمحدث من غير أن يمتنع ما قبله بدعة، والعمل به بعد امتناع ما قبله [سنة].\nوأما القسم الثاني ــ وهو المقاصد ــ فالمحدَث منه كلُّه بدعة ضلالة، وليس منه صلاة التراويح كما يظن بعضهم، فإنها من السنة، كما ثبت في \"الصحيحين\" (^١) عن زيد بن ثابت أن النبي ﵌ اتخذ حُجرةً في المسجد من حصيرٍ، فصلَّى فيها لياليَ حتى اجتمع عليه ناس، ثم فقدوا صوتَه ليلةً وظنُّوا أنه قد نام، فجعل بعضُهم يتنحنح ليخرج إليهم،\n_________\n(^١) البخاري (٧٢٩٠) ومسلم (٧٨١).","vol":"4","page":154},{"text":"فقال: \"ما زال بكم الذي رأيتُ من صنيعكم حتى خشيتُ أن يُكتَب عليكم، ولو كُتِب عليكم ما قمتم به، فصلُّوا أيها الناسُ في بيوتكم، فإن صلاة المرء في بيته أفضلُ إلَّا المكتوبةَ\".\nوقوله: \"ما زال بكم الذي رأيتُ من صنيعكم\" يريد ــ والله أعلم ــ من اجتماعهم وحرصهم على الحضور، كما يدل عليه قوله: \"فصلُّوا أيها الناس ... \" إلخ. فقطعَ ﵌ أن يخرج للصلاة بهم خشيةَ أن تُكتَب عليهم، وأرشدهم إلى أن يُصلُّوا في بيوتهم، لأن صلاة المرء في بيته أفضل إلا المكتوبة، وخشيةُ أن تُفرض هو المانع في الحقيقة. فأما عدولهم عن الصلاة في بيوتهم فإن غاية ما فيه أنه خلاف الأولى، ومع ذلك فكان ينجبر بائتمامهم به ﵌، ولكن لما انقطع ائتمامهم به للمانع الأول انتفى الانجبار كما هو ظاهر. فلما توفي ﵌ انتفى الأمر الأول الذي هو المانع في الحقيقة، وبقي المانع الآخر وهو كون الأفضل صلاتهم في بيوتهم، فبقي الحال على ذلك خلافةَ الصدّيق وبعضَ خلافة عمر، ثم كان ما أخرجه البخاري (^١) عن عبد الرحمن بن عبدٍ القاريّ قال: خرجتُ مع عمر بن الخطاب ليلةً إلى المسجد، فإذا الناسُ أوزاعٌ متفرقون، يصلِّي الرجل لنفسه، ويصلِّي الرجلُ فيصلِّي بصلاته الرهطُ، فقال عمر: إني لو جمعتُ هؤلاء على قارئ واحدٍ لكان أمثلَ، ثم عزَم فجمعَهم على أُبي بن كعب. قال: ثم خرجتُ معه ليلةً أخرى والناسُ يصلُّون بصلاة قارئهم، قال عمر: نعمتِ البدعةُ هذه! والتي ينامون عنها أفضلُ من التي يقومون، يريد آخر الليلة، وكان الناس يقومون أوّلَه.\n_________\n(^١) رقم (٢٠١٠).","vol":"4","page":155},{"text":"فدلَّ هذا الحديث أن الناس في خلافة عمر تركوا الصلاةَ في بيوتهم إلى الصلاة في المسجد، فرأى عمر ﵁ أن الأمر الذي لأجله قطعَ النبي ﵌ الخروجَ للصلاة بهم ــ وهو خشية أن يُكتَب ذلك ــ قد انتفى، لإكمال الدين وانقطاع التشريع بوفاته ﵌، والأمر الذي لأجله أرشدهم ﵌ إلى ترك الصلاة في المسجد ــ وهو الصلاة في بيوتهم ــ قد تركوه من ذاتِ أنفسهم، ولعله رأى أن أمرهم بأن يصلُّوا في بيوتهم ربما يُؤدِّي إلى تكاسُلِ بعضهم، مع أن غاية الأمر أنه أفضل فقط، وإلا فالجميع من السُّنَّة، لا جَرَمَ رأى أن جَمْعهم على قارئ واحدٍ أقربُ إلى السنة من بقائهم أوزاعًا، لموافقته لفعله ﵌ تلك الليالي، مع زوال المانع الأول، ومع إعراض الناس عن الصلاة في بيوتهم، ومع ذلك فأرشدهم إلى الأكمل بقوله: \"والتي ينامون عنها أفضل\" يريد ــ والله أعلم ــ بذلك الصلاةَ في البيوت، لأنهم إنما ينامون في بيوتهم.\nوالحاصل أن السنة في صلاة الليل مخيَّرة بين أقسام:\nإما أن يصلِّي الرجل في بيته، وهذه هي الأفضل.\nوإما أن يصلّيها في المسجد منفردًا، ويصلِّي كلُّ رهطٍ وحدهم، وهذا هو الذي رأى عمر ﵁ الصحابة يفعلونه.\nوإما أن يصلُّوا في المسجد بإمامٍ واحد، وهذا هو الذي فعله ﵌ بهم لياليَ، ثمَّ عدلَ عنها خشيةَ أن يُكتب. وأما قول عمر ﵁: \"نعمتِ البدعة\" فأراد ــ والله أعلم ــ الأمر المبتدع بعد أن كان العمل على خلافه، وهذا إنما هو بالنسبة إلى تلك المدة التي بينَ تركه","vol":"4","page":156},{"text":"﵌ الصلاةَ بهم وبينَ عَزْم عمر بجمعِهم على قارئ واحد. لا المبتدع مطلقًا، فقد ثبت فعلُه عنه ﵌ كما مرَّ. وقد يكون عمر سمع بعضَ الناس يقول: بدعة، لعدم نظرِه في الدليل، أو قدَّر أن بعض الناس سيقول ذلك، فقال: نعمتِ البدعة، أي: في زعم هذا الزاعم، كما قال تعالى في عكس هذا: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩]، أي: على ما كنت تزعم، والله أعلم.\nوأما اختراع القواعد لعلوم العربية فهو صالحٌ أن يكون من النوع الأول، لأن الناس محتاجون في أمور دنياهم إلى معرفة لغة أسلافهم، وأن يكون من الثاني، فإن الدين محتاج إلى معرفة اللغة التي ورد بها الشرع، وعلى هذا فهو من الوسائل، لأن حفظ اللغة وسيلة لمعرفة الدين، وكان حفظ اللغة في عهده ﵌ حاصلًا في العرب بالطبع ومن خالطهم تعلَّم منهم بسهولة، فلما انتشر الإسلام وكثُر اختلاط العرب بالعجم تدهورت اللغة، وكادت تذهب لولا أن [العلماء اهتدوا إلى] (^١) اختراع تلك القواعد وتدوينها. والله أعلم.\n[ص ٤] وبما ذُكِر عُلِم معنى الحديث الصحيح (^٢): \"من سَنَّ في الإسلام سنةً حسنةً فله أجرها وأجرُ من عمِل بها من بعده، من غير أن ينقُص من أجورهم شيء، ومن سنَّ في الإسلام سنةً سيئةً كان عليه وِزرها ووِزرُ من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء\".\nفالمراد بالسنة فيه معناها اللغوي، وأصلها في اللغة: الطريقة الحسِّيَّة.\n_________\n(^١) خرم في طرف الورقة ذهب بعدة كلمات. ولعل تقديرها ما أثبتناه.\n(^٢) أخرجه مسلم (١٠١٧) من حديث جابر.","vol":"4","page":157},{"text":"يقال: سَنَّ فلانٌ سنةً في بطن الوادي، أي: طرقَ طريقةً. ثم تُستعمل في الطريقة المعنوية، يقال: سنَّ فلان سنةً، أي: عمل عملًا يتبعه فيه الناس. ومنه حديث الصحيحين (^١) عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﵌: \"لا تُقتَلُ نفسٌ ظلمًا إلّا كان على ابن آدم الأول كِفْلٌ من دمها، لأنه أوّلُ من سَنَّ القتلَ\".\nفمعنى \"من سَنَّ في الإسلام سنةً حسنةً\": مَن عمِلَ في الإسلام عملًا حسنًا يتبعه فيه الناس، وسبب الحديث صريح في هذا، ولفظه في \"صحيح مسلم\" (^٢) عن جرير قال: كنّا في صَدْر النهار عند رسول الله ﵌، فجاءه قومٌ عُراةٌ مُجتابِي النِّمار ... الحديثَ، فذكر هيئةَ القوم الدالة على شدةِ فاقتهم، وتكدُّرَ النبي ﵌ لذلك، وقيامَه في الناس خطيبًا يحثُّهم على الصدقة، ثم قال: فجاء رجلٌ من الأنصار بصُرَّةٍ كادتْ كفُّه تَعجِزُ عنها، بل قد عَجَزَتْ، ثم تتابعَ الناس، حتى رأيتُ لونَيْنِ (^٣) من طعام وثياب، حتى رأيتُ وجهَ رسول الله ﵌ يتهلَّلُ كأنَّه مُذْهَبةٌ، فقال رسول الله ﵌: \"من سَنَّ في الإسلام سنّةً حسنةً ... \" إلخ.\nوظاهرٌ أنه ﵌ يشير إلى ذلك الأنصاري الذي جاء بالصُّرَّة، فتتابع الناس لما رأوه. ولا شبهةَ أن مجيئه بالصُّرة من أوفق الأعمال\n_________\n(^١) البخاري (٣٣٣٥) ومسلم (١٦٧٧).\n(^٢) رقم (١٠١٧).\n(^٣) كذا في الأصل. وفي صحيح مسلم: \"كَوْمينِ\"، والكومة: الصُّبرة، والكوم: العظيم من كل شيء.","vol":"4","page":158},{"text":"للكتاب والسنة، فكيف يُستدلُّ بهذا الحديث على أن البدعة قد تكون حسنة؟\nفإن قيل: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.\nقلنا: واللفظ أيضًا لا يعمُّ البدعةَ، لأنه مقيَّدٌ بالحسن، والحسن إنما يعرف بالشرع، ومَن قال: يعرف بالعقل فهو معترف أن العقل ليس بحاكم بعد ورود الشرع، بل الحاكم الشرع فقط، ومع ذلك فالشرع قد استوفى جميع المحاسن والمصالح، إمّا بخصوصٍ وإما بعمومٍ. قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، وغيرها من البراهين التي قد ذكرنا بعضها في هذه الرسالة. وكيف يكون شيء من البدعة حسنًا والنبي ﵌ يقول: \"كل بدعة ضلالة\"؟\nوأما ما أوردوه من صلاة التراويح وجمع القرآن وعلوم العربية وغير ذلك، فهذا من السُّنَّة لموافقته لأدلة الكتاب والسنة، مع ظهور السبب في عدم وجوده في القرن الأول، وحدوثِ السبب المقتضي لفعله، كما مرَّ بيانه، والله الموفِّق.\nوقد علمتَ مما سبقَ أن الحَسَنَ هو ما وافق الشرع مطلقًا، وهو من السنة وإن لم يكن موجودًا في العهد النبوي، وأن السيء هو ما خالف الشرع، فإن كان مطروقًا من أول الإسلام فهو كفرٌ أو حرام أو مكروه بحسب ما قام عليه الدليل، وإن لم يكن مطروقًا من أول الإسلام فهو محدَثةٌ بدعةُ ضلالةٍ. والموافق إذا كان غيرَ موجود، أو كان ثُمَّ هُجِر، فالذي يطرقه أولًا يَصدُقُ عليه أنه سنَّ سنةً حسنةً، فله أجرُها وأجرُ من عَمِل بها من بعده بشرطه. كما أن المخالف إذا لم يكن موجودًا في العهد النبوي، أو وُجِد ثمّ هُجِر، فأولُ من يطرقه يصدُق عليه أنه سنَّ سنةً سيئةً، فعليه وِزرُها ووِزْرُ مَن عمِلَ بها من بعده بشرطه.","vol":"4","page":159},{"text":"[ص ٥] ومن المخالف الموجود من أول الإسلام: شرب الخمر، ودعوى الجاهلية، والنياحة. فهذا وإن كان محظورًا كما لا يخفى فلا يُسمَّى بدعةً. نعمْ، إحداثُ نوعٍ منه لم يُعهَد قبلُ يُسمَّى بدعةً، ومن ذلك ما اعتاده رجال الشيعة ونساؤهم من النوح على الحسين بن علي ﵉ يومَ عاشوراءَ ولَطْم الخدود وشَقِّ الجيوب، بل هو أشدُّ وأشنع، لأن النياحة في الجاهلية كانت خاصةً بالنساء الضعيفات العقول والقلوب، وبالوقت القريب من الموت، ومع هذا ورد من الزجر عنها ما هو معلوم، فما بالك بنَوح الرجال ........................... (^١).\nومن المخالف المبتدع غلوُّ بعض الفِرق بالخوض في آيات الصفات إلى صريح التشبيه، حتى قال بعضهم (^٢): أعفُوني عن الفرج واللحية، وسَلُوني عما شئتم. وأمثال ذلك. وقد شنَّع الله تعالى على الكفَّارِ في تخرُّصِهم على الملائكة، قال تعالى: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: ١٩]. فكيف بمن ليس كمثله شيء؟ وأما ما ورد من آيات الصفات وأحاديثها فالذي يُفهَم منها هو أن لله جلَّ ذكرُه مطلقَ يدٍ ووجهٍ ونحو ذلك مما ورد، أما أن يدلَّ على ماهية (^٣) أو كيفية ونحوها فلا، بل لو قيل: إن مَلَكًا من الملائكة له رأس لما فُهِم منه إلَّا أن له رأسًا فحسبُ، فأما\n_________\n(^١) هنا بعض الكلمات ذهبت في التجليد.\n(^٢) هو داود الجواربي من مشبهة الروافض، كما في \"الفرق بين الفِرق\" (ص ٢٢٨) و\"المِلل والنِحل\" (ص ١٠٥، ١٨٧).\n(^٣) لا يقصد الشيخ بالماهية الحقيقة، فهي ثابتة، بل يقصد التحديد والكمية والكيفية، فهي منفية. وسيأتي التصريح بذلك فيما يأتي.","vol":"4","page":160},{"text":"تفصيله فكلَّا. وذلك أن الماهية والكيفية ونحوها لا تُفَهم بمجرد ذكر الرأس مثلًا، وإنما يحكم الإنسان على الشيء الغائب عنه إذا كان قد عرف نوعه، فالإنسان إذا تصوَّر إنسانًا من الغابرين أو الغائبين فإنه لا يحكم عليه إلّا بما هو مشترك بين سائر الأناسيّ فقط. وذلك للعلم بأنه إنسان من هذا النوع المشاهَد، فإنْ تصوَّر شيئًا آخر كطوله وجسامته وبياضه مما لم يثبت اتصافُه بها فهذا مجرَّدُ تخيُّلٍ، كما قد يتصور أن له رأسَ ثورٍ ونحوه.\nفأما الملائكة فإن من لم يرَ أحدًا منهم لم يُمكِنْه أن يحكم عليهم بشيء، فإن ورد وصفُهم بالأجنحة، فقد يتصور الإنسان أجنحة كأجنحة الطير، ولكنه فضلًا عن كونه لا يفهم من الخبر أن رؤوسهم كرؤوس الطير وأرجلهم كأرجل الطير، لا يفهم منه أن أجنحتهم كأجنحة الطير وإن وُصِفوا بالأجنحة، للعلم بأنهم ليسوا من نوع الطير. وإذا كان هذا في الملائكة الذين هم خلقٌ من خلق الله تعالى، فما بالك بجبَّار السموات والأرض ﷾؟\nومن المبتدع أيضًا: مقابلُ هذا القول، وهو تأويل ما ورد في الكتاب والسنة من آيات الصفات مطلقًا، قالوا: لأن قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] يَصرِفها عن ظاهرها. فيقال لهم: وما هو ظاهرها؟\nفإن قالوا: إن ظاهرها هو أن المراد باليد يدٌ كأيدينا، وبالوجه وجهٌ كوجوهنا ونحو ذلك= فغير مسلَّم، لما مرَّ أنها لا تُفهِم إلّا مطلقَ يدٍ ووجهٍ ونحوها مما ورد، فإن تصوَّر الإنسان ماهية أو كيفية أو كمية فهو يعلم أن ذلك تخيُّلٌ بَحْتٌ، كما مرَّ في أجنحة الملائكة، ولله المثلُ الأعلى.","vol":"4","page":161},{"text":"وإن قالوا: إن ظاهرها وإن كان لا يثبت به إلّا مطلقُ يدٍ ووجه، فقد يتصور الإنسان ماهيةً أو كيفيةً أو كميةً ونحو ذلك، ويحكم بجوازها، كما أن الإنسان إذا علم أن للملائكة [ص ٦] أجنحة، وتصوَّر أجنحةً كأجنحة الطير، قد يحكم بجواز ذلك بأن تكون أجنحةً عظيمةً من نور على هيئة أجنحة الطير، فجاءت تلك الآيتانِ لنفي هذا التجويز.\nففي هذا نظر، فإن الإنسان عند تصور عظمة ربّ الأرباب جبَّار السموات والأرض يمتنع منه تجويزُ ذلك. ومن لم يمنعه تصوُر عظمة الرب جلَّ ذكره عن تجويز ذلك فأولى أن لا يمنعه تلك الآيتانِ: قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾؛ لأن دلالتهما ليست في منع التجويز بأقوى من تصوُّرِ عظمة الحق ﷾.\nوإن قالوا: إن ظاهرها هو إثبات مطلق اليد والوجه ونحوها مما ورد، وزعموا أن ذلك من أصله محال= فلا ولا كرامة، فإن العليم الخبير أنزل تلك الآيات البينات في كتابه غيرَ جاهلٍ ولا غافل، وقد أنزل القرآن عربيًا مُبِينًا، وكلَّف العرب بما فهمتْه من كتابه ومن كلام نبيّه ﵌، ولا شكَّ أنهم عند سماع هذه الآيات يفهمون منها ظاهرها غالبًا، أي: ثبوت مطلق يد ووجه ونحوهما مما ورد. ووجوه المجاز التي تكلَّفها المؤوِّلون وإن صلحتْ في بعض المواضع. فهي بعيدة في مواضع كثيرة.\nوقد كان النبي ﵌ يقرأ السورة من القرآن فيها شيء من آيات الصفات، فيسمعها العربي فيفهم منها ما يفهم، وليس الحال هاهنا كالحال في آيات الأحكام ونحوها، فإن العمل هناك بالحكم قبل معرفة ناسخه والعامّ قبل معرفة مخصِّصه والمطلق قبل معرفة مقيِّده جائز،","vol":"4","page":162},{"text":"وقد وقع من ذلك كثير في عهده ﵌. وعلى فرض أنه غير جائز ففهْمُ المنسوخ بدون معرفة ناسخه ونحوه لا خطر فيه، بخلاف الاعتقاديات، فلم يكن الله ﷾ ليُنزِل آيةً تدلُّ دلالة واضحةً على أمرٍ القولُ به كفرٌ أو نحوه، ويَكِلَ البيانَ إلى آية بعيدةٍ عنها، بحيث قد يسمع الأعرابي الأولى دون الثانية. ومع هذا فقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ لا تدلَّانِ على نفي ما أثبتته آيات الصفات من مطلق اليد والوجه ونحوه مما ورد، كما لا تدلَّان على نفي السمع والبصر وغيرهما من الصفات.\nوأما قولهم بأن العقل يَصرِفها عن ظاهرها، وكان العرب عقلاء يعلمون عظمة الجبَّار ﷻ، ويقطعون بتنزُّهه عن ظواهر تلك الآيات، وإنْ فُرِض ضلالُ أحدٍ منهم فهو لتقصيره في عدم النظر بالعقل.\n[ص ٧] فجوابه أن العقل غايته إدراك انتفاء النقائض عن الله ﷾، تفصيلًا فيما يقطع بكونه نقيصةً، وإجمالًا فيما عدا ذلك. ومطلق اليد والوجه اللائقين بجلال الرب ﷾ ونحوهما مما ورد لا يقطع العقل الصحيح بكون ذلك من النقائص، كما في السمع والبصر وغيرهما من الصفات، ومن اعتقد أن ذلك من النقائص فقد غلِط، ومثارُ الغلط: التصوُّرُ، فإن الذهن إذا تصوَّر مطلق اليد والوجه ونحوهما تصوَّر ماهيةً وكميةً جريًا على ما يعتاده ويعرفه في المحسوسات. فيغلَط بعضُ النظَّار، فيظنُّ لشدة تلازمهما في الذهن تلازمَهما في الخارج، وليس الأمر كذلك.\nفلذلك انقسم الناس إلى قسمين:","vol":"4","page":163},{"text":"الأول: من علم أن إثبات مطلق اليد والوجه ونحوهما مما ورد لا يستلزم ماهيةً ولا كيفيةً ولا كميةً وغيرها من الحوادث، فآمن بذلك كما جاء من عند الله تعالى.\nوالثاني: من ظنَّ التلازم بين الأمرين، وهؤلاء افترقوا إلى فرقتين:\nفرقة اعتقدت التلازم، فاعتقدت ثبوتَ اليد والوجه مع ما اعتقدتْه ملازمًا لذلك من الحوادث.\nوفرقة علمتْ أن ثبوت الماهية والكيفية والكمية وغيرها من الحوادث نقصٌ بالنسبة إلى الله تعالى، فنَفَتْ ثبوتَ مطلق اليد والوجه وغيرهما مما ورد رأسًا، وتعسَّفتْ في تأويل الآيات والأحاديث الواردة بذلك، بدون التفاتٍ إلى ما يلزم على هذا القول، وأعرضتْ عن قوله تعالى في كتابه: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢]، وقوله تعالى في رسوله ﵌: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢].\nوقد اعتذر بعضهم بأنهم إنما خاضوا في علم الكلام مع كون الخوض فيه بدعة لأنه نشأ في الناس [كثير من] المبتدعة [شبَّهوا] على [الجهال] (^١) بالشُّبه المنسوجة بالأدلة وغيرها. ورأى العلماء أن الوقوف على طريقة السلف غيرُ كافٍ في ردّ شُبَه هؤلاء القوم وإدحاضِ ما يغُرُّون به الناس، فاضطرُّوا إلى قتالِ أولئك المبتدعة بسلاحهم، وصياغةِ حجج الدين في قوالب الفلسفة، ليكون ذلك كافيًا في إبطال تلك الشُّبه، وأرادوا بهذا القول أن ينظموا هذا الفعل في سلك القسم الأول من النوع الثاني، ويُلحِقوه بجمع القرآن ونحوه.\n_________\n(^١) هنا كلمات ذهب أكثرها في طرف الورقة، ولعلها ما قدرناها.","vol":"4","page":164},{"text":"والجواب على هذا من وجوه:\nالأول: أن هذه الأمور الاعتقادية التي خضتم فيها هي من المقاصد لا من الوسائل، والمقاصد لا يسوغ الإحداثُ فيها أصلًا.\nالثاني: أننا لا نُسلِّم أن طريقة السلف قصرتْ عن الدفاع عن الدين، كيف وهي طريقة القرآن وطريقة أنبياء الله أجمعين؟ والتاريخ يشهد بذلك، فإن المتمسكين بطريقة السلف ما زالوا منصورين على المبتدعة حتى نشأتُم.\nالثالث: أن هذا الخوض الذي خضتموه منهيٌّ عنه بخصوصه بأدلة الكتاب والسنة.\nالرابع: أنكم لم تقتصروا على ما قلتم من صوغ حجج الدين في قوالب الفلسفة، بل قلبتم حجج الدين ومقاصده ظهرًا لبطنٍ، فحكَّمتم أقوال حكماء اليونان وآراء حزب الشيطان في كتاب الله تعالى وسنة رسوله، فكلُّ آية أو حديثٍ رأيتموه يخالف شيئًا من فلسفتكم تأوَّلتموه وصرفتموه عن ظاهره، ورددتموه إلى هواكم، فحكَّمتم هواكم في دين الله.\nإلى غير ذلك من الوجوه التي لا خفاء بها، وإلى الله المشتكى، وبه المستعان، وعليه التُّكلان.\nوأنت إذا تأملتَ في تاريخ الإسلام وجدتَ جميع البلايا التي فرَّقتْ أهلَه ومزَّقتْ شَمْلَه ناشئةً عن سببين:\nأحدهما: هو الخوض في هذه الآيات والأحاديث، والرغبة في إدخالها تحت القوانين الفلسفية.\nالثاني: إحياء ما أماته الدين من العصبيات القومية، وذلك أنها لا تقوم","vol":"4","page":165},{"text":"دولةٌ إلا على أساس عصبية، والعصبية أنواع: قومية ووطنية، وكلاهما تؤدي إلى الافتراق، وتَؤول إلى الخلف والشقاق. ودينية، وهي تكفُلُ الاتحاد بين أهل ذلك الدين إذا أُمِيتَتْ بينهم العصبيات القومية والوطنية. ولذلك فإن الدين الإسلامي بُني على إماتة العصبيتين القومية والوطنية، وعلى السعي في إحياء العصبية الدينية.\nولما كانت الأديان معرَّضةً للتشعُّب والاختلاف، وإذا حصلَ الاختلاف وقع الافتراق، وصارت كل فرقةٍ ذاتَ دينٍ مستقل، فيؤدِّيها ذلك إلى التعصُّب على بقية الفرق، وهلُمَّ جرًّا= حَرَصَ الشارع على بقاء دين الإسلام دينًا واحدًا لا اختلافَ ولا افتراقَ فيه، قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣]. ومن تأمل أحكام الدين الإسلامي وجدها بأجمعها تَرمي إلى هذا الغرض الذي هو الاجتماع وعدم التفرق.\nولما كان الاختلاف في الدين قد يكون في الأصول، وقد يكون في الفروع، جاء الشرع بمنع الخوض في الأصول، بل ما كان منها ظاهرًا لا يمكن الاختلاف فيه فأمرُه واضح، وما كان بخلاف ذلك فالواجب الإيمان به فقط، وأن يقول كلُّ أحدٍ منا: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧]، [ص ٨] ويمسك عمّا عدا ذلك. وعلى هذا جاء الشرع الشريف، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]. ولا شك أن الخائض في الأصول لابدَّ وأن يقْفُوَ ما ليس له به علم، وذلك أن العلم حقيقته ما ينكشف به المعلوم انكشافًا تامًّا، أي: بحيث لا يبقى في مقابله أدنى احتمال. والأشياء التي خاض فيها المحدَثون ليست كذلك.","vol":"4","page":166},{"text":"وقال تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ١ - ٣]، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧) رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٧ - ٨].\nوفي \"الصحيحين\" (^١) عن عائشة ﵂ قالت: تلا رسول الله ﵌: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ إلى ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧)﴾. فقال: \"إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمَّاهم الله، فاحذروهم\".\nوفي \"سنن الترمذي\" (^٢) عن أبي هريرة قال: خرج علينا رسول الله ﵌ ونحن نتنازع في القدر، فغضِبَ حتى احمرَّ وجهُه، حتى كأنما فُقِئ في وجنتَيْهِ حَبُّ الرُّمّان، فقال: \"أبهذا أُمِرتُم؟ أم بهذا أُرسِلْتُ إليكم؟ إنما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر، عزمتُ عليكم عزمتُ عليكم أن لا تنازعوا فيه\".\nوفي \"المشكاة\" (^٣): وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: سمع\n_________\n(^١) البخاري (٤٥٤٧) ومسلم (٢٦٦٥).\n(^٢) رقم (٢١٣٣). قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث صالح المري، وصالح المري له غرائب ينفرد بها لا يتابَع عليها.\n(^٣) رقم (٢٣٧).","vol":"4","page":167},{"text":"النبي ﵌ قومًا يتدارؤون في القرآن، فقال: \"إنما هلك مَن كان قبلكم بهذا، ضربوا كتاب الله بعضَه ببعضٍ، وإنما نزل كتابُ الله يُصدِّق بعضُه بعضًا، فلا تكذِّبوا بعضَه ببعضٍ، فما علمتم منه فقولوا، وما جهلتم فكِلُوه إلى عالمه\". رواه أحمد وابن ماجه (^١).\nوفي \"صحيح مسلم\" (^٢) عن عبد الله بن عمرو قال: هجَّرتُ إلى رسول الله ﵌ يومًا، قال: فسمع أصواتَ رجلين اختلفَا في آية، فخرج علينا رسولُ الله ﵌ يُعرَف في وجهه الغضبُ، فقال: \"إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب\".\nورُوي عن عمر بن الخطاب ﵁ أن رجلًا جاء يسأله مستشكلًا لشيء من كتاب الله تعالى، فضربه بالدِّرة ضربًا مُوجِعًا، ونفاه وأمر بأن يُهْجَر، فمكثَ ذلك الرجل إلى أن مات لا يكلِّمه أحد (^٣).\nوعلى هذا مضى التابعون، فقال مالك (^٤) لمن سأله عن الاستواء: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والسؤال عنه بدعة، وأنت رجلٌ مبتدع.\nوقال هو أو غيره لمن سأله عن شيء من ذلك: أنا على يقينٍ من ديني\n_________\n(^١) \"مسند أحمد\" (٦٧٤١) وابن ماجه (٨٥). وإسناده حسن.\n(^٢) رقم (٢٦٦٦).\n(^٣) هو صَبيغ بن عِسْل، وقصته مع عمر مشهورة رُويت من طُرق مختلفة، انظر \"سنن الدارمي\" (١٤٦، ١٥٠)، و\"شرح أصول اعتقاد أهل السنة\" للالكائي (ص ٦٣٤ - ٦٣٥)، و\"تاريخ دمشق (٢٣/ ٤١١ - ٤١٣)، و\"الإصابة\" (٥/ ٣٠٦ - ٣٠٨).\n(^٤) انظر \"حلية الأولياء\" (٦/ ٣٢٥، ٣٢٦) و\"سير أعلام النبلاء\" (٨/ ١٠٠، ١٠١).","vol":"4","page":168},{"text":"وأنتَ شاكٌّ، فاذهبْ إلى شاكٍّ مثلِك فخاصِمْه (^١).\nوقد كثر النقلُ عن الإمام الشافعي في النهي عن الكلام، ومن معين قوله: \"لأن يأتي العبد ربَّه يومَ القيامة بكلِّ ذنبٍ ما خلا الشركَ خيرٌ له من أن يأتيه بشيء من الكلام\" (^٢). ومنه: \"إذا سمعتَ الرجل يقول: الاسم عينُ المسمَّى أو غير المسمَّى فاعلم أنه من أهل الكلام، ولا دينَ له\" (^٣).\nوأما الإمام أحمد فشأنه في ذلك مشهور، وقد هجرَ الحارثَ المحاسبي لخوضه في الكلام (^٤).\nوقد رجع الأشعري عن الخوض فيه إلى مذهب السلف، كما أبانَه في كتابه \"الإبانة\"، وكذلك الغزالي كما شرحه في كتابه \"الإلجام\"، وكذا إمام الحرمين والرازي كما نقله الذهبي في \"النبلاء\" (^٥). ولكنه ــ ويا للأسف ــ[ص ٩] بعد أن تمزَّقت الجامعة أيدي سبأ، وسلكتْ كل فرقةٍ من الفرق مذهبًا، وحصل الاختلافُ الذي نهى الله ورسولُه عنه، والتنازع والفشل الذي حذَّر الله ورسوله منه.\nوغاية الأمر أنه حفظ الله تعالى على بعض هذه الأمة الحقَّ، كما بشَّرَ به رسوله ﵌ بقوله فيما رواه معاوية بن قرَّة عن أبيه قال:\n_________\n(^١) انظر \"الإبانة\" لابن بطة (١/ ٤٠٤، ٢/ ٥٠٩). وهو قول مالك أيضًا.\n(^٢) انظر \"آداب الشافعي ومناقبه\" (ص ١٨٧) و\"حلية الأولياء\" (٩/ ١١١)، و\"مناقب الإمام الشافعي\" للبيهقي (١/ ٤٥٢).\n(^٣) \"مناقب الإمام الشافعي\" (١/ ٤٠٥).\n(^٤) انظر \"تاريخ بغداد\" (٨/ ٢١٥، ٢١٦).\n(^٥) انظر (١٨/ ٤٧١ - ٤٧٤، ٢١/ ٥٠١).","vol":"4","page":169},{"text":"قال رسول الله ﵌: \"إذا فسَدَ أهل الشام فلا خيرَ فيكم، ولا تزال طائفة من أمتي منصورين لا يضرُّهم من خذَلَهم حتى تقوم الساعة\" قال ابن المديني: هم أصحاب الحديث. رواه الترمذي (^١) وقال: هذا حديث حسن صحيح.\nومع هذا فإننا لا نيأسُ من رَوح الله تعالى أن يُعيدَ للإسلام مجدَه، ويردَّ من تفرقتْ بهم السُّبلُ إلى سبيله، وهو على كلِّ شيء قدير.\nوأما الفروع فقد جاء الإسلام فيها بما يمنع الاختلاف ويحولُ دونَه، وهو ردُّ ما اختُلِف فيه إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله، فإن اختلفت الأنظار فكلُّ أحدٍ من النُّظَّار يعذر صاحبَه كما عذَرَه الله تعالى، ولا يَحمِله خلافُه إياه على عدم موالاته وموادَّتِه، ما دامَ قد اجتهد بقدر وُسْعِه، وقال بما ترجَّح عنده أنه الحق. ومع ذلك فلا يكاد يمضي يسيرٌ من الزمن حتى يُظهِر الله تعالى الحقَّ بإظهار دليله، فيزول الاختلاف ويتم الائتلاف.\nولكن البلاء دخلَ على المسلمين من هذه الجهة أيضًا بحملهم على تقيُّدِ كلِّ فرقة منهم بمذهب مخصوص، مع الإعراض عن أدلة الحق ونصوصه من كتاب الله تعالى وسنة رسوله، وآلَ بهم الأمرُ إلى العصبية المنهيِّ عنها، فصار كل أحدٍ يتعصَّبُ للمذهب الذي ينتمي إليه ويقدح فيما عداه. وهكذا تجزَّأت العصبية الدينية، التي حرصَ الشارع على جعلها رابطةً لكلِّ من ينتمي إلى الدين الإسلامي حتى تكون الجامعة الإسلامية، كما في \"الصحيحين\" (^٢) عن\n_________\n(^١) رقم (٢١٩٢).\n(^٢) البخاري (٦٠١١) ومسلم (٢٥٨٦).","vol":"4","page":170},{"text":"النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﵌: \"ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادِّهم وتعاطُفِهم كمثل الجسد، إذا اشتكى عضوًا تداعَى له سائرُ الجسد بالسَّهَر والحمَّى\".\nوأنت تعلم أن الذين ينتمون إلى الإسلام يبلغون الآن نحو ثلاث مئة مليون (^١)، ولكنك مع الأسف لو حاولتَ أن ترى منهم بضعةَ آلافٍ على عصبية دينية صحيحة كما شرعه الله تعالى ودعا إليه رسول الله ﵌، وجاهد عليه أصحابه ﵃، ومشى عليه خيارُ التابعين رحمهم الله تعالى= [لم تجد] إلا من شاء الله تعالى.\n_________\n(^١) هذا في سنة ١٣٤٤ هـ عندما ألَّف الشيخ الرسالة. والآن قد جاوز عددهم المليار.","vol":"4","page":171},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-112>[البحث الأول: البناء على القبور]</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>[روايات حديث أبي الهيّاج عن علي]</span>\n[الروايات من مسند أحمد]\nحدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا معاوية، حدثنا أبو إسحاق، عن شعبة، عن الحكم، عن أبي محمد الهذلي، عن علي، قال: كان رسول الله - ﷺ - في جنازة فقال: «أيكم ينطلق إلى المدينة فلا يدع بها وثنًا إلا كسره، ولا قبرًا إلا سوّاه، ولا صورة إلا لطخها؟» فقال رجل: أنا يا رسول الله. فانطلق، فَهَاب أهلَ المدينة، فرجع، فقال علي: أنا أنطلق يا رسول الله. قال: فانطلق ثم رجع، فقال: يا رسول الله، لم أدع بها وثنًا إلا كسرته، ولا قبرًا إلا سويته، ولا صورة إلا لطختها. ثم قال رسول الله - ﷺ -: «من عاد لصنعة شيء من هذا، فقد كفر بما أنزل على محمد - ﷺ -» (^١).\nحدثنا عبد الله، حدثني أبي، حدثنا يونس بن محمد، حدثنا حماد ــ يعني ابن سلمة ــ عن يونس بن خباب، عن جرير بن حيان، عن أبيه، أن عليًا قال: أبعثك فيما بعثني رسول الله - ﷺ - أمرني أن أسوِّيَ كل قبر، وأطمس كل صنم (^٢).\nحدثنا عبد الله، حدثني أبي، حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن حبيب، عن أبي وائل، عن أبي الهيّاج الأسدي قال: قال لي علي: أبعثك على ما بعثني\n_________\n(^١) (٦٥٧).\n(^٢) (٦٨٣)","vol":"4","page":172},{"text":"عليه رسول الله   - ﷺ -؟ أن لا تدع تمثالًا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته (^١).\nحدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا أسود بن عامر، حدثنا شعبة، قال: الحكم، أخبرني عن أبي محمد، عن علي، قال: بعثه النبي   - ﷺ -   إلى المدينة فأمره أن يسوي القبور (^٢).\nحدثنا عبد الله، حدثنا شيبان أبو محمد، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا يونس بن خباب، عن جرير بن حيان، عن أبيه، أن عليًا قال لأبيه: لأبعثنَّك فيما بعثني فيه رسول الله   - ﷺ -: أن أسوي كل قبر، وأن أطمس كل صنم (^٣).\nحدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا وكيع وعبد الرحمن، عن سفيان، عن حبيب، عن أبي وائل، عن أبي الهيّاج قال: قال لي علي: قال عبد الرحمن: إن عليًا قال لأبي الهيّاج: أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله   - ﷺ -: أن لا تدع قبرًا مشرفًا إلا سويته، ولا تمثالًا إلا طمسته (^٤).\nحدثنا عبد الله، حدثني أبو داود المباركي سليمان بن محمد، حدثنا أبو شهاب، عن شعبة، عن الحكم، عن أبي المورع، عن علي، قال: كنا مع رسول الله   - ﷺ -   في جنازة، فقال: «من يأتي المدينة فلا يدع قبرًا إلا سواه، ولا صورة إلا طَلَخَها، ولا وثنًا إلا كسره» قال: فقام رجل فقال: أنا، ثم هاب أهلَ المدينة فجلس، قال علي: فانطلقت، ثم جئت فقلت: يا رسول الله، لم أَدعْ بالمدينة قبرًا\n_________\n(^١) (٧٤١).\n(^٢) (٨٨١).\n(^٣) (٨٨٩).\n(^٤) (١٠٦٤)","vol":"4","page":173},{"text":"إلا سويته، ولا صورة إلا طلختها، ولا وثنًا إلا كسرته، قال: فقال: «من عاد فصنع شيئًا من ذلك فقد كفر بما أنزل الله على محمد» الحديث (^١).\nحدثنا عبد الله، حدثني أبي، حدثنا أسود بن عامر، حدثنا شعبة، قال: الحكم أخبرني عن أبي محمد، عن علي، قال: بعثه النبي   - ﷺ -   إلى المدينة فأمره أن يسوي القبور (^٢).\nحدثنا عبد الله، حدثني شيبان أبو محمد، حدثنا حماد ــ يعني ابن سلمة ــ، أخبرنا حجاج بن أرطأة، عن الحكم بن عتيبة، عن أبي محمد الهذلي، عن علي بن أبي طالب: أن رسول الله   - ﷺ -   بعث رجلًا من الأنصار أن يسوي كل قبر، وأن يلطخ كل صنم فقال: يا رسول الله، إني أكره أن أدخل بيوت قومي، قال: فأرسلني، فلما جئت قال: يا علي، لا تكونن فتانًا، ولا مختالًا، ولا تاجرًا إلا تاجر خير فإن أولئك مسوفون ــ أو مسبوقون ــ في العمل (^٣).\nحدثنا عبد الله، حدثني أبي، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن رجل من أهل البصرة، قال: ويكنيه أهل البصرة أبا مورع قال: وأهل الكوفة يكنونه بأبي محمد قال: كان رسول الله   - ﷺ -   في جنازة، فذكر الحديث، ولم يقل عن علي، وقال: ولا صورة إلا طلخها فقال: ما أتيتك يا رسول الله حتى لم أدع صورة إلا طلختها. وقال: لا تكن فتانًا ولا مختالًا (^٤).\n_________\n(^١) (١١٧٠). و«طلخها» بمعنى «لطخها» أي بالطين حتى يطمسها.\n(^٢) (١١٧٥).\n(^٣) (١١٧٦).\n(^٤) (٦٥٨).","vol":"4","page":174},{"text":"حدثنا عبد الله، حدثني عبيد الله بن عمر القواريري، حدثنا السكن بن إبراهيم، حدثنا الأشعث بن سوار، عن ابن أشوع، عن حنش الكناني، عن علي: أنه بعث عامل شرطته، فقال له: أتدري على ما أبعثك؟ على ما بعثني عليه رسول الله   - ﷺ -: أن أنحت كل ــ يعني صورة ــ، وأن أسوي كل قبر (^١).\nمسلم (^٢):\nحدثنا يحيى بن يحيى وأبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب (قال يحيى: أخبرنا، وقال الآخران: حدثنا وكيع)، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي وائل، عن أبي الهيَّاج الأسدي، قال: قال لي علي (^٣) بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله   - ﷺ -؟ أن لا تدع تمثالًا إلّا طمسته ولا قبرًا مشرفًا إلا سوّيته.\nالترمذي (^٤):\nحدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي وائل: أن عليًّا قال لأبي الهياج الأسدي: أبعثك على ما بعثني به النبي   - ﷺ -؟ أن لا تدع قبرًا مشرفًا إلا سويته ولا تمثالًا إلا طمسته. قال: وفي الباب عن جابر.\nقال أبو عيسى: حديث علي حديث حسن. والعمل على هذا عند بعض\n_________\n(^١) (١٢٨٤).\n(^٢) (٩٦٩).\n(^٣) كتب المؤلف إلى هنا، وأثبت الباقي من الصحيح.\n(^٤) (١٠٤٩).","vol":"4","page":175},{"text":"أهل العلم يكرهون أن يرفع القبر فوق الأرض. قال الشافعي: أكره أن يرفع القبر إلا بقدر ما نعرف أنه قبر لكي لا يوطأ ولا يجلس عليه.\nالنسائي (^١):\nأخبرنا عمرو بن علي، قال: حدثنا يحيى، قال: حدثنا سفيان، عن حبيب، عن أبي وائل، عن أبي الهيّاج قال: قال عليّ ﵁: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله   - ﷺ -، لا تدعن قبرًا مشرفًا إلا سويته، ولا صورة في بيت إلا طمستها.\nأبو داود (^٢):\nحدثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان، حدثنا حبيب بن أبي ثابت، عن أبي وائل، عن أبي هيّاج الأسدي قال: بعثني عليّ قال لي: أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله   - ﷺ -، أن لا أدع قبرًا مشرفًا إلّا سويته، ولا تمثالًا إلا طمسته.\n* * * *\n_________\n(^١) (٢٠٣١).\n(^٢) (٣٢١٨).","vol":"4","page":176},{"text":"[تلخيص روايات أبي الهياج عن عليّ]\n[وفي «صحيح مسلم» (^١): عن أبي الهيّاج الأسدي، قال: قال لي علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله - ﷺ -؟ أن لا تدع تمثالًا إلا طسمته ولا قبرًا مشرفًا إلا سوّيته].\nوقد رواه أبو داود والترمذي والنسائي بألفاظ متقاربة، ورواه الإمام أحمد من طرقٍ عن أبي الهيّاج، ورواه بطريق أخرى فيها أبو محمد الهذلي ــ قال الذهبي: «لا يعرف» ــ عن عليّ ﵁ قال: كان رسول الله ﵌ في جنازة فقال: «أيكم ينطلق إلى المدينة فلا يدع بها وثنًا إلا كسره، ولا قبرًا إلا سوّاه، ولا صورة إلا لطخها؟» فقال (رجل): أنا يا رسول الله. فانطلق فَهَاب أهلَ المدينة فرجع، فقال علي ﵁: أنا أنطلق يا رسول الله. قال: فانطلق ثم رجع، فقال: يا رسول الله، لم أدَعْ بها وثنًا إلا كسرته، ولا قبرًا إلا سويته، ولا صورة إلا لطختها. ثم قال رسول الله ﵌: «من عاد لصنعة شيء من هذا فقد كفر بما أنزل على محمد ﵌». الحديث.\nورواه من طريق أخرى فيها أبو المورّع وهو أبو محمد الهذلي المذكور عن عليّ وذكر نحوه، وفي آخره قال: فقال: «مَن عاد فصنع شيئًا من ذلك فقد كفر بما أنزل على محمد» الحديث.\nورواه من طريق أخرى مختصرًا بلفظ: بعثه النبي ﵌ إلى المدينة فأمره أن يسوِّي القبور.\n_________\n(^١) (٩٦٩).","vol":"4","page":177},{"text":"ورواه عبد الله، حدثني عبيد الله بن عمر القواريري، ثنا السكن بن إبراهيم، ثنا الأشعث بن سوَّار، عن ابن أشوع بن حنش الكناني عن علي ﵁ بعث شرطته فقال له: أتدري على ما أبعثك؟ على ما بعثني عليه رسول الله ﵌، أن أنحت كل ــ يعني صورة ــ، وأن أسوِّي كل قبر.\nفإن قال قائل: لعل القبور التي كانت في المدينة حينئذٍ من قبور المشركين كما يدلّ عليه قوله: «ولا وثنًا إلا كسرته».\nفالجواب: أنه لا شكّ أنه كان في المدينة حينئذٍ من قبور المشركين ولكن ليس في الحديث ما يدلّ على أنه لم يكن فيها من قبور المسلمين، بل الحديث عامّ في كل قبر، ولاسيّما وفي آخره ــ كما عند الإمام أحمد ــ: «من عاد فصنع شيئًا من ذلك فقد كفر بما أنزل على محمد ﵌». وهذا عام في كل من اتخذ وثنًا أو صورة أو شرّف قبرًا.\nولو كان هذا الحكم من وجوب الهدم خاصًّا بقبور المشركين لبيَّن ﵌ ذلك، والله أعلم، فلما أطلق فَهِمنا أنه على عمومه في كل قبر.\nوهذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ بعث أبا الهيّاج لطمس الصور وهدم القبور، ولا يخفى أن القبور حينئذٍ كلّها أو جلّها قبور المسلمين، وعمَّم الأمر بقوله: «أن لا تدع قبرًا إلا سوّيته». وفي رواية للإمام أحمد ــ قد مرّت ــ: «أن أسوِّي كل قبر».\nومع هذا ففي «صحيح مسلم» (^١) عن ثُمامة بن شُفي قال: كنّا مع\n_________\n(^١) (٩٦٨).","vol":"4","page":178},{"text":"فضالة بن عبيد بأرض الروم برودس، فتوفّي صاحبٌ لنا، فأمر فضالة بن عبيد بقبره فسُوِّي، ثم قال: سمعت رسول الله ﵌ يأمر بتسويتها.\nوأخرجه أبو داود والنسائي، وهو عند الإمام أحمد بلفظ: قال: «أخفّوا عنه، فإن رسول الله ﵌ كان يأمرنا بتسوية القبور». و(كان) تُشْعِر بالدوام، و(القبور) جمع محلَّى باللام فيعمُّ كلَّ قبر. وهذا واضح، والأمر للوجوب إذ لا صارف عنه.\n[فـ «قبر» في الحديث الأول] (^١) دخلت عليه (ال) ولا عَهْد، فكان عامًّا في كل قبر، كما أن «قبرًا» في الحديث الثاني نكرة في سياق [النهي و] هي من صيغ العموم، فكان عامًّا في كل قبر.\nوالقول بأنّ قبور أهل العلم والفضل مستثناة من ذلك يحتاج إلى دليل، ولم يأتِ دليل على ذلك. ودعوى أنّ كون صاحب القبر فاضلًا وعالمًا يقتضي تخصيصه= مجرد استحسان بلا دليل، ومَن استحسن فقد شرَّع، ومن شرّع فقد كفر، كما قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى.\nبل إذا نظرنا إلى العلة في النهي عن البناء على القبور وجدناها خشيةَ أن يضلّ الناسُ بها كما ضلَّ قومُ نوح وغيرهم. وهذا المحذور أشدّ في قبور الفضلاء منه في قبور غيرهم، فكانت حُرمة البناء على قبور الفضلاء أشدّ، ووجوبُ إزالته آكد.\nوتخصيص بعضهم التحريمَ بما بُني في غير المِلك، كالمقابر المسبّلة،\n_________\n(^١) زيادةيكتمل بها السياق.","vol":"4","page":179},{"text":"لا دليل عليه، وإن كان البناء في المقابر المسبّلة أشدُ حُرْمة؛ لكونه حرامًا من جهتين:\nالأولى: كونه بناء على قبر.\nوالثانية: كونه استيلاء على حق الغير بلا إذن.\nبقي أن يُقال: إنك قلت في أول هذه الرسالة في بحث الجلوس على القبر: إن حقيقة الجلوس على القبر هو الجلوس عليه نفسه، لا الجلوس عنده، فهلَّا تقول هنا كذلك، فيكون البناء المنهيّ عنه هو ما كان على القبر نفسه، بأن يُجعَل أساسًا لدار أو نحوها، فيكون منهيًّا عنه لانتهاك حرمته؟\nقلت: إن البناء على القبر بهذا المعنى لا يمكن إلا بعد نبشه، إذ لابدّ لوضع الأساس من حفر الأرض لئلّا ينهار البناء. وهذا المعنى بعيد عن منطوق الحديث؛ إذ لو كان هو المراد لقال: أن يُنبش القبر ويُبنى مكانه، فتعيَّن أن يكون المراد بالبناء عليه: البناء على جوانبه، وهذا صريح في حديث أبي الهيَّاج.","vol":"4","page":180},{"text":"[١٣٥]<span data-type=\"title\" id=toc-119> البحث الثاني\nاتخاذ القبور مساجد أو اتخاذ المساجد على القبور</span>\nإذا تصفَّحنا كتابَ الله تعالى نلتمس فيه دلالة في هذا البحث لم نجد إلّا قولَه تعالى في ذكر أصحاب الكهف: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف: ٢١].\nفيقال: إن الله تعالى حكى عنهم هذا القول ولم يُنكره، فدلّ على جوازه في شرع مَن قبلنا، وشَرْعُ مَن قبلنا شرعٌ لنا ما لم يَرِد في شرعنا ما ينسخه كما تقدم (^١).\nوالجواب: لا نسلّم أنّ عدم إنكار الله تعالى جلَّ ذكره لما يحكيه من الأقوال ويقصّه من الأفعال يدلّ على الجواز، كيف وقد حكى سبحانه قولَ إبليس: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف: ١٢]، ولم يردّ عليه ردًّا يخصُّ هذه الدعوى؟ وحكى سبحانه عن النمروذ قولَه: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] ولم يُكذّبه. وقصّ عن إخوة يوسف خَدْعَهم أباهم، وإخلافَهم وعدَهم له، وإرادتهم قتلَ أخيهم، وإلقاءه في غيابة الجبّ، وبيعَه بثمن بَخْسٍ. ولم ينصّ في قصّتهم على أن تلك الأفعال من المحرّمات. وغير هذا كثير في القرآن.\nسَلَّمْنا أن عدم إنكاره ﷾ يدلّ على الجواز في شرعهم، فلا نُسَلِّم أن شرع مَن قبلنا شرع لنا، كما هو الصحيح من مذهب الإمام\n_________\n(^١) لم يتقدّم شيء في المباحث السالفة.","vol":"4","page":181},{"text":"الشافعي (^١).\nسَلَّمنا أن شرع مَن قبلنا شرعٌ لنا، لكنّا نقول: قد ورد في شرعنا ما ينسخه، وهو الأحاديث الصحيحة الصريحة التي تواترت أو كادت.\nفإن قيل: وكيف تنسخون القرآن بالسنّة؟\nفالجواب: أنا لم ننسخ القرآن بالسنة، وإنما نسَخْنا شرع مَن قبلنا بالسنة، وبيانُه: أن الآية ليست هي الخطاب الذي ثبت به الحكم الأول حتى يلزم من نسخه نسخها، بل الخطاب الذي ثبت به الحكم الأول هو خطابٌ كان لنبيّ تلك الأمة، وتضمّنت الآيةُ الإخبار عنه فقط، إذ السُّنَّة إنما نسخت ذلك الخطاب الذي ثبت به الحكم الأول، وهو الخطاب الواقع لذلك النبيّ، وهذا جائز واقع بلا خلاف. ولم تنسخ الإخبارَ عنه الذي تضمّنته الآيةُ حتى تكون ناسخةً للآية.\nهذا، مع أن ذلك الخبر خبر عن أمرٍ قد وقع، ونَسْخ مثل ذلك محال، فتأمل.\n[ص] (^٢) الثانية (^٣): سلّمنا أن إخبار القرآن بالشيء بدون تنبيه على خطره\n_________\n(^١) انظر «اللمع» (ص ١٣٦)، و«إرشاد الفحول»: (٢/ ٩٨٢ - ٩٨٥). والذي في المصادر أن هذا قول جماعة من محققي الشافعية وغيرهم، وذكر ابن السمعاني أن القول بأنه شرع لنا ما لم ينسخ هو قول أكثر الشافعية والحنفية وأومأ إليه الشافعي في بعض كتبه. انظر «قواطع الأدلة»: (٢/ ٢١١).\n(^٢) هذه الصفحة وما يليها من فيلم رقم (٣٥٨٤).\n(^٣) لعل المؤلف أراد أن الجواب عن قولهم «إن الله حكى هذا القول ولم ينكره فدلَّ على جوازه» يكون بطريقين؛ الأولى: على عدم التسليم بذلك، وقد سبقت، والثانية: على التسليم .. وهي هذه. أو يكون الكلام تابعًا لكلامٍ قبله لم نقف عليه ضمن أوراق هذا المبحث.","vol":"4","page":182},{"text":"يد [ل على جوازه] (^١) ولكنّا نقول: الذي أخبر به القرآن هنا إنما هو العزم، ومجرّد العزم لا يتعلّق به حكم.\nالثالثة: سلّمنا أن فيه ما يدلّ على جواز الفعل، ولكنّا نقول: [إن] «على» في الآية ليست للاستعلاء بل للسببيّة، كما في قوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وقول الشاعر (^٢):\n* علامَ تقولُ: الرمحُ يُثقِل عاتقي * إلخ\nفيكون المعنى: لنتخذنّ لأجلهم مسجدًا، أي ليكون .... يحتمل ...... منهم ولون .... عنهم (^٣)، ويتعيّن الثاني؛ لدلالة السُّنَّة على منع الأول، ولا يحتمل أن يكون على أجسامهم لقوله تعالى: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ [الكهف: ١٨]. وغير ذلك لما سيأتي.\nثم ظهر لي مِن تأمّل الآيات [أن] الفريقين اتفقوا على العزم على البناء [على باب الغار] (^٤)، واختصّ الذين غلبوا على أمرهم بالعزم [على] اتخاذ\n_________\n(^١) خرم بمقدار كلمتين. فلعله ما قدّرته.\n(^٢) البيت لعمرو بن معديكرب ضمن قصيدة له. «ديوانه المجموع» (ص ٥٣ - ٥٦)، و«الحماسة»: (١/ ٩٩)، وعجزه:\n* إذا أنا لم أطعن إذا الخيلُ كرّتِ *\n(^٣) خرم في أطراف الورقة أتى على عدة كلمات، فأثبتّ ما ظهر منها.\n(^٤) خرم في الأصل واستفدنا إكماله مما سيأتي من كلام المؤلف. وكذا ما بين المعكوفات بعده.","vol":"4","page":183},{"text":"المسجد، وذلك أن الله ﷿ [قال]: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ أهلَ المدينة ومَنْ معهم ﴿لِيَعْلَمُوا﴾ أي: أهل المدينة ومَن معهم ﴿أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ﴾ أي: الحاضرون من أهل المدينة ومَن معهم ﴿بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا﴾ [الكهف: ٢١] جميعًا ــ كما هو ظاهر ــ، وعليه فالعزم على اتخاذ المسجد إنما هو بعد البناء على باب الغار وغيره، وحينئذٍ فيحتمل القُرْب، فيكون معنى «على» الاستعلاء المجازيّ. والبُعْد، ويكون معناها السببيّة. والثاني هو الحق لدلالة السُّنَّة.\nالطريق الرابعة: لو سلّمنا دلالة الآية على وقوع البناء على أجسامهم، وأنّ عدم التنبيه يدل على الجواز، فنقول: قد وُجد التنبيه بالسنة، إذ لا يجب أن يكون التنبيه في نصّ القرآن، فإن ما ادّعيتموه من الدلالة ليست من دلالة نظم الكتاب بمنطوقٍ أو مفهوم.\nومع قطع النظر عن هذه فغايتها أن تكون ظنية كالعموم والإطلاق، فيكون من النوع الثاني من المجمل، أي الذي له ظاهرٌ وقد أُريد به خلافه. والسنة كافية للبيان اتفاقًا.\nالخامسة: الدلالة بعد تسليمها إنما تكون على جواز تلك الواقعة بعينها، فأما في غيرها فإنما يمكن أخذه بطريق القياس في حق أهل تلك الشريعة إذا وُجدت شروطه في حقّهم؛ بأن يكونوا متعبَّدِين به، ولا يكون هناك نصٌّ في كتابهم أو كلام نبيّهم يعارضه، وأن توجد الأولوية أو المساواة في العلة. وهذا كله مجهول لدينا. وغاية ما نعلمه أن بناء المساجد على القبور كان حرامًا على اليهود والنصارى، كما دلّ عليه لَعْنُ مَن فعل ذلك منهم، واشتدادُ","vol":"4","page":184},{"text":"غضب الله عليهم، كما تواتر في السنة.\nفإن كانت واقعة أهل الكهف في اليهود أو النصارى فالأمر واضح، وإلَّا فالظاهر من الأحاديث أن مثل ذلك لم يزل محرَّمًا.\nفإن فُرِض أنه كان جائزًا في شريعةٍ قبل التوراة والإنجيل، واختير أنّ شرع مَن قبلنا شرعٌ لنا، وأننا متعبّدون بالقياس ولو على أصل مِن شرع مَن قبلنا.\nفالجواب بوجوه:\nالأول: أن مجرد احتمال أن يكون في شرعٍ قبل التوراة والإنجيل لا يصلح متمسَّكًا، وإن استُؤنِسَ له بتلك الدلالة المدّعاة (^١).\nالثاني: أن في كون شرع مَن قبلنا شرعًا لنا خلافًا.\nالثالث: أن القول بأنه شرعٌ لنا مقيّدٌ بأن لا يكون في شرعنا ما يخالفه، وقد عُلِم ما في السنة من النهي عن ذلك.\nالرابع: أن في تعبّدنا بالقياس خلافًا.\nالخامس: أن القائلين بالقياس في شرعنا لم نعلمهم أجازوه على أصلٍ مِن شرع مَن قبلنا.\n[السادس] (^٢): أن شرط القياس عدم النصّ المعارض له، حتى لو كان الأصل قطعيًّا والنصّ المعارض ظنيًّا، فكيف والأمر في مسألتنا بالعكس؟\n_________\n(^١) «وإن استونس ... المدعاه» لحق لعل هذا مكانه.\n(^٢) في الأصل: «الخامس» سبق قلم، واستمرّ في العدد الذي بعده.","vol":"4","page":185},{"text":"[السابع]: أن شرط القياس أيضًا الأولوية أو المساواة [في العلة] (^١) لا بكون مجرد النبوّة والصلاح، فما بقي إلّا أن يكون كونها [آية خارجة عن العادة] بتلك المثابة. على أنه لو فُرِض وجود مثل تلك الآية أو أبلغ منها لَمَا صحّ القياس لما تقدّم.\n[ثم رجعنا النظر إلى السنة، فوجدنا في «الصحيحين» (^٢) وغيرهما عن عائشة ﵂: أن أم سلمة ذكرت لرسول الله - ﷺ - كنيسة بأرض الحبشة، وذكرت له ما رأت فيها من الصور. فقال رسول الله - ﷺ -: «أولئكِ قوم إذا مات فيهم العبد الصالح ــ أو الرجل الصالح ــ بنوا على قبره مسجدًا وصوَّروا فيه تلك الصور، أولئكِ شرار الخلق عند الله».\nوفي «صحيح مسلم» (^٣) عن جندب بن عبد الله البجلي قال: سمعت رسول الله - ﷺ - قبل أن يموت يقول: «ألا وإنّ مَن كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك».\nوفي «الصحيحين» (^٤) من حديث أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: «قاتل الله اليهودَ والنصارى اتخذوا قبورَ\n_________\n(^١) خرم بطرف الورقة من أسفلها أتى على كلمتين في هذا الموضع وثلاث كلمات في السطر الآتي. ولعل التقدير ما أثبته بين معكوفين.\n(^٢) البخاري (٤٣٤)، ومسلم (٥٢٨).\n(^٣) (٥٣٢). وفي الأصل: «فإنما أنهاكم» والمثبت من «الصحيح».\n(^٤) البخاري (٢٤٣٧)، ومسلم (٥٣٠).","vol":"4","page":186},{"text":"أنبيائهم مساجد».\nوعن أسامة بن زيد قال: قال لي رسول الله   - ﷺ -: «أدْخِل عليَّ أصحابي» فدخلوا عليه فكشف القناع، ثم قال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبورَ أنبيائهم مساجد» (^١)] (^٢).\nوفي «الصحيحين» (^٣) عن عائشة قالت: لما نزل برسول الله ﵌ طَفِقَ يطرحُ خميصةً له على وجهه، فإذا اغتمَّ كَشَفها، فقال وهو كذلك: «لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». يحذِّرُ ما صنعوا.\nوروى الشيخان (^٤) مثله عن ابن عباس.\nقال الشوكاني (^٥): وأخرج الإمامُ أحمد في «مسنده» (^٦) بإسناد جيّد من حديث عبد الله بن مسعود ﵁: أن رسول الله ﵌ قال: «مِن شِرار الناس مَن تدركهم الساعةُ وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد».\nقال غيره: ورواه الطبراني (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢١٧٧٤)، والطيالسي (٦٦٩)، والبزار (٢٦٠٩) وغيرهم. وفي سنده ضعف يسير يتقوّى بشواهده الكثيرة.\n(^٢) زيادة يتم بها السياق، وأضفت هذه الأحاديث لأن المؤلف أشار بعد صفحتين إلى الأحاديث التي ذكرها إجمالًا وعدّ منها هذه الأربعة. وانظر رسالة الشوكاني «شرح الصدور» (ص ٢٩ - ٣١).\n(^٣) البخاري (٤٣٥ و٤٣٦)، ومسلم (٥٣١).\n(^٤) انظر الأرقام السالفة.\n(^٥) في «شرح الصدور في تحريم رفع القبور» (ص ٣٠ - ٣١ - ضمن الرسائل السلفية).\n(^٦) (٣٨٤٤)، وأصله في البخاري (٦٠٦٧) دون قوله: «والذين يتخذون القبور مساجد».\n(^٧) في «الكبير»: (٩/ ٣٤) (١٠٢٦٠).","vol":"4","page":187},{"text":"وروى الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي ــ وقال: حديث حسن ــ والنسائي، وابن ماجه (^١)، عن ابن عباس قال: لعن رسولُ الله ﵌ زائرات القبور، والمُتَّخذين عليها المساجد والسُّرُج.\nوأخرج أحمد وأهل السنن عن زيد بن ثابت (^٢) أنه ﵌ قال: «لعن الله زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسُّرُج».\nوفي «الموطأ» (^٣) عن عطاء بن يسار قال: قال رسول الله ﵌: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعْبَد، اشتدّ غَضبُ الله على قومٍ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» وعطاء تابعي، فالحديث مرسل.\nوقد مرَّ (^٤) أن الإمام أحمد أخرجه في «المسند» (^٥) بسندٍ رجاله كلهم ثقات بلفظ: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا، لعن الله قومًا اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد».\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٠٣٠)، وأبو داود (٣٢٣٦)، والترمذي (٣٢٠)، والنسائي (٢٠٤٣)، وابن ماجه (١٥٧٥)، وابن حبان (٣١٨٠). وهو ضعيف بزيادة «السرج»، وباقي الحديث له شواهد يتقوى بها. وانظر «النهج السديد» (٢٢٣) للدوسري، وحاشية المسند: (٤/ ٣٦٣ - ٣٦٤).\n(^٢) كذا، ولم أجد الحديث عن زيد بن ثابت، ولعل المؤلف تابع الشوكاني في رسالته «شرح الصدور» (ص ٣٠) فقد عزاه إليه.\n(^٣) (٤٧٥).\n(^٤) لم يتقدم شيء فيما سبق.\n(^٥) (٧٣٥٨) عن أبي هريرة. وأخرجه أبو يعلى (٦٦٨١)، والبيهقي في «معرفة السنن»: (٥/ ٣٥٨).","vol":"4","page":188},{"text":"وفي «الموطأ» (^١) في حديث وصيّة النبي ﵌: «ولا تتخذوا قبري وثنًا».\nفهذا ما تيسّر ذِكْره من أحاديث الباب، قد رواها من الصحابة: عائشة، وأبو هريرة، وأسامة، وجندب، وابن عباس، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وجُلّها في «الصحيحين» من طُرق، وفي ذلك كفاية لمن هداه الله، وبالله التوفيق.\n[١٤٠] فدلّت هذه الأحاديث على حرمة اتخاذ المساجد على القبور، أي: بأن يكون البناء مشتملًا على القبر وإن اتّسَعَ، إذ لا يتصوّر أن يُتّخذ القبر نفسه مسجدًا، ولا أن يبنى عليه مسجدٌ، بمعنى أن يكون البناء على حيطان القبر. وحديث عائشة: أن أم سلمة ﵂ ذكرت لرسول الله ﵌ ... الحديث ــ وقد مرَّ (^٢) ــ صريحٌ في هذا.\n[ص] فإن قال قائل (^٣): إن هذه الأحاديث تدلّ على أن اتخاذ المساجد على القبور [كان محرَّمًا] (^٤) على اليهود والنصارى. وذَكَر المفسِّرون أن الأمة التي بَعثَ الله فيها أهلَ الكهف كانوا نصارى، فكيف يُقال: إن اتخاذ المساجد على القبور كان جائزًا في شرعها؟\n_________\n(^١) لم أجده بهذا اللفظ في الموطأ، وذكره الشوكاني في «شرح الصدور» (ص ٣٢) ولم يعزه إلى الموطأ. وهو بهذا اللفظ عند البزار (٩٠٨٦) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٢) (ص ١٨٦).\n(^٣) كتب المؤلف هذا المبحث مرتين، هذا أكملهما.\n(^٤) تمزُّق في طرف الورقة أتى على بعض الكلمات، ولعلها ما أثبت.","vol":"4","page":189},{"text":"فالجواب: أن قول المفسرين: إن تلك الأمة التي بُعِث فيها أهلُ الكهف كانوا نصارى قولٌ لا دليلَ عليه، وإنما هو مأخوذ عن أهل الكتاب فلا يوثَق به، مع أنّ الله تعالى قد منعنا من سُؤالهم في شأن أهل الكهف بقوله تعالى: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٢]. وعلى هذا فالجمع بين ما سلّمناه جَدَلًا في دلالة الآية على أن ذلك كان جائزًا في شرع تلك الأمة، وبين الأحاديث الدالّة على كونه كان حرامًا على اليهود والنصارى= أن يقال: إن تلك الأمة كانت قبل موسى ﵇، فكان ذلك جائزًا في شرعهم، ثم نُسِخ في شرع موسى وعيسى ﵉، ثم تأكَّد النسخُ في شريعةِ خاتم الأنبياء ﵌ وبارك عليه وعلى آله.\nعلى أن الظاهر أنّ البناء للمساجد على القبور كان حرامًا في جميع الشرائع، ودلالة الآية على جواز تلك الواقعة ممنوع أو محمول على أن «على» للتعليل لا للاستعلاء، فيكون المعنى: لتتخذنّ لأجلهم مسجدًا. فيكون اتخاذ المسجد بعيدًا عنهم، ليكون تذكارًا بتلك الآية، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>تنبيهات</span>\nالأول: تقدم أن الأولى حمل «على» في الآية على السببيّة وإن كان خلاف الظاهر، جمعًا بين الأدلة، ولو سُلِّم أنها استعلائية لكان المراد الاستعلاء المجازيّ، أي: على مكان يَقْرُب منهم، كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ [طه: ١٠]، وقول الشاعر (^١):\n_________\n(^١) هو الأعشى في «ديوانه» (ص ١٢٠) من قصيدة يمدح بها المحلّق بن خنثم. وصدره:\n* تُشبّ لمقرورَين يصطليانها *","vol":"4","page":190},{"text":"* وباتَ على النار الندى والمُحَلَّق *\nوذلك لأنه لا يمكن البناء عليهم لأنهم في الكهف، والكهوف تكون في الغالب صغيرة لا تسع أن يُبنى داخلها مسجد، ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ [الكهف: ١٨]. فإنه إذا كان هذا الرعب ملازمًا لكهفهم كان من الممتنع بعد عودتهم إلى مضجعهم أن يدخل البنّاؤون لبناء مسجدٍ على جُثثهم في داخله.\nوما قيل: إنه لعله كان الغار حفرةً عميقة ... (^١) فيكون البناء على رأسه على جثثهم بدون دخول. يُبْعِدُه قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (١٧) وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ [الكهف: ١٧ - ١٨] (^٢).\nومع ذلك فالبناء بقُرْب القبر من المحرَّم في شريعتنا؛ لما مرّ في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن: ١٨]، ولأنّ العلةَ ــ وهي خشية أن يؤدّي تمييز القبر إلى تعظيمه ــ موجودةٌ هنا، مع أن مقصود الشارع سدّ الذريعة، ولا يتحقق ذلك إلا بسدّ الباب رأسًا، والله الموفق.\nالثاني: إنّما عزم الغالبون على أمرهم أن يتخذوا عليهم مسجدًا إشهارًا\n_________\n(^١) يحتمل هنا وجود كلمة لعلها «جدًّا» مخرومة في طرف الورقة.\n(^٢) من قوله: «وما قيل إنه لعله ...» إلى آخر هذه الآية لحق لم يتحرر مكانه، واجتهدتُ في إثباته في المكان المناسب.","vol":"4","page":191},{"text":"لتلك الآية البالغة، حتى إذا قيل: بُني هذا المسجد على فتيةٍ كان مِن أمرِهم كيتَ وكيتَ= كان ذلك مما يُثبّت القلوبَ على الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر، كما يدلّ عليه السياق، ومع ذلك فمثل هذا ممنوع في شرعنا لإطلاق الأدلة حُرْمة بناء المساجد على القبور، ومنها قبور الأنبياء والصالحين وغيرهم بأي قصدٍ كان، مع ما مرَّ أنّ مقصود الشارع سّد الذريعة.\n[ص ١٣] الثالث: ذكر ابن حجر في «الزواجر» (^١) أنه وقع في كلام بعض الشافعية عدّ اتخاذ القبور مساجد والصلاة إليها واستلامها والطواف بها ونحو ذلك من الكبائر. وكأنَّه أخذ ذلك مما ذُكِر في الأحاديث. ووجه اتخاذ القبر مسجدًا واضح؛ لأنه ﵊ لَعَن من فَعَل ذلك بقبور الأنبياء ﵈، وجَعَل مَن فَعل ذلك بقبور الصالحين شرارَ الخَلْق عند الله تعالى يوم القيامة، ففيه تحذيرٌ لنا.\nواتخاذُ القبرِ مسجدًا معناه: الصلاة عليه أو إليه، وحيئنذٍ يكون قوله: «والصلاة إليها» مكرَّرًا، إلّا أن يُراد باتخاذها مساجد الصلاة عليها فقط.\nنعم، إنما يتَّجه هذا الأخذ إن كان القبرُ قبر معظَّم مِن نبيّ أو وليّ، كما أشارت إليه روايةُ: «إذا مات فيهم الرجل الصالح» (^٢) ومِن ثَمَّ قال أصحابنا: تحرم الصلاةُ إلى قبور الأنبياء والأولياء تبرّكًا وإعظامًا. فاشترطوا شيئين: أن يكون قبر مُعَظّم. وأن يقصد الصلاة إليها. ومثلُ الصلاة عليه التبرُّك والإعظام.\nوكون هذا الفعل كبيرةً ظاهرٌ من الأحاديث، وكأنَّه قاس عليه كلَّ تعظيمٍ\n_________\n(^١) (١/ ١٧٣). والمؤلف صادر عن «روح المعاني»: (١٥/ ٢٣٧) للآلوسي.\n(^٢) جزء من حديث عائشة سبق تخريجه (ص ١٨٦). ووقع في الأصل: «إن كان»!.","vol":"4","page":192},{"text":"للقبر، كإيقاد السُّرُج عليه تعظيمًا له وتبرّكًا به والطواف به كذلك. وهو أَخْذٌ غير بعيد، سيّما وقد صرَّح في بعضُ الأحاديث المذكورة بلعن من اتخذ على القبر سراجًا، فيُحمل قولُ الأصحاب بكراهة ذلك على ما إذا لم يقصد به تعظيمًا وتبركًا بذي القبر. ا؟ (^١).\nأقول: قوله: «وقع في كلام ...» إلخ. هو الذي لا ينبغي غيرُه، فإنّهم عرَّفوا الكبيرةَ بأنها: ما ورد فيه وعيد شديد بنصِّ كتابٍ أو سنة. وهذا التعريف صادقٌ على الأشياء المذكورة كما لا يخفى.\nوقوله: «واتخاذ القبر مسجدًا معناه الصلاة عليه أو إليه ...» إلخ. فيه نظر، نعم، الصلاة إليه قد ثبت النهيُ عنها بما في «صحيح مسلم» (^٢) عن أبي مرثد الغنوي قال: قال رسول الله ﵌: «لا تجلسوا على القبور ولا تصلُّوا إليها». والصلاة عليه أشدّ فهي مفهومة بالأَولى.\nوأما أحاديث النهي عن اتخاذها مساجد، فهي وإن لزم منها بطريق الأولى النهي عن الصلاة على القبور وإليها، فليس ذلك [هو معناها] المطابقي، [وإنما معناها] المطابقي [هو النهي] (^٣) عن اتخاذ المساجد عليها؛ لأن المساجد صارت حقيقةً شرعية في ما يُبنى ليكون مصلّى. والظاهر أنه ليس المراد أن اليهود والنصارى كانوا يبنون المساجدَ على نفس القبر، بل المراد أنهم يبنون بناءً يشتمل على القبر. ويبين هذا حديث «الصحيحين» (^٤)\n_________\n(^١) هنا انتهى كلام الآلوسي في «روح المعاني».\n(^٢) (٩٧٢).\n(^٣) خرم في طرف الورقة أتى على عدة كلمات قدّرناها بما هو مثبت بين المعكوفات.\n(^٤) البخاري (١٣٤١)، ومسلم (٥٢٨).","vol":"4","page":193},{"text":"وغيرهما عن عائشة ﵂ أن أمّ سَلَمة ﵂ ذكرت لرسول الله ﵌ كنيسة رأتها بأرض الحبشة، وذكرت له ما رأت فيها من الصور، فقال رسول الله ﵌: «أولئك قوم ...» الحديث، وقد مرَّ (^١).\nفهذه الكنيسة التي رأتها أمُّ المؤمنين في أرض الحبشة لم تكن ثلاثة أذرع في ذراعين أي: موضع قبر كما هو واضح. وقوله ﵌ في هذا الحديث: «بنوا على قبره مسجدًا وصوَّروا فيه تلك الصور» صريحٌ في أن المراد بناء يشتمل على القبر، وأن الوعيد يتناول البناء نفسَه فضلًا عن الصلاة على القبر وإليه.\nوقد ترجم البخاري على هذا بقوله: (باب بناء المسجد على القبر) (^٢).\nوقد أحْسَن (^٣) بنصِّه على أن مثل الصلاة عليه التبرّكُ والإعظام، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله (^٤).\n[ص ١٤] وأما ما استدلّ به الإمام يحيى (^٥) بقوله: (ولا بأس بالقباب والمشاهد على قبور الفضلاء والملوك، لاستعمال المسلمين ولم يُنْكَر).\n_________\n(^١) (ص ١٨٦).\n(^٢) كتاب الجنائز في تبويبه على الحديث السالف رقم (١٣٤١).\n(^٣) يعني الآلوسي في كلامه السابق.\n(^٤) (ص).\n(^٥) هو يحيى بن حمزة بن علي المؤيّد من أئمة الزيدية (ت ٧٤٥). انظر «البدر الطالع»: (٢/ ٣٣١)، و«الأعلام»: (٨/ ١٤٣). انظر كلامه في «البحر الزخّار»: (٢/ ١٣٢) للمرتضى.","vol":"4","page":194},{"text":"فالجواب عنه: أنّ هذه الأحاديث الكثيرة لم تزل تُتْلَى في مدارسهم ومجالس حُفّاظهم (^١)، يرويها الآخر عن الأول، والصغير عن الكبير، والمتعلّم عن العالم، مِن لدن أيّام الصحابة إلى هذه الغاية، وأوردها المحدّثون في كتبهم المشهورة من الأمهات والمسندات والمصنفات، وأوردها المفسِّرون في تفاسيرهم، وأهلُ الفقه في كتبهم الفقهيّة، وأهلُ الأخبار والسِّيَر في كتب الأخبار والسير، فكيف يُقال: إن المسلمين لم ينكروا على مَن فعل ذلك؟ وهم يروون أدلّة النهي عنه واللعن لفاعله خَلَفًا عن سلف في كلِّ عصر.\nومع هذا فلم يزل علماء الإسلام منكرين لذلك مبالغين في النهي عنه، وقد حكى ابن القيّم (^٢) عن شيخه تقيّ الدين، وهو الإمام المحيط بمذاهب سَلَف هذه الأمة وخَلَفها: أنه قد صرّح عامةُ الطوائف بالنهي عن بناء المساجد على القبور، ثم قال: «وصرّح أصحابُ أحمد ومالك والشافعي بتحريم ذلك وطائفة أطلقت الكراهةَ، لكن ينبغي أن يحمل على كراهة التحريم، إحسانًا للظنّ بهم، وأن لا يُظنَّ بهم أن يجوّزوا ما تواتر عن رسول الله ﵌ لَعْنُ فاعلِه، والنهي عنه» انتهى (^٣).\n_________\n(^١) غير محررة في الأصل، واستأنست بما في رسالة «شرح الصدور».\n(^٢) في «إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان»: (١/ ٣٣٥ ط. عالم الفوائد). وانظر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى»: (١٧/ ٤٦٣ و٢٤/ ٣١٨ وغيرها).\n(^٣) كلام الإمام يحيى والجواب عنه نقله المؤلف من رسالة «شرح الصدور» للشوكاني (ص ٢٤، ٣٧ - ٣٨).","vol":"4","page":195},{"text":"قال المحقق ابن القيم في «زاد المعاد» (^١): «ومنها: أن الوقف لا يصحّ على غير بِرٍّ ولا قُربة كما لم يصح وقف هذا المسجد (يعني مسجد الضرار) وعلى هذا فيهدم المسجد إذا بُنِي على قبرٍ كما يُنْبَش الميت إذا دفن في المسجد، نصّ على ذلك الإمام أحمد وغيره، فلا يجتمع في دين الإسلام مسجدٌ وقبرٌ، بل أيّهما طرأ على الآخر مَنع منه، وكان الحكم للسابق، فلو وُضِعا معًا لم يجز. ولا يصحّ هذا الوقف ولا يجوز، ولا تصحّ الصلاة في هذا المسجد لِنَهْي رسول الله ﵌ عن ذلك، ولَعْنه مَن اتخذ القبر مسجدًا أو أَوْقَد عليه سِراجًا. فهذا دينُ الإسلامِ الذي بعث الله به رسولَه ونبيَّه، وغُرْبته بين الناس كما ترى».\n* * * *\n_________\n(^١) (٣/ ٥٧٢).","vol":"4","page":196},{"text":"* [ص ١٥] تتمّة:\nلو قال قائل: ما الجمع بين هذه الأدلة ولاسيَّما حديث «الصحيحين» (^١) عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﵌ في مرضه الذي لم يقم منه: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» قالت: ولولا ذلك لأُبْرِز قبره غير أنه خشي أن يكون مسجدًا. وبين ما فعله الصحابة ﵃ في المسجد؟\nفالجواب: أن الصحابة ﵃ لم يُدْخِلوا القبرَ في المسجد، وإنما لمَّا احتاجَ الناسُ إلى توسعة المسجد اضطرّوا إلى إدخال الحجرة، غير أنهم احتاطوا بجعل القبر بعُزْلةٍ عن المسجد. ولم يكن المسجد ولا البناء لأجل القبر (^٢).\nفإن قلتَ: فإنه قد بُني على القبر بعد ذلك.\nقلت: قد علمتَ أنه لا حُجّة إلا في كتاب الله تعالى وسنة رسوله، ومجرّد وقوع البناء على قبر النبي ﵌ لا يُعدّ دليلًا، كما أنه لو دخل إنسانٌ الكعبة أو أقام عند قبر النبي ﵌ وقال كلمةً أو عَمِل عملًا= لم يكن ذلك دليلًا على جوازه. وقد كانت الأصنام والأوثان (^٣)\n_________\n(^١) البخاري (١٣٣٠)، ومسلم (٥٢٩).\n(^٢) والذي أدخل القبر في بناء المسجد إنما هو الوليد بن عبد الملك، وقد أنكر عليه بعض السلف كسعيد بن المسيب. انظر «مجموع الفتاوى»: (٢٧/ ٤١٨).\n(^٣) لم يظهر منها إلا: «والأ».","vol":"4","page":197},{"text":"داخل الكعبة وخارجها زمانًا طويلًا و... (^١) الكفر.\nولا أثَرَ لدعوى الإجماع هنا، فإنه لا إجماع، بل جمهور علماء الأمة متّبِعون لما تقضي به الأدلة، وإنما يسكتون عن النهي تصريحًا خوفًا من الملوك والعامة، فهم يكتفون بالنصّ على الحكم في مؤلّفاتهم وتدريساتهم. وقد علمتَ تلك الأدلة الصحيحة الثابتة في مؤلفاتهم طبقةً عن طبقة، حتى تتصل بالنبي ﵌، فكيف يصح ادّعاء إجماع يخالفها؟!\nومع ذلك فقد علمتَ من كلام الإمام الشافعي الذي نقلناه في المسألة الأولى (^٢) أن الإجماع السكوتيّ ليس بحجّة، وأن الإجماع الحقيقي لا سبيل إلى عِلْمِه، وإنما غاية الأمر أن يقال: هذا قول فلان ولا نعلمُ له مخالفًا، فيؤخَذ بهذا حيث لم يكن في المسألة دليلٌ من كتابٍ أو سنة، فإذا وُجِد دليلٌ من كتاب أو سنة وجَبَ المصيرُ إليه.\nوقد نقل المحقّق ابنُ القيم مثل هذا عن الإمام أحمد (^٣).\nإذا علمتَ هذا فماذا يؤثِّر الإجماعُ في معارضة تلك الأدلة؟ على أنه قد مرّ عن بعض الفقهاء المتأخرين (^٤) أنّ محلّ كون الإجماع حجة هو في\n_________\n(^١) كلمة أو أكثر ذهب بها خرم في طرف الورقة. ولعل تقديرها: «وليس دليلًا على إقرار الكفر».\n(^٢) انظر (ص ٧٢، ١٢٢).\n(^٣) في «إعلام الموقعين»: (٢/ ٥٣ - ٥٤).\n(^٤) هو ابن حجر الهيتمي في «تحفة المحتاج»: (٣/ ١٩٧). ونقله المؤلف في كتابه «عمارة القبور في الإسلام» (ص ١١٣ - المبيّضة).","vol":"4","page":198},{"text":"العصور الصالحة، فأما في العصور الأخيرة فلا.\nعلى أننا نعلم أن محبّة النبي ﵌ لا يتحقَّقُ الإيمانُ إلّا بها، ولكن حقيقة محبّته هو أن يكون أحبَّ إلينا من أنفسنا وأهلينا والناس أجمعين. وهذه المحبّة شيء في القلب، وإظهارها يجب أن يكون على وجهٍ مأذونٍ به شرعًا، فأما إظهار المحبة على وجهٍ منهيٍّ عنه شرعًا فإنه منافٍ لحقيقة المحبّة الإيمانية.\nوعلى كلِّ حال فثمرة محبّته ﵌ هو اتباع سنته، بل إن اتباعه ﵌ هو ثمرة [محبّة الله] ... (^١) وبمحبته حققنا [أمر الله] تعالى بمحبّته وبمحبَّة رسوله كما يحبّ ويرضى.\n_________\n(^١) هنا تآكل في أسفل الورقة ذهب بنحو سطر كامل، وما بعده لحقٌ لعل هذا مكانه، وقد أثبت منه ما ظهر.","vol":"4","page":199},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-133>البحث الثالث\nزيارة القبور</span>\nتصفَّحنا كتاب الله تعالى نلتمس فيه دلالة على هذا الموضوع، فلم نجد إلا قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ أي من المنافقين ﴿مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾، ثم علل ذلك بقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤].\nفدلّ بطريق الإيماء على أن النهي يتناول كل من وُجدت فيه العلة، وهي الكفر بالله والموت عليه. ومفهومه أن مَن لم توجد فيه العلة، وهو مَن مات على دين الإسلام غير منهيّ عن الصلاة عليه والقيام على قبره.\nوهذا واضح ولكن الشأن في تفسير القيام على القبر، فنقول: قال السيوطي في «فتاواه» (^١) كما نقله الآلوسي في «تفسيره» (^٢): «المراد بالقيام على القبر: الوقوف عليه حالة الدفن وبعده ساعةً، ويحتمل أن يعمّ الزيارة أيضًا أخْذًا من الإطلاق» ا؟.\nقال الآلوسي: وفي كون المراد بالقيام على القبر الوقوف عليه حالة الدفن وبعده ساعةً خفاء، إذ المتبادر من القيام على القبر ما هو أعمّ من ذلك. نعم، كان الوقوف بعد الدفن قَدْر نَحْر جزور مندوبًا (^٣)، ولعلّه لشيوع ذلك إذ\n_________\n(^١) «الحاوي للفتاوي»: (١/ ٣٠٨).\n(^٢) «روح المعاني»: (١٠/ ١٥٥).\n(^٣) انظر الأحاديث في ذلك في «البدر المنير»: (٥/ ٣٣٥ - ٣٣٩).","vol":"4","page":200},{"text":"ذاك أَخَذَ في مفهوم القيام على القبر ما أخذ. انتهى.\nأقول: قوله: «نعم كان الوقوف بعد الدفن قدر ... [إلخ]». إنما رُوِيَ هذا في وصية [عمرو بن العاص] (^١) ولم يسنده إلى السنة، نعم في «سنن أبي داود» (^٢) عن عثمان [قال: كان] النبي ﵌ إذا دفن الميت وقف عليه فقال: «استغفروا لأخيكم ثم سلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل».\nوالذي يظهر لي تناول النهي في الآية للقيام للزيارة، إذ الفعل في سياق النهي فيعمّ، فالمعنى: لا يكن منكَ قيامٌ على قبره، و«قيام» يتناول القيام للدفن والقيام للزيارة، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص [السبب] (^٣).\nوعليه ففي الآية النهي عن القيام على المنافق، سواء أكان للدفن أو للزيارة، فكلاهما منهيٌّ عنه في [حق المنافقين] (^٤) بالمنطوق، وفي حق الكفَّار بالمفهوم، ومأذون فيه (^٥) في حقّ المسلمين بالمفهوم، والله أعلم.\n[ص ٢] ثم رجعنا النظرَ إلى السنة فوجدنا حديث مسلم (^٦) عن بُريدة\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٢١). وما بين المعكوفين مطموس في الأصل.\n(^٢) (٣٢٢١). وأخرجه الحاكم: (١/ ٣٧٠)، والبيهقي: (٤/ ٥٦). قال الحاكم: صحيح الإسناد. وحسَّنه النووي والمنذري وابن حجر. انظر «الخلاصة» (٢/ ١٠٢٨) للنووي، و«البدر المنير»: (٥/ ٣٣٠ - ٣٣١).\n(^٣) مطموسة في الأصل.\n(^٤) مطموسة في الأصل.\n(^٥) طمس في بعض الكلمة ولعلها ما قدّرت.\n(^٦) (١٩٧٧).","vol":"4","page":201},{"text":"﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها» الحديث.\nولابن ماجه (^١) عن ابن مسعود أن رسول الله ﵌ قال: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإنها تزهّد في الدنيا وتذكّر الآخرة».\nوحديث مسلم (^٢) عن بُريدة أيضًا قال: كان رسول الله ﵌ يعلّمهم إذا خرجوا إلى المقابر: «السلام عليكم أهلَ الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية».\nوحديث مسلم وغيره (^٣) عن أبي هريرة قال: زار النبيُّ ﵌ قبر أُمه فبكى وأبكى مَن حوله، فقال: «استأذنتُ ربي في أن أستغفر لها فلم يأذَن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكِّر الموتَ».\nوحديث مسلم (^٤) أيضًا عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: خرج رسول الله ﵌ إلى المقبرة فقال: «السلام عليكم دارَ قومٍ مؤمنين وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون ...» الحديث. وقد مرّ.\n_________\n(^١) (١٥٧١).\n(^٢) (٩٧٥).\n(^٣) مسلم (٩٧٦)، وأخرجه أبو داود (٣٢٣٤)، والنسائي (٢٠٣٤)، وابن ماجه (١٥٧٢)، وأحمد (٩٦٨٨).\n(^٤) (٢٤٩).","vol":"4","page":202},{"text":"وحديث مسلم (^١) عن عائشة أيضًا قالت: كان رسول الله ﵌ كلما كان ليلتها من رسول الله ﵌ يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون غدًا مؤجَّلون، وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد».\nوهاهنا فروع:\nالأول: في عِلَّة النهي أولًا.\nهي ــ والله أعلم ــ أن أهل الجاهلية كانوا يقولون ويفعلون عند القبور أشياء ينكرها الشرع، فلئلّا يقع قريبو العهد بالجاهلية في شيءٍ من تلك الأشياء جهلًا أو جريًا على ما اعتادوه= اقتضت الحكمةُ النهيَ عن زيارة القبور مطلقًا سدًّا للذريعة. فلما ثبتت قواعد الإسلام وتبينت أحكامه، ورسخت الأقدام فيه، رَخّص في الزيارة بزوال المانع. ويومئُ إلى هذا ما رواه ابن ماجه عن زيد بن ثابت عن النبي ﵌ أنه قال: «زوروا القبور ولا تقولوا هُجْرًا» (^٢).\n\nالثاني: في<span data-type=\"title\" id=toc-137> الحكمة في استحباب زيارة القبور:</span>\n_________\n(^١) (٩٧٤).\n(^٢) لم أجده في ابن ماجه، وأخرجه الطبراني في «المعجم الصغير» (٨٨١). قال الهيثمي في «المجمع»: (٣/ ٨٧): «فيه محمد بن كثير بن مروان وهو ضعيف جدًّا».\nأقول: وجاء هذا اللفظ أيضًا من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، أخرجه مالك (١٣٩٤)، وأحمد (١١٦٠٦)، ومن حديث أنسٍ عند أحمد (١٣٦١٥)، وأبي يعلى (٣٧٠٥)، والحاكم: (١/ ٣٧٦). ومن حديث بريدة عند النسائي (٣٠٣٣).","vol":"4","page":203},{"text":"أقول: قد بينها - ﷺ - بقوله: «فإنها تذكّر الموتَ» وهو معنى القول الآخر: «فإنها تزهّد في الدنيا وتذكّر الآخرة».\nالثالث: في النساء هل يزرن القبور؟\nأقول: ظاهر قوله ﵌: «فزوروها» شموله للذكور والإناث، كما هو شأن الخطابات الشرعية، وفي «صحيح مسلم» (^١) عن عائشة قالت: كيف أقول يا رسول الله؟ ــ تعني في زيارة القبور ــ قال: «قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منّا والمستأخرين، وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون».\n[ص ٣] وفي «الصحيحين» (^٢) عن أنسٍ قال: مرّ النبيُّ ﵌ بامرأة تبكي عند قبر، فقال: «اتقي الله واصبري». قالت: إليكَ عني، فإنك لم تُصَب بمصيبتي، ولم تعرفه، فقيل لها: إنه النبي ﵌، فأتت بابَ النبيِّ ﵌ فلم تجد عنده بوّابين فقالت: لم أعرفك. فقال: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى».\nفأنكر عليها رسولُ الله ﵌ الجزعَ والحزن، ولم ينكر عليها الخروجَ إلى القبر. فهذه الأحاديث تدلّ على الجواز.\nلكن ورد ما ظاهره يخالف ذلك، قال في «المشكاة» (^٣): وعن أبي هريرة: أن رسول الله ﵌ لَعَن زوّارات القبور. رواه\n_________\n(^١) (٩٧٤).\n(^٢) البخاري (١٢٨٣)، ومسلم (٩٢٦).\n(^٣) (١/ ٣٩٨).","vol":"4","page":204},{"text":"أحمد والترمذي وابن ماجه (^١).\nوقال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح».\nوقال: «قد رأى بعضُ أهل العلم أنّ هذا كان قبل أن يرخِّص النبيُّ ﵌ في زيارة القبور، فلما رخّص دخل في رخصته الرجال والنساء، وقال بعضهم: إنما كره زيارة القبور للنساء لقلَّة صبرهنّ وكثرة جزعهنّ». تم كلامه (^٢).\nوروى الترمذي (^٣) عن ابن أبي مُليكة قال: لما توفي عبد الرحمن بن أبي بكر بالحُبْشيّ (^٤) ــ وهو موضع ــ فحمل إلى مكة فدُفِن بها، فلما قدمت عائشةُ أتت قبرَ عبد الرحمن بن أبي بكر فقالت:\nوكُنّا كَنَدْماني جَذيمة حِقْبةً ... من الدهر حتى قيل: لن يتصدّعا\nفلما تفرّقنا كأنّي ومالكًا ... لطول اجتماعٍ لم نَبِتْ ليلةً معا\n\nثم قالت: والله لو حضَرْتُك ما دُفنتَ إلا حيث متَّ، ولو شهدتُك ما زرتك.\nوالذي يلوح لي أن الرّخصة عمّت الذكورَ والإناث، ثم نهى رسول الله ﵌ النساء عن كثرة الزيارة، كما يدل عليه قوله في\n_________\n(^١) أحمد (٨٤٤٩)، والترمذي (١٠٥٦)، وابن ماجه (١٥٧٦).\n(^٢) أي كلام الترمذي.\n(^٣) رقم (١٠٥٥). وأخرجه عبد الرزاق (١١٨١١)، والحاكم: (٣/ ٤٧٦). وصححه النووي في الخلاصة: (٢/ ١٠٣٤) على شرط الشيخين.\n(^٤) اسم جبل بقرب مكة يبعد عنها ستة أميال. انظر «معجم البلدان»: (٢/ ٢١٤).","vol":"4","page":205},{"text":"الحديث السابق: «زوّارات القبور». وبهذا تتفق الأدلة، والله الموفق.\nثم وقفت على «فتح الباري» (^١) فحكى فيه الخلاف، وقال: «قال القرطبيّ: هذا اللعن إنما هو للمكثرات من الزيارة لما تقتضيه الصِّفةُ من المبالغة ..» إلخ. وهو الذي لاح لي ولله الحمد.\n\nالرابع:<span data-type=\"title\" id=toc-139> هل تُزار قبور الكفّار</span>؟\nقد مضى أول هذا البحث (^٢) أن قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] يتناول الزيارة، وأن العلة ــ وهي الكفر بالله ورسوله والموت عليه ــ موجودة في غير المنافقين من الكفّار؛ فتكون زيارة قبور الكفار منهيًّا عنها. ولكن قوله ﵌: «نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها» عام يتناول قبور الكفار.\nثم إن العلة التي لأجلها نُدِبت زيارة القبور ــ وهي كونها تذكّر الموت أو تزهّد في الدنيا وتذكِّر الآخرة ــ موجودة في قبور الكفار. قالوا: وقد زار النبيُّ ﵌ قبر أُمِّه كما مرّ (^٣).\nوالذي يلوح لي ترجيح دلالة الآية؛ أولًا: لما يظهر من أنها نَسَخت جواز القيام على قبور الكفار كما نَسَخت جواز الصلاة عليهم. ونزولها كان بعد عود النبي ﵌ من تبوك، وما مرّ من أدلة الجواز متقدّم على ذلك.\n_________\n(^١) (٣/ ١٤٩). وكلام القرطبي في «المفهم» (٢/ ٦٣٣).\n(^٢) (ص ٢٠٠).\n(^٣) (ص ٢٠٢).","vol":"4","page":206},{"text":"[ص ٤] ثانيًا: أن النبيَّ ﵌ علّمنا كيف نقول عند زيارة قبور المسلمين فقط، فلنقتصر على ذلك. والظاهر أنه لو كانت زيارة قبور الكفار مشروعة لعلّمنا كيف نقول عندها.\nثالثًا: أن (^١) زيارة قبور المسلمين فيها فائدة غير مجرّد تذكُّر الآخرة، وهي الدعاء لهم كما ورد.\nرابعًا: أن زيارة قبور المشركين تورث للزائر غَلَبة الرجاء، بحيث يُخشى منه الاتكال والتقصير في الطاعات؛ لأنه يستشعر ما كانوا فيه من الشرك بالله تعالى، والجحود لوحدانيته وغير ذلك، وأنه مؤمن بالله تعالى. وهذا الرجاء مع كونه محذورًا في نفسه، فهو نقيض الحكمة التي شُرِعت لها زيارة القبور، وهي تذكير الآخرة لتجديد الخوف وترقيق القلب والتزهيد في الدنيا؛ لينشأ عن ذلك الإقبال على الطاعات والتوبة من الخطايا التي سَلَفت، والاحتراز عنها فيما بقي.\nبخلاف زيارة قبور المؤمنين فإنها ــ إن لم يكونوا معصومين (^٢) ــ تذكّر بالثواب والعقاب معًا، وأن المحسنين منهم قد أفضوا إلى النعيم المقيم والمسيئين على خطر عظيم، وأنه لاحِقٌ بهم، فإن أحسن فالحُسْنى، وإن أساء فالأخرى. وبهذا النظر يحصل مقصود الزيارة الذي مرّ ذكره، فينشأ عنه ما ينشأ.\nوإن كانوا معصومين تذكّر ما هم فيه من النعيم المقطوع به لعصمتهم، فيشتاق إليه، ثم يذكر أنه غير معصوم، وأنه لاحِقٌ بالموتى، فإن أحسن كان\n_________\n(^١) الأصل: «أن في» وبحذف (في أو فيها) يستقيم السياق.\n(^٢) كالأنبياء والرسل.","vol":"4","page":207},{"text":"مع الذين أنعم الله عليهم، يتقلّب في ذلك النعيم الدائم، وإن أساء كان حريًّا أن يكون في ضدِّه من العذاب اللازم.\nوبهذا النظر يحصل المقصود من الزيارة، وما ينشأ عنها من الاجتهاد في الإحسان والجدّ في جهاد النفس والشيطان. وفقنا الله تعالى لما يحبُّه ويرضاه.\nومما يتعلّق بالمقام: حديث الترمذي (^١) عن عَمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه عن رسول الله ﵌ قال: «خصلتان مَن كانتا فيه كتبه الله شاكرًا صابرًا: من نظر في دينه إلى من هو فوقه فاقتدى به، ونظر في دنياه إلى من هو دونه فحمد الله على ما فضّله الله عليه كتبه الله شاكرًا صابرًا. ومَن نظر في دينه إلى مَن [هو] دونه، ونظر في دنياه إلى مَن هو فوقه، فأسِفَ على ما فاته منه لم يكتبه الله شاكرًا ولا صابرًا».\nولا يخفى أن زائر القبر ناظرٌ في دينه إلى حال المقبور، فينبغي أن لا يكون دونه، بأن يكون كافرًا، فالحديث دليل في النهي عن زيارة قبور الكفار، فتأمّل. والله أعلم.\n_________\n(^١) (٢٥١٢). وفيه بعد قوله: «خصلتان ... صابرًا»: «ومن لم تكونا فيه لم يكتبه الله شاكرًا ولا صابرًا». قال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب». وأخرجه ابن المبارك في «الزهد» (ص ٥٠) والطبراني في «مسند الشاميين» (٥٠٥)، والبغوي في «شرح السّنة»: (١٤/ ٢٩٣). وفي إسناده المثنى بن الصبّاح ضعيف، وبه ضعَّفه المناوي في «فيض القدير»: (٣/ ٥٨٩) وضعَّفه الألباني في «الضعيفة» (١٩٢٤).\nويغني عنه ما أخرجه مسلم (٢٩٦٣) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله   - ﷺ -: «انظروا إلى من أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم».","vol":"4","page":208},{"text":"[ص ٥] الخامس (^١):<span data-type=\"title\" id=toc-140> كيفية الزيارة:</span>\nأقول: قد علمتَ أن المقصود من الزيارة إنما هو تذكُّر الموت والآخرة، والدعاء للميت، ومعلوم أنه يكفي في هذا القيام قريبًا من القبر، والدعاء بالأدعية الواردة، وقد مرَّت (^٢).\nولفظه في حديث بريدة: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنّا إن شاء الله بكم للاحقون، ونسأل الله لنا ولكم العافية».\nوحديث أبي هريرة: «السلام عليكم دار قومٍ مؤمنين وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون».\nوحديث عائشة الأول: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون غدًا مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد».\nوحديث عائشة الثاني: «السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين مِنَّا والمستأخرين، وإنّا إن شاء الله بكم لَلاحقون» (^٣).\n* * * *\n_________\n(^١) من الفروع في المسألة، وقد مضى الرابع (ص ٢٠٧).\n(^٢) (ص ٢٠٢). كلها تقدم تخريجها.\n(^٣) هذا اللفظ لم يتقدم هناك، وهو أحد ألفاظ الحديث رقم (٩٧٤) في «صحيح مسلم».","vol":"4","page":209},{"text":"[ص ٦]<span data-type=\"title\" id=toc-141> فصل\nفي زيارة قبور الأنبياء والصالحين</span>\nقد علمتَ أن الأدلة الواردة في مشروعية زيارة القبور عامةٌ في قبور الأنبياء والصالحين وسائر المسلمين، وإنما النزاعُ في شيئين:\nالأول: في شدّ الرحال.\nالثاني: الغرض المقصود من الزيارة.\nوعند التحقيق ينحصر النزاع في هذا الأخير، كما ستراه إن شاء الله تعالى.\nفأما شدّ الرحال، فإنّ من العلماء مَن مَنَعه لحديث «الصحيحين» (^١) عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﵌: «لا تُشدّ الرحال إلّا إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا».\nفقال قومٌ: هو نفيٌ، والمراد به النهي، وهو عامّ في كلّ شيءٍ. أي: لا تَشدّوا الرحال إلى شيءٍ من الأشياء إلّا إلى ثلاثة مساجد. ثم ما وَرَد فيه دليلٌ خاصّ في إباحةِ أو نَدْبِ أو وجوبِ شدِّ الرحال إليه غير ما ذُكِر فهو مخصَّصٌ من هذا العموم. وذلك كطلب الرزق، والتفكّر في آيات الآفاق، وزيارة ذوي الأرحام، وطلب العلم، والجهاد، وغير ذلك. فيبقى زيارة القبور داخلًا تحت ذلك العموم.\n_________\n(^١) البخاري (١٨٦٤، ١٩٩٥)، ومسلم (٨٢٧).","vol":"4","page":210},{"text":"وقال آخرون: بل المراد: لا تشدّوا الرحال إلى بقعة من بقاع الأرض تلتمسون فضلَها عند الله تعالى غير الثلاثة المساجد. قالوا: ولا نحتاج لتخصيص طلب الرزق وغيره مما سبق، ويكون النهي بحالِهِ متناولًا لزيارة القبور.\nوقال غيرهم: بل الحديث واردٌ في شأن المساجد، أي: لا تشدّوا الرحال إلى مسجد من المساجد تلتمسون فضله غير المساجد الثلاثة، فيكون الحديث خاصًّا بالمساجد.\nوأنت خبيرٌ أنَّ ظاهر اللفظ يعيِّن القول الأول؛ إذ التقييد ببقاع الأرض أو بالمساجد خارج عن مدلول اللفظ. وعلى كلِّ حال فالأدلة ثابتةٌ والإجماعُ منعقدٌ على إباحة شدّ الرحال إلى كلِّ مقصدٍ دينيّ أو دنيويّ يحتاج الوصول إليه إلى ذلك.\nوالظاهر أن المسلم إذا أراد زيارة القبور للغرض المتفق عليه، وهو تذكُّر الآخرة، ولم يكن بالقُرب منه قبور= لم يَحْرُم عليه أن يشدّ رحله لزيارة أقرب القبور إليه، بل لا أظنُّ أحدًا يتردّد في .... (^١) أنه مأمور بزيارة القبور لتذكّر الآخرة، والأمر بزيارة القبور [ص ٧] مطلق، والنهي عن شدّ الرحال إلى غير الثلاثة المساجد عام، فهل يقال: إن إطلاق الأمر بزيارة القبور يخصّصُ عمومَ النهي عن شدّ الرحال؟ أو يقال: إن عموم النهي عن شدّ الرحال يقيّد إطلاق الأمر بزيارة القبور؟ أو يقال: إن كان بِقُرْبه قبر تعيّن عليه العمل بالحديثين، بأن يزور القبر القريب منه ولا يشدّ رحلَه إلى غيره. وإن لم يكن\n_________\n(^١) تآكلٌ في طرف الورقة ذهبَ بكلمتين أو ثلاثًا.","vol":"4","page":211},{"text":"بالقرب منه قبر ترجّح تخصيص عموم النهي عن شدّ الرحال بإطلاق الأمر بزيارة القبور، فيرخّص له بشدّ رحله لزيارة أقرب القبور إليه لتذكُّر الآخرة؛ لأن هذا الغرض غرضٌ مهمٌّ شرعًا، وليس في شدّ الرحل إليه إخلال بغرض شرعيّ؛ لأن الغرض الذي لأجله النهي عن شدّ الرحال لغير الثلاثة المساجد إنما هو ــ والله أعلم ــ خشيةَ أن يضيّع المسلمون مصالحهم الدينية والدنيوية في الرحيل إلى ما لا فائدة لهم فيه، وفي مسألتنا قد تحققت الفائدة. وهذا الثالث ــ والله أعلم ــ هو الحقُّ إن شاء الله تعالى.\nوعلى هذا فمن جعل لزيارة قبور الأنبياء والصالحين فائدةً دينية زائدة عن قبور غيرهم من المسلمين، أي زائدةً عن مجرّد تذكّر الموت وما بعده خصّصها بنحو ما خصصنا به مَن كان بعيدًا من القبور، في أنه يجوز له شدّ رحله لزيارة أقرب القبور إلى محلّه. ومن هنا قلنا: إنه عند التحقيق ينحصر النزاع في المقصود من الزيارة، وعليه فأقول:\nقال المانعون: إن غرض الشارع من الأمر بزيارة القبور هو ما بيّنه ﵌ بقوله في حديث مسلم (^١): «فإنها تُذَكِّر الموتَ». وفي حديث ابن ماجه (^٢): «فإنها تزهّد في الدنيا وتذكّر الآخرة». فقوله ﵌: «فإنها تذكر الموت ــ فإنها تزهّد في الدنيا وتذكّر الآخرة» نصٌّ منه على مشروعية زيارة القبور، وحينئذٍ (^٣) فلا شكَّ أنه يكفي في تحصيل هذا المقصد أيّ قبرٍ كان من قبور المسلمين.\n_________\n(^١) (٩٧٦) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٢) (١٥٧١) من حديث ابن مسعود ﵁.\n(^٣) اختصرها المؤلف إلى (ح) كما فعل في مواضع أخرى.","vol":"4","page":212},{"text":"قال المجيزون: هذا مسلّم، ولكن ليس في هذا ما يدلّ على أنه لا غرض للشارع غير ما ذُكِر، كيف وقد تقدّم من الأحاديث ما يدلُّ على أنه من المقاصد السلامُ عليهم، والدعاء لهم، والدعاء للنفس؟ [ص ٨] كما مرَّ ذلك في نَقْل الأدعية الواردة عنه ﵌ في زيارة القبور، فيرجع إليها (^١)، وهي تدلّ أن من المقاصد السلام عليهم، والدعاء لهم وللنفس وللمؤمنين. ولفظ حديث عائشة: «السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منّا والمستأخرين، وإنَّا إن شاء الله بكم لاحقون» (^٢).\nفإذا تقرَّر ذلك، فلا شك أنه لا يكفي في تحصيل هذه المقاصد زيارة أيّ قبرٍ كان، لأن من المقاصد: السلام على الموتى، وقد يريد الإنسان أن يخصّ بالسلام ميّتًا معينًا من الأنبياء أو الصالحين. ومن المقاصد: الدعاء لصاحب القبر، والإنسان قد يريد أن يخصّ أيضًا. ومن المقاصد: الدعاء للنفس وللمؤمنين، ولا شك أن الدعاء في بعض المواطن أَرْجى. ومن ذلك: مواضع قبور الأنبياء والصالحين، فإنَّ تجلِّي الرحمةِ عندها أكثر من غيرها.\nومن المقاصد الشرعية ــ وإن لم تدلّ عليها تلك الأحاديث ــ: تذكُّر سيرة الأخيار؛ لأن في ذلك الحضّ للنفس عليها. ولا شكَّ أن الإنسان عند زيارته قبور الأنبياء والصالحين يتذكَّر سِيَرهم وما كانوا عليه من الأعمال الصالحة واجتناب الشبهات؛ فيحمله ذلك على الاقتداء بهم. وأيضًا: أنه عند زيارة قبور أهل الخير، يستشعر ما هم فيه من رضوان الله تعالى والجنة،\n_________\n(^١) (ص ٢٠٩).\n(^٢) تقدم (ص ٢٠٩).","vol":"4","page":213},{"text":"فتشتاقُ نفسُه إلى اللحاق بهم، ويعلم أنّ ذلك متوقِّف على العمل بِعَمَلهم؛ فيحضُّه ذلك على عمل الخير.\nفهذه كلُّها مقاصد شرعيّة، تختلف باختلاف القبور، وبذلك يُخصّص حديث النهي عن شدّ الرِّحال على تسليم عمومه في كلِّ شيء. فأما على اقتصار عمومه على البقاع أو المساجد فلا حاجة إلى التخصيص. أما الثاني فواضح، وأما الأول: فلأننا نقول: المراد البقاع لذاتها لا لشيء آخر كائنٍ فيها، كعالم كائن في مصر، وجهادٍ في الثغر، ونحو ذلك. إذ ليس القصد ذات مصر ولا الثغر، وإنما القصد العالم والجهاد. ومثل هذا يقال في قبور الأنبياء والصالحين، فليس القصد القبر، أي الحفرة التي هي من الأرض، بل القصد الذات المدفونة فيها.\n[ص ٩] قال المانعون: لا نسلِّم أن للشارع حِكْمةً في الأمر بزيارة القبور غير ما نصَّ عليها الحديثُ، كما مر. فأما السلام عليهم، والدعاء لهم، والدعاء للنفس وللمؤمنين فهي من المقاصد العامة التي تُقال عند غير القبور فجيء بها عند زيارة القبور عَرَضًا. وإن سلَّمنا أنها من المقاصد فليست لذاتها وإنما هي حاصلة تبعًا، يدلك على ذلك أن السلام عليهم معناه الدعاء لهم بالسلامة، وذلك (^١) والدعاءُ لهم وللنفس وللمؤمنين يمكن أن يحصِّلها الإنسان وهو على فراشه، فكيف يقال: إنها من الأغراض التي شُرِعت لها زيارة القبور؟ !\nوقولكم: «وقد يريد الإنسان أن يخصّ بالسلام إنسانًا معيّنًا».\n_________\n(^١) كذا في الأصل. ويشير بذلك إلى السلام عليهم.","vol":"4","page":214},{"text":"فالجواب: أن السلام هو عبارة عن الدعاء له بالسلامة، فادعُ له وأنتَ في بيتك أو مسجدك أو دكانك أو حيث كنت. وسيأتي في الحديث الصحيح وهو قوله ﵌: «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلوا عليَّ حيث كنتم فإن صلاتكم تبلغني» (^١).\nوبهذا يُعْلَم الجواب عن قولكم: «ومن المقاصد الدعاء لصاحب القبر ...» إلخ.\nوأما قولكم: «ومن المقاصد الدعاء للنفس وللمؤمنين ...» إلخ.\nفقد مرَّ أن هذا ليس من مقاصد زيارة القبور، وإنما يحصل عندها عَرَضًا، فاتخاذه مقصدًا شرعيًّا بدعة. ولم يكن الصحابةُ والتابعون ومَن بعدهم يزورون القبور لأجل الدعاء عندها. ولو كانوا يرون أن في الدعاء عندها مزيد فائدةٍ وكونه أَرْجى للقبول ونحو ذلك لكانوا أسرع إليه. ولو سلّمنا أن الدعاء عندها أرجى لتبيّن بفعل السلف اختصاص العمل بذلك إذا كانت الزيارة لمقصدها، فيُسْتحسن الدعاءُ حينئذٍ. وأما أن يُقصد القبرُ لأجل الدعاء فلا.\nوسيأتي في التوسُّل (^٢) حديث البخاري (^٣) في توسّل عمر ﵁\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٨٨٠٤)، وأبو داود (٢٠٤٢)، والطبراني في «الكبير» (١٩/ ٤٨٦) من حديث أبي هريرة ﵁. والحديث حسَّنه شيخ الإسلام في «الاقتضاء»: (٢/ ١٧٠) وصححه النووي في «الخلاصة»: (١/ ٤٤٠)، وله شواهد عن عدد من الصحابة.\n(^٢) (ص ٢٧١).\n(^٣) (١٠١٠).","vol":"4","page":215},{"text":"والصحابة بالعباس ﵁ وقول عمر: «اللهم إنّا كنّا إذا أجْدَبْنا توسّلنا إليك بنبيك ﵌ فتسقينا، وإنَّنا نتوسّل إليك بعمِّ نبيك». وهذا دليلٌ ظاهر أنهم لم يكونوا يرون الدعاء عند القبور، وإلّا لما تركوا قبر النبي ﵌ وذهبوا يستسقون في غير محلِّه. وسيأتي في بحث عِلْم الغيب الحديث الذي أخرجه صاحب «المختارة» بسنده إلى عليّ بن الحسين أنه رأى رجلًا يجيء إلى فُرجةٍ كانت عند قبر النبي ﵌ فيدخل فيها ويدعو، فنهاه وقال: أحدّثكم حديثًا سمعته من أبي عن جدِّي عن رسول الله ﵌ قال: «لا تتخذوا قبري عيدًا، ولا بيوتكم قبورًا، فإن تسليمكم ليبلغني أين كنتم» (^١).\n[ص ١٠] [وثبت] (^٢) عن ابن عمر (^٣) أنه كان يقول عند إتيانه قبر النبي ﵌ وصاحبيه: السلام عليك [يا رسول الله]، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أَبَتِ.\nونحن لا ننكر الدعاءَ عند القبور كما ورد في الأحاديث الصحاح. وإنما ننكر أن تُقْصَد القبور لأجل الدعاء. ونقول: لا تُقصَد القبور إلا لتذكُّر\n_________\n(^١) وأخرجه إسماعيل القاضي في «فضل الصلاة على النبي» (٢٠)، وابن أبي شيبة (٧٦٢٤)، والبزار (٥٠٩)، وأبو يعلى (٤٦٩). والحديث صححه الضياء المقدسي في «المختارة» (٤٢٨)، وحسَّنه السخاوي في «المقاصد الحسنة» (ص ٢٦٣).\n(^٢) طمس بمقدار كلمة أو كلمتين، ولعلها ما قدرته. وهكذا ما قدرته بين معكوفات في المواضع الأخرى.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» (٦٧٢٤) وابن أبي شيبة (١١٩١٥). وإسناده صحيح.","vol":"4","page":216},{"text":"[الموت] والآخرة. فإذا وصل الإنسانُ سلَّم على أهلها ودعا لهم ولنفسه وللمؤمنين كما ورد.\nأما قولكم: «إن من المقاصد الشرعية تذكُّر سيرة الأخيار». فهذا يحصل تمامَ الحصول بقراءة القرآن، فإنه [خُلُق] (^١) إمام الأخيار ﵌ كما ورد في «الصحيح» عن أمّ المؤمنين عائشة ﵂ (^٢)، أو قراءة شيء من كتب السنن الصحيحة. وتذكُّر سيرتِه ﵌ بقراءة القرآن أو مطالعة السنن يغني عن تذكّر سِيَر غيره ممن ليس بمعصوم، ولاسيَّما مع ما مُزِجت به سِيَر غيره من الصالحين من الكذب الذي يخالف كثيرًا من أحكام الشرع.\nقال المجيزون: وفي زيارة قبر نبيّنا ﵌ فائدة أخرى، وهي أن الله ﷾ يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤]، فعلَّق المغفرةَ على ثلاثة أمور: المجيء إليه ﵌، والاستغفار، واستغفاره ﵌. وعليه فإنه ﵌ كان يستغفر لجميع أمته، ولكن استغفاره يحتاج إلى الأمرين الأخيرين، فإذا جاء أحدُنا قبرَه واستغفر الله تعالى تمَّت الأمور الثلاثة، فحصلت الرحمة وقبول التوبة. هكذا رأيتُ معنى هذا في\n_________\n(^١) مطموسة في الأصل فلعلها ما قدرته.\n(^٢) لعله أراد ما أخرجه مسلم (٧٤٦) من قول عائشة ﵂ لما سألها سعد بن هشام عن خُلُق رسول الله - ﷺ -، قالت: ألستَ تقرأ القرآن؟ قال: بلى، قالت: فإن خُلُق نبي الله - ﷺ - كان القرآن.","vol":"4","page":217},{"text":"«المواهب» (^١).\nقال المانعون: الآيةُ واردةٌ في المنافقين. وما عليكم إلا أن تقرأوا ما قبلها وما بعدها، فتعلموا ذلك. يريد الله تعالى: لو أنهم جاؤوك فاعترفوا بما سلف منهم، وخضعوا لحكم الله تعالى على يدك، واستغفروا الله تعالى واستغفرتَ لهم لوجدوا الله توابًا رحيمًا.\nومع قَطْع النظر عن هذا، فإن الاستغفارَين اللذين في الآية مشروطان بتقدُّم المجيء، والاستغفارُ الذي ذكرتم أنّ النبيَّ ﵌ قد استغفره لأمته متقدِّم على المجيء، ولا يمكنكم أن تقولوا: إنه يمكن أن يستغفر لنا ﵌ الآن [ص ١١] لما ثبت في «صحيح البخاري» (^٢) عن أمِّ المؤمنين عائشة ﵂ أنها قالت: وارأساه. فقال رسول الله ﵌: «ذاك لو كان وأنا حيّ، فأستغفر لكِ وأدعو لكِ» الحديث. ودعاؤه ﵌ لأمته ليس مقيَّدًا بزيارتهم قبرَه اتفاقًا.\nوأما شفاعته ﵌ فهي حقٌّ وأيُّ حقّ، ولكنها لا تتوقّف على زيارة قبره ﵌، بل تتوقف على تحقيق الإيمان قبل كلِّ شيء. ففي «صحيح البخاري» (^٣) عن أبي هريرة عن النبي ﵌: «أَسْعَد الناسِ بشفاعتي يوم القيامة مَن قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه أو نفسه».\n_________\n(^١) «المواهب اللّدنيّة»: (٣/ ٥٨٩) للقسطلاني.\n(^٢) (٥٦٦٦).\n(^٣) (٩٩).","vol":"4","page":218},{"text":"على أنَّنا لا ننكر زيارةَ قبره ﵌، وأنّها من أفضل القُرُبات، وإنما ننكر ما نهى عنه ﵌ مِن اتخاذ قبره عيدًا، ونُنكر شدَّ الرحال لغير قبره من قبور الأنبياء والصالحين (^١).\nوفَصْل الخطاب بيننا وبينكم: أنكم تعتقدون أن الدعاءَ عند القبور أقرب إلى القبول. وتعتقدون أنّ الصالحين أحياء، بحيث يرون زائرهم ويسمعونه ويغيثونه بتصرّفهم في الكون، أو يدعون الله تعالى.\nوكلا الأمرين غير صحيح؛ أما الأول، فلأنَّه لو كان الأمر كما تقولون لأمَرَنا به الله تعالى ورسولُه. فإنّ الله تعالى يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]. وقد عَلِمْتم أنه لم يصح عنه ﵌ الأمر بزيارة قبور أحدٍ من الصالحين لأجل الدعاء، وعَلِمْتم أن أصحابه ﵃ لم يكونوا يفعلون ذلك؛ بل صحَّ عنهم ما يخالفه، وهكذا أتباعُهم حتى ذهبت قرون الخيرية، وظَهَر الجهلُ والبدعُ، وصار كلُّ أحدٍ يشرع لنفسه ما يستحسنه هواه. والدين ليس ما تستحسنه النفسُ، وإنما هو ما صحَّ عن الله تعالى وعن رسوله ﵊.\n_________\n(^١) لأن شدّ الرحل إنما هو للمسجد فهو في الحقيقة سفر إلى المساجد، بخلاف غيره من الأنبياء فإن شدّ الرحل إلى قبورهم سفر للقبر ذاته. ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «إن الذين استحبوا السفر إلى زيارة قبر نبينا مرادهم السفر إلى مسجده، وهذا مشروع بالإجماع، ولو قصد المسافر إليه فهو إنما يصل إلى المسجد، والمسجد منتهى سفره، لا يصل إلى القبر، بخلاف غيره فإنه يصل إلى القبر». «مجموع الفتاوى»: (٢٧/ ٢٥٤، ٢٦٦).","vol":"4","page":219},{"text":"وهَبُوا أنكم جرّبتم أنّ الدعاء عند القبور أقرب إجابة، فإنّ هذا ليس دليلًا شرعيًّا كما سيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى (^١)، وليس الدليلُ إلّا ما ثبت من كتاب الله تعالى وسنة رسوله، إجماعًا واتفاقًا بين جميع العلماء بلا خلافٍ في ذلك أصلًا.\nوأمّا اعتقادُكم أنّ الصالحين أحياء، بحيث يرون زائرهم ويسمعونه ويقدرون على إعانته إلى آخره، فسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيق هذا في مبحث مستقلّ (^٢) بما لا تبقى معه شبهة، وحسبكم لو عَقَلْتم حديث عائشة السابق في قولها: وارأساه (^٣).\n[ص ١٢] هذا، في زيارة من ثبت صلاحُه بالظواهر الشرعية، ولم يكن قبره على الكيفية المنهيّ عنها، ولم يُتَّخذ قبره عيدًا، ولم يكن عند قبره شيءٌ من المنكرات، ولم يقصد من الزيارة التبرُّك بالقبر والتمسُّح ونحوه، والدعاء والاستغاثة ونحو ذلك. فأما في غير ذلك فلا يمكن لعاقل أن ينكر حرمته مطلقًا.\nوممن لم يثبت صلاحُه مَن ثبت عنه أنه كان يدّعي علم الغيب أو نحوه لتكذيبه للقرآن.\nوكون القبر على كيفية منهيٍّ عنها يُعْلَم مما سبق.\nواتخاذُ القبر عيدًا منه ما اعتِيدَ في هذه الأزمان من الاجتماع عند قبر\n_________\n(^١) (ص ٤١٥ - ٤٢٠).\n(^٢) لم يأت بحث مستقل في هذا، وانظر إجابة جُمليّة عنه في (ص ٤٢٢).\n(^٣) تقدم (ص ٢١٨).","vol":"4","page":220},{"text":"بعض المزعوم صلاحُهم في ميعاد معلوم في كل سنة يجتمع فيها الناس، ويتجمّلون لها، ويوسِّعون فيها النفقات وغير ذلك. والحاصل أنهم يتخذون تلك الأيام عيدًا، ويكون الغرض الأكبر من الاجتماع في المحلّ الذي فيه القبر هو اختلاط الرجال بالنساء، والتوصل إلى ما يجرُّه ذلك من المنكرات، وشرح هذا يطول.\nوأما قولنا: «ولم يقصد من الزيارة التبرك ...» إلخ، فهذا هو المقصد العام لعامة الناس في هذه الأعصار، وهو الشرك الصريح والعياذ بالله، كما سيأتي إن شاء الله تعالى تحقيقه في مبحث التبرك وغيره (^١).\nنسأل الله تعالى أن يثبت قلوبنا على دينه، ويهدينا لما اختُلف فيه من الحق بإذنه، وهو وليّ الفضل والإحسان، وهو المستعان وعليه التكلان.\n_________\n(^١) (ص ٢٢٢).","vol":"4","page":221},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-148>البحث الرابع\nالتبرُّك</span>\nالإنسان مفطور على الطلب لما ينفعه والهرب مما يضرّه، وكلُّ عاقل يعلم أن النفعَ والضرَّ بيد الله تعالى، ومَن اعتقد في غيره قدرةً على النفع والضر، فإن اعتقد لذلك الغير قدرةً مستقلّة عن قدرة الله تعالى، أي غير مستمدّة منها، فذلك هو الكفر، سواء اعتقد أن تلك القدرة تستقلّ بالإيجاد أو تحتاج إلى إعانة قدرة الله تعالى. وهذا مما لا خلاف فيه بين المسلمين.\nوإن علم أن النفعَ والضرَّ بيد الله تعالى، ولكن اعتقد في شيء من الأشياء أن الله تعالى أودعَ فيه نفعًا أو ضرًّا وجعله سببًا، ففيه تفصيل؛ وذلك أنَّ المقصد إما أن يكون دينيًّا أو دنيويًّا، وأعني بالديني: رضوان الله تعالى والدار الآخرة، وبالدنيوي: ما عداه، والديني لا يكون سببه إلا شرعيًّا. وأما الدنيوي فهو على قسمين:\nالأول: ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، فهذا لا يكون سببه إلا شرعيًّا.\nوالثاني: ما تتناوله قُدرة الخلق، فإن أُريد تحصيله بغير سببه العادي، كان كالذي قبله، لا يقدر عليه إلا الله تعالى، ولا يكون سببه إلا شرعيًّا. وإن أُريد تحصيله بسببه العادي، فهذا مما تتناوله قدرة البشر التي أعطاهم الله تعالى إيَّاها، فيكون سببه عاديًّا.\nإذا تقرّر ذلك فالمقاصد الدينية كلُّها وكذا الدنيوية التي لا يقدر عليها إلا الله تعالى، وكذا ما تتناوله قدرة الخلق بالأسباب العادية إذا أُريد تحصيله بغيرها= كلُّ ذلك لا يكون سببه إلا شرعيًّا. وكون الفعل شرعيًّا يفتقر إلى","vol":"4","page":222},{"text":"ثبوته في الشرع بدليلٍ معتبر. فمَن اعتقد في شيءٍ ما أنه سبب لشيءٍ مما ذُكر؛ فإن كان ثابتًا في الشرع بدليل معتبر، فاعتقاده حق والعمل به هدى، وإن لم يكن ثابتًا في الشرع بدليل معتبر، فاعتقاده والعمل به ضلال مبين.\nوأما المقاصد الدنيوية التي تتناولها قُدرة الخلق بالأسباب العادية إذا أُريد تحصيلها بها، فلا يفتقر اعتقاد كون شيء من الأشياء سببًا لها إلى ثبوته شرعًا، وإنما العمل بها يفتقر إلى الإذن الشرعي.\n[ص ٢] إذا تقرّر ذلك فالتبرّك هو التسبُّبُ لحصول البركة، ولا يكون المقصود به إلا أحد الأمور الثلاثة التي بينّا أن سببها لا يكون إلا شرعيًّا، فهو إذن مفتقِرٌ إلى ثبوته من الشرع بدليل معتبر، فإن ثبت فاعتقاده حق والعمل به هُدى، وإن لم يثبت فاعتقاده والعمل به ضلال مبين.\nفأقول: قد ثبت التبرك بأشياء منها:\n\n* ماء زمزم، قال في «الهَدْي» (¬<span data-type=\"title\" id=toc-151>١): «ماء زمزم</span>، سيّد المياه وأشرفها، وأجلّها قدرًا، وأحبها إلى النفوس، وأغلاها ثمنًا وأنفسها عند الناس، وهو هَزْمَة جبريل وسُقيا إسماعيل. وثبت في «الصحيح» (^٢) عن النبي ﵌ أنه قال لأبي ذر وقد أقام بين الكعبة وأستارها أربعين ما بين يوم وليلة، وليس له طعام غيره، فقال النبي ﵌: «إنها طعام طُعْم». وزاد غير مسلم بإسناده: «وشفاء سُقم» (^٣).\n_________\n(^١) يعني «زاد المعاد في هدي خير العباد» لابن قيم الجوزية: (٤/ ٣٩٢ - ٣٩٣).\n(^٢) «صحيح مسلم» (٢٤٧٣). وفيه: «... ثلاثين ما بين يوم وليلة». وما في الأصل تبع للهدي.\n(^٣) أخرجه الطيالسي (٤٥٩)، والبزار (٩/ ٣٦١)، والبيهقي: (٥/ ١٤٧) وغيرهم. وعزاه البيهقي لمسلم، وليست في المطبوع منه، ويؤيده كلام المصنف والحافظ في «المطالب العالية» (١٤٠٤).","vol":"4","page":223},{"text":"وفي «سنن ابن ماجه» (^١) من حديث جابر بن عبد الله ﵁، عن النبي ﵌ أنه قال: «ماء زمزم لما شُرِب له». وقد ضعّف هذا الحديثَ طائفةٌ بعبد الله بن المؤمّل راويه عن محمد بن المنكَدِر.\nوقد رُوِّينا عن عبد الله بن المبارك أنه لما حجّ أتى زمزم فقال: اللهم إن ابن أبي الموالِ حدثنا عن محمد بن المنكدر عن جابر ﵁ عن نبيك ﵌ أنه قال: «ماء زمزم لما شُرِب له»، فإني أشربه لظمأ يوم القيامة (^٢).\nوابن أبي الموالِ ثقة، فالحديث إذًا حسن، وقد صححه بعضُهم، وجعله بعضهم موضوعًا، وكلا القولين فيه مجازفة.\nوقد جرّبتُ أنا وغيري من الاستشفاء بماء زمزم أمورًا عجيبة، واستشفيتُ به من عدة أمراض، فبرأتُ بإذن الله» اهـ (^٣).\n_________\n(^١) (٣٠٦٢). وأخرجه أحمد (١٤٨٤٩)، والبيهقي: (٥/ ١٤٨). وانظر كلام المصنف على الحديث في حواشيه على «الفوائد المجموعة» (ص ١١٣ - ١١٤).\n(^٢) أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (٣٨٣٣)، وابن عساكر في «تاريخه»: (٣٢/ ٤٣٦) من رواية سويد بن سعيد عن ابن المبارك، وقد أخطأ في الرواية عنه والمحفوظ ابن المبارك عن ابن المؤمل. انظر «فتح الباري»: (٣/ ٤٩٣) و«التلخيص الحبير»: (٢/ ٢٨٧).\n(^٣) انتهى كلام ابن القيم في «الهدي».","vol":"4","page":224},{"text":"* ومنها: القرآن الكريم والأدعية المأثورة، بقراءة المتبرِّك وقراءة متبرَّكٍ به. وهذا مما لا خلاف فيه، وكذا بكتابة شيء من ذلك. قال في «الهدي» (^١): «قال المرُّوذي (^٢): بلغ أبا عبد الله أني حُمِمتُ، فكتب لي من الحمَّى ورقة (^٣) فيها: بسم الله الرحمن الرحيم، بسم الله وبالله، محمد (^٤) رسول الله، ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء: ٦٩ - ٧٠]، اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل اشفِ صاحبَ هذا الكتاب بحولك وقوّتك وجبروتك إله الحق، آمين.\nقال المرُّوذي: وقُرِئ على أبي عبد الله وأنا أسمع: أبو المنذر عمرو بن مجمع حدثنا يونس بن حبان قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي أن أعلّق التعويذ؟ فقال: إن كان من كتاب الله، أو كلامٍ عن نبيِّ الله فعلّقه واستشفِ به ما استطعتَ. قلت: أكتب هذه من حمى الرِّبْع: باسم الله وبالله، ومحمد رسول الله ... إلى آخره؟ قال: إي نعم.\nوذكر أحمد عن عائشة ﵂ وغيرها: أنهم سهّلوا في ذلك.\nقال حرب: ولم يشدّد فيه أحمد بن حنبل.\nقال أحمد: وكان ابن مسعود يكرهه كراهةً شديدة جدًّا.\nوقال أحمد وقد سُئل عن التمائم تُعلَّق بعد نزول البلاء؟ قال: أرجو أن\n_________\n(^١) (٤/ ٣٥٦ - ٣٥٨).\n(^٢) وقع في الأصل تبعًا للهدي: «المروزي» والصواب ما أثبت، وقد نقله ابن القيم أيضًا في «بدائع الفوائد»: (٤/ ١٧٥ - بتحقيقي).\n(^٣) كذا. وفي «الهدي»: «رقعة».\n(^٤) في «البدائع»: «ومحمد».","vol":"4","page":225},{"text":"لا يكون به بأس.\nقال الخلال: وحدثنا عبد الله بن أحمد قال: رأيت أبي يكتب التعويذ للذي يفزع، وللحمى بعد وقوع البلاء.\n[ص ٣] ثم ذكر كتابًا آخر، ثم قال: قال الخلال: أنبأنا أبو بكر المرُّوذي أن أبا عبد الله جاءه رجل فقال: يا أبا عبد الله تكتب لامرأة قد عَسُر عليها ولدها منذ يومين؟ فقال: قل له يجيء بجامٍ واسعٍ وزعفران، ورأيته يكتب لغير واحد ...\nثم قال بعد كلام: ورخّص جماعة من السلف في كتابة بعض القرآن وشُربه، وجعل ذلك من الشفاء الذي جعل الله فيه.\nثم قال بعد كلام: كتاب للرعاف: كان شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يكتب على جبهته: ﴿وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [هود: ٤٤]. وسمعته يقول: كتبتُها لغير واحد فبرأ، فقال: ولا يجوز كتابتها بدم الراعف كما يفعله الجهّال؛ فإن الدم نجس، فلا يجوز أن يُكتب به كلام الله تعالى» (^١).\nقال في «المشكاة» (^٢): وعن عَمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رسول الله ﵌ قال: «إذا فزع أحدكم في النوم فليقل: أعوذ بكلمات الله التامّة من غضبه وعقابه وشرّ عباده، ومن هَمَزات الشياطين وأن يحضرون، فإنها لن تضره». وكان عبد الله بن عمرو يعلّمها مَن بلغ مِن ولدِه، ومَن لم يبلغ منهم كتبها في صكّ ثم علّقها في عنقه. رواه أبو داود\n_________\n(^١) انتهى النقل من «زاد المعاد».\n(^٢) (٢/ ٥٧).","vol":"4","page":226},{"text":"والترمذي (^١)، وهذا لفظه.\nوفي «سنن أبي داود» (^٢) عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود أن عبد الله رأى في عنقي خيطًا فقال: ما هذا؟ فقلت: خيطٌ رُقي لي فيه. قالت: فأخذه فقطعه، ثم قال: أنتم آل عبد الله لأغنياء عن الشرك، سمعت رسول الله ﵌ يقول: «إن الرُّقَى والتمائم والتِّوَلَة شرك». فقلت: لِمَ تقول هكذا، والله لقد كانت عيني تقذف، وكنت أختلف إلى فلان اليهودي [يرقيني] فإذا رقاها سكنت. فقال عبد الله: إنما ذلك عمل الشيطان كان ينخسها بيده، فإذا رقى كفَّ عنها، إنما كان يكفيك أن تقولي كما كان رسول الله ﵌ يقول: «أذْهِبَ الباسَ ربَّ الناس واشفِ أنتَ الشافي لا شفاءَ إلا شفاؤك شفاءً لا يغادرُ سَقَمًا».\nوفيها (^٣) أيضًا: عن عبد الله بن عَمرو قال: سمعتُ رسول الله ﵌ يقول: «ما أبالي ما أتيتُ إن أنا شربتُ ترياقًا، أو تعلّقتُ تميمةً أو قلت الشعرَ مِن قِبَل نفسي».\nوفيها (^٤) أيضًا: عن عيسى بن حمزة قال: دخلت على عبد الله بن عُكَيم\n_________\n(^١) أبو داود (٣٨٩٣)، والترمذي (٣٥٢٨) ــ وقال: حسن غريب ــ وأحمد (٦٦٩٦)، وانظر الكلام عليه في حاشية المسند: (١١/ ٢٩٦ - ٢٩٧).\n(^٢) (٣٨٨٣). وأخرجه أحمد (٣٦١٥)، وابن ماجه (٣٥٣٠)، وابن حبان (٦٠٨٦)، والحاكم (٤/ ٢٤٠) وصحّحاه. وانظر حاشية المسند: (٦/ ١١٠ - ١١٢).\n(^٣) أي «المشكاة»: (٢/ ٥٣١). وهو في «سنن أبي داود» (٣٨٦٩)، وأحمد (٧٠٨١). وإسناده ضعيف، انظر: حاشية «المسند»: (١١/ ٦٥٢). ووقع في الأصل تبعًا للمشكاة: «عبد الله بن عمر». وهو تصحيف.\n(^٤) (٢/ ٥٣١). وهو في «جامع الترمذي» (٢٠٧٢)، وأحمد (١٨٧٨١). قال البوصيريّ في «إتحاف الخيرة»: (٤/ ٤٦٨): «مرسل ضعيف».","vol":"4","page":227},{"text":"وبه حمرة فقلت: ألا تعلّق تميمة؟ فقال: نعوذ بالله من ذلك، قال رسول الله ﵌: «مَن تعلَّق شيئًا وُكِل إليه» (^١).\n[ص ٤] وفي «المستدرك» (^٢) عن عقبة بن عامر مرفوعًا: «مَن عَلَّق تميمةً فلا أتمَّ الله له، ومن عَلّق وَدَعةً فلا وَدَع الله له». قال الحاكم: صحيح، وأقرَّه الذهبي.\nوفيه (^٣) عن عِمران بن حُصين قال: دخلت على رسول الله ﵌ وفي عضدي حَلْقة صَفَر فقال: «ما هذه؟» قلت: مِن الواهنة. فقال: «فانبذها». قال الحاكم: صحيح، وأقرّه الذهبي.\nوفيه (^٤) عن قيس بن السكن الأسدي، قال: دخل ابن مسعود على امرأةٍ (^٥)، فرأى عليها حرزًا من الحُمرة، فقطعه قطعًا عنيفًا، ثم قال: إن آل عبد الله عن الشرك أغنياء، وقال: كان مما حفظنا عن النبي ﵌: أن التمائم والرُّقى والتِّوَلَة (^٦) من الشرك. قال: صحيح، وأقرّه الذهبي.\nوفيه (^٧) عن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن زينب امرأة عبد الله أنها\n_________\n(^١) كتب المصنف بعدها «اقلب» يعني تُكتب الصفحة التي تليها كاملة ثم يعود الكلام إلى سياقه.\n(^٢) (٤/ ٢١٦).\n(^٣) (٤/ ٢١٦).\n(^٤) (٤/ ٢١٧).\n(^٥) الأصل: «امرأته». والمثبت من «المستدرك».\n(^٦) كذا، وفي «المستدرك» في هذا الموضع والمواضع الأخرى: «والتولية».\n(^٧) (٤/ ٤١٧ - ٤١٨).","vol":"4","page":228},{"text":"أصابها حُمْرة في وجهها، فدخلت عليها عجوز فَرَقَتْها في خيط فعلَّقته عليها، فدخل ابن مسعود ﵁ فرآه عليها فقطعه، ثم قال: إن آل عبد الله لأغنياء عن الشرك، إن رسول الله ﵌ حدثنا أن الرقى والتمائم والتِّوَلَة شِرك. والتِّوَلة ما يهيّج الرجال.\nقال: على شرط الشيخين، وأقرّه الذهبي.\nوفيه (^١) عن أم ناجية قالت: دخلتُ على امرأة ابن مسعود زينب أعودها من حمرة ظهرت بوجهها وهي معلقة بحرز؛ فإني لجالسة دخل عبد الله، فلما نظر إلى الحرز أتى جدعًا معارضًا في البيت، فوضع رداءه عليه، ثم حسر (^٢) عن ذراعيه فأتاها، فأخذ الحرز فجذبها حتى كاد وجهها أن يقع على الأرض، فانقطع ثم خرج من البيت فقال: لقد أصبح آل عبد الله أغنياء عن الشرك، ثم خرج فرمى بها خلف الجدار، ثم قال: يا زينب أعندي تعلِّقين! إني سمعت رسول الله ﵌ نهي عن الرقى والتمائم والتِّوَلَة. فقالت أم ناجية: يا أبا عبد الرحمن، أما الرقى والتمائم فقد عرفنا، فما التِّوَلَة؟ قال: التِّوَلَة ما يهيِّج النساء.\nوفيه (^٣) عن الحسَن قال: سألت أنسًا عن النُّشْرة؟ فقال: ذكروا عن النبي ﵌ أنها من عمل الشيطان.\nقال الحاكم: صحيح، وأقرَّه الذهبي.\n_________\n(^١) (٤/ ٢١٦ - ٢١٧). وفي إسناده السري بن إسماعيل الكوفي متروك. انظر «الضعفاء» للعقيلي: (٢/ ١٧٦)، و«الكامل»: (٣/ ٤٥٦ - ٤٥٧) لابن عدي.\n(^٢) في المطبوع: «حصر». وكأن المؤلف أصلحه.\n(^٣) (٤/ ٤١٨).","vol":"4","page":229},{"text":"وفيه (^١) عن بُكير بن عبد الله بن الأشج أن أمّه حدّثته: أنها أرسلت إلى عائشة ﵂ بأخيه مخرمة، وكانت تداوي من قرحة تكون بالصبيان، فلما داوته عائشة وفرغت منه، رأت في رجليه خلخالين جديدين (كذا) فقالت عائشة: أظننتم أن هذين الخلخالين يدفعان عنه شيئًا كتبه الله عليه، لو رأيتهما ما تداوى عندي وما مس عندي، لعمري لخلخالان من فضة أطهر من هذين.\nقال الحاكم: صحيح، وأقرّه الذهبي.\nوفيه (^٢) عن القاسم بن محمد، عن عائشة ﵂ قالت: ليست التميمة ما تعلّق به بعد البلاء، إنما التميمة ما تعلَّق به قبل البلاء.\nقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين.\nثم قال: ولعل متوهمًا يتوهّم أنها من الموقوفات على عائشة ﵂، وليس كذلك، فإن رسول الله ﵌ قد ذكر التمائم في أخبار كثيرة، فإذا فسّرت عائشةُ ﵂ التميمة فإنه حديثٌ مسند. اهـ.\nأقول: أما الرقى فقد ثبت في «الصحيح» تخصيص النهي بما كان فيه شرك، منه ما في «صحيح مسلم» (^٣) عن عوف بن مالك الأشجعي قال: كنّا نرقي في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله، كيف ترى في ذلك؟ فقال: «اعرضوا\n_________\n(^١) (٤/ ٢١٧ - ٢١٨).\n(^٢) (٤/ ٢١٧).\n(^٣) (٢٢٠٠).","vol":"4","page":230},{"text":"عليَّ رُقاكم، لا بأس بالرُّقَى ما لم يكن فيه شرك».\nوأقول: الرُّقى قسمان:\nالأول: ما كان فيه تبرّك، فهو بحسب المتبرَّك به، فإن كان من القرآن أو الدعاء وذِكْر الله تعالى فحَسَن. وإن كان مما فيه شرك فهو ممنوع مطلقًا. ويُلحق به ما كان بالعجمية فيُمنَع.\nالثاني: ما لم يكن فيه تبرُّك، وإنما هو ألفاظ لا يظهر لتركيبها معنى، أو يظهر لها معنى ليس فيه شيء من التبرّك، وإنما هو على سبيل الخواصّ، جرت العادةُ بتأثيره بدون معرفة السبب، وهذا داخل في الإذن، ولكن لا يَغِبْ عنك أن الرقية لا تكون رقيةً إلا بعد وقوع البلاء، فأما قبله فليست رقية بل يقال لها: تعويذة ونحو ذلك، وهو على أصل المنع إلا ما كان بالقرآن والدعاء، والله أعلم.\n[ص ٥] وأما التمائم والتِّوَلة فاختلف في تفسيرها أولًا، وفي حمل النهي ثانيًا.\nوالذي يظهر أنه إذا كان الكتاب بعد وقوع البلاء، وكان المكتوب من القرآن أو الدعاء، فلا بأس به، كما ثبت عن الإمام أحمد وغيره، ولأنّ المحذور إنما هو مظنة الشرك والإعراض عن التوكّل، وهو منتفٍ هاهنا قطعًا؛ لأن الالتجاء إلى القرآن والدعاء هي حقيقة التوكّل، فكيف تكون منافية له؟ !\nومن المنهيّ عنه: الخرزات والعظام والأوتار ونحوها من الأشياء التي يُزْعَم أن لحملها خاصيةً في دفع العين أو شرّ الجنّ أو غير ذلك. وقد ثبت","vol":"4","page":231},{"text":"في «الصحيحين» (^١) عن أبي بشير الأنصاري أنه كان مع رسول الله ﵌ في بعض أسفاره، فأرسل رسول الله ﵌ رسولًا: «لا تُبقينّ في رقبة بعير قلادةً من وَتَر أو قلادةً إلا قُطِعَت».\nومثل هذا ــ فيما يظهر ــ التختُّم بأحجارٍ مخصوصة، بزعم أنّ لها خاصة في القبول والمحبّة والهيبة وسعة الرزق، وغير ذلك من دفع العين والجن ونحوه.\nفأما ما كان من قبيل الأدوية كالخرزات التي جرت العادةُ أن مَن تختّم بها لم تضرّه لدغ الحية والعقرب، فالظاهر ــ والله أعلم ــ أنه لا بأس بها؛ لأنها نوع من الدواء. وهذا محتاج إلى بسطٍ لم يتيسّر لي الآن، والله أعلم.\nنعم تلخيص الكلام فيه أن يقال:\n[ص ٦] التمائم قسمان: ما يكون طلب الانتفاع به من حيث التبرُّكُ، وما يكون من حيث الخاصية. فما كان من حيث التبرّك، فإن كان فيه شرك فهو ممنوع مطلقًا كالرقية بالشعر، وإلّا بأنْ كان من القرآن أو الدعاء فمذهب الإمام أحمد وغيره جوازه لدفع ما قد وقع من البلاء.\nوأما ما يكون طلب الانتفاع به من حيث الخاصية، فإن كانت الخاصية المزعومة أثرًا غير ما يُطْلَب حصولُه في الأدوية، كالخرزات التي يُزعَم أنّ مَن حملها حصل له القبول والهيبة وسعة الرزق وغير ذلك، فهذا ممنوع، وهو من الشرك، لعموم الأحاديث السابقة وغيرها.\nوإن كان مما يُطلب حصوله بالأدوية، فإن كان طريق تأثير الضرر\n_________\n(^١) البخاري (٣٠٠٥)، ومسلم (٢١١٥).","vol":"4","page":232},{"text":"معنويًّا كالعين ومسّ الجن، فهو ممنوع قبل وقوع البلاء قطعًا؛ للأحاديث الواردة في ذلك، وأما بعد وقوع البلاء فقياس جواز الرُّقية بما لم يكن فيه تبرّك جوازُه.\nوإن كان طريق تأثير الضرر حسّيًّا كلدغ الحية والعقرب ونزف الدم وغيره، فعموم الأمر بالتداوي يتناوله، وليس في حمله قبل حصول الضرر مضرّة؛ لأنه لا يطلب تأثيره من حينئذٍ، وإنما يُدّخَر إلى عند وقوع البلاء كما يُدَّخَر الدواء.\nومن هذا الخرزات التي إذا تختَّم بها الملدوغ سكن عنه الألم، أو من ينزف الدم انقطع. والله أعلم.\n* ومنها التبرّك بآثار النبي ﵌.\nففي قصة الحديبية: «فوالله ما تنخَّمَ النبيُّ ﵌ نُخامةً إلا وقعت في كفّ رجل منهم، فدَلَكَ بها جلدَه ووجهَه، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضّأ كادوا يقتتلون على وَضوئه» (^١).\nوفي «الصحيحين» (^٢) عن جابر قال: أتى رسولُ الله ﵌ عبدَ الله بن أُبيّ بعدما أُدْخِل حفرته، فأمر به فأُخْرِج، فوضعه على ركبتيه، فنفث فيه من ريقه وألبسه قميصَه ... الحديث.\nوفيهما (^٣) عن أبي جُحيفة قال: رأيت رسولَ الله صلى الله عليه وآله\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٧٣١، ٢٧٣٢) عن المسور بن مخرمة ومروان.\n(^٢) البخاري (١٣٥٠)، ومسلم (٢٧٧٣).\n(^٣) البخاري (٣٥٦٦)، ومسلم (٥٠٣/ ٢٥٠). واللفظ لمسلم.","vol":"4","page":233},{"text":"وسلم بمكة وهو بالأبطح في قبّة حمراء من أدَم ... ورأيتُ الناسَ يبتدِرون ذلك الوضوء، فمن أصاب منه شيئًا تمسّح به، ومن لم يُصب منه أخذ من بَلَلِ يد صاحبه. الحديث.\nوفي «الصحيحين» (^١) عن السائب بن يزيد قال: ذهبَتْ بي خالتي إلى النبي ﵌ فقالت: يا رسول الله إن ابن أختي وَجِع، فمسح رأسي ودعا لي بالبركة، ثم توضّأ، فشربتُ من وضوئه. الحديث.\nوفي «الصحيحين» (^٢) عن أم سُليم: أن النبي ﵌ كان يأتيها فيقيل عندها، فتبسط نِطْعًا، فيقيل عليه، وكان كثير العَرَق، فكانت تجمع عرقَه فتجعله في الطيب، فقال النبي ﵌: «يا أم سليم ما هذا؟» قالت: عرقك نجعله في طيبنا، وهو من أطيب الطيب. وفي رواية: قالت: يا رسول الله، نرجو بركته لطيبنا. قال: «أصبتِ».\nوفي «صحيح مسلم» (^٣) عن أسماء بنت أبي بكر أنها أخرجت جبّة طيالسة كَسْروانيَّة لها لبنة ديباج، وفرجيها مكفوفين بالديباج، وقالت: هذه جبة رسول الله ﵌ كانت عند عائشة، فلما قُبِضت قبضتها، وكان النبي ﵌ يلبسها، فنحن نغسلها للمرضى نستشفي بها.\nوفي «الصحيحين» (^٤) عن أنس أن النبي ﵌ أتى\n_________\n(^١) البخاري (١٩٠)، ومسلم (٢٣٤٥).\n(^٢) البخاري (٦٢٨١)، ومسلم (٢٣٣٢).\n(^٣) (٢٠٦٩).\n(^٤) البخاري (١٧١)، ومسلم (١٣٠٥).","vol":"4","page":234},{"text":"منى، فأتى الجمرة فرماها، ثم أتى منزله بمنى ونَحَر نُسكَه، ثم دعا بالحلّاق، وناول الحالق شِقَّه الأيمن فحلقه، ثم دعا أبا طلحة الأنصاري فأعطاه إيّاه، ثم ناوله الشقَّ الأيسر فقال: احلق، فحلقه، فاعطاه أبا طلحة فقال: «اقسمه بين الناس». وفي رواياته اختلاف بيَّنها في «الهدي» (^١).\n[ص ٧] وفي «صحيح البخاري» (^٢) عن عثمان بن عبد الله بن مَوْهَب قال: أرسلني أهلي إلى أم سلمة بقدح من ماء، وكان إذا أصاب الإنسانَ عينٌ أو شيء، بعث إليها مِخْضَبَه، فأخرجَتْ من شعر رسول الله ﵌، وكانت تُمسكه في جُلْجُل من فضة، فخَضْخَضَتْه له فشرب منه. قال: فاطلعتُ في الجُلْجُل فرأيت شعراتٍ حُمرًا.\nوفي «صحيح مسلم» (^٣) عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله ﵌ إذا صلى الغداة جاء خدمُ المدينة بآنيتهم فيها الماء، فما يُؤتَى بإناء إلا غمس يده فيه، فربما جاؤوه في الغداة الباردة، فيغمس يده فيها.\nوفي «الصحيحين» (^٤) عن أم عطية قالت: دخل علينا رسول الله ﵌ ونحن نغسل ابنته فقال: «اغسلنها ثلاثًا، [أو خمسًا]، أو أكثر من ذلك إن رأيتنَّ ذلك بماء وسدر واجعلن في الآخرة كافورًا أو شيئًا من كافور، فإذا فرغتنَّ فآذِنّني» فلما فرغنا آذنّاه، فألقى علينا حَقْوه فقال:\n_________\n(^١) «زاد المعاد»: (٢/ ٢٤٧).\n(^٢) (٥٨٩٦). واللفظ نقله المؤلف من «جامع الأصول»: «٤/ ٧٤٠).\n(^٣) (٢٣٢٤).\n(^٤) البخاري (١٢٥٤)، ومسلم (٩٣٩). وما بين المعكوفين منهما.","vol":"4","page":235},{"text":"«أشِعِرْنها إيّاه».\nالحقو: الإزار. والإشعار: جعله شعارًا. والشعار: الثوب الذي يلي الجسد.\nوفي البخاري (^١) عن سهل ﵁: أن امرأة جاءت النبيَّ ﵌ ببردة منسوجة فيها حاشيتُها ــ أتدرون ما البردة؟ قالوا: الشملة، قال: نعم ــ قالت: نسجتها بيدي فجئت لأكسوكها، فأخذها النبيُّ ﵌ محتاجًا إليها، فخرج إلينا وإنها إزاره، فحسَّنها فلان، فقال: اكسُنيها ما أحسنها! قال القوم: ما أحسنتَ، لبسها النبيُّ ﵌ محتاجًا إليها، وسألتَه وعلمتَ أنه لا يردّ، قال: إني والله ما سألته لألبسها، إنما سألته لتكون كَفَني. قال سهل: فكانت كفنه.\nواختلف السلف في التبرُّك بوضع اليد على منبره ﵌ حين كان موجودًا. قال شيخ الإسلام ابن تيمية (^٢): «فكرهه مالك وغيره لأنه بدعة. وذُكِر أن مالكًا لما رأى عطاءً فَعَل ذلك لم يأخذ عنه العلم، ورخَّص فيه أحمد وغيره؛ لأن ابن عمر ﵄ فَعَله».\nأقول: لعلّ مَن أجازه قاسه على التبرُّك بثيابه ﵌، وقد ثبت ذلك كما مرَّ.\n\n[ص ٨] وقد ورد في<span data-type=\"title\" id=toc-156> تقبيل اليدين والرجلين </span>حديث في «سنن أبي داود» والترمذي والنسائي (^٣) عن صفوان بن عَسَّال قال: قال يهودي لصاحبه:\n_________\n(^١) (١٢٧٧).\n(^٢) في «مجموع الفتاوى»: (٢٧/ ٧٩ - ٨٠).\n(^٣) الترمذي (٢٧٣٣)، والنسائي (٤٠٧٨). ولم أجده في «سنن أبي داود». وأخرجه أحمد (١٨٠٩٢)، والحاكم: (١/ ٩) وصححه. وفيه ضعف من جهة إسناده. انظر حاشية المسند (٣٠/ ١٣ - ١٤).","vol":"4","page":236},{"text":"اذهب بنا إلى هذا النبي، فقال صاحبه: لا تقل: نبيّ، إنه لو سمعك لكان له أربع أعين، فأتيا رسولَ الله ﵌ فسألاه عن [تسع] آيات بيِّنات، فقال رسول الله ﵌: «لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حَرَّم الله إلا بالحق، ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان ليقتله، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تقذفوا محصنة، ولا تولّوا للفرار يومَ الزحف، وعليكم خاصةً اليهود: أن لا تعتدوا في السبت». فقال: فقبّلا يديه ورجليه. وقالا: نشهد أنك نبي. قال: «فما يمنعكم أن تتبعوني؟» قالا: إن داود ﵇ دعا ربه أن لا يزال في ذريته نبي، وإنا نخاف إن تبعناك أن يقتلنا اليهود.\nوقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\nوفي «سنن أبي داود» (^١) عن زارع وكان في وفد عبد القيس، قال: لما قدمنا المدينة فجعلنا نتبادر من رواحلنا فنقبِّل يد رسول الله ﵌ ورِجله.\nوقد روى الإمام أحمد في «مسنده» (^٢) عن عائشة: أن رسول الله ﵌ كان في نفرٍ من المهاجرين والأنصار، فجاء بعيرٌ فسجد له، فقال أصحابه: يا رسول الله، تسجد لك البهائم والشجر، فنحن أحقُّ أن\n_________\n(^١) (٥٢٢٥).\n(^٢) (٢٤٤٧١). وأخرجه ابن ماجه (١٨٥٢). وفي سنده علي بن زيد بن جدعان ليّن الحديث، وله شواهد سيذكر المؤلف بعضها.","vol":"4","page":237},{"text":"نسجد لك، فقال: «اعبدوا ربكم، وأكرموا أخاكم، ولو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرتُ المرأةَ أن تسجد لزوجها» الحديث.\nوفي «المشكاة» (^١) عن قيس بن سعد قال: أتيت الحيرة فرأيتهم يسجدون لمرزبانٍ لهم، فقلت: لَرسول الله ﵌ أحقّ أن يُسجَد له، فأتيت رسول الله ﵌ فقلت: إني أتيت (^٢) الحيرة فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم، فأنت أحقّ بأن يُسْجَد لك، فقال لي: «أرأيتَ لو مررتَ بقبري أكنت تسجد له؟» فقلت: لا، فقال: «لا تفعلوا، لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحدٍ لأمرت النساء أن يسجدن لأزواجهنّ لما جعل الله لهم عليهن مِن حقّ» رواه أبو داود (^٣). ورواه أحمد عن معاذ بن جبل (^٤).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية (^٥): ولما سجد له معاذ نهاه وقال: «إنه لا يصلح السجود إلا لله، ولو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها» ا؟ .\n* * * *\n_________\n(^١) (٢/ ٢٤١).\n(^٢) الأصل: «رأيت» سبق قلم.\n(^٣) (٢١٤٠).\n(^٤) (١٩٤٠٣).\n(^٥) في «مجموع الفتاوى»: (٢٧/ ٨١).","vol":"4","page":238},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-157>[مسألة التبرك بالصالحين]</span>\n[ص ٩] وهل للمسلمين أن يتبرّكوا بصلحائهم كما يتبرّك الصحابة ﵃ برسول الله ﵌ مستندين إلى تلك الأحاديث ونحوها أو لا؟\nيقول المجيزون: نعم؛ لأنه ﵌ بُعِث مشرّعًا، والأصل في فعله التشريع، أي أن حكم غيره من الأمة مثل حكمه، والخصوصية خلاف الأصل، فلا يُصار إليها إلا بدليل.\nقالوا: ويُقاس على التبرّك بآثار النبي ﵌ التبرُّك بذريته من حيثُ كونُهم ذريةً له. وقد فهم الصحابة ﵃ هذا حيث استسقوا بالعبّاس ﵁ لفضله ولقرابته من رسول الله ﵌، وقال عمر ﵁: «وإنّا نتوسَّل إليك بعمّ نبيّك» (^١). واستسقوا زمان معاوية بيزيد بن الأسود الجرشي لفضله. وقال معاوية: «اللهم إنا نستشفع إليك بخيارنا» (^٢).\nويقول المانعون: أما ما لم يرد فيه دليل صحيح فالأمر فيه واضح، وأما ما ورد فيه دليل صحيح أن النبي ﵌ فَعَلَه أو أقرَّ عليه في باب التبرّك به، فهو خاصّ به، وليس هذا من باب التشريع؛ لأن التشريع إنما هو في الأحكام التي المدار فيها التكليف، لأنه لما كان النبي صلى الله\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٠١٠، ٣٧١٠).\n(^٢) أخرجه الفسوي في «المعرفة والتاريخ»: (٢/ ٢٢٠) وأبو زرعة الدمشقي في «تاريخه»: (١/ ٦٠٢).","vol":"4","page":239},{"text":"عليه وآله وسلم مكلَّفًا مثلنا كان كل فعل يفعله شريعةً لنا إلا أن يدلّ دليلٌ على الخصوصية.\nوأما التبرُّك فإن المدار فيه على الفضل والبركة، وهو ﵌ أعظم الناس بركةً، وليس أحدٌ من أمته مثله في ذلك، فكيف يقال: إن التبرك به يدلّ على التبرُّك بغيره؟ هذا واضح البطلان، إلا أن يدّعي المجيزون أنَّ أحدًا من أُمته أولى منه ﵌ أو مساوٍ له، فليفعلوا ما شاؤوا، ولن يلتزموا ذلك حتى يخلعوا ربقة الإسلام من أعناقهم!\n[ص ١٠] ومما يؤيد ذلك أن النبي ﵌ مقطوع بكونه حبيب الله وخليله في الدنيا والآخرة، قد غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر. وأما غيره من هذه الأمة فإنما يمكن القطع في حق الصحابة المبشّرين بالجنة، ومع ذلك فلم يكن يُتبَّرك بهم ﵃، ولا يثبت في التبرُّك بهم أثرٌ صحيح، لا بمَن كان منهم من القرابة ولا غيرهم.\nفدلَّ ذلك على أنَّ التبرُّك كان خصوصية له ﵌ لا يَشْرَكه فيها غيره حتى مَن عُلِمَت نجاتُه.\nوأما غيرهم فلا سبيل إلى القطع بكمال إيمان أحد ولا وفاته عليه ولا نجاته يوم القيامة. وفي ذلك أحاديث كثيرة منها:\nحديث «الصحيحين» (^١) عن أبي بكرة قال: أثنى رجلٌ على رجلٍ عند النبي ﵌ فقال: «ويلك قطعتَ عنقَ أخيك ــ ثلاثًا ــ، من كان منكم مادحًا لا محالة فليقل: أحسب فلانًا والله حسيبه، إن كان يرى أنه كذلك، ولا يزكِّي على الله أحدًا».\n_________\n(^١) البخاري (٢٦٦٢)، ومسلم (٣٠٠٠).","vol":"4","page":240},{"text":"ومنها: حديث «الصحيحين» (^١) أيضًا عن ابن مسعود عنه ﵌ وفيه: «وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها. وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيعمل بعمل أهل الجنة، فيدخلها».\nوفي «الصحيحين» (^٢) أيضًا عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﵌: «إن العبد ليعمل عمل أهل النار وإنه من أهل الجنة، ويعمل عمل أهل الجنة وإنه من أهل النار».\nولما قالت الأنصاريةُ في عثمان بن مظعون: هنيئًا لك أبا السائب، فشهادتي عليك لقد أكرمك الله. لم يُقرّها ﵌. والحديث في «صحيح البخاري» (^٣).\nولما قال سعد بن أبي وقّاص: يا رسول الله مالَكَ عن فلان، فوالله إني لأراه مؤمنًا. قال: «أو مسلمًا». والحديث في «صحيح البخاري» (^٤) أيضًا.\nوالمراد هنا كراهية القطع بالإيمان والنجاة، فأما الثناء على شخص بأنه كان مواظبًا على عمل الخير، مُجانبًا أعمال الشرّ فحَسَنٌ، وهو المراد في حديث «الصحيحين» (^٥) عن أنس قال: مرّوا بجنازة، فأثنوا عليها خيرًا، فقال\n_________\n(^١) البخاري (٣٣٣٢)، ومسلم (٢٦٤٣).\n(^٢) البخاري (٢٨٩٨)، ومسلم (١١٢).\n(^٣) (١٢٤٣).\n(^٤) (٢٧)، وهو في «صحيح مسلم» (١٥٠) أيضًا.\n(^٥) البخاري (١٣٦٧)، ومسلم (٩٤٩).","vol":"4","page":241},{"text":"النبي ﵌: «وجَبَت». ثم مرّوا بأخرى فأثنوا عليها شرًّا، فقال: «وجَبَت». فقال عمر: ما وجبت؟ قال: «هذا أثنيتم عليه خيرًا فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرًّا فوجبت له النار. أنتم شهداء الله في الأرض».\nوالسرُّ في ذلك ــ والله أعلم ــ أن ثناءهم على الميت يدلّ على أنهم لم يروا منه إلا الخير، فإذا شهدوا له بذلك غفر الله له ما لم يطلعوا عليه؛ لأنه ﷾ أكرم من أن يفضحه في الآخرة وقد ستره في الدنيا، كما ورد معنى ذلك في «الصحيح»، [ص ١١] ففي «الصحيحين» (^١) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: «كلُّ أمتي معافى إلا المجاهرون، وإن من المجانة (^٢) أن يعمل الرجل بالليل عملًا ثم يصبح وقد ستره الله، فيقول: يا فلان عملتُ البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربُّه، ويصبح يكشف ستر الله عنه».\nوفي «الصحيحين» (^٣) عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﵌: «إن الله يدني المؤمن فيضع عليه كنفه ويستره فيقول: أتعرف ذنب كذا وكذا؟ فيقول: نعم أي رب، حتى [إذا] قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه قد هلك قال: سَتَرْتُها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى كتاب حسناته. وأما الكفّار والمنافقون فينادي بهم على رؤوس الخلائق: هؤلاء\n_________\n(^١) البخاري (٦٠٦٩)، ومسلم (٢٩٩٠).\n(^٢) كذا في الأصل: «المجاهرون ... المجانة». والمؤلف ينقل لفظ الحديث من «المشكاة»: (٣/ ٤٧). وهو لفظ بعض روايات «صحيح البخاري» كما في «فتح الباري»: (١٠/ ٤٨٦ - ٤٨٧).\n(^٣) البخاري (٢٤٤١)، ومسلم (٢٧٦٨).","vol":"4","page":242},{"text":"الذين كذبوا على ربهم، ألا لعنة الله على الظالمين».\nثم رأيت الحديث في «مسند الإمام أحمد» (^١) مفسَّرًا على ما ظهر لي، وهو في مسند أبي هريرة ولفظه: «ما من عبدٍ مسلم يموت يشهد له ثلاثة أبيات من جيرانه الأدْنَين بخير إلا قال الله ﷿: قد قبلت شهادة عبادي على ما عَلِموا وغفرتُ له ما أعلم».\nوذلك أن شهادة الجيران الأدْنَين ظاهرة في كونه لم يُجاهر بسوءٍ، وإذا لم يجاهر بسوء كان ذلك ظاهرًا في عدم استرساله في المعاصي وتوغّله فيها، إذ لو فعل ذلك لهان عليه المجاهرة ولو بإطلاع جيرانه على بعض عمله، إذ العادة تقضي بذلك، مع جَرَيان عادة الله تعالى بفضيحة المسترسل في المعاصي والمتوغِّل فيها. فإذ لم يقع شيءٌ من ذلك، أي من مجاهرته أو من اطلاع أعدائه أو فضيحة الله تعالى له= كان ذلك ظاهرًا في عدم استرساله.\nوتلخيصه: أن ستر الله تعالى لعبده في الدنيا دليل إرادته المغفرة في الآخرة، كما اقتضته الأحاديث الصحيحة، وشهادةُ الجيران ظاهرةٌ في الدّلالة على الستر، وبهذا يتمّ المراد.\nنعم يُشترط أن يكون الشهود من الجيران ممن يفرِّق بين الحق والباطل، والطاعة مِن المعصية. ويشترط أيضًا أن تكون شهادتهم مطابقةً لما علموه.\n_________\n(^١) (٨٩٨٩، ٩٢٩٥). يرويه شيخ من أهل البصرة عن أبي هريرة، فسنده ضعيف من أجل هذا الشيخ المبهم.","vol":"4","page":243},{"text":"فإن قيل: فما تقولون في مَن كان ظاهر عمله الخير ثم خُتِم له ــ والعياذ بالله ــ بسوء الخاتمة، فإن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨، ١١٦].\nفالجواب: أن هذا قلّما يتفق مع ما ذُكِر لظاهر هذه الأحاديث وغيرها؛ لأن الخاتمة هي فَذْلَكة (^١) العمل الطويل، ففي «الصحيح» (^٢): «اعملوا فكُلٌّ ميسّر لما خُلِق له». فإن أمكن وقوعه كان مخصّصًا لما ذكر.\nثم اعلم أن هذه الشهادة ليست في التزكية المنهيّ عنها في الأحاديث المارّة؛ لأن تلك في التزكية المقطوع بها بما في نفس الأمر، وهذه شهادة بما شاهدوه من محافظته على الخير، واجتنابه الشر.\n[ص ١٢] ولا يقال: إن قول النبي ﵌: «وجَبَت» قد يكون عن وحي، فيكون خاصًّا، بل ذلك عام (^٣) في كل مسلم، بدليل رواية أبي هريرة التي رواها الإمام أحمد، كما مرّ قريبًا.\nوفي البخاري (^٤) عن أبي الأسود قال: قدمت المدينة وقد وقع بها مرض، فجلستُ إلى عمر بن الخطاب ﵁، فمرَّت بهم جنازة، فأُثنيَ على صاحبها خيرًا، فقال عمر ﵁: وجبت، ثم مُرّ بأخرى فأثني على صاحبها خيرًا، فقال عمر ﵁: وجبت، ثم مُرَّ بالثالثة\n_________\n(^١) أي: خلاصته ونتيجته.\n(^٢) البخاري (٤٩٤٦)، ومسلم (٢٦٤٧).\n(^٣) لم يظهر إلا «عا» بسبب تآكل الورقة.\n(^٤) (١٣٦٨).","vol":"4","page":244},{"text":"فأُثنيَ على صاحبها شرًّا، فقال: وجبت. فقال أبو الأسود: فقلت: وما وجبت يا أمير المؤمنين؟ قال: قلت كما قال النبي ﵌: «أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة». فقلنا: وثلاثة؟ قال: «وثلاثة». فقلنا: واثنان. قال: «واثنان». ثم لم نسأله عن الواحد.\nوالمقصود أن غير النبي ﵌ من الأمة لا يمكن القطع بتحقق إيمانه في حياته، ولا بموته عليه، ولا بنجاته يوم القيامة، حتى لو ظهرت على يده الخوارق؛ لأنها لا تفيد إلا الظنّ، لإمكان أن يكون من باب الاستعانة بالجن أو السِّحر أو الاستدراج أو غير ذلك.\nكيف وقد يقع ما يشبه ذلك للكفار، كما كان للإشراقيين من الفلاسفة، والكَهَنة من العرب، والسَّحَرة من بقية الأمم، وكما هو معروف الآن بالتنويم المغناطيسي وغير ذلك. وحسبك ما يقع للمسيح الدجّال.\nوليس المقصود رمي من ظهرت على أيديهم الخوارق بالسِّحْر والكذب وغيره، وإنما المقصود بيان أن ظهور ذلك على أيديهم لا يفيد القطع، بخلاف معجزات الرسل فإنها أمرٌ فوقَ ذلك. ولا يَغُررك قولهم: (ما كان معجزةً لنبي كان كرامة لولي) (^١)، فإن هذا الإطلاق يتناول ادّعاء أن الولي قد يأتي بكتاب معجز كالقرآن، ولاسيما مع ادّعائهم نزول الوحي عليهم، كما سيأتي نقله إن شاء الله تعالى، فتنبّه.\nنعم، إذا كان الإنسان كامل الاستقامة على الحدود الشرعية، كان الغالب تحقُّقَ إيمانه ونجاته، ووجب العمل بالظاهر فيما صح الأمر به\n_________\n(^١) انظر «فتح الباري»: (٧/ ٣٨٣)، و«الإنصاف في حقيقة الأولياء» (ص ٣٧) للصنعاني.","vol":"4","page":245},{"text":"والإذن فيه، كمحبته وإكرامه القَدْر المشروع في حقِّ فضلاء المؤمنين. فأما أن يُقام مُقام رسول الله ﵌ في التبرّك بآثاره فكلّا.\nعلى أن النوع الشائع في التعظيم، وهو تقبيل الأيدي والرُّكَب والأرجل لم يثبت فعله في حقِّ النبي ﵌ إلّا في حديث اليهوديين على ما مرّ (^١). وأما مقابلته ﵌ لجميع الصحابة فإنما كان بمجرَّد المصافحة. وأما في هذا الزمان فقد صار الشريف أو الشيخ لا يُرْجى أن يقابله أحدٌ أبدًا إلّا ويعظّمه بشيء من ذلك، فيقيم نفسَه فوق مُقام الرسول ﵌!\n[ص ١٣] فصل\nقال المانعون: وأما قياس ذرّيته ﵌ على آثاره فغير صحيح، أما عند مَن لا يجيز القياس فظاهر. وأما مَن يجيزه فإنه يشترط الأولوية أو المساواة، ولا مساواة هنا فضلًا عن الأولويّة.\nبيانه: أن آثاره ﵌ كالشَّعر والثياب وغيرها مما ورد مقطوعٌ بكونها كانت مُلابِسَةً له، ومقطوع بأنها ليس لها صفات تناقض البَرَكة، ولا كذلك الذرية في الأمرين، فتأمّل.\nوأما استسقاء الصحابة بالعبّاس فليس من هذا؛ لأنهم إنما توسلوا بدعائه، وهذا جائز اتفاقًا، حتى أن الله سبحانه أمرنا بالدعاء لرسوله ﵌، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦].\n_________\n(^١) (ص ٢٣٧).","vol":"4","page":246},{"text":"وفي «صحيح مسلم» (^١) عن عبد الله بن عَمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﵌: «إذا سمعتم المؤذّن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علَيَّ فإنه مَن صلّى عليَّ صلاةً صلى الله عليه بها عشرًا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمَن سأل لي الوسيلة حلَّت عليه الشفاعة».\nوروى الترمذي وأبو داود (^٢) عن عمر بن الخطاب قال: استأذنتُ النبيَّ ﵌ في العمرة، فأذِن لي وقال: «أشْرِكنا يا أُخَي في دعائك ولا تنسنا».\nولا يُنْكَر أن لأهل بيته ﵌ من القُرب منه ما يوجب لهم المزيَّة على غيرهم في الجملة، فمن كان منتسبًا إليه ﵌، ظاهرَ الاستقامة فمحبته واجبة، وسؤال الدعاء منه حَسَن، وأما التبرُّك به قياسًا فلا، لما مرّ.\nوكذا كلّ مَن كان ظاهر الصلاح والاستقامة والفضل فمحبّته واجبة، وسؤال الدعاء منه حَسَن، ومِن هذا استسقاء معاويةَ بيزيد بن الأسود الجرشي رحمه الله تعالى (^٣).\n_________\n(^١) (٣٨٤).\n(^٢) الترمذي (٣٥٦٢)، وأبو داود (١٤٩٨)، وأخرجه أيضًا ابن ماجه (٢٨٩٤)، وأحمد (١٩٥) وغيرهم. قال الترمذي: حسن صحيح. لكن في سنده عاصم بن عبيد الله وهو ضعيف.\n(^٣) سبق تخريجه (ص ٢٣٩).","vol":"4","page":247},{"text":"قال المجيزون: إن الاستدلال بما ورد في التبرُّك بآثار النبي ﵌ على التبرُّك بآثار غيره لا يستدعي الأولويّة ولا المماثلة ولا اليقين، بل المدار على وجود مطلق البركة، وهي بحسب الظن المعتبر شرعًا. ونحن وإن لم نقطع في حق الصالحين بالتحقق بالإيمان وغيره، فالمدار في الشرع على غَلَبة الظن، وهي حاصلة.\nوما أجبتم به عن التبرُّك بذريّة النبي ﵌ لا يردّه؛ لأن المدار على وجود الأثر الطاهر، وهو موجود فيهم، ولا يحتاج إلى القطع بل يكفي غَلَبة الظنّ، إذ المدار عليها في الشرعيّات. وما زالت الأمة تتبرّك بصالحيها وذريّة نبيها بتقبيل الأيدي والرُّكَب والأرجل، والتبرّك بالتفل والثياب وغير ذلك. فهو إجماع، وله أسوة بغيره من الإجماعات التي خرقتموها!\n[ص ١٤] قال المانعون: أما قولكم: إنه لا يشترط الأولويّة والمساواة، فممنوع كما مرّ.\nوأما قولكم: إن المدار في الشرعيات على غَلَبة الظن، فجوابه: أن هذا مسلّم لو ثبت التبرّك بالصالح مطلقًا، وهو لم يثبت، وإنما ذكرنا ذلك إيضاحًا للفرق الظاهر.\nوقولكم في الذرية: إن المدار على غَلَبة الظن أيضًا= جوابُ مَن لم يفهم، ونحن لم ننكر نَسَبَهم، وإنما مرادنا أن الظنّي لا يُقاس بالقطعي.\nوما ذكرتموه من عمل الناس، فجوابه: أنه لا يتمّ لكم دعوى الإجماع، بل لنا أن نقول: إن السلف كانوا مجمعين على ترك ذلك، يعني الصحابة","vol":"4","page":248},{"text":"والتابعين، وإنّما حَدَث بعد ذلك، وإجماعُ الصحابة والتابعين هو الإجماع الصحيح. ولعلكم تذكرون ما نقلناه عن الفقهاء في البحث الأول من هذه المسألة (^١). فبالله عليكم تعالوا بنا نصطلح، ودَعُوا هواكم ومحبّتكم لاستعباد الناس ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٦٤]. واذكروا الحديث الصحيح، قوله ﵌: «لا يؤمن أحدُكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به» (^٢)، وثِقوا بالله تعالى، فوالله ليعوضنَّكم خيرًا مما سيفوتكم من التقبيل وغيره (^٣).\n[ص ١٥] يقول عُبيد الله المفتقر إليه: نعم الاحتياط في هذا أن تُتبّع سيرة السلف، فيُنظر ما كان يعمله خيار الصحابة ﵃ والتابعون في حق أقارب النبي ﵌ الذين لم يُبشّروا بالجنة، فيُعْمَل مع مَن وُجد الآن من الأشراف المُسْتَيقَنين (^٤). ويُنظر ما كان يعمله التابعون في حق غير المبشرين من الصحابة ﵃، فيعمله العامةُ الآن مع العلماء والصلحاء. وإنما قيّدنا بعدم التبشير لما تقدم من بطلان قياس الظني على القطعي، والله أعلم.\n_________\n(^١) (ص ٦٨ - ٧٥).\n(^٢) تقدم تخريجه (ص ٩٠).\n(^٣) كتب المؤلف بعده ثم ضرب عليه: «أقول: هذا ما أمكنني اختطافه في هذا البحث على حين عجل، وأدعه مفتوحًا» وترك نصف الصفحة بياضًا. وما كتبه المؤلف بعد ذلك هو تتميم للكلام المفتوح في المسألة.\n(^٤) غير محررة في الأصل.","vol":"4","page":249},{"text":"على أننا نعلم أن العلماء وأهل الفضل والصلاح الصادقين لا يحبون تعظيم الناس لهم، بل تقشعرّ منه جلودهم، وتشمئزّ منه نفوسهم، ويكرهونه أشدّ الكراهة.\nوكذلك يكرهون تبرّك الناس بهم؛ لأنهم دائمًا يرون نفوسهم من أهل النقص والخطأ، ويكرهون كل ما قد يكون سببًا للعُجْب وذريعةً إليه، حتى إن بعضهم يتلبّس بما ظاهره المعصية هربًا من ذلك.\nوأما مَن كان دون هذه المنزلة، فإنه وإن أحبَّ تعظيم الناس له وتبرّكهم به فإنما يدعوه إلى ذلك حبُّ الدنيا، فيرى أن تعظيم الناس له وتبرّكهم به يستدعي تقرّبهم إليه بالأموال، فالمقصود حينئذٍ (^١) هو المنفعة المادية فقط. وهذا مع كونه مقصدًا سيّئًا في نفسه بالاتفاق، فالمانعون لا يمنعون الناسَ من مواساة أهل العلم والفضل والصلاح والقرابة الشريفة بالأموال، بل يرون ذلك من أفضل القُرُبات، ويحضّون الناسَ على الاستكثار منه.\nنعم، قد يكون بعض الأشراف والعلماء يحبُّ تعظيم الناس له وتبرّكهم به مع عدم احتياجه إلى المنفعة المادية، وإنما يحبّ ذلك لمجرّد الفخر والعُجْب والمباهاة والتعاظم، ولا شكّ أن ذلك مذموم شرعًا. وأشدّ الناس محاربةً لهذا الداء ونحوه من أدواء القلوب: مشايخ الصوفية، حتى إن بعضهم يقول: من رأى نفسه خيرًا من بعرة كانت البعرةُ خيرًا منه!\nوالذي ينبغي في مثل هذا: أن يُعامل صاحبه بنقيض قصده كما ورد:\n_________\n(^١) كتبها المؤلف (ح) اختصارًا، وكذا ستأتي بعد أسطر.","vol":"4","page":250},{"text":"الكبر على المتكبِّر تواضع (^١).\n[ص ١٦] على أن التعظيم إنما هو وسيلة لإظهار المحبَّة التي هي المقصود بالذات وحينئذٍ فيمكن إظهار المحبة بغيره كقوله: «إني أحبك في الله» كما ورد الأمر بذلك في الحديث (^٢)، وكإهداء الهدايا، وغير ذلك.\nوكذلك التبرّك إنما هو وسيلة لحصول البركة التي هي المقصود بالذات، وحيئنذٍ (^٣) فيمكن استحصال البركة بطلب الدعاء، كما ثبت الأمر به، وحينئذٍ فلا يخفى أن الاحتياط يقضي بالتوقّف عن التعظيم والتبرّك المختلَف فيهما، وأن يُقتصَر في تحصيل المقصود بكلّ منهما على الوسيلة الثابت الإذن بها شرعًا بالاتفاق، عملًا بقوله ﵌: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (^٤)، وقوله عليه أفضل الصلاة والسلام: «الحلال بيِّن والحرام بيِّن وبينهما مشتبهات لا يعلمهنّ كثير من الناس» الحديث (^٥).\n_________\n(^١) ذكرها ابن الملقن في «طبقات الأولياء» (ص ١١٢) لبشر الحافي. ووردت بلفظ «التكبر على المتكبر صدقة». انظر «فيض القدير»: (٤/ ٣٣٦)، و«الأسرار المرفوعة»: (١٤٢).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٥١٢٤)، والترمذي (٢٣٩٢)، والنسائي في «الكبرى» (٩٩٦٣)، وأحمد (١٧٣٠٣) من حديث المقدام بن معد يكرب ﵁. وأخرجه أحمد (٢١٦١٩) من حديث أبي ذر ﵁، وفي سنده ابن لهيعة.\n(^٣) اختصرها المؤلف إلى (ح).\n(^٤) أخرجه الترمذي (٢٥١٨)، والنسائي (٥٧١١)، وأحمد (١٧٢٣) وابن حبان (٧٢٢) من حديث الحسن بن علي ﵄، قال الترمذي: حسن صحيح.\n(^٥) أخرجه البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩) من حديث النعمان بن بشير ﵄.","vol":"4","page":251},{"text":"خاتمة:\nرأيت في بعض الكتب (^١) بحثًا في فضل العلم والشرف أيهما أعظم، فذكر المؤلف اختلافًا في ذلك، ثم قال ما معناه: إن القائل بأفضلية الشرف قال: لو جُنّ الشريف لم يزل عنه الشرف، ولو جُنّ العالم زال عنه العلم، وفضل الشرف ذاتي، وفضل العلم عَرَضي. وبناءً على ذلك جزم بأفضلية الشرف.\nفعجبت من هذا مع قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. وما يبينها من الأحاديث الكثيرة!\nثم ظهر لي أن المبحوث عنه هو فضل الشرف وفضل العلم مع قطع النظر عن التقوى، فأقول: إن كلًّا من العلم والشرف لا يكون فضلًا إلا مع التقوى، فإذا فُقِدت التقوى عاد وبالًا على صاحبه، كما يدلّ عليه قوله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ ...﴾ الآية [الأحزاب: ٣٠]، وقوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا ...﴾ الآية [الأعراف: ١٧٥]. وحينئذٍ فالخلاف مفروض بين عالم وشريف مستويي الرتبة في التقوى.\nإذا تقرّر ذلك فالأفضل منهما هو العلم؛ لأن طلبه نوع من أنواع التقوى، بخلاف النسب، ولأنَّ العلم شرط للتقوى بخلاف النسب، ولأن العلم من الفواضل التي ينفع بها صاحبُها دينَه وإخوانه المسلمين، ولا كذلك النسب، ولأن طلب العلم من عمل الإنسان الذي يستحقّ عليه الثواب بخلاف النسب.\n_________\n(^١) لعله كتاب «ظهور الحقائق في بيان الطرائق» (ص ١١١) لعبد الله بن علوي العطاس. ففيه نحو ما ذكره المؤلف.","vol":"4","page":252},{"text":"وعلى كل حال فالفضل إنما يتحقّق بالتقوى والاتباع، وإلّا عاد العلمُ وبالًا على صاحبه. وفقنا الله تعالى لما يحبّه ويرضاه آمين.\nعلى أن الوجهين اللذين ادعى أنهما يقتضيان أفضلية النسب يقتضيان أفضلية العلم، وذلك أنه تبين منهما أن النسب ليس من الأفعال الاختيارية التي يُحْمَد صاحبها عليها، بل هو كالطول والقصر وبياض اللون وسواده مما لا يتعلّق به الحمد ولا الجزاء. ولو تمّ استدلاله لزم منه أن حُسْن الوجه أفضل من العلم؛ لأنه ذاتي لا يزول بالجنون. وهذا القول هو الجنون! على أن فضل النسب هو أمر اعتباري [ص ١٧] بين الناس، وأما عند الله تعالى فليس الكرم إلا التقوى.\nوأما ما ورد من الأدلة الشرعية مما يقتضي فضيلةً للنسب فإنما هو باعتبار كونه منشئًا للتقوى أو ناشئًا عنها، والأول ــ أعني كونه منشئًا للتقوى ــ إنما يكون بالنظر إلى المجموع لا الجميع، وحيث كان كذلك فلا يحصل للفرد إلّا إذا كان من أهل التقوى، وذلك لوجود المقتضي الذي لأجله أُطلق الفضل على النسب فيه، وإلّا كان كالحشَفَة من التمر، بل إذا اتصف بما يضاد التقوى كان بمنزلة حشفةٍ نُقِعَت في نجاسة.\nوالثاني ــ أعني كونه ناشئًا عن التقوى ــ شرط حصوله للفرد أن لا يوجد فيه ما يُناقض التقوى ويعارضها. ومع ذلك فمعلوم أن النسب ليس من الأمور القطعية. وقد سمعت شيخي محمد بن علي الإدريسي يحكي عن جده أحمد بن إدريس أنه كان يقول: (الزمانُ قد طال وليس على فروج النساء أقفال). وهذا البحث يحتاج إلى بسط ليس هذا موضعه.","vol":"4","page":253},{"text":"[ص ١٨] وقد بقي من أقسام التبرك: التبرّك بالقبور والمشاهد وما بني عليها من المساجد.\nأقول (^١): قد عَلَمتَ الأدلة الصحيحة الصريحة على حُرمة البناء على القبر وحرمة بناء المسجد عليه أو بقربه بحيث يكون منسوبًا إليه، وأن ذلك من الكبائر الملعون صاحبها، والمشتدّ غضب الله على من فعلها، وأنّ العلة في ذلك هي كراهية التشبّه بالمشركين من الأمم السالفة، وخشية أن يجر ذلك إلى الشرك كما مرّ تقريرُه بأدلته (^٢).\nفإذا كانت المشاهد والمساجد المتخذة على القبور بهذه المثابة، فالواجب على كل مسلم المبادرة إلى هدمها كما صحّ به الأمر من رسول الله ﵌، ورواه الإمام الشافعي ﵀ عن الأئمة بمكة (^٣)، ونقله عنه النووي في «شرح مسلم» (^٤). ومضى في بحث البناء على القبور أن ذلك هو مذهبه ومذهب جميع أئمة الإسلام، بل هو الدين الذي تعبَّدنا الله به. فارجعْ إلى ذلك (^٥).\nفمن لم يقدر على هدمه بيده فالواجب عليه تشديد الإنكار بلسانه، فإن لم يقدر فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان، وليس بعد ذلك من الإيمان مثقال\n_________\n(^١) في الأصل بعدها: «قد تقدم إثبات» والظاهر أن المؤلف نسي أن يضرب عليها بعد أن غيّر العبارة عدة مرات.\n(^٢) انظر ما سبق (ص ١٨٦ وما بعدها).\n(^٣) انظر «الأم»: (٢/ ٦٣١).\n(^٤) (٧/ ٣٦ - ٣٨).\n(^٥) (ص ١٩٥).","vol":"4","page":254},{"text":"ذرة كما ورد في «صحيح مسلم» (^١) [ص ١٩] عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﵌: «ما من نبي بعثه الله في أُمّة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلُف من بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون. فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن. وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل».\nوفي «صحيح مسلم» (^٢) أيضًا عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﵌ قال: «مَن رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان».\nفإذا كان الاقتصار على الإنكار بالقلب أضعف الإيمان الذي ليس بعده من الإيمان حبة خردل، فما بالك بالرّضا بذلك؟ فما بالك بالمساعدة عليه؟ فما بالك بفعل ما حَرُم [من] البناء واتخاذ المساجد لأجله، وتواتر لعن فاعله، واشتداد غضب الله عليه؟\nوعلماء الأمة سَلَفًا وخَلَفًا مجمعون على أنّ التبرك بالقبور بالاستلام والتمسح والتقبيل ووضع العينين ونحوه= كلّه محادّة لله ورسوله، وخروج عن سواء سبيله، فالعلماء بين مكفِّر ومفسِّق. ولا يصح قياس قبر النبيّ ﵌ على آثاره، لأن القبور ولاسيَّما قبور الأنبياء والصالحين مظنة افتتان الناس وضلالهم. وقد تقدّم (^٣) في حديث أبي داود عن قيس بن\n_________\n(^١) (٥٠).\n(^٢) (٤٩).\n(^٣) (ص ٢٣٨).","vol":"4","page":255},{"text":"سعد وأحمد عن معاذ قوله ﵌: «أرأيت لو مررت بقبري أكنت تسجد له؟» قال: فقلت: لا.\nوهذا يدل على أنهم كانوا يعلمون وضوح الفرق بينه ﵌ حاضرًا وبين قبره، ويعلمون الخَطَر في تعظيم القبور. وقد جعل النبي ﵌ اتخاذ المساجد على القبور من عبادة الأوثان فيما روي عنه من قوله: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعْبَد. اشتدّ غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (^١).\nوقد تقدم بيان عِلّته زيادةً على علة النهي عن مطلق البناء، وذلك خشية الصلاة إلى القبر، فكيف بمن صلى إلى القبر؟ فكيف بمن أقبل على القبر يشمّه ويضمّه ويستلمه ويلثمه ويضع عينيه عليه حال العاشق الوامق، إنّا لله وإنّا إليه راجعون!\nولو نظرتَ حالَ الناس مع كلام الله تعالى الموجود عند كلّ أحدٍ منهم لرأيتهم عنه معرضين، وعلى عبادة القبور مُقبلين! بل كثيرًا ما ترى الإنسان تاركًا للصلاة والصيام، مرتكبًا للفواحش، جاهلًا بربّه ودينه، وهو مع ذلك مشغوف بهذه القبور [ص ٢٠] يحنّ إليها، ويحنو عليها، فإنا لله وإنا إليه راجعون، والله ﷿ يقول في كتابه العزيز: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥].\n_________\n(^١) بهذا اللفظ أخرجه مالك في «الموطأ» (٤٧٥) من مرسل عطاء بن يسار. وأخرجه بنحوه أحمد (٧٣٥٨)، والحميدي (١٠٢٥) من حديث أبي هريرة ﵁ بإسناد حسن.","vol":"4","page":256},{"text":"هذه حال أهل الجاهلية، وقد كانوا مع ذلك إذا وقع أحدهم في شدة أعلن التوحيد كما قصّه الله ﷿ في مواضع من كتابه، منها قوله ﷿: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥].\nوأخرج الترمذي (^١) عن عمران بن حُصين قال: قال النبي ﵌ لأبي: «يا حُصين كم تعبد اليومَ إلهًا؟» قال أبي: سبعة، ستًّا في الأرض وواحدًا في السماء، قال: «فأيهم تعدّ لرغبتك ورهبتك؟» قال: الذي في السماء ... الحديث.\nفهذا حال أهل الجاهلية الذين سمعتَ قوارع الآيات في شأنهم، وعلمتَ بعثة محمدٍ ﵌ لدعوتهم، وقيامه هو ومَن آمن معه بجهادهم. فأما عامة المسلمين اليوم فإن قبور صالحيهم أحبّ إليهم من مساجدهم، وبذل الأموال الطائلة في عمارتها وفرشها وإيقاد السُّرُج عليها والذبح عندها [تابع ص ٢٠] أيسر عليهم من إخراج الزكاة الواجبة، والمشيُ إلى بعض تلك القبور للتمسّح بها أشرف لديهم من المشي إلى علماء الدين، ودعاؤها والاستغاثة بها أرجى عندهم من إخلاص الدعاء لله وحده لا شريك له. وكلما اشتدّ على أحدهم البلاءُ ازداد ابتهالًا إليها على العكس من حال أهل الجاهلية، فإنّا لله وإنا إليه راجعون.\nوقد مرّ بيان الزيارة المشروعة التي قام الدليل على استحبابها ومنع ما\n_________\n(^١) (٣٤٨٣). وأخرجه البزار (٩/ ٥٣)، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (٢٣٥٥). قال الترمذي: «غريب». وفي نسخة: «حسن غريب».","vol":"4","page":257},{"text":"عداها، فارجع إليه (^١). فإن كنتَ ممن يحبّ الله ورسوله، فالسبيل واضح، وميزان المحبةِ الاتباعُ، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران: ٣١]. وإن كنت ممن وجد حلاوة الإيمان فالطريق بيِّن. وإن كنت ممن كان هواه تَبَعًا لما جاء به الرسول ﵌ فقد تبيّن لك ما جاء به، ففي «الصحيحين» (^٢) عن أنسٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «لا يؤمن أحدكم حتى أكونَ أحبَّ إليه من والده وولده والناس أجمعين».\nوفيهما (^٣) عنه أيضًا قال: قال رسول الله ﵌: «ثلاث من كنَّ فيه وجد حلاوةَ الإيمان: مَنْ كان الله ورسولُه أحبَّ إليه مما سواهما، ومن أحبّ عبدًا لا يحبه إلا لله، ومن يكره أن يكون في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يُلقى في النار».\nوفي «صحيح مسلم» (^٤) عن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «ذاقَ طعمَ الإيمان مَن رضي بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد رسولًا».\nوقد صحَّح النووي ــ كما مرَّ (^٥) ــ الحديثَ المرويّ عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﵌: «لا يؤمن أحدُكم حتى يكون\n_________\n(^١) (ص ٢٠٩).\n(^٢) البخاري (١٥)، ومسلم (٤٤).\n(^٣) البخاري (١٦)، ومسلم (٤٣).\n(^٤) (٣٤).\n(^٥) (ص ١٢٩).","vol":"4","page":258},{"text":"هواه تبعًا لما جِئت به».\nوحسبك قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].\nوإن كانت نفسك تحدّثك أنها تحبُّ اللهَ ورسولَه فامتحنها بالرضا والتسليم لكلّ ما جاء عن الله وعن رسوله، فقد قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران: ٣١].\nفإن كنت زاهدًا في محبة الله تعالى وزعمتَ أنك تحبّ رسول الله ﵌ فاعلم أن محبته على قسمين:\nالأولى: محبة لا تنافي محبة الله تعالى [ص ٢١] فهذه هي شرط الإيمان، وميزانها الاتِّباع.\nومحبة تنافي محبَّة الله تعالى، وهي كمحبة النصارى لعيسى، فهذه هي مناقضة للإيمان. والنبي ﵌ إنما يحبّ مَن أحبّ اللهَ.\nويقال لصاحب هذه المحبّة: إن كنت تحب النبي ﵌ فإنه لا يحبّك، وكيف يحبّ مَن لا يحب الله؟ وكيف يحبّ مَن غضب عليه الله؟ فاتق الله في نفسك، وانظر إلى أين أنت سائقها، على أن المحبّة لا تتحقق إلا بالاتباع على كل حال. والله أعلم.","vol":"4","page":259},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-162>البحث الخامس\nالتوسُّل</span>\nقال في «المختار» (^١): «الوسيلة: ما يُتقرّب به إلى الغير، والجمع الوسيل والوسائل، والتوسّل والتوسيل واحد، يقال: وسَّل فلان إلى ربه وسيلةً بالتشديد، وتوسّل إليه الوسيلة إذا تقرّب إليه بعمل».\nومِن هنا نعلم أنه لا دلالة في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥] إلا على الأمر بابتغاء ما يتقرّب به إلى الله، وهو أمر مجمل لا يؤخذ بيانه إلا من الشرع، فمن ادّعى في شيءٍ من الأشياء أنه يتقرّب به إلى الله تعالى كُلِّف بإبراز حجّةٍ من كتاب الله تعالى أو سنة رسوله.\nوعليه فأقول: التقرّب إلى الله تعالى بأداء الفرائض والنوافل، واجتناب الحرام والمكروه مما لا يحتاج إلى بيان. وأما التقرُّب إليه بسؤاله والإقسام عليه بحق شيءٍ من الأشياء ــ وهو الذي تفهمه العامة من التوسّل ــ فهو على أقسام:\nأولها: سؤال الله تعالى بوجهه الكريم وأسمائه الحسنى. وهذا مستحبٌّ اتفاقًا.\nوثانيها: سؤاله بذات من ذوات خلقه، كالكعبة والعرش والكرسي، ولم أر التصريح بجوازه عن أحد (^٢).\n_________\n(^١) «مختار الصحاح» (ص ٧٢١).\n(^٢) كتب المؤلف أولًا: «وهذا ممنوع اتفاقًا» ثم أبدلها بهذه العبارة. وقد صرّح جماعة من العلماء بالمنع منه. انظر «مجموع الفتاوى»: (١/ ٢٠٢، ٣٤٤)، و«الاقتضاء»: (٢/ ٣٠٧ - ٣٠٨).","vol":"4","page":260},{"text":"وثالثها: سؤاله بجاه بعض خلقه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية (^١): «وأما القسم الثالث وهو أن يقول: اللهم بجاه فلان عندك أو ببركة فلان أو بحرمة فلان عندك= افعل بي كذا وكذا. فهذا يفعله كثير من الناس، لكن لم يُنقل عن أحد من الصحابة والتابعين وسلف الأمة أنهم كانوا يدعون بمثل هذا الدعاء، ولم يبلغني عن أحد من العلماء في ذلك ما أحكيه؛ إلا ما رأيت في فتاوى الفقيه أبي محمد بن عبد السلام (^٢). فإنه أفتى أنه لا يجوز لأحد أن يفعل ذلك إلا للنبي ﵌ إن صحّ الحديث في النبي ﵌.\nومعنى الاستفتاء: قد روى النسائي والترمذي (^٣) وغيرهما أن النبي ﵌ عَلَّم بعض أصحابه أن يدعو فيقول: «اللهم إني أسألك وأتوسل إليك بنبيك نبي الرحمة. يا محمد، يا رسول الله إني أتوسل بك إلى ربي في حاجتي ليقضيها لي. اللهم: فشفِّعْه فيَّ».\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى»: (٢٧/ ٨٣ - ٨٥).\n(^٢) انظر «فتاوى العز بن عبد السلام» (ص ٨٣). وقد بيَّن شيخ الإسلام في جواب له عن كلام العزّ هذا فقال: «وأما استثناؤه الرسولَ ــ إن صحّ حديث الأعمى ــ فهو ﵀ لم يستحضر الحديث بسياقه حتى يتبين له أنه لا يناقض ما أفتى به، بل ظنَّ أنه يدل على محل السؤال، فاستثناه بتقدير صحته ...». «جامع المسائل» (٥/ ٩٧).\n(^٣) النسائي في «الكبرى» (١٠٤١٩)، والترمذي (٣٥٧٨)، وأخرجه ابن ماجه (١٣٨٥)، وأحمد (١٧٢٤٠)، وابن خزيمة (١٢١٩)، والحاكم: (١/ ٣١٣)، والبيهقي في «دلائل النبوة»: (٦/ ١٦٦).","vol":"4","page":261},{"text":"[١١٧] فإن هذا الحديث قد استدلّ به طائفة على جواز التوسل بالنبي ﵌ في حياته وبعد مماته. قالوا: وليس في التوسل دعاء المخلوقين ولا استغاثة بالمخلوق وإنما هو دعاء واستغاثة بالله؛ لكن فيه سؤال بجاهه كما في «سنن ابن ماجه» (^١) عن النبي ﵌ أنه ذكر في دعاء الخارج للصلاة أن يقول: «اللهم إني أسألك بحقّ السائلين عليك وبحق ممشاي هذا، فإني لم أخرج أشرًا ولا بطرًا ولا رياء ولا سمعةً. خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك، أسألك أن تنقذني من النار وأن تغفر لي ذنوبي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت».\nقالوا: ففي هذا الحديث أنه سأل بحق السائلين عليه وبحق ممشاه إلى الصلاة، والله تعالى قد جعل على نفسه حقًّا، قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]، ونحو قوله: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا﴾ [الفرقان: ١٦]، وفي «الصحيح» (^٢) عن معاذ بن جبل أن النبي ﵌ قال له: «يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد؟» قال: الله ورسوله أعلم، قال: «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا. أتدري ما حقّ العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ فإن حقهم عليه أن لا يعذبهم».\nوقد جاء في غير حديث: «كان حقًّا على الله كذا وكذا». كقوله: «مَنْ شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين يومًا، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد فشربها في الثالثة أو الرابعة كان حقًّا على الله أن يسقيه من طينة الخبال».\n_________\n(^١) (٧٧٨)، وأخرجه أحمد (١١١٥٦)، وابن أبي شيبة (٢٩٨١٢). وسيأتي الكلام عليه.\n(^٢) البخاري (٧٣٧٣)، ومسلم (٣٠).","vol":"4","page":262},{"text":"قيل: وما طينة الخبال؟ قال: «عصارة أهل النار» (^١)» اهـ.\nقلت: أما الحديث الأول فهو حديث الأعمى المشهور [٢١٤] وقد رواه الترمذي وابنُ ماجه والحاكم في «المستدرك» كما في «منتخب كنز العمال» (^٢). وأخرجه الإمام أحمد وابن خزيمة، وأخرجه البيهقي والنسائي في «عمل اليوم والليلة» (^٣). وأسانيده كلها تدور على أبي جعفر.\nوهذا لفظ الترمذي في «سننه» في كتاب الأدعية: حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا عثمان بن عمر، حدثنا شعبة، عن أبي جعفر، عن عمارة بن خزيمة بن ثابت، عن عثمان بن حنيف: أن رجلًا ضرير البصر أتى النبي ﵌ فقال: ادع الله أن يعافيني، قال: «إن شئتَ دعوتُ وإن شئتَ صبرتَ فهو خير لك» قال: فادعه، قال: فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء: «اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، إني توجهتُ بك إلى ربي في حاجتي هذه لتُقْضَى لي، اللهم فشفِّعه فيَّ».\nقال: هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي جعفر وهو الخَطْمي.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٣٦٨٠) من حديث ابن عباس ﵁، والنسائي (٥٦٧٠) وابن حبان عن عبد الله بن عمرو ﵄، وأحمد (١٤٨٨٠) من حديث جابر ﵁.\n(^٢) «كنز العمال»: (٢/ ١٨١ و٦/ ٥٢١).\n(^٣) سبق عزوه إلى هذه المصادر قريبًا.","vol":"4","page":263},{"text":"وقال ابن ماجه: حدثنا أحمد بن منصور بن سيَّار، حدثنا عثمان بن عمر، وساق مثل إسناد الترمذي، ولفظه: أنّ رجلًا ضرير البصر أتى النبي ﵌ فقال: ادع الله لي أن يعافيني، فقال: «إن شئتَ أخَّرتُ لك وهو خير، وإن شئتَ دعوتُ»، فقال: ادعه، فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه، ويصلي ركعتين، ويدعو بهذا الدعاء: «اللهم إني أسألك، وأتوجه إليك بمحمد نبي الرحمة، يا محمد، إني قد توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى، اللهم فشفِّعْه فيّ».\nقال أبو إسحاق: هذا حديث صحيح.\nوأما الإمام أحمد (^١) فرواه عن عثمان بن عُمر وعن رَوْح، كلاهما عن شعبة عن أبي جعفر، وأخرجه أيضًا عن مؤمّل عن حماد ــ يعني ابن سلمة ــ عن أبي جعفر عن عمارة عن عثمان بن حنيف. والألفاظ متقاربة بنحو لفظ الترمذي وابن ماجه.\nقال المانعون: أما رجال حديث الأعمى فكلّهم ثقات لكنه كما قال الترمذي: «غريب لا يُعرف إلا من هذا الوجه». والغرابةُ وإن كانت لا تُنافي الصحة فإنها توجب ريبة. قال الإمام أحمد: لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرائب فإنها مناكير وعامتها عن الضعفاء. وقال الإمام مالك: شرّ العلم الغريب وخير العلم الظاهر الذي قد رواه الناس. رواهما البيهقي في «المدخل» كما ذكره السيوطي في «شرح التقريب» (^٢).\n_________\n(^١) (١٧٢٤٠، ١٧٢٤١، ١٧٢٤٢).\n(^٢) «تدريب الراوي»: (٢/ ٦٣٤). وليسا في المطبوع من «المدخل». وكلمة أحمد أخرجها ابن عدي في «الكامل»: (١/ ٣٩)، وكلمة مالك أخرجها الخطيب في «الجامع»: (٢/ ١٣٧).","vol":"4","page":264},{"text":"قلتُ: والغرابة في الاصطلاح إما في المتن وإما في السند، فالغرابة في المتن: أن ينفرد بمتنه واحد. وهذا الحديث تفرّد به أبو جعفر عن عمارة، وتفرّد به عمارة عن عثمان بن حنيف. ومع ذلك فالدعاء الذي تضمّنه غريب في الأدعية المأثورة، ليس له أنيس، فهو غريب في متنه في بابه.\n[٢١٥] وقال السيوطي في «شرح التقريب» (^١) في الكلام على الشاذ وعند قول المتن: (وقال الحاكم (^٢): هو ما انفرد به ثقة وليس له أصل بمتابع) لذلك الثقة. قال: ويغاير المعلل بأن ذلك وُقِف على عِلّته الدالة على جهة الوهم فيه، والشاذّ لم يوقَف فيه على علة كذلك، فجعل الشاذ تفرّد الثقة، فهو أخص من قول الخليلي.\nقال شيخ الإسلام (^٣): وبقي من كلام الحاكم: وينقدح في نفس الناقد أنه غلط، ولا يقدر على إقامة الدليل على ذلك، قال: وهذا القيد لا بدّ منه، قال: وإنما يغاير المعلل من هذه الجهة، قال: وهذا على هذا أدقّ مِن المعلّل بكثير، فلا يتمكَّن من الحكم به إلا مَن مارس الفنَّ غاية الممارسة، وكان في الذروة من الفهم الثاقب ورسوخ القَدَم في الصناعة.\nقلت: ولعُسْره لم يفرِدْه أحدٌ بالتصنيف. ومن أوضح أمثلته: ما أخرجه\n_________\n(^١) (١/ ٢٦٨ - ٢٦٩).\n(^٢) في «معرفة علوم الحديث» (ص ٣٧٥).\n(^٣) يعني الحافظ ابن حجر، وقد نقله عنه تلميذه البقاعي في «النكت الوفية»: (١/ ٤٥٥) بأتم مما هنا. ولعل السيوطي لخصه منه.","vol":"4","page":265},{"text":"في «المستدرك» (^١) من طريق عُبيد بن غنام النخعيّ، عن علي بن حكيم، عن شَريك، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضُّحى، عن ابن عباس قال: في كلّ أرض نبيّ كنبيكم وآدم كآدم ونوح كنوح وإبراهيم كإبراهيم وعيسى كعيسى. وقال: صحيح الإسناد.\nولم أزل أتعجَّب من تصحيح الحاكم له حتى رأيت البيهقيَّ (^٢) قال: إسناده صحيح ولكنه شاذٌّ بمرَّة. اهـ (^٣).\nقلت: وهذا الذي قاله الحاكم (^٤) واقع في حديث الأعمى، وذلك أنه تفرّد به أبو جعفر عن عمارة، وتفرّد به عمارة عن عثمان بن حنيف، وهو غريب في الأدعية النبوية، فلم يُعْرَف عن النبي ﵌ دعاءٌ يشبهه في التوسّل، على كثرة الأدعية المأثورة، وحِرْص النبي ﵌ على تعليم أصحابه، ولم يُعرف عن أحدٍ من الصحابة ولا من التابعين ولا من سَلَف الأمة ما يُشبهه كما مرّ عن شيخ الإسلام ابن تيمية (^٥).\nفإن قيل: إن الحاكم لم يوافَق على تعريفه للشاذ، فقد قال النووي بعد حكاية قول الحاكم وقوله مثله عن الخليلي: «وما ذكراه مشكل بأفراد العدل الضابط، كحديث: «إنما الأعمال بالنيات»، والنهي عن بيع الولاء، وغير ذلك في «الصحيح» ...» إلخ.\n_________\n(^١) (٢/ ٤٩٣).\n(^٢) في كتاب «الأسماء والصفات»: (٢/ ٢٦٨).\n(^٣) انتهى النقل من «تدريب الراوي».\n(^٤) يعني في تعريفه للشاذ.\n(^٥) (ص ٢٦١).","vol":"4","page":266},{"text":"[٢١٦] قلت: قد اتفق الحاكم ومتعقِّبو كلامه على اشتراط الفردية في الشذوذ، ثم اشترط الحاكم قوله: «وليس له أصلٌ بمتابع، وينقدح في نفس الناقد أنه غلط، ولا يقدر على إقامة الدليل». ومثَّل له السيوطي بما سمعت، واشترط المتعقّبون أن يخالف مَن هو أرجح منه.\nفالحاكم لم يحكم بردِّ الفرد مطلقًا، بل شَرَط مع ذلك ما سمعت، وبذلك يعلم أنه لا يَرِدُ عليه أفراد «الصحيح».\nوالحاصل أن الحاكم نحى بالشاذ نحو المعلَّل كما أشار إليه شيخ الإسلام، فالتفرّد جُزء علّة، فإذا وُجدت قرائن أخرى على الوهم كملت العلة، كما في حديث ابن عباس الذي مثَّل به السيوطي، ولا يبعُد أن يكون منه حديث البحث، وما أحراه بذلك!\nهذا بالنسبة إلى الاستدلال به على التوسُّل بالنبي ﵌ في حياته، وأما بعد مماته خصوصًا مع ما زِيد فيه من قوله ﵌ بعد ما مرّ: «قال: فإن كان لك حاجة فمثل ذلك» (^١) = فيعارضه إجماع الصحابة ﵃ على العدول عن التوسُّل بالنبي ﵌ بعد موته إلى التوسُّل بعمه العباس، فيزداد ضعفًا إلى ضعفه.\nوالحاصل أن العارف المنصف لا يطمئنّ قلبُه إلى الاحتجاج بهذا الحديث.\n_________\n(^١) هذه الزيادة أخرجها ابن أبي خيثمة في «تاريخه» كما ذكر شيخ الإسلام في «قاعدة جليلة ــ مجموع الفتاوى»: (١/ ٢٧٥) وأعلَّها بتفرّد حماد بن سلمة ومخالفته لرواية شعبة وروح بن القاسم وهما أوثق منه. ثم أجاب شيخ الإسلام عنها على فرض ثبوتها فانظره.","vol":"4","page":267},{"text":"أما حديث ابن ماجه (^١) فهذا لفظه: «حدثنا محمد بن سعيد بن يزيد التستري، حدثنا الفضل بن الموفق أبو الجهم، حدثنا فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﵌: «مَن خرج من بيته إلى الصلاة، فقال: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك (^٢)، وأسألك بحقّ ممشاي هذا، فإني لم أخرج أشَرًا، ولا بَطَرًا، ولا رياءً، ولا سُمعةً، وخرجتُ اتقاء سخطك، وابتغاء مرضاتك، فأسألك أن تعيذني من النار، وأن تغفر لي ذنوبي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. أقَبَل اللهُ عليه بوجهه، واستغفر له سبعون ألف ملك».\nففيه الفضل بن الموفّق ضعَّفه أبو حاتم، وفضيل بن مرزوق من أفراد مسلم، وعِيْب على مسلم إدخاله في «الصحيح»، وإن كان الأكثر على توثيقه، فإن أبا حاتم قال: صدوق يَهِم كثيرًا، يُكتب حديثه. قيل: يُحتجّ به؟ قال: لا. وقال ابن حبان في «الثقات» (^٣): «يخطئ». وقال في «الضعفاء» (^٤): [٢١٧] «كان يخطئ على الثقات، ويروي عن عطية الموضوعات». كذا في «تهذيب التهذيب» (^٥). قال: وقال مسعود (^٦) عن الحاكم: ليس هو مِن شرط الصحيح، وقد عِيْبَ على مسلم إخراجه لحديثه اهـ. وهذا القدح مفسَّر فهو\n_________\n(^١) (٧٧٨).\n(^٢) في الأصل: «إليك» سبق قلم.\n(^٣) (٧/ ٣١٦).\n(^٤) (٢/ ٢٠٩).\n(^٥) (٨/ ٢٩٩).\n(^٦) في سؤالاته للحاكم (٨٥).","vol":"4","page":268},{"text":"أولى من قول الموثِّقين.\nوعطية العوفي ضعَّفه الجمهور. قال السِّنْدي (^١) في الكلام على هذا الحديث: وفي «الزوائد» (^٢): هذا إسناد مسلسل بالضعفاء؛ عطية وهو العوفي، وفُضيل بن مرزوق، والفضل بن الموفّق= كلهم ضعفاء، لكن رواه ابن خزيمة في «صحيحه» من طريق فُضيل بن مرزوق، فهو صحيح عنده. اهـ.\nوابنُ خزيمة يطلق الصحيح على ما يشمل الحسن، ولا شكّ أنّ فضيلًا وثَّقه كثير من الأئمة ولكن القدح المفسَّر أولى.\nقال المجيزون: إن هذين الحديثين قد نصَّ أئمة السنة على صحتهما، فنصَّ على صحة حديث الأعمى الحاكمُ والترمذيُّ وابنُ ماجه (^٣). ونص على صحة حديث السؤال بحقّ السائلين الإمامُ ابن خزيمة، فمَن أنتم حتى تخالفوهم وتُخطِّئوهم؟\nوقولكم في حديث الأعمى: إنه غريب في بابه غير مسلَّم، وقد ثبت في «الصحيحين» وغيرهما حديث الثلاثة أصحاب الغار وتوسّلهم بأعمالهم، واستجابة الله تعالى لهم. ودلّ سياق الحديث على الثناء عليهم، وورد مورد\n_________\n(^١) في حاشيته على ابن ماجه: (١/ ٢٦٢).\n(^٢) «مصباح الزجاجة» (٢٩٥).\n(^٣) ابن ماجه لم يصحّح الحديث، والذي في سنن ابن ماجه عقب الحديث: (قال أبو إسحاق: إسناده صحيح) ليس (أبو إسحاق) هو ابن ماجه، لأن كنيته أبو عبد الله. ولا أدري مَن يكون أبو إسحاق هذا. ولعله أحد رواة السنن. ثم راجعت الطبعة المحققة عن مؤسسة الرسالة فوجدت المحقق يذكر أن هذه الزيادة لم ترد في النسخ الخطية التي اعتمدها لسنن ابن ماجه. وأشار في الطبعة الهندية إلى أنها في إحدى النسخ الخطية.","vol":"4","page":269},{"text":"الحثّ على الإخلاص بمثل أعمالهم؛ فكان شريعةً لنا ولا شكّ، فثبت جواز التوسّل بالأعمال بهذا الحديث الذي تواتر أو كاد، فلا سبيل لكم إلى التلاعب به.\nوإذا جاز توسّل الشخص بعملٍ من أعماله فجوازه بأحد الصالحين أولى فضلًا عن النبي ﵌، وجاء حديث الأعمى والسؤال بحقّ السائلين موافِقَين له في التوسّل بالنبي ﵌ وبالصالحين.\n[٢١٨] قالوا (^١): وفي «سنن أبي داود» (^٢): عن جُبير بن محمد بن جُبير بن مُطعِم، عن أبيه، عن جده قال: جاء أعرابيّ فقال: يا رسول الله، جُهِدَت الأنفسُ، وضاعت العيال، ونُهِكت الأموال، وهلكت الأنعام، فاستسق الله لنا، فإنا نستشفع بك على الله، ونستشفع بالله عليك. قال رسول الله ﵌: «ويحك أتدري ما تقول؟ !» وسبّح رسولُ الله ﵌، فما زال يسبح حتى عُرِف ذلك في وجوه أصحابه ثم قال: «ويحك إنه لا يُسْتَشْفَع بالله على أحدٍ من خلقه، شأنُ الله أعظم من ذلك ...» الحديث.\n_________\n(^١) كتب المؤلف قبلها: «الحمد لله» وكأنه استأنف الكلام بعد انقطاع فبدأه بالحمدلة.\n(^٢) (٤٧٢٦). وأخرجه البزار (٣٤٣٢)، وابن خزيمة في «التوحيد» (١٤٨)، والطبراني في «الكبير» (٢/ ١٦٨)، وابن منده في «التوحيد» (٦٠٧) وغيرهم. قال ابن منده: إسناد صحيح متصل. وصححه ابن القيم في «تهذيب السنن»: (٥/ ٢١٦٤ - ٢١٧٣). لكن ضعَّفه الذهبي في «العلو» (ص ٣٩) قال: هذا حديث غريب جدًّا فرد. وفي سنده جبير بن محمد ليّن الحديث، ومحمد بن إسحاق مدلس لم يصرح بالتحديث.","vol":"4","page":270},{"text":"فأنكر عليه رسول الله ﵌ قوله: «نستشفع بالله عليك» وأقرّه على قوله: «نستشفع بك على الله» وتبيَّن بهذين الحديثين وغيرهما بطلان ما دفعتم به حديثَ الأعمى أنه غريبٌ في بابه.\n[٢١٩] وكذلك ثبت في «صحيح البخاري» (^١) عن أنسٍ أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا قحطوا استسقى بالعبّاس بن عبد المطلب فقال: «اللهم إنا كنّا نتوسّل إليك بنبينا ﵌ فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعمّ نبينا فاسْقِنا، قال: فيُسْقَون». وظاهره التعدّد.\nولا ريب أن الاستسقاء إنما يقع بمحضر جمهور الصحابة ﵃ وعِلْم الجميع، ولمَّا لم يُنكر صار إجماعًا.\nوكذلك معاوية بن أبي سفيان استسقى بيزيد بن الأسود الجرشي وقال: «اللهم إنا نستشفع إليك بخيارنا» (^٢) ولم يُنكرَ عليه ذلك.\nوهذه الأحاديث والآثار لم تزل تتناقلها الأئمة، ويَبْعُد أن يتناقلوها ويتفقوا على عدم العمل بها، بل الظاهر أن الأمّة لم تزل آخذة بهذه السنة مِن زمانه ﵌ وزمن أصحابه مِن بعده وتابعيهم، وهكذا إلى اليوم. ويشهد لهذا ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية إنه لم يجد عن العلماء نقلًا في باب التوسّل إلا ما رآه في فتاوى ابن عبد السلام (^٣)، فالظاهر أن التوسّل كان أمرًا مُتّفَقًا عليه متلقًّى بالقبول، معمولًا به في الخاصة والعامة، ولذلك لم يتكلموا عليه في كتبهم.\n_________\n(^١) (١٠١٠).\n(^٢) تقدم تخريجه (ص ٢٣٩).\n(^٣) انظر ما سبق (ص ٢٦١).","vol":"4","page":271},{"text":"قال المانعون: يا مقلِّب القلوب ثبّت قلوبنا على دينك، واهدنا لما اختُلف فيه من الحق بإذنك، واجعلنا ممن لا سبيل له إلا بسبيلك، واجعل هوانا تَبَعًا لما جاء به رسولك.\nما كان ينبغي لنا أن نعمد إلى عمل أطبق عليه عامة هذه الأمة فنخطّئه ونضلّله لمجرّد الهوى، إنّا والله لحريصون على أن تكون جميع أعمال هذه الأمة مطابقة لشريعة نبيها ﵌، مستندة إلى أدلة صحيحة من كتاب الله تعالى وسنة رسوله، فهل يُعقل أن نعكس القضية فنسعى في إماتة شيء من السنة والعياذ بالله؟ !\n[٢٢٠] قد تصفّحنا ما أجبتم به حريصين على أن نجد فيه ما يثلج الصدر في جواز التوسّل، فيسرّنا أن تكون العامة على هدى في هذه المسألة، ونستفيد علمًا لم يكن عندنا، ولكننا لم نجد إلا دعاوى مجرّدة، وبيان ذلك تفصيلًا:\nأولًا: قولكم: «إن هذين الحديثين ــ أي حديث الأعمى والسؤال بحق السائلين ــ قد نصَّ الأئمة على صحتهما ...» إلخ.\nوجوابه: أن حديث الأعمى وإن نصّ الحاكم وابن ماجه على صحَّته (^١)، والترمذي على أنه متردِّد بين الحُسْن والصحة، فقد نص الترمذي على أنه غريب، والغرابةُ توجب الريبة كما دلّ عليه كلام الإمامين مالك وأحمد، وقد مرَّ (^٢). وحينئذٍ فتكون جُزء علّة، فإذا وُجِدت قرينة أخرى كملت العلة، وذلك كما في حديث ابن عباس الذي صححه الحاكم: «في كل أرض نبي\n_________\n(^١) انظر ما سبق من التعليق على نسبة التصحيح إلى ابن ماجه (ص ٢٦٩).\n(^٢) (ص ٢٦٤).","vol":"4","page":272},{"text":"كنبيكم ...» إلخ، وقد مرّ (^١). وذلك أنه اجتمع فيه مع الغرابة في المتن الغرابة في الباب؛ إذ لم يرد في الكتاب والسنة ما يُشعر بما دلّ عليه.\nولما نظرنا في حديث الأعمى وجدناه أشبه شيء بهذا الحديث، وليس في هذا غض ممن صححه أو حسّنه؛ لأن التصحيح والتحسين محمول على الإسناد ونحن لا ننكره. على أننا لم نأت بشيءٍ من عند أنفسنا، وإنما نقلناه عن الأئمة كما عرفت. وكم من حديث صححه أحدُ الأئمة وتعقّبه مَن بعده! وذلك كثير في «الصحيحين» فضلًا عن غيرهما.\nنعم، إن ثبتت دعواكم أنه قد ورد في السنة الصحيحة ما يخرج حديث الأعمى عن كونه غريبًا في بابه بَطَل ما أشرنا إليه مِن إعلاله، وسيأتي البحث معكم في ذلك.\nوأما حديث السؤال بحقّ السائلين، وتصحيحُ ابن خزيمة له، فابن خزيمة ممن يعبّر عن الحسن بالصحيح كما مرّ وذَكَره السيوطي في «شرح التقريب» (^٢) وغيره، ومع ذلك ففضيل بن مرزوق قد مرّ الكلام عليه، وهذه ترجمته في كتب أسماء الرجال فليراجعها الباحث، وكذلك عطية العوفي.\n\nوأما<span data-type=\"title\" id=toc-170> حديث «الصحيحين» في قصة الثلاثة أصحاب الغار</span>، فليس من التوسّل المتعارف في وِرْدٍ ولا صَدَر، [٢٢١] وهذا لفظه في «صحيح البخاري» (^٣): «بينما ثلاثة نفرٍ ممن كان قبلكم يمشون إذ أصابهم مطر فأووا\n_________\n(^١) (ص ٢٦٦).\n(^٢) (١/ ١٧٤).\n(^٣) (٣٤٦٥).","vol":"4","page":273},{"text":"إلى غار، فانطبق عليهم، فقال بعضهم لبعض: إنه والله يا هؤلاء لا ينجيكم إلا الصِّدْق، فليَدْعُ كل رجلٍ منكم بما يعلم أنه قد صدق فيه ...» إلخ.\nقال في «الفتح» (^١): «وفي رواية موسى بن عقبة: «انظروا أعمالًا عملتموها صالحة لله» ومثله لمسلم. وفي رواية الكُشْمِيْهَني: «خالصة ادعوا الله بها»، ومن طريقه في البيوع: «ادعوا الله بأفضل عمل عملتموه»، وفي رواية سالم: «إنه لا ينجيكم إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم»، وفي حديث أبي هريرة وأنس جميعًا: «فقال بعضهم لبعض: عفا الأثر ووقع الحجر ولا يعلم بمكانكم إلا الله، ادعوا الله بأوثق أعمالكم»، وفي حديث عليّ عند البزار: «تفكَّروا في أحسن أعمالكم فادعوا الله بها، لعلّ الله يفرج عنكم»، وفي حديث النعمان بن بشير: «إنكم لن تجدوا شيئًا خيرًا من أن يدعو كلُّ امرئ منكم بخير عملٍ عَمِلَه قطّ» اهـ.\nولفظ دعاء الأول: «اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي ...» وذَكَر عملَه ثم قال: «فإن كنت تعلم أني فعلتُ ذلك من خشيتك ففرّج عنّا». وكذا الثاني والثالث.\nفأين هذا من قول القائل: «اللهم إني أتوسّل إليك بحقّ صلاتي وصيامي، وأتوجّه إليك بفضلها لديك»؟ ! فضلًا عن قوله: «اللهم إني أسألك بجاه فلان، وأتوجّه إليك بحقه عليك وفضله لديك». فإن أهل الغار إنما ذكروا أعمالهم التي أخلصوا فيها لله تعالى؛ استنجازًا لوعده للمخلصين بتفريج كروبهم، وكشف همومهم وغمومهم، ومعنى دعائهم: اللهم إن كنت\n_________\n(^١) (٦/ ٥٠٧).","vol":"4","page":274},{"text":"تعلم أننا عَمِلنا هذه الأعمال مخلصين لك، فأنْجِزْنا وَعْدَك للمخلصين بتفريج كروبهم، وكشف ما نزل بهم، وإجابة دعائهم.\nقال الحافظ في «الفتح» (^١): [٢٢٢] «وفي هذا الحديث استحباب الدعاء في الكرب، والتقرب إلى الله تعالى بذكر صالح العمل، واستنجاز وعده بسؤاله. واستنبط منه بعضُ الفقهاء استحباب ذكر ذلك في الاستسقاء، واستشكله المحبُّ الطبري لما فيه من رؤية العمل، والاحتقارُ عند السؤال في الاستسقاء أولى؛ لأنه مقام التضرُّع. وأجاب عن قصة أصحاب الغار بأنهم لم يستشفعوا بأعمالهم، وإنما سألوا الله تعالى إن كانت أعمالهم خالصةً وقُبِلت، أن يجعل جزاءها الفرجَ عنهم، فتضمّن جوابه تسليم السؤال لكن بهذا القيد، وهو حسن.\nوقد تعرّض النوويُّ لهذا فقال في «كتاب الأذكار» (^٢) في باب دعاء الإنسان وتوسّله بصالح عمله إلى الله، وذَكَر هذا الحديث، ونقل عن القاضي حسين وغيره استحباب ذلك في الاستسقاء، ثم قال: وقد يقال: إن فيه نوعًا من ترك الافتقار المطلق، ولكن النبي ﵌ أثنى عليهم بفعلهم، فدلّ على تصويب فعلهم.\nوقال السبكيُّ الكبير: ظهر لي أن الضرورة قد تُلجئ إلى تعجيل جزاء بعض الأعمال في الدنيا، وأن هذا منه، ثم ظهر لي أنه ليس في الحديث رؤية عمل بالكلية، لقول كلٍّ منهم: «إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء\n_________\n(^١) (٦/ ٥٠٩ - ٥١٠).\n(^٢) (ص ٣٩٨).","vol":"4","page":275},{"text":"وجهك». فلم يعتقد أحدٌ منهم في عمله الإخلاص، بل أحال أمرَه إلى الله، فإذا لم يجزموا بالإخلاص فيه مع كونه أصلح أعمالهم فغيره أولى، فيستفاد منه أن الذي يصلح في مثل هذا أن يعتقد الشخص تقصيره في نفسه ويسيء الظنّ بها، ويبحث على كل واحد من عمله يظن أنه أخلص فيه، فيفوّض أمرَه إلى الله، ويعلّق الدعاءَ على عِلْم الله به، فحينئذٍ يكون إذا دعا راجيًا للإجابة خائفًا من الردّ.\nفإن لم يغلب على ظنّه إخلاصُه ولو في عملٍ واحد، [فليقف عند حدِّه]، ويستحيِ أن يسأل بعمل ليس بخالص. قال: وإنما قالوا: ادعوا الله بصالح أعمالكم في أول الأمر، ثم عند الدعاء لم يطلقوا ذلك، ولا قال واحد منهم: أدعوكَ بعملي، وإنما قال: إن كنتَ تعلم ثم ذكر عمله. انتهى ملخّصًا. وكأنه لم يقف على كلام المحبّ الطبري الذي ذكرته فهو السابق إلى التنبيه على ما ذكر، والله أعلم». اهـ.\nوالحق ما اختاره الحافظ وصدَّر به بقوله: «التقرب إلى الله تعالى بذكر صالح العمل، واستنجاز وعده بسؤاله». [٢٢٣] وقول المحبّ الطبري: إنهم لم يستشفعوا بأعمالهم، وإنما سألوا الله إن كانت أعمالهم خالصة وقُبِلت= حقّ لا شك فيه. وأما قوله: «أن يجعل جزاءها الفرج عنهم»، فكأنه ظهر له ذلك من قولهم: «فلْيدْعُ كلّ رجلٍ منكم بما يعلم أنه قد صدق فيه» وسائر الروايات موافقة لهذه في إطلاق الدعاء بالعمل، ولكن لا يخفى أن الدعاء إنما يكون حقيقة بالكلام ومِن المحال أن يكون بالأعمال التي انقضت بوقتها، فلابدّ من تقدير مضاف، فَلْنقدِّر (ذِكْر) كأنهم قالوا: فليدع كل رجلٍ منكم بذكر ما يعلم ... إلخ. فقد دعوا الله بذكر أعمالهم.","vol":"4","page":276},{"text":"ثم إما أن يكونوا قصدوا بذكرها استنجاز الوعد أو استعجال الجزاء، والأول أولى كما اختاره الحافظ، وقد يُحمل عليه كلام السبكي، فإنه قال: «ظهر لي ...» إلخ فذكر ما يفيد أنهم دعوا بذكر أعمالهم استعجالًا لجزائها، ثم قال: «ثم ظهر لي ...» إلخ فدلّ على أن الذي ظهر له أخيرًا غير الذي ظهر له أولًا، فتأمل.\nوالحقّ أنهم لم يطلبوا تعجيل جزائها وإنما ذكروها استنجازًا لوعد الله تعالى لعامليها بالإغاثة وإجابة الدعاء، ولذلك كان ظاهر الحديث الثناءَ عليهم، وهذا واضح جدًّا.\nقال المانعون: فإن كنتم ترون أيها المجيزون في استنجاز الوعد دلالةً على التوسّل المدَّعى فما أكثر أدلّتكم! منها قوله تعالى حكايةً عن نوح: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ [هود: ٤٥]، فإن الله تعالى أنكر عليه قوله: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ لما فيه من عدم المباينة للكافر، ولم ينكر عليه قوله: ﴿وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ مع أن المقصود به استنجاز الوعد.\nومنها حديث «الصحيحين» (^١) في دعاء النبي ﵌ في عريش بدر، ولفظه في البخاري: «اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك». وفي رواية مسلم: «فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على مَنكِبيه، ثم التزمه مِن ورائه، فقال: يا نبيّ الله كفاك مناشدتك ربّك، فإنه سينجز لك ما وعدك»، فأنزل الله ﷿: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ الآية [الأنفال: ٩]\n_________\n(^١) البخاري (٢٩١٥)، ومسلم (١٧٦٣).","vol":"4","page":277},{"text":"فأمدّه الله بالملائكة. وفي رواية للبخاري (^١): «فأخذ أبو بكر بيده فقال: حسبك قد ألْححتَ على ربك، والنبي ﵌ عالمٌ بوعد الله تعالى، وعالم بأن الله لا يخلف وعدَه، ولكنَّه جوَّز أن يكون الوعد مشروطًا بشيء، كأن لا يصدر عن أحدٍ من المسلمين شيء من المخالفات، فلم يزل يدعو حتى ــ والله أعلم ــ أعْلَمَه الله أن النصر كائنٌ لا محالة، أي غير مشروط بشيء، فخرج يَثِبُ في الدرع ويقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]. وأبو بكر ﵁ لم يلاحظ ما لاحظه النبيُّ ﵌ بل اطمأنّ بمطلق الوعد، فتأمّل.\nوالأدلة كثيرة، والعجب ممن يستدلّ بحديث أصحاب الغار على جواز قول القائل: «اللهم إني أسألك بحق فلان عليك وجاهه العظيم لديك»، مع أنه لا يدلُّ على التوسّل بالأعمال إلا بمعنى ذِكرها في الدعاء استنجازًا لوعد الله تعالى لعاملها بالإغاثة.\n[٢٢٤] والحاصل أن معنى حديث أصحاب الغار على ما قاله المحبّ الطبري: أن هؤلاء الثلاثة ذكروا أوثق أعمالهم، وسألوا الله تعالى أن يعجّل لهم ثوابها بالتفريج عنهم. وعلى المختار الذي قاله الحافظ واحتمله كلام السبكي: أنهم ذكروا أوثق أعمالهم استنجازًا لوعد الله تعالى لمن عمل مثلها بالإغاثة، وكشف الكروب.\nوعلى كلٍّ فلا معنى لقولكم: «وإذا جاز توسّل الشخص بعمل من أعماله فجوازه بأحد الصالحين أولى ...» إلخ، فإن أهل الغار سألوا حقًّا ثابتًا\n_________\n(^١) (٤٨٧٧).","vol":"4","page":278},{"text":"لهم بوعد الله تعالى، والمتوسّلُ بأحد الصالحين لم يسألّ حقًّا ثابتًا له، وهذا مما يُخْجَل من إيضاحه لوضوحه.\nوأما ما في «سنن أبي داود» عن جُبير بن محمد بن جُبير بن مُطعِم عن أبيه عن جده قال: جاء أعرابيّ ... إلخ. ففي إسناده ابن إسحاق، وهو مختلَف فيه، وأقلّ ما فيه أنه يدلِّس، قاله الإمام أحمد، كما في «تهذيب التهذيب» (^١) وغيره. والمدلِّس لا يحتج به إلا فيما صرَّح فيه بالتحديث، ولم يصرّح في هذا الحديث، فإن لفظ الراوي عنه: سمعتُ ابن إسحاق يحدِّث عن يعقوب بن عتبة وللحديث علّة أخرى نبَّه عليها أبو داود (^٢).\nوأما حديث استسقاء عمر والصحابة بالعبّاس بن عبد المطلب ﵃ ومثله استسقاء معاوية بيزيد بن الأسود الجرشي، فهو عليكم لا لكم؛ لدلالته الظاهرة على إجماع الصحابة ﵃ على عدم التوسّل بالميّت والغائب، وهل يَشكُّ عاقل أن الصحابة ﵃ يعدلون عن التوسُّلِ برسول الله ﵌ إلى طلب الدعاء من غيره إلّا لأمرٍ ما، وهو عدم جواز التوسّل بالمعنى المتعارف، وهذا صريح جدًّا من قول عمر: «اللهم إنّا كنّا نتوسّل إليك بنبينا فتسقينا، وإنّا نتوسّل إليك بعمّ نبينا».\n\nفإن قيل: فما<span data-type=\"title\" id=toc-171> الفرق بين التوسّل بالحيّ والميت</span>؟\nقلت: الفرق بيِّن، وذلك أنّ في الكلام حذف مضاف في الموضعين، أي: إنا كنّا نتوسّل إليك [٢٢٥] بدعاء نبيّنا، أي: نطلب منه الدعاء لنا فيدعو،\n_________\n(^١) (٩/ ٤٣).\n(^٢) (٤٧٢٦) وسبق ذكرها عند الكلام على الحديث (ص ٢٧٠).","vol":"4","page":279},{"text":"فيكون دعاؤه وسيلة لنا، وإنا الآن نتوسّل بدعاء عمّ نبينا، وها هو يدعو لنا، ودعاؤه وسيلة لنا.\nوتقدير المضاف في الموضعين متعيّن؛ إذ لو لم يقدّر لكان الظاهر التوسّل بالذات، وذات رسول الله ﵌ باقية بعد الموت، فعلامَ يعدل الصحابة عن التوسّل بها، ويقول الفاروق مقالته الدالة على امتناع التوسّل بالنبي ﵌ حتى احتيج إلى العدول إلى عمّه؟ فتبيَّن أنه ليس المراد التوسّل بالذات.\nولا يصحّ تقدير المضاف «بأعماله الصالحة» وإن ارتضاه الشوكاني؛ لأن أعمال النبي ﵌ باقية فَعَلامَ يعدل عنها إلى التوسّل بأعمال عمه، فتعيَّن أن يكون المضاف هو أمر يمتنع حصوله من الميّت، ويحصل من الحيّ، وهو الدعاء في القضية بعينها.\nإذا تقرّر ذلك فمعنى هذا الحديث: اللهم إنّا كنّا إذا أجْدَبْنا نتوسّل إليك بدعاء نبينا لنا بالسُّقيا فتسقينا، وإن نبينا قد قَدِم عليك فلا يمكن أن يدعو لنا بالسُّقيا الآن، ولكنا نتوسّل إليك بدعاء عمّ نبينا بالسُّقيا الآن فاسْقِنا.\nفإن قيل: فهل قول عمر: «اللهم إنّا كنّا نتوسّل ...» إلخ مجرّد خبر أو دعاء؟\nفالجواب: أننا [٢٢٦] نسلِّم أنه دعاء، ولكن ليس معنى التوسّل هو التوسُّل الذي تدّعونه، وإنما هو مطلق التقرب، كما هو معناه لغةً. فكأن عمر قال: إنا كنا نتقرّب إليك بطلب الدعاء من نبيّك، وقد تعذّر ذلك فتقرّبنا إليك بطلب الدعاء من عمّه، وها هو يدعو وندعو، فأنْجِزْ لنا وعدك بإجابة الدعاء.","vol":"4","page":280},{"text":"وهذا كما ترى ليس فيه ما يدلّ على التوسّل وإنما هو من باب استنجاز الوعد الذي مرّ تقريره في حديث ثلاثة الغار.\nولا شكَّ أن الله تعالى وَعَد عبادَه إجابة الدعاء بقوله: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، وعوّدهم الإغاثة بالسُّقيا إذا طلبوا الدعاء من رسوله ﵌ بإجراء العادة بذلك، وإجراءُ العادة بمثابة الوعد، وذلك إجابة لدعاء رسوله، وجزاءً لهم حيث عرفوا الحقّ للرسول ﵌، ففزعوا إليه في ذلك.\nوهذا كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤]، فَشَرَط في ذلك ثلاثة أشياء:\nالأول: مجيئهم إلى الرسول طالبين منه أن يستغفر لهم.\nوالثاني: استغفارهم الله.\nوالثالث: استغفار الرسول لهم.\nوكذلك السُّقيا كانوا يفزعون إلى النبي ﵌ طالبين منه الدعاء، فيدعو ويدعون، فيسقيهم الله تعالى. وفي «سنن أبي داود» (^١) بإسناد حسن عن عائشة ﵂ قالت: شكا الناس إلى رسول الله ﵌ قحوط المطر، فأمر بمنبر فوُضِع له في المصلّى، ووعد الناسَ يومًا يخرجون فيه. قالت عائشة: فخرج رسول الله صلى الله\n_________\n(^١) (١١٧٣).","vol":"4","page":281},{"text":"عليه وآله وسلم حين بدا حاجبُ الشمس، فقعد على المنبر، فكبَّر وحَمِد الله ﷿ ثم قال: «إنكم شكوتم جَدْبَ ديارِكم، واستئخار المطر عن إبّان زمانه عنكم، وقد أمركم الله ﷿ أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم» ثم قال: «الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مَلِك يوم الدين، لا إله إلّا الله يفعل ما يريد ...» الحديث. ثم قال أبو داود: «وهذا حديث غريب، إسناده جيّد، أهل المدينة يقرؤون ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وإن هذا الحديث حجة لهم» اهـ.\nقلت: والغرابةُ هنا هي الفرديّة، وهي بمجرّدها غير قادحة، مع أن معنى الحديث في «الصحيح» (^١). فهذا هو التوسّل الذي أخبر عنه عمر بقوله: «إنا كنّا نتوسل بنبيك ...» إلخ، وذلك سؤالهم الدعاء من النبي ﵌ ودعاؤه ودعاؤهم مستنجزين وعدَ ربّهم، كما أشار إليه قوله ﵌: «وقد أمركم ﷿ أن تدعوه ووعدكم أن يستجب لكم».\n[٢٢٧] والصحابة ﵃ سألوا الدعاء من العبّاس ﵁ لفضله وقرابته، فدعا ودعوا معه مُستنجزين لوعد ربهم. فهذا هو التوسُّل الذي يقول عنه عمر: «وإنّا نتوسّل بعم نبيّك».\n* * * *\n_________\n(^١) أخرج البخاري (١٠١٢) ومسلم (٨٩٤) حديث عبد الله بن زيد المازني في خروج النبي   - ﷺ -   إلى المصلى لصلاة الاستسقاء. وأخرجا أيضًا ــ البخاري (٩٣٣) ومسلم (٨٩٧) ــ حديث أنس في استسقاء النبي   - ﷺ -   على المنبر يوم الجمعة.","vol":"4","page":282},{"text":"فصل\nقد تبيَّن لك مما مرّ أن المجيزين للتوسُّل المتعارَف لم يثبت لهم دليل صريح، وقد أجاز بعضُهم التوسُّل بالأعمال الصالحة مطلقًا، وخصَّ غيره ذلك بأعمال المتوسّل نفسه.\nوسَبَق لي قولٌ قلتُ فيه: الذي يظهر أنه لا بأس أن يتوسّل (^١) الإنسان بكلِّ عملٍ من شأنه أن ينفعه في حاجته التي يريد التوسّل به فيها، ومنه حديث ثلاثة الغار؛ لأن من شأن أعمالهم تلك أن تنفعهم في الإغاثة وتفريج الكرب.\nومنه أيضًا توسّل الصحابة برسول الله ﵌ ثم بالعباس؛ لأن الصحابة كانوا يتوسّلون بدعاء النبي ﵌ لهم في طلب السُّقيا، وهو عمل ينفعهم في ذلك، ثم توسّلوا بدعاء العباس لهم بالسُّقيا، وهو عمل ينفعهم في ذلك، ويُحْمَل عليه حديث الأعمى؛ لأنه لما شكا إلى النبي ﵌، وسأله الدعاء، توجّه قلب النبي ﵌ إلى ربِّه في إغاثته، فأمره بالوضوء والصلاة والدعاء، ويُقَدَّر مضاف في الدعاء، فكأنه قال: اللهم إني أسألك وأتوجّه إليك بتوجّه قلب نبيك محمد ... إلخ.\nفإن قيل: فقد جاء في بعض الروايات: «فإن كان لك حاجة فمثل ذلك» (^٢)؟\n_________\n(^١) قبلها كلمة «وتوسّط» نسي المؤلف أن يضرب عليها.\n(^٢) سبق الكلام على هذه الزيادة وإعلال شيخ الإسلام لها (ص ٢٦٨).","vol":"4","page":283},{"text":"فالجواب: أن قوله ﵌ ذلك يدلّ أن قلبه ﵌ توجّه إلى ربِّه في قضاء حوائج هذا الأعمى مطلقًا، فهو كلما أراد أن يسأل الله حاجةً فإنما يتوسّل إليه بذلك التوجُّه. وعلى ذلك حديث السؤال بحقِّ السائلين، فقوله ﵌: «اللهم إني أسألك بحقّ السائلين عليك» معناه: أسألك بحقّ سؤالي، وأما ما بعده فواضح.\nوأما حديث الاستشفاع فليس من التوسُّل في شيءٍ، وإنما معناه إنا نطلب منك الشفاعة، وعلى هذا فيجوز (^١) للإنسان التوسُّل بجميع أعمال نفسه مطلقًا، وكذا بعمل غيره الذي قام الدليل الشرعيُّ على أنه ينفعه في حاجته التي يريد التوسُّل به فيها خاصة [٢٢٨]، كالتوسل في السُّقيا بدعاء الغير بها، وهذا يوافق توسُّل الصحابة بالعبّاس، وذلك أنهم إنما كانوا يسألون النبي ﵌ أن يدعو لهم بالسُّقيا في ذلك الوقت، فدعاؤه بذلك عمل ينفعهم في تلك الواقعة فقط، فإذا أجْدَبوا مرةً أخرى احتاجوا إلى دعاءٍ آخر بها، فلما قُبِض رسول الله ﵌ وأجدبوا لم يمكن أن يدعو لهم النبي ﵌ بالسُّقيا حينئذٍ، فطلبوا الدعاء من عمه لفضله وقرابته، وتوسَّلوا به لكونه عملًا ينفعهم في السُّقيا حينئذٍ.\nويُستنتج مما ذكر أن الرجل من أمة محمد إذا عمل عملًا ثبت عن رسول الله ﵌ الدعاءُ لفاعله كان له أن يتوسّل بدعاء النبيّ ﵌ فيما دعا له به، فكأن يصلي أربعًا قبل العصر عملًا بحديث أحمد والترمذي وأبي داود عن ابن عمر قال: قال رسول الله\n_________\n(^١) قبلها في الأصل «ثم» نسي المؤلف أن يضرب عليها.","vol":"4","page":284},{"text":"﵌: «رحم الله امرءًا صلى قبل العصر أربعًا» (^١). فله أن يتوسَّل في طلب الرحمة بدعاء النبي ﵌ له فيها، ولو أطلق التوسل بالنبي ﵌ في ذلك، ناويًا التوسّل بذلك الدعاء فلا بأس كما جاء في حديث الأعمى وغيره.\nولا يقال: إن شَفَقة النبي ﵌ ورحمته بأمته تدلّ أنه كان يدعو لهم بكل ما ينفعهم، فنتوصل بذلك إلى جواز التوسّل مطلقًا.\nلأننا نقول: عدول الصحابة ﵃ إلى التوسّل بالعبّاس ﵁ ينافي ذلك. فالمتعيّن قَصْر ذلك على ما ورد بالنص، كصلاة أربع قبل العصر.\nوقد يُجاب عن هذا بأن يقال: إن كان المراد بالتوسّل السؤال بحقّ ذلك العمل وفضله عند الله تعالى، والإقسام به عليه، فهو ممنوع كما مَرَّ نقلُه عن «الفتح» في حديث الغار، مع أن حديث الغار وتوسّل الصحابة بالعبّاس لا يَدُلّان عليه أصلًا، وغيرهما مقدوح فيه كما مَرَّ.\nوإن أُريد بالتوسّل مجرّد ذكر العمل استنجازًا للوعد، مع المحافظة على الأدب والحذر من الاعتماد على العمل، فهذا هو الذي سبق تقريره في حديث الغار، وهو حقّ لا شُبهة فيه. والله الموافق.\n[٢٢٩] أقول: هذا آخر ما تيسَّر لي كتابته في هذا البحث، ومَن تأمّله حقَّ تأمّله عَلِم أنّ مدار التوسّل على حديث الأعمى، فمن أراد معرفة الحق فعليه\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (١٢٧١)، والترمذي (٤٣٠)، وأحمد (٥٩٨٠)، والطيالسي (٢٠٤٨)، وابن حبان (٢٤٥٣)، والبيهقي (٢/ ٤٧٣). قال الترمذي: حسن غريب.","vol":"4","page":285},{"text":"أن يحقق البحثَ فيه والنظرَ في حاله حتى يطمئنّ قلبُه، فيعمل بما ظهر له.\nوقد رأيتُ في «شرح الإحياء» (^١) ما لفظه: وأخرج البيهقي في «الدلائل» والنسائي في «اليوم والليلة» من طريق أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عثمان بن حنيف، فذكر قصة فيها حديث الأعمى هذا ولفظه: «فقال له النبي ﵌: «ائت الميضأة فتوضّأ، ثم ائت المسجد فصلّ ركعتين ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجّه إليك بنبيك نبيّ الرحمة، يا محمد إني أتوجّه بك إلى ربي فتجلي لي عن بصري، اللهم شفِّعه فيّ وشفّعني في نفسي ...» إلخ. ثم ذكر مَن رواه من الأئمة من طريق عُمارة بن خزيمة على نحو ما أسْلَفنا، فإن صحّت روايتُه من طريق أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عمّه زالت غرابةُ الحديث في نفسه.\nوقد سبق في تأويله والجمع بينه وبين غيره من الأدلة ما علمتَ، فراجِعْ ما هناك والله يتولّى هداك.\nوأما العامة فتمسّكهم بالتوسّل بأنواعه هو فرعٌ عن تمسّكهم بالتقليد كل منهم لفقهاء المذهب الذي التزمَه من غير تفريق بين العقائد وغيرها، فتنازلهم إلى التوقف عن التوسّل لا يتم حتى يتنازلوا عن الانكباب على التقليد في كل شيء.\nوالذي أختاره لنفسي: أن أُكْثِر من الصلاة على النبي ﵌ أوّل الدعاء وأثنائه وآخره، وأتتبّع الأدعية الواردة في الكتاب والسنة\n_________\n(^١) «إتحاف السادة»: (٣/ ٤٧٢). والحديث في «الدلائل»: (٦/ ١٦٧) للبيهقي، و«السنن الكبرى» للنسائي (١٠٤٢١). وانظر للاختلاف في إسناده «علل ابن أبي حاتم» (٢٠٦٤).","vol":"4","page":286},{"text":"والإرشادات التي جاءت عن النبي ﵌ في آداب الدعاء، وأكتفي بالترضِّي والترحُّم والاستغفار للعلماء والصالحين، وأدَعُ التوسُّل عملًا بحديث الحسن السبط ﵁: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (^١) أخرجه الترمذي وابن حبان والحاكم من حديث الحسن السِّبط ﵁، وما في معناه من الأحاديث.\nوأرجو أن تكون هذه الطريقة هي الأسلم؛ لأني على يقين أنه لو ثبت التوسّل المتعارَف ثم تركه إنسانٌ لم يكن عليه إثم؛ إذ لا قائل بوجوبه، فكيف والحال أنه لم يثبت؟ فتَرْكه بنيّة الإحجام عما لم يطمئنّ القلبُ بثبوته مما أرجو أن يأجرني الله تعالى عليه.\nفمن أحبّ السلامة فهذا سبيلها، ومَن أقْدَم على التوسُّل فهو وما تولّى، ولا أقطع بخطئه ولا ضلاله، بل أرجو له التوفيق والهداية إن شاء الله تعالى.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.","vol":"4","page":287},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-174>[بحث في اتخاذ ليلتي المولد والمعراج عيدًا]</span>\n[ص ١] قال المانعون: ومِن المحدَث اتخاذ ليلتي المولد والمعراج عيدًا.\nوأول مَن أحدَث ذلك العُبيديون بمصر ثم توسّع الناسُ فيه، فألفّوا في ذلك القصص المشتملة على الآثار الموضوعة والضعيفة، والتأويلات البعيدة، كما تراه في قصة المولد المعروفة بـ «شرف الأنام». وكما في بعض قصص المعراج المشتملة على الحديث الطويل الذي نصَّ أئمة الحديث أنه موضوع، وغير ذلك. والتزموا قراءة قصة المولد في غير ليلته، وصاروا ينذرون قراءتها، ويجتمعون لأجلها، ويذبحون ويطعمون، وينشدون الأشعار، وفوق ذلك صاروا يجعلون لكل من وُسِم بالصلاح عيدًا ليلة مولده أو ليلة موته، ويجتمعون لذلك، ثم يقرأون فيها قصصًا مؤلَّفة في أخباره مشتملة على أشياء يكذّبها كتاب الله تعالى وسنة رسوله، مِن دعوى علم الغيب وغيرها.\nوجعلوا لكل مَن يوسَم بالصلاح عيدًا في كل سنة يجتمعون عند قبره، وينحرون النحائر، إلى غير ذلك. ويرتكبون فيها كثيرًا من المحرّمات زاعمين أن ذلك الميّت يتحمّل ذلك عنهم، يعنون أن الله تعالى لا يؤاخذهم على ذلك إكرامًا له، إلى غير ذلك من المحدَثات التي ينكرها الدين والعقل.\nقال المجيزون: أما اتخاذ ليلتي المولد والمعراج عيدًا، فهذا من المحبّة له ﵌، ومحبته شرط الإيمان.","vol":"4","page":288},{"text":"قال المانعون: محبّته ﵌ التي هي شرط الإيمان هي أن يكون أحبّ إلينا من والدينا وأولادنا والناس أجمعين. والمحبّة شيءٌ في القلب يعلمه الله تعالى، وعلامتها المحافظة على ما يحبّه المحبوب، واجتناب ما يكرهه. وكلُّ مسلم يعلم أن أحبّ الأشياء إلى النبي ﵌ هو التمسُّك بسنته والعضّ عليها بالنواجذ، وأن أبغض الأشياء إليه هو الإحداث في الدين والابتداع فيه.\nوصحَّ عنه   - ﷺ -   قوله: «أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشرّ الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة». قال بعض الأئمة: كان النبي ﵌ يردّد هذا الكلام في عامة خُطبه.\nوهذه الأمور التي أحدثتموها في باب [الدين] (^١) لو كان في ذلك شيءٌ من القُربة لَأَمَر به النبي ﵌ في حياته أو فعله أصحابه بعد وفاته، لكن تلك القرون الفاضلة مضت كلُّها وليس فيها من هذا شيءٌ، وإنما أُحدِث بعد ذلك، فهو محدَث ــ والنبي ﵌ يقول: «شر الأمور محدثاتها» ــ وبدعة، وهو ﵌ يقول: «كل بدعة ضلالة».\nقال المجيزون: فإنه يُقاس على العيدين والجمعة وعاشوراء مما ثبت اتخاذه عيدًا لوقوع نعمة من العامة فيه (^٢)، ولا شكّ أن ولادته ومعراجه ﵌ مِن أعظم النعم.\n_________\n(^١) شبه مطموسة في الأصل، وما أثبته مقدَّر.\n(^٢) كذا، ولعل المقصود: «من النِّعم العامة فيه».","vol":"4","page":289},{"text":"قال المانعون: هذا الأمر محدَث قطعًا، فما معنى الاستدلال عليه؟ وما لكم وللاستدلال؟ فإنما أنتم مقلدون، وقد مضى (^١) الأئمة الأربعة وغيرهم من المجتهدين على عدم هذا، فوجب عليكم أن تتمسكوا بمذاهبكم كما ألزمتم أنفسَكم. وعلى التنزُّل فهذا القياس باطل في ذاته أولًا، لعدة وجوه؛ منها: أن النِّعَم التي في العيدين والجمعة تتكرر بتكرُّرهما.\nوأما عاشوراء فإنه ليس بِعيد، وإنما نُدب صيامه فقط. وفي «الصحيح» (^٢) أن النبي ﵌ كان يصومه بمكة موافقةً لقريش فيما لم يبدّلوه من دين إبراهيم. وعلى هذا فلم يجدد له رؤية اليهودَ يصومونه حُكمًا.\nوبقية الوجوه تُعْلَم من تفصيل هذا القياس، ببيان الأصل والفرع والعلة وغير ذلك مما يطول ذكره ونحن في غنًى عن ذكره.\nولمعارضته للسنة وإجماع الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين ثانيًا.\n[ص ٢] ولو ساغ الاستدلال بهذا القياس لاتُّخِذَت أيام السنة كلها أعيادًا. والحاصل أن بطلان هذا الاستدلال من أوضح الواضحات (^٣).\nقال المجيزون: فإن الاجتماع في هذه الليالي داخل تحت عموم الاجتماع للذِّكْر وتعلّم العلم وغير ذلك.\n_________\n(^١) تحتمل «قضى».\n(^٢) البخاري (١٨٩٣) ومسلم (١١٢٥).\n(^٣) كلمة غير واضحة ولعلها ما أثبت.","vol":"4","page":290},{"text":"قال المانعون: الاجتماع الذي ينبغي دخوله تحت العموم هو ما كان يقع مثله في عهده ﵌، ثم في عصر أصحابه ومَن بعدهم من القرون الفاضلة، وهو مطلق الاجتماع الذي لا يُتحرّى له هيئة مخصوصة، ولا ذكر مخصوص ولا يوم مخصوص من أيام السنة، فهذا هو الذي يصلح لدخوله تحت عموم الأمر بالاجتماع للذكر. فأما الجمعة والعيدين فإنها ثبتت بأوامر خاصة.\nوفوق هذا فإن الهيئة والذكر المخصَّصان للمولد محدَثان أيضًا، فإن ما تسمونه ذِكرًا هو قصة مشتملة على الآثار الموضوعة والضعيفة، والهيئة تشتمل على إنشاد القصائد بالألحان والترجيع، وغير ذلك. وبعضهم يزيد مع ذلك الضرب بالدفوف.\nقال المجيزون: أما قولكم: إنها مشتملة على الآثار الموضوعة والضعيفة، فلا نُسَلِّم أن فيها الموضوع، وأما الضعيف فمسلَّم، ولكن قال العلماء: إنه يُعمل بالضعيف في الفضائل ونحوها من القَصَص والمواعظ، ويجوز روايته بدون بيان ضعفه.\nوأما إنشاد القصائد بالألحان، فهذه مسألة مشهورة، قد تكلم عليها الغزالي وغيره، وقد ثبت إنشاد الشعر والضرب بالدفوف بحضرته ﵌.\nقال المانعون: أما بيان ما في تلك القصص من الموضوعات [فلن] نتفرَّغ له الآن، ولعلّنا نتفرّغ له في وقت آخر إن شاء الله تعالى.\nوأما العمل بالضعيف فله شروط أشار إلى بعضها النووي","vol":"4","page":291},{"text":"في «التقريب» واستدرك السيوطي في شرحه زيادة عليها (^١).\nفمنها: أن لا يكون في العقائد ولا في الأحكام.\nومنها: أن يكون الضعف غير شديد، فيخرج مَن انفرد من الكذّابين والمتهمين بالكذب ومَن فَحُشَ غلطُه.\nومنها: أن يندرج تحت أصل معمول به. ومثاله: جمع كثير من الأئمة أربعين حديثًا عملًا بما رُوي عن أبي الدرداء قال: سُئل رسول الله ﵌ ما حدُّ العلم الذي إذا بلغه الرجل كان فقيهًا؟ فقال رسول الله ﵌: «مَن حفظ على أمتي أربعين حديثًا في أمر دينها بعثه الله فقهيًا، وكنت له يومَ القيامة شافعًا وشهيدًا» رواه البيهقي في «شعب الإيمان» (^٢).\nوهو حديث ضعيف، ولكن كثير من الأئمة جمعوا أربعينات؛ لأنهم رأوا أنه مما لا خلاف فيه: أن جمع سنة رسول الله ﵌ من أعظم القُرُبات بأيّ عددٍ كان، وهذا أصل معمول به بلا خلاف، وهو يشتمل ما إذا كان المجموع أربعين أو أقل أو أكثر، فمَن جمع منهم أربعين كان عاملًا بهذا الأصل الصحيح وملاحظًا العمل بذلك الحديث الضعيف، أي: إن كان صحيحًا في نفس الأمر فقد عمل به، وإلا فهو عامل بالسنة قطعًا، لدخول عمله تحت ذلك الأصل المعمول به.\n[ص ٣] والحاصل: أن عملهم بالحديث الضعيف ليس إلا في تعمد عدم\n_________\n(^١) «التقريب» (١/ ٣٥١ مع شرحه «التدريب»). وانظر رسالة الشيخ في حكم العمل بالحديث الضعيف ضمن «مجموع الرسائل الحديثية» في هذه الموسوعة.\n(^٢) (١٥٩٧).","vol":"4","page":292},{"text":"النقصِ عن الأربعين، وقد يكون اقتصارهم على الأربعين لشغل كانوا فيه، أو ليفهموا الناس أنهم عملوا بهذا الحديث الضعيف، وإلا فليس في الحديث أن مَن زاد على الأربعين لا ينال ذلك الفضل، بل هو مُفهم بفحوى الخطاب: أن مَن زاد على الأربعين كان أولى بذلك الفضل وزيادة. والله أعلم.\nومن الشروط: أن لا يعتقد عند العمل به ثبوتَه.\nوقال النووي قبل هذا: وإذا أردت رواية الضعيف بغير إسناد فلا تقل: قال رسول الله ﵌ كذا، وما أشبهه من صيغ الجزم، بل قل: رُوِي كذا، وبلغنا كذا، أو: وَرَد، أو: جاء، أو نُقِل، أو ما أشبهه، وكذا ما يُشك في صحته. انتهى.\nوتلك الآثار التي ننتقدها عليكم ليست مُستكملة للشروط، بل منها ما هو في العقائد، ومنها ما ضعفه شديد، ومنها ما لا يندرج تحت أصل معمول به، بل فوق ذلك هو معارض للآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة.\nوأيضًا فالعامة عندما يسمعون ذلك يعتقدون ثبوته، مع كون مؤلفي القَصَص يحكونه بصيغة الجزم. وهَبْهُم حَكوه بصيغة التمريض، فإن ذلك لا يكفي في حق العوام بخلاف [ص ٤] العصور التي أُجيز فيها رواية الضعيف بشروطه، والاكتفاء بحكايته بصيغة التمريض عن التصريح بضعفه، فإن الناس كانوا حينئذٍ يعرفون الفرقَ بين صيغة التمريض وصيغة الجزم، فيفهمون أن الحاكي بصيغة التمريض غير قائل بصحة ذلك الأثر. فأما في هذه الأعصار فإنه بعد وجود الشرائط كلِّها لابد من الإشارة إلى عدم الجزم بصحة الحديث إشارةً يفهمها العامة، فإن الاقتصار في الإشارة على صيغة التمريض يوقع القاصَّ وسامعيه في الخطر.","vol":"4","page":293},{"text":"أما القاص فلأنه حكى لهم الحديث الضعيف حكايةً يفهمون منها أنه صحيح، فقد أخذ بنصيبه من الكذب على رسول الله ﵌.\nوأما السامعون فلأنهم يفهمون أن تلك الآثار صحيحة فيعتقدون مضمونها وأنها صحيحة، ويبادرون بتضليل كلِّ مَن سمعوه يقول: إنها ضعيفة، فينتهكون بذلك حُرمة الدين وحرمة علماء الدين بالوقوع في أعراضهم، وربما استجراهم الشيطان إلى أذيتهم في أنفسهم (^١).\nوهذا فيما يتعلّق بالآثار المتعلقة بشيء من أحوال النبي ﵌، أما الآثار المتعلقة بمن يُعرف بالخير والصلاح، فالأمر فيها أشد، إذا كان فيها ما يكذّبه القرآن؛ فيكون اعتقادها كفرًا والعياذ بالله تعالى.\nوأما إنشاء القصائد بالألحان، وقولكم: إنه قد ثبت مثل ذلك، وضربُ الدفوف بحضرته ﵌، فنعم قد وقع شيء من ذلك بحضرته ﵌، ولكن لا على أنه من الدين ولا علاقة له بالدين، بل على أنه من الأمور الدنيوية التي تباح في أوقات مخصوصة، يُباح فيها الإقبال على أمور الدنيا وزينتها، فأخرجا في «الصحيحين» (^٢) عن عائشة أن أبا بكر دخل عليها وعندها جاريتان في أيام منى، تدفّفان، وتضربان، وفي رواية: تغنيان بما تقاولت الأنصار يوم بعاث، والنبي ﵌ متغشٍ بثوبه، فانتهرهما أبو بكر، فكشف النبي ﵌ عن وجهه، فقال: «دعهما يا أبا بكر؛ فإنها أيام عيد»، وفي رواية: «يا أبا بكر إن لكل قوم عيدًا، وهذا عيدنا».\n_________\n(^١) كلمة مطموسة ولعلها ما قدَّرت.\n(^٢) البخاري (٩٨٧)، ومسلم (٨٩٢).","vol":"4","page":294},{"text":"فالجاريتان إنما كانتا تغنيان بما تقاولت الأنصار يوم بعاث، وليس في ذلك مِن ذكر الله ولا الصلاة والسلام على رسوله شيء، ومع ذلك فإن نهي أبي بكر لهما واضح الدلالة على أنه كان يعلم النهي عن مثل ذلك، وظن أن النبي ﵌ لا يعلم به لكونه نائمًا، فنهاهما، فقال له ﵌: «دعهما فإنها أيام عيد». فقوله: «فإنها أيام عيد» علةٌ لقوله: «دعهما». وفي هذا تقرير منه ﵌ لأبي بكر على [ص ٥] النهي فيما عدا ما تتناوله العلة. ومقتضى الكلام أن ما تعلمه من النهي عن مثل هذا صحيح، إلا أنه مقيدٌ بأن لا يكون في أيام العيد، فإن أيام العيد يشرع فيها إظهار الزينة والتبسُّط في الأمور الدنيوية التي من شأنها ترويح النفس، كلبس الجديد، والتطيُّب، والتنظّف، ونحو ذلك.\nوالحاصل أن الذي يدل عليه الحديث دلالة واضحة: أن التدفيف والغناء بما فيه ذكر الحرب ونحوه غير جائز، إلا أنه يترخّص فيه أيام العيد، فهو دليل على أن ذلك مجرد رخصةً رخّص فيها ﵌ لزوجته وأقرَّها عليه، كما أقرها على اللعب بالبنات، ففي «الصحيحين» (^١) عن عائشة ﵂ قالت: كنتُ ألعب بالبنات عند النبي ﵌، وكان لي صواحب يلعبن معي، فكان رسول الله ﵌ إذا دخل ينقمعن منه، فيسرّبهن إليَّ فيلعبن معي.\nوفي «سنن أبي داود» (^٢) عنها قالت: قدم رسول الله ﵌ من غزوة تبوك أو حنين، وفي سهوتها ستر، فهبَّت ريح فكشفت ناحيةَ\n_________\n(^١) البخاري (٦١٣٠)، ومسلم (٢٤٤٠).\n(^٢) (٤٩٣٢). وأخرجه النسائي في «الكبرى» (٨٩٠١)، والبيهقي: (١٠/ ٢١٩).","vol":"4","page":295},{"text":"السّتر عن بناتٍ لعائشة لعب، فقال: «ما هذا يا عائشة؟» قالت: بناتي. ورأى بينهن فرسًا له جناحان من رقاع، فقال: «ما هذا الذي أرى وسطهنّ»؟ قالت: فرس. قال: «وما هذا الذي عليه». قالت: جناحان: قال: «فرس له جناحان!». قالت: أما سمعت أن لسليمان خيلًا لها أجنحة؟ قالت: فضحك حتى رأيت نواجذه.\nثم إنَّ فِعْل مثل ذلك في أيام العيد حسنٌ لثبوت الرخصة، وأما في غيرها فالأصل المنع إلا ما ثبت بدليل. كالعرس، [ص ٦] ففي «صحيح البخاري» (^١) عن خالد بن ذكوان عن الرُّبيِّع بنت معوّذ بن عفراء قالت: جاء النبي ﵌ حين بُني عليَّ فجلس على فراشي كمجلسك مني، فجعلتْ جُويريات لنا يضربن بالدف، ويندبن من قُتِل من آبائي يوم بدر إذ قالت إحداهن: «وفينا نبيّ يعلم ما في غد» فقال: «دعي هذه وقولي بالذي كنت تقولين».\nثم إن إبدال أشعار الحرب بما فيه ذِكْر لله تعالى، وإبدال أيام العيد والعرس بمجامع الذكر، وإبدال البيوت بالمساجد، وإبدال الترخّص بذلك، واعتقاد كونه من الزينة التي يُترخّص بها أيام العيد والعرس باعتقاد كونه عبادة= لا يخفى أنه من أفحش البدع.\nوأما ما زعمه بعضُهم من أن أوقات قراءة قصة المولد هي من أوقات الأفراح، بل هي أعظم الأفراح بذكرى ولادة النبي ﵌ وسيرته؛ فتقاس على أيام العيد والعرس وغيرها من أيام الأفراح؟\n_________\n(^١) (٤٠٠١ و٥١٤٧).","vol":"4","page":296},{"text":"فالجواب: أنَّ هذا باطل لوجهين:\nالأول: أن أيام العيد والعرس والختان هي أوقات أفراح أسبابُها حادثة، وأما قراءة قصة المولد فإنما هي ذكرى فرح قد مضى وقت سببه. وما مثل ذلك إلّا مثل من أنشأ قصيدة [ص ٧] في ذكر عرسه، أو ذكر ختان ولده، وصار ينشدها كل يوم، ويدفّف عليها بحجة أنها متعلقة بعرس أو ختان.\nفإن قيل: فإن في ذِكْر ولادة الرسول ﵌ زيادة فرح.\nقلنا: وكذلك في ذكرى العرس، وختان الولد، وعلى كل حال فبطلان القياس واضح.\nالوجه الثاني: أن المسألة من أصلها محدَثة.\nقالوا: وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن امرأة قالت: يا رسول الله، إني نذرتُ أن أضرب على رأسك بالدفّ، قال: «أوفي بنذرك» رواه أبو داود (^١).\nقلنا: قد أسلفنا أن ضرب الدف في أوقات الفرح مما يترخّص به، ويبين هذا الحديث ما أخرجه الترمذي (^٢) من حديث بريدة قال: خرج رسول الله ﵌ في بعض مغازيه، فلما انصرف جاءت جارية سوداء فقالت: يا رسول الله، إني كنت نذرت إن ردَّك الله صالحًا أن أضرب بين يديك بالدف وأتغنّى. فقال لها رسول الله ﵌: «إن\n_________\n(^١) (٣٣١٢)، من طريقه البيهقي: (١٠/ ٧٧).\n(^٢) (٣٦٩٠). وأخرجه البيهقي: (١٠/ ٧٧).","vol":"4","page":297},{"text":"كنتِ نذرتِ فاضربي وإلا فلا» فجعلت تضرب، فدخل أبو بكر وهي تضرب، ثم دخل عليّ وهي تضرب، ثم دخل عثمان وهي تضرب، ثم دخل عمر فألقت الدف تحت استها، ثم قعدت عليه. فقال رسول الله ﵌: «إن الشيطان ليخاف منك يا عمر، إني كنت جالسًا وهي تضرب، فدخل أبو بكر وهي تضرب، ثم دخل علي وهي تضرب، ثم دخل عثمان وهي تضرب، فلما دخلتَ أنتَ يا عمر ألقت الدُّف» رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب.\nأقول: والآثار الواردة في النذر تدل أنَّه يلزم فيما عدا المعصية، وما لا يُطيقه أو كان فيه مشقة شديدة، فيدخل في هذا نذر المباح، وخلاف الأَوْلى بل المكروه فيما يظهر. ففي «سنن أبي داود» عن ثابت بن الضحاك قال: نذر رجل على عهد رسول الله ﵌ أن ينحر إبلًا ببوانة، فأتى رسولَ الله ﵌ فأخبره. فقال له رسول الله ﵌: «هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يُعبد؟» قالوا: لا، قال: «فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟» قالوا: لا، فقال رسول الله ﵌: «أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم».\nوأنت خبير أن السفر إلى بوانة ــ على فرض كون الرجل لم يكن ساكنًا بها وهو الظاهر ــ فيه لولا النذر إتعاب للنفس لغير غرضٍ شرعيّ، وهذا لا يبعد أن يكون مكروهًا. ثم إن العدول عن نحر الإبل في الحرم خلاف الأولى، ولاسيّما والصدقة على فقراء الحرم أولى من الصدقة على فقراء بوانة.\nوحديثُ السوداء ظاهر في أن الفعل الذي نذَرتْه منهيّ عنه، لولا النذر؛ لقوله ﵌: «وإلا فلا». أي: وإن لم تكوني نذرت","vol":"4","page":298},{"text":"فلا تضربي.\n[ص ٨] والنهيُ حقيقة للتحريم. فظاهره: أنها إن لم تكن نذرت حرم عليها ذلك الفعل، لكن النهي مصروف عن ظاهره، بدليل الإذن لها بالفعل إن كانت نذرته.\nوقد عُلم من الأحاديث الصحيحة أنه لا يلزم النذر في معصية الله تعالى، فتبقى الكراهة. فالظاهر ــ والله أعلم ــ أن ذلك الفعل الذي نذَرَتْه مكروه في نفسه، ولكنه جاز للنذر. ويؤيّد هذا قوله ﵌: «إن الشيطان يخاف منك يا عمر» إلخ، إلى أن قال في بيان علة أن الشيطان يخاف من عمر: «فلما دخلتَّ أنتَ ألقت الدفّ». وهذا واضح في أنّ في فعلها ذلك نصيبًا للشيطان. وبهذا يظهر أن قدوم الغائب ونحوه ليس مما يُشْرَع فيه التدفيف إلا أن يُنْذَر. وأنه إن نذر في مثل ذلك شُرع الوفاء به وفاءً بالنذر، وإن كان فيه للشيطان نصيب.\nهذا ولا يخفى أن قدوم الغازي سالمًا سبب من أسباب الفرح، فلا يدلّ كون التدفيف في مثله غير معصية على كونه غير معصية مطلقًا. ومع هذا فقدومه ﵌ من الغزو سالمًا سبب للفرح حدَثَ حينئذٍ، فلا يُقاس عليه نحو المولد والمعراج؛ إذ ليس هذا إلّا مجرد ذكرى كما مرَّ.\nومع هذا فقد كان النبي ﵌ في حال حياته كثيرًا ما تعرض بحضرته الأشياءُ الجِبلِّية، فيعمل فيها ما يقتضيه الحال من الأفعال المباحة في مثل تلك الأحوال. وأما بعد وفاته فإن ذكره متصل بذكر الله تعالى لا ينفكّ عنه، فيجب أن يُراعى عند ذكره ما يُراعى عند ذكر الله تعالى من الأدب والرغبة فيما عند الله تعالى، ومراعاة ما كان يُراعى في عهده","vol":"4","page":299},{"text":"﵌ في مواطن الذكر. هذا في ما كان موافقًا للسنة من ذكره ﵌. فأما ما لم يكن موافقًا فإنه خطأ من أصله.\nوقد بقيت آثارٌ غير ما سبق يتمسَّكُ بها المجيزون، وفيما قدمناه ما يُعلم به الجواب عليها.\nومما يحتاج إلى ذكره هاهنا: أن هؤلاء القوم يستدلّون على جواز الرقص بحديثِ حُكمِه ﵌ في حضانة ابنِ عمِّه حمزة، وفيه قوله ﵌ لعلي: «أنت مني وأنا منك»، ولجعفر: «أشْبَهتَ خَلْقي وخُلُقي»، ولزيد: «أنتَ أخونا ومولانا»، وأنّ كلًّا منهم حَجَل عند ذلك (^١).\nوالجواب: أن الحجل هو عبارة عن رفع إحدى الرجلين والحفز على الأخرى. وهذا وإن كان من الحركات غير الاعتيادية، فليس هو من الرَّقْص في شيء، ومع ذلك فإنه من الأفعال الجِبِلّية [ص ٩] التي الأصل فيها الإباحة، وعَرَض لهؤلاء الثلاثة فعله، لِمَا داخل كلًّا منهم من الفرح بتلك البشارة، وغايةُ ما يُستفاد من الحديث إباحة ذلك في مثل ذلك الحال. كما يستفاد من الأحاديث المذكور فيها الضحك: إباحة الضحك فقط، وكما يستفاد من حديث مسابقته ﵌ لعائشة (^٢) على (^٣) مجرد الجواز.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٦٩٩) بدون قصة الحجل، وبها أخرجه أحمد (٨٥٧)، والبزار (٧٤٤)، وهي زيادة ضعيفة منكرة.\n(^٢) حديث مسابقته - ﷺ - لعائشة أخرجه أبو داود (٢٥٧٨)، والنسائي في «الكبرى» (٨٨٩٤)، وابن ماجه (١٩٧٩)، وأحمد (٢٤٩٨١ و٢٥٤٨٨)، وهو حديث صحيح.\n(^٣) كذا في الأصل، والعبارة تستقيم بحذف «على».","vol":"4","page":300},{"text":"والحاصل أنّ استدلالكم بهذا الحديث باطل من وجوه:\nالأول: أنهم إنما حجلوا ولم يرقصوا. والحَجْل دليل الشدة والرجولية، بخلاف الرقص والتثنِّي.\nالثاني: أن ذلك جرى منهم من باب الأفعال الجِبِليَّة، كالضحك. فلا يجوز اتخاذ ذلك عبادة.\nالثالث: أنهم في ذلك الوقت ــ وإن كانوا بحضرته ﵌ ــ لم يكونوا في ذكر لله تعالى. بل كانوا في محاورة معه ﵌، والمحاورةُ معه حيًّا يُضْطَر معها إلى وقوع كثير من الأشياء الجِبِلّية، كالضحك وغيره. ولاسيَّما وكانوا في سفر، والسفر مما يترخّص فيه بمثل هذا ترويحًا للنفس من مشقَّته. ومن هذا مسابقته ﵌ لعائشة في بعض أسفاره (^١).\nفأما الذكر وسَماع العلم فإن السنة فيه: الخشوع والخضوع والإخبات، وقد ورد في بيان الإحسان: «أن تعبد الله كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (^٢).\nومن الواضح أن المؤمن إذا استشعر بأنَّ الله يراه كانت عبادته على تمام الخضوع والسكون. بخلاف ما لم يكن عبادة، كحال عليّ وجعفر وزيد.\nالرابع: أن هذا وقع مرةً واحدة في عهده ﵌، وأما في الفعل المطّرد في طول عهده فهو كما ورد في وصفهم: كأنما على\n_________\n(^١) سبق تخريجه قريبًا.\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٠)، ومسلم (٨) في حديث جبريل الطويل.","vol":"4","page":301},{"text":"رؤوسهم الطير. نعم، الحديث يدلّ على أن مثل ذلك الفعل في مثل تلك الحال جائز. كأن يكون أحدنا مسافرًا فيلقى أحدًا يبشره بما يسرّه، فأما في غير ذلك فلا.\nوبهذا وغيره تبيَّن أن اعتيادكم للرقص عند الذكر بدعة قبيحة، وإلى الله المشتكى.\nواستدلوا أيضًا بحديث لعب الحبشة بحرابهم (^١)، ولا دليل في هذا؛ لأنه من تعلُّم هيئة القتال.\nواستدلوا أيضًا بحديث الترمذي (^٢) عن عائشة قالت: كان رسول الله ﵌ جالسًا فسمعنا لَغَطًا وصوت صبيان، فقام رسول الله ﵌ فإذا حبشيّة تُزْفِن والصبيان حولها .. الحديث إلى أن قالت: إذ طلع عمر فارفضَّ الناسُ عنها. فقال رسول الله ﵌: «إني لأنظر إلى شياطين الجن والإنس قد فرُّوا من عمر».\n[ص ١٠] والجواب: أن هذا من باب اللعب واللهو الذي ليس بحرام بدليل إذنه ﵌ أن تنظر إليه وهي حينئذٍ (^٣) صبية صغيرة تستأنس إلى ما يلهو به الصبيان، كما ورد في لعبها بالبنات وغير ذلك.\nوقالت في حديث لعب الحبشة: فاقدروا قدر الجارية حديثة السن،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥١٩٠) ومسلم (٨٩٢) من حديث عائشة ﵁.\n(^٢) (٣٦٩١) وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. وأخرجه النسائي في «الكبرى» (٨٩٠٨).\n(^٣) في الأصل: «ح» اختصارًا لـ «حينئذٍ».","vol":"4","page":302},{"text":"الحريصة على اللهو.\nولكن قوله ﵌ في آخر الحديث: «إني لأنظر إلى شياطين الجن والإنس قد فروا من عُمر» يدلُّ على الكراهة. وإنما أقره ﵌ بيانًا للجواز. وفيه مع ذلك نحوٌ مما تقدم.\nوما أقبحَ الجهلَ والعنادَ! فِعْلٌ من الأفعال الجِبلّية معلوم بالضرورة أنه من اللهو واللعب وإنما وقع التقرير عليه مرة أو مرتين لبيان الجواز، فيجيء هؤلاء القوم يجعلونه من العبادة التي شرع الله تعالى لخلقه أن يستعملوها عند ذكره. وما أسوأَ هذا الفعلَ حيث يُقرَن بين ذكر لله تعالى وبين هذه الأفعال التي هي من اللهو واللعب! فما أجرأ من يفعل ذلك على الله تعالى، وأجْهَلَه بالأدب معه ﷾! بل ما أوهنَ إيمانَه؛ فإن كمال الإيمان الإحسان، والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك.\nوالخلاصة: أننا نقول لهؤلاء القوم: النزاعُ بيننا وبينكم في التطريب والتدفيف والرقص عند ذكر الله تعالى، والتزامُ ذلك دائمًا وعدُّه من وظائف العبادة وشرائط الذكر؛ هل كان الأمر عليه في عهد رسول الله ﵌، أو عهد أصحابه، أو عهد التابعين، وتابيعهم من المجتهدين وغيرهم، أو لا؟ وعلى التنزُّل فهل ورَدَ في دليلٍ صحيح أن النبي ﵌ فَعَل التطريبَ، أو التدفيفَ، أو الرقص في وقت ذكر الله تعالى، أو أذِنَ فيه، أو أقرّ عليه؟ كلّا، لم يكن شيء من ذلك. وهذا كافٍ في الدلالة على أن ما يفعله هؤلاء القوم مُحْدَث، وكلّ محدثةٍ بدعة، وكل بدعة ضلالة، وإلى الله المتشكى وعليه المتكل وهو غني عن العالمين.\n* * * *","vol":"4","page":303},{"text":"[ص ١١] الحمد لله\nبعد هذا قرأت في «تاريخ المحبّي» (^١) في ترجمة إبراهيم الصمادي الواعظ ما لفظه: «ومنهم مسلم الكبير مذكور في نسبهم (^٢)، وهو صاحب الطبل المستقرّ عندهم من نحاس أصفر كان معه في فتح عكة يضربون به عند سماعهم ووَجْدهم، وقد سُئل كثير من العلماء عنه فأفتى البدر الغزي والشمس بن حامد والتقوي ابن قاضي عجلون بإباحته في المسجد وغيره قياسًا على طبول الجهاد والحجيج؛ لأنها محركة للقلوب إلى الرغبة في سلوك الطريق، وهي بعيدة الأسلوب عن طريقة (^٣) أهل الفسق والشر».\nأقول: قوله: لأنها محركة للقلوب ... إلخ، يريد أن ذلك هو العلة المبنيّ عليها القياس، وهي الترغيب والتنشيط لسلوك ما في سلوكه مشقة من الخير.\nوالجواب: بمنع كون هذا الوصف هو العلة في الأصل. لِمَ لا تكون العلة هي قصد اهتداء من ضلّ من المجاهدين والحجاج؛ لأن المسافرين مع كثرتهم يتخلّف بعضهم لقضاء حاجته، ويعيى بعض المشاة، وتعيى دابّة بعض الركبان، وتشرد بعض دوابهم، ويعرِّس بعضهم وراء الجيش، ويبتعد بعضهم في طلب الماء أو طلب الظلّ في الهاجرة، أو طلب الطريق إذا ضل الدليل، وغير ذلك. ويعرض لهم ذلك دائمًا، فلا يكفي مجرّد التصويت لدفعه= لا جَرَم رُخِّص لهم في التطبيل.\n_________\n(^١) وهو «خلاصة الأثر»: (١/ ٥٠).\n(^٢) الأصل: «نِسبتهم» والمثبت من المصدر.\n(^٣) الأصل: «طريق» والمثبت من المصدر.","vol":"4","page":304},{"text":"ولو سُلّم أن في الوصف الذي ذكره مناسبة، فَلَنا أن نمنع كونه تمام العلة، لِمَ لا تكون العلة مجموع الوصفين، أي ما ذكره هو من التنشيط والترغيب وما ذكرناه نحن من الإعلام.\nولو تنازلنا بتسليم أن مجرّد الوصف الذي ذكره علة تامة، فيُعترض بأن المشقة وصف غير منضبط. ولو تسامحنا في هذا، فهي في الفرع أقلُّ مناسبة من الأصل؛ إذ مشقة السفر أشدّ من مشقة ذكر الله تعالى.\nولو تغاضينا عن هذا فيُعارَض بأن التطبيل بأي كيفية كان ظاهرٌ في قصد اللعب، وإباحته في سفر المجاهدين والحجاج لتخفيف المشقة لا يعارضها شيء، بخلافه في حالة الذكر والمساجد، فإنه يعارضه أن فيه انتهاك الحُرْمة.\nففي «صحيح مسلم» (^١) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: «مَن سمع رجلًا ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا ردّها الله عليك، فإن المساجد لم تُبْنَ لهذا». هذا مع أن نَشْد المرء لضالته مما ينبغي له؛ لما في تركه من تضييع المال. ونشد الضالة في المسجد له مناسبة لاجتماع الناس فيه، ولاسيَّما وقد يكون للمسجد أبواب، وإذا خرج الناس من المسجد اختلطوا وتكلموا، فوقعت الضوضاء فلا يقوم النّشْد خارج المسجد مُقامه داخله والناسُ مجتمعون هادئون. ومع ذلك فالمنع من ذلك عام، وأين هذا من التطبيل؟ !\nوفي «صحيح البخاري» (^٢) عن السائب بن يزيد قال: كنتُ قائمًا في\n_________\n(^١) (٥٦٨).\n(^٢) (٤٧٠).","vol":"4","page":305},{"text":"المسجد فحصبني رجل، فنظرت، فإذا هو عمر بن الخطاب ﵁ فقال: اذهب فأتني بهذين، فجئته بهما، فقال: ممن أنتما، أو من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف. قال: لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله ﵌.\nليت شعري لو رأى عمر هؤلاء الناس في بعض بيوت الله يضربون بطونهم ويرقصون ويصفقون ويغنون بالألحان، ويحرفون ذكر الله تعالى، ويذكرونه بما لم ينزل به من سلطان، ما كان يقول لهم؟ !\nثم إن في التطبيل تشتيت ذهن الذاكرين وغيرهم من المصلين، والمقصود من الذكر [ص ١٢] الإقبال على الله تعالى، وتصوّر معاني الذِّكر، والتخلّي عن سائر الشواغل والخواطر.\nفإن زعموا أنه لا يشغلهم ذلك عن الذكر فقد كذبوا، فقد كان القرآن يشغل الصحابة ﵃ عن الصلاة، ولذلك ورد: «لا يَشغَلنَّ قارئُكم مُصلّيكم» (^١) وما في معناه. وفي «الصحيحين» (^٢) عن عائشة قالت: صلَّى رسول الله ﵌ في خميصة لها أعلام، فنظر إلى أعلامها\n_________\n(^١) ذكره العجلوني في «كشف الخفاء»: (٢/ ٥٠٩، ٢٣٤) بلفظ: «لا يشوّش ...» ونقل عن النجم (الغزي) قوله: لا يعرف بهذا اللفظ. ونقل السخاوي في «المقاصد» (ص ٣٦١) عند كلامه على حديث: «ما أنصف القارئ ...» عن الحافظ ابن حجر قولَه: «يُغني عنه قوله   - ﷺ -: «لا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن» وهو صحيح من حديث البياضي في الموطأ [٢٩] وأبي داود». وهو في «المسند» (١٩٠٢٢).\n(^٢) البخاري (٣٧٣)، ومسلم (٥٥٦).","vol":"4","page":306},{"text":"نظرة، فلما انصرف قال: «اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم، وائتوني بأنبجانية أبي جهم، فإنها ألهتْني آنفًا عن صلاتي». ومثل هذا في السنّة كثير.\nمع أن أكثر المريدين الذين يحضرون الذكر من العامة الذين جلّ همهم التفرّج واللعب، وربما كان لبعضهم أغراض فاسدة، نسأل الله تعالى السلامة.\nومع التجاوز عما ذُكر، فنسأل المفتين هل يطردون علَّتهم في كل ما يطلب فيه الترغيب من الخير، كصلاة الجمعة والجماعة، وقراءة القرآن وتعلّم العلم وغير ذلك، فيكون المؤذّن يحضر معه طبلًا يطبّل به بعد الأذان ليرغّب الناسَ في الحضور. وعند الصلاة يؤتى بصبيان يطبلون لترغيب المصلين وتنشيطهم ولاسيّما في قيام رمضان، ويصنع ذلك في المسجد الحرام ومسجد النبي ﵊، ومسجد بيت المقدس، وغيرها من المساجد، فيصبح الدين مكاءً وتَصْديَة، ولاسيّما إذا ضموا إلى ذلك الغناء بالألحان والأصوات الحسان ليكون ذلك أبلغ في الترغيب والتنشيط قياسًا على الحَدْوِ في السَّفَر.\nفإن استحيوا من الله تعالى ومِن رسوله وكتابه ومِن المسلمين، فذلك المطلوب، وإن ارتكب المفتون ما يقتضي الطرد، قلنا لهم: فإن حكم الصلوات والجُمَع والجماعات والاجتماعات لقراءة القرآن وتعلّم العلم والاجتماع للذّكر الذي هو الفرع المتكلَّم فيه في مسألتنا معلوم من السنة المتواترة والإجماع المقطوع به المطبق عليه في القرون الثلاثة الفاضلة، وعدّة قرون بعدها= وهو حرمة التطبيل في شيء من ذلك، مع وجود الاجتماعات للذكر وغيره ووجود الطبول ووجود قصد الترغيب.","vol":"4","page":307},{"text":"فلو فُرِض انتظام القياس لكان معارضًا بالسنة المتواترة والإجماع القطعي، فكيف يعتبر والسنة تَثبت بالترك كما تَثبت بالفعل؟ قال الشوكاني في «إرشاد الفحول» (^١): «تركه ﵌ للشيء كفعله في التأسّي به فيه، قال ابن السمعاني: إذا ترك الرسول ﵌ شيئًا وجب علينا متابعته فيه، ألا ترى أنه ﵌ لما قُدِّم إليه الضبّ فأمسك عنه، وترك أكله= أمسك عنه الصحابة وتركوه إلى أن قال لهم: «إنه ليس بأرض قومي فأَجِدُني أعافه» وأَذِن لهم في أكله ...» إلخ.\nولو أردنا استيفاء ما يتعلق بالمقام لطال الكلام ولكن فيما ذكرناه كفاية، فقد أبطلنا ذلك القياس ببضعة أوجه، كل واحد منها كافٍ في المطلوب، وأنه تبين لكل عاقل أن التطبيل في المسجد أو عند الذكر بدعة ضلالة. والله المسؤول أن يهدينا وسائر المسلمين ويوفّقنا لاتباع سراطه المستقيم.\n_________\n(^١) (١/ ٢٢٥).","vol":"4","page":308},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-180>المسألة الثالثة\nالنداء للغائبين والموتى وغيرهم</span>\n• تمهيد.\n• المقام الأول: علم الغيب.\n• المقام الثاني: في تصرُّف بعض بني آدم في الكون.\n• المقام الثالث: النداء والطلب.","vol":"4","page":309},{"text":"(^١) [٢٣١] إذا تقرَّر ذلك فلا يخفى أنه قد شاع بين الناس النداءُ للغائبين والموتى، والطلبُ منهم ومن الحاضرين ممن يُعرف بالصلاح للأشياء التي لا يقدر عليها البشر عادةً.\nوالكلامُ على هذا يستدعي النظر في ثلاثة مقامات:\nالأول: في الاطلاع على الغيب.\nالثاني: في قدرة بعض البشر على التصرّف في الكائنات بما لا يقدر عليه البشر عادةً.\nالثالث: في النداء والطلب.\n* * * *\n_________\n(^١) لم نعثر على ما قبلها من الكلام، ولا ندري ما مقدار النقص في هذا الموضع.","vol":"4","page":311},{"text":"[*١] (^١)<span data-type=\"title\" id=toc-181> المقام الأول\nعلم الغيب</span>\nالعلم والمراد به القطعي ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: العلم الذاتي، وهو علم الله ﷾، ويلحق به علم المخلوق المُدرِك له بذاته بسببٍ عاديّ، أي: لا باستناده إلى إخبار غيره له، ولا باستناده إلى سببٍ غير عاديّ.\nالقسم الثاني: العلم الخارق، أي المستند إلى سببٍ غير عاديّ، أو إلى سببٍ عاديّ ولكن بكيفية غير عادية.\nالقسم الثالث: العلم الخبري، أي المستند إلى الإخبار.\nوالغيب: عبارة عما غاب عن إدراك المخلوق له بعلمه الذاتي عادةً، وهو قسمان:\nالأول: ما هو غائب عن الخلق كلهم عادةً.\nالثاني: ما يختلف باختلاف الخلق، بأن يكون غيبًا بالنظر إلى مخلوق، غيرَ غيبٍ بالنظر إلى آخر.\nفالصور ست:\nالأول: العلم الذاتي بما هو غيب عن جميع الخلق عادةً.\n_________\n(^١) هذا الترقيم المسبوق بـ (*) هو لمجموعة من الأوراق تتعلق بكتابنا هذا وجدناها في مجموع آخر برقم (٤٧٠٧). كما استفدنا من هذا المجموع في مواضع أخرى كما بينّاه في مقدمة التحقيق.","vol":"4","page":312},{"text":"الثانية: العلم الذاتي بالأشياء التي تختلف باختلاف الخلق.\nالثالثة: العلم الخارق بما هو غيب عن جميع الخلق عادةً.\nالرابعة: العلم الخارق بالأشياء التي تختلف باختلاف الخلق.\n\nالخامسة:<span data-type=\"title\" id=toc-183> العلم الخبري بما هو غيب عن جميع الخلق </span>عادة.\nالسادسة: العلم الخبري بالأشياء التي تختلف باختلاف الخلق.\nفأقول مستعينًا بالله ﷿ (^١):\n[*٢] الصورة الخامسة: العلم الخبريّ بما هو غيب عن جميع الخلق.\nلا يخفى أن العلم الخبري إنما يحصل بأحد خمسة أمور:\nالأول: بخطاب الله ﷻ للمخلوق مباشرةً من وراء حجاب.\nالثاني: بخَلْقه العلمَ الضروريَّ في القلب.\nالثالث: بخطاب المَلَك المعلومُ أنه مَلَك.\nوهذه الثلاثة هي الواردة في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى: ٥١].\nالرابع: بخطاب النبيّ.\nالخامس: بإخبار عدد التواتر.\n_________\n(^١) لم نجد الكلام على الصور الأربع الأولى، وما وجدناه يبدأ بالكلام على الصورة الخامسة.","vol":"4","page":313},{"text":"أما الأول والثاني، فإنه في الدنيا كالصورة الرابعة يعمّ وقوعه للأنبياء جميعهم، ولبعض الملائكة، ويدّعيه بعضُهم لبعض الأولياء، وفي الآخرة لجميع المؤمنين. والله أعلم.\nوأما الثالث، فإنه يقع في الدنيا للأنبياء جميعهم وللملائكة؛ بأن يخبر بعضُهم بعضًا، وليس فيه ما يقع للشياطين التي تسترق السمع كما سيأتي (^١)، ويدّعي بعضُهم وقوعَه للأولياء، وسيأتي الكلامُ فيه إن شاء الله تعالى (^٢). وأما في الآخرة فإنه يقع لجميع الناس.\nفإن قيل: فظاهر القرآن وقوعه؛ وقع لحوّاء إذ كانت في الجنة، ولإبليس إذ كان في الجنة.\nقلت: الله أعلم هل كان خطاب حوّاء مباشرة أو بواسطة آدم؟ وهل كان خطاب إبليس مباشرة أو بواسطة بعض الملائكة؟ فإن ثبت وقوعُه مباشرةً فهما حينئذٍ في الجنة، وقد تقدّم أنه يقع في الآخرة لجميع أهل الجنة. والله أعلم.\nوأما الرابع، فإنه ممكن لكلّ مَن لقي النبي ﵌ في حياته، سواء في الدنيا أو في الآخرة، فأمّا مَن لقيه في الرُّؤيا فإن إخباره حينئذٍ لا يحصِّل العلم كما سيأتي إن شاء الله تعالى (^٣).\nويدّعي بعضُ الأولياء الاجتماع بالنبيِّ ﵌ بعد\n_________\n(^١) (ص ٣٤٤ - ٣٤٨).\n(^٢) (ص ٣٤١ - ٣٤٤).\n(^٣) (ص ٣٢٨ وما بعدها).","vol":"4","page":314},{"text":"موته يقظةً، وهذا إن صحّ فهو في حكم الرؤيا، فلا يحصُل بإخباره العلم كما سيأتي إن شاء الله تعالى (^١).\nوأما الخامس، فهو ممكن لكل أحدٍ.\nوأما ما قد يقع بواسطة الخارقة، كإخبار الطفل الذي لم يبلغ حدَّ النُّطق، وإخبار الحيوانات غير الناطقة، وإخبار الجمادات= فإنّ ذلك لا يحصّل للمُخْبَر العلم القطعيّ بصدق الخبر، لتطرّق الاحتمالات إلى جميع ذلك فتأمّل.\nوكذا ما يقع من إخبار الجن للكُهّان ومَن في معناهم، وما يقع من إخبار النائم في التنويم المغناطيسي، فإنه لا يحصِّل القطع أيضًا.\n* * * *\n_________\n(^١) (ص ٣٢٨ وما بعدها).","vol":"4","page":315},{"text":"[فصل في أنه لا يعلم الغيب إلا الله، ولا يعلمه لا نبي ولا ولي]\n[*٣] (^١) قال الله تعالى لرسوله: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ٥٠]، وقال له: ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (٥٧) قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (٥٨) وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ الآية [الأنعام: ٥٧ - ٥٩].\nوقال له: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٨]. والعلمُ المنفيُّ في هذه الآية يتناول العلمَ الذاتيّ، ويتناول الإظهار على جميع الغيب؛ بدليل قوله: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾. واستكثارُ الخير وعدمُ مسّ السوء لا يتوقّف إلّا على مطلق المعرفة بالغيب، سواء بالعلم أو بالاطلاع، فتأمَّل.\nوحكى ﷾ عن نبيه نوح مثل ذلك، وذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [هود: ٣١].\n_________\n(^١) من هنا وجدنا هذا المبحث في اختصاص علم الغيب بالله تعالى في المجموع المشار إليه سالفًا رقم [٤٧٠٧].","vol":"4","page":316},{"text":"وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ الآية [الإسراء: ٣٦].\nوقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا (٢٥) عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٥ - ٢٨].\nدلّت هذه الآية أنه ﷾ وحدَه عالمُ الغيب فلا يُظهر على غيبه أحدًا إلا مَن ارتضى من رسله فإنه يطلعه على ما لا بدّ منه لأداء الرسالة، بعد أن يسلك من بين يديه ومن خلفه رَصَدًا من الملائكة يحفظونه من تلبيس الشياطين وتخييلهم، وهي مُبيّنة لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ١٧٩].\nوقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤]، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل: ٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠١]. والآيات في هذا كثيرة.\nوانظر قصة نبيِّ الله يعقوب ومُكْثه تلك السنين العديدة لا يعلم أين ابنُه ــ ﵉ ــ وإن كان قد أُعْلِم أنه حيّ.","vol":"4","page":317},{"text":"[فصل في علم النبي - ﷺ - بالغيب]\n[فإن قيل: إن الله قد أظهر نبيَّه محمدًا ﵌ على جميع الموجودات، فقد روى معاذ بن جبل قال: احتبس عنّا رسول الله ﵌ ذات غداةٍ عن صلاة الصبح حتى كدنا نتراءى عين الشمس، فخرج سريعًا، فثُوّب بالصلاة، فصلّى رسول الله ﵌ وتجوَّز في صلاته، فلما سلّم دعا بصوته قال لنا: «على مصافّكم كما أنتم»، ثم انفتل إلينا، ثم قال: «أما إني سأحدثكم ما حبسني] (^١) [*٤] عنكم الغداة: أني قمت من الليل فتوضأتُ وصليتُ ما قُدِّر لي، فنعستُ في صلاتي حتى استثقلتُ، فإذا أنا بربّي في أحسن صورة، فقال: يا محمد! قلت: لبيك ربّ، قال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري، قالها ثلاثًا.\nقال: فرأيته وضع كفّه بين كتفي حتى وجدت بَرْد أنامله بين ثديي، فتجلّى لي كل شيءٍ وعرفتُ، فقال: يا محمد، قلت: لبيك ربّ، قال: فيمَ يختصمُ الملأ الأعلى؟ قلت: في الكفَّارات ....» الحديث.\nرواه أحمد والترمذي (^٢) وقال: «حسن صحيح، وسألتُ محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال: هذا حديث صحيح».\n_________\n(^١) ما بين المعكوفين إضافة يكتمل بها السياق، وبقية نص الحديث سقته من كتاب «المشكاة» لأنها مصدر المؤلف في نقل الحديث كما مرّ التنبيه عليه مرارًا.\n(^٢) أخرجه أحمد (٢٢١٠٩)، والترمذي (٣٢٣٥)، والذي فيه عن البخاري «حسن صحيح ...». وروي من حديث عبد الرحمن بن عائش عن بعض أصحاب النبي - ﷺ -، أخرجه أحمد (٢٣٢١٠)، وله شاهد من حديث ابن عباس أخرجه الترمذي (٣٢٣٣) وأحمد (٣٤٨٤).","vol":"4","page":318},{"text":"فيقال: إن ظاهر قوله: «فتجلّى لي كلُّ شيء» العموم في سائر الموجودات، فيكون الله تعالى أظهره حينئذٍ على جميع الكائنات.\nوالجواب: أن المراد ــ والله أعلم ــ كلّ شيء مما يختصم فيه الملأ الأعلى، كما يدلّ عليه السياق، فإن السؤال إنما وقع على ذلك، والإظهار إنما وقع ليعلم ذلك كما هو ظاهر من السياق.\nفإن قيل: فإن في بعض روايات الحديث: «فتجلّى لي ما في السموات والأرض، وتلا: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥]» (^١).\nقلت: إن صحّ بهذا اللفظ فيحتمل أن يكون مِن تصرُّف بعض الرواة، فَهِمه من قوله: «فتجلّى لي كلُّ شيء وعرفتُ» أن المراد كلّ شيءٍ في السموات والأرض، فروى بالمعنى الذي فهمَه، ويُبْعِد هذا تلاوة الآية.\nوعلى كل حال فلا أظنَّ هذا اللفظ يصح؛ لأن الظاهر من معنى الآية،\n_________\n(^١) أخرج هذه الرواية أحمد (١٦٦٢١ و٢٣٢١٠) عن عبد الرحمن بن عائش عن بعض أصحاب النبي   - ﷺ -، وأخرجها ابن خزيمة في «التوحيد» (٣١٨)، والدارمي في «مسنده» (٢١٩٥) عن عبد الرحمن بن عائش سمعتُ النبي   - ﷺ -  .\n\nقال البخاري فيما نقله عنه الترمذي: «وهذا غير محفوظ، ذكر الوليد في حديثه عن عبد الرحمن بن عائش قال: سمعت رسول الله   - ﷺ -  . وروى بشر بن بكر عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر هذا الحديث بهذا الإسناد عن عبد الرحمن بن عائش عن النبي   - ﷺ -   وهذا أصح، وعبد الرحمن بن عائش لم يسمع من النبي   - ﷺ -». «جامع الترمذي» (٥/ ٣٦٨)، و«العلل الكبير»: (٢/ ٨٩٤).\nونحوه ذكر ابن خزيمة. وانظر حاشية «المسند»: (٢٧/ ١٧٢ - ١٧٤).","vol":"4","page":319},{"text":"كما يدلّ عليه ما بعدها، أن المراد ــ والله أعلم ــ بقوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ أي: نوجّه نظرَه إلى أشياء من آيات مُلْكنا في السماوات والأرض، ونفتح له بسببها فهمًا واستدلالًا يؤكّد يقينه في نفسه، ويكون له حجةً على قومه. فإنّ عقب هذه الآية: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا﴾ الآيات، وظاهر ترتيبها بالفاء أنها من ثمرة قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي﴾ وهذا ظاهر فيما قلناه.\nوقوله: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ استفهام بِحَذْف أداته لتكون على صورة الإخبار، فيظن قومه أن ذلك منه إخبار، وأنه موافق لهم في دينهم، ليكون ذلك أدعى إلى نظرهم وتأمّلهم وعَقْلِهم الحجة فيه (^١)، والله أعلم.\n[*٥] ومما يدلّ على أنه ليس المراد من الآية أن الله تعالى أظهر إبراهيم على جميع الغيب قولُه بعد هذه الآيات: ﴿وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الأنعام: ٨٠]. ولما جاءه الملائكة لم يعرف أنهم ملائكة، بل ذهب فجاءهم بعجلٍ حنيذٍ، فلما رأى أيديهم لا تَصِل إليه نَكِرَهم وأوجس منهم خيفة.\nوفي حديث «الصحيحين» (^٢) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: «لم يكذب إبراهيم ...» الحديث «بينا هو ذات يوم وسارة إذ أتى على جبارٍ من الجبابرة، فقيل له: إن ههنا رجلًا ...» الحديث،\n_________\n(^١) غير واضحة ولعلها ما أثبتّ.\n(^٢) البخاري (٣٣٥٨)، ومسلم (٢٣٧١).","vol":"4","page":320},{"text":"وفي آخره: «فأتته ــ أي إبراهيم ــ وهو قائم يصلي فقال: مَهْيَم ...» الحديث.\nوالحاصل أنه من أَمْحَل المحال أن يُظهر الله عبدًا من عبيده على جميع غيبه، وحسبك أن الله تعالى متعبِّد عبيدَه بالدعاء، فكيف يدعو العبد فيما قد عُلِم أنه واقع أو غير واقع، وقد قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٧) قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٧ - ١٨٨].\nومرّ (^١) أن قوله: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ كما يدلُّ على عدم العلم الذاتيّ يدلّ على عدم الإظهار على جميع الغيب، لأن استكثاره الخير وعدم مسّ السوء له لازمٌ لإظهاره على جميع الغيب، كما هو لازم للذّاتي، فلا يتمّ المنع إلا بامتناعهما معًا.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ وما بعده يدلّ على أن الساعة لم يُظْهِر اللهُ على وقتها أحدًا من خلقه، والآيات في هذا المعنى كثيرة.\n[*٦] وأما الأحاديث الدالة على ما قدمنا فهي كثيرة لا تُحصى، ففي حديث جبريل الثابت في «الصحيحين» (^٢): «متى الساعة؟ فقال: ما\n_________\n(^١) (ص ٣١٦).\n(^٢) البخاري (٥٠)، ومسلم (٩) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"4","page":321},{"text":"المسؤول عنها بأعلمَ مِن السائل، وسأخبرك عن أشراطها: إذا ولدت الأمةُ ربَّتها، وإذا تطاولت رُعاة الإبل البهم في البنيان، في خمسٍ لا يعلمهنَّ إلا الله، ثم تلا النبي ﵌: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤]» الحديث.\nوفي «الصحيحين» (^١) أيضًا عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﵌: «مفاتح الغيب خمس لا يعلمهنَّ إلّا الله، فقال: لا يعلم أحدٌ ما يكون في غدٍ، ولا يعلم أحدٌ ما يكون في الأرحام، ولا تعلم نفسٌ ماذا تَكْسِب غدًا، ولا تدري نفسٌ بأيّ أرضٍ تموت، وما يدري أحدٌ متى يجيء المطر».\nوأخرج الإمام أحمد والبزَّار والضياء المقدسي في «المختارة» (^٢) وغيرهم عن بُريدة قال: سمعتُ رسول الله ﵌ يقول: «خمسٌ لا يعلمهنّ إلا الله: إن الله عنده علم الساعة ...» (^٣) [الحديث.\nوأخرج] (^٤) الشيخان والترمذيّ والنسائيّ وأحمد وغيرهم عن أمّ المؤمنين عائشة ﵂ قالت: مَن زعم أن محمدًا ﵌ يخبر الناسَ بما يكون في غدٍ ــ وفي رواية: يعلم ما في غدٍ ــ فقد أَعْظَم\n_________\n(^١) البخاري (٤٦٩٧) ولم أجده في مسلم من حديث ابن عمر.\n(^٢) ليس في المطبوع منها.\n(^٣) أخرجه أحمد (٢٢٩٨٦)، والبزار (٤٤٠٩)، والضياء كما في «جمع الجوامع» (١٢٢٨٧).\n(^٤) ما بين المعكوفين مطموس، ولعله ما قدّرتُه.","vol":"4","page":322},{"text":"على الله الفِرْيَةَ، والله تعالى يقول: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (^١) [النمل: ٦٥].\nوالعلم المنفيّ في الآية والأحاديث هو العلم الذاتيّ، فلا يُنافي أنّ الله تعالى قد يُظهر الرسلَ على شيءٍ من الخَمْس وغيرها، فهذا القرآن مَلْآنُ بالإخبار عما سيكون يوم القيامة، وهو داخلٌ فيما سيكون في غدٍ.\nوأحاديثُ الشفاعة نصٌّ على أنه ﵌ أُعْلِم ببعض ما سيكون له يوم القيامة، وذلك داخل في قوله تعالى: ﴿مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾. والمراد بالعلم فيها العلم القطعيّ، فلا يُنافي هذا ظنّ نزول المطر وغيره، وظنّ صاحب الرؤيا والمحدَّث، وظنّ المنجّم والكاهن ومَن في معناهما.\nنعم إن الله تعالى لا يظهر أحدًا كائنًا مَن كان على كل شيءٍ من غيبه، بل الثابت إظهار الرسل على بعض الجزئيات بحسب ما تقتضيه الحكمة.\n[*٧] والحاصل أن الأدلة على أنه ﵌ لم يكن مُظْهَرًا على جميع الغيب لا تُحصَى من الكتاب والسنة، وبذلك يتعيّن حمل قوله ﵌: «فتجلّى لي كلُّ شيء وعرفتُ ...» على الأشياء التي يختصم فيها الملأ الأعلى، كما يدلّ عليه السياق (^٢).\n_________\n(^١) البخاري (٣٢٣٤) من طريق القاسم عن عائشة وليس فيه هذا اللفظ، ومسلم (١٧٧)، والترمذي (٣٠٦٨)، والنسائي في «الكبرى» (١١٤٦٨)، وأحمد (٢٤٢٢٧) كلهم من طريق مسروق عن عائشة.\n(^٢) انظر ما سبق (ص ٣١٨).","vol":"4","page":323},{"text":"وهذا أولى من أن يقال: إن الله تعالى أظهره حينئذٍ على ما في السموات وما في الأرض ثم سَتَر ذلك عنه. وأولى من أن يُقال: إن هذا الإظهار كان في آخر عمره ﵌، فلا يلزم عليه عدم الاحتياج إلى الوحي، ولا عدم التكليف بالدعاء، ولا غير ذلك من الأشياء؛ لأن راويه معاذ بن جبل ﵁ خرج إلى اليمن قبل وفاة النبي ﵌ بكثير.\nوسيأتي قريبًا ما يدلّ على أنه ﵌ لم يُظْهَر على جميع الغيب بعد موته، ومنه حديث «الصحيحين» (^١) في ذكر الحوض، وفيه: أنه يقال له ﵌: «إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك».\n[*٨] وقد بقي حديثٌ آخر أخرجاه في «الصحيحين» (^٢) عن حذيفة قال: «قام فينا رسول الله ﵌ مَقامًا ما ترك شيئًا يكون في مَقامه ذلك إلى قيام الساعة إلَّا حدَّث به، حَفِظه مَن حَفِظه، ونسيه مَن نسيه، قد عَلِمَه أصحابي هؤلاء، وإنه ليكون منه الشيء قد نسيتُه، فأراه فأذكره كما يذكر الرجلُ وجهَ الرجلِ إذا غاب عنه، ثم إذا رآه عرفه».\nوالجواب عنه: أنَّ المراد ما ترك شيئًا من الأمور العظيمة والفتن الجسيمة، كما يدلُّ عليه حديث أبي داود (^٣) عن حذيفة قال: «والله ما أدري،\n_________\n(^١) البخاري (٤٦٢٥)، ومسلم (٢٨٦٠) من حديث ابن عباس، وجاء من حديث أبي هريرة وأنس وابن مسعود ﵃ في الصحيحين وغيرهما.\n(^٢) مسلم (٢٨٩١) وليس عند البخاري من حديث حذيفة، وهو عنده بنحوه من حديث عمر (٣١٩٢).\n(^٣) (٤٢٤٣). وفي إسناده ضعف.","vol":"4","page":324},{"text":"أنسي أصحابي أم تناسَوا؟ والله ما ترك رسول الله ﵌ مِن قائدِ فتنةٍ إلى أن تنقضي الدنيا يبلغ مَن معه ثلثمائة فصاعدًا إلا قد سمَّاه لنا باسمه واسم أبيه واسم قبيلته».\nوالحديث على كلِّ حال مشكل؛ أمَّا أولًا: فلأنَّ المقامَ الواحد، بل الأشْهُر لا تسع ذِكرَ كلِّ رئيس ثلثمائة فصاعدًا، فضلًا عن كلِّ شيء. والمعجزة ممكنة، والله على كل شيء قدير، ولكن ظاهر الأحاديث أنَّ ذلك جارٍ على مقتضى العادة.\nوأمَّا ثانيًا: فلأن الصحابة ﵃ وقعوا في فتن بعده ﵌ [*٩] فما لهم لم يحفظوا ما قال ﵌ فيها، وربما حفظوا القليل.\nفإن قيل: لعلّ الله تعالى أنساهم عامَّةَ ذلك لِمَا سبق في حكمته، فقد بقي إشكال آخر، وهو أنه لا يظهر فائدة عظيمة للإخبار ثم الإنساء. فأما الإخبار ببعض الفتن وعدم إنسائه، ففيه فائدة لمن أدركها؛ يَسْتدلّ على الحقّ من الباطل.\nثم إن إظهارهم على ما سيكون بهم تفصيلًا منافٍ للتكليف، كما دلّ عليه: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف: ١٨٨] كما مرَّ بيانه (^١).\nوالذي يترجَّح في معنى الحديث ــ والله أعلم ــ ما قدَّمناه: أن المراد من الأمور العِظام والفتن الجسام التي تهمُّ الإسلام، ويفزع لها الخاص والعام.\n_________\n(^١) (ص ٣٢١).","vol":"4","page":325},{"text":"وأما تقييده في حديث أبي داود برئيس ثلثمائة فصاعدًا، فلعلَّه قاله بناء على ظنِّه، كأنه ــ والله أعلم ــ رأى جماعةً كلَّهم رئيس ثلثمائة قد ذكرهم النبيُّ ﵌ فقاس على ذلك المذكورين إلى يوم القيامة.\nوفي هذا القياس نظر، فإن مقتضى الحكمة أن يذكر النبيُّ ﵌ الفتنَ الصغارَ التي تلي موته لأهميتها، ولا يقتضي أن يستقصي ذلك إلى يوم القيامة، بل يُكتفى بالأمور العامة.\nوقد روى مسلم (^١) عن عَمرو بن أخْطَب الأنصاري، قال: «صلَّى بنا رسول الله ﵌ يومًا الفجر، وصعد على المنبر، فخَطَبنا حتى حضرت الظهر فنزل فصلَّى، ثم صعد المنبر فخطبنا حتى حضرت العصر ثم نزل فصلى، ثم صعد المنبر حتى غربت الشمس فأخبرنا بما هو كائن إلى يوم القيامة». قال: «فأعلمُنا أحفظُنا». وهو في معنى حديث حذيفة، والكلام عليه مثلُه.\nوأنا مؤمن بأن الله ﷿ على كلِّ شيء قدير، وأن رسوله ﵌ أهلٌ لأن يكرمه الله بكل كرامة يمكن أن يُكرَم بها أحدٌ من عباد الله تعالى، فيُظهره على ما شاء من الغيب، ويطوي له الزمان حتَّى يتكلم في الساعة الكلامَ الذي لا تسعه إلا السنون العديدة وغير ذلك.\nوإنما اضطرَّني إلى التأويل الجمعُ بين الأدلة كما علمتَ، مع أن اتِّساع المعلومات الكونية ليس من الفضل المقصود للأنبياء ﵈، فنفيُ شيء منه عنهم لا يُوهم نقصًا.\n_________\n(^١) (٢٨٩٢).","vol":"4","page":326},{"text":"وعلى كلِّ حال، فالحديثان لا يدلَّان على أنه ﵌ أُظهر على جميع الغيب؛ كيف والدنيا بما فيها ليست بالنسبة إلى الآخرة شيئًا .... (^١)، والله أعلم، وهو حسبي ونعم الوكيل.\n* * * *\n_________\n(^١) نحو ثلاث كلمات ذهب بأكثرها قطع في طرف الورقة.","vol":"4","page":327},{"text":"[القسم الأول من الغيب]\n[ومما يَستدلّ به أهلُ الأرض على بعض الغيب من القسم الأول ولا يحصّل إلا الظن: الرؤيا. وفي «صحيح البخاري» (^١) عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله] (^٢) [١٨٥] ﵌: «الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءً من النبوّة». ولهما (^٣) [عن] (^٤) أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: «إذا اقترب الزمان لم تَكَد تكذب رؤيا المؤمن، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوّة ...» الحديث.\nفيقال: إن تلك الطرق التي ذكرناها آنفًا ستٌّ وأربعون طريقًا، خمسٌ وأربعون منها خاصة بالأنبياء، وواحد يكون لغيرهم، وهي الرؤيا. والمراد برؤيا المؤمن في حديث أبي هريرة: رؤياه الصالحة، فقد تكون رؤياه غير صالحة، كما يُشير إليه قوله في أول الحديث: «لم تكد». وهذا يدل أن رؤيا المؤمن قد تكذب ولكن الغالب صدقها.\nومما يصرّح بهذا: حديث «الصحيحين» (^٥) عن أبي قتادة قال: قال\n_________\n(^١) (٦٩٨٩).\n(^٢) لم نعثر على أول الكلام في هذا المبحث المتعلّق بالرؤيا، فأضفت ما بين المعكوفين ليتم به السياق. وانظر (ص ٣٤١) وساق المؤلف هذا الحديث ضمن حُجج مَن يرى أن في الرؤيا دليلًا على علم الغيب، ويأتي جواب المؤلف بعده.\nتنبيه: في مجموع [٤٧٠٧] كلام على الرؤيا وتأويلها لكنه ناقص أصيبت بعض أوراقه بتلف بالغ، فأثبت ما ظهر منه في ملحق آخر الكتاب.\n(^٣) البخاري (٧٠١٧)، ومسلم (٢٢٦٣).\n(^٤) خرم في طرف الورقة أتى على هذا الحرف.\n(^٥) البخاري (٣٢٩٢)، ومسلم (٢٢٦١). واللفظ ساقه المؤلف من «المشكاة» (٢/ ٥٤٤).","vol":"4","page":328},{"text":"رسول الله ﵌: «الرؤيا الصالحة مِن الله، والحُلُم من الشيطان، فإن رأى أحدُكم ما يحبّ فلا يحدِّث به إلا مَن يحبّ، وإذا رأى ما يكره فليتعوّذ بالله من شرِّها ومن شرِّ الشيطان، ولْيتفُل ثلاثًا، ولا يحدّث بها أحدًا فإنها لن تضرّه» ا؟ .\nوقد قال قومٌ في معنى الستة والأربعين: أن مدّة نبوّة نبينا ﵌ كانت ثلاثًا وعشرين عامًا، فمنها ستة أشهر كان يرى الرؤيا الصالحة، ثم جاء الوحي فيما بعدها. ونِسْبةُ الستة الأشهر إلى الثلاثة وعشرين عامًا جزءٌ من ستة وأربعين.\nوهذه مناسبةٌ ظاهرُها حَسَن، ولكن عند التحقيق يترجّح ما بينّاه أولًا؛ وذلك أن مُدّة نبوّته ﵌ مختلَف فيها، ومدّة الرؤيا منها غير معلومة، ومع ذلك فلم تنقطع الرؤيا عنه ﵌ بعد أن جاءه صريحُ الوحي، بل مكثت إلى أن توفَّاه الله تعالى وهو يرى في نومه.\nوأيضًا الحديث جعل الرؤيا ظاهرةً بتقسيم أجزاء النبوة إلى ستة وأربعين، فما بينّاه سابقًا أقرب إلى لفظه.\nثم رأيتُ بعضَهم (^١) قال: «وذَكَر الحليميُّ أن الوحي كان يأتيه ﵌ على ستة وأربعين نوعًا، مثل النفث في الرُّوع، وتمثّل المَلَك له بصورة دحية مثلًا، وسماعه مثل صلصلة الجرس، إلى غير ذلك، ولذا قال ﵌ ما قال». اهـ\n_________\n(^١) هو الآلوسي في «روح المعاني»: (١٢/ ١٨٢). وكلام الحليمي في كتابه «شعب الإيمان»، ونقله الحافظ في «الفتح»: (١/ ٢٠).","vol":"4","page":329},{"text":"قلت: وهذا ــ والحمد لله ــ هو الذي ظهر لي. ويؤيِّده أنه ورد في بعض الروايات: «من خمسة وأربعين» (^١)، وفي أخرى: «من سبعين جزءًا» (^٢).\nونَقَل (^٣) عن الحافظ ابن حجر أنه قال: إن كون الرؤيا الصالحة جزءًا من كذا من النبوّة= إنما هو باعتبار صِدْقها لا غير، وإلّا لساغ لصاحبها أن يسمّى نبيًّا، وليس كذلك.\nأقول: بتأمل ما تقدم يظهر أن المراد بالأجزاء: العلوم، لأن النبوّة [من] (^٤) حيث هي لا تتجزَّأ، [فلا] يقال: [بُعِث نبيّ وربع] ...، فالأجزاء عبارة عن العلوم لا غير، والمعنى: أن الرؤيا عِلْمٌ من جُملة علوم النبوة. والله أعلم.\n[١٨٦] ثم اعْلَم أن الرؤيا تنقسم ــ كما قال ابن سيرين ــ إلى أقسام: حديث النفس، وتخويف الشيطان، وبُشرى من الله تعالى (^٥).\nوهذا الذي قاله ابنُ سيرين حقّ. أما حديث النفس، فلأننا نجد من أنفسنا كثيرًا أنّنا نكون في بعض الأيام نتكلّم في شيء أو نتفكّر أو نهتمّ في\n_________\n(^١) في حديث أبي هريرة ﵁ في «صحيح مسلم» (٢٢٦٣).\n(^٢) في حديث ابن عمر ﵄ في «صحيح مسلم» (٢٢٦٥).\n(^٣) يعني الآلوسي في «روح المعاني». وكلام الحافظ في «فتح الباري»: (١/ ٢٠).\n(^٤) ما بين المعكوفات في هذه الفقرة تقدير لكلمات في طرف الورقة لم تظهر بتمامها وبقيت بعض آثارها.\n(^٥) هذا التقسيم لأنواع الرؤيا مذكور في حديث أبي هريرة في البخاري (٧٠١٧)، ومسلم (٢٢٦٣)، وقد اختلف في رفعه ووقفه، ورجَّح البخاري الوقف. وقائلها هو أبو هريرة ﵁ نقلها عنه محمد بن سيرين. وانظر «فتح الباري»: (١٢/ ٤٠٧).","vol":"4","page":330},{"text":"شأنه، فإذا نمنا عقِب ذلك حلمنا بما يتعلّق به.\nأما تخويف الشيطان، فقد ثبت في الأحاديث الصحيحة؛ ففي «الصحيحين» (^١) عن أبي قتادة قال: قال رسول الله ﵌: «الرؤيا الصالحة من الله والحلم من الشيطان ..» الحديث.\nوإنما سكت عن القسم الثالث وهو حديث النفس؛ لأنه لا بد أن يحضره إما الشيطان وإما الملك، فإن حضره الشيطان التحق بقسمه، وإن حضره الملك التحق بقسمه.\nوإذا كان كذلك فالرائي لا يقطع برؤياه أنها من قسم بعينه، ولاسيّما والرؤيا التي هي من الله تعالى قد تكون مُنْذرة، وإنما أُطلق عليها «المبشّرات» في الحديث السابق تغليبًا كما نُقل عن السيوطي؛ وعليه فلا سبيل للرائي إلى القطع بأنّ رؤياه من الله تعالى، وإنما معه الظن فقط، ومع ذلك فالرؤيا التي من الله تعالى تحتاج إلى تأويل وتعبير.\nوقد تقدم في المسألة الثانية (^٢) في الكلام على رؤيا النبي ﵌ قوله تعالى: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ﴾ [الأنفال: ٤٣] فارجع إليها.\nوقصّ الله تعالى في كتابه رؤيا يوسف ﵇، وهي حقّ، وهي محتاجة إلى التعبير كما لا يخفى.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٢٩٢)، ومسلم (٢٢٦١).\n(^٢) لم يتقدم شيء هنا، فهو مما فُقِد من هذه الرسالة. انظر أول هذا المبحث (ص ٣٠٨)، ومقدمة التحقيق.","vol":"4","page":331},{"text":"والأحاديث الصحيحة كثيرة في مرائي نبينا ﵌، وأكثرها مؤوَّلة، منها: رؤياه الناس يُعْرَضون عليه وعليهم قُمُص، منها ما يبلغ الثُّديّ، ومنها ما دون ذلك، وعُرِض عليه عمر بن الخطاب وعليه قميص يجرُّه. وأوّل ذلك بالدِّين (^١). وإذا كان في حقه ﵌ فكيف بغيره.\nوقد يكون التأويل بعيدًا، كمن رأى نفسه فرِحًا يُؤوّل بالحزن، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦]. وكمن رأى نفسه ذليلًا يؤوَّل بالعز؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٢٣]. ولا سبيل إلى القطع في التأويل وإنما هو الظن.\nوهذا بالنسبة إلى ما تدل عليه الرؤيا من الإخبار عن الغيب، وأما بالنسبة إلى الصورة المرئية، فإن المرئي ليس هو عين الصورة الحقيقية، وإنما المرئي مثال تستخرجه المخيِّلة من الحافظة أو يصوّره الشيطان أو يمثِّله المَلَك، والمثال حينئذٍ حاضر بالنسبة إلى الروح، فإدراكها له من الإدراك للحاضر لا للغيب؛ لأن الغيب إنما هو عين الصورة الحقيقية، والمرئي إنما هو مثالها.\nفإن قلتَ: فقد ثبت في «الصحيحين» (^٢) عن أبي هريرة أن رسول الله ﵌ قال: «مَنْ رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثَّل في صورتي». ومنها عن أبي قتادة قال: قال رسول ﵌: «مَنْ رآني فقد رأى الحقّ» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٣، ٧٠٠٨)، ومسلم (٢٣٩٠) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\n(^٢) البخاري (١١٠)، ومسلم (٢٢٦٦).\n(^٣) أخرجه البخاري (٦٩٩٦)، ومسلم (٢٢٦٧).","vol":"4","page":332},{"text":"[١٨٧] قلت: تمثيل الصُّوَر في النوم قد يكون من حديث النفس، وقد يكون من الشيطان، وقد يكون من الملك. وحديث النفس لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يحضره الشيطان فيلتحق بقِسْمِه، وإما أن يحضره المَلك فيلتحق بقِسْمِه، فانحصر الحال في الاثنين.\nوالدليل على أنه قد يكون من الشيطان قوله ﵌: «ولا يتمثَّل بي الشيطان». وكما أنه لا يتمثل به فإنه لا يحضر تحديث النفس بصورته، فما بقي إلا ما يكون بتمثيل الملك أو حضوره، وكلّه حقّ.\nومما يدلُّ على تمثيل المَلَك: حديث «الصحيحين» (^١) عن عائشة قالت: قال لي رسول الله ﵌: «أُريتك في المنام ثلاث ليالي، يجيء بك الملك في سَرَقةٍ من حرير، فقال لي: هذه امرأتك، فكشفتُ عن وجهك الثوبَ، فإذا أنتِ هي، فقلت: إن يكن هذا من عند الله يُمْضِه».\nوفي الكلام تقدير والتفات، والتقدير ــ والله أعلم ــ: أُريتُ صورتَك في المنام ثلاث ليالي، يجيء بها المَلكُ في سَرَقةٍ من حرير، فقال لي: هذه امرأتك، فكشفتُ عن وجهِ تلك الصورةِ الثوبَ، فإذا هي صورتك، أي التي أعرفها في اليقظة. وكان ﵌ يعرفها في بيت أبيها وهي صبيّة، ولهذا قال: «إن يكن هذا من عند الله يُمْضِه». والله أعلم.\nوعلى هذا [١٨٨] فإن رؤياه ﵌ لا تكون بتصوير الشيطان ولا حضوره، وإذا لم تكن كذلك فهي بتمثيل الملك بإذن الله تعالى\n_________\n(^١) البخاري (٣٨٩٥)، ومسلم (٢٤٣٨).","vol":"4","page":333},{"text":"أو حضوره. وهذا القسم هو الحق ليكون معنى قوله ﵌: «مَن رآني في المنام فقد رآني»: مَن رأى صورتي في المنام فقد رأى مثالي الحقّ، كما يدلّ عليه قوله في حديث أبي قتادة: «من رآني فقد رأى الحق».\nويحتمل أن يكون المراد بقوله: «فقد رآني» أنه سيراه يقَظَة يوم القيامة، كما يدل عليه حديث «الصحيحين» (^١) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: «مَنْ رآني في المنام فسيراني في اليقظة، ولا يتمثّل الشيطانُ بي».\nوبما قرّرْناه يتبيّن أن رؤياه ﵌ ليست من علم الغيب؛ لأن علم الغيب إنما هو ذاته ﵌، فأمّا مثاله الذي يراه النائم فليس غيبًا، بل حاضر مُشاهَد للروح. ومثلُه رؤيا بعض المؤمنين لبعض، فإنها قد تكون حقًّا مع كونها ليست مِن علم الغيب في شيء (^٢).\nومع كون رؤيانا له ﵌ حقًّا، فليس ما رأيناه يقولُه أو يفعلُه أو يُقرّ عليه حجة، واسْتُشْكِل هذا فقيل وقيل، والذي فتح الله به عليَّ هو: أن ذلك القول أو الفعل يحتاج إلى تعبير وتأويل، والتعبير والتأويل يحتمل وجوهًا كثيرة، حتى قد يكون تعبير الشيء ضدّه كما مرّ تمثيله (^٣).\n_________\n(^١) البخاري (٦٩٩٣)، ومسلم (٢٢٦٦).\n(^٢) وضع المؤلف هنا علامة اللحق المعتادة لكنه لم يلحق شيئًا في الورقة.\n(^٣) (ص ٣٣٢).","vol":"4","page":334},{"text":"فإذا رأيتَه ﵌ يأمرك بشيء، فقد يكون تأويلُ الأمرِ النهيَ أو الإخبارَ بوقوعه، أو الأمرَ بشيء يعبّر به الشيء المرئيّ، أو غير ذلك من الاحتمالات التي لا تنحصر= لا جَرَمَ لم يصلح ذلك لاعتباره حجة.\nنعم، إذا رأيتَه يأمرك بشيء قد ثبت في كتاب الله تعالى أو السنةِ الصحيحة استحبابُه، فإنه يتأكّد لك استحباب ذلك الشيء، لترجُّح أن الأمر المرئيّ في النوم على ظاهره، ويشهد لهذا واقعة لابن عباس بسبب مذهبه في التمتع (^١).\n[١٨٩] وهل المراد برؤياه ﵌ التي هي الحقّ رؤيا شخصٍ يتسمّى باسمه، أو يخبرَ الرائي بأنه هو، أو يقع في نفسه ذلك وإن لم يكن على صورته التي كان عليها في الدنيا؟ أو لابد أن يكون على صورته التي كان عليها في الدنيا؟\nأقول: ظاهر قوله ﵌: «فإن الشيطان لا يتمثّل في صورتي»، وقوله: «ولا يتمثل الشيطان بي» أنه لابدَّ في تعيّن كون الرُّؤيا حقًّا أن يكون المرئي على صورته التي كان عليها في الدنيا ﵌، فإن الشيطان إنما مُنِع من التمثّل به، ولم يُمنَع من انتحال اسمه.\n_________\n(^١) «واقعة ... التمتع» كتبها المؤلف في طرة الورقة، والواقعة التي يشير إليها هي ما في «صحيح مسلم» (١٢٤٢) عن أبي جمرة الضبعي قال: تمتّعتُ، فنهاني ناس عن ذلك فأتيت ابن عباس فسألته عن ذلك؟ فأمرني بها. ثم انطلقتُ إلى البيت فنمتُ، فأتاني آتٍ في منامي فقال: «عمرة متقبَّلة وحجٌّ مبرور». قال: فأتيت ابن عباس فأخبرته بالذي رأيت، فقال: «الله أكبر الله أكبر! سنّة أبي القاسم   - ﷺ -».","vol":"4","page":335},{"text":"فصل\nقد فهمت مما قدمناه أن الرؤيا إنما هي بحديث النفس أو تصوير الشيطان أو تمثيل المَلَك، وأن ذلك واقع لروح الرائي بدون مفارقتها الجسد.\nوفي المسألة مذهب آخر وهو أن الروح تفارق الجسد عند النوم، ثم تذهب حيث شاء الله تعالى من الكون، فربما شاهَدَتْ بعضَ الأشياء حقيقةً، وربما وقع لها التخييل والتمثيل من الشيطان أو من المَلَك.\nويُستَدَلّ لهذا المذهب بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر: ٤٢]. قالوا: فدلّت الآيةُ على أن الله تعالى يتوفّى نفسَ النائم كما يتوفّى نفسَ الميت، ثم يمسك ما قَضى عليها الموتَ من نفوس النائمين، ويرسل التي لما يَقْض عليها الموتَ عند إرادة اليقظة.\nهذا على كون ما بعد الفاء تفسيرًا للنائمة، فمعنى الآية ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا و﴾ يتوفى ﴿الَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ أي: يتوفاها في منامها، ثم يقضي ﷾ في النائمة بما أراد ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ أي: يحبسها عن العَود إلى الجسد فيموت ﴿وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى﴾ التي لم يَقْض عليها الموتَ بإعادتها إلى جسدها عند إرادة يقظته ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهو أجل انتهاء العمر، فإذا جاء الأجلُ توفّاها وأمسكها. والله أعلم (^١).\n_________\n(^١) انظر «الروح»: (١/ ٥٦ - ٥٩)، و«مجموع الفتاوى»: (٥/ ٤٥١ - ٤٥٣).","vol":"4","page":336},{"text":"[١٩٠] وهذا التفسير هو الذي يؤيده حديث «الصحيحين» (^١) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: «إذا أوى أحدُكم إلى فراشه فلينفض فراشه بداخِلَةِ إزاره فإنه لا يدري ما خَلَفَه علىه، ثم يقول: باسمك ربي وضعتُ جنبي وبكَ أرفعُه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين».\nواستشْكِل هذا بأنّ الناعس لا يجد الألم الذي يجده المحتضِر، وأن النائم يبقى فيه النَّفَسُ والدمُ والحركة، وإذا حُرِّك أو سمع صوتًا انتبه، إلى غير ذلك.\nوأقرب الأجوبة من هذا: أن للروح بالجسد تعلُّقَين:\nالأول: تعلّقها به في اليقظة، وهو بوجودها فيه.\nالثاني: تعلّقها به عند النوم، وهو بقاء اتصالها به بآثار وأشعّة تتصل به منها، فبهذه الأشعة تبقى الحياة في الجسد، ثم إذا أراد الله تعالى إرسالها ردّها إلى جسدها فاستيقظ. وإذا أراد إمساكها أبْطَل تلك الصِّلة التي بينها وبين الجسد فمات. والألمُ الذي ينال المريض عند النَّزْع إنما هو لنزع الروح بجميع آثارها.\nوزعم بعضُهم أن الله تعالى جعل السبب في ذلك صلاح الجسد، فما دام الجسدُ صالحًا فهو لا يزال منتفعًا بالروح، إن حلَّت فيه حصل له الحياة واليقظة، وإن فارقته حصلت له الحياة بما يتصل به من أشعتها. فإذا أراد الله تعالى موت أحدٍ أفسد الجسدَ عن قبول الانتفاع بالروح، وإذا شرع الجسد في الفساد نشأ من ذلك المرضُ والنزاع، فإذا تمّ فسادُه فارقَتْه الروحُ ولايزال\n_________\n(^١) البخاري (٦٣٢٠)، ومسلم (٢٧١٤).","vol":"4","page":337},{"text":"لها اتصالٌ به، ولكن لا ينفعه ذلك بعد تمام فساده. فإذا أراد الله تعالى حياةَ ميتٍ أصلح جسدَه، فيصير قابلًا للانتفاع، فتُرَدُّ عليه روحُه.\n[١٩١] والخلاف في هذا متشعّب، والذي أختارُه الوقفَ، وردّ العلم إلى الله تعالى، ولا سيما وهذا البحث متعلِّق بشؤون الروح، وقد قال الله تعالى لرسوله ﵌: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥].\nولا دلالة فيما هو معروف في هذه الأعصار من التنويم المغناطيسي، وهو كما أخبرني بعضُهم: أن بعض السّحَرة يتسلّط على شخص يكون عنده حتى ينوّمه، ثم يقول: اذهب إلى محلّ كذا فانظر ما ثمّ هناك، ثم يصبر قليلًا فيتكلَّم النائمُ ويقول: هناك كذا وكذا إلخ= لاحتمال أن يكون الذاهب إلى ذلك المحلّ هو شيطان من الشياطين، ثم يرجع فيتكلّم على لسان النائم كما يتكلّم الشيطان على لسان المصروع. والشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم. أعاذنا الله منه، وحفظنا من نزغاته.\nوقِس على هذا ما لعلّك تسمع به من أنواع السحر في التنويم المغناطيسي وغيره، كتحضير الأرواح والاجتماع لها، كما هو معروف في أخبار الصوفية، وقد شاع الآن في الرياضيين من النصارى وغيرهم، ولا يبعد أن يكون الحاضر إليهم هو قرين صاحب الروح؛ إذ مع كل إنسان قرين من الشياطين كما هو ثابت في «الصحيح» (^١) وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى (^٢).\n_________\n(^١) كما في حديث ابن مسعود في «صحيح مسلم» (٢٨١٤): «ما منكم من أحدٍ إلا وقد وُكِل به قرينه من الجن ...» الحديث. في أحاديث أخرى.\n(^٢) (ص ٤٢٥).","vol":"4","page":338},{"text":"نعم، لو سُلِّم أن الروح تفارق الجسد في النوم وفي التنويم المغناطيسي وتذهب حتى تشاهد بعض الأشياء بحقائقها، فهذا لا يكون من الإظهار على الغيب، أما أوّلًا فلأنه ليس من الغيب بالنسبة إلى الروح. وأما ثانيًا فلأنه لا يحصل اليقين بأنها شاهَدَتْ ذلك الشيء حقيقةً؛ لاحتمال أن يكون اعترَضَها بعضُ الشياطين فخيّل لها.\nوالوجه الأول متعيّن في رؤيانا لذات النبي ﵌ إذا سلّمنا أنها قد تكون برؤية أرواحنا لروحه الشريفة مباشرةً، أي لا لمثالها فقط. والله أعلم.\nوالروح في التنويم المغناطيسي كهي في النوم معرّضةٌ لتلاعب الشيطان بخلاف الإنسان في يقظته، فإنه محجوب عن الشياطين غالبًا، وإنما قلنا: غالبًا؛ لأنه قد يقع تصوّرهم له، ففي «صحيح مسلم» (^١) عن ابن مسعود قال: إن الشيطان ليتمثَّل في صورة الرجل، فيأتي القومَ فيحدّثهم بالحديث من الكذب، فيتفرّقون فيقول الرجل منهم: سمعتُ رجلًا أعرفُ وجهه ولا أدري ما اسمه يحدث.\n[١٩٢] وفي «صحيح البخاري» (^٢) عن أبي هريرة قال: «وكَلَني رسولُ الله ﵌ بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آتٍ فجعل يحثو من الطعام، فأخذته وقلتُ: لأرفعنّك إلى رسول الله ﵌، قال: إني محتاج وعَلَيَّ عِيال ولي حاجة شديدة، قال: فخلّيتُ عنه،\n_________\n(^١) (٧).\n(^٢) (٢٣١١).","vol":"4","page":339},{"text":"فأصبحتُ، فقال النبي ﵌: «يا أبا هريرة ما فعل أسيرُكَ البارحة؟» قلت: يا رسول الله شكا حاجةً شديدةً وعيالًا، فرحمتُه فخلّيتُ سبيلَه، قال: «أما إنه قد كذَبَك وسيعود ..» الحديث. فذكر أنه عاد الليلة الثانية والليلة الثالثة، وقال له في الثالثة: دعني أعلّمك كلمات ينفعك الله بها، إذا أويتَ إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ حتى تختم الآية، فإنك لا يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربنّك شيطان حتى تصبح، قال: فخلّيتُ سبيلَه، فأصبحت، فقال لي رسول الله ﵌: «ما فعل أسيرك البارحة؟» قلت: زعم أنه يعلمني كلماتٍ ينفعني الله بها، [فخلّيتُ سبيلَه]، قال: «أمَا إنّه قد صَدَقك وهو كذوب. تعلمُ مَن تخاطب منذ ثلاث ليال؟» قلت: لا، قال: «ذاك شيطان».\nووقفتُ في اليمن في بعض كتب الزيدية على قصّة: أنه بعد أن توفي الإمام القاسم (^١) ــ مؤسس الدولة القاسمية في اليمن ــ بمُدّة، خرج فقيهٌ من أصحابه فإذا هو بالإمام القاسم بعينه لا يشكّ فيه، ثم ذهب في البريّة وهو يراه في حالة اليقظة. وذلك الفقيه عاقلٌ لم يُجرّب عليه كذب، ولا عُرف في عقله شيء، فذهب وأخبر علماء الزيدية حينئذٍ، فأجابوا بأن ذلك شيطان تصوّر بصورة الإمام.\nوالذي يظهر أن الله تعالى مانع الشياطين من التمثل بمثال الأحياء المعيّنين لئلّا تفسد المصالح، فأما التمثُّل بمثال إنسان مجهول كما في الحديثين، أو ميّت كما في القصة، فمن الممكن، إلّا النبي صلى الله عليه\n_________\n(^١) هو القاسم بن محمد بن علي بن محمد المنصور بالله، من أئمة الزيدية (ت ١٠٢٩). ترجمته في «البدر الطالع»: (٢/ ٤٧ - ٥١)، و«الأعلام»: (٥/ ١٨٢).","vol":"4","page":340},{"text":"وآله وسلم فإنه معصوم مِن تمثّل الشيطان به، ومثلُه في ذلك جميع الأنبياء. والله أعلم.\n[١٩٣] ومما يَستدلُّ به أهل الأرض على بعض الغيب من القسم الأول ولا يُحصِّل إلا الظن: التحديث.\nففي «الصحيحين» (^١) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: «ولقد كان فيما قبلكم من الأمم محدَّثون، فإن يك في أمتي أحدٌ فإنه عمر».\nوالمحدَّث هو الذي يُلقي المَلكُ في رُوعه بعض الخواطر، فيحصل له بذلك ظنُّ وقوع ذلك. وهذه الخواطر قد تكون من المَلَك، وقد تكون من الشيطان، ولكن المحدَّث يغلب في خواطره كونها من المَلَك، فتكون غالب ظنونه صادقة، ومع ذلك فهو لا يرتقي عن الظن في شيء من ذلك، أما في نفسه، فلأنَّه لا يزال عنده احتمال ما يخالف ذلك، وأما بالتجربة، فلأنّه لا يطّرِد الصدق، ولا يزال هناك احتمال أن يكون الخاطر من الشيطان؛ ولهذا لم يكن الصحابةُ يتخذون ظنَّ عمرَ حجةً ولا هو نفسُه، وقد ثبت تردّدُه في أشياء كثيرة، وخطؤه في مواضع:\nمنها: قوله حين توفي رسول الله ﵌ ما قال (^٢).\nومنها: نهيه الناسَ عن التغالي في الصَداق ووعيده لمن زاد على خمسمائة\n_________\n(^١) البخاري (٣٦٦٩ و٣٦٨٩) من حديث أبي هريرة ﵁. ومسلم (٢٣٩٨) من حديث عائشة ﵂.\n(^٢) يعني قول عمر ﵁: «والله ما مات رسول الله - ﷺ -» كما في «صحيح البخاري» (٣٦٦٧).","vol":"4","page":341},{"text":"درهم ــ فيما أظن ــ حتى ذكّرته إحدى المسلمات بقوله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ [النساء: ٢٠]، فقال: أصابت امرأةٌ وأخطأ عمر (^١).\nومنها: ما مرّ في الرسالة الأولى في كلام الشافعي ﵀ (^٢).\nومنها: نسيانه لقصّته مع عمّار في التيمّم، فذكّره عمار فلم يذكر (^٣).\nوإذا كان النبيُّ ﵌ جائزٌ عليه النسيان والخطأ في الاجتهاد فما بالك بغيره؟ إلا أنه ﵌ لا يُقرّ على الخطأ كما هو مقرَّر في أصول الفقه، وقد سبق ما يتعلّق به (^٤). ولم يكن النبي ﵌ يتخذ مجرَّد خاطرٍ يخطر له حجّةً، بل إذا اجتهد استند إلى دليل من كتاب الله تعالى أو مما سَبَق من الوحي.\nوقد سَبَق (^٥) حديث مسلم عن رافع بن خديج في تأبير النخل، وهو صريح في أن النبي ﵌ ظن النخل كبقيّة الشجر لا تحتاج إلى لقاح، فأخبرهم بأنه يظن ذلك قائلًا: «لعلكم ...» إلخ، ولم يأمرهم بتركه، وإنما تركوه من جهة أنفسهم، فلما نقصت وأخبروه قال لهم:\n_________\n(^١) القصة أخرجها عبد الرزاق (٦/ ١٨٠) من طريق أبي عبد الرحمن السلمي عن عمر ﵁، وأخرجها سعيد بن منصور: (١/ ١٦٦)، ومن طريقه البيهقي في «الكبرى»: (٧/ ٢٣٣) من طريق مجالد عن الشعبي عن عمر. قال البيهقي: هذا منقطع.\n(^٢) (ص ١٠٠ - ١٠١، ١١٣).\n(^٣) أخرجه البخاري (٣٣٨)، ومسلم (٣٦٨).\n(^٤) لم نره فيما سبق.\n(^٥) لم نره فيما سبق، وسيأتي (ص ٣٨٧) مع تخريجه.","vol":"4","page":342},{"text":"«إنما أنا بشر ...» إلخ.\nوالحاصل أن المَلك قد يتلقَّى الخبرَ من السماء بالصفة المذكورة آنفًا، أو يكون في الأرض فيخبره بعض الملائكة النازلين في السماء، فيذهب فيُلقي خاطرها في قلب المؤمن إلى آخر ما تقدّم.\n[١٩٤] والتحديث أضعف من الرؤيا الصادقة، ولذلك استثناها النبي ﵌ في قوله: «لم يبق من النبوة إلا المبشّرات» (^١) ولم يستثنه. وسبب ذلك ــ والله أعلم ــ أن الرؤيا الصادقة قريبة من المشاهدة لما فيها من قوة الإدراك بخلاف التحديث.\nومما يستدلّ به أهل الأرض على بعض الغيب من القسم الأول، ولا يحصِّل إلا الظن الضعيف: الكهانة.\nقال الله ﷾: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٣].\nوقد مرّ حديث مسلم عن ابن عباس، ويفسِّره حديث البخاري (^٢) عن أبي هريرة أن نبيَّ الله ﵌ قال: «إذا قضى الله الأمرَ في السماء ضربت الملائكةُ بأجنحتها خَضَعانًا لقوله كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فُزِّع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال: الحقَّ، وهو العليّ الكبير، فيسمعها مسترقو السمع، ومسترقو السمع هكذا بعضه فوق\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٩٩٠) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٢) (٤٨٠٠). أما حديث مسلم (٢٢٢٩) عن ابن عباس فلم يتقدم فيما وقفنا عليه من الرسالة.","vol":"4","page":343},{"text":"بعض ــ ووصف سفيان بكفه فحرفها وبدَّد بين أصابعه ــ فيسمع الكلمة فيلقيها إلى مَن تحته، ثم يلقيها الآخر إلى مَن تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدرك الشهابُ قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مئة كذبة، فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا: كذا وكذا، فيُصدَّق بتلك الكلمة التي سُمعت من السماء».\nوفي «الصحيحين» (^١) عن عائشة ﵂ قالت: سأل أناسٌ رسولَ الله ﵌ عن الكُهَّان؟ فقال لهم رسول الله ﵌: «إنهم ليسوا بشيء»، قالوا: يا رسول الله، فإنهم يحدِّثون أحيانًا بالشيء يكون حقًّا، فقال رسول الله ﵌: «تلك الكلمة من الحق يخطفها الجنّي فيقرّها في أذن وليه قرَّ الدجاجة، فيخلطون فيها أكثر من مئة كذبة».\nفإن قلت: قد قررتم سابقًا (^٢) أنّ إخبار المَلك للبشر بالغيب من الإظهار على الغيب، وقرَّرتم أنه خاصّ بالرُّسُل، فما تقولون في سماع الجني لكلام الملائكة بالغيب؟\nفالجواب: أننا قرّرنا فيما قرّرناه أن سماع بعضِ الملائكة من بعضٍ ليس من الإظهار على الغيب، بل هو كسماع عامة البشر من الأنبياء، بخلاف سماع البشر لخبر الغيب من الملائكة مع القَطْع بكونهم ملائكة، فإنه من الإظهار على الغيب الخاص بالأنبياء.\nوبقي الجنّ لم نبيِّن حكمهم فيما سبق، فقد يقال: إنهم أولى من عامّة\n_________\n(^١) البخاري (٦٢١٣)، ومسلم (٢٢٢٨).\n(^٢) (ص ٣٢٤).","vol":"4","page":344},{"text":"الإنس بعدم تلقّي الغيب من الملائكة؛ لأن الإنس أشرف منهم. وقد يُقَال بخلاف ذلك [١٩٥] بحُجّة أنهم من حيث الخِلْقة أقرب إلى الملائكة، فإنهم يرون الملائكة بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ الآية [الأنفال: ٤٨]، والملائكة يرونهم فلا يبعد أن يكون سماعهم لكلام الملائكة مما جرت به عادتهم، بل هذه الأحاديث حجة في كونهم يسمعون كلام الملائكة على مقتضى العادة والخِلْقة؛ فإن فيها أنهم يسمعون كلام الملائكة في السماء الدنيا، ونحن معشر البشر لا نسمع كلام الملائكة إلا إذا تمثلوا (لنا)، ومع هذا فقد دلّت الآيات والأحاديث على أن الله تعالى لا يمكِّنهم من سماع كلام الملائكة في السماء الدنيا، قال تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠ - ٢١٢]. وقال تعالى: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩) إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: ٨ - ١٠]. إلا أنهم قد يسمعون الكلمة الواحدة، أي: بدون تمام المعنى، فيتخرّصون هم وأولياؤهم في المعنى المراد بها، ويركّبون من ذلك كلامًا طويلًا، والغالبُ كذبُه، وقد يوافق على سبيل الاتفاق.\nوإذا كَذَب وحَدَث حادثٌ يتعلّق بتلك الكلمة يخالف إخبار الكاهن تأوّل الناسُ خبره الأول بأنه رمز وإشارة إلى هذا الحادث وصدّقوه!\nوالحاصل أنّ الجنّي إنما يسمع من الملائكة كلمة أو كلمتين لا يتمّ بهما","vol":"4","page":345},{"text":"المعنى، فيتخرّص هو ووليُّه لتكميل المعنى، والغيبُ إنما هو المعنى التامّ لا الكلمة أو الكلمتين التي تتعلّق به من دون وفائها به، كما يُشير إلى ذلك قوله ﵌ لابن صيّاد: «قد خبَأْتُ لك خبيئًا فما هو؟» وكان خبأ له قولَه تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠]، فقال ابن صياد: هو الدُّخ، فقال له النبي ﵌: «اخسأ فلن تعدوَ قدرَك» (^١). مع أن هذا [إنما] يتعلق بالقسم الثاني [من أقسام العلم بالغيب] (^٢). وبهذا لم يصدق على ذلك الجني أنه تلقى عن الملائكة خبرًا من أخبار الغيب.\nولو سلَّمنا جَدَلًا أنه قد يتلقَّى خبرًا تامًّا في النادر لَمَا كان مِنْ عِلْم الغيب، فإن الملائكة ليسوا غيبًا عن الجنّ، فإنهم يرونهم ويسمعون منهم بحسب خِلْقتهم، فلا يكون سماعهم لكلامهم بالغيب إظهارًا على الغيب كما في سماع عامة الملائكة لكلام الرسل منهم، فإن رُسُل الملائكة ليسوا غيبًا بالنسبة إلى الملائكة، وكما في سماع عامة الإنس لكلام رسلهم، فإن رسل الإنس ليسوا غيبًا بالنسبة إلى عامة الإنس، وكما في سماع الجن كلام الإنس، فإن الإنس ليسوا غيبًا بالنسبة إلى الجن [١٩٦] وكما في سماع الإنس لكلام الجن إذا تمثَّلوا بصورهم، وكما في سماع الإنس لكلام الملائكة إذا تمثَّلوا بهم.\nولكن هذا الأخير لا يمكن بواسطته الاطلاع على الغيب [لأن] الملائكة لا تخبر غير الرسل بالغيب إلا بالتمثيل في الرؤيا والتحديث في القلب، بدليل قوله ﵌: «لم يبق من النبوّة إلا المبشرات» قالوا:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٣٥٤)، ومسلم (٢٩٢٤) من حديث ابن مسعود ﵁.\n(^٢) ما بين المعكوفات غير واضح في الأصل فلعله ما أثبت.","vol":"4","page":346},{"text":"وما المبشرات؟ قال: «الرؤيا الصادقة ...». ومرّ سابقًا (^١) أن هذا لا ينافي حديث التحديث؛ لأن التحديث أضعف من الرؤيا فلم يَسْتَثْنِه.\nفأما مشافهة الملائكة للإنسان بالغيب يقظةً فإنه أقوى من الرؤيا، فالحديث المذكور دليل على عدمه أيضًا، فإن وقع لأحدٍ غير الأنبياء شيءٌ مما يشبه ذلك فليحذر، فإنما المخاطِبُ له شيطان. والله أعلم.\nوذلك أن الرائي لا يثق بكون الشخص المتمثِّل له ملكًا إلا أن يكون الرائي نبيًّا، فإن الله يسلك من بين يديه ومن خلفه رَصدًا، ويعصمه من تلبيس الشياطين عليه.\nوأما غير النبي فالظاهر إذا تمثَّل له شخصٌ على أنه مَلَك وخاطبه بالغيب، فهو شيطان كما مرّ دفع هذا (^٢)، فالأولى إطلاق الجواب الأول، وهو أنَّ الجنّ لا يُمَكَّنون من استيفاء خبرٍ تامٍّ عن الملائكة. وهكذا يقال في سماعهم لخبر الملائكة في الأرض: إن الله ﷿ لا يُمكِّنهم منه إلّا ما كان من كلمة أو كلمتين، وذلك أن الملائكة إذا أرادوا أن يتكلّموا في الأرض بدأوا بطرد الشياطين حتى لا تسمع كلامهم أو غير ذلك مما لا نعلمه، والله على كل شيء قدير. (^٣) وكما أن الجني قد يتلقَّى تلك الكلمة باختطاف السمع من السماء فقد يتلقّاها باختطاف السمع من الملائكة في الأرض كما مرّ، وقد يتلقّاها\n_________\n(^١) (ص ٣٤٣).\n(^٢) (ص ٣٤٥).\n(^٣) كتب المؤلف قبلها «رجع» يعني رجوعه إلى أصل البحث بعد الاستطراد.","vol":"4","page":347},{"text":"من شيطانٍ آخر كما مرَّ في حديث البخاري (^١)، وقد يتلقاها من كاهن أو منجِّم، أو طارق من الجنّ أو الإنس، وكل هذا إنما يكون في الكلمة التي لا تُفْهِم معنًى تامًّا، وإنما يقعُ التخرُّص من الجن وأوليائهم. والتخرُّصُ أكْذَب الظن. فليس في ذلك رائحة من الإظهار على الغيب. والله أعلم.\nوقد يتلقّى الجنيُّ الخبرَ التامَّ من القسم الأول من الغيب عن الإنس، بعد أن يصل إلى الإنسيّ بإحدى الطرق السابقة، والجنّي حينئذٍ كأحد عامة الإنس، فما أمْكَنَ أن يسمعه أحدُ عامة الإنس أمكن أن يسمعه الجنيُّ، فيحصل للجني العلمُ بسماع النبي من الإنس، وبسماع عدد التواتر منهم، وبقراءته لذلك الخبر في كتاب الله تعالى، ويحصل له الظن في غير ذلك، والتفصيل لا يخفى، ثم يتلقى الجنُّ بعضُهم عن بعض، وقد ينقل بعضُهم ذلك الخبر إلى بعض الإنس، وهلمّ جرًّا، والله أعلم.\n* * * *\n[١٩٧] ومما يستدلّ به أهلُ الأرض على بعض الغيب من القسم الأول، ولا يحصِّل إلا الظنَّ الضعيف: النظر في النجوم.\nوذلك أن بعض الناس يرصد هذه الكواكب وأوقات طلوعها وغروبها واقترانها ومقادير سيرها، ويحكمون على بعضها بالسعادة وبعضها بالنحس، وينسبون لكلِّ كوكب محلًّا مخصوصًا من الأرض والأيام والساعات والمعادن والأعضاء والحروف والأحوال، كالحرب والنصر والهزيمة، والغنى والفقر، والزواج والفراق، والرُّخص والغَلاء، وغير ذلك. ويسندون\n_________\n(^١) تقدم (ص ٣٤٣ - ٣٤٤).","vol":"4","page":348},{"text":"ذلك للتجربة أو لمناسباتٍ وهمية، ويربطون ذلك باسم السائل واسم أمه والوقت الذي ولد فيه، إلى غير ذلك.\nثم منهم مَن يزعم أن هذه الكواكب هي المدبِّرة للعالم، فكلّ جوهر أو عَرَض في الأرض مربوط بالكواكب، ويزعمون لها الحياة والعلم وغير ذلك من الصفات، وهؤلاء قسمان:\nقسم ينكر وجود الخالق جلّ وعلا، ويزعم أن هذه الكواكب هي المدبِّرة بمشيئتها، وهذا من أفحش أنواع الكفر، والعياذ بالله.\nوالثاني: يعترف بوجود الخالق جلّ وعلا، ويزعمون أن هذه الكواكب مدبِّرة للعالم بإذنه تعالى، أي يجعلون لها قدرةً كقدرة الإنسان على ما يَقْدِر عليه من الأفعال. ومنهم مَن لا يعتقد للكواكب تدبيرًا ولا تصرفًا ولكنه يزعم أن الله تعالى أجرى العادةَ بوقوع الحوادث الأرضية على قاعدةٍ نسبية بينها وبين الكواكب. فإذا جاء السائل ــ مثلًا ــ في ساعة كذا من يوم كذا في إقليم كذا، وسأل عن كذا، وكان كوكب كذا في برج كذا، وكوكب كذا في برج كذا، وكان اسم السائل كذا واسمه أمه كذا ومولده كذا= فإنّ جوابه كذا. فيقولون: أجرى الله تعالى العادةَ أنه إذا اتفقت هذه الأشياء على هذه الكيفية كان ما أجابوا به.\nولا نُطيل الكلامَ في هذا، فإن العاقل إذا تأمّل ما ذكروه من المناسبات علم أنها أمور خرافية! وإذا بحث في التاريخ عَلِم أن ما يدّعونه من التجربة وجَرَيان العادة باطل، وعَلِم أن الغالب في كلامهم الكذب [١٩٨] وإن فُرِض أنَّ كلامَ بعضهم صدق في واقعةٍ، فهي بالنسبة إلى الوقائع التي أُخْلِف قوله فيها كَلَا شيء. ولو أنّ إنسانًا جعل يحكي وقائع ستقع على سبيل الكذب","vol":"4","page":349},{"text":"بدون نظرٍ في نجوم أو غيرها= لَمَا بَعُد أن يتفق وقوع بعض ما ذكره على سبيل الاتفاق و«مع الخواطئ سهم صائب» (^١)!\nوقد أثبت أهل الأرصاد في هذه الأعصار اكتشافَ كواكبَ لم تُعْرَف من قبل، وأنه لا يزال يتجدَّد لهم الاكتشاف، بما يُعلَم معه أن ثَمَّ كواكب لا تزال مجهولة.\nفيقال للمنجّمين: إن هذه الكواكب التي اكتُشفت حديثًا وبعضها أكبر من الشمس ــ فيما يقول أهلُ الأرصاد ــ ما هو حكمها؟ والكواكبُ التي لا تزال مجهولة ما يدريكم ما حكمها؟ فقد يكون بعضها ــ على ما تزعمون ــ كونه نحسًا، فإذا اقْتَرَن بالسَّعْد قَلَبه نحسًا. وعلى هذا فربّما حكمتم بالسعد على ما نظرتم في الكواكب، ويكون هناك كوكب من المجهولة مقترنًا بها!\nوالحاصل أن النظر في النجوم من أكذب الظن ولا يحصل به إلّا مجرد الاحتمال، وقد رُوي عن قتادة قال: خلق الله تعالى هذه النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجومًا للشياطين، وعلامات يُهتدى بها، فمَن تأوّل فيها بغير ذلك أخطأ وأضاع نصيبه وتكلَّف ما لا يعنيه، وما لا علم له به، وما عَجَز عن علمه الأنبياء والملائكة (^٢).\n_________\n(^١) انظر «فصل المقال» (ص ٤٣)، و«مجمع الأمثال»: (٣/ ٢٧٣).\n(^٢) أثر قتادة أخرجه البخاري في كتاب بدء الخلق، باب في النجوم، معلّقًا مجزومًا به، ووصله ابنُ جرير في «تفسيره»: (١٤/ ١٩٣)، وابن أبي حاتم: (٩/ ٢٩١٣) وغيرهما، وفي ألفاظها اختلاف وزيادات، والنص الذي ذكره المؤلف نقله من «روح المعاني»: (٢٧/ ٣)، وقد عزا الآلوسي لفظ «ما لا علم ....» إلى رزين. وانظر «جامع الأصول»: (٤/ ٢٩).","vol":"4","page":350},{"text":"[١٩٩] ومما يتعلّق بالنجوم:<span data-type=\"title\" id=toc-201> معرفة الأنواء</span>. والأنواءُ جمع نَوء، وهو وقت سقوط الكواكب، جرت العادةُ أن المطر ينزل غالبًا في أوقات أنواءٍ معروفة، فيتوهّم الجاهل أنَّ لها دخلًا في سبب نزول المطر، والحقيقةُ غير ما توهَّموه؛ وذلك أن الأرض تكون محتاجةً إلى المطر في أوقاتٍ مخصوصة من السنة الشمسية، واتفق أن كانت تلك الأوقات في أوقات تلك الأنواء، وربُّنا ﷾ عليم حكيم رحيم، ينزّل الغيث غالبًا في أوقات حاجة الأرض إليه رحمةً بعباده، فإذا رأى الجاهلُ أن الغيثَ ينزل غالبًا في أوقات تلك الأنواء ظنَّها هي السبب في نزوله.\nوالمؤمن يعلم أن السبب في نزوله هو فضل الله ورحمته، وإنما يوافق نزول تلك الأنواء في غالب السنين؛ لأن الأرض تشتدُّ حاجتها إلى المطر في تلك الأوقات، فاقتضى فضل الله ورحمته إغاثتها في أوقات حاجتها، وليس للأنواء دخل في السببية.\nوقد اقتضت حكمة الله ﷾ دفع هذا الوهم بتقديم نزول المطر على تلك الأنواء في بعض السنين، وتأخيره عنها، وعدمه أحيانًا، ولكنَّ كثيرًا منهم لم ينتفع بذلك بل أصرّ على ضلاله.\nوقد أخرج النسائي (^١) بسنده إلى أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «لو أمسك الله القَطْرَ عن عباده خمس سنين ثم أرسله لأصبحت طائفةٌ كافرين يقولون: سُقينا بنَوءِ المِجْدَح».\n_________\n(^١) (١٥٢٦). وأخرجه أحمد (١١٠٤٢)، وابن حبان (٦١٣٠) بلفظ «سبع سنين»، وأبو يعلى (١٣١٢) بلفظ «عشر سنين». وفي سنده عَتّاب بن حنين ذكره ابن حبان في «الثقات»: (٥/ ٢٧٤)، وروى عنه اثنان.","vol":"4","page":351},{"text":"وفي «الصحيحين» (^١) عن زيد بن خالد الجهني قال: صلى لنا رسول الله ﵌ صلاةَ الصبح بالحديبية على إثْرِ سماءٍ كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: «هل تدرون ماذا قال ربكم؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «قال: أصبحَ مِن عبادي مؤمنٌ بي وكافر، فأما مَن قال: مُطِرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب. وأما مَن قال: مُطِرْنا بنوءِ كذا وكذا، فذلك كافرٌ بي مؤمن بالكوكب».\nولا يخفاك أنه لا سبيل إلى معرفة وقت نزول الغيث قبل نزوله، أما أولًا فلأنّ العادةَ غير مطّردة، بل كثيرًا ما يتقدَّم، وكثيرًا ما يتأخّر، وكثيرًا ما يخلف. وأما ثانيًا فلأنه إذا غلبت العادةُ بنزوله في أوقات مخصوصة من السنة الشمسية فالوقت الواحد منها يكون أيّامًا، فلا يُعلم في أيّ يوم منها وأيّ ساعة لاختلافِ ذلك. ولهذا كان وقت نزول الغيث مما لا يعلمه إلا الله تعالى، كما نصَّ عليه في كتابه. وإصابةُ الظنِّ في بعض الأوقات ليست علمًا. ونحو هذا يقال في هبوب الرياح وغير ذلك، والله أعلم.\n[٢٠٠] مما يتعلّق بالنجوم: معرفةُ أحوالها المتعلّقة بذواتها، كأوقات طلوعها وغروبها، ومقادير سيرها، ومقادير أجرامها وارتفاعها، وخسوفها وكسوفها، وهو المعروف بعلم الهيئة. وقد تقدَّم أن معرفة ذلك ليست من علم الغيب في شيء؛ أما أولًا فلأنّ الخسوف ــ مثلًا ــ وإن كان غيبًا فالدلائل الجارية بالعادة المطَّرِدة ليست غيبًا، بل كل عاقل يمكنه أن يدركها. وهذا كعلمِ كلِّ أحدٍ إذا طلعت الشمسُ اليومَ أنها ستغرب بعد كذا وكذا ساعة،\n_________\n(^١) البخاري (٨٤٦)، ومسلم (٧١).","vol":"4","page":352},{"text":"وستطلع مرةً ثانية بعد تمام أربعٍ وعشرين ساعة، وغير ذلك.\nوأما ثانيًا فلأنّه لا يمكن حصول العلم القطعيّ لإمكان أن يخرق الله تعالى العادة، كما في طلوع الشمس من مغربها، وغير ذلك. وعلى هذا المنوال يقال في سائر الأشياء التي اطّردت العادةُ بوقوعها، كتأثير السمّ، وإحراق النار، وغير ذلك، والله أعلم.\n* * * *\nومما يستدلّ به أهلُ الأرض على بعض الغيب من القسم الأول ولا يحصِّل إلا الظن الضعيف: الخطّ في الرمل.\nوفي حديث مسلم (^١) عن معاوية بن الحكم قال: قلتُ: يا رسول الله، أمورٌ كنّا نصنعها ... الحديث إلى أن قال: قلت: وههنا رجالٌ يخطّون خطًّا، قال: «كان نبيٌّ من الأنبياء يخط، فمَن وافق خطَّه فذاك».\nوهذا إذنٌ بالخطِّ بشرط موافقة خطِّ ذاك النبي، وموافقة خط ذاك النبي متعذِّرة، فالتعليق به تعليق بالمُحَال، فمعنى الكلام على هذا: إطلاق عدم الإذن.\nفإن قيل: فلعلّ هذا الخط المنقول عن المتقدِّمين موافقٌ لخطِّ ذاك النبي.\nفالجواب: أن هذا أمرٌ مشكوكٌ فيه، والمراد بالموافقة المعلَّق عليها الإذن: الموافقةُ يقينًا أو على الأقل بِظنٍّ يُعْمَل بمثله في الشرع، بل الموافقة منتفية يقينًا؛ لأن هذا الخط لو كان موافقًا لخطّ ذلك النبي لكان الغالب عليه\n_________\n(^١) (٥٣٧).","vol":"4","page":353},{"text":"الصدق، والأمرُ بالعكس. وقد عُلِم أنّ الخط بالرمل لا يحصّل اليقين بل ولا الظنَّ الغالبَ، فليس من الاطلاع على الغيب في شيءٍ. والله أعلم.\n\n[٢٠١] ومن ذلك<span data-type=\"title\" id=toc-204> العَرافة</span>، وهي عبارة عن الاستدلال بالأشياء التي تقارن وقتَ السؤال، من حال السائل والمسؤول، واسمه واسم المكان، وما يقع عند ذلك من كلام إنسان حاضر أو مرور حيوان، أو غير ذلك.\nويدخل تحت هذا<span data-type=\"title\" id=toc-205> الفأل والطِيَرة</span>.\nوفي حديث معاوية بن الحكم قال: كنا نتطيَّر، قال: «ذلك شيءٌ يجده أحدُكم في نفسه فلا يصدّنّكم». وفي «الصحيحين» (^١) عن أبي هريرة قال: سمعت رسولَ الله ﵌ يقول: «لا طِيرَة، وخيرها الفأل» قالوا: وما الفأل؟ قال: «الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم».\nوأقول ــ والله أعلم ــ: إن الإنسان إذا أراد سفرًا ــ مثلًا ــ فَعَرض له شيءٌ مما يتعَرَّف (^٢) به؛ كأن يسمع رجلًا ينادي: يا محمود، يا سعيد، يا مبارك؛ أو يسمع رجلًا ينادي: من يشتري النحاس؟ أو نحو ذلك= فالظاهر أن ذلك مجرَّد اتفاق، ويحتمل أن يكون الله ﷾ يسّر (^٣) المنادي يا محمود، يا سعيد، يا مبارك؛ تبشيرًا لذلك المسافر إذا كان مؤمنًا وكان سفره مباحًا. ويحتمل أن يكون الشيطان ساق ذلك المنادي بالنحاس ليُحْزن ذلك المسافر، والشرعُ يرشد إلى اعتقاد الظاهر الغالب، وهو أن ذلك موافقة فقط.\n_________\n(^١) البخاري (٥٧٥٤)، ومسلم (٢٢٢٣).\n(^٢) غير محررة، ولعلها ما أثبت.\n(^٣) رسمها «يسره» ولعل الهاء مضروب عليها.","vol":"4","page":354},{"text":"ولا يكره الفرح بالتفاؤل بنحو: يا مبارك، بتجويز أن يكون تبشيرًا من الله تعالى، فإنه مما يقوّي التوكّل على الله تعالى، بخلاف التفاؤل على غير هذا الوجه، بل باعتقاد التأثير لغير الله تعالى، فإنه شركٌ والعياذ بالله. وبخلاف التطيّر مطلقًا بنحو سماع: مَنْ يشتري النحاس؟ فإنه إن لم يكن مجرّد اتفاق فهو من الشيطان ولا شكّ، فالعمل به إنما يكون عن اعتقاد التأثير لغير الله تعالى، والعياذ بالله، ولذلك أطلقَ الشرعُ ذمّ الطِّيرة، وورد أنها من الشرك، وإنما قوله ﵌: «ذلك شيءٌ يجدونه في أنفسهم» [٢٠٢] يدلّ أنّ مجرّد وجوده في النفس لا يضر.\nوهذا إذا كان مع اعتقاد أنه لا مؤثِّر إلا الله تعالى، فإن وجوده في النفس حينئذٍ يكون من وسوسة الشيطان المعفوّ عنها، كما في «الصحيحين» (^١) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: «إنّ الله تجاوز عن أمتي ما وسوست به صدورُها ما لم تعمل به أو تتكلّم».\nفأما إذا اعتقد الإنسان التأثير لغير الله تعالى فقد أشرك، وكذا إذا صدّه التطيّر عن عزمه، فإن هذا دليل اعتقاده ذلك، والعياذ بالله.\nوالتفاؤل الذي لا بأس به هو ما اتفق من غير قصد، فأما ما يقصده الإنسان، كاستنطاق إنسانٍ آخر بقصد التفاؤل وغير ذلك= فهو حرام قطعًا، كإهاجة الطير وغيرها؛ لأنها تدلّ على اعتقاد التأثير، بخلاف مَن سمع شيئًا اتفاقًا ولم يصدّه عن التوكل، والله أعلم.\nثم لا يخفى أن العَرافة مطلقًا لا تحصّل العلم بل ولا الظنّ الغالب، فليست من علم الغيب في شيءٍ. والله أعلم.\n_________\n(^١) البخاري (٢٥٢٨)، ومسلم (١٢٧).","vol":"4","page":355},{"text":"ومما يستدلّ به على ما ذُكر:<span data-type=\"title\" id=toc-206> الطّرْق بالحصى</span>.\nوفي «سنن أبي داود» (^١) عن قَطَن بن قبيصة عن أبيه أن النبي ﵌ قال: «العيافة والطَّرْق والطِّيَرة من الجِبْت».\nقال في «المختار» (^٢): «الجِبْت كلمة تقع على الصنم والكاهن والساحر». وكأنها ــ والله أعلم ــ موضوعة للقَدْر المشترك، أي: للشيءِ الذي يعظِّمه الناسُ ويعتقدون فيه التأثير، وهو باطل. ولا يخفى أن دلالة الطَّرْق ليست إلا مجرّد تخرّص لا شُبْهَة فيها لعلمِ الغيب. والله أعلم.\nوقد حَدَث في القرون القريبة أشياءُ أخرى، كالتفاؤل بالقرآن (^٣)، وقد كنتُ أفعله، حتى فتحتُ المصحف في بعض الأيام، فإذا قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]، ففهمتُ من هذه الآية دليلًا على النهي الخاصّ عن التفاؤل بالقرآن، ومَن تأمل فيها عَرَف وجه الدلالة.\nومنها التفاؤل بغير القرآن من الكتب، والقرعة المعروفة بقرعة الأنبياء، وقرعة الطيور، وسهم الغيب، وغير ذلك. وكلها داخلة تحت النهي عن الطيرة. وقد أرْشَدَنا الشرعُ إلى ما نفعله إذا أردنا أمرًا من الأمور، وهي الاستخارة.\n_________\n(^١) (٣٩٠٧). وأخرجه أحمد (١٥٩١٥)، والنسائي في «الكبرى» (١١٠٤٣)، وابن حبان (٦١٣١) وغيرهم.\n(^٢) «مختار الصحاح» (ص ٩١).\n(^٣) قد وجد قبل ذلك، فقد ذكره ابن بطة وأنه فعله، انظر «مقدمة إبطال الحيل»، وذكره شيخ الإسلام ابن تيمية.","vol":"4","page":356},{"text":"وتأمّل حكمةَ الشرعِ [٢٠٣] كيف جعل الاستخارة هي عبارة عن دعاء الله تعالى: أنه إن علم أن ذلك الأمر خير للمستخير يسَّره له وإلا صَرَفه عنه، بخلاف زَجْر الطير والتفاؤل بالكتب وغيره، فإنها تُحَتِّم على صاحبها أن هذا الأمر بعينه خير، وهذا الأمر بعينه شرّ، فربما ظهر له المصلحة في ترك ذلك الفعل المزعوم أنه خير أو فِعْل ذلك الأمر المزعوم أنه شرّ، فيكون ذلك سببًا لهمّه وغمّه وحزنه وضعف توكّله؛ لوقوعه بين أمرين: بين ترجيح المصلحة الظاهرة، وترجيح ذلك التفاؤل.\nفالحمد لله الذي أرشدنا إلى ما فيه صلاحُ معاشِنا ومعادِنا، وراحةُ قلوبنا، ونجاتُنا مِن كلِّ همّ وغمّ وحَزَن، فالحمد لله رب العالمين.","vol":"4","page":357},{"text":"[القسم الثاني من الغيب]\n[٢٠٤] وأما القسم الثاني من الغيب، وهو ما يكون غيبًا بالنسبة إلى بعض الخلق دون بعضهم، فهو ثلاثة أنواع:\nالأول: ما يختصّ بمشاهدته الملائكة، كما فوق السموات، فهذا يلتحق بالقسم الأول. ومِن هذا أحوال الموتى، كما يدلّ عليه حديث «الصحيحين» (^١) في عذاب القبر، وفيه في ذِكْر الكافر: «فيصيح صيحةً يسمعها من يليه غير الثقلين».\nالنوع الثاني: ما يختص بمشاهدته الجن، أي دون الإنس، وهذا يمكن الإنس الإطلاع عليه بإخبار الجن، كما سيأتي تفصيله.\nالثالث: ما يشاهده البشر، وهذا بالنسبة إلى من أدركه منهم ببعض الإدراكات المشتركة بين البشر مشاهَدٌ لا غيب، وبالنسبة إلى مَن لا يدركه غيب، فيكون الشيء الواحد غيبًا غير غيب، أي غيبًا بالنسبة إلى بعض البشر غير غيب بالنسبة إلى غيره، بل قد يكون الشيءُ غيبًا غير غيبٍ مع اتحاد الشخص، ولكن باعتبارين، بأن يكون غير غيب بالنسبة إلى إدراكه ببعض الحواسّ، غيبًا بالنسبة إلى إدراكه بحاسّةٍ أخرى، وذلك كالأعمى ونحوه يلمس بعض الأشياء، فإنه غير غيبٍ بالنسبة إلى لمسه، وغيبًا (^٢) بالنسبة إلى بصره.\nوهذا النوع إذا كان غيبًا فإن البشر يستدلّون عليه بأمور منها ما يحصّل\n_________\n(^١) البخاري (١٣٣٨)، ومسلم (٢٨٧٠) مختصرًا من حديث أنس ﵁.\n(^٢) كذا، والوجه «وغيبٌ».","vol":"4","page":358},{"text":"العلم، وهو إظهار الله تعالى للأنبياء وإخبار الأنبياء لأصحابهم، ونَقْل عدد التواتر من أصحابهم، ونقل عدد التواتر ممن شاهد ذلك الشيء. ومنها ما لا يُحصِّل العلم، وهو الرؤيا والتحديث، بأن يُعْلِمه المَلَك بالطريقة المذكورة في القسم الأول، أو يشاهده بنفسه، فيحدِّث به في قلب المؤمن على نحو ما مرّ (^١).\nومنها الكَهَانة، وقد مرَّت حقيقتُها في القسم الأول (^٢)، ولكنها هاهنا تتوسّع؛ لأن الجنّ متمكِّنون من مشاهدة الحوادث الأرضية، ومِن قَطْعِ المسافات البعيدة في المدّة القصيرة، قال الله تعالى: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ [النمل: ٣٩].\nوكَذِبُهم وكَذِبُ الكهّان إنما هو في القسم الأول لاحتياجهم إلى الكذب، لأنهم لا يتحصّلون بعد المخاطرة وهلاك كثير منهم إلّا على بعض الكلمات التي لا تفي بالمعنى، فيتخرَّصون الكذب لإتمام المعنى. [٢٠٥] فأما في الحوادث الأرضية فلا داعي لهم إلى الكذب، ولاسيَّما إذا علموا أنّ وليَّهم الإنسيَّ إذا كَثُر صدقُه في الإخبار عن الحوادث البعيدة اعتقد الناسُ فيه العقائد الزائفة، فإن الشياطين يحرصون حينئذٍ على صدق الحديث بمقدار حرصهم على إضلال الناس.\nويمكنهم اطلاع الشياطين على الحوادث الأرضية بالمشاهدة وبالسماع من الجن ومن الإنس ممن شاهد ذلك أو سمع به أو ظنه بطريقٍ من طرق\n_________\n(^١) (ص ٣٣٠ و٣٤١).\n(^٢) (ص ٣٤٣).","vol":"4","page":359},{"text":"الظن وغير ذلك. وإلقائهم للإنس على قسمين: فمن كان متصلًا بهم شافهوه مشافهةً، ومَن لم يكن كذلك وسوسوا بها في نفسه.\nوربما وَسْوَس الشيطان في نفس الإنسان بشيءٍ ثم ذهب إلى إنسان آخر فوسوس بذلك الشيء عينه، ومن هنا يقع كثيرًا أنه إذا تثاءب شخص تثاءب من بجنبه، وذلك أن التثاؤب من الشيطان كما في الحديث (^١).\nوربما وسوس الشيطان في صدر إنسان ثم أخبر وليّه ــ أو (^٢) وسوس في نفسه ــ أن ذلك الإنسان يقول في نفسه كذا وكذا ــ ذلك الآخر الذي وسوس له به ــ فيقول الوليّ لذلك الإنسان: إنك تقول في نفسك كذا وكذا!\nوربما تناولت الشياطين الإخبار، وقس على هذا.\nوقد روي عن عمر ﵁ أنه خَطَر في نفسه بعض الأيام أن يتزوّج بعضَ النساء، فلم يكلِّم بذلك أحدًا، ثم خرج إلى السوق، فإذا الخبر شائع بين الناس: أن أمير المؤمنين يريد أن يتزوج فلانة، فقال: هذا الخنّاس (^٣).\nوبهذه المناسبة أقول: إنه قد تقع لي بعضُ الخواطر فتصدُق وأنا أزِنها بميزان الشرع، فما كان ظاهره الخير رجوتُ أن يكون من المَلك، وما كان ظاهره الشرُّ خشيتُ أن يكون من الشيطان.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٢٨٩) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٢) تحتمل: «أي».\n(^٣) لم أعثر عليه.","vol":"4","page":360},{"text":"ومن ذلك أني كنت سنة ٣٥ (^١) ببلدتي «عُتمة» بمركزها المعروف بـ «الربوع»، وأنا إذ ذاك أكتب لحاكمها السيّد محمد بن علي الذّاري (^٢)، وكان قد أرسل رسولًا إلى الإمام يحيى بن محمد، فأبطأ الرسول. وبينا أنا يومًا جالس أمام القلعة خَطَر لي أن ذلك الرسول الذي ينتظره سيمرّ حينئذٍ من تحت القلعة، فصوّبت نظري إلى تحت القلعة؛ وإذا بذلك الرجل مارًّا من ذلك المكان.\n\nوالذي يهمّنا من هذا أن<span data-type=\"title\" id=toc-211> رؤية الإنسيّ للجنيّ وسماعه لكلامه </span>إنما يكون إذا تمثّل الجني بصورةٍ غير صورته الأصلية، قال الله تعالى في إبليس عليه اللعنة: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧]، فمشاهدة الإنسي للجني بعد تمثّله بغير صورته ليست من الاطلاع على الغيب، وكذلك سماعه لكلامه، وكذلك الاستفادة من كلامه عن حال بعض الحوادث الأرضية ليس من الاطلاع على الغيب، كما في خبر الإنسي للإنسي.\nومع هذا كله فالجنّ مغرمون بالكذب، ولا يمكن بلوغ خبرهم حدَّ التواتر، فلا يحصل بخبرهم القطع، ولو حصل لم يكن من الاطلاع على الغيب المنفيّ في الآيتين، والله أعلم.\n[٢٠٦] ومما يُستدلّ به في هذا النوع: النظر في النجوم والعَرافة والطَّرْق والخطّ والتنويم المغناطيسي، وغير ذلك مما مرّ، وحكمُه ما مرّ في القسم الأول (^٣).\n_________\n(^١) أي (١٣٣٥ هـ).\n(^٢) (ت ١٣٤٤ هـ). ترجمته في «هجر العلم»: (٢/ ٦٦١)، و«نزهة النظر» (ص ٥٦٩).\n(^٣) (ص ٣٤٣ - ٣٥٧).","vol":"4","page":361},{"text":"نعم، ربما أعانت الشياطين أصحاب تلك الطرق مع تمكّنها من معرفة الحوادث الأرضية كما مرّ، فيكثر صدقُهم، وعلى كلٍّ فإنَّ شيئًا من ذلك لا يحصّل العلم، والله أعلم.\nومما يدخل في هذا الباب ما يُؤثَر عن أهل الرياضات كالإشراقيين من الفلاسفة، والبراهمة في الهند، وبعض المتصوّفة من المسلمين ونحوهم، وذلك أنهم يعالجون أنفسهم بالجوع والسهر والبعد عن الناس، وغير ذلك، فيزعمون أنه يبلغ بهم ذلك مراتب؛ أدناها: سرعةُ الفهم للأشياء الغامضة ونحو ذلك، وأعلاها عند الإشراقيين ــ من (^١) أدناها عند المتصوّفة ــ: تَمَكُّنُ أرواحِهم مِن الاطّلاع على بعض الحوادث الكونية، كما يُحكى أن الإشراقيين من أصحاب أفلاطون كانوا يقفون بمكان بعيدٍ عن مكانه ثم يتلقُّون منه الحكمة بخواطرهم، ومثل هذا كثير من حكايات المتصوّفة.\nوالذي أراه في هذا: أنه إن كان مع نومهم فهو نوعٌ من الرؤيا، غايةُ الأمر أنهم لما كانت أنفسهم متعلّقة بمعرفة الحكمة كلَّ التعلُّق صارت تحدِّثهم في النوم بما هي مشغولة به، فربما توصّلت بذلك إلى تسلسل النظر ومعرفة بعض الحقائق. ومثل هذا يقع لكثير من الناس، وما مِنّا أحدٌ إلا وقد يجد نحو ذلك من نفسه في بعض الأحيان، فإني أيّام تعلُّقي بقرض الشعر كنت كثيرًا ما أرى في النوم أني نظمتُ البيتَ أو البيتين أو الثلاثة فصاعدًا، وربما أسْتَيقظُ وأنا ذاكر لذلك. وأيام تعلُّقي بتأليف هذه الرسالة كثيرًا ما أرى في النوم أني أنظر في بعض مسائلها وأراجع الكتب وغير ذلك.\n_________\n(^١) كلمة غير محررة ولعلها ما أثبت.","vol":"4","page":362},{"text":"وإن كانوا يزعمون أن ذلك في حال يقظتهم كما هو ظاهر كلام بعضهم وصريح كلام آخرين، فقد ذكروا أن سببه هو أن الإنسان إذا استعمل الرياضة ضعف جسدُه حتى يصير شبيهًا بجسد النائم، فيتأتّى له حينئذٍ في اليقظة ما يتأتّى له في النوم، فيرى صورَ الأشياء لكن لا بعينيه الشحميَّتين بل بالقوّة التي يرى بها في النوم، وهكذا السماع وغيره بحيث يُطبق عينيه فلا تمتنع الرؤية، ويسدّ أُذنيه فلا يمتنع السماع، ونحو ذلك (^١).\nوهذا ــ إنْ حسّنّا العبارة ــ نوعٌ من الرُّؤيا، أوَ لا ترى أنك إذا أردت تخيّل صورة شيءٍ غائب ثم أطبقت عينيك كان التخيُّل أقوى مما إذا فتحتهما، وذلك لأنّ في إطباقهما تفريغًا للنفس من الاشتغال بالمحسوسات.\nوبهذا يعلم أنه كلما ازداد الإنسان بعدًا عن الاشتغال بالمحسوسات صار أقوى تخيُّلًا كما في النوم.\nفمِنْ أعمال الجن: يُخيِّلون للإنسان المرئيات والمسموعات ويوسوسون في خاطره ببعض الوقائع كما مرّ. والرياضة هي السبب الوحيد لموالاة الجن والشياطين والاستعانة بهم كما هو معروف عند الوثنيين.\n[٢٠٦ ب] وفي كلامٍ لابن عربي نقله الآلوسي في بعض كتبه (^٢) قال: «لله تعالى ملَك موكّل بالرؤيا يسمى (الروح) وهو دون السماء الدنيا، بيده صور الأجساد التي يدرك فيها النائم نفسه وغيره، وصور ما يحدث من تلك الصور\n_________\n(^١) عدة كلمات ذهبت أوائلها لمجيئها في طرف الورقة. ولعلها ما اجتهدت في إثباته.\n(^٢) لعله في رحلته «غرائب الاغتراب». وكلام ابن عربي في «الفتوحات المكية»: (٢/ ٦).","vol":"4","page":363},{"text":"من الأكوان، فإذا نام الإنسان أو كان صاحب غَيبةٍ وفناء، أو قوة إدراك لا تحجبه المحسوساتُ في يقظته عن إدراك ما بيد هذا الملك من الصور، فيدرك ما يدركه النائم، لأنّ اللطيفة الإنسانية تنتقل بقواها من حضرة المحسوسات إلى حضرة الخيال المتَّصل بها الذي محلّه مُقدَّم الدماغ، فيفيض عليها ذلك الروح الموكل بالصور من الخيال المنفصل عن الإذن الإلهي ما يشاء الحق أن يريه لهذا النائم أو الغائب ومَنْ ذُكِر معه من المعاني متجسِّدَةً في الصور التي بيد هذا المَلك، فمنها ما يتعلَّق بالله تعالى وما يوصَف به من الأسماء، فيدرك الحق في صورة أو القرآن أو العلم أو الرسول الذي هو على شرعه، فهنا يحدث للرائي ثلاث مراتب:\nأحدها: أن تكون [الصورة] (^١) المدْرَكة راجعة للمرئي بالنظر إلى منزلةٍ ما من منازله وصفاته الراجعة إليه، فتلك رؤيا الأمر على ما هو عليه بما يرجع إليه.\nالثانية: أن تكون الصورة المرئية راجعة إلى حال الرائي في نفسه.\nالثالثة: أن تكون راجعةً إلى الحقِّ المشروع والناموس الموضوع، أيِّ ناموسٍ كان في تلك البقعة التي ترى تلك الصورة فيها، وفي ولاة أمر ذلك الإقليم القائمين بناموسه. وما ثَمَّ رتبة رابعة.\nفالأولى حسنةٌ كاملة لا تتصف بقبح ولا نقص، والأخيرتان قد تظهر الصورة فيهما بحسب الأحوال من حُسْن وقُبْح ونَقْص وكَمَال. فإن كان من تلك [الصورة] خطابٌ فهو بحسب ما يكون الخطاب، وبقَدْر ما يَفْهَم منه في رؤياه، ولا يعوِّل على التعبير في ذلك بعد الرجوع إلى عالم الحس إلا إذا\n_________\n(^١) ما بين المعكوفين هنا وما بعده مستدرك من «الفتوحات» لابن عربي.","vol":"4","page":364},{"text":"كان عالمًا بالتعبير أو يسأل عالمًا به.\nوينظر حركة الرائي مع تلك الصورة مِن أدبٍ واحترام وغير ذلك، بحسب ما يصدر منه من معاملته لتلك الصورة، فإنها صورة حقّ من كل وجه، وقد يشاهد الروح الذي بيده هذه الصورة وقد لا [يشاهده]. وما عدا هذه الصورة فليست إلا من الشيطان أو مما يحدِّث المرءُ به نفسَه في يقظته، فلا يعوُّل عليها، ومع ذلك إذا عُبِّرَت كان لها حُكم ولا بدّ، ويحدث لها ذلك من قوة تعبير المُعَبِّر لا من نفسها ...» إلخ.\nوالذي يتلخّص منه: أنّ ما يقع للمرتاضين من الصوفية وغيرهم في بعضهم هو من قبيل الرؤيا بأقسامها، مِن صادق وكاذب ومحتاج إلى التأويل وغيره. وتعيين الصادقة من الكاذبة، والصريحة من المؤوّلة، وتعيين التأويل= كلُّ ذلك مجرّد حَدْس وتخمين لا يحصل به الظن المعمول به شرعًا فضلًا عن اليقين.\nقال الآلوسي (^١): وقال غير واحدٍ من المتفلسفة: هي انطباع الصورة المنحدرة من أفق المتخيّلة إلى الحس المشترك. والصادقةُ منها إنما تكون باتصال النفس بالملكوت لما بينهما من التناسب عند فراغها من تدبير البدن أدنى فراغ، فيتصوّر بما فيها مما يليق بها من المعاني الحاصلة هناك.\nثم إن المتخيّلة تحاكيه بصورة تناسبه، فترسلها على الحس المشترك، فتصير مشاهَدَةً، ثم إن كانت شديدةَ المناسبة لذلك المعنى بحيث لا يكون التفاوت إلا بالكلية والجزئية استغنت عن التعبير وإلّا احتاجت إليه.\n_________\n(^١) في «روح المعاني»: (١٢/ ١٨١ - ١٨٢). وقوله: «هي انطباع الصورة ... وإلّا احتاجت إليه» هو نص كلام البيضاوي في تفسيره: (٣/ ٢٧٤).","vol":"4","page":365},{"text":"والفرق بين المحتاجة وغيرها عسر جدًّا (^١).\nوذكر بعض أكابر السادة الصوفية ما يقرب من هذا، وهو: أن الرؤيا من أحكامها: حضرة المثال المقيد المسمّى بالخيال، وهو قد يتأثّر من العقول السماوية والنفوس الناطقة المدركة للمعاني الكلية والجزئية، فيظهر فيه صور مناسبة لتلك المعاني، وقد يتأثر من القوى الوهمية المدركة للمعاني الجزئية فقط، فتظهر فيه صور تناسبها، وهذا قد يكون بسبب سوء مزاج الدّماغ، وقد يكون بسبب توجُّه النفس بالقوّة الوهمية إلى إيجاد صورةٍ من الصور، كمن يتخيّل صورةَ محبوبه الغائب عنه تخيّلًا قويًّا، فتظهر صورته في خياله فيشاهده (^٢) ... إلخ.\n[٢٠٧] ومن هذا ما ذكره بعضُ المتصوِّفة: أنهم يرون النبي ﵌ يَقَظَةً، وهم إذا أرادوا أن يُرَبُّوا المريد إلى نيل هذه الدرجة يأمرونه بالرياضة الشاقة، فيواصل الصومَ المدّةَ الطويلة ويختلي عن الناس، وأن يفرغ فكره عن كل شيءٍ، ثم يستعمل الصلاةَ على النبي ﵌، ويكلِّف نفسَه تخيّل ذات النبيِّ ﵌ كما هو منعوت في «الشمائل الترمذية» وغيرها، ويداوم على هذا= فإنه يرى النبي ﵌ يَقَظةً. وقد عرفتَ رأيي في هذا مما مرَّ.\nفإن قيل: فقد ثبت عنه ﵌ أن الشيطان لا يتمثّل به (^٣).\n_________\n(^١) هذه العبارة ليست من كلام الآلوسي، فلعلَّها تعليق من المؤلف.\n(^٢) إلى هنا ينتهي كلام الآلوسي.\n(^٣) سبق تخريجه.","vol":"4","page":366},{"text":"قلت: ونحن لم نقل إنه تمثّل به، وإنما قلنا: إنّ قوّة التخيّل تبلغ بالإنسان أن يرى في اليقظة ما يراه في النوم، كما أنّ قوّة التخيّل قد توهم الإنسان أنه رأى بعينيه الشحميَّتين ما لم يره، ويسمع بأذنيه ما لم يسمعه، ويلمس ببعض أعضائه ما لم يلمسه، كمن يتراءى الهلال ليلة الثلاثين، ويطيلُ النظرَ، فإنه يتخيّل أنه رأى الهلال، ولكنه لا يلبث أن يزول، فيذهب بعضُ الجهّال يشهد برؤية الهلال.\nوأما مَن يعرف السبب فإنه لا يعتبر تلك الخَطْفة حتَّى تثبت الرؤية. ولا يبعد أنه إذا قوي التخيّل، ولاسيّما مع الرياضة والتفرُّغ والتخلِّي عن الناس= يبلغ الإنسان إلى حدٍّ أعظم من هذا، فيظنّه قد رآى وتثبّت. وقد مرّ في المنقول عن الآلوسي ما يفيده.\nوأما في تخيّل غير ذات النبي ﵌، فإنهم معرّضون لتلاعب الشياطين ــ والعياذ بالله ــ في حواسهم الباطنة والظاهرة برياضةٍ أو بدونها، وعُقلاؤهم عارفون بهذا ولكنهم يرون أن اشتغال المريد بأوصاف النبي ﵌ إلى حدّ استحضارها تمامًا بحيث يصير يراها في النوم، ويراها برؤيا المثال في اليَقَظة= مزية عظيمة وفائدة كبيرة، ومع ذلك فإنهم لا يزالون يرشدون كلَّ من سلك طريقهم أن يعرض كل ما ظهر له من الأفهام على كتاب الله تعالى وسنة رسوله، أي بدلالتيهما التي اعتبرها الشرع، فإن كان موافقًا عمل به، وإن كان مخالفًا حَذِره، وإن لم يعلم موافقته ولا مخالفته وَقَف، فينزِّلون الكشفَ منزلةَ الرؤيا، وهم في هذا مصيبون، وإنما خطؤهم من حيث مخالفتُهم لذلك أحيانًا، ومن حيث سلوكُهم طريقًا غير الطريق التي أمر الله تعالى بها ورسولُه، ولزمها الصحابةُ","vol":"4","page":367},{"text":"والتابعون وتابعوهم، فلم يكن فيهم أحدٌ يخالف الشرعَ فيعمل بعمل هؤلاء القوم ويزعم ما يزعمونه، ويغترّ بما اغترّوا به.\nفالشريعة تنهى عن الوصال في الصيام ولو يومين (^١)، بل ورد في «الصحيح» (^٢) الأمر بالسحور وتعجيل الفطور. ومن حكمة ذلك ــ والله أعلم ــ أن لا تطول مدّة الإمساك. [٢٠٨] وثبت في «الصحيح» (^٣) النهي عن صوم الدهر. وثبت في «الصحيح» (^٤) النهي عن سَهَر أكثر الليل، وثبت فيه (^٥) النهي عن الترهّب وغير ذلك. والحاصلُ أن الشرع اختار أوساط الأمور، وخيرُ الأمور أوساطها.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٦٢)، ومسلم (١١٠٢) من حديث ابن عمر ﵄.\n(^٢) تعجيل الفطر أخرجه البخاري (١٩٥٧)، ومسلم (١٠٩٨) من حديث سهل بن سعد ﵁، وتأخير السحور أخرجه البخاري (١٩٢٠) من حديثه أيضًا، وأخرجه مسلم (١٠٩٤) من حديث سمرة بن جندب ﵁.\n(^٣) أخرج البخاري (٥٠٦٣) حديث الثلاثة الذين تقالّوا عبادة النبي   - ﷺ -، وفيهم من قال: «أنا أصوم الدهر ...» الحديث. وأخرج مسلم (١١٦٢) من حديث عمر بن الخطاب ﵁ أنه سأل رسول الله   - ﷺ -: كيف بمَن يصوم الدهر؟ فقال: «لا صام ولا أفطر ...» الحديث.\n(^٤) كما في حديث أبي برزه الأسلمي ﵁ في البخاري (٥٤٧)، ومسلم (٦٤٧): «كان رسول الله   - ﷺ -   يؤخر العشاء إلى ثلث الليل ويكره النوم قبلها والحديث بعدها ...».\n(^٥) في البخاري (٥٠٧٣)، ومسلم (١٤٠٢) عن سعد بن أبي وقّاص ﵁ أن رسول الله   - ﷺ -   ردّ على عثمان بن مظعون التّبَتُّل .. . وجاء في «مسند أحمد» (٢٥٨٩٣) وابن حبان (٩) قول النبي   - ﷺ -   لعثمان بن مظعون: «يا عثمان إن الرهبانية لم تُكتب علينا ...» الحديث.","vol":"4","page":368},{"text":"والكلامُ في هذا يطول، ولكن حسبك أن ربّنا ﷾ هو الذي بيده الخير كلّه، وإليه يُرجع الأمر كلُّه، وهو الرزَّاق لخيرات الدنيا من مالٍ وعلمٍ وفهم وغيره، ولخيرات الآخرة. فمن كان يطلب ما هو خير له في دينه ودنياه معًا، فليعلم أن ذلك لا يتأتّى له إلا برضوان الله، ورضوانُ الله لا يتأتّى إلا بطاعته، وطاعتُه هي التزام ما ورد في كتابه وسنة رسوله، وليحذر أن يخالف ذلك أو يشرع من عنده ما لم يأذن به الله في كتابه أو على لسان رسوله، فيبوءُ بالخسران.\nومَن كان يطلب ما هو خير له في دنياه فقط فهو وما تولّى، وما أحراه أن يخسر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين. ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١]، يا مقلّب القلوب ثبّت قلبي على دينك، واهدني لما اخْتُلِف فيه من الحقّ بإذنك، وارض عني رضًا لا سخط بعده، بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين.","vol":"4","page":369},{"text":"خاتمة\nقد أتينا بحمد الله تعالى في هذا الفصل على جُلِّ أو كُلِّ الطرق التي يُستدلّ بها على المغيّبات، وبقي الكشف الذي يدّعيه الصوفية، وهو لا يخرج عما ذكرنا، وهو محتملٌ لأن يكون من الرؤيا أو حديث النفس أو التحديث، وأن يكون من تلاعب الشياطين والعياذ بالله. وهم معترفون بهذا، فتسمعهم يقولون: «كشف رحماني، كشف شيطاني»، «خاطر روحاني، خاطر شيطاني». والتمييز بالرجوع إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله.\nومن ذلك رؤيتهم لمن يظنونه أو يزعم أنه مَلَك، وسماع كلام من يظنونه أو يزعم أنه ملك. وقد سبق (^١) أنهم يقولون: إنه لا يجتمع لهم الرؤية والسماع معًا، وإنما يرون ولا يسمعون، أو يسمعون ولا يرون. وهذا كسائر أنواع الكشف على كلِّ حال لا يُحصِّل اليقين، ولا يحصل به إلا بعض الظنّ، فتبيَّن أنه ليس فيه ولا في غيره من تلك الأمور ما يُعدّ إظهارًا على الغيب لغير الرسل. والحمد لله رب العالمين.\n_________\n(^١) (ص ٣٦٣).","vol":"4","page":370},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-216>[الكلام في حجية الإلهام وهل هو من الإظهار على الغيب</span>؟]\n[٢٠٩] وقد ذكر الشوكاني في «إرشاد الفحول» (^١) دعوى بعض المتصوّفة حجيَّةَ الإلهام، قال: «واحتجَّ بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩] أي: ما تفرّقون به بين الحق والباطل، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] أي: عن كل ما يلتبس على غيره وجهُ الحكم فيه. وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. فهذه العلوم الدينية تحصُلُ للعباد إذا زَكَت أنفسُهم، وسلمت قلوبهم لله تعالى، بترك المنهيّات وامتثال المأمورات؛ وخبرُهُ (^٢) صدق ووعده حق.\nواحتجَّ شهابُ الدين السُّهْرَوَرْدي على الإلهام بقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧]، وبقوله: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨]. فهذا الوحي هو مجرّد الإلهام.\nثم إن من الوحي (^٣) علومًا تحدث في النفوس الزكيَّة المطمئنَّة، قال ﵌: «إن مِن أُمتّي المحدَّثين والمكلَّمين، وإن عمر لمنهم» (^٤). وقال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾\n_________\n(^١) (٢/ ١٠١٦ - ١٠٢٠ - ت الأثري).\n(^٢) في الطبعة الجديدة: «إذ خبره ...».\n(^٣) كذا في الأصل تبعًا للطبعة القديمة، وفي الجديدة: «الإلهام».\n(^٤) لم أجده بهذا اللفظ، ومصدر الشوكاني «البحر المحيط» للزركشي: (٦/ ١٠٤). وهو بمعناه في الصحيح كما سيأتي.","vol":"4","page":371},{"text":"[الشمس: ٧ - ٨]، فأخبر أن النفوس مُلهَمَة.\nقال الشوكاني: قلت: وهذا الحديث الذي ذكره هو ثابت في الصحيح (^١) بمعناه، قال ابن وهب في تفسير الحديث: أي: مُلهَمون، ولهذا قال صاحب «نهاية الغريب» (^٢): جاء في الحديث تفسيره أنهم الملهمون، والملهم: هو الذي يُلْقى في نفسه الشيء، فيخْبِر به حدسًا وفراسةً، وهو نوعٌ يخصّ به الله مَن يشاء من عباده، كأنهم حُدِّثوا بشيء فقالوه (^٣).\nوأما قوله ﵌: «استفتِ قلبك، وإن أفتاك الناس» (^٤)، فذلك في الواقعة التي تتعارض فيها الأدلة. قال الغزالي: واستفتاء القلب إنما هو حيث أباح المفتي، أما حيث حَرَّم فيجب الامتناع ... إلخ.\nوقال الشوكاني في آخر الكلام: «ثم على تقدير الاستدلال لثبوت الإلهام بمثل ما تقدَّم من الأدلة، من أين لنا أن دعوى هذا الفرد لحصول\n_________\n(^١) البخاري (٣٤٦٩) من حديث أبي هريرة ﵁، ومسلم (٢٣٩٨) من حديث عائشة ﵂.\n(^٢) (١/ ٣٥٠).\n(^٣) الأصل: «قالوه».\n(^٤) أخرجه أحمد (١٨٠٠٦)، والدارمي (٢٥٧٥)، وأبو يعلى (١٥٨٦) وغيرهم عن وابصة بن معبد ﵁. والحديث حسَّنه النووي في «رياض الصالحين» (ص ٢٠٨) و«الأذكار» (ص ٤٠٨). وضعَّفه الحافظ ابن رجب في «جامع العلوم والحكم»: (٢/ ٩٤) وأعلّه بالانقطاع، وبضعف الزبير بن عبد السلام. وانظر حاشية المسند: (٢٩/ ٥٢٨ - ٥٢٩).","vol":"4","page":372},{"text":"الإلهام له صحيحة، وما الدليل على أن قلبه من القلوب التي ليست بموسوسة ولا بمتساهلة؟» ا؟ .\nيقول عبد الله الفقير إليه: قد سبق في تضاعيف هذه الرسالة ما يُعلَم منه الجواب، ولكن ينبغي أن نعيده هنا موضَّحًا فأقول: أما وجود الإلهام فلا نزاع فيه، فأفراد العالَمِ كلّها تحت حكم الله تعالى يُلْهم كلًّا منها ما أراد، ومِنْ ذلك القلوب كما قال تعالى (^١):\nوفي «الصحيح» (^٢) عن عبد الله بن عَمرو قال: قال رسول الله ﵌: «إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلبٍ واحدٍ يصرّفه كيف يشاء» ثم قال رسول الله ﵌: «اللهم مصرّف القلوب صرّف قلوبنا على طاعتك».\nفالباري ﷻ كما يُلْهِم جميع الكائنات ما أراد، فهو يُلْهِم القلوبَ كلَّها [٢١٠] والأدلة على هذا أكثر من أن تُحْصَى، ولكن هذا الإلهام هو عبارة عن خاطرٍ من جنس هذه الخواطر التي يجدها الإنسان في نفسه، وهذا هو الذي وقع لأمّ موسى، فإنها لما وضعَتْه وخافت عليه فرعون، وقع في نفسها أن ترضعه كما ترضع الأمُّ ولدَها، فإذا خافت عليه جعلته في صندوق وألقتِ الصندوقَ في الماء. [و] لمّا أنّ الصندوق لا يرسب في الماء، فلابُدَّ أن تذهب به الأمواج، فيراه بعض الناس فيأخذه، فيحتمل حينئذٍ أنه من أبناء\n_________\n(^١) كتب المؤلف: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا﴾ [الشمس: ٧ - ٨] ثم ضرب عليها، وأبقى موضع الآية بياضًا. ولعل قوله: ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ مما يصلح في هذا الموضع.\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٦٥٤).","vol":"4","page":373},{"text":"القِبْط وضَعَتْه أمُّه في التابوت لريبةٍ أو غيرها فيَسْلَم، ويحتمل أن يعلم أنه من بني إسرائيل، فَعَلَت به أمُّه ذلك خوفًا عليه من الذبح فيُذْبح، ويحتمل أن يقع في يد فرعون أو شخصٍ من أتباعه فيرحمه، ويحتمل أن تتدافعه الأمواج حتى يموت، فأنتَ ترى أن هذا الفعل كما يحتمل الهلاكَ يحتمل السلامةَ، بخلاف ما لو تركَتْه عندها فإنه لا يحتمل إلا الهلاك. ومع ذلك فهلاكه بعيدًا عنها أهون عليها من ذبحه في حجرها.\nوالحاصل أن المصلحة تقتضي وضعه في التابوت، فألْهَم الله تعالى أمَّ موسى هذا الفعل، فوجدت في نفسها خاطرًا يرشدها إلى ذلك، وتبيَّنت لها المصلحةُ المعقولةُ ففعلَتْه. وهذا الخاطر هو في الظاهر من جنس الخواطر التي يمكن عروضها لكلِّ أحدٍ. فالإلهام الذي لا نزاع في وجوده هو نحو هذا مما يلتبس بسائر الخواطر.\nفمن ادّعى زيادةً على هذا فدعواه مردودة إلا ما كان من قبيل الرؤيا، وقد مرَّ الكلامُ عليها (^١). وقد ثبت في «صحيح البخاري» (^٢) قوله ﵌: «لم يبق من النبوّة إلا المبشِّرات» قالوا: وما المبشِّرات؟ قال: «الرؤيا الصالحة». وفي «صحيح مسلم» (^٣) زيارة أبي بكر وعمر لأمّ أيمن بعد وفاة رسول الله ﵌، فلما انتهيا إليها بكت، فقالا لها: ما يُبْكيك ... الحديث إلى أن قالت: ولكني أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء، فهيّجَتْهما على البكاء، فجعلا يبكيان معها. وقد مرَّ في هذا\n_________\n(^١) (ص ٣٢٨ وما بعدها).\n(^٢) (٦٩٩٠) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٣) (٢٤٥٤) من حديث أنسٍ ﵁.","vol":"4","page":374},{"text":"الموضوع ما يُغني.\nوأما حديث التحديث، فليس فيه أن التحديث أمر زائد على الخاطر، وإنما يمتاز المُحَدَّث عن غيره بكثرة الخواطر الحقّة (^١) في خواطره، فيكون تفرّسه أكثر صوابًا من غيره.\nوأما قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩]، وقوله ﷿: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢]، فليس فيهما أن الفرقان والمخرج هو إلهامُ نفسِ الحكم أو الدليل بطريق غيرِ عادية. وعليه فالحقُّ أن الفرقان والمخرج هو في حقِّ المجتهد أن يجعل الله تعالى في قلبه باعثًا على طلب الحق، وييسّر له النظر في الحجج الظاهرة من كتاب الله تعالى وسنة رسوله بالطريق العادية، ويثبّته تعالى حتى لا يُقصِّر ولا يتَّبع الهوى، بل يؤدّي ما وجب عليه، بحيث يكون مُصيبًا مأجورًا أجرين، أو مخطئًا معذورًا، مأجورًا أجرًا واحدًا.\nوفي حقّ العامّي أن يجعل الله تعالى في قلبه [٢١١] باعثًا على طلب الحق، والحرص على استفتاء العلماء في كلِّ ما يعرض له، وييسّر له من يسأله من العلماء بالطريق العادية، ويثبّته تعالى حتى لا يُقصر ولا يتعدّى، بل يؤدي ما يجب عليه.\nوإنما لم نقل: إن الفرقان والمخرج هو ما يكون فيه إصابة الصواب في نفس الأمر لأمرين:\n_________\n(^١) غير محررة في الأصل، ولعلها ما أثبت.","vol":"4","page":375},{"text":"الأول: أن الأجر والسعادة لا تتوقّف على ذلك، بل تتوقّف على أداء الواجب.\nالثاني: أننا وجدنا الأنبياء ﵈ قد ينسون ويخطئون، كما وقع لداود ﵇ في شأن الغنم، وفي شأن المرأتين، وغير ذلك مما قد مرَّ بعضُه (^١) ــ وهم أتقى الناس ــ فإذا جاز عليهم الخطأ فغيرهم أولى بلا شكّ، وإنما يُذَكِّرهم الله تعالى لئلا يصير خطاؤهم شَرْعًا يُعمل به، وهذا منتفٍ في حقّ غيرهم.\nوكذلك وجدنا الصحابة ﵃ اختلفوا اختلافًا كثيرًا، ووقع منهم الخطأ، وهم أتقى الأمة بل أتقى الأمم، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ ...﴾ الآية [الفتح: ٢٩]. وقد نزل في أبي بكر ﵁ قوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾ (^٢) [الليل: ١٧]، فشهد له القرآن أنه الأتقى، وهذا يستلزم أن يكون أتقى بني آدم ما عدا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ومع ذلك فقد كان يقع منه الخطأ، بدليل مخالفة أكابر الصحابة له في كثير من الأمور كما في المسألة الأولى (^٣).\nوكذلك التابعون وتابعوهم المشهود لهم بأنهم خير القرون، وفيهم أكابر الأئمة كالمجتهدين الأربعة وغيرهم. وهذا واضحٌ جدًّا.\n_________\n(^١) لم نره فيما سبق.\n(^٢) انظر «الدر المنثور»: (١٥/ ٤٧٧ - ٤٧٨).\n(^٣) (ص ١١١ - ١١٢).","vol":"4","page":376},{"text":"ثم إن الفرقان والمخرج إنما يطَّرِد في حقّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لِعِصْمتهم من الإخلال بالتقوى مطلقًا، فأما غيرهم فلا يطّرد لعدم العصمة، إلا أن الظاهر أنه إذا استوى العالِمَان في العلم وامتاز أحدهما بزيادة التقوى كان قوله أرجح، وهذا إنما يتأتّى اعتباره في العامّي إذا استفتى العَالِمَين، ولم يظهر له رُجحان دليل أحدهما، فأما مَن عداه فإنه تَبَعٌ للدليل كما ورد: «الحكمةُ ضالةُ المؤمن ...» (^١) إلخ، وكما عُرف من حال الصحابة ﵃ ومَن بعدهم في مخالفة كل منهم للأفضل والأتقى إذا ظهر له رجحانُ دليل غيره.\nوبهذا عُرِفت الميزة التي امتاز بها المتّقي عن غيره ودَلَّت عليها الآيتان، فالمتّقي إن كان نبيًّا فهو مصيب أبدًا، وإن كان غير نبيّ فهو مأجور غالبًا.\nوأما غير المتّقي فإنه لا يستحقّ التثبيت، بل يغلب عليه الكسل عن أداء ما يلزمه من الاجتهاد أو سؤال المجتهد، فيقصّر في ذلك ويعمل برأيه، وقد يتّبع هواه ويتعصّب، ومع هذا فالحال غير مطّرِد وإنما يتأتّى الاعتبار بنحو ما سبق في التّقي والأتقى، والله أعلم.\nوأما قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فلا يتأتّى الاستدلال بها إلّا على تقدير معيَّة الواو، وهو غير متعيّن، ولو سُلِّم\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٣٦٨٧)، وابن ماجه (٤١٦٩) وغيرهما من طريق إبراهيم بن الفضل عن المقبري عن أبي هريرة ﵁. قال الترمذي: «هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وإبراهيم بن الفضل المدني المخزومي يُضعّف في الحديث من قبل حفظه». وضعّفه ابن الجوزي في «العلل المتناهية» (١١٤)، وانظر «المقاصد الحسنة» (ص ١٩١) للسخاوي.","vol":"4","page":377},{"text":"فالتعليم في هذه الآية هو بمعنى الفرقان والمخرج في الأوليين، والله أعلم.\n[٢١٢] والحاصل أن الإلهام ليس إلا عبارة عن خاطرة من جنس هذه الخواطر التي تعرض لكلِّ إنسان، والخواطر تتنوّع إلى حديث النفس وإلى ما يكون بمجرَّد خلق الله تعالى، وإلى ما يكون بحديث الملك، ويزيد غيرُ الأنبياء بوسوسة الشياطين.\nوحديثُ النفس قد يكون حقًّا وقد يكون باطلًا. وما كان بمجرَّد خلق الله تعالى قد يكون للهداية، وقد يكون للابتلاء، ونحوه ما يكون بتحديث الملك. وما يكون من الشيطان لا يكون إلا باطلًا، إلا أنه ربما وسوس بالأمر من الحق يتوصّل به إلى باطل أشدّ.\nوحينئذٍ فنقول لمدّعي حجية الإلهام: بأيّ طريقٍ عرفتَ أنه حقّ؟\nفإن قال: بإلهامٍ آخر.\nقلنا له: والإلهام الآخر يحتمل ما احتمل الأول، وبتطرّق الاحتمال إلى الثاني يتطرّق الاحتمال إلى الأوّل.\nوإن قال: لكون صاحب الخاطر متَيَقّنًا.\nقلنا له: هل هو معصوم؟\nقال: لا.\nقلنا: فكيف قلتَ ما قلتَ؟\nفإن قال: الغالب على المتَّقي خواطر الحقّ بدليل تلك الآيات المتقدّمة، وحديث التحديث.","vol":"4","page":378},{"text":"قلنا: أَتْقى خَلْق الله تعالى أنبياؤه، وقد عرفتَ جواز السهو والخطأ عليهم، وتذكيرهم ليس لمجرّد التقوى، وإنما هو لأمر آخر. وهذا يدلّ أنّ اطّراد التقوى لا يستلزم اطراد صِدْق الخواطر، وأما إذا لم تَطَّرِد التقوى فالأمر أبْيَن، ومثل هذا لا يكون حجة، كما في الراوي إذا كذب مرّةً أو مرتين لم تُقبَل روايتُه مطلقًا، على أنه يحتمل أن يكون أكثر حديثه صدقًا. وبنحو هذا يُجاب عن حديث التحديث.\nوإن قال مدّعي الحُجّية: عرفتُ أنه إلهام بانشراح صدري له، وانشراح الصدر إنما يكون لِمَا يكون من جهة الله تعالى. قال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥].\nوقال تعالى في سورة أخرى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾ [البقرة: ٢٦٨].\nوفي الحديث عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﵌: «إن للشيطان لَمَّة بابن آدم وللمَلَك لَمَّة، فأما لَمَّة الشيطان فإيعاد بالشرّ، وتكذيب بالحقّ، وأما لَمّة المَلَك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق. فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله فليحمد الله، ومَن وجد الأخرى فليتعوّذ بالله من الشيطان الرجيم». ثم قرأ: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾. رواه الترمذي (^١)، وقال: هذا حديث غريب.\n_________\n(^١) (٢٩٨٨). وأخرجه النسائي في «الكبرى» (١٠٩٨٥)، والبزّار (٢٠٢٧)، وأبو يعلى (٤٩٩٩)، وابن حبان (٩٩٧). وفي سنده عطاء بن السائب اختلط بأخرة، والراوي عنه أبو الأحوص روى عنه بعد الاختلاط. انظر «الكواكب النيّرات» (ص ٣١٩ وما بعدها). ورجَّح الأئمة وقفه. «علل الترمذي» (٦٥٤) و«علل ابن أبي حاتم» (٢٢٢٤).","vol":"4","page":379},{"text":"[٢١٣] وأخرج البيهقي في «شعب الإيمان» (^١) عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﵌: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] فقال رسول الله ﵌: «إنّ النورَ إذا دخل الصدرَ انفسح»، فقيل: يا رسول الله، هل لذلك من عَلَمٍ يُعْرَف به؟ قال: «نعم، التجافي من (^٢) دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزوله».\nوقال ابن الصلاح (^٣): ومِن علامته (أي: خاطر الحق): أن ينشرح له الصدرُ ولا يُعارضه معارض آخر. اهـ.\nفالجواب: أن انشراح الصدر لأمرٍ ما هو خاطر آخر يحتمل ما احتمل الخاطر، وذلك أنه قد ينشرح للأمر لوجود هداية الله تعالى، أو إلقاء الملك، وقد ينشرح لموافقته لهواه، وقد ينشرح لوسوسة الشيطان.\nفأما قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ فالذي فيها شَرْح الصدر للإسلام لا شَرْح الصدر مطلقًا. وكذا جَعْل الصّدْرِ ضيّقًا\n_________\n(^١) (١٠٠٦٨). وأخرجه ابن أبي الدنيا في «قصر الأمل» (١٢٩)، والحاكم في «المستدرك»: (٤/ ٣١١) وسكت عليه، وقال الذهبي في تلخيصه: عديّ ساقط. وله شواهد لكنها ضعيفة. انظر «العلل المتناهية»: (٢/ ٣١٨) لابن الجوزي، و«شرح العلل»: (٢/ ٧٧١ - ٧٧٢) لابن رجب.\n(^٢) كذا في الأصل تبعًا للمشكاة: (٣/ ١٣٣)، وفي المصادر: «التجافي عن».\n(^٣) نقله عنه في «البحر المحيط»: (٦/ ١٠٣) من «فتاويه». ومصدر المؤلف «إرشاد الفحول»: (٢/ ١٠١٦).","vol":"4","page":380},{"text":"حَرَجًا، أي: عن الإسلام لا مطلقًا. والكفّار يفرحون كثيرًا بكفرهم كما فرح المشركون يومَ أُحد بما نالوه من المسلمين، وغير ذلك، قال ﷿: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٨١]، وقال ﷿: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٣]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: ٤٥]، والمتَّقي قد يفرح بالأمر يوافق هواه ما دام غير معصوم.\nأما قوله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ [البقرة: ٢٦٨]، فهذه الآية في الإنفاق كما يبينه السياق، يقول الله تعالى: إن الشيطان يَعِدُكم يا معشر الأغنياء بالفقر لئلَّا تنفقوا في سبيل الله، ويأمركم بالفحشاء من البخل وغيره، والله يَعِدُكم جزاء إنفاقكم في سبيله مغفرةً منه وفضلًا.\nوما روي من الحديث (^١) ــ إن صح ــ فهو قريب من هذا، فلَمَّة الشيطان إيعاد بالفقر لمريد الصدقة، وبالقتل لمريد الجهاد، ولَمَّة المَلك إيعاد بالجزاء في الدنيا والآخرة.\nوالحاصل أن الصدقة والجهاد والعبادة وتجنّب المحرّمات لا يكون إلا مع التصديق بوعد الله تعالى بحُسْن الجزاء في الدنيا والآخرة، فالله ﷾ يدعو إلى هذا التصديق. وأما الشيطان ــ نعوذ بالله منه ــ فإنه بدعواه إلى التكذيب يَعِدُ بعدم حُسْن الجزاء، فيصوّر الصدقة بصورة مَغْرَم، ونحو ذلك، فإنه تعالى يَعِد المؤمنين بالخيرات إذا اتقوه ليزدادوا تقًى، والشيطان يَعِدهم بالشرور ليقصِّروا في التقوى، فلو كان الإنفاق معصيةً\n_________\n(^١) تقدم نصه (ص ٣٧٩).","vol":"4","page":381},{"text":"حضّ عليه الشيطان ووعد بالغنى كما هو ظاهر، والله أعلم.\nثم إن الوعد إنما هو في جزاء التقوى، فلابدّ من معرفة التقوى بدليلٍ غير الخاطر. ومن ذلك أن يريد الإنسان أن ينفق فَخَطر له في نفسه خوف أن يؤدِّي الإنفاقُ إلى افتقاره، فإن هذا لا يدلّ على تعيين ذلك الخاطر؛ لأن الإنفاق قد يكون في مرضاة الله تعالى، وقد يكون في معصيته، والذي من الشيطان إنما هو فيما إذا كان الإنفاق في مرضاة الله تعالى، وحينئذٍ فلابدّ لمعرفة حكم الإنفاق [١٠] من النظر في الأدلة الظاهرة من الكتاب والسنة، فإن عيّن الدليلُ حكمَ الإنفاق لم يتعيّن الخاطر لاحتمال كونه من حديث النفس. إلا أنه على كلِّ حال ما كان من الخواطر مودّيًا لما يقتضيه حكم الكتاب والسنة فهو خاطرُ حقٍّ، ولكن الشيطان قد يوسوس للإنسان بفعل شيء مما ظاهره خير ليستجريه إلى الوقوع في شرٍّ، كما تراه يزعج كثيرًا من الجهال الفقراء إلى الحجّ، لمعرفته بطريق العادة أنهم يُضيّعون في سفرهم أكثر الصلوات، ويرتكبون غير ذلك من المنهيَّات.\nوأما قوله: «وإيعاد بالحق» وقوله: «وتكذيب بالحق» فواضح أن الحقّ لابدّ أن يكون معروفًا بدليل آخر، ولا دليل إلا الكتاب والسنة. وأما حديث البيهقي ــ إن صح ــ فهو تفسير للآية، وقد علمتَ معناها، فقوله: «إن النور إذا دخل الصدر انفسح» أي: انفسح الصدر، أي: للحق، كما بيَّنه جوابه على قولهم: هل لذلك مِنْ علم؟\nوالحاصل أن النفس قد تفرح وتنشرح وتنفسح للحق وللباطل، ولكن الذي مِن الله ﷾ هو ما كان فيه فرحٌ وانشراح وانفساح للحق، والذي من الشيطان هو ما كان فيه غمٌّ وضيق وحَرَج من الحقّ، فالكلام إنما هو في الحق، وإلَّا فمن فرح بالحق اغتمّ من الباطل، ومن اغتمّ من الحق","vol":"4","page":382},{"text":"فرح بالباطل، إلا أن الفرح بالحق دائمٌ ثابتٌ مستقرٌّ، والفرح بالباطل متزلزل، فلذلك أطلقَ الانشراح ونحوه في جانب الحق، وأطلق الحرج ونحوه في جانب الشرّ، والله أعلم.\nوبما تقرّر عرفتَ أنَّ مجرّد الانشراح بالخاطر لا يصلح دليلًا.\nوأما قول ابن الصلاح: «ومن علامته أن ينشرح له الصدر ولا يُعارضه معارضٌ آخر» فهو غير بعيد، ومعناه أن صاحب الخاطر يجتهد في أدلّة الشرع الظاهرة، أو يستفتي عالمًا في تلك المسألة التي وقع له فيها الخاطر، فإن لم يقف على معارضٍ لِمَا خَطَر له فيه الخاطر وانشرح له صدرُه، دلّ ذلك على أن ذلك الخاطر من الحق.\nوهذا يشتمل على قسمين:\nالأول: أن يجد له مؤيدًا من الأدلة الظاهرة. وهذا هو ما نقوله وندعو إليه، وهو أن يُسْتَدلّ على الخاطر بالأدلة الشرعيّة، فما دلّت الأدلّةُ الشرعيةُ الظاهرة على أنه حق كان الظاهر أن الخاطر الموافق لها حقّ، فتُجْعَل الشريعة دليلًا على الخواطر، لا الخواطر دليلًا على الشريعة.\nوالثاني: أن لا يجد له مؤيدًا ولا معارضًا، وفي إمكان هذا نظر؛ لأنه ما من شيء من الأشياء إلا ويمكن المجتهد معرفة حكمه الشرعيّ بالاجتهاد.\nفإن قيل: قد دلّ الحديث الصحيح: «الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما مُشْتَبِهات» (^١) على وجود هذا القسم الذي هو المشتبهات [*ق] (^٢) المفسّرة\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩) من حديث النعمان بن بشير ﵄.\n(^٢) هذه الورقة من الفلم رقم (٣٥٨٤).","vol":"4","page":383},{"text":"بقوله: «لا يعلمهنَّ كثيرٌ من الناس». وحينئذٍ فقد يخطر للإنسان خاطر يشرح له صدره، فإذا نظر في الكتاب والسنة اشتبه عليه حكمه، وكذا إذا سأل العلماء وأجابوه بما يوقِع في الاشتباه.\nفالجواب: أن الشارع قد أرشدنا إلى الأخذ بالاحتياط في هذا، كما يدلّ عليه قوله في هذا الحديث: «فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ...» إلخ، فإن كان الخاطر يميل إلى الاحتياط فقد وُجِد ما يؤيّده من الشرع، وإن كان يميل إلى غيره فقد وجد ما يعارضه، فرجع إلى القسم الأول.\nفإن قيل: يمكن وجود القسم الثاني فيما أدّى فيه الاجتهاد أو فتوى المجتهد إلى الإباحة، وانشرح القلبُ لعدم الأخذ بذلك.\nفالجواب: أن ذلك المباح إن كان استعماله من التوسُّع والتبسُّط فالشرع قد أرشدنا إلى التخفيف، فانشراح الخاطر بذلك قد وجد من الشرع ما يؤيده، وانشراحه لغيره قد وجد ما يخالفه. وإن كان من غير التبسُّط فالشرع قد أرشدنا إلى العمل به، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢]. وقد مرّ (^١) حديث «الصحيحين» في الثلاثة الذين قال أحدهم: أما أنا فأصلّي الليل أبدًا، وقال الآخر: أنا أصوم النهار أبدًا ولا أفطر، وقال الآخر: أنا أعتزل الناس فلا أتزوّج. فجاء النبي   - ﷺ -   إليهم فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا. أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأُفْطِر، وأُصلي وأرقد، وأتزوّج النساء، فمن رَغِب عن سنتي فليس مني».\n_________\n(^١) سيأتي (ص ٤٦٢).","vol":"4","page":384},{"text":"نَعَم يمكن وجود القسم الثاني فيما لم يوقَفْ فيه على دليل يدلُّ على حُرمته ولا كراهته، فأُخذ به بأصل الإباحة، ولم يظهر في استعماله تبسُّط ولا تضييق إلى الحدّ الذي أرْشَدَنا الشارعُ إلى اجتنابه، ولا ظهرت مصلحة ولا مفسدة، ففي هذا إذا انشرح الصدرُ لعدم الأخذ به= كان ذلك علامة على أنه من الحق.\nوذلك أن عدم الوقوف على دليل يدلّ على الحُرمة أو الكراهة لا يستلزم عدم الدليل في نفس الأمر، ولم يظهر من الشرع دليلٌ يرشد إلى العمل بذلك الشيء ولا تَرْكِه، فكان الأخذ به والترك على حدٍّ سواء من الشرع، فلمَّا وقع الخاطرُ بعدم الأخذ، وانشرح له الخاطر= كان ذلك مرجّحًا يجوز الأخْذُ به. وهذا معنى قوله   - ﷺ -: «استفت قلبك وإن أفتاك الناس» كما مرَّ (^١).\nفإن قيل: فلعلّ الخاطر يكون من حديث النفس والشيطان، وانشراح الصدر يكون بوسوسة الشيطان لغرضٍ له في ذلك.\nفالجواب: أن الظاهر من انشراح الصدر واطمئنانه كُونُه من جهة الله تعالى ما دام لم يعارِضْه دليلٌ آخر. وإن احتمل ما ذكرتم فهو احتمال مرجوح، وقد أخذ الإنسان بما هو أقرب إلى التقوى في اجتهاده. وهذا هو أقصى ما يمكنه. على أنه إذا استفتى قلبَه بعد التوجُّه إلى الله تعالى وإخلاص الدعاء والاستخارة فلم يَزْدَد إلّا (^٢) انشراحًا واطمئنانًا، فذلك كان أظهر، والله أعلم.\n_________\n(^١) (ص ٣٧٢).\n(^٢) جاءت كلمة في طرف الورقة المتآكلة فذهبت ببعضها، ولعلها ما أثبت.","vol":"4","page":385},{"text":"[١١٨]<span data-type=\"title\" id=toc-219> المقام الثاني\nفي تصرُّف بعض بني آدم في الكون</span>\nلا يخفاك أن تصرّف الآدمي في الكون على قسمين:\nالأول: ما جرت به العادة، وهذا ثابت للأحياء بلا شك.\nالثاني: ما لم تجرِ به العادة، وهذا قد [يكون] معجزةً لنبيّ أو كرامةً لوليّ. غير أنه إنما يكون في أشياء مخصوصة بحسب ما يتفق مع الحكمة الربانية، قال تعالى (^١): [١٢٧] ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٨].\nوقال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [يونس: ٤٩].\nوالذي شاء الله تعالى أن يُمَلِّكه النبيَّ ﵌ هو ما يدخل تحت قدرة البشر، وأما فوق ذلك فإنه كان يملك الدعاء به في الدنيا، وقد يملك شيئًا منه على سبيل خَرْق العادة، كَنَظَره إلى الحوض وهو على المنبر. وسيملّكه الله تعالى الشفاعة في الآخرة كما تدلُّ عليه أحاديث الشفاعة (^٢).\n_________\n(^١) ترك المؤلف باقي الصفحة [١١٨] بياضًا، وكتب الآيات وباقي الكلام في ورقة أخرى أعطيت رقم [١٢٧].\n(^٢) منها ما أخرجه البخاري (٣٣٤٠)، ومسلم (١٩٤) عن أبي هريرة، وما أخرجه البخاري (٧٥١٠)، ومسلم (١٩٣) عن أنس ﵄.","vol":"4","page":386},{"text":"وإذا كان هذا حاله ﵌ وهو سيِّد الخلق فما بالك بغيره؟\nوقال ﷾: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤) وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٥) إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣٦) وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣ - ٣٧].\nوفي «صحيح مسلم» (^١) عن رافع بن خَديج قال: قَدِم نبيُّ الله ﵌ المدينة وهم يؤبِّرون النخلَ، فقال: «ما تصنعون؟» قالوا: كنا نصنعه، قال: «لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرًا» فتركوه، فنقصت قال: فذكروا ذلك له، فقال: «إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من أمر دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر».\n[١٢٦] ثم إنه من المعلوم ضرورةً من دين الإسلام أن النبي ﵌ لم يكن هو المتصرّف في الكون في حياته. وقد سُقتُ الأدلة على عدم علمه الغيب (^٢) إلا أنّ الله تعالى يطلعه على وقائع مخصوصة،\n_________\n(^١) (٢٣٦٢).\n(^٢) (ص ٣١٦ وما بعدها).","vol":"4","page":387},{"text":"وهذا يستلزم أنه لم يكن المتصرِّف في الكون؛ لأن التصرُّف يتوقّف على العلم، ولو كان ﵌ هو المتصرّف لكانت دعوتُه إلى الله تعالى وجهادُه ونَصَبُه وتعبُه وابتهالُه إلى الله تعالى بالدعاء ونحو ذلك عَبَثًا!\nوإذا كان المعتزلةُ وغيرُهم لم يسلِّموا أن الله تعالى هو الذي يخلق أفعالَ العباد حين فِعْلِها لما يلزم على ذلك من جَعْل إنزال الكتب وإرسال الرسل عبثًا لغير حكمة، ففي مسألتنا أولى؛ لأن غاية ما أجاب به الأشعريةُ قولهم: إن الله تعالى لا يُسأل عما يفعل، وهذا الجواب لا يتأتّى في مسألتنا، فإن الآدميّ مكلّف على كلّ حال، وإذا كانت الأشعريةُ نفت نِسبة الأفعال إلى فاعلها المحسوس إلّا مجازًا، فما بالك بنسبة الفعل إلى مخلوق آخر غير فاعله المحسوس؟!\nوأما قصة الخَضِر فليس فيها ما يُسْتغرب أصلًا؛ أمّا خَرْق السفينة فإن مثله في شرعنا يجوز للإنسان في مال موليّه. وأما قَتْل الغلام فإن مثله كان جائزًا في شريعة الخَضِر، بل رُوي عن ابن عبّاس (^١) ما يدلّ أن مثله جائز في شَرْعِنا لولا أن شرطه ــ وهو العلم بأنه لو عاش لأرهق أبويه طُغيانًا وكفرًا ــ محال؛ إذ لا يُعلَم ذلك إلّا بإعلام الله تعالى، وقياسُ قول مَن يقول بالمصالح المرسلة لا يأباه. وأما إقامة الجدار فليس فيها شيء.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٨١٢) في كتاب ابن عباس ﵄ إلى نجدة الحروري، وفيه: «وكتبتَ تسألني عن قتل الولدان، وإن رسول الله - ﷺ - لم يقتلهم وأنت فلا تقتلهم، إلا أن تعلم منهم ما علم صاحبُ موسى من الغلام الذي قتله ..».","vol":"4","page":388},{"text":"فإن قيل: فلماذا أنكرها الكليمُ ﵇؟\nفالجواب: أنه لم يكن مطَّلعًا على السبب، وما مثله إلا مثل مَن يَعْمِد إلى رجلٍ معروف بالفضل فيقتله؛ لأنه يعلم أنه قَتَل أباه مثلًا، فإنّ كلَّ من رآه أو علم بأنه قتل هذا الفاضل ولم يعلم السبب ينكر عليه ويُشنّع ويستعظم هذا الفعل، مع أنه في الحقيقة حق، ولو اطلع على سببه لم ينكره.\nوقد جاء في الحديث ــ ما معناه ــ أنّ رجلًا صلى الصبح مع رسول الله ﵌ ثم قام يركع، فقال ﵌: «آلصبح أربعًا؟» فقال: يا رسول الله، إني لم أصلّ الركعتين قبل الصبح، فهما هاتان. فأقرّه على ذلك (^١). وفي معنى هذا كثير.\n[١٢٤] وانظر كيف أنكر موسى على الخضر ما ظنَّه منكرًا، وقال له أولًا: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ [الكهف: ٧١]. فنَسَب إليه أنه خرقها ليغرق أهلها، مع أن الواقع أن الخضر لم يخرقها ليُغرق أهلها وإنما خرقها لينفعهم، ولكن لما كان الظاهر أنه إنما خرقها ليغرق أهلها لم يتحاشَ موسى ﵇ في نِسبته إليه بالاستفهام الإنكاري.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٤١٦١)، وأبو داود (١٢٦٧)، والترمذي (٤٢٢)، وابن ماجه (١١٥٤)، وابن خزيمة (١١١٦). من حديث محمد بن إبراهيم عن قيس بن عمرو الأنصاري. قال الترمذي: «حديث محمد بن إبراهيم لا نعرفه مثل هذا إلا من حديث سعد بن سعيد. وقال سفيان بن عيينة: سمع عطاء بن أبي رباح من سعد بن سعيد هذا الحديث، وإنما يروى هذا الحديث مرسلا ... وإسناد هذا الحديث ليس بمتصل، محمد بن إبراهيم التيمي لم يسمع من قيس». وضعفه النووي في شرح المهذب، وحسنه ابن القطان، وقواه ابن الملقن. انظر «البدر المنير»: (٣/ ٢٦٣ - ٢٦٩).","vol":"4","page":389},{"text":"ثم عقَّبه بقوله: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ أي: عظيمًا شنيعًا. فلم يمنعه ﵇ علمه بفضل الخضر وعلمه بالوحي من الله تعالى، وإعلامه أنه سيرى منه ما ظاهره منكر، وشرطه عليه أن لا يسأله عن شيءٍ من ذلك= لم يمنعه هذا كلُّه وغيرُه أن ينكر عليه ما ظنَّه منكرًا، ولم يقل: «لعل لها عذرًا وأنت تلوم» (^١).\nثم أكّد عليه الخضر الشرطَ وأعْلَمه أن ذلك لأمرٍ ما من الأمور التي نبَّهه عليها، فلم يمنعه ذلك أن يُعاود الإنكار لمّا عاود الخضر مثل ذلك الفعل بقتل الغلام.\nوقد يقال: إن قوله أولًا: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾ استفهام على أصله، وقوله: ﴿لَقَدْ جِئْتَ﴾ إلخ أي: إن كان الأمر كذلك.\nولكن يَرِدُ عليه أنه لا يتأتَّى مثل هذا في قضية الغلام، فتأمل.\nوقد علمتَ أن دلائل الكتاب والسنة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عامة مطلقة، وقد كان بعض الصحابة ﵃ يرمي بعضًا منهم بالنفاق إذا فلت منه عمل يُشبه عمل المنافقين، وقد تكرّر ذلك من عمر ابن الخطّاب ﵁ بحضرة النبي ﵌ ولم ينكره\n_________\n(^١) صدر بيت لمنصور النمري، انظر «الزهرة»: (١/)، و«التمثيل والمحاضرة» (ص)، وهو بلا نسبة في أكثر نسخ «البيان والتبين»: (٢/ ٣٦٣)، و«البصائر والذخائر»: (٩/ ١٥٣). وعجزه:\n* وكم لائم قد لام وهو مليم *","vol":"4","page":390},{"text":"عليه، وإنما بيّن له خطأه، كما في قصة حاطب وغيرها (^١).\nثم إن الواجب على المنكَرِ عليه أن يُبيّن عذرَه كما فعله الخَضِر. وقد ثبت في الحديث أنّ أم المؤمنين صفية زارت رسولَ الله ﵌ وهو معتكف في المسجد فقام معها يُشيّعها، وإذا برجلين مارّين، فناداهما رسول الله ﵌: «على رِسْلِكما إنما هي صفية بنت حُيي ...» (^٢) الحديث.\nولم يزل الصحابةُ يُنكر بعضُهم على بعض والأئمة مِن بعدهم، [١٢٥] مع أن قصة الخضر إنما هي في أشياء مخصوصة، وأين هي من دعوى بعضهم التصرّف في جميع الكون حتى لا تتحرك ذرّة إلا ... (^٣)؟\nثم إن دعوى بعضهم التصرّف في أحوال الكون كلها خيرها وشرّها يستلزم ارتفاع التكليف؛ لأن أكثر أحوال الكون جارية على خلاف الشريعة، وهذا كله خرافات لا ينبغي لعاقل الالتفات إليها ولا الاشتغال بها لولا الضرورة الملجئة إلى ذلك، وإلى الله المشتكَى!\nوأما الموتى فالأمر في حقهم أوضح، ومَن تأمل أدلّة العقل والنقل وجدَها صريحةً في إبطال ما يدّعيه بعضُ الناس لبعض الصالحين مِن التصرّف في الكون، وإنما غرّهم أمور:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٠٧٧)، ومسلم (٢٤٩٤) من حديث علي ﵁.\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٠٣٨)، ومسلم (٢١٧٥) من حديث صفية ﵂.\n(^٣) بياض بقدر كلمة. ولعلها «بعلمه أو بأمره».","vol":"4","page":391},{"text":"أولها (^١): أن كثيرًا من الناس يلبس ثياب الزور، بانتحال الفضل والصلاح، ويتزَهَّد ويتقشّف ويتورّع= يتذرّع بذلك إلى اعتقاد الناس فيه، وإقبالهم عليه، وتعظيمهم له. وقد يستعين بما يحسنه من شعبذة ومخرقة واستعانة بالشياطين وغير ذلك.\nوقد يكون الشيخ في نفسه صالحًا، ولكن يُبتلى بأصحاب سوء يحاولون أن يأكلوا به الدنيا، فهم لا يألون جهدًا في التقوّل عليه ولاسيَّما إذا مات؛ فإن أولاده وأتباعه يعرفون أنه بموته أدبرت عنهم الدنيا، فيسعون في حفظها بالأكاذيب والخُرَافات والإشاعات الباطلة، وربما ساعدتهم الشياطين لإضلال الخلق، كما كانت تفعل في الجاهلية عند الأصنام والأبداد، وكما روي مِن فعلها مع الأسود العنسي، وكما يقع من فعلها مع الدجّال.\n[١٢٢] ولا يخلو حالهم عن أحد أربعة أمور:\nالأول: أن يكونوا من أهل الزيغ والإلحاد، تستّروا باسم التصوّف وإظهار الزهد والتقشّف؛ ليكيدوا الإسلام والمسلمين. وهذا هو الذي يقطع به كثيرٌ من أجلّة العلماء، بحجَّة أن جميع المذاهب التي جاء بها هؤلاء القوم هي مذاهب معروفة عن الأمم الزائغة من قدماء اليونانيين الفلاسفة وغيرهم، وكذلك العادات هي عادات أولئك، والأحوال أحوالهم، والأقوال أقوالهم. ومَن راجع كتب المقالات وعَرَف أقوالَ الفلاسفة وغيرهم من الطوائف الكفرية لم يستبعد هذا.\n_________\n(^١) لم يذكر المؤلف غيره، إلا أن يكون قوله: «وقد يكون الشيخ ...» هو الأمر الثاني ..","vol":"4","page":392},{"text":"الثاني: أن يكونوا أناسًا من أهل الإسلام، ولكن تلاعَب بهم الشيطان، فصوّر، وزوَّر، وخيَّل، وهوّل؛ فأراهم الحق باطلًا والباطل حقًّا.\nالثالث: أن يكونوا من أهل الخير والفضل والصلاح، ولكنهم أرادوا أن يتكلّموا بتلك الكلمات التي ظاهرها كفر وجحود وإلحاد في الدين استدعاءً لتكفير الناس لهم وذمّهم إياهم؛ ليكتسبوا بذلك كسرَ نفوسهم، والأجرَ باعتداءِ الناسِ عليهم. ولهم مثل ذلك حكايات ثابتة في كتبهم؛ كذلك الرجلِ الذي دخل بلادًا، فاعتقد أهلُها فيه، وأجلّوه وعظّموه، فَكِره ذلك، فاختار أن يذهب إلى الحمّام فيأخذ ثياب الناس منه ويخرج بها ليعتقدوا أنه سارق، فيضربوه ويشتموه ويسيئوا الظنَّ به، فكان ذلك.\nالرابع: أن يكون لهم في كلامهم مرادات صحيحة، ولكنهم عمَّوها على الناس، فجعلوه من قبيل الإلغاز، كما هو شائع في كلامهم، كقول بعضهم: «إن الله لا يعلم الغيبَ» مستندًا إلى أنه لا غيبَ بالنسبة إلى الله تعالى. وكقول بعضهم: «بذكر الله تزداد الذنوب». [١٢١] يعني بالذّكر التذكُّر، وأن التذكُّر يستلزم النسيان، كأنه أخذه من قول الشاعر (^١):\nحلفتُ بالله أني لست أذكره ... وكيف يذكره مَن ليس ينساه؟\nومثل هذا في كلامهم كثير.\nومَن يحسن الظن بهم يختار هذا الأخير، ولكنه ليس كافيًا في الذبّ عنهم إلا أنه يخفف الأمر.\n_________\n(^١) هو عبد الصمد بن المعذّل في أبيات له. انظر «عيون الأخبار» (٣/ ٢٧)، و«العقد»: (٢/ ٣٠٥). وغير منسوب في عدة مصادر. واختلفت المصادر في مطلعه عما في الأصل.","vol":"4","page":393},{"text":"* حنانيك بعض الشرّ أهون من بعض (^١) *\nفإنها تبقى عليهم اللائمة من حيث إنهم عرَّضوا أنفسهم للتهمة، وعرّضوا الناس للوقوع في أعراضهم، وأشدّ من ذلك أنهم عرّضوا من يعتقد فيهم إلى الضلال باعتقاد ظواهر تلك الأقوال.\nوالذي يظهر أنّ كلّ أمرٍ من هذه الأمور يوجد عند طائفة منهم، وقد نشأ بعدهم ناس ليسوا على شيء من ذلك، وإنما اغترّوا بكلام مَن سَبَقهم، فأخذوا يقلّدونه ويمثّلونه ليحرزوا لأنفسهم مثل منازل أولئك في قلوب الناس، ويجتلبوا بها الشهرة والحطام، وهذا فاشٍ في كل جهة.\nوإذا طالعتَ كتاب الشَّعْراني الذي سماه «تنبيه المغترّين» علمت كثرةَ هؤلاء المقلدين المتشبّهين في زمانه وقبل زمانه.\nوالذي ندين الله تعالى به حُسْن الظن بأشخاصهم أنهم لا يعتقدون ما تدلّ عليه مقالاتهم، وإنما قالوها لغرضٍ من الأغراض التي ظنوها حَسَنة، أو كُذِبت عليهم أو غير ذلك.\nولا يمنعنا ذلك من انتقاد كلامهم، وإنكار المنكر منه، والتصريح بما تقتضيه الحال، مِن أنّ اعتقاد المعنى الظاهر منه كفر أو فسق أو خطأ أو جهل، أو سوء أدب، بحسب رُتْبَته في ذلك.\nفهذا دين الله تعالى الذي لا سلامة إلا فيه، وننصح لجميع المسلمين بأن يعرضوا عن تلك الكتب والمؤلفات في أخبارهم وأحوالهم.\n_________\n(^١) عجز بيت لطرفة بن العبد. «ديوانه» (ص ١٨٠). وصدره:\n*أبا منذرٍ أفنيتَ فاستبقِ بعضنا*","vol":"4","page":394},{"text":"[١٢٠] والقومُ أنفسُهم مصرِّحون أنه قد تلبّس بطريقتهم مَن ليس من أهلها، وإنما قصد بذلك التستّر بجلبابها لإظهار دسائسه وتنفيذ أغراضه. وبذلك يتبين لك أنه إن كان في كلامهم حق فقد التبس بالباطل خصوصًا مع قول بعضهم كالشعراني: إن القوم ابتلوا بأعداء ينسبون إليهم ما لم يقولوه، ويزيدون في كتبهم وينقصون ويحرّفون ويبدّلون ويُغيّرون، وأنه نفسه فُعِل في كتبه ذلك كثيرًا. وبما ذُكِر تصير كتبهم أشبه بالكتب التي بأيدي النصارى واليهود، بل هي أضرّ منها؛ لأن المسلمين جميعًا عارفون بأن كتب النصارى واليهود محرَّفة مبدّلة، وقلوبهم نافرة عنها، ولا كذلك كتب هؤلاء القوم، فافهم.\n[١٢٣] وهذه من الشبهات التي رابتِ الناسَ في الصوفية؛ لأن الحق كله معروف واضح، وفي الحديث: «تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها» (^١). وإن كان هناك أمور قد تخفى عن الجُهّال، فلن تخفى على العلماء، والعلماء هم العارفون بكتاب الله تعالى وسنة رسوله، وإن لم يكونوا كثيري العبادات والمجاهدات.\nوإن سُلِّم أن ثَمَّ أسرارًا غامضة تدِقّ عن فهم غالب الناس إلا مَن اختصه الله تعالى بالولاية، فالواجب كتمان مثل هذه الأمور، فمَن أبدى لنا صفحتَه أنكرنا عليه.\nوكثير من المتأخرين ألَّفوا كتبًا فيها كلام يضادّ ظواهر الشريعة كلَّ المضادّة، وسَعوا في إماتة إنكار المنكر، وتحسين تحسين الظنّ بأقصى\n_________\n(^١) قطعة من حديث العرباض بن سارية: «وعظنا رسول الله   - ﷺ -   ...» وتقدم تخريجه.","vol":"4","page":395},{"text":"جهدهم، فأبدوا فصولًا طويلة في ذمِّ سوء الظن، وجمعوا أقاصيص فيما يلحق المنكِر على أمثالهم من الضرر!\nوهب أن مثل ذلك يقع، فإنه محمول على السحر، وقد ثبت في «الصحيحين» (^١) أن لبيد بن الأعصم اليهودي سَحَر رسولَ الله ﵌ حتى كان يُخيّل إليه أنه فَعَل الشيء ولم يفعله، أي من أمر دنياه، فأما أمر الدين فإنه معصومٌ فيه قطعًا.\nوادّعوا أن لهم اصطلاحات وأذواقًا لا يعرفها غيرهم، وأن لهم شطحات وإطلاقات تجري على ألسنتهم حال الفَناء لا يُراد بها ظاهرها.\nوالحاصل أنهم بنوا خُطّتهم على نظام محكم، وأعَدّوا لكلِّ شيءٍ عُدَّته قائلين: إن مقالاتنا هذه لا تصادف إلا أحد رجلين؛ رجلًا مغفّلًا يتمسّك بها ويعتقدها، وهذا هو مرادنا. ورجلًا ثابتًا في دينه يعلم أنها منكر، فقد أعددنا له عدّته بما يمنعه عن قصدنا بالشرِّ. ثم لا تزال دعوتنا تفشوا وتشيع في الناس على هذا المنوال. وقد صدّقوا على الناسِ ظنَّهم، فإنه لما شاعت تلك الكتب بين الناس لم تَلْقَ إلا قليلًا من المنكرين، والجمهور على عدم الإنكار، منهم من حَسَّن الظن، ومنهم من خاف المضرّة، ومنهم من افتتن بها فعمل بظاهرها، حتى كان منهم من يدّعي ارتفاع التكليف، ومَن يزعم أن الولي قد يكون أفضل من النبي، إلى غير ذلك مما إن كنت سمعتَ به فقد سمعتَ، وإلا فخيرٌ لك أن لا تسمع.\nولا شك أن أوائل هؤلاء القوم كالجنيد وأصحابِه أئمةُ هدى وصلاح\n_________\n(^١) البخاري (٣٢٦٨)، ومسلم (٢١٨٩) من حديث عائشة ﵂.","vol":"4","page":396},{"text":"وتقى وعملٍ بدين الله الأعلى، واتباعٍ لسنة نبيّه المصطفى. وجاء بعدهم مَن علمتَ.\n[١١٩] ومع هذا فإننا لا ننفي أن تكون لبعض الصالحين في حال حياتهم كرامات، وإن كثرت بعد القرون الأولى، بخلاف عهد الصحابة وما بعده؛ فإنه قد يُقال: لما كانت كرامات الأولياء تفارق معجزات الأنبياء من حيث إن المعجزات لا تشتبه بالباطل من السِّحْر وغيره بخلاف الكرامات= كانت المصلحة أن لا توجد الكرامات في الصحابة ومَن بعدهم بكثرة، إذ لو وُجدت فيهم بكثرة، وهي مشابهة لما يجري على أيدي السَّحَرة لقالت الأمم: إنْ هؤلاء إلا سَحَرة تعلّموا السحرَ مِن صاحبهم، وإذًا لارتاب المبطلون، ولكن لما رأت الأممُ الصحابةَ مِن أبعد الناس عن السِّحْر وما يُشاكله ويشابهه= علموا أن هذا الدين دين حقٍّ لا ريب فيه.\nولكني مع هذا لا أقول: إن كل ما يدّعيه القصاصون صحيح، كيف وأكثرها حكايات منقطعة عن مجاهيل لا يُدرَى ما حالهم؟ ومنها ما هو محال لا يمكن وقوعُه بحال، وإنما هو من وَضْع بعض أهل الضلال أو المغفّلين الجُهَّال، ومنها ما لم يقع وحكايته كذب محض، ومنها ما هو سِحْر وشعوذة، ومنها ما هو صحيح.\nوعلى كل حال فإنه لا يتعلق به حكم من أحكام الإسلام غير حُسْن الظن أو سوئه. وهذا ينبغي وزنُه بميزان الاعتدال، فإن كان الشخصُ ملازمًا للطاعات، عاملًا بالكتاب والسنة، مُعظِّمًا لهما، وذلك أن الأحكام الشرعية ليس لها طريق إلا كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﵌ بما يدلّان عليه دلالةً معتبرة، من جنس ما كان يستدلّ به الرسولُ صلى الله عليه","vol":"4","page":397},{"text":"وآله وسلم، ثم أصحابه مِن بعده، ثم العلماء المجتهدون، كالأئمة الأربعة وغيرهم= فالظاهر أن الخارقَة الواقعة على يده كرامة فينبغي احترامُه القدرَ المشروع، وسؤالُ الدعاء منه. وإن كان بخلاف ذلك فالأمر بالعكس.\nوالمراد بأحكام كتاب الله تعالى وسنة رسوله: الأحكامُ الظاهرة منهما، المدلول عليها بإحدى الدلالات المعتبرة في اللسان العربي والشرع المحمدي، فلا عبرة بدعوى فهمٍ غامضٍ من الكتاب أو السنة بدلالةٍ غير معتبرة. نعم، إن كان ما ادّعوا فهمه لا يخالف شيئًا من الظاهر مع تصديقهم بالظاهر فالأمر سهل. والله الموفق لا ربّ غيره.","vol":"4","page":398},{"text":"[ص ١١٠]<span data-type=\"title\" id=toc-229> المقام الثالث\nالنداء والطلب</span>\nقد تبيّن مما مضى أن المخلوق لا يعلم الغيب ولا يطلعه الله عليه، إلا أن يكون نبيًّا، فيطلعه الله تعالى على بعضٍ من الغيب، لا على جميعه، وذلك في حال حياتهم، فأما بعد وفاتهم فإنهم في الرفيق الأعلى مشغولون بما هو خير وأبقى.\nوعُلِم أن المخلوق لا يملك شيئًا من الأشياء إلا ما كان يقدر عليه البشر بما جرت به العادة، وأما غير ذلك فإنما يملك الدعاء به في حال حياته الأولى في الدنيا أو الثانية يوم القيامة؛ وعليه فنداء الغائب:\nإن كان باعتقادِ أنه يسمع فهو اعتقاد باطل قطعًا؛ لأن فيه اعتقادًا أنه يعلم الغيب، وهذا تكذيبٌ لكتاب الله تعالى وردّ للسنن الصحيحة.\nأو باعتقاد أنه يُبلّغ في كل شيء فكذلك؛ لأنه إن كان نبيًّا فقد يُبلَّغ وقد لا يُبلَّغ، وإن كان غير نبيّ فإنه لا يبلّغ حتى لو كان محدَّثًا، لما مرّ أنه إنما يُقْذَف في خاطره في بعض الأشياء، ولا يحصل له بذلك إلا مجرّد الظن.\nأو مع الإيمان بأنه إنما يُبلَّغ في بعض الأشياء، فإن كان نبيًّا فمسلَّم أنه قد يبلَّغ، ولكن ذلك لا يُسوّغ النداء؛ لأن النداء لا يكون إلا لمن يترجّح أنه يسمعه، وإن كان غير نبيّ ففيه تكذيب بكتاب الله تعالى كما مرّ.\nوكذا الميت مع البُعْد عن القبر على نحو ما مرّ في الغالب، ويختص هذا بزيادة أنه لم يثبت التبليغ للنبي ﵌ بعد موته إلا في الصلاة عليه، وأما مع القُرب من القبر، فكذلك عند من ينفي سماع الموتى، كما دلّ عليه القرآن. ومَن يجوِّز سماعَهم فإنه لا يجوّز نداءهم، وهو عنده","vol":"4","page":399},{"text":"من أقبح البدع إلا ما ورد من السلام في زيارة القبور فلا بأس به اتفاقًا، وهو مؤول بنحو قوله: «يا أرض ربي وربك الله» (^١).\nوأما الطلب فإن كان لشيءٍ يملكه المطلوب منه، فإن كان مما يقدر عليه مثلُه بالأسباب العادية، فهو جائز ما لم يرد الشرع بمنعه، كالطلب من الساحر أن يسحر، فإنه حرام. وإن كان لما لا يملكه المطلوب منه، أي بأن كان مما لا يقدر عليه مثله بالأسباب العادية، فلا يسوغ طلبه منه وإن كان نبيًّا أو محدَّثًا لما مرَّ أنه إنما يملك من ذلك الدعاء لا غير.\nهذا في حال إحدى حياتَيه، فأما حال وفاته (^٢) ففي «صحيح البخاري» (^٣) عن أم المؤمنين عائشة ﵂ أنها قالت: وارأساه! فقال رسول الله ﵌: «ذاك لو كان وأنا حيّ، فأستغفرُ لكِ وأدعو لكِ ...» الحديث.\nوأما الشفاعة يوم القيامة فإن النبي ﵌ موعود بها، وإنما يملكها يوم القيامة. ومع هذا فإن الدعاء قد لا يُستجاب لسَبْق الكتاب، قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦]. وفي معناها آيات كثيرة. [ص ١١١] وفي «صحيح مسلم» (^٤) عن سعد أن\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٦١٦١)، وأبو داود (٢٦٠٣)، والحاكم: (١/ ٤٤٧ و٢/ ١٠٠) وصححه من حديث ابن عمر ﵄ قال: «كان رسول الله   - ﷺ -   إذا غزا أو سافر فأدركه الليل قال: يا أرض ربي وربكِ الله، أعوذ بالله من شرِّكِ وشرِّ ما فيك ...».\n(^٢) كتب المصنف هذه العبارة عدة مرات لكن ضرب عليها وأبقى ما أثبت.\n(^٣) (٥٦٦٦).\n(^٤) (٢٨٩٠).","vol":"4","page":400},{"text":"رسول الله ﵌ مرَّ بمسجد بني معاوية، دخل فركع فيه ركعتين وصلّينا معه ودعا ربَّه طويلًا ثم انصرف فقال: «سألت ربي ثلاثًا، فأعطاني اثنتين ومَنَعني واحدة؛ سألتُ ربي أن لا يهلك أمتي بالسنة، فأعطانيها، وسألت أن لا يهلك أمتي بالغرق، فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها».\nوقال تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٨٠].\nوقال تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [المنافقون: ٦].\nوقد ثبت في «الصحيح» (^١) ما فعله النبي ﵌ بعبد الله بن أُبيّ مِن إخراجه من قبره ووضعه له على ركبتيه الشريفتين، وتفلِه عليه من ريقه من قرنه إلى قدمه، وتكفينه له في قميصه، وصلاته عليه. ولم ينفعه ذلك شيئًا.\nوفي «صحيح البخاري» (^٢) عن أبي هريرة عن النبي ﵌ قال: «يلقى إبراهيمُ أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قَتَرة وغَبَرة فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك: لا تعصني؟ فيقول له أبوه: فاليوم لا أعصيك. فيقول إبراهيم: يا ربّ إنك وعدتني ألا تخزيني يوم يُبعثون، وأيّ خِزْي\n_________\n(^١) سبق تخريجه (ص ٢٣٣).\n(^٢) (٣٣٥٠).","vol":"4","page":401},{"text":"أخْزَى من أبي الأبعد، فيقول الله: إني حرّمتُ الجنة على الكافرين. ثم يُقال لإبراهيم: ما تحت رجلك؟ فينظر فإذا هو بذيِخ متلطِّخ فيؤخذ بقوائمه فيُلقَى في النار».\nوفي «الصحيحين» (^١) عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﵌: «إني فَرَطكم على الحوض، مَن مَرَّ عليَّ شرب، ومن شرب لم يظمأ أبدًا، لَيَرِدَنّ عليَّ أقوام أعرفهم ويعرفونني ثم ... فأقول: إنهم منّي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. فأقول: سُحْقًا سُحْقًا لمن غيّر بعدي».\n[ص ١١٢] وفي «مشكاة المصابيح» (^٢) عن أبي هريرة قال: قام فينا رسول الله ﵌ ذاتَ يوم فذَكَر الغلولَ فعظَّم أمره ثم قال: «لا ألفينَّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رُغاء، يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملكُ لكَ شيئًا قد أبلغتك، لا ألفينَّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرسٌ له حَمْحَمة، فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبلغتُك، لا ألفينّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثُغاء، يقول: يا رسول الله أغِثْني، فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبلغتك، لا ألفينّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته نفس لها صياح فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبلغتك، لا ألفينَّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق فيقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبلغتك، لا ألفينَّ أحدكم يوم القيامة على رقبته صامت فيقول: يا\n_________\n(^١) البخاري (٦٥٨٣)، ومسلم (٢٢٩٠).\n(^٢) (٢/ ٤٠٨).","vol":"4","page":402},{"text":"رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبلغتك» متفق عليه (^١)، وهذا لفظ مسلم وهو أتمّ.\nأقول: ولا منافاة بين هذا الحديث وأحاديث الشفاعة كما يُعْلَم مِن مراجعتها.\nوفي «صحيح البخاري» (^٢) عن أبي هريرة عن النبي ﵌ قال: «أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة مَن قال: لا إله إلا الله خالصًا مِن قلبه أو نفسه».\n[ص ١١٣] ومَن كان له اطلاع على سنة رسول الله ﵌ عَلِم أن الصحابة ﵃ لم يكونوا ينادونه غائبًا، وإنما قال قائلهم: «اللهم أخبر عنّا رسولك» (^٣). ولم يكونوا يطلبون منه فيما (^٤) لا يمكنه تحصيله بالأسباب العادية المشتركة بين الناس، وإنما كانوا يسألونه في ذلك الدعاء.\nومن ذلك ما في «الصحيحين» (^٥) عن أنس ﵁ قال: أصابت الناس سَنَةٌ على عهد النبي ﵌، فبينا النبي ﵌ يخطب في يوم جمعة قام أعرابي فقال: يا رسول الله، هلك المالُ وجاع العيالُ، فادع الله لنا، فرفع يديه وما نرى في السماء قَزَعة،\n_________\n(^١) البخاري (٣٠٧٣)، ومسلم (١٨٣١).\n(^٢) (٩٩).\n(^٣) أخرجه البخاري (٣٠٤٥) في قصة عاصم بن ثابت ورفاقه ﵃.\n(^٤) غير محررة في الأصل.\n(^٥) البخاري (٩٣٣)، ومسلم (٨٩٧).","vol":"4","page":403},{"text":"فوالذي نفسي بيده ما وضعها حتى ثار السحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته فمُطِرْنا يومنا ذلك، ومن الغد، وبعد الغد حتى الجمعة الأخرى. وقام ذلك الأعرابي ــ أو غيره ــ فقال: يا رسول الله، تَهدَّم البناء وغرق المال، فادع الله لنا، فرفع يديه، فقال: «اللهم حوالينا، ولا علينا» الحديث.\nوفي «صحيح مسلم» (^١) عن أبي هريرة قال: لما كان يوم غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة، فقال عمر: ادعهم بفضل أزوادهم، ثم ادع الله لهم عليها بالبركة، فقال: نعم، فدعا بنِطْع فبُسِط ثم دعا بفضل أزوادهم، فجعل الرجل يجيء بكف ذرة، ويجيء الآخر بكف تمر، ويجيء الآخر بكسرة، حتى اجتمع على النطع شيء يسير، فدعا رسول الله ﵌ بالبركة ... الحديث.\n[ص ١١٤] وفي «الصحيحين» (^٢) أيضًا حديث ابن عباس قال: خرج رسول الله ﵌ يومًا فقال: «عُرِضت عليَّ الأمم، فجعل يمرّ النبيُّ ومعه الرجل، والنبيُّ معه الرجلان ...» الحديث. وفيه ذِكر السبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب. وفيه: فقام عُكّاشة بن مِحْصن، فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، قال: «اللهمَّ اجعله منهم». ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. فقال: «سبقك بها عُكّاشة».\nوفي «صحيح مسلم» (^٣) عن ربيعة بن كعب قال: كنت أبيت مع\n_________\n(^١) (٢٧).\n(^٢) البخاري (٦٥٤١)، ومسلم (٢٢٠). وساقه المصنف مختصرًا.\n(^٣) (٤٨٩).","vol":"4","page":404},{"text":"رسول الله ﵌ فأتيته بوَضوئه وحاجته فقال لي: «سَل»، فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة. قال: «أوَ غيرَ ذلك؟» قلت: هو ذاك. قال: «فأعنِّي على نفسك بكثرة السجود».\nوهذا الحديث وإن لم يصرّح في السؤال بسؤال الدعاء فإنّ ذلك ظاهر من الجواب كما تراه.\nوفي «الصحيحين» (^١) عن أم سُلَيم أنها قالت: يا رسول الله، أنس خادمك، ادع الله له، فقال: «اللهم أكثر ماله وولده، وبارك له فيما أعطيته». قال أنس: فوالله إن مالي لكثير وإن ولدي وولد ولدي ليتعادّون على نحو المائة اليوم.\nوالأحاديث في هذا الباب أكثر من أن تُحْصَى.\n[ص ١١٥] وأما بعد موته فلم يُنقل عن أحدٍ منهم ولا من التابعين أنه طلب منه شيئًا البتة، بل كان غاية أمرهم إذا حضر أحدهم عند قبره الشريف أن يسلّم عليه وعلى صاحبيه. ولم يكن هذا إعراضًا منهم وتهاونًا بالخير، فإنهم ﵃ أسرع الناس إلى اغتنام الخير والاستكثار من أنواع البر، فلم يكونوا ليتركوا ذلك إلّا لأمرٍ ما.\nوأَصْرح من ذلك حديث البخاري في استسقاء الصحابة ﵃ بالعبّاس، وقول عمر: اللهم إنّا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك برسولك فتسقينا، وإنّا نتوسّل بعمّ نبيك. وقد مرَّ شرحه في بحث التوسل فراجعه (^٢).\n_________\n(^١) البخاري (٦٣٣٤)، ومسلم (٢٤٨٠).\n(^٢) (ص ٢٧١، ٢٧٩ وما بعدها).","vol":"4","page":405},{"text":"وهو صريح أنهم ﵃ كانوا يرون أن طلب الدعاء ونحوه من رسول الله ﵌ إنما كان جائزًا ما دام حيًّا بين أظهرهم، فأما بعد قبضه فلا، ولكنهم لحرصهم على طاعة الرسول وتعظيمه وعلمهم بعظم جاهه فعلوا أقصى ما يمكنهم وهو سؤال الدعاء من عمِّه. وأيضًا لم يُنقل أنَّ أحدًا من الصحابة سأل صحابيًا أفضل منه أمرًا من الأمور إلا إن كان مما يمكن تحصيله بسبب عادي، فإن لم يكن كذلك سأله الدعاء فقط. وهكذا التابعون مع الصحابة، وصغار التابعين مع كبارهم، وهلمّ جرًّا. حتى عمّ الجهل وفشت البدع، وصار الدينُ غريبًا، فوجد الشيطان الفرصةَ إلى إضلال الناس، فأخذ كلّ منهم يشرِّع من الدين ما لم يأذن به الله، ويتحكم في الدين بفعله، ويقضي فيه بحكمه، فوقع الناس فيما وقعوا فيه، فإنا لله وإنّا إليه راجعون!\nفهب أنّ أحدًا من بني آدم يتصرّف في الأرض والسموات ــ كما يقولون ــ فإن الشرع لم يُبِحْ لنا سؤاله شيئًا من الأمور إلا ما هو من الأشياء العادية.\nوهب أن بعض الغائبين والموتى يسمع كلام مَن كلّمه حيثما كان، فإن الشرع لم يُبح لنا أن نخاطب ميتًا ولا غائبًا.\nوهؤلاء الملائكة الكرام الذين هم متصرّفون في كثير من الأشياء قطعًا لم يُشْرَع لنا سؤالهم ولا خطابهم.\nويا ترى لو أن إنسانًا أخذ يخاطب الملكين الحافظين، ويتلطّف بهما أن يكتبا حسناته ويؤخّرا كتابة سيئاته، ماذا يقول له الناس؟ !\nويا ترى لو أن إنسانًا أخذ يصيح: يا ملائكة ربي أكثروا من الاستغفار لي! [ص ١١٦] مع أن استغفار الملائكة لبني آدم ثابت بكتاب الله تعالى، قال الله","vol":"4","page":406},{"text":"﷾: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [غافر: ٧ - ٩].\nوقال تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الشورى: ٥].\n[ص ٩٧] قال المجيزون: فإن فينا مَن يقول: إننا نرى المَلِك من ملوك الدنيا لا بُدّ في قضاء الحوائج لديه من التوسُّل بوزرائه وجلسائه والوجهاء لديه، وقد يكون صاحب الحاجة من المجرمين الذين غضب عليهم الملك، فهو يستحي أن يسأل المَلِك بنفسه، ويعلم أنه لو سأله بنفسه لم يَنَلْ منه حاجته بخلاف ما إذا استشفع بأحد الوجهاء والمقرّبين.\nوقد أمر الله تعالى عبادَه بطلب الاستغفار من رسوله وسؤال الدعاء من جميع المسلمين ولاسيَّما من أهل الخير والصلاح. وأحاديث الشفاعة يوم القيامة متواترة.\nقال المانعون: الله أعلى وأجلّ، أما ضرب المثل بالملوك فهو من الجهل بالله جلّ ذكره، وذلك أن ملوك الأرض لهم أسباب تدعوهم إلى الانقباض عن العامة ــ تنزّه الله ﷾ عنها ــ كالخوف، فالملك يرى أنه لو برز للناس دائمًا تمكّن أعداؤه من اغتياله. والكبر، فهو يرى أنه لو","vol":"4","page":407},{"text":"برز للناس دائمًا لسقط من أعينهم واجترءوا عليه. والبخل، فهو يرى أنه لو برز للناس دائمًا وقضى حوائجهم فني بما بيده. والعجز، فهو يرى أنّ بروزه للناس دائمًا يشق عليه ويتعبه.\nفلهذه الأسباب ونحوها احتاجوا إلى جعل وزراء وحُجّاب يكونون وسائط بينهم وبين الناس.\nولهم أسباب تمنعهم عن الإقبال على من أساء إليهم؛ كالجَوْر وعدم التخلُّق بالعفو، فإنه يحول بينهم وبين قبول توبة المسيء، ويمنعهم من قبول (^١) حوائجه.\nوإذا تأملت هذه الأسباب وجدتها جميعها محالًا على الله تعالى، فهو ﷾ يقول: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠].\nوجاء في الحديث: «إن الدعاء هو مخّ العبادة». وفي رواية: «هو العبادة» (^٢).\nفالله ﷾ أمر خلقه بسؤاله والالتجاء إليه، وأخبر أن الذي يمتنع عن سؤاله يستحقّ العقاب.\n_________\n(^١) كذا في الأصل، ولعلها «قضاء».\n(^٢) بهذا اللفظ أخرجه أبو داود (١٤٧٩)، والترمذي (٢٩٦٩)، وابن ماجه (٣٨٢٨) من حديث النعمان بن بشير ﵄. قال الترمذي: حسن صحيح.\nوباللفظ الأول أخرجه الترمذي (٣٣٧١) من حديث أنس ﵁، وقال: غريب من هذا الوجه لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة.","vol":"4","page":408},{"text":"وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦].\nوأمر عباده في أم كتابه أن يقولوا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.\n[ص ٩٨] ومعناه: لا نعبد إلا إيّاك، ولا نستعين إلا إياك.\nوفي «الصحيحين» (^١) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: «ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول: من يدعوني فأستجيبَ له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له».\nوفي «صحيح مسلم» (^٢) عن أبي ذرّ قال: قال رسول الله ﵌ فيما يروي عن الله ﵎ أنه قال: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا، يا عبادي كلكم ضال إلا من هديتُه فاستهدوني أهدِكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عارٍ إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم، يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعًا، فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي لن تبلغوا ضرِّي فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص\n_________\n(^١) البخاري (١١٤٥)، ومسلم (٧٥٨).\n(^٢) (٢٥٧٧).","vol":"4","page":409},{"text":"ذلك من ملكي شيئًا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أُدخل البحر، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها عليكم ثم أوفيكم إياها، فمَن وجد خيرًا فليحمد الله، ومَن وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه».\nوفي «صحيح مسلم» (^١) عن أنس قال: قال رسول الله ﵌: «لله أشد فرحًا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان [على] راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها ثم قال ــ من شدة الفرح ــ: اللهم أنت عبدي وأنا ربك. أخطأ من شدة الفرح».\nوأخرجه البخاري موقوفًا على عبد الله (^٢)\nبلفظ: «لله أفرح بتوبة عبده\n_________\n(^١) (٢٧٤٧).\n(^٢) كذا فهم المؤلف من كلام التبريزي في «المشكاة»: (٢/ ٣١) ــ وهو ينقل لفظ الحديث منها ــ إذ قال بعد نقله لفظ حديث ابن مسعود: «روى مسلم المرفوع إلى رسول الله ﵌ منه فحسب، وروى البخاري الموقوف على ابن مسعود أيضًا». ففهم المؤلف أن البخاري أخرج هذا الحديث موقوفًا، وأخرجه مسلم مرفوعًا، وليس كذلك، وإنما أراد أن راوي الحديث عن ابن مسعود وهو الحارث بن سويد قال: حدثنا عبد الله (يعني ابن مسعود) حديثين، أحدهما عن النبي ﵌ والآخر عن نفسه ... ثم ذكرهما.\n\nفالبخاري (٦٣٠٨) أخرج المرفوع والموقوف، وأما مسلم (٢٧٤٤) فأخرج المرفوع فقط، وهو حديث الباب. أما الموقوف فلفظ البخاري: «إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مرّ على أنفه فقال به هكذا ...».","vol":"4","page":410},{"text":"المؤمن من رجل نزل في أرض دوِّيَّة مهلكة معه راحلته عليها طعامه وشرابه، فوضع رأسه فنام نومة، فاستيقظ وقد ذهبت راحلته، فطلبها حتى إذا اشتد عليه الحر والعطش أو ما شاء الله قال: أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه فأنام حتى أموت، فوضع رأسه على ساعده ليموت، فاستيقظ فإذا راحلته عنده عليها زاده وشرابه. [ص ٩٩] فالله أشدّ فرحًا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده».\nوفي «صحيح مسلم» (^١) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «يُستجاب للعبد ما لم يدعُ بإثمٍ أو قطيعة رحم، ما لم يستعجل». قيل: يا رسول الله ما الاستعجال؟ قال: «يقول: قد دعوت قد دعوت فلمْ أرَ يُستجاب لي، فيستحسر عند ذلك ويَدَع الدعاء».\nوفي «سنن الترمذي» (^٢) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «من لم يسأل الله يغضب [عليه]».\nوفي «سنن الترمذي» (^٣) عن أنسٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «ليسأل أحدكم ربّه حاجته كلها، حتى يسأل شِسْع نعله إذا انقطع».\n_________\n(^١) (٢٧٣٥) وهذا لفظه. وهو في البخاري بنحوه (٦٣٤٠).\n(^٢) (٣٣٧٣).\n(^٣) أخرجه الترمذي في الدعوات كما في «تحفة الأشراف»: (١/ ١٠٧) وقد ألحق بمطبوعة جامع الترمذي (٥/ ٧٨٢) استدراكًا من «التحفة» وسنده ضعيف.","vol":"4","page":411},{"text":"وأخرج الإمام أحمد في «مسنده» (^١) عن أبي سعيد الخدري: أن النبي ﵌ قال: «ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدّخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها». قالوا: إذًا نُكْثِر، قال: «الله أكثر».\nفمن تأمل هذه الدلائل وغيرها عرف بطلان تلك الأوهام، وعلم أن الإعراض عن الله ﷾ والعدول عن دعائه وسؤاله موجب للعقوبة. وأما طلب الدعاء من الأحياء ولاسيَّما الصالحين فهو مستحبّ، ولكن بشرط ألّا يقصر الإنسان من الدعاء لنفسه، بل يبتهل إلى الله تعالى بالدعاء مع طلبه من غيره.\nونحن لا ندفعُ هذا وإنما ندفع الاستغاثة بالموتى والغائبين، فإنها إن كانت مع اعتقاد علمهم الغيب وقدرتهم على الإغاثة= كان في هذا من الشرك ما مرّ بيانُه، وإن كانت مع اعتقاد أن الله تعالى يُبلّغهم ويُجيب دعاءهم فنحو ذلك.\nوإذا كان العبد لا يثق باستجابة دعائه لنفسه بتلك الحاجة فكيف يثق باستجابة دعائه أن يُبلّغهم الله تعالى طلبه منهم الدعاء؟! على أنَّ هذه الأشياء مما لم ينزل الله به سلطانًا ــ بل هي مضادة لدلائل كتاب الله تعالى وسنة رسوله كما علمت مما مرَّ.\n_________\n(^١) (١١١٤٩). وأخرجه ابن أبي شيبة (٢٩٧٨٠)، والحاكم: (١/ ٤٩٣)، والطبراني في «الأوسط» (٤٣٦٨) وغيرهم. وصححه الحاكم، وقال البوصيري: إسناده جيد. انظر «إتحاف الخيرة»: (٦/ ١٤٧).","vol":"4","page":412},{"text":"[ص ١٠٠] وأما استشفاعهم يوم القيامة فإنما هو طلب الدعاء من الأحياء يومئذٍ، وليس في هذا ما يدلّ على جواز نداء الغائبين والموتى والاستغاثة بهم، على أن الشفاعة ملك لله تعالى، قال ﷾: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤]. وقال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. والآيات في هذا كثيرة.\nوقد قال النبي ﵌ لمن طلبها منه: «أعنّي على نفسك بكثرة السجود» (^١).\n[ص ١٠١] قال المجيزون: فإننا نرى كثيرًا أن أحدنا يجهد في دعاء الله تعالى فلا يُستجاب له حتى إذا ذهب إلى قبرٍ من قبور الصالحين فزاره واعتقد تعظيمه، ودعا بما يحبّ استُجِيب له.\nونرى كثيرًا من أصحاب الحاجات والعاهات إذا استغاث بأحدٍ من الصالحين حصل له الفَرَج، ولو اقتصر على الدعاء لم يحصل له ذلك!\nوقد ينذر الإنسان بشيء لأحدِ الصالحين بنيّة حصول شيء، فيحصل ذلك الشيء قريبًا، فإذا أخّر النذرَ عاد ذلك الشيء كما كان أو أُحدثت بدله عقوبة أخرى، فإذا بادَرَ الناذر ووفّى بنذره رُفعت عنه العقوبة.\nونرى بعض أهل الجهات جرت عادتهم أنهم إذا احتاجوا إلى المطر ذهبوا إلى قبر بعض الصالحين، فذبحوا عنده وتوسّلوا به، فيسقون. وإذا\n_________\n(^١) سبق تخريجه (ص ٤٠٠).","vol":"4","page":413},{"text":"أخروا بعض السنين تأخر المطر، وربما قصّروا في بعض حقوق الزيارة فتأخّر المطر.\nونرى بعض النساء لا تحمل أو لا يعيش لها ولد أو تولد لها البنات، فإذا تمسكت بأحد المقابر حصل مطلوبها.\nوكثيرًا ما نرى ناسًا يتعرّضون لبعض الصالحين بإيذاء أولاده أو إخوانه المعتقدين فيه، فلا يلبث أن يُصاب ببلاء، حتى إذا ذهب وزار ذلك القبر واستعفى سدنته ذهب عنه ما يكره!\nونرى كثيرًا من الخوارق عند قبور بعض الصالحين تدلّ على رضاهم وحبهم لمن يزورهم ويتقرّب إليهم وتبرّك بقبورهم.\nوكثيرًا ما ينذر الإنسان لأحد أصحاب القبور بشيء فلا يشعر إلا وقد جاءه أحد أتباعهم يطلب منه ذلك النذر مع أنه لم يُعلِم بالنذر أحد، وقد يرى ذلك الوليّ في نومه يأمره بأداء ذلك النذر ونحو ذلك.\n[ص ١٠٢] وكثيرًا ما نرى المجانين إذا زاروا بهم القبور ذهب جنونهم (^١).\nومن جملة الخوارق المرئية عند القبور: اتساع القُبَّة للزائرين ولو بلغوا آلافًا، مع أنها لا تسع بحسب العادة إلا نحو المائتين.\nومنها خروج دراهم جديدة رمي بها للمجاذيب.\nومنها اختلاف أحوال الناس في تناول التراب من الطاقات التي تكون في توابيتهم، فينال بعض الناس التراب بمجرّد إدخال يده، ويأتي من هو أطول منه يدًّا، فيمدّ يده ويطاولها ويجهد نفسه فلا ينال التراب، فيجيء\n_________\n(^١) كتب المؤلف بعدها «و» وترك مقدار ثلاث كلمات.","vol":"4","page":414},{"text":"بعض سدَنة القبر فيقول له: انذر بكذا، فإذا نَذَر بذلك ومدّ يده، نال التراب بسهولة!\nومنها أن الزائرين يضعون أسلحتهم ونحوها على باب القُبَّة فلا يقدر أحدٌ على سرقتها، وقد تتراكم الأسلحة بكثرة، فيخرج الزائر فيجد سلاحه ظاهرًا، وكلما خرج أحدٌ منهم وجد سلاحه فوق تلك الأسلحة حتى لا يتعب في البحث عنه. وقد يكون هو أول من وضع سلاحه تحت جميع الأسلحة.\nومنها أن يجيء المجذوب فينحر نفسه أو يبعج بطنه، ثم يعود في الحال سالمًا، وقد يضع أحدهم الرمح في ثغرة نحره حتى ينجم من قفاه أو في بطنه حتى ينجم من ظهره. بل قد يذبح أحد المجاذيب صاحبه حتى يُرى الرأس مفصولًا عن الجسد، ثم يردّه فيقوم المذبوح سالمًا.\nوالحاصل أنها تظهر خوارق كثيرة، ومَن أراد مراجعتها فليراجع الكتب الموضوعة في كرامات الأولياء.\n[ص ١٠٣] قال المانعون: قد أسلفنا أول بحث التبرّك: أن كل ما يُراد تحصيله بسبب غير عاديّ لا يكون سببه إلّا شرعيًّا، والشرعيّ ما ثبت في كتاب الله تعالى وسنة رسوله. ولا ريب أن الدعاء سبب شرعي. وقد عُلِمَ من حال السلف الأول أنهم لم يكونوا يقصدون القبور للدعاء، بل ثبت عن الصحابة العدولُ عن الاستسقاء بقبر النبي ﵌ إلى طلب الدعاء من عمّه، ومرّ (^١) ذِكْر الحديث الصحيح، قوله ﵌: «لا تتخذوا قبري عيدًا ...» إلخ، ونَهْي زينِ العابدين لذلك الرجلِ الذي كان يعتاد قبر النبي ﵌ للدعاء، وذِكْره لهذا الحديث.\n_________\n(^١) (ص ٢١٥ - ٢١٦).","vol":"4","page":415},{"text":"وإذا كان هذا في قبره ﵌ فغيره أولى، فحينئذٍ فجميع ما ذكرتموه من الدعاء عند القبور والاستغاثة بالصالحين والنذر لهم والذبح عند القبور، وتمسّك النساء بهم لأجل الولد، وغير ذلك= كلها محظورة في الشرع كما يعلمه من له مسكة بالكتاب والسنة.\nولا يلزم من كونها محظورة في الشرع أن لا يحصل بها نفع كما لا يلزم من حصول النفع بها كونه مأذونًا بها في الشرع؛ فهذا السحر ينتفع به صاحبه، وهذه الكهانة والتنجيم، واستخدام الجن والرقى التي فيها كفر= كلها تنفع صاحبها، وهو حرام أو كفر. وهذه صفة الدجّال في الأحاديث الصحيحة ينتفع أصحابه بالمطر ورغد العيش وحياة أقربائهم الموتى ــ فيما يرون ــ وغير ذلك، واتّباعُه أشدُّ الكفر.\nوإذا كانت الأسباب العادية ــ مع أن الأصل في الشرع إباحتها ــ وفيها الحرام والكفر كالزنا والربا والسرقة ونحوها مما لا يُحْصَى، وأصحابها ينتفعون بها بلا شكّ، فما بالك بالأسباب غير العادية، والأصل في الشرع حظرها؟\nوالحاصل أن خوارق العادة قد قسمها العلماء إلى أقسام:\nأولها: معجزات الأنبياء، وهذه قد مضت بمضيّهم، وبقي بعض معجزات خاتمهم ﵌، وأعظمها كتاب الله تعالى.\nالثاني: كرامات الأولياء، والعلماء مختلفون فيها، فمن العلماء مَن ينكرها رأسًا، وينسب كل مَن ظهر على يده ما يُشبه الخارقة إلى أحد الأقسام الآتية. [ص ١٠٤] والباقون يثبتونها ويفرّقون بينها وبين الأقسام الآتية بوقوع الكرامة على يد عالم عامل محافظ على ظواهر الكتاب والسنة، متنزّه عن مخالفتهما، هذا في حال حياته، وأما بعد وفاته فإنما تُعرَف بقرائن الأحوال.","vol":"4","page":416},{"text":"وذلك أنه إن وقع شيء من الخوارق لأحد الموتى، نظرنا الأحوال الحاضرة حينئذٍ، فإن كانت موافقة للكتاب والسنة، وكانت تلك الخارقة صادرة لتأييد الكتاب والسنة= جاز تسميتها كرامة، وإلا فهي من بعض الأقسام الآتية.\nمثاله: أن يؤذى ولدٌ لبعض الصالحين الموتى، فيصاب المؤذي ببلاء، فالواجب أن ننظر، فإن كانت الأذية بغير حق، والمؤذي ظالم لولد ذلك الصالح= جاز أن تسمّى هذه كرامة. وإن كانت الأذية بحق مؤيَّد بدليل شرعي قطعنا أنها ليست بكرامة، وإنما هي من أحد الأقسام الآتية.\nإذا تقرّر هذا لديك عرفتَ أن مجرّد الخارقة من حيث هي لا تصلح دليلًا لشيء، فإن أدلة الشرع محصورة وليست الخارقة منها، إلا المعجزة فليس الكلام فيها. وبهذا التقرير يندفع كل ما أوردتموه، ولنبيِّن أقسام الخوارق بعد المعجزة والكرامة فنقول:\nمنها: الاستدراج، وهذا ما يجريه الله تعالى عند بعض الأفعال ابتلاءً للناس؛ هل يثبتون على دينهم الثابت بالكتاب والسنة أم يضلون. ويصلح أن يكون منه ما يقع للدجال من الخوارق. ومن هذا ما ابتلى الله تعالى به الصحابة يوم أُحدٍ كما دلَّ على ذلك القرآن.\nومنها: السحر والشعبذة والاستعانة بالجن وأعمال الشياطين، يقصدون بها تضليل المسلمين وإزاغتهم عن السراط المستقيم، كما كانوا يفعلون في الجاهلية في الأصنام، وكما يفعلونه مع عباد الأوثان، ومثله كثير جدًّا. وقد مرَّ شيءٌ من هذا أواخر الكلام على علم الغيب، فارجع إليه (^١).\n_________\n(^١) (ص ٣٦١ فما بعدها).","vol":"4","page":417},{"text":"و[منها]: الكهانة والتنجيم وغير ذلك مما مرَّ في بحث الاطلاع على المغيِّبات.\n[ص ١٠٥] إذا تقرر ما ذكر، فالكلام على هذه الخوارق التي زعمتم وقوعها من وجهين:\nالأول: إنكار وقوعها أصلًا، وأنه لا يجوز القول بوقوعها إلا عن مشاهدة أو تواتر بإخبارِ عددٍ يحصل بإخبارهم القطعُ بوقوعها، كما يقطع مَن باليمن أن أرض الهند موجودة.\nوعلى فرض صحة وقوعها، فإنها محتملة لأن تكون من الشعبذة، ولأن تكون من السحر، ولأن تكون من أعمال الشياطين، ولأن تكون استدراجًا يبتلي الله بها عباده، ولأن تكون كرامةً. وإذا كان الأمر كذلك لم يكن من الممكن تعيين كونها من أحد الأقسام، وإنما المتيسِّر أن توزَن بميزان الشرع، فإن كان صاحبها ثابتًا على كتاب الله تعالى وسنة رسوله، وكانت الخارقة مؤيِّدة لأحكام كتاب الله تعالى وسنة رسوله= كان الواجب إحسان الظن بصاحبها أن الله تعالى أكرمه. ومع ذلك فليست دالةً على أنه معصوم من المعاصي، بل ولا تمكن العصمة لغير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.\nثم إذا وقعت لذلك الشخص خارقة أخرى، كان حظّها حظّ صاحبتها، وهكذا أبدًا. فإن رأينا خارقةً تؤيد خلاف أحكام كتاب الله تعالى وسنة رسوله، حَكَمْنا عليها أنها من أحد الأنواع الأخرى.\nوالمقصود أن أصول الأحكام في شريعة الإسلام هي الكتاب والسنة لا غير، والعالم هو العالم بأحكامهما، والوليّ هو العامل بما عَلِمه منهما، والخوارق بعد المعجزة ليست بحجّة ولا دليل ولا يُسْتند إليها في قليل ولا","vol":"4","page":418},{"text":"كثير، وإنما تفيد مجرَّد حُسن الظن لا غير، ولهذا كان سيّد الطائفة الجُنيد ﵁ يقول لأصحابه: لو رأيتم رجلًا قد تربّع في الهواء فلا تقتدوا به حتى تروا صنيعَه عند الأمر والنهي، فإن رأيتموه ممتثِلًا لجميع الأوامر الإلهية مجتنبًا لجميع المناهي، فاعتقدوه واقتدوا به. وإن رأيتموه يخلُّ [١٠٦] بالأوامر ولا يجتنب المناهي فاجتنبوه (^١).\nفجَعَل الدليل على كون الخارق كرامة هو الثبات على جميع الأوامر، واجتناب جميع المناهي، فكان من المحال أن يجعل الخارق دليلًا على الثبات، أو على كون فعلٍ من الأفعال هو من الدين وإلا لكان دورًا، فتأمّل.\nمع أن هذا الأمر من المعلوم بالضرورة لكل مسلم، فإن أركان الإيمان إنما هي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسوله واليوم الآخر والقَدَر خيره وشرّه. ومِن لازم الإيمان بالله ورسوله الإيمانُ بالكتاب والسنة والاهتداءُ بهديهما. والخارقُ بعد المعجزة خارج عن ذلك كله، اللهم إلا أن يختار أحدٌ لنفسه الكفر بهما والإيمانَ بالخارق، فهو وما تولّى، أعاذنا الله وجميع المسلمين من الخذلان!\nالوجه الثاني في الكلام على هذه الخوارق: بيانها تفصيلًا:\nأولًا: قولكم: إن أحدكم يجهد في دعاء الله تعالى ... إلخ.\nجوابه: أنه إن صحَّ ولم يتكرّر فهو مجرّد موافقة. فإن تكرر حتى حصل لصاحبه القطعُ بمقتضاه، فهو من الاستدراج، أو مما يصلح له من بقية الأنواع، فإن الله تعالى يقول: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، ويقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (١٧١٩) من قول أبي يزيد البِسْطامي.","vol":"4","page":419},{"text":"عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦].\nالثاني: قولكم: ونرى كثيرًا ... إلخ.\nوالجواب عنه كالذي قبله.\nالثالث: قولكم: وقد ينذر الإنسان ... إلخ\nوالجواب عنه كالذي قبله، وقد يكون البلاء الذي أصابه بسبب تأخير النذر من الشياطين، ولذلك إذا أطاعهم بأداء ما نذر به كفُّوا عنه. وقد مرَّ في التبرّك قول زينب امرأة عبد الله بن مسعود ﵂ له أنها كانت تقذف عينها فتذهب إلى يهودي يرقي، فإذا رقاها سكنت، فقال عبد الله ﵁: إنما ذلك الشيطان ينخسها بيده ... (^١) إلخ.\nالرابع: قولكم: ونرى بعض أهل الجهات ...\nوالجواب عنه: أن هذا مجرّد موافقة، فإن تتابعَتْ وتكررت حتى حصل العلم بذلك، فهو من الاستدراج ــ والعياذ بالله ــ كما يقع مع الدجّال. والغالب أن هذا مجرّد موافقة يصير أهلُ الجهة إلى الوقت الذي جرت العادة بنزول المطر فيه، فإذا أبطأ أسبوعًا أو نحوه ذهبوا ففعلوا تلك الأفعال، ثم ينزل الله تعالى المطر على جاري العادة في نزوله في ذلك الفصل، وقد يكفّون في بعض السنين عن فعلهم [١٠٧] فيتفق تأخّر المطر تلك السنة، فيجد الشيطان الفرصة إلى تثبيت تلك العقيدة في صدورهم. وقد أخرج النسائي (^٢) عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﵌: «لو\n_________\n(^١) تقدم (ص ٢٢٧).\n(^٢) (١٥٢٦) وفي «الكبرى» (١٨٤٩). وأخرجه أحمد (١١٠٤٢)، والحميدي (٧٥١) وابن حبان (٦١٣٠) وغيرهم بلفظ: «سبع سنين». وأخرجه غيرهم بلفظ «عشر سنين».","vol":"4","page":420},{"text":"أمسك الله القَطْر عن عباده خمس سنين ثم أرسله لأصبحتْ طائفة من الناس كافرين، يقولون: سُقينا بنوء المِجدَح».\nوعلى كل حال فلا يخلو عن استدراج، نعوذ بالله من غضبه و(^١).\nالخامس: قولكم: ونرى بعضَ النساء ... إلخ.\nوالجواب: أن هذا مجرَّد اتفاق، فإن تواتر وتكرر حتى حصل العلم بمقتضاه فهو استدراج والعياذ بالله.\nالسادس: قولكم: وكثيرًا ما نرى أُناسًا ... إلخ.\nوالجواب: أنه قد مرّ أن المؤذي لولد ذلك الصالح إن آذاه ظلمًا وعدوانًا، وبغير حق ثابت في أحكام الكتاب والسنة، فيجوز أن يكون ما ناله كرامة للصالح. وإن كان بالعكس، كأن أنكر مسلمٌ البناء على القبر ونحوه، فابْتُلي بشيءٍ فهذا من أعمال الشياطين. والغالب أن هذا لم يقع ولا يقع وإنما هو من ظنون هؤلاء الجهال كما قال قوم: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤].\nوعلى فرض أنّ شيئًا من ذلك وقع فهو إما مجرّد اتفاق، وإما من أعمال الشياطين الذين اتخذوا ذلك القبر شبكةً لاصطياد الجهّال، والعياذ بالله. وإما من سِحْر أولئك السَّدَنة، فإن وافقهم ذلك المنكر على باطلهم كفوا عنه، وإذا كان المنكر ثابتَ العقيدة صحيحَها لم يُصِبْه ما يكره أبدًا.\nالسابع: قولكم: ونرى كثيرًا من الخوارق ... إلخ.\n_________\n(^١) كذا في الأصل.","vol":"4","page":421},{"text":"والجواب: أن أصحاب القبور موتى لا يسمعون ولا يُبصرون على ما تقدّم، وليس لهم تصرّف في شيءٍ من الدنيا، وإنما يحضر عند قبورهم بعضُ الشياطين يضلون بني آدم، ليهلكوهم ويُرْدوهم، وربما كان ذلك من الاستدراج والعياذ بالله، فاتقوا الله في أنفسكم وارجعوا إلى دينكم.\nالثامن: قولكم: وكثيرًا ما ينذر ... إلخ.\nوالجواب: أن هذا ــ إن صحّ ــ فهو من أعمال الشياطين يوحون إلى ذلك الولي من أوليائهم ذلك الخبر بعد أن سمعوا الناذِرَ يذكره، أو أخبرهم به وسواسه.\nوقولكم: وقد يرى ذلك الوليَّ في نومه ... إلخ.\nالجواب: أنه إنما رأى الشيطان، والشيطان يتصوّر بكل أحدٍ إلا رسول الله ﵌، على أن العلماء ﵃ صرّحوا أنه لو رأى الإنسانُ رسول الله ﵌ وأمره بشيء لم يجُزْ له أن يعمله إن كان غير جائز في الشرع، وقد مرَّ إيضاح ذلك (^١).\n[ص ١٠٨] التاسع: قولكم: وكثيرًا ما نرى المجانين .....\nالجواب: أن هذا من أوضح الواضح من عمل الشيطان، كما مرَّ عن عبد الله بن مسعود ﵁.\nالعاشر: قولكم: ومن جملة الخوراق ..... إلخ.\nوالجواب: أن اتساع القبة لا يصح، فإن فُرِض أنه صحّ بمشاهدةٍ أو\n_________\n(^١) (ص ٣٣٥).","vol":"4","page":422},{"text":"تواتر يفيد العلم القطعي، فهو استدراج. وخروج الدراهم هو حيلة من حيل السَّدَنة؛ يدخل أحدهم إلى التابوت ويقف فيه، وعنده دراهم مجلوّة، فإذا أريد التمويه تكلّم بعض السَّدَنة الذين خارج التابوت بما يفهم منه الداخل، فيرمي بشيءٍ من تلك الدراهم.\nوقد بلغنا عن بعض القبور أن أحد السَّدَنة يدخل في ذلك التابوت، ويُدخل معه دراهم مجلوّة ونارًا، فإذا أريد التمويه وضع بعض الدراهم على النار حتى يحمى ثم أخذه ورماه إلى الخارج، ويموّهوا على الناس أنَّ الوليّ أحضره من البلاد التي تُطبَع فيها الدراهم.\nوبهذه الحيلة يضع ذلك السادن حجرًا عريضة فيجعل عليها ترابًا، فإذا أريد التمويه أبعدها عن قرب الطاقة التي يتناول منها التراب، فإذا مد الزائرُ يده لم تصل إلى الأرض لبعدها، فإذا جاء بعض السَّدَنة وأخبره أن ينذر فنذر، تكلم بما يفهم به صاحبه، فيرفع تلك الحجر إلى حيث تنالها يد الرجل بسهولة.\nوأمثال هذه الحيل كثيرة جدًّا عند هذه المشاهد، وكثيرًا ما تساعدهم الشياطين فيها، فتذهب الشياطين في البلاد توسوس للناس، وتسمع ما يكون منهم من نذور ونحوها، وترجع تخبر أصحابها، وإذا كانت الشياطين تخبر أصحابها بما استرقته من خبر السماء فما بالك بخبر الأرض؟\nالحادي عشر: قولكم: ومنها أن الزائرين يضعون أسلحتهم ... إلخ.\nوالجواب: أن هذا باطل لا يصحّ، فإن صحّ يقينًا فقد يكون من عمل الشياطين، فيكون قرين كلِّ إنسان يعرف سلاحه، فينظر أين وضَعَه ويعلم","vol":"4","page":423},{"text":"ذلك، فيبقى يحرسه يرقب صاحبه، حتى إذا أراد الخروجَ أسرع فقدَّم له سلاحَه. وقد يكون ذلك من الاستدراج والعياذ بالله.\n[ص ١٠٩] الثاني عشر: قولكم: ومنها أن يجيء المجذوب ... إلخ.\nوالجواب: أن هذا من سِحْر الشياطين، يسحرون المجذوب حتى لا يدري ماذا يصنع، ثم يسحرون عيون الناس، فيخيلون إليهم هذه الأشياء.\nوها نحن قد بينّا لكم المحامل التي تُحمل عليها هذه الخوارق المدّعاة، وما كان من الاطلاع على المغيّبات قد ذكرنا محاملَها في ما مضى، لتعلموا أنه ما من خارقةٍ ــ غير المعجزات ــ إلا وهي إلى الباطل أقرب، وأن الحجة هي كتاب الله تعالى وسنة رسوله فقط.\nفإن قلتم: إنّ فَتْح هذا الباب من تجويز أعمال الشياطين يؤدّي إلى مُحالات كثيرة، فلا يثق الإنسان بما يرى ولا بما يسمع، إذ كل شيء من ذلك محتمل لمثل ما ذُكِر، فقد يخيّل إليه الشيطان أنه يطأ زوجته وهو إنما يطأ بنته، مع تخييله لبنته أنه إنما يطأها زوجُها. وأشباه ذلك مما لا يُحْصَى.\nفالجواب: أننا لأجل ذلك قدّمنا إنكار هذه الخوارق المدّعاة، وقلنا: إنها لا تثبت أصلًا، وإن فُرِض أنه ثبت شيءٌ منها بطريق القطع عرضناها على حكم كتاب الله تعالى وسنة رسوله، فإن قضى الكتاب والسنة ببطلانها عَلِمنا قطعًا أنها من تلك الأنواع الباطلة. والقولُ بأن شيئًا من هذه الخوارق يجوز أن يُستدلّ به ولو خالف الكتاب والسنة قولٌ لا ينبغي أن يصدر من مسلم.","vol":"4","page":424},{"text":"تنبيه\nقد يستبعد بعضُ الناس وجود الشياطين عند قبور الصالحين.\nوالجواب: أن الشياطين مأذون لهم فيما هو أشدّ من هذا، ففي «الصحيحين» (^١) عن أنسٍ قال: قال رسول الله ﵌: «إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم». وفي «صحيح مسلم» (^٢) عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﵌: «ما منكم من أحدٍ إلا وقد وُكِلَ به قرينه من الجنّ وقرينه من الملائكة» قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: «وإياي، ولكن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير» ولمسلم (^٣) أيضًا نحوه عن عائشة.\nوفي «الصحيحين» (^٤) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: «إن عفريتًا من الجن تفلّت البارحة ليقطع عليَّ صلاتي، فأمكنني الله منه، فأخذته ...» الحديث.\nوقد أخرجه مسلم (^٥) عن أبي الدرداء قال: قام رسول الله ﵌ يصلي فسمعناه يقول: «أعوذ بالله منك»، ثم قال: «ألعنك بلعنة الله» ثلاثًا، وبسط يدَه كأنه يتناول شيئًا، فلما فرغ من الصلاة قلنا: يا رسول الله، قد سمعناك تقول في الصلاة شيئًا لم نسمعك تقوله قبل ذلك، ورأيناك\n_________\n(^١) البخاري (٣٢٨١) ومسلم (٢١٧٥) عن صفية بنت حُيي ﵂، وأخرجه مسلم (٢١٧٤) عن أنس ﵁.\n(^٢) (٢٨١٤).\n(^٣) (٢٨١٥).\n(^٤) البخاري (٣٤٢٣)، ومسلم (٥٤١).\n(^٥) (٥٤٢).","vol":"4","page":425},{"text":"بسطت يدك؟ قال: «إنّ عدوَّ الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي فقلت: أعوذ بالله منك ثلاث مرات، ثم قلت: ألعنك بلعنة الله التامة، فلم يستأخر ثلاث مرات، ثم أردت أخذه. والله لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقًا يلعب به ولدان أهل المدينة».\nوفي «سنن أبي داود» (^١) عن أنسٍ قال: قال رسول الله ﵌: «رصّوا صفوفكم، وقاربوا بينها، وحاذوا بالأعناق، فوالذي نفسي بيده إني لأرى الشيطان يدخل من خلل الصفّ كأنها الحذف».\nوفي «صحيح مسلم» (^٢) عن ابن مسعود قال: «إن الشيطان ليتمثل في صورة الرجل، فيأتي القومَ فيحدّثهم الحديث من الكذب، فيتفرقون، فيقول الرجل منهم: سمعت رجلًا أعرف وجهه ولا أدري ما اسمه يحدّث».\nولا يخفى أن الشياطين بالصالح أشدّ اهتمامًا، وهذه المشاهد حريّة بأن تكون محضورة بالشياطين؛ لأنه إما أن يكون صاحب القبر صالحًا لم تتمكّن منه الشياطين في حياته، فهم حريصون على أن يعتاضوا عما فاتهم منه بما ينالونه بواسطة قبره. وإما أن يكون طالحًا فهو صاحبهم حيًّا وميّتًا؛ ولهذا نرى حرم الله تعالى وحرم رسوله منزّهين عما ذكرتم، وإن كان شياطين الإنس والجن ربما انتهكوا حرمتهما بحِيَل يتلاعبون بها بعقول الجهّال مما يعلّمهم إيّاها الشيطان، كما كانت الأصنام والأوثان في الجاهلية داخل الكعبة وخارجها. نسأل الله تعالى التوفيق.\n_________\n(^١) (٦٦٥). وأخرجه النسائي (٨١٥)، وأحمد (١٣٧٣٥). وصححه ابن خزيمة (١٥٤٥) وابن حبان (٢١٦٦).\n(^٢) (٧).","vol":"4","page":426},{"text":"[٧٨] قال المجيزون: أما بعد هذا فلا طاقة لنا بجدالكم، ولكنّا نكتفي بما هو مثبت في دواوين الإسلام من المؤلفات التي لا تُحصى، بل وبإجماع المسلمين على النداء والاستغاثة بالأنبياء والصالحين، حتى إن الظاهر أن ذلك أمر فَطَرهم الله تعالى عليه، وإنكم وإن أتعبتم أنفسكم ولجَجْتُم في الخطاب فلن تقدروا على تغيير ذلك ولا تبديله، ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة: ٣٢]. وإنما نسألكم عن أمر واحد وهو أن المسلمين في هذا الأمر فِرَق:\nالفريق الأول: مَن يُثبت للأنبياء والصالحين الكشف الصادق في السموات والأرض، ويثبت لهم التصرّف فيما بين ذلك مُسْنِدًا ذلك إلى الإذن الربّاني.\nالفريق الثاني: مَن لا يثبت لهم ذلك وإنما يقول: إن الله تعالى يبلغهم ويجيب دعاءهم.\nالفريق الثالث: مَن لا يقول بهذا ولا بهذا، ولكنه يثبت التوسّل، ويجعل الطلب منهم والاستغاثة بهم حاضرين في معنى طلب الدعاء، ويجعل خطابهم عند قبورهم بناء على أنهم يسمعون الكلام، كما ثبت ذلك في أحاديث صحيحة، وأنهم قادرون على الدعاء وإن كانوا موتى، كما ثبت من وقوع العبادات من بعض الموتى. ويجعل نداءهم والطلب منهم والاستغاثة بهم غائبين في معنى التوسّل.\nوليس من هذه الفِرَق من يدّعي لمخلوقٍ الاستقلال بالقدرة من دون الله تعالى، ولا مشاركته في القدرة، وإنما يقولون: إن الله ﷾ يُسْمِع مَن يكرمه من خلقه ما غاب عنه من المسموعات، ويُطْلِعُه على ما غاب من","vol":"4","page":427},{"text":"المعلومات، ويُجري على يده ما شاء من خوارق العادات.\nويبنون على ذلك جواز النداء والطلب على ما مرّ. وكلٌّ منهم متمسّك بدليل شرعيّ، فلم تتمسكوا معهم بالأدب الواجب بين العلماء، بل بادرتم إلى تفسيقهم وتكفيرهم وتضليلهم، وإخراجهم من الدين رأسًا [٧٩] فجعلتم أمة محمد ﵌ محصورةً فيكم، وسائر الأمة مرتدون، فما سمعنا بضلال أضلّ من هذا! وما دام الأمر على هذا فالكلام معكم ضائع، لأنكم تعتبروننا مرتدين كفّارًا نحن وجميع هذه الأمة إلا أفرادًا يُعدّون بالأصابع. وهذا القول يكفي في ردّه حكايتُه.\nقال المانعون: إنا والحمد لله أنصار الحقّ لا عداوةَ بيننا وبين الحق، وقد تدبّرنا كتاب الله تعالى وسنة رسوله وآثار سلف هذه الأمة، فوجدنا السبيل واضحًا، والمنار بيّنًا، والهدى معروفًا. وقد سردنا في هذه الرسالة من أدلة الكتاب والسنة ما يغني عن سواه، ولا تجهل أن هناك أحاديث ضعيفة وآثارًا سخيفة لا يصحّ الاستناد إليها ولا الاعتماد عليها ولو لم يعارضها شيءٌ، فكيف وقد عارضها القرآن والسنن المتواترة.\nوأما دعوى الإجماع فباطلة، فإنه لم يزل في كل زمان قائم لله بحجة، ومع ذلك فإنه قد سبق (^١) عن ابن حجر قوله: إن الإجماع لا يكون حجة في هذه الأعصار لتغيّر الناس وغَلَبة الفساد. ومع هذا فالإجماع إنما يكون حجة إذا عُلِم يقينًا، وليس عندكم فيه هنا إلا الاحتمال، بل ليس ــ والحمد لله ــ (^٢)\n_________\n(^١) لم يسبق هنا شيء، ولعله مما لم نعثر عليه من مباحث الكتاب. وقد ذكره المؤلف في رسالة «عمارة القبور».\n(^٢) تحتمل قراءتها: «ليس فيه بحمد الله ...» وما أثبته أقرب إلى الرسم.","vol":"4","page":428},{"text":"احتمال أصلًا ــ كما مرّ ــ. وهذه الأدلة القواطع من آيات الكتاب، والأحاديث المتواترة الصحيحة، فما معنى دعوى الإجماع بمناقضتها ومعارضتها؟ وإنّا لله وإنّا إليه راجعون.\nوعليكم أن تراجعوا كلام الإمام الشافعي في الإجماع، وكلام الإمام أحمد، وقد مرَّ بعضُه.\nوأما قولكم: إن الناس مفطورون على ذلك، فهذا جهل بيّن، فإن الفطرة إنما هي معرفة الله وحده، وما خرج عنها فهو ليس من الفطرة، وإنما هو التقليد المحض، كما ينشأ أولاد الكفار كفّارًا، يظنون الحق ما عاش عليه آباؤهم وأجدادهم وألِفُوه واعتادوه، فيقول قائلهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣]. ويُنشد:\nبلادٌ بها عقَّ الشبابُ تمائمي ... وأوّل أرضٍ مسّ جلدي ترابُها (^١)\n\nويردّد:\nأولئك آبائي فجئني بمثلهم ... إذا جَمَعَتْنا يا جريرُ المجامع (^٢)\n\nويقول أحدهم: واعجباه! أيمضي آباؤنا وأجدادنا وفيهم العلماء والعُبّاد والأمراء على هذه العقيدة وتكون باطلة، إن هذا لشيء عجيب! أوَ يسوغ لنا أن نخالفهم في ذلك ويفوز هؤلاء النّفَر القليل بالحق دونهم؟ لو كان خيرًا ما سبقوهم إليه.\n_________\n(^١) البيت في «الأمالي» (١/ ٨٤) للقالي، وتخريجه في «سمط اللآلي» (ص ٢٧٢) ونُسب لغير واحد. وانظر «الكامل»: (٢/ ٨٤٢).\n(^٢) البيت للفرزدق في «ديوانه» (١/ ٤١٨).","vol":"4","page":429},{"text":"ثم يوحي بعضهم إلى بعض أن اثبتوا على ما وجدتم عليه آباءكم وأشياخكم، وأعرضوا عن كلام من يريد أن يصدكم عن ذلك والغَوا فيه، ولا تتفكّروا فيه، ولا تتدبروه، ولا تطالعوا رسائلهم فإنها مضلّة. وهكذا تمضي أعمارُهم في مناصبة الحق ومعارضته ومحاربته ومناقضته والإعراض عنه والتحذير منه، [ص ٨٠] كأنهم لا يقرؤون كتاب الله تعالى، فيعلمون أن الدين هو ما جاء من عند الله تعالى بكتابه وسنة رسوله الصحيحة، فيتدبرون القرآن ويراجعون السنة.\nوهب أنّ آباءهم وأجدادهم وأشياخَهم كلهم على الحق، أفلا يجب على هؤلاء أن يعرفوا الحق بعينه، ويأخذوه من معدنه، حتى يكونوا على يقين منه لا على مجرد التقليد والظن المتردّد؟ وإننا لا نطلب منكم إلا أن تتبعوا الحق وتعملوا بموجبه مع قطع النظر عما كان عليه الآباء والمشايخ وغيرهم، فإنكم مكلّفون كما هم مكلّفون، والحُجَج قائمة عليكم كما كانت عليهم.\nولو رجعتم إلى أنفسكم لعلمتم أنه إنما يحملكم على معارضة الحق مجرّد الهوى والتعصّب والإلْفَة لأنفسكم ولآبائكم ولأشياخكم. وهذه هي صفة أهل الضلال كما تعلمون، فاتقوا الله في أنفسكم، وجرّدوها عن الأهواء، واعمدوا إلى الحق تجدوه واضحًا لا غبار عليه.\nإن الفتى من يقول: هانا ذا ... ليس الفتى مَن يقول: كان أبي (^١)\n_________\n(^١) يُنسب إلى علي بن أبي طالب، وهو في «الجليس الصالح»: (١/ ١٠٩)، و«غُرر الخصائص» (ص ٧٤) بلا نسبة.","vol":"4","page":430},{"text":"فإن آباءنا وآباءكم ليسوا بمعصومين عن الخطأ، ولا ندري ما هو الذي أخطأوا فيه مما أصابوا، وإنما يُعرف ذلك بالحجة، وهي كتاب الله تعالى وسنة رسوله الصحيحة، فعليكم بهما ترشدوا إن شاء الله تعالى. ولاسيّما والخطأ في مسائل التوحيد والجهل بها لا يُعذَر صاحبه، كما لا يسوغ التقليد فيها اتفاقًا.\nواعلموا أن الله تعالى لم يحفظ علينا كتابه وسنة رسوله إلا لتقوم علينا الحجةُ بهما لئلّا نتمسّك بشبهة التقليد ونقول: لم نجد متمسّكًا غيرها، لذلك حفظ الله تعالى علينا كتابَه وسنةَ رسوله حتى لا تبقى لنا شُبهة.\nوكيف بكَ يا ابنَ آدم إذا قال الله تعالى لك: ألم تعلم أن من شرط الإيمان أن تؤمن بكتابي وبرسولي؟\nقلتَ: بلى يا رب.\nقال: أوَ لم تعلم أن كتابي وسنة رسولي كانت موجودة في حياتك؟\nقلت: بلى يا رب.\nقال: أوَ لم يكن يمكنك أن تفهم معانيهما؟\nقلت: بلى يا ربّ.\nقال: فلماذا أعرضتَ عنهما واتبعتَ ما يقول الناس؟\nثم يقول لك: ألم تعلم أني أنزلتُ كتابي مخاطبًا به جميع بني آدم قائلًا: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ [البقرة: ٢١].\nفيقول: بلى يا ربّ.\nفيقول: أوَ لستَ من الناس المخاطَبين.\nفتقول: بلى يا ربّ.","vol":"4","page":431},{"text":"فيقول لك: أوَ لم تقرأ فيه أنه ﴿عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣].\nفتقول: بلى يا ربّ.\nفيقول لك: أوَ لم تقرأ هذه الآية؟\nفتقول: بلى يا رب.\nفيقول: أوَ لم تفهم معناها بالأسلوب العربي؟\nفتقول: بلى يا رب.\nفيقول: وكيف اعتقدتَ ما يناقضها؟\nفلا يسعك إلا السكوت، إذ لا يمكنك أن تقول: عملتُ بقول آبائي وأشياخي، فتعترف على نفسك أنك قدمتَ قولَ آبائك وأشياخك على كلام ربك ﷻ!\n[٨١] فصل\nوأما شكواكم من التكفير والتفسيق فهي شكوى لا معنى لها، وإنما عليكم أن تتجرَّدوا عن الأهواء، وتنظروا بعين الإنصاف وحب الحق حتى تقفوا على ما وقف عليه المكفِّرون والمُفَسِّقون؛ فإن تبين لكم أن لهم حجة في ذلك فلا تلوموهم على أن عملوا بها. وإن لم تجدوا لهم حجة ووجدتموهم متأوّلين، فاعلموا أنهم معذورون في ذلك. وقد مرّ في هذه الرسالة ما يتعلق بهذا (^١).\nوإن اتضح لكم أنهم لا حجة لهم ولا تأويل، وإنما قالوا ما قالوه\n_________\n(^١) لم نره فيما سبق.","vol":"4","page":432},{"text":"بالهوى والعناد، فحينئذٍ فلوموهم عن يقين.\nوقد قسّمتم الناس على فِرَق، فنبني الكلام عليها، فنقول:\nأما الفرقة الثالثة، وهم الذين يجيزون التوسّل، ويجيزون الطلب من الصالحين الحاضرين الأحياء، لا على أنهم قادرون على تحصيل المطلوب بأنفسهم، بل على أنهم قادرون على تحصيل سببه، وهو الدعاء. فمعنى قولهم: «يا سيدي فلان أغِثْني أو أدركني أو الغارة» = أغثني بالدعاء، وأدركني بالدعاء، والغارة بالدعاء.\nويخاطبون الموتى عند قبورهم بناءً على أنهم يسمعون الكلامَ ويقدرون على الدعاء، وينادون الغائبين ويستغيثون بهم لا على معنى أنهم يسمعون ويُغيثون بل على معنى التوسّل.\nفقولهم: «يا بدوي الغاره» يريدون به: اللهم إنا نسألك بجاه البدوي الإغاثة= فمسألة التوسّل قد مرّ ما فيها. وخلاصة القول فيها: أنه خلاف السنة، وطلب الدعاء ثابت بالكتاب والسنة، وطلب الفعل من الحيّ الحاضر بمعنى طلب الدعاء لا بأس به إذا قامت القرينةُ على المراد، فأما إذا لم تقم قرينة فالعمل على الظاهر، وهو أن الطالب يعتقد أن المطلوب منه يقدر على تحصيل المطلوب. وسيأتي ما في هذا.\nثم إن قول ما ظاهره كفر محظور في الشرع وإن كان القائل لم يرد به ظاهره.\nوأما خطاب الموتى عند قبورهم وسؤال الدعاء منهم صريحًا، فإنه يدلّ على اعتقاد أنهم يَسْمعون أو يُبلّغون ويَدْعون.","vol":"4","page":433},{"text":"وقد مرت الأدلة الصحيحة من الكتاب والسنة على عدم سماعهم وعدم دعائهم فراجعْها (^١). ولا ريب أن فاعل ذلك مخالف لتلك الأدلّة، وبمراجعتها يتبيّن حكم مخالفها.\nوأما إن طلب منهم غير الدعاء فالأمر أشدّ، وفيه نحو ما سبق قريبًا.\nوأما الفرقة الثانية، وهم الذين يعتقدون أن الله تعالى يبلّغ الصالحين غائبين أو موتى، فهؤلاء مكذّبون لصريح الكتاب والسنة، فإن التبليغ إنما يقع للأنبياء في حال حياتهم في بعض الوقائع لا في جميعها. [٨٢] ومع ذلك فإنما يجوز في حال حياتهم أو غيبتهم أن يقال كما قال عاصم: «اللهم أخبر عنا رسولك» (^٢).\nوأما أن الله تعالى يقبل رجاءهم، فهذا صحيح في حقّ الأنبياء ﵈ غالبًا لما مرّ، ومع ذلك فالطريق في سؤالهم ذلك: أن يُسأل منهم الدعاءَ حال حياتهم. وأما إذا كانوا غائبين أو قد ماتوا فإنما يقال: اللهم شفِّع نبيّك ﵌ فينا، ونحوه مما ثبت بالدليل.\nوأما غير الأنبياء فإنما المشروع أن يُسأل منهم الدعاء في حال حياتهم، وأما بعد موتهم فإنما الجائز أن يسأل من الله تعالى أن يجعله مع الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسُن أولئك رفيقًا.\nوأما الفرقة الأولى، وهم الذين يثبتون للأنبياء والصالحين الكشفَ الصادق في السموات والأرض عمومًا، ويثبتون لهم التصرّف فيما بين ذلك، مُسْنِدين ذلك إلى الإذن الربّاني، فهؤلاء في إثباتهم للأنبياء الكشفَ في ما\n_________\n(^١) (ص ٣٩٩ وما بعدها).\n(^٢) سبق تخريجه (ص ٤٠٣).","vol":"4","page":434},{"text":"بين السموات والأرض عمومًا مكذّبون لكتاب الله تعالى وسنة رسوله، لما مرّ بيانُه في المقام الأول، وفي إثباته للصالحين أشدّ تكذيبًا للكتاب والسنة. وفي إثبات التصرُّف فيما بينهما عمومًا مكذّبون لكتاب الله تعالى وسنة رسوله لما مرّ بيانه في المقام الثاني.\nثم إن ما خالف كتاب الله وسنة رسوله فهو باطل، والمبطل في العقائد غير معذور عند الجمهور. وفوق ذلك فمخالفة كتاب الله تعالى في الاعتقاد لا تخلو أن تكون صريحة أو غير صريحة، فغير الصريحة تكذيبٌ له غير صريح، وهذا خطأ في الاعتقاد، وقد مرّ أن صاحبه غير معذور عند الجمهور. وأما الصريحة فهي تكذيب صريح لكتاب الله تعالى، [ص ٨٣] وتكذيبه الصريح كفر صريح. وهذا كتاب الله تعالى بين أيديكم، وهذه اعتقاداتكم، فانظروا أين منزلتكم؟\nثم إن الاستعانة والاستغاثة والاستعاذة ونحوها من أقسام الطلب إن كانت مما جرت به العادةُ المشتركة بين سائر البشر، فالأصل جوازها حتى يرد الشرع بالمنع. وإن كانت فيما لم تَجْرِ به العادة؛ بأن يطلب من مخلوق ما لا يقدر عليه البشر عادة، فهذه من العبادة، قال الله ﷿: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي ...﴾ الآية [غافر: ٦٠]. وفي الحديث عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﵌: «الدعاء هو العبادة» ثم قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ رواه أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه (^١). وفي رواية للترمذي عن أنس\n_________\n(^١) سبق تخريجه (ص ٤٠٨).","vol":"4","page":435},{"text":"قال: قال رسول الله ﵌: «الدعاء مخ العبادة» (^١).\nولا شك أن مَن طلب من المخلوق ما لا يقدر عليه البَشَر عادةً، فقد عمل معه ما لا يُعْمَل إلا مع الله، أي: دعاه وعَبَدَه. وعبادة غير الله تعالى كفر بلا شكّ. ولا شكَّ أن مَن يعمل هذا مع المخلوقين معتقد استحقاقَهم لمثله. وبذلك الفعل والاعتقاد يَنْقض شهادته بوجهيها، فإن من شهد أن لا إله إلا الله فقد أخبر أنه يعتقد أن لا معبود بحقّ في الوجود إلا الله، والتَزَم أنه لا يعبد إلا الله. فمتى أخلّ بأحدِ الأمرين كفر، فكيف بمن أخلّ بهما معًا؟ والله أعلم.\nقال المجيزون: فهمنا هذا وبقي أن كثيرًا من المانعين يرموننا بكفر أهل الجاهلية وأشدّ منه، فما وجه ذلك؟\nقال المانعون: وجهه أنكم تعتقدون في غير الله تعالى أنه يضر وينفع، وهذا هو الذي كانوا يعتقدونه في أصنامهم، وكانوا عند الشدائد يوحّدون الله تعالى، كما دلّ عليه القرآن في عدة مواضع: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٦٣ - ٦٤]. إلى غير ذلك من الآيات الدالة أن القومَ كانوا يوحّدون الله تعالى عند الشدائد، وأنتم بخلاف ذلك، بل كلما اشتدت عليكم الشدائد ازددتم غفلةً عن الله تعالى وذكرًا (^٢) للذين تدعون من دونه!\n_________\n(^١) سبق تخريجه (ص ٤٠٨).\n(^٢) الأصل: «وذكر» سهو.","vol":"4","page":436},{"text":"قال المجيزون: لا سواء، فإن أهل الجاهلية كانوا يعتقدون في أصنامهم أنها تضرّ وتنفع من دون الله أو معه، ونحن إذا اعتقدنا في الصالحين أنهم يضرون وينفعون [ص ٨٤] فإنما نعتقد أن ذلك بإذن الله تعالى، لا من دونه ولا معه.\nقال المانعون: وهكذا كان الجاهليون يقولون، كما يدلّ عليه قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]، وقوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر: ٤٣ - ٤٤]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]. وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٩]، وقوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: ٣١ - ٣٢]. وقوله ﷿: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦١) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ","vol":"4","page":437},{"text":"لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٢) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٦١ - ٦٣].\nوقوله سبحانه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٩]. وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [الزخرف: ٨٧]. وقوله ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ...﴾ الآية [يونس: ٢٢]. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٧]. وقال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥].\nوفي «صحيح مسلم» (^١) عن ابن عبّاس قال: «كان المشركون يقولون: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك». يقولون هذا وهم يطوفون بالبيت.\nوكفى بقولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، فإنهم حصروا السببَ الحاملَ لهم على عبادتهم في إرادة أن يقرِّبوهم إلى الله زُلْفى.\n_________\n(^١) (١١٨٥).","vol":"4","page":438},{"text":"[ص ٨٥] قال المجيزون: هذه الآيات التي ذكرتم وغيرها تدلُّ على أن المشركين سمّوا أصنامهم آلهة، وعبدوها، واعتقدوا أنها تستحقُّ العبادة، واعتقدوا أنها تشفع عند الله تعالى وتقرب إليه بغير إذنه، وكذّبوا القرآن والنبيّ ﵌ في ذلك، وليس منّا أحدٌ يعبد الصالحين، ولا يعتقد أنهم يستحقون العبادة، ولا يعتقد أنهم يشفعون ويقرِّبون إلى الله تعالى بغير إذنه.\nقال المانعون: أما مطلق التسمية فإنه لا يتعلّق بمجرّد لفظها حقّ، وإنما يتعلّق بها من حيث معناها، ومعنى الإله: المعبود بحق، وسيأتي مثل هذا عنكم. وأما العبادة فإن فيكم من يعبد الصالحين، وذلك أنكم تدعونهم وتستيغيثون بهم كما مرّ، والدعاء مخّ العبادة أو هو العبادة، كما ورد في الحديث (^١)، ويدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] وفيكم من يتمسّح بأضرحتهم ويذبح عندها، وينذر النذور للموتى، ونحو ذلك. وكلُّ هذا من العبادة. ولا شكّ أنكم تعتقدون أنهم يستحقّون ذلك، وهذا معنى الإلهية.\nوأما قولكم: إن المشركين كانوا يعتقدون في الأصنام أنها تشفع عند الله من غير إذنه، ففيه نظر، كيف وهم يقولون في تلبيتهم: إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك؟ وقد مرَّ قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ [المؤمنون: ٨٨]. مع أن فيكم من يعتقد في الصالحين قريبًا من\n_________\n(^١) سبق تخريجه (ص ٤٠٨).","vol":"4","page":439},{"text":"ذلك ويستدلّ بقوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى: ٢٢]. غافلًا عن كون ذلك إنما هو في الجنة التي كلّ من دخلَها كان له ما يشاء، وأن الله تعالى يحفظ نفوس أهل الجنة أن تشتهي ما سبق في علمه خلافُه، فلا يشتهي أهل الجنة خروج أقربائهم الكفار من النار.\nوأما في الدنيا فقد سبقت الدلائل من الكتاب والسنة أن الأنبياء يُمنعون بعض ما يشاؤون فضلًا عن غيرهم، والله ﷾ يقول: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦]. وكذا في المحشر قد يُمنعون بعض ما يشاؤون كما مرّ في حديث شفاعة الخليل لأبيه (^١).\nوأما كون المشركين كذَّبوا القرآن والنبي، فقد شاركتموهم في هذا، فكذّبتم دلائل القرآن ودلائل سنة الرسول ﵌. وغاية الأمر أن تكذيبهم أصرح من تكذيبكم.\n[ص ٨٦] قال المجيزون: أما كون دعاء الله تعالى من عبادته فمسلّم، ولكن لا نسلِّم أن ما يقع منّا من نذر الصالحين والاستغاثة بهم، كدعاء الله تعالى، فإن دعاء المرء لله تعالى دعاءُ مَن يعلم أنه ﷾ الفاعل المختار، فهو يطلب منه العفو والمغفرة والرحمة والرزق والشفاء وغير ذلك، ودعاء أحدنا للصالح إنما هو كما يدعو الإنسانُ صاحبه ويطلب منه ما يقدر عليه.\nوأما التمسّح بالأضرحة، فإنما يفعله من يفعله منا تبرّكًا بأثر ذلك الصالح. وقد ثبت التبرّك بآثار النبي ﵌، فثبت أن\n_________\n(^١) تقدم تخريجه (ص ٤٠١).","vol":"4","page":440},{"text":"التبرّك بآثار الصالحين إن لم يكن مستحبًّا فليس بكفر قطعًا.\nوأما النذر والذبح، فإن الناذر إما أن يتصدّق بالمنذور، ويعطيه من يقرأ إلى روح ذلك الصالح، أو يجمع عليه الناس لذكر الله تعالى، أو نحو ذلك. وإما أن يعطيه أقارب ذلك الصالح وأتباعه.\nفهو في الحالة الأولى إنما يريد النذر بثواب تلك الصدقة أو تلك القراءة أو الذكر ونحوه. وفي الثاني إنما أراد النذر على أتباعه، وهذا من باب البرّ والصِّلَة المستحبّة في الشرع. كما أن الإنسان يبرّ قرابة النبي ﵌ ويعتقد أن ذلك من برِّه للنبي ﵌ قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣]. فهذا الرجل في نذره على ذلك الميت وإعطاء المنذور به لأتباعه إنما يعني النذر على أتباعه بنيّة البرِّ له.\nوكذلك الذبح، فلا نعلمَ أحدًا يذبح باسم أحدٍ من الصالحين، وإنما يذبح على اسم الله تعالى قائلًا: بسم الله، والله أكبر. وإنما قد ينذرون بالشاة ونحوها على الولي قاصدين النذر بثواب الصدقة بها أو غير ذلك مما مرَّ. وإذ قد ثبت أنه لا بأس بهذه الأشياء، فلا بأس باعتقادنا أنهم يستحقّونها.\nوأما أننا نعتقد أن لهم ما يشاؤون في الدنيا والآخرة فلسنا نطلق ذلك، وإنما نعتقد أن دعاءهم أقرب إلى الإجابة، وهذا لا ينازع فيه أحد.\n[ص ٨٧] قال المانعون: إننا ــ كما يعلم الله تعالى ــ نحبّ أن تكون جميع أفراد الأمة على هدى وسراط مستقيم، ولا غرض لنا في أن يكون أحدٌ منهم ضالًّا، وإنما غرضنا في تحقيق الحقّ.","vol":"4","page":441},{"text":"أما قولكم: إنّ نداءكم للصالحين والاستغاثة بهم ليس كدعاء الله تعالى ... إلخ، فنداء الصالح على ضربين:\nالأول: أن يكون حاضرًا، وهذا معلوم بالضرورة أن مجرّد ندائه لا حرجَ فيه على كل حال.\nوالثاني: أن يكون غائبًا أو ميّتًا.\nوالاستغاثةُ على ضربين:\nالأول: الاستغاثة بحيّ حاضرٍ بِطَلبِ ما يقدر عليه المخلوقون عادةً، كقولك للطبيب: أغثني بالدواء، ولصاحب الماء: أغثني بالسقي، وللقويّ: أغثني من هذا العدو، وللصالح: أغثني بالدعاء، فهذا من المعلوم بالضرورة أنه لا حرج فيه.\nوالثاني: الاستغاثة بالحيّ الحاضر بما لا يقدر عليه المخلوقون عادةً، كقولك له: أطلبُ منكَ المطر. وبالميت أو الغائب بأي شيءٍ كان. فنداء الميت أو الغائب والاستغاثة بهما مطلقًا أو بالحيّ الحاضر فيما لا يقدر عليه المخلوقون عادة= عبادةٌ.\nوهذه حالة الكفّار مع أصنامهم، ومع عيسى والملائكة، ولا يفيدكم اعتقاد تبليغ الغائب والميت، كما لا يفيد الكفار اعتقاد حياة تلك الأحجار؛ لأن كلًّا منهما وإن كان ممكنًا في القدرة إلا أنه مِن خَرْق العادة، وما كان من خَرْق العادة لم يَسُغ الاستناد إليه إلا أن يخرقها بالفعل بأن يصير مُشاهَدًا أو نحوه، كأن يُحيي الله ميتًا بالفعل. وعليه بنى بعضُ العلماء خطاب النبي ﵌ لأصحاب قليب بدر، قالوا: إن الله تعالى ردّ عليهم أرواحهم وأعْلَمَ نبيَّه بذلك فخاطبهم.","vol":"4","page":442},{"text":"وأما التمسُّح بالأضرحة، فقد مرّ في بحث التبرّك ما يُغني عن الإعادة (^١)، وقد علمتم أن سلفَ الأمة وعلماءها مجمعون على المنع من ذلك، وأنه من أفعال المشركين. ومرّ هناك أيضًا التبرك بآثار الصالحين والخلاف فيه.\nوأما النذر فهو على وجهين: النذر لله تعالى، والنذر للمخلوق.\nفالنذر لله تعالى هو: أن يلزم الإنسان نفسه لله تعالى حقًّا في عملٍ من الأعمال كالصلاة والصيام ونحوها، وقد يتعلّق بالمخلوق تَبَعًا، كأن ينذر لله تعالى أن يتصدق على زيد، ويُعرف هذا بالنذر على المخلوق.\nوالثاني: النذر للمخلوق، بمعنى التقرّب إليه بالنذر.\n[ص ٨٨] فالنذر لله تعالى بالصدقة على زيد صحيح، فالنذر لله عبادة، وعلى زيد صدقة. وأنتم تنذرون للصالحين كما ينذر لله تعالى، فيقول أحدهم: هذه الناقة لفلان بِنِيّة سلامة الإبل، وهذا الثور لفلان بِنِيَّة سلامتي أو سلامة ولدي. ويقول: يا بدوي هذا الكبش لك على شفاء ولدي، ونحو ذلك. ثم إذا سُئل أحدكُم عن تلك الناقة أو الثور أو الكبش قال: هذه حق الولي الفلاني، ويسمونها: ناقة فلان، وثور فلان وكبش فلان، ويعتبرونها ملكًا له، حتى إذا رأى أحدهم في منامه شخصًا يتسمّى له باسم ذلك الولي ويقول: أعط الناقة حقي لفلان، أعطاها إياه، كائنًا مَن كان!\nومَن مارس أحوال هؤلاء العوام عَرف أنهم لا يريدون بشيءٍ من ذلك أنه لله تعالى، وإنما ينوون به التقرّب إلى الولي الذي هو في زعمهم على كل\n_________\n(^١) (ص ٢٢٢ وما بعدها).","vol":"4","page":443},{"text":"شيء قدير، فإن (^١) لاحظوا قَصْدَ وجه الله تعالى فإنما هو تَبَعًا، أي: أنهم يتقرّبون إلى ذلك الوليِّ، والوليُّ يقربهم إلى الله تعالى زُلْفَى، وله من الله ما يشاء وهو شفيع لا يُردّ.\nوأما الذبح، فإنهم ينوون به التقرّب إلى الولي، حتى إن منهم مَن يحضرون للاستسقاء بقبرٍ معروف عندهم بأنه قبر ولي، فيقدِّمون الثورَ ليُذْبح عند القبر، ويعتقدون أنه لو ذُبح بعيدًا عن قبره لم يُجْزِ، كما يعتقدون أنهم إذا لم يُمْطَروا أن في ذلك الثور نقصًا، فينظرون ثورًا أجود منه، ويذهبون به، فيذبحونه عند القبر. بل ربما اعتاد عوام بعض الجهات أن يطوفوا بالثور قبل ذبحه على القبر، ثم يذبحونه بعد ذلك، وربما لطخوا القبر بشيء من دمه، فأين إرادة الصدقة لوجه الله تعالى؟ !\nقال المجيزون: إننا لا ننكر أن يكون بعض العامة غلاةً في الاعتقاد إلى نحو ما ذكرتم، ولكنهم في دعاءِ الغائب والميت مع اعتقاد أنه يسمع، والطلبِ منه مع اعتقاد أن الله تعالى أعطاه التصرّف في الكون، والنذرِ له على ما وصفتم، والذبحِ عند قبره كذلك= جُهّال، وهؤلاء معذورون بجهلهم.\nوكان ينبغي لكم أن تعملوا معهم بما أمر الله تعالى به رسوله ﵌ بقوله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، [ص ٨٩] ولاسيَّما وإطلاقكم التكفير بهذه الأفكار يستلزم ردّ أحاديث كثيرة، كحديث: «إن الله تعالى يغفر في ليلة النصف من شهر شعبان لأكثر من عدد شعر غنم كلب» (^٢). وأنتم إذا\n_________\n(^١) كأنها مضروب عليها، ولا يستقيم الكلام بدونها.\n(^٢) أخرجه الترمذي (٧٣٩)، وابن ماجه (١٣٨٩)، وأحمد (٢٦٠١٨) وغيرهم من حديث عائشة ﵂. وقد ضعَّفه الترمذي والبخاري، وذكره ابن الجوزي في «العلل المتناهية» (٩١٥).","vol":"4","page":444},{"text":"عددتم مَن على وجه الأرض من المسلمين وجدتم جمهورهم متمسّكين بهذه الأشياء، فإن قلتم بكفرهم لم يبق إلّا عددٌ قليل!\nقال المانعون: أما حديث: «عدد شعر غنم كلب» فهو ضعيف. قال الترمذي: سمعتُ محمدًا ــ يعني البخاري ــ يُضعِّف هذا الحديث. وإن صحّ حديثٌ بنحو ذلك فهو محمول على ما إذا وجد هذا العدد (^١) ممن تمكن له المغفرة؛ لأننا نعلم أن نبيّ الله ﵌ مكث زمانًا لا يبلغ أصحابه المائة، وأخبر أن أمته ستتبع سَنن من قبلها إلا طائفة منها، وأخبر أنه آخر الزمان لا يبقى على الأرض من يقول: اللهَ اللهَ. فمن هم الذين غفر الله تعالى لهم في بدء أيام رسوله قبل كثرة أصحابه، بل وبعد كثرتهم؟ ومَن هم الذين يغفر الله تعالى لهم آخر الزمان؟ فجوابكم هو جوابنا.\nوأما قولكم: إن المعتقدين جُهّال، فهم جُهّال ولا شكّ، ولكن ليس الجهل عُذرًا في أمور الاعتقاد، بل ولا غيرها حيث أمكن التعلّم.\nوهؤلاء الناس جميعهم قد بلغتهم دعوة محمد ﵌، ولزم كلًّا منهم أن يعرف حقيقة الدين الذي جاء به، ويعرف معنى هذه الكلمة التي هي كلمة الشهادة حقَّ معرفتها، وإلا جاء يوم القيامة مع القائلين: ﴿رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ الآيات [الأحزاب: ٦٧ - ٦٨]. على أننا نلزم أنفسَنا تحسين الظنّ ما أمكن قائلين: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ\n_________\n(^١) رسمها في الأصل: «الحدد».","vol":"4","page":445},{"text":"رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠].\n[٩٠] تنبيه:\nقد يتمسك بعض الناس في إبطال التكفير بأحاديث النُّطق بالشهادتين، كحديث الشيخين (^١) عن ابن عمر ﵁: «أُمِرتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأنّ محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم، وأموالَهم، إلّا بحقّ الإسلام».\nزاد في رواية البخاري: «وحسابهم على الله».\nوحديث البخاري (^٢) عن أنس أنه قال: قال رسول الله ﵌: «مَن صلّى صلاتنا، واستقبل قبلَتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم الذي له ذمة الله، وذمة رسوله، فلا تَخْفِروا الله في ذمته».\nوالجواب عن هذا على وجهين: إجمالي وتفصيلي.\nأما الإجمالي فيقال لهم: قد نصّ علماؤكم جميعًا على كفر من أهان المصحف، أو أنكر بعض آيات القرآن غير البسملة، ونحو ذلك، فكيف ترون في رجل يفعل شيئًا من ذلك وهو يكرر الشهادتين؟\nوأما التفصيلي: فتتضمنه قصة جرت لي وأنا يومئذٍ بمجلس المرحوم الإمام الإدريسي، وذلك أني حضرت لديه مرةً وهناك رجل من أهل نجد وجماعة من علماء الشناقطة، فقام المرحوم وتركَنا، فسأل بعضُ الشناقطة ذلك الرجل النجديّ قائلًا: كيف تكفِّرون قومًا يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن\n_________\n(^١) البخاري (٢٥)، ومسلم (٢٢).\n(^٢) (٣٩١).","vol":"4","page":446},{"text":"محمدًا رسول الله، وتستحلّون دماءَهم وأموالَهم؟ وقد قال ﵌ كيتَ وكيتَ؟ فأجابه ذلك الرجل قائلًا: إن شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله لا تكفي في الإسلام، ثم طال النزاعُ حول هذا الحديث، وتداخل بقية الشناقطة في الكلام وأنا ساكت، فرجع المرحوم فسكتوا، فقال: ما هذا النزاع؟ فأخذ كلّ منهم يخبره بقوله. فابتدرتُ وقلتُ: إني لم أتداخل في نزاعهم، فالحقّ لي أن أخبركم بالحقيقة. فقال: هات، فقلت: إنه في الحقيقة لا خلافَ ولا اختلاف، فالفريقان متفقان، وإنما هو كما يقول المولَّدون: سوء تفاهم. وذلك أن هؤلاء المشايخ أعني الشناقطة [٩١] قالوا للأخ: كيتَ وكيتَ، فأجاب عليهم بكيت وكيت.\nوالواقع أن الأخ لا ينكر أنّ مَن نطق بالشهادتين عارفًا بمعناهما يصير مسلمًا، والمشايخ لا ينكرون أن مَن اعتقد ما يخالف شيئًا من مقتضى الشهادتين صريحًا يعدُّ مرتدًّا حلالَ الدم والمال، وإن استمر على النطق بالشهادتين زاعمًا أن ذلك لا يخالف مقتضاهما، ولكنّ المشايخ تمسّكوا بالنطق بالشهادتين وفهموا أن الأخ يقول: لا يُكتفى بالنطق بها ولو مع فهم معناهما والمحافظة على مقتضاهما. والأخ تمسك بأنه لا يكفي مجرّد النطق بالشهادتين أي: بدون فهم معناهما والمحافظة على مقتضاهما، وفَهِم أن المشايخ يقولون: إنه يكفي مجرّد النطق، أي: ولو بدون ذلك. انتهى.\nوأقول الآن بيانًا لذلك: إن المقصود الأهم إنما هو اعتقاد معنى هذه الكلمة على ما يفيده الوضع العربي، والاعتقاد غيب لا يعلمه إلا الله تعالى، فاكتفى الشارع بأقوى الأدلة عليه، وهو النطق على الوجه القاطع، ولذلك لو لقِّن مشرك أعجمي ذمي الشهادتين، ولم يعلم معناهما، فنطق بهما لم يَصِر بذلك مسلمًا، كما إذا لقِّن صيغة الطلاق ولم يعلم معناها، فنطق بها لم يقع.","vol":"4","page":447},{"text":"إذا تقرر ذلك فمعنى الحديث أنه أُمِرَ أن يقاتلهم حتى يشهدوا ... إلخ فإذا فعلوا عصموا ... إلخ.\nبقي ما إذا نقضوا شهادتهم إما بجحد الشهادتين معًا أو الاتيان بما يخالف شيئًا من مقتضاهما، وذلك كأن يعتقد إنسانٌ أن الله ﷻ قد يكذب ــ تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا ــ مثلًا، وكذا تجويزه أن الأنبياء أو أحدًا منهم يكذبون. ومن هذا ما نص عليه الفقهاء من إنكار آية من كتاب الله تعالى أو زيادة آية فيه غير البسملة فيهما. وهذا كثير مفصل في باب الردة من كتب الفروع، وإنما قد يقع الاختلاف في بعض الجزئيات هل هو مخالف لشيءٍ من مقتضى الشهادتين، فمن ذلك قول الإمام أحمد: إن ترك الصلاة ــ[ص ٩٢] والعياذ بالله ــ كفر ولو مع عدم جحد وجوبها. وقال غيره ــ كالإمام الشافعي ــ: ليس الكفر إلا جحد الوجوب، فالإمام أحمد ﵀ رأى أن مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله وجوب امثال أمره، وأنه من البعيد أن يشهد الإنسان أن لا إله إلا الله شهادةَ حقٍّ ثم يخالف أمره، فكان يقتضي ذلك أن مَن خالف أمر الله تعالى فقد برهن على أن شهادته مدخولة، وبعبارةٍ أصرح فقد خالف مقتضى الشهادة.\nولكن عَلِمَ الله ﷾ ضَعْف ابن آدم وأنه معرّض لعدة عوامل (^١)، كالشهوة والخوف والغضب وغيرها، فعفَا عما عفا عنه، فوجب أن نتبع الأدلة لنعلم ما عفا الله عنه وما لم يعفُ عنه، فلما تتبَّعْنا الأدلة وجدنا العفو عن اللمم قبل كلِّ شيء، ثم نظرنا في بقية الأشياء، فوجدنا من حيث\n_________\n(^١) بعده كلمة لم تتبين.","vol":"4","page":448},{"text":"العقل أن الإنسان قد يذنب مع سلامة عقيدته، قال تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ (^١) [التوبة: ١٠٢] إلى غير ذلك.\nوالنقص الذي يعتري العقيدة غير منضبط، فوجب الرجوع إلى النقل، فما وجدناه حكم فيه بالكفر عَلِمْنا أن نقص العقيدة بفعله يبلغ حدًّا يعدّ نقضًا للشهادة، فوجدنا حديث بريدة قال: قال رسول الله ﵌: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر» رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه، كما في «المشكاة» (^٢).\nووجدنا أيضًا حديث الترمذي (^٣) عن عبد الله بن شقيق ــ من ثقات التابعين ــ قال: كان أصحاب رسول الله ﵌ لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة.\nوفوق ذلك فالعقل يؤيد هذا، وذلك أن هذه الصلوات الخمس هي أهم أمور الدين، فتَرْك بعضِها أول دليلٍ على التهاون، ومع ذلك فالأمر في فِعْلها\n_________\n(^١) في الأصل: (وآخرون خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا عسى الله أن يعفو عنهم) سبق قلم.\n(^٢) (١/ ١٢٦). والحديث أخرجه الترمذي (٢٦٢١)، والنسائي (٤٦٣)، وابن ماجه (١٠٧٩)، وأحمد (٢٢٩٣٧)، وابن حبان (١٤٥٤)، والحاكم: (١/ ٦) وغيرهم. قال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب، وصححه ابن حبان والحاكم، وصححه النووي في «الخلاصة»: (١/ ٢٤٥)، وابن القيم في «الصلاة» (ص ٦٨) على شرط مسلم.\n(^٣) (٢٦٢٢). وأخرجه الحاكم: (١/ ٧)، والمروزي في «تعظيم قدر الصلاة» (٩٤٨).","vol":"4","page":449},{"text":"يسير، والمشقة فيه خفيفة جدًّا، ولاسيّما مع التسهيل بالسفر والخوف والمرض والعذر بالنوم والنسيان [٩٣] لا جَرَم كان ترك بعضها من أحرى الأشياء أن يُعدّ نقضًا للشهادة.\nوقد توسّع الخوارج في هذا الباب فتمسّكوا بظاهر ما مرّ مع عدة أحاديث تنص على بعض الأعمال أنها كفر، كالزنا والسرقة وشرب الخمر والانتهاب والغلول وقتال المسلم وغيره، وخالفهم غيرهم. وليس هذا موضع البحث وإنما الذي يهمّنا أن دعاء الغائب والميت والاستغاثة به وبالحاضر فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى واعتقادَ مقتضى ذلك هي أظهر في نقض الشهادة من ترك إحدى الصلوات؛ لأن فيها عبادة غير الله تعالى واعتقاد استحقاقه لذلك، وهذا هو معنى اتخاذه إلاها، فيكون ذلك مناقضًا لشهادة أن لا إله إلا الله.\nوعلى كل حال فلا يحسن بالمنصف أن يلوم مَن قال بتكفير الداعي والمستغيث والمعتقد على الوجه المذكور، وإن لزم على قولهم تكفير أكثر الأمة، كما أنه لا يجترئ مسلم على القدح في الإمام أحمد بن حنبل في قوله: إن مَن تَرَك صلاةً من الفرائض فقد ارتدّ، وإن كان يعترف بوجوبها مع أنه يلزم على هذا القول أن أكثر الأمة مرتدون؛ لأنه ما من مدينة من المدن التي يسكنها المسلمون إلا وتاركوا الصلاة منهم أكثر من المصلين، وإذا عطفت النظر إلى المصلين وجدت كثيرًا منهم لا يصححون صلاتهم مع إمكان التعلم، فهم مع ذلك غير معذورين، فيلتحقون بالتاركين بدليل قوله ﵌ للمسيء صلاته: «صلّ فإنك لم تصلِّ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٥٧)، ومسلم (٣٩٧) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"4","page":450},{"text":"وقد اختلف الأئمة في أشياء كثيرة عدَّها بعضهم رِدّة كالسِّحر وغيره، ولم يطعن فيه مَن خالفَه حيث كان مجتهدًا مستندًا إلى الدليل، وقد رمى عمرُ ﵁ حاطب بن أبي بلتعة بالنفاق، ولم ينكر عليه النبي ﵌ ذلك، بل نبَّهه على خطأه فقط، ومثل هذا كثير في الصحابة.\nوقد قال لي قائل: إن هؤلاء الوهابية كفّار، فقلتُ له: لماذا؟ فقال: لأن النبي ﵌ قال: «من كفّر مسلمًا فقد كفر» (^١).\n[ص ٩٤] فقلت له: فإن الوهابية لا يكفِّرون أحدًا من المسلمين.\nقال: كيف وهم يكفّرون مَن قال: يا ستّنا خديجة، ويا ... ويا ...؟\nفقلت له: إن هذا عندهم كافر لا مسلم، فلم يصدق عليهم الحديث، لأن الحديث يقول: «من كفر مسلمًا» وهم يقولون: إنما كفّرنا كافرًا.\nفقال: لكن العبرة بالقول الصحيح لا بما في زعمهم.\nفقلت: فإنهم يعتقدون أن القولَ الصحيح هو الذي قالوه. وما ترى لو أن رجلًا مرَّ بك فظننته يهوديًا فناديته: يا يهودي، أليس قد كفّرته؟ قال: بلى.\nقلت: فإذا بان مسلمًا، هل يحق لنا أن نقول: إنك كافر؟ قال: لا، لأني إنما قلت له ذلك بناءً على ما وقع في ظني.\nفقلت له: فإن الوهّابية على فرض خطئهم في التكفير يقولون مثلك، وعذرهم أبلغ من عذرك، وأدلتهم أقوى من مجرد ظنّك.\nقال: فما هو معنى الحديث إذًا؟\n_________\n(^١) سيأتي بلفظه في الصفحة الآتية.","vol":"4","page":451},{"text":"قلت: هو ــ والله أعلم ــ أن تقول لأخيك المسلم: «يا كافر» على جهة السبّ من غير أن يكون هناك دليل يدلّ على كفره، كما يفسِّره حديث «الصحيحين» (^١) عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﵌: «أيما رجلٍ قال لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما». وحديث البخاري (^٢) عن أبي ذرٍّ قال: قال رسول الله ﵌: «لا يرمي رجلٌ رجلًا بالفسوق ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك».\nقال: فما وجه كفر القائل؟\nقلت: هو ــ والله أعلم ــ إلزامٌ له بلازم قوله حيث أطلق أن صاحبه كافر، فكان ظاهر ذلك أن الدين الذي عليه صاحبه كُفْر، وحيث كان الدينُ الذي عليه صاحبُه هو الإسلام، فكأنه قال: إن الإسلام كُفْرٌ، أي: أنّ الإسلام دينٌ باطل. وأسْتَغْفِر الله تعالى من حكاية هذا. وهذا بخلاف مَن قال لتارك الصلاة: يا كافر، مستندًا إلى أدلة الإمام أحمد؛ وذلك أنه لم يُطْلِق عليه: «يا كافر» إلا بالنظر إلى بعض أعماله، وهو ترك الصلاة، فلم يلزم على قوله أن جميع أعمال ذلك الشخص (^٣) كالنُّطق بالشهادتين كفر.\n\n[ص ٩٥] ثم<span data-type=\"title\" id=toc-251> الحكم على بعض الأعمال أنه كفر لا يسوغ إلا بعد اجتهادٍ ونَظَر </span>في الأدلة حتى يغلب على الظنّ كونه كفرًا. فمن قال في شيءٍ من الأعمال إنه كفر بدون تثبّت ولا نظر في الأدلة، فهو غير معذور لتقصيره، وحينئذٍ فهو حريّ بالدخول في الوعيد المذكور.\n_________\n(^١) البخاري (٦١٠٣)، ومسلم (٦٠).\n(^٢) (٦٠٤٥).\n(^٣) كلمتان شبه مطموستين، ولعلهما ما أثبت.","vol":"4","page":452},{"text":"وعلى كل حال، فإن هذه الأشياء التي يقول الوهّابيّون إنها كفر ليس منها شيءٌ إلا وقد قام الدليل على المنع منه، فلو سُلّم أن الأدلة لا تدلّ أن ذلك كفر فلا أقلَّ من أن تفيد أن ذلك فسوق وضلالة؛ لأن جميع ذلك من المحدثات، وقد ورد: «كل محدثة بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة» (^١) إلى غير ذلك من الأحاديث التي قد مرّ بعضها، بل قد دلّ على ذلك القرآن كما مرّ بيان بعض ذلك.\nوحينئذٍ فما لكم وللتعصّب؟ تعالوا بنا نصطلح، ونَصِل ما أمر الله به أن يوصل، ونقطع ما أمر الله به أن يُقطع، ونحرص كل الحرص على جمع كلمة هذه الأمة، والتأليف بين أوصالها المقطعة، وأشلائها الممزّعة، وفقنا الله تعالى لرضاه آمين.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤٦٠٧) والترمذي (٢٦٧٦)، وأحمد (١٧١٤٤) وابن حبان (٥) من حديث العرباض بن سارية ﵁. وأخرجه النسائي (١٥٧٨)، وأحمد (١٤٩٨٤) وابن خزيمة (١٧٨٥) من حديث جابر بن عبد الله ﵁، وهو عند مسلم (٨٦٧) بلفظ: «شر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة».","vol":"4","page":453},{"text":"[٩٦]<span data-type=\"title\" id=toc-252> الميزان</span>\nلو أنَّ علماء الفِرَق الإسلامية استيقظوا من سُباتهم، واجتمعوا على تأليف ميزان في مسائل الاعتقاد؛ ما كان متفَقًا عليه فأمْرُه واضح، وما كان مختَلَفًا فيه ردُّوه إلى الله ورسوله، فصدَّقوا بما جاء عن الله ورسوله بدون بحثٍ عن كيفية و..... وغيرها، عاملين بما أمر الله ﷿ به في قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧].\nوالتزموا الوقف عن الخوض فيه، وألزموا عامة المسلمين ذلك، ورموا بالأغلوطات العقلية وراء ظهورهم، وأرشدوا الأمة إلى ما كان عليه سلفها الصالح، من تعلُّم العربية وتدبُّر كتاب الله ﷿، وسنة رسوله، وترك الخوض في المضايق العقلية التي لا ثمرةَ لها إلا النزاع والجَدَل، والخلاف والفشل، والعداوة والبغضاء، وتجزئة الدين إلى أديان لا تُحْصَى.\nوهذه هي الطريقة الوحيدة في ضم شمل الإسلام وأهله، والتأليف بين قلوبهم.\nوكذلك يعملون فيما كان من العادات الحادثة بعد القرون الأولى، يرشد العلماء إلى تركها والاستغناء بما شرعه الله تعالى، والإقبال عليه، وهو الكثير الطيّب. ومتى وفّينا حقّ الفرائض المشروعات بصريح الشرع فضلًا عن المستحبّات، حتى نذهب إلى أشياء لم تثبت نحاول بها التقرّب إلى الله تعالى؟\nوجِماع القول: أن الله ﷿ إنما يُعْبَد بما شرع، وهذه الأشياء المحدثة قد قامت الأدلة القطعية على بطلانها. وهب أنَّ بعض الأذهان","vol":"4","page":454},{"text":"قاصرة عن فهم ذلك الشيء الواضح، أو أن بعض هذه الأشياء مما لم يتبيّن فيه الحق، ولم يترجّح جانب الحَظْر، فلا أقلّ مِن أن تكون عندهم مما لا حَرَج في تركه.\nوإذًا فالاحتياط يقضي بتركها، عملًا بالأحاديث الكثيرة، كقوله ﵌: «الحلال بيِّن والحرام بيِّن وبينهما مشتبهات لا يعلمهنّ كثير من [الناس]» (^١) فالسلامة منحصرة في اجتناب تلك الأشياء، فمن تركها سالم لا محالة، إذ ليس فيها شيءٌ يقول المجيزون إنه فرض واجب، بل غاية الأمر أنهم يزعمون أنها مستحبة أو مباحة. وإذا تأمّلوا ما بُيِّن من الأدلة تبيّن لهم ما فيها من الخطر، فإن لم يتبين لهم فعليهم تركها؛ لأنها إن كانت كما يقول المانعون فيها الكفر وفيها الحرام والمكروه، فقد اجتنبوها، وإن كانت مباحة أو مستحبّة فلهم في تركها أجرُ اجتناب الشُّبْهة، وليس منها شيء إلا وفي الشرع ما يُغني عنه.\nوالمسلم مَن حَرَص على السلامة بأيّ تقديرٍ كان، ولا أسلم ولا أعلم ولا أفضل ولا أتمّ مما كان عليه النبي ﵌ وأصحابه وتابعوهم، والله يهدي من يشاء إلى سراط مستقيم.\n_________\n(^١) سبق تخريجه (ص ١٥٢).","vol":"4","page":455},{"text":"ملحق ــ ١ ــ\n[ص ٤٩] ... اتباع القطعي مطلقًا والظنّي في العمليات، واجتناب المرجوح مطلقًا، فلم يبقَ إلّا ... لا يفهم دلالة، بأن كان مستغلق المعنى أصلًا، وإلّا الظنّي في العقائد ... مطلقًا. وهذه الثلاثة يصدُق عليها التشابه، أما مستغلق المعنى ... أيضًا في الاستغلاق، وأما الظني في العقائد فلأن بعض آياته تشبه بعضًا ....\nكل آية من آياته متشابهة المعاني في احتمال الإرادة ..... يكفي فيها إلا الجزم، ... لا يفيد إلّا الظنّ ... يكفي الإيمان به وأن يُوكَلَ تأويلُه إلى الله تعالى.\nوإنما جاز العمل بالظن في العمليات لسهولة الأمر فيها وللاحتياج إليه فيها، وليس الحال كذلك في الاعتقاديات.\n[ثم] إن كلًّا من هذه الثلاثة على قسمين:\nالأول: ما يقع اختلاف حال الأشخاص فيه، بأن يكون بالنظر إلى شخصٍ متشابهًا وبالنظر إلى شخصٍ آخر محكمًا.\nالثاني: هو متشابهٌ مطلقًا.\nوالثاني هو المراد في الآية، لأنَّ فيها ذمَّ ابتغاءِ تأويله ومدْحَ قول: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ الدالّ على التسليم والإيمان بدون تأويل، وجَعْلَ الأول نصيبَ الزائغين، والثاني نصيبَ الراسخين. وإذا كان غاية الراسخين الإيمان بها بدون تأويل فلا شك فيما ذكرناه.","vol":"4","page":457},{"text":"ويؤيد ذلك حديث «الصحيحين» (^١) عن عائشة ﵂ قالت: تلا رسول الله - ﵌ -: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ ...﴾ إلى ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧]، فقال: «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سماهم الله، فاحذروهم».\nالحديث صريح أن المتشابهات آيات مخصوصة من القرآن كان الصحابة ﵃ يعرفونها بأعيانها، وأن ... واتباعها زيغٌ يجب الحذرُ منه ومن أهله وبيانه، إذ قوله: «وإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه»، يدل على أن المتشابه آيات مخصوصة هي متشابهة مطلقًا، إذ لو كانت قد تكون متشابهةً بالنظر إلى شخصٍ غيرَ متشابهةٍ بالنظر إلى آخر، لما أمكنهم أن يُميِّزوا بين من يتبعها مع كونها متشابهةً في حقّه ومن يتبعها مع كونها غير متشابهةٍ في حقِّه، إذ كلُّ أحدٍ يدَّعي أنها ليست من المتشابه في حقِّه.\nويدلُّ أيضًا على أن الصحابة كانوا يعرفونها، لأنه لا يمكنهم الحذرُ ممن يتبعها إلّا إذا كانوا يعرفونها.\nوقوله: «فأولئك الذين سماهم الله - أي الذين في قلوبهم زيغ ــ فاحذروهم».\n_________\n(^١) البخاري (٤٥٤٧)، ومسلم (٢٦٦٥).","vol":"4","page":458},{"text":"ملحق ــ ٢ ــ\n[ص ٥٠] [يدلُّ] عليه، فينبغي تمييز القسم الأول من القسم الثاني.\nقد حصرنا التشابه في مستغلق المعنى، وفي الظنّي في العقائد وفي المشكوك ... فيه الاحتمالات. فأما مستغلق المعنى فهو قسمان: الأول فواتح السُّور، والثاني .... فرض وجوده، والأخير إما أن يكون في الاعتقاديات أو لا ... إما أن يكون في الاعتقاديات أو لا ...: (١) فواتح السور، (٢) مستغلق المعنى في الاعتقاديات، (٣) مستغلق المعنى في غيرها، (٤) [مشكوك في الاعتقاديات]، (٥) مشكوك في غيرها، (٦) ظنّي في الاعتقاديات.\n[والقسم] الثالث والخامس الظاهر أنهما وإن كانا يصدُقُ عليهما التشابه، فليسا من المتشابه [المراد] في الآية، لأنهما إن كانا في العبادات أو المعاملات [فلا] يتم كونهما من المتشابه الذي لا مطمَع في علمه، إذ جميع أحكام العبادات والمعاملات كلها مبيَّنة [في] الشرع، فإن خفيتْ على واحدٍ وُفِّق لها الآخر. وإن كانا في القصص ونحوها فاتباعهما لا يظهر [دخولُه] في الزيغ المذموم المحذور منه.\nوأما القسم الثاني والرابع والسادس ــ وهي المستغلق والمشكوك والظني في الاعتقاديات ــ فتنقسم إلى قسمين:\nالأول: ما اختلف حالُ الناس فيه، بأن يكون مستغلقًا أو مشكوكًا أو ظنيًّا في حق شخصٍ، وقطعيًّا عند شخصٍ آخر لوقوفه على [دلائل] تبلِّغه درجةَ القطع.","vol":"4","page":459},{"text":"الثاني: ما اتفق حالُ الناس فيه، بأن يكون مستغلقًا أو مشكوكًا أو ظنيًّا عند جميع الناس.\nفالأول وإن كان يصدُق عليه التشابه فليس من المتشابه المراد في الآية لحديث «الصحيحين» كما مرَّ بيانه (^١). فلم يبقَ معنا إلَّا القسم الثاني، وهو ما يكون في الاعتقاد مستغلقًا أو مشكوكًا أو ظنيًّا، ولا يمكن علمه لأحدٍ من الخلق، وإلَّا فواتح السُّوَر.\nفأما فواتح السور فإنها وإن كان يصدُق عليها التشابه فقد رأينا بعض الصحابة ومَن بعدهم خاضوا في تأويلها، ولم يُنكَر عليهم. ومع ذلك فلا يظهر وجهٌ قويمٌ لأن يُعدَّ الخائض فيها [ص ٥١] [من الذين في قـ] لوبهم زيْغٌ المحذَّر منهم في الحديث. فلم يبقَ معنا إلَّا ما يكون في الاعتقاد [مستغلقًا أو مشكـ] وكًا أو ظنيًّا، ولا يمكن علمه لأحدٍ من الخلق [فهو] المراد في الآية.\nوأما تعيينُه فإن حديث الصحيحين [يدلُّ على أن] الصحابة كانوا يعرفون الآيات المتشابهات بأعيانها، وأن النبي - ﵌ - أخبرهم أنه ... وحذَّرهم منهم. ومن البيِّن أن الصحابة ﵃ لم يكونوا ليتبعوها .... مع كونهم كانوا خير القرون، فإن وُجِد من يتبعها فإنما هو بعدهم. [و] بتتبُّعِ أقوال الصحابة ﵃ في الاعتقاديات عرفنا أنهم لم يكونوا يتبعون [آيات] الصفات وكذا أحاديثها بتفسيرٍ ولا تأويل، وإنما كانوا يكتفون بالإيمان بها والتسليم لها.\nوقد نشأ بعدهم مَن ابتّعها واعتقد الملازمةَ بين ثبوتِ مطلق اليد والوجه\n_________\n(^١) (ص ٤٥٨).","vol":"4","page":460},{"text":"ونحوهما وثبوتِ الماهية والكيفية والكمية وغيرها من الحوادث، وهم فرقتان:\nفرقة تتبعها بأن تعتقدَ ظاهرَ آياتِ الصفات وأحاديثها، وتعتقد التلازم، فتستدل بها على صريح التشبيه ولوازمه، حتى قال بعضهم (^١): [أعفو] ني من الفرج واللحية، وسلوني عما شئتم.\nوفرقة اعتقدوا التلازم وعلموا أن ثبوت الماهية وغيرها من الحوادث يقضي بتنزُّهِ الله تعالى عنه، فصرفوها كلَّها عن ظاهرها وأوَّلوها.\nوكلا الفرقتين ــ والله أعلم ــ هم الذين قال تعالى فيهم: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ وهؤلاء هم الفرقة الأولى ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ وهم الفرقة الثانية.\nهكذا ظهر لي أولًا، ثم رأيتُ الأَولى عدمَ التوزيع، بل الحق أن يُحمَل كلا الحكمين على كلا الفرقتين، فإن كلًّا منهما ابتغى الفتنة بخوضه فيما نُهِيَ عن الخوض فيه، وابتغى تأويل المتشابه، أي: بيان ما يؤول إليه معناه.\nوأما الصحابة ﵃ ومَن اتبعهم فهم الذين قال تعالى فيهم: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧) رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ ذلك هو المتشابه المراد في الآية.\n_________\n(^١) هو داود الجواربي من مشبّهة الروافض، كما سبق (ص ١٦٠).","vol":"4","page":461},{"text":"ملحق ــ ٣ ــ\n[ص ٥٢] توقيفية، لا يجوز فعلُ شيء منها إلا ما ثبت به الدليل. وهي ثلاثة أنواع: فرائض معلومة من الدين بالضرورة، [ونفلٌ مقيَّد يكون] له اسمٌ خاص، فإحداث نفلٍ كذلك ــ كصلاة الرغائب ــ بدعة ضلالة، ونفلٌ مطلقٌ، وهو .....\nـفية، وهو أيضًا ثلاثة أنواع: فرض معلوم من الدين بالضرورة، ونفلٌ مقيد، وهو [ما كان في زمن] خاص، كست شوال وتسع ذي الحجة، .... والبيض، وصوم يومٍ وفطر يوم، فإحداثُ صومٍ كذلك بدعة ضلالة، [كالتزام الإ] نسان صيامَ أحد عشرَ يومًا من أول صفر كل سنة، ونفلٌ مطلق [وهو ما لم] يجئ به زمن خاصّ.\n[فالمطلو] ب في اتباعه في التطوع بالصلاة والصيام وقراءة القرآن هو ما ورد به دليلٌ خاص من السنة، وأن لا يُزاد على ذلك. [وفي الـ] صحيحين» (^١) عن أنس قال: جاء ثلاثة رهطٍ إلى أزواج النبي - ﵌ - يسألون عن عبادة النبي - ﵌ -، [فلما] أُخبِروا بها كأنهم تَقالُّوها، فقالوا: أين نحن من النبي - ﵌ - وقد غفر الله ما تقدم من ذنبه وما تأخَّر؟ فقال [أحدهم]: أما أنا فأصلِّي الليلَ أبدًا، [وقال آخر: أنا أصوم الدهرَ ولا أُفطِر، وقال آخر: أنا أعتزلُ النساءَ فلا أتزوَّج أبدًا]. فجاء النبي - ﵌ - إليهم، فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصومُ وأُفطر، وأصلِّي وأرقدُ، وأتزوج النساء، فمن رغبَ عن سنتي فليس منِّي».\n_________\n(^١) البخاري (٥٠٦٣) ومسلم (١٤٠١).","vol":"4","page":462},{"text":"وفي «الصحيحين» (^١) أيضًا عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال لي رسول الله - ﵌ -: «يا عبد الله! ألم أُخبَرْ أنك تصوم النهار وتقوم الليلَ؟» فقلتُ: بلى يا رسول الله! قال: «فلا تفعلْ، صُمْ وأفطِرْ، وقُمْ ونَمْ، فإنّ لجسدِك عليك حقًّا، وإنّ لعينِك عليك حقًّا، وإنّ لزوجِك عليك حقًّا، وإنّ لزَوْرِك عليك حقًّا. لا صامَ من صام الدّهرَ، صومُ ثلاثة أيام من كلِّ شهرٍ صومُ الدهر كلِّه. صُمْ كلَّ شهر ثلاثةَ أيام، واقرأ القرآن كلَّ شهر» قلت: فإني أطيقُ أكثر من ذلك، قال: «صُمْ أفضلَ الصوم صومَ داود: صيام يوم وإفطار يوم، واقرأ في كل سبع ليالٍ مرةً، ولا تزِدْ على ذلك».\n_________\n(^١) البخاري (١١٥٣)، ومسلم (١١٥٩).","vol":"4","page":463},{"text":"ملحق ــ ٤ ــ\n. . . . الصلاة على النبي - ﵌ -.\n. . . . فنوعان: مقيَّد وغيره، فالمقيّد إما متعيِّن كتكبير الصلاة ...، وإما غير متعيَّن كالأدعية عقبَ الصلاة وعند النوم والانتباه وغير ذلك. والمأثور في هذا أفضل، وكذا في سائر الأوقات التي لم [يُعيَّن فيها] ذكرٌ أو دعاءٌ مخصوص، فالأفضل اختيار ذكرٍ أو دعاءٍ من المأثور .... لو كان مقيدًا بغير ذلك. وأما إنشاء صيغة من صيغ الذكر أو الدعاء غير مأثورة ... .... عموم الأمر بالذكر والدعاء والصلاة على النبي - ﵌ -.\n. [ثم] الذكر المأمور به هو ما تضمَّن ثناءً حسنًا وردَ في الشرع، فما خالفَ ذلك [فهو ممنوع] بدعةُ ضلالة. والدعاء المأذون فيه ما لم يكن فيه اعتداء، ومن الاعتداءِ الدعاءُ ... مكروه، وكالدعاء على مَن لم يظلمه، فما كان فيه اعتداءٌ فهو مخالفٌ للشرع. والصلاة على النبي - ﵌ - المأذون بها ما لم يكن فيها إطراءٌ محظورٌ ولا ارتكابٌ لمنهيٍّ ولا كذبٌ عليه - ﷺ -. ومن الكذب عليه - ﵌ - أن يُثنِيَ عليه بما لم يثبت، كأن يقول: اللهمَّ صلِّ على نبيك محمد الذي حمله جبريل على عاتقه، [فإن] ذلك كذبٌ عليه - ﵌ -.\nوقد تواتر عنه - ﵌ - أنه قال: «من كذبَ عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» (^١). والمراد بالتعمُّد أن يكون القائل غيرَ عالمٍ بصحة ما قاله، ولهذا كان حاكي [الحديث] الضعيف بصيغة الجزم كاذبًا، على أن النبي صلى الله\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦١٩٧)، ومسلم (٣) من حديث أبي هريرة ﵁ وجاء من حديث جماعة كثيرة من الصحابة.","vol":"4","page":464},{"text":"وسلم وبارك عليه غنيٌّ بما له من الفضائل والفواضل عن أن يغدق عليه أحدٌ بادعاءِ فضيلةٍ أخرى، وما مثلُه إلّا مثلَ ملِكٍ عظيم أمرَ طبَّاخَه أن يُصلِح له طعامًا، وأحضَر له من كل ما قد يحتاج إليه في الطبخ، فترك الطباخ ذلك وخرج إلى بيوت الجيران يسألهم للملك! فهل ترى هذه خدمةً للملك ومحبةً له أو إهانةً وإيهامًا أن الملك فقير؟ !\nومما يُنظر فيه زيادة «سيدنا» في الصلاة الإبراهيمية وفي التشهد وغيره، فإن بعضهم استحسن ذلك بحجة أنه زيادة إخبار بواقعٍ، مع أنه ليس في عدم ذكر ذلك في السنة ما يدلُّ على الكراهة، وقد قام الدليل أنه   - ﷺ -   [ص] سيِّد ولد آدم، وأن الثناء عليه وتوقيره من أعظم القُرَب. قال: وما رُوي من قوله - ﵌ -: [لا تُسيِّدوني في الصلاة] لا أصلَ له (^١)، ولو ثبت حُمِل على مطلق الإذن عنه   - ﷺ -   بعدم تسييده، كما فهم الصديق [من إشارته صلى الله عليه] وآله وسلم له بالثبات في الإمامة، حيث رجَّح حسنَ الأدب فتأخّر، فيتعارض هنا امتثال الأمر [مع حسن الأدب]، [وحسن] الأدب أولى اقتداءً بالصديق. وكذلك نقول في مخالفة الوارد، إذ لم يكن فيه التسييد، بل هو أولى مما مرَّ ...\n[فالجواب:] .... هذه الزيادة يشعر أنها غير مشروعة؛ إذ لو كانت مشروعةً لأرشد إليها الشارع. وفي حديث [ابن مسعود] قال: قال رسول الله - ﵌ -: «أيها الناس! ليس من شيء يُقرِّبكم إلى الجنة ويباعدكم من النار [إلا قد أمرتُكم به» (^٢)]. فإن كان - ﵌ - يمنعُه من ذلك الحياءُ والتواضع كما\n_________\n(^١) انظر «المصنوع» (ص ٢٠٦) و«الأسرار المرفوعة» (ص ٣٨١) كلاهما للقاري.\n(^٢) أخرجه البغوي في «شرح السنة» (١٤/ ٣٠٣). وفي إسناده انقطاع بين زبيد اليامي وابن مسعود ﵁. وفي الباب حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ عند مسلم (١٨٤٤).","vol":"4","page":465},{"text":"يقولون فلابدَّ أن .... ويتحتم عليه - ﵌ - البيانُ، والله ﷿ يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ...﴾ [المائدة: ٣].\n[فإن قيل:] فقد جاء في القرآن عمومات تقتضي ذلك، كقوله ﷿: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ ...﴾ [الأعراف: ١٥٧]، [وقوله:] ﴿لَا (^١) تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣] وغير ذلك. والتعزير: التوقير، وهو ... التعظيم بالتسييد، ويُقاس على دعاء الرسول ذِكْرُه، فلا ينبغي أن نذكره كما يذكر بعضنا بعضًا.\n[فالجواب] أن هذه التمسكات إنما تصلُح فيما لم يَرِدْ مبيَّنًا، فأما ما ورد مبينًا فالواجب الوقوف عنده، فكيف وقد مضى [عهدُ النبي]- ﵌ - وعهدُ أصحابه وتابعيهم ومَن بعدهم والأئمة الأربعة وغيرهم على عدم النطق بهذه [في] تلك المواضع؟ وقد عُلِم أن السنة تثبت بالترك كما تثبت بالفعل، ويتبعها في ذلك الإجماعُ.\nثم إن ... أنه ينبغي اتباع الألفاظ في الأذكار والأدعية المأثورة، وأن لا يُزاد ولا يُنقَص، ولا يغيَّر ولا يُبدَّل، [ولا يُقدَّم] ولا يؤخَّر، لأن في التغيير لشيء من ذلك إخراجًا لها عن كونها مأثورةً، وفي ذلك ذهابُ بركتها من .... كيف بما إذا كانت واجبةً كالتشهد.\nويقال لمن يرى ذلك: وهل ترى أن يُزاد ذلك في الأذان؟ [فإن قال: نعم] قال ما لم يقله أحدٌ، وجاء ببدعة منكرة خالف بها جميع الأمة، ويُرَدُّ عليه مع ذلك بما مرَّ وغيره. وإن قال: لا .... فلا يجيء بجوابٍ مقبول إلّا\n_________\n(^١) في الأصل: «يأيها الذين آمنوا لا ...» سهو.","vol":"4","page":466},{"text":"ألزم مثله في التشهد ونحوه.\nوأما قولهم: «إن سلوك الأدب أولى من امتثال الأمر» [والاستدلال] بفعل الصديق، فهذا حيث كان المأمور به شيئًا يُخِلُّ بالأدب مع الأمر، وعُلِم أنه إنما أمر به تركًا لحقِّ نفسِه لا لمقتضٍ [آخر، فيكون] الأمر حينئذٍ لمجرد بيان الجواز، وحينئذٍ فيعارضُه حسنُ الأدب، فيتبين أن ذلك الفعل خلاف الأولى، وهذا هو الذي ... (^١)، فإن فعله ﵁ ليس حجةً، والنبي - ﵌ - لم يُقِرَّه، بل قال عقِبَ ... بأنه يفعله.\n[وإن كان الأمر] لمقتضٍ آخر غير ترك حقِّ النفس، فإنه يتعيَّن امتثال الأمر جزمًا، سواء كان ذلك المقتضي يقتضي الوجوب أو .... فعدمُ امتثالِه مكروه أو خلاف الأولى، فيعارض حسن الأدب الذي تركه خلاف الأولى، مع أن مجرد عدم الامتثال ..... حينئذٍ، فيقابل سوء الأدب بسوء الأدب، ويترجَّح جانب الامتثال بالمقتضي الآخر. بل إذا تحقق المقتضي الآخر ... سوء الأدب أصلًا.\nإذا تقرَّر هذا فعدم التسييد في الصلاة الإبراهيمية ونحوها .... لأن المقام مقام دعاء الله ﷾، وهو يقتضي إفراد التعظيم له من كل وجه، مع ما يشير إليه حديث: [لا تسيِّدوني في] الصلاة، ويظهر من هذا أن النبي - ﵌ - أحبَّ أن لا يكون ذكره الملابس لذكر الله ﷿ كالصلاة ... عن أوصاف المدح الظاهرة، بل يُكتفَى فيه بما يكتفى به في ذكر سائر العباد. وهذا حسنُ أدبٍ منه وتواضعٌ لربه ﷿ .... لربه، ولم يتركه لنا حتى يسوغ لنا عدمُ الامتثال كما ساغ للصديق. فافهم الفرق.\n_________\n(^١) خرم في الأصل ولعله «فعله الصديق».","vol":"4","page":467},{"text":"مع أن هذا الأدب منه مع ربه .... رضي لنفسه نحو ما رضيه الله له في أشرفِ مواطنه، قال ﷿: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١]، وقال تعالى: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٣٠]. وذكر الله ﷿ أنبياءه في مقام المدح بقوله: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا﴾ [ص: ١٧]، ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا﴾ [ص: ٤١]. وقال ﷿ في ردّه على إبليس: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢]. ومثل ذلك كثير.\nثم إن قوله   - ﷺ -: «كما صليتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم» ... فزاد ذكر العبد عند الدعاء له ونحوه من أوصاف المدح مقتضيًا آخر غير مجرد التواضع؛ لأن التواضع إن أمكن في حق نفسه فكيف ...، فلم يُعلِّمنا أن نقول: «كما صلَّيتَ على خليلك سيِّدنا إبراهيم» مثلًا. ولا ينافي هذا قولَه - ﵌ - في الدعاء للمدينة: «... إبراهيم عبدك ونبيك وخليلك، وإني عبدك ونبيك» الحديث، فإن لكلِّ مقامٍ مقالًا، مع أنه قدَّم ذكر العبودية كما ترى.\n[وفي «المشـ] كاة» عن نافع أن رجلًا عطسَ إلى جَنْب ابن عمر، فقال: الحمد لله والسلام على رسول الله، قال ابن عمر: وأنا أقول: الحمد لله والسلام على رسول الله، وليس هكذا علَّمنا رسول الله - ﵌ -، [علَّمنا] أن نقول: الحمد لله على كلِّ حال. رواه الترمذي (^١)، وقال: هذا [حديث] غريب.\nوفي حواشيه نقلًا عن «اللمعات»: قوله: «وليس هكذا» أي: ولكن ليس المسنون في هذه الحال هذا القول، وإنما الذي ... أن يقول: الحمد لله على كل حال فقط، من غير زيادة السلام فيه. على أنه ينبغي في الذكر والدعاء\n_________\n(^١) (٢٧٣٨).","vol":"4","page":468},{"text":"الاقتصار على المأثور، من غير [زيادة] ونقص، فالزيادة في مثله نقصان في الحقيقة، كما لا يُزاد في الأذان بعد التهليل «محمد رسول الله - ﵌ -» ...\nوفصل الخطاب في هذه القضية أنه قد عُلِم أن النبي - ﵌ - علَّم أصحابَه التشهدات ... بدون هذه الكلمة ونحوها، ونقلها أصحابه كذلك، ولم يرشدوا إلى الزيادة، ولا نُقِل فعلُها عنهم، وهكذا الحال فيمن بعدهم ... والسنة تثبُت بالترك كما تثبُت بالقول والفعل والتقرير، ويتبعها في ذلك الإجماعُ. قال الشوكاني [في «إرشاد الفحول» (^١) عن ابن السمعاني: إذا] ترك رسول الله   - ﷺ -   شيئًا وجبَ علينا متابعتُه فيه ... إلخ. وما اقتضته العمومات القرآنية .... الرسول - ﵌ - والثناء عليه، فيعمل بها فيما لم تكن السنة فيه عدمها، فإن الواجب في ... ما ورد.\nوبعد، فقد مضى السلف الصالح على ما علمتَ، وقد كانوا أعلم بالله ورسوله وأشدَّ ...\n_________\n(^١) (١/ ١١٩).","vol":"4","page":469},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-258>ملحق ــ ٥ ــ\nفي معنى التأويل</span>\n/وأما التأويل فهو تفعيل من آل يؤول أوْلًا، رجع رجوعًا معنويًّا مخصصًا، كما في قولك: طُبِخ الشراب فآل إلى قَدْر كذا، وجُفّف الرُّطب فآل إلى قَدْر كذا، واتَّجَر فلان وكان رأس ماله عشرة دَراهم فآل به الأمر إلى أن صار أغنى أهل بلده، وطلب فلانٌ العلم وكان من بيتٍ خامل فآل به الأمر إلى الشَّرَف والنباهة، وعهدي بفلان وهو يطلب العلم ولا أدري ما آل إليه أمره؟\nوالحاصل أن (آل) قريب من (صار) إلا أنه اعتُبر في (صار) التقدُّم وفي (آل) الرجوع، وقد يصلح أحدهما مكان الآخر لكن باعتبار آخر. تقول: جُفّف الرطب فآل إلى قَدْر كذا، أو فصار إلى قَدْر كذا، فتعتبر في الأول أن الرطب كان مقبلًا على النمو فلما جُفّف رجع إلى النقص، وتعتبر في الثاني أن الرطب لما شُرِع في تجفيفه أقبل على النقصان فما زال متقدّمًا فيه حتى صار إلى ذلك القَدْر.\nوكلما ضعف اعتبار الرجوع ضعف صلاحية (آل) تقول: صار الطفل شابًا، ولا تقل: آل. وتعدِّي (آل) بالتضعيف تقول: أوّلْتُ الشيء أي: جعلته آيلًا، تقول: جفّفتُ صاعًا من الرطب حتى أوّلته إلى نصف صاع. فتأويل الشيء هو جَعْله آيلًا.\nفإذا أطلق التأويل في شأن الكلام فقد يُراد به: تأويل اللفظ، أي: جعله آيلًا إلى أن يتّضِح معناه، كأنه اعْتُبِر مقبلًا على الخفاء والغموض، فإذا فسَّرته فقد أرْجَعْتَه إلى الوضوح، وهذا مرادف التفسير، وهو صادق على التفسير","vol":"4","page":470},{"text":"بما يُناسب الظاهر، وعلى التفسير بما يخالف الظاهر.\nأما ما يُناسب الظاهر فإنه إنما احتاج للتفسير لخفاءٍ ما، فكأنَّه كان مقبلًا على ذلك الخفاء فأُرجع إلى الوضوح.\nوأما ما يخالف الظاهر فلأنّ المؤوِّل يدّعي أن المعنى الحقيقي هو خلاف الظاهر، فاعتَبَر اللفظ مُقبِلًا على الخفاء بالنسبة إلى المعنى الحقيقي، فأرْجَعَه إلى الوضوح بالنسبة إليه، وإن شِئت فقل: مقبلًا على الظهور بالنسبة إلى غير المعنى الحقيقي، فأرجعه إلى عدم ذلك. والأول أولى. ولا يُشترط لهذا معرفة الحقائق التي تضمّنها الكلام على وجه الإحاطة، بل يكفي من بعض الوجوه.\nوقد يُراد به: تأويل المعنى، أي: جَعْله آيلًا إلى أن تُعْلَم الحقائق التي تضمّنها على وجه الإحاطة، كأنه اعتُبر مقبلًا على خفاء تلك الحقائق فأُرْجِع إلى الوضوح.\nوقد يُراد به: تأويل الحقيقة، أي: جَعْلها آيلة إلى البروز والمشاهدة، كأنه اعتبر أنها كانت مقبلةً على الخفاء فأُرْجِعت إلى الظهور.\nوقد يُراد به: نفس الحقيقة، من باب إطلاق المصدر وإرادة المفعول.\nومن الأول قول السلف: تأويل هذه الآية كذا وكذا، كما يقوله ابن جرير في «تفسيره».\nومن الثاني قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: ٦]، وقوله: ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: ٢١]. وقوله: ﴿وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: ١٠١].","vol":"4","page":471},{"text":"فإن قول الملك: ﴿إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾ [يوسف: ٤٣] واضح المعنى، وتأويلُها بقوله: ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا ...﴾ إلخ [يوسف: ٤٧] إنما هو تأويل للمعنى، أي: جَعْله آيلًا إلى أن تُعْلَم حقيقته، فعُلِمَ أن حقيقة السبع السمان: سبع سنين خصبة، والعِجاف: جدبة، ومشى عليه.\nومن الثالث قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ أي: جَعْل الحقائق التي تضمّنها الإخبار عنها آيلةً إلى البروز قال: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٥٣]. [قال ابن عبا] س: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ تصديق ما وَعَد في القرآن. وعن قتادة: ﴿تَأْوِيلُهُ﴾: ثوابه .... جزاؤه، وعن السُّدِّي: عاقبته، وعن ابن زيد: حقيقته.\nوقوله ﷿: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ [يونس: ٣٩]. ومنه قوله تعالى ــ حكايةً عن يوسف ــ: ﴿لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ﴾ في المنام ﴿إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا﴾ [يوسف: ٣٧] التأويل.\nومنه قوله ﷿: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]. ومنه قول عائشة: «كان رسول الله ﵌ يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي يتأول القرآن» (^١) جَعلتْ نفس دعائه هذا تأويلًا لقوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر: ٣].\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٨١٧)، ومسلم (٤٨٤).","vol":"4","page":472},{"text":"ومنه ما رُوي عن ابن مسعود: «إن القرآن نزل حيث نزل، فمنه آيٌ قد مضى تأويلهنّ قبل أن ينزل، ومنه آيٌ وقع تأويلهن على عهد النبي ﵌، ومنه آيٌ وقع تأويلهن بعد النبي ﵌ بيسير، ومنه آيٌ يقع تأويلهنّ في آخر الزمان، ومنه آيٌ يقع تأويلهنّ يوم القيامة، ما ذكر في الحساب والجنة والنار ...» (^١) إلخ.\nومنه ما رُوي عن سفيان بن عُيينة قال: السنة تأويل الأمر والنهي (^٢).\nومن الرابع قوله تعالى ــ حكاية عن يوسف ــ: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: ١٠٠]. جعل نفس الحقيقة التي هي سجود أبويه وإخوته له هي تأويل رُؤياه.\nوإذا تقرّر هذا فلنعرض لفظ التأويل في آية المتشابه على كل واحدٍ من الأربعة المعاني فنقول:\nأما المعنى الأول ...\n_________\n(^١) أخرجه نعيم بن حماد في «الفتن» (٣٨)، وذكره الثعلبي في «الكشف والبيان»: (٤/ ١١٧).\n(^٢) ذكره شيخ الإسلام في «الدرء»: (١/ ٢٠٦) وفي «التدمرية» (ص ٩٤).","vol":"4","page":473}]}