{"ً":{"ٌ":32881,"ٍ":"منهج القرآن في القضاء والقدر","َ":1,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: منهج القرآن في القضاء والقدر\nالمؤلف: محمود محمد غريب\nالناشر: دار القلم للتراث - القاهرة\nالطبعة: الثانية، ١٤١٩ هـ - ١٩٩٨ م\nعدد الصفحات: ٥٥\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1180,"ٕ":1,"ٖ":1770155525,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"منهج القرآن في القضاء والقدر","level":1,"page":1},{"title":"مقدمة","level":1,"page":2},{"title":"عدل الله","level":1,"page":6},{"title":"النوع الأول: قضاء يستوجب الصبر","level":1,"page":10},{"title":"النوع الثاني: قضاء يستوجب المعالجة:","level":1,"page":11},{"title":"النوع الثالث: قضاء أنت فيه حر، وفي حدود الحرية محاسب","level":1,"page":13},{"title":"قسمة جائرة","level":1,"page":16},{"title":"القلب حرم آمن","level":1,"page":21},{"title":"ساعة وساعة","level":1,"page":24},{"title":"آيات تفسرها آيات","level":1,"page":29},{"title":"وهؤلاء يهديهم الله","level":1,"page":32},{"title":"هداية الله","level":1,"page":33},{"title":"ثانيا: هداية الإرشاد","level":1,"page":35},{"title":"هداية التوفيق","level":1,"page":36},{"title":"رابعا: هداية المؤمنين لمنازلهم في الجنة","level":1,"page":40},{"title":"مفاهيم مظلومة","level":1,"page":41},{"title":"انيا: أمر الله","level":1,"page":43},{"title":"ثالثا: إرادة الله","level":1,"page":47},{"title":"علم الله","level":1,"page":49},{"title":"خير من الجدل","level":1,"page":51},{"title":"من تجارب الحياة","level":1,"page":53}],"ٛ":{"1,2":1,"1,3":2,"1,4":3,"1,5":4,"1,6":5,"1,7":6,"1,8":7,"1,9":8,"1,10":9,"1,11":10,"1,12":11,"1,13":12,"1,14":13,"1,15":14,"1,16":15,"1,17":16,"1,18":17,"1,19":18,"1,20":19,"1,21":20,"1,22":21,"1,23":22,"1,24":23,"1,25":24,"1,26":25,"1,27":26,"1,28":27,"1,29":28,"1,30":29,"1,31":30,"1,32":31,"1,33":32,"1,34":33,"1,35":34,"1,36":35,"1,37":36,"1,38":37,"1,39":38,"1,40":39,"1,41":40,"1,42":41,"1,43":42,"1,44":43,"1,45":44,"1,46":45,"1,47":46,"1,48":47,"1,49":48,"1,50":49,"1,51":50,"1,52":51,"1,53":52,"1,54":53,"1,55":54},"ٜ":{"1":[2,55]},"ٝ":["1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55"],"ٞ":{"1":[1],"2":[2],"6":[3],"10":[4],"11":[5],"13":[6],"16":[7],"21":[8],"24":[9],"29":[10],"32":[11],"33":[12],"35":[13],"36":[14],"40":[15],"41":[16],"43":[17],"47":[18],"49":[19],"51":[20],"53":[21]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nالكتاب:<span data-type=\"title\" id=toc-1> منهج القرآن في القضاء والقدر</span>\nالمؤلف: العلامة الشيخ / محمود غريب\n(أسلم على يدي المؤلف خمسةٌ من علماء أوربا في فترة السبعينيات)\nالناشر: دار القلم للتراث - القاهرة\nالطبعة: الثانية - ١٤١٩ هـ - ١٩٩٨ م\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]\nجَزَى اللَّهُ كَاتِبَهُ خَيرَ الجَزَاءِ وَأَوفَاهُ.","vol":"1","page":2},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>مقدمة</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nالحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى، وسلام على النبي المصطفى، أما بعد:\nفالدارس للكون، يدرك النظام البديع في ذراته ومجراته، وما دام خالق الكون هو خالق الناس، فلا بد من تدبير وتقدير يسبق وجود الناس، ويحكم سيرهم ومسيرتهم، فقانون الخلق واحد (مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ)\nوكل الخلق جاء ويمضي على قدر (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)\nإن سير الأفلاك بحسبان وتقدير (وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٩٦).\nوكذلك","vol":"1","page":3},{"text":"سير الناس (فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى (٤٠).\nوهذا التقدير الدقيق، والعلم القديم بما كان وما يكون، وعدم خروج الأمر عن دائرة التقدير الإلهي، هو ما ألزمنا الإسلام بالإيمان به، في موضوع القضاء والقدر، وجعله جزءًا من الإيمان بالله، لا يتم الإيمان إلا به.\nعن ابن عمر - ﵄ - أنه قال: وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ «لَوْ أَنَّ لِأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، فَأَنْفَقَهُ مَا قَبِلَ اللهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ»\nرواه مسلم.\nثم استدل بقوله - ﷺ - عن الْإِيمَانِ: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ».\nوهذا القدر من الاعتقاد يكفي للنجاة في الآخرة.\nفكل ما أخطأك لم يكن ليصيبك\nوكل ما أصابك لم يكن ليخطئك","vol":"1","page":4},{"text":"وكل ما يحدث في كون الله فقد أراده سبحانه.\nوهذا الإيمان يسلِّي النفس ويعزيها في كل فائت، ويطمئنها ويورثها الإقدام في كل مأمول. قال تعالى (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٢٣).\nإن كل شيء يقع على الأرض - حتى ورق الشجر - أو يجري على الناس، حتى النفَس الذي نتنفسه من قدر الله، ويقع حسب علمه القديم، ثم بنت الآيتان الكريمتان على هذه الحقائق ثلاثة أمور.\nأولًا: عزاء النفس في كل فائت (لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ).\nثانيًا: حمايتها من الفرح الذي يطغي صاحبه","vol":"1","page":5},{"text":"(وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ) فإن كان الفرح غير مطغٍ فالله - ﷿ - لم يصادر عواطفنا، قال تعالى (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨).\nثالثًا: حفظ النفس من التطاول بنعم الله على خلقه (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) وهذا هو دور الإيمان بالقدر في حياة الناس، وقد وقفت جماعة من المسلمين في موضوع القدر عند هذا الحد، واعتبرت أي مناقشة للموضوع بعد ذلك بدعة، بينما أفنى آخرون حياتهم، وشغلوا مَن بعدهم، في جدل عقيم.\nوهذه الرسالة مفتاح من مفاتيح القرآن الكريم؛ لفهم الآيات التي كثر النقاش حولها، وأخطأ كثير من المسلمين فهمها.\nوهي حلقة من سلسلة (حتى لا نخطئ فهم القرآن) التي سبق أن نشرتها بمجلة \"التربية","vol":"1","page":6},{"text":"الإسلامية\" ببغداد طوال سبع سنين.\nوالله نسأل أن يلهمنا الصواب في فهم القرآن.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>عدل الله</span>\nكل لظة في الكون، وكل حركة فيه، تؤكد عدل الله المطلق، بل تتجاوز عدل الله إلى مقام الإحسان، وقد قرر القرآن هذه القضية، فيما لا حصر له من آياته (تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ (١٠٨).\n(وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (٤٥).\nوتأخيرهم إلى أجل مسمى يعطيهم فرصة العودة","vol":"1","page":7},{"text":"والإصلاح.\nفمن أصرَّ فمحكمة الآخرة هي محكمة (العدل المطلق)\n(وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧).\nوعدل الله وإحسانه، يؤكدان أن دائرة التكاليف في الأديان السماوية، وما يتبعها من ثواب وعقاب، مبنية على قاعدة (العدل المطلق) فالله - ﷿ - قد نزه نفسه عن العبث بأعصاب الناس، واللهو بهم، قال تعالى (لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (١٧).\nفكيف يتصور عاقل أن الله تعالى ألقى عباده - مكتوفين - في بحر القدر، ثم قال لهم: من ابتلَّ منكم فسيدخل النار؟\nإن الله أعطى الناس القدرة التي تعينهم على فعل الطاعات.\nإن الذين أحسنوا توجيهها، وهي نفسها القدرة التي يُحْدثون","vol":"1","page":8},{"text":"بها المعصية، عندما ينحرفوا بنعم الله.\nإن كل وسيلة لطاعته - ﷿ - يمكن أن تكون وسيلة عصيان، والعبد يملك قانون البديلات.\nفالنتاج العقلي، وما ملكت أيدينا من خيرات، وطاقاتنا الجنسية والعضوية، يمكن أن ترفعنا إلى السماء، وأن تهوي بنا إلى الضياع.\nوالاختيار - الذي منحنا الله إياه - يوجه الطاقة إلى الطاعة أو المعصية، وإذا فقد الإنسان القدرة على الاختيار سقطت عنه المؤاخذة؛ لأن التكاليف الشرعية، والحساب عليها لا يكونان إلا حيث تتوفر الإرادة الحرة (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣).\nوعمر بن الخطاب - ﵁ - أسقط الحدَّ عن امرأة زنتْ، ثم أثبتت أن الراعي منعها الماء، وكاد يهلكها الظمأ، ولم يسقها حتى مكنته من نفسها.","vol":"1","page":9},{"text":"فسقوط الاختيار يسقط العقوبة، وحتى لا يخلط الشباب المسلم بين حرية الإنسان في أن يفعل أو لا يفعل، وبين ما قدَّره الله على العباد مما سبق به علمه - ﷿ - ولا يمكن دفعه، فسوف أُقسِّم (القضاء والقدر) إلى أقسام ثلاثة.\nأولًا: قضاء يستوجب الصبر أو الشكر\nثانيًا: قضاء يستوجب المعالجة.\nثالثًا: قضاء أنت فيه حرٌّ، وفي حدود الحرية محاسب.\nوهذا التقسيم الثلاثي يوضح منهج القرآن ويجلِّيه، وقد سبقني إلى هذا التقسيم الثلاثي أبو الوفا درويش - ﵀ - وإن اختلفت طريقة العرض والمعالجة.","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>النوع الأول: قضاء يستوجب الصبر</span>\nوهو كل ما يحدث للإنسان بدون تدخل من إرادته.\nالإيمان به عزاء، والصبر عليه واجب، وأجر الصبر والاحتساب أعظم من فقد الدنيا كلها (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠).\nمن ذلك ذكاء المء وغباؤه، وطول العمر وقصره، ووسامة الوجه وقبحه، وسعة الرزق وضيقه.\nإن الدنيا النُّخال على الدقيق، وتقطف شبابا يؤمل بقاؤهم، وترد إلى أرزل العمر من نتمنى موته رحمة به أو رحمة للآخرين، وتغيب الحكمة عنا، ولا نملك إلا الصبر والتسليم.\n(هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦).","vol":"1","page":11},{"text":"(وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢١٢).\n(ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا) [الحج: ٥]\nهذه كلها أمور تجري بها المقادير، ولا نملك دفعها.\nوواضح أنها أمور لا تدخل في دائرة التكاليف الشرعية، ولا يحاسب عليها الإنسان.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>النوع الثاني: قضاء يستوجب المعالجة:</span>\nوأعني به ارتباط الأسباب بالمسببات، مع إيماننا بأنَّ الله خالق الأسباب والمسببات، وواجب المسلم أن يبذل كل جهده في تحصيل الأسباب الموصلة - عادة - للنجاة.\nفإذا استنفد طاقته، فما يتمُّ بعد ذلك فهو قدر الله، فالمريض لا بد أن يعالج، وعندما سأل كعب بن مالك رسول الله - ﷺ -","vol":"1","page":12},{"text":"فقال: أرأيت دواء يتداوى به .. هل يرد قدر الله؟\nقال - ﷺ - يا كعب: بل هو من قدر الله.\nوالطالب لا بد أن يذاكر، وقواد الجيوش يعدون ما استطاعوا من قوة ومن رباط الخيل لقتال عدو الله.\nعلينا أن نأخذ بكل الأسباب، والأسباب في حد ذاتها من قدر الله، فما يتمَّ بعد ذلك فهو قدر الله.\nعلينا أن نسعى، وليس علينا إدراك النجاح.\nإن بعض الناس يهملون أسباب النجاة، ثم يتهمون القدر\nوعاجز الرأي مضياع لفرصته. . . حتى إذا فات أمر عاتب القدرا\nلقد عزم عمر بن الخطاب - ﵁ - على دخول الشام، فعلم أن بها وباء الطاعون، فامتنع عن الدخول، فقال له أبو عبيدة بن الجراح: أتفرُّ من قدر الله؟\nقال عمر: أفرُّ","vol":"1","page":13},{"text":"من قدر الله إلى قدر الله، هكذا فهم صحابة النبي - ﷺ - هذا النوع من القدر، فجدوا في الأسباب\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>النوع الثالث: قضاء أنت فيه حرٌّ، وفي حدود الحرية محاسب</span>\nوهذا النوع يتعلق بسلوك الإنسان إزاء التكاليف الشرعية.\nذلك لأن التكاليف والمسئولية لا يكونان إلا حيث تتوفر الإرادة الحرة للإنسان.\nقال تعالى (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٥٧).\n(فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)\n(اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤٠).\nفالقرآن يثبت نوعا من المشيئة، يوجه بها قدرته إلى ما يختار.","vol":"1","page":14},{"text":"ولكن هذه المشيئة، لا تخرج الإنسان من دائرة العبودية لله، الذي انفرد وحده بفعل ما يريد.\nفمشيئتنا عطاءٌ من مشيئة الله سبحانه، كما أن علمنا شعاع من علمه\n(وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ).\nإن مشيئة البشر واختيارهم لا تتجاوز في النهاية ما أراده الله.\nفالله - ﷿ - قد شاء أن يعبده كل الكون قهرا، بلا اختيار، فكل شيء في الكون يمارس نشاطه على وجه واحد بلا اختيار منه، إلا الإنسان فإن الله قد شاء أن يجعل له اختيارا في عبادته يؤهله للجزاء.\n(إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٣١).\nفالقرآن أثبت لك مشيئة توجه بها قدرتك إلى طاعة","vol":"1","page":15},{"text":"الله، أو تهوي بها في النار (١)\nكما أثبت لك القرآن إرادة تستطيع بها أن تغير حالك، وتصلح من نفسك مع الله (مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠).\nفقوِّي إرادتك في الخير، ولا تتبع نفسك هواها، وتتمنى على الله الأماني\n(إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ).\nفلك مشيئة ولك إرادة، وقدرة على الإصلاح والتغيير.\nوثمرة ذلك هي المسئولية عما تحاسب عليه.\nإن راكب","vol":"1","page":16},{"text":"السفينة حرُّ الحركة في حدودها، وهو مسئول عما عبث فيها، فإن أراد أن يتجاوز بحريته حجم السفينة، ابتلعته الأمواج.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>قسمة جائرة</span>\nبعض الناس يجعلون لله ما يكرهون وينسبون للقدر ما يستحون من نسبته لأنفسهم.\nفإن فعلوا حسنة تفاخروا بها، وتطاولوا على الناس، وإذا فعلوا فاحشة نسبوها إلى الله.\nقال تعالى (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩).","vol":"1","page":17},{"text":"بهذا أمر الله، وقد قدَّر للناس حرية الطاعة راضين، أو المعصية شاردين صاغرين.\nوفي سورة الأنعام حكى القرآن الكريم فرية من مزاعم المشركين - الذين أشركوا ونسبوا شركهم إلى الله.\nقال تعالى: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ).\nلقد بنى المشركون شبهتهم على أنه لا يقع في كون الله إلا ما يريد، وقالوا: إن شركهم واقع فهو مراد الله.\nهذا زعمهم.\nوهي كلمة حق أريد بها باطل - كما قال الإمام محمد عبده - ويمكن أن نوجه إليهم نفس الحجة، فنقول لهم: إن التوحيد أمر واقع، وكل شيء يقع فهو مراد الله، فلماذا تحاربون التوحيد؟\nوالله إنهم يكذبون على أنفسهم، ليستروا شركهم، وقد ردَّ القرآن عليهم بقوله (كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا).","vol":"1","page":18},{"text":"وأنبياء الله قد قامت الحجة العقلية والنقلية على تأييد صدقهم. فهل عند المشركين دليل واحد على زعمهم (قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا) وهذا المطلب لمجرد التحدي، وحقيقة أمرهم كما وضح القرآن\n(إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨).\nإن نتاج العقل - مهما بلغ - بمعزل عن هَدْي الله، ظن وتخرص، واليقين ما أوصى الله به من هدى (قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ)\nفلا وزن لهرائهم\n(فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ)\nلأن الهداية بيد الله وحده (فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩).\nولكنه تعالى شاء أن يمنح هدايته لمن يستحقها، ممن قبِل هاية الإرشاد.\nوسوف نوضح هذا عند حديثنا عن (آيات تفسرها آيات).\nإن نسبة المعصية إلى القدر انحراف قديم، والإنسانية","vol":"1","page":19},{"text":"جميعا تعرف قصة آدم وإبليس.\nلقد عصى آدمُ ربَّه عندما أكل من الشجرة التي نهاه - سبحانه - عنها\nقال تعالى: (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١).\nونعلم أن إبليس عصى ربَّه من قبل عندما امتنع عن السجود لآدم.\nنزل آدم وزوجه إلى الأرض، ونزل إبليس إلى الأرض.\nفما سرُّ أن يتوب الله على آدم وزوجه، ويبقى إبليس في اللعنة\nإلى يوم يبعثون؟\nوقد أجاب عن هذا السؤال فضيلة الأستاذ / محمد الغزالي - ﵀ - فقال:\nإن آدم","vol":"1","page":20},{"text":"وزوجه عندما أكلا من الشجرة نسبا المعصية إلى نفسيهما واعتذرا إلى الله\n(قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣).\nبينما نسب إبليس سبب المعصية إلى الله، وبرَّأ نفسه منها\n(قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠).\nفقد نسب الإواء إلى الله (بِمَا أَغْوَيْتَنِي).\nإن قصة الخليقة الناجية - كما مثلها آدم - خطأ ومتاب.\nوقصة الخليقة الهالكة - كما مثلها إبليس - جريمة وإصرار، وسوف يبقى هذا الأمر إلى يوم القيامة، من نسب المعصية إلى نفسه تاب، يكتب مع آدم.\nومن شرد عن الله، وأصرَّ على معصيته، يكتب مع إبليس، فتخير لنفسك ما شئت، فأنت تملك الخيار.\n* * *","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>القلب حرم آمن</span>\nأي فعل يصدر عن الإنسان يأخذ مرحلتين:\nمرحلة داخلية تمثل النية والسريرة، ومكانها جوانية الإنسان وقلبه.\nومرحلة خارجية، تمثل التنفيذ.\nومعلوم أن المرحلة الثانية - مرحلة التنفيذ - يدخلها الخطأ والإكراه.\nأما المرحلى القلبية فهي المرحلة التي لا يمكن أن يدخلها الإكراه، فأنت تستطيع أن ترغم خادمك على فعل ما تريد، ولكنك لا تستطيع أن ترغمه على أن يضمر ما تريد.\nوقد فرَّق القرآن الكريم بين الخطإ والخطيئة.\nفالخطأ ما خلا من القصد الجنائي.\nوالخطيئة ما تعمده القلب من معصية، قال تعالى (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥).\nوقال تعالى (وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ).","vol":"1","page":22},{"text":"فالفرق بين الخطإ - الذي يعفو الله عنه - والخطيئة التي يؤاخذ الله عليها - هو عمل القلب -.\nفالسريرة هي سبب المؤاخذة، لأنها محل الاختيار المطلق، والأعمال بالنيات.\nكما أخبر النبي الكريم - ﷺ -\nومنطقة القلب هي الحم الآمن الذي لا يستطيع أحد من جنود الشر أن يدخله إلا بإذنك.\nقال تعالى: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢).\nوالله - ﷿ - شاء عدم إرغام عباده على شيء ولو كان هذا الشيء هو الإيمان بالله.\nقال تعالى (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩).\nفكيف يرغمهم على الكفر؟!!\nومن أين يأتي الإكره على العمل، وأنت تعرف أن","vol":"1","page":23},{"text":"النية تشكل العمل، والنية محلها القلب، والقلب - كما ذكرنا - حرم آمن.\nولم يقبل رب العالمين أن يكرهنا على الإيمان، فكيف يكرهنا على الكفر؟!!\nولم يسمح رب العالمين للشيطان أن يدخل حرم القلب إلا بإذنٍ من صاحبه.\nفاغتنم حياتك ووجه قلبك إلى الله، ودع الجدل. (١)\n_________\n(١) أخبرت السنة أن الله تجاوز لهذه الأمة عن الخطإ والنسيان وما استكرهوا عليه. فما معنى الاستغفار من الخطإ والنسيان في قوله تعالى (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا)؟\nوالذي أفهمه أن الله - ﷿ - يربي المسلمين عن طريق \" الدعاء القرآني \" يربيهم على أن تنحصر ذنوبهم في أمرين - الخطأ والنسيان - فلا يتعمدوا معصية الله، ولا يصروا عليها.\nونفس المعنى في التربية يمكن أن نلحظه في قوله تعالى (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً) فلفظ الآية هو الإخبار بعدم وقوع القتل العمد في المجتمع المسلم، ولكن معناها هو النهي في أبلغ صوره عن هذه الجريمة، كأن الله نهى المسلمين عن القتل فالتزموا بالنهي، فصور حالهم من الطاعة والالتزام، ونفى حدوث القتل العمد منهم. وهذا ما يسبيه العلماء \" التعبير بالجمل الخبرية عن المعاني الإنشائية \".","vol":"1","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>ساعة وساعة</span>\nالدارس لطبائع الناس يدرك أن الإنسان سريع التأثر باللحظة التي يعيشها، فساعة تلين له الدنيا، فيشعر أنه صاحب الأمر والنهي، وساعة تميل عنه الدنيا، وتكشر له من أنيابها، فيحسد النمل على طمأنينته وسعيه.\nفالنمرود - طاغية العراق في عهد إبراهيم الخليل -\nأخذه الغرور حتى قال: (أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ)\nوفرعون أطغاه المنصب، فأعماه عن حقيقة حجمه، فقال: (يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى).\nوقارون عندما طُلب منه حق الله في المال، أنكر دور القدر في الرزق وقال: (إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي).\nونابليون في التاريخ الحديث - قال: لا مستحيل.\nلحظات تنتاب الضعاف من الناس فيتناسوا حقيقتهم.","vol":"1","page":25},{"text":"فإذا وصل الإنسان إليها، أو قاربها، جاء القرآن معالجًا، وجاءت آياته تخفف عن النفس غرورها الذي انحدر بها إلى التعالي.\nفي مثل هذا المقام، يسوق القرآن الآيات التي تجرد الإنسان حتى من ملكية نفسه (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ)\n(وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ)\nإذن كل شيء بيد الله، وكل الدنيا ليس لها من الأمر شيء.\n(وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (٣٨).\n(وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥).\nبهذه الحقائق يعالج القرآن نشوز النفس، ويعيدها إلى حجمها من الاعتدال، هذه ساعة.\nوساعة أخرى يصاب الإنسان بضعف الإرادة، وفقدان العزيمة،","vol":"1","page":26},{"text":"ويضيق به الفضاء، فيفقد السيطرة حتى على نفسه، ويشعر أنه ريشة في مهب الريح، تعبث به الأقدار حيث تشاء.\nوإنسان بهذا العجز عبء على الحياة ثقيل.\nوهنا يأتي القرآن ليغرس فيهم الأمل، وينمي شعورهم بأنفسهم ويرفع إرادتهم الحرة حتى يوصلهم إلى درجة الاعتدال، بما يؤلهم لتحمل المسئولية، وهذا دور الآيات التي تثبت الإرادة والمشيئة والقدرة على التغيير للإنسان.\n(فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)\n(اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ)\n(إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)\n(ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ).","vol":"1","page":27},{"text":"(مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ).\nآيات تدفع الإنسان إلى جادة الطريق، وتغرس فيه العزم.\nفنحن نلهوا والقدر جاد، ولا عذر لمتباطئ.\nوالكون من حوله سريع، ومن انزوى عن الحياة لأول خسارة واجهته خسر نفسه.\nهذا منهج القرآن في علاج متناقضات النفس.\nوواجب الداعي أن يكون طبيبا، يأخذ لكل نفس من القرآن ما يصلحها.\nفالمتعالي على الأقدار، وعلى الناس، يعالجه القرآن، والهابط إلى الارتخاء، يجذبه لمركب الحياة.\nوالآيات في كلا الجانبين حقيقة.\nفمشيئتنا شعاع من مشيئة الله\n(إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠).","vol":"1","page":28},{"text":"فلا تعارض بين الحقائق القرآنية في الموضوعين، ولكن التعارض والتمزق في نفوس أصحاب الأهواء من المتنطعين (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨).\nويزيد الطين بلَّة، بعض الذين يتصدون للدعوة وهم ليسوا من فرسانها، فلا يجيد تخير الدواء لمريضه من \" صيدلية القرآن الكريم \".\nإن الدعوة إلى الله إخلاص وبصيرة (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي).\nوالأخذ بيد المستضعفين، يغاير علاج المستكبرين، ولكل مقام مقال، كما أن الحديث في مجتمع انكبَّ على العمل، وتكالب على الدنيا، ونسي ما وراءها، يجب أن يختلف عن الحديث في مجتمع تكاسل عن ركب الحياة، ورغب عنها.\nإن المال - في نظر القرآن -","vol":"1","page":29},{"text":"خير (وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨).\nوالسعي على الكسب عبادة، ولأن تذر ورثتك أغنياء، خير من أن تزرهم عالة، يتكففون الناس، هذه حقائق لا مراء فيها.\nولكن من الجهل بعلاج النفوس، أن يركز الداعي عليها، في مجتمع انكبَّ على الدنيا، ونسي الله ولقاءه.\nونفس الخطأ يقع فيه الداعي الذي بركز على دعوة الناس إلى الزهد في الدنيا، والفرار من زينتها، في مجتمع الكسالى والمتواكلين.\nإن الحقائق في الموضوعين ثابتة، ولكن اختيار الدواء بصيرة، ولكل مقام مقال.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>آيات تفسرها آيات</span>\nزلَّت أقدام كثيرة عندما حاول أصحابها أن يدرسوا موضوع\n\" القضاء والقدر \" بمعزل عن منهج القرآن،","vol":"1","page":30},{"text":"أو عندما حاول أصحابها أن يُحملوا آيات القرآن ما سبق أن اعتقدوه من فلسفات.\nوحفاظا على عقيدة الشباب المسلم، فسوف ألتزم في تفسير الآيات التي تكلمتْ عن المشيئة العليا - مشيئة الله - ألتزم فيها بتفسير القرآن للقرآن، إيمانًا مني بأن مجموع آيات القرآن، في الموضوع الواحد، يتمم\nبعضها بعضًا، ويفسره.\nقال تعالى: (وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣).\n(وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٣).\nوكثير من الآيات تثبت أن الهداية والإضلال بمحض المشيئة العليا لله سبحانه، والأمر كذلك فعلًا.\nوأمام هذه الآيات يتساءل المسلم:\nما دام الأمر هكذا فأين حرية الاختيار؟\nولماذا نحاسب؟","vol":"1","page":31},{"text":"والإجابة - في ضوء القرآن سهلة - فالقول المجمل يفسره المفصَّل، وقد فصل الله في كثير من الآيات ما أجمله في آيات المشيئة السابقة، قال تعالى في بيان الذين شاء إضلالهم (وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٢٧).\nوقال تعالى (وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧).\n(كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ (٣٤).\n(وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ).\nفالذين شاء الله إضلالهم، كشف القرآن عن هويتهم\n(وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٣٣).","vol":"1","page":32},{"text":"إن الله سبحانه لا يُقبل بوجهه الكريم على مدبر.\n(ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٦).\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>وهؤلاء يهديهم الله</span>\nقال تعالى (وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (٢٧) الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨).\n(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٩).\n(وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩).\n(فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا).\n(وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى).\n(إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (١٣).\nفمن أقبل على الله بقلبه، وقبِل هداية أنبيائه، هداه الله هداية التوفيق.\nومن أدبر وتولَّى، أضلَّه اللَّهُ.","vol":"1","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>هداية الله</span>\nبعض الناس يستمرئ طريق الضلال، ويتقاعد عن فعل الخير، فإذا دعوته إلى الفضيلة قال: إن الله لم يهدني.\nوتصحيحا لعقيدة الشباب، ونهوضا بهمم الكسالى أحاول\nأن أوضح معنى (هداية الله)\nوالدارس للقرآن الكريم، يرى أن القرآن استعمل كلمة الهداية في مجالات أربعة:\nأولًا: هداية إلزام الفطرة لما خُلقت له\nثانيًا: هداية الإرشاد والتعليم.\nثالثًا: هداية التوفيق.\nرابعًا: هداية أهل الجنة لمنازلهم.\nوسوف أوجز شرح المعاني الأربعة.\nأولًا: هداية الفطرة\nكل شيء في الكون مسخر لما خُلق له، وقد أعطى الله كل","vol":"1","page":34},{"text":"مخلوق هداية يؤدي بها رسالته في الحياة، ويحقق ما خُلق له.\nفكلب الحراسة لم نصدر إليه أوامرنا بالسهر، ولم نهدده بالجوع إذا نام، ومع ذلك يقضي ليله يقظًا.\nوترفع الدجاجة أجنحتها عن البيض قليلًا، في الأسبوع الثالث، حتى تسمح بدخول \" الأكسوجين \" إلى الأفراخ في البيض، ولو ضمت البيض بشدة، لاختنق الأفراخ.\nودودة الحرير تنظف بطنها جيدا قبل الدخول في \" الشرنقة \"\nحتى لا تلوث الحرير بما يخرج من بطنها.\nوالحشرة \" فكس \" تُؤمِّن مستقبل بيضها قبل أن تموت عندما تحفر حفرة، ثم تصطاد جرادة، وتقوم بتخيرها جيدا، ثم تنقلها إلى الحفرة، وتضع البيض فوقها، ثم تموت، فإذا خرج الجنين من البيض، وجد غذاءه لجما طازجا حيا.\nإن كل شيء يؤدي دوره في الحياة على","vol":"1","page":35},{"text":"قدر، وعندما سأل فرعون: قال (فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠).\nهذه هداية الفطرة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>ثانيًا: هداية الإرشاد</span>\nوهي صناعة أصحاب الرسالات من الأنبياء والدعاة.\nوهي أشرف الاأعمال؛ لأنها تقطع حجة العباد على الله قال تعالى\n(رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥).\nوالهداية بمعنى الإرشاد والتعليم، وردت في قوله تعالى:\n(وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى).\nومعنى (هَدَيْنَاهُمْ) هنا - أي أرشدناهم على يد نبينا صالح - ﵇ - فآثروا الضلال على الهدى الذي جاءهم به.","vol":"1","page":36},{"text":"وهذا النوع من الهداية قد أثبته الله لنبيه محمد - ﷺ - فقال تعالى (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢).\nأي تعلم وترشد.\nوغني عن البيان أن هداية الإرشاد سبب في<span data-type=\"title\" id=toc-14> هداية التوفيق</span>.\n* * *\nهداية التوفيق\nفاز بها الذين سعدوا، فأوصلتهم إلى الجنة (أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧).\nبعد أن عاشوا دنياهم في أمان (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢).\nوقد نالوا هداية التوفيق عندما قبلوا هداية الإرشاد، واستجابوا لله\n(إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥).\nوأثر هذه الهداية في عقيدتهم أن الله أورثهم فرقانا في قلوبهم يفرقون به بين","vol":"1","page":37},{"text":"الحق - الذي هو منهج الله - وبين الأهواء (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩).\nكما يسر لهم الطريق إلى الخير في الدنيا، فلم يجدوا عسرا في نفوسهم، عندما يعزمون على طاعة الله، أما مشقة التنفيذ فقد ذللها حبهم للخير، وإصرارهم عليه (وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى (٨).\nوإذا أغراهم الباطل بكل سلاح، عصمهم الفرقان الداخلي\n(قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢) قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ).\nإن هداية التوفيق سر من أسرار الله، يمنحها لمن قبِل هداية الإرشاد.\nمن هنا كانت هداية التوفيق من صنع","vol":"1","page":38},{"text":"الله وحده (وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ).\nوقد نفى الله عن النبي - ﷺ - القدرة على هداية التوفيق (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ).\nفالنبي - ﷺ - يقدر على هداية الإرشاد، ولا يملك هداية التوفيق.\nوهداية التوفيق يهبها الله سبحانه لمن قبِل هداية الإرشاد.\nأما من كذَّب وتولَّى فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤).\nإن سائق السيارة إن قبِل إرشادك للطريق السوي، وشكر لك، ثم تعطلت مركبته، فأمله في عونك كبير.\nأما من رد إرشادك، وأصر على السير في الطريق الوعر، فلن ينال عونك، إن تعطلت مركبته.\nهذا ولله المثل الأعلى (وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤).","vol":"1","page":39},{"text":"إن الله يتمم لك ما عزمت عليه.\nفإن جادت نفسك بالخير خوفا من الله وتصديقا بلقائه، يسَّر الله طريقك إلى الخير (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧).\nإن وجد الله الخيرَ في قلبك أعطاك خيرا (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠).\nمعادلة ثابتة، والله أكرم (إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا)\nإن شحت النفس، وتبجح العبد على ربه، هوى بقصده في النار.\n(وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠).\nإن الزارع يضع البزر، والله ينبت النبات.\nفازرع حياتك خيرا.\nفالحياة فرصة، والله يتمم لك ما تريد.\n(وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩).","vol":"1","page":40},{"text":"أو ازرع حياتك إن شئت شرا، ولكن عند قطف الثمر، لا تتهم القدر.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>رابعًا: هداية المؤمنين لمنازلهم في الجنة</span>\nالجنة واسعة، لأنها ظلال لرحمات الله التي وسعت كل شيء (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣).\nفكيف يعرف أهلها منازلهم؟\nهذا هو مجال الهداية الرابعة، قال تعالى (وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (٦).\nكيف يهديهم بعد أن استشهدوا؟\nإن الهداية هنا هي إرشادهم إلى منازلهم في الجنة، وهو المشار إليه بقوله تعالى\n(عَرَّفَهَا لَهُمْ).\nهذه هي المعاني الأربعة للهداية في القرآن الكريم.","vol":"1","page":41},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>مفاهيم مظلومة</span>\nأولًا: القضاء بين الأمس واليوم\nكان السلف الصالح يجعلون من الإيمان بالقدر زادا في معاركهم، فقد ولَّد هذا الإيمان إقداما وشجاعة.\nلقد غرس في قلوبهم الإيمان بأن العمر محدود والرزق مكفول، فخاضوا معاركهم آمنين على أنفسهم ومستقبلهم.\nإن شعارهم دائما (قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا)\nوهذا الشعور ولد عندهم الإقدام آمنين\nقال شاعرهم:\nأي يومي من الموت أفر. . . يوم لا قُدِر أم يوم قدر\nيوم لا قُدِر لا أرهبه. . . ويوم قدر لا ينجي الحذر","vol":"1","page":42},{"text":"هذه عقيدتهم، وأثرها في حياتهم، بها سادوا الدنيا، وقهروا الجبابرة.\nثم خلف من بعدهم خلف ركنوا إلى الراحة ورضوا بأن يكونوا مع الخوالف، وفسروا القضاء والقدر تفسيرا مثبِّطا لهمتهم، وملجأ يلجأون إليه عند الفرار من تحمل المسئولية.\nثم من بعد هذا جعلوه عذرا يعتذرون به عندما يضيعون الفرصة.\nونسمع من كلامهم: \" أقام العباد حيث أراد \"\n\" هذا حظي \" \" المكتوب على الجبين لابد أن تراه العين \"\nحتى أطلق بعضهم على البغاء اسم الوعد، ومنهم من قال:\nألقاه في اليم مكتوفا وقال له. . . إياك إياك أن تبتل بالماء\nسامح الله هذه الأمة - لقد أضاعت نفسها يوم أن ضيعت دينها، وتكاسلت باسم القدر، ونامت في النور،","vol":"1","page":43},{"text":"بينما استيقظ غيرها في الظلام،وجد السير فوصلوا.\nسامح الله هذه الأمة - إن أكثرها يدافع عن الخرافات أكثر من دفاعهم عن دين الله.\n* * *\nث<span data-type=\"title\" id=toc-17>انيًا: أمر الله</span>\nومن المفاهيم المظلومة، قول بعض الغارقين في شهواتهم:\nهذا أمر الله، يدافعون بذلك عن انحطاطهم وقد كذَّب القرآن دعواهم\n(قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ).\nبهذه المكارم أمر الله (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى).\nفالله سبحانه لا يأمر بالفحشاء.\nإن الشيطان يأمر بالفحشاء.\nقال تعالى:","vol":"1","page":44},{"text":"(الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨).\nفأي إساءة للأدب، وفساد للفطرة، هذه التي تسمح لصاحبها أن ينسب إلى الله ما لا يليق به.\nوقد سألني بعض الشباب عن معنى قوله تعالى (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦).\nوحتى لا نخطئ فهم القرآن، لابد أن ندرس الآية الكريمة في ضوء السياق القرآني الذي ذكرت فيه، فقد سبقها ما يؤكد المسئولية الفردية\n(وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤).\nوالإنسان يتحمل نتيجة هدايته وضلاله\n(مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا).","vol":"1","page":45},{"text":"وكما أكد السياق الكريم المسئولية الفردية، رفع عن الناس عبء تحمل أوزار الآخرين، مهما كانت درجتهم من القرابة (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) والله سبحانه أرحم بعباده من أن يؤاخذهم على كفرهم من قبل إرسال الرسل إليهم (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥).\nفي وسط هذا السياق جاءت الآية الكريمة تشرح قانون إهلاك القرى، بعد عصيان الرسل.\nوالآن ما معنى الآية الكريمة؟\n(وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً) ظالمة بسبب تكذيبها للرسل لأن الله لا يهلك قرية حتى يبعث لها رسولا قال تعالى (وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ (٢٠٨) ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٠٩).\n(أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا). فاعل الفعل هو الله سبحانه، وما دام فاعل الأمر هو الله فإن الله لا يأمر بالفحشاء (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى).","vol":"1","page":46},{"text":"(قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ)\n(إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ).\nهذه هي أوامر الله - كما وضحها القرآن - وبها نفسر قوله\n(أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا)\n(فَفَسَقُوا فِيهَا) أي خالفوا الأمر، ومنه قوله تعالى (إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ) أي خرج وخالف.\n(فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦)\nوهذه سنة الله في الظالمين (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢).\nهذا هو تفسير القرآن للقرآن - حتى لا نخطئ فهم القرآن.","vol":"1","page":47},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>ثالثًا: إرادة الله</span>\nوبنفس الأسلوب الهابط، يعتذرون عن معاصيهم بقولهم: هذه إرادة الله وهي كلمة حق أريد بها باطل، إن الله لم يقبل أن يُرغم عباده على طاعته فكيف يُرغمهم على معصيته؟\nإنَّ جمع الناس على الهداية قهرا، يبطل رسالة الأديان، ويقعد الناس عن التسابق في الخير، والتنافس فيه.\nويبطل الأجر على الطاعات، ويجعل عبادة الإنسان لا وزن لها في صحيفة عمله، قال تعالى (وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨).\nإنَّ الجدل العقلي في هذا الموضوع لا نهاية له، ولا ثمرة منه.\nإنَّ الله أراد أن يجعل للإنسان إرادة يتحمل بها","vol":"1","page":48},{"text":"نتائج فعله.\nوراكب القطار له حرية الحركة بين العربات، فإن أحدث مخالفة حوسب عليها؛ لأنه يتصرف باختياره.\nأما ما يتعلق بسير القطار، وتوقفه، ووصوله في الموعد، وتأخره فهذا شيء وإن كان له دخل بما قصدنا من السفر إلا أننا لا نستطيع تغييره.\nإن القرآن عندما سأل أصحاب النار عن سبب دخولها أجابوا بلا فلسفة ولا جدل (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧).\nاعترافات مرة، وحقائق بلا فلسفة ولا جدل.\n(كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (٩).","vol":"1","page":49},{"text":"أين فنون الجدل وفلسفة التنصل واتهام القدر؟!!\nلقد ذهب لهو الدنيا وبقي الحق.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>علم الله</span>\nلم يخع المبطلون أنفسهم بشيء كما خدعوها بأن معاصيهم حتمية الوقوع، لأنها سبقت في علم الله، ونحن نؤمن بأن الله بكل شيء عليم، وهذا الإيمان يدعو إلى الحياء من الله، الذي يراك حين تقوم، ويرقب حركاتك وسكناتك في الليل والنهار، فمن يرغب في المعصية، وهو يؤمن بعلم الله، فعليه أن يبحث عن مسرح لمعاصيه، لا يراه الله فيه.\nويروى أن امرأة دفعتها الحاجة الشديدة إلى بيت رجل غني، وامتنع عن قضاء حاجتها حتى تمكنه من نفسها، وبعد تردد شديد، وخوف من الهلاك، أسلمت نفسها،","vol":"1","page":50},{"text":"فقال لها مداعبًا: إن الكواكب تحكي جمالك الفاتن.\nفقالت له: ترى الكواكب وأنا أرى موكب الكواكب، وهو غضبان، فانتفض الرجل خجلًا من الله - وقضى حاجتها، وأناب إلى ربه، فغفر له.\nفالإيمان بعلم الله حصن عن معاصيه، ولكن فنون الجدل العقيم، حولته إلى ستار لمعاصيهم.\nإن علم الله كالمرآة الصافية التي تعكس على كل إنسان حقيقة وجهه.\nفمن وقف أمام المرآة باسِم الوجه، طليق الملامح، يرى ابتسامة ونضرة.\nومن وقف أمام المرآة عابس الوجه، كئيب الملامح، فلا يتهم المرآة.\nإن المدرس الماهر يعلم مصائر تلاميذه قبل الامتحان، وليس من حق تلميذ فاشل أن يقول: إن علمك برسوبي مسبقًا، هو السبب في رسوبي.\nإن المدرس أدى واجبه، فقد شرح ونصح، هذا - ولله المثل الأعلى.","vol":"1","page":51},{"text":"إن الله يعلم بعلمه القديم ما سيختاره العباد من خير أو شر.\nفيسر كل إنسان لما عزم عليه، إقرارا ً لحريتهم، وتطبيقًا لقانون الجزاء العادل فيهم.\nونسألهم: لماذا لا ينسبون فعل الخير الذي تعلمونه إلى علم الله، كما تنسبون المعاصي إلى علمه سبحانه؟\nلماذا لا تقولون: إننا نتصدق، ونقضي حاجات الناس؛ لأنه جرى في علم الله أننا سنفعل هذا، فلا ثواب لنا؟\nهل يتصورون علم الله خاصًّا بمعاصيهم؟\nأم أن نفوسهم خلت من الخير، فلم يشغلوا أنفسهم به.\nإن صفة العلم بالنسبة لله سبحانه، صفة انكشاف، وليست صفة إجبار.\nإن الله سبحانه هداك النجدين، وأرسل الرسل، فتخيَّر زادك، فالسفر الطويل يحتاج إلى زاد.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>خير من الجدل</span>\nخير من الجدل - الذي لا ثمرة منه - أن نقرأ معا هذه","vol":"1","page":52},{"text":"الآية الكريمة، التي تحدد ما يصح أن ينسب إلى الله، وما يصح أن ينسب إلى الناس (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠).\nوقوله تعالى (إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١).\nفانسب المعصية إلى نفسك واترك الجدل، والجأ إلى ربك واعتذر، فسترى اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا.\nوبعد:\nكل شيء في الكون يمارس نشاطه على وجه واحد، بدون اختيار، إلا الإنسان، فإنه الكائن الوحيد الذي يستطيع أن يفعل النقيضين باختياره، ومن هنا كان الثواب والعقاب.","vol":"1","page":53},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>من تجارب الحياة</span>\nجمعني عملي بالدعوة بعدد كبير من الشباب، فتحت لأكثرهم قلبي، وحاولت أن أرشدهم إلى الخير.\nوأفادتني هذه التجربة حقيقة لا يمكن تجاهلها، وهي:\nأن أكثر الذين يحاولون نسبة انحرافاتهم إلى القدر، هم الغارقون في الشهوات - الذين تضعف إرادتهم عن تكاليف التوبة.\nإنهم بهذا الزعم يريدون إسكات صوت النفس اللوامة فيهم - وإيقاف سياطها، بل إن بعضهم يفرُّ إلى الإلحاد من أجل أن يُخدِّر ضميره، ويوهم نفسه، بأنه لا إله، ولا حساب، مع علمه الداخلي بكذب دعوته (١)\n_________\n(١) مات لأحد الدعاة إلى الإلحاد والشيوعية ولد في ريعان شبابه، فحرصت على الذهاب للعزاء، وقلت للأب الملحد: الجنة موعد اللقاء إن شاء الله، فارتسم على وجهه فرحة شديدة أدركت منها أن دعوته للإلحاد لا تتجاوز أنها دعوة منفعة أو فرار من جرائمة الأخلاقية، وعندما عتب عليَّ بعض الشباب المسلم، وقال: كيف تعده بالجنة، وهو من دعاة الإلحاد؟\nقلت له: من قال لزوجته أنت طالق - إن شاء الله - لا يقع الطلاق، فأدرك صديقي ما عزمت عليه من اختيار فطرته فقط.","vol":"1","page":54},{"text":"وقد جمعني مجلس - في بلد عربي - بأحد هؤلاء الناس.\nجادلني في موضوع الجبر والاختيار، وأسرف في الجدل مصرًّا على أن الإنسان مسيَّرٌ.\nفاستأذنت من الحاضرين في الانفراد به بعض الوقت؛ لأن المناظرات العامة مقبرة للحقيقة، وحين أفردت به، نظرت إليه في ترحم وقلت له:\nاستغفارك الله، خير من هذا الجدل، الذي لا يكفر ذنبا، ولا يمحو خطيئة.\nفانفرط في البكاء وقال:\nادع الله أن يغفر لي.","vol":"1","page":55}]}