{"ً":{"ٌ":35096,"ٍ":"الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"فقه عام/الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة - العوايشة - ط دار الصديق 1-7","files":["00_56065.pdf|الغلاف","01_56065.pdf","02_56066.pdf","03_56067.pdf","04_56068.pdf","05_56069.pdf","06_56070.pdf","07_98577.pdf"]},"ّ":"الكتاب: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة\nالمؤلف: حسين بن عودة العوايشة\nالناشر: المكتبة الإسلامية (عمان - الأردن)، دار ابن حزم (بيروت - لبنان)\nالطبعة: الأولى، من ١٤٢٣ - ١٤٢٩ هـ (ينظر التفصيل بأول كل جزء)\nعدد الأجزاء: ٧\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]\n(تنبيه): الأجزاء الـ ٣ الأولى مطبوعة بنفس الترقيم (تصوير)، دار الصديق - مؤسسة الريان","ْ":"[الموسوعة الفقهية الميسرة - العوايشة]\n\nيقول المؤلف - حفظه الله تعالى -:\n«فإِنَّني رأيتُ حاجة الأمَّة مُلحَّةً لكتاب فقهيٍّ: شامل، ميسَّر، مُدعَّم بالأدلَّة الثابتة، بعيدٍ عن الغُموض والتَّعقيد والخلافات الفقهيَّة، يفيد من أقوال أهل العلم؛ من غير تعصُّب لمذهب من المذاهب أو عالم من العلماء.\nوتأمَّلت الكتبَ الموجودة؛ قديمها وحديثها، فرأيتُ الحاجة المُبتغاة مُتناثرة هنا وهناك، ورأيت أقربها إِلى هذا المطلب كتاب «فقه السنَّة» للسَّيد سابق -حفظه الله- تبويبًا وترتيبًا وتيسيرًا وعرضًا وتناولًا؛ فقد أدَّى كتابُه نفعًا عظيمًا وجُهدًا مباركًا، وقد استفدْتُ منه في كتابي هذا، ولا سيّما في كثيرٍ من العناوين والأدلّة، وكذلك من بعض عناوين المعلِّق على «الروضة الندية» للشيخ محمد الحلاق -حفظه الله- أسأل الله تعالى أن يتقبَّل منِّي ومنه. . . .\nهذا، وقد رجعْتُ لشيخنا الألباني في كثير من المسائل، فاستفدْتُ منه، وأنِسْتُ برأيه، فجزاه الله عنِّي وعن المسلمين خيرًا.»","ٓ":"1.0","ٔ":2441,"ٕ":18,"ٖ":1770155919,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2","3","4","5","6","7"],"ٚ":[{"title":"مقدمة المؤلف","level":1,"page":6},{"title":"الطهارة","level":1,"page":13},{"title":"المياه وأقسامها","level":2,"page":13},{"title":"القسم الأول: الماء الطهور:","level":3,"page":13},{"title":"١ - ماء المطر:","level":4,"page":13},{"title":"٢ - ما كان أصله الماء؛ كالثلج والبرد:","level":4,"page":13},{"title":"٣ - مياه العيون والينابيع:","level":4,"page":14},{"title":"٤ - ماء البحر:","level":4,"page":14},{"title":"٥ - ماء زمزم:","level":4,"page":14},{"title":"٦ - الماء الآجن المتغير بطول المكث أو بمخالطة طاهر لا يمكن صونه عنه؛ كالطحلب، وورق الشجر، والصابون، والدقيق.","level":4,"page":15},{"title":"٧ - الماء الذي خالطته النجاسة، ولم يتغير طعمه أو لونه أو ريحه:","level":4,"page":17},{"title":"٨ - الماء المستعمل:","level":4,"page":19},{"title":"٩ - الماء المسخن:","level":4,"page":23},{"title":"القسم الثاني: الماء الطاهر غير المطهر:","level":3,"page":24},{"title":"القسم الثالث: الماء النجس:","level":3,"page":25},{"title":"النجاسات","level":2,"page":25},{"title":"أولا: غائط الآدمي، وبوله:","level":3,"page":25},{"title":"ثانيا: دم الحيض:","level":3,"page":28},{"title":"ثالثا: الودي:","level":3,"page":29},{"title":"رابعا: المذي:","level":3,"page":29},{"title":"خامسا: الميتة:","level":3,"page":31},{"title":"سادسا: لحم الخنزير:","level":3,"page":33},{"title":"سابعا: الكلب:","level":3,"page":33},{"title":"ثامنا: لحم السباع:","level":3,"page":34},{"title":"تاسعا: لحم الحمار:","level":3,"page":34},{"title":"عاشرا: الجلالة:","level":3,"page":35},{"title":"حادي عشر: عظام وشعر وقرن ما يحكم بنجاسته:","level":3,"page":36},{"title":"الأسآر","level":2,"page":36},{"title":"القسم الأول: الأسآر الطاهرة:","level":3,"page":36},{"title":"١ - سؤر الآدمي:","level":4,"page":37},{"title":"٢ - سؤر ما يؤكل لحمه:","level":4,"page":39},{"title":"٣ - سؤر الهرة:","level":4,"page":40},{"title":"القسم الثاني: الأسآر النجسة:","level":3,"page":41},{"title":"١ - سؤر الكلب:","level":4,"page":41},{"title":"٢ - سؤر الحمار:","level":4,"page":42},{"title":"٣ - سؤر الخنزير:","level":4,"page":42},{"title":"٤ - سؤر السباع:","level":4,"page":43},{"title":"ما يظن أنه نجس وليس كذلك","level":2,"page":44},{"title":"أولا: المني:","level":3,"page":44},{"title":"ثانيا: الخمر:","level":3,"page":49},{"title":"ثالثا: روث وبول ما يؤكل لحمه:","level":3,"page":51},{"title":"رابعا: الدماء سوى دم الحيض والنفاس:","level":3,"page":57},{"title":"خامسا: رطوبات فرج المرأة:","level":3,"page":59},{"title":"سادسا: قيء الآدمي:","level":3,"page":60},{"title":"سابعا: عرق الجنب والحائض:","level":3,"page":60},{"title":"ثامنا: ميتة ما لا نفس له سائلة:","level":3,"page":61},{"title":"إزالة النجاسات","level":2,"page":61},{"title":"أولا: حكم إزالة النجاسة:","level":3,"page":61},{"title":"ثانيا: قاعدة جليلة جامعة في تطهير النجاسات:","level":3,"page":62},{"title":"ثالثا: تطهير النجاسات:","level":3,"page":62},{"title":"١ - العذرة (الغائط):","level":4,"page":62},{"title":"٢ - دم الحيض:","level":4,"page":65},{"title":"٣ - الإناء الذي ولغ فيه الكلب:","level":4,"page":67},{"title":"٤ - البول:","level":4,"page":67},{"title":"٥ - إزالة الأذى من الذيل والثوب:","level":4,"page":69},{"title":"٦ - الودي:","level":4,"page":70},{"title":"٧ - المذي:","level":4,"page":70},{"title":"٨ - جلد الميتة:","level":4,"page":70},{"title":"٩ - إذا وقع الفأر في السمن ونحوه:","level":4,"page":71},{"title":"١٠ - إذا كان الماء كثيرا ووقعت فيه نجاسة:","level":4,"page":72},{"title":"١١ - الماء القليل إذا تنجس يطهر بالمكاثرة:","level":4,"page":72},{"title":"١٢ - حبل الغسيل:","level":4,"page":73},{"title":"١٣ - إذا استحالت النجاسة في الماء ولم يبق لها أثر؛ فإن الماء طهور:","level":4,"page":73},{"title":"رابعا: هل الماء متعين في إزالة النجاسة:","level":3,"page":75},{"title":"آداب التخلي وقضاء الحاجة","level":2,"page":77},{"title":"١ - أن يبتعد عن الناس ويستتر منهم:","level":3,"page":77},{"title":"٢ - أن لا يتخلى في الطرق والظلال والموارد:","level":3,"page":78},{"title":"٣ - أن لا يبول في الماء الراكد أو المستحم:","level":3,"page":79},{"title":"٤ - جواز البول في الإناء أو الطست لمرض أو برد أو نحو ذلك:","level":3,"page":79},{"title":"٥ - ألا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض حتى لا تنكشف عورته:","level":3,"page":80},{"title":"٦ - أن يقول عند دخول الخلاء: \"بسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث\":","level":3,"page":80},{"title":"٧ - عدم استقبال القبلة:","level":3,"page":81},{"title":"٨ - التحفظ من البول كي لا يصيب البدن والثياب، والتغليظ في ترك غسله إذا أصاب البدن والثياب:","level":3,"page":84},{"title":"٩ - عدم الاستنجاء باليمين:","level":3,"page":84},{"title":"١٠ - الاستنجاء بالماء:","level":3,"page":85},{"title":"١١ - إذا استجمر بالحجارة؛ فلا يجعلها أقل من ثلاثة:","level":3,"page":85},{"title":"١٢ - عدم الاستنجاء بالروث أو العظم:","level":3,"page":86},{"title":"١٣ - عدم رد السلام عند قضاء الحاجة:","level":3,"page":87},{"title":"١٤ - أن يقول عند الخروج من الخلاء: غفرانك:","level":3,"page":87},{"title":"١٥ - دلك اليد بالأرض بعد الاستنجاء:","level":3,"page":88},{"title":"هل يجوز التبول قائما؟","level":4,"page":88},{"title":"الوضوء","level":2,"page":90},{"title":"فضل الوضوء","level":3,"page":90},{"title":"الوضوء شرط من شروط الصلاة","level":3,"page":93},{"title":"فرائض الوضوء","level":3,"page":95},{"title":"١ - النية","level":4,"page":95},{"title":"٢ - التسمية","level":4,"page":95},{"title":"٣ - المضمضة والاستنشاق والاستنثار مرة واحدة.","level":4,"page":96},{"title":"٤ - غسل الوجه مرة واحدة.","level":4,"page":97},{"title":"٥ - تخليل اللحية.","level":4,"page":97},{"title":"٦ - غسل اليدين إلى المرفقين مرة واحدة.","level":4,"page":98},{"title":"٧ - مسح الرأس مرة واحدة.","level":4,"page":98},{"title":"٨ - مسح الأذنين مرة واحدة.","level":4,"page":98},{"title":"٩ - غسل الرجلين إلى الكعبين مرة واحدة.","level":4,"page":98},{"title":"١٠ - تخليل أصابع اليدين والرجلين.","level":4,"page":98},{"title":"١١ - الموالاة في الوضوء.","level":4,"page":99},{"title":"١٢ - التيامن.","level":4,"page":100},{"title":"١٣ - \"الدلك لمن كان ذا شعر كثير كثيف\".","level":4,"page":101},{"title":"سنن الوضوء","level":3,"page":101},{"title":"١ - السواك:","level":4,"page":101},{"title":"٢ - غسل الكفين في أول الوضوء.","level":4,"page":101},{"title":"٣ - الدلك لمن لم يكن ذا شعر طويل كثيف.","level":4,"page":102},{"title":"٤ - تثليث الغسل.","level":4,"page":102},{"title":"٤ - الدعاء بعده.","level":4,"page":104},{"title":"٥ - صلاة ركعتين بعده.","level":4,"page":104},{"title":"ما يجب له الوضوء","level":3,"page":105},{"title":"١ - الصلاة، سواء كانت فرضا أو نافلة.","level":4,"page":105},{"title":"٢ - الطواف بالبيت.","level":4,"page":105},{"title":"الأمور التي يستحب لها الوضوء","level":3,"page":106},{"title":"١ - عند ذكر الله ﷿.","level":4,"page":106},{"title":"٢ - عند كل صلاة.","level":4,"page":107},{"title":"٣ - الوضوء عند كل حدث.","level":4,"page":108},{"title":"٤ - الوضوء من حمل الميت:","level":4,"page":108},{"title":"٥ - الوضوء للجنب إذا نام دون اغتسال:","level":4,"page":109},{"title":"٦ - الوضوء للجنب إذا أراد الأكل.","level":4,"page":109},{"title":"٧ - المعاودة للجماع.","level":4,"page":110},{"title":"٨ - الوضوء من القيء.","level":4,"page":110},{"title":"٩ - الوضوء من أكل ما مسته النار.","level":4,"page":110},{"title":"١٠ - عند النوم.","level":4,"page":111},{"title":"مسألة في الوضوء لمس المصحف:","level":3,"page":112},{"title":"نواقض الوضوء","level":3,"page":118},{"title":"١ - ما خرج من السبيلين (القبل والدبر) من بول أو مذي أو مني أو غائط أو ريح.","level":4,"page":118},{"title":"٢ - زوال العقل:","level":4,"page":121},{"title":"٣ - مس الفرج بشهوة:","level":4,"page":121},{"title":"٤ - أكل لحم الإبل.","level":4,"page":122},{"title":"٥ - النوم.","level":4,"page":123},{"title":"باب أمور تظن أنها تنقض الوضوء وليست كذلك","level":3,"page":127},{"title":"١ - مس الفرج بلا شهوة كما تقدم.","level":4,"page":127},{"title":"٢ - لمس المرأة إن لم ينزل منه شيء.","level":4,"page":127},{"title":"٣ - خروج الدم لجرح أو حجامة أو نحو ذلك.","level":4,"page":128},{"title":"٤ - القيء قل أو كثر.","level":4,"page":129},{"title":"٥ - الشك في الحدث.","level":4,"page":130},{"title":"٦ - الإحساس بالنقطة.","level":4,"page":131},{"title":"٧ - الأخذ من الشعر أو الأظفار، وخلع الخفين.","level":4,"page":132},{"title":"مسائل في الوضوء","level":3,"page":132},{"title":"١ - المضمضة باليمين.","level":4,"page":132},{"title":"٢ - الاستنثار باليسرى.","level":4,"page":132},{"title":"٣ - المضمضة والاستنشاق من غرفة واحدة.","level":4,"page":132},{"title":"٤ - المبالغة في المضمضة والاستنشاق إلا من صيام.","level":4,"page":133},{"title":"٥ - تخليل اللحية.","level":4,"page":133},{"title":"٦ - وجوب مسح جميع الرأس.","level":4,"page":134},{"title":"٧ - كيف يمسح الرأس؟","level":4,"page":135},{"title":"٨ - مسح الرأس مرة واحدة.","level":4,"page":135},{"title":"٩ - مسح الرأس مرتين.","level":4,"page":136},{"title":"١٠ - مسح الرأس ثلاثا.","level":4,"page":136},{"title":"١١ - المسح على العمامة.","level":4,"page":137},{"title":"١٢ - مسح باطن وظاهر الأذنين.","level":4,"page":140},{"title":"١٣ - مسح الأذنين بماء الرأس وجواز أخذ ماء جديد لهما عند الحاجة.","level":4,"page":141},{"title":"١٤ - عدم ورود المسح على العنق.","level":4,"page":143},{"title":"١٥ - غسل الرجلين إلى الكعبين.","level":4,"page":144},{"title":"١٦ - غسل الرجلين بغير عدد.","level":4,"page":144},{"title":"١٧ - تخليل أصابع الرجلين.","level":4,"page":144},{"title":"١٨ - الترهيب من النقص في غسل الرجلين.","level":4,"page":145},{"title":"١٩ - النضح بعد الوضوء.","level":4,"page":146},{"title":"٢٠ - وجوب استيعاب جميع أجزاء محل الطهارة، ولا يصح الوضوء بترك مثل موضع الظفر أو قدر الدرهم.","level":4,"page":146},{"title":"٢١ - ما يوجب إعادة الوضوء.","level":4,"page":147},{"title":"٢٢ - التيمن في الوضوء.","level":4,"page":147},{"title":"٢٣ - إسباغ الوضوء على المكاره.","level":4,"page":148},{"title":"٢٤ - عدم ترتيب الوضوء لا يفسده.","level":4,"page":148},{"title":"٢٥ - النهي عن الاعتداء في الوضوء.","level":4,"page":149},{"title":"٢٦ - الرجل يوضئ صاحبه.","level":4,"page":149},{"title":"٢٧ - التخفيف في الوضوء.","level":4,"page":150},{"title":"٢٨ - استعمال فضل وضوء الناس.","level":4,"page":151},{"title":"فوائد يحتاج المتوضىء إليها.","level":3,"page":152},{"title":"خلاصة ميسرة لأعمال الوضوء.","level":3,"page":153},{"title":"الذكر المستحب عقب الوضوء","level":3,"page":154},{"title":"المسح على الخفين","level":3,"page":156},{"title":"أولا: المسح على الخفين.","level":4,"page":156},{"title":"ثانيا: المسح على الجوربين.","level":4,"page":157},{"title":"ثالثا: المسح على النعلين.","level":4,"page":159},{"title":"رابعا: المسح على الخف أو الجورب المخرق.","level":4,"page":160},{"title":"خامسا: المسح على اللفائف.","level":4,"page":164},{"title":"سادسا: أحكام تتعلق بالمسح على الخفين.","level":4,"page":165},{"title":"١ - خلع الممسوح عليه هل ينقض الوضوء؛","level":5,"page":165},{"title":"٢ - انتهاء مدة المسح هل ينقض الوضوء؟","level":5,"page":167},{"title":"٣ - هل تنزع الخفاف من جنابة؛","level":5,"page":168},{"title":"٤ - اللبس على طهارة شرط للمسح.","level":5,"page":168},{"title":"٥ - محل المسح.","level":5,"page":169},{"title":"٦ - مدة المسح، ومتى تبدأ؟","level":5,"page":169},{"title":"هل يشرع المسح على الجبيرة ونحوها؟","level":3,"page":172},{"title":"الغسل","level":2,"page":174},{"title":"موجبات الغسل","level":3,"page":175},{"title":"أولا: خروج المني بدفق -سواء كان في النوم أو اليقظة- من ذكر أو أنثى:","level":4,"page":175},{"title":"ثانيا: التقاء الختانين:","level":4,"page":177},{"title":"ثالثا: انقطاع الحيض والنفاس:","level":4,"page":180},{"title":"رابعا: الموت:","level":4,"page":181},{"title":"خامسا: الكافر إذا أسلم:","level":4,"page":182},{"title":"سادسا: غسل الجمعة:","level":4,"page":182},{"title":"الأغسال المستحبة","level":3,"page":194},{"title":"أولا: غسل العيدين:","level":4,"page":194},{"title":"ثانيا: غسل يوم عرفة:","level":4,"page":194},{"title":"ثالثا: غسل الإحرام:","level":4,"page":194},{"title":"رابعا: الاغتسال عند دخول مكة:","level":4,"page":195},{"title":"خامسا: غسل من غسل ميتا.","level":4,"page":196},{"title":"سادسا: الاغتسال عند كل جماع:","level":4,"page":197},{"title":"سابعا: اغتسال المستحاضة لكل صلاة، أو للظهر والعصر جميعا غسلا، وللمغرب والعشاء جميعا غسلا، وللفجر غسلا","level":4,"page":197},{"title":"ثامنا: الاغتسال من دفن المشرك:","level":4,"page":197},{"title":"تاسعا: الاغتسال من الإغماء:","level":4,"page":198},{"title":"أركان الغسل وواجباته","level":3,"page":199},{"title":"سنن الغسل","level":3,"page":200},{"title":"ما يحرم على الجنب","level":3,"page":200},{"title":"مسائل في غسل المرأة","level":3,"page":200},{"title":"صفة غسل الجنابة","level":3,"page":203},{"title":"مسح اليد بالتراب أو غسلها بالصابون ونحوه:","level":3,"page":204},{"title":"غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء","level":3,"page":204},{"title":"الوضوء قبل الغسل:","level":3,"page":205},{"title":"المضمضة والاستنشاق:","level":3,"page":205},{"title":"إفاضة الماء على الرأس ثلاثا وتخليل الشعر:","level":3,"page":205},{"title":"البدء بشق أيمن الرأس ثم أيسره:","level":3,"page":206},{"title":"تأخير غسل الرجلين:","level":3,"page":207},{"title":"عدم الوضوء بعد الغسل:","level":3,"page":207},{"title":"عدم استعمال المنديل:","level":3,"page":208},{"title":"التيمن في الغسل:","level":3,"page":208},{"title":"إفاضة الماء على الجلد كله:","level":3,"page":208},{"title":"الغسل بالصاع ونحوه:","level":3,"page":209},{"title":"هل الدلك واجب؟","level":3,"page":210},{"title":"مراعاة غسل المرافغ عند الاغتسال:","level":3,"page":212},{"title":"مسائل في الاغتسال","level":3,"page":213},{"title":"النهي عن البول في المستحم:","level":3,"page":213},{"title":"جواز الاغتسال عريانا بحيث لا يرى:","level":3,"page":213},{"title":"التستر في الغسل:","level":3,"page":214},{"title":"هل يجزئ غسل عن غسل إذا كانا واجبين؟","level":3,"page":215},{"title":"الطوف على جميع نسائه بغسل واحد:","level":3,"page":217},{"title":"الاغتسال عند كل واحدة غسلا:","level":3,"page":217},{"title":"جواز نوم الجنب واستحباب الوضوء له:","level":3,"page":217},{"title":"اغتسال الرجل مع امرأته من إناء واحد من الجنابة واشتراكهما في ذلك:","level":3,"page":218},{"title":"الاغتسال بفضل المرأة وما جاء في النهي عن ذلك:","level":3,"page":219},{"title":"خلاصة ميسرة لأعمال الغسل","level":3,"page":221},{"title":"التيمم","level":2,"page":222},{"title":"تعريفه:","level":3,"page":222},{"title":"ثبوت مشروعيته بالكتاب والسنة والإجماع","level":3,"page":222},{"title":"اختصاص أمة محمد - ﷺ - به","level":3,"page":223},{"title":"سبب مشروعيته","level":3,"page":224},{"title":"كيفية التيمم","level":3,"page":224},{"title":"نواقض التيمم","level":3,"page":226},{"title":"ما يتيمم به وعدم اشتراط التراب:","level":3,"page":227},{"title":"من يستباح له التيمم:","level":3,"page":233},{"title":"هل يتيمم من خاف فوت الرفقة؟","level":3,"page":237},{"title":"التيمم لرد السلام في الحضر أو السفر بوجود الماء:","level":3,"page":237},{"title":"(باب استحباب التيمم في الحضر لرد السلام وإن كان الماء موجودا).","level":3,"page":238},{"title":"تيمم المريض","level":3,"page":238},{"title":"تيمم المسافر:","level":3,"page":239},{"title":"تيمم الجنب:","level":3,"page":240},{"title":"هل التيمم إلى المناكب والآباط صحيح؟","level":3,"page":241},{"title":"التيمم ضربة أم ضربتان؟","level":3,"page":242},{"title":"هل التيمم يقوم مقام الماء؟","level":3,"page":243},{"title":"اشتراط طهارة الصعيد للمتيمم:","level":3,"page":247},{"title":"جواز تيمم جماعة من موضع واحد:","level":3,"page":247},{"title":"صحة اقتداء المتوضئ بالمتيمم:","level":3,"page":248},{"title":"عدم الإعادة لمن صلى بالتيمم وإن لم يفت الوقت:","level":3,"page":248},{"title":"شراء الماء للوضوء وعدم التيمم:","level":3,"page":251},{"title":"هل هناك مسافة معينة في البحث عن الماء؟","level":3,"page":252},{"title":"من وجد ما يكفي بعض طهارته يستعمله ويتيمم للباقي:","level":3,"page":252},{"title":"الصلاة بدون وضوء أو تيمم:","level":3,"page":253},{"title":"هل يتيمم إذا كان قادرا على استعمال الماء، وخشي خروج الوقت باستعماله؟","level":3,"page":256},{"title":"هل يكره لعادم الماء جماع زوجته؟","level":3,"page":257},{"title":"الحيض والنفاس","level":2,"page":261},{"title":"الحيض","level":3,"page":261},{"title":"لونه:","level":3,"page":262},{"title":"مدته:","level":3,"page":265},{"title":"النفاس","level":3,"page":269},{"title":"تعريفه:","level":3,"page":269},{"title":"مدته:","level":3,"page":269},{"title":"حكم النفاس حكم الحيض في كل شيء","level":3,"page":270},{"title":"ما يحرم على الحائض والنفساء","level":3,"page":271},{"title":"ما يحل للرجل من الحائض","level":3,"page":274},{"title":"كفارة من جامع الحائض","level":3,"page":276},{"title":"متى يجوز إتيان الحائض إذا طهرت؟","level":3,"page":277},{"title":"مسائل تتعلق في غسل الحائض والنفساء","level":3,"page":283},{"title":"كيف تغتسل الحائض أو النفساء؟","level":3,"page":284},{"title":"كيف تطهر الحائض ثوبها؟","level":3,"page":285},{"title":"الاستحاضة","level":2,"page":286},{"title":"تعريفها:","level":3,"page":286},{"title":"أحوال المستحاضة:","level":3,"page":286},{"title":"أحكام المستحاضة","level":3,"page":290},{"title":"الحائض والنفساء تقضيان الصوم ولا تقضيان الصلاة","level":3,"page":292},{"title":"إذا طهرت الحائض بعد العصر أو بعد العشاء","level":3,"page":293},{"title":"الجمع الصوري للمستحاضة","level":3,"page":294},{"title":"الحامل إذا رأت الدم وبيان أنها لا تحيض","level":3,"page":294},{"title":"مسائل متنوعة تتعلق بالحائض والنفساء والمستحاضة","level":3,"page":296},{"title":"الصلاة","level":1,"page":301},{"title":"فضل الصلاة ومنزلتها في الإسلام","level":2,"page":302},{"title":"حكم ترك الصلاة","level":2,"page":308},{"title":"على من تجب؟","level":2,"page":325},{"title":"صلاة الصبي","level":2,"page":325},{"title":"عدد الفرائض","level":2,"page":326},{"title":"مواقيت الصلاة","level":2,"page":326},{"title":"وقت الظهر","level":2,"page":328},{"title":"الإبراد بصلاة الظهر عند الحر","level":2,"page":331},{"title":"وقت صلاة العصر","level":2,"page":332},{"title":"الترهيب من ترك صلاة العصر","level":2,"page":333},{"title":"تعجيلها عند الغيم","level":2,"page":334},{"title":"صلاة العصر هي الصلاة الوسطى","level":2,"page":334},{"title":"وقت صلاة المغرب","level":2,"page":335},{"title":"التعجيل بصلاة المغرب:","level":2,"page":336},{"title":"وقت العشاء","level":2,"page":336},{"title":"استحباب تأخير العشاء عن أول وقتها","level":2,"page":336},{"title":"آخر وقت للعشاء","level":2,"page":339},{"title":"فائدة:","level":2,"page":341},{"title":"وقت صلاة الصبح","level":2,"page":342},{"title":"التغليس بصلاة الفجر","level":2,"page":343},{"title":"من أدرك ركعة من صلاة الفجر أو العصر","level":2,"page":347},{"title":"الأوقات التي ورد النهي عن الصلاة فيها","level":2,"page":349},{"title":"التطوع حين الإقامة","level":2,"page":357},{"title":"صلاة ما له سبب وقت الكراهة","level":2,"page":358},{"title":"الأذان","level":2,"page":360},{"title":"تعريفه:","level":3,"page":360},{"title":"فضله:","level":3,"page":361},{"title":"سبب مشروعيته","level":3,"page":363},{"title":"وجوب الأذان","level":3,"page":365},{"title":"صفة الأذان","level":3,"page":366},{"title":"وجوب ترتيب الأذان","level":3,"page":368},{"title":"تثويب المؤذن في صلاة الصبح وهو قوله: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم","level":3,"page":368},{"title":"آخر الأذان","level":3,"page":370},{"title":"صفة الإقامة","level":3,"page":371},{"title":"ما يقول من يسمع المؤذن","level":3,"page":371},{"title":"استحباب إجابة المؤذن والدليل على عدم وجوبها","level":3,"page":376},{"title":"الآداب التي ينبغي أن يتصف بها المؤذن، وما يفعله عند الأذان:","level":3,"page":377},{"title":"١ - أن يحتسب في أذانه ويبتغي وجه الله سبحانه، ولا يطلب الأجر.","level":4,"page":377},{"title":"٢ - أن يكون على طهر","level":4,"page":377},{"title":"٣ - أن يؤذن قائما لما ثبت عن ابن أبي ليلى قال: أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال.","level":4,"page":378},{"title":"٤ - أن يستقبل القبلة.","level":4,"page":380},{"title":"٥ - أن يضع أصبعيه في أذنيه.","level":4,"page":380},{"title":"٧ - أن يؤذن في مكان مرتفع.","level":4,"page":383},{"title":"٨ - أن يرفع صوته بالأذان.","level":4,"page":384},{"title":"٩ - أن يتمهل في الأذان ويترسل.","level":4,"page":384},{"title":"أذان الأعمى إذا كان له من يخبره","level":3,"page":384},{"title":"الانتظار بين الأذان والإقامة","level":3,"page":385},{"title":"هل يجوز الكلام بين الإقامة والصلاة؟","level":3,"page":386},{"title":"الأذان عند دخول الوقت:","level":3,"page":386},{"title":"هل يقيم غير الذي أذن:","level":3,"page":388},{"title":"الإقامة في موضع غير موضع الأذان:","level":3,"page":388},{"title":"هل تعاد الإقامة إذا طال الفصل بينها وبين الصلاة؟","level":3,"page":389},{"title":"متى يقوم الناس إلى الصلاة؟","level":3,"page":390},{"title":"النهي عن الخروج من المسجد بعد الأذان لغير حاجة:","level":3,"page":390},{"title":"الأذان والإقامة للفائتة:","level":3,"page":391},{"title":"الأذان لمن يصلي وحده:","level":3,"page":393},{"title":"أذان الراعي:","level":3,"page":394},{"title":"الأذان في السفر:","level":3,"page":394},{"title":"هل للنساء أذان وإقامة؟","level":3,"page":395},{"title":"لا أذان ولا إقامة لصلاة العيدين:","level":3,"page":395},{"title":"الكلام في الأذان:","level":3,"page":396},{"title":"ما يحقن بالأذان من الدماء:","level":3,"page":396},{"title":"من بدع الأذان ومخالفاته:","level":3,"page":398},{"title":"شروط الصلاة:","level":2,"page":398},{"title":"١ - دخول الوقت، وقد تقدم في (باب مواقيت الصلاة).","level":3,"page":398},{"title":"٢ - الطهارة من الحدث.","level":3,"page":399},{"title":"٣ - تطهير الثوب والبدن والمكان من النجاسة.","level":3,"page":400},{"title":"٤ - ستر العورة:","level":3,"page":402},{"title":"ما يجب على الرجل ستره عند الصلاة:","level":4,"page":403},{"title":"حجة من يرى أن الفخذ ليست بعورة:","level":4,"page":406},{"title":"حجة من يرى أنها عورة:","level":4,"page":408},{"title":"ما يجب على المرأة ستره في الصلاة","level":4,"page":411},{"title":"هل يكشف الرجل رأسه في الصلاة؟","level":4,"page":415},{"title":"٥ - استقبال القبلة","level":3,"page":417},{"title":"حكم المشاهد للكعبة وغير المشاهد لها","level":4,"page":418},{"title":"متى يسقط استقبال القبلة؟","level":4,"page":419},{"title":"حكم من خفيت عليه القبلة","level":4,"page":420},{"title":"كيفية الصلاة","level":2,"page":421},{"title":"فرائض الصلاة وسننها","level":2,"page":429},{"title":"١ - النية:","level":3,"page":429},{"title":"٢ - تكبيرة الإحرام","level":3,"page":429},{"title":"٣ - رفع اليدين:","level":3,"page":430},{"title":"٤ - وضع اليدين على الصدر:","level":3,"page":433},{"title":"٥ - دعاء الاستفتاح:","level":3,"page":436},{"title":"٦ - الاستعاذة:","level":3,"page":440},{"title":"٧ - القيام في الفرض:","level":3,"page":443},{"title":"٨ - قراءة الفاتحة في كل ركعة -وهي ركن-.","level":3,"page":446},{"title":"هل يجهر بالبسملة؟","level":4,"page":448},{"title":"هل البسملة آية من الفاتحة؟","level":4,"page":451},{"title":"من لا يستطيع حفظ الفاتحة:","level":4,"page":452},{"title":"هل تقرأ الفاتحة خلف الإمام؟","level":4,"page":453},{"title":"٩ - التأمين جهرا:","level":3,"page":455},{"title":"موافقة الإمام فيه:","level":4,"page":456},{"title":"معنى آمين:","level":4,"page":457},{"title":"وجوب القراءة في السرية:","level":4,"page":457},{"title":"١٠ - قراءته - ﷺ - بعد الفاتحة","level":3,"page":458},{"title":"ما كان - ﷺ - يقرؤه في الصلوات","level":4,"page":459},{"title":"جمعه - ﷺ - بين النظائر وغيرها في الركعة","level":4,"page":465},{"title":"صفة قراءة النبي - ﷺ -","level":4,"page":465},{"title":"ترتيل القراءة وتحسين الصوت بها","level":4,"page":466},{"title":"مواضع الجهر والإسرار بالقراءة:","level":4,"page":470},{"title":"١١ - تكبيرات الانتقال:","level":3,"page":471},{"title":"١٢ - الركوع وهو ركن والطمأنينة فيه -وهما ركنان-:","level":3,"page":472},{"title":"صفة الركوع:","level":4,"page":474},{"title":"أذكار الركوع","level":4,"page":474},{"title":"النهي عن قراءة القرآن في الركوع","level":4,"page":476},{"title":"١٣ - الاعتدال من الركوع وهو ركن، والطمأنينه فيه -وهما ركنان-:","level":3,"page":477},{"title":"التسميع على كل مصل سواء أكان إماما أو مأموما أو منفردا:","level":4,"page":480},{"title":"كيف يهوي إلى السجود","level":4,"page":483},{"title":"١٤ - السجود وهو ركن والطمأنينة فيه -وهما ركنان-:","level":3,"page":485},{"title":"النهي عن قراءة القرآن في السجود","level":4,"page":492},{"title":"فضل السجود والحث عليه","level":4,"page":492},{"title":"١٥ - الرفع من السجود وهو ركن والطمأنينة فيه -وهما ركنان-:","level":3,"page":494},{"title":"الأذكار بين السجدتين","level":4,"page":495},{"title":"١٦ - الإقعاء بين السجدتين:","level":3,"page":496},{"title":"١٧ - جلسة الاستراحة:","level":3,"page":498},{"title":"بماذا يبدأ حين الرفع من السجود ليقوم إلى الركعة الثانية؟","level":4,"page":499},{"title":"١٨ - الجلوس للتشهد وصفته:","level":4,"page":500},{"title":"١٩ - التشهد الأول:","level":3,"page":501},{"title":"٢٠ - الصلاة على النبي - ﷺ - في التشهد الأول:","level":3,"page":504},{"title":"٢١ - القيام إلى الركعة الثالثة ثم الرابعة","level":3,"page":509},{"title":"٢٢ - التشهد الأخير:","level":3,"page":510},{"title":"٢٣ - الصلاة على النبي - ﷺ - في التشهد الأخير، وهي واجبة:","level":3,"page":510},{"title":"من صيغ التشهد","level":4,"page":511},{"title":"من صيغ الصلاة على النبي - ﷺ - في التشهد","level":4,"page":512},{"title":"٢٤ - الاستعاذة من أربع قبل الدعاء:","level":3,"page":514},{"title":"٢٥ - الدعاء قبل السلام وأنواعه:","level":3,"page":514},{"title":"٢٦ - التسليم، والتسليمة الأولى ركن والثانية مستحبة:","level":3,"page":517},{"title":"ما ورد في صفة الصلاة يستوي فيها الرجال والنساء","level":4,"page":519},{"title":"الأذكار والأدعية بعد السلام","level":4,"page":519},{"title":"صلاة التطوع","level":2,"page":525},{"title":"فضلها:","level":3,"page":525},{"title":"استحبابها في البيت","level":3,"page":525},{"title":"فضل طول القيام","level":3,"page":526},{"title":"القيام في النفل","level":3,"page":527},{"title":"جواز فعل بعض الركعة قائما وبعضها قاعدا","level":3,"page":528},{"title":"أنواعها:","level":3,"page":528},{"title":"السنن المؤكدة:","level":2,"page":528},{"title":"سنة الفجر:","level":3,"page":528},{"title":"فضلها:","level":4,"page":528},{"title":"تخفيفها:","level":4,"page":529},{"title":"ما يقرأ فيها:","level":4,"page":529},{"title":"الاضطجاع بعدها","level":4,"page":531},{"title":"قضاؤها بعد طلوع الشمس أو بعد صلاة الفريضة","level":4,"page":531},{"title":"سنة الظهر","level":3,"page":532},{"title":"ما ورد أنها أربع ركعات:","level":4,"page":532},{"title":"ما ورد أنها ست ركعات:","level":4,"page":533},{"title":"ما ورد أنها ثمان ركعات:","level":4,"page":533},{"title":"فضل الأربع قبل الظهر:","level":4,"page":534},{"title":"إذا صلى أربعا قبل الظهر أو بعده فهل يسلم بعد كل ركعتين؟","level":4,"page":534},{"title":"قضاء سنة الظهر القبلية:","level":4,"page":535},{"title":"قضاء سنة الظهر البعدية:","level":4,"page":535},{"title":"سنة المغرب","level":3,"page":536},{"title":"استحباب أدائها في البيت:","level":4,"page":536},{"title":"سنة العشاء","level":3,"page":537},{"title":"السنن غير المؤكدة","level":2,"page":537},{"title":"١ - ركعتان قبل العصر:","level":3,"page":537},{"title":"٢ - ركعتان قبل المغرب:","level":3,"page":538},{"title":"٣ - ركعتان قبل العشاء:","level":3,"page":538},{"title":"الفصل بين الفريضة والنافلة","level":4,"page":538},{"title":"الوتر","level":2,"page":539},{"title":"حكمه وفضله:","level":3,"page":539},{"title":"وقته","level":3,"page":541},{"title":"من خاف أن لا يستيقظ من آخر الليل فليوتر أوله:","level":3,"page":542},{"title":"عدد ركعات الوتر:","level":3,"page":543},{"title":"صفته:","level":3,"page":545},{"title":"هل يقعد بين الشفع والوتر ويسلم عند الإيتار بثلاث؟","level":3,"page":550},{"title":"ماذا يقرأ فيه؟","level":3,"page":551},{"title":"دعاء القنوت:","level":3,"page":552},{"title":"ما يقول في آخر الوتر:","level":3,"page":552},{"title":"لا وتران في ليلة","level":3,"page":553},{"title":"قضاء الوتر","level":3,"page":553},{"title":"الركعتان بعده","level":3,"page":555},{"title":"القنوت في الصلوات الخمس حين النوازل","level":3,"page":556},{"title":"القنوت في صلاة الفجر","level":3,"page":557},{"title":"قيام الليل","level":3,"page":563},{"title":"أجر من نوى قيام الليل وغلبته عينه حتى أصبح","level":3,"page":565},{"title":"الوصاة بإيقاظ الأهل لقيام الليل","level":3,"page":565},{"title":"الرقود وترك الصلاة إذا غلبه النعاس","level":3,"page":566},{"title":"عدم المشقة على النفس في القيام والمواظبة عليه","level":3,"page":567},{"title":"وقته:","level":3,"page":568},{"title":"أفضل أوقاته","level":3,"page":569},{"title":"عدد ركعاته:","level":3,"page":570},{"title":"تتحقق صلاة الليل ولو بركعة","level":3,"page":570},{"title":"من فاته قيام الليل","level":3,"page":571},{"title":"ما يستحب أثناء القراءة:","level":3,"page":571},{"title":"قيام رمضان","level":2,"page":573},{"title":"الترغيب فيه","level":3,"page":574},{"title":"مشروعية الجماعة فيه","level":3,"page":575},{"title":"السبب في عدم استمرار النبي - ﷺ - بالجماعة فيه","level":3,"page":576},{"title":"مشروعية الجماعة للنساء","level":3,"page":576},{"title":"عدد ركعاته","level":3,"page":576},{"title":"لم يصل التراويح أكثر من إحدى عشرة ركعة","level":3,"page":577},{"title":"ردود على بعض التساؤلات والاعتراضات","level":3,"page":580},{"title":"الأحوط اتباع السنة:","level":3,"page":581},{"title":"الكيفيات التي تصلى بها صلاة التراويح","level":3,"page":583},{"title":"القراءة في القيام","level":3,"page":585},{"title":"جواز جعل القنوت بعد الركوع في النصف الثاني من رمضان","level":3,"page":587},{"title":"صلاة الضحى","level":2,"page":588},{"title":"فضلها:","level":3,"page":588},{"title":"حكمها:","level":3,"page":591},{"title":"وقتها:","level":3,"page":591},{"title":"عدد ركعاتها:","level":3,"page":591},{"title":"صلاة الاستخارة","level":2,"page":592},{"title":"صلاة التسابيح","level":2,"page":594},{"title":"صلاة التوبة","level":2,"page":595},{"title":"صلاة الكسوف","level":2,"page":596},{"title":"صلاتها في المسجد","level":3,"page":599},{"title":"وقتها:","level":3,"page":600},{"title":"الخطبة بعد الصلاة:","level":3,"page":600},{"title":"صلاة الاستسقاء","level":2,"page":601},{"title":"لا أذان ولا إقامة للاستسقاء","level":3,"page":604},{"title":"سجود التلاوة","level":2,"page":605},{"title":"فضله:","level":3,"page":605},{"title":"حكمه:","level":3,"page":605},{"title":"مواضع السجود","level":3,"page":607},{"title":"هل يشترط له ما يشترط للصلاة؟","level":3,"page":609},{"title":"هل ثبت فيه التكبير؟","level":3,"page":610},{"title":"الدعاء فيه:","level":3,"page":611},{"title":"السجود في الصلاة الجهرية:","level":3,"page":612},{"title":"السجود لسجود القارئ:","level":3,"page":612},{"title":"سجود الشكر","level":2,"page":613},{"title":"سجود السهو","level":2,"page":614},{"title":"حكمه:","level":3,"page":615},{"title":"كيفيته:","level":3,"page":615},{"title":"الأحوال التي يشرع فيها.","level":3,"page":618},{"title":"صور التحري:","level":3,"page":623},{"title":"السهو في سجود السهو:","level":3,"page":623},{"title":"صلاة الجماعة","level":2,"page":624},{"title":"حكمها:","level":3,"page":624},{"title":"فضلها:","level":3,"page":630},{"title":"حضور النساء الجماعة في المساجد وفضل صلاتهن في بيوتهن","level":3,"page":631},{"title":"الترغيب في المشي إلى المسجد الأبعد والأكثر جمعا","level":3,"page":633},{"title":"استحباب تخفيف الإمام:","level":3,"page":634},{"title":"إطالة الإمام الركعة الأولى:","level":3,"page":636},{"title":"وجوب متابعة الإمام وتحريم مسابقته:","level":3,"page":637},{"title":"انعقاد الجماعة بواحد مع الإمام:","level":3,"page":638},{"title":"إدراك الإمام:","level":3,"page":639},{"title":"من أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة:","level":3,"page":640},{"title":"أعذار التخلف عن الجماعة:","level":3,"page":641},{"title":"١ - البرد أو المطر:","level":4,"page":641},{"title":"٢ - العلة:","level":4,"page":642},{"title":"٣ - حضور الطعام الذي يريد أكله في الحال:","level":4,"page":642},{"title":"٤ - مدافعة الأخبثين:","level":4,"page":643},{"title":"من هو الأحق بالإمامة:","level":3,"page":644},{"title":"متى تصح إمامتهم:","level":3,"page":646},{"title":"إمامة الصبي:","level":3,"page":646},{"title":"إمامة الأعمى:","level":3,"page":646},{"title":"إمامة المعذور بالصحيح:","level":3,"page":646},{"title":"إمامة الجالس بالقادر على القيام وجلوسه معه:","level":3,"page":647},{"title":"إمامة المتنفل بالمفترض:","level":3,"page":648},{"title":"إمامة المفترض بالمتنفل:","level":3,"page":648},{"title":"إمامة المتوضئ بالمتيمم والمتيمم بالمتوضئ:","level":3,"page":649},{"title":"إمامة المسافر بالمقيم:","level":3,"page":650},{"title":"إذا اقتدى المسافر بالمقيم أتم:","level":3,"page":650},{"title":"إمامة الرجل بالنساء:","level":3,"page":651},{"title":"المرأة تؤم أهل دارها:","level":3,"page":651},{"title":"إمامة المرأة بالنساء:","level":3,"page":651},{"title":"الصلاة خلف الفاسق والمبتدع والإمام الجائر ومن يكرهه المأمومون:","level":3,"page":652},{"title":"تنبيه:","level":3,"page":654},{"title":"الانفتال والانصراف عن اليمين والشمال:","level":3,"page":655},{"title":"مكث الإمام في مصلاه بعد السلام:","level":3,"page":656},{"title":"علو الإمام أو المأموم:","level":3,"page":657},{"title":"اقتداء المأموم بالإمام مع الحائل لعذر:","level":3,"page":659},{"title":"حكم الائتمام بمن ترك شرطا أو ركنا:","level":3,"page":660},{"title":"الاستخلاف:","level":3,"page":661},{"title":"موقف الإمام والمأموم:","level":3,"page":662},{"title":"أين يقف المأموم الواحد من الإمام؟","level":3,"page":662},{"title":"أين تقف المرأة من الإمام؟","level":3,"page":663},{"title":"من ركع دون الصف:","level":3,"page":664},{"title":"صلاة المنفرد خلف الصف:","level":3,"page":667},{"title":"تسوية الصفوف:","level":3,"page":669},{"title":"الترغيب في وصل الصفوف والتخويف من قطعها:","level":3,"page":670},{"title":"كيف نسوي صفوفنا؟","level":3,"page":671},{"title":"التوكيل في تسوية الصفوف:","level":3,"page":672},{"title":"الترغيب في الصف الأول وميامن الصفوف والترهيب من تأخر الرجال إلى أواخر صفوفهم:","level":3,"page":672},{"title":"التبليغ خلف الإمام:","level":3,"page":673},{"title":"متى يقوم الناس للإمام؟","level":3,"page":674},{"title":"هل يشرع تكرار الجماعة في المسجد الواحد؟","level":3,"page":674},{"title":"المساجد","level":2,"page":678},{"title":"فضل بنائها:","level":3,"page":678},{"title":"فضل الصلاة في المسجد الأكثر عددا:","level":3,"page":679},{"title":"ما يقول الرجل إذا خرج من بيته إلى المسجد:","level":3,"page":679},{"title":"دخول المسجد بالرجل اليمنى والخروج باليسرى:","level":3,"page":680},{"title":"أذكار دخول المسجد والخروج منه:","level":3,"page":680},{"title":"فضل المشي إلى المساجد:","level":3,"page":681},{"title":"استحباب المشي إلى المساجد بالسكينة:","level":3,"page":681},{"title":"تحية المسجد:","level":3,"page":682},{"title":"ما جاء في الصلاة في المساجد الثلاثة:","level":3,"page":682},{"title":"تواضع بنائها والنهي عن زخرفتها:","level":3,"page":683},{"title":"الترغيب في تنظيفها وتطهيرها وتجنيبها الأقذار والروائح الكريهة وما جاء في تجميرها:","level":3,"page":685},{"title":"كراهة نشد الضالة والبيع والشراء في المسجد:","level":3,"page":687},{"title":"عدم رفع الصوت فيها:","level":3,"page":688},{"title":"هل يباح الأكل والشرب والنوم فيها؟","level":3,"page":690},{"title":"عدم اتخاذ المساجد طرقا:","level":3,"page":691},{"title":"النهي عن تشبيك الأصابع عند الخروج إلى الصلاة:","level":3,"page":691},{"title":"الصلاة بين السواري:","level":3,"page":691},{"title":"النهي عن التزام مكان خاص من المسجد:","level":3,"page":693},{"title":"المواضع المنهي عن الصلاة فيها:","level":3,"page":694},{"title":"١ - الصلاة في المقبرة:","level":4,"page":694},{"title":"٢ - الحمام:","level":4,"page":696},{"title":"ما جاء في الصلاة في البيع (معابد النصارى) ونحوها:","level":3,"page":697},{"title":"ما جاء في الصلاة في مواضع الخسف والعذاب:","level":3,"page":697},{"title":"الصلاة في الكعبة:","level":3,"page":698},{"title":"السترة","level":2,"page":699},{"title":"حكمها:","level":3,"page":699},{"title":"السترة في الكعبة والمسجد الحرام:","level":3,"page":700},{"title":"بم تتحقق؟","level":3,"page":700},{"title":"تتحقق السترة بالأسطوانة:","level":3,"page":700},{"title":"سترة الإمام سترة من خلفه:","level":3,"page":701},{"title":"دنو المصلي من السترة واقترابه منها:","level":3,"page":702},{"title":"تحريم المرور بين يدي المصلي ودفع المار ومقاتلته ومنع بهيمة الأنعام ونحوها من ذلك:","level":3,"page":703},{"title":"ما يقطع الصلاة:","level":3,"page":704},{"title":"لا يجزئ الخط في السترة","level":3,"page":705},{"title":"ما يباح فعله في الصلاة:","level":2,"page":705},{"title":"١ - غلبة البكاء والتأوه والأنين","level":3,"page":705},{"title":"٢ - الالتفات والإشارة المفهمة عند الحاجة.","level":3,"page":707},{"title":"٣ - قتل الحية والعقرب والزنابير ونحو ذلك من كل ما يضر.","level":3,"page":709},{"title":"٤ - المشي اليسير لحاجة.","level":3,"page":709},{"title":"٥ - حمل الصبي وتعلقه بالمصلي.","level":3,"page":710},{"title":"٦ - إلقاء السلام على المصلي ومخاطبته وجواز الرد بالإشارة على من سلم عليه.","level":3,"page":711},{"title":"٧ - التسبيح والتصفيق:","level":3,"page":712},{"title":"٨ - الفتح على الإمام:","level":3,"page":713},{"title":"أعمال أخرى مباحة في الصلاة:","level":4,"page":714},{"title":"تنبيه","level":4,"page":716},{"title":"ما ينهى عن فعله في الصلاة","level":2,"page":719},{"title":"١ - العبث بالثوب أو البدن إلا لحاجة.","level":3,"page":719},{"title":"٢ - التخصر في الصلاة:","level":3,"page":719},{"title":"٣ - رفع البصر إلى السماء:","level":3,"page":719},{"title":"٤ - الالتفات لغير حاجة:","level":3,"page":720},{"title":"٥ - النظر إلى ما يلهي ويشغل:","level":3,"page":720},{"title":"٦ - تغميض العينين:","level":3,"page":720},{"title":"٧ - السدل وتغطية الفم:","level":3,"page":721},{"title":"٨ - الكلام في الصلاة:","level":3,"page":721},{"title":"٩ - الصلاة بحضرة الطعام ومدافعة الأخبثين ونحو ذلك:","level":3,"page":721},{"title":"١٠ - الصلاة عند النعاس:","level":3,"page":722},{"title":"١١ - البصاق","level":3,"page":723},{"title":"١٢ - التثاؤب","level":3,"page":723},{"title":"١٣ - كفت الشعر والثوب","level":3,"page":723},{"title":"١٤ - الاعتماد على اليد في الصلاة وتشبيك اليدين:","level":3,"page":723},{"title":"مبطلات الصلاة","level":2,"page":725},{"title":"١ - الأكل والشرب عمدا:","level":3,"page":725},{"title":"٢ - الكلام عمدا في غير مصلحة الصلاة:","level":3,"page":725},{"title":"٣ - الاشتغال الكثير بما ليس من الصلاة:","level":3,"page":727},{"title":"٤ - ترك شرط أو ركن عمدا بلا عذر:","level":3,"page":729},{"title":"٥ - الضحك في الصلاة:","level":3,"page":729},{"title":"قضاء الصلاة","level":2,"page":730},{"title":"صلاة المريض","level":2,"page":740},{"title":"جواز اتخاذ المريض أو المسن شيئا يعتمد عليه حين يصلي","level":3,"page":742},{"title":"صلاة الخوف","level":2,"page":743},{"title":"الصلاة في شدة الخوف وما يباح فيها من كلام وإيماء","level":3,"page":750},{"title":"صلاة السفر","level":2,"page":752},{"title":"وجوب القصر في السفر:","level":3,"page":752},{"title":"مسافة القصر","level":3,"page":754},{"title":"الموضع الذي يقصر منه:","level":3,"page":762},{"title":"* المسافر إذا أقام لقضاء حاجة ولم يجمع إقامة يقصر حتى يخرج:","level":3,"page":763},{"title":"صلاة التطوع في السفر:","level":3,"page":765},{"title":"السفر يوم الجمعة:","level":3,"page":767},{"title":"هل يشرع الجمع لسفر المعصية؟","level":3,"page":768},{"title":"الجمع بين الصلاتين","level":2,"page":769},{"title":"الحالات التي يجوز فيها الجمع بين الصلاتين:","level":3,"page":769},{"title":"١ - الجمع بعرفة والمزدلفة:","level":4,"page":769},{"title":"٢ - السفر:","level":4,"page":770},{"title":"٣ - المطر:","level":4,"page":772},{"title":"٤ - المرض:","level":4,"page":774},{"title":"٥ - الحاجة العارضة:","level":4,"page":775},{"title":"هل يشترط النية والموالاة في الجمع والقصر؟","level":3,"page":778},{"title":"الصلاة في السفينة والطائرة:","level":3,"page":779},{"title":"الجمعة","level":2,"page":780},{"title":"فضل يوم الجمعة:","level":3,"page":780},{"title":"الدعاء فيه:","level":3,"page":781},{"title":"استحباب كثرة الصلاة والسلام على رسول الله - ﷺ - ليلة الجمعة ويومها:","level":3,"page":782},{"title":"استحباب قراءة سورة الكهف يوم الجمعة أو ليلته:","level":3,"page":783},{"title":"الغسل والتجمل والسواك والتطيب:","level":3,"page":784},{"title":"التبكير إلى الجمعة:","level":3,"page":785},{"title":"الدنو من الإمام:","level":3,"page":786},{"title":"عدم تخطي الرقاب:","level":3,"page":787},{"title":"تخطي الرقاب لحاجة:","level":3,"page":787},{"title":"مشروعية التنفل قبلها:","level":3,"page":787},{"title":"إذا رأى الإمام رجلا جاء وهو يخطب أمره أن يصلي ركعتين.","level":3,"page":788},{"title":"تحول من غلبه النعاس عن مكانه:","level":3,"page":788},{"title":"وجوب صلاة الجمعة:","level":3,"page":788},{"title":"أداء الجمعة في المسجد الجامع:","level":3,"page":792},{"title":"وقتها:","level":3,"page":794},{"title":"الأحاديث في الوقت الآخر (قبل الزوال):","level":3,"page":795},{"title":"الآثار في الوقت الآخر (قبل الزوال):","level":3,"page":797},{"title":"العدد الذي تنعقد به الجمعة:","level":3,"page":798},{"title":"مكان الجمعة:","level":3,"page":799},{"title":"الجمعة لا تخالف الصلوات إلا في مشروعية الخطبة قبلها:","level":3,"page":801},{"title":"الخطبة","level":3,"page":803},{"title":"تسليم الإمام إذا رقى المنبر:","level":3,"page":804},{"title":"استقبال المأمومين للخطيب:","level":3,"page":805},{"title":"التأذين إذا جلس الخطيب على المنبر والمؤذن الواحد يوم الجمعة.","level":3,"page":806},{"title":"خطبة الحاجة:","level":3,"page":807},{"title":"صفة الخطبة وما يعلم فيها:","level":3,"page":808},{"title":"للجمعة خطبتان:","level":3,"page":811},{"title":"قراءة القرآن في خطبته - ﷺ - وتذكير الناس:","level":3,"page":812},{"title":"قيام الخطيب وعدم قعوده:","level":3,"page":812},{"title":"رفع الصوت بالخطبة واشتداد غضب الخطيب:","level":3,"page":812},{"title":"قطع الإمام الخطبة للأمر الطارئ يحدث:","level":3,"page":813},{"title":"حرمة الكلام أثناء الخطبة:","level":3,"page":814},{"title":"جواز كلام المصلين إذا لم يخطب الإمام وإن جلس على المنبر:","level":3,"page":815},{"title":"الأمر بالتحية في خطبة الجمعة:","level":3,"page":816},{"title":"عدم إطالة الموعظة يوم الجمعة:","level":3,"page":816},{"title":"هل يصلي الظهر إذا لم يصل الجمعة؟","level":3,"page":817},{"title":"ماذا إذا فاتته ركعة من الجمعة؟","level":3,"page":817},{"title":"الصلاة في الزحام:","level":3,"page":818},{"title":"التطوع قبل الجمعة وبعدها:","level":3,"page":819},{"title":"اجتماع الجمعة والعيد في يوم واحد","level":3,"page":821},{"title":"صلاة العيدين","level":2,"page":823},{"title":"حكمها:","level":3,"page":823},{"title":"آداب يوم العيدين","level":3,"page":825},{"title":"لبس الثياب الجميلة:","level":3,"page":825},{"title":"الأكل قبل الخروج في الفطر دون الأضحى:","level":3,"page":825},{"title":"تأخير الأكل يوم الأضحى ليأكل من أضحيته:","level":3,"page":826},{"title":"الخروج إلى المصلى:","level":3,"page":826},{"title":"خروج النساء والصبيان:","level":3,"page":826},{"title":"مخالفة الطريق:","level":3,"page":826},{"title":"وقت صلاة العيد:","level":3,"page":827},{"title":"هل يؤذن للعيدين أو يقام؟","level":3,"page":828},{"title":"صفة الصلاة:","level":3,"page":828},{"title":"القراءة فيها:","level":3,"page":832},{"title":"هل يصلي قبلها أو بعدها؟","level":3,"page":833},{"title":"خطبة العيد بعدها:","level":3,"page":833},{"title":"هل يفتتح الخطبة بالتكبير؟","level":3,"page":834},{"title":"قضاء صلاة العيد:","level":3,"page":835},{"title":"إذا فاتته الصلاة مع الجماعة:","level":3,"page":835},{"title":"الرخصة في اللعب الذي لا معصية فيه:","level":3,"page":836},{"title":"فضل العمل الصالح في أيام العشر من ذي الحجة:","level":3,"page":837},{"title":"استحباب التهنئة بالعيد:","level":3,"page":838},{"title":"التكبير في أيام العيدين:","level":3,"page":838},{"title":"صيغة التكبير:","level":3,"page":842},{"title":"الزكاة","level":1,"page":850},{"title":"الزكاة ركن من أركان الإسلام","level":2,"page":850},{"title":"الحض على أدائها والترغيب فيها","level":2,"page":851},{"title":"الترهيب من منعها","level":2,"page":853},{"title":"حكم مانعها","level":2,"page":857},{"title":"قتال من يمنعها","level":2,"page":857},{"title":"على من تجب؟","level":2,"page":859},{"title":"ماذا يشترط في النصاب؟","level":2,"page":861},{"title":"كيف يزكي إذا تعددت الأنصبة؟","level":2,"page":861},{"title":"هل في مال الصغير والمجنون زكاة؟","level":2,"page":862},{"title":"المالك المدين:","level":2,"page":870},{"title":"من مات وعليه الزكاة","level":2,"page":871},{"title":"أداؤها وقت الوجوب","level":2,"page":872},{"title":"التعجيل بأدائها قبل الحول","level":2,"page":873},{"title":"من أحب تعجيل الزكاة من يومها","level":2,"page":873},{"title":"عدم ذهاب السعاة لجمع الأموال الباطنة ويتولى الرجل تفرقة أمواله الباطنة بنفسه","level":2,"page":874},{"title":"الأموال التي تجب فيها الزكاة","level":2,"page":876},{"title":"زكاة النقدين الذهب والفضة","level":2,"page":876},{"title":"ما جاء في الترهيب من كنز الذهب أو الفضة وعدم إخراج زكاتها:","level":2,"page":876},{"title":"نصاب الذهب ومقدار الواجب فيه؟","level":2,"page":876},{"title":"نصاب الفضة ومقدار الواجب","level":2,"page":878},{"title":"زكاة العملات الورقية والمعدنية","level":2,"page":879},{"title":"زكاة الدين","level":2,"page":879},{"title":"الدين دينان:","level":2,"page":879},{"title":"زكاة الحلي","level":2,"page":880},{"title":"هل على الحلي المحرمة زكاة؟","level":2,"page":884},{"title":"زكاة صداق المرأة","level":2,"page":884},{"title":"هل في عروض التجارة زكاة؟","level":2,"page":886},{"title":"زكاة الزروع والثمار","level":2,"page":898},{"title":"وجوبها","level":2,"page":898},{"title":"الأصناف التي تؤخذ منها","level":2,"page":899},{"title":"هل في العنب زكاة؟","level":2,"page":900},{"title":"لا تؤخذ الزكاة من الخضراوات.","level":2,"page":901},{"title":"هل في السلت زكاة؟","level":2,"page":901},{"title":"هل في الزيتون زكاة؟","level":2,"page":902},{"title":"النصاب","level":2,"page":902},{"title":"المقدار الواجب:","level":2,"page":902},{"title":"الأكل من الزرع قبل إخراج الزكاة","level":2,"page":904},{"title":"خرص النخيل والأعناب","level":2,"page":905},{"title":"متى تجب الزكاة في الزروع والثمار؟","level":2,"page":907},{"title":"إخراج الطيب في الزكاة:","level":2,"page":908},{"title":"زكاة العسل","level":2,"page":910},{"title":"زكاة الحيوان","level":2,"page":913},{"title":"زكاة الإبل والمقدار الواجب","level":2,"page":913},{"title":"زكاة البقر والمقدار الواجب","level":2,"page":916},{"title":"هل في الجاموس زكاة؟","level":2,"page":917},{"title":"زكاة الغنم والمقدار الواجب","level":2,"page":918},{"title":"حكم الأوقاص:","level":2,"page":919},{"title":"ما لا يؤخذ في الزكاة","level":2,"page":920},{"title":"إباحة دعاء الإمام على مخرج مسن ماشيته في الصدقة؛ بأن لا يبارك له في ماشيته، ودعائه لمخرج أفضل ماشيته في الصدقة؛ بأن يبارك له في ماله.","level":2,"page":921},{"title":"زكاة غير الأنعام","level":2,"page":922},{"title":"في الجمع والتفريق:","level":2,"page":923},{"title":"من أين تؤخذ الصدقات؟","level":2,"page":925},{"title":"إرضاء العاملين على الصدقات","level":2,"page":926},{"title":"سمة غنم الصدقة إذا قبضت","level":2,"page":927},{"title":"استعمال إبل الصدقة وألبانها لأبناء السبيل","level":2,"page":928},{"title":"زكاة الركاز","level":2,"page":928},{"title":"هل يشترط الحول والنصاب في الركاز؟","level":2,"page":930},{"title":"مصرفه:","level":2,"page":930},{"title":"هل في المعادن زكاة؟","level":2,"page":930},{"title":"ما يستخرج من البحر","level":2,"page":935},{"title":"المال المغصوب والضائع","level":2,"page":937},{"title":"جواز دفع القيمة بدل العين","level":2,"page":937},{"title":"إذا وجبت الزكاة في المال وهلك قبل الأداء","level":2,"page":939},{"title":"إذا عزل الزكاة ليخرجها فضاعت","level":2,"page":941},{"title":"تأخير الزكاة لا يسقطها","level":2,"page":941},{"title":"الزكاة في المال المشترك","level":2,"page":942},{"title":"الفرار من الزكاة قبل وجوبها","level":2,"page":942},{"title":"مصارف الزكاة","level":2,"page":943},{"title":"أما ما جاء في الفقراء:","level":3,"page":944},{"title":"وأما ما جاء في المساكين:","level":3,"page":945},{"title":"المالك الذي لا يجد ما يفي بكفايته","level":3,"page":950},{"title":"٤ - المؤلفة قلوبهم:","level":3,"page":953},{"title":"٥ - وفي الرقاب:","level":3,"page":956},{"title":"٦ - الغارمون:","level":3,"page":957},{"title":"٧ - وفي سبيل الله","level":3,"page":959},{"title":"هل بناء المستشفيات الخيرية العامة وإعداد الدعاة إلى الإسلام والنفقة على المدارس الشرعية ... ونحو ذلك من \"سبيل الله\"؟","level":4,"page":961},{"title":"٨ - ابن السبيل:","level":3,"page":962},{"title":"هل يجب استيعاب الدفع إلى جميع مصارف الزكاة؟","level":2,"page":963},{"title":"إذا اجتمع في واحد أكثر من سبب لأخذ الزكاة","level":2,"page":964},{"title":"من تحرم عليهم الزكاة","level":2,"page":965},{"title":"١ - أهل الكفر والإلحاد","level":3,"page":965},{"title":"٢ - بنو هاشم وبنو المطلب.","level":3,"page":967},{"title":"٣ - من تجب عليهم النفقة من قبل المزكي","level":3,"page":969},{"title":"زكاة من لا تجب نفقتهم","level":4,"page":969},{"title":"الزكاة على الزوجة","level":4,"page":972},{"title":"هل تدفع الزوجة الزكاة لزوجها؟","level":4,"page":973},{"title":"هل يدفع الزكاة إلى الأقارب المحتاجين إذا كان الأجنبي أشد حاجة!","level":4,"page":974},{"title":"٤ - صرفها في وجوه القرب:","level":3,"page":975},{"title":"هل تعطى الزكاة لغير أهل الصلاح؟","level":2,"page":976},{"title":"الصدقة على ذي الرحم الكاشح","level":2,"page":977},{"title":"الصدقة على الجار","level":2,"page":977},{"title":"هل يشرع الاتجار بأموال اليتامى؟","level":2,"page":977},{"title":"إسقاط الدين عن الزكاة","level":2,"page":978},{"title":"نقل الزكاة","level":2,"page":980},{"title":"إذا استدان مالا هل يخرج زكاته؟","level":2,"page":982},{"title":"هل يجزئ الرجل عن زكاته ما يغرمه ولاة الأمور في الطرقات وما في معناه؟","level":2,"page":983},{"title":"من أعطى الزكاة لمن ظن أنه مستحق فظهر أنه غير مستحق","level":2,"page":983},{"title":"ما هو الأفضل: إظهار الصدقة أم إخفاؤها؟","level":2,"page":985},{"title":"الدعاء للمزكي","level":2,"page":987},{"title":"التحذير من المن بالعطية","level":2,"page":988},{"title":"فضل صدقة الشحيح الصحيح","level":2,"page":988},{"title":"النهي عن تحقير ما قل من الصدقات","level":2,"page":989},{"title":"الزجر عن عيب المتصدق المقل بالقليل من الصدقة","level":2,"page":990},{"title":"الزجر عن رمي المتصدقين بالكثير من الصدقة بالرياء والسمعة","level":2,"page":991},{"title":"هل يشتري صدقته؟","level":2,"page":991},{"title":"إذا تحولت الصدقة","level":2,"page":992},{"title":"التصدق بغير المال","level":2,"page":992},{"title":"التصدق بالماء","level":2,"page":994},{"title":"ما جاء في المنيحة","level":2,"page":995},{"title":"التصدق بالفرس","level":2,"page":996},{"title":"التصدق بالزرع","level":2,"page":996},{"title":"اشتراط المتصدق حبس أصول الصدقة، والمنع من بيع رقابها وهبتها وتوريثها","level":2,"page":996},{"title":"لا يقبل الله صدقة من غلول","level":2,"page":997},{"title":"استسلاف الإمام المال لأهل الصدقات ورده ذلك من الصدقة بعد الاستسلاف","level":2,"page":997},{"title":"الرخصة في إعطاء الإمام من الصدقة من يذكر حاجة وفاقة؛ لا يعلم الإمام منه خلافه من غير مسألة عن حاله؛ أهو فقير محتاج أم لا؟","level":2,"page":998},{"title":"الرخصة في إعطاء الإمام المظاهر من الصدقة ما يكفر به عن ظهاره إذا لم يكن واجدا للكفارة.","level":2,"page":999},{"title":"إعطاء الإمام دية من لا يعرف قاتله من الصدقة","level":2,"page":1000},{"title":"صدقة الفطر","level":2,"page":1001},{"title":"صدقة الفطر عن المملوك واجب على مالكه","level":2,"page":1002},{"title":"حكمتها:","level":2,"page":1002},{"title":"على من تجب؟","level":2,"page":1003},{"title":"قدرها:","level":2,"page":1004},{"title":"الزيادة عن المنصوص عليه","level":2,"page":1005},{"title":"هل يجوز إخراج القيمة؟","level":2,"page":1006},{"title":"وقت إخراجها","level":2,"page":1007},{"title":"مصرفها:","level":2,"page":1009},{"title":"عدم جواز إعطائها للذمي","level":2,"page":1010},{"title":"في المال حق سوى الزكاة","level":2,"page":1011},{"title":"صدقة التطوع","level":2,"page":1015},{"title":"أولى الناس بالصدقة","level":2,"page":1016},{"title":"التحذير من التصدق بالحرام","level":2,"page":1018},{"title":"هل تتصدق المرأة من مال زوجها؟","level":2,"page":1019},{"title":"هل تتصدق المرأة من مالها بدون إذن زوجها؟","level":2,"page":1022},{"title":"الصدقة عن الميت عن غير وصية من مال الميت، وتكفير ذنوب الميت بها","level":2,"page":1023},{"title":"هل يتصدق بكل ماله؟","level":2,"page":1023},{"title":"الصدقة على الحيوان","level":2,"page":1027},{"title":"الصدقة الجارية","level":2,"page":1028},{"title":"الصدقة في رمضان","level":2,"page":1028},{"title":"الصدقة في أيام العشر من ذي الحجة","level":2,"page":1029},{"title":"كتاب الصيام","level":1,"page":1030},{"title":"الصيام","level":2,"page":1031},{"title":"فضله:","level":3,"page":1031},{"title":"منزلة الصائم الصابر","level":3,"page":1034},{"title":"أقسامه:","level":3,"page":1035},{"title":"صوم رمضان","level":3,"page":1035},{"title":"حكمه:","level":3,"page":1035},{"title":"فضل شهر رمضان","level":3,"page":1036},{"title":"الترهيب من الفطر في رمضان","level":3,"page":1039},{"title":"بم يثبت الشهر؟","level":3,"page":1039},{"title":"فائدة:","level":3,"page":1042},{"title":"إذا رأى الهلال أهل بلد هل يلزم سائر البلاد الموافقة؟","level":3,"page":1043},{"title":"إذا أغمي هلال شوال وأصبح الناس صياما","level":3,"page":1049},{"title":"هل يصوم أو يفطر من رأى الهلال وحده؟","level":3,"page":1049},{"title":"أركان الصوم","level":3,"page":1054},{"title":"على من يجب؟","level":3,"page":1056},{"title":"صيام الصبي","level":3,"page":1057},{"title":"من يرخص لهم في الفطر وتجب عليهم الفدية","level":3,"page":1058},{"title":"من يرخص لهم في الفطر، ويجب عليهم القضاء","level":3,"page":1063},{"title":"وأما الرخصة للمسافر؛ ففيها أحاديث عديدة؛ منها:","level":3,"page":1064},{"title":"أيهما أفضل للمريض والمسافر؛ الفطر أم الصوم؟","level":3,"page":1065},{"title":"هل يجوز له الفطر إذا نوى الصيام وهو مقيم ثم سافر نهارا؟","level":3,"page":1069},{"title":"لا يجوز للحائض أو النفساء أن تصوما، ويجب عليهما القضاء","level":3,"page":1072},{"title":"كان صيام تسع وعشرين لرمضان على عهد النبي - ﷺ - أكثر من صيام ثلاثين","level":3,"page":1073},{"title":"الأيام المنهي عن صيامها","level":2,"page":1074},{"title":"١ - يوما العيدين","level":3,"page":1074},{"title":"٢ - أيام التشريق","level":3,"page":1074},{"title":"٣ - يوم الجمعة منفردا","level":3,"page":1075},{"title":"٤ - يوم السبت في غير الفرض","level":3,"page":1076},{"title":"فكيف يكون التعامل مع هذه النصوص؟","level":4,"page":1080},{"title":"٥ - يوم الشك","level":3,"page":1082},{"title":"٦ - صوم الدهر","level":3,"page":1083},{"title":"٧ - صيام المرأة وزوجها حاضر إلا بإذنه","level":3,"page":1084},{"title":"٨ - النصف الثاني من شعبان، إلا لمن كان له صوم يصومه.","level":3,"page":1087},{"title":"الوصال في الصوم","level":2,"page":1087},{"title":"صيام التطوع","level":2,"page":1089},{"title":"١ - الاثنين والخميس","level":3,"page":1089},{"title":"٢ - صيام يوم وفطر يوم","level":3,"page":1089},{"title":"٣ - ثلاثة أيام من كل شهر","level":3,"page":1090},{"title":"٤ - أكثر شعبان","level":3,"page":1092},{"title":"٥ - ستة أيام من شوال","level":3,"page":1093},{"title":"٦ - تسع ذي الحجة","level":3,"page":1094},{"title":"أيهما أفضل العشر من ذي الحجة أم العشر الأواخر من رمضان؟","level":4,"page":1096},{"title":"٧ - يوم عرفة لغير الحاج:","level":3,"page":1097},{"title":"٨ - أكثر شهر الله المحرم، وتأكيد صوم عاشوراء، ويوما قبلها أو يوما بعدها","level":3,"page":1098},{"title":"هل يصح إظهار السرور يوم عاشوراء والاكتحال وطبخ الحبوب ونحوه؟","level":2,"page":1101},{"title":"هل في الأشهر الحرم صوم؟","level":2,"page":1101},{"title":"فائدة:","level":2,"page":1103},{"title":"جواز فطر الصائم المتطوع","level":2,"page":1104},{"title":"عدم وجوب قضاء يوم النفل","level":2,"page":1106},{"title":"آداب الصيام","level":2,"page":1107},{"title":"١ - السحور","level":3,"page":1107},{"title":"فضله:","level":4,"page":1108},{"title":"بم يتحقق؟","level":4,"page":1108},{"title":"فضل السحور بالتمر","level":4,"page":1109},{"title":"وقته:","level":4,"page":1109},{"title":"فائدة:","level":4,"page":1115},{"title":"استحباب تأخيره:","level":4,"page":1115},{"title":"هل يفطر إذا أكل أو شرب أو جامع، ظانا غروب الشمس أو عدم طلوع الفجر؟","level":4,"page":1116},{"title":"٢ - تعجيل الفطر","level":3,"page":1123},{"title":"متى يفطر الصائم","level":4,"page":1124},{"title":"علام يفطر؟","level":4,"page":1126},{"title":"٣ - الدعاء عند الفطر","level":3,"page":1126},{"title":"٤ - الجود ومدارسة القرآن.","level":3,"page":1127},{"title":"فينبغي الاقتداء بالنبي - ﷺ - في الجود والعطاء.","level":4,"page":1127},{"title":"٥ - الاجتهاد في العبادة في العشر الأواخر من رمضان.","level":3,"page":1127},{"title":"ترهيب الصائم من الغيبة والفحش والكذب ونحو ذلك","level":4,"page":1128},{"title":"ما يباح للصائم","level":2,"page":1129},{"title":"١ - الغسل تعبدا","level":3,"page":1129},{"title":"٢ - أن يصبح جنبا","level":3,"page":1130},{"title":"٣ - المضمضة والاستنشاق من غير مبالغة.","level":3,"page":1131},{"title":"٤ - الاكتحال والقطرة ونحوها مما يدخل العين","level":3,"page":1132},{"title":"٦ - الحقنة لغير التغذية","level":3,"page":1141},{"title":"٧ - الحجامة","level":3,"page":1142},{"title":"٨ - ما لا يمكن التحرر منه كابتلاع الريق","level":3,"page":1144},{"title":"٩ - السواك والطيب والادهان:","level":3,"page":1145},{"title":"هل يباح ذوق الطعام؟","level":2,"page":1147},{"title":"المفطرات","level":2,"page":1147},{"title":"على من تقع الكفارة؟","level":2,"page":1151},{"title":"ترتيب الكفارة كما وردت في الحديث","level":2,"page":1152},{"title":"إذا تكرر الجماع، هل تتكرر الكفارة؟","level":2,"page":1152},{"title":"لا تجب الكفارة على من لم يستطعها","level":2,"page":1153},{"title":"هل يجوز صيام الشهرين متفرقا في كفارة الجماع؟","level":2,"page":1153},{"title":"أمر المجامع بقضاء صوم يوم مكان اليوم الذي جامع فيه، إذا لم يجد الكفارة.","level":2,"page":1153},{"title":"هل الاستمناء بمباشرة الرجل زوجه أو باليد يفسد الصوم؟","level":2,"page":1154},{"title":"قضاء رمضان","level":2,"page":1159},{"title":"متى يقضى قضاء رمضان","level":2,"page":1159},{"title":"هل على من أخر القضاء كفارة؟","level":2,"page":1167},{"title":"هل يقضي من أفطر متعمدا؟","level":2,"page":1167},{"title":"قضاء صوم النذر عن الميت من قبل وليه","level":2,"page":1169},{"title":"ماذا يقول الصائم إذا دعي إلى طعام؟","level":2,"page":1176},{"title":"الترغيب في إطعام الصائم","level":2,"page":1176},{"title":"الصوم لمن لم يستطع الباءة","level":2,"page":1177},{"title":"ليلة القدر","level":2,"page":1177},{"title":"فضلها:","level":2,"page":1177},{"title":"متى تتحرى وتلتمس؟","level":2,"page":1178},{"title":"تحديدها:","level":2,"page":1183},{"title":"قيامها والدعاء فيها","level":2,"page":1184},{"title":"صفة ليلة القدر","level":2,"page":1185},{"title":"كثرة الملائكة في الأرض ليلة القدر","level":2,"page":1185},{"title":"كتاب الاعتكاف","level":1,"page":1187},{"title":"تعريفه:","level":2,"page":1188},{"title":"مشروعيته:","level":2,"page":1188},{"title":"حكمه:","level":2,"page":1189},{"title":"مقصود الاعتكاف","level":2,"page":1190},{"title":"زمانه:","level":2,"page":1191},{"title":"شروطه","level":2,"page":1192},{"title":"متى يدخل المعتكف؟","level":2,"page":1195},{"title":"ما يستحب للمعتكف","level":2,"page":1196},{"title":"ما يجوز للمعتكف:","level":2,"page":1199},{"title":"منع الرجل أهله من الاعتكاف","level":2,"page":1202},{"title":"ما يبطل الاعتكاف","level":2,"page":1203},{"title":"فوائد متنوعة","level":2,"page":1203},{"title":"الجنائز","level":1,"page":1213},{"title":"فضل المرض:","level":2,"page":1213},{"title":"شكوى المريض:","level":2,"page":1214},{"title":"المريض يكتب له ما كان يعمل مقيما صحيحا:","level":2,"page":1215},{"title":"عيادة المريض:","level":2,"page":1216},{"title":"عيادة المغمى عليه:","level":2,"page":1217},{"title":"قول العائد للمريض: كيف تجدك؟","level":2,"page":1218},{"title":"ما يجيب المريض:","level":2,"page":1218},{"title":"أين يقعد العائد؟","level":2,"page":1218},{"title":"عيادة النساء الرجال:","level":2,"page":1219},{"title":"عيادة المشرك:","level":2,"page":1219},{"title":"التداوي:","level":2,"page":1219},{"title":"تحريم التداوي بمحرم:","level":2,"page":1220},{"title":"الطبيب المشرك:","level":2,"page":1222},{"title":"هل يداوي الرجل المرأة والمرأة الرجل؟","level":2,"page":1223},{"title":"العلاج بالرقى:","level":2,"page":1223},{"title":"تحريم التمائم:","level":2,"page":1225},{"title":"التوقي من العدوى:","level":2,"page":1227},{"title":"ذكر الموت والاستعداد له بالعمل:","level":2,"page":1229},{"title":"فضل طول العمر مع حسن العمل:","level":2,"page":1232},{"title":"طلب الموت بالمدينة:","level":2,"page":1233},{"title":"موت الفجأة:","level":2,"page":1233},{"title":"أعمار أمة محمد - ﷺ -:","level":2,"page":1234},{"title":"أجر شدة الموت وسكراته:","level":2,"page":1234},{"title":"ما يجب على المريض","level":2,"page":1235},{"title":"تلقين المحتضر:","level":2,"page":1245},{"title":"ما على الحاضرين بعد موته","level":2,"page":1249},{"title":"ما يجوز للحاضرين وغيرهم","level":2,"page":1255},{"title":"وإن أحب أهله أن يروه لم يمنعوا:","level":2,"page":1257},{"title":"ما يجب على أقارب الميت","level":2,"page":1257},{"title":"ما يحرم على أقارب الميت","level":2,"page":1261},{"title":"١ - النياحة","level":3,"page":1261},{"title":"٢، ٣ - ضرب الخدود وشق الجيوب.","level":3,"page":1263},{"title":"٤ - حلق الشعر.","level":3,"page":1264},{"title":"٥ - نشر الشعر.","level":3,"page":1264},{"title":"النعي الجائز","level":2,"page":1265},{"title":"ما جاء في الإحداد على الميت:","level":3,"page":1268},{"title":"غسل الميت","level":2,"page":1269},{"title":"حكمه:","level":3,"page":1269},{"title":"كيفية غسل الميت:","level":3,"page":1270},{"title":"ذكر مضمضة الميت واستنشاقه:","level":3,"page":1272},{"title":"ماذا إذا مات رجل بين نساء، أو ماتت امرأة بين رجال؟","level":3,"page":1273},{"title":"غسل الميت بخرقة:","level":3,"page":1273},{"title":"ذكر عصر بطن الميت:","level":3,"page":1274},{"title":"هل يغطى وجه الميت؟","level":3,"page":1275},{"title":"ذكر ترك الأخذ من شعر الميت ومن أظفاره:","level":3,"page":1277},{"title":"التيمم للميت عند فقد الماء:","level":3,"page":1277},{"title":"يتولى الغسل من كان أعرف بسنة الغسل:","level":3,"page":1278},{"title":"الشهداء الذين يغسلون ويصلى عليهم:","level":3,"page":1281},{"title":"من جرح في المعركة وعاش حياة مستقرة:","level":3,"page":1283},{"title":"هل يغسل الكافر؟","level":3,"page":1283},{"title":"الصبي الصغير تغسله المرأة:","level":3,"page":1284},{"title":"ما عدد ما يغسل الجنب والحائض إذا ماتا؟","level":3,"page":1284},{"title":"إذا خرج شيء من الميت بعد الغسل؛ فهل يعاد الغسل؟","level":3,"page":1285},{"title":"فوائد في غسل الميت:","level":3,"page":1286},{"title":"تكفين الميت","level":2,"page":1286},{"title":"حكمه:","level":3,"page":1286},{"title":"الكفن أو ثمنه من مال الميت:","level":3,"page":1286},{"title":"والحنوط وأجرة القبر والغسل كذلك من مال الميت.","level":3,"page":1287},{"title":"ينبغي أن يكون الكفن طائلا سابغا ساترا جميع بدنه:","level":3,"page":1288},{"title":"ماذا إذا ضاق الكفن؟","level":3,"page":1289},{"title":"جواز تكفين الجماعة في الكفن الواحد عند الضرورة:","level":3,"page":1290},{"title":"يدفن الشهيد في ثيابه التي قتل فيها:","level":3,"page":1291},{"title":"يكفن المحرم في ثوبيه الذين مات فيهما:","level":3,"page":1293},{"title":"حمل الجنازة واتباعها","level":2,"page":1296},{"title":"حكم حمل الجنازة واتباعها:","level":3,"page":1296},{"title":"هل تتبع جنازة المشرك؟","level":3,"page":1297},{"title":"فضل اتباع الجنازة:","level":3,"page":1297},{"title":"لا يجوزأن تتبع الجنائز بما يخالف الشريعة:","level":3,"page":1300},{"title":"الإسراع في السير بها:","level":3,"page":1303},{"title":"أين يكون الماشي والراكب من الجنازة؟","level":3,"page":1305},{"title":"ما هو الأفضل؟","level":3,"page":1305},{"title":"تحريم حمل الجنازة على عربة مخصصة لها ونحو ذلك:","level":3,"page":1307},{"title":"نسخ القيام للجنازة:","level":3,"page":1308},{"title":"استحباب الوضوء لمن حملها:","level":3,"page":1309},{"title":"الصلاة على الجنازة","level":2,"page":1310},{"title":"شروطها:","level":3,"page":1310},{"title":"حكمها:","level":3,"page":1310},{"title":"عدم وجوب الصلاة على شخصين:","level":3,"page":1310},{"title":"هل يصلى على الميت الذي كان لا يصلي:","level":3,"page":1320},{"title":"هل يصلى على العضو إذا لم يوجد غيره؟","level":3,"page":1326},{"title":"تحريم الصلاة والاستغفار والترحم على الكفار والمنافقين:","level":3,"page":1327},{"title":"هل يصلى على قتلى المسلمين إذا اختلطوا بالمشركين؟!","level":3,"page":1329},{"title":"وجوب الجماعة في صلاة الجنازة:","level":3,"page":1330},{"title":"أقل ما ورد في انعقاد الجماعة:","level":3,"page":1331},{"title":"انتفاع الميت بكثرة المصلين إذا كانوا موحدين حقا:","level":3,"page":1331},{"title":"صلاة النساء على الجنازة:","level":3,"page":1332},{"title":"تسوية الصفوف في صلاة الجنازة:","level":3,"page":1332},{"title":"من هو الأحق بالإمامة؟","level":3,"page":1333},{"title":"ماذا إذا اجتمعت جنائز متعددة من الرجال والنساء؟","level":3,"page":1336},{"title":"جواز الصلاة على كل جنازة على حدة:","level":3,"page":1337},{"title":"جواز الصلاة على الجنازة في المسجد:","level":3,"page":1338},{"title":"تفضيل الصلاة على الجنازة خارج المسجد:","level":3,"page":1339},{"title":"تحريم الصلاة على الجنازة بين القبور:","level":3,"page":1339},{"title":"يقف الإمام وراء رأس الرجل، ووسط المرأة:","level":3,"page":1340},{"title":"كم يكبر على الجنائز؟","level":3,"page":1341},{"title":"هل يرفع يديه بعد التكبيرة الأولى؟","level":3,"page":1344},{"title":"أين وكيف يضع يديه؟","level":3,"page":1346},{"title":"عدم مشروعية دعاء الاستفتاح:","level":3,"page":1346},{"title":"قراءة الفاتحة وسورة عقب التكبيرة الأولى:","level":3,"page":1347},{"title":"الإسرار في القراءة:","level":3,"page":1347},{"title":"الصلاة على النبي - ﷺ - بعد التكبيرة الثانية:","level":3,"page":1347},{"title":"يأتي ببقية التكبيرات ويخلص الدعاء للميت؛","level":3,"page":1348},{"title":"الدعاء بالثابت عن النبي - ﷺ - من الأدعية:","level":3,"page":1348},{"title":"بماذا يدعى للطفل؟","level":3,"page":1350},{"title":"كم تسليمة يسلم الإمام؟","level":3,"page":1351},{"title":"جواز الاقتصار على التسليمة الأولى:","level":3,"page":1352},{"title":"الإسرار في التسليم وإسماع من يليه:","level":3,"page":1352},{"title":"المسبوق في صلاة الجنازة:","level":3,"page":1354},{"title":"التيمم للصلاة على الجنازة:","level":3,"page":1355},{"title":"الدفن وتوابعه","level":2,"page":1356},{"title":"إذا ماتت المرأة وفي بطنها ولد حي:","level":3,"page":1357},{"title":"لا يدفن المسلم مع الكافر، ولا الكافر مع المسلم:","level":3,"page":1357},{"title":"الدفن في المقبرة:","level":3,"page":1358},{"title":"يدفن شهداء المعركة في مواطن استشهادهم:","level":3,"page":1359},{"title":"الأوقات التي لا يجوز فيها الدفن:","level":3,"page":1359},{"title":"جواز الدفن ليلا عند الاضطرار","level":3,"page":1361},{"title":"وجوب تعميق القبر وتوسيعه:","level":3,"page":1362},{"title":"تفضيل اللحد على الشق:","level":3,"page":1362},{"title":"في الحفار يجد العظم؛ هل يتنكب ذلك المكان؟","level":3,"page":1364},{"title":"جواز دفن أكثر من واحد في القبر عند الضرورة:","level":3,"page":1364},{"title":"بدعية الدفن الجماعي:","level":3,"page":1366},{"title":"الرجال هم الذين يتولون إنزال الميت:","level":3,"page":1367},{"title":"يجوز للزوج أن يتولى بنفسه دفن زوجته:","level":3,"page":1367},{"title":"لا يجوز لمن وطئ أهله تلك الليلة أن يتولى الدفن:","level":3,"page":1368},{"title":"أولياء الميت أحق بإنزاله:","level":3,"page":1369},{"title":"إدخال الميت من مؤخر القبر:","level":3,"page":1370},{"title":"يوضع الميت على جنبه الأيمن ووجهه قبالة القبلة:","level":3,"page":1370},{"title":"هل تحل عقد الكفن؟","level":3,"page":1371},{"title":"استحباب حثو ثلاث حثوات من التراب بعد سد اللحد:","level":3,"page":1372},{"title":"ويسن بعد الفراغ من دفنه أمور:","level":3,"page":1372},{"title":"الاستغفار للميت والدعاء له بالتثبيت:","level":3,"page":1374},{"title":"الموعظة عند القبر","level":3,"page":1374},{"title":"استحباب جمع الموتى الأقارب في أماكن متجاورة:","level":3,"page":1380},{"title":"ضمة القبر:","level":3,"page":1380},{"title":"سؤال القبر وعذابه ونعيمه:","level":3,"page":1381},{"title":"هل يجوز نبش القبر؟","level":3,"page":1384},{"title":"هل يستحب للرجل حفر قبره قبل موته؟","level":3,"page":1388},{"title":"عدم مشروعية تلقين المقبور:","level":3,"page":1388},{"title":"التعزية","level":2,"page":1390},{"title":"مشروعية تعزية أهل الميت:","level":3,"page":1390},{"title":"ماذا يقول عند التعزية؟","level":3,"page":1391},{"title":"لا تحد التعزية بثلاثة أيام:","level":3,"page":1394},{"title":"ينبغي اجتناب أمرين، وإن تتابع الناس عليهما:","level":3,"page":1396},{"title":"ما ينتفع به الميت","level":2,"page":1398},{"title":"زيارة القبور","level":2,"page":1408},{"title":"مشروعيتها:","level":3,"page":1408},{"title":"ما يقول إذا زار القبور أو مر بها:","level":3,"page":1409},{"title":"جواز زيارة النساء القبور:","level":3,"page":1409},{"title":"عدم جواز إكثار النساء من زيارة القبور:","level":3,"page":1412},{"title":"جواز زيارة من مات على غير الإسلام للعبرة:","level":3,"page":1412},{"title":"المقصود من زيارة القبور:","level":3,"page":1413},{"title":"عدم مشروعية قراءة القرآن عند زيارة القبور:","level":3,"page":1414},{"title":"جواز رفع اليدين عند الدعاء:","level":3,"page":1415},{"title":"عدم استقبال القبور حين الدعاء:","level":3,"page":1416},{"title":"عدم دخول مقابر الظالمين إلا وهو يبكي:","level":3,"page":1417},{"title":"لا يمشي منتعلا بين قبور المسلمين:","level":3,"page":1418},{"title":"تحريم وضع الرياحين والورود على القبور:","level":3,"page":1419},{"title":"عدم وضع الجريدة على القبر:","level":3,"page":1419},{"title":"نقل الميت:","level":3,"page":1419},{"title":"ما يحرم عند القبور","level":3,"page":1420},{"title":"وهذا من أبين الأدلة الدالة على أن شركهم قد بلغ فوق شرك من قال: إنه -تعالى- ثاني اثنين، أو ثالث ثلاثة.","level":3,"page":1424},{"title":"تحريم جعل المصاحف عند القبور للقراءة:","level":3,"page":1438},{"title":"الحج","level":1,"page":1440},{"title":"تعريفه:","level":2,"page":1440},{"title":"فضله والترغيب فيه:","level":2,"page":1440},{"title":"الحج جهاد لا شوكة فيه:","level":2,"page":1442},{"title":"أجر الحاج والمعتمر على قدر نصبه ونفقته:","level":2,"page":1443},{"title":"من خرج حاجا فمات:","level":2,"page":1443},{"title":"وجوب الحج مرة واحدة:","level":2,"page":1443},{"title":"وجوبه على الفور:","level":2,"page":1444},{"title":"حكمه:","level":2,"page":1446},{"title":"على من يجب؟","level":2,"page":1446},{"title":"بم تتحقق الاستطاعة؟","level":2,"page":1447},{"title":"حج الصبي والعبد:","level":2,"page":1448},{"title":"وجوب اصطحاب المرأة ذا محرم:","level":2,"page":1449},{"title":"استئذان المرأة زوجها:","level":2,"page":1450},{"title":"من مات أو عجز وعليه حج:","level":2,"page":1451},{"title":"هل يوكل في الحج غير الأبناء؟","level":2,"page":1454},{"title":"اشتراط الحج عن الغير:","level":2,"page":1454},{"title":"هل يحج الرجل عن المرأة والمرأة عن الرجل؟","level":2,"page":1455},{"title":"أخذ النفقة في الحج عن الميت:","level":2,"page":1456},{"title":"ما الأفضل؛ الحج عن نفسه أو والده أم الصدقة؟","level":2,"page":1457},{"title":"التكسب في الحج:","level":2,"page":1458},{"title":"ما يقول إذا ركب إلى سفر الحج وغيره؟","level":2,"page":1460},{"title":"ماذا يقول إذا قفل من سفر الحج وغيره؟","level":2,"page":1461},{"title":"حجة رسول الله - ﷺ - برواية جابر -﵁-","level":2,"page":1461},{"title":"المواقيت","level":3,"page":1480},{"title":"المواقيت الزمانية:","level":3,"page":1480},{"title":"المواقيت المكانية:","level":3,"page":1481},{"title":"الإحرام قبل الميقات:","level":3,"page":1483},{"title":"أنواع الإحرام","level":2,"page":1484},{"title":"أي أنواع النسك أفضل؟","level":3,"page":1486},{"title":"باب ما جاء في التمتع:","level":3,"page":1491},{"title":"من اعتمر بعد الحج بغير هدي:","level":3,"page":1492},{"title":"ليس لحاضري المسجد الحرام إلا الإفراد:","level":3,"page":1492},{"title":"من هم حاضرو المسجد الحرام؟","level":3,"page":1493},{"title":"أيما أفضل للمكي؛ العمرة أم الطواف؟","level":3,"page":1495},{"title":"القارن يطوف طوافا واحدا ويسعى سعيا واحدا:","level":3,"page":1498},{"title":"من لم يجد هديا:","level":3,"page":1499},{"title":"متى يصوم الأيام الثلاثة؟","level":3,"page":1499},{"title":"متى يبطل الحج بالجماع؟ وما جزاء الوطء؟","level":3,"page":1501},{"title":"الدماء في الحج","level":2,"page":1502},{"title":"١ - دم التمتع والقران","level":3,"page":1502},{"title":"٢ - دم الفدية","level":3,"page":1502},{"title":"٣ - دم الجزاء","level":3,"page":1503},{"title":"٤ - دم الوطء","level":3,"page":1504},{"title":"٥ - دم الإحصار","level":3,"page":1504},{"title":"أثر ابن عباس -﵄-: من نسي من نسكه شيئا أو تركه؛ فليهرق دما\".","level":4,"page":1505},{"title":"الإحصار","level":2,"page":1506},{"title":"يذبح المحصر ما استيسر من الهدي:","level":3,"page":1508},{"title":"مكان ذبحها:","level":3,"page":1509},{"title":"إذا أخطأ العدة في الحج ولم يقم ببعض الأركان؛ فإنه يحل بعمرة وعليه الحج من قابل:","level":3,"page":1509},{"title":"ما يفعل بالمحرم إذا مات:","level":3,"page":1510},{"title":"جزاء قتل الصيد","level":2,"page":1511},{"title":"ما قضى به النبي - ﷺ - والسلف في هذا المقام:","level":3,"page":1513},{"title":"صيد الحرم وقطع شجره، وهل في ذلك جزاء أو قيمة؟","level":3,"page":1514},{"title":"تحريم صيد حرم المدينة وقطع شجره:","level":3,"page":1517},{"title":"ليس في قتل صيد الحرم المدني ولا قطع شجره جزاء:","level":3,"page":1518},{"title":"من وجد أحدا يقطع شجر المدينة فليسلبه:","level":3,"page":1518},{"title":"مكة أحب أرض الله إلى الله -تعالى-:","level":3,"page":1519},{"title":"جواز دخول مكة بغير إحرام","level":2,"page":1520},{"title":"بين يدي الإحرام:","level":2,"page":1522},{"title":"الإحرام ونيته:","level":3,"page":1524},{"title":"ما يباح للمحرم:","level":3,"page":1525},{"title":"محظورات الإحرام:","level":3,"page":1533},{"title":"التعرض للصيد:","level":3,"page":1541},{"title":"الأكل من الصيد:","level":3,"page":1542},{"title":"جواز حلق الرأس للمحرم إذا كان به أذى، ووجوب الفدية عليه:","level":3,"page":1544},{"title":"أمر النبي - ﷺ - بالتمتع:","level":3,"page":1546},{"title":"الاشتراط:","level":3,"page":1547},{"title":"الصلاة بوادي العقيق:","level":3,"page":1548},{"title":"استقبال القبلة قائما:","level":3,"page":1549},{"title":"التلبية:","level":3,"page":1550},{"title":"مشروعيتها:","level":3,"page":1550},{"title":"حكمها:","level":3,"page":1551},{"title":"لفظها:","level":3,"page":1551},{"title":"رفع الصوت في التلبية:","level":3,"page":1552},{"title":"تلبية النساء:","level":3,"page":1553},{"title":"ماذا إذا أطلق الإحرام ولم يعينه؟","level":3,"page":1554},{"title":"الاغتسال لدخول مكة:","level":3,"page":1555},{"title":"تحريم المرور أمام المصلي في الحرمين:","level":3,"page":1557},{"title":"هل يلزم من يدخل البيت الحرام الطواف؟","level":3,"page":1560},{"title":"فضل الطواف:","level":3,"page":1561},{"title":"شروط الطواف","level":2,"page":1561},{"title":"١ - الطهارة من الحدثين والنجاسة:","level":3,"page":1561},{"title":"٢ - ستر العورة:","level":3,"page":1563},{"title":"٣ - أن يكون سبعة أشواط كاملة:","level":3,"page":1563},{"title":"٤ - أن يبدأ الطواف من الحجر الأسود، وينتهي إليه، ويجعل البيت عن يساره:","level":3,"page":1564},{"title":"٥ - أن يكون الطواف خارج البيت","level":3,"page":1564},{"title":"٦ - الموالاة:","level":3,"page":1565},{"title":"عدم مخالطة الرجال النساء في الطواف","level":2,"page":1566},{"title":"هل يركب الطائف؟","level":2,"page":1566},{"title":"استحباب دخول الكعبة للحاج وغيره، والصلاة فيها، والدعاء في نواحيها كلها","level":3,"page":1568},{"title":"حكمة الرمل:","level":3,"page":1571},{"title":"مشروعية التزام الملتزم في الطواف:","level":3,"page":1573},{"title":"موضعه:","level":3,"page":1573},{"title":"متى يلتزمه؟","level":3,"page":1574},{"title":"صلاة ركعتين بعد الطواف:","level":3,"page":1575},{"title":"جواز تأديتهما أوقات النهي:","level":3,"page":1576},{"title":"إذا صلى المكتوبة؛ هل تجزئه؟","level":3,"page":1576},{"title":"إذا وقف في الطواف:","level":3,"page":1577},{"title":"السعي بين الصفا والمروة:","level":3,"page":1578},{"title":"حكمه:","level":3,"page":1578},{"title":"أصل مشروعيته:","level":3,"page":1579},{"title":"هل يشرع الركوب في السعي؟","level":3,"page":1581},{"title":"السعي بين الميلين:","level":3,"page":1582},{"title":"الرقي على الصفا والمروة والدعاء عليهما مع استقبال البيت:","level":3,"page":1582},{"title":"ما يقوله الساعي بين الصفا والمروة:","level":3,"page":1583},{"title":"الموالاة في السعي:","level":3,"page":1583},{"title":"الإهلال بالحج يوم التروية","level":2,"page":1586},{"title":"التوجه إلى منى:","level":3,"page":1587},{"title":"الانطلاق إلى عرفة:","level":3,"page":1587},{"title":"الوقوف بعرفة:","level":3,"page":1589},{"title":"إفطار الحاج يوم عرفة:","level":3,"page":1591},{"title":"فضل يوم عرفة:","level":3,"page":1592},{"title":"الوقوف بعرفة ركن الحج الأعظم:","level":3,"page":1593},{"title":"الإفاضة من عرفات إلى المزدلفة:","level":3,"page":1594},{"title":"المبيت بالمزدلفة وصلاة الفجر فيها:","level":3,"page":1596},{"title":"حكم ذلك:","level":3,"page":1598},{"title":"فضل الوقوف في المشعر الحرام:","level":3,"page":1606},{"title":"هل التحصيب سنة؟","level":3,"page":1607},{"title":"الرمي","level":2,"page":1610},{"title":"مشروعيته:","level":3,"page":1610},{"title":"وجوبه:","level":3,"page":1611},{"title":"صفته:","level":3,"page":1611},{"title":"الرفق في رمي الجمار وصفتها:","level":3,"page":1612},{"title":"تأخير الرمي بعد الزوال ولو إلى الليل:","level":3,"page":1617},{"title":"جواز رميها راكبا:","level":3,"page":1618},{"title":"فوائد في الرمي:","level":3,"page":1618},{"title":"التحلل الأول:","level":3,"page":1619},{"title":"الطيب بعد رمي الجمار:","level":3,"page":1619},{"title":"الذبح والنحر","level":2,"page":1620},{"title":"لا يعطى الجزار الأجرة من الهدي:","level":3,"page":1623},{"title":"من لم يجد هديا:","level":3,"page":1623},{"title":"الحلق أو التقصير:","level":3,"page":1624},{"title":"طواف الإفاضة","level":2,"page":1625},{"title":"البيات في منى:","level":3,"page":1626},{"title":"القيام والدعاء ورفع اليدين بعد الرمي أيام التشريق:","level":3,"page":1627},{"title":"طواف الوداع","level":2,"page":1631},{"title":"حكمه:","level":3,"page":1631},{"title":"خلاصة جامعة في الحج","level":2,"page":1634},{"title":"العمرة المفردة","level":2,"page":1638},{"title":"فضلها:","level":3,"page":1638},{"title":"حكمها:","level":3,"page":1639},{"title":"جوازها قبل الحج وفي أشهره:","level":3,"page":1639},{"title":"فضل العمرة في رمضان:","level":3,"page":1641},{"title":"عمرة التنعيم:","level":3,"page":1641},{"title":"العمرة الرجبية!","level":3,"page":1645},{"title":"العمرة عن الرجل الذي لا يستطيع:","level":3,"page":1646},{"title":"فضائل المدينة النبوية","level":2,"page":1646},{"title":"فضل الموت بالمدينة النبوية:","level":2,"page":1646},{"title":"استحباب شد الرحال إلى المساجد الثلاثة:","level":2,"page":1647},{"title":"فضل الصلاة في المسجد النبوي:","level":2,"page":1647},{"title":"فوائد متعلقة بالمسجد النبوي الشريف:","level":2,"page":1648},{"title":"فضل ما بين القبر والمنبر:","level":2,"page":1648},{"title":"لا يصح أن نقول: حرم المقدس أو حرم الخليل.","level":2,"page":1649},{"title":"استحباب إتيان مسجد قباء والصلاة فيه:","level":2,"page":1649},{"title":"مشاركة حاضري المسجد الحرام في الجمع والقصر:","level":2,"page":1649},{"title":"استحباب التعجيل إلى الأهل:","level":2,"page":1650},{"title":"النكاح","level":1,"page":1655},{"title":"النكاح","level":2,"page":1656},{"title":"الترغيب في النكاح:","level":3,"page":1656},{"title":"حكم الزواج:","level":3,"page":1660},{"title":"الزواج الحرام:","level":3,"page":1661},{"title":"النهي عن التبتل للقادر على الزواج:","level":3,"page":1662},{"title":"هل يقدم الزواج على الحج؟","level":3,"page":1662},{"title":"في ذم العشق:","level":3,"page":1663},{"title":"الرغبة عن الزواج:","level":3,"page":1666},{"title":"اختيار الزوجة:","level":3,"page":1668},{"title":"التقارب في السن:","level":3,"page":1671},{"title":"تزويج الصغار من الكبار:","level":3,"page":1671},{"title":"أي النساء خير؟","level":3,"page":1673},{"title":"اختيار الزوج:","level":3,"page":1673},{"title":"عرض الإنسان ابنته أو أخته على أهل الخير:","level":3,"page":1674},{"title":"التزيين للتنفيق والترغيب في النكاح:","level":3,"page":1675},{"title":"صلاة المرأة إدا خطبت واستخارتها ربها:","level":3,"page":1676},{"title":"الخطبة","level":2,"page":1677},{"title":"ماذا يقول إذا دعي ليزوج؟","level":3,"page":1677},{"title":"خطبة معتدة الغير:","level":3,"page":1677},{"title":"تحريم خطبة الرجل على خطبة أخيه:","level":3,"page":1680},{"title":"تفسير ترك الخطبة:","level":3,"page":1681},{"title":"إذا استشارت المرأة رجلا فيمن يخطبها؛ هل يخبرها بما يعلم؟","level":3,"page":1682},{"title":"إذا استشار رجل رجلا في المرأة هل يخبره بما يعلم؟","level":3,"page":1683},{"title":"النظر إلى المخطوبة:","level":3,"page":1683},{"title":"إلام ينظر؟","level":3,"page":1685},{"title":"نظر المرأة إلى الرجل:","level":3,"page":1687},{"title":"محادثة الرجل المرأة:","level":3,"page":1688},{"title":"تحريم الخلوة بالمخطوبة:","level":3,"page":1688},{"title":"العدول عن الخطبة وأثره:","level":3,"page":1688},{"title":"أركان عقد النكاح:","level":3,"page":1690},{"title":"ما يشترط في الشهود:","level":3,"page":1691},{"title":"شهادة النساء:","level":3,"page":1692},{"title":"ألفاظ الإيجاب والقبول:","level":3,"page":1693},{"title":"الخطبة قبل الزواج","level":3,"page":1694},{"title":"نية الطلاق عند العقد:","level":3,"page":1695},{"title":"زواج الأخرس:","level":3,"page":1697},{"title":"تزويج الصغير:","level":3,"page":1697},{"title":"توثيق الزواج بالكتابة:","level":3,"page":1697},{"title":"الأنكحة المحرمة","level":3,"page":1698},{"title":"الزواج الذي تحل به المطلقة للزوج الأول:","level":3,"page":1703},{"title":"فائدة:","level":3,"page":1707},{"title":"الشروط في النكاح","level":3,"page":1709},{"title":"هل يحق فسخ العقد إذا ثبت العيب؟","level":3,"page":1717},{"title":"فائدة:","level":3,"page":1722},{"title":"المحرمات من النساء","level":3,"page":1723},{"title":"المحرمات مؤبدا","level":3,"page":1723},{"title":"أولا: المحرمات من النسب هن:","level":4,"page":1724},{"title":"ثانيا: المحرمات بسبب المصاهرة:","level":4,"page":1725},{"title":"ثالثا: المحرمات بسبب الرضاع:","level":4,"page":1731},{"title":"الرضاع الذي يثبت به التحريم:","level":3,"page":1732},{"title":"اللبن المختلط بغيره:","level":3,"page":1734},{"title":"رضاع الكبير:","level":3,"page":1735},{"title":"قبول قول المرضعة:","level":3,"page":1738},{"title":"لبن الفحل:","level":3,"page":1739},{"title":"المحرمات مؤقتا","level":3,"page":1740},{"title":"نكاح الكفار:","level":3,"page":1741},{"title":"نكاح الزانية:","level":3,"page":1743},{"title":"فائدة:","level":3,"page":1746},{"title":"عقد المحرم","level":3,"page":1747},{"title":"نكاح الملاعنة:","level":3,"page":1750},{"title":"نكاح المشركة:","level":3,"page":1753},{"title":"نكاح المسلمة بغير المسلم:","level":3,"page":1757},{"title":"فائدة:","level":3,"page":1761},{"title":"تحريم الزيادة على الأربع:","level":3,"page":1762},{"title":"تعدد الزوجات:","level":3,"page":1762},{"title":"ماذا يشترط على من يريد التعدد؟","level":3,"page":1765},{"title":"من محاسن التعدد:","level":3,"page":1766},{"title":"توجيهات وكلمات مضيئة في التعدد","level":3,"page":1768},{"title":"فائدة:","level":3,"page":1772},{"title":"مسائل في التعدد:","level":3,"page":1773},{"title":"١ - من أولم على بعض نسائه أكثر من بعض:","level":4,"page":1773},{"title":"٢ - إذا تزوج البكر على الثيب، والثيب على البكر:","level":4,"page":1773},{"title":"٣ - القرعة بين النساء إذا أراد سفرا:","level":4,"page":1774},{"title":"٤ - النهي عن افتخار الضرة:","level":4,"page":1774},{"title":"٥ - استئذان الرجل نساءه في أن يمرض في بيت بعضهن:","level":4,"page":1774},{"title":"فائدة:","level":3,"page":1775},{"title":"الولاية على الزواج","level":3,"page":1776},{"title":"معنى الولاية:","level":3,"page":1776},{"title":"من هو الولي؟","level":3,"page":1776},{"title":"*شروط الولي:","level":3,"page":1778},{"title":"عدم اشتراط العدالة:","level":3,"page":1778},{"title":"المرأة لا تزوج نفسها:","level":3,"page":1779},{"title":"إذا كان الولي هو الخاطب:","level":3,"page":1782},{"title":"غيبة الولي:","level":3,"page":1785},{"title":"ولاية غير الآباء على الصغار:","level":3,"page":1785},{"title":"السلطان ولي من لا ولي له:","level":3,"page":1786},{"title":"عضل الولي:","level":3,"page":1787},{"title":"اليتيمة تستأمر في نفسها:","level":3,"page":1790},{"title":"استئذان المرأة قبل النكاح:","level":3,"page":1791},{"title":"الوكالة في الزواج:","level":3,"page":1793},{"title":"هل الكفاءة في الزواج معتبرة؟","level":3,"page":1795},{"title":"المهر","level":2,"page":1802},{"title":"حكمه:","level":3,"page":1802},{"title":"قدر المهر:","level":3,"page":1804},{"title":"فائدة:","level":3,"page":1808},{"title":"النهي عن المغالاة في المهور:","level":3,"page":1809},{"title":"إثقال الصداق يجعل العداوة في نفس الزوج:","level":3,"page":1814},{"title":"هل يدخل على زوجه إذا لم يمهرها؟","level":3,"page":1815},{"title":"ماذا إذا دخل بها ولم يفرض لها صداقا؟","level":3,"page":1817},{"title":"الزواج بغير ذكر المهر:","level":3,"page":1818},{"title":"فيمن تزوج ولم يسم صداقا حتى مات:","level":3,"page":1820},{"title":"مهر المثل:","level":3,"page":1820},{"title":"العدل في المهور:","level":3,"page":1822},{"title":"العدل في صداق اليتيمة:","level":3,"page":1822},{"title":"الرجل هو الذي يحدد المهر:","level":3,"page":1822},{"title":"متى يجب عليه نصف المهر؟","level":3,"page":1823},{"title":"ماذا يجب من المهر إذا أغلق الباب وأرخى الستر ولم يدخل بزوجه؟","level":3,"page":1823},{"title":"فوائد متفرقة:","level":3,"page":1827},{"title":"الإمهار عن غيره:","level":3,"page":1828},{"title":"الرجل هو الذي يعد البيت ويؤثثه ويجهزه:","level":3,"page":1828},{"title":"النفقة","level":2,"page":1829},{"title":"حكمها:","level":3,"page":1829},{"title":"ماذا إذا كان الزوج بخيلا؟","level":3,"page":1832},{"title":"نفقة زوجة الغائب:","level":3,"page":1833},{"title":"نفقة المعتدة:","level":3,"page":1835},{"title":"لا تنتهك المرأة شيئا من مالها الا بإذن زوجها:","level":3,"page":1836},{"title":"متى يستحب البناء بالنساء؟","level":3,"page":1836},{"title":"موعظة الرجل ابنته لحال زواجها:","level":3,"page":1837},{"title":"ذهاب النساء والصبيان إلى العرس:","level":3,"page":1837},{"title":"استعارة الثياب للعروس:","level":3,"page":1838},{"title":"الهدية للعروس:","level":3,"page":1838},{"title":"آداب الزفاف","level":2,"page":1839},{"title":"١ - ملاطفة الزوجة عند البناء بها:","level":3,"page":1839},{"title":"٢ - وضع اليد على رأس الزوجة والدعاء لها:","level":3,"page":1839},{"title":"٣ - صلاة الزوجين معا:","level":3,"page":1840},{"title":"٤ - ما يقول حين يجامعها:","level":3,"page":1841},{"title":"٥ - كيف يأتيها؟","level":3,"page":1841},{"title":"٦ - تحريم الدبر:","level":3,"page":1842},{"title":"لا كراهة في الكلام حال الجماع:","level":4,"page":1843},{"title":"٧ - الوضوء بين الجماعين:","level":3,"page":1843},{"title":"٨ - الغسل أفضل:","level":3,"page":1843},{"title":"٩ - اغتسال الزوجين معا:","level":3,"page":1844},{"title":"١٠ - توضؤ الجنب قبل النوم:","level":3,"page":1845},{"title":"١١ - حكم هذا الوضوء:","level":3,"page":1845},{"title":"١٢ - تيمم الجنب بدل الوضوء:","level":3,"page":1845},{"title":"١٣ - اغتساله قبل النوم أفضل:","level":3,"page":1846},{"title":"١٤ - تحريم إتيان الحائض:","level":3,"page":1846},{"title":"١٥ - ما يحل له من الحائض:","level":3,"page":1846},{"title":"١٦ - ولا يأتيها بعد الطهر إلا أن تغتسل:","level":3,"page":1847},{"title":"١٧ - جواز العزل:","level":3,"page":1847},{"title":"١٨ - الأولى ترك العزل:","level":3,"page":1847},{"title":"١٩ - ما ينويان بالنكاح:","level":3,"page":1849},{"title":"٢٠ - ما يفعل صبيحة بنائه:","level":3,"page":1850},{"title":"٢١ - تحريم نشر أسرار الاستمتاع:","level":3,"page":1850},{"title":"٢٢ - وجوب الوليمة:","level":3,"page":1852},{"title":"٢٣ - السنة في الوليمة:","level":3,"page":1852},{"title":"٢٤ - جواز الوليمة بغير لحم:","level":3,"page":1853},{"title":"٢٥ - مشاركة الأغنياء بمالهم في الوليمة:","level":3,"page":1854},{"title":"٢٦ - تحريم تخصيص الأغنياء بالدعوة:","level":3,"page":1854},{"title":"٢٧ - وجوب إجابة الدعوة:","level":3,"page":1854},{"title":"٢٨ - ترك حضور الدعوة التي فيها معصية:","level":3,"page":1855},{"title":"٢٩ - الدعاء للعروسين بالخير والبركة:","level":3,"page":1856},{"title":"٣٠ - بالرفاء والبنين تهنئة الجاهلية:","level":3,"page":1857},{"title":"٣١ - الغناء والضرب بالدف:","level":3,"page":1858},{"title":"٣٢ - الامتناع من مخالفة الشرع:","level":3,"page":1859},{"title":"١ - تعليق الصور:","level":4,"page":1860},{"title":"٢ - نتف الحواجب وغيرها!","level":4,"page":1861},{"title":"٣ - تدميم الأظفار وإطالتها:","level":4,"page":1862},{"title":"٤ - حلق اللحى:","level":4,"page":1863},{"title":"٥ - خاتم الخطبة:","level":4,"page":1864},{"title":"إذا رأى المرء من امرأة ما يعجبه؛ فليأت أهله:","level":5,"page":1864},{"title":"وصايا الإمام الألباني -﵀- إلى العروسين:","level":5,"page":1865},{"title":"وجوب خدمة المرأة لزوجها:","level":5,"page":1871},{"title":"حق الزوجة على زوجها","level":5,"page":1875},{"title":"١ - حسن المعاشرة:","level":6,"page":1875},{"title":"٢ - صيانتها:","level":6,"page":1877},{"title":"٣ - إتيانها ووطؤها:","level":6,"page":1879},{"title":"حق الزوج على زوجته:","level":5,"page":1883},{"title":"الطلاق","level":1,"page":1887},{"title":"الطلاق","level":2,"page":1888},{"title":"معناه:","level":3,"page":1888},{"title":"مشروعيته:","level":3,"page":1888},{"title":"حكمه:","level":3,"page":1889},{"title":"الطلاق من حق الرجل وحده:","level":3,"page":1890},{"title":"تحريم سؤال الزوجة الطلاق من غير سبب موجب له:","level":3,"page":1891},{"title":"من يقع منه الطلاق:","level":3,"page":1891},{"title":"طلاق المكره والمجنون والسكران والغضبان والمدهوش ونحو ذلك:","level":3,"page":1893},{"title":"طلاق الهازل:","level":3,"page":1896},{"title":"الطلاق قبل الزواج:","level":3,"page":1897},{"title":"بماذا يقع الطلاق:","level":3,"page":1899},{"title":"الطلاق باللفظ:","level":3,"page":1900},{"title":"الطلاق بالكناية:","level":3,"page":1900},{"title":"حكم الطلاق بلفظ التحريم:","level":3,"page":1902},{"title":"الطلاق بالكتابة:","level":3,"page":1903},{"title":"طلاق الأبكم ومن لا يحسن العربية:","level":3,"page":1906},{"title":"طلاق كل قوم بلسانهم:","level":3,"page":1907},{"title":"إذا طلق في نفسه فلا يقع الطلاق:","level":3,"page":1907},{"title":"الوكالة في الطلاق:","level":3,"page":1908},{"title":"التعليق والتنجيز:","level":3,"page":1908},{"title":"والتعليق قسمان:","level":3,"page":1909},{"title":"الطلاق السني والبدعي","level":3,"page":1913},{"title":"يقسم الطلاق إلى قسمين:","level":3,"page":1913},{"title":"١ - الطلاق السني:","level":4,"page":1913},{"title":"٢ - الطلاق البدعي:","level":4,"page":1916},{"title":"طلاق الآيسة والصغيرة ومنقطعة الحيض:","level":3,"page":1916},{"title":"هل يقع طلاق الحائض؟","level":3,"page":1917},{"title":"عدد الطلقات:","level":3,"page":1918},{"title":"هل يقع طلاق الثلاث جملة أم يحسب طلقة؟","level":3,"page":1920},{"title":"الإشهاد على الطلاق:","level":3,"page":1939},{"title":"الطلاق الرجعي وأحكامه","level":3,"page":1960},{"title":"الطلاق البائن وأحكامه","level":3,"page":1965},{"title":"أقسامه:","level":3,"page":1965},{"title":"حكم البائن بينونة صغرى:","level":3,"page":1965},{"title":"حكم الطلاق البائن بينونة كبرى:","level":3,"page":1966},{"title":"مسألة الهدم:","level":3,"page":1967},{"title":"هل يقع طلاق المريض مرض الموت؟","level":3,"page":1969},{"title":"متى يطلق القاضي؟","level":3,"page":1972},{"title":"١ - عدم الإنفاق:","level":4,"page":1972},{"title":"٢ - غيبة الزوج:","level":4,"page":1976},{"title":"٣ - التطليق للضرر:","level":4,"page":1978},{"title":"متعة الطلاق","level":3,"page":1979},{"title":"الخلع","level":2,"page":1979},{"title":"تعريفه:","level":3,"page":1981},{"title":"مشروعيته:","level":3,"page":1982},{"title":"اشتراط النشوز فيه وعدم إقامة حدود الله -تعالى-:","level":3,"page":1982},{"title":"لا يجوز التضييق على الزوجة لأجل الافتداء:","level":3,"page":1984},{"title":"الخلع بتراضي الزوجين:","level":3,"page":1985},{"title":"جواز الخلع في الطهر والحيض:","level":3,"page":1986},{"title":"هل يجوز للزوج أخذ الزيادة على المهر؟","level":3,"page":1986},{"title":"المختلعة تعتد بحيضة واحدة:","level":3,"page":1987},{"title":"هل الخلع فسخ أم طلاق:","level":3,"page":1988},{"title":"علاج نشوز الرجل:","level":3,"page":1993},{"title":"علاج نشوز المرأة:","level":3,"page":1995},{"title":"هل للزوجة الناشز نفقة أو كسوة؟","level":3,"page":1998},{"title":"ماذا إذا وقع الشقاق بين الزوجين:","level":3,"page":1998},{"title":"الظهار","level":2,"page":2001},{"title":"هل الظهار مختص بالأم؟","level":3,"page":2003},{"title":"ماذا يفعل من يظاهر امرأته؟","level":3,"page":2007},{"title":"ماذا إذا مس قبل التكفير؟","level":3,"page":2007},{"title":"كفارة الظهار:","level":3,"page":2008},{"title":"الإيلاء","level":2,"page":2009},{"title":"تعريفه:","level":3,"page":2009},{"title":"الفسخ","level":2,"page":2011},{"title":"تعريفه","level":3,"page":2011},{"title":"اللعان","level":2,"page":2012},{"title":"مشروعيته:","level":3,"page":2013},{"title":"متى يكون اللعان؟","level":3,"page":2014},{"title":"صفة اللعان:","level":3,"page":2015},{"title":"الحاكم هو الذي يقضي باللعان:","level":3,"page":2016},{"title":"اشتراط العقل والبلوغ:","level":3,"page":2016},{"title":"لعان الأخرسين:","level":3,"page":2017},{"title":"مسائل في الامتناع عن اللعان أو عدم إتمامه:","level":3,"page":2017},{"title":"ماذا يترتب على اللعان:","level":3,"page":2018},{"title":"آداب التطليق المستنبطة من الكتاب الكريم والسنة الصحيحة","level":3,"page":2019},{"title":"العدة","level":2,"page":2030},{"title":"تعريفها:","level":3,"page":2030},{"title":"حكمة مشروعيتها:","level":3,"page":2030},{"title":"أنواع العدة:","level":3,"page":2031},{"title":"عدة غير المدخول بها:","level":3,"page":2031},{"title":"عدة المدخول بها:","level":3,"page":2032},{"title":"عدة الحائض:","level":3,"page":2032},{"title":"عدة غير الحائض:","level":3,"page":2035},{"title":"حكم المرأة الحائض إذا لم تر الحيض:","level":3,"page":2036},{"title":"سن اليأس:","level":3,"page":2036},{"title":"عدة الحامل:","level":3,"page":2037},{"title":"عدة المتوفى عنها زوجها:","level":3,"page":2038},{"title":"عدة المستحاضة:","level":3,"page":2039},{"title":"عدة المطلقة ثلاثا:","level":3,"page":2039},{"title":"عدة المختلعة:","level":3,"page":2039},{"title":"وجوب العدة في غير الزواج الصحيح:","level":3,"page":2039},{"title":"تحول العدة من الحيض إلى العدة بالأشهر:","level":3,"page":2039},{"title":"تحول العدة من الأشهر إلى الحيض:","level":3,"page":2040},{"title":"انقضاء العدة:","level":3,"page":2040},{"title":"لزوم المطلقة المعتدة بيت الزوجية:","level":3,"page":2041},{"title":"أين تعتد المرأة المتوفى زوجها؟","level":3,"page":2042},{"title":"لا يجوز للمعتدة الرجعية الخروج إلا بإذن زوجها:","level":3,"page":2050},{"title":"حداد المعتدة:","level":3,"page":2051},{"title":"فائدة:","level":3,"page":2053},{"title":"ماذا إذا نكحت المرأة في عدتها","level":3,"page":2053},{"title":"نفقة المعتدة","level":3,"page":2054},{"title":"الحضانة","level":1,"page":2058},{"title":"تعريفها:","level":2,"page":2059},{"title":"الحضانة حق مشترك:","level":2,"page":2059},{"title":"الأولى بحضانة الطفل أمه ما لم تنكح:","level":2,"page":2060},{"title":"حضانة الأب:","level":2,"page":2060},{"title":"إذا بلغ الصبي سن التمييز خير بين أبويه:","level":2,"page":2061},{"title":"الاقتراع على الولد:","level":2,"page":2063},{"title":"ضابط باب الحضانة:","level":2,"page":2065},{"title":"الحدود","level":1,"page":2073},{"title":"الحدود","level":2,"page":2074},{"title":"تعريفها:","level":3,"page":2074},{"title":"جرائم الحدود:","level":3,"page":2074},{"title":"وجوب إقامة الحدود:","level":3,"page":2075},{"title":"تحريم الشفاعة في الحدود إذا بلغت السلطان:","level":3,"page":2075},{"title":"درء الحدود بالشبهات:","level":3,"page":2077},{"title":"من يقيم الحدود؟","level":3,"page":2079},{"title":"التستر في الحدود:","level":3,"page":2080},{"title":"ستر المسلم على نفسه:","level":3,"page":2081},{"title":"الحدود كفارة للآثام:","level":3,"page":2081},{"title":"النهي عن إقامة الحدود في المساجد:","level":3,"page":2082},{"title":"اتقاء ضرب الوجه في الحدود:","level":3,"page":2082},{"title":"الخمر:","level":3,"page":2082},{"title":"ما هي الخمر؟","level":3,"page":2082},{"title":"ما أسكر كثيره فقليله حرام:","level":3,"page":2085},{"title":"شرب العصير والنبيذ قبل التخمير:","level":3,"page":2085},{"title":"الخمر إذا تخللت:","level":3,"page":2087},{"title":"أما إذا تخللت من ذاتها فلا بأس.","level":3,"page":2087},{"title":"المخدرات:","level":3,"page":2088},{"title":"الاتجار بالخمر والمواد المخدرة:","level":3,"page":2090},{"title":"حد شارب الخمر:","level":3,"page":2090},{"title":"بم يثبت حد الشرب؟","level":3,"page":2095},{"title":"شروط إقامة الحد:","level":3,"page":2095},{"title":"عدم اشتراط الحرية والإسلام في إقامة الحد:","level":3,"page":2096},{"title":"تحريم التداوي بالخمر:","level":3,"page":2096},{"title":"إذا أقام الإمام الحد على السكران فمات أعطاه الدية:","level":3,"page":2097},{"title":"حد الزنى","level":3,"page":2097},{"title":"الزنى الموجب للحد:","level":3,"page":2097},{"title":"حد الزاني البكر:","level":3,"page":2099},{"title":"ما ورد في التغريب:","level":3,"page":2099},{"title":"حد الزاني المحصن:","level":3,"page":2101},{"title":"وجوب الحد على الكافر والذمي:","level":3,"page":2103},{"title":"بم يثبت حد الزنى؟","level":3,"page":2105},{"title":"ماذا يفعل الإمام إذا جاءه من أقر على نفسه بالزنى؟","level":3,"page":2107},{"title":"من أقر بزنى امرأة فأنكرت:","level":3,"page":2111},{"title":"سقوط الحد بظهور ما يقطع بالبراءة:","level":3,"page":2111},{"title":"سقوط الحد إذا أبدى المتهم العذر واقتنع الإمام:","level":3,"page":2112},{"title":"سقوط الحد بالتوبة الصحيحة:","level":3,"page":2113},{"title":"عفو الحاكم عن الحدود لأسباب مخصوصة:","level":3,"page":2114},{"title":"الوطء بالإكراه:","level":3,"page":2114},{"title":"الخطأ في الوطء:","level":3,"page":2115},{"title":"الوطء في نكاح باطل:","level":3,"page":2116},{"title":"لا ترجم الحبلى حتى تضع وترضع ولدها، ولا المريضة حتى تبرأ:","level":3,"page":2116},{"title":"شهود طائفة من المؤمنين الحد:","level":3,"page":2117},{"title":"الشهود أول من يرجم ثم الإمام ثم الناس:","level":3,"page":2118},{"title":"ما جاء في جلد المريض:","level":3,"page":2119},{"title":"اللواط:","level":3,"page":2119},{"title":"ما هو حد اللواط:","level":3,"page":2120},{"title":"السحاق:","level":3,"page":2123},{"title":"الاستمناء:","level":3,"page":2124},{"title":"إتيان البهيمة:","level":3,"page":2126},{"title":"حد القذف","level":3,"page":2127},{"title":"حرمته:","level":3,"page":2127},{"title":"هل يقام حد القذف على من عرض؟","level":3,"page":2128},{"title":"بم يثبت حد القذف؟:","level":3,"page":2130},{"title":"عقوبة القاذف الدنيوية:","level":3,"page":2130},{"title":"هل تقبل شهادة القاذف إذا تاب:","level":3,"page":2130},{"title":"من رمى المحصنة ولم يأت بأربعة شهداء:","level":3,"page":2133},{"title":"إذا كرر القذف للشخص نفسه:","level":3,"page":2134},{"title":"سقوط حد القذف:","level":3,"page":2135},{"title":"إقامة الحد يوم القيامة:","level":3,"page":2135},{"title":"حد السرقة","level":3,"page":2136},{"title":"تعريف السرقة:","level":3,"page":2136},{"title":"أنواع السرقة","level":3,"page":2136},{"title":"ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع:","level":3,"page":2138},{"title":"هل في جحد العارية حد؟","level":3,"page":2140},{"title":"الصفات التي يجب اعتبارها في السارق:","level":3,"page":2142},{"title":"الصفات التي يجب اعتبارها في المال المسروق:","level":3,"page":2145},{"title":"ما يعتبر في الموضع المسروق منه:","level":3,"page":2148},{"title":"الإنسان حرز نفسه:","level":3,"page":2149},{"title":"المطالبة بالمسروق شرط في القطع:","level":3,"page":2150},{"title":"المسجد حرز:","level":3,"page":2150},{"title":"السرقة من الدار:","level":3,"page":2151},{"title":"بم يثبث حد السرقة؟","level":3,"page":2151},{"title":"إذا تراجع الشاهدان في الشهادة بعد إقامة الحد:","level":3,"page":2151},{"title":"إذا علم كذب الشاهدين أقيم عليهما الحد:","level":3,"page":2151},{"title":"هل يتوقف الحد على طلب المسروق منه؟","level":3,"page":2152},{"title":"هل يلقن القاضي السارق ما يسقط الحد؟","level":3,"page":2152},{"title":"عقوبة السرقة:","level":3,"page":2153},{"title":"حسم يد السارق إذا قطعت:","level":3,"page":2155},{"title":"الردة والزندقة","level":2,"page":2156},{"title":"الردة:","level":3,"page":2157},{"title":"التحذير من التكفير:","level":4,"page":2161},{"title":"تجاوز الله -تعالى- عن العبد ما حدث به نفسه ما لم يعمل به أو يتكلم:","level":4,"page":2162},{"title":"أحكام المرتد والمرتدة واستتابتهم:","level":4,"page":2162},{"title":"١ - العلاقة الزوجية:","level":5,"page":2165},{"title":"٢ - ميراثه:","level":5,"page":2165},{"title":"٣ - فقد أهليته للولاية على غيره:","level":5,"page":2166},{"title":"قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم:","level":4,"page":2166},{"title":"الزنديق","level":3,"page":2167},{"title":"هل يقتل الساحر؟","level":4,"page":2170},{"title":"الكاهن والعراف والمنجم:","level":4,"page":2175},{"title":"الحرابة","level":2,"page":2177},{"title":"تعريفها:","level":3,"page":2178},{"title":"الحرابة جريمة كبرى:","level":3,"page":2179},{"title":"شروط الحرابة:","level":3,"page":2180},{"title":"شرط التكليف:","level":3,"page":2180},{"title":"هل يشترط حمل السلاح؟","level":3,"page":2180},{"title":"هل تشترط الصحراء والبعد عن العمران؟","level":3,"page":2182},{"title":"هل تشترط المجاهرة؟","level":3,"page":2183},{"title":"عقوبة الحرابة:","level":3,"page":2185},{"title":"سبب نزول هذه الآية:","level":3,"page":2186},{"title":"العقوبات التي قررتها الآية الكريمة:","level":3,"page":2187},{"title":"عدم حسم المحاربين من أهل الردة حتى يهلكوا وكذا عدم سقايتهم الماء ونبذهم في الشمس:","level":3,"page":2193},{"title":"فائدة \"١\":","level":3,"page":2194},{"title":"فائدة \"٢\":","level":3,"page":2196},{"title":"رد اعتراض، ودفع إشكال:","level":3,"page":2196},{"title":"واجب الحاكم والأمة حيال الحرابة:","level":3,"page":2197},{"title":"إذا طلب السلطان المحاربين فامتنعوا:","level":3,"page":2198},{"title":"توبة المحاربين قبل القدرة عليهم:","level":3,"page":2199},{"title":"سقوط الحدود بالتوبة قبل رفع الجناة إلى الحاكم:","level":3,"page":2202},{"title":"دفاع الإنسان عن نفسه:","level":3,"page":2203},{"title":"دفاع الإنسان عن غيره:","level":3,"page":2205},{"title":"الجنايات","level":1,"page":2207},{"title":"تعريفها:","level":2,"page":2208},{"title":"حرمة المسلم عند الله تعالى:","level":2,"page":2208},{"title":"جزاء من سن القتل:","level":2,"page":2210},{"title":"تحريم الانتحار وقتل المرء نفسه:","level":2,"page":2211},{"title":"أنواع القتل","level":2,"page":2212},{"title":"القتل أنواع ثلاثة:","level":2,"page":2212},{"title":"القتل العمد","level":2,"page":2213},{"title":"أداة القتل ووسائله:","level":2,"page":2214},{"title":"فائدة:","level":2,"page":2218},{"title":"ماذا يترتب على قتل العمد؟","level":2,"page":2219},{"title":"من حق الورثة التنازل عن القصاص وطلب الدية أو العفو:","level":2,"page":2220},{"title":"ماذا إذا عفا أحد الورثة؟","level":2,"page":2221},{"title":"القتل شبه العمد:","level":2,"page":2221},{"title":"ماذا يترتب على قتل شبه العمد؟","level":2,"page":2223},{"title":"القتل الخطأ:","level":2,"page":2224},{"title":"ماذا يترتب على قتل الخطأ؟","level":2,"page":2224},{"title":"فائدة:","level":2,"page":2226},{"title":"عمد الصبي والمجنون خطأ تحمله العاقلة:","level":2,"page":2226},{"title":"القصاص","level":1,"page":2228},{"title":"شروط القصاص:","level":2,"page":2229},{"title":"الجماعة تقتل بالواحد:","level":2,"page":2237},{"title":"ثبوت القصاص:","level":2,"page":2237},{"title":"ويسأل القاتل حتى يقر:","level":2,"page":2239},{"title":"وإذا أقر بالقتل مرة واحدة قتل به.","level":2,"page":2239},{"title":"استيفاء القصاص:","level":2,"page":2240},{"title":"بم يكون القصاص؟","level":2,"page":2241},{"title":"استحباب العفو في القصاص:","level":2,"page":2243},{"title":"إذا اعتدى على الجاني بعد العفو:","level":2,"page":2245},{"title":"سقوط القصاص:","level":2,"page":2245},{"title":"التراضي على الدية بالزيادة فرارا من القصاص:","level":2,"page":2246},{"title":"استيفاء القصاص بحضرة السلطان:","level":2,"page":2246},{"title":"القصاص في الأطراف والجروح:","level":2,"page":2249},{"title":"القصاص في اللطمة والضربة واللكز والسب:","level":2,"page":2255},{"title":"اشتراك الجماعة في القصاص:","level":2,"page":2263},{"title":"هل يشرع القصاص في إتلاف الأموال؟","level":2,"page":2265},{"title":"ضمان المثل:","level":2,"page":2271},{"title":"لا يستقاد من الجرح حتى يبرأ صاحبه:","level":2,"page":2272},{"title":"موت المقتص منه:","level":2,"page":2273},{"title":"الديات والضمان","level":1,"page":2274},{"title":"تعريفها:","level":2,"page":2275},{"title":"مشروعيتها:","level":2,"page":2275},{"title":"حكمتها:","level":2,"page":2276},{"title":"مقدار دية الرجل المسلم:","level":2,"page":2277},{"title":"القتل الذي تجب فيه:","level":2,"page":2279},{"title":"تغليظ الدية:","level":2,"page":2279},{"title":"تغليظ الدية في الحرم والشهر الحرام:","level":2,"page":2282},{"title":"على من تجب الدية؟","level":2,"page":2283},{"title":"تعريف العاقلة:","level":2,"page":2284},{"title":"فائدة:","level":2,"page":2288},{"title":"مقدار دية الأعضاء والشجاج:","level":2,"page":2288},{"title":"فائدة:","level":2,"page":2294},{"title":"الجراح وأقسامها ودياتها","level":2,"page":2298},{"title":"دية الشجاج:","level":2,"page":2299},{"title":"ما جاء في أرش الجروح غير المسماة والحكومة:","level":2,"page":2304},{"title":"دية المرأة:","level":2,"page":2307},{"title":"دية أهل الكتاب:","level":2,"page":2309},{"title":"فائدة:","level":2,"page":2310},{"title":"دية الجنين:","level":2,"page":2311},{"title":"ما هي الغرة؟","level":2,"page":2312},{"title":"لمن تجب وعلى من؟","level":2,"page":2313},{"title":"مسألة:","level":2,"page":2314},{"title":"فائدة:","level":2,"page":2317},{"title":"لا دية إلا بعد البرء:","level":2,"page":2317},{"title":"وجود قتيل بين قوم متشاجرين:","level":2,"page":2317},{"title":"هل يضمن راكب الدابة؟","level":2,"page":2318},{"title":"ماذا إذا صدم راكب السيارة أو الدابة سيارة أو دابة واقفة؟","level":2,"page":2321},{"title":"ماذا إذا كان الواقف متعديا؟","level":2,"page":2321},{"title":"حكم قتل الدابة والجناية عليها:","level":2,"page":2321},{"title":"ما أفسدت البهائم بالليل من الزرع فهو مضمون على أهلها وما أفسدت من ذلك نهارا لم يضمنوه:","level":2,"page":2322},{"title":"ضمان صاحب الكلب العقور ونحوه:","level":2,"page":2323},{"title":"ضمان صاحب الطيور:","level":2,"page":2323},{"title":"لا ضمان في قتل الحيوان الضار:","level":2,"page":2323},{"title":"إذا كانت الجناية من الظالم المعتدي فلا ضمان فيها:","level":2,"page":2326},{"title":"ادعاء القتل دفاعا:","level":2,"page":2329},{"title":"هل يضمن ما أتلفته النار؟","level":2,"page":2329},{"title":"في إفساد زرع الغير:","level":2,"page":2330},{"title":"في غرق السفينة:","level":2,"page":2330},{"title":"ضمان الطبيب:","level":2,"page":2330},{"title":"الحائط يقع على شخص فيقتله:","level":2,"page":2332},{"title":"ضمان حافر البئر:","level":2,"page":2333},{"title":"ضمان المعدن:","level":2,"page":2334},{"title":"من استؤجر على صعود شجرة فسقط منها:","level":2,"page":2334},{"title":"هل في أخذ الطعام من غير إذن ضمان؟","level":2,"page":2334},{"title":"القسامة","level":1,"page":2339},{"title":"القسامة في الجاهلية:","level":2,"page":2340},{"title":"بيان صورة القسامة:","level":2,"page":2342},{"title":"الرد على من يقول بعدم مشروعية القسامة:","level":2,"page":2344},{"title":"هل في قتل الخطأ قسامة؟","level":2,"page":2347},{"title":"هل يضرب المتهم ليقر؟","level":2,"page":2348},{"title":"التعزير","level":1,"page":2350},{"title":"تعريفه:","level":2,"page":2351},{"title":"مشروعيته:","level":2,"page":2353},{"title":"هل يشرع الجلد في التعزير فوق عشر جلدات؟","level":2,"page":2354},{"title":"الفرق بينه وبين الحدود:","level":2,"page":2358},{"title":"صفة التعزير:","level":2,"page":2359},{"title":"التعزير بالتوبيخ والزجر والكلام:","level":2,"page":2359},{"title":"التعزير بالمقاطعة والامتناع عن الكلام:","level":2,"page":2361},{"title":"التعزير بالنفي:","level":2,"page":2365},{"title":"التعزير بالحبس:","level":2,"page":2366},{"title":"التعزير بالضرب:","level":2,"page":2366},{"title":"التعزير بالإتلاف والتحريق والتكسير:","level":2,"page":2367},{"title":"التعزير بأخذ المال:","level":2,"page":2368},{"title":"التعزير بالتغريم:","level":2,"page":2370},{"title":"التعزير بتغليظ الدية:","level":2,"page":2371},{"title":"التعزير بالقتل في حالات مخصوصة:","level":2,"page":2372},{"title":"التعزير على قول: يا كافر! يا فاسق! يا خبيث! يا حمار!:","level":2,"page":2372},{"title":"تعزير الخطباء الذين لا يتحرون ثبوت الأحاديث:","level":2,"page":2373},{"title":"التعزير على نفي النسب:","level":2,"page":2374},{"title":"التعزير على الاستمناء:","level":2,"page":2374},{"title":"التعزير من حق الحاكم:","level":2,"page":2375},{"title":"هل في التعزير ضمان؟","level":2,"page":2376},{"title":"يعزر الوالي بما يرى:","level":2,"page":2376},{"title":"الجمع بين نوعين من أنواع التعزير:","level":2,"page":2377},{"title":"ما لا يجوز فيه التعزير:","level":2,"page":2378},{"title":"مسائل متفرقة في التعزير:","level":2,"page":2378},{"title":"الجهاد","level":1,"page":2387},{"title":"إيحابه:","level":2,"page":2388},{"title":"الجهاد فرض كفاية إذا قام به قوم سقط عن الباقين","level":2,"page":2389},{"title":"متى يتعين الجهاد","level":2,"page":2391},{"title":"ماذا يشترط لوجوب الجهاد:","level":2,"page":2392},{"title":"متى تشرع الحرب","level":2,"page":2395},{"title":"مراتب الجهاد","level":2,"page":2399},{"title":"الإخلاص في الجهاد","level":2,"page":2407},{"title":"عذاب من يرائي في جهاده","level":2,"page":2408},{"title":"الترهيب من أن يموت الإنسان ولم يغز","level":2,"page":2409},{"title":"الجهاد في سبيل الله تجارة منجية","level":2,"page":2410},{"title":"الجهاد من أفضل الأعمال عند الله -تعالى- وأحبها إليه","level":2,"page":2410},{"title":"الجنة تحت ظلال السيوف","level":2,"page":2411},{"title":"لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم","level":2,"page":2411},{"title":"ينجي الله -تعالى- بالجهاد من الهم والغم","level":2,"page":2411},{"title":"المجاهد أفضل الناس","level":2,"page":2412},{"title":"ذكر التسوية بين طالب العلم ومعلمه وبين المجاهد في سبيل الله","level":2,"page":2413},{"title":"أي القتل أشرف","level":2,"page":2413},{"title":"مقام الرجل في سبيل الله أفضل من صلاته في بيته سبعين عاما","level":2,"page":2413},{"title":"للمجاهد في الجنة مائة درجة","level":2,"page":2414},{"title":"ما يعدل الجهاد في سبيل الله -﷿-؟","level":2,"page":2415},{"title":"فضل الشهادة في سبيل الله -سبحانه-","level":2,"page":2415},{"title":"فضل الرباط في سبيل الله -تعالى-","level":2,"page":2419},{"title":"فضل الرمي بنية الجهاد والتحريض عليه","level":2,"page":2420},{"title":"اللهو بأدوات الحرب","level":2,"page":2421},{"title":"إثم من تعلم الرمي ثم تركه","level":2,"page":2421},{"title":"فضل احتباس الخيل للجهاد في سبيل الله","level":2,"page":2422},{"title":"فضل النفقة في سبيل الله وتجهيز الغزاة","level":2,"page":2423},{"title":"أجر الشهادة بالنية لمن لم يستطع الجهاد","level":2,"page":2424},{"title":"من صفات القائد","level":2,"page":2424},{"title":"من وصايا رسول الله - ﷺ - إلى قواده","level":2,"page":2426},{"title":"ما يجب على أمير الجيش أو قائده","level":2,"page":2429},{"title":"ذكر ما يستحب للإمام أن يستعين بالله -جل وعلا- على قتال الأعداء إذا عزم على ذلك","level":2,"page":2434},{"title":"الاستنصار بالضعفاء: بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم","level":2,"page":2434},{"title":"جواز تخلف الإمام عن السرية لمصلحة","level":2,"page":2435},{"title":"إذا طلب الإمام قتل رجل","level":2,"page":2436},{"title":"البيان بأن صاحب السرية إذا خالف الإمام فيما أمره به كان على القوم أن يعزلوه ويولوا غيره","level":2,"page":2442},{"title":"من تأمر في الحرب من غير إمرة إذا خاف العدو","level":2,"page":2442},{"title":"تولية الإمام أمراء جماعة واحدا بعد الآخر عند قتل الأول","level":2,"page":2442},{"title":"متى تجب طاعة الجنود الأمير أو القائد","level":2,"page":2443},{"title":"عقوبة من عصى الأمير أو القائد","level":2,"page":2445},{"title":"مبادرة الإمام عند الفزع","level":2,"page":2446},{"title":"تشييع المجاهدين ووداعهم والدعاء لهم","level":2,"page":2447},{"title":"من هديه - ﷺ - في الجهاد، واقتداء الصحابة به في المعارك واستبسالهم فيها","level":2,"page":2447},{"title":"عدد غزوات النبي - ﷺ -","level":2,"page":2452},{"title":"الطليعة واستطلاع الأخبار وابتعاث العيون","level":2,"page":2452},{"title":"التورية في الغزو","level":2,"page":2453},{"title":"الكذب والخداع في الحرب","level":2,"page":2454},{"title":"التسبيح إذا هبط واديا والتكبير إذا علا شرفا","level":2,"page":2456},{"title":"إباحة تعاقب الجماعة الركوب الواحد في الغزو عند عدم القدرة على غيره","level":2,"page":2456},{"title":"باب الرجز في الحرب","level":2,"page":2457},{"title":"من أحب الخروج للغزو يوم الخميس","level":2,"page":2457},{"title":"ما يؤمر من انضمام العسكر","level":2,"page":2458},{"title":"في المياسرة والمرافقة في الغزو","level":2,"page":2458},{"title":"حرمة نساء المجاهدين ومن خان غازيا في أهله:","level":2,"page":2461},{"title":"خروج النساء للتمريض ونحوه","level":2,"page":2462},{"title":"حمل الرجل امرأته في الغزو دون بعض نسائه","level":2,"page":2463},{"title":"غزوة النساء مع الرجال","level":2,"page":2463},{"title":"تحريم إسناد القتال إلى النساء","level":2,"page":2463},{"title":"فضل الخدمة في الغزو","level":2,"page":2464},{"title":"إذن الوالدين في جهاد التطوع","level":2,"page":2465},{"title":"هل يستأذن الدائن","level":2,"page":2468},{"title":"حكم الاستعانة بالمشركين في الجهاد","level":2,"page":2472},{"title":"النهي عن السفر بالمصحف إلى أرض الحرب","level":2,"page":2476},{"title":"ما ينهى عنه في الحرب","level":2,"page":2476},{"title":"هل ترمى حصون العدو بالمنجنيق ونحوه من المهلكات وفيهم النساء والذرية؟","level":2,"page":2493},{"title":"الدعوة قبل القتال","level":2,"page":2499},{"title":"الدعاء عند القتال","level":2,"page":2503},{"title":"الإلحاح على الله -تعالى- في طلب النصر","level":2,"page":2505},{"title":"كراهة تمني لقاء العدو، والأمر بالصبر عند اللقاء","level":2,"page":2506},{"title":"وجوب الثبات عند لقاء العدو ومتى يجوز الفرار","level":2,"page":2506},{"title":"المبايعة على الموت أو عدم الفرار","level":2,"page":2511},{"title":"التحنط عند القتال","level":2,"page":2512},{"title":"ما يتعوذ من الجبن","level":2,"page":2513},{"title":"ما جاء في المبارزة","level":2,"page":2514},{"title":"ما يجوز للرجل من الحمل وحده على جيش العدو وتأويل قول الله -تعالى-: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾:","level":2,"page":2516},{"title":"الخيلاء في الحرب","level":2,"page":2521},{"title":"التكبير عند الحرب","level":2,"page":2522},{"title":"الغارة على الأعداء ليلا","level":2,"page":2522},{"title":"القتال أول النهار أو الانتظار حتى تهب الريح","level":2,"page":2523},{"title":"إذا ارتد على المقاتل سلاحه فقتله فله أجره مرتين","level":2,"page":2524},{"title":"من لهم ثواب الشهداء","level":2,"page":2525},{"title":"ماذا يجد الشهيد من مس القتل","level":2,"page":2529},{"title":"فضل الحرب في البحر","level":2,"page":2529},{"title":"في زيادة الأجر للمجاهدين عند الإخفاق:","level":2,"page":2530},{"title":"هل يسلم المجاهد نفسه للأسر؟","level":2,"page":2533},{"title":"من ركع ركعتين عند القتل","level":2,"page":2536},{"title":"استقبال الغزاة","level":2,"page":2537},{"title":"مراسلة المجاهدين والديهم وأهليهم","level":2,"page":2537},{"title":"انتهاء الحرب","level":2,"page":2539},{"title":"لا يجوز نزع ثياب الشهيد التي قتل فيها","level":2,"page":2540},{"title":"استحباب تكفين الشهيد بثوب واحد أو أكثر فوق ثيابه (٢)","level":2,"page":2540},{"title":"لا يشرع غسل الشهيد قتيل المعركة ولو كان جنبا","level":2,"page":2542},{"title":"أين يدفن الشهيد","level":2,"page":2545},{"title":"دفن أكثر من شهيد في قبر واحد إذا كثر القتلى","level":2,"page":2545},{"title":"من غلب العدو فأقام على عرصتهم ثلاثا","level":2,"page":2546},{"title":"ما يقول إذا رجع من الغزو","level":2,"page":2546},{"title":"إذا قدم الإمام أو القائد من الغزو يبدأ بالمسجد فيركع فيه ركعتين","level":2,"page":2547},{"title":"مراجعة الإمام أو القائد من تخلف من الغزو والقتال","level":2,"page":2547},{"title":"قتال الإمام مانعي الزكاة","level":2,"page":2548},{"title":"قتل الجاسوس","level":2,"page":2548},{"title":"في حكم قتل الجاسوس إذا كان مسلما","level":2,"page":2549},{"title":"من قفز من عسكر المسلمين إلى عسكر الكفار","level":2,"page":2552},{"title":"الهدنة","level":1,"page":2553},{"title":"عقد الذمة","level":1,"page":2558},{"title":"موجب هذا العقد:","level":2,"page":2560},{"title":"الأحكام التي تجري على أهل الذمة:","level":2,"page":2561},{"title":"الجزية","level":1,"page":2563},{"title":"مشروعيتها:","level":2,"page":2564},{"title":"ممن تقبل؟","level":2,"page":2565},{"title":"مقدار الجزية","level":2,"page":2568},{"title":"ما يجوز للإمام اشتراطه","level":2,"page":2569},{"title":"الزيادة من غير إجهاد ولا مشقة","level":2,"page":2569},{"title":"تحريم أخذ ما يشق على أهل الجزية","level":2,"page":2571},{"title":"إعفاء من لم يقدر على أدائها","level":2,"page":2572},{"title":"لا تؤخذ الجزية من النساء والصبيان","level":2,"page":2572},{"title":"لا تؤخذ الجزية ممن أسلم ولو كان إسلامه فرارا من دفع الجزية","level":2,"page":2573},{"title":"ختم رقاب أهل الجزية في أعناقهم","level":2,"page":2574},{"title":"بم ينقض العهد","level":2,"page":2574},{"title":"الغنائم","level":1,"page":2577},{"title":"تعريفها:","level":2,"page":2577},{"title":"إحلالها لهذه الأمة دون غيرها","level":2,"page":2578},{"title":"وجوب المجيء بالغنائم إذا نادى المنادي في الناس بذلك","level":2,"page":2578},{"title":"كيفية تقسيم الغنائم","level":2,"page":2579},{"title":"يأخذ الفارس من الغنيمة ثلاثة أسهم، والراجل سهما","level":2,"page":2583},{"title":"يستوي في الغنائم من أفراد الجيش القوي والضعيف ومن قاتل ومن لم يقاتل","level":2,"page":2586},{"title":"السلب للقاتل","level":2,"page":2587},{"title":"تخميس السلب إذا بلغ مالا كثيرا","level":2,"page":2589},{"title":"الرضخ من الغنيمة لمن حضر","level":2,"page":2590},{"title":"جواز تنفيل بعض الجيش من الغنيمة","level":2,"page":2592},{"title":"رد أموال وسبايا التائبين","level":2,"page":2595},{"title":"إذا غنم المشركون مال المسلم ثم وجده المسلم","level":2,"page":2596},{"title":"إذا أسلم قوم في دار حرب ولهم مال أو أرضون فهي لهم","level":2,"page":2597},{"title":"حكم الأرض المغنومة","level":2,"page":2599},{"title":"الغلول","level":2,"page":2602},{"title":"تعريفه:","level":2,"page":2602},{"title":"تحريم الغلول:","level":2,"page":2602},{"title":"ما يجوز الانتفاع به قبل قسمة الغنائم","level":2,"page":2605},{"title":"أسرى الحرب","level":2,"page":2608},{"title":"جواز استرقاق الكفار من عرب أو عجم","level":2,"page":2613},{"title":"إذا أسلم الأسير حرم قتله","level":2,"page":2614},{"title":"ما ورد في الإحسان إلى الأسرى","level":2,"page":2615},{"title":"ما ورد في الإحسان إلى الرقيق","level":2,"page":2618},{"title":"ربط الأسير وحبسه","level":2,"page":2620},{"title":"نفي جواز قتل الحربي إذا أتى ببعض أمارات الإسلام","level":2,"page":2621},{"title":"تحرير الرقاب","level":2,"page":2621},{"title":"الفيء","level":1,"page":2625},{"title":"إنفاق رسول الله - ﷺ - على أهله نفقة سنتهم من الفيء، وجعل الباقي في مجعل مال الله","level":2,"page":2627},{"title":"يراعى في قسم الفيء قدم الرجل في الإسلام وبلاؤه، وعياله وحاجته","level":2,"page":2629},{"title":"إعطاء المتزوج حظين والعزب حظا واحدا","level":2,"page":2630},{"title":"استيعاب الفيء عامة المسلمين","level":2,"page":2630},{"title":"عطاء المحررين","level":2,"page":2632},{"title":"كيفية تجزئة النبي - ﷺ - الفيء","level":2,"page":2632},{"title":"مصادر الفيء","level":2,"page":2634},{"title":"مصارف الفيء","level":2,"page":2635},{"title":"عقد الأمان","level":1,"page":2638},{"title":"من أمنه أحد المسلمين صار آمنا","level":2,"page":2641},{"title":"تحريم قتل المؤمن","level":2,"page":2644},{"title":"حكم الرسول كالمؤمن","level":2,"page":2644},{"title":"المستأمن","level":2,"page":2646},{"title":"حقوقه","level":2,"page":2648},{"title":"الواجب عليه","level":2,"page":2648},{"title":"تطبيق حكم الإسلام عليه","level":2,"page":2648},{"title":"مصادرة ماله","level":2,"page":2649},{"title":"ميراثه","level":2,"page":2649},{"title":"العهود والمواثيق","level":2,"page":2650},{"title":"شروط العهود:","level":2,"page":2653},{"title":"نقض العهود:","level":2,"page":2653},{"title":"الإعلام بالنقض تحرزا عن الغدر","level":2,"page":2656},{"title":"إقرار القوانين الدولية في تحريم قتل الرسل","level":2,"page":2657},{"title":"قتال البغاة","level":1,"page":2658},{"title":"لا يجهز على الجريح منهم ولا يسلب القاتل ولا يطلب المولي","level":2,"page":2659},{"title":"أقسام البغاة وما جاء في تأويلهم","level":2,"page":2662},{"title":"هل البغاة والخوارج لفظان مترادفان أم لا؟","level":2,"page":2668},{"title":"إذا بغت طائفة ولم تقبل الصلح كانت بمنزلة الصائل","level":2,"page":2670},{"title":"العدل بين الطائفتين وما يترتب على ذلك من ضمان وقصاص وحمالة.","level":2,"page":2671},{"title":"ثواب صبر من يظن أنه مظلوم مبغي عليه","level":2,"page":2674},{"title":"ما يفعله ولاة الأمور مع أقوام لم يصلوا ولم يصوموا ...","level":2,"page":2675},{"title":"لا يجوز لإحدى الطائفتين أن تقول: نأخذ حقنا بأيدينا","level":2,"page":2676},{"title":"من قتل أحدا بعد إصلاح","level":2,"page":2676},{"title":"بيان طرق الإصلاح المذكور في قوله تعالى: ﴿فأصلحوا بين أخويكم﴾","level":2,"page":2677},{"title":"محاورة الخوارج والمتمردين على الإمام","level":2,"page":2678},{"title":"متى يقاتل الخوارج والمتمردون على الإمام","level":2,"page":2681},{"title":"ما جاء من نصوص تبين بعض أمارات الخوارج ومثيري الفتن","level":2,"page":2682},{"title":"السمع والطاعة للإمام ما لم يأمر بمعصية وما جاء في عدم منازعة الأمر أهله","level":2,"page":2689},{"title":"السلام في الإسلام","level":2,"page":2695},{"title":"أسباب النصر والتمكين","level":2,"page":2696},{"title":"١ - التوحيد","level":3,"page":2696},{"title":"٢ - اتباع منهج النبي - ﷺ -","level":3,"page":2702},{"title":"٣ - اتباع منهج السلف الصالح","level":3,"page":2704},{"title":"٤ - العلم","level":3,"page":2707},{"title":"٥ - تزكية النفوس والائتمار بما أمر الله -تعالى- والانتهاء عما نهى -سبحانه-.","level":3,"page":2708},{"title":"٦ - ترك الذنوب والمعاصي والأهواء","level":3,"page":2710},{"title":"٧ - ترك التحايل","level":3,"page":2713},{"title":"٨ - ترك البدع","level":3,"page":2716},{"title":"٩ - الإعداد العسكري","level":3,"page":2718},{"title":"١٠ - الإعداد المعنوي","level":3,"page":2721},{"title":"١١ - التآلف واجتماع الكلمة، وعدم التفرق والاختلاف","level":3,"page":2723},{"title":"لماذا هزم المسلمون؟","level":2,"page":2732},{"title":"عوامل الهزيمة وأسباب الدمار:","level":2,"page":2740},{"title":"عجبا من التخبط والعشوائية في طلب النصر","level":2,"page":2748},{"title":"البشرى بانتصار المسلمين وانتشار الإسلام","level":2,"page":2749}],"ٛ":{"1,1":2,"1,2":3,"1,3":4,"1,4":5,"1,5":6,"1,6":7,"1,7":8,"1,8":9,"1,9":10,"1,10":11,"1,11":12,"1,12":13,"1,13":14,"1,14":15,"1,15":16,"1,16":17,"1,17":18,"1,18":19,"1,19":20,"1,20":21,"1,21":22,"1,22":23,"1,23":24,"1,24":25,"1,25":26,"1,26":27,"1,27":28,"1,28":29,"1,29":30,"1,30":31,"1,31":32,"1,32":33,"1,33":34,"1,34":35,"1,35":36,"1,36":37,"1,37":38,"1,38":39,"1,39":40,"1,40":41,"1,41":42,"1,42":43,"1,43":44,"1,44":45,"1,45":46,"1,46":47,"1,47":48,"1,48":49,"1,49":50,"1,50":51,"1,51":52,"1,52":53,"1,53":54,"1,54":55,"1,55":56,"1,56":57,"1,57":58,"1,58":59,"1,59":60,"1,60":61,"1,61":62,"1,62":63,"1,63":64,"1,64":65,"1,65":66,"1,66":67,"1,67":68,"1,68":69,"1,69":70,"1,70":71,"1,71":72,"1,72":73,"1,73":74,"1,74":75,"1,75":76,"1,76":77,"1,77":78,"1,78":79,"1,79":80,"1,80":81,"1,81":82,"1,82":83,"1,83":84,"1,84":85,"1,85":86,"1,86":87,"1,87":88,"1,88":89,"1,89":90,"1,90":91,"1,91":92,"1,92":93,"1,93":94,"1,94":95,"1,95":96,"1,96":97,"1,97":98,"1,98":99,"1,99":100,"1,100":101,"1,101":102,"1,102":103,"1,103":104,"1,104":105,"1,105":106,"1,106":107,"1,107":108,"1,108":109,"1,109":110,"1,110":111,"1,111":112,"1,112":113,"1,113":114,"1,114":115,"1,115":116,"1,116":117,"1,117":118,"1,118":119,"1,119":120,"1,120":121,"1,121":122,"1,122":123,"1,123":124,"1,124":125,"1,125":126,"1,126":127,"1,127":128,"1,128":129,"1,129":130,"1,130":131,"1,131":132,"1,132":133,"1,133":134,"1,134":135,"1,135":136,"1,136":137,"1,137":138,"1,138":139,"1,139":140,"1,140":141,"1,141":142,"1,142":143,"1,143":144,"1,144":145,"1,145":146,"1,146":147,"1,147":148,"1,148":149,"1,149":150,"1,150":151,"1,151":152,"1,152":153,"1,153":154,"1,154":155,"1,155":156,"1,156":157,"1,157":158,"1,158":159,"1,159":160,"1,160":161,"1,161":162,"1,162":163,"1,163":164,"1,164":165,"1,165":166,"1,166":167,"1,167":168,"1,168":169,"1,169":170,"1,170":171,"1,171":172,"1,172":173,"1,173":174,"1,174":175,"1,175":176,"1,176":177,"1,177":178,"1,178":179,"1,179":180,"1,180":181,"1,181":182,"1,182":183,"1,183":184,"1,184":185,"1,185":186,"1,186":187,"1,187":188,"1,188":189,"1,189":190,"1,190":191,"1,191":192,"1,192":193,"1,193":194,"1,194":195,"1,195":196,"1,196":197,"1,197":198,"1,198":199,"1,199":200,"1,200":201,"1,201":202,"1,202":203,"1,203":204,"1,204":205,"1,205":206,"1,206":207,"1,207":208,"1,208":209,"1,209":210,"1,210":211,"1,211":212,"1,212":213,"1,213":214,"1,214":215,"1,215":216,"1,216":217,"1,217":218,"1,218":219,"1,219":220,"1,220":221,"1,221":222,"1,222":223,"1,223":224,"1,224":225,"1,225":226,"1,226":227,"1,227":228,"1,228":229,"1,229":230,"1,230":231,"1,231":232,"1,232":233,"1,233":234,"1,234":235,"1,235":236,"1,236":237,"1,237":238,"1,238":239,"1,239":240,"1,240":241,"1,241":242,"1,242":243,"1,243":244,"1,244":245,"1,245":246,"1,246":247,"1,247":248,"1,248":249,"1,249":250,"1,250":251,"1,251":252,"1,252":253,"1,253":254,"1,254":255,"1,255":256,"1,256":257,"1,257":258,"1,258":259,"1,259":260,"1,260":261,"1,261":262,"1,262":263,"1,263":264,"1,264":265,"1,265":266,"1,266":267,"1,267":268,"1,268":269,"1,269":270,"1,270":271,"1,271":272,"1,272":273,"1,273":274,"1,274":275,"1,275":276,"1,276":277,"1,277":278,"1,278":279,"1,279":280,"1,280":281,"1,281":282,"1,282":283,"1,283":284,"1,284":285,"1,285":286,"1,286":287,"1,287":288,"1,288":289,"1,289":290,"1,290":291,"1,291":292,"1,292":293,"1,293":294,"1,294":295,"1,295":296,"1,296":297,"1,297":298,"1,298":299,"1,299":300,"1,300":301,"1,301":302,"1,302":303,"1,303":304,"1,304":305,"1,305":306,"1,306":307,"1,307":308,"1,308":309,"1,309":310,"1,310":311,"1,311":312,"1,312":313,"1,313":314,"1,314":315,"1,315":316,"1,316":317,"1,317":318,"1,318":319,"1,319":320,"1,320":321,"1,321":322,"1,322":323,"1,323":324,"1,324":325,"1,325":326,"1,326":327,"1,327":328,"1,328":329,"1,329":330,"1,330":331,"1,331":332,"1,332":333,"1,333":334,"1,334":335,"1,335":336,"1,336":337,"1,337":338,"1,338":339,"1,339":340,"1,340":341,"1,341":342,"1,342":343,"1,343":344,"1,344":345,"1,345":346,"1,346":347,"1,347":348,"1,348":349,"1,349":350,"1,350":351,"1,351":352,"1,352":353,"1,353":354,"1,354":355,"1,355":356,"1,356":357,"1,357":358,"1,358":359,"1,359":360,"1,360":361,"1,361":362,"1,362":363,"1,363":364,"1,364":365,"1,365":366,"1,366":367,"1,367":368,"1,368":369,"1,369":370,"1,370":371,"1,371":372,"1,372":373,"1,373":374,"1,374":375,"1,375":376,"1,376":377,"1,377":378,"1,378":379,"1,379":380,"1,380":381,"1,381":382,"1,382":383,"1,383":384,"1,384":385,"1,385":386,"1,386":387,"1,387":388,"1,388":389,"1,389":390,"1,390":391,"1,391":392,"1,392":393,"1,393":394,"1,394":395,"1,395":396,"1,396":397,"1,397":398,"1,398":399,"1,399":400,"1,400":401,"1,401":402,"1,402":403,"1,403":404,"1,404":405,"1,405":406,"1,406":407,"1,407":408,"1,408":409,"1,409":410,"1,410":411,"1,411":412,"1,412":413,"1,413":414,"1,414":415,"1,415":416,"1,416":417,"1,417":418,"1,418":419,"1,419":420,"1,420":421,"1,421":422,"1,422":423,"1,423":424,"2,1":425,"2,2":426,"2,3":427,"2,4":428,"2,5":429,"2,6":430,"2,7":431,"2,8":432,"2,9":433,"2,10":434,"2,11":435,"2,12":436,"2,13":437,"2,14":438,"2,15":439,"2,16":440,"2,17":441,"2,18":442,"2,19":443,"2,20":444,"2,21":445,"2,22":446,"2,23":447,"2,24":448,"2,25":449,"2,26":450,"2,27":451,"2,28":452,"2,29":453,"2,30":454,"2,31":455,"2,32":456,"2,33":457,"2,34":458,"2,35":459,"2,36":460,"2,37":461,"2,38":462,"2,39":463,"2,40":464,"2,41":465,"2,42":466,"2,43":467,"2,44":468,"2,45":469,"2,46":470,"2,47":471,"2,48":472,"2,49":473,"2,50":474,"2,51":475,"2,52":476,"2,53":477,"2,54":478,"2,55":479,"2,56":480,"2,57":481,"2,58":482,"2,59":483,"2,60":484,"2,61":485,"2,62":486,"2,63":487,"2,64":488,"2,65":489,"2,66":490,"2,67":491,"2,68":492,"2,69":493,"2,70":494,"2,71":495,"2,72":496,"2,73":497,"2,74":498,"2,75":499,"2,76":500,"2,77":501,"2,78":502,"2,79":503,"2,80":504,"2,81":505,"2,82":506,"2,83":507,"2,84":508,"2,85":509,"2,86":510,"2,87":511,"2,88":512,"2,89":513,"2,90":514,"2,91":515,"2,92":516,"2,93":517,"2,94":518,"2,95":519,"2,96":520,"2,97":521,"2,98":522,"2,99":523,"2,100":524,"2,101":525,"2,102":526,"2,103":527,"2,104":528,"2,105":529,"2,106":530,"2,107":531,"2,108":532,"2,109":533,"2,110":534,"2,111":535,"2,112":536,"2,113":537,"2,114":538,"2,115":539,"2,116":540,"2,117":541,"2,118":542,"2,119":543,"2,120":544,"2,121":545,"2,122":546,"2,123":547,"2,124":548,"2,125":549,"2,126":550,"2,127":551,"2,128":552,"2,129":553,"2,130":554,"2,131":555,"2,132":556,"2,133":557,"2,134":558,"2,135":559,"2,136":560,"2,137":561,"2,138":562,"2,139":563,"2,140":564,"2,141":565,"2,142":566,"2,143":567,"2,144":568,"2,145":569,"2,146":570,"2,147":571,"2,148":572,"2,149":573,"2,150":574,"2,151":575,"2,152":576,"2,153":577,"2,154":578,"2,155":579,"2,156":580,"2,157":581,"2,158":582,"2,159":583,"2,160":584,"2,161":585,"2,162":586,"2,163":587,"2,164":588,"2,165":589,"2,166":590,"2,167":591,"2,168":592,"2,169":593,"2,170":594,"2,171":595,"2,172":596,"2,173":597,"2,174":598,"2,175":599,"2,176":600,"2,177":601,"2,178":602,"2,179":603,"2,180":604,"2,181":605,"2,182":606,"2,183":607,"2,184":608,"2,185":609,"2,186":610,"2,187":611,"2,188":612,"2,189":613,"2,190":614,"2,191":615,"2,192":616,"2,193":617,"2,194":618,"2,195":619,"2,196":620,"2,197":621,"2,198":622,"2,199":623,"2,200":624,"2,201":625,"2,202":626,"2,203":627,"2,204":628,"2,205":629,"2,206":630,"2,207":631,"2,208":632,"2,209":633,"2,210":634,"2,211":635,"2,212":636,"2,213":637,"2,214":638,"2,215":639,"2,216":640,"2,217":641,"2,218":642,"2,219":643,"2,220":644,"2,221":645,"2,222":646,"2,223":647,"2,224":648,"2,225":649,"2,226":650,"2,227":651,"2,228":652,"2,229":653,"2,230":654,"2,231":655,"2,232":656,"2,233":657,"2,234":658,"2,235":659,"2,236":660,"2,237":661,"2,238":662,"2,239":663,"2,240":664,"2,241":665,"2,242":666,"2,243":667,"2,244":668,"2,245":669,"2,246":670,"2,247":671,"2,248":672,"2,249":673,"2,250":674,"2,251":675,"2,252":676,"2,253":677,"2,254":678,"2,255":679,"2,256":680,"2,257":681,"2,258":682,"2,259":683,"2,260":684,"2,261":685,"2,262":686,"2,263":687,"2,264":688,"2,265":689,"2,266":690,"2,267":691,"2,268":692,"2,269":693,"2,270":694,"2,271":695,"2,272":696,"2,273":697,"2,274":698,"2,275":699,"2,276":700,"2,277":701,"2,278":702,"2,279":703,"2,280":704,"2,281":705,"2,282":706,"2,283":707,"2,284":708,"2,285":709,"2,286":710,"2,287":711,"2,288":712,"2,289":713,"2,290":714,"2,291":715,"2,292":716,"2,293":717,"2,294":718,"2,295":719,"2,296":720,"2,297":721,"2,298":722,"2,299":723,"2,300":724,"2,301":725,"2,302":726,"2,303":727,"2,304":728,"2,305":729,"2,306":730,"2,307":731,"2,308":732,"2,309":733,"2,310":734,"2,311":735,"2,312":736,"2,313":737,"2,314":738,"2,315":739,"2,316":740,"2,317":741,"2,318":742,"2,319":743,"2,320":744,"2,321":745,"2,322":746,"2,323":747,"2,324":748,"2,325":749,"2,326":750,"2,327":751,"2,328":752,"2,329":753,"2,330":754,"2,331":755,"2,332":756,"2,333":757,"2,334":758,"2,335":759,"2,336":760,"2,337":761,"2,338":762,"2,339":763,"2,340":764,"2,341":765,"2,342":766,"2,343":767,"2,344":768,"2,345":769,"2,346":770,"2,347":771,"2,348":772,"2,349":773,"2,350":774,"2,351":775,"2,352":776,"2,353":777,"2,354":778,"2,355":779,"2,356":780,"2,357":781,"2,358":782,"2,359":783,"2,360":784,"2,361":785,"2,362":786,"2,363":787,"2,364":788,"2,365":789,"2,366":790,"2,367":791,"2,368":792,"2,369":793,"2,370":794,"2,371":795,"2,372":796,"2,373":797,"2,374":798,"2,375":799,"2,376":800,"2,377":801,"2,378":802,"2,379":803,"2,380":804,"2,381":805,"2,382":806,"2,383":807,"2,384":808,"2,385":809,"2,386":810,"2,387":811,"2,388":812,"2,389":813,"2,390":814,"2,391":815,"2,392":816,"2,393":817,"2,394":818,"2,395":819,"2,396":820,"2,397":821,"2,398":822,"2,399":823,"2,400":824,"2,401":825,"2,402":826,"2,403":827,"2,404":828,"2,405":829,"2,406":830,"2,407":831,"2,408":832,"2,409":833,"2,410":834,"2,411":835,"2,412":836,"2,413":837,"2,414":838,"2,415":839,"2,416":840,"2,417":841,"2,418":842,"3,1":843,"3,2":844,"3,3":845,"3,4":846,"3,5":847,"3,6":848,"3,7":849,"3,9":850,"3,10":851,"3,11":852,"3,12":853,"3,13":854,"3,14":855,"3,15":856,"3,16":857,"3,17":858,"3,18":859,"3,19":860,"3,20":861,"3,21":862,"3,22":863,"3,23":864,"3,24":865,"3,25":866,"3,26":867,"3,27":868,"3,28":869,"3,29":870,"3,30":871,"3,31":872,"3,32":873,"3,33":874,"3,34":875,"3,35":876,"3,36":877,"3,37":878,"3,38":879,"3,39":880,"3,40":881,"3,41":882,"3,42":883,"3,43":884,"3,44":885,"3,45":886,"3,46":887,"3,47":888,"3,48":889,"3,49":890,"3,50":891,"3,51":892,"3,52":893,"3,53":894,"3,54":895,"3,55":896,"3,56":897,"3,57":898,"3,58":899,"3,59":900,"3,60":901,"3,61":902,"3,62":903,"3,63":904,"3,64":905,"3,65":906,"3,66":907,"3,67":908,"3,68":909,"3,69":910,"3,70":911,"3,71":912,"3,72":913,"3,73":914,"3,74":915,"3,75":916,"3,76":917,"3,77":918,"3,78":919,"3,79":920,"3,80":921,"3,81":922,"3,82":923,"3,83":924,"3,84":925,"3,85":926,"3,86":927,"3,87":928,"3,88":929,"3,89":930,"3,90":931,"3,91":932,"3,92":933,"3,93":934,"3,94":935,"3,95":936,"3,96":937,"3,97":938,"3,98":939,"3,99":940,"3,100":941,"3,101":942,"3,102":943,"3,103":944,"3,104":945,"3,105":946,"3,106":947,"3,107":948,"3,108":949,"3,109":950,"3,110":951,"3,111":952,"3,112":953,"3,113":954,"3,114":955,"3,115":956,"3,116":957,"3,117":958,"3,118":959,"3,119":960,"3,120":961,"3,121":962,"3,122":963,"3,123":964,"3,124":965,"3,125":966,"3,126":967,"3,127":968,"3,128":969,"3,129":970,"3,130":971,"3,131":972,"3,132":973,"3,133":974,"3,134":975,"3,135":976,"3,136":977,"3,137":978,"3,138":979,"3,139":980,"3,140":981,"3,141":982,"3,142":983,"3,143":984,"3,144":985,"3,145":986,"3,146":987,"3,147":988,"3,148":989,"3,149":990,"3,150":991,"3,151":992,"3,152":993,"3,153":994,"3,154":995,"3,155":996,"3,156":997,"3,157":998,"3,158":999,"3,159":1000,"3,160":1001,"3,161":1002,"3,162":1003,"3,163":1004,"3,164":1005,"3,165":1006,"3,166":1007,"3,167":1008,"3,168":1009,"3,169":1010,"3,170":1011,"3,171":1012,"3,172":1013,"3,173":1014,"3,174":1015,"3,175":1016,"3,176":1017,"3,177":1018,"3,178":1019,"3,179":1020,"3,180":1021,"3,181":1022,"3,182":1023,"3,183":1024,"3,184":1025,"3,185":1026,"3,186":1027,"3,187":1028,"3,188":1029,"3,189":1030,"3,191":1031,"3,192":1032,"3,193":1033,"3,194":1034,"3,195":1035,"3,196":1036,"3,197":1037,"3,198":1038,"3,199":1039,"3,200":1040,"3,201":1041,"3,202":1042,"3,203":1043,"3,204":1044,"3,205":1045,"3,206":1046,"3,207":1047,"3,208":1048,"3,209":1049,"3,210":1050,"3,211":1051,"3,212":1052,"3,213":1053,"3,214":1054,"3,215":1055,"3,216":1056,"3,217":1057,"3,218":1058,"3,219":1059,"3,220":1060,"3,221":1061,"3,222":1062,"3,223":1063,"3,224":1064,"3,225":1065,"3,226":1066,"3,227":1067,"3,228":1068,"3,229":1069,"3,230":1070,"3,231":1071,"3,232":1072,"3,233":1073,"3,234":1074,"3,235":1075,"3,236":1076,"3,237":1077,"3,238":1078,"3,239":1079,"3,240":1080,"3,241":1081,"3,242":1082,"3,243":1083,"3,244":1084,"3,245":1085,"3,246":1086,"3,247":1087,"3,248":1088,"3,249":1089,"3,250":1090,"3,251":1091,"3,252":1092,"3,253":1093,"3,254":1094,"3,255":1095,"3,256":1096,"3,257":1097,"3,258":1098,"3,259":1099,"3,260":1100,"3,261":1101,"3,262":1102,"3,263":1103,"3,264":1104,"3,265":1105,"3,266":1106,"3,267":1107,"3,268":1108,"3,269":1109,"3,270":1110,"3,271":1111,"3,272":1112,"3,273":1113,"3,274":1114,"3,275":1115,"3,276":1116,"3,277":1117,"3,278":1118,"3,279":1119,"3,280":1120,"3,281":1121,"3,282":1122,"3,283":1123,"3,284":1124,"3,285":1125,"3,286":1126,"3,287":1127,"3,288":1128,"3,289":1129,"3,290":1130,"3,291":1131,"3,292":1132,"3,293":1133,"3,294":1134,"3,295":1135,"3,296":1136,"3,297":1137,"3,298":1138,"3,299":1139,"3,300":1140,"3,301":1141,"3,302":1142,"3,303":1143,"3,304":1144,"3,305":1145,"3,306":1146,"3,307":1147,"3,308":1148,"3,309":1149,"3,310":1150,"3,311":1151,"3,312":1152,"3,313":1153,"3,314":1154,"3,315":1155,"3,316":1156,"3,317":1157,"3,318":1158,"3,319":1159,"3,320":1160,"3,321":1161,"3,322":1162,"3,323":1163,"3,324":1164,"3,325":1165,"3,326":1166,"3,327":1167,"3,328":1168,"3,329":1169,"3,330":1170,"3,331":1171,"3,332":1172,"3,333":1173,"3,334":1174,"3,335":1175,"3,336":1176,"3,337":1177,"3,338":1178,"3,339":1179,"3,340":1180,"3,341":1181,"3,342":1182,"3,343":1183,"3,344":1184,"3,345":1185,"3,346":1186,"3,347":1187,"3,349":1188,"3,350":1189,"3,351":1190,"3,352":1191,"3,353":1192,"3,354":1193,"3,355":1194,"3,356":1195,"3,357":1196,"3,358":1197,"3,359":1198,"3,360":1199,"3,361":1200,"3,362":1201,"3,363":1202,"3,364":1203,"3,365":1204,"3,366":1205,"3,367":1206,"4,1":1207,"4,2":1208,"4,3":1209,"4,4":1210,"4,5":1213,"4,6":1214,"4,7":1215,"4,8":1216,"4,9":1217,"4,10":1218,"4,11":1219,"4,12":1220,"4,13":1221,"4,14":1222,"4,15":1223,"4,16":1224,"4,17":1225,"4,18":1226,"4,19":1227,"4,20":1228,"4,21":1229,"4,22":1230,"4,23":1231,"4,24":1232,"4,25":1233,"4,26":1234,"4,27":1235,"4,28":1236,"4,29":1237,"4,30":1238,"4,31":1239,"4,32":1240,"4,33":1241,"4,34":1242,"4,35":1243,"4,36":1244,"4,37":1245,"4,38":1246,"4,39":1247,"4,40":1248,"4,41":1249,"4,42":1250,"4,43":1251,"4,44":1252,"4,45":1253,"4,46":1254,"4,47":1255,"4,48":1256,"4,49":1257,"4,50":1258,"4,51":1259,"4,52":1260,"4,53":1261,"4,54":1262,"4,55":1263,"4,56":1264,"4,57":1265,"4,58":1266,"4,59":1267,"4,60":1268,"4,61":1269,"4,62":1270,"4,63":1271,"4,64":1272,"4,65":1273,"4,66":1274,"4,67":1275,"4,68":1276,"4,69":1277,"4,70":1278,"4,71":1279,"4,72":1280,"4,73":1281,"4,74":1282,"4,75":1283,"4,76":1284,"4,77":1285,"4,78":1286,"4,79":1287,"4,80":1288,"4,81":1289,"4,82":1290,"4,83":1291,"4,84":1292,"4,85":1293,"4,86":1294,"4,87":1295,"4,88":1296,"4,89":1297,"4,90":1298,"4,91":1299,"4,92":1300,"4,93":1301,"4,94":1302,"4,95":1303,"4,96":1304,"4,97":1305,"4,98":1306,"4,99":1307,"4,100":1308,"4,101":1309,"4,102":1310,"4,103":1311,"4,104":1312,"4,105":1313,"4,106":1314,"4,107":1315,"4,108":1316,"4,109":1317,"4,110":1318,"4,111":1319,"4,112":1320,"4,113":1321,"4,114":1322,"4,115":1323,"4,116":1324,"4,117":1325,"4,118":1326,"4,119":1327,"4,120":1328,"4,121":1329,"4,122":1330,"4,123":1331,"4,124":1332,"4,125":1333,"4,126":1334,"4,127":1335,"4,128":1336,"4,129":1337,"4,130":1338,"4,131":1339,"4,132":1340,"4,133":1341,"4,134":1342,"4,135":1343,"4,136":1344,"4,137":1345,"4,138":1346,"4,139":1347,"4,140":1348,"4,141":1349,"4,142":1350,"4,143":1351,"4,144":1352,"4,145":1353,"4,146":1354,"4,147":1355,"4,148":1356,"4,149":1357,"4,150":1358,"4,151":1359,"4,152":1360,"4,153":1361,"4,154":1362,"4,155":1363,"4,156":1364,"4,157":1365,"4,158":1366,"4,159":1367,"4,160":1368,"4,161":1369,"4,162":1370,"4,163":1371,"4,164":1372,"4,165":1373,"4,166":1374,"4,167":1375,"4,168":1376,"4,169":1377,"4,170":1378,"4,171":1379,"4,172":1380,"4,173":1381,"4,174":1382,"4,175":1383,"4,176":1384,"4,177":1385,"4,178":1386,"4,179":1387,"4,180":1388,"4,181":1389,"4,182":1390,"4,183":1391,"4,184":1392,"4,185":1393,"4,186":1394,"4,187":1395,"4,188":1396,"4,189":1397,"4,190":1398,"4,191":1399,"4,192":1400,"4,193":1401,"4,194":1402,"4,195":1403,"4,196":1404,"4,197":1405,"4,198":1406,"4,199":1407,"4,200":1408,"4,201":1409,"4,202":1410,"4,203":1411,"4,204":1412,"4,205":1413,"4,206":1414,"4,207":1415,"4,208":1416,"4,209":1417,"4,210":1418,"4,211":1419,"4,212":1420,"4,213":1421,"4,214":1422,"4,215":1423,"4,216":1424,"4,217":1425,"4,218":1426,"4,219":1427,"4,220":1428,"4,221":1429,"4,222":1430,"4,223":1431,"4,224":1432,"4,225":1433,"4,226":1434,"4,227":1435,"4,228":1436,"4,229":1437,"4,230":1438,"4,231":1439,"4,233":1440,"4,234":1441,"4,235":1442,"4,236":1443,"4,237":1444,"4,238":1445,"4,239":1446,"4,240":1447,"4,241":1448,"4,242":1449,"4,243":1450,"4,244":1451,"4,245":1452,"4,246":1453,"4,247":1454,"4,248":1455,"4,249":1456,"4,250":1457,"4,251":1458,"4,252":1459,"4,253":1460,"4,254":1461,"4,255":1462,"4,256":1463,"4,257":1464,"4,258":1465,"4,259":1466,"4,260":1467,"4,261":1468,"4,262":1469,"4,263":1470,"4,264":1471,"4,265":1472,"4,266":1473,"4,267":1474,"4,268":1475,"4,269":1476,"4,270":1477,"4,271":1478,"4,272":1479,"4,273":1480,"4,274":1481,"4,275":1482,"4,276":1483,"4,277":1484,"4,278":1485,"4,279":1486,"4,280":1487,"4,281":1488,"4,282":1489,"4,283":1490,"4,284":1491,"4,285":1492,"4,286":1493,"4,287":1494,"4,288":1495,"4,289":1496,"4,290":1497,"4,291":1498,"4,292":1499,"4,293":1500,"4,294":1501,"4,295":1502,"4,296":1503,"4,297":1504,"4,298":1505,"4,299":1506,"4,300":1507,"4,301":1508,"4,302":1509,"4,303":1510,"4,304":1511,"4,305":1512,"4,306":1513,"4,307":1514,"4,308":1515,"4,309":1516,"4,310":1517,"4,311":1518,"4,312":1519,"4,313":1520,"4,314":1521,"4,315":1522,"4,316":1523,"4,317":1524,"4,318":1525,"4,319":1526,"4,320":1527,"4,321":1528,"4,322":1529,"4,323":1530,"4,324":1531,"4,325":1532,"4,326":1533,"4,327":1534,"4,328":1535,"4,329":1536,"4,330":1537,"4,331":1538,"4,332":1539,"4,333":1540,"4,334":1541,"4,335":1542,"4,336":1543,"4,337":1544,"4,338":1545,"4,339":1546,"4,340":1547,"4,341":1548,"4,342":1549,"4,343":1550,"4,344":1551,"4,345":1552,"4,346":1553,"4,347":1554,"4,348":1555,"4,349":1556,"4,350":1557,"4,351":1558,"4,352":1559,"4,353":1560,"4,354":1561,"4,355":1562,"4,356":1563,"4,357":1564,"4,358":1565,"4,359":1566,"4,360":1567,"4,361":1568,"4,362":1569,"4,363":1570,"4,364":1571,"4,365":1572,"4,366":1573,"4,367":1574,"4,368":1575,"4,369":1576,"4,370":1577,"4,371":1578,"4,372":1579,"4,373":1580,"4,374":1581,"4,375":1582,"4,376":1583,"4,377":1584,"4,378":1585,"4,379":1586,"4,380":1587,"4,381":1588,"4,382":1589,"4,383":1590,"4,384":1591,"4,385":1592,"4,386":1593,"4,387":1594,"4,388":1595,"4,389":1596,"4,390":1597,"4,391":1598,"4,392":1599,"4,393":1600,"4,394":1601,"4,395":1602,"4,396":1603,"4,397":1604,"4,398":1605,"4,399":1606,"4,400":1607,"4,401":1608,"4,402":1609,"4,403":1610,"4,404":1611,"4,405":1612,"4,406":1613,"4,407":1614,"4,408":1615,"4,409":1616,"4,410":1617,"4,411":1618,"4,412":1619,"4,413":1620,"4,414":1621,"4,415":1622,"4,416":1623,"4,417":1624,"4,418":1625,"4,419":1626,"4,420":1627,"4,421":1628,"4,422":1629,"4,423":1630,"4,424":1631,"4,425":1632,"4,426":1633,"4,427":1634,"4,428":1635,"4,429":1636,"4,430":1637,"4,431":1638,"4,432":1639,"4,433":1640,"4,434":1641,"4,435":1642,"4,436":1643,"4,437":1644,"4,438":1645,"4,439":1646,"4,440":1647,"4,441":1648,"4,442":1649,"4,443":1650,"5,1":1651,"5,2":1652,"5,3":1653,"5,4":1654,"5,5":1655,"5,7":1656,"5,8":1657,"5,9":1658,"5,10":1659,"5,11":1660,"5,12":1661,"5,13":1662,"5,14":1663,"5,15":1664,"5,16":1665,"5,17":1666,"5,18":1667,"5,19":1668,"5,20":1669,"5,21":1670,"5,22":1671,"5,23":1672,"5,24":1673,"5,25":1674,"5,26":1675,"5,27":1676,"5,28":1677,"5,29":1678,"5,30":1679,"5,31":1680,"5,32":1681,"5,33":1682,"5,34":1683,"5,35":1684,"5,36":1685,"5,37":1686,"5,38":1687,"5,39":1688,"5,40":1689,"5,41":1690,"5,42":1691,"5,43":1692,"5,44":1693,"5,45":1694,"5,46":1695,"5,47":1696,"5,48":1697,"5,49":1698,"5,50":1699,"5,51":1700,"5,52":1701,"5,53":1702,"5,54":1703,"5,55":1704,"5,56":1705,"5,57":1706,"5,58":1707,"5,59":1708,"5,60":1709,"5,61":1710,"5,62":1711,"5,63":1712,"5,64":1713,"5,65":1714,"5,66":1715,"5,67":1716,"5,68":1717,"5,69":1718,"5,70":1719,"5,71":1720,"5,72":1721,"5,73":1722,"5,74":1723,"5,75":1724,"5,76":1725,"5,77":1726,"5,78":1727,"5,79":1728,"5,80":1729,"5,81":1730,"5,82":1731,"5,83":1732,"5,84":1733,"5,85":1734,"5,86":1735,"5,87":1736,"5,88":1737,"5,89":1738,"5,90":1739,"5,91":1740,"5,92":1741,"5,93":1742,"5,94":1743,"5,95":1744,"5,96":1745,"5,97":1746,"5,98":1747,"5,99":1748,"5,100":1749,"5,101":1750,"5,102":1751,"5,103":1752,"5,104":1753,"5,105":1754,"5,106":1755,"5,107":1756,"5,108":1757,"5,109":1758,"5,110":1759,"5,111":1760,"5,112":1761,"5,113":1762,"5,114":1763,"5,115":1764,"5,116":1765,"5,117":1766,"5,118":1767,"5,119":1768,"5,120":1769,"5,121":1770,"5,122":1771,"5,123":1772,"5,124":1773,"5,125":1774,"5,126":1775,"5,127":1776,"5,128":1777,"5,129":1778,"5,130":1779,"5,131":1780,"5,132":1781,"5,133":1782,"5,134":1783,"5,135":1784,"5,136":1785,"5,137":1786,"5,138":1787,"5,139":1788,"5,140":1789,"5,141":1790,"5,142":1791,"5,143":1792,"5,144":1793,"5,145":1794,"5,146":1795,"5,147":1796,"5,148":1797,"5,149":1798,"5,150":1799,"5,151":1800,"5,152":1801,"5,153":1802,"5,154":1803,"5,155":1804,"5,156":1805,"5,157":1806,"5,158":1807,"5,159":1808,"5,160":1809,"5,161":1810,"5,162":1811,"5,163":1812,"5,164":1813,"5,165":1814,"5,166":1815,"5,167":1816,"5,168":1817,"5,169":1818,"5,170":1819,"5,171":1820,"5,172":1821,"5,173":1822,"5,174":1823,"5,175":1824,"5,176":1825,"5,177":1826,"5,178":1827,"5,179":1828,"5,180":1829,"5,181":1830,"5,182":1831,"5,183":1832,"5,184":1833,"5,185":1834,"5,186":1835,"5,187":1836,"5,188":1837,"5,189":1838,"5,190":1839,"5,191":1840,"5,192":1841,"5,193":1842,"5,194":1843,"5,195":1844,"5,196":1845,"5,197":1846,"5,198":1847,"5,199":1848,"5,200":1849,"5,201":1850,"5,202":1851,"5,203":1852,"5,204":1853,"5,205":1854,"5,206":1855,"5,207":1856,"5,208":1857,"5,209":1858,"5,210":1859,"5,211":1860,"5,212":1861,"5,213":1862,"5,214":1863,"5,215":1864,"5,216":1865,"5,217":1866,"5,218":1867,"5,219":1868,"5,220":1869,"5,221":1870,"5,222":1871,"5,223":1872,"5,224":1873,"5,225":1874,"5,226":1875,"5,227":1876,"5,228":1877,"5,229":1878,"5,230":1879,"5,231":1880,"5,232":1881,"5,233":1882,"5,234":1883,"5,235":1884,"5,236":1885,"5,237":1886,"5,239":1887,"5,241":1888,"5,242":1889,"5,243":1890,"5,244":1891,"5,245":1892,"5,246":1893,"5,247":1894,"5,248":1895,"5,249":1896,"5,250":1897,"5,251":1898,"5,252":1899,"5,253":1900,"5,254":1901,"5,255":1902,"5,256":1903,"5,257":1904,"5,258":1905,"5,259":1906,"5,260":1907,"5,261":1908,"5,262":1909,"5,263":1910,"5,264":1911,"5,265":1912,"5,266":1913,"5,267":1914,"5,268":1915,"5,269":1916,"5,270":1917,"5,271":1918,"5,272":1919,"5,273":1920,"5,274":1921,"5,275":1922,"5,276":1923,"5,277":1924,"5,278":1925,"5,279":1926,"5,280":1927,"5,281":1928,"5,282":1929,"5,283":1930,"5,284":1931,"5,285":1932,"5,286":1933,"5,287":1934,"5,288":1935,"5,289":1936,"5,290":1937,"5,291":1938,"5,292":1939,"5,293":1940,"5,294":1941,"5,295":1942,"5,296":1943,"5,297":1944,"5,298":1945,"5,299":1946,"5,300":1947,"5,301":1948,"5,302":1949,"5,303":1950,"5,304":1951,"5,305":1952,"5,306":1953,"5,307":1954,"5,308":1955,"5,309":1956,"5,310":1957,"5,311":1958,"5,312":1959,"5,313":1960,"5,314":1961,"5,315":1962,"5,316":1963,"5,317":1964,"5,318":1965,"5,319":1966,"5,320":1967,"5,321":1968,"5,322":1969,"5,323":1970,"5,324":1971,"5,325":1972,"5,326":1973,"5,327":1974,"5,328":1975,"5,329":1976,"5,330":1977,"5,331":1978,"5,332":1979,"5,333":1980,"5,334":1981,"5,335":1982,"5,336":1983,"5,337":1984,"5,338":1985,"5,339":1986,"5,340":1987,"5,341":1988,"5,342":1989,"5,343":1990,"5,344":1991,"5,345":1992,"5,346":1993,"5,347":1994,"5,348":1995,"5,349":1996,"5,350":1997,"5,351":1998,"5,352":1999,"5,353":2000,"5,354":2001,"5,355":2002,"5,356":2003,"5,357":2004,"5,358":2005,"5,359":2006,"5,360":2007,"5,361":2008,"5,362":2009,"5,363":2010,"5,364":2011,"5,365":2012,"5,366":2013,"5,367":2014,"5,368":2015,"5,369":2016,"5,370":2017,"5,371":2018,"5,372":2019,"5,373":2020,"5,374":2021,"5,375":2022,"5,376":2023,"5,377":2024,"5,378":2025,"5,379":2026,"5,380":2027,"5,381":2028,"5,382":2029,"5,383":2030,"5,384":2031,"5,385":2032,"5,386":2033,"5,387":2034,"5,388":2035,"5,389":2036,"5,390":2037,"5,391":2038,"5,392":2039,"5,393":2040,"5,394":2041,"5,395":2042,"5,396":2043,"5,397":2044,"5,398":2045,"5,399":2046,"5,400":2047,"5,401":2048,"5,402":2049,"5,403":2050,"5,404":2051,"5,405":2052,"5,406":2053,"5,407":2054,"5,408":2055,"5,409":2056,"5,410":2057,"5,411":2058,"5,413":2059,"5,414":2060,"5,415":2061,"5,416":2062,"5,417":2063,"5,418":2064,"5,419":2065,"5,420":2066,"6,1":2067,"6,2":2068,"6,3":2069,"6,4":2070,"6,5":2071,"6,6":2072,"6,7":2073,"6,9":2074,"6,10":2075,"6,11":2076,"6,12":2077,"6,13":2078,"6,14":2079,"6,15":2080,"6,16":2081,"6,17":2082,"6,18":2083,"6,19":2084,"6,20":2085,"6,21":2086,"6,22":2087,"6,23":2088,"6,24":2089,"6,25":2090,"6,26":2091,"6,27":2092,"6,28":2093,"6,29":2094,"6,30":2095,"6,31":2096,"6,32":2097,"6,33":2098,"6,34":2099,"6,35":2100,"6,36":2101,"6,37":2102,"6,38":2103,"6,39":2104,"6,40":2105,"6,41":2106,"6,42":2107,"6,43":2108,"6,44":2109,"6,45":2110,"6,46":2111,"6,47":2112,"6,48":2113,"6,49":2114,"6,50":2115,"6,51":2116,"6,52":2117,"6,53":2118,"6,54":2119,"6,55":2120,"6,56":2121,"6,57":2122,"6,58":2123,"6,59":2124,"6,60":2125,"6,61":2126,"6,62":2127,"6,63":2128,"6,64":2129,"6,65":2130,"6,66":2131,"6,67":2132,"6,68":2133,"6,69":2134,"6,70":2135,"6,71":2136,"6,72":2137,"6,73":2138,"6,74":2139,"6,75":2140,"6,76":2141,"6,77":2142,"6,78":2143,"6,79":2144,"6,80":2145,"6,81":2146,"6,82":2147,"6,83":2148,"6,84":2149,"6,85":2150,"6,86":2151,"6,87":2152,"6,88":2153,"6,89":2154,"6,90":2155,"6,91":2156,"6,93":2157,"6,94":2158,"6,95":2159,"6,96":2160,"6,97":2161,"6,98":2162,"6,99":2163,"6,100":2164,"6,101":2165,"6,102":2166,"6,103":2167,"6,104":2168,"6,105":2169,"6,106":2170,"6,107":2171,"6,108":2172,"6,109":2173,"6,110":2174,"6,111":2175,"6,112":2176,"6,113":2177,"6,115":2178,"6,116":2179,"6,117":2180,"6,118":2181,"6,119":2182,"6,120":2183,"6,121":2184,"6,122":2185,"6,123":2186,"6,124":2187,"6,125":2188,"6,126":2189,"6,127":2190,"6,128":2191,"6,129":2192,"6,130":2193,"6,131":2194,"6,132":2195,"6,133":2196,"6,134":2197,"6,135":2198,"6,136":2199,"6,137":2200,"6,138":2201,"6,139":2202,"6,140":2203,"6,141":2204,"6,142":2205,"6,143":2206,"6,145":2207,"6,147":2208,"6,148":2209,"6,149":2210,"6,150":2211,"6,151":2212,"6,152":2213,"6,153":2214,"6,154":2215,"6,155":2216,"6,156":2217,"6,157":2218,"6,158":2219,"6,159":2220,"6,160":2221,"6,161":2222,"6,162":2223,"6,163":2224,"6,164":2225,"6,165":2226,"6,166":2227,"6,167":2228,"6,169":2229,"6,170":2230,"6,171":2231,"6,172":2232,"6,173":2233,"6,174":2234,"6,175":2235,"6,176":2236,"6,177":2237,"6,178":2238,"6,179":2239,"6,180":2240,"6,181":2241,"6,182":2242,"6,183":2243,"6,184":2244,"6,185":2245,"6,186":2246,"6,187":2247,"6,188":2248,"6,189":2249,"6,190":2250,"6,191":2251,"6,192":2252,"6,193":2253,"6,194":2254,"6,195":2255,"6,196":2256,"6,197":2257,"6,198":2258,"6,199":2259,"6,200":2260,"6,201":2261,"6,202":2262,"6,203":2263,"6,204":2264,"6,205":2265,"6,206":2266,"6,207":2267,"6,208":2268,"6,209":2269,"6,210":2270,"6,211":2271,"6,212":2272,"6,213":2273,"6,215":2274,"6,217":2275,"6,218":2276,"6,219":2277,"6,220":2278,"6,221":2279,"6,222":2280,"6,223":2281,"6,224":2282,"6,225":2283,"6,226":2284,"6,227":2285,"6,228":2286,"6,229":2287,"6,230":2288,"6,231":2289,"6,232":2290,"6,233":2291,"6,234":2292,"6,235":2293,"6,236":2294,"6,237":2295,"6,238":2296,"6,239":2297,"6,240":2298,"6,241":2299,"6,242":2300,"6,243":2301,"6,244":2302,"6,245":2303,"6,246":2304,"6,247":2305,"6,248":2306,"6,249":2307,"6,250":2308,"6,251":2309,"6,252":2310,"6,253":2311,"6,254":2312,"6,255":2313,"6,256":2314,"6,257":2315,"6,258":2316,"6,259":2317,"6,260":2318,"6,261":2319,"6,262":2320,"6,263":2321,"6,264":2322,"6,265":2323,"6,266":2324,"6,267":2325,"6,268":2326,"6,269":2327,"6,270":2328,"6,271":2329,"6,272":2330,"6,273":2331,"6,274":2332,"6,275":2333,"6,276":2334,"6,277":2335,"6,278":2336,"6,279":2337,"6,280":2338,"6,281":2339,"6,283":2340,"6,284":2341,"6,285":2342,"6,286":2343,"6,287":2344,"6,288":2345,"6,289":2346,"6,290":2347,"6,291":2348,"6,292":2349,"6,293":2350,"6,295":2351,"6,296":2352,"6,297":2353,"6,298":2354,"6,299":2355,"6,300":2356,"6,301":2357,"6,302":2358,"6,303":2359,"6,304":2360,"6,305":2361,"6,306":2362,"6,307":2363,"6,308":2364,"6,309":2365,"6,310":2366,"6,311":2367,"6,312":2368,"6,313":2369,"6,314":2370,"6,315":2371,"6,316":2372,"6,317":2373,"6,318":2374,"6,319":2375,"6,320":2376,"6,321":2377,"6,322":2378,"6,323":2379,"6,324":2380,"7,1":2381,"7,2":2382,"7,3":2383,"7,4":2384,"7,5":2385,"7,6":2386,"7,7":2387,"7,8":2388,"7,9":2389,"7,10":2390,"7,11":2391,"7,12":2392,"7,13":2393,"7,14":2394,"7,15":2395,"7,16":2396,"7,17":2397,"7,18":2398,"7,19":2399,"7,20":2400,"7,21":2401,"7,22":2402,"7,23":2403,"7,24":2404,"7,25":2405,"7,26":2406,"7,27":2407,"7,28":2408,"7,29":2409,"7,30":2410,"7,31":2411,"7,32":2412,"7,33":2413,"7,34":2414,"7,35":2415,"7,36":2416,"7,37":2417,"7,38":2418,"7,39":2419,"7,40":2420,"7,41":2421,"7,42":2422,"7,43":2423,"7,44":2424,"7,45":2425,"7,46":2426,"7,47":2427,"7,48":2428,"7,49":2429,"7,50":2430,"7,51":2431,"7,52":2432,"7,53":2433,"7,54":2434,"7,55":2435,"7,56":2436,"7,57":2437,"7,58":2438,"7,59":2439,"7,60":2440,"7,61":2441,"7,62":2442,"7,63":2443,"7,64":2444,"7,65":2445,"7,66":2446,"7,67":2447,"7,68":2448,"7,69":2449,"7,70":2450,"7,71":2451,"7,72":2452,"7,73":2453,"7,74":2454,"7,75":2455,"7,76":2456,"7,77":2457,"7,78":2458,"7,79":2459,"7,80":2460,"7,81":2461,"7,82":2462,"7,83":2463,"7,84":2464,"7,85":2465,"7,86":2466,"7,87":2467,"7,88":2468,"7,89":2469,"7,90":2470,"7,91":2471,"7,92":2472,"7,93":2473,"7,94":2474,"7,95":2475,"7,96":2476,"7,97":2477,"7,98":2478,"7,99":2479,"7,100":2480,"7,101":2481,"7,102":2482,"7,103":2483,"7,104":2484,"7,105":2485,"7,106":2486,"7,107":2487,"7,108":2488,"7,109":2489,"7,110":2490,"7,111":2491,"7,112":2492,"7,113":2493,"7,114":2494,"7,115":2495,"7,116":2496,"7,117":2497,"7,118":2498,"7,119":2499,"7,120":2500,"7,121":2501,"7,122":2502,"7,123":2503,"7,124":2504,"7,125":2505,"7,126":2506,"7,127":2507,"7,128":2508,"7,129":2509,"7,130":2510,"7,131":2511,"7,132":2512,"7,133":2513,"7,134":2514,"7,135":2515,"7,136":2516,"7,137":2517,"7,138":2518,"7,139":2519,"7,140":2520,"7,141":2521,"7,142":2522,"7,143":2523,"7,144":2524,"7,145":2525,"7,146":2526,"7,147":2527,"7,148":2528,"7,149":2529,"7,150":2530,"7,151":2531,"7,152":2532,"7,153":2533,"7,154":2534,"7,155":2535,"7,156":2536,"7,157":2537,"7,158":2538,"7,159":2539,"7,160":2540,"7,161":2541,"7,162":2542,"7,163":2543,"7,164":2544,"7,165":2545,"7,166":2546,"7,167":2547,"7,168":2548,"7,169":2549,"7,170":2550,"7,171":2551,"7,172":2552,"7,173":2553,"7,174":2554,"7,175":2555,"7,176":2556,"7,177":2557,"7,178":2558,"7,179":2559,"7,180":2560,"7,181":2561,"7,182":2562,"7,183":2563,"7,184":2564,"7,185":2565,"7,186":2566,"7,187":2567,"7,188":2568,"7,189":2569,"7,190":2570,"7,191":2571,"7,192":2572,"7,193":2573,"7,194":2574,"7,195":2575,"7,196":2576,"7,197":2577,"7,198":2578,"7,199":2579,"7,200":2580,"7,201":2581,"7,202":2582,"7,203":2583,"7,204":2584,"7,205":2585,"7,206":2586,"7,207":2587,"7,208":2588,"7,209":2589,"7,210":2590,"7,211":2591,"7,212":2592,"7,213":2593,"7,214":2594,"7,215":2595,"7,216":2596,"7,217":2597,"7,218":2598,"7,219":2599,"7,220":2600,"7,221":2601,"7,222":2602,"7,223":2603,"7,224":2604,"7,225":2605,"7,226":2606,"7,227":2607,"7,228":2608,"7,229":2609,"7,230":2610,"7,231":2611,"7,232":2612,"7,233":2613,"7,234":2614,"7,235":2615,"7,236":2616,"7,237":2617,"7,238":2618,"7,239":2619,"7,240":2620,"7,241":2621,"7,242":2622,"7,243":2623,"7,244":2624,"7,245":2625,"7,246":2626,"7,247":2627,"7,248":2628,"7,249":2629,"7,250":2630,"7,251":2631,"7,252":2632,"7,253":2633,"7,254":2634,"7,255":2635,"7,256":2636,"7,257":2637,"7,258":2638,"7,259":2639,"7,260":2640,"7,261":2641,"7,262":2642,"7,263":2643,"7,264":2644,"7,265":2645,"7,266":2646,"7,267":2647,"7,268":2648,"7,269":2649,"7,270":2650,"7,271":2651,"7,272":2652,"7,273":2653,"7,274":2654,"7,275":2655,"7,276":2656,"7,277":2657,"7,278":2658,"7,279":2659,"7,280":2660,"7,281":2661,"7,282":2662,"7,283":2663,"7,284":2664,"7,285":2665,"7,286":2666,"7,287":2667,"7,288":2668,"7,289":2669,"7,290":2670,"7,291":2671,"7,292":2672,"7,293":2673,"7,294":2674,"7,295":2675,"7,296":2676,"7,297":2677,"7,298":2678,"7,299":2679,"7,300":2680,"7,301":2681,"7,302":2682,"7,303":2683,"7,304":2684,"7,305":2685,"7,306":2686,"7,307":2687,"7,308":2688,"7,309":2689,"7,310":2690,"7,311":2691,"7,312":2692,"7,313":2693,"7,314":2694,"7,315":2695,"7,317":2696,"7,318":2697,"7,319":2698,"7,320":2699,"7,321":2700,"7,322":2701,"7,323":2702,"7,324":2703,"7,325":2704,"7,326":2705,"7,327":2706,"7,328":2707,"7,329":2708,"7,330":2709,"7,331":2710,"7,332":2711,"7,333":2712,"7,334":2713,"7,335":2714,"7,336":2715,"7,337":2716,"7,338":2717,"7,339":2718,"7,340":2719,"7,341":2720,"7,342":2721,"7,343":2722,"7,344":2723,"7,345":2724,"7,346":2725,"7,347":2726,"7,348":2727,"7,349":2728,"7,350":2729,"7,351":2730,"7,352":2731,"7,353":2732,"7,354":2733,"7,355":2734,"7,356":2735,"7,357":2736,"7,358":2737,"7,359":2738,"7,360":2739,"7,361":2740,"7,362":2741,"7,363":2742,"7,364":2743,"7,365":2744,"7,366":2745,"7,367":2746,"7,368":2747,"7,369":2748,"7,370":2749,"7,371":2750,"7,372":2751,"7,373":2752},"ٜ":{"1":[1,423],"2":[1,418],"3":[1,367],"4":[1,443],"5":[1,420],"6":[1,324],"7":[1,373]},"ٝ":[null,"1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","2,1","2,2","2,3","2,4","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,30","2,31","2,32","2,33","2,34","2,35","2,36","2,37","2,38","2,39","2,40","2,41","2,42","2,43","2,44","2,45","2,46","2,47","2,48","2,49","2,50","2,51","2,52","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,58","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,66","2,67","2,68","2,69","2,70","2,71","2,72","2,73","2,74","2,75","2,76","2,77","2,78","2,79","2,80","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,98","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,104","2,105","2,106","2,107","2,108","2,109","2,110","2,111","2,112","2,113","2,114","2,115","2,116","2,117","2,118","2,119","2,120","2,121","2,122","2,123","2,124","2,125","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,131","2,132","2,133","2,134","2,135","2,136","2,137","2,138","2,139","2,140","2,141","2,142","2,143","2,144","2,145","2,146","2,147","2,148","2,149","2,150","2,151","2,152","2,153","2,154","2,155","2,156","2,157","2,158","2,159","2,160","2,161","2,162","2,163","2,164","2,165","2,166","2,167","2,168","2,169","2,170","2,171","2,172","2,173","2,174","2,175","2,176","2,177","2,178","2,179","2,180","2,181","2,182","2,183","2,184","2,185","2,186","2,187","2,188","2,189","2,190","2,191","2,192","2,193","2,194","2,195","2,196","2,197","2,198","2,199","2,200","2,201","2,202","2,203","2,204","2,205","2,206","2,207","2,208","2,209","2,210","2,211","2,212","2,213","2,214","2,215","2,216","2,217","2,218","2,219","2,220","2,221","2,222","2,223","2,224","2,225","2,226","2,227","2,228","2,229","2,230","2,231","2,232","2,233","2,234","2,235","2,236","2,237","2,238","2,239","2,240","2,241","2,242","2,243","2,244","2,245","2,246","2,247","2,248","2,249","2,250","2,251","2,252","2,253","2,254","2,255","2,256","2,257","2,258","2,259","2,260","2,261","2,262","2,263","2,264","2,265","2,266","2,267","2,268","2,269","2,270","2,271","2,272","2,273","2,274","2,275","2,276","2,277","2,278","2,279","2,280","2,281","2,282","2,283","2,284","2,285","2,286","2,287","2,288","2,289","2,290","2,291","2,292","2,293","2,294","2,295","2,296","2,297","2,298","2,299","2,300","2,301","2,302","2,303","2,304","2,305","2,306","2,307","2,308","2,309","2,310","2,311","2,312","2,313","2,314","2,315","2,316","2,317","2,318","2,319","2,320","2,321","2,322","2,323","2,324","2,325","2,326","2,327","2,328","2,329","2,330","2,331","2,332","2,333","2,334","2,335","2,336","2,337","2,338","2,339","2,340","2,341","2,342","2,343","2,344","2,345","2,346","2,347","2,348","2,349","2,350","2,351","2,352","2,353","2,354","2,355","2,356","2,357","2,358","2,359","2,360","2,361","2,362","2,363","2,364","2,365","2,366","2,367","2,368","2,369","2,370","2,371","2,372","2,373","2,374","2,375","2,376","2,377","2,378","2,379","2,380","2,381","2,382","2,383","2,384","2,385","2,386","2,387","2,388","2,389","2,390","2,391","2,392","2,393","2,394","2,395","2,396","2,397","2,398","2,399","2,400","2,401","2,402","2,403","2,404","2,405","2,406","2,407","2,408","2,409","2,410","2,411","2,412","2,413","2,414","2,415","2,416","2,417","2,418","3,1","3,2","3,3","3,4","3,5","3,6","3,7","3,9","3,10","3,11","3,12","3,13","3,14","3,15","3,16","3,17","3,18","3,19","3,20","3,21","3,22","3,23","3,24","3,25","3,26","3,27","3,28","3,29","3,30","3,31","3,32","3,33","3,34","3,35","3,36","3,37","3,38","3,39","3,40","3,41","3,42","3,43","3,44","3,45","3,46","3,47","3,48","3,49","3,50","3,51","3,52","3,53","3,54","3,55","3,56","3,57","3,58","3,59","3,60","3,61","3,62","3,63","3,64","3,65","3,66","3,67","3,68","3,69","3,70","3,71","3,72","3,73","3,74","3,75","3,76","3,77","3,78","3,79","3,80","3,81","3,82","3,83","3,84","3,85","3,86","3,87","3,88","3,89","3,90","3,91","3,92","3,93","3,94","3,95","3,96","3,97","3,98","3,99","3,100","3,101","3,102","3,103","3,104","3,105","3,106","3,107","3,108","3,109","3,110","3,111","3,112","3,113","3,114","3,115","3,116","3,117","3,118","3,119","3,120","3,121","3,122","3,123","3,124","3,125","3,126","3,127","3,128","3,129","3,130","3,131","3,132","3,133","3,134","3,135","3,136","3,137","3,138","3,139","3,140","3,141","3,142","3,143","3,144","3,145","3,146","3,147","3,148","3,149","3,150","3,151","3,152","3,153","3,154","3,155","3,156","3,157","3,158","3,159","3,160","3,161","3,162","3,163","3,164","3,165","3,166","3,167","3,168","3,169","3,170","3,171","3,172","3,173","3,174","3,175","3,176","3,177","3,178","3,179","3,180","3,181","3,182","3,183","3,184","3,185","3,186","3,187","3,188","3,189","3,191","3,192","3,193","3,194","3,195","3,196","3,197","3,198","3,199","3,200","3,201","3,202","3,203","3,204","3,205","3,206","3,207","3,208","3,209","3,210","3,211","3,212","3,213","3,214","3,215","3,216","3,217","3,218","3,219","3,220","3,221","3,222","3,223","3,224","3,225","3,226","3,227","3,228","3,229","3,230","3,231","3,232","3,233","3,234","3,235","3,236","3,237","3,238","3,239","3,240","3,241","3,242","3,243","3,244","3,245","3,246","3,247","3,248","3,249","3,250","3,251","3,252","3,253","3,254","3,255","3,256","3,257","3,258","3,259","3,260","3,261","3,262","3,263","3,264","3,265","3,266","3,267","3,268","3,269","3,270","3,271","3,272","3,273","3,274","3,275","3,276","3,277","3,278","3,279","3,280","3,281","3,282","3,283","3,284","3,285","3,286","3,287","3,288","3,289","3,290","3,291","3,292","3,293","3,294","3,295","3,296","3,297","3,298","3,299","3,300","3,301","3,302","3,303","3,304","3,305","3,306","3,307","3,308","3,309","3,310","3,311","3,312","3,313","3,314","3,315","3,316","3,317","3,318","3,319","3,320","3,321","3,322","3,323","3,324","3,325","3,326","3,327","3,328","3,329","3,330","3,331","3,332","3,333","3,334","3,335","3,336","3,337","3,338","3,339","3,340","3,341","3,342","3,343","3,344","3,345","3,346","3,347","3,349","3,350","3,351","3,352","3,353","3,354","3,355","3,356","3,357","3,358","3,359","3,360","3,361","3,362","3,363","3,364","3,365","3,366","3,367","4,1","4,2","4,3","4,4",null,null,"4,5","4,6","4,7","4,8","4,9","4,10","4,11","4,12","4,13","4,14","4,15","4,16","4,17","4,18","4,19","4,20","4,21","4,22","4,23","4,24","4,25","4,26","4,27","4,28","4,29","4,30","4,31","4,32","4,33","4,34","4,35","4,36","4,37","4,38","4,39","4,40","4,41","4,42","4,43","4,44","4,45","4,46","4,47","4,48","4,49","4,50","4,51","4,52","4,53","4,54","4,55","4,56","4,57","4,58","4,59","4,60","4,61","4,62","4,63","4,64","4,65","4,66","4,67","4,68","4,69","4,70","4,71","4,72","4,73","4,74","4,75","4,76","4,77","4,78","4,79","4,80","4,81","4,82","4,83","4,84","4,85","4,86","4,87","4,88","4,89","4,90","4,91","4,92","4,93","4,94","4,95","4,96","4,97","4,98","4,99","4,100","4,101","4,102","4,103","4,104","4,105","4,106","4,107","4,108","4,109","4,110","4,111","4,112","4,113","4,114","4,115","4,116","4,117","4,118","4,119","4,120","4,121","4,122","4,123","4,124","4,125","4,126","4,127","4,128","4,129","4,130","4,131","4,132","4,133","4,134","4,135","4,136","4,137","4,138","4,139","4,140","4,141","4,142","4,143","4,144","4,145","4,146","4,147","4,148","4,149","4,150","4,151","4,152","4,153","4,154","4,155","4,156","4,157","4,158","4,159","4,160","4,161","4,162","4,163","4,164","4,165","4,166","4,167","4,168","4,169","4,170","4,171","4,172","4,173","4,174","4,175","4,176","4,177","4,178","4,179","4,180","4,181","4,182","4,183","4,184","4,185","4,186","4,187","4,188","4,189","4,190","4,191","4,192","4,193","4,194","4,195","4,196","4,197","4,198","4,199","4,200","4,201","4,202","4,203","4,204","4,205","4,206","4,207","4,208","4,209","4,210","4,211","4,212","4,213","4,214","4,215","4,216","4,217","4,218","4,219","4,220","4,221","4,222","4,223","4,224","4,225","4,226","4,227","4,228","4,229","4,230","4,231","4,233","4,234","4,235","4,236","4,237","4,238","4,239","4,240","4,241","4,242","4,243","4,244","4,245","4,246","4,247","4,248","4,249","4,250","4,251","4,252","4,253","4,254","4,255","4,256","4,257","4,258","4,259","4,260","4,261","4,262","4,263","4,264","4,265","4,266","4,267","4,268","4,269","4,270","4,271","4,272","4,273","4,274","4,275","4,276","4,277","4,278","4,279","4,280","4,281","4,282","4,283","4,284","4,285","4,286","4,287","4,288","4,289","4,290","4,291","4,292","4,293","4,294","4,295","4,296","4,297","4,298","4,299","4,300","4,301","4,302","4,303","4,304","4,305","4,306","4,307","4,308","4,309","4,310","4,311","4,312","4,313","4,314","4,315","4,316","4,317","4,318","4,319","4,320","4,321","4,322","4,323","4,324","4,325","4,326","4,327","4,328","4,329","4,330","4,331","4,332","4,333","4,334","4,335","4,336","4,337","4,338","4,339","4,340","4,341","4,342","4,343","4,344","4,345","4,346","4,347","4,348","4,349","4,350","4,351","4,352","4,353","4,354","4,355","4,356","4,357","4,358","4,359","4,360","4,361","4,362","4,363","4,364","4,365","4,366","4,367","4,368","4,369","4,370","4,371","4,372","4,373","4,374","4,375","4,376","4,377","4,378","4,379","4,380","4,381","4,382","4,383","4,384","4,385","4,386","4,387","4,388","4,389","4,390","4,391","4,392","4,393","4,394","4,395","4,396","4,397","4,398","4,399","4,400","4,401","4,402","4,403","4,404","4,405","4,406","4,407","4,408","4,409","4,410","4,411","4,412","4,413","4,414","4,415","4,416","4,417","4,418","4,419","4,420","4,421","4,422","4,423","4,424","4,425","4,426","4,427","4,428","4,429","4,430","4,431","4,432","4,433","4,434","4,435","4,436","4,437","4,438","4,439","4,440","4,441","4,442","4,443","5,1","5,2","5,3","5,4","5,5","5,7","5,8","5,9","5,10","5,11","5,12","5,13","5,14","5,15","5,16","5,17","5,18","5,19","5,20","5,21","5,22","5,23","5,24","5,25","5,26","5,27","5,28","5,29","5,30","5,31","5,32","5,33","5,34","5,35","5,36","5,37","5,38","5,39","5,40","5,41","5,42","5,43","5,44","5,45","5,46","5,47","5,48","5,49","5,50","5,51","5,52","5,53","5,54","5,55","5,56","5,57","5,58","5,59","5,60","5,61","5,62","5,63","5,64","5,65","5,66","5,67","5,68","5,69","5,70","5,71","5,72","5,73","5,74","5,75","5,76","5,77","5,78","5,79","5,80","5,81","5,82","5,83","5,84","5,85","5,86","5,87","5,88","5,89","5,90","5,91","5,92","5,93","5,94","5,95","5,96","5,97","5,98","5,99","5,100","5,101","5,102","5,103","5,104","5,105","5,106","5,107","5,108","5,109","5,110","5,111","5,112","5,113","5,114","5,115","5,116","5,117","5,118","5,119","5,120","5,121","5,122","5,123","5,124","5,125","5,126","5,127","5,128","5,129","5,130","5,131","5,132","5,133","5,134","5,135","5,136","5,137","5,138","5,139","5,140","5,141","5,142","5,143","5,144","5,145","5,146","5,147","5,148","5,149","5,150","5,151","5,152","5,153","5,154","5,155","5,156","5,157","5,158","5,159","5,160","5,161","5,162","5,163","5,164","5,165","5,166","5,167","5,168","5,169","5,170","5,171","5,172","5,173","5,174","5,175","5,176","5,177","5,178","5,179","5,180","5,181","5,182","5,183","5,184","5,185","5,186","5,187","5,188","5,189","5,190","5,191","5,192","5,193","5,194","5,195","5,196","5,197","5,198","5,199","5,200","5,201","5,202","5,203","5,204","5,205","5,206","5,207","5,208","5,209","5,210","5,211","5,212","5,213","5,214","5,215","5,216","5,217","5,218","5,219","5,220","5,221","5,222","5,223","5,224","5,225","5,226","5,227","5,228","5,229","5,230","5,231","5,232","5,233","5,234","5,235","5,236","5,237","5,239","5,241","5,242","5,243","5,244","5,245","5,246","5,247","5,248","5,249","5,250","5,251","5,252","5,253","5,254","5,255","5,256","5,257","5,258","5,259","5,260","5,261","5,262","5,263","5,264","5,265","5,266","5,267","5,268","5,269","5,270","5,271","5,272","5,273","5,274","5,275","5,276","5,277","5,278","5,279","5,280","5,281","5,282","5,283","5,284","5,285","5,286","5,287","5,288","5,289","5,290","5,291","5,292","5,293","5,294","5,295","5,296","5,297","5,298","5,299","5,300","5,301","5,302","5,303","5,304","5,305","5,306","5,307","5,308","5,309","5,310","5,311","5,312","5,313","5,314","5,315","5,316","5,317","5,318","5,319","5,320","5,321","5,322","5,323","5,324","5,325","5,326","5,327","5,328","5,329","5,330","5,331","5,332","5,333","5,334","5,335","5,336","5,337","5,338","5,339","5,340","5,341","5,342","5,343","5,344","5,345","5,346","5,347","5,348","5,349","5,350","5,351","5,352","5,353","5,354","5,355","5,356","5,357","5,358","5,359","5,360","5,361","5,362","5,363","5,364","5,365","5,366","5,367","5,368","5,369","5,370","5,371","5,372","5,373","5,374","5,375","5,376","5,377","5,378","5,379","5,380","5,381","5,382","5,383","5,384","5,385","5,386","5,387","5,388","5,389","5,390","5,391","5,392","5,393","5,394","5,395","5,396","5,397","5,398","5,399","5,400","5,401","5,402","5,403","5,404","5,405","5,406","5,407","5,408","5,409","5,410","5,411","5,413","5,414","5,415","5,416","5,417","5,418","5,419","5,420","6,1","6,2","6,3","6,4","6,5","6,6","6,7","6,9","6,10","6,11","6,12","6,13","6,14","6,15","6,16","6,17","6,18","6,19","6,20","6,21","6,22","6,23","6,24","6,25","6,26","6,27","6,28","6,29","6,30","6,31","6,32","6,33","6,34","6,35","6,36","6,37","6,38","6,39","6,40","6,41","6,42","6,43","6,44","6,45","6,46","6,47","6,48","6,49","6,50","6,51","6,52","6,53","6,54","6,55","6,56","6,57","6,58","6,59","6,60","6,61","6,62","6,63","6,64","6,65","6,66","6,67","6,68","6,69","6,70","6,71","6,72","6,73","6,74","6,75","6,76","6,77","6,78","6,79","6,80","6,81","6,82","6,83","6,84","6,85","6,86","6,87","6,88","6,89","6,90","6,91","6,93","6,94","6,95","6,96","6,97","6,98","6,99","6,100","6,101","6,102","6,103","6,104","6,105","6,106","6,107","6,108","6,109","6,110","6,111","6,112","6,113","6,115","6,116","6,117","6,118","6,119","6,120","6,121","6,122","6,123","6,124","6,125","6,126","6,127","6,128","6,129","6,130","6,131","6,132","6,133","6,134","6,135","6,136","6,137","6,138","6,139","6,140","6,141","6,142","6,143","6,145","6,147","6,148","6,149","6,150","6,151","6,152","6,153","6,154","6,155","6,156","6,157","6,158","6,159","6,160","6,161","6,162","6,163","6,164","6,165","6,166","6,167","6,169","6,170","6,171","6,172","6,173","6,174","6,175","6,176","6,177","6,178","6,179","6,180","6,181","6,182","6,183","6,184","6,185","6,186","6,187","6,188","6,189","6,190","6,191","6,192","6,193","6,194","6,195","6,196","6,197","6,198","6,199","6,200","6,201","6,202","6,203","6,204","6,205","6,206","6,207","6,208","6,209","6,210","6,211","6,212","6,213","6,215","6,217","6,218","6,219","6,220","6,221","6,222","6,223","6,224","6,225","6,226","6,227","6,228","6,229","6,230","6,231","6,232","6,233","6,234","6,235","6,236","6,237","6,238","6,239","6,240","6,241","6,242","6,243","6,244","6,245","6,246","6,247","6,248","6,249","6,250","6,251","6,252","6,253","6,254","6,255","6,256","6,257","6,258","6,259","6,260","6,261","6,262","6,263","6,264","6,265","6,266","6,267","6,268","6,269","6,270","6,271","6,272","6,273","6,274","6,275","6,276","6,277","6,278","6,279","6,280","6,281","6,283","6,284","6,285","6,286","6,287","6,288","6,289","6,290","6,291","6,292","6,293","6,295","6,296","6,297","6,298","6,299","6,300","6,301","6,302","6,303","6,304","6,305","6,306","6,307","6,308","6,309","6,310","6,311","6,312","6,313","6,314","6,315","6,316","6,317","6,318","6,319","6,320","6,321","6,322","6,323","6,324","7,1","7,2","7,3","7,4","7,5","7,6","7,7","7,8","7,9","7,10","7,11","7,12","7,13","7,14","7,15","7,16","7,17","7,18","7,19","7,20","7,21","7,22","7,23","7,24","7,25","7,26","7,27","7,28","7,29","7,30","7,31","7,32","7,33","7,34","7,35","7,36","7,37","7,38","7,39","7,40","7,41","7,42","7,43","7,44","7,45","7,46","7,47","7,48","7,49","7,50","7,51","7,52","7,53","7,54","7,55","7,56","7,57","7,58","7,59","7,60","7,61","7,62","7,63","7,64","7,65","7,66","7,67","7,68","7,69","7,70","7,71","7,72","7,73","7,74","7,75","7,76","7,77","7,78","7,79","7,80","7,81","7,82","7,83","7,84","7,85","7,86","7,87","7,88","7,89","7,90","7,91","7,92","7,93","7,94","7,95","7,96","7,97","7,98","7,99","7,100","7,101","7,102","7,103","7,104","7,105","7,106","7,107","7,108","7,109","7,110","7,111","7,112","7,113","7,114","7,115","7,116","7,117","7,118","7,119","7,120","7,121","7,122","7,123","7,124","7,125","7,126","7,127","7,128","7,129","7,130","7,131","7,132","7,133","7,134","7,135","7,136","7,137","7,138","7,139","7,140","7,141","7,142","7,143","7,144","7,145","7,146","7,147","7,148","7,149","7,150","7,151","7,152","7,153","7,154","7,155","7,156","7,157","7,158","7,159","7,160","7,161","7,162","7,163","7,164","7,165","7,166","7,167","7,168","7,169","7,170","7,171","7,172","7,173","7,174","7,175","7,176","7,177","7,178","7,179","7,180","7,181","7,182","7,183","7,184","7,185","7,186","7,187","7,188","7,189","7,190","7,191","7,192","7,193","7,194","7,195","7,196","7,197","7,198","7,199","7,200","7,201","7,202","7,203","7,204","7,205","7,206","7,207","7,208","7,209","7,210","7,211","7,212","7,213","7,214","7,215","7,216","7,217","7,218","7,219","7,220","7,221","7,222","7,223","7,224","7,225","7,226","7,227","7,228","7,229","7,230","7,231","7,232","7,233","7,234","7,235","7,236","7,237","7,238","7,239","7,240","7,241","7,242","7,243","7,244","7,245","7,246","7,247","7,248","7,249","7,250","7,251","7,252","7,253","7,254","7,255","7,256","7,257","7,258","7,259","7,260","7,261","7,262","7,263","7,264","7,265","7,266","7,267","7,268","7,269","7,270","7,271","7,272","7,273","7,274","7,275","7,276","7,277","7,278","7,279","7,280","7,281","7,282","7,283","7,284","7,285","7,286","7,287","7,288","7,289","7,290","7,291","7,292","7,293","7,294","7,295","7,296","7,297","7,298","7,299","7,300","7,301","7,302","7,303","7,304","7,305","7,306","7,307","7,308","7,309","7,310","7,311","7,312","7,313","7,314","7,315","7,317","7,318","7,319","7,320","7,321","7,322","7,323","7,324","7,325","7,326","7,327","7,328","7,329","7,330","7,331","7,332","7,333","7,334","7,335","7,336","7,337","7,338","7,339","7,340","7,341","7,342","7,343","7,344","7,345","7,346","7,347","7,348","7,349","7,350","7,351","7,352","7,353","7,354","7,355","7,356","7,357","7,358","7,359","7,360","7,361","7,362","7,363","7,364","7,365","7,366","7,367","7,368","7,369","7,370","7,371","7,372","7,373"],"ٞ":{"6":[1],"13":[2,3,4,5,6],"14":[7,8,9],"15":[10],"17":[11],"19":[12],"23":[13],"24":[14],"25":[15,16,17],"28":[18],"29":[19,20],"31":[21],"33":[22,23],"34":[24,25],"35":[26],"36":[27,28,29],"37":[30],"39":[31],"40":[32],"41":[33,34],"42":[35,36],"43":[37],"44":[38,39],"49":[40],"51":[41],"57":[42],"59":[43],"60":[44,45],"61":[46,47,48],"62":[49,50,51],"65":[52],"67":[53,54],"69":[55],"70":[56,57,58],"71":[59],"72":[60,61],"73":[62,63],"75":[64],"77":[65,66],"78":[67],"79":[68,69],"80":[70,71],"81":[72],"84":[73,74],"85":[75,76],"86":[77],"87":[78,79],"88":[80,81],"90":[82,83],"93":[84],"95":[85,86,87],"96":[88],"97":[89,90],"98":[91,92,93,94,95],"99":[96],"100":[97],"101":[98,99,100,101],"102":[102,103],"104":[104,105],"105":[106,107,108],"106":[109,110],"107":[111],"108":[112,113],"109":[114,115],"110":[116,117,118],"111":[119],"112":[120],"118":[121,122],"121":[123,124],"122":[125],"123":[126],"127":[127,128,129],"128":[130],"129":[131],"130":[132],"131":[133],"132":[134,135,136,137,138],"133":[139,140],"134":[141],"135":[142,143],"136":[144,145],"137":[146],"140":[147],"141":[148],"143":[149],"144":[150,151,152],"145":[153],"146":[154,155],"147":[156,157],"148":[158,159],"149":[160,161],"150":[162],"151":[163],"152":[164],"153":[165],"154":[166],"156":[167,168],"157":[169],"159":[170],"160":[171],"164":[172],"165":[173,174],"167":[175],"168":[176,177],"169":[178,179],"172":[180],"174":[181],"175":[182,183],"177":[184],"180":[185],"181":[186],"182":[187,188],"194":[189,190,191,192],"195":[193],"196":[194],"197":[195,196,197],"198":[198],"199":[199],"200":[200,201,202],"203":[203],"204":[204,205],"205":[206,207,208],"206":[209],"207":[210,211],"208":[212,213,214],"209":[215],"210":[216],"212":[217],"213":[218,219,220],"214":[221],"215":[222],"217":[223,224,225],"218":[226],"219":[227],"221":[228],"222":[229,230,231],"223":[232],"224":[233,234],"226":[235],"227":[236],"233":[237],"237":[238,239],"238":[240,241],"239":[242],"240":[243],"241":[244],"242":[245],"243":[246],"247":[247,248],"248":[249,250],"251":[251],"252":[252,253],"253":[254],"256":[255],"257":[256],"261":[257,258],"262":[259],"265":[260],"269":[261,262,263],"270":[264],"271":[265],"274":[266],"276":[267],"277":[268],"283":[269],"284":[270],"285":[271],"286":[272,273,274],"290":[275],"292":[276],"293":[277],"294":[278,279],"296":[280],"301":[281],"302":[282],"308":[283],"325":[284,285],"326":[286,287],"328":[288],"331":[289],"332":[290],"333":[291],"334":[292,293],"335":[294],"336":[295,296,297],"339":[298],"341":[299],"342":[300],"343":[301],"347":[302],"349":[303],"357":[304],"358":[305],"360":[306,307],"361":[308],"363":[309],"365":[310],"366":[311],"368":[312,313],"370":[314],"371":[315,316],"376":[317],"377":[318,319,320],"378":[321],"380":[322,323],"383":[324],"384":[325,326,327],"385":[328],"386":[329,330],"388":[331,332],"389":[333],"390":[334,335],"391":[336],"393":[337],"394":[338,339],"395":[340,341],"396":[342,343],"398":[344,345,346],"399":[347],"400":[348],"402":[349],"403":[350],"406":[351],"408":[352],"411":[353],"415":[354],"417":[355],"418":[356],"419":[357],"420":[358],"421":[359],"429":[360,361,362],"430":[363],"433":[364],"436":[365],"440":[366],"443":[367],"446":[368],"448":[369],"451":[370],"452":[371],"453":[372],"455":[373],"456":[374],"457":[375,376],"458":[377],"459":[378],"465":[379,380],"466":[381],"470":[382],"471":[383],"472":[384],"474":[385,386],"476":[387],"477":[388],"480":[389],"483":[390],"485":[391],"492":[392,393],"494":[394],"495":[395],"496":[396],"498":[397],"499":[398],"500":[399],"501":[400],"504":[401],"509":[402],"510":[403,404],"511":[405],"512":[406],"514":[407,408],"517":[409],"519":[410,411],"525":[412,413,414],"526":[415],"527":[416],"528":[417,418,419,420,421],"529":[422,423],"531":[424,425],"532":[426,427],"533":[428,429],"534":[430,431],"535":[432,433],"536":[434,435],"537":[436,437,438],"538":[439,440,441],"539":[442,443],"541":[444],"542":[445],"543":[446],"545":[447],"550":[448],"551":[449],"552":[450,451],"553":[452,453],"555":[454],"556":[455],"557":[456],"563":[457],"565":[458,459],"566":[460],"567":[461],"568":[462],"569":[463],"570":[464,465],"571":[466,467],"573":[468],"574":[469],"575":[470],"576":[471,472,473],"577":[474],"580":[475],"581":[476],"583":[477],"585":[478],"587":[479],"588":[480,481],"591":[482,483,484],"592":[485],"594":[486],"595":[487],"596":[488],"599":[489],"600":[490,491],"601":[492],"604":[493],"605":[494,495,496],"607":[497],"609":[498],"610":[499],"611":[500],"612":[501,502],"613":[503],"614":[504],"615":[505,506],"618":[507],"623":[508,509],"624":[510,511],"630":[512],"631":[513],"633":[514],"634":[515],"636":[516],"637":[517],"638":[518],"639":[519],"640":[520],"641":[521,522],"642":[523,524],"643":[525],"644":[526],"646":[527,528,529,530],"647":[531],"648":[532,533],"649":[534],"650":[535,536],"651":[537,538,539],"652":[540],"654":[541],"655":[542],"656":[543],"657":[544],"659":[545],"660":[546],"661":[547],"662":[548,549],"663":[550],"664":[551],"667":[552],"669":[553],"670":[554],"671":[555],"672":[556,557],"673":[558],"674":[559,560],"678":[561,562],"679":[563,564],"680":[565,566],"681":[567,568],"682":[569,570],"683":[571],"685":[572],"687":[573],"688":[574],"690":[575],"691":[576,577,578],"693":[579],"694":[580,581],"696":[582],"697":[583,584],"698":[585],"699":[586,587],"700":[588,589,590],"701":[591],"702":[592],"703":[593],"704":[594],"705":[595,596,597],"707":[598],"709":[599,600],"710":[601],"711":[602],"712":[603],"713":[604],"714":[605],"716":[606],"719":[607,608,609,610],"720":[611,612,613],"721":[614,615,616],"722":[617],"723":[618,619,620,621],"725":[622,623,624],"727":[625],"729":[626,627],"730":[628],"740":[629],"742":[630],"743":[631],"750":[632],"752":[633,634],"754":[635],"762":[636],"763":[637],"765":[638],"767":[639],"768":[640],"769":[641,642,643],"770":[644],"772":[645],"774":[646],"775":[647],"778":[648],"779":[649],"780":[650,651],"781":[652],"782":[653],"783":[654],"784":[655],"785":[656],"786":[657],"787":[658,659,660],"788":[661,662,663],"792":[664],"794":[665],"795":[666],"797":[667],"798":[668],"799":[669],"801":[670],"803":[671],"804":[672],"805":[673],"806":[674],"807":[675],"808":[676],"811":[677],"812":[678,679,680],"813":[681],"814":[682],"815":[683],"816":[684,685],"817":[686,687],"818":[688],"819":[689],"821":[690],"823":[691,692],"825":[693,694,695],"826":[696,697,698,699],"827":[700],"828":[701,702],"832":[703],"833":[704,705],"834":[706],"835":[707,708],"836":[709],"837":[710],"838":[711,712],"842":[713],"850":[714,715],"851":[716],"853":[717],"857":[718,719],"859":[720],"861":[721,722],"862":[723],"870":[724],"871":[725],"872":[726],"873":[727,728],"874":[729],"876":[730,731,732,733],"878":[734],"879":[735,736,737],"880":[738],"884":[739,740],"886":[741],"898":[742,743],"899":[744],"900":[745],"901":[746,747],"902":[748,749,750],"904":[751],"905":[752],"907":[753],"908":[754],"910":[755],"913":[756,757],"916":[758],"917":[759],"918":[760],"919":[761],"920":[762],"921":[763],"922":[764],"923":[765],"925":[766],"926":[767],"927":[768],"928":[769,770],"930":[771,772,773],"935":[774],"937":[775,776],"939":[777],"941":[778,779],"942":[780,781],"943":[782],"944":[783],"945":[784],"950":[785],"953":[786],"956":[787],"957":[788],"959":[789],"961":[790],"962":[791],"963":[792],"964":[793],"965":[794,795],"967":[796],"969":[797,798],"972":[799],"973":[800],"974":[801],"975":[802],"976":[803],"977":[804,805,806],"978":[807],"980":[808],"982":[809],"983":[810,811],"985":[812],"987":[813],"988":[814,815],"989":[816],"990":[817],"991":[818,819],"992":[820,821],"994":[822],"995":[823],"996":[824,825,826],"997":[827,828],"998":[829],"999":[830],"1000":[831],"1001":[832],"1002":[833,834],"1003":[835],"1004":[836],"1005":[837],"1006":[838],"1007":[839],"1009":[840],"1010":[841],"1011":[842],"1015":[843],"1016":[844],"1018":[845],"1019":[846],"1022":[847],"1023":[848,849],"1027":[850],"1028":[851,852],"1029":[853],"1030":[854],"1031":[855,856],"1034":[857],"1035":[858,859,860],"1036":[861],"1039":[862,863],"1042":[864],"1043":[865],"1049":[866,867],"1054":[868],"1056":[869],"1057":[870],"1058":[871],"1063":[872],"1064":[873],"1065":[874],"1069":[875],"1072":[876],"1073":[877],"1074":[878,879,880],"1075":[881],"1076":[882],"1080":[883],"1082":[884],"1083":[885],"1084":[886],"1087":[887,888],"1089":[889,890,891],"1090":[892],"1092":[893],"1093":[894],"1094":[895],"1096":[896],"1097":[897],"1098":[898],"1101":[899,900],"1103":[901],"1104":[902],"1106":[903],"1107":[904,905],"1108":[906,907],"1109":[908,909],"1115":[910,911],"1116":[912],"1123":[913],"1124":[914],"1126":[915,916],"1127":[917,918,919],"1128":[920],"1129":[921,922],"1130":[923],"1131":[924],"1132":[925],"1141":[926],"1142":[927],"1144":[928],"1145":[929],"1147":[930,931],"1151":[932],"1152":[933,934],"1153":[935,936,937],"1154":[938],"1159":[939,940],"1167":[941,942],"1169":[943],"1176":[944,945],"1177":[946,947,948],"1178":[949],"1183":[950],"1184":[951],"1185":[952,953],"1187":[954],"1188":[955,956],"1189":[957],"1190":[958],"1191":[959],"1192":[960],"1195":[961],"1196":[962],"1199":[963],"1202":[964],"1203":[965,966],"1213":[967,968],"1214":[969],"1215":[970],"1216":[971],"1217":[972],"1218":[973,974,975],"1219":[976,977,978],"1220":[979],"1222":[980],"1223":[981,982],"1225":[983],"1227":[984],"1229":[985],"1232":[986],"1233":[987,988],"1234":[989,990],"1235":[991],"1245":[992],"1249":[993],"1255":[994],"1257":[995,996],"1261":[997,998],"1263":[999],"1264":[1000,1001],"1265":[1002],"1268":[1003],"1269":[1004,1005],"1270":[1006],"1272":[1007],"1273":[1008,1009],"1274":[1010],"1275":[1011],"1277":[1012,1013],"1278":[1014],"1281":[1015],"1283":[1016,1017],"1284":[1018,1019],"1285":[1020],"1286":[1021,1022,1023,1024],"1287":[1025],"1288":[1026],"1289":[1027],"1290":[1028],"1291":[1029],"1293":[1030],"1296":[1031,1032],"1297":[1033,1034],"1300":[1035],"1303":[1036],"1305":[1037,1038],"1307":[1039],"1308":[1040],"1309":[1041],"1310":[1042,1043,1044,1045],"1320":[1046],"1326":[1047],"1327":[1048],"1329":[1049],"1330":[1050],"1331":[1051,1052],"1332":[1053,1054],"1333":[1055],"1336":[1056],"1337":[1057],"1338":[1058],"1339":[1059,1060],"1340":[1061],"1341":[1062],"1344":[1063],"1346":[1064,1065],"1347":[1066,1067,1068],"1348":[1069,1070],"1350":[1071],"1351":[1072],"1352":[1073,1074],"1354":[1075],"1355":[1076],"1356":[1077],"1357":[1078,1079],"1358":[1080],"1359":[1081,1082],"1361":[1083],"1362":[1084,1085],"1364":[1086,1087],"1366":[1088],"1367":[1089,1090],"1368":[1091],"1369":[1092],"1370":[1093,1094],"1371":[1095],"1372":[1096,1097],"1374":[1098,1099],"1380":[1100,1101],"1381":[1102],"1384":[1103],"1388":[1104,1105],"1390":[1106,1107],"1391":[1108],"1394":[1109],"1396":[1110],"1398":[1111],"1408":[1112,1113],"1409":[1114,1115],"1412":[1116,1117],"1413":[1118],"1414":[1119],"1415":[1120],"1416":[1121],"1417":[1122],"1418":[1123],"1419":[1124,1125,1126],"1420":[1127],"1424":[1128],"1438":[1129],"1440":[1130,1131,1132],"1442":[1133],"1443":[1134,1135,1136],"1444":[1137],"1446":[1138,1139],"1447":[1140],"1448":[1141],"1449":[1142],"1450":[1143],"1451":[1144],"1454":[1145,1146],"1455":[1147],"1456":[1148],"1457":[1149],"1458":[1150],"1460":[1151],"1461":[1152,1153],"1480":[1154,1155],"1481":[1156],"1483":[1157],"1484":[1158],"1486":[1159],"1491":[1160],"1492":[1161,1162],"1493":[1163],"1495":[1164],"1498":[1165],"1499":[1166,1167],"1501":[1168],"1502":[1169,1170,1171],"1503":[1172],"1504":[1173,1174],"1505":[1175],"1506":[1176],"1508":[1177],"1509":[1178,1179],"1510":[1180],"1511":[1181],"1513":[1182],"1514":[1183],"1517":[1184],"1518":[1185,1186],"1519":[1187],"1520":[1188],"1522":[1189],"1524":[1190],"1525":[1191],"1533":[1192],"1541":[1193],"1542":[1194],"1544":[1195],"1546":[1196],"1547":[1197],"1548":[1198],"1549":[1199],"1550":[1200,1201],"1551":[1202,1203],"1552":[1204],"1553":[1205],"1554":[1206],"1555":[1207],"1557":[1208],"1560":[1209],"1561":[1210,1211,1212],"1563":[1213,1214],"1564":[1215,1216],"1565":[1217],"1566":[1218,1219],"1568":[1220],"1571":[1221],"1573":[1222,1223],"1574":[1224],"1575":[1225],"1576":[1226,1227],"1577":[1228],"1578":[1229,1230],"1579":[1231],"1581":[1232],"1582":[1233,1234],"1583":[1235,1236],"1586":[1237],"1587":[1238,1239],"1589":[1240],"1591":[1241],"1592":[1242],"1593":[1243],"1594":[1244],"1596":[1245],"1598":[1246],"1606":[1247],"1607":[1248],"1610":[1249,1250],"1611":[1251,1252],"1612":[1253],"1617":[1254],"1618":[1255,1256],"1619":[1257,1258],"1620":[1259],"1623":[1260,1261],"1624":[1262],"1625":[1263],"1626":[1264],"1627":[1265],"1631":[1266,1267],"1634":[1268],"1638":[1269,1270],"1639":[1271,1272],"1641":[1273,1274],"1645":[1275],"1646":[1276,1277,1278],"1647":[1279,1280],"1648":[1281,1282],"1649":[1283,1284,1285],"1650":[1286],"1655":[1287],"1656":[1288,1289],"1660":[1290],"1661":[1291],"1662":[1292,1293],"1663":[1294],"1666":[1295],"1668":[1296],"1671":[1297,1298],"1673":[1299,1300],"1674":[1301],"1675":[1302],"1676":[1303],"1677":[1304,1305,1306],"1680":[1307],"1681":[1308],"1682":[1309],"1683":[1310,1311],"1685":[1312],"1687":[1313],"1688":[1314,1315,1316],"1690":[1317],"1691":[1318],"1692":[1319],"1693":[1320],"1694":[1321],"1695":[1322],"1697":[1323,1324,1325],"1698":[1326],"1703":[1327],"1707":[1328],"1709":[1329],"1717":[1330],"1722":[1331],"1723":[1332,1333],"1724":[1334],"1725":[1335],"1731":[1336],"1732":[1337],"1734":[1338],"1735":[1339],"1738":[1340],"1739":[1341],"1740":[1342],"1741":[1343],"1743":[1344],"1746":[1345],"1747":[1346],"1750":[1347],"1753":[1348],"1757":[1349],"1761":[1350],"1762":[1351,1352],"1765":[1353],"1766":[1354],"1768":[1355],"1772":[1356],"1773":[1357,1358,1359],"1774":[1360,1361,1362],"1775":[1363],"1776":[1364,1365,1366],"1778":[1367,1368],"1779":[1369],"1782":[1370],"1785":[1371,1372],"1786":[1373],"1787":[1374],"1790":[1375],"1791":[1376],"1793":[1377],"1795":[1378],"1802":[1379,1380],"1804":[1381],"1808":[1382],"1809":[1383],"1814":[1384],"1815":[1385],"1817":[1386],"1818":[1387],"1820":[1388,1389],"1822":[1390,1391,1392],"1823":[1393,1394],"1827":[1395],"1828":[1396,1397],"1829":[1398,1399],"1832":[1400],"1833":[1401],"1835":[1402],"1836":[1403,1404],"1837":[1405,1406],"1838":[1407,1408],"1839":[1409,1410,1411],"1840":[1412],"1841":[1413,1414],"1842":[1415],"1843":[1416,1417,1418],"1844":[1419],"1845":[1420,1421,1422],"1846":[1423,1424,1425],"1847":[1426,1427,1428],"1849":[1429],"1850":[1430,1431],"1852":[1432,1433],"1853":[1434],"1854":[1435,1436,1437],"1855":[1438],"1856":[1439],"1857":[1440],"1858":[1441],"1859":[1442],"1860":[1443],"1861":[1444],"1862":[1445],"1863":[1446],"1864":[1447,1448],"1865":[1449],"1871":[1450],"1875":[1451,1452],"1877":[1453],"1879":[1454],"1883":[1455],"1887":[1456],"1888":[1457,1458,1459],"1889":[1460],"1890":[1461],"1891":[1462,1463],"1893":[1464],"1896":[1465],"1897":[1466],"1899":[1467],"1900":[1468,1469],"1902":[1470],"1903":[1471],"1906":[1472],"1907":[1473,1474],"1908":[1475,1476],"1909":[1477],"1913":[1478,1479,1480],"1916":[1481,1482],"1917":[1483],"1918":[1484],"1920":[1485],"1939":[1486],"1960":[1487],"1965":[1488,1489,1490],"1966":[1491],"1967":[1492],"1969":[1493],"1972":[1494,1495],"1976":[1496],"1978":[1497],"1979":[1498,1499],"1981":[1500],"1982":[1501,1502],"1984":[1503],"1985":[1504],"1986":[1505,1506],"1987":[1507],"1988":[1508],"1993":[1509],"1995":[1510],"1998":[1511,1512],"2001":[1513],"2003":[1514],"2007":[1515,1516],"2008":[1517],"2009":[1518,1519],"2011":[1520,1521],"2012":[1522],"2013":[1523],"2014":[1524],"2015":[1525],"2016":[1526,1527],"2017":[1528,1529],"2018":[1530],"2019":[1531],"2030":[1532,1533,1534],"2031":[1535,1536],"2032":[1537,1538],"2035":[1539],"2036":[1540,1541],"2037":[1542],"2038":[1543],"2039":[1544,1545,1546,1547,1548],"2040":[1549,1550],"2041":[1551],"2042":[1552],"2050":[1553],"2051":[1554],"2053":[1555,1556],"2054":[1557],"2058":[1558],"2059":[1559,1560],"2060":[1561,1562],"2061":[1563],"2063":[1564],"2065":[1565],"2073":[1566],"2074":[1567,1568,1569],"2075":[1570,1571],"2077":[1572],"2079":[1573],"2080":[1574],"2081":[1575,1576],"2082":[1577,1578,1579,1580],"2085":[1581,1582],"2087":[1583,1584],"2088":[1585],"2090":[1586,1587],"2095":[1588,1589],"2096":[1590,1591],"2097":[1592,1593,1594],"2099":[1595,1596],"2101":[1597],"2103":[1598],"2105":[1599],"2107":[1600],"2111":[1601,1602],"2112":[1603],"2113":[1604],"2114":[1605,1606],"2115":[1607],"2116":[1608,1609],"2117":[1610],"2118":[1611],"2119":[1612,1613],"2120":[1614],"2123":[1615],"2124":[1616],"2126":[1617],"2127":[1618,1619],"2128":[1620],"2130":[1621,1622,1623],"2133":[1624],"2134":[1625],"2135":[1626,1627],"2136":[1628,1629,1630],"2138":[1631],"2140":[1632],"2142":[1633],"2145":[1634],"2148":[1635],"2149":[1636],"2150":[1637,1638],"2151":[1639,1640,1641,1642],"2152":[1643,1644],"2153":[1645],"2155":[1646],"2156":[1647],"2157":[1648],"2161":[1649],"2162":[1650,1651],"2165":[1652,1653],"2166":[1654,1655],"2167":[1656],"2170":[1657],"2175":[1658],"2177":[1659],"2178":[1660],"2179":[1661],"2180":[1662,1663,1664],"2182":[1665],"2183":[1666],"2185":[1667],"2186":[1668],"2187":[1669],"2193":[1670],"2194":[1671],"2196":[1672,1673],"2197":[1674],"2198":[1675],"2199":[1676],"2202":[1677],"2203":[1678],"2205":[1679],"2207":[1680],"2208":[1681,1682],"2210":[1683],"2211":[1684],"2212":[1685,1686],"2213":[1687],"2214":[1688],"2218":[1689],"2219":[1690],"2220":[1691],"2221":[1692,1693],"2223":[1694],"2224":[1695,1696],"2226":[1697,1698],"2228":[1699],"2229":[1700],"2237":[1701,1702],"2239":[1703,1704],"2240":[1705],"2241":[1706],"2243":[1707],"2245":[1708,1709],"2246":[1710,1711],"2249":[1712],"2255":[1713],"2263":[1714],"2265":[1715],"2271":[1716],"2272":[1717],"2273":[1718],"2274":[1719],"2275":[1720,1721],"2276":[1722],"2277":[1723],"2279":[1724,1725],"2282":[1726],"2283":[1727],"2284":[1728],"2288":[1729,1730],"2294":[1731],"2298":[1732],"2299":[1733],"2304":[1734],"2307":[1735],"2309":[1736],"2310":[1737],"2311":[1738],"2312":[1739],"2313":[1740],"2314":[1741],"2317":[1742,1743,1744],"2318":[1745],"2321":[1746,1747,1748],"2322":[1749],"2323":[1750,1751,1752],"2326":[1753],"2329":[1754,1755],"2330":[1756,1757,1758],"2332":[1759],"2333":[1760],"2334":[1761,1762,1763],"2339":[1764],"2340":[1765],"2342":[1766],"2344":[1767],"2347":[1768],"2348":[1769],"2350":[1770],"2351":[1771],"2353":[1772],"2354":[1773],"2358":[1774],"2359":[1775,1776],"2361":[1777],"2365":[1778],"2366":[1779,1780],"2367":[1781],"2368":[1782],"2370":[1783],"2371":[1784],"2372":[1785,1786],"2373":[1787],"2374":[1788,1789],"2375":[1790],"2376":[1791,1792],"2377":[1793],"2378":[1794,1795],"2387":[1796],"2388":[1797],"2389":[1798],"2391":[1799],"2392":[1800],"2395":[1801],"2399":[1802],"2407":[1803],"2408":[1804],"2409":[1805],"2410":[1806,1807],"2411":[1808,1809,1810],"2412":[1811],"2413":[1812,1813,1814],"2414":[1815],"2415":[1816,1817],"2419":[1818],"2420":[1819],"2421":[1820,1821],"2422":[1822],"2423":[1823],"2424":[1824,1825],"2426":[1826],"2429":[1827],"2434":[1828,1829],"2435":[1830],"2436":[1831],"2442":[1832,1833,1834],"2443":[1835],"2445":[1836],"2446":[1837],"2447":[1838,1839],"2452":[1840,1841],"2453":[1842],"2454":[1843],"2456":[1844,1845],"2457":[1846,1847],"2458":[1848,1849],"2461":[1850],"2462":[1851],"2463":[1852,1853,1854],"2464":[1855],"2465":[1856],"2468":[1857],"2472":[1858],"2476":[1859,1860],"2493":[1861],"2499":[1862],"2503":[1863],"2505":[1864],"2506":[1865,1866],"2511":[1867],"2512":[1868],"2513":[1869],"2514":[1870],"2516":[1871],"2521":[1872],"2522":[1873,1874],"2523":[1875],"2524":[1876],"2525":[1877],"2529":[1878,1879],"2530":[1880],"2533":[1881],"2536":[1882],"2537":[1883,1884],"2539":[1885],"2540":[1886,1887],"2542":[1888],"2545":[1889,1890],"2546":[1891,1892],"2547":[1893,1894],"2548":[1895,1896],"2549":[1897],"2552":[1898],"2553":[1899],"2558":[1900],"2560":[1901],"2561":[1902],"2563":[1903],"2564":[1904],"2565":[1905],"2568":[1906],"2569":[1907,1908],"2571":[1909],"2572":[1910,1911],"2573":[1912],"2574":[1913,1914],"2577":[1915,1916],"2578":[1917,1918],"2579":[1919],"2583":[1920],"2586":[1921],"2587":[1922],"2589":[1923],"2590":[1924],"2592":[1925],"2595":[1926],"2596":[1927],"2597":[1928],"2599":[1929],"2602":[1930,1931,1932],"2605":[1933],"2608":[1934],"2613":[1935],"2614":[1936],"2615":[1937],"2618":[1938],"2620":[1939],"2621":[1940,1941],"2625":[1942],"2627":[1943],"2629":[1944],"2630":[1945,1946],"2632":[1947,1948],"2634":[1949],"2635":[1950],"2638":[1951],"2641":[1952],"2644":[1953,1954],"2646":[1955],"2648":[1956,1957,1958],"2649":[1959,1960],"2650":[1961],"2653":[1962,1963],"2656":[1964],"2657":[1965],"2658":[1966],"2659":[1967],"2662":[1968],"2668":[1969],"2670":[1970],"2671":[1971],"2674":[1972],"2675":[1973],"2676":[1974,1975],"2677":[1976],"2678":[1977],"2681":[1978],"2682":[1979],"2689":[1980],"2695":[1981],"2696":[1982,1983],"2702":[1984],"2704":[1985],"2707":[1986],"2708":[1987],"2710":[1988],"2713":[1989],"2716":[1990],"2718":[1991],"2721":[1992],"2723":[1993],"2732":[1994],"2740":[1995],"2748":[1996],"2749":[1997]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"ـ[الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة]ـ\nالمؤلف: حسين بن عودة العوايشة\nالناشر: المكتبة الإسلامية (عمان - الأردن)، دار ابن حزم (بيروت - لبنان)\nالطبعة: الأولى، من ١٤٢٣ - ١٤٢٩ هـ (ينظر التفصيل بأول كل جزء)\nعدد الأجزاء: ٧\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]\n_________\n(تنبيه):الأجزاء الـ ٣ الأولى مطبوعة بنفس الترقيم (تصوير)، دار الصديق - مؤسسة الريان","vol":"1","page":null},{"text":"الموسوعة الفقهية الميسرة\nفي\nفقه الكتاب والسنة المطهرة\nالجزء الأول\nكتاب الطهارة - كتاب الصلاة\nبقلم\nحسين بن عودة العوايشة\nالمكتبة الإسلامية\nدار ابن حزم","vol":"1","page":1},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم","vol":"1","page":2},{"text":"الموسوعة الفقهية الميسرة\nفي\nفقه الكتاب والسنة المطهرة","vol":"1","page":3},{"text":"جميع الحقوق محفوظة للمؤلف\nالطبعة الأولى\n١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٢ م\nالمكتبة الإسلامية\nص ب: (١١٣) الجبيهة - هاتف ٥٣٤٢٨٨٧\nعمَّان - الأردن\nدار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع\nبيروت - لبنان - ص ب: ٦٣٦٦/ ١٤ - تليفون: ٧٠١٩٧٤","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدّمة المؤلف</span>\nإِنّ الحمد لله، نحمَدُه ونستعينهُ ونستغفِرُه، ونعوذُ بالله من شرور أَنفُسِنا، وسيِّئاتِ أعمالِنا، من يَهدِه الله فَلا مُضِلَّ لهُ، ومَن يُضْلل فلا هاديَ لهُ.\nوأَشهَد أنْ لا إله إِلاَّ الله، وحدَه لا شريكَ له، وأَشْهَدُ أنَّ محمدًا عَبدهُ ورَسولهُ.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١).\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢).\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٣).\nأمَّا بعد:\nفإِنَّ أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدْي محمّد، وشرّ الأمور مُحدثاتها، وكلَّ مُحدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة، وكلَّ ضلالة في النَّار،\n_________\n(١) آل عمران: ١٠٢\n(٢) النساء: ١\n(٣) الأحزاب: ٧٠، ٧١","vol":"1","page":5},{"text":"فإِنَّني رأيتُ حاجة الأمَّة مُلحَّةً لكتاب فقهيٍّ: شامل، ميسَّر، مُدعَّم بالأدلَّة الثابتة، بعيدٍ عن الغُموض والتَّعقيد والخلافات الفقهيَّة، يفيد من أقوال أهل العلم؛ من غير تعصُّب لمذهب من المذاهب أو عالم من العلماء.\nوتأمَّلت الكتبَ الموجودة؛ قديمها وحديثها، فرأيتُ الحاجة المُبتغاة مُتناثرة هنا وهناك، ورأيت أقربها إِلى هذا المطلب كتاب \"فقه السنَّة\" للسَّيد سابق -حفظه الله- تبويبًا وترتيبًا وتيسيرًا وعرضًا وتناولًا؛ فقد أدَّى كتابُه نفعًا عظيمًا وجُهدًا مباركًا، وقد استفدْتُ منه في كتابي هذا، ولا سيّما في كثيرٍ من العناوين والأدلّة، وكذلك من بعض عناوين المعلِّق على \"الروضة الندية\" للشيخ محمد الحلاق -حفظه الله- أسأل الله تعالى أن يتقبَّل منِّي ومنه.\nبَيْد أنَّ الحاجة -فيما أرى- ما تزال مُلحَّة لوجود الكتاب الذي ذكرْتُ سماته في بداية حديثي، لأمور حديثيَّة وفقهيَّة وغير ذلك.\nلذلك؛ شمَّرتُ عن ساعد الجدِّ، وأنا أعلمُ أنَّ الطريق طويلٌ، والجهد عظيمٌ؛ لأقوم بهذا العمل النافع المبارَك بإِذن الله.\nوأرجو أن أنتفع من إِخواني بنصيحة أو توجيه أو اقتراح أو تصويب؛ فالمؤمن مرآة المؤمن؛ ليكون الكتاب على خير وجه -بإِذن الله تعالى-.\nهذا، وقد رجعْتُ لشيخنا الألباني -شفاه الله تعالى وعافاه- في كثير من المسائل، فاستفدْتُ منه، وأنِسْتُ برأيه، فجزاه الله عنِّي وعن المسلمين خيرًا.\nولعلك سترى بعد ذكر كلمة (شيخنا) (١) مرّة -حفظه الله تعالى- ومرّة -شفاه الله وعافاه- وقد ترى كلمة -شفاه الله وعافاه- قبل أو بعد\n_________\n(١) شفاه الله وعافاه.","vol":"1","page":6},{"text":"-حفظه الله تعالى- ذلكم أنه قد اشتدّ بشيخنا المرض في فترةٍ من الفترات، ثمَّ تحسَّن حاله، ثمَّ عاوده المرض.\nكما أننّي كتبتُ بعض العبارات وهو يستمتع بالصحة والعافية، وعند تصحيح التجارب كان في مرضه، وهأنذا الآن على وشك الانتهاء من الكتاب، وقد اشتدّ به المرض، وهو على حالٍ لا أستطيع وصْفها تُذكِّرنا بمقولة قتيبة ابن سعيد -في حياة أحمد بن حنبل ﵀- قال: \"مات الثوري ومات الورع، ومات الشافعي وماتت السنن، ويموت أحمد بن حنبل وتظهر البدع\".\nأخرجه ابن الأعرابي في \"معجمه\" (١٢٥٤) والبيهقي في \"مناقب الشافعي\" (٢/ ٢٥٠) (١).\nولا أدري ما أقول! هل فقْدنا شيخنا الوالد عبد العزيز بن باز -﵀- هيّأنا للمصاب الجلل الذي سيحلّ بالأمّة، أم أنّ ما نترقبّه من عظيم المصاب يهيّج أحزاننا على فراقه، وهذا كما قال الشاعر:\nفقُلت له إِنّ الشجى يبعث الشجى ... فدعني فهذا كلّه قبر مالك\nأسأل الله العظيم، ربَّ العرش العظيم أن يتقبَّلَ منِّي عملي، وأن ينفَعني به وإِخواني المسلمين، وأن لا يجعل لأحدٍ منه شيئًا؛ إِنَّه سبحانه على كلِّ شيء قدير.\nثمَّ وقعت مصيبة الموت وكان ذلك قبل مغرب يوم السبت بساعة ونصف تقريبًا لثمانية أيّام بقين من شهر جمادى الآخر سنة ١٤٢٠ هـ الموافق\n_________\n(١) وهذا من إِتحافات أخي الشيخ مشهور -حفظه الله ورعاه- في بعض دروسه النافعة في المساجد.","vol":"1","page":7},{"text":"٢/ ١٠/١٩٩٩م فإِنّا لله وإِنّا إِليه راجعون، ونقول: \"إِنَّ العين لتدمع، وإِنَّ القلب ليحزن، وإِنّا بفراقك يا شيخنا الألباني لمحزونون\".\nورحم الله فقيه المحدثين ومحدّث الفقهاء وشيخ الإِسلام في هذا الزمان، وأجزل له المثوبة والأجر، وجمَعنا به مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا.\nوقد قلت أيام حياته -رحمه الله تعالى-:\nلولا تفضُّلُ ربِّنا الرحمنِ ... بلقائكم يا شيخنا الألباني\nما كنتُ أشعر بالحياة وطعمها ... ولَما استطَبْتُ العيش في عمّانِ\nعلّمتنا كيف النّجاة ننالُها ... فالحمد للغفّار للمنّانِ\nإِني سألْتُ الله أن ألقاكمُ ... في جنّة الفردوس خير جنانِ\nومع الأحبّة والأعزّة كلُّهم ... يا حبّذا عيشي مع الإِخوانِ\nلا تحسبنّ القول نفثة شاعر ... أو أنّني قد هِمْت في الودْيانِ\nفالكذْب ليس بجائز في ديننا ... لكنّها مِن غربة الإِيمانِ\nوأقول الآن بعد مماته -﵀-:\nودّعتنا يا شيخنا الألباني ... وادَمعَتَا للعالِم الرباني\nفارقْتنا والحزن ليس مفارقي ... والدمع يعشق بعدكم أجفاني\nأسفي على الدنيا بفقد إِمامنا ... والحزن بعدك شيخنا يهواني\nيا شيخنا إِنّ القلوب تفطرت ... هذا عزائي أيها الثقلان","vol":"1","page":8},{"text":"سأظل أذكركم ويذكرني الشجى ... حتى يوافيَ قبريَ الملكان\nقلبي يتاجر بالهموم فمن أتى ... سيرى به سوقًا من الأحزانِ\nأنظل نفرح بالربيع وزهره ... وكذا بماءٍ صبَّ في الوديانِ\nأم سوف يبهجنا هديل حمائمٍ ... لما تبدّى الحزن من عمّانِ\nأم سوف يُمتعنا السكون بليله ... حين اختفى عن أمّتي القمرانِ\nلمّا قضى عبد العزيز إِمامنا ... ثمّ افتقَدنا بعده الألباني\nماذا يعيد إِلى القلوب سرورَها ... ماذا يبدّد مبعثَ الأشجان\nكيف السبيل إِلى ابتسام شفاهنا ... تالله ليس لنا سوى الرحمنِ\nذاك الثرى قد ضمّ أغلى عالمٍ ... فلتهنئي يا تربة (الهملان) (١)\nورجاؤنا استغفار نملٍ شيخنا ... لكمُ ونرجو ذاك في الحيتان\nمنهاجَ خير الناس قد بصّرتنا ... أرشدتنا نحيا مع البرهانِ\nعرَّفتنا هدي النبي وصحبه ... تالله هذا منهج القرآن\nعلّمتنا حبّ النبي وآله ... حفّزتنا نسعى إِلى الغفرانِ\nفي دقّة الأقوال قد مرّستنا ... درّبتنا نمضي إِلى الإِحسان\nتالله شمس علومكم ما كُوّرت ... تكوير شمسٍ جاء في القرآنِ\nوبحار فهمك شيخنا ما سُجّرت ... ستظل مغدقةً مع الأزمانِ\nلكن بحار الكون يأتيها الفنا ... تسجيرها آتٍ بغير توانِ\nأمّا انكدار النجم فهو محقّقٌ ... هذي عقيدتنا بلا نكرانِ\nحين انكدار النجم يلمع علمكم ... وبه المفازة بالمنى وجنان\nمن للحديث مصححًا ومضعّفًا ... إِني شكوت البثّ للرحمن\n_________\n(١) هي المقبرة التي دُفن فيها شيخنا -رحمه الله تعالى-.","vol":"1","page":9},{"text":"من للفتاوى حين يعضل أمرها ... مِن بعد فقدِك رائد الفرسان\nمن ذا يصدُّ المُحدِثين وكيدَهم ... ويردُّ ما قالوا من الطغيان\nمن ذا سيُفحم كل صاحب بدعةٍ ... من ذا سيلجم هجمة الفتانِ\nإِنً الذي قد قال إِنك مرجئٌ ... لا يعرف التأصيل في الإيمان\nكبُر الكلام خروجه وقبوله ... من فيه شخصٍ خاض في البهتان\nمن قال ذا الإِيمانُ ليس بثابتٍ ... هو في ازديادٍ بل وفي نقصانِ\nأو قال إنَّ الضُّر قد مس الفتى ... حين اقتراف الذنب والعصيانِ\nأو قال سبُّ المسلمين مُفسِّقٌ ... وقتالهم يهدي إِلى الكفرانِ\nكان المصيبَ وليس ذاك بمرجئ ... هذا -وربي- الحقُّ يا إِخواني\nفاترك هواك فإِنه لك قاتلٌ ... وحذارِ أن تبقى على الهذيانِ\nإِنَّ الهوى في قتلكم متجاهلٌ ... دِيَةً ولم يورِث سوى الخسران\nأو قائل ما أنت غيرَ محدّث ... في الفقه ما عرفوا لكم من شانِ\nذاك امرؤٌ في جهله متخبّطٌ ... إِنّ الجحود طبيعة الإِنسان\nروّى الورى من فقهه فتأمّلن ... \"صفةَ الصلاة\" مصنفَ الألباني\n\"أدب الزفاف\" دقائقٌ ولطائفٌ ... \"إِرواؤُه\" كالماء للعطشانِ\nوكفى بـ \"حكام الجنائز\" درّةً ... بيّنتَها للناس خير بيان\nإنّ \"الصحيحة\" قد تعاظم نفْعها ... منها عبيق المسك والريحان\nو\"مناسك الحج\" التي صنّفتها ... كانت وربّي تحفة الخلاّنِ\nإِغفالكم إِغفال سنّة أحمدٍ ... نسيانكم ضربٌ من العصيان\nمهما حييتُ فلست أنسى فضلكم ... إِني أخاف الله أن ينساني","vol":"1","page":10},{"text":"لو كان ذلك جائزًا لوجدتني ... والله في عجزٍ عن النسيانِ\nأنا في قيامي للصلاة لخالقي ... لا بد من ذكري إِمامي الحاني\nلا بُدّ من ذكر الذي قد قاله ... في ذي الصلاة وسائر الأركانِ\nفي الحجّ ماذا قال أو أفتى به ... في الصوم في الصدقات في الإِحسانِ\nلمّا يسبّح بعضهم في سبحةٍ ... قد كان يذكر أحمد العدناني\nفيقول هذا لم يَرِدْ في ديننا ... ولذا تمثّل في جميع بناني\nفإِذا السنون فنت سيبقى علمكم ... تالله ما قدّمتَ ليس بفانِ\nكم من فتاوى كنت تُفتينا بها ... ستظل تذكركم بكل أمان\nرباه ما أبغي الغلوّ فإِنّه ... يدعو إِلى النيران والشيطان\nلكن أردت أداء حقِّ إِمامنا ... يا رب باعِدني عن الكفرانِ\nرحم الإِله الشيخ أوسع رحمةٍ ... وحباه ما يرجو من الرضوان\nوكتب:\nحسين بن عودة العوايشة\nثمَّ بلَغَنا وفاة الشيخ السيد سابق -﵀- فكان عامنا هذا حافلًا بالأحزان لفَقْد جَمْعٍ من العلماء، وأقول ما قاله الإِمام البخاري حين بلغه نبأ وفاة الإِمام الدارمي -رحمهما الله تعالى-:\nإِنْ تبْقَ تُفَجعْ بالأحبّة كلهم ... وفناء نفسك -لا أبالك أفجع-.","vol":"1","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>الطهارة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>المياه وأقسامها</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>القسم الأول: الماء الطَّهور:</span>\nوهو الماء الطَّاهر في نفسه، المُطهِّر لغيره، تُرفع به الأحداث والنجاسات.\nويشمل الأنواع الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>١ - ماء المطر:</span>\nقال الله سبحانه: ﴿وأَنْزَلْنَا مِنَ السَّماء ماءً طَهُورًا (١)﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿ويُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ مَاءً ليُطَهّرَكمْ به (٣)﴾ (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>٢ - ما كان أصله الماء؛ كالثلج والبَرَد:</span>\nعن أبي هريرة -﵁- قال: \"كان رسول الله - ﷺ - يسكُتُ بين التكبير وبين القراءة إِسكاتة -قال: أحسِبُه قال: هُنَيَّةً- فقلت: بأبي أنت وأمّي يا رسول الله! إِسكاتُك بين التَّكبير والقراءة؛ ما تقول؟ قال: \"أقول: اللهم باعد بيني وبين خطايايَ كما باعَدتَ بين المشرق والمغرب، اللهمَّ نقِّني من\n_________\n(١) قال ابن كثير: \"أي: آلة يُتطهَّر بها؛ كالسَّحور والوجور وما جرى مجراهما\". والوَجور: الدواء يوجَر في وسط الفم؛ أي: يُصبُّ. \"مختار الصحاح\".\n(٢) الفرقان: ٤٨\n(٣) قال ابن كثير في \"تفسيره\": \" ﴿لِيُطهِّرَكم به﴾؛ أي: مِن حدَث أصغر أو أكبر، وهو تطهير الظاهر\".\n(٤) الأنفال: ١١","vol":"1","page":12},{"text":"الخطايا كما يُنقَّى الثوب الأبيض من الدنس، اللهمَّ اغْسِلْ خطاياي بالماء والثلج والبرد\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>٣ - مياه العيون والينابيع </span>(٢):\nقال الله تعالى: ﴿أَلمْ تَرَ أَنَّ الله أَنْزَلَ منَ السَّماء مَاءً فَسَلَكهُ يَنابيعَ في الأرْضِ﴾ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>٤ - ماء البحر:</span>\nلحديث أبي هريرة -﵁- قال: سأل رجل النّبيَّ - ﷺ -، فقال: يا رسول الله! إِنَّا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإِنْ توضأنا به عطِشْنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله - ﷺ -: \"هو الطَّهورُ ماؤه، الحِلُّ مَيتته\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>٥ - ماء زمزم:</span>\nلِما ثَبَتَ من رواية عليّ -﵁-: \"أنَّ رسول الله - ﷺ - دعا\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٧٤٤، ومسلم: ٥٩٨، وغيرهما.\n(٢) اليَنبوع: عين الماء، وجمعها: ينابيع. \"مختار الصحاح\".\n(٣) الزمر: بعض الآية ٢١، وفي \"تفسير ابن كثير\" عن ابن عباس -﵄- في هذه الآية: \" ... ليس في الأرض ماءٌ إِلا نزل من السماء، ولكن عروق في الأرض تغيِّره، فذلك قوله تعالى: ﴿فَسَلَكَهُ ينابيعَ في الأرضِ﴾، فمن سرّه أن يعود الملح عذبًا؛ فليصعدْه\".\n(٤) أخرجه مالك وأصحاب السنن وغيرهم، وانظر \"الصحيحة\" (٤٨٠)، و\"صحيح سنن أبي داود\" (رقم ٧٦).","vol":"1","page":13},{"text":"بسَجْل (١) من ماء زمزم، فشَرِب منه وتوضَّأ\" (٢).\n\n٦ - الماء الآجن (٣) المتغير بطول المكث (٤) أو بمخالطة طاهر لا يمكن صونُه عنه؛ كالطحلب، وورق الشجر، والصابون، والدقيق.\n\"وكذلك ما يتغيَّر في آنية الأدم (الجلد) والنحاس ونحوه؛ يُعْفَى عن ذلك كلِّه، ولا يخرج به الماء عن إِطلاقه\".\n\"وأيضًا؛ ما تغيَّر بالسمك ونحوه من دوابِّ البحر، لأنه لا يمكن التحرُّز منه\" (٥).\nويظلُّ كلُّ ذاك طَهورًا ما دام اسم الماء المطلق يتناوله.\nومن الأدلَّة على ذلك:\nما روته أمُّ عطيَّة -﵂- قالت: دخل علينا رسول الله - ﷺ - حين تُوفِّيت ابنته، فقال: \"اغْسِلْنَها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك -إِنْ\n_________\n(١) بمعنى الذَّنوب: الدلو الملأى ماء. \"النهاية\". وفي \"فقه اللغة\" للثعالبي: \"لا يُقال للدلو: سَجْل؛ إِلا ما دام فيها ماء قلَّ أو كثر، ولا يُقال لها: ذَنوب؛ إِلا إِذا كانت ملأى\".\n(٢) أخرجه عبد الله ابن الإِمام أحمد في \"زوائد المسند\" (١/ ٧٦)؛ كما في \"الإِرواء\" (١٣)، وانظر \"تمام المنة\" (ص ٤٦).\n(٣) أي: المتغيِّر الطَّعم واللون.\n(٤) ونقل شيخ الإِسلام ابن تيمية -﵀- اتفاق العلماء على ذلك في \"الفتاوى\" (٢١/ ٣٦).\n(٥) انظر كتاب \"المغني\" (أحكام الماء المطلق والمتغيِّر).","vol":"1","page":14},{"text":"رأيتنَّ- بماءٍ وسِدْر (١)، واجعَلْنَ في الآخرةِ كافورًا (٢)، فإذا فرغْتُنَّ؛ فآذِنَّني\"، فلما فرغْنا؛ آذنَّاه، فأعطانا حَِقْوه (٣)، فقال: \"أشعِرْنها (٤) إِيَّاه\"؛ تعني: إِزاره (٥).\nوفي حديث أمِّ هانئ: \"أنَّ النّبيَّ - ﷺ - اغتسل وميمونة من إناء واحد؛ في قصعة فيها أثر العجين\" (٦).\nقال ابن حزم -رحمه الله تعالى- (مسألة ١٤٧) من \"المحلى\": \"وكلُّ ماءٍ خالَطه شيء طاهر مباح، فظهر فيه لونه وريحُه وطعمُه؛ إِلاَّ أنه لم يُزِلْ عنه اسم الماء؛ فالوضوء به جائز، والغُسل به للجنابة جائز.\nبرهان ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ (٧)، وهذا ماء، سواء كان الواقع فيه مِسكًا أو عسلًا أو زعفرانًا أو غير ذلك\".\nوأما دليل الوضوء في آنية النحاس والجلد ونحوها:\nفلحديث عبد الله بن زيد -﵁- قال: \"أتى رسول الله -ﷺ-،\n_________\n(١) السِّدر: شجر النَّبِق.\n(٢) الكافور: من أخلاط الطيب، وفي \"الصحاح\": من الطيب. \"لسان العرب\".\n(٣) بفتح المهملة -ويجوز كسرها، وهي لغة هذيل- بعدها قاف ساكنة، والمراد به هنا الإِزار. \"فتح\" -بحذف يسير-.\n(٤) أي: اجْعلْنه شعارها؛ أي: الثوب الذي يلي جسدها.\n(٥) أخرجه البخاري: ١٢٥٣، ومسلم: ٩٣٩، وغيرهما.\n(٦) أخرجه النسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٢٣٤)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٣٠٣)، وغيرهما، وانظر \"المشكاة\" (٤٨٥)، و\"الإِرواء\" (٢٧١).\n(٧) النساء: ٤٣، والمائدة: ٦","vol":"1","page":15},{"text":"فأخرَجْنا له ماءً في تَوْرٍ مِن صُفر (١)، فتوضَّأ، فغسل وجهه ثلاثًا، ويديه مرَّتين مرَّتين، ومسحَ برأسه، فأقبَلَ به وأدْبَرَ، وغَسل رِجليه\" (٢).\nوحديث ابن عباس -﵄- قال: \"بِتُّ ذات ليلة عند خالتي ميمونة، فقام النّبيُّ - ﷺ - يصلِّي متطوِّعًا من الليل، فقام النّبيُّ - ﷺ - إِلى القربة فتوضأ، فقام فصلَّى، فقُمْتُ لمَّا رأيتُه صنَعَ ذلك، فتوضَّأتُ من القِربة، ثمَّ قُمتُ إِلى شقِّه الأيسر، فأخَذ بيدي من وراء ظهره إِلى الشقِّ الأيمن\" (٣).\nوكذلك حديث أنس بن مالك -﵁- قال: \"كان النّبي - ﷺ - إِذا خَرَجَ لحاجته؛ أجيء أنا وغلام معنا إِداوَة (٤) من ماء؛ يعني: يستنجي به\" (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>٧ - الماء الذي خالَطَتْه النجاسةُ، ولم يتغيَّر طعمه أو لونُه أو ريحهُ:</span>\nعن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - وهو يُقال له: إِنَّه يُستقى لك مِن بئر بُضاعة -وهي بئر يُلقى فيها لحوم الكلاب والمحايض (٦) وعُذَر النَّاس- فقال رسول الله - ﷺ -: \"إِنَّ الماء طهور،\n_________\n(١) التور: شبه الطَّسْت، وقيل: هو الطَّسْت. والصُّفْر: النحاس الجيِّد. \"الفتح\".\n(٢) أخرجه البخاري: (رقم ١٩٧)، وروى النسائي نحوه.\n(٣) أخرجه البخاري: ٦٣١٦، ومسلم: ٧٦٣، وغيرهما.\n(٤) هي إِناء صغير من جلد.\n(٥) أخرجه البخاري: ١٥٠\n(٦) قال في \"النهاية\": قيل: المحايض جمْع المحيض، وهو مصدر حاض، فلما سُمّي به جَمَعَه، ويقع المحيض على المصدر والزمان والمكان والدّم.","vol":"1","page":16},{"text":"لا ينجِّسه شيء\" (١).\nوفي الحديث: \"إِذا بَلَغَ الماء قُلَّتين (٢)؛ لم يَحملِ الخَبَث\" (٣).\nقال الشوكاني: \"وأمَّا حديث القُلَّتين؛ فغايةُ ما فيه أنَّ ما بلَغَ مقدار القلَّتين؛ لا يحمل الخَبَث، فكان هذا المقدار؛ لا يؤثِّرُ فيه الخبث في غالب الحالات، فإِنْ تغيَّر بعض أوصافه؛ كان نَجِسًا بالإِجماع الثابت من طُرُق متعدِّدة.\nوأمّا ما كان دون القلَّتين؛ فلم يَقُل الشارع: إِنه يحمل الخَبَث قطعًا وبتًّا،\n_________\n(١) أخرجه أبو داود وغيره، وانظر \"صحيح سنن أبي داود\" (٦٠)، و\"الإرواء\" (١٤)، قال أبو داود: \"وسمعت قتيبة بن سعيد؛ قال: سألت قيِّم بئر بُضاعة عن عمقها.\nقال: أكثر ما يكون إلى العانة. قلت: فإِذا نقص؟ قال: دون العورة\".\nقال أبو داود: \"وقدرْتُ أنا بئر بُضاعة بردائي مَدَدْتُه عليها، ثمَّ ذرَعْتُه، فإِذا عرضها ستة أذرع، وسألتُ الذي فتح لي باب البستان فأدخلني إِليه: هل غُيِّر بناؤها عمَّا كانت عليه؟ قال: لا. ورأيت فيها ماءً متغيِّر اللون\".\n(٢) في \"سنن الترمذي\": \"قال عبدة: قال محمد بن إِسحاق: القُلة هي الجرار، والقُلَّة التي يُستقى فيها\".\nوقال الشافعي وأحمد وِإسحاق -كما في الترمذي أيضًا-: \"يكون نحوًا من خمس قِرب\".\nوالمراد من ذِكْر القلَّتين كثرة الماء، والله أعلم. وسمِّيت قُلَّة؛ لأنَّها تُقَلُّ؛ أي: ترفع وتحْمل.\n(٣) أخرجه أبو داود وغيره، وانظر \"صحيح سنن أبي داود\" (٥٦)، و\"صحيح سنن النسائي\" (٥١)، و\"صحيح سنن الترمذى\" (٥٧)، و\"الإِرواء\" (٢٣).","vol":"1","page":17},{"text":"بل مفهوم حديث القلَّتين يدلُّ على أنَّ ما دونهما قد يحمل الخَبَث وقد لا يحمله، فإِذا حَمَلَهُ؛ فلا يكون ذلك إِلا بتغيُّر بعض أوصافه ... \" (١).\nوقال الزهري: \"لا بأس بالماء؛ ما لم يغيِّره طعمٌ أو ريحٌ أو لون\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>٨ - الماء المستعمَل:</span>\nسواء تُوضِّىءَ به أو اغتُسِل ... ونحو ذلك؛ ما لم يُستعمل في إِزالة نجاسة.\nوفي ذلك أدلَّة كثيرة؛ منها:\nما قاله عروة عن المِسْوَر وغيره -يصدِّق كل واحد منهما صاحبه-: \"وإِذا توضَّأ النّبيّ - ﷺ -، كادوا يقتتلون على وَضوئه\" (٣).\nوعن ابن عباس -﵄- قال: اغتسل بعض أزواج النّبيّ - ﷺ - في جفنة (٤)، فجاء النّبيّ - ﷺ - ليتوضَّأ منها -أو يغتسل- فقالت له: يا رسول الله! إِنِّي كنتُ جُنُبًا. فقال رسول الله - ﷺ -: \"إِنَّ الماء لا\n_________\n(١) \"السيل الجرّار\" (باب المياه)، بحذف يسير، ونحوه في \"الدراري المضية\".\n(٢) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" معلَّقًا مجزومًا به.\nوقال شيخنا الألباني -حفظه الله تعالى- في \"مختصر البخاري\" (باب ما يقع من النجاسات في السمن والماء، رقم: ٥٩): \"وصَلَه ابن وهب في\"جامعه\" بسند صحيح عنه، والبيهقي نحوه\". وانظر \"الفتح\" (١/ ٣٤٢).\n(٣) أخرجه البخاري: ١٨٩\n(٤) الجفنة: هي القصعة، وفي \"الصحاح\": \"كالقصعة\".","vol":"1","page":18},{"text":"يُجْنِب\" (١).\nوعن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - وهو يُقال له: إِنَّه يُستقى لك مِن بئر بُضاعة -وهي بئر يُلقى فيها لحوم الكلاب والمحايض (٢) وعُذَر النَّاس- فقال رسول الله - ﷺ -: \"إِنَّ الماء طهور، لا ينجِّسه شيء\" (٣).\nوعن الرّبَيِّع بنت مُعَوِّذ -﵂- في وصف وضوء رسول الله - ﷺ -: \"أنَّ النّبيّ - ﷺ - مسحَ برأسه مِن فضْل ماءٍ كان في يده\" (٤).\nوعن أبي هريرة -﵁- قال: لقيني رسول الله - ﷺ - وأنا جُنُب،\nفأخذ بيدي، فمشيتُ معه حتى قعد، فانْسَلَلْتُ فأتيتُ الرحل (٥)، فاغتسلتُ،\nثمَّ جئت وهو قاعد، فقال: \"أين كنتَ يا أبا هرّ؟ \". فقلتُ له (٦)، فقال:\n\"سبحان الله يا أبا هرّ! إِنَّ المؤمن لا ينجُس\" (٧).\n_________\n(١) أخرجه الترمذي، وقال: \"حديث حسن صحيح\". وانظر \"صحيح سنن أبي داود\" \"صحيح سنن الترمذي\" (٥٥)، و\"المشكاة\" (٤٥٧).\n(٢) قال في \"النهاية\": قيل: المحايض جمْع المحيض، وهو مصدر حاض، وتقدّم.\n(٣) أخرجه أبو داود وغيره، وانظر \"صحيح سنن أبي داود\" (٦٠)، و\"الإرواء\" (١٤)، تقدّم.\n(٤) عن \"صحيح سنن أبي داود\" (١٢٠).\n(٥) أى: المكان الذي يأوى فيه. \"فتح\".\n(٦) في رواية أخرى: \"كنت جنبًا، فكرهتُ أن أجالسك وأنا على غير طهارة\". البخاري: ٢٨٣.\n(٧) أخرجه البخاري: ٢٨٥، ومسلم: ٣٧١","vol":"1","page":19},{"text":"قال ابن قدامة: \" ... ولأنَّه ماء طاهر لاقى محلًاّ طاهرًا؛ كالذي غسل به الثوب الطاهر\" (١).\nوقال أيضًا: \"ولأنَّه لو غمس يده في الماء؛ لم ينجِّسْه، ولو مسَّ شيئًا رطبًا؛ لم يُنجِّسْهُ\" (٢).\nوعن عمرو بن يحيى عن أبيه؛ قال: \"كان عمِّي يكثر من الوضوء. قال لعبد الله بن زيد: أخبِرني كيف رأيتَ النّبيّ - ﷺ - يتوضَّأ؟ فدعا بتورٍ (٣) مِن ماء، فكفأ على يديه، فغسَلهما ثلاث مرار، ثم أدخَل يده في التَّور، فمضمض واستنثَر ثلاث مرَّات من غَرفة واحدة، ثمَّ أدخَل يده فاغترف بها، فغسَل وجهه ثلاث مرات، ثمَّ غسَل يديه إِلى المرفقين مرتين مرتين، ثمَّ أخذ بيده ماءً، فمسح رأسه، فأدبرَ به وأقبل، ثمَّ غسل رجليه، فقال: هكذا رأيت النّبيّ - ﷺ - يتوضأ\" (٤).\nوفي \"صحيح البخاري\": \"وأمرَ جريرُ بنُ عبد الله أهلَه أن يتوضَّؤوا بفضل سواكِه\" (٥).\nقال الحافظ في \"الفتح\": \"وقد صحَّحه الدارقطني بلفظ: كان يقول\n_________\n(١) \"المغني\" (الماء المضاف إِلى مقرِّه والمخالطة لما يلازمه).\n(٢) \"المغني\" (الماء المضاف إِلى مقرِّه والمخالطة لما يلازمه).\n(٣) شبه الطَّسْت، وقيل: هو الطَّسْت، وتقدَّم.\n(٤) أخرجه البخاري: ١٩٩، ومسلم: ٢٣٥، وفيه الدلالة الصريحة على جواز إدخال اليد في الإِناء إلاَّ ما استُثني؛ خلافًا لمن يتحرَّج من ذلك، أو ينهى عنه.\n(٥) كذا أورده معلَّقًا بصيغة الجزم. وقال الحافظ في \"الفتح\": \"هذا الأثر وصله ابن أبي شيبة والدراقطني وغيرهما من طريق قيس بن أبي حازم عنه\". وذكر شيخنا في \"مختصر البخاري\" تصحيح الدارقطني إِسناده. قال الحافظ: \"وفي بعض طرقه: كان =","vol":"1","page":20},{"text":"لأهله: توضَّؤوا من هذا الذي أدخل فيه سواكي\" (١).\nوعن أبي جحيفة -﵁- قال: \"خرج علينا رسول الله - ﷺ - بالهاجرة، فأُتي بوَضوء، فتوضَّأ، فجعَل النَّاس يأخذون من فضل وَضوئهِ فيتمسَّحون به ... \" (٢).\nقال الحافظ: \"وفيه دلالةٌ بيِّنة على طهارة الماء المستعمل\".\nوعن أنس -﵁-: \"أنَّ النّبيّ - ﷺ - دعا بإِناء من ماء، فأُتي بقدح رَحْراح (٣) فيه شيء من ماء، فوضع أصابعَه فيه\"، قال أنس: \"فجعلت أنظر إلى الماء ينبُع من بين أصابعه\".\nقال أنس: \"فحزَرْتُ (٤) مَن توضَّأ ما بين السبعين إلى الثمانين\" (٥).\nوفي \"الفتاوى\" (٢١/ ٤٦) لشيخ الإِسلام: \"وسُئِل ... -﵀- عن الماء إِذا غَمَس الرجل يده فيه؛ هل يجوز استعماله أم لا؟ فأجاب: لا\n_________\n= جرير يستاك ويغمس رأس سواكه في الماء، ثمَّ يقول لأهله: توضؤوا بفضله، لا يرى به بأسًا\".\n(١) انظر (كتاب الوضوء) \"باب استعمال فضل وضوء الناس\" (رقم ١٨٧).\n(٢) أخرجه البخاري: ١٨٧\n(٣) رَحْراح: أي: متَّسع الفم. وقال الخطَّابي: \"الرَّحْراح: الإِناء الواسع الصَّحن القريب القعر، ومثله لا يَسَع الماء الكثير؛ فهو أدلّ على عِظَم المعجزة\". قال الحافظ: \"وهذه الصفة شبيهة بالطَّست\".\n(٤) أي: قدَّرْتُ.\n(٥) أخرجه البخاري: ٢٠٠","vol":"1","page":21},{"text":"ينجس بذلك، بل يجوز استعماله عند جمهور العلماء؛ كمالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وعنه رواية أخرى أنَّه يصير مستعملًا، والله ﷾ أعلم\".\nوقال ابن حزم -﵀- في \"المحلَّى\" (مسألة ١٤١): \"والوضوء بالماء المستعمل جائز، وكذلك الغسل به للجنابة، وسواءٌ وُجد ماءٌ آخر غيره أو لم يوجد، وهو الماء الذي توضَّأ به بعينه لفريضة أو نافلة، أو اغتسل به بعينه لجنابة أو غيرها، وسواء كان المتوضِّىء رجلًا أو امرأة.\nبرهان ذلك: قول الله تعالى: ﴿وإنْ كُنْتُمْ مَرْضَىِ أو عَلى سَفَرٍ أو جَاءَ أحدٌ مِنْكُم مِنَ الغَائِطِ أو لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدوا مَاءَ فَتَيَمَّموا﴾ (١).\nفعمَّ -تعالى- كل ماء، ولم يخصَّه، فلا يحِلُّ لأحد أن يترك الماء في وضوئه وغسله الواجب وهو يجده؛ إِلا ما منعه منه نصٌّ ثابت أو إِجماع متيقَّن مقطوع بصحّته\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>٩ - الماء المسخَّن:</span>\nفقد ثبت عن عمر -﵁-: \"أنَّه كان يسخَّن له الماء في قمقم (٢)، فيغتسل به\" (٣). وثبت عنه أيضًا: \"أنَّه كان يغتسل بالحميم\" (٤).\n_________\n(١) النساء: ٤٣، والمائدة: ٦\n(٢) القُمقم: ما يسخّن فيه الماء من نحاس وغيره ويكون ضيّق الرأس. \"النهاية\".\n(٣) أخرجه الدارقطني وغيره، وصحّحه شيخنا في \"الإِرواء\" (١٦).\n(٤) أخرجه ابن أبي شيبة وغيره، وصحّحه شيخنا في \"الإِرواء\" (١٧). والحميم: هو الماء الحارُّ.","vol":"1","page":22},{"text":"وأمّا حديث: \"لا تغتسلوا بالماء المشمَّس؛ فإِنَّه يورث البَرَص\"؛ فإِنَّه لم يثبت (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>القسم الثاني: الماء الطاهر غير المطهِّر:</span>\nوهو ما خالَطَه طاهر، فغيَّر اسمه، حتى صار صبغًا أو خَلًا أو ماء وَرْد، أو غَلَب على أجزائه فصيَّره حِبرًا، أو طُبِخ فيه فصار مَرَقًا (٢)، وهذا الصِّنْف لا يجوز الغسل به ولا الوضوء؛ لأنَّ الطَهارة إِنَّما تجوز بالماء؛ لقوله تعالى: ﴿... فلم تجدوا ماءً فتيمَّموا﴾ (٣). وهذا لا يقع عليه اسم الماء. وعن عطاء: \"أنَّه كره الوضوء باللبن والنّبيذ، وقال: إِنَّ التيمُّم أعجب إِليَّ منه\" (٤).\nوعن أبي خَلْدة؛ قال: \"سألت أبا العالية عن رجل أصابته جنابة، وليس عنده ماء، وعنده نبيذ؛ أيغتسل به؟ قال: لا\" (٥).\nقال البخاري -﵀- في \"صحيحه\": \"باب: لا يجوز الوضوء\n_________\n(١) ضعيف موقوفًا على عمر -﵁- ورُوِي مرفوعًا من طُرق واهية جدًّا. وانظر \"المشكاة\" (٤٨٩).\n(٢) \"الشرح الكبير\" (ص ١١).\n(٣) النساء: ٤٣، والمائدة: ٦\n(٤) أخرجه البخاري معلَّقًا، وهو في \"سنن أبي داود\" (٨٦) موصولًا، وانظر \"صحيح سنن أبي داود\" (٧٨).\n(٥) أخرجه أبو داود: ٨٧، وقال شيخنا -حفظه الله-: \"إِسناده صحيح على شرط البخاري\". وهو في \"صحيح سنن أبي داود\" (٧٩).","vol":"1","page":23},{"text":"بالنّبيذ ولا المسكر، وكرِهه الحسن وأبو العالية\" (١).\nقال أبو عيسى الترمذي -رحمه الله تعالى (٢) -: \"وقول من يقول: لا يُتَوَضَّأ بالنَّبيذ: أقرب إلى الكتاب وأشبه؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعيدًا طَيِّبًا﴾ (٣) \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>القسم الثالث: الماء النَّجس:</span>\nوهو ما تغيَّر بمخالطة نَجِس، أو أنْ تُغيِّر النجاسة طعمَه أو لونه أو ريحه. وهذا لا يجوز التطهّر به. قال شيخ الإِسلام ابن تيمية -﵀- في \"مجموع الفتاوى\" (٢١/ ٣٠): \"الماء إِذا تغيَّر ب<span data-type=\"title\" id=toc-16>النَّجاسات</span>؛ فإِنَّه ينجس بالاتفاق\".\nوجاء في \"سُبُل السلام\" (ص ٢١): \"قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أنَّ الماء القليل والكثير إِذا وقَعَت فيه نجاسة، فغيَّرت له طعْمًا أو لونًا أو ريحًا؛ فهو نجِس\".\n\nالنجاسات\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>أولًا: غائط الآدمي، وبوله:</span>\nوفي ذلك أدلَّة عديدة؛ منها:\n_________\n(١) قال شيخنا في \"مختصر البخاري\": \"أمّا أثر الحسن؛ فوصَله ابن أبي شيبة وعبد الرزاق من طريقين عنه نحوه، وأما أثر أبي العالية؛ فوصله أبو داود وأبو عبيد بسند صحيح عنه نحوه\". وهو في \"صحيح أبي داود\" (٨٧) \". وانظر \"الفتح\" (١/ ٣٥٤).\n(٢) بعد أن نقل أقوال أهل العلم في المسألة.\n(٣) النساء: ٤٣، والمائدة: ٦","vol":"1","page":24},{"text":"قوله - ﷺ -: \"بول الغلام يُنضح، وبول الجارية يُغسل\" (١).\nولم أستدلَّ به على تخفيف طهارة بول الغلام -مع إِفادته ذلك- بل على نجاسة البول بعامَّة، والشاهد: \"وبول الجارية يُغسل\".\nوقوله - ﷺ - في بول الأعرابي: \"دعوه، وأهريقوا على بوله ذَنوبًا من ماء -أو سَجْلًا من ماء-\" (٢).\nوقوله - ﷺ - في المُعذَّبَيْن في قبرَيهما: \"كان أحدهما لا يستتر من بوله، وكان الآخر يمشي بالنميمة\" (٣).\nوقوله - ﷺ -: \"إِذا وطئ أحدُكم بنعليه الأذى؛ فإِنَّ التراب له طَهور\" (٤).\nوفي رواية: \"إِذا وَطِئ الأذى بخُفَّيْه؛ فطَهورهما التراب\" (٥).\nوعن أبي سعيد الخدري -﵁- في خلْع النّبيّ - ﷺ - نعليه في الصلاة-: قال: بينما رسول الله - ﷺ - يصلِّي بأصحابه؛ إِذ خَلَعَ نعليه، فوضَعَهُما عن يساره، فلمَّا رأى ذلك القوم؛ ألقَوا نعالَهم، فلمَّا قضى رسول الله - ﷺ - صلاتَه؛ قال: \"ما حَمَلَكُم على إِلقائكم نعالكم؟ \". قالوا: رأيناك ألقيْتَ\n_________\n(١) أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم. وهو حديث صحيح خرّجه شيخنا في \"الإرواء\" (١٦٦).\n(٢) أخرجه البخاري: ٦١٢٨، ومسلم: ٢٨٤، وغيرهما.\n(٣) أخرجه البخاري: ١٣٦١، ومسلم: ٢٩٢، وغيرهما. ومعنى: \"لا يستتر\": لا يستبرئ، ولا يتطهَّر، ولا يستبعد منه.\n(٤) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٧١)، وانظر \"المشكاة\" (٥٠٣).\n(٥) أخرجه أبو داود \" صحيح سنن أبي داود\" (٣٧٢) وغيره.","vol":"1","page":25},{"text":"نعليك، فألقينا نعالنا. فقال رسول الله - ﷺ -: \"إِنَّ جبريل - ﷺ - أتاني فأخبرني أنَّ فيهما قذرًا\".\nوقال: \"إِذا جاء أحدكم إِلى المسجد، فلينْظرْ، فإِنْ رأى في نعليه قذرًا أو أذى؛ فليَمْسَحْهُ، ولْيُصَلِّ فيهما\" (١).\nوممَّا ورد في بول الصغير الذي لم يطعم:\nما روته أم قيس بنت مِحْصَن -﵂-: \"أنَّها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إِلى رسول الله - ﷺ -، فأجلسه رسول الله - ﷺ - في حجره، فبال على ثوبه، فدعا بماءٍ، فنَضَحَهُ، ولم يغسله\" (٢).\nقال الحافظ في \"الفتح\" في تفسير: \"لم يأكل الطعام\": \"المراد بالطعام ما عدا اللبن الذي يرتضعه والتمر الذي يحنَّك به والعسل الذي يلعقه للمُداواة وغيره، فكأنَّ المراد أنَّه لم يحصل له الاغتذاء بغير اللبن على الاستقلال، هذا مقتضى كلام النووي في \"شرح مسلم\" و\"شرح المهذَّب\".\nوقال ابن التين -كما في \"الفتح\"-: \"يُحتمل أنَّها أرادت أنَّه لم يتقوَّت بالطَّعام، ولم يستغنِ به عن الرَّضاع\".\nوعن لُبابة بنت الحارث -﵂- قالت: كان الحسين بن علي -﵄- في حجر رسول الله - ﷺ -، فبال عليه، فقلتُ: اِلبَسْ ثوبًا\n_________\n(١) أخرجه أبو داود وغيره، انظر \"صحيح سنن أبي داود\" (٦٠٥)، و\"الإِرواء\" (٢٨٤).\n(٢) أخرجه البخاري: ٢٢٣، ومسلم: ٢٨٧","vol":"1","page":26},{"text":"وأعطني إِزاركَ حتى أغسله. قال: \"إِنَّما يُغسل من بول الأنثى، وينُضَحُ من بول الذَّكر\" (١).\nعن أبي السَّمح؛ قال: \"كنت أخدم النّبيّ - ﷺ -، فكان إِذا أراد أن يغتسل؛ قال: \"ولِّني قفاك\"، فأولِّيه قفاي، فأسترُه به، فأُتي بحَسَن -أو حُسين- فبال على صدره، فجئتُ أغسله، فقال: \"يُغسل من بول الجارية، ويُرشُّ من بول الغلام\" (٢).\nوعن عليٍّ -﵁- قال: \"يُغسل بول الجارية، ويُنضح بول الغلام؛ ما لم يطعم\" (٣).\nوفي رواية: \"قال قتادة: هذا ما لم يطعما الطعام، فإِذا طعما؛ غُسلا جميعًا\" (٤).\nقال أبو عيسى الترمذي: \"وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النّبيّ - ﷺ - والتابعين من بعدهم -مِثل أحمد وإِسحاق-؛ قالوا: يُنضح بول الغلام، ويُغسل بول الجارية، وهذا ما لم يطعما، فإِذا طعما؛ غُسلا جميعًا\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>ثانيًا: دم الحيض:</span>\nوفيه أدلَّة عديدة؛ منها:\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٦١)، وابن ماجه، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وانظر \"المشكاة\" (٥٠١).\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح أبي داود\" (٣٦٢) وغيره، وانظر \"المشكاة\" (٥٠٢).\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٦٣).\n(٤) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٦٤).","vol":"1","page":27},{"text":"عن عائشة -﵂- قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حُبَيْش إِلى النّبيّ - ﷺ -، فقالت: يا رسول الله! إِني امرأة أُسْتحاض فلا أطهُر، أفأدَعُ الصلاة؟ فقال: \"لا؛ إِنَّما ذلك عِرْق، وليس بالحيضة، فإِذا أقبلتِ الحيضة؛ فدَعي الصلاة، وِإذا أدبرَت؛ فاغْسِلي عنك الدم وصلِّي \" (١).\nوعن أم قيس بنت مِحْصَن -﵂- قالت: سألتُ النّبيّ - ﷺ - عن دم الحيض يكون في الثوب؟ قال: \"حُكِّيه بضِلْع (٢)، واغسليه بماء وسِدْر\" (٣).\nوقد نقل النووي في \"شرحه\" (٣/ ٢٠٠) الإجماع على نجاسته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>ثالثًا: الودي:</span>\nوهو: \"البَلَل اللَّزِج الذي يخرج من الذكر بعد البول\" (٤) مباشرة، وهو لا يوجب الغُسل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>رابعًا: المَذي:</span>\nوهو ماءٌ أبيض لَزج رقيق، يخرج بلا دَفْق عند الملاعبة أو تذكُّر الجماع أو إِرادته، وقد لا يحسُّ الإِنسان بخروجه، وهي من النجاسات التي يشقُّ الاحتراز\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٢٢٨، ومسلم: ٣٣٣، وهذا لفظه.\n(٢) الضِّلع: هو العود، والأصل فيه ضِلع الحيوان، فسمِّي به العود الذى يشبهه. \"النهاية\"، وقيل: العود الذى فيه اعوجاج.\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٤٩)، والنسائي وغيرهما، وصحّحه شيخنا في \"الصحيحة\" (٣٠٠).\n(٤) كذا في \"النهاية\"، وقال: \"هو بسكون الدال وبكسرها وتشديد الياء، وقيل: =","vol":"1","page":28},{"text":"عنها، فخُفِّف تطهيرُه، ولا غُسل على من يصيبه ذلك؛ بل عليه الوضوء، ويغسل ذكَره وخصيتيه قبل ذلك، ويأخذ كفًّا من ماء، وينضح بها ثوبه.\nوالأدلة على ذلك ما يأتي:\nعن عليٍّ -﵁- قال: كنت رجلًا مذَّاء، فأمرْت رجلًا أن يسأل النّبيّ - ﷺلمكان ابنته- فسأل، فقال: \"توضأ، واغسل ذَكَرَك\" (١).\nوفي رواية: \"إِذا وَجَدَ أحدُكم ذلك؟ فليَنْضَحْ (٢) فرْجَه، وليتوضَّأ وضوءه للصلاة\" (٣).\nوفي رواية: \"ليغسل ذكَرَهُ وأنثييه\" (٤).\nوفي رواية: \"من المَذْي الوضوء، ومن المَنِيِّ الغُسْل\" (٥).\nقال أبو عيسى الترمذي: \"وهو قول عامَّة أهل العلم من أصحاب النّبيّ - ﷺ -\n_________\n= التشديد أصحّ وأفصح من السكون\".\n(١) أخرجه البخاري: ٢٦٩، ومسلم: ٣٠٦، وغيرهما.\n(٢) ورد النضح على معنيين: الغسل والرش.\nولما جاء في بعض الروايات بمعنى الغسل؛ تعيَّن حمل النضح عليه، وهذا ما ذهَب إليه النووي -﵀-.\nقلت: \"وهذا بخلاف الثوب؛ فإِنَّه لم يقل بغسله للتخفيف بخلاف الفرج\".\n(٣) انظر \"صحيح سنن أبي داود\" (١٩١).\n(٤) انظر \"صحيح سنن أبي داود\" (١٩٢)، وأنثييه؛ أي: خصيتيه.\n(٥) أخرجه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٩٩) وغيره، وانظر \"المشكاة\" (٣١١).","vol":"1","page":29},{"text":"والتابعين ومن بعدهم، وبه يقول سفيان والشافعي وأحمد وإسحاق\".\nوعن سهل بن حُنيف -﵁- قال: \"كنتُ ألقَى من المذي شدَّة وعناء، فكنتُ أُكثر منه الغسل، فذكرْتُ ذلك لرسول الله - ﷺ -، وسألته عنه فقال: \"إِنَّما يُجزئك من ذلك الوضوء\". فقلت: يا رسول الله! كيف بما يصيب ثوبي منه؟ قال: \"يكفيك أن تأخذ كفًّا من ماء، فتنضح به ثوبك، حيث ترى أنَّه أصاب منه\" (١).\nقال الشوكاني -﵀-: \"فدلَّ هذا الحديث على أن مجرَّد النَّضح يكفي في رفع نجاسة المذْي، ولا يصحُّ أن يُقال هنا ما قيل في المنِيّ، إِنَّ سبب غسله كونه مستقذرًا، لأنَّ مجرَّد النضح لا يزيل عين المذي كما يزيله الغسل، فظهر بهذا أنَّ نضحه واجب، وأنَّه نَجِس خُفِّف تطهيره\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>خامسًا: الميتة:</span>\nوهي ما مات من غير تذكية أو ذبح شرعي.\nودليل نجاستها قوله - ﷺ -: \"إِذا دُبِغَ الإِهاب، فقد طَهُرَ\" (٣).\nقال الصنعاني -﵀- في \"سبل السلام\" (١/ ٥٢): \"وأمّا الميتة؛\n_________\n(١) أخرجه أبو داود وغيره، وانظر \"صحيح سنن أبي داود\" (١٩٥)، و\"صحيح سنن ابن ماجه\" (٤٠٩)، و\"صحيح سنن الترمذي\" (١٠٠).\n(٢) \"السيل الجرّار\" (٧/ ٣٥).\n(٣) أخرجه مسلم: ٣٦٦\nوالإِهاب: هو الجلد قبل أن يُدبَغ؛ فأمّا بعده؛ فلا يسمى إِهابًا.","vol":"1","page":30},{"text":"فلولا أنَّه وَرَدَ \"دباغ الأديم طَهوره\" (١) و\"أيّما إِهاب دُبغ؛ فقد طهُر\" (٢)؛ لقُلْنا بطهارتها إِذ الوارد في القرآن تحريم أكْلها لكن حكَمْنا بالنَّجاسة لمَّا قام عليها دليلٌ غير دليل تحريمها\".\nويندرج تحتها ما قُطع من البهيمة وهي حيَّة؛ لحديث أبي واقد الليثي -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ما قُطِعَ من البهيمة وهي حيَّةٌ؛ فهو ميتة\" (٣).\nويستثنى من ذلك ميتة السمك والجراد؛ فإِنَّها طاهرة حلال أكلها؛ لحديث ابن عمر -﵄- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"أُحِلَّتْ لنا ميتتان ودمان فأمّا الميتتان: فالحوت والجراد وأمّا الدَّمان: فالكبد والطحال\" (٤).\nولقوله - ﷺ - في البحر: \"هو الطَّهور ماؤه، الحلُّ مَيتتُه\" (٥).\nوجلد الميتة نجس كذلك -كما لا يخفى-؛ للحديث المتقدّم: \"إِذا\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ٣٦٦\n(٢) أخرجه أحمد في \"مسنده\" والترمذي والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٣٩٥٥) وانظر \"غاية المرام\" (٢٨).\n(٣) أخرجه أحمد في \"مسنده\" وأبو داود والترمذي والحاكم في \"مستدركه\" وحسّنه شيخنا في \"غاية المرام\" (٤١).\n(٤) أخرجه أحمد وابن ماجه وغيرهما، وصحّحه شيخنا في \"الصحيحة\" (١١١٨).\n(٥) تقدّم في (باب المياه).","vol":"1","page":31},{"text":"دُبِغَ الإِهاب؛ فقد طَهُر\".\nوتقدّم في هذا المعنى بعض النصوص غير بعيد.\nوعن ابن عباس -﵄- قال: \"تُصدِّق على مولاة لميمونة بشاة، فماتت، فمرَّ بها رسول الله - ﷺ -، فقال: \"هلاَّ أخذْتم إِهابها فدبغتموه فانتفعتم به؟. فقالوا: إِنَّها مَيتة. فقال: \"إِنَّما حَرُم أكلُها\" (١).\nفقوله - ﷺ -: \"طَهُر\"؛ يدلُّ على نجاسته قبل الدِّباغة؛ كما هو بيِّن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>سادسًا: لحم الخنزير:</span>\nقال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢).\nوقال رسول الله - ﷺ -: \"من لَعِبَ بالنَّرْدَشير (٣)؛ فكأنَّما صَبَغَ يده في لحم خنزير ودمه\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>سابعًا: الكلب:</span>\nومن الأدلة على نجاسته:\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٤٩٢، ٢٢٢١، ٥٥٣١، ومسلم: ٣٦٣، وهذا لفظه.\n(٢) الأنعام: ١٤٥\n(٣) النَّرد: اسم أعجمي معرَّب. وشير: بمعنى: حلو. \"النهاية\". وتعرف في بلاد الشام بـ (لعبة الطاولة).\n(٤) أخرجه مسلم: ٢٢٦٠، والبخاري في \"الأدب المفرد\" وأبو داود، وغيرهم.","vol":"1","page":32},{"text":"قوله - ﷺ -: \"إِذا شَرِبَ الكلب في إِناء أحدكم؛ فليَغْسِلْهُ سبعًا\" (١).\nوقوله - ﷺ -: \"طَهور (٢) إِناء أحدكم إِذا وَلَغَ فيه الكلب: أن يغسله سبع مرات، أولاهنَّ بالتراب\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>ثامنًا: لحم السباع </span>(٤):\nومن أدلة نجاستها ما يرويه عبد الله بن عمر -﵄- قال: \"سُئل رسول الله - ﷺ - عن الماء وما ينوبه من الدوابِّ والسباع فقال - ﷺ -: \"إذا كان الماء قُلَّتين؛ لم يحمل الخَبَث\" (٥) وفي لفظ: \"لم ينجِّسْه شيء\" (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>تاسعًا: لحم الحمار:</span>\nعن أنس -﵁- قال: \"إِنَّ رسول الله - ﷺ - جاءه جاءٍ، فقال: أُكِلَتِ الحُمُر ثم جاءه جاءٍ فقال: أُكِلَت الحُمر ثم جاءه جاءٍ، فقال: أُفْنِيَتِ الحُمُر فأمَر مناديًا فنادى في النَّاس: \"إِنَّ الله ورسوله ينهيانكم عن\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٧٢ ومسلم: ٢٧٩ وغيرهما.\n(٢) قال في \"سُبُل السلام\": \"قال في \"الشرح الأظهر\": فيها ضمّ الطاء ويقال بفتحها؛ لغتان\".\n(٣) أخرجه مسلم: ٢٧٩ وأبو داود: ٧١ وغيرهما.\n(٤) انظر للمزيد -إِن شئت- (سؤر السباع).\n(٥) أخرجه جمع من الأئمة وانظر \"صحيح سنن أبي داود\" (٥٦) و\"المشكاة\" (٤٧٧) وصحّحه شيخنا في \"الإِرواء\" (٢٣) وتقدم.\n(٦) وهو عند ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٤١٨) وأحمد وصحّحه شيخنا في \"الإِرواء\" (٢٣) وتقدّم.","vol":"1","page":33},{"text":"لحوم الحُمُر الأهليَّة؛ فإِنَّها رجس\". فأُكْفِئت القُدور وإِنَّها لتفور باللحم\" (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>عاشرًا: الجَلاَّلة </span>(٢):\nفقد ثبت في حديث ابن عمر: أنه قال: \"نهى رسول الله - ﷺ - عن أكل الجلاَّلة وألبانها\" (٣).\nوقال عبد الله بن أبي أوفى: \" ... تحدَّثنا أنّما حرَّمها رسول الله - ﷺ - ألبته من أجل أنها تأكل العَذِرة\" (٤).\nوثبت عن ابن عمر -﵄-: أنَّه كان إِذا أراد أكل الجلاَّلة حبَسها ثلاثًا (٥).\nقال ابن حزم -﵀- في \"المحلَّى\" (٦): \"وألبان الجلاَّلة حرام، وهي الإِبل التي تأكل الجلَّة -وهي العَذِرة- والبقر والغنم كذلك، فإِن مُنعت من أكلها حتى سقط عنها اسم الجلاَّلة؛ فألبانها حلال طاهرة\".\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٥٥٢٨، ومسلم: ١٩٤٠، وغيرهما.\n(٢) جاء في \"النهاية\" ونحوه في \"اللسان\": \"الجَلاَّلة من الحيوان: التي تأكل العَذِرة، والجِلَّة: البعر، فوضَع موضع العَذِرة، يقال: جلَّت الدابَّة الجِلَّة واجْتَلَتْها، فهي جالَّة وجلاَّلة، إِذا التقطتْها\". وفي \"مختار الصحاح\": \"جلَّ البعر: التقطه، ومنه سمِّيت الدابَّة التي تأكل العَذِرة: الجَلاَّلة\".\n(٣) أخرجه أبو داود، وغيره، وصححه شيخنا في \"الإِرواء\" (٢٥٠٣).\n(٤) أخرجه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢٥٨٥).\n(٥) أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح عنه، وانظر \"الإِرواء\" (٢٥٠٥).\n(٦) انظر \"المحلَّى\" (مسألة ١٤٠).","vol":"1","page":34},{"text":"وأمّا الدَّجاج؛ فلا حرج في أكله، ولو أكَل الأقذار (١)، وقد ثبت أنَّ رسول الله - ﷺ - أكلهُ؛ كما في حديث زَهْدَم؛ قال:\n\"كنَّا عند أبي موسى الأشعري -وكان بيننا وبين هذا الحيِّ من جَرْم إِخاء - فأُتِي بطعام فيه لحم دجاج، وفي القوم رجُل جالس أحمر، فلم يدْنُ من طعامه، فقال: ادْنُ؛ فقد رأيت رسول الله - ﷺ - يأكل منه. قال: إِنّي رأيته يأكل شيئًا فقذِرته، فحَلَفْتُ أن لا آكله ... (وذكر الحديث) \" (٢).\nوالبيض أيضًا يحمل نفس الحكم (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>حادي عشر: عظام وشَعْر وقَرْن ما يُحكم بنجاسته:</span>\nلأنها تتغذَّى بالنجاسة؛ إِلا إِذا قَبِلت الدِّباغ (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>الأسْآر </span>(٥)\nوتُقسَم إِلى قسمين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>القسم الأول: الأسآر الطاهرة:</span>\nوتندرج تحتها الأنواع الآتية:\n_________\n(١) انظر \"الفتح\" (٩/ ٦٤٦) للمزيد من الفائدة.\n(٢) أخرجه البخاري: ٥٥١٨، ومسلم: ١٦٤٩، وغيرهما.\n(٣) استفدته من شيخنا الألباني -حفظه الله تعالى-.\n(٤) أفادنيه شيخنا الألباني -حفظه الله تعالى-.\n(٥) جمع سؤر، وهو فضلة الشرب وبقيَّته.","vol":"1","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>١ - سؤر الآدمي:</span>\nقال ابن قدامة في \"المغني\" (١) -في معرض كلامه عن سؤر الآدمي-: \" ... فهو طاهر، وسؤره طاهر سواء كان مسلمًا أو كافرًا، عند عامّة أهل العلم ... \".\nوفي ذلك أدلَّة؛ منها:\nقوله - ﷺ -: \" ... إنَّ المؤمن لا ينجس\" (٢).\nوفي رواية: \"إنَّ المسلم لا ينجس\" (٣).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: \"بينما رسول الله - ﷺ - في المسجد، فقال: يا عائشة! ناوليني الثوب\". فقالت: إني حائض. فقال: \"إنَّ حيضتك ليست بيدك\"، فناولَتْهُ (٤).\nوعن عائشة - ﵂ - قالت: \"كنتُ أشرب وأنا حائض، ثم أناوله النّبي - ﷺ -، فيضع فاه على موضع فيَّ، فيشرب، وأتعرَّق العَرْقَ (٥) وأنا\n_________\n(١) انظر (سؤر الآدمي وعرَقه).\n(٢) تقدم تخريجه في (الماء المستعمل).\n(٣) أخرجه البخاري: ٢٨٣، ومسلم: ٣٧٢\n(٤) أخرجه مسلم: ٢٩٩\n(٥) جاء في \"الفتح\" (٢/ ١٢٩): \"عَرْقًا -بفتح العين المهملة وسكون الراء بعدها قاف-.\nقال الخليل: العُراق: العظم بلا لحم، وإن كان عليه لحم؛ فهو عرق. =","vol":"1","page":36},{"text":"حائض، ثمَّ أناولُه النّبيّ - ﷺ -، فيضع فاه على موضع فيَّ\" (١).\nوهذا صريح في طهارة فم وسؤر الحائض.\nوعن عبد الله بن سعد -﵁- قال: سألتُ النّبيّ - ﷺ - عن مواكلة الحائض؟ فقال: \"واكِلْها\" (٢).\nوقد أورده الترمذي -﵀- في (باب: مواكلة الحائض وسؤرها).\nوأما القول بطهارة سؤر الكافر؛ فللأسباب الآتية:\nأولًا: التمشي مع القاعدة المعروفة: \"الأصل في الأعيان الطهارة\".\nثانيًا: مخالطة المسلمين للمشركين وإباحة ذبائحهم والزواج منهم، ولا نعلم أنَّهم كانوا يغسلون شيئًا ممّا أصابته أبدانهم أو ثيابهم (٣).\nوأما قول الله تعالى: ﴿إِنَّما المُشْرِكون نَجَس﴾ (٤)؛ فلا يُراد منها نجاسة الأبدان.\n_________\n= وفي المحكم عن الأصمعي: العَرْق -بسكون الراء-: قطعة لحم. وقال الأزهري: العَرق واحد العراق، وهي العظام التي يؤخذ منها هبر اللحم، ويبقى عليها لحم رقيق، فيُكسر ويُطبخ ويؤكل ما على العظام من لحم دقيق، ويتشمس العظام، يقال: عرَقت اللحم واعترقْتُه وتعرَّقته: إِذا أخذت اللحم منه نهشًا\".\nومما قال ابن الأثير في \"النهاية\": \"العَرْق: العظم الذي أخذ عنه معظم اللحم\".\n(١) أخرجه مسلم: ٣٠٠\n(٢) انظر \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٥٣١) و\"صحيح سنن الترمذي\" (١١٤).\n(٣) قاله السيد سابق -حفظه الله تعالى- بمعناه في \"فقه السنَّة\" (سؤر الآدمي).\n(٤) التوبة: ٢٨","vol":"1","page":37},{"text":"قال ابن كثير -﵀- في تفسيره \": وأما نجاسة بدنه؛ فالجمهور على أنَّه ليس البدن والذات؛ لأنَّ الله تعالى أحل طعام أهل الكتاب ... \".\nوقال ابن الجوزي في كتابه \"زاد المسير في علم التفسير\" (١): والثالث: أنَّه لمّا كان علينا اجتنابهم كما تُجتَنَب الأنجاس؛ صاروا بحُكم الاجتناب كالأنجاس، وهذا قول الأكثرين، وهو صحيح\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>٢ - سؤر ما يؤكل لحمه:</span>\nعن أنس بن مالك -﵁- قال: إِنِّي لَتَحْت ناقة رسول الله - ﷺ - يسيل عليَّ لعابُها، فسمعته يقول: \"إِنَّ الله قد أعطى كلَّ ذي حقٍّ حقَّه؛ ألا لا وصيَّة لوارث\" (٢).\nجاء في \"سُبل السلام\" (١/ ٥٣): \"والحديث دليل على أنَّ لعاب ما يؤكل لحمه طاهر. قيل: وهو إِجماع. وهو أيضًا الأصل، فذِكْر الحديث بيانٌ للأصل، ثمَّ هذا مبنيٌّ على أنَّه - ﷺ - علِم سيلان اللُّعاب عليه؛ ليكون تقريرًا\".\nقال أبو بكر بن المنذر: \"أجمع أهلُ العلم -لا اختلاف بينهم- أنَّ سُؤر ما يؤكل لحمُه طاهر؛ يجوزُ شربُه والتطهر به\" (٣).\nويرى أهل العلم طهارة روث ما يؤكل لحمه؛ فالقول بطهارة سؤره أولى.\n_________\n(١) وقد نَقَلَ ثلاثة أقوال في الآية.\n(٢) أخرجه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢١٩٤)، والترمذي والدارقطني وغيرهم، وانظر \"الإرواء\" (٦/ ٨٩).\n(٣) الأوسط (١/ ٢٩٩) (المسألة ٧٦).","vol":"1","page":38},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>٣ - سؤر الهرة:</span>\nعن كبشة بنت كعب بن مالك -وكانت تحت ابن أبي قتادة- أنَّ أبا قتادة دخل فسكبت له وَضوءًا، فجاءت هرة فشربت منه، فأصغى (١) لها الإِناء حتى شربت. قالت كبشة: فرآني أنظرُ إِليه. فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟ فقلتُ: نعم. فقال: إِنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"إِنَّها ليست بنَجَس، إِنَّها من الطَوَّافين عليكم والطَوَّافات\" (٢).\nوعن داود بن صالح بن دينار التمَّار عن أمه: أنَّ مولاتها أرسلَتها بهريسة (٣) إِلى عائشة، فوجدَتها تصلِّي، فأشارت إِليَّ أن ضعيها، فجاءت هرَّة، فأكَلت منها، فلمَّا انصرفتْ، أكَلت من حيث أكَلت الهرة. فقالت: إِنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"إِنَّها ليست بنَجَس، إِنَّما هي من الطوَّافين عليكم\"، وقد رأيت رسول الله - ﷺ - يتوضَّأ بفضلها (٤).\nوفي طهارة سؤر الهرة قال الترمذي -﵀-: \"وهو قول أكثر العلماء من أصحاب النّبيّ - ﷺ - والتابعين ومَن بعدهم؛ مِثل: الشافعي وأحمد\n_________\n(١) أي: أمال.\n(٢) أخرجه أبو داود، والترمذي، وغيرهما. وانظر \"صحيح سنن أبي داود\" (٦٨).\nوقال شيخنا -حفظه الله تعالى- في \"الإِرواء\" تحت (١٧٣): \" ... وكذا صحَّحه البخاري والعقيلي والداراقطني؛ كما في تلخيص الحافظ ... \".\n(٣) في \"لسان العرب\": \" الهرْس: الدق، ومنه الهريسة، وقيل: الهريس: الحب المهروس قبل أن يُطبخ، فهو الهريسة ... \".\n(٤) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٦٩).","vol":"1","page":39},{"text":"وإسحاق؛ لم يَروْا بسؤر الهرَّة بأسًا\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>القسم الثاني: الأسآر النَّجسة:</span>\nويدخل في ذلك:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>١ - سؤر الكلب:</span>\nومن الأدلَّة على ذلك:\nقوله - ﷺ -: \"إِذا شَرِب الكلب في إِناء أحدكم؛ فليغسله سبعًا\" (١).\nوفي رواية: \"إِذا ولَغَ الكلب في إِناء أحدكم؛ فليُرِقْه، ثمَّ ليغسله سبع مرار\" (٢).\nقال بعض أهل العلم: \"ولو كان سؤره طاهرًا؛ لم تَجُزْ إِراقته، ولا وَجَب غسْله\".\nوجاء في \"سُبل السلام\": \"والإِراقة إِضاعة مال، فلو كان الماء طاهرًا؛ لَما أمر بإِضاعته، إِذ قد نهى عن إِضاعة المال، وهو ظاهر في نجاسة فمه\" (٣).\nوفي حديث أبي هريرة -﵁- عن النّبيّ - ﷺ -؛ قال: \"طَهور إِناء أحدكم إِذا ولَغ فيه الكلب: أن يغسله سبع مرات، أولاهنَّ بالتراب\" (٤).\nوقوله - ﷺ -: \"طَهور\"؛ تدلُّ على نجاسة سؤر الكلب؛ كما قال بعض أهل\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٧٢، ومسلم: ٢٧٩ وغيرهما، وتقدَّم.\n(٢) أخرجه مسلم: ٢٧٩\n(٣) (كتاب الطهارة، طهور إِناء أحدكم ...).\n(٤) أخرجه مسلم: ٢٧٩، وغيره وتقدَّم.","vol":"1","page":40},{"text":"العلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>٢ - سؤر الحمار:</span>\nودليل ذلك قوله - ﷺ - عن أنس -﵁- قال: \" أنَّ رسول الله - ﷺ - جاءه جاءٍ، فقال: أُكِلَتِ الحُمُر، ثم جاءه جاءٍ، فقال: أُكلَت الحُمر، ثم جاءه جاءٍ، فقال: أُفْنِيَت الحُمُر، فأمَر مناديًا، فنادى في النَّاس: \"إِنَّ الله ورسوله ينهيانكم عن لحم الحُمُر الأهليَّة؛ فإِنَّها رجس\". فأُكْفِئت القُدور وِإنَّها لتفور باللحم\" (١).\nوفي رواية (٢): فأمَر رسول الله - ﷺ - أبا طلحة، فنادى: إِنَّ الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحُمُر؛ فإِنَّها رِجْس أو نَجَس\".\nوقال الترمذي -﵀- في \"سننه\": \"باب: سؤر الحمار (وأورد الحديث السابق) \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>٣ - سؤر الخنزير:</span>\nقال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (٣).\nواستدلَّ من استدل من العلماء على نجاسة لحم الحمار بقوله - ﷺ -:\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٥٥٢٨، ومسلم: ١٩٤٠، وغيرهما، وتقدّم.\n(٢) أخرجه مسلم: ١٩٤٠\n(٣) الأًنعام: ١٤٥","vol":"1","page":41},{"text":"\"فإِنها رجس\" (١)؛ فالخنزير بهذا الوصف أولى.\nوكلُّ شيء ثبتت نجاسة لحمه؛ يُحْكَم بنجاسة سؤره.\nوكلّ شيء لا يؤكل لحمه -سوى الهِرّ-؛ يُحْكم بنجاسة سؤره\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>٤ - سؤر السباع </span>(٣):\nومن أدلَّة ذلك ما يرويه عبد الله بن عمر -﵄- قال: سُئل\nرسول الله - ﷺ - عن الماء وما ينوبه من الدوابِّ والسباع؟ فقال - ﷺ -: \"إِذا كان الماء قُلَّتين؛ لم يَحْمِل الخَبَث\" (٤).\nوفي لفظ: \"لم يُنَجِّسْهُ شيء\" (٥).\nقال شيخنا الألباني -حفظه الله- في \"تمام المنَّة\" (٦): \" ... قال ابن التُّركماني في \"الجوهر النقي\" (١/ ٢٥٠): وظاهر هذا يدلُّ على نجاسة سؤر السباع، إذ لولا ذلك؛ لم يكن لهذا الشرط فائدة، ولكان التقييد به ضائعًا.\nوذكَر النووي نحوه في \"المجموع\" (١/ ١٧٣) \" ... اهـ\n_________\n(١) تقدَّم تخريجه.\n(٢) انظر \"نيل الأوطار\" (باب نجاسة لحم الحيوان الذي لا يُؤكل إِذا ذبح).\n(٣) في \"اللسان\": \"السَّبُع: يقع على ما له ناب من السباع ويعدو على الناس والدواب فيفترسها؛ مثل: الأسد والذئب والنمر والفهد وما أشبهها ... \".\nوقيل: \"السَّبُع من البهائم العادية: ما كان ذات مخلب\".\n(٤) تقدم.\n(٥) تقدم.\n(٦) (ص ٤٧) (... ومن السؤر).","vol":"1","page":42},{"text":"قلتُ: والذي جاء في \"المجموع\": \"واحتجَّ مَن منَع الطهارة بسؤر السباع بحديث ابن عمر -﵄-: أنَّ النّبيَّ سئل عن الماء يكون بالفلاة وما ينوبه من السباع والدوابِّ؟ فقال: \"إِذا كان الماء قُلَّتين؛ لم ينجس\". قالوا: فدلَّ على أنَّ لورود السباع تأثيرًا في تنجيس الماء ... \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>ما يُظنّ أنَّه نجس وليس كذلك</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>أولًا: المَنِيّ </span>(١):\nومن الأدلَّة على طهارته ما يأتي:\nما يرويه علقمة والأسود؛ أنَّ رجلًا نزل بعائشة -﵂- فأصبح يغسل ثوبه، فقالت عائشة: \"إِنَّما كان يجزئك إِنْ رأيته أن تغسل مكانه، فإِن لم ترَ؛ نضَحْتَ حوله، ولقد رأيتُني أفركه من ثوب رسول الله - ﷺ - فرْكًا فيصلي فيه\" (٢).\nوفي رواية: \"لقد رأيتُني وإِنِّي لأحكُّه من ثوب رسول الله - ﷺ - يابسًا بظُفُري\" (٣).\nولو كان المنيُّ نجسًا؛ لما صلَّى النّبيُّ - ﷺ - في ثوبه ذلك.\nقال أبو عيسى الترمذي -﵀- عن الفرك: \"وهو قول غير واحد من\n_________\n(١) وقد قال بعض أهل العلم بنجاسته، ولكن المتأمّل في النصوص وفقهها وأقوال أهل العلم يطمئنّ -إِن شاء الله تعالى- لطهارته.\n(٢) أخرجه مسلم: ٢٨٨، وغيره.\n(٣) عن \"صحيح مسلم\": ٢٩٠","vol":"1","page":43},{"text":"أصحاب رسول الله - ﷺ - والتابعين ومن بعدهم من الفقهاء؛ مِثل: سفيان، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإِسحاق؛ قالوا في المنِيِّ يصيب الثوب: يجزئه الفَرْك، وإِن لم يُغْسَل\".\nجاء في \"السيل الجرَّار\": \"وقد ثبت من حديث عائشة -﵂- عند مسلم وغيره أنها كانت تفرك المنيَّ من ثوب رسول الله - ﷺ - وهو يصلي (١)، ولو كان نجسًا؛ لنزَلَ عليه الوحي بذلك؛ كما نزل عليه الوحي بنجاسة النعال الذي صلَّى فيه\" (٢).\nوعن عائشة -﵂- قالت: \"كنت أفرك المنيَّ من ثوب رسول الله - ﷺ - إِذا كان يابسا، ً وأمسحه أو أغسله -شكَّ الحُميدي- إذا كان رطبًا\" (٣).\nوتردُّد الحميدي بين المسح والغسل لا يضرُّ؛ فإِنَّ كلَّ واحد منهما\n_________\n(١) ليس في \"صحيح مسلم\" كما نبَّه أحد الأخوة، وِإنما هو في: \"صحيح ابن خزيمة\" (٢٩٠)، وصحّحه شيخنا.\n(٢) يشير بذلك اٍلى حديث أبي سعيد -﵀- قال: \"بينما رسول الله - ﷺ - يصلّي بأصحابه؛ إِذ خلَع نعليه، فوضعَهما عن يساره، فخَلَعَ الناس نعالَهم، فلمّا قضى رسول الله - ﷺ - صلاته؛ قال: ما حمَلكم على إِلقائكم نعالكم؟ \". قالوا: رأيناك ألقيت نعلك فألقينا نعالنا. قال: \"إِنَّ جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما قذرًا\". أخرجه أبو داود وغيره، وانظر \"الإرواء\" (٢٨٤)، وتقدّم.\n(٣) أخرجه أبو عوانة، والطحاوي، والدارقطني؛ كما في \"الإِرواء\" (١٨٠)، وقال شيخنا -حفظه الله-: \"وإسناده صحيح على شرط الشيخين\".","vol":"1","page":44},{"text":"ثابتٌ (١).\nوعن عائشة -﵂- قالت: كان رسول الله - ﷺ - يسلت (٢) المنيَّ من ثوبه بعِرْق الإِذخِر (٣)، ثم يصلِّي فيه، ويحتُّه من ثوبه يابسًا، ثم يصلِّي فيه\" (٤).\nوعن عطاء عن ابن عباس -﵄-: أنَّه قال في المنيِّ يصيب الثوب: \"أمِطْه عنك -قال أحدهم- بعودٍ أو إِذخِرة؛ فإِنَّما هو بمنزلة البصاق والمخاط\" (٥).\nقال ابن حزم في \"المحلَّى\" المسألة (١٣١): \"والمنيُّ طاهر في الماء كان أو في الجسد أو في الثوب، ولا تجب إِزالته، والبصاق مثله، لا فرق\".\nوجاء في \"سبل السلام\" (١/ ٥٥): \"وقالت الشافعيَّة: المنيُّ طاهر، واستدلُوا على طهارته بهذه الأحاديث (٦).\n_________\n(١) من قول شيخنا -حفظه الله- في \"الإِرواء\" (١٨٠).\n(٢) أي: يميطه. وفي \"المحيط\": \"أخرجه بيده\".\nوالسلت: يأتي بمعنى المسح أيضًا.\n(٣) هو حشيش طيب الريح.\n(٤) أخرجه أحمد وغيره، وإسناده حسن؛ كما في \"الإِرواء\" (١٨٠). ورواه ابن خزيمة في \"صحيحه\".\n(٥) سنده صحيح على شرط الشيخين، وهو منكر مرفوعًا؛ كما في \"الضعيفة\" (٩٤٨).\n(٦) يريد أحاديث الفرك والحتّ ونحوها.","vol":"1","page":45},{"text":"قالوا: وأحاديث غَسله محمولة على النَّدب وليس الغَسْل دليل النجاسة؛ فقد يكون لأجل النظافة وإِزالة الدَّرن ونحوه، قالوا: وتشبيهه بالبُزاق والمخاط دليل على طهارته أيضًا، والأمر بمسحه بخرقة أو إِذخِرة لأجل إِزالة الدَّرن المستكره بقاؤه في ثوب المصلي، ولوكان نجسًا؛ لما أجزأ مسْحه\".\nوقد ورد غَسْل المنيّ؛ كما في بعض النصوص:\nكما في حديث عائشة -﵂- قالت: \"كنت أغسل الجنابة من ثوب النّبيّ - ﷺ -، فيخرُجُ إِلى الصلاة، وإِنَّ بُقَعَ الماء في ثوبه\" (١).\nوعنها -﵂- أيضًا: أنَّ رسول الله - ﷺ -: \"كان يغسل المنيَّ ثمَّ يخرج إِلى الصلاة في ذلك الثوب، وأنا أنظر إلى أثر الغَسْل فيه\" (٢).\nوقال أبو عيسى -﵀-: \"وحديث عائشة -﵂- أنَّها غسلت منيًَّا من ثوب رسول الله - ﷺ -؛ ليس بمخالف لحديث الفَرْك؛ لأنَّه وإن كان الفرك يجزئ؛ فقد يستحبُّ للرَّجل أن لا يرى على ثوبه أثره\".\nوقال ابن حزم في \"المحلَّى\" (مسألة ١٣١): \"وأمّا حديث سليمان بن\nيسار (٣)؛ فليس فيه أمْر من رسول الله - ﷺ - بغَسْله، ولا بإِزالته، ولا بأنَّه نجس،\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٢٢٩\n(٢) أخرجه مسلم: ٢٨٩\n(٣) وقد تقدَّم بلفظ: \"كان يغسل المنيَّ ثمَّ يخرج إِلى الصلاة في ذلك الثوب ... \".","vol":"1","page":46},{"text":"وإِنَّما فيه أنَّه - ﷺ - كان يغسله، وأنَّ عائشة -﵂- كانت تغسله وأفعاله - ﷺ - ليست على الوجوب\".\nثمَّ ذكر -﵀- حديث أنس بن مالك -﵀- في حكِّ البزاق باليد من المسجد.\nولفْظه -كما في البخاري (٤٠٥) -: عن أنس: \"أنَّ النّبيَّ - ﷺ - رأى نخامة في القِبْلة، فشقَّ ذلك عليه، حتى رُئي في وجهه، فقام، فحكَّه بيده .. \".\nقال ابن حزم -﵀-: \"فلم يكن هذا دليلًا عند خصومنا على نجاسة النخامة، وقد يغسل المرء ثوبه ممّا ليس نجسًا\".\nوقال شيخ الإِسلام -﵀- في \"الفتاوى\" (٢١/ ٦٠٥): \"وبالجملة؛ فخروج اللبن من بين الفرث والدم: أشبه شيء بخروج المنيِّ من مخرج البول\" (١).\nوقال -﵀-: ومن المعلوم أنَّه لم ينقُل أحد أنَّ النّبيّ - ﷺ - أمر أحدًا من الصحابة بغَسْل المنيّ من بدنه وثوبه، فعُلم يقينًا أنَّ هذا لم يكن واجبًا عليهم، وهذا قاطع لمن تدبَّره\" (٢).\nوقال الحافظ في \"الفتح\": \" ... لا معارضة بين حديثي الغَسْل والفَرْك؛\n_________\n(١) \"الفتاوى\" (٢١/ ٦٠٣)، وله بحث نفيس في طهارة المني والردّ على من يقول بنجاسته (ص ٥٨٩ وما بعدها) من مجلد (٢١).\n(٢) \"الفتاوى\" (٢١/ ٦٠٥).","vol":"1","page":47},{"text":"لأنَّ الجمع بينهما واضح على القول بطهارة المنيِّ؛ بأن يُحْمل الغَسل على الاستحباب للتنظيف لا على الوجوب\".\nقال: \"وهذه طريقة الشافعيِّ وأحمد وأصحاب الحديث\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>ثانيًا: الخمر:</span>\nوذلك لأنَّ الأصل في الأعيان الطهارة، وليس هناك من دليل على نجاستها.\nأمَّا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٢).\nفإِن كلمة \"رجْس\" تعني النجاسة الحُكمية لا الحسِّيَّة، وإلاَّ لَزمنا من ذلك أن نحكم بنجاسة الأنصاب والأزلام.\nوكذلك التحريم لا يقتضي النجاسة، وإلا لزِمنا الحكم بنجاسة الأمهات والبنات والأخوات والعمَّات ... لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ ...﴾ (٣) الآية.\nوالطعام المسروق يحرُم أكْله، ولا يُقال بنجاسته.\nجاء في \"سُبُل السلام\" (١/ ٥٢): \"والحقّ أنَّ الأصل في الأعيان الطهارة، وأنَّ التحريم لا يلازم النجاسة؛ فإِنَّ الحشيشة محرَّمة طاهرة، وكذا المخدِّرات والسموم القاتلة لا دليل على نجاستها، وأمَّا النجاسة؛ فيلازمها\n_________\n(١) انظر \"الفتح\" (١/ ٣٣٢). وذكره الشوكاني في \"نيل الأوطار\" (١/ ٦٧).\n(٢) المائدة: ٩٠\n(٣) النساء: بعض الآية ٢٣","vol":"1","page":48},{"text":"التحريم، فكلُّ نجس محرَّم، ولا عَكْس، وذلك لأنَّ الحكم في النجاسة هو المنع عن ملابستها على كل حال، فالحكم بنجاسة العين حكمٌ بتحريمها؛ بخلاف الحكم بالتحريم؛ فإِنَّه يحرُم لُبْس الحرير والذهب، وهما طاهران ضرورة شرعية وِإجماعًا\".\nوجاء في \"الدراري المضيَّة\" (١) (١/ ٢٨): \"ولو كان مجرَّد تحريم الشيء مستلزمًا لنجاسته لكان مِثل قوله تعالى: ﴿حُرِّمتْ عَليكُمْ أمَّهاتُكُم ...﴾ إِلى آخره دليلًا على نجاسة النساء المذكورات في الآية، وهكذا يلزم نجاسة أعيان وقع التصريح بتحريمها، وهي طاهرة بالاتِّفاق كالأنصاب (٢) والأزلام (٣) وما يُسكر من النباتات والثمرات بأصل الخِلقة.\nفإِن قلتَ: إِذا كان التصريح بنجاسة شيء أو رجسيَّته يدلُّ على أنَّه نجس كما قلتَ في نجاسة الروثة ولحم الخنزير؛ فكيف لم تحكم بنجاسة الخمر لقوله تعالى: ﴿إِنَّما الخَمْرُ والميْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ رِجْسٌ﴾ (٤)؟!\nقلتُ: لمَّا وقع الخمر هنا مقترنًا بالأنصاب والأزلام؛ كان ذلك قرينة صارفة لمعنى الرجسية إِلى غير النجاسة الشرعية.\nوهكذا قوله تعالى: ﴿إِنَّما المُشْركونَ نَجَسٌ﴾ (٥)؛ لمّا جاءت الأدلَّة\n_________\n(١) باختصار يسير.\n(٢) هي حجارة كانوا يذبحون قرابينهم عندها. \"تفسير ابن كثير\".\n(٣) هي قداح كانوا يستقسمون بها. \"تفسير ابن كثير\".\n(٤) المائدة: ٩٠\n(٥) التوبة: ٢٨","vol":"1","page":49},{"text":"الصحيحة المقتضية لعدم نجاسة ذوات المشركين؛ كما ورد في أكل ذبائحهم وأطعمتهم والتوضُّؤ في آنيتهم والأكل فيها؛ كان ذلك دليلًا على أنَّ المراد بالنجاسة المذكورة في الآية غير النجاسة الشرعية\".\nوجاء في \"السيل الجرَّار\" (١/ ٣٥): \"وليس في نجاسة المسكر دليل يصلح للتمسُّك به ... \".\nثمَّ ذكر أن الرِّجْس في آية المائدة إِنَّما هو الحرام وليس النجس؛ بدلالة السياق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>ثالثًا: روث وبول ما يؤكل لحمه:</span>\nعن أنس -﵀- قال: \"قدِم أناس من عُكْل أو عُرَيْنة، فاجْتَوَوا (١) المدينة، فأمرهم النّبيُّ - ﷺ - بلقاح (٢)، وأن يشربوا من أبوالها وألبانها، فانطلقوا، فلمَّا صحُّوا، قَتَلوا راعيَ النبي - ﷺ - واستاقوا النَّعم، فجاء الخبر في أوَّل النهار، فبعَثَ في آثارهم، فلما ارتفع النهار؛ جيء بهم، فأَمَر، فقَطَع أيدِيَهم وأرجُلَهم، وسُمِّرت (٣) أعينُهم، وأُلقوا في الحَرَّة (٤) يَستسْقون فلا\n_________\n(١) أي: كرهوا المقام فيها لتضرّرهم بالإِقامة. قال ابن العربي: الجوى: داء يأخذ من الوباء، وهي بمعنى: استوخموا، وقد جاءت في رواية أخرى للبخاري: ٤١٩٢، بهذا اللفظ.\n(٢) أى: فأمرهم أن يلحقوا بها. واللِّقاح: النُّوق ذوات الألبان، واحدها لِقْحة بكسر اللام وِإسكان القاف، وقال أبو عمرو: يقال لها ذلك إِلى ثلاثة أشهر، ثمَّ هي لَبون. \"فتح\".\n(٣) سُمّرت: لغة في السَّمل، وهو فقء العين بأي شيء كان، وقد يكون من المسمار، يريد أنَّهم كُحلوا بأميال قد أُحميت. \"فتح\".\n(٤) الحرَّة: أرض ذات حجارة سود معروفة بالمدينة.","vol":"1","page":50},{"text":"يُسقون\".\nقال أبو قِلابة: \"فهؤلاء سرقوا وقتلوا وكفروا بعد أيمانِهم وحاربوا الله ورسولَه\" (١).\nقال الإِمام أبو البركات ابن تيمية -﵀-: \" ... فإِذا أُطْلِق الإِذن في ذلك (٢)، ولم يشترط حائلًا يقي من الأبوال، وأُطلق الإِذن في الشرب لقوم حديثي العهد بالإِسلام، جاهلين بأحكامه، ولم يأمر بغَسْل أفواههم وما يصيبهم منها؛ لأجل صلاة ولا غيرها، مع اعتيادهم شربها؛ دلَّ ذلك على مذهب القائلين بالطهارة\" (٣).\nوقال -﵀-: \"فتحليل التداوي بها دليل على طهارتها، فأبوال الإِبل وما يلحق بها طاهرة\" (٤).\nوقال: \"والظاهر طهارة الأبوال والأزبال من كل حيوان يؤكل لحمه؛ تمسُّكًا بالأصل، واستصحابًا للبراءة الأصلية، والنجاسة حُكم شرعيٌّ ناقل عن الحُكم الذي يقتضيه الأصل والبراءة، فلا يُقبل قول مدَّعيها إلا بدليل يصلُح للنقل عنهما، ولم نجد للقائلين بالنجاسة دليلًا كذلك ... \" (٥).\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٢٣٣، ومسلم: ١٦٧١\n(٢) أي: الشرب من هذه الأبوال.\n(٣) \"نيل الأوطار\" (١/ ٦٢).\n(٤) \"نيل الأوطار\" (١/ ٦٠).\n(٥) \"نيل الأوطار\" (١/ ٦١).","vol":"1","page":51},{"text":"واستدلَّ بهذا الحديث من قال بطهارة بول ما يُؤكل لحمه (١).\nواستدلوا معه أيضًا بقول ابن مسعود -﵀-: \"إِنَّ الله لم يجعل شفاءكم فيما حرَّم عليكم\" (٢)، وذلك أنَّ التحليل يستلزم الطهارة (٣).\nوفي الحديث: \"صلّوا في مرابض الغنم (٤)، ولا تصلُّوا في أعطان الإِبل (٥) \" (٦).\nوفي بعض الروايات: \"فإِنَّها خُلقت من الشياطين\" (٧).\nوعن جابر بن سَمُرة -﵄-: أنَّ رجلًا سأل رسول الله - ﷺ -:\nأأتوضَّأ من لحوم الغنم؟ قال: \"إِن شئت؛ فتوضأ، وإن شئت؛ فلا توضَّأ\".\n_________\n(١) انظر \"نيل الأوطار\" (١/ ٦٠).\n(٢) إِسناده صحيح موقوفًا على ابن مسعود -﵁- وعلَّقه البخاري بصيغة الجزم (كتاب الأشربة، باب شراب الحلواء والعسل، \"الفتح\" (٧٨)، وقال شيخنا الألباني في \"الصحيحة\" تحت رقم (١٦٣٣): \"إِسناده صحيح\".\n(٣) ولكنَّ التحريم لا يستلزم النجاسة؛ كما تقدَّم.\n(٤) جمع مَربِض -بفتح الميم وكسر الباء- وهو المأوى والمقرّ.\n(٥) جمع عَطن؛ قيل: موضع إِقامتها عند الماء خاصّة، وقيل: هو مأواها المطلق، وسواء كان هذا أو ذاك؛ فالأبوال والأرواث حاصلة.\n(٦) أخرجه الترمذي، وقال \"حديث حسن صحيح\" وانظر \"الإرواء\" (١٧٦). و\"المشكاة\" (٧٣٩)، والنهي عن الصلاة في أعطان الإبِل لا يقتَضي القولَ بنجاستِها؛ كما لا يخفى.\n(٧) أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٦٢٣)، وانظر \"الإِرواء\" (١٧٦).","vol":"1","page":52},{"text":"قال: أتوضَّأ من لحوم الإِبل؟ قال: \"نعم؛ فتوضَّأ من لحوم الإِبل\". قال: أصلِّي في مرابض الغنم؟ قال: \"نعم\". قال: أصلِّي في مبارك الإِبل؟ قال: \"لا\" (١).\nجاء في \"الفتاوى\": \"وسُئل عن بول ما يؤكل لحمه؛ هل هو نجس؟\nفأجاب: أمّا بول ما يؤكل لحمه وروث ذلك، فإِنَّ أكثر السلف على أنَّ ذلك ليس بنجس وهو مذهب مالك وأحمد وغيرهما، ويُقال: إِنَّه لم يذهب أحد من الصحابة إِلى تنجيس ذلك، بل القول بنجاسة ذلك قول مُحْدَث، لا سَلَف له من الصحابة، وقد بَسَطنا القول في هذه المسألة في كتاب مفرد، وبيَّنَّا فيه بضعة عشر دليلًا شرعيًّا، وأنَّ ذلك ليس بنجس، والقائل بتنجيس ذلك ليس معه دليل شرعيٌّ على نجاسته أصلًا\" (٢).\nوجاء فيه أيضًا: \" ... أنَّ هذه الأعيان لو كانت نجسة؛ لبيَّنه النّبيّ - ﷺ -، ولم يبيِّنْه؛ فليست نجسة، وذلك لأنَّ هذه الأعيان تكثر ملابسة الناس لها، ومباشرتهم لكثير منها، خصوصًا الأمَّة التي بُعِث فيها رسول الله - ﷺ -؛ فإِنَّ الإِبِل والغنم غالب أموالهم، ولا يزالون يُباشرونها ويباشرون أماكنها في مقامهم وسفرهم، مع كثرة الاحتفاء فيهم.\nفلو كانت نجسة يجب غسل الثياب والأبدان والأواني منها، وعدم مخالطته، ويمنع من الصلاة مع ذلك، ويجب تطهير الأرض ممَّا فيه ذلك إِذا صُلّي فيها، ويحرُم شرب اللبن الذي يقع فيه بعْرها، وتُغسل اليد إِذا أصابها البول أو رطوبة البعر، إِلى غير ذلك من أحكام النجاسة؛ لوجب أن يبيِّن النّبيّ\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ٣٦٠\n(٢) انظر \"الفتاوى\" (٢١/ ٦١٣) وما بعدها.","vol":"1","page":53},{"text":"- ﷺ - بيانًا تحصل به معرفة الحكم، ولو بيَّن ذلك؛ لنُقِل جميعه أو بعضه؛ فإِنَّ الشريعة وعادة القوم توجب مِثل ذلك، فلمَّا لم ينقل ذلك؛ عُلِم أنَّه لم يبيِّن لهم نجاستها.\nوعدم ذِكْر نجاستها دليل على طهارتها من جهة تقريره لهم على مباشرتها وعدم النَّهي عنه، والتقرير دليل الإِباحة، ومِن وجْه أنّ مِثل هذا يجب بيانه بالخطاب، ولا تُحال الأمّة فيه على الرَّأي؛ لأنَّه من الأصول، لا من الفروع ... \" (١).\nوجاء فيه أيضًا: \"ومتى قام المقتضي للتحريم أو الوجوب ولم يذكُروا وجوبًا ولا تحريمًا؛ كان إِجماعًا منهم على عدم اعتقاد الوجوب والتحريم، وهو المطلوب، وهذه الطريقة معتمدة في كثير من الأحكام\" (٢).\nوفيه أيضًا: \" ... وهو إِجماع الصحابة والتابعين ومَنْ بعدهم في كل عصر ومصر على دياس الحبوب من الحنطة وغيرها بالبقر ونحوها، مع القطع ببولها وروثها على الحنطة، ولم ينكر ذلك منكر، ولم يغسل الحنطة لأجل هذا أحدٌ، ولا احترز عن شيء ممَّا في البيادر؛ لوصول البول إِليه، ولا أعلم لمن يخالف هذا شبهة\" (٣).\nوفيه أيضًا: \"ما ثبت واستفاض من أنّ رسول الله - ﷺ - طاف على راحلته، وأدخَلها المسجد الحرام الذي فضَّله الله على جميع بقاع الأرض، ومعلوم أنَّه\n_________\n(١) انظر \"الفتاوى\" (٢١/ ٥٧٨ وما بعدها) بحذف يسير.\n(٢) انظر \"الفتاوى\" (٢١/ ٥٨١).\n(٣) \"الفتاوى\" (٢١/ ٥٨٣ و٥٨٤)؛ بحذف يسير.","vol":"1","page":54},{"text":"ليس على الدواب من العقل ما تمنع به من تلويث المسجد المأمور بتطهيره؛ للطائفين والعاكفين والرُّكَّع السجود، فلو كانت أبوالها نجسة؛ لكان فيه تعريض المسجد الحرام للتنجيس ... \" (١).\nقال ابن عباس: \"طاف النّبيّ - ﷺ - على بعيره\" (٢).\nوعن أم سلمة -﵂- قالت: \"شكوت إِلى رسول الله - ﷺ - أني أشتكي، فقال: طوفي من وراء الناس وأنت راكبة، فطفتُ، ورسول الله - ﷺ - حينئذ يصلّي إِلى جنب البيت، وهو يقرأ: ﴿والطُّور وكِتابٍ مَسْطورٍ﴾ (٣) \" (٤).\nقال ابن بطال: \"في هذا الحديث جواز دخول الدواب التي يؤكل لحْمها المسجد إِذا احتيج إِلى ذلك؛ لأنَّ بولها لا ينجسه؛ بخلاف غيرها من الدواب\" (٥).\nقال البخاري -﵀-: \"وصلّى أبو موسى في دار البريد والسِّرْقين\n_________\n(١) \"الفتاوى\" (٢١/ ٥٧٣ و٥٧٤)؛ بحذف يسير.\n(٢) أخرجه البخاري معلقًا بصيغة الجزم في \"كتاب الصلاة\" ووصله في \"كتاب الحج\" برقم (١٦٠٧) من حديث ابن عبّاس -﵄- قال: \"طاف النّبيّ - ﷺ - في حجّة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن\" ورواه مسلم: ١٢٧٢\nوالمحجن: عصا محنيَّة الرأس، والحجن: الاعوجاج.\n(٣) الطور: ١ - ٢\n(٤) أخرجه البخاري: ١٦١٩\n(٥) \"الفتح\" تحت الحديث (٤٦٤).","vol":"1","page":55},{"text":"والبَرِّيَّة إِلى جنبه، فقال: ها هنا وثمَّ سواء\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>رابعًا: الدماء سوى دم الحيض والنفاس:</span>\nكنت قد تكلّمتُ في (باب النجاسات) عن نجاسة دم الحيض، وأما سائر الدِّماء؛ فطاهرة، سواء كان دم إِنسان أو دم مأكول اللحم من الحيوان؛ لأنَّ الأصل في الأعيان الطهارة، والبراءة الأصلية مستصحبة، فلا يُترك هذا الأصل إلا بنصٍّ صحيح.\nومن الأدلة على ذلك:\nقصّة ذلك الصحابي الأنصاري الذي رماه المشرك بثلاثة أسهم وهو قائم يصلّي، فاستمرَّ في صلاته والدماء تسيل منه، وذلك في غزوة ذات الرقاع (٢).\n_________\n(١) أخرجه البخاري معلقًا بصيغة الجزم (كتاب الوضوء، باب أبوال الإِبِل والدواب والغنم ومرابضها).\nقال الحافظ: \"وهذا الأثر وصله أبو نعيم شيخ البخاري في كتاب الصلاة له\".\nوالسِّرقين: هو الزّبل، ويُقال له: السِّرجين بالجيم. والبرية: الصحراء، منسوبة إِلى البر.\nودار البريد المذكورة: موضع بالكوفة، كانت الرسل تنزل فيه إِذا حضرت من الخلفاء إِلى الأمراء، وكان أبو موسى أميرًا على الكوفة في زمن عمر وفي زمن عثمان، وكانت الدار في طرف البلد، ولهذا كانت البرِّيَّة إِلى جنبها.\nوقال المطرزي: البريد في الأصل: الدابَّة المرتبة في الرباط، ثمَّ سمّي به الرسول المحمول عليها، ثمَّ سُمّيت به المسافة المشهورة. \"الفتح\".\nومعنى سواء: يريد أنَّهما متساويان في صحة الصلاة. \"الفتح\" أيضًا.\n(٢) أخرجه أبو داود وغيره من حديث جابر بسند حسن؛ كما في \"الصحيحة\" (٣٠٠).","vol":"1","page":56},{"text":"قال شيخنا -حفظه الله تعالى-: \"ومن الظاهر أنَّ النّبيّ - ﷺ - عَلِم بها؛ لأنَّه يبعُد أن لا يطَّلع على مِثل هذه الواقعة العظيمة، ولم يُنْقَل أنَّه أخبره بأنّ صلاته بطلت؛ كما قال الشوكاني (١/ ١٦٥) \" (١).\nوكذلك قول الحسن -رحمه الله تعالى-: \"ما زال المسلمون يصلُّون في جراحاتهم\" (٢).\nوعن محمد بن سيرين عن يحيى الجزَّار؛ قال: \"صلى ابن مسعود -﵁- وعلى بطنه فرث ودم جزور نحرها، ولم يتوضَّأ\" (٣).\nوصحَّ عن ابن مسعود -﵁- أيضًا: \"أنَّه نحر جزورًا، فتلطَّخ بدمها وفرْثها، ثمَّ أقيمت الصلاة، فصلى ولم يتوضَّأ\" (٤).\nفائدة:\nإِنَّ القائلين بنجاسة الدماء ليس عندهم حُجَّة؛ إِلا أنَّه محرَّم بنصّ القرآن، فاستلزموا من التحريم التنجيس؛ كما فعلوا تمامًا في الخمر، ولا يخفى أنَّه لا يلزم من التحريم التنجيس؛ بخلاف العكس؛ كما بيّنه الصنعاني في \"سبل\n_________\n(١) انظر \"الصحيحة\" تحت رقم (٣٠٠).\n(٢) أخرجه البخاري معلقًا بصيغة الجزم (كتاب الوضوء، باب من لم يرَ الوضوء إلاَّ من المخرَجيْن).\n(٣) أخرجه عبد الرزاق في \"الأمالي\" (٢/ ٥١/١) وغيره، وِإسناده صحيح؛ كذا في \"الصحيحة\" (تحت رقم ٣٠٠).\n(٤) أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (١/ ١٢٥)، وغيره؛ كما في \"تمام المنّة\" (ص ٥٢).","vol":"1","page":57},{"text":"السلام\" ثمَّ الشوكاني وغيرهما ... \" (١).\nقال شيخنا -حفظه الله تعالى- \"وجملة القول: أنَّه لم يَرِد دليل فيما نعلم على نجاسة الدم على اختلاف أنواعه؛ إلا دم الحيض، ودعوى الاتفاق على نجاسته منقوضة بما سبق من النقول، والأصل الطهارة، فلا يُتْرَك إلاَّ بنص صحيح يجوز به ترْك الأصل، وإِذ لم يَرِدْ شيء من ذلك؛ فالبقاء على الأصل هو الواجب، والله أعلم\" (٢).\nوذكر نحوه الشوكاني -﵀- في \"السيل الجرَّار\" (٣) و\"الدَّراري المضيَّة\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>خامسًا: رطوبات فرج المرأة:</span>\nوذلك لاستصحاب البراءة الأصلية؛ كما تقدَّم مرارًا ذِكر هذه القاعدة، ولا أعلم أحدًا من أهل العلم ذكَرها في النجاسات.\nواحتجَّ الشَّيخُ الموفَّقُ وغيره على طهارة رطوبة فرجِ المرأة: بأنَّ منيَّ الرَّجل عند الجماع يخالطُ منيَّ المرأة، ولو كان منيُّها نجسًا؛ لما اكتفى منه الرسول - ﷺ - بالفرك. \"الفتح\" (شرح الحديث ٢٣٠).\n_________\n(١) انظر فقه حديث (٣٠٠) من \"الصحيحة\".\n(٢) انظر \"الصحيحة\" تحت رقم (٣٠١).\n(٣) (١/ ٤٤).\n(٤) (١/ ٢٥ - ٢٦).","vol":"1","page":58},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>سادسًا: قيء الآدمي:</span>\nإِذِ الأصل الطهارة، فلا يُنقل عنها إلا بدليل.\nقال الشوكاني في \"السيل الجرَّار\" (١/ ٤٣): \"قد عرَّفناك في أول كتاب الطهارة أنَّ الأصل في جميع الأشياء الطهارة، وأنَّه لا يَنْقُل عن ذلك إلاَّ ناقلٌ صحيح صالح للاحتجاج به غيرَ معارض بما يرجُح عليه أو يساويه، فإِنْ وجدنا ذلك؛ فبها ونعمت، وإِنْ لم نجدْ ذلك كذلك؛ وَجَب علينا الوقوف في موقف المنع، ونقول لمدَّعي النجاسة:\nهذه الدعوى تتضمَّن أنَّ الله سبحانه أوجب على عباده واجبًا هو غسل هذه العين التي تزعم أنَّها نجسة، وأنَّه يمنع وجودها صحة الصلاة بها؛ فهات الدليل على ذلك\".\nولم يذكره -﵀- في النجاسات في \"الدرر البهية\" (١).\nوإلى طهارة قيء الآدمي ذهب شيخنا الألباني في \"تمام المنة\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>سابعًا: عرق الجنب والحائض:</span>\nعن أبي هريرة -﵁-: أنَّ النّبيّ - ﷺ - لقِيَه في بعض طريق المدينة وهو جُنُب، فانخَنَسْتُ منه، فذهب فاغتسل ثمَّ جاء، فقال: \"أين كنت يا أبا هريرة؟ \". قال: كنتُ جُنُبًا، فكرهتُ أن أجالسك وأنا على غير طهارة. فقال: \"سبحان الله! إِنَّ المسلم لا ينجس\" (٣).\n_________\n(١) وانظر \"تمام المنَّة\" (٥٣).\n(٢) (ص ٥٣).\n(٣) أخرجه البخاري: ٢٨٣، ومسلم: ٣٧١ نحوه، وتقدّم.","vol":"1","page":59},{"text":"وبوَّب البخاري في \"صحيحه\" بابًا في ذلك، فقال: \"باب عرق الجُنُب، وأن المسلم لا ينجُسُ\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>ثامنًا: ميتة ما لا نفس له سائلة:</span>\nكالذُّباب والنَّمل والعنكبوت ونحو ذلك ... وذلك لأنَّ الأصل في الأعيان الطهارة والبراءة الأصلية مستصحبة.\nوفي الحديث: \"إِذا وقع الذُّباب في إِناء أحدكم؛ فلَيغْمِسْه كلَّه، ثمَّ ليطْرَحْه؛ فإِنَّ في إِحدى جناحيه داء وفي الآخر شفاء\" (١).\nوإِنَّما أمر بغمس الذباب كلّه حفاظًا على الطعام أو الشراب، وفيه دليل الطهارة.\nوممَّن قال بطهارة ما لا نفس له سائلة: أبو البركات مجد الدين ابن تيمية في \"منتقى الأخبار\"، والشوكاني في شرحه \"نيل الأوطار\" (١/ ٦٨).\nوالصنعاني في \"سبل السلام\" (١/ ٣٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>إِزالة النجاسات</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>أولًا: حكم إِزالة النجاسة:</span>\nوحكم إِزالة النجاسات فرض.\nقال ابن حزم -﵀-: \"وإِزالة النجاسة وكل ما أمَر الله تعالى بإِزالته فرض\".\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٥٧٨٢","vol":"1","page":60},{"text":"وقال: \"وهذه المسألة تنقسم أقسامًا كثيرة، يجمعها أنَّ كلَّ شيء أمَر الله تعالى على لسان رسوله - ﷺ - باجتنابه أو جاء نصٌّ بتحريمه أو أمَر كذلك بغسله أو مسْحه؛ فكلُّ ذلك فرض يعصي مَن خالفه؛ لما ذكرنا قَبْل مِنْ أَنَّ طاعته تعالى وطاعة رسوله - ﷺ - فرض\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>ثانيًا: قاعدة جليلة جامعة في تطهير النجاسات:</span>\nجاء في \"السيل الجرَّار\" (١/ ٤٢): \"والواجب اتِّباع الدليل في إِزالة عين النجاسة، فما ورد فيه الغَسْل حتى لا يبقى منه لون ولا ريح ولا طعم؛ كان ذلك هو تطهيره. وما ورَد فيه الصبُّ أو الرشُّ أو الحتُّ أو المسح على الأرض أو مجرَّد المشي في أرض طاهرة؛ كان ذلك هو تطهيره.\nوقد ثبت في السنَّة أنً النعل الذي يصيبه القذر يطهَّر بالمسح، وهو من المغلَّظة اصطلاحًا، وكذلك ورد في الثوب إِذا أصابه القذر عند المشي على أرض قذرة أنَّه يطهِّره المرور على أرض طاهرة\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>ثالثًا: تطهير النجاسات:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>١ - العَذِرة (الغائط):</span>\nوتُزال عند الاستنجاء بالماء أو الحجارة ونحوه:\nأمّا الماء:\nفلقوله تعالى: ﴿فيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ (٣).\n_________\n(١) \"المحلَّى\" (مسألة ١٢٠).\n(٢) هناك تفصيلات طيبة (ص ٤٦ وما بعدها)، فارجع إِليها -إِن شئت-.\n(٣) التوبة: ١٠٨","vol":"1","page":61},{"text":"وقد نزلت هذه الآية في أهل قِباء؛ لأنهم كانوا يستنجون بالماء؛ كما في حديث أبي هريرة -﵁- عن النّبيّ - ﷺ -؛ قال: \"نزلت هذه الآية في أهل قِباء: ﴿فيهِ رِجالٌ يُحِبّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ \". قال: كانوا يستنجون بالماء، فنزلت فيهم هذه الآية\" (١).\nوعن أنس بن مالك -﵁- قال: \"كان النّبيُّ - ﷺ - إِذا خرج لحاجته؛ أجيء أنا وغلام معنا إِداوة (٢) من ماء؛ يعني: يستنجي به\" (٣).\nوأمّا الحجارة:\nفلقوله - ﷺ -: \"لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار\" (٤).\nوعن عائشة -﵂-: أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"إِذا ذهب أحدُكم إِلى الغائط؛ فليستطب بثلاثة أحجار؛ فإِنَّها تجزئ عنه\" (٥).\nوأمّا ما يسدُّ عن الحجارة؛ كالورق ونحوه؛ فإِنَّه مستنبَط من عدَّة نصوص؛ منها:\nما يرويه أبو هريرة -﵁- قال: اتَّبعتُ النّبيّ - ﷺ - وخرج\n_________\n(١) أخرجه أبو داود، والترمذي، وغيرهما، وهو في \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٤)، وصححه شيخنا في \"الإِرواء\" (٤٥).\n(٢) إناء صغير من جلد؛ كما تقدَّم.\n(٣) أخرجه البخاري: ١٥٠، وتقدَّم.\n(٤) أخرجه مسلم: ٢٦٢\n(٥) أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وغيرهم، وصحّحه شيخنا -حفظه الله- في \"الإرواء\" (٤٤).","vol":"1","page":62},{"text":"لحاجته. فكان لا يلتفت، فدنوتُ منه، فقال: \"ابغني أحجارًا أستنفض بها - أو نحوه-، ولا تأتني بعظم ولا روث\" (١).\nفنهيُ النّبيّ - ﷺ - عن العظم والرَّوث دالٌّ على جواز ما سواهما ممّا تزال به النجاسة، ولو لم يَجُزْ هذا؛ لقال له - ﷺ -: \"ابغني أحجارًا أستنفض بها\" وسكت، أو قال: ولا تأتني بغيرها؛ بيدَ أنَّه - ﷺ - قال: \"ولا تأتني بعظم ولا روث\".\nومن المعلوم أنَّ النجاسات محصورة؛ بخلاف الأعيان الطاهرة؛ فإِنَّها غير ْمحصورة، فحصْر النهي عن العظم والروث يدلُّ على جواز استعمال غيرهما.\nوقد علَّل النّبيّ - ﷺ - سبب هذا النهي، فقال: \"لا تستنجوا بالرَّوث ولا بالعظام؛ فإِنَّه زاد إِخوانكم من الجنِّ\" (٢).\nقال شيخ الإِسلام ابن تيمية -﵀-: \" ... وهذا كما أنَّه لمَّا أمر بالاستنجاء بالأحجار؛ لم يختصَّ الحجر؛ إِلا لأنَّه كان الموجود غالبًا، لا لأنَّ الاستجمار بغيره لا يجوز، بل الصواب قول الجمهور في جواز الاستجمار بغيره؛ كما هو أظهر الروايتين عن أحمد؛ لنهيه عن الاستجمار بالروث\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٥٥\nقال الحافظ في \"الفتح -بحذف يسير-: \"ابغِني؛ بالوصل من الثلاثي؛ أي: اطلب لي، وفي رواية بالقطع؛ أي: أعنِّي على الطَّلب، يُقال: أبغيتك الشيء؛ أي: أعَنْتُك على طلبه، والوصل أليق بالسياق\".\nومعنى أستنفض: \"أستخرج بها وأستنجي، والنفض: هزّ الشيء ليطير غباره\".\n(٢) أخرجه الترمذي وغيره، وروى مسلم نحوه، وانظر \"الإِرواء\" (٤٦).","vol":"1","page":63},{"text":"والرِّمَّةَ (١) وقال: \"إِنهما طعام إِخوانكم من الجنِّ\" فلمّا نهى عن هذين تعليلًا بهذه العلَّة؛ عُلم أنَّ الحكم ليس مختصًا بالحجر، وإلاَّ لم يحتج إِلى ذلك\" (٢). وذكر نحوه الحافظ -﵀- في \"الفتح\" (١/ ٢٥٦).\nوقال الشوكاني -﵀- في \"الدراري المضية\": \"وإِذا لم توجد الأحجار؛ فغيرها يقوم مقامها للضرورة؛ ما لم يكن ذلك الغير ممَّا ورد النهي عنه؛ كالروثة والرجيع (٣) والعظم ... \" (٤).\nوتُطهّر العَذِرة من النِّعال بالتُّراب:\nلقوله - ﷺ -: \"إِذا وطئ أحدُكم بنعليه أذى؛ فإِنَّ التراب له طَهور\" (٥).\nوفي رواية: \"إِذا وطئ الأذى بخُفَّيه؛ فطَهورهما التراب\" (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>٢ - دم الحيض:</span>\nوتطهير دم الحيض من الثوب بحكِّه بضِلع وغَسْله بماء وسِدْر أو صابون ونحوه، ثم ينضح الماء في سائر الثوب:\n_________\n(١) أي: العظم البالي.\n(٢) \"الفتاوى\" (٢١/ ٢٠٥).\n(٣) أي: الرَّوث.\n(٤) (١/ ٤٠ - ٤١).\n(٥) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٧١) وغيره، وانظر \"المشكاة\" (٥٠٣). وتقدَّم.\n(٦) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٧٢)، والحاكم في \"المستدرك\". وتقدم.","vol":"1","page":64},{"text":"لقوله - ﷺ -: \"حُكِّيه بضِلْع، واغسليه بماء وسِدْر\" (١).\nوعن أسماء بنت أبي بكر -﵄- قالت: \"سمعت امرأة تسأل رسول الله - ﷺ - عن ثوبها؛ إِذا طَهُرت من حيضها؛ كيف تصنع به؟\nقال: إِن رأيتِ فيه دمًا؛ فحُكِّيه، ثم اقرصيه بماء، ثم انضحي في سائره، فصلِّي فيه\" (٢).\nقال شيخنا -حفظه الله تعالى- في \"الصحيحة\" (٢٩٩): \"في هذه الرواية زيادة: \"ثم انضحي في سائره\"، وهي زيادة هامَّة؛ لأنَّها تبيِّن أنَّ قوله في رواية هشام: \"ثم لتنضحه\"؛ ليس المراد نضح مكان الدم، بل الثوب كله.\nويشهد له حديث عائشة قالت: \"كانت إِحدانا تحيض، ثمَّ تقرص الدَّم من ثوبها عند طهرها، فتغسله، وتنضح على سائره، ثمَّ تصلِّي فيه\" (٣).\nوعن أبي هريرة -﵁-: \"أنَّ خولة بنت يَسار -﵂- أتت النّبيّ - ﷺ - فقالت: يا رسول الله! إِنَّه ليس لي إلا ثوب واحد، وأنا أحيض فيه، فكيف أصنع؟ قال: \"إِذا طَهُرْتِ؛ فاغسليه، ثمَّ صلِّي فيه\".\n_________\n(١) الضِّلع: العود الذي فيه اعوجاج، وتقدَّم معناه وتخريج الحديث في (باب النجاسات).\n(٢) أخرجه أبو داود، والدارمي -والسياق له- والبيهقي وسنده حسن؛ كما في \"الصحيحة\" (١/ ٥٣٩) تحت رقم (٢٩٩).\nوهو في \"صحيح البخاري\" (٣٠٧) بلفظ: \"إِذا أصاب ثوب إحداكنَّ الدم من الحيضهّ؛ فلتَقْرصه، ثمَّ لتنضَحْه بماء، ثمَّ لتصلِّي فيه\".\n(٣) أخرجه البخاري: ٣٠٨ وابن ماجه، والبيهقي: (٢/ ٤٠٦ - ٤٠٧).","vol":"1","page":65},{"text":"فقالت: فإِنْ لم يخرج الدَّم؟ قال: \"يكفيك غسل الدم، ولا يضرُّك أثره\" (١).\nقال الشوكاني -﵀-: \"ويستفاد من قوله: \"لا يضرُّك أثره\": أنَّ بقاء أثر النجاسة الذي عسُرت إِزالته: لا يضرُّ، لكن بعد التغيير بزعفران أو صفرة أو غيرهما، حتى يذهب لون الدم؛ لأنَّه مستقذر، وربَّما نسَبها من رآه إِلى التقصير في إِزالته\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>٣ - الإِناء الذي ولغ فيه الكلب:</span>\nويكون ذلك بغسله سبع مرات أولاهنَّ بالتراب.\nلقوله - ﷺ -: \"طَهور إِناء أحدكم إِذا ولَغَ فيه الكلب: أن يغسله سبع مرات\nأولاهنَّ بالتراب\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>٤ - البول:</span>\nويُطهَّرُ البول عمومًا بالغَسْل:\nومن الأدلة على ذلك قوله - ﷺ -: \" ... وبول الجارية يُغسل\" (٤).\n_________\n(١) عن \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٥١).\n(٢) \" نيل الأوطار\" (١/ ٥٠).\n(٣) أخرجه مسلم: ٢٧٩، وتقدَّم. وورد في \"صحيح البخاري\" بلفظ: \"إِذا شرب الكلب في إِناء أحدكم؛ فليغسله سبعًا\"، وتقدَّم.\nوقد وردت في بعض الروايات: \"السابعة بالتراب\"،وهذا القول شاذٌّ، والأرجح: \"الأولى بالتراب\". وانظر \"صحيح سنن أبي داود\" (٦٦).\n(٤) تقدَّم.","vol":"1","page":66},{"text":"وأمّا إِذا كان بول ذَكَر رضيع لم يَطْعَم؛ فيخفَّف فيه بالنَّضح كما تقدَّم، لقوله - ﷺ - في الحديث السابق: \"بَوْل الغلام يُنْضَح\".\nوكما في حديث أمِّ قيس بنت مِحْصَن -﵂-: \"أنَّها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إِلى رسول الله - ﷺ -، فأجْلَسَه رسول الله - ﷺ - في حِجْره، فبال على ثوبه، فدعا بماء، فنضحه ولم يغْسِلْه\" (١).\nوكذلك حديث أبي السَّمح -﵁- قال: كنتُ أخدم النّبيّ - ﷺ -، فكان إِذا أراد أن يغتسل؛ قال: \"ولِّني قفاك\"، فأوليّه قفاي، فأستره به، فأُتي بحسن -أو حسين-، فبال على صدره، فجئت أغسله، فقال: \"يُغْسَل من بول الجارية، ويُرشُّ من بول الغلام\" (٢).\nوأمّا الأرض التي يصيبها البول:\nفيَتِمُّ تطهيرها بأخذ ما بيل عليه من التراب وإلقائه، ثمَّ يُصبُّ على مكانه الماء.\nفعن أبي هريرة: \"أنَّ أعرابيًا دخل المسجد ورسول الله - ﷺ - جالس، فصلَّى ركعتين، ثمَّ قال: اللهمَّ ارحَمْني ومحمَّدًا ولا ترحم معنا أحدًا، فقال النّبيّ - ﷺ -: \"لقد تحجَّرتَ واسعًا\" (٣)، ثمَّ لم يلبث أن بال في ناحية المسجد، فأسرع الناس إِليه، فنهاهم النّبيُّ - ﷺ -، وقال: \"إِنَّما بُعِثْتم ميسِّرين، ولم تُبْعَثوا معسِّرين، صبُّوا عليه سَجْلًا من ماء أو قال: ذَنوبًا من ماء) \" (٤).\n_________\n(١) تقدَّم.\n(٢) تقدَّم.\n(٣) أي: ضيَّقْتَ ما وسَّعه الله، وخصَّصْتَ به نفسك دون غيرك. \"النهاية\".\n(٤) أخرجه البخاري: ٢٢٠، ومسلم: ٢٨٤ وأبو داود -وهذا لفظه- وغيرهم.","vol":"1","page":67},{"text":"وفي رواية عبد الله بن معقل بن مقرِّن؛ قال: \"صلَّى أعرابي مع النّبيّ - ﷺ - (بهذه القصة، وقال فيه): قال -يعني: النّبيّ - ﷺ --: \"خذوا ما بال عليه من التراب، فألقوه، وأهريقوا على مكانه ماء\" (١).\n\n٥ - إِزالة الأذى من الذيل (٢) والثَّوب:\nعن أمِّ ولد لإِبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف: \"أنَّها سألت أم سلمة زوج النّبيّ - ﷺ -، فقالت: إِنِّي إِمرأة أطيل ذيلي، وأمشي في المكان القذِر، فقالت أمّ سلمة: قال رسول الله - ﷺ -: \"يُطهِّره ما بعده\" (٣).\nوعن امرأة من بني عبد الأشهل -﵂- قالت: \"قلتُ: يا رسول\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٦٧).\nوقال أبو داود: وهو مرسَل؛ ابن معقِل لم يدرك النبي - ﷺ -\".\nقال شيخنا -حفظه الله-: \"قلتُ: وهو مرسل صحيح الإِسناد، ورجاله كلهم ثقات، رجال الشيخين، وقد جاء مرسلًا وموصولًا من طرق أخرى، فالحديث بهما صحيح\".\nومن الطرق الموصولة التي ذكَرها شيخنا طريق أنس: أنَّ أعرابيًا بال في المسجد، فقال النبي - ﷺ -: \"احفِروا مكانه، ثمَّ صبُّوا عليه ذَنوبًا من ماء\".\nوهذا إِسنادٌ رجالُه ثقات؛ كما قال الحافظ في \"تلخيص الحبير\" (١/ ٣٧).\nعن \"صحيح سنن أبي داود\" الأصل من نسخة شيخنا -حفظه الله تعالى-.\nقلتُ: وذكر الحافظ في \"الإِصابة\" (٣/ ١٤٢) رقم (٦٦٤٣) أنَّه عبد الله بن مُغفَّل.\n(٢) الذيل: آخر كل شيء، وذيل الإِزار والثوب: ما جُرَّ. \"القاموس المحيط\".\n(٣) صحيح بما بعده، وانظر \"صحيح سنن أبي داود \" (٣٦٩)، و\"المشكاة\" (٥٠٤).","vol":"1","page":68},{"text":"الله! إِنَّ لنا طريقًا إِلى المسجد مُنْتِنة، فكيف نفعل إِذا مُطرنا؟ قال: \"أليس بعدها طريق هى أطيب منها؟ \". قالت: قلتُ: بلى. قال: \"فهذه بهذه\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>٦ - الوَدْي:</span>\nويُطهَّر بالغَسْل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>٧ - المَذْي:</span>\nيُطهَّر ما لامس الفرج منه والأنثيين بالغَسْل، لقوله - ﷺ -: \"ليغسل ذكره وأنثييه\" (٢).\nويُطهره من الثياب بالنضح والرش:\nكما في حديث سهل بن حُنيف -﵁-: ... فقلت: يا رسول الله! كيف بما يصيب ثوبي منه؟ قال: \"يكفيك أن تأخذ كفًّا من ماء، فتنضح به ثوبك، حيث ترى أنه أصاب منه\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>٨ - جلد الميتة:</span>\nويكون ذلك بدبغها:\nلقوله - ﷺ -: \"إِذا دُبِغ الإِهاب؛ فقد طهُر\" (٤).\nولقوله - ﷺ -: \"أيّما إِهاب دُبِغ فقد طَهُر\" (٥).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٧٠). وانظر \"المشكاة\" (٥١٢).\n(٢) تقدَّم.\n(٣) تقدَّم.\n(٤) أخرجه مسلم: ٣٦٦، وتقدَّم.\n(٥) تقدَّم في (باب النجاسات).","vol":"1","page":69},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>٩ - إِذا وقع الفأر في السمن ونحوه:</span>\nيُلقي الفأر وما حوله، ويؤكَل السمن وما شابهه، هذا إِذا لم يكن في السمن المتبقِّي أثر لنجاسة في طعمٍ أو لونٍ أو رائحة، وإلاَّ؛ ألْقى ما تبقَّى.\nوحُكم السَّمْن أو الزَّيْت؛ كحُكم الماء ولا فرق، وضابط الأمر يرتبط ببقاء أثرٍ للنَّجاسة أم لا.\nولا فرق بين القول في الجامد والمائع؛ إِلا من هذا الباب، وهو بقاء الأثر أو عدمه والله أعلم.\nقال الزُّهري: \"لا بأس بالماء ما لم يغيِّره طعمٌ أو ريحٌ أو لونٌ\" (١).\nوعن ابن عباس -﵄- عن ميمونة: أنَّ رسول الله - ﷺ - سُئل عن فأرة سقطت فىِ سمن؟ فقال: \"ألقوها وما حولها فاطرحوه، وكلوا سمنكم\" (٢).\nوسئل شيخ الإِسلام -﵀- عن الزيت إِذا كان في بئر، ووقع فيه نجاسة، فما الحكم إِذا كان دون القُلَّتين؟\nفأجاب -﵀-: \"إِذا كان أكثر مِن القُلَّتين؛ فهو طاهر عند جمهور العلماء؛ كمالك والشافعي وأحمد وغيرهم ...\n_________\n(١) أورده البخاري في \"صحيحه\" (كتاب الوضوء باب ما يقع من النجاسات في السمن والماء) معلَّقًا بصيغة الجزم، ووصَله ابن وهب في \"جامعه\" عن يونس عنه.\nوروى البيهقي معناه من طريق أبي عمرو -وهو الأوزاعي- عن الزهري. كذا في \"الفتح\".\n(٢) أخرجه البخاري: ٢٣٥، وغيره.","vol":"1","page":70},{"text":"والأظهر أنَّه إِذا لم يكن للنجاسة فيه أثر، بل استهلكت فيه، ولم تغيِّر له لونًا ولا طعمًا ولا ريحًا؛ فإِنَّه لا ينجُس، والله أعلم\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>١٠ - إِذا كان الماء كثيرًا ووقعت فيه نجاسة:</span>\nإِن كان الماء لم يتغيَّر بالنجاسة؛ فهو طاهر، وِإنْ كانت عين النجاسة باقية؛ أُخِذَتْ منه ونُزِحَتْ وأُلقِيَت، وبهذا يكون سائر الماء طاهرًا.\nجاء في \"الفتاوى\": \"وسُئل -﵀- عن بئر وقع فيه كلب أو خنزير أو جمل أو بقرة أو شاة، ثمَّ مات فيها، وذهَب شعره وجلده ولحْمه، وهو فوق القُلَّتين؛ فكيف يُصنع به؟\nفأجاب: الحمد لله، أي بئر وقع فيه شيء ممَّا ذكر أو غيره: إِنْ كان الماء لم يتغيَّر بالنجاسة؛ فهو طاهر، فإِن كانت عين النجاسة باقية؛ نُزِحَتْ منه وأُلقِيَتْ، وسائر الماء طاهر ...\nوأمّا إِنْ كان الماء قد تغيَّر بالنجاسة؛ فإِنَّه يُنْزَحُ منه حتى يطيب، وإن لم يتغيَّر الماء؛ لم يُنْزَحْ منه شيء ... (وذكر حديث بئر بُضاعة) \" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>١١ - الماء القليل إِذا تنجَّس يطهُر بالمكاثرة:</span>\nوذلك حتى لا يبقى أثرُ ريحٍ أو طعمٍ أو لونٍ لنجاسة، وهذا إِذا تعذَّر التخلُّص من النجاسة؛ لظرف المكان ونحوه، إِذ الأصل إِزالة هذه النجاسة ونضْحها.\n_________\n(١) \"الفتاوى\" (٢١/ ٥٢٩).\n(٢) \"الفتاوى\" (٢١/ ٣٨ - ٣٩).","vol":"1","page":71},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>١٢ - حبل الغسيل:</span>\nأما حبْل الغسيل؛ فيطهر إِذا صَعُبَ غسْله بالشمس والريح.\n\"وإن كان سِلكًا يمكنه مسْحه؛ فليَفْعَل\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>١٣ - إِذا استحالت النجاسة في الماء ولم يبق لها أثر؛ فإِنَّ الماء طهور:</span>\nقال شيخ الإِسلام ابن تيمية -﵀- (٢): والصواب هو القول الأول (٣)، وأنه متى عُلم أنَّ النجاسة قد استحالت؛ فالماء طاهر، سواء كان قليلًا أو كثيرًا، وكذلك في المائعات كلِّها، وذلك لأنَّ الله تعالى أباح الطيِّبات وحرَّم الخبائث، والخبيث متميِّز عن الطيِّب بصفاته، فإِذا كانت صفات الماء وغيره صفات الطيِّب دون الخبيث؛ وجَبَ دخولُه في الحلال دون الحرام.\nوأيضًا؛ فقد ثبَت من حديث أبي سعيد -﵁-: أنَّ النّبيّ - ﷺ -\nقيل له: أتتوضأ من بئر بُضاعة (وهي بئر يلقى فيها الحِيَض (٤) ولحوم الكلاب\nوالنتن)؟ فقال: \"الماء طهور لا ينجِّسه شيء\" (٥).\n_________\n(١) هذا مما استفدته من شيخنا الألباني -حفظه الله تعالى-.\n(٢) \"الفتاوى\" (٢١/ ٣٢ - ٣٣).\n(٣) وقد ذكر خمسة أقوال في المسألة، وقال في الأول: \"لا ينجس\".\n(٤) الحِيَض: بكسر الحاء وفتح الياء جمع حيضة -بكسر الحاء وسكون الياء: هي الخرقة التي تستعمل في دم الحيض، وانظر \"تحفة الأحوذي\" (١/ ٢٠٤).\n(٥) أخرجه أحمد وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٦٠) وغيرهما، وتقدَّم. وانظر \"الإرواء\" (١٤).","vol":"1","page":72},{"text":"وهذا اللفظ عامٌّ في القليل والكثير، وهو عامٌّ في جميع النجاسات.\nوأمَّا إِذا تغيَّر بالنجاسة؛ فإِنما حرُم استعماله؛ لأنَّ جرْم النجاسة باقٍ، ففي استعماله استعمالها؛ بخلاف ما إِذا استحالت النجاسة؛ فإِنَّ الماء طَهور، وليس هناك نجاسةٌ قائمة.\nومما يبيِّن ذلك؛ أنَّه لو وقع خمر في ماء، واستحالت، ثمَّ شربها شارب؛ لم يكن شاربًا للخمر، ولم يجب عليه حدُّ الخمر، إِذ لم يبقَ شيء من طعْمها ولونها وريحها، ولو صُبَّ لبن امرأة في ماء، واستحال، حتى لم يبقَ له أثر، وشرب طفلٌ ذلك الماء؛ لم يَصِرْ ابنها من الرضاعة بذلك.\nوأيضًا؛ فإِنَّ هذا باق على أوصاف خلقته، فيدخل في عموم قوله تعالى: ﴿... فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾؛ فإِنَّ الكلام إِنَّما هو فيما لم يتغيَّر بالنجاسة؛ لا طعمه، ولا لونه، ولا ريحه\".\nوبه قال الشوكاني -﵀- في \"السيل الجرَّار\".\nوقال شيخ الإِسلام -﵀- في \"الفتاوى\" (٢١/ ٦١١): \" ... وعلى هذا؛ فدخان النار الموقدة بالنجاسة طاهر، وبخار الماء النَّجس الذي يجتمع في السقف طاهر\".\n\"وسئل -﵀- عن استحالة النجاسة؛ كرماد السِّرجين (١) والزّبل النَّجس تصيبه الريح والشمس فيستحيل ترابًا؛ فهل تجوز الصلاة عليه أم لا؟\nفذَكَر أنَّ فيها قولين في مذهب مالك وأحمد، أحدهما أنَّ ذلك طاهر، وهو قول أبي حنيفة وأهل الظاهر وغيرهم، وهذا القول هو الراجح.\n_________\n(١) أى: الزّبل.","vol":"1","page":73},{"text":"وقال -﵀-: فأمَّا الأرض إذا أصابها نجاسة؛ فمن أصحاب الشافعي وأحمد من يقول: أنَّها تطهُر، وإن لم يقل بالاستحالة؛ ففي هذه المسألة مع مسألة الاستحالة ثلاثة أقوال، والصواب الطهارة في الجميع\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>رابعًا: هل الماء متعيّن في إِزالة النجاسة:</span>\nالماء متعيّن لإِزالة النجاسة؛ إلاَّ ما ورد فيه النصُّ؛ كالثوب يطهِّره المرور على أرض طاهرة، والنِّعال بالتراب ... ونحو ذلك.\nقال شيخنا الألباني -حفطه الله-؛ -بعد حديث \"حُكِّيه بضِلْع، واغسليه بماء وسِدْر\" (٢) -: يُستفاد من هذه الأحاديث أحكام كثيرة، أذكر أهمَّها:\n.... أنَّ النجاسات إِنَّما تُزال بالماء دون غيره من المائعات؛ لأنَّ جميع النجاسات بمثابة دم الحيض، ولا فرق بينه وبينها اتِّفاقًا، وهو مذهب الجمهور، ومذهب أبو حنيفة إِلى أنَّه يجوز تطهير النجاسة بكل مائع طاهر.\nقال الشوكاني: والحقُّ أنَّ الماء أصْلٌ في التطهير؛ لوصفه بذلك كتابًا وسُنَّةً مطلقًا غير مقيَّد، لكن القول بتعيُّنه وعدم إِجزاء غيره يردُّه (٣).\nمسْح النعل، وفرْك المنيِّ (٤) وإماطته بإِذخِرة ...\n_________\n(١) انظر \"الفتاوى\" (٢١/ ٤٧٨ و٤٧٩).\n(٢) تقدَّم في (باب إِزالة النجاسة).\n(٣) \"نيل الأوطار\" (ص ٤٨ و٤٩).\n(٤) ومضى الكلام حول طهارة المنيّ.","vol":"1","page":74},{"text":"وأمثال ذلك كثير، فالإِنصاف أن يُقال: إِنَّه يطهَّر كلُّ فرد من أفراد النجاسات المنصوص على تطهيرها بما اشتمل عليه النصُّ، لكنَّه إِنْ كان ذلك الفرد المحال عليه هو الماء؛ فلا يجوز العدول إِلى غيره؛ للمزيَّة التي اخُتصَّ بها، وعدم مساواة غيره له فيها، وإنْ كان ذلك الفرد غير الماء؛ جاز العدول عنه إِلى الماء لذلك، وإنْ وجد فرد من أفراد النجاسة لم يقع من الشارع الإِحالة في تطهيره على فرد من أفراد المطهِّرات، بل مجرد الأمر بمطلق التطهير، فالاقتصار على الماء هو اللاَّزم؛ لحصول الامتثال به؛ للقَطع، وغيره مشكوك فيه، وهذه طريقة متوسِّطة بين القولين، لا محيص من سلوكها\".\nقال شيخنا: \"وهذا هو التحقيق، فشُدَّ عليه بالنَّواجذ.\nوممَّا يدلُّ على أنَّ غير الماء لا يجزئ في دم الحيض: قوله - ﷺ - في الحديث الثاني: \"يكفيك الماء\"؛ فإِنَّ مفهومه أنَّ غير الماء لا يكفي، فتأمَّل\" (١).\nقال الحافظ تعليقًا على حديث عليٍّ -﵀-: \"كنتُ رجلًا مذَّاء\": \"واستدلَّ به ابن دقيق العيد على تعيُّن الماء فيه دون الأحجار ونحوها؛ لأنَّ ظاهره يعيِّن الغسل، والمعيَّن لا يقع الامتثال إلا به، وهذا ما صحَّحه النوويُّ في \"شرح مسلم\"\" (٢).\nوقال الشوكاني -﵀- في \"الدَّراري المضيَّة\" (١/ ٣٠):\n_________\n(١) \" الصحيحة\" فقه الحديث رقم (٣٠٠).\n(٢) \"الفتح\" (١/ ٣٧٩).","vol":"1","page":75},{"text":"\"ويطهُرُ ما تنجَّس بغسله حتى لا يبقى عينٌ ولا لونٌ ولا ريحٌ ولا طعمٌ، والنَّعل بالمسح، والاستحالة مطهِّرة؛ لعدم وجود الوصف المحكوم عليه، وما لا يمكن غسله؛ فبالصبِّ عليه أو النَّزح منه حتى لا يبقى للنجاسة أثر، والماء هو الأصل في التطهير، فلا يقوم غيره مقامه؛ إلا بإِذن من الشارع\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>آداب التخلِّي وقضاء الحاجة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>١ - أن يبتعد عن الناس ويستتر منهم:</span>\nعن المغيرة بن شعبه -﵁-: أنَّ النّبيّ - ﷺ -: \"كان إذا ذَهَب المذهب أبْعَدَ\" (١).\nوعن جابر بن عبد الله: أنَّ النّبيّ - ﷺ -: كان إذا أراد البَراز (٢)؛ انطلق حتى لا يراه أحد\" (٣).\nوعن ابن عمر -﵄- قال: \"كان يذهب لحاجته إلى\n_________\n(١) أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي وغيرهم، وصححه شيخنا في \"الصحيحة\" (١١٥٩).\n(٢) البَراز بالفتح: الفضاء الواسع، فكنّوا به عن قضاء الغائط كما كنّوا عنه بالخلاء، لأنهم كانوا يتبرَّزون في الأمكنة الخالية من الناس، قال الخطابي: المحدّثون يَروونه بالكسر وهو خطأ، لأنّه بالكسر مصدر من المبارزة في الحرب، وقال الجوهري بخلافه، وهذا لفظه: البِرَازُ المبارزة في الحرب، والبِرَاز أيضًا كناية عن ثفل الغذاء وهو الغائط، ثمَّ قال: والبَراز بالفتح: الفضاء الواسع، وتبرَّز الرجل أي: خرج إِلى البَراز للحاجة وانظر \"النهاية\".\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢) وغيره، وانظر \"الصحيحة\" (١١٥٩).","vol":"1","page":76},{"text":"المُغمَّس\". قال نافع: المغمَّس: ميلين أو ثلاثة من مكة (١).\nوعن يعلى بن مُرَّة عن أبيه -﵁- قال: \"كنتُ مع النّبيّ - ﷺ - في سفر، فأراد أن يقضي حاجته، فقال لي: \"ائت تلك الأشاءتين (قال وكيع: يعني: النخل الصِّغار)، فقل لهما: إِنَّ رسول الله - ﷺ - يأمركما أن تجتمعا\"، فاجتمعتا، فاستتر بهما، فقضى حاجته، ثم قال لي: \"ائتهما، فقل لهما: لترجعْ كلُّ واحدة منكما إِلى مكانها\"، فقلتُ لهما، فرجعتا (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>٢ - أن لا يتخلَّى في الطُّرق والظِّلال والموارد:</span>\nعن أبي هريرة -﵁-: أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"اتَّقوا اللَّعَّانَيْن\" (٣). قالوا: وما اللَّعَّانان يا رسول الله؟ قال: \"الذي يتخلَّى (٤) في طريق الناس أو في ظلِّهم (٥) \" (٦).\n_________\n(١) أخرجه السراج في \"مسنده\" بإسناد صحيح على شرط مسلم وغيره، وانظر \"الصحيحة\" (١٠٧٢).\nوقيل بأنَّ المغمس مكان مستورة؛ إِما بهضاب، وإِما بعضاه، والعضاه: كل شجر له شوك؛ صغُر أو كبُر، والميل: قيل: ثلث الفرسخ، وقيل: هو مدّ البصر وقيل غير ذلك.\n(٢) عن \"صحيح ابن ماجه\" (٢٧١).\n(٣) قال الإِمام الخطابي -﵀-: \"المراد باللَّعَّانين: الأمرين الجالِبَيْن للَّعن، الحاملَين الناس عليه، والداعِيَين إليه، وذلك أنَّ مَن فعَلهما شُتِم ولُعِن؛ يعني: عادة الناس لعْنه، َ فلما صارا سببًا لذلك؛ أضيف اللعن إِليهما\".\n(٤) أي: يتغوّط.\n(٥) قال الخطابي وغيره: هو مُستَظلّ الناس الذي اتَّخذوه مقيلًا ومناخًا ينزلونه ويقعدون فيه.\n(٦) أخرجه مسلم: ٢٦٩","vol":"1","page":77},{"text":"وعن معاذ -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"اتَّقوا الملاعن الثلاث: البِراز (١) في الموارد، وقارعة الطريق (٢)، والظلّ\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>٣ - أن لا يبول في الماء الراكد أو المستحم:</span>\nعن جابر -﵁- عن رسول الله - ﷺ -: \"أنَّه نهى أن يُبال في الماء الرَّاكد\" (٤).\nوعن عبد الله بن مُغفَّل -﵁-: قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا يبولنَّ أحدُكم في مستحمِّه، ثم يغتسل فيه\" (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>٤ - جواز البول في الإِناء أو الطَّست لمرض أو برد أو نحو ذلك:</span>\nعن أميمة بنت رقيقة -﵂- قالت: \"كان للنبي - ﷺ - قَدَح من عيدان؛ يبول فيه، ويضعه تحت السرير\" (٦).\n_________\n(١) هو ثُفل الغذاء هنا، وتقدّم.\n(٢) قارعة الطريق: أعلاه، أو جادَّته، أو وسطه، أو صدره، أو ما برز منه، فكلّها متقاربة مشتقة من القرع؛ أي: الضرب، فهي مقروعة بالقدم والحافر، وذلك من تسمية المفعول بالفاعل \"فيض القدير\".\n(٣) أخرجه أبو داود، وابن ماجه، وغيرهما، وحسنه شيخنا -حفظه الله تعالى- في \"الإرواء\" (٦٢).\n(٤) أخرجه مسلم: ٢٨١، وهو في \"صحيح ابن ماجه\" (٢٧٣)، و\"صحيح سنن النسائي\" (٣٤)، وله لفظ مقارب عند البخاري: ٢٣٩\n(٥) أخرجه أبو داود \"صحيح أبي داود\" (٢٢) وغيره، وانظر \"المشكاة\" (٣٥٣).\n(٦) أخرجه أبو داود والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٣٢) وانظر \"المشكاة\" (٣٦٢).","vol":"1","page":78},{"text":"وعن إِبراهيم عن الأسود؛ قال: ذكروا عند عائشة أنَّ عليًّا -﵄- كان وصيًّا، فقالت: \"متى أوصى إِليه، وقد كنتُ مسنِدَتَه إِلى صدري -أو قالت: حَجري-، فدعا بالطَّسْت (١)، فلقد انخنث (٢) في حَجري، فما شعرتُ أنَّه قد مات، فمتى أوصى إِليه؟! \" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>٥ - ألا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض حتى لا تنكشف عورته:</span>\nلحديث ابن عمر -﵄-: \"أنَّ النّبيّ - ﷺ - كان إِذا أراد حاجة؛ لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>٦ - أن يقول عند دخول الخلاء: \"بسم اِلله، اللهمَّ إني أعوذ بك من الخبُث والخبائث</span>\":\nلقوله - ﷺ -: \"سَتْر ما بين الجنِّ وعورات بني آدم إِذا دَخَلَ الخلاء أن يقول: بسم الله\" (٥).\nولحديث عبد العزيز بن صهيب؛ قال: سمعتُ أنسًا يقول: \"كان النّبيّ - ﷺ - إِذا دخل الخلاء؛ قال: \"اللهمَّ إِني أعوذ بك من الخُبُث\" (٦)\n_________\n(١) الإِناء.\n(٢) أي: انثنى ومال لاسترخاء أعضائه عند الموت.\n(٣) أخرجه البخاري: ٢٧٤١ و٤٤٥٩ وغيره، وانظر \"صحيح سنن النسائي\" (٣٣).\n(٤) عن \"صحيح سنن أبي داود\" (١١)، وانظر \"الصحيحة\" (١٠٧١).\n(٥) أخرجه أبو داود، وابن ماجه، وغيرهما، وصحّحه شيخنا في \"الإرواء\" (٥٠).\n(٦) ويجوز إسكان الباء، وانظر \"الفتح\" (١/ ٢٤٣).","vol":"1","page":79},{"text":"والخبائث (١) \" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>٧ - عدم استقبال القبلة:</span>\nعن أبي أيُّوب الأنصاري -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إِذا أتى أحدُكم الغائط؛ فلا يستقبل القبلة، ولا يولِّها ظهرَه، شرِّقوا أو غرِّبوا (٣) \" (٤).\nوعن سلمان -﵁- قيل له: قد علَّمكم نبيُّكم كلَّ شيء، حتى الخِراءة (٥). قال: فقال: \"أجل؛ لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو نستنجيَ باليمين، أو أن نستنجيَ بأقلَّ من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجيَ برجيع (٦) أو بعظم\" (٧).\n_________\n(١) الخُبْث: جمع خبيث، والخبائث: جمع خبيثة؛ يريد: ذُكران الشياطين وإناثهم. قاله الخطابي وابن حبان وغيرهما. \"فتح\".\nوأصل الخبائث: المعاصي، أو مطلق الأفعال المذمومة.\n(٢) أخرجه البخاري: ١٤٢، ومسلم: ٣٧٥\n(٣) وليس التشريق أو التغريب عامًّا لكل البلاد، فمن الناس من يشرِّق أو يغرِّب فيستقبل القبلة أو يستدبرها، والمراد عدم استقبال القبلة أو استدبارها؛ كما هى الإشارة في أوَّل الحديث.\n(٤) أخرجه البخاري: ١٤٤\n(٥) التخلِّي والقعود للحاجة؛ قال الخطابي: \"وأكثر الرواة يفتحون الخاء\". \"النهاية\".\n(٦) الرَّجيع: العَذرة والرَّوث، سُمي رجيعًا؛ لأنَّه رجع عن حالته الأولى بعد أن كان طعامًا أو علفًا. \"النهاية\".\n(٧) أخرجه مسلم: ٢٦٢","vol":"1","page":80},{"text":"قال ابن حزم -رحمه الله تعالى-: \"ولا يجوز استقبال القبلة واستدبارها للغائط والبول؛ لا في بنيان، ولا في صحراء، ولا يجوز استقبال القبلة فقط كذلك في حال الاستنجاء.\n(ثمَّ ذكر حديث أبي أيوب -﵁- وغيره، وذكر أيضًا من قال بذلك من السَّلَف) \" (١).\nوعن يحيى بن يحيى؛ قال: قلتُ لسفيان بن عيينة: سمعتَ الزُّهريَّ يذكر عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي أيوب: أنَّ النّبيّ - ﷺ - قال: \"إِذا أتيتُم الغائط؛ فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببولٍ ولا غائط، ولكنْ شرِّقوا وغرِّبوا\".\nقال أبو أيوب: \"فقَدمْنا الشام؛ فوَجَدْنا مراحيضَ قد بُنِيَت قِبَل القِبلةِ، فننحرف عنها ونستغفر اللَّه؟ قال: نعم (٢) \" (٣).\nوربَّما يُشْكِل على البعض حديث ابن عمر -﵄- قال: \"ارتقَيْتُ فوق بيت حفصةَ لبعض حاجتي، فرأيتُ رسولَ الله - ﷺ - يقضي حاجَتَه مُسْتَدْبِرَ القِبلة مستقبِلَ الشام\" (٤).\nوقول مروان الأصفر: \"أناخَ ابنُ عُمر بعيرَه مستقبلَ القِبلة، ثمَّ جَلَس يبولُ\n_________\n(١) انظر \"المحلّى\" (مسألة ١٤٦).\n(٢) جواب لقوله في البداية: \"سمعتَ الزُّهري ... \" إِلخ.\n(٣) أخرجه البخاري: ٣٩٤، ومسلم: ٢٦٤\n(٤) أخرجه البخاري: ١٤٨، ومسلم: ٢٦٦","vol":"1","page":81},{"text":"إِليها، فقلتُ (١): يا أبا عبد الرحمن! أليس قد نُهِيَ عن هذا؟ قال: بلى؛ إِنَّما نُهِيَ عن هذا في الفضاء، أمَّا إِذا كان بينك وبينَ القِبلة شيءٌ يستُرُك؛ فلا بأسَ\" (٢).\nفالجواب عن ذلك:\n\"١ - إِنَّ كل النصوص المتعلِّقة بالموضوع لا تعدو أن تكون قوليَّة أو فعليَّة، سوى أثر ابن عمر، وهو موقوف، ولا يُعارَض المرفوع بالموقوف؛ كما هو معلوم.\n٢ - إِذا تعارضَ قولٌ وفِعلٌ؛ قُدِّم القول على الفعل؛ كما هو مقرَّر في علم الأصول، والقول يأمر بعدم استقبال القِبّلة أو استدبارها ببولٍ أو غائط.\n٣ - إِذا تعارَضَ حاظِرٌ ومُبيحٌ؛ قدِّمَ الحاظر على المُبيح.\n٤ - لقد ثبتَ النَّهي عن البصقِ تجاه القبلة؛ كما في الحديث: \"من تَفَلَ تجاه القِبلة؛ جاء يومَ القيامة وتفلتُه بينَ عينيه\" (٣).\nومن هذا الحديث يُستَنْبَط أنَّ النَّهي عن استقبال القبلة ببول أو غائطٍ؛ إِنَّما هو مطلقٌ يشمل الصحراء والبُنيان؛ لأنَّه إِذا أفاد الحديث أنَّ البصقَ تجاه القِبلة لا يجوز مُطلقًا؛ فالبول والغائط مستقبلًا لها لا يجوز بالأولى\" (٤).\n_________\n(١) أي: مروان الأصفر.\n(٢) أخرجه أبو داود: ١١، \"صحيح سنن أبي داود\" (٨)، وغيره، وانظر \"الإِرواء\" (٦١).\n(٣) أخرجه أبو داود، وغيره، وِإسناده صحيح؛ وانظر \"الصحيحة\" (٢٢٢).\n(٤) كذا قاله لي بمعناه شيخُنا الألباني -حفظه الله-.","vol":"1","page":82},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>٨ - التحفُّظ من البول كي لا يصيبَ البدن والثياب، والتَّغليظ في ترك غسْله إِذا أصاب البدن والثياب </span>(١):\nعن ابن عباس -﵄- قال: \"مرَّ النّبيّ - ﷺ - بحائط (٢) من حيطان المدينة -أو مكة-، فَسَمع صوت إِنسانين يعذَّبان في قبورهما، فقال النّبيّ - ﷺ -: \"يُعذَّبان، وما يُعَذَّبان في كبير\"، ثمَّ قال: \"بلى، كان أحدهما لا يستتر (٣) من بوله، وكان الآخر يمشي بالنميمة\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>٩ - عدم الاستنجاء باليمين:</span>\nوذلك لما سبق في حديث سلمان: \" ... نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجيَ بأقلّ من ثلاثة أحجار\" (٥).\nوعن عائشة -﵂- قالت: \"كانت يد رسول الله - ﷺ - اليسرى لخلائه وما كان من أذى، وكانت اليُمنى لوضوئه ولمَطعمه\" (٦).\nوعن أبي قتادة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إِذا شرب أحدُكم؛ فلا يتنفَّس في الإِناء، وإذا أتى الخلاء؛ فلا يمسّ ذكره بيمينه، ولا\n_________\n(١) هذا العنوان من \"صحيح ابن خزيمة\".\n(٢) أي: بستان.\n(٣) أي: لا يستبرئ ولا يتطهَّر كما تقدَّم.\n(٤) أخرجه البخاري: ٢١٦، ومسلم: ٢٦٢، وغيرهما، وتقدم مختصرًا.\n(٥) تقدَّم تحت رقم (٧).\n(٦) أخرجه أبو داود، وأحمد، وسنده صحيح كما قال النَّووي والعراقي، وانظر تفصيله في \"الإرواء\" تحت رقم (٩٣).","vol":"1","page":83},{"text":"يتمسَّح بيمينه (١) \" (٢).\nوعنه أيضًا؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إِذا دخل أحدُكم الخلاء؛ فلا يمسَّ ذَكَرَة بيمينه\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>١٠ - الاستنجاء بالماء:</span>\nعن أنس بن مالك قال: \"كان النّبيّ - ﷺ - إِذا خرجَ لحاجته؛ أجيء أنا وغلام معنا إِداوة (٤) من ماء؛ يعني: يستنجي به\" (٥) ....\nوعنه -﵁- قال: \"كان رسول الله - ﷺ - يتبرَّز لحاجته، فآتيهِ بالماء، فيَتَغَسَّلُ به\" (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>١١ - إِذا استجمر بالحجارة؛ فلا يجْعَلْها أقلَّ من ثلاثة:</span>\nلحديث سلمان المتقدِّم: \"نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول ... أو أن نستنجيَ بأقل من ثلاثة أحجار\".\nوأيضًا؛ لحديث أبي هريرة -﵁-: \" ... وكان يأمر بثلاثة\n_________\n(١) أى: لا يستنج.\n(٢) أخرجه البخاري: ١٥٣، ومسلم: ٢٦٧\n(٣) أخرجه مسلم: ٢٦٧\n(٤) هي إِناء صغيرمن جلد؛ كما تقدَّم في أول الكتاب.\n(٥) أخرجه البخاري: ١٥٠، وهو في \"صحيح مسلم\" (٢٧١) نحوه، وتقدّم قريبًا.\n(٦) أخرجه مسلم: ٢٧١","vol":"1","page":84},{"text":"أحجار، وينهى عن الرَّوث والرِّمَّة\" (١).\nولقوله - ﷺ -: \"إِذا ذهب أحدكم إِلى الغائط؛ فليستطب بثلاثة أحجار؛ فإِنَّها تجزئ عنه\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>١٢ - عدم الاستنجاء بالرَّوث أو العظم:</span>\nعن أبي هريرة -﵁- قال: اتَّبعتُ النّبيّ - ﷺ - وخرج لحاجته، فكان لا يلتفت، فدنوتُ منه، فقال: \"ابغني أحجارًا أستنفضُ بها -أو نحوه-، ولا تأتني بعظم ولا روث\"، فأتيتُه بأحجارٍ بطرف ثيابي، فوضعتُها إِلى جنبه، وأعرَضْتُ عنه، فلما قضى؛ أتْبَعَه بهنَّ\" (٣).\nوعن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه: أنَّه سمع عبد الله يقول: أتى النّبيُّ - ﷺ - الغائطَ، فأمَرَني أن آتيَه بثلاثة أحجار، فوجدتُ حجرين، والتمست الثالث؛ فلم أجده، فأخذتُ روثةً، فأتيتُه بها، فأخذ الحجرين، وألقى الروثة، وقال: \"هذا رِكْس (٤) \" (٥).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٦)، وبعضه في مسلم: ٢٦٢، وتقدّم قريبًا والمراد بالرِّمة: العظم البالي.\n(٢) أخرجه أحمد وأبو داود، وغيرهما، وانظر \"الإِرواء\" (٤٤)، وتقدّم، ويُفهم من الحديث أنَّ أقلَّ من ثلاث لا تجزئ.\n(٣) أخرجه البخاري: ١٥٥، وتقدَّم في (باب إِزالة النجاسات).\n(٤) جاء في \"الفتح\" (١/ ٢٥٨): الرِّكس: لغة في رجس؛ بالجيم، وقيل: الرِّكس الرَّجيع، رُدَّ من حالة الطهارة إِلى حالة النجاسة. قاله الخطابي وغيره. والأولى أن يقال: رُدَّ من حالة الطعام إِلى حالة الروث.\n(٥) أخرجه البخاري: ١٥٦","vol":"1","page":85},{"text":"وعن جابر -﵁- قال: \"نهى رسول الله - ﷺ - أن يُتمسَّح بعظْم أو ببعْر\" (١).\nوعلَّل رسول الله - ﷺ - سبب نهيه عن الاستنجاء بالرَّوث والعظام، لأنَّه زاد إِخواننا من الجنِّ، كما في حديث ابن مسعود -﵁- عن النّبيّ - ﷺ -؛ قال: \"لا تستنجوا بالرَّوث ولا بالعظام؛ فإِنَّه زاد إِخوانكم من الجنِّ\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>١٣ - عدم ردِّ السلام عند قضاء الحاجة:</span>\nعن ابن عمر﵄-: \"أنَّ رجلًا مرَّ ورسول الله - ﷺ - يبول، فسلَّم، فلم يردَّ عليه\" (٣).\nوعن المهاجر بن قنفذ -﵁-: أنَّه أتى النّبىّ - ﷺ - وهو يبول، فسلَّم عليه، فلم يردَّ عليه حتى توضَّأ، ثمَّ اعتذر إِليه، فقال: \"إِنِّي كرهتُ أن أذكر الله -﷿- إِلا على طهر (أو قال: على طهارة) \" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>١٤ - أن يقول عند الخروج من الخلاء: غفرانك:</span>\nكما في حديث عائشة -﵂- قالت: \"كان النّبيّ - ﷺ - إِذا\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ٢٦٣\n(٢) أخرجه أحمد، والترمذي، وغيرهما، وصححه شيخنا فى \"الإِرواء\" (٤٦)، وتقدّم.\n(٣) أخرجه مسلم: ٣٧٠، وغيره.\n(٤) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٣)، والنسائي والدارمي، وانظر \"الصحيحة\" (٨٣٤).","vol":"1","page":86},{"text":"خرج من الخلاء، قال: غُفرانك\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>١٥ - دلْك اليد بالأرض بعد الاستنجاء:</span>\nعن أبي هريرة -﵁-: \"أنَّ النّبيّ - ﷺ - قضى حاجته، ثمَّ استنجى من تور، ثمَّ دَلَكَ يده بالأرض\" (٢).\nواستعمال الصابون ونحوه يجزئ عن ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>هل يجوز التبوُّل قائمًا</span>؟\nلقد وَرَدَ عن عائشة -﵂- قولُها: \"من حدَّثكم أنَّ النّبيّ - ﷺ - كان يبولُ قائمًا، فلا تصدِّقوه، ما كان يبولُ إلا قاعدًا\" (٣).\nوما بَدَر عن عائشة -﵂- نفيٌ، وقد حدَّثَتْ بما عَلِمَتْ.\nوقد ورَدَ الإِثبات من حُذيفة -﵁- وحدَّث بما عَلِمَ، فنُقدِّمه على النفي، وذلك بقوله: \"أتى النّبيّ - ﷺ - سُباطَةَ (٤) قومٍ، فبال قائمًا\" (٥).\nومن علم حجَّة على من لم يعلم.\n_________\n(١) أخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\"، وأبو داود، والترمذي، وغيرهم، وهو في \"الإِرواء\" (٥٢)، و\"صحيح سنن أبي داود\" (٢٤٤).\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٥) وغيره، وانظر \"المشكاة\" (٣٦٠).\n(٣) أخرجه النسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٢٩) وغيره، وانظر \"الصحيحة\" (٢٠١).\n(٤) المزبلة والكناسة: تكون بفناء الدور مرفقًا لأهلها. \"الفتح\".\n(٥) أخرجه البخاري: ٢٢٦، ومسلم؛ ٢٧٣، وغيرهما.","vol":"1","page":87},{"text":"قال الحافظ في \"الفتح\" (١/ ٣٣٠): \"وقد ثَبَتَ عن عُمر وعليٍّ وزيد بن ثابت وغيرهم: أنَّهم بالوا قيامًا، وهو دالٌّ على الجواز من غير كراهة إِذا أمِنَ الرَّشاش، والله أعلم، ولم يثبُتْ عن النّبيّ - ﷺ - في النَّهي عنه شيءٌ (١)؛ كما بيَّنتُه في أوائل شرح التِّرمذي، والله أعلم\".\nأمَّا قولُ عمر -﵁-: \"ما بُلْتُ قائمًا منذُ أسلمتُ\" (٢)؛ فَيُقابل بقول زيد -﵁-: \"رأيتُ عُمر بال قائمًا\" (٣).\nقال شيخنا- حفظه الله-: \"ولعلَّ هذا وقع من عمر -﵁- بعد قوله المتقدِّم، وبعدما تبيَّن له أنَّه لا شيء في البول قائمًا\" اهـ.\nفخُلاصة القول كما قال الحافظ -﵁-: \"جواز البول قائمًا من غير كراهة إِذا أمِنَ الرَّشاش\".\n_________\n(١) أما حديث: \"يا عُمر! لا تَبُل قائمًا\"؛ فإِنَّه ضعيف، وقد رواه ابن حبان في \"صحيحه\".\nقال شيخنا في \"الضعيفة\" (٩٣٤): \"وهذا سند ظاهره الصحَّة؛ فإِنَّ رجاله ثقات، لكنه معلول بعنعنة ابن جرير؛ فإِنَّه كان مدلِّسًا، وقال أبو عيسى في \"سننه\" (باب ما جاء في النهي عن البول قائمًا، تحت الحديث رقم ١٢): وِإنَّما رفعَ هذا الحديث عبد الكريم بن المُخارق، وهو ضعيف عند أهل الحديث، ضعَّفه أيوب السختياني، وتكلَّم فيه\".\n(٢) أخرجهما ابن أبي شيبة في \"المصنَّف\"، وِإسنادهما صحيح؛ كما ذكر شيخنا في التعليق على حديث (٩٣٤) من \"الضعيفة\".\n(٣) أخرجهما ابن أبي شيبة في \"المصنَّف\"، وِإسنادهما صحيح؛ كما ذكر شيخنا في التعليق على حديث (٩٣٤) من \"الضعيفة\".","vol":"1","page":88},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-82>الوضوء</span>\nالوُضوء (بالضمّ): الفِعْل، وبالفتح (الوَضوء): ماؤه، ومصدر أيضًا، أو لُغتان قد يُعني بهما المصدر وقد يُعني بهما الماء (١).\nقال الحافظ (٢): \"وهو مشتقٌّ من الوَضاءَة، وسُمّي بذلك لأنَّ المصلّي يتنظّف به فيصير وضيئًا\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>فضل الوُضوء</span>\nعن نعيم المُجمِر؛ قال: رَقِيتُ (٣) مع أبي هريرة -﵁- على ظهْر المسجد فتوضّأ فقال: إِنّي سمعْت النّبيّ - ﷺ - يقول: \"إِنَّ أمَّتي (٤) يُدعوَن يوم القيامة غُرًّا (٥) مُحَجَّلينَ (٦) من آثار الوُضوء\" (٧).\n_________\n(١) عن \"القاموس المحيط\"، وذكر نحوه الحافظ في \"الفتح\".\n(٢) وذكر نحوه الشوكاني في \"نيل الأوطار\" (أبواب صفة الوضوء ...).\n(٣) بكسر القاف؛ أي: صعدتُ.\n(٤) أمَّة الإجابة، وهم المسلمون، لا أمَّة الدَّعوة. انظر \"الفتح\".\n(٥) جمع أغرّ؛ أي: ذو غُرَّة، وأصل الغُرّة: لمعة بيضاء تكون في جبهة الفرس، ثمَّ استعملت في الجمال والشهرة وطيب الذِّكْر، والمراد بها هنا: النّور الكائن في وجوه أمَّة محمّد - ﷺ -، وغُرًّا: منصوب على المفعوليَّة ليُدعَوْن، أو على الحال؛ أي: أنهم إِذا دُعوا على رؤوس الأشهاد؛ نودوا بهذا الوصف، وكانوا على هذه الصفة.\n(٦) من التَّحجيل، وهو بياض يكون في ثلاث قوائم الفرس، وأصْله من الحِجل، وهو الخَلخال، والمراد به هنا أيضًا النور. \"الفتح\".\n(٧) أخرجه البخاري: ١٣٦، ومسلم: ٢٤٦، وحذفت الشطر الآخر من الحديث =","vol":"1","page":89},{"text":"وعن أبي مالك الأشعريّ -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"الطُّهورُ (١) شَطر الإِيمان\" (٢).\nوعن حُمران مولى عثمان عن عثمان -﵁- قال: رأيتُ رسول الله - ﷺ - توضّأ مثل وُضوئي هذا، ثمَّ قال: \"من توضّأ هكذا؛ غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه، وكانت صلاته ومشيه إِلى المسجد نافلة\" (٣).\nوعنه أيضًا؛ قال: سمِعْتُ عثمان وهو بفناء (٤) المسجد، فجاءه المؤذّن عند العصر، فدعا بوَضوء فتوضّأ، ثمَّ قال: والله لأحدّثنّكم حديثًا (٥)؛ لولا آية\n_________\n= لأنَّه مدْرج، ولفظه: \"فمن استطاع منكم أن يُطيل غُرَّته؛ فليفعل\".\nقال الحافظ في \"الفتح\": \" ... ثمَّ إِنَّ ظاهره بقيَّة حديث، لكن رواه أحمد من طريق فليح عن نعيم: لا أدري قوله: \"من استطاع ... \" إِلخ من قول النّبيّ - ﷺ - أو قول أبي هريرة، ولم أر هذه الجملة في رواية أحد؛ ممَّن روى الحديث من الصحابة، وهم عشرة، ولا ممَّن رواه عن أبي هريرة غير رواية نعيم هذه، والله أعلم\".\nوقد فصَّل القول في ذلك شيخنا الألباني -حفظه الله تعالى- في \"السلسلة الضعيفة\" (١٠٣٠)، فارجع إِليها -إِن شئت- وِإلى هذا ذهب شيخ الإِسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم -رحمهما الله تعالى- وغيرهما.\n(١) الطُّهور: بضم أوله: إِذا أريد به الفعل الذي هو المصدر، والطَّهور بالفتح: الماء لذي يُتطَّهر به.\n(٢) أخرجه مسلم: ٢٢٣\n(٣) أخرجه مسلم: ٢٢٩\n(٤) بين يدي المسجد أو في جواره.\n(٥) قال النووي: فيه جواز الحلف من غير ضرورة الاستحلاف.","vol":"1","page":90},{"text":"في كتاب الله ما حدَّثْتُكُم: إِنّي سمِعْت رسول الله - ﷺ - يقول: \"لا يتوضّأ رَجُلٌ مسلم فيُحسنُ الوُضوء، فيصلّي صلاةً، إلاَّ غَفَرَ الله له ما بينه وبين الصلاة التي تليها\".\n\"قال عُروة: الآية: ﴿إِنَّ الذين يكْتُمونَ ما أنْزَلْنا من البيِّنات والهدى﴾ إِلى قوله: ﴿اللاّعِنونَ﴾ (١) \" (٢).\nوعن عثمان بن عفّان -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من أتمَّ الوُضوءَ كما أمَره الله تعالى؛ فالصّلوات المكتوبات كفّارات لما بينهنَّ\" (٣).\nوعن حُمران مولى عثمان قال: توضّأ عثمانُ بنُ عفّانَ وُضوءًا حسنًا، ثمَّ قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يتوضّأ فأحسن الوُضوء، ثمَّ قال: \"من توضّأ هكذا، ثمَّ خرج إِلى المسجد لا ينهزُه (٤) إلا الصّلاة، غُفر له ما خلا من ذنبه\" (٥).\nوعن أبي هريرة -﵁-: أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"إِذا توضأ العبد المسلم (أو المؤمن)، فغَسل وجهه؛ فخرج من وجهه كلُّ خطيئة نظر\n_________\n(١) البقرة: ١٥٩\n(٢) أخرجه البخاري: ١٦٠، ومسلم: ٢٢٧\n(٣) أخرجه مسلم: ٢٣١\n(٤) أي: لا يدفعه أو يحرِّكُه.\n(٥) أخرجه مسلم: ٢٣٢","vol":"1","page":91},{"text":"إِليها بعينيه مع الماء (أو آخر قَطرْ الماء)، فإِذا غسل يديه؛ خرج من يديه كلُّ خطيئة كان بطَشَتها (١) يداه مع الماء (أو آخر قطر الماء)، فإِذا غسل رجليه؛ خرجت كلُّ خطيئة مشتها رجلاه مع الماء (أو آخر قطر الماء)، حتى يخرُج نقيًّا من الذّنوب\" (٢).\nوعن عثمان بن عفان -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من توضّأ فأحسن الوُضوء؛ خَرجت خطاياه من جسده، حتى تخرج من تحت أظفاره\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>الوضوء شرط من شروط الصلاة</span>\nقال تعالى: ﴿يا أيّها الذين آمنوا إِذا قُمْتُمْ إِلى الصَّلاة فاغْسلُوا وُجوهَكُم وأيْديَكُم إِلى المرافقِ وامْسَحُوا برؤوسكُم وأرجُلَكُمَ إِلى الكعْبَيْن﴾ (٤).\nوعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا تُقبل (٥) صلاةُ من أحدثَ حتى يتوضّأ \".\n_________\n(١) أي: اكتسبتها.\n(٢) أخرجه مسلم: ٢٤٤، وغيره.\n(٣) أخرجه مسلم: ٢٤٥، وغيره.\n(٤) المائدة: ٦\n(٥) جاء في \"الفتح\" تحت حديث (رقم ١٣٥): \"المراد بالقَبول: هنا ما يُرادف الصحّة، وهو الإِجزاء، وحقيقة القبول ثمرة وقوع الطاعة مجزئة رافعة لما في الذِّمَّة، =","vol":"1","page":92},{"text":"قال رجلٌ من حضرَمَوت: ما الحدث (١) يا أبا هريرة؛ قال: فُساء أو ضُراط.\nوعن مصعب بن سعد -﵁- قال: \"دَخَل عبد الله بن عمر على ابن عامر يعودُه وهو مريض، فقال: ألا تدعو الله لي يا ابن عمر؟ قال: إِنّي سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"لا تُقبل صلاة بغير طُهور، ولا صدقةٌ من غُلُول (٢) \" وكنتَ على البصرة\" (٣) (٤).\n_________\n= ولمَّا كان الإِتيان بشروطها مظنَّة الإِجزاء الذي القَبول ثمرتُه، عبَّر عنه بالقبول مجازًا، وأمَّا القبول المنفي في مثل قوله - ﷺ -: لا من أتى عرَّافًا؛ لم تُقبل له صلاة\"؛ فهو الحقيقي؛ لأنَّه قد يصح العمل وَيتخلَّف القَبول لمانع، ولهذا كان بعض السّلف يقول: لأن تُقبل لي صلاة واحدة أحبُّ إِليَّ من جميع الدنيا، قاله ابن عمر.\nقال: لأنَّ الله تعالى قال: ﴿إِنَّما يتقبل الله من المتقين﴾ (المائدة: ٢٧) \" انتهى كلامه -﵁- والحديث بلفظ: \"من أتى عرَّافًا، فسأله عن شيء؛ لم تُقبل له صلاة أربعين ليلة\"، أخرجه مسلم: ٢٢٣٠، وغيره.\n(١) الحدث: الخارج من أحد السَّبيلين، وتفسير أبي هريرة الأخصّ من ذلك تنبيهًا بالأخفّ على الأغلظ. (الفتح) رواه البخاري: ١٣٥، ومسلم: ٢٢٥ دون قوله: \"قال رجل\".\n(٢) الغُلول: الخيانة، وأصله السَّرقة من مال الغنيمة قبل القِسمة.\n(٣) أخرجه مسلم: ٢٢٤\n(٤) قال النووي في \"شرح مسلم\": \"فمعناه: أنَّك لست بسالمٍ من الغلول، فقد كنت واليًا على البصرة، وتعلَّقت بك تَبعات من حقوق الله تعالى وحقوق العباد، ولا يقبل الدُّعاء لمن هذه صفته؛ كما لا تقبل الصلاة والصدقة إلاَّ من مُتصوَن، والظاهر -والله أعلم- أنَّ ابن عمر قصدَ زجر ابن عامر وحثَّه على التوبة وتحريضه على الإقلاع عن المخالفات =","vol":"1","page":93},{"text":"وعن عليّ -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"مِفتاحُ الصلاة الطَّهور، وتحريمها التّكبير، وتحليلها التّسليم\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>فرائض الوضوء</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>١ - النِّيَّة</span>\nلحديتَ عمر بن الخطاب -﵁- قال: سمعْت رسول الله - ﷺ - يقول: \"إِنَّما الأعمال بالنِّيَّات، وإِنَّما لكلّ امرئ ما نوى\" (٢).\nوالنّيّة: القصد والعزم، ومحلّها القلب، والتلفّظ بها بدعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>٢ - التَّسمية</span>\nلحديث أبي هريرة -﵁- عن النّبيّ - ﷺ -؛ قال: \"لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله تعالى عليه\" (٣).\nقال الحافظ المنذري -﵁- في \"الترغيب\": \" ... وقد ذهب الحسن وإِسحاق بن راهويه وأهل الظَّاهر؛ إِلى وجوب التَّسمية في الوضوء؛\n_________\n= ولم يُرِد القطع حقيقة بأنَّ الدعاء للفسّاق لا ينفع، فلم يزل النبيّ - ﷺ - والسّلف والخلف يدْعون للكفار وأصحاب المعاصي بالهداية والتوبة، والله أعلم.\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٥٥)، والترمذي، وغيرهما وانظر \"الإِرواء\" (٣٠١).\n(٢) أخرجه البخاري: ١، ومسلم: ١٩٠٧، وغيرهما.\n(٣) أخرجه أحمد وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٩٢)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٣٢٠)، وغيرهم، وانظر \"الإِرواء\" (٨١).","vol":"1","page":94},{"text":"حتى إِنَّه إِذا تعمَّد ترْكها؛ أعاد الوضوء، وهو رواية الإِمام أحمد ... \".\nوهو من اختيار صدّيق خان، والشوكاني كما في \"السيل الجرّار\" (١/ ٧٦ - ٧٧)، و\"الدّراري المضيّة\" (١/ ٤٥)، وبه يقول شيخنا الألباني -حفظه الله- في \"تمام المنّة\" (ص٨٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>٣ - المضمضة والاستنشاق والاستنثار مّرة واحدة</span>.\nعن لقيط بن صَبِرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إِذا توضّأتَ؛ فمضمِض\" (١).\nو(مضمِض) فِعل أمر، والأمر يفيد الوجوب؛ إلا لقرينة تصرفه -كما هو معروف-.\nوعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من توضّأ؛ فلْيستنثر (٢)، ومن استجمر؛ فليوتر\" (٣).\nقال الشوكاني -﵀-: \"القول بالوجوب هو الحقّ؛ لأنَّ الله سبحانه قد أمرَ في كتابه العزيز بغسل الوجه، ومحلّ المضمضة والاستنشاق من جملة الوجه، وقد ثبت مداومة النّبيّ - ﷺ - على ذلك في كلِّ وضوء، ورواه جميع من روى وضوءَه - ﷺ - وبيَّن صِفته، فأفاد ذلك أنَّ غسل الوجه المأمور به في القرآن\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٣١)، وصححه الترمذي والنووي. وانظر كلام الشوكاني في تخريجه بعد سطور.\n(٢) من النَّثر: وهو طرح الماء الذي يستنشقه المتوضئ؛ أي: يجذبه بريح أنفه لتنظيف ما في داخله، فيخرُج بريح أنفه.\n(٣) أخرجه البخاري: ١٦١، ومسلم: ٢٣٧","vol":"1","page":95},{"text":"هو المضمضة والاستنشاق.\nوأيضًا قد ورد الأمر بالاستنشاق والاستنثار في أحاديث صحيحة.\nوأخرج أبو داود والترمذي من حديث لَقيط بن صَبِرة بلفظ: \"إِذا توضأتَ؛ فمَضمِض\"، وإسناده صحيح، وقد صحّحه الترمذي والنَّووي وغيرهما، ولم يأتِ من أعلَّه بما يقدح فيه\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>٤ - غَسْل الوجه مرّة واحدة</span>.\nقال ابن كثير في \"تفسيره\": \"وحدُّ الوجه عند الفقهاء ما بين منابت شعر الرأس -ولا اعتبار بالصّلع ولا بالغَمَم (٢) - إِلى منتهى اللحيَيْن والذّقن طولًا، ومن الأذن إِلى الأذن عَرضًا\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>٥ - تخليل اللحية</span>.\nلحديث أنس -﵁-: أنَّ رسول الله - ﷺ - كان إذا توضّأ؛ أخذ كفًّا من ماء، فأدخله تحت حَنَكه؛ فخلّل به لحيته، وقال: \"هكذا أمرني ربي ﷿\" (٤).\n_________\n(١) \"السيل الجرَّار\" (٨١ و٨٢).\n(٢) الغَمَم: هو سيلان الشعر حتى تضيق الجبهة والقفا. (المحيط).\n(٣) انظره في تفسير الآية (٦) من سورة المائدة.\n(٤) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٣٢)، وغيره، وهو صحيح بطرقه وشواهده، وانظر \"المشكاة\" (٤٠٨).","vol":"1","page":96},{"text":"٦ - غَسل اليدين إِلى المرفقين (١) مرة واحدة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>٧ - مسح الرأس مرّة واحدة </span>(٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>٨ - مسح الأذنين مرّة واحدة</span>.\nلقوله - ﷺ -: \"الأذنان من الرأس\" (٣).\nوبه يقول الإِمام أحمد بن حنبل -﵁-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>٩ - غَسل الرّجلين إِلى الكعبين مرّة واحدة</span>.\nودليل وجوب غسل هذه الأعضاء: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>١٠ - تخليل أصابع اليدين والرجلين</span>.\nلقوله - ﷺ -: \"إِذا توضّأْتَ؛ فخلِّلْ أصابعَ يديْك ورِجليْك\" (٥).\nوعن لَقيط بن صَبِرة عن النبيّ - ﷺ - قال: \"إِذا توضّأْتَ؛ فخلِّل\n_________\n(١) المرفق: موصل الذراع في العضُد.\n(٢) سيأتي التّفصيل المتعلِّق بهذا المسح إِن شاء الله.\n(٣) ثبت من عدّة طُرق، بعضها صحيح لذاته، وبعضها صحيح لغيره، وانظر تفصيله فى \"الصحيحة\" (٣٦).\n(٤) المائدة: ٦\n(٥) أخرجه الترمذي، وابن ماجه، والحاكم، وأحمد، وهو في \"الصحيحة\" (١٣٠٦).","vol":"1","page":97},{"text":"الأصابع \" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>١١ - الموالاة في الوضوء</span>.\nواختُلف فيها على أقوال، والراجح فيها الوجوب؛ إِلا إِذا تُركت لعُذر، والله أعلم.\nقال شيخ الإِسلام -﵀-: \"الموالاة في الوضوء، فيها ثلاثة أقوال: أحدها: الوجوب مُطلقًا؛ كما يذكره، أصحاب الإِمام أحمد ظاهر مذهبه، وهو القول القديم للشافعي.\nوالثاني: عدم الوجوب مطلقًا؛ كما هو مذهب أبي حنيفة، ورواية عن أحمد، والقول الجديد للشافعي.\nوالثالث: الوجوب؛ إلاَّ إِذا تركها لعُذر؛ مثل عدم تمام الماء؛ كما هو المشهور في مذهب مالك\".\nقلت [أي: شيخ الإِسلام -رحمه الله تعالى-]: وهذا القول الثالث؛ هو الأظهر والأشبه بأصول الشريعة وبأصول مذهب أحمد وغيره.\nوذلك أنَّ أدلة الوجوب لا تتناول إِلا المفرِّط، لا تتناول العاجز عن الموالاة، فالحديث الذي هو عُمدة المسألة الذي رواه أبو داود (٢) وغيره عن خالد بن معدان عن بعض أصحاب النّبيّ - ﷺ -: \"أنَّه رأى رجلًا يصلّي وفي ظهر\n_________\n(١) صححه ابن حبان والحاكم وغيرهما، وهو في \"سنن أبي داود\" (١٤٢) نحوه، وانظر \"صحيح سنن أبي داود\" (١٢٩)، و\"الصحيحة\" تحت رقم (١٣٠٦).\n(٢) برقم: ١٧٥، وهو في \"صحيح سنن أبي داود\" (١٦١).","vol":"1","page":98},{"text":"قدمه لمعة قدْر الدِّرهم لم يُصِبها الماء، فأمره النّبيّ - ﷺ - أن يُعيد الوضوء والصلاة\" (١) فهذه قضيّة عين، والمأمور بالإِعادة مفرّط؛ لأنَّه كان قادرًا على غسل تلك اللمعة كما هو قادر على غسل غيرها، وإِنَّما بإِهمالها وعدم تعاهده لجميع الوضوء بقيت اللمعة، نظير الذين كانوا يتوضّؤون وأعقابهم تلوح، فناداهم بأعلى صوته: \"ويل للأعقاب من النَّار\" (٢).\nوكذلك الحديث الذي في \"صحيح مسلم\" (٣) عن عمر -﵁-: \"أنَّ رجلًا توضّأ، فترك موضع ظُفُر على قدمه، فأبصَره النّبيّ - ﷺ -، فقال: \"ارجِع فأحسِن وضوءك\"، فرجع ثمَّ صلّى (٤) \" (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>١٢ - التيامن</span>.\nوهو البدء بغسل اليمين من اليدين والرّجلين، وذلك لعموم ما ورد في التّيامن.\nثمَّ لقوله - ﷺ -: \"إِذا لَبِستُم وإذا توضّأتم؛ فابدؤوا بأيامِنكم\" (٦).\n_________\n(١) أخرجه أحمد وأبو داود وغيرهما، وصحّحه شيخنا -حفظه الله- في \"الإِرواء\" (٨٦).\n(٢) أخرجه البخاري: ٦٠، ٩٦، ١٦٣، ١٦٥، ومسلم: ٢٤٠، وغيرهما.\n(٣) برقم: ٢٤٣\n(٤) وفي رواية: \"فأمره أن يعيد الوضوء والصلاة\"؛ كما تقدّم، رواه أحمد، وأبو داود وانظر \"صحيح سنن أبي داود\" (١٦١)، و\"الإرواء\" (٨٦).\n(٥) \"مجموع الفتاوى\" (٢١/ ١٣٥).\n(٦) أخرجه أحمد وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٤٨٨)، وانظر \"المشكاة\" (٤٠١)، وهو في \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٣٢٣)؛ بلفظ: \"بميامنكم\".","vol":"1","page":99},{"text":"١٣ - \"الدلك لمن كان ذا شعرٍ كثير (١) كثيف\" (٢).\nلأنَّ هذا الشعر قد يحول دون بلوغ الماء موضعه، وما لا يتمّ الواجب إلاَّ به؛ فهو واجب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>سُنَن الوضوء</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>١ - السِّواك:</span>\nلقوله - ﷺ -: \"لولا أن أشقّ على أُمّتي؛ لأمَرْتُهم بالسواك مع كلّ وضوء\" (٣).\nويستحبّ السّواك للصائم أوّل النَّهار وآخره؛ للبراءة الأصليّة (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>٢ - غَسل الكفّين في أوّل الوضوء</span>.\nومن الأدلّة على ذلك:\nحديث عبد الله بن زيد، وفيه:\" ... فأكفأ (٥) على يده من التَّور، فغسل يديه ثلاثًا ... \" (٦).\n_________\n(١) ويسمى الشعراني في اللغة، وانظر \"المحيط\"، و\"الوسيط\".\n(٢) قاله لي بمعناه شيخنا الألباني -حفظه الله-.\n(٣) أخرجه أحمد ومالك والنسائي وغيرهم، وذكره البخاري معلقًا، وصحّحه شيخنا -حفظه الله- في \"الإرواء\" (٧٠).\n(٤) انظر \"تمام المنّة\" (ص ٨٩).\n(٥) أي: أمال وصبَّ.\n(٦) أخرجه البخاري: ١٨٦، ومسلم: ٢٣٥، وتقدّم.","vol":"1","page":100},{"text":"وكذلك حديث حُمران الآتي في النقطة الرابعة: \"فأفْرَغ (١) على كفّيه ثلاث مرار، فغسلهما ... \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>٣ - الدَّلك لمن لم يكن ذا شعر طويل كثيف</span>.\nعن عبد الله بن زيد: \"أنَّ النّبيّ - ﷺ - أُتيَ بثُلُثي مُدّ؛ فجعلَ يدْلُك ذراعه\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>٤ - تثليث الغَسل</span>.\nوفيه عدة أحاديث؛ منها:\nما رواه حُمران مولى عثمان: \"أنَّه رأى عثمان بن عفان دعا بإِناءٍ، فأفرغ على كفّيه ثلاث مِرار، فغسلَهما، ثمَّ أدخل يمينه في الإِناء فمضمضَ واستنشقَ، ثمَّ غسل وجهه ثلاثًا، ويديه إِلى المرفقين ثلاث مرار، ثمَّ مسح برأسه، ثمَّ غسل رجليه ثلاث مرار إِلى الكعبين، ثمَّ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من توضّأ نحو وُضوئي هذا، ثمَّ صلّى ركعتين لا يُحدِّث فيهما نفسه؛ غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه\" (٣).\nوعن المطلب بن عبد الله بن حنطب: \"أنَّ عبد الله بن عمر- رضي الله\n_________\n(١) أي: صبَّ.\n(٢) أخرجه ابن خزيمة في \"صحيحه\" (٩٢)، والحاكم مثله، وصحّحه شيخنا الألباني -حفظه الله-.\n(٣) أخرجه البخاري: ١٥٩، ومسلم: ٢٢٦ نحوه، وفيه: \"قال ابن شهاب: وكان علماؤنا يقولون: هذا الوضوء أسبَغ ما يتوضّأ به أحدٌ للصلاة\". وتقدّم.","vol":"1","page":101},{"text":"عنهما -توضّأ ثلاثًا ثلاثًا؛ يُسنِد ذلك إِلى النّبيّ - ﷺ -\" (١).\nوقد ثبتَ عن رسول الله - ﷺ -: \"أنَّه توضّأ مرّتين مرّتين:\nلحديث عبد الله بن زيد -﵁-: \" \"أنَّ النّبيّ - ﷺ - توضّأ مرّتين مرتين (٢) \" (٣).\nوعن أبي هريرة -﵁-: \"أنَّ النّبيّ - ﷺ - توضّأ مرّتين مرتين\" (٤).\nوثبت عنه - ﷺ - الوضوء مرّة مرّة:\nكما في حديث ابن عباس -﵄- قال: \"توضّأ النّبيّ - ﷺ - مرة مرة\" (٥).\nكما صحّ عنه - ﷺ - غَسل بعض أعضائه مرتين وبعضهما ثلاثًا:\nكما في حديث عمرو بن يحيى المازنيّ عن أبيه: \"أنَّ رجلًا قال لعبد الله ابن زيد -وهو جدُّ عمرو بن يحيى-: أتستطيع أن تُريني كيف كان رسول الله - ﷺ - يتوضّأ؟ فقال عبد الله بن زيد: نعم، فدعا بماء، فأفرغَ على يديه، فغسل مرّتين، ثمَّ مضمضَ واستنثر ثلاثًا، ثمَّ غسل وجهه ثلاثًا، ثمَّ\n_________\n(١) أخرجه النسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٧٩)، وابن ماجه \"سنن ابن ماجه\" (٣٣٤)، وتقدّم.\n(٢) لكلّ عضو.\n(٣) أخرجه البخاري: ١٥٨\n(٤) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٢٤)، والترمذي وصححه ابن حبان.\n(٥) أخرجه البخاري: ١٥٧","vol":"1","page":102},{"text":"غسل يديه مرّتين مرّتين إِلى المرفقين، ثمَّ مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر؛ بدأ بمقدَّم رأسه حتى ذهب بهما إِلى قفاه، ثمَّ ردَّهما إِلى المكان الذي بدأ منه، ثمَّ غسل رجليه\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>٤ - الدّعاء بعده</span>.\nوفي ذلك أحاديث، منها:\n\"ما منكم من أحد يتوضّأ فيُبلغ (أو فيُسبغ) الوضوء، ثمَّ يقول: \"أشهد أنَّ لا إِله إلا الله وأنَّ محمّدًا عبده ورسوله؛ إلاَّ فُتحت له أبواب الجنَّة الثمانية، يدخل من أيِّها شاء\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>٥ - صلاة ركعتين بعده</span>.\nلحديث أبي هريرة -﵁-: \"أنَّ النّبيّ - ﷺ - قال لبلال عند صلاة الفجر: \"يا بلال! حدّثني بأرجى (٣) عملٍ عملتَه في الإِسلام؛ فإِنّي سمْعت دَفَّ (٤) نعليك بين يديَّ في الجنَّة\". قال: \"ما عمِلْتُ عملًا أرجى عندي أنِّي لم أتطهَّر طُهورًا في ساعةِ ليلٍ أو نهارٍ؛ إلا صلّيت بذلك الطُّهور ما كُتب لي أن\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٨٥، ومسلم: ٢٣٥، وتقدّم.\n(٢) أخرجه مسلم: ٢٣٤، وغيره، وسأذكره بتمامه إِنْ شاء الله في موضعه.\n(٣) بلفظ أفعل التفضيل المبني من المفعول، وِإضافة العمل إِلى الرّجاء؛ لأنَه السبب الداعي إِليه. (فتح).\n(٤) قال الخليل: دفَّ الطائر: إِذا حرّك جناحيه وهو قائم على رجليه. =","vol":"1","page":103},{"text":"أصلّي\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-106>ما يجب له الوضوء</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>١ - الصلاة، سواء كانت فرضًا أو نافلة</span>.\nلقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (٢).\nولقوله - ﷺ -: \"لا تُقبل صلاة من أحدث حتى يتوضّأ\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>٢ - الطّواف بالبيت</span>.\nلقوله - ﷺ -: \"الطّواف بالبيت صلاة؛ إلا أنَّ الله أباح فيه الكلام\" (٤).\n_________\n= وقال الحميدي: الدّف: الحركة الخفيفة والسّير اللين. ووقع في رواية مسلم: \"خَشْف\"؛ قال أبو عبيد وغيره: الخَشف: الحركة الخفيفة. ووقع في حديث بريدة عند أحمد والترمذي وغيرهما: \"خشخشة\"، وهو بمعنى الحركة أيضًا. كذا في \"الفتح\" بحذف يسير.\n(١) أخرجه البخاري: ١١٤٩، ومسلم: ٢٤٥٨، وغيرهما.\n(٢) المائدة: ٦\n(٣) تقدّم في (باب الوضوء شرط من شروط الصلاة).\n(٤) أخرجه الترمذي، والدارمي، وابن خزيمة، وغيرهم، وهو حديث صحيح خرّجه شيخنا في \"الإِرواء\" (١٢١).","vol":"1","page":104},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-109>الأمور التي يستحبُّ لها الوضوء</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>١ - عند ذكر الله ﷿</span>.\nعن المهاجر بن قنفذ -﵁-: أنَّه أتى النّبيّ - ﷺ - وهو يبول، فسلَّم عليه، فلم يردَّ عليه حتى توضّأ، ثمَّ اعتذرَ إِليه فقال: \"إِنِّي كرهْتُ أن أذكر الله إلا على طُهر (أو قال: على طهارة) \" (١).\nوعن أبي الجهيْم -﵁- قال: \"أقبل النّبيّ - ﷺ - من نحو بئر جمل، فلقيه رجل، فسلَّم عليه، فلم يردَّ عليه النّبيّ - ﷺ - حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه ويديه، ثمَّ ردَّ ﵇\" (٢).\nويندرج الدعاء تحت الذِّكْر، لا سيّما وقد ورد فيه نصٌّ خاصٌّ:\nففي حديث أبي موسى -﵁- قال: \"لمّا فرغ النّبيّ - ﷺ - من حنين؛ بعث أبا عامرٍ على جيش إِلى أوطاس، فلقي دريد بن الصِّمَّة، فقُتل دريد، وهزم الله أصحابه.\nقال أبو موسى: وبعثَني مع أبي عامر، فرُميَ أبو عامر في ركبته، رماه جُشَميٌّ بسهم فأثبته في ركبته، فانتهيت إِليه، فقلت: يا عمِّ! من رماك؟ فأشار إِلى أبي موسى فقال: ذاك قاتلي الذي رماني، فقصدت له، فلحقْتُهُ، فلمَّا رآني؛ ولّى، فاتَّبعْتُه وجعلْت أقول له: ألا تستحي؟! ألا تثبت؟! فكفَّ، فاختلفنا ضربتين بالسيف، فقتلتُه، ثمَّ قلت لأبي عامر: قتَل الله صاحبك.\n_________\n(١) أخرجه أبو داود وغيره، وهو في \"الصحيحة\" (٨٣٤) وتقدم.\n(٢) أخرجه البخاري: ٣٣٧، ومسلم: ٣٦٩، وغيرهما.","vol":"1","page":105},{"text":"قال: فانزع هذا السهم. فنزعته، فنزا منه الماء (١).\nقال: يا ابن أخي! أقرِئ النّبيّ - ﷺ - السلام، وقل له: استغفِر لي. واستخلفني أبو عامر على الناس، فمكث يسيرًا ثمَّ مات.\nفرجعتُ، فدخلتُ على النّبيّ - ﷺ - في بيته على سرير مُرمَل (٢)، وعليه فراش قد أثّر رِمال السرير بظهره وجَنْبَيْه، فأخبرته بخبرنا وخبر أبي عامر، وقال: قل له: استغفِر لي. فدعا بماء فتوضّأ، ثمَّ رفع يديه فقال: \"اللهمّ اغفر لعبيدٍ أبي عامر\".\nورأيت بياض إِبطيه، ثمَّ قال: \"اللهمّ اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك من الناس\". فقلت: ولي فاستغفر. فقال: \"اللهمّ اغفر لعبد الله بن قيس ذنبَه، وأدخلْه يوم القيامة مُدْخَلًا كريمًا\".\nقال أبو بردة: إِحداهما لأبي عامر، والأخرى لأبي موسى\" (٣).\nقال الحافظ: \"يُستفاد منه استحباب التّطهير لإِرادة الدعاء، ورفْع اليدين في الدعاء؛ خلافًا لمن خصَّ ذلك بالاستسقاء\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>٢ - عند كلِّ صلاة</span>.\nعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لولا أن أشقّ\n_________\n(١) أي: انصبَّ من موضع السَّهم.\n(٢) أي: معمول بالرِّمال، وهي حبال الحصر التي تضفر بها الأسرة \"فتح\".\n(٣) أخرجه البخاري: ٤٣٢٣ واللفظ له، ومسلم: ٢٤٩٨. وأبو بردة هو ابن موسى راوي الحديث عنه.","vol":"1","page":106},{"text":"على أمّتي؛ لأمَرْتهم عند كلِّ صلاة بوُضوء، ومع كلِّ وُضوء بسواك\" (١).\nوعن عبد الله بن عبد الله بن عمر؛ قال: \"قلت: أرأيت توضؤ ابن عمر لكلّ صلاة طاهرًا وغير طاهر؟ عمَّ ذاك؟ فقال: حدَّثَتنيه أسماء بنت زيد بن الخطَّاب: أنَّ عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر حدّثها: أنَّ رسول الله - ﷺ - أمر بالوضوء لكلّ صلاة طاهرًا وغير طاهر، فلمّا شقَّ ذلك عليه؛ أمَر بالسواك لكل صلاة، فكان ابن عمر يرى أنَّ به قوَّة، فكان لا يدَع الوضوء لكلّ صلاة\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>٣ - الوضوء عند كلّ حدث</span>.\nلحديث بريدة بن الحصيب؛ قال: \"أصبح رسول الله - ﷺ - يومًا، فدعا بلالًا، فقال: \"يا بلال! بما سبقْتني إِلى الجنّة؟! إِنِّي دخلْتُ البارحة الجنّة، فسمعت خشخشتك أمامي\".\nفقال بلال: يا رسول الله! ما أذّنْتُ قطّ إلاّ صلّيت ركعتين، ولا أصابني حدث قطّ إلا توضّأت عنده، فقال رسول الله - ﷺ -: \"لهذا\" (٣).\n\n٤ - الوضوء (٤) مِن حَمْل الميت:\n_________\n(١) أخرجه أحمد بإِسناد حسن؛ وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١٩٣).\n(٢) أخرجه أحمد وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٨)، وحسّن شيخنا إِسناده في \"المشكاة\" (٤٢٦).\n(٣) أخرجه الترمذي، والحاكم، وابن خزيمة في \"صحيحه\"، وِإسناده على شرط مسلم؛ كما ذكر شيخنا في \"تمام المنة\" (ص١١١)، وتقدّم في (باب سنن الوضوء) بغير هذا اللفظ.\n(٤) استفدته من \"تمام المنة\" هو والذى قبله.","vol":"1","page":107},{"text":"لقوله - ﷺ -: \"من غسَّلَ ميتًا؛ فليغتسل، ومن حمله؛ فليتوضّأ\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>٥ - الوضوء للجُنب إِذا نام دون اغتسال </span>(٢):\nوفيه أحاديث منها:\nعن أبي سلمة؛ قال: سألْتُ عائشة: أكان النّبيّ - ﷺ - يرقد وهو جُنب؟ قالت: \"نعم، ويتوضّأ\" (٣).\nوعن ابن عمر -﵄-: أنَّ عمر سألَ رسول الله - ﷺ -: أيرقد أحدُنا وهو جُنُب؟ قال: \"نعم؛ إِذا توضّأ أحدُكم؛ فليرقد وهو جُنُب\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>٦ - الوضوء للجُنب إِذا أراد الأكل</span>.\nعن عائشة -﵂- قالت: \"كان رسول الله - ﷺ - إِذا كان جُنُبًا، فأراد أن يأكل أو ينام؛ توضّأ وضوءه للصّلاة\" (٥).\n_________\n(١) أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وغيرهم، وانظر \"تمام المنة\" (ص ١١٢)، و\"الإِرواء\" (١٤٤).\n(٢) وكان من هدي النَبي - ﷺ - الاغتسال قبل النوم والنوم قبل الاغتسال؛ كما في حديث عبد الله بن أبي قيس؛ قال: \"سألت عائشة عن وتر رسول الله - ﷺ -؟ (فذكر الحديث) وفيه: قلت: كيف كان يصنع في الجنابة؟ أكان يغتسل قبل أن ينام أم ينام قبل أن يغتسل؟ قالت: \"كلّ ذلك قد كان يفعل، ربما اغتسل فنام، وربما توضّأ فنام\". قلت: الحمد لله الذي جعل في الأمر سَِعة\". [بفتح السين وكسرها، وانظر \"الوسيط\"]. أخرجه مسلم: ٣٠٧\n(٣) أخرجه البخاري: ٢٨٦، ومسلم: ٣٠٥\n(٤) أخرجه البخاري: ٢٨٧، ومسلم: ٣٠٦ نحوه، وغيرهما.\n(٥) أخرجه مسلم: ٣٠٥","vol":"1","page":108},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-116>٧ - المعاودة للجماع</span>.\nعن أبي سعيد الخدريّ -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إذا أتى أحدُكم أهله، ثمَّ أراد أن يعود؛ فليتوضّأ\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-117>٨ - الوضوء من القيء</span>.\nلحديث مَعدان بن أبي طلحة عن أبي الدّرداء: \"أنَّ رسول الله - ﷺ - قاء، فأفطر، فتوضّأ\"، فلقيتُ (٢) ثوبان في مسجد دمشق، فذكرْتُ له، فقال (٣): صدق (٤)، أنا صببتُ له وضوءه (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-118>٩ - الوضوء من أكل ما مسّته النار</span>.\nوقد دلَّ على وجوب الوضوء:\nما روته عائشة -﵂- عن رسول الله - ﷺ -: \"توضؤوا ممّا مسّت النَّار\" (٦).\nوأيضًا حديث عبد الله بن إِبراهيم بن قارظ: \"أنَّه وجد أبا هريرة يتوضّأ على المسجد، فقال: إِنَّما أتوضّأ من أثوار أقط أكلتها؛ لأنّي سمعتُ رسول الله\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ٣٠٨، وأبو داود نحوه \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٠٤).\n(٢) قائله معدان بن أبي طلحة.\n(٣) أي: ثوبان.\n(٤) أى: أبو الدرداء.\n(٥) أخرجه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٧٦) وغيره، وسيأتي في (أمور تُظنُّ أنها تنقض الوضوء).\n(٦) أخرجه مسلم: ٣٥٣","vol":"1","page":109},{"text":"- ﷺ - يقول: \"توضّؤوا ممّا مسَّت النَّار\" (١). ثمَّ أورد أهل العلم ما ينسخ هذا (٢)؛ كما فى حديث عمر بن أميّة: أنَّ أباه عمرو بن أميّة أخبره: \"أنَّه رأى النّبيّ - ﷺ - يحتزُّ (٣) من كتف شاة في يده، فدُعي إِلى الصلاة، فألقاها والسكّين التي يحتزّ بها، ثمَّ قام فصلّى ولم يتوضّأ\" (٤).\nوعن جابر قال: \"كان آخر الأمرين من رسول الله - ﷺ -: ترْك الوضوء ممّا غيّرت النّار\" (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>١٠ - عند النوم</span>.\nلحديث البراء بن عازب -﵀- قال: قال النّبيّ - ﷺ -: \"إِذا أتيت مضجعك؛ فتوضّأ وضُوءك للصّلاة، ثمَّ اضطجعْ على شقِّكَ الأيمن، ثمَّ قُلْ: اللهمَّ أسلمتُ وجهي إِليك، وفوَّضْت أمري إِليك، وألجأتُ ظهري إِليك؛ رغبةً ورهبةً إِليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إِليك، اللهمّ آمنت بكتابك الذي أنزَلْتَ، وبنبيِّك الذي أرسلتَ، فإِنْ مُتَّ من ليلتك؛ فأنت على الفطرة، واجعلهُنّ آخر ما تتكلّمُ به\" قال: فردَّدْتها على النّبيّ - ﷺ -، فلمَّا بَلَغْتُ: \"اللهمَّ آمنتُ بكتابك الذي أنزلْتَ\"، قلتُ: \"ورسولك\" قال: \"لا؛ ونبيِّكَ\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ٣٥٢، وغيره، وهناك من حمله على غسل اليد والفم. انظر \"الروضة الندية\" (١/ ١٥٥).\n(٢) فقد بوّب النووي لهذا بقوله: \"باب نسْخ الوضوء مّما مسّت النار\"، وأبو داود بقوله: \"في ترْك الوضوء مما مسّت النار\".\n(٣) أي: يقطع.\n(٤) أخرجه البخاري: ٥٤٠٨، ومسلم: ٣٥٥\n(٥) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٧٧).","vol":"1","page":110},{"text":"الذي أرسلتَ\" (١)، وقال النووي في \"شرحه\" (١٧/ ٣٢) باستحبابه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>مسألة في الوضوء لمسِّ المصحف:</span>\nاختلف العلماء في مسِّ المصحف من قِبل المحْدث والجُنُب، وذهبَ الجمهور إِلى منْع ذلك (٢)، واستدلُّوا بحديث: \"لا يمسُّ القرآن إلا طاهر\" (٣).\nجاء في \"نيل الأوطار\" (١/ ٢٥٩): \"والحديث يدلُّ على أنَّه لا يجوز مسُّ المصحف إلا لمن كان طاهرًا، ولكنَّ الطَّاهر يُطلق بالاشتراك على المؤمن والطاهر من الحدث الأكبر والأصغر ومن ليس على بدنه نجاسة.\nويدلُّ لإِطلاقه على الأوَّل: قول الله تعالى: ﴿إِنَّما المُشْرِكونَ نَجَسٌ﴾ (٤).\nوقوله - ﷺ - لأبي هريرة -﵀-: \"المؤمن لا ينجُس\" (٥).\nوعلى الثاني: ﴿وإِنْ كنْتمْ جُنُبًا فاطهَّروا﴾ (٦).\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٢٤٧، ومسلم: ٢٧١٠، وغيرهما. قال الحافظ: \"النُّكتة في ختم البخاريِّ كتاب الوضوء بهذا الحديث من جهة: أنَّه آخر وضوء أُمِرَ به المكلَّف في اليقَظة، ولقوله في نفس الحديث: \"واجعلهنَّ آخر ما تقول\"، فأشعر ذلك بختم الكتاب، والله الهادي للصواب\".\n(٢) وقال الشوكاني في \"نيل الأوطار\" (١/ ٢٦٠): \"وقد وقع الإِجماع على أنّه لا يجوز للمحدث حدثًا أكبر أن يمسَّ المصحف، وخالف في ذلك داود\" انتهى، وسيأتي هذا القول إِن شاء الله تعالى.\n(٣) سيأتي الكلام حول هذا الحديث إِن شاء الله.\n(٤) التوبة: ٢٨\n(٥) تقدّم تخريجه.\n(٦) المائدة: ٦","vol":"1","page":111},{"text":"وعلى الثالث: قوله - ﷺ - في المسح على الخفَّين: \"دعْهما؛ فإِنّي أدخلتُهما طاهرتين\".\nوعلى الرابع: الإجماع على الشيء الذى ليس عليه نجاسة حسِّيَّة ولا حُكميَّة يسمى طاهرًا، وقد ورَد إِطلاق ذلك في كثير.\nفمن أجاز حَمْل المشرك على جميع معانيه؛ حمَله عليه هنا، والمسألة مدونة في الأصول، وفيها مذاهب.\nوالذي يترجَّح أن المشترك مُجملٌ فيها، فلا يُعْمَل به حتى يُبيَّن ...\nوقال: \"استدلَّ المانعون للجُنُب بقوله تعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلاَّ المُطَهَّرُون﴾ (١)، وهو لا يتمُّ إلا بعْد جعْل الضمير راجعًا إِلى القرآن، والظاهر رجوعُه إِلى الكتاب، وهو اللوح المحفوظ؛ لأنَّه الأقرب، والمطهَّرون الملائكة، ولو سَلِمَ عدم الظُّهور؛ فلا أقلَّ من الاحتمال، فيمتنع العمل بأحد الأمرين، ويتوجَّه الرجوع إِلى البراءة الأصليَّة، ولو سَلِم رجوعه إِلى القرآن على التَّعيين؛ لكانت دلالته على المطلوب -وهو منع الجُنُب من مسِّه- غير مسلَّمة؛ لأنَّ الطاهر من ليس بنجس، والمؤمن ليس بنجس دائمًا؛ لحديث \"المؤمن لا ينجس\"، وهو متَّفق عليه (٢)؛ فلا يصحُّ حمل المطهَّر على من ليس بجُنب أو حائض أو محدَث أو متنجِّس بنجاسة عينيَّة، بل حمْلُه على من ليس بمشرك؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّما المُشْرِكونَ نَجَسٌ﴾ (٣)، لهذا الحديث، والحديث للنهي عن السفر بالقرآن إِلى أرض العدو، ولو سلِم\n_________\n(١) الواقعة: ٧٩\n(٢) تقدم تخريجه.\n(٣) التوبة: ٢٨","vol":"1","page":112},{"text":"صِدْق اسم الطَّاهر على من ليس بمحدث حدثًا أكبر أو أصغر؛ فقد عَرَفْتَ أنَّ الراجح كون المشترك مجملًا في معانيه، فلا يعيَّن حتى يبيَّن، وقد دلَّ الدليل ها هنا أنَّ المراد به غيره لحديث: \"المؤمن لا ينجس\"، ولو سَلِم عدم وجود دليل يمنع من إِرادته؛ لكان تعيينه لمحلِّ النِّزاع ترجيحًا بلا مرجِّح، وتعيينه لجميعها استعمالًا للمشترك في جميع معانيه، وفيه الخلاف، ولو سَلِم رجحان القول بجواز الاستعمال للمشترك في جميع معانيه؛ لما صحَّ؛ لوجود المانع، وهو حديث: \"المؤمن لا ينجس\".\nواستدلُّوا بحديث الباب (١)، وأُجيب بأنَّه غير صالح للاحتجاج؛ لأنَّه من صحيفة غير مسموعة، وفي رجال إِسناده خلاف شديد، ولو سَلِم صلاحيته للاحتجاج لعاد البحث السابق في لفظ طاهر، وقد عرفْتَه.\nقال السيد العلامة محمد بن إِبراهيم الوزير: إِنَّ إِطلاق اسم النجس على المؤمن الذي ليس بطاهر من الجنابة أو الحيض أو الحدث الأصغر؛ لا يصحُّ لا حقيقةً ولا مجازًا ولا لغةً، صرَّح بذلك في جواب سؤال، وردَّ عليه، فإِن ثبت هذا؛ فالمؤمن طاهر دائمًا؛ فلا يتناوله الحديث، سواء كان جُنُبًا أو حائضًا أو محدثًا أو على بدنه نجاسة.\nفإِن قلت: إِذا تمَّ ما تريد من حمْل الطاهر على من ليس بمشرك؛ فما جوابك فيما ثبت في المتَّفق عليه من حديث ابن عباس أنَّه - ﵌ - كتب الى هرقل عظيم الروم: أسلِم تسلم، وأسلِم يؤتك الله\n_________\n(١) أي: حديث: \"لا يمس القرآن إلاَّ طاهر\".","vol":"1","page":113},{"text":"أجرك مرَّتين، فإِنْ تولَّيت فإِنَّ عليك إِثم الأريسيين، و﴿يا أَهْلَ الكتابِ تعالوْا إِلى كَلِمَةٍ﴾ إِلى قوله: ﴿مُسْلِمونَ﴾، مع كونهم جامعين بين نجاستي الشرك والاجتناب، ووقوع اللمس منهم له معلوم.\nقلت: اجعله خاصًّا بمثل الآية والآيتين؛ فإِنَّه يجوز تمكين المشرك من مسِّ المقدار لمصلحة؛ كدعائه إِلى الإِسلام، ويمكن أن يُجاب عن ذلك بأنَّه قد صدر باختلاطه بغيره لا يحرم لمسه؛ ككُتُب التفسير؛ فلا تخصَّص به الآية والحديث.\nإِذا تقرَّر لك هذا؛ عرفتَ انتهاض الدَّليل على منع من عدا المشرك.\nوقد عرفت الخلاف في الجُنُب.\nوأما المحدث حدثًا أصغر؛ فذهب ابن عباس والشعبي والضَّحَّاك؛ وزيد ابن علي والمؤيَّد بالله والهادوية وقاضي القضاة وداود إِلى أنَّه يجوز له مسُّ المصحف، وقال القاسم وأكثر الفقهاء والإِمام يحيى: لا يجوز، واستدلُّوا بما سَلَف، وقد سَلَف ما فيه\" اهـ.\nوأمَّا القراءة له بدون مسٍّ؛ فهي جائزة اتِّفاقًا، وقد ذَكر ابن أبي شيبة -﵀- في \"مصنّفه\" آثارًا كثيرة في ذلك (١).\nقال ابن حزم -﵀- في \"المحلَّى\" (١/ ١٠٧): \"وأمَّا مسُّ المصحف؛ فإِنَّ الآثار التي احتج بها من لم يُجزْ للجنب مسَّه، فإِنَّه لا يصحُّ\n_________\n(١) انظر (١/ ٩٨) (في الرجل الذى يقرأ القرآن وهو غير طاهر) وكذا عبد الرزاق في \"مصنفه\" (١/ ٣٤٠).","vol":"1","page":114},{"text":"منها شيء (١)؛ لأنَّها مُرسلة، وإمَّا صحيفة لا تُسْنَد، وإِمَّا عن مجهول، وإمَّا عن ضعيف، وقد تقصَّيناها في غير هذا المكان\".\nثمَّ ذكر رسالة النّبيّ - ﷺ - إِلى هِرَقل عظيم الروم (٢) وما حَوَتْه من الذِّكر ولفظ الجلالة، وتضمُّنها لآية من القرآن الكريم.\nثمَّ قال: \"فإِن قالوا: إِنِّما بعَث رسول الله - ﷺ - إِلى هِرَقل آية واحدة! قيل لهم: ولم يمنع رسول الله - ﷺ - من غيرها، وأنتم أهل قياس، فإِن لم تقيسوا على الآية ما هو أكثر منها؛ فلا تقيسوا على هذه الآية غيرها\".\nثمَّ ذكر ردّه على من يحتجُّ بقوله تعالى: ﴿لا يَمَسّه إِلاَّ المُطَهَّرونَ﴾ (٣)؛ بأنَّه خبر وليس أمرًا، وأنَّنا رأينا المصحف يمسُّه الطَّاهر وغير الطَّاهر، فنعلم أنَّ الله -﷿- لم يعْنِ المصحف، وإنما عنى كتابًا آخر، وأورد بعض أقوال السَّلف أنَّهم الملائكة الذين في السَّماء.\nقلت: ومحور الخلاف وأقواه -فيما رأيت- منصبٌّ على فهم حديث: \"لا يمسّ القرآن إِلاَّ طاهر\"، وقد جاء من طُرق عدَّة ضعيفة، لكن ضعْفها يسير، وبذلك يثبت الحديث بمجموع الطُّرق؛ كما ذعر شيخنا في \"الإِرواء\" (١٢٢).\n_________\n(١) هذا في كل طريق على حدة، بيد أنَّ الحديث ثابت بمجموع الطُّرق كما سيأتي -إِن شاء الله تعالى-.\n(٢) أخرجه البخاري: ٧، ومسلم: ١٧٧٣، وغيرهما.\n(٣) الواقعة: ٧٩","vol":"1","page":115},{"text":"بَيْد أنَّ الحديث جاء بلفظ: \"وأنت طاهر\"، من طريق عثمان بن أبي العاص؛ كما في \"الكبير\" للطبراني، وفيه من لا يُعْرَف، وابن أبي داود في \"المصاحف\"، وفيه انقطاع، بل في إِسنادهما كليهما إِسماعيل بن رافع، وهو ضعيف الحفظ؛ كما قال الحافظ -﵀- وبيَّنه شيخنا -حفظه الله- في \"الإِرواء\".\nأمَّا رواية عمرو بن حزم؛ فقد جاءت بلفظ: \"ألاَّ تمسَّ القرآن إِلاَّ على طُهر\"؛ كما في \"سنن الدارقطنيّ\" (١/ ١٢١) (رقم ١١٠) و(رقم ٤) أيضًا من طريق عبد الرزاق بيْدَ أنَّها وردت فْي \"المصنَّف\" بلفظ: \"لا يمسّ\"، فيخشى التصحيف بما جاء في الدَّارقطني والبيهقيّ برقم (١/ ٨٧).\nقلتُ: فالمسألة تحتاج إِلى تتبُّع واستقصاء، فإِن ثبت لفظ: \"وأنت طاهر ... \" وما في معناه (١)؛ كان تحريم مسِّ القرآن واضحًا بيِّنًا للمحدث والجُنُب والحائض.\nوجاء في \"الإِرواء\": \"قال إسحاق المروزي في \"مسائل الإِمام أحمد\" (ص٥): قلت (يعني: لأحمد): هل يقرأ الرجل على غير وضوء؟ قال: نعم، ولكن لا يقرأ في المُصحف ما لم يتوضّأ. قال إِسحاق: كما قال؛ لما صحَّ قول النّبيّ - ﷺ -: \"لا يمسّ القرآن إلا طاهر\"، وكذلك فعَل أصحاب النّبيّ - ﷺ - والتابعون\".\nثمَّ قال -حفظه الله-: \"وممَّا صحَّ في ذلك عن الصحابة ما رواه مصعب\n_________\n(١) ولم أتمكّن من المتابعة؛ لنقص عدد من المراجع، بها قد يتحقّق المطلوب، وأسأل الله أن ييسّر لي ذلك.","vol":"1","page":116},{"text":"ابن سعد بن أبي وقَّاص: أنَّه قال: كنتُ أمسِك المصحف على سعد بن أبي وقَّاص، فاحتَكَكْتُ، فقال سعدٌ: لعلَّك مسَسْتَ ذكَرَكَ؟ قال: فقلتُ: نعم. فقال: قم فتوضّأ. فقمتُ فتوضَّأتُ ثمَّ رجعتُ، رواه مالك (١/ ٤٢) (رقم ٥٩)، وعنه البيهقيّ، وسنده صحيح\".\nولم يترجَّح لديَّ شيءٌ في هذا، وإِنَّما أنصحُ بالوضوء لمسِّ القرآن ما وجدَ المرء لذلك سبيلًا، وأسأل الله تعالى أن يلهمنا الحقَّ والصَّواب والرَّشاد، وأن يعافينا من الهوى والتعصُّب والضلال.\nوأمّا القراءة بلا مسٍّ؛ فجوازه بيِّنٌ قويٌّ، ومن الأدلَّة على ذلك حديث عائشة -﵂-: \"كان النبيّ - ﷺ - يذكر الله على كلِّ أحيانه\" (١).\nقال شيخنا في \"الصحيحة\" (٤٠٦):\" ... نعم؛ الأفضل أن يقرأ على طهارة؛ لقوله - ﷺ - حين ردَّ السلام عَقِب التيمُّم: \"إِنِّي كرهت أن أذكر الله إِلاَّ على طهارة\"، أخرجه أبو داود وغيره، وهو مَخرَّج في \"صحيح أبي داود\" (٢٣) \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-121>نواقض الوضوء</span>\n١ - ما خَرَج من السّبيلين (٢) (القُبُل والدُّبر) من بول أو مذي أو منيّ أو غائط أو ريح.\n* أمَّا البول والغائط:\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ٣٧٣، وغيره، وجاء في البخاري معلَّقًا (١/ ٨٣ و١٦٣).\n(٢) قال البخاري: \"باب من لم ير الوضوء إلاَّ من المخرجين\". =","vol":"1","page":117},{"text":"فلقوله تعالى: ﴿... أو جاء أحدٌ مِنكُم من الغائط﴾ (١).\nولحديث صفوان بن عسّال -﵁-: \"كان يأمرنا إِذا كنّا سَفْرًا (٢) -أو مسافرين-: أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيّام ولياليهن، إلاَّ من جنابة، لكن من غائط وبول ونوم ... \" (٣).\n* وأمَّا الريح:\nفلقوله - ﷺ -: \"لا يَقبَل الله صلاة أحدكم إِذا أحدث حتّى يتوضّأ\" (٤).\nولحديث عبّاد بن تميم عن عمّه: أنَّه شكا إِلى رسول الله - ﷺ - الرجل الذي يُخيَّل (٥) إِليه أنَّه يجد الشيء في الصَّلاة، فقال: \"لا ينفتل (أو لا\n_________\n= قال الحافظ: \"والمعنى: من لم ير الوضوء واجبًا من الخروج من شيء من مخارج البدن إلاَّ من القُبل والدُّبر، وأشار بذلك إِلى خلاف من رأى الوضوء ممَّا يخرج من غيرهما من البدن؛ كالقيء والحجامة وغيرهما، ويمكن أن يقال: إِنَّ نواقض الوضوء المعتبرة ترجع إِلى المخرجَيْن، فالنوم مظنَّة خروج الريح، ولمس المرأة ومسّ الذكر مظنّة خروج المذي\". \"الفتح\" (كتاب الوضوء)، تحت باب رقم: (٣٤).\n(١) المائدة: ٦، والغائط: هو المكان المطمئنّ من الأرض، يُقصَد لقضاء الحاجة.\n(٢) السَّفْر: جمع سافِر، كصاحب وصحْب، والمسافرون: جمع مسافر، والسَّفْر والمسافرون بمعنى. \"النهاية\".\n(٣) أخرجه الترمذي وغيره وقال: حديث حسن صحيح، \"صحيح سنن الترمذي\" (٢٨٠١)، وانظر \"المشكاة\" (٥٢٠).\n(٤) أخرجه البخاري: ٦٩٥٤، ومسلم: ٢٢٥\n(٥) من الخيال، والمعنى: يظنّ.","vol":"1","page":118},{"text":"ينصرف) حتى يسمعَ صوتًا (١) أو يجدَ ريحًا\" (٢).\nوفي الحديث: \"لا وُضوء إلاَّ من صوت أو ريح\" (٣).\nوعن أبي هريرة -﵁- قال: \"لا وُضوَء إلاَّ من حدَث\" (٤).\n* وأمَّا المذي:\nفلحديث علي -﵁- قال: كنت رجلًا مذّاءً، فأمرتُ رجلًا أن يسأل النّبيّ - ﷺلمكانة ابنتهِ- فسأل، فقال: \"توضّأ، واغسل ذَكَرك\" (٥).\nوفي رواية: \"إِذا وَجَد أحدكم ذلك؛ فلينضح فرجه، وليتوضّأ وضوءه للصّلاة\" (٦).\nوقوله - ﷺ -: \"من المذي الوضوء، ومن المنيّ الغسل\" (٧).\n* وأما المنيّ:\nفللحديث المتقدِّم:\" ... ومن المنيّ الغسل\".\n_________\n(١) أي: من مخرجه.\n(٢) أخرجه البخاري: ١٣٧، ومسلم: ٣٦١، وغيرهما.\n(٣) أخرجه أحمد، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٦٤)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٤١٦) وغيرهم، وانظر \"الإرواء\" (١/ ١٤٥).\n(٤) أخرجه البخاري معلقًا بصيغة الجزم، ووصَله إِسماعيل القاضي في \"الأحكام\" بإِسناد صحيح من طريق مجاهد عنه موقوفًا، ورواه أحمد وأبو داود والترمذي من طريق شعبة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عنه مرفوعًا، وزاد: \"أو ريح\". ذكَره الحافظ في \"الفتح\" (١/ ٢٨١).\n(٥) تقدّم في (باب النّجاسات).\n(٦) تقدّم في (باب النّجاسات).\n(٧) تقدّم في (باب النّجاسات).","vol":"1","page":119},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-123>٢ - زوال العقل:</span>\nلجنون أو إِغماء أو نحوه؛ لأنَّه أبلغ من النّوم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>٣ - مسُّ الفرج بشهوة:</span>\nلحديث بُسرة بنت صفوان -﵂- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"إِذا\nمسَّ أحدُكم ذكَره؛ فليتوضّأ\" (١).\nوعن أبي هريرة -﵁- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"إِذا أفضى أحدُكم بيده إِلى فرجه وليس بينهما ستر ولا حجاب؛ فليتوضّأ\" (٢).\nوعن طلق بن عليّ؛ قال: سُئل رسول الله - ﷺ - عن مسِّ الرجل ذكره بعدما\nيتوضّأ؟ قال: \"وهل هو إلاَّ بَضْعة (٣) منه\" (٤).\nوجمَع شيخ الإِسلام -رحمه الله تعالى- بين حديث بُسرة وحديث وطلق -﵄- بحمل الأول على المسّ بشهوة والآخر على المسّ بلا شهوة، وقوله - ﷺ -: \"هل هو إلاَّ بَضعة منك؟ \" يُشعر بهذا؛ فحين يكون مسّ\n_________\n(١) أخرجه مالك، وأحمد، \"صحيح سنن أبي داود\" (١٦٦)، وغيرهم. وقال الترمذي: حسن صحيح، ووافقه شيخنا في \"المشكاة\" (٣١٩)، وانظر \"الإرواء\" (١١٦).\n(٢) أخرجه ابن حبَّان، والدارقطنيّ، والبيهقيّ، وِإسناد ابن حبّان جيد؛ وانظر \"الصحيحة\" (١٢٣٥).\n(٣) أي: قطعة منه.\n(٤) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٦٧)، وغيره. وقال الترمذي: \"هو أحسن شيء في هذا الباب\". وقال شيخنا في \"المشكاة\" (٣٢٠): وسنده صحيح.","vol":"1","page":120},{"text":"الفرج كأيّ جزء آخر من البدن؛ فإِنَّه لا ينقض الوضوء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-125>٤ - أكْل لحم الإِبل</span>.\nعن جابر بن سمُرة: \"أنَّ رجلًا سأل رسول الله - ﷺ -: أأتوضّأ من لحوم الغنم؟ قال: \"إِن شئت فتوضّأ، وأن شئت فلا توضّأ\". قال: أتوضّأ من لحوم الإِبِل؟ قال: \"نعم؟ فتوضّأ من لحوم الإِبِل\".\nقال: أصلّي في مرابض الغنم؟ قال: \"نعم\". قال: أصلّي في مبارك الإِبل؟ قال: \"لا\" (١).\nوعن جابر بن سمُرة -﵁- قال: \"كنا نتوضّأ من لحوم الإِبل ولا نتوضّأ من لحوم الغنم\" (٢).\nقال الشوكانى -﵀- فى \"الدّراري المضيّة\" (ص ٦١): \"وقد ذهبَ إِلى انتقاض الوضوء بأكْل لحْوم الإِبل: أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، ويحيى بن يحيى، وابن المنذر، وابن خزيمة، والبيهقيّ، وحُكي عن أصحاب الحديث، وحُكي عن جماعة من الصّحابة؛ كما قال النّوويّ.\nقال البيهقيّ عن بعض أصحابنا عن الشّافعي؛ أنَّه قال: إنَّ صحّ الحديث في لحوم الإِبل؛ قُلْت به. قال البيهقيّ: قد صحّ فيه حديثان ... \".\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ٣٦٠، وتقدّم،\n(٢) أخرجه أبن أبي شيبة في \"المصنف\" بسند صحيح؛ كما في \"تمام المنَّة\" (ص ١٠٦).","vol":"1","page":121},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-126>٥ - النوم</span>.\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة:\n* والذين رأَوا عدم نقْضِه استدلّوا بأدّلة؛ منها:\nقول أنس -﵁-: \"كان أصحاب رسول الله - ﷺ - ينامون، ثمَّ يُصلّون ولا يتوضّؤون\" (١).\nوأيضًا ما ثبت عنه: أنَّه قال: \"أُقيمت صلاة العشاء، فقال رجل: لي حاجة، فقام النّبيّ - ﷺ - يناجيه، حتى نام القوم (أو بعض القوم)، ثمَّ صَلَّوا\" (٢).\nجاء في \"تمام المنّة\" (١٠٠ - ١٠١) بعد حديث أنس: \"قد ذكر الحافظ في \"الفتح\" (١/ ٢٥١) (٣) نحو كلام ابن المبارك هذا، ثمَّ ردّه بقوله: لكن في \"مسند البزّار\" بإِسناد صحيح في هذا الحديث: \"فيضعون جنوبهم، فمنهم من ينام، ثمَّ يقومون إِلى الصَّلاة\".\nقلت (٤): وأخرجه أيضًا أبو داود في \"مسائل الإِمام أحمد\" (ص ٣١٨) بلفظ: \"كان أصحاب النبيّ - ﷺ - يضعون جنوبهم فينامون، فمنهم من يتوضّأ، ومنهم من لا يتوضّأ\"، وإِسناده صحيح على شرط الشيخين.\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ٣٧٦، وغيره.\n(٢) أخرجه مسلم: ٣٧٦\n(٣) انظر \"كتاب الوضوء، باب الوضوء من النوم ومن لم يرَ من النَّعسة ... \".\n(٤) الكلام لشيخنا -حفظه الله تعالى-.","vol":"1","page":122},{"text":"فهذا اللفظ خلاف اللفظ الأول: \"تخفق رؤوسهم\" (١)؛ فإِنَّ هذا إِنَّما يكون وهُم جلوس؛ كما قال ابن المبارك.\nفإِمّا أن يُقال: إِنَّ الحديث مضطرب، فيسقط الاستدلال به.\nوإِمَّا أن يُجمع بين اللفظين، فيُقال: كان بعضهم ينام جالسًا، وبعضهم مضطجعًا، فمنهم من يتوضّأ، ومنهم من لا يتوضّأ، وهذا هو الأقرب؛ فالحديث دليل لمن قال: إِنَّ النّوم لا ينقض الوضوء مُطلقًا، وقد صحّ عن أبي موسى الأشعري وابن عمر وابن المسيّب؛ كما في \"الفتح\".\nوهو باللفظ الآخر؛ لا يمكن حمْله على النّوم مُمكِّنًا مقعدته من الأرض، وحينئذ؛ فهو مُعارض لحديث صفوان بن عسال المذكور في الكتاب بلفظ: \" ... لكن من غائط وبول ونوم\" (٢)؛ فإِنَّه يدلُّ على أنَّ النّوم ناقض مُطلقًا؛ كالغائط والبول، ولا شك أنَّه أرجح من حديث أنس؛ لأنَّه مرفوع إِلى النّبيّ\n_________\n(١) أي: ينامون حتى تسقط أذقانهم على صدورهم وهم قعود، وقيل هو من الخُفوق: الاضطراب. \"النهاية\". والحديث في \"صحيح مسلم\" (٣٧٦).\n(٢) ولفظه كما يأتي: عن زرّ بن حُبيش؛ قال: أتيتُ صفوان بن عسال المرادي أسأله عن المسح على الخُفَّين؟ فقال: ما جاء بك يا زرّ؟ فقلتُ: ابتغاء العلم. فقال: \"إِنَّ الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضىً بما يطلب\"، قلت: إِنَّه حكَّ في صدري المسح على الخُفَّين بعد الغائط والبول، وكنتَ امرأ من أصحاب النْبيّ - ﷺ -، فجئت أسألك: هل سمعته يذكر في ذلك شيئًا؟ قال: نعم؛ كان يأمرنا إذا كنّا سَفْرًا -أو مسافرين- أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهنَّ؛ إلاَّ من جنابة، لكن من غائط وبول ونوم ... \". رواه الترمذي وقال: \"حديث حسن صحيح\". \"صحيح سنن الترمذي\" (٢٨٠١)، وغيره، وتقدّم مختصرًا.","vol":"1","page":123},{"text":"- ﷺ -، وليس كذلك حديث أنس، إِذ من الممكن أن يكون ذلك قبل إِيجاب الوضوء من النّوم.\nفالحقُّ أنَّ النَّوم ناقضٌ مُطلقًا، ولا دليل يصلح لتقييد حديث صفوان، بل يؤيّده حديث عليّ مرفوعًا:\" ... وكاء السَّهِ (١) العينان؛ فمن نام فليتوضّأ\"، وإسناده حسن؛ كما قال المنذري والنّووي وابن الصّلاح، وقد بيّنْتُه في \"صحيح أبي داود\" (١٩٨)؛ فقد أمَر - ﷺ - كلّ نائم أن يتوضّأ.\nولا يعكّر على عمومه -كما ظنَّ البعض- أنَّ الحديث أشار إِلى أنَّ النّوم ليس ناقضًا في نفسه، بل هو مَظِنّة خروج شيء من الإنسان في هذه الحالة؛ فإِنَّا نقول: لمّا كان الأمر كذلك؛ أمَر - ﷺ - كلّ نائم أن يتوضّأ، ولو كان متمكّنًا؛ لأنَّه -﵇- أخبر أن العينين وكاء السَّهِ، فإِذا نامت العينان؛ انطلق الوكاء؛ كما في حديث آخر، والمتمكِّن نائم؛ فقد ينطلق وكاؤه، ولو في بعض الأحوال، كأن يميل يمينًا أو يسارًا، فاقتضت الحكمة أن يؤمر بوضوء كل نائم، والله أعلم.\nوما اخترناه هو مذهب ابن حزم (٢).\nوهو الذي مال إِليه أبو عبيد القاسم بن سلام في قصَّة طريفة حكاها عنه ابن\n_________\n(١) الوكاء: الخيط الذي تُشَدُّ به الصُّرَّة والكيس وغيرهما، جعل اليقظة للإست كالوكاء للقربة؛ كما أنَّ الوكاء يمنع ما في القربة أن يخرج، كذلك اليقظة تمنع الإِست أن تُحْدِث إلاَّ باختيار. و\"السَّهِ\": حَلْقة الدُّبر، وكنّى بالعين عن اليقظة؛ لأنَّ النَّائم لا عين له تُبصر. \"النهاية\".\n(٢) وسيأتي قوله في آخر المسألة إِن شاء الله تعالى.","vol":"1","page":124},{"text":"عبد البرّ فى \"شرح الموطّأ\" (١/ ٥٧/٢)؛ قال: كنتُ أُفتي أنَّ من نام جالسًا لا وضوء عليه، حتى قَعَد إِلى جنبي رجل يوم الجمعة، فنام، فخرجَت منه ريح، فقُلت: قم فتوضّأ. فقال: لم أنَم. فقُلت: بلى، وقد خَرَجَت منك ريحٌ تنقض الوضوء، فجعلَ يحلف بالله ما كان ذلك منه، وقال لي: بل منك خَرَجت! فزايَلْت ما كنت أعتقد في نوم الجالس، وداعيْتُ غلبة النّوم ومخالطته القلب\".\nثمَّ قال شيخنا -حفظه الله-: \" (فائدة هامة): قال الخطابي في \"غريب الحديث\" (ق ٣٢/ ٢): وحقيقة النوم هو الغشية الثقيلة التي تهجم على القلب فتقطعه عن معرفة الأمور الظاهرة، والناعس هو الذي رهقه ثِقَل، فقطعه عن معرفة الأحوال الباطنة.\nوبمعرفة هذه الحقيقة من الفرق بين النّوم والنّعاس؛ تزول إِشكالات كثيرة، ويتأكّد القول بأنَّ النّوم ناقض مطلقًا\" اهـ.\nقُلْت: وذكر الحافظ في \"الفتح\" (١/ ٣١٤) نقْل ابن المنذر وغيره عن بعض الصحابة والتّابعين المصير إِلى أنَّ النوم حَدَث ينقض قليله وكثيره، وهو قول أبي عبيد وِإسحاق بن راهويه، قال ابن المنذر: \"وبه أقول؛ لعموم حديث صفوان بن عسال ... \".\nقال ابن حزم -﵀- في \"المحلّى\" (مسألة ١٥٨): \"والنّوم في ذاته حَدَث ينقض الوضوء، سواء قلّ أو كثُر، قاعدًا أو قائمًا، في صلاة أو غيرها، أو راكعًا كذلك، أو ساجدًا كذلك، أو متكئًا، أو مضطجعًا؛ أيقنَ من حواليه أنَّه لم يُحدث أو لم يوقنوا\".","vol":"1","page":125},{"text":"وقال -﵀- عقب حديث صفوان بن عسّال -﵁-: \" ... فعمّ ﵇ كلّ نوم، ولم يخصّ قليله من كثيره، ولا حالًا من حال، وسوّى بينه وبين الغائط والبول.\nوهذا قول أبي هريرة، وأبي رافع، وعروة بن الزبير، وعطاء، والحسن البصري، وسعيد بن المسيّب، وعكرمة، والزهري، والمزني، وغيرهم كثير\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>باب أمورٌ تُظنّ أنَّها تنقضُ الوضوء وليست كذلك</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>١ - مسُّ الفرج بلا شهوة كما تقدَّم </span>(١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>٢ - لمْس المرأةِ إِن لم ينزل منه شيء</span>.\nوفيه أحاديث؛ منها:\nما روته عائشة -﵂-: \"أنَّ النّبيّ - ﷺ - قَبَّلها ولم يتوضّأ\" (٢).\nوعنها: \"أنَّ النّبيّ - ﷺ - قبّل امرأة من نسائه، ثمَّ خرج إِلى الصَّلاة ولم يتوضّأ\" (٣).\nقال عروة (٤): فقلتُ لها: من هي إلاَّ أنت؟ فضحِكَت.\n_________\n(١) انظر (باب نواقض الوضوء، (رقم ٧).\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٦٤)، وغيره.\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٦٥)، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٤٠٦)، وانظر \"المشكاة\" (٣٢٣).\n(٤) هو عروة بن الزبير ابن أخت عائشة -﵂-.","vol":"1","page":126},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-130>٣ - خروج الدّم لجرح أو حجامة أو نحو ذلك</span>.\nومن الأدلّة على ما تقدَّم معنا ذِكره (١). في قصّة ذلك الأنصاري الذي رماه المشرك بثلاثة أسهم وهو قائم يصلّي، فاستمرَّ في صلاته والدّماء تسيل منه.\nوتقدَّم أيضًا قول الحسن -﵀-: \"ما زال المسلمون يُصلون في جراحاتهم\".\nقال الحافظ: \"وقد صحّ أنَّ عمر صلّى وجرحُه ينبع دمًا\" (٢).\nوقال طاوُس ومحمد بن عليّ وعطاء وأهل الحجاز: ليس في الدّم وضوء (٣).\n_________\n(١) في (كتاب الطهارة، باب ما يظنُّ أنَه نجس وليس كذلك).\n(٢) انظر \"الفتح\" (١/ ٢٨٧).\n(٣) أورده البخاري معلقًا بصيغة الجزم. وقال الحافظ في \"الفتح\" (كتاب الوضوء، باب ٣٤): \"وأثره هذا وصَله ابن أبي شيبة بإِسناد صحيح، ولفظه: إنَّه كان لا يرى في الدم وضوءًا، يغسل عنه الدم، ثمَّ حسبه\".\nوقال الحافظ: \"وعطاء هو ابن أبي رباح، وأثره هذا وصَله عبد الرزاق عن ابن جريج عنه\". وذكره شيخنا -حفظه الله- في \"مختصره\" (١/ ٥٧)، فقال:\" ... وصَله عبد الرزاق بسند صحيح عنه\". وأهل الحجاز: رواه عبد الرزاق من طريق أبي هريرة وسعيد ابن جبير وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق ابن عمر وسعيد بن المسيّب. وأخرجه إِسماعيل القاضي من طريق أبي الزِّناد عن الفقهاء السبعة من أهل المدينة، وهو قول مالك والشافعي. \"الفتح\". ولم أذكر أثر محمد بن علي، وهو أبو جعفر الباقر، فوصله سمويه في \"الفوائد\".","vol":"1","page":127},{"text":"وعَصَر ابن عمر بَثْرَة (١)، فخرج منها الدَّم، ولم يتوضّأ (٢).\nوبَزقَ ابنُ أبي أوفى (٣) دمًا، فمضى في صلاته (٤).\nوقال ابن عمر والحسن فيمن يحتجم: ليس عليه إلاَّ غَسْل محاجمه (٥)،\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-131>٤ - القيء قلّ أو كَثُر</span>.\nوذلك لعدم ورود الدّليل الموجب له.\nوروى مَعدان بن أبي طلحة عن أبي الدّرداء -﵁-: \"أن النّبيّ - ﷺ - قاء فتوضّأ، فلقيت (٦) ثوبان في مسجد دمشق، فذكرْت ذلك له فقال (٧):\n_________\n(١) البَثْرة: خُراج صغير.\n(٢) أورده البخارى معلقًا بصيغة الجزم، ووصله ابن أبي شيبة بإِسناد صحيح، وزاد قبل قوله: \"ولم يتوضّأ\": \"ثمَّ صلى\"؛ كما في \"الفتح\".\n(٣) هو عبد الله الصَّحابي ابن الصَّحابي. كذا في \"الفتح\".\n(٤) وصَله سفيان الثوري في \"جامعه\" عن عطاء ابن السائب: أنَّه رآه فعَل ذلك، وسفيان سمع من عطاء قبل اختلاطه، فالإِسناد صحيح. عن \"الفتح\" (أول كتاب الوضوء).\n(٥) وصله ابن أبي شيبة عنهما، ووصله الشافعي والبيهقيّ (١/ ١٤٠) عن ابن عمر وحده، وسنده صحيح؛ كما في \"مختصر البخاري\" (١/ ٥٧).\nوالمحاجم: موضع الحجامة.\n(٦) قائله معدان بن أبي طلحة.\n(٧) أي: ثوبان.","vol":"1","page":128},{"text":"صدق (١)، أنا صبَبْت له وَضوءه (٢) \" (٣).\nفالحديث لا يدلّ على النقض إِطلاقًا؛ لأنَّه مجرّد فعل منه - ﷺ -، والأصل أنّ الفعل لا يدلّ على الوجوب.\nوغايته أن يدلّ على مشروعيّة التأسّي في ذلك، وأمّا الوجوب؛ فلا بُدّ له من دليل خاصٍّ، وهذا مما لا وجود له هنا (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>٥ - الشكّ في الحدث</span>.\nعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إِذا وجَدَ أحدُكم في بطنه شيئًا، فأشكلَ عليه؛ أخَرَجَ منه شيء أم لا؟ فلا يخرجنّ من المسجد حتى يسمع صوتًا أو يجدَ ريحًا\" (٥).\nوعن عبّاد بن تميم عن عمّه: أنَّه شكا إِلى رسول الله - ﷺ - الرجلّ الذي يُخيّل إِليه أنَّه يجد الشيء (٦) في الصّلاة، فقال: \"لا ينفتل (أو لا ينصرف)\n_________\n(١) أي: أبو الدرداء.\n(٢) أي: ماء وُضوئه.\n(٣) أخرجه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٧٦) وغيره، وانظر \"الإِرواء\" (١١١)، و\"حقيقة الصيام\" (ص ١٥)، و\"تمام المنَّة\" (١١١)، وتقدّم.\n(٤) كذا في \"الإرواء\" من قول شيخنا -حفظه الله تعالى-.\n(٥) أخرجه مسلم: ٣٦٢، وأبو عوانة، والترمذي، وغيرهم.\n(٦) أي: الحدث خارجًا منه، وفيه العدول عن ذكر الشيء المستقذر بخاصٍّ اسمه؛ إلاَّ للضرورة. \"الفتح\".","vol":"1","page":129},{"text":"حتّى يسمع صوتًا (١) أو يجد ريحًا\" (٢).\nقال الحافظ -﵀-: \"هذا الحديث أصل في حُكم بقاء الأشياء على أُصولها حتى يتيقَّن خلاف ذلك، ولا يضّر الشكّ الطارئ عليها، وأخَذَ بهذا الحديث جمهور العلماء\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-133>٦ - الإِحساس بالنّقطة</span>.\nوما قيل في الأمر السابق يُقال هنا.\nوقد سُئل شيخ الإِسلام ابن تيمية -﵀- فيما إذا أحسَّ بالنّقطة في صلاته؛ فهل تبطل صلاته؟ فأجاب: \"مجرّد الإِحساس لا ينقض الوضوء، ولا يجوز له الخروج من الصّلاة الواجبة بمجرّد الشكّ؛ فإِنَّه قد ثبت عن النّبيّ - ﷺ - أنَّه سُئل عن الرّجل يجد الشيء في الصَّلاة، فقال: \"لا ينصرفُ حتّى يسمعَ صوتًا أو يجدَ ريحًا\".\nوأما إِذا تيقَّن خروج البول إِلى ظاهر الذّكر؛ فقد انتقض وضوؤه، وعليه الاستنجاء؛ إلاَّ أن يكون به سلس البول؛ فلا تبطل الصّلاة بمجرّد ذلك إِذا فعَل ما أُمِر به، والله أعلم\" (٤).\n_________\n(١) أي: من مخرجه.\n(٢) أخرجه البخاري: ١٣٧، ومسلم ٣٦١، وغيرهما، وتقدّم في (باب نواقض الوضوء).\n(٣) \"الفتح\" تحت حديث (١٣٧).\n(٤) \"الفتاوى\" (٢١/ ٢٢٠).","vol":"1","page":130},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-134>٧ - الأخْذ من الشّعر أو الأظفار، وخلْع الخفّين</span>.\nولا دليل على الوضوء من ذلك.\nقال الحسن: \"إِنْ أخذ من شعره أو أظفاره وخَلَع خُفّيه، فلا وضوء عليه\" (١). ونقل ابن المنذر الإِجماع على ذلك (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-135>مسائل في الوضوء</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-136>١ - المضمضة باليمين</span>.\nلحديث حُمران مولى عثمان، وفيه:\" ... فأدخل يمينه في الإِناء، فمضمض واستنشق\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>٢ - الاستنثار باليُسرى</span>.\nعن عليّ -﵁-: \"أنَّه دعا بوَضوء؛ فتمضمض واستنشق، ونثر بيده اليُسرى، ففعل هذا ثلاثًا، ثمَّ قال: هذا طهور نبيّ الله - ﷺ -\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-138>٣ - المضمضة والاستنشاق من غَرفة واحدة</span>.\nعن عبد الله بن زيد -﵁-: \"أنَّه أفرَغَ من الإِناء على يديه،\n_________\n(١) أورده البخاري معلقًا بصيغة الجزم، ووصله سعيد بن منصور وابن المنذر بإِسناد صحيح. كما قال الحافظ في \"الفتح\" (كتاب الوضوء، تحت باب: ٣٤).\n(٢) \"الفتح\" (كتاب الوضوء، تحت باب ٣٤).\n(٣) أخرجه البخاري: ١٥٦، ومسلم: ٢٢٦، وغيرهما.\n(٤) أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٨٩) وغيرهم، وانظر \"الإِرواء\" (٩١).","vol":"1","page":131},{"text":"فغسَلهما، ثمَّ غَسَل أو مضمض واستنشق من كفّةٍ (١) واحدة، ففعل ذلك ثلاثًا، فغسل يديه إِلى المرفقين مرَّتين مرَّتين، ومسح برأسه ما أقبل وما أدبر، وغسل رجليه إِلى الكعبين، ثمَّ قال: هكذا وضوء رسول الله - ﷺ -\" (٢).\nوعن عبد خير؛ قال: رأيتُ عليًّا -﵁- أُتي بكرسي، فقعد عليه، ثمَّ أُتي بكوز من ماء، فغسل يديه ثلاثًا، ثمَّ تمضمض مع الاستنشاق بماء واحدة\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-139>٤ - المبالغة في المضمضة والاستنشاق إِلا من صيام</span>.\nعن لقيط بن صبرة: أنَّ النّبيّ - ﷺ - قال له:\" ... وبالغْ في الاستنشاق إلاَّ أنْ تكون صائمًا\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>٥ - تخليل اللحية</span>.\nعن أنس بن مالك -﵁-: أنَّ رسول الله - ﷺ - كان إِذا توضّأ؛ أخذ كفًّا من ماء، فأدخله تحت حنكه، فخلَّل به لحيته، وقال: \"هكذا أمَرني ربي ﷿\" (٥).\n_________\n(١) قال الحافظ في \"الفتح\": \" ... وفي نسخة من غرفة واحدة\" وللأكثر من \"كفّ\" بغير هاء\" اهـ قال الأصيلي: \"صوابه منَ كفٍّ واحد\".\n(٢) أخرجه البخاري: ١٩١، ومسلم: ٢٣٥؛ نحوه.\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٠٤).\n(٤) أخرجه أصحاب السنن الأربعة وغيرهم، وقال الحاكم: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي وغيره، وانظر \"حقيقة الصيام\" (ص ١٢).\n(٥) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٣٢)، والبيهقيّ عنه وتقدّم، =","vol":"1","page":132},{"text":"قال شَيخنا -حفظه الله تعالى- بعد أن ذكر قول الشوكاني في \"السيل الجرّار\" (١/ ٨١) حول وجوب المضمضة والاستنشاق والاستنثار: \"ثمَّ ذكر مثل ذلك في تخليل اللحية (تحت رقم ٦)، وهو الصواب، وينبغي أن يُقال ذلك في تخليل الأصابع أيضًا؛ لثبوت الأمر به عنه - ﷺ -\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>٦ - وجوب مسح جميع الرأس</span>.\nقال الله تعالى: ﴿وامْسَحُوا برؤوسِكُم﴾ (١).\nوعن عمرو بن يحيى المازنيّ عن أبيه: أن رجلًا قال لعبد الله بن زيد -وهو جدُّ عمرو بن يحيى-: أتستطيع أن تُرِيَني كيف كان رسول الله - ﷺ - يتوضّأ؟ فقال عبد الله بن زيد: نعم. فدعا بماء فأفرغ على يديه، فغسل مرتين، ثمَّ مضمض واستنثر ثلاثًا، ثمَّ غسل وجهه ثلاثًا، ثمَّ غسل يديه مرتين مرتين إِلى المرفقين، ثمَّ مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر؛ بدأ بمقدَّم رأسه حتى ذهب بهما إِلى قفاه، ثمَّ ردَّهما إِلى المكان الذي بدأ منه، ثمَّ غسل رجليه\" (٢).\nوسُئل مالك -﵀-: أيجزئ أن يمسحَ بعض الرأس؟ فاحتجّ بحديث عبد الله بن زيد هذا (٣).\n_________\n= وللحديث طريق أخرى صحَّحها الحاكم، ووافقه ابن القَّطان والذّهبي، والحديث صحيح بشواهده. وانظر \"الإِرواء\" (٩٢).\n(١) المائدة: ٦، والباء هنا زائدة لا تبعيضيَّة، فيراد مسح الكلّ. انظر \"الفتح\" (شرح حديث ٢٨٥). وذكر شيخ الإسلام -﵀- أنها للإِلصاق \"الفتاوى\" (٢١/ ١٢٣).\n(٢) أخرجه البخاري: ١٨٥، ومسلم: ٢٣٥، نحوه وتقدّم.\n(٣) وصله ابن خزيمة في \"صحيحه\" (١٥٧)؛ كما ذكر الحافظ -﵀- في \"الفتح\".","vol":"1","page":133},{"text":"وإلى وجوب مسْح جميع الرأس هذا ذهب شيخ الإِسلام ابن تيميّة -رحمه الله تعالى- وذكر أنَّه المشهور من مذهب مالك وأحمد (١).\nوقال ابن المسيّب: المرأة بمنزلة الرجل، تمسح على رأسها (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-142>٧ - كيف يُمسح الرأس</span>؟\nيُمسح باليدين إِقبالًا وإِدبارًا، بادئًا بمقدّم رأسه، حتى يبلغ قفاه:\nلحديث عبد الله بن زيد:\" ... ثمَّ مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر؛ بدأ بمقدّم رأسه، حتى ذهب بهما إِلى قفاه، ثمَّ ردّها إِلى المكان الذي بدأ منه ... \" (٣).\nوعن يزيد بن أبي مالك: أنَّ معاوية توضأ للنَّاس كما رأى رسول الله - ﷺ - يتوضّأ، فلمَّا بلغَ رأسه؛ غَرف غرفةً من ماء فتلقاها بشماله؛ حتى وضعها على وسط رأسه، حتى يقطر الماء أو كاد يقطر، ثمَّ مسح من مقدّمه إِلى مؤخّره، ومن مؤخره إِلى مقدّمه\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-143>٨ - مسح الرأس مرة واحدة</span>.\nلحديث عبد الله بن زيد المتقدّم، وهو يتوضّأ وضوء النّبيّ - ﷺ -، وفيه:\n_________\n(١) انظر \"الفتاوى\" (٢١/ ١٢٢ - وما بعدها).\n(٢) أورده البخاري معلقًا بصيغة الجزم، ووصَله ابن أبي شيبة بلفظ: \"الرجل والمرأة في المسح سواء\". \"الفتح\".\n(٣) أخرجه البخاري: ١٨٥، ومسلم: ٢٣٥، وغيرهما، وتقدّم.\n(٤) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١١٥).","vol":"1","page":134},{"text":"\" ... فمسح رأسه، فأقبَل بهما وأدبَر مرّة واحدة، ثمَّ غسل رجليه إِلى الكعبين\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-144>٩ - مسح الرأس مرتين</span>.\nلحديث الرُّبَيِّع بنت مُعوّذ عن النّبيّ - ﷺ -، وفيه:\" ... ومسَح برأسه مرتين ... \" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-145>١٠ - مسح الرأس ثلاثًا</span>.\nفقد صحّ من حديث عثمان -﵁-: \"أنَّ النّبيّ - ﷺ - مسح برأسه ثلاثًا\" (٢).\nوقد قال الحافظ في \"الفتح\" (٣): \"وقد روى أبو داود من وجهين صحّح أحدهما ابن خزيمة وغيره في حديث عثمان تثليث مسح الرأس، والزيادة من الثقة مقبولة\".\nوذكر في \"التلخيص\": أنَّ ابن الجوزي مال في \"كشف المشكل\" إِلى تصحيح التكرير.\nقال شيخنا -حفظه الله تعالى-: \"وهو الحقّ؛ لأنَّ رواية المرة الواحدة - وإِن كَثرت- لا تُعارض رواية التثليث؛ إِذ الكلام في أنَّه سنَّة، ومن شأنها أن\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١١٧).\n(٢) قال شيخنا في \"تمام المنَّة\" (ص٩١): أخرجه أبو داود بسندين حسَنين، وله إِسناد ثالث حسن أيضًا، وقد تكلّمت على هذه الأسانيد بشيء من التفصيل في \"صحيح سنن أبي داود\" (٩٥ و٩٨).\n(٣) تعليقًا على حديث (١٥٩).","vol":"1","page":135},{"text":"تُفعل أحيانًا وتُترك أحيانًا، وهو اختيار الصنعاني في \"سبل السلام\"؛ فراجعه إِن شِئت\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-146>١١ - المسح على العمامة</span>.\nعن بلال -﵁-: \"أنَّ رسول الله - ﷺ - مَسَح على الخفّين والخِمار (٢) \" (٣).\nوفي حديث المغيرة بن شُعبة -﵁-: \"أنَّ النّبيّ - ﷺ - توضّأ، فمسح بناصيته على العمامة (٤) وعلى الخفيّن\" (٥).\nوعنه -﵁- أيضًا: \"أنَّ النّبيّ - ﷺ - مسح على الخفّين ومُقدَّم رأسه وعلى عمامته\" (٦).\nوعن ثوبان -﵁- قال: \"بعثَ رسول الله - ﷺ - سريّة، فأصابهم البرد، فلمّا قدِموا على رسول الله - ﷺ -؛ أمرهم أن يمسحوا على العصائب (٧) والتساخين\" (٨).\n_________\n(١) \"تمام المنَّة\" (ص٩١).\n(٢) أراد به العمامة؛ لأنَّ الرجل يغطي بها رأسه؛ كما أنَّ المرأة تغطّيه بخمارها. \"النهاية\".\n(٣) أخرجه مسلم: ٢٧٥\n(٤) العمامة: ما يُلفُّ على الرأس ويغطَّى به.\n(٥) أخرجه مسلم ٢٧٤، وغيره.\n(٦) أخرجه مسلم: ٢٧٤\n(٧) كلّ ما عصَبْتَ به رأسك من عمامة أو منديل أو خرقة. \"النهاية\".\n(٨) جاء في النهاية: الخفاف، ولا واحد لها من لفظها، وقيل: \"واحدها تَسخان =","vol":"1","page":136},{"text":"قال ابن حزم -﵀- بعد أن ذكر بعض الأحاديث في المسْح على العمامة: \"فهؤلاء ستة من الصحابة -﵃-: المغيرة بن شعبة، وبلال، وسلمان، وعمرو بن أميّة، وكعب بن عجرة، وأبو ذرّ، كلّهم يروي ذلك عن رسول الله - ﷺ - بأسانيد لا معارض لها ولا مطعن فيها، وبهذا القول يقول جمهور الصحابة والتابعين ... \" (١).\nوقال الصنعاني:\" ... كان يمسح على رأسه تارة، وعلى العمامة تارة، وعلى النّاصية والعمامة تارة\".\nويرى شيخنا -حفظه الله- أنْ يفعل المرء ما يتيسّر له من هذه الحالات.\nولا يُشترط في المسح على العمامة لبْسها على طهارة، ولك أن تمسح بلا توقيت ولا تحديد؛ لعدم ورود النصِّ في ذلك.\nقال ابن حزم -﵀- في \"المحلّى\" (تحت المسألة: ٢٠٢): \"وإنما نصَّ رسول الله - ﷺ - في اللباس على الطهارة- على الخفيّن، ولم ينصّ ذلك في العمامة والخمار.\nقال الله تعالى: ﴿لِتُبيِّنَ للنَّاس ما نُزِّلَ إِليْهم﴾ (٢)، ﴿وما كان ربُّكَ\n_________\n= وتَسْخين وتَسْخن. انظر باب (التاء مع السين) و(السين مع الخاء)، وقيل: التساخين ما يُسخَّن به القدم من خُفٍّ وجورب ونحوهما\". أخرجه أحمد، وهو في \"صحيح سنن أبي داود\" (١٣٣).\n(١) أنظر \"المحلّى\" (المسألة: ٢٠١).\n(٢) النحل: ٤٤","vol":"1","page":137},{"text":"نَسِيًّا﴾ (١).\nفلو وجب هذا في العمامة والخمار؛ لبيَّنه -﵇- كما بيّن ذلك في الخفّين، ومدّعي المساواة في ذلك بيْن العمامة والخمار وبيْن الخفّين مُدَّعٍ بلا دليل، ويُكلَّف البرهان على صحة دعواه في ذلك.\nفيُقال له: من أين وجب -إِذ نصَّ ﵇ في المسح على الخفين أنَّه لَبِسهما على طهارة-: أنَّه يجب هذا الحكم في العمامة والخمار؟ ولا سبيل له إِليه أصلًا بأكثر من قضيّة من رأيه؛ وهذا لا معنى له! قال الله تعالى: ﴿قُل هَاتوا بُرْهانَكُم إِنْ كنْتُمْ صَادقينَ﴾ (٢).\nوقال في الردّ على من يقول بتوقيت المسح على العمامة والخمار (٣): \"يقال له: ما دليلك على صحّة ما تذكر من أن يحكم للمسح على العمامة بمثل الوقتين المنصوصَين (٤) في المسح على الخفّين؟ وهذا لا سبيل إِلى وجوده بأكثر من الدّعوى، وقد مسح رسول الله - ﷺ - على العمامة والخمار، ولم يوقِّت في ذلك وقتًا، ووقّت في المسح على الخفيّن؛ فيلزمنا أن نقول ما قاله ﵇، وأن لا نقول في الدين ما لم يَقُلْه ﵇، قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدودُ اللهِ فلا تَعْتَدُوها﴾ (٥) \".\n_________\n(١) مريم: ٦٤\n(٢) البقرة: ١١١، والنمل: ٦٤\n(٣) انظر المسألة: ٢٠٣\n(٤) أي: السّفر والحضر.\n(٥) البقرة: ٢٢٩","vol":"1","page":138},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-147>١٢ - مسْح باطن وظاهر الأذنين</span>.\nعن عبد الله بن عمرو: أنَّ رجلًا أتى النّبيّ - ﷺ - فقال: يا رسول الله! كيف الطّهور؟ فدعا بماء في إِناء، فغسل كفّيه ثلاثًا، ثمَّ غسل وجهه ثلاثًا، ثمَّ غسل ذراعيه ثلاثًا، ثمَّ مسَح برأسه، فأدخَل إِصْبعيه السبّاحتين (١) في أذنيه، ومسَح بإِبهاميه على ظاهر أذنيه وبالسبّاحتين باطن أذنيه، ثمَّ غسل رجليه ثلاثًا، ثمَ قال: \"هكذا الوُضوء؛ فمن زاد على هذا؛ فقد أساء وظلم\"، أو: \"ظلم وأساء\" (٢).\nوعن أبي مليكة؛ قال: \"رأيت عثمان بن عفّان سُئل عن الوضوء، فدعا بماء، فأُتي بميضأة ... (وذكر الحديث إِلى أن بلغَ:) ثمَّ أدخل يده، فأخذ ماءً فمسح برأسه وأذنيه، فغسل بطونهما وظهورهما مرّة واحدة، ثمَّ غسل رجليه، ثمَّ قال: أين السائلون عن الوضوء؟ هكذا رأيت رسول الله - ﷺ - يتوضأ\" (٣).\nوفي حديث المقدام بن معديكرب؟ قال: \" ... ومسَح بأذنيه ظاهرهما وباطنهما، -زاد هشام-: وأدخل أصابعه في صِماخ (٤) أذنيه\" (٥).\n_________\n(١) السبَّاحة والمُسبِّحة: الإِصبع التي تلي الإِبهام، سُمِّيت بذلك لأنها يُشار بها عند التَّسبيح. \"النهاية\".\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٢٣) وغيره، وانظر \"المشكاة\" (٤١٧).\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٩٩).\n(٤) ثقب الأذن، ويقال بالسين. \"النهاية\".\n(٥) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١١٤).","vol":"1","page":139},{"text":"وعن ابن عباس -﵄-: \"أنَّ النّبيّ - ﷺ - مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-148>١٣ - مسْح الأذنين بماء الرّأس وجواز أخْذ ماء جديد لهما عند الحاجة</span>.\nقال المُناوي في شرح حديث: \"الأذُنان من الرأس\" (٢): \"الأذُنان من الرأس، لا من الوجه ولا مستقلّتان؛ يعني: فلا حاجة إِلى أخْذ ماء جديد منفرد لهما غير ماء الرأس في الوضوء، بل يجزئ مسْحهما ببلل ماء الرأس، وإلاَّ لكان بيانًا للخلقة فقط، والمصطفى - ﷺ - لم يُبعث لذلك، وبه قال الأئمة الثلاثة ... \"، وذكر مخالفة الشّافعيِّة في ذلك.\nواحتجّ النَّووي في \"المجموع\" (١/ ٤١٢) بحديث عبد الله بن زيد -﵁-: \"أنَّ رسول الله - ﷺ - أخَذ لأذنيه ماءً خلاف الذي أخذ لرأسه\"، وقال: حديث حسن، رواه البيهقيّ وقال: إِسناده صحيح.\nبيْد أنَّ شيخنا -حفظه الله- بيّن شذوذه في: \"الضعيفة\" (٩٩٥)، و\"صحيح سنن أبي داود\" (١١١).\n_________\n(١) أخرجه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والبيهقيّ، وهو صحيح بالمتابعة؛ فقد أخرجه أبو داود والحاكم، وانظر \"الإرواء\" (٩٠).\n(٢) حديث صحيح له طُرق كثيرة عن جماعة من الصحابة؛ منهم: أبو أمامة، وأبو هريرة، وابن عمرو، وابن عباس، وعائشة، وأبو موسى، وأنس، وسمرة بن جندب، وعبد الله ابن زيد. وانظر تفصيله في \"الصحيحة\" (٣٦).","vol":"1","page":140},{"text":"وقال النّووي -﵀- في موطن آخر (١): \"وهو حديث صحيح كما سبق بيانه قريبًا؛ فهذا صريح في أنَّهما ليستا من الرّأس، إِذ لو كانتا منه؛ لما أخذ لهما ماءً جديدًا كسائر أجزاء الرّأس، وهو صريح في أخذ ماء جديد، فيحتجّ به أيضًا على من قال: يمسحمها بماء الرّأس ... \".\nقال شيخنا -حفظه الله-: \"ولا حُجّة فيه على ما قالوا؛ إِذ غاية ما فيه مشروعيّة أخذ الماء لهما، وهذا لا ينافي جواز الاكتفاء بماء الرّأس؛ كما دلَّ عليه الحديث، فاتّفقا ولم يتعارضا.\nويؤيد ما ذكرتُ: أنَّه صحّ عنه - ﷺ -: \"أنَّه مسح برأسه من فضل ماءٍ كان في يده\".\nرواه أبو داود في \"سننه\" بسند حسن كما بيّنته في \"صحيح سننه\" (١٢١)، وله شاهد من حديث ابن عباس في \"المُستدرك\" (١/ ١٤٧) بسند حسن أيضًا، ورواه غيره؛ فانظر: \"التلخيص الحبير\" (ص ٣٣).\nوهذا كلّه يُقال على فرض التّسليم بصحّة حديث عبد الله بن زيد، ولكنه غير ثابت، بل هو شاذٌّ كما ذكرت في \"صحيح سنن أبي داود\" (١١١)، وبيّنته في \"سلسلة الأحاديث الضعيفة\" (تحت ٩٩٥).\nوجملة القول: فإِنَّه أسعد النَّاس بهذا الحديث من بين الأئمّة الأربعة أحمد ابن حنبل -﵃- أجمعين؛ فقد أخذ بما دلّ عليه الحديث في المسألتين، ولم يأخذ به في الواحدة دون الأخرى كما صنع غيره\" (٢) أهـ.\n_________\n(١) \"المجموع\" (١/ ٤١٤).\n(٢) انظر \"الصحيحة\" التعليق على حديث (٣٦).","vol":"1","page":141},{"text":"وخلاصة القول التي بدت لي: \"جواز مسح الأذنين بماء الرأس، مع جواز أخْذ ماء جديد لهما، إِذا دعت الحاجة لذلك، والله أعلم\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-149>١٤ - عدم ورود المسْح على العُنق</span>.\nقال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-: \"لم يصح عن النّبي - ﷺ - أنَّه مسح على عنقه في الوضوء، بل ولا رُوي عنه ذلك في حديث صحيح، بل الأحاديث الصحيحة التي فيها صفة وضوء النبيّ - ﷺ - لم يكن يمسح على عنقه؛ ولهذا لم يستحبّ ذلك جمهور العلماء؛ كمالك والشافعي وأحمد في ظاهر مذهبهم، ومن استحبّه؛ فاعتمد فيه على أثر يُروى عن أبي هريرة -﵁- أو حديث يضعُف نقْلُه: \"أنَّه مسح رأسه حتى بلغ القذال (١) \" (٢)، ومِثل ذلك لا يصح عمدة، ولا يُعارض ما دلّت عليه الأحاديث\" (٣).\nوأما حديث: \"مسح الرقبة أمان من الغِلّ\"؛ فموضوع (٤).\n_________\n(١) جِماع مؤخَّر الرأس.\n(٢) أخرجه أبو داود وغيره، وفيه ثلاث علل: الضعف، والجهالة، والاختلاف في صحبة والد مصرف. وضعّفه النووي، وابن تيمية، والعسقلاني، وغيرهم. وانظر: \"الضعيفة\" (تحت رقم ٦٩)، و\"ضعيف سنن أبي داود\" (١٥).\n(٣) \"الفتاوى\" (٢١/ ١٢٧ و١٢٨).\n(٤) قاله النَّووي في \"المجموع شرح المهذَّب\" (١/ ٤٦٥)، ونقله السيوطي في \"ذيل الأحاديث الموضوعة\" عن النووي، وأقرّه، وللحافظ كلام فيه في \"التلخيص الحبير\"، وانظر تفصيل تخريجه في \"السلسلة الضعيفة\" (٦٩).","vol":"1","page":142},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-150>١٥ - غسل الرِّجلين إِلى الكعبين</span>.\nعن عمرو بن يحيى عن أبيه قال: \"شهدت عمرو بن أبي حسن سأل عبد الله ابن زيد عن وضوء النّبيّ - ﷺ -: فدعا بتور من ماء، فتوضأ لهم وضوء النّبيّ - ﷺ -: فأكفأ على يديه من التّور فغسل يديه ثلاثًا، ثمَّ أدخل يده في التّور فمضمض واستنشق واستنثر ثلاث غرفات، ثمَّ أدخل يده فغسل وجهه ثلاثًا، ثمَّ غسل يديه مرّتين إِلى المرفقين، ثمَّ أدخل يده فمسح رأسه فأقبَل بهما وأدبر مرّة واحدة، ثمَّ غسل رجليه إِلى الكعبين\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-151>١٦ - غَسل الرجلين بغير عدد</span>.\nلحديث يزيد بن أبي مالك، وفيه: \" ... فتوضّأ ثلاثًا ثلاثًا، وغسل رجليه بغير عدد\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-152>١٧ - تخليل أصابع الرجلين</span>.\nعن المستورد بن شدَّاد -﵁- قال: \"رأيت رسول الله - ﷺ - إِذا توضّأ يدلك أصابع رجليه بخِنصره\" (٣).\nوعن ابن عباس -﵄-: أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"إِذا توضّأْتَ، فخلِّل أصابع يديْك ورجليك\" (٤).\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٨٦، ومسلم: ٢٣٥، وتقدّم.\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١١٦).\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح أبي داود\" (١٣٤) وغيره، وانظر \"المشكاة\" (٤٠٧).\n(٤) أخرجه أصحاب السنن الأربعة وغيرهم، وقال الحاكم: \"صحيح الإِسناد\"، ووافقه الذهبي وغيره. وانظر \"الصحيحة\" (١٣٠٦)، و\"حقيقة الصيام\" (١٢).","vol":"1","page":143},{"text":"وعن لَقِيط بن صَبِرة: أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"أسبغ الوضوء، وخلِّل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق؛ إلاَّ أن تكون صائمًا\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-153>١٨ - الترهيب من النقص في غسل الرجلين</span>.\nعن سالم مولى شدَّاد؛ قال: دخلَت عليَّ عائشة زوج النّبيّ - ﷺ - يوم تُوفّي سعدُ بن أبي وقاص، فدخل عبد الرحمن بنُ أبي بكر، فتوضّأ عندها، فقالت: يا عبد الرحمن! أسبغ الوضوء؛ فإِنّي سمعْت رسول الله - ﷺ - يقول: \"ويْلٌ (٢) للأعقاب (٣) من النّار\" (٤).\nوعن جابر -﵁- قال: \"أخبرَني عمر بن الخطاب -﵁-: أنَّ رجلًا توضّأ، فترك موضع ظُفُر على قدمه، فأبصره النّبيّ - ﷺ -، فقال: ارجعْ؛ فأحسِن وضوءك، فرجع ثمَّ صلَّى\" (٥).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٢٩)، والترمذي -وقال: \"حديث حسن صحيح\"- والنسائي، وابن ماجه، وغيرهم، وهو في \"المشكاة\" (٤٠٥)، وتقدّم.\n(٢) الويل: كلمة تُقال لمن وقع في هلكة ولا يُترّحم عليه؛ بخلاف ويح؛ كذا في \"التنقيح\". \"فيض القدير\". وهو الحزن والهلاك والمشقة من العذاب. \"النهاية\".\n(٣) أي: التي لا ينالها ماء الطُّهر. \"فيض\". والعَقِب: مؤخَّر القدم.\nوفي \"النهاية\": أراد صاحب العقب، فحذف المضاف، وِإنّما قال ذلك لأنَّهم كانوا لا يستقصون غَسْل أرجلهم في الوضوء.\n(٤) أخرجه البخاري: ٦٠ من حديث ابن عمر -﵄- ورواه البخارى: ١٦٥، ومسلم: ٢٤٠، وغيرهما؛ من حديث أبي هريرة -﵁- بهذا السياق.\n(٥) أخرجه مسلم: ٢٤٣، وغيره وتقدم. وفي رواية: \"فأمره أن يعيد الوضوء والصلاة\". رواه أحمد، وانظر \"صحيح سنن أبي داود\" (١٦١)، و\"الإرواء\" (٨٦).","vol":"1","page":144},{"text":"وعن أبي هريرة -﵁-: أنَّه رأى قومًا يتوضؤون من المطهرة، فقال: أسبغوا الوُضوء؛ فإِني سمعْت أبا القاسم - ﷺ - يقول: \"ويل للعراقيب (١) من النار\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-154>١٩ - النّضح بعد الوضوء</span>.\nعن الحكم بن سفيان الثقفي -﵁-: \"أنَّه رأى رسول الله - ﷺ - توضّأ، ثمَّ أخذ كفًّا من ماء فنضحَ به فرجه\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-155>٢٠ - وجوب استيعاب جميع أجزاء محلّ الطهارة، ولا يصحّ الوضوء بترك مثل موضع الظُّفُر أو قدر الدّرهم</span>.\nعن جابر؛ قال: \"أخبرني عمر بن الخطاب: أنَّ رجلًا توضّأ، فترك موضع ظُفُر على قدمه، فأبصره النّبيّ - ﷺ -، فقال: \"ارجع فأحسن وُضوءك فرجع ثمَّ صلّى\" (٤).\n_________\n(١) هو من الإنسان فويق العَقب. \"النهاية\"، وقال النووي: وهو العصبة التي فوق العَقب.\n(٢) أخرجه مسلم: تحت حديث رقم (٢٤٢)، وغيره.\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٥٤) والنسائي، وهو صحيح لغيره فإِنّ له شاهدًا من رواية زيد بن حارثة -﵁- رواه أحمد وغيره، وانظر \"المشكاة\" (٣٦٦).\n(٤) أخرجه مسلم: ٢٤٣، وتقدم.","vol":"1","page":145},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-156>٢١ - ما يوجب إِعادة الوضوء</span>.\nللحديث السابق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-157>٢٢ - التيمّن في الوضوء</span>.\nعن عائشة -﵂- قالت: \"كان النّبيّ - ﷺ - يُعجبه التّيمّن (١)؛ في تنعُّله (٢)، وترجُّله (٣)، وطُهُوره؛ في شأنه كلّه\" (٤).\nوعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إِذا لبستم وإِذا توضّأتم؛ فابدأوا بأيامنكم\" (٥).\nوعن أم عطيّة -﵂- قالت: قال النّبيّ - ﷺ - لهنّ في غسل ابنته: \"ابدأنَ بميامنها ومواضع الوضوء منها\" (٦).\n_________\n(١) أي: الابتداء باليمين، وكان - ﷺ - يعجبه الفأل الحسن؛ كما في رواية ابن حبَّان عن أبي هريرة، وأحمد عن عائشة، وغيرهما، وهو في \"الكلم\" (٢٤٨).\nوعند الشيخين: \"قالوا: وما الفأل؟ قال: الكلمة الحسنة يسمعها الرجل\".\nقال في \"الفتح\": \"قيل: إِنه كان يحبُّ الفأل الحسن، إِذ أصحاب اليمين أهل الجنة\".\n(٢) أي: لُبس نعله.\n(٣) أي: ترجيل شعره، وهو تسريحه ودهنه.\n(٤) أخرجه البخاري: ١٦٨، ومسلم: ٢٦٨، وغيرهما. قيل: \"هو عام مخصوص؛ لأنَّ دخول الخلاء والخروج من المسجد يبدأ فيهما باليسار\".\n(٥) تقدّم.\n(٦) أخرجه البخاري: ١٦٧، ومسلم: ٩٣٩، وغيرهما، وتقدّم.","vol":"1","page":146},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-158>٢٣ - إِسباغ الوضوء على المكاره</span>.\nعن أبي هريرة -﵁-: أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"ألا أدلّكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ \". قالوا: بلى يا رسول الله! قال: \"إِسباغ الوُضوء على المكاره (١)، وكثرة الخُطا إِلى المساجد، وانتظار الصّلاة بعد الصّلاة؛ فذلكم الرّباط (٢) \" (٣).\nوتقدَّم حديث لَقيط بن صَبِرة: \"أسبِغ الوضوء، وخلِّل بين الأصابع، وبالِغ في الاستنشاق؛ إلاَّ أن تكون صائمًا\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-159>٢٤ - عدم ترتيب الوضوء لا يفسده</span>.\nالأصل في الوضوء الترتيب، ولكن ليس هناك ما يدلّ على أنَّ عدم ترتيب الوضوء يفسده، فقد ثبت عن النّبيّ - ﷺ - أنَّه توضّأ من غير ترتيب؛ كما في حديث المقدام بن معديكرب -﵁- قال: \"أُتي رسول الله - ﷺ - بوَضوء، فتوضّأ، فغسل كفّيه ثلاثًا، ثمَّ غسل وجهه ثلاثًا، ثمَّ غسل ذراعيه ثلاثًا، ثمَّ مضمض واستنشق ثلاثًا، ومسح برأسه وأُذنيه ظاهرهما وباطنهما، وغسل رجليه ثلاثًا\" (٤).\n_________\n(١) جمع مَكْرَه، وهو ما يكرهه الإِنسان ويشقُّ عليه، والكُره: المشقَّة، والمعنى: أن يتوضّأ مع البرد الشديد والعِلل التي يتأذَّى معها بمسِّ الماء. \"النهاية\".\n(٢) الرباط في الأصل: الإِقامة على جهاد العدو بالحرب؛ أي: أنَّ المواظبة على الطهارة والصلاة والعبادة كالجهاد في سبيل الله. \"النهاية\" بحذف.\n(٣) أخرجه مسلم: ٢٥١، وغيره.\n(٤) أخرجه أحمد، وأبو داود، وقال الشوكاني: \"إِسناده صالح\"، وحسّن إِسناده النووي والحافظ ابن حجر. وانظر \"تمام المنّة\" (ص٨٨).","vol":"1","page":147},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-160>٢٥ - النّهي عن الاعتداء في الوُضوء</span>.\nعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه؛ قال: جاء أعرابيٌّ إِلى النّبيّ - ﷺ - يسأله عن الوضوء، فأراه ثلاثًا ثلاثًا، ثمَّ قال: \"هكذا الوضوء؛ فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدّى وظلم\" (١).\nوفي الحديث: \"إِنّه سيكون في هذه الأمَّة قومٌ يعتدون في الطُهور (٢) والدُّعاء\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-161>٢٦ - الرجل يُوضِّئ صاحبه</span>.\nعن أسامة بن زيد: أنَّ رسول الله - ﷺ - لمّا أفاض من عرفة؛ عدل إِلى الشِّعْب، فقضى حاجته. قال أسامةُ بن زيد: فجعلْت أصُبُّ عليه ويتوضّأ، فقلت: يا رسول الله! أتصلّي؟ فقال: \"المُصلَّى أمامك\" (٤).\nوعن المغيرة بن شعبة: \"أنَّه كان مع رسول الله - ﷺ - في سفر، وأنَّه ذهب لحاجةٍ له، وأنَّ مغيرةَ جعل يصبُّ الماء عليه وهو يتوضّأ، فغسل وجهه ويديه ومسح على الخُفّين\" (٥).\n_________\n(١) أخرجه النسائى \"صحيح سنن النسائي\" (١٣٦)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٣٣٩)، وانظر \"المشكاة\" (٤١٧).\n(٢) الطهور: بالضم ويُفتح. \"مرقاة\" (٢/ ١٢٥).\n(٣) أخرجه أحمد وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٨٧)، وابن ماجه، وانظر \"المشكاة\" (٤١٨).\n(٤) أخرجه البخاري: ١٨١\n(٥) أخرجه البخارى: ١٨٢، ومسلم: ٢٧٤، وغيرهما.","vol":"1","page":148},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-162>٢٧ - التخفيف في الوضوء</span>.\nعن ابن عباس -﵄- قال: \"بتُّ عند خالتي ميمونة ليلة، فقام النّبيّ - ﷺ - من الليل، فلمّا كان في بعض الليل؛ قام النّبيّ - ﷺ -، فتوضّأ من شنٍّ (١) مُعلَّق وضوءًا خفيفًا -يخفّفه عمرو ويقلّله (٢) - وقام يُصلِّي ... \" (٣).\nوعن أنس -﵁- قال: \"كان النّبيّ - ﷺ - يغسل (٤) (أو كان يغتسل) (٥) بالصّاع (٦) إِلى خمسة أمداد (٧)، ويتوضّأ بالمُدّ\" (٨).\n_________\n(١) الشَّنُّ: القربة العتيقة.\n(٢) أي: يصِفه بالتخفيف والتقليل. وقال ابن المنيِّر: يخفِّفه؛ أى: لا يُكثر الدَّلك، ويقلِّله؛ أي: لا يزيد على مرة مرة. وقيل: الاقتصار على سيلان الماء على العضو أخفُّ من قليل الدَّلك، والله أعلم. عن \"الفتح\" بشيء من الاختصار.\n(٣) أخرجه البخاري: ١٣٨\n(٤) أي: جسده.\n(٥) قال الحافظ: \"الشَّكُّ فيه من البخاري أو من أبي نُعيم لما حدَّثه به\".\n(٦) الصَّاع: إناء يتسع خمسة أرطال وثُلُثًا بالبغدادي، وقال بعض الحنفيَّة: ثمانية.\n\"الفتح\". وهو أربعة أمداد. \"النهاية\". و\"الفتح\". وقال أبو داود في \"سننه\": \"وسمعْتُ أحمد بن حنبل يقول: الصَّاع خمسة أرطال، وهو صاع ابن أبي ذئب، وهو صاع النّبيّ - ﷺ -\".\n(٧) جاء في \"النهاية\": \"المُدُّ في الأصل: رُبع الصاع، وِإنّما قُدِّر به لأنَّه أقل ما كانوا يتصدقون به في العادة\". وفيه أيضًا: \"وهو رطل وثُلُث بالعراقي، عند الشافعي وأهل الحجاز، وهو رطلان عند أبي حنيفة وأهل العراق\".\n(٨) أخرجه البخارى: ٢٠١، ومسلم: تحت ٣٢٥، وغيرهما.","vol":"1","page":149},{"text":"وعن أنس -﵁- قال: \"كان رسول الله - ﷺ - يغتسل بخمس مكاكيك (١)، ويتوضّأ بمكّوك\" (٢).\nوعن عُمارة: \"أنَّ النّبيّ - ﷺ - توضّأ، فأُتي بإِناء فيه ماء؛ قدر ثُلُثي المدّ\" (٣).\nوعن عبد الله بن زيد: \"أنَّ النّبيّ - ﷺ - أُتيَ بثُلُثي مُدّ، فجعل يدلك ذراعه\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-163>٢٨ - استعمال فضل وضوء النّاس</span>.\nعن أبي جُحيفَة -﵁- قال: \"خرج علينا رسول الله - ﷺ - بالهاجرة (٥)، فأُتي بوَضوء فتوضّأ، فجعل النّاسُ يأخذون من فضل وَضوئه فيتمسّحون به، فصلّى النّبيّ - ﷺ - الظهر ركعتين والعصر ركعتين وبين يديه\n_________\n(١) جاء في \"النهاية\": \"أراد بالمكُّوك: المُدّ، وقيل: الصَّاع، والأول أشبه؛ لأنّه جاء في حديث آخر مفسرًا بالمُدِّ، والمكوك: اسم للمكيال\".\nوقوله: \"والأول أشبه\"؛ هو الصواب إِن شاء الله؛ فقد ورَدت فيه النصوص كما تقدّم، أمّا الصَّاع إِلى خمسة أمداد فهو مقدار ما كان يغتسل به ﵇.\n(٢) أخرجه مسلم: ٣٢٥، وغيره.\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٨٥).\n(٤) عن \"صحيح سنن ابن خزيمة\" (١١٨)، وعند الحاكم مِثله، وصحَّحه شيخنا -حفظه الله-.\n(٥) نصف النهار، عند اشتداد الحرّ؛ لأنَّ الناس يستكنُّون في بيوتهم، كأنّهم قد تهاجروا.","vol":"1","page":150},{"text":"عَنَزَة (١) \"\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-164>فوائد يحتاج المتوضِّىء إِليها </span>(٣).\n* الكلام المباح أثناء الوضوء مُباح، ولم يَرِدْ في السنّة ما يدلّ على منعه.\n* الدّعاء عند غسل الأعضاء باطل لا أصل له.\n* لو شكَّ المتوضئ في عدد الغسلات؛ يبني على اليقين، وهو الأقل.\n* وجود الحائل -مثل الشَّمع (٤) - على أيّ عضو من أعضاء الوضوء يُبطله، أمّا اللون وحده -كالخضاب بالحنّاء مثلًا-، فإِنَّه لا يؤثر في صحة الوضوء؛ لأنَّه لا يَحُولُ بين البشرة وبين وصول الماء إِليها.\n* المستحاضة ومن به سلس بول أو انفلات ريح أو غير ذلك من الأعذار يتوضؤون لكلّ صلاة إِذا كان العذر يستغرق جميع الوقت، أو كان لا يمكن ضبطه، وتعدّ صلاتهم صحيحة مع قيام العُذر.\n* يجوز الاستعانة بالغير في الوضوء.\n* يباح للمتوضّئ أن يُنشّف أعضاءه بمنديل أو نحوه؛ صيفًا وشتاءً.\n_________\n(١) العَنَزة: رُميْح بين العصا والرُّمح، فيه زُجٌّ. \"المحيط\". والزُّج: الحديدة في أسفل الرمح. \"الوسيط\".\n(٢) أخرجه البخاري: ١٨٧\n(٣) عن كتاب \"فقه السنّة\" للسيد سابق -حفظه الله تعالى- بحذف يسير.\n(٤) [أو ما يُعْرَف بـ (المنيكير)].","vol":"1","page":151},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-165>خُلاصة مُيسَّرة لأعمال الوضوء </span>(١).\n- النيّة: لحديث عمر بن الخطاب -﵁- عن النّبيّ - ﷺ -؛ قال: \"إِنَّما الأعمال بالنّيات، وِإنَّما لكلّ امرئ ما نوى ... \" (٢).\nومحل النيّة القلب، وأما التلفّظ بها؛ فبدعة.\n- التسوّك (٣).\n- غسل الكفّين، ويخلّل الأصابع فيها؛ إِن لم يُرِد تخليلهما عند غسل اليدين إِلى المرفقين.\n- المضمضة والاستنشاق والاستنثار، والمبالغة في ذلك إلاَّ من صيام.\nوالأصل هو المضمضة والاستنشاق من ماء واحد، والفصل جائز، ويكون ذلك باليمين، وأمّا النّثر؛ فباليد اليُسرى.\n- غَسل الوجه.\n- تخليل اللحية.\n- غَسل اليدين إِلى المرفقين، ويخلِّل أصابع اليدين إن لم يخلِّلْهما عند غَسل الكفّين.\n_________\n(١) ذَكرتُ هذه الأمور والمسائل من غير دليل؛ لتقدُّم ذلك في مواطن متفرقة؛ إلاَّ ما لزم.\n(٢) أخرجه البخاري: ٥٤، ومسلم: ١٩٠٧، وغيرهما، وهو في البخاري أيضًا في مواطن متفرّقة، وتقدّم.\n(٣) ولم يرِد نصٌّ في تحديد موضعه. وجاء في \"تمام المنّة\" (٨٩): \"ويستحبُّ السِّواك للصّائم أوّل النهار وآخره؛ للبراءة الأصلية\".","vol":"1","page":152},{"text":"- مسح الرأس كلّه إِقبالًا وإِدبارًا.\n- مسح الأذنين باطنهما وظاهرهما.\n- غَسل الرجلين إِلى الكعبين، مع تخليل أصابع الرجلين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-166>الذكر المستحب عقب الوضوء</span>\nعن عقبة بن عامر -﵁- قال: كانت علينا رعايه الإِبل، فجاءت نوبتي، فروّحتُها بعَشِيّ (١)، فأدْركْت رسول الله - ﷺ - قائمًا يحدّث النّاس، فأدركت من قوله: \"ما من مسلم يتوضّأ فيحسن وضوءَه، ثمَّ يقوم فيصلّي ركعتين، مُقبِلٌ عليهما بقلبه ووجهه؛ إلاَّ وَجَبَت له الجنَّة\".\nقال: فقلت: ما أجود هذه! فإِذا قائل بين يديَّ يقول: التي قبلها أجود، فنظرْتُ فإِذا عمر، قال: إِنّي قد رأيتُك جئتَ آنِفًا. قال: \"ما منكم من أحدٍ يتوضّأ فيُبلغ (أو فيُسبغ) (٢) الوُضوء، ثمَّ يقول: أشهد أن لا إِله إِلا الله، وأن محمدًا عبد الله ورسوله؛ إلاَّ فُتحت له أبواب الجنَّة الثمانيةُ يدخُل من أيّها شاء\" (٣).\nوفي رواية أُخرى لعقبة -﵁-: \"من توضّأ فقال: أشهد أن لا\n_________\n(١) أي: ردَدْتُها إِلى مراحها في آخر النهار، وتفرغت من أمرها، ثمَّ جئت إِلى مجلس رسول الله - ﷺ -.\n(٢) فيبلِغ أو فيُسبغُ؛ بمعنى واحد، والإسباغ: الإِتمام والإِكمال.\n(٣) أخرجه مسلم: ٢٣٤، وغيره، وتقدم مختصرًا (ص ١٢).","vol":"1","page":153},{"text":"إِله إلاَّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله\" (١).\nزاد الترمذي: \"اللهم اجعلني من التَّوَّابين، واجعلني من المتطهِّرين\" (٢).\nوفي حديث أبي سعيد الخدري -﵁- عن النّبيّ - ﷺ -: \" ... ومن توضّأ فقال: سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إِله إلاَّ أنت، أستغفرك وأتوب إِليك؛ كُتب له في رَِقٍّ (٣)، ثمَّ جُعلَ في طابع، فلم يُكسر إِلى يوم القيامة\" (٤).\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ٢٣٤، وفي الحديث زيادة: \"وحده لا شريك له\"؛ كما هو بيِّن، وقد خالف فيها زيد بن الحُباب عبد الرحمن بن مهدي.\nبَيْد أنَّ ابن وهب تابع ابن الحُباب؛ كما في \"سنن أبي داود\" (١٦٩). فصحَّت هذه الزيادة، والحمد لله، وقد استفدت هذا من مراجعة شيخنا -حفظه الله-.\n(٢) قال المنذري في \"الترغيب والترهيب\": \"وتُكُلِّم فيه\".\nوقال شيخنا -حفظه الله تعالى- في \"الإرواء\" (٩٦): \"وأعلّه الترمذي بالاضطراب، وليس بشيء؛ فإِنّه اضطراب مرجوح؛ كما بينَّته في \"صحيح سنن أبي داود\" (١٦٢).\nولهذه الزيادة شاهد من حديث ثوبان، رواه الطبراني في \"الكبير\" (١/ ٧٢/١)، وابن السنِّي في \"اليوم والليلة\" (رقم ٣٠)، وفيه أبو سعد البقَّال الأعور، وهو ضعيف\".\n(٣) بفتح الراء وكسْرها وهو جلد رقيق يكتب فيه، وانظر \"المحيط\".\n(٤) أخرجه الطبراني في \"الأوسط\"، ورواته رواة \"الصحيح\"، واللفظ له.\nورواه النسائي، وقال في آخره: \"خُتم عليها بخاتم، فوضعت تحت العرش، فلم تُكسر إِلى يوم القيامة\"، وصوّب وقفه على أبي سعيد.\nوقال شيخنا: \"ولكنه في حُكم المرفوع؛ لأنَّه لا يُقال بمجرَّد الرأي كما لا يخفى\". وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٢١٨).","vol":"1","page":154},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-167>المسح على الخفين</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-168>أولًا: المسح على الخفين</span>.\nوفيه أدلَّة عديدة؛ منها:\nما رواه عروة بن المغيرة عن أبيه؛ قال: كنتُ مع النّبيّ - ﷺ - في سفر، فأهويت لأنزع خفَّيه، فقال: \"دعْهُما؛ فإِني أدخلتُهما طاهرتين\"، فمسح عليهما (١).\nوعن عبد الله بن عمر عن سعد بن أبي وقاص -﵄- عن النّبيّ - ﷺ -: \"أنَّه مسح على الخفَّين\" (٢).\nوعن همَّام بن الحارث؛ قال: \"رأيت جرير بن عبد الله بال، ثمَّ توضّأ ومسح على خفَّيه، ثمَّ قام فصلَّى، فسُئل؟ فقال: \"رأيتُ النّبيّ - ﷺ - صنَع مثل هذا\".\nقال إِبراهيم: فكان يعْجِبُهم؛ لأنَّ جريرًا كان مِن آخر من أسلم (٣).\nوعن ثوبان -﵁- قال: \"بعثَ رسول الله - ﷺ - سريَّة، فأصابهم\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٢٠٦، ومسلم: ٢٧٤، وتقدّم.\n(٢) أخرجه البخاري: ٢٠٢\n(٣) أخرجه البخاري: ٣٨٧، ومسلم: ٢٧٢، وغيرهما.\nوفي \"صحيح مسلم\": \"قال الأعمش: قال إِبراهيم: كان يعجبهم هذا الحديث؛ لأن إِسلام جرير كان بعد نزول المائدة، وفيها آية الوضوء التي تفيد وجوب غسل الرجلين\".\nوفي \"صحيح سنن النسائي\" (١١٤): \"وكان إِسلام جرير قبل موت النّبي - ﷺ - بيسير\".","vol":"1","page":155},{"text":"البرد، فلمَّا قَدمِوا على رسول الله - ﷺ -؛ أمرهم أن يمسحوا على العصائب (١) والتساخين (٢) \" (٣).\nوقال الحافظ في \"الفتح\" (٢٠٢) تعليقًا على حديث عبد الله بن عمر السابق: \"نقَل ابن المنذر عن ابن المبارك؛ قال: ليس في المسح على الخُفَّين عن الصحابة اختلاف؛ لأنَّ كلَّ من رُوِيَ عنه منهم إِنكاره؛ فقد رُوِيَ عنه إِثباتُه.\nوقال ابن عبد البرِّ: لا أعلم رُوي عن أحد من فقهاء السلف إِنكاره إِلا عن مالك، مع أن الروايات الصحيحة عنه مصرِّحة بإِثباته.\n... وقال ابن المنذر: اختلف العلماء؛ أيّهما أفضل: المسح على الخفَّين أو نزْعهما وغسل القدمين؟ قال: والذي أختاره أنَّ المسح أفضل؛ لأجل من طعن فيه من أهل البدع من الخوارج والروافض. قال: وإحياء ما طعن فيه المخالفون من السُّنن أفضل من ترْكه\" اهـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-169>ثانيًا: المسح على الجوربين</span>.\nعن المغيرة بن شعبة -﵁- قال: \"توضّأ النّبي - ﷺ - ومسح\n_________\n(١) كل ما عَصَبْتَ به رأسك من عمامة أو منديل أو خرقة. \"النهاية\"، وتقدّم.\n(٢) جاء في \"النهاية\": \"الخفاف، ولا واحد لها من لفظها، وقيل: واحدها: تسَخْان وتَسخين وتَسخن\". وانظر: (باب التاء مع السين) و(السين مع الخاء). وقيل: التساخين ما يُسخَّن به القدم من خُفٍّ وجورب ونحوهما. وتقدم.\n(٣) أخرجه أحمد، وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٣٣)، وانظر \"المسح على الجوربين\" (ص ٢٣)، وتقدّم.","vol":"1","page":156},{"text":"على الجوربين والنَّعلين\" (١).\nقال أبو داود: \"ومسح على الجوربين: عليُّ بن أبي طالب، وأبو مسعود، والبراء بن عازب، وأنس بن مالك، وأبو أمامة، وسهل بن سعد، وعمرو بن حريث، ورُوي ذلك عن عمر بن الخطَّاب، وابن عبّاس\" (٢).\nوذكر ابن حزم عددًا كبيرًا من السلف قالوا بالمسح على الجوربين؛ منهم: ابن عمر، وعطاء، وِإبراهيم النخعي، وغيرهم، وأورد عددًا من الآثار المتعلَّقة بذلك (٣).\nوعن يحيى البكَّاء؛ قال: \"سمعْت ابن عمر يقول: المسح على الجوربين كالمسح على الخفَّين، وتلقَّى نافع ذلك عنه، فقال: هما بمنزلة الخفَّين\" (٤).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٤٣)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٨٦)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (١٢١)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٤٥٣)، وانظر \"الإِرواء\" (١٠١).\n(٢) انظر \"المحلَّى\" (٢/ ١١٥) (مسألة ٢١٢).\n(٣) قال شيخنا -حفظه الله تعالى- تعليقًا على رسالة القاسمي -رحمه الله تعالى- حول هذا الموضوع (ص٥٤): \"قلت: هذه الآثار أخرجها: عبد الرزاق في \"المصنف\" (٧٤٥ و٧٧٣ و٧٧٩ و٧٨١ و٧٨٢)، وابن أبي شيبة أيضًا في \"المصنف\"، والبيهقيّ: (١/ ٢٨٥)، وكثير من أسانيدها صحيح عنهم، وبعضهم له أكثر من طريق واحد، ومن ذلك طريق قتادة عن أنس أنه كان يمسح على الجوربين مثل الخفين، وسنده صحيح، رواه عبد الرزاق (٧٧٩)، وهو عند ابن أبي شيبة (١/ ١٨٨) مختصرًا\".\n(٤) أخرجه ابن أبي شيبة بسند حسن عنه، وكذلك قال إِبراهيم النَّخعي، أخرجه بسند صحيح عنه. كذا في تحقيق \"المسح على الجوربين\" لشيخنا -حفظه الله تعالى-.","vol":"1","page":157},{"text":"قال شيخنا الألبانيّ -حفظه الله تعالى-: \"فبعْد ثبوت المسح على الجوربين عن الصحابة -﵃- أفلا يجوز لنا أن نقول فيمن رغبَ عنه ما قاله إِبراهيم هذا في مسحهم على الخفَّين: فمن ترك رغبةً عنه؛ فإِنَّما هو من الشيطان (١)؟!\nقال أبو عيسى: \"سمعتُ صالح بن محمد التِّرمذي؛ قال: سمعتُ أبا مقاتل السَّمرقندي يقول: دخَلْتُ على أبي حنيفة في مرضه الذي مات فيه، فدعا بماء فتوضّأ، وعليه جوربان، فمسح عليهما، ثمَّ قال: فعلتُ اليوم شيئًا لم أكنْ أفعله: مسحْتُ على الجوربين وهما غير منعَّلين\".\nوعن عطاء؛ قال: \"المسح على الجوربين بمنزلة المسح على الخفَّين\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-170>ثالثًا: المسح على النَّعلين</span>.\nعن أوس بن أبي أوس الثَّقفي: \"أن رسول الله - ﷺ - توضّأ ومسح على نعليه وقدميه، وقال عبَّاد: رأيت رسول الله - ﷺ - أتى كِظامة قوم -يعني: الميضأة- (ولم يذكر مسدَّد الميضأة والكِظامة، ثمَّ اتفقا): فتوضّأ ومسح على نعليه وقدميه\" (٣).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٨٠) بإِسناد صحيح عنه؛ كما في تحقيق \"المسح على الجوربين\" (ص ٥٤).\n(٢) صحَّح شيخنا إِسناده في تحقيق \"المسح على الجوربين\" (ص ٦٣).\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٤٥)، وانظر \"المسح على الجوربين\" (ص ٤٣).","vol":"1","page":158},{"text":"وعن ابن عمر، قال: \"رأيت رسول الله - ﷺ - يلبسها (يعني: النِّعال السِّبتيَّة (١» ويتوضّأ فيها ويمسح عليها\" (٢).\nوثبت عن أبي ظبيان: \"أنَّه رأى عليًّا -﵁- بال قائمًا، ثمَّ دعا بماء، فتوضّأ، ومسح على نعليه، ثمَّ دخل المسجد فخلعَ نعليه (٣) ثمَّ صلَّى\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-171>رابعًا: المسح على الخفِّ أو الجورَب المخرَّق</span>.\nقال شيخنا -حفظه الله تعالى-: \"وأمَّا المسح على الخفِّ أو الجورب\n_________\n(١) قال في \"النهاية\": السِّبت بالكسر: جُلود البقر المدبوغة بالقَرَظ يُتخذ منها النّعال، سُمِّيت بذلك؛ لأنَّ شعرها قد سُبِتَ عنها أي: خُلق وأُزيل، وقيل: لأنها انسَبَتت بالدِّباع: أي لانت.\n(٢) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" من طريق ابن خزيمة، وسنده صحيح؛ وانظر كتاب \"المسح على الجوربين\" (ص ٤٥). وزاد على ذلك فقال: \"له طريق أخرى عن ابن عمر نحو رواية البزَّار، أخرجه الطحاوي في \"شرح المعاني\" (١/ ٩٧)، ورجاله ثقات معروفون، غير أحمد بن الحسين اللهبي، وله شاهد من حديث ابن عبَّاس: \"أنَّ رسول الله - ﷺ - توضّأ مرّة مرّة، ومسح على نعليه\"، أخرجه عبد الرزاق في \"المصنَّف\" (٧٨٣)، والبيهقي (١/ ٢٨٦)؛ من طريقين عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عنه. وهذا إِسناد صحيح غاية، وهو على شرط الشيخين\".\n(٣) يُستفاد من هذا أنَّ خلع النعال والجوارب ونحو ذلك بعد المسح لا ينقض الوضوء.\n(٤) أخرجه الطحاوي في \"شرح المعاني\" بسند صحيح. وانظر تحقيق \"المسح على الجوربين\" (ص ٤٧) لشيخنا -حفضها الله تعالى-. وجاء في \"تمام المنِّة\" (١١٥): \"زاد البيهقيّ: \"فأمّ الناس\"، وِإسناده صحيح على شرط الشيخين\".","vol":"1","page":159},{"text":"المخرَّق؛ فقد اختلفوا فيه اختلافًا كثيرًا؛ فأكثرهم يمنع منه، على خلاف طويل بينهم، تراه في مبسوطات الكتب الفقهيَّة و\"المحلَّى\"، وذهبَ غيرُهم إِلى الجواز، وهو الذي نختاره.\nوحجَّتنا في ذلك أنَّ الأصل الإِباحة، فمن منع واشترط السَّلامة من الخرق أو وضع له حدًّا؛ فهو مردود؛ لقوله - ﷺ -: \"كلُّ شرط ليس في كتاب الله؛ فهو باطل\"، متفق عليه (١).\nوأيضًا؛ فقد صحَّ عن الثَّوريِّ: أنَّه قال: امسحْ عليها ما تعلَّقت به رجلك، وهل كانت خفاف المهاجرين والأنصار إلاَّ مخرَّقة، مشقَّقة، مرقَّعة؟! أخرجه عبد الرزاق في \"المصنَّف\" (٧٥٣)، ومن طريقه البيهقيُّ (١/ ٢٨٣).\nوقال ابن حزم (٢/ ١٠٠): فإِن كان في الخفَّين أو فيما لبس على الرجلين خرقٌ صغيرٌ أو كبيرٌ طولًا أو عرضًا، فظهر منه شيء من القدم -أقلّ القدم أو أكثرها أو كلاهما- فكل ذلك سواء، والمسح على كلِّ ذلك جائز، ما دام يتعلَّق بالرجلين منهما شيء، وهو قول سفيان الثوريِّ وداود وأبي ثور وإسحاق ابن راهويه ويزيد بن هارون.\nثمَّ حكى أقوال العلماء المانعين منه على ما بيّنها من اختلاف وتعارُض، ثمَّ ردَّ عليها، وبين أنَّها ممّا لا دليل عليها سوى الرأي، وختم ذلك بقوله:\nلكنَّ الحقَّ في ذلك ما جاءت به السنَّة المبيِّنة للقرآن؛ من أنَّ حُكم القدمين اللَّتين ليس عليهما شيء ملبوسٌ يمسح عليه أن يُغسلا، وحُكمهما إِذا كان عليهما شيء ملبوس أن يُمسح على ذلك الشيء، بهذا جاءت السنَّة،\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٢٧٣٥، ومسلم: ١٥٠٤","vol":"1","page":160},{"text":"﴿وما كان ربّكَ نَسِيًّا﴾ (١)، وقد عَلِم رسول الله - ﷺ - إِذ أمرَ بالمسح على الخفَّين وما يُلبس في الرجلين، ومُسِحَ على الجوربين: أنَّ من الخفاف والجوارب وغير ذلك ممَّا يُلبس على الرجلين المخرَّق خرقًا فاحشًا أو غير فاحش وغير المخرَّق، والأحمر والأسود والأبيض، والجديد والبالي، فما خصَّ -﵇- بعض ذلك دون بعض، ولو كان حكمُ ذلك في الدين يختلف؛ لما أغفله الله تعالى أن يوحي به، ولا أهمَله رسول الله - ﷺ - المفترض عليه البيان، حاشا له من ذلك، فصحَّ أنَّ حُكم المسمح على كلِّ حال، والمسح لا يقتضي الاستيعاب في اللغة التي بها خوطِبْنا.\nوقال شيخ الإِسلام ابن تيمية في \"اختياراته\" (ص ١٣): ويجوز المسح على اللَّفائف في أحد الوجهين، حكاه ابن تميم وغيره، وعلى الخفِّ المخرَّق ما دام اسمه باقيًا والمشي فيه ممكنًا، وهو قديم قولَي الشافعي واختيار أبي البركات وغيره من العلماء.\nقلت: ونسبه الرَّافعي في \"شرح الوجيز\" (٢/ ٣٧٠) للأكثريَّة، واحتجَّ له بأنَّ القول بامتناع المسح يُضيِّق باب الرخصة، فوجب أن يمسح، ولقد أصاب -﵀-\" (٢) اهـ.\nوأخيرًا أقول: إِنَّ إِيراد هذه الاشتراطات التي ليست من الدين في شيء تجعلنا نردُّ رخصة الله علينا، وقد قال - ﷺ -: \"إنَّ الله يحبُّ أن تؤتى رخصُه\n_________\n(١) مريم: ٦٤\n(٢) \"إِتمام النصح في أحكام المسح\" (٨٤ - ٨٦).","vol":"1","page":161},{"text":"كما يكره أن تُؤتى معصيتُه\" (١)!\nوقال شيخ الإِسلام -﵀-: \"ومعلومٌ أنَّ الخفاف في العادة لا يخلو كثير منها عن فتقٍ أو خرقٍ، لا سيما مع تقادُم عهدها، وكان كثير من الصحابة فقراء، لم يكن يمكنهم تجديد ذلك.\nولما سُئِل النّبيُّ - ﷺ - عن الصَّلاة في الثَّوب الواحد، فقال: \"أوَ لكلِّكم ثوبان\" (٢)؟! وهذا كما أنَّ ثيابهم كان يكثر فيها الفتق والخرق حتى يحتاج لترقيع؛ فكذلك الخفاف\" (٣).\nوقال -﵀-: \"وكان مقتضى لفْظه أنَّ كلَّ خفٍّ يلبسه النَّاس ويمشون فيه؛ فلهم أن يمسحوا عليه، وإن كان مفتوحًا أو مخروقًا؛ من غير تحديد لمقدار ذلك؛ فإِنَّ التحديد لا بدَّ له من دليل\" (٤).\nوقال -﵀- أيضًا: \"وأيضًا؛ فأصحاب النّبيّ - ﷺ - الذين بلَّغوا سنَّته\nوعملوا بها؛ لم يُنْقَل عن أحدٍ منهم تقييد الخفِّ بشيء من القيود، بل أطلقوا المسح على الخفّين، مع علمهم بالخفاف وأحوالها، فعُلم أنَّهم كانوا قد فهموا عن نبيِّهم جواز المسح على الخفّين مطلقًا.\nوأيضًا؛ فكثير من خفاف النّاس لا يخلو من فتق أو خرق يظهر منه بعض القدم، فلو لم يجز المسح عليها؛ بطل مقصود الرخصة، لا سيِّما والذين\n_________\n(١) أخرجه أحمد وغيره، وسنده صحيح على شرط مسلم، وانظر \"الإِرواء\" (٥٦٤).\n(٢) أخرجه البخاري: ٣٥٨، ومسلم: ٥١٥، وغيرهما.\n(٣) \"الفتاوى\" (٢١/ ١٧٤).\n(٤) \"الفتاوى\" (٢١/ ١٧٤).","vol":"1","page":162},{"text":"يحتاجون إِلى لُبس ذلك هم المحتاجون\" (١).\nوقال (ص١٨٣) (٢): \"وإنْ قالوا بأنَّ المسح إِنَّما يكون على مستور أو مغطَّى ونحو ذلك؛ كانت هذه كلّها عبارات عن معنى واحد، وهو دعوى رأس المسألة بلا حُجَّة أصلًا، والشارع أمرَنا بالمسح على الخفّين مطلقًا، ولم يقيِّدْه، والقياس يقتضي أنَّه لا يقيَّد\".\nوقال (ص٢١٢ و٢١٣) (٣): \" ... ولفظ الخفِّ يتناول ما فيه من الخرق وما لا خرق فيه، لا سيَّما والصحابة كان فيهم فقراء كثيرون، وكانوا يسافرون، وإذا كان كذلك؛ فلا بدَّ أن يكون في بعض خفافهم خروق، والمسافرون قد يتخرَّق خفُّ أحدهم، ولا يمكنه إِصلاحه في السَّفر، فإِن لم يجز المسح عليه؛ لم يحصل مقصود الرخصة\" اهـ.\nولو كان هناك استثناء أو منع؛ -لبيَّنه الشرع؛ كما هو شأن الأضحية-، فلمَّا لم يبلُغْنا شيء من هذا؛ دلَّ على أنَّ المسح يظلُّ على إِطلاقه، والمخرَّق جزء من هذا المطلق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-172>خامسًا: المسح على اللفائف</span>.\nقال شيخ الإِسلام ابن تيمية -﵀-: \" ... فإِنْ قيل: فيلزم من ذلك جواز المسح على اللفائف، وهو أن يلفَّ الرجل لفائف من البرد أو خوف الحفاء أو من جراح بهما ونحو ذلك.\nقيل: في هذا وجهان، وذكَرهما الحلواني، والصواب أنَّه يمسح على\n_________\n(١) \"الفتاوى\" (٢١/ ١٧٥).\n(٢) \"الفتاوى\" المجلد (٢١).\n(٣) \"الفتاوى\" المجلد (٢١).","vol":"1","page":163},{"text":"اللفائف، وهي بالمسح أولى من الخفّ والجورب؛ فإِنَّ تلك اللفائف تستعمل للحاجة في العادة، وفي نزْعها ضرر: إِمَّا إِصابة البرد، وإمّا التأذِّي بالحفاء، وإِمّا التأذي بالجراح، فإِذا جاز المسح على الخفّين والجوربين؛ فعلى اللفائف بطريق الأولى\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-173>سادسًا: أحكام تتعلَّق بالمسح على الخفَّين</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-174>١ - خلْع الممسوح عليه هل ينقض الوضوء</span>؛\nقال شيخنا -حفظه الله تعالى-: \"اختلف العلماء فيمن خلَع الخفَّ ونحوه بعد أن توضّأ ومسح عليه على ثلاث أقوال:\nالأوَّل: أنَّ وضوءه صحيح ولا شيء عليه.\nالثاني: أنَّ عليه غسل رجليه فقط.\nالثالث: أنَّ عليه إِعادة الوضوء.\nوبكلٍّ من هذه الأقوال قد قال به طائفة من السَّلف، وقد أخرج الآثار عنهم بذلك: عبد الرزاق في \"المصنَّف\" (١/ ٢١٠/٨٠٩ - ٨١٣)، وابن أبي شيبة (١/ ١٨٧ - ١٨٨)، والبيهقيّ (١/ ٢٨٩ - ٢٩٠).\nولا شكَّ أنَّ القول الأول هو الأرجح؛ لأنَّه المناسب لكون المسح رخصة وتيسيرًا من الله، والقول بغيره ينافي ذلك؛ كما قال الرافعي في المسألة التي قبلها؛ كما تقدّم، ويترجّح على القولين الآخرين بمرجِّح آخر، بل مرجِّحين:\n_________\n(١) \"مجموع الفتاوى\" (٢١/ ١٨٤ - ١٨٥).","vol":"1","page":164},{"text":"الأوَّل: أنَّه موافق لعمل الخليفة الراشد علي بن أبي طالب -﵁- فقد قدَّمْنا بالسند الصحيح عنه: \"أنَّه أحدث، ثمَّ توضّأ ومسَح على نعليه، ثمَّ خلعَهما، ثمَّ صلى\".\nوالآخر: موافقته للنَّظر الصحيح؛ فإِنَّه لو مسَح على رأسه، ثمَّ حلق؛ لم يجب عليه أن يُعيد المسح بله الوضوء.\nوهو الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، فقال في \"اختياراته\" (ص ١٥): \"ولا ينتقض وضوء الماسح على الخفِّ والعمامة بنزعهما، ولا بانقضاء المدَّة، ولا يجب عليه مسح رأسه، ولا غسل قدميه، وهو مذهب الحسن البصريِّ؛ كإِزالة الشعر الممسوح على الصحيح من مذهب أحمد، وقول الجمهور\".\nوهو مذهب ابن حزم أيضًا، فراجِع كلامه في ذلك ومناقشته لمن خالف؛ فإِنَّه نفيس. \"المحلّى\" (٢/ ١٠٥ - ١٠٩) (١) \" اهـ.\nقال البخاري في \"صحيحه\" (٢): \"وقال الحسن: إنْ أخذَ من شعره وأظفاره أو خلَعَ خفَّيه، فلا وضوء عليه\".\n_________\n(١) \"إِتمام النصح في أحكام المسح\" (٨٦ - ٨٨).\n(٢) (كتاب الوضوء) (١/ ٥٥).\nقال الحافظ في \"الفتح\" (١/ ٢٨١): \"التعليق عنه -أي؛ الحسن- للمسألة الأولى: وصَله سعيد بن منصور وابن المنذر بإِسناد صحيح\"، وتقدّم في (باب ما يظن أنَّه ينقض الوضوء).","vol":"1","page":165},{"text":"ونقَل ابن المنذر الإِجماع على ذلك (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-175>٢ - انتهاء مدَّة المسح هل ينقض الوضوء</span>؟\nقال شيخنا -حفظه الله تعالى-: \"للعلماء في ذلك أقوال، أشهرها قولان في مذهب الشافعي:\nالأوَّل: يجب استئناف الوضوء.\nالثاني: يكفيه غَسل القدمين.\nوالثالث: لا شيء عليه، بل طهارته صحيحة، يصلّي بها ما لم يُحْدث. قاله النَّووي -﵀-.\nقلت: وهذا القول الثالث أقواها، وهو الذي اختاره النَّووىِ، خلافًا لمذهبه، فقال -﵀- (١/ ٥٢٧): وهذا المذهب حكاه ابن المنذر عن الحسن البصريِّ وقَتادة وسليمان بن حرب، واختاره ابن المنذر، وهو المختار الأقوى، وحكاه أصحابنا عن داود.\nقلت: وحكاه الشعراني في \"الميزان\" (١/ ١٥٠) عن الإِمام مالك، وحكى النَّووي عنه غيره؛ فليحقَّق، وهو الذي ذهب إِليه شيخ الإِسلام ابن تيمية كما تراه في كلامه السابق في المسألة الثالثة (ص٩٢) تبعًا لابن حزم، وذكر هذا في القائلين به إِبراهيم النخعي وابن أبي ليلى.\nثمَّ قال (٢/ ٩٤): وهذا هو القول الذي لا يجوز غيره؛ لأنَّه ليس في شيء\n_________\n(١) انظر \"الفتح\" (كتاب الوضوء، تحت باب ٣٤)، وتقدّم أيضًا في نفس الباب السابق.","vol":"1","page":166},{"text":"من كتب الأخبار أنَّ الطَّهارة تنتقض عن أعضاء الوضوء، ولا عن بعضها، بانقضاء وقت المسح، وإِنَّما نهى -﵇- عن أن يمسح أحدٌ أكثر من ثلاث للمسافر أو يوم وليلة للمقيم، فمن قال غير هذا؛ فقد أقحم في الخبر ما ليس فيه، وقوَّل رسول الله - ﷺ - ما لم يقل، فمن فعل ذلك واهمًا؛ فلا شيء عليه، ومن فعَل ذلك عامدًا بعد قيام الحجة عليه؛ فقد أتى كبيرة من الكبائر، والطهارة لا ينقضها إلاَّ الحدث، وهذا قد صحّت طهارته ولم يُحْدِث، فهو طاهر، والطاهر يصلّي ما لم يُحْدِث أو ما لم يأت نصٌّ جليٌّ فيِ أنَّ طهارته انتقضت وإِنْ لم يُحدِث، وهذا الذي انقضى وقت مسْحه لم يُحْدِث ولا جاء نصٌّ في أنَّ طهارته انتقضت؛ لا عن بعض أعضائه، ولا عن جميعها؛ فهو طاهرٌ يصلِّي حتى يُحْدِث، فيخلع خفَّيه حينئذ، وما على قدميه، ويتوضّأ، ثمَّ يستأنف المسح توقيتًا آخر، وهكذا أبدًا. وبالله تعالى التوفيق\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-176>٣ - هل تنْزَع الخفاف من جنابة</span>؛\nنعم؛ تُنْزَع؛ لحديث صفوان بن عسَّال، قال: \"كان رسول الله - ﷺ - يأمُرُنا إِذا كنَّا سَفْرًا أن لا ننزِعَ خفافنا ثلاثة أيام ولياليهنَّ؛ إلاَّ من جنابة، ولكنْ من غائط وبول ونوم\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-177>٤ - اللبس على طهارة شرطٌ للمسح</span>.\nلحديث المغيرة -﵁- قال: \"كنتُ مع النّبيّ - ﷺ - في سفرٍ،\n_________\n(١) \"تمام النصح في أحكام المسح\" (ص٩٢ و٩٣).\n(٢) أخرجه مسلم: ٢٧٦، وغيره، وتقدم.","vol":"1","page":167},{"text":"فأهويْتُ لأنزعَ خفَّيه، فقال: \"دعْهُما؛ فإِنِّي أدخلتُهما طاهرتين\"، فمسح عليهما\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-178>٥ - محلُّ المسح</span>.\nيمسح على ظهر الخفَّين أو النعلين أو الجوربين، ويجوز مسح أيِّ جزء تُغْسَل فيه القدم خلا أسفلها (٢).\nعن المغيرة بن شعبة -﵁-: \"أنَّ رسول الله - ﷺ -: كان يمسح على الخُفَّين\"، وقال: \"على ظهر الخُفَّين\" (٣).\nوعن علي -﵁- قال: \"لو كان الدِّين بالرَّأي لكان أسفل الخُفِّ أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت النّبيّ - ﷺ - يمسح على ظاهر خُفَّيْه\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-179>٦ - مدَّة المسح، ومتى تبدأ</span>؟\nمدّة المسح ثلاثة أيام ولياليهنَّ للمسافر، ويوم وليلة للمقيم.\nعن شُريح بن هانئ؛ قال: أتيتُ عائشة أسألها عن المسح على الخفَّين؟\nفقالت: عليك بابن أبي طالب؛ فسَلهُ؛ فإِنَّه كان يسافر مع رسول الله - ﷺ -.\nفسألناه؛ فقال: \"جَعَلَ رسول الله - ﷺ - ثلاثة أيَّام ولياليهنَّ للمسافر، ويومًا\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٢٠٦، ومسلم: ٢٧٤ نحوه، وغيرهما، وتقدّم.\n(٢) العبارة الأخيرة استفدتها من شيخنا الألباني -حفظه الله تعالى-.\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٤٦) وغيره وانظر \"الإرواء\" (١٠١).\n(٤) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٤٧)، والدارقطنيّ، والبيهقيّ، وغيرهم. وصحّح الحافظ إِسناده في \"التلخيص\". وانظر \"الإِرواء\" (١٠٣).","vol":"1","page":168},{"text":"وليلةً للمقيم\" (١).\nوعن خُزيمة بن ثابت عن النّبيّ - ﷺ -؛ قال: \"المسح على الخُفَّين للمسافر ثلاثة أيَّام، وللمقيم يوم وليلة\" (٢).\nوعن صفوان بن عسَّال؛ قال: \"كان رسول الله - ﷺ - يأمرُنا إِذا كُنَّا سَفْرًا أن لا ننزعَ خفافنا ثلاثة أيَّام ولياليهنَّ؛ إلاَّ من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم\" (٣).\nقال أبو عيسى التِّرمذي: \"وهو قول أكثر العلماء من أصحاب النّبيّ - ﷺ - والتابعين ومَن بعدهم من الفقهاء؛ مثل: سفيان الثوري، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإِسحاق؛ قالوا: يمسح المقيم يومًا وليلة، والمسافر ثلاثة أيام ولياليهنَّ\".\nويبدأ التوقيت من المسح بعد الحدث على القول الراجح.\nقال شيخنا -حفظه الله تعالى-: \" ... فالأحاديث الصحيحه التي رواها جمع من الصحابة في \"صحيح مسلم\" والسنن الأربعة والمسانيد وغيرها؛ ففيها أنَّ النّبيّ - ﷺ -: أمر بالمسح، وفي بعضها: رخَّص في المسح، وفي غيرها: جَعَل المسح للمقيم يومًا وليلة، وللمسافر ثلاثةٌ أيام ولياليهن، ومن\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ٢٧٦\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٤٢)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٨٣)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٤٤٨)، وانظر \"المسح على الجوربين\" (ص ٨٨).\n(٣) أخرجه أحمد، وهو في \"صحيح سنن الترمذي\" (٨٤)، و\"صحيح سنن النسائي\" (١٢٢)، و\"الإِرواء\" (١٠٤)، وتقدم.","vol":"1","page":169},{"text":"الواضح جدًّا أنَّ الحديث كالنَّصِّ على ابتداء مدة المسح من مباشرة المسح، وهو كالنصٍّ أيضًا على ردِّ القول الأوَّل؛ لأنَّ مقتضاه -كما نصُّوا عليه في الفروع- أنَّ من صلَّى الفجر قبيل طلوع الشمس، ثمَّ أحدث عند الفجر من اليوم الثاني، فتوضّأ ومسح لأوَّل مرة لصلاة الفجر؛ فليس له المسح بعدها! فهل يصدق على مثل هذا أنَّه مسح يومًا وليلة؟!\nأمَّا على القول الثاني الرَّاجح؛ فله أن يمسح إِلى قبيل الفجر من اليوم الثالث، بل لقد قالوا أغرب ممَّا ذكرنا: فلو أحدث ولم يمسح حتى مضى من بعد الحدث يوم وليلة أو ثلاثة إِن كان مسافرًا؛ انقضت المدَّة، ولم يجُز المسح بعد ذلك حتّى يستأنف لبسًا على طهارة، فحرموه من الانتفاع بهذه الرخصة؛ بناء على هذا الرأي المخالف للسنَّة!\nولذلك لم يسَع الإِمام النَّوويّ إلاَّ أن يخالف مذهبه -وهو الحريص على أنْ لا يخالفه ما وجد إِلى ذلك سبيلًا- لقوَّة الدَّليل، فقال -رحمه الله تعالى- بعد أن حكى القول الأوَّل ومن قال به (١/ ٤٨٧)؛ قال: وقال الأوزاعي وأبو ثور: ابتداء المدَّة من حين يمسح بعد الحدث، وهو رواية عن أحمد وداود، وهو المختار الراجح دليلًا، واختاره ابن المنذر، وحكى نحوه عن عمر بن الخطاب -﵁- وحكى الماورديُّ والشاشيُّ عن الحسن البصريِّ أنَّ ابتداءها من اللبس\" (١).\nوقال شيخنا -حفظه الله تعالى-: \" .. روى عبد الرزاق في \"المصنَّف\" (١/ ٢٠٩/٨٠٧) عن أبي عثمان النَّهدي؛ قال: \"حضرتُ سعدًا وابن عمر يختصمان إِلى عمر في المسح على الخفَّين، فقال عمر: يمسح عليهما إِلى\n_________\n(١) \"تمام النصح\" (٨٩ و٩٠).","vol":"1","page":170},{"text":"مِثل ساعته من يومه وليلته.\nقلت: وإسناده صحيح على شرط الشيخين، وهو صريح في أنَّ المسح يبتدئ من ساعة إِجرائه على الخفِّ إِلى مثلها من اليوم والليلة، وهو ظاهر كلِّ الآثار المرويَّة عن الصحابة في مدَّة المسح فيما عَلِمنا\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-180>هل يشرع المسْح على الجبيرة ونحوها</span>؟\nقال البيهقي: لا يثبت عن النّبيّ - ﷺ - في هذا الباب شيء يعني باب المسح على العصائب والجبائر.\nقال ابن حزم -﵀- في \"المحلى\" (٢/ ١٠٣) (مسألة ٢٠٩): \"ومن كان على ذراعيه أو أصابعه أو رجليه جبائر أو دواء ملصق لضرورة؛ فليس عليه أن يمسح على شيء من ذلك؛ وقد سقط حُكم ذلك المكان؛ فإِن سقط شيء من ذلك بعد تمام الوضوء؛ فليس عليه إِمساس ذلك المكان بالماء؛ وهو على طهارته ما لم يحدث -: برهان ذلك-: قول الله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسًا إِلاَّ وسعها﴾ (٢) وقول رسول الله - ﷺ -: \"إِذا أمرتكم بأمر فأْتوا منه ما استطعتم؟ \" (٣).\nفسقط بالقرآن والسنّة كل ما عجز عنه المرء، وكان التعويض منه شرعًا، والشرع لا يلزم إلاَّ بقرآن أو سنّة، ولم يأت قرآن ولا سنّة بتعويض المسح على الجبائر والدواء من غسل ما لا يقدر على غسله، فسقط القول بذلك\".\n_________\n(١) \"تمام النصح\" (٩١ و٩٢).\n(٢) البقرة: ٢٨٦\n(٣) أخرجه البخاري: ٧٢٨٨، ومسلم: ١٣٣٧","vol":"1","page":171},{"text":"ثمَّ بيَّن ضعف بعض الأحاديث التي ذُكرت في الموضوع، وأجاب عن أثر ابن عمر المتقدّم بأنّه فِعْل منه لا إِيجابًا بالمسح، وقد صحّ عنه أنّه كان يُدخل الماء في باطن عينيه في الوضوء والغُسل ولا يشرع ذلك، فضلًا عن أن يكون فرضًا (١).\nوسألتُ شيخنا -حفظه الله- عن هذا فقال: \"نعم، ونزيد أنّه قد ثبت المسح على الجبيرة عن بعض الصحابة، وإنْ كنّا لا نتبنّى ذلك لِما سبق؛ فلا نحجّر على الناس أن يفعلوا ذلك\".\nقلت: \"من باب احترام الرأي!، فقال -حفظه الله-: نعم\".\n_________\n(١) انظر \"تمام المنة\" (ص١٣٤)، و\"الإرواء\" (١/ ١٤٢).","vol":"1","page":172},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-181>الغُسل</span>\nالغُسل -بضم الغين المعجمة-: اسم للاغتسال، وهو تعميم البدن بالماء.\nوقال الحافظ في \"الفتح\": \"وحقيقة الاغتسال غَسْل جميع الأعضاء، مع تمييز ما للعبادة عمَّا للعادة بالنيَّة\".\nقال الله تعالى: ﴿وإِنْ كُنْتمْ جُنُبًا (١) فاطَهَّروا﴾ (٢).\nوقال تعالى: ﴿يا أَيّها الذين آمنوا لا تقربوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكَارى حتَّى تَعْلَموا ما تقولونَ ولا جُنبًا إِلاَّ عابري سبيلٍ حتَّى تغْتَسلوا﴾ (٣).\n_________\n(١) قال في \"النهاية\": \"الجُنُب: الذي يجب عليه الغُسل بالجماع وخروج المنيّ ... \".\n(٢) المائدة: بعض الآية: ٦\n\n(٣) النساء: ٤٣، قال الحافظ في \"الفتح\": \"قال الكرماني: غرضُه [أي: البخارى -﵀-] بيان أن وجوب الغسل على الجُنُب مستفاد من القرآن.\nقلت: وقدَّم الآية [أي: ﴿وإِن كنتم جُنُبًا فاطهروا﴾] التي من سورة المائدة على الآية [أي: [يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة ...﴾ الآية] التي من سورة النساء لدقيقة، وهي أنَّ لفظ التي في المائدة: ﴿فاطَّهَّروا﴾؛ ففيها إِجمال، ولفظ التي فى النساء: ﴿حتى تغتسلوا﴾؛ ففيها تصريح بالاغتسال، وبيان للتّطهير المذكور، ودلَّ على أنَّ المراد بقوله تعالى: ﴿فاطهروا﴾: فاغتسلوا، قوله تعالى في الحائض: ﴿ولا تقربوهنّ حتى يَطْهُرْن فإِذا تَطَهَّرْن﴾؛ أي: اغتسلن اتفاقًا\".","vol":"1","page":173},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-182>موجبات الغُسْل</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-183>أولًا: خروج المنيِّ بدفق -سواء كان في النَّوم أو اليقظة- من ذكر أو أنثى:</span>\nلِما ثَبَتَ عن أمِّ سلمة أمِّ المؤمنين -﵂-: أنها قالت: جاءت أمّ سُليم امرأة أبي طلحة إِلى رسول الله - ﷺ -، فقالت: يا رسول الله! إِنَّ الله لا يستحيي من الحقِّ (١)؛ هل على المرأة من غُسل إِذا هي احتلمتْ؟ فقال رسول الله - ﷺ -: \"نعم؛ إِذا رأت الماء\" (٢).\nولحديث عليّ -﵁-: \"إِذا رأيتَ المذي؛ فاغسل ذكَرك وتوضأ وضوءك للصّلاة، فإِذا فَضَخْتَ (٣) الماء؛ فاغتسل\" (٤).\nقال ابن قُدامة -﵀-: \"فخروج المنيِّ الدافق بشهوة يوجب الغسل من الرجل والمرأة في يقظة أو في نوم، وهو قول عامَّة الفقهاء، قال التِّرمذي، ولا نعلم فيه خلافًا\" (٥).\nومنيُّ الرجل غليظ أبيض، أمَّا منيُّ المرأة؛ فرقيق أصفر؛ لقوله - ﷺ -: \"إِنَّ\n_________\n(١) قال في \"الفتح\": \"قدَّمت هذا القول، تمهيدًا لعُذرها في ذِكر ما يستحيى منه\".\n(٢) أخرجه البخاري: ٢٨٢، ومسلم: ٣١٣، وغيرهما.\n(٣) فضْخ الماء: دفْقه وخروجه على وجه الشدّة.\n(٤) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٩٠)، وغيره، وانظر \"الإِرواء\" (١٢٥).\n(٥) \"المغني\" (١/ ١٩٧/ باب ما يوجب الغُسل).","vol":"1","page":174},{"text":"ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر ... \" (١).\nويستفاد من الحديثين المتقدِّمين: عدم وجوب الغُسل على من احتلَمَ ولم يجد منيًّا؛ من ذكر أو أنثى.\nفقد سألتْ زوجُ أبي طلحة رسولَ الله - ﷺ -: \"هل على المرأة من غُسل إِذا هي احتلمتْ؟ \". فقال رسول الله - ﷺ -: \"نعم؛ إِذا رأتِ الماء\".\nفقيَّد - ﷺ - الاغتسال برؤيتها الماء، فإِنْ لم ترَ؛ فلا اغتسال عليها.\nوفي حديث عليّ -﵁-: \"إِذا فَضَخْتَ الماء؛ فاغْتَسلْ\". فإِذا لم تفضخ الماء؛ فلا اغتسال إِذن.\nكما يُستفاد من ذلك وجوب الاغتسال، ولو لم يذكر الاحتلام؛ لأنَّ تعليق الاغتسال في الحديثين السابقين كان برؤية الماء وفضْخه؛ كما هو بيِّن.\nوقد جاء هذا صريحًا في حديث عائشة -﵂- قالت: سُئل رسول الله - ﷺ - عن الرجل يجد البَلَل ولا يذكر احتلامًا؟ قال: \"يغتسل\".\nوعن الرجل يرى أنَّه قد احتلم ولا يجد البلل؟ قال: \"لا غُسل عليه\".\nفقالت أمُّ سُليم: المرأة ترى ذلك؛ أعليها غُسل؟ قال: \"نعم: إِنَّما النِّساء شقائق الرِّجال\" (٢).\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ٣١٢\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢١٦) التحقيق الثاني، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٤٩٦)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٩٨)، وانظر \"المشكاة\" (٤٤١).","vol":"1","page":175},{"text":"خُلاصة لما سبق:\n١ - إِذا احتلم ولم يجد منيًّا؛ فلا غُسل عليه.\n٢ - إِذا استيقظ من نومه، ووجد بللًا، ولم يذكر احتلامًا؛ فعليه، الغُسل.\n٣ - إِذا جامع فعليه الاغتسال؛ أنزَل أو لم يُنْزِل.\n٤ - الرجل والمرأة في كل ذلك سواء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-184>ثانيًا: التقاء الختانين:</span>\nعن أبي هريرة -﵁- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"إِذا جلسَ بين شُعَبِها (١) الأربع، ثمَّ جَهَدَها (٢)؛ فقد وجب الغُسل\" (٣).\nوعن عائشة -﵂- قالت: قال رسول الله - ﷺ -: \"إِذا جَلَسَ بين\n_________\n(١) قاله في \"النهاية\": \"هي اليدان والرّجلان، وقيل: الرجلان والشُّفران، فكنى بذلك عن الإِيلاج\". والشُّفران: طرف الناحيتين.\nوجاء في \"الفتح\": \"والشُّعَب: جمع شُعبة، وهي القطعة من الشيء. قيل: المراد هنا يداها ورجلاها، وقيل: رجلاها وفخذاها وقيل: ساقاها وفخذاها، وقيل: فخذاها واسكتاها، وقيل: فخذاها وشُفراها، وقيل: نواحي فرجها الأربع\".\nوالاسكتان: ناحيتا الفرج.\n(٢) أي: بلغ المشقَّة، قيل: معناها كدّها بحركته، أو بلَغ جهده في العمل بها.\n(٣) أخرجه البخاري: ٢٩١، ومسلم: ٣٤٨","vol":"1","page":176},{"text":"شُعَبها الأربع، ومسَّ الخِتانُ الخِتان (١)؛ فقد وجب الغُسل\" (٢).\nوعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إِذا التقى الختانان، وتوارت الحَشَفة (٣)؛ فقد وجب الغُسل\" (٤)\nوعن حبيب بن شهاب عن أبيه؛ قال: \"سألتُ أبا هريرة: ما يوجب الغُسل؟ فقال: إِذا غابَتِ المُدَّورة\" (٥).\nقال النَّوويُّ في \"المجموع\" (٢/ ١٣٣): \"وجوب الغُسل وجميع الأحكام المتعلِّقة بالجماع يُشتَرَط فيها تغييب الحشفة بكمالها في الفرج، ولا يُشترَط زيادة على الحشفة، ولا يتعلَّق ببعض الحشفة وحده شيء من الأحكام\". انتهى.\nوهذا لأنَّه بأقلَّ من الحشفة لا يمسُّ الخِتان الخِتان.\n_________\n(١) قال النووي: \"وقال العلماء: معناه: غيَّبْتَ ذكَرك في فرجها ... \". والختانان: هما موضع القطع من ذكَر الغلام وفرج الجارية. \"النهاية\".\nوجاء في \"شرح متنقى الأخبار\" (١/ ٢٧٨): \"الختان: المراد به هنا موضع الختن، والخَتْن في المرأة: قطع جلدة في أعلى الفرج، مجاورة لمخرج البول، كعُرف الدِّيك، ويسمّى الخفاض\".\n(٢) أخرجه مسلم: ٣٤٩، وفي بعض الروايات: \"وألزق الخِتان بالخِتان\"، و\"صحيح سنن أبي داود\" (٢٠٠).\n(٣) أي: رأس الذكَر.\n(٤) أخرجه أحمد وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٤٩٥)، وانظر \"الصحيحة\" تحت الحديث (١٢٦١).\n(٥) وإسناده صحيح كما قال شيخنا في \"الصحيحة\" تحت الحديث (١٢٦١).","vol":"1","page":177},{"text":"وجاء في \"سبل السلام\" (١/ ١٥١): \"قال الشافعي: إِنَّ كلام العرب يقتضي أنَّ الجنابة تُطلق بالحقيقة على الجماع، وإِن لم يكن فيه إِنزال؛ فإِنَّ كلَّ من خوطب بأنَّ فلانًا أجنبَ عن فلانة؛ عَقَلَ أنَّه أصابها، وإِن لم يُنْزِل.\nولم يُخْتَلَف أنَّ الزِّنى الذي يجب به الجلد هو الجماع، ولو لم يكن منه إِنزال\".\nثمَّ قال -﵀- بعد ذلك: \"فتعاضد الكتاب والسنَّة على إِيجاب الغسل من الإِيلاج\".\nوكان جماعة من الصحابة -﵃- يرون أنَّ الغُسل لا يجب إلاَّ من إِنزال؛ لحديث أبي سعيد الخُدري -﵁- قال: خرجتُ مع رسول الله - ﷺ - يوم الاثنين إِلى قُباء، حتى إِذا كنَّا في بني سالم؛ وقف رسول الله - ﷺ - على باب عِتبان فصرخ به، فخرج يجرُّ إِزاره، فقال رسول الله - ﷺ -: \"أعْجَلْنا (١) الرجل\". فقال عِتبان: يا رسول الله! أرأيت الرَّجل يُعْجَل عن امرأته ولم يُمْنِ؛ ماذا عليه؟ قال رسول الله - ﷺ -: \"إِنَّما الماء من الماء\" (٢).\nغير أنَّ هذا الحديث نُسخ؛ لما نصَّ عليه أهل العلم.\nفعن أُبيّ بن كعب -﵁- قال: \"إِنَّ الفُتيا التي كانوا يُفتون أنَّ\n_________\n(١) أي: حمَلناه على أن يعَجل من فوق امرأته قبل فراغ حاجته من الجماع.\n(٢) أخرجه مسلم: ٣٤٣، وأصله في البخاري: ١٨٠، ومعنى الماء من الماء: \"أي: الاغتسال من الإِنزال، فالماء الأول معروف، والثاني المني، وفيه من البديع الجناسى التامّ\"، \"سبل السلام\" (١/ ١٤٨).","vol":"1","page":178},{"text":"الماء من الماء؛ كانت رخصة رخَّصها رسول الله - ﷺ - في بدء الإِسلام، ثمَّ أمر بالاغتسال بعد\" (١).\nقال النَّووي -﵀- في \"شرحه\" (٤/ ٣٦): \"اعلم أنَّ الأمَّة مجتمعة الآن على وجوب الغُسل بالجماع، وإِن لم يكن معه إِنزال، وعلى وجوبه بالإِنزال، وكان جماعة من الصحابة على أنَّه لا يجب إلاَّ بالإِنزال، ثمَّ رجعَ بعضهم، وانعقد الإِجماع بعدُ بآخرين\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-185>ثالثًا: انقطاع الحيض والنِّفاس:</span>\nلقول الله تعالى: ﴿ويَسْألونَكَ عن المحيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فاعْتَزِلوا النِّساءَ في المحيضِ ولا تَقرَبوهُنَّ حتَّى يَطْهُرْنَ فإِذا تَطَهَّرْنَ فأتُوهُنَّ من حيثُ أَمَرَكُمُ الله إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابينَ ويُحبُّ المُتَطَهِّرينَ﴾ (٢).\nولحديث فاطمة بنت أبي حُبيش -﵂-: كانت تُستحاض، فسأَلَت النبيّ - ﷺ -؛ فقال: \"ذلك عِرق وليست بالحيضة، فإِذا أقبَلت الحيضةُ؛ فدعي الصَّلاة، وإِذا أدبرتْ؛ فاغتسلي وصلِّي\" (٣).\nوقد سمَّى رسول الله - ﷺ - الحيض نفاسًا؛ كما في حديث عائشة -﵂- قالت: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - لا نذكرُ إلاَّ الحجَّ، حتى جِئْنا\n_________\n(١) أخرجه أحمد، وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٩٩)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٩٦)، وهو في \"صحيح ابن خزيمة\" (٢٢٥)، وانظر \"المشكاة\" (٤٤٨).\n(٢) البقرة: ٢٢٢\n(٣) أخرجه البخاري: ٣٢٠، ومسلم: ٣٣٤، وغيرهما.","vol":"1","page":179},{"text":"سَرِفَ (١)، فطَمِثْتُ (٢)، فدخل عليَّ رسول الله - ﷺ - وأنا أبكي، فقال: \"ما يُبكيِكِ؟ \". فقلتُ: واللهِ؛ لودِدْتُ أنِّي لم أكن خرَجْتُ العام. قال: \"ما لكِ؟ لعلَّكِ نَفسْتِ؟ \". قلتُ: نعم (٣) ..\nوقالَ ابن حزم: \"والنُّفساء والحائض شيء واحد\"، وأشار إِلى الحديث السابق وغيره (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-186>رابعًا: الموت </span>(٥):\nلحديث ابن عبَّاس -﵄- قال: \"بينما رجل واقف بعرفة، إِذ وقعَ عن راحلته، فوَقَصَتْهُ (٦)، أو قال: فأقعَصَتْهُ (٧)، فقال النّبيّ - ﷺ -: اغسلوه بماء وسدْر ... \" (٨).\nولحديث أمِّ عطيَّة -﵂- قالت: دَخَلَ علينا رسول الله - ﷺ - حين تُوُفِّيت ابنتُه، فقال: \"اغْسِلْنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك -إِن\n_________\n(١) هو ما بين مكة والمدينة.\n(٢) أي: حِضْتُ.\n(٣) أخرجه مسلم: ١٢١١\n(٤) انظر \"المحلَّى\" (المسألة ١٨٤).\n(٥) قال في \"الدراري المضيَّة\" (١/ ٧٠): \"يجب على الأحياء، إِذ لا وجوب بعد الموت من الواجبات المتعلقة بالبدن\".\n(٦) الوقص: كسْر العنُق.\n(٧) القعص: أن يُضرب الإنسان فيُقتل قتلًا سريعًا مكانه، وانظر \"النهاية\".\n(٨) أخرجه البخاري: ١٢٦٦، ومسلم: ١٢٠٦، وغيرهما.","vol":"1","page":180},{"text":"رأيتنَّ- بماءٍ وسِدْر ... \" (١).\nقال ابن المنذر: \"وأجمعوا أنَّ الميِّت يُغسَّل غُسْل الجنابة\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-187>خامسًا: الكافر إِذا أسلم:</span>\nلحديث قيس بن عاصم: \"أنَّه أسلم، فأمره النّبيّ - ﷺ - أن يغتسلَ بماء وسدر\" (٣).\nوفي حديث أبي هريرة -﵁- في قصَّة ثمامة بن أُثال عندما أسلم: \"أنَّ النّبيّ - ﷺ - أمَره أن يغتسل\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-188>سادسًا: غُسل الجُمُعة:</span>\nعن أبي سعيد الخُدري -﵁- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"غُسْل يوم الجُمُعة واجبٌ على كلِّ محتلم\" (٥).\nقال الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ٣٥٧): \"وهو بمعنى اللزوم قطعًا\".\n_________\n(١) أخرجه البخارى: ١٢٥٣، ومسلم: ٩٣٩، وغيرهما، وتقدّم.\n(٢) \" الإِجماع\" (ص ٤٢).\n(٣) أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي وهو في \"صحيح سنن النسائي\" (١٨٢)، وغيرهم. وانظر \"الإِرواء\" (١٢٨).\n(٤) أخرجه البيهقيّ. وقال شيخنا في \"الإِرواء\" (١٢٨): \"وهذا سند صحيح على شرط الشيخين ... \".\n(٥) أخرجه البخاري: ٨٧٩، ومسلم: ٨٤٦، وغيرهما.","vol":"1","page":181},{"text":"وفي رواية (١): \"قال عمرو (٢): أما الغُسل؛ فأشهد أنَّه واجب، وأمَّا الاستنان والطيب؛ فالله أعلم ... \".\nوفي الحديث: \" ... إِذا جاء أحدُكم الجمعة؛ فليغتسل\" (٣).\nوعن أبي هريرة -﵁- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"لله تعالى على كلِّ مسللِ حقٌّ أن يغتسل في كلِّ سبعة أيام يومًا\" (٤).\nوعن سالم بن عبد الله بن عمر عن ابن عمر -﵄-: \"أنَّ عمر ابن الخطاب بينما هو قائمٌ في الخطبة يوم الجمعة؛ إِذ دخل رجلٌ من المهاجرين الأوَّلين من أصحاب النّبيّ - ﷺ -، فناداه عمر: أيَّةُ ساعةٍ هذه؟! قال: إِنِّي شُغِلْتُ، فلم أنْقَلِبْ إِلى أهلي حتى سمِعْتُ التَّأذين، فلم أزِدْ أن توضّأت. فقال: والوضوء أيضًا! وقد عَلِمْتَ أنَّ رسول الله - ﷺ - كان يأمُرُ بالغُسْل\" (٥).\n\"وحكى ابن المنذر عن إِسحاق بن راهويه أنَّ قصَّة عمر وعثمان تدلُّ على وجوب الغسل، لا عدم وجوبه، من جهة تَرْك عمر الخطبة، واشتغاله بمعاتبة عثمان، وتوبيخ مِثله على رؤوس الناس، فلو كان ترْك الغسل مباحًا؛ لما فعل\n_________\n(١) البخاري: ٨٨٠\n(٢) هو عمرو بن سليم الأنصاري الراوي عن أبي سعيد الخدري.\n(٣) أخرجه البخاري: ٨٧٧، ومسلم: ٨٤٤\n(٤) أخرجه البخاري: ٨٩٨، ومسلم: ٨٤٩، وغيرهما، قال ابن دقيق العيد في \"إِحكام الأحكام\" (١/ ٣٣١): الحديث صريح في الأمر بالغُسل للجمعة، وظاهر الأمر الوجوب، وقد جاء مُصرَّحًا به بلفظ الوجوب في حديث آخر ...\n(٥) أخرجه البخاري: ٨٧٨، ومسلم: ٨٤٥","vol":"1","page":182},{"text":"عمر ذلك، وإِنَّما لم يرجع عثمان للغسل لضيق الوقت، إِذ لو فعل؛ لفاتته الجمعة، أو لكونه كان اغتسل كما تقدَّم\" (١).\nقال في \"نيل الأوطار\" (١/ ٢٩٢): \"ولعلَّ النَّووي ومن معه ظنّوا أنَّه لو كان الاغتسال واجبًا؛ لنزل عمر عن منبره، وأخذ بيد ذلك الصَّحابي، وذهب به إِلى المغتسل، أو لقال له: لا تقِفْ في هذا الجمع، أو: اذهب فاغتسل فإِننا سننظرك ...، أو ما أشبه ذلك، ومِثل هذا لا يجب على من رأى الإِخلال بواجب من واجبات الشريعة، وغاية ما كُلِّفنا به في الإِنكار على من ترك واجبًا هو ما فعَله عمر في هذه الواقعة، على أنَّه يُحتمل أن يكون قد اغتسل في أوَّل النَّهار، كما قال الحافظ في \"الفتح\"\".\nثمَّ ذكر ابن حزم -﵀- في \"المحلّى\" (٢/ ٢١) حديث مسلم (٢٣١) عن حُمران بن أبان؛ قال: \"كنت أضع لعثمان طهوره، فما آتي عليه يومٌ؛ إلاَّ وهو يُفيض، عليه نُطفة (٢) \".\nثمَّ قال: \"فقد ثبت بأصحِّ إِسناد أنَّ عثمان كان يغتسل كلَّ يوم، فيوم الجمعة يوم من الأيَّام بلا شكٍّ ... \".\nوجاء في \"نيل الأوطار\" (١/ ٢٩٠): \" ... قال النَّووي: فحُكي وجوبه عن طائفة من السلف، حكوه عن بعض الصحابة، وبه قال أهل الظاهر.\nوحكاه ابن المنذر عن مالك، وحكاه الخطَّابي عن الحسن البصري\n_________\n(١) \"الفتح\" (٢/ ٣٦٢)، وغيره.\n(٢) قال النووي: \"النُّطفة؛ بضم النون: وهي الماء القليل ومراده: لم يكن يمرُّ عليه يوم إلاَّ اغتسل\"، وفي \"النهاية\": سمّي المنيّ نُطفة لقلّته.","vol":"1","page":183},{"text":"ومالك، وحكاه ابن المنذر أيضًا عن أبي هريرة وعمَّار وغيرهما.\nوحكاه ابن حزم عن عمر وجمع من الصحابة ومن بعدهم، وحُكي عن ابن خزيمة، وحكاه شارح الغنية لابن سريج قَوْلًا للشافعي ... \".\nوقال: \"وذهب جمهور العلماء من السلف والخلف وفقهاء الأمصار إِلى أنَه مستحبٌّ\" (١).\nوعن عبد الله بن أبي قتادة؛ قال دخل عليَّ أبي وأنا أغتسل يوم الجمعة، فقال: غُسلك هذا من جنابة أو للجمعة؛ قلت: من جنابة. قال: أعِد غُسلًا آخر؛ إِنّي سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"من اغتسل يوم الجمعة؛ كان في طهارة إِلى الجمعة الأخرى\" (٢).\nواحتجَّ من رأى عدم وجوب الغسل بحديث مسلم (٨٥٧): \"من توضّأ فأحسن الوضوء، ثمَّ أتى الجمعة، فاستمع، وأنصت؛ غُفِر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيَّام، ومن مسَّ الحصى؛ فقد لغا\".\nوعدُّوه من أقوى الأدلة على الاستحباب؛ كما في \"التَّلخيص الحبير\"\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (١/ ٢٩٠). وانظر ما قاله في \"المحلّى\" (٢/ ٢٣ - ٢٥) حول قصة عمر وعثمان -﵄-.\nوممّا قاله -﵀-: \" ... فصحَّ ذلك الخبر حُجَّة لنا وإجماعًا من الصحابة -﵃- إِذ لم يكن فيهم آخر يقول لعمر: ليس ذلك عليه واجبًا\".\n(٢) أخرجه الطبراني في \"الأوسط\"، وإسناده قريب من الحسن؛ قاله شيخنا في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٧٠٣). وأخرجه ابن خزيمة في \"صحيحه\"، وانظر \"الصحيحة\" (٢٣٢١). وذكَر الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ٣٦١) أنَّ الطحاوي أخرجه.","vol":"1","page":184},{"text":"لابن حجر.\nقال في \"الفتح\" (٢/ ٣٦٢): \"ليس فيه نفي الغُسل، وقد ورد من وجه آخر في \"الصحيحين\" بلفظ: \"من اغتسل\"؛ فيحتمل أن يكون ذِكر الوضوء لمن تقدَّم غُسله على الذّهاب، فاحتاج إِلى إِعادة الوضوء\".\nقلت: وفي المعنى الذي أشار إِليه الحافظ أحاديث:\n١ - ما رواه البخاري (٩١٠) من حديث سلمان الفارسي -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من اغتسل يوم الجمعة، وتطهَّرَ بما استطاع من طُهرٍ، ثمَّ ادَّهن أو مسَّ من طيب، ثمَّ راح، فلم يفرِّق بين اثنين، فصلَّى ما كُتبَ له، ثمَّ إِذا خرج الإِمام أنصت؛ غُفِرَ له ما بينه وبين الجُمُعة الأخرى\".\n٢ - ما رواه مسلم في \"صحيحه\" (٨٥٧) من حديث أبي هريرة -﵁- عن النّبيّ - ﷺ -؛ قال: \"من اغتسل، ثمَّ أتى الجُمُعة، فصلَّى ما قُدِّر له، ثمَّ أنصتَ حتى يفرُغ من خُطبته، ثمَّ يصلِّي معه؛ غفِرَ له ما بينه وبين الجُمُعة الأخرى، وفَضْل ثلاثة أيام\".\n٣ - ما رواه ابن خزيمة في \"صحيحه\" (١٧٦٣) من حديث أبي ذرّ - ﵁- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"من اغتسل يوم الجمعة، فأحسن الغسل، ثمَّ لَبِس من صالح ثيابه، ثمَّ مسَّ من دهن بيته ما كتبَ الله له، أو من طيبه، ثمَّ لم يفرِّق بين اثنين؛ كفَّر الله عنه ما بينه وبين الجمعة قبلها\".\nقال سعيدٌ (١): \"فذكرتُها لعمارة بن عمرو بن حزم؛ قال: صدق، وزيادة\n_________\n(١) هو سعيد المقبري؛ أحد رواة الحديث.","vol":"1","page":185},{"text":"ثلاثة أيّام\" (١).\n٤ - ما رواه أبو داود (٢) وغيره، عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة -﵄- قالا: قال رسول الله - ﷺ -: \"من اغتسل يوم الجمعة، ولَبِس من أحسن ثيابه، ومسَّ من طيب إِنْ كان عنده، ثمَّ أتى الجمعة، فلم يتخطَّ أعناق النَّاس، ثمَّ صلَّى ما كتَب الله له، ثمَّ أنصتَ إِذا خرج إِمامُه حتى يفرغَ من صلاته؛ كانت كفارة لما بينها وبين جمعته التي قبلها\".\nقال ويقول أبو هريرة: \"وزيادة ثلاثة أيّام\"، ويقول: \"إِنَّ الحسنة بعشر أمثالها\".\nواحتجُّوا أيضًا باستحبابه بما ثبت عن عكرمة: أنَّ أُناسًا من أهل العراق جاؤوا فقالوا: يا ابن عبّاس! أترى الغُسل يوم الجمعة واجبًا؛ قال: لا، ولكنّه أطهر وخيرٌ لمن اغتسل، ومن لم يغتسل؛ فليس عليه بواجب، وسأخبركم كيف بدأ الغُسل:\nكان الناس مجهودين، يلبسون الصوف، ويعملون على ظهورهم، وكان مسجدهم ضيِّقًا، مقاربَ السقف، وِإنما هو عريش، فخرج رسول الله - ﷺ - في يوم حارّ، وعَرَق الناس في ذلك الصوف، حتى ثارت منهم رياح آذى بذلك بعضهم بعضًا، فلما وجد رسول الله تلك الريح؛ قال: \"أيّها الناس! إِذا كان هذا اليوم؛ فاغتسلوا، وليمسَّ أحدكم أفضل ما يجد من دهنه وطيبه\".\n_________\n(١) قال شيخنا: \"إِسناده حسن\". ورواه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٩٠٠)، وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٧٠٤).\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٣١) وغيره، وانظر \"المشكاة\" (١٣٨٧).","vol":"1","page":186},{"text":"قال ابن عباس: ثمَّ جاء الله بالخير، ولَبِسوا غير الصوف، وكُفُوا العمل، ووُسِّعَ مسجدهم، وذهب بعض الذي كان يؤذي بعضهم بعضًا من العرق\" (١).\nقال الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ٣٦٢): \"وعلى تقدير الصحَّة؛ فالمرفوع منه وردَ بصيغة الأمر الدالَّة على الوجوب، وأمّا نفي الوجوب؛ فهو موقوف؛ لأنَّه من استنباط ابن عباس، وفيه نظر، إِذ لا يلزم من زوال السَّبب زوال المسبِّب\".\nوتُشعرنا الحال التي ذكرها ابن عباس -﵄- (٢)؛ أنَّ هذا كان قبل أحاديث الإِيجاب، والله أعلم، فتأمَّل قوله: \"ثمَّ جاء الله بالخير، ولبسوا غير الصُّوف، وكُفوا العمل، ووُسّع مسجدهم ... \".\nفهذا يدلُّ على التَّقادم الزَّمني كما هو ظاهر.\n\"ويُجاب أيضًا عن ربط الغُسل بالعِلَّة بأنَّه يقتضي سقوط الغُسل أصلًا، فلا يعدُّ فرضًا ولا مندوبًا\" (٣).\nواحتجُّوا أيضًا بما ثبت عن عائشة -﵂-: أنها قالت: كان النَّاس ينتابون (٤) يوم الجمعة من منازلهم، والعوالي (٥)، فيأتون في الغبار،\n_________\n(١) حسّنه شيخنا كما في \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٤٠). وقال الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ٣٦٢): \"أخرجه: أبو داود، والطحاوي، وإسناده حسن\".\n(٢) وأيضًا عائشة -﵂- في النقطة التالية.\n(٣) انظر \"الفتح\" (٢/ ٣٦٣).\n(٤) أي: يحضرونها نوبًا، والانتياب: افتعال من النوبة. \"فتح\".\n(٥) هي القرى التي حول المدينة على أربع أميال فصاعدًا من المدينة.","vol":"1","page":187},{"text":"ويصيبهم الغبار والعرق، فيخرج منهم العرق، فأتى رسولَ الله - ﷺ - إِنسانٌ منهم -وهو عندي- فقال النّبيّ - ﷺ -: \"لو أنَّكم تطهَّرتم ليومكُم هذا\" (١).\nواحتجُّوا بقولها أيضًا: \"كان الناس مَهَنَةَ أنفسهم، وكانوا إِذا راحوا إِلى الجمعة، راحوا في هيئتهم، فقيل لهم: لو اغتسلتم\" (٢)\nقال الحافظ: \"وأجيب بأنَّه ليس فيه نفيُ الوجوب، وبأنَّه سابقٌ على الأمر به والإِعلام بوجوبه ... \" (٣).\nقلت: وهذا الحال الذي ذَكَرَته عائشة -﵂- والأمر الذي وصفت يؤكِّد الوجوب؛ كما هو بيِّن؛ فليس هذان النصّان فقط ممّا يُقتصر على الاستدلال بهما على الوجوب؛ ليعلَّل بإِزالة الغبار والعرق.\nوإِذا كانت كلمة (لو) هي الدالَّة على الاستحباب في نظر البعض في قوله - ﷺ -: \"لو أنّكم تطهّرتم ليومكم هذا\"، فهي كما في قوله - ﷺ -: \"لو أنَّكم تتوكَّلون على الله حقَّ توكُّله؛ لرزَقَكُمْ كما يرزُقُ الطَّير؛ تغدو خماصًا، وتروح بطانًا\" (٤).\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٩٠٢، ومسلم: ٨٤٧\n(٢) أخرجه البخارى: ٩٠٣، ومسلم: ٨٤٧\n(٣) \"الفتح\" (٢/ ٣٦٣).\n(٤) أخرجه أحمد، والترمذي، وقال: \"حديث حسن صحيح\"، والحاكم، وقال: \"صحيح الإسناد\"، وأقره الذهبي.\nوقال شيخنا: \"بل هو صحيح على شرط مسلم؛ فإِنّ رجاله رجال الشيخين، غير ابن هبيرة وأبي تميم؛ فمن رجال مسلم وحده، وقد تابعه ابن لهيعة عن ابن هبيرة به\". وانظر: \"الصحيحة\" (٣١٠).","vol":"1","page":188},{"text":"واحتجُّوا أيضًا بحديث سمرة بن جندب؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من توضّأ يوم الجمعة؛ فبها ونعمت، ومن اغتسل؛ فالغُسْل أفضل\" (١).\nقال ابن حزم -رحمه الله تعالى- في \"المحلَّى\" (٢/ ٢٥): \" ... فسقَطَتْ هذه الآثار كلّها، ثمَّ لو صحَّت؛ لم يكن فيها نصٌّ ولا دليل على أنّ غسل الجمعة ليس بواجب، وإِنَّما فيها أنَّ الوضوء نعم العمل، وأنَّ الغُسل أفضلِ، وهذا لا شكَّ فيه، وقد قال الله تعالى: ﴿ولوْ آمنَ أَهْلُ الكتابِ لكانَ خَيراَ لَهمْ﴾ (٢)؛ فهل دلَّ هذا اللفظ على أنَّ الإِيمان والتقوى ليس فرضًا؟! حاشا لله من هذا\".\nوقال -رحمه الله تعالى (٣) -: \"وكلُّ ما أخبرَ ﵇ أنَّه واجب على كلِّ مسلم وحقُّ الله تعالى على كلِّ محتلم؛ فلا يحلُّ ترْكه، ولا القول بأنَّه منسوخ، أو أنَّه ندبٌ؛ إلاَّ بنصٍّ جليٍّ بذلك مقطوع؛ على أنَّه وارد بعده مبيِّن أنَّه ندْب، أو أنَّه قد نُسِخ؛ لا بالظُّنون الكاذبة المتروك لها اليقين\".\nوقال ابن دقيق العيد -﵀-: \"وأقوى ما عارضوا به حديث: \"من توضّأ يوم الجمعة؛ فبها ونِعْمَت، ومن اغتسل؛ فالغسل أفضل\"، ولا يُقاوم\n_________\n(١) أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وقال: حديث حسن، والنسائي، والدارمي، وانظر \"المشكاة\" (٥٤٠).\n(٢) آل عمران: ١١٠\n(٣) \"المحلّى\" (٢/ ٢١).","vol":"1","page":189},{"text":"سنده سندَ هذا الحديث (١) ... \" (٢).\nوقوله - ﷺ -: \"ومن اغتسل؛ فالغسل أفضل\": لا ينفي الوجوب، فالأفضليَّة تجامع الوجوب ولا شكَّ، وهي في القول بالوجوب آكد من القول بسنِّيَّتها (٣).\nوقال الصنعاني -﵀-: \"وإِن كان حديث الإِيجاب أصحَّ؛ فإِنَّه أخرجه السبعة (٤)؛ بخلاف حديث سمُرة، فلم يُخْرِجه الشيخان، فالأحوط للمؤمن أن لا يترك غُسل الجمعة\" (٥).\nوذكر الصنعاني -﵀- أيضًا في \"سبل السلام\" (١/ ١٥٦) أنَّ وجوب غسل يوم الجمعة أقوى من وجوب عدد من المسائل الفقهيَّة المختلف فيها.\nوقال شيخنا -حفظه الله- في \"تمام المنَّة\" (١٢): \"وجملة القول أنَّ الأحاديث المصرِّحة بوجوب غُسل الجمعة فيها حُكم زائد على الأحاديث المفيدة لاستحبابه، فلا تعارُض بينهما، والواجب الأخذ بما تضمَّن الزيادة فيها\".\n_________\n(١) أي: حديث: \"من جاء منكم الجمعة فليَغتَسِل\". رواه البخاري: ٨٩٤ ومسلم: ٨٤٦، وتقدّم في أول (غُسل الجمعة) بلفظ مقارب.\n(٢) \"إِحكام الأحكام\" (١/ ٣٣٢).\n(٣) قاله شيخنا -حفظه الله- بمعناه.\n(٤) وهم: أحمد، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.\n(٥) \"سبل السلام\" (١/ ١٥٦).","vol":"1","page":190},{"text":"وقال في \"نيل الأوطار\" (١/ ٢٩٢): \" ... وبهذا يتبيَّن لك عدم انتهاض ما جاء به الجمهور من الأدلَّة على عدم الوجوب، وعدم إِمكان الجمع بينها وبين أحاديث الوجوب؛ لأنَّه وإِن أمكن بالنِّسبة إِلى الأوامر؛ لم يُمْكن بالنسبة إِلى لفظ (واجب) و(حقّ)؛ إلاَّ بتعسُّف لا يُلجئ طلبُ الجمع إِلى مِثله.\nولا يشكُّ من له أدنى إِلمام بهذا الشَّأن أنَّ أحاديث الوجوب أرجح من الأحاديث القاضية بعدمه ... \".\nقال الحازمي في \"الاعتبار\" (١): \"الوجه الرابع والأربعون في ترجيح أحد الحديثين على الآخر: أن يكون في أحدهما احتياطٌ للفرض وبراءة الذمَّة بيقين، ولا يكون الآخر ذلك؛ فتقديم ما فيه الاحتياط للفرض وبراءة الذمَّة بيقين أولى\".\nوقال ابن دقيق العيد في \"إِحكام الأحكام\" (١/ ٣٣٢): \" ... وأمَّا غير هذا الحديث (٢) من المعارَضات المذكورة لما ذكرناه من دلائل الوجوب؛ فلا تقوى دلالته على عدم الوجوب؛ لقوَّة دلائل الوجوب عليه، وقد نصَّ مالك على الوجوب، فحمله المخالفون -ممَّن لم يمارس مذهبه- على ظاهره، وحُكي عنه أنَّه يروي الوجوب، ولم يرَ ذلك أصحابه على ظاهره\".\nقال الشيخ أحمد محمد شاكر: \"الحقُّ الذي نذهب إِليه ونرضاه: أنَّ غُسل يوم الجمعة واجبٌ حتْم، وأنَّه واجب لليوم وللاجتماع، فمن تركه؛ فقد قصَّر فيما وجب عليه، ولكن صلاته صحيحة إِذا كان طاهرًا.\n_________\n(١) ص ٣٧\n(٢) أي: \"من توضّأ يوم الجمعة؛ فبها ونعْمَت ... \".","vol":"1","page":191},{"text":"وأيضًا؛ فإنَّ الأصل في الأمر أنَّه للوجوب، ولا يُصرف عنه إِلى النَّدب إلاَّ بدليل، وقد ورد الأمر بالغُسل صريحًا، ثمَّ تأيَّد في معنى الوجوب بورود النص الصريح الصحيح بأنَّ غُسل يوم الجمعة واجب، ومثل هذا الذي هو قطعيُّ الدّلالة، والذي لا يحتمل التَّأويل؛ لا يجوز أن يؤوَّل لأدلَّة أخرى، بل تؤوَّل الأدلَّة الأخرى إِنْ كان في ظاهرها المعارضة له، وهذا بيِّن لا يحتاج إِلى بيان\" (١).\n_________\n(١) انظر التعليق على \"الرسالة\" للإِمام الشافعي -رحمه الله تعالى- (ص ٣٠٧) بشيء من الحذف.","vol":"1","page":192},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-189>الأغْسالُ المُسْتَحَبَّة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-190>أولًا: غُسل العيدين:</span>\nولم يرِد في هذا حديث صحيح.\nقال شيخنا -حفظه الله تعالى-: \"وأحسن ما يُستدلّ به على استحباب الاغتسال للعيدين ما رَوى البيهقيّ من طريق الشافعي عن زاذان؛ قال: سأل رجلٌ عليًّا -﵁- عن الغسل؟ قال: \"اغتسل كلّ يوم إِن شئت\".\nفقال: لا؛ الغسل الذي هو الغسل؟ قال: \"يوم الجُمعة، ويوم عرفة (١)، ويوم النَّحر، ويوم الفطر\" (٢).\nوقال -حفظه الله تعالى-: \"روى الفريابي (١٢٧/ ١ و٢) عن سعيد بن المسيّب أنَّه قال: \"سنّة الفطر ثلاث: المشي إِلى المصلَّى، والأكل قبل الخروج، والاغتسال\"، وإِسناده صحيح\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-191>ثانيًا: غُسل يوم عرفة:</span>\nلأثر عليٍّ السابق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-192>ثالثًا: غُسل الإِحرام:</span>\nلحديث زيد بن ثابت -﵁-: \"أنَّه رأى النّبيّ - ﷺ - تجرَّد\n_________\n(١) وهذا خاصٌّ بالحاجِّ دون غيره، كما تدلُّ على ذلك النصوص.\n(٢) أخرجه البيهقي، وسنده صحيح، وأنظر \"الإِرواء\" (١٤٦).\n(٣) انظر \"الإِرواء\" تحت الحديث (٦٣٦).","vol":"1","page":193},{"text":"لإِهلاله (١) واغتسل\" (٢).\nومن شواهده أيضًا قول ابن عمر -﵄-: \"إِنَّ من السُّنَّة أن يغتسل إِذا أراد أن يُحْرِم، وإذا أراد أن يدخُلَ مكَّة\" (٣).\nقال شيخنا -حفظه الله تعالى-: \"وهذا وإِن كان موقوفًا؛ فإِنَّ قوله: \"من السُّنَّة\"؛ إِنَّما يعني سنَّته - ﷺ -؛ كما هو مقرَّر في علم أصول الفقه\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-193>رابعًا: الاغتسال عند دخول مكَّة:</span>\nلِما ثبت عن نافع: أنَّه قال: \"كان ابنُ عمر -﵄- إِذا دخل أدنى الحرم؛ أمسك عن التَّلبية، ثمَّ يبيت بذي طُوى (٥)، ثمَّ يُصلِّي به الصُّبح ويغتسل، ويحدِّث أنَّ النّبيّ - ﷺ - كان يفعل ذلك\" (٦).\n_________\n(١) الإِهلال: رفع الصوت بالتلبية، يُقال: أهل المُحرم بالحجِّ يُهلُّ إِهلالًا: إِذا لبَّى ورفع صوته. \"النهاية\".\n(٢) أخرجه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٦٦٤)، والدارمي، والدارقطنيّ، والبيهقيّ، وغيرهم. وانظر \"الإرواء\" (١٤٩).\n(٣) أخرجه الدارقطني، والحاكم، وقال: \"صحيح على شرط الشيخين\"، ووافقه الذهبي.\nوقال شيخنا: \"وإنما هو صحيح فقط؛ فإِن فيه سهل بن يوسف، ولم يرو له الشيخان\".\nوانظر \"الإرواء\" (١٤٩).\n(٤) انظر \"الإِرواء\" (١٤٩).\n(٥) وادٍ معروف بقرب مكة.\n(٦) أخرجه البخاري: ١٥٧٣، ومسلم: ١٢٥٩","vol":"1","page":194},{"text":"ولأثر ابن عمر السابق: \"إِنَّ من السُّنَّة أن يغتسل إِذا أراد أن يُحرم، وإذا أراد أن يدخُلَ مكَّة\".\nقال الحافظ: \"قال ابن المنذر: الاغتسال عند دخول مكَّة مستحبٌّ عند جميع العلماء، وليس في ترْكه عندهم فديةٌ، وقال أكثرهم: يجزئ عنه الوضوء\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-194>خامسًا: غُسل من غَسَّل ميِّتًا</span>.\nلقوله - ﷺ -: \"من غَسَّل مَيِّتًا فليغتسل، ومن حمله فليتوضّأ\" (٢).\nقال شيخنا -حفظه الله تعالى- في \"أحكام الجنائز\" (ص ٥٣ و٥٤): \"وظاهر الأمر يفيد الوجوب، وإِنَّما لم نَقُلْ به لحديثين:\nالأوَّل: قوله - ﷺ -: \"ليس عليكم في غسل مَيِّتكم غُسْل إِذا غَسَّلْتموه؛ فإِنَّ ميِّتكم ليس بنجس، فحسبكم أن تغسلوا أيديَكم\" (٣).\nالثاني: قول ابن عمر -﵄-: \"كنَّا نغسل الميِّت، فمنَّا من يغتسل، ومنَّا من لا يغتسل\" (٤).\nقال في \"الدراري\" (١/ ٧٧): \"وذهب الجمهور إِلى أنَّه مستحبٌّ\" ... \".\n_________\n(١) \"الفتح\" (٣/ ٤٣٥).\n(٢) أخرجه أبو داود، والترمذي وحسنّه، وغيرهما، وصححه ابن القطَّان وغيره، وهو في \"أحكام الجنائز\" (ص ٥٣)، و\"الإِرواء\" (١٤٤)، وتقدّم.\n(٣) أخرجه الحاكم، والبيهقيّ، وهو حسن الإِسناد؛ كما قال الحافظ في \"التلخيص\".\n(٤) أخرجه الدارقطنيّ، والخطيب في \"تاريخه\" بإِسناد صحيح كما قال الحافظ.","vol":"1","page":195},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-195>سادسًا: الاغتسال عند كلِّ جماع:</span>\nلحديث أبي رافع أنَّ النّبيّ - ﷺ - طاف ذات يوم على نسائه، يغتسل عند هذه وعند هذه. قال: فقلتُ: يا رسول الله! ألا تجعله واحدًا؟ قال: \"هذا أزكى وأطيب وأطهر\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-196>سابعًا: اغتسال المستحاضة لكلِّ صلاة، أو للظُّهر والعصر جميعًا غُسلًا، وللمغرب والعشاء جميعًا غُسلًا، وللفجر غُسلًا:</span>\nلحديث عائشة -﵂- قالت: \"إنَّ أمَّ حبيبة استُحيضت في عهد رسول الله - ﷺ -، فأمَرها بالغسل لكلِّ صلاة ... \" الحديث (٢).\nوفي رواية عنها: \"استُحيضت امرأة على عهد رسول الله - ﷺ -، فأُمِرَت أن تعجِّل العصر وتؤخِّر الظُّهر، وتغتسل لهما غُسلًا واحدًا، وتؤخِّر المغرب وتعجِّل العشاء وتغتسل لهما غُسلًا، وتغتسل لصلاة الصبح غُسلًا\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-197>ثامنًا: الاغتسال من دفن المشرك:</span>\nعن علي -﵁-: أنه أتى النّبيّ - ﷺ -، فقال: إنَّ أبا طالب مات. فقال: \"اذهب فوارِه\". قال: إِنَّه مات مشركًا. قال: \"اذهب فوارِه\". فلمّا\n_________\n(١) أخرجه أبو داود، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٤٨٠)، وغيرهما، وانظر \"آداب الزفاف\" (ص ١٠٧).\n(٢) أخرجه أبو داود وغيره بإِسناد حسن، وقوَّاه الحافظ ابن حجر. استفدته والذي بعده من \"تمام المنة\" (١٢٢ - ١٢٣).\n(٣) قال شيخنا في \"تمام المنَّة\" (١٢٢): \"وإِسناد هذه الرواية صحيح على شرط الشيخين، والأولى صحيح فقط؛ كما بينتُه في \"صحيح السنن\" (٣٠٠ و٣٠٥) \".","vol":"1","page":196},{"text":"واريته؛ رجعْت إِليه، فقال لي: \"اغتسل\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-198>تاسعًا: الاغتسال من الإِغماء:</span>\nعن عبد الله بن عُتبة؛ قال: \"دخلتُ على عائشة، فقلتُ: ألا تحدِّثيني عن مرض رسول الله - ﷺ -؟ قالت: بلى؛ ثَقُل النّبيّ - ﷺ -، فقال: \"أصلَّى الناس؟ \". قلنا: لا هم ينتظرونك. قال: \"ضعوا لي ماءً في المِخْضَب (٢) \". قالت: فَفَعلْنا، فاغتسل، فذهب لينوءَ (٣)، فأُغْمِيَ عليه، ثمَّ أفاقَ، فقال - ﷺ -: \"أصلَّى الناس؟ \". قُلنا: لا؛ هم ينتظرونك يا رسول الله. قال: \"ضعوا لي ماءً في المِخْضَب\". قالت: فقعد، فاغتسل (٤) ... \" (٥).\nقال الشوكاني بعد هذا الحديث: \"وقد ساقه المصنِّف ها هنا للاستدلال به على استحباب الاغتسال للمُغمى عليه، وقد فعله النّبيّ -﵌- ثلاث مرَّات وهو مُثقلٌ بالمرض، فدلَّ ذلك على تأكُّد استحبابه\" (٦).\n_________\n(١) أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (١٨٤)، وغيرهم. وانظر \"أحكام الجنائز\" (ص ١٣٤).\n(٢) شبه المركن، وهي إِناء تُغسل فيه الثِّياب.\n(٣) أي: لينهض بجهد.\n(٤) وذُكر الاغتسال في الحديث أربع مرات.\n(٥) أخرجه البخاري: ٦٨٧، ومسلم: ٤١٨\n(٦) \"نيل الأوطار\" (١/ ٣٠٦).","vol":"1","page":197},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-199>أركان الغُسل وواجباته</span>\n١ - النيَّة وهي ركن أو شرط: ومحلُّها القلب، والتلفُّظ بها بدعة كما تقدَّم في الوضوء.\n٢ - التَّسمية: وحُكمها حكم التسمية في الوضوء، وتقدَّم.\n٣ - غَسل جميع الأعضاء وهو رُكن:\nقال الله تعالى: ﴿وإِنْ كنْتُمْ جُنُبًا فاطَّهَّروا﴾ (١)؛ أي: اغتسلوا (٢).\nوقال تعالى: ﴿يا أيُّها الَذينَ آمنوا لا تقْرَبوا الصَّلاةَ وأَنْتُمْ سُكارى حتَّى تَعْلَموا ما تقولونَ ولا جُنبًا إِلاَّ عابري سبيلٍ حتَّى تَغْتَسِلوا﴾ (٣).\nقال الحافظ: \" ... فيها تصريحٌ بالاغتسال، وبيانٌ للتَّطهير المذكور (٤) \" (٥) اهـ.\nوقال تعالى: ﴿ويَسْألونَكَ عن المَحيضِ قُلْ هوَ أذىً فاعْتَزِلوا النِّساءَ في المحيضِ ولا تقْرَبوهنَّ حتَّى يَطْهُرْنَ فإِذا تَطَهَّرْنَ فأتُوهُنَّ من حيثُ أَمَرَكم الله﴾ (٦).\n_________\n(١) المائدة: بعض الآية ٦\n(٢) وانظر تفسير البغوي لسورة المائدة، وكلام الحافظ في \"الفتح\" (١/ ٣٥٩).\n(٣) النساء: ٤٣\n(٤) أي: في الآية التي قبلها.\n(٥) \"الفتح\" (١/ ٣٥٩).\n(٦) البقرة: ٢٢٢","vol":"1","page":198},{"text":"قال الحافظ ابن حجر: \"أي: اغتَسَلْن اتفاقًا\" (١).\nوقال البغوي في \"تفسيره\": \"فإِذا تطهَّرْنَ؛ يعني: اغتسلْنَ\".\nوجاء في \"السيل الجرَّار\" (١/ ١١٣): \"أمَّا تعميم البدن؛ فلا يتمُّ مفهوم الغُسل إلاَّ به\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-200>سُنَن الغُسْل</span>\nمُراعاة فِعل الرسول - صلى الله عليه وأله وسلَم- في البدء والترتيب والانتهاء وغير ذلك، وسيأتي تفصيله بإِذن الله في تضاعيف الكتاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-201>ما يَحْرُم على الجُنُب</span>\n١ - الصلاة: سواء كانت فريضة أو نافلة.\nلقوله - ﷺ -: \"لا تُقبل صلاةٌ بغير طُهور\" (٢).\n٢ - الطَّواف: وتقدّمت الأدلَّة في بحث الوضوء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-202>مسائل في غُسل المرأة</span>\nلا فرقَ بين غُسل المرأة وغُسل الرجل؛ غير أنَّه:\n_________\n(١) \"الفتح\" (١/ ٣٥٩).\n(٢) تقدم.","vol":"1","page":199},{"text":"١ - ليس على المرأة أن تنقض ضفيرتها (١) لغُسل الجنابة:\nلحديث أمّ سلمة -﵂- قالت: قُلتُ: يا رسول الله! إِنِّي امرأةٌ أشدُّ ضَفْرَ (٢) رأسي، أفأنقُضُه لغُسل الجنابة؟ قال: \"لا؛ إِنَّما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حَثَيات (٣)، ثمَّ تُفيضين عليك الماء فتطهُرين\" (٤). وفي رواية: \"واغمِزي قُرونَك عند كلِّ حَفْنة\" (٥).\nوعن عُبيد بن عُمير؛ قال: بَلَغَ عائشة أن عبد الله بن عمرو يأمر النِّساء إذا اغتسلْنَ أن ينقُضْنَ رؤوسهنَّ، فقالت: يا عجبًا لابن عمرو هذا! يأمرُ النِّساء إِذا اغتسلْنَ أن ينقضْنَ رؤوسَهُنَّ؟! أفلا يأمُرُهنَّ أن يحلقنَ رؤوسهنَّ؟! لقد كنتُ أغتسل أنا ورسول الله - ﷺ - من إِناء واحد، ولا أزيد على أن أُفرغَ على رأسي ثلاث إِفراغات\" (٦).\n٢ - يجب عليها نقض ضفيرتها في غُسْل الحيض:\nومن الأدلَّة على ذلك حديث عائشة -﵂- وفيه تقول: \" ... فأدركني يوم عرفة وأنا حائض، فشكوتُ إِلى النّبيّ - ﷺ -، فقال: \"دَعي\n_________\n(١) هي لفيفة من الشعر المنسوج بعضه على بعض.\n(٢) هي لفيفة من الشعر المنسوج بعضه على بعض.\n(٣) أي: ثلاث غُرف بيديه، واحدها حَثية. \"النهاية\".\n(٤) أخرجه مسلم: ٣٣٠، وغيره.\n(٥) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٢٧). ومعنى اغمزي قرونك؛ أي: اكبسي ضفائر شعرك عند الغُسل، والغمز: العصر والكبس باليد.\n(٦) أخرجه مسلم: ٣٣١، وغيره.","vol":"1","page":200},{"text":"عُمْرَتَك، وانقضي رأسكِ، وامتشطي، واهلِّي بحجٍّ ... \" (١).\nقال الحافظ في \"الفتح\" (١/ ٤١٨): \"وظاهر الحديث الوجوب، وبه قال الحسن وطاووس في الحائض دون الجُنُب، وبه قال أحمد، ورجَّح جماعة من أصحابه أنَّه للاستحباب فيهما ... \".\nقال شيخنا -حفظه الله تعالى- في \"تمام المنَّة\" (١٢٥): \"وقد ذهب إِلى التفصيل المذكور: الإِمام أحمد، وصححه ابن القيِّم في \"تهذيب السنن\" فراجِعه (١/ ١٦٥ - ١٦٨)، وهو مذهب ابن حزم (٢/ ٣٧ - ٤٠) \".\nومن الأدلَّة على ذلك حديث أسماء بنت شَكَل في النقطة الآتية.\n٣ - استحباب استعمال المغتسلة من الحيض فِرصة من مسك في موضع الدَّم (٢):\nعن عائشة -﵂-: أنّ أسماء (٣) سألت النّبيّ - ﷺ - عن غُسل\nالمحيض؟ فقال: \"تأخذ إِحداكنَّ ماءَها وسدْرتها (٤)، فتطهَّر، فتحسن الطُّهور، ثمَّ تصبُّ على رأسها، فتدلُكه دلكًا شديدًا (٥) حتى تبلُغ شؤون\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٣١٧\n(٢) هذا العنوان من \"صحيح مسلم\" (كتاب الحيض).\n(٣) هي بنت شَكَل؛ كما في رواية أخرى لمسلم: ٣٣٢\n(٤) السِّدرة: شجرة النَّبِق، والمقصود هنا الورق؛ ليستعمل في الغسل، ويقوم مقامه الصابون ونحوه.\n(٥) وهذا كما تقدّم دليل على التفريق بين غسل المرأة في الحيض وغسلها من الجنابة؛ فقد أكَّد - ﷺ - على الحائض أن تبالغ في التّدليك الشديد والتطهير ما لم يؤكّد في غُسلها من الجنابة. وانظر \"تمام المنَّة\" (١٢٥).","vol":"1","page":201},{"text":"رأسها (١)، ثمَّ تصبُّ عليها الماء، ثمَّ تأخذ فِرصة (٢) ممسَّكة فتطهَّرُ بها\".\nفقالت أسماء: وكيف تطهَّرُ بها؟ فقال: \"سبحانْ الله! تطهَّرينَ بها\".\nفقالت عائشة -كأنها تُخفي ذلك-: تتّبعين أثر الدَّم.\nوسألته عن غُسل الجنابة؟ فقال: \"تأخذُ ماءً، فتطهَّرُ، فتحْسن الطُّهور، أو تُبْلغُ الطُّهور، ثمَّ تصبُّ على رأسها، فتدلكه حتى تبلغ شؤون رأسها، ثمَّ تفيض عليها الماء\".\nفقالت عائشة: نِعْم النِّساء نساء الأنصار، لم يكنْ يمنعُهُنَّ الحياءُ أن يتفقَّهْنَ في الدِّين (٣).\n٤ - \"لا يجب على المرأة إِذا اغتسلتْ من جنابة أو حيض غَسْل داخل الفَرْج في أصحِّ القولين، والله أعلم\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-203>صِفةُ غُسل الجنابة</span>\nعن عائشة -﵂- قالت: \"كان رسول الله - ﷺ - إِذا اغتسل من\n_________\n(١) أي: أصول شعر رأسها.\n(٢) الفِرْصة: قطعة من صوف أو قطن أو خِرقة. والممسَّكة: المطيَّبة بالمسك، يُتتبّع بها أثر الدم، فيحصل منه الطيب والتنشيف. \"النهاية\".\n(٣) أخرجه مسلم: ٣٣٢، وغيره، وأصله في البخاري: ٣١٤ و٣١٥ و٧٣٥٧\n(٤) قاله شيخ الإِسلام -﵀- في \"الفتاوى\" (٢١/ ٢٩٧)، وقال في موطن آخر (٢١/ ٢٩٧): \"وِإنْ فعلت جاز\". قال لي شيخنا -حفظه الله-: \"جاز تنظُّفًا، لا تعبُّدًا\".","vol":"1","page":202},{"text":"الجنابة يبدأ، فيغسل يديه، ثمَّ يُفرغُ بيمينه على شماله، فيغسلُ فرجه، ثمَّ يتوضّأ وُضوءه للصَّلاة، ثمَّ يأخذ الماء، فيُدخل أصابعه في أصول الشَّعر، حتَّى إِذا رأى أن قد استبرأ (١)؛ حفَنَ على رأسه ثلاث حفَنات، ثمَّ أفاض على سائر جسده، ثمَّ غسَل رجليه\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-204>مسح اليد بالتُّراب أو غسلها بالصابون ونحوه:</span>\nومن الأدلَّة على ذلك حديث ميمونة: \" ... ثمَّ قال بيده الأرض (٣)، فمسَحها بالتُّراب، ثمَّ غسَلها\" (٤).\nوفي رواية مسلم (٥): \"ثمَّ ضرب بشماله الأرض، فدلَكَها دَلْكًا شديدًا ... \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-205>غسْل اليدين قبل إدخالهما في الإِناء:</span>\nلحديث عائشة -﵂-: \"بدأ فغسل يديه قبل أن يُدخل يده في الإِناء ... \" (٦).\n_________\n(١) أي: أوصل البلل إِلى جميعه. \"النووي\".\n(٢) أخرجه البخاري: ٢٤٨، ومسلم: ٣١٦، وهذا لفظه وغيرهما.\n(٣) قال الحافظ في \"الفتح\" (١/ ٣٧٢): كذا في روايتنا، وللأكثر \"بيده على الأرض وهو من إطلاق القول على الفعل ... \".\n(٤) أخرجه البخاري: ٢٥٩\n(٥) برقم: ٣١٧\n(٦) أخرجه مسلم: ٣١٦","vol":"1","page":203},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-206>الوضوء قبل الغُسل:</span>\nعن عائشة -﵂-: \"أنَّ النّبيّ - ﷺ - كان إِذا اغتسل من الجنابة؛ بدأ فغسل يديه، ثمَّ يتوضّأ كما يتوضّأ للصَّلاة (١)، ثمَّ يُدخِل أصابعه في الماء، فيخلِّل بها أصول شعره (٢)، ثمَّ يصبُّ على رأسه ثلاث غرَف بيديه، ثمَّ يُفيضُ على جلده كلِّه\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-207>المضمضة والاستنشاق:</span>\nقال ابن عبَّاس؛ قال: حدَّثتنا ميمونة؛ قالت: \"صَبَبْتُ للنّبيّ - ﷺ - غُسلًا، فأفرغ بيمينه على يساره فغسلهما، ثمَّ غَسل فرجه، ثمَّ قال بيده الأرض، فمسحها بالتُّراب، ثمَّ غسلها، ثمَّ تمضمضَ واستنشق ... \" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-208>إِفاضة الماء على الرأس ثلاثًا وتخليل الشعر:</span>\nلحديث عائشة -﵂-: \" ... ثمَّ يُدخلُ أصابعه في الماء، فيخلِّل بها أصول شعره، ثمَّ يصبُّ على رأسه ثلاث غُرف بيديه\" (٥).\nوعنها -﵂- أيضًا: \" ... ثمَّ يخلِّل بيده شعره، حتى إذا ظنَّ\n_________\n(١) قال الحافظ في \"الفتح\": \"فيه احتراز عن الوضوء اللغوي\".\n(٢) قال الحافظ: \"وفائدة التخليل: إِيصال الماء إِلى الشّعر والبشرة، ومباشرة الشّعر باليد، ليحصل تعميمه بالماء ... \".\n(٣) أخرجه البخاري: ٢٤٨ وهذا لفظه، ومسلم: ٣١٦\n(٤) أخرجه البخارى: ٢٥٩، ومسلم: ٣١٧ نحوه.\n(٥) أخرجه البخاري: ٢٤٨، ومسلم: ٣١٦، وتقدّم.","vol":"1","page":204},{"text":"أنَّه قد أروى (١) بشَرتهُ (٢)؛ أفاض عليه الماء ثلاث مرَّات، ثمَّ غسل سائر جسده\" (٣).\nوفي الحديث: \"أمَّا أنا؛ فأفيض على رأسي ثلاثًا\" (٤).\nوأشار بيديه كلتيهما (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-209>البدء بشقِّ أيمن الرَّأس ثمَّ أيسره:</span>\nلحديث عائشة -﵂-: \" ... فأخَذ بكَفِّهِ، فبدأ بشقِّ رأسه الأيمن، ثمَّ الأيسر، فقال بهما على رأسه\" (٦).\nوعن عائشة -﵂- قالت: \"كنَّا إِذا أصابت إِحدانا جنابة؛ أخذت بيديها ثلاثًا فوق رأسها، ثمَّ تأخذ بيدها على شقِّها الأيمن، وبيدها الأخرى على شقِّها الأيسر\" (٧).\n_________\n(١) من الإِرواء؛ يقال: أرواه: إِذا جعَله ريّانًا.\n(٢) المراد هنا: ما تحت الشعر.\n(٣) أخرجه البخاري: ٢٧٢\n(٤) قال الحافظ: \"ويُحتمل أن تكون هذه الغرفات الثلاث للتكرار، ويحتمل أن يكون لكلّ جهة من الرأس غرفة ... \". انظر شرح الحديث: ٢٥٦.\n(٥) أخرجه البخاري: ٢٥٤، ومسلم: ٣٢٧، نحوه، وغيرهما.\n(٦) أخرجه البخاري: ٢٥٨\n(٧) أخرجه البخارى: ٢٧٧. قال الحافظ: وللحديث حُكم الرَّفع؛ لأن الظَّاهر اطِّلاع النّبيّ - ﷺ - على ذلك، وهو مصيّر من البخارى إلى القول بأن لقول الصّحابي: \"كنّا نفعل كذا\" حُكم الرفع، سواء صرّح بإِضافته إِلى زمنه - ﷺ - أم لا، وبه جزم الحاكم\".","vol":"1","page":205},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-210>تأخير غَسل الرجلين:</span>\nعن ميمونة زوج النّبيّ - ﷺ -؛ قالت: \"توضّأ رسول الله - ﷺ - للصَّلاة غير رجليه، وغسَل فرجه وما أصابه من الأذى، ثمَّ أفاض عليه الماء، ثمَّ نحَّى رجليه فغسلهما\" (١).\nقال الحافظ في \"الفتح\" (١/ ٣٦٢): \"واختلف نظر العلماء، فذهب الجمهور إِلى استحباب تأخير غَسْل الرجلين في الغُسْل، وعن مالك: إنْ كان المكان غير نظيف؛ فالمستحبُّ تأخيرهما، وإِلاَّ؛ فالتقديم\".\nوقال شيخنا في \"الإِرواء\" (١/ ١٧٠) عقب حديث ميمونة -﵂-: \"وهذا نصٌّ على جواز تأخير غَسْل الرجلين في الغسل، بخلاف حديث عاثشة، ولعلَّه - ﷺ - كان يفعل الأمرين: تارة يغسل رجليه مع الوضوء فيه، وتارة يؤخِّر غسلهما إِلى آخر الغُسل، والله أعلم\" اهـ.\nوراجعتُ شيخنا -حفظه الله- في ذلك، ففهمتُ منه أنَّ الأمر يتبع الحال والوضع الذي فيه المغتسل؛ فيتصرّف حسبما يقتضيه حاله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-211>عدم الوضوء بعد الغُسل </span>(٢):\nعن عائشة -﵂- قالت: \"كان رسول الله - ﷺ - يغتسل ويصلِّي الركعتين وصلاة الغداة، ولا أراه يُحدث وضوءًا بعد الغُسل\" (٣).\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٢٤٩، وغيره.\n(٢) لأنَّ السّنة الوضوء قبل الغُسل، كما تدلُّ على ذلك النصوص.\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٢٥)، والترمذي، وقال: \"حديث حسن صحيح\"، وصحَّحه الحاكم والذهبي وغيرهما. ورواه ابن ماجه عن عائشة بلفظ: =","vol":"1","page":206},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-212>عدم استعمال المنديل:</span>\nودليل ذلك حديث ميمونة بنت الحارث -﵂- وفيه: \"فناولْتُه خِرْقَةً، فقال بيده هكذا، ولم يُرِدْها\" (١).\nوفي رواية لها: \"ثمَّ أتيتُه بالمنديل، فردَّه\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-213>التيمُّن في الغُسل:</span>\nعن عائشة -﵂- قالت: \"كان رسول الله - ﷺ - يحبُّ التيمُّن (٣) في شأنه كلِّه: في نعليه، وترجُّله، وطَهوره\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-214>إِفاضة الماء على الجلد كلِّه:</span>\nكما في حديث عائشة: \" ... ثمَّ غَسل سائر جسده\" (٥).\n_________\n= \"كان رسول الله - ﷺ - لا يتوضّأ بعد الغسل؛ من الجنابة\". وانظر \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٤٧٠)، و\"المشكاة\" (٤٤٥).\n(١) أخرجه البخاري: ٢٦٦، قال الحافظ ابن حجر: \"ولم يُرِدْها؛ بضم أوّله وِإسكان الدال: من الإِرادة، والأصل: يريدها، لكن جزم بـ (لم)، ومن قالها بفتح أوّله وتشديد الدَّال؛ فقد صحّف وأفسد المعنى\". قلت: أمَا إِذا دعت الحاجة لاستعمال المنديل وما شابهه من برْد ونحوه، فلا حرج من ذلك\".\n(٢) أخرجه مسلم: ٣١٧\n(٣) هو الابتداء في الأفعال باليمين من اليد والرجل والجانب.\n(٤) أخرجه البخاري: ٥٨٥٤، ومسلم: ٢٦٨، وغيرهما.\n(٥) أخرجه البخاري: ٢٧٢، وفي لفظ \"لمسلم\" (٣١٦): \"ثمَّ أفاض على سائر جسده\".","vol":"1","page":207},{"text":"وفي رواية لها: \" ... ثمَّ يفيض على جلده كلِّه\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-215>الغُسل بالصَّاع ونحوه:</span>\nعن أبي جعفر (٢): \"أنَّه كان عند جابر بن عبد الله هو وأبوه وعنده قومٌ، فسألوه عن الغُسل؟ فقال: يكفيك صاعٌ. فقال رجلٌ: ما يكفيني. فقال جابر: كان يكفي من هو أوفى (٣) منك شعرًا وخيرٌ منك، ثمَّ أمَّنا في ثوبٍ\" (٤).\nوعن عائشة -﵂- قالت: \"كان رسول الله - ﷺ - يغتسل في القَدَح، وهو الفَرَق، وكنتُ أغتسل أنا وهو في الإِناء الواحد\".\nقال قتيبة: قال سفيان: \"والفَرَق: ثلاثة آصُع\" (٥).\nوعن أنس -﵁- قال: \"كان النّبيّ - ﷺ - يغسل (٦) (أو كان\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٢٤٨\n(٢) قال الحافظ: \"هو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب المعروف بـ (الباقر) \".\n(٣) أي: أطول وأكثر. وفي رواية \"مسلم\" (٣٢٩): \"كان شعْر رسول الله - ﷺ - أكثر من شعرك وأطيب\".\nقال الحافظ: \"وفي هذا الحديث بيان ما كان عليه السلف من الاحتجاج بأفعال النّبيّ - ﷺ - والانقياد إلى ذلك، وفيه جواز الردّ بعنف على من يماري بغير عِلم؛ إِذا قصد الرادُّ إِيضاح الحق، وتحذير السامعين من مِثل ذلك، وفيه كراهية التنطُّع والإسراف فى الماء\".\n(٤) أخرجه البخاري: ٢٥٢\n(٥) أخرجه مسلم: ٣١٩، وهو في البخاري: ٢٥٠ بلفظ مقارب.\n(٦) أي: جسده.","vol":"1","page":208},{"text":"يغتسل (١) بالصَّاع (٢) إِلى خمسة أمداد (٣)، ويتوضّأ بالمدِّ\" (٤).\nوعن عائشة -﵂-: \"أنَّها كانت تغتسل هي والنّبيّ - ﷺ - في إِناء واحد؛ يتَّسع ثلاثة أمداد أو قريبًا من ذلك\" (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-216>هل الدَّلك واجب</span>؟\nقال الحافظ في \"الفتح\" (١/ ٣٥٩): \"وحقيقة الغسل: جريان الماء على الأعضاء.\nواختُلف في وجوب الدَّلك: فلم يوجبه الأكثر، ونُقل عن مالك والمزني وجوبه، واحتجَّ ابن بطَّال بالإِجماع على وجوب إِمرار اليد على أعضاء الوضوء عند غسْلها؛ قال: فيجب ذلك في الغسل قياسًا؛ لعدم الفرق بينهما. وتُعُقِّبَ\n_________\n(١) قال الحافظ: \"الشكُّ من البخاري، أو من أبي نُعيم لما حدّثه به\".\n(٢) الصّاع: إِناء يتسع خمسة أرطال وثُلُثًا بالبغدادي، وقال بعض الحنفية: ثمانية. \"الفتح\". وهو أربعة أمداد. \"النهاية\" و\"الفتح\". وقال أبو داود في \"سننه\": \"وسمعتُ أحمد بن حنبل يقول: الصاع خمسة أرطال، وهو صاع ابن أبي ذئب، وهو صاع النّبيّ - ﷺ -\"، وتقدّم.\n(٣) جاء في \"النهاية\": \"المدُّ في الأصل: رُبع الصاع، وإنَّما قُدِّر به لأنَّه أقل ما كانوا يتصدَّقون به في العادة\". وفيه أيضًا: \"وهو رطل وثُلُث بالعراقي، عند الشافعي وأهل الحجاز، وهو رطلان عند أبي حنيفة وأهل العراق\". وفيه: \"وقيل: ان أصل المدِّ مقدَّر بأن يمدَّ الرجل يديه، فيملأ كفَّيه طعامًا\"، وتقدّم.\n(٤) أخرجه البخارى: ٢٠١، ومسلم: ٣٢٥، وغيرهما، وتقدّم.\n(٥) أخرجه مسلم: ٣٢١","vol":"1","page":209},{"text":"بأنَّ جميع من لم يوجب الدَّلك أجازوا غَمْس اليد بالماء للمتوضئ من غير إِمرار، فبطلَ الإِجماع، وانتفت الملازمة\".\nقال الصنعاني (١) -رحمه الله تعالى-: \"وقولها: \"ثمَّ أفاض الماء\": الإِفاضة: الإِسالة. وقد استدلَّ به على عدم وجوب الدَّلك، وعلى أنَّ مُسمَّى (غُسل) لا يدخل فيه الدَّلك؛ لأنَّها عبَّرت ميمونة بالغسل، وعبَّرت عائشة بالإِفاضة، والمعنى واحد، والإِفاضة لا دلْك فيها، فكذلك الغَسل ... \" (٢).\nقال في \"المغني\" (٣): \"ولا يجب عليه إِمرار يده على جسده في الغُسل والوضوء إِذا تيقَّن أو غلب على ظنِّه وصول الماء إِلى جميع جسده، وهذا قول الحسن والنَّخعي والشَّعبي وحمَّاد والثَّوري والأوزاعي والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي ... \" (٤).\nويرى شيخنا -حفظه الله تعالى- وجوب الدَّلك لمن كان ذا شعر كثير، ويسمَّى (الشَّعرانيّ) في اللغة كما تقدَّم.\nوهذا كقول الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى- في مباشرة الشعر باليد ليحصل تعميمه؛ فقد قال: \" ... ثمَّ هذا التَّخليل غير واجب اتِّفاقًا؛ إلاَّ إِنْ كان الشَّعر ملبَّدًا بشيء يحول بين الماء وبين الوصول إِلى أصوله، والله\n_________\n(١) عقب حديث عائشة -﵂- في صفة الغُسل.\n(٢) \"سُبُل السلام\" (ص ١٦١).\n(٣) (باب الوضوء مع الغسل والدّلك، ١/ ٢١٨).\n(٤) وذكَر الأقوال المخالفة لذلك.","vol":"1","page":210},{"text":"أعلم\" (١).\n\nمُراعاة غَسل المرافغ (٢) عند الاغتسال:\nعن عائشة -﵂- قالت: \"كان رسول الله - ﷺ - إِذا أراد أن يغتسل من الجنابة؛ بدأ بكفَّيه، فغسلهما، ثمَّ غَسَل مرافِغَه، وأفاض عليه الماء، فإِذا أنقاهما؛ أهوى بهما إِلى حائط، ثمَّ يستقبل الوضوء، ويفيض الماء على رأسه\" (٣).\n_________\n(١) \"الفتح\" (١/ ٣٦٠).\n(٢) هي أصول المغابن؛ كالآباط والحوالب وغيرهما من مطاوى الأعضاء، وما يجتمع فيه من الوسخ والعرق. \"النهاية\". والمغابن: مفردها غَبَن، وهي: الإِبط.\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٢٣). قال في \"بذْل المجهود\" (٢/ ٢٤٣): \"فإِذا أنقاهما: أي: الفَرج والمرافغ أو اليدين\" (أهوى بهما): أي: أمالها إِلى حائط ليغسلهما بالتراب فيكون أنظف\".","vol":"1","page":211},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-218>مسائل في الاغتسال</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-219>النَّهي عن البول في المستحمّ:</span>\nعن عبد الله بن مغفَّل -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا يبولنَّ أحدُكم في مستحمِّه ثمَّ يغتسل فيه\" (١).\n\"قال علي بن محمد: إِنَّما هذا في الحفيرة، فأمَّا اليوم؛ فلا، فمغتسلاتهم الجِصُّ (٢) والصَّاروج (٣) والقيرُ (٤)، فإِذا بال، فأرسَل عليه الماء؛ فلا بأس به\" (٥).\nوقال ابن المبارك: وقد وُسِّع في البول في المغتسل إِذا جرى فيه الماء\" (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-220>جواز الاغتسال عُريانًا بحيث لا يُرى:</span>\nعن أبي هريرة -﵁- عن النّبي - ﷺ -؛ قال: \"بينا (٧) أيوب\n_________\n(١) أخرجه أبو داود: ٢٧، و\"صحيح سنن أبي داود\" (٢٢)، وغيره. وانظر \"المشكاة\" (٣٥٣).\n(٢) الجِص: ما يُبنى به. \"معرَّب\".\n(٣) الصاروج: خليط يستعمل في طلاء الجدران والأحواض. \"معرَّب\" أيضًا.\n(٤) القير والقار: شيء أسود يُطلى به السفن والإبل، أو هما الزِّفت. \"المحيط\".\n(٥) انظر \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢٤٦).\n(٦) انظر \"صحيح سنن الترمذي\" (٢٠).\n(٧) أصلها بين، وأشبِعت الفتحة.","vol":"1","page":212},{"text":"يغتسل عُريانًا؛ خرَّ عليه رِجل جراد (١) من ذهب، فجعل يحثي في ثوبه، فنادى ربُّه: يا أيُّوب! ألم أكنْ أغنيتك عمَّا ترى؟ قال: بلى يا ربِّ، ولكنْ لا غِنى لي عن برَكَتِكَ\" (٢).\nوعنه أيضًا عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"كانت بنو إِسرائيل يغتسلون عُراة، ينظر بعضهم إِلى بعض، وكان موسى يغتسل وحده ... \" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-221>التَّستُّر في الغُسل:</span>\nعن أمّ هانئ -﵂- قالت: \"ذهبتُ إِلى رسول الله - ﷺ - عام الفتح، فوجدتُه يغتسل وفاطمة تسترُه، فقال: من هذه؟ فقلت: أنا أمُّ هانئ\" (٤).\nوعن ميمونة -﵂- قالت: \"ستَرْتُ النّبيّ - ﷺ - وهو يغتسل من الجنابة، فغسَل يديه ... \" (٥).\nوعن أبي السَّمح -﵁- قال: \"كنتُ أخدُم النّبيّ - ﷺ -، فكان إِذا أراد أن يغتسل؛ قال: وَلِّني! فأوَلِّيه قفايَ، وأنشرُ الثَّوب، فأسترهُ به\" (٦).\n_________\n(١) أي: جماعة جراد.\n(٢) أخرجه البخاري: ٣٣٩١، وغيره.\n(٣) أخرجه البخاري: ٢٧٨، ومسلم: ٣٣٩\n(٤) أخرجه البخاري: ٢٨٠، ومسلم: ٣٣٦، وغيرهما.\n(٥) أخرجه البخاري: ٢٨١\n(٦) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٦٢)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن\nماجه\" (٤٩٧)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٢١٨).","vol":"1","page":213},{"text":"وعن يعلى بن أمية -﵁-: أنَّ رسول الله - ﷺ - رأى رجلًا يغتسل بالبَراز (١) بلا إِزار، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثمَّ قال - ﷺ -: \"إِنَّ الله -﷿- حييٌّ سِتير، يُحبُّ الحياء والسَّتر، فإِذا اغتسل أحدكم؛ فليستتر\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-222>هل يجزئ غُسل عن غُسل إِذا كانا واجبين</span>؟\nقال شيخنا: \"الذي يتبيَّن لي أنَّه لا يجزئ ذلك، بل لا بدّ من الغسل لكلّ ما يجب الغُسل له غُسلًا على حِدة، فيغُتسل للحيض غسلًا، وللجنابة غُسلًا آخر، أو للجنابة غسلًا، وللجمعة غُسلًا آخر.\nلأنَّ هذه الأغسال قد قام الدليل على وجوب كل واحد منها على انفراده، فلا يجوز توحيدها في عمل واحد، ألا ترى أنَّه لوكان عليه قضاء شهر رمضان أنَّه لا يجوز له أن ينوي قضاءه مع صيامه لشهر رمضان أداءً! وهكذا يقال عن الصلاة ونحوها، والتفريق بين هذه العبادات وبين الغسل لا دليل عليه، ومن ادَّعاه؛ فليتفضَّل بالبيان\" (٣).\nوقال -حفظه الله تعالى (٤) -: \"وقد عكس ابن حزم، فاستدلَّ بالحديث على ما ذهَبنا إِليه، فقال بعد أن ذكَر أنَّ من أجنب يوم الجمعة فلا يجزيه إلاَّ\n_________\n(١) بالفتح الفضاء الواسع، وبالكسر: ثُفل الغذاء، وتقدّم.\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٣٨٧) وغيره، وانظر \"المشكاة\" (٤٤٧).\n(٣) \"تمام المنَّة\" (١٢٦).\n(٤) \"تمام المنَّة\" (١٢٧ و١٢٨).","vol":"1","page":214},{"text":"غُسلان: غُسل ينوي به الجنابة، وغُسل آخر ينوي به الجمعة ... إِلخ.\nقال (٢/ ٤٣): برهان ذلك قول الله تعالى: ﴿وما أُمِروا إِلاَّ ليَعْبُدوا الله مُخْلِصينَ له الدِّينَ﴾ (١)، وقول رسول الله - ﷺ -: \"إِنَّما الأعمال بالنيات، ولكلّ امرئ ما نوى\" وتقدّم، فصحّ يقينًا أنَّه مأمور بكل غُسل من هذه الأغسال، فإِذْ قد صحّ ذلك؛ فمن الباطل أن يجزئ عملٌ عن عملين أو أكثر، وصحّ يقينًا أنَّه إِنْ نوى أحدٌ ما عليه من ذلك؛ فإِنَّما له بشهادة رسول الله - ﷺ - الصادقة الذي نواه فقط؛ وليس له ما لم ينوه، فإِنْ نوى بعمله ذلك غُسلين فصاعدًا؛ فقد خالف ما أمر به؛ لأنَّه مأمور بغسل تام لكل وجه من الوجوه التي ذكَرنا، فلم يفعل ذلك، والغُسل لا ينقسم، فبطل عمله كلّه؛ لقول رسول الله - ﷺ -: \"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردّ\" (٢).\nثمَّ ذكَر أنَّه ذهب إِلى ما اختاره من عدم الإِجزاء جماعة من السّلف، منهم جابر بن زيد والحسن وقتادة وإِبراهيم النخعي والحكم وطاوس وعطاء وعمرو ابن شعيب والزهري وميمون بن مهران، قال: \"وهو قول داود وأصحابنا\".\nوقد ساق الآثار بذلك عنهم فراجِعْها، ويحسُن أن يلحق بهم أبو قتادة الأنصاري -﵁- فقد رَوى الحاكم (١/ ٢٨٢) من طريق يحيى ابن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة قال: دخل عليّ أبي وأنا أغتسل يوم الجمُعة، فقال: غُسلك من جنابة أو للجمعة؟ قال: قلت: من جنابة. قال: أعِد غُسلًا آخر، فإِنّي سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"من اغتسل يوم الجمعة\n_________\n(١) البيّنة: ٥\n(٢) أخرجه البخاري: ٢٦٩٧، ومسلم: ١٧١٨","vol":"1","page":215},{"text":"كان في طهارة إِلى الجمعة الأخرى\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-223>الطوف على جميع نسائه بغُسل واحد:</span>\nعن أنس بن مالك -﵁- قال: \"كان النّبيّ - ﷺ - يدور على نسائه في السَّاعة الواحدة من الليل والنَّهار وهنَّ إِحدى عشْرة ... \" (٢).\nوفي \"صحيح مسلم\": (٣٠٩)، عنه بلفظ: \"كان يطوف (٣) على نسائه بغُسل واحد\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-224>الاغتسال عند كلّ واحدة غُسلًا:</span>\nعن أبي رافع: أنَّ النّبيّ - ﷺ - طاف ذات يوم على نسائه، يغتسل عند هذه وعند هذه. قال: فقلتُ له: يا رسول الله! ألا تجعله غُسلًا واحدًا؟ قال: \"هذا أزكى وأطيب وأطهر\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-225>جواز نوم الجُنُب واستحباب الوضوء له:</span>\nعن عائشة -﵂- قالت: \"كان النّبيُّ - ﷺ - إِذا أراد أن ينام وهو جُنب؛ غَسَل فرجه وتوضّأ للصّلاة\" (٥).\n_________\n(١) أخرجه ابن خزيمة وابن حبَّان وغيرهما. وانظره في \"الصحيحة\" (٢٣٢١)، وتقدّم.\n(٢) أخرجه البخاري: ٢٦٨\n(٣) وهو كناية عن الجماع كما قال الحافظ وغيره.\n(٤) أخرجه أبو داود، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٤٨٠)، وغيرهما.\nوانظر \"آداب الزفاف\" (ص ١٠٧)، وتقدّم.\n(٥) أخرجه البخاري: ٢٨٨، ومسلم: ٣٠٥","vol":"1","page":216},{"text":"وعن عبد الله بن أبي قيس؛ قال: سألْتُ عائشة عن وتْرِ رسول الله - ﷺ -؟ (فذكَر الحديث، وفيه):\nقلت: كيف كان يصنع في الجنابة؟ أكان يغتسل قبل أن ينام أم ينام قبل أن يغتسل؟\nقالت: كلّ ذلك قد كان يفعل، ربَّما اغتسل فنام، وربَّما توضّأ فنام.\nقلت: الحمد لله الذي جعل في الأمر سَعَة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-226>اغتسال الرجل مع امرأته من إِناء واحد من الجنابة واشتراكهما في ذلك:</span>\nلحديث أمّ سلمة: \" ... وكنتُ أغتسل أنا والنّبيّ - ﷺ - من إِناء واحدٍ من الجنابة\" (٢).\nوعن عائشة -﵂- قالت: \"كنتُ أغتسل أنا والنّبيّ - ﷺ - من إِناء واحد، تختلف أيدينا فيه\" (٣).\nوعنها -﵂- قالت: \"كنتُ أغتسل أنا ورسول الله - ﷺ - من إِناء بيني وبينه واحد، فيبادرني حتى أقول: دَعْ لي، دَعْ لي. قالت: وهما جُنُبان\" (٤).\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ٣٠٧، وغيره.\n(٢) أخرجه البخاري: ٣٢٢، ومسلم: ٢٩٦، وغيرهما.\n(٣) أخرجه البخاري: ٢٦١، ومسلم: ٣٢١، وزاد في آخره: \"من الجنابة\".\n(٤) أخرجه مسلم: ٣٢١","vol":"1","page":217},{"text":"وفي الباب عدّة أحاديث، أكتفي بما ذكَرت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-227>الاغتسال بفضل المرأة وما جاء في النهي عن ذلك:</span>\nعن ابن عبَّاس -﵄-: \"أنَّ رسول الله - ﷺ - كان يغتسل بفضل ميمونة\" (١).\nوعن ابن عباس -﵄- قال: اغتسل بعض أزواج النّبيّ - ﷺ - في جفنة، فجاء النّبيُّ - ﷺ - ليغتسل أو يتوضّأ، فقالت: يا رسول الله! إِنِّي كنتُ جُنُبًا. فقال: \"الماء لا يُجنب\" (٢).\nوعن حُميد بن عبد الرحمن الحِمْيَري؛ قال: لقيتُ رجلًا صَحِب النّبيّ - ﷺ - كما صحِبه أبو هريرة -﵁- أربع سنين؛ قال: \"نهى رسول الله - ﷺ - أن يمتشط أحدُنا كلَّ يوم، أو يبول في مغتسله، أو يغتسل الرَّجل بفضل المرأة، والمرأة بفضل الرَّجل، وليغترفا جميعًا\" (٣).\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ٣٢٣، وهو في \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢٩٨) بلفظ: \"من الجنابة\".\n(٢) أخرجه الترمذي وقال: \"حديث حسن صحيح\"، وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٦١)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢٩٦)، وغيرهم، وانظر \"الإِرواء\" (٢٧).\n(٣) أخرجه النسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٢٣٢)، وغيره، وبعضه في سنن أبي داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٣).\nقال الحافظ في \"الفتح\" (١/ ٣٠٠): \"رجاله ثقات، ولم أقف لمن أعلّه على حجّة قوية، ودعوى البيهقيّ أنَه في معنى المرسل مردودة؛ لأنَّ إِبهام الصحابي لا يضرّ، وقد صرّح التابعيّ بأنَّه لقيه ... \".","vol":"1","page":218},{"text":"وحمَل بعض أهل العلم هذا الحديث وما في معناه على التَّنزيه جمعًا بين الأدلَّة، وإِلى هذا أشار الحافظ في \"الفتح\" (١).\n_________\n(١) (١/ ٣٠٠)، تحت الحديث (١٩٣).","vol":"1","page":219},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-228>خُلاصة ميسَّرة لأعمال الغُسل</span>\n* غَسل اليدين.\n* غَسل القُبُل والدُّبر.\n* مَسْح اليدين بالتُّراب، أو غسلهما بالصابون ونحوه، وضرورة غَسل اليدين قبل إِدخالهما الإِناء.\n- التوضُّؤ كوضوء الصلاة سوى الرِّجلين، أو غسلهما إِنْ شاء (١).\n* تخليل الشعر، وصبّ ثلاث غرف بيديه، والبدء بشقِّ أيمن الرَّأس، ثمَّ الأيسر.\n* البدء بالشقِّ الأيمن دائمًا من الجسد، ثمَّ الشقّ الأيسر.\n* غَسل الرِّجلين إِن لم يفعل ذلك من قبل.\n* تُراعى الأمور الآتية خلال الغسل:\n١ - إِفاضة الماء على سائر الجسد والجلد كلِّه.\n٢ - الإِقلال في استعمال الماء.\n٣ - مراعاة غسل المرافغ (٢) ومطاوى الأعضاء.\n٤ - ضرورة الدَّلك للشَّعراني.\n٥ - عدم الوضوء بعد الغسل.\n_________\n(١) انظر -إِن شئت- (باب صفة غُسل الجنابة) \"تأخير غَسل الرجلين\".\n(٢) تقدّم معنى المرافغ أنّها أصول المغابن كالآباط والحوالب وغيرها من مطاوى الأعضاء، وما يجتمع فيه من الوسخ والعرق.","vol":"1","page":220},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-229>التَّيمُّم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-230>تعريفه:</span>\nالتيمّم لغة: القَصْد، ومنه قوله تعالى: ﴿ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيْثَ منهُ تُنْفِقُون﴾ (١)، وتقول العرب: تيمّمك الله بحفظه أي: قَصَدَكَ ...\nأمّا التيمّم شرْعًا: فهو القصد إِلى الصعيد (٢)؛ بمسح الوجه واليدين بنيّة استباحة الصَّلاة ونحوها (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-231>ثبوت مشروعيته بالكتاب والسنَّة والإِجماع</span>\nأمّا في كتاب الله العظيم ففي قوله ﷿: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ (٤).\n_________\n(١) البقرة: ٢٦٧\n(٢) قال ابن سفيان وأبو إِسحاق: \"الصعيد: ما علا وجه الأرض، وقيل: الأرض، وقيل: الأرض الطيِّبة، وقيل: التراب الطيِّب، والعرب تقول لظاهر الأرض صعيد\". وعن الخليل قال: \"الصعيد: الأرض؛ قلَّ أو كثُر\". انظر \"لسان العرب\"، و\"حِلية الفقهاء\" (ص ٥٩).\n(٣) قاله في \"الفتح\" (١/ ٤٣٢) ونقَلَه عن عدد من العلماء.\n(٤) النساء: ٤٣","vol":"1","page":221},{"text":"وأمَّا في السنَّة؛ ففيه أحاديث كثيرة، منها: ما رواه جابر بن عبد الله عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"أُعطيتُ خمسًا لم يُعطهنَّ أحدٌ قبلي: نُصرتُ بالرُّعب مسيرة شهر، وجُعِلت ليَ الأرض مسجدًا وطهورًا (١)؛ فأيُّما رجلٍ من أمَّتي أدركتْه الصَّلاة فليصلِّ، وأُحلَّت لي المغانم (٢) ولم تحلّ لأحدٍ قبلي، وأُعطيت الشفاعة وكان النّبيّ يُبعث إِلى قومه خاصَّة، وبُعِثْتُ إِلى النَّاسِ عامَّة\" (٣).\nأمّا الإِجماع، فقد ذكَره ابن قدامة -﵀- في \"المُغني\" (١/ ٢٣٣) فقال: \"وأمَّا الإِجماع؛ فأجمعت الأمَّة على جواز التيمُّم في الجملة\".\nقال البخاري: \"باب التيمُّم في الحضر إِذا لم يجد الماء وخاف فوت الصّلاة، وبه قال عطاء\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-232>اختصاص أمَّة محمّد - ﷺ - به</span>\nلحديث جابر السابق: \"أُعطيتُ خمسًا لم يعطهنَّ أحد قبلي\" منها:\n_________\n(١) وجُعلت ليَ الأرضُ مسجدًا؛ أي: موضع السجود؛ لا يختص السجود منها بموضع دون غيره، ويمكن أن يكون مجازًا عن المكان المبنيّ للصلاة، وهو من مجاز التشبيه؛ لأنَّه لمّا جازت الصلاة في جميعها؛ كانت كالمسجد في ذلك. \"فتح\".\nجاء في \"الفتح\": \"ويستفاد من قوله - ﷺ -: \"وجُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا\"؛ أنّ الأصل في الأرض الطهارة، وأنَّ صحة الصلاة لا تختصّ بالمسجد المبنيّ لذلك\".\n(٢) وفي بعض الروايات الغنائم، ومعناهما واحد.\n(٣) أخرجه البخاري: ٣٣٥، ٤٣٨، ٣١٢٢، وهذا لفظه، ومسلم: ٥٢١، وغيرهما.\n(٤) \"الفتح\" (١/ ٤٤١)، وقال الحافظ: \"وقد وصله عبد الرزاق من وجه صحيح، وابن أبي شيبة من وجه آخر ... \".","vol":"1","page":222},{"text":"\"وجُعلَت لي الأرضُ مسجدًا وطهورًا\".\nقال شيخ الإِسلام -﵀- في \"الفتاوى\" (٢١/ ٣٤٧): \"وهذا التيمُّم المأمور به في الآية؛ هو من خصائص المسلمين، وممَّا فضَّلهم الله به على غيرهم من الأمم، ففي \"الصحيحين\"؛ عن جابر بن عبد الله أنَّ النّبيّ - ﷺ - قال: \"أُعطيتُ خمسًا ... \" وذكر الحديث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-233>سبب مشروعيَّته</span>\nعن عائشة -﵂- أنَّها استعارت من أسماءَ قِلادةً فهلكت، فبعث رسول الله - ﷺ - رجلًا فوجدها، فأدركتهم الصّلاة وليس معهم ماء، فصلَّوا، فشكَوا ذلك إِلى رسول الله - ﷺ -، فأنزلَ الله آية التيمُّم، فقال أسيد بن حُضَير لعائشة جزاكِ الله خيرًا؛ فوالله ما نَزل بك أمر تكرهينه؛ إلاَّ جعل الله ذلك لكِ وللمسلمين فيه خيرًا\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-234>كيفيَّة التيمُّم</span>\n١ - النيَّة: ومحلّها القلب؛ كما تقدَّم في الوضوء والغُسل.\n٢ - التسمية.\n٣ - ضرب الكفَّين بالصعيد الطاهر، ثمَّ ينفخ فيهما، أو ينفضهما لتخفيف التُّراب -إِن وُجد- ثمَّ يمسح بهما الوجه والكفَّين؛ كما في حديث عمَّار بن ياسر -﵁-: \" ... إِنَّما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض،\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٣٣٤ و٣٣٦ ومواضع أُخرى، ومسلم: ٣٦٧، وغيرهما.","vol":"1","page":223},{"text":"ثمَّ تنفُخ (١)، ثمَّ تمسح بهما وجهك وكفَّيك\" (٢).\nوموضع المسح هو الموضع الذي يُقطع منه السارق.\nقال ابن قدامة -﵀- في \"المغني\" (١/ ٢٥٨): \"ويجب مسْح اليدين إِلى الموضع الذي يُقطع منه السارق، أومأ أحمد إِلى هذا لما سُئل عن التيمُّم؛ فأومأ إِلى كفَّيه ولم يجاوز، وقال: قال الله تعالى: ﴿والسَّارقُ والسَّارِقةُ فَاقْطَعوا أَيْديَهُمَا﴾ (٣)، من أين تقطع يد السارق؟ أليس من هاهنا، وأشار إِلى الرسغ، وقد روينا عن ابن عبَّاس نحو هذا\".\n٤ - ملاحظة الاكتفاء بضربة واحدة لقوله - ﷺ -: \"التيمُّم ضربة للوجه والكفَّين\" (٤).\n_________\n(١) وفي بعض الروايات عند البخاري (٣٤٧) وغيره: \"ثمَّ نفضهما\".\nوسألْت شيخنا -حفظه الله- إِن كان المراد من النفخ أو النفض الإقلال من التراب فيعمل بأيِّهما، فقال: \"هو كذلك\"، ثمَّ قال: \"وقد لا يلزم أيٌّ منهما لعدم وجود التراب\".\n(٢) أخرجه البخاري: ٣٣٨، ومسلم: ٣٦٨، وغيرهما.\n(٣) المائدة: ٣٨\n(٤) أخرجه أحمد، وابن خزيمة في \"صحيحه\"، وأبو داود، والترمذي، وقال: \"حديث حسن صحيح\"، وغيرهم، ومعناه في \"الصحيحين\"؛ كما في حديث عمّار السابق. وانظر \"الإِرواء\" (١٦١)، و\"الصحيحة\" (٦٩٤).","vol":"1","page":224},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-235>نواقض التيمُّم</span>\n١ - ينقض التيمُّم كلَّ ما ينقض الوضوء، لأنَّه يقوم مقامه (١).\nقال الحسن: \"يُجزئه التيمُّم ما لم يُحدِث\" (٢).\nقال ابن حزم في \"المحلّى\" (مسألة ٣٣٣): \"كلُّ حدث ينقض الوضوء؛ فإِنه ينقض التيمُّم، هذا ما لا خلاف فيه من أحد من أهل الإِسلام\".\n٢ - وجود الماء لقوله - ﷺ -: \"إِنَّ الصعيد الطيِّب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإِذا وجد الماء فليمِسَّه بشرته؛ فإِنَّ ذلك هو خير\" (٣).\n(وفي رواية: طهور المسلم).\nقال ابن حزم -﵀- في \"المحلّى\" (مسألة ٢٣٤): \"وينقض التيمّم أيضًا وجود الماء، سواء وَجَده في صلاة (٤) أو بعد أن صلّى، أو قبل أن\n_________\n(١) انظر (باب: هل التيمُّم يقوم مقام الماء؟)\n(٢) ذكره البخاري معلَّقًا، وذكر الحافظ في \"الفتح\" (١/ ٤٤٦) وَصْل عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور، وحمّاد بن سلمة له، وصحّح شيخنا إِسناده في \"مختصر البخارى\" (١/ ٩٦).\n(٣) أخرجه أحمد في \"مسنده\"، والترمذي وقال: \"حديث حسن صحيح\"، وهو في \"صحيح سنن الترمذي\" (١٠٧)، و\"صحيح سنن أبي داود\" (٣٢١)، وغيرهم، وصححه ابن حبان، والدارقطني، وأبو حاتم، والحاكم، والذهبي، والنووي، وشيخنا في \"الإرواء\" (١٥٣).\n(٤) قال شيخنا -حفظه الله-: \"فإِذا وجد الماء فليُمسَّه بشرته، تشمل من كان في الصلاة أيضًا\".","vol":"1","page":225},{"text":"يصلي ... \".\nقال في \"المغني\" (١/ ٢٧٠): وإِذا وجد المتيمّم الماء وهو في الصلاة؛ خرج فتوضّأ أو اغتسل إِن كانْ جُنُبًا واستقبل الصلاة.\nقال: وبهذا قال الثوري وأبو حنيفة وقال مالك والشافعي وأبو ثور وابن المنذر ... وقال أيضًا: \"ولنا قوله ﵇: \"الصعيد الطيّب وضوء المسلم، وإنْ لم يجد الماء عشر سنين، فإِذا وجدت الماء فأمسَّه جلدك\". أخرجه أبو داود والنسائي؛ دلَّ بمفهومه على أنَّه لا يكون طهورًا عند وجود الماء، وبمنطوقه على وجوب إِمساسه جلده عند وجوده، لأنَّه قدِرَ على استعمال الماء؛ فبطل تيمُّمه كالخارج من الصلاة، ولأنَّ التيمُّم طهارة ضرورة، فبطلت بزوال الضرورة ... \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-236>ما يُتيمَّم به وعدم اشتراط التراب:</span>\nقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ (١).\nقال شيخ الإِسلام -رحمه الله تعالى-: وقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، نكرة في سياق الإِثبات، كقوله: ﴿إِنَّ الله يأمُرُكمْ أن تذْبَحوا بقَرَةً﴾ (٢)، وقوله: ﴿فَتحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (٣)، وقوله: ﴿فصِيَامُ ثلاثَة أيَّامٍ في\n_________\n(١) النساء: ٤٣\n(٢) البقرة: ٦٧\n(٣) النساء: ٩٢","vol":"1","page":226},{"text":"الحَجِّ وسَبْعَةٍ إِذا رَجعْتُم﴾ (١)، وقوله: ﴿فَمَنْ لم يجِدْ فَصيامُ ثلاثَةِ أيامٍ﴾ (٢)، وهذه تسمّى مطلقة، وهي تفيد العموم على سبيل البدل لا على سبيل الجمع، فيدلّ ذلك على أنّه يتيمّم أيّ صعيد طيّب اتفق، والطيِّب هو الطاهر، والتُّراب الذي ينبعث مراد من النصّ بالإِجماع، وفيما سواه نزاع سنذكره إِن شاء الله تعالى (٣).\nقال يحيى بن سعيد: \"لا بأس بالصلاة على السَّبْخة (٤) والتيمّم بها\" (٥).\nوفي حديث عائشة الطويل: \" ... قد أُريت دار هجرتكم رأيت سَبْخةً ذات نخْل بين لابتين وهما الحرَّتان\" (٦).\nقال ابن خزيمة عقب الحديث السابق في \"صحيحه\" (١/ ١٣٤): \"ففي قول النّبيّ - ﷺ - أُريت سبْخة ذات نخل بين لابتين؛ وإعلامه إِيَّاهم أنها دار هجرتهم -وجميع المدينة، كانت هجرتهم- دلالة على أنَّ جميع المدينة سبخة، ولو كان التيمُّم غير جائز بالسّبخة وكانت السَّبخة على ما توهَّم بعض أهل عصرنا، أنَّه من البلد الخبيث، بقوله: ﴿والذي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا﴾، لكان قول هذه المقالة أنَّ أرض المدينة خبيثة لا طيِّبة، وهذا قول بعض أهل العناد لمَّا ذمَّ أهل المدينة، فقال: إِنها خبيثة فاعلم أنَّ النّبيّ - ﷺ -\n_________\n(١) البقرة: ١٩٦\n(٢) المائدة: ٨٩\n(٣) \"الفتاوى\" (٢١/ ٣٤٨).\n(٤) بتسكين الباء، وفي بعض النسخ بفتحها. هي الأرض المالحة لا تكاد تُنبت.\n(٥) أخرجه البخاري معلّقًا بصيغة الجزم ولم يخرجه الحافظ.\n(٦) أخرجه البخاري: ٢٢٩٧، والحرّة: الأرض ذات الحجارة السُّود.","vol":"1","page":227},{"text":"سمّاها طيبة -أو طابة- فالأرض: السبخة هي طيبة على ما أخبر النّبيّ - ﷺ - أن المدينة طيبة، وإِذا كانت طيبة وهي سبخة؛ فالله ﷿ قد أمر بالتيمّم بالصعيد الطيب في نصِّ كتابه، والنّبيّ - ﷺ - قد أعلم أن المدينة طيبة -أو طابة- مع إِعلامهم إِياهم أنها سبخة، وفي هذا ما بان وثبت أنَّ التيمُّم بالسباخ جائز\".\nأمَّا تسمية طابة؛ فقد وردت في البخاري (١٨٧٢) كما في حديث أبي حُميد -﵁- قال: \"أقبَلنْا مع النّبيّ - ﷺ - من تبوك؛ حتى أشرَفْنا على المدينة فقال: هذه طابة\".\nوروى مسلم (١٣٨٥) وغيره عن جابر بن سمرة وقد قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"إِنَّ الله تعالى سمّى المدينة طابة\".\nوأما تسمية طَيْبَة؛ فقد ثبتت في \"صحيح مسلم\" (١٣٨٤) أيضًا عن زيد بن ثابت -﵁- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"إِنها طَيْبَة (يعني: المدينة) وإِنِّها تنفي الخبث كما تنفي النّار خَبث الفضة\".\nقال شيخ الإِسلام -﵀- في \"الفتاوى\" (٢١/ ٣٦٤): \"وأمّا الصعيد ففيه أقوال؛ فقيل: يجوز التيمُّم بكلِّ ما كان من جنس الأرض، وإِن لم يعلَق بيده، كالزرنيخ (١)، والنُّورة (٢)، والجصّ (٣)، وكالصخرة الملساء، فأمّا ما لم يكن من جنسها كالمعادن فلا يجوز التيمُّم به، وهو قول أبي حنيفة،\n_________\n(١) في \"المحيط\": حَجَر معروف، منه أبيض وأحمر وأصفر.\n(٢) في \"الوسيط\": حجر الكلس.\n(٣) الجَصّ: ما يُبنى به وهو معرّب. \"مختار الصحاح\".","vol":"1","page":228},{"text":"ومحمّد يوافقه، لكن بشرط أن يكون مُغبرًا؛ لقوله: (منه) (١).\nوقيل: يجوز بالأرض، وبما اتّصل بها حتى بالشَّجر، كما يجوز عنده وعند أبي حنيفة بالحجر والمدر (٢)، وهو قول مالك، ...\nوقيل: لا يجوز إلاَّ بتراب طاهر، له غبار يعلق باليد، وهو قول أبي يوسف والشافعي وأحمد في الرواية الأخرى.\nواحتج هؤلاء بقوله: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيدِيكم منه﴾، وهذا لا يكون إلاَّ فيما يعلق بالوجه واليد، والصَّخر لا يعلق لا بالوجه ولا باليد، واحتجُّوا بقول النّبيّ - ﷺ -: \"جُعلت لي الأرض مسجدًا، وجُعلت تربتها طَهورًا\". قالوا: فعمَّ الأرض بحُكم المسجد، وخصّ تربتها -وهو ترابها- بحُكم الطهارة.\nواحتجّ الأولون بقوله تعالى: ﴿صعيدًا﴾، قالوا: والصَّعيد هو الصَّاعد على وجه الأرضِ، وهذا يعمُّ كلَّ صاعد؛ بدليل قوله تعالى: ﴿وإِنَّما لجاعِلُون ما عليها صعِيداَ جُرُزًا﴾ (٣)، وقوله: ﴿فَتُصبحَ صعيدًا زلقًا﴾ (٤).\nواحتجّ من لم يخصّ الحكم بالتراب بأنَّ النّبيّ - ﷺ - قال: \"جُعلت لي\n_________\n(١) قال شيخنا -حفظه الله-: \" ... وهذه الآية ينبغي أن تُفهم من خلال السُّنَّة كما قال تعالى: ﴿وأَنْزَلْنا إِليك الذِّكرَ لِتُبيِّنَ للنَّاسِ ما نزَلَ إِليهم﴾ النحل: ٤٤، فالدّم حرام في كتاب الله وكذلك الميتة، وبيّن النّبيّ - ﷺ - ما لم يحرم من ذلك، فلا بدَّ من ضمّ السُّنّة للقرآن؛ لتكون النتيجة صحيحة وكاملة\".\n(٢) أي: الطين المتماسك. \"النهاية\".\n(٣) الكهف: ٨\n(٤) الكهف: ٤٠","vol":"1","page":229},{"text":"الأرض مسجدًا وطَهورًا؛ فأيّما رجل من أمّتي أدركتْهُ الصلاة فليصلِّ\"، وفي رواية: \"فعنده مسجده وطَهوره\". فهذا يُبيِّن أنّ المسلم في أيّ موضع كان عنده مسجده وطهوره.\nومعلوم أنَّ كثيرًا من الأرض ليس فيها تراب حرث، فإِن لم يجُز التيمُّم بالرّمل؛ كان مخالفًا لهذا الحديث، وهذه حجة من جوَّز التيمُّم بالرمل دون غيره، أو قرن بذلك السّبخة؛ فإِنَّ من الأرض ما يكون سبخة، واختلاف التُّراب بذلك كاختلافه بالألوان؛ بدليل قول النّبيّ - ﷺ -:\n\"إِنَّ الله خلق آدم من قبضة قبَضَها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض؛ جاء منهم الأحمر والأبيض والأسود، وبين ذلك، والسّهل والحزَن، والخبيث والطيب\" (١).\nوآدم إِنّما خُلق من تراب، والتُّراب الطيب والخبيث، الذي يخرج بإِذن ربّه، والذي خبُث لا يخرج إلاَّ نكدا، لا يجوز التيمُّم به فعُلم أنَّ المراد بالطيِّب الطاهر، وهذا بخلاف الأحجار والأشجار؛ فإِنها ليست من جنس التراب، ولا تعلق باليد، بخلاف الزرنيخ والنورة، فإِنها معادن في الأرض، لكنها لا تنطبع كما ينطبع الذهب والفضة والرصاص والنحاس\". اهـ.\nقال ابن القيم -﵀- في \"زاد المعاد\" (١/ ٢٠٠) في هديه في التيمُّم: \"وكذلك كان يتيمّم بالأرض التي يصلَّي عليها؛ ترابًا كانت أو سبخة أو رملًا، وصحَّ عنه أنه قال: \"حيثما أدْركَتْ رجلًا من أمتي الصلاة فعنده\n_________\n(١) أخرجه ابن سعد في \"الطبقات\"، وأحمد، وأبو داود، والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، وغيرهم كما في \"الصحيحة\" (١٦٣٠) والنص الذي ذكره شيخ الاِسلام -﵀- نحوه.","vol":"1","page":230},{"text":"مسجدُه وطَهوره\" (١).\nوهذا نصٌّ صريح في أنّ من أدركته الصلاة في الرّمل؛ فالرمل لى طهور، ولمّا سافر هو وأصحابه في غزوة تبوك، قطعوا تلك الرّمال في طريقهم وماؤهم في غاية القلَّة، ولم يُروَ عنه أنَّه حملَ معه التراب، ولا أمر به، ولا فعله أحد من أصحابه، مع القطع بأنَّ في المفاوز الرمال أكثر من التراب، وكذلك أرض الحجاز وغيره، ومن تدبَّر هذا؛ قطع بأنَّه يتيمّم بالرمل، والله أعلم، وهذا قول الجمهور\".\nقال في \"نيل الأوطار\" (١/ ٣٢٨): \"ويؤيد حمْل الصعيد على العموم تيمّمه - ﷺ - من الحائط ... \".\nوقال أيضًا: \"قال ابن دقيق العيد: \"ومن خصّص التيمُّم بالتراب، يحتاج إِلى أن يقيم دليلًا يخص به هذا العموم (٢) ... \" (٣).\nوسألتُ شيخنا -حفظه الله- عن اشتراط بعض العلماء الغبار والتراب في التيمُّم فقال:\n\"إِنَّ الغبار ليس من شروط الصعيد، والصعيد هو وجه الأرض، فيشمل الصخرة والرمل والتراب.\nوالصخرة التي هطلت عليها الأمطار فلا غبار عليها، فهل حين التيمُّم بها\n_________\n(١) أخرجه أحمد وإسناده حسن، وله شواهد عديدة ذكرها شيخنا في \"الإرواء\" (٢٨٥).\n(٢) أي: عموم حديث: \"فأينما أدركَت رجلًا من أمّتي الصلاة ... \"\n(٣) \"نيل الأوطار\" (١/ ٣٢٩).","vol":"1","page":231},{"text":"حقَّق قوله تعالى: ﴿فتيمَّموا صَعِيدًا طيِّبًا﴾ (١) أم لا؟\nوكذلك الأرض الرملية سواء مُطرت أم لم تُمطر؛ عند الضرب فلا غبار عليها، فهذا تكليف بما لا يُطاق.\nثمَّ ذكر سفر النّبيّ - ﷺ - من المدينة إِلى تبوك وأكثرها رملية، ولم يصطحب عليه الصلاة السلام معه ترابًا عند سفره.\nومن اشترط التراب فقد أوجب على المسافرين الذين يجتازون تلك المناطق؛ أن يصطحبوا معهم التراب.\nوهذا يتناسب مع قاعدة: \"يسِّروا ولا تعسِّروا\"؛ وهو المُطابق لمزيَّة ما خَصَّه الله تعالى للنّبيّ - ﷺ - في قوله: \"أعطيت خمسًا لم يعطهنَّ أحد قبلي: نُصرت بالرُّعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجلٍ من أمتي أدركته الصلاة فليصلِّ ... \" (٢). فإِذا أدركته في الرِّمال فهل يبحث عن الغُبار؟ واشتراط خروج شيء من الممسوح غير وارد\" (٣). وخلاصة القول: يجوز التيمُّم بالصعيد الطيّب سواء كان له غبار أم لا، وسواء كان ترابًا أم لا، كما يجوز التيمُّم بالسبخة والرمال والجدار والصخرة الملساء ونحو ذلك، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-237>من يستباح له التيمُّم:</span>\nيُستباح التيمُّم لمن أحدث حدثًا أصغر أو أكبر، سواء كان في سفر أو\n_________\n(١) النساء: ٤٣\n(٢) تقدّم.\n(٣) كذا قاله شيخنا -حفظه الله تعالى- بمعناه.","vol":"1","page":232},{"text":"حضر، للأسباب الآتية:\n١ - إِذا لم يجد الماء، لقوله تعالى: ﴿... فَلَمْ تَجِدوا مَاءً فَتَيَمَّموا صَعِيدًا طيبًا﴾ (١).\nولحديث عمران بن حصين \"أنَّ رسول الله - ﷺ - رأى رجلًا معتزلًا لم يُصلِّ في القوم، فقال: يا فلان! ما منَعك أن تصلي في القوم، فقال: يا رسول الله! أصابتني جنابة ولا ماء، قال: عليك بالصعيد فإِنَّه يكفيك\" (٢).\nولحديث أبي ذر -﵁- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"إِنَّ الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإِن لم يجد الماء عشر سنين، فإِذا وجد الماء فليُمسّه بشره (٣) فإِنَّ ذلك خير\" (٤).\nويدخل في معنى عدم وجود الماء؛ بُعده أو وجوده في بئر عميقة، أو صعوبة استخراجه لفقد الحبل أو الدلو، أو وجود حيوان مفترس عنده أو عدوّ آدمي؛ بحيث يتعذَّر الانتفاع به أو إِذا احتاجه لشُرب (٥) أو لعجن، أو طبخ\" أو\n_________\n(١) النساء: ٤٣\n(٢) أخرجه البخاري: ٣٤٨، ومسلم: ٦٨٢ نحوه.\n(٣) في بعض كتب الحديث بشرته، والمعنى واحد، قال في \"مختار الصحاح\": البشرة، والبشر: ظاهر جلد الإنسان.\n(٤) أخرجه أحمد، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (١٠٧)، وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٢١)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٣١١)، وانظر \"المشكاة\" (٥٣٠)، و\"الإِرواء\" (١٥٣)، وتقدّم.\n(٥) قال ابن حزم في \"المحلى\" (مسألة ٢٤٢): ومن كان معه ماءٌ يسير يكفيه =","vol":"1","page":233},{"text":"إِزالة نجاسة.\nقال الحسن في المريض عنده الماء ولا يجد من يُناوله: \"يتيمّم\" (١).\nجاء في \"المغني\" (١/ ٢٣٨): \"ومن حال بينه وبين الماء سبع أو عدو أو حريق أو لص فهو كالعادم، ولو كان الماء بمجمع الفساق، تخاف المرأة على نفسها منهم فهي عادمة ... \".\nوفيه أيضًا (١/ ٢٣٩): \"ومن كان مريضًا لا يقدر على الحركة ولا يجد من يناوله الماء، فهو كالعادم ... \".\nقال في \"الدراري\" (١/ ٨٥): \"فإِنَّ من تعذّر عليه استعمال الماء فهو عادم للماء، إِذ ليس المراد الوجود الذي لا ينفع؛ فمن كان يشاهد ماءً في قعر بئر يتعذّر عليه الوصول إِليه بوجه من الوجوه؛ فهو عادم.\n٢ - إِذا خشي الضرر من استعمال الماء؛ لمرض أو جرح أو شدَّة برودة، وكان عاجزًا عن تسخينه؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكم إنَّ اللهَ كان بكم رحيمًا﴾ (٢).\nوعن جابر قال: \"خرجنا في سفر؛ فأصاب رجلًا منّا حجر، فشجّه في رأسه، ثمَّ احتلم، فسأل أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمُّم؟\n_________\n= لشربه فقط؛ ففرْضه التيمُّم، لقوله الله تعالى: ﴿ولا تقتُلُوا أَنْفسكُم﴾ [النساء: ٢٩]\n(١) أورده البخاري معلّقًا بصيغة الجزم، ووصَله إِسماعيل القاضي في \"الأحكام\" من وجه صحيح كما ذكر الحافظ في \"الفتح\" (١/ ٤٤١).\n(٢) النساء: ٢٩","vol":"1","page":234},{"text":"فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلمّا قدِمنا على النّبيّ - ﷺ - أُخبر بذلك فقال: قتلوه قتَلهم الله، ألا سألوا إِذ لم يعلموا؛ فإِنّما شفاء العِيّ السؤال\" (١).\nوعن عمرو بن العاص -﵁- قال: احتلمتُ في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل، فأشفَقتُ إِن اغتسلتُ أن أهلِك، فتيمَّمْتُ، ثمَّ صلّيت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنّبيّ - ﷺ - فقال: \"يا عمرو! صلّيت بأصحابك وأنت جُنُب؟ فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، وقلت: إِني سمعت الله يقول: ﴿ولا تقتلوا أنْفُسَكم إِنَّ اللهَ كان بكم رحيمًا﴾.\nفضحك رسول الله - ﷺ - ولم يقل شيئًا\" (٢).\nوفي رواية: \"فغسَل مغابنه وتوضّأ وضوءه للصلاة، ثمَّ صلّى بهم، فذكر نحوه ... \" (٣).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٢٥)، وابن ماجه، والدارقطنيّ، وصححه ابن السكن كما في \"الدراري المضية\" (١/ ٨٢١)، و\"المشكاة\" (٥٣١).\nوقال شيخنا في \"تمام المنة\" (١٣١): \"هذا الحديث ضعَّفه البيهقي والعسقلاني وغيرهما، لكن له شاهد من حديث ابن عباس يرتقي به إِلى درجة الحسن ... \".\n(٢) أخرجه أحمد، وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٢٣)، والدارقطنيّ، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وصححه النووي أيضًا وغيرهم، وعلّقه البخاري (١/ ٩٥)، وقواه الحافظ ابن حجر كما في \"الفتح\" (١/ ٤٥٤)، وصححه شيخنا وذكر أنه على شرط مسلم، وانظر \"الإِرواء\" (١٥٤).\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٢٤)، والدارقطني وغيرهما، وانظر \"الإِرواء\" (١٥٤).","vol":"1","page":235},{"text":"وقال البخاري: (باب إِذا خاف الجُنُب على نفسه المرض أو الموت أو خاف العطش يتيمّم). وأورد حديث عمرو بن العاص مُعلّقًا بصيغة التمريض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-238>هل يتيمّم من خاف فوت الرفقة</span>؟\nأجاز ذلك ابن حزم -﵀- في \"المحلّى\" (٢/ ١٦٥) (المسألة ٢٢٩) وغيره.\nوسألت شيخنا -حفظه الله تعالى- عن ذلك فقال: \"إِنَّ خوف فَوْت الرفقة مسألة مطاطة، فربما فوت الرفقة عرَّض للهلاك، فله أن يتيمّم، وربما لم يؤدِّ ذلك إِلى ضرر، وإِنّما هو مجرّد فقْد الصحبة، فقد يكون خوف فوت الصحبة عذرًا وقد لا يكون، والشخص نفسه هو الذي يقدّر ذلك لا المفتي\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-239>التيمُّم لردِّ السلام في الحضر أو السفر بوجود الماء:</span>\nعن ابن عباس -﵄- قال: أقبلتُ أنا وعبد الله بن يسار مولى ميمونة زوج النّبيّ - ﷺ - حتى دخَلنا على أبي جُهيم بن الحارث بن الصِّمّة الأنصاري، فقال أبو الجُهيم: \"أقبَل النّبيّ - ﷺ - من نحو بئر جَمَل (١) فلقيه رجل فسلَّم عليه، فلم يردّ عليه النّبيّ - ﷺ - حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه ويديه، ثمَّ ردَّ ﵇\" (٢).\nقال ابن خزيمة (١/ ١٣٩) في \"صحيحه\" -عقب الحديث السابق-:\n_________\n(١) موضع معروف في المدينة.\n(٢) أخرجه البخاري: ٣٣٧، ومسلم: ٣٦٩، وغيرهما.","vol":"1","page":236},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-240>(باب استحباب التيمُّم في الحضر لرد السلام وإِن كان الماء موجودًا)</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-241>تيمّم المريض:</span>\nقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١).\nويتيمّم المريض إِذا وجدَ مشقَّة أو حرجًا في الوضوء بالماء أو الغسل به، أو خشي زيادة علة أو مرض.\nوتقدّم قول الحسن في المريض عنده الماء ولا يجد من يُناوله: \"يتيمّم\" (٢).\nقال ابن حزم في \"المحلى\" (٢/ ١٥٨) (مسألة ٢٢٤): \"لا يتيمّم من المرضى إِلا من لا يجد الماء، أو من عليه مشقَّة وحرج في الوضوء بالماء، أو في الغسل به، أو المسافر الذي لا يجد الماء الذي يقدر على الوضوء به أو الغسل به\". ثمَّ ذكر الآية السابقة.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية في \"الفتاوى\" (٢١/ ٣٩٩): \"والذي عليه الجمهور: أنَّه لا يُشترط فيه خوف الهلاك؛ بل من كان الوضوء يزيد مرضه، أو\n_________\n(١) المائدة: ٦\n(٢) أورده البخاري معلقًا، ووصله إِسماعيل القاضي في \"الأحكام\" من وجه صحيح، وروى ابن أبي شيبة من وجه آخر عن الحسن وابن سيرين قالا: \"لا يتيمّم ما رجا أن يقدر على الماء في الوقت، ومفهومه يوافق ما قبله\". \"الفتح\" (١/ ٤٤١)، وتقدّم.","vol":"1","page":237},{"text":"يؤخر برْأه يتيمّم، وكذلك في الصيام والإِحرام، ومن يتضرَّر بالماء لبرد؛ فهو كالمريض عند الجمهور\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-242>تيمُّم المسافر:</span>\nقال الله تعالى: ﴿وإِن كنتم مَرْضَى أو على سَفَرٍ أو جَاء أحَدٌ منْكُم مِنَ الغائِطِ أو لامَسْتُمِ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدوا مَاءً فَتَيَمَّموا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (١).\nقال ابن المنذر في \"الأوسط\" (٢/ ٢٨): \"أجمع كلّ من أحفظ عنه من أهل العلم؛ على أن المسافر إِذا خشي على نفسه العطش ومعه مقدار ما يتطهَّر به من الماء؛ أنَّه يُبقي ماءَه للشرب ويتيمّم.\nرويَ هذا القول عن علي وابن عباس والحسن ومجاهد وعطاء وطاوس وقتادة والضحاك\".\nقال شيخ الإِسلام ابن تيمية في \"الفتاوى\" (٢١/ ٣٥٠): \"اتفق المسلمون على أنّه إِذا لم يجد الماء في السفر تيمّم وصلَّى إِلى أن يجد الماء، فإِذا وجد الماء فعليه استعماله.\nوكذلك يتيمّم الجنب، ذهب الأئمة الأربعة وجماهير السلف والخلف؛ إِلى أنَّه يتيمّم إِذا عدم الماء في السفر إِلى أن يجد الماء، فإِذا وجده كان عليه استعماله\".\nوقال -﵀-: \"والمسافر إنّما يتيمّم إِذا لم يجد الماء\" (٢).\n_________\n(١) النساء: ٤٣\n(٢) \"الفتاوى\" (٢١/ ٣٩٨).","vol":"1","page":238},{"text":"وقال -﵀- أيضًا: \"كما أن المسافر قد لا يكون معه إِلا ما يكفيه لشربه وشرب دوابِّه، فهذا عند الجمهور عادم للماء فيتيمّم\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-243>تيمّم الجُنُب:</span>\nقال الله﷿-: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (٢).\nوعن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه قال: \"جاء رجل إِلى عمر بن الخطَّاب فقال: إِني أجنبتُ فلم أصب الماء، فقال عمّار بن ياسر لعمر بن الخطاب: أما تذكرُ أنَّا كنّا في سفر أنا وأنت، فأمّا أنت فلم تُصلِّ، وأمَّا أنا فتمعَّكْتُ (٣) فصلّيتُ، فذكرتُ للنّبيّ - ﷺ - فقال النبيّ - ﷺ -: \"كان يكفيك هذا\" فضرب النّبيّ - ﷺ - بكفيه الأرض ونفخ (٤)، فيهما، ثمَّ مسح بهما وجهه وكفَّيه\" (٥).\n_________\n(١) \"الفتاوى\" (٢١/ ٣٩٩).\n(٢) النساء: ٤٣\n(٣) أي: تمرَّغْت، وجاءت هذه في إِحدى روايات البخاري: ٣٤٧، ومسلم: ٣٦٨، وكأنَّ عمَّار استعمل القياس في هذه المسألة، لأنَّه لما رأى أن التيمُّم إِذا وقع بدل الوضوء على هيئة الوضوء؛ رأى أنَّ التيمُّم عن الغُسل يقع على هيئة الغُسل. \"الفتح\".\nويُستفاد من هذا الحديث: وقوع اجتهاد الصحابة في زمن النّبي - ﷺ -، وأن المجتهد لا لوم عليه إِذا بذل وُسعه وِإن لم يصب الحق، وأنَه إِذا عمل بالاجتهاد لا تجب عليه الإِعادة. \"الفتح\" أيضًا.\n(٤) استدلَّ بالنفخ على استحباب تخفيف التراب. \"فتح\".\n(٥) أخرجه البخاري: ٣٣٨، ومسلم: ٣٦٨","vol":"1","page":239},{"text":"قال شيخ الإِسلام -رحمه الله تعالى-: \"وقد ثبت تيمُّم الجنب في أحاديث صحاح وحِسَان كحديث عمَّار بن ياسر -﵁- وهو في \"الصحيحين\"، وحديث عمران بن حصين -﵁- وهو في البخاري، وحديث أبي ذر وعمرو بن العاص وصاحب الشجَّة -﵃- وهو في \"السنن\" ... \" (١).\nوقال ابن حزم -﵀-: \"ويتيمّم الجُنُب والحائض، وكلّ من عليه غُسل واجب؛ كما يتيمّم المُحدِث ولا فرق\" (٢).\nوقال ابن قدامة -﵀- عن تيمّم الجُنُب: \" ... وهو قول جمهور العلماء: منهم علي وابن عباس وعمرو بن العاص وأبو موسى وعمّار، وبه قال الثوري ومالك والشافعي وأبو ثور وإسحاق وابن المنذر وأصحاب الرأي ... \" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-244>هل التيمُّم إِلى المناكب والآباط صحيح</span>؟\nقال إِسحاق بن إِبراهيم بن مخلد الحنظليّ: \"حديث عمّار في التيمُّم\nللوجه والكفين: هو حديث حسن صحيح، وحديث عمّار: تيمّمنا مع النّبيّ - ﷺ - إِلى المناكب والآباط؛ ليس هو بمخالف لحديث الوجه والكفين، لأنَّ عمّارًا لم يذكر أنَّ النّبيّ - ﷺ - أمَرهم بذلك، وِإنّما قال: فعلْنا كذا وكذا. فلما سأل النّبيّ - ﷺ - أمَره بالوجه والكفين، فانتهى إِلى ما علّمه رسول الله - ﷺ -: \"الوجه والكفين\".\n_________\n(١) \"الفتاوى\" (٢١/ ٤٠٠).\n(٢) \"المحلى\" (المسألة ٢٤٩).\n(٣) \"المغني\" (١/ ٢٦١).","vol":"1","page":240},{"text":"والدليل على ذلك: ما أفتى به عمّار بعد النّبيّ - ﷺ - في التيمُّم أنَّه قال: \"الوجه والكفين\" ففي هذا دلالة على أنَّه انتهى إِلى ما علمه النّبيّ - ﷺ - فعلَّمه إِلى \"الوجه والكفين\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-245>التيمُّم ضربة أم ضربتان</span>؟\nقد تقدّم حديث عمّار -﵁-: \"التيمُّم ضربة للوجه والكفَّين\" وما في معناه، وفيه إِفادة الاقتصار على الضربة الواحدة للوجه والكفين.\nقال في \"الدراري المضَيَّة\" (١/ ٨٥): \"وقد ذهب إِلى كون التيمُّم ضربة واحدة للوجه والكفين الجمهور ... \".\nقال شيخنا في \"الإِرواء\" (١/ ١٨٥): \"واعلم أنّه قد روي هذا الحديث (٢) عن عمّار بلفظ ضربتين؛ كما وقع في بعض طُرقه، وكل ذلك معلول لا يصحّ.\nقال الحافظ في \"التلخيص\" (ص٥٦): وقال ابن عبد البر: أكثر الآثار المرفوعة عن عمّار ضربة واحدة، وما روي عنه من ضربتين فكلها مضطربة، وقد جمع البيهقي طُرق حديث عمَّار فأبلغ\".\nثمَّ قال شيخنا: \"وفي الضربتين أحاديث أخرى، وهي معلولة أيضًا كما بيّنه الحافظ في \"التلخيص\" وحقَّقْتُ القول على بعضها في \"ضعيف سنن أبي داود\" (٥٨ و٥٩) \" (٣).\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\" (باب التيمُّم).\n(٢) أي حديث عمّار: \"التيمّم ضربة للوجه والكفين\".\n(٣) \"الإِرواء\" (١/ ١٨٦).","vol":"1","page":241},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-246>هل التيمُّم يقوم مقام الماء</span>؟\nقال شيخ الإِسلام في \"الفتاوى\" (٢١/ ٣٥٢): \"وتنازعوا هل يقوم (١) مقام الماء، فيتيمّم قبل الوقت، كما يتوضّأ قبل الوقت، ويصلّي به ما شاء من فروض ونوافل، كما يصلّي بالماء، ولا يبطل بخروج الوقت، كما لا يبطل الوضوء؟\nعلى قولين مشهورين، وهو نزاع عمليّ ... \".\nوقال -رحمه الله تعالى-: \"وهذا القول هو الصحيح (٢)، وعليه يدّل الكتابُ والسنّة والاعتبار؛ فإِن الله جعَل التيمُّم مُطهِّرًا؛ كما جعَل الماء مطهِّرًا، فقال تعالى: ﴿... فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ (٣) فأخبر تعالى أنَّه يريد أن يُطهِّرنا بالتراب؛ كما يطهِّرنا بالماء\" (٤).\nوقال -﵀-: \"ولنا أنّه قد ثبت بالكتاب والسنّة أنَّ التراب طهور، كما أنَّ الماء طهور، وقد قال النّبيّ - ﷺ -: \"الصَّعيد الطيِّب طهور المسلم، ولو لم يجد الماء عشر سنين، فإِذا وجدت الماء فأمِسّه بشرتك، فإِن ذلك خير\" (٥). فجعله مطهِّرًا عند عدم الماء مطلقًا، فدلَّ على أنَّه مطهّر للمتيمّم،\n_________\n(١) أي: التيمُّم.\n(٢) أي: أنَّ التيمّم يقوم مقام الماء.\n(٣) المائدة: ٦\n(٤) \"الفتاوى\" (٢١/ ٤٣٦).\n(٥) تقدّم.","vol":"1","page":242},{"text":"وإِذا كان قد جعل المتيمّم مطهرًا؛ كما أن المتوضئ مطهر، ولم يقيّد ذلك بوقت، ولم يقُل إِنَّ خروج الوقت يبطله، كما ذكر أنّه يبطله القدرة على استعمال الماء، دلّ ذلك على أنّه بمنزلة الماء عند عدم الماء، وهو موجب الأصول، فإِنَّ التيمُّم بدل عن الماء، والبدل يقوم مقام المُبدل في أحكامه، وإن لم يكن مماثلًا له في صفته، كصيام الشهرين؛ فإِنّه بدل عن الإِعتاق، وصيام الثلاث والسبع؛ فإِنّه بدل عن الهَدي في التمتُّع، وكصيام الثلاثة الأيام في كفّارة اليمين؛ فإِنّه بدل عن التكفير بالمال، والبدل يقوم مقام المُبدل ... \" (١).\nوقال -﵀- أيضًا: \"والشارع حكيم إِنّما يُثبت الأحكام ويبطلها بأسباب تُناسبها، فكما لا يُبطل الطهارة بالأمكنة؛ لا يبطل بالأزمنة وغيرها؛ من الأوصاف التي لا تأثير لها في الشرع\" (٢).\nوقال -﵀- أيضًا: \"والتيمّم كالوضوء فلا يبطل تيمّمه إلاَّ ما يبطل الوضوء، ما لم يقدر على استعمال الماء، وهذا بناءً على قولنا، وقول من وافَقنا على التوقيت في مسح الخفّين، وعلى انتقاض الوضوء بطهارة المستحاضة، فإِنَّ هذا مذهب الثلاثة: أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد\" (٣).\nوقال -﵀- كذلك: \"وِإذا كان تطهّر قبل الوقت (٤)، كان قد\n_________\n(١) \"الفتاوى\" (٢١/ ٣٥٣، ٣٥٤).\n(٢) \"الفتاوى\" (٢١/ ٣٦١).\n(٣) \"الفتاوى\" (٢١/ ٣٦٢).\n(٤) أي: بالتيمّم.","vol":"1","page":243},{"text":"أحسن، وأتى بأفضل ممّا وجب عليه، وكان كالمتطهر للصلاة قبل وقتها، وكمن أدَّى أكثر من الواجب في الزّكاة وغيرها، وكمن زاد على الواجب في الركوع والسجود، وهذا كلّه حسَن إِذا لم يكن محظورًا؛ كزيادة ركعة خامسة في الصلاة.\nوالتيمّم مع عدم الماء حسَن ليس بمحرّم، ولهذا يجوز قبل الوقت للنافلة ولمسّ المصحف وقراءة القرآن\" (١).\nوذكر -﵀- \"أنَّ هذا هو مذهب أبي حنيفة، وهو قول سعيد بن المسيّب، والحسن البصري، والزهري، والثوري، وغيرهم، وهو إِحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل\" (٢).\nقال ابن حزم -﵀-: \"والمتيمّم يصلي بتيمّمه ما شاء من الصلوات: الفرض والنوافل ما لم ينتقض تيمّمه بحدَث أو بوجود الماء؛ وأمّا المريض؛ فلا ينتقض طهارته بالتيمّم إلاَّ ما ينقض الطهارة من الأحداث فقط؛ وبهذا يقول أبو حنيفة، وسفيان الثوري، والليث بن سعد، وداود.\nوروينا أيضًا: عن حمّاد بن سلمة عن يونس بن عبيد عن الحسن قال: يصلي الصلوات كلها بتيمّم واحد مِثل الوضوء ما لم يُحدث.\nوعن معمر قال: سمعتُ الزهري يقول: التيمُّم بمنزلة الماء، يقول: يصلّي به ما لم يُحدِث.\nوعن قتادة عن سعيد بن المسيب قال: صلّ بتيمّم واحد الصلوات كلها ما\n_________\n(١) \"الفتاوى\" (٢١/ ٣٦٣).\n(٢) \"الفتاوى\" (٢١/ ٣٥٢).","vol":"1","page":244},{"text":"لم تُحدِث، هو بمنزلة الماء. وهو قول يزيد بن هارون، ومحمد بن علي بن الحسين وغيرهم\" (١).\nوقال -﵀- أيضًا: \"والتيمّم جائز قبل الوقت وفي الوقت، إِذا أراد أن يصلي به نافلة أو فرضًا كالوضوء ولا فرق؛ لأنَّ الله تعالى أمر بالوضوء والغسل والتيمّم عند القيام إِلى الصلاة، ولم يقُل تعالى: إِلى صلاة فرض دون النافلة؛ فكلّ مريد الصلاة: فالفرض عليه أن يتطهّر لها بالغسل إِن كان جنبًا، وبالوضوء أو التيمُّم إِن كان محدثًا؛ فإِذ ذلك كذلك، فلا بد لمريد الصلاة من أن يكون بين تطهره وبين صلاته مُهلة من الزمان؛ فإِذ لا يمكن غير ذلك فمن حدّ في قدْر تلك المهلة حدًّا فهو مبطل؛ لأنه يقول من ذلك ما لم يأت به قرآن ولا سنّة ولا إِجماع ولا قياس ولا قول صاحب؛ فإِذ هذا كما ذكَرنا؛ فلا ينقض الطهارة بالوضوء ولا بالتيمّم: طول تلك المهلة ولا قِصَرها وهذا في غاية البيان، والحمد لله رب العالمين\" (٢).\nوقال في موطن آخر (٢٢/ ٣٣): \"وكلّ ما يباح بالماء يباح بالتيمّم\".\nوذكَر لي شيخنا الألباني -حفظه الله تعالى- \" أنَّ كلَّ أحكام التيمُّم تنسحب على أحكام الوضوء، إلاَّ أن وجود الماء يُبطله\". اهـ.\nوالنّبيّ - ﷺ - أمَر المستحاضة أن تتوضّأ لكلّ صلاة؛ ولم يأمر مَن فقَد الماء أن يتيمّم لكلّ صلاة.\nوالخلاصة: إِن التيمُّم بدل من الماء عند عدمه؛ فيباح به الصلاة وغيرها،\n_________\n(١) \"المحلّى\" (٢/ ١٧٥).\n(٢) \"المحلى\" (٢/ ١٨٠) (المسألة ٢٣٧).","vol":"1","page":245},{"text":"ويصلّي بالتيمّم الواحد ما تيسَّر له من الفرائض والنوافل، كما لا يشترط دخول الوقت فيتيمّم قبل دخول الوقت، ولا يبطل بخروج الوقت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-247>اشتراط طهارة الصعيد للمتيمّم:</span>\nلا بُدَّ من طهارة الصعيد للمتيمّم وإِنْ ضرب بيده غير طاهر لم يجْزه، لقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّموا صَعِيدًا طيبًا﴾. والنجس ليس بطيّب.\nوفي الحديث: \"جُعلت لي كلّ أرض طيبة مسجدًا وطهورًا\" (١).\nقال في \"المغني\" (١/ ٢٦٠) (٢): \"وإن كان ما ضرب بيده غير طاهر لم يجزه.\nلا نعلم في هذا خلافًا، وبه قال الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي.\nولنا قول الله تعالى: ﴿فَتَيَمَّموا صَعِيدًا طيِّبًا﴾ والنجس ليس بطيِّب، ولأن التيمُّم طهارة، فلم يَجُز بغير طاهر كالوضوء ... \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-248>جواز تيمّم جماعة من موضع واحد:</span>\nيجوز تيمّم جماعة من موضع واحد؛ لأنَّ القول بطهورية الصعيد المستعمل؛ كالقول بطهورية الماء المستعمل (٣).\n_________\n(١) أخرجه أحمد في \"مسنده\" والضياء، ورواه ابن المنذر في \"الأوسط\" (٢/ ١٢)، وابن الجارود بإِسناد صحيح عن أنس كما ذكر الحافظ في \"الفتح\" (١/ ٤٣٨) (كتاب: التيمُّم)، وقال شيخنا: إِسناده صحيح على شرط مسلم، وهو في \"الإرواء\" (١٥٢) التحقيق الثاني.\n(٢) بحذف يسير.\n(٣) تقدّم.","vol":"1","page":246},{"text":"قال في \"المغني\" (١/ ٢٦٠): \"ويجوز أن يتيمّم جماعة من موضع واحد بغير خلاف؛ كما يجوز أن يتوضّأ جماعة من حوض واحد ... \".\nإِذا كان التراب على بساط أو ثوب؛ فلا مانع من التيمُّم به، وذكر ذلك ابن خزيمة في \"صحيحه\" (١/ ١٣٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-249>صحَّة اقتداء المتوضّئ بالمتيمّم:</span>\nلحديث عمرو بن العاص -﵁- فقد أمَّ قومه بعد أن تيمّم من الجنابة كما تقدّم (١). وبه استدلَّ الشوكاني في \"نيل الأوطار\" (١/ ٣٢٥).\nوأيضًا لأنَّ التيمُّم يقوم مقام الماء مطلقًا كما تقدّم.\nوجاء في البخاري: \"وأَمَّ ابن عباس وهو متيمّم\" (٢).\nقال مالك في \"الموطأ\": \"من قام إِلى الصلاة فلم يجد ماءً فعمل بما أمره الله به من التيمُّم، فقد أطاع الله ﷿، وليس الذي وجد الماء بأطهر منه ولا أتمّ صلاة؛ لأنهما أُمِرا جميعًا؛ فكلُّ عمل بما أمره الله ﷿ به؛ وإِنّما العمل بما أمر الله تعالى به من الوضوء؛ لمن وجد الماء والتيمّم لمن لم يجد الماء قبل أن يدخل في الصلاة\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-250>عدم الإِعادة لمن صلّى بالتيمّم وإِن لم يفت الوقت:</span>\nعن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: خرج رجلان في سفر،\n_________\n(١) ذكره البخاري معلّقًا بصيغة الجزم، وقال الحافظ في \"الفتح\" (١/ ٤٤٦): \"وصله ابن أبي شيبة والبيهقي وغيرهما، وإسناده صحيح\".\n(٢) انظر الحاشية السابقة.","vol":"1","page":247},{"text":"فحضرت الصلاة وليس معهما ماء، فتيمّما صعيدًا طيبًا فصلَّيا، ثمَّ وجد الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء، ولم يُعِد الآخر، ثمَّ أتيا رسول الله - ﷺ -، فذكرا ذلك له فقال للذي لم يُعد: \"أصبْت السنّة وأجزأَتْك صلاتك\"، وقال للذي توضّأ وأعاد: \"لك الأجر مرتين\" (١).\nوهذا يُرجِّح عدم الإِعادة لقوله - ﷺ - لمن لم يُعِد، \"أصبْتَ السنّة وأجزأتك صلاتك\"، وهذا يُفهم أن الثاني قد أخطأ السنّة، وأما أجر المرتين؛ فعلى الصلاة وإِعادتها بالاجتهاد، والله أعلم.\nوبعد أن عرفْنا السُّنّة الصحيحة في هذا الأمر؛ فلا يجوز لنا أن نُخالف عنها. وفي الحديث: \"لا تُصلّوا صلاة في يوم مرتين\" (٢).\nقال في \"نيل الأوطار\" (١/ ٣٢٥) -تعليقًا على حديث عمرو بن العاص ﵁-: استدل بهذا الحديث الثوري ومالك وأبو حنيفة وابن المنذر، على أنَّ مَن تيمّم لشدة البرد وصلّى لا تجب عليه الإِعادة، لأنَّ النّبيّ - ﷺ - لم يأمره بالإِعادة، ولو كانت واجبة لأمره بها، ولأنَّه أتى بما أُمر به وقدر عليه، فأشبه سائر من يصلّي بالتيمّم ... \".\nوعن عمران قال: \"كنّا في سفَر مع النّبيّ - ﷺ - وإِنَّا أسرينا حتى كُنّا في آخر الليل؛ وقعنا وقعة ولا وقعةَ أحلى عند المسافر منها، فما أيقَظَنا إلاَّ حرّ الشمس، فذكر بعض الحديث وقال: ونودي بالصلاة فصلّى بالناس، فلما\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٢٧)، وابن السكن وغيرهما، وانظر \"المشكاة\" (٥٣٣).\n(٢) أخرجه أحمد، وغيره وإسناده حسن كما قال شيخنا في \"المشكاة\" (١١٥٧)، وصححه النووي وابن السكن، وهو في \"صحيح سنن أبي داود\" (٥٤٠).","vol":"1","page":248},{"text":"انفتل من صلاته؛ إِذا هو برجل معتزلٍ، لم يصلِّ مع القوم قال: ما منعك يا فلان أن تصلّي مع القوم؟ قال: أصابتني جنابة ولا ماء، قال: عليك بالصعيد، فإِنَّه يكفيك.\nثمَّ سار النّبيّ - ﷺ - فاشتكى إِليه الناس من العطش، فنزل فدعا فلانًا كان يُسمِّيه أبو رجاء -نسيهُ عَوْفٌ- ودعا عليًّا فقال: اذهبا فابتغيا الماء بين مزادتين (١) أو سطيحتين من ماء على بعير لها، فقالا لها: أين الماء؟ قالت: عهدي بالماء أمس هذه الساعة ونفرْنا خُلُوفًا (٢)، قالا لها: انطلقي إِذًا، قالت: إِلى أين؟ قالا: إِلى رسول الله - ﷺ -. قالت: الذي يُقال له الصَّابيُّ.\nقالا: هو الذي تعنين، فانطلقي فجاءا بها إِلى النّبيّ - ﷺ - وحدَّثاه الحديث قال: فاستنزلوها عن بعيرها ودعا النّبيّ - ﷺ - بإِناء ففُرّغ فيه من أفواه المزادتين أو سطيحتين، وأوكأ أفواههما، وأطلق العزاليَ (٣)، ونودي في الناس اسقوا واستقوا، فسقى مَن شاء واستقى مَن شاء، وكان آخر ذاك أن أعطي الذي أصابته الجنابة إِناء من ماء، قال: اذهب فأفرِغه عليك\" (٤).\n_________\n(١) المزادة: بفتح الميم: قربة كبيرة يزاد فيها جلد من غيرها، وتسمّى أيضًا السطيحة، وجاء في \"النهاية\": السطيحة من المزاد: ما كان من جلدين قوبل أحدهما بالآخر، فسُطح عليه وتكون صغيرة وكبيرة، وهي من أواني المياه.\n(٢) \" ... أي أنَّ رجالها تخلفوا لطلب الماء ... قال ابن فارس: الخالف: المستقي، ويقال أيضًا لمن أناب، ولعلّه المراد هنا، أي أنَّ رجالهما غابوا عن الحيّ\". \"فتح\".\n(٣) جمع العزلاء، وهو فم المزادة الأسفل. \"النهاية\".\n(٤) أخرجه البخاري مطولًا: ٣٤٤، وابن خزيمة مختصرًا: ٢٧١","vol":"1","page":249},{"text":"قال ابن خزيمة -بعد أن ذكَر هذا الحديث-: \"ففي هذا الخبر أيضًا دلالة على أنَّ المتيمّم إِذا صلّى بالتيمّم، ثمَّ وجد الماء فاغتسَل إِنْ كان جُنبًا أو توضّأ إِن كان مُحدِثًا -لم يجب عليه إِعادة ما صلّى بالتيمّم. إِذ النّبيّ - ﷺ - لم يأمر المصلي بالتيمّم؛ لمّا أمره بالاغتسال بإِعادة ما صلّى بالتيمّم\" (١).\nجاء في \"المحلّى\" (٢/ ١٦٥): \"وعن مالك عن نافع أنَّه أقبل مع ابن عمر من الجرف، فلما أتى المربد لم يجد ماء، فنزل فتيمّم بالصعيد، وصلّى ثمَّ لم يُعِد تلك الصلاة (٢)، وهو قول داود وأصحابنا\".\nقال ابن قدامة في \"المغني\" (١/ ٢٤٣): \"إِنْ تيمّم في أول الوقت وصلّى أجزأه؛ وإِنْ أصاب الماء في الوقت\". وأورد حديث: \"لك الأجر مرتين\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-251>شراء الماء للوضوء وعدم التيمُّم:</span>\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة، فمنهم من رأى جواز شراء الماء للوضوء، ومنهم من لم ير للنصوص المانعة من بيع الماء (٤).\nوالراجح الجواز؛ لقول الله تعالى: ﴿... فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (٥).\n\"وهذا واجبٌ فإِنَّ القدرة على ثمن العين؛ كالقدرة على العين\" (٦).\n_________\n(١) \"صحيح ابن خزيمة\" (١/ ١٣٧).\n(٢) انظر \"الموطأ\" (٤٨) رواية محمد بن الحسن الشيباني.\n(٣) تقدّم.\n(٤) منهم ابن حزم في \"المحلى\" (٢/ ١٨٢) (مسألة ٢٤١).\n(٥) النساء: ٤٣\n(٦) قاله ابن قدامة في \"المغني\" (١/ ٢٤٠).","vol":"1","page":250},{"text":"قال في \"المغني\" (١/ ٢٤٠): \"وإِنْ وجَده يباع بثمن مِثْله في موضعه أو زيادة يسيرة يقدر على ذلك؛ مع استغنائه عنه لقوَّته ومؤنة سفره لزِمَه شراؤه، وإِنْ كانت الزّيادة كثيرة تجحف بماله؛ لم يلزم شراؤه لأنَّ عليه ضررًا ... \".\nوقال لي شيخنا الألباني -حفظه الله تعالى-: \"من شأن الشخص أن يبذُل المال في الأمور الدنيوية؛ فهذا أولى\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-252>هل هناك مسافة معيَّنة في البحث عن الماء</span>؟\nلم يرِدْ في هذا نصٌّ معين، وسأَلتُ شيخنا -حفظه الله تعالى- عن ذلك فأجاب: \"إِنَّ ضابط الأمر هو الاستطاعة والقدرة وعدم خروج الوقت في البحث\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-253>مَن وجد ما يكفي بعض طهارته يستعمله ويتيمّم للباقي:</span>\nقال الله تعالى: ﴿فاتَّقُوا الله ما اسْتَطَعْتُم﴾ (١).\nوعن أبي هريرة -﵁- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"إِذا أمرْتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم\" (٢).\nقال الإِمام الشوكاني -﵀- عقب هذا الحديث في \"نيل الأوطار\" (١/ ٣٢٩): \"هذا الحديت أصْلٌ من الأصول العظيمة، وقاعدة من قواعد الدين النّافعة، وقد شهد له صريح القرآن، قال الله تعالى:\n_________\n(١) التغابن: ١٦\n(٢) أخرجه البخاري: ٧٢٨٨، ومسلم: ١٣٣٧، وغيرهما.","vol":"1","page":251},{"text":"﴿فاتَّقُوا الله ما اسْتَطَعْتُم﴾ فلك الاستدلال بالحديث على العفو عن كلّ ما خرج عن الطاقة، وعلى وجوب الإِتيان لما دَخل تحت الاستطاعة من المأمور به، وأنَّه ليس مجرَّد خروج بعضه عن الاستطاعة موجب للعفو عن جميعه.\nوقد استدلّ به المصنف على وجوب استعمال الماء الذي يكفي لبعض الطهارة وهو كذلك\".\nوفي بعض ألفاظ روايات حديث عمرو بن العاص المعروف: \"فَغَسل مغابنه وتوضّأ وضوءه للصلاة، ثمَّ صلّى بهم، فذكر نحوه، ولم يذكر التيمُّم\" (١).\nقال أبو داود: وروى هذه القصة عن الأوزاعي، عن حسّان بن عطية، قال فيه: \"فتيمّم\".\nقال في \"المغني\" (١/ ٢٦١): \"إِذا كان به قرْح أو مرض مخوف وأجنب فخشي على نفسه إِن أصاب الماء غسَلَ الصحيح من جسده، وتيمّم لما لم يُصبه الماء\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-254>الصلاة بدون وضوء أو تيمّم:</span>\nمن كان محبوسًا أو مصلوبًا وحِيل بينه وبين التراب والماء؛ فليصلِّ كما هو.\nعن عائشة -﵂-: \"أنها استعارت من أسماء قلادة فهلكت،\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٢٤)، والدارقطني وغيرهما وانظر \"الإِرواء\" (١٥٤)، وتقدم.","vol":"1","page":252},{"text":"فبعث رسول الله - ﷺ - رجلًا فوجدها، فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء، فصلَّوا، فشكَوا ذلك إِلى رسول الله - ﷺ -، فأنزل الله آية التيمُّم ... \" (١).\nقال البخاري -﵀- (باب إِذا لم يجد ماءً ولا تُرابًا) (٢)، وأورد حديث عائشة -﵂-.\nقال ابن رشيد تعليقًا على تبويب البخاري السابق: \"كأنّ المصنف نزَّل فقْد شرعيَّة التيمُّم منزلة فقد التراب بعد شرعيَّة التيمُّم، فكانَّه يقول: حُكْمهم في عدم المطهّر -الذي هو الماء خاصّة- كحكمنا في عدم المطهّرَيْن: الماء والتراب، وبهذا تظهر مناسبة الحديث للترجمة؛ لأنَّ الحديث ليس فيه أنّهم فقدوا التراب، وإِنّما فيه أنّهم فقدوا الماء فقط؛ ففيه دليل على وجوب الصلاة لفاقد الطهورَين، ووجهُهُ أنّهم صلَّوا معتقدين وجوب ذلك، ولو كانت الصلاة حينئذ ممنوعة لأنكر عليهم النّبيّ - ﷺ -، وبهذا قال الشافعي وأحمد وجمهور المحدِّثين وأكثر أصحاب مالك ... \" (٣).\nقال ابن حزم في \"المحلّى\" (٢/ ١٨٨): \"ومن كان محبوسًا في حضر أو سفر بحيث لا يجد ترابًا ولا ماء، أو كان مصلوبًا وجاءت الصلاة -فليصلِّ كما هو، وصلاته تامّة ولا يعيدها- سواءٌ وُجد الماء في الوقت أو لم يجده إلاَّ\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٣٣٦، ومسلم: ٣٦٧، وغيرهما، وتقدّم.\n(٢) انظر \"صحيح البخارى\" (١/ ٩٢).\n(٣) انظر \"الفتح\" (١/ ٤٤٠).","vol":"1","page":253},{"text":"بعد الوقت\".\nبرهان ذلك قول الله تعالى: ﴿فاتَّقُوا الله ما اسْتَطَعْتُم﴾ (١).\nوقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وسْعَها﴾ (٢)، وقول رسول الله - ﷺ -: \"إذا أمرتكم بأمر فأْتوا منه ما استطعتم\" (٣)، وقوله تعالى: ﴿وقد فَصَّل لكم ما حرَّم عليكُم إِلاَّ ما اضطررتم إِليه﴾ (٤).\nفصحّ بهذه النصوص أنَّه لا يلزمنا من الشرائع إِلا ما استطعنا، وأنَّ ما لم نستطعه فساقطٌ عنّا. وصحّ أنَّ الله تعالى حرّم علينا ترك الوضوء أو التيمُّم للصلاة؛ إلاَّ أن نضطرَّ إِليه، والممنوع من الماء والتراب مضطرٌّ إِلى ما حُرّم عليه من ترْك التطهُّر بالماء أو التراب، فسقط عنّا تحريم ذلك عليه، وهو قادر على الصلاة بتوفيتها أحكامها وبالإِيمان، فبقي عليه ما قَدِر عليه، فإِذا صلّى كما ذكَرنا، فقد صلّى كما أمَره الله تعالى، ومن صلّى كما أمره الله تعالى؛ فلا شيء عليه ... \".\nوجاء في \"المنتقى\" (١/ ٢٣٧): (باب الصلاة بغير ماء ولا تراب عند الضرورة) وأورد الحديث نفسه.\n_________\n(١) التغابن: ١٦\n(٢) البقرة: ٢٨٦\n(٣) أخرجه البخاري: ٧٢٨٨، ومسلم: ١٣٣٧، وغيرهما، وتقدّم.\n(٤) الأنعام: ١١٩","vol":"1","page":254},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-255>هل يتيمّم إِذا كان قادرًا على استعمال الماء، وخشي خروج الوقت باستعماله</span>؟\nقال شيخنا في الردِّ على الشيخ السيد سابق -حفظهما الله تعالى-: \"والذي يتبيَّن لي خلافه (١)، وذلك لأنَّه من الثابت في الشريعة أنَّ التيمُّم إِنّما يشرع عند عدم وجود الماء بنصِّ القرآن الكريم، وتوسَّعت في ذلك السنّة المطهرة فأجازَتْه لمرض أو برد شديد كما ذكَره المؤلّف، فأين الدليل على جوازه مع قدرته على استعمال الماء؟\nفإِن قيل: هو خشية خروج الوقت، قلتُ: هذا وحده لا يصلُح دليلًا، لأنَّ هذا الذي خشي خروج الوقت له حالتان لا ثالث لهما: إِمّا أن يكون ضاق عليه الوقت بكسبه وتكاسُله، أو بسببٍ لا يملكه مِثل النَّوم والنسيان، ففي هذه الحالة الثانية؛ فالوقت يبتدئ من حين الاستيقاظ أو التذكُّر بقدر ما يتمكن من أداء الصلاة فيه كما أُمِر، بدليل قوله - ﷺ - \"من نسي صلاة أو نام عنها فكفَّارتها أن يصلِّيها إِذا ذكرها\". أخرجه الشيخان وغيرهما واللفظ لمسلم، فقد جعل الشارع الحكيم لهذا المعذور وقتًا خاصًّا به، فهو إِذا صلّى كما أمر، يستعمل الماء لغسله أو وضوئه، فليس يخشى عليه خروج الوقت، فثبَت أنّه لا يجوز له أن يتيمّم، وهو اختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية كما في \"الاختيارات\" (ص١٢)، وذكَر في \"المسائل الماردينية\" (ص ٦٥) أنَّه مذهب الجمهور.\nوأمّا في الحالة الأولى؛ فمن المسلَّم أنَّه في الأصل مأمور باستعمال الماء\n_________\n(١) أي: أنَه لا يجوز التيمّم؛ لأن الشيخ السيد سابق -حفظه الله- يرى جواز ذلك، كما في \"فقه السنّة\" (١/ ٧٩).","vol":"1","page":255},{"text":"وأنه لا يتيمّم، فكذلك يجب عليه في هذه الحالة أن يستعمل الماء، فإِنْ أدرك الصلاة فبها، وإِنْ فاتته فلا يلومنّ إلاَّ نفسه، لأنَّه هو الذي سعى إِلى هذه النتيجة.\nهذا هو الذي اطمأنّت إِليه نفسي، وانشرح له صدري، وإِنْ كان شيخ الإِسلام وغيره قالوا: إِنّه يتيمّم ويصلِّي (١)، والله أعلم.\nثمَّ رأيت الشوكاني كأنّه مال إِلى هذا الذي ذكَرته فراجع \"السيل الجرّار\" (١/ ١٢٦ - ١٢٧) \" (٢) انتهى.\nقلت: قال الشوكاني -﵀- في \"الدراري المضيّة\" (١/ ٨٦):\n\"وأمّا ما قيل من أنّ فوات الصلاة باستعمال الماء وإِدراكها بالتيمّم سبب من أسباب التيمُّم؛ فليس على ذلك دليل؛ بل الواجب استعمال الماء، وهو إِن كان تراخيه عن تأدية الصلاة إِلى ذلك الوقت لعذر مسوغ للتأخير كالنوم والسهو ونحوهما؛ فلم يوجب الله تعالى عليه إِلا تأدية الصلاة في ذلك الوقت بالطهور الذي أوجبه الله تعالى عليه، وإِن كان التراخي لا لعذر إِلى وقت لو استعمل الوضوء فيه؛ لخرج الوقت فعليه الوضوء، وقد باء بإِثم المعصية\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-256>هل يُكره لعادم الماء جماع زوجته</span>؟\nلا يُكره ذلك لقول أبي ذرّ للنّبيّ - ﷺ -: \"كنت أعزُب (٣) عن الماء، ومعي\n_________\n(١) قد سبق قوله -﵀- في \"الاختيارات\"، ولكنّه في عدة مواطن من \"الفتاوى\" رجَّح الرأي الآخر.\n(٢) انظر \"تمام المنَّة\" (١٣٢، ١٣٣).\n(٣) أي: أُبعِد. \"النهاية\".","vol":"1","page":256},{"text":"أهلي؛ فتصيبني الجنابة، فأصلّي بغير طهور، فأتيت رسول الله - ﷺ - بنصف النهار وهو في رهطٍ من أصحابه، وهو في ظلِّ المسجد، فقال: أبو ذرّ؟ فقلت: نعم، هلكْتُ يا رسول الله، قال: وما أهلكك؟ قلت: إِنّي كنتُ أعزب عن الماء، ومعي أهلي فتصيبني جنابة، فأصلّي بغير طهور.\nفأمر لي رسول الله - ﷺ - بماء، فجاءت به جارية سوداء بعُس (١) يتخضخض ما هو بملآن، فتستَّرْتُ إِلى بعيري فاغتسلْت، ثمَّ جئتُ، فقال رسول الله - ﷺ -: يا أبا ذر إِنَّ الصعيد الطيّب طَهور، وإِن لم تجد الماء إِلى عشر سنين، فإذا وجدْتَ الماء فأمسَّه جِلدك\" (٢).\nوروي عن ابن عبّاس في الرجل يكون مع أهله في السفر وليس معهم ماء؛ فلم ير بأسًا أن يغشى أهله ويتيمّم (٣).\nقال ابن المنذر -﵀-: \"وبهذا القول نقول؛ لأنَّ الله تعالى أباح وطي الزوجة وملك اليمين، فما أباح فهو على الإِباحة، لا يجوز حظْر ذلك ولا المنع منه إلاَّ بسنّةٍ أو إِجماع، والممنوع منه: حال الحيض والإِحرام والصيام،\n_________\n(١) العُسّ: القدح الكبير وجمعه عِساس وأعساس. \"النهاية\".\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٢٢) وأحمد والترمذي، وانظر \"المشكاة\" (٥٣٠)، والشطر الأخير منه تقدم تخريجه.\nقال في \"نيل الأوطار\" (١/ ٣٢٦): \"وذِكْر العشر سنين لا يدّل على عدم جواز الاكتفاء بالماء بعدها؛ لأنَّ ذِكرها لم يُرَد به التقييد، بل المبالغة؛ لأن الغالب عدم فُقدان الماء وكثرة وجدانه لشدة الحاجة إِليه، فعدَمُ وجدانه إنِّما يكون يومًا أو لبعض يوم.\n(٣) \"الأوسط\" (٢/ ١٧).","vol":"1","page":257},{"text":"وحال المظاهر قبل أن يكفّر، وما وقع بتحريم الوطي منه بحجَّة، فأمّا كل مختلف فيه في ذلك، فمردود إِلى أصل إِباحة الكتاب الوطي، قال الله تعالى: ﴿فإِذا تَطَهَّرنَ فَأْتُوهنَّ من حَيْثُ أَمَرَكم الله﴾ (١).\nوقد جعل التيمُّم طهارة لمن لم يجد الماء، ولا فرق بين من صلّى بوضوء عند وجود الماء، وبين من صلّى بتيمّم حيث لا يجد الماء؛ إِذ كلٌّ مؤدِ ممَّا فُرضَ عليه\" (٢).\nقال ابن حزم -﵀- في \"المحلّى\" (٢/ ١٩٢) (مسألة ٢٤٧): \"ومن كان في سفر ولا ماء معه، وكان مريضًا يشقّ عليه استعمال الماء؛ فله أن يُقبِّل زوجته ويطأها، وهو قول ابن عباس وجابر بن زيد والحسن البصري وسعيد بن المسيب، وقتادة وسفيان الثوري والأوزاعي وأبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وإِسحاق وداود وجمهور أصحاب الحديث\". وذكَر أقوالًا وتفصيلات أخرى لبعض السلف.\nوبوَّب لذلك أبو البركات -﵀- في \"منتقى الأخبار\" (١/ ٣٢٥): (باب الرُّخصة في الجماع لعادم الماء) وذكر حديث أبي ذر -﵁-.\nقال لي شيخنا -حفظه الله تعالى- بعد إِيراد حديث أبي ذر -﵁- فقوله - ﷺ -: \"وإِن لم تجد الماء إِلى عشر سنين\"؛ يُفهِم أنَّه لا يمكن\n_________\n(١) البقرة: ٢٢٢.\n(٢) \"الأوسط\" (٢/ ١٧).","vol":"1","page":258},{"text":"أن يترك جِماعها في هذه المدّة؛ فلمن لم يجد الماء في غير سفر أن يجامع أهله فيتيمّم\".","vol":"1","page":259},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-257><span data-type=\"title\" id=toc-258>الحيض </span>والنِّفاس</span>\nالحيض\nتعريفه: الحيض: \"دم يرخيه الرّحم، إِذا بَلَغت المرأة، ثمَّ يعتادها في أوقاتٍ معلومة\" (١).\nجاء في \"حلية الفقهاء\" (ص٦٣): \"الحيض: نزول دم المرأة لوقتها المعتاد، ومن العرب من تُسمِّي الحائض النّفساءَ، وإِنَّما سُمِّيت بذلك لسيلان (٢) النَّفْس، والدَّم يُسمَّى نَفْسًا\".\nقال الشاعر:\nتسيلُ على حدِّ الظبات (٣) نفوسُنا ... وليست على غير السيوف تَسيلُ.\nوقته:\n\"ليس في السنَّة تحديد لسنِّ البنت التي تحيض، وينبغي أن يُنظر إِلى\n_________\n(١) \"المغني\" (١/ ٣١٣)، وانظر ما جاء في \"الفتح\"، و\"المحلى\" (٢/ ٢٢٠) و\"المجموع\" (٣/ ٣٤٢).\n(٢) والحيض أصْله السَّيلان، قال في \"القاموس\": \"حاضت المرأة تحيض حيضًا ومحيضًا ومحاضًا؛ فهي حائض، وحائضة: سال دمها، والمحيض: اسم ومصدر، ومنه الحوض؛ لأنَّ الماء يسيل إليه\".\n(٣) مفرد الظُّبّة: وهو حدُّ السيف والسنان والخنجر وما أشبههما. وانظر \"الوسيط\".","vol":"1","page":260},{"text":"صفة دم الحيض الطارئ، لا سيَّما أنَّ ربط حُكم شرعيّ بسنَة مُعيَّنة؛ قد لا يكون ربطًا بمعروف محدود.\nوهناك عائلات كثيرة لا تُسجِّل في الذِّهن أو الورق سَنَة الولادة أو الوفاة، فقد لا تعلم البنت أو الأمّ كم مضى من عمُرها، فليس من المعقول أن يأتي الشرع بشيء لا يُمكن، وقد قال عليه الصلاة السلام: \"إذا كان دم الحيض فإِنَّه أسود يُعرَِف (١) \" (٢).\nوإِلى هذا ذهب الدارمي وغيره، فقد قال بعد ذكر الاختلافات: \"كل هذا عندي خطأ؛ لأن المرجع في جميع ذلك إِلى الوجود (٣)، فأيّ قَدْر وُجد في أيّ حال وسنّ، كان وجب جعله حيضًا، والله أعلم\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-259>لونه:</span>\nأ- السواد: لحديث فاطمة بنت حبيش -﵂- أنَّها كانت تُستحاض، فقال لها رسول الله - ﷺ -: \"إِذا كان دم الحيض؛ فإِنَّه أسود يُعرَف؛ فأمسِكي عن الصَّلاة، فإِذا كان الآخر؛ فتوضّئي إِنما هو عرْق\" (٥).\n_________\n(١) سيأتي تخريجه بعد سطور -إِن شاء الله-.\n(٢) قاله لي شيخنا -حفظه الله تعالى-.\n(٣) أي: وجود الدم.\n(٤) \"المجموع شرح المهذّب\" (٢/ ٢٧٤). ونقله عنه الشيخ ابن عثيمين -حفظه الله- في كتابه \"الدماء الطبيعية للنساء\" (ص ٦).\n(٥) أخرجه أبو داود: ٢٨٦، \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٦٣)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٣٥٠) والطحاوي في \"مشكل الآثار\" والدارقطني والحاكم =","vol":"1","page":261},{"text":"قال في \"نيل الأوطار\" (١/ ٣٤٢): \"والحديث فيه دلالة على أنَّه يعتبر التمييز بصفة الدَّم، فإِذا كان متصفًا بصفة السواد فهو حيض، وإلاَّ فهو استحاضة\". وبه يقول الشافعي -﵀- وغيره في حقِّ المبتدئة.\nب- الحُمرة.\nبر- الصُّفرة: \"وهو الماء الذي تراه المرأة كالصديد يعلوه اصفرار\" (١).\nد- الكُدرة: \"وهو ما كان لونه ينحو نحو السَّواد\" (٢)، لحديث علقمة بن أبي علقمة عن أمِّه (٣) مولاة عائشة -﵂- أنَّها قالت: كان النِّساء يبعَثن إِلى عائشة أمّ المؤمنين بالدِّرَجَة (٤) فيها الكُرسف (٥)، فيه الصُّفرة من دم الحيض، يسألنها عن الصَّلاة، فتقول لهنَّ: لا تعجَلْن حتى ترَيْن القصَّة (٦) البيضاء -تريد بذلك الطُّهر من الحيضة-\" (٧).\n_________\n= والبيهقي، وحسّنه شيخنا في \"الإِرواء\" (٢٠٤).\n(١) قاله الحافظ في \"الفتح\" (١/ ٤٢٦).\n(٢) \"المعجم الوسيط\".\n(٣) انظر ما ذكَره شيخنا في \"الإرواء\" (١/ ٢١٩): حول أمّ علقمة.\n(٤) الدِّرَجَة؛ بكسر الدال وفتح الراء، جمع دُرْج: وهو السَّفط الصغير تضع فيه المرأة خِفَّ متاعها وطيبها، وقيل: إِنّما هو الدُّرَجَة تأنيث دُرْج ... \"النهاية\".\n(٥) القطن.\n(٦) هو أن تخرج القطنة أو الخرقة التي تحشي بها الحائض، كأنَّها قصَّة بيضاء لا يخالطها صُفرة. وقيل: القصة شيء كالخيط الأبيض، يخرج بعد انقطاع الدّم كله. \"النهاية\".\n(٧) أخرجه مالك وعلّقه البخاري، وصححه شيخنا -حفظه الله- في \"الإرواء\" (١٩٨).","vol":"1","page":262},{"text":"ومن طريق أخرى عن مولاة عائشة -﵂- أيضًا بلفظ: \"قالت: إِذا رأتِ الدَّم فلتُمسكْ عن الصَّلاة حتى تَرى الطُّهر أبيض كالفضَّة، ثمَّ تَسُلّ وتُصلّي\" (١).\nوالكدرة والصفرة لا تكون حيضًا إلاَّ في أيام الحيض، وفي غير ذلك لا تُعدّ حيضًا؛ لحديث أمّ عطيّة \"كنَّا لا نعُد الصُّفرة والكُدرة بعد الطُّهر شيئًا\" (٢). فإِنَّه يدلّ بطريق المفهوم أنَّهنَّ كنَّ يعدُدْن ذلك قبل الطهر حيضًا.\nقال شيخنا في \"تمام المنَّة في التعليق على فقه السنَّة\" (ص ١٣٦): \"والحديث (٣) وإِن كان موقوفًا؛ فله حُكم المرفوع (٤) لوجوه، أقواها أنَّه يشهد له مفهوم حديث أمّ عطيَّة المذكور في الكتاب (٥) عقب هذا بلفظ: \"كنَّا لا نعدُّ الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئًا\"، فإنَّه يدلّ بطريق المفهوم أنَّهنَّ كنَّ يعتبرن ذلك قبل الطهر حيضًا، وهو مذهب الجمهور؛ كما قال الشوكاني.\n_________\n(١) أخرجه الدارمي: (١/ ٢١٤) وإسناده حسن، وانظر \"الإِرواء\" (١/ ٢١٩).\n(٢) أخرجه أبو داود: (٣٠٧)، \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٠٠) والدارمي، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٥٢٩)، والحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي وشيخنا في \"الإرواء\" (١٩٩)، ورواه غيرهم أيضًا، وأخرجه البخاري: ٣٢٦، ولم يذكر \"بعد الطهر\".\n(٣) أي: حديث: \"كانت النساء يبعَثن إِلى عائشة بالدِّرجة فيها الكُرسف ... \".\n(٤) قال في \"سبُل السلام\" (١/ ١٨٦): \" (كُنَّا) له حُكم الرفع إِلى النّبيّ - ﷺ -؛ لأن المراد: كنا في زمانه - ﷺ - مع عِلمه؛ فيكون تقريرًا منه، وهذا رأْي البخاري وغيره من علماء الحديث؛ فيكون حُجَّة\".\n(٥) أي: \"فقه السنة\".","vol":"1","page":263},{"text":"وكنتُ قديمًا أرى أنَّ الحيض هو الدَّم الأسود فقط، لظاهر حديث فاطمة بنت حبيش -﵂- المذكور في الكتاب، ثمَّ بدا لي وأنا أكتب هذه التعليقات؛ أنَّ الحقَّ ما ذكَره السيد سابق: أنَّه الحُمرة والصُّفرة والكُدرة أيضًا قبل الطهر؛ لهذا الحديث وشاهده، وبدا لي أيضًا أنَّه لا يعارضهما حديث فاطمة؛ لأنه وارد في دم الاستحاضة التي اختلط عليها دم الحيض بدم الاستحاضة، فهي تُميِّز بين دم الاستحاضة ودم الحيض بالسَّواد، فإِذا رأته تركَت الصَّلاة، وإِذا رأت غيره صلَّت، ولا يَحتَمل الحديث غير هذا، والله أعلم\".\nوجاء في \"المحلّى\"، (٢/ ٢٢٩): \"وقال أبو حنيفة وسفيان الثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد وإِسحاق وعبد الرحمن بن مهدي: الصّفرة والكُدرة في أيّام الحيض حيض، وليست في غير أيّام الحيض حيضًا.\nوقال اللَّيث بن سعد: الدَّم والصُّفرة والكُدرة في غير أيام الحيض ليس شيء من ذلك حيضًا، وكلّ ذلك في أيام الحيض حيض\".\nجاء في \"المغني\" (١/ ٣٤٩): \"والصُّفرة والكُدرة في أيَّام الحيض من الحيض؛ يعني إِذا رأت في أيام عادتها صُفرة أو كُدرة فهو حيض، وإنْ رأته بعد أيام حيضها لم يُعتدَّ به؛ نصَّ عليه أحمد وبه قال يحيى الأنصاري وربيعة ومالك والثوري والأوزاعي وعبد الرحمن بن مهدي والشافعي وإسحاق\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-260>مدَّته:</span>\nاختلف العلماء في أقلِّه وأكثره، فمِن قائل: أقلّ الحيض يوم وليلة وأكثره خمسة عشر يومًا، وقد رُوي هذا عن عطاء بن أبي رباح وأبي ثور، وروي عن","vol":"1","page":264},{"text":"أحمد أنَّ أقلَّه يوم، وأنَّ أكثره سبعة عشر (١).\nقال الحافظ في \"الفتح\" (١/ ٤٢٥): \"اختلف العلماء في أقلّ الحيض وأقلّ الطهر، ونقل الداودي أنَّهم اتفقوا على أنَّ أكثره خمسة عشر يومًا، وقال أبو حنيفة: لا يجتمع أقل الطُّهر وأقلّ الحيض معًا، فأقل ما تنقضي به العدَّة عنده ستون يومًا، وقال صاحباه: تنقضي في تسعة وثلاثين يومًا؛ بناءً على أنَّ أقلَّ الحيض ثلاثة أيام، وأنَّ أقل الطّهر خمسة عشر يومًا، وأنَّ المراد بالقُرء الحيض، وهو قول الثوري، وقال الشافعي: القُرء: الطُّهر، وأقله خمسة عشر يومًا، وأقل الحيض يوم وليلة ... \".\n\"ويُذكر عن عليّ وشُريح (٢) إِن امرأة جاءت ببيّنة من بطانة أهلها، ممّن\nيُرضى دينُه أنَّها حاضت ثلاثًا في شهر صُدِّقت.\nوقال عطاء (٣): الحيض يومٌ إِلى خمسَ عشرة\".\n_________\n(١) انظر \"الشرح الكبير\" (١/ ٣٢٠).\n(٢) قال شيخنا في \"المختصر\" (١/ ٩١): \"وصله الدارمي (١/ ٢١٢ - ٢١٣) بسندٍ صحيح عنهما به نحوه، وفيه قصَّة\". وسياق هذه القصّة ما رواه الشعبي أنَّه \"جاءت امرأة إِلى عليّ تُخاصِم زوجها طلقها، فقالت: حِضت في شهر ثلاث حِيَض، تطهر عند كلِّ قرء، وتصلّي جاز لها، وإلاَّ فلا، قال علي: قالون\".\nقال الحافظ (١/ ٤٢٥): قال \"وقالون بلسان الروم: أحسنت، فهذا ظاهر في أنَّ المراد أن يشهد له بأنَّ ذلك وقع منها\".\n(٣) قال الحافظ (١/ ٤٢٥): وصله الدارمي بإِسناد صحيح، قال: أقصى الحيض خمس عشرة، وأدنى الحيض يوم\".\nوقال شيخنا في \"المختصر\" (١/ ٩١): وصله الدارمي (١/ ٢١٠ - ٢١١) مفرّقًا =","vol":"1","page":265},{"text":"والحقّ أنَّه لم يأتِ في تحديد مدّة الحيض ما ينهض للاحتجاج، وتحديد ذلك يعود للمرأة، ويكون على حالات، كما سيأتي قريبًا -إِن شاء الله تعالى-.\nقال في \"المغني\" (١/ ٣٢١): \"ولنا أنَّه ورد في الشرع مطلقًا من غير تحديد، ولا حدَّ له في اللغة ولا في الشريعة؛ فيجب الرّجوع فيه إِلى العُرف والعادة ... \".\nثمَّ ذكر حالات نادرة عن علماء السلف في الحيض والطهر.\nثمَّ قال: \" ... وقولهنَّ يجب الرجوع إِليه لقوله تعالى: ﴿ولا يحلّ لهنَّ أن يكتُمن ما خَلَقَ الله في أرحامهنَّ﴾ (١) فلولا أنَّ قولهنَّ مقبول ما حرَّم عليهنَّ الكِتمَان، وجرى ذلك مجرى قوله: ﴿ولا تكتموا الشَّهادة﴾ (٢) ... \".\nقال الحافظ في \"الفتح\" (١/ ٤٢٥) بعد إِيراد قوله تعالى: ﴿ولا يحلّ لهنَّ أن يكتُمن ما خَلَقَ اللهُ في أرحامهنَّ﴾: \"وقد روى الطبري بإِسناد صحيح عن الزُّهري قال: بلغنا أنَّ المراد بما خلق الله في أرحامهن: الحمل والحيض؛ فلا يحلّ لهنَّ أن يكتمن ذلك لتنقضي العدَّة، ولا يملك الزوج الرجعة إِذا كانت له.\nوروى أيضًا بإِسناد حسن عن ابن عمر قال: \"لا يحلّ لها إِنْ كانت حائضًا أن تكتم حَيْضتها، ولا إِن كانت حاملًا أن تكتم حَمْلَها\".\n_________\n= نحوه، وسند \"اليوم\" حسن، وسند الباقي صحيح.\n(١) البقرة: ٢٢٨\n(٢) البقرة: ٢٨٣","vol":"1","page":266},{"text":"ومطابقة الترجمة للآية؛ من جهة أنَّ الآية دالَّة على أنَّها يجب عليها الإِظهار، فلو لم تُصدَّقْ فيه لم يكن فيه فائدة.\nقال معتمر عن أبيه: سألتُ ابنَ سيرين عن المرأة ترى الدَّم بعد قُرئها بخمسة أيّام؟ قال: النِّساء أعلم بذلك\" (١).\n_________\n(١) ذكر الحافظ في \"الفتح\" (١/ ٤٢٥) وَصْل الدارمي له وصحح شيخنا إِسناده في \"المختصر\" (١/ ٩١).","vol":"1","page":267},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-261>النِّفاس</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-262>تعريفه:</span>\nهو سيلان الدَّم من رَحِم المرأة بسبب الولادة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-263>مدَّته:</span>\nأكثره أربعون يومًا لحديث أمّ سلمة -﵂- قالت: \"كانت المرأة من نساء النّبيّ - ﷺ - تقعد في النِّفاس أربعين ليلة؛ لا يأمرها النّبيّ - ﷺ - بقضاء صلاة النِّفاس\" (٢).\nوعنها بلفظ: \"كانت النفساء على عهد رسول الله - ﷺ - تقعد بعد نفاسها أربعين يومًا، أو أربعين ليلة ... \" (٣).\nقال أبو عيسى الترمذي: \"أجمع أهل العلم من أصحاب النّبيّ - ﷺ - والتابعين ومن بعدهم، على أنَّ النُّفساء تَدَعُ الصَّلاة أربعين يومًا؛ إِلا أن ترى\n_________\n(١) مضى في (باب الحيض)،\" ... سُمِّيت بذلك لسيلان النّفس، والدم يُسمى نفْسًا\".\nجاء فى \"كفاية الأخيار\" (١/ ٧٥): وفي اصطلاح الفقهاء ... ويسمّى هذا الدّم نفاسًا؛ لأنَّه يخرج عَقِب نفَس.\n(٢) أخرجه أبو داود والحاكم، وصحح النووي إِسناده في \"المجموع\"، ووافقه الذهبي، وحسَّن شيخنا إِسناده في \"الإرواء\" (٢٠١).\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٠٤)، والترمذي والدارمي وابن ماجه والدارقطني والحاكم والبيهقي وأحمد، وهو في \"الإرواء\" (٢٠١).","vol":"1","page":268},{"text":"الطُّهر قبل ذلك؛ فإِنَّها تغتسل وتصلّي، فإِذا رأت الدَّم بعد الأربعين؛ فإِنَّ أكثر أهل العلم قالوا لا تدَع الصَّلاة بعد الأربعين، وهو قول أكثر الفقهاء، وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإِسحاق\".\nوقال أبو عبيد: \"وعلى هذا جماعة النَّاس، وروي هذا عن عمرو بن عباس وعثمان بن أبي العاص وعائذ بن عمرو وأنس وأمّ سلمة -﵃- وبه قال الثوري وإسحاق وأصحاب الرأي ... \" (١).\nوليس لأقلّه حدٌّ؛ أي وقت رأت الطُّهر اغتسلت وهي طاهر. وبهذا قال الثوري والشافعي.\nوقال مالك والأوزاعي وأبو عبيد: \"إِذا لم ترَ دمًا تغتسل وتصلّي\".\nقال في \"المغني\" (١/ ٣٥٩): \"ولنا أنَّه لم يَرِد في الشرع تحديده؛ فيرجع فيه إِلى الوجود، وقد وُجد قليلًا وكثيرًا ... \".\nقال لي شيخنا -حفظه الله تعالى-: \"تمكُث المرأة أربعين يومًا نفساء، وإذا استمرَّ الدَّم بعد ذلك تُعدّ مستحاضة، وإذا طهُرت قبل الأربعين؛ فقد طهُرت إِذا رأت القصَّة البيضاء؛ كما هو معروف بالحيض\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-264>حُكم النفاس حُكم الحيض في كلّ شيء</span>\nقال في \"المحلّى\" (مسألة ٢٦١): \"ودم النفاس يمنع ما يمنع منه دم الحيض؛ هذا لا خلاف فيه عن أحد ...\nوحكمه حُكم الحيض في كلّ شيء، لقولِ رسول الله - ﷺ - لعائشة:\n_________\n(١) \"المغني\" (١/ ٣٥٨).","vol":"1","page":269},{"text":"\"أنَفِسْتِ؟ قالت: نعم\"، فسمَّى الحيض نفاسًا؛ وكذلك الغُسل منه واجب بإِجماع\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-265>ما يحرُم على الحائض والنّفساء</span>\n١ - الصّلاة (١): وتقدَّم حديث أمّ سلمة -﵂- في ذلك، وفي حديث فاطمة بنت حبيش: \" ... فإِذا أقبلَت الحيضة فاتركي الصَّلاة\".\n٢ - الطَّواف: لقوله - ﷺ - لعائشة -﵂- حين حاضت: \"هذا\nشيء كَتَبَه الله على بنات آدم، افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري\" (٢).\nقال في \"سبل السلام\" (١/ ١٩٠): \"وفيه دليل على أنَّ الحائض يصحّ منها جميع أفعال الحج غير الطواف بالبيت، وهو مُجمَع عليه\".\n٣ - الصَّوم (٣): لحديث أبي سعيد الخُدريّ -﵁- قال: \" خرج رسول الله - ﷺ - في أضحى -أو في فطرٍ - إِلى المصلّى، فمرّ على النساء فقال: يا معشر النَّساء تصدَّقن، فإِني أُريتكنَّ أكثر أهل النَّار،\n_________\n(١) انظر \"المنتقى\" (باب الحائض لا تصوم ولا تصلي وتقضي الصوم دون الصلاة)، \"نيل الأوطار\" (١/ ٣٥٣) وأيضًا (باب سقوط الصلاة عن النفساء) (١/ ٣٥٩).\nوقال في \"سبل السلام\" (١/ ١٨٩) بعد حديث أبي سعيد: \"وهو إِخبار يفيد تقريرها على ترك الصوم والصلاة، وكونهما لا يجِبان عليها، وهو إِجماع في أنهما لا يجِبان حال الحيض، ويجب قضاء الصوم لأدلة أُخر\".\n(٢) أخرجه البخاري: ٣٠٥، ومسلم: ١٢١١\n(٣) انظر الحاشية المتقدمة في التعليق على الأمر الأول \"الصلاة\".","vol":"1","page":270},{"text":"فقلن: وبمَ يا رسول الله؟ قال: تُكثرن اللّعنَ وتكفُرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقْل ودين أذهب لِلُبّ الرجل الحازم من إِحداكنّ، قُلن: وما نقصان ديننا وعقْلنا يا رسول الله؟ قال: أليس شهادة المرأة مِثل نصف شهادة الرجل؟ قلن: بلى. قال: فذلك من نقصان عَقْلها، أليس إِذا حاضت لم تصلِّ ولم تصُم؟ قلن: بلى. قال: فذلك من نقصان دينها\" (١).\nقال في \"نيل الأوطار\" (١/ ٣٥٤): \"نقلَ ابن المنذر والنووي وغيرهما إِجماع المسلمين؛ على أنَّه لا يجب على الحائض قضاء الصَّلاة، ويجب عليها قضاء الصيام ... \".\nوقال النووي -رحمه الله تعالى- في \"المجموع\" (٢/ ٣٥١): \"ونقل الترمذي وابن المنذر وابن جرير وآخرون الإِجماع؛ أنَّها لا تقضي الصَّلاة وتقضي الصوم ... \".\nوقال -﵀- أيضًا في \"المجموع\" (٢/ ٣٥١): \"قال أبو جعفر في كتابه \"اختلاف الفقهاء\": أجمعوا على أنَّ عليها اجتناب كلّ الصلوات فرْضها ونفلها، واجتناب جميع الصيام فرضه ونفله، واجتناب الطواف فرضه ونفله، وإنها إِن صلَّت أو صامت أو طافت؛ لم يجزها ذلك عن فرضٍ كان عليها\".\n٤ - الوطء: قال الله تعالى: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذىً\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٣٠٤، ومسلم: ٧٩","vol":"1","page":271},{"text":"فاعتزلوا النِّساء في المحيض ولا تقربوهنَّ حتى يطُهُرن فإِذا تطهَّرن فأتوهنَّ من حيث أمَركُم الله إِنَّ الله يُحبّ التَّوابين ويحبّ المتطهرين﴾ (١).\nعن أبي هريرة -﵁- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"من أتى حائضًا أو امرأة في دُبُرها، أو كاهنًا فصدَّقه بما يقول؛ فقد كفَر بما أُنزل على محمَّد\" (٢).\nوعن أنس بن مالك -﵁-: \"أنَّ اليهود كانوا إِذا حاضت المرأة فيهم؛ لم يُؤاكلوها ولم يجامعوهنّ (٣) في البيوت، فسأل أصحاب النّبيّ - ﷺ -؟ فأنزل الله تعالى: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذىً فاعتزلوا النِّساء في المحيض ...﴾ إِلى آخر الآية\".\nفقال رسول الله - ﷺ -: \"اصنعوا كلّ شيء إلاَّ النّكاح\".\nفبلغ ذلك اليهود فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدَع من أمرنا شيئًا إلاَّ خالفَنا فيه\" (٤).\nقال في \"المحلّى\" (٢/ ٢٢٠): \"أمَّا امتناع الصَّلاة، والصوم، والطواف، والوطء في الفرج في حال الحيض؛ فإِجماع متيقّن مقطوع به، لا خلاف بين\n_________\n(١) البقرة: ٢٢٢\n(٢) انظر \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٣٠٤)، و\"صحيح سنن ابن ماجه\" (٥٢٢)، و\"صحيح سنن الترمذي\" (١١٦) وانظر \"آداب الزفاف\" (١٠٥).\n(٣) أي: لم يخالطوهنّ ولم يساكنوهنّ في بيت واحد. \"النووي\".\n(٤) أخرجه مسلم: ٣٠٢، وغيره.","vol":"1","page":272},{"text":"أحدٍ من أهل الإِسلام فيه\".\nوقال شيخ الإِسلام -﵀- في \"الفتاوى\" (٢١/ ٦٢٤): \"وطء الحائض لا يجوز باتّفاق الأئمّة ... \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-266>ما يحلُّ للرجل من الحائض</span>\n\"يجوز التمتع بما دون الفرج من الحائض، وفيه أحاديث:\nالأول: قوله - ﷺ -: \" ... واصنعوا كلّ شيء إلاَّ النكاح (١) \" (٢). الثاني: عن عائشة -﵂- قالت: \"كان رسول الله - ﷺ - يأمر إِحدانا إِذا كانت حائضًا أن تتَّزر، ثمَّ يُضاجعها زوجها، وقالت مرَّة: يباشرها (٣) \" (٤).\nالثالث: عن بعض أزواج النّبيّ - ﷺ - قالت: إِنَّ النّبيّ - ﷺ -: \"كان إِذا أراد من الحائض شيئًا ألقى على فرجها ثوبًا [ثمَّ صنعَ ما أراد] \" (٥).\n_________\n(١) أي: الجماع.\n(٢) تقدمّ تخريجه.\n(٣) المراد هنا وطء المرأة خارج الفرج.\n(٤) البخاري: ٣٠٢، ومسلم: ٢٩٣، وأبو عوانة في \"صحيحه\"، وأبو داود وهذا لفظه.\n(٥) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٤٢) والسياق له، وسنده صحيح على شرط مسلم، وصححه ابن عبد الهادي، وقوّاه ابن حجر، والبيهقي (١/ ٣١٤) والزيادة له. كذا قال شيخنا -حفظه الله- في \"آداب الزفاف\" (ص ١٢٥).","vol":"1","page":273},{"text":"وقالت الصهباء بنت كريم: قلت لعائشة: \"ما للرجل من امرأته إِن كانت حائضًا؟ قالت: كلّ شيء إلاَّ الجماع (١) \" (٢).\nوعن عمِّ حرام بن حكيم أنَّه سأل رسول الله - ﷺ -: ما يحلّ لي من امرأتي وهي حائض؟ قال: \"لك ما فوق الإِزار\" (٣).\nوجاء في \"المغني\" (١/ ٣٥٠): \"ويستمتع من الحائض بما دون الفرج\".\nقال في \"سبل السلام\" (١/ ١٨٨): \" ... فأمَّا لو جامع وهي حائض؛ فإِنَّه يأثم إِجماعًا ... \".\nوذكر ابن حزم في \"المحلّى\" (٢/ ٢٤٩): حديث عائشة -﵂- أنَّها قالت: قال لي رسول الله - ﷺ -: \"ناوليني الخُمرة (٤) من المسجد،\n_________\n(١) قال شيخنا في \"آداب الزفاف\" (ص ٢٢٤): رواه ابن سعد (٨/ ٤٨٥) وقد صحّ عنها مِثله في الصائم، وبيانه في \"الأحاديث الصحيحة\" (٢٢٠ و٢٢١).\n(٢) انظر \"آداب الزفاف\" (ص١٢٣ - ١٢٥) طبعة \"المكتبة الإِسلامية\"، والتخريجات كذلك، من نفس الكتاب.\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٩٧).\n(٤) جاء في \"شرح النووي\" (٣/ ٢١٠): \"أمّا الخُمْرة -فبضم الخاء وإسكان الميم- قال الهروي وغيره: هي هذه السجَّادة، وهي ما يضع عليه الرجل جزء وجهه في سجوده؛ من حصير أو نسيجة من خُوص [ورق النّخل وما شابهه] ... وقال الخطابي: هي سجادة يسجد عليها المصلي ... وسُميت خمرة لأنَها تخمر الوجه: أي: تغطيه وأصل التخمير التغطية، ومنه خمار المرأة، والخَمر لأنها تغطي العقل\".","vol":"1","page":274},{"text":"فقلت: إِنّي حائض. فقال: \"تناوَليها؛ فإِنَّ الحيضة ليست في يدك\" (١).\nوذكر حديث أبي هريرة -﵁- أيضًا، قال: بينما رسول الله - ﷺ - في المسجد فقال: \"يا عائشة! ناوليني الثوب\"، فقالت: إِني حائض.\nفقال: \"حيضتك ليست في يدك، فناولتْه\" (٢).\nثمَّ قال -﵀-: فهما دليل أن لا يجتنب إلاَّ الموضع الذي فيه الحيضة وحده.\nونقل شيخ الإِسلام ابن تيمية في \"الفتاوى\" (٢١/ ٦٢٤) اتفاق الأئمّة على تحريم وطء الحائض، كما تقدّم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-267>كفّارة من جامع الحائض</span>\nعلى من جامع الحائض أن يتصدَّق بدينار أو نصف دينار؛ لحديث عبد الله بن عباس -﵄- عن النبيّ - ﷺ - في الذي يأتي امرأته وهي حائض، قال: \"يتصدَّق بدينار أو نصف دينار\" (٣).\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ٢٩٨، وغيره.\n(٢) أخرجه مسلم: ٢٩١، وغيره.\n(٣) أخرجه أصحاب السنن \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٣٧)، و\"صحيح سنن النسائي\" (٢٧٨)، و\"صحيح سنن ابن ماجه\" (٥٢٣). والطبراني في \"المعجم الكبير\" وابن الأعرابي في \"معجمه\" والدارمي والحاكم والبيهقي بإِسناد صحيح على شرط البخاري، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وابن دقيق العيد، وابن التركماني، وابن القيّم، وابن حجر العسقلاني، كذا في \"آداب الزفاف\" (ص ١٢٢) ا. هـ.\nقلت: والظاهر أن دينار الذهب ٤.٢٥ غم -والله تعالى أعلم-.","vol":"1","page":275},{"text":"قال شيخنا في \"آداب الزفاف\" (ص ١٢٣): \"قال أبو داود في \"المسائل\" (٢٦): \"سمعت أحمد سُئل عن الرجل يأتي امرأته وهي حائض؛ قال: ما أحسن حديث عبد الحميد فيه! (قلت: يعني: هذا).\nقلت: وتذهب إِليه؟ قال: نعم؛ إِنَّما هو كفَّارة.\nقلت: فدينار أو نصف دينار؟ قال: كيف يشاء\".\nوذهب إِلى العمل بالحديث جماعةٌ آخرون من السلف؛ ذكر أسماءهم الشوكاني في \"النيل\" (١/ ٢٤٤) وقوَّاه.\nقلت: -أي شيخنا حفظه الله- ولعلَّ التمييز بين الدينار ونصف الدينار، يعود إِلى حال المتصدّق من اليسار أو الضّيق؛ كما صرَّحت بذلك بعض روايات الحديث؛ وإِنْ كان سنده ضعيفًا، والله أعلم\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-268>متى يجوز إِتيان الحائض إِذا طهُرت</span>؟\nقال في \"روح المعاني\" (٢/ ١٢٢): \" ﴿حتى يطهُرن﴾ والغاية انقطاع الدَّم عند الإِمام أبي حنيفة -﵁- فإنْ كان الانقطاع لأكثر مدَّة الحيض حلَّ القربان بمجرَّد الانقطاع، أو إِنْ كان لأقلّ منها لم يحلّ إلاَّ بالاغتسال، أو ما هو في حُكمه من مضيّ وقت الصَّلاة، وعند الشافعية هي الاغتسال بعد الانقطاع، قالوا: ويدلُّ عليه صريحًا قراءة حمزة والكسائي وعاصم في رواية ابن عباس (يطَّهرن) -بالتشديد- أى: (يتطهَّرن) والمراد به: يغتسلن، لا لأنَّ الاغتسال معنى حقيقي للتطهير؛ كما يوهمه بعض عباراتهم -لأنَّ استعماله فيما عدا الاغتسال شائع في الكلام المجيد","vol":"1","page":276},{"text":"والأحاديت؛ على ما لا يخفى على المتتبّع -بل لأنَّ صيغة المبالغة يُستفاد منها الطهارة الكاملة، والطهارة الكاملة للنساء عن المحيض هو الاغتسال- فلمَّا دلّت قراءة التشديد على أنَّ غاية حرمة القربان هو الاغتسال، -والأصل في القراءات التوافق- حُملت قراءة التخفيف عليها، بل قد يُدّعى أنَّ الطهر يدلّ على الاغتسال أيضًا، بحسب اللغة.\nففي \"القاموس\" طهُرت المرأة: انقطع دمها، واغتسلت من الحيض كتطهَّرت. وأيضًا قوله تعالى: ﴿فإِذا تطهَّرن فأتوهنَّ﴾ يدلّ التزامًا على أنَّ الغاية هي الاغتسال، لأنَّه يقتضي تأخّر جواز الإِتيان عن الغسل، فهو يُقوّي كون المراد بقراءة التخفيف الغُسل لا الانقطاع، وربما يكون قرينة على التجوز في الطهر، بحمله على الاغتسال إِن لم يسلّم ما تقدّم، وعلى فرض عدم التسليم هذا وذاك، والرجوع إِلى القول بأنَّ قراءة التخفيف من الطهر، وهو حقيقة في انقطاع الدم لا غير، ولا تجوُّز ولا قرينة، وقراءة التشديد من التطهر، ويستفاد منه الاغتسال\".\nوقال البغوي -﵀- (١/ ١٩٧): تطهَّرن: يعني: اغتسلن.\nقال في \"المغني\" (١/ ٣٥٣): \"فإِن انقطع دمها فلا توطأ حتى تغتسل\".\nوجملته أنَّ وطء الحائض قبل الغسل حرام، وإِن انقطع دمها في قول أكثر أهل العلم.\nقال ابن المنذر: هذا كالإِجماع منهم، وقال أحمد بن محمد المروزي: \"لا أعلم في هذا خلافًا ... \".","vol":"1","page":277},{"text":"ولنا قول الله تعالى: ﴿ولا تقربوهنَّ حتى يطهُرن فإِذا تطهَّرن فأتوهنَّ من حيث أمَركم الله﴾ يعني: إِذا اغتسلن هكذا فسَّره ابن عباس، ولأنَّ الله تعالى قال في الآية: ﴿ويحبُّ المتطهِّرين﴾ فأثنى عليهم، فيدلّ على أنَّه فِعْل منهم؛ أثنى عليهم به، وفِعْلهم هو الاغتسال؛ دون انقطاع الدم، فشَرط لإِباحة الوطء شرطين:\nانقطاع الدم والاغتسال، فلا يباح إلاَّ بهما؛ كقوله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إِذا بَلَغُوا النكاح فإِنْ آنستم منهم رُشْدًا فادفعُوا إِليهم أموالَهم﴾ (١)، لمّا اشترط لدفع المال عليهم بلوغ النكاح والرّشد، لم يُبَح إلاَّ بهما، كذا هاهُنا، ولأنها ممنوعة من الصلاة لحدث الحيض، فلم يُبَح وطؤها كما لو انقطع لأقل الحيض، وما ذكروه من المعنى منقوض؛ بما إِذا انقطع لأقل الحيض، ولأنَّ حدث الحيض آكد من حدث الجنابة، فلا يصحّ قياسه عليه.\nجاء في \"الفتاوى\" (٢١/ ٦٢٤): \"أمَّا المرأة الحائض إِذا انقطع دمها؛ فلا يطؤها زوجها حتى تغتسل إِذا كانت قادرة على الاغتسال، وإلا تيمَّمت كما هو مذهب جمهور العلماء، كمالك وأحمد والشافعي.\nوهذا معنى ما يُروى عن الصحابة حيث روي عن بضعة عشر من الصحابة -منهم الخلفاء- أنَّهم قالوا: في المعتدَّة هو أحق بها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة.\nوالقرآن يدلُّ على ذلك، قال الله تعالى: ﴿ولا تقربوهنَّ حتى يطهُرن فإِذا\n_________\n(١) النساء: ٦","vol":"1","page":278},{"text":"تطهَّرن فأتوهنَّ من حيث أمركم الله﴾ (١).\nقال مجاهد: ﴿حتى يطهُرن﴾ يعني: ينقطع الدَّم، ﴿فإِذا تطهَّرن﴾: اغتسلن بالماء، وهو كما قال مجاهد.\nوإِنَّما ذكر الله غايتين على قراءة الجمهور، لأنَّ قوله: ﴿حتى يطهُرن﴾ غاية التحريم الحاصل بالحيض، وهو تحريم لا يزول بالاغتسال ولا غيره، فهذا تحريم يزول بانقطاع الدَّم، ثمَّ يبقى الوطء بعد ذلك جائزًا بشرط الاغتسال، لا يبقى محرَّمًا على الإِطلاق، فلهذا قال: ﴿فإذا تطهَّرن فأتوهنَّ من حيث أمركُم الله﴾.\nوهذا كقوله: ﴿فإِن طلَّقها فلا تحلُّ له من بعدُ حتى تَنكحَ زوجًا غيره﴾ (٢).\nفنكاح الزوج الثاني غاية التحريم الحاصل بالثلاث، فإِذا نَكَحت الزوج الثاني زال ذلك التحريم، لكن صارت في عصمة الثاني؛ فحرمت لأجل حقّه، لا لأجل الطَّلاق الثلاث، فإِذا طلَّقها جاز للأوَّل أن يتزوَّجها.\nوقد قال بعض أهل الظاهر: المراد بقوله: ﴿فإذا تطهَّرن﴾ أي: غسلْن فرجهنّ، وليس بشيء، لأنَّ الله قد قال: ﴿وإِن كنتم جُنُبًا فاطَّهروا﴾ (٣)؛ فالتطهّر في كتاب الله هو الاغتسال، وأمَّا قوله: ﴿إنَّ الله يحبّ التَّوابين ويُحبُّ\n_________\n(١) البقرة: ٢٢٢\n(٢) البقرة: ٢٣٠\n(٣) المائدة: ٦","vol":"1","page":279},{"text":"المتطهِّرين﴾ (١) فهذا يدخل فيه المغتسل والمتوضئ والمستنجي، لكن التطهّر المقرون بالحيض؛ كالتطهر المقرون بالجنابة، والمراد به الاغتسال.\nوأبو حنيفة -﵀- يقول: إِذا اغتسلت، أو مضى عليها وقت صلاة، أو انقطع الدَّم لعشرة أيام حلَّت؛ بناءً على أنَّه محكوم بطهارتها في هذه الأحوال، وقول الجمهور هو الصواب كما تقدَّم، والله أعلم\".\nوجاء في الكتاب السابق أيضًا (ص٦٢٤): \"وسئل ﵀ عن إِتيان الحائض قبل الغسل، وما معنى قول أبي حنيفة: فإِن انقطع الدَّم لأقل من عشرة أيام، لم يَجُزْ وطؤها حتى تغتسل؟ وإِن انقطع دمها لعشرة أيام جاز وطؤها قبل الغسل؟ وهل الأئمة موافقون على ذلك؟\nفأجاب: أمَّا مذهب الفقهاء؛ كمالك والشافعي وأحمد فإِنَّه لا يجوز وطؤها حتى تغتسل، كما قال تعالى: ﴿ولا تقربوهنَّ حتى يطهُرن فإِذا تطهَّرن فأتوهنَّ من حيثُ أمركم الله﴾، وأمَّا أبو حنيفة فيجوِّز وطأها إِذا انقطع لأكثر الحيض، أو مرَّ عليها وقت الصَّلاة فاغتسلت، وقول الجمهور هو الذي يدلّ عليه ظاهر القرآن والآثار\".\nوقد رأيت قول شيخ الإِسلام -﵀- المتقدِّم قد رجَّح عدم الوطء إلاَّ بعد الاغتسال، حين قال -﵀-: \"وقال بعض أهل الظاهر: المراد بقوله: ﴿فإِذا تطهّرن﴾ أي: غسلن فروجهنَّ، وليس بشيء؛ لأنَّ الله قد قال: ﴿وإِن كنتم جُنُبًا فاطَّهروا﴾.\nفالتطهُّر في كتاب الله هو الاغتسال، وأمَّا قوله: ﴿إِنَّ الله يحبُّ التوَّابين\n_________\n(١) البقرة: ٢٢٢","vol":"1","page":280},{"text":"ويحبُّ المتطهِّرين﴾، فهذا يدخل فيه المغتسل والمتوضئ والمستنجي، لكن التطهّر المقرون بالحيض؛ كالتَّطهر المقرون بالجنابة والمراد به الاغتسال\".\nقلت: وزاد هذا الترجيح عندي ما جاء في \"اللسان\": \"طَهَرت المرأة وطَهُرت وطَهِرت: اغتسلت من الحيض وغيره\".\nوطهُرت المرأة وهي طاهر: انقطع عنها الدَّم ورأت الطُّهر فإِذا اغتسلت؛ قيل تطهَّرت واطَّهَّرت، قال الله ﷿: ﴿وإِن كنتم جُنُبًا فاطَّهَّروا﴾.\nوروى الأزهري عن أبي العباس أنَّه قال في قوله ﷿: ﴿ولا تقربوهنَّ حتى يطُهرن فإِذا تطهَّرن فأتوهنَّ من حيث أمركم الله﴾ وقرأ: ﴿حتى يطَّهَّرْن﴾، قال أبو العبّاس والفرّاء: \"يطّهّرن لأنَّ من قرأ: ﴿يطْهرن﴾ أراد: انقطاع الدَّم، فإِذا تطهَّرن اغتسلن؛ فصيَّر معناهما مختلفًا، والوجه أن تكون الكلمتان بمعنى واحد؛ يُريد بهما جميعًا الغسل، ولا يحلّ المسيس إِلا بالاغتسال، وتُصدِّق ذلك قراءة ابن مسعود: ﴿حتى يَتَطهَّرْن﴾ \".\nوقال ابن الأعرابي: \"طَهَرت المرأة هو الكلام، قال: ويجوز طهُرت، فإِذا تَطَهَّرن: اغتسلن. وقال: تطهَّرت المرأة: اغتسلت\".\nوخلاصة القول: عدم جواز إِتيان الحائض إِذا طهُرت إِلا بعد الاغتسال (١).\n_________\n(١) انتهيت إِلى هذا وأنا أعلم من شيخنا، أنه يرى جواز إتيان المرأة قبل الاغتسال بعد الطهر من الحيض أو النفاس؛ كما في الطبعة الأولى من الطبعة الجديدة من \"آداب الزفاف\" سنة ١٤٠٩هـ. ثم سألته \"هل رأيتم غير ذلك؟ \"، فقال: \"نعم، يَطْهُرن غير يَطَّهْرن، فلا بد من الاغتسال\".","vol":"1","page":281},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-269>مسائل تتعلق في غسل الحائض والنّفساء</span>\n١ - نقْض المرأة شعرها عند غسل المحيض:\nكما في حديث عائشة -﵂-: \" ... فأدركني يوم عرفة وأنا حائض، فشكوت إِلى النّبيّ - ﷺ - فقال: \"دعي عمرتك وانقضي رأسكِ، وامتَشِطي وأهلّي بحجٍّ، ففعلْت\" (١).\n٢ - استحباب استعمال المُغتَسِلة من الحيض فِرصة من مسِك في موضع الدَّم:\nعن منصور بن صفية عن أمّه عن عائشة -﵂- قالت: \"سأَلَت امرأةٌ (٢) النّبيّ - ﷺ -: كيف تغتسل من حيضتها؟ قال: \"فذَكرت أنَّه علَّمها كيف تغتسل، ثمَّ تأخذ فِرصة من مِسك (٣)، فتَطهَّر بها.\nقالت: كيف أتطهَّر بها؟ قال: \"تطهَّري بها سبحان الله! \" (٤) واستَتر (وأشار\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٣١٧، ومسلم: ١٢١١، وتقدّم.\n(٢) هي أسماء بنت شَكَل، كما في بعض روايات مسلم.\n(٣) جاء في \"النهاية\": \"الفِرصة -بكسر الفاء-: قطعة من صوف أو قطن أو خرقة، يُقال: فَرَصْت الشيء إِذا قطعته، والممسّكة: المُطيّبة بالمِسك؛ يتتبَّع بها أثر الدم؛ فيحصل منه الطيب والتنشيف\".\nقال النووي: \"واختلف العلماء في الحكمة في استعمال المسك، فالصحيح المختار الذي قاله الجماهير من أصحابنا وغيرهم، أنَّ المقصود باستعمال المِسك؛ تطييب المحلّ، ودفع الرائحة الكريهة\".\n(٤) قال النووي -﵀- قد قدّمنا أنَّ -سبحان الله- في هذا الموضع =","vol":"1","page":282},{"text":"لنا سفيانُ بن عيينة بيده على وجهه)، قال: قالت عائشة: واجتذبْتُها إِليَّ، وعرفتُ ما أراد النّبيّ - ﷺ -، فقلت: تتبَّعي بها أثر الدَّم\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-270>كيف تغتسل الحائض أو النفساء</span>؟\nعن عائشة -﵂- \"أنَّ أسماء سألَت النّبيّ - ﷺ - عن غُسل المحيض؟ فقال: \"تأخذ إِحداكنَّ ماءَها وسدْرتها فتطهَّر؛ فتُحسن الطُّهور، ثمَّ تصب على رأسها؛ فتدلُكُه دلكًا شديدًا؛ حتى تبلغ شؤون (٢) رأسها، ثمَّ تصبّ عليها الماء، ثمَّ تأخذ فِرصة ممسّكة؛ فتطَهَّر بها\".\nفقالت أسماء: وكيف تطَهَّر بها؟ فقال: سبحان الله! تطَّهّرين بها\".\nفقالت عائشة (كأنَّها تخفي ذلك): تَتَبَّعين أثر الدَّم (٣).\n_________\n= وأمثاله؛ يراد به التّعجُّب، وكذا لا إِله إلاَّ الله، ومعنى التعجّب هنا؛ كيف يخفى مِثل هذا الظاهر؛ الذي لا يحتاج الإِنسان في فهمه إِلى فكر.\n(١) أخرجه البخاري: ٣١٤، ٣١٥، ٧٣٥٧، ومسلم: ٣٣٢، وغيرهما، وتقدّم.\nقال الحافظ: \"وفي هذا الحديث من الفوائد: التسبيح عند التعجُّب، واستحباب الكنايات فيما يتعلّق بالعورات، وفيه سؤال المرأة العالم عن أحوالها التي يُحتشم منها، وفيها الاكتفاء بالتعريض والإشارة في الأمور المستهجنة، وتكرار الجواب لإفهام السائل، وفيه تفسير كلام العالم بحضرته لمن خفي عليه، إِذا عرف أن ذلك يُعجبه، وفيه الأخذ عن المفضول بحضرة الفاضل، وفيه صحّة العرْض على المحدّث؛ إِذا أقرّه ولم يُقل عقبه نعم، وفيه الرّفق بالمتعلّم، وإقامة العُذر لمن لا يَفهم، وفيه حُسن خُلُقه - ﷺ - وعظيم حلمه وحيائه\". \"الفتح\". بحذف يسير.\n(٢) قال في \"النهاية\": عظامه وطرائقه وتواصيل قبائله، وهي أربعة بعضها فوق بعض.\n(٣) أخرجه مسلم: ٣٣٢، وأصله في البخاري: ٣١٤، ٣١٥، ٧٣٥٧، وانظر الحديث السابق.","vol":"1","page":283},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-271>كيف تُطهِّر الحائض ثوبها</span>؟\nتطهِّر الحائض ثوبها بحكة بضِلَع (١)، وتغسله بماء وسِدْر أو صابون أو نحوه من المنظّفات، ثمَّ تنضح الماء في سائر الثوب، لقوله - ﷺ -: \"حُكّيه بضِلَع واغسليه بماء وسِدْر\" (٢).\nوعن أسماء بنت أبي بكر -﵄- قالت: \"سمعتُ امرأة تسأل رسول الله - ﷺ - عن ثوبها إِذا طهُرت من محيضها، كيف تصنع به؟\nقال: إِنْ رأيت فيه دمًا فحُكّيه، تمَّ اقرصيه بماء، ثمَّ انضحي في سائره؛ فصلّي فيه\".\nقال شيخنا في \"الصحيحة\" تحت (رقم ٢٩٩): \"في هذه الرواية زيادة: \"ثمَّ انضحي في سائره\"، وهي زيادة هامَّة؛ لأنها تبيِّن أنَّ قوله في رواية هشام: \"ثمَّ لتنضحه\" ليس المراد نضْح مكان الدَّم بل الثوب كلّه.\nويشهد له حديث عائشة -﵂- قالت: \"كانت إحدانا تحيض، ثمَّ تقرص الدَّم من ثوبها عند طُهْرها فتغسله، وتنضح سائره، ثمَّ تصلّي فيه\" (٣).\n_________\n(١) أي بعود، والأصل فيه ضلع الحيوان، فسمّي به العود الذي يُشبهه، وقد تسكّن اللام تخفيفًا. \"النهاية\".\n(٢) أخرجه أحمد وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٤٩)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٢٨١)، والدارمي، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٥١١) وغيرهم، وهو حديث صحيح خرّجه شيخنا في \"الصحيحة\" (٣٠٠) وتقدّم.\n(٣) أخرجه البخاري: ٣٠٨","vol":"1","page":284},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-272>الاستحاضة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-273>تعريفها:</span>\n\"هي أن يستمرّ بالمرأة خروج الدّم؛ بعد أيام حيضها المعتادة\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-274>أحوال المستحاضة </span>(٢):\n١ - أن تكون مدّة الحيض معروفة لها قبل الاستحاضة، وفي هذه الحالة تُعدّ هذه المدَّة المعروفة هي مدَّة الحيض والباقي استحاضة؛ لحديث أمّ سلمة -﵂-: أنَّها استّفتت النّبيّ - ﷺ - في امرأة تُهراق الدّم؟\nفقال: \"لتنظر قدْر الليالي والأيام التي كانت تحيضهنّ وقدْرهنَّ من الشَّهر، فتدَع الصَّلاة، ثمَّ لتغتسل ولتستثْفر (٣) ثمَّ تصلّي\" (٤).\nقال الخطابي: هذا حُكم المرأة يكون لها من الشَّهر أيام معلومة؛ تحيضها في أيام الصِّحَّة قبل حدوث العلَّة، تمَّ تُستحاض فتهريق الدَّم، ويستمرّ بها السيلان، أمرها النّبيّ - ﷺ - أن تدَع الصَّلاة من الشهر، قدر الأيام\n_________\n(١) \"النهاية\".\n(٢) عن كتاب \"فقه السنّة\" للسيد سابق -حفظه الله- بحذف وتصرُّف.\n(٣) هو أن تشدّ فرجها بخرقة عريضة؛ بعد أن تُحتشى قُطنًا، وثوثّق طرفيها في شيء تشدّه على وسطها، فتمنع بذلك سيل الدّم، وهو مأخوذ من ثَفَر الدّابة الذي يجعل تحت ذنبها. \"النهاية\".\n(٤) رواه مالك والخمسة إلاَّ الترمذي، وقال النووي: إسناده على شرطهما، وانظر \"المشكاة\" (٥٥٩)، و\"صحيح سنن أبي داود\" (٢٤٤) و\"صحيح سنن النسائي\" (٢٠٢) و\"صحيح سنن ابن ماجه\" (٥٠٦).","vol":"1","page":285},{"text":"التي كانت تحيض؛ قبل أن يصيبها ما أصابها، فإِذا استوفت عدد تلك الأيام؛ اغتسلت مرّة واحدة، وحُكمها حُكم الطَّواهر (١).\nجاء في \"الفتاوى\" (٢١/ ٦٢٨): \"وبهذا الحديث أخَذ جمهور العلماء في المستحاضة المعتادة؛ أنَّها ترجع إِلى عادتها؛ وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد\".\n٢ - أن يستمر بها الدَّم ولم يكن لها أيَّام معروفة؛ إِمَّا لأنَّها نسيت عادتها، أو بلَغت مستحاضة، ولا تستطيع تمييز دم الحيض، وفي هذه الحالة يكون حيضها ستة أيام أو سبعة، على غالب عادة النِّساء (٢)؛ لحديث حمنة بنت جحش قالت: كنتُ أُستحاض حيضة كثيرة شديدة، فأتيت رسول الله - ﷺ - أستفتيه وأخبره، فوجدتُه في بيت أُختي زينب بنت جحش، فقلت: يا رسول الله إِنّي امرأة أُستحاض حيضة كثيرة شديدة، فما ترى فيها، قد منعَتني الصَّلاة والصَّوم؟\nفقال: \"أنعتُ لَكِ الكُرسُف (٣) فإِنَّه يذهبُ الدَّم\"، قالت: هو أكثر من ذلك.\nقال: \"فاتَّخذي ثوبًا\"، فقالت: هو أكثر من ذلك، إِنَّما أثجُّ ثجًَّا (٤).\nقال رسول الله - ﷺ -: \"سآمرك بأمرين أيَّهما فعلْتِ أجزأ عنك من الآخر، وإِنْ\n_________\n(١) فهذه هي المعتاده التي لها عادة من أيام معروفة تعود إليها.\n(٢) انظر \"المغني\" (١/ ٣٤٦).\n(٣) أي: القطن.\n(٤) الثَّجّ: شدَّة السيلان.","vol":"1","page":286},{"text":"قويتِ عليهما فأنتِ أعلم\"، فقال لها: \"إِنَّما هي ركضة (١) من رَكَضات الشيطان، فتحيَّضي ستَّة أيَّام أو (٢) سبعة أيَّام، في عِلم الله، ثمَّ اغتسلي حتى إِذا رأيتِ أنَّك قد طهُرت واستنقأتِ؛ فصلّي ثلاثًا وعشرين ليلة، أو أربعًا وعشرين ليلة وأيَّامها وصومي، فإِنَّ ذلك يجزيك، وكذلك فافعلي كل شهر؛ كما تحيض النِّساء وكما يطهُرن، ميقات حيضهنّ وطُهرهنّ، وإِن قويتِ على أن تؤخِّري الظهر وتعجلّي العصر؛ فتغتسلين وتجمعين بين الصلاتين الظهر والعصر، وتؤخِّرين المغرب وتعجلين العشاء، ثمَّ تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين فافعلي، وتغتسلين مع الفجر فافعلي، وصومي إِنْ قدرْتِ على ذلك\".\nقال رسول الله - ﷺ -: \"وهذا أعجب الأمرين إِليّ\" (٣).\n_________\n(١) قال في النهاية: \"أصل الرّكض: الضَّرب بالرجل والإِصابة بها؛ كما تُركض الدابة وتُصاب بالرِّجل؛ أراد الإِضرار بها والأذى، المعنى أنَّ الشيطان قد وجد بذلك طريقًا إِلى التلبيس عليها؛ في أمر دينها وطُهرها وصلاتها، حتى أنساها ذلك عادتها، وصار في التقدير؛ كأنّه ركضة بآلة من ركضاته\". وذكَره الشوكاني في \"نيل الأوطار\" (١/ ٣٤٤).\nوقال الصنعاني في \"سبل السلام\" (١/ ١٨٣): \"معناه أنَّ الشيطان قد وجد سبيلًا إِلى التلبيس عليها في أمر دينها وطُهرها وصلاتها حتى أنساها عادتها وصارت في التقدير؛ كأنها ركضة منه، ولا ينافي ما تقدّم إِنَّه عِرق يُقال له العاذل؛ لأنَّه يُحمل على أنَّ الشيطان ركضه حتى انفجر\".\n(٢) قال في \"سبل السلام\" (١/ ١٨٤): \"ليست فيه كلمة (أو) شكًا من الراوي ولا للتخيير، للإِعلام بأنَّ للنساء أحد العددين، فمنهنَّ من تحيض ستًّا، ومنهنَّ من تحيض سبعًا، فترجع إِلى من هي في سنّها وأقرب إِلى مزاجها\".\n(٣) أخرجه أبو داود: ٢٨٧ \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٦٧)، والترمذي \"صحيح سنن =","vol":"1","page":287},{"text":"قال الخطابي -تعليقًا على هذا الحديث-: إِنَّما هي امرأة مبتدئة لم يتقدَّم لها أيام، ولا هي مميّزة لدمها، وقد استمرَّ بها الدَّم حتى غلبَها، فردَّ رسول الله - ﷺ - أمرها إِلى العُرف الظاهر والأمر الغالب من أحوال النِّساء، كما حَمَل أمرها في تحيُّضها كل شهر مرّة واحدة؛ على الغالب من عادتهن، ويدلّ على هذا قوله: \"كما تحيض النِّساء ويطهُرن بميقات حيضهنَّ وطُهرنَّ\".\nقال: وهذا أصلٌ في قياس أمر النِّساء؛ بعضهنَّ على بعض؛ في باب الحيض والحمل والبلوغ، وما أشبه هذا من أمورهنّ.\n٣ - أن لا تكون لها عادة، ولكنَّها تستطيع تمييز دم الحيض عن غيره، وفي هذه الحالة تعمل بالتَّمييز، لحديث فاطمة بنت أبي حبيش -﵂- أنَّها كانت تُستحاض، فقال النّبيّ - ﷺ -: \"إِذا كان دم الحيض؛ فإِنَّه أسود يُعرف؛ فأمسكي عن الصَّلاة، فإِذا كان الآخر؛ فتوضَّئي إِنَّما هو عرْق (١) \" (٢).\n_________\n= الترمذي\" (١١٠)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٥١٠) والطحاوي في \"مشكل الآثار\" والدارقطني والحاكم، وانظر \"الإِرواء\" (١٨٨).\n(١) تقدّم تخريجه.\n(٢) قال شيخ الإِسلام -﵀- في \"الفتاوى\" (٢١/ ٦٣٠): \"وفي المستحاضة عن النّبيّ - ﷺ - ثلاث سنن: سنة في العادة لمن تقدّم، وسنَّة في المميزة، وهو قوله: \"دم الحيض أسود يُعرَف\"، وسنّة في غالب الحيض، وهو قوله: \"تحيَّضي ستًا أو سبعًا ثمَّ اغتسلي، وصلّي ثلاثًا وعشرين، أو أربعًا وعشرين، كما تحيض النساء، =","vol":"1","page":288},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-275>أحكام المُستحاضة </span>(١)\n١ - جواز وطئها في حال جريان دم الاستحاضة؛ عند جماهير العلماء؛ لأنَّها كالطَّاهرة في الصَّلاة والصوم وغيرهما، فكذا في الجماع، ولأنَّه لا يحرم إلاَّ عن دليل، ولم يأت دليل بتحريم جماعها.\nقال ابن عبّاس: \"المستحاضة يأتيها زوجها إِذا صلَّت، الصَّلاة أعظم\" (٢).\n[وعن عكرمة قال: \"كانت أم حبيبة تُستحاض فكان زوجها يغشاها\" (٣).\nوعن حَمْنة بنت جحش: \"أنَّها كانت مُستحاضة؛ وكان زوجها\n_________\n= ويطهرن لميقات حيضهنّ وطهرهنّ\".\nوقال -﵀- أيضًا في نفس الموضع: \"على أنَّ المستحاضة المميزة؛ تجلس ستًا أو سبعًا وهو غالب الحيض\".\nوجاء في \"الفتاوى\" أيضًا (٢١/ ٦٣٠): \" ... إِمّا العادة فإِنَّ العادة أقوى العلامات؛ لأنَّ الأصل مقام الحيض دون غيره. وإمّا التمييز؛ لأنَّ الدم الأسود والثخين المُنتن؛ أولى أن يكون حيضًا من الأحمر. وإِمَّا اعتبار غالب عادة النساء؛ لأنَّ الأصل إِلحاق الفرد بالأعمّ الأغلب\".\n(١) النقاط من (١ - ٣) من \"سبل السلام\"، إلاَّ ما كان بين معقوفين مستطيلين فليس منه، ومن (٤ - ٦) من كتاب \"فقه السنّة\" بتصرف يسير.\n(٢) ذكره البخاري معلقًا، وانظر \"الفتح\" (١/ ٤٢٨) وقال شيخنا في \"المختصر\" (١/ ٩٢): \"وصله الدارمي (١/ ٢٠٣) بإِسناد صحيح عنه دون الإتيان، ولكنّه أخرج هذا القدر منه (١/ ٢٠٧) بسند ضعيف عنه، وأخرجه عبد الرزاق أيضًا\".\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٠٢).","vol":"1","page":289},{"text":"يجامعها\" (١)].\n٢ - أنَّها تُؤمر بالاحتياط في طهارة الحدث النجس؛ فتغسل فرجها قبل الوضوء وقبل التَّيمُّم، وتحشو فرجها بقطنة، أو خرقة دفعًا للنجاسة، وتقليلًا لها، فإِنْ لم يندفع الدَّم بذلك؛ شدَّت مع ذلك على فرجها وتلجَّمت واستثفرت (٢). كما هو معروف في الكتب المطوَّلة.\n٣ - ومنها أنَّه ليس لها الوضوء قبل دخول وقت الصَّلاة عند الجمهور؛ إِذ طهارتها ضروريّة؛ فليس لها تقديمها قبل وقت الحاجة.\n٤ - أنه لا يجب عليها الغسل لشيء من الصَّلاة، ولا في وقت من الأوقات إلاَّ مرّة واحدة؛ حينما ينقطع حيضها، وبهذا قال الجمهور من السَّلف والخلف.\n٥ - أنَّه يجب عليها الوضوء لكلّ صلاة؛ لقوله - ﷺ - لفاطمة بنت أبي حبيش -وهي تحدِّثه عن استحاضتها-: \"توضَّئي لكلّ صلاة\" (٣).\nوقوله لها: \"إِنَّه دم عِرق فتوضئي لكلّ صلاة\" (٤).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٠٣) وغيره، وانظر \"تمام المنة\" (ص ١٣٧).\n(٢) قال في \"النهاية\": \" ... استثفري وتلجّمي، أي: اجعلي موضع خروج الدم عصابة تمنع الدم، تشبيها بوضع اللجام في فم الدّابة\".\n(٣) أخرجه أبو داود وغيره، وصححه شيخنا في \"الإِرواء\" (١٠٩)، وتقدّم.\n(٤) أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، وقال شيخنا في \"الإِرواء\" (١١٠): \"وسنده على شرط الشيخين وقد أخرجه البخاري من طريق أبي معاوية به نحوه، وراجِع تعليق الشيخ أحمد شاكر -﵀- على الترمذي\".","vol":"1","page":290},{"text":"٦ - أنَّ لها حُكم الطاهرات: تُصلّي وتصوم وتعتكف، وتفعل كلّ العبادات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-276>الحائض والنفساء تقضيان الصوم ولا تقضيان الصَّلاة</span>\nتقضي الحائض والنّفساء الصوم ولا تقضي الصَّلاة؛ لحديث أبي سعيد الخدري -﵁- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \" ... أليس إِذا حاضت لم تُصلِّ ولم تصُم؟ ... \" (١).\nقال في \"نيل الأوطار\" (١/ ٣٥٣): \"فيه إِشعار بأنَّ منْع الحائض من الصوم والصَّلاة كان ثابتًا بحُكم الشَّرع قبل ذلك المجلس ... \".\nوعن معاذة أنَّ امرأة قالت لعائشة: \"أتجزي إِحدانا صلاتها إِذا طهُرت؟ فقالت: أحروريّة (٢) أنت؟ كنَّا نحيض مع النبي - ﷺ - فلا يأمرنا به، أو قالت:\n_________\n(١) جزء من حديث رواه البخاري: ٣٠٤، ومسلم: ٢١٩، وقد ذكرْته بتمامه في (باب ما يحرُم على الحائض والنفساء).\n(٢) الحروري منسوب إِلى حروراء، بلدة على ميلين من الكوفة، ويُقال لمن يعتقد مذهب الخوارج حروري؛ لأنَّ أول فرقة منهم خرجوا على عليّ بالبلدة المذكورة، فاشتهروا بالنسبة إِليها، وهم فِرَق كثيرة، لكن من أصولهم المتفق عليها بينهم؛ الأخذ بما دلَّ عليه القرآن، وردّ ما زاد عليه من الحديث مطلقًا؛ ولهذا استفهمت عائشة معاذة استفهام إِنكار. وزاد مسلم في رواية عاصم عن معاذة فقلت: \"لا ولكنّي أسأل\"، أي: سؤالًا مجرّدًا لطلب العلم لا للتعنّت. \"الفتح\" (١/ ٤٢٢) بحذف يسير.\nقال شيخنا في \"الإِرواء\" (١/ ٢٢١): \"وإنكار عائشة عليها إِمّا لعلمها أنهم كانوا يوجبون القضاء على الحائض، فقد حكى ابن عبد البرّ القول بذلك عن طائفة من الخوارج، وإمّا لعلمها بأنَّ أصولهم تقتضي ذلك\".","vol":"1","page":291},{"text":"فلا نفعله\" (١). وفي لفظ لمسلم (٣٣٥): \"فنؤمَر بقضاء الصوم ولا نؤمَر بقضاء الصلاة\".\nوعن أم سلمة -﵂- قالت: كانت المرأة من نساء النّبيّ - ﷺ - تقعد في النفاس أربعين ليلة؛ لا يأمرها النّبيّ - ﷺ - بقضاء صلاة النفاس (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-277>إِذا طهُرت الحائض بعد العصر أو بعد العشاء</span>\nإِذا طهرت الحائض بعد العصر؛ صلّت الظهر والعصر، وإِذا طهرت بعد العشاء؛ صلّت المغرب والعشاء.\nعن ابن عباس -﵄- قال: \"إِذا طهُرت الحائض بعد العصر؛ صلّت الظهر والعصر، وإذا طهُرت بعد العشاء صلّت المغرب والعشاء\".\nوعن عبد الرحمن بن عوف قال: \"إِذا طهُرت الحائض قبل أن تغرب الشمس؛ صلّت الظهر والعصر، وإذا طهُرت قبل الفجر صلَّت المغرب والعشاء\".\nقال في \"نيل الأوطار\" (١/ ٣٥٥): \"رواهما سعيد بن منصور في \"سننه\" والأثرم، وقال: قال أحمد: عامَّة التابعين يقولون بهذا القول إلاَّ الحسن وحده\".\nوسألت شيخنا -حفظه الله- بعض التفصيل في ذلك فقال: \"إِذا طهُرت\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٣٢١، ومسلم: ٣٣٥، نحوه وغيرهما.\n(٢) أخرجه أبو داود والحاكم وغيرهما، وحسَّنه شيخنا في \"الإِرواء\" (٢٠١).","vol":"1","page":292},{"text":"الحائض بعد العصر أو قبل غروب الشمس، فإِنَّه يجب عليها أن تصلّي الظُّهر والعصر، وإِذا طهُرت بعد العشاء، فإِنَّه يجب عليها أن تصلّي المغرب والعشاء؛ لأنَّ وقت الظهر والعصر يتداخلان، ففي السّفر يُمكن الجمع بين كلِّ من الصلاتين؛ تقديمًا أو تأخيرًا، وفي حالة الإِقامة أيضًا لرفع الحرج\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-278>الجمع الصوري للمستحاضة</span>\nوفيه حديث حَمنة بنت جحش -﵂- المتقدِّم وفيه: \" ... وإِنْ قويتِ على أن تؤخِّري الظهر وتعجِّلي العصر؛ فتغتسلين وتجمعين بين الصلاتين: الظهر والعصر، وتؤخرين المغرب وتعجِّلين العشاء، ثمَّ تغتسلين، وتجمعين بين الصلاتين فافعلي\".\nقال في \"سبل السلام\" (١/ ١٨٣): \"فتغتسلين فتجمعين بين الصلاتين الظهر والعصر، أي: جمعًا صوريًا ... \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-279>الحامل إِذا رأت الدَّم وبيان أنَّها لا تحيض</span>\nإِذا رأت الحامل دمًا فهو دم فساد (١)؛ لقوله - ﷺ - في سبايا أوطاس: \"لا توطَأ حامل حتى تضع، ولا حائل (٢) حتى تستبرئ بحيضة\" (٣).\n_________\n(١) قال شيخنا -حفظه الله-: \"دم فساد؛ كقوله - ﷺ -: \"إِنّما هو عرق\"؛ فهذا في المستحاضة\".\n(٢) الحائل: كلّ أنثى لا تحبل. \"الوسيط\".\n(٣) أخرجه أبو داود والدارمي والدارقطني والحاكم والبيهقي وأحمد، وقال الحاكم: =","vol":"1","page":293},{"text":"جاء في \"المغني\" (١/ ٣٧١) (حُكم الحامل إِذا رأت الدَّم، وبيان أنَّها لا تحيض): \"مذهب أبي عبد الله -﵀- أنَّ الحامل لا تحيض، وما تراه من الدَّم فهو دم فساد، وهو قول جمهور التابعين؛ منهم: سعيد بن المسيب وعطاء والحسن وجابر بن زيد وعكرمة ومحمد بن المنكدر والشعبي ومكحول وحماد والثَّوري والأوزاعي وأبو حنيفة وابن المنذر وأبو عبيد وأبو ثور ... \".\nوقال في \"منار السبيل\" (١/ ٦٢): \"فإِنْ رأت الحامل دمًا فهو فساد؛ لقوله - ﷺ - في سبايا أوطاس: \"لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تستبرئ بحيضة\" (١).\nيعني: تستعلم براءتها من الحمل بالحيضة؛ فدلَّ على أنَّها لا تجتمع معه\".\nقال شيخنا في \"الإِرواء\" (١٨٧): \"ويشهد له ما روى الدَّارمي (١/ ٢٢٧، ٢٢٨) من طريقين عن عطاء بن أبي رباح عن عائشة قالت: \"إِنَّ الحُبلى لا تحيض، فإِذا رأت الدَّم؛ فلتغتسل ولتصلِّ\"، وإِسناده صحيح\".\nوسألتُ شيخنا -حفظه الله- عن أمر الاغتسال؟ فقال: \"هو من باب النَّظافة\".\n_________\n= \"صحيح على شرط مسلم\"، وقال الحافظ في \"التلخيص الحبير\": \"إِسناده حسن\"، وانظر تفصيل تخريجه في \"الإِرواء\" (١٨٧).\n(١) تقدّم تخريجه.","vol":"1","page":294},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-280>مسائل متنوّعة تتعلق بالحائض والنّفساء والمستحاضة</span>\n* حُكم النّفساء حُكم الحائض في جميع ما يحرُم عليها ويسقُط عنها: قال في \"المغني\" (١/ ٣٦٢): \"وحُكم النفساء حُكم الحائض في جميع ما يحرُم عليها ويسقُط عنها، لا نعلم في هذا خلافًا، وكذلك تحريم وطئها وحلّ مباشرتها، والاستمتاع بما دون الفرج منها ... \".\n* اغتسال الحائض والنفساء للإِحرام:\nعن جابر -﵁- قال: \"إِنَّ رسول الله - ﷺ - مكثَ تسع سنين لم يحجّ، ثمَّ أذَّن في الناس في العاشرة؛ أن رسول الله - ﷺ - حاجٌّ، فقدم المدينة بشر كثير؛ كلّهم يلتمس أن يأتمّ برسول الله - ﷺ -، ويعمل مثل عمله.\nفخرجنا معه، حتى أتينا ذا الحليفة؛ فولَدَت أسماءُ بنت عميس محمَّدَ بن أبي بكر، فأرسلت إِلى رسول الله - ﷺ - كيف أصنع؟ \".\nفقال: \"اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي\" (١).\n* لا بأس أن تشرب المرأة الحائض دواءً يقطع عنها الحيض، إِذا لم يكن يضرّ بها، ويحسن بها استشارة طبيبة مسلمة مختصّة في هذا الأمر:\nقال في \"المغني\" (١/ ٣٧٥): \"رُوي عن أحمد -﵀- أنَّه قال: لا بأس أن تشرب المرأة دواءً؛ يقطع عنها الحيض؛ إِذا كان دواءً معروفًا\".\n* شهود الحائض العيدين ودعوة المسلمين واعتزالها المصلّى:\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ١٢١٨، وغيره، قال في \"النهاية\": \" ... استثفري: أي: اجعلي موضع خروج الدم عصابة تمنع الدم، تشبيهًا بوضع اللجام في فم الدابة\"، وتقدم.","vol":"1","page":295},{"text":"عن أمِّ عطية -﵂- قالت: \"سمعْتُه (١) يقول: يخرُج العواتِق (٢) وذواتُ الخدور (٣) -أو العواتق ذواتُ الخُدور- والحُيَّض، ويشهدن الخير ودعوة المؤمنين، ويعتزل الحُيَّض المصلّى\" (٤).\n* قراءة الرجل في حجر امرأته وهي حائض (٥):\nعن منصور بن صفيَّة أنَّ أمَّه حدَّثته أنَّ عائشة -﵂- حدَّثتها: \"أنَّ النّبيّ - ﷺ - كان يتَّكئ في حجري، وأنا حائض ثمَّ يقرأ القرآن (٦) \" (٧).\n* غَسل الحائض رأس زوجها وترجيله (٨):\nعن عائشة -﵂- قالت: \"كنتُ أرجّل رأس رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) أي: رسول الله - ﷺ -، وكانت لا تذكره إِلا قالت: \"بأبي\".\n(٢) العاتق: الشّابة أو ما تُدرك، وقيل: هي التي لم تَبِنْ من والديها ولم تُزوَّج، وقد أدركت وشبَّت، وتُجمع على العُتَّق والعواتق\". \"النهاية\".\n(٣) جمع خِدْر وهو ستر يكون في ناحية البيت؛ تفعد البكر وراءه.\n(٤) أخرجه البخاري: ٣٢٤، ومسلم: ٨٩٠\n(٥) هذا العنوان من \"الفتح\".\n(٦) أخرجه البخاري: ٢٩٧، ومسلم: ٣٠١\n(٧) جاء في \"الفتح\" (١/ ٤٠٢): \"فيه جواز ملامسة الحائض، وأنَّ ذاتها وثيابها على الطهارة؛ ما لم يلحق شيئًا منها نجاسة، وفيه جواز القراءة بقرب محل النجاسة؛ قاله النووي. وفيه جواز استناد المريض في صلاته إِلى الحائض إِذا كانت أثوابها طاهرة؛ قاله القرطبي\".\n(٨) هذا العنوان من \"الفتح\".","vol":"1","page":296},{"text":"وأنا حائض\" (١).\n* لا حرج من سؤر الحائض ومؤاكلتها:\nعن عائشة -﵂- قالت: \"كنتُ أشرب وأنا حائض؛ ثمَّ أناوله النّبيّ - ﷺ -؛ فيضع فاه على موضع فيَّ فيشرب، وأتعرَّق (٢) العَرْق وأنا حائض؛ ثمَّ أناوله النّبيّ - ﷺ -؛ فيضع فاه على موضع فيَّ\" (٣).\nوعن عبد الله بن سعد -﵁- قال: \"سألت رسول الله - ﷺ - عن مؤاكلة الحائض؟ فقال: \"واكِلْها\" (٤).\nقال في \"نيل الأوطار\" (١/ ٣٥٥): \"والحديث يدلّ على جواز مواكلة الحائض.\nقال الترمذي: وهو قول عامَّة أهل العلم؛ لم يَروا بمواكلة الحائض بأسًا.\nقال ابن سيد النَّاس في \"شرحه\": \"وهذا أجمع النَّاس عليه، وهكذا نَقل الإِجماع محمد بن جرير الطبري\".\nوأمَّا قوله تعالى: ﴿فاعتزلوا النِّساء في المحيض﴾ (٥) فالمراد: اعتزلوا\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٢٩٥، ومسلم: ٢١٧\n(٢) العَرْق: العظم إِذا أُخِذ عنه معظم اللحم، يُقال: عَرَقْتُ العظم واعترقته وتعرَّقُته: إِذا أخذْت عنه اللحم بأسنانك. \"النهاية\".\n(٣) أخرجه مسلم: ٣٠٠، وغيره، وتقدم.\n(٤) أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (١١٤)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٥٣١).\n(٥) البقرة: ٢٢٢","vol":"1","page":297},{"text":"وطأهنَّ\".\n* الإِجهاض: سواءٌ كان قبل تخلُّق الجنين أو بعده فإِنّه يُعدُّ نفاسًا، والنّفساء كالحائض، لا تصوم ولا تصلّي، ولكنَّها تقضي الصيام دون الصَّلاة (١).\n* إِذا لم تر المرأة في أيامها الأخيرة من الحيض وقبل طُهرها أثرًا للدّم، ولم تلحظ القصة البيضاء؛ فهي حائض ما دامت في عادتها.\n* إِذا شعرت المرأة بألم العادة، ولم تَرَ دمًا قبل غروب الشمس؛ فإِنَّها تُتمّ صومها وتؤدّي صلاتها، إِذ الضابط في الحُكم على الحيض رؤيتها الدّم، وكذلك إِذا لم تجزم أنَّ دمها دمُ حيض، فلا يُحكم لها بالحيض حتى تجزم.\n* إذا اضطرب موعد قدوم الدورة؛ فإِنَّها تنظر إِلى لون الدَّم؛ لأنَّ دم الحيض أسود يُعرف.\n* كفَّارة من أتى زوجته وهي نفساء ككفّارة من أتاها وهي حائض.\n* إِذا نزلت نقاط يسيرة من الدَّم من المرأة طوال شهر، فلا شكَّ أنَّها مرَّت في عادتها من الحيض، إِذا لم تكن حاملًا، فهي أدرى بنفسها؛ فيما إِذا كانت معتادة. يعني لها عادة كل شهر، تحيضُ في الأسبوع الأول أو الثاني أو الثالث أو الرابع -فهي وهذه الحالة، تُمسِك عن الصَّلاة والصيام في الأيّام التي\n_________\n(١) استفدتُ هذا إلى آخر الباب من شيخنا -حفظه الله تعالى- من مجالستي له، ومن خلال بعض الاستفسارات، وذكرْتُه هكذا مُلخصًا، والأدلة والتفصيلات مبثوثة داخل الكتاب في العديد من الأبواب، فلم أُعِدها.","vol":"1","page":298},{"text":"تقدِّرها أنَّها هي أيَّام الحيض، وسائر الأيام من الشهر، تصلّي وتصوم، لأنَّها مستحاضة.\n* إِذا رأت المرأة دمًا في أوان عادتها، ولم تَرَه في بعض الأيام؛ فإِنَّه لا يُنظر إِلى انقطاع الدَّم أو استمراره، فهي حائض ما دامت في عادتها، فالمعتادة لا تنظر إِلى استمرار الدَّم أو انقطاعه، فهي حائض وإن لم تَرَ دمًا.\n* الحُمرة والصُّفرة بعد أيَّام الحيض تُعدّ استحاضة.\n* لا قيمة للكُدرة التي تراها المرأة إلاَّ في أيَّام الحيض، أمَّا قبل الحيض أو بعده ببضعة أيَّام فلا.\n* إِذا كانت المرأة حاملًا ثمَّ أُجريت لها عمديَّة جراحية، وأُخرج الطفل دون نزول دم من المكان المعتاد، فإِنَّها لا تمضي عليها أحكام النّفاس، ولا تُعدّ نفساء.\n* إِذا أُصيبت الحامل بحادث، وأجهضت الجنين، مُصاحبًا ذلك نزيفًا حادًّا؛ فهي نُفَساء.","vol":"1","page":299},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-281>الصَّلاة</span>\nالصَّلاةُ في اللغة: الدُّعاء، قال الله تعالى: ﴿وَصَلِّ عليهم إِنَّ صلاتَكَ سكَنٌ لهم﴾ (١) أي: ادعْ لهم، وقال النّبيّ - ﷺ -: \"إِذا دُعي أحدكم فليُجب، فإِن كان مُفطرًا؛ فليطعَم وإِن كان صائمًا؛ فليصلِّ\" (٢).\nوقال الشاعر:\nتقول بنتي وقد قرَّبت مرتحلا ... يا ربِّ جنّب أبي الأوصاب والوجعا\nعليك مِثل الذي صليت فاغتمضي ... نومًا فإِنَّ لجنب المرء مضطجعا (٣).\nومعناها في اصطلاح الفقهاء: أقوالٌ وأفعالٌ مُفتَتَحةٌ بالتكبير، مختَتَمةٌ بالتسليم، بشرائطَ مخصوصةٍ، وهذا التعريف يشمل كلّ صلاةٍ مفتتحةٍ بتكبيرة الإِحرام، ومختتمةٍ بالسلام، ويخرج عنه سجود التلاوة وهو سجدة واحدة عند سماع آية من القرآن المشتملة على ما يترتّب عليه ذلك السجود من غير تكبير، أو سلام\" (٤).\nجاء في \"المغني\" (١/ ٣٧٦) (٥): \"وهي واجبةٌ بالكتاب والسنَّة والإِجماع، أمَّا الكتاب فقول الله تعالى: ﴿وما أمروا إِلاَّ ليعبدوا الله مخلِصين\n_________\n(١) التوبة: ١٠٣\n(٢) أخرجه مسلم: ١٤٣١، وغيره.\n(٣) عن كتاب \"المغني\" (١/ ٣٧٦).\n(٤) \"الفقه على المذاهب الأربعة\" (١/ ١٦٠).\n(٥) بحذف وتصرُّفٍ يسيرين.","vol":"1","page":300},{"text":"له الدين حُنفاءَ ويقيموا الصَّلاة ويُؤتوا الزكاة وذلك دين القَيِّمة﴾ (١).\nوأمَّا السُّنّة؛ فقد ثبَت عن ابن عمر عن النّبيّ - ﷺ - أنَّه قال: \"بُني الإِسلام على خمس: شهادةِ أن لا إِله إلاَّ الله وأنَّ محمّدًا رسول الله، وإِقامِ الصَّلاة، وإيتاءِ الزكاة والحجِّ وصومِ رمضان\" (٢).\nوأمَّا الإِجماع؛ فقد أجمعت الأمَّة على وجوب خمس صلوات في اليوم والليلة\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-282>فضل الصلاة ومنزلتها في الإِسلام </span>(٣)\nللصلاة منزلةٌ عظيمةٌ في الإِسلام وقد ورد في ذلك آيات كثيرة والمتتبّع لآيات القرآن الكريم يرى أنَّ الله سبحانه يذكُر الصَّلاةَ ويقرِنُها بالذِّكر تارةً: ﴿إنَّ الصَّلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذِكْر الله أكبر﴾ (٤)، ﴿قدْ أفلحَ من تزكَّى وذكَرَ اسمَ ربِه فصلَّى﴾ (٥)، ﴿وأقم الصَّلاة لذِكْري﴾ (٦).\nوتارةً يَقرِنُها بالزكاة: ﴿وأقيموا الصَّلاة وآتوا الزكاة﴾ (٧)، ومرّة بالصبر:\n_________\n(١) البيّنة: ٥\n(٢) أخرجه البخاري: ٨، ومسلم: ١٦، وغيرهما.\n(٣) انظر كتابي \"الصلاة وأثرها في زيادة الإِيمان وتهذيب النفس\".\n(٤) العنكبوت: ٤٥\n(٥) الأعلى: ١٤، ١٥\n(٦) طه: ١٤\n(٧) البقرة: ١١٠","vol":"1","page":301},{"text":"﴿واستعينوا بالصَّبر والصَّلاة﴾ (١)، وطورًا بالنُّسك: ﴿فَصَلِّ لرَبِّك وانْحَرْ﴾ (٢)، ﴿قُلْ إِنَّ صلاتي ونُسُكي ومحْيَايَ ومَمَاتي لله رَبِّ العالمينَ لا شريكَ لهُ وبِذَلِكَ أُمرتُ وأنا أوَّل المُسلمِين﴾ (٣).\nوأحيانًا يفتَتِح بها أعمال البر ويختتمها بها، كما في سورة \"المعارج\" وفي أول سورة المؤمنين: ﴿قدَ أفلح المُؤمنُون * الذينَ هُم في صلاتهم خاشعُونَ﴾ إلى قوله: ﴿والذين هُم على صلواتهم يُحافظونَ * أولئكَ هُمُ الوارِثونَ * الذين يرِثونَ الفردوسَ هُم فيها خالدون﴾ (٤).\nوقد بَلغَ من عناية الإِسلام بالصَّلاة، أنْ أمرَ بالمحافظة عليها في الحضر والسفَر، والأمن والخوف؛ فقال تعالى: ﴿حافظوا على الصَلَوَات والصَّلاة الوُسطى وقوموا لله قانتين * فإِنْ خفتم فَرِجالًا أو رُكبَانًا فإِذا أمنْتم فاذكروا الله كما علَّمكم ما لم تكونوا تعلمون﴾ (٥)، وقال مُبَيِّنًا كيفيَّتَها في السفر والحرب والأمن: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا * وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا\n_________\n(١) البقرة: ٤٥\n(٢) الكوثر: ٢\n(٣) الأنعام: ١٦٢، ١٦٣\n(٤) المؤمنون: ١ - ١١\n(٥) البقرة: ٢٣٨، ٢٣٩","vol":"1","page":302},{"text":"فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا * فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (١).\nوقد شدَّد النكيرَ على من يُفرِّط فيها، وهدَّد الذين يُضيّعونها. فقال جلَّ شأنه: ﴿فَخَلفَ من بعدهِم خلْفٌ أضاعوا الصَّلاةَ واتَّبعُوا الشّهواتِ فسوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ (٢)، وقال: ﴿فويلٌ للمُصَلّينَ * الذينَ همْ عنْ صلاتهم ساهون﴾ (٣).\nولأنَّ الصَّلاة من الأمور الكبرى التي تحتاجِ إِلى هداية خاصّة، سأَل إِبراهيمِ ﵇ ربّه، أن يجعله هو وذريّته مقيمًا لها فقال: ﴿رَبِّ اجعلني مُقيم الصَّلاةِ ومن ذُرّيتي ربّنا وتقبَّلْ دُعاء﴾ (٤) \" (٥).\nوقد وردَت أحاديثُ كثيرةٌ في فضل الصَّلاة وسموّ منزلتها في الدين، منها:\n_________\n(١) النساء: ١٠١ - ١٠٣\n(٢) مريم: ٥٩\n(٣) الماعون: ٤، ٥\n(٤) إِبراهيم: ٤٠\n(٥) انظر كتاب \"فقه السنّة\" (١/ ٩٠ - ٩٢) للسيد سابق -حفظه الله تعالى-.","vol":"1","page":303},{"text":"حديث معاذ بن جبل -﵁- قال: \"كنتُ مع النّبيّ - ﷺ - في سفَر، فأصبحْتُ يومًا قريبًا منه، ونحن نسير، فقلت: يا رسول الله أخبِرني بعمل يُدخلني الجنَّة، ويباعدني من النَّار، قال: لقد سأَلتَني عن عظيم، وإنَّه ليسير على من يسَّره الله عليه: تعبدُ الله ولا تشركُ به شيئًا، وتقيمُ الصَّلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحجّ البيت، ثمَّ قال: ألا أدلّك على أبواب الخير؟ الصوم جُنَّة (١)، والصدقة تُطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النَّار، وصلاة الرجل في جوف الليل، قال: ثمَّ تلا: ﴿تتجافى جُنوبُهم عن المضاجع﴾ حتى بلغ: ﴿يعملون﴾ (٢)، ثمَّ قال: ألا أخبرك برأس الأمر وعَموده، وذِروة سَنامه؟ (٣) قلتُ: بلى يا رسول الله: قال: رأس الأمر الإِسلام وعموده الصَّلاة، وذروة سَنامه الجهاد، ثمَّ قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كلِّه؟ قلت: بلى يا نبيّ اللهَ، فأخذَ بلسانه، قال: كُفَّ عليك هذا، فقلتُ: يا نبيّ الله وإِنَّا لمؤاخذون بما نتكلّم به؟ فقال: ثَكِلَتْك (٤) أمّك يا معاذ! وهل يكُبُّ النّاسَ في النَّار على وجوههم أو على مناخرهم إلاَّ حصائدُ ألسنتهم\" (٥).\n_________\n(١) أي: يقي صاحبه ما يُؤذيه من الشهوات؛ والجُنّة: الوقاية. \"النهاية\".\n(٢) السجدة: ١٦ - ١٧\n(٣) الذِّروة: أعلى سَنام البعير، وذِروة كلِّ شيء أعلاه. \"النهاية\". السَّنام: كُتل من الشحم محدّبة على ظهر البعير والناقة، والسَّنام من كل شيء أعلاه. \"الوسيط\".\n(٤) قال في \"النهاية\" -بحذف-: أي: فقَدَتْك، والثُّكْل: فقْد الولد، والموت يعم كلَّ أحد، فإِذن الدعاء عليه كلا دُعاء ... ويجوز أن يكون من الألفاظ التي تجري على ألسنة العرب، ولا يُراد بها الدعاء كقوله تربت يداك ....\n(٥) أخرجه الترمذي وابن ماجه وأحمد، وهو حديث صحيح بطُرُقه، خرَّجه شيخنا في \"الإرواء\" (٤١٣).","vol":"1","page":304},{"text":"وعن أنس بن مالك -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"أوّل ما يحايسَبُ به العبد يوم القيامة الصَّلاة، فإِن صلحت؛ صلح سائر عمله، وإِنْ فسدت؛ فسد سائر عمله\" (١).\nوعن أبي هريرة أنَّه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: \"أرأيتم لو أنَّ نهرًا بباب أحدِكم يغتسلُ فيه كلَّ يوم خمسًا؛ ما تقولُ ذلك يُبقي من درنه؟ قالوا: لا يُبقي من درنه (٢) شيئًا. قال: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله به الخطايا\" (٣).\nوعن ابن مسعود -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"تحترقون تحترقون (٤)، فإِذا صلّيتم الصُّبحَ غَسَلَتْها، ثمَّ تحترقون تحترقون، فإِذا صلّيتم الظهرَ غَسَلَتها، ثمَّ تحترقون تحترقون، فإِذا صلّيتم العصر غَسَلَتها، ثمَّ تحترقون تحترقون، فإِذا صليتم المغرب غَسَلَتها، ثمَّ تحترقون تحترقون، فإِذا صلّيتم العشاء غَسَلَتها، ثمَّ تَنامون فلا يُكتبُ عليكم حتى تَستَيْقظوا\" (٥).\n_________\n(١) أخرجه الطبراني في \"الأوسط\"، وصححه شيخنا بمجموع طُرُقه في \"الصحيحة\" (١٣٥٨).\n(٢) أي: وسخه.\n(٣) أخرجه البخاري: ٥٢٨، ومسلم: ٦٦٧\n(٤) الإِحراق: الإِهلاك، وهو من إِحراق النار. \"النهاية\". والمراد هنا: استحقاق الهلاك لاقتراف الذنوب والآثام.\n(٥) قال المنذري في \"الترغيب والترهيب\" (١/ ٢٣٤): رواه الطبراني في \"الصغير\" و\"الأوسط\" وإسناده حسن. ورواه في \"الكبير\" موقوفًا عليه، وهو أشبه، ورواته محتجٌّ بهم في الصحيح، وحسّنه شيخنا في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٣٥١).","vol":"1","page":305},{"text":"وعن سعد بن أبي وقاص -﵁- قال: \"كان رجلان أخَوان، فهلكَ أحدهما قبل صاحبه بأربعين ليلة، فَذُكِرَتْ فضيلة الأول منهما عند رسول الله - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ -: \"ألم يكن الآخر مسلمًا؛ قالوا: بلى، وكان لا بأس به. فقال رسول الله - ﷺ-: \"وما يُدريكم ما بَلَغَتْ به صلاته؟ إِنَّما مثَل الصَّلاةِ كمثل نهرٍ عَذْبٍ غَمْرٍ، بباب أحدكم، يَقْتَحم فيه كلَّ يوم خمس مرات، فما ترَون في ذلك يُبقي من درنه؟ فإِنّكم لا تدرون ما بلَغتْ به صلاته\" (١).\nوعن أبي هريرة -﵁- قال: \"كان رجلان من بَلِي من -قضاعة- أسلما مع رسول الله - ﷺ -، فاستشهد أحدهما، وأُخِّر الآخرُ سنةً، فقال طلحة بن عبيد الله: فرأيتُ المؤخَّرَ منهما أُدخلَ الجنَّة قبل الشهيد، فتعجّبتُ لذلك، فأصبحتُ، فذكرتُ ذلك للنبي - ﷺ - أو ذُكر لرسول الله - ﷺ - فقال رسول الله - ﷺ -: \"أليس قد صام بعده رمضانَ، وصلَّى ستةَ آلاف ركعةٍ، وكذا وكذا ركعةً، صلاةَ سنةٍ؟ \" (٢).\n_________\n(١) قال المنذري في \"الترغيب والترهيب\" (١/ ٢٤٣): رواه مالك واللفظ له، وأحمد بإِسناد حسن، والنسائي وابن خزيمة في \"صحيحه\" إِلا أنَّه قال: عن عامر بن سعد ابن أبي وقاص قال: سمعتُ سعدًا وناسًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - يقولون: \"كان رجلان أخوان في عهد رسول الله - ﷺ -، وكان أحدهما أفضل من الآخر، فتوفِّي الذي هو أفضلهما، ثمَّ عُمِّر الآخرُ بعده أربعين ليلة، ثمَّ توفّي، فذُكر ذلك لرسول الله - ﷺ - فقال: \"ألم يكن يصلي؟ \" قالوا: بلى يا رسول الله، وكان لا بأس به، فقال رسول الله - ﷺ -: \"وماذا يُدريكم ما بلغَت به صلاته ... \" الحديث.\nقال شيخنا: \"وهذا اللفظ هو عند أحمد (١٥٣٤) أيضًا\"، وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٣٦٤).\n(٢) قال المنذري في \"الترغيب والترهيب\" (١/ ٢٤٤): رواه أحمد بإِسناد حسن =","vol":"1","page":306},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-283>حُكم ترْك الصَّلاة</span>\nعن جابر -﵁- قال: سمعتُ النّبيّ - ﷺ - يقول: \"إِنَّ بين الرجل وبين الشرك والكُفر تركَ الصَّلاة\" (١).\nوعن بريدة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"العهد الذي بيننا وبينهم الصَّلاة، فمَن تركها فقد كفر\" (٢).\nوعن عبد الله بن شقيق قال: \"كان أصحاب رسول الله - ﷺ - لا يَرون شيئًا من الأعمال تركُه كفرٌ غير الصَّلاة\" (٣).\nإِنَّ ما تقدم من النصوص ينطق بكفر تارك الصَّلاة، ولكن هل هو كفر مُخرجٌ من الملّة؟ أم هو كُفر دون كُفر؟ وهل هو كفر عمل أم كفر اعتقاد (٤)؟\nومن الأمور المتفق عليها؛ أنَّ من لم يقر بوجوب الصلاة فهو كافر، بالنص\n_________\n= ورواه ابن ماجه وابن حبان في \"صحيحه\" والبيهقي كلهم عن طلحة بنحوه، أطول منه. وزاد ابن ماجه وابن حبان في آخره: \"فلما بينهما أبعدُ ممّا بين السماء والأرض\".\nوانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٣٦٦).\n(١) أخرجه مسلم: ٨٢\n(٢) أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه والترمذي وقال حديث حسن صحيح، وصححه الحاكم والذهبي ووافقهم شيخنا في \"المشكاة\" (٥٧٤).\n(٣) أخرجه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٢١١٤)، وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٥٦٢).\n(٤) وانظر كلام ابن القيم -رحمه الله تعالى- الآتي قريبًا بإِذن الله -سبحانه-.","vol":"1","page":307},{"text":"والإِجماع (١).\nجاء في \"النهاية\": \" ... ومنه الحديث: \"من قال لأخيه: يا كافر؛ فقد باء به أحدهما\" لأنَّه إِمَّا أن يصدُق عليه أو يكذب، فإِن صدَق فهو كافر، وإن كذب عاد الكُفر إِليه بتكفيره أخاه المسلم.\nوالكُفر (٢) صنفان: أحدهما الكُفر بأصل الإِيمان وهو ضدُّه، والآخر الكُفر بفَرْعٍ من فروع الإِسلام، فلا يَخْرج به عن أصْل الإِيمان.\nوقيل: الكُفر على أربعة أنحاء: كُفر إِنكار، بألاَّ يعرف الله أصلًا ولا يعترف به.\nوكُفر جُحود، ككُفر إِبليس، يعرف الله بقلبه ولا يُقِرّ بلسانه (٣).\nوكُفر عِنَاد، وهو أن يعترف بقلبه ويعترف بلسانه ولا يدين به؛ حسدًا وبغيًا، ككُفَر أبي جهل وأضرابه.\nوكُفر نفاق، وهو أن يُقرّ بلسانه ولا يعتقد بقلبه.\nقال الهروي: سُئل الأزهري عمّن يقول بخلق القرآن: أتسمِّيه كافرًا؟ فقال: الذي يقوله كُفر، فأُعيد عليه السؤال ثلاثًا ويقول مِثل ما قال، ثمَّ قال في الآخر: قد يقول المسلم كُفرًا.\nومنه حديث ابن عباس قيل له: \" ﴿ومن لم يحكُم بما أنزَل الله فأولئك\n_________\n(١) وسيأتي كلام شيخ الإِسلام -رحمه الله تعالى- في ذلك غير بعيد بإِذن الله -سبحانه-.\n(٢) انظر تقسيم ابن القيم -﵀- للكفر في \"مدارج السالكين\" (١/ ٣٣٧).\n(٣) بل كفره كفر إِباء واستكبار، وهو قول ابن القيم -﵀- في \"مدارج السالكين\" (١/ ٣٣٧).","vol":"1","page":308},{"text":"هم الكافرون﴾ (١) قال: هم كَفَرة، وليسو كمن كفَر بالله واليوم الآخر\".\nومنه حديثه الآخر: \"إِنَّ الأوس والخزرج ذكروا ما كان منهم في الجاهلية، فثار بعضهم إِلى بعض بالسيوف، فأنزل الله تعالى: ﴿وكيفَ تكفرونَ وأنتم تُتلى عليكُمْ آياتُ الله وفيكُم رسولُه﴾ (٢) ولم يكن ذلك على الكُفر بالله، ولكن على تغطيتهم ما كانوا عليه من الأُلفة والمودَّة\" (٣). انتهى.\nقال النووي -﵀- في شرح حديث مسلم المتقدّم -بحذف-: \"إِنَّ بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصَّلاة\": \"وأمَّا تارك الصَّلاة فإِن كان مُنكِرًا لوجوبها فهو كافر بإِجماع المسلمين، خارج من ملّة الإِسلام؛ إلاَّ أن يكون قريب عهد بالإِسلام ولم يخالط المسلمين مدّة؛ يبلغه فيها وجوب الصَّلاة عليه، وإِن كان ترَكه تكاسلًا مع اعتقاده وجوبها -كما هو حال كثير من النَّاس- فقد اختلف العلماء فيه فذهب مالك والشافعي -رحمهما الله- والجماهير من السلف والخلف إِلى أنَّه لا يكفر، بل يفسق ويُستتاب، فإِنْ تاب وإِلا قتلناه حدًّا كالزاني المحصَن، ولكنَّه يُقتل بالسيف، وذهب جماعة من السلف إِلى أنّه يكفر وهو مرويٌّ عن عليّ بن أبي طالب وهو إِحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل -﵀- وبه قال عبد الله بن المبارك وإسحاق بن راهويه، وهو وجه لبعض أصحاب الشافعي -رضوان الله عليه- وذهب أبو حنيفة وجماعة من أهل الكوفة والمزني صاحب الشافعي\n_________\n(١) المائدة: ٤٤\n(٢) آل عمران: ١٠١\n(٣) إِنْ صحّ هذا الخبر، وهناك كلام طيب لابن كثير في هذا الموضع فارجِع إِليه -إِن شئت-.","vol":"1","page":309},{"text":"-رحمهما الله- أنَّه لا يكفر ولا يقتل، بل يُعزّر ويُحبس حتى يصلّي، واحتجّ من قال بكفره بظاهر الحديث الثاني المذكور وبالقياس على كلمة التوحيد، واحتجّ من قال لا يُقتل بحديث \"لا يحلّ دم امرئ مسلم إلاَّ بإِحدى ثلاث ... \" (١) وليس فيه الصَّلاة، واحتجّ الجمهور على أنَّه لا يكفَّر بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الله لا يغفر أن يُشرَك به ويَغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ (٢) وبقوله - ﷺ -: \"من قال لا إله إلاَّ الله دخل الجنة\"، \"من مات وهو يعلم أن لا إِله إلاَّ الله دخل الجنَّة\"، \"ولا يلقى اللهَ تعالى عبدٌ بهما غير شاكٍّ فيُحجب عن الجنَّة\" (٣)، \"حرم الله على النَّار من قال لا إِله إلاَّ الله ... \" (٤). وغير ذلك، واحتجّوا على قتله بقوله تعالى: ﴿فإِنْ تابوا وأقاموا الصَّلاة وآتَوُا الزكاة فخلّوا سبيلهم﴾ (٥)، وقوله - ﷺ -: \"أُمِرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إِله إلاَّ الله، ويقيموا الصَّلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا منّي دماءهم وأموالهم\" (٦).\nوتأوّلوا قوله - ﷺ -: \"بين العبد وبين الكفر ترك الصَّلاة\" (٧)، على معنى أنَّه\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٦٨٧٨، ومسلم: ١٦٧٦\n(٢) النساء: ٤٨\n(٣) أخرجه مسلم: ٢٦، ٢٧\n(٤) أخرجه مسلم: ٢٩\n(٥) التوبة: ٥\n(٦) أخرجه البخاري: ٢٥، ومسلم: ٢٢\n(٧) تقدّم تخريجه.","vol":"1","page":310},{"text":"يستحق بترك الصَّلاة عقوبة الكافر وهي القتل، أو أنَّه محمول على المستحلّ، أو على أنَّه قد يؤول به إِلى الكفر، أو أن فِعله فِعل الكفّار والله أعلم\".\nوفي \"مجموع الفتاوى\" (٢٢/ ٤٠) لشيخ الإِسلام ابن تيمية: \"وسُئل -﵀- عن تارك الصَّلاة من غير عُذر، هل هو مسلم في تلك الحال؟\nفأجاب: أمَّا تارك الصَّلاة؛ فهذا إِن لم يكن معتقدًا لوجوبها فهو كافر بالنصّ والإِجماع، لكنْ إِذا أسلم ولم يعلم أنَّ الله أوجب عليه الصَّلاة، أو وجوب بعض أركانها؛ مِثل أن يصلّي بلا وضوء، فلا يعلم أنَّ الله أوجب عليه الوضوء، أو يصلّي مع الجنابة فلا يعلم أنَّ الله أوجب عليه غُسل الجنابة، فهذا ليس بكافر إِذا لم يعلم.\nوقال (ص ٤٨): \"وإِذا صبر حتى يقتل فهل يقتل كافرًا مرتدًا، أو فاسقًا كفسّاق المسلمين؟ على قولين مشهورين؛ حُكيا روايتين عن أحمد، وهذه الفروع لم تُنقَل عن الصحابة، وهي فروع فاسدة، فإِنْ كان مقرًّا بالصَّلاة في الباطن، معتقدًا لوجوبها، يمتنع أن يصرّ على تركها حتى يقتل وهو لا يصلّي، هذا لا يُعرَف من بني آدم وعادتهم؛ ولهذا لم يقع هذا قطّ في الإِسلام، ولا يعرف أنَّ أحدًا يعتقد وجوبها، ويقال له: إِنْ لم تصلّ وإِلاَّ قتلناك، وهو يصرّ على تركها، مع إِقراره بالوجوب، فهذا لم يقع قطّ في الإِسلام.\nومتى امتنع الرجل من الصَّلاة حتى يقتل لم يكن في الباطن مقرًّا بوجوبها، ولا ملتزمًا بفِعلها، وهذا كافر باتفاق المسلمين، كما استفاضت الآثار عن الصحابة بكفر هذا، ودلّت عليه النصوص الصحيحة.","vol":"1","page":311},{"text":"كقوله - ﷺ -: \"ليس بين العبد وبين الكفر إلاَّ ترك الصَّلاة\". رواه مسلم (١).\nوقوله: \"العهد الذي بيننا وبينهم الصَّلاة فمن تركَها فقد كفَر\". وقول عبد الله بن شقيق: \"كان أصحاب محمد لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كُفر إلاَّ الصَّلاة\".\nفمن كان مُصرًّا على تركها حتى يموت، لا يسجد لله سجدة قط، فهذا لا يكون مسلمًا مقرًَّا بوجوبها، فإِنّ اعتقاد الوجوب، واعتقاد أنّ تاركها يستحقّ القتل؛ هذا داعٍ تامٌّ إِلى فعلها، والداعي مع القدرة يوجب وجود المقدور، فإِذا كان قادرًا ولم يفعل قطّ؛ علم أنَّ الداعي في حقّه لم يوجد، والاعتقاد التام لعقاب التارك باعث على الفعل، لكن هذا قد يعارضه أحيانًا أمور توجب تأخيرها وترْك بعض واجباتها، وتفويتها أحيانًا.\nفأمَّا من كان مُصرًّا على تركها لا يصلّي قطّ، ويموت على هذا الإِصرار والترك؛ فهذا لا يكون مسلمًا؛ لكن أكثر النَّاس يصلّون تارة، ويتركونها تارة، فهؤلاء ليسوا يحافظون عليها، وهؤلاء تحت الوعيد، وهم الذين جاء فيهم الحديث الذي في \"السنن\" حديث عبادة عن النّبيّ - ﷺ - أنَّه قال: \"خمس صلوات كتبهنّ الله على العباد في اليوم والليلة، من حافظ عليهنّ؛ كان له عهد عند الله أنْ يدخله الجنّة، ومن لم يحافظ عليهنّ لم يكن له عهد عند الله، إِنْ شاء عذّبه وإنْ شاء غفر له\" (٢).\n_________\n(١) وتقدم تخريجه.\n(٢) أخرجه أحمد وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٤١٠)، وغيرهما وهو حديث صحيح خرّجه شيخنا في \"المشكاة\" (٥٧٠)، وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٣٦٣) و\"السنّة\" لابن أبي عاصم (٩٦٧).","vol":"1","page":312},{"text":"فالمحافظ عليها الذي يصلّيها في مواقيتها، كما أمر الله تعالى، والذي ليس يؤخّرها أحيانًا عن وقتها، أو يترك واجباتها، فهذا تحت مشيئة الله تعالى، وقد يكون لهذا نوافل يكمل بها فرائضه، كما جاء في الحديث\".\nوجاء (ص ٥٣) -منه-: \"وسئل عن رجل يأمره الناس بالصَّلاة ولم يصلّ فما الذي يجب عليه؟\nفأجاب: إِذا لم يصلّ فإِنَّه يستتاب، فإِن تاب وإِلاَّ قُتل، والله أعلم\".\nويظهر من كلام شيخ الإِسلام -﵀- أنه قد قسم الناس إِلى أربعة أقسام:\n١ - الممتنع منها حتى يُقَتل؛ كما في قوله المتقدم: \"ومتى امتنع الرجل من الصلاة حتى يقتل؛ لم يكن في الباطن مقرًا لوجوبها، ولا ملتزمًا بفعلها، وهذا كافر باتفاق المسلمين\".\n٢ - المُصرّ على الترك؛ كما يظهر في قوله: \"فمن كان مصرًا على تركها حتى يموت؛ لا يسجد لله سجدةً قط؛ فهذا لا يكون مسلمأ مُقرًّا بوجوبها\". بمعنى أنه يرى -﵀- كُفره.\n٣ - الذي لا يحافظ عليها ويظهر من قوله: \"لكنّ أكثر الناس يُصلّون تارة ويتركونها تارة ... \" وهذا تحت المشيئة؛ لحديث عبادة بن الصامت -﵁- المشار إِليه آنفًا.\n٤ - المؤمنون المحافظون على الصلاة، وهم أصحاب العهد في دخول الجنّة. وبهذا يرى شيخ الإِسلام -﵀- أن الامتناع من الصلاة حتى القتل،","vol":"1","page":313},{"text":"أو الإِصرار على الترك؛ قرينتان للكفر، فقد قال -﵀- في الممتنع: \" ... لم يكن في الباطن مقرًّا بوجوبها\"، وقال -﵀- في المُصرّ على الترك (٢٢/ ٤٨): \" ... فهذا لا يكون قطُّ مسلمًا مقرًّا بوجوبها\".\nوبهذا ينحصر الخلاف في المُصرّ على الترك، وهو المُشكل في كل الأقسام، وعليه مدار البحث والنظر، وتحقيق مناط الحُكم مرتبِطٌ بتنقيح مناطه، ويعود الأمر إِلى الإِقرار بالوجوب وعدمه. وبالله التوفيق.\nوجاء أيضًا في \"مجموع الفتاوى\" (٢٤/ ٢٨٥) -بحذف-: \"وسُئل -﵀- عن الصلاة على الميت الذي كان لا يصلّي، هل لأحد فيها أجر أم لا؟ وهل عليه إِثم إِذا ترَكها مع عِلمه أنه كان لا يصلّي؟ وكذلك الذي يشرب الخمر، وما كان يصلّي؛ هل يجوز لمن كان يعلم حاله أنْ يصلّي عليه أم لا؟\nفأجاب: أمّا من كان مظهِرًا للإِسلام، فإِنّه تجري عليه أحكام الإِسلام الظاهرة؛ من المناكحة، والموارثة، وتغسيله، والصلاة عليه، ودفنه في مقابر المسلمين، ونحو ذلك، لكن من عُلِم منه النفاق والزندقة، فإِنه لا يجوز لمن عَلِم ذلك منه الصلاة عليه؛ وإن كان مُظهِرًا للإِسلام\".\nوقال (ص ٢٨٦): \"وكلّ من لم يُعلَم منه النفاق وهو مسلم؛ يجوز الاستغفار له والصلاة عليه بل يشرع ذلك\".\nوجاء (ص ٢٨٧) منه: \"وسُئل عن رجل يصلي وقتًا، ويترك الصلاة كثيرًا، أو لا يصلّي هل يصلّى عليه؟","vol":"1","page":314},{"text":"فأجاب: مثل هذا ما زال المسلمون يصلّون عليه، بل المنافقون الذين يكتمون النفاق يصلّي المسلمون عليهم، ويُغسَّلون، وتجري عليهم أحكام الإِسلام؛ كما كان المنافقون على عهد رسول الله - ﷺ -، وإِن كان من علم نفاق شخص؛ لم يجُز له أن يصلّي عليه، كما نُهي النبي - ﷺ - عن الصلاة على من عَلم نفاقَه، وأمّا من شُكّ في حاله؛ فتجوز الصلاة عليه، إِذا كان ظاهره الإِسلام\".\nوقال ابن القيّم -﵀- في كتاب \"الصلاة وحُكم تاركها\" (ص ٣٨) في المسألة الأولى -وقد رجّح استتابة تارك الصلاة: المسألة الثانية: \" ... أنه لا يقتل حتى يُدعى إِلى فِعلها فيمتنع\".\nفماذا إِذا لم يُدع ولم يُستَتب؟ وماذا إِذا لم يُهدَّد بالقتل من الحاكم، أيُحكَم عليه بالكفر، وهذا هو واقعنا مع الأسف، فتنبّه وتدبّر.\nومِثله ما جاء في \"الاختيارات\" (ص٣٢) في ردّ شيخ الإِسلام -﵀- على متأخري الفقهاء: \" ... إِذ يمتنع أن يعتقد أنّ الله فرَضها ولا يفعلها، ويصبر على القتل؛ هذا لا يفعله أحد قطّ\" وقد سبقت الإِشارة إِلى مِثل هذا، وانظر \"مجموع الفتاوى\" (٧/ ٢١٨) فإِن فيه تفصيلًا أكثر.\nوجاء في \"المرقاة\" (٢/ ٢٧٦): \"فمن تركها فقد كفر: أي: أظهر الكُفر وعمل عمل أهل الكُفر فإِنّ المنافق نفاقًا اعتقاديًا كافر، فلا يُقال في حقّه كَفر\".\nوجاء في \"الصحيحة\" (١/ ١٧٤) -بحذف-: \"فالجمهور على أنَّه لا يكفُر بذلك، بل يفسق، وذهب أحمد -في رواية- إِلى أنَّه يكفر، وأنَّه يُقتَل ردّة لا حدًّا، وقد صحّ عن الصحابة أنَّهم كانوا لا يرون من الأعمال شيئًا ترْكه كُفر غير الصَّلاة. رواه الترمذي والحاكم.","vol":"1","page":315},{"text":"وأنا أرى أنَّ الصواب رأي الجمهور، وأنّ ما ورَد عن الصحابة ليس نصًّا على أنَّهم كانوا يريدون بـ (الكفر) هنا الكفر الذي يُخلِّد في النار ...\nثمَّ وقفْتُ على \"الفتاوى الحديثة\" (٨٤/ ٢) للحافظ السخاوي، فرأيته يقول بعد أن ساق بعض الأحاديث الواردة في تكفير تارك الصَّلاة -وهي مشهورة معروفة-: \"ولكن؛ كل هذا إِنَّما يُحمل على ظاهره في حقّ تاركها جاحدًا لوجوبها، مع كونه ممَّن نشأ بين المسلمين؛ لأنَّه يكون حينئذ كافرًا مرتدًّا بإِجماع المسلمين، فإِنْ رجع إِلى الإِسلام؛ قُبِل منه وإِلاَّ قُتل.\nوأمّا من تركَها بلا عذر بل تكاسلًا مع اعتقاد وجوبها؛ فالصحيح المنصوص الذي قطَع به الجمهور أنَّه لا يكفر، وأنَّه -على الصحيح أيضًا بعد إِخراج الصَّلاة الواحدة عن وقتها الضروري؛ كأن يترك الظهر مثلًا حتى تغرب الشمس، أو المغرب حتى يطلع الفجر؛ يستتاب كما يستتاب المرتدّ، ثمَّ يُقتل إِن لم يَتُب، ويُغسل ويصلَّى عليه ويُدفن في مقابر المسلمين، مع إِجراء سائر أحكام المسلمين عليه (١)، ويؤول إِطلاق الكفر عليه لكونه شاركَ الكافر في بعض أحكامه، وهو وجوب العمل؛ جمعًا بين هذه النصوص وبين ما صحّ أيضًا عنه - ﷺ - أنَّه قال: \"خمس صلوات كتبهنّ الله ... (فذكر الحديث، وفيه:) إِنْ شاء عذبه، وإِن شاء غفر له\"، وقال أيضًا: \"من مات وهو يعلم أن لا إِله إلاَّ الله؛ دخل الجنّة\" إِلى غير ذلك ... ولهذا لم يزل المسلمون يَرِثون تارك الصَّلاة ويورّثونه، ولو كان كافرًا؛ لم يُغفر له؛ لم يَرِث ولم يُورَث\".\nوقد ذكر نحو هذا الشيخ سليمان عبد الله في \"حاشيته على المقنع\"\n_________\n(١) سيأتي كلام شيخنا في إِبطال هذا؛ عما قريب -بإِذن الله تعالى-.","vol":"1","page":316},{"text":"(١/ ٩٥ - ٩٦)، وختم البحث بقوله: \"ولأنَّ ذلك إِجماع المسلمين، فإِننا لا نعلم في عصرٍ من الأعصار أحدًا من تاركي الصَّلاة تُرك تغسيلُه والصَّلاة عليه، ولا مُنع ميراث موروثه، مع كثرة تاركي الصَّلاة، ولو كَفَر؛ لثبتت هذه الأحكام، وأمَّا الأحاديث المتقدمة؛ فهي على وجه التغليظ والتشبيه بالكافر لا على الحقيقة؛ كقوله ﵊: \"سِباب المسلم فسوق وقتاله كُفر\" (١)، وقوله: \"من حلف بغير الله فقد أشرك\" (٢)، وغير ذلك. قال الموفق: وهذا أصوب القولين\".\nأقول [أي: شيخنا -حفظه الله-]: نقلْت هذا النص من \"الحاشية\" المذكورة، ليعلم بعض متعصّبة الحنابلة أن الذي ذهَبْنا إِليه ليس رأيًا لنا تفرَّدْنا به دون أهل العلم، بل هو مذهب جمهورهم، والمحققين من علماء الحنابلة أنفسهم؛ كالموفّق هذا -وهو ابن قدامة المقدسي- وغيره؛ ففي ذلك حُجّة كافية على أولئك المتعصبة، تَحْمِلُهم إِنْ شاء الله تعالى على ترك غلَوائهم، والاعتدال في حُكمهم.\nبيد أنَّ هنا دقيقة قَلَّ من رأيته تنبّه لها، أو نبّه عليها، فوجب الكشفُ عنها وبيانها، فأقول:\nإِنَّ التارك للصلاة كسَلًا؛ إِنَّما يصح الحكم بإِسلامه، ما دام لا يوجد هناك ما يكشف عن مكنون قلبه، أو يدلّ عليه، ومات على ذلك قبل أن يستتاب؛ كما هو الواقع في هذا الزمان، أمَّا لو خُيِّر بين القتل والتوبة بالرجوع إِلى\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٤٨، ومسلم: ٦٤\n(٢) أخرجه أحمد وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٧٨٧)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (١٢٤١) وغيرهم، وانظر \"الإِرواء\" (٢٥٦١).","vol":"1","page":317},{"text":"المحافظة على الصَّلاة، فاختار القتل عليها، فقُتل؛ فهو في هذه الحالة يموت كافرًا، ولا يُدفَن في مقابر المسلمين، ولا تَجري عليه أحكامهم؛ خلافًا لما سبق عن السخاوي؛ لأنَّه لا يُعقل -لو كان غير جاحد لها في قلبه - أن يختار القتل عليها، هذا أمر مستحيل معروف بالضرورة من طبيعة الإِنسان، لا يحتاج إِثباته إِلى برهان\". انتهى.\nوكم أعجبني قول بعض طلاب العلم: \"إِنَّ ممّا أخشاه أن يكون المكفّرون لتارك الصلاة مطلقًا؛ قد عظّموا الصَّلاة أكثر من الشهادتين\".\nوعن ابن مسعود -﵁- عن النّبيّ - ﷺ - أنّه قال: \"أُمِرَ بعبد من عباد الله أن يضربَ في قبره مائة جلدة، فلم يزل يسأل ويدعو حتى صارت جلدة واحدة، فجُلدَ جلدةً واحدةً، فامتلأ قبره عليه نارًا، فلما ارتفع عنه وأفاق قال: على ما جلدتموني؟ قالوا: إِنّك صليت صلاةً واحدةً بغير طهورٍ، ومررتَ على مظلومٍ فلم تنصره\" (١).\nقال شيخنا -حفظه الله تعالى- من فقه الحديث: قال الطحاوي عقبه: \"فيه ما قد دل أن تارك الصلاة لم يكن بذلك كافرًا، لأنّه لو كان كافرًا لكان دعاؤه باطلًا لقول الله تعالى: ﴿وما دعاء الكافرين إلاَّ في ضلال﴾.\nونقله عنه ابن عبد البر في \"التمهيد\" (٤/ ٢٣٩)، وأقره، بل وأيده بتأويل الأحاديث الواردة في تكفير تارك الصلاة على أن معناها: \"من ترك الصلاة جاحدًا لها معاندًا مستكبرًا غير مقرّ بفرضها. وألزم من قال بكفره بها وقبلها\n_________\n(١) أخرجه الطحاوي في \"مشكل الآثار\" وغيره، وخرّجه شيخنا في \"الصحيحة\" (٢٧٧٤).","vol":"1","page":318},{"text":"على ظاهرها فيهم أن يكفر القاتل والشاتم للمسلم، وأن يكفر الزاني و... و.. إِلى غير ذلك مما جاء في الأحاديث لا يُخرج بها العلماء المؤمن من الإِسلام، وإِن كان بفعل ذلك فاسقًا عندهم، فغير نكير أن تكون الآثار في تارك الصلاة كذلك\".\nوفي \"المغني\" (٢/ ٢٩٨) بحثٌ نفيسٌ فارجِع إِليه -إِن شئت-.\nثمَّ رأيتُ ردًّا للشيخ علي الحلبي -حفظه الله- على من يقول بتكفير تارك الصلاة إِذا كان غير جاحد لوجوبها، ذكر فيه عددًا من الحجج والبراهين من ذلك:\n١ - في كتاب \"الجامع\" (٢/ ٥٤٦ - ٥٤٧) للخلاّل، عن إِبراهيم بن سعد الزّهري، قال: سألتُ ابن شهابٍ عن الرجل يترك الصلاة؟ قال: \"إِنْ كان إِنّما يتركها أنه يبتغي دينًا غير الإِسلام قُتل، وإِنْ كان إِنّما هو فاسق من الفُسّاق، ضُرب ضربًا شديدًا أو سُجن\".\n٢ - قال الإِمام ابن المنذر في كتاب \"الإِجماع\" (ص ١٤٨) في مسألة تارك الصلاة: \"لم أجِدْ فيها إِجماعًا\" (١) أي: على كُفره.\n٣ - نَقَلَ الحافظ محمد بن نصر المقدسيّ عن ابن المبارك قولَه في تكفير تارك الصلاة -في كتابه \"تعظيم قدر الصلاة\" (٢/ ٩٩٨) -، ثمَّ قال: \"فقيل\n_________\n(١) ومِثله ما ذَكَره في مقدّمة كتاب \"حكم تارك الصلاة\" لشيخنا عن الإِمام محمد ابن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- فقد قال كما في \"الدُّرر السنيّة\" (١/ ٧٠) - جوابًا على من قال عمّا يُكَّفَّر الرجل به؟ وعمّا يقاتَل عليه؟: \"أركان الإِسلام الخمسة؛ أولها الشهادتان، ثمَّ الأركان الأربعة؛ إِذا أقرَّ بها وتركها تهاونًا، فنحن وإنْ قاتلناه على فِعلها فلا نكفره بتركها، والعلماء اختلفوا في كفر التارك لها كسلًا من غير جحود، ولا نكَفّر إلاَّ ما أجمع عليه العلماء كلهم، وهو الشهادتان\".","vol":"1","page":319},{"text":"لابن المبارك: أيتوارثان إِنْ مات؟! أو إِن طَلَّقها يقع طلاقُهُ عليها؟ فقال: أمّا في القياس؛ فلا طلاق ولا ميراث، ولكنْ أَجْبُنُ\" ...\n٤ - قال الإِمام ابن القيّم في \"كتاب الصلاة\" (ص ٥٥): \"وها هنا أصل آخر، وهو أنّ الكفر نوعان: كُفر عمل، وكُفر جحود وعناد. فكُفر الجحود: أن يكفر بما علم أنّ الرسول جاء به من عند الله جُحودًا وعنادًا من أسماء الربّ وصفاته وأفعاله وأحكامه، وهذا الكفر يضادُّ الإِيمان من كل وجه، وأما كُفر العمل، فينقسم إِلى ما يضادّ الإِيمان، وإِلى ما لا يضاده، فالسجود للصنم والاستهانة بالمصحف، وقتل النّبيّ وسّبه يضادّ الإِيمان.\nوأمّا الحكم بغير ما أنزل الله وترك الصلاة، فهو من الكفر العملي قطعًا، ولا يمكن أن يُنفى عنه اسم الكفر؛ بعد أنْ أطلقه الله ورسوله عليه، فالحاكم بغير ما أنزل الله كافر، وتارك الصلاة كافر بنص رسول الله - ﷺ -، ولكنْ هو كفر عمل لا كفر اعتقاد، ومن الممتنع أن يُسمّي الله -سبحانه- الحاكم بغير ما أنزل الله كافرًا، ويُسمّي رسول الله - ﷺ - تارك الصلاة كافرًا، ولا يُطلِق عليهما اسم الكفر، وقد نفى رسول الله - ﷺ - الإِيمان عن الزاني والسارق وشارب الخمر، وعمّن لا يأمن جاره بوائقه، وإِذا نفي عنه اسم الإِيمان، فهو كافر من جهة العمل، وانتفى عنه كُفر الجحود والاعتقاد، وكذلك قوله: \"لا ترْجِعوا بعدي كُفّارًا يضربُ بعضكم رقاب بعض\" (١) فهذا كُفر عمل (٢) \".\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٦٨٦٨، ومسلم: ٦٦\n(٢) قلت: ولا يخفى ما يقوله ابن القيّم -فيما يظهر من كلامه- تبعًا لشيخ الإِسلام -رحمهما الله تعالى- أنه يُعلّق الكفر على تحقُّق الترك، والإِصرار عليه؛ باعتبارهما قرينة على عدم الإِقرار بالوجوب.","vol":"1","page":320},{"text":"٥ - قال الإِمام الشنقيطي -رحمه الله تعالى- في \"أضواء البيان\" (٤/ ٣٤٧) -بعد نقاشٍ طويلٍ في المسألة، وسَرْدٍ مستوعب لأدلة المكفِّرين، وغيرهم-: \"هذا هو حاصل كلام العلماء وأدلتهم في مسألة ترك الصلاة عمدًا؛ مع الاعتراف بوجوبها. وأظهر الأقوال أدلة عندي: قول من قال إِنه كافر، وأجرى الأقوال على مقتضى الصناعة الأصولية وعلوم الحديث قول الجمهور: إِنه كُفر غير مخرج عن الملة لوجوب الجمع بين الأدلة إِذا أمكن.\nوإِذا حمل الكفر والشرك المذكوران في الأحاديث على الكفر الذي لا يخرج من الملة؛ حصل بذلك الجمع بين الأدلة والجمع واجب إِذا أمكن؛ لأن إِعمال الدليلين أولى من إِلغاء أحدهما؛ كما هو معلوم في الأصول وعلم الحديث.\nوقال النووي في \"شرح المهذب\" -بعد أن ساق أدلة من قالوا إِنه غير كافر ما نصه-: \"ولم يزل المسلمون يورّثون تارك الصلاة ويوَرِّثون عنه، ولو كان كافرًا لم يغفر له ولم يرث ولم يورث\".\nمن أجل هذا؛ عدّ الإِمام ابن رشد في كتابه \"بداية المجتهد\" (١/ ٢٢٨) قول مكفّري تارك الصلاة: \" ... مضاهيًا لقول من يكفّر بالذنوب\".\nولعلّه -من أجل ذا- قال العلامة أبو الفضل السَّكْسَكي في كتابه \"البرهان\" (ص ٣٥): \"إِنّ تارك الصلاة -إِذا لم يكن جاحدًا- فهو مسلم -على الصحيح من مذهب أحمد- وأنّ المنصورية يسمّون أهل السنّة مرجئة؛ لأنهم يقولون بذلك، ويقولون: هذا يؤدي إِلى أن الإيمان","vol":"1","page":321},{"text":"عندهم قول بلا عمل\"!\n٦ - قال الإِمام ابن عبد البّر في \"التمهيد\" (٤/ ٢٣٦) مُلزِمًا مكفّري تارك الصلاة -لمجرّد العمل-: \"ويلزم من كَفَّرهم بتلك الآثار (١) وقبلها على ظاهرها فيهم: أن يكفِّر القاتل، والشاتم للمسلم، وأن يكفِّر الزاني، وشارب الخمر، والسارق، والمنتهب، ومن رغب عن نسب أبيه.\nفقد صح عنه - ﷺ - أنّه قال: \"سباب المسلم فسوق وقتاله كفر\" (٢).\nوقال - ﷺ -: \"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ... \" (٣).\nوقال - ﷺ -: \"لا ترغبوا عن آبائكم، فإِنّه كُفرٌ بكم أن ترغبوا عن آبائكم\" (٤).\nوقال أيضًا: \"لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض\" (٥).\nإِلى آثار مِثل هذه لا يُخرجُ بها العلماء المؤمن من الإِسلام، وإِنْ كان بفعل ذلك فاسقًا عندهم، فغير نكير أنْ تكون الآثار في تارك الصلاة كذلك\".\n_________\n(١) منها حديث بُريدة بن الخصيب -مرفوعًا-: \"العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كَفر\"، وتقدّم تخريجه.\n(٢) أخرجه البخاري: ٤٨، ومسلم: ٦٤، وتقدّم.\n(٣) أخرجه البخاري: ٦٨١٠، ومسلم: ٥٧\n(٤) أخرجه البخاري: ٦٧٦٨، ومسلم: ٦٢\n(٥) تقدّم.","vol":"1","page":322},{"text":"٧ - قال الإِمام عبد الحقِّ الإِشبيلي في كتابه \"الصلاة والتهجّد\" (ص ٩٦): \" ... وذهب سائر المسلمين من أهل السنّة -المحدثين وغيرهم- إِلى أن تارك الصلاة متعمدًا، لا يكفر بتركها، وأنه أتى كبيرة من الكبائر إِذ كان مؤمنًا بها، مُقرًّا بفرضها، وتأولوا قول النّبيّ - ﷺ -، وقول عمر، وقول غيره ممن قال بتكفيره، كما تأولوا قوله - ﷺ -: \"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن\" (١)، وغير ذلك مما تأوّلوه، ومن قال بقتل تارك الصلاة من هؤلاء، فإِنما قال: يقتل حدًّا، ولا يقتل كفرًا، وإِلى هذا ذهب مالك والشافعي وغيرهما.\n٨ - ويقول الحافظ العراقي في \"طرح التثريب\" (٢/ ١٤٩): \"وذهب جمهور أهل العلم إِلى أنه لا يكفر بترك الصلاة -إِذا كان غير جاحد لوجوبها-، وهو قول بقية الأئمة أبي حنيفة ومالك والشافعي، وهي رواية عن أحمد بن حنبل -أيضًا-\". انتهى كلام الشيخ علي الحلبي -حفظه الله-.\nقلتُ: ومهما يكن مِن أمر؛ فإِنه لا ينبغي أن نختلف في هذه المسألة، أو نجعل فيها ولاءً وبراءً -إِذ الخلاف شرٌّ- وهذه من مسائل الاجتهاد، والذي ينبني على هذه المسألة أمران:\n١ - أمْرٌ يتعلّق بجزاء تارك الصلاة عند اللَّه -تعالى- أيخلُد في النّار أم لا؟ وليس لنا من هذا الأمر شيء.\n٢ - وأمْرٌ يتعلق بإِجراء الأحكام عليه في الدنيا، وينقسم إِلى قسمين:\nأ- ما ينبني عليه من إِجراء أحكام الكافر؛ كمنع الميراث، وتطليق زوجته، وعدم دفنه في مقابر المسلمين عند موته ... إِلخ.\n_________\n(١) تقدّم تخريجه.","vol":"1","page":323},{"text":"وهذا لم يمض عليه عَمَلُ مَن قبلنا، ومن هم خيرٌ منا، وتقدم الكلام فيه.\nب- ما ينبني عليه من الاستتابة إِذا امتنع؛ من قتل، ونحن نعلم -مع الأسف- غياب هذا، والعجز عنه.\nولو تحقق هذا؛ لانتهى ما طال حوله الجدل، فلنتآلف ولتجتمع قلوبنا، ولنعمل للإِسلام؛ ليأتي اليوم الذي نفرح فيه؛ بتطبيق أحكامه، وهذا من أبرزها، وبالله التوفيق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-284>على مَن تجب</span>؟\nتجب الصَّلاة على المسلم العاقل البالغ؛ لحديث عائشة -﵂- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"رُفع القلم عن ثلاثة: عن النّائم حتى يستيقظ، وعن المُبتَلى حتى يبرَأ (١)، وعن الصّبيّ حتى يكبُر (٢) \" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-285>صلاة الصبيّ</span>\nتقدَّم حديث عائشة -﵂-: \"رفع القلم ... \" ويتضمّن ذلك الصبيّ حتى يكبر أو يحتلم.\nبيْد أنَّ عدم الوجوب لا يُعفي وليَّه أن يأمره بها حين يبلغ سبْع سنين، وأن يُعاقبه بالضّرب على ترْكها حين يبلغ عشرًا، كما في الحديث: \"مُرُوا أولادكم بالصَّلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين، وفرِّقوا\n_________\n(١) وفي رواية: \"وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق\"، انظر \"الإِرواء\" (٢٩٧).\n(٢) وفي رواية: \"حتى يحتلم\". المصدر السابق.\n(٣) أخرجه أبو داود وغيره وقال الحاكم: صحيح عى شرط مسلم ووافقه الذهبي وكذا شيخنا في \"الإرواء\" (٢٩٧).","vol":"1","page":324},{"text":"بينهم في المضاجع\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-286>عدد الفرائض</span>\nوفرائض الصَّلاة في اليوم والليلة خمس كما في حديث طلحة بن عبيد الله: \"أنَّ أعرابيًا جاء إِلى رسول الله - ﷺ - ثائر الرأس فقال: يا رسولَ الله أخبِرني ماذا فرض الله عليَّ من الصَّلاة، فقال: الصلوات الخمس إلاَّ أن تطوَّع شيئًا، فقال: أخبِرني ما فرَض الله عليَّ من الصيام. فقال: شهر رمضان إلاَّ أن تطوَّع شيئًا، فقال: أخبِرني بما فرض الله عليَّ من الزكاة، فقال: فأخبَره رسول الله - ﷺ - شرائع الإِسلام، قال: والذي أكرمك لا أتطوّع شيئًا، ولا أنقُص ممَّا فرض الله عليَّ شيئًا. فقال رسول الله - ﷺ -: أفلح إِنْ صدق، أو دخل الجنَّة إِن صدق\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-287>مواقيت الصَّلاة</span>\nقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كانت على المؤمنين كتابًا موقوتًا (٣)﴾ (٤).\nقال في \"المغني\" (١/ ٣٧٨): \"أجمعَ المسلمون على أنَّ الصلوات الخمس مؤقتة بمواقيت محددةٍ\".\n_________\n(١) أخرجه ابن أبى شيبة في \"المصنف\" وأبو داود والدارقطني والحاكم والبيهقي وأحمد وغيرهم، وهو حديث صحيح خرَّجه شيخنا في \"الإِرواء\" (٢٤٧)، وانظر \"تمام المنة\" (ص ١٣٩).\n(٢) أخرجه البخاري: ١٨٩١، ومسلم: ١١، وغيرهما.\n(٣) النساء: ١٠٣\n(٤) جاء في \"تفسير ابن كثير\": قال ابن مسعود: \"إِنَّ الصلاة وقتًا كوقت الحجّ، وقال زيد بن أسلم: (كتابًا موقوتًا): مُنجَّمًا: كلّما مضى نجم جاء نجم، يعني: كلما مضى وقت جاء وقت\".","vol":"1","page":325},{"text":"وقد بيّنَت الأحاديث هذه المواقيت؛ كما في حديث عبد الله بن عمرو، أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"وقتُ الظهر إِذا زالت الشمس وكان ظلُّ الرَّجلِ كطوله، ما لم يحضُر العصر، ووقت العصر ما لم تصفَرَّ الشمس، ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق، ووقت صلاة العشاء إِلى نصف الليل الأوسط، ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر، ما لم تطلع الشمس، فإِذا طلعت الشمس فأمسِك عن الصَّلاة، فإِنَّها تطلع بين قرنيْ شيطانٍ\" (١).\nوكذلك حديث جابر: \"أنَّ النّبيّ - ﷺ - جاءه جبريلُ ﵇ فقال: قم فصلِّه، فصلّى الظهر حين زالت الشمس، ثمَّ جاءه العصر فقال: قم فصلّه فصلّى العصر حين صار ظلُّ كلِّ شيءٍ مثلَه، ثمَّ جاءه المغرب فقال: قم فصلّه، فصلّى المغرب حين وجبت (٢) الشمس، ثمَّ جاءه العشاء فقال: قم فصلّه، فصلّى العشاء حين غاب الشفَق، ثمَّ جاءه الفجر فقال: قم فصلِّه، فصلَّى الفجر حين برق الفجر أو قال: سطع الفجر، ثمَّ جاء من الغد للظهر فقال: قم فصلّه، فصلّى الظهر حين صار ظلُّ كلِّ شيءٍ مثله، ثمَّ جاءه العصر حين صار ظلُّ كلِّ شيءٍ مثليه، ثمَّ جاءه المغرب وقتًا واحدًا لم يَزُل عنه. ثمَّ جاءه العشاء حين ذهب نصف الليل أو قال ثلث الليل، فصلّى العشاء، ثمَّ جاء حين أسفر (٣) جدًا، فقال له: قم فصلّه، فصلّى الفجر ثمَّ قال: ما بين هذين\n_________\n(١) أخرجه مسلم:٦١٢\n(٢) أصل الوجوب: السقوط والوقوع، والمراد هنا: الغروب.\n(٣) أسفر الصبح: إِذا انكشف وأضاء والمراد: تأخيرها إِلى أن يطلع الفجر الثاني ويتحقّقه، وقيل إِن الأمر بالإِسفار خاصٌّ في الليالي المقمرة؛ لأنَّ أول الصبح لا يتبيّن فيها فأُمروا بالإِسفار احتياطًا. \"النهاية\" بتصرف.","vol":"1","page":326},{"text":"وقتٌ\" (١)\nوعن أبي هريرة -﵁- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"إِنَّ للصلاة أولًا وآخرًا، وإنّ أوّل وقت صلاة الظهر حين تزول الشمس، وآخر وقتها حين يدخل وقت العصر، وإنّ أول وقت صلاة العصر حين يدخل وقتها، وإِنّ آخر وقتها حين تصفرّ الشمس، وإنّ أول وقت المغرب حين تغرب الشمس، وإن آخر وقتها حين يغيب الأفق، وإِنّ أول وقت العشاء الآخرة حين يغيب الأفق، وإن آخر وقتها حين ينتصف الليل، وإِنّ أول وقت الفجر حين يطلع الفجر، وإِنَّ آخر وقتها حين تطلع الشمس\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-288>وقت الظُّهر </span>(٣)\n\nعن عبد الله بن عمرو أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"وقت الظهر إِذا زالت\n_________\n(١) أخرجه النسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٤٨٨) والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (١٢٧) والدارقطني والحاكم وعنه البيهقي وأحمد، وقال الحاكم: \"حديث صحيح مشهور\" ووافقه الذهبي، وشيخنا الألباني، وانظر \"الإِرواء\" (٢٥٠).\n(٢) أخرجه الترمذي والطحاوي في \"شرح المعاني\" والدارقطني في \"السنن\" وغيرهم، وخرّجه شيخنا في \"الصحيحة\" (١٦٩٦).\n(٣) قال في \"المغني\" (١/ ٣٧٨): \"بدأ الخرقي بذِكر صلاة الظهر؛ لأنَّ جبريل بدأ بها حين أمّ النّبيّ - ﷺ - في حديث ابن عباس وجابر، وبَدأ بها - ﷺ - حين علَّم الصحابة مواقيتَ الصلاة في حديث بريدة وغيره، وبدأ بها الصحابة حين سُئلوا عن الأوقات في حديث أبي برزة وجابر وغيرهما\". انتهى.\nقلتُ: لكن بدأت بعض الألفاظ بصلاة الفجر، كما في \"صحيح مسلم\" (٦١٢).\nفعن عبد الله بن عمرو أنَّ نبي الله - ﷺ - قال: \"إِذا صلّيتم الفجر فإِنَّه وقت إِلى أنْ يطلع =","vol":"1","page":327},{"text":"الشمس، وكان ظلّ الرجل كطوله، ما لم يحضُر العصر\" (١).\nيبدأ وقت الظهر حين تزول الشمس عن بطن السماء ووسطها، ويستمرّ ذلك حتى يصير ظلّ كلّ شيء مثله، باستثناء فيء (٢) الزوال.\nوأجمع أهل العلم على أن أوّل وقت الظهر زوال الشمس، قاله ابن المنذر وابن عبد البرّ، وقد تظاهرَت الأخبار بذلك ... (٣).\nقال في \"المغني\" (١/ ٣٨٠): \"ومعنى زوال الشمس: ميلها عن كبد\n_________\n= قرن الشمس الأول، ثمَّ إِذا صليتم الظهر فإِنه وقتٌ إِلى أن يحضر العصر، فإِذا صلّيتم العصر فإِنَّه وقتٌ إِلى أن تصفر الشمس، فإِذا صليتم المغرب فإِنَّه وقتٌ إلى أن يسقط الشفق، فإِذا صليتم العشاء فإِنَه وقتٌ إِلى نصف الليل\".\nوورد في \"صحيح مسلم\" (٦١٢): عن عبد الله بن عمرو أيضًا مرفوعًا بلفظ: \"وقت صلاة الفجر ما لم يطلع قرن الشمس الأول ... \" ولكن أحاديث الابتداء بوقت صلاة الظهر أكثر.\nواستحسن شيخ الإسلام ابن تيمية: كما في \"الاختيارات\" (ص ٣٣): أن يُبدَأ بالفجر؛ لأنَّ الصلاة الوسطى هي العصر، وإنَّما تكون الوسطى إِذا كان الفجر هو الأوّل.\n(١) أخرجه مسلم: ٦١٢\n(٢) قال في \"النهاية\": \" ... وأصْل الفيء الرجوع، يُقال: فاء يفي فئةً وفُيوءًا؛ كأنه كان في الأصل لهم فرجع إِليهم، ومنه قيل للظلِّ الذى يكون يعد الزوال: فيء، لأنَّه يرجع من جانب الغرب إِلى جانب الشرق\".\nقال النووي: \"والفيء لا يكون إلاَّ بعد الزوال، وأمّا الظلّ فيُطلق على ما قبل الزوال وبعده، وهذا قول أهل اللغة\". وقال الحافظ في \"الفتح\" (٦/ ٣٢٦): \"والفيء يكون من عند زوال الشمس، ويتناهى بمغيبها\".\n(٣) انظر \"الأوسط\" (٢/ ٣٢٦)، و\"المغني\" (١/ ٣٧٨).","vol":"1","page":328},{"text":"السماء، ويُعرف ذلك بطول ظلّ الشخص بعد تناهي قِصَره، فمن أراد معرفة ذلك فليُقدّر ظلّ الشمس، ثمَّ يصبر قليلًا ثمَّ يقدّره ثانيًا، فإِنْ كان دون الأول فلم تَزُل، وإن زاد ولم ينقص فقد زالت، وأمَّا معرفة ذلك بالأقدام فتختلف باختلاف الشهور والبلدان، فكلّما طال النهار قصر الظل، وإِذا قصر طال الظلّ، فكلّ يوم يزيد أو ينقص\".\nجاء في \"عون المعبود\" (٣/ ٣٠٠): \"قال الشيخ عبد القادر الجيلاني في \"غنية الطالبين\": فإِذا أردت أن تعرف ذلك؛ فقِس الظل بأن تنصب عمودًا أو تقوم قائمًا في موضع الأرض مستويًا معتدلًا، ثمَّ علِّم على منتهى الظل؛ بأن تخط خطًا، ثم انظر أينقص أو يزيد، فإِن رأيته ينقص؛ علمْتَ أنّ الشمس لم تَزُل بعد، وإِنْ رأيته قائمًا لا يزيد ولا ينقص؛ فذلك قيامها وهو نصف النهار، لا تجوز الصلاة حينئذ، فإِذا أخذ الظل في الزيادة؛ فذلك زوال الشمس، فقِس من حدّ الزيادة إِلى ظلّ ذلك الشيء الذي قست به طول الظل، فإِذا بلغ إِلى آخر طوله؛ فهو وقت آخر الظهر\".\nوقال شيخنا -حفظه الله تعالى- موضّحًا دخول وقت الظهر (١): \"لو وضَعْنا شاخصًا وراقبْنا ظلّه حتى صار الظلّ ٢ سم مثلًا، وبعد ذلك لم يطُل أكثر من ذلك ولم يقصُر، ثمَّ تحرَّك حتى صار مثلًا ٢ سم و١ ملم، فهذا اسمه فيء الزوال، بمعنى زالت الشمس عن وسط السماء، ودخل وقت الظهر\".\n_________\n(١) قاله لي هكذا بمعناه حين طلبْتُ منه توضيحًا عمليًّا لذلك.","vol":"1","page":329},{"text":"وانظر ما قاله ابن المنذر في \"الأوسط\" (٢/ ٣٢٨) تحت (باب ذكر معرفة الزوال).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-289>الإِبراد بصلاة الظهر عند الحرّ</span>\nعن أبي ذرّ -﵁- قال: \"كان النّبيّ - ﷺ - في سفر، فقال: أبرِد، ثمَّ قال: أبرِد، حتى فاء الفيء -يعني للتلول (١) - ثمَّ قال: أبردوا بالصَّلاة؛ فإِنَّ شدّة الحرّ من فيح (٢) جهنّم\" (٣).\nوعن أبي سعيد -﵁- قال: \"قال النّبيّ - ﷺ -: أبردوا بالصَّلاة، فإِنَّ شدّة الحرّ من فيح جهنّم\" (٤).\nقال في \"المغني\" (١/ ٤٠٠): \"وقال القاضي: إِنَّما يُستحبُّ الإِبراد بثلاثة شروط: شدّة الحرّ، وأن يكون في البلدان الحارّة ومساجد الجماعات، فأمَّا من صلاّها في بيته، أو في مسجدٍ بفناء بيته؛ فالأفضل تعجيلها، وهذا مذهب الشافعي؛ لأنَّ التأخير إِنَّما يُستحبّ لينكسر الحرّ ويتسع في\n_________\n(١) جمع تلّ: وهو ما ارتفع من الأرض عمّا حوله، وهو دون الجبل، وتُجمع أيضًا على تِلال وأتلال، وانظر \"الوسيط\".\n(٢) الفيح: سطوع الحر وفورانه، وفاحت القدر غلت. \"النهاية\".\n(٣) أخرجه البخاري: ٣٢٥٨، ومسلم: ٦١٦، قال النووي (٣/ ١١٩): \"ومعنى قوله رأَينا فيء التّلول: أنَّه أخّر تأخيرًا كثيرًا؛ حتى صار للتلول فيءٌ، والتلولُ مُنبطحة غير منتصبة، ولا يصير لها فيءٌ في العادة؛ إلاَّ بعد زوال الشمس بكثير\".\n(٤) أخرجه البخاري: ٣٢٥٩، ومسلم: ٦١٥","vol":"1","page":330},{"text":"الحيطان، ويكثر السعي إِلى الجماعات، ومن لا يصلّي في جماعة لا حاجة به إِلى التأخير\".\nواختلف العلماء في غاية الإِبراد: قال الحافظ -﵀- في \"الفتح\" (٢/ ٢٠) (١): \"وقد اختلف العلماء في غاية الإِبراد، فقيل: حتى يصير الظلّ ذراعًا بعد ظلّ الزوال، وقيل: رُبع قامة، وقيل: ثلثها وقيل: نصفها، وقيل: غير ذلك. ونزلها المازري على اختلاف الأوقات، والجاري على القواعد أنَّه يختلف باختلاف الأحوال، لكن يشترط أن لا يمتدّ إِلى آخر الوقت\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-290>وقت صلاة العصر</span>\nويبدأ حين يكون ظلّ الشيء مثله مع فيء الزوال، ويمتدّ إِلى غروب الشمس.\nقال لي شيخنا -حفظه الله تعالى- في بيان وقت العصر في درس عمليّ: \"قلنا في بيان صلاة الظهر أنَّ طول الشاخص ١م مثلًا وفيء الزوال ٢سم و١ ملم، فمتى يكون وقت العصر؟\nعندما يصير هذا الظلّ طوله ١م و٢سم و١ملم، فالشاخص الذي قلنا إِنَّ طوله ١م، يصير ظلّه على الأرض ١م و٢سم و١ملم وهو فيء الزوال\". انتهى.\nوفي ذلك أحاديث منها حديث جابر المتقدّم وفيه: \" ... ثمَّ جاءه العصر فقال: قُم فصلِّه، فصلَّى العصر حين صار ظلّ كل شيء مثليه\".\nوكذلك حديث أبي هريرة -﵁- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال:\n_________\n(١) ونقله السيد سابق -حفظه الله- في \"فقه السنة\" (١/ ٩٩).","vol":"1","page":331},{"text":"\" ... ومن أدرك ركعة (١) قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر\" (٢).\nوفي رواية: \"إِذا أدرك أحدكم سجدةً (٣) من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس، فليتمّ صلاته\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-291>الترهيب من ترك صلاة العصْر</span>\nعن أبي المَليح قال: كنّا مع بريدة في غزوةٍ في يوم ذي غيم، فقال: بكِّروا بصلاة العصر، فإِنَّ النّبيّ - ﷺ - قال: \"من ترك صلاة العصر فقد حَبِط عمله\" (٥).\nوعن ابن عمر -﵄- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"الذى تفوتُه صلاة العصر كأنَّما وُتِرَ (٦) أهلَه وماله\" (٧).\n_________\n(١) سيأتي الكلام حولها في (باب من أدرك ركعة من صلاة الفجر أو العصر).\n(٢) أخرجه البخاري: ٥٧٩، ومسلم: ٦٠٨\n(٣) سيأتي الكلام حولها في (باب من أدرك ركعة من صلاة الفجر أو العصر).\n(٤) أخرجه البخاري: ٥٥٦ من حديث أبي هريرة، ومسلم: ٦٠٩ من حديث عائشة -﵄-.\n(٥) أخرجه البخاري: ٥٥٣، ٥٩٤، وانظر للمزيد من الفوائد الحديثية، \"الإِرواء\" (٢٥٥).\n(٦) قال في \"الفتح\": \"وُتِر أهله: هو بالنصب عند الجمهور على أنَه مفعول ثانٍ لوُتِر، وأُضمر في (وُتِر) مفعول لم يسمّ فاعله، وهو عائد على الذي فاتَتْه، فالمعنى: أصيب بأهله وماله، وهو متعدٍّ إِلى مفعولين ... \".\n(٧) أخرجه البخاري: ٥٥٢، ومسلم: ٦٢٦، وغيرهما.","vol":"1","page":332},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-292>تعجيلها عند الغيم</span>\nلقول بريدة السابق حين غزا في يوم ذي غيمْ: \"بكّروا بصلاة العصر ... \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-293>صلاة العصر هي الصَّلاة الوسطى</span>\nقال الله تعالى: ﴿حافِظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين﴾ (١).\nوعن عليّ -﵁- عن النّبيّ - ﷺ - قال يوم الخندق: \"ملأ الله عليهم بيوتهم، وقبورهم نارًا؛ كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس\" (٢).\nوفي رواية: \"شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر؛ ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارًا ... \" (٣).\nوعن عبد الله بن مسعود -﵁- قال: \"حَبَسَ المشركون رسول الله - ﷺ - عن صلاة العصر، حتى احمرَّت الشمس أو اصفرَّت، فقال رسول الله - ﷺ -: شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر؛ ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارًا\"، أو قال: \"حشا الله أجوافهم وقبورهم نارًا\" (٤).\nقال ابن المنذر في \"الأوسط\" (٢/ ٣٦٨): \"ويُقال: إِنها سُمّيت وسطى\n_________\n(١) البقرة: ٢٣٨\n(٢) أخرجه البخاري: ٤١١١، ومسلم: ٦٢٧\n(٣) أخرجه مسلم: ٦٢٧\n(٤) أخرجه مسلم: ٦٢٨","vol":"1","page":333},{"text":"لأنها بين صلاتين في الليل، وصلاتين في النهار\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-294>وقت صلاة المغرب</span>\nويبدأ وقت صلاة المغرب إِذا غابَ جميع قُرص الشمس، ويستمرّ إِلى مغيب الشّفق (١) الأحمر، وتقدَّم حديث مسلم (٦١٢): \"فإِذا صلّيتم المغرب؛ فإِنَّه وقْتٌ إِلى أن يسقُط الشّفق\".\nويُستحبّ التعجيل بصلاة المغرب وفي ذلك نصوص عديدة منها:\n١ - ما رواه سلمة بن الأكوع -﵁- \"أنَّ رسول الله - ﷺ - كان يصلي المغرب إِذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب\" (٢).\n٢ - عن أبي أيوب -﵁- عن النبيّ - ﷺ - قال: \"صلّوا صلاة المغرب مع سقوط الشمس\" (٣).\n٣ - ما رواه رافع بن خديج -﵁- قال: \"كُنّا نصلّي المغرب مع النّبيّ - ﷺ - فينصرف أحدُنا؛ وإِنَّه ليُبصر مواقع نَبْلِه\" (٤).\nجاء في \"المغني\" (١/ ٣٩٠): \"وإِذا غابت الشمس وجَبَت المغرب، ولا يُستحبّ تأخيرها إِلى أن يغيب الشّفق، أمَّا دخول وقت المغرب بغروب\n_________\n(١) قال في \"النهاية\": الشفق من الأضداد؛ يقع على الحُمرة التي تُرى في المغرب بعد مغيب الشمس، وبه أخذَ الشافعي، وعلى البياض الباقي في الأفق الغربي بعد الحمرة المذكورة، وبه أخذَ أبو حنيفة.\n(٢) أخرجه البخاري: ٥٦١، ومسلم: ٦٣٦\n(٣) أخرجه الطبراني وغيره وخرجه شيخنا في \"الصحيحة\" (١٩١٥).\n(٤) أخرجه البخاري: ٥٥٩، ومسلم: ٦٣٧","vol":"1","page":334},{"text":"الشمس؛ فإِجماع أهل العلم لا نعلم بينهم خلافًا فيه، والأحاديث دالّة عليه وآخره مغيب الشّفق، وبهذا قال الثوري وإِسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي وبعض أصحاب الشافعي، وقال مالك والأوزاعي والشافعي: ليس لها إلاَّ وقت واحد عند مغيب الشمس؛ لأن جبريل ﵇ صلاّها بالنّبيّ - ﷺ - في اليومين لوقت واحد في بيان مواقيت الصَّلاة\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-295>التعجيل بصلاة المغرب:</span>\nلما تقدّم من النصوص:\nوقال ابن المنذر في \"الأوسط\" (٢/ ٣٦٩): \"وأجمع كلّ من نحفظ عنه من أهل العلم على أنَّ التعجيل بصلاة المغرب أفضل، وكذلك نقول\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-296>وقت العشاء</span>\nيبدأ وقت صلاة العشاء حين يغيب الشّفق، ويمتدّ إلى نصف الليل، وتقدَّم حديث جابر -﵁-: \" ... فصلّى العشاء حين غاب الشّفق ... \"، إِلى قوله: \"ثمَّ جاء من الغد ... ثمَّ جاءه العشاء حين ذهب نصف الليل أو قال ثُلث الليل، فصلّى العشاء ... ثمَّ قال: ما بين هذين وقْت\".\nوفي الحديث: \"إِذا ملأ الليل بطن كلِّ وادٍ فصلّ العشاء الآخرة\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-297>استحباب تأخير العشاء عن أوّل وقْتها</span>\nوفيه أحاديثُ عديدة، منها:\n_________\n(١) أخرجه أحمد وغيره، وهو ثابت بمجموع طرقه، وانظر \"الصحيحة\" (١٥٢٠).","vol":"1","page":335},{"text":"حديث أبي برزة الأسلمي -﵁- يصف صفة صلاة النّبيّ - ﷺ -\nالمكتوبة- قال: \"وكان يستحِبُّ أن يؤخّر من العشاء التي تدْعونها العَتَمةَ\" (١).\nوعن حميد قال: \"سُئل أنسٌ: هل اتخذ النّبيّ - ﷺ - خاتَمًا؟ قال: أخّرَ ليلةً صلاة العشاء إِلى شطر الليل، ثمَّ أقبلَ علينا بوجهه، فكأني أنظر إِلى وبيص (٢) خاتمه، قال: إِنّ الناس قد صلَّوا وناموا، وإِنَّكَم لم تزالوا في صلاة ما انتظرتموها\" (٣).\nوعن عائشة؛ قالت: \"أَعْتَم (٤) النّبيّ - ﷺ - ذات ليلة حتى ذهب عامّة الليل، وحتى نام أهل المسجد، ثمَّ خرج فصلّى، فقال: \"إِنَّه لَوَقتها؛ لولا أن أشقَّ على أمّتي\" (٥).\nوعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لولا أن أشقَّ على أمّتي، لأمَرْتهم أن يُؤخّروا العشاء إِلى ثلث الليل أو نصفه\" (٦).\nوعن محمد بن عمرو بن الحسن بن عليّ قال: قدم الحجّاج فسأَلنا جابر\n_________\n(١) ووردَ معلقًا في البخاري: (١/ ١٥٠)، وموصولًا (٥٤٧)، وانظر مسلم: ٦٤٧\n(٢) أي: بريق.\n(٣) رواه البخاري: ٥٨٦٩، ومسلم: ٦٤٠\n(٤) أي: أخر صلاة العشاء حتى اشتدّت عتمة الليل وظُلمته.\n(٥) أخرجه مسلم: ٦٣٨، وغيره.\n(٦) أخرجه أحمد والترمذي وقال: حديث حسن صحيح، وهو في \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٥٦٥)، وصحّح شيخنا إِسناده في \"المشكاة\" (٦١١).","vol":"1","page":336},{"text":"ابن عبد الله فقال: \"كان النّبيّ - ﷺ - يصلّي الظهرَ بالهاجرةِ (١)، والعصر والشمس نقيةٌ، والمغرب إِذا وجبتْ، والعشاء أحيانًا وأحيانًا: إِذا رآهم اجتمعوا عجّلَ، وإذا رآهم أبطأوا أخَّر، والصبح -كانوا أو كان النّبيّ - ﷺ - يصليها بغَلَس\" (٢).\nقال الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ٤٨) عقب الحديث (٥٦٧): \" ... فعلى هذا من وجد به قوّةً على تأخيرها، ولم يغلِبه النوم ولم يشقّ على أحد من المأمومين؛ فالتأخير في حقّه أفضل، وقد قرّر النووي ذلك في \"شرح مسلم\"، وهو اختيار كثير من أهل الحديث من الشافعيّة وغيرهم والله أعلم.\nونقل ابن المنذر عن الليث وإِسحاق؛ أنَّ المستحبّ تأخير العشاء إِلى قبل الثُلث، وقال الطحاوي: يُستحبُّ إِلى الثلث، وبه قال مالك وأحمد وأكثر الصحابة والتابعين، وهو قول الشافعي في الجديد، وقال في القديم: التعجيل أفضل، وكذا قال في \"الإِملاء\" وصحّحه النووي وجماعة وقالوا: إِنَّه ممَّا يُفتي به على القديم، وتعقب بأنَّه ذكره في \"الإِملاء\" وهو من كُتُبه الجديدة، والمختار من حيث الدليل أفضلية التأخير، ومن حيث النظر التفصيل والله أعلم\".\nقلت: \"ولعلّ ذلك يتبع ما بالحيّ والجماعة من قوّة؛ يُراعى فيها أضعفهم؛ حرصًا على صلاة الجماعة.\n_________\n(١) قال في \"النهاية\": \"والهجير والهاجرة: اشتداد الحرّ نصف النّهار\". وأشار الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ٤٢) أنَّه عقبَ الزوال؛ حين اشتداد الحرّ، وذلك في معرض مناقشة بعض الأقوال.\n(٢) أخرجه البخاري: ٥٦٠، ومسلم: ٦٤٦","vol":"1","page":337},{"text":"فربّما استدعى الأمر إِلى عدم التأخير مُطلقًا لظروف المصلِّين، وربما كان المصلّون قلَّةً في مسجدٍ ما، يستطيعون تأخير الصلاة إِلى ثلث الليل أو قبله أو بعده، ويراعى في ذلك الانتفاع من وقت الانتظار في العبادة والطاعة، والله أعلم\".\nولابن المنذر في \"الأوسط\" (٢/ ٣٦٩) كلام نفيس في هذا فارجع إِليه -إِن شئت-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-298>آخر وقت للعشاء</span>\nتعدَّدت الأقوال في آخر وقت للعشاء، فمنهم مَن قال: إِنَّ العشاء يمتدُّ إِلى طلوع الفجر الثاني، ومنهم من قال: إِنّه يمتدّ إِلى ثُلث الليل، ومنهم من قال: إِلى نصف الليل.\nومنهم من قال: وقت الاختيار إِلى ثلث الليل، ووقت الضرورة إِلى طلوع الفجر الثاني.\nواستدلّ من قال بامتداد العشاء إِلى طلوع الفجر الثاني بحديث \"مسلم\" (٦٨١): \" ... أما إِنّه ليس في النّوم تفريط، إِنَّما التفريطُ على من لم يُصلِّ الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأُخرى ... \".\nقال شيخنا -حفظه الله تعالى- في \"تمام المنّة\" (ص١٤٠): \" ... ولا دليل فيه على ما ذهبوا إِليه، إِذ ليس فيه بيان أوقات الصلاة، ولا سيق من أجل ذلك وإِنّما لبيان إِثم من يؤخِّر الصلاة حتى يخرجها عامدًا عن وقتها مطلقًا؛ سواء كان يعقبها صلاة أخرى مِثل العصر مع المغرب، أوْ لا، مِثْل الصبح مع الظهر، ويدلّ على ذلك أنّ الحديث ورَد في صلاة الفجر؛ حين فاتتْه - ﷺ - مع","vol":"1","page":338},{"text":"أصحابه وهم نائمون في سَفَر لهم، واستعظَم الصحابة -﵃- وقوع ذلك منهم، فقال - ﷺ - لهم: \"أما لكم فيَّ أُسوة؟ \" ثمَّ ذكَر الحديث.\nكذلك هو في \"صحيح مسلم\" وغيره، فلو كان المراد من الحديث ما ذهبوا إِليه من امتداد وقت كل صلاة إِلى دخول الأخرى، لكان نصًّا صريحًا على امتداد وقت الصبح إِلى وقت الظهر، وهم لا يقولون بذلك، ولذلك اضطروا إِلى استثناء صلاة الصبح من ذلك، وهذا الاستثناء على ما بينّا من سبب الحديث يعود عليه بالإِبطال؛ لأنَّه إِنَّما ورَد في خصوص صلاة الصبح، فكيف يصحّ استثناؤها؟! فالحقّ أنَّ الحديث لم يَرِد من أجل التحديد، بل لإِنكار تعمُّد إِخراج الصلاة عن وقتها مطلقًا، ولذلك قال ابن حزم في \"المحلّى\" (٣/ ٢٣٣) مجيبًا على استدلالهم المذكور:\n\"هذا لا يدلّ على ما قالوه أصلًا، وهم مُجمِعون معَنا أنَّ وقت صلاة الصبح لا يمتدّ إِلى وقت صلاة الظهر، فصحّ أنَّ هذا الخبر لا يدل على اتّصال وقْت كلّ صلاة بوقت التي بعدها، وإِنَّما فيه معصية من أخَّرَ صلاةً إِلى وقْتِ غيرها فقط، سواءٌ اتصل آخر وقتها بأول الثانية أمْ لم يتَّصل، وليس فيه أنّه لا يكون مفرِّطًا أيضًا من أخَّرها إِلى خروج وقتها، وإِن لم يدخُل وقتُ أخرى، ولا أنّه يكون مُفرِّطًا، بل هو مسكوت عنه في هذا الخبر، ولكن بيانه في سائر الأخبار التي فيها نصٌّ على خروج وقتِ كلِّ صلاة، والضرورة توجبُ أنَّ من تعدَّى بكل عمل وقته الذي حدَّه الله تعالى لذلك العمل؛ فقد تعدّى حدود الله، وقال تعالى: ﴿ومن يتَعَدَّ حدودَ الله فأولئكَ هم الظالمون﴾ (١) \".\nوإذ قد ثَبت أنّ الحديث لا دليل فيه على امتداد وقت العشاء إِلى الفجر،\n_________\n(١) البقرة: ٢٢٩","vol":"1","page":339},{"text":"فإِنَّه يتحتّم الرجوع إِلى الأحاديث الأخرى التي هي صريحة في تحديد وقت العشاء مِثل قوله - ﷺ -: \"ووقت صلاة العشاء إِلى نصف الليل الأوسط ... \". رواه \"مسلم\" (٦١٢) وغيره.\nوقد مضى بتمامه في الكتاب، ويؤيّده ما كتب به عمر بن الخطاب إِلى أبي موسى الأشعري: \" ... وأَن صلِّ العشاء ما بينك وبين ثلث الليل، وإنْ أخَّرْت فإِلى شطْر الليل، ولا تكن من الغافلين\". أخرجه مالك والطحاوي وابن حزم، وسنده صحيح.\nفهذا الحديث دليل واضح على أنَّ وقت العشاء إِنّما يمتدّ إِلى نصف الليل فقط، وهو الحقّ، ولذلك اختارَه الشوكاني في \"الدرر البهية\"، فقال: \" ... وآخر وقت صلاة العشاء نصف الليل\"، وكذا في \"السيل الجرّار\" (١/ ١٨٣) وتبِعه صديق حسن خان في \"شرحه\" (١/ ٦٩ - ٧٠)، وقد رُوي القول به عن مالك كما في \"بداية المجتهد\"، وهو اختيار جماعة من الشافعية كأبي سعيد الاصطخري وغيره. انظر \"المجموع\" (٣/ ٤٠).\nفخلاصة الأمر أنَّ وقت صلاة العشاء؛ يمتدّ إلى نصف الليل فقط، وحديث \"مسلم\" (٦١٢) المتقدم عُمدة في ذلك وفيه: \" ... ووقت صلاة العشاء إِلى نصف الليل الأوسط ... \" وبالله التوفيق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-299>فائدة:</span>\nينتهي الليل بطلوع الفجر الصادق، قال الله تعالى: ﴿وكلُوا واشْرَبُوا حتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِن الخَيْطِ الأسْوَدِ من الفَجْر﴾ (١). فالخيط\n_________\n(١) البقرة: ١٨٧","vol":"1","page":340},{"text":"الأسود آخر الليل، والخيط الأبيض أول الفجر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-300>وقت صلاة الصبح</span>\nيبدأ وقت صلاة الصبح حين يطلُع الفجر الصّادق، ويمتدّ إِلى طلوع الشمس.\nجاء في \"المغني\" (١/ ٣٩٥): \"وإذا طلَع الفجر الثاني وجَبَت صلاة الصبح، والوقت مُبقىً إِلى ما قبل أنْ تطلُع الشمس، ومن أدرَك منها ركعةً قبل أن تطلُع فقد أدرَكها وهذا مع الضرورة.\nوجملته: إِنَّ وقت الصبح يدخل بطلوع الفجر الثاني إِجماعًا، وقد دلَّت عليه أخبار المواقيت وهو البياض المستطير (١) المنتشر في الأفق، ويُسمَّى الفجر الصادق؛ لأنَّه صدقَك عن الصبح وبيَّنه لك، والصبحُ ما جمع بياضًا وحمرةً، ومنه سُمِّي الرجل الذي في لونه بياض وحمرة أصبح، فأمَّا الفجر الأول: فهو البياض المستدق صُعُدًا (٢) من غير اعتراض، فلا يتعلّق به حكم، ويُسمَّى الفجر الكاذب\".\n_________\n(١) الفجر المستطير: هو الذي انتشر ضوؤه واعترض في الأفق، بخلاف المستطيل. ومنه حديث بني قريظة:\nوهان على سراة بني لؤيٍّ ... حريقٌ بالبويرة مستطير\nأي: منتشر متفرّق، كأنه طار في نواحيها. \"النهاية\".\n(٢) أي: طولًا.","vol":"1","page":341},{"text":"التغليس (١) بصلاة الفجر\n\nيستحبُّ<span data-type=\"title\" id=toc-301> التغليس بصلاة الفجر</span>؛ بأن تُصلّى في أوّل وقتها، كما تدلّ على ذلك الأحاديث الصحيحة، منها:\nحديث أبي مسعود البدري: \"أنَّ النّبيّ - ﷺ - صلّى الصبح مرّة بغلس، ثمَّ صلّى مرّة أخرى فأسفَر بها، ثمَّ كانت صلاته بعد ذلك التغليس حتى مات، ولم يعد إِلى أن يسفر\" (٢).\nوعن عائشة -﵂- قالت: \"كنَّ نساءُ المؤمنات يشهدنَ مع رسول الله - ﷺ - صلاة الفجر مُتَلَفِّعاتٍ بمروطهنَّ، ثمَّ ينقلبنَ إِلى بيوتهنَّ حين يقضين الصلاة؛ لا يعرفهنَّ أحدٌ من الغَلَس\" (٣).\n_________\n(١) الغَلس: ظُلمة آخر الليل كما تقدّم، والمراد بالتغليس هنا: المبادرة بصلاة الفجر في أوّل وقتها.\n(٢) أخرجه أبو داود بسند حسن كما قال النووي وابن حبان في \"صحيحه\" (٣٧٨) وصححه الحاكم والخطابي والذهبي وغيرهم، كما بيّنه شيخنا -حفظه الله تعالى- في \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٧٨)، وقال: \"والعمل بهذا الحديث هو الذي عليه جماهير العلماء؛ من الصحابة والتابعين والأئمّة المجتهدين ... \"، وانظر \"الضعيفة\" (٢/ ٣٧٢).\nومعنى إِلى أن يُسفر: \"أي: ينكشف ويُضيء فلا يُشَكُّ فيه، وسيأتي شرحه قريبًا -إِن شاء الله- في حديث: \"أسفروا بالفجر ... \"، وقال ابن المنذر في \"الأوسط\" (٢/ ٣٨١): \"وقال بعضهم: معروف في كلام العرب قولهم: أسفرت المرأة عن وجهها، وأسفري عن وجهك، أي: اكشفي\".\n(٣) أخرجه البخاري: ٥٧٨، ومسلم: ٦٤٥، وغيرهما.\nقال الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ٥٥): \" (كنَّ): قال الكرماني: هو مِثل (أكلوني =","vol":"1","page":342},{"text":"وفي رواية: \"وما يعرف بعضنا وجوه بعض\" (١).\nولا يُعارض هذا الحديث قوله - ﷺ -: \"أسفروا (٢) بالفجر؛ فإِنَّه أعظم\n_________\n= البراغيث) لأنَّ قياسه الإِفراد وقد جُمِع. قوله (نساء المؤمنات): تقديره نساء الأنفس المؤمنات أو نحوها، ذلك حتى لا يكون من إِضافة الشيء إلى نفسه، وقيل: إِنَّ (نساء) هنا بمعنى الفاضلات، أي: فاضلات المؤمنات، كما يقال: رجال القوم، أي: فضلاؤهم. وقوله (لا يعرفهن أحد)، قال الداودي: معناه: لا يُعرفن أنساء أم رجال، أى: لا يظهر للرائي إلاَّ الأشباح خاصّة، وقيل: لا يُعرف أعيانهن فلا يُفرّق بين خديجة وزينب، وضعّفه النووي بأنّ المتلفّعة في النهار لا تعرف عينها فلا يبقى في الكلام فائدة، وتعقّب بأن المعرفة إِنما تتعلق بالأعيان، فلو كان المراد الأول لعبَّر بنفي العِلم، وما ذكر من أن المتلفّعة بالنهار لا تُعرف عينُها فيه نظر، لأنَّ لكلّ أمرأة هيئة غير هيئة الأخرى في الغالب، ولو كان بدنها مُغطّى.\nوقال الباجي: هذا يدلّ على أنهنّ كنّ سافرات، إِذ لو كنَّ متنقّبات لمنع تغطية الوجه من معرفتهنّ لا الغلس.\nقلت: وفيه ما فيه، لأنَّه مبني على الاشتباه الذي أشار إِليه النووي، وأمّا إِذا قلنا إِنَّ لكل واحدة منهن هيئة غالبًا فلا يلزم ما ذكر. والله أعلم.\nوالمروط: جمع مِرط بكسر الميم وهو كساء معلم من خز أو صوف أو غير ذلك، وقيل: لا يسمى مِرْطًا؛ إلاَّ إِذا كان أخضر، ولا يلبسه إلاَّ النساء، وهو مردود بقوله مِرْط من شعر أسود، وقوله: ينقلبن أي: يرجعن\".\n(١) أخرجه أبو يعلى في \"مسنده\" بسند صحيح عنها. عن \" جلباب المرأة المسلمة\" (ص ٦٦).\n(٢) أسفر الصبح إِذا انكشف وأضاء. قالوا: يُحتمل أنهم حين أمرهم بتغليس صلاة الفجر في أوّل وقتها؛ كانوا يصلّونها عند الفجر الأوّل حرصًا ورغبةً، فقال: أسفِروا بها =","vol":"1","page":343},{"text":"للأجر\" (١).\nقال الحافظ -﵀- في \"الفتح\" (٢/ ٥٥): \"وأمّا ما رواه أصحاب السنن وصحّحه غير واحد من حديث رافع بن خديج قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"أسفِروا بالفجر فإِنَّه أعظم للأجر\"، فقد حَمَله الشافعي وغيره على أنَّ المراد بذلك تحقُّق طلوع الفجر، وحَمله الطحاوي على أنَّ المراد الأمر بتطويل القراءة فيها؛ حتى يخرج من الصلاة مُسفِرًا، وأبعَدَ من زَعمَ أنَّه ناسخ للصلاة في الغلس\".\nوقال شيخنا -حفظه الله تعالى- في \"الإِرواء\" (١/ ٢٨٦): \"قال الترمذي عقب الحديث: وقد رأى غير واحد من أهل العلم من أصحاب النّبيّ - ﷺ - والتابعين الإِسفار بصلاة الفجر. وبه يقول سفيان الثوري. وقال الشافعي وأحمد وإِسحاق: معنى الإِسفار: أن يتضح الفجر، فلا يُشكّ فيه، ولم يرو أنَّ معنى الإِسفار تأخير الصَّلاة\".\nقلت [الكلام لشيخنا -حفظه الله-]: \"بل المعنى الذي يدل عليه مجموع ألفاظ الحديث إِطالة القراءة في الصَّلاة حتى يخرج منها في الإِسفار، ومهما أسفَر فهو أفضل وأعظم للأجر؛ كما هو صريحُ بعضِ الألفاظ المتقدمة، فليس معنى الإِسفار إِذن هو الدخول في الصَّلاة في وقت الأِسفار؛ كما هو\n_________\n= أي: أخّروها إِلى أن يطلع الفجر الثاني وتتحققوه. وقيل: إِن الأمر بالإسفار خاصٌ في الليالي المقمرة؛ لأنَّ أوّل الصبح لا يتبّين فيها، فأُمروا بالأِسفار احتياطًا. \"النهاية\" بحذف يسير.\n(١) أخرجه أحمد وأبو داود والدارمي وغيرهم، وهو حديث صحيح خرَّجه شيخنا في \"الإرواء\" (٢٥٨)، وذكر له طُرقًا وشواهد عديدة.","vol":"1","page":344},{"text":"مشهور عن الحنفية، لأنَّ هذا خلاف السنّة الصحيحة العملية التي جرى عليها رسول الله -﵌- كما تقدَّم في الحديث الذي قبله، ولا هو التحقّق من دخول الوقت كما هو ظاهر كلام أولئك الأئمّة، فإِنَّ التحقق فرْض لا بد منه، والحديث لا يدلّ إلاَّ على شيء هو أفضل من غيره، لا على ما لا بدّ منه كما هو صريح قوله: \" ... فإِنَّه أعظم للأجر\"، زِدْ على ذلك أنَّ هذا المعنى خلاف قوله في بعض ألفاظ الحديث: \" ... فكلّما أصبحتم بها فهو أعظم للأجر\".\nوخلاصة القول؛ أنَّ الحديث إِنّما يتحدّث عن وقت الخروج من الصلاة، لا الدخول، فهذا أمر يُستفاد من الأحاديث الأخرى، وبالجمع بينها وبين هذا: نستنتج أنَّ السنَّة الدخول في الغلس والخروج في الإِسفار، وقد شرح هذا المعنى الإِمام الطحاوي في \"شرح المعاني\"، وبيّنه أتمّ البيان بما أظهر أنَّه لم يُسبَق إِليه، واستدلّ على ذلك ببعض الأحاديث والآثار، وختم البحث بقوله: فالذي ينبغي الدخول في الفجر في وقت التغليس، والخروج منها في وقت الإِسفار؛ على موافقة ما روينا عن رسول الله - ﷺ - وأصحابه. وهو قول أبي حنيفة وأيي يوسف ومحمد بن الحسن -رحمهم الله تعالى-.\nوقد فاتهَ -﵀- أصرح حديث يدلّ على هذا الجمع؛ منْ فِعْله ﵊ وهو حديث أنس -﵁- قال: \"كان رسول الله - ﷺ - يصلّي، .. الصُّبح إِذا طلَع الفجر إِلى أن ينفسح البصر\".\nأخرجه أحمد بسند صحيح كما تقدَّم بيانه في آخر تخريج الحديث السابق. وقال الزيلعي (١/ ٢٣٩): \"هذا الحديث يُبطلِ تأويلهم الإِسفار بظهور الفجر\" وهو كما قال -رحمه الله تعالى-\". انتهى ولشيخ الإِسلام","vol":"1","page":345},{"text":"كلام مهم في \"الفتاوى\" (٢٢/ ٩٥) فارجع إِليه -إِن شئت-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-302>من أدرَك ركعة من صلاة الفجر أو العصر</span>\nعن أبي هريرة -﵁- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"من أدرَك من الصبح ركعةً قبل أن تطلع الشمس؛ فقد أدرَك الصبح، ومن أدرَك ركعةً من العصر قبل أن تغرب الشمس؛ فقد أدرَك العصر\" (١).\nوعنه -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إِذا أدرَك أحدُكم سجدةً من صلاة العصر قبل أن تغرُب الشمس، فليُتمَّ صلاته، وإذا أدرَك سجدةً من صلاة الصُّبح قبل أن تطلع الشمس، فليتمّ صلاته\" (٢).\nوعن عائشة -﵂- قالت: قال رسول الله - ﷺ -: \"من أدرَك من العصر سجدةً قبل أن تغرب الشمس؛ أو من الصبح قبل أنْ تطلع، فقد أدرَكها\" (٣) والسجدة إِنَّما هي الركعة (٤).\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٥٧٩، ومسلم: ٦٠٨\n(٢) أخرجه البخاري: ٥٥٦\n(٣) أخرجه مسلم: ٦٠٩، وغيره.\n(٤) قوله: \"والسجدة إِنما هي الركعة\" مُدرجة في الحديث ليست من قوله - ﷺ -.\nقال شيخنا في \"الإِرواء\" (تحت الحديث ٢٥٢): \"وهي مُدرجةٌ في الحديث ليست من كلامه - ﷺ -، قال الحافظ في \"التلخيص\" (ص٦٥): قال المحبّ الطبري في \"الأحكام\": ويُحتمل إِدراج هذه اللفظة الأخيرة.\nقلت: -أي: شيخنا حفظه الله -: \"وهو الذي أُلقيَ في نفسي وتبيّن لي بعد أن تتبعتُ مصادر الحديث فلم أجدها عند غير مسلم. والله أعلم\".","vol":"1","page":346},{"text":"وجاء في \"صحيح البخاري\" (٥٥٦) (كتاب مواقيت الصلاة) \"باب من أدرَك ركعةً من العصر قبل الغروب\"، وأورد فيه حديث أبي هريرة -﵁-: \"إِذا أدرَك أحدكم سجدةً ... \".\nقال الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ٣٨): \"قوله (باب من أدرَك ركعةً من العصر قبل الغروب) أورد فيه حديث أبي سلمة عن أبي هريرة: \"إِذا أدرَك أحدكم سجدةً من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتمّ صلاته، فكأنَّه أراد تفسير الحديث، وأنَّ المراد بقوله: \"فيه سجدة\"، أي: ركعة.\nوقد رواه الإِسماعيلي من طريق حسين بن محمد عن شيبان بلفظ: \"من أدرَك منكم ركعة\" فدلّ على أنَّ الاختلاف في الألفاظ وقَع من الرواة، ... و[في] رواية مالك في أبواب وقت الصبح بلفظ: \"من أدرَك ركعة\" ولم يُختَلف على راويها في ذلك، فكان عليها الاعتماد. وقال الخطابي: \"المراد بالسجدة الركعة بركوعها وسجودها، والركعة إِنّما يكون تمامها بسجودها فسُمّيت على هذا المعنى سجدة\"\".\nقال شيخنا في \"الإِرواء\" (١/ ٢٧٥): \" ... وقد أخرجه البيهقي (١/ ٣٧٨) من طريق محمد بن الحسين بن أبي الحنين حدثنا الفضل يعني ابن دكين به، بلفظ: \"إِذا أدرك أحدكم أوّل سجدة ... \" بزيادة \"أوّل\" في الموضعين.\n... فثبتَ مما ذكَرْنا أنَّ هذه الزيادة صحيحة ثابتة في الحديث، وهي تعيِّن أنَّ المراد من الحديث إدراك الركوع مع السجدة الأولى؛ كما سبَق بيانه، وما يترتّب عليه من رفْع الخلاف الفقهي في الحديث الذي قبله\"،","vol":"1","page":347},{"text":"أي: حديث: \"من أدرَك ركعةً من الصبح ... \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-303>الأوقات التي ورَد النّهي عن الصَّلاة فيها</span>\nلقد ورَد النهي عن الصَّلاة في عِدّه مواطن، وهي ما يأتي:\n١ - بعد صلاة الفجر حتى تطلُع الشمس.\n٢ - وحين طلوعها حتى ترتفع قدر رمح.\n٣ - وحين استوائها.\n٤ - وحين تميل إِلى الغروب.\n٥ - وبعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس؛ وذكر بعض العلماء جواز ذلك قبل اصفرار الشمس، كما سيأتي إِن شاء الله.\nودليل ذلك:\nحديث أبي سعيد الخدري -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا صلاة بعد صلاة العصر حتَّى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد صلاة الفجر حتَّى تطلع الشمس\" (١).\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٥٨٦، ومسلم: ٨٢٧\nقال شيخ الإِسلام ابن تيمية في \"اقتضاء الصراط المستقيم\" (٦٣ - ٦٥) بحذف يسير: \"فقد نهى النّبيّ - ﷺ - عن الصلاة وقت طلوع الشمس، ووقت الغروب، مُعلِّلًا ذلك النهي: بأنّها تطلع وتغرب بين قرني شيطان، وأنَّه حينئذ يسجُد لها الكفار. ومعلوم أنَّ المؤمن لا يقصد السجود إلاَّ لله تعالى، وأكثر النّاس قد لا يعلمون أنَّ طلوعها وغروبها بين قرني شيطان، ولا أنَّ الكفار يسجدون لها، ثمَّ إِنَّه - ﷺ - نَهى عن الصلاة في هذا الوقت حَسمًا لمادّة المشابهة بكلّ طريق. =","vol":"1","page":348},{"text":"وحديث عمرو بن عبسة -﵁- في قصة إِسلامه، وفيه: \"فقلتُ: يا نبي الله! أخبِرني عمَّا علَّمك الله وأجهلُهُ، أخبرْني عن الصلاة؟ \".\nقال: \"صلِّ صلاة الصبح. ثمَّ أقْصِرْ عن الصَّلاة حتى تطلع الشمس حتَّى ترتفع، فإِنّها تطلعُ حين تطلعُ بين قرْني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار، ثمَّ صلِّ فإِنَّ الصَّلاة مشهودةٌ محضورةٌ (١) حتَّى يستقلَّ الظِّلُّ بالرمح (٢). ثمَّ أقصِرْ\n_________\n= ... وكان فيه تنبيهٌ على أنَّ كلّ ما يفعله المشركون من العبادات ونحوها ممّا يكون كفرًا أو معصية بالنية؛ يُنهى المؤمنون عن ظاهره، وإنْ لم يقصدوا به قصْد المشركين سدًّا للذريعة، وحسمًا للمادة\"، ولهذا نهَى عن الصلاة إِلى ما عُبد من دون الله في الجملة، وإِن لم يكن العابد يقصد ذلك، ولهذا يُنهى عن السجود لله بين يدي الرّجل، وإن لم يقصد الساجد ذلك، لِمَا فيه من مُشابهة السجود لغير الله.\nفانظر كيف قَطَعت الشريعة المشابهة في الجهات وفي الأوقات، وكما لا يُصلّي إِلى القبلة التي يُصلون إِليها؛ كذلك لا يصلّي إِلى ما يُصلّون له؛ بل هذا أشدّ فسادًا، فإِنَّ القبلة شريعة من الشرائع، قد تختلف باختلاف شرائع الأنبياء، أمَّا السجود لغير الله وعبادته؛ فهو مًحرّم في الدين الذي اتفقت عليه رسل الله، كما قال ﷾: ﴿واسألْ من أرسَلْنا من قبلِك من رُسُلنا أجعَلْنا من دون الرحمن آلهةً يُعبدون﴾. [الزخرف: ٤٥].\n(١) أي: تشهدها الملائكة وتحضرها.\n(٢) قال النووي -﵀-: أى: يقوم مقابله في جهة الشمال؛ ليس مائلًا إِلى المغرب ولا إِلى المشرق، وهذه حالة الاستواء، وفي الحديث التصريح بالنهي عن الصلاة حينئذ حتى تزول الشمس، وهو مذهب الشافعي وجماهير العلماء، واستثنى الشافعي حالة الاستواء يوم الجمعة.\nوقال في \"النهاية\": أي: حتى يبلغ ظلّ الرمح المغروس في الأرض أدنى غاية القلَّة والنقص؛ لأنَّ ظلَّ كل شيء في أوّل النّهار يكون طويلًا، ثمَّ لا يزال ينقص حتى يبلغ أقصره =","vol":"1","page":349},{"text":"عن الصَّلاة. فإِنَّ حينئذ تُسْجَرُ جهنم (١) فإِذا أقبل الفيءُ فَصَلِّ (٢). فإِن الصَّلاة مشهودةٌ محضورةٌ، حتَّى تصلِّي العصر ثمَّ أقصِر عن الصَّلاة (٣) حتَّى تغرب الشمس. فإِنّها تغرُب بين قرني شيطانٍ، وحينئذ يسجد لها الكفار\" (٤).\nوعن عقبة بن عامر الجهني -﵁- قال: \"ثلاث ساعات كان رسول الله - ﷺ - ينهانا أن نصلِّي فيهنّ، أو أن نقبرَ فيهنّ موتانا (٥): حين تطلعُ الشمس بازغةً (٦) حتى ترتفع، وحين يقوم قائمُ الظهيرة (٧) حتى تميل\n_________\n= وذلك عند انتصاف النهار، فإِذا زالت الشمس عاد الظِّل يزيد، وحينئذ يدخل وقت الظهر، وتجوز الصلاة ويذهب وقت الكراهة. وهذا الظّل المتناهي في القِصَر هو الذي يسمّى ظلَّ الزوال، أي: الظل الذي تزول الشمس عن وسط السماء، وهو موجود قبل الزيادة. فقوله: \"يستقل الرّمح بالظل\" هو من القلة لا من الإِقلال والاستقلال الذي بمعنى الارتفاع والاستبداد، يقال: تقلل الشيء، واستقله، وتقالَّه: إِذا رآه قليلا.\n(١) أي: توقد إِيقادًا بليغًا. \"شرح النووي\".\n(٢) أقبل الفيء: ظهر إِلى جهة الشرق، والفيء مختصّ بما بعد الزّوال، وأمّا الظلّ فيقع على ما قبل الزوال وبعده. \"شرح النووي\".\n(٣) أي: أمسِكْ وكفّ.\n(٤) أخرجه مسلم: ٨٣٢، وغيره.\n(٥) قال شيخنا -حفظه الله- في \"تمام المنة\" (ص ١٤٣): [الواجب] تأخير دفْن الجنازة حتى يخرج وقت الكراهة، إلاَّ إِذا خيف تغيّر الميت، وهو قول الحنابلة كما ذكره المؤلف [أي: السيد سابق -حفظه الله-] في كتاب \"الجنائز\".\n(٦) البزوغ: ابتداء طلوع الشمس، يقال: بزغت الشمس، وبزغ القمر وغيرهما: إِذا طلعَت. \"النهاية\".\n(٧) أي: قيام الشمس وقت الزوال، من قولهم: قامت به دابّته: أي: وقَفَت =","vol":"1","page":350},{"text":"الشمس، وحين تضَيَّف (١) الشمس للغروب حتى تغرب\" (٢).\nأمّا الصلاة بعد العصر؛ فقد ذكر بعض العلماء جوازها قبل اصفرار الشمس؛ لحديث عليّ -﵁-: \"نهى رسول الله - ﷺ - عن الصَّلاة بعد العصر إلاَّ والشمس مرتفعة\" (٣).\nوعن المقدام بن شريح عن أبيه قال: \"سألت عائشة عن الصلاة بعد العصر؛ فقالت: صلِّ، إِنما نهى رسول الله - ﷺ - قومك أهل اليمن عن الصلاة إِذا طلعت الشمس\" (٤).\n_________\n= والمعنى: أنَّ الشمس إذا بَلَغَت وسط السماء أبطأت حركة الظلّ إِلى أن تزول، فيحسب النّاظر المتأمل أنها قد وقفت وهي سائرة؛ لكن سيرًا لا يظهر له أثر سريع؛ كما يظهر قبل الزوال وبعده، فيُقال لذلك الوقوف المشاهد: قامَ قائم الظهيرة. \"النهاية\".\nويستثنى من ذلك التطوّع يوم الجمعة، كما سيأتي إِن شاء الله تعالى، وقال شيخنا في \"تمام المنة\" (ص١٤٣): \"وفيه أحاديث كثيرة؛ تراجع في \"زاد المعاد\" و\"إِعلام أهل العصر بحُكم ركعتي الفجر\" للعظيم آبادي وغيرهما\".\nقال النووي: حال استواء الشمس، ومعناه: حين لا يبقى للقائم فى الظهيرة ظلٌّ في المشرق ولا في المغرب.\n(١) أي: تميل، يُقال: ضاف عنه يضيف. وانظر \"النهاية\".\n(٢) أخرجه مسلم: ٨٣١، وغيره.\n(٣) أخرجه أبو داود والنسائي وأبو يعلى في \"مسنده\" وغيرهم، وهو حديث صحيح خرَّجه شيخنا في \"الصحيحة\" (٢٠٠).\n(٤) قال شيخنا -شفاه الله- في \"الضعيفة\" تحت الحديث (٩٤٥): \"وسنده صحيح على شرط مسلم\".","vol":"1","page":351},{"text":"قال شيخنا في \"الصحيحة\" (١/ ٣٤٢) بعد حديث \"لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس\": \"فهذا مطلق، يقيّده حديث عليّ -﵁- وإلى هذا أشار ابن حزم -﵀- بقوله المتقدِّم: \"وهذه زيادة عدْل لا يجوز ترْكها\".\nثمَّ قال البيهقي: \"وقد رُوي عن علي -﵁- ما يخالف هذا. وروي ما يوافقه\".\nثمَّ ساق هو والضياء في \"المختارة\" (١/ ١٨٥) من طريق سفيان قال: أخبَرني أبو إِسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي -﵁- قال: \"كان رسول الله - ﷺ - يُصلِّي ركعتين في دبر كلِّ صلاةٍ مكتوبةٍ، إلاَّ الفجر والعصر\".\nقلتُ -أي: شيخنا حفظه الله تعالى-: \"وهذا لا يخالف الحديث الأوّل إِطلاقًا، لأنَّه إنما ينفي أن يكون النّبيّ - ﷺ - صلَّى ركعتين بعد صلاة العصر، والحديث الأوّل لا يُثبِت ذلك حتى يُعارَض بهذا، وغاية ما فيه أنَّه يدلّ على جواز الصَّلاة بعد العصر إِلى ما قبل اصفرار الشمس، وليس يلزم أن يفعل النّبيّ - ﷺ - ما أثبت جوازه بالدليل الشرعي كما هو ظاهر.\nنعم، قد ثبَت عن أمّ سلمة وعائشة -﵄- أنَّ النّبيّ - ﷺ - صلّى ركعتين سنة الظهر البعدية بعد صلاة العصر، وقالت عائشة: إِنَّه - ﷺ - داوم عليها بعد ذلك، فهذا يُعارض حديث عليّ الثاني، والجمع بينهما سهْل، فكلٌّ حَدَّث بما عَلِم، ومن عَلِم حُجَّةٌ على من لم يعلم، ويظهر أنَّ عليًا -﵁- عَلِم فيما بعد من بعض الصحابة ما نفاه في هذا الحديث،","vol":"1","page":352},{"text":"فقد ثبَت عنه صلاته - ﷺ - بعد العصر، وذلك قول البيهقي: \"وأمّا الذي يوافقه ففيما أخبَرنا ... \" ثمَّ ساق من طريق شعبة عن أبي إِسحاق عن عاصم بن ضمرة قال: \"كُنّا مع عليّ -﵁- في سفر فصلَّى بنا العصر ركعتين، ثمَّ دخل فسطاطه (١) وأنا أنظر، فصلّى ركعتين\".\nففي هذا أنَّ عليًّا -﵁- عَمِل بما دلّ عليه حديثه الأوّل من الجواز.\nوروى ابن حزم (٣/ ٤) عن بلال مُؤذِّن رسول الله - ﷺ - قال: \"لم ينه عن الصلاة إلاَّ عند غروب الشمس\".\nقلت: وإِسناده صحيح، وهو شاهد قويّ لحديث عليّ -﵁- وأمّا الركعتان بعد العصر، فقد روى ابن حزم القول بمشروعيّتهما عن جماعةٍ من الصحابة، فمن شاء فليرجع إِليه.\nوما دلَّ عليه الحديث من جواز الصلاة ولو نفلًا بعد صلاة العصر وقبل إصفرار الشمس، هو الذي ينبغي الاعتماد عليه في هذه المسألة التي كثُرت الأقوال فيها، وهو الذي ذهب إِليه ابن حزم تبعًا لابن عمر -﵄- كما ذكره الحافط العراقي وغيره، فلا تكن ممّن تغرّه الكثرة، إذا كانت على خلاف السُنَّة.\nثمَّ وجَدْتُ للحديث طريقًا أخرى عن عليّ -﵁- بلفظ: \"لا تصلُّوا بعد العصر، إلاَّ أن تُصلّوا والشمس مرتفعة\". أخرجه الإمام أحمد (١/ ١٣٠): حدثنا إِسحاق بن يوسف: أخبرنا سفيان عن أبي إِسحاق عن\n_________\n(١) الفُسطاط: -بالضم والكسر- المدينة التي فيها مجتمع الناس. \"النهاية\".","vol":"1","page":353},{"text":"عاصم عن عليّ -﵁- عن النّبيّ - ﷺ - أنَّه قال: فذكره.\nقلت: وهذا سند جيّد، ورجاله كلّهم ثقات رجال الشيخين غير عاصم وهو ابن ضمرة السلولي وهو صدوق. كما في \"التقريب\".\nقلت: فهذه الطريق مما يُعطي الحديث قوّة على قوّة، لا سيما وهي من طريق عاصم الذي روى عن عليّ أيضًا أنَّ النّبيّ - ﷺ - كان لا يصلّي بعد العصر، فادّعى البيهقي من أجل هذه الرواية إِعلال الحديث، وأجَبْنا عن ذلك بما تقدّم، ثمَّ تأكَّدْنا من صحة الجواب حين وقَفْنا على الحديث من طريق عاصم أيضًا. فالحمد لله على توفيقه\" اهـ.\nثمَّ وجدت لابن المنذر في \"الأوسط\" (٢/ ٣٨٨ - ٣٩١) كلامًا مفيدًا في ذلك.\nقال -﵀- (ص ٣٨٨): \"قد ثبتت الأخبار عن رسول الله - ﷺ - بنهيه عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وعن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، فكان الذي يوجبه ظاهر هذه الأحاديث عن النّبيّ - ﷺ - الوقوف عن جميع الصلوات بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الصبح حتى تطلع الشمس، فدّلت الأخبار الثابتة عن النّبيّ - ﷺ - على أنَّ النهي إِنّما وقع في ذلك على وقت طلوع الشمس ووقت غروبها، فممّا دلّ على ذلك حديث عليّ بن أبي طالب، وابن عمر، وعائشة -﵃-، وهي أحاديث ثابتة بأسانيد جياد، لا مطعن لأحد من أهل العلم فيها. ثمَّ ساقها بأسانيده.\nثمَّ قال (ص٣٩٠): (ذِكر الأخبار الدالة على إِباحة صلاة التطوّع بعد","vol":"1","page":354},{"text":"صلاة العصر) ثمَّ ذكر حديث أم سلمة قالت: \"دخل علي رسول الله - ﷺ - بعد العصر فصلّى ركعتين فقلت: يا رسول الله إِن هذه صلاة ما كنت تصليها؟ قال: قدم وفد بني تميم فحبسوني عن ركعتين كنت أركعهما بعد صلاة الظهر\" (١).\nوقال بعد ذلك: \"قد ثبت أن نبي الله - ﷺ - صلّى بعد العصر صلاة كان يصليها بعد الظهر شغل عنها وهي صلاة تطوع، فإِذا جاز أن يتطوع بعد العصر بركعتين جاز أن يتطوع المرء ما شاء من التطوع إِذا اتقى الأوقات التي نهى رسول الله - ﷺ - عن التطوع فيها، مع أنا قد روينا عن رسول الله - ﷺ - بإِسناد ثابت لا أعلم لأحد من أهل العلم فيه مقالًا، أنّه كان يصلي بعد العصر ركعتين\".\nوذكر تحته عددًا من الأحاديث منها: حديث عائشة -﵂- أنها قالت: \"والله ما ترك رسول الله - ﷺ - ركعتين عندي بعد العصر قط\" (٢).\nوحديث الأسود بن يزيد ومسروق يقولان: \"نشهد على عائشة أنها قالت: ما كان رسول الله - ﷺ - عندي في يومي إلاَّ صلاها، تعني ركعتين بعد العصر\" (٣).\n_________\n(١) أخرجه أحمد في \"المسند\" (١٠/ ١٧٩) برقم (٢٦٥٧٧)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٥٦٣، ٥٦٤) ونحوه في \"صحيح البخاري\" (١٢٣٣)، و\"صحيح مسلم\" (٨٣٤).\n(٢) أخرجه البخاري: ٥٩١، ومسلم: ٨٣٥\n(٣) أخرجه البخاري: ٥٩٣، ومسلم: ٨٣٥","vol":"1","page":355},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-304>التطوّع حين الإِقامة</span>\nعن أبي هريرة -﵁- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"إِذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلاَّ المكتوبة\" (١).\nوعن ابن بُحينة -﵁- قال: أقيمت صلاة الصبحِ فرأى رسول الله - ﷺ - رجلًا يصلّي والمؤذن يُقيم، فقال: \"أتُصلِّي الصبح أربعًا\" (٢).\nوعن عبد الله بن سَرجِس قال: \"دخل رجلٌ المسجد ورسول الله - ﷺ - في صلاة الغداة فصلّى ركعتين في جانب المسجد، ثمَّ دخل مع رسول الله - ﷺ -، فلمّا سلَّمَ رسول الله - ﷺ - قال: يا فلان! بأيِّ الصلاتين اعتددتَ؟ أبصلاتك وحدك، أم بصلاتك معنا؟ \" (٣).\nولا يعني هذا أن يقطع كل مصلٍّ صلاته حين يسمع الإِقامة، إِذ الأمر يختلف من إِمام إِلى إِمام، ومن مُصلٍّ إِلى مُصلٍّ، فربّما كان المصلّي في حالٍ يُرجّح فيها أنه يُدرك التكبيرة الأولى لصلاة الفريضة، أو كان آخر في وسط الصلاة، وقد عَهِد من إمامه الانتظار لتسوية الصفوف وسدّ الفُرج، فيتسنّى له استكمال صلاته مع استعجال غير مُخلٍّ، فهذا وذاك لا يقطعان الصلاة، أمَّا إِذا رجّح المصلّي فوات تكبيرة الإِحرام لأنَّه في بداية صلاته، أو لاستعجال إمامه بالتكبير دون تسوية الصفوف؛ فعليه أن يُبادر بالفريضة ويدَع ما سواها. سمعتُه من شيخنا -حفظه الله-.\n_________\n(١) أخرجه أحمد ومسلم: ٧١٠، وأصحاب السنن.\n(٢) أخرجه البخاري: ٦٦٣، ومسلم: ٧١١، وهذا لفظه.\n(٣) أخرجه مسلم: ٧١٢","vol":"1","page":356},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-305>صلاة ما له سبب وقت الكراهة</span>\nذهب بعض أهل العلم إِلى جواز صلاة ما له سبب؛ كتحيّة المسجد وسُنّة الوضوء بعد الصبح وعند اصفرار الشمس، واستدلُّوا بصلاة رسول الله - ﷺ - سنَّة الظهر بعد صلاة العصر، وغير ذلك من النصوص. وجاء في \"الفتاوى\" (٢٣/ ١٧٨) باختصارٍ وتصرُّف: \"في أوقات النهي، والنزاع في ذوات الأسباب، وغيرها. فإِن للناس في هذا الباب اضطرابًا كثيرًا.\nفنقول: قد ثبت بالنص والإِجماع أنّ النهي ليس عامًا لجميع الصلوات، فإِنّه قد ثبت في \"الصحيحين\" عن النّبيّ - ﷺ - أنه قال: \"من أدرك ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك -وفي لفظ- فيتم صلاته -وفي لفظ- سجدة\".\nوكلها صحيحة وكذلك قال: \"من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك -وفي لفظ-: فليتم صلاته -وفي لفظ-: سجدة\" (١).\nوفي هذا أمره بالركعة الثانية من الفجر عند طلوع الشمس. وفيه أنه إِذا صلى ركعة من العصر عند غروب الشمس صحت تلك الركعة، وهو مأمور بأن يَصل إِليها أخرى.\nوقد ثبت أن أبا بكر الصديق قرأ في الفجر بسورة البقرة. فلمّا سلّم، قيل له: كادت الشمس تطلع، فقال: لو طلعت لم تجدنا غافلين.\nفهذا خطاب الصديق للصحابة يبين أنها لو طلعت لم يضرهم ذلك، ولم تجدهم غافلين، بل وجدتهم ذاكرين الله.\nوفي حديث جبير مرفوعًا: \"يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا\n_________\n(١) انظر \"الإِرواء\" (٢٥٢) و(٢٥٣).","vol":"1","page":357},{"text":"البيت وصلّى أية ساعة من ليل أو نهار\" (١).\nفهذا العموم لم يخص منه صورة لا بنص ولا إِجماع، وحديث النهي مخصوص بالنص والإِجماع، والعموم المحفوظ راجح على العموم المخصوص. والبيت ما زال الناس يطوفون به، ويصلون عنده مِن حين بناه إِبراهيم الخليل، وكان النّبيّ - ﷺ - وأصحابه قبل الهجرة يطوفون به، ويصلون عنده، وكذلك لما فتحت مكة كثر طواف المسلمين به، وصلاتهم عنده. ولو كانت ركعتا الطواف منهيًا عنها في الأوقات الخمسة لكان النّبيّ - ﷺ - ينهى عن ذلك نهيًا عامًا، لحاجة المسلمين إِلى ذلك، ولكان ذلك ينقل، ولم ينقل مسلم أنّ النّبيّ - ﷺ - نهى عن ذلك، مع أن الطواف طرفي النهار أكثر وأسهل.\nوفي النهي تعطيلٌ لمصالح ذلك الطواف والصلاة. وذوات الأسباب إِنما دعا إِليها داع؛ لم تفعل لأجل الوقت؛ بخلاف التطوع المطلق الذي لا سبب له، وحينئذ فمفسدة النهي إِنما تنشأ ممّا لا سبب له دون ما له السبب، ولهذا قال في حديث ابن عمر: \"لا تحرّوا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها\" (٢). وانظر الكتاب المذكور للمزيد من الفوائد.\n_________\n(١) أخرجه الترمذي والنسائي والدارمي وغيرهم، وخرجه شيخنا في \"الإِرواء\" (٤٨١).\n(٢) أخرجه البخاري: ٥٨٢، ومسلم: ٨٢٨","vol":"1","page":358},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-306>الأذان</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-307>تعريفه:</span>\nالأذان لغةً: الإِعلام وهو اشتقاق من الأذَن -بفتحتين- وهو الاستماع.\nقال الله تعالى: ﴿وأَذانٌ من اللهِ ورسولِه﴾ (١)، أي: إِعلام. و﴿آذنْتُكم على سواء﴾ (٢) أعلمتكم فاستوينا في العلم.\nوقال الحارث بن حلزة:\nآذنَتْنا ببينها أسماء ... رُبَّ ثاوٍ يملّ منه الثواء\nأي: أعلَمَتْنا.\nوشرعًا: \"الإِعلام بوقت الصلاة بألفاظ مخصوصة\" (٣).\nقال الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ٧٧): \"قال القرطبي وغيره: الأذان على قلّة ألفاظه مشتمل على مسائل العقيدة، لأنَّه بدَأ بالأكبرية وهي تتضمّن وجود الله وكماله، ثمَّ ثنّى بالتوحيد ونفَى الشريك، ثمَّ بإِثبات الرسالة لمحمد - ﷺ -، ثمَّ دعا إِلى الطاعة المخصوصة عقب الشهادة بالرسالة، لأنّها لا تعرف إِلا من جهة الرسول، ثمَّ دعا إِلى الفلاح وهو البقاء الدائم، وفيه الإِشارة إِلى المعاد، ثمَّ أعاد ما أعاد توكيدا. ويحصل من الأذان الإِعلام بدخول الوقت، والدعاء\n_________\n(١) التوبة: ٣\n(٢) الأنبياء: ١٠٩\n(٣) انظر \"الفتح\" (٢/ ٧٧)، و\"المغني\" (١/ ٤١٣)، وغيرهما.","vol":"1","page":359},{"text":"إِلى الجماعة، وإِظهار شعائر الإِسلام. والحكمة في اختيار القول له دون الفعل سهولة القول، وتيسره لكل أحد في كل زمان ومكان\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-308>فضله:</span>\nلقد وردَت أحاديثُ كثيرةٌ في فضل الأذان والمؤذِّنين، من ذلك:\n١ - ما رواه أبو هريرة -﵁- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"إِذا نودي للصلاة أدبَر الشيطان وله ضُراط؛ حتى لا يسمعَ التأذين، فإِذا قضىَ النِّداء أقَبَل، حتى إِذا ثُوِّب (١) بالصلاة أدبَر (٢) ... \" (٣).\n٢ - وعنه -﵁- أيضًا أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"لو يعلم النّاس ما في النّداء والصفّ الأوّل؛ ثمَّ لم يجدوا إلاَّ أن يستَهِموا (٤) عليه لاستهَموا،\n_________\n(١) قال الجمهور: المراد بالتثويب هنا الإِقامة، وبذلك جزم أبو عوانة في \"صحيحه\" والخطابي والبيهقي وغيرهم، وقال القرطبي: ثُوِّب بالصلاة: إِذا أقيمت وأصله أنَّه رجع إِلى ما يشبه الأذان، وكلّ من ردّد صوتًا فهو مثوب، ويدلّ عليه رواية مسلم [٣٨٩]، في رواية أبي صالح عن أبي هريرة: \"فإذا سمع الإقامة ذهب\". \"الفتح\" (٢/ ٨٥).\n(٢) أخرجه البخاري: ٦٠٨، ومسلم: ٣٨٩\n(٣) قال الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ٨٧): \"قال ابن بطال: يُشبه أن يكون الزجر عن خروج المرء في المسجد بعد أن يؤذّن المؤذّن من هذا المعنى، لئلاّ يكون متشبّهًا بالشيطان الذي يفرّ عند سماع الأذان، والله أعلم\".\n(٤) أي: لم يجدوا شيئًا من وجوه الأولوية؛ أمّا في الأذان، فبأن يستووا في معرفة الوقت وحُسن الصوت، ونحو ذلك من شرائط المؤذن وتكملاته، وأمّا في الصفّ الأوّل؛ فبأن يصلوا دفعة واحدة، ويستووا في الفضل؛ فيُقرع بينهم إِذا لم يتراضوا فيما بينهم في الحالين\". \"الفتح\" (٢/ ٩٧).","vol":"1","page":360},{"text":"ولو يعلمون ما في التهجير (١) لاستبقوا إِليه، ولو يعلمون ما في العَتَمَة والصُّبح لأتوهما ولو حَبْوًا\" (٢).\n٣ - وعن معاوية -﵁- قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"المؤذّنون أطول النّاس أعناقًا يوم القيامة\" (٣).\n٤ - وعن أبي سعيد الخدري -﵁- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"لا يسمع مدى صوت المؤذّن جنّ ولا إِنسٌ ولا شيءٌ؛ إلاَّ شَهِدَ له يوم القيامة\" (٤).\n٥ - وعن ابن عمر -﵄- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"يُغفر للمؤذّن مُنتهى أذانه، ويستغفر له كلّ رطب ويابس سمِعَه\" (٥).\n٦ - وقد دعا النّبيّ - ﷺ - للمؤذّنين والأئمّة فقال: \"اللهم أرشِدِ الأئمّةَ،\n_________\n(١) أي: التبكير إلى الصلاة.\n(٢) أخرجه البخاري: ٦١٥، ومسلم: ٤٣٧، وغيرهما.\n(٣) أخرجه مسلم: ٣٨٧، وغيره.\n(٤) أخرجه مالك والبخاري: ٦٠٩، والنسائي وابن ماجه وزاد: \"ولا حجرٌ ولا شجر إلاَّ شهد له\". وابن خزيمة في \"صحيحه\" ولفظه: \"قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: لا يسمع صوته شجر ولا مدر [المدر: الطين اللّزج المتماسك، والقطعة منه مَدَرَةَ، وأهل المَدَر: مكان البيوت المبنيّة؛ خلاف البدو وسُكان الخيام. \"الوسيط\".] ولا حجر ولا جن ولا إِنس إلاَّ شهد له\". وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١٧٠).\n(٥) أخرجه أحمد بإِسناد صحيح والطبراني في \"الكبير\"، عن \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٢٢٦)، وانظر إِن شئت (٢٢٧) أيضًا للمزيد من الفائدة.","vol":"1","page":361},{"text":"واغفر للمؤذنين\" (١).\n٧ - وعن عائشة -﵂- قالت: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"الإِمام ضامنٌ، والمؤذن مُؤتَمنٌ، فأرشدَ الله الأئمّة، وعفا عن المؤذنين\" (٢).\n٨ - وعن سلمان الفارسي -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إِذا كان الرجل بأرض قِيٍّ (٣)، فحانت الصلاة، فليتوضأ، فإِن لم يجد ماءً فليتيمّم، فإِن أقام، صلّى معه مَلَكاه، وإِن أذَّنَ وأقام، صلّى خلفه من جنود الله ما لا يُرى طرفاه\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-309>سبب مشروعيّته</span>\n١ - عن ابن عمر -﵄- قال: \"كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون؛ فيتحيَّنون الصلاة ليس يُنادى لها، فتكلّموا يومًا في ذلك، فقال بعضهم: اتخِذوا ناقوسًا مِثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: بل بوقًا مثل قرن اليهود، فقال عمر: أولا تبعثون رجلًا ينادي بالصلاة؟ فقال رسول الله - ﷺ -: يا بلال، قم فنادِ بالصلاة\" (٥).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود والترمذي وابن خزيمة وابن حبان في \"صحيحيهما\" إلاَّ أنهما قالا: \"فأرشَد الله الأئمّة، وغفَر للمؤذنين\". عن \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٢٣٠).\n(٢) أخرجه ابن حبان في \"صحيحه\" وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٢٣٢).\n(٣) القِيّ: بكسر القاف وتشديد الياء: الأرض القفر.\n(٤) أخرجه عبد الرزاق في كتابه عن ابن التيمي عن أبيه عن أبي عثمان النهدي عنه. كما في \"الترغيب والترهيب\" وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٢٤١).\n(٥) أخرجه البخاري: ٦٠٤، ومسلم: ٣٧٧","vol":"1","page":362},{"text":"٢ - وعن عبد الله بن زيد -﵁- قال: لمّا أمر رسول الله بالناقوس يعمل؛ ليضرب به للنّاس لجمْع الصلاة، طاف بي وأنا نائم رجلٌ يحمل ناقوسًا في يده فقلت: يا عبد الله، أتبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ فقلت: ندعو به إِلى الصلاة، قال: أفلا أدُلّك على ما هو خير من ذلك؟ فقلت: بلى، قال: فقال تقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، أشهد أنَّ محمدًا رسول الله، أشهد أنَّ محمّدًا رسول الله، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، حيَّ على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إِله إلاَّ الله.\nقال: ثمَّ استأخرَ عنّي غير بعيد، ثمَّ قال: تقول إِذا أقَمْت الصلاة:\nالله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، أشهد أنَّ محمدًا رسول الله، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إِله إلاَّ الله.\nفلما أصبحْتُ أتيْتُ رسول الله - ﷺ - فأخبرتُه بما رأيتُ فقال: \"إِنَّها لَرُؤيا حَقّ إِنْ شاء الله، فقم مع بلال فَألْقِ عليه ما رأيت فليؤذِّن به، فإِنَّه أندى صوتًا منك\".\nفقمت مع بلال، فجعلْتُ أُلقيه عليه ويُؤذِّن به، قال: فسمعَ ذلك عمر بن الخطاب وهو في بيته، فخرج يجرّ رداءَه ويقول: والذي بعثَك بالحقّ يا رسول الله، لقد رأيت مثل ما أُري، فقال رسول الله - ﷺ -: \"فللَّه الحمد\" (١).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود: ٤٩٩، \"صحيح سنن أبي داود\" (٤٦٩)، والبخاري في \"خلْق أفعال العباد\" وغيرهما ... وهو حديث حسن خرَّجه شيخنا في \"الإِرواء\" (٢٤٦)، وذكر تصحيح جماعة من الأئمّة له؛ كالبخاري والذهبي والنووي وغيرهم.","vol":"1","page":363},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-310>وجوب الأذان</span>\nوفي وجوب الأذان العديد من الأدلّة منها:\n١ - حديت مالك بن الحويرث قال: \"أتينا إِلى النّبيّ - ﷺ - ونحن شَبَبَة مُتقاربون فأقمنا عندهُ عشرين يومًا وليلةً، وكان رسول الله - ﷺ - رحيمًا رفيقًا، فلما ظنَّ أنَّا قد اشتهينا أهلنا -أو قد اشتقنا- سألَنا عمّن تركْنا بعدنا، فأخبرناهُ، قال: ارجعوا إِلى أهليكم، فأقيموا فيهم وعلِّموهم، ومروهم -وذكَر أشياء أحفظُها أو لا أحفظها- وصلُّوا كما رأيتموني أصلّي، فإِذا حضرتِ الصلاة فليؤذن لكم أحدُكم وليؤمَّكم أكبرُكم\" (١).\n٢ - حديث عمرو بن سَلِمَة وفيه ... فقال [أي: النّبيّ - ﷺ -]: \"صلّوا صلاة كذا في حين كذا، وصلّوا كذا في حين كذا، فإِذا حضرت الصلاة فليؤذّن أحدكم وليؤمّكم أكثركم قرآنًا\" (٢).\nقال في \"المحلّى\" (٣/ ١٦٧): \" ... فصحّ بهذين الخبرين (٣) وجوب الأذان ولا بدّ، وأنّه لا يكون إلاَّ بعد حضور الصلاة في وقتها\".\nوقال أيضًا فيه (٣/ ١٦٩): \"وممّن قال بوجوب الأذان والإِقامة فرضًا: أبو سليمان وأصحابه، وما نعلم لمن لم يرَ ذلك فرضًا حُجّة أصلًا، ولو لم يكن إلاَّ استحلال رسول الله - ﷺ - دماء من لم يسمع عندهم أذانًا وأموالهم وسبيهم\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٦٣١، في بعض الكتب عن عمرو بن سلمة عن أبيه وكذا في \"صحيح سنن أبي داود\" (٥٤٨)، قال شيخنا: \" ... عن أبيه غير محفوظ\".\n(٢) أخرجه البخاري: ٤٣٠٢\n(٣) أي: الحديثين المتقدّميْن.","vol":"1","page":364},{"text":"لكفى في وجوب فرض ذلك (١)، وهو إِجماع متيقّن من جميع من كان معه من الصحابة -﵃- بلا شكّ؛ فهذا هو الإِجماع المقطوع على صحّته\".\nقال ابن المنذر في \"الأوسط\" (٣/ ٢٤): \"فالأذان والإِقامة واجبان على كل جماعة في الحضر والسفر، لأنَّ النّبيّ - ﷺ - أمر بالأذان، وأمره على الفرض، وقد أمر النّبيّ - ﷺ - أبا محذورة أن يؤذن بمكة، وأمر بلالًا بالأذان، وكل هذا يدل على وجوب الأذان\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-311>صفة الأذان</span>\nلقد وردَ الأذان بالكيفيّتين الآتيتين:\n١ - خمس عشرة كلمة، كما في حديث عبد الله بن زيد -﵁- المتقدِّم.\n٢ - تسع عشرهّ كلمة بترجيع الشهادتين، كما في حديث أبي محذورة - ﵁- أنَّ رسول الله - ﷺ - علَّمه الأذان تسع عشرة كلمة، والإِقامة سبع عشرة كلمة:\nالأذان: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، أشهد أنَّ محمدًا رسول الله، أشهد أنَّ محمدًا رسول الله، أشهد أن لا إِله إلاَّ الله (٢)، أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، أشهد أنَّ محمدًا رسول الله،\n_________\n(١) قال شيخنا -حفظه الله- في \"تمام المنة\" (ص ١٤٤): \"والوجوب يثبت بأقلّ من هذا\".\n(٢) وهذا هو الترجيع وهو الترديد كما في \"النهاية\".","vol":"1","page":365},{"text":"أشهد أنَّ محمدًا رسول، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، حيَّ على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إِله إلاَّ الله.\nوالإِقامة: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، أشهد أنَّ محمدًا رسول الله، أشهد أنَّ محمدًا رسول الله، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، حيَّ على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إِله إلاَّ الله (١).\nوفي رواية لأبي محذورة -﵁- قال: قلت يا رسول الله، علِّمْني سُنَّةَ الأذان، قال: فمسحَ مُقَدَّمَ رأسي وقال: \"الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، ترفع بها صوتك، ثمَّ تقول: أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، أشهد أنَّ محمّدًا رسول الله، أشهد أنَّ محمّدًا رسول الله، تخفض بها صوتك، ثمَّ ترفع صوتك بالشهادة (٢): أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، أشهد أنَّ محمّدًا رسول الله، أشهد أنَّ محمّدًا رسول الله، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، حيَّ على الفلاح.\nفإِنْ كان صلاة الصبح قلت: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، الله أكبر الله أكبر، لا إِله إلاَّ الله\" (٣).\nوسألت شيخنا -حفظه الله تعالى-: هل الأصل الإِكثار من أذان بلال أم\n_________\n(١) أخرجه أحمد وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٤٧٤)، والترمذي والنسائي وابن ماجه، وأخرجه مسلم: ٣٧٩، بترديد التكبير مرتين.\n(٢) وهذا هو الترجيع وهو الترديد كما تقدّم.\n(٣) أخرجه أحمد وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٤٧٢)، وانظر \"تمام المنة\" (ص ١٤٦).","vol":"1","page":366},{"text":"أذان أبي محذورة -﵄-؟\nفقال: ليس عندنا شيء يحدد الأكثر من الأذانات الثابتة في السنَّة، وإِنَّما السنَّة أن ينوّع.\nوسألته عن الترجيع، فقال: أحيانًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-312>وجوب ترتيب الأذان</span>\nقال في \"المغني\" (١/ ٤٣٨): \"ولا يصحّ الأذان إلاَّ مرتَّبًا؛ لأنَّ المقصود منه يختلّ بعدم الترتيب وهو الإِعلام؛ فإِنَّه إِذا لم يكن مرتَّبًا لم يُعلم أنَّه أذان، ولأنَّه شُرِع في الأصل مُرتّبًا، وعلَّمه النّبيّ - ﷺ - أبا محذورة مرتّبًا\".\n\nتثويب (١) المؤذّن في صلاة الصبح وهو قوله: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم\nللحديث السابق، وموضعه الفجر الأوّل لحديث أبي محذورة -﵁- عن النّبيّ - ﷺ -: \"الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم؛ في الأولى من الصبح\".\nوعنه أيضًا قال: \"كنت أؤذّن لرسول الله - ﷺ -، وكنت أقول في أذان الفجر الأوّل: حيَّ على الفلاح، الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، الله أكبر\n_________\n(١) التثويب: الأصل في التثويب: أن يجيء الرجل مستصرخًا؛ فيلوّح بثوبه ليُرى ويشتهر فسمّي الدعاء تثويبًا لذلك، وكلّ داع مثوّب، وقيل: إِنّما سُمّي تثويبًا من ثاب يثوب إِذا رجع، فهو رُجوعٌ إِلى الأمر بالمبادرة إِلى الصلاة، وأنَّ المؤذن إِذا قال: حيَّ على الصلاة؛ فقد دعاهم إِليها، وإذا قال بعدها: الصلاة خير من النوم، فقد رجع إِلى كلامٍ معناه المبادرة إِليها. \"النهاية\".","vol":"1","page":367},{"text":"الله أكبر، لا إِله إلاَّ الله\" (١).\nوكن بلال أنَّه: أتى النّبيّ - ﷺ - يُؤْذنه بصلاة الفجر فقيل: هو نائم، فقال: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، فأُقرَّت في تأذين الفجر، فثبت الأمر على ذلك\" (٢).\nقال شيخنا في \"تمام المنّة\" (ص١٤٦): \"قلتُ: إِنّما يشرع التثويب في الأذان الأوّل للصبح، الذي يكون قبل دخول الوقت بنحو ربع ساعة تقريبًا؛ لحديث ابن عمر -﵄- قال: \"كان في الأذان الأوّل بعد الفلاح: الصلاة خير من النوم مرتين\". رواه البيهقي (١/ ٤٢٣)، وكذا الطحاوي في \"شرح المعاني\" (١/ ٨٢)، وإِسناده حسن كما قال الحافظ.\nوحديث أبي محذورة مُطلق، وهو يشمل الأذانين، لكنّ الأذان الثاني غير مراد؛ لأنَّه جاء مُقيَّدًا في رواية أخرى بلفظ: \"وإِذا أذَّنْتَ بالأوّل من الصبح فقُل: الصلاة خير من النوم. الصلاة خير من النوم\"، أخرجه أبو داود والنسائي والطحاوي وغيرهم، وهو مخرج في \"صحيح أبي داود\" (٥١٠ - ٥١٦)، فاتفقَ حديثه مع حديث ابن عمر، ولهذا قال الصنعاني في \"سبل السلام\" (١/ ١٦٧ - ١٦٨) عَقبَ لفْظ النسائي: \"وفي هذا تقييد لما أطلقَتْه الروايات. قال ابن رسلان: وصحَّح هذه الرواية ابن خزيمة. قال: فشرعيّة التثويب إِنّما هي في الأذان الأوّل للفجر؛ لأنَّه لإِيقاظ النائم، وأمَّا الأذان الثاني\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٤٧٣)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٦٢٨) وورَد برقم (٦١٤) في (باب الأذان في السفر) بلفظ: \"الصلاة خير من النوم، في الأولى من الصبح\".\n(٢) أخرجه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٥٨٦).","vol":"1","page":368},{"text":"فإِنَّه إِعلام بدخول الوقت، ودعاء إِلى الصلاة. اهـ من \"تخريج الزركشي لأحاديث الرافعي\".\nومِثْل ذلك في \"سنن البيهقي الكبرى\" عن أبي محذورهّ: أنَّه كان يُثوّب في الأذان الأوّل من الصبح بأمْره - ﷺ -.\nقلت [أي: شيخنا -حفظه الله تعالى-]: وعلى هذا ليس \"الصلاة خير من النوم\" من ألفاظ الأذان المشروع للدعاء إِلى الصلاة والإِخبار بدخول وقتها، بل هو من الألفاظ التي شُرعت لإِيقاظ النائم، فهو كألفاظ التسبيح الأخير الذي اعتاده الناس في هذه الأعصار المتأخرة؛ عِوَضًا عن الأذان الأول\".\nوقال -حفظه الله- (ص١٤٨): (فائدة): قال الطحاوي بعد أن ذكر حديث أبي محذورة وابن عمر المتقدّمين الصريحين في التثويب في الأذان الأوّل: \"وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد -رحمهم الله تعالى-\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-314>آخر الأذان </span>(١)\nعن بلال قال: آخر الأذان: \"الله أكبر الله أكبر، لا إِله إلاَّ الله\" (٢). عن الأسود قال: كان آخر أذان بلال: \"الله أكبر الله أكبر، لا إِله إلاَّ الله\" (٣).\nعن أبي محذورة: أنَّ آخر الأذان: \"لا إِله إلاَّ الله\" (٤).\n_________\n(١) عجبتُ لهذا التبويب لأوّل وهلة حين قرأتُه في \"سنن النسائي\" وما أسرع ما زال التعجب؛ حين تذكّرت ما أبتدعَه المسلمون من زيادات عليه!\n(٢) عن \"صحيح سنن النسائي\" (١/ ١٤٠) بأسانيد صحيحة وكلها في (باب آخر الأذان).\n(٣) عن \"صحيح سنن النسائي\" (١/ ١٤٠) بأسانيد صحيحة وكلها في (باب آخر الأذان).\n(٤) عن \"صحيح سنن النسائي\" (١/ ١٤٠) بأسانيد صحيحة وكلها في (باب آخر الأذان).","vol":"1","page":369},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-315>صفة الإِقامة</span>\n١ - إِفراد كلماتها إلاَّ التكبير الأوّل والأخير و(قد قامت الصلاة)، ففيها التثنية، كما في حديث عبد الله بن زيد المتقدّم، وفيه: \" ... وتقول إِذا أقيمت الصلاة: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، أشهد أنَّ محمدًا رسول الله، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إِله إلاَّ الله\".\n٢ - تربيع الأوّل وتثنية جميع الكلمات، إلاَّ الكلمة الأخيرة (لا إِله إلاَّ الله). كما في حديث أبي محذورة المتقدّم:\n\"والإِقامة: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، أشهد أنَّ محمّدًا رسول الله، أشهد أنَّ محمّدًا رسول الله، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، حيَّ على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إِله إلاَّ الله\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-316>ما يقول مَن يسمع المؤذّن</span>\n١ - يقول مِثْل ما يقول المؤذّن، إلاَّ في الحيعلتين: (حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح)، فإِنَّه يقول: لا حول ولا قوّة إلاَّ بالله، كما في حديث أبي سعيد الخدريّ: \"إِذا سمعتم النّداء، فقولوا مِثل ما يقول المؤذّن\" (١).\nقال يحيى وحدّثني بعض إِخواننا أنَّه قال: \"لمّا قال حيَّ على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلاَّ بالله، وقال: هكذا سمعتُ نبيّكم - ﷺ - يقول\" (٢).\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٦١١، ومسلم: ٣٨٣\n(٢) أخرجه البخاري: ٦١٢، ٦١٣، وانظر -إِن شئت- للمزيد من الفوائد =","vol":"1","page":370},{"text":"وعن عمر بن الخطاب -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إِذا قال المؤذّن: الله أكبر الله أكبر، فقال أحدُكم: الله أكبر الله أكبر، ثمَّ قال: أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، قال: أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، ثمَّ قال: أشهد أنَّ محمّدًا رسول الله، قال: أشهد أنَّ محمّدًا رسول الله، ثمَّ قال: حيَّ على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلاَّ بالله، ثمَّ قال: حيَّ على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلاَّ بالله، ثمَّ قال: الله أكبر الله أكبر، قال: الله أكبر الله أكبر، ثمَّ قال: لا إِله إلاَّ الله، قال: لا إِله إلاَّ الله، من قلبه- دخل الجنّة\" (١).\nوسألت شيخنا -حفظه الله- عن حديث مسلم (٣٨٦): \"من قال حين يسمع المؤذّن: أشهد أنْ لا إِله إلاَّ الله وحده لا شريك له، وأنَّ محمّدًا عبده ورسوله، رضيت بالله ربًّا وبمحمّد رسولًا، وبالإِسلام دينًا؛ غُفر له ذنبه\".\nسألتُه: \"حين يسمع\" أي: حين ينتهي من الأذان أم خلاله؟\nفقال: إِذا لاحظت أنّ إِجابة المؤذّن ليست واجبة، فالأمر حينئذٍ واسع.\n٢ - أن يصلّي على النّبيّ - ﷺ -، بعد الانتهاء من الأذان، ثمَّ يسأل الله ﷿ له الوسيلة، لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص: أنَّه سمع النّبيّ - ﷺ - يقول: \"إِذا سمعتُم المؤذّن فقولوا مِثل ما يقول، ثمَّ صلّوا عليَّ، فإِنَّه من صلّى عليَّ صلاةً صلّى الله عليه بها عشرًا، ثمَّ سلوا الله لي الوسيلة، فإِنّها منزلةٌ في الجنّة لا تنبغي إلاَّ لعبدٍ من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي\n_________\n= الحديثية وغيرها \"الفتح\" (٢/ ٩٣).\n(١) أخرجه مسلم: ٣٨٥","vol":"1","page":371},{"text":"الوسيلة حلَّت له الشفاعة\" (١).\nوعن جابر بن عبد الله أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"من قال حين يسمع النّداء: اللهمّ ربّ هذه الدعوة التامّة (٢) والصلاة القائمة؛ آت محمّدًا الوسيلة (٣)\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ٣٨٤\n(٢) المراد بها دعوة التوحيد؛ كقوله تعالى: ﴿له دعوة الحقّ﴾ [الرعد: ١٤] وقيل لدعوة التوحيد تامة؛ لأنَّ الشركة نقْص، أو التّامة التي لا يدخلها تغيير ولا تبديل؛ بل هي باقية إِلى يوم النشور، أو لأنّها تستحقّ صفة التمام وما سواها فمعرّض للفساد، وقال ابن التين: وُصفت بالتامّة؛ لأن فيها أتّم القول وهو \"لا إِله إلاَّ الله\" ... \"فتح\" (٢/ ٩٥).\n(٣) قال ابن الأثير في \"النهاية\" بحذف: الوسيلة: ما يُتوصّل به إِلى الشيء ويُتقرّب به، وجمعها وسائل، يُقال: وسَل إِليه وسيلة وتوسّل، والمراد به في الحديث: القرب من الله تعالى.\nوقيل: هي منزلة من منازل الجنّة كما جاء في الحديث. اهـ\nوعن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: إِنَّ الوسيلة درجة عند الله؛ ليس فوقها درجة، فسلوا الله أن يؤتيني الوسيلة على خلْقه. [حسن شيخنا إِسناده في \"فضل الصلاة\" (ص ٥٠)].\nوجاء في \"الفتح\" (٢/ ٩٥): \"والوسيلة: هي ما يُتقرّب به إِلى الكبير، يُقال: توسلْت، أي: تقربت، وتُطلق على المنزلة العلية، ووقع ذلك في حديث عبد الله بن عمرو عند مسلم [٣٨٤] بلفظ: فإِنّها منزلة في الجنة لا تنبغي إِلاَ لعبد من عباد الله\" الحديث ونحوه للبزار عند أبي هريرة، ويمكن ردّها إِلى الأوّل؛ بإِنّ الواصل إِلى تلك المنزلة قريب من الله؛ فتكون كالقربة التي يتوسّل بها\".","vol":"1","page":372},{"text":"والفضيلة (١)، وابعثه مقامًا محمودًا (٢) الذي وعَدْته، حلّت له (٣) شفاعتي يوم القيامة\" (٤).\nوعن عمرو بن العاص -﵁- أنَّه سمع النّبيّ - ﷺ - يقول: \"إِذا سمعتم المؤذّن فقولوا مِثل ما يقول، ثمَّ صلّوا عليّ، فإِنَّه من صلّى عليَّ صلاة؛ صلّى الله بها عشرًا، ثمَّ سلوا الله لي الوسيلة، فإِنَّها منزلة فى الجنّة؛ لا تنبغي إلاَّ لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل ليّ الوسيلة حلّت له شفاعتي (٥) \" (٦).\n_________\n(١) الفضيلة: أي: المرتبة الزائدة على سائر الخلائق، ويحتمل أن تكون منزلة أخرى أو تفسيرًا للوسيلة.\n(٢) أى: يحمد القائم فيه، وهو مُطلق في كلّ ما يجلب الحمد من أنواع الكرامات. \"الفتح\" (٢/ ٩٥).\n(٣) حلّت له: أي: استحقت ووجبت أو نزلت عليه. \"فتح\".\n(٤) أخرجه البخاري: ٦١٤\n(٥) أخرجه مسلم: ٣٨٤\n(٦) قال شيخنا في \"الإِرواء\" (١/ ٢٦٠): \"وقع عند البعض زيادات في متْن هذا الحديث فوجَب التنبيه عليها:\nالأولى: زيادة: \"إِنَّك لا تُخلِف الميعاد\" في آخر الحديث عند البيهقي؛ وهي شاذة لأنّها لم تَرِد في جميع طُرق الحديث عن عليّ بن عياش اللهمّ إلاَّ في رواية الكشميهني لصحيح البخاري خلافًا لغيره؛ فهي شاذّة أيضًا لمخالفتها لروايات الآخرين للصحيح، وكأنَه لذلك لم يلتفت إِليها الحافظ، فلم يذكُرها في \"الفتح\" على طريقته في جمع الزيادات من طُرُق الحديث، إلاَّ أنَّه عزاها للبيهقي فهي شاذة يقينًا، ويؤيد ذلك أنها لم تقع في \"أفعال العباد\" للبخاري والسند واحد. =","vol":"1","page":373},{"text":"ويقول إِن شاء: \"رضيتُ بالله ربًّا وبمحمّد رسولًا وبالإِسلام دينًا\"، لحديث سعد بن أبي وقاص عن رسول الله - ﷺ - أنَّه قال: \"من قال حين يسمع المؤذّن: أشهد أن لا إِله إلاَّ الله وحده لا شريك له، وأنّ محمّدًا عبده ورسولُه، رضيت بالله ربًّا وبمحمّد رسولًا وبالإِسلام دينًا؛ غُفر له ذنبُه\" (١).\nوالدعاء مستجاب بعد الأذان؛ كما في حديث عبد الله بن عمرو -رضي\n_________\n= ووقعَت هذه الزيادة في الحديث في كتاب \"قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة\" لشيخ الإِسلام ابن تيمية في جميع الطبعات (ص٥٥) طبعة المنار الأولى، و(ص٣٧) الطبعة الثانية منه و(ص٤٩) الطبعة السلفية؛ والظاهر أنها مُدرَجة من بعض النُّساخ. والله أعلم.\nالثانية: في رواية البيهقي أيضًا: \"اللهمّ إِنّي أسألك بحقّ هذه الدعوة\". ولم تَرِدْ عند غيره. فهي شاذّة أيضًا، والقول فيها كالقول في سابقتها.\nالثالثة: وقع في نسخة من \"شرح المعاني\" \"سيدنا محمّد\" وهي شاذّة مدرجة ظاهرة الإِدراج.\nالرابعة: عند ابن السنّي \"والدرجة الرفيعة\" وهي مُدرجة أيضًا من بعض النساخ، فقد علمْتَ مما سبق أن الحديث عنده من طريق النسائي وليست عنده ولا عند غيره، وقد صرّح الحافظ في \"التلخيص\" (ص٧٨) ثمَّ السخاوى في \"المقاصد\" (ص ٢١٢) أنها ليست في شيء من طرق الحديث.\nقال الحافظ: وزاد الرافعي في \"المحرر\" في آخره: يا أرحم الراحمين. وليست أيضًا في شيء من طرقه، ومن الغرائب أنَّ هذه الزيادة وقعت في الحديث في كتاب \"قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة\" لابن تيمية وقد عزاه لصحيح البخاري: وإنّي أستبعد جدًا أن يكون الخطأ منه لما عرف به -﵀- من الحفظ والضبط، فالغالب أنّه من بعض النساخ\".\n(١) أخرجه مسلم: ٣٨٦، وغيره.","vol":"1","page":374},{"text":"الله عنهما- أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله، إِنَّ المؤذّنين يفضلوننا، فقال رسول الله - ﷺ -: \"قل كما يقولون، فإِذا انتهيتَ فسَلْ تُعطه\" (١).\nوفي الحديث: \"لا يُردّ الدعاء بين الأذان والإِقامة\" (٢).\nوعن سهل بن سعد قال: قال رسول الله - ﷺ -: ثنتان لا تُردّان، أو قلَّما تُردّان: الدعاء عند النّداء، وعند البأس؛ حين يلحم بعضهم بعضًا\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-317>استحباب إِجابة المؤذّن والدليل على عدم وجوبها</span>\nعن ثعلبة بن أبي مالك القرظي قال: \"إِنّهم كانوا يتحدثون حين يجلس عمر بن الخطاب -﵁- على المنبر حتى يسكت المؤذّن، فإِذا قام عمر على المنبر، لم يتكلّم أحد حتى يقضي خطبتيه كلتيهما\".\nقال شيخنا في \"الضعيفة\" تحت الحديث (٨٧): أخرجه مالك في موطئه والطحاوي والسياق له وابن أبي حاتم في \"العلل\" وإِسناد الأوّلين صحيح.\nوقال في \"تمام المنّة\" (ص٣٤٠): \"نعم، قد وجدْتُ له متابعًا قويًا، أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنّف\" (٢/ ١٢٤) من طريق يزيد بن عبد الله عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي قال: \"أدركت عمر وعثمان، فكان الإِمام إِذا\n_________\n(١) أخرجه أحمد وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٤٩٢).\n(٢) أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح، وانظر \"الإِرواء\" (٢٤٤).\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٢١٥) وغيره، وانظر \"المشكاة\" (٦٧٢).","vol":"1","page":375},{"text":"خرج يوم الجمعة تركْنا الصلاة، فإِذا تكلّم تركْنا الكلام\".\nوهذا إِسناد صحيح، ويزيد هذا هو ابن الهاد الليثي المدني.\nثمَّ قال -حفظه الله-: \"في هذا الأثر دليل على عدم وجوب إِجابة المؤذّن، لجريان العمل في عهد عمر على التحدث في أثناء الأذان وسكوت عمر عليه، وكثيرًا ما سئلتُ عن الدليل الصارف للأمر بإِجابة المؤذّن عن الوجوب؛ فأجبْت بهذا. والله أعلم\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-318>الآداب التي ينبغي أن يتصف بها المؤذّن، وما يفعله عند الأذان:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-319>١ - أن يحتسب في أذانه ويبتغي وجْه الله سبحانه، ولا يطلب الأجر</span>.\nلحديث عثمان بن أبي العاص قال: \"إِنَّ آخر ما عَهد إِليّ رسول الله - ﷺ - أن اتخِذ مؤذّنًا؛ لا يأخذ على أذانه أجرًا\" (١).\nوقد ذكر الترمذي -رحمه الله تعالى- كراهة أهل العلم أخْذ المؤذّن على الأذان أجرًا، واستحبابهم الاحتساب في ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-320>٢ - أن يكون على طُهر</span>، لحديث المهاجر بن قنفذ -﵁- \"أنَّه أتى النّبيّ - ﷺ - وهو يبول، فسلَّم عليه، فلم يردّ عليه حتى توضّأ، ثمَّ اعتذر إِليه فقال: إِنّي كرِهتُ أن أذكر الله إلاَّ على طهر -أو قال- على طهارة\" (٢).\nقال ابن المنذر في \"الأوسط\" (٣/ ٣٨): \"ليس على من أذّن وأقام وهو\n_________\n(١) أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٥٨٥)، وابن أبي شيبة، وأنظر \"الإرواء\" (٥/ ٣١٦).\n(٢) أخرجه أبو داود والنسائي والدارمي وابن ماجه وغيرهم، وهو حديث صحيح خرّجه شيخنا في \"الصحيحة\" (٨٣٤).","vol":"1","page":376},{"text":"جُنُب إِعادة، لأنَّ الجنب ليس بنجس، لقي النّبيّ - ﷺ - فأهوى إِليه فقال: إِنّي جُنُب، فقال: إِنَّ المسلم ليس بنجس (١)، وروي عن النّبيّ - ﷺ - أنّه كان يذكر الله على كل أحيانه (٢)، والأذان على الطهارة أحب إِليَّ، وأكره أن يقيم جنبا لأنّه يعرض نفسه للتهمة ولفوات الصلاة\". انتهى.\nقال لي شيخنا -حفظه الله تعالى-: \"الأصل في الأذكار حتى السلام أن تكون على طهارة وهو الأفضل فالأذان من باب أولى، ولكن نقول عن الأذان بغير وضوء مكروه كراهة تنزيهيّة\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-321>٣ - أن يؤذّن قائمًا لما ثبت عن ابن أبي ليلى قال: أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال</span>. قال: وحدثنا أصحابنا: أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"لقد أعجبني أن تكون صلاة المسلمين -أو قال المؤمنين- واحدة، حتى لقد هممتُ أن أبُثَّ رجالًا في الدُّور يُنادونَ النَّاس بحين الصلاة، وحتى هممتُ أنْ آمر رجالًا يقومون على الآطام (٣) يُنادون المسلمين بحين الصلاة حتّى نقسوا (٤) أو كادوا أن ينقسوا\" قال: فجاء رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله، إِنّي لمَّا رجعْت لِمَا رأيت من اهتمامك رأيت رجلًا كأنَّ عليه ثوبين أخضرين، فقام على المسجد فأذّن، ثمَّ قعد قعدة، ثمَّ قام فقال مِثلها، إِلا أنَّه يقول: قد قامت الصلاة، ولولا أن يقول النّاس: قال ابن المثنى: أن تقولوا، لقلت إِنّي كنت\n_________\n(١) تقدّم تخريجه.\n(٢) تقدّم تخريجه في (باب الأمور التي يستحبّ لها الوضوء).\n(٣) الآطام: جمع أطم وهو بناء مرتفع، وآطام المدينة: حصون كانت لأهلها.\n(٤) أي: ضربوا بالناقوس.","vol":"1","page":377},{"text":"يقظانًا غير نائم، فقال رسول الله - ﷺوقال ابن المثنى-: \"لقد أراك الله ﷿ خيرًا\" ولم يقل عمرو: \"لقد أراك الله خيرًا\" فَمُرْ بلالًا فليؤذّن، قال: فقال عمر: أما إِنّي قد رأيت مثل الذي رأى ولكنّي لمّا سُبِقْتُ استحييت.\nقال: وحدَّثنا أصحابنا قال: وكان الرجل إِذا جاء يَسأل فيُخبر بما سبق من صلاته، وإِنهم قاموا مع رسول الله - ﷺ - من بين قائم وراكع وقاعد ومصلٍّ مع رسول الله - ﷺ -. قال ابن المثنى: قال عمرو: وحدثني بها حصين عن ابن أبي ليلى -حتى جاء معاذ- قال شعبة: وقد سمِعْتها من حصين فقال: لا أراه على حال، إِلى قوله: كذلك فافعلوا\".\nقال أبو داود: ثمَّ رجعْت إِلى حديث عمرو بن مرزوق قال: فجاء معاذ فأشاروا إِليه، قال شعبة: وهذه سمعْتُها من حصين، قال فقال معاذ:\nلا أراه على حال إلاَّ كنت عليها، قال: فقال: إِنَّ معاذًا قد سنَّ لكم سنّة كذلك فافعلوا (١).\nوقد جرى العمل على الأذان قائمًا خَلفًا عن السلف.\nقال في \"المغني\" (١/ ٤٣٥): قال ابن المنذر: أجمع كُلّ من أحفظ من أهل العلم أنَّ السّنةَ أن يُؤذّن قائمًا ... \" (٢).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٤٧٨).\n(٢) وقد استدلَّ بعض الفقهاء بالحديث المتفق عليه: \"يا بلال: قم فنادِ بالصلاة\"، على سنّية القيام، وفي الاستدلال به نظر كما في التلخيص (ص٧٥) لأنَّ معناه: اذهب إِلى موضع بارز فنادِ فيه. \"الإِرواء\" (١/ ٢٤١).","vol":"1","page":378},{"text":"وثبت أنَّ ابن عمر: \"كان يؤذّن على البعير؛ فينزل فيُقيم\" (١).\nقال ابن المنذر في \"الأوسط\" (٢/ ١٢): ويدلّ على أنَّ الأذان قائمًا قوله: \"قم يا بلال\".\nوعن الحسن بن محمّد قال: \"دخلتُ على أبي زيد الأنصاري فأذَّن وأقام وهو جالس، قال: وتقدَّم رجلٌ فصلّى بنا، وكان أعرج أصيبت رجله في سبيل الله تعالى\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-322>٤ - أن يستقبل القبلة</span>.\nقال في \"المغني\" (١/ ٤٣٩): \" ... المستحبّ أن يُؤذّن مستقبل القبلة؛ لا نعلم خلافًا ... \".\nجاء في \"الإِرواء\" (١/ ٢٥٠) بعد تخريج حديث ضعيف في ذلك، لكنّ الحُكم صحيح فقد ثبت استقبال القبلة في الأذان من المَلَك الذي رآه عبد الله ابن زيد الأنصاري في المنام.\nوروى السرَّاج في \"مسنده\" (١/ ٢٣/١) عن مجمع بن يحيى قال: \"كنتُ مع أبي أمامة بن سهل، وهو مستقبل المؤذّن، فكبّر المؤذّن وهو مستقبل القبلة\" وإسناده صحيح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-323>٥ - أن يضع أصبُعيه في أذنيه</span>.\nوقد ثبتَ هذا من قول أبي جحيفة: \"إِنّ بلالًا وضَع أصبُعيه (٣) في\n_________\n(١) حسّنه شيخنا في \"الإِرواء\" (٢٢٦).\n(٢) أخرجه البيهقي وحسنّه شيخنا في \"الإِرواء\" (٢٢٥).\n(٣) قال الحافظ في \"الفتح\" (١/ ١١٦): لم يرد تعيين الأصبع التي يستحبّ =","vol":"1","page":379},{"text":"أذنيه\" (١)\nقال في \"المحرّر\" (١/ ٣٧): \"ويجعل إِصبعيه في أذنيه\". قال أبو عيسى الترمذي: \"وعليه العمل عند أهل العلم؛ يستحبّون أن يُدخِل المؤذّن إِصبعيه في أُذنيه في الأذان\" (٢).\n٦ - أن يلتفت يمينًا ويسارًا التفافًا يسيرًا يلوي به عنقه، ولا يحوّل صدره عن القبلة، عند قوله: حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح.\nعن أبي جحيفة \"أنَّه رأى بلالًا يؤذّن، فجعلتُ أتتبع فاهُ هاهنا وهاهنا بالأذان\" (٣).\n_________\n= وضْعها، وجزم النووي أنها المسبّحة، وإِطلاق الإِصبع مجاز عن الأنملة.\n(١) أخرجه أحمد والترمذي وقال: حديث حسن صحيح، والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي وشيخنا في \"الإِرواء\" (٢٣٠)، وذكره البخاري معلقًا غير مجزوم به انظر \"الفتح\" (٢/ ١١٤).\n(٢) وسألت شيخنا عمّا رواه البخاري معلّقًا بصيغة الجزم وقد وصله عبد الرزاق وابن أبي شيبة بسند جيد عنه كما في \"مختصر البخاري\" (١/ ١٦٤) بلفظ: \"كان ابن عمر لا يجعل إِصبعيه في أذنيه\".\nفقال حفظه الله: \"لو كان هناك حديثان أحدهما يُثبت عبادة، والآخر ينفيها؛ فلا شكَّ في هذه الحالة، أنَّ المُثبِت مقدّم على النافي، وعندنا الآن فِعل بلال المختصّ في أذان رسول الله - ﷺ - والذي يغلب على الظنّ فِعله ذلك بمشهدٍ من الرسول - ﷺ -، فيكون له حُكم الحديث المرفوع، بينما الأثر المنسوب اٍلى ابن عمر ليس فيه هذه القوّة الفقهية، فلا نشكّ في ترجيح وضع بلال إِصبعيه في أذنيه على ترك ابن عمر ذلك\".\n(٣) أخرجه البخاري: ٦٣٤","vol":"1","page":380},{"text":"قال الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ١١٥): \"ورواية وكيع عن سفيان عند مسلم أتمّ حيث قال: \"فجعلْتُ أتتبع فاه هاهنا وهاهنا يمينًا وشمالًا يقول: حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح\" وهذا تقييد للالتفات في الأذان وأنَّ محلّه عند الحيعلتين، وبوّب عليه ابن خزيمة: انحراف المؤذّن عند قوله حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح؛ بفمه لا ببدنه كله، قال: وإِنَّما يمكن الانحراف بالفم بانحراف الوجه ... \".\nقال النووي: \"قال أصحابنا: والمراد بالالتفات: أن يلوي رأسه وعنقه، ولا يحوّل صدره عن القبلة، ولا يزيل قدمه عن مكانها، وهذا معنى قول المصنّف: \"ولا يستدير\". وهذا هو الصحيح المشهور الذي نصّ عليه الشافعي، وقطع به الجمهور\" (١).\nوقال -﵀- في \"المجموع\" (١٠٧): \"قد ذكَرنا أنَّ مذهبنا أن يستحب الالتفات في الحيعلة يمينًا وشمالًا، ولا يدور ولا يستدبر القبلة؛ سواء كان على الأرض أو على منارة، وبه قال النخعي والثوري والأوزاعي وهو رواية عن أحمد، وقال ابن سيرين: يكره الالتفات، وقال مالك: لا يدور ولا يلتفت إلاَّ أن يريد إِسماع النّاس.\nوقال أبو حنيفة وإِسحاق وأحمد في رواية: يلتفت ولا يدور إلاَّ أن يكون على منارة فيدور ... \".\nقال شيخنا -حفظه الله- في \"تمام المنّة\" (ص١٥٠): \"أمّا تحويل الصدر؛ فلا أصل له في السُّنّة البتّة\".\n_________\n(١) ذكره في \"المجموع\" ونقله عنه شيخنا في \"تمام المنة\" (ص١٥١).","vol":"1","page":381},{"text":"فائدة: جاء في \"الأوسط\" (ص٢٦): قال الأوزاعي: \"يستقبل القبلة، فإِذا قال حيّ على الصلاة؛ استدار إِن شاء عن يمينه فيقول: حيّ على الصلاة مرّتين، ثمَّ يستدير عن يساره كذلك\".\nفهذا يبيّن أنّه يقول في استدارة اليمين حي على الصلاة، حي على الصلاة، ولا يستدير عن يساره إلاَّ بعد أن يقولهما والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-324>٧ - أن يؤذّن في مكان مرتفع</span>.\nلحديث ابن أبي ليلى السابق وفيه: \" ... رأيت رجلًا كأنّ عليه ثوبين أخضرين، فقام على المسجد فأذّن، ثمَّ قعد قعدة، ثمَّ قام فقال مِثلها\".\nوعن امرأة من بني النجار قالت: \"كان بيتي من أطول بيت حول المسجد، وكان بلال يؤذّن عليه الفجر، فيأتي بسَحَر فيجلس على البيت ينظر إِلى الفجر، فإِذا رآه تمطّى، ثمَّ قال: اللهمّ إِني أحمدك وأستعينك على قريش، أن يقيموا دينك.\nقالت: ثمَّ يؤذّن، قالت: والله ما علمْته كان تركها ليلة واحدة، تعني هذه الكلمات\" (١).\nوذكره أبو داود في: \"باب الأذان فوق المنارة\".\nقال الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ٨٤): \" ... لأنَّ الأذان يُستحبّ أن يكون على مكان عالٍ لتشترك الأسماع ... \". انتهى.\nوانظر ما قاله ابن المنذر في \"الأوسط\" (٣/ ٢٨) تحت (ذِكر الأذان على\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٤٨٧).","vol":"1","page":382},{"text":"المكان المرتفع).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-325>٨ - أن يرفع صوته بالأذان</span>.\nعن أبي سعيد الخُدري -﵁-: أنَّه قال لعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصة الأنصاري: \"إِنّي أراك تحبّ الغنم والبادية، فإِذا كنتَ في غنمك -أو باديتك- فأذَّنت بالصلاة فارفع صوتك بالنّداء؛ فإِنَّه لا يسمع مدى صوت المؤذّن جنٌّ ولا إِنسٌ ولا شيء؛ إلاَّ شهد له يوم القيامة، قال أبو سعيد: سمعْته من رسول الله - ﷺ -\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-326>٩ - أن يتمهّل في الأذان ويترسّل </span>(٢).\nجاء في \"المغني\" (١/ ٤١٨): \"ويترسّل في الأذان ويحدر الإِقامة\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-327>أذان الأعمى إِذا كان له من يُخبره </span>(٤)\nعن عمر -﵁- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"إِنَّ بلالًا يؤذّن بليل؛ فكلوا واشربوا حتى يُنادي ابن أمّ مكتوم، ثمَّ قال: وكان رجلًا أعمى لا يُنادي حتى يقال له: أصبحتَ أصبحتَ\" (٥).\nوعن عائشة -﵂- قالت: كان ابن أمّ مكتوم يؤذّن لرسول الله\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٦٠٩، وغيره، وأشرْت إِليه في \"فضل الأذان\".\n(٢) وهو التمهّل والتأنّي.\n(٣) وقد رُوي في ذلك حديث: \"إِذا أذّنتَ فترسَّل، وإذا أقمت فاحدُر\"، ولا يثبت، وانظر تفصيله في \"الإِرواء\" (٢٢٨).\n(٤) هذا العنوان من \"صحيح البخاري\".\n(٥) أخرجه البخاري: ٦١٧","vol":"1","page":383},{"text":"- ﷺ - وهو أعمى\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-328>الانتظار بين الأذان والإِقامة</span>\nعن عبد الله بن مُغفَّل المزني أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"بين كلّ أذان صلاة -ثلاثًا- لمن شاء\" (٢).\nوعن أنس بن مالك قال: \"كان المؤذّن إِذا قام ناسٌ من أصحاب النّبيّ - ﷺ - يبتدرون السواري حتى يخرُج النّبيّ - ﷺ -، وهم كذلك يُصلّون الركعتين قبل المغرب، ولم يكن بين الأذان والإقامة شيء (٣) \" (٤).\nقال عثمان بن جبلة وأبو داود عن شعبة: \"لم يكن بينهما إلاَّ قليل\" (٥).\nوفي الحديث: \"اجعل بين أذانك وإِقامتك نفَسًا، قدْر ما يقضي المعتصر (٦) حاجته في مهل، وقدْر ما يفرُغ الآكل من طعامه في مهل\" (٧).\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ٣٨١\n(٢) تقدّم.\n(٣) أي: لم يكن بينهما شيء كثير.\n(٤) أخرجه البخاري: ٦٢٥\n(٥) أخرجه البخاري معلقًا مجزومًا به، ووصله الإسماعيلي في \"مستخرجه\" ومن طريقه البيهقي (٢/ ١٩) بسند صحيح عنه، انظر \"مختصر البخاري\" (١/ ١٦٣).\n(٦) هو الذي يحتاج إِلى الغائط؛ ليتأهّب للصلاة قبل دخول وقتها، وهو من العَصْر اْو العَصَر، وهو الملجأ والمستخفى. \"النهاية\".\n(٧) حسّنه شيخنا بمجموع طُرُقه في \"الصحيحة\" (٨٨٧).","vol":"1","page":384},{"text":"وعن جابر بن سمرة -﵁- قال: \"كان بلال يؤذّن، ثمَّ يُمْهِلُ فإِذا رأى النّبيّ - ﷺ - قد خرج أقام الصلاة\" (١).\nجاء في \"الفتح\" (٢/ ١٠٦): \"قال ابن بطال: لا حدّ لذلك (٢) غير تمكُّن دخول الوقت واجتماع المصلّين\".\nوعن جابر بن سمرة قال: \"كان بلال لا يؤخرّ الأذان عن الوقت، وربما أخرَّ الإِقامة شيئًا\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-329>هل يجوز الكلام بين الإِقامة والصلاة</span>؟\nعن أنس -﵁- قال: \"أُقيمت صلاة العشاء فقال رجل: لي حاجة، فقام النّبيّ - ﷺ - يُناجيه، حتى نام القوم (أو بعض القوم) ثمَّ صلَّوا\" (٤).\nقال ابن حزم في \"المحلّى\" (تحت مسألة ٣٣٤): \"والكلام جائز بين الإِقامة والصلاة -طال الكلام أو قصُر- ولا تُعاد الإِقامة لذلك\". اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-330>الأذان عند دخول الوقت:</span>\nولا يجوز الأذان قبل الوقت في غير الفجر -كما سيأتي-.\nقال في \"المحلّى\" (٣/ ١٦٠) (مسألة ٣١٤): \"لا يجوز أن يؤذّن لصلاةٍ\n_________\n(١) أخرجه أحمد ومسلم: ٦٠٦\n(٢) أي: زمن الانتظار.\n(٣) أخرجه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٥٨٤)، وانظر \"الإِرواء\" (٢٢٧).\n(٤) أخرجه مسلم: ٣٧٦، وتقدّم في (باب نواقض الوضوء).","vol":"1","page":385},{"text":"قبل دخول وقتها إلاَّ صلاة الصبح فقط\".\nوجاء في \"المغني\" (١/ ٤٢١): \"عدم إِجزاء الأذان قبل الوقت، وقال: وهذا لا نعلم فيه خلافًا وقال: قال ابن المنذر: أجمَع أهل العِلم على أنَّ مِن السنّة أن يؤذّن للصلوات بعد دخول وقتها إلاَّ الفجر، ولأنَّ الأذان شُرع للإِعلام بالوقت، فلا يشرع قبل الوقت لئلا يذهب مقصوده\".\nوجاء فيه أيضًا: \" ... يشرع الأذان للفجر قبل وقتها، وهو قول مالك والأوزاعي والشافعي وإِسحاق، ومنعه الثوري وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن ... \" وذكر الدليل على ذلك.\nثمَّ قال (ص ٤٢١): ولنا قول النّبيّ - ﷺ -: \"إِنَّ بلالًا يؤذّن بليل؛ فكلوا واشربوا حتى يؤذّن ابن أم مكتوم\" (١). متفق عليه (٢)، وهذا يدلّ على دوام ذلك منه، والنّبيّ - ﷺ - أقرّه عليه ولم ينهه عنه، فثبت جوازه\" اهـ.\nوعن عبد الله بن مسعود -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا يمنعنّ أحدَكم -أو أحدًا منكم- أذانُ بلالٍ من سحوره، فإِنَّه يؤذّن -أو ينادي بليل، ليَرجع (٣) قائمكم ولينبّه نائمكم ... \" (٤).\n_________\n(١) هذا بيّن أنَّ مؤذّن الأذان الأوّل غير مؤذّن الأذان الثاني، وهي سُنّة متروكة، وهذا يُعين في التمييز بين الأذان الأول والثاني، وانظر \"تمام المنة\" (ص ١٤٨).\n(٢) أخرجه البخاري: ٦١٧، ٦٢٢، ٦٢٣، ومسلم: ١٠٩٢\n(٣) \" ... معناه يرد القائم -أي: المتهجّد- إِلى راحته، ليقوم إِلى صلاة الصبح نشيطًا، ويكون له حاجة إِلى الصيام فيتسحّر\". \"الفتح\" (٢/ ١٠٤ - ١٠٥).\n(٤) أخرجه البخاري: ٦٢١، ومسلم: ١٠٩٣","vol":"1","page":386},{"text":"ْقال القاسم بن محمّد (١): \"ولم يكن بين أذانهما إلاَّ أن يرقى ذا وينزل ذا\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-331>هل يقيم غير الذي أذَّن:</span>\nيجوز أن يقيم غير الذي أذَّن، لعدم ورود نصِّ ثابت يمنع ذلك، أمّا حديث: \"من أذَّن فهو يقيم\" فإِنَّه ضعيف، وانظر \"الضعيفة\" (٣٥).\nقال ابن حزم في \"المحلّى\" (تحت المسألة ٣٢٩): \"وجائز أن يُقيم غير الذى أذَّن؛ لأنَّه يأتِ عن ذلك نهْي يصحّ\".\nوقال شيخنا -حفظه الله تعالى- تعليقًا على الحديث السابق: \"ومن آثار هذا الحديث السيئة أنَّه سبب لإِثارة النزاع بين المصلّين، كما وقع ذلك غير ما مّرة، وذلك حين يتأخر المؤذن عن دخول المسجد لعذر، ويريد بعض الحاضرين أن يقيم الصلاة، فما يكون من أحدهم إلاَّ أن يعترض عليه محتجًّا بهذا الحديث، ولم يدر المسكين أنَّه حديث ضعيف؛ لا يجوز نسبته إِليه - ﷺ -، فضلًا عن أن يمنع به الناس من المبادرة إِلى طاعة الله تعالى، ألا وهي إِقامة الصلاة\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-332>الإِقامة في موضع غير موضع الأذان:</span>\nلما تقدّم من حديث عبد الله بن زيد -﵁- وفيه صفة الأذان إِلى أن قال: \"ثمَّ استأخَر عنّي غير بعيد، ثمَّ قال: تقول: إِذا أقمتَ الصلاة ... \"، وذكر الحديث.\n_________\n(١) هو الراوي عن عائشة -﵂-.\n(٢) أخرجه البخاري: ١٩١٨، ١٩١٩، ومسلم: ١٠٩٢","vol":"1","page":387},{"text":"قال شيخنا -حفظه الله- في \"تمام المنّة\" (ص ١٤٥) -بحذف-: \"في هذا دليل واضح على أن السنّة في الإِقامة في موضع غير موضع الأذان.\nوقد وجدت بعض الآثار تشهد لحديث عبد الله بن زيد، فروى ابن أبي شيبة (١/ ٢٢٤) عن عبد الله بن شقيق قال: من السُّنّة الأذان في المنارة، والإِقامة في المسجد، وكان عبد الله يفعله، وسنده صحيح، وروى عبد الرزاق (١/ ٥٠٦) أن عمر بن عبد العزيز بعث إِلى المسجد رجالًا: إِذا أُقيمت الصلاة فقوموا إِليها. وسنده صحيح أيضًا. وهو ظاهر في أن الإِقامة كانت في المسجد\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-333>هل تعاد الإِقامة إذا طال الفَصل بينها وبين الصلاة</span>؟\nلا تُعاد الإِقامة إِذا فُصل بين الإِقامة والصلاة بكلام ونحوه، لحديث حُميد قال: سألتُ ثابتًا البُناني عن الرجل يتكلّم بعدما تُقام الصلاة، فحدَّثني عن أنس بن مالك قال: \"أُقيمت الصلاة، فعرَض للنّبيّ - ﷺ - رجلٌ فحبَسَه بعد ما أُقيمت الصلاة\" (١).\nوعن أنس -﵁- أيضًا قال: \"أُقيمت الصلاة والنّبيّ - ﷺ - يُناجي (٢) رجلًا في جانب المسجد، فما قام إِلى الصلاة حتى نام القوم\" (٣).\nوعن أبي هريرة -﵁- \"أنَّ رسول الله - ﷺ - خرج وقد أُقيمت الصّلاة وعُدّلت الصفوف، حتى إِذا قام في مصلاّه انتظرنا أن يُكبّر، انصرف\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٦٤٣\n(٢) أي: يحادث.\n(٣) أخرجه البخاري: ٦٤٢","vol":"1","page":388},{"text":"قال: على مكانكم (١)، فمكَثنا على هيئتنا، حتى خرج إِلينا ينطِف (٢) رأسه ماءً وقد اغتسل\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-334>متى يقوم الناسُ إِلى الصلاة</span>؟\nروى ابن المنذر عن أنس أنَّه كان يقوم إِذا قال المؤذّن: \"قد قامت الصلاة\".\nقال شيخنا في \"تمام المنة\" (ص ١٥١): قلتُ: ينبغي تقييد ذلك بما إِذا كان الإِمام في المسجد، وعلى هذا يحمل حديث أبي هريرة: \"إِن الصلاة كانت تقام لرسول الله - ﷺ -؛ فيأخذ الناس مصافّهم قبل أن يقوم النّبيّ - ﷺ - مقامه\". رواه مسلم وغيره، وهو مخرج في \"صحيح أبي داود\" (٥٥٣)، وأما إِذا لم يكن في المسجد فلا يقومون حتى يَروْه قد خرَج لقوله - ﷺ -: \"إِذا أُقيمت الصلاة فلا تقوموا؛ حتى تروني قد خرجْت\". متفق عليه واللفظ لمسلم، وهو مخرَّج في \"صحيح أبي داود\" (٥٥٠ - ٥٥٢). انظر الشوكاني (٣/ ١٦٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-335>النهي عن الخروج من المسجد بعد الأذان لغير حاجة:</span>\nعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا يسمع النّداء\n_________\n(١) أي: كونوا على مكانكم.\n(٢) أي: يقطر.\n(٣) أخرجه البخاري: ٦٣٩، ومسلم: ٦٠٥ قال الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ١٢٢): \"وفي هذا الحديث من الفوائد ... جواز الفصْل بين الإِقامة والصلاة؛ لأن قوله \"فصلَّى\" ظاهرٌ في أنَّ الإِقامة لم تُعَدْ، والظاهر أنَّه مُقيَّد بالضرورة وبأمْن خروج الوقت، وعن مالك إِذا بعُدت الإِقامة من الإِحرام تعاد، وينبغي أن يُحمل على ما إذا لم يكن عُذر\".","vol":"1","page":389},{"text":"في مسجدي هذا، ثمَّ يخرج منه إلاَّ لحاجة؛ ثمَّ لا يرجع إِليه إلاَّ منافق\" (١).\nوعن عثمان بن عفّان -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من أدركه الأذان في المسجد ثمَّ خرج لم يخرج لحاجة، وهو لا يُريد الرجعة فهو منافق\" (٢).\nوعن سعيد بن المسيّب -﵁- أنَّ النّبيّ - ﷺ - قال: \"لا يخرج من المسجد أحد بعد النداء إلاَّ منافق؛ إلاَّ أحدٌ أخرجَتْه حاجة، وهو يريد الرجوع\" (٣).\nوعن أبي الشعثاء قال: \"كنّا قعودًا في المسجد مع أبي هريرة، فأذّن المؤذن، فقام رجل من المسجد يمشي، فأتبعَه أبو هريرة بصَره حتى خرج من المسجد، فقال أبو هريرة: أمّا هذا فقد عصى أبا القاسم - ﷺ -\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-336>الأذان والإِقامة للفائتة:</span>\nمن فاتته صلاة؛ لنومٍ أو نسيان، فإِنه يشرع له أن يؤذّن ويقيم حينما يريد صلاتها (٥).\n_________\n(١) أخرجه الطبراني في \"الأوسط\" ورواته محتجٌ بهم في \"الصحيح\" كما في \"الترغيب والترهيب\" للمنذري، وصححه شيخنا في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٢٥٦).\n(٢) أخرجه ابن ماجه، وصححه شيخنا في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٢٥٧).\n(٣) أخرجه أبو داود في \"مراسيله\" وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٢٥٨).\n(٤) أخرجه مسلم: ٦٥٥ وذكر بعض العلماء أن خروج المسلم لغير حاجة من المسجد عند الأذان؛ كهروب الشيطان عند سماعه.\n(٥) انظر \"الأوسط\" (٣/ ٣٢).","vol":"1","page":390},{"text":"وذلك لحديث أبي سعيد -﵁- قال: \"شغَلَنا المشركون يوم الخندق عن صلاة الظهر حتى غربت الشمس وذلك قبل أن ينزل في القتال ما نزل، فأنزل الله ﷿: ﴿وكفى الله المؤمنين القتال﴾ (١)، فأمَر رسول الله - ﷺ - بلالًا فأقام لصلاة الظهر، فصلاّها كما كان يصلّيها لوقتها\" ثمَّ أقام للعصر فصلاها كما كان يصلّيها في وقتها، ثمَّ أذّن للمغرب فصلاّها في وقتها\" (٢).\nولحديث أبي هريرة -﵁- أنَّ رسول الله - ﷺ - حين قَفَل (٣) من غزوة خيبر سار ليلهُ، حتى إِذا أدركه الكرى (٤) عرَّس (٥)، وقال لبلال: اكلأ (٦) لنا الليل فصلّى بلال ما قُدِّر له، ونام رسول الله - ﷺ - وأصحابه، فلما تقارب الفجر استند بلال إِلى راحلته مُواجه الفجر، فَغَلَبَت بلالًا عيناه وهو مُستند إِلى راحلته، فلم يستيقظ رسول الله - ﷺ - ولا بلال ولا أحد من أصحابه حتى ضربَتهم الشمس، فكان رسول الله - ﷺ - أولهم استيقاظًا، ففزع رسول الله - ﷺ - فقال: \"أيْ: بلال! \" فقال بلال: أخذ بنفسي الذي أخذ (بأبي أنت وأمّي! يا رسول الله!) بنفسك، قال: \"اقتادوا\" (٧)، فاقتادوا رواحلهم شيئًا، ثمَّ توضّأ\n_________\n(١) الأحزاب: ٢٥\n(٢) أخرجه أحمد والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٦٣٨) وغيرهما، وانظر \"الإِرواء\" (١/ ٢٥٧).\n(٣) أي: رجع.\n(٤) أي: النعاس.\n(٥) أي: نزل للنوم والاستراحة.\n(٦) أي: ارقب واحرُس.\n(٧) أي: خذوا مقاود الرواحل وانطلقوا.","vol":"1","page":391},{"text":"رسول الله - ﷺ -، وأمَر بلالًا فأقام (١) الصلاة، فصلّى بهم الصبح فلمّا قضى الصلاة قال: \"من نسي الصلاة فليصلِّها إِذا ذكَرها، فإِن الله قال: ﴿وأقِم الصلاة لذِكْري﴾ (٢) \" (٣).\nوفي رواية: \" ... قال: فأمرَ بلالًا فأذّن وأقام وصلّى\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-337>الأذان لمن يصلّي وحده </span>(٥):\nعن عقبة بن عامر سمعْت رسول الله - ﷺ - يقول: \"يعْجَب ربُّك من راعي غنم في رأس شظيّة (٦) الجبل يُؤذّن بالصلاة ويصلي فيقول الله ﷿: انظروا إِلى عبدي هذا؛ يُؤذّن ويقيم الصلاة يخافُ منّي، قد غفرْتُ لعبدي وأدخلْتُه الجنّة\" (٧).\nقال ابن المنذر في \"الأوسط\" (٣/ ٦٠): \"أحبّ إِليّ أن يؤذّن ويقيم إِذا صلّى وحده، ويجزيه إِن أقام وإِن لم يؤذن، ولو صلّى بغير أذان ولا إِقامة لم يجب عليه الإِعادة، وإِنما أحببت الأذان والإِقامة للمصلّي وحده لحديث\n_________\n(١) في رواية أبي قتادة (٦٨١): \"ثمَّ أذَّن بلال بالصلاة\".\n(٢) طه: ١٤\n(٣) أخرجه مسلم: ٦٨٠ وغيره، وبعضه في البخاري.\n(٤) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٤٢١).\n(٥) هذا العنوان من \"سنن النسائي\".\n(٦) الشظية: قطعة مرتفعة في رأس الجبل. وانظر \"النهاية\".\n(٧) أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٦٤٢) وغيرهم، وانظر \"الإرواء\" (٢١٤).","vol":"1","page":392},{"text":"أبي سعيد الخدري (١). لئلا يظن ظانّ أن الأذان لاجتماع الناس لا غير، وقد أمر النّبيّ - ﷺ - مالك بن الحويرث وابن عمه بالأذان ولا جماعة معهما لأذانهما وإِقامتهما\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-338>أذان الراعي:</span>\nعن عبد الله بن ربيعة: أنَّه كان مع رسول الله - ﷺ - في سفر، فسمع صوت رجل يؤذّن، فقال مِثل قوله، ثمَّ قال: \"إِنَّ هذا لراعي غنمٍ، أو عازِبٌ عن أهله\" فنظَروا فإِذا هو راعي غنم (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-339>الأذان في السفر:</span>\nعن مالك بن الحويرث -﵁- قال: أتى رجلان النّبيّ - ﷺ - يريدان السفر، فقال النبيّ - ﷺ -: \"إِذا أنتما خرجتما فأذِّنا ثمَّ أقيما، ثمَّ لِيَؤمّكما أكبركما\" (٤).\nقال أبو عيسى الترمذي: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم؛ اختاروا الأذان في السفر، وقال بعضهم تُجزئ الإِقامة؛ إِنّما الأذان على من يريد أن يجمع الناس، والقول الأوّل أصحّ، وبه يقول أحمد وإسحاق.\n_________\n(١) المتقدّم.\n(٢) كما سيأتي بعد الحديث -إن شاء الله تعالى-.\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٦٤١).\n(٤) أخرجه البخاري: ٦٣٠","vol":"1","page":393},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-340>هل للنساء أذان وإِقامة</span>؟\nنعم، للنساء ذلك؛ لعموم قوله - ﷺ -: \"إِنّما النساء شقائق الرجال\" (١).\nوعن عائشة -﵂- \"أنها كانت تؤذّن وتقيم ... \" (٢).\nوعن وهب بنَ كيسان قال: \"سُئل ابن عمر: هل على النساء أذان؟ فغضب، وقال: أنا أنهى عن ذِكر الله! \" (٣).\nولم يرَ الشافعي وأحمد -رحمهما الله تعالى- بأسًا في ذلك.\nانظر للمزيد من الفائدة -إِن شئت- \"الأوسط\" (٣/ ٥٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-341>لا أذان ولا إِقامة لصلاة العيدين:</span>\nعن ابن عبّاس وجابر قالا: \"لم يكن يؤذَّن يوم الفطر ولا يوم الأضحى\" (٤).\nوسيأتي في صلاة العيدين إِن شاء الله تعالى.\n_________\n(١) حديث صحيح خرّجه شيخنا في \"المشكاة\" (٤٤١) وهو في \"صحيح سنن أبي داود\" (٢١٦) التحقيق الثاني و\"صحيح سنن الترمذي\" (٩٨).\n(٢) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" وغيره، وهو حسنٌ لغيره وانظر تخريجه في \"تمام المنة\" (ص ١٥٣).\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنّف\" (١/ ٢٢٣) بسند جيد، عن \"تمام المنة\" (ص ١٥٣).\n(٤) أخرجه البخاري: ٩٦٠، ومسلم: ٨٨٦","vol":"1","page":394},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-342>الكلام في الأذان:</span>\nيجوز الكلام في الأذان لحاجة، فقد \"تكلّم سليمان بن صُرَد في أذانه\" (١).\nوقال الحسن: \"لا بأس أنْ يضحك وهو يؤذن أو يقيم\" (٢). وعن عبد الله بن الحارث قال: \"خطبَنا ابن عبّاس في يوم ردغْ (٣)، فلما بلغ المؤذن حيَّ على الصلاة فأمره أن ينادي: الصلاة في الرِّحال، فنظر القوم بعضهم إِلى بعض، فقال: فعَل هذا من هو خير منه، وإِنّها عَزْمة (٤) \" (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-343>ما يُحقن بالأذان من الدماء </span>(٦):\nعن أنس بن مالك أنَّ النّبيّ - ﷺ - \"كان إِذا غزا بنا قومًا لم يكن يغزو بنا\n_________\n(١) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" في \"كتاب الأذان\" (باب الكلام في الأذان) معلقًا بصيغة الجزم، وقال الحافظ: \"وصَله أبو نعيم شيخ البخاري في كتاب الصلاة له، وأخرجه البخاري في التاريخ عنه وإسناده صحيح ولفظه: \"إِنّه كان يؤذّن في العسكر؛ فيأمر غلامه بالحاجة في أذانه\".\n(٢) أخرجه البخاري معلّقًا بصيغة الجزم في \"كتاب الأذان\" (باب الكلام في الأذان)، قال الحافظ: لم أره موصولًا.\n(٣) وفي بعض النسخ بالزاي \"رزْغ\"، قال في \"النهاية\": \"الرَّدَغَة: طين ووحل كثير، وتجمع على رَدَغ ورداغ، وقال في الرزغ: هو الماء والوحل\".\n(٤) ضد الرخصة.\n(٥) أخرجه البخاري: ١١٦\n(٦) هذا العنوان من \"صحيح البخاري\".","vol":"1","page":395},{"text":"حتى يصبح وينظر، فإِنْ سمع أذانًا كفّ عنهم، وإن لم يسمع أذانًا أغار عليهم (١)، قال: فخرجنا إِلى خيبر فانتهينا إِليهم ليلًا فلمّا أصبح ولم يسمع أذانًا ركل وركبت خلف أبي طلحة وإِنَّ قدمي لتمس قدم النّبيّ - ﷺ - قال: فخرجوا إِلينا بمكاتلهم (٢) ومساحيهم (٣) فلمّا رأو النّبيّ - ﷺ - قالوا: محمد والله والخميس (٤).\nقال: فلمّا رآهم رسول الله - ﷺ - أكبر خربت خيبر إِنّا إِذا نزلنا بساحة قومٍ فساء صباح المنذرين\".\nقال الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ٩٠) بعد هذا الحديث: \"قال الخطابي: فيه أنَّ الأذان شعار الإِسلام، وأنّه لا يجوز ترْكه، ولو أنَّ أهل بلد اجتمعوا على ترْكه؛ كان للسلطان قتالهم عليه\" (٥).\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٦١٠، ومسلم: ٣٨٢\n(٢) المكاتِل: جمع المِكتل -بكسر الميم- وهو القُفّة أي: الزِّنبيل. \"شرح الكرماني\" (٥/ ١٠).\n(٣) المساحي: جمع المسحاة، وهي المجرفة إلاَّ أنّها من الحديد. \"شرح الكرماني\" (٥/ ١٠).\n(٤) الخميس: الجيش، سمّي به لأنّه مقسوم بخمسة أقسام: المقدّمة، والساقة [المؤخرة] والميمنة، والميسرة، والقلب. وقيل: لأنّه تخمّس فيه الغنائم. \"النّهاية\".\n(٥) وجاء في \"شرح الكرماني\" (٥/ ١٠): \" [قال] التيمي: وإنما يُحقن الدم بالأذان لأن فيه الشهادة بالتوحيد والإقرار بالنّبيّ - ﷺ -. قال: وهذا لمن قد بلغَته الدعوة، وكان يمسك عن هؤلاء حتى يسمع الأذان ليعلم أكانوا مجيبين للدعوة أم لا، لأن الله تعالى قد وعده إظهار دينه على الدين كله.","vol":"1","page":396},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-344>من بدع الأذان ومخالفاته:</span>\nالأصل في العبادات المنع إِلا أن يرد الدليل، والأذان عبادة لا يجوز الإِحداث فيها، فمن المخالفات والمحدثات في الأذان التي لم يرد فيها نص ولم يفعلها الصحابة الكرام -﵃-:\n١ - التغنّي في الأذان واللحن فيه. وقد ثبت أنّ رجلًا جاء إِلى ابن عمر -﵄- فقال: \"إِنّي أحبّك في الله، قال فاشهد عليّ أنّي أبغضك في الله، قال: ولمَ؟ قال: لأنك تلحنُ في أذانك وتأخذ عليه أجرًا\" (١).\n٢ - التسبيح قبل الفجر.\n٣ - زيادة الصلاة على النّبيّ والسلام فيه (٢).\n\nشروط (٣) الصلاة:\n١ - دخول الوقت (٤)، وقد تقدّم في (باب مواقيت الصلاة).\n_________\n(١) أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" وغيره، وانظر \"الصحيحة\" تحت الحديث (٤٢).\n(٢) انظر ما قاله شيخنا -شفاه الله تعالى- في \"تمام المنّة\" (ص ١٥٨).\n(٣) الشرط: هو الأمر الذي يتوقّف عليه وجود الحُكم، ويلزم من عَدمه عدم الحُكم، ولا يلزم من وجوده وجود الحُكم، فلا يلزم من وجود الوضوء الذي هو شرط الصلاة وجودها، ولا يلزم من وجود الشاهدين وجود عقد الزواج، ووجودهما شرط لصحّته، ولكن لا تصحّ الصلاة من غير وجود الوضوء، ولا يصح النكاح مِن غير شاهدين. عن \"أصول الفقه\" (ص ٥٩) للشيخ محمّد أبي زهرة.\n(٤) انظر ما قاله شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- في \"الفتاوى\" (٢٢/ ٧٥) حول وقت الاختيار ووقت الاضصرار.","vol":"1","page":397},{"text":"قال في \"المغني\" (١/ ٤٠٧) بحذف يسير: \"ومن صلَّى قبل الوقت، لم تجُز صلاته في قول أكثر أهل العلم، سواءٌ فعَله عمدًا أو خطأ كلّ الصلاة أو بعضها، وبه قال الزهري والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-347>٢ - الطهارة من الحَدَث</span>.\nقال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إِذا قُمتم إِلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديَكم إِلى المرافق وامسحو ابرؤوسكم وأرجُلَكم إِلى الكعبين وإِنْ كنتم جُنُبًا فاطهروا﴾ (١).\nوعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا تُقبل صلاةُ من أحدث حتى يتوضأ\" قال رجل من حضرموت: ما الحدَث يا أبا هريرة؟ قال: فساء أو ضراط\" (٢).\nوعن ابن عمر -﵄- قال: \"لا تُقبل صلاةٌ بغير طُهور، ولا صدَقة من غُلول\" (٣).\n_________\n(١) المائدة: ٦\n(٢) أخرجه البخاري: ١٣٥، ومسلم: ٢٢٥ دون قوله: \"قال رجل ... \" وتقدّم.\nقال الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ٢٣٥): \"أحدَث: أو وُجد منه الحدث، والمراد به الخارج من أحد السبيلين، وإنّما فسّره أبو هريرة بأخصّ من ذلك؛ تنبيهًا بالأخفّ على الأغلظ ... \".\n(٣) أخرجه مسلم: ٢٢٤ وغيره، وانظر للمزيد من الفوائد الحديثية \"الإِرواء\" (١/ ١٥٣).","vol":"1","page":398},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-348>٣ - تطهير الثوب والبدن والمكان من النجاسة </span>(١).\nأمّا تطهير الثياب فلنصّ القرآن: ﴿وثيابك فطهِّر﴾ (٢).\nولحديث أسماء بنت أبي بكر أنها قالت: سَألتِ امرأة رسول الله - ﷺ - فقالت يا رسول الله: أرأيت إِحدانا إِذا أصاب ثوبها الدّم من الحيضة كيف تصنع؟ فقال رسول الله - ﷺ -: \"إِذا أصاب ثوب إِحداكنّ الدّم من الحيضة فلتقرُصه ثمَّ لِتَنضحْه بماء ثمَّ لتصلّي فيه\" (٣).\nومنها حديث خلْعِه - ﷺ - للنّعل، كما في حديث أبي سعيد الخدري -﵁- قال: \"صلّى بنا رسول الله - ﷺ - ذات يوم؛ فلمّا كان في بعض صلاته؛ خلَع نعليه فوضَعهما عن يساره، فلما رأى الناس ذلك خلعوا نعالهم، فلمّا قضى صلاته قال: \"ما بالكم ألقيتم نعالكم؟ \" قالوا: رأيناك ألقيتَ نعليك فألقينا نعالنا، فقال: (إِنَّ جبريل أتاني فأخبَرني أنّ فيهما قَذَرًا -أو قال: أذى- (وفي رواية: خَبَثًا)، فألقيتُهما، فإِذا جاء أحدكم إِلى المسجد، فلينظر في نعليه، فإِن رأى فيهما قَذَرًا -أو قال: أذى- (وفي الرواية الأخرى: خَبَثًا)؛\n_________\n(١) من كتاب \"الدراري المضية\" (١/ ١٠٨) بتصرف.\n(٢) المدثر: ٤\n(٣) أخرجه البخاري: ٣٠٧، ومسلم: ٢٩١","vol":"1","page":399},{"text":"فليمسحهما، وليصلِّ فيهما (١) \" (٢).\nوأمّا تطهير البدن؛ فلانّه أولى من تطهير الثوب؛ ولِما ورَد من وجوب تطهيره، من ذلك: حديث أنس -﵁- أنَّ النّبيّ - ﷺ - قال: \"تنزّهوا من البول؛ فإِنَّ عامّة عذاب القبر منه\" (٣).\nولحديث عليّ -﵁- قال: كنتُ رجلًا مذّاءً فأمَرْت رجلًا أن يسأل النبيّ - ﷺ - لمكان ابنته، فسأل فقال: \"توضّأ واغسلْ ذَكرَك\" (٤).\nوأمّا المكان؛ فلِما ثبتَ عنه - ﷺ - من رشّ الذَّنوب على بوْل الأعرابي، كما\n_________\n(١) وسألت شيخنا -حفظه الله تعالى- عن قول بعض العلماء: \"من صلّى مُلابسًا لنجاسة عامدًا؛ فقد أخلّ بواجب، وصلاته صحيحة\" فقال: نحن نقول: أخلّ بشرط، لكن هل هو معذور أم ليس بمعذور؟ فللمعذور نقول: صلى رسول الله - ﷺ - بنعليه، ولمّا خلَعهما؛ سألوه عن السبب فقال: جاءني جبريل وأخبرني أنَّ فيهما قذرًا.\nقلت: يعني إِذا كان معذورًا فلا بأس، أمّا إِذا لم يكن كذلك فالصلاة باطلة؟ فقال -حفظه الله تعالى-: نعم. قلت: بعد أن صلى وجدَ فيه قذارة؟ فقال: مثل ذاك. وذكر لي -حفظه الله تعالى- أنَّ المصلي إِذا تذكّر أثناء الصلاة أنّه جُنب، أو أنه على غير وضوء؛ فإِنّه يستطيع أن يذهب ويغتسل أو يتوضّأ إِذا كان المكان قريبًا، ويرجع لاستكمال صلاته؛ بانيًا على ما مضى. لكن إِذا انتهى من الصلاة وتذكر أنّه كان على غير طُهر، فإنّه يتطهّر ويُعيد الصلاة.\n(٢) أخرجه أبو داود: ٦٥٠ \"صحيح سنن أبي داود\" (٦٠٥)، وابن خزيمة والحاكم وصحّحه ووافقه الذهبي والنووي، وانظر \"الإرواء\" (٢٨٤)، وصفة الصلاة (ص ٨١).\n(٣) حديث صحيح خرّجه شيخنا في \"الإرواء\" (٢٨٠).\n(٤) أخرجه البخاري: ٢٦٩، ومسلم: ٣٠٣، وتقدّم.","vol":"1","page":400},{"text":"في حديث أبي هريرة -﵁- \" أنَّ أعرابيًا بال فى المسجد، فثار إِليه الناس ليقعوا به، فقال لهم رسول الله - ﷺ -: دعوه وأهريقوا على بوله ذَنوبًا من ماء أو سَجْلًا من ماء، فإِنّما بُعثتم مُيَسِّرين ولم تُبعثوا مُعَسِّرين\" (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-349>٤ - ستر العورة:</span>\nقال الله تعالى: ﴿يا بني آدمَ خذوا زينَتكم عند كلّ مسجد﴾ (٢).\nوبيّن ابن عباس -﵄- سبب نزول هذه الآية فقال: \"كانت المرأةُ تطوف بالبيت وهي عُريانه، فتقول: من يُعيرني تِطوافًا تجعله على فرجها، وتقول:\nاليوم يبدو بعضُه أو كلُّه ... فما بدا منه فلا أُحلّه\nفنزلَت هذه الآية: ﴿خذوا زينتَكم عند كلّ مسجد﴾ \" (٣). قال البغوي في \"تفسيره\" (٢/ ١٥٧): في قوله سبحانه: ﴿يا بني آدم خذوا زينتَكم عند كلّ مسجد﴾ يعني: الثياب، قال مجاهد: ما يُواري عورتك ولو عباءة. قال الكلبي: \"الزينة: ما يواري العورة عند كلّ مسجد لطواف وصلاة\".\nقال شيخ الإِسلام في كتابه \"حجاب المرأة ولباسها في الصلاة\" (ص ١٤) في (فصل في اللباس في الصلاة): وهو أخْذ الزينة عند كلّ مسجد، الذي يسمّيه الفقهاء: \"باب ستر العورة في الصلاة\".\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٦١٢٨ وغيره وتقدّم في (كتاب الطهارة) والسَّجل والذَّنوب: الدلو الممتلئة ماءً.\n(٢) الأعراف: ٣١\n(٣) أخرجه مسلم: ٣٠٢٨","vol":"1","page":401},{"text":"وقال -﵀- (ص ٢٣): \"وفي الصلاة نوع ثالث؛ فإِن المرأة لو صلَّت وحدها، كانت مأمورة بالاختمار، وفي غير الصلاة يجوز لها كشف رأسها في بيتها، فأَخْذ الزينة في الصلاة لحق الله، فليس لأحد أن يطوف بالبيت عُريانًا ولو كان وحده بالليل، ولا يصلي عُريانًا ولو كان وحده، فعلم أن أخذ الزينة في الصلاة لم يكن لتحتجب عن الناس، فهذا نوع، وهذا نوع.\nوحينئذ فقد يستر المصلي في الصلاة ما يجوز إِبداؤه في غير الصلاة، وقد يُبدي في الصلاة ما يستره عن الرجال. فالأول مِثل المَنكِبين، فإِنّ النّبيّ - ﷺ - نهى أن يصلّي الرجل في الثوب الواحد، ليس على عاتقه منه شيء فهذا لحقّ الصلاة، ويجوز له كشف منكبيه للرجال خارج الصلاة\".\nوقال -﵀- (ص ٣٢): \"والمنكبان في حقه؛ كالرأس في حقّ المرأة؛ لأنّه يصلّي في قميص أو ما يقوم مقام القميص ... \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-350>ما يجب على الرّجل ستره عند الصلاة:</span>\nيجب ستر القُبل والدُّبر، وجاء في بعض النصوص ما يدّل على أنّه يجب على المصلّي أن يستر من بدنه ما ليس بعورة وهو القسم الأعلى منه؛ كما في حديث بريدة -﵁-: \"نهى رسول الله - ﷺ - أن يُصلّي الرجل في لحاف واحد؛ لا يتوشّح به (١) ونهى أن يُصلّي الرجل في سراويل وليس عليه رداء\" (٢).\nقال شيخنا في \"تمام المنّة\" (١٦٣): \"وفي الحديث دلالة على أنّه\n_________\n(١) أي: يتغشّى به.\n(٢) أخرجه أبو داود وغيره وإسناده حسن وانظر \"تمام المنّة\" (١٦٢).","vol":"1","page":402},{"text":"يجب على المصلّي أن يستر من بدنه ما ليس بعورة، وهو القسم الأعلى منه، وذلك إِنْ وجَد كما يدلّ عليه حديث ابن عمر وغيره، وظاهر النهي يفيد بطلان الصلاة، ويؤكّد ذلك قوله - ﷺ -: لا يصلّينّ أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه (وفي رواية: عاتقيه. وفي أخرى: منكبيه) منه شيء\".\nرواه الشيخان وأبو داود وغيرهم، وهو مخرَّج في \"الإِرواء\" (٢٧٥) و\"صحيح أبي داود\" (٦٣٧).\nقال الشوكاني في \"نيل الأوطار\" (٢/ ٥٩): \"وقد حمَل الجمهور هذا النهي على التنزيه، وعن أحمد: لا تصحّ صلاة من قَدِرَ على ذلك فتركَه، وعنه أيضًا: تصحّ ويأثم\"\".\nوقد ورَد في بعض الأحاديث ما يدّل على جواز الصلاة في الثوب الواحد.\nفعن أبي هريرة -﵁- أنَّ سائلًا سأل رسول الله - ﷺ - عن الصلاة في ثوب واحد، فقال رسول الله - ﷺ -: \"أَولكُلِّكُمْ ثوبان\" (١).\nوعن محمّد بن المنكدر قال: \"رأيت جابر بن عبد الله يُصلّي في ثوبٍ واحد، وقال: رأيت النّبي - ﷺ - يصلّي في ثوب\" (٢).\nوعنه أيضًا قال: \"صلّى جابر في إِزارٍ قد عقَده من قبل قفاه وثيابه موضوعة على المِشجَب (٣) قال له قائل: تُصلّي في إِزارٍ واحدٍ؟ فقال: إِنّما صنعْتُ ذلك ليراني أحمقُ مثلُك، وأيُّنا كان له ثوبان على عهد النّبيّ - ﷺ -\"؟ (٤).\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٣٥٨، ومسلم: ٥١٥، وتقدّم.\n(٢) أخرجه البخاري: ٣٥٣\n(٣) هو عيدان تُضمّ رؤوسها ويُفرَج بين قوائمها توضَع عليها الثياب وغيرها. \"فتح\".\n(٤) أخرجه البخاري: ٣٥٢","vol":"1","page":403},{"text":"وعن عمر بن أبي سلمة \"أنَّ النّبيّ - ﷺ - صلّى في ثوبٍ واحدٍ قد خالف بين طرفيه\" (١).\nولكن الصلاة في الثوب الواحد بقيد تغطية العاتقين (٢).\nقال البخاري -﵀- (٣): (باب إِذا صلّى في الثوب الواحد، فليجعل على عاتقيه).\nوروى حديث أبي هريرة -﵁- قال: قال النّبيّ - ﷺ -: \"لا يُصلي (٤) أحدُكم في الثوب الواحد؛ ليس على عاتِقَيه شيء\" (٥).\nثمَّ روى حديث أبي هريرة -﵁- قال: \"أشهدُ أنّي سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: من صلّى في ثوبٍ واحدٍ؛ فليخالِف بين طرفيه\" (٦).\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٣٥٤\n(٢) العاتق: هو ما بين المنكبين إِلى أصل العُنُق.\n(٣) انظر \"الفتح\" (١/ ٤٧١).\n(٤) قال في \"الفتح\" (١/ ٤٧١): قوله (لا يصلي)، قال ابن الأثير: كذا هو في الصحيحين بإِثبات الياء، ووجهه أن (لا) نافية، وهو خبر بمعنى النهي. قلت [أي: الحافظ -﵀-]: ورواه الدارقطني في \"غرائب مالك\" من طريق الشافعي عن مالك بلفظ: \"لا يُصلِّ\"، بغير ياء، ومن طريق عبد الوهاب بن عطاء عن مالك بلفظ \"لا يصلِّيَنّ\" بزيادة نون التأكيد.\n(٥) أخرجه مسلم: ٥١٦.\n(٦) انظر البخاري: ٣٦٠.","vol":"1","page":404},{"text":"جاء في \"الفتح\" (١/ ٤٧١): \" ... ودلالته على الترجمة من جهة؛ أنَّ المخالفة بين الطرفين لا تتيسَّر إلاَّ بجعل شيءٍ من الثوب على العاتق، كذا قال الكرماني\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-351>حُجّة من يرى أنَّ الفخذ ليست بعورة </span>(١):\nاستدل القائلون بأنَّ السُّرّة والفخذ والركبة ليست بعورة بهذه الأحاديث: عن عائشة -﵂- قالت: كان رسول الله - ﷺ - مضطجعًا في بيته كاشفًا عن فخذيه، فاستأذَن أبو بكر، فأذن له وهو على تلك الحال، ثمَّ استأذَن عمر، فأذِن له وهوكذلك، فتحدّث، ثمَّ استأذن عثمان، فجلس النّبيّ - ﷺ - يُسوّي ثيابه وقال محمّد: -ولا أقول ذلك في يوم واحد- فدخل، فتحدّث، فلمّا خرج قالت له عائشة: دخل عليك أبو بكر فلم تجلس، ثمَّ دخل عثمان، فجلست وسوَّيتَ ثيابك؟ فقال: ألا أستحي ممن تستحي منه الملائكة\" (٢).\nقال البخاري -﵀-: \"وقال أنس: حسَر النّبيّ - ﷺ - عن فَخِذه (٣)،\n_________\n(١) عن \"فقه السنة\" (١/ ١٢٥) بتصرف يسير.\n(٢) أخرجه الطحاوي في \"المشكل\" وهو حديث صحيح خرّجه شيخنا في \"الإِرواء\" (١/ ٢٩٨) وأصْله في مسلم: ٢٤٠١\n(٣) أخرجه البخاري معلقًا وموصولًا: ٣٧١ وانظر \"الفتح\" (١/ ٤٧٨) -إِن شئت- للمزيد من الفائدة وانظر أيضًا \"صحيح مسلم\" (٢٤٠١).","vol":"1","page":405},{"text":"وحديث أنس أسند، وحديث جَرهَد (١) أحوط، حتى يُخرَجَ من اختلافهم، وقال أبو موسى: غطَّى النّبيّ - ﷺ - رُكبتيه حين دخل عثمان (٢). وقال زيد بن ثابت: أنزل الله على رسوله - ﷺ - وفخِذه على فخذي، فثقُلَت عليَّ حتى خِفتُ أن ترُضَّ فخذي\" (٣).\nقال ابن حزم (٤): \"فصحّ أنَّ الفخذ ليست عورة، ولوكانت عورة؛ لَما كشَفَها الله ﷿ عن رسول الله - ﷺ - المطهَّر المعصوم من الناس؛ في حال النّبوة والرسالة، ولا أَراها أنس بن مالك ولا غيره، وهو تعالى قد عصَمَه من كشْف العورة في حال الصّبا وقبل النّبوة\". ثمَّ ذكَر حديث جابر بن عبد الله -﵁- في \"الصحيحين\": \"أنَّ رسول الله - ﷺ - كان ينقل معهم الحجارة للكعبة وعليه إِزاره، فقال له العباس عمّه: يا ابن أخي! لو حلَلْتَ إِزارك فجعلتَه على منكِبك دون الحجارة، قال: فحلَّه فجعلَه على مَنْكِبه، فسقط مغشيًا عليه، فما رؤي بعد ذلك عُريانًا - ﷺ -\" (٥).\nوعن أبي العالية البَراء قال: قلتُ لعبد الله بن الصامت نُصلِّي يوم الجمعة\n_________\n(١) قال شيخنا في \"مختصر البخاري\" (١/ ١٠٧): \"وصَله مالك والترمذي وحسّنه، وصحّحه ابن حبان\".\n(٢) وصَله البخاري في كتاب \"فضائل الصحابة\" وانظر (٣٦٩٥).\n(٣) وصَله البخاري في \"كتاب الجهاد\" وانظر رقم (٢٨٣٢) وأشار شيخنا إِلى ذلك في \"مختصره\"، وكذا الذي قبله.\n(٤) انظر \"المحلّى\" (٣/ ٧٢٧٢).\n(٥) انظر البخاري: ٣٦٤، ومسلم: ٣٤٠","vol":"1","page":406},{"text":"خلْف أمراء، فيؤخّرون الصلاة، قال: فضرب فَخذي ضربةً أوجعتني، وقال: سألتُ أبا ذرٍّ عن ذلك فضرَب فخِذي، وقال: سألتُ رسول الله - ﷺ - عن ذلك: فقال: \"صَلُّوا الصلاة لوقتها، واجعلوا صلاتكم معهم نافلة\".\nقال: وقال عبد الله: ذُكر لي أنَّ النّبيّ - ﷺ - ضرب فَخِذَ أبي ذرّ\" (١).\nوفي رواية لمسلم: \"وقال: إِنِّي سألتُ رسول الله - ﷺ - كما سألتني، فضربَ فخِذي كما ضرَبتُ فَخِذَك ... \" (٢).\nقال ابن حزم: فلو كانت الفخذ عورة؛ لما مسَّها رسول الله - ﷺ -، من أبي ذرّ أصلًا بيده المقدّسة. ولو كانت الفخذ عند أبي ذرّ عورة، لما ضرب عليها بيده، وكذلك عبد الله بن الصامت وأبي العالية. وما يستحلّ مسلم أن يضرب بيده على ذَكَر إِنسان، على الثياب، ولا على حلقة دُبُر الإِنسان على الثياب، ولا على بدن امرأة أجنبية على الثياب، البتة\".\nثمَّ ذكَر ابن حزم (٣) بإِسناده إِلى أنس بن مالك أنّه أتى ثابت بن قيس بن شمّاس؛ وقد حسر عن فَخِذيه ... \" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-352>حُجَّة من يرى أنَّها عورة:</span>\nواستدلّ القائلون بأنّها عورة بهذين الحديثين:\n١ - عن محمّد بن جحش قال: \"مرّ رسول الله - ﷺ - على معمر، وفخذاه\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ٦٤٨\n(٢) انظره تحت رقم: ٦٤٨\n(٣) انظر \"المحلى\" (٣/ ٢٧٨).\n(٤) انظر البخاري: ٢٨٤٥","vol":"1","page":407},{"text":"مكشوفتان فقال: يا معمر غطِّ فخذيك؛ فإِنَّ الفخذين عورة\" (١).\n٢ - وعن جَرهَد قال: مرّ رسول الله - ﷺ - وعليّ بُردة وقد انكشفت فخِذي\nفقال: \"غطِّ فخذك فإِنَّ الفخِذ عورة\" (٢).\nقال شيخنا في \"تمام المنّة\" (١٥٩ - ١٦٠): \"ومن الواضح لدى كلّ ناظرٍ في الأدلّة التي ساقَها المؤلّف؛ أنَّ أدلّة القائلين بأنَّ الفخذ ليس بعورة فعليّة من جهة، ومبيحة من جهة أخرى. وأدلة القائلين بأنّه عورة قولية من جهة، وحاظرة من جهة أخرى، ومن القواعد الأصولية التي تساعد على الترجيح بين الأدلة والاختيار قاعدتان:\nالأولى: الحاظر مُقدَّم على المبيح.\nوالأخرى: القول مُقدَّم على الفِعل؛ لاحتمال الخصوصية وغيرها؛ مع أنَّ الفعل في بعض الأدلة المشار إِليها لا يظهر فيها أنَّه كان مقصودًا متعمّدًا؛ كحديث أنس وأثر أبي بكر -﵄- أضِف إِلى ذلك أنّها وقائعُ أعيان لا عموم لها؛ بخلاف الأدلّة القولية، فهي شريعة عامّة، وعليها جَرى عمل المسلمين سلَفًا وخلفًا، بحيث لا نعلم أنّ أحدًا منهم كان يمشي أو يجلس كاشفًا عن فَخِذيه؛ كما يفعل بعض الكفّار اليوم، ومن يقلّدهم من المسلمين الذ ين يلبسون البنطلون الذي يسمّونه بـ (الشورت)، وهو (التبان) في اللغة.\n_________\n(١) أخرجه أحمد في المسند وغيره وإسناده ضعيف لكنّه يتقوى بغيره كما فى \"المشكاة\" (٣١١٤)، و\"الإرواء\" (١/ ٢٩٧ - ٢٩٨).\n(٢) أخرجه أحمد في \"مسنده\" والحاكم في \"المستدرك\" وغيرهما وذكره البخاري معلقًا انظر \"الفتح\" (١/ ٤٧٨)، وإسناده ضعيف لكنّه يتقوى بغيره أيضًا، وانظر \"الإرواء\" (١/ ٢٩٨).","vol":"1","page":408},{"text":"ولهذا، فلا ينبغي التردد في كون الفخذ عورة ترجيحًا للأدلة القولية، فلا جَرَم أن ذهب إِليه أكثر العلماء، وجزم به الشوكاني في \"نيل الأوطار\" (٢/ ٥٢ - ٥٣) و\"السيل الجرّار\" (١/ ١٦٠ - ١٦١).\nنعم، يمكن القول بأنّ عورة الفخذين أخفّ من عورة السوأتين، وهو الذي مال إِليه ابن القيّم في \"تهذيب السنن\" كما كُنتُ نقَلْتهُ عنه في \"الإِرواء\" (١/ ٣٠١). وحينئذ، فمسُّ الفَخِذ الذي وقع في حديث أبي ذرّ -والظاهر أنَّه من فوق الثوب- ليس كمس السوأتين ... \". انتهى.\nوعن أنس بن مالك \" أنَّ رسول الله - ﷺ - غزا خيبر فصلينا عندها صلاة الغداة بغلس، فركب النّبيّ - ﷺ - وركب أبو طلحة، وأنا رديف أبي طلحة، فأجرى رسول الله - ﷺ - في زقاق خيبر، وإنّ ركبتي لتمسّ فخذ رسول الله - ﷺ -، ثمَّ حسر الإِزار عن فخِذه حتى إِني أنظر إِلى بياض فخذ نبيَّ الله - ﷺ - ... \".\nقال شيخنا في \"الإِرواء\" (١/ ٣٠٠) بعد تخريج الحديث: أخرجه البخاري (١/ ١٠٥) والبيهقي (٢/ ٢٣٠) وأخرجه مسلم (٤/ ١٤٥، ٥/ ١٨٥) وأحمد (٣/ ١٠٢) إِلا أنهما قالا: \"وأنحسر\" بدل \"وحسر\"، ولم يذكر النسائي في روايته (٢/ ٩٢) ذلك كلّه.\nقال الزيلعي في \"نصب الراية\" (٤/ ٢٤٥) عقب رواية مسلم: \"قال النووي في الخلاصة: وهذه الرواية تُبيّن رواية البخاري، وأنّ المراد: انحسر بغير اختياره لضرورة الإِجراء. انتهى\".\nقلت [القائل: شيخنا -حفظه الله تعالى-]: وأجاب عن ذلك الحافظ في \"الدراية\" بقوله (ص ٤٣٤): \"قلت: لكن لا فرق في نظري بين الروايتين؛ من","vol":"1","page":409},{"text":"جهة أنَّه - ﷺ - لا يُقرّ على ذلك لو كان حرامًا، فاستوى الحال بين أن يكون حسَره باختياره، وانحسر بغير اختياره\".\nوهذا من الحافظ نظر دقيق، ويؤيده أن لا تعارض بين الروايتين، إِذ الجمع بينهما ممكن بأن يقال: حسَر النّبيّ - ﷺ - الثوب فانحسر.\nوقد جمع الشوكاني بين هذين الحديثين وبين الأحاديث المتقدّمة في أن الفخِذ عورة بأنهما حكاية حال، لا عموم لها. انظر \"نيل الأوطار\" (١/ ٢٦٢).\nولعل الأقرب أن يقال في الجمع بين الأحاديث: ما قاله ابن القيم في \"تهذيب السنن\" (٦/ ١٧): \"وطريق الجمع بين هذه الأحاديث: ما ذكره غير واحد من أصحاب أحمدَ وغيرهم: أنّ العورة عورتان: مخففة ومغلظة، فالمغلظة: السوأتان، والمخففة: الفخذان.\nولا تَنافي بين الأمر بغض البصر عن الفخذين لكونهما عورة، وبين كشفهما لكونهما عورة مخففة. والله أعلم\".\nقلت: وكأنّ الإمام البخاري -﵀- أشار إِلى هذا الجمع بقوله المتقدّم: \"وحديث أنس أسند، وحديث جَرهَد أحوط\" اهـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-353>ما يجب على المرأة سِتْره في الصلاة</span>\nيجب على المرأة أن تستر بدنها كلّه في الصلاة خلا الوجه والكفين، لقول الله تعالى: ﴿ولا يُبدين زينتهنّ إِلاَّ ما ظَهَر منها﴾ (١).\nقال ابن كثير -﵀- في \"تفسيره\": \"أي: لا يُظهرن شيئًا من الزينة\n_________\n(١) النور: ٣١","vol":"1","page":410},{"text":"للأجانب إِلا ما لا يمكن إِخفاءه\".\nقال ابن المنذر في \"الأوسط\" (٥/ ٧٠): \"وقد روينا عن جماعة من أهل التفسير أنهم قالوا في قوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إِلاَّ ما ظهر منها﴾ الآية، أنّ ذلك الكفان والوجه، فممّن روينا ذلك عنه ابن عباس، وعطاء ومكحول، وسعيد بن جبير\".\nقال شيخنا -حفظه الله تعالى- في \"جلباب المرأة المسلمة\" (ص ٤٠): \" ... وقد اختلفت أقوال السلف في تفسيرها؛ فمن قائل: إِنّها الثياب الظاهرة، ومن قائل: إِنّها الكحل والخاتم والسوار والوجه، وغيرها من الأقوال التي رواها ابن جرير في \"تفسيره\" (١٨/ ٨٤) عن بعض الصحابة والتابعين، ثمَّ اختار هو أنّ المراد بهذا الاستثناء الوجه والكفان، فقال: \"وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عَنَى بذلك الوجه والكفين، يدخل في ذلك -إِذا كان كذلك- الكحل والخاتم والسوار والخضاب، وإنّما قلنا: ذلك أولى الأقوال في ذلك بالتأويل؛ لإِجماع الجميع على أنّ على كلّ مصلٍّ أن يستر عورته في صلاته، وأنّ للمرأة أن تكشف وجهها وكفّيها في صلاتها، وأنّ عليها أن تستر ما عدا ذلك من بدنها، إلاَّ ما روي عن النّبيّ - ﷺ - أنَّه أباح لها أن تبدي من ذراعها قدْر النصف (١)، فإِذا كان ذلك من جميعهم إِجماعًا؛ كان معلومًا بذلك أنَّ لها أن تبديَ من بدنها ما لم يكن عورة كما ذلك للرجال، لأنَّ ما لم يكن عورة فغير حرام إِظهاره، وإِذا كان لها إِظهار ذلك؛ كان معلومًا أنَّه ممَّا استثنى الله تعالى ذكره بقوله: ﴿إِلاَّ ما\n_________\n(١) وهو حديث منكر وانظر \"جلباب المرأة المسلمة\" (ص ٤١).","vol":"1","page":411},{"text":"ظهر منها﴾؛ لأنَّ كل ذلك ظاهر منها\".\nثمَّ ذكر شيخنا (ص٥١) كلام القرطبي (١٢/ ٢٢٩): \"قال ابن عطية: ويظهر لي بحُكم ألفاظ الآية أنَّ المرأة مأمورة بأن لا تُبديَ، وأن تجتهد في الإخفاء لكل ما هو زينة، ووقع الاستثناء فيما يظهر بحكم ضرورة حركة فيما لا بدَّ منه، أو إِصلاح شأن، ونحو ذلك فـ ﴿ما ظهر﴾ على هذا الوجه ممّا تؤدي إِليه الضرورة في النساء فهو المعفو عنه\".\nوقال -حفظه الله- (ص٥١ - ٥٢) -بحذف يسير-: \" ... وبيانه أنَّ السلف اتفقوا على أنّ قوله تعالى: ﴿إِلاَّ ما ظهَر منها﴾ يعود إِلى فعلٍ يصدر من المرأة المكلَّفة، غاية ما في الأمر أنهم اختلفوا فيما تظهره بقصدٍ منها، فابن مسعود يقول: هو ثيابها؛ أي: جلبابها. وابن عباس ومن معه من الصحابة وغيرهم يقول: هو الوجه والكفان منها.\nفمعنى الآية حينئذ: إلاَّ ما ظهرَ عادة بإِذن الشارع وأمرِه. ألستَ ترى أن المرأة لو رفعت من جلبابها حتى ظهر من تحته شيء من ثيابها وزينتها -كما يفعل ذلك بعض المتجلببات- أنها تكون قد خالفَت الآية باتفاق العلماء؛ فقد التقى فِعْلها هذا مع فِعْلها الأول، وكلاهما بقصد منها؛ لا يمكن إلاَّ هذا، فمناط الحكم إِذن في الآية؛ ليس هو ما ظهر دون قصد من المرأة -فهذا ممّا لا مؤاخذة عليه في غير موضع الخلاف أيضًا اتفاقًا - وإِنما هو فيما ظهر دون إِذنٍ من الشارع الحكيم\".\nوقال شيخنا -حفظه الله تعالى- في \"تمام المنّة\" (ص ١٦٠): \"روى ابن أبي شيبة في \"المصنّف\" (٤/ ٢٥٣) عن ابن عباس في تفسير الآية","vol":"1","page":412},{"text":"المذكورة: \"قال: الكفّ ورقعة الوجه\". وسنده صحيح.\n\"ورَوَى نحوه عن ابن عمر بسند صحيح أيضًا ... \".\nوفي الحديث: \"لا يقبل الله صلاة حائض (١) إلاَّ بخمار (٢) \" (٣).\nوروى عبد الرزاق من طريق أم الحسن قالت: \"رأيت أمّ سلمة زوج النّبيّ - ﷺ - تصلّي في دِرْع (٤) وخمار\" (٥).\nوعن عبيد الله الخولاني -وكان يتيمًا في حِجر ميمونة- أنَّ ميمونة كانت تُصلّي في الدّرع والخمار ليس عليها إِزار\" (٦).\nقال شيخنا في \"تمام المنّة\" (ص ١٦٢): \"وفي الباب آثار أُخرى؛ مما يدلّ على أنَّ صلاة المرأة في الدرع والخمار كان أمرًا معروفًا لديهم، وهو أقلّ ما يجب عليهنّ لستر عورتهنّ في الصلاة. ولا ينافي ذلك ما روى ابن أبي شيبة والبيهقي عن عمر بن الخطاب -﵁- قال: \"تصلي المرأة\n_________\n(١) هي التي بلَغت سنَّ المحيض وجرى عليها القلم، ولم يُرِدْ في أيام حيضها، لأنَّ الحائض لا صلاة عليها. \"النهاية\".\n(٢) هو غطاء الرأس.\n(٣) أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه وابن أبي شيبة وغيرهم، وهو حديث صحيح خرّجه شيخنا في \"الإِرواء\" (١١٦).\n(٤) درع المرأة: قميصها. \"النهاية\".\n(٥) وإسناده صحيح كما في \"تمام المنّة\" (ص ١٦٢).\n(٦) أخرجه مالك في \"الموطّأ\"، وعنه ابن أبي شيبة والبيهقي وإسناده صحيح، انظر \"تمام المنّة\" (ص ١٦٢).","vol":"1","page":413},{"text":"في ثلاثة أثواب: درع وخمار وإزار\". وإسناده صحيح.\nوفي طريق أخرى عن ابن عمر قال: \"إِذا صلت المرأة فلتصلِّ في ثيابها كلها: الدرع والخمار والملحفة (١) \". رواه ابن أبي شيبة وسنده صحيح أيضًا.\nفهذا كله محمول على الأكمل والأفضل لها، والله أعلم\".\nملاحظة: احِرص على الثياب التي تستر العورة، واعلم أنَّه لا تجوز الصلاة في الثوب الرقيق الذي يُبرز لَون الجلد.\nوقد سألت شيخنا -حفظه الله تعالى- عمّن لبس ثوبًا خفيفًا بحيث يبيّن لون الجلد؛ من بياض أو حمرة فقال: \"إِذا كان اللباس خفيفًا، بحيث يصف العضو، فهو كالعاري\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-354>هل يكشف الرجل رأسه في الصلاة</span>؟\nقال الله تعالى: ﴿يا بني آدمَ خذوا زينَتكم عند كلّ مسجد﴾ (٢).\nقال ابن كثير في \"تفسيره\": \"قال العوفي عن ابن عباس ... كان رجال يطوفون بالبيت عُراة فأمَرهم الله بالزينة، والزينة اللباس، وهو ما يُواري السوأة وما سوى ذلك من جيّد البز (٣) والمتاع (٤) فأمرهم أن يأخذوا زينتهم عند كلّ مسجد ... \".\n_________\n(١) ما يتخذ من اللباس فوق سائر اللباس من دثار البرد ونحوه، وانظر \"المحيط\".\n(٢) الأعراف: ٣١\n(٣) البز: الهيئة والشارة. \"الوسيط\".\n(٤) المتاع: كلّ ما يُنفع به ويُرغب في اقتنائه؛ كالطعام وأثاث البيت والسلعة والأداة والمال. \"الوسيط\".","vol":"1","page":414},{"text":"وقال: \"ولهذه الآية وما ورَد في معناها من السنّة التجمُّل عند الصلاة، ولا سيّما يوم الجمعة ويوم العيد، والطِّيب لأنَّه من الزينة، والسواك لأنَّه من تمام ذلك ومن أفضل اللباس البياض ... \".\nفإِذا كان الطِّيب والسواك ولبس البياض من الزينة؛ أفلا يكون غطاء الرأس من الزينة؟!\nقال شيخنا في \"تمام المنة\" (ص ١٦٤) -بحذف يسير-: \"والذي أراه في هذه المسألة؛ أنَّ الصلاة حاسرَ الرأس مكروهةٌ، ذلك أنَّه من المُسلَّم به استحباب دخول المسلم في الصلاة في أكمل هيئة إِسلاميّة؛ للحديث المتقدّم\" ... فإِنَّ الله أحقّ أن يُتزيَّن له\".\nوليس من الهيئة الحسنة في عُرف السلف اعتياد حسْر الرأس والسير كذلك في الطرقات والدخول كذلك في أماكن العبادات، بل هذه عادة أجنبية؛ تسرَّبَتَ إِلى كثيرٍ من البلاد الإِسلامية؛ حينما دخَلَها الكُفار، وجلبوا إِليها عاداتهم الفاسدة، فقلَّدهم المسلمون فيها، فأضاعوا بها وبأمثالها من التقاليد شخصيّتهم الإِسلامية، فهذا العرض الطارئ لا يصلح أن يكون مسوِّغًا لمخالفة العُرف الإِسلامي السابق ولا اتخاذه حُجَّةً لجواز الدخول في الصلاة حاسر الرأس.\nوأمّا استدلال بعض إِخواننا ... على جوازه قياسًا على حسر المُحرم في الحجّ؛ فمن أبطلِ قياسٍ قرأْتُه ... كيف والحسر في الحجّ شعيرة إِسلامية، ومن مناسكه التي لا تُشاركه فيها عبادة أُخرى، ولو كان القياس المذكور صحيحًا؛ للزم القول بوجوب الحسر في الصلاة؛ لأنَّه واجب في الحجّ، وهذا","vol":"1","page":415},{"text":"إلزامٌ لا انفكاك لهم عنه إلاَّ بالرجوع عن القياس المذكور ... \".\nوقال -حفظه الله- (ص ١٦٦): \"وأمّا استحباب الحسر بنية الخشوع؛ فابتداعُ حُكمٍ في الدين لا دليل عليه إلاَّ الرأي، ولو كان حقًّا؛ لفعله رسول الله - ﷺ -، ولو فعَله لنُقل عنه؛ وإذ لم يُنقل عنه، دلّ ذلك أنَّه بدعة فاحذرها.\nوممّا سلف تعلم أنَّ نفي المؤلّف (١) ورود دليل بأفضلية تغطية الرأس في الصلاة، ليس صوابًا على إِطلاقه، إلاَّ إِن كان يُريد دليلًا خاصًا، فهو مُسلَّم، ولكنّه لا ينفي ورود الدليل العام على ما بيّناه آنفًا، وهو التزيّن للصلاة بالزّيّ الإِسلامي المعروف من قَبل هذا العصر، والدليل العام حجّة عند الجميع عند عدم المُعارِض فتأمّل\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-355>٥ - استقبال القِبلة</span>\nقال الله تعالى. ﴿قد نرى تقلُّب وجْهِك في السماء فَلَنولينَّك قبلةً ترضاها فولِّ وجْهَك شطْر المسجد الحرام وحيثُما كنتم فولُّوا وجوهَكم شَطره﴾ (٢).\n_________\n(١) أي: الشيخ الفاضل السيد سابق -حفظه الله- حين قال: \"ولم يَرِدْ دليلٌ بأفضلية تغطية الرأس في الصلاة\".\n(٢) البقرة: ١٤٤، وقوله تعالى: شطره: أي: نحوه كما أنشدوا:\nألا مَن مُبلِغٍ عنّا رسولًا ... وما تُغني الرسالةُ شطْر عمرو\nأي: نحو عمرو\nوتقول العرب: هؤلاء القوم يشاطروننا؛ إِذا كانت بيوتهم تُقابل بيوتهم. \"المغنى\" (١/ ٤٤٧).","vol":"1","page":416},{"text":"ْوقد ورد في مناسبة نزول هذه الآية حديث مسلم (٥٢٥) عن البراء بن عازب قال: \"صلّيت مع النّبيّ - ﷺ - إِلى بيت المقدس ستةَ عشَر شهرًا، حتى نزَلت الآية التي في البقرة ﴿وحيثما كنتم فولُّوا وجوهكم شَطره﴾. فنزلت بعدما صلّى النّبيّ - ﷺ -، فانطلق رجل من القوم، فمرَّ بناسٍ من الأنصار وهم يُصلّون، فحدَّثهم، فولَّوا وجوههم قِبَل البيت\".\nوكان رسول الله - ﷺ - إِذا قام إِلى الصلاة؛ استقبل الكعبة في الفرض والنفل (١).\nوفي حديث \"المسيء صلاته\": \"إِذا قمتَ إِلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثمَّ استقبِل القبلة فكبِّر\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-356>حُكم المشاهد للكعبة وغير المشاهد لها </span>(٣)\nيجب على المشاهد للكعبة أن يستقبل عينها، أمّا من لا يستطيع مشاهدتها؛ فيجب عليه أن يستقبل جهتها لقول الله ﷿: ﴿لا يكلّف الله نفسًا إِلاَّ وسعها﴾، وهذا هو الواسع والمقدُور.\nولحديث أبي هريرة -﵁- قال: \"ما بين المشرق والمغرب قِبلة\" (٤).\n_________\n(١) قال شيخنا في \"صفة الصلاة\" (ص ٥٥) بعد ذِكْر هذه العبارة: \"هذا شيء مقطوع به لتواتره ... \".\n(٢) وسيأتي تخريجه بإِذن الله تعالى.\n(٣) عن \"فقه السنة\" (١/ ١٢٩) بتصرف يسير.\n(٤) أخرجه الترمذي وابن ماجه وغيرهما، وهو حديث صحيح خرّجه شيخنا في \"الإرواء\" (٢٩٢).","vol":"1","page":417},{"text":"هذا بالنسبة لأهل المدينة، ومن جرى مجراهم، وأمّا الأقطار الأخرى فيختلف الأمر حسب الموقع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-357>متى يسقط استقبال القبلة</span>؟\nيسقط استقبال القبلة في الأحوال الآتية:\n١ - صلاة التطوع للراكب.\nعن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: \"رأيت النّبيّ - ﷺ - في غزوة أنمار يُصلّي على راحلته متوجّهًا قِبَل المشرق متطوّعًا\" (١).\nوعنه أيضًا: \"كان رسول الله - ﷺ - يُصلّي على راحلته حيث توجّهت؛ فإِذا أراد الفريضة نزَل فاستقبل القبلة\" (٢).\nوعن عامر بن ربيعة قال: \"رأيتُ رسول الله - ﷺ - وهو على الراحلة يُسبِّح، يومئ برأسه قِبَل أيّ وجه توجَّه (٣) ولم يكن رسول الله - ﷺ - يصنع ذلك في الصلاة المكتوبة\" (٤).\n٢ - صلاة الخائف والمريض والعاجز والمُكره.\nيجوز الصلاة لغير القبلة لمن عَجَز من استقبالها من خوف أو مرض أو\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٤١٤٠\n(٢) أخرجه البخاري: ٤٠٠\n(٣) أي: أينما توجّهت راحلته.\n(٤) أخرجه البخاري: ١٠٩٧، ومسلم: ٧٠١. وانظر للمزيد من الأدلة \"صحيح مسلم\" (كتاب صلاة المسافرين)، (باب جواز صلاة النافلة على الدابّة في السفر حيث توجّهت).","vol":"1","page":418},{"text":"إِكراه لقوله تعالى: ﴿لا يكلِّف الله نفسًا إِلاَّ وُسْعَها﴾ (١).\nولقوله سبحانه: ﴿فإِنْ خِفْتُم فَرِجالًا أو رُكبانًا﴾ (٢).\nقال ابن عمر -﵄-: \" ... فإِن كان خوفٌ هو أشدَّ من ذلك، صلَّوا رجالًا قيامًا على أقدامهم أو ركبانًا مستقبلي القِبلة أو غير مستقبليها\" (٣).\nوعن ابن عمر -﵄- قال: \"غزوتُ مع رسول الله - ﷺ - قِبَل نجْد، فوازينا العدوّ، فصافَفْنا لهم، فقام رسول الله - ﷺ - يصلّي لنا\" (٤).\nفقوله: (وازَيْنا) أي: (قابَلْنا) وهذا يقتضي عدم التزام القبلة بل الانصراف عنها حسب وضْع العدوّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-358>حُكم من خفيت عليه القبلة</span>\nعن عبد الله بن ربيعة عن أبيه قال: \"كُنا مع النّبيّ - ﷺ - في سفر في ليلة مُظلمة فلم نَدْرِ أين القبلة، فصلّى كل رجل حياله (٥)، فلمّا أصبحنا ذَكَرْنا ذلك لرسول الله - ﷺ - فنزَل ﴿فأينما تولّوا فثمَّ وجهُ الله﴾ (٦) \" (٧).\n_________\n(١) البقرة: ٢٨٦\n(٢) البقرة: ٢٣٩\n(٣) أخرجه البخاري: ٤٥٣٥\n(٤) أخرجه البخاري: ٩٤٢\n(٥) أي: تلقاء وجهه. \"النهاية\".\n(٦) البقرة: ١١٥\n(٧) أخرجه الترمذي وغيره وهو حديث حسن خرّجه شيخنا في \"الإِرواء\" (٢٩١).","vol":"1","page":419},{"text":"وعن جابر -﵁- قال: \"كُنَّا مع رسول الله - ﷺ - في مسيرة أو سريَّة، فأصابنا غيم، فتحرَّينا واختلفنا في القبلة، فصلّى كلُّ رجل منّا على حدة، فجعل أحدنا يخطُّ بين يديه لنعلم أمكنتنا، فلمّا أصبحنا نظرناه؛ فإِذا نحن صلّينا على غير القبلة، فذكَرنا ذلك للنّبيّ - ﷺ -، [فلم يأمرنا بالإِعادة]، وقال: (قد أجزأت صلاتكم) \" (١).\nوعن عبد الله بن عمر -﵄- قال: \"بَيْنا الناس بقُباء في صلاة الصبح إِذ جاءهم آتٍ فقال: إِنَّ رسول الله - ﷺ - قد أُنزلَ عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها ... وكانت وجُوههم إِلى الشام فاستداروا إِلى الكعبة\" (٢).\nوبهذا فعلى الإِنسان أن يبذل وُسعه في معرفة القبلة، فإِنْ تبيّن له أنَّه صلّى على غير القبلة فلا إِعادة عليه، وقد أجزأت صلاته، كما يجوز للشخص أن يحوّل أخاه إِلى جهة القبلة ويصوّبه أثناء الصلاة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-359>كيفيّة الصلاة</span>\nعن أبي هريرة -﵁- \"أنَّ رسول الله - ﷺ - دخل المسجد، فدخَل رجل فصلّى، فسلَّم على النّبيّ - ﷺ - فردَّ وقال: ارجِع فصلِّ فإِنَّك لم تُصلِّ فرجع يُصلِّي كما صلّى، ثمَّ جاء فسلّم على النّبيّ - ﷺ - فقال: ارجع فصلّ\n_________\n(١) أخرجه الدارقطني والحاكم والبيهقي وابن ماجه والطبراني وحسنه شيخنا في \"الإِرواء\" (١/ ٣٢٣).\n(٢) أخرجه البخاري: ٤٠٣، ومسلم: ٥٢٦","vol":"1","page":420},{"text":"فإِنَّكَ لم تُصلِّ ثلاثًا، فقال: والذي بعثكَ بالحقِّ ما أُحسن غيره فعلِّمني فقال: إِذا قُمتَ إلى الصلاة فكبِّر ثمَّ اقرَأ ما تيسر معك من القرآن، ثمَّ اركع حتَّى تطمئنَّ راكعًا، ثمَّ ارفعْ حتَّى تعدلَ قائمًا، ثمَّ اسجد حتَّى تطمئنَّ ساجدًا، ثمَّ ارفع حتَّى تطمئنَّ جالسًا، وافعل ذلك في صلاتك كلِّها\" (١).\nوهذا حديث جامع في الصلاة، وإِليك أعمال الصلاة بشكل مُجمل (٢).\nاستقبال القبلة، ثمَّ القيام لمن يستطيع وإلا صلى قاعداَّ، فإِن لم يستطع فعلى جنب، وينوي الصلاة بقلبه دون التلفّظ بها، ويستفتح الصلاة بقوله: \"الله أكبر\"، ويرفع اليدين مع التكبير، ويجعلها حذو مَنكِبيه، وربما كان - ﷺ - يرفعهما حتى يحاذي بهما فروع أُذنيه (٣)، ويضع اليمنى على اليُسرى على الصدر، مع الحِرص على النظر إِلى موضع السجود، ويتخيّر من أدعية الاستفتاح ما تيسرّ له (٤)، ثمَّ يستعيذ بالله تعالى ويقرأ الفاتحة ويقرأ بعد الفاتحة ما تيسّر مما سيأتي تفصيله إِنْ شاء الله ثمَّ يسكت سكتة، ئمَّ يرفع يديه ويكبّر ويركع مطمئنًّا في ركوعه، ذاكرًا ما تيسّر من أذكار الركوع، ثمَّ يعتدل من الركوع حتى يستوي قائمًا حتى يعود كلَ فقارٍ (٥) مكانه، قائلًا:\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٧٥٧، ومسلم: ٣٩٧\n(٢) لخّصتها من كتاب \"صفة صلاة النّبي - ﷺ -\" لشيخنا الألباني -حفظه الله تعالى-.\n(٣) أي: أعاليهما، وفَرْع كل شيء أعلاه. \"النهاية\".\n(٤) دون التزام بدعاءٍ واحد، بل تارة بهذا وتارة بهذا، وكذلك الشأن مع أدعية الركوع والسجود والتشهد ونحو ذلك.\n(٥) هي العظام التي يقال: لها خرز الظهر، قاله القزاز، وقال ابن سيده: هي من =","vol":"1","page":421},{"text":"سمع الله لمن حَمده؛ مع ما تيسّر من أذكار الاعتدال من الركوع، مطمئنًّا في ذلك ثمَّ يكبّر ويهوي ساجدًا، واضعًا يديه قبل ركبتيه، ممكّنًا أنفه وجبهته من الأرض، مع الحرص على أن يسجد على سبعة أعضاء: الكفين والركبتين والقدمين والجبهة والأنف، مطمئنًّا في ذلك متخيّرًا الأذكار الواردة، ويرفع من السجود مكبّرًا حتى تطمئنَّ مفاصله، فارشًا رجله اليسرى، قاعدًا عليها ناصبًا رجله اليمنى، متخيّرًا الأدعية الواردة في ذلك، ثمَّ يكبرّ ويسجد السجدة الثانية، يفعل مثل ما فعَل في الأولى، ثمَّ يرفع رأسه مكبِّرًا، ثمَّ يجلس جلسة الاستراحة، قاعدًا على رجله اليسرى معتدلًا، ويعتمد على اليدين يعجن (١) في النهوض إِلى الركعة الثانية ويصنع في هذه الركعة مِثْل ما صنع في الأولى، بيْد أنَّ رسول الله - ﷺ - كان يجعلها أقصر من الأولى.\nثمَّ يجلس للتشهّد، فإِذا كانت الصلاة ركعتين كالفجر، جلَس مفترشًا كما كان يجلس بين السجدتين، ثمَّ يبسط كفه اليسرى على ركبته اليسرى، ويقبض أصابع كفّه اليمنى كلّها، ويشير بإِصبعه التي تلي الإِبهام إِلى القبلة، يحركها يدعو بها، ويدعو بالأدعية الواردة في ذلك، ثمَّ يصلّي على النّبيّ - ﷺ - وفي ذلك صِيَغٌ عديدة، ثمَّ ينهض إِلى الركعة الثالثة مُكبّرًا، ويفعل كما فعل في الركعة الأولى، فيجلس الاستراحة ويعجن معتمدًا على يديه، وبعد أن يُتمّ الرابعة؛ يجلس للتشهد الأخير، ويفعل فيه ما كان يفعله في التشهد الأول،\n_________\n= الكاهل إِلى العَجْب. \"الفتح\" (٢/ ٣٠٨)، والعَجْب: أصل الذَّنَب ومُؤخرّ كل شيء. \"المحيط\".\n(١) أي: يعتمد على يديه إِذا قام؛ كما يفعل الذي يعجن العجين. \"النهاية\".","vol":"1","page":422},{"text":"بيْد أنَّه يقعد فيه متوركًا (١)، ثمَّ يصلّي على النّبيّ - ﷺ - كما هو الشأن في التشهد الأول، ثمَّ يستعيذ بالله من أربع فيقول: \"اللهمّ إِنِّي أعوذ بك من عذاب جهنّم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شرّ فتنة المسيح الدّجال\"، ثمَّ يدعو قبل السلام بالأدعية المنوّعة الواردة في ذلك، وهو الأولى -كما سيأتي إِن شاء الله- ثمَّ يسلم عن يمينه وعن يساره بما ورَد من الصيغ في ذلك.\n_________\n(١) وذلك بأن يُنحّي رجليه في التشهد الأخير، ويُلصق مقعدته بالأرض، وهو: أي التورك مِن وضْع الوَرِك عليها، والوَرِك: ما فوق الفخذ. وانظر \"النهاية\".","vol":"1","page":423},{"text":"الموسوعة الفقهية الميسرة\nفي\nفقه الكتاب والسنة المطهرة\nالجزء الثاني\nتتمة كتاب الصلاة\nبقلم\nحسين بن عودة العوايشة\n\nالمكتبة الإسلامية\nدار ابن حزم","vol":"2","page":1},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم","vol":"2","page":2},{"text":"الموسوعة الفقهية الميسرة\nفي\nفقه الكتاب والسنة المطهرة","vol":"2","page":3},{"text":"جميع الحقوق محفوظة للمؤلف\nالطبعة الأولى\n١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٢ م\nالمكتبة الإسلامية\nص ب: (١١٣) الجبيهة - هاتف ٥٣٤٢٨٨٧\nعمَّان - الأردن\nدار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع\nبيروت - لبنان - ص ب: ٦٣٦٦/ ١٤ - تليفون: ٧٠١٩٧٤","vol":"2","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-360>فرائض الصلاة وسننها</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-361>١ - النية: </span>وهي شرط أو ركن.\nقال الله تعالى: ﴿وما أُمروا إِلاَّ ليعبدواْ الله مُخلِصين له الدين﴾ (١).\nوقال رسول الله - ﷺ -: \"إِنَّما الأعمال بالنيات، وإِنّما لكلّ امرئٍ ما نوى ... \" (٢).\nهل يتلفظ بها؟\nقال شيخنا في \"صفة الصلاة\" (ص٨٦) (باب التكبير): \"ثمَّ كان - ﷺ - يستفتح الصلاة بقوله \"الله أكبر\" (٣) وقال في التعليق: \"وفي الحديث إِشارة إِلى أنَّه لم يكن يستفتحها بنحو قولهم: \"نويت أن أصلِّي\" إلخ بل هذا من البدع اتفاقًا، وإِنما اختلفوا في أنّها حسنة أو سيئة، ونحن نقول: إِنَّ كلّ بدعة في العبادة ضلالة، لعموم قوله - ﷺ -: \"وكلّ بدعة ضلالة وكلّ ضلالة في النّار\"\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-362>٢ - تكبيرة الإِحرام </span>(٤):\nوهي ركن؛ لحديث عليّ -﵁- قال:\n_________\n(١) البينة: ٥\n(٢) أخرجه البخاري: ١، ومسلم: ١٩٠٧، وتقدم.\n(٣) أخرجه مسلم تحت: ٧٧١ بلفظ: \"كان رسول الله - ﷺ - إِذا استفتح الصلاة كبّر ثمَّ قال: \"وجهت وجهي\" ... \".\n(٤) قال الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ٢١٧): \"تكبيرة الإِحرام رُكن عند الجمهور، وقيل شرط، وهو عند الحنفية، ووجه عند الشافعية،، قيل: سُنّة، قال ابن المنذر: لم يقُل به أحد غير الزهري، ونقلَه غيره عن سعيد بن المسيب والأوزاعي ومالك، ولم يثبت عن أحد منهم تصريحًا، وإِنما قالوا فيمن أدرك الإمام راكعًا تجزئة تكبيرة الركوع. =","vol":"2","page":5},{"text":"\"مفتاح الصلاة الطُّهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم\" (١).\nوفي حديث المسيء صلاته: \" ... إِنه لا تتمّ صلاةٌ لأحدٍ من الناس حتى يتوضّأ؛ فيضع الوضوء مواضعه ثمَّ يقول: الله أكبر\" (٢).\nوفي حديث أبي حميد الساعدي -﵁-: \"كان رسول الله - ﷺ - إِذا قام إِلى الصلاة اعتدلَ قائمًا، ورفع يديه حتى يحاذي بهما مَنكِبيه، فإِذا أراد أن يركع؛ رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثمَّ قال: الله أكبر ... \" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-363>٣ - رفْع اليدين:</span>\nقد ثبت الرفع في جميع التكبيرات، ولكن هناك تكبيرات التزم النّبيّ - ﷺ - رفع اليدين فيها وهناك تكبيرات لم يلتزم بها.\nفمن الحالات التي ورد التزام رسول الله - ﷺ - فيها بالرفع عند التكبير:\n١ - تكبيرة الإحرام.\n٢ - حين الركوع.\n_________\n= نعم نقَله الكرخي من الحنفية عن إِبراهيم بن عليّة وأبي بكر الأصمّ ومخالفتهما للجمهور كثيرة\".\n(١) أخرجه أبو داود والترمذي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، وهو مخرّج في \"الإِرواء\" (٣٠١).\n(٢) أخرجه الطبراني بإِسناد صحيح عن \"صفة الصلاة\" (ص٦٦).\n(٣) حديث صحيح خرّجه شيخنا في \"الإِرواء\" (٢/ ١٤)، و\"المشكاة\" (٨٠٢)، وانظر \"الفتح\" (٢/ ٢١٧).","vol":"2","page":6},{"text":"٣ - حين الرفع من الركوع.\nفعن عبد الله بن عمر -﵄- قال: \"رأيت رسول الله - ﷺ - إِذا قام في الصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو مَنكِبيه، وكان يفعل ذلك حين يُكبِّر للرّكوع، ويفعل ذلك إِذا رفع رأسه من الركوع ويقول: سمع الله لمن حمده، ولا يفعل ذلك في السجود\" (١)،\nولحديث أبي قِلابة: \"أنَّه رأى مالك بن الحويرث إِذا صلّى كبَّر ورفع يديه، وإِذا أراد أن يركع رفع يديه، وإِذا رفع رأسه من الركوع رفع يديه، وحدَّث أنَّ رسول الله - ﷺ - صنع هكذا\" (٢).\n٤ - إِذا قام من الركعتين إِلى الثالثة، لِما حدّثه عبيد الله عن نافع \"أنَّ ابن عمر كان إِذا دخل في الصلاة كبّر ورفع يديه، وإذا ركع رفع يديه، وإذا قال سمع الله لمن حمده رفع يديه، وإذا قام من الركعتين رفع يديه. ورفع ذلك ابن عمر إِلى نبيّ الله - ﷺ -\" (٣).\nوسألت شيخنا -حفظه الله تعالى- عن هذه الحالة، فقال: \"عندي تردّد في التزام الرفع هنا، وأميل إِلى الالتزام؛ لأنَّه من رواية ابن عمر -﵄- الذي روى الرفع عند الركوع والرفع منه\".\nكما قد ثبت الرفع في التكبيرات الأخرى أيضًا.\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٧٣٦، ومسلم: ٣٩٠\n(٢) أخرجه البخاري: ٧٣٧، ومسلم: ٣٩١\n(٣) أخرجه البخاري: ٧٣٩، ومسلم: ٣٩٠","vol":"2","page":7},{"text":"قال شيخنا في \"تمام المنة\" (١٧٢، ١٧٣): \"قد ثَبت الرفع في التكبيرات الأخرى أيضًا، أمّا الرفع عند الهوي إلى السجود والرفع منه، ففيه أحاديث كثيرة عن عشرة من الصحابة، قد خرَّجْتها في \"التعليقات الجياد\"، منها:\nعن مالك بن الحويرث \" أنَّه رأى النّبيّ - ﷺ - رفَع يديه في صلاته إِذا ركع، وإذا رفَع رأسه من الركوع، وإِذا سجد، وإِذا رفَع رأسه من السجود، حتى يحاذي بهما فروع أذنيه\"، أخرجه النسائي وأحمد وابن حزم بسند صحيح على شرط مسلم، وأخرجه أبو عوانة في \"صحيحه\" كما في \"الفتح\" للحافظ، ثمَّ قال: \"وهو أصحّ ما وقفْتُ عليه من الأحاديث في الرفع في السجود\".\nوأمّا الرفع من التكبيرات الأخرى، ففيه عدّة أحاديث أنَّ النّبيّ - ﷺ - كان يرفع يديه عند كل تكبيرة.\nولا تعارُض بين هذه الأحاديث؛ وبين حديث ابن عمر المتقدّم في الكتاب بلفظ: \" ... ولا يرفعهما بين السجدتين\"، لأنَّه نافٍ، وهذه مثبتة، والمثبت مقدّم على النافي كما تقرر في علم الأصول.\nوقد ثبت الرفع بين السجدتين عن جماعة من السلف منهم أنس -﵁- بل منهم ابن عمر نفسه، فقد روى ابن حزم من طريق نافع عنه؛ \"أنَّه كان يرفع يديه إِذا سجد وبين الركعتين\". وإِسناده قوي.\nوروى البخاري في جزء \"رفع اليدين\" (ص ٧) من طريق سالم بن عبد الله أنَّ أباه كان إِذا رفع رأسه من السجود، وإذا أراد أن يقوم رفع يديه. وسنده صحيح على شرط البخاري في \"الصحيح\".","vol":"2","page":8},{"text":"وعَمِل بهذه السنّة الإِمام أحمد بن حنبل، كما رواه الأثرم، ورُوي عن الإِمام الشافعي القول به، وهو مذهب ابن حزم، فراجع \"المحلّى\"\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-364>٤ - وضْع اليدين على الصدر:</span>\nللعلماء في وضْع اليدين عند القيام الأوّل أقوال عديدة، وقد ثبَت عن النّبيّ - ﷺ - أنّه وضع يديه على صدره.\nوذكَر شيخنا الأدلّة في \"صفة الصلاة\" (ص ٨٨) فقال: و\"كان يضع اليُمنى على ظهر كفّه اليُسرى والرسغ (١) والساعد\" (٢).\nوسألتُ شيخنا -حفظه الله تعالى-: \"هل ترون وضْع اليمنى على ظهر كفّه اليسرى والرسغ والساعد واجبًا أم سنّة؟ فقال: \"الوضع مطلقًا واجب، ولكن على التفصيل المذكور سنّة\".\nو\"أمر بذلك أصحابه\" (٣)، و\"كان -أحيانًا- يقبض باليمنى على اليسرى\" (٤).\nوفي الحديث: \"إِنَّا معشر الأنبياء؛ أُمرنا بتعجيل فِطرنا، وتأخير سُحورنا،\n_________\n(١) الرسغ: مَفصل بين الساعد والكف، والساعد هو الذراع.\n(٢) سيأتي تخريجه.\n(٣) أخرجه مالك، وابن أبي شيبة، كما في \"الفتح\" وانظر \"مختصر البخاري\" (١/ ٢٨٣)، وأبو عوانة.\n(٤) أخرجه النسائي والدارقطني بسند صحيح، وفي هذا الحديث دليل على أنّ السُّنّة القبض، وفي الحديث الأول الوضع، فكُلٌّ سُنّة، وأمّا الجمع بين الوضع والقبض فبدعة، عن \"الصفة\" (ص ٨٨) بحذف يسير.","vol":"2","page":9},{"text":"ووضْع أيماننا على شمائلنا\" (١).\nقلت لشيخنا: \"أتفيد كلمة (أُمرنا) هنا الوجوب\"؟\nفقال -حفظه الله تعالى-: \"نعم تفيد الوجوب، وهناك قرينة أُخرى أقوى من هذه، وهو حديث سهل بن سعد الساعدي؛ كما في صحيح البخاري، ومن طريق مالك في \"موطئه\" بإِسناده العالي عن أبي حازم، عن سهل بن سعد قال: \"كانوا يؤمَرون بوضْع اليمنى على اليُسرى في الصلاة \" ينمي (٢) ذلك إِلى النّبيّ - ﷺ -\".\nو\"كان يضعهما على الصدر\" (٣). وأخبرني شيخنا أنَّه يرى سنيّة ذلك.\n_________\n(١) أخرجه الطيالسي وغيره، وصححه ابن حبّان. قال شيخنا في \"أحكام الجنائز\" (ص ٤٩): وسنده صحيح على شرط مسلم.\n(٢) أي ينسبه إِلى رسول الله - ﷺ -.\n(٣) أخرجه أبو داود وابن خزيمة في \"صحيحه\"، وأحمد وأبو الشيخ في \"تاريخ أصبهان\" (ص ١٢٥)، وحسَّن أحد أسانيده الترمذي، ومعناه في \"المؤطأ\" والبخاري في \"صحيحه\" عند التأمّل، و\"أحكام الجنائز\" (ص ١٥٠).\nقال شيخنا في \"صفة الصلاة\" (ص ٨٨): \"وضْعهما على الصدر هو الذي ثبت في السُّنة، وخلافه إِمّا ضعيف، أو لا أصل له، وقد عَمِل بهذه السنة الإِمام إِسحاق بن راهويه، فقال المروزي في \"المسائل\" (ص٢٢٢): \"كان إِسحاق يوتر بنا ... ويرفع يديه في القنوت، ويقنت قبل الركوع، ويضع يديه على ثدييه أو تحت الثديين، ومثله قول القاضي عياض المالكي في \"مستحبات الصلاة\" من كتابه \"الإِعلام\" (ص ١٥ - الطبعة الثالثة- الرباط): \"ووضع اليمنى على ظاهر اليسرى عند النحر. [والنحر أعلى الصدر].\nوقريب منه ما روى عبد الله بن أحمد في \"مسائله\" (ص ٦٢) قال: \"رأيت أبي إذا صلّى وضع يديه إِحداهما على الأخرى فوق السُّرة\". وانظر \"إِرواء الغليل\" (٣٥٣).","vol":"2","page":10},{"text":"و\"كان ينهى عن الاختصار (١) في الصلاة\"؟ (٢).\nكيفية رفْع اليدين:\nكان رسول الله - ﷺ - يرفع يديه ممدودة الأصابع، [لا يُفرِّج بينهما ولا يضمّهما] \" (٣). ويجعل كفيه حذو منكبيه، لحديث ابن عمر المتقدّم: \"رأيت رسول الله - ﷺ - إِذا قام في الصلاة، رفَع يديه حتى يكونا حذو مَنكبيه\".\nوأحيانًا يُبالغ في رفعهما حتى يحاذي بهما أطراف أُذُنيه (٤).\nوتقدّم أتمّ منه، وفي رواية: \"حتى يحاذي بهما فروع أذنيه\" (٥).\nوقت الرّفع:\n\"كان رسول الله - ﷺ - يرفع يديه تارة مع التكبير، وتارة بعد التكبير، وتارة\n_________\n(١) هو أن يضع يده على خاصرته؛ كما فسّرَه بعض الرواة.\n(٢) أخرجه البخاري، ومسلم، وهو مخرج في \"الإرواء\" (٣٧٤).\n(٣) أخرجه أبو داود وابن خزيمة، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي. عن \"صفة الصلاة\" (٨٧).\n(٤) لحديث مالك بن الحويرث \"أنَّ رسول الله - ﷺ - كان إِذا كبّر رفع يديه حتى يحاذى بهما أُذنيه، وإذا ركع رفع يديه حتى يحاذى بهما أُذنيه، وإذا رفع رأسه من الركوع، فقال: \"سمع الله لمن حمده\"، فعل مثل ذلك\".\n(٥) فروع أُذنيه: أي أعاليهما، وفَرع كل شيء أعلاه. \"النهاية\".","vol":"2","page":11},{"text":"قبله\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-365>٥ - دعاء الاستفتاح:</span>\nويكون بعد تكبيرة الإِحرام وقبل القراءة.\nقال شيخنا في \"تلخيص الصِّفة\" (ص ١٦): \"وقد ثبَت الأمر به فينبغي المحافظة عليه\".\nوقد راجعتُ شيخنا -حفظه الله تعالى- فقلت له: هل قولكم: ثبت الأمر به؛ ضرْب من ضروب التعبير اللغوي أَم ماذا؟\nفقال -حفظه الله تعالى-: \"إِني لم أستعمل لفظ الوجوب لسبب؛ وهو أَنِّي لم أستحضر أنَّ أحدًا من أهل العلم قال بالوجوب، فإِن وُجد فهو بمعنى الوجوب، وإن لم يقُل به أحد من العلماء فلا نتجرّأ على القول بما لم يقولوا\".\nوقد ثبت عن النّبيّ - ﷺ - أدعية عديدة في هذا الموطن، فيحسن بالمصلى أن يقرأ تارةً بهذا وتارة بهذا، وإليك هذه الصيّغ (٢).\n١ - اللهمّ باعِدْ بيني وبين خطاياي؛ كما باعدْتَ بين المشرق والمغرب، اللهم نقِّني من خطاياي كما يُنقَّى الثوب الأبيض من الدنس (٣)، اللهم اغسِلني\n_________\n(١) انظر \"صحيح البخاري\" (٧٣٨، ٧٣٩)، و\"سنن أبي داود\"، و\"صفة الصلاة\" (٨٧) وانظر -إِن شئت- \"تمام المنّة\" (١٧٣) للمزيد من الفائدة.\n(٢) نقلْتُها وتخريجاتها من كتاب \"صفة الصلاة\" (٩١ - ٩٥) بتصرُّف.\n(٣) الدنس: الوسخ، انظر \"النهاية\".","vol":"2","page":12},{"text":"من خطاياي بالماء والثلج والبَرد\"، وكان يقوله في الفرض (١).\n٢ - وجَّهتُ وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا (٢) [مسلمًا] وما أنا من المشركين، إِنَّ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله ربّ العالمين، لا شريك له وبذلك أُمِرت وأنا أوّل المسلمين (٣)، اللهّم أنت الملِك، لا إِله إلاَّ أنت، [سبحانك وبحمدك]، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمْتُ نفسي، واعترفْتُ بذنبي، فاغفر لي ذنبي جميعًا؛ إنَّه لا يغفر الذنوب إلاَّ أنت، واهدني لأحسن الأخلاق؛ لا يهدي لأحسنها إلاَّ أنت، واصرف عنّي سيئها؛ لا يصرف عنّي سيئها إلاَّ أنت، لبّيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إِليك (٤) [والمهدي من هديت]، أنا بك وإليك. [لا منجا ولا ملجأ منك إلاَّ إِليك]،\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٧٤٤، ومسلم: ٥٩٨\n(٢) الحنيف: هو المائل إِلى الإِسلام، الثابت عليه، والحنيف عند العرب: من كان على دين إِبراهيم ﵇، وأصل الحَنَف: الميل، \"النهاية\".\n(٣) قال شيخنا في التعليق: \"هكذا في أكثر الروايات، وفي بعضها: \"وأنا من المسلمين\"، والظاهر أنه من تصرُّف بعض الرواة، وقد جاء ما يدّل على ذلك، فعلى المصلّي أن يقول: \"وأنا أوّل المسلمين\"، ولا حرج عليه في ذلك؛ خلافًا لما يزعم البعض، توهُّمًا منه أن المعنى: \"إِنّي أوّل شخص اتصف بذلك، بعد أن كان الناس بمعزل عنه\"، وليس كذلك، بل معناه: بيان المسارعة في الامتثال لما أُمر به، ونظيره ﴿قُلْ إِنْ كان للرحمن ولدٌ فأنا أولُ العابدين﴾، وقال موسى - ﷺ -: ﴿وأنا أولُ المؤمنين﴾.\n(٤) قال شيخنا في التعليق: \"أي لا ينسب الشر إِلى الله تعالى، لأنه ليس في فِعْله تعالى شر، بل أفعاله ﷿ كلها خير؛ لأنها دائرة بين العدل والفضل والحكمة، وهو كلّه خير لا شر فيه، والشر إِنما صار شرًّا لانقطاع نسبته وإضافته إِليه تعالى\". ثمَّ ذكَر كلامًا مفيدًا لابن القيم -رحمه الله تعالى-\".","vol":"2","page":13},{"text":"تباركتَ (١) وتعاليتَ، أستغفرك وأتوب إِليك\". وكان يقوله في الفرض والنفل (٢).\n٣ - \"سبحانك، اللهمّ وبحمدك، وتبارك اسمك وتعالى جَدُّك، ولا إِله غيرك\" (٣).\n٤ - \" الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بُكرة (٤) وأصيلًا\" (٥). استفتح به رجل من الصحابة فقال - ﷺ -: \"عجبْتُ لها! فُتِحت لها أبواب السماء\" (٦).\n٥ - \"الحمد لله حمدًا كثيرًا طيّبًا مباركًا فيه\"؛ استفتح به رجل آخر، فقال - ﷺ -: \"لقد رأيت اثني عَشَر مَلَكًا يبتدرونها (٧) أيهم يرفعها\" (٨).\n٦ - \"اللهمّ لك الحمد، أنت نور السماوات والأرض ومن فيهنّ، ولك الحمد، أنت قيِّمُ السماوات والأرض ومن فيهنّ، [ولك الحمد، أنت مَلِك\n_________\n(١) أصله البركة، تطلق على الدوام والثبوت وقيل للزيادة والكثرة.\n(٢) أخرجه مسلم: ٧٧١، وأبو عوانة، وأبو داود، وغيرهم.\n(٣) أخرجه أبو داود، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي.\n(٤) البُكرة: أول النهار إِلى طلوع الشمس. \"الوسيط\". وفي \"المحيط\": \"البُكرة: الغُدوة، وهي البكرة، أو ما بين صلاة الفجر وطلوع الشمس\".\n(٥) الأصيل: الوقت بعد العصر إِلى المغرب. \"مختار الصحاح\". وفي \"الوسيط\": \"الأصيل: الوقت حين تصفَر الشمس لمغربها\".\n(٦) أخرجه مسلم: ٦٠١، وغيره.\n(٧) يعجلون ويستبقون. انظر \"المحيط\".\n(٨) أخرجه مسلم: ٦٠٠، وأبو عوانة.","vol":"2","page":14},{"text":"السماوات والأرض ومن فيهنّ]، ولك الحمد، أنت الحق، ووعدك حقّ، وقولك حقّ، ولقاؤك حقّ، والجنّة حقّ، والنار حقّ، والساعة حقّ، والنبيّون حقّ، ومحمّد حقّ، اللهمّ لك أسلمتُ، وعليك توكّلتُ، وبك آمنْتُ، وإِليك أنَبْتُ، وبك خاصمْتُ، وإليك حاكمْتُ، [أنت ربنا وإِليك المصير، فاغفِر لي ما قدَّمْت، وما أخّرتُ، وما أسررت وما أعلنْت]، [وما أنت أعلم به مني]، أنت المقدِّم وأنت المؤخر، [أنت إِلهي]، لا إله إلاَّ أنت، [ولا حول ولا قوة إِلا بك] \" (١).\nوكان يقول - ﷺ - في صلاة الليل كالأنواع الآتية (٢):\n٧ - \"اللهمّ ربّ جبرائيل وميكائيل وإِسرافيل فاطر السماوات والأرض! عالم الغيب والشهادة! أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختُلف فيه من الحقّ بإِذنك، إِنك تهدي من تشاء إِلى صراط مستقيم (٣) \" (٤).\n٨ - كان يكبر عشرًا، ويحمد عشرًا، ويسبح عشرًا، ويُهلّل عشرًا، ويستغفر عشرًا، ويقول: \"اللهمّ اغفر لي واهدني وارزقني [وعافني] \" عشرًا،\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٧٤٩٩، ومسلم: ٧٦٩، وغيرهما.\n(٢) قال شيخنا في التعليق على \"الصفة\": \"ولا ينفي ذلك مشروعيتها في الفرائض أيضًا كما لا يخفى؛ إلاَّ الإِمام كي لا يطيل على المؤتمّين\".\nوقال -شفاه الله وعافاه- في \"تمام المنّة\" (ص ١٧٥): في مثل هذا: \"وإذا كان ذلك مشروعًا في الفريضة؛ ففي النافلة من باب أولى كما لا يخفى على أولي النهى\".\n(٣) هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه، ونقَل الإِمام ابن جرير إِجماع الأمّة على ذلك.\n(٤) أخرجه مسلم: ٧٧٠، وأبو عوانة.","vol":"2","page":15},{"text":"ويقول: \"اللهمّ إِني أعوذ بك من الضيق يوم الحساب\" عشرًا (١).\n٩ - \"الله أكبر [ثلاثًا] (ذو الملكوت والجبروت (٢» والكبرياء والعظمة (٣) \" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-366>٦ - الاستعاذة:</span>\nلقول الله: ﴿فإِذا قرأْتَ القرآنَ فاستعِذ بالله من الشيطان الرجيم﴾ (٥).\nقال ابن حزم -﵀- في \"المحلّى\" (مسألة ٣٦٣): \"وفرض على كلّ مصلّ أن يقول إِذا قرأ: \"أعوذ بالله من الشيطان الرجيم\". لا بُدّ له في كلّ ركعةٍ من ذلك؛ لقول الله تعالى: ﴿فإِذا قرأْتَ القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾ ..... \".\nوقال رادًّا على من لا يقول بفرضيته: \"ومن الخطأ أن يأمر الله تعالى بأمر؛ ثمَّ يقول قائل بغير برهانٍ من قرآن ولا سنّة: هذا الأمر ليس فرضًا، لا سيّما أمرُهُ تعالى بالدعاء في أن يعيذنا من كيد الشيطان؛ فهذا أمْر متيقّن أنَّه فرض؛ لأنَّ اجتناب الشيطان والفرار منه، وطلَب النجاة منه؛ لا يختلف اثنان في أنَّه\n_________\n(١) أخرجه أحمد، وابن شيبة وأبو داود والطبراني في \"الأوسط\" بسند صحيح وآخر حسن.\n(٢) اسمان مبنيان مِن الملك والجبر.\n(٣) العظمة والملك: قيل هي عبارة عن كمال الذات وكمال الوجود ولا يُوصف به إلاَّ الله تعالى. \"النهاية\".\n(٤) أخرجه الطيالسي، وأبو داود بسند صحيح.\n(٥) النحل: ٩٨","vol":"2","page":16},{"text":"فرض، ثمَّ وضع الله تعالى ذلك علينا عند قراءة القرآن\".\nوقال: \"وكان ابن سيرين يستعيذ في كلّ ركعة\".\nوعن ابن جريج عن عطاء قال: \"الاستعاذة واجبة لِكُلِّ قراءة في الصلاة وغيرها ... \". قال ابن جريج: فقلت له: من أجل ﴿فإِذا قرأْتَ القرآن فاستعِذ بالله من الشيطان الرجيم﴾ قال: نعم\".\nوقال شيخنا في \"تلخيص صفة الصلاة\" (ص ١٧): \"ثمَّ يستعيذ بالله تعالى وجوبًا ويأثم بتركه.\nقال: والسنّة أن يقول تارة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه (١) وتارة يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان ... إِلخ\".\nوجاء في \"الاختيارات\" (ص ٥٠): \"ويستحبّ التعوّذ أوّل كلّ قراءة\".\nوالراجح قول ابن حزم -﵀- والله أعلم.\nالإِسرار بها (٢):\nويسنّ الإِتيان بها سرًّا: قال في \"المغني\": \"ويُسِرُّ بالاستعاذة ولا يجهر بها، لا أعلم فيها خلافًا\". انتهى.\nلكن الشافعي يرى التخيير بين الجهر بها والإسرار في الصلاة الجهريّة.\nمشروعية الاستعاذة في كلّ ركعة:\nيسرع الاستعاذة في كلّ ركعة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فإِذا قرأْتَ القرآنَ\n_________\n(١) هو الشعر المذموم، وانظر كتابي \"تأمّلات قرآنية\" في شرح معنى الاستعاذة.\n(٢) انظر \"فقه السنة\" (١/ ١٤٨).","vol":"2","page":17},{"text":"فاستعِذ بالله من الشيطان الرجيم﴾.\nواستدلّ من استدلّ من العلماء على اقتصار الفاتحة في الركعة الأولى من حديث أبي هريرة: \"كان رسول الله - ﷺ - إِذا نهضَ من الركعة الثانية استفتح القراءة بـ \"الحمد لله رب العالمين\"، ولم يسكت (١).\nوذكر هذا الشيخ السيد سابق -حفظه الله تعالى- في \"فقه السنّة\"، وردّ عليه شيخنا -حفظه الله تعالى- في \"تمام المنّة\" (ص ١٧٦) قائلًا: \"السّنّة المشار إِليها ليست صريحة فيما ذكَره المؤلف، لأنَّ قول أبي هريرة في حديثه المذكور في الكتاب: \"ولم يسكت\"، ليس صريحًا في أنَّه أراد مطلق السكوت، بل الظاهر أنَّه أراد سكوته السكتة المعهودة عنده، وهي التي فيها دعاء الاستفتاح، وهي سكتة طويلة، فهي المنفية في حديثه هذا.\nوأمّا سكتة التعوذ والبسملة؛ فلطيفة لا يحسُّ بها المؤتمُّ لاشتغاله بحركة النهوض للركعة، وكأنّ الإِمامَ مسلمًا -﵀- أشار إِلى ما ذكَرنا مِن أن السكتة المنفية في هذا الحديث؛ هي المثبتة في حديت أبي هريرة المتقدّم، فإِنَّه ساق الحديث المشار إِليه، ثمَّ عقّبه بهذا، وكلاهما عن أبي هريرة، والسند إِليه واحد، فأحدهما متمّم للآخر، حتى لكأنَّهما حديث واحد، وحينئذ يظهر أنّ الحديث ليس على إِطلاقه، وعليه نرجّح مشروعية الاستعاذة في كلّ ركعة لعموم قوله تعالى: ﴿فإِذا قرأتَ القرآن فاسْتَعِذْ بالله﴾، وهو الأصحّ في مذهب الشافعية، ورجّحه ابن حزم في \"المحلّى\"، والله أعلم\".\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ٥٩٩","vol":"2","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-367>٧ - القيام في الفرض:</span>\nقال الله تعالى: ﴿حافظوا على الصَلَوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين (١)﴾ (٢).\nولقوله - ﷺ - لعمران بن حُصين: \"صَلِّ قائمًا\" (٣).\nولهذا كان - ﷺ - يقوم في صلاته في الفرض والتطوّع؛ ائتمارًا بهذه الآية الكريمة (٤).\nوأمّا في الخوف جازت الصلاة على أي حال: رِجالًا أو رُكبانًا: يعني مستقبلي القبلة وغير مستقبليها (٥) كما تقدّم.\nأما في المرض فيصلّي حسب القدرة؛ قائمًا أو قاعدًا أو على جَنب، كما في حديث عمران بن حصين -﵁- المتقدّم قال: \"كانت بي بواسيرُ فسألت النّبيّ - ﷺ - عن الصلاة فقال: صَلِّ قائمًا، فإِن لم تستطع فقاعدًا، فإِن لم تستطع فعلى جَنب\" (٦).\nوصلّى - ﷺ - في مرضه جالسًا (٧).\n_________\n(١) أي: خاشعين ذليلين مستكينين بين يديه.\n(٢) البقرة: ٢٣٨\n(٣) وسيأتي تخريجه في الحديث الآتي بعد سطور -إِن شاء الله تعالى-.\n(٤) انظر للمزيد من الفائدة كتاب \"صفة الصلاة\" (ص ٧٧).\n(٥) انظر \"تفسير ابن كثير\".\n(٦) أخرجه البخاري: ١١١٧\n(٧) أخرجه الترمذي وصححه أحمد كما في \"صفة الصلاة\" (ص ٧٧).","vol":"2","page":19},{"text":"وسألت شيخنا -شفاه الله تعالى- عمّن يفضّل التربّع في القعود فقال: \"أولًا يختار هيئة من هيئات الصلاة الواردة في السنّة، مثلًا كانت الصلاة افتراشية، لكنه قد يرى التورك أسهل فيتورّك، أو كانت الصلاة تورّكية لكنّه يستطيع الافتراش فيؤثره، وربّما لم يستطع هذا أو ذاك، فحينئذٍ يأتي بالتربّع، ولعلّ التربّع كالافتراش والتورّك، فهنا نقول له اجلس على النحو الذي يريحك\".\nثمَّ رأيت هذا متضَّمّنًا في صحيح البخاري (٨٢٧) فعن عبد الله بن عبد الله ابن عمر: \"أنه كان يرى عبد الله بن عمر -﵄- يتربّع في الصلاة إِذا جلس، ففعلته وأنا يومئذ حديث السنّ، فنهاني عبد الله بن عمر وقال: إِنما سُنّة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى وتثني اليسرى، فقلت: إِنك تفعل ذلك، فقال: إِنَّ رجليَّ لا تحملاني\".\nوإذا كان في السفينة ونحوها وخشي الغرق، فله ألا يصلّي فيها قائمًا فقد سئُل - ﷺ - عن الصلاة في السفينة، فقال: \"صلِّ فيها قائمًا؛ إلاَّ أن تخاف الغرق\" (١).\nويجوز الاعتماد على عمود أو نحوه للتمكّن من القيام لما ثبت أن النبيّ - ﷺ - \"لما أسنَّ وكبر؛ اتَخَذَ عمودًا في مُصلاه يعتمد عليه\" (٢).\nأمّا في صلاة الليل: فقد \"كان - ﷺ - يصلّي ليلًا طويلًا قائمًا، وليلًا طويلًا\n_________\n(١) أخرجه البزار والدارقطني وعبد الغنيّ المقدسي في السنن، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، كذا في \"صفة الصلاة\" (ص ٧٩).\n(٢) أخرجه أبو داود وغيره، وهو حديث صحيح خرّجه شيخنا فى \"الإِرواء\" (٣٨٣).","vol":"2","page":20},{"text":"قاعدًا، وكان إِذا قرأ قائمًا ركعَ قائمًا، وإذا قرأ قاعدًا ركعَ قاعدًا\" (١).\nوقد ثبت أنَّ رسول الله - ﷺ - \"كان يُصلّي جالسًا فيقرأ وهو جالس، فإِذا بقي من قراءته نحْوٌ من ثلاثين أو أربعين آية، قام فقرأها وهو قائم، ثمَّ يركع، ثمَّ سجد يفعل في الركعة الثانية مِثْل ذلك\" (٢).\nأمّا في النافلة، فقد رُخّص للمصلّي أن يُصلّي قاعدًا مع قدرته على القيام، بيْد أنَّ له نصف أجر القائم، كما في حديث عمران بن حُصين قال: \"سألت النّبيّ - ﷺ - عن صلاة الرجل وهو قاعد فقال: من صلى قائمًا فهو أفضل، ومن صلّى قاعدًا فله نصف أجر القائم، ومن صلى نائمًا فله نصف أجر القاعد\" (٣).\nقال أبو عبد الله -يعني البخاري-: نائمًا عندي: مضطجعًا ها هنا (٤).\nأجر المريض والمسافر أجر الصحيح المقيم:\nعن أبي بردة قال: سمعت أبا موسى مرارًا يقول: قال رسول الله - ﷺ -: \"إِذا مرض العبد أو سافر، كُتب له مِثلُ ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا\" (٥).\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ٧٣٠\n(٢) أخرجه البخاري: ١١١٩، ومسلم: ٧٣١\n(٣) أخرجه البخاري: ١١١٦، ومسلم: ٧٣٥ من حديث عبد الله بن عمرو قال: حُدِّثت أن رسول الله - ﷺ - قال: \"صلاة الرجل قاعدًا نصف الصلاة ... \".\n(٤) ويؤيد اللفظ الآخر المتقدم وقد خاطب فيه رسول الله - ﷺ - كذلك عمران بن حصين -﵁- فقال: \" ... فإنْ لم تستطع فعلى جنب\". وفي \"القاموس المحيط\": ضجَع: وضع جنبه بالأرض.\n(٥) أخرجه البخاري: ٢٩٩٦، وغيره وللمزيد من الفوائد الحديثية الهامّة =","vol":"2","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-368>٨ - قراءة الفاتحة في كلّ ركعة -وهي ركن</span>-.\nلحديث عبادة بن الصامت عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب\" (١).\nوفي لفظ: \"لا تجزئ صلاة لا يقرأ الرجل فيها بفاتحة الكتاب\" (٢).\nوعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من صلّى صلاة لم يقرأ فيها بأمّ القرآن فهي خِداج (٣) ثلاثًا غير تمام\" (٤).\nوأمر - ﷺ -: \"المسيء صلاته\" أن يقرأ بها في صلاته (٥).\nوعن أبي سعيد -﵁- قال: \"أُمِرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسَّر\" (٦).\nوقد تقدّم حديث المسيء صلاته: وفيه \"وافعل ذلك في صلاتك\n_________\n= انظر -إِن شئت- \"الإِرواء\" (٥٦٠).\n(١) أخرجه البخاري: ٧٥٦، ومسلم: ٣٩٤\n(٢) أخرجه الدارقطني وصححه، وابن حبّان في \"صحيحه\" وانظر \"الإرواء\" (٢/ ١٠).\n(٣) أى: ناقصة، يُقال: \"خدجت الناقة إِذا ألقت ولدها قبل أوانه\"، وانظر \"النهاية\".\n(٤) أخرجه مسلم: ٣٩٥، وغيره.\n(٥) أخرجه البخاري في \"جزء القراءة خلف الإمام\" بسند صحيح، وانظر \"صفة الصلاة\" (ص ٧٩).\n(٦) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٧٣٢)، وقوّى الحافظ إِسناده في \"الفتح\" (٢/ ٢٤٣).","vol":"2","page":22},{"text":"كلّها\" (١). وفي رواية: \"في كلّ ركعة\" (٢).\nفضائلها:\nعن أبي هريرة -﵁- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"قال الله تعالى: قَسَمتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإِذا قال العبد: الحمد لله ربِّ العالمين، قال الله تعالى: حَمِدني عبدي، وإِذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: أثنى عليّ عبدي، وإذا قال: مالك يوم الدين، قال: مجَّدني عبدي (وقال مرّة: فوَّض إِليَّ عبدي) فإِذا قال: إِيَّاك نعبد وإياك نستعين، قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإِذا قال: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمتَ عليهم غيرِ المغضوب عليهم ولا الضَّالِّين، قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل\" (٣).\nوكان يقول: \"ما أنَزل الله ﷿ في التوراة ولا في الإِنجيل مثل أمّ القرآن، وهي السبع المثاني (٤) [والقرآن العظيم الذي أوتيته] \" (٥).\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٧٩٣، ومسلم: ٣٩٧\n(٢) أخرجه أحمد بسند جيد وانظر \"صفة الصلاة\" (ص ١١٤).\n(٣) مسلم: ٣٩٥\n(٤) قال الباجي: \"يريد قوله تعالى: ﴿ولقد آتيناك سبعًا من المثاني والقرآنَ العظيم﴾ [الحجر: ٨٧] وسُمّيت السبع؛ لأنها سبع آيات، والمثاني؛ لأنها تُثنّى في كل ركعة (أي: تعاد)، وإنما قيل لها: (القرآن العظيم) على معنى التخصيص لها بهذا الاسم، وإنْ كان كل شيء من القرآن قرآنًا عظيمًا، كما يقال في الكعبة: \"بيت الله\"، وإن كانت البيوت كلها لله، ولكن على سبيل التخصيص والتعظيم له\".\n(٥) خرجه النسائي والحاكم، وصححه ووافقه الذهبي، وانظر \"صفة الصلاة\" (ص ٩٨).","vol":"2","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-369>هل يُجهر بالبسملة</span>؟\nعن أنس -﵁-: \"أنَّ النّبيّ - ﷺ - وأبا بكر وعمر -﵄- كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين\" (١).\nوقدّ بوّب له البخاري بقوله: (باب ما يقول بعد التكبير) وهو ممّا يدّل على عدم التلفظ بالبسملة.\nوكذلك بوّب النووي له بقوله: \"باب حُجّة من قال: لا يجهر بالبسملة\".\nعن أنس أيضًا قال: \"صليّت مع رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وعمر وعثمان، فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم\" (٢).\nقال النووي في \"شرح مسلم\" (٤/ ١١١): \"ومذهب الشافعي -﵀- وطوائف من السلف والخلف أنَّ البسملة آية من الفاتحة وأنَّه يجهر بها حيث يجهر بالفاتحة\".\nقال شيخ الإِسلام -رحمه الله تعالى- في \"الفتاوى\" (٢٢/ ٢٧٤): \"وأمّا البسملة؛ فلا ريب أنَّه كان في الصحابة من يجهر بها، وفيهم من كان لا يجهر بها، بل يقرؤها سرًّا، أو لا يقرؤها والذين كانوا يجهرون بها أكثرهم كان يجهر بها تارة، ويُخافت بها أخرى، وهذا لأنَّ الذّكر قد تكون السنّة المخافتة به، ويجهر به لمصلحة راجحة مِثْل تعليم المأمومين، فإِنَّه قد ثبت في الصحيح \"أنَّ ابن عباس قد جهر بالفاتحة على الجنازة، ليُعلّمهم أنَّها سُنّة\".\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٧٤٣، ومسلم: ٣٩٩\n(٢) أخرجه مسلم: ٣٩٩","vol":"2","page":24},{"text":"وقال (ص ٢٧٤) أيضًا: \"وثبت في \"الصحيح\" (١) أنَّ عمر بن الخطاب كان يقول: \"الله أكبر، سبحانك اللهمّ وبحمدك، وتبارك اسمك وتعالى جدّك، ولا إِله غيرك\" يجهر بذلك مرّات كثيرة. واتفق العلماء على أنَّ الجهر بذلك ليس بسنّة راتبة؛ لكنْ جهر به للتعليم، ولذلك نقل عن بعض الصحابة أنَّه كان يجهر أحيانًا بالتعوذ، فإِذا كان من الصحابة من جهَر بالاستفتاح والاستعاذة مع إِقرار الصحابة له على ذلك؛ فالجهر بالبسملة أولى أن يكون كذلك، وأن يشرع الجهر بها أحيانًا لمصلحة راجحة.\nلكنْ لا نزاع بين أهل العلم بالحديث: أنَّ النّبيّ - ﷺ - لم يجهر بالاستفتاح. ولا بالاستعاذة، بل قد ثبت في الصحيح أنَّ أبا هريرة قال له: يا رسول الله! أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ماذا تقول؟ قال: \"أقول: اللهم باعِدْ بيني وبين خطاياي، كما باعَدْتَ بين المشرق والمغرب، اللهم نقِّني من خطاياي كما يُنقّى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياى بالثلج والماء والبرَد\".\nوفي \"السنن\" عنه أنَّه كان يستعيذ في الصلاة قبل القراءة، والجهر بالبسملة أقوى من الجهر بالاستعاذة، لأنَّها آية من كتاب الله تعالى، وقد تنازع العلماء في وجوبها، وإِن كانوا قد تنازعوا في وجوب الاستفتاح والاستعاذة، وفي ذلك قولان في مذهب أحمد وغيره، لكن النزاع في ذلك أضعف من النزاع في وجوب البسملة.\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ٣٩٩، وانظر \"شرح النووي\" (٤/ ١١٢) فإِن فيه فوائد حديثية هامّة.","vol":"2","page":25},{"text":"والقائلون بوجوبها من العلماء أفضل وأكثر، لكن لم يثبت عن النّبي - ﷺ - أنَّه كان يجهر بها، وليس في \"الصحاح\" ولا في \"السنن\" حديث صحيح صريح بالجهر، والأحاديث الصريحة بالجهر كلّها ضعيفة؛ بل موضوعة؛ ولهذا لمّا صنّف الدارقطني مصنَّفًا في ذلك، قيل له: هل في ذلك شيء صحيح؟ فقال: أمّا عن النبيّ - ﷺ - فلا، وأمّا عن الصحابة فمنه صحيح، ومنه ضعيف.\nولو كان النّبيّ يجهر بها دائمًا، لكان الصحابة ينقُلون ذلك، ولكان الخلفاء يعلمون ذلك، ولما كان الناس يحتاجون أن يسألوا أنس بن مالك بعد انقضاء عصر الخلفاء، ولما كان الخلفاء الراشدون ثمَّ خلفاء بني أميّة وبني العبّاس كلهم متفقين على ترك الجهر، ولما كان أهل المدينة -وهم أعلم أهل المدائن بسنّته- يُنكرون قراءتها بالكلية سرًّا وجهرًا، والأحاديث الصحيحة تدل على أنّها آية من كتاب الله، وليست من الفاتحة، ولا غيرها\".\nقال ابن القيّم -﵀-: \"وكان يجهر بـ \"بسم الله الرحمن الرحيم\" تارة، ويُخفيها أكثر مما يجهر بها، ولا ريب أنه لم يكن يجهر بها دائمًا في كل يوم وليلة خمس مرات أبدًا، حضَرًا وسفَرًا، ويخفي ذلك على خلفائه الرَّاشدين، وعلى جمهور أصحابه، وأهل بلده في الأعصار الفاضلة، هذا من أمحل المحال حتى يحتاج إِلى التشبُّث فيه بألفاظ مجملة، وأحاديث واهية، فصحيح تلك الأحاديث غير صريح، وصريحُها غير صحيح، وهذا موضع يستدعي مجلّدًا ضخمًا\" (١).\nقال شيخنا -حفظه الله تعالى- في \"تمام المنّة\" (١٦٩): \"والحقّ أنَّه ليس\n_________\n(١) \"زاد المعاد\" (١/ ٢٠٦)، تحقيق وتخريج وتعليق شعيب الأرنؤوط وعبد القادر الأرنؤوط. جاء في التعليق (ص ٢٠٦) على الكتاب المذكور \"الثابت عنه - ﷺ - عدم =","vol":"2","page":26},{"text":"في الجهر بالبسملة حديث صريح صحيح؛ بل صحّ عنه - ﷺ - الإسرار بها من حديث أنس، وقد وَقَفْتُ له على عشرة طرُق ذكَرْتها في تخريج كتابي \"صفة صلاة النّبيّ - ﷺ -\" أكثرها صحيحة الأسانيد، وفي بعض ألفاظها التصريح بأنَّه - ﷺ - لم يكن يجهر بها، وسندها صحيح على شرط مسلم، وهو مذهب جمهور الفقهاء، وأكثر أصحاب الحديث. وهو الحقّ الذي لا ريب فيه\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-370>هل البسملة آية من الفاتحة</span>؟\nقد اختُلف في ذلك، والراجح أنَّ النّبي - ﷺ - قد عدّها آية، كما في\n_________\n= الجهر بها، فقد روى البخاري: (٢/ ١٨٨) في \"صفة الصلاة\": باب ما يقول بعد التكبير عن أنس أنّ النّبيّ - ﷺ - وأبا بكر وعمر كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين، وأخرجه الترمذي (٢٤٦) وعنده: \"القراءة\" بدل \"الصلاة\"، وزاد: \"عثمان\" وأخرجه مسلم (٣٩٩) في الصلاة: باب حُجّة من قال لا يجهر بالبسملة بلفظ: \"صليتُ مع رسول الله وأبي بكر وعمر وعثمان، فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ورواه أحمد (٣/ ٢٦٤) والطحاوي (١/ ١١٩)، والدارقطني (١١٩)، وقالوا فيه: فكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم. ورواه ابن حبان في \"صحيحه\" وزاد: ويجهرون بالحمد لله رب العالمين، وفي لفظ للنسائي (٢/ ١٣٥) وابن حبان: فلم أسمع أحداَ منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وفي لفظ لأبي يعلى الموصلي في \"مسنده\": فكانوا يستفتحون القراءة فيما يجهر به بالحمد لله رب العالمين، وفي لفظ للطبراني في \"معجمه\" وأبي نعيم في \"الحلية\" وابن خزيمة في \"صحيحه\" (٤٩٨) والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ١١٩): وكانوا يُسرون ببسم الله الرحمن الرحيم.\nقال الزيلعي في \"نصب الراية\" (١/ ٣٢٧): ورجال هذه الروايات كلهم ثقات مخرّج لهم في الصحيح جمع\".","vol":"2","page":27},{"text":"الحديث الآتي:\nعن أم سلمة ذكَرت أو كلمة غيرها، قراءة رسول الله - ﷺ -: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الحمد لله رب العالمين* الرحمن الرحيم* مالك يوم الدين﴾ يقطع قراءته آية آية\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-371>من لا يستطيع حِفظ الفاتحة:</span>\nمن لم يستِطع أن يأخذ شيئًا من القرآن، فليقل: \"سبحان الله والحمد لله ولا إِله إلاَّ الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله\"؛ لحديث عبد الله بن أبي أوفى قال: \"جاء رجل إِلى النّبيّ - ﷺ - فقال: إِنِّي لا أستطيع أن آخذ شيئًا من القرآن فعلِّمني ما يجزئني فقال: قُل: سبحان الله والحمد لله ولا إِله إلاَّ الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله\" (٢).\nولحديث رِفاعة بن رافع \"أنَّ النّبيّ - ﷺ - علّم رجلًا الصلاة، فقال: \"إِنْ كان معك قرآن فاقرأ، وإلاّ فاحمده وكبِّره وهلِّله، ثمَّ اركع\" (٣).\nولكن لا بدّ من تعلّم الفاتحة وبذْل الجهد في ذلك، فإِن عَجز عن ذلك فلا يُكلَّف إلاَّ وُسْعه. والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) أخرجه أبو داود وعنه البيهقي والترمذي وغيرهم وهو حديث صحيح خرجه شيخنا في \"الإِرواء\" (٣٤٣).\n(٢) أخرجه أبو داود وغيره وصححه جمْع من العلماء وحسن شيخنا إسناده كما في \"الإِرواء\" (٣٠٣).\n(٣) أخرجه أبو داود وغيره، وانظر \"تمام المنّة\" (١٦٩).","vol":"2","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-372>هل تُقرأ الفاتحة خلف الإِمام</span>؟\nالأصل أنَّ الصلاة لا تصِحّ إلاَّ بقراءة سورة الفاتحة؛ في كل ركعة من ركعات الفرض والنفل، إلاَّ أنّ المأموم تسقط عنه القراءة، ويجب عليه الاستماع والإِنصات في الصلاة الجهرية؛ لقول الله تعالى: ﴿وإِذا قُرئ القرآن فاستمِعوا له وأنصِتوا لعلكم تُرحَمون﴾ (١).\nولقول رسول الله - ﷺ -: \"إِذا كبّر الإمام فكبِّروا وإذا قرأ فانصِتوا\" (٢) وعلى هذا يُحمَل حديث: \"من كان له إِمام فقراءة الإِمام له قراءة\" (٣)، أي: إِنّ قراءة الإِمام له قراءة في الصلاة الجهرية، وأمّا الصلاة السرية فالقراءة فيها على المأموم، وكذا تجب عليه القراءة في الصلاة الجهرية، إِذا تمكَّن من الاستماع للإِمام (٤).\nوجاء في \"صفة الصلاة\" (ص ٩٨): \"وكان قد أجاز للمُؤتمين أن يقرؤوا بها وراء الإِمام في الصلاة الجهرية، حيث كان \"في صلاة الفجر، فقرأ فثقُلت عليه القراءة، فلمّا فَرغَ قال: \"لعلكم تقرؤون خلف إِمامكم\" قلنا: نعم هذًّا (٥) يا رسول الله! قال: (لا تفعلوا؛ إِلاَّ [أن يقرأ أحدكم] بفاتحة الكتاب، فإِنَه لا\n_________\n(١) الأعراف: ٢٠٤\n(٢) أخرجه مسلم: ٤٠٤\n(٣) سيأتي تخريجه -إِن شاء الله-.\n(٤) عن \"فقه السنة\" (١/ ١٥٩) بتصرف يسير.\n(٥) الهذُّ: سرعة القراءة ومداركتها في سرعة واستعجال.","vol":"2","page":29},{"text":"صلاة لمن لم يقرأ بها) \" (١).\nثمَّ نهاهم عن القراءة كلِّها في الجهرية، وذلك حينما \"انصرفَ من صلاةٍ جهر فيها بالقراءة (وفي رواية: أنَّها صلاة الصبح)، فقال: \"هل قرأ معي منكم أحد آنفًا؟! \"، فقال رجل: نعم؛ أنا يا رسول الله! فقال: إِنّي أقول: \"ما لي أُنازَع (٢)؟!. [قال أبو هريرة:] فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله - ﷺفيما جَهَر فيه رسول الله - ﷺ - بالقراءة- حين سَمِعوا ذلك من رسول الله - ﷺ -، [وقرؤوا في أنفسهم سِرًّا فيما لا يَجْهَرُ فيه الإِمام] \" (٣).\nوجعَل الإِنصات لقراءة الإِمام من تمام الائتمام به فقال: \"إِنّما جُعِل الإِمام ليُؤتمَّ به، فإِذا كبَّر فكبِّروا\" (٤)\nوفي رواية: \"وإذا قَرَأ فأنصِتوا\" (٥) \". كما جعل الاستماع له مُغْنيًا عن القراءة وراءه فقال: \"من كان له إِمام فقراءة الإمام له قراءة\" (٦)، هذا في\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٧٥٦ في \"جزئه\"، وأبو داود، وأحمد، وحسًنه الترمذي والدارقطنيّ.\n(٢) مالي أنازَع القرانظ أي: أُجاذَب في قراءته، كأنهم جَهَروا بالقراءة خلفه فشغلوه.\n(٣) أخرجه مالك والحميدي والبخاري في \"جزئه\" وأبو داود وأحمد والمحاملي، وحسّنه الترمذي، وصححه أبو حاتم الرازي وابن حبان وابن القيّم.\n(٤) أخرجه البخاري: ٣٧٨، ومسلم: ٤١١\n(٥) أخرجه مسلم: ٤٠٤\n(٦) أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد وابن ماجه والدارقطني والطحاوي، وفصّل شيخنا فيه، وتتبّع طرقه وحسنه في \"الإِرواء\" (٥٠٠).","vol":"2","page":30},{"text":"الجهرية. انتهى.\nقلت: \"وكأنّ المأموم حين يقرأ الفاتحة في الجهرية يقول: الإمام لا يقرأ لي، ولكنّه يقرأ لنفسه وكأنّه ليس في صلاة جماعة، ويتشوش بقراءة الإِمام فيرفع صوته فيشوّش على من يليه\".\nأو يقول: \"لا يجزئني إلاَّ أن أستمع للإمام وأقرأ\"، فأين هو من قوله تعالى: ﴿وإِذا قُرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون﴾.\nثمَّ ماذا يفعل الإمام حين ينتظر المأمومين أيقرأ الفاتحة سرًّا أم يسكت؟ والصلاة كلها ذكر، وما الدليل على هذا وذاك؟\nأمّا من الناحية العملية، فلم أرَ إِمامًا يترك مجالًا لقراءة المأموم ولكنّه يحيّره ويُربكه فإِذا قرأ المأموم زهاء آيتين بدأ الإمام يقرأ ما تيسّر من كتاب الله تعالى، فلا هو تركه يقرأ الفاتحة حتى يستكملها، ولا هو تركه يُنصت لقراءته.\nأمّا إِذا كنتَ إمامًا فلا تنتظر لقراءة المأمومين.\nوأمّا إِذا كنتَ مأمومًا فأنصِت حين يقرأ إِمامك، واقرأ حين يُنصت، وهذا من أجك متابعة الائتمام به، والكلام في هذا طويل أكتفي بما ذَكرتُ، ولشيخ الإِسلام مبحث طيّب في \"مجموع الفتاوى\" (٢٣/ ٣٠٩ - ٣٣٠) فارجع إليه -إِن شئت-، وانظر كذلك \"تمام المنّة\" (ص ١٨٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-373>٩ - التأمين جهرًا:</span>\nفقد \"كان - ﷺ - إِذا انتهى من قراءة الفاتحة قال: \"آمين\"، يجهر ويمدّ بها","vol":"2","page":31},{"text":"صوته\" (١).\nوعن أبي رافع قال: \"إِنَّ أبا هريرة كان يؤذّن لمروان بن الحكَم، فاشترط أن لا يسبقه بـ (الضالّين) حتى يعلم أنَّه قد دخل الصف، فكان إِذا قال مروان: (ولا الضالّين) قال أبو هريرة: \"آمين\" يمدّ بها صوته، وقال: إِذا وافق تأمين أهل الأرض تأمين أهل السماء؛ غُفر لهم\" (٢).\nوقال عطاء: \"أمّن ابن الزبير ومن وراءه حتى إِنَّ للمسجد للجّة\" (٣).\nويجب تأمين المأموم إِذا أمَّن الإِمام لقوله - ﷺ -: \"إِذا أمَّن الإِمام فأمّنوا\" (٤). وبه يقول الشوكاني كما في \"نيل الأوطار\" (٢/ ١٨٧). وبه يقول ابن حزم في \"المحلّى\" (٢/ ٢٦٢)، وانظر \"تمام المنة\" (ص ١٧٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-374>موافقة الإِمام فيه:</span>\nفقد كان - ﷺ - يأمر المقتدين بالتأمين بُعيد تأمين الإِمام فيقول: \"إذا قال الإِمام: ﴿غيرِ المغضوب عليهم ولا الضالِّينَ﴾ فقولوا: آمين، [فإِنَّ الملائكة\n_________\n(١) أخرجه البخاري في \"جزء القراءة\"، وأبو داود بسند صحيح كذا في \"صفة الصلاة\" (ص ١٠١).\n(٢) أخرجه البيهقي وإسناده صحيح. عن \"الضعيفة\" تحت الحديث (٩٥٣).\n(٣) رواه البخاري بصيغة الجزم (كتاب الأذان) (باب جهر الإمام بالتأمين)، وقال الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ٢٦٢): \"وصله عبد الرزَاق عن ابن جريج عن عطاء\".\n(٤) أخرجه البخاري: ٧٨٥، ومسلم: ٤١٠","vol":"2","page":32},{"text":"تقول: آمين، وإنَّ الإِمام يقول: آمين] (وفي لفظ: إِذا أمَّن الإِمام فأمِّنوا)، فمن وافق تأمينُه تأمين الملائكة (وفي لفظ آخر: إِذا قال أحدكم في الصلاة: آمين، والملائكة في السماء: آمين، فوافق أحدُهما الآخر)؛ غُفر له ما تقدّم من ذنبه\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-375>معنى آمين:</span>\nآمين دعاء معناه: اللهمّ استجب، وهي من أسماء الأفعال، وهي مصدر أمَّن -بالتشديد- أي: قال: آمين وهي بالمدّ والتخفيف في جميع الروايات وعن جميع القُرّاء (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-376>وجوب القراءة في السريّة:</span>\nقال شيخنا في \"صفة الصلاة\" (ص ١٠٠): \"وأمّا في السريّة؛ فقد أقرَّهم على القراءة فيها، فقال جابر: \"كنا نقرأ في الظهر والعصر خلف الإمام في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأُخريين بفاتحة الكتاب\" (٣).\nوإِنّما أنكَر التشويش عليه بها، وذلك حين \"صلّى الظهر بأصحابه فقال: \"أيّكم قَرَأ ﴿سبِّح اسم ربِّك الأعلى﴾؟ \"، فقال رجل: أنا، [ولم أُرِد بها إلاَّ\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٧٨٥، ومسلم: ٤١٠، والنسائي والدارمي وانظر \"صفة الصلاة\"، (١٠١).\n(٢) وانظر \"الفتح\" (٢/ ٢٦٢) للمزيد من الفائدة.\n(٣) أخرجه ابن ماجه بسند صحيح، وهو مخرج في \"الإِرواء\" (٥٠٦).","vol":"2","page":33},{"text":"الخير]. فقال: (قد عرفْتُ أنّ رجلًا خاَلجَنيها) \" (١). وفى حديث آخر: \"كانوا يقرؤون خلف النّبيّ - ﷺ -[فيجهرون به]، فقال: (خلَطتُم عليَّ القرآن) \" (٢).\nوقال: \"إِنَّ المصلي يناجي ربّه، فلينظر بما يناجيه به، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-377>١٠ - قراءته - ﷺ - بعد الفاتحة </span>(٤)\nكان - ﷺ - يقرأ بعد الفاتحة سورة غيرها، وكان يطيلها أحيانًا، ويقصرها أحيانًا لعارض سفَر، أو سعال، أو مرض، أو بكاء صبيّ؛ كما قال أنس بن مالك -﵁-: \"جوَّز (٥) - ﷺ - ذات يوم في الفجر\" (وفي حديث آخر: صلّى الصبح فقرأ بأقصر سورتين في القرآن)، فقيل: يا رسول الله! لِم جوَّزت؟ قال: \"سمعْتُ بكاء صبي، فظننْتُ أنَّ أمّه معنا تصلّي، فأردت أن أُفرِغ له أمّه\" (٦).\n_________\n(١) أخرجه مسلم وأبو عوانة والسَّراج. و(الخلج): الجذب والنَّزع.\n(٢) أخرجه البخاري في \"جزئه\" وأحمد والسراج بسند حسن.\n(٣) أخرجه مالك والبخاري في \"أفعال العباد\" بسند صحيح.\n(٤) عن \"صفة الصلاة\" (ص ١٠٢) بحذف وتصّرف.\n(٥) أي: خفّف.\n(٦) أخرجه أحمد بسند صحيح.","vol":"2","page":34},{"text":"وكان يقول: \"إِني لأدخلُ في الصلاة وأنا أريد إِطالتها، فأسمع بكاء الصبي، فاتجوَّز في صلاتي ممّا أعلم من شدة وجْد أمّه (١) من بكائه\" (٢).\nويقول: \"أعطوا كلّ سورة حظَّها من الركوع والسجود\" (٣).\nوكان تارة يقسمها في ركعتين (٤).\nوكان أحيانًا يجمع في الركعة الواحدة بين السورتين أو أكثر.\nقال شيخنا في \"تلخيص صفة الصلاة\" (ص ١٨): \"ويسنّ أن يقرأ بعد الفاتحة سورة أخرى؛ حتى في صلاة الجنازة، أو بعض الآيات في الركعتين الأوليين\".\nوقال (ص ١٩): \"ويسنّ الزيادة عليها في الركعتين الأخيرتين أيضًا أحيانًا\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-378>ما كان - ﷺ - يقرؤُه في الصلوات </span>(٥)\n١ - صلاة الفجر:\nوأمّا ما كان يقرؤه - ﷺ - في الفجر:\n_________\n(١) وجْد أمّه: أي: حُزنها.\n(٢) أخرجه البخاري: ٧٠٩، ومسلم: ٤٧٠\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد، وعبد الغني المقدسي في \"السنن\" بسند صحيح.\n(٤) أخرجه أحمد، وغيره.\n(٥) عن \"صفة الصلاة\" (ص ١٠٩) بتصرّف، ورأيت أن أكتب ما يتعلّق بالفرائض للاختصار، ولمعرفة ذلك في السنن ينظر الكتاب المذكور.","vol":"2","page":35},{"text":"كان - ﷺ - يقرأ فيها بطوال (١) المفصّل (٢) (٣)، فـ \"كان -أحيانًا- يقرأ: ﴿الواقعة﴾ ونحوها من السور في الركعتين\" (٤).\nوقرأ من سورة ﴿الطور﴾ وذلك في حَجّة الوداع (٥).\nو\"كان -أحيانًا- يقرأ: ﴿ق والقرآن المجيد﴾ ونحوها في [الركعة الأولى] \" (٦).\nو\"كان -أحيانًا- يقرأ بقصار المفصَّل كـ ﴿إِذا الشمس كُوّرت﴾ (٧).\nو\"قرأ مرَّة: ﴿إِذا زُلزلت﴾ في الركعتين كلتيهما؛ حتى قال الراوي: فلا\n_________\n(١) هي السبع الأخير من القرآن أوله ﴿ق﴾ على الأصح.\n(٢) قال الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ٢٥٩): [هو] من ﴿ق﴾ إِلى آخر القرآن على الصحيح، وسمّي مُفصّلًا لكثرة الفصل بين سُورِه بالبسملة على الصحيح، ولقول هذا الرجل قرأت المفصَّل سبب بيّنه مسلم فى أول حديثه من رواية وكيع عن الأعمش عن أبي وائل قال: جاء رجل يقال له نهيك بن سنان إِلى عبد الله فقال: يا أبا عبد الرحمن كيف تقرأ هذا الحرف (مِن ماء غير آسن) أو غير ياسن؟ فقال عبد الله: كلّ القرآن أحصيت غير هذا قال: إِنيّ لأقرأ المفصَّل فى ركعة.\n(٣) أخرجه النسائي وأحمد بسند صحيح.\n(٤) أخرجه أحمد وابن خزيمة والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي.\n(٥) أخرجه البخاري: ١٦١٩\n(٦) أخرجه مسلم: ٤٥٧، والترمذي.\n(٧) في \"صحيح مسلم\" (٤٥٦) و\"صحيح سنن أبي داود\" (٧٣١) من حديث عمرو بن حُرَيث أنّه سمع النّبي - ﷺ - يقرأ في الفجر: ﴿والليل إِذا عَسْعَس﴾. [التكوير: ١٧].","vol":"2","page":36},{"text":"أدري؛ أنسي رسول الله أم قرأ ذلك عمدًا؟ \" (١).\nو\"قرأ -مرّة- في السفر ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾ و﴿قل أعوذ برب الناس﴾ \" (٢).\nوقال لعقبة بن عامر -﵁-: \"اقرأ في صلاتك المعوذتين، [فما تعوّذ متعوِّذ بمثلِهما] \" (٣).\nوكان أحيانًا يقرأ بأكثر من ذلك؛ فـ \"كان يقرأ ستّين آية فأكثر\" (٤). قال بعض رواته: لا أدري في إِحدى الركعتين أو في كلتيهما؟\nو\"كان يقرأ بسورة ﴿الروم﴾ (٥) وأحيانًا- بسورة ﴿يس﴾ \" (٦).\nو\"كان -أحيانًا- يؤمّهم فيها بـ ﴿الصافّات﴾ \" (٧).\nو\"كان يصلّيها يوم الجمعة بـ ﴿ألم تنزيل﴾ السجدة [في الركعة الأولى، وفي الثانية] بـ ﴿هل أتى على الإِنسان﴾ \" (٨).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود والبيهقي بسند صحيح، والظاهر أنّه ﵇ فعَل ذلك عمدًا للتشريع.\n(٢) أخرجه أبو داود وابن خزيمة وغيرهما وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.\n(٣) أخرجه أبو داود وأحمد بسند صحيح.\n(٤) أخرجه البخاري: ٥٤١، ومسلم: ٤٦١\n(٥) أخرجه النسائي وأحمد والبزار بسند جيد.\n(٦) أخرجه أحمد بسند صحيح.\n(٧) أخرجه أحمد وأبو يعلى في \"مسنديهما\" والمقدسي في \"المختارة\".\n(٨) أخرجه البخاري: ٨٩١، ومسلم: ٨٨٠","vol":"2","page":37},{"text":"و\"كان يطوّل في الركعة الأولى ويقصر في الثانية\" (١).\n٢ - صلاة الظهر:\nكان رسول الله - ﷺ - يقرأ في كل من الركعتين الأوليين قدْر ثلاثين آية؛ قدْر قراءة ﴿ألم تنزيل﴾ السجدة وفي الأُخرين قدْر النصف من ذلك.\nفعن أبي سعيد الخدري قال: \"كنّا نحزر قيام رسول الله - ﷺ - في الظهر والعصر، فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قدْر قراءة ألم تنزيل - السجدة، وحزرنا قيامه في الأخريين قدْر النصف من ذلك (٢) وحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من العصر على قدْر قيامه في الأخريين من الظهر، وفي الأُخريين من العصر على النصف من ذلك\" (٣).\nوأحيانًا \"كان يقرأ بـ ﴿السماء والطارق﴾، و﴿السماء ذات البروج﴾، و﴿الليل إِذا يغشى﴾، ونحوها من السور\" (٤).\nوربما \"قرأ ﴿إذا السماء انشقت﴾، ونحوها\" (٥).\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٧٥٩، ومسلم: ٤٥١\n(٢) قال شيخنا -حفظه الله تعالى- وفي الحديث دليل على أنَّ الزيادة على ﴿الفاتحة﴾ في الركعتين الأخيرتين سنة، وعليه جمْع من الصحابة؛ منهم أبو بكر الصديق -﵁- وهو قول الإِمام الشافعي سواءٌ كان ذلك في الظهر أو غيرها، وأخذ به علمائنا المتأخرين أبو الحسنات اللكنوي في \"التعليق الممجد على الموطأ محمد\" (ص ١٠٢).\n(٣) أخرجه مسلم: ٤٥٢\n(٤) أخرجه أبو داود والترمذي وصححه وكذا ابن خزيمة.\n(٥) أخرجه ابن خزيمة في \"صحيحه\".","vol":"2","page":38},{"text":"وربما اقتصر فيهما على الفاتحة، انظر \"صحيح البخاري\" (٧٥٩) و\"صحيح مسلم\" (٤٥١).\n٣ - صلاة العصر:\nوكان يقرأ في كلّ منهما قدْر خمسَ عشرةَ آية؛ قدْر نصف ما يقرأ في كلٍّ من الركعتين الأوليين في الظهر، وكان يجعل الركعتين الأخيرتين أقصر من الأوليين قدْر نصفهما كما تقدّم في حديث أبي سعيد -﵁-.\n٤ - صلاة المغرب:\nو\"كان - ﷺ - يقرأ فيها -أحيانًا- بقصار المفصَّل\" (١).\nفعن مروان بن الحكم قال: \"قال لي زيد بن ثابت: مالك تقرأ في المغرب بقصار، وقد سمعت النّبيّ - ﷺ - يقرأ بطولى الطوليين\" (٢).\nو\"قرأ في سفر بـ ﴿التين والزيتون﴾ في الركعة الثانية\" (٣).\nوكان أحيانًا يقرأ بطوال المفصّل وأوساطِه، فـ \"كان تارةً يقرأ بـ ﴿الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله﴾ \" (٤).\nوتارة بـ ﴿الطور﴾ \" (٥).\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٧٦٤\n(٢) أخرجه البخاري: ٧٦٤، وأبو داود، والنسائي وأحمد.\n(٣) أخرجه الطيالسي وأحمد بسند صحيح.\n(٤) أخرجه ابن خزيمة والطبراني والمقدسي بسند صحيح.\n(٥) أخرجه البخاري: ٧٦٥، ومسلم: ٤٦٣","vol":"2","page":39},{"text":"وتارة بـ ﴿المرسلات﴾ قرأ بها في آخر صلاة صلاها - ﷺ - (١).\nو\"كان أحيانًا يقرأ بطولى الطوليين (٢): [﴿الأعراف﴾] [في الركعتين] \" (٣).\nوتارة بـ ﴿الأنفال﴾ في الركعتين (٤).\n٥ - صلاة العشاء:\nكان - ﷺ - يقرأ في الركعتين الأوليين من وسط المفصّل (٥)، فـ \"كان تارة يقرأ بـ ﴿الشمس وضحاها﴾ وأشباهِها من السور\" (٦).\nو\"تارة بـ ﴿إِذا السّماءُ انشقت﴾، وكان يسجد بها\" (٧).\nو\"قرأ -مرة- في سفر بـ ﴿التين والزيتون﴾ [في الركعة الأولى] \" (٨).\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٧٦٣، ومسلم: ٤٦٢\n(٢) أي: بأطول السورتين الطويلتين، و\"طولى\": تأنيث \"أطول\"، و\"الطوليين\": تأنيث طولى، وهما ﴿الأعراف﴾ اتفاقًا، و﴿الأنعام﴾ على الأرجح؛ كما في \"فتح الباري\".\n(٣) أخرجه البخاري: ٧٦٤، وأبو داود وابن خزيمة وأحمد والسرَّاج والمخلص.\n(٤) أخرجه الطبراني في \"الكبير\" بسند صحيح.\n(٥) أخرجه النسائي وأحمد بسند صحيح.\n(٦) أخرجه أحمد والترمذي وحسنه.\n(٧) أخرجه البخاري: ٧٦٦، ومسلم: ٥٧٨\n(٨) أخرجه البخاري: ٧٦٧، ومسلم: ٤٦٤، والنسائي.","vol":"2","page":40},{"text":"جمْعه - ﷺ - بين النظائر (١) وغيرها في الركعة (٢)\nكان رسول الله - ﷺ - يقرن بين النظائر (٣) من المُفَصَّل، فكان يقرأ سورة: ﴿الرحمن﴾ و﴿النجم﴾ في ركعة، و﴿اقتربت﴾ و﴿الحاقّة﴾ في ركعة، و﴿الطور﴾ و﴿الذريات﴾ في ركعة، و﴿إِذا وقعت﴾ و﴿ن﴾ في ركعة، و﴿سأل سائل﴾ و﴿النازعات﴾ في ركعة، و﴿ويل للمطفّفين﴾ و﴿عبس﴾ في ركعة، و﴿المدثّر﴾ و﴿المزمّل﴾ في ركعة، و﴿هل أتى﴾ و﴿لا أُقسِم بيوم القيامة﴾ في ركعة، و﴿عمّ يتساءلون﴾ و﴿المرسلات﴾ في ركعة و﴿الدخان﴾ و﴿إِذا الشمس كُوِّرت﴾ في ركعة\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-380>صفة قراءة النّبيّ - ﷺ </span>-\nكان - ﷺ - يقرأ القرآن آية آية كما تدّل عليه النصوص.\nجاء في \"صفة الصلاة\" (ص ٩٦): \"ثمَّ يقرأ الفاتحة ويُقطّعها آية آية: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾، [ثمَّ يقف، ثمَّ يقول:] ﴿الحمد لله ربِّ العالمين﴾، [ثمَّ يقف، ثمَّ يقول:] ﴿الرحمن الرحيم﴾، [ثمَّ يقف: ثمَّ\n_________\n(١) وقد دلّتنا هذه القراءة على أن النّبيّ - ﷺ - لم يراع في الجمع بين كثير من هذه النظائر ترتيب المصحف فدّل على جواز ذلك وإن كان الأفضل مراعاة الترتيب.\n(٢) عن \"صفة الصلاة\" (ص ١٠٤) بتصرّف.\n(٣) أي السور المتماثلة في المعاني؛ كالموعظة أو الحِكَم أو القَصَص.\n(٤) انظر \"صحيح البخاري\" (٤٩٩٦)، و\"صحيح مسلم\" (٧٢٢).","vol":"2","page":41},{"text":"يقول:] ﴿مالك يوم الدين﴾، وهكذا إِلى آخر السورة، وكذلك كانت قراءته كلُّها، يقف على رؤوس الآي ولا يَصِلُها بما بعدها\" (١).\nوكان - ﷺ - يمدّ القراءة.\nفعن قتادة قال: \"سألتُ أنسَ بن مالك عن قراءة النّبيّ - ﷺ - فقال: كان يمدُّ مدًّا\" (٢).\nقال الحافظ في \"الفتح\" (٩/ ٩١): \"المدّ عند القراءة على ضربين: أصلي وهو إِشباع الحرف الذي بعده ألف أو واو أو ياء، وغير أصلي وهو ما إِذا أعقب الحرف الذي هذه صفته همزة، وهو متصلّ ومنفصل، فالمتصل: ما كان من نفس الكلمة، والمنفصل: ما كان بكلمة أخرى، فالأوّل: يؤتى فيه بالألف والواو والياء، ممكنات من غير زيادة، والثاني: يزداد في تمكين الألف والواو والياء زيادة المدّ الذي يمكن النطق بها إلاَّ به من غير إِسراف، والمذهب الأعدل أنَّه يمد كل حرف منها ضعفي ما كان يمدّه أولا، وقد يُزاد على ذلك قليلًا، وما فرط فهو غير محمود\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-381>ترتيل القراءة وتحسين الصوت بها </span>(٣)\nكان رسول الله - ﷺكما أمَره الله تعالى- يُرتّل القرآن ترتيلًا، لا هذًّا (٤)\n_________\n(١) أخرجه أبو داود وغيره وصححه الحاكم ووافقه الذهبي وهو مخرج في \"الإِرواء\" (٣٤٣).\n(٢) أخرجه البخاري: ٥٠٤٦\n(٣) عن \"صفة الصلاة\" (١٢٤) بتصرّف.\n(٤) الهذّ: سرعة القطع والقراءة. \"المحيط\". وقال الحافظ (٢/ ٢٥٩): =","vol":"2","page":42},{"text":"ولا عجلة؛ بل قراءة \"مفسرة (١) حرفًا (٢) حرفًا\" (٣). حتى \"كان يرتل السورة حتى تكون أطول من أطولَ منها\" (٤).\nوكان يقول: \"يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتقِ ورتّل كما كنت ترتّل في الدنيا، فإِنّ منزلك عند آخر آية تقرؤها\" (٥).\nو\"كان يمدّ قراءته (عند حروف المد)، فيمدّ ﴿بسم الله﴾، ويمدّ ﴿الرحمن﴾، ويمدّ ﴿الرحيم﴾ \" (٦)، و﴿نضيد﴾ (٧) وأمثالها.\n_________\n= \" أي سردًا وإفراطًا في السرعة\"، والسّرد\": المتابعة والاستعجال. \"النهاية\" ملتقطًا.\n(١) مُفسَّرة: من الفسر، وهو الإبانة والبيان وكشف الغطاء، وجاء في \"تحفة الأحوذي\" (٨/ ٢٤١): حرفًا حرفًا: أي: كان يقرأ بحيث يمكن عدّ حروف ما يقرأ والمراد: حسن الترتيل والتلاوة على نعت التجويد.\nقال الطيبي: يحتمل وجهين الأول: أن تقول: كانت قراءته كيت وكيت، والثاني: أن تُقرَأ مرتلة كقراءة النبيّ - ﷺ -. قال ابن عباس: لأن أقرأ سورة أرتّلها أحب إليّ من أن أقرأ القرآن كله بغير ترتيل.\n(٢) قال في \"النهاية\": الحرف في الأصل: الطرف والجانب، وبه سمّي الحرف من حروف الهجاء.\n(٣) أخرجه ابن المبارك في \"الزهد\" وأبو داود وأحمد بسند صحيح.\n(٤) أخرجه مسلم: ٧٣٣\n(٥) أخرجه أبو داود والترمذي وصححه.\n(٦) انظر \"صحيح البخاري\" (٥٠٤٦).\n(٧) أخرجه البخاري في \"أفعال العباد\" بسند صحيح.","vol":"2","page":43},{"text":"وكان يقف عى رؤوس الآي (١) و\"كان -أحيانًا- يُرَجِّع (٢) صوته؛ كما فعل يوم فتح مكة وهو على ناقته يقرأ سورة ﴿الفتح﴾، وقد حكى عبد الله ابن المُغَفَّل ترجيعه هكذا (آآ آ) (٣)\nوكان يأمر بتحسين الصوت بالقرآن فيقول: \"زيِّنوا القرآن بأصواتكم؛ [فِإن الصوت الحسَن يزيد القرآن حُسنًا] \" (٤).\nويقول: \"إِنّ من أحسن الناس صوتًا بالقرآن؛ الذي إِذا سمعتموه يقرأ حسبتموه يخشى الله\" (٥).\n_________\n(١) وتقدّم في صفة قراءته - ﷺ -.\n(٢) جاء في \"النهاية\": \"الترجيع: ترديد القراءة، ومنه ترجيع الأذان، وقيل: هو تقارُب ضروب الحركات في الصوت ... \".\nقال الحافظ: \"هو تقارُب ضروب الحركات في القراءة، وأصْله: الترديد، وترجيع الصوت: ترديده بالحلق\".\nوقال المناوي: \"وذلك ينشأ غالبًا عن أريحية وانبساط، والمصطفى - ﷺ - حصل له من ذلك حظ وافر يوم الفتح\".\nقال ابن الأثير في \"النهاية\" -بحذف-: لأنه كان راكبًا فجعَلت الناقة تحرّكه، فحدَث الترجيع في صوته\". وقال بعض العلماء الترجيع: تحسين التلاوة، لا ترجيع الغناء.\n(٣) قال الحافظ في شرح قوله (آآ آ): \"بهمزة مفتوحة بعدها ألف ساكنة ثمَّ همزة أخرى\" [آءآءآء] وكذا في \"النهاية\"، ونقل الشيخ علي القاري مثله عن غير الحافظ، ثمَّ قال: \"والأظهر أنها ثلاث ألفات ممدودات\".\n(٤) أخرجه البخاري: تعليقًا \"كتاب التوحيد\" (باب-٥٢) وأبو داود والدارمي والحاكم وتمام الرازي بسند ين صحيحين. وانظر \"الصحيحة\" (٧٧١).\n(٥) حديث صحيح، رواه ابن المبارك في \"الزهد\"، والدارمي وابن نصر والطبراني =","vol":"2","page":44},{"text":"وكان يأمر بالتغني بالقرآن فيقول:\n\"تعلّموا كتاب الله، وتعاهدوه، واقتنوه، وتغنَّوا به (١)، فوالذي نفسي بيده؛ لهو أشد تفلّتًا (٢) من النوق والحوامل المخاض (٣) في العقل (٤) \".\nويقول: \"ليس منّا من لم يتغنَّ بالقرآن\" (٥).\nوقال لأبي موسى الأشعري -﵁-: لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة، لقد أوتيتَ مزمارًا (٦) من مزاميرآل داود\"، [فقال أبو موسى: لو علمتُ مكانك؛ لحبّرت لك (٧) تحبيرًا (٨).\n_________\n= وأبو نعيم في \"أخبار أصبهان\"، والضياء في \"المختارة\". وانظر \"الصحيحة\" (٧٧١).\n(١) جاء في \"الفيض\": \"اي: اقرأوه بتحزين وترقيق وليس المراد قراءته بالألحان والنغمات\".\n(٢) أي: ذَهابًا.\n(٣) النوق الحوامل.\n(٤) جمْع عِقال، وعقلت البعير: حبسْتُه وخصَّ ضرْب المَثل بها؛ لأنها إِذا انفلتت لا تكاد تُلحق. \"فيض القدير\".\n(٥) أخرجه أبو داود والحاكم وصححه ووافقه الذهبي.\n(٦) قال العلماء: \"المراد بالمزمار هنا: الصوت الحسَن، وأصل الزمر: الغناء، وآل داود هو داود نفسه، وآل فلان قد يطلق على نفسه، وكان داود ﵇ حسَن الصوت جدًا\". ذكره النووى في \"شرح مسلم\".\n(٧) يريد: \"تحسين الصوت وتحزينه\". \"النهاية\".\n(٨) أخرجه البخاري: ٥٠٤٨، ومسلم: ٧٩٣","vol":"2","page":45},{"text":"ماذا يقول إِذا قرأ: ﴿أليس ذلك بقادرٍ على أن يحيي الموتى﴾، و﴿سبح اسم ربّك الأعلى﴾:\nيستحبّ له أن يقول في الأولى: سبحانك فبلى، وفي الثانية: \"سبّحان ربّي الأعلى\"، وذلك لما رواه ابن عباس: \"أنّ النّبيّ - ﷺ - كان إِذا قرأ: ﴿سبّح اسم ربّك الأعلى﴾ قال: \"سبحان ربي الأعلى\" (١).\nولما رواه موسى ابن أبي عائشة قال: \"كان رجل يُصلّي فوق بيته وكان إِذا قرأ: ﴿أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى﴾ (٢) قال: سبحانك، فبلى، فسألوه عن ذلك فقال: سمعته من رسول الله - ﷺ - \" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-382>مواضع الجهر والإِسرار بالقراءة </span>(٤):\nوالسُّنّة أن يجهر المصلّي في ركعتي الصبح والجمعة، والأوليين من المغرب والعشاء (٥)، والعيدين والكسوف والاستسقاء، ويُسِرّ في الظهر والعصر، وثالثة المغرب الأخريين من العشاء.\nوأمّا بقية النوافل، فالنهارية لا جهر فيها، والليلية يخير فيها بين الجهر والإِسرار، والأفضل التوسط، لحديث أبي قتادة -﵁-: \"أنَّ النّبيّ - ﷺ - خرج ليلة فإِذا هو بأبي بكر -﵁- يصلّي يخفض من صوته،\n_________\n(١) أخرجه أحمد وأبو داود \"صحيح أبي داود\" (٧٨٥) وانظر \"المشكاة\" (٨٥٩).\n(٢) القيامة: ٤٠\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٧٨٦)، وانظر \"صفة الصلاة\" (١٠٥).\n(٤) \"فقه السنّة\" (١/ ١٥٨) بتصرّف.\n(٥) انظر \"الإِرواء\" (٣٥٤).","vol":"2","page":46},{"text":"قال: ومرّ بعمر بن الخطاب وهو يصلّي رافعًا صوته، قال: فلما اجتمعا عند النّبيّ - ﷺ - قال النّبيّ - ﷺ -: يا أبا بكر مررت بك وأنت تصلّي تخفض صوتك، قال: قد أسمعت من ناجيت يا رسول الله. وقال لعمر: مررت بك وأنت تصلّي رافعًا صوتك، قال: فقال يا رسول الله! أوقظ الوسنان (١)، وأطرد الشيطان.\nزاد الحسن في حديثه: فقال النّبيّ - ﷺ -: \"يا أبا بكر ارفع من صوتك شيئًا، وقال لعمر: اخفض من صوتك شيئًا\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-383>١١ - تكبيرات الانتقال:</span>\nعن أبي هريرة قال: كان رسول الله - ﷺ - إِذا قام إِلى الصلاة يُكبِّر حين يقوم، ثمَّ يُكبِّر حين يركع، ثمَّ يقول: سمع الله لمن حَمِده، حين يرفع صُلبه من الرَّكعة، ثمَّ يقول وهو قائم: ربّنا لك الحمد، ثمَّ يُكبّر حين يهوي، ثمَّ يكبّر حين يرفع رأسه، ثمَّ يُكبّر حين يسجد، ثمَّ يكبّر حين يرفع رأسه، ثمَّ يفعل ذلك في الصلاة كلِّها حتى يَقضِيَها، ويكبّر حين يقوم من الثّنتينِ بعد الجلوس\" (٣). وقد قال - ﷺ -: \"صلّوا كما رأيتموني أصلّي\" (٤).\nوقد أمر بذلك المسيء صلاته فقال: \"إِنَّه لا تتمُّ صلاةٌ لأحد من الناس حتى يتوضأ فيضع الوضوء -يعني مواضعه- ثمَّ يكبّر ويحمد الله جلّ وعزّ\n_________\n(١) أي: النعسان.\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١١٨٠)، والحاكم وصححّه ووافقه الذهبي، وانظر \"صفة الصلاة\" (ص ١٠٩).\n(٣) أخرجه البخاري: ٧٨٩، ومسلم: ٣٩٢\n(٤) أخرجه البخاري: ٦٣١، وتقدّم.","vol":"2","page":47},{"text":"ويُثني عليه، ويقرأ بما تيسّر من القرآن ثمَّ يقول: الله أكبر، ثمَّ يركع حتى تطمئنّ مفاصلُه، ثمَّ يقول: سمع الله لمن حمده، حتى يستويَ قائمًا، ثمَّ يقول: الله أكبر، ثمَّ يسجد حتى تطمئن مَفاصِلُه، ثمَّ يقول الله أكبر، ويرفع رأسه حتى يستوي قاعدًا، ثمَّ يقول: الله أكبر، ثمَّ يسجد حتى تطمئنّ مفاصله، ثمَّ يرفع رأسه فيكبرّ، فإِذا فعل ذلك فقد تمّت صلاته\" (١).\nوبوجوب تكبيرات الانتقال يقول شيخنا -حفظه الله تعالى- ونقل ما قرّره الإِمام الشوكاني في \"نيل الأوطار\" (٢/ ٢٢٢ - ٢٢٤) ثمَّ في \"السيل الجرار\" أنّ الأصل في جميع الأمور الواردة في حديث المسيء صلاته الوجوب.\nوقال: وقد ذهب إِلى الوجوب الإِمام أحمد كما حكاه النووي في \"المجموع\" (٣/ ٣٩٧) عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-384>١٢ - الركوع وهو ركن والطمأنينة فيه -وهما ركنان</span>-:\nلقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربّكم وافعلوا الخير لعلّكم تفلحون﴾ (٢).\nقال الألوسي في \"روح المعاني\": \"أي: صلّوا، وعبَّر عن الصلاة بهما؛ لأنّهما أعظم أركانها وأفضلها\".\nولقوله - ﷺ - في حديث \"المسيء صلاته\": \"إِنّها لا تتمُّ صلاة أحدكم حتى يُسبغ الوضوء كما أمَره الله ... ثمَّ يكبر الله ويحمده ويمجّده، ويقرأ ما\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبو داود\" (٧٦٣) وغيره، وتقدّم بعضه.\n(٢) الحج: ٧٧","vol":"2","page":48},{"text":"تيسر من القرآن مما علّمه الله وأَذِن له فيه، ثمَّ يكبر ويركع، [ويضع يديه على ركبتيه] حتى تطمئن مفاصله وتسترخي .. \" (١).\nوذكر بعض الفقهاء أنَّ أدنى الطمأنينة قدر تسبيحة. وأمَر به ﵊ المسيء صلاته فقال: \"ثمَّ اركع حتى تطمئنّ راكعًا\" (٢).\nوكان يقول: \"أتمّوا الركوع والسجود؛ فوالذي نفسي بيده، إِنّي لأراكم من بعد (٣) ظهري إِذا ما ركعتم، وإِذا ما سجدتم\" (٤).\nو\"رأى رجلًا لا يتِمّ ركوعه، وينقُر في سجوده وهو يصلّي، فقال: [لو مات هذا على حاله هذه؛ مات على غير مِلَّة محمّد؛ [ينقر صلاته كما ينقُر الغرابُ الدم]، مَثَل الذي لا يُتمّ ركوعه، وينقُر في سجوده، مَثَل الجائع الذي يأكل التمرة والتمرتين لا يُغنيان عنه شيئًا] \" (٥).\nوكان يقول: \"أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته\". قالوا: يا رسول الله! وكيف يسرق من صلاته؟ قال: لا يُتمّ ركوعها وسجودها\" (٦).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود والنسائي وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وانظر \"صفة الصلاة\" (ص ١٢٩).\n(٢) أخرجه البخاري: ٦٢٥١، ومسلم: ٣٩٧\n(٣) أي: وراء؛ كما في حديث آخر.\n(٤) أخرجه البخاري: ٧٤٢، ومسلم: ٤٢٥\n(٥) أخرجه أبو يعلى في \"مسنده\"، والبيهقي والطبراني وغيرهم بسند حسن، وصححه ابن خزيمة، وانظر \"صفة الصلاة\" (ص ١٣١).\n(٦) أخرجه ابن أبي شيبة والطبراني والحاكم، وصححه ووافقه الذهبي، وانظر \"صفة الصلاة\" (ص ١٣١).","vol":"2","page":49},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-385>صفة الركوع:</span>\nيتحقق الركوع بالانحناء؛ بحيث تصل اليدان إلى الركبتين، ولا بدّ من الطمأنينة فيه (١) لحديث المسيء صلاته المتقدّم: \"ثمَّ اركع حتى تطمئن راكعًا\".\nقال شيخنا في \"تمام المنّة\" (ص ١٨٩): \" ... يجب أن يُعلم أنَّ الاطمئنان الواجب لا يحصل إلاَّ بتحقيق ما يأتي:\n١ - وضْع اليدين على الركبتين.\n٢ - تفريج أصابع الكفّين.\n٣ - مدّ الظهر.\n٤ - التمكين للركوع والمكث فيه؛ حتى يأخذ كلّ عضو مأخذه.\nوهذا كلّه ثابت في روايات عديدة لحديث المسيء صلاته ... \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-386>أذكار الركوع </span>(٢)\nكان رسول الله - ﷺ - يقول في هذا الركن أنواعًا من الأذكار والأدعية، تارة بهذا، وتارة بهذا:\n١ - \"سبحان ربي العظيم (ثلاث مرات) \" (٣).\n_________\n(١) \"فقه السنة\" (ص ١٣٧).\n(٢) عن \"صفة الصلاة\" (ص ١٣٢) بتصرّف.\n(٣) أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وغيرهم، وفيه ردّ على من أنكر ورود =","vol":"2","page":50},{"text":"وكان -أحيانًا- يكررها أكثر من ذلك (١).\nوبالَغ مرة في تكرارها في صلاة الليل؛ حتى كان ركوعه قريبًا من قيامه، وكان يقرأ فيه ثلاثَ سور من الطوال: ﴿البقرةَ﴾ و﴿النساءَ﴾ و﴿آل عمران﴾، يتخللها دعاء واستغفار.\n٢ - \"سبحان ربّي العظيم وبحمده (ثلاثًا) \" (٢).\n٣ - \"سُبّوح قدّوس (٣) رب الملائكة والروح\" (٤).\n٤ - \"سبحانك اللهمّ ربّنا وبحمدك، اللهم اغفِر لي. وكان يُكثر منه في ركوعه وسجوده؛ يتأوّل القرآن\" (٥).\n٥ - \"اللهم لك ركعْت، وبك آمنْت، ولك أسلمْت، [أنت ربّي]، خشع\n_________\n= التقييد بثلاث تسبيحات.\n(١) يستفاد هذا من الأحاديث المصرحة بأنه ﵊ كان يُسوّي بين قيامه وركوعه وسجوده.\n(٢) قال شيخنا في \"صفة الصلاة\" (ص ١٣٣): صحيح رواه أبو داود، والدارقطنيّ، وأحمد، والطبراني والبيهقى.\n(٣) سبُوح قدُّوس: على وزن فُعّول من أبنية المبالغة، والمراد بهما التنزيه، وسُبّوح: من التسبيح، وهو التنزيه والتقديس والتبرئة من النقائص.\nوقدُّوس: هو الطاهر المنزّه عن العيوب. \"النهاية\" ملتقطًا بتصرف.\n(٤) أخرجه مسلم: ٤٨٧، وأبو عوانة.\n(٥) أخرجه البخاري: ٨١٧، ومسلم: ٤٨٤، ومعنى قوله: \"يتأول القرآن\": يعمل بما، أمر فيه؛ أي: في قول الله ﷿: ﴿فسبح بحمد ربك واستغفره إِنّه كان توَّابًا﴾.","vol":"2","page":51},{"text":"لك سمعي وبصري، ومخّي وعظمي (وفي رواية: وعظامي) وعصبي، [وما استقلّت (١) به قدمي لله ربّ العالمين] \" (٢).\n٦ - \"اللهمّ لك ركعْت، وبك آمنْت، ولك أسلمْت، وعليك توكلّت، أنت ربي، خشَع سمعي وبصري ودمي ولحمي وعظمي وعصبي لله ربّ العالمين\" (٣).\n٧ - \"سبحان ذي الجبروت والملكوت (٤) والكبرياء والعَظمة\"، وهذا قاله في صلاة الليل (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-387>النهي عن قراءة القرآن في الرّكوع</span>\nنهى النّبيّ - ﷺ - عن قراءة القرآن في الركوع والسجود، فعن ابن عباس - ﵁- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \" ... ألا وإنِّي نُهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا، فأمّا الركوع فعظّموا فيه الربّ ﷿، وأمّا السجود\n_________\n(١) أى: ما حمَلَتْه، من الاستقلال: بمعنى الارتفاع.\n(٢) أخرجه مسلم: ٧٧١، وأبو عوانة، والطحاوى والدارقطني.\n(٣) أخرجه النسائي بسند صحيح.\n(٤) الجبروت: اسم مبنيّ من الجبر، وهو قَهْر العباد على ما أراد من أمر ونهي.\nالملكوت: اسم مبني من المُلك، والمراد: صاحب القهر والتصرف البالغ كل منهما غايته.\n(٥) أخرجه أبو داود، والنسائي بسند صحيح.","vol":"2","page":52},{"text":"فاجتهدوا في الدعاء فقمِنٌ (١) أن يُستجاب لكم\" (٢).\n\n١٣ - الاعتدال من الركوع وهو ركن، والطمأنينه فيه (٣) -وهما رُكنان-:\nلأمر النّبيّ - ﷺ - المسيء صلاته بقوله: \"لا تتم صلاةٌ لأحدٍ من الناس حتى ... ثمَّ يقول: سمع الله لمن حمده حتى يستوي قائمًا\" (٤).\nوفي لفظ: \"ثمَّ ارفع حتى تعتدل قائمًا\" (٥).\nوفي حديث أبي حميد الساعدي: \"فإِذا رفَع رأسه استوى قائمًا حتى يعود كلّ فقار مكانه\" (٦).\nوعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا ينظر الله إِلى صلاة عبدٍ لا يُقيم صلبه بين ركوعها وسجودها\" (٧).\n_________\n(١) أي: حقيق وجدير.\n(٢) أخرجه مسلم: ٤٧٩\n(٣) عن \"صفة الصلاة\" (ص ١٣٥) بتصرّف.\n(٤) أخرجه أبو داود والحاكم وصححّه ووافقه الذهبي.\n(٥) أخرجه البخاري: ٧٩٣\n(٦) أخرجه البخاري: ٨٢٨، \"مختصر البخاري\": ٤٤٨. وجاء مُعلقًا في البخاري أيضًا: (١/ ٢٠٢). والفَقار: هي العظام التي يُقال لها خرز الظهر، قاله القزاز وقال ابن سيده: هي من الكاهل إِلى العَجْب، \"الفتح\" (٢/ ٣٠٨) والكاهل مِن الإِنسان: ما بين كتفيه أو مَوصل العُنق في الصُّلب. والعجْب: أصل الذنب ومؤخر كل شيء. \"المحيط\".\n(٧) أخرجه أحمد بإِسناد جيد، والطبراني في \"الكبير\" بإِسناد صحيح انظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٥٢٥).","vol":"2","page":53},{"text":"وفي رواية: \"كان يصلّي؛ فلمَح بمؤخّر عينيه إِلى رجل لا يقيم صُلبه في الركوع والسجود، فلما انصرف قال: (يا معشر المسلمين! إنَّه لا صلاة لمن لا يقيم صُلبه في الركوع والسجود) \" (١).\nثمَّ \"كان يقول وهو قائم: ربّنا ولك الحمد\" (٢).\nوأمَر بذلك كل مُصَلٍّ مُؤْتَمًّا أو غيره فقال: \"صلُّوا كما رأيتموني أصلّي\" (٣).\nوكان يقول: \"إِنّما جُعل الإِمام ليؤتمّ به ... وإذا قال: سمع (٤) الله لمن حَمِده؛ فقولوا: اللهمّ ربّنا ولك الحمد\" (٥).\nوعلّل الأمر بذلك في حديث آخر بقوله: \"فإِنَّه من وافق قولُه قولَ الملائكة؛ غُفرَ له ما تقدّم من ذنبه\" (٦).\nوكان يرفع يديه عند هذا الاعتدال (٧) على الوجوه المتقدمة في تكبيرة\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة وابن ماجه وأحمد بسند صحيح، وانظر \"الصحيحة\" (٢٥٣٦).\n(٢) البخاري: ٨٠٥\n(٣) أخرجه البخاري: ٦٣١، وتقدّم.\n(٤) قال العلماء: معنى سمع هنا: أجاب، ومعناه أنّ من حَمِد الله تعالى متعرّضًا لثوابه، استجاب الله تعالى، وأعطاه ما تعرّض له فإنا نقول ذلك ربنا لك الحمد لتحصيل ذلك.\n(٥) أخرجه البخاري: ٨٠٥، ومسلم: ٤١١، وأبو عوانة، وأحمد، وأبو داود.\n(٦) أخرجه البخاري: ٧٩٦، ومسلم: ٤٠٩، وصححه الترمذي، وتقدّم.\n(٧) أخرجه البخاري: ٧٣٧ ومسلم: ٣٩٠","vol":"2","page":54},{"text":"الإِحرام، ويقول وهو قائم:\n١ - \"ربّنا ولك الحمد\" (١)\nوتارة يضيف \"اللهمّ\" (٢).\nوتارة يزيد:\n٢ - \"ملءَ السماوات، و[ملء] الأرض، وما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد\" (٣).\nوتارة تكون الإِضافة:\n٣ - \"ملءَ السماوات، وملءَ الأرض، وملءَ ما شئت من شيء بعد، أهلَ (٤) الثناء والمجد، أحقُّ ما قال العبد، وكُلّنا لك عبد، [اللهمّ] لا مانع لما أعطيت، [ولا مُعطي لما منعت]، ولا ينفعُ ذا الجَد منك الجَدُّ\" (٥).\nوتارة يقول في صلاة الليل:\n٤ - \"لربّي الحمد، لربّي الحمد\"، يكرّر ذلك؛ حتى كان قيامه نحوًا من ركوعه الذي كان قريبًا من قيامه الأوّل، وكان قرأ فيه سورة البقرة\" (٦).\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٨٠٥ ومسلم: ٤١١\n(٢) أخرجه البخاري: ٧٩٥، وأحمد.\n(٣) أخرجه مسلم: ٤٧٨، وأبو عوانة.\n(٤) منصوب على النداء، هذا هو الأشهر، وجوّز بعضهم رفْعه على تقدير أنت أهل الثناء، والمختار النصب، قاله النووي.\n(٥) أخرجه مسلم: ٤٧٧، وأبو عوانة، وأبو داود.\n(٦) أخرجه أبو داود، والنسائي بسند صحيح، وهو مخرّج في \"الإرواء\" (٣٣٥).","vol":"2","page":55},{"text":"٥ - \"ربّنا ولك الحمد، حمدًا كثيرًا طيِّبًا مبارَكًا فيه، [مباركًا عليه؛ كما يحبّ ربنا ويرضى] \".\nقاله رجل كان يصلّي وراءه - ﷺ - بعدما رفع - ﷺ - رأسه من الركعة وقال: \"سمع الله لمن حمده\"، فلما انصرف رسول الله - ﷺ - قال: \"من المتكلّم آنفًا؟ \" فقال: أنا يا رسول الله! فقال رسول الله - ﷺ -: \"لقد رأيت بضعة وثلاثين مَلَكًا يبتدرونها (١) أيهم يكتبها أولًا\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-389>التسميع على كلّ مصلٍّ سواءٌ أكان إِمامًا أو مأمومًا أو منفردًا: </span>عن أنس بن مالك قال: \"سقط النّبيّ - ﷺ - عن فرس فَجُحِش (٣) شقُّه الأيمن، فدخَلنا عليه نَعُودُه، فحضرت الصلاة، فصلّى بنا قاعدًا، فصلّينا وراءه قعودًا، فلمّا قضى الصلاة قال: إِنّما جُعل الإِمام ليؤتمّ به، فإِذا كبّر فكبِّروا، وإِذا سجد فاسجدوا، وإِذا رفع فارفعوا، وإِذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربّنا ولك الحمد، وإِذا صلّى قاعدًا فصلّوا قعودًا أجمعُون\" (٤).\nقال شيخنا -حفظه الله- في \"صفة الصلاة\" (ص ١٣٥): \"تنبيه: هذا الحديث لا يدل على أنَّ المؤتمّ لا يشارك الإِمام في قوله: \"سمع الله لمن حمده\"، كما لا يدلّ على أنَّ الإِمام لا يشارك المؤتمّ في قوله: \"ربّنا ولك الحمد\"؛ إِذ أنَّ الحديث لم يُسَق لبيان ما يقوله الإِمام والمؤتمّ في هذا\n_________\n(١) أي: يعجلون لرفعها ويستبقون إِلى ذلك. \"المحيط\".\n(٢) أخرجه مالك، والبخاري: ٧٩٩، وأبو داود.\n(٣) أي: خُدش.\n(٤) أخرجه البخاري: ٨٠٥، ومسلم: ٤١١، وتقدّم بدون ذِكر المناسبة.","vol":"2","page":56},{"text":"الركن؛ بل لبيان أن تحميدَ المؤتم إِنّما يكون بعد تسميع الإِمام، ويؤيد هذا أنَّ النّبيّ - ﷺ - كان يقول التحميدَ وهو إِمام، وكذلك عموم قوله ﵊: \"صلّوا كما رأيتموني أصلّي\"، يقتضي أن يقول المؤتمّ ما يقوله الإِمام كالتسميع وغيره.\nومن شاء زيادة الاطلاع؛ فليراجع رسالة الحافظ السيوطي في هذه المسألة: \"دفع التشنيع في حكم التسميع\" ضِمن كتابه \"الحاوي للفتاوى\" (١/ ٥٢٩) انتهى كلام شيخنا -حفظه الله تعالى-.\nوبتسميع المأموم يقول الإِمام النووي (١) كما في \"شرح مسلم\" (٤/ ١٩٣): \" ... وأنّه يُستحبّ لكلّ مصلٍّ من إِمام ومأموم ومنفرد؛ أن يقول: \"سمع الله لمن حمِده؛ ربنا لك الحمد، ويجمع بينهما فيكون قوله: يسمع الله لمن حمده في حال ارتفاعه، وقوله: ربّنا ولك الحمد في حال اعتداله لقوله - ﷺ -: \"صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي\". [وقد تقدّم].\nوعن أبي هريرة -﵁- أنَّ النّبيّ - ﷺ - كان يقول: \"سمع الله لمن حمِده؛ حين يرفع صلبه من الركعة، ثمَّ يقول وهو قائم: ربّنا ولك الحمد\" (٢).\nقال شيخنا في \"تمام المنّة\" (ص١٩٠): بعد أن ذكر الحديث السابق، وأشار إِلى تخريجه في \"الإِرواء\" بزيادات كثيرة: \"من الواضح أنَّ في هذا الحديث ذِكْرين اثنين:\nأحدهما: قوله: \"سمع الله لمن حمده\" في اعتداله من الركوع.\n_________\n(١) وبه يقول الكرماني كذلك (٥/ ١٠٥).\n(٢) أخرجه أحمد والشيخان، وانظر \"الإرواء\" (٣٣١).","vol":"2","page":57},{"text":"والآخر: قوله: \"ربنّا ولك الحمد\" إِذا استوى قائمًا.\nفإِذا لم يقل المقتدي ذِكر الاعتدال، فسيقول مكانه ذِكر الاستواء، وهذا أمر مشاهَد من جماهير المصلين، فإِنّهم ما يكادون يسمعون منه: \"سمع الله لمن حمده\"؛ إلاَّ وسبقوه بقولهم: \"ربّنا ولك الحمد\"، وفي هذا مخالفة صريحة للحديث، فإِنْ حاول أحدهم تجنُّبها وقع في مخالفة أخرى، وهي إِخلاء الاعتدال من الذكر المشروع فيه بغير حُجّة.\nقال النووي -﵀- (٣/ ٤٢٠): \"ولأنَّ الصلاة مبنية على أن لا يفتر عن الذِّكر في شيء منها، فإِنْ لم يقل بالذِّكرين في الرفع والاعتدال؛ بقي أحد الحالين خاليًا عن الذكر\".\nبل إِنني أقول [الكلام لشيخنا -حفظه الله-]: إِن التسميع في الاعتدال واجب على كل مصلّ؛ لثبوت ذلك في حديث \"المسيء صلاته\" فقد قال - ﷺ - فيه: \"إِنها لا تتمّ صلاة أحدكم حتى يُسبغ الوضوء كما أمَره الله ... ثمَّ يكبّر ... ويركع حتى تطمئن مفاصله وتسترخي، ثمَّ يقول: سمع الله لمن حمده، ثمَّ يستوي قائمًا حتى يقيم صلبه ... \" الحديث (١).\nفهل يجوز لأحد بعد هذا أن يقول بأن التسميع لا يجب على كلّ مصلٍّ؟! \". اهـ وانظر للمزيد من الفائدة \"فتح الباري\" تحت الحديث (٧٩٦).\nهذا وقد ثبت أنّ رسول الله - ﷺ - كان يقول حين الاعتدال من الركوع:\n_________\n(١) أخرجه أبو داود والنسائي والسياق له، وغيرهما بسند صحيح. وهو مخرج في \"صحيح أبي داود\" (٨٠٤).","vol":"2","page":58},{"text":"سمع الله لمن حمده ربّنا ولك الحمد، وانظر \"صحيح البخاري\" (٧٣٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-390>كيف يهوي إِلى السجود</span>\nكيفية الهوي إِلى السجود من المسائل الخلافية عند العلماء، فمِن قائل بوضْع الركبتين قبل اليدين، ومِن قائل بوضع اليدين قبل الركبتين.\nواستدلّ أهل العلم على الأوّل بحديث شريك عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر قال: رأيت رسول الله - ﷺ - إِذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه.\nوقد بيَّن شيخنا في \"تمام المِنّة\" (ص ١٩٤) وجْه تضعيف الحديث من الناحية الحديثية والفقهية:\nأمّا الحديثية: فإِنَّ شريكًا وهو -ابن عبد الله القاضي- ضعيف سيء الحفظ فلا يُحتجّ به إِذا انفرد، فكيف إِذا خالف؟\nوذكَر قول الحافظ في \"بلوغ المرام\": \"إِنَّ حديث أبي هريرة [الذي ينص على وضْع اليدين قبل الركبتين] أقوى من حديث وائل وقال: وذَكر نحوه عبد الحقّ الإِشبيلي\".\nويرى ابن القيّم -﵀- أنَّ الحديث انقلب على الراوي وأنَّ أصله \"وليضع ركبتيه قبل يديه\".\nقال شيخنا في \"تمام المنة\" (ص١٩٤ - ١٩٥): \"وإنّما حمَله على هذا، زعْم آخر له، وهو قوله: \"إِنَّ البعير يضع يديه قبل ركبتيه\"، قال: \"فمقتضى النهي عن البروك كبروك البعير؛ أن يضع المصلّي ركبتيه قبل","vol":"2","page":59},{"text":"يديه! \".\nوسبب هذا كله أنَّه خفي عليه ما ذكَره علماء اللغة كالفيروزآبادي وغيره: \"أنّ ركبتي البعير في يديه الأماميّتين\".\nولذلك قال الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ١٥٠): \"إِنّ البعير ركبتاه في يديه، وكذلك في سائر البهائم، وبنو آدم ليسو كذلك، فقال: لا يبرك على ركبتيه اللتين في رجليه كما يبرك البعير على ركبتيه اللتين في يديه، ولكن يبدأ فيضع أولًا يديه اللتين ليس فيهما ركبتاه، ثمَّ يضع ركبتيه، فيكون ما يفعل في ذلك بخلاف ما يفعل البعير\" (١).\nواستدلَّ أهل العلم على القول الثاني بما ثبت عن النّبيّ - ﷺ - أنَّه \"كان يضع يديه على الأرض قبل ركبتيه\" (٢).\nواستدلوا أيضًا بأمر النّبيّ - ﷺ - بذلك وقوله: \"إِذا سجَد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه\" (٣). وهذا قول أصحاب الحديث.\nوجاء في \"صحيح البخاري\" \"كتاب الأذان\" (باب يهوي بالتكبير حين\n_________\n(١) قلت: وهذا هو تحرير المقام وفصْل الخِطاب وبالله التوفيق.\n(٢) أخرجه ابن خزيمة والدارقطني، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، وما عارضه من الحديث لا يصح، وقد قال به مالك، وعن أحمد نحوه كما في \"التحقيق\" لابن الجوزي، وقد روى المروزي في \"مسائله\" بسند صحيح عن الإمام الأوزاعي قال: \"أدركْتُ الناس يضعون أيديهم قبل رُكَبهم\".\n(٣) أخرجه البخاري في \"التاريخ\" وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٧٤٦)، وانظر \"الإرواء\" (٢/ ٧٨)، و\"صفة الصلاة\" (ص ١٤٠).","vol":"2","page":60},{"text":"يسجد) وقال نافع: كان ابن عمر يضع يديه قبل ركبتيه (١) ولشيخنا -عافاه الله وشفاه- كلام مفيد في \"الضعيفة\" تحت الحديث (٩٢٩) فارجع إِليه -إِن شئت-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-391>١٤ - السجود وهو ركن والطمأنينة فيه -وهما رُكنان</span>-:\nلقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربّكم وافعلوا الخير لعلّكم تُفلحون﴾ (٢).\nوأمَر ﵊ بذلك المسيء صلاته فقال له: \"لا تتمّ صلاةٌ لأحد من الناس حتى ... ثمَّ يسجد حتى تطمئنّ مفاصله\" (٣).\nوفي رواية: \"إِذا أنت سجدت فأمكنْتَ وجهك ويديك حتى يطمئنّ كل عظم منك إِلى موضعه\" (٤).\n\"وكان - ﷺ - يأمُر بإِتمام الركوع والسجود، ويضرب لمن لا يفعل ذلك مثَل الجائع؛ يأكل التمرة والتمرتين لا تُغنيان عنه شيئًا، وكان يقول فيه: \"إِنَّه من أسوأ الناس سرقة\".\nوكان يحكم ببطلان صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود؛ كما سبق تفصيله في \"الركوع\"، وأمَر \"المسيء صلاته\" بالاطمئنان في\n_________\n(١) قال شيخنا في \"مختصر البخاري\" (١/ ١٩٩): \"وصله ابن خزيمة والطحاوي والحاكم وغيرهم بسند صحيح\".\n(٢) الحج: ٧٧\n(٣) أخرجه أبو داود والحاكم وصححه ووافقه الذهبي وانظر \"صفة الصلاة\" (١٤١).\n(٤) أخرجه ابن خزيمة بسند حسن، وانظر \"الصِّفة\" (١٤٢).","vol":"2","page":61},{"text":"السجود\" (١).\nالسجود على سبعة أعضاء:\nوهي الجبهة والكفّان والركبتان والقدمان مع مراعاة تمكين الأنف.\nعن ابن عبّاس أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"أُمرتُ أن أسجد على سبعة أعظم: الجبهة (٢) (وأشار بيده على أنفه) واليدين، والرّجلين، وأطراف القدمين\" (٣).\nوعن العباس بن عبد المطلب أنَّه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: \"إذا سجد العبد سَجد معه سبعة أطراف. وجهُه وكفّاه وركبتاه وقدماه\" (٤).\nوفي لفظ: \"سجد معه سبعة آراب (٥) \" (٦).\nوفي الحديث: \"لا صلاة لمن لا يصيبُ أنفه من الأرض ما يصيب الجبين\" (٧).\n_________\n(١) انظر \"صفة الصلاة\" (١٤٥).\n(٢) وهذا يدل على أنَّ النّبيّ - ﷺ - جعل هذين العضوين كعضو واحد في السجود، وانظر \"صفة الصلاة\" (١٤٣).\n(٣) أخرجه مسلم: ٤٩٠\n(٤) أخرجه مسلم: ٤٩١\n(٥) أي: أعضاء، واحدها إرْب بالكسر والسكون. \"النهاية\".\n(٦) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٧٩٠)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٢٢٣)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٧٢٣)، والنسائي \"صحيح سنن النسائى\" (١٠٥٢)، وانظر \"صفة الصلاة\" (ص ١٤٣).\n(٧) أخرج الدارقطني والطبراني وغيرهما، وانظر \"صفة الصلاة\" (ص ١٤٢).","vol":"2","page":62},{"text":"وفي حديث أبي حُميد: \"كان إِذا سجد أمكن جبهته وأنفه من الأرض\" (١).\nوقال بعض أهل العلم فيمن سجد على جبهته دون أنفه: \"يجزئه، وقال غيرهم: لا يجزئه حتى يسجد على الجبين والأنف\".\nقال شيخنا: \"وهذا هو الحقّ؛ لقوله - ﷺ -: \"لا صلاة لمن لا يمسّ أنفه الأرض ما يمسّ الجبين\"، وهو حديث صحيح على شرط البخاري كما قال الحاكم والذهبي ... \" (٢).\nصفة السجود (٣)\nو\"كان [- ﷺ -] يعتمد على كفيه [ويبسُطُها] \" (٤)، ويضم أصابعَهُما (٥)، ويوجهها قِبَل القبلة (٦).\nو\"كان يجعلهما حذو مَنكِبيه\" (٧). وأحيانًا \"حذو أذنيه\" (٨).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود وغيره، وأصْله في البخاري وهو حديث صحيح خرّجه شيخنا في \"الإِرواء\" (٣٠٩).\n(٢) انظر \"تمام المنّة\" (١٧٠).\n(٣) عن \"صفة الصلاة\" (ص ١٤١) بتصرف.\n(٤) أخرجه أبو داود، والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي.\n(٥) أخرجه ابن خزيمة، والبيهقي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي.\n(٦) أخرجه البيهقيّ بسند صحيح، وعند ابن أبي شيبة والسرَّاج توجيه الأصابع من طريق آخر.\n(٧) أخرجه أبو داود، والترمذي وصححه، هو وابن الملقن، وهو مخرَّج في \"الإرواء\" (٣٠٩).\n(٨) أخرجه أبو داود، والنسائي بسند صحيح.","vol":"2","page":63},{"text":"و\"كان يُمكّن أنفه وجبهته من الأرض\" (١). وقال للمسيء صلاتَه: \"إِذا سجدت؛ فمكّن لسجودك\" (٢).\nوفي رواية: \"إِذا أنت سجدتَ؛ فأمكنْتَ وجهَك ويديك؛ حتى يطمئن كلّ عظم منك إِلى موضعه\" (٣). و\"كان يمكِّن أيضًا ركبتيه وأطراف قدميه\" (٤). و\"يستقبل [بصدور قدميه و] بأطراف أصابعهما القبلة\" (٥)، و\"يرصّ عقبيه\" (٦). و\"ينصب رجليه\" (٧)، وكان يفتخ أصابعهما (٨).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود، والترمذي وصححه، هو وابن الملقن، وهو مخرَّج في \"الإِرواء\" (٣٠٩).\n(٢) أخرجه أبو داود، وأحمد بسند صحيح.\n(٣) أخرجه ابن خزيمة بسند حسن.\n(٤) أخرجه البيهقي بسند صحيح، وابن أبي شيبة، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.\n(٥) أخرجه البخاري: ٨٠٨، وأبو داود، والزيادة لابن راهويه في \"مسنده\" وروى ابن سعد عن ابن عمر أنَه كان يحبّ أن يستقبل كل شيء منه القبلة إِذا صلّى، حتى كان يستقبل بإبهامه القبلة.\n(٦) أخرجه الطحاوي، وابن خزيمة، والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي.\n(٧) أخرجه البيهقيّ بسند صحيح.\n(٨) أخرجه أبو داود، والترمذي وصححه، والنسائي، وابن ماجه.\nويفتخ: بالخاء المعجمة؛ أى: يغمز موضع المفاصل منها، ويثنيها إِلى باطن الرجل. \"النهاية\".","vol":"2","page":64},{"text":"و\"كان لا يفترش ذراعيه\" (١)؛ بل \"كان يرفعهما عن الأرض، ويباعدهما عن جنبيه حتى يبدو بياض إِبطيه من ورائه\" (٢)، و\"حتى لو أن بَهمة (٣) أرادت أن تمرّ تحت يديه؛ مرَّت\" (٤).\nوكان يبالغ في ذلك حتى قال بعض أصحابه: \"إِنْ كنا لنأوي (٥) لرسول الله - ﷺ -؛ مما يجافي بيديه عن جنبيه إِذا سجد\" (٦).\nوكان يقول: \"اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط (وفي لفظ: كما يبسط) الكلب\" (٧).\nمقدار السجود\nكان - ﷺ - يقول في السجود أنواعًا من الأذكار والأدعية، وأدنى ما يجزئ في السجود والركوع؛ مقدار تسبيحة واحدة، وللمصلّي منفردًا الزياده في التسبيح ما أراد، وكلّما زاد كان أولى، والأحاديث الصحيحة في تطويله - ﷺ -\n_________\n(١) أخرجه البخاري معلقًا مجزومًا به بلفظ: \"سجد النبيّ - ﷺ - ووضَع يديه غير مفترش ولا قابِضهما\"، وموصولًا (باب-١٤١) برقم (٨٢٨)، ومسلم: ٤٩٨ بلفظ: \"وينهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السَّبع\".\n(٢) أخرجه البخاري: ٣٩٠، ومسلم: ٤٩٧، وهر مخرّج في \"الإِرواء\" (٣٥٩).\n(٣) البَهمة: واحدة البهم، وهي أولاد الغنم.\n(٤) أخرجه مسلم: ٤٩٦، وأبو عوانة، وابن حبان.\n(٥) أي: نرثي ونرِقّ.\n(٦) أخرجه أبو داود، وابن ماجه بسند حسن.\n(٧) أخرجه البخاري: ٨٢٢، ومسلم: ٤٩٣، وأبو داود، وأحمد.","vol":"2","page":65},{"text":"ناطقة بهذا، وكذا الإِمام إذا كان المؤتمُّون لا يتأذّون بالتطويل. قاله الشوكاني وذكَره السيد سابق في \"فقه السنّة\".\nأذكار السجود (١)\nكان رسول الله - ﷺ - يقول في هذا الركن أنواعًا من الأذكار والأدعية، تارة هذا، وتارة هذا:\n١ - \"سبحان ربي الأعلى (ثلاث مرات) \" (٢).\nو\"كان -أحيانًا- يكررها أكثر من ذلك\" (٣).\nوبالغ في تكرارها مرة في صلاة الليل حتى كان سجوده قريبًا من قيامه، وكان قرأ فيه ثلاث سور من الطوال: ﴿البقرة﴾ و﴿النساء﴾ و﴿آل عمران﴾، يتخللُها دعاءٌ واستغفار (٤).\n٢ - \"سبحان ربي الأعلى وبحمده\" (٥).\n٣ - \"سبوح قدّوس رب الملائكة والروح\" (٦).\n_________\n(١) عن \"صفة الصلاة\" (١٤٥).\n(٢) أخرجه أحمد وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٧٧٤)، وابن ماجه والدارقطني والطحاوى والبزار، والطبراني في \"الكبير\" عن سبعة من الصحابة.\n(٣) وتقدّم.\n(٤) وتقدّم.\n(٥) أخرجه أبو داود والدارقطني وأحمد والطبراني والبيهقي، وصححه شيخنا في المصدر المذكور.\n(٦) أخرجه مسلم: ٤٨٧","vol":"2","page":66},{"text":"٤ - \"سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي\"، وكان يكثر منه في ركوعه وسجوده؛ يتأول القرآن (١).\n٥ - \"اللهم لك سجْدتُ، وبك آمنت، ولك أسلمت، [وأنت ربي]، سجد وجهي للذي خلقه وصوَّره، [فأحسن صوره]، وشق سمعه وبصره، [فـ] تبارك الله أحسن الخالقين\" (٢).\n٦ - \"اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجلّه، وأوله وآخره، وعلانيته وسرَّه\" (٣).\n٧ - \"سجد لك سوادي وخيالي، وآمن بك فؤادي، أبوء بنعمتك عليَّ، هذي يدي وما جنيْت على نفسي\" (٤).\n٨ - \"سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة (٥) \" (٦)، وهذا وما بعده كان يقوله في صلاة الليل.\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٨١٧، ومسلم: ٤٨٤، وهذا النوع من أذكار الركوع أيضًا، وقد مضى أنّ معناه: يعمل بما أمره به في القرآن.\n(٢) أخرجه مسلم: ٧٧١، وأبو عوانة والطحاوى والدارقطني.\n(٣) أخرجه مسلم: ٤٨٣\n(٤) أخرجه ابن نصر والبزار والحاكم، وصححه؛ ورده الذهبي، لكن له شواهد مذكورة في الأصل.\n(٥) في \"النهاية\": العظمة والملك، وقيل: هي عبارة عن كمال الذات وكمال الوجود ولا يوصف بهما إلاَّ الله تعالى.\n(٦) أخرجه أبو داود والنسائي بسند صحيح.","vol":"2","page":67},{"text":"٩ - \"سبحانك [اللهم] وبحمدك، لا إِله إلاَّ أنت\" (١).\n١٠ - \"اللهم اغفر لي ما أسررت، وما أعلنت\" (٢).\n١١ - \"اللهم اجعل في قلبي نورًا، [وفي لساني نورًا]، واجعل في سمعي نورًا، واجعل في بصري نورًا، واجعل من تحتي نورًا، واجعل من فوقي نورًا، وعن يميني نورًا وعن يسارى نورًا، واجعل أمامي نورًا، واجعل خلفي نورًا، [واجعل في نفسي نورًا]، واعظم لي نورًا\" (٣).\n١٢ - \"اللهم أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-392>النهي عن قراءة القرآن في السجود</span>\nعن ابن عباس -﵄- عن النّبيّ قال: \"ألا وإنّي نهيتُ أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا\" (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-393>فضل السجود والحثّ عليه</span>\nعن معدان بن أبي طلحة اليَعمَري قال: \"لقيت ثوبان مولى رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ٤٨٥ بدون اللهمّ.\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٦٢/ ١١٢/١)، والنسائي، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.\n(٣) أخرجه مسلم: ٧٦٣\n(٤) أخرجه مسلم: ٤٨٦\n(٥) أخرجه مسلم: ٤٧٩، وتقدّم.","vol":"2","page":68},{"text":"فقلت: أخبرني بعمل أعمله يدخلُني الله به الجنّة أو قال قلت: بأحبّ الأعمال إِلى الله فسكت. ثمَّ سألتُه فسكَت. ثمَّ سألتُه الثالثة فقال: سألتُ عن ذلك رسول الله - ﷺ - فقال: \"عليك بكثرة السجود لله، فإِنّك لا تسجد لله سجدة إلاَّ رفَعك الله بها درجة وحطَّ عنك بها خطيئة\"، قال معدان: ثمَّ لقيت أبا الدرداء فسألتُه فقال لي مِثل ما قال لي ثوبان\" (١).\nعن ربيعة بن كعب الأسلمي قال: \"كنتُ أبِيتُ مع رسول الله - ﷺ - فأتيته بوَضوئه وحاجته فقال لي: \"سَلْ\" فقلت: أسألك مرافقتك في الجنّة. قال: \"أوْ غيرَ ذلك؟ \" قلت: هو ذاك. قال: \"فأعنِّي على نفسك بكثرة السجود\" (٢).\nوعن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: \"أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء\" (٣).\nوفي الحديث: \"ما من أمّتي من أحد إلاَّ وأنا أعرفه يوم القيامة\"، قالوا: وكيف تعرفهم يا رسول الله في كثرة الخلائق؛ قال: \"أرأيتَ لو دخلتَ صِيرةً (٤) فيها خيل دُهم (٥) بُهم (٦)، وفيها فرسٌ أغرُّ محجَّلٌ (٧)؛ أما كنت تعرفه\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ٤٨٨\n(٢) أخرجه مسلم: ٤٨٩\n(٣) أخرجه مسلم: ٤٨٢\n(٤) الصِّيَرة: حظيرة من خشب وحجارة تبنى للغنم والبقر ... \"لسان العرب\".\n(٥) أدهم وهو الأسود. \"النهاية\".\n(٦) البُهم: هو في الأصل الذي لا يخالط لونه لون سواه. \"شرح النووي\".\n(٧) تقدّمت في أول (باب الوضوء).","vol":"2","page":69},{"text":"منها؟ \". قال: بلى. قال: \"فإِنَّ أمّتي يومئذٍ غُرّ (١) من السجود، محجَّلون من الوضوء\" (٢).\n\n١٥ - الرفع من السجود وهو ركن والطمأنينة فيه (٣) -وهما رُكنان-:\nفقد أمَر - ﷺ - بذلك المسيء صلاته فقال: \"لا تتمّ صلاةٌ لأحدٍ من الناس حتى ... يسجد، حتى تطمئنّ مفاصله، ثمَّ يقول: \"الله أكبر\" ويرفع رأسه حتى يستوي قاعدًا\" (٤).\nو\"كان - ﷺ - يطمئنّ حتى يرجع كلّ عظم إِلى موضعه\" (٥).\n\"كان يرفع يديه مع هذا التكبير\" أحيانًا (٦).\n_________\n(١) تقدّمت في أول (باب الوضوء).\n(٢) أخرجه أحمد بسند صحيح، والترمذي بعضه وصححه، وهو مخرج في \"الصحيحة\"، وانظر \"صفة الصلاة\" (ص ١٤٩).\n(٣) انظر \"صفة الصلاة\" (ص ١٥١).\n(٤) أخرجه أبو داود والحاكم وصحّحه ووافقه الذهبي.\n(٥) أخرجه أبو داود والبيهقي بسند صحيح.\n(٦) أخرجه أحمد وأبو داود بسند صحيح، وبالرفع هاهنا، وعند كل تكبيرة قال أحمد، ففي \"البدائع\" لابن القيّم (٤/ ٨٩): \"ونقل عنه الأثرم وقد سُئل عن رفع اليدين؟ فقال: في كل خفْض ورفْع، قال الأثرم: رأيت أبا عبد الله يرفع يديه في الصلاة في كل خفْض ورفْع\".\nوبه قال ابن المنذر وأبو علي من الشافعية، وهو قول عن مالك والشافعي؛ كما في \"طرح التثريب\"، وصحّ الرفع هنا عن أنس وابن عمرَ ونافع وطاووس، والحسن البصرى وابن سيرين، وأيوب السختياني؛ كما في \"مصنف ابن أبي شيبة\" (١/ ١٠٦) بأسانيد =","vol":"2","page":70},{"text":"ثمَّ \"يفرش رجله اليسرى فيقعد عليها مطمئنًا\" (١)، وأمر بذلك \"المسيء صلاته\" فقال له: \"إِذا سجدت فمكِّن لسجودك، فإِذا رفعْت فاقعد على فَخِذِك اليسرى\" (٢)، و\"كان ينصب (٣) رجله اليمنى\" (٤)، و\"يستقبل بأصابعها القبلة\" (٥).\nو\"كان يطيلها (٦) حتى تكون قريبًا من سَجْدته\" (٧)، وأحيانًا \"يمكث حتى يقول القائل: قد نسي\" (٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-395>الأذكار بين السجدتين </span>(٩)\nكان رسول الله - ﷺ - يقول في هذه الجلسة:\n_________\n= صحيحة عنهم.\n(١) أخرجه البخاري: ٨٢٨، ومسلم: ٤٩٨ وأبو داود بسند صحيح، وأبو عوانة.\n(٢) أخرجه أحمد وأبو داود بسند جيد.\n(٣) النصب: إِقامة الشيء ورفْعُه.\n(٤) أخرجه البخاري: ٨٢٨\n(٥) أخرجه النسائي بسند صحيح.\n(٦) أي: جلسته بين السجدتين.\n(٧) أخرجه البخاري: ٨٢٠، ومسلم: ٤٧١ نحوه.\n(٨) أخرجه البخاري: ٨٢١، ومسلم: ٤٧٢، قال ابن القيّم: \"وهذه السنّة تركَها الناس من بعد انقراض عصر الصحابة، وأمّا من حَكَّم السنة، ولم يلتفت إِلى ما خالفها؛ فإِنّه لا يعبأ بما خالف هذا الهدي\".\n(٩) عن \"صفة الصلاة\" (ص ١٥٣) بتصرّف.","vol":"2","page":71},{"text":"١ - \"اللهم (وفي لفظ: ربّ)! اغفر لي، وارحمني، [واجبرني] (١)، [وارفعني]، واهدني، [وعافني]، وارزقني\" (٢)؛ وتارة يقول:\n٢ - \"رب! اغفر لي، رب اغفر لي\" (٣). وكان يقولهما في \"صلاة الليل\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-396>١٦ - الإِقعاء بين السجدتين:</span>\nعن أبي الزبير أنّه سمع طاوُسًا يقول: قُلنا لابن عباس في الإِقعاء على القدمين؟ فقال: هي السُّنة، فقُلنا له: إِنا لنراه جفاءً بالرجل، فقال ابن عباس:\n_________\n(١) أي: أغْنني، من جبَر الله مصيبته: أي: ردّ عليه ما ذهب منه وعوّضه، وأصْلُه من جبْر الكسر. \"النهاية\".\n(٢) أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي.\n(٣) أخرجه ابن ماجه بسند حسن، وانظر \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٧٣١). وقد اختار الدعاء بهذا الإِمام أحمد.\n(٤) ولا ينفي ذلك مشروعية هذه الأوراد في \"الفرض\"؛ لعدم وجود الفرق بينه وبين النفل، وبهذا يقول الشافعي وأحمد وإسحاق؛ يَرون أن هذا جائز في المكتوبة والتطوع؛ كما حكاه الترمذي.\nوذهب إِلى مشروعية ذلك الإمام الطحاوي أيضًا في \"مشكل الآثار\"، والنظر الصحيح يؤيد ذلك؛ لأنّه ليس في الصلاة مكان لا يشرع فيه ذِكر، فينبغي أن يكون كذلك الأمر هاهنا، وهذا بيّن لا يخفى.","vol":"2","page":72},{"text":"بل هي سنّه نبيّك (١) - ﷺ -\" (٢).\nوعن معاوية بن حديج قال: \"رأيت طاوسًا يقعي، فقلت: رأيتك تقعي! قال: ما رأيتني أقعي، ولكنها الصلاة، رأيت العبادلة الثلاثة يفعلون ذلك: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير؛ يفعلونه. قال أبو زهير: وقد رأيته يقعي\" (٣).\nقال شيخنا في \"الصحيحة\" تحت الحديث (٣٨٣): ففي الحديث وهذه الآثار دليل على شرعية الإِقعاء المذكور، وأنه سُنّة يُتعبّد بها، وليست للعذر كما زعم بعض المتعصبة، وكيف يكون كذلك وهؤلاء العبادلة اتفقوا على الإِتيان به في صلاتهم، وتَبِعهم طاوس التابعي الفقيه الجليل، وقال الإِمام أحمد في \"مسائل المروزي\" (١٩): \"وأهل مكة يفعلون ذلك\".\nفكفى بهم سلفًا لمن أراد أن يعمل بهذه السُّنّة ويحييها.\nولا منافاة بينها وبين السّنة الأخرى -وهي الافتراش- بل كلٌ سُنّة، فيفعل\n_________\n(١) قال النووي في \"شرحه\" (٥/ ١٩): الإقعاء نوعان: أحدهما: أن يلصق أليتيه بالأرض وينصب ساقيه ويضع يديه على الأرض كإِقعاء الكلب، هكذا فسّره أبو عبيدة معمر بن المثنى، وصاحبه أبو عبيد القاسم بن سلام، وآخرون من أهل اللغة، وهذا النوع هو المكروه الذي ورد فيه النهي، والنوع الثاني: أن يجعل أليتيه على عقبيه بين السجدتين، وهذا هو مراد ابن عبّاس [﵄] بقوله سنة نبيّكم - ﷺ - وقد نصّ الشافعي -﵁- في البويطي والإملاء على استحبابه في الجلوس بين السجدتين.\n(٢) أخرجه مسلم: ٥٣٦\n(٣) أخرجه أبو إِسحاق الحربي في غريب الحديث وقال شيخنا: إِسناده صحيح وانظر \"الصحيحة\" تحت الحديث (٣٨٣).","vol":"2","page":73},{"text":"تارة هذه وتارة هذه؛ اقتداءً به - ﷺ -، وحتى لا يضيع عليه شيء من هديه ﵊.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-397>١٧ - جِلسة الاستراحة:</span>\nهي جلسة خفيفة يجلسها المصلّي بعد الفراغ من السجدة الثانية من الركعة الأولى؛ قبل النهوض إِلى الركعة الثانية، وبعد الفراغ من السجدة الثانية من الركعة الثالثة؛ قبل النهوض إلى الركعة الرابعة (١).\nعن أبي حميد الساعدي قال: سمعْته وهو في عشرة من أصحاب النّبيّ - ﷺ - أحدهم أبو قتادة بن ربعي - يقول: أنا أعلمُكم بصلاة رسول الله - ﷺ - فذكَر الحديث إِلى أن قال: ثمَّ أهوى إِلى الأرض ساجدًا، ثمَّ قال: الله أكبر، ثمَّ جافى عضديه عن إِبطيه، وفتَح أصابع رجليه، ثمَّ ثنَى رجله اليسرى وقعد عليها، ثمَّ اعتدل حتى يرجع كلّ عظم في موضعه معتدلًا، ثمَّ أهوى ساجدًا، ثمَّ قال: الله أكبر، ثمَّ ثنَى رجله وقعد، واعتدل حتى يرجع كل عظم في موضعه، ثمَّ نهَض\" (٢).\nقال شيخنا في \"صفة الصلاة\" (١٥٤): \"وهذا الجلوس يُعرف عند الفقهاء بجلسة الاستراحة وقد قال به الشافعي، وعن أحمد نحوه؛ كما في \"التحقيق\" (١١١/ ١) وهو الأحرى به؛ لما عُرف عنه من الحرص على اتباع السنّة التي لا معارض لها.\n_________\n(١) \"فقه السنة\" (ص١٦٩).\n(٢) أخرجه البخاري في \"جزء رفع اليدين\" وأبو داود والترمذي وغيرهم، وصححه شيخنا في \"الإِرواء\" (٣٠٥).","vol":"2","page":74},{"text":"وقد قال ابن هانئ في \"مسائله عن الإِمام أحمد\" (١/ ٥٧): \"رأيت أبا عبد الله (يعني: الإِمام أحمد) ربما يتوكأ على يديه إِذا قام في الركعة الأخيرة، وربما استوى جالسًا، ثمَّ ينهض\"، وهو اختيار الإِمام إِسحاق بن راهويه، فقد قال في \"مسائل المروزي\" (١/ ١٤٧/٢): \"مضت السنّة من النّبيّ - ﷺ - أن يعتمد على يديه ويقوم؛ شيخًا كان أو شابًّا\"، وانظر \"الإِرواء\" (٢/ ٨٢ - ٨٣). ولشيخنا كلام مهمّ في \"تمام المنّة\" (ص٢١٠) فارجع إليه -إِن شئت-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-398>بماذا يبدأ حين الرفع من السجود ليقوم إِلى الركعة الثانية</span>؟\nالراجح فيها أن يبدأ برفع ركبتيه قبل يديه، لحديث مالك بن الحويرث أنه كان يقول: \"ألا أحدّثكم عن صلاة رسول الله - ﷺ -؛ فيصلّي في غير وقت الصلاة، فإِذا رفع رأسه من السجدة الثانية في أول ركعة استوى قاعدًا، ثمَّ قام، فاعتمد على الأرض\". أخرجه البخاري، والشافعي في \"الأم\"، والسياق له (١).\n_________\n(١) قاله شيخنا في \"تمام المنّة\" (ص ١٩٦) -بحذف- ثم قال: \"فهذا نصٌّ في أنه - ﷺ - كان يعتمد بيديه على الأرض، وبه قال الشافعي. قال البيهقي: \"وروينا عن ابن عمر أنّه كان يعتمد على يديه إِذا نهض، وكذلك كان يفعل الحسن وغير واحد من التابعين\".\nقلت: وحديث ابن عمر رواه البيهقي بسند جيد عنه وموقوفًا ومرفوعًا كما بينته في \"الضعيفة\" تحت الحديث (٩٦٧)، وفي \"صفة الصلاة\" ... ورواه أبو إِسحاق الحربي بسند صالح مرفوعًا عنه، ويرويه الأزرق بن قيس: رأيت ابن عمر يعجن في الصلاة: يعتمد على يديه إِذا قام. فقلت له؟ فقال: رأيت رسول الله - ﷺ - يفعله. =","vol":"2","page":75},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-399>١٨ - الجلوس للتشهّد وصفته </span>(١):\nينبغي أن يراعي المصلّي في جلوس التشهّد ما يأتي:\n١ - أن يجلس مفترشًا فَخِذه اليسرى إِذا كانت الصلاة ركعتين؛ كالفجر، وقد أَمَر به \"المسيء صلاته\" فقال له: \"فإِذا جلستَ في وسط الصلاة، فاطمئنَّ وافترش فخِذك اليسرى ثمَّ تشهّد\" (٢).\nوأن يتورّك في التشهّد الأخير لحديث أبي حميد الساعدي: \" ... فإِذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى، ونصب اليمنى، وإذا جلس في الركعة الآخرة؛ قدَّم رجله اليسرى، ونَصَب الأخرى وقعد على مقعدته\" (٣).\n٢ - وينبغي وضْع الكفّ اليمنى على الفخذِ اليمنى، والكفّ اليسرى على الفخذِ اليسرى. فإِنَّ النّبيّ - ﷺ -: \"كان إِذا قعد في التشهد؛ وضع كفّه اليمنى على فخذه (وفي رواية: ركبته) اليمنى، ووضع كفّه اليسرى على فخذه (وفي رواية: ركبته) اليسرى؛ [باسطها عليها] \" (٤).\n_________\n= قلت: ولازم هذه السنّة الصحيحة أن يرفع ركبتيه قبل يديه. إِذ لا يمكن الاعتماد على الأرض عند القيام إلاَّ على هذه الصفة. وهذا هو المناسب للأحاديث الناهية عن التشبه بالحيوانات في الصلاة، وبخاصة حديث أبي هريرة في النهي عن البروك كبروك الجمل، فإِنه ينهض معتمدًا على ركبتيه كما هو مشاهد، فينبغي للمصلّي أن ينهض معتمدًا على يديه مخالفة له\".\n(١) عن \"صفة الصلاة\" (ص ١٥٧) بتصرف.\n(٢) أخرجه أبو داود والبيهقي بسند جيد.\n(٣) أخرجه البخاري: ٨٢٨، وغيره.\n(٤) أخرجه مسلم: ٥٨٠ وأبو عوانة.","vol":"2","page":76},{"text":"٣ - ولا يجافي مرفقه عن جنبه فقد \"كان - ﷺ - يضع حدّ (١) مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى\".\n٤ - ولا يعتمد على اليد اليسرى، فإِنَّ رسول الله - ﷺ - \"نهى رجلًا وهو جالس معتمد على يده اليسرى في الصلاة فقال: \"إِنها صلاة اليهود\" (٢).\n٥ - ويقبض أصابع الكف اليمنى كلّها، ويشير بإِصبعه التي تلي الإِبهام إِلى القبله ويرمي ببصره إِليها، ويضع إِبهامه على إِصبعه الوسطى. فقد \"كان - ﷺ - يبسط كفه اليسرى على ركبته اليسرى، ويقبض أصابع كفّه اليمنى كلها، ويشير بإِصبعه التي تلي الإِبهام إِلى القبلة، ويرمي ببصره إِليها\" (٣).\n٦ - ويرفع إِصبعه ويحركها ويدعو بها؛ لحديث وائل بن حجر وفيه: \"ثمَّ رفع أصبعه، فرأيته يحرّكها يدعو بها\" (٤).\nقال شيخنا: ففيه دليل على أن السنّة أن يستمرّ في الإِشارة وفي تحريكها إِلى السلام. وسئل الإِمام أحمد: هل يشير الرجل بإِصبعه في الصلاة؛ قال: نعم شديدًا. ذكره ابن هاني في \"مسائله عن الإِمام أحمد\" (ص ٨٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-400>١٩ - التشهد الأوّل:</span>\nاختلف العلماء في حُكمه فمن قائل بسنّيته، ومن قائل بوجوبه.\n_________\n(١) أي: نهاية، وقال شيخنا: \"وكأنّ المراد أنّه كان لا يجافي مرفقه عن جنبه، وقد صرّح بذلك ابن القيّم في \"الزاد\"\".\n(٢) أخرجه البيهقي والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي.\n(٣) أخرجه مسلم: ٥٨٠ وأبو عوانة وابن خزيمة.\n(٤) أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وغيرهم، وهو حديث صحيح خرجه شيخنا في \"الإرواء\" تحت الحديث (٣٥٢).","vol":"2","page":77},{"text":"ففي \"صحيح البخاري\" (١) تحت (باب من لم يرَ التشهّد الأوّل واجبًا لأنَّ النّبيّ - ﷺ - قام من الركعتين ولم يرجع)، ثمَّ ذكر حديث عبد الله بن بُحيْنَةَ: \"أنَّ النّبيّ - ﷺ - صلّى بهم الظهر، فقام في الركعتين الأوليين لم يجلس، فقام الناس معه، حتى إذا قضى الصلاة وانتظَر الناس تسليمه كبَّر وهو جالس، فسجد سجدتين قبل أن يُسلِّم، ثمَّ سلّم\".\nقال الحافظ: \"ووجه الدلالة من حديث الباب، أنَّه لو كان واجبًا لرجع إِليه لمّا سبّحوا به؛ بعد أن قام، ويُعرَف منه أنّ قول ناصر الدين بن المنيِّر في الحاشية: لو كان واجبًا لسبّحوا به ولم يسارعوا إِلى الموافقة على الترك، غفلة عن الرواية المنصوص فيها على أنهم سبّحوا به.\nوقال ابن بطال: والدليل على أنَّ سجود السهو لا ينوب عن الواجب؛ أنَّه لو نسي تكبيرة الإِحرام لم تُجبَر فكذلك التشهد، ولأنَّه ذِكر لا يجهر به بحال، فلم يجب كدعاء الافتتاح، واحتجّ غيره بتقريره - ﷺ - الناس على متابعته بعد أن علم أنهم تعمدوا تركه، وفيه نظر.\nوممن قال بوجوبه الليث وإسحاق وأحمد في المشهور وهو قول للشافعي، وفي رواية عند الحنفية، واحتج الطبري لوجوبه بأن الصلاة فرضت أولًا ركعتين، وكان التشهد فيها واجبًا، فلمّا زيدت لم تكن الزيادة مزيلة لذلك الواجب، وأجيب بأن الزيادة لم تتعيّن في الأخيرتين، بل يُحتمل أن يكونا هما الفرض الأول، والمزيد هما الركعتان الأولتان بتشهدها، ويؤيده استمرار السلام بعد التشهد الأخير كما كان، واحتج أيضًا بأنّ من تعمّد ترك\n_________\n(١) رقم (٨٢٩).","vol":"2","page":78},{"text":"الجلوس الأوّل بطلت صلاته، وهذا لا يرد لأنَّ من لا يوجبه لا يبطل الصلاة بتركه\".\nوتقدّم قول النووي -بغير هذه المناسبة- \"ولأنَّ الصلاة مبنيّة على أن لا يفتر عن الذكر في شيء منها ... \".\nقال ابن حزم -﵀- في \"المحلّى\" بعد أن ذكر جلسة التشهد: وفرْضٌ عليه أن يتشهّد في كلّ جلسة من الجلستين اللتين ذَكرنا.\nوقال تحت المسألة (٣٧٢) رادًّا على من يقول: الجلوس مقدار التشهّد فرض وليس التشهّد فرضًا: \" ... وكل هذه الأقوال خطأ، لأنَّ النّبيّ - ﷺ - أمَر بالتشهد في القعود في الصلاة، فصار التشهد فرضًا، وصار القعود الذي لا يكون التشهد إلاَّ فيه فرضًا، إِذ لا يجوز أن يكون غير فرض ما لا يتم الفرض إِلا فيه أو به!\nثمَّ روى بإِسناده إِلى عمر أنَّه قال: \"لا صلاة إلاَّ بتشهد، وعن نافع مولى ابن عمر: من لم يتكلم بالتشهد فلا صلاة له؟ وهو قول الشافعي، وأبي سليمان! \".\nوقال رادًّا على من يقول: لو كان الجلوس الأوّل فرضًا لما أجزأت الصلاة بتركه إِذا نسيه المرء: \"هذا ليس بشيء لأنَّ السنّة التي جاءت بوجوبه هي التي جاءت بأنَّ الصلاة تجزئ بنسيانه [وهذا قويّ وقياس المتعمّد على النّاسي لا يصحّ] وهم يقولون: إِنَّ الجلوس عمدًا في موضع القيام في الصلاة حرام؛ تبطل الصلاة بتعمده، ولا تبطل بنسيانه، وكذلك السلام قبل تمام الصلاة ولا فرق\".","vol":"2","page":79},{"text":"قال شيخنا -حفظه الله تعالى- في \"تلخيص صفة الصلاة\" (ص ٢٩): \"والتشهّد واجب، إِذا نسيه سجدَ سجدتي السهو\" انتهى. ويرجّح وجوبه أنَّه جاء في أفراد الأوامر التي أمرها رسول الله - ﷺ - \"المسيء صلاته\" ولفظه: \"إِنها لا تتمّ صلاة أحدكم حتى يُسبغ الوضوء\" ... وذكر الحديث إِلى أن قال: \"فإِذا جلسْتَ في وسط الصلاة؛ فاطمئنّ وافترش فخذك اليسرى، ثمَّ تشهّد\". وانظر \"سنن أبي داود\" (٧٦٤)، و\"صفة الصلاة\" (١٥٧)، وقد تقدّم كلام الشوكاني في \"نيل الأوطار\" حول هذه القاعدة.\nوقال شيخنا في \"تمام المنّة\" (١٧٠) بعد الحديث السابق: \"وفيه دليل على وجوب التشهّد في الجلوس الأوّل، ولازِمه وجوب الجلوس له، لأنَّه ما لا يقوم الواجب إلاَّ به فهو واجب\".\nوفي الحديث: \"إِذا قعدتم في كلّ ركعتين فقولوا: التحيات ... الخ\" (١).\nوفي لفظ: \"قولوا في كلّ جلسة التحيات\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-401>٢٠ - الصلاة على النّبيّ - ﷺ - في التشهّد الأوّل:</span>\nفقد \"كان - ﷺ - يصلي على نفسه في التشهّد الأوّل وغيره\" (٣).\nقال شيخنا -شفاه الله وعافاه-: \"وسنّ ذلك لأمته؛ حيث أمَرهم بالصلاة عليه بعد السلام عليه، فقد قالوا: يا رسول الله! قد علِمنا كيف نُسلِّم عليك\n_________\n(١) أخرجه النسائي وأحمد والطبراني في \"الكبير\" بسند صحيح. وانظر \"صفة الصلاة\" (١٦٠).\n(٢) أخرجه النسائي بسند صحيح. وانظر \"صفة الصلاة\" (١٦٠).\n(٣) أخرجه أبو عوانة في \"صحيحه\" (٢/ ٣٢٤) والنسائي. عن \"الصفة\" (١٦٤).","vol":"2","page":80},{"text":"(أي: في التشهّد)، فكيف نصلّي عليك؟ قال: قولوا: اللهمّ صل على محمّد ... الحديث، فلم يخصّ تشهّدًا دون تشهّد، ففيه دليل على مشروعية الصلاة عليه في التشهّد الأوّل أيضًا، وهو مذهب الإِمام الشافعي، كما نص عليه في كتابه \"الأمّ\" (١)، وهو الصحيح عند أصحابه؛ كما صرّح به النووي في \"المجموع\" (٣/ ٤٦٠)، واستظهرَه في \"الروضة\" (١/ ٢٦٣ - طبع المكتب الإِسلامي)، وهو اختيار الوزير ابن هبيرة الحنبلي في \"الإِفصاح\"؛ كما نقله ابنُ رجب في \"ذيل الطبقات\" (١/ ٢٨٠) وأقرّه، وقد جاءت أحايثُ كثيرة في الصلاة عليه - ﷺ - في التشهّد، وليس فيها أيضًا التخصيصُ المشارُ إِليه، بل هي عامّة تشملُ كل تشهُّد، وقد أوردْتها في الأصل تعليقًا، ولم أورِدْ شيئًا منها في المتن؛ لأنَّها ليست على شرطنا، وإن كانت من حيث المعنى يقوّي بعضها بعضًا، وليس للمانعين المخالفين أيُّ دليل يصحّ أنْ يُحتَجّ به، كما فصّلته في \"الأصل\"، كما أن القول بكراهة الزيادة في الصلاة عليه - ﷺ - في التشهد الأوّل على \"اللهمّ صلّ على محمّد\"، ممّا لا أصْل له في السنّة ولا برهان عليه، بل نرى أنّ من فعَل ذلك لم يُنفِّذْ أمْر النّبيّ - ﷺ - المتقدّم: \"قولوا: اللهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد ... \" إِلخ.\nوفي \"تمام المنّة\" (ص ٢٢٤): \"في الردّ على الشيخ السيد سابق\n_________\n(١) قال -رحمه الله تعالى- تحت رقم (١٤٥٦): والتشهد والصلاة على النّبيَ - ﷺ - في التشهّد الأول في كل ركعة غير الصبح تشهدان؛ تشهد أوّل، وتشهد آخر، إِن ترك التشهد الأول، والصلاة على النّبيّ - ﷺ - في التشهد الأول ساهيًا، لا إِعادة عليه، وعليه سجدتا السهو لتركه.","vol":"2","page":81},{"text":"-حفظه الله تعالى- في إِيراده قول ابن القيّم -﵀-: لم يُنقَل أنَّه - ﷺ - صلّى عليه وعلى آله في التشّهّد الأوّل ... ومن استحبَّ ذلك فإِنما فَهِمه من عمومات وإطلاقات؛ قد صحّ تبيين موضعها وتقييدها بالتشهّد الأخير.\nقال شيخنا -حفظه الله-: لا دليل تقوم به الحّجة يصلح لتقييد العمومات والمطلقات المشار إِليها بالتشهّد الأوّل، فهي على عمومها، وأقوى ما استدلّ به المخالفون حديث ابن مسعود المذكور في الكتاب (١)، وهو غير صحيح الإِسناد لانقطاعه كما ذكَر المؤلف (٢)، وقد استوفى ابن القيّم -﵀- أدلّة الفريقين، وبيَّن ما لها وما عليها في \"جلاء الأفهام في الصلاة على خير الأنام\"، فراجِعه يظهر لك صواب ما رجّحناه.\nثمَّ وقفْتُ على ما ينفي مطلق قول ابن القيّم: \"لم يُنقل أنَّه - ﷺ - صلّى عليه وعلى آله في التشهد الأوّل\"، وهو قول عائشة -﵂- في صفة صلاته - ﷺ - في الليل:\n\"كنا نعدّ لرسول الله - ﷺ - سواكه وطَهوره، فيبعثه الله فيما شاء أن يبعثه من الليل، فيتسوك ويتوضّأ، ثمَّ يصلّي تسع ركعات لا يجلس فيهنّ إِلا عند الثامنة، فيدعو ربه ويصلّي على نبيِّه، ثمَّ ينهض ولا يُسلّم، ثمَّ يصلّي التاسعة، فيقعد، ثمَّ يحمد ربه ويصلّي على نبيه - ﷺ - ويدعو، ثمَّ يُسلّم تسليمًا يُسمِعنا\".\n_________\n(١) ولفظه: \"كان النّبي - ﷺ - إِذا جلس في الركعتين الأوليين؛ كأنّه على الرَّضف\".\n(٢) فقد قال -حفظه الله تعالى-: \"وقال الترمذي حسن إلاَّ أن عبيدة لم يسمع من أبيه\".","vol":"2","page":82},{"text":"أخرجه أبو عوانة في \"صحيحه\" (٢/ ٣٢٤) وهو في \"صحيح مسلم\" (٢/ ١٧٠)، لكنه لم يَسُقْ لفظه.\nففيه دلالة صريحة على أنَّه - ﷺ - صلّى على ذاته - ﷺ - في التشهّد الأوّل كما صلّى في التشهّد الآخر، وهذه فائدة عزيزة فاستفِدها، وعضَّ عليها بالنواجذ.\nولا يقال: إنّ هذا في صلاة الليل، لأننا نقول: الأصل أنّ ما شُرع في صلاة شُرع في غيرها؛ دون تفريق بين فريضة أو نافلة، فمن ادَّعى الفرق فعليه الدليل\". انتهى.\nقال ابن حزم في \"المحلّى\" تحت المسألة (٤٥٨): \"ويستحبّ إِذا أكمل التشهّد في كلتي الجلستين أن يصلّي على رسول الله - ﷺ - فيقول: اللهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد وعلى أزواجه وذريته، كما صليت على إِبراهيم ... \".\nقلت: ومن الأدلة على ذلك أيضًا حديث عبد الله بن مسعود -﵁-: \"كنّا لا ندري ما نقول في كلّ ركعتين غير أنْ نسبّح، ونكبّر، ونحمد ربّنا، وأنّ محمّدًا - ﷺ - علم فواتح الخير وخواتمه، فقال: \"إِذا قعدتم في كل ركعتين، فقولوا: التحياتُ لله، والصلوات، والطيبات. السلام عليك أيها النّبيّ ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلاَّ الله وأشهد أنَّ محمّدًا عبده ورسوله. وليتخيّر أحدكم من الدعاء أعجبه إِليه، فليدْع الله ﷿\" (١).\nفهذا صريح بتخيُّر الدعاء في كلّ ركعتين والدعاء إِنما يكون بعد الصلاة\n_________\n(١) أخرجه أحمد والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (١١١٤) وغيرهما، وانظر \"الصحيحة\" (٨٧٨).","vol":"2","page":83},{"text":"على النّبيّ - ﷺ -.\nقال شيخنا في \"الصحيحة\" (٨٧٨) بعد أن ذكر الحديث السابق: \"وفي الحديث فائدة هامّة؛ وهي مشروعية الدعاء في التشهد الأول، ولم أر من قال به من الأئمّة غير ابن حزم، والصواب معه، وإِنْ كان هو استدل بمُطْلَقات يمكن للمخالفين ردّها بنصوص أخرى مقيّدة، أمّا هذا الحديث فهو في نفسه نصّ واضح مفسّر لا يقبل التقييد، فرحم الله امرَأً أنصف واتبع السنة\" (١) انتهى.\nثمَّ وجدت في \"صحيح سنن النسائي\" (١١١٥) حديثًا في غاية التصريح والتبيين عن عبد الله قال: \"علَّمنا رسول الله - ﷺ - التشهّد في الصلاة، والتشهّد في الحاجة، فأمّا التشهّد في الصلاة: التحيات لله، والصلوات، والطيبات، السلام عليك أيها النبيّ (٢) ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله\n_________\n(١) ثمَّ قال شيخنا -حفظه الله-: والحديث دليل من عشرات الأدلة على أنّ الكتب قد فاتها غير قليل من هدي خير البريّة - ﷺ -، فهل في ذلك ما يحمل المتعصّبة على الاهتمام بدراسة السنّة، والاستنارة بنورها؟! لعلّ وعسى.\nتنبيه: وأمّا حديث: \"كان لا يزيد في الركعتين على التشهد\". فهو منكر كما حققته في \"الضعيفة\" (٥٨١٦).\n(٢) هذا في حياته - ﷺ - أمّا بعد مماته فيقول: السلام على النّبيّ ورحمة الله وبركاته. قال الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ٣١٤) -بحذف-: وقد ورد في بعض طرق حديث ابن مسعود هذا ما يقتضي المغايرة بين زمانه - ﷺ - فيقال بلفظ الخطاب، وأمّا بعده فيقال بلفظ الغَيبَة، ففي الاستئذان من \"صحيح البخاري\" من طريق أبي معمر عن ابن مسعود بعد أن ساق حديث التشهّد قال: \"وهو بين ظَهرانَينا، فلما قُبض قلنا السلام\" يعني على النّبيّ، كذا وقع في البخاري، وأخرجه أبو عوانة في صحيحه والسراج والجوزقي وأبو نعيم الأصبهاني =","vol":"2","page":84},{"text":"الصالحين، أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، وأشهد أن محمّدًا عبده ورسوله، إِلى آخر التشهّد\".\nوكلمة إِلى آخر التشهّد؛ توضّح أنَّ الصلاة على النّبيّ - ﷺ - منه، لأنّه ذكَر التحيات كاملة، فلم يبق إلاَّ الصلاة على النّبيّ - ﷺ -؛ وبالله التوفيق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-402>٢١ - القيام إِلى الركعة الثالثة ثمَّ الرابعة </span>(١)\nويراعى فيه ما يأتي:\nالتكبير عند النهوض فقد \"كان - ﷺ - ينهض إِلى الركعة الثالثة مكبّرًا\" (٢).\nوالسّنّة أن يكبّر وهو جالس. و\"كان - ﷺ - يرفع يديه\" مع هذا التكبير أحيانًا (٣). \"تمَّ يقوم معتمدًا على الأرض\" (٤).\nو\"كان يعجن -يعتمد على يديه- إِذا قام\" (٥).\n_________\n= والبيهقي من طرق متعددة إِلى أبي نعيم شيخ البخاري فيه بلفظ: \"فلما قبض قلنا السلام على النّبيّ\" بحذف لفظ يعني، وقد وجدت له متابعًا قويًا: قال عبد الرزاق: \"أخبرنا ابن جريج أخبرني عطاء أن الصحابة كانوا يقولون والنّبيّ - ﷺ - حي: السلام عليك أيها النّبيّ، فلما مات قالوا: السلام على النّبيّ، وهذا إِسناد صحيح. انتهى. وانظر ما قاله شيخنا -حفظه الله- في \"صفة الصلاة\" (ص ١٦٢).\n(١) ملتقطًا من \"صفة الصلاة\" (ص ١٧٧) و\"تلخيصها\" (ص٣٠ - ٣١).\n(٢) أخرجه البخاري: ٨٢٥، ومسلم: ٣٩٣ نحوه.\n(٣) أخرجه البخاري: ٧٣٩ نحوه، وأبو داود.\n(٤) أخرجه البخاري: ٨٢٤، وأبو داود.\n(٥) أخرجه الحربي في \"غريب الحديث\" ومعناه عند البخاري وأبي داود.","vol":"2","page":85},{"text":"وكان يقرأ في كلٍّ من الركعتين الفاتحة، ويضيف إِليها آية أو أكثر أحيانًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-403>٢٢ - التشهّد الأخير:</span>\nوكان - ﷺ - يأمر فيه بما أمَر به في الأوّل، ويصنع فيه ما كان يصنع في الأوّل، إلاَّ أنَّه كان يقعد فيه متورِّكًا (١).\nقال شيخنا في \"تلخيص صفة الصلاة\" (ص ٣٣): \"ثمَّ يقعد للتشهّد الأخير، وكلاهما واجب\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-404>٢٣ - الصلاة على النّبيّ - ﷺ - في التشهّد الأخير، وهي واجبة:</span>\nعن أبي مسعود الأنصاري؛ قال: أتانا رسول الله - ﷺ - ونحن في مجلس سعد بن عُبادة، فقال له بَشير بن سعد: أمَرنا الله تعالى أن نصلّيَ عليك يا رسول الله! فكيف نُصلّي عليك؟ قال فسكت رسول الله - ﷺ - حتى تمنَّينا أنَّه لم يسأله، ثمَّ قال رسول الله - ﷺ -: \"قولوا: اللهمَّ صلِّ على محمّد وعلى آل محمّد، كما صلَّيت على آل إِبراهيم، وبارِك على محمّد وعلى آل محمّد، كما باركت على آل إِبراهيم، في العالمين إِنَّك حميد مجيد. والسلام كما قد علِمتم\" (٢).\nوسمع - ﷺ - رجلًا يدعو في صلاته؛ لم يُمجّد الله تعالى، ولم يُصلِّ على النّبيّ - ﷺ - فقال: \"عجِّل هذا\"، ثمَّ دعاه فقال له ولغيره: \"إِذا صلّى أحدكم؛\n_________\n(١) انظر \"صفة الصلاة\" (١٨١)، والتورك: من وضع الورك عليها، والوَرِك: ما فوق الفخذ. وهو أن يُنحِّي رجليه في التشهد الأخير، ويلصق مقعدته بالأرض. وانظر \"النهاية\"، وتقدم بعضه.\n(٢) أخرجه مسلم: ٤٠٥، وغيره.","vol":"2","page":86},{"text":"فليبدأ بتحميد ربه جلّ وعزّ، والثناء عليه، ثمَّ يصلّي (وفي رواية: ليصلّ) على النّبيّ - ﷺ -، ثمَّ يدعو بما شاء\" (١).\nقال الشوكاني: لم يثبت عندي ما يدلّ للقائلين بالوجوب غير هذا الحديث: \" ... عجل هذا\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-405>من صِيَغ التَّشَهُّد </span>(٢)\n١ - التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النّبيّ ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، [فإِنه إِذا قال ذلك؛ أصاب كُلّ عبدٍ صالحٍ في السماء والأرض]، أشهد أن لا إِله إِلا الله، وأشهد أن محمّدًا عبده ورسوله، [قال عبد الله:] [وهو بين ظهرانينا، فلما قُبض قلنا: السلام على النّبيّ] (٣).\n٢ - التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، [الـ] سلام عليك أيها النّبيّ ورحمة الله وبركاته، [الـ] سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إِله إِلا الله، و[أشهد] أن محمّدًا رسول الله، وفي رواية: عبده ورسوله (٤).\n_________\n(١) أخرجه أحمد وأبو داود وغيرهما، وانظر \"صفة الصلاة\" (ص ١٨٢).\nقال شيخنا -شفاه الله تعالى-: \"واعلم أنّ هذا الحديث يدل على وجوب الصلاة عليه - ﷺ - في هذا التشهد للأمر بها، وقد ذهَب إِلى الوجوب الإِمام الشافعي وأحمد في آخر الروايتين عنه، وسبَقهما إِليه جماعة من الصحابة وغيرهم ... \".\n(٢) \"صفة الصلاة\" (ص ١٦١) -بحذف وتصرُّف-.\n(٣) أخرجه البخاري: ٦٢٦٥، ومسلم: ٤٠٢، وانظر \"الإِرواء\" (٣٢١).\n(٤) أخرجه مسلم: ٤٠٣، وأبو عوانة وغيرهما.","vol":"2","page":87},{"text":"٣ - التحيات لله، [و] الصلوات [و] الطيبات، السلام عليك أيها النّبيّ ورحمة الله- قال ابن عمر: زدت (١) فيها: وبركاته -السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إِله إِلا الله- قال ابن عمر: وزدت (٢) فيها: وحده لا شريك له- وأشهد أن محمّدًا عبده ورسوله (٣).\n٤ - التحيات الطيبات الصلوات لله، السلام عليك أيها النّبيّ ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إِله إِلا الله [وحده لا شريك له]، وأشهد أن محمّدًا عبده ورسوله (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-406>مِن صِيغ الصلاة على النّبيّ - ﷺ - في التشهّد </span>(٥)\n١ - \"اللهمّ صلّ على محمّد، وعلى أهل بيته، وعلى أزواجه وذريّته؛ كما صلّيتَ على آل إِبراهيم، إِنك حميد مجيد وبارِك على محمّد، وعلى آل بيته، وعلى أزواجه وذريّته؛ كما باركْتَ على آل إِبراهيم، إِنك حميد مجيد\". وهذا كان يدعو به هو نفسه - ﷺ - (٦).\n٢ - \"اللهم صلِّ على محمّد، وعلى آل محمّد، كما صلّيت على [إِبراهيم، وعلى] آل إِبراهيم، إِنك حميد مجيد، اللهم بارِك على محمّد، وعلى آل\n_________\n(١) أي: زاد فيها من التشهُّد الذي سَمِعه من النّبيّ - ﷺ -؛ لا مِن عنده.\n(٢) أي: زاد فيها من التشهُّد الذي سَمِعه من النّبيّ - ﷺ -؛ لا مِن عنده.\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٩٧١) والدارقطني وصحّحه.\n(٤) أخرجه مسلم: ٤٠٤، وأبو عوانة وغيرهما.\n(٥) عن \"صفة الصلاة\" (ص ١٦٥) بتصرّف.\n(٦) أخرجه أحمد والطحاوي بسند صحيح، والشيخان دون قوله - ﷺ - \"أهل بيته\" وانظر البخاري: ٣٣٦٩، ومسلم: ٤٠٧","vol":"2","page":88},{"text":"محمّد؛ كما باركْتَ على [إِبراهيم، وعلى] آل إِبراهيم، إِنك حميد مجيد\" (١)\n٣ - \"اللهم صلّ على محمّد [النّبيّ الأمّي (٢)]، وعلى آل محمّد؛ كما صلّيتَ على [آل] إِبراهيم، وبارِك على محمّد [النّبيّ الأمّي] وعلى آل محمّد؛ كما باركت على [آل] إِبراهيم في العالمين، إِنك حميد مجيد\" (٣).\n٤ - \"اللهم صلّ على محمّد و[على] أزواجه وذريته، كما صلّيتَ على [آل] إِبراهيم، وبارِك على محمّد و[على] أزواجه وذريته، كما باركْتَ على [آل] إِبراهيم، إِنك حميد مجيد\" (٤).\n٥ - \"اللهم صلّ على محمّد، وعلى آل محمّد، وبارِك على محمّد، وعلى آل محمّد، كما صلّيت وباركتَ على إِبراهيم وآل إِبراهيم، إِنك حميد مجيد\" (٥).\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٣٣٧٠، ومسلم: ٤٠٦، والنسائي في \"عمل اليوم والليلة\"، والحميدي وابن منده وقال: هذا حديث مُجمعٌ على صحَّته.\n(٢) الأمّيّ: من كان على أصل ولادة أمّه؛ لم يتعلم الكتابة والحساب، فهو على جبلته الأولى، وانظر \"النهاية\".\n(٣) أخرجه مسلم: ٤٠٥، وأبو عوانة وابن أبي شيبة في \"المصنف\" وأبو داود والنسائي وصححه الحاكم.\n(٤) أخرجه البخاري: ٣٣٦٩، ومسلم: ٤٠٧، والنسائي.\n(٥) أخرجه النسائي والطحاوي، وأبو سعيد ابن الأعرابي في \"المعجم\".","vol":"2","page":89},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-407>٢٤ - الاستعاذة من أربع قبل الدعاء:</span>\nويجب الاستعاذة من أربع بعد الفراغ من التشهّد الآخر، لحديث أبي هريرة -﵁- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"إِذا تشهّد أحدكم؛ فليستعذ بالله من أربع، يقول: اللهمّ إِنّي أعوذ بك من عذاب جهنّم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شرّ فتنة المسيح الدجال\" (١).\nوفي رواية: \"إِذا فرغ أحدكم من التشهد الآخِر فليتعوذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شرّ المسيح الدجال\" (٢).\nوكان رسول الله - ﷺ - يعلّمه الصحابة -﵃- كما يعلمهم السورة من القرآن.\nفعن ابن عباس أنَّ رسول الله - ﷺ - كان يعلمهم هذا الدعاء؛ كما يعلّمهم السورة من القرآن يقول: قولوا: اللهم إِنا نعوذ بك من عذاب جهنّم ... \" (٣).\n\n٢٥ - الدعاء قبل السلام (٤) وأنواعه (٥):\nمن السنّة أن يتخيّر المصلي من الأدعية الآتية ما شاء وينوّع، وهي:\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ٥٨٨ وأبو عوانة والنسائي وابن الجارود في \"المنتقى\"، وهو مخرج في \"الإرواء\" (٣٥٠).\n(٢) أخرجه مسلم: ٥٨٨\n(٣) أخرجه مسلم: ٥٩٠\n(٤) وهو مستحب وبهذا يقول شيخنا -شفاه الله تعالى-.\n(٥) عن \"صفة الصلاة\" (ص ١٨٣) بتصرّف.","vol":"2","page":90},{"text":"١ - اللهمّ إِنّي أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، اللهمّ إِني أعوذ بك من المأثم والمغرم (١) \" (٢).\n٢ - \"اللهم إِنّي أعوذ بك من شر ما عمِلتُ (٣)، ومن شر ما لم أعمل (٤) [بعد] \" (٥).\n٣ - \"اللهم حاسِبني حسابًا يسيرًا\" (٦).\n٤ - وعلَّم - ﷺ - أبا بكر الصديق -﵁- أن يقول: \"اللهمّ إِني ظلمتُ نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إِلا أنت، فاغفر لي مغفرة من\n_________\n(١) هو الأمر الذي يأثم به الإِنسان، أو هو الإِثم نفسه؛ وضْعًا للمصدر موضع الاسم. \"النهاية\".\nوكذلك المغرم: ويريد به الدَّيْن؛ بدليل تمام الحديث: \"قالت عائشة: فقال له القائل: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم يا رسول الله! فقال: إِن الرجل إِذا غرم؛ حدّث فكذب، ووعد فأخلف\".\nوجاء في \"النهاية\": المَغْرَم: كالغُرْم، وهو الدَّيْن ويريُد به ما استدين فيما يكرهه الله، أو فيما يجوز ثمَّ عَجَز عن أدائه، فأمّا دَيْن احتاج إِليه وهو قادر على أدائه فلا يُستعاذ منه\".\n(٢) أخرجه البخاري: ٨٣٢، ومسلم: ٥٨٩\n(٣) أي: من شر ما فعلْت من السيئات.\n(٤) من الحسنات يعني: من شر تركي العمل بها.\n(٥) أخرجه النسائي بسند صحيح، وابن أبي عاصم في كتاب \"السُّنة\" (٣٧٠) والزيادة له.\n(٦) أخرجه أحمد والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي.","vol":"2","page":91},{"text":"عندك، وارحمني، إِنك أنت الغفور الرحيم\" (١).\n٥ - وأمرَ عائشة -﵂- أن تقول: \"اللهمّ إِنّي أسألك من الخير كلهّ؛ [عاجله وآجله]؛ ما علمتُ منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر كلّه [عاجله وآجله] ما علمتُ منه وما لم أعلم، وأسألك (وفي رواية: اللهمّ إِني أسألك) الجنة وما قرّب إِليها من قول أو عمل، وأعوذ بك من النار وما قرّب إِليها من قول أو عمل، وأسألك (وفي رواية: اللهمّ إِني أسألك) من [الـ] خير ما سألَك عبدك ورسولك [محمّد، وأعوذ بك من شر ما استعاذ منه عبدك ورسولك محمّد - ﷺ -]، [وأسألك] ما قضيتَ لي من أمْر أن تجعل عاقبته [لي] رشدًا\" (٢).\n٦ - و\"قال لرجل: \"ما تقول في الصلاة؟ \" قال: أتشهّد، ثمَّ أسأل الله الجنّة، وأعوذ به من النار، أما والله ما أحسِن دندنتك (٣) ولا دندنة معاذ، فقال - ﷺ -: (حولها ندندن) \" (٤).\n٧ - وسمع رجلًا يقول في تشهُّده: \"اللهمّ إِني أسألك يا الله (وفي رواية:\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٨٣٤، ومسلم: ٢٧٠٥\n(٢) أخرجه أحمد والطيالسي والبخاري في \"الأدب المفرد\" وابن ماجه والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي، وانظر \"الصحيحة\" (١٥٤٢).\n(٣) أي: مسألتك الخفية أو كلامك الخفيّ، والدندنة: أنْ يتكلم الرجل بكلام تسمع نغمته ولا يُفهَم، وضمير الهاء في قوله: \"حولها\" يعود للمقالة؛ أي: كلامنا قريب من كلامك.\n(٤) أخرجه أبو داود وابن ماجه وابن خزيمة بسند صحيح.","vol":"2","page":92},{"text":"بالله) [الواحد] الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد أن تغفر لي ذنوبي، إِنك أنت الغفور الرحيم. فقال - ﷺ -: (قد غفر له، قد غفر له) \" (١).\n٨ - وسمع آخر يقول في تشهّده أيضًا: \"اللهمّ إِني أسألك بأنّ لك الحمد، لا إِله إلاَّ أنت [وحدك لا شريك لك]، [المنان]، [يا] بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإِكرام يا حي يا قيوم [إِني أسألك] [الجنة، وأعوذ بك من النار] [فقال النّبيّ - ﷺ - لأصحابه: تدرون بما دعا؟ \" قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: (والذي نفسي بيده]؛ لقد دعا الله باسمه العظيم (وفي رواية: الأعظم) الذي إِذا دُعي به أجاب، وإذا سُئل به أعطى) \" (٢).\n٩ - وكان من آخِر ما يقول بين التشهد والتسليم: \"اللهم اغفِر لي ما قدّمتُ، وما أخّرتُ، وما أسرَرْت، وما أعلنتُ، وما أسرفتُ، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدّم وأنت المؤخّر، لا إِله إِلا أنت\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-409>٢٦ - التسليم، والتسليمة الأولى ركن والثانية مستحبّة:</span>\nلِما تقدّم من قوله - ﷺ -: \"مفتاح الصلاة الطَّهور وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم\".\n_________\n(١) أخرجه أبو داود والنسائي، وأحمد وابن خزيمة، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.\n(٢) أخرجه أبو داود والنسائي وأحمد والبخاري في \"الأدب المفرد\"، والطبراني، وابن منده في \"التوحيد\" بأسانيد صحيحة.\n(٣) أخرجه مسلم: ٧٧١، وأبو عوانة.","vol":"2","page":93},{"text":"و\"كان - ﷺ - يسلم عن يمينه: \"السلام عليكم ورحمة الله\"، حتى يُرى بياض خدّه الأيمن، وعن يساره: \"السلام عليكم ورحمة الله\"، حتى يُرى بياض خده الأيسر\" (١).\nوكان أحيانًا يزيد في الأولى: \"وبركاته\" (٢).\nوكان أحيانًا إِذا قال عن يمينه: \"السلام عليكم ورحمة الله\" اقتصر -أحيانًا - على قوله عن يساره: \"السلام عليكم\" (٣)، وأحيانًا \"كان يسلم تسليمة واحدة: \"السلام عليكم\"، تلقاء وجهه، يميل إِلى الشق الأيمن شيئًا [أو قليلًا] \" (٤).\nقال شيخنا في \"تلخيص صفة الصلاة\" (ص ٣١): \"ثمَّ يُسلّم عن يمينه وهو رُكن حتى يُرى بياض خدّه الأيمن\".\nوقد نقل ابن المنذر الإِجماع على أنَّ من اقتصر في صلاته على تسليمة واحدة فقد اجزأَت.\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ٥٨٢ بنحوه وأبو داود والنسائي والترمذي وصححه.\n(٢) أخرجه أبو داود وابن خزيمة (١/ ٨٧/٢) بسند صحيح، وغيرهما، وصححه\nعبد الحقّ في \"أحكامه\" (٥٦/ ٢) وكذا النووى والحافظ ابن حجر، وانظر \"صفة الصلاة\" (١٨٧).\n(٣) أخرجه النسائي وأحمد والسراج بسند صحيح. عن \"صفة الصلاة\" (١٨٨).\n(٤) أخرجه الترمذي وغيره، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، وابن الملقن في \"الخلاصة\"، وانظر للمزيد \"صفة الصلاة\" (١٨٨)، و\"الإِرواء\" (٢/ ٣٣)، و\"الصحيحة\" (٣١٦).","vol":"2","page":94},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-410>ما ورد في صِفة الصلاة يستوي فيها الرجال والنساء</span>\nقال شيخنا في \"الصفة\" -بحذف-: \"كلّ ما تقدّم من صفة صلاته - ﷺ - يستوي فيه الرجال والنساء، ولم يَرِد في السنّة ما يقتضي استثناءُ النساء من بعض ذلك، بل إِنّ عموم قوله - ﷺ -: \"صلّوا كما رأيتموني أصلي\" يشملُهُنّ، وهو قول إِبراهيم النخعي قال: \"تفعَلُ المرأةُ في الصلاة كما يفعَلُ الرجل\".\nأخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٧٥/٢) بسند صحيح عنه (١).\nوروى البخاري في \"التاريخ الصغير\" (ص٩٥) بسند صحيح عن أمّ الدرداء: \"أنها كانت تجلس في صلاتها جلسة الرجل، وكانت فقيهة\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-411>الأذكار والأدعية بعد السلام</span>\n١ - عن ثوبان -﵁- قال: \"كان رسول الله - ﷺ - إِذا انصرف من صلاته، استغفَر ثلاثًا، وقال: \"اللهمّ أنت السلام ومنك السلام، تباركت ذا الجلال والإِكرام\".\nقال الوليد (٢) فقلت للأوزاعي: كيف الاستغفار؟ قال: تقول: أستغفر الله، أستغفر الله (٣).\n_________\n(١) وحديث انضمام المرأة في السجود، وأنها ليست في ذلك كالرجل؛ مُرسَل لا حجة فيه. رواه أبو داود في \"المراسيل\" (١١٧/ ٨٧) عن يزيد بن أبي حبيب، وهو مخرّج في \"الضعيفة\" (٢٦٥٢).\n(٢) هو شيخ البخاري.\n(٣) أخرجه مسلم: ٥٩١","vol":"2","page":95},{"text":"٢ - وعن عائشة -﵂- قالت: \"كان النّبيّ - ﷺ - إِذا سلّم، لم يقعد إلاَّ مقدار ما يقول: اللهمّ أنت السلام ومنك السلام، تباركتَ يا ذا الجلال والإِكرام\" (١).\nعن ورّاد كاتب المغيرة بن شعبة قال: \"أَملى عليَّ المغيرة بن شعبة في كتاب إِلى معاوية؛ أنَّ النّبيّ - ﷺ - كان يقول في دُبر كلِّ صلاة مكتوبة: لا إِله إلاَّ الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كلِّ شيء قدير، اللهمّ لا مانع لما أعطيت، ولا معطيَ لما منعْت، ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَدُّ، وقال شعبة عن عبد الملك بهذا عن الحكم عن القاسم بن مُخَيمِرة عن ورَّادٍ بهذا، وقال الحسن الجَدُّ: الغنى\". (٢)\n٣ - عن معاذ بن جبل -﵁- أنَّ رسول الله - ﷺ - أخذ بيده وقال: \"يا معاذ! إِنِّي والله لأحبُّك، فلا تدعَنَّ في دُبُر كلِّ صلاة أن تقول: اللهمّ أعنِّي على ذكركَ وشُكرك، وحُسن عبادتك\" (٣).\n٤ - عن أبي هريرة -﵁- قال: \"جاء الفقراء إِلى النّبيّ - ﷺ - فقالوا ذهب أهل الدثور (٤) من الأموال بالدرجات العُلا والنّعيم المقيم، يُصلّون كما نُصلّي ويصومون كما نصوم، ولهم فضلٌ من أموالٍ يحجّون بها\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ٥٩٢\n(٢) أخرجه البخاري: ٨٤٤، ومسلم: ٥٩٣\n(٣) أخرجه أبو داود والنسائي، وقال شيخنا في \"الكلم الطيب\" (ص ٧٠): وإسناده صحيح رجاله كلهم ثقات.\n(٤) الدثور: جمع دَثْر، وهو المال الكثير.","vol":"2","page":96},{"text":"ويعتمرون ويجاهدون ويتصدّقون قال: ألا أحدّ ثكم إِنْ أخذتم أدركتم مَن سبقكم ولم يدْركْكُم أحدٌ بعدكم، وكنتم خير من أنتم بين ظهرانيه إلاَّ من عمل مثله؟ تُسبِّحون وتحمَدون وتُكبّرون خلف كلِّ صلاة ثلاثًا وثلاثين، فاختلفنا بيننا فقال بعضُنا: نسبّح ثلاثًا وثلاثين، ونحمد ثلاثا وثلاثين، ونكبّر أربعًا وثلاثين، فرجعتُ إِليه، فقال: تقول: سبحان الله والحمد لله والله أكبر، حتى يكون منهنّ كلهِّن ثلاثٌ وثلاثون\" (١).\n٥ - عن أبي الزبير؛ قال: كان ابن الزبير يقول في دُبُر كلّ صلاة حين يسلّم: \"لا إِله إلاَّ الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كلّ شيء قدير، لا حول ولا قوة إلاَّ بالله، لا إِله إلاَّ الله، ولا نعبد إلاَّ إِيّاه، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إِله إلاَّ الله مُخلِصين له الدين ولو كَره الكافرون، وقال: كان رسول الله - ﷺ - يهلّل بهنّ دُبُر كلِّ صلاة\" (٢).\n٦ - عن كعب بن عُجْرَة عن رسول الله - ﷺ - قال: مُعقّبات (٣) لا يَخِيب قائلهنّ (أو فاعلهنّ) ثلاثٌ وثلاثون تسبيحة، وثلاثٌ وثلاثون تحميدة، وأربع وثلاثون تكبيرة؛ في دُبر كلّ صلاة\" (٤).\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٨٤٣، ومسلم: ٥٩٥\n(٢) أخرجه مسلم: ٥٩٤\n(٣) سُميت معقّبات لأنها تُقال عَقيب الصلاة، كما في \"النهاية\".\nقال شيخنا في \"الصحيحة\" (١٠٢): (والحديث نصٌّ على أنّ هذا الذكر؛ إِنْما يُقال عقب الفريضة مباشرة ... \".\n(٤) أخرجه مسلم: ٥٩٦","vol":"2","page":97},{"text":"٧ - وعن أبي هريرة -﵁- عن رسول الله - ﷺ - قال: \"من سبّح الله في دُبُر كلّ صلاةٍ ثلاثًا وثلاثين، وحَمِد الله ثلاثًا وثلاثين، وكبَّر الله ثلاثًا وثلاثين، فتلك تسعة وتسعون. وقال تمام المائة: لا إِله إلاَّ الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير -غُفِرت خطاياه وإن كانت مثلَ زبد البحر\" (١).\n٨ - عن عبد الله بن عمرو -﵄- عن النّبيّ - ﷺ - قال: خَصلتان أو خلّتان، لا يحافظ عليهما عبدٌ مسلم إلاَّ دخل الجنّة. وهما يسير، ومن يعمل بهما قليل: يُسبّح الله في دبر كلِّ صلاةٍ عشرًا، ويحمَدهُ عشرًا، ويكبرهُ عشرًا، وذلك خمسون ومائة باللسان، وألف وخمسمائة في الميزان. ويكبر أربعًا وثلاثين إِذا أخذ مضجعه، ويحمده ثلاثًا وثلاثين، ويسبح ثلاثًا وثلاثين، فذلك مائةٌ باللسان وألف في الميزان.\nقال: فلقد رأيت رسول الله - ﷺ - يعقدها بيده، قالوا: يا رسول الله كيف هما يسير، ومن يعمل بهما قليل؟ قال: يأتي أحدكم -يعني الشيطان في منامه- فينوّمه قبل أن يقول، ويأتيه في صلاته، فيذكّره حاجته قبل أن يقولها\" (٢).\n٩ - وعن عقبة بن عامر قال: \"أمرَني رسول الله - ﷺ - أن أقرأ المعوّذات دبرَ\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ٥٩٧\n(٢) أخرجه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وهو في \"الكلم الطيب\" (١١١)، وقد استوفيت شرحه في \"شرح صحيح الأدب المفرد\".","vol":"2","page":98},{"text":"كلّ صلاة\" (١).\n١٠ - عن أبي أسامة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من قرأ آية الكُرسي في دُبُر كلّ صلاة، لم يَحُلْ بينه وبين دخول الجنّة إلاَّ الموت\" (٢).\n١١ - عن رجل من الأنصار قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول في دُبُر الصلاة: \"اللهم اغفِر لي، وتُب عليّ، إِنك أنت التوّاب الغفور\" (٣).\n١٢ - عن أُمّ سلمة -﵂- أنَّ النّبيّ - ﷺ - كان يقول إِذا صلّى الصبِّح حين يُسلّم: \"اللهمّ إِنّي أسألك عِلمًا نافعًا ورِزقًا طيبًا وعملًا متقبّلًا\" (٤).\n١٣ - عن عبد الرحمن بن غَنْم عن النّبيّ - ﷺ - أنَّه قال: \"من قال قبل أن ينصرف ويَثنيَ (٥) رجليه من صلاة المغرب والصبح: لا إِله إلاَّ الله وحده لا شريك له، له المُلك، وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كلِّ شيءٍ قدير عشرَ مرات،\n_________\n(١) أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي، وقال شيخنا في \"الكَلِم الطيب\" (١١٢): \"وأخرجه أحمد وسنده صحيح، وصحّحه ابن حبّان\".\n(٢) أخرجه النسائي وغيره، وهو حديث صحيح خرّجه شيخنا في \"الصحيحة\" (٩٧٢).\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المسند\"، وغيره وصححه شيخنا في \"الصحيحة\" (٢٦٠٣).\n(٤) أخرجه أحمد وابن أبي شيبة وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٧٥٣) وغيرهم، وانظر \"تمام المنّة\" (٢٣٣).\n(٥) \"أي: لا يصرف رجله عن حالتها التي هي عليها في التشهّد\". وانظر \"النهاية\".","vol":"2","page":99},{"text":"كتَب الله له بكل واحدةٍ عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات، ورَفع له عشرَ درجاتٍ، وكانت حرزًا من كل مكروه، وحرزًا من الشيطان الرجيم، ولم يَحِلَّ لذنبٍ أن يُدركه إلاَّ الشرك، وكان من أفضل الناس عملًا، إلاَّ رجلًا يَفضُله، يقول أفضل ممّا قال\" (١).\n١٤ - عن أبي أمامة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: من قال دُبر صلاة الغداة: \"لا إِله إلاَّ الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، بيده الخير، وهو على كلِّ شيءٍ قدير، مائة مرة، قبل أن يَثني رجليه، كان يومئذ من أفضل أهل الأرض عملًا، إلاَّ من قال مثل ما قال، أو زاد على ما قال\" (٢).\n_________\n(١) أخرجه أحمد وغيره، وهو حسن لغيره، انظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٤٧٢)، وانظر \"الصحيحة\" (١١٤ و٢٥٦٣)\n(٢) أخرجه الطبري بإِسناد جيد وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٤٧١)، و\"الصحيحة\" (٢٦٦٤).","vol":"2","page":100},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-412>صلاة التطوّع</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-413>فضلها:</span>\nعن أبي هريرة -﵁- عن رسول الله - ﷺ - قال: \"إِنَّ أوّل ما يحاسَب به العبدُ يوم القيامة من عمله صلاته، فإِنْ صَلَحت فقد أفلح وأنجح، وإنْ فسدت خاب وخسر، وإن انتقص من فريضته قال الله تعالى: انظروا هل لعبدي من تطوُّع يُكمل به ما انتقص من الفريضة؟ ثمَّ يكون سائر عمله على ذلك\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-414>استحبابها في البيت</span>\nعن زيد بن ثابت -﵁- قال: \" ... عليكم بالصلاة في بيوتكم؛ فإِنَّ خير صلاة المرء في بيته إلاَّ الصلاة المكتوبة\" (٢).\nعن جابر قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إِذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده؛\nفليجعل لبيته نصيبًا من صلاته، فإِنَّ الله جاعلٌ في بيته من صلاته خيرًا\" (٣).\nعن ابن عمر عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، ولا تتخذوها قبورًا\" (٤).\n_________\n(١) أخرجه الترمذي وغيره، وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٥٣٨)، و\"صحيح سنن ابن ماجه\" (١١٧٢).\n(٢) أخرجه البخاري: ٦١١٣، ومسلم: ٧٨١\n(٣) أخرجه مسلم: ٧٧٨\n(٤) أخرجه البخاري: ٤٣٢، ومسلم: ٧٧٧","vol":"2","page":101},{"text":"عن زيد بن ثابت أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا، إلاَّ المكتوبة\" (١).\nوعن أنس وجابر قالا: \"قال رسول الله - ﷺ -: صلّوا في بيوتكم، ولا تتركوا النوافل فيها\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-415>فضل طول القيام </span>(٣)\nعن المغيرة بن شعبة -﵁- قال: إِنْ كان النّبيّ - ﷺ - ليقوم -أو ليصلِّي- حتى تَرمُ (٤) -قدماه أو ساقاه- فقال له؟ فيقول: \"أفلا أكون عبدًا شكورًا؟ \" (٥).\nوعن عبد الله بن حُبشِي الخثعمي أن النّبيّ - ﷺ - سئل: أي: الصلاة أفضل؟ قال: \"طول القيام\" قيل: فأيّ الصدقة أفضل؟ قال: \"جهد المُقِلِّ\" (٦) قيل: فأيّ الهجرة أفضل؟ قال: \"من هجر ما حرّم الله عليه\" قيل: فأيّ الجهاد\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٢) والترمذي، وانظر \"المشكاة\" (١٣٠٠).\n(٢) أخرجه الدارقطني في \"الأفراد\"، وانظر \"الصحيحة\" (١٩١٠).\n(٣) انظر \"فقه السنّة\" (ص ١٨٢).\n(٤) هكذا بالرفع وجوّز القسطلاني فيه الوجهين، وهي من الورم أو الانتفاخ وقيل التشقّق، ولا تعارُض فإِنّه إِذا حصل الانتفاخ أو الورم حصل التشقق. انظر \"الفتح\" (٣/ ١٥).\n(٥) أخرجه البخاري: ١١٣٠\n(٦) المُقِلّ: ذو المال القليل، وجُهد المُقِلّ أي: قدْر ما يحتمله حال القليل المال، وانظر \"النهاية\".","vol":"2","page":102},{"text":"أفضل؟ قال: \"من جاهد المشركين بماله ونفسه\" قيل: فأيّ القتل أشرف؛ قال: \"من أهريق دمه وعُقِر (١) جواده\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-416>القيام في النّفل</span>\nتجوز الصلاة قاعدًا مع القدرة على القيام، كما في حديث عمران بن حصين، وكان مَبْسورًا (٣) قال: \"سألتُ رسول الله - ﷺ - عن صلاة الرجل قاعدًا فقال: إِنْ صلّى قائمًا فهو أفضل، ومن صلّى قاعدًا فله نصف أجر القائم، ومن صلّى نائمًا فله نصف أجر القاعد\" (٤).\nوعن عبد الله بن عمر قال: \"حُدِّثت أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"صلاة الرجل قاعدًا نصف الصلاة\"\" (٥).\nقال الخطابي: \"المراد بحديث عمران المريض المفترض الذي يمكنه أن يتحامل فيقوم مع مشقة، فجعل أجر القاعد على النصف من أجر القائم؛ ترغيبًا له في القيام مع جواز قعوده\"، قال الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ٤٦٨): \"وهو حمْل متجه\" (٦).\n_________\n(١) أصل العقر: ضرب قوائم الحيوان بالسيف وهو قائم، والجواد هو الفرس السابق الجيّد. \"عون المعبود\" (٤/ ٢٢٧).\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٢٨٦) وانظر \"المشكاة\" (٣٨٣٣).\n(٣) أي: كانت به بواسير، وهو ورم في باطن المقعدة.\n(٤) أخرجه البخاري: ١١١٥\n(٥) أخرجه مسلم: ٧٣٥\n(٦) ونقله شيخنا في \"صفة الصلاة\" (ص ٧٨).","vol":"2","page":103},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-417>جواز فِعل بعض الركعة قائمًا وبعضها قاعدًا</span>\nعن عبد الله بن شقيق قال: سألتُ عائشةَ عن صلاة رسول الله - ﷺ -؛ عن تطوُّعه؟ فقالت: \"كان يُصلّي في بيتي قبل الظهر أربعًا، ثمَّ يخرج فيصلّي بالناس ثمَّ يدخل فيصلّي ركعتين، وكان يصلّي بالناس المغرب، ثمَّ يدخل فيصلِّي ركعتين، ويصلّي بالناس العشاء، ويدخل بيتي فيصلّي ركعتين، وكان يصلّي من الليل تسع ركعاتٍ فيهنَّ الوتر، وكان يصلّي ليلًا طويلًا قائمًا وليلًا طويلًا قاعدًا، وكان إِذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم، وإذا قرأ قاعدًا، ركع وسجد وهو قاعد، وكان إِذا طلع الفجر صلّى ركعتين\" (١).\nعن عائشة -﵂- قالت: \"ما رأيتُ النّبيّ - ﷺ - يقرأ في شيء من صلاة الليل جالسًا حتى إِذا كَبَّر قرأ جالسًا، فإِذا بقي عليه من السورة ثلاثون أو أربعون آية؛ قام فقرأهنّ، ثمَّ ركع\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-418>أنواعها:</span>\nتُقسَم صلاة التطوع إِلى قسمين: مطلقة ومقيّدة:\nوالمقيدة: تسمّى بالسنن الراتبة، وهي قسمان: مؤكّدة وغير مؤكّدة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-419>السنن المؤكّدة:</span>\nأولًا:<span data-type=\"title\" id=toc-420> سنة الفجر:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-421>فضلها:</span>\nعن عائشة -﵂- \"أنَّ النّبيّ - ﷺ - لم يكن على شيءٍ من\n_________\n(١) أخرجه مسلم:٧٣٠\n(٢) أخرجه البخاري: ١١٤٨، ومسلم: ٧٣١","vol":"2","page":104},{"text":"النوافل أشدّ معاهدة منه على الركعتين قبل الصبح\" (١).\nوعنها -﵂- قالت: \"ما رأيتُ رسول الله - ﷺ - في شيء من النوافل أَسرع منه إِلى الركعتين قبل الفجر\" (٢).\nوعنها -﵂- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"ركعتا الفجر خيرٌ من الدنيا وما فيها\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-422>تخفيفها:</span>\nكان رسول الله - ﷺ - يخفّف القراءة في ركعتي الفجر.\nفعن عائشة -﵂- قالت: \"كان النّبيّ - ﷺ - يخفّف الركعتين اللتين قبل صلاة الصبح؛ حتى إنّي لأقول: هل قرأ بأمّ الكتاب؟ \" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-423>ما يقرأ فيها:</span>\nيستحب القراءة في ركعتي الفجر بما ورد في الأحاديث الآتية:\n١ - عن أبي هريرة \"أنَّ رسول الله - ﷺ - قرأ في ركعتي الفجر: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ و﴿قل هو الله أحد﴾ \" (٥).\n٢ - وكان - ﷺ - قد \"سمع رجلًا يقرأ السورة الأولى في الركعة الأولى فقال:\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١١٦٩، ومسلم: ٧٢٤\n(٢) أخرجه مسلم: ٧٢٤\n(٣) أخرجه مسلم: ٧٢٥\n(٤) أخرجه البخاري: ١١٧١، ومسلم: ٧٢٤\n(٥) أخرجه مسلم: ٧٢٦","vol":"2","page":105},{"text":"\"هذا عبدٌ آمَن بربّه\"، ثمَّ قرأ السورة الثانية في الركعة الأُخرى فقال: هذا عبد عَرف ربه\" (١).\nوعن ابن عبّاس أنَّ رسول الله - ﷺ - كان يقرأ في ركعتي الفجر؛ في الأولى منهما: ﴿قولوا آمنّا بالله وما أنُزِل إِلينا﴾ (٢)، الآية التي في البقرة، وفي الآخرة منهما: ﴿آمنّا بالله واشهدْ بأنّا مسلمون﴾ (٣) \" (٤).\nوفي رواية: \"كان رسول الله - ﷺ - يقرأ في ركعتي الفجر: ﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل إِلينا﴾ والتي في آل عمران (٥): ﴿تعالَوا إِلى كلمة سواءٍ بيننا وبينكم﴾ \" (٦).\n٣ - عن عائشة -﵂- قالت: \"كان رسول الله - ﷺ - يُصلِّي أربعًا قبل الظهر، وركعتين قبل الفجر لا يدَعُهما قالت: وكان يقول: نعمت السورتان يقرأ بهما في ركعتين قبل الفجر: ﴿قل هو الله أحد﴾ و﴿قل يا أيها الكافرون﴾ \" (٧).\n_________\n(١) أخرجه الطحاوي وابن حبان في \"صحيحه\" وابن بشران، وحسّنه الحافظ في \"الأحاديث العالية\" (رقم ١٦) عن \"صفة الصلاة\" (ص ١١٢).\n(٢) البقرة: ١٣٦\n(٣) آل عمران: ٥٢\n(٤) أخرجه مسلم: ٧٢٧\n(٥) آية: ٦٤\n(٦) أخرجه مسلم: ٧٢٧\n(٧) أخرجه أحمد وابن خزيمة في \"صحيحه\"، وغيرهما، وانظر \"الصحيحة\" (٦٤٦).","vol":"2","page":106},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-424>الاضطجاع بعدها</span>\nعن عائشة -﵂- أنَّ النّبيّ - ﷺ - كان يصلّي ركعتين فإِنْ كنتُ مستيقظة حدّثني، وإلاَّ اضطجع\" قلت لسفيان (١) فإِنّ بعضهم يرويه ركعتي الفجر، قال سفيان هو ذاك\" (٢).\nوعن عائشة -﵂- قالت: \"كان النّبيّ - ﷺ - إِذا صلّى ركعتي الفجر؛ اضطجع على شقّه الأيمن\" (٣).\nوالذي يبدو أنَّ الاضطجاع لمن احتاج إِليه ليريح نفسه من دأب القيام ونحوه، لذلك كان - ﷺ - يحدّث عائشة حين تكون مستيقظة، ولا يضطجع حتى يؤذَّن بالصلاة كما تقدّم، لذلك بوب له البخاري -﵀- بقوله:\n(باب من تحدّث بعد الركعتين ولم يضطجع) والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-425>قضاؤها بعد طلوع الشمس أو بعد صلاة الفريضة</span>\nعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من لم يصلِّ ركعتي الفجر؛ فليصلّهما بعد ما تطلعُ الشمس\" (٤).\nوعن قيس بن عمرو قال: رأى رسول الله - ﷺ - رجلًا يصلّي بعد صلاة الصبح ركعتين، فقال رسول الله - ﷺ -: \"صلاة الصبح ركعتان\" فقال الرجل:\n_________\n(١) القائل: علي بن عبد الله الراوي عنه.\n(٢) أخرجه البخاري: ١١٦٨\n(٣) أخرجه البخاري: ١١٦٠\n(٤) أخرجه الترمذي وابن خزيمة وابن حبّان والحاكم والبيهقي وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وخرّجه شيخنا في \"الصحيحة\" (٢٣٦١).","vol":"2","page":107},{"text":"إِني لم أكُنْ صليتُ الركعتين اللتين قبلهما، فصلّيتهما الآن، فسكت رسول الله - ﷺ -\" (١).\nعن أبي جحيفة عن النّبيّ - ﷺ - أنَّه \"كان في سفره الذي ناموا فيه حتى طلعَت الشمس، فقال: إِنكم كنتم أمواتًا؛ فردَّ الله إِليكم أرواحكم، فمن نام عن صلاة؛ فليصلّها إِذا استيقظ، ومن نسي صلاة؛ فليصلِّ إِذا ذكر\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-426>سنّة الظُّهر</span>\nلقد وردَت عدة نصوص في عددها، منها أنّها أربع ومنها أنها ست ومنها أنها ثمان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-427>ما وَرد أنها أربع ركعات:</span>\nعن ابن عمر -﵄- قال: حفظتُ من النّبيّ - ﷺ - عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل صلاة الصبح، وكانت ساعةً لا يُدخَل على النّبيّ - ﷺ - فيها\" (٣).\nقال الحافظ في \"الفتح\" (٤): \"والأَولى أن يُحمَل على حالين: فكان تارة\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١١٢٨).\n(٢) أخرجه أبو يعلى في \"مسنده\" والطبراني في \"الكبير\" وانظر \"الصحيحة\" (٣٩٦).\n(٣) أخرجه البخاري: ١١٨٠، مسلم: ٧٢٩\n(٤) (٣/ ٥٨) بحذف.","vol":"2","page":108},{"text":"يصلي ثنتين وتارة يصلي أربعًا، وقيل: هو محمول على أنه كان في المسجد يقتصر على ركعتين وفي بيته يصلّي أربعًا، ويُحتمَل أن يكون يصلّي إذا كان في بيته ركعتين، ثمَّ يخرج إِلى المسجد فيصلي ركعتين، فرأى ابن عمر ما في المسجد دون ما في بيته، واطلعت عائشة على الأمرين، قال أبو جعفر الطبري: الأربع كانت في كثير من أحواله، والركعتان في قليلها\".\nوالراجح عندى الحال الأول الذي ذكره الحافظ -رحمه الله تعالى- أنَّه تارة يصلي ثنتين وتارة يصلي أربعًا، وبهذا يتأسّى المرء برسول الله - ﷺ -، فيفعل هذا بحسب نشاطه، والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-428>ما ورد أنها ستّ ركعات:</span>\n١ - عن عبد الله بن شقيق قال: \"سألْتُ عائشة -﵂- عن صلاة رسول الله - ﷺ - عن تطوّعه؟ فقالت: كان يصلّي في بيتي قبل الظهر أربعًا، ثمَّ يخرج فيصلّي بالناس، ثمّ يدخل فيصلي ركعتين ... \" (١).\n٢ - عن أم حَبيبة رملة -﵂- قالت: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"ما من عبد مسلم يصلي لله تعالى في كلّ يوم ثنتي عشْرة ركعة تطوعًا غير فريضة؛ إِلاَّ بنى الله تعالى له بيتًا في الجنّة، أو: إلاَّ بُني له بيتٌ في الجنّة\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-429>ما ورَد أنها ثمان ركعات:</span>\nعن أمّ حَبيبة عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"من صلّى قبل الظهر أربعًا، وبعدها\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ٧٣٠، وتقدّم.\n(٢) أخرجه مسلم: ٧٢٨","vol":"2","page":109},{"text":"أربعًا، حرّمه الله على النار\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-430>فضل الأربع قبل الظهر:</span>\nعن عبد الله بن السائب -﵁- أنَّ رسول الله - ﷺ - كان يصلّي أربعًا بعد أن تزول الشمس قبل الظهر (٢)، وقال: \"إِنها ساعةٌ تُفتح فيها أبواب السماء، فأُحِبّ أن يصعد لي فيها عملٌ صالح\" (٣).\nوعن عائشة -﵂- \" أنَّ النّبيّ - ﷺ - كان لا يدَع أربعًا قبل الظهر وركعتين قبل الغداة\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-431>إِذا صلّى أربعًا قبل الظهر أو بعده فهل يسلّم بعد كلّ ركعتين</span>؟\nيجوز أن يصلّيها دون أن يفصل بينها بالتسليم، والأفضل أن يسلّم بعد كلّ ركعتين، لقوله - ﷺ -: \"صلاة الليل والنهار مثنى مثنى\" (٥).\nقال شيخنا في \"تمام المنّة\" (٢٤٠): \" ... ويؤيده صلاة النّبيّ - ﷺ - يوم\n_________\n(١) أخرجه أحمد وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١١٣٠)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٣٥٢)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (١٧٠٨)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٩٥١)، وانظر \"المشكاة\" (١١٦٧).\n(٢) أي: قبل فريضة الظهر.\n(٣) أخرجه أحمد وغيره، عن \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٥٨٣).\n(٤) أخرجه البخاري: ١١٨٢\n(٥) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١١٥١)، وابن خزيمة \"صحيح ابن خزيمة\" (١٢١٠)، وانظر \"تمام المنّة\" (٢٣٩).","vol":"2","page":110},{"text":"فتح مكة صلاة الضحى ثماني ركعات يسلّم من كلّ ركعتين\". وهو حديث صحيح أخرجه أبو داود بإِسناد صحيح على شرطهما وهو في \"الصحيحين\" دون التسليم، وقال الحافظ في \"الفتح\" (٣/ ٤١): \"أخرجه ابن خزيمة وفيه ردٌّ على من تمسَّك به في صلاتها موصولة؛ سواء صلّى ثمان ركعات أو أقل.\nقلت: فهذا الحديث يستأنس به على أنّ الأفضل التسليم بعد كل ركعتين في الصلاة النهارية. والله أعلم\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-432>قضاء سنة الظهر القبلية:</span>\nعن عائشة -﵂- أنَّ النّبيّ - ﷺ -: \"كان إِذا لم يصلِّ أربعًا قبل الظهر؛ صلاَّهنّ بعدها\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-433>قضاء سنّة الظهر البعدية:</span>\nعن كُريب أنَّ ابن عباس والمِسور بن مَخرَمَة وعبد الرحمن بن أزهر -﵃- أرسلوه إِلى عائشة -﵂- فقالوا اِقرَأ ﵍ منَّا جميعًا وسلْها عن الركعتين بعد صلاة العصر، وقل لها: إِنّا أُخبرنا أنّكِ تُصلينهما، وقد بلغَنا أنَّ النّبيّ - ﷺ - نهى عنها، وقال ابن عباس: وكنتُ أضربُ الناس مع عمر بن الخطاب عنها قال كُريب فدخلتُ على عائشة -﵂- فبلّغتُها ما أرسلوني فقالت: سل أمّ سلمة فخرَجْتُ إِليهم فأخبرتهم بقولها، فردُّوني إِلى أمّ سلمة بمِثل ما أرسلوني به إِلى عائشة، فقالت أمّ سلمة -﵂- سمعْت النّبيّ - ﷺ - ينهى عنها، ثمَّ رأيته\n_________\n(١) أخرجه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٣٥٠)، وإسناده صحيح كما في \"تمام المنة\" (ص ٢٤١).","vol":"2","page":111},{"text":"يصليهما حين صلّى العصر، ثمَّ دخل عليَّ وعندي نسوةٌ من بني حرامٍ من الأنصار، فأرسلتُ إِليه الجارية فقلتُ: قُومِي بجنبه قُولِي لهُ: تقول لك أمُّ سلمة يا رسول الله سمعْتك تنهى عن هاتين وأراك تُصليهما، فإِنْ أشار بيده، فاستأخري عنه، ففعَلت الجارية فأشار بيده فاستأخَرت عنه، فلمّا انصرف قال: يا ابنة أبي أُمية سألتِ عن الركعتين بعد العصر، وإنَّه أتاني ناسٌ من عبد القيس، فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر فهما هاتان\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-434>سنّة المغرب</span>\nقد ورد عدد من النصوص أنَّ النّبيّ - ﷺ - كان يصلّي ركعتين بعد المغرب ومن ذلك حديث ابن عمر -﵄- قال: حفظتُ من النّبيّ - ﷺ - عشر ركعات ... وذكر منها ركعتين بعد المغرب\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-435>استحباب أدائها في البيت:</span>\nقد تقدّم استحباب صلاة التطوّع في البيوت، وقد وردَت نصوصٌ خاصّة في استحباب صلاة الركعتين بعد المغرب في البيوت كذلك.\nفعن كعب بن عُجْرة؛ \"أنَّ النّبيّ - ﷺ - أتى مسجد بني عبد الأشهل، فصلّى فيه المغرب، فلمّا قضوا صلاتهم رآهم يسبّحون (٣) بعدها فقال: هذه صلاة البيوت\" (٤).\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٢٣٣، ومسلم: ٨٣٥\n(٢) أخرجه البخاري: ١١٨٠\n(٣) أي: يصلّون السُّبحة، أي: النافلة.\n(٤) أخرجه أبو داود \"صحيح أبي داود\" (١١١٥) وغيره، وانظر \"المشكاة\" (١١٨٢).","vol":"2","page":112},{"text":"وفي رواية من حديث رافع بن خَدِيج قال: أتانا رسول الله - ﷺ - في بني عبد الأشهل، فصلى بنا المغرب في مسجدنا، ثمُّ قال: \"اركعوا هاتين الركعتين في بيوتكم\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-436>سنّة العشاء</span>\nتقدّم عدد من الأحاديث في سنّة الركعتين بعد العشاء من ذلك حديث البخاري: (١١٨٠) عن ابن عمر -﵄- قال: \"حفظْت من النّبيّ - ﷺ - عشر ركعات ... \" وذكر منها ركعتين بعد العشاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-437>السُّنن غير المؤكّدة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-438>١ - ركعتان قبل العصر: </span>لعموم قوله - ﷺ -: بين كلّ أذانين صلاة، بين كلّ أذانين صلاة، ثمَّ قال في الثالثة لمن شاء\" (٢).\nويُستحب المحافظة على أربع قبل العصر، لما رواه ابن عمر -﵄- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"رحم الله امرءًا صلّى قبل العصر أربعًا\" (٣).\nوعن عليّ -﵁- قال: \"كان رسول الله - ﷺ - يصلّي قبل العصر\n_________\n(١) أخرجه أحمد في مسنده وغيره، وانظر \"صحيح ابن خزيمة\" (١٢٠٠)، و\"صحيح سنن ابن ماجه\" (٩٥٦).\n(٢) أخرجه البخاري: ٦٢٧، ومسلم: ٨٣٨\n(٣) أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنّه، وابن خزيمة وابن حبان في \"صحيحيهما\"، وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٥٨٤).","vol":"2","page":113},{"text":"أربع ركعات، يفصل بينهنّ بالتسليم على الملائكة المقربين، ومن تبِعهم من المسلمين والمؤمنين\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-439>٢ - ركعتان قبل المغرب: </span>للحديث السابق ولقوله - ﷺ -: \"صلّوا قبل صلاة المغرب -قال: في الثالثة- لمن شاء كراهية أن يتخذها الناسُ سنّة\" (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-440>٣ - ركعتان قبل العشاء: </span>للحديث المتقدّم: \"بين كلّ أذانين صلاة ... \".\nولقوله - ﷺ -: \"ما من صلاة مفروضة، إلاَّ وبين يديها ركعتان\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-441>الفصل بين الفريضة والنافلة</span>\nعن عمر بن عطاء بن أبي الخُوار؛ \"أنَّ نافع بن جبير أرسلَه إِلى السائب، ابن أخت نمِر، يسأله عن شيء رآه منه معاوية في الصلاة، فقال: نعم، صلَّيت معه الجمعة في المقصورة (٤)، فلما سلّم الإِمام قمت في مقامي فصلَّيت،\n_________\n(١) أخرجه أحمد والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٣٥٣) والنسائي، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٩٥)، وانظر \"الصحيحة\" (٢٣٧).\n(٢) أخرجه البخاري: ١١٨٣\n(٣) أخرجه ابن حبان في \"صحيحه\" والطبراني في \"المعجم الكبير\" وهو حديث صحيح خرّجه شيخنا في \"الصحيحة\" (٢٣٢).\n(٤) هي حجرة خاصّة مفصولة عن الغُرف المجاورة فوق الطابق الأرضي. \"الوسيط\". وفي \"اللسان\" المقصورة: \"الدار المحصّنة الواسعة ومقام الإِمام\".\nقال النووى (٦/ ١٧٠): \"فيه دليل على جواز اتخاذها في المسجد إِذا رآها وليّ الأمر مصلحة، قالوا: وأوّل من عملها معاوية بن أبي سفيان حين ضرَبه الخارجي. =","vol":"2","page":114},{"text":"فلما دخَل أرسل إِليّ فقال: لا تعُد لما فعلت، إِذا صلَّيت الجمعة فلا تَصِلْها بصلاة حتى تَكَلّم أو تخرُج. فإِنَّ رسول الله - ﷺ - أمَرَنا بذلك. أن لا تُوصَل صلاة بصلاةٍ حتى نتكلَّم أو نخرج\" (١).\nوهذا عامٌّ غير مخصوص بالجمعة لقول معاوية -﵁-: \"فإِنَّ رسول الله - ﷺ - أمَرنا بذلك، أن لا تُوصَل صلاة بصلاة ... \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-442>الوتر </span>(٢)\n<span data-type=\"title\" id=toc-443>حُكمه وفضله:</span>\nالوتر سنّة مؤكّدة حضّ عليه الرسول - ﷺ -.\nفعن عليّ -﵁- قال: الوترُ ليس بحتْم كصلاة المكتوبة، ولكن سنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"إِنَّ الله وترٌ يحبّ الوتر، فأوتروا يا أهل القرآن\". (٣)\nعن ابن محيريز: أنَّ رجلًا من كِنَانَة يدعى المُخدجي سمع رجلًا بالشام\n_________\n= قال القاضي: واختلفوا في المقصورة، فأجازها كثيرون من السلف ... وكرهها ابن عمر والشعبي وأحمد وإسحاق\".\n(١) أخرجه مسلم: ٨٨٣\n(٢) الوِتر بالكسر: الفرد وبالفتح الثأر \"الفتح\"، وفي النهاية: وتكسر واوه وتُفتَح.\n(٣) أخرجه أبو داود والترمذي واللفظ له والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة في \"صحيحه\"، وقال الترمذي: حديث حسن، قاله المنذري في \"الترغيب والترهيب\"، وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٥٨٨).","vol":"2","page":115},{"text":"يُدعى أبا محمّد يقول: إِنَّ الوتر واجب، قال المُخدجي: فرُحتُ إِلى عبادة بن الصامت فأخْبرته فقال عبادة: كذَب (١) أبو محمّد، سمعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"خمسُ صلوات كتبهنّ الله على العباد، فمن جاءَ بهنّ لم يُضيّع منهن شيئًا استخفافًا بحقّهنّ؛ كان له عند الله عهدٌ أن يُدخله الجنّة، ومن لم يأت بهنّ؛ فليس له عند الله عهد، إِن شاء عذَّبه، وإنْ شاء أدخله الجنّة\" (٢).\nقال شيخنا في \"الصحيحة\" (١/ ٢٢٢) بعد أن ذكر حديث \"إِن الله زادكم صلاة، وهي الوتر ... \" (٣): \"يدل ظاهر الأمر في قوله - ﷺ -: \"فصلُّوها\" على وجوب صلاة الوتر، وبذلك قال الحنفية؛ خلافًا للجماهير، ولولا أنّه ثبَت بالأدلة القاطعة حصْر الصلوات المفروضات في كلّ يوم وليلة بخمس صلوات؛ لكان قول الحنفية أقرب إِلى الصواب، ولذلك فلا بدَّ من القول بأنّ الأمر هنا ليس للوجوب، بل لتأكيد الاستحباب، وكم من أوامرَ كريمةٍ صُرفت من الوجوب بأدنى من تلك الأدلة القاطعة، وقد انفكّ الأحناف عنها بقولهم: إِنهم لا يقولون بأن الوتر واجب كوجوب الصلوات الخمس، بل هو واسطة بينها وبين السنن، أضعف من هذه ثبوتًا، وأقوى من تلك تأكيدًا!\nفليعلم أنّ قول الحنفية هذا قائم على اصطلاح لهم خاص حادث، لا تعرفه الصحابة ولا السلف الصالح، وهو تفريقهم بين الفرض والواجب ثبوتًا وجزاء؛\n_________\n(١) أي: أخطأ وفي \"لسان العرب\": وقد استعمَلت العرب الكذب في موضع الخطأ، وذكَر بيت الأخطل: \"كَذَبتك عينك أم رأيت بواسط .... \".\n(٢) أخرجه مالك وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٢٥٨) والنسائي وابن حبان في \"صحيحه\" وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٣٦٣)، وتقدّم.\n(٣) سيأتي بتمامه وتخريجه إِن شاء الله في (وقت الوتر).","vol":"2","page":116},{"text":"كما هو مفصَّل في كتبهم.\nوإِنّ قولهم بهذا معناه التسليم بأن تارك الوتر معذّب يوم القيامة عذابًا دون عذاب تارك الفرض؛ كما هو مذهبهم في اجتهادهم، وحينئذ يقال لهم: وكيف يصحّ ذلك مع قوله - ﷺ - لمن عزم على أن لا يصلي غير الصلوات الخمس: \"أفلح الرجل\"؟!\nوكيف يلتقي الفلاح مع العذاب؟! فلا شكَّ أن قوله - ﷺ - هذا وحده كاف؛ لبيان أن صلاة الوتر ليست بواجبة، ولهذا اتفق جماهير العلماء على سنيَّته وعدم وجوبه، وهو الحقّ.\nنقول هذا مع التذكير والنصح بالاهتمام بالوتر، وعدم التهاون عنه؛ لهذا الحديث وغيره، والله أعلم\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-444>وقته</span>\nيبدأ وقت الوتر من بعد صلاة العشاء حتى الفجر.\nعن أبي تميم الجيشاني أنَّ عمرو بن العاص خطب الناس يوم الجمعة فقال: إِنَّ أبا بصرة حدّثني أنَّ النّبيّ - ﷺ - قال: \"إِنَّ الله زادكم صلاةً، وهي الوتر، فصلّوها بين صلاة العشاء إِلى صلاة الفجر\" (١).\nوعن عائشة -﵂- قالت: \"مِن كلِّ الليل قد أوتر رسول الله - ﷺ -، مِن أوّل الليل وأوسطه وآخره. فانتهى وِتْرهُ إِلى السَّحَر\" (٢).\n_________\n(١) أخرجه أحمد وغيره وانظر \"الصحيحة\" (١٠٨)، و\"الإِرواء\" (٤٢٣)، و\"صحيح سنن ابن ماجه\" (٩٥٨).\n(٢) أخرجه البخاري: ٩٩٦، ومسلم: ٧٤٥","vol":"2","page":117},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-445>من خاف أن لا يستيقظ من آخر الليل فليوتر أوله:</span>\nعن جابر -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوّله، ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل، فإِنَّ صلاة آخِر الليل مشهودة (١). وذلك أفضل\".\nوقال أبو معاوية: \"محضورة\" (٢).\nوفي رواية: \"أيكم خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر ثمَّ ليرقد، ومن وثَقِ بقيامٍ من الليل فليوتر من آخره فإِنّ قراءة آخر الليل محضورة وذلك أفضل\" (٣).\nوعن جابر قال: قال رسول الله - ﷺ - لأبي بكر: \"أيَّ حينٍ توتر؟ قال: أوّل الليل بعد العتمة، قال: فأنت يا عمر؟ فقال: آخر الليل، فقال النّبيّ - ﷺ -: أمَّا أنت يا أبا بكر فأخذت بالوُثقى، وأمَّا أنت يا عمر فأخذت بالقوة\" (٤).\nوعن سعد بن أبي وقّاص -﵁- عن رسول الله - ﷺ - قال: \"الذي لا ينام حتى يوتر حازم (٥) \" (٦).\n_________\n(١) أي: تشهدها الملائكة.\n(٢) أخرجه مسلم: ٧٥٥.\n(٣) أخرجه مسلم: ٧٥٥.\n(٤) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٢٧١)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٩٨٨)، وابن خزيمة في \"صحيحه\" (١٠٨٤).\n(٥) الحزم: ضَبْط الرجل أمرَه والحذر من فواته، من قولهم حزمْتُ الشيء: أي شددْته. \"النهاية\".\n(٦) أخرجه أحمد وغيره وهو حديث صحيح خرّجه شيخنا في \"الصحيحة\" (٢٢٠٨).","vol":"2","page":118},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-446>عدد ركعات الوتر:</span>\nأقلّ الوتر ركعة، لحديث ابن عمر -﵄- أنَّ رجلًا سأل رسول الله - ﷺ - عن صلاة الليل، فقال رسول الله - ﷺ -: \"صلاة الليل مثنى مثنى، فإِذا خشي أحدكم الصبح؛ صلّى ركعةً واحدة، توتِر له ما قد صلّى\" (١).\nوفي رواية \"للبخاري\" (٩٩٣): \"صلاة الليل مثنى مثنى، فإِذا أردت أن تنصرف فاركع ركعة توتر ما قد صلّيت\".\nقال القاسم ورأينا أناسًا منذ أدركنا يوترون بثلاث، وإِنَّ كلًاّ لواسع؛ أرجو أن لا يكون بشيء منه بأس.\nوأعلاه إِحدى عشرة ركعة؛ كما في حديث عائشة عن أبي سلمة أنَّه سأَلَ عائشة -﵂- كيف كانت صلاةُ رسول الله - ﷺ - في رمضان فقالت: ما كان رسول الله - ﷺ - يزيد في رمضان ولا في غيره على إِحدى عشرة ركعة؛ يصلّي أربعًا فلا تسَلْ عن حُسنهنّ وطولهنّ، ثمَّ يُصلِّي أربعًا فلا تسَل عن حُسنهنّ وطولهنّ، ثمَّ يُصلِّي ثلاثًا\" (٢).\nبيْد أنَّه قد ثبت أنَّ النّبيّ - ﷺ - صلّى ثلاث عشرة ركعة لحديث أم سلمة -﵂- قالت: \"كان النّبيّ - ﷺ - يوتر بثلاث عشرة، فلما كبُر وضعُف، أوتر بسبع\" (٣).\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٩٩٠، ومسلم: ٧٤٩\n(٢) أخرجه البخاري: ١١٤٧، ومسلم: ٧٣٨\n(٣) أخرجه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٣٧٩)، وفيه: \" ... قال إسحاق بن إبراهيم: معنى ما روي أنَّ النّبي - ﷺ - كان يوتر بثلاث عشرة ركعة قال: إِنَّما معناه إِنّه =","vol":"2","page":119},{"text":"وفي \"صحيح مسلم\" (٧٣٧): عن عائشة -﵂- قالت: \"كان رسول الله - ﷺ - يصلّي من الليل ثلاث عشرة ركعة؛ يوتر من ذلك بخمس؛ لا يجلس في شيء إِلا في آخرها\".\nوقد ورد في رواية أخرى لمسلم (٧٣٧): \"أنَّ رسول الله - ﷺ - كان يصلّي ثلاث عشرة ركعة بركعتي الفجر\".\nوفي \"صحيح البخاري\": (٩٩٢) من حديث ابن عباس أنَّه بات عند ميمونة، فذكر الحديث وفيه: \"ثمَّ صلى ركعتين، ثمَّ ركعتين، ثمَّ ركعتين، ثمَّ ركعتين، ثمَّ ركعتين، ثمَّ ركعتين، ثمَّ أوتر، ثمَّ اضطجع حتى جاءه المؤذّن فقام فصلّى ركعتين، ثمَّ خَرج فصلّى الصبح\".\nوفي \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٩٨١): من حديث أمّ سلمة -﵂- أنَّ النّبيّ - ﷺ - كان يصلّي بعد الوتر ركعتين خفيفتين وهو جالس\".\nوفيه أيضًا برقم: (٩٨٢): عن أبي سلمة؛ قال حدَّثتني عائشة قالت: \"كان رسول الله - ﷺ - يوتر بواحدة، ثمَّ يركع ركعتين يقرأ فيهما وهو جالس. فإِذا أراد أن يركع، قام فركع\".\nفهذه ثلاث عشرة ركعة خلا سنّة الصبح.\nويجوز الوتر بثلاث وخمس وسبع؛ لحديث أبي أيوب الأنصاري -﵁- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"الوتر حقٌ، فمن شاء فليوتر بخمس، ومن\n_________\n= كان يصلي من الليل ثلاث عشرة مع الوتر، فنسبت صلاة الليل إِلى الوتر ... \"، انظر -إِن شئت- للمزيد من الفائدة \"تمام المنّة\" (ص٢٥٠).","vol":"2","page":120},{"text":"شاء فليوتر بثلاث، ومن شاء فليوتر بواحدة\" (١).\nويجوز الوتر بتسع لحديث عائشة قالت: \"كُنّا نُعِدّ له سواكه وطهوره، فيبعثه الله (٢) ما شاء أن يبعثه من الليل فيتسوك ويتوضّأ ويصلّي تسع ركعات، لا يجدس فيها إلاَّ في الثامنة فيذكر الله ويحمده ويدعوه ثمَّ ينهض ولا يُسلّم، ثمَّ يقوم فيصلّي التاسعة، ثمَّ يقعد فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثمَّ يسلّم تسليمًا يُسمعنا، ثمَّ يصلّي ركعتين بعد ما يسلّم وهو قاعد، فتلك إحدى عشرة ركعة، يا بُنيّ (٣) فلما سنّ (٤) نَبِيّ الله - ﷺ -، وأخذهُ اللحمُ (٥) أوتر بسبعٍ. وصنع في الركعتين مثل صنيعه الأوّل، فتلك تسع يا بُنيَّ ... \" (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-447>صفته </span>(٧):\n١ - يصلي ثلاث عشرة ركعة يفتتحها بركعتين خفيفتين، وفيه أحاديث: الأول: حديث زيد بن خالد الجهني أنه قال: \"لأرمقنّ (٨) صلاة رسول الله\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٢٦٠)، والنسائي، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٩٧٨)، وانظر \"المشكاة\" (١٢٦٥).\n(٢) أي: يوقظه.\n(٣) المخاطب سعد بن هشام.\n(٤) في بعض النُسخ أسنّ.\n(٥) الظاهر أنَّ معناه كثُر لحمه كما ذكر بعض العلماء.\n(٦) أخرجه مسلم: ٧٤٦، وتقدّم بعضه.\n(٧) عن \"صلاة التراويح\" (ص ٨٦) بتصرّف.\n(٨) أي لأنظرنّ نظرًا طويلًا، قال بعض العلماء: \"أي لأطيلنّ النظر إِلى صلاته حتى =","vol":"2","page":121},{"text":"- ﷺ - الليلة، فصلّى ركعتين خفيفتين ثمَّ صلّى ركعتين طويلتين طويلتين، ثمَّ صلّى ركعتين، وهما دون اللتين قبلهما، ثمَّ صلّى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثمَّ صلّى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثمَّ صلّى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثمَّ أوتر، فذلك ثلاث عشرة ركعة\" (١).\nالثاني: حديث ابن عباس قال: \"بتُّ عند رسول الله - ﷺ - ليلة وهو عند ميمونة، فنام حتى ذهب ثلث الليل أو نصفه استيقظ فقام إِلى شن (٢) فيه ماء فتوضّأ، وتوضّأتُ معه، ثمَّ قام فقمتُ إِلى جنبه على يساره، فجعلني على يمينه، ثمَّ وضع يده على رأسي كأنه يمسّ أذني كأنّه يوقظني، فصلّى ركعتين خفيفتين، قد قرأ فيها بأمّ القرآن في كل ركعة، ثمَّ سلّم، ثمَّ صلى حتى صلّى إِحدى عشرة ركعة بالوتر ثمَّ نام، فأتاه بلال، فقال: الصلاة يا رسول الله، فقام فركع ركعتين، ثمَّ صلّى بالناس\" (٣).\nالثالث: حديث عائشة قالت: \"كان رسول الله - ﷺ - إِذا قام من الليل، افتتح صلاته بركعتين خفيفتين (٤)، ثمَّ صلّى ثمان ركعات، ثمَّ أوتر\". وفي لفظ: \"كان يصلّي العشاء، ثمَّ يتجوز بركعتين، وقد أعد سواكه وطَهوره، فيبعثه الله لما شاء أن يبعثه فيتسوك، ويتوضّأ، ثمّ يصلّي ركعتين، ثمَّ يقوم فيصلّي ثمان\n_________\n= أرى كم صلّى وكيف صلّى\".\n(١) أخرجه مسلم: ٧٦٥\n(٢) أي: قربة.\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٢١٥) وأصْله في الصحيحين وتقدّم.\n(٤) رجّح شيخنا -حفظه الله تعالى- في أول كتاب \"صلاة التراويح\" أنَّ هاتين الركعتين هما سنّة العشاء.","vol":"2","page":122},{"text":"ركعات، يسوي بينهنّ في القراءة ثمَّ يوتر بالتاسعة، فلمّا أسنّ رسول الله - ﷺ - وأخَذه اللحم (١)، جعل تلك الثماني ستًا، ثمَّ يوتر بالسابعة، ثمَّ يصلي ركعتين وهو جالس يقرأ فيهما بـ ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ و﴿إِذا زُلزلت﴾ (٢) \" (٣).\n٢ - يصلي ثلاث عشرة ركعة، منها ثمانية يسلّم بين كل ركعتين، ثمَّ يوتر بخمس لا يجلس ولا يسلم إلاَّ في الخامسة، وفيه حديث عائشة -﵂- قالت: \"كان - ﷺ - يرقد، فإِذا استيقظ تسوّك، ثمَّ توضّأ، ثمَّ صلّى ثمان ركعات، يجلس في كل ركعتين فيسلم، ثمَّ يوتر بخمس ركعات لا يجلس إلاَّ في الخامسة، ولا يُسلّم إِلا في الخامسة [فإِذا أذَّن المؤذن قام فصلّى ركعتين خفيفتين] \" (٤).\n٣ - يصلّي إحدى عشرة ركعة ثمَّ يسلّم بين كلّ ركعتين، ثمَّ يوتر بواحدة، لحديث عائشة -﵂- قالت: \"كان - ﷺ - يصلّي فيما بين أن يفرُغ من صلاة العشاء -وهي التي يدعو الناس العَتَمة- إِلى الفجر إِحدى عشرة\n_________\n(١) أي: كثُر لحمه.\n(٢) وانظر \"صلاة الوتر\".\n(٣) أخرجه الطحاوي (١/ ١٦٥) باللفظين وإسنادهما صحيح، والشطر الأول من اللفظ الأول أخرجه مسلم: ٧٦٧، وأبو عوانة (٢/ ٣٠٤)، وكلهم رووه من طريق الحسن البصري معنعنًا، لكن أخرجه النسائي (١/ ٢٥٠) وأحمد (٦/ ١٦٨) من طريقه مصرّحًا بالتحديث باللفظ الثاني نحوه ....\n(٤) رواه أحمد (٦/ ١٢٣، ٢٣٠) وسنده صحيح على شرط الشيخين، وقد أخرجه مسلم: ٧٣٧، وأبو عوانة (٢/ ٣٢٥) وأبو داود (١/ ٢١٠) والترمذي (٢/ ٣٢١) وصححه.","vol":"2","page":123},{"text":"ركعة، يُسلّم بين كل ركعتين ويوتر بواحدة، [ويمكث في سجوده قدْر ما يقرأ أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه] فإِذا سكَت المؤذن من صلاة الفجر وتبيّن له الفجر، وجاءه المؤذن قام فركع ركعتين خفيفتين، ثمَّ اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيَه المؤذن للإِقامة\" (١).\n٤ - يصلي إِحدى عشرة ركعة أربعًا بتسليمة واحدة، ثمَّ أربعًا مثلها، ثمَّ ثلاثًا (٢).\nوظاهر الحديث أنه كان يقعد بين كلّ ركعتين من الأربع والثلاث، ولكنّه لا يُسلّم.\n٥ - يصلي إِحدى عشرة ركعة، منها ثمان ركعات، لا يقعد فيها إلاَّ في الثامنة يتشهد ويصلّي على النّبيّ - ﷺ - ثمَّ يقوم ولا يُسلم، ثمَّ يوتر بركعة ثمَّ يسلم ثمَّ يصلي ركعتين وهو جالس، لحديث عائشة -﵂- رواه سعد بن هشام بن عامر أنه أتى ابن عباس فسأله عن وتر رسول الله - ﷺ - فقال ابن عبّاس: ألا أدلّك على أعلم أهل الأرض بوتر رسول الله - ﷺ -؟ قال: من؟ قال: عائشة فأْتِها فسأَلْها، فانطلقْتُ إِليها قال: قلت: يا أم المؤمنين أنبئيني عن وتر رسول الله - ﷺ -؟ فقالت: \"كنا نعد له سواكه وطَهوره، فيبعثه الله ما شاء أن يبعثه من الليل فيتسوك ويتوضّأ ويصلّي تسع ركعات لا يجلس فيها إلاَّ في الثامنة، فيذكر الله ويحمده [ويصلّي على نبيه - ﷺ -] ويدعوه، ثمَّ ينهض ولا يُسلّم، ثمَّ يقوم فيصلي التاسعة، ثمَّ يقعد فيذكر الله ويحمده\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ٧٣٦، وأبو عوانة وأبو داود والطحاوي وأحمد، وأخرجه الأولان ن حديث ابن عمر أيضًا، وأبو عوانة من حديث ابن عبّاس.\n(٢) أخرجه الشيخان وغيرهما من حديث عائشة وتقدّم.","vol":"2","page":124},{"text":"[ويصلّي على نبيه - ﷺ -] ويدعوه، ثمَّ يُسلم تسليمًا يُسمعنا، ثمَّ يصلي ركعتين بعد ما يُسلّم، وهو قاعد، فتلك إِحدى عشرة يا بنيّ، فلما أسنَّ نبي الله وأخذه اللحم أوتر بسبع، وصنَع في الركعتين مِثل صنيعه الأول، فتلك تسع يا بنيّ\" (١).\n٦ - يصلي تسع ركعات منها ستّ ركعات؛ لا يقعد إلاَّ في السادسة منها، يتشهد ويصلّي على النّبيّ - ﷺ - ثمَّ يقوم ولا يُسلم، ثمَّ يوتر بركعة، ثمّ يسلم ثمَّ يصلّي ركعتين وهو جالس؛ لحديث عائشة المتقدّم.\nهذه هي الكيفيات التي كان رسول الله - ﷺ - يصلي بها صلاة الليل والوتر، ويمكن أن يزاد عليها أنواع أخرى، وذلك بأن ينقص من كل نوع من الكيفيات المذكورة ما شاء من الركعات وحتى يجوز له أن يقتصر على ركعة واحدة فقط لقوله - ﷺ -: \" ... فمن شاء فليوتر بخمس ومن شاء فليوتر بثلاث، ومن شاء فليوتر بواحدة\" (٢).\nفهذا الحديث نصٌّ في جواز الإِيتار بهذه الأنواع الثلاثة المذكورة فيه، وإِنْ كان لم يصحّ النقل بها عن رسول الله - ﷺ -، بل صحّ من حديث عائشة أنّه - ﷺ - لم يكن يوتر بأقلّ من سبع كما سبق هناك. فهذه الخمس والثلاث إِنْ شاء صلاّها بقعود واحد وتسليمة واحدة؛ كما في النوع الثاني، وإن شاء صلاها بقعود بين كلّ ركعتين بدون سلام.\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ٧٦٤، وأبو عوانة (٢/ ٣٢١ - ٣٢٥)، وأحمد (٦/ ٥٣ - ٥٤، ١٦٨) وأبو داود (١/ ٢١٠ - ٢١١) والنسائي (١/ ٢٤٤ - ٢٥٠) وابن نصر (٤٩) والبيهقي (٣/ ٣٠)، وتقدم.\n(٢) تقدم.","vol":"2","page":125},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-448>هل يقعد بين الشفع والوتر ويسلّم عند الإِيتار بثلاث</span>؟\nقال ابن نصر المروزي في \"قيام رمضان\" (ص ١٢٥): \"وقد روي في كراهة الوتر بثلاث أخبار بعضها عن النّبيّ - ﷺ - وبعضها عن أصحاب النّبيّ - ﷺ - والتابعين، منها\"، ثمَّ ذكَر قوله - ﷺ -: \"لا توتروا بثلاث تشبهوا بالمغرب، ولكن أوتروا بخمس ... \"، قال شيخنا (ص ٩٧): وسنده ضعيف لكن رواه الطحاوي وغيره من طريق آخر بسند صحيح، وهو بظاهره يعارض حديث أبي أيوب المخرَّج هناك بلفظ: \" ... ومن شاء فليوتر بثلاث\"، والجمع بينهما بأن يحمل النهي على صلاة الثلاث بتشهّدين؛ لأنَّه في هذه الصورة يشبه صلاة المغرب وأما إِذا لم يقعد إلاَّ في آخرها فلا مشابهة.\nذكر هذا المعنى الحافظ ابن حجر في \"الفتح\" (٤/ ٣٠١) واستحسنه الصنعاني في \"سبل السلام\" (٢/ ٨)، وأبعد عن التشبه في الوتر بصلاة المغرب الفصل بالسلام بين الشفع والوتر كما لا يخفى.\nقال ابن القيم في \"الزاد\": قال مهنا سألتُ أبا عبد الله (يعني الإِمام أحمد) إِلى أيّ شيء تذهب في الوتر، تسلّم في الركعتين؟ قال: نعم، قلت: لأيّ شيء؟ قال: لأنَّ الأحاديث فيه أقوى وأكثر عن النّبيّ ﵌ في الركعتين، وقال حرب: سئل أحمد عن الوتر؟ قال: يُسلّم في الركعتين، وإن لم يُسلّم رجوت ألا يضرَّه، إلاَّ أنّ التسليم أثبت عن النّبيّ ﵌\".\nويتلخّص من كلّ ما سبق؛ أن الإِيتار بأيّ نوع من هذه الأنواع المتقدّمة جائز حسن، وأنّ الإِيتار بثلاث بتشهدين كصلاة المغرب لم يأت فيه حديث","vol":"2","page":126},{"text":"صحيح صريح، بل هو لا يخلو من كراهة، ولذلك نختار أن لا يقعد بين الشفع والوتر وإذا قعد سلّم، وهذا هو الأفضل لما تقدّم. والله الموفق لا ربّ سواه. انتهى.\nوانظر -للمزيد إِن شئت- \"زاد المعاد\" (١/ ٣٢٧) فصل في سياق صلاته بالليل ووتره وذِكر صلاة أوّل الليل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-449>ماذا يقرأ فيه</span>؟\n\"كان - ﷺ - يقرأ في الركعة الأولى ﴿سبّح اسم ربّك الأعلى﴾، وفي الثانية: ﴿قُل يا أيها الكافرون﴾، وفي الثالثة: ﴿قل هو الله أحد﴾ \" (١).\nوكان يضيف إليها أحيانًا: ﴿قُلْ أعوذ بربِّ الفلَق﴾ و﴿قل أعوُذ بربّ الناس﴾ (٢).\nومرّة: \"قرأ في ركعة الوتر بمائة آية من: ﴿النساء﴾ \" (٣).\nجاء في \"صفة الصلاة\" (ص ١٧٩): و\"كان - ﷺ - يقنت في ركعة الوتر\" (٤)، أحيانًا.\nقال شيخنا في التعليق: وإنما قلنا: \"أحيانًا\"، لأنّ الصحابة الذين رووا الوتر لم يذكروا القنوت فيه، فلو كان - ﷺ - يفعله دائمًا؛ لنقلوه جميعًا عنه،\n_________\n(١) أخرجه النسائي والحاكم وصححه.\n(٢) أخرجه الترمذي وأبو العباس الأصمّ في \"حديثه\" والحاكم وصححه الذهبي.\n(٣) أخرجه النسائي وأحمد بسند صحيح.\n(٤) أخرجه ابن نصر والدراقطني بسند صحيح.","vol":"2","page":127},{"text":"نعم رواه عنه أبيُّ بن كعب وحده؛ فدلّ على أنَّه كان يفعله أحيانًا، ففيه دليل على أنَّه غير واجب، وهو مذهب جمهور العلماء، ولهذا اعترف المحقّق ابن الهمام في \"فتح القدير\" (١/ ٣٠٦ و٣٥٩ و٣٦٠) بأن القول بوجوبه ضعيف لا ينهض عليه دليل، وهذا من إِنصافه وعدم تعصُّبه، فإِنّ هذا الذي رجّحه هو على خلاف مذهبه! \".\nويجعله قبل الركوع (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-450>دعاء القنوت:</span>\n\"اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت؛ وقني شرّ ما قضيت، [فـ] إِنك تقضي ولا يُقضى عليك، [و] إِنَّه لا يَذِل من واليت، [ولا يَعِزُّ من عاديت]، تباركت ربنا وتعاليت، [لا منجا منك إلاَّ إليك] \" (٢).\nويشرع الصلاة على النّبيّ - ﷺ - في آخره لجريان عمل السلف بها، وثبوت ذلك عن الصحابة -﵃ (٣) -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-451>ما يقول في آخر الوتر:</span>\nجاء في قيام رمضان (ص ٣٢) لشيخنا -حفظه الله تعالى-: \"ومن السنة\n_________\n(١) أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم، وهو حديث صحيح خرّجه شيخنا في \"الإرواء\" (٤٢٦).\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وغيرهم، وهو حديث صحيح خرّجه شيخنا في \"الإِرواء\" (٤٢٩).\n(٣) انظر \"تمام المنّة\" (ص ٢٤٣)، و\"تلخيص صفة الصلاة\" (ص ٢٩).","vol":"2","page":128},{"text":"أن يقول في آخر وتره قبل السلام أو بعده: \"اللهمّ إِنّي أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أُحصي ثناءً عليك؛ أنت كما أثنيت على نفسك\" (١).\nوإِذا سلم من الوتر قال: \"سبحان الملِك القدّوس، سبحان المَلِك القدّوس، سبحان الملِك القدّوس، [ويمدّ بها صوته ويرفع في الثالثة] \" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-452>لا وتران في ليلة</span>\nعن قيس بن طلق قال: \"زارنا طلق بن عليّ في يوم من رمضان، وأمسى عندنا وأفطر، ثمَّ قام بنا تلك الليلة، وأوتر بنا، ثمَّ انحدر إِلى مسجده فصلّى بأصحابه، حتّى إِذا بقي الوتر، قدَّم رجلًا فقال: أوتِر بأصحابك، فإني سمعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: لا وتران في ليلة\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-453>قضاء الوتر</span>\nعن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من نام عن وتره أو نسيه؛ فليصلّه إِذا ذَكره\" (٤).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٢٦٥)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٢٨٢٤)، والنسائي وابن ماجه وغيرهم، وانظر \"الإرواء\" (٤٣٠).\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٢٦٧)، والنسائي والزيادة له \"صحيح سنن النسائي\" (١٦٠٦)، وانظر \"المشكاة\" (١٢٧٥).\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٢٧٦) والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٣٩١) وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٩٨١).\n(٤) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٢٦٨) والترمذي \"صحيح سنن =","vol":"2","page":129},{"text":"فإِن لم يكن معذورًا فلا وتر له؛ كما في حديث أبي سعيد أيضًا أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"من أدرك الصبح ولم يوتر؛ فلا وتر له\" (١).\nوعن أبي نهيك \"أنَّ أبا الدرداء كان يخطب الناس فيقول: لا وتر لمن أدركه الصبح، قال: فانطلق رجالٌ إِلى عائشة فأخبروها فقالت: كذب (٢) أبو الدرداء؛ كان النّبيّ - ﷺ - يصبح فيوتر\" (٣).\nقال شيخنا -حفظه الله تعالى-: والظاهر أنَّ أبا الدرداء -﵁- أراد بقوله \"لا وتر لمن أدركه الصبح\" من كان غير معذور وذكر بعض الآثار المؤيدة لذلك، ومنها ما رواه إبراهيم بن محمّد بن المنتشر عن أبيه أنَّه كان في مسجد عمرو بن شرحبيل، فأقيمت الصلاة، فجعلوا ينتظرونه، فجاء فقال: إِنّي كنت أوتر، قال: وسُئل عبد الله: هل بعد الأذان وتر؟ قال: نعم وبعد الإِقامة، وحدّث عن النّبيّ - ﷺ - \"أنّه نام عن الصلاة حتى طلعت الشمس ثمَّ صلّى\" (٤).\n_________\n= الترمذي\" (٣٨٦) وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٩٧٦)، وانظر \"الإِرواء\" (٢/ ١٥٣).\n(١) أخرجه الحاكم وعنه البيهقي وابن حبان وابن خزيمة والبزار، وقال الحاكم صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي وانظر \"الإِرواء\" (٢/ ١٥٣) التحقيق الثاني.\n(٢) أي: أخطأ.\n(٣) أخرجه أحمد وابن نصر بإِسناد صحيح، وانظر \"الإرواء\" (٢/ ١٥٥).\n(٤) أخرجه النسائي والبيهقي بسند صحيح، والشاهد منه تحديث ابن مسعود أنه - ﵌- صلى بعد أنْ طلعت الشمس، فإِنّه إِنْ كان ما صلى صلاة الوتر فهو دليل واضح على أنه﵌- إِنما أخّرها لعذر النوم، وإن كانت =","vol":"2","page":130},{"text":"وعن الأغر المزني أنّ رجلًا أتى رسول الله - ﷺ - قال: \"يا نبي الله! إِنّي أصبحتُ ولم أوتر، فقال: إِنّما الوتر بالليل\" (١).\nقال شيخنا -شفاه الله وعافاه الله- تحت الحديث السابق: \"وهذا التوقيت للوتر، كالتوقيت للصلوات الخمس، إِنما هو لغير النائم وكذا الناسي، فإِنّه يصلّي الوتر إِذا لم يستيقظ له في الوقت، يُصلّيه متى استيقظ، ولو بعد الفجر، وعليه يحمل قوله - ﷺ - للرجل في هذا لحديث: \"فأوتر\" بعد أن قال له: \"إِنما الوتر بالليل\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-454>الركعتان بعده</span>\nقال شيخنا -حفظه الله تعالى- في \"قيام رمضان\" (ص ٣٣): \"وله أن يصلي ركعتين، لثبوتهما عن النّبيّ - ﷺ - فِعْلًا (٢)، بل إِنّه أمَر بهما أمّته فقال: \"إِنّ هذا السفر جهد وثِقَل، فإِذا أوتر أحدكم، فليركع ركعتين، فإِن استيقظ وإِلا كانتا له\" (٣).\nوالسنّة أن يقرأ فيهما: \" ﴿إِذا زُلزلت الأرض﴾ و﴿قل يا أيها\n_________\n= هي صلاة الصبح -كما هو ظاهر والمعروف عنه - ﷺ - في غزوة خيبر- فهو استدلال من ابن مسعود على جواز صلاة الوتر بعد وقتها؛ قياسًا على صلاة الصبح بعد وقتها؛ بجامع الاشتراك في العلّة وهي النوم، والله أعلم\".\n(١) أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\"، وانظر \"الصحيحة\" (١٧١٢).\n(٢) أخرجه مسلم: ٧٣٨، وغيره.\n(٣) أخرجه ابن خزيمة في \"صحيحه\" والدارمي وغيرهما، وهو في \"الصحيحة\" (١٩٩٣)، وفيه فوائد هامّة.","vol":"2","page":131},{"text":"الكافرون﴾ \" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-455>القنوت في الصلوات الخمس حين النوازل </span>(٢)\nو\"كان - ﷺ - إِذا أراد أن يدعو على أحد، أو يدعو لأحد؛ قنت (٣) في الركعة الأخيرة بعد الركوع؛ إِذا قال: (سمع الله لمن حَمِده، اللهمّ ربّنا لك الحمد) \" (٤). و\"كان يجهر بدعائه\" (٥)، و\"يرفع يديه\" (٦)، و\"يؤمِّن من خلفه\" (٧).\nو\"كان يقنت في الصلوات الخمس كلِّها\" (٨)؛ لكنّه \"كان لا يقنت فيها إِلا إِذا دعا لقوم؛ أو دعا على قوم\" (٩)، فربّما قال: \"اللهم أنْج الوليد بن الوليد، وسلمةَ بن هشام، وعيّاشَ بن أبي ربيعة، اللهم اشدُد وطأتك على مُضَر،\n_________\n(١) أخرجه أحمد وابن نصر والطحاوي وابن خزيمة وابن حبّان بسند حسن صحيح، وتقدم بعضه.\n(٢) عن \"صفة الصلاة\" (ص ١٧٨) بحذف.\n(٣) المراد هنا بالقنوت: الدعاء بعد الركوع من الركعة الأخيرة.\n(٤) أخرجه البخاري: ٤٥٦٠، وأحمد.\n(٥) أخرجه البخاري: ٤٥٦٠، وأحمد.\n(٦) أخرجه أحمد والطبراني بسند صحيح، وهذا مذهب أحمد وإسحاق أنّه يرفع يديه في القنوت؛ كما في \"المسائل\" للمروزي (ص ٢٣).\n(٧) أخرجه أبو داود والسراج، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي وغيره.\n(٨) أخرجه أبو داود والسراج والدارقطني بسندين حسَنين.\n(٩) أخرجه ابن خزيمة في \"صحيحه\"، والخطيب في \"كتاب القنوت\" بسند صحيح، وانظر \"الصحيحة\" (٦٣٩).","vol":"2","page":132},{"text":"واجعلها سنين كَسِني يوسف، [اللهم العن لِحيان ورِعلًا وذَكوان وعُصَيَّة عصت الله ورسوله] \" (١).\nثمَّ \"كان يقول -إِذا فرغ من القنوت-: \"الله أكبر\"، فيسجد\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-456>القنوت في صلاة الفجر</span>\nلا يشرع تخصيص القنوت في صلاة الفجر البتّة، إلاَّ في النوازل، فيشرع القنوت فيه.\nفعن أبي مالك الأشجعي قال: قلت لأبي: يا أبت إِنّك صلّيت خلف رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي هاهنا بالكوفة نحو خمس سنين، أكانوا يقنتون في الفجر؟ قال: \"أي بنيّ مُحدَث\" (٣).\nفهذا الصحابي -﵁- بيّن أنّ رسول الله - ﷺ - والخلفاء الراشدين -﵃- لم يقنتوا في الفجر، وقد وصّى النّبيّ - ﷺ - وهو يودّع أمّته بالتمسُّك بسنّته وسنّة الخلفاء الراشدين، وذلك عند الاختلاف الكثير.\nفعن العرباض بن سارية -﵁- قال: \"وعَظنا رسول الله - ﷺ - موعظة بليغة وجِلَت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله! كأنّها موعظة مودع فأوصِنا، قال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإنْ تأمّر عليكم عبد [حبشي] وإنه من يعِشْ منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا،\n_________\n(١) أخرجه أحمد والبخاري: ٤٥٦٠ والزيادة لمسلم: ٦٧٥\n(٢) أخرجه النسائي وأحمد والسراج، وأبو يعلى في \"مسنده\" بسند جيد.\n(٣) أخرجه أحمد والترمذي والنسائي، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٠٢٦) وغيرهم، وانظر \"الإِرواء\" (٤٣٥).","vol":"2","page":133},{"text":"فعليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين المهديين، عضُّوا عليها بالنواجذ وإِياكم ومُحدثات الأمور، فإِنَّ كلّ بدعة ضلالة\" (١).\nولم يقتصر الأمر على التمسك بسنّته - ﷺ - وسنّة الخلفاء الراشدين، وهي واحدة، ولا ريب، لأنهم يعملون بها، لذلك قال - ﷺ -: \"عَضّوا عليها\" ولم يقل عضوا عليهما أقول: ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل إِنّه - ﷺ - قد نهى عن البدعة فقال: \"وإِياكم ومحدَثات الأمور فإِنّ كل بدعة ضلالة\".\nوها هو هذا الصحابي الجليل -﵁- يُبيّن أنها بدعة. فهل من مُدّكر!\nوعن سعيد بن جبير أنّه قال: \"إِنّ القنوت في صلاة الفجر بدعة\" (٢).\nوأمّا ما رواه محمّد بن سيرين أنّه \"سئل أنس بن مالك: أقنَت النّبيّ - ﷺ - في الصبح؟ قال: نعم، فقيل: أوقنَت قبل الركوع [أو بعد الركوع]؟ قال: بعد الركوع يسيرًا\" (٣).\nفهذا هو قنوت النوازل الذي لا يخصّ به صلاة دون صلاة، ويكون بعد الركوع، وكان لا يفعله - ﷺ - إلاَّ إِذا دعا على أحد أو دعا لأحد.\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٨٥١) والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٢١٥٧) وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٤٠) وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٣٤)، و\"كتاب السنّة\" لابن أبي عاصم: (ص ٥٤) بتحقيق شيخنا -حفظه الله تعالى-.\n(٢) قال شيخنا في \"الإِرواء\" (٤٣٦) التحقيق الثاني -بعد تضعيف نسبته إِلى ابن عباس ﵄-: \"والصحيح أنّه من قول سعيد بن جبير\".\n(٣) أخرجه البخاري: ١٠٠١، ومسلم: ٦٧٧، وغيرهما.","vol":"2","page":134},{"text":"فعن أبي هريرة -﵁- \"أنَّ رسول الله - ﷺ - كان إِذا أراد أن يدعو على أحد أو يدعوَ لأحد؛ قنَتَ بعد الركوع ... \" (١).\nومن ذلك ما رواه مسلم في \"صحيحه\" (٦٧٩) (٢) من حديث خُفاف بن إِيماء قال: \"ركَع رسول الله - ﷺ - ثمَّ رفع رأسه فقال: غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله وعصيَّةُ عصَتِ الله ورسولَه اللهم العن بني لِحيان والعن رِعلًا وذَكوان\".\nلذلك لمّا جاء عاصم وسأل أنسَ بن مالك عن القنوت، فقال: \"قد كان القنوت قبل الركوع أو بعده؟ قال: قبله، قال: فإِنّ فلانًا أخبرني عنك أنّك قلت: بعد الركوع! فقال: كذَب؛ إِنّما قنَت رسول الله - ﷺ - بعد الركوع شهرًا، أُراه كان بعَث قومًا يُقال لهم القُرّاء زُهاء (٣) سبعين رجلًا إِلى قومٍ من المشركين دون أولئك، وكان بينهم وبين رسول الله - ﷺ - عهد فقنَتَ رسول الله - ﷺ - شهرًا يدعو عليهم\" (٤).\nفقد نفى أنس بن مالك أن يكون القنوت بعد الركوع، فهذا يُفهِم أنَّ قنوت الوتر يُفعل قبل الركوع، أمّا بعد الركوع فإِنّما هو قنوت النازلة، حين الدعاء على أحد.\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٤٥٦٠\n(٢) ونحوه في البخاري: ١٠٠٦، وتقدّم نحوه في (القنوت للصلوات الخمس للنازلة).\n(٣) أي: ما يقرب من سبعين رجلًا.\n(٤) أخرجه البخاري: ١٠٠٢","vol":"2","page":135},{"text":"وأمّا حديث: \"ما زال رسول الله - ﷺ - يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا\" فإِنّه منكر فيه: أبو جعفر الرازي واسمه عيسى بن ماهان مُتكلَّم فيه.\nقال ابن التركماني: ... قال ابن حنبل والنسائي: ليس بالقوي، وقال أبو زرعة: يَهِمُ كثيرًا، وقال الفلاس: سيئ الحفظ وقال ابن حبان يحدث بالمناكير عن المشاهير ... وانظر التفصيل في \"الضعيفة\" (١٢٣٨).\nقال ابن القيّم -﵀- في \"زاد المعاد\" (١/ ٢٧١) -بحذف-: \"ومن المحال أنَّ رسول الله - ﷺ - كان في كلّ غداة بعد اعتداله من الركوع يقول: \"اللهمّ اهدني فيمن هديت، وتولّني فيمن توليت ... \". إِلخ ويرفع بذلك صوته، ويؤمّن عليه أصحابه دائمًا إِلى أن فارق الدنيا، ثمَّ لا يكون ذلك معلومًا عند الأمة، بل يضيّعه أكثر أمّته وجمهور أصحابه، بل كلّهم؛ حتى يقول من يقول منهم: إِنّه محدَث! \".\nوقال (ص ٢٧٦) تعليقًا على الحديث السابق بعد بيان عدم صحته: \" ... ولو صحّ لم يكن فيه دليل على هذا القنوت المُعيّن البتة، فإِنّ القنوت يطلق على القيام والسكوت ودوام العبادة والدعاء والتسبيح والخشوع، كما قال تعالى: ﴿وله مَن في السموات والأرضِ كلٌّ له قانتون﴾ (١) ﴿وكانت من القانتين﴾ (٢).\nوقال زيد بن أرقم: \"لمّا نزل قوله تعالى: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ (٣) أُمِرنا\n_________\n(١) الروم: ٢٦\n(٢) التحريم: ١٢\n(٣) البقرة: ٢٣٨","vol":"2","page":136},{"text":"بالسكوت ونُهينا عن الكلام\" (١).\nفمِن أين لكم أنّ أنَسًَا إِنّما أراد هذا الدعاء المعيَّن دون سائر أقسام القنوت؟ \".\nوقال (ص٢٨٣): ولمّا صار القنوت في لسان الفقهاء وأكثرِ الناس، هو هذا الدعاء المعروف: \"اللهمّ اهدني فيمن هديت ... \" إِلخ، وسمعوا أنّه لم يزل يقنت في الفجر حتى فارَق الدنيا وكذلك الخلفاء الراشدون وغيرهم من الصحابة؛ حمَلوا القنوت في لفظ الصحابة على القنوت في اصطلاحهم.\nونشأ من لا يعرف غير ذلك، فلم يشكّ أنَّ رسول الله - ﷺ - وأصحابه كانوا مداومين عليه كلّ غداة! وهذا هو الذي نازعهم فيه جمهور العلماء وقالوا لم يكن هذا من فِعله الراتب، بل ولا يثبت عنه أنّه فعَله. انتهى.\nوبعد هذا نسأل: لماذا خصّصوا الفجر بالقنوت؟\nفإِنْ قالوا قد صحّ في ذلك نصوص:\nقلنا: صحّ فيه -كما تقدّم- من غير تخصيص، ولكن في جميع الصلوات في النوازل.\nفعن أنس -﵁- قال: \"كان القنوت في المغرب والفجر\" (٢). فلماذا لا تخصّصونه في المغرب!\nوعن أبي هريرة -﵁- أنَّ رسول الله - ﷺ - بينما يصلّي العشاء إِذ\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٤٥٣٤، ومسلم: ٥٣٩\n(٢) أخرجه البخاري: ١٠٠٤","vol":"2","page":137},{"text":"قال: \"سمع الله لمن حمده\" ثمَّ قال: قبل أن يسجد: اللهمّ نجّ عيّاش بن أبي ربيعة ... \" (١).\nوعن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنّه سمع أبا هريرة -﵁- يقول: \"والله لأُقَرِّبنّ بكم صلاة رسول الله - ﷺ - فكان أبو هريرة يقنت في الظهر والعشاء الآخره وصلاة الصبح، ويدعو للمؤمنين ويلعن الكافرين\" (٢).\nوجاءت بعض النصوص من غير تسمية صلاة كما في حديث أنس قال: \"قنت النّبيّ - ﷺ - شهرًا يدعو على رِعل وذَكوان\" (٣).\nلذلك أقول: لا أعلم نصًّا ورَد بتسمية صلاة العصر في القنوت، ولكنه يدخل في العموم كما لا يخفى، وقد وردَ تسمية الفجر، فلا يعني التخصيص. وبالله التوفيق.\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ٦٧٥\n(٢) أخرجه مسلم: ٦٧٦\n(٣) أخرجه البخاري: ١٠٠٣، ومسلم: ٦٧٧، وتقدّم.","vol":"2","page":138},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-457>قيام الليل</span>\nما وردَ في الترغيب فيه:\nقيام الليل سُنّة مستحبّة، وقد ورد في الترغيب فيه العديد من النصوص من ذلك:\n١ - قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (١).\n٢ - وقوله سبحانه: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ (٢).\n٣ - وقوله سبحانه في وصْف المؤمنين: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٣).\n٤ - وحديث أبي هريرة -﵁- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: يعقِد الشيطان على قافية رأس أحدكم إِذا هو نام ثلاث عُقد، يضرب على كلّ\n_________\n(١) الذاريات: ١٥ - ١٩\n(٢) الفرقان: ٦٣ - ٦٦\n(٣) السجدة: ١٦ - ١٧","vol":"2","page":139},{"text":"عُقدة؛ عليك ليلٌ طويل فارقد! فإِنِ استيقظ فذكَر الله تعالى انحلَّت عُقدة، فإِنْ توضّأ انحلّت عقدة، فإِنْ صلّى انحلّت عُقَدُه كلّها، فأصبح نشيطًا طيِّب النفس، وإِلاَّ صبح خبيث النفس كسلان\" (١).\n٥ - وحديث عبد الله بن عمر -﵄- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"في الجنّة غرفةٌ يُرى ظاهرها من باطِنها، وباطِنُها من ظاهرها، فقال أبو مالك الأشعري: لمن هي يا رسول الله - ﷺ -؟ قال: لمن أطاب الكلام، وأطعَم الطعام، وبات قائمًا والناس نيام\" (٢).\n٦ - وحديث جابر -﵁- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"إِنَّ في الليل لساعة؛ لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله خيرًا من أمر الدنيا والآخرة؛ إلاَّ أعطاه إِيّاه، وذلك كلَّ ليلة\" (٣).\n٧ - وحديث أبي الدرداء عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"ثلاثةٌ يحبّهم الله، ويضحك إِليهم، ويستبشر بهم: الذي إِذا انكشفت فئةٌ قاتل وراءها بنفسه لله ﷿، فإِمّا أن يُقتل، وإمّا أنْ ينصره الله ويكفيه، فيقول: انظروا إِلى عبدي هذا كيف صبر لي بنفسه؟\nوالذي له امرأة حسنة وفراش ليِّن حسن، فيقوم من الليل، فيقول: يَذَرُ شهوته ويذكُرني، ولو شاء رقد.\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١١٤٢، ومسلم: ٧٧٦\n(٢) أخرجه الطبراني في \"الكبير\" بإِسناد حسن والحاكم، وقال: صحيح على شرطهما وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٦١١).\n(٣) أخرجه مسلم: ٧٥٧","vol":"2","page":140},{"text":"والذي إِذا كان في سفر، وكان معه ركْب، فسهروا، ثمَّ هجعوا، فقام من السَّحر في ضرّاء وسرّاء\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-458>أجْر من نوى قيام الليل وغَلَبته عينُه حتى أصبح</span>\nعن أبي الدرداء أنّ النّبيّ - ﷺ - قال: \"من أتى فراشه وهو ينوي أن يقوم يصلّي من الليل؛ فغلبته عينُه حتى أصبح؛ كُتب له ما نوى، وكان نومه صدقة عليه من ربّه\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-459>الوصاة بإِيقاظ الأهل لقيام الليل</span>\n١ - عن أبي هريرة -﵁- قال رسول الله - ﷺ -: \"رحم الله رجلًا قام من الليل فصلّى وأيقظ امرأته، فإِنْ أَبَت نضَح في وجهها الماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل فصلّت وأيقظت زوجها، فإِنْ أبى نضحت في وجهه الماء\" (٣).\n٢ - وعن أبي هريرة وأبي سعيد -﵄- قالا: قال رسول الله - ﷺ -: \"إِذا أيقظ الرجل أهله من الليل، فصلّيا أو صلّيا ركعتين جميعًا؛ كُتبا\n_________\n(١) أخرجه الطبراني في \"الكبير\" بإِسناد حسن وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٦٢٣).\n(٢) أخرجه النسائي \"صحيح سنن النسائي\" (١٦٨٦)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١١٧٢) وغيرهما، وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١٩)، و\"الإرواء\" (٤٥٤).\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٢٨٧) والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (١٥١٩) وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٠٩٩) وابن خزيمة \"صحيح ابن خزيمة\" (١١٤٨)، وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٦١٩).","vol":"2","page":141},{"text":"في الذاكرين والذاكرات\" (١).\n٣ - وعن أمّ سلمة زوج النّبيّ - ﷺ - قالت: \"استيقظ رسول الله - ﷺ - ليلة فَزِعًا يقول: سبحانه! ماذا أنزَلَ الله من الخزائن؟ وماذا أُنزِل من الفِتن؟ من يوقظ صواحب الحجرات -يريد أزواجه- لكي يصلّين؟ رُبّ كاسية في الدنيا عاريةٍ في الآخرة\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-460>الرقود وترْك الصلاة إِذا غلبه النعاس</span>\nأن يترك الصلاة ويرقد إِذا غلبه النعاس حتى يذهب عنه النوم لحديث أبي هريرة -﵁- عن رسول الله - ﷺ - قال: \"إِذا قام أحدكم من الليل، فاستعجم (٣) القرآن على لسانه، فلم يدرِ ما يقول؛ فليضطجع\" (٤).\nعن أنس -﵁- قال: \"دخَل رسول الله - ﷺ - المسجد وحبلٌ ممدود بين ساريتين فقال: \"ما هذا؟ \" قالوا: لزينب تُصلّى، فإِذا كسِلَت أو فترَت أمسكت به، فقال: \"حُلُّوه ليصلِّ أحدكم نشاطه، فإِذا كَسِل أو فتر قعد\" وفي حديث زهير \"فليقعد\" (٥).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٢٨٨)، والنسائي، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٠٩٨)، وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٦٢٠).\n(٢) أخرجه البخاري: ٧٠٦٩\n(٣) استعجم: أي استُغلق عليه فلم يقدر أن يقرأ؛ كأنّه صار به عُجْمة. \"النهاية\" -بتصرف-.\n(٤) أخرجه مسلم: ٧٨٧ وغيره.\n(٥) أخرجه البخاري: ١١٥٠، ومسلم: ٧٨٤","vol":"2","page":142},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-461>عدم المشقة على النفس في القيام والمواظبة عليه</span>\nفعن عائشة -﵂- قالت: \"دخَل عليَّ رسول الله - ﷺ - وعندي امرأة فقال: من هذه؟ فقلت: امرأة لا تنام، تصلّي، قال: عليكم من العمل ما تطيقون، فوالله لا يملّ الله حتى تملّوا\" وكان أحبَّ الدِّين إِليه ما داومَ عليه صاحبه\" (١).\nوفي رواية عنها -﵂- أنَّ رسول الله - ﷺ - سُئل: \"أيُّ العمل أحبُّ إِلى الله؟ قال: أدومُه وإنْ قلّ\" (٢).\nوعن علقمة قال: \"قلت لعائشة -﵂-: هل كان رسول الله - ﷺ - يختصّ من الأيام شيئًا؟ قالت: لا، كان عمله ديمة (٣)، وأيكم يُطيق ما كان رسول الله - ﷺ - يُطيق؟ \" (٤).\nوعن عائشة: \"كان آل محمّد - ﷺ - إِذا عملوا عملًا أثبتوه\" (٥).\nوعن عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄- قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: \"يا عبد الله! لا تكن مِثل فلان؛ كان يقوم من الليل فترك قيام\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٩٧٠، ومسلم: ٧٨٥ وهذا لفظه.\n(٢) أخرجه مسلم: ٧٨٢\n(٣) أي: دائمًا، قال أهل اللغة: الديمة مطر يدوم أيامًا، ثمَّ أُطلقت على كل شيء يستمرّ.\n(٤) أخرجه البخاري: ١٩٨٧، ومسلم: ٧٨٣\n(٥) أي: لازموا فِعله وداوموا عليه ولم يتركوه.","vol":"2","page":143},{"text":"الليل\" (١).\nوعن حفصة عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"نِعم الرجل عبد الله لو كان يصلّي من الليل، قال سالم: فكان عبد الله بعد ذلك لا ينام من الليل إلاَّ قليلًا\" (٢).\nوعن عبد الله بن مسعود -﵁- قال: \"ذُكر عند النّبيّ - ﷺ - رجل فقيل: ما زال نائمًا حتى أصبح؛ ما قام إِلى الصلاة، فقال: بال الشيطان في أُذنه\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-462>وقته:</span>\nيبدأ قيام الليل من بعد صلاة العشاء ويستمرّ حتى الفجر.\nعن أنس -﵁- قال: \"كان رسول الله - ﷺ - يُفطر من الشهر حتى نظنُّ ألاّ يصوم منه، ويصوم حتى نظنّ أن لا يُفطر منه شيئًا، وكان لا تشاء أن تراه من الليل مُصلّيًا (٤) إلاَّ رأيته ولا نائمًا إلاَّ رأيته\" (٥).\nوعن الأسود قال: سألتُ عائشة -﵂-: \"كيف صلاة النّبيّ - ﷺ - بالليل؟ قالت: كان ينام أوّله، ويقوم آخره، فيصلّي ثمَّ يرجع إِلى فراشه، فإِذا أذّن المؤذّن وثب، فإِن كانت به حاجة اغتسل وإلاَّ توضّأ \" (٦).\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١١٥٢، ومسلم: ١١٥٩\n(٢) أخرجه البخاري: ١١٥٧، ومسلم: ٢٤٧٩، وهذا لفظه.\n(٣) أخرجه البخاري: ١١٤٤، ٣٢٧٠، ومسلم: ٧٧٤\n(٤) أي: يقوم بحسب ما تيسّر له ذلك.\n(٥) أخرجه أحمد والبخاري: ١١٤١\n(٦) أخرجه البخاري: ١١٤٦","vol":"2","page":144},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-463>أفضل أوقاته</span>\nيفضل تأخير صلاة الليل إلى ثلث الليل أو نصفه، ومن الأدلة على ذلك:\n١ - حديت أبي هريرة -﵁- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"ينزل ربُّنا (١) ﵎ كلّ ليلة إلى السماء الدنيا؛ حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول: من يدعونْي فأستجيبَ له، من يسألني فأعطيَه، من يستغفرني فأغفرَ له\" (٢).\n٢ - وعنه -﵁- أيضًا عن النّبي - ﷺ - قال: \"لولا أن أشقّ على أمّتي لأمرْتهم بالسواك مع الوضوء، ولأخّرت العشاء إِلى ثلث الليل أو نصف الليل، فإِذا مضى ثلث الليل أو نصف الليل؛ نزل إلى السماء الدنيا جلّ وعزّ فقال: فذكر الجمل الثلاث وزاد (٣) هل من تائب فأتوب عليه (٤).\n٣ - عن عبد الله بن عمرو قال: \"قال لي رسول الله - ﷺ -: أحَبُّ الصيام إِلى الله صيام داود، كان يصوم يومًا ويُفطر يومًا، وأحبُّ الصلاة إلى الله صلاة داود، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه\" (٥).\n_________\n(١) نزولًا حقيقيًا يليق بجلاله سبحانه؛ من غير تكييف ولا تمثيل ولا تأويل ولا تعطيل، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة، وانظر للمزيد من الفائدة -إِن شئت- كتاب \"شرح حديث النزول\" لشيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-.\n(٢) أخرجه البخاري: ١١٤٥، ومسلم: ٧٥٨\n(٣) من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له.\n(٤) أخرجه أحمد وإسناده صحيح على شرط الشيخين، \"الإرواء\" (٢/ ١٩٧).\n(٥) أخرجه البخاري: ٣٤٢٠، ومسلم: ١١٥٩، قال عليّ: وهو قول عائشة: =","vol":"2","page":145},{"text":"٤ - عن عمرو بن عبسة -﵁- أنَّه سمع النّبيّ - ﷺ - يقول: \"أقرب ما يكون الربّ من العبد في جوف الليل الآخر، فإِنِ استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-464>عدد ركعاته:</span>\nعدد ركعاته إِحدى عشرة ركعة كما في حديث عائشة الآتي -إِن شاء الله- في صلاة التراويح \"ما كان رسول الله - ﷺ - يزيد في رمضان ولا في غيره على إِحدى عشرة ركعة ... \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-465>تتحقق صلاة الليل ولو بركعة</span>\nعن ابن عباس -﵄- قال: ذَكَرتُ قيام الليل فقال بعضهم إِنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"نصفه، ثلثه، ربعه، فُواق (٢) حلب ناقة، فواق حلب شاة\" (٣).\n_________\n= \"ما ألفاه السحَر عندي إلاَّ نائمًا\".\nقال الحافظ (٦/ ٤٥٥): \"ولم أره منسوبًا [أي: اسم عليّ] وأظّنه علي بن المديني شيخ البخاري، وأراد بذلك بيان المراد بقوله: \"وينام سدسه\" أي: السدس الأخير، وكأنَّه قال: يوافق ذلك حديث عائشة: \"ما ألفاه -بالفاء- أي وجده -والضمير للنّبيّ - ﷺ - والسَّحر الفاعل، أي لم يجىء السَّحَر والنّبيّ - ﷺ - إلاَّ وجده نائمًا\".\n(١) أخرجه الترمذي واللفظ له، وابن خزيمة في \"صحيحه\" وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٦٢٢).\n(٢) الفُواق: ما بين الحَلْبتين من الراحه وتُضَمّ فاؤه وتُفتَح \"النهاية\".\n(٣) أخرجه أبو يعلى ورجاله محتجّ بهم في الصحيح، وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٦٢١).","vol":"2","page":146},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-466>من فاته قيام الليل</span>\nعن عائشة -﵂- \"أنَّ رسول الله - ﷺ - كان إِذا فاتته الصلاة من الليل من وَجَعِ أو غيره، صلّى من النّهار ثنتي عشرة ركعة\" (١).\nوعنها -﵂- قالت: \"كان رسول الله - ﷺ - إِذا عَمِل عملًا أثبته، وكان إِذا نام من الليل أو مَرض؛ صلّى من النهار ثنتي عشرة ركعة قالت: وما رأيتُ رسول الله - ﷺ - قام ليلةً حتى الصباح، وما صام شهرًا متتابعًا إلاَّ رمضان\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-467>ما يستحبّ أثناء القراءة:</span>\nيُستحبّ لكل من قرأ في صلاة الليل إِذا مرَّ بآية رحمة؛ أن يسأل الله سبحانه من فضله، وإِذا مرَّ بآية عذاب أن يتعوّذ بالله من النار، وإذا مرَّ بآيةٍ فيها تسبيح سبّح، وإذا مَرَّ بسؤالٍ سأل.\nلما رواه مسلم (٧٧٢) عن حذيفة قال: \"صليت مع النّبيّ - ﷺ - ذات ليلة، فافتتح البقرة فقلت: يركع عند المائة، ثمَّ مضى، فقلت: يُصلّي بها في ركعة، فمضى فقلت: يركع بها، ثمَّ افتتح النّساء فقرأها، ثمَّ افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسِّلًا (٣)، إِذا مرَّ بآية فيها تسبيح سبَّح، وإذا مرَّ بسؤالٍ سأل، وإِذا مرَّ بتعوّذ تعوّذ، ثمَّ ركع فجعل يقول: سبحان ربِّيَ العظيم، فكان ركوعه نحوًا\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ٧٤٦، وغيره.\n(٢) أخرجه مسلم: ٧٤٦\n(٣) أي: متمهلًا متأنيًا.","vol":"2","page":147},{"text":"من قيامه، ثمَّ قال: سمع الله لمن حمده، ثمَّ قام طويلًا، قريبًا ممّا ركع، ثمَّ سجد فقال: سبحان ربِّيَ الأعلى، فكان سجوده قريبًا من قيامه\".\nقال شيخنا -حفظه الله- في الردّ على من يقول في استحباب ذلك في صلاة الفرض: \"هذا إِنما ورد في صلاة الليل كما في حديث حذيفة ...، فمقتضى الاتباع الصحيح الوقوف عند الوارد وعدم التوسع فيه بالقياس والرأي، فإِنّه لو كان ذلك مشروعًا في الفرائض أيضًا لفَعله - ﷺ -، ولو فعَله لنُقِل، بل لكان نقْله أولى من نقل ذلك في النوافل كما لا يخفى\".","vol":"2","page":148},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-468>قيام رمضان</span>\nقيام رمضان سنّة تؤدّى بعد صلاة العشاء قبل الوتر، والصلاة في آخر الليل أفضل كما تقدّم.\nقال شيخنا في \"قيام رمضان\" (ص ٢٦) -بحذف-: وإِذا دار الأمر بين الصلاة أوّل الليل مع الجماعة، وبين الصلاة آخر الليل منفردًا، فالصلاة مع الجماعة أفضل، لأنّه يحسب له قيام ليلةٍ تامّة.\nوعلى ذلك جرى عمل الصحابة في عهد عمر -﵁- فقال عبد الرحمن بن عَبْدٍ القارِيّ: \"خرجتُ مع عمر بن الخطاب ليلة في رمضان إِلى المسجد، فإِذا الناس أوزاعٌ (١) متفرّقون، يُصلّي الرجل لنفسه، ويصلّي الرجل فيصلّي بصلاته الرَّهطُ، فقال عمر: والله إِني لأرى لو جمعتُ هؤلاء على قارئ واحدٍ لكان أمثل، ثمَّ عزم، فجمَعهم على أُبَيِّ بن كعب، ثمَّ خرجتُ معه ليلة أخرى، والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر: نعم (٢) البدعةُ هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون -يريد آخر الليل- وكان الناس يقومون أوّله\" (٣).\nوقال زيد بن وهب: \"كان عبد الله يصلي بنا في شهر رمضان، فينصرف\n_________\n(١) أي: متفرقون.\n(٢) في بعض الروايات نعمت والمراد بالبدعة هنا اللغويه لا الشرعية، وانظر التفصيل في \"صلاة التروايح\" (ص ٤٣).\n(٣) أخرجه البخاري: ٢٠١٠","vol":"2","page":149},{"text":"بليل\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-469>الترغيب فيه</span>\nعن أبي هريرة -﵁- قال: كان رسول الله - ﷺ - يُرغّب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم فيه بعزيمة (٢) فيقول: \"من قام رمضان إِيمانًا واحتسابًا (٣)؛ غُفر له ما تقدّم من ذنبه (٤) \" (٥).\nوعن عمرو بن مرّة الجُهني -﵁- قال: \"جاء رجل إِلى النّبيّ\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق (٧٧٤١) وإسناده صحيح، وقد أشار الإِمام أحمد إِلى هذا الأثر والذي قبله حين سُئل: يؤخّر القيام -يعني التراويح- إِلى آخر الليل؛ فقال: \"لا، سُنّة المسلمين أحبُّ إِليّ\". رواه أبو داود في \"مسائله\" (ص ٦٢).\n(٢) العزم: الجدّ والصبر، ويعزم المسألة، أي: يجدّ فيها ويقطعها والمقصود: لا يأمرهم أمر إِيجاب وتحتيم، بل أمر ندب وترغيب كما ذكر بعض العلماء.\n(٣) طلبًا لوجه الله وثوابه، فالاحتساب من الحسَب، وإنَّما قيل لمن ينوي بعمله وجه الله احتسبه؛ لأنَّ له حينئذ أن يعتدّ عمله، والحِسبة اسمٌ من الاحتساب. \"النهاية\" -بحذف-.\n(٤) قال شيخنا في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (ص ٤٨٧): \"هذا الترغيب وأمثاله بيان لفضل هذه العبادات؛ بأنه لو كان على الإنسان ذنوب تُغفر له بسبب هذه العبادات، فلا يَرِد أن الأسباب المؤدية إِلى عموم المغفرة كثيرة، فعند اجتماعها؛ أىّ شيء يبقى للمتأخر منها حتى يغفر له؛ إِذ المقصود بيان هذه العبادات، بأنّ لها عند الله هذا القدر من الفضل، فإِنْ لم يكن على الإنسان ذنب، يظهر هذا الفضل في رفع الدرجات، كما في حق الأنبياء المعصومين من الذنوب، والله أعلم\".\n(٥) أخرجه البخاري: ٣٧، ومسلم: ٧٥٩","vol":"2","page":150},{"text":"- ﷺ - فقال: يا رسول الله أرأيتَ إِن شهدتُ أن لا إِله إلاَّ الله، وأنك رسول الله \" وصلّيتُ الصلوات الخمس، وأدَّيتُ الزكاة، وصمتُ رمضان وقمتُه، فممّن أنا قال: من الصدِّيقين والشهداء\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-470>مشروعية الجماعة فيه </span>(٢)\nوتشرع الجماعة في قيام رمضان، بل هي أفضل من الانفراد؛ لإِقامة النّبيّ - ﷺ - لها بنفسه، وبيانه لفضلها بقوله؛ كما في حديث أبي ذَرٍّ -﵁- قال: \"صمنا مع رسول الله - ﷺ - رمضان، فلم يَقُمْ بنا شيئًا من الشهر، حتى بقي سَبْعٌ، فقام بنا حتى ذهب ثُلُثُ الليل، فلمّا كانت السادسةُ لم يَقُم بنا، فلمّا كانت الخامسة قام بنا حتى ذهب شطرُ الليل، فقلتُ: يا رسول الله! لو نفَّلتنا قيام هذه الليلة، فقال: إِنّ الرجل إِذا صلّى مع الإِمام حتى ينصرف حُسب له قيام ليلة\".\nفلمّا كانت الرابعة لم يقم، فلمّا كانت الثالثة جمَع أهله ونساءه والناس، فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح. قال: قلت: ما الفلاح؟ قال: السّحور، ثمَّ لم يقم بنا بقيّة الشهر\" (٣).\n_________\n(١) أخرجه البزار وابن خزيمة وابن حبان في \"صحيحيهما\" واللفظ لابن حبان وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٩٨٩).\n(٢) من هنا ولأوّل (لم يصل التراويح أكثر من إِحدى عشرة ركعة) عن \"قيام رمضان\" بتصرّف.\n(٣) أخرجه أصحاب السنن وغيرهم، وهو مخرج في \"صلاة التراويح\" (ص ١٦ - ١٧)، و\"الإِرواء\" (٤٤٧).","vol":"2","page":151},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-471>السبب في عدم استمرار النّبيّ - ﷺ - بالجماعة فيه</span>\nوإِنّما لم يقم بهم (﵊) بقيّة الشهر خشية أن تُفرَض عليهم صلاةُ الليل في رمضان، فيعجَزوا عنها فعن عائشة أنَّ رسول الله - ﷺ - صلّى في المسجد ذات ليلة، فصلّى بصلاته ناس، ثمَّ صلّى من القابلة، فكثر الناس، ثمَّ اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة، فلم يخرج إِليهم رسول الله - ﷺ -، فلمّا أصبح قال: قد رأيت الذي صنعتم، فلم يمنعني من الخروج إِليكم إلاَّ أنِّي خشيت أن تفرض عليكم، قال: وذلك في رمضان\" (١). وقد زالت هذه الخشيةُ بوفاته - ﷺ - بعد أنْ أكمل الله الشريعة، وبذلك زال المعلول، وهو ترْك الجماعة في قيام رمضان، وبقي الحُكم السابق وهو مشروعية الجماعة، ولذلك أحياها عمر -﵁- كما في \"صحيح البخاري\" وغيره (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-472>مشروعية الجماعة للنساء</span>\nقال شيخنا: \"وهذا محلّه عندي إِذا كان المسجد واسعًا، لئلا يُشوِّش أحدهما على الآخر\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-473>عدد ركعاته</span>\nوركعاتها إِحدى عشرة ركعةً، ونختار أن لا يزيد عليها اتّباعًا لرسول الله - ﷺ -، فإِنّه لم يزد عليها حتى فارق الدنيا، فقد سُئلت عائشة -رضي الله\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٩٢٤، ومسلم: ٧٦١\n(٢) انظر رقم (٢٠١٠)، وتقدّم.","vol":"2","page":152},{"text":"عنها- عن صلاته - ﷺ - في رمضان؟ فقالت: \"ما كان رسول الله - ﷺ - يزيد في رمضان ولا في غيره على إِحدى عشرة ركعة، يصلّي أربعًا فلا تَسَلْ عن حُسْنهنّ وطولهنّ، ثمَّ يصلّي أربعًا فلا تَسَلْ عن حسنهنّ وطولهنّ، ثمَّ يصلّي ثلاثًا\" (١).\nوله أن يُنْقِص منها، حتى لو اقتصر على ركعة الوتر فقط، بدليل فِعله - ﷺ - وقوله:\nأمّا الفعل، فقد سُئلت عائشة -﵂-: بكم كان رسول الله - ﷺ - يوتر؟ قالت: \"كان يوتر بأربعٍ وثلاثٍ، وستٍّ وثلاثٍ، وعشرٍ وثلاثٍ، ولم يكن يوتر بأنقص من سبعٍ، ولا بأكثر من ثلاث عشرة\" (٢).\nوأمّا قوله - ﷺ - فهو: \"الوتر حقٌّ، فمن شاء فليوتر بخمسٍ، ومن شاء فليوتر بثلاثٍ، ومن شاء فليوتر بواحدة\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-474>لم يُصَلِّ التراويح أكثر من إِحدى عشرة ركعة </span>(٤)\nلم يثبت عن النّبيّ - ﷺ - أنَّه صلّى التراويح أكثر من إِحدى عشرة ركعة، وإِليك البيان:\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١١٤٧، ومسلم: ٧٣٨، وتقدّم.\n(٢) أخرجه أحمد وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٢٣٣) وغيرهما وهو حديث جيد الإِسناد، وصحّحه العراقي، وهو مخرَّج في \"صلاة التراويح\" (ص ٩٨ - ٩٩).\n(٣) تقدّم.\n(٤) هذا العنون وما يحتويه من كتاب \"صلاة التراويح\" -بتصرف-.","vol":"2","page":153},{"text":"١ - قد تقدّم حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن أنَّه سأل عائشة -﵂- كيف كانت صلاة رسول الله - ﷺ - في رمضان فقالت: ما كان رسول الله - ﷺ - يزيد في رمضان ولا في غيره على إِحدى عشرة ركعة.\n٢ - وعن جابر بن عبد الله -﵁- قال؛ صلّى بنا رسول الله - ﷺ - في شهر رمضان ثمان ركعات، وأوتر ... \" (١).\n٣ - أمّا ما رواه ابن أبي شيبة من حديث ابن عباس: \"كان رسول الله - ﷺ - يصلّي في رمضان عشرين ركعة والوتر\" فإِسناده ضعيف وقد عارضه حديث عائشة هذا الذي في الصحيحين؛ مع كونها أعلم بحال النّبيّ - ﷺ - ليلًا من غيرها، قاله الحافظ في \"الفتح\".\nوسبَقه إِلى هذا المعنى الحافظ الزيلعي في \"نصب الراية\" (٢/ ١٥٣). قال شيخنا: وحديث ابن عبّاس هذا ضعيف جدًّا كما قال السيوطي في \"الحاوي للفتاوى\" (٢/ ٧٣) وعِلّته أنّ فيه أبا شيبة إِبراهيم بن عثمان.\nقال الحافظ في \"التقريب\": \"متروك الحديث\" وقد تتبعْتُ مصادره فلم أجِده إِلا من طريقه ... وفصّل القول في ذلك.\nوقال البيهقي: تفرَّد به أبو شيبة وهو ضعيف، وكذلك قال الهيثمي في \"المجمع\" (٣/ ١٧٢) أنَّه ضعيف، والحقيقة أنَّه ضعيف جدًّا، كما يشير إِليه قول الحافظ المتقدّم: \"متروك الحديث\" وهذا هو الصواب فيه .....\nوأورده الحافظ الذهبي من مناكيره، وقال الفقيه ابن حجر الهيتمي في\n_________\n(١) أخرجه ابن نصر والطبراني في المعجم الصغير وسنده حسن وأشار الحافظ في \"الفتح\" (٣/ ١٠) و\"التلخيص\" (ص١١٩) إِلى تقويته.","vol":"2","page":154},{"text":"\"الفتاوى الكبرى\" (١/ ١٩٥) بعد أنْ ذكر الحديث: \"شديد الضعف ... \".\nوقال السيوطي: \"فالحاصل أنَّ العشرين ركعة لم تثبت مِن فِعله ... ومما يدلّ لذلك أيضًا (أي: عدم الزيادة) أنَّه - ﷺ - كان إِذا عمل عملًا واظبَ عليه؛ كما واظب على الركعتين اللتين قضاهما بعد العصر؛ مع كون الصلاة في ذلك الوقت منهيًّا عنها، ولو فعَل العشرين ولو مرّة؛ لم يتركها أبدًا، ولو وقع ذلك لم يَخْفَ على عائشة، حيث قالت ما تقدَّم\".\nقلت: بل قد ثبت في \"صحيح مسلم\" (٧٨٢) من حديث أبي سلمة عن عائشة -﵂-: \"وكان آل محمّد إذا عملوا عملًا أثبتوه\"، وقد تقدّم.\nوفي \"صحيح مسلم\" (٧٨٣) أيضًا: عن القاسم بن محمّد قال: \"وكانت عائشة إِذا عملت العمل لزِمته\".\nلهذا ولغيره نقول: لم يثبُت لنا عن أحدٍ من آل محمّد - ﷺ - أنهم صلّوا العشرين\" والله تعالى أعلم.\n٤ - إِنَّ رسول الله - ﷺ - قد التزم عددًا معيّنًا في السنن الرواتب وغيرها؛ كصلاة الاستسقاء والكسوف ... وكان هذا الالتزام دليلًا مسلّمًا عند العلماء أنَّه لا يجوز الزيادة عليها، فكذلك صلاة التراويح، ومن ادعى الفرق فعليه الدليل. وليست صلاة التراويح من النوافل المطلقة حتى يكون للمصلّي الخيار في أن يصلِّيها بأيّ عدد شاء، بل هي سُنّة مؤكّدة تشبه الفرائض من حيث أنّها تشرع مع الجماعة؛ كما قالت الشافعية فهي من هذه الحيثيّة أولى بأن لا يُزاد عليها من السنن الرواتب.","vol":"2","page":155},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-475>ردود على بعض التساؤلات والاعتراضات</span>\n١ - قد يقول بعضهم: اختلاف العلماء دليل على عدم ثبوت النص المعيِّن للعدد.\nوالجواب: إِنَّ الاختلاف في عدد ركعات التراويح لا يدلّ على عدم ورود نصٍّ ثابت فيه؛ لأنَّ الواقع أنَّ النصّ واردٌ ثابت فيه، فلا يجوز أن يُردّ النصّ بسبب الخلاف، بل الواجب أن يُزال الخلاف بالرجوع إِلى النصّ عملًا بقول الله ﵎: ﴿فلا وربّك لا يؤمنون حتى يُحكِّموك فيما شَجَر بينهم ثمَّ لا يَجِدوا في أنفُسِهِم حرَجًا ممّا قَضَيتَ ويُسَلّموا تَسلِيمًا﴾ (١).\nوقوله سبحانه: ﴿فإِنْ تَنَازعتُم في شيءٍ فردّوه إِلى الله والرسُول إِنْ كُنتُم تؤْمِنُون بالله واليَوم الآخِر ذلك خيْرٌ وأحْسَنُ تَأوِيلًا﴾ (٢).\n٢ - قد يقول قائل آخر: لا مانع من الزيادة على النصّ ما لم يُنْه عنها.\nوجوابه: الأصل في العبادات أنها لا تثبت إلاَّ بتوقيف من رسول الله - ﷺ -، ولولا هذا الأصل لجاز لأيّ مسلم أن يزيد في عدد ركعات السُّنن بل والفرائض الثابت عددها بفِعْله - ﷺ - واستمراره عليه؛ بزعم أنَّه - ﷺ - لم يَنْهَ عن الزيادة عليها.\n٣ - وتمسّك بعضهم بالنصوص المطلقة والعامّة؛ في الحضّ على الإِكثار من الصلاة؛ بدون تحديد عدد؛ معيّن كقوله - ﷺ - لربيعة بن كعب وقد سأله\n_________\n(١) النساء: ٦٥\n(٢) النساء: ٥٩","vol":"2","page":156},{"text":"مرافقته في الجنَّة: \"فأعنّي على نفسك بكثرة السجود\".\nوالجواب: إِنَّ هذا تمسُّكٌ واهٍ جدًا، فإِنَّ العمل بالمطلقات على إِطلاقها إِنّما يسوغ فيما لم يقيّده الشارع من المطلقات، أمّا إِذا قيّد الشارع حُكمًا مطلقًا بقيد؛ فإِنَّه يجب التقيُّد به وعدم الاكتفاء بالمطلق، فإِنَّ مسألتنا (صلاة التراويح) ليست من النوافل المطلقة، لأنها صلاة مقيّدة لا بنصّ عن رسول الله.\nوما مثَل من يفعل ذلك؛ إلاَّ كمن يصلي صلاة يخالف بها صلاة النّبيّ - ﷺ - المنقولة عنه بالأسانيد الصحيحة؛ يخالفها كمًّا وكيفًا؛ متناسيًا قوله - ﷺ -: \"صلوا كما رأيتموني أصلي\" (١) محتجًّا بمِثل تلك المطلقات! كمن يصلّي مثلًا الظهر خمسًا وسنة الفجر أربعًا!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-476>الأحوط اتباع السنّة:</span>\nواستطرد شيخنا -حفظه الله تعالى- قائلًا: \"على أنَّه مهما قيل في جواز الزيادة أو عدمها، فما أظنّ أنّ مسلمًا يتوقّف -بعد ما سلف بيانه- عن القول بأنّ العدد الذي ورَد عنه - ﷺ - أفضل من الزيادة عليه لصريح قوله - ﷺ -: \"وخير الهدي هدي محمّد - ﷺ -\"، رواه مسلم (٢)، فما الذي يمنع المسلمين اليوم أن يأخذوا بهذا الهدي المحمّدي ويدَعُوا ما زاد عليه من باب \"دَعْ ما يَريبك إِلى ما لا يَريبك\" ... وأنهم صلَّوها بالعدد الوارد في السُّنّة في مِثل المدّة التي يصلّون فيها العشرين؛ لكانت صلاتهم صحيحة مقبولة باتفاق العلماء،\n_________\n(١) تقدّم تخريجه.\n(٢) برقم: ٨٦٧","vol":"2","page":157},{"text":"ويؤيّد ذلك حديث جابر قال: سئل - ﷺ - أيّ الصلاة أفضل؟ قال: \"طول القنوت (١) \" (٢). فعليكم أيها المسلمون بسنتَّه - ﷺ - تمسَّكوا بها وعضُّوا عليها بالنواجذ فإِنّ \"خير الهدي هدي محمّد - ﷺ -\" (٣).\n٤ - وقد يقول قائل: إِنَّ عمر -﵁- قد صلاّها عشرين ركعة.\nقال شيخنا: ولا يجوز أن يُعارَض هذه الرواية الصحيحة بما رواه عبد الرزاق من وجه آخر عن محمّد بن يوسف بلفظ: \"إِحدى وعشرين\" لظهور خطأ هذا اللفظ من وجهين: الأوّل: مخالفة لرواية الثقة بلفظ إِحدى عشرة (٤).\nالثاني: أنَّ عبد الرزاق قد تفرَّد بروايته على هذا اللفظ ... (٥).\n_________\n(١) قال النووي (٦/ ٣٥): \"المراد بالقنوت هنا: القيام باتفاق العلماء -فيما علمت-\".\n(٢) أخرجه مسلم: ٧٥٦\n(٣) صلاة التراويح: ٣٩، ٤٠\n(٤) يشير شيخنا -حفظه الله تعالى- إِلى ما رواه محمّد بن يوسف عن السائب بن يزيد قال: \"أمَر عمر بن الخطاب أُبيّ بن كعب وتميمًا الداري أن يقوما للناس بإِحدى عشرة ركعة، قال: وقد كان يقرأ بالمئين، حتى كنا نعتمد على العصيّ من طول القيام، وما ننصرف إلاَّ في بزوغ الفجر\".\nقال شيخنا- حفظه الله تعالى-: \"وهذا سند صحيح جدًّا، فإِنّ محمّد بن يوسف شيخ مالك ثقة واحتجّ به اتفاقًا واحتجّ به الشيخان، والسائب بن يزيد صحابيّ ... \".\n(٥) ارجع -إِن شئت- الكتاب المشار إِليه للمزيد من الاطلاع على التخريج والتحقيق.","vol":"2","page":158},{"text":"وقد أشار الترمذي في \"سننه\" إِلى عدم ثبوت عدد العشرين عن عمر وغيره من الصحابة فقال روي عن عليّ وعمر ...\nوكذلك قال الشافعي في العشرين عن عمر. انتهى كلام شيخنا -حفظه الله- بتصرف.\n٥ - وقد يقول قائل: قد قال رسول الله \"صلاة الليل مثنى مثنى\" (١).\nفجوابه: إِنَّ هذا لبيان الكيفية لا لبيان الكمّ، فعن عبد الله بن عمر؛ أنَّ رجلًا سأل النّبيّ - ﷺ -، وأنا بينه وبين السائل، فقال: يا رسول الله! كيف صلاة الليل؛ قال: مثنى مثنى ... \" (٢)، فإِنَّ هذا الصحابي لم يسأل رسول الله - ﷺ - كم صلاة الليل؛ بل كيف صلاة الليل، فجواب: \"مثنى مثنى\"، عن كيف لا عن كم، وفي رواية (٣): \"فقيل لابن عمر: ما مثنى مثنى؟ قال: أن تُسلِّم في كلّ ركعتين\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-477>الكيفيّات التي تصلّى بها صلاة التراويح</span>\nقد تقدّم تفصيل ذلك في صلاة الوتر وقيام الليل، والآن أذكر ما كتَبه شيخنا -حفظه الله- في \"قيام رمضان\" (ص٢٧) تيسيرًا وتذكيرًا.\nالكيفيّة الأولى: ثلاث عشرة ركعة، يفتتحها بركعتين خفيفتين، وهما على الأرجح سُنّة العشاء البعدية، أو ركعتان مخصوصتان يفتتح بهما صلاة الليل\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٩٠٩، ومسلم: ٧٤٩، وتقدّم.\n(٢) أخرجه البخاري: ٩٩٠، ومسلم: ٧٤٩ وتقدّم.\n(٣) أخرجه مسلم: ٧٤٩","vol":"2","page":159},{"text":"كما تقدّم، ثمَّ يصلّي ركعتين طويلتين جدًا، ثمَّ يصلّي ركعتين دونهما، ثمَّ يصلّي ركعتين دون اللتين قبلهما، ثمَّ يصلّي ركعتين دونهما، ثمَّ يصلّي ركعتين دونهما، ثمَّ يوتر بركعة.\nالثانية: يصلّي ثلاث عشرة ركعة، منها ثمان، يُسلِّم بين كل ركعتين، ثمَّ يوتر بخمس لا يجلس ولا يُسلّم إلاَّ في الخامسة.\nالثالثة: إِحدى عشرة ركعة، يُسلّم بين كل ركعتين، ويوتر بواحدة.\nالرابعة: إِحدى عشرة ركعة، يُصلّي منها أربعًا بتسليمة واحدة، ثمَّ أربعًا كذلك، ثمَّ ثلاثًا.\nوهل كان يجلس بين كل ركعتين من الأربع والثلاث؟ لم نَجِد جوابًا شافيًا في ذلك، لكنَّ الجلوس في الثلاث لا يُشرع!\nالخامسة: يصلّي إِحدى عشرة ركعة، منها ثمان ركعاتٍ لا يقعد فيها إلاَّ في الثامنة، يتشهد ويصلّي على النّبيّ - ﷺ - ثمَّ يقوم ولا يسلّم، ثمَّ يوتر بركعةٍ، ثمَّ يسلم، فهذه تسع، ثمَّ يصلّي ركعتين، وهو جالس.\nالسادسة: يصلّي تسع ركعاتٍ؛ منها ستٌّ لا يقعد إلاَّ في السادسة منها، ثمَّ يتشهّد ويصلّي على النّبيّ - ﷺ - ثمَّ ... إِلخ ما ذُكر في الكيفيّة السابقة.\nهذه هي الكيفيّات (١) التي ثبتت عن النّبيّ - ﷺ - نصًّا عنه، ويمكن أن يزاد عليها أنواع أخرى، وذلك بأن يُنقص من كل نوع منها ما شاء من الركعات حتى يقتصر على ركعة واحدة عملًا بقوله - ﷺ - المتقدّم: \" ... فمن شاء\n_________\n(١) تقدّم من هنا ولأوّل القراءة في القيام.","vol":"2","page":160},{"text":"فليوتر بخمس، ومن شاء فليوتر بثلاث، ومن شاء فليوتر بواحدة\".\nفهذه الخمس والثلاث، إِن شاء صلاّها بقعود واحد، وتسليمة واحدة كما في الصفة الثانية، وإِنْ شاء سلّم بين كلّ ركعتين كما في الصفة الثالثة وغيرها، وهو الأفضل.\nوأمّا صلاةُ الخمس والثلاث بقعود بين كّل ركعتين بدون تسليم فلم نجِده ثابتًا عنه - ﷺ -، والأصل الجواز، لكن لمّا كان النبيّ - ﷺ - قد نهى عن الإِيتار بثلاث، وعلّل ذلك بقوله: \"ولا تشبّهوا بصلاة المغرب\"، فحينئذٍ لا بُدَّ لمن صلّى الوتر ثلاثًا من الخروج عن هذه المشابهة، وذلك يكون بوجهين:\nأحدهما: التسليم بين الشفع والوتر، وهو الأقوى والأفضل.\nوالآخر: أن لا يقعد بين الشفع والوتر، والله تعالى أعلم\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-478>القراءة في القيام </span>(١)\nوأمّا القراءة في صلاة الليل في قيام رمضان أو غيره، فلم يَحُدَّ فيها النّبيّ - ﷺ - حدًّا لا يتعدّاه بزيادة أو نقص، بل كانت قراءته - ﷺ - تختلف قِصَرًا وطولًا، فكان تارةً يقرأُ في كلِّ ركعة قدر ﴿يا أيها المُزَّمّل﴾ (٢)، وهي عشرون آية، وتارة قدْر خمسين آية (٣)، وكان يقول: \"من صلّى في ليلة بمائة آية لم يُكتَب\n_________\n(١) عن قيام رمضان (ص ٢٣ - ٢٥) -بتصرف-.\n(٢) أخرجه أحمد وأبو داود بسند صحيح.\n(٣) انظر \"صحيح البخاري\" (١١٢٣)، و\"صحيح سنن أبي داود\" (١٢١٦).","vol":"2","page":161},{"text":"من الغافلين\" (١).\nوفي حديث آخر: \" ... بمائتي آية فإِنّه يُكتب من القانتين المُخلصين\" (٢).\n\"وقرأ - ﷺ - في ليلة وهو مريض السبع الطوال، وهي سورة ﴿البقرة﴾، ﴿آل عمران﴾ و﴿النساء﴾ و﴿المائدة﴾ و﴿الأنعام﴾ و﴿الأعراف﴾ و﴿التوبة﴾ \" (٣).\nوفي قصّة صلاة حذيفة بن اليمان وراء النّبيّ ﵊ \"أنّه - ﷺ - قرأ في ركعة واحدة ﴿البقرة﴾ ثمَّ ﴿النساء﴾ ثمَّ ﴿آل عمران﴾، وكان يقرؤها مترسّلًا متمهلًا\" (٤).\nوثبت بأصحّ إِسناد أنّ عمر -﵁- لمَّا أمر أُبيَّ بن كعب أن يصلّي للناس بإِحدى عشرة ركعة في رمضان، كان أُبيّ -﵁- يقرأ بالمئين، حتى كان الذين خلفه يعتمدون على العصيِّ من طول القيام، وما كانوا ينصرفون إلاَّ في أوائل الفجر (٥).\nوصحّ عن عمر أيضًا أنّه دعا القُرَّاء في رمضان، فأمَر أسرعهم قراءة أن يقرأ\n_________\n(١) أخرجه الدارمي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، وانظر \"صفة الصلاة\" (ص ١٢٠) و\"صحيح الترغيب والترهيب\" (٦٣٤).\n(٢) أخرجه الدارمي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، وانظر \"صفة الصلاة\" (ص ١٢٠) و\"صحيح الترغيب والترهيب\" (٦٣٤).\n(٣) أخرجه أبو يعلى والحاكم وصححّه ووافقه الذهبي وانظر \"صفة الصلاة\" (ص ١١٨).\n(٤) انظر \"صحيح مسلم\" (٧٧٢).\n(٥) أخرجه مالك بنحوه، وانظر \"صلاة التراويح\" (ص ٥٢)، وتقدّم.","vol":"2","page":162},{"text":"ثلاثين آية، والوسط خمسًا وعشرين آية، والبطيء عشرين آية (١).\nوعلى ذلك فإِنْ صلّى القائم لنفسه فليطوِّل ما شاء، وكذلك إِذا كان معه من يوافقه، وكلما أطال فهو أفضل، إلاَّ أنه لا يبالغ في الإِطالة حتى يُحيي الليل كلّه إلاَّ نادرًا، اتّباعًا للنّبيّ - ﷺ - القائل: \"وخير الهدي هدي محمّد\" (٢).\nوأمّا إِذا صلّى إِمامًا، فعليه أن يطيل بما لا يشقُّ على مَن وراءه لقوله - ﷺ -: \"إِذا ما قام أحدكم للناس فليخفّف الصلاة، فإِنَّ فيهم [الصغير] والكبير وفيهم الضعيف، [والمريض]، [وذا الحاجة]، وإِذا قام وحده فليُطِل صلاته ما شاء\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-479>جواز جعْل القنوت بعد الركوع في النصف الثاني من رمضان</span>\nلقد سبق القول فيما يتعلّق بموضع دعاء القنوت وأنَّه قبل الركوع، ولكن: لا بأس من جعل القنوت بعد الركوع، ومن الزيادة عليه بلعن الكفَرة، والصلاة على النّبيّ - ﷺ - والدعاء للمسلمين في النصف الثاني من رمضان؛ لثبوت ذلك عن الأئمّة في عهد عمر﵁- فقد جاء في آخر حديث عبد الرحمن بن عبد القاري: \"وكانوا يلعنون الكفَرة في النصف: اللهم قاتِل الكفَرة الذين يصدّون عن سبيلك، ويُكذّبون رسلك، ولا يؤمنون بوعدك، وخالِف بين كلمتهم، وألقِ في قلوبهم الرُّعب، وألقِ عليهم رِجزك وعذابك، إِله\n_________\n(١) قال شيخنا -حفظه الله تعالى- \"انظر تخريجه في \"صلاة التراويح\" (ص ٧١) ورواه عبد الرزاق أيضًا في \"المصّنف\" والبيهقي\".\n(٢) أخرجه مسلم: ٨٦٧\n(٣) أخرجه البخاري: ٧٠٣، ومسلم: ٤٦٧ والزيادات له.","vol":"2","page":163},{"text":"الحق\"، ثمَّ يُصلّي على النّبيّ - ﷺ - ويدعو للمسلمين بما استطاع من خير، ثمَّ يستغفر للمؤمنين.\nقال شيخنا -حفظه الله-: \"وكان إِذا فرغ من لعْنِه الكفَرة وصلاته على النّبيّ واستغفاره للمؤمنين والمؤمنات ومسألته: \"اللهمّ إِيّاك نعبد، ولك نُصلّي ونسجد، وإِليك نسعى ونحفد (١)، ونرجو رحمتك ربّنا، ونخاف عذابك الجدَّ، إِنَّ عذابك لمن عاديت مُلحق\"، ثمَّ يُكبر ويهوي ساجدًا (٢) \" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-480>صلاة الضّحى</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-481>فضلها:</span>\n١ - عن أبي هريرة -﵁- قال: \"أوصاني خليلي (٤) بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كلّ شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أرقد\" (٥).\n٢ - عن أبي ذر عن النّبيّ - ﷺ - أنَّه قال: يصبح على كلّ سُلامى (٦) من\n_________\n(١) نُسرع في العمل والخِدمة. \"النهاية\".\n(٢) أخرجه ابن خزيمة في \"صحيحه\".\n(٣) انظر \"قيام رمضان\" (ص ٣٢).\n(٤) خليلي: الخُلَّة بالضم: الصداقة والمحبّة التي تخلّلت القلب فصارت خلاله أي: في باطنه، والخليل: الصديق، فعيل بمعنى مُفاعِل، وقد يكون بمعنى مفعول. \"النهاية\".\n(٥) أخرجه البخاري: ١٩٨١، ومسلم: ٧٢١\n(٦) قال النووي: \"أصْله عظام الأصابع وسائر الكفّ، ثمَّ استُعمل في جميع عظام البدن ومفاصله\". وجاء في \"النهاية\": \"السلامى: جمع سُلامية، وهي الأُنمُلة من أنامل =","vol":"2","page":164},{"text":"أحدكم صدقة، فكلّ تسبيحة صدقة، وكلّ تحميدة صدقة، وكلّ تهليلة صدقة، وكلّ تكبيرة صدقة، وأمْر بالمعروف صدقة، ونهْي عن المنكر صدقة، ويُجزئ من ذلك؛ ركعتان يركعهما من الضحى\" (١).\n٣ - عن بريدة -﵁- قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"في الإِنسان ثلاثمائة وستون مَفصلًا، فعليه أن يتصدّق عن كلّ مفصل بصدقة، قالوا: ومن يطيق ذلك يا نبيّ الله؟ قال: النخاعة في المسجد تدفنها، والشيء تنحّيه عن الطريق، فإِنْ لم تجد فركعتا الضحى تجزئك\" (٢).\n٤ - عن أبي هريرة﵁- قال: \"بعَث رسول الله - ﷺ - بعْثًا فأعظَموا الغنيمة، وأسرعوا الكرَّة: فقال رجل: يا رسول الله ما رأينا بعْثًا قطّ أسرع كرَّة، ولا أعظم غنيمةً من هذا البعث فقال: \"ألا أُخبركم بأسرع كرّة منهم، وأعظم غنيمة؟ رجل توضّأ فأحسن الوضوء، ثمَّ عمد إِلى المسجد فصلّى فيه الغداة، ثمَّ عقَّب بصلاة الضَّحوة، فقد أسرع الكرَّة، وأعظم الغنيمة\" (٣).\n_________\n= الأصابع، ويُجمع على سُلامَيات، وهي التي بين كلّ مَفصلين من أصابع الإِنسان، وقيل السُّلامى: كل عظم مجوّف من صغار العظام، والمعنى: على كلّ عظم من عظام ابن آدم صدقة\".\n(١) أخرجه مسلم: ٧٢٠\n(٢) أخرجه أبو داود وأحمد وغيرهما، وصحّحه شيخنا في \"الإِرواء\" (٤٦١)، و\"صحيح الترغيب والترهيب\" (٦٦١).\n(٣) أخرجه أبو يعلى، ورجال إِسناده رجال الصحيح، والبزار وابن حبان في \"صحيحه\"، وبيّن البزار في روايته أن الرجل أبو بكر -﵁- وانظر =","vol":"2","page":165},{"text":"٥ - عن عقبة بن عامر الجهني -﵁- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"إِن الله ﷿ يقول: يا ابن آدم! اكفني أوّل النهار بأربع ركعات، أكفِك بهنّ آخر يومك\" (١).\n٦ - عن أبي أُمامة -﵁- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"من خرج من بيته متطهّرًا إِلى صلاةٍ مكتوبة، فأجْره كأجر الحاج المحرم، ومن خرج إِلى تسبيح الضحى (٢)، لا يُنصِبه (٣) إلاَّ إِياه (٤)، فأجْره كأجر المعتمر، وصلاة على أَثْر (٥) صلاة لا لغو بينهما، كتاب في علّيّين\" (٦).\n٧ - وعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا يحافظ على صلاة الضحى إِلاَّ أوّاب، -قال-: وهي صلاة الأوّابين\" (٧).\nالأوّاب: صيغة مبالغة؛ كثير الرجوع إِلى الله تعالى بالتوبة والإِنابة.\n_________\n= \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٦٦٤).\n(١) أخرجه أحمد وأبو يعلى ورجال أحدهما رجال الصحيح، وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٦٦٦).\n(٢) تسبيح الضحى: أي صلاة الضحى، جاء في \"النهاية\": ويُقال أيضًا للذِّكر ولصلاة النافلة سُبحة ويُقال: قضيتُ سُبحتي، والسُّبحة من التسبيح.\n(٣) من الإنصاب، وهو الإِتعاب.\n(٤) لا يتعبه الخروج إلاَّ تسبيح الضحى. \"عون\" (٢/ ١٨٥).\n(٥) بكسر الهمزة، ثم سكون أو بفتحتين عقيبها. \"عون\".\n(٦) أخرجه أبو داود وحسنه شيخنا في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٦٧٠).\n(٧) خرجه الطبراني وابن خزيمة في \"صحيحه\" والحاكم، وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٦٧٣)، و\"الصحيحة\" (٧٠٣).","vol":"2","page":166},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-482>حُكمها:</span>\nصلاة الضحى مستحبّة وجاء في تبويب \"صحيح مسلم\" (١) \"باب استحباب صلاة الضحى\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-483>وقتها:</span>\nيبدأ وقتها بارتفاع الشمس قدر رُمح (٢) وينتهي بدخول وقت الكراهة، قبل الزوال بقليل.\nبيد أنَّ المستحبّ تأخيرها حتى ترتفع الشمس ويشتد الحرّ.\nعن القاسم الشيباني أنَّ زيد بن أرقم رأى قومًا يُصلون من الضحى، فقال: أمَا لقد علموا أنَّ الصلاة في غير هذه الساعة أفضل، إِنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"صلاة الأوابين حين تَرْمَض الفِصال (٣) \" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-484>عدد ركعاتها:</span>\nأقلّها ركعتان -لِما تقدّم- وأنَّ أقلها ركعتان وأكملها ثمان ركعات وأوسطها أربع ركعات أو ست (٥).\n_________\n(١) انظر كتاب صلاة المسافرين وقصرها.\n(٢) سألت شيخنا -حفظه الله - عن ذلك فقال: الرمح: (متران) بالقياس المعهود اليوم.\n(٣) ترمَض الفصال: هي أن تَحمى الرمضاء -وهي الرمل- فتبرك الفصال -جمع فصيل- وهي الصغار من أولاد الإبل، من شدة حرّها وإحراقها أخفافها. \"النهاية\" بزيادة.\n(٤) أخرجه مسلم: ٧٤٨\n(٥) هذا عنوان من تبويب \"صحيح مسلم\" (كتاب صلاة المسافرين وقصرها).","vol":"2","page":167},{"text":"وأكثر ما ثبت من فِعل رسول الله - ﷺ - ثماني ركعات كما في حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: \"ما أخبَرني أحدٌ أنَّه رأى النّبيّ - ﷺ - يصلّي الضّحى إلاَّ أمّ هانئ، فإِنَّها حدّثت أنَّ النّبيّ - ﷺ - دخل بيتها يوم فتح مكّة، فصلّى ثماني ركعات\" (١).\nوأكثر ما ثبت من قوله - ﷺ -: اثنتا عشرة ركعة كما في حديث أبي الدرداء -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من صلّى الضحى ركعتين، لم يُكتب من الغافلين، ومن صلّى أربعًا كُتب من العابدين، ومن صلّى ستًا كُفي ذلك اليوم، ومن صلّى ثمانيًا كتبه الله من القانتين، ومن صلّى ثنتى عشرة ركعة بنى الله له بيتًا في الجنة، وما من يوم ولا ليلة إِلا لله من يَمُنُّ به على عباده صدقة، وما من الله على أحد من عباده أفضل من أن يُلهمه ذِكره\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-485>صلاة الاستخارة</span>\nيسنُّ لكلِّ من همَّ بأمرٍ ذي بال إِن لم يدرِ، إِنْ كان الخير في فِعله أو ترْكه؛\nأن يستخير الله تعالى فيه، فيصلّي ركعتين من غير الفريضة؛ ثمَّ يدعو بعد السلام بالدعاء المبيَّن في حديث جابر -﵁- قال: \"كان النّبيّ - ﷺ - يعلّمنا الاستخارة (٣) في الأمور كلّها؛ كالسورة من القرآن: إِذا همّ أحدكم\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١١٧٦، ومسلم: ٣٣٦\n(٢) أخرجه الطبراني في الكبير ورواته ثقات وحسّنه شيخنا في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٦٧١).\n(٣) الخير: ضد الشرّ، تقول: من خِرْت يا رجل فأنت خائر وخَيِّر، وخارَ الله لك: أي أعطاك ما هو خيرٌ لك، والخِيره بسكون الياء: الاسم منه، فأمّا بالفتح: (الخِيَرة) فهي =","vol":"2","page":168},{"text":"بالأمر فليركع ركعتين، من غير الفريضة، ثمَّ ليقل: \"اللهمّ إِنِّي أستخيرك بعلمك واستقدرك (١) بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإِنَّك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب، اللهمّ إِنْ كنت تعلم أنَّ هذا الأمر -وتسمّيه باسمه- خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري وعاجله وآجله، فاقدُره لي ويسِّرْه لي ثمَّ بارِك لي فيه، وإِن كنتَ تعلم أنَّ هذا الأمر شرٌّ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري وعاجله وآجله، فاصرِفه عني واصرِفني عنه، واقدُر لي (٢) الخير حيث كان ثمَّ رضِّني به وفي بعض الروايات: قال: ويسمِّي حاجته\" (٣).\nوالدليل على أنَّ الدعاء بعد الصلاة لا قبلها قوله - ﷺ -: \"فليركع ركعتين من غير الفريضة ثمَّ ليقل\" فإنّ \"ثمَّ\" تفيد الترتيب مع التراخي، فأفاد ذلك أنها بعد الصلاة.\n* وينبغي أن يفعل بعد الاستخاره ما ينشرح له، فلا ينبغي أن يعتمد على انشراحٍ كان فيه هوى قبل الاستخارة، بل ينبعي للمستخير ترْك اختياره رأسًا، وإِلاَّ فلا يكون مستخيرًا لله، بل يكون غير صادقٍ في طلب الخير، وفي التبرِّي\n_________\n= الاسم، من قولك: اختاره الله ... والاستخارة طلب الخِيَرة في الشيء، وهو استفعال منه \"النهاية\" بحذف.\n(١) أي: أطلب منك أن تجعل لي عليه قدره، قاله بعض العلماء.\n(٢) أي: اقضِ لي به وهيِّئه. \"النهاية\".\n(٣) أخرجه البخاري بنحوه: ٦٣٨٢، وهو من \"صحيح الكَلِم\" (١١٥)، وخرّجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٦٧٩).","vol":"2","page":169},{"text":"من العلم والقدرة وإِثباتهما لله تعالى، فإِذا صدق في ذلك؛ تبرّأ من الحول والقوّة ومن اختياره لنفسه. * (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-486>صلاة التسابيح</span>\nعن عكرمة عن ابن عبّاس -﵄- قال: قال رسول الله - ﷺ - للعبّاس ابن عبد المطّلب: \"يا عبّاس يا عمّاه! ألا أعطيك ألا أمنحك ألا أحبوك ألا أفعل لك عشرَ خصال؛ إِذا أنتَ فعلتَ ذلك غفَر الله ذَنبك أوّله وآخره، وقديمه وحديثه، وخطأه وعمدَه، وصغيره وكبيره، وسرَّه وعلانيته، عشرَ خصال (٢)؟ أن تصلّي أربع ركعاتٍ، تقرأ في كلّ ركعةٍ (فاتحة الكتاب) وسورةً، فإِذا فرغْتَ من القراءة في أوّل ركعة فقُل وأنت قائم: \"سبحان الله والحمد لله، ولا إِله إلاَّ الله، والله أكبر\" خمس عشرة مرة، ثمَّ تركعُ فتقولها وأنت راكع عشرًا، ثمَّ ترفع رأسك من الركوع فتقولها عشرًا، ثمَّ تهوي ساجدًا فتقولها وأنت ساجد عشرًا، ثمَّ ترفع رأسك من السجود فتقولها عشرًا، ثمَّ تسجد فتقولها عشرًا، ثمَّ ترفع رأسك من السجود فتقولها عشرًا، فذلك خمسٌ وسبعون في كلّ ركعةٍ، تفعل ذلك في أربع ركعاتٍ، إِن استطعت أن تصلِّيَها في كل يوم مرّة فافعل، فإِن لم تستطع، ففي كل جمعة مرّةً، فإِنْ لم تفعل، ففي كل شهر مرّةً، فإِنْ لم تفعل ففي كل سنة مرّة، فإِنْ لم تفعل ففي\n_________\n(١) ما بين نجمتين قاله النووي -﵀- وذكره السيد سابق -حفظه الله- في \"فقه السنّة\" (١/ ٢١١).\n(٢) أي: عشرة أنواع ذنوبك. \"مرقاة\" (٣/ ٤١٥).","vol":"2","page":170},{"text":"عُمُرك مرةً (١) \" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-487>صلاة التوبة</span>\nعن أبي بكر -﵁- قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"ما من رجلٍ يُذنب ذنبًا، ثمَّ يقوم فيتطهّر ثمَّ يصلّي، ثمَّ يستغفر الله، إلاَّ غفَر الله له، ثمَّ قرأ هذه الآية: ﴿والذين إِذا فعَلوا فاحشةً أو ظلموا أنفُسَهم ذكَروا الله﴾ إِلى آخر الآية\" (٣).\nوعن أبي الدرداء -﵁- قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"مَن توضّأ فأحسَن الوضوء، ثمَّ قام فصلّى ركعتين أو أربعًا -يشكّ سهل- يُحسِن فيهنّ الذكر والخشوع، ثمَّ استغفر الله غفر له\" (٤).\n_________\n(١) قال الحافظ المنذري: \"وقد روي هذا الحديت من طرق كثيرة، وعن جماعة من الصحابة، وأمثلُها حديث عكرمة هذا، وقد صححه جماعة منهم الحافظ أبو بكر الآجُري، وشيخنا أبو محمد عبد الرحيم المصري، وشيخنا الحافظ أبو الحسن المقدسي -رحمهم الله تعالى-. وقال أبو بكر بن أبي داود: سمعْت أبي يقول: \"ليس في صلاة التسبيح حديث صحيح غير هذا\". وقال مسلم بن الحجّاج -رحمه الله تعالى-: لا يُروى في هذا الحديث إِسناد أحسن من هذا يعني إِسناد حديث عكرمة عن ابن عباس\".\n(٢) أخرجه أبو داود وغيره، وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٦٧٤).\n(٣) أخرجه الترمذي، وقال حديث حسن وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان في \"صحيحه\" والبيهقي وقالا: \"ثمَّ يصلّي ركعتين\"، وصححه شيخنا في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٦٧٧).\n(٤) أخرجه أحمد بإِسناد حسن، وحسّنه شيخنا في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٢٢٣).","vol":"2","page":171},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-488>صلاة الكسوف </span>(١)\nاختلف العلماء في حُكم صلاة الكسوف ويرى الجمهور على أنَّها سنة مؤكّدة، وصَرَّح أبو عوانه في \"صحيحه\" بوجوبها، ونقل الزين ابن المنيّر عن أبي حنيفة أنَّه أوجبها، وكذا نقل بعض مصنّفي الحنفية أنَّها واجبة (٢).\nوقال شيخنا -حفظه الله تعالى-: \" ... وهو ظاهر صنيع ابن خزيمة في \"صحيحه\" فإِنَّه قال فيه (٢/ ٣٠٨) \" باب الأمر بالصلاة عند كسوف الشمس والقمر ... \".\nوذكَر أيضًا بعض الأحاديث في الأمر بها، ومن المعلوم من أسلوب ابن خزيمة في \"صحيحه\" أنَّه حين يكون الأمر عنده لغير الوجوب؛ يبيّن ذلك في أبواب كتابه فالمسألة فيها خلاف\".\nوقال -حفظه الله تعالى- في القول بالوجوب: \"وهو الأرجح دليلًا لما يأتي: \"إِن القول بالسنيّة فقط؛ فيه إِهدار للأوامر الكثيرة التي جاءت عنه - ﷺ - في هذه الصلاة؛ دون أيّ صارف لها عن دلالتها الأصليّة ألا وهو الوجوب، ومال إِلى هذا الشوكاني في \"السيل الجرار\" (١/ ٣٢٣) وأقرّه صدّيق خان في \"الروضة الندية\" وهو الحقّ إِن شاء الله تعالى\". انتهى.\nويُنادى لها: \"إِنّ الصلاة جامعة\" لحديث عبد الله بن عمرو -رضي الله\n_________\n(١) الكسوف لغةً: التغيير إِلى سواد، ومنه: كسف وجهه وحاله، وكسفت الشمس: اسودّت وذهب شعاعها. \"فتح\" (٢/ ٥٢٦).\n(٢) انظر \"الفتح\" (٢/ ٥٢٧).","vol":"2","page":172},{"text":"عنهما- قال: \"لمّا كسَفَت الشمس على عهد رسول الله - ﷺ - نودي: إِنَّ\nالصلاة جامعة (١) \" (٢).\nثمَّ يصلّي بهم الإِمام ركعتين؛ كما في حديث عائشة -﵂- قالت: خسَفَت الشمس في حياة النّبيّ - ﷺ - فخرج إِلى المسجد فصفَّ الناس وراءهُ فكبَّر، فاقْترأ رسول الله - ﷺ - قراءةً طويلةً، ثمَّ كبَّر فركع ركوعًا طويلًا، ثمَّ قال سمع الله لمن حمده، فقام ولم يسجد، وقرأ قراءةً طويلة؛ هي أدنى من القراءة الأولى، ثمَّ كبَّر وركع ركوعًا طويلًا، وهو أدنى من الركوع الأوّل، ثمَّ قال سمع الله لمن حمده ربّنا ولك الحمد، ثمَّ سجد، ثمَّ قال في الركعة الآخرة مِثل ذلك، فاستكمل أربع ركعات في أربع سجداتٍ، وانجلت الشمس قبل أن ينصرف، ثمَّ قام فأثنى على الله بما هو أهله، ثمَّ قال: هما آيتان من آيات الله لا يَخْسِفان لموت أحدٍ ولا لحياته. فإِذا رأيتموها فافزعوا إِلى الصلاة\" (٣).\nويكون ذلك جهرًا كما تدّل على ذلك النصوص.\nقال شيخنا -حفظه الله- في \"تمام المنّة\" (٢٦٣): \"أنَّ صلاة\n_________\n(١) والمعنى: احضروا الصلاة في حال كونها جامعة، أو: إِنّ الصلاة جامعة فاحضروها وانظر \"الفتح\" (٢/ ٥٣٣).\n(٢) أخرجه البخاري: ١٠٤٥، ومسلم: ٩١٠\n(٣) أخرجه البخاري: ١٠٤٦، ومسلم: ٩٠١","vol":"2","page":173},{"text":"الكسوف؛ إِنّما صلاّها رسول الله - ﷺ - مرّة واحدة، وقد صحّ أنَّه جهر بها كما في \"البخاري\"، ولم يَثبُت ما يُعارضه ... \".\nقلت: وقد بوّب لذلك البخاري بقوله (باب الجهر بالقراءة في الكسوف) وقال الحافظ: استدلّ به على الجهر فيها بالنّهار.\nويحسن إِطالة السجود والركوع في الصلاة، لحديث عائشة: \"ما سجدْت سجودًا قطّ كان أطول منه\" (١).\nوفي \"مسلم\" (٩١٠): \"قالت عائشة: ما ركعتُ ركوعًا قطّ، ولا سجدت سجودًا قطّ؛ كان أطول منه\".\nوالركعة الأولى في الكسوف أطول؛ كما في حديث عائشة أنَّ النّبيّ - ﷺ - \"صلّى بهم في كسوف الشمس أربع ركعات في سجدتين الأوّل الأوّل أطول\" (٢). وصرّح البخاري بذلك في تبويبه.\nوتصلّى جماعةً لِما دلّت عليه الأحاديث المتقدّمة، وبوّب لذلك أيضًا البخاري في \"كتاب الكسوف\" فقال: (باب صلاة الكسوف جماعة).\nقال الحافظ (٢/ ٥٤٠): \"أي: وإن لم يحضروا الإِمام الراتب، فيؤمّ لهم بعضهم وبه قال الجمهور، وعن الثوري إِن لم يحضر الإِمام صلَّوا فرادى\". انتهى.\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٠٥١، وانظر \"الفتح\" (٢/ ٥٣٩) -إِن شئت- للمزيد من الفوائد الحديثية.\n(٢) أخرجه البخاري: ١٠٦٤، وانظر \"الفتح\" (٢/ ٥٤٨) إِن شئت للمزيد من الفائدة.","vol":"2","page":174},{"text":"والأوّل أرجح ولا دليل على الثاني والله تعالى أعلم.\nويسنّ للنساء مشاركة الرجال في الكسوف، وفيه أحاديثُ، من ذلك قول عائشة -﵂- المتقدّم- تَصِفُ صلاة النّبيّ - ﷺ - \"ما سجدْت سجودًا قطّ كان أطول منه ... \". وبوّب لذلك البخاري -﵀ بقوله: (باب صلاة النساء مع الرجال في الكسوف).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-489>صلاتها في المسجد</span>\nوتُصلّى في المسجد لحديث عائشة -﵂-: \"فمرّ رسول الله بين ظَهْرانَي الحُجَر\". وقد ذكره البخاري (١٠٥٦) -تحت باب (صلاة الكسوف في المسجد) وقال الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ٥٤٤) لم يقع فيه التصريح (أي صلاة الكسوف في المسجد) بكونها في المسجد، لكنّه يؤخذ من قولها أي [عائشة -﵂-] فيه: \"فمرّ بين ظَهرانَي الحُجَر؛ لأنَّ الحُجرَ بيوت أزواج النّبيّ - ﷺ - وكانت لاصقة بالمسجد، وقد وقَع التصريح بذلك في رواية سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد عن عمرة عند مسلم ولفظه: \"فخرجت في نسوة بين ظهراني الحُجر في المسجد فأَتَى النّبيّ - ﷺ - من مركبه حتى أتى إِلى مصلاه الذي كان يُصلّي فيه، الحديث\".\nقال شيخنا -حفظه الله- في \"الإِرواء\" (٣/ ١٢٧): \"وقد اختلفت الأحاديث في عدد ركوعات صلاة الكسوف اختلافًا كثيرًا، فأقلّ ما رُوي ركوع واحد في كلّ ركعة من ركعتين، وأكثر ما قيل خمسة ركوعات، والصواب أنَّه ركوعان في كل ركعة؛ كما في حديث أبي الزبير عن جابر، وهو الثابت في الصحيحين وغيرهما من حديث عائشة وغيرها من الصحابة","vol":"2","page":175},{"text":"-﵃- وقد حقَّقتُ القول في ذلك، وجمعْتُ الأحاديث الواردة فيه وخرّجتُها ثمَّ لخّصتُ ما صحّ منها في جزء عندي\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-490>وقتها:</span>\nوقت الصلاة من حين الكسوف أو الخسوف حتى ينجليا لحديث جابر\nابن عبد الله: \"إنّهما آيتان من آيات الله يريكموهما، فإِذا خَسَفا فصلُّوا حتى\nلينجلي (تَنجلي) \" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-491>الخطبة بعد الصلاة:</span>\nيُسنّ للإِمام بعد الانتهاء من الصلاة أن يخطب الناس، فيُثني على الله تعالى بما هو أهله، ويُذّكرهم أنّ كسوف الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى؛ لا يخسِفان لموت أحدٍ ولا لحياته، ويأمر بالالتجاء إِلى الله، وكلّ ذلك مُبيّن في حديث عائشة -﵂- المتقدّم.\nويحثّهم على الدعاء والتكبير والصدقة، ويذكّرهم بالله سبحانه ويخوفهم؛ كما في حديث عائشة -﵂- أيضًا عند البخاري (١٠٤٤) ومسلم (٩٠١) بلفظ: \" ... إِنَّ الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإِذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبِّروا وصلّوا وتصدّقوا ... \". وأمرَ النّبيّ - ﷺ - بالعَتاقة في كسوف الشمس كما في حديث أسماء -﵂- بلفظ: \"لقد أمر النّبيّ - ﷺ - بالعَتاقة في كسوف الشمس\" (٢).\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ٩٠٤\n(٢) أخرجه البخاري: ١٠٥٤","vol":"2","page":176},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-492>صلاة الاستسقاء</span>\nالاستسقاء لغة: \"طلب سَقْي الماء من الغير للنفس أو الغير، وشرعًا: طلبه من الله عند حضور الجدب على وجهٍ مخصوص\" (١).\nوتُصلّى في أي وقت خلا وقت الكراهة.\nوتكون في المصلّى كما في \"صحيح البخاري\" (١٠١٢) و\"مسلم\" (٨٩٤) من حديث عبد الله بن زيد \"أنَّ النّبيّ - ﷺ - خرج إِلى المصلّى فاستسقى، فاستقبل القبلة وقلب رداءه\".\nويخرج المسلمون للاستسقاء متذلّلين متواضعين متخشّعين متضرّعين، كما في حديث ابن عبّاس -﵄-: قال: \"خرج رسول الله - ﷺ - للاستسقاء متذلّلًا متواضعًا متخشعًا متضرّعًا\" (٢).\nويصلّي الإِمام ركعتين؛ يجهر فيهما بالقراءة؛ لحديث عبد الله بن زيد قال: \"خرج النّبيّ - ﷺ - يستسقي، فتوجّه إِلى القبلة يدعو، وحوّل رداءه، ثمَّ صلّى ركعتين جهرَ فيهما بالقراءة\" (٣).\n_________\n(١) \"فتح\" (٢/ ٤٩٢).\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٠٣٢)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٤٥٩)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (١٤١٦)، وابن خزيمة \"صحيح ابن خزيمة\" (١٤٠٥)، وانظر \"الإرواء\" (٦٦٩).\n(٣) أخرجه البخاري: ١٠٢٤، ومسلم دون الجهر بالقراءة وأشار شيخنا -حفظه الله تعالى- إِلى ذلك في \"الإِرواء\" تحت (٦٦٤).","vol":"2","page":177},{"text":"ويقرأ بما تيسّر من القرآن العظيم، وليس هناك سُور معينة كما أشار شيخنا - حفظه الله تعالى- في \"تمام المنّة\" (ص ٢٦٤).\nويكثر الإِمام من الدعاء لحديث عائشة -﵂- قالت: شكا الناس إِلى رسول الله - ﷺ - قُحوط المطر، فأمَر بمنبر فوُضع له في المصلّى، ووعد الناس يومًا يخرجون فيه، قالت عائشة: فخَرَج رسول الله - ﷺ - وسلّم حين بدا حاجب الشمس (١). فقعد عى المنبر، فكبّر - ﷺ - وحمد الله ﷿ ثمَّ قال: إِنّكم شكوتم جدْب دياركم واستئخار المطر عن إِبّان زمانه (٢) عنكم، وقد أمَركم الله ﷿ أن تدْعوه، ووعدَكم أن يستجيب لكم.\nثمَّ قال: الحمد لله ربّ العالمين الرحمن الرحيم. مالك يوم الدين. لا إله إلاَّ الله يفعل ما يريد، اللهمّ أنت الله لا إِله إلاَّ أنت الغني ونحن الفقراء، أنزِل علينا الغيث، واجعل ما أنزلتَ لنا قوّة وبلاغًا (٣) إِلى حين (٤) ثمَّ رفع\n_________\n(١) أي: أوله أو بعضه، قال الطيبي: أي: أوّل طلوع شعاعها من الأفق، قال ميرك: الظاهر أنَّ المراد بالحاجب: ما طلع أوّلًا من جرم الشمس مستدقًّا مشبهًا بالحاجب. \"مرقاة\" (٣/ ٦١٦).\n(٢) بكسر الهمزة وتشديد الباء، أي: وقته، يعني: عن أوّل زمان المطر. \"مرقاة\" بحذف.\n(٣) أي: زادًا يبلغنا.\n(٤) أي: من أحيان آجالنا، قال الطيبي: البلاغ: ما يُتَبلَّغ به إِلى المطلوب، والمعنى اجعل الخير الذي أُنزل علينا؛ سببًا لقوتنا ومددًا لنا مددًا طوالًا.","vol":"2","page":178},{"text":"يديه (١)، فلم يزل في الرفع حتى بدا بياض إِبطيه، ثمَّ حوَّل إِلى الناس ظهره، وقلب (٢) أو حوّل رداءه وهو رافع يديه، ثمَّ أقبل على الناس، ونزَل، فصلّى ركعتين، فأنشأ الله سحابة فرعدت وبرقت، ثمَّ أمطرت بإِذن الله فلم يأت مسجده، حتى سالت السيول، فلمّا رأى سرعتهم إِلى الكِنّ (٣) ضحك رسول الله حتى بدت نواجذه (٤) فقال: أشهد أن الله على كل شيء قدير، وأنّي عبد الله ورسوله\" (٥).\nويستغفر كما في النص الآتي إِن شاء الله تعالى عن زيد بن أرقم، ويرفع الإِمام يديه وكذا المأمومون، ويبالغ الإِمام في الرفع كما في \"البخاري\": (١٠٣١)، \"ومسلم\" (٨٩٥): عن أنس يصف رفْع يديه: \"وإنَّه يرفع حتى يُرى بياض إِبطيه\".\nقال شيخنا -حفظه الله- في \"تمام المِنّة\" (ص ٢٦٥): \" ... فأرى مشروعية المبالغة في الرفع للإِمام دون المؤتمّين\".\nويحوّل رداءه كما تقدّم، وقد ورد في ذلك حديث عبد الله بن زيد بلفظ:\n_________\n(١) عن أنس بن مالك -﵁- قال: \"كان إِذا دعا [رسول الله - ﷺ - في الاستسقاء] جعَلَ ظاهر كفّيه ممّا يلي وجهه\". أخرجه أبو يعلى في \"مسنده\"، وانظر \"الصحيحة\" (٢٤٩١).\n(٢) بالتشديد وفي نسخة بالتخفيف. \"مرقاة\".\n(٣) ما يردّ به الحرّ والبرد من المساكن.\n(٤) أي: آخر أضراسه.\n(٥) أخرجه أبو داود والسياق له والطحاوي والبيهقي والحاكم وحسّنه شيخنا في \"الإِرواء\" (٦٦٨).","vol":"2","page":179},{"text":"\"وحوّل رداءه، فقلّبه ظهرًا لبطن\" (١).\nوفي \"صحيح البخاري\" (١٠٢٧): قال سفيان: فأخبَرني المسعودي عن أبي بكر قال: جعَل اليمين على الشمال.\nولا دليل لتحويل الناس أرديتهم (٢).\nوقد ورد ما يدل على أنَّ الخطبة قبل الصلاة كما في حديث عائشة المتقدّم عندما \"خرج النّبيّ - ﷺ - حين بدا حاجب الشمس ... \".\nوجاء في \"الفتح\" (٢/ ٥١٥): \"قال ابن بطال: حديث أبي بكر يدلّ على أنَّ الصلاة قبل الخطبة، لأنَّه ذكر أنَّه صلّى قبل قلْب ردائه، قال: وهو أضبط للقصّة من ولده عبد الله بن أبي بكر؛ حيث ذكَر الخطبة قبل الصلاة\".\nولفظ الحديث المشار إِليه: \"خرج النّبيّ - ﷺ - إِلى المصلى يستسقي، واستقبل القِبلة فصلى ركعتين وقلب رداءه، قال سفيان فأخبَرني المسعودي عن أبي بكر قال جعل اليمين على الشمال\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-493>لا أذان ولا إِقامة للاستسقاء</span>\nعن أبي إِسحاق: \"خرج عبد الله بن زيد الأنصاري وخرج معه البراء بن عازب وزيد بن أرقم -﵃- فاستسقى، فقام بهم على رجليه على غير منبر، فاستغفر ثمَّ صلّى ركعتين يجهر بالقراءة، ولم يؤذّن ولم يُقم،\n_________\n(١) أخرجه أحمد بسند قوي، وانظر \"تمام المنّة\" (ص ٢٦٤).\n(٢) وهناك حديث شاذّ في ذلك وانظر \"تمام المنّة\" (ص ٢٦٤).\n(٣) أخرجه البخاري: ١٠٢٧، وتقدّم بعضه.","vol":"2","page":180},{"text":"قال أبو إِسحاق ورأى عبد الله بن يزيد النّبيّ - ﷺ -\" (١).\n\"قال ابن بطال: أجمعوا على أنْ لا أذان ولا إِقامة للاستسقاء والله أعلم\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-494>سجود التلاوة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-495>فضله:</span>\nعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إِذا قرأَ ابن آدم السجدة فسجد؛ اعتَزَل الشيطان يبكي، يقول: يا ويله (٣) أُمِر ابن آدم بالسجود فسجدَ فله الجنّة، وأُمِرت بالسجود فأبَيْتُ فلي النار\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-496>حُكمه:</span>\nسجود التلاوة سُنّةٌ، وبوّب لذلك الإِمام البخاري -﵀- بقوله: (باب من رأى أنَّ الله ﷿ لم يوجب السجود) ثمَّ روى تحته (٥) أثر عمر\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٠٢٢\n(٢) \"فتح\" (٢/ ٥١٤)\n(٣) هو من آداب الكلام، وهو أنَّه إِذا عَرَض في الحكاية من الغير ما فيه سوء، واقتضت الحكاية رجوع الضمير إِلى المتكلّم؛ صرَف الحاكي الضمير عن نفسه؛ تصاونًا عن صوره إِضافة السوء إِلى نفسه، قاله بعض العلماء، وقال لي شيخنا -حفظه الله تعالى- يفعل هذا إِذا كان السامع يفهم المراد.\n(٤) أخرجه مسلم: ٨١\n(٥) برقم: ١٠٧٧","vol":"2","page":181},{"text":"-﵁- أنَّه \"قرأ يوم الجمعة على المنبر بسورة النّحل، حتى إِذا جاء السجدة؛ نزل فسجَد وسجد الناس، حتى إِذا كانت الجمعة القابلة؛ قرأ بها حتى إِذا جاء السجدة قال: يا أيها الناسُ، إِنا نَمُرُّ بالسجود، فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إِثمَ عليه، ولم يسجد عمر -﵁-.\nوزاد نافع عن ابن عمر -﵄-: \"إِنَّ الله لم يفرض السجود إلاَّ أن نشاء\".\nوعن زيد بن ثابت -﵁- قال: \"قرأتُ على النّبيّ - ﷺ - والنجم؛ فلم يسجد فيها\" (١).\nوذكر الحافظ -رحمه الله تعالى- عدّة احتمالات، ورجّح أنَّه تركها لبيان الجواز وقال: \"وبه جزم الشافعي؛ لأنَّه لو كان واجبًا لأمره بالسجود بعد ذلك\".\nقال ابن حزم -رحمه الله تعالى-: \"وليس السجود فرضًا لكنّه فضل\" (٢).\nوجاء في \"الفتح\" (٢/ ٥٥٨): \"ومن الأدلة على أنَّ سجود التلاوة ليس بواجب، ما أشار إِليه الطحاوي من أنّ الآيات التي في سجود التلاوة منها ما هو بصيغة الخبر ومنها ما هو بصيغة الأمر.\nوقد وقع الخلاف في التي بصيغة الأمر هل فيها سجود أو لا، وهي ثانية الحجّ وخاتمة النجم واقرأ، فلو كان سجود التلاوة واجبًا؛ لكان ما ورَد بصيغة\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٠٧٢، ومسلم: ٥٧٧\n(٢) \"المحلّى\" (٥/ ١٥٧).","vol":"2","page":182},{"text":"الأمر أولى أن يُتفَق على السجود فيه ممّا ورد بصيغة الخبر\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-497>مواضع السجود</span>\nقال ابن حزم -رحمه الله تعالى- في \"المحلى\" (٥/ ١٥٦): \"في القرآن أربع عشرة سجدة:\n١ - في آخر خاتمة سورة الأعراف (٧: ٢٠٦).\n٢ - ثمَّ في الرعد (١٣: ١٥).\n٣ - ثمَّ في النحل (١٦: ٤٩).\n٤ - ثمَّ في \"سبحان\" (١٧: ١٠٧).\n٥ - ثمَّ في \"كهيعص\" (١٩: ٥٨).\n٦ - ثمَّ في الحجّ (٢٢: ١٨) في الأولى -وليس في آخرها- سجدة.\n٧ - ثمَّ في الفرقان (٢٥: ٦٠).\n٨ - ثمَّ في النمل (٢٧: ٢٥، ٢٦).\n٩ - ثمَّ في \"ألم تنزيل\" (٣٢: ١٥).\n١٠ - ثمَّ في \"ص\" (٣٨: ٢٤).\n١١ - ثمَّ في \"حم\" فُصّلت (٤١: ٣٧).\n١٢ - ثمَّ في \"والنجم\" (٥٣: ٦٢) في آخرها.\n١٣ - ثمَّ في ﴿إِذا السماء انشقّت﴾ عند قوله تعالى: ﴿لا يسجدون﴾ (٨٤: ٢١).","vol":"2","page":183},{"text":"١٤ - ثمَّ في \"اقرأ باسم ربك\" (٩٦: ١٩) في آخرها.\nوفي ذلك حديث غير ثابت بلفظ: \"مواضع السجود في القرآن خمسة عشر موضعًا ... \". خرّجه شيخنا -حفظه الله- في \"تمام المنّة\" (ص ٢٦٩) قائلًا: \" ... ليس بحسَن لأنَّ فيه مجهولين\"، ثمَّ ذكر ما جاء في \"التلخيص\" للحافظ في ذلك وقال: (أي: شيخنا -حفظه الله-): ولذلك اختار الطحاوي أنْ ليس في الحج سجدة ثانية قرب آخرها، وهو مذهب ابن حزم في \"المحلى\"، قال: \"لأنَّه لم يصحّ فيها سُنّة عن رسول الله - ﷺ - ولا أجمَع عليها، وصحّ عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وأبي الدرداء السجود فيها\".\nثمَّ ذهب ابن حزم إِلى مشروعية السجود في السجدات الأخرى المذكورة في الكتاب، وذكَر أن العشر الأولى متفق على مشروعية السجود فيها عند العلماء.\nوكذلك حكى الاتفاق عليها الطحاوي في \"شرح المعاني\" (١/ ٢١١)، إلاَّ أنَّه جعَل سجدة (فُصّلت) بدل سجدة (ص). ثمَّ أخرجا كلاهما بأسانيد صحيحة عن رسول الله - ﷺ - أنَّه سجد في (ص) و(النجم) و(الانشقاق) و(اقرأ). وهذه الثلاث الأخيرة من المفصّل التي أشير إليها في حديث عمرو هذا.\nوبالجملة؛ فالحديث مع ضعف إِسناده قد شهد له اتفاق الأمّة على العمل بغالبه، ومجيء الأحاديث الصحيحة شاهدة لبقيّته، إلاَّ سجدة الحج الثانية فلم يوجد ما يشهد لها من السنّة والاتفاق، إلاَّ أن عمل بعض الصحابة على السجود فيها، قد يستأنس بذلك مشروعيتها، ولا سيما ولا يُعرَف لهم","vol":"2","page":184},{"text":"مخالِف. والله أعلم\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-498>هل يشترط له ما يشترط للصلاة</span>؟\nلا يشترط لسجود التلاوة ما يشترط للصلاة.\nففي \"صحيح البخاري\" (١) مُعلّقًا مجزومًا به \"وكان ابن عمر -﵄- يسجد على غير وضوء\" (٢).\nوإِلى هذا ذهب ابن حزم -رحمه الله تعالى- في \"المحلّى\" (٥/ ١٥٧) فقد قال فيه: \"ويسجد لها في الصلاة الفريضة والتطوّع، وفي غير الصلاة في كلّ وقت، وعند طلوع الشمس وغروبها واستوائها؛ إِلى القبلة، وإِلى غير القبلة وعلى طهارة وعلى غير طهارة\".\nوقال (ص ١٦٥): \"وأمّا سجودها على غير وضوء، وإِلى غير القبلة كيف ما يمكن؟ فلأنّها ليست صلاة، وقد قال ﵇: \"صلاة الليل والنهار مثنى مثنى\" (٣) فما كان أقلّ من ركعتين فليس صلاة، إلاَّ أن يأتيَ نصٌّ بأنَّه صلاة، كركعة الخوف، والوتر، وصلاة الجنازة، ولا نصّ في أنّ سجدة التلاوة صلاة.\nوجاء في \"الاختيارات\" (ص ٦٠): \"فليس هو صلاة، فلا يشترط له شروط\n_________\n(١) \"كتاب سجود القرآن\" (باب سجود المسلمين مع المشركين ...) وقال الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ٥٥٣): \"كذا للأكثر (أي: على غير وضوء) وفي رواية الأصيلي بحذف غير والأوّل أولى.\n(٢) \"كتاب سجود القرآن\" (باب سجود المسلمين مع المشركين ...) وقال الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ٥٥٣): \"كذا للأكثر (أي: على غير وضوء) وفي رواية الأصيلي بحذف غير والأوّل أولى.\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١١٥١)، وانظر \"تمام المنة\" (ص ٢٤٠)، وتقدّم.","vol":"2","page":185},{"text":"الصلاة، بل يجوز على غير طهارة، كان ابن عمر يسجد على غير طهارة، واختارها البخاري، لكن السجود بشروط الصلاة أفضل، ولا ينبغي أن يُخلّ بذلك إلاَّ لعُذر، فالسجود بلا طهارة خير من الإِخلال به ... \".\nوقال الشوكاني -﵀-: \"ليس في أحاديث سجود التلاوة ما يدلّ على اعتبار أن يكون الساجد متوضّئًا، وقد كان يسجد معه - ﷺ - من حضَر تلاوته، ولم يُنقل أنَّه أمَر أحدًا منهم بالوضوء، ويبعُد أن يكونوا جميعًا متوضئين .... \" (١).\nهذا وقد وردت بعض الآثار في اشتراط الطهارة ذكَرها الحافظ في \"الفتح\" وغيره، والأرجح ما تقدّم بيانه من عدم اشتراط ذلك والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-499>هل ثبت فيه التكبير</span>؟\nأمَّا التكبير ففيه نصوص مرفوعة لا تصحّ وانظر لذلك \"تمام المنّة\" (ص ٢٦٧): \"وفيه يقول شيخنا -حفظه الله تعالى-: وقد روى جمْع من الصحابة سجوده - ﷺ - للتلاوة في كثير من الآيات؛ في مناسبات مختلفة؛ فلم يذكُرْ أحدٌ منهم تكبيره ﵇ للسجود، ولذلك نميل إِلى عدم مشروعيّة هذا التكبير، وهو رواية عن الإِمام أبي حنيفة -﵀-.\nوقال -حفظه الله- (ص ٢٦٩): وأخرج (أي: ابن أبي شيبة) عن أبي قلابة وابن سيرين أنَّهما قالا: إِذا قرأ الرجل السجدة في غير الصلاة قال: الله أكبر، وإِسناده صحيح.\nوقال -حفظه الله تعالى-: ورواه عبد الرزاق في \"المصنّف\"\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٣/ ١٢٧) وذكره السيد سابق في \"فقه السنّة\" (١/ ٢٢٢).","vol":"2","page":186},{"text":"(٣/ ٣٤٩/٥٩٣٠) بإِسناد آخر صحيح عنهما نحوه ثمَّ روى التكبير عند سجود التلاوة هو والبيهقي عن مسلم بن يسار، وإِسناده صحيح\". انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-500>الدعاء فيه:</span>\nعن عائشة -﵂- قالت: \"كان رسول الله - ﷺ - يقول في سجود القرآن بالليل؛ يقول في السجدة مرارًا: سجدَ وجهي للذي خلقه وشقَّ سمْعَه وبصرَه بحوله وقوّته\" (١).\nعن ابن عبّاس -﵄- قال: \"كنت عند النّبيّ - ﷺ - فأتاه رجل فقال: إِنّي رأيت البارحة، فيما يرى النائم، كأني أُصلّي إِلى أصْل شجرة. فقرأْتُ السجدة، فسجدتُ، فسجدتِ الشجرة لسجودي. فسمعتُها تقول: اللهمّ احطُط عني بها وِزرًا، واكتب لي بها أجرًا، واجعلها لي عندك ذخرًا.\nقال ابن عبّاس -﵄-: فرأيت النّبيّ - ﷺ - قرأ السجدة فسجد. فسمعتُه يقول في سجوده مِثل الذي أخبَره الرجل عن قول الشجرة\" (٢).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٢٥٥)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٤٧٤)، وانظر \"المشكاة\" (١٠٣٥).\n(٢) أخرجه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٨٦٥)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٤٧٣)، وانظر \"المشكاة\" (١٠٣٦)، و\"الصحيحة\" (٢٧١٠)، وهو في مسلم (٧٧١) بلفظ مقارب: \"وإذا سجدَ قال: اللهمّ لك ... \" دون ذِكر سجدة التلاوة، وذكَر بعض أهل العلم أنَّه ليس هناك ذكْر خاص لسجود التلاوة ولكن ينفي هذا تبويبُ أهل الحديث في معظم كتبهم لهذا؛ كقول كثيرٍ منهم: (باب ما يقول في سجود القرآن) ونحو ذلك، وحصْر أدعية معينة تحته والله تعالى أعلم.","vol":"2","page":187},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-501>السجود في الصلاة الجهرية:</span>\nيشرع للإِمام والمنفرد أن يسجد حين يقرأ آية السجدة في الصلاة الجهرية.\nوبوّب لذلك الإِمام البخاري -رحمه الله تعالى- في \"صحيحه\" في \"كتاب سجود القرآن\" بقوله: (باب من قرأ السجدة في الصلاة فسجَد معها).\nثمَّ ذكر حديث أبي رافع برقم (١٠٧٨) (١) قال: \"صلّيتُ مع أبي هريرة العَتَمَة، فقرأ: ﴿إِذا السماء انشقّت﴾ فسجد، فقلتُ: ما هذه؟ قال سجدْت بها خلف أبي القاسم - ﷺ -، فلا أزال أسجد حتى ألقاه\".\nأمَّا الصلاة السرّية، فقد نُقل عن الإِمام مالك كراهية ذلك، وهو قول بعض الحنفية أيضًا وغيرهم. وانظر \"الفتح\" (٢/ ٥٥٩).\nوقال شيخنا في \"تمام المِنّة\" (ص ٢٧٢): \" ... فالحقّ ما ذهب إِليه أبو حنيفة من الكراهية، وهو ظاهر كلام الإِمام أحمد ... \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-502>السجود لسجود القارئ:</span>\nعن ابن عمر -﵄- قال: \"كان النّبيّ - ﷺ - يقرأ علينا السورة فيها السجدة، فيسجد ونسجد؛ حتى ما يجد أحدنا موضع جبهته\" (٢).\n_________\n(١) وهو في صحيح مسلم: ٥٧٨\n(٢) أخرجه البخاري: ١٠٧٥، ومسلم: ٥٧٥","vol":"2","page":188},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-503>سجود الشكر</span>\n\"إِذا وَرَدت لله تعالى على المرء نعمة [أو صرف عنه نقمة]؛ فيستحبّ له السجود؛ لأنَّ السجود فِعْل خير، وقد قال الله تعالى: ﴿وافعلوا الخير﴾ (١) (٢) \". انتهى.\nوعن أبي بكرة -﵁-: \"أنَّ النّبيّ - ﷺ - كان إِذا أتاه أمر يُسَرّ به؛ خرَّ ساجدًا\" (٣).\nوعن أنس بن مالك، \"أن النّبيّ - ﷺ - بُشّر بحاجة؛ فخرّ ساجدًا\" (٤).\n\"وخرّ النّبيّ - ﷺ - ساجدًا لمّا جاءه كتاب عليّ بإِسلام همدان\" (٥).\nوعن طارق بن زياد: \"أنَّ عليًا سجد حين وجَد ذا الثديّة في الخوارج (٦) \" (٧).\n_________\n(١) الحج: ٧٧\n(٢) \"المحلى\" (٥/ ١٦٦).\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٤١٢)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (١٢٨٢)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١١٤٣)، وانظر \"الإِرواء\" (٤٧٤).\n(٤) أخرجه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١١٤١)، وانظر \"الإِرواء\" (٢/ ٢٢٨).\n(٥) انظر \"الإرواء\" (٢/ ٢٢٩)\n(٦) أي: في قتلاهم.\n(٧) أخرجه أحمد وغيره، وحسنّه شيخنا بطُرقه في \"الإرواء\" (٤٧٦).","vol":"2","page":189},{"text":"عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك؛ عن أبيه قال: \"لمّا تاب الله عليه خرَّ ساجدًا\" (١).\nقال شيخنا -حفظه الله تعالى- في \"الإِرواء\" (٢/ ٢٣٠) -بعد تخريج عدد من الأحاديث في سجود الشكر-: \" ... وبالجملة، فلا يشكّ عاقل في مشروعية سجود الشكر بعد الوقوف على هذه الأحاديث، لا سيّما وقد جرى العمل عليها من السلف الصالح -﵃-\". انتهى.\nوحُكمه حُكم سجود التلاوة، ولا يشترط له ما يشترط للصلاة من الوضوء واستقبال القبلة والتكبير والتسليم ... الخ.\nجاء في \"الاختيارات\" (ص ٦٠): \"وسجود الشكر لا يفتقر إِلى طهارة، كسجود التلاوة\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-504>سجود السهو</span>\nسنّ رسول الله - ﷺ - حين يسهو الإِنسان في صلاته؛ أن يسجد سجدتين جبرًا لذلك.\nقال في \"سفر السعادة\" (٢) (ص ٤٩): \"مِن جملة مِنَن الحقّ تعالى ونِعمَه على الأمّة المحمّدية أنَّ النّبيّ - ﷺ - كان يسهو في الصلاة لتقتدي به في التشريع، وإذ ذاك يقول: \"إِنّما أنا بشرٌ مِثلُكم؛ أنسى كما تنسَون، فإِذا نسيتُ\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١١٤٢)، والقصة بتمامها أخرجها البخاري: ٤٤١٨ ومسلم: ٢٧٦٩\n(٢) نقلًا عن \"الروضة الندية\" (١/ ٣٢٧).","vol":"2","page":190},{"text":"فذكّروني\" (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-505>حُكمه:</span>\nسجود السهو واجب لأمر النّبيّ - ﷺ - به، من ذلك قوله - ﷺ -: \"إِذا شكّ أحدكم في صلاته، فليتحرّ الصواب، فليتمّ عليه ثمَّ ليُسلِّم، ثمَّ يسجد سجدتين\" (٢).\nوهو قول جمهور العلماء (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-506>كيفيته </span>(٤):\nيسجد المصلّي سجدتين حين يسهو؛ قبل التسليم أو بعده، جاء في \"الروضة النديّة\" (١/ ٣٢٧) -بحذف-: \"ووجه التخيير أنّ النّبيّ - ﷺ - صح عنه أنَّه سجَد قبل التسليم، وصحّ عنه أنَّه سجَد بعده، أمّا ما صحّ عنه مما يدلّ على أنَه قبل التسليم؛ فحديث أبي سعيد الخدري -﵁ - قال: \"قال رسول الله - ﷺ -: \"إِذا شكَّ أحدكم في صلاته فلم يدرِ كم صلّى؟ ثلاثًا أم أربعًا؟ فليطرح الشَّكَّ وليبنِ على ما استيقن، ثمَّ يسجد سجدتين قبل أن يُسلِّم، فإِنْ كان صلّى خمسًا، شفَعْن له صلاته، وإِنْ كان صلّى إِتمامًا\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٤٠١، ومسلم: ٥٧٢\n(٢) أخرجه البخاري: ٤٠١، ومسلم: ٥٧٢، وفي لفظ عند مسلم: ٥٧٢، \"إِذا زاد الرجل أو نقص فليسجد سجدتين\".\n(٣) انظر \"الفتاوى\" (٢٣/ ٢٨).\n(٤) هناك مبحث مُفصّل لشيخ الإِسلام في ذلك في \"الفتاوى\" (٢٣/ ١٧) فارجع إِليه -إِن شئت-.","vol":"2","page":191},{"text":"لأربع؛ كانتا ترغيمًا للشيطان (١) \"\" (٢). وأمّا ما صحّ عنه مما يدلّ على أنَه بعد التسليم؛ فكحديث ذي اليدين الثابت في \"الصحيحين\"، فإِنّ فيه صلى الله تعالى عليه وآله وسلّم سجد بعد ما سلّم\". انتهى.\nولفظ الحديث الذي أشار إِليه في \"الصحيحين\" من حديث أبي هريرة - ﵁- قال: \"صلّى بنا النّبيّ - ﷺ - الظهر أو العصر، فسلَّم فقال له ذو اليدين: الصلاة يا رسول الله أنقصَت؟ فقال النّبيّ - ﷺ - لأصحابه أحقٌ ما يقول، قالوا: نعم فصلّى ركعتين أُخريين ثمَّ سجد سجدتين، قال سعدٌ ورأيت عُروة ابن الزبير صلّى من المغرب ركعتين، فسلّم وتكلّم ثمَّ صلّى ما بقيَ وسجد سجدتين، وقال هكذا فعَل النّبيّ - ﷺ -\" (٣).\nثمَّ قال بعد أن ذكَر عددًا من النصوص: \"فهذه الأحاديث المصرِّحة بالسجود تارة قبل التسليم وتارة بعده، تدّل على أنَّه يجوز جميع ذلك. ولكنّه ينبغي في موارد النصوص أن يفعل كما أرشد إِليه الشارع، فيسجد قبل\n_________\n(١) قال في النهاية: \"يقال: ... أرغم الله أنفه أي: ألصقه بالرَّغام وهو التراب، هذا هو الأصل، ثمَّ استعمل في الذّل والعَجز عن الانتصاف والانقياد على كُره\".\nقال النووي: \"أي إِغاظة له وإِذلالًا. مأخوذ من الرَّغام وهو التراب، والمعنى أنَّ الشيطان لبَّس عليه صلاته، وتعرَّض لإِفسادها ونقْصها، فجعل الله تعالى للمصلّي طريقًا إلى جبر صلاته وتدارُكِ ما لبّسه عليه، وإرغامِ الشيطان وردِّه خاسئا مبعَدا عن مراده، وكملت صلاة ابن آدم\".\n(٢) أخرجه مسلم: ٥٧١\n(٣) أخرجه البخاري: ١٢٢٧، ومسلم: ٥٧٣","vol":"2","page":192},{"text":"التسليم فيما أرشد إِلى السجود فيه قبل التسليم، ويسجد بعد التسليم فيما أرشد فيه إِلى السجود بعد التسليم، وما عدا ذلك فهو بالخِيار والكلّ سنّة.\nوقال بعد أن ذكر أقوال الأئمّة الأربعة - رحمهم الله تعالى- ولا يشكّ مُنصِف، أنَّ الأحاديث الصحيحة مصرِّحة بأنَّه كان يسجد في بعض الصلوات قبل السلام، وفي بعضها بعد السلام، فالجزم بأنّ محلّهما بعد السلام فقط طرْح لبعض الأحاديث الصحيحة، لا لموجب؛ إِلا لمجرّد مخالفتها لما قاله فلان أو فلان؛ كما أنَّ الجزم بأنّ محلّهما قبل التسليم فقط؛ طرح لبعض الأحاديث الصحيحة لمِثل ذلك ..... والحقّ عندي أنَّ الكل جائز وسنّة ثابتة، والمصلّي مُخيَّر بين أن يسجد قبل أن يسلّم، أو بعد أن يسلم، وهذا فيما كان من السهو غير موافق للسهو الذي سجد له - ﷺ - قبل السلام أو بعده.\nوأمَّا في السهو الذي سجد له - ﷺ - فينبغي الاقتداء به في ذلك، وإيقاع السجود؛ في المواضع الذي أوقعه فيه صلّى الله تعالى عليه وسلّم مع الموافقة في السهو، وهي مواضع محصورة مشهورة؛ يعرفها من له اشتغال بعلم السنّة المطهّرة\". انتهى.\nقلت: أمَّا من لم يكن له اشتغال بالسنّة المطهرة، فله أن يسجد قبل التسليم أو بعده، وذلك من باب التيسير الذي هو سِمة هذا الدين.\nوقد أفادني شيخنا -حفظه الله- جواز ذلك سواءٌ أكان ذلك قبل التسليم أو بعده. انتهى.\nجاء في \"شرح النووي\" (٥/ ٥٦): \"قال القاضي عياض -﵀- وجماعة من أصحابنا: ولا خلاف بين هؤلاء المختلفين وغيرهم من العلماء","vol":"2","page":193},{"text":"(بعد أن ذكر أقوالهم) أنَّه لو سجد قبل السلام أو بعده للزيادة أو النقص أنَّه يجزئه، ولا تفسد صلاته، وإِنّما اختلافهم في الأفضل\".\nونقل الماوردي الإِجماع على الجواز وإِنّما الخلاف في الأفضل (١). كما في \"الفتح\" (٣/ ٩٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-507>الأحوال التي يشرع فيها </span>(٢).\n١ - إِذا سلّم قبل إِتمام الصلاة لحديث ابن سيرين عن أبي هريرة -﵁- قال: \"صلّى بنا رسول الله - ﷺ - إِحدى صلاتَي العَشيِّ (٣)، إِمَّا الظهر وإِمَّا العصر، فسلَّمَ في ركعتين ثمَّ أتى جِذعًا (٤) في قبلة المسجد فاستند إِليها مُغضَبًا، وفي القوم أبو بكر وعمر، فهابا أن يتكلَّما وخرج سَرَعانُ النّاس (٥) قُصِرت الصلاة، فقام ذو اليدين (٦) فقال: يا رسول الله! أقُصِرت الصلاة أم نَسيت؟ فنظر النّبيّ - ﷺ - يمينًا وشمالًا، فقال: \"ما يقول ذو اليدين؟ \" قالوا: صدق، لم تُصلِّ إلاَّ ركعتين، فصلّى ركعتين وسلّم ثمَّ كبَّر ثمَّ سجد، ثمَّ كبّر\n_________\n(١) وخالف ذلك شيخ الإِسلام -﵀- كما في \"الفتاوى\" (٢٣/ ٣٦) فارجع إِليه -إِن شئت-.\n(٢) عن \"فقه السنّة\" -بتصرف وزيادة- من \"الفتارى\" و\"الروضة الندية\" و\"تمام المنّة\".\n(٣) العَشيّ: ما بعد الزوال إِلى المغرب، وانظر \"النهاية\".\n(٤) في رواية للبخاري: \"ثمَّ قام إِلى خشبة في مُقدَّم المسجد فوضع يده عليها\".\n(٥) قال الحافظ في \"الفتح\" (٣/ ١٠٠): \"كأنّه جمع سريع، والمراد بهم: أوائل الناس خروجًا من المسجد، وهم أصحاب الحاجات غالبًا\".\n(٦) سمّي بذلك لطولٍ كان في يديه.","vol":"2","page":194},{"text":"فرفع، ثمَّ كبَّر وسجد، ثمَّ كبّر ورفع (١) قال: وأخبرْتُ عن عمران بن حصين أنَّه قال: وسلّم\".\n٢ - عند الزيادة على الصلاة؛ لحديث عبد الله بن مسعود -﵁- أنَّ النّبيّ - ﷺ - صلّى الظهر خمسًا، فلمّا سلّم قيل له: أزيد في الصلاة؟ قال: وما ذاك؟ قالوا: صلَّيت خمسًا، فسجد سجدتين (٢).\n٣ - عند نسيان مسنون؛ لحديث ثوبان -﵁- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"لكلِّ سهوٍ سجدتان بعد ما يسلِّم\" (٣).\nوبيّن الشوكاني -﵀- في \"السيل الجرار\" (١/ ٢٧٥): أنَّ السجود لترك مسنون لا يكون واجبًا، لئلا يزيد الفرع على أصله، فغايته أن يكون مسنونًا كأصله. ولم يَرِد في ترْك المسنون ما يدلّ على وجوب سجود السهو له ... بل يختصّ الوجوب بما ورد الأمر به؛ كالأحاديث التي فيها \"ليسجد سجدتين\" وليس ذلك في ترك المسنون. انتهى.\nوأشار إِلى ذلك شيخنا -حفظه الله تعالى- في \"تمام المنّة\" (ص ٢٧٣).\n٤ - عند نسيان التشهّد الأوسط؛ لحديث عبد الله بن بحينة -رضي الله\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٢٢٩، ومسلم: ٥٧٣، وهذا لفظه وتقدّم.\n(٢) انظر صحيح البخاري: ١٢٢٦، وصحيح مسلم: ٥٧٢، و\"صحيح سنن أبي داود\" (٨٩٥)، و\"صحيح سنن الترمذي\" (٣٢١)، و\"صحيح سنن ابن ماجه\" (٩٩١).\n(٣) أخرجه أحمد وأبو داود وغيرهما، وهو حديث حسن كما أشار شيخنا -حفظه الله- إلى ذلك في \"تمام المنّة\" (ص ٢٧٣) و\"الإِرواء\" (٢/ ٤٧).","vol":"2","page":195},{"text":"عنه- أنَّه قال: \"إِنّ رسول الله - ﷺ - قام من اثنتين من الظهر لم يجلس بينهما، فلمّا قضى صلاته؛ سجد سجدتين، ثمَّ سلّم بعد ذلك\" (١).\nوعن المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إِذا قام الإِمام في الركعتين؛ فإِنْ ذكر قبل أن يستويَ قائمًا فليجلس، فإِن استوى قائمًا فلا يجلس ويسجد سجدتي السهو\" (٢).\nقال شيخنا -حفظه الله- في \"الصحيحة\": \"وهو يدلّ على أنَّ الذي يمنع القائم من العودة إِلى التشهُّد، إِنّما هو إِذا استتمّ قائمًا، فأمّا إِذا لم يستتمَّ قائمًا؛ فعليه الجلوس، ففيه إِبطال القول الوارد في بعض المذاهب: إِنه إِذا كان أقرب إِلى القيام لم يرجع، وإذا كان أقرب إِلى القعود قعد؛ فإِنَّ هذا التفصيل؛ مع كونه ممَّا لا أصل له في السنَّة؛ فهو مخالف للحديث، فتشبَّثْ به، وعضَّ عليه بالنواجذ، ودع عنك آراء الرجال ... \".\nوانظر للمزيد -إِن شئت- الحديث (٢٤٥٧) من \"الصحيحة\" وما ذكر شيخنا -شفاه الله وعافاه- من الفوائد.\n٥ - عند الشكّ في عدد الركعات أو السجدات.\nعن عبد الرحمن بن عوف قال: سمعْت النّبيّ - ﷺ - يقول: \"إِذا سها أحدكم\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٢٢٥، ومسلم: ٥٧٠، وانظر \"صحيح سنن أبي داود\" (٩٠٧)، و\"صحيح سنن الترمذي\" (٣٢٠)، و\"صحيح سنن ابن ماجه\" (٩٩٢)، و\"صحيح سنن النسائي\" (١١٩٦).\n(٢) أخرجه أحمد والدارقطني وأبو داود وغيرهم، وانظر \"الصحيحة\" (٣٢١) و\"الإِرواء\" (٤٠٨).","vol":"2","page":196},{"text":"في صلاته، فلم يدْر واحدة صلّى أو اثنتين، فليبْنِ على واحدة، فإِن لم يدر ثنتين صلّى أو ثلاثًا؟ فليبْن على ثنتين، وإِن لم يدر ثلاثًا صلّى أو أربعًا؟ فليبن على ثلاث، وليسجد سجدتين قبل أن يُسلّم\" (١).\nوعن أنس عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"إِذا شكّ أحدكم في صلاته فلم يدر اثنتين صلّى أو ثلاثًا، فليُلْقِ الشكّ، وليبن على اليقين\" (٢).\nفإِذا شكّ المصلي أسجد سجدة واحدة أم سجدتين، بنى على الأقلّ، ثمَّ سجد سجدتي السهو.\nوقد تقدّم حديث أبي سعيد الخدري -﵁- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"إِذا شكَّ أحدكم في صلاته فلم يدْر كم صلّى؟ ثلاثًا أم أربعًا؟ فليطرح الشكّ، وليَبْنِ على ما استيقن، ثمَّ يسجدُ سجدتين قبل أن يسلّم. فإِن كان صلّى خمسًا؛ شَفعن له صلاته، وإِنْ كان صلّى إِتمامًا لأربع؛ كانتا ترغيمًا للشيطان\".\nقال شيخنا -حفظه الله تعالى- في \"تمام المنّة\" (ص ٢٧٣) - بتصرّف-: \" ... قد جاء عنه - ﷺ - ما يدلّ على أنَّ الحديثين المشار إِليهما ليسا على إِطلاقهما، بل هما مقيّدان بمن لم يغلب على رأيه شيء، فهذا هو الذي يبني على الأقلّ، وأمّا من ظهر له الصواب، ولو كان الأكثر، فإِنَّه يأخذ به ويبني عليه، وذلك قوله - ﷺ -: \"إِذا شَكّ أحدكم في صلاته فليتحرّ الصواب\n_________\n(١) أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه وغيرهم وانظر \"الصحيحة\" (١٣٥٦).\n(٢) أخرجه البيهقي وسنده صحيح وانظر \"الصحيحة\" تحت الحديث رقم (١٣٥٦).","vol":"2","page":197},{"text":"(في رواية: فلينظر أحرى ذلك إِلى الصواب. وفي أخرى: فلينظر الذي يرى أنَّه الصواب. وفي أخرى: فليتحرّ أقرب ذلك من الصواب)، فليتمّ عليه، ثمَّ ليسلّم، ثمَّ يسجد سجدتين\".\nأخرجه الشيخان وأبو عوانة في \"صحاحهم\"، والرواية الثانية والثالثة لهم إلاَّ البخاري، والرابعة للنسائي، وهو عندهم من حديث ابن مسعود -﵁-.\nوإِنَّ قوله - ﷺ -: \"فلينظر الذي يرى أنَّه الصواب\"؛ كالصريح في الأخذ بما يغلب على رأيه، ويؤيّده قوله في حديث أبي سعيد: \"فلم يَدْرِ كمْ صلّى\"، فإِنَّ مفهومه أنَّ من تحرّى الصواب بعد الشكّ حتى درى كم صلّى - أنه ليس له أن يبنيَ على الأقلّ، بل حُكم هذه المسألة مسكوت عنه في هذا الحديث، وقد تولّى بيانه حديث ابن مسعود، حيث أمرَ - ﷺ - فيه بالأخذ بما يظنّ أنَّه أقرب إِلى الصواب، سواءٌ كان الأقلّ أو الأكثر، ثمَّ يسجد بعد التسليم سجدتين.\nوأمّا في حالة الحيرة وعدم الدراية، فإِنَّه يبني على الأقلّ، ويسجد قبل التسليم، وفي هذا إِشارة إِلى اختلاف ما في الحديثين من الفقه، فتأمّل.\nوبعد: فإِن هذه المسألة تحتاج كثيرًا من البسط والشرح والتحقيق، ولعل ما ذكرتُه هاهنا؛ يكفي في بيان ما أردْته من إِثبات وجوب الأخذ بالظنّ الغالب إِذا وجد، وهو خلاصة رسالة كنت ألّفْتها في هذه المسألة؛ رددتُ فيها على النووي بتفصيل، وبيَّنتُ فيها معنى الشكّ المذكور في حديث أبي سعيد، ومعنى التحري الوارد في حديث ابن مسعود ... \".","vol":"2","page":198},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-508>صُوَر التحرّي:</span>\nوصور التحرّي كثيرة؛ منها:\n\"أن يستدلّ على ذلك بموافقة المأمومين، إِذا كان إِمامًا، وقد يتذكّر ما قرأ به في الصلاة، فيذكُر أنَّه قرأ بسورتين في ركعتين، فيعلم أنَه صلّى ركعتين لا ركعة، وقد يذكر أنَّه تشهّد التشهّد الأوّل، فيعلم أنَّه صلّى ثنتين لا واحدة، وأنَّه صلّى ثلاثًا لا اثنتين، وقد يذكُر أنَّه قرأ الفاتحة وحدها في ركعة، فيعلم أنَّه صلّى أربعًا لا ثلاثًا، وقد يذكُر أنَّه صلّى بعد التشهد الأوّل ركعتين، فيعلم أنَّه صلّى أربعًا لا ثلاثًا، واثنتين لا واحدة، وقد يذكُر أنَّه تشهَّد التشهُّد الأوّل، والشك بعده في ركعة، فيعلم أنَّه صلّى ثلاثًا لا اثنتين.\nومنها: أنَّه قد يعرض له في بعض الركعات: إِمّا من دعاء وخشوع وإمّا من سعال ونحوه، وإِمّا من غير ذلك، ما يعرف به تلك الركعة، ويعلم أنَّه قد صلّى قبلها واحدة أو اثنتين، أو ثلاثًا، فيزول الشكّ\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-509>السهو في سجود السهو:</span>\nذكر ابن المنذر في \"الأوسط\" (٣/ ٣٢٧) عن إِسحاق إِجماع أهل العلم من التابعين أنه ليس على من سها في سجود السهو سجود سهو.\n_________\n(١) من \"الفتاوى\" (٢٣/ ١٣) لشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- ونقل بعضها الشيخ عبد العظيم بدوي -حفظه الله- في كتاب \"الوجيز\" (ص ١٢١).","vol":"2","page":199},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-510>صلاة الجماعة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-511>حُكمها:</span>\nصلاة الجماعة واجبة على الأعيان على كلِّ مُصلٍّ، إلاَّ من عُذر، ودليل ذلك:\n١ - قوله تعالى: ﴿وإِذا كُنتَ فيهم فأقمْتَ لهم الصلاة فلتقُم طائفةٌ منهم معك﴾ (١).\nوفيه دليلان:\nأحدهما: أنَّه أمَرهم بصلاة الجماعة معه في صلاة الخوف، وذلك دليل على وجوبها حال الخوف، وهو يدلّ بطريق الأولى على وجوبها حال الأمن.\nالثاني: أنَّه سنّ صلاة الخوف جماعة، وسوَّغ فيها ما لا يجوز لغير عذر، كاستدبار القبلة، والعمل الكثير، فإِنَّه لا يجوز لغير عُذر بالاتفاق، وكذلك مفارقة الإِمام قبل السلام عند الجمهور، وكذلك التخلف عن متابعة الإِمام، كما يتأخّر الصف المؤخّر بعد ركوعه مع الإِمام، إذا كان العدوّ أمامهم.\nقالوا: وهذه الأمور تبطل الصلاة لو فُعلت لغير عذر، فلو لم تكن الجماعة واجبة بل مستحبّة؛ لكان قد التزم فعل محظور مبطلٍ للصلاة، وتُركت المتابعة الواجبة في الصلاة لأجل فِعْل مستحبّ، مع أنَّه قد كان من الممكن أن يصلّوا وِحدانا صلاة تامّة فعُلم أنها واجبة (٢).\n_________\n(١) النساء: ١٠٢\n(٢) قاله شيخ الإِسلام في \"الفتاوى\" (٢٣/ ٢٢٧).","vol":"2","page":200},{"text":"٢ - وقوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة وآتو الزكاة واركعوا مع الراكعين﴾ (١).\nقال ابن كثير في \"تفسيره\": وقد استدلّ كثير من العلماء بهذه الآية على وجوب الجماعة.\nقال القرطبي في \"تفسيره\" -بحذف-: \"قوله تعالى: ﴿مع الراكعين﴾ مع: تقتضي المعيّة والجمعيّة، ولهذا قال جماعة من أهل التأويل بالقرآن: إِنَّ الأمر بالصلاة أوّلًا؛ لم يقتضِ شهود الجماعة، فأمَرهم بقوله: \"مع\" شهود الجماعة.\nوقد اختلف العلماء في شهود الجماعة على قولين: فالذي عليه الجمهور أنَّ ذلك من السُّنن المؤكدة. وقد أوجبها بعض أهل العلم فرضًا على الكفاية.\nوقال داود: الصلاة في الجماعة فرضٌ على كلّ أحد في خاصّته كالجمعة، وهو قول عطاء بن أبي رباح وأحمد بن حنبل وأبي ثور وغيرهم.\nوقال الشافعي: \"لا أرخّص لمن قدر على الجماعة؛ في ترْك إِتيانها إلاَّ مِن عُذر حكاه ابن المنذر ... \".\nثمَّ ذكر العديد من الأدلة وقال: \"هذا ما احتَجّ به من أوجب الصلاة في الجماعة فرضًا، وهي ظاهرة في الوجوب ... \".\n٣ - وما جاء في \"صحيح مسلم\" (٦٥٣) تحت (باب يجب إِتيان المسجد على من سمع النداء) من حديث أبي هريرة -﵁- قال:\n_________\n(١) البقرة: ٤٣","vol":"2","page":201},{"text":"\"أتى النّبيَّ - ﷺ - رجلٌ أعمى، فقال: يا رسول الله! إِنَّه ليس لي قائد يقودُني إِلى المسجد، فسأل رسول الله - ﷺ - أن يُرخِّص له فيصلّي في بيته، فرخَّص له، فلمّا ولَّى دعاه فقال: \"هل تسمع النداء بالصلاة؟ \" فقال: نعم. قال: فأجِب\".\n٤ - وعن ابن عبّاس -﵄- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"من سمع النداء فلم يأته، فلا صلاة له إلاَّ من عُذر\" (١).\n٥ - وعن أبي هريرة -﵁- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"والذي نفسي بيده، لقد هممتُ أن آمر بحطبٍ فيُحطب، ثمَّ آمرُ بالصلاة فيؤذَّنُ لها، ثمَّ آمرُ رجلا فيؤمَّ الناس، ثمَّ أُخالفُ إِلى رجالٍ فأحرِّقُ عليهم بيوتهم. والذي نفسي بيده، لو يعلم أحدهم أنَّه يجد عَِرَقًا (٢) سمينًا أو مِرماتين (٣) حسنتين\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٦٤٥) والطبراني في \"المعجم الكبير\" وغيرهما، وانظر \"الإِرواء\" (٢/ ٣٣٧).\n(٢) قال الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ١٢٩): عَرْقًا: بفتح العين المهملة وسكون الراء بعدها قاف؛ قال الخليل: العراق العظم بلا لحم، وإن كان عليه لحم فهو عرق، وفي المحكم عن الأصمعي: العرْق بسكون الراء قطعة لحم.\nوقال الأزهري: العرق واحد العراق، وهي العظام التي يؤخذ منها هبر اللحم، ويبقى عليها لحم رقيق؛ فيكسر ويطبخ ويؤكل ما على العظام من لحم دقيق، ...، يقال عرقت اللحم واعترقته وتعرقته إِذا أخذت اللحم منه نهشًا.\nوفي المحكم: جمع العرق على عُراق بالضم عزيز، وقول الأصمعي هو اللائق هنا. وقال (ص ١٣٠): \"وإِنّما وَصف العرق بالسِّمَن والمرماة بالحسن ليكون ثمَّ باعث نفساني على تحصيلهما. وفيه الإِشارة إِلى ذمّ المتخلّفين عن الصلاة بوصفهم بالحرص على الشيء الحقير من مطعوم أو ملعوب به، مع التفريط فيما يحصل رفيع الدرجات ومنازل الكرامة\".\n(٣) بكسر الميم وحُكي بالفتح، ما بين ظلفي الشاة.","vol":"2","page":202},{"text":"لشهد العشاء\" (١).\n٦ - وعن عبد الله بن مسعود قال: \"من سرَّه أن يلقى الله غدًا مُسلمًا؛ فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث يُنادى بهنَّ، فإِنَّ الله شرع لنبيِّكم - ﷺ - سُنن الهدى (٢)، وإِنَّهنَّ من سنن الهدى ولو أنّكم صليتم في بيوتكم؛ كما يصلّي هذا المتخلِّف في بيته لتركْتم سُنّة نبيِّكم، ولو تركتم سُنَّة نبيِّكم لضللتم، وما من رجلٍ يتطهَّر فيحسن الطُّهور، ثمَّ يعمد إِلى مسجد من هذه المساجد، إلاَّ كتَب الله له بكل خطوة يخطوها حسنةً، ويرفعه بها درجةً، ويحطّ عنه بها سيِّئةً، ولقد رأيتُنا وما يتخلَّف عنها إلاَّ منافقٌ معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يُهادى بين الرجلين حتى يقامَ في الصَّفِّ\" (٣).\nقال القرطبي -رحمه الله تعالى- عقب هذا الحديث: \"فبيَّن -﵁- في حديثه أنَّ الإِجماع سُنَّة من سُنن الهدى وترْكه ضلال، ولهذا قال القاضي أبو الفضل عياض: اختُلف في التمالؤ على ترْك ظاهر السُّنن؛ هل يقاتَل عليها أو لا؛ والصحيح قتالهم؛ لأنَّ في التمالؤ عليها إِماتتها\" انتهى.\n٧ - وعن أبي الدرداء -﵁- عن رسول الله - ﷺ - أنَّه قال: \"ما من ثلاثةٍ في قرية ولا بدو، لا تقام فيهم الصلاة، إِلا قد استحوذَ (٤) عليهم\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٦٤٤، ومسلم: ٦٥١\n(٢) بضم السين وفتحها وهما بمعنى متقارب، أي: طرائق الهدى والصواب، قاله بعض العلماء.\n(٣) أخرجه مسلم: ٦٥٤\n(٤) استحوذ: أي استولى عليهم وحواهم إِليه. \"النهاية\".","vol":"2","page":203},{"text":"الشيطان، فعليكم بالجماعة؛ فإِنَّما يأكل الذئب من الغنم القاصية\" (١).\nقال شيخنا في \"تمام المنّة\" (ص ٢٧٥): \" ... فهو من الأدلّة على وجوبها، إِذ أنَّ مَن تَرَك سنّة، بل السّنن كلّها -مع المحافظة على الواجبات- لا يُقال فيه: \"استحوذ عليه الشيطان ... \".\n٨ - وعن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إِذا كانوا ثلاثة، فليؤمّهم أحدهم، وأحقّهم بالإِمامة أقرؤهم\" (٢).\nففي كلمة (فليؤمّهم) لام الأمر، والأمر يفيد الوجوب إلاَّ لقرينة تصرفه، والقرائن مؤكّدة؛ لا صارفة.\n٩ - وجاء في صحيح البخاري: (باب وجوب صلاة الجماعة) ثمَّ قال: وقال الحسن: إِنْ منَعته أمّه عن العشاء في الجماعة شفقةً لم يُطعها.\nقال الحافظ (٢/ ١٢٥): \"هكذا بتَّ الحُكم في هذه المسألة، وكأنَّ ذلك لقوة دليلها عنده ... \".\nوقال -﵀-: \"وقد وجدْته بمعناه وأتمّ منه وأصرح؛ في كتاب \"الصيام\" للحسن بن الحسن المروزي بإِسناد صحيح عن الحسن في رجل يصوم -يعني تطوّعًا- فتأمره أمّه أن يفطر، قال: فليفطر ولا قضاء عليه، وله\n_________\n(١) أخرجه أحمد وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٥١١)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٨١٧)، وغيرهم، وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٤٢٢)، و\"رياض الصالحين\" (١٠٧٧) بتحقيق شيخنا -حفظه الله تعالى-.\n(٢) أخرجه مسلم: ٦٧٢","vol":"2","page":204},{"text":"أجر الصوم وأجر البرّ. قيل: فتنهاه أن يصلّيَ العشاء في جماعة، قال: ليس\nذلك لها، هذه فريضة\".\nوقد استدلّ بعض العلماء على عدم وجوب الصلاة، ببعض الأحاديث التي تفيد صحة صلاة المنفرد (١) وأنَّ له درجة واحدة [و] هذا لا يُنافي الوجوب الذي من طبيعته أن يكون أجره مضاعفًا على أجر ما ليس بواجب؛ كما هو واضح. أفاده شيخنا في \"تمام المنّة\" (ص ٢٧٧).\nفائدة: ينبغي الحرص على الجماعة حيث كانت في المسجد أو غيره، في السفر أو الحضر.\nجاء في \"الأوسط\" (٤/ ١٣٨): \"قال الشافعي: ذكر الله الأذان بالصلاة فقال: ﴿وإِذا ناديتم إِلى الصلاة ...﴾ (٢) الآية، وقال: ﴿إِذا نودي للصّلاة من يوم الجمعة فاسعوا إِلى ذكر الله ...﴾ الآية (٣)، وسنّ رسول الله - ﷺ - الأذان للصلوات المكتوبات، فأشبه ما وصفْتُ أن لا يحلّ ترك أن يصلّي كلّ مكتوبة في جماعة، حتى لا يخلّي جماعة مقيمون ولا مسافرون من أن يصلّي فيهم صلاة جماعة، فلا أرخص لمن قدر على صلاة الجماعة في ترك إِتيانها إِلا من عذر\".\n_________\n(١) انظر -إِن شئت- ما أجاب به شيخ الإِسلام -﵀- عن هذا في \"الفتاوى\" (٢٣/ ٢٣٢).\n(٢) تتمّتها: ﴿... اتَّخَذوها هُزُوًا ولعبًا ذلك بأنّهم قومٌ لا يعقلون﴾. [المائدة: ٥٨].\n(٣) الجمعة: ٩","vol":"2","page":205},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-512>فضلها:</span>\n١ - عن ابن عمر -﵄- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"صلاة الجماعة تفضُل صلاة الفَذ بسبع وعشرين درجة\" (١).\n٢ - عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"صلاة الرجل في الجماعة تُضَعَّفُ على صلاته في بيته وفي سوقه خمسًا وعشرين ضعفًا، وذلك أنَّه إِذا توضّأ فأحسَن الوضوء، ثمَّ خرج إِلى المسجد لا يُخرجه إلاَّ الصلاة، لم يَخْطُ خُطوة إلاَّ رُفعتْ له بها درجةٌ وحُطَّ عنه بها خطيئةٌ، فإِذا صلّى لم تَزَل الملائكة تُصلّي عليه ما دام في مصلاّه: اللهمّ صَلِّ عليه، اللهمَّ ارحمه، ولا يزالُ أحدُكم في صلاةٍ ما انتظر الصلاة\" (٢).\n٣ - عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من غدا إلى المسجد وراح أعدّ (٣) الله له نزُله (٤) من الجنّة كلما غدا أو راح\" (٥).\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٦٤٥، ومسلم: ٦٥٠\n(٢) أخرجه البخاري: ٦٤٧\n(٣) أعدّ: هيأ.\n(٤) قال الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ١٤٨): \"النّزل بضم النون والزاي المكان الذي يُهيأ للنزول فيه، وبسكون الزاي ما يهيأ للقادم من الضيافة ونحوها، فعلى هذا \"من\" في قوله من الجنّة للتبعيض على الأوّل وللتبيين على الثاني، ورواه مسلم وابن خزيمة وأحمد بلفظ: \"نزلا في الجنة\" وهو محتمل المعنيين\".\n(٥) أخرجه البخاري: ٦٦٢، ومسلم: ٦٦٩، قال الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ١٤٨): \"المراد بالغدو: الذَّهاب وبالرواح: الرجوع، والأصل في الغدو المضي من بكرة النهار والرواح بعد الزوال، ثمَّ قد يستعملان في كل ذَهاب ورجوع توسّعًا\".","vol":"2","page":206},{"text":"وانظر للمزيد كتاب \"صحيح الترغيب والترهيب\" (الترغيب في صلاة لجماعة).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-513>حضور النساء الجماعة في المساجد وفضل صلاتهنّ في بيوتهنّ </span>(١)\nيجوز للنساء الخروج إِلى المسجد وشهود الجماعة، بشرط اجتناب ما ثير الشهوة، ويدعو إِلى الفتنة من الزينة والطيب.\nفعن ابن عمر -﵄- قال: قال رسول - ﷺ -: \"لا تمنعوا نساءَكم المساجد، وبيوتهنّ خيرٌ لهنّ\" (٢).\nوعن أبي هريرة -﵁- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"لا تمنعوا إِماء\nالله مساجد الله، ولكن ليخرجن وهنّ تَفِلات (٣) \" (٤).\nوعنه -﵁- أيضًا قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"أيُّما امرأةٍ أصابت بَخُورا (٥)، فلا تشهد معنا العشاء الآخرة\" (٦).\nوالأفضل لهنّ الصلاة في بيوتهنّ، لحديث ابن عمر -﵄- المتقدّم: \"وبيوتهنّ خيرٌ لهنّ\".\n_________\n(١) هذا العنوان وما يتضمّنه بتصرف؛ من كتاب \"فقه السنّة\" للشيخ السيد سابق -حفظه الله تعالى-.\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٥٣٠) وغيره وانظر \"الإِرواء\" (٥١٥).\n(٣) تَفلات: أي تاركات للطيب. \"النهاية\".\n(٤) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٥٢٩) وغيره وانظر \"الإِرواء\" (٥١٥).\n(٥) أصابت بَخورًا: أي ريحه.\n(٦) أخرجه مسلم: ٤٤٤، وغيره.","vol":"2","page":207},{"text":"ولحديث أمّ حميد امرأة أبي حميد الساعدي -﵄-: \"أنّها جاءت إِلى النّبيّ - ﷺ - فقالت: يا رسول الله! إِنّي أُحبُّ الصلاة معك؟ قال: قد علمتُ أنّكِ تُحبّين الصلاة معي، وصلاتك في بيتكِ (١) خيرٌ من صلاتكِ في حُجرتِك (٢)، وصلاتكِ في حُجرتكِ خير من صلاتكِ في داركِ، وصلاتك في داركِ خيرٌ من صلاتكِ في مسجد قومكِ، وصلاتكِ في مسجد قومكِ خيرٌ من صلاتكِ في مسجدي. قال فأَمَرَتْ فبُني لها مسجدٌ في أقصى شيء من بيتها وأظلمِه، وكانت تصلّي فيه، حتى لقيَت الله ﷿\" (٣).\nوعن عبد الله بن مسعود عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"صلاة المرأة في بيتها؛ أفضل من صلاتها في حُجرتها، وصلاتها في مخدعها (٤)؛ أفضل من صلاتها في بيتها\" (٥).\nوانظر للمزيد إن شئت في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (ترغيب النساء في الصلاة في بيوتهنّ ولزومها، وترهيبهنّ من الخروج منها).\n_________\n(١) في بيتك: الموضع المهيأ للنوم. \"فيض\".\n(٢) كل محلّ حُجر عليه بالحجارة. \"فيض\"، وفي \"الوسيط\": الغرفة في أسفل البيت، وفي \"عون المعبود\": أي صحن الدار، قال ابن الملك: أراد بالحجرة ما تكون أبواب البيوت إِليها، وهي أدنى حالًا من البيت.\n(٣) أخرجه أحمد وابن خزيمة وابن حبان في \"صحيحيهما\"، وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٣٣٥).\n(٤) مخدعها: الميم ثلاثية وهي خزانتها التي في أقصى بيتها. \"فيض\".\n(٥) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٥٣٣)، وصححه الحاكم والذهبي، وانظر \"المشكاة\" (١٠٦٣)، و\"صحيح الترغيب والترهيب\" (٣٤٠).","vol":"2","page":208},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-514>الترغيب في المشي إِلى المسجد الأبعد والأكثر جمعًا</span>\nعن أبي هريرة -﵁- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"ألا أدلّكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: إِسباغ الوضوء على المكاره. وكثرة الخُطا إِلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط (١) \" (٢).\nوعن عقبة بن عامر -﵁- عن النّبيّ - ﷺ - أنه قال: \"إِذا تطهَّر الرجل ثمَّ أتى المسجد يَرعى الصلاة، كتب له كاتباه أو كاتبه بكلِّ خطوةٍ يخطوها إلى المسجد عشر حسناتٍ، والقاعدُ يرعى الصلاة كالقانت، ويُكتبُ من المصلّين، من حين يَخرُجُ من بيته حتى يرجع إِليه\" (٣).\nوعن سهل بن سعد الساعدي -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -:\n_________\n(١) الرّباط في الأصل: الإِقامة على جهاد العدّو بالحرب، وارتباط الخيل وإعدادها، فشبَّه به ما ذُكر من الأفعال الصالحة والعبادة. قال القُتَيبي: أصل المُرابطة أن يربط الفريقان خيولهم في ثغر، كلٌّ منهما مُعدٌّ لصاحبه فسمّى المُقام في الثغور رباطًا. ومنه قوله [- ﷺ -]: \"فذلكم الرباط\" أي أنَّ المواظبة على الطهارة والصلاة والعبادة، كالجهاد في سبيل الله، فيكون الرِّباط مصدر رَابَطت: أي لازَمت. وقيل الرِّباط هاهنا اسم لِما يُربَط به الشيء: أي يُشدّ، يعني أن هذه الخلال تربط صاحبها عن المعاصي وتكُفّه عن المحارم. \"النهاية\".\n(٢) أخرجه مسلم: ٢٥١\n(٣) أخرجه أحمد وأبو يعلى والطبراني في \"الكبير\" و\"الأوسط\" وبعض طرقه صحيح، وابن خزيمة في \"صحيحه\" وأخرجه ابن حبان في \"صحيحه\" مفرّقًا في موضعين، عن \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٢٩٤).","vol":"2","page":209},{"text":"\"لِيُبَشّرِ المشّاؤون في الظُلَّم إِلى المساجد بالنور التامّ يوم القيامة\" (١).\nوعن أبي أمامة -﵁- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"من خرج من بيته متطهرًا إِلى صلاة مكتوبةٍ؛ فأجْره كأجر الحاج المحْرم، ومن خرج إِلى تسبيح الضحى (٢) لا يُنْصبه (٣) إلاَّ إِياه، فأجره كأجر المعتمر، وصلاةٌ على إِثر (٤) صلاةٍ، لا لغوَ بينهما كتاب في عليين\" (٥).\nوانظر للمزيد -إِن شئت- \"كتاب صحيح الترغيب والترهيب\" (باب الترغيب في المشي إِلى المساجد ...).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-515>استحباب تخفيف الإِمام:</span>\nعن أبي هريرة -﵁- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"إِذا صلى أحدكم للنّاس فليخفّف، فإِنَّ منهم الضعيف والسقيم والكبير، وإذا صلّى أحدكم لنفسه فليطوِّل ما شاء\" (٦).\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه وابن خزيمة في \"صحيحه\" واللفظ له والحاكم وقال: \"صحيح على شرط الشيخين\". وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٣١٤).\n(٢) أي: صلاة الضحى.\n(٣) بضمّ الياء من الإِنصاب وهو الإِتعاب، ويروى بفتح الياء [يَنصبه]: من نصبَه أي: أقامه. \"عون المعبود\" (٢/ ١٨٥)، وتقدّم.\n(٤) بكسر الهمزة ثمَّ السكون، أو بفتحتين، أي: عقيبها.\n(٥) أخرجه أبو داود من طريق القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة، وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٣١٥)، وتقدّم.\n(٦) أخرجه البخاري: ٧٠٣، ومسلم: ٤٦٧","vol":"2","page":210},{"text":"وعن أبي مسعود -﵁- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"يا أيها النّاس إِنَّ منكم منفّرين فمن أمّ النّاس فليتجوّز (١)، فإِنَّ خلفه الضعيف والكبير وذا الحاجة\" (٢).\nوعن أنس بن مالك -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إِنّي لأدخُل الصلاة أريد إِطالتها، فأسمع بكاء الصبيّ، فأخفّف مِن شدّة وجْد (٣) أمِّه به\" (٤).\nوعن أنس بن مالك -﵁- أيضًا قال: \"ما صليتُ وراء إِمام قطّ أخفّ صلاة ولا أتمّ من النّبيّ - ﷺ -\" (٥).\nوعنه أيضًا: \"كان النّبيّ - ﷺ - يوجز الصلاة ويُكْمِلها\" (٦).\nقال الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ٢٠١): \"المراد بالايجاز مع الإِكمال: الإِتيان بأقلّ ما يمكن من الأركان والأبعاض\".\nوانظر للمزيد -إِن شئت- \"صحيح مسلم\" \"كتاب الصلاة\" (باب أمر الأئمّة بتخفيف الصلاة في تمام).\n_________\n(١) أي: يخفف.\n(٢) أخرجه البخاري: ٧٠٤\n(٣) الوجد: يُطلق على الحزن وعلى الحب أيضًا، وكلاها سائغ هنا، والحُزن أظهر، أي من حُزنها واشتغال قلبها به. قاله النووي.\n(٤) أخرجه البخاري: ٧١٠، ومسلم: ٤٧٠، وتقدّم.\n(٥) أخرجه البخاري: ٧٠٨، ومسلم: ٤٦٩\n(٦) أخرجه البخاري: ٧٠٦","vol":"2","page":211},{"text":"وروى البيهقي في \"الشعب\" بإِسناد صحيح عن عمر قال: \"لا تبغضوا إِلى الله عباده يكون أحدكم إِمامًا فيطوّل على القوم الصلاة؛ حتى يبغض إِليهم ما هم فيه\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-516>إِطالة الإِمام الركعة الأولى:</span>\nعن أبي قتادة \"أنَّ النّبيّ - ﷺ - كان يطوّل في الركعة الأولى (٢) من صلاة الظهر، ويقصر في الثانية، ويفعل ذلك في صلاة الصبح\" (٣).\nوعن أبي قتادة -﵁- أيضًا عن النّبيّ - ﷺ -: \" ... ويطوّل في الركعة الأولى؛ ما لا يطوّل في الركعة الثانية، وهكذا في العصر، وهكذا في الصبح\" (٤).\nوعنه كذلك قال: \"فظنَنّا أنَّه يريد بذلك أن يدرك النّاس الركعة الأولى\" (٥).\nوعن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: \"لقد كانت صلاة الظهر تُقام فيذهب الذاهب إِلى البقيع، فيقضي حاجته [ثمَّ يأتي أهله فيتوضّأ]، ثمَّ\n_________\n(١) انظر \"الفتح\" (٢/ ١٩٥).\n(٢) قال الحافظ: أي في جميع الصلوات، وهو ظاهر الحديث المذكور في الباب.\nقلت: يشير إِلى تبويب البخاري -﵀- بعنوان: باب يطوّل في الركعة الأولى.\n(٣) أخرجه البخاري: ٧٧٩، ومسلم: ٤٥١\n(٤) أخرجه البخاري: ٧٧٦\n(٥) أخرجه أبو داود بسند صحيح \"صحيح سنن أبي داود\" (٧١٨)، وابن خزيمة، وانظر \"صفة الصلاة\" (١١٢).","vol":"2","page":212},{"text":"يأتي ورسول الله - ﷺ - في الركعة الأولى ممّا يطوّلها (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-517>وجوب متابعة الإِمام وتحريم مسابقته:</span>\nعن أبي هريرة -﵁- عن النّبيّ - ﷺ - أنَّه قال: \"إنَّما جُعل الإمام ليؤتمّ به، فلا تختلفوا عليه، فإِذا ركع فاركعوا، وإذا قال سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربّنا لك الحمد، وإِذا سجد فاسجدوا، وإِذا صلى جالسًا فصلّوا جلوسًا أجمعون، وأقيموا الصفّ في الصلاة، فإِنَّ إقامة الصفّ من حُسن الصلاة\" (٢).\nوعنه -﵁- أيضًا عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"أمَا (٣) يخشى أحدكم -أو لا يخشى أحدُكم- إِذا رفع رأسه قبل الإِمام؛ أن يجعل الله رأسه رأس حمار، أو يجعل الله صورته صورة حمار\" (٤).\nعن أنس -﵁- قال: \"صلّى بنا رسول الله - ﷺ - ذات يوم، فلمّا قضى الصلاة؛ أقبل علينا بوجهه فقال: \"أيها النّاس! إِنّي إِمامكم؛ فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود، ولا بالقيام ولا بالانصراف (٥) \" (٦).\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ٤٥٤، وتقدّم.\n(٢) أخرجه البخاري: ٧٢٢، ومسلم: ٤١٧\n(٣) أما: حرف استفتاح مِثل ألا، وهو هنا استفهام توبيخ، (فتح) (٢/ ١٨٣)، وفي رواية لمسلم: ٤٢٧: \"ما يأمن الذي يرفع رأسه في صلاته قبل الإمام؛ أن يُحوّل الله صورته في صورة حمار\".\n(٤) أخرجه البخاري: ٦٩١، ومسلم: ٤٢٧\n(٥) أي: بالسلام.\n(٦) أخرجه مسلم: ٤٢٦","vol":"2","page":213},{"text":"وعن البراء بن عازب قال: \"كنّا نصلّي خلف النّبيّ - ﷺ -، فإِذا قال: سمع الله لمن حمده؛ لم يحْنِ أحدٌ منّا ظهره؛ حتى يضع النّبيّ - ﷺ - جبهته على الأرض\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-518>انعقاد الجماعة بواحد مع الإِمام:</span>\nعن ابن عبّاس -﵄- قال: \"بتُّ عند ميمونة، فقام النّبيّ - ﷺ - فأتى حاجته فغسل وجهه ويديه، ثمَّ نام، ثمَّ قام فأتى القربة فأطلق شناقها (٢)؛ ثمَّ توضّأ وضوءًا بين وضوءين لم يكثر وقد أبلغ، فصلّى فقمتُ فتمطّيتُ كراهية أن يرى أنّي كنتُ أتقيه، فتوضّأتُ، فقام يُصلّي فقمتُ عن يساره، فأخذ بأذُني فأدارني عن يمينه\" (٣).\nوروى أبو سعيد الخدري -﵁-: \"أنَّ رجلًا دخل المسجد، وقد صلّى رسول الله - ﷺ - بأصحابه، فقال رسول الله - ﷺ -: \"من يتصدّق على ذا، فيصلّي معه\" فقام رجل من القوم فصلّى معه\" (٤).\nوفي رواية عن الحسن بلفظ: \" ... أنَّ رجلًا دخل المسجد وقد صلّى النّبيّ - ﷺ - فقال ألا رجل يقوم إِلى هذا فيصلّي معه، فقام أبو بكر فصلّى معه،\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٨١١، ومسلم: ٤٧٤\n(٢) الشناق: هو رباط القربة يشدّ عنقها، فشبّه بما يُشنَق به، وقيل هو ما تُعلَّق به ورجّح أبو عبيد الأوّل. \"فتح\" (١١/ ١٦٦).\n(٣) أخرجه البخاري: ٦٣١٦، ومسلم: ٧٦٣\n(٤) أخرجه أحمد وأبو داود نحوه، وغيرهما وصححه شيخنا في \"الإِرواء\" (٥٣٥).","vol":"2","page":214},{"text":"وقد كان صلّى تلك الصلاة\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-519>إِدراك الإِمام:</span>\nينبغي متابعة الإِمام على أيّ حالٍ كان؛ إِذا لم يُدرك معه تكبيرة الإِحرام.\nعن عليّ ومعاذ بن جبل قالا: قال رسول الله - ﷺ -: \"إِذا أتى أحدكم الصلاة والإِمام على حال، فليصنع كما يصنع الإِمام\" (٢).\nوعن ابن مُغفَّل المزني قال: قال النّبيّ - ﷺ -: \"إِذا وجدتم الإِمام ساجدًا فاسجدوا، أو راكعًا فاركعوا، أو قائمًا فقوموا، ولا تعتدّوا بالسجود إِذا لم تدركوا الركعة\". أخرجه إِسحاق بن منصور المروزي في \"مسائل أحمد وإسحاق\" (٣).\nوالمسبوق يصنع مِثل ما يصنع الإِمام فيجلس معه التشهد الأخير ولا يقوم حتى يسلّم، ثمَّ يكبّر ويتمّ ما فاته.\n_________\n(١) قال شيخنا في \"الإرواء\" (٢/ ٣١٧): أخرجه ابن أبي شيبة والبيهقي وإسناده إِلى الحسن صحيح.\n(٢) قال أبو عيسى: \"هذا حديث غريب، لا نعلم أحدًا أسنده، إلاَّ ما روي من هذا الوجه. والعمل على هذا عند أهل العلم، قالوا: إِذا جاء الرجل والإِمام ساجد فليسجد، ولا تجزئه تلك الركعة، إِذا فاته الركوع مع الإمام. واختار عبد الله بن المبارك: أن يسجد مع الإِمام، وذكر عن بعضهم فقال: لعله لا يَرفع رأسه من تلك السجدة حتى يغفر له\".\nانظر \"صحيح سنن الترمذي\" (٤٨٤)، و\"المشكاة\" (١١٤٢).\n(٣) قال شيخنا: وهذا إِسناد صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين، وانظر \"الصحيحة\" (١١٨٨).","vol":"2","page":215},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-520>من أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة:</span>\nعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إِذا جئتم إِلى الصلاة ونحن سجود فاسجدوا، ولا تعدّوها شيئًا، ومن أدرك ركعة فقد أدرك الصلاة\" (١).\nوعن ابن مُغفّل المزني قال: قال النّبيّ - ﷺ -: \"إِذا وجدتم الإِمام ساجدًا فاسجدوا، أو راكعًا فاركعوا، أو قائمًا فقوموا، ولا تعتدُّوا بالسجود إِذا لم تدركوا الركعة\" (٢).\nوعن زيد بن وهب قال: \"خرجْتُ مع عبد الله من داره إِلى المسجد، فلمّا توسَّطنا المسجد ركَع الإِمام، فكبّر عبد الله ثمَّ ركَع، وركعتُ معه، ثمَّ مشينا راكعين حتى انتهينا إِلى الصفّ حتى رفع القوم رؤوسهم، قال: فلمّا قضى الإِمام الصلاة قمتُ وأنا أرى أنّي لم أدرِك، فأخذ بيدي عبد الله، فأجلَسني وقال: إِنّك قد أدركتَ\"، قال شيخنا: وسنده صحيح، وله في الطبراني طرق أخرى (٣).\nوعن عبد الله بن عمر قال: \"إِذا جئتَ والإِمام راكع، فوضعت يديك على ركبتيك قبل أن يرفع؛ فقد أدركت\".\nقال شيخنا -حفظه الله- أخرجه ابن أبي شيبة: (١/ ٩٤/١) من طريق\n_________\n(١) أخرجه أبو داود وغيره، وفي لفظ له: \"من أدرك الركوع أدرك الركعة\"، وانظر \"الإِرواء\" (٤٩٦).\n(٢) انظر \"الصحيحة\" (١١٨٨).\n(٣) انظر \"الإرواء\" (٢/ ٢٦٣).","vol":"2","page":216},{"text":"ابن جريج عن نافع عنه، ومن هذا الوجه أخرجه البيهقي إلاَّ أنَّه قرن مع ابن جريج مالكًا ولفظه: \"من أدرك الإِمام راكعًا، فركع قبل أن يرفع الإِمام رأسه، فقد أدرك تلك الركعة\".\nثمَّ قال شيخنا -حفظه الله-: \"وإِسناده صحيح، وأخرجه عبد الرزاق في \"مصنّفه\" (٢/ ٢٧٩/٣٣٦١) عن ابن جريج قال أخبَرني به نافع\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-521>أعذار التخلف عن الجماعة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-522>١ - البرد أو المطر:</span>\nعن نافع: \"أنَّ ابن عمر أذَّن بالصلاة في ليلةٍ ذاتِ بردٍ وريح ثمَّ قال: ألا صلّوا في الرحال، ثمَّ قال: إِنَّ رسول الله - ﷺ - كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلةٌ ذاتُ بردٍ ومطر يقول: ألا صلُّوا في الرحال (٢) \" (٣).\nوعن عبد الله بن الحارث ابن عمِّ محمّد بن سيرين قال: قال ابنُ عبّاس لمؤذّنه في يومٍ مطير: إِذا قلتَ أشهد أنَّ محمدًا رسول الله فلا تقُل: حيَّ على الصلاة، قل: صلّوا في بيوتكم فكأنَّ النّاس استنكروا، قال: فعَله من هو خيرٌ منّي، إِنَّ الجُمعة عَزمةٌ (٤)، وإنِّي كرهتُ أن أحرجكم فتمشون في الطين\n_________\n(١) انظر \"الإِرواء\" (٢/ ٢٦٣). التحقيق الثاني.\n(٢) الرحال: يعني الدور والمساكن والمنازل، وهي جمْع رَحْل، يُقال لمنزل الإنسان ومسكنه رحله، وانتهينا إِلى رحالنا: أي: منازلنا، \"النهاية\".\n(٣) أخرجه البخاري: ٦٦٦، ومسلم: ٦٩٧\n(٤) قال الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ٣٨٤): \"استشكله الإسماعيلي فقال: لا إِخاله صحيحًا، فإِنَّ أكثر الرويات بلفظ: \"أنَّها عزمة\" أي: كلمة المؤذن وهي: \"حي على =","vol":"2","page":217},{"text":"والدَّحْض (١) \" (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-523>٢ - العلّة:</span>\nعن محمود بن الربيع الأنصاري: \"أنَّ عتبان بن مالك كان يؤمّ قومه وهو أعمى، وأنَّه قال لرسول الله - ﷺ -: يا رسول الله، إِنَّها تكون الضلمة والسّيل، وأنا رجلٌ ضرير البصر، فصلِّ يا رسول الله في بيتي مكانًا أتخذه مُصلّى، فجاءه رسول الله - ﷺ - فقال: أين تحبُّ أنْ أصلّي؟ فأشار إِلى مكان من البيت، فصلّى فيه رسول الله - ﷺ -\" (٣).\nوذكَره الإِمام البخاري في \"كتاب الأذان\" تحت (باب الرخصة في المطر والعلّة أن يصلّي في رَحله).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-524>٣ - حضور الطعام الذي يريد أكْله في الحال </span>(٤):\nعن عائشة عن النّبيّ - ﷺ - أنَّه قال: \"إِذا وُضع العَشاء وأُقيمت الصلاة\n_________\n= الصلاة\" لأنَّها دعاء إِلى الصلاة تقتضي لسامعه الإِجابة، ولو كان معنى الجمعة عزمة لكانت العزيمة لا تزول بترك بقية الأذان انتهى. والذي يظهر أنَّه لم يترك بقية الأذان، وإنَّما أبدل قوله: \"حي على الصلاة\" بقوله: \"صلّوا في بيوتكم\"، والمراد بقوله: \"إِن الجمعة عزمة\" أى فلو تركْت المؤذّن يقول: \"حي على الصلاة\" لبادر من سمعه إِلى المجيء في المطر فيشقّ عليهم فأمرته أن يقول: \"صلوا في بيوتكم لتعلموا أنَّ المطر من الأعذار التي تُصيّر العزيمة رخصة\".\n(١) الدَّحْض: الزلق.\n(٢) أخرجه البخاري: ٩٠١\n(٣) أخرجه البخاري: ٦٦٧\n(٤) اقتباسًا ممّا جاء في تبويب \"صحيح مسلم\".","vol":"2","page":218},{"text":"فابدأوا بالعَشاء\" (١).\nوعن أنس بن مالك أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"إِذا قُدِّم العَشاء فابدأوا به قبل أن تصلُّوا صلاة المغرب، ولا تعجَلوا عن عَشائكم\" (٢).\nوعن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إِذا وُضع عَشاء أحدكم وأقيمت الصلاة فابدأوا بالعَشاء، ولا يعجل حتى يفرُغ منه\" (٣).\n\"وكان ابن عمر يوضَع له الطعام وتقام الصلاة، فلا يأتيها حض يفرُغ، وإِنَّه ليسمع قراءة الإِمام\" (٤).\nوعن ابن عمر قال: قال النّبيّ - ﷺ -: \"إِذا كان أحدكم على الطعام فلا يعجل حتى يقضيَ حاجته منه، وإِنْ أقيمت الصلاة\" (٥).\nوعن أبي الدرداء قال: \"من فقه المرء؛ إِقباله على حاجته حتى يُقبِل على صلاته وقلبه فارغ\" (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-525>٤ - مدافعة الأخبثين:</span>\nعن عائشة -﵂- قالت: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا صلاة\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٦٧١، ومسلم: ٥٥٨\n(٢) أخرجه البخاري: ٦٧٢، ومسلم: ٥٥٧\n(٣) أخرجه البخاري: ٦٧٣، ومسلم: ٥٥٩\n(٤) أخرجه البخاري: ٦٧٣\n(٥) أخرجه البخاري: ٦٧٤\n(٦) أخرجه البخاري معلقًا مجزومًا به ووصله ابن المبارك في \"الزهد\" وانظر \"مختصر صحيح البخاري\" (١/ ١٧٢) لشيخنا -حفظه الله تعالى-.","vol":"2","page":219},{"text":"بحضرة الطعام، ولا هو يدافِعُه الأخبثان (١) \" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-526>من هو الأحقّ بالإِمامة:</span>\nعن أبي مسعود الأنصاري قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"يؤمُّ القوم أقرؤهم (٣) لكتاب الله فإِنْ كانوا في القراءة سواءً فأعلمُهم بالسنّة، فإِنْ كانوا في السنّة سواءً، فأقدمهم هجرة، فإِنْ كانوا في الهجرة سواءً، فأقدمهم سِلْمًا (٤)، ولا يَؤُمَّنَّ الرجل الرّجل في سلطانه، ولا يقعدْ في بيته على تَكرِمَته (٥) إلاَّ بإِذنه\"\n_________\n(١) الأخبثان: البول والغائط.\n(٢) أخرجه مسلم: ٥٦٠\n(٣) أقرؤهم: أي: أكثرهم قرآنًا وحفظًا وجمعًا له؛ كما في حديث عمرو بن سلمة قال: لمّا كانت وقعة أهل الفتح بادر [بادر: أي: سابق وعجل بذلك.] كلُّ قوم بإِسلامهم، وبدر أبي قومي بإِسلامهم، فلمّا قدم قال: جئتكم والله من عند النّبيّ - ﷺ - حقًّا، فقال: صلّوا صلاة كذا في حين كذا، وصلّوا صلاة كذا في حين كذا، فإِذا حضرت الصلاة فليؤذّن أحدكم، وليؤمّكم أكثركم قرآنًا، فنَظروا، فلم يكن أحدٌ أكثر قرآنًا منّي، لِما كنتُ أتلَّقى من الرُّكبان [الركبان: جمع راكب: وجمع الراكب: رُكّاب ورُكوب ورُكبان، والراكب في الأصل: هو راكب الإِبل خاصّة، ثمَّ اتُّسع فيه، فأطلق على كلّ من ركب دابّة، ذكره بعض العلماء.]، فقدَّموني بين أيديهم وأنا ابنُ ستّ أو سبع سنين، وكانت عليَّ بُردةٌ كنتُ إِذا سجدتُ تقلصّت [أي ارتفعت وتكشّفت] عنّي، فقالت امرأةٌ من الحي: ألا تُغطّون عنّا إِست قارئكم، فاشتروا، فقطعوا لي قميصًا، فما فَرِحت بشيء فَرحي بذلك القميص\". أخرجه البخاري: ٤٣٠٢\n(٤) سلمًا: أي إِسلامًا.\n(٥) تكرمته: هو الموضع الخاص لجلوس الرجل، من فراشٍ وسرير؛ ممّا يعدُّ لإكرامه، وهي تفعلة من الكرامة. \"النهاية\". في رواية لمسلم (٦٧٣): لا يؤمُّ القوم =","vol":"2","page":220},{"text":"قال الأشجُّ في روايته: مكان سِلمًا سِنًّا\" (١).\nولفظه كما في \"صحيح سنن أبي داود\" (٥٤٦): \"وكنتُ غلامًا حافظًا، فحفظت من ذلك قرآنًا كثيرًا، فانطلق أبي وافدًا إِلى رسول الله - ﷺ - في نفرٍ من قومه، فعلّمهم الصلاة فقال: \"يؤمُّكم أقرؤكم\"، وكنتُ أقرأَهم، لما كنت أحفظ، فقدّموني فكنت أؤمّهم وعليّ بردة لي صغيرة صفراء، فكنت إِذا سجدت تكشَّفت عنّي\".\nوفي لفظ آخر في \"صحيح سنن أبي داود\" (٥٤٨) أيضًا: \"فلمّا أرادوا أن ينصرفوا قالوا: يا رسول الله، من يؤمّنا؟ قال: \"أكثركم جمعًا للقرآن\" أو \"أخذًا للقرآن\" قال: فلم يكن أحد من القوم جمَع ما جمْعته\".\nهذا وقد أفاد هذا الحديث أنَّ صاحب الدار والإِمام الراتب ونحوهما أحقّ بالإِمامة وأولى إلاَّ أن يأذنا، وعن نافع قال: \"أقيمت الصلاة في مسجد بطائفة من المدينة، ولابن عمر قريبًا من ذلك المسجد أرض يعملها، وإمام ذلك المسجد مولى له، ومسكن المولى وأصحابه ثمّة، قال: فلمّا سمعهم عبد الله جاء ليشهَد معهم الصلاة، فقال له المولى صاحب المسجد: تقدّم فصلِّ، فقال عبد الله: أنت أحقّ أن تصلي في مسجدك مني، فصلّى المولى\"، ومن طريق الشافعي أخرجه البيهقي (٣/ ١٢٦) وسنده حسن. انظر \"الإِرواء\": (٥٢٢).\n_________\n= أقرؤهم لكتاب الله وأقدمهم قراءةً، فإِن كانت قراءتهم سواءً فليؤمّهم أقدمهم هجرةً، فإِنْ كانوا في الهجرة سواءً فليؤمّهم أكبرهم سنًّا، ولا تؤُمَّنَّ الرّجل في أهله ولا في سلطانه، ولا تجلس على تكرمته في بيته، إلاَّ أن يأذن لك أو بإِذنه\".\n(١) أخرجه مسلم: ٦٧٣","vol":"2","page":221},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-527>متى تصحّ إِمامتهم </span>(١):\nكلّ من صحَّت صلاته لنفسه؛ صحت صلاته لغيره، وهذا ثابتٌ بالاستقراء وفي العناوين الآتية زيادة بيانٍ بإِذن الله تعالى:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-528>إِمامة الصبي:</span>\nتصحّ إِمامة الصبيّ المميّز، بل هو الأولى في الإِمامة إِذا كان أقرأ القوم، وقد تقدّم حديث عمرو بن سلِمة وأنَّه كان يؤمّ قومه وهو ابن ست أو سبع سنين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-529>إِمامة الأعمى:</span>\nعن أنس \"أنَّ النّبيّ - ﷺ - استخلف ابن أمّ مكتوم يؤم الناس وهو أعمى\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-530>إِمامة المعذور بالصحيح:</span>\nلا بأس بإِمامة المعذور بالصحيح، إِذا توفّرت فيه شروط الأحقّ بالإِمامة.\nقال شيخنا -حفظه الله تعالى- في \"تمام المنّة\" (ص ٢٨٥) ردًّا على من يقول بكراهة إِمامة المعذور بصحيح أو عدم صحتها: \"لا وجه للكراهة به عدم الصحة إِذا توفرت فيه شروط الأحَقّ بالإِمامة، ولا نرى فرقًا بينه وبين الأعمى الذي لا يمكنه الاحتراز من البول احتراز البصير، والقاعد العاجز عن القيام، وهو ركن، لأنّ كلًاّ منهما قد فعَل ما يستطيع، و﴿لا يُكلِّف الله نَفْسًا\n_________\n(١) سألت شيخنا -شفاه الله تعالى- \"هل أنتم مع من يقول: كلّ من صحّت صلاته لنفسه؛ صحّت صلاته لغيره، مع كراهة الصلاة خلف الفاسق والمبتدع فقال: نعم\".\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٥٥٥) والبيهقي وغيرهما، وانظر \"الإِرواء\" (٥٣٠).","vol":"2","page":222},{"text":"إلاَّ وُسْعَها﴾ (١). وللإِمام الشوكاني بحث هامّ في صحّة الصلاة وراء المسلم الفاسق، والصبي غير البالغ، وناقص الصلاة والطهارة وغيرهم، فراجِعه في كتابه \"السيل الجرّار\" (١/ ٢٤٧ - ٢٥٥)، فإِنَّه نفيس جدًا\". انتهى.\nقلت: قال الشوكاني في المصدر المذكور آنفًا: وأمّا ناقص الطهارة؛ فلا دليلَ يدلّ على المنع أصلًا، فيصحّ أن يؤمّ المتيمّمُ متوضِّئًا، ومَن ترك غُسل بعض أعضاء وضوئه لعذرٍ بغيره ونحوهما، ولا يحتاج إِلى الاستدلال بحديث عمرو بن العاص في صلاته بأصحابه بالتيمم وهو جنب، فإِنَّ الدليل على المانع كما عرفْت والأصل الصحّة\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-531>إِمامة الجالس بالقادر على القيام وجلوسه معه:</span>\nعن أنس بن مالك: \"أنَّ رسول الله - ﷺ - ركِب فرسًا فصُرع عنه فجُحش (٢) شقه الأيمن فصلّى صلاةً من الصلوات وهو قاعد فصلّينا وراءه قعودًا، فلمّا انصرف قال: إِنَّما جُعل الإِمام ليؤتمَّ به، فإِذا صلّى قائمًا فصلّوا قيامًا، فإِذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإِذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربَّنا ولك الحمد، وإذا صلّى قائمًا فصلّوا قيامًا، وإذا صلّى جالسًا فصلُّوا جُلُوسًا أجمعون\" (٣) \" (٤).\n_________\n(١) البقرة: ٢٨٦\n(٢) فجُحش: أي: انخدش جلده وانقشر.\n(٣) أخرجه البخاري: ٦٨٩، ومسلم: ٤١٢\n(٤) قال الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ١٨٠) -بتصرف-: \"كذا في جميع الطرق في \"الصحيحين\" بالواو إلاَّ أنَّ الرواة اختلفوا في رواية همام عن أبي هريرة، فقال بعضهم: =","vol":"2","page":223},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-532>إِمامة المتنفّل بالمفترض:</span>\nعن جابر بن عبد الله: \"أنَّ معاذ بن جبل كان يصلّي مع النّبيّ - ﷺ -، ثمَّ يرجع فيؤم قومه\" (١).\nفكانت صلاته مع النّبيّ - ﷺ - فريضة، وصلاته بقومه تطوّعًا وتنفّلًا، ولهم فريضة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-533>إِمامة المفترض بالمتنفّل:</span>\nوعن محجن بن الأذرع قال: \"أتيتُ النّبيّ - ﷺ - وهو في المسجد، فحضرت الصلاة فصلّى، فقال لي: ألا صليتَ؟ قال: قلت: يا رسول الله قد صليت في الرحل، ثمَّ أتيتك، قال: فإِذا فعلْتَ، فصلِّ معهم واجعلها نافلة\" (٢).\nوعن أبي سعيد الخدري -﵁- أنَّ رسول الله - ﷺ - أبصر رجُلًا يُصلي وحده فقال: \"ألا رجلٌ يتصدق على هذا فيصلِّي معه\" (٣).\nوعن يزيد بن الأسود: \"أنَّه صلّى مع رسول الله - ﷺ -، وهو غلام شابٌّ، فلمّا صلّى إِذا رجلان لم يصلّيا في ناحية المسجد، فدعا بهما فجيء بهما ترعد\n_________\n= أجمعين -بالياء- والأول: (أجمعون) تأكيد لضمير الفاعل في قوله صلّوا، والثاني: (أجمعين): نصب على الحال أي: جلوسًا مجتمعين ... \".\n(١) أخرجه البخاري: ٧٠٠، ومسلم: ٤٦٥\n(٢) أخرجه أحمد وغيره وصححه شيخنا بشواهد تقوّيه كما في \"الإِرواء\" (٥٣٤).\n(٣) أخرجه أحمد وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٥٣٧) وغيرهما، وانظر \"الإِرواء\" (٥٣٥).","vol":"2","page":224},{"text":"فرائصهما (١) فقال: ما منعكما أن تصليّا معنا؟ قالا: قد صلّينا في رحالنا، فقال: لا تفعلوا، إِذا صلّى أحدكم في رَحله ثمَّ أدرك الإِمام ولم يُصلِّ فليصلِّ معه، فإِنَّها له نافلة\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-534>إِمامة المتوضّئ بالمتيمّم والمتيمّم بالمتوضّئ:</span>\nيُقدّم الأقرأ لكتاب الله تعالى في الإِمامة سواءٌ أكان متيمّمًا أو متوضئًا لعموم النصّ المتقدّم: \"يؤمّ القوم اقرؤهم لكتاب الله ... \". وكذا المقيم بالمسافر والمسافر بالمقيم ... الخ.\nوقد أمّ عمرو بن العاص أصحابه -﵃- وهو جنُب، وكان قد احتلم وأشفق على نفسه أن يهلك إِذا اغتسل، فعنه قال: \"احتلمْتُ في ليلة باردة، في غزوة ذات السلاسل، فأشفقْتُ إِن اغتسلت أن أهْلِكَ، فتيمّمت، ثمَّ صلّيت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنّبيّ - ﷺ -، فقال: يا عمرو، صليت بأصحابك وأنت جُنبٌ؟ فأخبرتُه بالذي منَعني من الاغتسال، وقلت: إِني سمعْت الله يقول: ﴿ولا تَقْتُلوا أنْفُسَكُم إِنَّ الله كان بِكُم رحيمًا﴾ (٣)، فضحك رسول الله - ﷺ - ولم يقُل شيئًا\" (٤).\n_________\n(١) الفرائص: جمع فريصة وهي اللحمة التي بين جنب الدابة وكتفها أي: ترجف من الخوف. \"النهاية\". وسبب ارتعاد فرائصهما؛ ما اجتمع في رسول الله - ﷺ - من الهيبة العظيمة والحرمة الجسيمة؛ لكلّ من رآه مع كثرة تواضعه. \"عون\" (٢/ ١٩٩).\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٥٣٨) وغيره، وانظر \"الإِرواء\" (٥٣٤).\n(٣) النساء: ٢٩\n(٤) أخرجه أحمد وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٢٣) وغيرهما، وانظر \"الإِرواء\" (١٥٤)، وأخرجه البخاري معلَّقًا.","vol":"2","page":225},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-535>إِمامة المسافر بالمقيم:</span>\nعن ابن عمر -﵄- قال: \"صلّى عمر بأهل مكة الظهر، فسلّم في ركعتين، ثمَّ قال: أتمّوا صلاتكم يا أهل مكة فإِنا قوم سَفْر\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-536>إِذا اقتدى المسافر بالمقيم أتمّ:</span>\nعن موسى بن سلمة الهُذليّ قال: \"سألتُ ابن عباس كيف أصلّي إِذا كنتُ بمكة، إِذا لم أصلِّ مع الإِمام؟ فقال: ركعتين سنّة أبي القاسم - ﷺ -\" (٢).\nقال شيخنا في \"الإِرواء\" (٣/ ٢٢): \"وروى البيهقي بسند صحيح عن أبي مجلز قال: قلتُ لابن عمر: المسافر يدرك ركعتين من صلاة القوم - يعني المقيمين- أتجزيه الركعتان أو يصلّي بصلاتهم؟ قال: فضحك وقال: يصلّي بصلاتهم\".\nوسئل ابن عبّاس: \"ما بال المسافر يصلّي ركعتين حال الانفراد وأربعًا إِذا ائتمّ بمقيم، فقال: تلك السنّة\". صححه شيخنا في \"الإِرواء\" (٥٧١).\n_________\n(١) أخرجه مالك في \"الموطأ\" وعبد الرزاق في \"مصنفه\" (٤٣٦٩) وغيرهما، وقال لي شيخنا -شفاه الله تعالى وعافاه-: هذا في حُكم المرفوع؛ لأنّ عمر -﵁- فعَل ذلك في عدد كبير من الصحابة، ولا سيّما أنّه رُوي مرفوعًا وفيه ضعف.\nثمَّ قال شيخنا -شفاه الله تعالى- \"فعلى الإِمام أن يُسلم عن يمينه سرًّا ويسمعهم قوله: \"أتمّوا صلاتكم فإِنا قوم سَفر\" لأن ما رُوي عن عمر؛ يفهم أنّه لم يُسمع سلامه والحكمة ظاهرة، فإِنّه إِذا سلّم سلّم الناس معه\".\n(٢) أخرجه مسلم: ٦٨٨","vol":"2","page":226},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-537>إِمامة الرجل بالنّساء:</span>\nوفيه أحاديث منها الحديث المتقدّم: \" ... وخير صفوف النساء آخرها، وشرّها أوّلها\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-538>المرأة تؤمّ أهل دارها:</span>\n\"كان رسول الله - ﷺ - يزور أمّ ورقة بنت عبد الله بن الحارث في بيتها، وجعَل لها مؤذنًا يؤذّن لها، وأمَرَها أن تؤمّ أهل دارها\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-539>إِمامة المرأة بالنّساء:</span>\nعن رائطة الحنفية \"أنّ عائشة -﵂- أمّت نسوةً في المكتوبة؛ فأمّتهنّ بينهنّ وسطًا\" (٢).\nوفي رواية: \"أمّتهنّ وقامت بينهنّ في صلاةٍ مكتوبة\" (٣).\nوله شاهد من رواية حجيرة بنت حصين قالت: \"أمّتنا أم سلمة في صلاة العصر قامت بيننا\" (٤).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٥٥٣) وغيره وانظر \"الإِرواء\" (٤٩٣).\n(٢) أخرجه عبد الرزاق (٣/ ١٤١)، والدارقطني (١/ ٤٠٤)، والبيهقي (٣/ ١٣١)، وانظر \"تمام المنّة\" (ص ١٥٤).\n(٣) انظر \"مصنف عبد الرزاق\" (٥٠٨٦).\n(٤) أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" وغيره. قال شيخنا -شفاه الله تعالى- في \"تمام المنة\" (ص١٥٤): وبالجملة فهذه الآثار صالحة للعمل بها ولا سيما وهي مؤيَّدة بعموم قوله - ﷺ -: \"إنما النساء شقائق الرجال\". [أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢١٦)، التحقيق الثاني والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٩٨)، وانظر \"المشكاة\" (٤٤١)]، وانظر للمزيد مصنف عبد الرزاق (باب المرأة تؤمّ النساء) وفيه آثار كثيرة =","vol":"2","page":227},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-540>الصلاة خلف الفاسق والمبتدع والإِمام الجائر ومن يكرهه المأمومون:</span>\nعن ابن عمر \"أنَّه كان يصلّي خلف الحجّاج\" (١).\nوقال البخاري في \"صحيحه\": \"باب إِمامة المفتون والمبتدع، وقال الحسن: صلِّ وعليه بدعته\" (٢).\nوروى البخاري (٦٩٥) أيضًا عن عبيد الله بن عدي بن خيار: \"أنَّه دخل\n_________\n= عن السلف، ومصنف ابن أبي شيبة (١/ ٤٣٠).\n(١) صححه شيخنا في \"الإِرواء\" (٥٢٥) وقال: \"قال الحافظ في \"التلخيص\" (١٢٨): رواه البخاري في حديث، قلت: -أي: شيخنا حفظه الله- ولم أجده عنده حتى الآن، وقد أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنّف\" (٢/ ٨٤/٢): نا عيسى بن يونس عن الأوزاعي عن عمير بن هانئ قال: \"شهدتُ ابن عمر والحجّاج محاصِر ابن الزبير، فكان منزل ابن عمر بينهما فكان ربما حضر الصلاة مع هؤلاء، وربما حضَر الصلاة مع هؤلاء\".\nقلت [أي: شيخنا -حفظه الله-]: وهذا سند صحيح على شرط الستة\". ثمَّ أخرج عن زيد بن أسلم أن ابن عمر كان في زمان الفتنة؛ لا يأتي أمير إلاَّ صلى خلفه، وأدّى إِليه زكاة ماله وسنده صحيح\". انتهى.\nوعن مسلم قال: كنّا مع عبد الله بن الزبير والحجّاج يُحاصر عبد الله بن الزبير، وكان عبد الله بن عمر يصلّي مع ابن الزبير فإِذا فاتته الصلاة مع عبد الله سمع أذان مؤذن الحجاج انطلق فصلّى مع الحجاج فقيل: يا أبا عبد الرحمن: تصلي مع عبد الله بن الزبير، والحجاج؟ فقال: إِذا دعونا إِلى الله أجبناهم وإذا دعونا إِلى الشيطان تركناهم، فقلت: يا أبتاه: وما تعني الشيطان؟ قال: القتال\". انظر \"الأوسط\" (٤/ ١١٥) لابن المنذر.\n(٢) كذا رواه البخاري معلقًا مجزومًا به، وانظر \"كتاب الأذان\" (باب: ٥٦). قال شيخنا -حفظه الله -: وقد وصَله سعيد بن منصور عن ابن المبارك عن هشام بن =","vol":"2","page":228},{"text":"على عثمان بن عفّان وهو محصور فقال: إِنّك إِمام عامّة ونزل بك ما ترى، ويصلّي لنا إِمام فتنة ونتحرّج، فقال: الصلاة أحسن ما يعمل الناس، فإِذا أحسَن الناس فأحسِنْ معهم، وإِذا أساؤوا فاجتنب إِساءتهم\".\nقال الشوكاني: في \"السيل الجرار\" (١/ ٢٤٧): الفاسق من المسلمين المتعبّدين بالتكاليف الشرعية من الصلاة وغيرها، فمن زعم أنَّه قد حصَل فيه مانع من صلاحيته لإِمامة الصلاة مع كونه قارئًا عارفًا؛ بما يحتاج إِليه في صلاته، فعليه تقرير ذلك المانع بالدليل المقبول الذي تقوم به الحُجّة، وليس في المقام شيءٌ من ذلك أصلًا؛ لا من كتاب ولا من سنَّة ولا قياس صحيح، فعلى المنصِف أن يقوم في مقام المنع؛ عند كلّ دعوى يأتي بها بعض أهل العلم في المسائل الشرعية.\nوما استُدلّ به على المنع من تلك الأحاديث الباطلة المكذوبة، فليس ذلك من دأب أهل الإِنصاف، بل هو صُنع أرباب التعصّب والتعنّت.\nوإِذا عرفتَ هذا فلا تحتاج إِلى الاستدلال على جواز إِمامة الفاسق في الصلاة، ولا إِلى معارضة ما يسَتَدِلّ به المانعون، فليس هنا ما يصلح للمعارضة وإيراد الحجج، وبيان ما كان عليه السلف الصالح من الصلاة خلف الأُمراء المشتهرين بظلم العباد والإِفساد في البلاد.\nنَعم يحسُن أن يجعل المصلّون إِمامَهم من خيارهم، ولكن ليس محلُّ النزاع إِلا كونه لا يصلح أن يكون الفاسق ومن في حُكمه إِمامًا، لا في كون\n_________\n= حسان أنَّ الحسن سئل عن الصلاة خلف صاحب البدعة؟ فقال الحسن: صلِّ خلفه، وعليه بدعته. كما في \"فتح الباري\" (٢/ ١٥٨) والسند صحيح.","vol":"2","page":229},{"text":"الأولى أن يكون الإِمام من الخيار، فإِنّ ذلك لا خلاف فيه\".\nوأمّا مَن أمّ قومًا يكرهونه، فقد أخبر النّبيّ - ﷺ - أنّ صلاته غير مقبولة. فعن أبي أمامة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم: العبد الآبق حتى يرجع، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وإِمام قوم وهم له كارهون\" (١). أي: كارهون لبدعته أو فسقه أو جهله لا كراهة لأمر دنيوي. وانظر \"التحفة\" (٢/ ٣٤٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-541>تنبيه:</span>\nاستدلّ بعض العلماء على أنَّ القرشيّ مقدّم في إِمامة الصلاة على غيره، كما هو مقدّم في الإِمامة الكبرى لحديث: \"الأئمة من قريش\" (٢).\nقال شيخنا -حفظه الله تعالى وعافاه- في \"الإِرواء\" تحت الحديث السابق: وفي هذا الاستدلال نظر عندي، لأنَّ الحديث بمجموع ألفاظه ورواياته لا يدلّ إِلا على الإِمامة الكبرى، فإِنّ في حديث أنس وغيره: \"ما عملوا فيكم بثلاث: ما رحموا إِذا استرحموا، وأقسطوا، إِذا قسموا، وعدلوا إِذا حكموا\". فهذا نصٌّ في الإِمامة الكبرى، فلا تدخل فيه الإِمامة الصغرى، لا سيما وقد ورد في البخاري وغيره؛ أنَّ النّبيّ - ﷺ - قدَّم سالمًا مولى أبي حذيفة في إِمامة الصلاة ووراءه جماعة من قريش\".\n_________\n(١) أخرجه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٢٩٥)، وانظر \"المشكاة\" (١١٢٢)، و\"غاية المرام\" (٢٤٨).\n(٢) حديث صحيح خرّجه شيخنا في \"الإِرواء\" (٥٢٠) وقد أخرجه جمع من الأئمّة.","vol":"2","page":230},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-542>الانفتال والانصراف عن اليمين والشمال </span>(١):\nعن هلب [والد قبيصة] أنّه صلّى مع النّبيّ - ﷺ - وكان ينصرف عن شقّيه\" (٢).\nوعن الأسود قال: قال عبد الله: \"لا يجعل أحدكم للشيطان شيئًا من صلاته، يرى أنَّ حقًّا عليه أن لا ينصرف إلاَّ عن يمينه، لقد رأيت النّبيّ - ﷺ - كثيرًا ينصرف عن يساره\" (٣).\nوكان أنس ينفتِل عن يمينه وعن يَساره ويعيب على من يتوخّى -أو من يَعمِد- الانفتال عن يمينه (٤).\nقال النووي -﵀ في \"شرحه\" (٥/ ٢٢٠): \"في حديث أنس \"أكثر ما رأيت رسول - ﷺ - ينصرف عن يمينه\"، وفي رواية: \"كان ينصرف عن يمينه\" وجه الجمع بينهما أن النّبيّ - ﷺ - كان يفعل تارة هذا وتارة هذا، فأخبر كلّ واحد بما اعتقد أنه الأكثر فيما يعلمه، فدلَّ على جوازهما، ولا كراهة في واحد منهما، وأمّا الكراهة التي اقتضاها كلام ابن مسعود، فليست\n_________\n(١) هذا العنوان من \"صحيح البخاري\".\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٩١٩)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٢٤٦)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٧٥٧).\n(٣) أخرجه البخاري: ٨٥٢، ومسلم: ٧٠٧\n(٤) أخرجه البخاري معلّقًا مجزومًا به (كتاب الأذان) \"باب الانفتال والانصراف عن اليمين والشمال\". وقال الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ٣٣٨): \"وصله مسدّد في \"مسنده الكبير\".","vol":"2","page":231},{"text":"بسبب أصل الانصراف عن اليمين أو الشمال، وإنّما هي في حقّ من يرى أنّ ذلك لا بد منه فإِنّ من اعتقد وجوب واحد من الأمرين مخطئ، ولهذا قال: يرى أنّ حقّا عليه فإِنما ذمّ من رآه حقّا عليه.\nومذهبنا أنه لا كراهة في واحد من الأمرين، لكن يستحبّ أن ينصرف في جهة حاجته؛ سواء كانت عن يمينه أو شماله، فإِن استوى الجهتان في الحاجة وعدمها؛ فاليمين أفضل لعموم الأحاديث المصرحة بفضل اليمين في باب المكارم ونحوها، هذا صواب الكلام في هذين الحديثين وقد يقال فيهما خلاف الصواب والله أعلم\". وللحافظ تفصيلٌ طيب في \"الفتح\" (٢/ ٣٣٨) فارجع إِليه -إِن شئت-.\n\nمُكث الإِمام (١) في مصلاّه بعد السلام (٢):\nعن أمّ سلمة أنّ النّبيّ - ﷺ - كان يمكُث في مكانه يسيرًا. قال ابن شهاب: \"فنُرى والله أعلم؛ لكي ينفُذ من ينصرف من النساء\" (٣).\nوعن ثوبان -﵁- قال: \"كان رسول الله - ﷺ - إِذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثًا، وقال: \"اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت ذا الجلال والإِكرام\". قال الوليد: فقلت للأوزاعي: كيف الاستغفار؟ قال: تقول: أستغفر الله، أستغفر الله\".\n_________\n(١) قال العيني في \"عمدة القاري\" (٦/ ١٣٨): \"أي: تأخّره في مصلاّه أي: موضعه الذي صلّى فيه الفرض بعد السلام، أي: بعد فراغه من الصلاة بالسلام\".\n(٢) هذا العنوان من \"صحيح البخاري\".\n(٣) أخرجه البخاري: ٨٤٩","vol":"2","page":232},{"text":"وعن عائشة -﵂- قالت: كان النّبيّ - ﷺ - إِذا سلّم لم يقعد إلاَّ مقدار ما يقول: \"اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت ذا الجلال والإِكرام\"، وفي رواية ابن نمير: \"يا ذا الجلال والإِكرام\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-544>علوّ الإِمام أو المأموم:</span>\nعن أبي مسعود الأنصاري قال: \"نهى رسول الله - ﷺ - أن يقوم الإِمام فوق شيء والناس خلفه -يعني: أسفل منه-\" (١).\nوعن همام أنَّ حذيفة أمَّ الناس بالمدائن على دكان (٢)، فأخذَ أبو مسعود بقميصه فجبَذه، فلمّا فرغ من صلاته قال: ألم تعلم أنّهم كانوا ينهون عن ذلك؟ قال: بلى، قد ذكرت حين مدَدْتني (٣) (٤) فإِذا كان للإِمام مصلحة من ارتفاعه على المأموم؛ لتعليمٍ ونحوه فجائز كما في حديث أبي حازم بن دينار: \"أنَّ رجالًا أتوا سهل بن سعد الساعديّ، وقد امتروا (٥) في المنبر مِمَّ\n_________\n(١) أخرجه الدارقطني وسكت عنه الحافظ في \"التلخيص\" وقال شيخنا في \"تمام المنّة\": وإسناده حسن.\n(٢) في رواية لأبي داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٥٥٨): \"والناس أسفل منه\".\n(٣) أي: اتبعتك حين أخذْت على يدي وجذَبتني.\n(٤) أخرجه الشافعي في \"الأم\" وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٥٥٧) والحاكم وغيرهم، وانظر \"الإِرواء\" (٢/ ٣٣١).\n(٥) قال الحافظ (٢/ ٣٩٧): \"امتروا: من المماراة وهي المجادلة، وقال الكرماني: من الامتراء وهو الشك، ويؤيد الأوّل قوله في رواية عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عند مسلم: \"أن تماروا، فإِنّ معناه تجادلوا، قال الراغب: الامتراء والمماراة: المجادلة، ومنه ﴿فلا تُمارِ فيهم إلاَّ مراءً ظاهرًا﴾، وقال أيضًا: المِرية: التردد في الشيء ... \".","vol":"2","page":233},{"text":"عُودُه؟ فسألوه عن ذلك فقال: والله إِنّي لأعرف ممّا هو، ولقد رأيته أوّل يوم وُضِعَ، وأوّل يوم جلس عليه رسول الله - ﷺ -: أرسل رسول الله - ﷺ - إِلى فُلانة -امرأة قد سمّاها سهل- مُرِي غُلامك النّجار أن يعمل لي أعوادًا أجلس عليهنّ إِذا كلّمتُ الناس، فأَمَرَتْه فعمِلها طرْفاء (١) الغابة، ثمَّ جاء بها فأرسلت إِلى رسول الله - ﷺ - فأمر بها فوضعت ها هنا. ثمَّ رأيت رسول الله - ﷺ - صلّى عليها، وكبّر وهو عليها، ثمَّ ركع وهو عليها، ثمَّ نزل القهقرى فسجد في أصل المنبر ثمَّ عاد، فلمّا فرغ أقبل على الناس فقال: أيها الناس، إنّما صنعتُ هذا لتأتموا، ولتعلموا صلاتي\" (٢).\nوينبغي على المأموم ألأَ يصلّي على ظهر المسجد أو خارجه مقتديًا بالإِمام إلاَّ مِن عُذر؛ كامتلاء المسجد.\nقال شيخنا -حفظه الله- في \"تمام المنّة\" (٢٨٢) ردًا على من يطلق الجواز مستدلًا ببعض الآثار: \"يقابل هذه الآثار آثار أخرى عن عمر والشعبي وإبراهيم، عند ابن أبي شيبة (٢/ ٢٢٣)، وعبد الرزاق (٣/ ٨١ - ٨٢): أنَّه ليس له ذلك إِذا كان بينه وبين الإمام طريق ونحوه. ولعلّ ما في الآثار الأولى محمول على العذر، كامتلاء المسجد كما قال هشام بن عروة: \"جئت أنا وأبي مرة، فوجدنا المسجد قد امتلأ، فصلّينا بصلاة الإِمام في دارٍ عند المسجد بينهما طريق\". رواه عبد الرزاق (٣/ ٨٢) بسند صحيح عنه.\nوليس بخافٍ على الفقيه أنّ إِطلاق القول بالجواز ينافي الأحاديث الآمرة بوصل الصفوف وسدّ الفرج، فلا بد من التزامها والعمل بها إلاَّ لعذر، ولهذا\n_________\n(١) أي: من شجرها. قاله الكرماني.\n(٢) أخرجه البخاري: ٩١٧، ومسلم: ٥٤٤","vol":"2","page":234},{"text":"قال شيخ الإِسلام في \"مجموع الفتاوى\" (٢٣/ ٤١٠): \"ولا يصفّ في الطرقات والحوانيت مع خلوّ المسجد، ومن فَعل ذلك استحق التأديب، ولمن جاء بعده تخطّيه، ويدخل لتكميل الصفوف المتقدمة؛ فإِن هذا لا حرمة له.\nقال: فإِن امتلأ المسجد بالصفوف صفّوا خارج المسجد، فإِذا اتصلت الصفوف حينئذ في الطرقات والأسواق صحّت صلاتهم. وأمّا إِذا صفّوا وبينهم وبين الصف الآخر طريق يمشي الناس فيه؛ لم تصحّ صلاتهم في أظهر قولي العلماء. وكذلك إِذا كان بينهم وبين الصفوف حائط، بحيث لا يرون الصفوف، ولكن يسمعون التكبير من غير حاجة، فإِنّه لا تصحّ صلاتهم في الأظهر، وكذلك من صلّى في حانوته والطريق خال لم تصحّ صلاته، وليس له أن يقعد في الحانوت وينتظر اتصال الصفوف به، بل عليه أن يذهب إِلى المسجد، فيسد الأوّل فالأول فالأول\"\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-545>اقتداء المأموم بالإِمام مع الحائل لعُذر:</span>\nقال الإِمام البخاري في (كتاب الأذان) (باب إِذا كان بين الإِمام وبين القوم حائط أو سترة): وقال الحسَن: لا بأس أن تصلّي وبينك وبينه نهر (١).\nوقال أبو مِجلَز: \"يأتمّ بالإِمام، وإنْ كان بينهما طريق أو جدار إِذا سمع تكبير الإِمام\" (٢).\nويُحمل ذلك كله على وجود العذر لوجوب تسوية الصفوف وتراصّها\n_________\n(١) قال الحافظ: لم أره موصولًا.\n(٢) وصله ابن أبي شيبة وعبد الزراق بإِسنادين عنه - انظر \"الفتح\" (٢/ ٢١٤)، و\"مختصر البخاري\": (١/ ١٨٤).","vol":"2","page":235},{"text":"-والله تعالى أعلم-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-546>حُكم الائتمام بمن ترك شرطًا أو رُكنًا:</span>\nإِذا ترَك الإِمام شرطًا أو رُكنًا بطَلت صلاته وصلاة من ائتمّ به، أمّا إِذا لم يعلم المأمومون ذلك، فإِنَّ صلاتهم صحيحة، لحديث أبي هريرة -﵁- أن رسول الله - ﷺ - قال: \"يصلّون لكم (١)، فإِنْ أصابوا فلكم (٢)، وإِن أخطأوا (٣) فلكم وعليهم (٤) \" (٥).\n_________\n(١) أي: الأئمّة.\n(٢) أي: لكم ثواب صلاتكم.\n(٣) وإن أخطأوا: أي: ارتكبوا الخطيئة، ولم يُرِد به الخطأ المقابل للعمد لأنّه لا إِثم فيه. \"الفتح\".\n(٤) قال الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ١٨٨) بحذف: \"قال المهلب: فيه جواز الصلاة خلف البر والفاجر إِذا خيف منه. ووجَّه غيره قوله إِذا خيف منه، بأن الفاجر إِنّما يؤمّ إِذا كان صاحب شوكة. وقال البغوي في \"شرح السنّة\": فيه دليل على أنه إِذا صلى بقوم مُحدِثًا أنّه تصح صلاة المأمومين وعليه الإِعادة. واستدل به غيره على أعمّ من ذلك وهو صحة الاَئتمام بمن يخلّ بشيء من الصلاة، ركنًا كان أو غيره إِذا أتمّ المأموم، وهو وجه عند الشافعية بشرط أن يكون الإِمام هو الخليفة أو نائبه، والأصح عندهم صحة الاقتداء إلاَّ بمن علم أنّه ترك واجبًا، ومنهم من استدلّ به على الجواز مطلقًا بناء على أنّ المراد بالخطأ ما يقابل العمل، قال: ومحل الخلاف في الأمور الاجتهادية كمن يصلّي خلف من لا يرى قراءة البسملة، ولا أنّها من أركان القراءة، ولا أنها آية من الفاتحة، بل يرى أنّ الفاتحة تجزئ بدونها قال: فإن صلاة المأموم تصح إِذا قرأ هو البسملة لأن غاية حال الإِمام في هذه الحالة أن يكون أخطأ. وقد دل الحديث على أنَّ خطأ الإِمام لا يؤثّر في صحة صلاة المأموم إِذا أصاب\".\n(٥) أخرجه البخاري: ٦٩٤","vol":"2","page":236},{"text":"وعن عمر أنّه صلى بالنّاس الصبح ثمّ خرج إِلى الجُرُف، فأهراق الماء، فوجد في ثوبه احتلامًا، فأعاد الصلاة، ولم يُعدِ الناس\".\nقال شيخنا في \"الإِرواء\" (٥٣٣): وروى الأثرم نحو هذا عن عثمان وعلي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-547>الاستخلاف:</span>\nللإمام أن يستخلف غيره ليستكمل المأمومون الصلاة، إِذا عَرض له عُذر أو طرأ له طارئ، لمرض مفاجئ ألمَّ به ونحوه.\nففي \"صحيح البخاري\" (٣٧٠٠): في قصة مقتل عمر -﵁- قال: عمرو بن ميمون بعد أن طُعن -﵁-: \" ... وتناول عمر يد عبد الرحمن بن عوف فقدّمه فمن يلي عمر فقد رأى الذي أرى وأمّا نواحي المسجد فإنهم لا يدرون غير أنهم قد فقدوا صوت عمر وهم يقولون سبحان الله سبحان الله، فصلّى بهم عبد الرحمن صلاة خفيفة\".\nوإذا لم يخشَ الإِمام الفتنة وذكر أنه على غير وضوء، أو على جنابة، والمتوضّأ قريب؛ فإِنه يشير للمأمومين أن مكانكم، ثمَّ يتوضّأ ويأمهم.\nفعن أبي بكرة -﵁- \"أنّ رسول الله - ﷺ - دخَل في صلاة الفجر، فأومأ بيده أنْ مكانكم، ثمَّ جاء ورأسه يقطر، فصلى بهم\" (١).\nوفي رواية: قال في أوّله: فكبّر، وقال في آخره: فلما قضى الصلاة، قال: \"إِنّما أنا بشر، وإني كنتُ جنبًا\".\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢١٣).","vol":"2","page":237},{"text":"وهذا بعد أن كبّر وقد ورد في الصحيحين. حالة أخرى غير هذه (١)، وهي تذكُّرُه - ﷺ - أنه على جنابة قبل أن يكبّر.\nفعن أبي هريرة \"أن رسول الله - ﷺ - خرج وقد أقيمت الصلاة وعدّلت الصفوف، حتى إِذا قام في مُصلاه انتظرنا أن يكبّر، انصرف قال: على مكانكم، فمكثنا على هيئتنا، حتى خرج إِلينا ينطُف (٢) رأسه ماءً وقد اغتسل\" (٣).\nأمّا إِذا وجد الإِمام في ثوبه احتلامًا بعد الانتهاء من الصلاة أو تذكّر أنّه على غير وضوء، فعليه أن يعيد وليس على الناس إِعادة، فقد رُوي عن عمر أنه صلّى بالناس الصبح ثمَّ خرج إِلى الجُرُف فأهراق الماء، فوجَد في ثوبه احتلامًا، فأعاد الصلاة ولم يُعدِ الناس، وروى الأثرم نحو هذا عن عثمان وعليّ (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-548>موقف الإِمام والمأموم:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-549>أين يقف المأموم الواحد من الإِمام</span>؟\nيقف عن يمين الإِمام لحديث ابن عبّاس -﵄- قال:\nصلّيتُ مع النّبيّ - ﷺ - ذات ليلة، فقُمت عن يساره، فأخَذَ رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) انظر \"مختصر البخاري\" (ص ٧٨) رقم (١٥٨).\n(٢) أي: يقطر.\n(٣) أخرجه البخاري: ٦٣٩، ومسلم: ٦٠٥\n(٤) انظر \"الإِرواء\" (٥٣٣)، و\"الأوسط\" (٤/ ٢١٣)، وفي \"مصنف عبد الرزاق\" (٢/ ٣٤٨). عدد من الآثار في هذا.","vol":"2","page":238},{"text":"برأسي من ورائي، فجعلني عن يمينه\" (١).\nوفي المسند من حديث ابن عباس -﵄- قال: أتيتُ رسول الله - ﷺ - من آخر الليل فصلّيتُ خلفه، فأخَذ بيدي فجرّني فجعلني حذاءه\" (٢).\n\"ووقف رجل وراء عمر، فقرَّبه حتى جعلَه حذاءه عن يمينه\" (٣).\nقال شيخنا في \"الصحيحة\" تحت رقم (٦٠٦): \"وفي الحديث من الفقه أنَّ الرجل الواحد إِذا اقتدى بالإِمام وقَف حذاءه عن يمينه، لا يتقدّم عنه ولا يتأخر، وهو مذهب الحنابلة كما في \"منار السبيل\" (١/ ١٢٨)، وإليه جنح البخاري؛ فقال في \"صحيحه\": \"باب يقوم عن يمين الإِمام بحذائه سواءً إِذا كانا اثنين\".\nوذكَر الحافظ في \"الفتح\" أثرًا من طريق ابن جريج قال: \"قلت لعطاء: الرجل يُصلّي مع الرجل، أين يكون منه؟ قال: إِلى شقّه الأيمن. قلت: أيحاذي به حتى يصفّ معه، لا يفوت أحدهما الآخر؟ قال: نعم، قلت: أتحبّ أن يساويه، حتى لا تكون بينهما فُرجة؛ قال: نعم\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-550>أين تقف المرأة من الإِمام</span>؟\nتقف خلف الرجال وفيه أحاديث صحيحة من ذلك؛ حديث أبي هريرة\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٧٢٦، ومسلم: ٧٦٣، بلفظ: \"فأخَذَ بيدي فأدارني عن يمينه\".\n(٢) إِسناده صحيح على شرط الشيخين عن \"الصحيحة\" (٦٠٦).\n(٣) أخرجه مالك وانظر \"الصحيحة\" (٦٠٦).","vol":"2","page":239},{"text":"-﵁- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"خير صفوف الرّجال أوّلها، وشرّها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرُّها أوّلها\" (١).\nوالمراد بالحديث: صفوف النساء اللواتي يصليّن مع الرجال، أمّا إِذا صلّين متميّزات، لا مع الرجال، فهنّ كالرجال، خير صفوفهن أولها وشرّها آخرها، قاله النووي -﵀-.\nفائدة: لا بأس من وقوف الصبيان مع الرجال إِذا كان في الصفّ متسع، وصلاة اليتيم مع أنس وراءه - ﷺ - حُجَّة في ذلك. قاله شيخنا -حفظه الله- في \"تمام المنّة\" (ص ٢٨٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-551>من ركع دون الصف:</span>\nإِذا كبّر المأموم خلف الصف، ثمَّ دخله وأدرك فيه الركوع مع الإِمام، فقد أدرك تلك الركعة وصحَّت صلاته لحديث أبي بكرة -﵁-: \"أنَّه انتهى إِلى النّبيّ - ﷺ - وهو راكع فرَكع قبل أن يصل إِلى الصف، فذكر ذلك للنّبيّ - ﷺ - فقال: زادك الله حرصًا ولا تعُد (٢) \" (٣).\nوالذي يبدو أنَّ النهي عن إِسراعه في المشي؛ كما في رواية لأحمد (٥/ ٤٢) من طريق أخرى عن أبي بكرة أنّه جاء والنّبيّ - ﷺ - راكع، فسمع النّبيّ - ﷺ - صوت نعل أبي بكرة وهو يحضر (أي: يعدو) يريد أن يدرك\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ٤٣٩، وتقدّم.\n(٢) ولا تعُد: قال الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ٢٦٨): \"ضبطناه في جميع الروايات بفتح أوّله وضم العين من العَود\".\n(٣) أخرجه البخاري: ٧٨٣، وانظر \"صحيح سنن أبي داود\" (٦٣٤، ٦٣٥).","vol":"2","page":240},{"text":"الركعة، فلما انصرف النّبيّ - ﷺ -؛ قال: من الساعي؟ قال أبو بكرة: أنا. قال: \"زادك الله حِرصًا ولا تعُدْ\"، وإِسناده حسن في المتابعات، وقد رواه ابن السكن في \"صحيحه\" نحوه، وفيه قوله: \"انطلقتُ أسعى ... \"، وأنَّ النّبيّ - ﷺ - قال: \"من الساعي ... \"، ويشهد لهذه الرواية رواية الطحاوي من الطريق الأولى بلفظ: \"جئت ورسول الله - ﷺ - راكع، وقد حفزني النفس، فركعت دون الصف ... \" الحديث وإِسناده صحيح، فإِنّ قوله: \"حفَزَني النفَس، معناه: اشتدّ من الحفز وهو الحثّ والإِعجال وذلك كنايةً عن العدو. انظر \"الصحيحة\" تحت الحديث (٢٣٠).\nوقال شيخنا في الاستدراكات: \"ثمَّ وجدتُ ما يؤيدُ هذه الترجمة من قول راوي الحديث نفسه؛ أبي بكرة الثقفيّ -﵁- كما يؤكّد أنَّ النّهي فيه: \"لا تعُدْ\" لا يعني الركوع دون الصفّ، والمشي إليه، ولا يشملُ الاعتداد بالركعةِ؛ فقد روى علي بن حجر في \"حديثه\" (١/ ١٧/١): حدّثنا إِسماعيل بن جعفر المدني: حدّثنا حميد، عن القاسم بن ربيعة، عن أبي بكرة -رجل كانت له صحبة- أنَّه كان يخرج من بيته فيجد الناس قد ركعوا، فيركع معهم، ثمَّ يدرج راكعًا حتّى يدخل في الصفّ، ثمَّ يعتدُّ بها.\nقلت: وهذا إِسنادٌ صحيح، ورجاله كلُهم ثقات، وفيه حجّةٌ قويّة أنَّ المقصود بالنهي إِنّما هو الإِسراع في المشي، لأنَّ راوي الحديث أدرى بمرويّه من غيره، ولا سيّما إِذا كان هو المخاطب بالنهي، فخُذها؛ فإِنّها عزيزةٌ، قد لا تجدها في المطوّلات من كتب الحديث والتخريج، وبالله التوفيق\".","vol":"2","page":241},{"text":"عن عطاء أنَّه سمع ابن الزبير على المنبر يقول: \"إِذا دَخَل أحدكم المسجد والناسُ ركوع، فليركع حين يدخل، ثمَّ يدبّ راكعًا حتى يدخل في الصف، فإِنَّ ذلك السُّنّة\" (١).\nقال شيخنا: وممّا يشهد لصحّته عمل الصحابة به من بعد النّبيّ - ﷺ -، منهم أبو بكر الصدّيق وزيد بن ثابت وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن الزبير.\nثمَّ ذكر بعض الآثار في ذلك:\n١ - منها ما رواه أبو أمامة بن سهل بن حُنيف؛ أنّه رأى زيد بن ثابت دخل المسجد والإِمام راكع، فمشى حتّى أمكنه أن يصل الصف وهو راكع، كبّر فركع، ثمَّ دبّ وهو راكع حتى وصَل الصف. رواه البيهقي، وسنده صحيح.\n٢ - وما رواه زيد بن وهب قال: \"خرجتُ مع عبد الله -يعني: ابن مسعود- من داره إِلى المسجد، فلمّا توسَّطنا المسجد، ركع الإِمام، فكبّر عبد الله وركع وركعت معه، ثمَّ مشينا راكعين حتى انتهينا إِلى الصف حين رفع القوم رؤوسهم، فلمّا قضى الإِمام الصلاة؛ قمتُ وأنا أرى أنّي لم أُدرِك، فأخذ عبد الله بيدي وأجلسني، ثمَّ قال: إِنك قد أدركْت\" (٢).\n٣ - ومنها ما رواه عثمان بن الأسود قال: \"دخلتُ أنا وعبد الله بن تميم المسجد، فركع الإِمام، فركعتُ أنا وهو، ومَشينا راكعين حتى دخلْنا الصفّ،\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" والطبراني في \"الأوسط\" وغيرهما، وانظر \"الصحيحة\" (٢٢٩).\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنّف\"، وكذا عبد الرزاق، والطحاوي في \"شرح المعاني\"، والطبراني في \"المعجم الكبير\"، والبيهقي في \"سننه\" بسند صحيح، وله عند الطبراني طرق أخرى.","vol":"2","page":242},{"text":"فلمّا قضينا الصلاة؟ قال لي عمرو: الذي صنعتَ آنفًا ممّن سمعتَه؟ قلتُ: من مجاهد. قال: قد رأيتُ ابن الزّبير فعَله. أخرجه ابن أبي شيبة أيضًا، وسنده صحيح\".\nوالخلاصة أنَّ ركوع المأموم قبل رفْع الإِمام رأسه ثمَّ دخوله في الصف من السنّة لعمل كبار الصحابة وخطبة ابن الزبير بحديثه على المنبر في أكبر جمْع يخطب عليهم في المسجد الحرام، وإعلانه أنَّ ذلك من السنّة؛ دون أن يعارضه أحد (١)، وأنَّ النهي في الحديث السابق إِنّما يتضمّن الإِسراع، وبه يقول الإِمام أحمد -﵀- فقد قال أبو داود في \"مسائله\" (ص ٣٥): \"سمعت أحمد سئل عن رجل ركع دون الصف، ثمَّ مشى حتى دخل الصف، وقد رفع الإِمام قبل أن ينتهي إِلى الصف؟ قال: تجزئه ركعة، وإنْ صلّى خلف الصف وحده أعاد الصلاة\" (٢).\nوبه يقول ابن خزيمة فقد قال في \"صحيحه\": (باب الرخصة في ركوع المأموم قبل اتصاله بالصف، ودبيبه راكعًا حتى يتصل بالصفّ في ركوعه). والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-552>صلاة المنفرد خلف الصف:</span>\nوما تقدّم من دبيب المأموم راكعًا، ثمَّ دخوله في الصف؛ أمرٌ غير صلاة المنفرد خلف الصف، فقد نهى النّبيّ - ﷺ - أن يصلّي الرجل خلف الصفّ وحده.\n_________\n(١) انظر \"الصحيحة\" (١/ ٤٥٩) -إِن شئت للمزيد من التفصيل-.\n(٢) عن \"تمام المنّة\" (ص ٢٨٥).","vol":"2","page":243},{"text":"فعن وابصة \" أنَّ رسول الله - ﷺ - رأى رجلًا يصلّي خلف الصفّ وحده، فأمَره أن يعيد الصلاة\" (١).\nوعن علي بن شيبان -وكان من الوفد- قال: \"خرجنا حتى قدمنا على النّبيّ - ﷺ -، فبايعناه. وصلّينا خلفه. ثمَّ صلينا وراءه صلاة أخرى، فقضى الصلاة، فرأى رجلًا فردًا يصلّي خلف الصف، قال: فوقف عليه نبيّ الله - ﷺ - حين انصرف قال: \"اسْتَقْبِلْ صلاتك؛ لا صلاة للذي خلف الصفّ\"\" (٢).\nقال شيخنا -حفظه الله تعالى- في \"الإِرواء\" (٢/ ٣٢٩): \"وجملة القول أن أمْره - ﷺ - الرجل بإِعادة الصلاة، وأنَه لا صلاة لمن يصلّي خلف الصف وحده، صحيح ثابت عنه - ﷺ - من طُرُق.\nوأمّا أمْره - ﷺ - الرجل بأن يجرّ رجلًا من الصف لينضمّ إِليه؛ فلا يصحّ عنه - ﷺ - ... \".\nوقال شيخنا -حفظه الله-: \"إِذا لم يستطع الرجل أن ينضمّ إِلى الصفّ، فصلّى وحده، فهل تصحّ صلاته، الأرجح الصحة، والأمر بالإِعادة محمول على من لم يستطع القيام بواجب الانضمام.\nوبهذا قال شيخ الإِسلام ابن تيمية كما بيّنته في \"الأحاديث الضعيفة\" المائة العاشرة\".\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٦٣٣) والترمذي والطحاوي وغيرهم، وانظر \"الإرواء\" (٥٤١).\n(٢) أخرجه أحمد وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٨٢٢) والطحاوى وابن خزيمة وابن حبان وغيرهم، وانظر \"الإِرواء\" تحت الحديث (٥٤١).","vol":"2","page":244},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-553>تسوية الصفوف </span>(١):\nأمَر النّبيّ - ﷺ - بتسوية الصفوف في عديد من الأحاديث منها:\n١ - حديث جابر بن سمرة -﵁- قال: \"خرَج علينا رسول الله - ﷺ - فقال: ألا تصفّون كما تصفّ الملائكة عند ربها؟ فقلنا: يا رسول الله وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: يُتمّون الصفوف الأُوَل، ويتراصّون في الصف\" (٢).\n٢ - عن أبي مسعود -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"استووا ولا تختلفوا؛ فتختلفَ قلوبكم\" (٣).\n٣ - عن النعمان بن بشير -﵄- قال: \"لتسوّن صفوفكم أو ليخالفنّ الله بين قلوبكم\" (٤).\n٤ - عن أنس -﵁- قال: \"أُقيمت الصلاة، فأقبل علينا رسول الله - ﷺ - بوجهه، فقال: أقيموا صفوفكم وتراصّوا، فإِنّي أراكم من وراء ظهري\" (٥).\n٥ - عن أنس -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"سوُّوا\n_________\n(١) انظر للمزيد كتابي \"تسوية الصفوف وأثرها في حياة الأمّة\".\n(٢) أخرجه مسلم: ٤٣٠\n(٣) أخرجه مسلم: ٤٣٢\n(٤) أخرجه البخاري: ٧١٧، ومسلم: ٤٣٦\n(٥) أخرجه البخاري: ٧١٩","vol":"2","page":245},{"text":"صفوفكم، فإِنّ تسوية الصفِّ من تمام الصلاة\" (١).\nوفي رواية لأنس أيضًا -﵁- قال: \"سوُّوا صفوفكم، فإِن تسوية الصفوف من إِقامة الصلاة\" (٢).\nوفي رواية: \"فإِنّ إِقامة الصفِّ من حُسن الصلاة\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-554>الترغيب في وصل الصفوف والتخويف من قطعها:</span>\nعن ابن عمر -﵄- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"أقيموا الصفوف، فإِنّما تصفّون بصفوف الملائكة، وحاذوا بين المناكب، وسدّوا الخلل، ولينوا بأيدي إِخوانكم (٤)، ولا تذروا فُرجات للشيطان ومن وصل صفًا؛ وصَله الله، ومن قطع صفًا؟ قطَعه الله ﷿\" (٥).\nعن عائشة -﵂- قالت: قال رسول الله - ﷺ -: \"من سدّ فرجة؛ رفعه الله بها درجة، وبنى له بيتًا في الجنّة\" (٦).\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ٤٣٣\n(٢) أخرجه البخاري: ٧٢٣\n(٣) أخرجه البخاري: ٧٢٢، ومسلم: ٤٣٥\n(٤) قال أبو داود تحت الحديث (٦٦٦): \"ومعنى ولينوا بأيدي إِخوانكم\": إِذا جاء رجل إِلى الصفّ فذهب يدخل فيه فينبغي أن يلين له كلّ رجل منكبه حتى يدخل في الصف\".\n(٥) أخرجه أحمد، وأبو داود والنسائي وغيرهم وهو حديث صحيح خرّجه شيخنا في \"الصحيحة\" (٧٤٣)، وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٤٩٢).\n(٦) أخرجه أبو داود، وهو في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٥٠٢).","vol":"2","page":246},{"text":"وفي الحديث: \"خِياركم ألينكم مناكب في الصلاة، وما من خطوة أعظم أجرًا؛ مِن خطوة مشاها رجل إِلى فرجة في الصف فسدّها\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-555>كيف نسوِّي صفوفنا</span>؟\nيبيّن لنا أنس -﵁- كيف كانت تسوية الصفوف في عهد النّبيّ - ﷺ - فيقول: \"وكان أحدنا يلزق مَنكِبه بمَنكِب صاحبه، وقدمه بقدمه\" (٢).\nوفي قول للنعمان بن بشير -﵁-: \"فرأيت الرجل يلصق منكبه بمنكب صاحبه، وركبته بركبة صاحبه، وكعبه بكعبه\" (٣).\nولا بد أن نحاذي بين المناكب والأعناق لقوله - ﷺ -: \"وحاذوا بالأعناق\" (٤).\nوقوله ﵇: \"وحاذوا بين المناكب\" (٥). يُفهم مما سبق؛ أن\n_________\n(١) أخرجه البزار بإِسناد حسن، وابن حبان في \"صحيحه\" كلاهما بالشطر الأول، ورواه بتمامه الطبراني في \"الأوسط\" قاله المنذري في \"الترغيب والترهيب\"، وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٥٠١)، و\"الصحيحة\" (٢٥٣٣).\n(٢) أخرجه البخاري: نحوه (٧٢٥).\n(٣) أخرجه أبو داود وابن حبان وأحمد وقال شيخنا: وسنده صحيح، وانظر تفصيله في \"الصحيحة\" تحت الحديث (٣٢).\n(٤) جزء من حديث رواه النسائي وابن خزيمة وابن حبان في \"صحيحيهما\"، وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٤٩١).\n(٥) أخرجه أبو داود وغيره، وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٤٩٢).","vol":"2","page":247},{"text":"تسوية الصفوف وتراصها تعني:\n١ - لصق مَنكِب المصلي بمَنكِب صاحبه، وقدمه بقدمه، وركبته بركبته، وكعبه بكعبه.\n٢ - مراعاة المحاذاة بين المناكب والأعناق والصدور، بحيث لا يتقدم عنق على عنق، ولا مَنكِب على مَنكِب، ولا صدر على صدر، وقد قال - ﷺ -: \"لا تختلف صدوركم، فتختلف قلوبكم\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-556>التوكيل في تسوية الصفوف:</span>\nوجاء في \"الموطأ\" (١/ ١٥٨): حدّثني مالك عن عمّه أبي سهيل بن مالك، عن أبيه أنّه قال: كنت مع عثمان بن عفان -﵁- فقامت الصلاة، وأنا أكلّمه في أن يفرض لي، فلم أزل أكلّمه، وهو يسوّي الحصباء بنعله، حتى جاءه رجال، قد كان وكَّلَهم بتسوية الصفوف، فأخبروه أنَّ الصفوف قد استوت، فقال لي: استو في الصف، ثمَّ كبّر (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-557>الترغيب في الصف الأول وميامن الصفوف والترهيب من تأخُّر الرجال إِلى أواخر صفوفهم:</span>\nعن أبي هريرة قال: \"قال رسول الله - ﷺ -: خير صفوف الرجال أوّلها، وشرّها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرّها أوّلها\" (٣).\n_________\n(١) أخرجه ابن خزيمة في \"صحيحه\"، وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٥١٠).\n(٢) وهو صحيح كما أخبَرني بذلك شيخنا الألباني -حفظه الله-.\n(٣) أخرجه مسلم: ٤٤٠، وتقدّم.","vol":"2","page":248},{"text":"عن أبي هريرة -﵁- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول؛ ثمّ لم يجدوا إلاَّ أن يستَهِموا (١) عليه لاستَهموا ... \" (٢).\nوعن عائشة -﵂- قالت: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا يزال قوم يتأخّرون عن الصف الأول حتى يؤخّرهم الله في النار\" (٣).\nوفي رواية (٤): حتى يخلفهم الله في النار.\nوعن البراء بن عازب قال: \"كان رسول الله - ﷺ - يقول: إِنَّ الله وملائكته يصلّون على الصفوف الأُوَل\" (٥).\nوعنه -﵁- قال: \"كُنّا إِذا صلّينا خلف رسول الله - ﷺ - أحبَبنا أن نكون عن يمينه\" (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-558>التبليغ خلف الإِمام:</span>\nيحسن التبليغ خلف الإِمام إِذا دعت الحاجة إِليه، وقد يجب إِذا تعذّر متابعة الإِمام في ركوعه وسجوده، لضعف الصوت؛ إِذ ما لا يتمّ الواجب إلاَّ به\n_________\n(١) يستهموا: أي: يقترعوا.\n(٢) أخرجه البخاري: ٦١٥، ومسلم: ٤٣٧\n(٣) أخرجه أبو داود وغيره، وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٥٠٧).\n(٤) لابن خزيمة وابن حبان، وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٥٠٧).\n(٥) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٦١٨) وغيره، وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٥١٠).\n(٦) أخرجه مسلم: ٧٠٩","vol":"2","page":249},{"text":"فهو واجب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-559>متى يقوم الناس للإِمام</span>؟\nإِذا كان الإِمام مع المصلين في المسجد قاموا إِذا قام، وإن كانوا ينتظرون خروجه ومجيئه قاموا إِذا رأوه ولا يقوموا حتى يروه لحديث أبي قتادة أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"إِذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني قد خرجت\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-560>هل يشرع تكرار الجماعة في المسجد الواحد</span>؟\nعن أبي هريرة -﵁- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"والذي نفسي بيده، لقد هممت أن آمر بحطب فيحطبُّ، ثمَّ آمرُ بالصلاة فيؤذن لها، ثمَّ آمرُ رجلًا فيؤم النّاس، ثمَّ أخالف إِلى رجال فأحرِّق عليهم بيوتهم\" (٢).\nولو جاز تداركُها في جماعة أخرى؛ لما كان لتحريق النّبيّ - ﷺ - معنى.\nوعن أبي بكرة -﵁- \"أنّ رسول الله أقبَل من نواحي المدينة يريد الصلاة، فوجَد الناس قد صلَّوا، فمال إِلى منزله، فجمع أهله فصلّى بهم\" (٣).\n* ووجه الدلالة منه: أنّه لو كانت الجماعة الثانية جائزة بلا كراهه؛ لما\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٦٣٧، ومسلم: ٦٠٤، وانظر ما جاء في \"الأوسط\" (٤/ ١٦٨).\n(٢) أخرجه البخاري: ٦٤٤، ومسلم: ٦٥١\n(٣) أخرجه الطبراني في \"الأوسط\"، وحسنّه شيخنا في \"تمام المنّة\" (ص ١٥٥).","vol":"2","page":250},{"text":"ترَك النّبيّ - ﷺ - فضل المسجد النبوي * (١).\nقال شيخنا -حفظه الله- في \"تمام المنّة\" (ص ١٥٦): \"وأحسن ما وقفْتُ عليه من كلام الأئمّة في هذه المسألة هو كلام الإِمام الشافعي -﵁- ولا بأس مِن نقْله مع شيء من الاختصار، ولو طال به التعليق، نظرًا لأهميته، وغفلة أكثر الناس عنه، قال -﵁- في \"الأم\" (١/ ١٣٦): \"وإِنْ كان لرجلٍ مسجد يجمع فيه، ففاتته الصلاة، فإِنْ أتى مسجد جماعة غيره كان أحبّ إِليّ، وإِنْ لم يأته وصلّى في مسجده منفردًا، فحسن، وإذا كان للمسجد إِمامٌ راتب، ففاتت رجلًا أو رجالًا فيه الصلاة، صلّوا فرادى، ولا أحب أن يصلوا فيه جماعة، فإِن فعلوا أجزأتهم الجماعة فيه، وإِنما كرهت ذلك لهم لأنّه ليس مما فعل السلف قبلنا، بل قد عابه بعضهم، وأحسب كراهية من كره ذلك منهم إِنما كان لتفرقة الكلمة، وأن يرغب رجل عن الصلاة خلف إِمام الجماعة، فيتخلّف هو ومن أراد عن المسجد في وقت الصلاة، فإِذا قُضيت دخلوا فجمّعوا، فيكون بهذا اختلاف وتفرُّق الكلمة، وفيهما المكروه، وإِنما أكره هذا في كلّ مسجد له إِمام ومؤذن، فأمّا مسجد بُني على ظهر الطريق أو ناحية لا يؤذن فيه مؤذّن راتب، ولا يكون له إِمام راتب ويصلّي فيه المارّة، ويستظلّون، فلا أكره ذلك، لأنّه ليس فيه المعنى الذي وصفتُ مِن تفرُّق الكلمة، وأن يرغب رجالٌ عن إِمامة رجل فيتخذون إِمامًا غيره، قال: وإنّما معني أن أقول: صلاة الرجل لا\n_________\n(١) ما بين نجمتين أفدته من \"إِعلام العابد بحكم تكرار الجماعة في المسجد الواحد\" للشيخ مشهور حسن -حفظه الله تعالى-.","vol":"2","page":251},{"text":"تجوز وحده وهو يقدر على الجماعة بحال تفضيل النّبيّ - ﷺ - صلاة الجماعة على صلاة المنفرد، ولم يقل: لا تجزي المنفرد صلاته، وأنَّا قد حفظنا أن قد فاتت رجالًا معه الصلاة، فصلّوا بعلمه منفردين، وقد كانوا قادرين على أن يجمعوا، وأن قد فاتت الصلاة في الجماعة قومًا فجاؤوا المسجد فصلّى كل واحد منفردًا، وقد كانوا قادرين على أن يجمعوا في المسجد، فصلّى كل واحد منهم منفردًا، وإِنما كرهوا لئلا يجمعوا في مسجد مرتين\".\nوما علقه الشافعي عن الصحابة قد جاء موصولًا عن الحسن البصري قال: \"كان أصحاب محمّد - ﷺ - إِذا دخلوا المسجد وقد صُلِّي فيه صلَّوا فرادى\".\nرواه ابن أبي شيبة (٢/ ٢٢٣). وقال أبو حنيفة: \"لا يجوز إِعادة الجماعة في مسجد له إِمام راتب\". ونحوه في \"المدوّنة\" عن الإِمام مالك.\nوبالجملة؛ فالجمهور على كراهة إِعادة الجماعة في المسجد بالشرط السابق، وهو الحقّ، ولا يعارض هذا الحديث المشهور: \"ألا رجل يتصدق على هذا فيصلّي معه\"، وسيأتي في الكتاب (ص ٢٧٧)، فإِنّ غاية ما فيه حضُّ الرسول - ﷺ - أحد الذين كانوا صلّوا معه - ﷺ - في الجماعة الأولى أن يصلّي وراءه تطوعًا، فهي صلاة متنفِّل وراء مفترض، وبحْثُنا إِنما هو في صلاة مفترض وراء المفترض، فاتتهم الجماعة الأولى، ولا يجوز قياس هذه على تلك لأنه قياس مع الفارق من وجوه:\nالأول: أن الصورة الأولى المختلف فيها لم تنقل عنه - ﷺ - لا إِذنًا ولا تقريرًا مع وجود المقتضى في عهده - ﷺ -، كما أفادته رواية الحسن البصري.","vol":"2","page":252},{"text":"الثاني: أن هذه الصورة تؤدي إِلى تفريق الجماعة الأولى المشروعة، لأن الناس إِذا علموا أنهم تفوتهم الجماعة يستعجلون فتكثر الجماعة، وإذا علموا أنها لا تفوتهم، يتأخّرون، فتقلّ الجماعة، وتقليل الجماعة مكروه، وليس شيء من هذا المحذور في الصورة التي أقرّها رسول الله - ﷺ -، فثبت الفرق، فلا يجوز الاستدلال بالحديث على خلاف المتقرر من هديه - ﷺ -\". انتهى.\nوقد فصّل أخي الشيخ مشهور حسن -حفظه الله- المسألة تفصيلًا دقيقًا في كتابه النفيس السابق الذّكر فارجع إِليه- إن شئت-.","vol":"2","page":253},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-561>المساجد</span>\nإِنّ ممّا اختصّ الله تعالى به أمّة محمّد - ﷺ - أن جعلَ لها الأرض مسجدًا وطَهورًا.\nعن أبي ذر قال: \"قلت يا رسول الله! أيّ مسجدٍ وُضِع في الأرض أوّل؟ قال: \"المسجد الحرام، قلت: ثمَّ أي؟ قال: المسجد الأقصى، قلت: كم بينهما؟ قال: أربعون سنةً، وأينما أدركتكَ الصلاة فَصَلِّ فهو مسجد\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-562>فضل بنائها:</span>\nعن عثمان -﵁-: أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"من بنى مسجدًا لله تعالى بنى الله له بيتًا في الجنّة\" (٢).\nوعن أبي ذر -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من بنى لله مسجدًا قدر مفحص قطاة؛ بنى الله له بيتًا في الجنّة\" (٣).\nعن أنس -﵁- قال: \"من بنى لله مسجدًا صغيرًا كان أو كبيرًا؛ بنى الله له بيتًا في الجنّة\" (٤).\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٣٣٦٦، ومسلم: ٥٢٠\n(٢) أخرجه البخاري: ٤٥٠، ومسلم: ٥٣٣\n(٣) أخرجه البزار واللفظ له، والطبراني في \"الصغير\" وابن حبان في \"صحيحه\" وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٢٦٣). والمفحص الموضع الذي تبيض فيه القطاة، وهي نوع من اليمام يُؤثِر الحياة في الصحراء.\n(٤) أخرجه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٢٦٣)، وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٢٦٧).","vol":"2","page":254},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-563>فضل الصلاة في المسجد الأكثر عددًا:</span>\nعن أُبيّ بن كعب -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إِن صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كثُر؛ فهو أحبّ إِلى الله تعالى\" (١).\nوعن قباث بن أشيم الليثي عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"صلاة رجلين يؤمُّ أحدهما صاحبه؛ أزكى عند الله من صلاة ثمانية تترى (٢)، وصلاة أربعة يؤمّهم أحدهم أزكى عند الله من صلاة مائة تترى\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-564>ما يقول الرجل إذا خرج من بيته إِلى المسجد:</span>\nعن أنس بن مالك أنَّ النّبيّ - ﷺ - قال: \"إِذا خرج الرجل من بيته فقال: بسم الله، توكّلتُ على الله، لا حول ولا قوة إلاَّ بالله، قال: يُقال حينئذ: هُديت وكُفيت ووقيت، فتتنحّى له الشياطين، فيقول شيطان آخر: كيف لك برجل قد هُدي وكُفي ووُقي؟ \" (٤).\nوعن أمّ سلمة -﵂- أنَّ رسول الله - ﷺ - كان إِذا خرجَ من بيته\nقال: \"اللهمّ إِنّي أعوذ بك أن أضِلَّ أو أُضَلَّ أو أزِلَّ أو أُزلَّ أو أظلِمَ أو أُظلَمَ أو أجهَلَ أو يُجهَلَ عليّ\" (٥).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٥١٨) وانظر \"المشكاة\" (١٠٦٦).\n(٢) تترى: متفرّقين.\n(٣) أخرجه البخاري في \"التاريخ\" والبزار وغيرهما وانظر \"الصحيحة\" (١٩١٢).\n(٤) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٤٢٤٩)، وانظر \"المشكاة\" (٢٤٤٣).\n(٥) أخرجه أحمد والترمذي والنسائي وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح =","vol":"2","page":255},{"text":"وفي حديث ابن عباس -﵄- مرفرعًا: \" ... فأذّنَ المؤذّن فخرج إِلى الصلاة، وهو يقول: اللهمّ اجعل في قلبي نورًا، وفي لساني نورًا، واجعل في سمعي نورًا، واجعل في بصري نورًا، واجعل من خلفي نورًا، ومن أمامي نورًا، واجعل من فوقي نورًا، ومن تحتي نورًا، اللهمّ أعطني نورًا\" (١).\nوالظاهر أنّه كان يقول هذا الدعاء حين الذَّهاب إِلى صلاة الفجر، كما يدّل عليه تمام سياق الحديث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-565>دخول المسجد بالرِّجل اليمنى والخروج باليسرى:</span>\nعن أنس أنّه كان يقول: \"من السُّنّة إِذا دخَلْت المسجد أن تبدأ رجلك اليمنى، وإذا خرَجْت أن تبدأ برجلك اليسرى\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-566>أذكار دخول المسجد والخروج منه:</span>\nعن أبي حُميد أو أبي أُسيد -﵄- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إِذا دخل أحدكم المسجد فليُسلّم على النّبيّ - ﷺ - ثمَّ ليقل: اللهمّ افتح لي أبواب رحمتك، فإِذا خرج فليقل: اللهمّ إِنّي أسألك من فضلك\" (٣).\n_________\n= وقال شيخنا إِسناده صحيح، انظر \"المشكاة\" (٢٤٤٢)، و\"صحيح سنن أبي داود\" (٤٢٤٨).\n(١) أخرجه البخاري: ٦٣١٦، ومسلم: ٧٦٣\n(٢) أخرجه الحاكم (١/ ٢١٨) في المستدرك وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وانظر \"الإرواء\" (٩٣).\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٤٤٠) وغيره، وهو في \"صحيح مسلم\" (٧١٣)، من غير ذِكر السلام على النّبي - ﷺ -.","vol":"2","page":256},{"text":"وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النّبيّ - ﷺ - أنّه كان إِذا دخل المسجد قال: \"أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم\" (١).\nعن فاطمة الكبرى قالت: \"كان رسول الله - ﷺ - إِذا دخل المسجد صلّى على محمد وسلّم وقال: ربِّ اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك، وإِذا خرج صلّى على محمّد وسلّم وقال: ربّ اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-567>فضل المشي إِلى المساجد:</span>\nعن أبي هريرة عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"من غدا إِلى المسجد وراح أعدّ (٣) الله له نزُله (٤) من الجنّة؛ كلمّا غدا أو راح (٥) \" (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-568>استحباب المشي إِلى المساجد بالسكينة:</span>\nعن أبي هريرة -﵁- قال: \"سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إِذا\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٤٤١)، وانظر \"الكلم الطيب\" (٦٥).\n(٢) أخرجه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٢٥٩) وانظر \"تمام المنّة\" (ص ٢٩٠).\n(٣) أعدّ: هيّأ.\n(٤) نزله: بضم النون والزاى: المكان الذي يهيأ للنزول فيه وبسكون الزاي: ما يهيأ للقادم من الضيافة ونحوها. \"فتح\" (٢/ ١٤٨).\n(٥) غدا أو راح: الأصل في الغدوّ: المضي من بكرة النهار والرواح: بعد الزوال، ثمَّ قد يستعملان في كلّ ذهاب ورجوعٍ توسُّعًا.\n(٦) أخرجه البخاري: ٦٦٢، ومسلم: ٦٦٩، وتقدّم.","vol":"2","page":257},{"text":"أقيمت الصلاة فلا تأتُوها تسعَون، وأتوها تمشون عليكم السكينة، فما أدركتم فصلّوا وما فاتكم فأتمّوا\" (١).\nوعنه أيضًا قال: \"إِذا سمعتم الإِقامة فامشوا إِلى الصلاة وعليكم بالسكينة والوقار ولا تسرعوا فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتمّوا\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-569>تحية المسجد:</span>\nعن أبي قتادة أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"إذا دخل أحدُكُم المسجد، فليركع ركعتين قبل أن يجلس\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-570>ما جاء في الصلاة في المساجد الثلاثة:</span>\nعن أبي هريرة -﵁- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"لا تشدُّ الرحال (٤) إلاَّ إِلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول - ﷺ -، ومسجد الأقصى\" (٥).\nوعن أبي هريرة -﵁- أنَّ النّبيّ - ﷺ - قال: \"صلاة في مسجدي\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٩٠٨، ومسلم: ٦٠٢\n(٢) أخرجه البخاري: ٦٣٦، ومسلم: ٦٠٢\n(٣) أخرجه البخاري: ٤٤٤، ومسلم: ٧١٤\n(٤) قال القرطبي: هو أبلغ من صريح النهي؛ كأنّه قال: لا يستقيم أن يقصد بالزيارة إلاَّ هذه البقاع؛ لاختصاصها بما اختصّت.\nوالرحال: جمْع رحل وهو للسفر كالسرج للفرس، وكنّى بشدّ الرحال عن السفر لأنّه لازِمه. \"فتح\": (٣/ ٦٤).\n(٥) أخرجه البخاري: ١١٨٩، ومسلم: ١٣٩٧","vol":"2","page":258},{"text":"هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلاَّ المسجد الحرام\" (١).\nوعن جابر -﵁- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلاَّ المسجد الحرام؛ وصلاة في المسجد الحرام؛ أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه\" (٢).\nوعن عبد الله بن عمرو عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"لمّا فرغ سليمان بن داود من بناء بيت المقدس، سأل الله ثلاثًا: حُكمًا يُصادف حُكمه، ومُلْكًا لا ينبغي لأحدٍ من بعده، وألاَّ يأتي هذا المسجد أحدٌ، لا يريد إلاَّ الصلاة فيه، إلاَّ خرج من ذنوبه كيومَ ولدته أمّه، فقال النّبيّ - ﷺ -: أمّا اثنتان فقد أعطيهما، وأرجو أن يكون قد أعطي الثالثة\" (٣). وعن أُسيد بن ظُهير قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"صلاة في مسجد قُباء كعمرة\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-571>تواضع بنائها والنهي عن زخرفتها:</span>\nعن أنس أنَّ النّبيّ - ﷺ - قال: \"لا تقوم الساعة؛ حتى يتباهى الناسُ في المساجد\" (٥).\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١١٩٠، ومسلم: ١٣٩٤\n(٢) أخرجه أحمد وغيره بإِسناد صحيح وصححه جمْع ذكَرهم شيخنا في \"الإرواء\" (١١٢٩)، وانظر \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١١٥٥).\n(٣) أخرجه أحمد وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١١٥٦) وغيرهما.\n(٤) أخرجه أحمد وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١١٥٩)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٢٦٧) وغيرهم.\n(٥) أخرجه أحمد وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٤٣٢)، والنسائي =","vol":"2","page":259},{"text":"وعن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ما أُمرت بتشييد المساجد، قال ابن عباس: لتزخرفنّها كما زخرَفَت اليهود والنصارى\" (١).\nوعن أبي الدرداء -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إِذا زخرفتم مساجدكم وحلّيتم مصاحفكم فالدمار عليكم\" (٢).\nوعن نافع أنّ عبد الله أخبره \"أنَّ المسجد كان على عهد رسول الله - ﷺ - مبنيًّا باللِّبن وسقفه الجريدُ (٣) وعمدُه (٤) النخيل، فلم يزد فيه أبو بكر شيئًا\" (٥).\nوفى \"صحيح البخاري\" معلّقًا بصيغة الجزم (٦): \"وأمر عمر ببناء المسجد وقال: أَكِنَّ (٧) الناس من المطر، وإيّاك أن تُحمرَ أو تُصَفرَ فتفتن الناس وقال\n_________\n= \"صحيح سنن النسائي\" (٦٦٥)، وابن ماجه، وانظر \"المشكاة\" (٧١٩).\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٤٣١)، وانظر \"المشكاة\" (٧١٨).\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" وعبد الله ابن المبارك في \"الزهد\"، وانظر \"الصحيحة\" (١٣٥١).\n(٣) الجريد: الذي يُجرد ويُزال عنه الخوص [أي: الورق] ولا يسمّى جريدًا ما دام عليه الخوص، وانظر \"مختار الصحاح\".\n(٤) وعَمَده: بفتح أوله وثانيه ويجوز ضمهما، قال الحافظ في \"الفتح\": (١/ ٥٤٠): أي: أقامه بعماد ودعمه\". والعماد: خشبة تقوم عليها الخيمة. \"الوسيط\".\n(٥) أخرجه البخاري: ٤٤٦\n(٦) انظر \"الفتح\" (١/ ٥٣٩).\n(٧) من الكِنّ: وهو ما يرُدّ الحرّ والبرد من الأبنية والمساكن، ومعنى أكن النّاس من المطر: أي: صُنهم واحفظهم. \"النهاية\".","vol":"2","page":260},{"text":"أنس: يتباهون بها ثمَّ لا يعْمُرونها إلاَّ قليلا\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-572>الترغيب في تنظيفها وتطهيرها وتجنيبها الأقذار والروائح الكريهة وما جاء في تجميرها </span>(١):\nعن أبي هريرة -﵁- أنَّ امرأة سوداء كانت تقُمُّ (٢) المسجد، ففقدها رسول الله - ﷺ -، فسأل عنها بعد أيامٍ، فقيل له: إِنّها ماتت. فقال: فهلا آذنتموني؟ فأتى قبرها، فصلى عليها\" (٣).\nوفي رواية: \"إِنّ امرأة كانت تلقط الخِرَق والعِيدان من المسجد\" (٤).\nوعن سمرة بن جندب -﵁- قال: \"أمرنا رسول الله - ﷺ - أن نتَّخذ المساجد في ديارنا، وأمرنا أن نُنظّفها\" (٥).\nوعن عائشة -﵂- قالت: \"أمرنا رسول الله - ﷺ - ببناء المساجد في الدُّور، وأن تُنظّف وتُطيّب\" (٦).\nوعن أنس بن مالك قال: \"بينما نحن في المسجد مع رسول الله - ﷺ - إِذ\n_________\n(١) أي: تبخيرها، والعنوان من \"كتاب الترغيب والترهيب\" للمنذري.\n(٢) تقمّ: أي: تكنّس.\n(٣) أخرجه البخاري: ٤٦٠، ومسلم: ٩٥٦، وابن ماجه بإِسناد صحيح واللفظ له، وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٢٧٢).\n(٤) أخرجه ابن خزيمة في \"صحيحه\" وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٢٧٢).\n(٥) أخرجه أحمد وغيره، وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٢٧٤).\n(٦) أخرجه أحمد وغيره، وصحّحه شيخنا في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٢٧٥).","vol":"2","page":261},{"text":"جاء أعرابيّ، فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله - ﷺ -: مَهْ مَهْ (١)، قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا تُزرموه (٢) دعوه، فتركوه حتّى بال، ثمَّ إِنَّ رسول الله - ﷺ - دعاه فقال له: إِنَّ هذه المساجد لا تَصْلُح لشيء من هذا البول ولا القَذَر، إِنّما هي لذِكر الله ﷿، والصلاة وقراءة القرآن، أو كما قال رسول الله - ﷺ -، قال فأمَر رجلًا من القوم فجاء بدلو من ماءٍ فشنّه (٣) عليه\" (٤).\nوعن أبي هريرة -﵁- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"إِذا قام أحدُكم إِلى الصلاة فلا يبصُق أمامه، فإِنّما يُناجي الله ما دام في مصلاّه، ولا عن يمينه؛ فإِنَّ عن يمينه مَلَكًا، وليبصُق عن يساره أو تحت قدمه فيدفنُها\" (٥).\nوعن جابر بن عبد الله أنَّ النّبيّ - ﷺ - قال: \"من أكلَ ثومًا أو بصلًا فليعتزلنا -أو قال: فليعتزل مسجدنا- وليقعد في بيتها، أنَّ (٦) النّبيّ - ﷺ - أُتي بقدرٍ فيه خَضِرات (٧) من بقولٍ فوجد لها ريحًا، فسأل فأُخبر بما فيها من البُقول فقال: قرّبوها -إِلى بعض أصحابه كان معه- فلمّا رآه كره أكلها قال:\n_________\n(١) اسم فعل أمر مبني على السكون معناه: اكفُف.\n(٢) أي: لا تقطعوا عليه بوله.\n(٣) فشنّه: أي: صبّه.\n(٤) أخرجه البخاري: ٢٢٠، ٦١٢٨، ومسلم: ٢٨٤ وهذا لفظه.\n(٥) أخرجه البخاري: ٤١٦، ومسلم: ٥٥٢\n(٦) يجوز فيها الكسر والفتح.\n(٧) أي: بقول واحد ها خَضِرة. \"النهاية\".","vol":"2","page":262},{"text":"كُلْ، فإِني أُناجي من لا تُناجى\" (١).\nوفي رواية: \"من أكل البصل والثوم والكرّاث (٢) فلا يقربنَّ مسجدنا فإِنّ الملائكة تتأذّى ممّا يتأذّى منه بنو آدم\" (٣).\nوخطب عمر بن الخطاب خطب يوم الجمعة، فقال: \" ... ثمَّ إِنّكم أيها الناس تأكلون شجرتين لا أراهما إلاَّ خبيثتين: هذا البصل والثوم، لقد رأيت رسول الله - ﷺ - إِذا وجد ريحمها من الرجل في المسجد أمَرَ به فأُخرج إِلى البقيع، فمن أكلهما فليُمتْهما طبخًا\" (٤).\nأمّا ما لم يكن للمرء فيه كسب ولا هو يملك إِزالته كالبخر، فإِنَّه لا يلحق بالروائح الكريهة، والشارع الحكيم إِنّما منع أكل الثوم وغيره من حضور المساجد والحصول على فضيلة الجماعة؛ عقوبةً له على عدم مبالاته بإِيذاء المؤمنين والملائكة المقرّبين، فلا يجوز أن يحرم من هذه الفضيلة صاحب الأبْخَرُ ونحوه لما ذكرناه من الفارق. عن \"تمام المنّة\": (ص ٢٩٥) ملخّصًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-573>كراهة نشْد الضالة والبيع والشراء في المسجد:</span>\nعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من سمع رجلًا ينشد\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٨٥٥، ومسلم: ٥٦٤\n(٢) الكُرّاث: عشب ذو بصلة أرضية له رائحة قوية. الوسيط -بحذف-.\n(٣) أخرجه مسلم: ٥٦٤\n(٤) أخرجه أحمد، ومسلم: ٥٦٧ وغيرهما.","vol":"2","page":263},{"text":"ضالَّةً (١) في المسجد، فليقل: لا ردَّها الله عليك. فإِنَّ المساجد لم تُبْنَ لهذا\" (٢).\nوعن سليمان بن بريدة عن أبيه أنَّ رجلًا نشد في المسجد فقال: من دعا إِلى الجمل الأحمر. فقال النّبيّ - ﷺ -: \"لا وجدْتَ إِنّما بُنيت المساجد لما ُبُنِيَت له\" (٣).\nوعن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إِذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك\" (٤).\nوفي رواية: \"وإِذا رأيتم من ينشد فيه ضالّة فقولوا: لا ردّ الله عليك\" (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-574>عدم رفع الصوت فيها:</span>\nعن عائشة عن النبي - ﷺ - \"أنَّه اطلع من بيته والناس يصلّون يجهرون بالقراءة، فقال لهم: إِنَّ المصلّي يُناجي ربّه، فلينظر بما يُناجيه، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن\" (٦).\nوعن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: \"اعتكف رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) يطلب ما ضاع له.\n(٢) أخرجه مسلم: ٥٦٨\n(٣) أخرجه مسلم: ٥٦٩\n(٤) أخرجه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (١٠٦٦) والدارمي وابن خزيمة في \"صحيحه\" (١٣٠٥) وغيرهم، وصححه شيخنا في \"الإرواء\" (١٢٩٥).\n(٥) أخرجه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (١٠٦٦) والدارمي وابن خزيمة في \"صحيحه\" (١٣٠٥) وغيرهم، وصححه شيخنا في \"الإرواء\" (١٢٩٥).\n(٦) أخرجه الطبراني في \"الأوسط\"، وغيره، وانظر \"الصحيحة\" (١٦٠٣).","vol":"2","page":264},{"text":"في المسجد، فسمعهم يجهرون بالقراءة، وهو في قُبّةٍ له، فكشف الستور وقال: ألا إِنّ كلكم مناجٍ ربّه، فلا يؤذينَّ بعضكم بعضًا، ولا يرفعنَّ بعضكم على بعض بالقراءة. أو قال: في الصلاة\" (١).\nويجوز التحدّث بما هو مباح في المسجد، حتى لو صاحبه تبسّم وضَحك؛ لحديث سماك بن حرب قال: قلت لجابر بن سَمُرهّ: أكنتَ تجالس رسول الله - ﷺ -؟ قال: نعم، كثيرًا. كان لا يقوم من مُصلاه الذي يُصلّي فيه الصبح أو الغداة حتى تطلع الشمس، فإِذا طلعت الشمس قام، وكانوا يتحدثون. فيأخذون في أمر الجاهلية. فيضحكون ويتبسَّم\" (٢).\nويشرع إِنشاد الشعر المشتمل المعاني الحسنة، المتضمّن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك، فعن عبد الله بن عمرو أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"الشعر بمنزلة الكلام، حسنُه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام\" (٣).\nوعن عائشة -﵂- أنها كانت تقول: \"الشِّعر حسَن ومنه قبيح، فخُذ بالحسن، ودع القبيح، ولقد رُوّيت من شعر كعب بن مالك أشعارًا؛ منها القصيدة فيها أربعون بيتًا ودون ذلك\" (٤).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود وإسناده صحيح على شرط الشيخين وانظر \"صحيح سنن أبي داود\" (١١٨٣)، و\"الصحيحة\" (١٦٠٣).\n(٢) أخرجه مسلم: ٦٧٠\n(٣) أخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" وغيره، وهو صحيح لغيره كما في \"الصحيحة\" (٤٤٧).\n(٤) أخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\"، وانظر \"الصحيحة\" (٤٤٧).","vol":"2","page":265},{"text":"وعن أبي هريرة \"أنَّ عمر مرّ بحسّان وهو ينشد الشعر في المسجد، فلحَظَ إِليه فقال: قد كنتُ أنشِدُ؛ وفيه مَن هو خيرٌ منك، ثمَّ التفت إِلى أبي هريرة فقال: أنشدك الله أسمعْتَ رسول الله - ﷺ - يقول: أجِبْ عنّي اللهمّ أيِّده بروح القُدُس؟ قال: اللهمّ نعم\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-575>هل يُباح الأكل والشرب والنوم فيها</span>؟\nعن عبد الله بن الحارث قال: \"كنّا نأكل على عهد رسول الله - ﷺ - في المسجد الخبز واللحم\" (٢).\nوعن سهل بن سعد قال: \"ما كان لعليّ اسم أحبّ إِليه من أبي تراب، وإنْ كان لفرح به إِذا دُعي بها، جاء رسول الله - ﷺ - بيتَ فاطمة فلم يَجِد عليًّا في البيت، فقال: أين ابن عمّك؟ فقالت: كان بيني وبينه شيء، فغاضبني فخرج، فلم يَقِلْ عندي. فقال رسول الله - ﷺ - لإِنسان: انظر أين هو؟ فجاء فقال: يا رسول الله، هو في المسجد راقدٌ، فجاء رسول الله - ﷺ - وهو مضطجعٌ؛ قد سقط رداؤه عن شقِّه فأصابه تراب، فجعل رسول الله - ﷺ - يمسحه عنه وهو يقول: قم أبا تُراب، قم أبا تراب\" (٣).\nقال البخاري: \"وقال أبو قلابة عن أنس: قدم رهط من عُكْل على النّبيّ - ﷺ - فكانوا في الصُّفَّة (٤)، وقال عبد الرحمن بن أبي بكر: كان أصحاب الصُّفَّة\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٤٥٣، ومسلم: ٢٤٨٥\n(٢) أخرجه ابن ماجه وصحح شيخنا إِسناده في \"تمام المنّة\" (ص ٢٩٥).\n(٣) أخرجه البخاري: ٦٢٨٠، ومسلم: ٢٤٠٩\n(٤) الصُّفّة: موضع مظلل في المسجد النبوي، كانت تأوي إِليه المساكين. =","vol":"2","page":266},{"text":"الفقراء\" (١).\nوعن نافع قال: \"أخبرني عبد الله بن عمر أنَّه كان ينام وهو شاب أعزب، لا أهل له في مسجد النّبيّ - ﷺ -\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-576>عدم اتخاذ المساجد طُرُقًا:</span>\nعن ابن عمر -﵄- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"لا تتخذوا المساجد طُرُقًا إلاَّ لذِكر أو صلاة\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-577>النهي عن تشبيك الأصابع عند الخروج إلى الصلاة:</span>\nعن كعب بن عُجْرة أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"إِذا توضّأ أحدُكم فأحسَن وضوءه، ثمَّ خرجَ عامدًا إِلى المسجد؛ فلا يشبكنّ بين أصابعه، فإِنَّه في صلاة\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-578>الصلاة بين السواري:</span>\nعن معاوية بن قرّة عن أبيه قال: \"كُنّا نُنهى أن نصفَّ بين السواري على عهد رسول الله - ﷺ - ونُطرد عنها طردًا\" (٥).\n_________\n= \"فتح\" (١/ ٥٣٥).\n(١) تقدّم موصولًا من هذا الكتاب (١/ ٥٠).\n(٢) أخرجه البخاري: ٤٤٠\n(٣) أخرجه الطبراني في \"الكبير\" و\"الأوسط\" وغيره، وانظر \"الصحيحة\" (١٠٠١).\n(٤) أخرجه أحمد والترمذي. وانظر \"الإِرواء\" (٢/ ١٠٠)، و\"الصحيحة\" (٣/ ٢٨٤).\n(٥) أخرجه ابن ماجه وابن خزيمة وغيرهم، وقال الحاكم صحيح الإِسناد ووافقه الذهبي وانظر \"الصحيحة\" (٣٣٥).","vol":"2","page":267},{"text":"قال شيخنا في \"الصحيحة\" (٣٣٥) بحذف وتصرف: \"وله شاهد من حديث أنس بن مالك يتقوّى به، ويرويه عبد الحميد بن محمود قال: \"صلّيت مع أنس بن مالك يوم الجمعة، فدُفِعنا إِلى السواري، فتقدّمنا وتأخّرنا، فقال أنس: كنّا نتّقي هذا على عهد رسول الله - ﷺ - \" (١).\nوهذا الحديث نصٌّ صريح في ترك الصف بين السواري، وأنّ الواجب أن يتقدّم أو يتأخّر؛ إلاَّ عند الاضطرار؛ كما وقع لهم.\nوعن ابن مسعود أنَّه قال: \"لا تصفُّوا بين السواري\". وقال البيهقي: \"وهذا -والله أعلم- لأنّ الأسطوانة تحول بينهم وبين وصل الصف\" (٢).\nوقال مالك: \"لا بأس بالصفوف بين الأساطين إِذا ضاق المسجد\". انتهى.\nويستدلّ بعضهم على جواز الصلاة بين السواري بحديث ابن عمر -﵄- قال: \"دخل النّبيّ - ﷺ - البيت وأسامة بن زيد وعثمان ابن طلحة وبلال فأطال، ثمَّ خرج، كنت أول الناس دخل على أَثَره، فسألت بلالًا: أين صلّى؟ قال: بين العمودين المقدّمين\" (٣). وبما رواه أيضًا أن رسول الله - ﷺ - دخل الكعبة وأسامة بن زيد وبلال وعثمان بن طلحة الحَجَبِيُّ، فأغلقها عليه ومكث فيها. فسألتُ بلالا حين خرج: ما صنَع النّبيّ - ﷺ -؟ قال:\n_________\n(١) قال شيخنا -حفظه الله- أخرجه أبو داود، والنسائي، والترمذي، وابن حبان، والحاكم، وغيرهم بسند صحيح؛ كما بيّنته في \"صحيح أبي داود\" (٦٧٧).\n(٢) أخرجه ابن القاسم في \"المدونة\" (١/ ١٠٦)، والبيهقي (٣/ ١٠٤) من طريق أبي إِسحاق عن معدي كرب.\n(٣) أخرجه البخاري: ٥٠٤، ومسلم: ١٣٢٩","vol":"2","page":268},{"text":"جعل عمودًا عن يساره وعمودًا عن يمينه وثلاثة أعمدة وراءه. وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة، ثمَّ صلّى. وقال لنا إِسماعيل: حدَّثني مالك وقال: عمودين عن يمينه\" (١).\nوهذا بعيد جدًّا، وإِنما يستدلّ به للإِمام والمنفرد، لذلك بوّب له البخاري -﵀- بقوله: (باب الصلاة بين السواري في غير جماعة).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-579>النهي عن التزام مكان خاص من المسجد:</span>\nعن عبد الرحمن بن شبل قال: \"نهى رسول الله - ﷺ - عن نَقْرة الغراب (٢) وافتراش السبُع (٣) وأن يوطن الرجل المكان في المسجد، كما يُوطِن البعير (٤) \" (٥).\nوسألت شيخنا -شفاه الله- هل ترون هذا للتحريم، فقال: نعم.\nقال ابن المنذر في \"الأوسط\" (٥/ ١٣٠): من سبق إلى مكان من\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٥٠٥، ومسلم: ١٣٢٩\n(٢) نَقْرة الغراب: يريد تخفيف السجود، وأنه لا يمكُث فيه إلاَّ قَدْر وضع الغراب منقاره فيما يريد أكْله، \"النهاية\".\n(٣) افتراش السبُع: هو أن يبسُط ذراعيه في السجود ولا يرفعهما عن الأرض؛ كما يبسُط الكلب والذئب ذراعيه، والافتراش: افتعال؛ من الفرش والفراش. \"النهاية\".\n(٤) يوطن البعير: قيل: معناه أن يألف الرجل مكانًا معلومًا من المسجد مخصوصًا به؛ يصلّي فيه كالبعير لا يأوي إِلى مَبْرَك قد أوطنه واتخذَه مُناخًا. \"النهاية\" بحذف.\n(٥) أخرجه أحمد وابن خزيمة وأبو داود والنسائي وغيرهم، وحسنه شيخنا لغيره في \"الصحيحة\" (١١٦٨).","vol":"2","page":269},{"text":"المسجد فهو أحق به ما دام ثابتًا فيه، فإِذا زال عنه زال حقه، إِذ ليس أحد أحق به من أحد، قال الله ﷿: ﴿وأن المساجد لله﴾ (١) الآية. وقال: ﴿إِنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر﴾ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-580>المواضع المنهي عن الصلاة فيها:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-581>١ - الصلاة في المقبرة:</span>\nعن أبي سعيد عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"الأرض كلّها مسجد إلاَّ الحمّام والمقبرة\" (٣).\nوعن عائشة -﵂- عن النّبيّ - ﷺ - قال في مرضه الذي مات فيه: \"لعن الله اليهود والنصارى اتَّخذوا قبور أنبيائهم مسجدًا، قالت: ولولا ذلك لأبرزوا قبره، غير أنّي أخشى (٤) أن يُتَّخذ مسجدًا\" (٥).\nوعنها أيضًا أنَّ أمّ سلمة ذَكَرت لرسول الله - ﷺ - كنيسة رأتها بأرض الحبشة يُقال لها: مارية، فذكَرت له ما رأت فيها من الصّور، فقال رسول الله - ﷺ -: \"أولئك قومٌ إِذا مات فيهم العبد الصالح -أو الرجل الصالح- بنوا على قبره\n_________\n(١) الجنّ: ١٨\n(٢) التوبة: ١٨\n(٣) أخرجه أبو داود والترمذي والدارمي وغيرهم وقال شيخنا: وهذا إِسناد صحيح على شرط الشيخين، وانظر \"الإِرواء\" تحت الحديث (٢٨٧).\n(٤) قال الحافظ ابن حجر: \"وكأنه - ﷺ - علم أنه مرتحِل من ذلك المرض، فخاف أن يُعظَّم قبره كما فعل من مضى، فلعن اليهود والنصارى إِشارة إِلى ذمّ من يفعل فِعلهم\".\n(٥) أخرجه البخاري: ١٣٣٠، ومسلم: ٥٣١","vol":"2","page":270},{"text":"مسجدًا، وصوّروا فيه تلك الصُّور، أولئك شرار الخلق عند الله\" (١).\nقال شيخنا -حفظه الله-: \"الذي يمكن أن يُفهَم من هذا الاتخاذ [أي: اتخاذ القبور مساجد]، إِنما هو ثلاث معان:\nالأول: الصلاة على القبور، بمعنى السجود عليها.\nالثاني: السجود إِليها واستقبالها بالصلاة والدعاء.\nالثالث: بناء المساجد عليها، وقصْد الصلاة فيها\" (٢).\nولا فرق فيما قلنا بين المقبرة فيها قبر أو أكثر.\nقال شيخنا -حفظه الله- في \"تمام المنّة\" (ص ٢٩٨): قال: [أي: شيخ الإِسلام -رحمه الله تعالى-] في \"الاختيارات العلمية\": \"ولا تصحّ الصلاة في المقبرة ولا إِليها، والنهي عن ذلك إِنّما هو سدّ لذريعة الشرك، وذكر طائفة من أصحابنا أن القبر والقبرين لا يمنع من الصلاة، لأنه لا يتناوله اسم المقبرة، وإنّما المقبرة ثلاثة قبور فصاعدًا (٣)، وليس في كلام أحمد وعامّة أصحابه هذا الفرق، بل عموم كلامهم وتعليلهم واستدلالهم يوجب منع الصلاة عند قبر واحد من القبور، وهو الصواب، والمقبرة كل ما قُبر فيه، لا أنه جمْع قبر، وقال أصحابنا: وكل ما دخل في اسم المقبرة ممّا حول القبور لا يصلى فيه، فهذا يعين أنّ المنع يكون متناولًا لحرمة القبر المنفرد وفنائه\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٤٣٤، ومسلم: ٥٢٨\n(٢) انظر للمزيد والتفصيل \"تحذير الساجد\" (ص ٢١).\n(٣) ويردّ على هذا قوله - ﷺ -: \"لا تصلوا إِلى قبر ولا تصلوا على قبر\" أخرجه الطبراني في \"الكبير\" وغيره، وانظر \"الصحيحة\" (١٠١٦).","vol":"2","page":271},{"text":"المضاف إليه، وذكر الآمدي وغيره أنه لا تجوز الصلاة فيه، أي: المسجد الذي قبلته إِلى القبر حتى يكون بين الحائط وبين المقبرة حائل آخر، وذكر بعضهم: هذا منصوص أحمد\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-582>٢ - الحمّام:</span>\nعن أبي سعيد الخدري -﵁- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"الأرض كلّها مسجد إلاَّ الحمام والمقبرة\" (١).\nفائدة: وقد ورد في بعض النصوص النهيُ عن الصلاة في مواطن معيّنة، كالصلاة في المزبلة والمجزرة وقارعة الطريق وأعطان الإِبل وفوق ظهر بيت الله، وقد بيّن شيخنا ضعف هذا الحديث في \"تمام المنّة\" (ص ٢٩٩) -بحذف- وقال رادًّا على الشيخ السيد سابق -حفظهما الله تعالى-.\n\" ... قلت: فذَكَر المواضع المذكورة، ثمَّ نقل عن الترمذي تضعيفه الحديث، وأقرّه على ذلك، وهو الصواب كما هو مُبيّن في \"الإرواء\" (٢٨٧)، فعادت الدعوى بدون دليل صحيح، فكان على المؤلّف أن يورد أحاديث أخرى صحيحة تشهد للحديث، ولو في بعض مفرداته:\nفمنها قوله - ﷺ -: \"الأرض كلها مسجد؛ إلاَّ المقبرة والحمام\".\nومنها قوله - ﷺ -: \"إِذا حضرت الصلاة فلم تجدوا إلاَّ مرابض الغنم وأعطان الإِبل فصلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإِبل\" (٢).\n_________\n(١) تقدّم.\n(٢) أخرجه أحمد والدارمي وابن ماجه وغيرهم بسند صحيح على شرط الشيخين من حديث أبي هريرة.","vol":"2","page":272},{"text":"ولا أعلم حديثًا صحيحًا في النهي عن الصلاة في المواطن الأخرى، ولا يجوز القول ببطلانها فيها إلاَّ بنص عنه - ﷺ -، فليعلم\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-583>ما جاء في الصلاة في البِيَع (معابد النصارى) ونحوها:</span>\nجاء في \"صحيح البخاري\" تحت (باب الصلاة في البِيعة) وقال عمر - ﵁-: \"إِنا لا ندخلُ كنائسكم من أجل التماثيل التي فيها الصُّور، وكان ابن عباس يصلّي في البيعة إِلاَّ بيعةً فيها تماثيل\" (١).\nوالذي قد بدا لي أنَّ الأصل جواز الصلاة في مِثل هذه المعابد إِذا أُمنت الفتنة وخلت من التماثيل وأرى في زماننا هذا المنع للعامّة من باب سدّ الذريعة -والله تعالى أعلم-.\n\nما جاء في الصلاة في مواضع الخسف (٢) والعذاب:\nقال البخاري تحت (باب الصلاة في مواضع الخسف والعذاب): ويذكر أنَّ عليًا -﵁- كره الصلاة بخسف بابل (٣).\n_________\n(١) كذا أورده معلّقًا بصيغة الجزم وقال الحافظ: \"وهذا الأثر وصَله عبد الرزاق من طريق أسلم مولى عمر قال: لمّا قدم عمر الشام صنع له رجل من النصارى طعامًا، وكان من عظمائهم وقال: أحبّ أن تجيئني وتُكرمني. فقال له عمر: إِنّا لا ندخُل كنائسكم من أجل الصُّور التي فيها، يعني: التماثيل.\n(٢) قال الحافظ: \"المراد بالخسف هنا ما ذكر الله تعالى في قوله: ﴿فأتى الله بنيانهم من القواعد فخرَّ عليهم السَّقْفُ من فوقهم﴾ \". النحل: ٢٦\n(٣) أخرجه البخاري معلّقًا غير مجزوم به، وقال الحافظ: \"وهذا الأثر رواه ابن أبي شيبة من طريق عبد الله ابن أبي المُحِلّ قال: \"كنّا مع عليّ؛ فمرَرْنا على الخسف الذى ببابل؛ فلم يصلِّ حتى أجازه\" أي تعدّاه\".","vol":"2","page":273},{"text":"ثمَّ ذكر حديث عبد الله بن عمر (١) (برقم: ٤٣٣) أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"لا تدخلوا على هؤلاء المعذّبين؛ إلاَّ أن تكونوا باكين، فإِن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم؛ لا يصيبكم ما أصابهم\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-585>الصلاة في الكعبة:</span>\nعن ابن عمر قال: دخل النّبيّ - ﷺ - البيت وأسامة بن زيد وعثمان بن طلحة وبلال فأطال، ثمّ خرج، كنت أوّل الناس دخل على أَثرِه، فسألتُ بلالًا: أين صلّى؟ قال: بين العمودين المقدّمين\" (٣).\nوفي رواية لابن عمر أيضًا أنّ رسول الله - ﷺ - دخل الكعبة وأسامة بن زيد وبلال وعثمان بن طلحة الحَجَبيّ، فأغلقها عليه ومكث فيها. فسألت بلالا حين خرج: ما صنع النّبيّ - ﷺ -؟ قال: جعل عمودًا عن يساره وعمودًا عن يمينه وثلاثة أعمدة وراءه. وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة ثمَّ صلّى، وقال لنا إِسماعيل: حدثني مالك وقال: عمودين عن يمينه\" (٤).\nوعن نافع أنَّ عبد الله كان إِذا دخل الكعبة مشى قِبلَ وجهه حين يدخل، وجعل الباب قِبل ظهره، فمشى حتى يكون بينه وبين الجدار الذي قِبل وجهه قريبًا من ثلاثة أذرع صلّى يتوخّى المكان الذي أخبره به بلال أنَّ النّبي - ﷺ - صلّى فيه. قال: وليس على أحدنا بأس إِن صلّى في أي نواحي البيت شاء\" (٥).\n_________\n(١) هو في مسلم: ٢٩٨٠\n(٢) أخرجه مسلم: ٢٩٨٠\n(٣) أخرجه البخاري: ٥٠٤، ومسلم: ١٣٢٩، وتقدّم.\n(٤) أخرجه البخاري: ٥٠٥، ومسلم: ١٣٢٩، وتقدّم.\n(٥) أخرجه البخاري: ٥٠٦","vol":"2","page":274},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-586>السترة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-587>حُكمها:</span>\nالسترة واجبة على الإمام والمنفرد وذلك لقوله - ﷺ -: \"لا تُصلِّ إلاَّ إِلى سُترة، ولا تَدع أحدًا يمرُّ بين يديك، فإِنْ أبى فلتقاتِله؛ فإِنَّ معه القرين (١) \" (٢).\nولقوله - ﷺ -: \"إِذا صلّى أحدكم إِلى سترة؛ فليدْنُ منها، لا يقطع الشيطان عليه صلاته\" (٣).\nولا يعني قوله - ﷺ -: \"إِذا صلّى أحدكم إِلى سترة\" جواز الصلاة إِلى غير سترة؛ إِذ مفهوم الحديث: أنَّ من صلّى إِلى سترة ولم يدْنُ منها فهو مُعرّضٌ لقطع صلاته من قِبَل الشيطان، فكيف بمن لم يصلِّ إِلى سترة!\nقال شيخنا في \"تمام المِنّة\" (ص ٣٠٠): وإنَّ ممّا يؤكدّ وجوبها أنها سبب شرعي لعدم بطلان الصلاة بمرور المرأة البالغة والحمار والكلب الأسود، كما صحّ ذلك في الحديث، ولمنع المار من المرور بين يديه، وغير ذلك من الأحكام المرتبطة بالسترة، وقد ذهب إِلى القول بوجوبها الشوكاني في \"نيل الأوطار\" (٣/ ٢)، و\"السيل الجرار\" (١/ ١٧٦)، وهو الظاهر من\n_________\n(١) في الحديث: \"ما منكم من أحد إلاَّ وقد وكلّ به قرينه من الجن\". أخرجه مسلم: ٢٨١٤، وغيره.\n(٢) أخرجه ابن خزيمة في \"صحيحه\" بسند جيد. وانظر \"صفة الصلاة\" (ص ٨٢).\n(٣) أخرجه أبو داود والبزار والحاكم وصحّحه، ووافقه الذهبي والنووي. وانظر \"صفة الصلاة\" (ص ٨٢).","vol":"2","page":275},{"text":"كلام ابن حزم في \"المحلى\" (٤/ ٨ - ١٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-588>السُّترة في الكعبة والمسجد الحرام:</span>\nعن صالح بن كيسان قال: رأيت ابن عمر يصلّي في الكعبة، ولا يدع أحدًا يمر بين يديه (١).\nوعن يحيى بن أبي كثير قال: رأيت أنس بن مالك دخل المسجد الحرام، فركز شيئًا، أو هيأ شيئًا يصلّي إليه (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-589>بمَ تتحقّق</span>؟\n<span data-type=\"title\" id=toc-590>تتحقق السترة بالأُسطوانة:</span>\nفعن يزيد بن أبي عبد قال: \"كان سلمة بن الأكوع يتحرّى الصلاة عند الأسطوانة التي عِند المصحف (٣). فقلت له: يا أبا مسلم! أراك تتحرّى الصلاة عند هذه الأُسطوانة، قال: رأيتُ النّبيّ - ﷺ - يتحرّى الصلاة عندها\" (٤). والعصا المغروزة، فإِن النبيّ - ﷺ - \"كان إِذا صلّى [في فضاء ليس فيه شيء يستتر به] غرَز بين يديه حربة فصلّى إِليها والناس وراءه\" (٥). وتتحقق السترة\n_________\n(١) أخرجه أبو زرعة في \"تاريخ دمشق\" وابن عساكر بسند صحيح وانظر \"الضعيفة\" تحت الحديث (٩٢٨).\n(٢) أخرجه ابن سعد في \"الطبقات\" بسند صحيح، وانظر \"الضعيفة\" تحت الحديث (٩٢٨).\n(٣) وفي رواية لمسلم: \"مكان المصحف\".\n(٤) أخرجه مسلم: ٥٠٩\n(٥) أخرجه البخاري: ٤٩٤، ومسلم: ٥٠١ وانظر \"صفة الصلاة\" لأجل الزيادة (ص٨٣).","vol":"2","page":276},{"text":"كذلك بالراحلة يعرّضها (١) فيصلّي إليها، فإِنَّ النّبيّ - ﷺ - \"كان يعرّض راحلته فيصلّي إِليها\" (٢).\nوبالشجرة \" فإِنَّ النّبيّ - ﷺ - صلّى مرّة إِلى شجرة\" (٣). وبالجدار (٤) وبالسرير (٥) وما هو مثل مؤخرة الرحل -وهو أقلّ ما يجزئ- لقوله - ﷺ -: \"إِذا وضع أحدكم بين يديه مثلُ مؤخِرة الرحل فليصلِّ ولا يبالِ من مرَّ وراء ذلك\" (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-591>سترة الإِمام سترة من خلفه:</span>\nقال البخاري (باب سترة الإِمام سترة مَن خَلفه) وذكر تحته حديث ابن عباس برقم (٤٩٣): \"أقبلتُ راكبًا على حمارٍ أتانٍ (٧) وأنا يومئذ قد ناهزْتُ الاحتلام ورسول الله - ﷺ - يصلّي بالناس بمنى إِلى غير جدار (٨)، فمررتُ بين\n_________\n(١) يعرِّض: بتشديد الراء: أي: يجعلها عَرضًا.\n(٢) أخرجه البخاري: ٥٠٧\n(٣) أخرجه النسائي وأحمد بسند صحيح. وانظر \"صفة الصلاة\" (ص ٨٣).\n(٤) لحديث سهل بن سعد الساعدي -﵁- الآتي قريبًا -إِن شاء الله- بلفظ: \"كان بين مصلّى رسول الله - ﷺ - وبين الجدار ممرّ شاة\".\n(٥) لحديث عائشة -﵂-: \" ... والله لقد رأيتُ النّبيّ - ﷺ - يصلّي وإنّي على السرير بينه وبين القبلة مضطجعة\". أخرجه البخاري: ٥١٤، ومسلم: ٥١٢\n(٦) أخرجه مسلم: ٤٩٩\n(٧) الحمارة الأنثى. \"النهاية\".\n(٨) لا يستلزم أن يكون إِلى غير سُترة، إِذ كل جدار سُترة، وليس كل سترة جدارًا، وتبويب البخاري -﵀- يدلّ عليه بالتأمّل، إِذ كيف يتحدّث عن سترة الإِمام =","vol":"2","page":277},{"text":"يدي بعض الصفّ، فنزلتُ وأرسلتُ الأتانَ تَرتَع ودخلتُ في الصفّ، فلم ينكر ذلك عليَّ أحد\" (١).\nثمَّ أورد البخاري (٢) -﵀- حديث ابن عمر -﵄-: \"أنَّ رسول الله - ﷺ - كان إِذا خرج يوم العيد أمر بالحربة فتوضع بين يديه فيصلّي إِليها والناس وراءه، وكان يفعل ذلك في السفر، فمِن ثَمَّ اتخذها الأمراء\".\nوذكر بعده (٣) حديث عون بن أبي جحيفة قال: \"سمعت أبي أنَّ النّبيّ - ﷺ - صلّى بهم بالبطحاء -وبين يديه عَنَزَة (٤) - الظهر ركعتين والعصر ركعتين تَمُرُّ بين يديه (٥) المرأة والحمار\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-592>دنوّ المصلي من السترة واقترابه منها:</span>\nلقوله - ﷺ - المتقدّم: \"إِذا صلّى أحدكم إِلى سترةٍ فليدْنُ منها\".\nوعن سهل بن سعد الساعدي قال: \"كان بين مصلّى رسول الله - ﷺ - وبين\n_________\n= أنها سترة من خلفه، ويوردُ حديثًا ليس للإِمام فيه سُترة! ونقل الحافظ في \"الفتح\" (١/ ٥٧٢) قول النووي في \"شرح مسلم\" -في كلامه على فوائد هذا الحديث-: فيه أنّ سترة الإمام سترة لمن خلفه.\n(١) أخرجه مسلم: ٥٠٤\n(٢) وأخرجه مسلم: ٥٠١\n(٣) وأخرجه مسلم: ٥٠٣\n(٤) العَنَزة: مثل نصف الرمح أو أكبر شيئًا. \"النهاية\".\n(٥) أي: بين العَنَزَة والقبلة، لا بينه وبين العَنَزَة، كما ذكر الحافظ في \"الفتح\".","vol":"2","page":278},{"text":"الجدار ممرّ الشاة\" (١).\n\"وكان بينه وبين الجدار الذي قِبَل وجهه قريبًا من ثلاثة أذرع\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-593>تحريم المرور بين يدي المصلِّي ودفْع المارّ ومقاتلته ومنع بهيمة الأنعام ونحوها من ذلك:</span>\nجاء في \"صفة الصلاة\" (ص ٨٣، ٨٤): \" ... وكان - ﷺ - لا يدَع شيئًا يمرّ بينه وبين السترة، فقد \"كان يصلّي، إِذ جاءت شاة تسعى بين يديه؛ فساعاها (٣) حتى ألزق بطنه بالحائط، [ومرَّت من ورائه] \" (٤).\nو\"صلّى صلاة مكتوبة فضمَّ يده، فلما صلّى قالوا: يا رسول الله! أحدَث في الصلاة شيء؟ قال: (لا؛ إلاَّ أنَّ الشيطان أراد أن يمرَّ بين يدي، فخنقتُه حتى وجدْت برد (٥) لسانه على يدي، وأيم الله لولا ما سبقني إِليه أخي سليمان؛ لارتُبط إِلى سارية من سواري المسجد، حتى يطيف به ولدان أهل المدينة، [فمن استطاع أن لا يحول بينه وبين القبلة أحد؛ فليفعل] \" (٦).\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٤٩٦، ومسلم: ٥٠٨ وتقدّم.\n(٢) أخرجه البخاري: ٥٠٦\n(٣) أي: سابقَها.\n(٤) أخرجه ابن خزيمة في \"صحيحه\"، والطبراني والحاكم وصححه ووافقه الذهبي.\n(٥) أي: ريق. \"المحيط\".\n(٦) أخرجه أحمد والدارقطني والطبراني بسند صحيح، قال شيخنا -حفظه الله تعالى-: وهذا الحديث قد ورد معناه في \"الصحيحين\" وغيرهما عن جمْع من الصحابة.","vol":"2","page":279},{"text":"وعن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: سمعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"إِذا صلّى أحدكم إِلى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه؛ فليدفع في نحره، [وليدرأ ما استطاع] (وفي رواية: فليمنعه، مرّتين)، فإِنْ أبى فليقاتله، فإِنّما هو شيطان\" (١).\nوكان يقول: \"لو يعلم المارّ بين يدي المصلّي ماذا عليه؛ لكان أن يقف أربعين خيرًا له من أن يمرّ بين يديه\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-594>ما يقطع الصلاة:</span>\nإِذا لم يتخذ المصلي سترة؛ فإِنه يقطع صلاته الحمار والمرأة والكلب الأسود لحديث أبي ذرّ -﵁- قال: \"قال رسول الله - ﷺ - إِذا قام أحدكم يصلّي، فإِنَّه يستره إِذا كان بين يديه مثل آخِرةِ الرَّحْل. فإِذا لم يكن بين يديه مِثلُ آخِرةِ الرَّحْل، فإِنَّه يقطع صلاته الحمار والمرأة والكلب الأسود\". قلت: يا أبا ذرّ ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر؟ قال: يا ابن أخي! سألتُ رسول الله - ﷺ - كما سألتني فقال: الكلب الأسود شيطان\" (٣).\nقال شيخنا -حفظه الله تعالى- في \"تمام المِنّة\" (ص ٣٠٧): \" ... ووجَبَ القول بأن الصلاة يقطعها الأشياء المذكورة عند عدم السترة.\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٥٠٩، ومسلم: ٥٠٧، والرواية الأخرى لابن خزيمة (١/ ٩٤/١).\n(٢) أخرجه البخاري: ٥١٠، ومسلم: ٥٠٧\n(٣) أخرجه مسلم: ٥١٠","vol":"2","page":280},{"text":"وهو مذهب إِمام السنّة أحمد بن حنبل -﵀- وهو اختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-595>لا يجزئ الخطّ في السترة</span>\nلا يجزئ الخطّ في السُّترة، ولا أعلم فيه حديثًا ثابتًا، وما رُوي عن أبي هريرة -﵁- أنه قال: قال أبو القاسم - ﷺ -: \"إِذا صلّى أحدكم؛ فليجعل تلقاء وجهه شيئًا، فإِنْ لم يَجد شيئًا؛ فلينصب عصًا، فإِن لم يكن من عصًا؛ فليخُطّ خطًاّ، ولا يضرّه ما مرّ بين يديه\".\nوممّا قاله شيخنا في \"تمام المنّة\" (ص ٣٠٠): \"الحديث ضعيف الإِسناد لا يصحّ وإِن صحّحه مَن ذكرهم المؤلف، فقد ضعّفه غيرهم، وهم أكثر عددًا، وأقوى حُجة، ولا سيّما وأحمد قد اختلف في الرواية عنه فيه، فقد نقَل الحافظ في \"التهذيب\" عنه أنه قال: \"الخطّ ضعيف\".\nوذكر في \"التلخيص\" تصحيح أحمد له نقلًا عن \"الاستذكار\" لابن عبد البرّ، ثم عقَّب على ذلك بقوله: \"وأشار إِلى ضعفه سفيان بن عيينة والشافعي والبغوي وغيرهم\".\nوقال مالك في \"المدوّنة\": \"الخط باطل\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-596>ما يُباح فِعله في الصلاة </span>(١):\n<span data-type=\"title\" id=toc-597>١ - غلبة البكاء والتأوّه والأنين</span>، سواءٌ أكان ذلك من خشية الله أم كان لغير ذلك كالتأوه من المصائب والأوجاع ما دام عن غلبة؛ بحيث لا يمكن دفْعه:\n_________\n(١) عن فقه السنّة -بتصرف-.","vol":"2","page":281},{"text":"لقول الله تعالى: ﴿إِذا تتلى عليهم آيات الرَّحمن خَرُّوا سُجدًا وبكيًّا﴾ (١). والآية تشمل المصلّي وغيره.\nوعن عبد الله بن الشِّخّير قال: \"رأيت رسول الله - ﷺ - يصلّي وفي صدره أزيز كأزيز المرْجل (٢) من البكاء\" (٣).\nوعن علي -﵁- قال: \"ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد ابن الأسود؛ ولقد رأيتُنا وما فينا إلاَّ نائم إلاَّ رسول الله - ﷺ - تحت شجرة، يصلّي ويبكي حتى أصبح\" (٤).\nوقال عبد الله بن شداد: \"سمعت نشيجَ عمر وأنا في آخر الصفوف يقرأ: ﴿إِنّما أشكو بثّي وحُزني إلى الله﴾ (٥) \" (٦).\n_________\n(١) مريم: ٥٨\n(٢) صوت القِدر إِذا غلت.\n(٣) أخرجه أبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان في \"صحيحيهما\" وغيرهم وقوّى الحافظ إِسناده في \"الفتح\" (٢/ ٢٠٦)، وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٥٤٢).\n(٤) أخرجه أحمد وابن خزيمة في \"صحيحه\" تحت (باب الدليل على أن البكاء في الصلاة لا يقطع الصلاة مع إباحة البكاء في الصلاة) وغيرهما وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٥٤٣).\n(٥) يوسف: ٨٦\n(٦) أخرجه البخاري معلّقًا بصيغة الجزم (كتاب الأذان) (باب وإذا بكى الإمام في الصلاة) وقال الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ٢٠٦): وهذا الأثر وصله سعيد بن منصور عن ابن عيينة عن إسماعيل بن محمد بن سعد سمع عبد الله بن شداد بهذا وزاد \"في صلاة الصبح\" وأخرجه بن المنذر من طريق عبيد بن عمير عن عمر نحوه.","vol":"2","page":282},{"text":"وعن عائشة أمّ المؤمنين \" أنَّ رسول الله - ﷺ - قال في مرضه: مُروا أبا بكر يُصلّي بالناس قالت عائشة: قلت إِنَّ أبا بكر إِذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء، فمُرْ عمر فليصلِّ. فقال: مُروا أبا بكر فليصلِّ للناس. قالت عائشة لِحفصة: قولي له إنَّ أبا بكر إذا قام في مقامك لم يُسمِع الناس من البكاء. فمرْ عمر فليُصلّ للناس. ففعلت حفصة، فقال رسول الله - ﷺ -: مه، إِنكنّ لأنتنّ صواحبُ يوسف، مروا أبا بكر فليصلّ للناس. قالت حفصة لعائشة: ما كنتُ لأُصيب منك خيرًا\" (١).\nوفي تصميم الرسول - ﷺ - على صلاة أبي بكر بالناس على هذا الحال دليل على جواز البكاء في الصلاة إِذا غلَبه ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-598>٢ - الالتفات والإِشارة المُفهمة عند الحاجة </span>(٢).\nعن جابر قال: \"اشتكى رسول الله - ﷺ - فصلّينا وراءه وهو قاعد، وأبو بكر يُسمع الناسَ تكبيره، فالتفَت إِلينا فرآنا قيامًا، فأشار إِلينا فقعَدنا، فصلّينا بصلاته قعودًا\" (٣).\nوعن سهل ابن الحَنْظَليَّة، قال: ثُوِّبَ بالصلاة -يعني: صلاة الصبح- فجعَل رسول الله - ﷺ - يصلّي، وهو يلتفت إِلى الشِّعْب (٤). قال أبو داود: وكان\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٧١٦\n(٢) هذا العنوان من كتاب \"الوجيز\" (ص ١٠١).\n(٣) أخرجه مسلم: ٤١٣\n(٤) الشِّعْب: الطريق في الجبل.","vol":"2","page":283},{"text":"أرسل فارسًا إِلى الشعب من الليل يحرس\" (١).\nولا ينبغي الالتفات في الصلاة لغير حاجة لحديث عائشة -﵂- قالت: سألْتُ رسول الله - ﷺ - عن الالتفات في الصلاة فقال: \"هو اختلاسٌ (٢) يختلسه الشيطان من صلاة العبد\" (٣).\nوعن الحارث الأشعري -﵁- أنَّ النّبي - ﷺ - قال: \"إِنَّ الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات أن يعمل بها ... وفيه وإِنَّ الله أمرَكم بالصلاة، فإِذا صليتم فلا تلتفتوا، فإِنّ الله يَنْصبُ (٤) وجهه لوجه عبده في صلاته، ما لم يلتفت\" (٥).\nوانظر للمزيد من الأحاديث كتاب \"صحيح الترغيب والترهيب\" (باب الترهيب من رفْع البصر إِلى السماء في الصلاة).\nوهذا كلّه في الالتفات بالوجه أمّا الالتفات بجميع البدن والتحوّل به عن\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٨١٠) وغيره وانظر \"الإِرواء\" (٣٧١).\n(٢) في \"النهاية\": خَلَست الشيء واختلسته إِذا سلبته، والخُلسة: ما يؤخذ سلبًا ومكابرة، وجاء في \"الفتح\" (٢/ ٢٣٥): \"الاختلاس: الاختطاف بسرعة، والمختلس الذي يخطف من غير غلبة ويهرب؛ ولو مع معاينة المالك له، والناهب يأخذ بقوّة، والسارق يأخذ في خفية\".\n(٣) أخرجه البخاري: ٧٥١\n(٤) النَّصْب: هو إِقامة الشيء ورفعه، وانظر \"النهاية\".\n(٥) أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح \"صحيح سنن الترمذي\" (٢٢٩٨)، وابن خزيمة وابن حبان في \"صحيحيهما\" والحاكم وقال: \"صحيح على شرط البخاري ومسلم\"، وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٥٥٠).","vol":"2","page":284},{"text":"القبلة؛ فهو مبطل للصلاة اتفاقًا؛ للإِخلال بواجب الاستقبال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-599>٣ - قتْل الحيّة والعقرب والزنابير ونحو ذلك من كلّ ما يضرّ</span>.\nفعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"اقتلوا الأسودين في الصلاة: الحية والعقرب\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-600>٤ - المشي اليسير لحاجة</span>.\nعن عائشة قالت: \"كان رسول الله - ﷺ - يصلّي والباب عليه مُغلق، فجئت فاستفتَحْتُ، فمشى ففتحَ لي، ثمَّ رجع إِلى مصلاّه\" (٢) وذكر (٣) أن الباب كان في القبلة.\nوقال شيخنا في \"الصحيحة\" (٦/ ٤٨٥): جواز العمل اليسير الهادف في الصلاة وذكر تحته حديث رقم (٢٧١٦): \"كانَ يصلّي قائمًا تطوعًا، والباب في القبلة مغلق عليه، فاستفتحتُ الباب، فمشى على يمينه أو شماله، ففتح الباب ثمَّ رجع إِلى مكانه\".\nوعن الأزرق بن قيس قال: \"كنّا بالأهواز نقاتل الحروريّة، فبينا أنا على جُرُف نهر إِذا رجل يُصلي، وإذا لجامُ دابَّته بيده، فجعلتِ الدابَّة تُنازِعه، وجعل يتبعها -قال شعبة: هو أبو بَرْزَة الأسلمي- فجعل رجل من الخوارج يقول: اللهمّ افعل بهذا الشيخ فلمّا انصرف الشيخ قال: إِنّي سمعتُ قولكم\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٨١٤)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (١١٤٧)، وانظر \"المشكاة\" (١٠٠٤).\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٨١٥) وغيره وانظر \"الإِرواء\" (٣٨٦).\n(٣) أي: الإِمام أحمد كما في \"سنن أبي داود\" (٩٢٢) وفي \"الإِرواء\" (٣٨٦) و\"صحيح سنن الترمذي\" (٤٩١) تصريح عائشة -﵂- بذلك.","vol":"2","page":285},{"text":"وإِنّي غزوتُ مع رسول الله - ﷺ - ستَّ غزوات أو سبع غزوات وثمانيًا، وشهدت تيسيره، وإِنّي إِنْ كنتُ أن أرجع مع دابّتي أحبُّ إِليَّ من أن أدَعَها ترجع إِلى مأْلَفها (١) فيشقُّ عليّ\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-601>٥ - حمْل الصبيّ وتعلّقه بالمصلّي</span>.\nعن أبي قتادة الأنصاري \"أنَّ رسول الله - ﷺ -، كان يصلّي وهو حامل أُمامة بنت زينب بنت رسول الله - ﷺ - ولأبي العاص بن ربيعةَ بن عبدِ شمس، فإِذا سجدَ وضعها، وإِذا قام حملَها\" (٣).\nوعن عبد الله بن شدّاد عن أبيه قال: \"خرج علينا رسول الله - ﷺ - في إِحدى صلاتي العَشِيِّ -الظهر أو العصر (٤) - وهو حامل حسَنًا أو حُسَينًا، فتقدّم النّبيّ - ﷺ - فوضَعه عند قدمه اليمنى، ثمَّ كبّر للصلاة فصلّى، فسجد بين ظهرانيْ (٥) صلاتِه سجدة أطالها، قال: فرفعتُ رأسي من بين الناس، فإِذا الصبي على ظهر رسول الله - ﷺ - وهو ساجد، فرجعتُ إِلى سجودي، فلمّا قضى رسول الله - ﷺ - الصلاة، قال الناس: يا رسول الله! إِنّك سجدتَ بين ظهرانَي صلاتك هذه سجدة أطلْتهَا؛ حتى ظننَّا أنّه حدَث أمر، أو أنَّه يوحى إِليك! قال: كلُّ\n_________\n(١) أي: مَعْلفها. قاله الكرماني.\n(٢) أخرجه البخاري: ١٢١١\n(٣) أخرجه البخاري: ٥١٦، ومسلم: ٥٤٣\n(٤) العشي: ما بعد الزوال إِلى المغرب، وقيل: العشيَّ من زوال الشمس إِلى الصباح، وقيل لصلاة المغرب والعشاء العشاءان، ولِما بين المغرب والعَتَمة؛ عشاء. \"النهاية\".\n(٥) أقام بين ظهْرَيهِم وظَهْرانَيْهِم، وأظهُرِهم: بينهم. \"الوسيط\"، قال في \"النهاية\": زيدت فيه ألف ونون مفتوحة تأكيدًا.","vol":"2","page":286},{"text":"ذلك لم يكن؛ ولكن ابني ارتحلني (١)، فكرهتُ أن أعجله حتى يقضيَ حاجتَه\" (٢).\nوعن عبد الله بن مسعود قال: \"كان - ﷺ - يصلّي؛ فإِذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره، فإِذا منعوهما؛ أشار إِليهم (٣) أن دعُوْهُما، فلمّا قضى الصلاة وضَعَهما في حِجْره وقال: من أحبّني فليُحبَّ هذين\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-602>٦ - إِلقاء السلام على المصلّي ومخاطبته وجواز الردّ بالإِشارة على مَن سلّم عليه</span>.\nفعن جابر أنَّه قال: \"إِنَّ رسول الله - ﷺ - بعثَني لحاجة، ثمَّ أدركتُه وهو يسير (قال قتيبة: يصلّي) فسلّمتُ عليه فأشار إِليّ، فلمّا فرَغَ دعاني فقال: إِنّك سلّمت آنفًا وأنا أصلّي، وهو موجِّهٌ حينئذٍ قِبلَ المشرِق\" (٥).\nوعن صهيب أنَّه قال: \"مررت برسول الله - ﷺ - وهو يصلّي، فسلَّمتُ عليه، فرد إِشارةً. قال: ولا أعلمه إِلا قال: إِشارة بأصبعه\" (٦).\n_________\n(١) أي: جعلني كالراحلة فركب ظهري. \"النهاية\".\n(٢) أخرجه النسائي وابن عساكر (٤/ ٢٥٧/ ١ - ٢) والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي، وانظر \"الصفة\" (ص ١٤٨).\n(٣) وهذا من جملة الأدلّة على جواز الإِشارة المفهمة في الصلاة.\n(٤) أخرجه ابن خزيمة في \"صحيحه\" بإِسناد حسن وغيره، وانظر \"الصفة\" (١٤٨).\n(٥) أخرجه مسلم: ٥٤٠\n(٦) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٨١٨) والنسائي وغيرهما، وانظر \"المشكاة\" (٩٩١).","vol":"2","page":287},{"text":"وعن أنس بن مالك: \"أنَّ النّبيّ - ﷺ - كان يشير في الصلاة\" (١).\nوعن ابن عمر -﵄- قال: \"خرج رسول الله - ﷺ - إِلى قباء يصلّي فيه، فجاءته الأنصار، فسلّموا عليه وهو يصلّي؟ قال: فقلت لبلال: كيف رأيت رسول الله - ﷺ - يرد عليهم حين كانوا يسلّمون عليه وهو يصلّي؟ قال: يقول هكذا، وبسط كفّه وبسط جعفر بن عون كفّه، وجعل بطنه أسفل، وجعل ظهره إِلى فوق\" (٢).\nقال ابن المنذر في \"الأوسط\" (٣/ ٢٤٩): \"الكلام في الصلاة لا يجوز، وقد سنّ رسول الله - ﷺ - أنّ المصلّي يردّ السلام بالإِشارة\".\nوذكر عددًا من الأحاديث والآثار في ذلك.\nوقد فهمت من شيخنا -حفظه الله تعالى- أنَّ ردّ السلام بالرأس أو باليد بحسب حال المسلِّم، كأنْ يأتي من الخلف ولا يرى حركة اليد؛ فيومئ له بالرأس، أو يأتي من جهة يرى فيها حركة اليد فيرد عليه باليد -والله تعالى أعلم-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-603>٧ - التسبيح والتصفيق:</span>\nيجوز التسبيح للرجال والتصفيق للنساء إِذا عرَض أمْر من الأمور؛ كتنبيه الإِمام إذا أخطأ وكالإِذن للداخل، أو الإِرشاد للأعمى ونحو ذلك.\n_________\n(١) أخرجه أحمد وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٨٣٢)، وابن خزيمة في \"صحيحه\" (٨٨٥).\n(٢) أخرجه أبو داود بسند جيد، وبقية أصحاب السنن، وانظر \"الصحيحة\" (١٨٥).","vol":"2","page":288},{"text":"فعن سهل بن سعد -﵁- عن النّبيّ - ﷺ - قال: يا أيها الناس، إِذا نابكم (١) شيء في صلاتكم أخذتم بالتصفيح (٢)، إنّما التصفيح للنساء، من نابه شيءٌ في صلاته فليقل سبحان الله، فإِنّه لا يسمعه أحدٌ إلاَّ التفت\" (٣).\nوفي رواية: \" ... يا أيها الناس، ما لكم حين نابكم شيء في الصلاة أخذتم في التصفيق؟ إِنّما التصفيق للنساء، من نابه شيء في صلاته فليقل سبحان الله، فإِنّه لا يسمعه أحدٌ حين يقول سبحان الله إلاَّ التفت ... \" (٤).\nوعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"التسبيح للرجال والتصفيق للنساء\" (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-604>٨ - الفتح على الإِمام:</span>\nإِذا نسي الإِمام آية يفتح عليه المؤتمّ فيذكّره.\nفعن عبد الله بن عمر: \"أنَّ النّبيّ - ﷺ - صلى صلاةً فقرأ فيها، فلُبِس عليه،\n_________\n(١) نابه: أي: أصابه شيء يحتاج فيه إِلى إِعلام الغير. ونابكم شيء: أي: أصابكم. \"عون\".\nوفي \"اللسان\": ما ينوب الإِنسان أي: ما ينزل به من المهمّات والحوادث.\n(٢) التصفيح: التصفيح والتصفيق واحد، وهو من ضرب صفحة الكفّ على صفحة الكفّ الآخر يعني إِذا سها الإمام نبّه المأموم، إِن كان رجلًا قال: سبحان الله، وإن كانت امرأةً ضربت كفّها عوضًا عن الكلام. \"النهاية\".\n(٣) أخرجه البخاري: ٢٦٩٠، ومسلم: ٤٢١\n(٤) أخرجه البخاري: ١٢٣٤، ومسلم: ٤٢١\n(٥) أخرجه البخاري: ١٢٠٤، ومسلم: ٤٢٢","vol":"2","page":289},{"text":"فلمّا انصرف قال لأبيَّ: أصلّيت معنا؟ قال: نعم قال: فما منعَك (١)؟ \" (٢).\nوعن المسوَّر بن يزيد المالكي: \"أنَّ رسول الله - ﷺ - يقرأ في الصلاة، فترك شيئًا لم يقرأهُ، فقال له رجل: يا رسول الله، تركْتَ آية كذا وكذا، فقال رسول الله - ﷺ -: هلاَّ أذكرتَنِيها\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-605>أعمال أخرى مباحة في الصلاة:</span>\nومن الأعمال المباحة في الصلاة:\n١ - رجوع الإِمام القهقرى في صلاته، أو تقدُّمه بأمرٍ ينزل به (٤).\nفعن أنس بن مالك \" أنَّ المسلمين بينا هم في الفجر يوم الاثنين، وأبو بكر -﵁- يُصلّي بهم، ففجَأَهم النّبيّ - ﷺ - قد كشف سِتر حجرة عائشة -﵂- فنظر إِليهم وهم صفوف، فتبسَّم يضحك، فنكص أبو بكر -﵁- على عقِبيه، وظنّ أنَّ رسول الله - ﷺ - يريد أن يخرج إِلى الصلاة، وهمّ المسلمون أن يفتَتِنوا في صلاتهم فَرَحًا بالنّبيّ - ﷺ - حين رأوه فأشار بيده أن أتمّوا، ثمَّ دخل الحُجرة وأرخى السِّتر، وتوفِّي ذلك اليوم\" (٥).\n٢ - مسْح الحصى مرة واحدة عند الحاجة لحديث معيقيب \"أنَّ النّبيّ - ﷺ - قال في الرجل يسوِّي التراب حيث يسجد قال: إِنْ كنتَ فاعلًا\n_________\n(١) أي: أن تفتح عليّ.\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٨٠٣)، والطبراني في \"الكبير\".\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٨٠٣).\n(٤) مقتبس من تبويب البخاري -﵀-.\n(٥) أخرجه البخاري: ١٢٠٥","vol":"2","page":290},{"text":"فواحدة\" (١).\n٣ - بسط الثوب في الصلاة لسجود لحديث أنس بن مالك -﵁- قال: \"كنّا مع النّبيّ - ﷺ - في شدّة الحرّ، فإِذا لم يستطع أحدنا أن يُمكّن وجهه في الأرض، بسط ثوبه فسجد عليه\" (٢).\n٤ - متابعة السارق:\nقال قتادة: \"إِنْ أُخِذ ثوبه يتبع السارق ويدَع الصلاة\" (٣).\n٥ - غمزْ رِجل النائم ونحوه.\nفعن عائشة -﵂- أنّها قالت: \"كنتُ أنام بين يدي رسول الله - ﷺ - ورجلاي في قِبلته، فإذا سجد غمَزني (٤)، فقبضتُ رجليّ، فإِذا قام بسطتُهما، قالت: والبيوت يومئذٍ ليس فيها مصابيح\" (٥).\n٦ - مقاتلة من أراد المرور بين يدي المصلّي وتقدَّم.\n٧ - شُغل القلب بغير أعمال الصلاة، ممّا لا يملك دفْعه:\nفعن أبي هريرة -﵁- قال: قال النّبيّ - ﷺ -: \"إِذا نُودي بالصلاة\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٢٠٧، ومسلم: ٥٤٦\n(٢) أخرجه البخاري: ١٢٠٨\n(٣) أخرجه البخاري معلقًا بصيغة الجزم، ووصله عبد الرزاق في مصنّفه بسند صحيح عنه، وانظر \"مختصر البخاري\" (١/ ٢٨٦).\n(٤) الغمز: الكبس باليد.\n(٥) أخرجه البخاري: ٥١٣، ومسلم: ٥١٢","vol":"2","page":291},{"text":"أدبر الشيطان وله ضراط، فإِذا قُضي أقبل، فإِذا ثُوِّبَ بها أدبر، فإِذا قُضي أقبل حتى يخطُِرَ (١) بين الإِنسان وقلبه فيقول: اذكر كذا وكذا، حتى لا يدري أثلاثًا صلّى أم أربعًا، فإِذا لم يدرِ ثلاثًا صلّى أو أربعًا؛ سجد سجدتي السهو\" (٢).\nوعن عمر -﵁- قال: \"إِنّي لأجهّز جيشي وأنا في الصلاة\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-606>تنبيه: </span>ينبغي للمصلّي أن يُقبل بقلبه على ربه ويصرف عنه الشواغل بالتفكير في معنى الآيات والأذكار والأدعية واستحضار الموت، ويحمل جواز العمل في الصلاة على الحاجة والضرورة، وما لا يمكن دفْعه.\nفعن عمّار بن ياسر -﵁- قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"إِنَّ الرجل لينصرف وما كُتبَ له إلاَّ عُشرُ صلاته، تُسعُها، ثُمنها، سُبعها، سُدسها، خُمسها، رُبعها، ثُلثها، نصفها\" (٤).\nوعن أبي اليَسَر -﵁- أنَّ النّبيّ - ﷺ - قال: \"منكم من يصلّي الصلاة كاملة، ومنكم من يصلّي النصف، والثلث، والربع، والخمس، حتى بلغ العُشر\" (٥).\n_________\n(١) هو بضم الطاء وكسرها، وبالكسر معناها: يوسوس، وأما بالضمّ: من السلوك والمرور أي: يدنو منه فيمر بينه وبين قلبه فيشغله عمّا هو فيه. \"النووي\" (٤/ ٩٢).\n(٢) أخرجه البخاري: ٣٢٨٥، ومسلم: ٣٨٩\n(٣) أخرجه البخاري معلقًا بصيغة الجزم ووصله ابن أبي شيبة بإِسناد صحيح عنه وانظر \"مختصر البخاري\" (١/ ٢٨٨).\n(٤) أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٥٣٥)، وابن حبان في \"صحيحه\" بنحوه.\n(٥) أخرجه النسائي بإِسناد حسن، وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٥٣٦).","vol":"2","page":292},{"text":"وعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"الصلاة ثلاثةُ أثلاث، الطُّهور ثلث، والركوع ثُلث، والسجود ثُلث، فمن أدّاها بحقِّها قُبلت منه، وقُبل منه سائر عمله، ومن رُدّت عليه صلاته، رُدَّ عليه سائر عمله\" (١).\nوعن زيد بن خالد الجهني -﵁- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"من توضّأ فأحسن الوضوء ثمّ صلّى ركعتين، لا يسهو فيهما غُفر له ما تقدّم من ذنبه\" (٢).\nوعن عثمان بن أبي العاص -﵁- أنَّه أتى النّبيّ - ﷺ - فقال: يا رسول الله! إِنَّ الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي، يَلْبِسُها عليّ، فقال رسول الله - ﷺ -: \"ذاك شيطان يُقال له خِنْزَب فإِذا أحْسَسْتهُ فتعوّذ بالله منه، واتفُِل على يسارك ثلاثًا قال: ففعَلْت ذلك فأذهبه الله عنّي\" (٣).\nوعن أبي هريرة -﵁- أنَّه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: \"قال الله تعالى: قسمتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإِذا قال العبد: الحمد لله ربّ العالمين، قال الله تعالى: حَمِدَني عبدى، وإِذا قال:\n_________\n(١) أخرجه البزار، وحسّنه المنذري في \"الترغيب والترهيب\"، وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٥٣٧).\n(٢) أخرجه أبو داود في \"سننه\" والحاكم في \"مستدركه\" وغيرهما وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي وشيخنا، وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٢٢١).\n(٣) أخرجه مسلم: ٢٢٠٣","vol":"2","page":293},{"text":"الرحمن الرحيم قال الله تعالى: أثنى عليّ عبدي، وإذا قال مالك يوم الدين قال: مجَّدني عبدي (وقال مرّة: فوَّضَ إِليَّ عبدي) فإِذا قال: إِيَّاك نعبد وإيّاك نستعين، قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل فإِذا قال: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضَّالين قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل\" (١).\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ٣٩٥، وتقدّم.","vol":"2","page":294},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-607>ما يُنهى عن فِعله في الصلاة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-608>١ - العبث بالثوب أو البدن إلاَّ لحاجة</span>.\nفعن مُعَيقيب \"أنَّ النّبيّ - ﷺ - قال في الرجل يسوّي التراب حيث يسجد قال: إِنْ كنتَ فاعلًا فَوَاحِدَةً\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-609>٢ - التخصّر في الصلاة:</span>\nفعن أبي هريرة عن النّبيّ - ﷺ - \"أنَّه نهى أن يصلّي الرجل مختصرًا\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-610>٣ - رفع البصر إِلى السماء:</span>\nفعن أبي هريرة -﵁- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"لينتهينّ أقوامٌ عن رفعهم أبصارَهم عند الدعاء في الصلاة إِلى السماء؛ أو لتخطَفَنّ أبصارُهم\" (٣).\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٢٠٧، ومسلم: ٥٤٦، وتقدّم في أعمال أخرى مباحة في الصلاة.\nسألت شيخنا -شفاه الله- عن العبث بالثوب أو الحصى فقلت: يقول بعض العلماء بكراهة ذلك، أو ليس النهي هنا يفيد التحريم؟\nفأجاب إِن الكراهة قد تقوى إِذا كثُرت الحركات حكى تبلغ إِلى إِبطال الصلاة وهو يشير -شفاه الله تعالى- إِلى ما قاله بعض العلماء فيما لو رآه من كان في خارج الصلاة ظنّ أنه لا يصلّي لكثرة حركاته، فهنا يُحكم ببُطلان صلاته.\n(٢) أخرجه البخاري: ١٢٢٠، ومسلم: ٥٤٥، والنهي يفيد التحريم إلاَّ لقرينة، فدلّ على التحريم، وبتحريم الاختصار يقول شيخنا -حفظه الله تعالى-.\n(٣) أخرجه مسلم: ٤٢٩","vol":"2","page":295},{"text":"وقوله لتُخطَفَنّ أبصارُهم يدل على التحريم، وبه يقول شيخنا -حفظه الله تعالى-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-611>٤ - الالتفات لغير حاجة </span>(١):\nعن عائشة -﵂- قالت: سألت رسول الله - ﷺ - عن الالتفات في الصلاة، فقال: \"هو اختلاسٌ (٢) يختلسه الشيطان من صلاة العبد\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-612>٥ - النظر إِلى ما يلهي ويشغل:</span>\nعن عائشة \"أنَّ النّبيّ - ﷺ - صلّى في خميصةٍ (٤) لها أعلام فنظر إِلى أعلامها نظرةً، فلما انصرف قال: اذهبوا بخميصتي هذه إِلى أبي جهم واْئتوني بأنبِجانية (٥) أبي جهم، فإِنّها ألهتني آنفًا عن صلاتي\" (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-613>٦ - تغميض العينين:</span>\nويفعله بعض المصلّين استجلابًا للخشوع، وليس هذا بصواب، وسألت شيخنا -حفظه الله- عمّن يُغمض عينيه في الصلاة فقال: \"هو مكروه؛\n_________\n(١) استفدته من \" الوجيز\".\n(٢) اختلاس: أي: اختطاف بسرعة. \"فتح\" (٢/ ٣٣٥).\n(٣) أخرجه البخاري: ٧٥١، وتقدّم.\n(٤) الخميصة: ثوب يُنسج من صوف مُعْلم ونحوه، وقيل: لا تسمّى خميصة إلاَّ أن تكون سوداء مُعلمة، وكانت من لباس الناس قديمًا. \"النهاية\" بتصرف يسير.\n(٥) الأنْبِجانية: كساء غليظ لا علم له، يُقال: كبش أنبجاني: إِذا كان مُلْتفًّا، كثير الصوف وكساء أنبِجاني كذلك. \"فتح\".\n(٦) أخرجه البخاري: ٣٧٣، ومسلم: ٥٥٦","vol":"2","page":296},{"text":"خلاف السنّة\".\n\n٧ - السدل (١) وتغطية الفم:\nعن أبي هريرة \"أنَّ رسول الله - ﷺ - نهى السّدل في الصلاة، وأن يغطّي الرجل فاه\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-615>٨ - الكلام في الصلاة:</span>\nعن عبد الله بن مسعود -﵁- قال: \"نُهينا عن الكلام في الصلاة، إلاَّ بالقرآن، والذكر\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-616>٩ - الصلاة بحضرة الطعام ومدافعة الأخبثين ونحو ذلك:</span>\nعن عائشة -﵂- قالت: \"سمعْت رسول الله - ﷺ - يقول: لا\n_________\n(١) قال الخطابي: السدل إِرسال الثوب حتى يصيب الأرض. وقال في \"النيل\": قال أبو عبيد في \"غريبه\": السدل إِسبال الرجل ثوبه من غير أن يضمّ جانبيه بين يديه، فإِنْ ضمّه فليس بسدل. قال صاحب \"النهاية\": هو أن يلتحف بثوبه ويُدخِل يديه من داخل، فيركع ويسجد وهو كذلك، قال: وهذا مطّرد في القميص وغيره من الثياب. قال: وقيل: هو أن يضع وسط الإِزار على رأسه، ويرسل طرفيه عن يمينه وشماله من غير أن يجعلهما على كتفيه. وقال الجوهرى: سَدَل ثوبه يسدله بالضم سدلًا أي: أرخاه، ولا مانع من حمل الحديث على جميع هذه المعاني إِنْ كان السدل مشتركًا بينها، وحمْل المشترك على جميع معانيه هو المذهب القويّ. عن \"عون المعبود\" (٢/ ٢٤٤) وذكره الشيخ عبد العظيم -حفظه الله تعالى- في \"الوجيز\".\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٥٩٧) بإِسناد حسن، وانظر \"المشكاة\" (٧٦٤).\n(٣) أخرجه الطبراني في \"الكبير\"، وانظر \"الصحيحة\" (٢٣٨٠).","vol":"2","page":297},{"text":"صلاة بحضرة الطعام، ولا هو يدافعه الأخبثان (١) \" (٢).\nوهذا الحديث قد أفاد التحريم وبه يقول شيخنا -حفظه الله تعالى- وسألته هل ترون أنّ هذا الحديث قد أفاد التحريم، فأجاب: \"نعم\" وقال: \"وهذا إِنْ كان تائقًا للطعام، وإِلا قدّم الصلاة على الطعام\": وقال: ... وابن حزم يرى البُطلان.\nوعن ابن عمر -﵄- قال: \"قال رسول الله - ﷺ - إِذا وُضع عَشاء أحدكم وأقيمت الصلاة؛ فابدَؤا بالعَشاء ولا يعجل حتى يفرغ منه، وكان ابن عمر يوضع له الطعام وتقام الصلاة فلا يأتيها حتى يفرُغ وإنّه ليسمع قراءة الإِمام\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-617>١٠ - الصلاة عند النعاس:</span>\nعن عائشة -﵂- أنَّ النّبيّ - ﷺ - قال: \"إِذا نَعَس أحدكم في الصلاة، فليرقد حتى يذهب عنه النوم. فإِنّ أحدكم إِذا صلّى وهو ناعسٌ، لعلّه يذهب يستغفر فيسُبُّ نفسه\" (٤).\nوعن أبي هريرة -﵁- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"إِذا قام أحدكم\n_________\n(١) الأخبثان: هما الغائط والبول. \"النهاية\".\n(٢) أخرجه مسلم: ٥٦٠\n(٣) أخرجه البخاري: ٦٧٣، والمرفوع عنه في مسلم: ٥٥٩، وتقدّم.\n(٤) أخرجه البخاري: ٢١٢، ومسلم: ٧٨٦","vol":"2","page":298},{"text":"من الليل فاستعجم القرآنُ على لسانه (١) فلم يدْرِ ما يقول فليضطجع\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-618>١١ - البُصاق </span>جهة القبلة، أو عن يمينه، لقوله - ﷺ -: \"إِنَّ أحدكم إِذا قام يصلّي؛ فإِن الله -﵎- قِبَل وجهه، فلا يبصقنّ قِبَل وجهه، ولا عن يمينه\" (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-619>١٢ - التثاؤب </span>لقوله - ﷺ -: \"إِذا تثاوب أحدكم في الصلاة، فليكظم ما استطاع؛ فإِنَّ الشيطان يدخل\" (٤).\n١٣ - كفْت (٥) الشعر والثوب، لقوله - ﷺ -: \"أُمِرتُ أن أسجد على سبعة أعظُم: على الجبهة -وأشار بيده على أنفه- واليدين والركبتين وأطراف القدمين، ولا نكفتَ الثياب والشَّعَر\" (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-621>١٤ - الاعتماد على اليد في الصلاة وتشبيك اليدين:</span>\nعن ابن عمر قال: \"نهى رسول الله - ﷺ - أن يجلس الرجل في الصلاة وهو معتمد على يده\" (٧).\n_________\n(١) استعجم القرآن على لسانه: \" لم يُفصِح به، وأُرتِج عليه فلم يقدر أن يقرأ، كأنّه صار به عُجمة\". \"النهاية\".\n(٢) أخرجه مسلم: ٧٨٧، وتقدّم.\n(٣) أخرجه مسلم: ٣٠٠٨\n(٤) أخرجه مسلم: ٢٩٩٥\n(٥) الكفْت: الجمع والضّم.\n(٦) أخرجه البخاري: ٨١٢، ومسلم: ٤٩٠\n(٧) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٨٧٥) والحاكم وغيرهما، وانظر =","vol":"2","page":299},{"text":"وعن إِسماعيل بن أمية قال: \"سألت نافعًا عن الرجل يصلّي وهو مشبك يديه، قال: قال ابن عمر: تلك صلاة المغضوب عليهم\" (١).\nوعن ابن عمر \" أنّه رأى رجلًا يتّكي على يده اليسرى وهو قاعد في الصلاة -وقال هارون بن زيد-: ساقطًا على شقه الأيسر، فقال له: لا تجلس هكذا؛ فإِن هكذا يجلس الذين يعذبون\" (٢).\n_________\n= \"الإِرواء\" (٣٨٠).\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٨٧٦) وغيره، وانظر \"الإِرواء\" (٣٨٠).\n(٢) أخرجه أحمد وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٨٧٧) والبيهقي، وانظر \"الإِرواء\" (٣٨٠).","vol":"2","page":300},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-622>مبطلات الصلاة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-623>١ - الأكل والشرب عمدًا:</span>\nقال ابن المنذر في \"الأوسط\" (٣/ ٢٤٨): \"أجمع أهل العلم على أنَّ المصلّي ممنوع من الأكل والشرب، وأجمع كلّ من نحفظ عنه من أهل العلم أنَّ على من أَكل أو شرب في الصلاة عامدًا الإِعادة\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-624>٢ - الكلام عمدًا في غير مصلحة الصلاة </span>(١):\nقال ابن المنذر في \"الأوسط\" (٣/ ٢٣٤): \"أجمع أهل العلِم على أنَّ من تكلّم في صلاته عامدًا لكلامه، وهو لا يريد إِصلاح شيء من أمرها أنّ صلاته فاسدة\".\nعن زيد بن الأرقم قال: \"كنّا نتكلّم في الصلاة يُكلِّم الرجل صاحبه وهو إِلى جنبه في الصلاة، حتى نزلت: ﴿وقوموا لله قانتين (٢)﴾ (٣) فأُمِرْنا بالسكوت ونُهِينا عن الكلام\" (٤).\nوعن عبد الله بن مسعود -﵁- قال: \"كنّا نُسلِّم على النّبيّ - ﷺ -\n_________\n(١) هذا العنوان من \"فقه السنة\".\n(٢) قانتين: أى مطيعين: هو تفسير ابن مسعود أخرجه ابن أبي حاتم بإِسناد صحيح. \"فتح\" (٨/ ١٩٨). وقال ابن كثير في \"تفسيره\": أي: \"خاشعين: ذليلين مستكينين بين يديه، وهذا الأمر مستلزِمٌ ترْك الكلام في الصلاة؛ لمنافاته إِياها\".\n(٣) البقرة: ٢٣٨\n(٤) أخرجه البخاري: ١٢٠٠، ومسلم: ٥٣٩ وهذا لفظه.","vol":"2","page":301},{"text":"وهو في الصلاة فيردُّ علينا، فلمّا رجعْنا من عند النجاشيِّ سلّمْنا عليه فلم يردّ علينا وقال: إِنّ في الصلاة شُغُلًا\" (١).\nأمّا من تكلّم ناسيًا أو جاهلًا بالحُكم فصلاته صحيحة، كما في حديث معاوية بن الحكم السُّلميّ قال: \"بَيْنا أنا أُصلّي مع رسول الله - ﷺ - إِذ عطس رجل من القوم فقلت: يرحمك الله! فرماني القوم بأبصارهم (٢) فقلت: واثكْلَ أُمِّياهْ (٣)! ما شأنكم (٤) تنظرون إليَّ؛ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلمّا رأيتهم يُصَمِّتُونني (٥) لكنِّي سكتُّ. فلما صلّى رسول الله - ﷺ - فبأبي هو وأمِّي! ما رأيتُ معلّمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه. فوالله! ما كَهَرني (٦) ولا ضربني ولا شتمني. فال: إِنَّ هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إِنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن\" (٧).\nجاء في \"المرقاة\" (٣/ ٦٢): \"قال القاضي: أضاف الكلام إِلى الناس ليخرج منه الدعاء والتسبيح والذكر، فإِنّه لا يراد بها خطاب الناس وإِفهامهم.\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١١٩٩، ومسلم: ٥٣٨\n(٢) أي: نظروا إِليّ نظْر زجْر؛ كيلا أتكلمّ في الصلاة. قاله الطيبي كما في \"المرقاة\" (٣/ ٦١).\n(٣) بكسر الميم والثُّكْل بضمٍّ وسكون وبفتحهما: فقدان المرأة ولدها، والمعنى: وافقدها لي فإِني هلكْت. \"المرقاة\".\n(٤) أي: ما حالكم وأمركم؟\n(٥) أي: يسكّتونني.\n(٦) أي: ما قهرَني وزجَرني وما استقبَلني بوجه عبوس. \"مرقاة\" بتصرف.\n(٧) أخرجه مسلم: ٥٣٧","vol":"2","page":302},{"text":"قال النووي: وفيه أنّ من حلف أن لا يتكلّم فسبّح أو كبّر أو قرأ القرآن لا يحنث، وفي \"شرح السنّة\"، لا يجوز تشميت العاطس في الصلاة، فمن فعل بطلت صلاته، وفيه أنّ كلام الجاهل بالحكم لا يبطلها إِذ لم يأمره [رسول الله - ﷺ -] بإِعادة الصلاة، وعليه أكثر العلماء من التابعين، وبه قال الشافعي، وزاد الأوزاعي وقال: إِذا تكلم عامدًا بشيء من مصلحة الصلاة مِثل: إِنْ قام الإِمام في محل القعود فقال: اقعد، أو جهَر في موضع السرّ فأخبَره لم تبطل صلاته (١) اهـ.\nوقال ابن حجر: أجمعوا على بطلانها بالكلام العمد لغير مصلحة الصلاة، واعترض الإِجماع بأنّ ابن الزبير قال: من قال وقد مطروا في الصلاة: يا هذا خفف فقد مُطِرنا لا تبطل صلاته\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-625>٣ - الاشتغال الكثير بما ليس من الصلاة:</span>\nقال الشوكاني في \"الدرر البهية\" (١/ ٢٨٤): \"وذلك مُقيَّد بأن يخرج به المصلّي عن هيئة الصلاة؛ كمن يشتغل مثَلًا بخياطة أو نجارة، أو مشْيٍ كثيرٍ، أو التفاتٍ طويل، أو نحو ذلك، وسبب بطلانها بذلك أنّ الهيئة المطلوبة من المصلّي قد صارت بذلك الفعل متغيرة عمّا كانت عليه، حتى صار الناظر لصاحبها لا يعدّه مصليًا\".\nوقال محمد صدّيق البخاري في \"الروضة الندية\" (١/ ٢٨٥) -بحذف-: \"اختلف أنظار أهل العلم في تعريف الفعل الكثير المفسد للصلاة والمبطل لها والذي أراه طريقًا إِلى معرفة الفعل الكثير، أن ينظر المتكلّم في ذلك إِلى\n_________\n(١) قلت: \"وهذا إِذا لم يعقل الإِمام مراده من التسبيح فيتكلّم\".","vol":"2","page":303},{"text":"ما صدر منه - ﷺ - من الأفعال (١)، مثل حمْله لأُمامة بنت أبي العاص، ونحو ذلك مما وقع منه - ﷺ - لا لإِصلاح الصلاة، فيحكم بأنّه غير كثير، وكذلك ما وقع لقصد إصلاح الصلاة مثل خلْعه - ﷺ - للنعل، وإِذنه بمقاتلة الحيّة وما أشبه ذلك (٢). ولكنه إِذا صدر من المصلي من الأفعال التي لمجرّد العبث ما يخرج به عن هيئة من يؤدي هذه العبادة؛ مِثل أن يشتغل بعملٍ من الأعمال التي لا مدخل لها في الصلاة ولا في إِصلاحها نحو: حمل الأثقال والخياطة، والنسج ونحو ذلك فهذا غير مُصلٍّ\".\nثمَّ ذكر ما جاء في \"الحجة البالغة\" (٢/ ١٣ - ١٤): \"إِنَّ النّبيّ - ﷺ - قد فعل أشياءَ في الصلاة بيانا للمشروعية، وقرر على أشياءَ، فذلك وما دونه لا يُبطِل الصلاة.\nوالحاصل من الاستقراء؛ أنّ القول اليسير مِثل: ألعنك بلعنه الله، ويرحمك الله وياثكل أمّاه، وما شأنكم تنظرون إِليَّ [بغير عمد]، والبطش اليسير مثل: وضع صبية من العاتق ورفعها، وغمز الرجل، ومثل فتح الباب (٣) والمشي اليسير كالنزول من درج المنبر إِلى مكان ليتأتى منه السجود في أصل المنبر، والتأخر من موضع الإِمام إِلى الصف، والتقدّم إِلى الباب المقابل ليفتح، والبكاء خوفًا من الله تعالى، والإِشارة المُفهِمة، وقتل الحية والعقرب،\n_________\n(١) انظر ما يباح فِعله في الصلاة.\n(٢) لحديث أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"اقتلوا الأسودين في الصلاة: الحية والعقرب\". وتقدّم.\n(٣) إِن كان في جهة القبلة.","vol":"2","page":304},{"text":"واللحظ يمينًا وشمالًا من غير ليِّ العنق لا يفسد، وإنْ تعلّق القذر بجسده أو ثوبه إِذا لم يكن بفعله، أو كان لا يعلمه لا يفسد\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-626>٤ - ترْك شرط أو رُكن عمدًا بلا عُذر:</span>\nوذلك لما تقدّم في قول النّبيّ - ﷺ - للمسيء صلاته: \"ارجع فصلِّ فإِنّك لم تُصلِّ\".\nوقد أمَر النّبيّ - ﷺ - من رأى لمعة في ظهر قدمه لم يُصبها الماء؛ أن يعيد الوضوء والصلاة (٢).\nجاء في \"الروضة النديّة\" (١/ ٢٨٨): \"وإذا ترك الركن فما فوقه سهوًا فعَله، وإن كان قد خرج عن الصلاة، كما وقع منه -صلّى الله تعالى عليه وآله وسلّم- في حديث ذي اليدين (٣)، فإِنّه سلم عن ركعتين ثمَّ أخبر بذلك، فكبّر وفعل الركعتين المتروكتين، وأمّا ترْك ما لم يكن شرطًا ولا ركنًا من الواجبات فلا تبطل به الصلاة؛ لأنّه لا يؤثر عدمه في عدمها، بل حقيقة الواجب ما يمدح فاعله ويذمّ تاركه، وكونه يذمّ لا يستلزم أنّ صلاته باطلة\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-627>٥ - الضحك في الصلاة:</span>\nنقل ابن المنذر الإِجماع على بُطلان الصلاة بالضحك (٤).\n_________\n(١) وفي كل هذا أو ما يشبهه أحاديثُ ثابتة.\n(٢) تقدم في الترهيب من النقص في غَسل الرجلين.\n(٣) تقدّم.\n(٤) الإِجماع: ٤٠","vol":"2","page":305},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-628>قضاء الصّلاة</span>\nإِنَّ الكلام في هذا الموضوع يطول، فأختصر منه ما يناسب المقام، فأقول وبالله أستعين: أوّلًا:\nعن أنس -﵁- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"من نسي صلاة فليصلِّها إِذا ذكَرها، لا كفّارة لها إلاَّ ذلك ﴿وأقمِ الصلاة لذِكري﴾ (١) \" (٢)\nوفي رواية: \"من نسي صلاة أو نام عنها، فكفارتها أن يُصليها إِذا ذَكرها\" (٣).\nوفي رواية: \"إِنّه لا تفريط في النوم، إِنّما التفريط في اليقظة ... \" (٤).\nوعن أبي قتادة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ليس في النوم تفريط (٥)، إِنما التفريط في اليقظة أن تؤخَّر صلاة حتى يدخل وقت أخرى\" (٦).\nوقال إِبراهيم النخعي: من ترك صلاةً واحدةً عشرين سنة، لم يُعِد إلاَّ تلك الصلاة الواحدة (٧).\n_________\n(١) طه: ١٤\n(٢) أخرجه البخاري: ٥٩٧، ومسلم: ٦٨٤، وتقدّم.\n(٣) أخرجه مسلم: ٦٨٤\n(٤) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٤٢٢).\n(٥) أي تقصير.\n(٦) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٤٢٥) وغيره، وتقدّم.\n(٧) رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم، وقال شيخنا: \"وصلَه الثوري في \"جامعه\" عن منصور وغيره كما في \"الفتح\" فهو صحيح الإِسناد\".","vol":"2","page":306},{"text":"بعد هذه النصوص المتقدمة أقول:\n١ - ينبغي أن نعقل ما يترتّب على قوله - ﷺ -: \"إِنّه ليس في النّوم تفريط\"، ويُعيننا على ذلك قوله - ﷺ -: \"رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المبتلى حتى يبرأ (وفي رواية: وعن المجنون، وفي لفظ المعتوه حتى يعقل أو يُفيق)، وعن الصبي حتى يكبر (وفي رواية: حتى يحتلم) \" (١).\nفنفي التفريط عن النوم وإِثباته في اليقظة له شأن عظيم، ولا ينبغي التسوية بين النائم والمستيقظ، ولا نجعل قوله - ﷺ -: \"ليس في النّوم تفريط\" كقول الغافل: \"ليس في اليقظة تفريط\"! ولا سيما أنَّ ذلك جاء مُؤكَّدًا في قوله - ﷺ -: \"إِنّما التفريط في اليقظة\".\nفهذا يفيد التعيين. جاء في \"مختار الصحاح\": \"وإِن زِدْتَ على إِنّ (ما) صارت للتعيين، كقوله تعالى: ﴿إِنّما الصّدقات للفقراء﴾ الآية، لأنّه يوجب إِثبات الحُكم للمذكور ونفيه عمّا عَداه\".\nوفسّر ﵊ معنى التفريط في اليقظة فقال: \" ... إِنّما التفريط في اليقظة؛ أن تؤخّر صلاةً حتى يدخُل وقْت أُخرى\".\nوالمراد من مقدّمات التفريط وعدمه؛ بيان من يجوز له أن يصلّي بعد الوقت المُقرَّر، فمن أخّر صلاة حتى يدخل وقت أخرى فقط فرّط، فضلًا عمّن أخّرها حتى تدخل صلوات كثيرة.\n٢ - بيان جواز قضاء الفائتة لصنفٍ مُعيَّن ومحدّد وذلك في قوله - ﷺ -: \" ... من نسي صلاة أو نام عنها\".\n_________\n(١) أخرجه أبو داود وغيره، وصححه شيخنا في \"الإِرواء\" (٢٩٧).","vol":"2","page":307},{"text":"فبعد المقدّمات التي أشَرْت إليها؛ بيَّن النّبيّ - ﷺ - من يسوغ له أن يصلّي الفائتة بقوله: \"من نسي صلاةً أو نام عنها\".\nفالعُذر: نسيان أو نوم، فإِذا سويّنا بين المتعمّد، أو النّاسي والنائم والمعذور وغير المعذور، فما قيمة الحديث؟\n٣ - ولا شكّ أن (مَن) شَرْطيَّة، فِعْلها (نسي) و(نام) معطوفة على (نَسي)، وجواب الشرط (ليُصلّها إِذا ذكَرها). واللام هنا لام الأمر، وهي ممّا يُؤكّد ما نحن فيه مِن قول.\nفهذه الصلاة فقط لمن نام أو نسي، ولكن هل هذه الرخصة مطلقة؟ كلاّ لأنها جاءت مشروطةً موقوتة.\nفقوله - ﷺ -: \"فليصلّها إِذا ذكَرها\" يدّل على تقييد ذلك حين التذكر لا يتجاوزه، ولم يقُلِ النّبيّ - ﷺ -: \"فليصلها متى شاء\". وهذا للمعذور فكيف بغير المعذور!\nثمَّ يأتي قوله - ﷺ -: \"لا كفّارة لها إلاَّ ذلك\". فهذه اللام نافية للجنس، أي: تنفي جنس الكفّارات، والمعنى: لا كفّارة إلاَّ أن يُصلّيها حين يذكرها، وماذا إِذا أجَّلها مرَّة أُخرى وأخَّرها، أنقول إِنَّ له كفارة؟! وهل يليق بنا أن نُثبت ما نفاه رسول الله - ﷺ -؟\nوالخلاصة المتقدمة من هذه النّصوص:\nمن أضاع صلاةً حتى خرَج وقتها وهو مستيقظ لغير عُذر نصّ عليه الشرع فهو مفرّط؛ ومن نام عن صلاة أو نسيها فليس بمفرِّط أو مقصِّر، فله أن يصلّي ما فات، إِذ هو معذورٌ بذلك، ولكن عليه أن يصلّي ما فاته حين يذكر الصلاة،","vol":"2","page":308},{"text":"ولا كفّارة لما وقَع فيه من ترْك الصلاة سوى ذلك: أي: الصلاة حين يذكرها.\nولا بدّ من مراعاة معرفة المفرّط من غير المفرّط، لأنّه بها يتحدّد من يجوز له الصلاة بعد فوات وقتها (١) ممّن لا يجوز له ذلك.\nثانيًا: وممّا يحسُن بنا أن نعلم أنّ أمر الكفَّارات توقيفيّ، فهناك أمور كفّارتها إِقامة الحدّ مِن جَلْد أو رجم أو إِطعام ... وأمور كفّارتها الصيام، وأمور لا كفّارة لها سوى التوبة والإِنابة، فاليمين الغموس لا كفّارة لها مِن صيام ونحوه، ككفّارة مَن حلف وهو غير قادر على الإطعام، ولا يُقال للقاتل عمدًا: لك أن تكفِّر كمن قتل خطأً ...، بل إِنّه قد خطئ الحقّ من قال: إِنَّ مَن قتَل عمدًا لهو أولى بصيام شهرين متتابعين ممّن قتَل خطأً.\nفهذا أبلغ في الزجر والتعنيف، وبيان ما لهذه الأمور من حُرمة، وكذلك ليس مَن ترك الصلاة عمدًا حتى يخرج وقتها؛ كمن نام عنها أو نَسيها.\nولو أنَّ رجلًا حلف فقال: والله لأطعمنّ زيدًا قبل العصر، فإِنّه لا يجزئه أن يُطعم زيدًا نفسه بعد العشاء، ولكن عليه أن يطعم عشرة أشخاص.\nولو أنَّ رجلًا جامع في نهار رمضان عامدًا؛ فإِنّه لا يجزئه أن يصوم يومًا بعد رمضان، بل يجب عليه صيام شهرين متتابعين.\nفليس لنا أن نقول لمن ضيّع صلاة وفرّط فيها: عليك أن تصلّي صلاةً واحدةً تكفِّر ما فَعَلْت!\nثالثًا: وفي الحديث: \"أوّل ما يُحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة فإِنْ\n_________\n(١) بل هو وقتها بالنسبة للمعذور، فالوقت وقتان: وقت اختيار ووقت عُذر، وسيأتي قريبًا كلام ابن القيّم -﵀- في ذلك.","vol":"2","page":309},{"text":"كان أكملها كُتبت له كاملة، وإِن لم يكن أكمَلها، قال للملائكة: انظروا هل تجِدون لعبدي مِن تطوُّع؛ فأكمَلوا بها ما ضَيّع مِن فريضة، ثمَّ الزكاة، ثمَّ تُؤخذ الأعمال على حسب ذلك\" (١).\nولم يقُل: \" .. انظروا هل تجدون لعبدي من قضاء\" فلنا من هذا الحديث أنْ نأمر من فاتته صلوات بغير ما سبق من أعذار، أن يكثر من التطوّع والتنفّل، وهو غير قضاء الفريضة، وخير الهدي هدي محمّد - ﷺ -.\nرابعًا: قال شيخنا -حفظه الله تعالى- في \"الصحيحة\" -بحذف يسير- تحت الحديث (٦٦) بلفظ: \"إِذا أدرك أحدكم أوّل سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس؛ فليتمّ صلاته، وإذا أدرك أوّل سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس؛ فليتمّ صلاته\".\n\"ومعنى قوله - ﷺ -: \"فليتمّ صلاته\"؛ أي: لأنّه أدركها في وقتها وصلاّها صحيحة، وبذلك برئت ذمّته، وأنّه إِذا لم يدرك الركعة؛ فلا يتمّها؛ لأنها ليست صحيحة بسبب خروج وقتها؛ فليست مبرئة للذمّة.\nولا يخفى أنّ مثله -وأولى منه- من لم يدرك من صلاته شيئًا قبل خروج الوقت؛ فإِنّه لا صلاة له، ولا هي مبرئة لذمّته؛ أي: أنّه إِذا كان الذي لم يدرك الركعة لا يؤمر بإِتمام الصلاة؛ فالذي لم يدركها إِطلاقًا أولى أن لا يؤمر بها، وليس ذلك إلاَّ من باب الزجر والردع له عن إِضاعة الصلاة، فلم يجعل الشارع الحكيم لمثله كفّارة كي لا يعود إِلى إِضاعتها مرّة أخرى؛ متعلّلًا بأنّه يمكنه\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه وأحمد بسند صحيح، وانظر \"تخريج الإِيمان\" لابن أبي شيبة رقم (١١٢).","vol":"2","page":310},{"text":"أنْ يقضيها بعد وقتها، كلاّ فلا قضاء للمتعمّد؛ كما أفاد هذا الحديث الشريف وحديث أنس: \"لا كفّارة لها إلاَّ ذلك\".\nومن ذلك يتبيّن لكلّ من أوتي شيئًا من العلم والفقه في الدين؛ أنّ قول بعض المتأخّرين: \"وإِذا كان النائم والناسي للصلاة -وهما معذوران- يقضيانها بعد خروج وقتها؛ كان المتعمد لتركها أولى\"؛ أنه قياس خاطئ؛ بل لعله من أفسد قياس على وجه الأرض؛ لأنَّه من باب قياس النقيض على نقيضه، وهو فاسد بداهة، إِذ كيف يصحّ قياس غير المعذور على المعذور والمتعمد على الساهي؟! ومن لم يجعل الله له كفّارة على من جعل الله له كفّارة؟! وما سبب ذلك إلاَّ من الغفلة عن المعنى المراد من هذا الحديث الشريف، وقد وفّقنا الله تعالى لبيانه، والحمد لله تعالى على توفيقه.\nوللعلامة ابن القيّم -رحمه الله تعالى- بحث هام مفصّل في هذه المسألة، أظنّ أنَّه لم يُسبَق إِلى مثله في الإِفادة والتحقيق، وأرى من تمام هذا البحث أن أنقل منه فصلين: أحدهما في إِبطال هذا القياس، والآخر في الردّ على من استدل بهذا الحديث على نقيض ما بيَّنَّا، قال -﵀- بعد أن ذكر القول المتقدّم-: \"فجوابه من وجوه:\nأحدها: المعارضة بما هو أصحّ منه أو مِثله، وهو أن يقال: لا يلزم من صحة القضاء بعد الوقت من المعذور -المطيع لله ورسوله الذي لم يكن منه تفريط في فِعل ما أمر به وقبوله منه- صحته وقبوله من متعدٍّ لحدود الله، مضيِّع لأمره، تارك لحقّه عمدًا وعدوانًا؛ فقياس هذا في صحّة العبادة وقَبولها منه وبراءة الذمة بها من أفسد القياس.","vol":"2","page":311},{"text":"الوجه الثاني: أن المعذور بنوم أو نسيان لم يصل الصلاة في غير وقتها، بل في نفس وقتهَا الذي وقّته الله له؛ فإِنّ الوقت في حقّ هذا حين يستيقظ ويذكر؛ فالوقت وقتان: وقت اختيار، ووقت عذر، فوقت المعذور بنوم أو سهو هو وقت ذِكْره واستيقاظه؛ فهذا لم يصلّ الصلاة إلاَّ في وقتها، فكيف يقاس عليه من صلاّها في غير وقتها عمدًا وعدوانًا؟!\nالثالث: أن الشريعة قد فرَّقت في مواردها ومصادرها بين العامد والناسي، وبين المعذور وغيره، وهذا ممّا لا خفاء به؛ فإِلحاق أحد النوعين بالآخر غير جائز.\nالرابع: أنّا لم نُسقِطها عن العامد المفرط ونأمر بها المعذور حتى يكون ما ذكرتم حجَّة علينا، بل ألزمْنا بها المفرِّط المتعدّي على وجه لا سبيل له إِلى استدراكها تغليظًا عليه، وجوزنا للمعذور غير المفرط.\nوأمّا استدلالكم بقوله - ﷺ -: \"من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس؛ فقد أدرك\"؛ فما أصحّه من حديث! وما أراه على مقتضى قولكم! فإِنكم تقولون: هو مُدرِكٌ للعصر، ولو لم يدرك من وقتها شيئًا البتة؛ بمعنى: أنّه مُدرِك لفعلها صحيحة منه مبرئة لذمته، فلو كانت تصح بعد خروج وقتها وُتقبل منه؛ لم يتعلّق إِدراكها بركعة، ومعلوم أن النّبيّ - ﷺ - لم يُرِد أن من أدرك ركعة من العصر صحت صلاته بلا إِثم، بل هو آثم بتعمّد ذلك اتفاقًا؛ فإِنّه أُمِر أنّ يوقع جميعها في وقتها، فعُلم أن هذا الإِدراك لا يرفع الإِثم، بل هو مُدرِك آثم، فلو كانت تصح بعد الغروب؛ لم يكن فرق بين أن يدرك ركعة من الوقت؛ أو لا يدرك منها شيئًا\". انتهى.","vol":"2","page":312},{"text":"هذا وقد استدل القائلون بالقضاء بحديث الخثعمية إِذ قال لها النّبيّ - ﷺ - فدَين الله أحقّ أن يُقضى وهو من حديث ابن عباس -﵁- قال: \"كان الفضل رديف رسول الله - ﷺ - فجاءت امرأة من خثعم فجعل الفضل ينظر إِليها وتنظر إِليه، وجعل النّبيّ - ﷺ - يصرف وجه الفضل إِلى الشقِّ الآخر فقالت: يا رسول الله إِن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يثبت على الراحلة؛ أفأحُجُّ عنه، قال: نعم، وذلك في حَجَّة الوداع\" (١).\nوفي رواية: \"فإِنّ الله أحق بالوفاء\" (٢).\nوعن ابن عباس -﵄- أيضًا أنَّ امرأة أتت رسول الله - ﷺ - فقالت: إِنَّ أمّي ماتت وعليها صوم شهرٍ. فقال: \"أرأيتِ لو كان عليها دين، أكنتِ تقضينه؟ \" قالت: نعم. قال: \"فدين الله أحقّ بالقضاء\" (٣).\nوردّ على ذلك بعض أهل العلم بقولهم: إِنّ قوله - ﷺ -: \"فدين الله أحقّ أن يقضى\"، فهذا إِنّما قاله - ﷺ - في حقِّ المعذور لا المفرّط، وقد قاله - ﷺ - في النذر المطلق الذي ليس له وقت محدود الطَّرَفين [وتقدّم في حديث المرأة التي جاءت إِلى النّبيّ - ﷺ - فقالت: ... إِنَّ أمّي ماتت وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ ... قال: فدين الله أحقّ أن يُقضى] ومثله الحجّ، ونحن نقول في مثل هذا الدين القابل للأداء: دين الله أحقّ أن يُقضى، فالقضاء المذكور\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٥١٣، ومسلم: ١٣٣٤\n(٢) انظر \"الإِرواء\" (٧٩٠).\n(٣) أخرجه البخاري: ١٩٥٣، ومسلم: ١١٤٨، وغيرهما.","vol":"2","page":313},{"text":"في هذه الأحاديث ليس بقضاء عبادة مؤقتة محدودة الطرفين وبالله التوفيق.\nقال ابن حزم -﵀- في \"المحلّى\" (٢/ ٣١٩) مسألة (٢٧٩): \"وأمّا من تعمّد ترْك الصلاة حتى خرَج وقتها، فهذا لا يقدر على قضائها أبدًا، فليكثر مِن فِعل الخير وصلاة التطوع؛ ليثقل ميزانه يوم القيامة وليستغفر الله ﷿\". وردّ على من يقول بالقضاء ردًّا قويًا فارجع إِليه -إِن شئت-.\nوكذلك لابن القيّم كلام بديع جدير بالاهتمام في \"مدارج السالكين\"، ولشيخنا -شفاه الله- تعليق طيّب على الحديث (١٢٥٧) من \" الضعيفة\"، والله تعالى أعلم.\nإِذا صلاّها في غير وقتها لعُذر، فهل يُسمى قضاءً أو أداءً؟\nقال شيخ الإِسلام -﵀- في \"الفتاوى\" (٢٢/ ٣٧) -بحذف يسير-: فإِن قيل: هذا يسمّى قضاء أو أداء؟\nقيل: الفرق بين اللفظين هو فرق اصطلاحي؛ لا أصل له في كلام الله ورسوله؛ فإِن الله تعالى سمّى فِعل العبادة في وقتها قضاءً، كما قال في الجمعة: ﴿فإِذا قُضِيت الصلاةُ فانتشِروا في الأرض﴾، وقال تعالى: ﴿فإِذا قضيتم مناسِكَكم فاذكروا الله﴾، مع أنّ هذين يُفعلان في الوقت.\nو\"القضاء\" في لغة العرب: هو إِكمال الشيء وإتمامه، كما قال تعالى: ﴿فقضاهنّ سبعَ سموات﴾، أي: أكملهنّ وأتمّهن. فمَن فعَل العبادة كاملة فقد قضاها، وإنْ فعلها في وقتها.\nوقد اتفق العلماء -فيما أعلم- على أنّه لو اعتقد بقاء وقت الصلاة فنواه أداء. ثمّ تبيّن أنّه صلّى بعد خروج الوقت صحت صلاته، ولو اعتقد خروجه","vol":"2","page":314},{"text":"فنواها قضاء ثمَّ تبين له بقاء الوقت أجزأته صلاته. وكل من فعل العبادة في الوقت الذي أُمِر به أجزأته صلاته، سواءٌ نواها أداءً أو قضاءً، والنائم والناسي إِذا صلّيا وقت الذكر والانتباه فقد صلّيا في الوقت الذي أُمِرا بالصلاة فيه، وإِنْ كانا قد صليا بعد خروج الوقت المشروع لغيرهما. فمن سمّى ذلك قضاءً باعتبار هذا المعنى، وكان في لغته أنّ القضاء فِعل العبادة بعد خروج الوقت المقدر شرعًا للعموم، فهذه التسمية لا تضرّ ولا تنفع.","vol":"2","page":315},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-629>صلاة المريض</span>\nمن لم يستطع الصلاة قائمًا مِن مرض صلّى قاعدًا، ومن لم يستطع الصلاة قاعدًا صلّى على جنب:\nقال الله تعالى: ﴿الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم﴾ (١).\nقال ابن كثير في \"تفسيره \" -بتصرّف يسير-: \" ... ثمَّ وصف تعالى أولي الألباب فقال: ﴿الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم﴾ كما في حديث عمران بن حصين: أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"صلِّ قائمًا، فإِن لم تستطع فقاعدًا، فإِن لم تستطع فعلى جنب\" (٢) \"أي: لا يقطعون ذِكْره في جميع أحوالهم بسرائرهم وضمائرهم وألسنتهم\".\nوعن ابن عمر -﵄- قال: عاد رسول الله - ﷺ - رجلًا من أصحابه مريضًا وأنا معه، فدخل عليه وهو يصلّي على عود، فوضع جبهته على العود فأومأ إِليه، فطرح العود، وأخذ وسادة، فقال رسول الله - ﷺ -: \"دعها عنك إِن استطعت أن تسجد على الأرض، وإِلا فأوْمِ إِيماءً، واجعل سجودك أخفض من ركوعك\" (٣).\n_________\n(١) آل عمران: ١٩١\n(٢) أخرجه البخاري: ١١١٧، وغيره من حديث عمران بن حصين -﵁- قال: كانت بي بواسير، فسألت النّبيّ - ﷺ - عن الصلاة فقال: ... فذكره، وتقدّم في القيام في الفرض.\n(٣) أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" وغيره وإسناده صحيح رجاله كلهم ثقات وانظر التفصيل في \"الصحيحة\" (٣٢٣).","vol":"2","page":316},{"text":"والمُعتبَر في عدم الاستطاعة هو المشقّة أو الخوف من زيادة المرض أو تأخير الشفاء، وسألت شيخنا عن المريض يصلّي مع مشقّة، فأجاب - حفظه الله تعالى-: \"من المشقة ما يُطاق، ومنه ما هو فوق الطاقة، فإِن كان ممّا يُطاق؛ صلى صلاة السليم، وما لا؛ يصلّي صلاة المريض\". انتهى.\nجاء في \"الروضة الندية\" (١/ ٢٩١): \"وإذا تعذّر على المصلّي صفة من صفات صلاة العليل الواردة، أتى بالصلاة على صفة أخرى ممّا ورد، ثمَّ يفعل ما قدر عليه ودخل تحت استطاعته ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ (١)، و\"إِذا أمِرتم بأمر فأتوا منه ما استطعتم\" (٢).\nوسألت شيخنا -حفظه الله تعالى- فقلت: هناك من يفضّل التربع لمن يصلّي جالسًا، فهل ترون هذا التفضيل أم يجلس المريض حسبما يتيسّر (٣)؟\nفقال شيخنا -حفظه الله تعالى-: أولًا: نختار هيئة من الهيئات الواردة في السنة؛ مثلًا الصلاة افتراشية، فإِن كان يسهل عليه التورّك تورّك، أو كانت الصلاة توركيّه لكنّه يستطيع الافتراش؛ فيُؤثِر الافتراش، فإِن كان لا يستطيع هذا ولا ذاك؛ حينئذٍ يأتي بالتربّع، فإِن كان لا يستطيع التربّع، قلنا له: اجلس على راحتك.\nثمَّ سألته قائلًا: وهل يُحمل حديث عائشة -﵂-: \"رأيت\n_________\n(١) التغابن: ١٦\n(٢) أخرجه مسلم: ١٣٣٧\n(٣) سألته في مثل هذا فقال في موطن آخر: \"لو قلت حسبما تقتضيه الحاجة لكان أفضل\".","vol":"2","page":317},{"text":"النّبيّ - ﷺ - يصلّي متربّعًا\" (١) على هذا؟\nفأجاب -حفظه الله تعالى-: \"نعم\".\nومن أهل العلم من يقول: إذا تعذّر الإِيماء من المستلقي لم يجب عليه شيء بعد ذلك، وهذا لا يتفق مع قوله سبحانه: ﴿لا يكلف الله نفسًا إِلا وسعها﴾ (٢)، وقوله - ﷺ - المتقدّم عند مسلم: (١٣٣٧): \"إِذا أمرتم بأمر فأتوا منه ما استطعتم\".\nوسألت شيخنا عن مثل هذا فقلت: هناك من يقول: إِذا عجزَ الإِيماء برأسه، سقطت عنه الصلاة، ولا يلزمه الإِيماء بطرفه، فهل تخالفون هذا من باب: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾؟ فقال -حفظه الله تعالى-: \"نعم\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-630>جواز اتخاذ المريض أو المسنّ شيئًا يعتمد عليه حين يصلّي</span>\nعن أم قيس بنت محصن \"أن رسول الله - ﷺ - لما أسنّ وأخذَه اللحم؛ اتخذَ عمودًا في مصلاه يعتمد عليه\" (٣).\n_________\n(١) أخرجه النسائي \"صحيح سنن النسائي\" (١٥٦٧)، وابن خزيمة في \"صحيحه\" (١٢٣٨) وغيرهما.\n(٢) البقرة: ٢٨٦\n(٣) أخرجه أبو داود والبيهقي والحاكم وقال شيخنا: صحيح على شرط مسلم، وانظر \"الإِرواء\" (٣٨٣).","vol":"2","page":318},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-631>صلاة الخوف</span>\nْقال الله تعالى: ﴿وإِذا كنتَ فيهم فأقمتَ لهم الصلاة فلتقُم طائفةٌ منهم معك وليأخُذوا أسلحتَهم فإِذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يُصلّوا فليصلّوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتَهم ...﴾ (١).\nقال الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ٤٣١) -بحذف-: \" ... عن أحمد قال: ثبت في صلاة الخوف ستة أحاديث أو سبعة، أيها فعل المرء جاز، ومال إِلى ترجيح حديث سهل بن أبي حثمة الآتي في \"المغازي\" (٢)، وكذا رجّحه الشافعي، ولم يختر إِساحق شيئًا على شيء، وبه قال الطبري وغير واحد منهم ابن المنذر وسرد ثمانية أوجه، وكذا ابن حبان في \"صحيحه\" وزاد تاسعًا.\nوقال ابن حزم: صحّ فيها أربعة عشر وجها، وبيّنها في جزء مُفرد.\nقال صاحب الهدى: أصولها ست صفات، وبلغها بعضهم أكثر، وهؤلاء كلما رأوا اختلاف الرواة في قصة جعلوا ذلك من فعل النّبيّ - ﷺ -، وإِنما هو من اختلاف الرواة.\n_________\n(١) النساء: ١٠٢\n(٢) عن سهل بن أبي حثمة قال: \"يقوم الإِمام مستقبل القبلة، وطائفة منهم معه وطائفة من قِبل العدوَ، وجوههم إِلى العدوّ فيصلّي بالذين معه ركعة، ثمَّ يقومون فيركعون لأنفسهم ركعة، ويسجدون سجدتين في مكانهم، ثمَّ يذهب هؤلاء إِلى مقام أولئك فيجيء أولئك فيركع بهم ركعة فله ثنتان، ثمَّ يركعون ويسجدون سجدتين\". أخرجه البخاري: ٤١٣١، ومسلم: ٨٤١ وفيه التصريح بالرّفع.","vol":"2","page":319},{"text":"وقال الخطابي: صلاّها النّبيّ - ﷺ - في أيام مختلفة بأشكال متباينة يتحرى فيها ما هو الأحوط للصلاة والأبلغ للحراسة، فهي على اختلاف صورها متفقة المعنى. انتهى.\nوقال في \"الدراري\": \"وكلّها مجزئة؛ لأنّها ورَدت على أنحاء كثيرة، وكل نحوٍ رُوي عن النّبيّ - ﷺ -، فهو جائز، يفعل الإِنسان ما هو أخفّ عليه وأوفق بالمصلحة حالتئذٍ، كذا في \"الحجّة\".\nوقال في \"الروضة الندية\" -بحذف- أقول: من زعم من أهل العلم أنَّ المشروع من صلاة الخوف ليس إلاَّ صفة من الصفات الثابتة دون ما عداها، فقد أهدر شريعة ثابتة وأبطل سنّة قائمة بلا حجة نيّرة، وغالب ما يدعو إلى ذلك ويوقع فيه، قصور الباع، وعدم الاعتناء بكتب السنّة المطهرة، فالحقّ الحقيق بالقبول جواز جميع ما ثبت من الصفات.\nفإِنْ قلت: ما الحكمة في وقوع هذه الصلاة على أنواع مختلفة؟ قلت: أمران: الأول: اقتضاء الحادثة لذلك والمقتضيات مختلفة، ففي بعض المواطن تكون بعض الصفات أنسب من بعض؛ لما يكون فيها من أخْذ الحذر، والعمل بالحزم ما يناسب الخوف العارض، فقد يكون الخوف في بعض المواطن شديدًا، والعدو متصلًا أو قريبًا، وفي بعض المواطن قد يكون الخوف خفيفًا والعدو بعيدًا، فتكون هذه الصفة أولى بهذا الموطن، وهذه أولى بهذا الموطن.\nالأمر الثاني: أنّه -صلّى الله تعالى عليه وآله وسلّم- فعَلَها متنوّعة إِلى تلك الأنواع؛ لقصد التشريع وإِرادة البيان للناس.","vol":"2","page":320},{"text":"وأمّا صلاة المغرب فقد وقع الإِجماع على أنّه لا يدخلها القصر، ووقع الخلاف، هل الأولى أن يصلّي الإِمام بالطائفة الأولى ركعتين والثانية ركعة أو العكس؟ ولم يثبت في ذلك شيء عن النّبيّ -صلّى الله تعالى عليه وآله وسلّم- والظاهر أنَّ الكل جائز، وإنْ صلّى لكل طائفة ثلاث ركعات، فيكون له ستّ ركعات، وللقوم ثلاث ركعات، فهو صواب قياسًا على فِعله في غيرها، وقد تقرر صحّة إِمامة المتنفّل بالمفترض كما سبق\"، [والله تعالى أعلم].\nجاء في \"الروضة الندية\" (١/ ٣٦٨): وقد صحّ منها أنواع:\n١ - فمنها أنّه صلّى بكل طائفة ركعتين، فكان للنّبيّ - ﷺ - أربع وللقوم ركعتان وهذه الصفة ثابتة في الصحيحين من حديث جابر.\n[قلت: وحديث جابر المشار إِليه في الصحيحين عنه بلفظ: \"كنّا مع النّبيّ - ﷺ - بذات الرِّقاع، فإِذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها للنّبيّ - ﷺ -، فجاء رجل من المشركين وسَيف النّبيّ - ﷺ - معلّق بالشجرة، فاخترطه (١) فقال له: تخافني؟ فقال له: لا، قال: فمن يمنعك منّي؟ قال: الله، فتهدّده أصحاب النّبيّ - ﷺ -، وأُقيمت الصلاة فصلّى بطائفة ركعتين، ثمَّ تأخّروا، وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين، وكان للنّبيّ - ﷺ - أربع وللقوم ركعتان\" (٢)].\n٢ - ومنها أنّه صلّى بكل طائفة ركعة، فكان له ركعتان وللقوم ركعة، وهذه الصفة أخرجها النسائي بإِسنادٍ رجاله ثقات: [قلت: ولفظ الحديث \"عن ثعلبة بن زَهْدَم، قال: كنا مع سعيد بن العاص بطبرستان، ومعنا حُذيفة\n_________\n(١) قال النووي: أي: سلّه.\n(٢) أخرجه البخاري: ٤١٣٦، ومسلم: ٨٤٣","vol":"2","page":321},{"text":"بن اليمان، فقال: أيكم صلّى مع رسول الله - ﷺ - صلاة الخوف؟ فقال حذيفة: أنا، فوصف فقال: صلّى رسول الله - ﷺ -، صلاة الخوف بطائفة ركعة، صفٍّ خلفه، وطائفة أخرى بينه وبين العدو، فصلّى بالطائفة التي تليه ركعة، ثمَّ نكص هؤلاء إِلى مصافّ أولئك، وجاء أولئك فصلّى بهم ركعة\" (١)].\nوعن ابن عباس قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيّكم - ﷺ -: \"في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة\" (٢).\n٣ - ومنها: \"أنّه صلى بهم جميعًا، فكبّر وكبّروا، وركع وركعوا، ورفع ورفعوا، ثمَّ سجد وسجد معه الصف الذي يليه، وقام الصف المؤخَّر في نحر العدو، فلمّا قضى النّبيّ - ﷺ - السجود والصف الذي يليه، انحدر الصف المؤخر بالسجود وقاموا، ثمَّ تقدم الصف المؤخر وتأخر الصف المقدّم وفَعلوا كالركعة الأولى، ولكنه قد صار الصف المؤخر مقدّمًا والمقدم مؤخرًا، ثمَّ سلم النّبيّ - ﷺ - وسلّموا جميعًا، وهذه الصفة ثابتة في \"صحيح مسلم\" وغيره؛ من حديث جابر ومن حديث أبي عياش الزرقي عند أحمد وأبي داود والنسائي.\n[قلت: ولفظه في \"مسلم\" (٨٤٠): \"من حديث جابر بن عبد الله قال: شهدتُ مع رسول الله - ﷺ - صلاة الخوف، فصفَّنا صفّين: صفٌّ خلف رسول الله - ﷺ - والعدو بيننا وبين القبلة، فكبّر النّبيّ - ﷺ - وكبّرنا جميعًا، ثمَّ ركع\n_________\n(١) أخرجه النسائي \"صحيح سنن النسائي\" (١٤٣٨) وغيره، وانظر \"الإِرواء\" (٣/ ٤٤).\n(٢) أخرجه مسلم: ٦٨٧، وغيره.","vol":"2","page":322},{"text":"وركعنا جميعًا، ثمَّ رفع رأسه من الركوع ورفعْنا جميعًا، تمَّ انحدر بالسجود والصفّ الذي يليه، وقام الصفّ المؤخر في نحر العدو، فلمّا قضى النّبي - ﷺ - السجود، وقام الصفّ الذي يليه، انحدر الصف المؤخّر بالسجود وقاموا، ثمَّ تقدّم الصف المؤخّر، وتأخّر الصفّ المُقدّم، ثمَّ ركع النّبيّ - ﷺ - وركعنا جميعًا، ثمَّ رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعًا، ثمَّ انحدر بالسجود والصف الذي يليه الذي كان مؤخرًا في الركعة الأولى، وقام الصفّ المؤخر في نحور العدو، فلمّا قضى النّبيّ - ﷺ - السجود والصفّ الذي يليه؛ انحدر الصفّ المؤخّر بالسجود، فسجدوا، ثمَّ سلّم النّبيّ - ﷺ - وسلّمنا جميعًا؛ قال جابر: كما يصنع حرسُكم هؤلاء بأمرائهم\"].\n٤ - ومنها: أنّه -﵌- صلّى بإِحدى الطائفتين ركعة والطائفة الأخرى مواجهة العدو، ثمَّ انصرفوا (١) وقاموا في مقام أصحابهم مُقبلين على العدو، وجاء أولئك (٢)، ثمَّ صلّى النّبيّ - ﷺ - ركعة ثمَّ سلّم (٣)، ثمَّ قضى هؤلاء ركعة [وهؤلاء ركعة] (٤) وهذه الصفة ثابتة في الصحيحين من حديث ابن عمر.\n[قلت: ولفظه عنه قال: \"غزوت مع رسول الله - ﷺ - قِبل نجد، فوازينا\n_________\n(١) أي: الطائفة المصلية.\n(٢) الذين كانوا مقبلين على العدوّ.\n(٣) فيكون قد صلّى -﵊- ركعتين.\n(٤) أضيف من الأصل وهي \"الدراري المضية\" قاله الشيخ محمد صبحي حسن حلاّق في التعليق على \"الروضة\".","vol":"2","page":323},{"text":"العدوّ فصاففنا لهم، فقام رسول الله - ﷺ - يُصلّي لنا، فقامت طائفة معه تصلّي، وأقبلت طائفة على العدوّ، وركع رسول الله - ﷺ - بمن معه وسجد سجدتين، ثمَّ انصرفوا مكان الطائفة التي لم تصلِّ، فجاؤوا فركع رسول الله - ﷺ - بهم ركعة، وسجد سجدتين ثمَّ سلّم، فقام كلُّ واحدٍ منهم؛ فركع لنفسه ركعة وسجد سجدتين\" (١)].\n٥ - ومنها: أنها قامت مع النّبيّ - ﵌ - طائفة، وطائفة أخرى مقابل العدو، وظهورهم إِلى القبلة، فكبّر فكبروا جميعًا الذين معه، والذين مقابل العدو، ثمَّ ركع ركعة واحدة وركعت الطائفة التي معه، ثمَّ سجد فسجدت التي تليه والآخرون قيام مقابل العدو، ثمَّ قام وقامت الطائفة التي معه، فذهبوا إِلى العدو فقابلوهم، وأقبلت الطائفة التي كانت مقابل العدو، فركعوا وسجدوا، ورسول الله - ﵌ -[قائم] كما هو، ثمَّ قاموا فركع [رسول الله - ﵌ - ركعة أخرى، وركعوا معه وسجد وسجدوا معه، ثمَّ أقبلت الطائفة التي كانت مقابل العدو، فركعوا وسجدوا ورسول الله - ﵌ - قاعد ومن معه، ثم كان السلام فسلم وسلموا جميعًا، فكان لرسول الله - ﵌ - ركعتان، وللقوم لكل طائفة ركعتان، وهذه الصفة أخرجها أحمد والنسائي وأبو داود\".\n[قلت: ولفظه كما في \"صحيح سنن أبي داود\" (١١٠٥): من حديث مروان بن الحكم: أنه سأل أبا هريرة: هل صلّيت مع رسول الله - ﷺ - صلاة\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٩٤٢، ومسلم: ٨٣٩","vol":"2","page":324},{"text":"الخوف؟ قال أبو هريرة: نعم، قال مروان: متى؟ فقال أبو هريرة: عام غزوة نجد، قام رسول الله - ﷺ -، إِلى صلاة العصر، فقامت معه طائفة، وطائفة أخرى مقابل العدو، ظهورهم إِلى القبلة، فكبّر رسول الله - ﷺ - فكبّروا جميعًا الذين معه والذين مقابلي العدو، ثمَّ ركع رسول الله - ﷺ - ركعة واحدة، وركعت الطائفة التي معه، ثمَّ سجد فسجدَت الطائفة التي تليه، والآخرون قيام مقابلي العدو، ثمَّ قام رسول الله - ﷺ -، وقامت الطائفة التي معه، فذهبوا إِلى العدو فقابلوهم، وأقبلَت الطائفة التي كانت مقابلي العدو فركعوا وسجدوا، ورسول الله - ﷺ - قائم كما هو، ثمَّ قاموا فركع رسول الله - ﷺ - ركعة أخرى وركعوا معه، وسجد سجدوا معه، ثمَّ أقبلت الطائفة التي كانت مقابلي العدو، فركعوا وسجدوا، ورسول الله - ﷺ - قاعد ومن معه، ثمَّ كان السلام، فسلّم رسول الله - ﷺ - وسلّموا جميعًا، فكان لرسول الله - ﷺ - ركعتان، ولكلّ رجل من الطائفتين ركعة ركعة\"].\n٦ - ومنها: أنّه - ﷺ - صلّى بطائفة ركعة وطائفة وُِجاه العدو، ثمَّ ثبت قائمًا فأتمّوا لأنفسهم ثمَّ انصرفوا وُِجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلّى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، فأتمّوا لأنفسهم فسلّم بهم، وهذه الصفة ثابتة في \"الصحيحين\"؛ من حديث سهل بن أبي حثمة، وإنّما اختلفت صلاته - ﷺ - في الخوف، لأنّه كان في موطن يتحرّى ما هو أحوط للصلاة وأبلغ في الحراسة.\n[قلت: ولفظه في \"البخاري\" (٤١٢٩) و\"مسلم\" (٨٤٢): \"عن صالح ابن خَوَّاتٍ عمن شهد مع رسول الله - ﷺ - يوم ذات الرّقاع صلاة الخوف، أنّ طائفة صفّت معه، وطائفة وُجَاه العدوّ، فصلّى بالتي معه ركعة ثمَّ ثبت قائمًا","vol":"2","page":325},{"text":"وأتمّوا لأنفسهم، ثمَّ انصرفوا فصفُّوا وُِجاه العدوّ وجاءت الطائفة الأخرى، فصلّى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثمَّ ثبت جالسًا وأتمّوا لأنفسهم، ثمَّ سلّم بهم\". وانظر مقدّمة صلاة الخوف.\nوفي رواية البخاري (٤١٣١) ومسلم (٨٤١): عن صالح بن خوات عن سهل بن أبي حَثْمَة قال: \"يقوم الإِمام مستقبل القبلة وطائفة منهم معه، وطائفة من قِبَلِ العدوّ وجوهُهم إِلى العدوّ، فيُصلّي بالذين معه ركعه ثمَّ يقومون فيركعون لأنفسهم ركعة، ويسجدون سجدتين في مكانهم، ثمَّ يذهب هؤلاء إِلى مقام أولئك، فيجيء أولئك فيركع بهم ركعة فله ثنتان، ثمَّ يركعون ويسجدون سجدتين\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-632>الصلاة في شدة الخوف وما يباح فيها من كلام وإِيماء</span>\nوإذا اشتدّ الخوف والتحم القتال صلاها الرَّاجلُ والرّاكب، ولو إِلى غير القبلة ولو بالإِيماء، ويقال لصلاة الخوف عند التحام القتال: صلاة المسايف (١).\nوتقدّم حديث البخاري (٢) عن ابن عمر في تفسير سورة البقرة بلفظ: \"فإِن كان خوف هو أشَدّ من ذلك صلَّوا رجالًا قيامًا على أقدامهم، أو رُكبانا مستقبلي القبلة أو غيرَ مستقبليها\"، قال مالك: قال نافع: لا أرى عبد الله بن عمر ذَكَر ذلك إلاَّ عن رسول الله - ﷺ -.\n_________\n(١) أي: المُضارب بالسيوف.\n(٢) برقم: ٤٥٣٥","vol":"2","page":326},{"text":"وهو في \"مسلم\" (١) من قول ابن عمر بنحو ذلك.\nوقد رواه ابن ماجه (٢) عن ابن عمر، أنَّ النّبيّ - ﷺ - وصف الخوف وقال [أي: النّبيّ - ﷺ -]: \"فإِن كان خوف أشد من ذلك فرجالًا أو رُكبانًا\".\n_________\n(١) برقم: ٨٣٩\n(٢) انظر \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٠٤٠).","vol":"2","page":327},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-633>صلاة السفر</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-634>وجوب القصر في السفر:</span>\nقال الله تعالى: ﴿وإِذا ضرَبْتم في الأرض فليس عليكم جناحٌ أن تقصُروا من الصلاة إنْ خفتُم أن يفتنَكم الذين كفروا﴾ (١).\nولولا ورود ما يأتي من النصوص لقال العلماء بتقييد القصر بالخوف.\nفعن ابن سيرين عن ابن عبّاس: \"أنَّ رسول الله - ﷺ - سافر من المدينة لا يخاف إلاَّ الله ﷿، فصلّى ركعتين حتى رجع\" (٢).\nوعن يعلى بن أميّة قال: \"قلت لعمر بن الخطاب: ﴿ليس عليكم جناح أن تقصُروا من الصلاة إِنْ خفتم أن يفتنَكم الذين كفروا﴾ فقد أمِنَ النّاس! فقال: عجبتُ ممّا عجبتَ منه. فسألتُ رسول الله - ﷺ - عن ذلك فقال: \"صدقةٌ تصدّق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته\" (٣).\nوعن عائشة زوج النّبيّ - ﷺ - قالت: \"فرض الله الصلاة، حين فرضها ركعتين ثمَّ أتمّها في الحضر، فأُقرّت صلاة السفر على الفريضة الأولى\" (٤).\n_________\n(١) النساء: ١٠١\n(٢) أخرجه أحمد وابن أبي شيبة والنسائي والترمذي وقال: حديث حسن صحيح، وانظر \"الإِرواء\" (٣/ ٦).\n(٣) أخرجه مسلم: ٦٨٦، وهذا قد أفاد الوجوب عند أبي حنيفة وكثيرين، ويرى الشافعي ومالك أفضلية القصر وجواز الإِتمام وانظر \"شرح النووي\" (٥/ ٦٩٤).\n(٤) أخرجه البخاري: ٣٩٣٥، ومسلم: ٦٨٥","vol":"2","page":328},{"text":"وعنها -﵂- قالت: \"أولُ ما فُرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فلمّا قدم - ﷺ - المدينة صلى إِلى كلِّ صلاةٍ مثلها غير المغرب؛ فإِنّها وتر النهار، وصلاة الصبح لطول قراءتها، وكان إِذا سافر عادَ إِلى صلاته الأولى\" (١).\nوعن عيسى بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب عن أبيه قال: \"صحبْتُ ابن عمر في طريق مكّة، قال: فصلّى لنا الظهر ركعتين، ثمَّ أقبل وأقبَلنا معه حتّى جاء رحله (٢)، وجلَس وجلسنا معه، فحانت منه التفاتة نحوَ حيث صلّى فرأى ناسًا قيامًا. فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قلت: يُسبّحون (٣) قال: لو كنت مُسبّحًا لأتممتُ صلاتي، يا ابن أخي! إِنّي صحبت رسول الله - ﷺ - في السفر، فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبتُ أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، ثمَّ صحبتُ عثمان (٤) فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله وقد قال الله: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أُسوةٌ حسَنة﴾ (٥) \" (٦).\n_________\n(١) أخرجه الطحاوي في \"معاني الآثار\" وغيره وانظر تفصيله في \"الصحيحة\": (٢٨١٤).\n(٢) أي: منزله.\n(٣) أي: يصلّون السبحة، وهي النافلة.\n(٤) قال الحافظ: و\"في ذِكر عثمان إِشكال؛ لأنّه كان في آخر أمرهُ يتمّ الصلاة ... فيُحمل على الغالب أو المراد به أنّه كان لا يتنفل في أول أمره ولا في آخره، وأنَّه إِنّما كان يتم إِذا كان نازلًا، وأمَّا إِذا كان سائرًا فيقصر، فلذلك قيده في هذه الرواية بالسفر\".\n(٥) الأحزاب: ٢١\n(٦) أخرجه البخاري: ١١٠١ و١١٠٢، ومسلم: ٦٨٩ وهذا لفظه.","vol":"2","page":329},{"text":"قال شيخنا -حفظه الله- بعد أن ذكَر عددًا من الأحاديث في الموضوع: \" ... دلّت الأحاديث المتقدّمة على أنَّ صلاة السفر أصلٌ بنفسها وأنّها ليست مقصورة من الرباعية كما يقول بعضهم، فهي في ذلك كصلاة العيدين ونحوها؛ كما قال عمر -﵁-: \"صلاة السفر وصلاة الفطر وصلاة الأضحى؛ وصلاة الجمعة؛ ركعتان تمامٌ غير قصر على لسان نبيكم - ﷺ -\" (١)\nوذلك هو الذي رجّحه الحافظ في \"فتح الباري\" بعد أن حكى الاختلاف في حكم القصر في السفر، ودليل كلٍّ فقال (١/ ٤٦٤): \"والذي يظهر لي -وبه تجتمع الأدلّة السابقة- أنَّ الصلوات فُرضت ليلة الإِسراء ركعتين ركعتين إلاَّ المغرب، ثمَّ زيدت بعد الهجرة عقب الهجرة إلاَّ الصبح، ... ثمَّ بعد أن استقر فرْض الرباعية؛ خفف منها في السفر عند نزول الآية السابقة وهي قوله تعالى: ﴿فليس عليكم جناح أن تقصُروا من الصلاة﴾، ويؤيد ذلك ما ذكره ابن الأثير في \"شرح المسند\": أنّ قصر الصلاة كان في السَّنَة الرابعة من الهجرة ... \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-635>مسافة القصر</span>\nلقد كثُرت أقوال العلماء في تحديد المسافة التي تقصر فيها الصلاة والراجح \"أنّه لا حدّ لذلك أصلًا، إلاَّ ما سُمّي سفرًا في لغة العرب التي بها خاطبهم ﵇، إِذ لو كان لمقدار السفر حدّ غير ما ذكَرنا لما أغفل ﵇ بيانه البته، ولا أغفلوا هم سؤاله ﵇ عنه، ولا اتفقوا على\n_________\n(١) أخرجه ابن خزيمة وابن حبان في \"صحيحيهما\"، وهو مخرّج في \"الإِرواء\" (٦٣٨).","vol":"2","page":330},{"text":"تَرْك نقْل تحديده في ذلك إِلينا\" (١).\nقال شيخ الإِسلام في \"الفتاوى\" (٢٤/ ١٢): \"وقد تنازع العلماء: هل يختص بسفر دون سفر؟ أم يجوز في كلّ سفر؟ وأظهر القولين أنّه يجوز في كل سفر قصيرًا كان أو طويلًا، كما قصر أهل مكة خلف النّبيّ - ﷺ - بعرفة ومنى، وبين مكة وعرفة نحو بريد: أربع فراسخ.\nوأيضًا فليس الكتاب والسنّة يخصّان بسفر دون سفر، لا بقصر ولا بفطر، ولا تيمُّم، ولم يحدّ النّبيّ - ﷺ - مسافة القصر بحدّ، لا زمانيّ، ولا مكانيّ، والأقوال المذكورة في ذلك متعارضة، ليس على شيء منها حجّة، وهي متناقضة، ولا يمكن أن يَحُدّ ذلك بحد صحيح.\nفإِنَّ الأرض لا تُذرَع بذَرع مضبوط في عامّة الأسفار، وحركة المسافر تختلف، والواجب أن يُطلَق ما أطلقه صاحب الشرع - ﷺ -، ويُقَيّد ما قيَّده، فيقصُر المسافر الصلاة في كل سفر، وكذلك جميع الأحكام المتعلقة بالسفر، من القصر والصلاة على الراحلة، والمسح على الخفّين.\nومن قسَّم الأسفار إِلى قصير وطويل، وخصّ بعض الأحكام بهذا وبعضها بهذا، وجعلها متعلقة بالسفر الطويل، فليس معه حُجّة يجب الرجوع إِليها، والله ﷾ أعلم\".\nونقل شيخنا -حفظه الله- كلامًا طيّبًا له من \"مجموعة الرسائل والمسائل\" بعد أن بيّن وضْع حال الحديث (٤٣٩) من \"السلسة الضعيفة\" وأنّه موضوع ولفظه: \"يا أهل مكّة! لا تقصروا الصلاة في أدنى من أربعة بُرُد\n_________\n(١) \"المحلى\" (٥/ ٢١)، وذكره الشيخ عبد العظيم في \"الوجيز\" (ص ١٣٨).","vol":"2","page":331},{"text":"من مكة إِلى عُسفان\" وفيه: \"وممّا يدل على وضع هذا الحديث، وخطأ نسبته إِليه - ﷺ -؛ ما قاله شيخ الإِسلام ابن تيمية في رسالته في أحكام السفر (٢/ ٦ - ٧ من مجموعة الرسائل والمسائل): \"هذا الحديث إِنّما هو من قول ابن عباس، ورواية ابن خزيمة وغيره له مرفوعًا إِلى النّبيّ - ﷺ - باطلة بلا شك عند أئمّة الحديث، وكيف يخاطِب النّبيّ - ﷺ - أهل مكة بالتحديد، وإِنّما قام بعد الهجرة زمنًا يسيرًا وهو بالمدينة، لا يحدّ لأهلها حدًّا كما حدّه لأهل مكة، وما بال التحديد يكون لأهل مكة دون غيرهم من المسلمين؟!\nوأيضًا، فالتحديد بالأميال والفراسخ يحتاج إِلى معرفة مقدار مساحة الأرض، وهذا أمر لا يعلمه إلاَّ خاصة الناس، ومَن ذكره؛ فإِنّما يخبر به عن غيره تقليدًا، وليس هو ممّا يقطع به، والنّبيّ - ﷺ - لم يقدِّر الأرض بمساحة أصلًا، فكيف يُقدّر الشارع لأمّته حدًّا لم يجْرِ به له ذِكْر في كلامه، وهو مبعوث إلى جميع الناس؟!\nفلا بد أن يكون مقدار السفر معلومًا علمًا عامًا\".\nومن ذلك أيضًا أنَّه ثبت بالنقل الصحيح المتفق عليه بين علماء الحديث؛ أنّ النّبيّ - ﷺ - في حَجّة الوداع كان يقصر الصلاة بعرفة، ومزدلفة، وفي أيام منى، وكذلك أبو بكر وعمر بعده، وكان يصلّي خلفهم أهل مكة، ولم يأمروهم بإِتمام الصلاة، فدلّ هذا على أن ذلك سفر، وبين مكة وعرفة بريد، وهو نصف يوم بسير الإِبل والأقدام.\nوالحق أنَّ السفر ليس له حدٌّ في اللغة ولا في الشرع، فالمرجع فيه إِلى العُرف، فما كان سفرًا في عُرف الناس؛ فهو السفر الذي علّق به الشارع","vol":"2","page":332},{"text":"الحكم.\nوتحقيق هذا البحث الهامّ تجده في رسالة ابن تيمية المشار إِليها آنفًا، فراجِعها، فإِنَّ فيها فوائد هامّة لا تجدها عند غيره\". انتهى.\nجاء في \"الدراري المضية\" (١/ ٢٠٤) (١) -بحذف-: وإيجاب القصر على من خرج من بلده قاصدًا للسفر وإن كان دون بريد (٢) وجْهُه أن الله تعالى\n_________\n(١) انظر \"الروضة\" (١/ ٣٧٦).\n(٢) البريد = ٤ فراسخ، الفرسخ = ٣ أميال، الميل = ٤٠٠٠ ذراع مرسلة، الذراع المرسلة = ٦ قبضات، القبضة = ٢٤ أصبعًا، الأصبع = ١.٩٢٥ سم، إِذًا طول الذراع المرسلة = ٢٤×١.٩٢٥ = ٤٦.٢ سم، الميل = ٤٠٠٠×٤٦.٢ = ١٨٤٨ م = ١.٨٤٨ كم. الفرسخ = ٣×١٨٤٨ = ٥٥٤٤ م = ٥.٥٤٤ كم. البريد = ٤×٥٥٤٤ = ٢٢١٧٦ م = ٢٢.١٧٦ كم. من كتاب \"الأموال في دولة الخلافة\" لعبد القديم زلوم (ص ٦٠) وذكره الشيخ محمد صبحي حسن حلاّق في التعليق على \"الروضة\".\nقلت: وذَكر ما جاء عن مقدار البريد والفرسخ والميل وقد ذكره ابن الأثير في \"النهاية\" وفيه: \"والبريد كلمة فارسية يُراد بها في الأصل: البغل، وأصلها بريده دم، أي: محذوف الذنب، لأًنَّ بغال البريد كانت محذوفة الأذناب كالعلامة لها، فأُعربت وخُفّفت، ثمَّ سمّى الرسول الذي يركبه بريدا، والمسافة التي بين السِّكَّتين بريدًا، والسكة موضع كان يسكنه الفُيوج المرتّبُون من بيت أو قبّة أو رِباط، وكان يُرتب في كل سكة بغال، وبعد ما بين السكتين فرسخان وقيل: أربعة\".\nجاء في \"الفتح\" (٢/ ٥٦٧): ذكر الفراء أن الفرسخ فارسي معرب، وهو ثلاثة أميال، والميل من الأرض منتهى مد البصر يميل عنه على وجه الأرض حتى يفنى إِدراكه، وبذلك جزم الجوهري. وقيل حدّه أن ينظر إِلى الشخص في أرض مسطّحة، فلا يدرى أهو رجل أم امرأة أو هو ذاهب أو آت، قال النووي: الميل: ستة آلاف ذراع والذراع: أربعة وعشرون =","vol":"2","page":333},{"text":"قال: ﴿وإِذا ضربْتُم في الأرض فليس عليكم جُناحٌ أن تقصُروا من الصلاة﴾ (١)، والضرب في الأرض يصدق على كل ضرْب، لكنه خرج الضرب - أي: المشي لغير السفر- لِما كان يقع من - ﷺ - الخروج إِلى بقيع الغرقد ونحوه، ولا يقصر، ولم يأتِ في تعيين قدْر السفر الذي يقصر فيه المسافر شيء، فوجب الرجوع إِلى ما يسمى سَفَرًا لغة وشرعًا، ومن خرج من بلده قاصدًا إِلى محلّ يعد في مسيره إِليه مسافرًا قصر الصلاة، وإنْ كان ذلك المحل دون البريد، ولم يأت من اعتبر البريد واليوم واليومين والثلاثة وما زاد على ذلك بحجة نيّرة. وغاية ما جاءوا به حديث: \"لا يَحِلُّ لامرأةٍ تُؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر ثلاثة أيام بغير ذي محرم\"، وفي رواية: \"يومًا وليلة\" (٢). وليس في هذا الحديث ذِكر القصر ولا هو في سياقه، والاحتجاج به مجرد تخمين.\nوأحسن ما ورد في التقدير ما رواه شعبة عن يحيى بن يزيد الهنائي قال: \"سألت أنسًا عن قصر الصلاة فقال: كان رسول الله - ﷺ - إِذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ صلى ركعتين\" والشك من شعبة، أخرجه مسلم (٣)\n_________\n= إِصبعًا معترضة معتدلة والإِصبع؛ ست شعيرات معترضة معتدلة اهـ. وهذا الذي قاله هو الأشهر، ومنهم من عبر عن ذلك باثنى عشر ألف قدم بقدم الإِنسان، وقيل: هو أربعة آلاف ذراع، وقيل: بل ثلاثة آلاف ذراع نقله صاحب البيان، وقيل: وخمسمائة صححه ابن عبد البر، وقيل: هو ألفا ذراع.\n(١) النساء: ١٠١\n(٢) أخرجه البخاري: ١٠٨٨\n(٣) برقم: ٦٩١","vol":"2","page":334},{"text":"وغيره.\nفإِنْ قلت: محلّ الدليل في نهي المرأة عن السفر تلك المسافة بدون مَحرَم هو كونه - ﷺ - سمّى ذلك سفرًا، قلت: تسميته سفرًا لا تنافي تسمية ما دونه سفرًا ... \".\nوفي \"الروضة\" (١/ ٣٧٨) -بحذف-: \"أقول: مسألة أقلّ السفر قد اضطربت فيها الأقوال، وطال فيها النزاع، وتشعّبت فيها المذاهب، وليس في ذلك شيء يستند إِليه، إلاَّ مجرد قول الرواة قصر رسول الله -﵌- في كذا من دون بيانٍ لمقدار يرجع إِليه، وأصرح ما في ذلك ما قاله بعض الرواة: أنَّه -﵌- كان يقصر إِذا سافر ثلاثة أميال، أو ثلاثة فراسخ هكذا على الشك، مع أنّه لم يُبيِّن مقدار المسافة التي هي انتهاء سَفَره، وغاية ما وقع التعويل عليه أحاديث: \"لا يحل لامرأة\" كما تقدّمت، والمعمول عليه هاهنا رواية البريد، لأنَّ ما فوقها يعتبر فيه ذلك بفحوى الخطاب.\nلكن لا ملازمة بين اعتبار المحرم للمرأة وبين وجوب القصر على غيرها من المسافرين؛ لأنَّ علّة مشروعية المحرم غير علّة مشروعية القصر، فلم يبق في المسألة ما يصلح للاستناد إِليه، فوجب الرجوع إِلى ما يصدق عليه مسمّى الضرب في الأرض على وجهٍ يُخالف ما يفعله المقيم من ذلك.\nفالحاصل: أنَّ الواجب الرجوع إِلى ما يصدق عليه اسم السفر شرعًا أو لغة أو عرفًا لأهل الشرع، فما كان ضربًا في الأرض يصدق عليه أنَّه سفر وجب فيه القصر\".","vol":"2","page":335},{"text":"وجاء في \"الإِرواء\" (٣/ ١٥): \"فالعمدة على حديث أنس (١)، وقد قال الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ٥٦٧): \"وهو أصح حديث ورَد في بيان ذلك وأصرحه، وقد حمَله من خالفه على أنَّ المراد به المسافة التي يُبتَدأ منها القصر، لا غاية السفر، ولا يخفى بُعد هذا الحمل مع أنَّ البيهقي (قلت: وكذا أحمد) ذكر في روايته من هذا الوجه أنَّ يحيى بن يزيد راويه عن أنس قال: سألت أنسًا عن قصر الصلاة، وكنت أخرج إِلى الكوفة -يعني من البصرة- فأصلّي ركعتين حتى أرجع، فقال أنس: فذكَر الحديث.\nفظهر أنّه سأله عن جواز القصر في السفر، لا عن الموضع الذي يُبتَدأ القصر منه. ثمَّ إِنَّ الصحيح في ذلك أنّه لا يتقيد بمسافة، بل بمجاوزة البلد الذي يخرج منها. وردّه القرطبي بأنّه مشكوك فيه فلا يحتجّ به، فإِن كان المراد به أنّه لا يحتجّ به في التحديد بثلاثة أميال فمسلّم، لكن لا يمتنع أن يحتج به في التحديد بثلاثة فراسخ، فإِنّ الثلاثة أميال مندرجة فيه، فيؤخذ بالأكثر احتياطًا. وقد روى ابن أبي شيبة عن حاتم بن إِسماعيل عن عبد الرحمن بن حرملة قال: قلت لسعيد ابن المسيب: أَقصرُ الصلاة وأُفطِر في بريد من المدينة؟ قال: نعم.\nقلت: وقد صحّ عن ابن عمر -﵁- جواز القصر في ثلاثة أميال، كما سيأتي بعد حديثين، وهي فرسخ، فالأخذ بحديث أنس أولى من حديث ابن عباس لصحته، ورَفعه وعمل بعض الصحابة به، والله أعلم.\n_________\n(١) وهو في \"صحيح مسلم\" (٦٩١) بلفظ: \"كان رسول الله - ﷺ - إِذا خرج مسيرة ثلاثة أميال، أو ثلاثة فراسخ (شعبة الشاك) صلّى ركعتين\"، [وتقدّم].","vol":"2","page":336},{"text":"على أنَّ قصره في المدة المذكورة لا ينفي جواز القصر في أقل منها؛ إِذا كانت في مسمّى السفر، ولذلك قال ابن القيّم في \"الزاد\": \"ولم يحدّ - ﷺ - لأمته مسافة محدودة للقصر والفطر، بل أطلق لهم ذلك في مطلق السفر والضرب في الأرض، كما أطلق لهم التيمُّم في كلّ سفر. وأمّا ما يُروى من التحديد باليوم واليومين أو الثلاثة فلم يصح عنه منها شيء البتة، والله أعلم\".\nثمَّ قال شيخنا -حفظه الله تعالى- (ص ١٨ - ١٩): \"وقد صح عن ابن عمر القصر في أقل من البريد، فأخرج ابن أبي شيبة (٢/ ١٠٨/١) عن محمّد بن زيد بن خليدة عن ابن عمر قال: \"تقصر الصلاة في مسيرة ثلاثة أميال\" (١).\nثمَّ روى (٢/ ١٠٩/١) عن محارب بن دثار قال: سمعت ابن عمر يقول: \"إِنّي لأسافر الساعة من النهار وأقصر\". وإِسناده صحيح كما قال الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ٥٦٧).\nثمَّ روى (٢/ ١١١/١) عن نافع عن ابن عمر: \"أنّه كان يقيم بمكة فإِذا خرج إِلى منى قصر\". وإِسناده صحيح أيضًا.\nوقال الثوري: سمعت جبلة بن سحيم سمعت ابن عمر يقول: \"لو خرجت ميلًا قصرت الصلاة\". ذكره الحافظ وصححه.\nقلت [أي: شيخنا -حفظه الله-]: وهذه الآثار عن ابن عمر أقرب إِلى\n_________\n(١) وقال في التخريج: وإسناده صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين غير ابن خليدة، هذا وقد روى عنه جماعة من الثقات كما في \"الجرح والتعديل\" (٣/ ٢/٢٥٦) وقد ذكره ابن حبان في \"الثقات\" (١/ ٢٠٦/٢).","vol":"2","page":337},{"text":"السنّة على ما سبق بيانه قبل حديثين، والله أعلم.\nقلت: والذي قبل الحديثين: حديث ابن عباس وابن عمر: \"كانا لا يقصران في أقل من أربعة بُرُد\" وعلّقه البخاري.\nوالخلاصة: أنَّه لا حدّ للمسافة التي تقصر فيها الصلاة، فيجب الرجوع إِلى ما يسمّى سفَرًا لُغةً وعُرفًا وما كان ضربًا في الأرض؛ يصدق عليه أنّه سفر وما وردَ من نصوص متعلّقةٍ بالسّفر؛ إِما أن تكون سفرًا طويلًا؛ أو سفرًا قصيرًا؛ وهي نماذج للسفر، وأمثلة عليه، لا تفيد الحصر، فقصْره فيما ذُكر لا ينفي جواز القصر في أقل منها؛ إذا كانت في مسمّى السَّفر، والله تعالى أعلم\".\nولشيخنا -شفاه الله تعالى- كلام نفيس في \"الصحيحة\" تحت الحديث (١٦٣) فارجع إِليه -إِن شئت-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-636>الموضع الذي يقصر منه:</span>\nذهب جمهور العلماء إِلى أنَّ قصر الصلاة يشرع بمفارقة الحضر، والخروج من البلد، وأنّ ذلك شرط ولا يتِمّ حتى يدخل أول بيوتها.\nقال ابن المنذر: ولا نعلم أنَّ النّبيّ - ﷺ - قصر في شيء من أسفاره إلاَّ بعد خروجه عن المدينة (١). وقال أنس: \"صليت الظهر مع النّبيّ - ﷺ - بالمدينة أربعًا وبذي الحليفة ركعتين\" (٢).\n_________\n(١) انظر \"الأوسط\" (٤/ ٣٥٤) وذكَره السيد سابق -حفظه الله- في \"فقه السنة\" (١/ ٢٨٥).\n(٢) أخرجه البخاري في مواضع: ١٠٣٩، ١٤٧١، ١٤٧٢، ١٤٧٣، وغيرها ومسلم: ٦٩٠، ٦٩١، وغيرهما.","vol":"2","page":338},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-637> المسافر إِذا أقام لقضاء حاجة ولم يُجمع إقامة يقصر حتى يخرج </span>(١):\nعن جابر قال: أقام النّبيّ - ﷺ - بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة\" (٢).\nقال ابن القيّم: \"ولم يقُل - ﷺ - للأمّة لا يقصر الرجل الصلاة إِذا قام أكثر من ذلك؛ ولكن اتفق إِقامته هذه المدّة\".\nوعن ابن عباس -﵄-: \"أقام النّبيّ - ﷺ - تسعة عشر يومًا يقصر، فنحن إِذا سافَرنا تسعة عشر قصرنا وإِنْ زدنا أتمَمنا\" (٣) *.\nوأخرجه البيهقي وغيره بلفظ: سبعة عشر يومًا، وجمَع البيهقي وغيره بأنّ من روى الأولى عدّ يوم الدخول ويوم الخروج، ومن روى الأخرى لم يعدّهما وقال الحافظ: وهو جمعٌ متين والله أعلم (٤).\nقلت: والذي يبدو أنَّ هذا الذي اتّفق لهم، فقد ذَكرنا حديث جابر \"أنَّ النّبيّ - ﷺ - أقام بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة\". وثبت أنَّ ابن عمر أقام بأذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة وقد حال الثلج بينه وبين الدخول.\nفعن ابن عمر أنَّه قال: \"أريح علينا الثلج (٥)، ونحن بأذربيجان ستة أشهر\n_________\n(١) ما بين نجمتين من كتاب \"الوجيز\" (ص ١٣٩) بتصرّف.\n(٢) أخرجه أحمد وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٠٩٤) وغيرهما، وانظر \"الإِرواء\" (٥٧٤).\n(٣) أخرجه البخاري: ١٠٨٠ وغيره.\n(٤) وانظر \"الإِرواء\" (٣/ ٢٧).\n(٥) أي: اشتدّ علينا.","vol":"2","page":339},{"text":"في غزاة، وكنّا نصلي ركعتين\".\nقال شيخنا في \"الإِرواء\" (٣/ ٢٨): \"وإِسناده صحيح، كما قال الحافظ في \"الدراية\" (١٢٩)، وهو على شرط الشيخين كما نقله الزيلعي (٢/ ١٨٥) عن النووي وأقره.\nوله طريق أخرى، فقال ثمامة بن شراحيل: \"خرجت إِلى ابن عمر فقلت: ما صلاة المسافر؟ فقال: ركعتين ركعتين، إلاَّ صلاة المغرب ثلاثًا، قلت: أرأيت إِنْ كنا بـ (ذي المجاز)؟ قال: وما (ذو المجاز)؟ قال: قلت: مكان نجتمع فيه، ونبيع فيه، ونمكث عشرين ليلة أو خمس عشرة ليلة، فقال: يا أيها الرجل! كنت بأذربيجان -لا أدري قال- أربعة أشهر أو شهرين، فرأيتهم يصلّونها ركعتين ركعتين، ورأيت نبيّ الله - ﷺ - بصر عيني يصلّيها ركعتين ثمَّ نزع إِلي بهذه الآية: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حسَنة﴾ (١) \" (٢).\nوفي \"الروضة الندية\" (١/ ٣٨٣): \"وقول أكثر أهل العلم: إِنَّه يقصر أبدًا ما لم يُجمع إِقامة\". انتهى.\nوالأئمة الأربعة متفقون على أنَّه إِذا أقام لحاجةٍ ينتظر قضاءَها يقول: اليوم أخرج؛ فإِنّه يقصر أبدًا إلاَّ الشافعي في أحد قوليه فإِنّه يقصر عنده إِلى سبعة عشر أو ثمانية عشر يومًا ولا يقصر بعدها، وقد قال ابن المنذر في\n_________\n(١) الأحزاب: ٢١.\n(٢) رجاله كلهم ثقات غير ثمامة هذا فقال الدارقطني: \"لا بأس به شيخ مقل\" وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (١/ ٧).","vol":"2","page":340},{"text":"\"إِشرافه\" (١): أجمع أهل العلم أنَّ للمسافر أن يقصر ما لم يُجمع إِقامة إِن أتى عليه سنون (٢).\nوفهمت من شيخنا أنَّ مدار الأمر؛ فيما إِذا أجمع المرء الإِقامة وحدّد مدّتها، أو عدم ذلك، فإِنْ لم يحدّد مضت عليه أحكام المسافر، وإنْ حدّد مضت عليه أحكام المقيم، إلاَّ إِذا بقيت عنده أحوال المسافر، والله تعالى أعلم.\nقال ابن المنذر في \"الأوسط\" (٤/ ٣٤٢): \"ذِكر إِباحة قصر الصلاة للمسافر في المدن يقْدُمُها إِذا لم ينوِ مقامًا يجب عليه له إِتمام الصلاة\".\nثمَّ قال: في قدوم رسول الله - ﷺ - وأصحابه مكة عام حجة الوداع مقيمين بها أيامًا يصلون ركعتين، دليل على أن للمسافر أن يقصر الصلاة في المدن إِذا قدمها، ولم يعزم على أن يقيم بعد قدومه مدة يجب عليه بمقام تلك المدة إِتمام الصلاة.\nثمَّ ساق بإِسناده إِلى موسى بن سلمة قال: سألت ابن عباس قلت: \"إِني مقيم هنا يعني بمكة فكيف أصلّي؟ قال: ركعتين، سنّة أبي القاسم - ﷺ -\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-638>صلاة التطوع في السفر:</span>\nقال البخاري: (باب من تطوّع في السفر في غير دُبُر الصلوات وقبلها وركع\n_________\n(١) يشير بذلك إلى كتاب \"الإِشراف على مذهب الأشراف\".\n(٢) انظر \"فقه السنة\" (١/ ٢٨٧).\n(٣) أخرجه مسلم: ٦٨٨","vol":"2","page":341},{"text":"النّبيّ - ﷺ - ركعتي الفجر في السفر) (١) وذكر تحته أحاديث:\n١ - حديث رقم: (١١٠٣) من حديث ابن أبي ليلى بلفظ: \"ما أنبأ أحدٌ أنه رأى النّبيّ - ﷺ - صلّى الضحى غيرُ أمّ هانئ: ذكَرت أنَّ النّبيّ - ﷺ - يوم فتح مكة اغتسل في بيتها، فصلّى ثمان ركعات، فما رأيته صلّى صلاة أخفّ منها، غير أنّه يُتمّ الركوع والسجود\".\n٢ - وحديث رقم (١١٠٤): من حديث عبد الله بن عامر: \"أنَّ أباه أخبره أنّه رأى النّبيّ - ﷺ - صلّى السُّبحة بالليل في السفر على ظهر راحلته؛ حيث توجَّهت به\" (٢).\n٣ - وحديث رقم: (١١٠٥): من حديث ابن عمر -﵄-: \"أنَّ رسول الله - ﷺ - كان يسبّحُ على ظهر راحلته حيث كان وجهُه، يُومئ برأسه وكان ابن عمر يفعله\" (٣).\nقال الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ٥٧٨): \"قوله (باب من تطوع في السفر في غير دبر الصلاة) هذا مُشعِر بأنَّ نفي التطوع في السفر محمول على ما بعد الصلاة خاصة، فلا يتناول ما قبلها، ولا ما لا تعلّق له بها من النوافل المطلقة؛ كالتهجد والوتر والضحى وغير ذلك، والفرق بين ما قبلها وما بعدها أنَّ التطوع قبلها لا يظن أنّه منها، لأنّه ينفصل عنها بالإِقامة وانتظار الإِمام غالبًا ونحو\n_________\n(١) وصَله مسلم في قصّة النوم عن صلاة الصبح من حديث قتادة كما في \"الفتح\" (٢/ ٥٧٨)، وانظر \"مختصر البخاري\" (١/ ٢٦٦).\n(٢) وأخرجه مسلم: ٧٠٠\n(٣) وانظر \"صحيح مسلم\": تحت رقم (٧٠٠).","vol":"2","page":342},{"text":"ذلك، بخلاف ما بعدها فإِنّه في الغالب يتصل بها فقد يظنُّ أنّه منها\". انتهى.\nوقال النووي في \"شرحه\" (٥/ ٢١٠) بعد أن ذكر الأحاديث المتقدّمة وما في معناها خلا حديث أم هانئ: وفي هذه الأحاديث جواز التنفّل على الراحلة في السفر حيث توجّهت، وهذا جائز بإِجماع المسلمين، وشرطه أن لا يكون سفر معصية ... \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-639>السفر يوم الجمعة:</span>\nيجوز السفر يوم الجمعة ما لم يسمع النداء، فإِذا سمعه وجب عليه الحضور (١)، وليس في السنّة -فيما علمتُ- ما يمنع من السفر يوم الجمعة، بل إِنَّ فيها ما يشعر بالجواز.\nفعن أبي هريرة -﵁- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"ليس على مسافر جمعة\" (٢).\nولا يستلزم من ذلك أن يكون هذا مقتصرًا، على من كان مسافرًا من قبل جادًّا في سيره؛ ماضيًا فيه.\nقال شيخنا في \"الضعيفة\" (١/ ٣٨٦) -بحذف بعد أن ذكَر حديثًا موضوعًا في منع السفر يوم الجمعة-: \"وليس في السنّة ما يمنع السفر يوم الجمعة مطلقًا ... \".\nوقد روى البيهقي (٣/ ١٨٧) عن الأسود بن قيس عن أبيه قال: \"أبصر\n_________\n(١) انظر \"تمام المنّة\" (ص٣٢٠).\n(٢) صحيح بكثرة الطُّرُق والشواهد، انظر \"الإرواء\" (٥٩٢، ٥٩٤).","vol":"2","page":343},{"text":"عمر بن الخطاب -﵁- رجلًا عليه هيئة السفر، فسمعه يقول: لولا أنّ اليوم يوم جمعة لخرجْتُ، قال عمر -﵁-: اخرُجْ فإِنَّ الجمعة لا تحبس عن سفر. ورواه ابن أبي شيبة (٢/ ٢٠٥/٢) مختصرًا.\nوهذا سند صحيح رجاله كلهم ثقات، وقيس والد الأسود؛ وثّقه النسائي وابن حبان. فهذا الأثر مما يُضعّف هذا الحديث ...، إِذ الأصل أنّه لا يخفى على أمير المؤمنين عمر لو كان صحيحًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-640>هل يشرع الجمع لسفر المعصية</span>؟\nسألت شيخنا -عافاه الله وشفاه- فقال: فيه عندي تفصيل: إِنْ أنشأ السفر للمعصية؛ أرى ما يقوله أهل العلم أنَّه ليس له الترخّص ولكن إِن كان أصل المعصية لم ينشأ ابتداءً ولكن وقع في المعصية وهو في سفره؛ فالحُكم يبقى على عمومه.","vol":"2","page":344},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-641>الجمع بين الصلاتين</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-642>الحالات التي يجوز فيها الجمع بين الصلاتين:</span>\nيجوز للمصلّي الجمع بين الظهر والعصر، سواءٌ أكان ذلك تقديمًا أم تأخيرًا (١)، وبين المغرب والعشاء كذلك، وليس هنالك جمع غيره؛ وذلك في الحالات الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-643>١ - الجمع بعرفة والمزدلفة:</span>\nفعن أبي أيوب الأنصاري: \"أنَّ رسول الله - ﷺ - جمَع في حجَّة الوَداع المغرب والعشاء بالمزدلفة\" (٢).\nوكان ابن عمر -﵄- \"إِذا فاتته الصلاة مع الإِمام جمَع بينهما\" (٣).\nوعن ابن شهاب قال: \"أخبرني سالم أنَّ الحجاج بن يوسف -عام نزَل بابن الزبير -﵄- سأل عبد الله -﵁-: كيف تصنع في الموقف يوم عرفة؟ فقال سالم: إِن كنت تُريد السنّة فهجِّر بالصلاة يوم عرفة. فقال عبد الله بن عمر: صدق، إِنهم كانوا يجمعون بين الظهر والعصر في\n_________\n(١) هناك فوائد نفيسة لشيخنا -شفاه الله- في \"الصحيحة\" تحت الحديث (١٦٤) فارجع إِليها -إِن شئت-.\n(٢) أخرجه البخاري: ١٦٧٤.\n(٣) أخرجه البخاري معلقًا مجزومًا به \"كتاب الحج\" (باب الجمع بين الصلاتين بعرفة).","vol":"2","page":345},{"text":"السنَة. فقلت لسالم: أفَعَل ذلك رسول الله - ﷺ -؛ فقال سالم: وهل يتَّبعون بذلك إلاَّ سنّته\"؟ (١).\nقال شيخ الإِسلام في \"الفتاوى\" (٢٦/ ١٦٨): \"ومن سُنّة رسول الله - ﷺ - أنَّه جمَع بالمسلمين جميعهم بعرفة بين الظهر والعصر، وبمزدلفة بين المغرب والعشاء وكان معه خلق كثير ممّن منزله دون مسافة القصر من أهل مكة وما حولها، ولم يأمر حاضري المسجد الحرام بتفريق كلّ صلاة في وقتها، ولا أن يعتزل المكيون ونحوهم فلم يصلّوا معه العصر، وأن ينفردوا فيصلّوها في أثناء الوقت دون سائر المسلمين ... \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-644>٢ - السفر:</span>\nعن معاذ بن جبل أنَّ النّبيّ - ﷺ - كان في غزوة تبوك إِذا ارتحل قبل زيغ الشمس (٢) أخّر الظهر حتى يجمعها إلى العصر يصلّيها جميعًا، وإِذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلّى الظهر والعصر جميعًا ثمَّ سار، وكان إِذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب حتى يصلّيها مع العشاء، وإذا ارتحل (٣) بعد المغرب عجّل (٤) العشاء، فصلاّها مع المغرب\" (٥).\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٦٦٢\n(٢) أي: ميلها، وذلك إِذا قام الفيء.\n(٣) أي: إِذا أراد أن يرتحل بعد المغرب.\n(٤) قبل أن يمضي في سفره.\n(٥) أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم، وصححه شيخنا في \"الإرواء\" (٥٧٨) و\"الصحيحة\" (١٦٤)، وانظر ما ذكره شيخنا -عافاه الله وشفاه- من الفوائد =","vol":"2","page":346},{"text":"وفي \"صحيح سنن أبي داود\" (١٠٦٧): \" ... وفي المغرب مِثل ذلك إِن غابت الشمس قبل أن يرتحل جمَع بين المغرب والعشاء، وإنْ يرتحِل قبل أن تغيب الشمس؛ أخّر المغرب حتى ينزل للعشاء، ثمَّ جمَع بينهما\".\nعن عامر بن واثلة أنَّ معاذ بن جبل أخبره \" أنّهم خرجوا مع رسول الله - ﷺ - عام تبوك فكان رسول الله - ﷺ - يجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء قال: فأخّر الصلاة يومًا، ثمَّ خرج فصلّى الظهر والعصر جميعًا ثمَّ دخل، ثمَّ خرج فصلّى المغرب والعشاء جميعا\" (١).\nوعن ابن عباس قال: \"ألا أحدّثكم عن صلاة رسول الله - ﷺ - في السفر قال قلنا بلى قال: كان إِذا زاغت الشمس في منزله جمع بين الظهر والعصر قبل أن يركب، وإِذا لم تزغ له في منزله سار حتى إِذا حانت العصر نزل، فجمع بين الظهر والعصر، وإذا حانت المغرب في منزله جمع بينها وبين العشاء، وإِذا لم تَحِن في منزله ركب حتى إِذا حانت العشاء نزل فجمع بينهما\" (٢).\nوفي روايةٍ عند مسلم (٧٠٥) وغيره: \"قال سعيد (هو ابن جبير) فقلت لابن عبّاس: ما حمَله على ذلك؟ قال: أراد أن لا يُحرج أمّته\".\n_________\n= تحت هذا الحديث، في الكتاب الأخير (١/ ٣١٤) وذكر كلامًا هامًا لشيخ الإِسلام -﵀- في درجات الجمع.\n(١) أخرجه مسلم: ٧٠٦، وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٠٦٥)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٥١٢)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٨٧٧)، والدارمي، ومالك في \"الموطأ\"، وهذا لفظه، وانظر \"الإِرواء\" (٣/ ٣٠).\n(٢) أخرجه الشافعي وأحمد وغيرهما، وصححه شيخنا في \"الإِرواء\" (٣/ ٣١)، وانظر \"صحيح سنن الترمذي\" (٤٥٥).","vol":"2","page":347},{"text":"وعن أنس بن مالك قال: \"كان رسول الله - ﷺ - إِذا ارتحل قبل أن تَزيغ الشمس؛ أخّر الظهر إِلى وقت العصر، ثمَّ نزل فجمع بينهما، فإِن زاغت الشمسُ قبل أن يرتحل؛ صلّى الظهر ثمَّ ركب\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-645>٣ - المطر:</span>\nعن ابن عباس \"أنَّ النّبيّ - ﷺ - صلّى بالمدينة سبعًا وثمانيا؛ الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فقال أيوب: لعله في ليلة مطيرة؟ قال (٢): عسى\" (٣).\nوعنه أيضًا قال: \"جمع رسول الله - ﷺ - بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة؛ في غير خوفٍ ولا مطر\" (٤).\nوعن نافع مولى ابن عمر: \"أنَّ عبد الله بن عمر كان إِذا جمَع الأمراء بين المغرب والعشاء في المطر؛ جمَع معهم\" (٥).\nقال شيخنا في \"الإِرواء\" (٣/ ٤٠) -بتصرف يسير-: \"ثمَّ روى [أي: الإِمام مالك في \"الموطّأ\"] عن هشام بن عروة أن أباه عروة وسعيد بن المسيب وأبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي كانوا يجمعون بين المغرب والعشاء في الليلة المطيرة؛ إِذا جمعوا بين\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١١١٢، ومسلم: ٧٠٤\n(٢) القائل: جابر.\n(٣) البخاري: ٥٤٣، ومسلم: ٧٠٥\n(٤) أخرجه مسلم: ٧٠٥\n(٥) أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح وغيره وانظر \"الصحيحة\" (٦/ ٨١٦)، و\"الإِرواء\" (٥٨٣).","vol":"2","page":348},{"text":"الصلاتين ولا يُنكِرون ذلك.\nوعن موسى بن عقبة أنّ عمر بن عبد العزيز؛ كان يجمع بين المغرب والعشاء الآخرة إِذا كان المطر، وأنَّ سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وأبا بكر بن عبد الرحمن ومشيخة ذلك الزمان؛ كانوا يصلّون معهم ولا ينكِرون ذلك. وإِسنادهما صحيح.\nوذلك يدلّ على أنَّ الجمع للمطر كان معهودًا لديهم، ويؤيده حديث ابن عباس: \"من غير خوف ولا مطر\" فإِنّه يُشعِر أنّ الجمع للمطر كان معروفًا في عهده ﵌، ولو لم يكن كذلك؛ لما كان ثمّة فائدة من نفي المطر لتسويغ الجمع فتأمّل\". انتهى.\nوجاء في \"الفتاوى\" (٢٤/ ٢٩): \"وسئل -﵀- عن صلاة الجمع في المطر بين العشائين، هل يجوز من البرد الشديد؟ أو الريح الشديد؟ أم لا يجوز إلاَّ من المطر خاصة؟\nفأجاب: الحمد لله رب العالمين. يجوز الجمع بين العشائين للمطر والريح الشديد الباردة، والوحل الشديد. وهذا أصح قولي العلماء، وهو ظاهر مذهب أحمد ومالك وغيرهما، والله أعلم.\nوسئل -﵀- عن رجل يؤم قومًا وقد وقع المطر والثلج، فأراد أن يصلّي بهم المغرب، فقالوا له: يجمع، فقال: لا أفعل، فهل للمأمومين أن يصلّوا في بيوتهم؟ أم لا؟\nفأجاب: الحمد لله. نعم يجوز الجمع للوحل الشديد والريح الشديدة الباردة في الليلة الظلماء ونحو ذلك، وإِن لم يكن المطر نازلا في أصحّ قولي","vol":"2","page":349},{"text":"العلماء، وذلك أولى من أن يصلّوا في بيوتهم، بل ترك الجمع مع الصلاة في البيوت بدعة مخالفة للسنّة، إِذ السُّنّة أن تصلّى الصلوات الخمس في المساجد جماعة، وذلك أولى من الصلاة في البيوت باتفاق المسلمين.\nوالصلاة جمعًا في المساجد أولى من الصلاة في البيوت مفرّقة باتفاق الأئمّة الذين يُجوِّزون الجمع: كمالك، والشافعي، وأحمد، والله تعالى أعلم\". انتهى. وانظر للمزيد من الفائدة ما قاله ابن المنذر في \"الأوسط\" (٢/ ٤٣٠ - ٤٣٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-646>٤ - المرض:</span>\nقال الله تعالى: ﴿ما جَعَل عليكم في الدين مِن حَرَج﴾ (١) فإِذا بلغ المرض حدًّا أوقع على صاحبه الحرج فله أن يجمع، وقال سبحانه: ﴿ولا على المريض حرج﴾ (٢)، وقد يكون حاجة المريض للجمع أشدّ من حاجة من يجمع في السفر أو المطر ونحوه.\nقال شيخ الإِسلام في \"الفتاوى\" (٢٤/ ٢٨) -﵀-: \"ويجوز عنده [أي: الإِمام أحمد] وعند مالك وطائفة من أصحاب الشافعي الجمع للمرض\". انتهى.\nوفي \"المغني\": \" ... والمرض المبيح للجمع هو ما يلحقه به بتأدية كلّ صلاة في وقتها مشقّة وضعفًا\" (٣).\n_________\n(١) الحج: ٧٨\n(٢) النور: ٦١، الفتح: ١٧\n(٣) ذكره السيد سابق -حفظه الله- في \"فقه السنّة\" (١/ ٢٩١).","vol":"2","page":350},{"text":"وسألتُ شيخنا -شفاه الله وعافاه-: ما تقولون في جمْع المريض؟ فقال: \"حسبما تقتضيه الحاجة، إِذا احتاج إِلى ذلك جمَع وإِلاَّ فلا\".\nوقال الإِمام النووي -﵀-: \"وذهب جماعة من الأئمّة إِلى جواز الجمع في الحضر للحاجة لمن لا يتخذه عادة، وهو قول ابن سيرين وأشهب من أصحاب مالك، وحكاه الخطابي عن القفال والشاشي الكبير من أصحاب الشافعي، عن أبي إِسحاق المروزي، عن جماعة من أصحاب الحديث، واختاره ابن المنذر، ويؤيده ظاهر قول ابن عباس \"أراد أن لا يحرج أمّته\" (١)، فلم يعلّله بمرض ولا غيره، والله أعلم.\nوعن عبد الله بن شقيق قال: \"خطبنا ابن عباس يومًا بعد العصر حتى غربت الشمس وبدت النجوم، وجعل الناس يقولون: الصلاةَ الصلاةَ، قال: فجاءه رجل من بني تميم لا يفتر ولا ينثني (٢): الصلاة الصلاة، فقال ابن عباس: أتعلّمني بالسنّة؟ لا أمّ لك، ثمَّ قال: رأيت رسول الله - ﷺ - جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء.\nقال عبد الله بن شقيق: فحاك في صدري من ذلك شيء فأتيت أبا هريرة فسألْته فصدّق مقالته\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-647>٥ - الحاجة العارضة:</span>\n_________\n(١) انظر \"شرح النووي\" (٥/ ٢١٩) ونقله الشيخ عبد العظيم في \"الوجيز\" (ص ١٤١)، والشيخ السيد سابق في \"فقه السنّة\" (١/ ٢٩١) -حفظهما الله-.\n(٢) أي: لا يضعف ولا ينصرف عن ذلك.\n(٣) أخرجه مسلم: ٧٠٥","vol":"2","page":351},{"text":"عن سالم بن عبد الله عن أبيه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إِذا حضَر أحدكم الأمر يخشى فوته؛ فليصلّ هذه الصلاة [يعني: الجمع بين الصلاتين] \" (١).\nوتقدّم حديث ابن عباس -﵄-: \"صلّى رسول الله - ﷺ - الظهر والعصر جميعًا بالمدينة، في غير خوف ولا سفر، \"وفي رواية له \"في غير خوف ولا مطر\".\nقال أبو الزبير: فسألت سعيدًا: لمَ فعَل ذلك؟ فقال: سألت ابن عباس كما سألني فقال: \"أراد أن لا يُحرِج أحدًا من أمّته\".\nقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿هو اجتباكم وما جعلَ عليكم في الدين مِن حرَج﴾ (٢) أي: ما كلّفكم ما لا تطيقون، وما ألزمكم بشيء يشقّ عليكم؛ إلاَّ جعل الله لكم فرجًا ومخرجًا، فالصلاة التي هي أكبر أركان الإِسلام بعد الشهادتين؛ تجب في الحضر أربعًا وفي السفر تقصر إِلى ثنتين، وفي الخوف يصلّيها بعض الأئمّة ركعة، كما ورد به الحديث وتصلّى رجالًا ورُكبانًا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها وكذا في النافلة في السفر إِلى القبلة وغيرها والقيام فيها يسقط لعذر المرض، فيصلّيها المريض جالسًا، فإِن لم يستطع فعلى جنبه، إِلى غير ذلك من الرخص والتخفيفات في سائر الفرائض والواجبات ... قال ابن عبّاس في قوله: ﴿ما جعل عليكم في الدين من\n_________\n(١) أخرجه النسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٥٨١) وغيره، وهو حديث حسن خرّجه شيخنا -حفظه الله- في \"الصحيحة\" برقم (١٣٧٠).\n(٢) الحج: ٧٨","vol":"2","page":352},{"text":"حرج﴾ أي: من ضيق بل وسّعَه عليكم ... \".\nوسألت شيخنا -عافاه الله وشفاه-: \"هل للطبّاخ والخبّاز أن يجمعا إِذا خشيا فساد مالهما\"؟\nفأجاب: \"إِذا فوجئ أحدهما بذلك فلا مانع، فينبغي أن يأخذ الاستعداد اللازم له، كيلا يقع مِثل هذا الفساد؛ حتى لا يضطر للجمع\".\nفائدة: قال الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ٥٨٣): \"وفي حديث أنس (١) استحباب التفرقة في حال الجمع؛ بين ما إِذا كان سائرًا أو نازلا، وقد استدل به على اختصاص الجمع بمن جدّ به السير، لكن وقع التصريح في حديث معاذ بن جبل في \"الموطأ\" ولفظه: \"أنَّ النّبي - ﷺ - أخَّر الصلاة في غزوة تبوك، ثمَّ خرج فصلّى الظهر والعصر جميعا، ثمَّ دخل ثمَّ خرج فصلّى المغرب والعشاء جميعا (٢) \"، قال الشافعي في \"الأمّ\": قوله دخل ثمَّ خرج لا يكون إِلا وهو نازل، فلِلمسافر أن يجمع نازلا وسائرًا.\nوقال ابن عبد البر: في هذا أوضح دليل على الرد على من قال لا يجمع إلاَّ من جدّ به السير، وهو قاطع للالتباس، انتهى\".\nوجاء في \"عون المعبود\" (٣/ ٥١): \"قال الشافعي وأكثرون: يجوز الجمع بين الظهر والعصر في وقت أيتهما شاء، وبين المغرب والعشاء فى وقت أيتهما شاء ... قاله النووي\".\n_________\n(١) المتقدّم: \"كان رسول الله - ﷺ - إِذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس\".\n(٢) وهو صحيح كما في \"الإِرواء\" (٣/ ٣١)، وتقدّم قبل أحاديث ومعناه في مسلم: ٧٠٤","vol":"2","page":353},{"text":"وسألت شيخنا -عافاه الله وشفاه-: \"هل يجمع تقديمًا أو تأخيرًا على ما يتيسّر له؟ فقال: قولنا على ما تقتضيه الحاجة أفضل\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-648>هل يشترط النية والموالاة في الجمع والقصر</span>؟\nلا دليل على ذلك من باب التيسيرِ ومراعاةِ عدم إِسقاط مقصود الرخصة.\nقال شيخ الإِسلام ابن تيمية (١) عن عدم اشتراط النية في الجمع والقصر: \"وهو قول الجمهور من العلماء، وقال: والنّبيّ - ﷺ - لمّا كان يصلّي بأصحابه جمعًا وقصرًا لم يكن يأمر أحدًا منهم بنية الجمع والقصر، بل خرج من المدينة إِلى مكة يصلّي ركعتين من غير جمع، ثمَّ صلّى بهم الظهر بعرفة، ولم يُعلِمْهم أنّه يريد أن يصلّي العصر بعدها، ثمَّ صلّى بهم العصر ولم يكونوا نووا الجمع، وهذا جمع تقديم، وكذلك لمّا خرج من المدينة صلّى بهم بذي الحليفة العصر ركعتين ولم يأمرهم بنية قصر. وأمّا الموالاة بين الصلاتين فقد قال: والصحيح أنّه لا تشترط الموالاة بحال؛ لا في وقت الأولى ولا في وقت الثانية، فإِنّه ليس لذلك حدٌّ في الشرع، ولأنّ مراعاة ذلك يُسقِط مقصود الرخصة\".\n_________\n(١) في \"الفتاوى\" (٢٤/ ٥٠ - ٥٤) ملتقطًا وذكره السيد سابق -حفظه الله- في \"فقه السنّة\" (١/ ٢٩٠).","vol":"2","page":354},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-649>الصلاة في السفينة والطائرة:</span>\nعن ابن عمر قال: \"سُئل النّبيّ - ﷺ - عن الصلاة في السفينة، فقال: صلِّ فيها قائمًا؛ إِلا أن تخاف الغرق\" (١).\nوينبغي الالتفات إِلى أولوية إِتمام الركوع والسجود فيهما، فإِذا خشي فوات الوقت، صلّى فيهما.\nوعن عبد الله بن أبي عتبة قال: صحبتُ جابر بن عبد الله وأبا سعيد الخدري وأبا هريرة في سفينة، فصلَّوا قيامًا في جماعة أمَّهم بعضهم، وهم يقدرون على الجِدّ (٢) الشاطئ\" (٣).\n_________\n(١) أخرجه البزار والدارقطني وغيرهما، وصحّحه الحاكم ووافقه الذهبي، وانظر \"الصفة\" (٧٩).\n(٢) الجِدّ: وجه الأرض أو شاطئ النهر، \"الوسيط\".\n(٣) أخرجه سعيد بن منصور، وعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، و\"البيهقي\" (٣/ ١٥٥)، وإسناده صحيح، وانظر \"تمام المنّة\" (ص ٣٢٢).","vol":"2","page":355},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-650>الجمعة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-651>فضل يوم الجمعة:</span>\n١ - عن أبي هريرة -﵁- أنَّ النّبيّ - ﷺ - قال: \"خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خُلق آدم وفيه أُدخل الجنّة، وفيه أُخرِج منها، ولا تقوم الساعة إلاَّ في يوم الجمعة\" (١).\n٢ - وعن أبي لبابة بن عبد المنذر قال: قال النّبيّ - ﷺ - \"إِنَّ يوم الجمعة سيّد الأيام، وأعظمها عند الله، وهو أعظم عند الله من يوم الأضحى ويوم الفطر، فيه خمس خلال (٢): خلق الله فيه آدم وأهبط الله فيه آدم إِلى الأرض، وفيه توفَّى الله آدم، وفيه ساعة لا يسأل الله فيها العبد شيئًا إلاَّ أعطاه؛ ما لم يسأل حرامًا، وفيه تقوم الساعة، ما من ملك مقرَّب ولا سماء ولا أرض ولا رياح ولا جبال ولا بحر؛ إلاَّ وهن يُشفِقن من يوم الجمعة\" (٣).\nوعن ابن عبّاس -﵄- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إِنَّ هذا يومُ عيد، جعَله الله للمسلمين، فمن جاء الجمعة فليغتسل، وإن كان طيبٌ فليمَسَّ منه، وعليكم بالسواك\" (٤).\nوعن أنس بن مالك -﵁- قال: \"عُرضت الجمعة على\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ٨٥٤\n(٢) مفردها: خَلَّة: وهي الخَصلة، يُقال: فيه خَلَّه حسنة وخَلةٌ سيئة. \"الوسيط\"\n(٣) أخرجه أحمد وابن ماجه \"صحيح ابن ماجه\" (٨٨٨)، وحسنه شيخنا في \"المشكاة\" (١٣٦٣).\n(٤) أخرجه ابن ماجه بإِسناد حسن، وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٧٠٦).","vol":"2","page":356},{"text":"رسول الله - ﷺ -؛ جاءه بها جبرائيل ﵇ في كفّه كالمرآة البيضاء، في وسطها كالنكتةِ السوداء، فقال: ما هذه يا جبرائيل؟ قال: هذه الجمعة، يعرضها عليك ربُّك؛ لتكون لك عيدًا، ولقومك من بعدك، ولكم فيها خير، تكون أنت الأوّل، وتكون اليهود والنصارى من بعدك، وفيها ساعةٌ لا يدعو أحدٌ ربَّه فيها بخير هو له قُسِمَ، إلاَّ أعطاه، أو يتعوّذ من شرّ؛ إلاَّ دفع عنه ما هو أعظم منه، ونحن ندعوه في الآخرة يوم المزيد ... \" (١).\nوعن أبي موسى الأشعري -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إِنَّ الله يبعث الأيام يوم القيامة على هيئتها، ويبعث يوم الجمعة زهراء منيرة، أهلها يحفُّون بها كالعروس تُهْدَى إِلى كَريمها، تُضيءُ لهم، يمشون في ضوئها، ألوانهم كالثلج بياضًا، وريحهم تسطع كالمسك، يخوضون في جبال الكافور، ينظر إِليهم الثقلان، ما يطرقون تعجُّبًا حتى يدخلوا الجنّة، لا يخالطهم أحد إلاَّ المؤذنون المحتسبون\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-652>الدعاء فيه:</span>\n١ - عن عبد الله بن سلام قال: \"قلت ورسول الله - ﷺ - جالس؛ إِنّا لنجد في كتاب الله في يوم الجمعة؛ ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يصلّي يسأل الله فيها شيئًا؛ إلاَّ قضى له حاجته. قال عبد الله: فأشار إِلىّ رسول الله - ﷺ - أو بعض ساعة، فقلت: صدقت، أو بعض ساعة، قلت: أي ساعة هي؟ قال هي آخر\n_________\n(١) أخرجه الطبراني في \"الأوسط\" بإِسناد جيد، وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٦٩١).\n(٢) أخرجه ابن خزيمة والحاكم وغيرهما، وانظر \"الصحيحة\" (٧٠٦).","vol":"2","page":357},{"text":"ساعات النهار، قلت: إِنّها ليست ساعة صلاة، قال: بلى إِنّ العبد المؤمن إِذا صلى ثمَّ جلس؛ لا يحبسه إلاَّ الصلاة فهو في الصلاة\" (١).\n٢ - عن أبي هريرة -﵁- أنَّ النّبيّ - ﷺ - قال: \"إِنَّ في الجُمُعة لساعة؛ لا يوافقها مسلم يسأل الله فيها خيرًا، إلاَّ أعطاه إياه\" (٢).\n٣ - عن جابر بن عبد الله عن رسول الله - ﷺ - قال: \"يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة؛ لا يوجد فيها عبد مسلم يسأل الله ﷿ شيئًا؛ إلاَّ آتاه إِيّاها، فالتمسوها آخر ساعة بعد صلاة العصر\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-653>استحباب كثرة الصلاة والسلام على رسول الله - ﷺ - ليلة الجمعة ويومها:</span>\nعن أوس بن أوس -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ - \"إِنَّ من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قُبِض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثِروا عليّ من الصلاة فيه؛ فإِنَّ صلاتكم معروضة عليّ، قالوا: يا رسول الله! وكيف تُعرض صلاتنا عليك وقد أرمت (٤) يقولون: بليت، فقال:\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٩٣٤)، وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٧٠١).\n(٢) أخرجه مسلم: ٨٥٢\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٩٢٦) وغيره، وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٧٠٢).\n(٤) جاء في \"النهاية\" (وقد أَرَمَّتَ): قال الحربي: هكذا يرويه المحدِّثون ولا أعرف وجهه، والصواب أَرَمَّتْ ... أو رَمِمْتَ: أي: صرْتَ رميمًا وقال غيره: إِنّما هو أرَمْتَ بوزن ضربْتَ وأصله أرمَمْتَ: أي: بَليِتَ .... قال ابن الأثير بعد تفصيل: فإِن صحت الرواية =","vol":"2","page":358},{"text":"إِنَّ الله ﷿ حرّم على الأرض أجساد الأنبياء\" (١).\nعن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"أكثروا الصلاة عليّ يوم الجمعة وليلة الجمعة، فمن صلّى عليّ صلاة؛ ﷺ عشرا\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-654>استحباب قراءة سورة الكهف يوم الجمعة أو ليلته:</span>\nعن أبي سعيد -رضي الله تعالى عنه- أنَّ النّبيّ - ﷺ - قال: \"من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمُعتين\" (٣).\nوفي رواية: \"من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له النور ما بينه وبين البيت العتيق\" (٤). وفي رواية لأبي سعيد موقوفًا: \"من قرأ سورة الكهف؛ ليلة الجمعة، أضاء له من النور ما بينه وبين البيت العتيق\" (٥).\n_________\n= ولم تكن محرّفة؛ فلا يمكن تخريجه إلاَّ على لغة بعض العرب ... فيكون لفظ الحديث: أَرَمَّتَ بتشديد الميم وفتح التاء والله أعلم.\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٩٢٥)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٨٨٩)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (١٣٠١)، وانظر \"الإِرواء\" (٤)، و\"الصحيحة\" (١٥٢٧)، و\"صحيح الترغيب رالترهيب\" (٦٩٥).\n(٢) أخرجه البيهقي وغيره، وانظر \"الصحيحة\" (١٤٠٧).\n(٣) أخرجه النسائي والبيهقي وغيرهما وانظر \"الإِرواء\" (٦٢٦)، و\"صحيح الترغيب والترهيب\" (٧٣٥).\n(٤) أخرجه البيهقي في \"شعب الإِيمان\" وغيره، وانظر \"الصحيحة\" (٢٦٥١)، و\"الإرواء\" (٣/ ٩٤)، و\"صحيح الترغيب والترهيب\" (٧٣٥).\n(٥) أخرجه الدارمي في \"سننه\" وغيره، وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٧٣٥).","vol":"2","page":359},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-655>الغسل والتجمّل والسواك والتطيّب:</span>\nعن ابن عباس -﵄- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إِنَّ هذا يوم عيد، جَعَله الله للمسلمين، فمن جاء الجمعة فليغتسل، وإِن كان طيبٌ فليمسّ منه، وعليكم بالسواك\" (١).\nوعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إِذا كان يوم الجمعة، فاغتسل الرجل، وغسل رأسه، تمَّ تطيّب من أطيب طيبه، ولَبِس من صالح ثيابه، ثمَّ خرج إِلى الصلاة، ولم يُفرّق بين اثنين، ثمَّ استمع للإِمام، غُفر له من الجمعة إِلى الجمعة، وزيادة ثلاثة أيام\" (٢).\nوعن أبي سعيد -﵁- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"غُسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم (٣)، وسواك، ويمسّ من الطيب قَدَرَ عليه\" (٤).\nوعن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن شيخ من الأنصار قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ثلاثٌ حقٌّ على كلّ مسلم: الغسل يوم الجمعة والسواك ويمسّ من طيبٍ إِنْ وجد\" (٥).\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه بإِسناد حسن، وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٧٠٦)، وتقدّم غير بعيد.\n(٢) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه، وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٧٠٤).\n(٣) أي: بلغ سنّ الاحتلام.\n(٤) أخرجه مسلم: ٨٤٨\n(٥) أخرجه أحمد وغيره، وصححه شيخنا في \"الصحيحة\" (١٧٩٦).","vol":"2","page":360},{"text":"وعن عبد الله بن سلام أنَّه سمع رسول الله - ﷺ - يقول على المنبر في يوم الجمعة: \"ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة؛ سوى ثوب مهنته\" (١).\nوعن سلمان الفارسي قال: قال النّبيّ - ﷺ -: \"لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن من دهنه، أو يمس من طيب بيته، ثمَّ يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثمَّ يصلّي ما كتب له، ثمَّ ينصت إِذا تكلّم الإِمام؛ إلاَّ غفر له ما بينه وبين الجمُعة الأخرى\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-656>التبكير إِلى الجمعة:</span>\nعن أبي هريرة -﵁- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"من اغتسل يوم الجمعة غُسل الجنابة، ثمَّ راح فكأنما قرّب (٣) بدنة (٤)، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرّب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرّب كبشا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرّب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرّب بيضة، فإِذا خرج الإِمام حضرت الملائكة يستمعون\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٩٥٤)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٨٩٨) وغيرهما، وانظر \"غاية المرام\" (٧٦).\n(٢) أخرجه البخاري: ٨٨٣، ٩١٠، وفي رواية: \"وزيادة ثلاثة أيام\" وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٧٠٤).\n(٣) أي: تصدّق بها متقربًا إِلى الله تعالى، \"فتح\" (٢/ ٣٦٧).\n(٤) قال الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ٣٦٧): \"والمراد بالبدنة هنا الناقة بلا خلاف، وانظر -إِن شئت- الكتاب المشار إليه للمزيد من الفوائد\".","vol":"2","page":361},{"text":"الذكر\" (١).\nوعن أوس بن أوس الثقفي -﵁- قال: سمعْت رسول الله - ﷺ - يقول: \"من غسَّل يوم الجمعة واغتسل، وبكّر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإِمام فاستمع ولم يلْغُ، كان له بكلّ خطوة عمل سنة، أجر صيامها وقيامها\" (٢).\nوأوّل ساعة تبدأ من طلوع الشمس في الغالب كما أفادني شيخنا -شفاه الله-، ولكن قد يتفق أهل حيٍّ أو قرية على الصلاة في وقتٍ ما قبل الزوال؛ فعندئذ تكون الساعة الخامسة قبل صعود الإِمام المنبر، وترتيب الساعات الباقية معروفة. والله أعلم.\nوسألت شيخنا -شفاه الله تعالى- عن أول تبكير صلاة الجمعة فقال: متى يصلّي العيد؟ قلت: بعد ارتفاع وقت الكراهة، فقال: هذا هو.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-657>الدنو من الإِمام:</span>\nعن سمرة بن جندب -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"احضروا الذِّكر وادنوا من الإِمام، فإِنّ الرجل لا يزال يتباعد؛ حتى يُؤخَّر في الجنّة وإنْ دخلها\" (٣).\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٨٨١، ٩٢٩، ومسلم: ٨٥٠\n(٢) أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وحسّنه النسائي وابن ماجه وغيرهم، وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٦٨٧).\n(٣) أخرجه أبو داود والحاكم وغيرهما، وانظر \"الصحيحة\" (٣٦)، وتقدّم حديث أوس بن أوس الثقفي: \" ... ودنا من الإمام\".","vol":"2","page":362},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-658>عدم تخطّي الرقاب:</span>\nعن عبد الله بن بُسر قال: \"جاء رجل يتخطى رقاب النّاس يوم الجمعة والنّبيّ - ﷺ - يخطب، فقال النّبيّ - ﷺ -: اجلس فقد آذيت وآنيت (١) \" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-659>تخطي الرقاب لحاجة:</span>\nعن عقبة بن الحارث قال: \"صلّيت وراء النّبيّ - ﷺ - بالمدينة العصر، فسلّم ثمَّ قام مسرعًا، فتخطى رقاب الناس إِلى بعض حُجَر نسائه، ففزع الناس من سرعته، فخرج عليهم، فرأى أنّهم عجبوا من سرعته فقال: ذكرت شيئًا من تبْرٍ (٣) عندنا، فكرهت أن يحبسني فأُمرت بقِسمته\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-660>مشروعية التنفّل قبلها:</span>\n١ - عن نافع قال: كان ابن عمر يطيل الصلاة قبل الجمعة، ويصلّي بعدها ركعتين في بيته، ويُحدّث أنّ رسول الله - ﷺ - كان يفعل ذلك\" (٥).\n٢ - وعن أبي هريرة عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"من اغتسل ثمَّ أتى الجمعة فصلّى ما قُدِّرَ له ثمَّ أنصت حتى يفرغ من خطبته، ثمَّ يصلّيَ معه غُفر له ما بينه وبين\n_________\n(١) آنيت: أي: آذيت بتخطّي الرقاب وأخّرت المجيء وأبطأت. \"مجمع\".\n(٢) أخرجه أحمد وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٩٨٩) وغيرهما، وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٧١٣).\n(٣) ما كان من الذهب غير مضروب. قاله الكرماني (٥/ ١٩٨).\n(٤) أخرجه البخاري: ٨٥١\n(٥) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٩٩٨)، وانظر \"تمام المنّة\" (٣٢٦).","vol":"2","page":363},{"text":"الجمعة الأخرى وفضل ثلاثة أيام\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-661>إِذا رأى الإِمام رجلًا جاء وهو يخطب أمره أن يصلّي ركعتين </span>(٢).\nعن جابر بن عبد الله قال: \"جاء رجل والنّبيّ - ﷺ - يخطب الناس يوم الجمعة فقال: أصلّيت يا فلان؟ قال: لا، قال: قم فاركع\" (٣).\nوفي رواية: \"إِذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإِمام يخطب؛ فليركع ركعتين وليتجوّز (٤) فيهما\" (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-662>تحوُّل مَن غلبه النعاس عن مكانه:</span>\nعن ابن عمر قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"إِذا نعس أحدكم وهو في المسجد؛ فليتحوّل من مجلسه ذلك إِلى غيره\" (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-663>وجوب صلاة الجمعة:</span>\nقال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إِذا نُودي للصلاة (٧) من يوم الجُمُعة\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ٨٥٧\n(٢) هذا العنوان من البخاري.\n(٣) أخرجه البخاري: ٩٣٠، ومسلم: ٨٧٥\n(٤) فليخفّفها ويسرع بها وهو من الجَوْز: القطع والسَّير. وانظر \"النهاية\".\n(٥) أخرجه مسلم: ٨٧٥\n(٦) أخرجه أحمد وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٩٩٠) وغيرهما، وانظر \"الصحيحة\" (٤٦٨).\n(٧) قال شيخنا -شفاه الله- تعليقًا على الحديث (٢٢٠٦) من \"الضعيفة\": \"وقد اختلفوا في الأذان المحرِّم للعمل: أهو الأول أم الآخر؟ والصواب أنه الذي يكون =","vol":"2","page":364},{"text":"فاسعَوا إِلى ذِكر الله وذَرُوا البيعَ ذلكم خيرٌ لكم إِنْ كنتم تعلَمون﴾ (١).\nوعن أبي هريرة -﵁- أنَّه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: \"نحن الآخِرون السابقون يوم القيامة، بَيْد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثمَّ هذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله، فالناس لنا فيه تبَعٌ، اليهود غدًا (٢) والنصارى بعد غد (٣) \" (٤).\nوعن عبد الله بن مسعود أنَّ النّبيّ - ﷺ - قال لقوم يتخلّفون عن الجمعة: \"لقد هممْتُ أن آمر رجلا يصلّي بالناس، ثمَّ أُحَرِّقَ على رجال يتخلّفون عن الجمعة بيوتهم\" (٥).\nوعن عبد الله بن عمر وأبي هريرة أنهما سمعا رسول الله - ﷺ - يقول على أعواد منبره: \"لَينتَهينّ أقوام عن ودْعِهم (٦) الجمعات، أو ليختمنّ الله على قلوبهم ثمَّ ليكونُنّ من الغافلين\" (٧).\n_________\n= والإمام على المنبر، لأنه لم يكن غيره في زمن النّبيّ - ﷺ -، فكيف يصحّ حمل الآية على الأذان الذي لم يكن ولم يوجد إلاَّ بعد وفاته - ﷺ -\".\n(١) الجمعة: ٩\n(٢) أي: السبت.\n(٣) أي: الأحد.\n(٤) أخرجه البخاري: ٨٧٦، ومسلم: ٨٥٥، وفي رواية له برقم (٨٥٦): \"فكان لليهود يومُ السبت، وكان للنصارى يومُ الأحد\".\n(٥) أخرجه مسلم: ٦٥٢\n(٦) أي: ترْكهم.\n(٧) أخرجه مسلم: ٨٦٥","vol":"2","page":365},{"text":"وعن أبي الجعد الضَّمْري وكانت له صحبة عن النّبيّ - ﷺ -: من ترك ثلاث جمع تهاونًا بها؛ طبع الله على قلبه\" (١).\nوعن أسامة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من ترك ثلاث جمعات من غير عُذر؛ كُتب من المنافقين\" (٢).\nوعن ابن عباس -﵄- قال: \"من ترك الجمعة ثلاث جُمَع متواليات، فقد نبذَ الإِسلام وراء ظهره\" (٣).\nولما تقدّم من النصوص أقول:\nيجب شهود الجمُعة على كلّ مسلم، ويُستثنى من ذلك: العبد المملوك (٤)، والمرأة والصبي والمريض الذي يشقّ عليه حضورها، أو يخاف زيادة المرض أو تأخّر البرء.\nفعن طارق بن شهاب عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"الجمعة حقٌّ واجب على كل\n_________\n(١) أخرجه أحمد وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٩٢٨) والنسائي والترمذي وابن ماجه، وانظر \"المشكاة\" (١٣٧١)، و\"صحيح الترغيب والترهيب\" (٧٢٦).\n(٢) أخرجه الطبراني في \"الكبير\" وحسنه شيخنا في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٧٢٨).\n(٣) أخرجه أبو يعلى موقوفًا بإِسناد صحيح، وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٧٣٢).\n(٤) وسألت شيخنا -حفظه الله تعالى-: \"هل تسقط عنه الجمعة إِذا منعَه سيده، فقال: في الأصل تسقط الجمعة عنه\".","vol":"2","page":366},{"text":"مسلم في جماعة إلاَّ أربعةً: عبدٌ مملوك أو امرأةٌ أو صبيٌّ أو مريضٌ\" (١).\nويلحق بالمريض من يقوم على عنايته إِذا دعَت الحاجة إِلى ذلك، فعن إِسماعيل بن عبد الرحمن \"أنَّ ابن عمر -﵄- دُعي يوم الجمعة وهو يتجهّز للجمعة إِلى سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وهو يموت، فأتاه وترَك الجمعة\".\nوفي رواية ...: \"مرض في يوم الجمعة فركب إِليه بعد أن تعالى النهار واقتربت الجمعة وترك الجمعة\" (٢)\nويستثنى من ذلك أيضًا المسافر لحديث أبي هريرة -﵁- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"ليس على مسافر جمعة\" (٣)، ولقول عمر لأحدهم: \"اخرُج؛ فإِنَّ الجمعة لا تحبس عن سفر\" (٤).\n\"وقد دلّ الاستقراء على أنَّ النّبيّ - ﷺ - سافر هو وأصحابه في الحج وغيره، فلم يصلِّ أحدٌ منهم الجمعة مع اجتماع الخلق الكثير\" (٥).\nويستثنى من ذلك أيضًا كلّ معذور أُذن له أن يترك الجماعة لعُذر المطر أو الوحل أو البرد ونحو ذلك.\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٩٤٢) وغيره وانظر\"الإِرواء\" (٥٩٢).\n(٢) كذا في \"الإِرواء\" (٥٥٢)، وقال شيخنا فيه: أخرجه البخاري والبيهقي، وأخرجه الحاكم ... بلفظ: \"أنَّه استصرخ في جنازة سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وهو خارج من المدينة يوم الجمعة، فخرج إِليه ولم يشهد الجمعة\".\n(٣) تقدّما في باب السفر يوم الجمعة.\n(٤) تقدّما في باب السفر يوم الجمعة.\n(٥) انظر \"الإِرواء\" (٥٩٤).","vol":"2","page":367},{"text":"فعن عبد الله بن عبّاس -﵄- أنَّه قال لمؤذِّنه في يوم مطير: إِذا قلت: \"أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، فلا تقل: حي على الصلاة، قل: صلّوا في بيوتكم، قال: فكانّ الناس استنكروا ذاك فقال: أتعجبون من ذا؟ قد فعل ذا مَن هو خير منّي؛ إِنَّ الجمعة عَزْمَة (١) وإني كرهتُ أن أُخرجكم فتمشوا في الطين والدَّحْضِ (٢) \" (٣).\nوعن أبي المليح عن أبيه أنّه شهد النّبيّ - ﷺ - زمن الحديبية في يوم جمعة وأصابهم مطر؛ لم تبتلّ أسفل نعالهم فأَمَرهم أن يصلّوا في رحالهم\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-664>أداء الجمعة في المسجد الجامع:</span>\nعن عائشة -﵂- قالت: كان الناسُ ينتابون يومَ الجُمعة (٥) من منازلهم العوالي (٦) ... \" (٧).\nوقال عطاء (٨) إِذا كنت في قرية جامعة؛ فنُوديَ بالصلاة من يوم الجمعة\n_________\n(١) أي: واجبة متحتمة ضد الرخصة.\n(٢) قال النووي: الدحض والزلل والزلق ... كله بمعنى واحد.\n(٣) أخرجه البخاري: ٦١٦، ومسلم ٦٩٩ وهذا لفظه، وتقدّم.\n(٤) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٩٣٢)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٧٦٤)، وانظر \"الإرواء\" (٢/ ٣٤١).\n(٥) أي: أتونها ويقصدونها، وفي \"الفتح\" أي: يحضرونها نوبًا، وفي رواية: يتناوبون.\n(٦) هي القرى التي حول المدينة على أربعة أميال فصاعدًا منها.\n(٧) أخرجه البخاري: ٩٠٢، ومسلم: ٨٤٧\n(٨) قال عطاء: وصَله عبد الرزاق عن ابن جريج عنه.","vol":"2","page":368},{"text":"فحقٌّ عليك أن تشهدها، سمعْتَ النداء أو لم تسمعه (١)، وكان أنس (٢) -﵁- في قصره أحيانًا يُجمِّعُ، وأحيانًا لا يُجمِّع، وهو بالزاوية (٣) على فرسخين\".\nوجاء في \"الإِرواء\" (٣/ ٨١) برقم (٦٢٥) -بحذف-: \"حديث أنَّ النّبيّ - ﷺ - وخلفاءه لم يقيموا إلاَّ جمعة واحدة\"، صحيح متواتر كذا قال ابن الملقن في \"البدر المنير\" (ق ٥٢/ ١) ويعني: التواتر المعنوي، وإلاَّ فإِنّي لا أعرف حديثًا واحدًا بهذا اللفظ، وما أظن المؤلّف أراد أنَّ هذا اللفظ وارد، بل هو مأخوذ بالاستقراء كما قال الحافظ في \"التلخيص\" (ص ١٣٢) قال: فلم يكن بالمدينة مكان يجمع فيه إِلا مسجد المدينة، وبهذا صرّح الشافعي فقال: \"ولا يُجمع في مصر وإن عظُم، ولا في مساجد إِلا في مسجد واحد، وذلك لأنَّ النّبيّ - ﷺ -، والخلفاء بعده لم يفعلوا إلاَّ كذلك\". وروى ابن المنذر عن ابن عمر أنّه كان يقول: لا جمعة إلاَّ في المسجد الأكبر الذي يُصلّي فيه الإِمام، وروى أبو داود في \"المراسيل\" عن بكير بن الأشج أنَّه كان بالمدينة تسعة مساجد مع مسجده - ﷺ -، يسمع أهلها تأذين بلال، فيصلّون في مساجدهم، زاد يحيى بن يحيى في روايته: \"ولم يكونوا يصلّون في شيء من تلك المساجد إلاَّ في مسجد النّبيّ - ﷺ -\". أخرجه البيهقي في \"المعرفة\".\n_________\n(١) يُفهم جواز عدم تلبية نداء الصلوات المكتوبة إِذا لم يسمعها.\n(٢) وكان أنس -إِلى قوله- لا يُجمّع: وصله مسدد في مسنده الكبير عن أبي عوانة عن حميد بهذا. \"فتح\" (٢/ ٣٨٥).\n(٣) الزاوية: موضع ظاهر البصرة معروف، كانت فيه وقعه كبيرة بين الحجاج وابن الأشعث. \"فتح\" (٢/ ٣٨٥).","vol":"2","page":369},{"text":"ويشهد له صلاة أهل العوالي مع النّبيّ - ﷺ - الجمعة كما في \"الصحيح\" ... \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-665>وقتها:</span>\nقال شيخنا في \"الأجوبة النافعة\" (ص٢٠ - ٢٥) -بتصرف-: للأذان المحمدي وقتان: الأول: بعد الزوال مباشرة، وعند صعود الخطيب.\nوالآخر: قبل الزوال عند صعود الخطيب أيضًا، وهذا مذهب أحمد بن حنبل -﵀- وغيره.\nأما الأوّل فدليله حديث السائب بن يزيد: \"أنّ الأذان كان أوله حين يجلس على المنبر\" (١). فهذا صريح في أنّ الأذان كان حين قيام سبب الصلاة، وهو زوال الشمس عن وسط السماء، مع جلوس الإِمام على المنبر في ذلك الوقت، ويشهد لهذا [ما ثبت] عن سعد القَرَظ مؤذّن النّبيّ - ﷺ - \"أنَّه كان يؤذّن يوم الجمعة على عهد رسول الله - ﷺ -؛ إِذا كان الفيء مثل الشراك (٢) \" (٣). أخرجه ابن ماجه (١/ ٣٤٢)، والحاكم: (٣/ ٦٠٧).\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٩١٢، وخرّجه شيخنا وجمع ألفاظه وطرقه وزياداته في \"الكتاب المشار إِليه\" (ص ٨).\n(٢) الشراك: أحد سُيور النعل التي تكون على وجهها، وقدْره ها هنا ليس على معنى التحديد، ولكن زوال الشمس لا يبين إلاَّ بأقلّ ما يُرى من الظلّ ... والظلّ يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة. \"النهاية\".\n(٣) وذلك يكون أول ما يظهر زوال الشمس وهو المراد. قاله أبو الحسن السندي على ابن ماجه.","vol":"2","page":370},{"text":"وقال الحافظ ابن حجر: في النسائي: أن خروج الإِمام بعد الساعة السادسة وهو أول الزوال (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-666>الأحاديث في الوقت الآخر (قبل الزوال):</span>\nوأمّا الوقت الآخر ففيه أحاديث:\n١ - عن سلمة بن الأكوع قال: \"كنّا نُجمِّع (٢) مع رسول الله - ﷺ - إِذا زالت الشمس، ثمَّ نرجع نتتبع الفيء\" (٣).\n٢ - عن أنس \"أن رسول الله - ﷺ - كان يصلّي الجمعة حين تميل الشمس\" (٤).\n_________\n(١) قال شيخنا في التعليق: في \"تلخيص الحبير\" (٤/ ٥٨٠) وهو يشير بذلك إِلى حديث أبي هريرة مرفوعًا: \"من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرّب بدنة ... \" الحديث، وفيه: \"ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرّب بيضة، فإِذا خرج الإِمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر\"، وهو في \"الصحيحين\" أيضًا .... وقد ناقش السندي ما ذكره الحافظ أن خروج الإِمام بعد الساعة السادسة فقال: \"ولا يخفى أن زوال الشمس في آخر الساعة السادسة وأول الساعة السابعة، ومقتضى الحديث أن الإِمام يخرج عند أول الساعة السادسة، ويلزم منه أن يكون خروج الإِمام قبل الزوال فليتأمل\"، وقد أجاب عن هذا الحافظ بما تراه مشروحًا في كتابه \"فتح الباري\" (٢/ ٢٩٤) فليراجعه من يشاء ..\n(٢) أي: نصلّي الجمعة.\n(٣) أخرجه البخاري: ٤١٦٨، ومسلم: ٨٦٠\n(٤) أخرجه البخاري: ٩٠٤. جاء في \"عون المعبود\" (٣/ ٣٠٠) -بحذف يسير-: إِذا مالت الشمس أي: زالت الشمس، قال الطيبي: أي يزيد على الزوال مزيدًا يُحسّ ميلانها. وفي \"المرقاة\": أي: مالت إِلى الغروب وتزول عن استوائها بعد تحقق الزوال.","vol":"2","page":371},{"text":"٣ - عن جابر -﵁-: \"كان رسول الله - ﷺ - إِذ زالت الشمس صلّى الجمعة\" (١).\nوهذه الأحاديث ظاهرة الدلالة على ما ذكَرنا، وذلك أنّه من المعلوم أنّه - ﷺ - كان يخطب قبل الصلاة خطبتين؛ يقرأ فيهما القرآن ويذكّر الناس؛ حتى كان أحيانًا يقرأ فيها ﴿ق والقرآن المجيد﴾.\nففي \"صحيح مسلم\" (٣/ ١٣) عن أمّ هشام بنت حارثة بن النعمان قالت: \"ما أخذْتُ ﴿ق والقران المجيد﴾ إلاَّ عن لسان رسول الله - ﷺ - يقرأها كلّ يوم جمعة على المنبر إِذا خطب الناس\" [وتقدّم]. وصحّ عنه أنَّه قرأ فيها سورة براءة. رواه ابن خزيمة في \"صحيحه\" والحاكم وصححه ووافقه الذهبي وغيره.\nفإِذا تذكَّرنا هذا علِمْنا أنّ الأذان كان قبل الزوال حتمًا، وكذا الخطبة طالما أن الصلاة كانت حين الزوال، وهذا بيِّنٌ لا يخفى والحمد لله.\nوأصرح من هذه الأحاديث في الدلالة على المطلوب حديث جابر الآخر وهو:\n٤ - وعنه قال: \"كان رسول الله - ﷺ - يصلّي الجمعة ثمَّ نذهب إِلى جِمالنا فنريحها حين تزول الشمس، يعني: النواضح\" (٢).\nفهذا صريح في أنَّ الصلاة كانت قبل الزوال، فكيف بالخطبة والأذان؟\n_________\n(١) أخرجه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن.\n(٢) أخرجه مسلم: ٨٥٨، وغيره. والنواضح: الإبل التي يُستقى عليها، واحدها ناضِح. \"النهاية\".","vol":"2","page":372},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-667>الآثار في الوقت الآخر (قبل الزوال):</span>\nويشهد لذلك آثار من عمل الصحابة نذكر بعضها للاستشهاد بها.\n١ - عن عبد الله بن سيدان السلمي قال: \"شهدتُ الجمعة مع أبي بكر الصديق، فكانت خطبته وصلاته قبل نصف النهار، ثمَّ شهِدنا مع عمر فكانت خطبته وصلاته إِلى أن أقول: انتصف النهار، ثمَّ شهدنا مع عثمان فكانت خطبته وصلاته إِلى أن أقول: زال النهار، فما رأيت أحدًا عاب ذلك ولا أنكَره\" (١).\n٢ - وعن عبد الله بن سلمة قال: \"صلّى بنا عبد الله الجمعة ضحى، وقال: خشيت عليكم الحرّ\" (٢).\n٣ - وعن سعيد بن سويد قال: \"صلّى بنا معاوية الجمعة ضحى\" (٣).\n٤ - وعن بلال العبسي: \"أن عمّارًا صلّى بالناس الجمعة، والناس فريقان: بعضهم يقول: زالت الشمس، وبعضهم يقول: لم تزُل\" (٤).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٠٦/٢)، والدارقطني (١٦٩)، قال شيخنا -حفظه الله-: وإسناده محتمل للتحسين، بل هو حسن على طريقة بعض العلماء كابن رجب وغيره.\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة، ورجاله ثقات غير عبد الله بن سلمة، ورجّح شيخنا حِفْظه لِما شاهد وقال: فالأرجح أن هذا الأثر صحيح، ولعله من أجل ما ذكَرنا احتجّ به الإمام أحمد ...\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة عن عمرو بن مرة عنه، قال شيخنا -حفظه الله -: وسعيد هذا لم يذكروا له راويًا غير عمرو هذا، ومع ذلك ذكره ابن حبان في \"الثقات\" (١/ ٦٢).\n(٤) أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح.","vol":"2","page":373},{"text":"٥ - وعن أبي رزين قال: \"كنا نصلّي مع عليّ الجمعة، فأحيانا نجد فيئًا، وأحيانًا لا نجده\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-668>العدد الذي تنعقد به الجمعة:</span>\nقال الإِمام الشوكاني (٢) -﵀- في الرد على من يقول في عددها \"وثلاثة مع مقيمها\": هذا الاشتراط لهذا العدد لا دليل عليه قط، وهكذا اشتراط ما فوقه من الأعداد. وأمّا الاستدلال بأنّ الجمعة أقيمت في وقت كذا وعدد من حضَرها كذا؛ فهذا استدلال باطل لا يتمسّك به من يعرف كيفية الاستدلال، ولو كان هذا صحيحا لكان اجتماع المسلمين معه ﵌ في سائر الصلوات دليلا على اشتراط العدد.\nوالحاصل أنّ صلاة الجماعة قد صحّت بواحد مع الإِمام، وصلاة الجمعة هي صلاة من الصلوات، فمن اشترط فيها زيادة على ما تنعقد به الجماعة فعليه الدليل، ولا دليل ...\n[و] الشروط إِنّما تثبت بأدلّة خاصّة، تدلّ على انعدام المشروط عند انعدام شرطه، فإِثبات مِثل هذه الشروط بما ليس بدليل أصلًا؛ فضلا عن أن يكون دليلًا على الشرطية؛ مجازفةٌ بالغة وجرأة على التّقوّل على الله وعلى رسوله - ﷺ - وعلى شريعته.\nوالعجب من كثرة الأقوال في تقدير العدد، حتى بلغت إِلى خمسة عشر\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة وإسناده صحيح على شرط مسلم، قال شيخنا: وهذا يدل لمشروعية الأمرين، الصلاة قبل الزوال، والصلاة بعده، كما هو ظاهر. ولهذه الأحاديث والآثار كان الإِمام أحمد -﵀- يذهب إِلى جواز صلاة الجمعة قبل الزوال، وهو الحقّ كما قال الشوكاني وغيره.\n(٢) \"السيل الجرار\" (١/ ٢٩٧).","vol":"2","page":374},{"text":"قولا، وليس على شيء منها دليل يستدل به قطّ؛ إلاَّ قول من قال: إِنّها تنعقد جماعة الجمعة بما تنعقد به سائر الجماعات.\nقال شيخنا -شفاه الله-: وهذا هو الصواب إِن شاء الله تعالى وانظر التعليق على الحديث (١٢٠٤) من \"الضعيفة\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-669>مكان الجمعة:</span>\nيصحّ أداء الجمعة حيثما كان المرء سواءٌ أكان من أهل المدُن أو القرى أو المياه.\nفعن ابن عبّاس -﵄- قال: \"أوّل جمعة جمّعت بعد جمعةٍ جمّعت في مسجد رسول الله - ﷺ - مسجد عبد القيس؛ بجُواثى يعني من البحرين\" (١).\nوروى ابن أبي شيبة في \"باب من كان يرى الجمعة في القرى وغيرها\" من طريق أبي رافع؛ عن أبي هريرة أنهم كتبوا إِلى عمر يسألونه عن الجمعة فكتب: \"جمّعوا حيثما كنتم\" (٢).\nوروى ابن أبي شيبة بسند صحيح عن مالك قال: \"كان أصحاب محمد - ﷺ - في هذه المياه بين مكة والمدينة يجمّعون\" (٣).\nقال شيخنا في \"السلسلة الضعيفة\" تحت الحديث (٩١٧): وترجم له\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٤٣٧١\n(٢) قال شيخنا -حفظه الله- في \"الضعيفة\" تحت الحديث (٩١٧)، وإسناده صحيح على شرط الشيخين.\n(٣) انظر \"الضعيفة\" تحت الحديث (٩١٧) و\"تمام المنّة\" (ص ٣٣٢).","vol":"2","page":375},{"text":"البخاري (أي: لحديث ابن عباس أول جمعة جمّعت ... \" وأبو داود بـ \"باب الجمعة في القرى\".\nقال الحافظ: \"ووجه الدلالة منه أنّ الظاهر أن عبد القيس لم يجمّعوا إلاَّ بأمر النّبيّ - ﷺ -، لِما عرف من عادة الصحابة من عدم الاستبداد بالأمور الشرعية في زمن نزول الوحي، ولأنّه لو كان ذلك لا يجوز لنزل فيه القرآن، كما استدلّ جابر وأبو سعيد على جواز العزل بأنّهم فعلوه والقرآن ينزل، فلم يُنهَوا عنه\".\nقلت [أي: شيخنا]-حفظه الله-: وفي هذه الآثار السلفية عن عمر ومالك وأحمد من الاهتمام العظيم اللائق بهذه الشعيرة الإِسلامية الخالدة: صلاة الجمعة، حيث أُمِروا بأدائها والمحافظة عليها حتى في القرى وما دونها من أماكن التجمع، وهذا ....... هو الذي يتفق مع عمومات النصوص الشرعية وإطلاقاتها، وبالغ التحذير من تركها -وهي معروفة- وحسبي الآن أن أذكِّر بآية من القرآن: ﴿يا أيها الذين آمنوا إِذا نودي للصلاة من يوم الجمُعة فاسعَوا إِلى ذِكر الله وذروا البيع﴾، وصلاة الظهر بعدها ينافي تمامها: ﴿فإِذا قُضيت الصلاة فانتشِروا في الأرض وابتغوا من فضْل الله﴾.\nوقال الشوكاني -﵀- في \"السيل الجرار\" (١/ ٢٩٨) -ردًّا على من يقول مشترطًا \"ومسجد في مستوطن\"-: \"وهذا الشرط ... لم يدل عليه دليل يصلح للتمسك به لمجرد الاستحباب فضلًا عن الشرطية، ولقد كثر التلاعب بهذه العبادة وبلغ إِلى حد تَقْضِى منه العجب.\nوالحق أنَّ هذه الجمعة فريضة من فرائض الله سبحانه وشعار من شعارات","vol":"2","page":376},{"text":"الإِسلام وصلاة من الصلوات فمن زعم أنّه يعتبر فيها ما لا يعتبر في غيرها من الصلوات لم يسمع منه ذلك إلاَّ بدليل وقد تخصصت بالخطبة وليست الخطبة إلاَّ مجرد موعظة يتواعظ بها عباد الله فإِذا لم يكن في المكان إلاَّ رجلان قام أحدهما يخطب واستمع له الآخر ثمَّ قاما فصليا صلاة الجمعة\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-670>الجمعة لا تخالف الصلوات إِلاَّ في مشروعيّة الخطبة قبلها </span>(١):\nوهي كسائر الصلوات لا تُخالفُها؛ لكونه لم يأت ما يدلّ على أنها تخالفها في غير ذلك، وفي هذا الكلام إِشارة إِلى ردّ ما قيل: إِنّه يُشترط في وجوبها الإِمام الأعظم، والمصر الجامع، والعدد المخصوص، فإِنّ هذه الشروط لم يدلّ عليها دليل يفيد استحبابها؛ فضلًا عن وجوبها، فضلًا عن كونها شروطًا، بل إِذا صلّى رجلان الجمعة في مكان لم يكن فيه غيرهما جماعةً، فقد فعلا ما يجب عليهما، ولولا حديث طارق بن شهاب المذكور (٢) من تقييد الوجوب على كلّ مسلم بكونه في جماعة، ومن عدم إِقامتها - ﷺ - في زمنه في غير جماعة، لكان فعْلها فرادى مجزئًا كغيرها من الصلوات.\nومن تأمَّل فيما وقع في هذه العبادة الفاضلة التي افترضها الله تعالى عليهم في الأسبوع، وجعَلها شعارًا من شعائر الإِسلام، وهي صلاة الجمعة من الأقوال الساقطة والمذاهب الزائغة والاجتهادات الداحضة، قضى من ذلك العجب، فقائل يقول: الخطبة كركعتين وإِنّ من فاتته لم تصحّ جمعته، وكأنّه لم يبلغه ما ورد عن رسول الله -﵌- من طرق متعددة يقوّي\n_________\n(١) هذا العنوان وما يتضمنه من \"الروضة الندية\" (١/ ٣٤٢ - ٣٤٥) بحذف.\n(٢) وتقدّم.","vol":"2","page":377},{"text":"بعضها بعضًا، ويشدّ بعضها من عضد بعض أنّ: \"من فاتته ركعة من ركعتي الجمعة فليضف إِليها أخرى وقد تمّت صلاته\" (١). ولا بلَغه غير هذا الحديث من الأدلّة، وقائل يقول: لا تنعقد الجمعة إلاَّ بثلاثة مع الإِمام. وقائل يقول: بأربعة. وقائل يقول: بسبعة. وقائل يقول: بتسعة. وقائل يقول: باثني عشر. وقائل يقول: بعشرين. وقائل يقول: بثلاثين، وقائل يقول: لا تنعقد إلاَّ بأربعين. وقائل يقول: بخمسين. وقائل يقول: لا تنعقد إلاَّ بسبعين. وقائل يقول: فيما بين ذلك. وقائل يقول: بجمع كثيرٍ من غير تقييد. وقائل يقول: إِن الجمعة لا تصح إلاَّ في مصر جامع، وحده بعضهم بأن يكون الساكنون فيه كذا وكذا من آلاف، وآخر قال أن يكون فيه جامع وحمّام. وآخر قال: أنْ يكون فيه كذا وكذا، وآخر قال: إِنّها لا تجب إِلا مع الإِمام الأعظم. فإِنْ لم يوجد أو كان مختلّ العدالة بوجه من الوجوه لم تجب الجمعة ولم تشرع.\nونحو هذه الأقوال التي ليس عليها أثارة من عِلم، ولا يوجد في كتاب الله تعالى ولا في سُنّة رسول الله - ﷺ - حرف واحد يدلّ على ما ادّعوه، من كون هذه الأمور المذكورة شروطًا لصحة الجمعة، أو فرضًا من فرائضها، أو ركنًا من أركانها؛ فيالله العجب، ما يفعل الرأي بأهله، ومن يخرج من رؤوسهم من الخزعبلات الشبيهة بما يتحدّث الناس به في مجامعهم، وما يُخبرونه في أسمارهم من القصص والأحاديث الملفقة، وهي عن الشريعة المطهّرة بمعزل، والحكم بين العباد هو كتاب الله تعالى وسنة رسوله -﵌- كما قال سبحانه: ﴿فإن تنازعتم في شيءٍ فردُّوه إلى الله\n_________\n(١) تقدّم، وانظر \"صحيح سنن النسائي\" (٥٤٣).","vol":"2","page":378},{"text":"والرسول﴾ (١) [فالمرجع] مع الاختلاف إِلى حُكم الله ورسوله، وحُكم الله هو كتابه، وحُكم رسوله، بعد أن قبضه الله تعالى هو سنّته ليس غير ذلك، ولم يجعل الله تعالى لأحد من العباد، وإنْ بلغ في العِلم أعلى مبلغ، وجمع منه ما لا يجمع غيره، أن يقول في هذه الشريعة بشيء لا دليل عليه من كتاب ولا سنّة، والمجتهد وإنْ جاءت الرخصة له بالعمل برأيه عند عدم الدليل، فلا رخصة لغيره أن يأخذ بذلك الرأي كائنا من كان، وإني -كما علم الله- لا أزال أُكثِر التعجب من وقوع مِثل هذا للمصنّفين، وتصديره في كتب الهداية، وأمر العوامّ والمقصّرين باعتقاده والعمل به، وهو على شفا جرفٍ هار، ولم يختصّ هذا بمذهب من المذاهب ولا بقطر من الأقطار، ولا بعصر من العصور، بل تبع فيه الآخر الأول؛ كأنّه أخَذه من أمّ الكتاب، وهو حديث خرافة، وقد كثرت التعيينات في هذه العبادة كما سبقت الإِشارة إِليها بلا برهان ولا قرآن ولا شرع ولا عقل، والبحث في هذا يطول جدًّا\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-671>الخطبة</span>\nتجب خطبة الجمعة لمواظبة النّبيّ - ﷺ - عليها وعدم ترْكه لها أبدًا.\nقال محمّد صديق البخاري في كتابه \"الموعظة الحسنة\" (٢):\nقد ثبت ثبوتًا يفيد القطع أن النّبيّ - ﷺ - ما ترك الخطبة في صلاة الجمعة التي شرعها الله ﷾. وقد أمَر الله سبحانه في كتابه العزيز بالسعي إِلى ذِكر الله ﷿؛ والخُطبة من ذِكر الله.\n_________\n(١) النساء: ٥٩\n(٢) انظر \"الأجوبة النافعة\" (ص٥٢).","vol":"2","page":379},{"text":"قال شيخنا -حفظه الله- في \"الأجوبة النافعة\" (ص٥٣) وثبوت الأمر بالسعي إِليها؛ يتضمّن الأمر بها من باب أولى، لأنّ السعي وسيلة إِليها؛ فإِذا وجبت الوسيلة، وجب المتوسَّل إِليه بالأحرى.\nقال محمّد صدّيق البخاري في \"الموعظة الحسنة\": وظاهر محافظته على ما ذكر في الخطبة وجوب ذلك، لأنَّ فعله بيان لما أجمل في آية الجمعة، وقد قال - ﷺ -: \"صلّوا كما رأيتموني أصلي\" (١). وقد ذهب إِلى هذا الشافعي. وقال بعضهم: مواظبته - ﷺ - دليل الوجوب. قال في \"البدر التمام\": \"وهو الأظهر\".\nوالقول بالوجوب هو الذي ذهب إِليه جمهور أهل العلم مستدلّين بما تقدّم، والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-672>تسليم الإِمام إِذا رقى المنبر:</span>\nعن جابر -﵁-: \"أنَّ النّبيّ - ﷺ - إِذا صعَد المنبر سلَّم\" (٢).\nقال شيخنا -حفظه الله- في \"الصحيحة\" تحت الحديث (٢٠٧٦): وممّا يشهد للحديث ويقوّيه أيضًا؛ جريان عمل الخلفاء عليه، فأخرج ابن أبي شيبة عن أبي نضرة قال: \"كان عثمان قد كبر، فإِذا صعَد المنبر سلّم، فأطال قدْر ما يقرأ إِنسان أمّ الكتاب\". وإسناده صحيح.\nثمَّ روى عن عمرو بن مهاجر: \"أنَّ عمر بن عبد العزيز كان إِذا استوى على\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٦٣١، وتقدّم.\n(٢) أخرجه ابن ماجه \"صحيح ابن ماجه\" (٩١٠) وغيره، وانظر \"الصحيحة\" (٢٠٧٦).","vol":"2","page":380},{"text":"المنبر سلّم على الناس وردّوا عليه\". وسنده صحيح أيضًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-673>استقبال المأمومين للخطيب:</span>\nقال شيخنا -حفظه الله تعالى- في \"الصحيحة\": استقبال الخطيب من السنن المتروكة وذكَر تحته حديث رقم (٢٠٨٠): \"كان إذا صعد المنبر؛ أَقْبَلْنا بوجوهنا إِليه\". ثمَّ ذكر بعض الآثار في ذلك منها:\nأثر نافع من حديث ابن المبارك: \"أنَّ ابن عمر كان يفرغ من سبحته يوم الجمعة قبل خروج الإِمام، فإِذا خرَج لم يقعد الإِمام حتى يستقبله\"، وقال شيخنا: وهذا إِسناد جيد ...\nوقال شيخنا كذلك -بحذف-: وهناك آثار أخرى كثيرة، أخرجها ابن أبي شيبة في \"المصنف\"، وكذا عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٣/ ٢١٧ - ٢١٨) من ذلك عند ابن أبي شيبة عن المستمر بن الريان قال: رأيت أنسًا عند الباب الأول يوم الجمعة قد استقبل المنبر، قلت [أي: شيخنا]: وإِسناده صحيح على شرط مسلم.\nوإنّ ممّا لا شك فيه أنّ جريان العمل بهذا الحديث من الصحابة ومن بعدهم؛ لَدليل قويّ على أنّ له أصلًا أصيلًا عن النّبيّ - ﷺ -، ولا سيما أنَّه يشهد له قول أبي سعيد الخدري -﵁- قال: \"جلس رسول الله - ﷺ - على المنبر وجلسنا حوله ... \". أخرجه البخاري: (٩٢١ و١٤٦٥ و٢٨٤٢ و٦٤٢٧) ومسلم: (٣/ ١٠١ - ١٠٢) [وغيرهما] \".\nهذا وقد أورد البخاري الحديث في \"باب يستقبل الإِمام القوم، واستقبال الناس الإِمام إِذا خطب، واستقبل ابن عمر وأنس -﵃- الإِمام\".","vol":"2","page":381},{"text":"ثمَّ أسند تحته حديث أبي سعيد.\nقال الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ٤٠٢): \"وقد استنبط المصنف من الحديث مقصود الترجمة، ووجه الدلالة منه أن جلوسهم حوله لسماع كلامه يقتضي نظرهم إِليه غالبًا\".\nقال: \"من حكمة استقبالهم للإِمام التهيّؤ لسماع كلامه، وسلوك الأدب معه في استماع كلامه، فإِذا استقبله بوجهه وأقبل عليه بجسده وبقلبه وحضور ذهنه؛ كان أدعى لتفهُّم موعظته، وموافقته فيما شُرع له القيام لأجله\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-674>التأذين إِذا جلس الخطيب على المنبر والمؤذّن الواحد يوم الجمعة</span>.\nعن السائب بن يزيد قال: \"كان النداء يوم الجمعة أوّله إِذا جلس الإِمام على المنبر؛ على عهد النّبيّ - ﷺ - وأبي بكر وعمر -﵄- فلمّا كان عثمان -﵁- وكثُر الناس، زاد النداءَ الثالثَ على الزوراء (١) \" (٢).\nوعنه قال: \"كان بلال يؤذّن إِذا جلس رسول الله - ﷺ - على المنبر يوم الجمعة، فإِذا نزَل أقام\" (٣).\nوعنه أيضًا: \"أنَّ الذي زاد التأذين الثالث يوم الجمعة عثمان بن عفان -﵁- حين كثر أهل المدينة -ولم يكن للنّبيّ - ﷺ - مؤذِّن غير\n_________\n(١) الزوراء: موضع بالسوق بالمدينة.\n(٢) أخرجه البخاري: ٩١٢\n(٣) أخرجه أحمد والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (١٣٢١).","vol":"2","page":382},{"text":"واحدٍ، وكان التأذين يوم الجمعة حين يجلس الإِمام على المنبر\" (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-675>خطبة الحاجة:</span>\nمن السنّة أن يستفتح الخطيب يوم الجمعة خطبته بخطبة الحاجة، وهذا نصّها: إِنَّ الحمْدَ لله، نحمَدُهُ ونستعينُهُ ونستغفِرُه، ونعوذُ بالله من شرورِ أَنْفسِنا، وسيِّئاتِ أعمالِنا، من يَهدِه الله فَلا مُضِلَّ لهُ، ومَن يُضْلل فلا هاديَ له، وأَشهَدُ أنْ لا إِله إلاَّ الله، وحدَه لا شريكَ له، وأَشْهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدهُ ورَسولهُ.\n﴿يا أيّهَا الَذينَ آمَنُواْ اتَّقُوا الله حقَّ تُقَاته ولاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُسْلِموُن﴾ (٢).\n﴿يا أَيّهَا النَّاسُ اتَّقُوَا رَبَّكُمُ الَذِي خَلَقَكُم مِنْ نَّفْسٍ وَاحدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبثَّ مِنهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا ونساءً واتَّقُوا الله الَذِي تساءَلُونَ به والأَرْحَام إِنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكُم رَقِيبًا﴾ (٣).\n﴿يا أيّهَا الَذينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلحْ لَكُم أَعْمَالكُمْ ويَغْفِرْ لَكُم ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِع الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٤).\nأمَّا بعد:\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٩١٣\n(٢) آل عمران: ١٠٢\n(٣) النساء: ١\n(٤) الأحزاب: ٧٠، ٧١","vol":"2","page":383},{"text":"فإِنَّ أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدْي هدْي محمّد - ﷺ -، وشرّ الأمور مُحدثاتها، وكلَّ مُحدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة، وكلَّ ضلالة في النَّار\" (١).\nقال شيخنا في \"تمام المنّة\" (ص ٣٣٥): \"وكان أحيانًا لا يذكر هذه الآيات الثلاث\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-676>صفة الخطبة وما يُعلّم فيها </span>(٢):\nاعلم أنَّ الخطبة المشروعة هي ما كان يعتاده - ﷺ - من ترغيب الناس وترهيبهم، فهذا في الحقيقة هو روح الخطبة الذي لأجله شُرِعت.\nوأما اشتراط الحمد لله، أو الصلاة على رسول الله - ﷺ -، أو قراءة شيء من القرآن فجميعه خارج عن معظم المقصود، من شرعية الخطبة، واتفاق مِثل ذلك في خُطبه - ﷺ -، لا يدلّ على أنّه مقصود متحتم، وشرط لازم، ولا يشكّ منصف أنّ معظم المقصود هو الوعظ دون ما يقع قبله من الحمد والصلاة\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ٨٦٧، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (١٣٣١)، وانظر \"تمام المنّة\" (ص ٣٣٥)، و\"خطبة الحاجة\" لشيخنا (ص ١٠)، وقال شيخنا تعليقًا عليها في \"الصحيحة\" في مقدّمته النافعة: وهذه الخطبة تُسمّى عند العلماء بخطبة الحاجة، وهي تشرع بين يدي كل خطبة، سواء كانت خطبة جمعة أو عيد أو نكاح أو درس أو محاضرة، ولي رسالة خاصة جمعتُ فيها الأحاديث الواردة فيها وطرقها\".\n(٢) هذا الموضوع وما يتضمّنه من كتاب \"الموعظة الحسنة\". ذكَره شيخنا -حفظه الله- مع تعليقاته الطيبة في كتاب \"الأجوبة النافعة\" (ص ٥٣) وما بعدها -بتصرف يسير-.","vol":"2","page":384},{"text":"عليه - ﷺ -. وقد كان عرف العرب المستمر أنّ أحدهم إِذا أراد أن يقوم مقامًا ويقول مقالًا، شرع بالثناء على الله والصلاة على رسوله، وما أحسن هذا وأولاه! ولكن ليس هو المقصود، بل المقصود ما بعده.\nوالوعظ في خطبة الجمعة هو الذي إِليه يُساق الحديث، فإِذا فَعَله الخطيب فقد فَعل الفِعل المشروع، إِلا أنّه إِذا قدّم الثناء على الله، [والصلاة] على رسوله، أو استطرد في وعظه القوارع القرآنية كان أتمّ وأحسن، وأمّا قصر الوجوب بل الشرطية على الحمد والصلاة، وجعْل الوعظ من الأمور المندوبة فقط، فمِن قلْب الكلام، وإِخراجِه عن الأسلوب الذي تقبّله الأعلام.\nوالحاصل: أن روح الخطبة هو الموعظة الحسنة، من قرآن أو غيره، وكان رسول الله - ﷺ - يأتي في خطبته بالحمد لله تعالى (١)، وبالشهادتين، وبسورة كاملة، فعن أمّ هشام بنت حارثة بن النعمان قالت: \"ما أخذْتُ ﴿ق والقرآن المجيد﴾ إلاَّ عن لسان رسول الله - ﷺ -؛ يقرؤها كلّ يوم جمعة على المنبر إِذا خطب الناس\" (٢). والمقصود الموعظة بالقرآن، وإيراد ما يمكن من زواجره؛ وذلك لا يختصّ بسورةٍ كاملة.\nفعن يعلى بن أميّة -﵁- قال: \"سمعت النّبيّ - ﷺ - يقرأ على\n_________\n(١) قال شيخنا -حفظه الله- في التعليق: \"المعروف أن النّبيّ - ﷺ - كان يذكر اسمه الشريف في الشهادة في الخطبة، وأما أنَه كان يأتي بالصلاة عليه - ﷺ - فمما لا أعرفه في حديث\".\n(٢) أخرجه مسلم: ٨٧٢، ٨٧٣. وتقدّم.","vol":"2","page":385},{"text":"المنبر ﴿ونادوا يا مالك﴾ \" (١).\nعن جابر بن عبد الله -﵁- قال: \"كان رسول الله - ﷺ - إِذا خطب احمرّت عيناه وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنّه منذر جيش يقول: صبّحكم ومسّاكم، ويقول: أمّا بعد، فإِنَّ خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي (٢) هدي محمّد - ﷺ -، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ بدعة ضلالة\" (٣). وفي رواية له: \"كانت خطبة النّبيّ - ﷺ - يوم الجمعة يحمد الله ويثني عليه، ثمَّ يقول على إِثر ذلك وقد علا صوته\".\nوفيه دليل على أنّه يستحب للخطيب أن يرفع بالخطبة صوته، ويجزل كلامه، ويأتي بجوامع الكلم من الترغيب والترهيب. ويأتي بقول: (أمّا بعد).\nوظاهره أنَّه كان - ﷺ - يلازمها في جميع خُطَبه. وذلك بعد الحمد والثناء والتشهد ... \".\nوثبت أنّه - ﷺ - قال: \"كل خطبة ليس فيها تشهُّد (٤) فهي كاليد\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٣٢٣٠، ومسلم: ٨٧١\n(٢) بضمّ الهاء وفتح الدال فيهما، وبفتح الهاء وإسكان الدال أيضًا ... قاله النووي (٦/ ١٥٤).\n(٣) أخرجه مسلم: ٨٦٧\n(٤) هي خطبة الحاجة، انظر للمزيد من الفائدة تفصيل شيخنا -عافاه الله وشفاه- في \"الصحيحة\" (١٦٩).","vol":"2","page":386},{"text":"الجذماء (١) \" (٢). وكان - ﷺ - يعلّم أصحابه في خطبته قواعد الإِسلام وشرائعه، ويأمرهم وينهاهم في خطبته إِذا عرض أمر أو نهي، كما أمر الداخل وهو يخطب أن يصلّي ركعتين؛ ويذكر معالم الشرائع في الخطبة؛ والجنّة والنار والمعاد، فيأمر بتقوى الله، ويحذّر من غضبه، ويرغّب في موجبات رضاه، وقد ورد قراءة آية، ففي حديث مسلم (٨٦٢): \"كان لرسول الله - ﷺ - خطبتان يجلس بينهما يقرأ القرآن، ويذكّر الناس\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-677>للجمعة خطبتان:</span>\nعن نافع عن عبد الله قال: \"كان النّبيّ - ﷺ - يخطب خطبتين يقعد بينهما\" (٣).\nوعن جابر بن سمرة قال: كانت للنّبيّ - ﷺ - خطبتان؛ يجلس بينهما، يقرأ\n_________\n(١) أي: كاليد المقطوعة، من الجَذْم: القطع. \"النهاية\". يعني: أنّ كلّ خطبة لم يُؤتَ فيها بالحمد والثناء على الله؛ فهي كاليد المقطوعة التي لا فائدة بها. قاله المناوي.\nقال شيخنا في \"الصحيحة\" (١/ ٣٢٧): \"ولعل هذا هو السبب أو على الأقلّ من أسباب عدم حصول الفائدة من كثير من الدروس والمحاضرات التي تُلقى على الطلاب؛ أنها لا تفتتح بالتشهد المذكور، مع حرص النّبيّ - ﷺ - البالغ على تعليمه أصحابه إياه ... فلعلَّ هذا الحديث يذكِّر الخطباء بتدارك ما فاتهم من إِهمالهم لهذه السنّة، التي طالما نبَّهنا عليها في مقدمة هذه السلسلة وغيرها\".\n(٢) أخرجه أحمد والبخاري في \"التاريخ\" وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٤٠٥٢) وابن حبان وغيرهم، وانظر \"الصحيحة\" (١٦٩).\n(٣) أخرجه البخاري: ٩٢٨","vol":"2","page":387},{"text":"القرآن ويذكّر الناس\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-678>قراءة القرآن في خطبته - ﷺ - وتذكير الناس:</span>\nللحديث السابق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-679>قيام الخطيب وعدم قعوده:</span>\nعن ابن عمر -﵄- قال: \"كان رسول الله - ﷺ - يخطب يوم الجمعة قائمًا ثمَّ يجلس\" (٢).\nوعن سماك قال: أنبأني جابر بن سمرة؛ \"أنَّ رسول الله - ﷺ - كان يخطب قائمًا، ثمَّ يجلس، ثمَّ يقوم فيخطب قائمًا، فمن نبّأك أنَّه كان يخطب جالسًا فقد كذب، فقد والله! صلّيت معه أكثر من ألفي صلاة\" (٣).\nعن كعب بن عُجْرَة قال: \"دخل المسجد وعبد الرحمن بن أمّ الحكم يخطب قاعدًا. فقال: انظروا إِلى هذا الخبيث يخطب قاعدًا. وقال الله تعالى: ﴿وإِذا رأوا تِجَارَةً أو لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها وتَرَكُوك قَائمًا﴾ \" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-680>رفع الصوت بالخطبة واشتداد غضب الخطيب:</span>\nعن جابر بن عبد الله قال: \"كان رسول الله - ﷺ - إِذا خطب احمرّت عيناه، وعلا صوته، واشتدّ غضبه حتى كأنّه منذر جيش، يقول: صبّحكم\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ٨٦٢، وتقدّم.\n(٢) أخرجه البخاري: ٩٢٠، ومسلم: ٨٦١\n(٣) أخرجه مسلم: ٨٦٢\n(٤) أخرجه مسلم: ٨٦٤","vol":"2","page":388},{"text":"ومسّاكم (١)، .. ويقول: بُعثت أنا والساعة كهاتين ويقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى ويقول: أمّا بعد: فإِنَّ خْير الحديث كتاب الله وخير الهدى هدي محمّد وشرّ الأمور محدثاتها وكلّ بدعة ضلالة، ثمَّ يقول: أنا أولى بكلّ مؤمن من نفسه، من ترك مالًا فلأهله ومن ترك دينًا أو ضَياعًا فإِليّ وعليّ\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-681>قطع الإِمام الخطبة للأمر الطارئ يحدث:</span>\nعن بريدة -﵁- قال: \"كان النّبيّ - ﷺ - يخطب فجاء الحسن والحسين -﵄- وعليهما قميصان أحمران يعثُران فيهما، فنزل النّبيّ - ﷺ - فقطع كلامه، فحملهما ثمَّ عاد إِلى المنبر ثمَّ قال: صدق الله ﴿إِنّما أموالُكم وأولادُكم فتنة﴾ (٣) رأيت هذين يعثُران في قميصيهما، فلم أصبر حتى قطعْتُ كلامي فحملْتُهما\" (٤).\nوعن أبي رفِاعة قال: \"انتهيت إِلى النّبيّ - ﷺ - وهو يخطب قال: فقلت يا رسول الله رجل غريب؛ جاء يسأل عن دينه لا يدرى ما دينه، قال: فأقبَل عليّ رسول الله - ﷺ -، وترك خطبته حتى انتهى إِليّ، فأُتي بكرسي حَسِبتُ قوائمه حديدًا قال: فقعد عليه رسول الله - ﷺ - وجعل يعلّمني ممّا علّمه الله، ثمَّ أتى\n_________\n(١) بعض حديث رواه مسلم (٨٦٧)، وتقدّم.\n(٢) أخرجه مسلم: ٨٦٧\n(٣) التغابن: ١٥\n(٤) أخرجه أحمد وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٩٨١)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (١٣٤٠)، وانظر \"تمام المنّة\" (٣٣٦).","vol":"2","page":389},{"text":"خطبته فأتمّ آخرها\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-682>حُرمة الكلام أثناء الخطبة:</span>\nعن أبي هريرة -﵁- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"إِذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصِت والإِمام يخطب فقد لغوت\" (٢).\nعن عبد الله بن عمرو عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"يحضر الجمعة ثلاثة نفر: رجل حضَرها يلغو وهو حظّه منها، ورجل حضَرها يدعو فهو رجل دعا الله ﷿، إِنْ شاء أعطاه وإِنْ شاء منَعه، ورجل حضَرها بإِنصات وسكوت، ولم يتخطّ رقبة مسلم، ولم يؤذ أحدًا، فهي كفّارة إِلى الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام، وذلك بأنّ الله ﷿ يقول: ﴿من جاء بالحسنة فله عشرُ أمثالها﴾ (٣) \" (٤).\nوعن أبي ذر أنه قال: \"دخلتُ المسجد يوم الجمعة والنّبيّ - ﷺ - يخطب، فجلست قريبًا من أُبيِّ بن كعب، فقرأ النّبيّ - ﷺ - سورة (براءة)، فقلت لأُبيٍّ: متى نزلت هذه السورة؟ قال: فتجهّمني (٥)، ولم يكلّمني، ثمَّ مكثتُ ساعةً،\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ٨٧٦\n(٢) أخرجه البخاري: ٩٣٤، ومسلم: ٨٥١\n(٣) الأنعام: ١٦٠\n(٤) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٩٨٤)، وابن خزيمة في \"صحيحه\"، وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٧٢٢).\n(٥) أي: قطب وجهه وعبس، ونظر إِليَّ نظر المغضب المنكر، قاله المنذري في \"الترغيب والترهيب\".","vol":"2","page":390},{"text":"ثمَّ سألته؟ فتجهّمني، ولم يكلّمني. ثمَّ مكثتُ ساعة، ثمَّ سألته؟ فتجهّمني، ولم يكلّمني. فلمّا صلّى النّبيّ - ﷺ - قلت لأُبيّ: سألتك فتجهّمتني، ولم تكلّمني؟ قال أُبيّ: مالك من صلاتك إلاَّ ما لغوت! فذهبتُ إِلى النّبيّ - ﷺ - فقلت: يا نبيّ الله كنتُ بجنب أُبيّ وأنت تقرأ (براءة)، فسألته: متى نزلت هذه السورة؟ فتجهّمني، ولم يكلّمني، ثمَّ قال: مالك من صلاتك إلاَّ ما لغوت! قال النّبيّ - ﷺ -: صدق أُبيُّ\" (١).\nورجّح النووي -﵀- في \"المجموع\" (٤/ ٥٢٤) تحريم تشميت العاطس كردّ السلام والإِمام يخطب. قال شيخنا -حفظه الله- في \"تمام المنّة\" (ص ٣٣٩): \"وهذا هو الأقرب لما ذكرْتُه في \"الضعيفة\" تحت الحديث (٥٦٦٥).\nثمَّ وجدت لابن المنذر في \"الأوسط\" (٤/ ٧٣) قولًا في ذلك: \"ثبتَ أنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"إِذا قلت لصاحبك: أنصت والإِمام يخطب فقد لغوت\"، فالإِنصات يجب على ظاهر السنّة، وإباحة رد السلام وتشميت العاطس غير موجود بحجة، والذي أرى أن يرد السلام إِشارة، ويشمت العاطس إِذا فرغ الإِمام من خطبته\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-683>جواز كلام المصلّين إِذا لم يخطب الإِمام وإِن جلسَ على المنبر:</span>\nعن ثعلبة بن أبي مالك: \"إِنّهم كانوا يتحدثون حين يجلس عمر بن الخطاب -﵁- على المنبر، حتى يسكت المؤذن، فإِذا قام عمر\n_________\n(١) أخرجه ابن خزيمة في \"صحيحه\"، وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٧١٧، ٧١٨).","vol":"2","page":391},{"text":"على المنبر، لم يتكلم أحد حتى يقضي خطبتيه كلتيهما\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-684>الأمر بالتحية في خطبة الجمعة:</span>\nعن جابر بن عبد الله قال: \"دخل سليك الغطفاني المسجد يوم الجمعة ورسول الله - ﷺ - يخطب الناس، فقال له رسول الله - ﷺ -: اركع ركعتين، ولا تعودنَّ لمثل هذا. يعني: الإِبطاء عن الخطبة، قاله لسليك الغطفاني\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-685>عدم إِطالة الموعظة يوم الجمعة:</span>\nعن جابر بن سمرة السوائي قال: \"كان رسول الله - ﷺ - لا يطيل الموعظة يوم الجمعة، إِنما هنّ كلمات يسيرات\" (٣).\nعن أبي وائل قال: \"خطبنا عمّار فأوجز وأبلغ، فلمّا نزل قلنا يا أبا اليقظان! لقد أبلغتَ وأوجزتَ فلو كنت تنفّست (٤) فقال: إِنّي سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إِنَّ طول صلاة الرجل وقِصَر خطبته مئنّة (٥) مِن فقهه، فأطيلوا الصلاة\n_________\n(١) قال شيخنا في \"السلسلة الضعيفة\" تحت الحديث (٨٧): أخرجه مالك في \"موطئه\" (١/ ١٢٦)، والطحاوي (١/ ٢١٧) والسياق له، وابن أبي حاتم في \"العلل\" (١/ ٢٠١)، وإسناد الأولين صحيح. فثبت بهذا أن كلام الإِمام هو الذي يقطع الكلام، لا مجرد صعوده على المنبر، وأنّ خروجه عليه لا يمنع من تحية المسجد\".\n(٢) أخرجه ابن حبان، والدارقطني، وغيرهما، وانظر \"الصحيحة\" (٤٦٦).\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٩٧٩) وغيره.\n(٤) أي: أَطَلْت. \"النهاية\".\n(٥) أي: علامة يتحقّق فيها من فقهه.","vol":"2","page":392},{"text":"واقصُروا الخطبة، وإنَّ من البيان سحرا\" (١).\nوعن جابر بن سمرة قال: كنت أصلّي مع رسول الله - ﷺ - فكانت صلاته قصدًا (٢) وخطبته قصدًا\" (٣).\nوعن عبد الله بن أبي أوفى قال: \"كان رسول الله - ﷺ - يُكثر الذكر ويُقلّ اللغو، ويطيل الصلاة ويقصر الخطبة، ولا يأنف أن يمشيَ مع الأرملة والمسكين فيقضي له الحاجة\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-686>هل يصلّي الظهر إِذا لم يصلِّ الجمعة</span>؟\nإِذا كان المرء ممّن تجب عليهم صلاة الجمعة، ولم يصلِّها، وليس له عُذرٌ في ذلك، فلا يجوز له أن يصلّي الظهر بدلًا منها، وإنّما ذلك للمعذور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-687>ماذا إِذا فاتته ركعة من الجمعة</span>؟\nعن أبي هريرة -﵁- أنَّ النّبيّ - ﷺ - قال: \"من أدرك من الجُمُعة ركعة؛ فليَصِلْ إِليها أُخرى\" (٥).\nوعنه -﵁- أنَّ النّبيّ - ﷺ - قال: \"من أدرك ركعة من الصلاة\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ٨٦٩\n(٢) وهو الوسط بين الطرفين الذي لا يميل إِلى أحد طرفي الإفراط والتفريط. \"النهاية\".\n(٣) أخرجه مسلم: ٨٦٦\n(٤) أخرجه النسائي \"صحيح سنن النسائي\" (١٣٤١) والدارمي وغيرهما، وانظر \"المشكاة\" (٥٨٣٣).\n(٥) أخرجه ابن ماجه \"صحيح ابن ماجه\" (٩٢٠) والنسائي وغيرهما، وانظر \"الإرواء\" (٦٢٢).","vol":"2","page":393},{"text":"فقد أدرك الصلاة\" (١).\nوعن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من أدرك ركعة من صلاة الجمعة أو غيرها فقد أدرك الصلاة\" (٢).\nوعن ابن مسعود -﵁- قال: \"من أدرك من الجمعة ركعة فليُضف إِليها أخرى، ومن فاتته الركعتان؛ فليُصلِّ أربعًا\" (٣).\nوقال ابن عمر: \"إِذا أدركت من الجمعة ركعة، فأضِف إِليها أُخرى، وإِن أدركتهم جلوسًا فصلِّ أربعًا\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-688>الصلاة في الزحام:</span>\nعن عمر بن الخطاب -﵁- قال: \" ... إِذا اشتدّ الزحام، فليسجد الرجل منكم عى ظهر أخيه\" (٥).\nقال ابن المنذر في \"الأوسط\" (٤/ ١٠٥): \"وبقول عمر بن الخطاب نقول: لأنه سجود في حال ضرورة على قدْر طاقة الساجد، ولم يكلّف المصلّي إِلا قدر طاقته\".\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٥٨٠، ٥٧٩، ٥٥٦، ومسلم: ٦٠٧\n(٢) أخرجه ابن ماجه \"صحيح ابن ماجه\" (٩٢٢) وغيره، وانظر \"الإِرواء\" (٦٢٢).\n(٣) أخرجه الطبراني في \"الكبير\" وغيره بسند صحيح، وانظر \"تمام المنّة\" (ص٣٤٠).\n(٤) أخرجه البيهقي (٣/ ٢٠٤)، وقال شيخنا في \"الإِرواء\" (٣/ ٨٣) سنده صحيح على شرط الشيخين.\n(٥) صحّحه شيخنا في \"تمام المنّة\" (ص٣٤١).","vol":"2","page":394},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-689>التطوع قبل الجمعة وبعدها:</span>\nعن أبي هريرة عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"من اغتسل، ثمَّ أتى الجمعة، فصلّى ما قُدِّر له، ثمَّ أنصت حتى يفرغ من خطبته. ثمَّ يُصلّي معه، غُفِر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى، وفضل ثلاثة أيام\" (١).\nفقوله - ﷺ -: \"فصلّى ما قُدِّر له\" يُفهم جواز التنفّل من غير حصر، حتى يحضر الإِمام. أمّا ما يسمّى بسنّة الجمعة القبلية فلا أصل له ألبته.\nقال شيخ الإِسلام ابن تيمية: \"أمّا النّبيّ - ﷺ - فإِنَّه لم يكن يصلّي قبل الجمعة بعد الأذان شيئًا، ولا نقَل هذا عنه أحد، فإِنّ النّبيّ - ﷺ - كان لا يُؤذَّن على عهده إلاَّ إِذا قعد على المنبر، ويؤذِّن بلال، ثمَّ يخطب النّبيّ - ﷺ - الخطبتين، ثمَّ يقيم بلال فيصلّي النّبيّ - ﷺ - بالناس، فما كان يمكن أن يصلّي بعد الأذان، لا هو ولا أحد من المسلمين الذين يصلّون معه - ﷺ -، ولا نقَل عنه أحد أنَّه صلى في بيته قبل الخروج يوم الجمعة، ولا وقَّتَ بقوله: صلاة مقدّرة قبل الجمعة، بل ألفاظه - ﷺ - فيها الترغيب في الصلاة إِذا قدم الرجل المسجد يوم الجمعة؛ من غير توقيت. كقوله: \"من بكّر وابتكر ومشى ولم يركب، وصلّى ما كُتب له\" (٢).\nوهذا هو المأثور عن الصحابة، كانوا إِذا أتوا المسجد يوم الجمعة، يُصلّون من حين يدخلون ما تيسر، فمنهم من يصلّي عشر ركعات، ومنهم من يصلّي اثنتي عشر ركعة، ومنهم من يصلّي ثمان ركعات، ومنهم من يصلّي\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ٨٥٧، وتقدّم.\n(٢) انظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٦٨٧ و٦٨٥)، بلفظ: \"فيركع ما بدا له\".","vol":"2","page":395},{"text":"أقل من ذلك. ولهذا كان جماهير الأئمة متّفقين على أنّه ليس قبل الجمعة سنّة مؤقتة بوقت، مقدرة بعدد، لأنَّ ذلك إِنّما يثبت بقول النّبيّ - ﷺ - أو فِعله. وهو لم يسنّ في ذلك شيئًا لا بقوله ولا فعله، وهذا مذهب مالك، ومذهب الشافعي وأكثر أصحابه، وهو المشهور في مذهب أحمد.\nوذهب طائفة من العلماء إِلى أنّ قبلها سنّة، فمنهم من جعلها ركعتين، كما قاله طائفة من أصحاب الشافعي، وأحمد ومنهم من جعلها أربعًا، كما نقل عن أصحاب أبي حنيفة، وطائفة من أصحاب أحمد وقد نُقِل عن الإمام أحمد ما استدلّ به على ذلك، وهؤلاء منهم من يحتجّ بحديث ضعيف ... ثمَّ أجاب على ذلك ... \" (١).\nوقال ابن القيّم في \"زاد المعاد\" (١/ ٤٣٢): \" ... فإِنَّ النّبيّ - ﷺ - كان يخرج من بيته، فإِذا رَقِي المنبر، أخذ بلال في أذان الجمعة، فإِذا أكمله، أخذ النّبيّ - ﷺ - في الخطبة من غير فصل، وهذا كان رأي عين، فمتى كانوا يُصلّون السُّنّة؟! ومن ظن أنهم كانوا إِذا فرغ بلال -﵁- من الأذان، قاموا كلُّهم، فركعوا ركعتين، فهو أجهلُ الناس بالسنّة\".\nوأمّا بعدها فله أن يصلّي أربعًا أو اثنتين؛ لحديث أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من كان منكم مصليًّا بعد الجمعة فليصلِّ\n_________\n(١) \"الفتاوى\" (٢٤/ ١٨٨) ونقلَه السيد سابق في \"فقه السنّة\" (١/ ٣١٥ - ٣١٦).","vol":"2","page":396},{"text":"أربعًا \" (١).\nولحديث ابن عمر أنَّه وصفَ تطوُّع صلاة رسول الله - ﷺ - قال: \"فكان لا يصلّي بعد الجمعة حتى ينصرف، فيصلّي ركعتين في بيته\" (٢).\nوعن ابن عمر قال: \"كان إذا كان بمكة فصلّى الجمعة، تقدّم فصلّى ركعتين، ثمَّ تقدم فصلّى أربعًا، وإِذا كان بالمدينة صلّى الجمعة، ثمَّ رجع إلى بيته فصلى ركعتين، ولم يصلّ في المسجد، فقيل له فقال: كان رسول الله - ﷺ - يفعل ذلك\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-690>اجتماع الجمعة والعيد في يوم واحد</span>\nعن إِياس بن أبي رملة الشامي قال: \"شهدْتُ معاوية بن أبي سفيان وهو يسأل زيد بن أرقم قال: أشهدتَ مع رسول الله - ﷺ - عيدين اجتمعا في يوم؟ قال: نعم، قال: فكيف صنع؟ قال: صلّى العيد، ثمَّ رخّص في الجمعة فقال: من شاء أن يصليَ فليصلّ\" (٤).\nوعن أبي هريرة عن رسول الله - ﷺ - أنِّه قال: \"قد اجتمع في يومكم هذا\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ٨٨١\n(٢) أخرجه مسلم: ٨٨٢، وهو في البخاري: ٩٣٧، ١١٦٥، ١١٧٢، ١١٨٥ دون قوله: في بيته.\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٠٠٠) والبيهقي، وانظر \"تمام المنّة\" (ص ٣٤٢).\n(٤) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٩٤٥)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٠٨٢)، وانظر \"تمام المنّة\" (ص ٣٤٣ - ٣٤٤).","vol":"2","page":397},{"text":"عيدان، فمن شاء أجزأه من الجمعة وإنّا مجمِّعون (١) \" (٢).\nوعن عطاء بن أبي رباح قال: \"صلّى بنا ابن الزبير في يوم عيد، في يوم جمعة أوّل النهار، ثمَّ رُحْنا إِلى الجمعة، فلم يخرج إِلينا، فصلينا وُحْدَانًا. وكان ابن عباس بالطائف، فلمّا قدم ذكَرنا ذلك له، فقال: أصاب السنّة\" (٣).\nوعن عطاء أيضًا: اجتمع يوم جمعة ويوم فطر، على عهد ابن الزبير فقال: \"عيدان اجتمعا في يوم واحد، فجمعهما جميعًا، فصلاّهما ركعتين بُكْرة، لم يزد عليهما حتى صلّى العصر\" (٤). وهذا يدل على أنَّه لم يُصلّ الظهر.\n_________\n(١) أي: مصلّو الجمعة.\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٩٤٨)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٠٨٣) وغيرهما.\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٩٤٦)، وانظر \"الأجوبة النافعة\" (ص ٥٠).\n(٤) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٩٤٧).","vol":"2","page":398},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-691>صلاة العيدين</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-692>حكمها:</span>\nصلاة العيدين واجبةٌ لمواظبة النّبيّ - ﷺ - عليها وأمْره الرجال والنساء أن يخرجوا لها.\nفعن أمّ عطيّة قالت: \"أمَرنا رسول الله - ﷺ - أن نُخرجهنّ في الفطر والأضحى: العواتق (١) والحُيّض وذواتِ الخدور (٢) فأمّا الحُيَّض فيعتزلن الصلاة ويشهدن الخير ودعوة المسلمين، قلت يا رسول الله: إِحدانا لا يكون لها جلباب، قال: لتُلبِسْها أختها من جلبابها\" (٣).\nوجاء في \"الروضة الندية\" (١/ ٣٥٧) -بحذف-: \"قد اختلف أهل العلم هل صلاة العيد واجبة أم لا؟ والحقّ الوجوب، لأنَّه - ﷺ - مع ملازمته لها قد أمَرنا بالخروج إِليها كما في حديث أمرِه - ﷺ - للناس أن يغدوا إِلى مصلاهم، بعد أن أخبره الركب برؤية الهلال (٤) وثبت في الصحيحين من\n_________\n(١) العواتق: جمع عاتق أي: شابّة أول ما أدركت فخدرت في بيت أهلها ولم تفارق أهلها إلى زوج ... وفي \"الموعب\" قال أبو زيد: العاتق من النساء التي بين التي قد أدركت وبين التي عنست، والعاتق التي لم تتزوج ... \"عمدة القارئ\" (٤/ ٣٠٣).\n(٢) وذوات الخدور: جمع خِدْر: وهو ستر يكون في ناحية البيت تقعد البكر وراءه، وقال ابن سيرين: الخِدْر: ستر يُمدّ للجارية في ناحية البيت، ثمَّ صار كلّ ما واراك من بيت ونحوه خِدْرًا ... \"عمدة\".\n(٣) أخرجه البخاري: ٣٢٤، ٣٥١، ٩٧١، ومسلم: ٨٩٠\n(٤) يشير بذلك إِلى حديث أبي عمير بن أنس عن عمومة له من الأنصار قالوا: =","vol":"2","page":399},{"text":"حديث أم عطية [المتقدّم] قالت: ... وذكره.\nقال: فالأمر بالخروج يقتضي الأمر بالصلاة لمن لا عذر لها بفحوى الخطاب، والرجال أولى من النساء بذلك.\nبل ثبت الأمر القرآني بصلاة العيد كما ذكره أئمّة التفسير في قوله تعالى: ﴿فَصَل لِرَبِّكَ وانْحر﴾ (١) فإِنّهم قالوا: المراد صلاة العيد.\nومن الأدلّة على وجوبها أنها مسقطة للجمعة إِذا اتفقتا في يوم واحد، وما ليس بواجب لا يُسقِط ما كان واجبًا\".\nوفيه (١/ ٣٥٨): \" ... وعند أبي حنيفة تجب صلاة العيد على كل من تجب عليه صلاة الجمعة ويشترط لِصلاة العيد ما يشترط للجمعة، كذا في \"المسوى\" (١/ ٢٢٢ - ٢٢٣) وغيره\". انتهى.\nقال شيخنا (٢) -حفظه الله- في \"الصحيحة\": (وجوب خروج النساء إِلى مصلّى العيد)، وذلك تحت حديث رقم (٢٤٠٨) عن أخت عبد الله بن رواحة الأنصاري عن رسول الله - ﷺ - أنَّه قال: وجب الخروج على كل ذات\n_________\n= \"غمّ علينا هلال شوّال فأصبحنا صيامًا، فجاء ركْبٌ من آخر النهار، فشهدوا عند رسول الله - ﷺ - أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمَر النّاس أن يفطروا من يومهم، وأن يخرجوا لعيدهم من الغد\". أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٠٥١)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (١٤٦٦)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٣٤٠)، وأحمد، وغيرهم وصحّحه شيخنا -حفظه الله- في \"الإِرواء\" (٦٣٤).\n(١) الكوثر: ٢\n(٢) وانظر ما قاله في \"تمام المنّة\" (ص ٣٤٤)، وفيه إشارة إِلى \"السيل الجرار\" (١/ ٣١٥).","vol":"2","page":400},{"text":"نطاق. يعني في العيدين (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-693>آداب يوم العيدين</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-694>لُبْس الثياب الجميلة:</span>\nعن ابن عباس -﵄- قال: \"كان رسول الله - ﷺ - يلبس يوم العيد بردة حمراء\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-695>الأكل قبل الخروج في الفطر دون الأضحى:</span>\nعن أنس بن مالك قال: \"كان رسول الله - ﷺ - لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات [ويأكلهن وترا] \" (٣).\n_________\n(١) قال شيخنا حفظه الله -بحذف-: \"ورجاله ثقات، رجال الشيخين، غير المرأة القيسية، فلم أعرفها. لكن يشهد للحديث حديث أم عطية مرفوعًا: \"لتخرج العواتق وذوات الخدور والحيض، فيشهدن الخير ودعوة المؤمنين، ويعتزلن الحيَّض المصلّى\". أخرجه البخاري، والبيهقي وروى ابن أبي شيبة (٢/ ١٨٢) عن طلحة اليامي أيضًا قال: قال أبو بكر: \"حقٌّ على كل ذات نطاق الخروج إِلى العيدين\". ورجاله ثقات رجال الشيخين\".\n(٢) أخرجه الطبراني في \"الأوسط\" وقال شيخنا: \" ... وهذا إِسناد جيد\"، وانظر \"الصحيحة\" (١٢٧٩).\n(٣) أخرجه البخاري: ٩٥٣، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٤٤٧)، وابن ماجه \"صحيح ابن ماجه\" (١٤٢١)، والزيادة عند البخاري معلّقة وصَلها ابن خزيمة والإِسماعيلي وغيرهما، وانظر \"الفتح\" (٢/ ٤٤٧)، و\"مختصر البخاري\" (١/ ٢٣٣).","vol":"2","page":401},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-696>تأخير الأكل يوم الأضحى ليأكل من أضحيته:</span>\nعن بريدة قال: \"كان رسول الله - ﷺ - لا يخرج يوم الفطر حتى يأكل، وكان لا يأكل يوم النحر حتى يرجع\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-697>الخروج إلى المصلّى:</span>\nتُؤدَّى صلاة العيد في المصلّى لما تقدّم من الأحاديث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-698>خروج النساء والصبيان:</span>\nلحديث أم عطيّة المتقدّم: \"أمَرنا رسول الله - ﷺ - أن نخرجهنّ في الفطر والأضحى: العواتق والحُيَّض وذوات الخدور ... \".\nوعن ابن عبّاس قال: \"خرجتُ مع النّبيّ - ﷺ - يوم فِطرٍ أو أضحى، فصلّى ثمَّ خطب، ثمَّ أتى النساء فوعظهنّ وذكَرهنّ وأمرهنّ بالصدقة\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-699>مخالفة الطريق:</span>\nيُستحَبّ مخالفة الطريق يوم العيد، فيذهب في طريق ويرجع في آخر.\nفعن جابر بن عبد الله -﵄- قال: \"كان النّبيّ - ﷺ - إِذا كان يوم عيد خالف الطريق\" (٣).\nوعن أبي هريرة قال: \"كان النّبيّ - ﷺ - إِذا خرج إِلى العيدين رجع في غير\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٤٢٢)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٤٤٧)، وانظر \"المشكاة\" (١٤٤٠).\n(٢) أخرجه البخاري: ٩٧٥، ومسلم: ٨٨٤، ٨٨٦\n(٣) أخرجه البخاري: ٩٨٦","vol":"2","page":402},{"text":"الطريق الذي خرج فيه\" (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-700>وقت صلاة العيد:</span>\nيدخل وقت صلاة عيد الفطر عند ارتفاع الشمس (٢) ويكون ذلك حين تكون الشمس على قيد رمحين، والأضحى على قيد رُمح (٣).\nعن عبد الله بن بسر؛ أنَّه خرج مع الناس في يوم عيد فطر أو أضحى، فأنكر إِبطاء الإِمام (٤)، وقال: \"إِنّا كنّا مع النّبيّ - ﷺ - قد فرغنا (٥) ساعتنا هذه (٦)، وذلك حين التسبيح (٧) \" (٨).\n_________\n(١) أخرجه أحمد، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٣٠١)، والترمذي، وانظر \"الإِرواء\" (٣/ ١٠٤ - ١٠٥).\n(٢) انظر \"الإرواء\" (٣/ ١٠٠).\n(٣) وقد وَرَد في هذا حديث مرفوع، وقال الشوكاني: هذا الحديث أحسن ما ورَد في تعيين وقت صلاة العيد، قال شيخنا -حفظه الله-: \"وأقول نعم لولا أنّه لا يصحّ\". وانظر \"تمام المنّة\" (ص ٣٤٧).\n(٤) أي: تأخير الإِمام في الخروج إِلى المصلّى.\n(٥) أي: من صلاة العيد.\n(٦) أي: في مثل هذه الساعة زمن رسول الله - ﷺ -.\n(٧) قال السيوطي: أي: حين يصلّي صلاة الضحى. \"عون\" (٣/ ٣٤٢).\n(٨) أخرجه أبو داود وغيره، وعلقه البخاري بصيغة الجزم، وصححه الحاكم والنووي والذهبي، وهو مخرج في \"الإِرواء\" (٣/ ١٠١)، و\"صحيح أبي داود\" (١٠٠٥).","vol":"2","page":403},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-701>هل يؤذّن للعيدين أو يُقام</span>؟\nعن عطاء عن ابن عبّاس وجابر بن عبد الله الأنصاري قالا: لم يكن يُؤذَّن يوم الفطر ولا يوم الأضحى، ثمَّ سألته بعد حين عن ذلك، فأخبرني قال: أخبرني جابر بن عبد الله الأنصاري أنْ لا أذان للصلاة يوم الفطر حين يخرج الإِمام ولا بعد ما يخرج ولا إِقامة ولا نداء ولا شيء ولا نداء يومئذ ولا إِقامة\" (١).\nوعنه أنَّ ابن عباس أرسل إِلى ابن الزبير أوّل ما بُويع له؛ أنه لم يكن يؤذَّن للصلاة يوم الفطر. فلا تؤذِّن لها، قال: فلم يؤذِّن لها ابن الزبير يومه. وأرسل إِليه مع ذلك: إِنّما الخطبة بعد الصلاة. وإِنَّ ذلك قد كان يُفعل. قال: فصلّى ابن الزبير قبل الخطبة\" (٢).\nوعن جابر بن سَمُرة؛ قال: \"صلّيتُ مع رسول الله - ﷺ - العيدين غير مرّة ولا مرّتين؛ بغير أذانٍ ولا إِقامة\" (٣).\nولا يجوز الأذان أو الإِقامة للعيدين بحالٍ من الأحوال، وليس لأحدٍ أن يزعم ضرورة ذلك؛ لبيان وقتٍ وتنبيه ساهٍ ونحو ذلك فهذا يقتضيه حال الصحابة -﵃- ومع ذلك لم يفعلوه، ولم يأمُرهم النّبيّ - ﷺ - بذلك، فدلّ على أنّه بدعة، وبالله التوفيق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-702>صِفة الصلاة:</span>\nصَلاة العيد ركعتان، يكبّر فيها بعد تكبيرة الإِحرام، وقبل القراءة سبعًا،\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٩٦٠، ومسلم: ٨٨٦ وهذا لفظه، وتقدّم.\n(٢) أخرجه مسلم: ٨٨٦\n(٣) أخرجه مسلم: ٨٨٧","vol":"2","page":404},{"text":"وفي الثانية قبل القراءة خمسًا.\nعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال نبيّ الله - ﷺ -: \"التكبير في الفطر سبعٌ في الأولى، وخمسٌ في الآخرة، والقراءة بعدهما كلتيهما\" (١).\nوعن عائشة -﵂- \"أنَّ رسول الله - ﷺ - كان يكبّر في الفطر والأضحى في الأولى سبع تكبيرات وفي الثانية خمسًا\" (٢).\nوورد التكبير أربعًا، فعن القاسم أبي عبد الرحمن قال: حدّثني بعض أصحاب رسول الله - ﷺ - قال: \"صلّى بنا رسول الله - ﷺ - يوم عيد، فكبّر أربعًا أربعًا، ثمَّ أقبل علينا بوجهه حين انصرف قال: لا تنسوا، كتكبير الجنائز، وأشار بأصبعه، وقبض إِبهامه يعني في صلاة العيد\" (٣).\nوعن سعيد بن العاص: \"أنه سأل أبا موسى الأشعري، وحذيفة بن اليمان: كيف كان رسول الله - ﷺ - يكبر في الأضحى والفطر؟\nفقال أبو موسى: كان يكبر أربعًا تكبيره على الجنائز، فقال حذيفة: صدق، فقال أبو موسى: كذلك كنت أكبِّر في البصرة حيث كنت عليهم\" (٤).\n_________\n(١) أخرجه الدارقطني والبيهقي وغيرهما، وانظر \"صحيح سنن أبي داود\" (١٠٢٠)، و\"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٠٥٦)، و\"الإِرواء\" (٣/ ١٠٨).\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٠١٨) والحاكم وغيرهما، وانظر \"الإِرواء\" (٦٣٩).\n(٣) أخرجه الطحاوي في \"شرح المعاني\" من طريقين، وحسّنه شيخنا في \"الصحيحة\" (٢٩٩٧).\n(٤) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٠٢٢) وانظر \"الصحيحة\" (٦/ ١٢٦٠).","vol":"2","page":405},{"text":"قال شيخنا في \"الصحيحة\" (٦/ ١٢٦٣): والحقّ أنّ الأمر واسعٌ في تكبيرات العيدين، فمن شاء كبّر أربعًا أربعًا بناءً على هذا الحديث والآثار التي معه (١)، ومن شاء كبر سبعًا في الأولى، وخمسًا في الثانية بناء على الحديث المسند الذي أشار إِليه البيهقي، وقد جاء عن جمع من الصحابة، يرتقي بمجموعها إِلى درجة الصحة، كما حققته في \"إِرواء الغليل\" (رقم (٦٣٩).\nوالحقّ أنّ كلّ ذلك جائز، فبأيهما فعَل فقد أدّى السُّنة، ولا داعي للتعصب والفرقة، وإِن كان السبع والخمس أحب إِليّ لأنه أكثر\". انتهى. وانظر \"المحلّى\" تحت المسألة (٥٤٣) للمزيد من الاطلاع -إِن شئت- و\"مصنف ابن أبي شيبة\" (١/ ٤٩٣) (في التكبير في العيدين واختلافهم فيه)، و\"مصنف عبد الرزاق\" (٣/ ٢٩١) (باب التكبير في الصلاة يوم العيد).\nوالتكبير سنة لا تبطل الصلاة بتركه عمدًا ولا سهوًا (٢)، قال ابن قدامة: \"ولا أعلم فيه خلافًا\"، ورجّح الشوكاني أنّه إِذا تركه سهوًا لا يسجد للسهو (٣).\nوعن حماد بن سلمة عن إِبراهيم: \"أنَّ الوليد بن عقبة دخل المسجد،\n_________\n(١) انظرها في \"الصحيحة\" تحت الرقم المشار إِليه.\n(٢) وسألت شيخنا -شفاه الله - عن ذلك فقال: نعم لا تبطل لأنه لا دليل أنها من الشروط أو الأركان، وإذا سها سجد وإن تعمّد أثِم.\n(٣) انظر \"الدراري المضية\" (١/ ١٩٦)، وذكر السيد سابق -حفظه الله- بعضه في \"فقه السنّة\" (١/ ٣٢٠).","vol":"2","page":406},{"text":"وابن مسعود وحذيفة وأبو موسى في عرصة المسجد (١)، فقال الوليد: إِنّ العيد قد حضر فكيف أصنع؟ فقال ابن مسعود: يقول: الله أكبر، ويحمد الله ويثني عليه ويُصلّي على النّبيّ - ﷺ - ويدعو الله، ثمَّ يكبِّر ويحمد الله ويُثني عليه، ويُصلي على النّبيّ - ﷺ - ويدعو الله، ثمَّ يكبِّر ويحمد الله ويُثني عليه، ويُصلّي على النّبي - ﷺ - ويدعو، ثمَّ يكبِّر ويحمد الله ويُثني عليه، ويُصلّي على النّبي - ﷺ - ثمَّ كَبِّر، واقرأ بفاتحة الكتاب وسورة، ثمَّ كَبِّر واركع واسجد، ثمَّ قم فاقرأ بفاتحة الكتاب وسورة، ثمَّ كَبِّر واحمد الله وأثْنِ عليه، وصلِّ على النّبيّ - ﷺ - وادْعُ، ثمَّ كَبِّر واحمد الله، وأثْنِ عليه، وصلِّ على النّبيّ - ﷺ -، واركع واسجد، قال: فقال حذيفة وأبو موسى: أصاب\" (٢).\nوعن عبد الله بن مسعود -﵁- قال في صلاة العيد: \"بين كلّ تكبيرتين حمْدٌ لله ﷿ وثناءٌ على الله\" (٣).\n_________\n(١) عرصة المسجد: ساحته.\n(٢) جاء في \"الإرواء\" (٣/ ١١٥): قال الهيثمي (٢/ ٢٠٥): \"وإبراهيم لم يدرك واحدًا من هؤلاء الصحابة وهو مرسل، ورجاله ثقات\".\nقلت (أي: شيخنا -حفظه الله-): وقد وصله الطبراني (٣/ ٣٨/١) من طريق ابن جريج: أخبرني عبد الكريم عن إِبراهيم النخعي عن علقمه والأسود عن ابن مسعود قال: \"إِنَّ بين كلّ تكبيرتين قدر كلمة\".\nووصله أيضًا المحاملي في \"صلاة العيدين\" (٢/ ١٢١) من طريق هشام عن حماد عن إِبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال في صلاة العيد: \"بين كلّ تكبيرتين حمْدٌ لله ﷿، وثناءٌ على الله\". وهذا إِسناد جيد\n(٣) أخرجه البيهقي وغيره وإسناده جيد، وانظر \"الإرواء\" (٣/ ١١٥).","vol":"2","page":407},{"text":"هل يرفع يديه مع كلّ تكبيرة؟\nلم يثبت عن النّبيّ - ﷺ - أنّه رفَع يديه، وقد رُوي عن عمر رفع اليدين وليس بثابت كذلك (١).\nوجاء في \"المحلّى\" تحت المسألة (٥٤٣): \"ولا يرفع يديه في شيء منها إلاَّ حيث يرفع في سائر الصلوات فقط\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-703>القراءة فيها:</span>\nيقرأ الإِمام في صلاة العيد بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾، و﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾، أو بـ ﴿اقتربت الساعة﴾ و﴿ق والقرآن المجيد﴾.\nفعن النعمان بن بشير، قال: \"كان رسول الله - ﷺ - يقرأ في العيدين وفي الجمعة، بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾، و﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾. قال: وإِذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد؛ يقرأ بهما أيضًا في الصلاتين\" (٢).\nوعن سمُرة قال: كان النّبيّ - ﷺ - يقرأ في العيدين: ﴿سبّح اسم ربك الأعلى﴾ و﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾ \" (٣).\nوعن أبي واقد الليثي؛ قال: \"سألني عمر بن الخطاب عمّا قرأ به رسول الله\n_________\n(١) انظر \"تمام المنّة\" (ص٣٤٨)، و\"الإرواء\" (٦٤٠).\n(٢) مسلم: ٨٧٨\n(٣) أخرجه أحمد وغيره، وإسناده صحيح، وانظر \"الإِرواء\" (٦٤٤).","vol":"2","page":408},{"text":"- ﷺ - في يوم العيد؟ فقلت: بـ ﴿اقتربت الساعة﴾، و﴿ق والقرآن المجيد﴾ (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-704>هل يصلّي قبلها أو بعدها</span>؟\nعن ابن عباس -﵁- أنَّ النّبيّ - ﷺ - خرج يوم الفطر، فصلّى ركعتين؛ لم يُصلِّ قبلها ولا بعدها، ومعه بلال\" (١).\nوقال أبو المعلّى: \"سمعتُ سعيدًا عن ابن عبّاس كره الصلاة قبل العيد\" (٢). وذكر الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ٤٧٦): أقوال العديد من العلماء في هذه المسألة، وبيّن من يرى ذلك ممن لا يراه، ومن فرّق فيه بين الإِمام والمأموم.\nوفيه: \"ونقل بعض المالكية الإِجماع على أنَّ الإِمام لا يتنفّل في المصلى، وقال ابن العربي: التنفّل في المصلّى لو فُعِل لنُقل، ومن أجازه رأى أنّه وقت مطلق للصلاة، ومن تركه رأى أن النّبيّ - ﷺ - لم يفعله، ومن اقتدى فقد اهتدى\". انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-705>خطبة العيد بعدها:</span>\nعن ابن عباس قال: \"شهدت العيد مع رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وعمر وعثمان -﵃- فكلّهم كانوا يصلّون قبل الخطبة\" (٣).\n_________\n(٤) مسلم: ٨٩١.\n(١) أخرجه البخاري: ٩٨٩، ومسلم: ٨٨٤\n(٢) أخرجه البخاري معلقًا مجزومًا به وقال الحافظ (٢/ ٤٧٧) ولم أقِف على أثره هذا موصولًا.\n(٣) أخرجه البخاري: ٩٦٢، ومسلم: ٨٨٤","vol":"2","page":409},{"text":"وعن أبي سعيد الخدري قال: \"كان رسول الله - ﷺ - يخرج يوم الفطر والأضحى إِلى المصلّى، فأول شيء يبدأ به الصلاة، ثمَّ ينصرف فيقوم مقابل الناس والنّاس جلوس على صفوفهم، فيعِظُهم ويوصيهم ويأمرهم، فإِنْ كان يريد أن يقطع بعْثا قطَعه أو يأمر بشيء أمر به ثمَّ ينصرف.\nقال أبو سعيد: فلم يزل الناس على ذلك، حتى خرجْتُ مع مروان وهو أمير المدينة في أضحى أو فِطر، فلمّا أتينا المصلّى إِذا منبرٌ بناه كَثِيرُ بن الصَّلْت، فإِذا مروان يريد أن يرتقيه قبل أن يصلّي، فجبذت بثوبه فجبذني فارتفع فخطب قبل الصلاة، فقلت له: غيَّرتم والله فقال: أبا سعيد قد ذهب ما تعلم، فقلت: ما أعلم والله خير ممّا لا أعلم فقال: إِنَّ الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة، فجعَلْتها قبل الصلاة\" (١).\nوعن عبد الله بن السائب قال: \"شهدت مع رسول الله - ﷺ - العيد، فلمّا قضى الصلاة قال: إِنّا نخطب؛ فمن أحبّ أن يجلس للخطبة فليجلس، ومن أحبّ أن يذهب فليذهب\" (٢).\nوعن ابن عبّاس -﵁- قال: \"إِنَّ الخطبة بعد الصلاة\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-706>هل يفتتح الخطبة بالتكبير</span>؟\nيفتتح الخطيب خطبته يوم العيد بخطبة الحاجة على الأصل، ولم يثبُت\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٩٥٦، ومسلم: ٨٨٩\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٠٢٤)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٠٦٦)، وانظر \"الإرواء\" (٦٢٩)، و\"تمام المنّة\" (٣٥٠).\n(٣) أخرجه مسلم: ٨٨٦","vol":"2","page":410},{"text":"أن النّبيّ - ﷺ - كان يفتتح خطبتي العيد بالتكبير، وأشار ابن القيم إِلى هذا في \"زاد المعاد\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-707>قضاء صلاة العيد:</span>\nعن أبي عمير بن أنس بن مالك قال: \"حدّثني عمومتي من الأنصار من أصحاب رسول الله - ﷺ - قالوا: أغمي علينا هلال شوال، فأصبحنا صيامًا، فجاء ركْب من آخر النهار، فشهدوا عند النّبيّ - ﷺ - أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمرهم رسول الله أن يفطروا، وأن يخرجوا إِلى عيدهم من الغد\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-708>إِذا فاتته الصلاة مع الجماعة:</span>\nقال البخاري في \"صحيحه\": (باب إِذا فاته العيد يصلّي ركعتين)، وكذلك النساء ومن كان في البيوت والقرى، لقول النبيّ - ﷺ -: \"هذا عيدُنا أهل الإِسلام\". وأمَر أنسُ بنُ مالك مولاهم ابن أبي عُتبة بالزاوية؛ فجمع أهله وبنيه وصلّى كصلاة أهل المصر وتكبيرهم، وقال عكرمة: أهل السواد يجتمعون في العيد، يصلّون ركعتين كما يصنع الإِمام، وقال عطاء: إِذا فاته العيد صلّى ركعتين (٣).\n_________\n(١) وفي \"سنن ابن ماجه\" وإسناده ضعيف أن النّبيّ - ﷺ - كان يكبّر بين أضعاف الخطبة، قال شيخنا في \"تمام المنّة\" (ص٣٥١): \"ومع أنّه لا يدل على مشروعية افتتاح خطبة العيد بالتكبير؛ فإِنَّ إِسناده ضعيف ... \".\n(٢) انظر \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٣٤٠)، و\"صحيح سنن أبي داود\" (١٠٢٦)، و\"الإرواء\" (٦٣٤)، وتقدّم.\n(٣) وانظر \"الفتح\" (٢/ ٤٧٥) للمزيد من الفوائد الحديثية.","vol":"2","page":411},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-709>الرخصة في اللعب الذي لا معصية فيه </span>(١):\nعن أنس قال: \"قدم رسول الله - ﷺ - المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما فقال: ما هذان اليومان؟ قالوا: كنّا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال رسول الله - ﷺ -: إن الله قد أبدلكم بهما خيرا منهما: يوم الأضحى ويوم الفطر\" (٢).\nوعن عائشة قالت: دخل أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تُغنِّيان؛ بما تقاولت الأنصار يوم بُعاث (٣)، قالت: وليستا بمغنِّيتَين. فقال أبو بكر: أمزامير الشيطان في بيت رسول الله - ﷺ -؟ وذلك في يوم عيد، فقال رسول الله - ﷺ -: يا أبا بكر، إِن لكل قوم عيدًا، وهذا عيدُنا\" (٤).\nفي رواية لمسلم (٨٩٢): فاقدُروا (٥) قدْر الجارية الحديثة السنّ حريصةً على اللهو.\nوفي رواية قالت عائشة: دخل عليّ رسول الله - ﷺ - وعندي جاريتان تُغنيان بغناء بُعاث، فاضطجع على الفراش وحوَّل وجهه، ودخل أبو بكر فانتهرني وقال: مِزمارةُ الشيطان عند النّبيّ - ﷺ -! فأقبَل عليه رسول الله - ﷺ - فقال:\n_________\n(١) هذا العنوان من تبويب النووي \"لصحيح مسلم\".\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٠٠٤)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (١٤٦٥)، وانظر \"الصحيحة\" (٢٠٢١).\n(٣) أي: بالتغنّي بالأشعار التي قيلت في تلك الحرب.\n(٤) أخرجه البخاري: ٩٥٢، ومسلم: ٨٩٢\n(٥) قال بعض العلماء: \"أي قدروا رغبتها في ذلك وقيسوا قياس أمرها في حداثتها وحرصها على اللهو\".","vol":"2","page":412},{"text":"دعهما فلمّا غفل غمزتُهما (١) فخرجتا\" (٢).\nوفي رواية لمسلم (٨٩٢): \"جاء حبشٌ يزفنون (٣) في يوم عيدٍ في المسجد، فدعاني النّبيّ - ﷺ -، فوضعْت رأسي على مَنكِبه فجعلتُ أنظرُ إِلى لعبهم ... \".\nوعن نُبَيشْة الهُذَلي قال: \"قال رسول الله - ﷺ - أيّام التشريق أيّام أكل وشرب وفي رواية: وزاد فيه وذِكرٍ لله\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-710>فضل العمل الصالح في أيّام العشر من ذي الحجّة:</span>\nعن ابن عبّاس -﵄- قال: \"قال رسول الله - ﷺ - ما من أيّام العمل الصالح فيها أحبّ إِلى الله من هذه الأيّام يعني أيّام العشر، قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله، قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلاَّ رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء\" (٥).\nوجاء في \"الإِرواء\" (٣/ ٣٩٨): \"وفي رواية للدارمي (٢/ ٢٦) بلفظ: ما من عمل أزكى عند الله ﷿ ولا أعظم أجرًا من خير يعمله في عشر\n_________\n(١) الغمز: الإِشارة، كالرّمز بالعين أو الحاجب أو اليد. \"النهاية\".\n(٢) أخرجه البخاري: ٩٤٩\n(٣) حمله العلماء على التوثّب بسلاحهم ولعبهم بحرابهم على قريب من هيئة الرقص.\n(٤) أخرجه مسلم: ١١٤١\n(٥) أخرجه البخاري: ٩٦٩، وأبو داود وهذا لفظه \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٤٣٨).","vol":"2","page":413},{"text":"الأضحى .... \"، والباقي مثله، وزاد: \"قال: وكان سعيد بن جبير إِذا دخل أيام العشر اجتهد اجتهادًا شديدًا حتى ما يكاد يقدر عليه\" (١).\nوقال ابن عبّاس: \"ويذكروا اسم الله في أيّام معلومات\": أيّام العشر، والأيّام المعدودات: أيّام التشريق. رواه البخاري معلّقًا مجزومًا به، وقال الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ٤٥٨) \"لم أره موصولًا عنهما\".\nوقال البخاري: (باب فضل العمل في أيام التشريق)، وقال ابن عبّاس: ﴿واذكروا الله في أيّام معلومات﴾، أيّام العشر، والأيّام المعدودات أيّام التشريق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-711>استحباب التهنئة بالعيد:</span>\nعن جبير بن نفير قال: \"كان أصحاب النّبيّ - ﷺ - إِذا التقوا يوم العيد يقول بعضهم لبعض: تقبّل الله منا ومنكم\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-712>التكبير في أيام العيدين:</span>\nقال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ\n_________\n(١) أخرجه الدارمي في \"سننه\" وإسناده حسن، وانظر \"الإرواء \" (٣/ ٣٩٨).\n(٢) أخرجه المحاملي في كتاب \"صلاة العيدين\"، وغيره وانظر \"تمام المِنّة\" (ص ٣٥٤ - ٣٥٦).","vol":"2","page":414},{"text":"تَشْكُرُونَ﴾ (١).\nجاء في \"تفسير ابن كثير\": \" ... ولهذا أخَذَ كثير من العلماء مشروعيّة التكبير في عيد الفِطر من هذه الآية: ﴿ولِتُكْمِلُوا العِدَّة ولِتُكبّروا الله على ما هَدَاكُم﴾، حتى ذهب داود بن علي الأصبهاني الظاهري إِلى وجوبه؛ في عيد الفطر لظاهر الأمر في قوله: ﴿ولِتكبّرُوا الله عَلى ما هَدَاكُم﴾، وفي مقابلته مذهب أبي حنيفة -﵀- أنّه لا يشرع التكبير في عيد الفطر، والباقون على استحبابه\". وهذا في عيد الفطر، والتكبير فيه من وقت الخروج إِلى الصلاة، إِلى ابتداء الخطبة.\nأمّا الأضحى ففيه قوله سبحانه: ﴿واذكروا الله في أيّام معدودات﴾ (٢).\nجاء في \"الإِرواء\" (٣/ ١٢١): \"روى ابن أبي شيبة بسند صحيح عن الزهري قال: كان الناس يكبّرون في العيد حين يخرجون من منازلهم؛ حتى يأتوا المصلّى وحتى يخرج الإِمام، فإذا خرج الإِمام سكتوا، فإِذا كبّر كبّروا\".\nوفيه (ص١٢٢): \" ... ثمَّ روى [أي: الفريابي] بسند صحيح عن الوليد (وهو ابن مسلم) قال: سألت الأوزاعي ومالك بن أنس عن إِظهار التكبير في العيدين؟ قالا: نعم، كان عبد الله بن عمر يظهره في يوم الفطر حتى يخرج الإِمام\".\nوفيه (ص ١٢٣): \"وقد صحّ عن الزهري مرسلًا مرفوعًا، فقال ابن أبي شيبة\n_________\n(١) البقرة: ١٨٥\n(٢) البقرة: ٢٠٣","vol":"2","page":415},{"text":"(٢/ ١/٢): حدثنا يزيد بن هارون عن ابن أبي ذئب عن الزهري: أن رسول الله - ﷺ - كان يخرج يوم الفطر فيكبّر حتى يأتي المصلّى، وحتى يقضيَ الصلاة، فإِذا قضى الصلاة قطع التكبير (١).\nوهذا سند صحيح مرسلًا، ومن هذا الوجه أخرجه المحاملي (١٤٢/ ٢).\nوقد روي من وجه آخر عن ابن عمر مرفوعًا. أخرجه البيهقي (٣/ ٢٧٩) من طريق عبد الله بن عمر عن نافع عن عبد الله ابن عمر: أنَّ رسول الله - ﷺ - كان يخرج في العيدين مع الفضل بن عباس وعبد الله والعباس وعلي وجعفر والحسن والحسين وأسامة بن زيد وزيد بن حارثة وأيمن بن أم أيمن -﵃- رافعًا صوته بالتهليل والتكبير، فيأخذ طريق الحذائين حتى يأتي المصلّى، وإِذا فرغ رجع على الحذائين حتى يأتي منزله.\nوقال شيخنا -حفظه الله- في آخر التخريج: \"فالحديث صحيح عندي موقوفًا ومرفوعًا والله أعلم\". انتهى.\nوانظر ما جاء في \"الأوسط\" (٤/ ٢٤٩) من آثار في ذلك.\nووقته في عيد الأضحى من صبح يوم عرفة إِلى عصر آخر أيام التشريق.\nقال شيخنا: صحّ هذا عن عليّ وابن عبّاس، وقد خرّجْتهما في \"الإِرواء\" (٣/ ١٢٥)، ورواه الحاكم عن ابن مسعود. انتهى.\nوالذي جاء في \"الإِرواء\" تحت الحديث (٦٥٣): \"وقد صحّ عن علي -﵁- أنَّه كان يكبّر بعد صلاة الفجر يوم عرفة؛ إِلى صلاة العصر\n_________\n(١) وانظر \"الصحيحة\" (١٧١).","vol":"2","page":416},{"text":"من آخر أيّام التشريق، ويكبّر بعد العصر\".\nوكان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إِلى السوق في أيّام العشر يُكبّران، ويكبّر الناس بتكبيرهما (١).\nفائدة: قال شيخنا في \"الصحيحة\" (١/ ٣٣١): \"وفي الحديث دليل على مشروعية ما جرى عليه عمل المسلمين من التكبير جهرًا في الطريق إِلى المصلّى، وإِن كان كثير منهم بدؤوا يتساهلون بهذه السنّة، حتى كادت أن تصبح في خبر كان، وذلك لضعف الوازع الديني منهم، وخجلهم من الصّدع بالسُّنة والجهر بها، ومن المؤسف أن فيهم من يتولّى إِرشاد الناس وتعليمهم، فكأن الإِرشاد عندهم محصور بتعليم الناس ما يعلمون! وأمّا ما هم بأمسّ الحاجة إِلى معرفته؛ فذلك مما لا يلتفتون إِليه، بل يعتبرون البحث فيه والتذكير به قولًا وعملًا من الأمور التافهة التي لا يحسن العناية بها عملًا وتعليمًا؛ فإِنا لله وإِنا إِليه راجعون.\nومما يحسن التذكير به بهذه المناسبة: أنّ الجهر بالتكبير هنا لا يُشرع فيه الاجتماع عليه بصوت واحد كما يفعله البعض، وكذلك كل ذكر يُشرع فيه رفع الصوت أو لا يُشرع؛ فلا يشرع فيه الاجتماع المذكور، ومثله الأذان من الجماعة المعروف في دمشق بـ (أذان الجوق)، وكثيرًا ما يكون هذا الاجتماع سببًا لقطع الكلمة أو الجملة في مكان لا يجوز الوقوف عنده؛ مثل: \"لا إِله\"! في تهليل فرض الصبح والمغرب؛ كما سمعنا ذلك مرارًا\".\n_________\n(١) رواه البخاري معلّقًا بصيغة الجزم وقال الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ٤٥٨): لم أره موصولًا عنهما ...","vol":"2","page":417},{"text":"فلنكن في حذر من ذلك، ولتذكر دائمًا قوله ﵌: \"وخير الهدي هدي محمّد\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-713>صيغة التكبير:</span>\nجاء في \"الروضة الندية\" (١/ ٣٦٧): \"وأمَّا صفة التكبير فأصحّ ما ورد فيه أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن سلمان قال: كبّروا، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيرًا، قال في شرح \"المنتقى\" [٣/ ١١٦] نقلًا عن \"الفتح\" (٣/ ١١٦): وقد أُحدِث في هذا الزمان زيادة في ذلك لا أصل لها. انتهى.\nقال الشوكاني: \"والظاهر أن تكبير التشريق لا يختصّ استحبابه بعقب الصلوات، بل هو مستحبٌّ في كلّ وقت من تلك الأيام، كما تدلّ على ذلك الآثار\".\nوجاء قبله (١/ ٣٦٦): \" ... ولم يثبت تعيين لفظ مخصوص ولا وقت مخصوص ولا عدد مخصوص، بل المشروع الاستكثار منه دبر الصلوات وسائر الأوقات، فما جرت عليه عادة الناس اليوم استنادًا إِلى بعض الكتب الفقهية مِن جعله عقب كل صلاة فريضة ثلاث مرات، وعقب كل صلاة نافلة مرة واحدة، وقصر المشروعية على ذلك فحسب، ليس عليه أثارة من علم فيما أعلم، وأصحّ ما ورد فيه عن الصحابة أنّه من صبح يوم عرفة إِلى آخر أيام منى\".","vol":"2","page":418},{"text":"الموسوعة الفقهية الميسرة\nفي\nفقه الكتاب والسنة المطهرة\nالجزء الثالث\nكتاب الزكاة والصيام والاعتكاف\nبقلم\nحسين بن عودة العوايشة\nالمكتبة الإسلامية\nدار ابن حزم","vol":"3","page":1},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم","vol":"3","page":2},{"text":"الموسوعة الفقهية الميسرة\nفي\nفقه الكتاب والسنة المطهرة","vol":"3","page":3},{"text":"حقوق الطبع محفوظة للمؤلف\nالطبعة الأولى\n١٤٢٣ هـ -٢٠٠٢ م\nالمكتبة الإسلامية\nص ب (١١٣) الجبيهة، هاتف ٥٣٤٢٨٨٧\nعمَّان - الأردن\nدار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع\nبيروت - لبنان - ص ب: ٦٣٦٦/ ١٤ - تليفون: ٧٠١٩٧٤","vol":"3","page":4},{"text":"-[مقدّمة المؤلف]-\nإِنّ الحمد لله، نحمَدُه ونستعينهُ ونستغفِرُه، ونعوذُ بالله من شرور أَنفُسِنا، وسيِّئاتِ أعمالِنا، من يَهدِه الله فَلا مُضِلَّ لهُ، ومَن يُضْلل فلا هاديَ لهُ. وأَشهَد أنْ لا إله إِلاَّ الله، وحدَه لا شريكَ له، وأَشْهَدُ أنَّ محمدًا عَبدهُ ورَسولهُ.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١).\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢).\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٣).\nأمَّا بعد:\nفإِنَّ أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدْي محمّد، وشرّ الأمور مُحدثاتها، وكلَّ مُحدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة، وكلَّ ضلالة في النَّار. فهذا هو المجلد الثالث من \"الموسوعة الفقهيّة الميسَّرة في ضوء الكتاب والسُّنَّة المطهَّرة\" أقدمه للقُراء الكرام، سائلًا الله -﷾- أن ينفع\n_________\n(١) آل عمران: ١٠٢.\n(٢) النساء: ١.\n(٣) الأحزاب: ٧٠، ٧١.","vol":"3","page":5},{"text":"به ويتقبّله منّي، وهو متضمِّنٌ كتاب الزكاة والصيام والاعتكاف.\nوكنتُ قد استفدتُ من عددٍ من الإِجابات من شيخنا العلاّمة محمد ناصر الدين الألباني -﵀- من خلال مجالساته.\nوقد حرصتُ على الدليل الثّابت في ضوء منهج السلف الصالح، مع الإِفادة من أقوال علماء الأمّة، ورثة النّبيّ - ﷺ -.\nوقد تكون المسألة خلافيّة، ولكلٍّ فيما ذهبَ إِليه دليله وفهْمه، فالأمر لا يدعو إِلى التباغُض والتنافر والاختلاف والتفرُّق والشقاق والنّزاع.\nفَخذ ما ترجّح لك وما تراه صوابًا، دون ولاءٍ أو براءٍ أو تحزُّب أو تعصُّب، قال الله تعالى: ﴿والذين كفروا بعضُهم أولياءُ بعض إلاَّ تفعلوهُ تكنْ فتنةٌ في الأرض وفسادٌ كبير﴾ (١).\nفإِذا كان هذا شأن الكفار؛ بعضهم أولياء بعض، فالفساد والفتنة جاءا مِن أمور:\nالأوّل: أنّ الكُفّار قد حقّقوا من التآلف؛ ما لم يبْلغه أهل الإِسلام -مع الأسف-.\nالثاني: أنّ اتخاذ الكُفّار بعضهم بعضًا أولياء فيه خطورةٌ على المسلمين - وهم في مرحلة التربية والمجاهدة- إِذا لم يكونوا متفرّقين، فكيف إِذا كانوا متناحِرين متنازعين!\nالثالث: أنّنا قد أُمِرنا أصلًا بمخالفتهم، وعدم التشبُّه بهم، فكيف إِذا لم\n_________\n(١) الأنفال: ٧٣.","vol":"3","page":6},{"text":"نبلغ ما بلغوه في شأن الولاية!\nفإِذا كان كذلك؛ أفلا يكون بعضنا أولياء بعض؛ ولو بتقدير الآراء وكفّ اللسان عن إِيقاع الأذى بالعلماء، أو بمن تَلقّى عنهم المسائل، وأن نُعذر مَن قد يكون له أجر واحد في فتواه، ومن أفاد منه كذلك؟!\nفكيف ونحن لا نعلم؟ فربّما يكون له أجران!\nفالأمر يدعو إِذًا إِلى المزيد من الإِعذار والتآلف والتوادّ.\nأسأل الله -﷾- أن يتقبّل مني ويجعل هذا العمل في ميزاني يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون، إلاَّ مَن أَتى الله بقلبٍ سليم.\nوكَتَب:\nحسين بن عودة العوايشة\nعمّان ٤/ربيع الثاني/ ١٤٢١هـ","vol":"3","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-714>الزكاة</span>\nالزكاة: لغةً: هي النّماء والزيادة، يقال: زَكَى الزرع يزكو، أي: نما وهي الطهارة أيضًا، وسميت الزكاة زكاةً؛ لأنه يزكو بها المال بالبركة ويطهُر بها المرء بالمغفرة (١).\nوفي الاصطلاح الشرعي: هي عبارة عن إِيجاب طائفة من المال في مالٍ مخصوص لمالك مخصوص (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-715>الزكاة رُكن من أركان الإِسلام</span>\nعن ابن عباس -﵄- أنَّ معاذًا قال: بعَثني رسول الله - ﷺ -. قال: \"إِنّك تأتي قومًا من أهل الكتاب. فادْعُهم إِلى شهادة أن لا إِله إلاَّ الله وأنِّي رسول الله، فإِنْ هُم أطاعوا لذلك، فأعلِمهم أنّ الله افترض عليهم خمس صلواتٍ في كلِّ يومٍ وليلة، فإِنْ هم أطاعوا لذلك، فأعلِمهم أن الله افترض عليهم صدقة؛ تُؤْخَذ من أغنيائهم فتردُّ في فقرائهم\" (٣).\nوقد قُرنت بالصلاة (٤) في مواطنَ كثيرة كقوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وارْكعوا مع الراكعين﴾ (٥).\n_________\n(١) طِلبة الطّلبة: ص ٩١.\n(٢) التعريفات للشريف الجُرجاني (ص ٨٣).\n(٣) أخرجه البخاري: ١٤٥٨، ومسلم: ١٩.\n(٤) انظر ما قاله شيخ الإسلام -﵀- في \"مجموع الفتاوى\" (٢٥/ ٦).\n(٥) البقرة: ٤٣.","vol":"3","page":9},{"text":"وكقوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأقرِضوا الله قرضًا حَسَنًا﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-716>الحضّ على أدائها والترغيب فيها</span>\n١ - قال الله تعالى: ﴿خُذ من أموالهم صدقةً تُطهّرهم وتزكّيهم بها﴾ (٢).\n٢ - وقال الله تعالى: ﴿إِنّ المتقين في جنّات وعيون * آخذين ما آتاهم ربّهم إِنّهم كانوا قبل ذلك مُحسنين* كانوا قليلًا من الليل ما يهجعون* وبالأسحار هم يستغفرون* وفي أموالهم حقّ للسائل والمحروم﴾ (٣).\n٣ - وقال تعالى: ﴿وما آتيتم من زكاةٍ تريدون وجه الله فأولئك هم المُضْعِفُون﴾ (٤).\nالمُضْعفُون: أي: يُضاعَف لهم الثواب والجزاء، كما في حديث أبي هريرة -﵁- الآتي إِن شاء الله.\n٤ - وعن أبي كبشة الأنماري -﵁- أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: \"ثلاثٌ أُقسِم عليهنّ وأحدّثكم حديثًا فاحفظوه.\nقال: ما نقَص مالُ عبدٍ من صدقة، ولا ظُلم عبدٌ مظلمةً صبر عليها إلاَّ زاده الله عزًّا، ولا فَتَح عبدٌ باب مسألة إلاَّ فَتَح الله عليه باب فقر، أو كلمة\n_________\n(١) المزمل: ٢٠.\n(٢) التوبة: ١٠٣.\n(٣) الذاريات: ١٥ - ١٩.\n(٤) الروم: ٣٩.","vol":"3","page":10},{"text":"نحوها ... \" (١).\n٥ - وعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من تصدَّق بعَدْل (٢) تمرة مِن كسْبٍ طيّب -ولا يقبل الله إلاَّ الطيّب- فإِن الله يتقبلها بيمينه ثم يربّيها لصاحبه كما يُربّي أحدكم فَلوَّه (٣) حتّى تكون مثل الجبل\" (٤).\nوفي رواية: \"إلاَّ أخَذها الرحمن بيمينه، وإنْ كانت تمرة، فتربو في كفّ الرحمن؛ حتّى تكون أعظم من الجبل\" (٥).\n٦ - وعن جابر -﵁- قال: قال رجل: يا رسول الله؟ أرأيتَ إِنْ أدى الرجل زكاة ماله؟ فقال رسول الله - ﷺ -: \"من أدّى زكاة ماله فقد ذهب عنه شرُّه\" (٦).\n_________\n(١) أخرجه أحمد والترمذي واللفظ له وقال: حديث حسن صحيح، وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١٤).\n(٢) بعَدْل: أي: بقيمتها لأنه بالفتح: المِثل، وبالكسر -[العِدل]: الحِمل هذا قول الجمهور. \"الفتح\" (٣/ ٢٧٩). وللمزيد من الفوائد الحديثية انظر \"الإِرواء\" (٣/ ٣٩٣).\n(٣) فلُوّه: الفَلُوّ: المُهر الصغير وقيل: هو العظيم من أولاد ذوات الحافر.\n(٤) أخرجه البخاري: ١٤١٠، ومسلم: ١٠١٤.\n(٥) أخرجه مسلم: ١٠١٤.\n(٦) أخرجه الطبراني في \"الأوسط\" -واللفظ له- وغيره، وحسّنه شيخنا في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٧٤٠).","vol":"3","page":11},{"text":"٧ - وعن عمرو بن مُرّة الجهني -﵁- قال: \"جاء رجل من قُضاعة إِلى رسول الله - ﷺ - فقال: إِني شهدت أنْ لا إِله إِلا الله وأنك رسول الله، وصليّتُ الصلوات الخَمْس، وصُمتُ رمضان وقمتُه، وآتيتُ الزكاة.\nفقال رسول الله - ﷺ -: \"من مات على هذا كان من الصدِّيقين والشهداء\" (١).\n٨ - عن أبي هريرة -﵁- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"سبعةٌ يُظلُّهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلاَّ ظلّه: إِمامٌ عدْل، وشابٌّ نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلَّقٌ في المساجد، ورجلان تحابّا في الله اجتمعا عليه وتفرّقا عليه، ورجل دعَته امرأة ذات مَنْصِب وجمال فقال: إِنِّي أخاف الله، ورجل تصدَّق بصدقةٍ فأخفاها؛ حتى لا تعلم شماله ما تُنفق يمينه، ورجل ذكَر الله خاليًا ففاضت عيناه\" (٢).\nوانظر للمزيد من الأحاديث \"صحيح الترغيب والترهيب\" (كتاب الصدقات) \"الترغيب في أداء الزكاة وتأكيد وجوبها\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-717>الترهيب من منْعها</span>\n١ - قال الله تعالى: ﴿ولا يحسبنَّ الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرًا لهم بل هو شرٌّ لهم سيُطوّقون ما بَخِلُوا به يوم القيامة﴾ (٣).\n_________\n(١) أخرجه البزار بإِسناد حسن وابن خزيمة في \"صحيحه\" وابن حبان، وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٧٤٥).\n(٢) أخرجه البخاري: ٤٢٣، ومسلم: ٠٣١ ١.\n(٣) آل عمران: ١٨٠.","vol":"3","page":12},{"text":"٢ - وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ (١).\n٣ - وعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ما من صاحب ذهب ولا فضة؛ لا يؤدّي منها حقّها إِلا إِذا كان يوم القيامة صُفِّحَت (٢) له صفائح من نار فأُحْمي عليها في نار جهنم، فيُكوى بها جَنْبُه وجبينه وظهره. كلما بَرَدَت أُعيدت له، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يُقضى بين العباد، فيَرى سبيله إِمّا إِلى الجنة وإمّا إِلى النار.\nقيل: يا رسول الله! فالإِبِل؟ قال: ولا صاحب إِبِل لا يؤدي منها حقّها ومِنْ حقها حَلَبها (٣) يوم وِردها، إِلا إِذا كان يوم القيامة، بُطِحَ لها بِقَاعِ قرْقرٍ (٤) أوفر ما كانت؛ لا يفقد منها فصيلًا واحدًا تطؤه بأخفافها (٥) وتعَضُّهُ بأفواهها،\n_________\n(١) التوبة: ٣٤ - ٣٥.\n(٢) صُفحت: الصفيحة: كلّ عريض من حجارة أو لوح ونحوهما، ووجه كل شيء عريض. الوسيط\".\n(٣) حَلَبها: بفتح اللام على الراجح كما ذكر النووي ﵀. والمراد: يحلبها على الماء ليصب للناس من لبنها كما في \"النهاية\".\n(٤) قرقر: القاع المستوي الواسع من الأرض تعلوه ماء السماء فيمسكه. \"النووي\" (٧/ ٦٤).\n(٥) بأخفافها: قال النووي: الخفّ للبعير، والظلف للبقر والغنم والظُّباء، والقدم للآدمي.","vol":"3","page":13},{"text":"كلما مرَّ عليه أُولاها ردّ عليه أُخراها؛ في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يُقضى بين العباد، فيَرى سبيله إِمّا إِلى الجنة وإمّا إِلى النار.\nقيل: يا رسول الله! فالبقر والغنم؟ قال: ولا صاحب بقرٍ ولا غنم لا يؤدي منها حقها إلاَّ إِذا كان يوم القيامة بُطِحَ لها بقاع قرْقرٍ، لا يفقد منها شيئًا، ليس فيها عقْصَاء (١) ولا جَلْحَاء (٢) ولا عَضْبَاء (٣)، تنطِحُهُ بقرونها وتطؤه بأظْلاَفِها (٤)، كلّما مر عليه أولاها رُدّ عليه أُخْراها، في يومٍ كان مقداره خمسين ألف سنةٍ؛ حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله إِمّا إِلى الجنة وإمّا إِلى النار\" (٥).\n٤ - وعن أبي هريرة -﵁- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"من آتاه الله مالًا فلم يؤدِّ زكاته؛ مُثّل له يوم القيامة شجاعًا (٦) أَقْرع (٧) لهَ زِبيبتَان (٨) يُطوّقُه\n_________\n(١) عَقْصَاء: أي: ملتوية القرنين. \"النهاية\".\n(٢) جَلْحَاء: التي لا قَرْن لها. \"النهاية\".\n(٣) عَضْبَاء: التي انكسر قَرنْها. \"شرح النووي\" (٧/ ٦٥).\n(٤) بأظلافها: الظلف للبقر والغنم والظباء، وهو المنشقّ من القوائم، والخفّ للبعير، والقدم للآدمي، والحافر للفرس والبغل والحمار. \"شرح النووي\".\n(٥) أخرجه مسلم: ٩٨٧، وللمزيد من الفوائد الحديثية انظر كلام شيخنا في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (ص ٣٨٨ - ٣٨٩).\n(٦) الشُّجاع: الحيّة الذَّكَر، وقيل: الذي يقوم على ذنبه ويواثب الفارس.\n(٧) الأقرع: الذي تقرَّع رأسه، أي: تمعَّطَ لكثرة سمّه كذا في \"الفتح\" (٣/ ٢٧٠). وفيه: \"وفي \"تهذيب الأزهري\": سُمّي الأقرع لأنه يُقْري السّمّ ويَجْمَعه في رأسه حتى تتمعّط فَرْوة رأسه\".\n(٨) قال الحافظ: تثنية زبيبة، وهما الزبَدَتَان على اللسان في الشّدقين، يُقال: =","vol":"3","page":14},{"text":"يوم القيامة ثم يأخذ بِلِهزِمتيه (١) -يعني: شدقيه- ثم يقول: أنا مالُك أنا كنزُك، ثم تلا: ﴿ولا يحسبَنّ الذين يبخلون ...﴾ (٢) الآية \" (٣).\n٥ - عن عبد الله بن عمر -﵄- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"يا معشر المهاجرين! خمسٌ إِذا ابتُليتم بهنّ، وأعوذ بالله أن تدركوهُنّ!\nلم تظهر الفاحشة في قومٍ قطُّ حتى يُعلنوا بها، إلاَّ فشا فيهم الطاعون والأوجاع؛ التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مَضَوا.\nولم ينقصوا المكيال والميزان إلاَّ أُخِذوا بالسنين وشدّة المؤنَة وجَوْرِ السلطان عليهم.\nولم يمنعوا زكاةَ أموالهم، إِلا مُنِعُوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يُمطَروا.\nولم ينقضوا عهدَ الله وعهد رسوله؛ إلاَّ سلّط الله عليهم عدوًا من غيرهم، فأَخذوا بعض ما في أيديهم.\nوما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيّروا ممّا أنزل الله؛ إِلا جَعَل الله\n_________\n= تكلّم حتى زبد شدقاه، أي: خرج الزّبد منهما، وقيل: هما النكتتان السوداوان فوق عَيْنَيْه، وقيل: نقطتان يكتنفان فاه، وأورد أقوالًا غيرها.\n(١) بلِهزِمَيته: فُسّر في الحديث بالشدقين، وفي \"الصحاح\": هما العظمان الناتئان في اللحيين تحت الأذنين، وفي \"الجامع\" هما لحم الخدّين الذي يتحرّك إِذا أَكل الإِنسان. \"الفتح\".\n(٢) آل عمران: ١٨٠.\n(٣) أخرجه البخاري: ١٤٠٣.","vol":"3","page":15},{"text":"بأسهم بينهم\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-718>حُكم مانعها</span>\nمن امتنع عن أداء الزكاة غير منكر وجوبها، فإِنّ للحاكم أنْ يأخذ الزكاة منه قهرًا، وشطر ماله عقوبة.\nفعن بهز بن حكيم عن أبيه عن جدّه (٢) قال: \"لا يفرق إِبل عن حسابها (٣)، من أعطاها مؤتجرًا (٤) فله أجرها، ومن أبى فإِنّا آخِذوها وشطر ماله، عَزْمةً (٥) من عَزَمات ربّنا، لا يحلّ لآل محمّد - ﷺ - منها شيئًا\" (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-719>قتال من يمنعها</span>\nولو امتنع قوم عن أدائها مع اعتقادهم وجوبها وكانت لهم قوّة ومنَعة؛\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه وأبو نعيم في \"الحلية\" وغيرهما، وانظر \"الصحيحة\" (١٠٦)، و\"صحيح الترغيب والترهيب\" (٧٥٩). وانظر للمزيد من النصوص \"صحيح الترغيب والترهيب\" (الترهيب من منع الزكاة).\n(٢) هو معاوية بن حيدة صحابي -﵁-.\n(٣) معناه: أنّ المالك لا يفرّق مُلكه عن ملك غيره؛ حيث كانا خليطين، أو المعنى: تحاسب الكلّ في الأربعين، ولا يُترَك هزال ولا سمين ولا صغير ولا كبير، نعم العامل لا يأخذ إِلا الوسط. \"عون\" (٤/ ٣١٧).\n(٤) قاصدًا للأجر بإِعطائها.\n(٥) العَزْمة في اللغة: الجدّ والحق في الأمر يعني: أُخذ ذلك بجدّ لأنّه واجب مفروض. قاله بعض العلماء.\n(٦) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٩٣) والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٢٢٩٢) وغيرهما وحسّنه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٧٩١).","vol":"3","page":16},{"text":"فإِنّهم يقاتَلون عليها حتى يعطوها (١) قال الله تعالى: ﴿فإِن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلّوا سبيلَهم﴾ (٢).\nوعن ابن عمر -﵄- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"أُمِرتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إِله إلاَّ الله، وأنَّ محمّدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة.\nفإِذا فعلوا ذلك عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلاَّ بحقِّ الإِسلام، وحسابهم على الله\" (٣).\nوعن أبي هريرة -﵁- قال: \"لمّا توفّي رسول الله - ﷺ -، وكان أبو بكر -﵁- وكفَر من كفَر من العرب، فقال عمر -﵁-: كيف تقاتل الناس؛ وقد قال رسول الله - ﷺ -: أُمِرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إِله إِلا الله، فمن قالها فقد عصَم منّي ماله ونفسه إلاَّ بحقِّه، وحسابه على الله؟!\nفقال: والله لأقاتلنَّ من فرّق بين الصلاة والزكاة، فإِنَّ الزكاة حق المال، والله لو منعنوني عَناقًا (٤) كانوا يؤدّونها إِلى رسول الله - ﷺ - لقاتلتهم على منْعها.\nقال عمر -﵁-: فوالله ما هو إلاَّ أنْ قد شَرح الله صدر أبي بكر -﵁- فعرفتُ أنّه الحقُّ\" (٥).\n_________\n(١) انظر \"فقه السنة\" (١/ ٣٣٣).\n(٢) التوبة: ٥.\n(٣) أخرجه البخاري: ٢٥، ومسلم: ٢٢.\n(٤) عَناقًا: هي الأنثى من أولاد المعز ما لم يَتِمّ له سنة. \"النهاية\".\n(٥) أخرجه البخاري: ١٣٩٩، ومسلم: ٢٠.","vol":"3","page":17},{"text":"وفي بعض روايات البخاري ومسلم: عِقالًا (١).\nجاء في \"الروضة النديّة\" (١/ ٤٦٠): \"قال مالك: الأمر عندنا أنّ كلّ من منَع فريضة من فرائض الله تعالى، فلم يستطع المسلمون أخذها كان حقًا عليهم جهاده حتّى يأخذوها منه، وبلغه أنّ أبا بكر الصِّدّيق -﵁- قال: \"لو منعوني عقالًا لجاهدتهم عليه\" كذا في \"المسوّى\"\".\nوسألت شيخنا -﵀- هل يجب على الحاكم قتال مانعي الزكاة؟\nفأجاب: إِذا غلب على ظنّه الانتصار عليهم فَعل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-720>على من تَجِب</span>؟\nتجب على كلّ مسلم (٢) حرّ مالك النصاب.\nولا تجب على غير المؤمنين لحديث ابن عمر -﵄- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"على المؤمنين في صدقة الثمار -أو مال العقار- عُشر ما سقتِ العينُ وما سقتِ السماء، وعلى ما يُسقى بالغَرْب (٣) نصفُ العُشْر\" (٤).\n_________\n(١) واختلف العلماء في تفسير العقال فمنهم من قال: زكاة عام ومنهم من قال: الحبل الذي يُعقل به البعير، وانظر \"شرح النووي\" (١/ ٢٠٨) للمزيد من التفصيل.\n(٢) جاء في \"الروضة\" (١/ ٤٦٢): وأمّا اشتراط الإِسلام؛ فالراجح أنّ الكفّار مخاطَبون بجميع الشرعيات، لكنّه منَع صحّتها منهم مانع الكفر، فليس الإِسلام شرطًا في الوجوب بل الكفر مانع عن الصحة ... \".\n(٣) الغَرْب: الدلو العظيمة التي تُتَّخذ من جلد ثور. \"النهاية\".\n(٤) أخرجه ابن أبي شيبة وغيره، وصحّحه شيخنا -﵀- في \"الصحيحة\" (١٤٢).","vol":"3","page":18},{"text":"قال البيهقي: \"وفيه كالدّلالة على أنها لا تُؤخَذ من أهل الذِّمّة\".\n\"قلت [أي: شيخنا -رحمه الله تعالى-]: وكيف تُؤخَذ منهم وهم على شِركهم وضلالهم؟! فالزكاة لا تزكيهم وإنما تُزكّي المؤمن المزكَّى من دَرَن الشرك؛ كما قال الله تعالى: ﴿خُذ من أموالهم صدقةً تُطهِّرهم وتزكيهمْ بها وصلِّ عليهم إِنَّ صلاتك سَكَنٌ لهم﴾ (١).\nفهذه الآية تدلّ دلالة ظاهرة، على أنّ الزكاة إِنّما تُؤخَذ من المؤمنين، لكن الحديث أصرح منها دلالة على ذلك.\nوإنّ من يدرس السيرة النبوية، وتاريخ الخلفاء الراشدين، وغيرهم من خلفاء المسلمين وملوكهم؛ يعلم يقينًا أنّهم لم يكونوا يأخذون الزكاة من غير المسلمين المواطنين، وإنّما كانوا يأخذون منهم الجزية؛ كما ينصّ عليها الكتاب والسنّة\". انتهى.\nجاء في \"المحلّى\" (٥/ ٣٠٧): \"ولا يجوز أخذ الزكاة من كافر.\nقال أبو محمّد: هي واجبة عليه، وهو معذَّب على منْعها، إِلا أنها لا تجزئ عنه إِلا أنْ يُسلِم.\nوكذلك الصلاة ولا فرْق، فإِذا أسلم فقد تفضّل -﷿- بإِسقاط ما سلف عنه من كلّ ذلك!\nقال الله تعالى: ﴿إِلاّ أصحاب اليمين * في جنّات يتساءلون * عن المجرمين * ما سَلَكَكُم في سقر * قالوا لم نك من المصلّين * ولم نك\n_________\n(١) التوبة: ١٠٣.","vol":"3","page":19},{"text":"نُطعِم المسكين * وكنّا نخوض مع الخائضين * وكنّا نُكذِّب بيوم الدِّين * حتّى أتانا اليقين﴾ (١).\nوقال الله -﷿-: ﴿وويلٌ للمشركين * الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون﴾ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-721>ماذا يُشتَرط في النصاب</span>؟\n١ - أن يكون فاضلًا عن الحاجات الضرورية؛ التي لا يَستغني المرء عنها؛ كالمطعم والملبس، والمسكن والمركب، وآلات الحرفة.\n٢ - أن يحول عليه الحول الهجريّ، وابتداؤه من يوم مُلْك النصاب.\nلحديث عائشة -﵂- قالت: \"لا زكاة في مالٍ حتى يحول عليه الحول\" (٣).\nوهذا الشرط لا يمضي في زكاة الزروع والثمار، لأنّها تجب يوم الحصاد، قال الله تعالى: ﴿وءاتوا حقّه يوم حصاده﴾ (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-722>كيف يُزكّي إِذا تعدّدت الأنصبة</span>؟\nالأصل عدم إِخراج زكاة النصاب إِلا إِذا حال عليه الحول، فإِذا كانت\n_________\n(١) المدثر: ٣٩ - ٤٧.\n(٢) فصلت: ٦ - ٧.\n(٣) أخرجه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٤٤٩) وغيره، وانظر \"الإِرواء\" (٧٨٧).\n(٤) الأنعام: ١٤١.","vol":"3","page":20},{"text":"الأنصبة قليلة؛ وتمكّن من ذلك فعَل، وإلا أَخْرَج من مجموع المال؛ تيسيرًا على نفسه.\nسُئل شيخنا -﵀- عن رجل عنده أموال أثناء السنة الأولى؛ ثمّ جاءته أرباح، فلمّا دخلت السنة الثانية؛ وجد عدّة أنصبة، وليس نصابًا واحدًا، فكيف يُخرِج زكاته؟\nفأجاب -﵀-: \"اختلف العلماء في كيفية إِخراج الزكاة؛ فمنهم من قال: يُخرِج عن مجموع ما عنده من الأنصبة التي وجب عليها الزكاة، وعلى الأنصبة الأخرى التي لم يحُلْ عليها الحول كذلك.\nومنهم من قال: كلما توفّر عنده نصابٌ سجَّله، وانتظر أن يحُول عليه الحَوْل.\nوالنظر إِلى قاعدة التيسير يجعلني أُرجِّح القول الأول، إِذ متابعة الأنصبة مُرهِق لعقل (الكمبيوتر)؛ فضلًا عن عقل الإِنسان فيُخرج عن الأرباح، شريطة أن يكون هناك أصل؛ وهو النصاب الذي حال عليه الحول\". انتهى.\nقلت: \"ولا شكّ أنّ في هذا زيادةً على الزكاة الواجبة، فيُؤجَر عليها ويريح نفسه من بَلْبَلَة تعدّد الأنصبة. والله -تعالى- أعلم\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-723>هل في مال الصغير والمجنون زكاة</span>؟\nاختلف العلماء في هذه المسألة، فمنهم من رأى وجوب ذلك.\nوقالوا: إِنّ النصوص في إِيجاب الزكاة تفيد العموم، ومن ذلك الصغير والمجنون، والزكاة حقُّ الفقراء؛ أكان مِن صغير أو كبير أو مجنون أو عاقل.","vol":"3","page":21},{"text":"قال ابن حزم -﵀- في \"المُحلّى\" (٥/ ٣٠٢) -بحذف-: \"وأمّا مال الصغير والمجنون؛ فإِنّ مالكًا والشافعي قالا بقولنا؟ وهو قول عمر ابن الخطاب، وابنه عبد الله، وأمّ المؤمنين عائشة، وجابر وابن مسعود، وعطاء وغيره.\nوقال أبو حنيفة: لا زكاة في أموالهما من الناضّ (١) والماشية خاصة، والزكاة واجبة في ثمارهما وزروعهما.\nولا نعلم أحدًا تقدّمه إِلى هذا التقسيم!\nوقال الحسن البصري، وابن شبرمة: لا زكاة في ذهبه وفضّته خاصّة -وأمّا الثمار والزروع والمواشي ففيها زكاة.\nوأمّا إِبراهيم النخعي، وشريح، فقالا: لا زكاة في ماله جملة!\nقال أبو محمّد: إِنْ موّه مُمَوِّه منهم بأنّه لا صلاة عليهما؟ قيل له: قد تسقط الزكاة عمن لا مال له ولا تسقُط عنه الصلاة!\nوإِنّما تجب الصلاة والزكاة على العاقل والبالغ؛ ذي المال الذي فيه الزكاة، فإِنْ سقط المال: سقَطت الزكاة، ولم تسقُط الصلاة؛ وإِنْ سقَط العقل، أو البلوغ: سقَطَت الصلاة ولم تسقُط الزكاة؛ لأنه لا يسقط فرض أوجبه الله تعالى، أو رسوله - ﷺ -، إِلا حيث أسقطه الله تعالى أو رسوله - ﷺ -.\n_________\n(١) قال في \"مختار الصحاح\": أهل الحجاز يسمّون الدراهم والدنانير (النَّضَّ) و(النَّاضَّ) إِذا تحوّل عينًا بعد أن كان متاعًا، ويقال: خُذ ما (نضَّ) لك من دينٍ أي: ما تيسّر. وهو (يستنضّ) حقّه من فلان أي: يستنجزه ويأخذ منه الشيء بعد الشيء.","vol":"3","page":22},{"text":"ولا يسقُط فرض من أجل سقوط فرض آخر بالرأي الفاسد، بلا نصّ قرآن ولا سُنّة.\nوأيضًا: فإِنْ أسقطوا الزكاة عن مال الصغير والمجنون لسقوط الصلاة عنهما، ولأنهما لا يحتاجان إِلى طهارة؛ فليُسقطاها بهذه العلّة نفسها من زرعهما وثمارهما ولا فرق؛ وليُسقطا أيضًا عنهما زكاة الفطر بهذه الحُجّة!\nفإِنْ قالوا: النصّ جاء بزكاة الفطر على الصغير؟\nقلنا: والنص جاء بها على العبد، فأسقطتموها عن رقيق التجارة بآرائكم، وهذا ممّا تركوا فيه القياس، إِذ لم يقيسوا زكاة الماشية والناضّ، على زكاة الزرع، والفِطر، أو فليوجبوها على المكاتب؛ لوجوب الصلاة عليه، ولا فرق.\nوقد قال بعضهم: زكاة الزرع والثمرة حقٌّ واجب في الأرض، يجب بأوّل خروجهما.\nقال أبو محمّد: ولا فرق بين وجوب حقّ الله تعالى في الزكاة في الذهب والفضة والمواشي؛ من حين اكتسابها إِلى تمام الحول، وبين وجوبه في الزرع والثمار؛ من حين ظهورها إِلى حلول وقت الزكاة فيها، والزكاة ساقطة بخروج كلّ ذلك عن يد مالكه قبل الحول، وقبل حلول وقت الزكاة في الزرع والثمار.\nوإِنّما الحقّ على صاحب الأرض لا على الأرض، ولا شريعة على أرض أصلًا، إِنما هي على صاحب الأرض!\nقال الله تعالى: ﴿إِنّا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبَيْن أن يحمِلنها وأشفَقْن منها وحمَلَها الإِنسان إِنّه كان ظلومًا","vol":"3","page":23},{"text":"جهولًا﴾ (١).\nفظهر كذب هذا القائل وفساد قوله.\nوأيضًا فلو كانت الزكاة على الأرض لا على صاحب الأرض؛ لوجب أخْذها في مال الكافر مِن زرعه وثماره، فظهر فساد قولهم وبالله التوفيق.\nولا خلاف في وجوب الزكاة على النساء كهي على الرجال؛ وهم مُقرّون بأنها قد تكون أَرْضُون كثيرة؛ لا حقّ فيها من زكاة، ولا من خَراج، كأرض مسلم؛ جعَلها قصبًا وهي تغلّ المال الكثير، أو ترَكَها لم يجعل فيها شيئًا، وكأرض ذمّي صالَح على جزية رأسه فقط.\nوقد قال سفيان الثوري والحسن البصري وأشهب والشافعي: إِنّ الخراجي الكافر إِذا ابتاع أرض عشر من مسلم؛ فلا خراج فيها ولا عشر.\nوقد صحّ أنّ اليهود والنصارى والمجوس بالحجاز واليمن والبحرين؛ كانت لهم أرضون في حياة النّبيّ - ﷺ -، ولا خلاف بين أحد من الأُمة؛ فى أنّه لم يجعل -﵇- فيها عُشرًا ولا خراجًا.\nفإِن ذكروا قول رسول الله - ﷺ -: \"رُفع القلم عن ثلاث\". فذكر \"الصبي حتى يبلُغ والمجنون حتى يُفيق\" (٢).\nقلنا: فأسقطوا عنهما بهذه الحُجّة زكاة الزرع والثمار، وأرُوش (٣) الجنايات\n_________\n(١) الأحزاب: ٧٢.\n(٢) أخرجه أبو داود والنسائي وغيرهما وصححه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٢٩٧).\n(٣) جمع أرْش وهي دِيَة الجراحات. وانظر \"مختار الصحاح\".","vol":"3","page":24},{"text":"التي هي ساقطة بها لا شكّ، وليس في سقوط القلم سقوط حقوق الأموال، وإنّما فيه سقوط المَلاَمة، وسقوط فرائض الأبدان فقط. وبالله -تعالى- التوفيق.\nفإِنْ قالوا: لا نيّة لمجنون، ولا لمن لم يبلغ؛ والفرائض لا تجزئ إِلا بنيّة!\nقلنا: نعم، وإنّما أمر بأخذها الإِمام والمسلمون، بقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ (١)، فإِذا أخَذَها من أُمِر بأخذها بنية أنها الصدقة أجزأت عن الغائب، والمُغْمَى عليه، والمجنون، والصغير، ومن لا نيّة له.\nوالعجب أنّ المحفوظ عن الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- إِيجاب الزكاة في مال اليتيم\".\nثمَّ ذكر -﵀- بعض الآثار في ذلك.\nوقال الشيخ أحمد شاكر -﵀- في التعليق على \"المحلّى\" (٥/ ٣٠٤): \"وكان الأصحّ أنّ الزكاة تجب في المال، كما تجب الدِّيَة، وكما يجب العِوَض، وكما يجب الثمن مثَلًا، وأنّ وليّ الصبيّ أو المجنون مُكلَّف بإِخراجها من مال مَحْجُورِه، وأنّ وليّ الأمر يجب عليه استيفاؤها من المال\".\nقال شيخ الإِسلام -﵀- في \"مجموع الفتاوى\" (٢٥/ ١٧): \"وتجب الزكاة في مال اليتامى؛ عند مالك والليث والشافعي وأحمد وأبي ثور، وهو مرويّ عن عمر وعائشة وعليّ وابن عمر وجابر -﵃- ... \".\nوجاء في \"الروضة النديّة\" (١/ ٤٦٠) -ردًّا على من يقول بإِيجابها تحت شرط: \"إِذا كان المالك مُكلَّفًا\"-: \"اعلم أنّ هذه المقالة قد يَنْبُو\n_________\n(١) التوبة: ١٠٣.","vol":"3","page":25},{"text":"عنها ذِهن من يسمعها، فإِذا راجع الإِنصاف، ووقف حيث أوقفه الحقّ، عَلِم أنّ هذا هو الحقّ، وبيانه أنّ الزكاة هي أحد أركان الإِسلام، ودعائمه وقوائمه، ولا خلاف أنّه لا يجب شيء من الأربعة الأركان؛ التي الزكاة خامستها على غير مكلّف، فإِيجاب الزكاة عليه، إِنْ كان بدليل فما هو؟ فما جاء عن الشارع في هذا شيء ممّا تقوم به الحُجّة.\nكما يُروَى عن النّبي ﵌ أنه أمر بالاتّجار في أموال الأيتام؛ لئلاّ تأكلها الزكاة، فلم يصحّ ذلك في شيء مرفوعًا إِلى النّبيّ - ﷺ - (١)، فليس ممّا تقوم به الحُجّة.\nوأمّا ما رُوي عن بعض الصحابة فلا حُجّة فيه أيضًا، وقد عُورِض بمِثله.\nوإِنْ قال قائل: إِنّ الخطاب في الزكاة عامّ كقوله: ﴿خُذْ مِن أموالهم﴾ (٢) ونحوه، فذلك ممنوع.\nوليس الخطاب في ذلك إِلا لمن يصلُح له الخطاب، وهم المكلّفون، وأيضًا بقيّة الأركان، بل وسائر التكاليف التي وقع الاتفاق على عدم وجوبها على من ليس بمُكلّف، الخطابات بها عامّة للناس، والصبيّ مِن جُمْلة الناس.\nفلو كان عموم الخطاب في الزكاة مسوغًا لإِيجابها على غير المكلّفين؛ لكان العموم في غيرها كذلك، وأنّه باطل بالإِجماع، وما استلزم الباطل باطل، مع أنّ تمام الآية -أعني قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ - يدلّ على عدم وجوبها على الصبيّ، وهو قوله: ﴿تُطهّرهم وتزكّيهم بها﴾ فإِنّه لا\n_________\n(١) انظر \"الإِرواء\" (٧٨٨).\n(٢) التوبة: ١٠٣.","vol":"3","page":26},{"text":"معنى لتطهير الصبيّ، والمجنون، ولا لتزكيته، فما جعلوه مُخصّصًا لغير المكلفين في سائر الأركان الأربعة؛ لزمهم أن يجعلوه مُخصّصًا في الركن الخامس وهو الزكاة.\nوبالجملة: فأموال العباد محرَّمة بنصوص الكتاب والسنَّة، لا يُحلّلها إلاَّ التّراضي، وطِيبة النّفْس.\nأمّا ورود الشرع كالزكاة، والدِّيَة، والأرْش، والشُّفعة (١)، ونحو ذلك، فمن زعم أنه يحل مال أحد من عباد الله، سيّما مَن كان قلمُ التكليف عنه مرفوعًا؛ فعليه البرهان، والواجب على المُنْصِف أن يقف موقف المنع حتى يزحزحه عنه الدليل.\nولم يوجب الله تعالى على وليّ اليتيم، والمجنون أن يخرج الزكاة من مالهما، ولا أمَره بذلك، ولا سوّغه له، بل ورَدت في أموال اليتامى تلك القوارع التي تتصدّع لها القلوب، وترجُف لها الأفئدة (٢) \".\nوفيها (ص ٤٦٢): \" .. فمن أوجَب على الصبيّ زكاة في ماله تمسُّكًا بالعمومات، فليوجب عليه بقيّة الأركان تمسُّكًا بالعمومات.\n_________\n(١) هي استحقاق الشريك انتزاع حصّة شريكه المنتقلة عنه، مِن يد مَن انتقلت إِليه. \"المغني\" (٥/ ٤٥٩).\n(٢) منها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين يأكلون أموال اليتامى ظُلمًا إنّما يأكلون في بطونهم نارًا وسيصلون سعيرًا﴾ [النساء: ١٠].\nومنها قوله - ﷺ -: \"اجتبوا السبع الموبقات ... \"، فذكَر منها أكْل مال اليتيم. [أخرجه البخاري: ٦٨٥٧، ومسلم: ٨٩].","vol":"3","page":27},{"text":"وبالجملة: فالأصل في أموال العباد الحرمة ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ (١)، \"لا يحلّ مالُ امرئٍ مُسلم إلاَّ بطيبةٍ من نفسه\" (٢)، ولا سيما أموال اليتامى، فإِنّ القوارع القرآنية، والزواجر الحديثية فيها؛ أظهر من أن تُذكَر وأكثر من أن تُحصَر، فلا يأمن وليّ اليتيم إِذا أخذ الزكاة من ماله من التَّبعة، لأنه أخَذ شيئًا لم يُوجِبه الله على المالك، ولا على الوليّ ولا على المال.\nأما الأوّل: فلأنّ المفروض أنه صبيٌّ لم يحصُل له ما هو مناط التكاليف الشرعية؛ وهو البلوغ.\nوأمّا الثاني: فلأنه غير مالك للمال، والزكاة لا تجب على غير مالك.\nوأمّا الثالث: فلأنّ التكاليف الشرعية مختصة بهذا النوع الإِنساني؛ لا تجب على دابّة ولا جماد، والله أعلم\".\nوسألت شيخنا -﵀- عن زكاة أموال اليتامى فقال: \"لا زكاة على مال من لم يبلغ سنّ الاحتلام على الراجح\".\nوفي \"تبيين المسالك\" (٢/ ٦٧) للشيخ عبد العزيز الإِحسائي -بعد أن نقل أدلّة الموجب وغير الموجب- \"وقال أبو حنيفة: لا تجب في مال صبي ولا مجنون واحتجّ بحديث: \"رُفع القلم عن ثلاث\".\nوله عدة ألفاظ منها:\n_________\n(١) البقرة: ١٨٨.\n(٢) انظر \"الصحيحة\" (١٤٥٩) وله عِدّة ألفاظ منها: \"لا يحلّ مال امرئ مسلم إلاَّ عن طيب نفس\".","vol":"3","page":28},{"text":"\"رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المبتلى حتى يبرأ (وفي رواية: وعن المجنون (وفي لفظ: المعتوه) حتى يعقل أو يُفيق) وعن الصبى حتى يكبَر. (وفي رواية: حتى يحتلم) \" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-724>المالك المَدِين:</span>\nمن كان في يده مالٌ تجب الزكاة فيه، وهو مدين؛ أخرج منه ما يفي بدينه وزكّى الباقي؛ إِن بلَغ نصابًا، وإن لم يبلغ النصاب فلا زكاة فيه، لأنّه في هذه الحالة فقير (٢).\nومن الأدلّة على ذلك قول رسول الله - ﷺ - لمعاذ بن جبل -﵁-: \" ... فأخبِرهم أنَّ الله قد فرَض عليهم صدقة؛ تُؤخذ من أغنيائهم فتردّ على فقرائهم\" (٣).\nوسألْتُ شيخنا -﵀-: مَن ملك النصاب، وعليه ديونٌ تستغرق النصاب؛ فهل يجب عليه الزكاة أم لا؟\nفأجاب -﵀-: \"ما دام المال في حَوْزَته، وحال عليه الحول فلا بُدّ من إِخراج الزكاة، ولو كان عليه من الدَّين ما يستغرق النصاب كلّه، فإِذا كان ينوي عدم إِخراج الزكاة؛ فعليه أن يفيَ الناس حقوقهم وديونهم\".\n_________\n(١) أخرجه أبو داود وغيره، وصحّحه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٢٩٧)، وتقدّم.\n(٢) \"فقه السنة\" (١/ ٣٣٦) بتصرف.\n(٣) أخرجه البخاري: ١٤٩٦، ومسلم: ١٩، وتقدّم.","vol":"3","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-725>من مات وعليه الزكاة</span>\nمن مات وعليه زكاة سنة أو سنتين أو أكثر؛ فإِنّها تجب في ماله، وتقدَّم على الدائنين والوصية والورثة؛ لقول الله تعالى في شأن المواريث: ﴿مِن بعْد وصيةٍ يُوصِي بها أو دين﴾ (١)، والزكاة دَينٌ قائم لله تعالى (٢).\nوعن ابن عباس -﵄- قال: \"جاء رجل إِلى النّبيّ - ﷺ - فقال: يا رسول الله! إِنّ أُمّي ماتت وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ قال: نعم؛ فدَين الله أحقُّ أن يُقضى\" (٣).\nقال الإِمام أحمد -رحمه الله تعالى-: \"ومن مات وعليه زكاة أُخِذَت من تَرِكته ولو لم يوص بها ... لأنها حقٌّ واجب تصحّ به الوصيّة، فلم يسقُط بالموت، كدَين الآدمي\" (٤). وذكَر الحديث.\nقال ابن حزم -﵀- في \"المحلّى\" (٦/ ١١٣): \"فلو مات الذي وجَبَتْ عليه الزكاة سنة أو سنتين؛ فإِنها من رأس ماله، أقرَّ بها أو قامت عليه بيّنة، ورثه ولده أو كَلاَلهَ (٥)، لا حقّ للغرماء ولا للوصية ولا للورثة حتى تُسْتَوْفى كلها؛ سواء في ذلك العين والماشية والزرع.\n_________\n(١) النساء: ١١.\n(٢) عن \"فقه السنة\" (١/ ٣٣٦) بتصرف يسير.\n(٣) أخرجه البخاري: ١٩٥٣، ومسلم: ١١٤٨.\n(٤) الواضح في فقه الإمام أحمد (ص ١٥٨) للدكتور علي أبي الخير.\n(٥) الكَلاَلة: وهو أن يموت الرجل؛ ولا يدع والدًا ولا ولدًا يرثانه، وأصله: من تكلَّله النسب: إِذا أحاط به. وقيل: الكلالة: الوارثون الذين ليس فيهم ولدٌ ولا والد، فهو واقعٌ =","vol":"3","page":30},{"text":"وهو قول الشافعي وأبي سليمان وأصحابهما\".\nوقال -﵀- (ص ١١٤): \"والعجب كلّه من إيجابهم الصلاة بعد خروج وقتها على العامِد لتركها، وإِسقاطهم الزكاة ووقتها قائم عن المتعمّد لتركها\".\nوقال -﵀- (ص ١١٦): \"ويُسألون عن الزكاة، أفي الذّمّة هي أم في عين المال؟ ولا سبيل إِلى قسم ثالث!\nفإِنْ قالوا: في عين المال، فقد صحّ أنّ أهل الصدقات شركاء في ذلك المال، فمن أين وجب أن يبطل حقّهم؛ وتبقى ديون اليهود والنصارى؟\nوإنْ قالوا: في الذِّمّة، فمن أين أسقطوها بموته؟! \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-726>أداؤُها وقت الوجوب </span>(١)\nيجب إِخراج الزكاة فورًا عند وجوبها، ويحرُم تأخير أدائها عن وقت الوجوب.\nفعن عُقبة بن الحارث -﵁- قال: \"صلّيتُ مع النّبيّ - ﷺ - العصر، فلّما سلّم؛ قام سريعًا حتى دخَل على بعض نسائه، ثمَّ خرج ورأى ما\n_________\n= على الميت وعلى الوارث بهذا الشرط.\n[وقال القُتيبي]: الأب والابن طرفان للرجل، فإذا مات ولم يُخَلِّفهما فقد مات عن ذَهاب طرفيه، فسمّى ذَهاب الطرفين كلالة.\nوقيل: كلُّ ما احْتَفّ بالشيء من جوانبه فهو إِكليل، وبه سُمّيت؛ لأن الوُرَّاثَ يُحيِطون به من جوانبه.\n(١) \"فقه السنة\" (١/ ٣٣٧) بتصرف.","vol":"3","page":31},{"text":"في وجوه القوم مِن تعجُّبهم لسرعته، فقال: ذكرتُ وأنا في الصلاة تِبرًا (١) عندنا؛ فكرهتُ أن يمسي أو يبيت عندنا، فأمرتُ بقسمته\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-727>التعجيل بأدائها قبل الحول</span>\nيجوز تعجيل الزكاة قبل الحول؛ لما ثبت عن علىّ -﵁- \"أنّ النّبيّ - ﷺ - تعجَّل من العبّاس صدقته سنتين\" (٣).\nقال شيخ الإِسلام -﵀- في \"مجموع الفتاوى\" (٢٥/ ٨٥): \"وأمّا تعجيل الزكاة قبل وجوبها بعد سبب الوجوب؛ فيجوز عند جمهور العلماء كأبي حنيفة والشافعي وأحمد ... \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-728>مَن أحَبَّ تعجيل الزكاة من يومها </span>(٤)\nعن عقبة بن الحارث -﵁- قال: صلّى بنا رسول الله - ﷺ - العصر فأسرَع، ثمّ دَخل البيت فلم يلبث أنْ خرج، فقلت أو قيل له، فقال: \"كنت خَلَّفْتُ في البيت تِبرًا من الصدقة فكرهت أن أبيِّته، فقسَمْته\" (٥).\n_________\n(١) قال في \"النهاية\": \"التِّبر: هو الذهب والفضة قبل أن يُضربا دنانير ودراهم، فإِذا ضُربا كانا عينًا، وقد يطلق التِّبر على غيرهما من المعدنيّات؛ كالنحاس والحديد والرصاص وأكثر اختصاصه الذهب ... \".\n(٢) أخرجه البخاري: ١٢٢١.\n(٣) أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٤٥٢)، وحسنه شيخنا في \"الإرواء\" (٨٥٧).\n(٤) هذا العنوان من \"صحيح البخاري\".\n(٥) أخرجه البخاري: ١٤٣٠، وتقدّم.","vol":"3","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-729>عدم ذهاب السُّعَاة لجمع الأموال الباطنة ويتولّى الرجل تَفْرِقة أمواله الباطنة بنفسه</span>\nلحديث أبي هريرة -﵁- المتقدّم وفيه: \" ... ورجل تصدّق بصدقة فأخفاها؛ حتى لا تعلم شماله ما تُنفق يمينه\".\nواعلم -رحمك الله- أنّه قد ورَد عدد من النصوص؛ فى ذَهاب السعاة لتحصيل زكاة الأموال الظاهرة من الحيوان: الإِبل والبقر والغنم، ومن الحبوب: البرُّ والشعير، ومن الثمار: النخل والعنب.\nأمّا الأموال الباطنة؛ كالذهب والفضة والركاز، فالناس مؤتمنون عليها ولم يثبت إِرسال النّبيّ - ﷺ - المصدّقين لتحصيلها.\nقال شيخنا في \"تمام المِنّة\" (ص ٣٨٣) في مناقشة السيد سابق -رحمهما الله تعالى (١) -:\n\"لم أجِدْ في السُّنّة أنّ النّبيّ - ﷺ - كان يبعث من يجمع الصدقات من الأموال الباطنة -وهي عروض التجارة والذهب والفضة والركاز كما ذكر المؤلف نفسه- ولا وجدْتُ أحدًا من المحدّثين ذكَر ذلك.\nبل صرَّح ابن القيّم بنفي ذلك، بل إِنّه نفى أن يكون البعث المذكور؛ في\n_________\n(١) وذلك في قوله: \"كان رسول الله - ﷺ - يبعث نُوّابه ليجمعوا الصدقات ويوزعها على المستحقّين، وكان أبو بكر وعمر يفعلان ذلك، لا فرق بين الأموال الظاهرة والباطنة، فلمّا جاء عثمان سار على هذا النهج زمنًا، إِلا أنه لمّا رأى كثرة الأموال الباطنة، ووجَد أنّ في تتبعها حرجًا على الأمّة، وفي تفتيشها ضررًا بأربابها؛ فوَّض أداء زكاتها إِلى أصحاب الأموال\".","vol":"3","page":33},{"text":"الكتاب في الأموال الظاهرة على عمومه، حيث قال في \"الزاد\":\n\"كان - ﷺ - يبعث سعاته إِلى البوادي، ولم يكن يبعثهم إِلى القرى، ولم يكن من هديه - ﷺ - أن يبعث سعاته إلاَّ إِلى أهل الأموال الظاهرة؛ من المواشي والزروع والثمار\".\nولو صحّ ما ذكَره المؤلف؛ لكان دليلًا من السّنّة على وجوب الزكاة على عروض التجارة. فتأمّل.\nوقال أبو عبيد (رقم ١٦٤٤): \"سُنّة الصامت (١) خاصّة أن يكون الناس فيه مؤتمنين عليه\".\nلم أجده كذلك عن الخلفاء الثلاثة، بل روى أبو عبيد (رقم ١٨٠٥)، والبيهقي (٤/ ١١٤) عن أبي سعيد المقبري، قال:\n\"أتيتُ عمر بن الخطاب فقلت: يا أمير المؤمنين! هذه زكاة مالي -قال: وأتيته بمائتي درهم- فقال: أعَتَقْت يا كيسان؟ فقلت: نعم، فقال: فاذهب بها أنت فاقسمها\". إِسناده جيد.\nفهذا عمر -﵁- قد أولى تفريق الزكاة إِلى صاحبها خلافًا لما نقَله المؤلف عنه، وقد ترجم البيهقي لهذا الأثر بـ \"باب الرجل يتولّى تفريق زكاة ماله الباطنة بنفسه\".\nما نقله عن عثمان أنّه سار على ذلك النّهج ... إِلخ. لم أجد له أصلًا في شيء من كتب الآثار، ولا ذَكَره أحد من أئمّة الحديث -فيما علمت-.\n_________\n(١) الذهب والفضَّة؛ خلاف الناطق وهو الحيوان. \"النهاية\".","vol":"3","page":34},{"text":"والظاهر أنّ المؤلف نقَله -وكذا ما قبله- من بعض كتب الفقه أو غيرها؛ التي لا تتحرّى الثابت مما يُروى\". والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-730>الأموال التي تجب فيها الزكاة</span>\nتجب الزكاة في النقدين الذهب والفضة، والزروع، والثمار والمواشي والركاز (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-731>زكاة النقدين الذَّهب والفضّة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-732>ما جاء في الترهيب من كنز الذّهب أو الفضّة وعدم إِخراج زكاتها:</span>\nقال الله تعالى: ﴿والذّين يكنزون الذّهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشِّرهم بعذاب أليم * يوم يحمى عليها في نار جهنَّم فتُكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كَنَزْتُم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنِزون﴾ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-733>نصاب الذهب ومقدار الواجب فيه</span>؟\nنصاب الذهب عشرون دينارًا (٣). وفيه ربع العشر.\n_________\n(١) الركاز لغة: المعدن والمال المدفون، وشرعًا: دفين الجاهلية وسيأتي تفصيله بإِذن الله -تعالى-.\n(٢) التوبة: ٣٤ - ٣٥.\n(٣) الدينار = ٤.٢٥ غرامًا كما تقدّم. عشرون دينارًا = ٤.٢٥×٢٠ = ٨٥ غرامًا، وانظر \"فقه الزكاة\" (١/ ٢٦٠) للدكتور يوسف القرضاوي.","vol":"3","page":35},{"text":"عن عليّ -﵁- قال: \" ... فإِذا كانت لك مائتا درهم، وحال عليها الحول؛ فعليها خمسة دراهم، وليس على شيء -يعني في الذهب- حتى يكون لك عشرون دينارًا، فإِذا كان لك عشرون دينارًا وحال عليها الحول؛ ففيها نصف دينار\" (١).\nوعن ابن عمر وعائشة: \"أن النّبيّ - ﷺ - كان يأخذ من كل عشرين ديناراَّ فصاعدًا، نصف دينار، ومن الأربعين دينارًا، دينارًا\" (٢).\nوعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا: \"ليس في أقل من عشرين مثقالًا من الذهب، ولا في أقلّ من مائتي درهم صدقة\" (٣).\nقال شيخ الإِسلام -﵀- في \"مجموع الفتاوى\" (٢٥/ ١٢): \"وأمّا نصاب الذهب؛ فقد قال مالك في \"الموطأ\": السُّنّة التي لا اختلاف فيها عندنا: أنَّ الزكاة تجب في عشرين دينارًا؛ كما تجب في مائتي درهم.\nفقد حكى مالك إِجماع أهل المدينة، وما حُكي خلافٌ؛ إِلا عن الحسن أنه قال: لا شيء في الذهب حتى يبلغ أربعين مثقالًا. نقَله ابن المنذر\".\nفائدة: سُئل شيخنا -﵀- هل يخرج زكاة ذهبه نقدًا أم منه نفسه؟\nفأجاب -﵀-: \"الأصل إِخراج الذهب منه، وإخراج النقود لما لا\n_________\n(١) \"صحيح سنن أبي داود\" (١٣٩١).\n(٢) أخرجه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٤٤٨)، وصححه شيخنا في \"الإِرواء\" (٨١٣).\n(٣) رواه أبو عبيد وهو صحيح بشواهده، وانظر \"الإرواء\" (٨١٥).","vol":"3","page":36},{"text":"ينفكّ عنه. وتُراعى المصلحة في الأمر (١)، كأمر نقْل الزكاة (٢) \".\nوسألت شيخنا -﵀-: ماذا تفعل إِذا كان عندها ذهب ولا مال معها لإِخراج الزكاة؟ فقال: تبيع منه\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-734>نصاب الفضة ومقدار الواجب</span>\nنصاب الفضة مائتا درهم وفيها ربع العُشر (٣).\nعن عليّ -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"قد عفوتُ عن الخيل والرقيق، فهاتوا صدقة الرِّقَة (٤) من كلّ أربعين درهمًا درهمًا، وليس في تسعين ومائة شيء، فإِذا بلغت مائتين ففيها خمسة دراهم\" (٥).\nوعن أنس \"أنّ أبا بكر -﵄- كَتَب له هذا الكتاب لمّا وجّهه إِلى البحرين: بسم الله الرحمن الرحيم. هذه فريضة الصدقة التي فرَض رسول الله - ﷺ - على المسلمين؛ والتي أمَر الله بها رسوله ... \" وفيه: \"وفي الرّقَة\n_________\n(١) يعني: إِخراجه من الذهب أم من النقود.\n(٢) يعني: كما تراعى المصلحة في نقل الزكاة وعدمها.\n(٣) وربع العشر = ١×٤٠ = ٢.٥%.\n(٤) قال الخطابي: هي الدراهم المضروبة أصْلها الوَرِق حُذفت الواو وعُوِّض عنها الهاء كعِدَة وزِنَة. \"عون\" (٤/ ٣١٦).\nوجاء في \"الفتح\" (٣/ ٣٢١): \"الرّقَة: -بكسر الراء وتخفيف القاف- الفضّة الخالصة، سواء كانت مضروبة أو غير مضروبة\".\n(٥) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٣٩٢)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٥٠٦).","vol":"3","page":37},{"text":"رُبْع العُشر\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-735>زكاة العملات الورقيّة والمعدنية</span>\n\"والعملات الورقيّة والمعدنية المتعامل بها اليوم؛ حُكمها حُكم النقدين: الذهب والفضة، فينظر إِلى ما يقابلها من النقدين، فإِن بلغت قيمتها عشرين مثقالًا، أو مائتي درهم، وحال عليها الحول، زُكّيت\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-736>زكاة الدَّيْن</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-737>الدَّيْن دَيْنَان:</span>\n١ - دَيْن يرجى رجوعه، والراجح أنّه يلزمه إِخراج الزكاة في الحال؛ لأنّه قادر على أَخْذِه والتصرُّف فيه.\n٢ - دين لا يُرجى رجوعه، لعُسرٍ ألمَّ بصاحبه، أو جحودٍ أو مماطلة، فهذا لا تجب فيه الزكاة.\nوإذا قبضَه يزكّي عن كلّ ما مضى؛ لأنه حقٌّ متعلّق بالعباد.\nعن عائشة -﵂- قالت: \"ليس في الدَّيْن زكاة\" (٣)\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٤٥٤.\n(٢) عن \"تبيين المسالك\" (٢/ ٧٤).\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة وحسنه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٧٨٤).","vol":"3","page":38},{"text":"وعنها قالت: \"ليس فيه زكاة حتى يقبضه\" (١).\nوعن علي -﵁- في الدين الظَّنون (٢) \"إِنْ كان صادقًا فليزكّه إِذا قَبضه، لِما مضى\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-738>زكاة الحُليّ</span>\nاختلف العلماء في هذه المسألة وهناك آثار تفيد إِخراج الزكاة عنها، وأخرى تفيد عدم الإِخراج؛ ذكَرها ابن حزم -﵀- في \"المحلّى\" (٤).\nزكاة الحُلي واجبة لعموم الآيات والأحاديث الآمرة بالزكاة، ولا دليل على الاستثناء.\nقال ابن حزم -﵀- في \"المحلّى\" (٦/ ١٠٠): \" ... صحّ عن النّبيّ - ﷺ - إِيجاب الزكاة في الذهب عمومًا؛ ولم يخصّ الحُلي من سقوط الزكاة فيه؛ لا بنصّ ولا بإِجماع، فوجبت الزكاة بالنّصّ في كلّ ذهب وفضّة.\nوخصّ الإِجماع المتيقّن بعض الأعداد منهما وبعض الأزمان، فلم تجب الزكاة فيهما؛ إلاَّ في عدد أوجبه نصٌّ أو إِجماع، وفي زمان أوجبه نصٌّ أو إِجماع، ولم يُجز تخصيص شيء منها؛ إِذ قد عمَّهما النصّ؛ فوجَب أنْ لا يُفرَّق بين أحوال الذهب بغير نصّ ولا إِجماع.\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة وحسنه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٧٨٤).\n(٢) هو الذي لا يدري صاحبه أيصِل إِليه أم لا. \"النهاية\".\n(٣) رواه أبو عبيد وعنه البيهقي، وصحّحه شيخنا في \"الإِرواء\" (٧٨٥).\n(٤) انظر (٦/ ٩٣) منه وما بعدها، وانظر أيضًا \"الإِرواء\" تحت (٨١٧).","vol":"3","page":39},{"text":"وصحّ يقينًا -بلا خلاف- أنّ رسول الله - ﷺ - كان يوجب الزكاة في الذهب والفضة كلّ عام، والحُليّ فضّة أو ذهب، فلا يجوز أنْ يقال: \"إلاَّ الحُلي\" بغير نصّ في ذلك ولا إِجماع- وبالله تعالى التوفيق\".\nعن أمّ سلمة -﵂- قالت: \"كنت ألبس أَوْضَاحًا (١) من ذهب، فقلتُ: يا رسول الله! أكنزٌ هو؟ فقال: ما بلغَ أن تؤدّى زكاته فليس بكنز\" (٢).\nوعن عبد الله بن شداد بن الهاد؛ أنه قال: دخَلْنا على عائشة زوج النّبيّ - ﷺ - فقالت: دخَل عليّ رسول الله - ﷺ - فرأى في يدي فَتَخَات (٣) من وَرِق فقال: ما هذا يا عائشة؟ فقلت: صنعتهنّ أتزيّن لك يا رسول الله، قال: أتؤدّين زكاتهن؟ قلت: لا، أو ما شاء الله، قال: هو حسبُك من النار\" (٤).\n_________\n(١) الأوْضَاح: نوع من الحُليّ يُعمل من الفضة؛ سُمّيت بها لبياضها، والوَضح: البياض من كلّ شيء. \"النهاية\". ملتقطًا.\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٣٨٣). وقال: حسن -المرفوع منه فقط- فيُفهم عدم ثبوت المناسبة من حيث السّنَد وقد بيّن ذلك شيخنا -رحمه الله تعالى- في \"الصحيحة\" (٥٥٩)، وفيه: وقد روى مالك عن عبد الله بن دينار أنه قال: سمعْتُ عبد الله بن عمر يُسأل عن الكنز ما هو؟ فقال: \"هو المال الذي لا تُؤدَّى منه الزكاة\" وإسناده صحيح غاية\".\n(٣) فَتَخَات: جمع فَتْخة وهي خواتيم كبار؛ تُلبس في الأيدي، وقيل: هي خواتيم لا فصوص لها. \"النهاية\" بحذف، والفُص ما يركَّب في الخاتم من الحجارة الكريمة وغيرها. \"الوسيط\".\n(٤) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٣٨٤) وغيره، وانظر \"الإِرواء\" (٣/ ٢٩٦).","vol":"3","page":40},{"text":"وتقدّم الحديث \"في الرّقة العُشر\" والحُليّ وَرِق يجب فيه حقّ الزكاة كما قال ابن حزم -﵀- في \"المحلّى\" (٦/ ١٠٠).\nوفي حديث أبي سعيد الخدري -﵁- قال: \" ... ليس فيما دون خمس أواق صدقة\" (١).\nوتقدّم حديث أبي هريرة -﵁- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"ما من صاحب ذهب ولا فضّة لا يؤدّي منها حقّها؛ إلاَّ إِذا كان يومُ القيامة؛ صُفّحت له صفائح من نار فأحمي بها جَنْبُه وجبينُه وظهره، كلما بردت؛ أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ... \" ومعنى الكنز متحقِّق في حُلي الذهب والفضّة كما لا يخفى.\nقال ابن حزم -﵀- في \"المحلّى\" (٦/ ١٠٠) -بعد أن ذكر هذا الحديث-: \"فوجبَت الزكاة في كلّ ذهب بهذا النص، وإنما تسقط الزكاة من الذهب؛ عمّن لا بيان في هذا النصّ بإِيجابها فيه؛ وهو العدد والوقت، لإِجماع الأمّة كلّها -بلا خلاف منها أصلًا- على أنّه -﵊- لم يوجب الزكاة في كُلّ عددٍ من الذهب، ولا في كُلّ وقتٍ من الزمان، فلمّا صحّ ذلك، ولم يأت نصٌّ في العدد والوقت؛ وجَب أنْ لا يُضاف إِلى رسول الله - ﷺ - إِلا ما صحّ عنه؛ بنقل آحاد أو بنقل إِجماع، ولم يأت إِجماعٌ قطّ بأنه - ﵊- لم يُرْد إِلا بعض أحوال الذهب وصفاته، فلم يجُز تخصيص شيء من ذلك بغير نصٍّ ولا إِجماع\".\nوقال الخطابي -رحمه الله تعالى-: \"الظاهر من الكتاب يشهد لقول من\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٤٤٧، ومسلم: ٩٧٩.","vol":"3","page":41},{"text":"أوجبَها، والأثر يؤيّده، ومن أسقطها ذهَب إِلى النظر، ومعه طرَف من الأثر، والاحتياط أداؤها\" (١).\n\"وعن فاطمة بنت قيس -﵂- قالت: أتيت النّبيّ - ﷺ - بطوق فيه سبعون مثقالًا من ذهب، فقلت: يا رسول الله! خُذ منه الفريضة التي جعل الله فيه.\nقالت: فأخذ رسول الله مثقالًا وثلاثة أرباع مثقال، فوجَّهه. قالت: فقلت: يا رسول الله! خذ منه الذي جعل الله فيه.\nقالت: فقسَم رسول الله على هذه الأصناف الستة، وعلى غيرهم، فقال: فذكَره.\n[قالت:] قلت: يا رسول الله! رضيت لنفسي ما رضي الله -﷿- به ورسوله\" (٢).\nقال شيخنا -﵀- في \"الصحيحة\" (٦/ ١١٨٥): \"وفي الحديث دلالة صريحة؛ على أنّه كان معروفًا في عهد النّبيّ - ﷺ - وجوب الزكاة على حُليّ النساء، وذلك بعد أنْ أمَر - ﷺ - بها في غير ما حديث صحيح؛ كنت ذكرتُ بعضها في \"آداب الزفاف\" [ص ٢٦٤].\nولذلك جاءت فاطمة بنت قيس -﵂- بطوقها إِلى النّبيّ - ﷺ - ليأخذ زكاتها منه؛ فليُضَمّ هذا الحديث إِلى تلك، لعلّ في ذلك ما يُقنِع الذين لا يزالون يُفتون بعدم وجوب الزكاة على الحُليّ، فيَحرِمون بذلك\n_________\n(١) \"عون المعبود\" (٤/ ٣٠١).\n(٢) انظر \"الصحيحة\" (٢٩٧٨).","vol":"3","page":42},{"text":"الفقراء من بعض حقّهم في أموال زكاة الأغنياء! \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-739>هل على الحُليّ المحرَّمة زكاة</span>؟\nجاء في \"تبيين المسالك\" (٢/ ٧٣): \"أمّا الحُليّ الحرام وهو الذي يَتخِذُه الرجل للُّبْس، كخواتم الذهب وأسورته، فتجب فيه الزكاة إِذا بلَغ نصابًا، وحال عليه الحول.\nكما تجب الزكاة في الأواني الفضية والذهبية، والمجامر والملاعق ونحو ذلك.\nوتقدّم أنّ اقتناءها مُحرَّم على النساء والرجال. وبه قال أحمد والشافعي في أصحّ قوليه، ثمّ أشار إِلى \"الروض المربع\" (١/ ١١٤)، و\"المجموع\" (٦/ ٣٧).\nوسألت شيخنا -رحمه الله تعالى-: \"هل تجب الزكاة في أواني الذهب؟\nفأجاب: تجب ولو كانت محرّمة، وهي أولى بالزكاة\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-740>زكاة صداق المرأة</span>\nليس هناك نصٌّ -فيما علمت- في صَدَاق المرأة، وبهذا فلا زكاة عليه إِلا إِذا قبضته وحال عليه الحول، هذا إِذا بلغ النصاب؛ فإِذا لم يبلغ النصاب فلا زكاة عليه.\nوكذا المهر المؤجّل إِذا لم تمتلِكه؛ فإِنّه لا يجب عليه الزّكاة، وشأنه شأن الدَّين الذي يُرجى سداده، أو لا يُرجى. والله تعالى أعلم.","vol":"3","page":43},{"text":"وسألْتُ شيخنا -﵀- عن ذلك.\nفأجاب -﵀-: \"إِذا امتلكَتْه؛ وجَب بشروط الحول والنصاب، وإذا لم تمتلكه وكان في ذمّة الزوج؛ فلا زكاة عليه.\nوإِذا كانت ترى أنّ هذا المهر كالدَّين الحيّ؛ أي: يمكنها الحصول عليه متى أرادت، أو حسب اتفاقها مع زوجها، فيجب عليها إِخراج الزكاة في هذه الحالة.\nأمّا إِذا كانت تعدّ هذا المهر كالدَّين الميِّت الذي لا يرجو صاحبه قبْضه، فإِنّه لا تجب عليها الزكاة في هذه الحالة\".\nفائدة هامّة: ما لم يرد فيه نصّ في زكاته كالدّور المؤجرة والخَضْراوات (١) والمرتّبات ونحو ذلك؛ فإِن الزكاة لا تجب فيها إلاَّ إِذا جلَبَت مالًا بلغ النصاب، وحال عليها الحول.\nقال الإِمام الشوكاني -﵀- في \"السّيل الجرار\" (٢/ ٢٧) -في الردّ على من يقول بالزكاة على المستغلاّت كالدور التي يكريها مالكها وكذلك الدّوابّ ونحو ذلك-:\n\"هذه مسألة لم تطن على أذن الزمن، ولا سمع بها أهل القرن الأول -الذين هم خير القرون- ولا القرن الذي يليه، ثم الذي يليه، وإِنما هي من الحوادث اليَمنِيّة، والمسائل التي لم يسمع بها أهل المذاهب الإِسلامية -على اختلاف أقوالهم وتباعد أقطارهم- ولا توجد عليها أثارة من علم؛ لا من كتاب ولا من سُنّة ولا قياس، [وأموال] المسلمين معصومة بعصمة\n_________\n(١) وسيأتي التفصيل إِن شاء الله -تعالى-.","vol":"3","page":44},{"text":"الإِسلام؛ لا يحلّ أخْذها إلاَّ بحقّها، وإلا كان ذلك من أكْل أموال الناس بالباطل\".\nوجاء في \"الروضة النديّة\" (١/ ٤٧٩): \"هذه المسألة من غرائب العلماء التي ينبغي أن تكون مغفورة؛ باعتبار ما لهم من المناقب؛ فإِنّ إِيجاب الزكاة فيما ليس من الأموال التي تجب فيها الزكاة بالاتفاق -كالدّور، والعَقار، والدّوابّ، ونحوها- بمجرّد تأجيرها بأجرة من دون تجارة في أعيانها - ممّا لم يُسمَع به في الصدر الأول الذين هم خير القرون، ثمّ الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم -فضلًا أن يُسمَع فيه بدليل من كتاب أو سُنّة- وقد كانوا يستأجرون، ويؤجِّرون، ويقبضون الأجرة من دورهم وضياعهم ودوابّهم، ولم يخطر ببال أحدهم؛ أنه يُخْرج في رأس الحول ربع عشر قيمة داره، أو عقاره، أو دوابّه! وانقرضوا وهم في راحة من هذا التكليف الشاقّ، حتى كان آخر القرن الثالث، من أهل المئة الثالتة، فقال بذلك من قال بدون دليل؛ إِلا مجرّد القياس على أموال التجارة، وقد عرَفْتَ الكلام في الأصل؛ فكيف يقوم الظلّ والعود أعوج؟!\nمع أنّ هذا القياس في نفسه مختلٌّ بوجوه ... \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-741>هل في عروض التجارة زكاة</span>؟\nاختلف العلماء في هذه المسألة، واستشهد من رأى ذلك بعددٍ من النصوص والآثار، ولكنّها غير ثابتة، منها حديث سمرة بن جندب قال: \"أَمَرنا النّبيّ - ﷺ - أن تُخرَج الصدقة ممّا نعدّه للبيع\".","vol":"3","page":45},{"text":"وحديث بلال بن الحارث المزني \"أنّ النّبيّ - ﷺ - أخَذَ من معادن القَبليّة (١) الصدقة\".\nوقول عمر لحماس: \"أدِّ زكاة مالك، فقال: مالي إلاَّ جِعاب (٢) وأُدُم (٣)، فقال: قوِّمها وأدِّ زكاتها\".\nوقد خرَّجها شيخنا -رحمه الله تعالى- في \"الإِرواء\" (٣/ ٣١٠).\nوهناك آثار صحيحة فصَّل فيها ابن حزم -رحمه الله تعالى- (٤) وبيّن أنّه ليس فيها إِيجابٌ لزكاة العروض.\nوإِذا كان كذلك: \"فالحقّ أنّ القول بوجوب الزكاة على عروض التجارة؛ ممّا لا دليل عليه في الكتاب والسُّنّة الصحيحة، مع منافاته لقاعدة البراءة الأصليّة التي يؤيّدها هنا قوله - ﷺ - في خطبة حَجّة الوداع: فإِنّ دماءَكم وأموالكم وأعراضكم ... عليكم حرام؛ كحُرمة يومكم هذا؛ في شهركم هذا؛ في بلدكم هذا، ألا هل بلّغت (٥)؟! \" (٦).\nوعن ابن عبّاس -﵄- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا يحلُّ\n_________\n(١) جاء في \"النهاية\": \"القَبَلية: منسوبة إِلى قَبَل -بفتح القاف والباء- وهي ناحية من ساحل البحر، بينها وبين المدينة خمسة أيام.\nوقيل: هي ناحية الفُرْع، وهو موضع بين نَخْلة والمدينة ... \".\n(٢) مفردها جَعبة وهي الكِنانة [الوعاء] التي تُجعل فيها السهام. \"النهاية\".\n(٣) الأُدُم: الجلود.\n(٤) انظر \"المُحلّى\" (٥/ ٣٤٧ - ٣٥٢).\n(٥) انظر \"صحيح البخاري\" (١٧٣٩)، و\"صحيح مسلم\" (١٦٧٩).\n(٦) قاله شيخنا -﵀- في \"تمام المِنّة\" (ص ٣٦٣).","vol":"3","page":46},{"text":"مال امرئٍ مسلم؛ إلاَّ عن طيب نفس\" (١).\nقلت: وقد ورَدَت كلمتا (تجارة) و(زكاة) في الكتاب والسُّنّة، ولم تُجمع هاتان الكلمتان (زكاة التجارة)، في الكتاب أو السُّنّة مع شيوع التجارة وكثرتها، والنّبيّ - ﷺ - يوحى إِليه والقرآن يتنزَّل!\n* وقد صحّ عن رسول الله - ﷺ - ما يدلّ على أنَّه لا زكاة في عروض التجارة، وهو أنّه قد صحّ (٢) عن النّبيّ - ﷺ -: \"ليس فيما دون خمس ذود (٣) صدقةً من الإِبل، وليس فيما دون خمس أواق (٤) صدقة\" (٥).\nوأنّه أسقط الزكاة عمّا دون الأربعين من الغنم، وعمّا دون خمسة أوسق من التمر والحبّ، فمن أوجَب زكاةً في عروض التجارة؛ فإِنه يوجبها في كلّ ما نفى عنه﵊- الزكاة ممّا ذكرنا.\nوصحّ عنه -﵇-: \"ليس على المسلم في عبده ولا فرسه\n_________\n(١) أخرجه أحمد وغيره، وصحّحه شيخنا -﵀- في \"الإرواء\" (١٤٥٩)، وتقدّم.\n(٢) كذا الأصل.\n(٣) قال الحافظ في \"الفتح\" (٣/ ٣٢٣): \"الأكثر على أنَّ الذود من الثلاثة إِلى العشرة ... وقال أبو عبيد: من الثنتين إِلى العشرة، قال؛ وهو يختصّ بالإناث وقال القرطبي: أصله ذاد يذود: إِذا دفَع شيئًا فهو مصدر، وكأن من كان عنده؛ دفع عن نفسه مَعَرّة الفقر وشدّة الفاقة والحاجة\".\n(٤) قال الحافظ في \"الفتح\" (٣/ ٣١٠): \"مقدار الأوقية في هذا الحديث أربعون درهمًا بالاتفاق والمراد بالدرهم: الخالص من الفضة\".\n(٥) أخرجه البخاري: ١٤٤٧، ومسلم: ٩٧٩.","vol":"3","page":47},{"text":"صدقة، إلاَّ صدقة الفطر\" (١).\nوأنّه -﵇- ذكَر حقّ الله تعالى في الإِبل والبقر والغنم والكنز ... فسُئِل عن الحُمُر فقال: \"ما أنزل عليّ فيها شيء إِلا هذه الآية الفاذّة (٢) الجامعة: ﴿فمن يعمل مثقال ذرةٍ خيرًا يره﴾ (٣) \" (٤).\nفمن أوجَب الزكاة في عروض التجارة؛ فإِنه يوجبها في الخيل والحُمُر والعبيد، وقد قطع رسول الله - ﷺ -؛ بأنه لا زكاة في شيء منها؛ إِلا صدقة الفطر في الرقيق.\nفلو كانت في عروض التجارة، أو في شيء ممّا ذَكَر -﵇- زكاة إِذا كان لتجارة -لبيّن ذلك بلا شكّ، فإِذْ لم يُبيِّنه -﵇- فلا زكاة فيها أصلًا \"* (٥).\nوقد يحتجّ بعض العلماء بحديث قيس بن أبي غَرَزَة -﵁- قال: \"مرّ بنا رسول الله - ﷺ - فقال: يا معشر التّجار، إِنّ البيع يحضره اللغو والحلف؛ فَشُوبُوه بالصدقة\" (٦).\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ٩٨٢.\n(٢) أي: المنفردة في معناها.\n(٣) الزلزلة: ٧.\n(٤) أخرجه البخاري: ٢٨٦٠، ومسلم: ٩٨٧.\n(٥) ما بين نجمتين من كلام ابن حزم -﵀- في \"المُحلّى\" (٥/ ٣٥٣)، خلا الأحاديث؛ فإِنها خُرّجت من مصادرها المذكورة.\n(٦) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٨٤٥) والترمذي والنسائي وابن ماجه وصحّح شيخنا -﵀- إِسناده في \"المشكاة\" (٢٧٩٨).","vol":"3","page":48},{"text":"قال ابن حزم -﵀- في \"المحلّى\" (٥/ ٣٤٩): \"فهذه صدقةٌ مفروضة غير محدودة؛ لكن ما طابت به أنفسهم، وتكون كفّارة لما يشوب البيع مما لا يصحّ؛ من لغو وحَلِف\".\nوربما احتجّ بعض العلماء بقول ابن عبد الله بن عمر -﵄-: \"ليس في العروض زكاة؛ إِلا ما كان للتجارة\" (١).\nقال شيخنا -﵀- في \"تمام المِنَّة\" (ص ٣٦٤) بعد أن ذَكر ما ذكرْته في بداية المبحث من عدم ورود دليل على زكاة العروض من الكتاب والسّنّة، ومنافاة ذلك البراءة الأصلية مُدعمًا بالحديث المتقدّم: \"فإِنّ دماءَكم وأموالكم ... \" قال -﵀-:\n\"ومِثل هذه القاعدة ليس من السهل نقضها، أو على الأقلّ تخصيصها ببعض الآثار ولو صحّت\" وذكَر هذا الأثر\".\nثم قال -﵀-: \"ومع كونه موقوفًا غير مرفوع إلى النّبي - ﷺ - فإِنّه ليس فيه بيان نصاب زكاتها ولا ما يجب إِخراجه منها، فيُمكِن حمْله على زكاة مطلقة، غير مقيّدة بزمن أو كمّية، وإنما بما تطيب به نفس صاحبها، فيدخل حينئذ في عموم النصوص الآمرة بالإِنفاق، كقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أنفِقوا ممّا رزقناكم ...﴾، وقوله -جلّ وعلا-: ﴿وآتوا حقّه يوم حَصاده﴾، وكقول النّبيّ - ﷺ -: \"ما من يوم يصبح العباد فيه إلاَّ ملكان يَنزِلان، فيقول أحدهما: اللهمّ أَعْطِ مُنفِقًا خَلَفًَا، ويقول الآخر: اللهمّ أعط\n_________\n(١) أخرجه الإِمام الشافعي في \"الأمّ\" بسند صحيح، وانظر \"تمام المِنّة\" (ص ٣٦٤).","vol":"3","page":49},{"text":"مُمْسِكًا تَلَفًَا\".\nرواه الشيخان (١) وغيرهما، وهو مُخرَج في \"سلسلة الأحاديث الصحيحة\" برقم (٩٢٠).\nوقد صحّ شيء مما ذكرْتُه عن بعض السلف، فقال ابن جريج: قال لي عطاء: \"لا صدقة في اللؤلؤ، ولا زبرجد، ولا ياقوت، ولا فصوص، ولا عَرْض (٢)، ولا شيء لا يدار (أي: لا يتاجَر به)، وإن كان شيئًا من ذلك يدار؛ ففيه الصدقة في ثمنه حين يباع\".\nأخرجه عبد الرزاق (٤/ ٨٤/٧٠٦١)، وابن أبي شيبة (٣/ ١٤٤)، وسنده صحيح جدًا.\nوالشاهد منه قوله: \"ففيه الصدقة في ثمنه حين يباع\".\nفإِنه لم يَذكُر تقويمًا، ولا نصابًا، ولا حولًا، ففيه إِبطال لادِّعاء البغوي في \"شرح السنة\" (٦/ ٥٣) الإِجماع على وجوب الزكاة في قيمة عروض التجارة؛ إِذا كانت نصابًا عند تمام الحول! كما زعم أنه لم يخالِف في ذلك إِلا داود الظاهري!\nوإنّ ممّا يبطل هذا الزعم أنّ أبا عبيد -﵀- قد حكى في كتابه \"الأموال\" (٤٢٧/ ١١٩٣) عن بعض الفقهاء؛ أنّه لا زكاة في أموال التجارة.\nومن المستبعَد جدًا؛ أنْ يكون عنى بهذا البعض داود نفسه؛ لأنّ عمره\n_________\n(١) انظر \"صحيح البخاري\" (١٤٤٢)، و\"صحيح مسلم\" (١٠١٠).\n(٢) المتاع.","vol":"3","page":50},{"text":"كان عند وفاة الإِمام أبي عبيد أربعًا وعشرين سنة أو أقلّ؛ ومن كان في هذا السنّ؛ يبعد عادة أن يكون له شُهْرة علمية؛ بحيث يحكي مثل الإِمام أبي عبيد خلافه، وقد تُوفّي سنة (٢٢٤)، وولد داود سنة (٢٠٠) أو (٢٠٢)، فتأمّل.\nولعلّ أبا عبيد أراد بذاك البعض؛ عطاء بن أبي رباح، فقد قال إِبراهيم الصائغ: \"سُئل عطاء: تاجر له مال كثير في أصناف شتّى، حضَر زكاته، أعليه أنْ يقوِّم متاعه على نحو ما يعلم أنه ثمنه، فيُخرِج زكاته؟\nقال: لا، ولكن ما كان من ذهبٍ أو فضةٍ أخرج منه زكاته، وما كان من بيع أخرج منه إِذا باعه\".\nأخرجه ابن زنجويه في كتابه \"الأموال\" (٣/ ٩٤٦/ ١٧٠٣) بسند حسن كما قال المعلّق عليه الدكتور شاكر ذيب فياض، وهو شاهد قوي لرواية ابن جريج المتقدمة.\nوجملة القول؛ أنّ المسألة لا يصح ادّعاء الإِجماع فيها، لهذه الآثار وغيرها ممّا ذكَره ابن حزم في \"المحلّى\"، الأمر الذي يُذكّرنا بقول الإِمام أحمد -رحمه الله تعالى-: \"من ادّعى الإِجماع، فهو كاذب، وما يدريه لعلّهم اختلفوا\".\nوصدَق -جزاه الله خيرًا- فكم من مسألة ادُّعي فيها الإِجماع، ثمّ تبيّن أنّها من مسائل الخلاف، وقد ذكَرنا أمثلة منها في بعض مؤلفاتنا، مِثل \"أحكام الجنائز\" و\"آداب الزفاف\"، وغيرهما\".\nوقال -﵀- (ص ٣٦٧): \"قد يَدّعي بعضهم أنّ القول بعدم","vol":"3","page":51},{"text":"وجوب زكاة عروض التجارة فيه إِضاعة لحق الفقراء والمساكين في أموال الأغنياء والمُثرين، والجواب من وجهين:\nالأول: أنّ الأمر كله بيد الله تعالى، فليس لأحد أنْ يشرع شيئًا من عنده بغير إِذنٍ من الله -﷿- ﴿وربُّك يخلُق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخِيرَة سبحانه وتعالى عمَّا يشركون﴾ (١).\nألا ترى أنّهم أجمَعوا على أنّه لا زكاة على الخَضْراوات؛ على اختلافٍ كثيرٍ بينهم؛ مذكورٍ عند المصنّف (٢) وغيره، واتفقوا على أنه لا زكاة على القصب والحشيش والحطب؛ مهما بلغَت قيمتها، فما كان جوابهم عن هذا كان الجواب عن تلك الدعوى!\nعلى أنّ المؤلف قد جزَم أنّه لم تكن تُؤخَذ الزكاة من الخَضْراوات ولا من غيرها من الفواكه إلاَّ العنب والرّطب.\nفأقول: فهذا هو الحقّ، وبه تبطُل الدعوى من أصلها.\nوالآخر: أنّ تلك الدعوى قائمة على قصر النظر في حكمة فرض الزكاة؛ أنها لفائدة الفقراء فقط، والأمر على خلافه كما في قوله تعالى: ﴿إِنّما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم ...﴾ (٣) الآية.\nفإِذا كان الأمر كذلك، ووسَّعْنا النظر في الحكمة قليلًا، وجدنا أنّ الدعوى المذكورة باطلة؛ لأنّ طرْح الأغنياء أموالهم ومتاجرتهم بها أنفع\n_________\n(١) القصص: ٦٨.\n(٢) أي: الشيخ السيد سابق -رحمه الله تعالى-.\n(٣) التوبة: ٦٠.","vol":"3","page":52},{"text":"للمجتمع -وفيه الفقراء- مِنْ كَنْزِها، ولو أخرجوا زكاته.\nولعلّ هذا يُدركه المتخصصون في علم الاقتصاد أكثر من غيرهم، والله ولي التوفيق\".\nوقال شيخ الإِسلام -﵀- في \"مجموع الفتاوى\" (٢٥/ ١٦): \"وأمّا مالك فمذهبه أنّ التجّار على قسمين: متربّص، ومدير.\nفالمتربّص (١): وهو الذي يشتري السلع، وينتظر بها الأسواق، فربَّما أقامت السلع عنده سنين، فهذا عنده لا زكاة عليه، إِلا أنْ يبيع السلعة فيزكّيها لعام واحد.\nوحُجّته أنّ الزكاة شُرعت في الأموال النامية، فإِذا زَكّى السلعة كلّ عام - وقد تكون كاسدة- نقصت عن شرائها فيتضرر، فإِذا زُكّيت عند البيع؛ فإِنْ كانت ربحت فالربح كان كامنًا فيها، فيُخرج زكاته، ولا يُزكّي حتى يبيع بنصاب؛ ثم يُزكّي بعد ذلك ما يبيعه من كثير وقليل.\nوأمّا المدير: وهو الذي يبيع السلع في أثناء الحول، فلا يستقر بيده سلعة، فهذا يُزكّي في السَّنة الجميع، يجعل لنفسه شهرًا معلومًا، يحسب ما بيده من السِّلَع والعين، والدّين الذي على المليء الثقة، ويزكي الجميع، هذا إِذا كان ينضُّ (٢) في يده في أثناء السَّنة، ولو درهم، فإِن لم يكن يبيع بعين\n_________\n(١) وقال (ص ٤٥) في تعريف المتربص: \"وهو الذى يشترى التجارة وقت رُخصها ويدّخرها إِلى وقت ارتفاع السعر\".\n(٢) نضّ الشيء: حصَل وتيسّر. \"الوسيط\".","vol":"3","page":53},{"text":"أصلًا، فلا زكاة عليه عنده\" (١).\nوقال الشوكاني -﵀- في \"السّيل الجرار\" (٢/ ٢٧) -بعد تحقيق وتخريج النصوص المتعلقة بالموضوع-: \"والحاصل أنّه ليس في المقام ما تقوم به الحُجّة، وإِنْ كان مذهب الجمهور كما حكاه البيهقي في \"سننه\" فإِنه قال: إِنه قول عامّة أهل العلم والدّين\". انتهى. وهناك أمر هامّ؛ وهو أنّ من أوجَب الزكاة على عروض التجارة بنسبة ٢.٥% فماذا إِذا ربح التاجر وحال الحول على مبلغٍ ما عنده؛ أفلا يكون قد أوجب الزكاة عليه مرّتين؟ فمن أين هذا الإيجاب؟ وما الدليل عليه؟\nوالخلاصة: \"إِنّه لا يحل مال امرئ مسلم إلاَّ عن طيب نفس\"، وأنّه لم يرد نصٌ في الكتاب أو السُّنَة الصحيحة يوجب زكاة العروض مع كثرة متاجرات الصحابة -﵃- وأنّه قد ورَدت بعض الآثار التي تفيد ورود ذلك.\nبيْد أنّها لم تبلغ مبلغًا ينقض ما اتفق من القواعد، أو يجعلنا نطمئنّ بإِيجاب هذه الزكاة، مع مناقشة أهل العلم لأفراد هذه الآثار.\nوكذلك قد ورَد في نصوص عديدة بيان زكوات أشياء عديدة، كزكاة النقدين، وما يؤخَذ من الزروع والثمار؛ كالحنطه والشعير والتمر والزبيب، وزكاة المواشي: الإِبل والبقر والغنم، وفيها بيان النصاب ومقدار الواجب في كلّ ذلك، وورد في نصوص عديدة ما لا يُؤخَذ فيه زكاة؛ كالخَضْراوات،\n_________\n(١) ويميل شيخ الإِسلام -﵀- إِلى وجوب الزكاة في عروض التجارة، وانظر -إِن شئت- \"مجموع الفتاوى\" (٢٥/ ١٥).","vol":"3","page":54},{"text":"والخيل، والرقيق إلاَّ زكاة الفطر، ودون خمسة أوسق من التمر ... \" ودون الأربعين من سائمة الغنم.\nوسكت الشرع عن أشياء غير نسيان (١)، وقد قال الله تعالى: ﴿وما كان ربُّك نَسِيّا﴾ (٢).\nودلّ هذا على عدم إِيجاب الزكاة -يعني المقنّنة التي يشترط فيها الحول والنصاب- وإنما تُدفع صدقة من الصدقات والله -تعالى- أعلم\".\nوسألْت شيخنا -﵀- مَنْ مِنْ السّلف قال بهذا القول؟ فكان من إِجابته:\n\" ... إنّ بعض التُّجار قد جاءوا من الشام إلى عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- ومعهم خيل للبيع للتجارة، فقالوا له: يا أمير المؤمنين! خُذ منّا زكاتها.\nفقال -﵁-: إِنّه لم يفعل ذلك صاحباي من قبلي.\nفألحّوا مُصرِّين وألحّ هو كذلك، وكان في المجلس علي بن أبي طالب\n_________\n(١) وفي الحديث: \"ما أحلَّ الله في كتابه فهو حلال، وما حَرَّم فهو حرام، وما سكَت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإِن الله لم يكن لينسى شيئًا، وتلا: ﴿وما كان ربك نسيًّا﴾ \". أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" وغيره، وحسنه شيخنا -﵀- في \"غاية المرام\" (٢).\nوثبث عن سلمان الفارسي -﵁- قال: \"الحلال ما أحلّ الله في كتابه، والحرام ما حرّم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو عفو\". \"غاية المرام\" (٣).\n(٢) مريم: ٦٤.","vol":"3","page":55},{"text":"-﵁- فقال: يا أمير المؤمنين! خُذها منهم على أنّها صدقة من الصدقات، فأخَذَها فطابت قلوبهم.\nوالحديث في \"مسند الإِمام أحمد\"، ففيه بيان وتوضيح أنّ الخيل التي كانت تُربَّى وتشرى من أجل المتاجرة بها؛ لا زكاة عليها؛ كالذي فرَض رسول الله - ﷺ - زكاته على الحيوانات الأخرى؛ كالغنم والبقر والإِبل، وبيّن شيخنا -﵀- أن ابن حزم ذكَر ذلك\". انتهى.\nقلت: والذي ذكَره ابن حزم -﵀- في \"المحلّى\" (٥/ ٣٣٩) وقد ذكر أنه لا زكاة في الخيل-: \"وقد صحّ أنّ عمر إِنّما أخَذها على أنها صدقة تطوُّع منهم؛ لا واجبة.\n... عن شبيل بن عوف -وكان قد أدرك الجاهلية- قال: أمَر عمر بن الخطاب الناس بالصدقة؛ فقال الناس: يا أمير المؤمنين، خيل لنا، ورقيق، افرِضْ علينا عشرة عشرة! فقال عمر: أمّا أنا فلا أفرض ذلك عليكم.\nثمّ قال: ... عن حارثة -هو ابن مضرب- قال: \"حَججتُ مع عمر بن الخطاب -﵁- فأتاه أشراف أهل الشام فقالوا: يا أمير المؤمنين، إِنّا أصبنا رقيقًا ودوابّ؛ فخُذ مِن أموالنا صدقةً تُطهّرنا، وتكون لنا زكاة! فقال: هذا شيء لم يفعله اللذان كانا قبلي\" (١).\n_________\n(١) وقال شيخنا -﵀- في بعض إِجابات السائلين: \"فيه رجل يكنّى بأبي إِسحاق السبيعي، وهو ثقة حُجّة من رجال الشيخين، ولكنه متَّهم بأمرين؛ الأول: التدليس، والثاني: الاختلاط، وبعضهم يغضّ النظر عن مِثل هذه العِلّة فيَحكُم على الإِسناد بالصحة، ولكن لا بأس من إِيراد هذا الأثر مع بيان حقيقته ... \".","vol":"3","page":56},{"text":"ثم قال: ... هذه أسانيد في غاية الصحّة والإِسناد، فيه أنّ رسول الله - ﷺ - لم يأخذ من الخيل صدقة، ولا أبو بكر بعده؛ وأنّ عمر لم يفرض ذلك، وأنّ عليًا بعده لم يأخذها\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-742>زكاة الزروع والثمار</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-743>وجوبها</span>\nقال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مِن طيّبات ما كسبتُم وممّا أَخرجْنا لكم من الأرض﴾ (١).\nوقال تعالى: ﴿وهو الذي أنشَأ جنّاتٍ (٢) معروشات وغيرَ معروشات (٣) والنخل والزرع مختلفًا أُكُله (٤) والزيتون والرُّمان متشابهًا (٥) وغير\n_________\n(١) البقرة: ٢٦٧.\n(٢) الجنات: هي البساتين.\n(٣) معروشات وغير معروشات: أي: مسموكات مرفوعات، وغير مرفوعات، وقال ابن عباس -﵄-: معروشات: ما انبسط على وجه الأرض فانتشر ممّا يعرش؛ مِثل الكرم والقرع والبطيخ وغيرها.\nوغير معروشات: ما قام على ساق ونسَق [ما كان على نظام واحد] مِثل النخل والزرع وسائر الأشجار، وقال الضحاك: كلاهما من الكرم خاصَّة؛ منها ما عُرش ومنها ما لم يُعرش\"، \"تفسير البغوي\".\n(٤) مختلفًا أُكُله: أي: ثمره وطعمه منها الحلو والحامض ...\n(٥) متشابهًا: أي: في النظر.","vol":"3","page":57},{"text":"متشابه (١) كلوا من ثمره إذا أثمَر وآتوا حقّه يوم حَصادِه﴾ (٢).\nعن ابن عباس -﵄- ﴿وآتوا حقّه يوم حصادِه﴾: \"الزكاة المفروضة يوم يُكال ويُعلم كيلُه\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-744>الأصناف التي تُؤخَذ منها</span>\nتُؤخَذ زكاة الزروع والثمار من الحنطة والشعير والتمر والزبيب فقط.\nعن أبي موسى ومعاذ -﵄- حين بعَثهما رسول الله - ﷺ - إِلى اليمن يُعلّمان النّاس أمر دينهم: \"لا تأخذوا الصدقة إِلا من هذه الأربعة: الشعير، والحنطة، والزبيب، والتمر\" (٤).\nجاء في \"تمام المِنّة\" (ص ٣٧٢): \"قال أبو عبيد وابن زنجويه في \"كتابيهما\": \"والذي نختاره في ذلك الاتباع لسُنّة رسول الله - ﷺ -، والتمسّك بها، أنّه لا صدقة في شيء من الحبوب إِلا في البُرّ والشعير، ولا صدقة في شيء من الثمار إِلا في النخل والكرم.\nلأنّ رسول الله - ﷺ - لم يسمِّ إلاَّ إِيّاها، مع قول من قال به من الصحابة والتابعين، ثم اختيار ابن أبي ليلى وسفيان إِياه، لأن رسول الله - ﷺ - حين خصّ\n_________\n(١) وغير متشابه: أي: في الطعم مثل الرمّانتين لونهما واحد وطعمهما مختلف. \"تفسير البغوي\".\n(٢) الأنعام: ١٤١.\n(٣) تفسير ابن كثير.\n(٤) أخرجه الدارقطني والحاكم وغيرهما، وصححه شيخنا في \"الإِرواء\" (٨٠١) و\"الصحيحة\" (٨٧٩).","vol":"3","page":58},{"text":"هذه الأصناف الأربعة للصدقة، وأعرض عمّا سِواها، قد كان يعلم أنّ للناس أموالًا وأقواتًا، ممّا تخرج سواها، فكان ترْكه ذلك وإعراضه عنه؛ عفوًا منه كعفوه عن صدقة الخيل والرقيق\".\nقلت [أي: شيخنا -رحمه الله تعالى-] وهذه الحُجّة الأخيرة؛ تنسحب أيضًا على عروض التجارة (١)، فإِنها كانت معروفة في عهد النّبيّ - ﷺ -، وذُكِرت في القرآن والأحاديث مرارًا كثيرة، وبمناسبات شتّى، فسكوته - ﷺ - عنها، وعدم تحدُّثه عنها بما يجب عليها من الزكاة التي ذهب إِليها بعضهم؛ فهو عفو منه أيضًا لحكمة بالغة، سبق لفت النظر إِلى شيء منها ممّا ظهر لنا، والله -﷾- أعلم\".\nوسألتُ شيخنا -﵀- عن أخْذِ الأصناف التي تشبه المذكورات \"الحنطة والشعير والتمر والزبيب\" وما اشتق منها، كالخوخ ونحوه.\nفقال: ما قيل في عروض التجارة؛ أي: الزكاة غير المقنّنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-745>هل في العنب زكاة</span>؟\nعن موسى بن طلحة قال: \"أمَر رسول الله - ﷺ - معاذ بن جبل حين بعثه إِلى اليمن؛ أن يأخذ الصدقة من الحنطة والشعير والنخل والعنب\".\n* وهذا سند صحيح مرسل، وهو صريح في الرفع، ولا يضر إِرساله لأمرين:\nالأول: أنّه صحَّ موصولًا عن معاذ كما تقدّم (٢) من رواية ابن مهدي عن سفيان عن عمرو بن عثمان.\n_________\n(١) وتقدّم الكلام عنها.\n(٢) تحت رقم (٨٠١) من \"الإرواء\".","vol":"3","page":59},{"text":"الثاني: أن عبد الله بن الوليد العدني -وهو ثقة- رواه عن سفيان به وزاد فيه: \"قال: بَعث الحجّاج بموسى بن المغيرة على الخضر والسواد، فأراد أن يأخذ من الخضر الرطاب والبقول، فقال موسى بن طلحة عندنا كتاب معاذ عن رسول الله - ﷺ - أنّه أمرَه أن يأخذ من الحنطة والشعير والتمر والزبيب. قال: فكتَب إِلى الحجّاج في ذلك، فقال: صدَق ... \"* (١).\nوسألتُ شيخنا -﵀-: هل تجب الزكاة في العنب؟\nفأجاب: تجب الزكاة فيه إِذا أراد بيعه قبل أن يصبح زبيبًا؛ كما تجب فيه الزكاة وهو زبيب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-746>لا تُؤخذ الزكاة من الخَضْراوات</span>.\nعن معاذ أنه كتب إِلى النّبيّ - ﷺ - يسأله عن الخَضْراوات -وهي البقول- فقال: \"ليس فيها شيء\" (٢).\nقال أبو عيسى: \"والعمل على هذا عند أهل العلم؛ أنه ليس في الخَضْراوات صدقة\".\nوروى موسى بن طلحة أنّ معاذًا لم يأخذ من الخَضْراوات صدقة\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-747>هل في السُّلت زكاة</span>؟\nنعم فيه زكاة؛ وهو ضرب من الشعير أبيض لا قشر له (٤) لأنه صنف من\n_________\n(١) ما بين نجمتين من \"الإِرواء\" (٣/ ٢٧٨).\n(٢) أخرجه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٥١٩) وغيره.\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة وغيره، وصحّحه شيخنا -﵀- في \"الإرواء\" (٨٠١).\n(٤) انظر \"النهاية\".","vol":"3","page":60},{"text":"الأصناف الأربعة المذكورة في الحديث (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-748>هل في الزيتون زكاة</span>؟\nوسألت شيخنا -﵀- عن الزيتون، هل يرى عدم إِخراج الزكاة عنه؟\nفأجاب -﵀-: لا تجب فيه الزكاة المقنّنة، أمّا الزكاة العامّة فتجب لقوله تعالى: ﴿وآتوا حقّه يوم حصاده﴾ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-749>النّصاب</span>\nيُشترط لإِيجاب الزكاة في الثمار والزروع المنصوص عليها؛ أن تبلغ خمسة أوسُق (٣).\nعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ليس فيما دون خمس ذَوْدٍ صدقة من الإِبل، وليس فيما دون خمس أواقٍ صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسقٍ صدقة\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-750>المقدار الواجب:</span>\nْيختلف المقدار الواجب إِخراجه باختلاف وسيلة السقي؛ فإِنْ كان يُسقَى بماء السماء والعيون والأنهار؛ فزكاته العُشر.\n_________\n(١) انظر -إِن شئت- للمزيد من الفائدة \"تمام المِنّة\" (ص ٣٧٠).\n(٢) الأنعام: ١٤١.\n(٣) الوَسْق: ستون صاعًا والأصل في الوَسْق: الحِمل، وكلّ شيء وسَقْته فقد حَمَلْته، ْوالوَسق أيضًا: ضمّ الشيء إِلى الشيء. \"النهاية\".\n(٤) أخرجه البخاري: ١٤٤٧، ومسلم: ٩٧٩.","vol":"3","page":61},{"text":"وإن كان يُسقَى بالدلاء والنواضح الارتوازية ونحوها؛ فزكاته نصف العُشر (١).\nفعن ابن عمر -﵄- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"فيما سقَت السماء والعيون أو كان عَثَريًّا (٢) العُشر، وما سُقي بالنَّضح (٣) نصف العُشر\" (٤).\nوعن جابر -﵁- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"فيما سقَت الأنهار والغيم (٥) العُشور (٦) وفيما سُقي بالسانية (٧) نصف العُشر\" (٨).\nوعن معاذ بن جبل -﵁- قال: بعَثني رسول الله - ﷺ - إِلى اليمن، وأمَرني أن آخذ ممّا سقت السماء وممّا سُقي بعلًا العُشر، وما سُقي\n_________\n(١) انظر ما قاله شيخنا في \"الصحيحة\" تحت الحديث (١٤٢).\n(٢) قال الخطابي: \"هو الذي يشرب بعروقه من غير سقي\" زاد ابن قدامة عن القاضي أبي يعلى: وهو المستنقع في بركة ونحوها؛ يصبّ إِليه من ماء المطر في سواق تشقّ له قال: واشتقاقه من العاثور، وهي الساقية التي يجرى فيها الماء لأن الماشي يعثر فيها.\nقال: ومنه الذي يشرب من الأنهار بغير مؤنة أو يشرب بعروقه؛ كأن يغرس في أرض؛ يكون الماء قريبًا من وجهها، فيَصل إِليه عروق الشجر فيستغني عن السقي\". قاله الحافظ في \"الفتح\" (٣/ ٣٤٩).\n(٣) الإِبل التي يُستقى عليها.\n(٤) أخرجه البخاري: ١٤٨٣.\n(٥) أي: المطر.\n(٦) العُشور: جمْع عُشر.\n(٧) السانية: البعير الذي يستقى به الماء من البئر، ويقال له النّاضح. \"عون\" (٤/ ٣٤٠).\n(٨) أخرجه مسلم: ٩٨١.","vol":"3","page":62},{"text":"بالدوالي (١) نصف العُشر\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-751>الأكل من الزرع قبل إِخراج الزكاة</span>\nقال ابن حزم -﵀- في \"المُحلّى\" (٥/ ٣٨٥): \"مسألة: ولا يجوز أن يُعَدّ على صاحب الزرع في الزكاة ما أَكل هو وأهله فريكًا أو سويقًا -قلّ أو كثُر- ولا السنبل الذي يسقط فيأكله الطير أو الماشية، أو يأخذه الضعفاء، ولا ما تصدَّق به حين الحصاد؛ لكن ما صُفّي فزكاته عليه.\nبرهان ذلك: ... أن الزكاة لا تجب إِلا حين إِمكان الكيل، فما خرَج عن يده قبل ذلك؛ فقد خرج قبل وجوب الصدقة فيه.\nوقال الشافعي والليث كذلك.\nوقال مالك وأبو حنيفة: يُعَدّ عليه كل ذلك.\nقال أبو محمّد: هذا تكليف ما لا يطاق، وقد يسقط من السنبل ما لو بقي لأتمّ خمسة أوسق، وهذا لا يُمكن ضبطه، ولا المنع منه أصلًا.\nوالله تعالى يقول: ﴿لا يكلِّف الله نفسًا إِلا وُسعَها﴾ (٣) \".\n_________\n(١) الدوالي: جمع دالية وهي الساقية أو الناعورة وهي دولاب ذو دلاء أو نحوها يدور بدفع الماء أو جرّ الماشية؛ فيخرج الماء من البئر أو النهر إِلى الحقل، وانظر \"الوسيط\".\n(٢) أخرجه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٤٧٢) وانظر \"الإرواء\" تحت الحديث (٧٩٩).\n(٣) البقرة: ٢٨٦.","vol":"3","page":63},{"text":"خَرْص (١) النخيل والأعناب\nإِذا بدا صلاح النخيل والأعناب وظهر بعينها الحلاوة، فإِنّ تقدير النصاب فيها بالخرص لا الكيل.\nفعن أبي حُميد الساعدي -﵁- قال: غَزونا مع النّبي -ﷺ- غزوة تبوك، فلمّا جاء وادي القُرى؛ إِذا امرأة في حديقةٍ لها، فقال النبيّ -ﷺ- لأصحابه: اخرُصوا، وخَرَص رسول الله - ﷺ - عشرةَ أَوْسُق، فقال لها: أحْصِي (٢) ما يخرج منها ... فلما أتى وادي القُرى قال للمرأة: كم جاء حديقتُك؟\nقالت: عشرةَ أوسُق خَرْصَ رسول الله - ﷺ -\" (٣).\nوعن ابن عباس -﵄- \"أنّ النّبيّ - ﷺ - حين افتتح خيبر اشترط عليهم أنّ له الأرض، وكلّ صفراء وبيضاء، يعني -الذهب والفضة-\n_________\n(١) الخَرص: حَزْر ما على النخيل من الرطب تمرًا، قال الحافظ بعد التعريف السابق: \"حكى الترمذي عن بعض أهل العلم؛ أنّ تفسيره أنّ الثمار إِذا أدركت من الرطب والعنب؛ ممّا تجب فيه الزكاة؛ بعَث السلطان خارصًا ينظر فيقول: يخرج من هذا كذا وكذا زبيبًا، وكذا وكذا تمرًا فيُحصيه، وينظر مبلغ العُشر فيُثبته عليهم ويخلي بينهم وبين الثمار، فإِذا جاء وقت الجذاذ؛ أخَذ منهم العشر انتهى، وفائدة الخرص التوسعة على أرباب الثمار في التناول منها والبيع من زهوها وإيثار الأهل والجيران والفقراء؛ لأن في منعهم منها تَضْييقًا لا يخفى\".\n(٢) أي: احفظي عدد كيلها، وأصل الإِحصاء: العدد بالحصى؛ لأنهم كانوا لا يُحسنون الكتابة؛ فكانوا يضبطون العدد بالحصى.\n(٣) أخرجه البخاري: ١٤٨١، ومسلم: ١٣٩٢.","vol":"3","page":64},{"text":"وقال له أهل خيبر: نحن أعلم بالأرض، فأعطِناها على أن نعملها، ويكون لنا نصف الثمرة، ولكم نصفها، فزعم أنّه أعطاهم على ذلك.\nفلمّا كان حين يصرم النخيل؛ بعَث إِليهم ابن رواحة، فحزر النخيل -وهو الذي يدعونه أهل المدينة، الخرص- فقال: في ذا: كذا وكذا.\nفقالوا: هذا الحقّ، وبه تقوم السماء والأرض فقالوا: قد رضينا أن نأخذ بالذي قُلت\" (١).\nقال الخطابي: \" ... والخرص عُمِل به في حياة النّبيّ - ﷺ - حتى مات، ثم أبو بكر وعمر فمَن بعدهم، ولم يُنقل عن أحدٍ منهم ولا من التابعين ترْكه؛ إلاَّ عن الشعبي\" (٢).\nوسألت شيخنا -﵀- أيضًا: \"ما رأيكم فيمن يرى أنّ الزيتون يُزكّى بالخرص؛ فتؤخذ زكاته زيتًا\"؟\nفأجاب -﵀-: \"لا، ليس عليه زكاة، ونحن حينما نقول: ليس عليه زكاة؛ نعني الزكاة التي تجب على الأصناف المنصوص عليها في الأحاديث، بمعنى لا نصاب، وتزكّى في كلّ عام، فهذا حينما نُثبته نعنيه، وكذلك حينما ننفيه نعنيه.\nوأقصد بهذا لفْت النظر إِلى أنّ هناك زكاةً مطلقة؛ ليس لها هذه القيود، إِعمالًا لقوله تعالى: ﴿وآتوا حقّه يوم حصاده﴾ \".\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه وإسناده جيد كما في \"الإِرواء\" (٣/ ٢٨٢).\n(٢) انظر \"الفتح\" (٣/ ٣٤٤).","vol":"3","page":65},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-753>متى تجب الزكاة في الزروع والثمار</span>؟\nتجب الزكاة في الزروع إِذا اشتدّ الحبّ وصار فريكًا؛ وتجب في الثمار إِذا بدا صلاحها، ويعرف ذلك باحمرار البلح وجريان الحلاوة في العنب (١).\nعن ابن عمر -﵄-: \"نهى النّبيّ - ﷺ - عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحُها، وكان إِذا سئل عن صلاحها قال: حتى تذهب عاهته (٢) \" (٣).\nوعن جابر بن عبد الله -﵄- قال: \"نهى رسول الله - ﷺ - عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها\" (٤).\nوعن أنس بن مالك -﵁-: \"أنّ رسول الله - ﷺ - نهى عن بيع الثمار حتى تُزهيَ. قال: حتى تحمارّ (٥) \" (٦).\nقال ابن المنيّر -﵀- في كتابه \"المتواري على تراجم أبواب البخاري\" (ص ١٢٧) بعد ذكر حديث ابن عمر وأنس -﵃-: \"ووجه الاستدلال؛ إِجازته للبيع بعد بدوّ الصلاح؛ وهو وقت الزكاة ... \".\n_________\n(١) عن \"فقه السنة\" (١/ ٣٦١).\n(٢) أي: الآفة التي تصيبها فتفسدها. \"النهاية\".\n(٣) أخرجه البخاري: ١٤٨٦.\n(٤) أخرجه البخاري: ١٤٨٧.\n(٥) قال الكرماني (٨/ ٣٤): \"تفسيره بلفظ \"تحمارّ\" على سبيل التمثيل إِذ حُكم الاصفرار والاسوداد أيضًا كذلك قال ابن الأعرابي: يقال: زها النخل: إِذا ظهرت ثمرته وأزهى إِذا احمرّ أو اصفرّ\".\n(٦) أخرجه البخاري: ١٤٨٨.","vol":"3","page":66},{"text":"وسألت شيخنا -﵀- متى يعتبر النصاب في الزرع والثمار؟ أبعد جفاف الثمار أم قبل ذلك؟\nفأجاب -﵀-: يعتبر النصاب بعد الحصاد وإدخالها في الأكياس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-754>إِخراج الطيّب في الزكاة:</span>\nقال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيّبَات ما كسبتُم وممّا أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمّموا الخبيث منه تُنفِقون ولستم بآخذيه إِلاَّ أن تُغمضوا فيه واعلموا أنَّ الله غني حميد﴾ (١).\nقال ابن كثير: ﴿ولا تيمّموا الخبيث﴾ أي: تقصدوا الخبيث ﴿منه تنفقون ولستم بآخذيه﴾: أي: لو أُعطيتموه ما أخذتموه إلاَّ أن تتغاضوا فيه، فالله أغنى عنه منكم.\nوقيل: معناه: أي: لا تعدلوا عن المال الحلال وتقصدوا إِلى الحرام؛ فتجعلوا نفقتكم منه\".\nقلت: ويمكن الجمع بين القولين.\nوعن البراء بن عازب في قوله سبحانه: ﴿وممّا أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمّموا الخبيث منه تنفِقون﴾. قال: نزلت في الأنصار، كانت الأنصار تخرِج، إِذا كان جَداد (٢) النخل، من حيطانها، أقناء البُسر (٣)، فيعلقونه على\n_________\n(١) البقرة: ٢٦٧.\n(٢) الجداد: أوان قطع ثمر النخل. \"الوسيط\".\n(٣) البُسر: تمر النخل قبل أن يُرطب.","vol":"3","page":67},{"text":"حبل بين أسطوانتين في مسجد رسول الله - ﷺ -، فيأكل منه فقراء المهاجرين، فيعمِد أحدهم فيُدخِل قِنوًا (١) فيه الحشَف (٢)، يظن أنه جائز في كثرة ما يوضع من الأقناء، فنزل فيمن فعل ذلك ﴿ولا تيمّموا الخبيث منه تُنفِقون﴾ يقول: لا تعمدوا للحشف منه تُنفِقون ﴿ولستم بآخذيه إِلا أن تُغمِضوا فيه﴾ يقول: لو أُهدي لكم ما قبلتموه إِلا على استحياءٍ من صاحبه، غيظًا أنه بعث إِليكم ما لم يكن لكم فيه حاجة، واعلموا أنّ الله غني عن صدقاتكم\" (٣).\nوعن سهل بن حُنيف -﵁- قال: \"نهى رسول الله - ﷺ - عن الجُعرور (٤)، ولون الحُبَيق (٥)؛ أن يؤخذا في الصدقة\". قال الزُّهري: \"لونين من تمر المدينة\" (٦).\n_________\n(١) القِنو: العِذق [الغصن] بما فيه من الرطب. \"النهاية\".\n(٢) الحشَف: اليابس الفاسد من التمر. \"النهاية\".\n(٣) أخرجه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٤٧٥)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٢٣٨٩).\n(٤) الجُعرور: ضَرْب من الدّقل [رديء التمر] يحمل رُطبًا صغارًا لا خير فيه. \"النهاية\".\n(٥) الحُبَيق: هو نوع من أنواع التمر الرديء، منسوب إِلى ابن حُبيق، وهو اسم رجل. \"النهاية\".\n(٦) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٤١٨)، وابن خزيمة في \"صحيحه\" (٢٣١٢) وغيرهما.","vol":"3","page":68},{"text":"وترجم له ابن خزيمة في \"صحيحه\" (٤/ ٣٩) بقوله: \"باب الزجر عن إِخراج الحبوب والتمور الرديئة في الصدقة؛ قال الله ﷿: ﴿ولا تيمّموا الخبيث منه تُنفِقون ولستم بآخذيه إِلا أن تُغمِضوا فيه﴾.\nوعن عوف بن مالك -﵁- قال: \"دخل علينا رسول الله - ﷺ - المسجد وبيده عصًا، وقد علّق رجُلٌ منّا حَشَفًا، فطعَن بالعصا في ذلك القِنو وقال: لو شاء ربّ هذه الصدقة؛ تصدَّق بأطيبَ منها\". وقال: \"إِنَّ رَبّ هذه الصدقة يأكل الحَشَفَ يوم القيامة\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-755>زكاة العسل</span>\nعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده \"أنّ رسول الله - ﷺ - كان يؤخذ في زمانه من قرب العسَل؛ من كل عشر قِرب قِرْبة؛ من أوسطها\" (٢).\nوعن أبي سيارة المتّقي -﵁- قال: قلتُ يا رسول الله! إِنَّ لي نحلًا، قال: أدِّ العُشر، قلت: يا رسول الله! احمِها (٣) لي فحماها له\" (٤).\nوعن ابن عمر -﵄- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"في العسل\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٤١٩).\n(٢) أخرجه أبو عبيد في \"الأموال\" وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٤٧٧) وغيرهما، وصححه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٨١٠).\n(٣) احمها: أي: احفظها حتى لا يطمع فيه أحد. حاشية \"السندي على سنن ابن ماجه\" (١/ ٥٥٩).\n(٤) أخرجه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٤٧٦).","vol":"3","page":69},{"text":"في كلّ عشرة أزُقّ زِقّ\" (١).\nوجاء في \"تمام المِنّة\" (ص ٣٧٤) لشيخنا في الردّ على السيد سابق -رحمهما الله- في ذِكْره قول البخاري \"ليس في زكاة العسل شيء يصحّ\": \"أقول [أي: شيخنا -رحمه الله تعالى-]: ليس هذا على إِطلاقه، فقد روي فيه أحاديث؛ أحسنها حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وأصحّ طُرقه إِليه طريق عمرو بن الحارث المصري عن عمرو بن شعيب ... بلفظ: \"جاء هلال أحد بني مُتعان إِلى رسول الله - ﷺ - بعشور نحل له، وكان سأله أن يحمي له واديًا يقال له: (سَلَبَة)، فحمى له رسول الله - ﷺ - ذلك الوادي.\nفلمّا وَلِيَ عمر بن الخطاب، كتب سفيان بن وَهْب إِلى عمر يسأله عن ذلك، فكتب عمر: إِنْ أدّى إِليك ما كان يؤدّي إِلى رسول الله - ﷺ - من عشور (٢) نحله، فاحْمِ له (سَلَبته)، وإِلا فإِنما هو ذباب غيث (٣) يأكله من يشاء\".\nقلت: وهذا إِسناد جيد، وهو مخرج في \"الإِرواء\" (٨١٠)، وقواه الحافظ في \"الفتح\"، فإِنّه قال عقبه (٣/ ٣٤٨): \"وإسناده صحيح إِلى عمرو،\n_________\n(١) أخرجه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٥١٤).\n(٢) جمع عشر والمراد من كل عشر قِرَب قربة.\n(٣) أي: وإنْ لم يؤدّوا عشور النحل، فالعسل مأخوذ من ذباب النحل [فلا يلزم عليك حِفْظه، لأن الذباب غير مملوك، فيحلّ لِمن يأخذه]، وأضاف الذباب إِلى الغيث؛ لأنَّ النحل يقصد مواضع القطر؛ لما فيها من العشب والخصب. \"عون\" (٤/ ٣٤٢) وما بين معقوفين قاله السندي -﵀-.","vol":"3","page":70},{"text":"وترجمة عمرو قوية على المختار، لكن حيث لا تعارض ... إلاَّ أنّه محمول على أنه في مقابلة الحمى كما يدل عليه كتاب عمر بن الخطاب\".\nوسبقه إِلى هذا الحمل ابن زنجويه في \"الأموال\" (١٠٩٥ - ١٠٩٦)، ثمّ الخطابي في \"معالم السنن\" (١/ ٢٠٨)، وهو الظاهر، والله -﷾- أعلم.\nولدقة المسألة حديثيًا وفقهيًا، اضطرب فيه رأي الشوكاني، فذهب في \"نيل الأوطار\" (٤/ ١٢٥) إِلى عدم وجوب الزكاة على العسل، وأعلّ أحاديثه كلها، وأما في \"الدرر البهية \" فصرَّح بالوجوب، وتبعه شارحه صديق خان في \"الروضة الندية\" (١/ ٢٠٠)، وأيَّد ذلك الشوكاني في \"السيل الجرار\" (٢/ ٤٦ - ٤٨)، وقال: \"وأحاديث الباب يُقوّي بعضها بعضًا\".\nفلم ينتبه إِلى الفَرق، واختلاف دلالة بعضها عن بعض، فهذه الطريق الصحيحة دلالتها مقيّدة بالحَمي -كما رأيت- والأخرى مطلقة، ولكنها ضعيفة لا تنهض للاحتجاج بها، كما قال هو نفسه في \"النيل\"، ثم تبنى العمل بها في المصدرين المشار إِليهما، ونسي قاعدة \"حمل المطلق على المقيد\" التي يُكرّرها في كثير من المسائل التي تتعارض فيها الأدلة، فيجمع بينها بها.\nإِذا تبين هذا؛ فنستطيع أن نستنبط مما سبق؛ أنّ المناحل التي تتخذ اليوم في بعض المزارع والبساتين لا زكاة عليها، اللهمّ إلاَّ الزكاة المطلقة؛ بما تجود به نفسه، على النحو الذي سبَق ذِكره في عروض التجارة. والله أعلم\". انتهى.\nقال السندي: \" .. وعُلِم أنَّ الزكاة فيه غير واجبة على وجه يجبر صاحبه","vol":"3","page":71},{"text":"على الدفع؛ لكن لا يلزم الإِمام حمايته إلاَّ بأداء الزكاة\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-756>زكاة الحيوان</span>\nلقد وردَت نصوص في إِيجاب الزكاة في الإِبل والبقر والغنم (٢).\nويشترط لإِيجاب الزكاة فيها:\n١ - أن تبلغ النصاب.\n٢ - أن يحول عليها الحول، وهذان الشرطان بُيِّنا في الأحاديث السابقة.\n٣ - أن تكون سائمة، أي: تُرسل للرعي في الكلأ ولا تُعلَف.\nلقوله - ﷺ -: \" ... وفي صدقة الغنم في سائمتها؛ إِذا كانت أربعين إِلى عشرين ومائة؛ شاة ... \" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-757>زكاة الإِبل والمقدار الواجب</span>\nولا تجب الزكاة في الإِبل؛ حتى تبلغ خمسًا؛ لحديث ابن عمر -﵄- قال: \"كتَب رسول الله - ﷺ - كتاب الصدقة، فلم يُخرجه إلى عمّاله حتى قُبض، فقَرن بسيفه، فَعمِل به أبو بكر حتى قُبض، ثمَّ عمل به عمر حتى قُبض، فكان فيه: \"في خمس عن الإِبل شاة ... \" (٤).\n_________\n(١) \"عون\" (٤/ ٣٤٢).\n(٢) وتقدّم بعضها في (الترهيب من منعها).\n(٣) جزء من حديث أخرجه البخاري: ١٤٥٤.\n(٤) أخرجه أحمد وأصحاب السنن والدارمي وابن أبي شيبة، وانظر \"الإِرواء\" =","vol":"3","page":72},{"text":"ولقوله - ﷺ -: \"ليس فيما دون خمسٍ من الإِبل صدقة\" (١). ولقوله - ﷺ -: \"ومن لم يكن معه إِلا أربع من الإِبل فليس فيها صدقة؛ إلاَّ أن يشاء ربُّها، فإِذا بلغت خمسًا من الإِبل؛ ففيها شاة\" (٢).\nوتجب الزكاة في الإِبل؛ على نحو ما جاء في الحديث الآتي:\n\"عن أنس أنّ أبا بكر -﵄- كتب له هذا الكتاب لمَّا وجَّهه إِلى البحرين: \"بسم الله الرحمن الرحيم، هذه فريضة الصدقة التي فرَض رسول الله - ﷺ - على المسلمين، والتى أمَر الله بها رسوله، فمن سُئِلها من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سُئّل فوقها فلا يُعطِ.\nفي أربع وعشرين من الإِبل فما دونها من الغنم من كل خمس شاة.\nفإِذا بلغَت خمسًا وعشرين إِلى خمس وثلاثين؛ ففيها بنت مخاض (٣) أنثى.\nفإِذا بلغَت ستًّا وثلاثين إِلى خمس وأربعين؛ ففيها بنت لَبون (٤) أنثى، فإِذا\n_________\n= (٣/ ٢٦٦)، و\"صحيح سنن أبي داود\" (١٣٨٦).\n(١) أخرجه ابن ماجه وغيره، وانظر \"الصحيحة\" (٢١٩٢).\n(٢) أخرجه البخاري: ١٤٥٤، وهو جزء من الحديث الآتي.\n(٣) بنت مخاض: هي التي أتى عليها الحول، ودخَلَت في الثاني، وحمَلت أمها، والماخض الحامل، أي: دخل وقت حمْلها وإن لم تحمِل. \"فتح\".\n(٤) بنت لَبون: هي التي دخلت في ثالث سنة؛ فصارت أمّها لبونًا بوضع الحمل. وانظر \"الفتح\".","vol":"3","page":73},{"text":"بلغَت ستًا وأربعين إِلى ستين ففيها حقَّة (١) طَروقة (٢) الجمل.\nفإِذا بلغت واحدةً وستين إِلى خمس وسبعين ففيها جَذَعة (٣).\nفإِذا بلغت -يعني ستًا وسبعين- إِلى تسعين ففيها بنتا لبونٍ فإِذا بلغت إِحدى وتسعين إِلى عشرين ومائة؛ ففيها حِقَّتان طروقتا الجمل.\nفإِذا زادت على عشرين ومائة؛ ففي كلّ أربعين بنت لبون، وفي كلّ خمسين حِقّة.\nومن لم يكن معه إِلا أربع من الإِبل؛ فليس فيها صدقة؛ إِلا أن يشاء ربّها (٤)، فإِذا بلغت خمسًا من الإِبل ففيها شاة\".\nوبهذا فإِنّ:\nبنت المخاض: ما دخَلت في السنة الثانية وحمَلت أمّها.\nبنت اللبون: ما دخَلت في السنة الثالثة فصارت أُمها لَبونًا.\nوالحقّة: ما دخَلت في السنة الرابعة واستحقّت الركوب والتحميل.\n_________\n(١) حقِّة: هو من الإِبل ما دخَل في السنة الرابعة إِلى آخرها، وسُمّي بذلك؛ لأنه استحقّ الركوب والتحميل. \"النهاية\".\n(٢) طروقة: أي مطروقة، والمراد؛ أنها بلغَت أن يطرقها الفحل، وهي التي أتت عليها ثلاث سنين ودخلَت في الرابعة. \"فتح\".\n(٣) جَذَعة: هي التي أتت عليها أربع ودخلت في الخامسة، وسُمّيت بها؛ لأنهّا جُذعت أي: سقط مقدّم أسنانها، وقيل: لأنها خَرَج جميعها.\n(٤) أي: إلاَّ أن يتطوع صاحبها.","vol":"3","page":74},{"text":"والجَذَعة: ما دخَلت في السنة الخامسة وجذعت [أي: سقطت] مقدّم أسنانها أو كلّها.\nوالخلاصة في المقدار الواجب أنّه:\n١ - لا شيء في الإِبل حتى تبلغ خمسًا.\n٢ - من (٥ - ٢٤) من الإِبل تجب في كلّ خمس شاة.\n٣ - من (٢٥ - ٣٥) من الإِبل تجب فيها بنت مخاض أنثى.\n٤ - من (٣٦ - ٤٥) من الإِبل تجب فيها بنت لبون.\n٥ - من (٤٦ - ٦٠) من الإِبل تجب فيها حقّة طروقة الجمل.\n٦ - من (٦١ - ٧٥) من الإِبل تجب فيها جذعة.\n٧ - من (٧٦ - ٩٠) من الإِبل تجب فيها بنتا لبون.\n٨ - من (٩١ - ١٢٠) من الإِبل، تجب فيها حقّتان طروقتا الجمل.\n٩ - من ١٢٠ فأكثر يجب في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقَّة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-758>زكاة البقر والمقدار الواجب</span>\nتجب زكاة البقر في الثلاثين منها تبيع أو تبيعة، والتبيع ذو الحول ذكَرًا كان أم أنثى (١)، فإِذا بلغت أربعْين ففيها مسُنّة؛ وهي ذات الحولين.\nعن معاذ -﵁- \"أنَّ النّبيّ - ﷺ - لمّا وجّهه إِلى اليمن؛ أمَره أن\n_________\n(١) طِلبة الطّلَبة.","vol":"3","page":75},{"text":"يأخذ من البقر؛ من كل ثلاثين تبيعًا أو تبيعة، ومن كلّ أربعين مُسنَّة\" (١).\nقال ابن عبد البَرّ في \"الاستذكار\": \"لا خلاف بين العلماء أنَّ السُّنّة في زكاة البقر؛ على ما في حديث معاذ -﵁- وأنّه النصاب المُجمَع عليه\" (٢).\nقال شيخ الإِسلام -﵀- في \"مجموع الفتاوى\" (٢٥/ ٣٧): \"والتبيع: الذي له سنة، ودخَل في الثانية، والبقرة المُسنّة: ما لها سنتان\".\n\"قال أبو بكر [ابن خزيمة]: قال أبو عبيد: تبيع ليس بسِنّ إِنّما هو صفة، وإنما سُمّي تبيعًا؛ إِذا قَوِي على اتباع أمّه في الرعي، وقال: إِنه لا يقوى على اتّباع أمّه في الرعي؛ إلاَّ أن يكون حوليًا أي: قد تمّ له حول\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-759>هل في الجاموس زكاة</span>؟\nنعم في الجاموس زكاة لأنه من صنف البقر.\nجاء في \"اللسان\": الجاموس: نوع من البقر.\nوجاء في \"مجموع الفتاوى\" (٢٥/ ٣٧): \"والجواميس بمنزلة البقر؛ حكى ابن المنذر فيه الإِجماع\".\nوسئل شيخنا -﵀-: هل في الجاموس زكاة؟\nفأجاب: نعم في الجاموس زكاة؛ لأنه نوع من أنواع البقر.\n_________\n(١) أخرجه أحمد وأصحاب السنن، وصححه شيخنا في \"الإِرواء\" (٧٩٥)، وانظر \"صحيح سنن أبي داود\" (١٣٩٤).\n(٢) انظر \"الروضة النديّة\" (١/ ٤٦٧).\n(٣) انظر \"صحيح ابن خزيمة\" (٤/ ٢٠).","vol":"3","page":76},{"text":"فائدة: إِذا كان يشتري لجماله المرعى أيّام الرعي، هل فيها زكاة؟\nأجاب عن هذا شيخ الإِسلام -﵀- في \"الفتاوى\" (٢٥/ ٤٨) قائلًا: \"إِذا كانت راعيةً أكثر العام؛ مِثل أن يشتري لها ثلاثة أشهر أو أربعة، فإِنه يُزكّيها، هذا أظهر قولي العلماء\".\nعن معاوية بن حيدة -﵁- قال: سمعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"في كلّ إِبلٍ سائمة؛ في كلّ أربعين ابنة لبون (١).\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-760>زكاة الغنم والمقدار الواجب</span>\nلا تجب الزكاة في الغنم حتى تبلغ أربعين، والمقدار الواجب فيها على نحو ما جاء في الحديث الآتي: \"وفي صدقة الغنم في سائمتها؛ إِذا كانت أربعين إِلى عشرين ومائة شاة، فإِذا زادت على عشرين ومائة إِلى مائتين؛ شاتان، فإِذا زادت على مائتين إِلى ثلاثمائة، ففيها ثلاث، فإِذا زادت على ثلاثمائة؛ في كلّ مائة شاة.\nفإِذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاة واحدة؛ فليس فيها صدقة؛ إِلا أن يشاء ربّها\" (٣).\n_________\n(١) هي التي أتى عليها حولان وصارت أُمّها لَبونًا بوضع الحمل. \"عون\" (٤/ ٣٠٣). وسنُفَصِّل القول في ذلك عمّا قريب -إِن شاء الله تعالى-.\n(٢) أخرجه أحمد وأبو داود وغيرهما، وحسنه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٧٩١).\n(٣) أخرجه البخاري: ١٤٥٤، وهذا هو تتمّة حديث أبي بكر حين كتَب كتابًا لأنس؛ لمّا وجّهه إِلى البحرين، وتقدّم شطره غير بعيد.","vol":"3","page":77},{"text":"والخلاصة:\n١ - لا شيء في الغنم حتى تبلغ أربعين.\n٢ - من (٤٠ - ١٢٠) شاة، تجب فيها شاة واحدة.\n٣ - من (١٢١ - ٢٠٠) شاة، تجب فيها شاتان.\n٤ - من (٢٠١ - ٣٠٠) شاة، تجب فيها ثلاث.\n٥ - ما زاد عن الثلاثمائة في كل مائة شاة.\nقال الحافظ في \"الفتح\" (٣/ ٣٣٠): \"مقتضاه أنه لا تجب الشاة الرابعة حتى توفّى أربعمائة وهو قول الجمهور\".\nفائدة: قال شيخ الإِسلام -﵀- في \"مجموع الفتاوى\" (٢٥/ ٣٦): \"واختلفوا فيما إِذا كان بعض الجنس أرفع من بعض، فقيل: يأخذ من أيها شاء، وقيل: من الوسط\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-761>حُكْم الأوقاص:</span>\nالأوقاص: جمع وَقَص -بالتحريك-: ما بين الفريضتين؛ كالزيادة على الخمس في الإِبل إِلى التسع، وعلى العَشر إِلى أربع عشرة (١)، وقيل غير ذلك.\nولا شيء في الأوقاص، وقد صحّ الدليل لذلك؛ كما في كتاب أبي بكر إِلى أنس المتقدِّم: \"فإِذا كانت سائمة الرجل ناقصةً من أربعين شاة واحدة؛ فليس فيها صدقة إلاَّ أن يشاء ربُّها\". وهذا في الغنم.\n_________\n(١) انظر \"النهاية\".","vol":"3","page":78},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-762>ما لا يُؤخذ في الزكاة</span>\nينبغي عدم الإِجحاف بأموال الأغنياء ومراعاة حقوقهم، فلا يؤخذ من أنْفَسها إلاَّ برضاهم، ويجب كذلك مراعاة الفقير فلا يؤخذ الحيوان المعيب، وإنّما من وسط المال.\nعن ابن عباس -﵄- قال: \"قال رسول الله - ﷺ - لمعاذ بن جبل -حين بعَثه إِلى اليمن- ... فأخبِرْهم أنّ الله قد فرَض عليهم صدقة؛ تُؤخذ من أغنيائهم؛ فتردّ على فقرائهم، فإِنْ هم أطاعوا لك بذلك؛ فإِيّاك وكرائم (١) أموالهم\" (٢).\nومن الأدلة على ذلك:\n١ - ما رواه أنس أنّ أبا بكر -﵁- كتَبَ له التي أمر الله رسوله - ﷺ - \"ولا يخرَج في الصدقة هرِمة (٣)، ولا ذاتُ عوار (٤) ولا تيس (٥)، إلاَّ ما شاء\n_________\n(١) الكرائم: قال الحافظ في \"الفتح\" (٣/ ٣٦٠): \"جمع كريمة أي: نفيسة، ففيه ترْك أخْذ خيار المال، والنكتة فيه؛ أنّ الزكاة لمواساة الفقراء، فلا يناسب ذلك الإِجحاف بمال الأغنياء إِلا إِن رضوا بذلك\". وجاء قبله (٣/ ٣٢٢): يُقال: ناقة كريمة أي: غزيرة اللبن، والمراد الأموال من أيّ صِنفٍ كان، وقيل: له نفيس؛ لأن نفس صاحبه تتعلّق به .. \".\n(٢) أخرجه البخاري: ١٤٩٦، ومسلم: ١٩، وتقدم نحوه.\n(٣) هَرِمة: الكبيرة التي سقطَت أسنانها.\n(٤) قال الحافظ: \"بفتح العين المهملة وبضمّها أي: المعيبة، وقيل: بالفتح العيب وبالضمّ العَوَر\".\n(٥) التيس: هو فحل الغنم، والنهي لكونه يُحتاج إليه، ففي أخْذه بغير اختيار صاحبه إِضرارٌ به. والله أعلم، \"فتح\" (٣/ ٣٢١) بتصرُّف.","vol":"3","page":79},{"text":"المصدِّق\" (١).\n٢ - وكذلك ما رواه عبد الله بن معاوية الغاضري عن رسول الله - ﷺ - قال: \"ثلاث من فعلهنّ فقد طَعِم طعْم الإِيمان: مَن عبدَ الله وحده، وأنّه لا إِله إِلا الله، وأعطى زكاة ماله طيبةً بها نفسُه، رافدةً عليه كلّ عام، ولم يُعطِ الهَرِمة، ولا الدّرِنة (٢)، ولا المريضة، ولا الشَّرَط (٣) اللئيمة، ولكن من وسط أموالكم، فإِنّ الله لم يسألكم خيره، ولم يأمركم بشرّه\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-763>إِباحة دعاء الإِمام على مُخْرِج مُسِنّ ماشيته في الصدقة؛ بأن لا يبارَك له في ماشيته، ودعائه لمُخرج أفضل ماشيته في الصدقة؛ بأن يبارَك له في ماله </span>(٥).\nعن وائل بن حجر: \"أنَّ النّبيّ - ﷺ - بعَث ساعيًا، فأتى رجلًا، فأتاه فَصِيلًا مخلولًا فقال النّبيّ - ﷺ -: بعَثْنا مُصدِّق الله ورسوله، وأنَّ فلانًا أعطاه فصيلًا مخلولًا (٦)، اللهمّ لا تبارِك فيه، ولا في إِبلِه.\nفبلغ ذلك الرجل فجاء بناقة حسناء، فقال: أتوب إِلى الله -﷿-\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٤٥٥.\n(٢) الدَّرنة: أي: الجرباء وأصله من الوسخ. \"النهاية\".\n(٣) الشَّرَط: أي: رُذال المال، وقيل: صغاره وشراره. \"النهاية\".\n(٤) أخرجه أبو داود وغيره، وصحّحه شيخنا في \"الصحيحة\" (١٠٤٦) و\"صحيح الترغيب والترهيب\" (٧٤٦).\n(٥) هذا العنوان من \"صحيح ابن خزيمة\" (٤/ ٢٢).\n(٦) أي: مهزولًا، وهو الذي جُعل على أنفه خلال؛ لئلا يرضع أمّه فتُهزل. \"النهاية\".","vol":"3","page":80},{"text":"وإِلى نبيّه - ﷺ -، فقال النّبيّ - ﷺ -: اللهمّ بارك فيه وفي إِبِله\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-764>زكاة غير الأنعام</span>\nقد تقدّمت النصوص فيما تجب فيه الزكاة من الحيوان، ولم يأت نصٌّ يوجب زكاةً في الخيل أو البغال أو الحمير، بل جاء ما يبيّن العفو عن ذلك.\nفعن علي -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"قد عفوت عن الخيل والرقيق، فهاتوا صدقة الرِّقة؛ من كل أربعين درهمًا درهمًا، وليس في تسعين ومائة شيء، فإِذا بلغَت مائتين ففيها خمسة دراهم\" (٢).\nوتقدّم حديث أبي هريرة -﵁-: وفيه: \" ... فالحُمُر؟ قال: ما أُنزل عليّ في الحُمُر شيء، إلاَّ هذه الآية الفاذّة (٣) الجامعة ﴿فمن يعمل مثقال ذرّة خيرًا يَرَه ومن يعمل مثقال ذرّة شرًّا يَرَه﴾ \" (٤).\nقال ابن حزم -﵀- في \"المُحلّى\" (٥/ ٣٣٩): \"وذهَب جمهور الناس إِلى أن لا زكاة في الخيل أصلًا\". ثمّ ساق بعض الآثار بأسانيده، ومن ذلك:\n١ - \"عن شبيل بن عوف قال: أَمَر عمر بن الخطاب -﵁-\n_________\n(١) أخرجه النسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٢٣٠٦) وابن خزيمة في \"صحيحه\" (٢٢٧٤).\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٣٩٢)، والترمذي، وانظر \"المشكاة\" (١٧٩٩)، وتقدّم.\n(٣) أي: المنفردة في معناها كما تقدّم.\n(٤) الزلزلة: ٧ - ٨.","vol":"3","page":81},{"text":"الناس بالصدقة، فقال الناس: يا أمير المؤمنين! خيلٌ لنا ورقيق، افرِض علينا عشرة عشرة! فقال عمر: أمّا أنا فلا أفرض ذلك عليكم\" (١).\n٢ - وعن حارثة بن معزب قال: \"حجَجْت مع عمر بن الخطاب -﵁- فأتاه أشراف أهل الشام فقالوا؛ يا أمير المؤمنين، إِنّا أصبنا رقيقًا ودوابَّ؛ فخُذ من أموالنا صدقةً؛ تطهرنا وتكون لنا زكاة! فقال: هذا شيء لم يفعله اللذان كانا قبلي\".\nثمّ قال -رحمه الله تعالى-: هذه أسانيد في غاية الصحة والإِسناد فيه أنّ رسول الله - ﷺ - لم يأخذ من الخيل صدقة؛ ولا أبو بكر بعده؛ وأنّ عمر لم يفرض ذلك، وأنّ عليًا بعده لم يأخذها\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-765>في الجمع والتفريق:</span>\nعن أنس -﵁- أنَّ أبا بكر -﵁- كتَب له التي فرَض رسول الله - ﷺ -: \"ولا يجمع بين مُتفرِّق، ولا يُفرَّق بين مُجتَمعٍ خشية الصدقة\" (٣).\nقال الحافظ في \"الفتح\" (٣/ ٣١٤): \"قال مالك في \"الموطَّأ\": معنى هذا الحديث أن يكون النفر الثلاثة؛ لكلّ واحد منهم أربعون شاة؛ وجَبت فيها الزكاة، فيجمعونها حتى لا تجب عليهم كلّهم فيها إِلا شاة واحدة، أو\n_________\n(١) تقدّم.\n(٢) تقدّم، والحديث في \"المسند\" وفي آخره: \"ولكن انتظروا حتى أسأل المسلمين\"، وانظر تعليق الشيخ العلاّمة أحمد شاكر -﵀- عليه.\n(٣) أخرجه البخاري: ١٤٥٠.","vol":"3","page":82},{"text":"يكون للخليطين مائتا شاة وشاتان؛ فيكون عليهما فيها ثلاث شياه، فيُفرِّقونها حتى لا يكون على كلّ واحد إِلا شاة واحدة.\nوقال الشافعي: هو خطاب لرب المال من جهة وللساعي من جهة، فأمّر كلّ واحد منهم؛ أن لا يُحدِث شيئًا من الجمع والتفريق خشية الصدقة، فرَبُّ المال يخشى أن تكثُر الصدقة؛ فيجمَع أو يُفرِّق لتقلّ، والساعي يخشى أن تقلّ الصدقة؛ فيجمع أو يفرّق لتكثُر.\nفمعنى قوله خشية الصدقة: أي: خشية أن تكثُر الصدقة، أو خشية أنْ تقلّ الصدقة ... \" (١).\nوفي رواية: \"وما كان من خليطين (٢)؛ فإِنهما يتراجعان (٣) بينهما في\n_________\n(١) وجاء في \"النهاية\": \"أمّا الجمع بين المتفرِّق فهو الخلاط ... ثم ذكَر الأمثلة السابقة\".\n(٢) جاء في \"النهاية\": الخليط: المخالط، ويريد به الشريك الذي يخلط ماله بمال شريكه، والتراجع بينهما هو أن يكون لأحدهما مثلا أربعون بقرة، وللآخر ثلاثون بقرة، وما لها مختلط فيأخذ الساعي عن الأربعين مُسنَّة، وعن الثلاثين تبيعًا؛ فيرجع باذِلُ المسنَّة بثلاثة أسباعها على شريكه، وباذِلُ التبيع بأربعة أسباعه على شريكه؛ لأنّ كل واحد من السِّنَّين واجب على الشيوع، كأنّ المال مُلْك واحد.\nوفي قوله: \"بالسَّويَّة\" دليل على أنّ الساعي إِذا ظلَم أحدَهما؛ فأخَذ منه زيادةً على فرضه؛ فإِنه لا يرجع بها على شريكه، وإنما يغرم له قيمة ما يخصّه من الواجب دون الزيادة.\n(٣) وقال الخطابي: معناه أن يكون بينهما أربعون شاة مثلًا؛ لكل واحدٍ منهما عشرون؛ قد عرف كل منهما عين ماله، فيأخذ المصدِّق من أحدهما شاة، فيُرجع المأخوذ من ماله على خليطه؛ بقيمة نصف شاة، وهذه تسمّى خلطة الجوار\". \"فتح\" (٣/ ٣١٥).","vol":"3","page":83},{"text":"السوية\" (١).\nوعن سويد بن غفلة -﵁- قال: سِرْتُ -أو قال: أخبَرني من سار- مع مُصدِّق (٢) النّبيّ - ﷺ - فإِذا في عهد رسول الله - ﷺ -: \"أن لا تأخذ من راضع لبن (٣)، ولا تجمعَ بين مُفتَرِق ولا تُفَرِّق بين مجتَمع\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-766>من أين تُؤخَذ الصدقات</span>؟\nعن ابن عمرو -﵄- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"لا جَلَب (٥) ولا\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٤٥١.\n(٢) أي: آخِذ الصدقة.\n(٣) جاء في \"النهاية\": \"أراد بالرّاضع ذات الدَّرِّ واللبّن، وفي الكلام مضاف محذوف تقديره ذات راضع.\nفأمّا مِن غير حذْف؛ فالراضع الصغير الذي هو بعْدُ يرضع، ونهيه عن أخذها لأنها خيار المال، ومن زائدة، كما نقول: لا تأكل من الحرام: أي: لا تأكل الحرام، وقيل: هو أن يكون عند الرَّجل الشاة الواحدة أو اللقحة؛ قد اتخذها للدَّرِّ؛ فلا يؤخذ منها شيء\".\n(٤) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٣٩٧) وغيره.\n(٥) لا جَلَب: -بفتحتين- أي: لا يُقرّب العامل أموال الناس إِليه؛ لما فيه من المشقّة عليهم، بأن ينزِل الساعي مَحِلًاّ بعيدًا عن الماشية ثم يُحصرها، وإنما ينبغي له أن ينزل على مياههم، أو أمكنة مواشيهم؛ لسهولة الأخذ حينئذ، ويطلق الجَلَب أيضًا؛ على حثّ فرس السباق على قُوّة الجري، بمزيد الصياح عليه لما يترتّب عليه من إِضرار الفرس.","vol":"3","page":84},{"text":"جَنَب (١)، ولا تؤخذ صدقاتهم إلاَّ في دورهم (٢) \".\nوعن محمّد بن إِسحاق في قوله: \"لا جَلَب ولا جَنَب\": قال: أن تُصّدَّق الماشية في مواضعها، ولا تجلب إِلى المصدِّق، والجَنَب عن (غيره) هذه الفريضة أيضًا؛ لا تجنب أصحابها.\nيقول: ولا يكون الرجل بأقصى مواضع أصحاب الصدقة؛ فتجنب إِليه، ولكن تؤخذ في موضعه\" (٣).\nوعن ابن عمرو -﵄- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"تؤخَذ صدقات المسلمين على مياههم\" (٤). يعني مواشيهم.\nوفي رواية: \" ... ولا تؤخَذ صدقاتهم إلاَّ في ديارهم\" (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-767>إِرضاء العاملين على الصدقات</span>\nعن جرير بن عبد الله قال: \"جاء ناسٌ من الأعراب إِلى رسول الله - ﷺ -،\n_________\n(١) ولا جَنَب: -بفتحتين- أي؛ لا يُبعِد صاحب المال المال؛ بحيث تكون مشقّة على العامل.\n(٢) أي: منازلهم وأماكنهم ومياههم وقبائلهم على سبيل الحصر، لأنه كنَّى بها عنه، فإِنّ أخْذَ الصدقة في دورهم لازم؛ لعدم بُعْد الساعي عنها، فيجلب إِليه، ولعدم بُعد المزكّي؛ فإِنه إِذا بَعَدَ عنها لم يؤخَذ فيها اهـ.\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٤٠٧)، قال شيخنا -﵀- صحيح مقطوع.\n(٤) أخرجه أحمد وغيره، وانظر \"الصحيحة\" (١٧٧٩).\n(٥) أخرجه أحمد في \"مسنده\"، وابن خزيمة في \"صحيحه\" (٢٢٨٠).","vol":"3","page":85},{"text":"فقالوا: إِنَّ ناسًا من المصدقّين يأتوننا فيظلموننا.\nقال: فقال رسول الله - ﷺ -: أَرضوا مُصدِّقيكم. قال جرير: ما صدر عنِّي مُصدِّق، منذُ سمعتُ هذا من رسول الله - ﷺ -، إلاَّ وهو عنِّي راضٍ\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-768>سمة غنم الصدقة إِذا قُبِضت </span>(٢)\nعن أنس قال: \"دخلْتُ على النّبيّ - ﷺ - بأخ لي يُحنِّكه (٣) وهو في مِربدٍ (٤) له فرأيته يَسم (٥) شاة، حسبته (٦) قال: في آذانها\" (٧).\nوفي رواية لمسلم عن أنس بن مالك -﵁- أيضًا قال: \"رأيت في يد رسول الله - ﷺ - المِيْسَم (٨)، وهو يسِمُ أبلِ الصدقة\".\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ٩٨٩.\n(٢) هذا العنوان من \"صحيح ابن خزيمة\" (٤/ ٢٨).\n(٣) أي: مضَغ تمرات ودلَك به حنكه. وانظر \"النهاية\".\n(٤) مِرْبَد: بكسر الميم وسكون الراء وفتح الباء: مكان الإِبل، وكأنّ الغنم أُدخلت فيه مع الإِبل. \"فتح\".\n(٥) يَسم: من الوسم وهو: أن يُعلّم الشيء بشيء، يؤثر فيه تأثيرًا بالغًا، وأصْله أن يجعل في البهيمة علامةً يميزها عن غيرها. \"فتح\".\n(٦) القائل: شعبة والضمير لهشام بن زيد وهو راوي الحديث عن أنس. \"الفتح\" (٩/ ٦٧٢).\n(٧) أخرجه البخاري: ٥٥٤٢، ومسلم: ٢١١٩.\n(٨) الميسم: الحديدة التي يُكوى بها.","vol":"3","page":86},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-769>استعمال إِبل الصدقة وألبانها لأبناء السبيل </span>(١)\nعن أنس -﵁-: \"أنَّ أناسًا من عُرَينة اجتووُا المدينة، فرخَّص لهم رسول الله - ﷺ - أن يأتوا إِبل الصدقة؛ فيشربوا من ألبانها وأبوالها\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-770>زكاة الرّكاز</span>\nالرّكاز لغة: مأخوذ من الرَّكز وهو الدَّفن، وهو المعدن والمال المدفون كلاهما.\nوشرعًا: هو دفين الجاهلية (٣).\nجاء في \"الروضة الندية\" (١/ ٥٢٤): \"قال مالك: الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا، والذي سمِعْت أهل العلم يقولون: إِنّ الرّكاز إِنما هو دَفْنٌ يوجد من دفن الجاهلية، ما لم يُطلَب بمال، ولم يُتكلَّف فيه نفقة، ولا كبير عمل، ولا مؤنة.\nفأمّا ما طُلِب بمال وتُكلِّف فيه كبير عمل فأُصيب مرّة وأخُطِئ مرّة؛ فليس بركاز\".\nقال البخاري: قال مالك وابن إِدريس (٤) الركاز دِفْن الجاهلية؛ في قليله\n_________\n(١) هذا العنوان من \"صحيح البخاري\".\n(٢) أخرجه البخاري: ١٥٠١، ومسلم: ١٦٧١، وتقدّم.\n(٣) عن \"تمام المِنة\" (ص ٣٧٦) بزيادة. وانظر \"النهاية\" للمزيد من الفائدة.\n(٤) أمَّا قول مالك؛ فقد وصَله أبو عبيد في \"الأموال\" بسند صحيح وأمَّا قول ابن إِدريس -هو الإمام الشافعي على الأرجح- فوصله البيهقي بسند صحيح عنه؛ دون الزيادة المذكورة، وانظر \"الفتح\" (٣/ ٣٦٤) و\"مختصر البخاري\" (١/ ٣٥٧) لشيخنا -رحمه الله تعالى-.","vol":"3","page":87},{"text":"وكثيره الخُمس وليس المعدن بركاز، وقد قال النّبيّ - ﷺ - في المعدن جُبار (١)، وفي الركاز الخمس\" (٢).\nوقد ردّ شيخنا -﵀- في \"تمام المنّة\" (ص ٣٧٧) على من يقول: إِنَّ الركاز الذي يجب فيه الخُمس: هو كلَّ ما كان مالًا؛ كالذهب والفضّة ... إِلخ.\nفقال: \"وهذا خطأٌ مخالِف للغة، فإِنّ الركاز فيها: المال المدفون في الأرض ... والمال لغةً: ما ملكتْه من شيء.\nفيُستنتَج من هاتين المقدمتين أنّ الرّكاز كل ما دُفن من المال؛ فلا يختصّ بالنقدين؛ وهو مذهب الجمهور، واختاره ابن حزم، ومال إِليه ابن دقيق العيد، وكان مالك يتردّد في ذلك، ثمّ استقر رأيه آخر الأمر على هذا القول المختار، كما في \"المدوّنة\" ... \".\nقال شيخ الإِسلام -﵀- في \"مجموع الفتاوى\" (٢٥/ ٨): \"وجعل [الشرع] المال المأخوذ على حساب التعب، فما وُجِد من الأموال الجاهلية هو أقلّه تعبًا ففيه الخُمس، ثمّ ما فيه التعب من طرف واحد، فيه نصف الخمس -وهو العشر- فيما سقَته السماء، وما فيه التعب من طرفين فيه ربع الخمس -وهو نصف العشر- فيما سقي بالنضح، وما فيه التعب في طول السنة كالعين؛ ففيه ثُمن ذلك -وهو ربع\n_________\n(١) أي: هدْر، وليس المراد أنه لا زكاة فيه، وإنّما المعنى أنَّ من استأجر رجُلًا للعمل في معدن مثَلًا فهلَك؛ فهو هدْر، ولا شيء على من استأجَره. \"فتح\" (٣/ ٣٦٥).\n(٢) وصله البخاري: ١٤٩٩.","vol":"3","page":88},{"text":"العشر-\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-771>هل يشترط الحَوْل والنصاب في الركاز</span>؟\nلا اعتبار للنصاب والحول في الركاز؛ بل تجب فيه الزكاة على الفور؛ لقوله - ﷺ -: \"وفي الركاز الخُمس\" (١).\nقال الحافظ في \"الفتح\" (٣/ ٣٦٥): \"واتفقوا [أي: الجمهور] على أنّه لا يشترط فيه الحول، بل يجب إِخراج الخمس في الحال\".\nقال شيخنا -﵀- في \"تمام المِنّة\" (ص ٣٧٧): \"والظاهر من إِطلاق الحديث: \"وفي الركاز الخمس\"، عدم اشتراط النصاب، وهو مذهب الجمهور، واختاره ابن المنذر والصنعاني والشوكاني وغيرهم\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-772>مصرفه:</span>\nقال شيخنا -﵀- في \"تمام المِنّة\" (ص ٣٧٨): \" ... مصرفه يرجع إِلى رأي إِمام المسلمين؛ يضعه فيما تقتضيه مصلحة الدولة، وهو الذي اختاره أبو عبيد في \"الأموال\".\nوكأنّ هذا هو مذهب الحنابلة، حيث قالوا في مصرف الركاز. يُصرف مصرف الفيء المطلق للمصالح كلّها\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-773>هل في المعادن زكاة</span>؟\nلم يَرِدْ نصٌّ في إِيجاب الزكاة في المعادن، إِلا ما سبق القول في الصدقة\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٤٩٩، ومسلم: ١٧١٠، وتقدّم.","vol":"3","page":89},{"text":"المطلقة غير المقنّنة.\nهذا وقد ذكر عبد الرحمن بن قدامة المقدسي -رحمه الله تعالى- جمعًا من العلماء يَرْون الزكاة على المعادن قال: \"قال الشافعي ومالك: لا تتعلّق الزكاة إلاَّ بالذهب والفضة ... ولأنّه مال مُقوَّم مستفاد من الأرض؛ أشبه الطين الأحمر\" (١).\nوروى مالك (١/ ٢٤٨/٨) عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن غير واحد: \"أنَّ رسول الله - ﷺ - قطع لبلال بن الحارث المزني معادن القبلية -وهي من ناحية الفرع- فتلك المعادن لا يُؤخَذ منها إِلى اليوم إلاَّ الزكاة\".\nورواه عن مالك أبو داود (٣٠٦١) وأبو عبيد (٣٣٨/ ٨٦٣) والبيهقي (٤/ ١٥٢) وقال: \"قال الشافعي (٢): ليس هذا مما يُثبِته أهل الحديث روايةً، ولو أثبتوه لم يكن فيه رواية عن النّبيّ - ﷺ - إِلا إِقطاعه، فأمّا الزكاة في المعادن دون الخمس؛ فليست مرويّة عن النّبيّ - ﷺ - فيه\".\nقال البيهقي: \"هو كما قال الشافعي في رواية مالك، وقد روي عن عبد العزيز الدراوردي عن ربيعة موصولًا\".\nوضعّفه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" تحت رقم (٨٣٠).\nوجاء في كتاب \"الأمّ\" (٤/ ١٥٣) للإِمام الشافعي -﵀-: \"وإذا عمل في المعادن؛ فلا زكاة في شيء مما يخرج منها؛ إِلا ذهب أو وَرِق، فأمّا الكحل والرَّصاص والنّحاس والحديد والكبريت وغيره؛ فلا زكاة فيه.\n_________\n(١) انظر \"الشرح الكبير\" (٢/ ٥٨٠).\n(٢) انظر كتاب \"الأمّ\" (٤/ ١٥٤).","vol":"3","page":90},{"text":"وإذا خرج منها ذهب أو وَرِق ويميز؛ فكان غير متميز؛ حتى يُعالج بالنار أو الطّحْن أو التحصيل؛ فلا زكاة فيه حتى يصير ذهبًا أو وَرِقًا، ما اختلط به من غيره.\nفإِن سأل رب المعدن المصدِّق؛ أن يأخذ زكاته مُكايلَةً أو موازنة أو مُجَازَفَة؛ لم يكن له ذلك، وإِنْ فعل فذلك مردود، وعلى صاحب المعدن إِصلاحه حتى يصير ذهبًا أو ورقًا، ثمّ تؤخذ منه الزكاة.\nولا يجوز بيع تُراب المعادن بحال؛ لأنه فضَّة أو ذهب مُختلط بغيره غير متميز منه.\nوقد ذهب بعض أصحابنا، إِلى أن المعادن ليس بركاز، وأنَّ فيها الزكاة\".\nثمّ ذكر الحديث السابق وضعّفه.\nوقال ابن حزم -﵀- في \"المُحلّى\" (٥/ ٣٣٣): \"وأمّا المعادن: فإِنّ الأمّة مجمِعةٌ بلا خلاف من أحد منها؛ على أنّ الصُّفر والحديد والرصاص والقزدير؛ لا زكاة في أعيانها، وإنْ كثُرت!\nثم اختلفوا إِذا مُزج شيء منها في الدنانير والدراهم والحُليّ.\nفقالت طائفة: تُزكّى تلك الدنانير والدراهم بوزنها.\nقال أبو محمّد: وهذا خطأ فاحش، لأنّ رسول الله - ﷺ - أسقط الزكاة نصًّا فيما دون خمس أواقي من الوَرِق، وفيما دون مقدارها من الذهب، ولم يوجب -بلا خلاف- زكاةً في شيء من أعيان المعادن المذكورة.\nفمن أوجب الزكاة في الدنانير، والدراهم الممزوجة بالنحاس أو الحديد","vol":"3","page":91},{"text":"أو الرصاص أو القزدير؛ فقد خالف رسول الله - ﷺ - مرّتين-:\nإِحداهما: في إِيجابه الزكاة؛ في أقلّ من خمس أواقي من الرِّقة.\nوالثانية: في إِيجابه الزكاة في أعيان المعادن المذكورة؟\nوأيضًا: فإِنّهم تناقضوا إِذ أوجبوا الزكاة في الصفر والرصاص والقزدير والحديد؛ إِذا مزج شيء منها بفضة أو ذهب، وأسقطوا الزكاة عنها إِذا كانت صرفًا؛ وهذا تحكُّم لا يحلّ!\nوأيضًا؛ فنسألهم عن شيء من هذه المعادن، مُزج بفضّة أو ذهب؛ فكان الممزوج منها أكثر من الذهب ومن الفضة؟\nثم لا نزال نزيدهم، إِلى أن نسألهم عن مائتي درهم، في كل درهم فلس فضة فقط، وسائرها نحاس.\nفإِن جعلوا فيها الزكاة أفحشوا جدًا، وإن أسقطوها؛ سألناهم عن الحد الذي يوجبون فيه الزكاة والذي يُسقِطونها فيه\".\nوجاء في \"الروضة الندية\" (١/ ٤٧٥): \"ولا زكاة في غيرها من الجواهر؛ كالدر والياقوت والزمرد والماس واللؤلؤ والمرجان ونحوها؛ لعدم وجود دليل يدل على ذلك، والبراءة الأصلية مستصحبة.\nأقول -الكلام لصاحب الروضة-: ليس من الورع ولا من الفقه، أن يوجب الإِنسان على العباد؛ ما لم يوجِبه الله عليهم؛ بل ذلك من الغلو المحض، والاستدلالُ بمِثل ﴿خُذ من أموالهم صدقة﴾ (١) يستلزم وجوب\n_________\n(١) التوبة: ١٠٣.","vol":"3","page":92},{"text":"الزكاة في كل جنس من أجناس ما يصدُق عليه اسم المال، ومنه الحديد والنحاس والرصاص، والثياب والفراش والحجر والمدر (١)، وكل ما يقال له مال -على فرض أنه ليس من أموال التجارة-.\nولم يقُل بذلك أحد من المسلمين، وليس ذلك لورود أدلة؛ تخصّص الأموال المذكورة من عموم ﴿خُذ من أموالهم﴾ حتى يقول قائل: إِنّها تجب زكاة ما لم يخصه دليل؛ لبقائه تحت العموم.\nبل الذي شرع الله فيه الزكاة من أموال عباده، هو أموال مخصوصة، وأجناس معلومة، ولم يوجب عليهم الزكاة في غيرها.\nفالواجب حمل الإِضافة في الآية الكريمة على العهد، لِما تقرَّر في عِلم الأصول، والنحو والبيان، أنّ الإِضافة تنقسم إِلى الأقسام التي تنقسم إِليها اللام، ومن جملة أقسام اللام العهد، بل قال المحقق الرضي: إِنه الأصل في اللام.\nإِذا تقرر هذا فالجواهر واللآلئ والدر والياقوت والزمرد والعقيق واليسر، وسائر ما له نفاسة وارتفاع قيمة؛ لا وجه لإيجاب الزكاة فيه، والتعليل للوجوب بمجرد النفاسة؛ ليس عليه أثارة من عِلم.\nولو كان ذلك صحيحًا، لكان في المصنوعات من الحديد، كالسيوف والبنادق ونحوها، ما هو أنفس وأعلى ثمنًا، ويلحق بذلك الصين، والبلور واليشم (٢)، وما يتعسر الإِحاطة به؛ من الأشياء التي فيها نفاسة، وللناس إِليها\n_________\n(١) هو الطين اللزِج المتماسك.\n(٢) مجموعة من المعادن الصّلْدَة التي تتدرّج ألوانها من الأبيض تقريبًا إِلى الأخضر الأدْكن. \"الوسيط\".","vol":"3","page":93},{"text":"رغبة.\nفما أحسن الإِنصاف والوقوف على الحد الذي رسمه الشارع، وإراحة الناس من هذه التكاليف التي ما أنزل الله بها من سلطان.\nعلى أنّ الآية التي أوقعت كثيرًا من الناس في إِيجاب الزكاة فيما لم يوجبه الله وهي: ﴿خذ من أموالهم﴾ قد ذكَر أئمة التفسير أنها في صدقة النفل؛ وليست في صدقة الفرض التي نحن بصددها\".\nوسئل شيخنا -﵀- عن زكاة المعادن فقال: لا تجب الزكاة في المعادن؛ لأنه لا زكاة إِلا بنصّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-774>ما يُستخرج من البحر</span>\nقال البخاري -﵀-: قال ابن عباس -﵄- ليس العنبر بركاز، هو شيء دَسَرهُ (١) البحر (٢).\nوسألْتُ شيخنا -﵀- عن هذا الأثر فقال: روايةً لا يحضرني، ودرايةً؛ هو كذلك.\nقال البخاري: وقال الحسن: في العنبر واللؤلؤ الخُمس (٣)، فإِنما جعَل\n_________\n(١) أي: دفَعه ورمى به إِلى الساحل. \"فتح\".\n(٢) وصَله الشافعي وابن أبي شيبة وغيرهما بسند صحيح عنه، وانظر \"الفتح\" (٣/ ٣٦٢) و\"مختصر البخاري\" (١/ ٣٥٦).\n(٣) وصَلَه أبو عبيد في \"الأموال\"، وانظر \"الفتح\" (٣/ ٣٦٢).","vol":"3","page":94},{"text":"النّبيّ - ﷺ - في الرّكاز الخمس، ليس في الذي يُصاب في الماء (١).\nقال ابن القصار: \"ومفهوم الحديث؛ أنّ غير الرّكاز لا خمس فيه -ولاسيما اللؤلؤ والعنبر- لأنهما يتولّدان من حيوان البحر؛ فأشبها السمك\" (٢).\nوذهب الجمهور إِلى أنه لا يجب فيه شيء؛ إلاَّ ما رُوي عن عمر بن عبد العزيز (٣).\nقال ابن حزم -﵀- في \"المُحلّى\" (٦/ ١٦٠): \"وليس في شيء ممّا أُصيب من العنبر والجواهر والياقوت والزّمرّد -بَحْرية وبَرّيّة- شيء أصلًا، وهو كلّه لمن وجَده؟ \".\nوقال (ص ١٦١): \"قال رسول الله - ﷺ -: \"إِنّ دماءكم وأموالكم عليكم حرام\"، فصحّ أنه لا يحلّ إِغرام مسلم شيئًا بغير نصّ صحيح، وكان -بلا خلاف- كلّ ما لا ربّ له فهو لمن وجَده - وبالله تعالى التوفيق!؟ \".\nقال شيخ الإِسلام -﵀- في \"مجموع الفتاوى\" (٢٥/ ١٩): \"وأمّا ما يخرج من البحر كاللؤلؤ والمرجان؛ فلا زكاة فيه عند الجمهور.\nوقيل: فيه زكاة، وهو قول الزهري والحسن البصري ورواية لأحمد\".\nوسألتُ شيخنا -﵀-: هل ترون وجوب الزكاة على ما يخرج من البحر؛ فقال -﵀-: \"لا زكاة عليه\".\n_________\n(١) وصله الإِمام البخاري -﵀- برقم (١٤٩٩).\n(٢) الفتح (٣/ ٣٦٣).\n(٣) الفتح (٣/ ٣٦٣).","vol":"3","page":95},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-775>المال المغصوب والضائع</span>\nقال شيخ الإِسلام -﵀- في \"مجموع الفتاوى\" (٢٥/ ١٨): \"قال مالك: ليس فيه زكاة حتى يقبضه، فيزكّيه لعام واحد، وكذلك الدَّيْن عنده لا يزكّيه حتى يقبضه زكاة واحدة، وقول مالك: يُروى عن الحسن وعطاء وعمر ابن عبد العزيز.\nوقيل: يزكى كلّ عام إِذا قبضه زكاة عمّا مضى، وللشافعي قولان\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-776>جواز دفْع القيمة بدل العين</span>\nقال ابن حزم -﵀-: \"والزكاة واجبة في ذمّة صاحب المال لا في عين المال؛ وقد اضطربت أقوال المخالفين في هذا.\nوبرهان صحّة قولنا، هو أن لا خلاف بين أحد من الأمّة، من زمننا إِلى زمن رسول الله - ﷺفي أنّ من وجبت عليه زكاة بُرّ أو شعير أو تمر أو فضة أو ذهب أو إِبل أو بقر أو غنم؛ فأعطى زكاته الواجبة عليه؛ من غير ذلك الزرع؛ ومن غير ذلك التمر، ومن غير ذلك الذهب، ومن غير تلك الفضة، ومن غير تلك الإِبل، ومن غير تلك البقر، ومن غير تلك الغنم- فإِنه لا يمنع من ذلك، ولا يكره ذلك له، بل سواء أعطى من تلك العين، أو ممّا عنده من غيرها، أو ممّا يشتري، أو ممّا يوهب، أو ممّا يستقرض.\nفصحّ يقينًا أن الزكاة في الذمّة لا في العين؛ إِذ لو كانت في العين؛ لم يحلّ\n_________\n(١) قلت: والراجح أنه يُزكّي كل عام إِذا قبَضه؛ لأنه من حقوق العباد، وهذا يتفق مع النصوص العامّة في إِيجاب الزكاة للنصاب؛ إِذا مضى عليه الحول، والله -تعالى- أعلم.","vol":"3","page":96},{"text":"له ألبتة أن يُعطيَ من غيرها، ولوجَب منْعه من ذلك، كما يُمنع من له شريك في شيء من كل ذلك؛ أن يُعطيَ شريكه من غير العين التي هم فيها شركاء إِلا بتراضيهما، وعلى حكم البيع.\nوأيضًا -فلو كانت الزكاة في عين المال؛ لكانت لا تخلو من أحد وجهين لا ثالث لهما-: إِمّا أن تكون في كل جزء من أجزاء ذلك المال، أو تكون في شيء منه بغير عينه.\nفلو كانت في كل جزء منه؛ لحرُم عليه أن يبيع منه رأسًا أو حبّة فما فوقها؛ لأنّ لأهل الصدقات في ذلك الجزء شريكًا، ولحرُم عليه أن يأكل منها شيئًا لِما ذكَرنا، وهذا باطل بلا خلاف ... وإنْ كانت الزكاة في شيء منه بغير عينه؛ فهذا باطل، وكان يلزم أيضًا: مثل ذلك سواء سواء؛ لأنّه كان لا يدري لعله يبيع أو يأكل الذي هو حق أهل الصدقة، فصحّ ما قُلنا يقينًا -وبالله تعالى التوفيق-\" (١).\nقال شيخ الإِسلام -﵀- في \"مجموع الفتاوى\" (٢٥/ ٤٦): \"ومعلوم أنّ مصلحة وجوب العين؛ قد يعارضها أحيانًا في القيمة من المصلحة الراجحة، وفي العين من المشقة المنفية شرعًا\".\nوقد رجّح شيخ الإِسلام جواز ذلك في بعض الصور للحاجة أو المصلحة الراجحة كما في \"مجموع الفتاوى\" (٢٥/ ٧٩).\nوقال (ص٨٢): \"والأظهر في هذا: أنّ إِخراج القيمة لغير حاجة، ولا\n_________\n(١) انظر \"المُحلّى\" (٥/ ٣٩٠) وذكَره الشيخ السيد سابق -﵀- في \"فقه السنة\" (١/ ٣٧٨).","vol":"3","page":97},{"text":"مصلحة راجحة؛ ممنوع منه، ولهذا قدّر النّبيّ - ﷺ - الجبران بشاتين، أو عشرين درهمًا، ولم يعدل إِلى القيمة، ولأنه متى جوّز إِخراج القيمة مطلقًا، فقد يعدل المالك إِلى أنواع رديئة.\nوقد يقع في التقويم ضرر، ولأن الزكاة مبناها على المواساة، وهذا معتَبر في قدْر المال وجنسه.\nوأمّا إِخراج القيمة للحاجة أو المصلحة أو العدل؛ فلا بأس به، مِثل أن يبيع ثمر بستانه، أو زرْعه بدراهم؛ فهنا إِخراج عشر الدراهم يجزيه، ولا يكلَّف أن يشتري ثمرًا، أو حِنْطة، إِذ كان قد سوى الفقراء بنفسه، وقد نصّ أحمد على جواز ذلك.\nومِثل أن يجب عليه شاة في خمس من الإِبل، وليس عنده من يبيعه شاة؛ فإِخراج القيمة هنا كاف، ولا يُكلَّف السفر إِلى مدينة أخرى ليشتري شاة، ومِثل أن يكون المستحقون للزكاة طلبوا منه إِعطاء القيمة؛ لكونها أنفع؛ فيعطيهم إِياها، أو يرى الساعي أنّ أخْذها أنفع للفقراء\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-777>إِذا وجبت الزكاة في المال وهلك قبل الأداء</span>\nاختلف العلماء فيما إِذا وجبت الزكاة في المال وهلك قبل الأداء، والراجح فيه سقوط الزكاة عمّن تلف لديه النصاب قبل التمكّن؛ إِذا لم يُفرِّط في الأداء، وإِلا كانت في ذمّته.\nقال الإِمام الشافعي -﵀- في \"الأم\" (٤/ ١٨٨): \"ولو كان له\n_________\n(١) وانظر ما جاء عن شيخ الإِسلام في \"الاختيارات\" (ص ١٠٣) ومنه أفاد شيخنا -رحمهما الله تعالى- في \"تمام المِنّة\" (ص ٣٧٩).","vol":"3","page":98},{"text":"مال يُمكنه أن يؤدي زكاته فلم يفعل؛ فوجبت عليه الزكاة سنين ثم هلك؛ أدى زكاته لِما فرّط فيه.\nوإِنْ كانت له مائة شاة، فأقامت في يده ثلاث سنين، وأمكَنه في مُضيّ السَّنة الثالثة أداء زكاتها، فلم يؤدِّها، أدّى زكاتها لثلاث سنين، وإن لم يمكنه في السنة الثالثة أداء زكاتها حتى هلكت؛ فلا زكاة عليه في السنة الثالثة، وعليه الزكاة في السنتين اللتين فرّط في أداء الزكاة فيهما\".\nوبه يقول عدد من العلماء.\nقال في \"المغني\" (٢/ ٤٦٥) -بعد أنْ نقل بعض الأقوال في المسألة-: \"والصحيح -إِن شاء الله- أنّ الزكاة تسقط بتلف المال؛ إِذا لم يفرط في الأداء، لأنها تجب على سبيل المواساة، فلا تجب على وجه يجب أداؤها مع عدم المال وفقر من تجب عليه، ولأنه حقٌّ يتعلق بالعين، فيسقط بتلفها من غير تفريط كالوديعة.\nوالتفريط أن يمكنه إِخراجها فلا يخرجها، فإِن لم يتمكّن من إِخراجها فليس بمفرِّط، سواء لعدم المستحق، أو لبعد المال، أو لكون الفرض لا يوجد في المال ولا يجد ما يشتري، أو كان في طلب الشراء ونحو ذلك ... \".\nوجاء في \"الاختيارات الفقهيّة\" (ص ٩٨): ولو تلِف النصاب بغير تفريط من المالك؛ لم يضمن الزكاة على كلٍّ من الروايتين، واختاره طائفة من أصحاب أحمد.\nوهو اختيار شيخنا -﵀- كما في \"تمام المِنّة\" (ص٣٧٩).","vol":"3","page":99},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-778>إِذا عزل الزكاة ليخرجها فضاعت</span>\nجاء في \"المحلّى\" (٥/ ٣٩١) -بحذف وتصرّف يسير-: \"كلّ مالٍ وجبت فيه زكاة من الأموال ... فسواء تلف ذلك أو بعضه -أكثره أو أقله- ... بتفريط تلف أو بغير تفريط؛ فالزكاة كلّها واجبة في ذمّة صاحبه؛ كما كانت لو لم تتلف، ولا فرق؛ [لأنّ] الزكاة في الذمّة؛ لا في عين المال.\n... وكذلك لو أخرج الزكاة وعَزلها ليدفَعها إِلى المصدّق أو إِلى أهل الصدقات؛ فضاعت الزكاة كلّها أو بعضها؛ فعليه إِعادتها كلّها ولا بدّ ... ولأنه في ذمّته؛ حتى يوصلها إِلى من أمَره الله تعالى بإِيصالها إِليه\" ثم ذكَر أقوال العلماء وبعض الآثار عن عدد من السلف؛ أنها لا تجزي عنه إِن ضاعت؛ وعليه إِخراجها ثانية.\nقال: وروّينا عن عطاء أنّها تجزئ عنه.\nوسألت شيخنا -﵀- عن ذلك فقال: \"لا بدّ من إِيصالها\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-779>تأخير الزكاة لا يُسقِطها </span>(١)\n* من مضى عليه سنون؛ ولم يؤدّ ما عليه من زكاة؛ لزِمه إخراج الزكاة عن جميعها؛ سواء علم وجوب الزكاة، أم لم يعلم، وسواء كان في دار الإِسلام أم في دار الحرب.\nوقال ابن المنذر: لو غلب أهل البغي على بلد، ولم يؤد أهل ذلك البلد\n_________\n(١) ما بين نجمتين من \"فقه السنّة\" (١/ ٣٨١).","vol":"3","page":100},{"text":"الزكاة أعوامًا، ثم ظفر بهم الإِمام؛ أخَذ منهم زكاة الماضي؛ في قول مالك والشافعي وأبي ثور*\nوقال الإِمام الشافعي -﵀-: \"لو كان له مال يُمكنه أن يؤدي زكاته، فلم يفعل، فوجبت عليه الزكاة سنين، ثمّ هلك؛ أدّى زكاته لما فرّط فيه\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-780>الزكاة في المال المشترك </span>(٢)\nإِذا كان المال مُشترَكًا بين شريكين أو أكثر؛ لا تجب الزكاة على واحد منهم؛ حتى يكون لكلّ واحد منهم نصاب كامل؛ في قول أكثر أهل العلم.\nهذا في غير الخلطة في الحيوان (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-781>الفرار من الزكاة قبل وجوبها</span>\nمَن ملك نصابًا من أي صنفٍ من أصناف المال؛ فباعه قبل الحول أو تخلّص جزء منه ابتغاء إِسقاط الزكاة؛ كان آثمًا، وتبقى معلّقةً في ذمّته حتى يُخرِجها، إِذ هذا ضرْبٌ من ضروب التحايل، وهو من صنيع اليهود.\nوهذا كمن طلّق امرأته في مرض موته؛ ليحرمها الإِرث، والله -تعالى- أعلم.\nوجاء في \"الاختيارات الفقهية\" (ص ٩٩): \"ولا يحلّ الاحتيال لإِسقاط\n_________\n(١) \"الأمّ\" (٤/ ١٨٨)، وتقدم غير بعيد.\n(٢) انظر \"فقه السنة\" (١/ ٣٨٢).\n(٣) كما تقدّم.","vol":"3","page":101},{"text":"الزكاة، ولا غيرها من حقوق الله تعالى\".\nوقال الشيخ السيد سابق -﵀- في \"فقه السنة\" (١/ ٣٣٥) في التعليق: \"لو باع النصاب في أثناء الحول، أو أبدله بغير جنسه؛ انقطع حول الزكاة، واستأنف حولًا آخر\".\nقال شيخنا -﵀- في \"تمام المِنّة\" (ص ٣٥٩) -في الرد على ذلك-: \"ينبغي أن يُقيَّد هذا بما إِذا وقع ذلك اتفاقًا، لا لقصد الخلاص من الزكاة؛ كما يُروى عن بعض الحنفية؛ أنه كان إِذا قارب انتهاء حول النصاب، وهب المال لزوجته، حتى إِذا انتهى الحول استردَّه منها! لأنّ العود بالهدية جائز عندهم على تفصيل فيه!\nفمن احتال هذه الحيلة -التي يُسمّيها بعضهم حيلة شرعية- فإِنّي أرى أن يُؤخَذ منه الزكاة، وشطْر ماله، على حديث بهز بن حكيم؛ فإِنَّ المحتال ... أولى بهذا الجزاء من الممتنع دون حيلة، فتأمّل\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-782>مصارف الزكاة </span>(١)\nقال الله تعالى: ﴿إِنّما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمُؤَلفة قلوبهم وفي الرّقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضةً (٢) من الله والله عليم حكيم﴾ (٣).\n_________\n(١) استفدت غالب هذا الباب من \"تفسير ابن كثير\".\n(٢) أي: حُكمًا مقدرًا بتقدير الله فرْضه وقسْمه.\n(٣) التوبة: ٦٠.","vol":"3","page":102},{"text":"وهذه الآية الكريمة تُبيّن أنّ الأصناف ثمانية، وهي:\n١، ٢ - الفقراء والمساكين، وهم المحتاجون الذين لا يجدون كفايتهم ويقابلهم الأغنياء المكفيُّون ما يحتاجون إِليه (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-783>أمّا ما جاء في الفقراء:</span>\nفحديث ابن عمرو -﵄- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا تحلّ الصدقة لغني، ولا لذي مِرَّة (٢) سوي (٣) \" (٤).\nوسألت شيخنا -﵀-: وإذا احتاج ذو المرّة السويّ؟ فأجاب: \"المقصود أن يسأل، أمّا غير السائل فيجوز\".\nوعن عبد الله بن عديّ بن الخيار قال: \"أخبرني رجلان أنهما أتيا النّبيّ - ﷺ - في حجة الوداع وهو يقسم الصدقة، فسألاه منها، فرفع فينا البصر وخفضه، فرآنا جلدَيْن، فقال: إِن شئتما أعطيتكما، ولا حظَّ فيها لغني ولا لقوي مكتسب\" (٥).\nوعن زهير العامري قال: \"قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله\n_________\n(١) \"فقه السنة\" (١/ ٣٨٣).\n(٢) المِرة: القوّة والشدة.\n(٣) السويّ: الصحيح الأعضاء.\n(٤) أخرجه أحمد وأبو داود وغيرهما، وصحّحه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٨٧٧).\n(٥) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٤٣٨) والنسائي وغيرهما، وانظر \"المشكاة\" (١٨٣٢).","vol":"3","page":103},{"text":"عنهما-: أخبرني عن الصدقة أي مال هي؟ قال: هي شر مال، إِنما هي مال للعميان والعرجان والكسحان واليتامى وكل منقطع به.\nفقلت: إِن للعاملين عليها حقًا وللمجاهدين، فقال: للعاملين عليها بقدر عمالتهم، وللمجاهدين في سبيل الله قدر حاجتهم -أو قال حالهم- قال رسول الله - ﷺ -: إِنَّ الصدقة لا تحلّ ... \" (١). الحديث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-784>وأمّا ما جاء في المساكين:</span>\nفعن أبي هريرة -﵁- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"ليس المسكين الذي يطوف على الناس؛ تردُّه اللُّقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يُغنيه، ولا يُفطن به فيتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس\" (٢).\nوليس ثمّة فرقٌ من حيث الحاجة واستحقاق الزكاة بين الفقراء والمساكين؛ إِذ النّصوص تدّل على هذا.\nففي \"النهاية\": (المسكين): الذي لا شىء له، وقيل: هو الذي له بعض الشيء.\nوفي \"النهاية\"كذلك في تفسير كلمة (الفقير): الفقير الذي لا شيء له،\n_________\n(١) أخرجه البيهقي، قال شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٣/ ٣٨٢): وهذا سند يتقوى بالذي قبله [أي: حديث ابن عمرو]، فإِن عطاء هذا أورده ابن أبي حاتم (٣/ ١/٣٣٢) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، ورواه ابن أبي شيبة من طريق ثالث موقوفًا. وسنده صحيح.\n(٢) أخرجه البخاري: ١٤٧٩، ومسلم: ١٠٣٩.","vol":"3","page":104},{"text":"والمسكين الذي له بعض ما يكفيه، وإِليه ذهب الشافعي، وقيل فيهما بالعكس وإليه ذهب أبو حنيفة.\nوفي تفسير \"ابن كثير\": في قوله تعالى: ﴿إِنّما الصدقات للفقراء والمساكين﴾: قدّم الفقراء هاهُنا على البقيّة؛ لأنهم أحوج من غيرهم على المشهور ولشدّة فاقتهم وحاجتهم.\nقال ابن كثير -﵀-: \"واختار ابن جرير وغير واحد؛ أنَّ الفقير هو المتعفّف الذي لا يسأل الناس شيئًا، والمسكين هو الذي يسأل ويطوف ويَتْبَع الناس شيئًا\".\nوإلى هذا تميل نفسي؛ لقوله - ﷺ -: \"ليس المسكين الذي يطوف على الناس؛ تردّه اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان، ولكنّ المسكين الذي لا يجد غنىً يُغنيه، ولا يُفطن له فيُتصدّق عليه، ولا يقوم فيسأل النّاس\".\nوهذا فيه التعريف السائد للمسكين في المجتمع، وجاء الشرع ليُلغي المعنى، لا ليُلغي التعريف، كقوله - ﷺ -: \"ليس الشديد بالصُّرَعة (١)، إِنّما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب\" (٢).\nوكقوله - ﷺ -: \"أتدرون ما المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: إِنّ المفلس من أمتي؛ يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا وقذَف هذا، وأَكل مال هذا، وسَفَك دم هذا، وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإِنْ فنيت حسناته، قبْل أن يُقْضى\n_________\n(١) الذي يصرع النّاس كثيرًا بقوّته. \"فتح\".\n(٢) أخرجه البخاري: ٦١١٤، ومسلم: ٢٦٠٩.","vol":"3","page":105},{"text":"ما عليه، أخذ من خطاياهم فَطُرِحت عليه، ثم طرح في النار\" (١).\nوكقوله - ﷺ -: \"ما تَعُدّون الرَّقوب فيكم؟ قلنا: الذي لا يولد له، قال: ليس ذاك بالرقوب، ولكنّه الرجل الذي لم يُقدِّم من ولده شيئًا\" (٢).\nقال ابن الأثير في \"النهاية\": \"الرقوب في اللغة: الرجل والمرأة إِذا لم يَعِش لهما ولد، لأنّه يرقب موته ويرصُده؛ خوفًا عليه، فنَقله النّبيّ - ﷺ - إِلى الذي لم يقدّم من الولد شيئًا أي: يموت قبله؛ تعريفًا أنّ الأجر والثواب لمن قدَّم شيئًا من الولد، وأنّ الاعتداد به أكثر والنفع به أعظم ... ومن لم يُرزق ذلك؛ فهو كالذي لا ولد له، ولم يقُلْه إِبطالًا لتفسيره اللغوي\" (٣).\nويمكننا أن نقول هذا في حديث: \"ليس المسكين الذي يطوف على الناس؛ تردّه اللقمة واللقمتان\"، فهذا هو المعنى اللغوي وهو الواقع الاجتماعي، ولم يقُل النّبيّ - ﷺ - مقولته ليبطل تفسيره اللغوي.\nولهذا يمكننا أن نقول عن المسكين: إِنه الذي يُفطن له بالصدقة ويسأل الناس، وطالما سأل الناس وفُطن له بالصدقة فإِنه واجدٌ ما يُغنيه، فجاء الحديث ليُبيّن الأَوْلى منه بالصدقة وهو مَنْ لا يسأل الناس، ولا يُفطن له بالصدقة، ولا يجد ما يُغنيه.\nوقد قال الله تعالى: ﴿للفقراء الذين أُحصِروا (٤) في سبيل الله لا\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ٢٥٨١.\n(٢) أخرجه مسلم: ٢٦٠٨.\n(٣) وقد فصّلت القول فيه في \"شرح صحيح الأدب المفرد\" (١/ ١٨٢).\n(٤) أي: حصَرهم الجهاد أي: منَعهم الاشتغال به من الضّرْب في الأرض -أي: =","vol":"3","page":106},{"text":"يستطيعون ضَرْبًَا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفُّف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إِلحافًا (١)﴾ (٢).\nفالفقراء إِذن قد تكون عندهم موانع تمنعهم من التكسّب، أو أنهم لا يستطيعون ذلك أصلًا لبعض الأسباب، ويحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، بعكس الذي يطوف على الناس؛ تردّه اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان.\nوهم لا يسألون الناس إِلحافًا بعكس من يسأل كما في قوله - ﷺ -: \"ولا يقوم فيسأل الناس ... \".\nوفي حديث: \"ليس المسكين ... \" قال الحافظ (٣/ ٣٤٣): \"وفيه دلالة لمن يقول: إِنّ الفقير أسوأ حالًا من المسكين، وأنّ المسكين الذي له شيء لكنّه لا يكفيه، والفقير الذي لا شيء له ... ويؤيده قوله تعالى: ﴿أمّا السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر﴾ (٣) فسمّاهم مساكين مع أنّ لهم سفينة يعملون فيها، وهذا قول الشافعي وجمهور أهل الحديث والفقه.\nفإِنْ قلتَ: قد جاءت الآيات الكثيرة في الحض على إِطعام المسكين، فلماذا لم يكن ذلك في الفقير وهو أولى؟\nقلتُ: الفقير والمسكين كلاهما من أهل الحاجة، الذين يشرع التصدّق\n_________\n= التجارة- لاشتغالهم به عن التكسّب. \"فتح\" (٣/ ٣٤١).\n(١) أي: لا يُلحّون في المسألة ويكلّفون الناس ما لا يحتاجون إِليه. \"ابن كثير\".\n(٢) البقرة: ٢٧٣.\n(٣) الكهف: ٧٩.","vol":"3","page":107},{"text":"عليهم، ولكن جاء التوبيخ والتقريع لمن لم يقدّم العون الواجب؛ لمن تكون حاجته ظاهرة وهو المسكين، كقوله تعالى: ﴿ولا يحضُّ على طعام المسكين﴾ (١). وكقوله تعالى: ﴿ولا تحاضّون على طعام المسكين﴾ (٢).\nوالخُلاصة؛ أنّ الفقير أسوأ حالًا من المسكين، وهذا نابع من تعفّفه وعدم سؤاله الناس، ولا يفطن الناس له في صدقاتهم؛ فيحتاج إِلى مثابرة في التعرّف على هذا النوع؛ لرفع الجهل المنبوذ الذي ذكره الله تعالى في كتابه: ﴿يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفّف﴾ (٣).\nوهذا لا ينفي جواز الصدقة على المسكين كما في قوله تعالى: ﴿إِنّما الصدقات للفقراء والمساكين﴾ ولكن معرض الكلام في بيان أصناف المحتاجين وبيان الأولى في ذلك، لذلك قال ابن كثير: وإنما قدّم الفقراء هاهُنا على البقية لأنهم أحوج من غيرهم على المشهور ولشدّة حاجتهم.\nولهذا فهناك خصوص وعموم بين المسكين والفقير، فالفقير أعمّ والمسكين أخصّ، فكلّ مسكين فقير، وليس كلّ فقير مسكينًا، وهو كقولنا: كلّ مؤمن مسلم، وليس كلّ مسلم مؤمنًا، قال الله تعالى: ﴿قالت الأعراب آمنّا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلَمنا ولمّا يدخل الإِيمان في\n_________\n(١) الحاقة: ٣٤.\n(٢) الفجر: ١٨.\n(٣) البقرة: ٢٧٣.","vol":"3","page":108},{"text":"قلوبكم﴾ (١). والله -تعالى- أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-785>المالك الذي لا يجد ما يفي بكفايته </span>(٢)\nمن ملَك نصابًا، من أيّ نوع من أنواع المال -وهو لا يقوم بكفايته، لكثرة عياله، أو لغلاء السعر- فهو غنيّ؛ من حيث أنّه يملك نصابًا؛ فتجب الزكاة في ماله، وفقير من حيث أنّ ما يملكه لا يقوم بكفايته، فيُعطى من الزكاة كالفقير.\nقال النووي: ومن كان له عقار، ينقص دخله عن كفايته؛ فهو فقير يُعطى من الزكاة تمام كفاية، ولا يُكلف بيعه.\nوفي \"المغني\": قال الميمون: ذاكَرت أبا عبد الله -أحمد بن حنبل- فقلت: قد يكون للرجل الإِبل والغنم؛ تجب فيها الزكاة وهو فقير، وتكون له أربعون شاة، وتكون له الضّيعة لا تكفيه، فيعطى الصدقة؟ قال: نعم، وذلك لأنه لا يملك ما يُغنيه، ولا يقدر على كسْب ما يكفيه، فجاز له الأخذ من الزكاة. كما لو كان ما يملك، لا تجب فيه الزكاة.\n٣ - العاملون عليها: وهم: الجباة والسعاة؛ يستحقّون منها قِسطًا على ذلك، ولا يجوز أن يكونوا من أقرباء رسول الله - ﷺ - الذين تحرم عليهم الصدقة.\nفعن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث؛ أنه انطلق هو والفضل بن العباس يسألان رسول الله - ﷺ - ليستعملهما على الصدقة، فقال: \"إِنَّ الصدقة لا تنبغي\n_________\n(١) الحجرات: ١٤.\n(٢) عن \"فقه السنة\" (١/ ٣٨٦).","vol":"3","page":109},{"text":"لآل محمّد. إِنّما هي أوساخ الناس\" (١).\nوفي رواية: \"إِنّ هذه الصدقات إِنَّما هي أوساخ الناس؛ وإنها لا تحلّ لمحمّد ولا لآل محمّد\" (٢).\nويجوز أن يكونوا من الأغنياء؛ لحديث أبي سعيد الخدري -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا تحلّ الصدقة لغنيّ إِلا لخمسة: للعامل عليها، أو رجل اشتراها بماله، أو غارم، أو غازٍ في سبيل الله، أو مسكين تُصدِّق عليه؛ فأَهْدَى منها لِغَنيّ\" (٣).\nولحديث عبد الله بن السعدي: \"أنه قدِم على عمر في خلافته فقال له عمر: ألم أُحدَّث أنك تلي من أعمال الناس أعمالًا، فإِذا أُعطيتَ العُمالة (٤) كرهتها؟ فقلت: بلى، فقال عمر: ما تريد إِلى ذلك؟ قلت: إِنَّ لي أفراسًا وأعبدًا (٥) وأنا بخير، وأريد أن تكون عُمالتي صدقة على المسلمين.\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ١٠٧٢، قال النووى (٧/ ١٧٩): \"معنى أوساخ الناس؛ أنها تطهير لأموالهم ونفوسهم، كما قال تعالى: ﴿خُذْ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾ فهي كغسالة الأوساخ\".\n(٢) أخرجه مسلم: ١٠٧٢.\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٤٤٠)، وغيره وصححه شيخنا في \"الإِرواء\" (٨٧٠).\n(٤) العُمالة: بضم الميم أجرة العمل، وأما العَمالة بفتح العين: فهي نفس العمل.\n(٥) أعبُدًا: جمع عبد وهو الرقيق، وفي رواية: أعتُدًا: جمع عتيد، وهو المال المدَّخر.","vol":"3","page":110},{"text":"قال عمر: لا تفعل، فإِنّي كنت أردتُ الذي أردتَ، فكان رسول الله - ﷺ - يعطيني العطاء فأقول: أعطه أفقر إِليه منّي، حتى أعطاني مرّة مالًا فقلت: أعطه أفقر إِليه مني، فقال النّبيّ - ﷺ - خُذهُ فتموّله وتصدَّق به، فما جاءك من هذا المال -وأنت غير مشرف (١) ولا سائل- فخذه، وإِلا فلا تُتبِعه نفسك\" (٢).\nوينبغي أن تكون الأجرة بقدر الكفاية (٣).\nفعن المستورد بن شداد، قال: سمعتُ النّبيّ - ﷺ - يقول: \"من كان لنا عاملًا فليكتسب زوجة، فإِن لم يكن له خادم فليكتسب خادمًا، فإِن لم يكن له مسكن فليكتسب مسكنًا\".\nقال: قال أبو بكر: أُخبِرت أنّ النّبيّ - ﷺ - قال: \"من اتخذ غير ذلك فهو غالٌّ أو سارق (٤) \" (٥).\n_________\n(١) أي: غير متطلّع إِليه.\n(٢) أخرجه البخاري: ٧١٦٣، ومسلم: ١٠٤٥.\n(٣) انظر \"فقه السنة\" (١/ ٣٨٧).\n(٤) قال المظهر: أي: يحلّ له أن يأخذ مما في تصرفه في مال بيت المال؛ قدر مهر زوجة ونفقتها وكسوتها، وكذلك ما لا بد منه من غير إِسراف وتنعّم، فإِنْ اْخَذ أكثر ما يحتاج إِليه ضرورة؛ فهو حرام عليه.\nفال الطيبي: وإنما وضع الاكتساب موضع العُمالة والأجرة؛ حسمًا لطمعِه. \"المرقاة\" (٧/ ٣٢٠).\n(٥) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٥٥٢)، وقال شيخنا -﵀- في \"المشكاة\" (٣٧٥١): وإسناده صحيح.","vol":"3","page":111},{"text":"وبوَّب ابن خزيمة -﵀- في \"صحيحه\" (٤/ ٧٠): (باب إِذْن الإِمام للعامل بالتزويج، واتخاذ الخادم والمسكن من الصدقة)، ثمّ ذكر حديث المستورد بن شدّاد -﵁-.\nقال في \"المغني\" (٢/ ٥١٨): \"ويُعطى منها أجر الحاسب والكاتب والحاشد والخازن والراعي ونحوهم، فكلّهم معدودون من العاملين عليها؛ ويُدفع إِليهم من حصة العاملين عليها\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-786>٤ - المؤلفة قلوبهم:</span>\nوالمؤلفة قلوبهم أقسام:\nمنهم من يُعطى لِيُسْلم؛ كما أعطى النّبيّ - ﷺ - صفوان بن أميّة من غنائم حُنين؛ وقد كان مُشركًا.\nفعن ابن شهاب قال: \"غزا رسول الله - ﷺ - غزوة الفتح -فتح مكة- ثمّ خرج رسول الله - ﷺ - بمن معه من المسلمين، فاقتتلوا بحُنين، فنصَر الله دينه والمسلمين، وأعطى رسول الله - ﷺ - يومئذ صفوان بن أميّة مائة من النعم، ثمّ مائة، ثمّ مائة.\nقال ابن شهاب: حدثني سعيد بن المسيب أنَّ صفوان قال: والله لقد أعطاني رسول الله - ﷺ - ما أعطاني، وإنه لأبغض الناس إِليَّ، فما برِح يعطيني؛ حتى إِنه لأحبّ الناس إليَّ\" (١).\nوعن أنس -﵁- قال: \"ما سُئل رسول الله - ﷺ - على الإِسلام\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ٢٣١٣.","vol":"3","page":112},{"text":"شيئًا إِلا أعطاه، قال: فجاءه رجل فأعطاه غنمًا بين جبلين، فرجَع إلى قومه، فقال: يا قوم! أسلِموا، فإِنّ محمّدًا يعطي عطاءً؛ لا يخشى الفاقة\".\nوفي رواية: \"أنّ رجلًا سأل النبيّ - ﷺ - غنمًا بين جبلين، فأعطاه إياه، فأتى قومه فقال: أي قوم! أسلموا، فوالله! إِنّ محمّدًا ليعطي عطاءً؛ ما يخاف الفقر فقال أنس: إِنْ كان الرجل ليُسْلِم ما يريد إِلا الدنيا، فما يُسْلِم حتى يكون الإِسلام أحب إِليه من الدنيا وما عليها\" (١).\nومنهم من يُعطى ليحسن إسلامُه، ويثبّت قلبه كما أعطى يوم حنين أيضًا جماعة من صناديد (٢) الطلقاء وأشرافهم مائة من الإِبل وقال: \"إِني لأُعطي الرجل وغيره أحبّ إِليّ منه، خشية أن يكبّه الله في النار\" (٣).\nوعن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: \"بعث علي -﵁- وهو باليمن، بذهبة (٤) في تربتها (٥)، إِلى رسول الله - ﷺ - فقسَمها رسول الله - ﷺ - بين أربعة نفر: الأقرع بن حابس الحنظلي، وعُيينة بن بدر (٦) الفزاري، وعلقمة بن عُلاثة العامري، ثم أحد بني كلاب، وزيد الخير (٧) الطائي، ثم\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ٢٣١٢.\n(٢) أي. سادة.\n(٣) أخرجه البخاري: ٢٧، ومسلم: ١٥٠.\n(٤) هكذا لفظ مسلم ولفظ البخاري: \"بذُهَيبة\".\n(٥) أي: غير مسبوكة.\n(٦) وهو عُيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري.\n(٧) وزيد الخير: كذا هو في جميع النسخ (الخير) بالراء وفي الرواية التي بعدها =","vol":"3","page":113},{"text":"أحد بني نبهان.\nقال: فغضبت قريش فقالوا: أيُعطي [أتُعطي] صناديد نجد ويدعنا؟ [وتدعنا] فقال رسول الله - ﷺ -: إِنّي إِنّما فعلْتُ ذلك لأتألَّفهم\" (١).\nومنهم من يُعطى لما يُرجى من إِسلام نظرائه.\nومنهم من يُعطى ليجبي الصدقات ممّن يليه، أو ليدفع عن المسلمين الضرر.\nقال شيخ الإِسلام -﵀- في \"مجموع الفتاوى\" (٢٥/ ٤٠): \"قال: -أي: أبو جعفر الطبري -﵀-: ... والصواب أن الله جعل الصدقة في معنيين:\nأحدهما: سد خلّة المسلمين. والثاني: معونة الإِسلام، وتقويته. فما كان معونة للإِسلام، يُعطى منه الغني والفقير، كالمجاهد ونحوه، ومن هذا الباب يُعطى المؤلفة، وما كان في سد خلّة المسلمين\".\nوسألت شيخنا -﵀-: يقول بعض العلماء: إِعطاء المؤلفة قلوبهم من مصارف الزكاة قد سقط بانتشار الإِسلام وغلبته، وقال آخرون: الظاهر جواز التأليف عند الحاجة إِليه، فهل ترون الأخير؟\nفأجاب -﵀-: \"بلا شكّ\".\n_________\n= زيد الخيل باللام. وكلاهما صحيح، يقال بالوجهين، كان يقال له في الجاهلية زيد الخيل، فسمّاه رسول الله - ﷺ - في الإِسلام زيد الخير. \"شرح النووي\" (٧/ ١٦١).\n(١) أخرجه البخاري: ٤٣٥١، ومسلم: ١٠٦٤ وهذا لفظه.","vol":"3","page":114},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-787>٥ - وفي الرقاب </span>(١):\nوأمّا الرقاب؛ فرُوي عن الحسن البصري ومقاتل بن حيّان وعمر بن عبد العزيز وسعيد بن جبير والنخعي والزهري وابن زيد أنهم المكاتبون، وروي عن أبي موسى الأشعرى نحوه، وهو قول الشافعي والليث.\nوقال ابن عباس (٢) والحسن (٣): لا بأس أن تُعتق الرقبة من الزكاة، وهو مذهب أحمد ومالك وإسحاق؛ أي: أنَّ الرقاب أعمّ من أن يُعطى المكاتَب (٤) أو يشتري رقبة فيعتقها استقلالًا، وقد ورد في ثواب الإِعتاق وفكّ الرقبة أحاديث كثيرة، وأنَّ الله يعتق بكل عضو عضوًا من مُعتِقها، حتى الفرج بالفرج، وما ذاك إلاَّ لأنَّ الجزاء من جنس العمل: ﴿وما تُجزون إِلاّ ما كنتم تعملون﴾.\n_________\n(١) انظر للمزيد من الفائدة \"الفتح\" (٣/ ٣٣٢).\n(٢) لعله يشير إِلى قول البخاري -﵀-: ويُذكر عن ابن عباس -﵁-: يُعتق من زكاة ماله ويُعطى في الحج -ووصَله أبو عبيد في \"الأموال\" بسند جيد عنه، وانظر \"الفتح\" (٣/ ٣٣١) و\"مختصر البخاري\" (١/ ٣٤٨).\n(٣) لعله يشير أيضًا إِلى قول البخاري -﵀- وقال الحسن: إِن اشترى أباهُ من الزكاة جاز، ويُعطى في المجاهدين والذي لم يحجّ. قال الحافظ في \"الفتح\" (٣/ ٣٣٢): وهذا صحيح عنه أخرج أوله ابن أبي شيبة.\n(٤) الكتابة: أن يكاتب الرجل عبده على مال يؤديه إِليه منجَّمًا [مقسَّطًا]، فإِذا أدّاه صار حرًّا، وسمّيت كتابة لمصدر (كتب) كأنه يكتب على نفسه لمولاه ثمنه، ويكتب مولاه له عليه العِتق، وقد كاتبَه مكاتبَة والعبد مكاتَب. \"النهاية\".","vol":"3","page":115},{"text":"عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ثلاثة كلّهم حقٌّ على الله عَوْنه: الغازي في سبيل الله، والمكاتَب الذي يريد الأداء، والنَّاكح الذي يريد التعفف\" (١).\nوعن البراء قال: \"جاء أعرابي فقال: يا نبيّ الله! علّمني عملًا يدخلني الجنة؟ قال: لئن كنت أقصرت الخُطبة لقد أعرضت المسألة (٢)، أعتق النسمة (٣)، وفُكَّ الرقبة، قال: أو ليستا واحدًا؟ قال: لا؛ عتق النسمة أن تعتق النسمة، وفكّ الرقبة أن تعين على الرقبة ... \" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-788>٦ - الغارمون:</span>\nوهم الذين تحمّلوا الديون، وشقّ عليهم أداؤها، وهم أقسام:\nمنهم من تحمَّل حَمَالةً (٥)، وضمن دينًا فلزِمه فأَجْحَف (٦) بماله، أو غرِم\n_________\n(١) أخرجه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢٠٤١)، وحسنه شيخنا -﵀- في \"غاية المرام\" (٢١٠).\n(٢) أي: جئت بالخطبة قصيرة والمسألة عريضة، يعني: قلّلْت الخطبة وأعظمت المسألة.\n(٣) النسمة: النفس والروح، أعتق النسمة: أعتق ذا روح وكلّ دابّة فيها روح فهي نسمة، وإنّما يريد الناس والمراد الانفراد بعتقها.\n(٤) وانظر كتابي \"شرح صحيح الأدب المفرد\" (١/ ٨٣).\n(٥) الحَمالة: المال الذي يتحمّله الإِنسان الذي يستدين، ويدفعه في إصلاح ذات البين؛ كالإصلاح بين قبيلتين ونحو ذلك. \"شرح النووي\" (٧/ ١٣٣).\n(٦) أجحف بماله: أى أذهبه.","vol":"3","page":116},{"text":"في أداء دينه، أو في معصية ثمّ تاب، فهؤلاء يُدفع إِليهم.\nوالأصل في هذا الباب؛ حديث قبيصة بن مُخارق الهلالي قال: \"تحمَّلت حَمالة، فأتيت رسول الله - ﷺ - أسأله فيها، فقال: أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها.\nقال: ثمّ قال: يا قبيصة! إِنّ المسألة لا تحلّ إلاَّ لأحد ثلاثة: رجل تحمّل حَمالة؛ فحلّت له المسألة حتى يصيبها ثمّ يمسك، ورجل أصابته جائحة (١) اجتاحت (٢) ماله فحلّت له المسألة حتى يصيب قِوامًا (٣) من عَيْش (أو قال: سِدادًا (٤) من عيش) ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه (٥)؛ لقد أصابت فلانًا فاقة، فحلّت له المسألة حتى يصيب قِوامًا من عيش (أو قال: سِدادًا من عيش) فما سواهنّ من المسألة، يا قبيصة! سُحتًا (٦)\n_________\n(١) الجائحة: هي الآفة التي تهلك الثمار والأموال وتستأصلها، وكل مصيبة عظيمة وفتنة مبيرة جائحة.\n(٢) أي: أهلكت.\n(٣) القِوام والسداد بمعنى واحد، وهو ما يُغنى من الشيء أو تسدّ به الحاجة، وكل شيء سددت به شيئًا فهو سِداد، ومنه: سِداد الثغر، وسِداد القارورة، وقولهم: سِداد من عوز. \"شرح النووي\" (٧/ ١٣٣).\n(٤) القِوام والسداد بمعنى واحد، وهو ما يُغنى من الشيء أو تسدّ به الحاجة، وكل شيء سددت به شيئًا فهو سِداد، ومنه: سِداد الثغر، وسِداد القارورة، وقولهم: سِداد من عوز. \"شرح النووي\" (٧/ ١٣٣).\n(٥) قال النووي (٧/ ١٣٣): \"هكذا هو في جميع النسخ: يقوم ثلاثة، وهو صحيح. أي: يقومون بهذا الأمر فيقولون: لقد أصابته فاقة، والحجى مقصور، وهو العقل، وإنما قال - ﷺ -: من قومه، لأنهم من أهل الخبرة بباطنه، والمال ممّا يخفى في العبادة فلا يعلمه إِلا من كان خبيرًا بصاحبه\".\n(٦) السحت: الحرام.","vol":"3","page":117},{"text":"يأكلها صاحبها سُحتًا\" (١).\nويُعطى الغارم بقدْر حاجته لا أكثر؛ لحديث قبيصة بن مُخارق: \" ... حتى يُصيب قِوامًا من عيش (أو قال: سِدادًا من عيش) فما سواهُنّ من المسألة يا قبيصة؛ سحتًا يأكلها صاحبها سحتًا\".\nقال ابن خزيمة -﵀- في \"صحيحه\" (٤/ ٧٢): \"باب الدليل على أنّ الغارم الذي يجوز إِعطاؤه من الصدقة وإن كان غنيًا، هو الغارم في الحمالة، والدليل على أنه يُعطى قدر ما يؤدي الحَمالة لا أكثر\".\nثم ذكَر حديث قبيصة بن مخارق السابق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-789>٧ - وفي سبيل الله </span>(٢)\nقال ابن كثير -﵀-: \"وأمّا في سبيل الله، فمنهم الغُزاة الذين لا حقّ لهم في الديوان (٣)، وعند الإِمام أحمد والحسن وإسحاق، والحجّ في سبيل الله للحديث\".\nيشير بذلك إِلى حديث ابن عباس -﵄- قال: \"أراد رسول الله - ﷺ - الحجّ، فقالت امرأة لزوجها: أحِجَّني مع رسول الله - ﷺ -، فقال: ما عندي ما أحِجُّكِ عليه، قالت: أحِجّني على جملك فلان! قال: ذاك حبيسٌ (٤) في سبيل الله -﷿-.\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ١٠٤٤.\n(٢) انظر -إِن شئت- ما جاء في \"الفتح\" (٣/ ٣٣٢).\n(٣) يعني: ليس لهم رِزق أو راتب من الدولة.\n(٤) أي: موقوف على الغزاة يركبونه في الجهاد. \"النهاية\".","vol":"3","page":118},{"text":"فأتى رسول الله - ﷺ - فقال: إنّ امرأتي تقرأ عليك السلام ورحمة الله، وإنها سألتني الحج معك! قالت: أحِجّني مع رسول الله - ﷺ -، فقلت: ما عندي ما أُحِجّك عليه، فقالت: أحِجّني على جملك فلان، فقلت: ذاك حبيس في سبيل الله، فقال: \"أما إِنك لو أحْجَجْتها عليه كان في سبيل الله\".\nقال: وإنها أمَرتني أن أسألك: ما يعدل حَجة معك؟ فقال رسول الله - ﷺ -: \"أقرِئها السلام ورحمة الله وبركاته وأخبِرها: أنها تعدل حَجَّة معي\" -يعني- عمرة في رمضان\" (١).\nقال شيخنا -﵀- في \"الصحيحة\" تحت الحديث (٢٦٨١): \"وأمّا (سبيل الله) في آية مصارف الزكاة ﴿إنما الصدقات﴾، فهي في الجهاد وفي الحج والعمرة\".\nوقال شيخنا في \"تمام المِنّة\": -بعد قول ابن كثير-: \" .. وهو اختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية فقال في \"الاختيارات\": \"ومن لم يحجّ حَجّة الإِسلام وهو فقير؛ أُعطي ما يحجّ به، وهو إِحدى الروايتين عن أحمد.\nورواه أبو عبيد في \"الأموال\" رقم (١٩٧٦) عن ابن عمر أنه سئل عن امرأة أوصت بثلاثين درهمًا في سبيل الله، فقيل له: أتُجعل في الحج؟ فقال: أما إِنه في سبيل الله. وإسناده صحيح كما قال الحافظ في \"الفتح\" (٣/ ٢٥٨).\nوروى أبو عبيد رقم (١٧٨٤ و١٩٦٥) بسند صحيح عن ابن عباس\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٧٥٣) وغيره، وانظر \"تمام المِنّة\" (ص ٣٨١).","vol":"3","page":119},{"text":"-﵄-: \"أنه كان لا يرى بأسًا؛ أن يعطي الرجل من زكاة ماله في الحج وأن يعتق الرقبة\" (١).\nوتقدّم الحديث: \"لا تحلّ الصدقة لغنيّ إلاَّ لخمسة: للعامل عليها، أو رجل اشتراها بماله، أو غارم، أو غازٍ في سبيل الله، أو مسكين تُصدِّق عليه؛ فأَهدى منها لغني\".\nوعن أبي لاس الخزاعي -﵁- قال: \"حمَلنا رسول الله - ﷺ - على إِبل من إِبل الصدقة ضعاف للحجّ ... \" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-790>هل بناء المستشفيات الخيرية العامّة وإِعداد الدعاة إِلى الإِسلام والنفقة على المدارس الشرعية ... ونحو ذلك من \"سبيل الله</span>\"؟\nجاء في \"تمام المِنّة\" (ص٣٨٢) بتصرف: \" [إِنّ] تفسير الآية بهذا المعنى الواسع الشامل لجميع الأعمال الخيرية مما لم يُنقل عن أحدٍ من السّلف -فيما علِمت- وإن كان جَنَح إِليه صدّيق حسن خان في \"الروضة الندية\"، فهو مردود عليه.\nولو كان الأمر كما زعم، لما كان هناك فائدة كبرى في حصْر الزكاة في المصارف الثمانية في الآية الكريمة، ولكان أن يدخل في (سبيل الله) كلّ\n_________\n(١) وإعلال أبي عبيد له بأن أبا معاوية انفرد به؛ ليس بشيء، لأن أبا معاوية ثقة، وهو أحفظ الناس لحديث الأعمش كما في \"التقريب\"، وهذا من روايته عنه، وقد تابعه عنه عبدة بن سليمان كما في \"الفتح\"، فزالت شبهة تفرد أبي معاوية به، وانظر \"إِرواء الغليل\" (٣/ ٣٧٦ - ٣٧٧).\n(٢) أخرجه ابن خزيمة في \"صحيحه\" (٢٣٧٧)، وقال شيخنا -﵀-: إِسناده حسن.","vol":"3","page":120},{"text":"أمر خيري مِثل بناء المساجد ونحوها، ولا قائل بذلك من المسلمين.\nبل قال أبو عبيد في \"الأموال\" فقرة (١٩٧٩): \"فأمّا قضاء الدين عن الميت، والعطية في كَفَنه، وبنيان المساجد، واحتفار الأنهار، وما أشبه ذلك من أنواع البرّ، فإِنّ سفيان وأهل العراق وغيرهم من العلماء؛ مُجمِعون على أنّ ذلك لا يجزي من الزكاة، لأنّه ليس من الأصناف الثمانية\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-791>٨ - ابن السبيل:</span>\nقال الحافظ ابن كثير -﵀-: \"وكذلك ابن السبيل، وهو المسافر المجتاز في بلد ليس معه شيء يستعين به على سفره؛ فيعطى من الصدقات ما يكفيه إِلى بلده، وإِنْ كان له مال.\nوهكذا الحُكم فيمن أراد إِنشاء سفر من بلده وليس معه شيء، فيعطى من مال الزكاة كفايته في ذهابه وإيابه.\nوالدليل على ذلك الآية، وما رواه أبو داود وابن ماجه من حديث معمر عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا تحلّ الصدقة لغني إلاَّ لخمسة: ... \". وذكَر الحديث المتقدّم.\nوعند مالك وأحمد؛ ابن السبيل المستحق للزكاة، يختصّ بالمجتاز دون المنشئ ولا يعطى من الزكاة من إِذا وجد مُقِرضًا يُقرِضه وكان له من المال ببلده، ما يفي بقرْضه، فإِن لم يجد مُقرِضًا، أو لم يكن له مال يقضي منه قرضه، أعطي من الزكاة\".\nوقول مالك وأحمد هو الراجح -والله أعلم-. لأنه ليس للإِنسان أن","vol":"3","page":121},{"text":"ينشئ السفر إِذا لم يكن قادرًا عليه إِلا إِذا كان مضطرًا لذلك، وإيفاء القرض أولى من قَبول الزكاة، ولو جازت لابن السبيل الغني لجاء ذلك في الحديث المتقدّم: \"لا تحلّ الصدقة لغني إِلا لخمسة ... \" ولم يذكر منها ابن السبيل. والله -تعالى- أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-792>هل يجب استيعاب الدفع إِلى جميع مصارف الزكاة</span>؟\nلا يجب ذلك لأنَّ الآية ذكَرت الأصناف لبيان المصرف؛ لا لوجوب استيعابها.\nجاء في \"مجموع الفتاوى\" (٢٥/ ٤٠): \"قال الإِمام أبو جعفر الطبري: عامّة أهل العلم يقولون: للمتولي قسمتها، ووضْعها في أي الأصناف الثمانية شاء، وإنّما سمّى الله الأصناف الثمانية؛ إِعلامًا منه أنّ الصدقة لا تخرج من هذه الأصناف إِلى غيرها، لا إِيجابًا لقسمتها بين الأصناف الثمانية\".\nوجاء في \"تفسيرابن كثير\": \"وقد اختلف العلماء في هذه الأصناف الثمانية؛ هل يجب استيعاب الدفع لها، أو إِلى ما أمكن منها؟ على قولين:\n(أحدهما) أنه يجب ذلك وهو قول الشافعي وجماعة.\n(والثاني) أنه لا يجب استيعابها، بل يجوز الدفع إِلى واحد منها، ويعطى جميع الصدقة؛ مع وجود الباقين، وهو قول مالك وجماعة من السلف والخلف؛ منهم عمر وحذيفة وابن عباس وأبو العالية وسعيد بن جبير وميمون ابن مهران.","vol":"3","page":122},{"text":"قال ابن جرير وهو قول عامّة أهل العلم، وعلى هذا؛ فإِنما ذُكِرت الأصناف هاهنا لبيان المصرف لا لوجوب استيعابها\".\nوجاء في \"الروضة الندية\" (١/ ٥٠٣): \" ... نعم إِذا جمع الإِمام جميع صدقات أهل قُطر من الأقطار، وحضَر عنده جميع الأصناف الثمانية، كان لكلّ صنف حقٌّ في مطالبته بما فرضَه الله، وليس عليه تقسيط ذلك بينهم بالسوية، ولا تعميمهم بالعطاء.\nبل له أن يعطي بعض الأصناف أكثر من البعض الآخر، وله أن يعطي بعضهم دون بعض؛ إِذا رأى في ذلك صلاحًا عائدًا على الإِسلام وأهله.\nمثلًا: إِذا جُمعت لديه الصدقات وحضَر الجهاد، وحقّت المدافعة عن حوزة الإِسلام من الكفار أو البغاة؛ فإِنّ له إِيثار صِنف المجاهدين بالصرف إِليهم؛ وإن استغرق جميع الحاصل من الصدقات، وهكذا إِذا اقتضت المصلحة إِيثار غير المجاهدين\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-793>إِذا اجتمَع في واحد أكثر من سبب لأخذ الزكاة</span>\nقال في \"المغني\" (٢/ ٥١٨): \"وإن اجتمع في واحد أسباب تقتضي الأخذ بها؛ جاز أن يعطى بها، فالعامل الفقير له أن يأخذ عُمالته، فإِن لم تُغنه فله أن يأخذ ما يُتمّ به غناه، فإِنْ كان غازيًا فله أخذ ما يكفيه لغزوه، وإِن كان غارمًا أخذ ما يقضي به غرمه؛ لأنّ كلّ واحد من هذه الأسباب؛ يُثبت حُكْمه بانفراده فوجود غيره لا يمنع ثبوت حُكمه؛ كما لم يمنع وجوده\".","vol":"3","page":123},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-794>من تحرُم عليهم الزكاة </span>(١)\n<span data-type=\"title\" id=toc-795>١ - أهل الكفر والإِلحاد </span>لقوله - ﷺ - لمعاذ في الحديث المتقدّم: \" ... فأخبِرهم أنّ الله قد فرض عليهم صدقةً، تُؤخذ من أغنيائهم، فتردّ على فقرائهم\".\nوالمراد أغنياء المسلمين وفقراؤهم.\nقال في \"المغني\" (٢/ ٥١٧): \"لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في أنّ زكاة الأموال لا تُعطى لكافر ولا لمَمْلوك.\nقال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، أنّ الذّمّي لا يعطى من زكاة الأموال شيئًا، ولأن النّبيّ - ﷺ - قال لمعاذ: \"أعلِمهم أنّ عليهم صدقة تُؤخَذ من أغنيائهم، وتُرَدّ في فقرائهم\".\nفخصَّهم بصرفها إِلى فقرائهم كما خصَّهم بوجوبها على أغنيائهم\".\nويستثنى من ذلك المؤلفة قلوبهم كما تقدّم.\nويجوز أن يعطوا من صدقة التطوّع، قال الله تعالى: ﴿ويُطعمون الطعام على حبِّه مسكينًا ويتيمًا وأسيرًا﴾ (٢).\nجاء في \"أضواء البيان\" (٨/ ٦٧٥): \"في قوله تعالى: ﴿مسكينًا ويتيمًا وأسيرًا﴾ جمْعُ أصنافٍ ثلاثة: الأول والثاني: من المسلمين غالبًا، أمّا\n_________\n(١) عن \"فقه السنة\" (١/ ٣٩٨) بتصرف، وانظر \"السيل الجرار\" -إِن شئت- (٢/ ٦٢ - ٦٦) للمزيد من الفائدة.\n(٢) الإنسان: ٨.","vol":"3","page":124},{"text":"الثالث: وهو الأسير؛ فلم يكن لدى المسلمين أسرى إلاَّ من الكفّار، وإنْ كانت السورة مكية؛ إِلا أن العِبرة بعموم اللفظ كما هو معلوم.\nوقد نقَل ابن كثير عن ابن عبّاس: أنها في الفُرْس من المشركين وساق قصّة أُسَارَى بدر.\nواختار ابن جرير أنّ الأَسْرى هم الخَدم، والذي يظهر -والله تعالى أعلم- أنّ الأُسَارى هنا على معناها الحقيقي، لأنّ الخدم لا يخرجون عن القسمين المتقدمين: اليتيم والمسكين، وهؤلاء الأُسَارى بعد وقوعهم في الأسر، لم يبق لهم حَوْل ولا طَوْل، فلم يَبق إِلا الإِحسان إِليهم.\nوهذا من محاسن الإِسلام وسمو تعاليمه، وإنّ العالم كله اليوم؛ لفي حاجة إِلى معرفة هذه التعاليم السّماويّة السّامية حتى مع أعدائه، وقد قال تعالى: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدّين ولم يُخرِجوكم مِن دياركم أن تبرُّوهم وتُقسطوا إِليهم﴾ (١)، وهؤلاء بعد الأسْر ليسوا مقاتلين\".\nوعن أسماء بنت أبي بكر -﵄- قالت: \"قَدمت عليّ أمّي، وهي مشركة في عهد رسول الله - ﷺ -، فاستفتيتُ رسول الله - ﷺ -، قلت: إِنَّ أمّي قَدِمت وهي راغبة، أفأصِل أمّي؟ قال: نعم، صِلِي أمّك\" (٢).\nوفي الحديت: \"تصدّقوا على أهل الأديان\" (٣).\n_________\n(١) الممتحنة: ٨.\n(٢) أخرجه البخاري: ٢٦٧٠، ومسلم: ١٠٠٣.\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\"، وغيره، وهو ثابت بمجموع طرقه وشواهده، وانظر \"الصحيحة\" (٢٧٦٦).","vol":"3","page":125},{"text":"قال شيخنا -﵀-: ويشهد للحديث ما أخرجه الشيخان وغيرهما من حديث أسماء بنت أبي بكر قالت: وذكر الحديث.\nثمّ قال -رحمه الله تعالى-: \" ... وترجم له [أي: البيهقي] ولحديث الترجمة بقوله: \"باب صدقة النافلة على المشرك وعلى من لا يُحمَد فِعله\" هذا في صدقة النافلة.\nوأمّا الفريضة فلا تجوز لغير المسلم لحديث معاذ المعروف: \"تؤخذ من أغنيائهم، فتردّ على فقرائهم ... \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-796>٢ - بنو هاشم وبنو المطّلب</span>.\nلحديث المطلب بن ربيعة بن الحارث المتقدّم: \" ... إِنّ الصّدقة لا تنبغي لآل محمّد، إِنما هي أوساخ الناس\" (١).\nوعن أبي هريرة -﵁- قال: \"أخذ الحسن بن علي تمرةً من تمر الصدقة فجعلها في فيه فقال رسول الله - ﷺ -: كَخ كَخ (٢) ارم بها؛ أما علمتَ أنّا لا نأكل الصدقة\" (٣).\nواختلف العلماء في بني المطلب، فذهب الشافعي إِلى أنه ليس لهم\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ١٠٧٢.\n(٢) يقال: كخ كخ بفتح الكاف وكسرها، وهي كلمة يُزجر بها الصبيان عن المستقذرات، فيقال له كخ، أي: اتركه وارم به.\nوفي الحديث أنَّ الصبيان يُوَقّون مما يوقّ الكبار، وتمنع من تعاطيه وهذا واجب على الوليّ. \"شرح النووي\" (٧/ ١٧٥).\n(٣) أخرجه البخاري: ١٤٩١، ومسلم: ١٠٦٩.","vol":"3","page":126},{"text":"الأخذ من الزكاة؛ مثل بني هاشم.\nفعن جبير بن مُطعم قال: \"مشيت أنا وعثمان بن عفّان إِلى رسول الله - ﷺ - فقلنا: يا رسول الله، أعطيْت بني المطلب وتركتنا، ونحن وهم منك بمنزلة واحدة، فقال رسول الله - ﷺ -: إِنما بنو المطلب وبنو هاشم شيءٌ واحد\".\nقال الليث: حدثني يونس وزاد: \"قال جُبَيْر: ولم يَقسِم النبي - ﷺ - لبني عبد شمس، ولا لبني نوفل.\nوقال ابن إِسحاق: عبد شمس وهاشم والمطلب إِخوة لأمّ وأمّهم عاتكة بنت مرّة، وكان نوفل أخاهم لأبيهم\" (١).\nقال ابن حزم -﵀- في \"المُحلّى\" (٦/ ٢١٠): \"فصحّ أنّه لا يجوز أن يُفرَّق بين حُكمهم في شيء أصلًا؛ لأنهم شيء واحد بنصّ كلامه -﵊- فصحّ أنهم آل محمّد، وإذ هم آل محمّد فالصدقة عليهم حرام\".\nوكما حرَّم رسول الله - ﷺ - الصدقة على بني هاشم؛ فقد حرّمها كذلك على مواليهم وهم الأرقاء المعتقون.\nفعن أبي رافع -﵁- \"أنّ النبي - ﷺ - بعَث رجلًا من بني مخزوم على الصدقة، فقال لأبي رافع: اصحبني كيما تصيب منها، فقال: لا حتى آتي رسول الله فأسأله.\nفانطلق إِلى النبي - ﷺ - فسأله فقال: \"إِنّ الصدقة لا تحلّ لنا، وإِنّ موالي\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٣١٤٠.","vol":"3","page":127},{"text":"القوم من أنفسهم\" (١).\nقال شيخنا -﵀- في \"الصحيحة\": \"وما دلّ عليه الحديت من تحريم الصدقة على موالي أهل بيت النبي - ﷺ -؛ هو المشهور في مذهب الحنفية؛ خلافًا لقول ابن الملك منهم.\nوقد ردّ ذلك عليه العلاّمة الشيخ علي القاري في \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٤٤٨ - ٤٤٩) فليراجعه من شاء\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-797>٣ - من تجب عليهم النفقة من قِبل المزكّي</span>؛ كالأبناء والأبوين ونحو ذلك، وسيأتي التفصيل بإِذن الله -تعالى-.\n<span data-type=\"title\" id=toc-798>زكاة من لا تجب نفقتهم</span>\nأمّا إِذا لم تجب النففة عليهم؛ فإِخراج الزكاة عليهم أَوْلى.\nعن زينب امرأة عبد الله قالت: \"كنت في المسجد فرأيت النبي - ﷺ - فقال: تصَدّقْن ولو من حُليِّكنَّ -وكانت زينب تُنفق على عبد الله وأيتام في حجرها- فقالت لعبد الله: سَلْ رسول الله - ﷺ -؛ أيَجزي عني أن أنفق عليك وعلى أيْتَامي في حَجري من الصدقة؟ فقال: سلي أنت رسول الله - ﷺ -.\nفانطلَقْتُ إِلى النبي - ﷺ - فوَجَدْت امرأة من الأنصار على الباب؛ حاجتها مثل حاجتي، فمرّ علينا بلال فقلنا: سَل النبي - ﷺ - أيجزي عني أن أُنفق على زوجي وأيتام لي في حجري؟ وقلنا: لا تُخْبِر بنا.\n_________\n(١) أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٥٣٠)، وغيرهم، وانظر \"الصحيحة\" (١٦١٣).","vol":"3","page":128},{"text":"فدخل فسأله فقال: من هما؟ قال: زينب، قال: أيُّ الزيانب؟ قال: امرأة عبد الله، قال: نعم، ولها أجران: أجر القرابة وأجر الصدقة\" (١).\nوفي حديث سلمان بن عامر عن النبي - ﷺ - قال: \"الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم ثنتان: صدقة وصِلَة\" (٢).\nومن الأمثلة على جواز إِعطاء الزكاة لمن لا تجب نفقتهم: الولد المتزوّج الذي يعيش في بيت مستقل عن أبويه؛ وكلٌّ مستقلٌّ بنفقته على نفسه.\nجاء في \"مجموع الفتاوى\" (٢٥/ ٩٠): \"وسئل -﵀- عن دفْعها إِلى والديه، وولده الذين لا تلزمه نفقتهم؛ هل يجوز أم لا؟\nفأجاب: الذين يأخذون الزكاة صنفان: صنف يأخذ لحاجته؛ كالفقير والغارم لمصلحة نفسه.\nوصنف يأخذها لحاجة المسلمين: كالمجاهد والغارم في إِصلاح ذات البين، فهؤلاء يجوز دفْعها إِليهم، وإِن كانوا من أقاربه.\nوأما دْفعها إِلى الوالِدين: إِذا كانوا غارِمَين، أو مكاتبين: ففيها وجهان، والأظهر جواز ذلك.\nوأمّا إِن كانوا فقراء وهو عاجز عن نفقتهم، فالأقوى جواز دفعها إِليهم في هذه الحال\".\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٤٦٦، ومسلم: ١٠٠٠.\n(٢) أخرجه أحمد والنسائي والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٥٣١) وغيرهم، وحسّنه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٨٨٣).","vol":"3","page":129},{"text":"وجاء في \"الاختيارات الفقهية\" (ص ١٠٤): \"ويجوز صرف الزكاة إِلى الوالديْن وإنْ علَوْا، وإلى الولد وإن سَفل، إِذا كانوا فقراء وهو عاجز عن نفقتهم؛ لوجود المقتضي السالم عن المعارض المقاوم؛ وهو أحد القولين في مذهب أحمد، وكذا إِنْ كانوا غارمين أو مُكاتبين، أو أبناء سبيل؛ وهو أحد القولين أيضًا.\nوإذا كانت الأمّ فقيرة؛ ولها أولاد صغار لهم مال ونفقتها تضرُّ بهم؛ أُعطيت من زكاتهم.\nوالذي يخدمه إِذا لم تكفه أجرته؛ أعطاه من زكاته؛ إِذا لم يستعمله بدل زكاته، ومن كان في عياله من لا تجب عليه نفقتهم، فله أن يعطيهم من الزكاة ما يحتاجون إِليه؛ ممّا لم تَجْرِ عادته بإِنفاقه من ماله\".\nوقال ابن خزيمة في \"صحيحه\" (٤/ ١٠٩): \" (باب صدقة المرء على ولده ...) ثمّ روى بإِسناده حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده: أنّ رجلًا تصدّق على ولده بأرض، فردّها إِليه الميراث، فذكَر ذلك لرسول الله - ﷺ -، فقال له: \"وجب أجرك ورجع إِليك مُلكك\" (١).\nوسألت شيخنا -﵀- عن الزكاة على الأقارب.\nفقال: لا تجتمع زكاة ونفقة.\nوسأله بعضهم: أتصحّ زكاة البنت الغنية على والديها؟\nفأجاب -﵀-: لا؛ يجب عليها النفقة.\n_________\n(١) انظر \"صحيح ابن خزيمة\" (٢٤٦٥).","vol":"3","page":130},{"text":"وسأله بعضهم: هل يجب على الوالد أن يُنفق على ولده الفقير المتزوّج؟ فقال: \"نعم\".\nوأجاب شيخنا -﵀- أحد السائلين في موطن آخر: \"نحن نرى جواز إِعطاء الفرع للأصل، والعكس إِذا كانوا لا يعيشون مع بعض، ولا يُنفق أحدهما على الآخر.\nفإِذا كان الوالد مع بقية أولاده يعيشون مستقلّين، وأحد الأبناء يعيش بمفرده وهو غنيّ؛ فله أن يقدّم زكاة ماله وزكاة فطره لأبيه وإخوانه.\nأمّا إِذا كان هو المسؤول عنهم في الإِنفاق؛ فهنا يُقال نفقة وزكاة لا يجتمعان، فلا يجوز أن تعطى الزكاة لمن يُنفَق عليه.\nأمّا إِذا كان الأب وأولاده يعيشون بمفردهم مستورين -كما يقال- فيجوز لهذا الولد الغني أن يعطي زكاة ماله لأبيه وإخوته الفقراء\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-799>الزكاة على الزوجة</span>\nلا يجوز دفع الزكاة إِلى الزوجة؛ لأنّ نفقتها تجب على زوجها. ونقَل ابن قدامة -﵀- في \"المغني\" (٢/ ٥١٣) الإِجماع على ذلك قائلًا: \"وقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أنَّ الرجل لا يُعطي زوجته من الزكاة؛ وذلك لأنَّ نفقتها واجبة عليه، فتستغني بها عن أخْذ الزكاة، فلم يَجُز دفعها إِليها\".\nإلاَّ إِذا كانت غارمة فتُعطى من سهم الغارمين.\nوسألت شيخنا -﵀-: هل يجوز للرجل أن يدفع لزوجته الزكاة إِذا","vol":"3","page":131},{"text":"كانت مدينة من باب الغارمين؟.\nفقال: \"إِذا لم يكن للنفس حظٌّ في الموضوع، فهي أَوْلى\".\nوقال مرّة أخرى: \"ليس الغارم كلّ مديون، وإنّما هو الذي استدان لِحلّ مشكلةٍ للآخرين، فهذا يعطى من مالِ الزكاة.\nأمّا إِذا استدان شخص لمصلحته الخاصة؛ فإِنه لا يُعطى كونه غارمًا، بل يُنظر أفقير هو أم لا\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-800>هل تَدْفَع الزوجة الزكاة لزوجها</span>؟\nيجوز للزوجة أن تدفع زكاتها إِلى زوجها، وهو مذهب الشافعي وابن المنذر وطائفة من أهل العلم.\nفعن أبي سعيد -﵁-: \"خرج رسول الله - ﷺ - في أَضْحىً أو فِطر إِلى المصلّى، ثمّ انصرف، فوعظ الناس وأمَرهم بالصدقة، فقال: أيها الناس: تصدقوا.\nفمرّ على النساء فقال: يا معشر النساء تصدّقن فإِنِّي رأيتكنَّ أكثر أهل النار، فقُلن: وبمَ ذلك يا رسول الله؟ قال: تُكْثِرْن اللَّعن وتكفُرن العَشير (١) ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للُبّ الرجل الحازم من إِحداكنّ يا معشر النساء.\nثمّ انصرف فلما صار إِلى منزله جاءت زينب امرأة ابن مسعود تستأذن\n_________\n(١) أي: الزوج، والعشير: المُعاشر، لأنها تعاشره ويعاشرها، من العِشرة: الصحبة. \"النهاية\".","vol":"3","page":132},{"text":"عليه، فقيل: يا رسول الله هذه زينب فقال: أيُّ الزّيانب؟ فقيل: امرأة ابن مسعود قال: نعم؛ ائذنوا لها فأُذِن لها.\nقالت: يا نبيّ الله! إِنك أمرتَ اليوم بالصدقة، وكان عندي حُلِيٌّ لي فأردت أن أتصدَّق به فزعم ابن مسعود أنه وولده أحقّ مَن تصدَّقْتُ به عليهم.\nفقال النّبيّ - ﷺ -: صَدق ابن مسعود زوجك وولدك أحقُّ من تصدّقت به عليهم\" (١).\nولأنه تجب نفقته، فلا يمنع دفْع الزكاة إِليه، وليس في المنع نصٌّ ولا إِجماع (٢).\nقال ابن خزيمة في \"صحيحه\" (٤/ ١٠٦): \" (٤٢٦) باب استحباب إِتيان المرأة زوجها وولدها؛ بصدقة التطوع على غيرهم من الأباعد، إِذ هم أحقّ بأن يُتصدَّق عليهم من الأباعد\".\nوذكر حديث: \"صدق ابن مسعود ... \"، وغيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-801>هل يدْفع الزكاة إِلى الأقارب المحتاجين إِذا كان الأجنبي أشدّ حاجة</span>!\nجاء في \"مجموع الفتاوى\" (٢٥/ ٨٩): \"وسئل -قدس الله روحه- عن دفع الزكاة إِلى أقاربه المحتاجين؛ الذين لا تلزمه نفقتهم؟ هل هو الأفضل أو دفْعها إِلى الأجنبي؟\n_________\n(١) أخرجه البخاري ١٤٦٢، وفي رواية: لها أجران: أجر القرابة، وأجر الصدقة، وتقدّمت.\n(٢) عن \"المغني\" (٢/ ٥١٣) بحذف.","vol":"3","page":133},{"text":"فأجاب: أمّا دفْع الزكاة إِلى أقاربه: فإِنْ كان القريب الذي يجوز دفْعها إِليه؛ حاجته مِثل حاجة الأجنبي إِليها، فالقريب أوْلى. وإن كان البعيد أحْوَج، لم يُحاب بها القريب.\nقال أحمد: عن سفيان ابن عيينة كانوا يقولون: لا يُحابي بها قريبًا، ولا يَدفَع بها مذمّة، ولا يقي بها ماله\".\nوجاء في \"مجموع الفتاوى\" (٢٥/ ٩٣): \"وسئل عن الصدقة على المحتاجين من الأهل، وغيرهم؟\nفأجاب: إِنْ كان مال الإنسان لا يتسع للأقارب والأباعد، فإِن نفقة القريب واجبة عليه، فلا يُعطي البعيد ما يضر بالقريب.\nوأمّا الزكاة والكفَّارة؛ فيجوز أن يعطي منها القريب الذي لا ينفق عليه، والقريب أولى إِذا استوت الحاجة\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-802>٤ - صرفها في وجوه القُرَب:</span>\nلا يجوز صرف الزكاة في غير الأصناف التي ذُكرت في الآية الكريمة: ﴿إنّما الصدقات للفقراء ...﴾ إِذ ليس لنا التوسُّع؛ لأنّ الآية الكريمة حصرت هذه المصارف فكيف نوسّعها.\nجاء في \"مختار الصحاح\": \"وإنْ زدْت على (إِنّ) (ما) صارت للتعيين، كقوله تعالى: ﴿إِنّما الصدقات للفقراء ...﴾ الآية، لأنه يوجب إِثبات الحُكم للمذكور، ونفْيه عمّا عداه\".\nوبهذا؛ فلا كبير فائدة -كما تقدّم- من حصر الزكاة في المصارف","vol":"3","page":134},{"text":"الثّمانية في الآية الكريمة إِذا توسّعنا.\nجاء في \"المغني\" (٢١/ ٥٢٧): \"ولا يجوز صرف الزكاة إِلى غير مَن ذَكَر الله -تعالى- مِن بناء المساجد والقناطر والسقايات وإصلاح الطرقات، وسد البثوق (١)، وتكفين الموتى، والتوسعة على الأضياف، وأشباه ذلك من القُرب التي لم يذكرها الله -تعالى-.\nوقال أنس والحسن: ما أعطيت في الجسور والطرق فهي صدقة ماضية، والأول أصحّ لقوله ﷾: ﴿إِنّما الصدقات للفقراء والمساكين ...﴾ و\"إنّما\" للحصر والإِثبات تُثبتُ المذكور وتنفي ما عداه\".\nوتقدّم ما ذكره شيخنا عن أبي عبيد في \"الأموال\" -رحمهما الله تعالى-: \"فأمّا قضاء الدين عن الميت، والعطيّة في كفنه، وبُنيان المساجد، واحتفار الأنهار، وما أشبه ذلك من أنواع البِرّ؛ فإِنّ سفيان وأهل العراق وغيرهم من العلماء؛ مُجمِعون على أن ذلك لا يجزي من الزكاة؛ لأنه ليس من الأصناف الثّمانية\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-803>هل تعطى الزكاة لغير أهل الصّلاح</span>؟\nقال في \"الاختيارات الفقهية\" (ص١٠٣): \"ولا ينبغي أن يُعطيَ الزكاة لمن لا يستعين بها على طاعة الله؛ فإِنَّ الله تعالى فرَضها معونةً على طاعته لمن يحتاج إِليها من المؤمنين؛ كالفقراء والغارمين، أو لِمَن يُعَاوِن المؤمنين، فمن لا يُصلّي من أهل الحاجات؛ لا يُعطى شيئًا حتى يتوب، ويلتزم أداء\n_________\n(١) مفردها بَثق: موضع انبثاق الماء من نهر ونحوه. وانظر \"الوسيط\".","vol":"3","page":135},{"text":"الصلاة في أوقاتها\".\nوسألت شيخنا -﵀-: هل تعطى الزكاة لغير الصالح إِذا لم يستعن بها على المعصية؟\nفقال: \" ... عند فقدان الصالح\".\nوقال -﵀-: ... \"أمّا المسلم الفاسق؛ فيجوز إِعطاؤه الزكاة إِذا كان فيه تأليفٌ لقلبه، وإِلاَّ فلا\". انتهى.\nوالذي يبدو لي أنّ التصدّق على كل من حُكم بإِسلامه يُجزئ؛ إِذا لم يستعِن بها على المعصية، مع وجوب تقديم الصالح، والله -تعالى- أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-804>الصدقة على ذي الرحم الكاشح</span>\nعن أمّ كلثوم -﵂- قالت: قال رسول الله - ﷺ -: \"أفضل الصّدقة على ذي الرحم الكاشح (١) \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-805>الصدقة على الجار</span>\nعن ابن عمر -﵄- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورّثه\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-806>هل يشرع الاتجار بأموال اليتامى</span>؟\nفيه أحاديث لا تثبُت؛ منها: \"اتجروا في مال اليتامى لا تأكلها الزكاة\".\n_________\n(١) الكاشح: هو العدوّ الذي يُضمر عداوته ويطوي عليها كَشْحه -أي باطنه- والكَشْح: الخصر، أو الذي يطوي عنك كَشْحه ولا يألفك. \"النهاية\".\n(٢) أخرجه البخاري: ٦٠١٥، ومسلم: ٢٦٢٥.","vol":"3","page":136},{"text":"وقد بيّن ضعفها وعِلَلَها شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٧٨٨).\nوسألت شيخنا -﵀- عن الاتجار بأموال اليتامى.\nفقال -﵀-: إِذا غلب على ظنه الربح جاز.\nوفي بعض الإِجابات عنها وعن مِثلها مِن بعض مصارف قال -﵀-: إِذا تكفّلوا بإِعادة المال عند الخسارة جاز ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-807>إِسقاط الدَّين عن الزكاة</span>\nقال النووي في \"المجموع\": \"لو كان على رجل معسر دين، فأراد أن يجعله عن زكاته وقال له: جعلْته عن زكاتي فوجهان:\nأصحهما، لا يجزئه، وهو مذهب أحمد، وأبي حنيفة، لأنّ الزكاة في ذمّته، فلا يبرأ إِلا بإِقباضها.\nوالثاني: يجزئه؛ وهو مذهب الحسن البصري، وعطاء؛ لأنه لو دفَعه إِليه، ثمّ أخذه منه جاز، فكذا إِذا لم يقبضه.\nكما لو كانت له دراهم وديعة، ودفَعها عن الزكاة، فإنه يجزئه؛ سواء قبَضها أم لا\" (١).\nقلت: ولا يمكن تشبيه دراهم الوديعة بهذا المال، لأنّ الأصل في مال الوديعة أنه مقبوض، لكن هذا قد يقبض وقد لا يقبض.\nوالذي يبدو أنّه إذا ترجّح قبض هذا الدين جاز، وإلا فلا، والله أعلم.\n_________\n(١) انظر \"فقه السُّنّة\" (١/ ٤٠٧).","vol":"3","page":137},{"text":"وجاء في \"المغني\" (٢/ ٥١٦): \"قال مهنا: سألت أبا عبد الله عن رجل له على رجل دين بِرَهْن، وليس عنده قضاؤه، ولهذا الرجل زكاة مال يريد أن يُفرِّقها على المساكين؛ فيدفع إِليه رهنه ويقول له: الدين الذي لي عليك هو لك، ويحسبه من زكاة ماله.\nقال: لا يجزيه ذلك، فقلت له: فيدفع إِليه من زكاته فإِنْ ردّه إِليه قضاءً مِن ماله أَخَذَه؟ فقال: نعم.\nوقال في موضع آخر وقيل له: فإِنْ أعطاه ثمّ ردَّه إِليه؟ قال: إِذا كان بحِيلَة فلا يُعْجبني.\nقيل له: فإِن استقرض الذي عليه الدين دراهم، فقضاه إِياها ثمّ ردّها عليه، وحسَبها من الزكاة؟ فقال: إِذا أراد بها إِحياء ماله فلا يجوز، فحصَل من كلامه أنّ دفْع الزكاة إِلى الغريم جائز؛ سواء دفَعها ابتداءً أو استوفى حقّه ثمّ دفع ما استوفاه إِليه.\nإِلا أنه متى قصد بالدفع إِحياء ماله أو استيفاء دينه لم يجُز؛ لأنّ الزكاة لحقّ الله -تعالى- فلا يجوز صرْفها إِلى نفْعه، ولا يجوز أن يحتسب الدين الذي له من الزكاة قبل قبْضه؛ لأنه مأمور بأدائها وإيتائها، وهذا إِسقاط. والله أعلم\".\nوقال شيخ الإِسلام -﵀- في \"مجموع الفتاوى\" (٢٥/ ٨٩): \"وإنْ كان له دين على حيٍّ أو ميت؛ لم يحتسب به من الزكاة ولا يحتال في ذلك\".\nوسألت شيخنا -﵀- عن رجل له دين عند آخر وهو مُعسر، فهل يجزئه لو قال له: هو زكاة مالي؟","vol":"3","page":138},{"text":"فأجاب -﵀-: يجزئ إِذا أعلمه بذلك وقَبل المدين، ولم يكن دينًا ميّتًا (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-808>نقْل الزكاة</span>\nلا شكَّ أنّ الأصل والأفضل إِخراج الزكاة في نفص البلد؛ لقول النّبيّ - ﷺ - لمعاذ -﵁- كما تقدّم-: \" ... أخبِرهم أن عليهم صدقة؛ تؤخَذ من أغنيائهم وتُردّ في فقرائهم\".\nوهذا يختصّ بفقراء بلدهم، وهذا آكد في تنظيم أمور الفقراء وسدّ حاجاتهم.\nقال الإِمام البخاري -﵀- \"باب أخْذ الصدقة من الأغنياء، وتردّ في الفقراء حيث كانوا\" (٢).\n\nقال ابن المنيّر: \"اختار البخاري جواز نقل الزكاة من بلد المال؛ لعموم قوله: \"فترَدّ على فقرائهم\" لأن الضمير يعود على المسلمين، فأيّ فقير منهم رُدَّت فيه الصدقة في أي جهة كان، فقد وافق عموم الحديث\" (٣).\nوقال ابن خزيمة -﵀- في \"صحيحه\" (٤/ ٥٨): \"باب الأمر بقسم الصّدقة في أهل البلدة، التي تؤخذ منهم الصدقة\"، ثمّ ذكر الحديث: \" ... فأَعلِمهم أنّ الله افترض عليهم صدقة في أموالهم؛ تؤخذ من أغنيائهم،\n_________\n(١) أي: لم يكن يائسًا من قبضه.\n(٢) انظر \"صحيح البخاري\" \"كتاب الزكاة\" (٦٣ - باب).\n(٣) انظر \"الفتح\" (٣/ ٣٥٧).","vol":"3","page":139},{"text":"فتردُّ في فقرائهم\".\nقال في \"المغني\" (٢/ ٥٣١): \"فإِن خالف ونقَلها أجزأته في قول أكثر أهل العلم، وإن استغنى عنها فقراء أهل بلدها، فإِنه يجوز نقْلها عند المانعين\".\nوجاء في \"الاختيارات الفقهية\" (ص ٩٩) -بحذف-: \"وإذا نقل الزكاة إِلى المستحقين بالمصر الجامع، مثل أن يعطي مَن بالقاهرة من العشور التي بأرض مصر، فالصحيح جواز ذلك.\nفإِنّ سكّان المصر؛ إِنما يعانون من مزارعهم، بخلاف النقل من إِقليم، مع حاجة أهل المنقول عنه.\nوإنما قال السلف: جيران المال أحق بزكاته، وكرهوا نقل الزكاة إِلى بلد السلطان وغيره؛ ليكتفي أهل كلّ ناحية بما عندهم من الزكاة، ويجوز نقل الزكاة وما في حكمها لمصلحة شرعية\".\nوفيه (ص ١٠٤): \"ويجب صرْف الزكاة إِلى الأصناف الثّمانية، إنْ كانوا موجودين، وإِلا صُرفت إِلى الموجود منهم، ونقْلها إِلى حيث يوجدون\".\nوعن إِبراهيم بن عطاء -مولى عمران بن حصين- عن أبيه: أن زيادًا -أو بعض الأمراء- بَعث عمران بن حصين على الصدقة.\nفلمّا رجع قال لعمران: أين المال؟ قال: وللمال أرسلتني؟ أخذناها من حيث كنّا نأخذها؛ على عهد رسول الله - ﷺ -، ووضعناها حيث كنا نضعها، على عهد رسول الله - ﷺ -\" (١).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٤٣١)، وابن ماجه \"صحيح سنن =","vol":"3","page":140},{"text":"قال الإِمام مالك -﵀-: \"لا بأس بنقلها للحاجة، وإذا لم يكن أهل البلد مستحقين؛ فتنقَل -بلا خلاف- وعند الإِمام الشافعي وأحمد لا تُنقَل، ولا شكّ أنّ الأفضل إِخراجها في نفس البلد؛ إِلا إِذا لم يجد مستحقّيها؛ مع جواز نقْلها ولو وجد مستحقّوها\".\nوجاء في \"مجموع الفتاوى\" كذلك (٢٥/ ٨٥): \"وسئل -﵀- عمن له زكاة، وله أقارب في بلد تقصر إِليه الصلاة، وهم مستحقّون الصدقة؛ فهل يجوز أن يدفعها إِليهم؟ أم لا؟\nفأجاب: الحمد لله. إِذا كانوا محتاجين مستحقين للزكاة، ولم تحصل لهم كفايتهم من جهة غيره، فإنه يعطيهم من الزكاة، ولو كانوا في بلد بعيد، والله أعلم\".\nوسئل شيخنا -﵀- عن دليل الجواز فقال: \"الدليل عدم ورود الدليل المانع من النقل\" والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-809>إِذا استدان مالًا هل يُخرج زكاته</span>؟\nإِذا استدان رجل مالًا بلغ النصاب وحال عليه الحول؛ فالظاهر وجوب إِخراج الزكاة عنه، أمّا إِذا لم يَحُل عليه الحول؛ فلا زكاة عليه.\nوسئل شيخنا -﵀- عن شخص استدان مبلغًا وحال عليه الحول؛ فهل يخرج زكاته؟ وهل يجب كذلك على صاحب المال؛ فيكون قد زُكّي مرتين!\n_________\n= ابن ماجه\" (١٤٦٧)، وحسّنه شيخنا -﵀- في \"تخريج أحاديث مشكلة الفقر\" (ص ٩٠).","vol":"3","page":141},{"text":"فأجاب: \"هو كذلك، فإِنّ الواجب على المدين أن يقضي حاجته بهذا المال، فإِذا لم يستعمل المال لسبب أو آخر وبقي مكنوزًا عنده حولًا كاملًا؛ فإِنه يجب عليه وعلى صاحب المال إِخراج الزكاة.\nأمّا الدائن، فالأمر واضح وجليّ، وأما المدين؛ فلأنه كنزَ هذا المال حولًا كاملًا، ومِن حِكمة الله سبحانه في ذلك، ألا يتورّط المدين بكنز المال\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-810>هل يجزئ الرجل عن زكاته ما يُغرمه ولاة الأمور في الطرقات وما في معناه</span>؟\nأجاب شيخ الإِسلام -﵀- في \"مجموع الفتاوى\" (٢٥/ ٩٣)\nفقال: \"ما يأخذه ولاة الأمور بغير اسم الزكاة؛ لا يعْتد له من الزكاة والله -تعالى- أعلم\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-811>من أعطى الزكاة لمن ظنّ أنّه مستحقّ فظهر أنه غير مستحقّ </span>(١)\nقال في \"المغني\" (٢/ ٥٢٨) -بحذف-: \"وإذا أعطى من يظنه فقيرًا فبان غنيًا، فعن أحمد فيه روايتان:\nإِحداهما: يجزئه. اختارها أبو بكر، وهذا قول الحسن وأبي عبيد وأبي حنيفة.\nوالرواية الثانية: لا يُجزئه؛ لأنه دفع الواجب إِلى غير مستحقّه، فلم يخرج من عُهدته؛ كما لو دفَعها إِلى كافر أو ذي قرابة -كديون الآدميين- وهذا قول الثوري والحسن بن صالح وأبي يوسف وابن المنذر، والشافعي؛ قولان\n_________\n(١) هذا العنوان من \"المغني\" (٢/ ٥٢٨).","vol":"3","page":142},{"text":"كالروايتين\".\nفعن عُبيد الله بن عَديّ بن الخِيار، قال: أخبَرني رجلان أنهما أتيا النبي - ﷺ - وهو في حجة الوِداع، وهو يُقسِّم الصدقة، فسألاه منها، فرفع فينا النظر وخفضه فرآنا جِلْدين (١)، فقال؛ إِنْ شئتما أعطيتكما، ولا حظَّ فيها لغنيّ ولا لقويّ مكتسب\" (٢).\nوعن أبي هريرة -﵁- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"قال رجل لأتصدقنَّ بصدقةٍ، فخرج بصدقة فوضعها في يد سارق.\nفأصبحوا يتحدثون تُصُدِّق على سارق، فقال: اللهمّ لك الحمد، لأتصدقنَّ بصدقة، فخرج بصدقة فوضعها في يَدَي زانيةٍ.\nفأصبحوا يتحدّثون: تُصدِّق الليلة على زانية، فقال: اللهمّ لك الحمد على زانية، لأتصدقنّ بصدقة، فخرج بصدقته فوضَعها في يَدَي غنيٍ.\nفأصبحوا يتحدَّثون: تُصدِّق على غني؛ فقال: اللهمّ لك الحمد على سارق وعلى زانية وعلى غنيّ.\nفأُتي فقيل له: أمّا صدقتك على سارقٍ؛ فلعلَّه أن يستعفَّ عن سرقته، وأمّا الزانية فلعلها أن تستعفّ عن زناها، وأمّا الغني فلعلّه يعتبر، فيُنفق ممّا أعطاه الله\" (٣).\n_________\n(١) بسكون اللام أو كسرها أي: قويين.\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٤٣٨)، والنسائي، وقال شيخنا -﵀- في \"المشكاة\" (١٨٣٢): إِسناده قوي، وتقدّم.\n(٣) أخرجه البخاري: ١٤٢١، ومسلم: ١٠٢٢.","vol":"3","page":143},{"text":"وبوّب له البخاري بقوله: \"إِذا تصدّق على غني وهو لا يعلم\".\nقال الحافظ في \"الفتح\" (٣/ ٢٩٠): \"أي: فصدقته مقبولة\".\nوعن معن بن يزيد -﵁- قال: \"بايعْتُ رسول الله - ﷺ - أنا وأبي وجدّي، وخطب عليّ (١) فأنكَحني وخاصمتُ إِليه، وكان أبي يزيد، أخرج دنانير يتصدّق بها، فوضَعها عند رجل في المسجد.\nفجئت فأخذتُها فأتيتُه بها فقال: والله ما إِياك أردت، فخاصمتُه إِلى رسول الله - ﷺ - فقال: لك ما نويتَ يا يزيد، ولك ما أخذتَ يا معن\" (٢).\nوبوّب له البخاري بقوله: \"إِذا تصدّق على ابنه وهو لا يشعر\".\nوسألت شيخنا -﵀-: إِذا أخطأ المزكّي فأعطاها لغير أهلها، هل يجزئه ذلك وتسقط منه، وهل حديث: \"لك ما نويت يا يزيد ... \"، وكذلك \"تُصدّق الليلة على سارق ... \"، يفيد ذلك؟\nفأجاب -﵀-: هكذا الظاهر، وفي مرّة أخرى قال: إِذا كان لا يعلم يسقط عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-812>ما هو الأفضل: إِظهار الصدقة أم إِخفاؤها </span>(٣)؟\nيجوز للمتصدّق أن يُظهر صدقته؛ سواء أكانت صدقة فرض أو نافلة؛ دون\n_________\n(١) قال الحافظ في \"الفتح\" (٣/ ٢٩٢): \"أي: طلب لي النكاح فأجيب، يُقال: خطب المرأة إِلى وليّها: إذا أرادها الخاطب لنفسه، وعلى فلان: إِذا أرادها لغيره\".\n(٢) أخرجه البخاري: ١٤٢٢.\n(٣) عن \"فقه السنة\" (١/ ٤١١) بزيادة.","vol":"3","page":144},{"text":"أن يرائي بصدقته، وإخفاؤها أفضل.\nقال الله تعالى: ﴿إِنْ تبدوا الصدقات فنعمّا (١) هي وإِن تُخفوها وتُؤتوها الفقراء فهو خير لكم﴾ (٢).\nقال ابن كثير -﵀-: \"فيه دلالة على أنّ إِسرار الصدقة أفضل من إِظهارها؛ لأنه أبعد عن الرياء؛ إِلا أنه يترتب على الإِظهار مصلحة راجحةٌ من اقتداء الناس، فيكون أفضل من هذه الحيثية.\nوقال الله تعالى: ﴿الذين يُنفِقون أموالهم بالليل والنهار سرًّا وعلانية﴾ (٣).\nوعن أبي هريرة -﵁- قال: عن النبي - ﷺ - قال: \"سبعة يُظلّهم الله في ظلّه يوم لا ظلَّ إِلا ظلُّه: إِمام عَدْل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه مُعلَّق في المساجد، ورجلان تحابّا في الله؛ اجتمعا عليه وتفرّقا عليه، ورجل دعته امرأة ذاتَ منصب وجمال، فقال: إِني أخاف الله، ورجل تصدّق بصدقةٍ فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكَر الله خاليًا ففاضت عيناه\" (٤).\nوعن أنس: \"أُنزلت هذه الآية: ﴿لن تنالوا البِرّ حتى تُنفقوا ممّا\n_________\n(١) نِعْم: فعل مُتَصرّف لإِنشاء المدح وأُلحقت به هنا \"ما\"، كما هو معروف عند أهل اللغة. قال ابن كثير -﵀-: إِن أظهرتموها فنِعْم شيء هي.\n(٢) البقرة: ٢٧١.\n(٣) البقرة: ٢٧٤.\n(٤) أخرجه البخاري: ١٤٢٣، ومسلم: ١٠٣١، وتقدّم.","vol":"3","page":145},{"text":"تُحبّون﴾ (١)، قال: ﴿من ذا الذي يُقرِض الله قرْضًا حسَنًا﴾ (٢).\nقال أبو طلحة: يا رسول الله حائطي الذي في كذا وكذا، هو لله ولو استطعت أن أُسِرَّه لم أُعلِنه، فقال: \"اجعله في فقراء أهلك أدنى أهل بيتك\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-813>الدعاء للمزكي</span>\nقال الله تعالى: ﴿خُذ من أموالهم صدقةً تطهرهم وتزكيهم بها وصلِّ عليهم إِنّ صلاتك سكن (٤) لهم﴾ (٥).\nقال ابن كثير في \"تفسيره\": ﴿وصلِّ عليهم﴾ أي: ادعْ لهم واستغفِر لهم.\nوعن عبد الله بن أبي أوفى -﵁- قال: كان النبي - ﷺ - إِذا أتاه قومٌ بصدقتهم قال: اللهمّ صلِّ على آل فلان، فأتاه أبي بصدقته فقال: اللهمّ صلِّ على آل أبي أوفى\" (٦).\n_________\n(١) آل عمران: ٩٢.\n(٢) البقرة: ٢٤٥.\n(٣) أخرجه أحمد، والترمذي وصححه، وأصله في \"الصحيحين\"، وانظر \"صحيح ابن خزيمة\" (٢٤٥٨).\n(٤) قال ابن عباس -﵄-: رحمةً لهم وقال قتادة: وقارٌ \"تفسير ابن كثير\"، وتقدّم.\n(٥) التوبة: ١٠٣.\n(٦) أخرجه البخاري: ١٤٩٧، ومسلم: ١٠٧٨.","vol":"3","page":146},{"text":"الصدقة باليمين (١)\nلحديث أبي هريرة -﵁- المتقدّم: \"سبعةٌ يظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظلَّ إِلا ظلُّه: ... \".\nوفيه: \"ورجل تصدّق بصدقةٍ فأخفاها، حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-814>التحذير من المنّ بالعطيّة</span>\nقال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تُبطلوا صدقاتكم بالمنّ والأذى كالذي يُنفِق ماله رئاء الناس﴾ (٢).\nعن أبي ذرّ عن النبي - ﷺ - قال: \"ثلاثة لا يُكلّمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إِليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم، قال: فقرأها رسول الله - ﷺ - ثلاث مرار. قال أبو ذر: خابوا وخسِروا من هم يا رسول الله! قال: المسبل، والمنّان، والمنفق سلعته بالحَلفِ الكاذب\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-815>فضل صدقة الشحيح الصحيح </span>(٤)\nعن أبي هريرة -﵁- قال: \"جاء رجل إِلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله أيُّ الصدقة أعظم أجرًا؟\n_________\n(١) هذا العنوان من \"صحيح البخاري\".\n(٢) البقرة: ٢٦٤.\n(٣) أخرجه مسلم: ١٠٦.\n(٤) هذا العنوان من \"صحيح البخاري\" (كتاب الزكاة) \"١١ - باب ... \".","vol":"3","page":147},{"text":"قال: أن تصّدّق وأنت صحيح شحيح (١) تخشى الفقر وتأمل الغِنى، ولا تمهل حتى إِذا بلَغَت الحُلقوم (٢) قلت لفلان كذا ولفلان كذا، وقد كان لفلان\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-816>النهي عن تحقير ما قلّ من الصدقات</span>\nعن عدي بن حاتم -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"اتقوا النار ولو بشِقّ تمرة\" (٤).\nوعن أبي هريرة -﵁- قال: \"كان النبي - ﷺ - يقول: يا نساء المسلمات (٥) لا تحقرنّ جارةٌ لجارتها ولو فِرسِن (٦) شاة\" (٧).\n_________\n(١) قال صاحب المنتهى: الشح بخل مع حرص. \"فتح\".\n(٢) إِذا بلغت: أي: الروح، والمراد: قاربت بلوغه، إِذ لو بلغته حقيقة لم يصح شيء مِن تصرفاته. والحلقوم مجرى النفس قاله أبو عبيد\". \"فتح\".\n(٣) أخرجه البخاري: ١٤١٩، ومسلم: ١٠٣٢.\n(٤) أخرجه البخاري: ١٤١٧، ومسلم: ١٠١٦.\n(٥) انظر شرحه -إِن شئت- في كتابي \"شرح صحيح الأدب المفرد\" (١/ ١٥٠) حديث (٩٠/ ١٢٢ و٩١/ ١٢٣).\n(٦) الفِرْسِن: عظم قليل اللحم، وهو خُفّ البعير، كالحافر للدابة، وقد يستعار للشاة، فيقال: فِرْسِن شاة، ونونه زائدة وقيل أصلية، والذي للشاة هو الظّلف، [والظلف: هو الظُّفر المشقوق]. \"الوسيط\". قال الحافظ: وأشير بذلك إِلى المبالغة في إِهداء الشيء اليسير وقبوله، لا إِلى حقيقة الفِرْسِن، لأنه لم تجْر العادة بإِهدائه، أي: لا تمنع جارة من الهدية لجارتها الموجود عندها لاستقلالها، بل ينبغي أن تجود لها بما تيسَّر؛ وإن كان قليلًا، فهو خير من العدم ...\n(٧) أخرجه البخاري: ٦٠١٧، ومسلم: ١٠٣٠.","vol":"3","page":148},{"text":"قال ابن خزيمة -﵀- في \"صحيحه\" (٤/ ١١١): \" (باب الأمر بإِعطاء السائل وإن قلّت العطية وصغُرت قيمتها، وكراهية ردّ السائل من غير إِعطاء إِذا لم يكن للمسؤول ما يجزل العطية).\nثمّ ذكَر حديث أم بُجيد -وكانت ممّن بايع رسول الله - ﷺ -: أنها قالت له: يا رسول الله! صلى الله عليك، إِنّ المسكين ليقوم على بابي؛ فما أجد له شيئًا أعطيه إِياه؟\nفقال لها رسول الله - ﷺ -: \"إِن لم تجدي له شيئًا تعطينه إِياه إِلا ظِلْفًا (١) مُحْرَقًا (٢)، فادفعيه إِليه في يده\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-817>الزجر عن عيب المتصدّق المُقلّ بالقليل من الصدقة </span>(٤)\nقال الإِمام البخاري -﵀- (باب اتقوا النار ولو بشِقّ تمرة، والقليل من الصدقة) (٥).\nعن أبي مسعود -﵁- قال: لمّا نزلت آية الصدقة؛ كنّا\n_________\n(١) ظِلفًا: بالكسر: بمنزلة القدم من الإنسان، يعني: شيئًا يسيرًا.\n(٢) من الإِحراق، أراد المبالغة في ردّ السائل بأدنى ما تيسّر ... \"عون المعبود\" (٥/ ٥٨).\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٤٦٦)، وابن خزيمة في \"صحيحه\" (٢٤٧٣).\n(٤) انظر -إِن شئت- \"صحيح ابن خزيمة\" (١/ ١٠٢).\n(٥) \"صحيح البخاري\" (كتاب الزكاة) \"١٠ - باب اتقوا النار ... \".","vol":"3","page":149},{"text":"نحامِلُ (١)، فجاء رجل فتصدق بشيء كثير، فقالوا: مُرائي.\nوجاء رجل فتصدق بصاع، فقالوا: إِنّ الله لغني عن صاع هذا، فنزَلت: ﴿الذين يلْمزون المطوّعين من المؤمنين في الصّدقات والذين لا يَجدون إِلا جُهدهم﴾ (٢) الآية\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-818>الزجر عن رمي المتصدِّقين بالكثير من الصدقة بالرياء والسمعة </span>(٤)\nللحديث السابق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-819>هل يشتري صدقته</span>؟\nلا يجوز للمرء أن يشتري صدقته؛ لحديث ابن عمر -﵄- \"أنَّ عمر بن الخطاب تصدّق بفرَسٍ في سبيل الله، فوجده يباع، فأراد أن يشتريه، ثمّ أتى النبي - ﷺ - فاستأمره فقال: لا تعُد في صدقتك.\nفبذلك كان ابن عمر -﵄- لا يترك أن يبتاع شيئًا تصدّق به إلاَّ جعله صدقة\" (٥).\nويجوز له أن يشتري صدقة غيره؛ لحديث أبي سعيد -﵁- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"لا تحلّ الصدقة لغنيّ إِلا لخمسة: ... أو رجل اشتراها\n_________\n(١) أي: نحمل الحمل بالأجرة. قاله الكرماني.\n(٢) التوبة: ٧٩.\n(٣) أخرجه البخاري: ١٤١٥.\n(٤) انظر -إِن شئت- \"صحيح ابن خزيمة\" (١/ ١٠٢).\n(٥) أخرجه البخاري: ١٤٨٩، ومسلم: ١٦٢١.","vol":"3","page":150},{"text":"بماله\" (١).\nقال الإِمام البخاري -﵀-: \"ولا بأس أن يشتري صدقة غيره لأنّ النّبيّ - ﷺ - إِنما نهى المتصدِّق خاصةً عن الشراء ولم ينه غيره\".\nوانظر ما قاله شيخنا -﵀- في \"تمام المِنّة\" (ص ٣٨٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-820>إِذا تحوّلت الصدقة </span>(٢)\nيجوز الأكل من الصدّقة إِذا أُهديت من فقير أو قُدّمت في ضيافة ونحوها.\nعن أنس -﵁- \"أنَّ النبي - ﷺ - أُتي بلحمٍ تُصدّق به على بريرة فقال: هو عليها صدقة، وهو لنا هديّة\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-821>التصدّق بغير المال</span>\nعن أبي موسى الأشعري -﵁- عن النبي - ﷺ - قال: \"على كلّ مسلم صدقة، فقالوا: يا نبي الله فمن لم يجد؟ قال: يعمل بيده فينفع نفسه ويتصدّق، قالوا: فإِن لم يجد؟ قال: يُعين ذا الحاجة الملهوف (٤)، قالوا: فإِن لم يجد؟ قال: فليعمل بالمعروف، وليُمسِك عن الشرّ، فإِنها له صدقة\" (٥).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود وغيره، وصححه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٨٧٠)، وتقدّم.\n(٢) هذا العنوان من \"صحيح البخاري\" -﵀- (كتاب الزكاة) \"٦٢ - باب ... \".\n(٣) أخرجه البخاري: ١٤٩٥.\n(٤) الملهوف: أي: المستغيث وهو أعمّ من أن يكون مظلومًا أو عاجزًا.\n(٥) أخرجه البخاري: ١٤٤٥، ومسلم: ١٠٠٨.","vol":"3","page":151},{"text":"وعن أبي ذر -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"على كلِّ نفس في كلِّ يوم طلعت فيه الشمس صدقة منه على نفسه.\nقلت: يا رسول الله! من أين أتصدق وليس لنا أموال؟\nقال: لأنّ من أبواب الصدقة التكبير، وسبحان الله، والحمد لله، ولا إِله إلاَّ الله، وأستغفر الله، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتعزل الشوكة عن طريق الناس، والعظمةَ والحجَرَ، وتهدي الأعمى، وتُسمع الأصمّ والأبكم حتى يفقه، وتدُلُّ المستدلّ على حاجة له قد علِمتَ مكانها، وتسعى بشدة ساقيك إِلى اللهفان المستغيث، وترفع بشدة ذراعيك مع الضعيف.\nكلّ ذلك من أبواب الصدقة منك على نفسك، ولك في جماعك زوجتك أجر.\nقال أبو ذر: كيف يكون لي أجر في شهوتي؟ فقال: أرأيت لو كان لك ولد؛ فأدرك ورجوت خيره فمات؛ أكنت تحتسبه؟ قلت: نعم.\nقال: فأنت خلقته؟ قال: بل الله خلَقه. قال: فأنت هديتَه؟ قال: بل الله هداه. قال: فأنت ترزقه؟ قال: بل الله كان يرزقه.\nقال: كذلك فضعه في حلاله، وجنّبه حرامه، فإِنْ شاء الله أحياه، وإِنْ شاء أماته، ولك أجر\" (١).\nوالنّصوص في هذه المعاني كثيرة.\n_________\n(١) أخرجه أحمد وغيره، وانظر \"الصحيحة\" (٥٧٥).","vol":"3","page":152},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-822>التصدّق بالماء</span>\nعن أبي هريرة -﵁- قال: \"ليس صدقة أعظم أجرًا من ماء\" (١).\nوعن أنس -﵁-: \"أنّ سعدًا أتى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله! إِنَّ أمّي توفِّيت ولم توصِ، أفينفعها أن أتصدّق عنها؟\nقال: نعم، وعليك بالماء\" (٢).\nوعن سعد بن عبادة -﵁- قال: \"قلت: يا رسول الله! إِنَّ أمّي ماتت، فأيّ الصدقة أفضل؟ قال: الماء.\nفحفَر بئرًا وقال: هذه لأمّ سعد\" (٣).\nوعن علي بن الحسن بن شقيق قال: \"سمعتُ ابن المبارك -وسأله رجل: يا أبا عبد الرحمن! قرحة خرجَت من ركبتي منذ سبع سنين، وقد عالجت بأنواع العلاج، وسألت الأطباء، فلم أنتفع به؟ - قال: اذهب فانظر موضعًا يحتاج الناس للماء؛ فاحفر هناك بئرًا؛ فإِنني أرجو أن ينبع هناك عين،\n_________\n(١) أخرجه البيهقي، وحسنه شيخنا -﵀- في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٩٤٥).\n(٢) أخرجه الطبراني في \"الأوسط\" ورواته محتجٌّ بهم في الصحيح، وصححه شيخنا في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٩٤٦).\n(٣) أخرجه أبو داود واللفظ له وابن ماجه وغيرهما، وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٩٤٧).","vol":"3","page":153},{"text":"ويمسك عنك الدم، ففعل الرجل، فبرئ\". رواه البيهقي.\nوقال: وفي هذا المعنى حكاية شيخنا الحاكم أبي عبد الله -﵀-:\n\"فإِنه قرح وجهه، وعالجه بأنواع المعالجة، فلم يذهب، وبقي فيه قريبًا من سنة، فسأل الأستاذ الإِمام أبا عثمان الصابوني أن يدعو له في مجلسه يوم الجمعة، فدعا له، وأكثر الناس التأمين.\nفلمّا كان من الجمعة الأخرى؛ ألقت امرأة في المجلس رقعة بأنها عادت إِلى بيتها، واجتهدت في الدعاء للحاكم أبي عبد الله تلك الليلة، فرأت في منامها رسول الله - ﷺ - كأنه يقول لها: قولي لأبي عبد الله يوسع الماء على المسلمين.\nفجئت بالرقعة إِلى الحاكم، فأمر بسقايةٍ بنيت على باب داره، وحين فرغوا من بنائها، أمر بصب الماء فيها، وطرح الجمد في الماء، وأخذ الناس في الشرب، فما مرّ عليه أسبوع حتى ظهر الشفاء، وزالت تلك القروح وعاد وجهه إِلى أحسن ما كان، وعاش بعد ذلك سنين\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-823>ما جاء في المنيحة </span>(٢)\nعن عبد الله بن عمرو -﵄- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"أربعون خصلة -أعلاهنّ منيحة العنز- ما من عامل يعمل بخَصلة منها؛\n_________\n(١) انظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٩٥٠).\n(٢) جاء في \"النهاية\": \"ومِنحة اللبن: أن يعطيه ناقة أو شاة، ينتفع بلبنها ويعيدها، وكذلك إذا أعطاه لينتفع بوبرها وصوفها زمانًا ثمّ يردّها\".","vol":"3","page":154},{"text":"رجاء ثوابها وتصديق موعودها؛ إلاَّ أدخَله الله بها الجنة\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-824>التصدُّق بالفرس</span>\nلحديث ابن عمر -﵄- المتقدّم: \"أنّ عمر بن الخطاب تصدّق بفَرسٍ في سبيل الله ... \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-825>التصدّق بالزّرع</span>\nعن أنس -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ما من مسلم يغرس غرسًا، أو يزرع زرعًا؛ فيأكل منه طير أو إِنسان أو بهيمة، إِلا كان له به صدقة\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-826>اشتراط المتصدّق حبْس أصول الصدقة، والمنْع مِن بيع رقابها وهبتها وتوريثها </span>(٣)\nعن ابن عمر -﵄- \"أنَّ عمر بن الخطاب أصاب أرضًا بخيبر، فأتى النبي - ﷺ - يستأمره فيها فقال: يا رسول الله، إِني أصبت أرضًا بخيبر؛ لم أُصِب مالًا قطُّ أنفس عندي منه؛ فما تأمر به؟ قال: إِن شئت حبسْتَ أصلها وتصدقت بها.\nقال: فتصدق بها عمر أنه لا يباع ولا يوهَب ولا يورَث، وتصدّق بها في\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٢٦٣١.\n(٢) أخرجه البخاري: ٢٣٢٠، ومسلم: ١٥٥٢.\n(٣) هذا العنوان من \"صحيح ابن خزيمة\" (٤/ ١١٧) بتصرُّف.","vol":"3","page":155},{"text":"الفقراء وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضَّيف، ولا جناح على من وَلِيها أن يأكل منها بالمعروف، ويُطعِم غير متموّل.\nقال: فحدّثت به ابن سيرين فقال: غير متأثّل (١) مالًا\" (٢).\nوعن أبي هريرة -﵁-: \"أن رجلًا قال للنبي - ﷺ -: إِنّ أبي مات، وترَك مالًا، ولم يوصِ، فهل يُكفِّرُ عنه أن أتصدّق عنه؟ قال: نعم\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-827>لا يقبل الله صدقة من غُلول </span>(٤)\nعن ابن عمر -﵄- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا تقبل صلاة بغير طُهور، ولا صدقةٌ من غُلول\" (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-828>استسلاف الإِمام المال لأهل الصدقات وردُّه ذلك من الصدقة بعد الاستسلاف </span>(٦)\nعن أبي رافع \"أنَّ رسول الله - ﷺ - استسلف من رجل بَكْرًا (٧)، فقَدِمَت عليه\n_________\n(١) أي: غير جامع. يُقال: مالٌ مؤثَّل، ومجْدٌ مؤثَّل، أي: مجموعٌ ذو أصل، وأثْلةُ الشيء: أصْله. \"النهاية\".\n(٢) أخرجه البخاري: ٢٧٣٧.\n(٣) أخرجه مسلم: ١٦٣٠.\n(٤) الغُلول: هو الخيانة في المغنم، والسَّرقة من الغنيمة قبل القسمة، يُقال: غلَّ في المغنم يغلُ غلولًا فهو غالٌّ، وكلُّ من خان في شيء خُفية فقد غلّ. \"النهاية\".\n(٥) أخرجه مسلم: ٢٢٤، وتقدّم.\n(٦) هذا العنوان من \"صحيح ابن خزيمة\" (٤/ ٥٠) بتصرف.\n(٧) البَكْر: من الإِبل هو الصغير؛ كالغلام من الآدميين.","vol":"3","page":156},{"text":"إِبل من إِبل الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بَكْرة.\nفرجع إِليه أبو رافع فقال: لم أجد فيها إلاَّ خِيارًا (١) رَباعيًا (٢)، فقال: أعطه إياه، إِنَّ خِيار الناس أحسنهم قضاء\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-829>الرخصة في إِعطاء الإِمام من الصدقة من يذكر حاجة وفاقة؛ لا يعلم الإِمام منه خلافه من غير مسألة عن حاله؛ أهو فقير محتاج أم لا </span>(٤)؟\nقال ابن خزيمة -﵀-: \"خبر سلمة بن صخر (٥) في ذِكْره للنبي - ﷺ - أنهم يأتوا (٦) وحشًا ليس لهم عشاء، وبعثة النّبيّ - ﷺ - إِياه إِلى صاحب صدقة بني زريق ليقبض صدقتهم، وليس في الخبر أنّ النّبيّ - ﷺ - سأل غيره، وفي الخبر أيضًا دلالة على إِباحة دفع صدقة قبيلة إِلى واحد؛ لا أنه يجب على الإِمام تفرقة صدقة كلّ امرئ\" (٧).\nوصدقة كلّ يومٍ على جميع الأصناف الموجودة من أهل سهمان الصدقة، إِذ\n_________\n(١) أي: مختارًا. \"مجمع بحار الأنوار\".\n(٢) يقال للذكر من الإِبل إِذا طلعت رَباعيته رَباع، والأنثى رَباعِيَة: -بالتخفيف- وذلك إذا دخلا في السنة السابعة. \"النهاية\".\n(٣) أخرجه مسلم: ١٦٠٠.\n(٤) هذا العنوان من \"صحيح ابن خزيمة\" (٤/ ٧٨).\n(٥) سيأتي الحديث -إِن شاء الله تعالى- في الباب الآتي.\n(٦) كذا الأًصل، ولعل الصواب باتوا وسيأتي -إِن شاء الله تعالى- بلفظ: \"لقد بتنا ليلتنا هذه وحشاء ما لنا عشاء\".\n(٧) انظر \"صحيح ابن خزيمة\" (٤/ ٧٩).","vol":"3","page":157},{"text":"النّبيّ - ﷺ - قد أمَر سلمة بن صخر بقبض صدقات بني زريف من مصدّقهم\".\n\nالرخصة في إِعطاء الإِمام المظاهر (١) من الصدقة ما يُكفّر به عن ظهاره إِذا لم يكن واجدًا للكفارة (٢).\nعن سلمة بن صخر قال: \"كنت امرأً قد أوتيت من جماع النساء ما لم يؤت غيري، فلمّا دخَل رمضان؛ تظاهَرْتُ من امرأتي حتى ينسلخ رمضان، فَرَقًا (٣) من أن أصيب في ليلتي شيئًا، فأتتابع في ذلك حتى يدركني النهار، وأنا لا أقدر على أن أنزع.\nفبينا هي تخدمني إِذ تكشّف لي منها شيء، فوثبْت عليها، فلمّا أصبحت غدوت على قومي، فأخبرتُهم خبري وقلت لهم: انطلقوا معي إِلى النبي - ﷺ - فأُخبره بأمري، فقالوا: لا والله لا نفعل نتخوّف أن ينزل فينا قرآن، أو يقول فينا رسول الله - ﷺ - مقالةً يبقى علينا عارها، ولكن اذهب أنت فاصنع ما بدا لك.\nقال: فخرجْتُ فأتيت النبي - ﷺ - فأخبرته خبري، فقال لي: أنت بذاك؟ فقلت: أنا بذاك، فقال: أنت بذاك؟ فقلت: أنا بذاك، فقال: أنت بذاك؟ قلت: نعم؛ ها أنا ذا؛ فأَمضِ فيّ حُكم الله -﷿- فإِني صابر له، قال: أعتِق رقبة، قال: فضربتُ صفحة رقبتي بيدي، وقلت: لا والذي بعثَك بالحقّ، ما أصبحت أملك غيرها.\n_________\n(١) أي: من يظاهر الزوجة، والظهار مشتقٌّ من الظهر، وهو قول الرجل لزوجته: أنتِ عليّ كظهر أمّي وسيأتي تفصيله -إِن شاء الله- في موضعه.\n(٢) هذا العنوان من \"صحيح ابن خزيمة\" (٤/ ٧٣).\n(٣) الفرق: شدّة الخوف.","vol":"3","page":158},{"text":"قال: فصم شهرين، قال: قلت: يا رسول الله وهل أصابني ما أصابني إِلا في الصيام؟ قال: فتصدَّق، قال: فقلت: والذي بعثَك بالحقّ؛ لقد بِتنا ليلتنا هذه وحشاء ما لنا عشاء.\nقال: اذهب إِلى صاحب صدقة بني زريق، فقل له فليدفعها إِليك، فأطعِم عنك منها وَسْقًا (١) من تمر ستين مسكينًا، ثمّ استعن بسائره عليك وعلى عيالك.\nقال: فرجعْت إِلى قومي فقلت: وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي، ووجدت عند رسول الله - ﷺ - السعة والبركة، قد أمر لي بصدقتكم فادفعوها لي، فدفعوها إِلي\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-831>إعطاء الإِمام دِيَة من لا يُعرف قاتِلُه من الصدقة </span>(٣)\nعن سهل بن أبي حَثْمة \"أنَّ نفرًا من قومه انطلقوا إِلى خيبر؛ فتفرّقوا فيها، ووجدوا أحدهم قتيلًا، وقالوا للذي وُجِد فيهم: قتلتم صاحبنا، قالوا: ما قتلنا ولا عَلِمنا قاتلًا.\nفانطلقوا إِلى النبي - ﷺ - فقالوا: يا رسول الله انطلقْنا إِلى خيبر فوجدنا أحدنا قتيلًا، فقال: الكُبْرَ الكُبْر (٤) فقال لهم: تأتون بالبيِّنة على مَن قتَله، قالوا: ما لنا\n_________\n(١) تقدّم أنّ الأصل في الوَسْق هو الحِمل، وأنّه ستّون صاعًا.\n(٢) أخرجه أبو داود والترمذي وغيرهما، وصححه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٢٠٩١).\n(٣) هذا العنوان من \"صحيح ابن خزيمة\" (٤/ ٧٧).\n(٤) الكُبْر: بضم الكاف مصدر أو جمع الأكبر أو مفرد بمعنى الأكبر يقال هو =","vol":"3","page":159},{"text":"بينة، قالوا: فيحلفون قالوا: لا نرضى بأيْمان اليهود، فكره رسول الله - ﷺ - أن يُبطِل (١) دمه فوداه (٢) مائة من إِبل الصدقة\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-832>صدقة الفطر </span>(٤)\nصدقة الفطر: هي الزكاة التي تجب بالفطر من رمضان.\nعن ابن عمر -﵄- قال: \"فَرَض رسول الله - ﷺ - زكاة الفطر صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير؛ على العبد (٥) والحرِّ والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين.\n_________\n= كُبرهم أي: أكبرهم، وفي بعضها الكبَر -بكسر الكاف وفتح الموحدة- أي كبر السن أي: قدم وا أكبركم سنًا في الكلام، وقصَّته أن أخا المقتول عبد الرحمن هو أحدثهم، وهو كان يتكلم، فقال - ﷺ -: يتكلم أكبركم، فتكلم ابنا عمه محيصة وحويصة مصغران بالمهملات وسكون التحتانية فيهما وقيل: بحركتها والتشديد.\nفإِن قلت: كان الكلام حقّه لأنه كان هو الوارث؛ لا هما، قلت: أُمِر أن يتكلم الأكبر ليفهم صورة القضية، ثمّ بعد ذلك يتكلم المُدّعى أو معناه؛ ليكن الكبير وكيلا له الكرماني (٢٤/ ٢٥).\n(١) أي: يهدر.\n(٢) أي: أعطى دِيَته.\n(٣) أخرجه البخاري: ٦٨٩٨\n(٤) قال الحافظ (٣/ ٣٦٧): \"أُضيفت الصدقة للفطر، لكونها تجب بالفطر من رمضان\".\n(٥) انظر العنوان الآتي.","vol":"3","page":160},{"text":"وأَمَر بها أن تؤدّى قبل خروج الناس إِلى الصلاة\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-833>صدقة الفطر عن المملوك واجب على مالكه</span>\nعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ليس على المسلم في فرسه ولا في عبده صدقة؛ إِلا صدقة الفطر\".\nقال ابن خزيمة في \"صحيحه\" (٤/ ٨٢): \"باب الدليل على أنّ صدقة الفطر عن المملوك واجب على مالكه، لا على المملوك؛ كما توهّم بعض الناس\". وذكر حديث أبي هريرة -﵁-.\nوهذا يفسّر الحديث السابق: \"فرَض رسول الله - ﷺ - زكاة الفطر صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير على العبد والحُرِّ ... \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-834>حكمتها:</span>\nعن ابن عباس -﵄- قال: \"فرض رسول الله - ﷺ - زكاة الفطر طُهْرةً (٢) للصائم، من اللغو (٣) والرَّفَث (٤)، وطُعْمةً للمساكين (٥)، مَن أدّاها قبل الصلاة؛ فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة؛ فهي صدقة من\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٥٠٣، ومسلم: ٩٨٤.\n(٢) أي: تطهيرًا لنفس الصائم.\n(٣) ما لا ينعقد عليه القلب من القول. \"عون\" (٥/ ٣).\n(٤) الرَّفَث هنا الفُحْش من الكلام. \"النهاية\".\n(٥) طُعمةً للمساكين: هو الطعام الذي يؤكل، جاء في \"العون\": \"فيه دليل أنّ الفطرة؛ تُصرف في المساكين دون غيرهم مِن مصارف الزكاة\".","vol":"3","page":161},{"text":"الصدقات\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-835>على من تجب</span>؟\nتجب على المسلم الحُرّ المالك لمقدار نصف صاعٍ من بُرٍّ أو صاع من التمر ونحوه؛ يزيد عن قوته وقوت عياله يومًا وليلة، وتجب عليه عن نفسه، وعمّن يجب الإِنفاق عليهم؛ كالزوجة والأبناء والخدم والمسلمين.\nعن ابن عمر -﵄- قال: \"أمَر رسول الله - ﷺ - بصدقة الفطر عن الصغير والكبير والحر والعبد ممّن تمونون (٢) \" (٣).\nوعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ليس في العبد صدقة إِلا صدقةُ (٤) الفطر\" (٥).\nجاء في \"الروضة الندية\" (١/ ٥١٩) -بتصرف-: \"إِذا ملكَ زيادة على قوت يومه؛ أخرج الفطرة إِن بلغَ الزائد قدْرها، ويؤيّده تحريم السؤال على مَن ملك ما يغديه ويعشّيه ... \" اهـ.\nوقد ورد في هذا عدد من النصوص منها:\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٤٢٠)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٤٨٠)، وغيرهما، وانظر \"الإِرواء\" (٨٤٣).\n(٢) مانه مونًا: احتمل مؤنته [أي: القوت]، وقام بكفايته، فهو مَمون. \"الوسيط\".\n(٣) أخرجه الدارقطني ومِن طريقه البيهقي وحسنّه شيخنا في \"الإرواء\" (٨٣٥).\n(٤) بالضمّ والفتح.\n(٥) أخرجه مسلم: ٩٨٢، وهو عند الشيخين بلفظ: \"ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة\"، وتقدّم.","vol":"3","page":162},{"text":"\"من سأل وعنده ما يُغنيه، فإِنّما يستكثر من النّار، فقالوا: يا رسول الله وما يُغنيه؟ قال: قدْر ما يغدّيه ويعشّيه (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-836>قدْرها:</span>\nوقدْرها صاع من التمر والشعير ونحو ذلك ... ممّا يعدّ قوتًا.\nوالصاع: أربعة أمداد، والمدّ: حفنة الرجل باليدين، وسُمّي مدًّا؛ لأنَّ اليدين تُمدّان.\nعن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: \"كنّا نُخرج زكاة الفطر صاعًا من طعام، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من أقِط، أو صاعًا من زبيب\" (٢).\nوأمّا من البُر؛ فنصف صاع، وهو قول أبي حنيفة، وقياس أحمد في بقيّة الكفّارات، وبه يقول شيخ الإِسلام (٣) وشيخنا -رحم الله الجميع-.\nعن عروة بن الزبير: \"أنَّ أسماء بنت أبي بكر، كانت تُخرج على عهد رسول الله - ﷺ - عن أهلها -الحرّ منهم والمملوك- مُدّين من حنطة، أو صاعًا من تمر بالمدّ، أو بالصاع الذي يقتاتون به\" (٤).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود وغيره، وانظر \"صحيح الترغيب الترهيب\" (٧٩٦).\n(٢) أخرجه البخاري: ١٥٠٦، ومسلم: ٩٨٥.\n(٣) انظر \"الاختيارات\" (ص ١٠٢).\n(٤) أخرجه الطحاوي واللفظ له، وابن أبي شيبة، وأحمد، وسنده صحيح على شرط الشيخين؛ كما في \"تمام المِنّة\" (ص ٣٨٧)؛ وراجِعه -إن شئت- للمزيد من الفوائد الحديثية والفقهية.","vol":"3","page":163},{"text":"قال شيخنا -﵀- في \"تمام المِنّة\" (ص٣٨٧) -عقب أثر عروة ابن الزبير-: \"فثبَت من ذلك أن الواجب في صدقة الفطر من القمح نصف صاع، وهو اختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية كما في \"الاختيارات\" (ص ٦٠)، وإليه مال ابن القيم ... وهو الحقّ إِن شاء الله تعالى\".\nوسألت شيخنا -﵀-: هل نصف الصاع يجزئ إِذا أخرجه الغنيّ والفقير.\nفقال: \"نعم\".\nوسألته أيضًا: الواجب في صدقة الفطر من القمح نصف صاع، فهل هذا خاص بالقمح؟ أم يمكن أن تقاس عليه أصناف أُخرى، قد تكون مِثله أو أعلى في السعر أو الجودة؟\nفأجاب -﵀-: هو كذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-837>الزيادة عن المنصوص عليه</span>\nتجوز الزيادة عن المنصوص عليه، لا خروجًا عن النص؛ ولكن تنفُّلًا وتطوُّعًا.\nجاء في \"مجموع الفتاوى\" (٢٥/ ٧٠): \"سُئل -﵀- عمّن عليه زكاة الفطر؛ ويعلم أنّها صاع ويزيد عليه، ويقول: هو نافلة، هل يكره؟\nفأجاب: الحمد لله، نعم يجوز بلا كراهية عند أكثر العلماء؛ كالشافعي وأحمد وغيرهما، وإنما تنقل كراهيته عن مالك.\nوأمّا النقص عن الواجب، فلا يجوز باتفاق العلماء\".","vol":"3","page":164},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-838>هل يجوز إِخراج القيمة</span>؟\nلا يجوز إِخراج القيمة في زكاة الفِطر؛ لورود النّص في الطّعام.\nقال ابن حزم -﵀- في \"المُحلّى\" (٦/ ١٩٣) مسألة (٧٠٨): \" ... ولا تجزئ قيمة أصلًا\".\nوقال النووي -﵀-: \"ولم يُجز عامّة الفقهاء إِخراج القيمة، وأجازه أبو حنيفة\" (١).\nقلت: ولعلّ أصْل المبحث؛ فيما إِذا كانت صدقة الفطر؛ تجري مجرى صدقّة الأموال أو صدقة الأبدان؛ كالكفارات؟\nوالراجح أنها * تجري مجرى كفّارة اليمين، والظِّهار، والقتل، والجماع في رمضان، ومجرى كفّارة الحج، فإِنّ سببها هو البدن ليس هو المال، كما في السنن عن النّبيّ - ﷺ -: \"أنّه فرَض صدقة الفطرطُهرةً للصائم من اللغو والرفث وطُعمة للمساكين، مَن أدّاها قبل الصلاة؛ فهي زكاة مقبولة، ومن أدّاها بعد الصلاة، فهي صدقة من الصدقات\" (٢).\nولهذا أوجَبَها الله طعامًا، كما أوجب الكفّارة طعامًا.\nوعلى هذا القول؛ فلا يجزئ إِطعامها إِلا لمن يستحقّ الكفّارة، وهم الآخِذون لحاجة أنفسهم، فلا يعطى منها في المؤلفة، ولا الرقاب، ولا غير\n_________\n(١) \"شرح النّووى\" (٧/ ٦٠) وذكره الشيخ عبد العظيم -حفظه الله- في \"الوجيز\" (ص ٢٢٤).\n(٢) تقدّم تخريجه.","vol":"3","page":165},{"text":"ذلك، وهذا القول أقوى في الدليل * (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-839>وقت إِخراجها</span>\nعن ابن عمر -﵄-: \"أن النبي - ﷺ - أمرَ بزكاة الفطر (٢) قبل خروح الناس إِلى الصلاة\" (٣).\nولا بأس من تعجيلها للموكّل بتوزيعها قبل الفطر بيوم أو يومين.\nفعن نافع عن ابن عمر -﵄- قال: \"فرَض النبي - ﷺ - صدقة الفطر -أو قال: رمضان- على الذكر والأنثى والحرّ والمملوك؛ صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير، فعدل الناس به نصف صاع من بُرّ.\nفكان ابن عمر -﵄- يعطي التمر، فأعْوز (٤) أهل المدينة من التمر فأعطى شعيرًا، فكان ابن عمر يعطي على الصغير والكبير؛ حتى إِنْ كان يعطي عن بنيَّ.\n_________\n(١) ما بين نجمتين من \"مجموع الفتاوى\" (٢٥/ ٧٣).\n(٢) قال الحافظ في \"الفتح\" (٣/ ٣٦٨): \"واستُدِلّ به على أن وقت وجوبها غروب الشمس؛ ليلة الفطر لأنه وقت الفطر من رمضان، وقيل وقت وجوبها طلوع الفجر من يوم العيد؛ لأن الليل ليس محلًاّ للصوم، وإنما يتبيّن الفطر الحقيقي بالأكل بعد طلوع الفجر.\nوالأول قول الثوري وأحمد وإسحق والشافعي في الجديد، وإحدى الروايتين عن مالك.\nوالثاني قول أبي حنيفة والليث والشافعي في القديم، والرواية الثانية عن مالك.\nويقوّيه قوله في حديث الباب: وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إِلى الصلاة\".\n(٣) أخرجه البخاري: ١٥٠٩، ومسلم: ٩٨٦.\n(٤) أي: احتاج.","vol":"3","page":166},{"text":"وكان ابن عمر -﵄- يعطيها الذين يقبلونها، وكانوا يُعطَون قبل الفطر بيوم أو يومين\" (١).\nقال شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٣/ ٣٣٥): \"وروى الجملة الأخيرة منه الدارقطني (٢٢٥) والبيهقي (٤/ ١٧٥) من طريق الضحاك بن عثمّان عن نافع به بلفظ ...: \"أنّ رسول الله - ﷺ - أمَر بإِخراج زكاة الفطر؛ أن تُؤدّى قبل خروج الناس إِلى الصلاة، وأنّ عبد الله بن عمر؛ كان يؤديها قبل ذلك بيوم أو يومين\".\nوروى مالك (١/ ٢٨٥/٥٥) عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يبعث بزكاة الفطر إِلى الذي تجمع عنده قبل الفطر بيومين أو ثلاثة.\nقلت [أي: شيخنا -رحمه الله تعالى-]: وهذا يُبيّن أنّ قوله في رواية البخاري: \"للذين يقبلونها\" ليس المراد به الفقراء، بل الجباة الذين ينصبهم الإِمام لجمع صدقة الفطر.\nويؤيد ذلك ما وقع في رواية ابن خزيمة؛ من طريق عبد الوارث عن أيوب: \"قلت: متى كان ابن عمر يعطي؟ قال: إِذا قعد العامل، قلت: متى يقعد العامل؟ قال: قبل الفطر بيوم أو يومين\" انتهى.\nولا يجوز تأخيرها عن وقتها، فمن فَعل عُدَّت زكاته صدقة من الصدقات كما في حديث ابن عباس -﵄- المتقدّم: \"فرَض رسول الله - ﷺ - زكاة الفطر طُهرةً للصائم ... ومن أدّاها بعد الصلاة؛ فهي صدقة من الصدقات\".\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٥١١.","vol":"3","page":167},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-840>مصرفها:</span>\nتُعطى صدقة الفطر للمساكين؛ كما في حديث ابن عباس -﵄- المتقدّم: \" ... وطعمة للمساكين\".\nوقال شيخ الإِسلام -﵀- كما في \"الاختيارات\" (ص ١٠٢): \"ولا يجوز دفع زكاة الفطر إِلا لمن يستحقّ الكفّارة، وهو من يأخذ لحاجته، لا في الرقاب والمؤلفة قلوبهم، وغير ذلك\" (١).\nوقال شيخنا ردًّا على الشيخ السيد سابق -رحمهما الله- في قوله: \"تُوزّع على الأصناف الثمانية المذكورة في آية ﴿إِنّما الصدقات للفقراء ...﴾ \".\n\"ليس في السُّنّة العملية ما يشهد لهذا التوزيع، بل قوله - ﷺ - في حديث ابن عبّاس: \" ... وطُعمة للمساكين\"؛ يفيد حصْرُها بالمساكين.\nوالآية إِنّما هي في صدقات الأموال؛ لا صدقة الفطر؛ بدليل ما قبلها، وهو قوله تعالى: ﴿ومنهم من يَلمِزك في الصدقات فإنْ أُعطوا منها رَضُوا﴾ (٢).\nوهذا هو اختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية، وله في ذلك فتوى مفيدة (ج٢/ص٨١ - ٨٤) من \"مجموع الفتاوى\"، وبه قال الشوكاني في \"السيل الجرّار\" (٢/ ٨٦ - ٨٧)، ولذلك قال ابن القيم في \"الزاد\": \"وكان من هديه - ﷺ - تخصيص المساكين بهذه الصدقة ... \"\" (٣).\n_________\n(١) انظر \"مجموع الفتاوى\" (٢٥/ ٧٣)، وتقدّم غير بعيد.\n(٢) التوبة: ٥٨.\n(٣) \"تمام المِنّة\" (ص ٣٨٧).","vol":"3","page":168},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-841>عدم جواز إِعطائها للذمّي</span>\nلا يجوز إِعطاء صدقة الفطر للذمّي لقوله - ﷺ - في الحديث المتقدّم: \"وطُعمةً للمساكين\" فإِنّ الظاهر منه أنه أراد مساكين المسلمين؛ لا مساكين الأمم كلّها (١).\nوقال شيخنا في الردّ على الشيخ السيد سابق -رحمهما الله- حين استدلّ على جواز ذلك بالآية: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتِلوكم في الدين ولم يُخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم وتُقسِطوا إِليهم إِنّ الله يحبّ المقسطين﴾ (٢).\nلا يظهر في الآية دليل على الجواز؛ لأن الظاهر منها الإِحسان إليهم على وجه الصِّلة من الصدقات غير الواجبة، فقد روى أبو عبيد (رقم ١٩٩١) بسند صحيح عن ابن عبّاس قال: \"كان ناس لهم أنسباء وقرابة من قريظة والنضير، وكانوا يتَّقون أن يتصدّقوا عليهم، ويريدونهم على الإِسلام، فنزلت: ﴿ليس عليك هداهم ولكنّ الله يهدي من يشاء وما تُنفِقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إِلا ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من خير يوفَّ إِليكم وأنتم لا تُظلَمون﴾ (٣) \". فهذه الآية مثل التي قبلها.\nثمّ روى بسند صحيح إِلى سعيد بن المسيّب: \"أنَّ رسول الله - ﷺ - تصدّق بصدقة على أهل بيت من اليهود فهي تجري عليهم\".\n_________\n(١) قاله شيخنا -﵀- في \"تمام المِنّة\" (ص٣٨٩).\n(٢) الممتحنة: ٨.\n(٣) البقرة: ٢٧٢.","vol":"3","page":169},{"text":"وروى عن الحسن -وهو البصري- قال: \"ليس لأهل الذمّة في شيء من الواجب حقّ، ولكن إِنْ شاء الرجل تصدَّق عليهم من غير ذلك\".\nفهذا هو الذي ثبت في الشرع، وجرى عليه العمل من السلف، وأمّا إِعطاؤهم زكاة الفطر؛ فما علمنا أحدًا من الصحابة فعَل ذلك، وفَهْم ذلك من الآية فيه بُعْد، بل هو تحميل للآية ما لا تتحمّل.\nوما رواه أبو إِسحاق عن أبي ميسرة قال: \"كانوا يجمعون إِليه صدقة الفطر؛ فيعطيها أو يعطي منها الرهبان\".\nرواه أبو عبيد (٦١٣/ ١٩٩٦)، وابن زنجويه (١٢٧٦). فهو مع كونه مقطوعًا موقوفًا على أبي ميسرة -واسمه عمرو بن شرحبيل- فلا يصحّ عنه؛ لأنّ أبا إِسحاق هو السبيعي مختلط مدلّس، وقد عنعنه\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-842>في المال حقٌّ سوى الزكاة </span>(١)\nعن أبي موسى الأشعري -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"أطعِموا الجائع وعودوا المريض وفكُّوا العاني (٢) \" (٣).\n_________\n(١) أمّا حديث: \"إِنَّ في المال حقًّا سوى الزكاة\" فضعيف أخرجه الترمذي والدارمي وقال الترمذي: هذا حديث إِسناده ليس بذاك، وأبو حمزة ميمون الأعور يضعّف ... \".\nوانظر \"تخريج أحاديث مشكلة الفقر\" برقم (١٠٣).\n(٢) قال في \"النهاية\": \"العاني: الأسير، وكلّ من ذلّ واستكان وخضع فقد عنَا يعنو، وهو عانٍ، والمرأة عانية وجمعها: عوان\".\n(٣) أخرجه البخاري: ٥٦٤٩.","vol":"3","page":170},{"text":"وعن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: \"بينما نحن في سفرٍ مع النبي - ﷺ - إِذ جاء رجل على راحلة له، قال: فجعَل يصرف بصَره (١) يمينًا وشمالًا، فقال رسول الله - ﷺ -: من كان معه فضْل ظهر (٢) فليَعُد به (٣) على من لا ظهر له، ومن كان له فضلٌ مِن زاد؛ فليعُد به على من لا زاد له.\nقال: فذكَر مِن أصناف المال ما ذَكَر، حتى رأينا أنه لا حقَّ لأحد منّا في فضل\" (٤).\nوعن عبد الرحمن بن أبي بكر -﵄-: \"أنَّ أصحاب الصفّة كانوا أُناسًا فقراء، وأنَّ النبي - ﷺ - قال: من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث، وإنْ أربع فخامس أو سادس، وأنَّ أبا بكر جاء بثلاثة فانطلق النبي - ﷺ - بعشرة\" (٥).\nوقد لا تكفي الزكاة المفروضة؛ لإِطعام الجائع، وفكّ الأسير، ومداواة المريض، ونحو ذلك؛ ممّا لا يُستغنى عنه من الحاجات؛ فيجب في الأموال حقٌّ آخر سوى الزكاة؛ لسدّ الحاجة والقيام بما يلزم.\nوعن ابن عمر -﵄- قال: \" ... في مالك حقّ سوى\n_________\n(١) أي: متعرّضًا لشيء يدفع به حاجته. \"شرح النووي\".\n(٢) من كان معه فضل ظهر: أي: زيادة عن حاجته؛ ممّا يُركب على ظهره من الدوابّ.\n(٣) أي: فليُعطِه.\n(٤) أخرجه مسلم: ١٧٢٨.\n(٥) أخرجه البخاري: ٦٠٢، ومسلم: ٢٠٥٧.","vol":"3","page":171},{"text":"الزكاة\" (١).\nقال ابن حزم -﵀- في \"المحلّى\" (٦/ ٢٢٤ - ٢٢٩) -بتصرّف-: \"وفرْض على الأغنياء من أهل كلّ بلد؛ أن يقوموا بفقرائهم، ويُجبرهم السلطان على ذلك؛ إِنْ لم تقم الزكوات بهم، ولا في سائر أموال المسلمين بهم، فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لا بد منه، ومن اللباس للشتاء والصيف بمِثل ذلك، وبمسكن يُكنّهم (٢) من المطر، والصيف والشمس وعيون المارة.\nبرهان ذلك: قول الله تعالى: ﴿وآت ذا القربى حقّه والمسكين وابن السَّبيل﴾ (٣).\nوقال الله تعالى: ﴿وبالوالدين إِحسانًا وبذي القُربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجُنُب والصاحب بالجَنْب وابن السبيل وما ملَكَت أيْمانكم﴾ (٤).\nفأوجب تعالى حقّ المساكين، وابن السبيل، وما ملكَت اليمين مع حق ذي القربى.\nوافترض الإِحسان إِلى الأبوين، وذي القربى، والمساكين والجار، وما\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة وأبو عبيد، وصحح شيخنا -﵀- إِسناده في \"الإِرواء\" تحت الحديث (٨٧٣).\n(٢) أي: يحميهم ويردّ عنهم.\n(٣) الإِسراء: ٢٦.\n(٤) النساء: ٣٦.","vol":"3","page":172},{"text":"ملكت اليمين، والإِحسان يقتضي كل ما ذكَرنا، ومنْعه إِساءة بلا شكّ.\nوقال تعالى: ﴿ما سلككُم في سقر * قالوا لم نَكُ من المصلّين * ولم نك نُطعِم المسكين﴾ (١).\nفقَرن الله تعالى إِطعام المسكين بوجوب الصلاة.\nوعن رسول الله - ﷺ - من طُرُق كثيرة في غاية الصحّة؛ أنه قال: \"من لا يرحم الناس لا يرحَمْه الله\" (٢).\nومن كان على فضلةٍ، ورأى المسلم أخاه جائعًا عريان ضائعًا فلم يُغِثه؛ فما رحِمه بلا شكّ\".\nثمّ ذكر حديث عبد الرحمن بن أبي بكر المتقدّم في أصحاب الصّفّة: \"من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث ... \".\nوعن عبد الله بن عمر -﵄- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"المسلم أخو المسلم لا يظلِمه ولا يُسلمه\" (٣).\nقال أبو محمّد: من تركه يجوع ويعرى -وهو قادر على إِطعامه وكسوته- فقد أسلَمه!\nثمّ ذكَر حديث أبي سعيد الخدري المتقدّم: \"من كان معه فضل ظهر فليعُد به على من لا ظهر له ... \".\n_________\n(١) المدثر: ٤٢ - ٤٤.\n(٢) أخرجه البخاري: ٢٤٤٢، ومسلم: ٢٣١٩.\n(٣) أخرجه البخاري: ٢٤٤٢، ومسلم: ٢٥٨٠.","vol":"3","page":173},{"text":"ثمّ قال: وهذا إِجماع الصحابة -﵃- يخبر بذلك أبو سعيد وبكلّ ما في هذا الخبر نقول.\nثمّ ذكَر حديث أبي موسى المتقدّم: \"أطعموا الجائع وفكُّوا العاني\".\nوقال: والنصوص من القرآن، والأحاديث الصحاح في هذا تكثُر جدًّا.\nوعن أبي وائل شقيق بن سلمة قال: قال عمر بن الخطاب -﵁-: لو استقبلت من أمري ما استدبرت؛ لأخذْت فضول أموال الأغنياء؛ فقسَمتها على فقراء المهاجرين.\nوهذا إِسناد في غاية الصحة والجلالة.\nوعن ابن عمر -﵄- أنه قال: \"في مالكَ حقٌّ سوى الزكاة\" (١).\nفهذا إِجماع مقطوع به من الصحابة -﵃- لا مُخالِف لهم منهم.\nوصحّ عن الشعبي ومجاهد وطاوس وغيرهم، كلهم يقول: في المال حقٌّ سوى الزكاة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-843>صدقة التطوّع</span>\nيُستحبُّ الإِكثار من صدقة التطوّع، وفيها العديد من النصوص؛ من ذلك:\n١ - قول الله تعالى: ﴿مَثل الذين يُنفقون أموالهم في سبيل الله كمثَل\n_________\n(١) تقدّم غير بعيد.","vol":"3","page":174},{"text":"حبةٍ أنبتت سبع سنابل في كلّ سنبلة مائة حبة والله يضاعِف لمن يشاء والله واسع عليم﴾ (١).\n٢ - وقوله سبحانه: ﴿لن تنالوا البِرّ حتى تُنفقوا مما تحبّون وما تُنفِقوا من شيء فإِنّ الله به عليم﴾ (٢).\n٣ - وحديث أبي هريرة -﵁- أنّ النّبيّ - ﷺ - قال: \"ما من يوم يصبح العباد فيه إِلا مَلَكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهمَّ أعط مُنفِقًا خَلَفًا (٣)، ويقول الآخر: اللهمّ أعط ممسكًا تَلَفًا (٤) \".\n٤ - وحديث عقبة بن عامر -﵁- قال: \"سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: كلّ امرئ في ظلِّ صدقته؛ حتى يقضى بين الناس.\nقال يزيد: فكان أبو مَرثد لا يخطئه يوم إِلا تصدّق فيه بشيء، ولو كعكة أو بصلة\" (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-844>أوْلى الناس بالصدقة</span>\nأوْلى الناس بالصدقة أهل المتصدّق ثمّ قرابته.\n_________\n(١) البقرة: ٢٦١.\n(٢) آل عمران: ٩٢.\n(٣) أي: عِوضًا.\n(٤) أخرجه البخاري\" (١٤٤٢). قال الحافظ في \"الفتح\" (٣/ ٣٠٥): \"التعبير بالعطيّة في هذا للمشاكلة؛ لأنّ التلف ليس بعطية\".\n(٥) أخرجه أحمد وابن خزيمة وابن حبان في \"صحيحيهما\"، والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم، وهو في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٨٦٢).","vol":"3","page":175},{"text":"عن جابر -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ابدأ بنفسك فتصدّق عليها، فإنْ فضَل شيء؛ فلأهلك، فإِنْ فضَل عن أهلك شيء؛ فلِذِي قرابتك، فإِنْ فضَل عن ذي قرابتك شيء؛ فهكذا وهكذا\" (١).\nوعن أبي هريرة -﵁- قال: \"أمَر رسول الله - ﷺ - بالصدقة فقام رجل فقال: يا رسول الله عندي دينار قال: تصدَّق به على نفسك، قال: عندي آخر قال: تصدَّق به على ولدك، قال: عندي آخر، قال: تصدَّق به على زوجتك، قال: عندي آخر، قال: تصدَّق به على خادمك، قال: عندي آخر، قال: أنت أبْصَر\" (٢).\nوفي رواية: \"دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقَبة، ودينار تصدّقتَ به على مسكين، ودينار أنفقتَه على أهلك، أعظمُها أجرًا الذي أنفقتَه على أهلك\" (٣).\nوعن حكيم بن حزام -﵁-: \"أنَّ رجلًا سأل النّبيّ - ﷺ - عن الصدقات أيها أفضل؟ قال: على ذي الرحِم الكاشح (٤) \" (٥).\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ٩٩٧.\n(٢) أخرجه أحمد وأبو داود وغيرهما، وحسنه شيخنا في \"الإرواء\" (٨٩٥).\n(٣) أخرجه مسلم: ٩٩٥.\n(٤) الكاشح: \"بالشين المعجمة: هو الذي يُضمر عداوته في كشْحه -وهو خصره- يعني: أنّ أفضل الصدقة على ذي الرحِم المُضمِر العداوة في باطنه\"، وتقدّم.\n(٥) أخرجه أحمد والطبراني، وإسناده حسن، وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٨٨٠) و\"الإِرواء\" (٨٩٢)، وتقدّم.","vol":"3","page":176},{"text":"وعن خيثمة قال: \"كنّا جلوسًا مع عبد الله بن عمرو إِذ جاءه قَهْرَمان (١) له، فدخل فقال: أعطيت الرقيق قوتهم؟ قال: لا، قال: فانطلِق فأعطهم.\nقال: قال رسول الله - ﷺ -: كفى بالمرء إِثمًا أنْ يحبس عمّن يملك قوته\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-845>التحذير من التصدّق بالحرام</span>\nعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"أيها الناس! إنَّ الله طيِّب لا يقبل إلاَّ طيبًا، وإِنّ الله أمَر المؤمنين بما أمَر به المرسلين، فقال: ﴿يا أيها الرسل كُلوا من الطيبات واعملوا صالحًا إِنِّي بما تعملون عليم﴾ (٣)، وقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾ (٤).\nثمّ ذكر الرجل يطيل السفر أشعث (٥) أغبر (٦) يمدّ يديه إِلى السماء يا ربّ! يا ربّ! ومطعمه حرام ومشربه حرام، وملبسه حرام وَغُذِيَ بالحرام فأنّى\n_________\n(١) قَهْرَمان: هو الخازن القائم بحوائج الإِنسان، وهو بمعنى الوكيل. \"شرح النووي\" (٧/ ٨٢).\n(٢) أخرجه مسلم: ٩٩٦.\n(٣) المؤمنون: ٥١.\n(٤) البقرة: ١٧٢.\n(٥) أشعث: ثائر الشعر جعد الرأس. \"فيض\" ملتقطًا.\n(٦) الأغبر: أي: غيّر الغبار لونه لطول سفره؛ في طاعة، كحجٍّ وجهادٍ وزيارة رَحم وكثرة عبادة. \"فيض\".","vol":"3","page":177},{"text":"يستجاب لذلك؟ \" (١).\nوتقدّم حديث أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من تصدق بعَدل تمرة من كسب طيِّب -ولا يقبل الله إلاَّ الطيب- فإِنّ الله يتقبلّها بيمينه، ثمّ يربِّيها لصاحبه كما يربِّي أحدكم فَلُوَّه (٢)، حتى تكون مثلَ الجبل\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-846>هل تتصدّق المرأة من مال زوجها</span>؟\nللمرأة أن تتصدّق من بيت زوجها؛ إِن كان يرضى عن ذلك.\nفعن عائشة -﵂- قالت: قال رسول الله - ﷺ -: \"إِذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مُفسدةٍ؛ كان لها أجرها بما أنفقت، ولزوجها أجره بما كسب، وللخازِن (٣) مثلُ ذلكَ، لا ينقُصُ بعضهم أجرَ بعض شيئًا\" (٤).\nبيّن الحافظ -﵀- في \"الفتح\" (٣/ ٣٠٣): بأنّ هذا عن رضى الزوج بذلك في الغالب.\nثمّ قال: ويدلّ على ذلك ما رواه المصنف [أي: الإِمام البخاري -﵀-] من حديث همام عن أبي هريرة بلفظ: \"إِذا أنفقت المرأة من كسب زوجها من غير\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ١٠١٥\n(٢) تقدّم أن الفَلُوّ هو المُهر الصغير، وقيل: هو العظيم من أولاد ذات الحافر، وسمّي كذلك لأنه يُفلَى -أي: يُفطَم-.\n(٣) الخازن: خادم المالك في الخزن وإن لم يكن خادمه حقيقة.\n(٤) أخرجه البخاري: ١٤٢٥، ومسلم: ١٠٢٤.","vol":"3","page":178},{"text":"أمره، فلها نصف أجره\" (١).\nوقال أيضًا -﵀- في \"الفتح\" (٤/ ٣٠١): \"والأوْلى: أن يُحمل على ما إِذا أنفقت مِن الذي يخصّها به إِذا تصدقت بغير استئذانه، فإِنه يصدق كونه من كسبه، فيؤجَر عليه، وكونه بغير أمره يحتمل أن يكون أَذِن لها بطريق الإِجمال، لكن المنفي ما كان بطريق التفصيل.\nولا بدّ من الحمل على أحد هذين المعنيين، وإِلا فحيث كان من ماله بغير إِذنه لا إِجمالًا ولا تفصيلًا، فهي مأزورة بذلك لا مأجورة\".\nوعن أبي أمامة -﵁- قال: \"سمعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول عام حَجّة الوِداع: \"لا تنفق امرأة شيئًا من بيت زوجها إِلا بإِذن زوجها.\nقيل: يا رسول الله! ولا الطعام؟ قال: ذلك أفضل أموالنا\" (٢).\nقال الصنعاني -﵀- في \"سُبل السلام\" (٤/ ٧٨): -بعد أن ذكر حديث عائشة ﵂-: \"فيه دليل على جواز تصدُّق المرأة من بيت زوجها.\nوالمراد إِنفاقها من الطعام الذي لها فيه تصرّف بصنعته للزوج ومن يتعلق به؛ بشرط أن يكون ذلك بغير إِضرار وأن لا يخلَّ بنفقتهم.\nقال ابن العربي -﵀-: قد اختلف السلف في ذلك؛ فمنهم من أجازه في الشيء اليسير الذي لا يؤبه له ولا يظهر به النقصان، ومنهم مَن\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٢٠٦٦.\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٠٤٤)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (١٧٢١)، وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٩٣١).","vol":"3","page":179},{"text":"حمَله على ما إِذا أذن الزوج ولو بطريق الإِجمال- وهو اختيار البخاري.\nويدلّ له ما أخرجه الترمذي عن أبي أمامة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا تنفق امرأة شيئًا من بيت زوجها إلاَّ بإِذن زوجها\" ... [وذكر الحديث المتقدّم].\nإلاَّ أنه قد عارضه ما أخرجه البخاري (١) من حديث أبي هريرة بلفظ: \"إِذا أنفقت المرأة من كسب زوجها عن غير أمره؛ فلها نصف أجره\".\nولعلّه يقال في الجمع بينهما؛ إِنّ إِنفاقها مع إِذنه تستحقّ به الأجر كاملًا، ومع عدم الإذن نصف الأجر، وإِنّ النهي عن إِنفاقها من غير إِذنه؛ إِذا عرَفت منه الفقر أو البخل فلا يحلّ لها الإِنفاق إلاَّ بإِذنه؛ بخلاف ما إِذا عرَفت منه خلاف ذلك؛ جاز لها الإنفاق عن غير إِذنه ولها نصف الأجر ... \". وانظر \"الفتح\" (٣/ ٣٠٣).\nوعن أسماء بنت أبي بكر أنها جاءت النبي - ﷺ - فقالت: يا نبيّ الله ليس لي شيء؛ إلاَّ ما أدخَل عليّ الزبير (٢) فهل عليّ جناح أنْ أرضَخَ ممّا يدخل عليَّ فقال: ارضخي (٣) ما استطعتِ، ولا تُوْعِي فيُوعيَ الله عليك (٤) \" (٥).\n_________\n(١) برقم: (٢٠٦٦).\n(٢) هو ابن العوّام وكان زوجها.\n(٣) معناه ممّا يرضى به الزبير؛ وتقديره: إِنّ لك في الرضخ مراتب مباحة، بعضها فوق بعض، وكلها يرضاها الزبير، فافعلي أعلاها. أو يكون معناه: ما استطعتِ ممّا هو ملَك لك.\n(٤) أي: \"لا تجمعي وتشحّي بالنفقة، فيشحَّ عليك، وتُجازي بتضييِق رزقك\". \"النهاية\". وانظر شرحه في كتابي \"شرح صحيح الأدب المفرد\".\n(٥) أخرجه البخاري: ٢٥٩٠، ومسلم: ١٠٢٩، واللفظ له.","vol":"3","page":180},{"text":"قال النووي -﵀- (٧/ ١١٩): \"هذا محمول على ما أعطاها الزبير لنفسها؛ بسبب نفقةٍ وغيرها، أو ممّا هو ملك الزبير ولا يَكره الصدقة منه، بل رضي بها على عادة غالب الناس\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-847>هل تتصدّق المرأة من مالها بدون إِذن زوجها</span>؟\nعن عبد الله بن عمرو أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا يجوز لامرأةٍ عطيّة في مالها؛ إِلا بإِذن زوجها\" (١).\nقال شيخنا -﵀- في \"الصحيحة\" (٢/ ٤٠٦): \"وهذا الحديث ... يدلّ على أنّ المرأة لا يجوز لها أن تتصرّف بمالها الخاص بها إِلا بإِذن زوجها، وذلك مِن تمام القِوامة التي جعلها ربنا -﵎- له عليها.\nولكن لا ينبغي للزوج -إِذا كان مسلمًا صادقًا- أن يستغل هذا الحُكم؛ فيتجبر على زوجته، ويمنعها من التصرف في مالها فيما لا ضير عليهما منه.\nوما أشبه هذا الحقّ بحقّ وليّ البنت التي لا يجوز لها أن تزوّج نفسها بدون إِذن وليّها، فإِذا أعضَلها رفَعت الأمر إِلى القاضي الشرعي ليُنصفها.\nوكذلك الحكم في مال المرأة إِذا جار عليها زوجها فمنَعها من التصرف المشروع في مالها؛ فالقاضي يُنصفها أيضًا؛ فلا إشكال على الحكم نفسه، وإنما الإِشكال في سوء التصرف به، فتأمّل\".\n_________\n(١) أخرجه أبو داود والنسائي وأحمد، وانظر \"الصحيحة\" (٨٢٥).","vol":"3","page":181},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-848>الصدقة عن الميّت عن غير وصيّة مِن مال الميّت، وتكفير ذنوب الميّت بها </span>(١)\nعن أبي هريرة -﵁-: \"أن رجلًا قال للنبي - ﷺ -: إِنَّ أبي مات، وترَك مالًا، ولم يوص، فهل يُكفّر عنه إِن تصدّقتُ عنه؟ فقال: نعم\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-849>هل يتصدّق بكلّ ماله</span>؟\nقال الله تعالى: ﴿ويُؤثِرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة (٣)﴾ (٤).\nوعن أبي هريرة -﵁- قال: \"أتى رجل رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله، أصابني الجَهْد (٥)، فأرسَل إِلى نسائه فلم يجد عندهنّ شيئًا، فقال رسول الله - ﷺ -: ألا رجل يُضيِّفه الليلة يرحَمُه الله؟\nفقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله، فذهب إِلى أهله فقال لامرأته: ضَيْفُ رسول الله - ﷺ - لا تدَّخريه شيئًا. فقالت: والله ما عندي إِلا قوت الصبية.\nقال: فإِذا أراد الصبية العشاء فنوّميهم، وتعالَيْ فأطفئي السراج، ونطوي\n_________\n(١) هذا العنوان من \"صحيح ابن خزيمة\" (٤/ ١٢٣).\n(٢) أخرجه ابن خزيمة في \"صحيحه\" (٢٤٩٨)، وقال شيخنا -﵀- إسناده صحيح على شرط مسلم.\n(٣) الخصاصة: الفاقة.\n(٤) الحشر: ٩.\n(٥) أي: المشقة.","vol":"3","page":182},{"text":"بطوننا الليلة ففعَلت.\nثمّ غدا الرجل على رسول الله - ﷺ - فقال: لقد عجب الله ﷿أو ضحك- من فلان وفلانة، فأنزل الله ﷿: ﴿ويُؤثِرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾ \" (١).\nوعن عمر بن الخطاب -﵁- قال: \"أمَرنا رسول الله - ﷺ - يومًا أن نتصدّق، فوافَق ذلك مالًا عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر -إِنْ سبقته يومًا- فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله - ﷺ -: ما أبقيتَ لأهلك؟ قلت: مِثله.\nقال: وأتى أبو بكر بكلّ ما عنده، فقال رسول الله - ﷺ -: ما أبقيتَ لأهلك؟\nقال: أبقيت لهم الله ورسوله.\nقلت: لا أسابِقُك إِلى شيء أبدًا\" (٢).\nفمن كان في قوةٍ منيعة من التوكلّ على الله بحيث لا يندم؛ فليفعل وليتصدّق بكلّ ماله.\nوسألت شيخنا -﵀- عن حديث أبي بكر -﵁- فقال: \"هذه مسألة دقيقة؛ تُشبه الحالة الآتية:\nوهي أن يأمر الوالد ولده أن يُطلّق زوجه، فهل يفعل تأسّيًا بقصّة عمر مع\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٤٨٨٩، ومسلم: ٢٠٥٤.\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٤٧٢)، وغيره، وانظر \"المشكاة\" (٦٠٢١)، و\"مختصر البخاري\" (١/ ٣٣٦).","vol":"3","page":183},{"text":"ولده -﵄-.\nفأقول: نعم؛ إِذا كان الوالد كعمر؛ يطلّق، وإلاَّ فلا، ومن كان كأبي بكر في قوّة الإِيمان، وكان كذلك أهله بقوة إِيمان أهل أبي بكر -﵃- جاز التصدّق بكل المال، فهل يمكن تحقُّقه؟ فهذا خاصٌ بالصدّيق -﵁- فقط\".\nوقال رسول الله - ﷺ - لسعد بن أبي وقاص -﵁-: \"إِنّك إِنْ تذَرَ ورثتك أغنياء؛ خيرٌ من أن تذَرهم عالةً؛ يتكفّفون الناس، وإِنك لن تُنفق نفقة تبتغي بها وجه الله؛ إِلا أُجرت عليها حتى ما تجعل في في امرأتك\" (١).\nوقال الإِمام البخاري -﵀- في \"صحيحه\" (٢): \"لا صدقة إِلا عن ظهر غنى (٣)، ومن تَصدَّق وهو محتاج، أو أهله محتاج، أو عليه دين؛ فالدين أحقُّ أن يقضى من الصدقة والعتق والهبة، وهو رَدٌّ عليه، ليس له أن يُتلف أموال الناس، وقال النبي - ﷺ -: من أخَذ أموال الناس يريد إِتلافها أتلَفه الله (٤).\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٢٧٤٢، ومسلم: ١٦٢٨.\n(٢) انظر (٢٤ - كتاب الزكاة- ١٨ - باب).\n(٣) لقوله - ﷺ -: \"خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول\" أخرجه البخاري: ١٤٢٦ من حديث أبي هريرة، وفي مسلم: (١٠٣٤) من حديث حكيم بن حزام -﵁-: \"أفضل الصدقة -أو خير الصدقة- عن ظهر غنى ... وابدأ بمن تعول\".\n(٤) وصله البخاري -﵀- برقم (٢٣٨٧) بلفظ: \"مَن أخذ أموال الناس يريد أداءَها أدى الله عنه، ومن أخَذ يريد إِتلافها أتلَفه الله\".","vol":"3","page":184},{"text":"إِلا أن يكون معروفًا بالصبر، فيؤثر على نفسه ولو كان به خصاصة، كفِعل أبي بكر -﵁- حين تصدّق بماله (١).\nوكذلِك آثر الأنصار المهاجرين، ونهى النبي - ﷺ - عن إِضاعة المال، فليس له أن يضيّع أموال الناس بعلّة الصدقة. وقال كعب -﵁-: \"قلت: يا رسول الله، إِنّ من توبتي أن أنخلع من مالي (٢) صدقة إِلى الله ورسوله - ﷺ -.\nقال: أمسِك عليك بعض مالك، فهو خير لك، قلت: فإِنّي أُمسك سهمي الذي بخيبر\" (٣).\nوقال ابن خزيمة -﵀- في \"صحيحه\" (٤/ ٩٩): (باب صدقةالمُقلّ إِذا أبقى لنفسه قدْر حاجته).\nثمّ ذكَر حديث أبي هريرة -﵁- \"أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: سبقَ درهم مائة ألف درهم، فقال رجل: وكيف ذاك يا رسول الله؟\nقال: رجل له مال كثير أخذ من عُرضه (٤) مائة ألف درهم، تصدَّق بها؛ ورجل ليس له إِلا درهمان فأخَذ أحدهما فتصدّق به\" (٥).\n_________\n(١) وهو الذي ذكرْته في هذا الباب.\n(٢) أي: أخرج من جميع مالي. \"فتح\".\n(٣) وقد وصله البخاري -﵀- برقم (٤٤١٨)، وأخرجه مسلم: ٢٧٦٩.\n(٤) العُرض: الجانب والناصية من كل شيء.\n(٥) أخرجه النسائي وابن خزيمة في \"صحيحه\" (٢٤٤٣) وابن حبان وغيرهم، وحسّنه شيخنا -﵀- في تخريج أحاديث مشكلة الفقر برقم (١١٩).","vol":"3","page":185},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-850>الصدقة على الحيوان</span>\nعن أبي هريرة -﵁- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"بينا رجل يمشي؛ فاشتدّ عليه العطش، فنزل بئرًا فشرب منها، ثمّ خرج فإِذا هو بكلب يلهث؛ يأكل الثرى (١) من العطش، فقال: لقد بلغ هذا مثل الذي بلغ بي.\nفملأ خفّه ثمّ أمسَكه بفيه ثمّ رَقِيَ (٢) فسقى الكلب، فشكر اللهُ له فغفَر له.\nقالوا: يا رسول الله وإنّ لنا في البهائم أجرًا؟ قال: في كلّ كبِد رطبةٍ أجر\" (٣).\nوعنه أيضًا قال: \"قال رسول الله - ﷺ -: بينما كلب يُطيف (٤) بركيّة (٥) كاد يقتله العطش، إِذ رأته بغيٌّ (٦) من بغايا بني إِسرائيل، فنزعت مُوقَها (٧) فسقته، فغُفِر لها به\" (٨).\n_________\n(١) أي: التراب النّديّ.\n(٢) أي: صعد.\n(٣) أخرجه البخاري: ٢٣٦٣، ومسلم: ٢٢٤٤.\n(٤) أي: يديم المرور حوله.\n(٥) قال الحافظ في \"الفتح\" (٦/ ٥١٦): بركية: البئر مطوية أو غير مطوية، وغير المطوية يقال لها: جُبّ وقليب، ولا يقال لها بئر حتى تُطوى، وقيل: الركي البئر قبل أن تطوى فإِذا طويت فهي الطوى.\n(٦) هي: الزانية.\n(٧) هو الخفّ وقيل: ما يُلبس فوق الخُفّ. \"فتح\".\n(٨) أخرجه البخاري: ٣٤٦٧، ومسلم: ٢٢٤٥.","vol":"3","page":186},{"text":"وعن أبي أمامة -﵁- عن النبي - ﷺ - قال: \"من رحم ولو ذبيحة عُصفور؛ ﵀ يوم القيامة\" (١).\nوعن أنس -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ما من مسلم يغرس غرسًا، أو يزرع زرعًا؛ فيأكل منه طير أو إِنسان أو بهيمة؛ إِلا كان له به صدقة\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-851>الصدقة الجارية</span>\nعن أبي هريرة -﵁- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"إِذا مات الإِنسان انقطع عنه عمله إِلا من ثلاثة: إِلا من صدقة جارية، أو علمٍ ينتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-852>الصدقة في رمضان</span>\nعن ابن عباس -﵄- قال: \"كان النبي - ﷺ - أجود الناس وأجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل.\nوكان جبريل -﵇- يلقاه في كلّ ليلة من رمضان، فيدارسه\n_________\n(١) أخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\". وغيره، وانظر \"الصحيحة\" (٢٧).\n(٢) أخرجه البخاري: ٢٣٢٠، ومسلم: ١٥٥٢، وتقدّم.\n(٣) أخرجه مسلم: ١٦٢١.","vol":"3","page":187},{"text":"القرآن، فلرسول الله أجود بالخير من الريح المُرسَلة (١) \" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-853>الصدقة في أيام العشر من ذي الحجّة</span>\nعن ابن عباس -﵄- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ما من أيّام العمل الصالح فيها أحبُّ إِلى الله من هذه الأيام -يعني أيّام العشر- قالوا: يا رسول الله! ولا الجهاد في سبيل الله؟\nقال: ولا الجهاد في سبيل الله، إِلا رجل خرج بنفسه وماله؛ فلم يرجِع من ذلك بشيء\" (٣).\n_________\n(١) أي: المطلقة يعني أنه في الإسراع بالجود؛ أسرع من الريح، وعبّر بالمُرسَلة؛ إِشارة إِلى دوام هبوبها بالرحمة، وإلى عموم النفع بجوده؛ كما تعمّ الريح المرسَلة جميع ما تهبّ عليه. \"فتح\" (١/ ٣١).\n(٢) أخرجه البخاري: ٣٥٥٤، ومسلم: ٢٣٠٨.\n(٣) أخرجه البخاري: ٩٦٩، وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢١٣٠) وغيرهما، وتقدّم.","vol":"3","page":188},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-854>كتاب الصيام</span>","vol":"3","page":189},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-855>الصيام</span>\nالصيام: في اللغة: هو الكفّ والإِمساك؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِنّي نذَرْت للرحمن صومًا﴾ (١)، أي: صمتًا.\nوفي الشرع: الإِمساك عن الطعام والشراب والوقاع، بنيّة خالصة لله -﷿- في جميع النهار؛ لقوله تعالى: ﴿ثمَّ أتِمّوا الصيام إِلى الليل﴾ (٢). [البقرة: ١٨٧].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-856>فضله:</span>\n١ - عن أبي هريرة -﵁- قال: \"سمعْت رسول الله - ﷺ - يقول: قال الله -﷿- كلّ عمل ابن آدم له إلاَّ الصيام، هو لي (٣) وأنا أجزي به. فوالذي نفس محمّد بيده لَخُلْفَةُ (٤) فم الصائم أطيب عند الله من ريح المِسك\" (٥).\n_________\n(١) مريم: ٢٦.\n(٢) حلية الفقهاء: (ص ٩٩) بتصرف.\n(٣) فيه أقوال أرجحها: ... لأنّ الصوم بعيد من الرياء لخفائه، بخلاف الصلاة والحج والغزو والصدقة، وغيرها من العبادات الظاهرة، وقيل: لأنه ليس للصائم ونفسه فيه حظّ. وانظر \"شرح النووي\" (٨/ ٣١)، و\"الفتح\" (٤/ ١٠٧).\n(٤) لخُلفة: وفي رواية: لخُلوف هو بضم الخاء فيهما وهو تغير رائحة الفم. \"شرح النووي\" (٨/ ٣١).\n(٥) أخرجه مسلم: ١١٥١.","vol":"3","page":191},{"text":"وفي رواية: \" .. إِنّ للصائم فرحتين إِذا أفطر فَرِح، وإذا لقي الله فَرِح\" (١).\nوعن حذيفة -﵁- قال: سمعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"فتنة الرجل في أهله وماله ونفسه وولده وجاره، يُكَفِّرها الصيام والصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر\" (٢).\n٢ - وعنه أيضًا أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"الصيام جُنَّة (٣)، فلا يرفُث (٤) ولا يجهل (٥)، وإن امرؤٌ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم -مرتين-.\nوالذي نفسي بيده لخُلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، الصيام لي وأنا أجزي به، والحسنة بعَشْر أمثالها\" (٦).\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ١١٥١.\n(٢) أخرجه البخاري: ١٨٩٥، ومسلم: ١٤٤، (كتاب الفتن وأشراط الساعة) \"باب في الفتنة التي تموج كموْج البحر\" (٤/ ٢٢١٨) وهذا لفظه.\n(٣) جُنَّة: أي: يقي صاحبه ما يُؤذيه من الشهوات، والجُنَّة الوقاية. \"النهايهّ\". وقال في \"الفتح\" (٤/ ١٠٤): والجُنّة -بضم الجيم- الوقاية والسَّتر، وقد تبيَّن بهذه الروايات متعلق هذا السَّتر وأنّه من النار، وبهذا جزم ابن عبد البرّ.\n(٤) يرفث: -بالضم والكسر- الكلام الفاحش، وهو يطلق على هذا، وعلى الجماع وعلى مقدماته، وعلى ذِكره مع النساء أو مطلقًا، ويُحتمل أن يكون لما هو أعمّ منها.\n(٥) قال الحافظ -﵀-: \"ولا يجهل: أي لا يفعل شيئًا من أفعال أهل الجهل؛ كالصّياح والسّفه ونحو ذلك. قال القرطبي: لا يفهم من هذا أن غير يوم الصوم يباح فيه ما ذُكِر، وإنّما المراد أنّ المنع من ذلك يتأكد بالصوم\".\n(٦) أخرجه البخاري: ١٨٩٤، ومسلم: ١١٥١.","vol":"3","page":192},{"text":"٣ - عن سهل بن سعد عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"إِنّ في الجنّة بابًا يُقال له الرَّيَّان (١)، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخُل منه أحد غيرهم، يقال: أين الصائمون؛ فيقومون، لا يدخل منه أحد غيرهم، فإِذا دخلوا أُغْلِق، فلم يدخل منه أحد\" (٢).\n٤ - عن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: سمعت النّبيّ - ﷺ - يقول: \"من صام يومًا في سبيل الله بَعّدَ الله وجهه عن النار سبعين خريفًا\" (٣).\n٥ - وعن أبي أمامة -﵁- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"من صام يومًا في سبيل الله؛ جعَل الله بينه وبين النار خندقًا؛ كما بين السماء والأرض\" (٤).\n٦ - وعنه -﵁- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"عليك بالهجرة فإِنه لا مِثل لها، عليك بالصوم فإِنه لا مِثل له، عليك بالسجود فإِنك لا تسجد لله\n_________\n(١) قال الحافظ -﵀-: \"الرّيان: وزن فَعْلان من الرَيّ: اسم عَلم على باب من أبواب الجنة يختص بدخول الصائمين منه، وهو ممّا وقَعت المناسبة فيه بين لفظه ومعناه، لأنه مشتَقّ من الرَيّ، وهو مناسبٌ لحال الصائمين ...\nقال القرطبي: اكتفى بذِكر الرَيّ عن الشّبع لأنه يدل عليه من حيث أنه يستلزمه، قلت [أي: الحافظ]: أو لكونه أشقّ على الصائم من الجوع\". اهـ. وقال الكرماني -﵀-: \"هذا الاسم في مقابل العطشان، فروعي المناسبة بين العمل وجزائه\".\n(٢) أخرجه البخاري: ١٨٩٦، ومسلم: ١١٥٢.\n(٣) أخرجه البخاري: ٢٨٤٠، ومسلم: ١١٥٣.\n(٤) أخرجه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (١٣٢٥)، وغيره، وخرّجه شيخنا - ﵀- في \"الصحيحة\" (٥٦٣).","vol":"3","page":193},{"text":"سجدة إِلا رفَعك الله بها درجة، وحطّ عنك بها خطيئة\" (١).\n٧ - عن عبد الله بن عمرو -﵄- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة.\nيقول الصيام: أي ربّ: منعتُه الطعام والشّهوة، فشفِّعني فيه، ويقول القرآن: منعْته النوم بالليل، فشفِّعني فيه، قال: فيُشفَّعان (٢) \" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-857>منزلة الصّائم الصابر</span>\nعن أبي هريرة -﵁- قال: عن النّبيّ - ﷺ - أنّه قال: \"الطاعمُ\n_________\n(١) أخرجه النسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٢١٠٠) وخرّجه شيخنا -رحمه الله تعالى- في \"الصحيحة\" (١٩٣٧).\n(٢) قال شيخنا -﵀- في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١/ ٤٨٣): \"أي: يُشفّعهما الله فيه ويدخله الجنة، فال المناوي -﵀-: \"وهذا القول يحتمل أنه حقيقة؛ بأن يجد ثوابهما ويخلق الله فيه النطق ﴿والله على كل شيء قدير﴾، ويُحتمل أنه على ضربٍ من المجاز والتمثيل\".\nقلت -أي: شيخنا ﵀-: والأول هو الصواب الذي ينبغي الجزم به هنا، وفي أمثاله من الأحاديث التي فيها تجسيد الأعمال ونحوها؛ كمثل تجسيد الكنز شجاعًا أقرع، ونحوه كثير، وتأويل مِثل هذه النصوص ليس من طريقة السلف -﵃- بل هو طريقة المعتزلة ومن سَلَك سبيلهم من الخلف، ودلك مما يُنافي أوّل شروط الإِيمان ﴿الذين يؤمنون بالغيب﴾ فحذار أن تَحْذُو حذوهم، فتضلّ وتشقى، والعياذ بالله تعالى\".\n(٣) أخرجه أحمد والطبراني في \"الكبير\" وصححه شيخنا في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٩٦٩)، وانظر \"تمام المِنّة\" (ص ٣٩٤).","vol":"3","page":194},{"text":"الشّاكرُ؛ بمنزلةِ الصائم الصابر\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-858>أقسامه:</span>\nالصوم قسمان: فرض ونفل:\nأولًا: صوم الفرض، وهو ثلاثة أقسام:\n\n١ -<span data-type=\"title\" id=toc-859> صوم رمضان</span>.\n٢ - صوم الكفّارات.\n٣ - صوم النَّذر.\nثانيًا: صوم التطوُّع.\n\nصوم رمضان\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-860>حُكمه:</span>\nيجب صيام رمضان إِذ هو رُكن من أركان الدين.\nقال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصّيَام كما كُتب على الذين من قبلكم لعلّكم تتّقون﴾ (٢).\nوعن ابن عمر -﵄- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"بُني الإِسلام\n_________\n(١) أخرجه الترمذي وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٤٢٧) وغيرهما، وانظر \"الصحيحة\" (٦٥٥).\n(٢) البقرة: ١٨٣.","vol":"3","page":195},{"text":"على خمس: شهادة أن لا إِله إِلا الله وأنّ محمّدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإِيتاء الزكاة، والحجّ، وصوم رمضان\" (١).\nوعن طلحة بن عبيد الله \"أنَّ أعرابيًا جاء إِلى رسول الله - ﷺ - ثائر الرأس فقال: يا رسول الله! أخبِرني ماذا فرَض الله عليَّ من الصلاة؟ فقال: الصلوات الخمس إِلا أنْ تطوّع شيئًا.\nفقال: أخبرني ما فرَض الله عليّ من الصيام؟ فقال: شهر رمضان إِلا أن تطوّع شيئًا.\nفقال: أخبرني بما فرَض الله عليَّ من الزّكاة؟ فقال: فأخبَره رسول الله - ﷺ - شرائع الإِسلام.\nقال: والذي أكرمك؛ لا أتطوَّع شيئًا، ولا أَنْقُصُ ممّا فرَض الله عليَّ شيئًا، فقال رسول الله - ﷺ -: أفلح إِن صدق -أو دخل الجنة إِن صدق-\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-861>فضل شهر رمضان</span>\n١ - عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من صام رمضان إِيمانًا واحتسابًا (٣)، غُفر له ما تقدّم من ذنبه\" (٤).\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٨، ومسلم: ١٦.\n(٢) أخرجه البخاري: ١٨٩١، ومسلم: ١١.\n(٣) أي: طلَبًا لوجه الله وثوابه، فالاحتساب من الحَسَب، وإنّما قيل لمن ينوي بعمله وجه الله احتَسبه؛ لأن له حينئذ؛ أن يعتد عمله، والحِسبة من الاحتساب. \"النهاية\".\n(٤) أخرجه البخاري: ١٩٠١، ومسلم: ٧٦٠.","vol":"3","page":196},{"text":"٢ - وعن عمرو بن مرَّة الجهَنيّ -﵁- قال: \"جاء رجل إِلى النّبيّ - ﷺ -، فقال: يا رسول الله أرأيت إِن شهدْتُ أن لا إِله إِلا الله، وأنّك رسول الله، وصلّيتُ الصلوات الخمس، وأدّيتُ الزكاة، وصمت رمضان، فممّن أنا؟ قال: من الصدِّيقين والشُّهداء\" (١).\n٣ - وعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"أتاكم رمضان شهرٌ مبارَك، فرض الله -﷿- عليكم صيامه، تُفْتَح فيه أبواب السَّماء، وتُغلَقُ فيها أبواب الجحيم وتُغَلُّ (٢) فيه مردَةُ (٣) الشياطين (٤)، لله فيه ليلةٌ خيرٌ من ألف شهر، من حُرم خيرها فقد حُرِم\" (٥).\n٤ - وعن عرفجة قال: عُدنا عتبة بن فرقد: فتذاكَرنا شهر رمضان، فقال: ما تذْكرون؟ قلنا: شهر رمضان.\nقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"تُفتَح فيه أبواب الجنَّة، وتُغلَق فيه أبواب النار، وتُغَلُّ فيه الشياطين، وينادي منادٍ كلَّ ليلة: يا باغي الخير (٦)\n_________\n(١) أخرجه البزار وابن خزيمة وابن حبان في \"صحيحيهما\" واللفظ لابن حبان، وصحّحه شيخنا في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٩٨٩).\n(٢) تُغَلّ: من الإِغلال، وهو وضْع الغُلّ أو الطوق في يده أو عُنقه.\n(٣) مرَدة: جمع المارد وهو العاتي الشديد، وانظر \"النهاية\".\n(٤) قال في \"المرقاة\" (٤/ ٤٥١): \"يُفهم من هذا الحديث أن المقيَّدين هم المَردة فقط\".\n(٥) أخرجه أحمد والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (١٩٩٢)، وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٩٨٥)، و\"المشكاة\" (١٩٦٢) و\"تمام المنّة\" (٣٩٥).\n(٦) أي: يا طالب.","vol":"3","page":197},{"text":"هَلُمَّ، ويا باغيَ الشّرّ أقْصِر (١) \" (٢).\nقال ابن خزيمة -﵀- في \"صحيحه\" (٣/ ١٨٨): \"باب ذِكر البيان أنّ النّبيّ - ﷺ - إِنَّما أراد بقوله: \"وصُفِّدت الشياطين\" مرَدة الجِنّ منهم؛ لا جميع الشياطين، إِذ اسم الشياطين قد يقع على بعضهم، وذَكَر دعاء الملَك في رمضان إِلى الخيرات، والتقصير عن السيِّئات، مع الدليل على أنّ أبواب الجنان إِذا فُتحت لم يغلق منها باب، ولا يُفتَح باب من أبواب النيران إِذا أُغلقت في شهر رمضان.\nثمّ روى إِسناده إِلى أبي هريرة -﵁- قال: \"قال رسول الله - ﷺ -: إِذا كان أوَّل ليلة من رمضان، صُفِّدت الشياطين مرَدة الجِنّ، وغُلِّقت أبواب النار، فلم يُفتَح منها باب، وفتِّحت أبواب الجنان فلم يُغلَق منها باب، ونادى منادٍ يا باغيَ الخير أقبل، ويا باغيَ الشَّرِّ أقْصِر، ولله عُتَقاء من النار\" (٣).\n٥ - وعن أبي هريرة -﵁- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"الصلوات الخمس والجُمُعة إِلى الجُمُعة ورمضان إِلى رمضان، مكفِّرات ما بينهن، إِذا اجتُنبت الكبائر\" (٤).\n_________\n(١) أي: أمسِك.\n(٢) أخرجه أحمد والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (١٩٩٣)، وغيرهما.\n(٣) قال شيخنا -﵀- (١٨٨٣): إِسناده حسن، للخلاف في أبي بكر بن عيَّاش من قِبَل حِفْظِه.\n(٤) أخرجه مسلم: ٢٣٣، ولشيخنا -﵀- كلام طيِّب في هذا الحديث فانظره -إِن شئت- في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١/ ٢١٢) تحت رقم (٣٤٨)، وانظر للمزيد من الأحاديث \"صحيح الترغيب والترهيب\" (صيام رمضان احتسابًا ...).","vol":"3","page":198},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-862>الترهيب مِن الفِطْر في رمضان</span>\nعن أبي أُمامَة الباهليِّ -﵁- قال: سمِعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"بينا أنا نائم أتاني رجلان، فأخذا بضَبْعَيَّ (١) فأتيا بي جَبَلًا وعرًا، فقالا: اصعد. فقلت: إِني لا أُطِيقه. فقال: إِنّا سنسهِّلُه لك.\nفصعدت، حتى إِذا كنتُ في سواء الجبل إِذا بأصوات شديدة، قلت: ما هذه الأصوات؟ قالوا: هذا عُواء أهل النار.\nثمّ انطلق بي، فإِذا أنا بقوم معلَّقين بعراقيبهم (٢)، مشقَّقة أشداقهم (٣)، تسيل أشداقهم دمًا، قال: قلت: مَنْ هؤلاء؟ قال: الذين يُفطرون قبل تحلَّة صومِهم (٤).\" (٥) الحديث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-863>بمَ يثبُت الشهر</span>؟\nيثبت شهر رمضان برؤية الهلال من واحد عَدْل، أو بإِكمال عدّة شعبان ثلاثين يومًا.\n_________\n(١) ضبْعيّ: مثنى ضبْع -بسكون الباء- وسط العضد وقيل: هو ما تحت الإِبْط، وانظر \" النهاية\".\n(٢) العراقيب: مفردها العُرقوب: وهو الوَتَر خلفَ الكعبين بين مَفْصِل القدم والساق. وانظر \"النهاية\".\n(٣) الأشداق: جوانب الفم.\n(٤) أي: يفُطرون قبل وقت الإِفطار، والتاء في التحلَّة زائدة.\n(٥) أخرجه ابن خزيمة وابن حبان في \"صحيحيهما\" وغيرهما وصححه شيخنا -﵀- في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٩٩١).","vol":"3","page":199},{"text":"عن ابن عمر -﵄- قال: \"تراءى (١) الناس الهلال فأخبرْتُ النّبيّ - ﷺ - أنِّي رأيته، فصام وأمَر الناس بصيامه\" (٢).\nوعن أبي هريرة -﵁- أنّ النّبيّ - ﷺ - قال: \"صوموا لرؤيته (٣)، وأَفطِروا لرؤيته (٤) فإِن غُبّي (٥) عليكم فأكملوا عِدَّة شعبان ثلاثين\" (٦).\nوقد ورد في بعض النصوص الأمر بصيام رمضان برؤية شاهدين؛ لحديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب -﵁- قال: \"ألا إِني جالَسْت أصحاب رسول الله - ﷺ - وساءَلتُهم، وإنهم حدّثوني أنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، وانسكوا (٧) لها، فإِنْ غمّ عليكم فأكمِلوا\n_________\n(١) تراءى: أي: تكلّفوا النظر إِليه هل يرونه أم لا، وانظر \"النهاية\".\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٠٥٢)، وغيره، وصححه شيخنا - ﵀- في \"الإرواء\" (٩٠٨).\n(٣) أي: لرؤية البعض ولو واحد.\n(٤) أي: لرؤية البعض وأقلّهم اثنان.\n(٥) غُبِّي: من الغباوة وهو عدم الفِطنة، يقال: غبِي عليّ بالكسر: إِذا لم يعرفه، ومن التغبية، قاله الكرماني، وفي \"النهاية\": غَبي [بالتخفيف: أي: خفي ورواه بعضهم غُبّي - بضمّ الغين وتشديد الباء المكسورة- لما لم يسمّ فاعله من الغباء: يشبه الغبَرة في السماء\".\nاهـ. وفي بعض الروايات في \"الصحيحين\": \"غُمّي\"، وعند مسلم: (١٠٨١): \"وأُغمي\".\n(٦) أخرجه البخاري: ١٩٠٩، ومسلم: ١٠٨١.\n(٧) قال السّندي -﵀- في حاشيته على \"النسائي\" (٤/ ١٣٣): \"المراد: الحج، أي: الأضحية\".","vol":"3","page":200},{"text":"ثلاثين، فإِن شهد شاهدان فصوموا وأفطِروا\" (١).\nوعن حسين بن الحارث الجدلي -من جديلة قيس-: أنّ أمير مكّة خطب، ثمّ قال: عَهِدَ إِلينا رسول الله - ﷺ -، أن نَنْسُكَ للرؤية، فإِنْ لم نره، وشهد شاهدَا عَدْل نسَكْنا بشهادتهما.\nفسألت (٢) الحسين بن الحارث: مَن أمير مكّة؟ قال: لا أدري، ثمّ لقِيَني بعدُ فقال: هو الحارث بن حاطب، أخو محمّد بن حاطب.\nثمّ قال الأمير: إِنّ فيكم من هو أعلم بالله ورسوله منِّي، وشهد هذا من رسول الله - ﷺ -، وأومأ بيده إِلى الرجل.\nقال الحسين: فقلت لشيخ إِلى جنبي: من هذا الذي أومأ إِليه الأمير؟ قال: هذا عبد الله بن عمر، وصدَق، كان أعلم بالله منه، فقال (٣): بذلك أَمَرَنا رسول الله - ﷺ -\" (٤).\nوجاء في \"تحفة الأحوذي\" (٣/ ٣٧٣): \"وقال أبو عيسى الترمذي -﵀- بعد حديث كريب (٥): \"والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم، قالوا: تُقبَل شهادة رجل واحد في الصِّيَام، وبه يقول ابن المبارك\n_________\n(١) أخرجه أحمد والنسائي والسياق له، وغيرهما، وقال شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٩٠٩): \"وهذا سند صحيح رجاله ثقات كلهم\".\n(٢) السائل: هو أبو مالك الأشجعي الراوي عن حسين بن الحارث الجدلي.\n(٣) القائل: عبد الله بن عمر.\n(٤) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٠٥٠) وغيره.\n(٥) سيأتي بعد قليل إِن شاء الله -تعالى- وهو يفيد قبول شهادة رجل واحد في الصيام.","vol":"3","page":201},{"text":"والشافعي وأحمد.\nوقال إِسحاق: لا يصام إِلا بشهادة رجلين، ولم يختلف أهل العلم في الإِفطار؛ أنّه لا يُقبل فيه إِلا شهادة رجلين.\nوأجاب من قال بقَبول شهادة رجل في الصيام عن هذين الحديثين: بأن التصريح بالاثنين غاية ما فيه المنع من قبول الواحد بالمفهوم، وحديث ابن عبّاس وحديث ابن عمر المذكورين؛ يدلاّن على قَبوله بالمنطوق ودلالة المنطوق أرجح\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-864>فائدة:</span>\nقال شيخ الإِسلام -﵀- في \"مجموع الفتاوى\" (٢٥/ ١٣٢): \"فإِناّ نعلم بالإِضطرار من دين الإِسلام؛ أنَّ العمل في رؤية هلال الصوم أو الحج أو العِدَّة أو الإِيلاء، أو غير ذلك من الأحكام المعلقة بالهلال بخبر الحاسب؛ أنَّه يرى أو لا يرى لا يجوز، والنصوص المستفيضة عن النّبيّ - ﷺ - بذلك كثيرة، وقد أجمع المسلمون عليه.\nولا يُعرف فيه خلاف قديم أصلًا، ولا خلاف حديث: إِلا أنّ بعض المتأخّرين من المتفقّهة الحادثين بعد المائة الثالثة زعم أنّه إِذا غُمّ الهلال جاز للحاسب أن يعمل في حقّ نفسه بالحساب، فإِن كان الحساب دلّ على الرؤية صام وإلا فلا.\nوهذا القول وإنْ كان مقيَّدًا بالإِغمام ومختصًّا بالحاسب فهو شاذّ، مسبوق بالإِجماع على خلافه، فأمَّا اتباع ذلك في الصَّحو، أو تعليق عموم الحكم العام به؛ فما قاله مسلم\".","vol":"3","page":202},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-865>إِذا رأى الهلالَ أهلُ بلد هل يلزم سائر البلاد الموافقة</span>؟\nاختلف العلماء على مذاهب؛ فيما إِذا رأى الهلالَ أهلُ بلد، هل هذا خاصٌّ بأهل البلد الذين رأوه؟ أم هو عامّ لجميع البلاد؟ وقد ذكَرها النووي -﵀- في \"المجموع\" (٦/ ٢٧٣) والحافظ في \"الفتح\" (٤/ ١٢٣) وغيرهما.\nوجاء في \"نيل الأوطار\" (٤/ ٢٦٧): \"وقد اختلفوا في ذلك على مذاهب؛ ذكَرها صاحب \"الفتح\":\nأحدها: أنه يعتبر لأهل كل بلد رؤيتهم، ولا يلزمهم رؤية غيرهم.\nحكاه ابن المنذر عن عكرمة والقاسم بن محمّد وسالم وإِسحاق، وحكاه الترمذي عن أهل العلم ولم يحْكِ سِواه، وحكاه الماوردي وجهًا للشافعية.\nوثانيها: أنه لا يلزم أهل بلد رؤية غيرهم؛ إِلا أن يثبت ذلك عند الإِمام الأعظم، فيلزم الناس كلهم، لأنَّ البلاد في حقِّه كالبلد الواحد، إِذ حُكمه نافذ في الجميع، قاله ابن الماجشون.\nوثالثها: أنَّها إِنْ تقاربت البلاد؛ كان الحُكم واحد، وإِنْ تباعدت فوجهان؛ لا يجب عند الأكثر.\nقاله بعض الشافعية واختار أبو الطيب وطائفة الوجوب وحكاه البغوي عن الشافعي.\nوفي ضبط البعيد أوجه:\nأحدها: اختلاف المطالع؛ قطع به العراقيون والصيدلاني، وصحّحه","vol":"3","page":203},{"text":"النووي في \"الرّوضة\" و\"شرح المهذَّب\".\nوثانيها: مسافة القصر، قطع به البغوي وصحّحه الرافعي والنووي.\nثالثها: باختلاف الأقاليم حكاه في \"الفتح\".\nرابعها: أنه يلزم أهل كلّ بلد؛ لا يتصور خفاؤه عنهم، بلا عارض دون غيرهم، حكاه السرخسي.\nخامسها: مِثل قول ابن الماجشون المتقدّم.\nسادسها: أَنّه لا يلزم إِذا اختلفت الجهتان ارتفاعًا وانحدارًا؛ كأن يكون أحدهما سهلا والآخر جبلًا، أو كان كل بلد في إِقليم، حكاه المهدي في البحر؛ عن الإِمام يحيى والهادوية.\nوحُجّة أهل هذه الأقوال؛ حديث كريب (١). ووجه الاحتجاج به أنَّ ابن عبّاس لم يعمل برؤية أهل الشام.\nوقال في آخر الحديث: \"هكذا أمَرنا رسول الله - ﷺ -\"، فدل ذلك على أنَّه قد حفظ من رسول الله﵌- أنه لا يلزم أهل بلدٍ العمل برُؤية أهل بلد آخر\".\nوقد تقدّم قوله - ﷺ -: \"صوموا لرؤيته وأفطرِوا لرؤيته\".\nفهذا خطاب لجميع الأمّة، فكما أنَّ رؤية الواحد كالرؤية لأهل البلد؛ كانت الرؤية في البلد؛ كالرؤية في كلّ البلاد.\nوقال شيخ الإِسلام -﵀- في \"مجموع الفتاوى\" (٢٥/ ١٠٧):\n_________\n(١) انظر ما فصّله الحافظ -﵀- في \"الفتح\" (٤/ ١٢٣).","vol":"3","page":204},{"text":"\" ... فالضابط أنَّ مدار هذا الأمر على البلوغ؛ لقوله - ﷺ -: \"صوموا لرؤيته\" فمن بلغه أنه رؤي؛ ثبت في حقّه؛ من غير تحديدٍ بمسافة أصلًا ... \".\nوقال -﵀- (ص ١١١): \" ... ومن حدّد ذلك بمسافة قصر أو إِقليم؛ فقوله مخالفٌ للعقل والشرع\".\nوجاء في \"الروضة النديّة\" (١/ ٥٣٧): \"وإذا رآه أهل بلدٍ؛ لزم سائر البلاد الموافقة، وجْهُهُ الأحاديث المصرحة بالصيام لرؤيته والإِفطار لرؤيته، وهي خطاب لجميع الأمّة، فمن رآه منهم في أيّ مكان كان ذلك رؤيةً لجميعهم\".\nوقد استدلّ من رأى أنَّ لأهل كل بلد رؤيتهم، وأنّه لا يلزمهم رؤية غيرهم؛ بحديث كُريب \"أنَّ أمّ الفضل بنت الحارث بعَثته إِلى معاوية بالشام.\nقال: فقدِمتُ الشام، فقضيتُ حاجتها واسْتُهِلَّ (١) عليَّ رمضان وأنا بالشام، فرأيتُ الهلال ليلة الجمعة، ثمّ قدِمتُ المدينة في آخر الشهر، فسألني عبد الله بن عبّاس -﵄- ثمّ ذكَر الهلال فقال: رأيتم الهلال؟\nفقلت: رأيناه ليلة الجمعة، فقال: أنت رأيته؟ فقلت: نعم، ورآه الناس، وصاموا وصام معاوية.\nفقال: لكنَّا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين، أو نراه.\n_________\n(١) أي: ظهر عليّ هلال رمضان.","vol":"3","page":205},{"text":"فقلت: أو لا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا؛ هكذا أمَرنا رسول الله - ﷺ -.\nوشك يحيى بن يحيى في: نكتفي أو تكتفي\" (١).\nجاء في \"الشرح الكبير\" لشمسِ الدين بن قدامة (٣/ ٨): \" ... فأما حديث كريب؛ فإِنما دل على أنّهم لا يفطرون بقول كريب وحده -ونحن نقول به- وإنما محلّ الخلاف وجوب قضاء اليوم الأول، وليس هو في الحديث\".\nوجاء في \"الروضة النديّة\" (١/ ٥٣٧): \"وأمَّا استدلال من استدل بحديث كريب ... أنّه استهلَّ عليه رمضان وهو بالشام، فرأى الهلال ليلة الجمعة، فقدم المدينة فأخبر بذلك ابن عبّاس فقال: لكنَّا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نُكْمِل ثلاثين أو نراه.\nثمّ قال: هكذا أمَرنا رسول الله - ﷺ - ... فغير صحيح (٢)، لأنه لم يُصرّح ابن عبّاس بأنّ النّبيّ- صلى الله تعالى عليه وسلم- أمَرهم بأن لا يعملوا برؤية غيرهم من أهل الأقطار، بل أراد ابن عبّاس أنه أمرهم بإِكمال الثلاثين أو يروه، ظنًّا منه أنّ المراد بالرؤية رؤية أهل المحلّ.\nوهذا خطأ في الاستدلال؛ أوقع الناس في الخبط والخلط حتى تفرّقوا في ذلك على ثمانية مذاهب.\nوقد أوضح الماتن المقام في الرسالة التي سمّاها \"إِطلاع أرباب الكمال على ما في رسالة الجلال في الهلال من الاختلال\".\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ١٠٨٧.\n(٢) أي: في الاستدلال به لا في الحُكم على صحّة الحديث.","vol":"3","page":206},{"text":"قال في \"المسوى\": \"لا خلاف في أنّ رؤية بعض أهل البلد موجبة على الباقين، واختلفوا في لزوم رؤية أهل بلد أهل بلد آخر.\nوالأقوى عند الشافعي؛ يلزم حُكم البلد القريب دون البعيد، وعند أبي حنيفة يلزم مطلقًا\".\nوجاء في \"نيل الأوطار\" (٤/ ٢٦٧): \"واعلم أن الحجَّة إِنِّما هي في المرفوع من رواية ابن عبّاس؛ لا في اجتهاده الذي فهم عنه الناس والمشار إِليه بقوله هكذا أمَرنا رسول الله﵌هو قوله: \"فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين، والأمر الكائن من رسول الله -﵌- هو ما أخرَجه الشيخان وغيرهما بلفظ: \"لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه فإِن غُمَّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين\".\nوهذا لا يختص بأهل ناحية؛ على جهة الانفراد، بل هو خطاب لكلّ من يصلح له من المسلمين، فالاستدلال به على لزوم رؤية أهل بلد لغيرهم من أهل البلاد، أظهر من الاستدلال به على عدم اللزوم، لأنّه إِذا رآه أهل بلد؛ فقد رآه المسلمون، فيلزم غيرهم ما لزِمهم.\nولو سلم توجُّه الإِشارة في كلام ابن عبّاس إِلى عدم لزوم رؤية أهل بلد لأهل بلد آخر؛ لكان عدم اللزوم مقيّدًا بدليل العقل، وهو أن يكون بين القطرين من البعد ما يجوز معه اختلاف المطالع.\nوعدم عمل ابن عبّاس برؤية أهل الشام مع عدم البعد الذي يمكن معه الاختلاف؛ عملٌ بالاجتهاد وليس بحُجّة ... \".\nوقال شيخنا -﵀- في \"تمام المِنّة\" (ص ٣٩٨): \" ... إِنّ","vol":"3","page":207},{"text":"حديث ابن عبّاس ورَد فيمن صام على رؤية بلده، ثمّ بلَغه في أثناء رمضان أنهم رأوا الهلال في بلد آخر قبله بيوم، ففي هذه الحالة؛ يستمر في الصيام مع أهل بلده حتى يكملوا ثلاثين، أو يروا هلالهم، وبذلك يزول الإِشكال.\nويبقى حديث أبي هريرة وغيره على عمومه؛ يشمل كل من بلَغه رؤية الهلال من أي بلد أو إِقليم؛ من غير تحديد مسافة أصلًا؛ كما قال ابن تيمية في \"مجموع الفتاوى\" (٢٥/ ١٠٧)، وهذا أمر متيسِّر اليوم كما هو معلوم، ولكنّه يتطلّب شيئًا من اهتمام الدول الإِسلامية حتى تجعله حقيقة واقعية إِن شاء الله -﵎-.\nوإلى أن تجتمع الدول الإِسلامية على ذلك؛ فإِنّي أرى على شَعْب كل دولة أن يصوم مع دولته، ولا ينقسم على نفسه، فيصوم بعضهم معها، وبعضهم مع غيرها -تقدّمت في صيامها أو تأخّرت- لما في ذلك من توسيع دائرة الخلاف في الشَّعب الواحد، كما وقع في بعض الدول العربية، منذ بضع سنين. والله المستعان\". انتهى.\nوعن الحسن في رجل كان بمصر من الأمصار، فصام يوم الاثنين، وشهد رجلان أنهما رأيا الهلال ليلة الأحد.\nفقال: لا يقضي ذلك اليوم الرجل، ولا أهلُ مِصره، إِلا أن يعلموا أنَّ أهل مصر من أمصار المسلمين؟ قد صاموا يوم الأحد فيقضونه\" (١).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٠٤٥)، وقال شيخنا -﵀-: صحيح مقطوع.","vol":"3","page":208},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-866>إِذا أُغْمِيَ هلال شوال وأصبح النَّاس صيامًا</span>\nعن أبي عُمير بن أنس بن مالك قال: \"حدَّثني عمومتي من الأنصار من أصحاب رسول الله - ﷺ - قالوا: أُغْمِي علينا هلال شوّال، فأصبحنا صيامًا، فجاء رَكْب من آخر النَّهار، فشَهِدوا عند النّبيّ - ﷺ - أنَّهم رأوا الهلال بالأمس.\nفأمَرهم رسول الله - ﷺ - أن يفطروا، وأن يخرجوا إِلى عيدهم من الغد\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-867>هل يصوم أو يُفطر مَنْ رأى الهلال وحده</span>؟\nاختلف العلماء في هذا، فمنهم من رأى إِيجاب الصوم والفطر لمن انفرد برؤية الهلال؛ استنادًا إِلى الحديث المتقدّم: \"صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته\".\nومنهم من رأى أنه لا يصوم ولا يُفطر إلاَّ مع الناس؛ استنادًا لقوله - ﷺ -: \"الصوم يومَ تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون\" (٢).\nوعن مسروق قال: \"دخلت على عائشة يوم عرفة، فقالت: اسقوا مسروقًا سويقًا، وأكثروا حلواه.\nقال: فقلت: إِنِّي لم يمنعني أن أصوم اليوم إلاَّ أنّي خفْتُ أن يكون يوم النحر، فقالت عائشة: النحر يوم ينحر الناس، والفطر يوم يفطر الناس\" (٣).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٣٤٠) وغيرهم، وصححه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٦٣٤).\n(٢) أخرجه الترمذي وغيره، وانظر \"الصحيحة\" (٢٢٤).\n(٣) وحسنه شيخنا -﵀- لغيره في \"الصحيحة\" تحت الحديث (٢٢٤).","vol":"3","page":209},{"text":"قال شيخنا -﵀- عقب حديث: \"الصوم يوم تصومون ... \" في \"الصحيحة\" (١/ ٤٤٣): \" ... قال الترمذي عقب الحديث: \"وفسّر بعض أهل العلم هذا الحديث، فقال: إِنّما معنى هذا؛ الصوم والفطر مع الجماعة وعِظَم الناس\".\nوقال الصنعاني في \"سبل السلام\" (٢/ ٧٢): \"فيه دليل على أن يُعتَبر في ثبوت العيد الموافقة للناس، وأنّ المتفرد بمعرفة يوم العيد بالرؤية يجب عليه موافقة غيره، ويلزمه حُكمهم في الصلاة والإِفطار والأضحية.\nوذكَر معنى هذا ابن القيم -﵀- في \"تهذيب السنن\" (٣/ ٢١٤)، وقال: \"وقيل: فيه الردُّ على من يقول: إِنَّ مَنْ عرف طلوع القمر بتقدير حساب المنازل، جاز له أن يصوم ويفطر؛ دون مَنْ لم يعلم.\nوقيل: إِنَّ الشاهد الواحد إِذا رأى الهلال، ولم يحكم القاضي بشهادته أنّه لا يكون هذا له صومًا، كما لم يكن للناس.\nوقال أبو الحسن السندي في \"حاشيته على ابن ماجه\" -بعد أن ذكَر حديث أبي هريرة عند الترمذي-: \"والظاهر أنه معناه أنَّ هذه الأمور ليس للآحاد فيها دخل، وليس لهم التفرُّد فيها؛ بل الأمر فيها إِلى الإمام والجماعة، ويجب على الآحاد اتباعهم للإِمام والجماعة.\nوعلى هذا؛ فإِذا رأى أحد الهلال، وردَّ الإِمام شهادته؛ ينبغي أن لا يثبت في حقّه شيء من هذه الأمور، ويجب عليه أن يتَّبع الجماعة في ذلك\".\nقلت: -أي شيخنا ﵀-: وهذا المعنى هو المتبادر من","vol":"3","page":210},{"text":"الحديث، ويؤيده احتجاج عائشة به على مسروق؛ حين امتنع من صيام يوم عرفة، خشية أن يكون يوم النحر، فبيّنت له أنه لا عبرة برأيه، وأنّ عليه اتباع الجماعة؟ فقالت: \"النحر يوم ينحر الناس، والفطر يوم يفطر الناس\".\nقلت: -أي شيخنا ﵀-: وهذا هو اللائق بالشريعة السمحة؛ التي من غاياتها تجميع الناس وتوحيد صفوفهم، وإبعادهم عن كل ما يفرّق جمْعهم من الآراء الفردية، فلا تعتبر الشريعة رأي الفرد -ولو كان صوابًا من وِجهة نظره- في عبادة جماعية؛ كالصوم والتَّعييد وصلاة الجماعة.\nألا ترى أنّ الصحابة -﵃- كان يصلّي بعضهم وراء بعض، وفيهم من يرى أنّ مسّ المرأة والعضو وخروج الدم من نواقض الوضوء، ومنهم من لا يرى ذلك، ومنهم من يُتمّ في السفر، ومنهم من يقصر؟!\nفلم يكن اختلافهم هذا وغيره؛ ليمنعهم من الاجتماع في الصلاة وراء الإِمام الواحد، والاعتداد بها، وذلك لعلمهم بأن التفرُّق في الدين شرٌّ من الاختلاف في بعض الآراء.\nولقد بلغ الأمر ببعضهم في عدم الاعتداد بالرأي المخالف لرأي الإِمام الأعظم في المجتمع الأكبر كـ (منى)، إِلى حدّ ترْك العمل برأيه إِطلاقًا في ذلك المجتمع؛ فرارًا ممّا قد ينتج من الشر بسبب العمل برأيه.\nفروى أبو داود (١/ ٣٠٧) أنَّ عثمان -﵁- صلّى بمنى أربعًا، فقال عبد الله بن مسعود مُنكِرًا عليه: صلّيتُ مع النّبيّ - ﷺ - ركعتين، ومع أبي بكر ركعتين، ومع عمر ركعتين، ومع عثمان صدرًا من إِمارته ثمّ","vol":"3","page":211},{"text":"أتمَّها، ثمَّ تفرَّقت بكم الطرق، فلوددتُ أن لي من أربع ركعات ركعتين متقبَّلتين.\nثمّ إِنّ ابن مسعود صلّى أربعًا! فقيل له: عبت على عثمان ثمّ صلّيت أربعًا؟! قال: الخلاف شرٌّ. وسنده صحيح.\nوروى أحمد (٥/ ١٥٥) نحو هذا عن أبي ذرّ -﵃ أجمعين-.\nفليتأمّل في هذا الحديث وفي الأثر المذكور؛ أولئك الذين لا يزالون يتفرَّقون في صلواتهم، ولا يقتدون ببعض أئمّة المساجد، وخاصّة في صلاة الوتر في رمضان؛ بحُجّة كونهم على خلاف مذهبهم!\nوبعض أولئك الذين يدّعون العلم بالفلك ممّن يصوم وحده ويفطر وحده؛ متقدّمًا أو متأخِّرًا على جماعة المسلمين؛ معتدًّا برأيه وعلمه؛ غير مبال بالخروج عنهم ... \" انتهى.\nوقال شيخ الإِسلام -﵀- في \"مجموع الفتاوى\" (٢٥/ ٢٠٤): \"فالمنفرد برؤية هلال شوال، لا يفطر علانية؛ باتفاق العلماء، إِلا أن يكون له عذر يبيح الفطر كمرض وسفر، وهل يفطر سرًاّ؟ على قولين للعلماء أصحّهما لا يفطر سرًّا، وهو مذهب مالك وأحمد في المشهور في مذهبهما\".\nوقال شيخنا في الردّ على السيد سابق -رحمهما الله تعالى- في \"تمام المِنّة\" (ص ٣٩٩): \"ومِن (مَنْ رأى الهلال وحده) وتحت هذا العنوان الجانبي قال: \"واتفقَت أئمّة الفقه على أنّ مَن أبصَر هلال الصوم وحده أن","vol":"3","page":212},{"text":"يصوم\".\nفأقول: هذا ليس على إِطلاقه، بل فيه تفصيل ذكَره شيخ الإِسلام ابن تيمية في فتوى له، فقال (٢٥/ ١١٤): \"إِذا رأى هلال الصوم وحده، أو هلال الفطر وحده، فهل عليه أن يصوم برؤية نفسه، أو يفطر برؤية نفسه؟ أم لا يصوم ولا يفطر إِلا مع النّاس؟ على ثلاثة أقوال؛ هي ثلاث روايات عن أحمد\".\nثمّ ذكَرها، والذي يهمّنا ذِكره منها ما وافق الحديث، وهو قوله: \"والثالث: يصوم مع الناس، ويفطر مع الناس، وهذا أظهر الأقوال، لقول النّبيّ - ﷺ -: \"صومكم يوم تصومون، وفِطركم يوم تُفطرون، وأضحاكم يوم تُضْحون\". رواه الترمذي وقال: حسن غريب.\nقال: وفسّر بعض أهل العلم هذا الحديث فقال: إِنما معنى هذا الصوم والفطر مع الجماعة وعِظَم الناس\".\nوهذا الحديث مخرج في \"الصحيحة\" (٢٢٤)، و\"الإِرواء\" (٩٠٥) من طرق عن أبي هريرة، فمن شاء رجَع إِليها.\nثمّ قال ابن تيمية (١١٧) -رحمه الله تعالى-: \"لكن من كان في مكان ليس فيه غيره، إِذا رآه صام، فإِنه ليس هناك غيره\"\". انتهى.\nقلت: وهذا الذي ينبغي أن يصار إِليه، إِذ قوله - ﷺ -: \"الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون ... \". يُفهِم أنّ هذا جاء لإِلغاء الصوم أو الفطر الفردي، سواءٌ أصحّت الرُّؤية أم لم تصحّ، وإلا فلا قيمة للحديث ألبتة عياذًا بالله. والله أعلم.","vol":"3","page":213},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-868>أركان الصوم</span>\n١ - النيّة: قال الله تعالى: ﴿وما أُمروا إِلاّ ليعبدوا الله مخلصين له الدين حُنَفَاء (١)﴾ (٢).\nوعن عمر -﵁- قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"إِنَّما الأعمال بالنيات، وإنِّما لكلِّ امرئٍ ما نوى\" (٣).\nولا بُدّ من أن تكون النيّة قبل الفجر من كلّ ليلة؛ لحديث حفصة -﵂- قالت: قال رسول الله - ﷺ -: \"من لم يُجمع (٤) الصيام قبل الفجر فلا صيام له\" (٥).\nجاء في \"الروضة الندية\" (١/ ٥٣٩): \"وأمَّا أنَّه يجب تجديد النية لكلّ يوم؛ فلا يخفى أنَّ النيّة هي مجرّد القصد إِلى الشيء، أو الإِرادة له من دون اعتبار أمر آخر. ولا ريب أنّ من قام في وقت السحر، وتناوَل طعامه وشرابه في ذلك الوقت من دون عادة له به في غير أيّام الصوم؛ فقد حصَل له القصد المعتبر، لأنّ أفعال العقلاء لا تخلو عن ذلك\" انتهى.\n_________\n(١) حُنفاء: أي: مائلين عن الأديان كلها إلى دين الإِسلام. \"تفسير البغوى\".\n(٢) البيِّنة: ٥.\n(٣) أخرجه البخاري: ١، ومسلم: ١٩٠٧.\n(٤) الإِجماع: إِحكام النيّة والعزيمة؛ أجمعْتُ الرأي وأزْمعْته وعزمْت عليه؛ بمعنى\". \"النهاية\".\n(٥) أخرجه ابن خزيمة في \"صحيحه\" (١٩٣٣) ومن طريقه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢١٤٣)، وصححه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٩١٤).","vol":"3","page":214},{"text":"أمّا صيام التطوّع؛ فالأمر فيه أوسع، فإِنّه يمكن لمن لم يبيّت النية من الليل أنْ ينوي ذلك في النهار.\nفعن عائشة -﵂- قالت: قال لي رسول الله - ﷺ - ذات يوم: \"يا عائشة! هل عندكم شيء؟ \" قالت: فقلت يا رسول الله ما عندنا شيء. قال: \"فإِني صائم\" (١).\nوبوّب له ابن خزيمة -﵀- بقوله: \"باب الدليل على أنّ النّبيّ - ﷺ - أراد بقوله: \"لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل\" الواجب من الصيام دون التطوّع منه\".\nوذكَر حديث عائشة -﵂- وهناك من ذهب من العلماء أنها تجزئ قبل الزوال وبعده، ومنهم من قال: قبل الزوال.\nقال النووي -﵀- في تبويب \"صحيح مسلم\" (٢/ ٨٠٨) \" باب جواز صوم النافلة بنية من النهار قبل الزوال.\nوسألت شيخنا -﵀- عن ذلك فقال: \"قبل الزوال\".\n٢ - الإمساك عن المفطّرات؛ من طلوع الفجر إِلى غروب الشمس.\nقال الله تعالى: ﴿فالآن باشروهنّ (٢) وابتغوا ما كتب الله لكم (٣) وكلوا\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ١١٥٤.\n(٢) أي: جامعوهنّ.\n(٣) يعني من الولد.","vol":"3","page":215},{"text":"واشربوا حتى يتبيّن لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود (١) من الفجر ثمّ أتمّوا الصيام إِلى الليل﴾ \" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-869>على من يجب</span>؟\nيجب صوم رمضان على المسلم العاقل البالغ الصحيح المقيم ويجب أن تكون المرأة طاهرة من الحيض والنّفاس (٣).\n_________\n(١) وهو سواد الليل وبياض النهار كما في \"صحيح البخاري\" (١٩١٧)، و\"مسلم\" (١٠٩١)، من حديث سهل بن سعد قال: \"أنزلت ﴿وكُلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾ ولم ينزل ﴿من الفجر﴾ فكان رجالٌ إِذا أرادوا الصوم ربَط أحدهم في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولم يزل يأكل حتى يتبيّن له رؤيتهما، فأنزَل الله بعد ﴿من الفجر﴾ فعلموا أنّه إِنّما يعني الليل والنهار\".\nعن البراء -﵁- \"لمّا نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كلّه، وكان رجال يخونون أنفسهم، فأنزل الله ﴿عَلِم الله أنَّكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم﴾ \". أخرجه البخاري: ٤٥٠٨.\nوفي رواية له (١٩١٥): \"كان أصحاب محمّد - ﷺ - إِذا كان الرجل صائمًا فحضَر الإِفطار فنام قبل أن يفطر؛ لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي، وإنّ قيس بن صِرمة الأنصاري كان صائمًا، فلما حضر الإِفطار أتى امرأته فقال لها: أعندك طعام؟ قالت: لا، ولكن أنطلِق فأطلُب لك، وكان يومه يعمل، فغلبته عيناه، فجاءته امرأته، فلمّا رأته قالت: خيبةً لك، فلمّا انتصف النهار غُشي عليه، فذكَر ذلك للنبي - ﷺ - فنزلت هذه الآية: ﴿أُحلَّ لكم ليلة الصيام الرفث إِلى نسائكم﴾ ففرحوا بها فرحًا شديدًا، ونزلت ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبيّن لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾ \".\n(٢) البقرة: ١٨٧.\n(٣) \"فقه السنة\" (١/ ٤٣٨) بحذف يسير.","vol":"3","page":216},{"text":"ودليل عدم وجوبه على المجنون وغير البالغ قوله - ﷺ -: \"رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل\" (١).\nودليل عدم وجوبه على غير الصحيح والمقيم قوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فعِدّة (٢) من أيّام أُخر (٣)﴾ (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-870>صيام الصبي</span>\nومع ما تقدّم من القول بعدم وجوب الصوم على الصبي؛ إلاَّ أنه ينبغي على وليِّ أمْره؛ أن يوجّهه إِلى الصوم؛ ليعتاده وينشأ عليه منذ صِغَره.\nعن الرُبَيِّع بنت مُعَوِّذ قالت: \"أرسل النّبيّ - ﷺ - غداة عاشوراء إِلى قرى الأنصار: من أصبح مفطرًا فليتمّ بقيّة يومه، ومن أصبح صائمًا فليصم.\nقالت: فكنّا نصومه بعدُ، ونصَوِّم صبياننا، ونجعل لهم اللعبة من العِهن (٥)، فإِذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك؛ حتى يكون عند\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٧٠٣) وغيره، وانظر \"الإِرواء\" (٢٩٧)، وتقدّم في \"كتاب الزكاة\".\n(٢) أي: فعليه عِدّة، والعدد والعِدّة واحد.\n(٣) ﴿من أيّام أُخر﴾ أي: غير أيّام مرضه وسفره. \"تفسير البغوي\".\n(٤) البقرة: ١٨٤.\n(٥) أي: الصوف.","vol":"3","page":217},{"text":"الإِفطار\" (١).\nوفي رواية: \"ونصنع لهم اللعبة من العِهن، فنذهب به معنا، فإِذا سألونا الطعام أعطيناهم اللعبة تُلهيهم حتى يتمُّوا صومهم\" (٢).\nقال الحافظ -﵀- في \"الفتح\" (٤/ ٢٠٠): \"والجمهور على أنه لا يجب على من دون البلوغ، واستحبّ جماعة من السلف منهم ابن سيرين والزهري.\nوقال به الشافعي أنهم يؤمرون به للتمرين عليه إِذا أطاقوه، وحدّه أصحابه بالسبع والعشر كالصلاة، وحَدّه إِسحاق باثنتي عشرة سنة، وأحمد في رواية بعشر سنين ... \".\nوقال -﵀- (ص ٢٠١): \"وفي الحديث حُجة على مشروعية تمرين الصبيان على الصيام كما تقدّم لأنّ من كان في مثل السن الذي ذُكر في هذا الحديث؛ فهو غير مكلّف، وإنما صنَع لهم ذلك للتمرين\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-871>من يُرخّص لهم في الفطر وتجب عليهم الفدية</span>\n* يرخص الفطر للشيخ الكبير، والمرأة العجوز، والمريض الذي لا يرجى برؤه، وأصحاب الأعمال الشاقة، الذين لا يجدون متسعًا من الرزق، غير ما يزاولونه من أعمال.\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٩٦٠، ومسلم: ١١٣٦.\n(٢) أخرجه مسلم: ١١٣٦.","vol":"3","page":218},{"text":"هؤلاء جميعًا يُرخّص لهم في الفطر، إِذا كان الصيام يُجْهدهم، ويشقّ عليهم مشقّة شديدة في جميع فصول السنة.* (١)\nوجاء في \"الروضة النديّة\" (١/ ٥٥٢) (٢): وفي لفظ آخر عن سلمة بن الأكوع -﵁- أنه قال: \"كنّا في رمضان على عهد رسول الله - ﷺ -، من شاء صام ومن شاء أفطر فَافْتَدَى بطعام مسكين، حتى أُنزلت هذه الآية: ﴿فمن شهِد منكم الشهر فليصُمه﴾ \" (٣).\nوالكبير العاجز عن الأداء والقضاء؛ يُكفِّر عن كل يوم بإِطعام مسكين؛ لحديث سلمة بن الأكوع الثابت في \"الصحيحين\" وغيرهما قال: \"لمّا نزلت هذه الآية: ﴿وعلى الذين يطيقونه فِديةٌ طعامُ مسكين﴾ (٤) كان من أراد أن يفطر ويفتدي، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسَخَتها (٥) \" (٦).\nوأخرج هذا الحديث أحمد وأبو داود عن معاذ بنحو ما تقدّم وزاد: \"ثمّ\n_________\n(١) العنوان وما بين نجمتين من \"فقة السنة\" (١/ ٤٣٩).\n(٢) بزيادة اللفظ الثاني لسلمة بن الأكوع -﵁-.\n(٣) أخرجه مسلم: ١١٤٥.\n(٤) البقرة: ١٨٤.\n(٥) فنسختها: يعني أنهم كانوا مُخيّرين في صدر الإسلام بين الصوم والفدية، ثمّ نُسخ التخيير بتعيين الصوم بقوله تعالى: ﴿فمن شَهد منكم الشهر فليصُمه﴾ قاله المعلِّق على \"صحيح مسلم\" -﵀-.\n(٦) أخرجه البخاري: ٤٥٠٧، ومسلم: ١١٤٥.","vol":"3","page":219},{"text":"أنزَل الله: ﴿فمن شهِد منكم الشهر فليصمه﴾ \" (١).\nفأثبت الله صيامه على المقيم الصحيح، ورخّص فيه للمريض والمسافر، وأثبت الإطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام\".\nوعن عطاء أنه سمع ابن عبّاس يقرأ: \" ﴿وعلى الذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكين﴾ قال ابن عبّاس: ليست بمنسوخة، هو الشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة؛ لا يستطيعان أن يصوما، فيُطعمان مكان كلّ يوم مسكينًا\" (٢).\nقال شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٤/ ١٧): \"ورواه النسائي (١/ ٣١٨ - ٣١٩) من طريق ورقاء عن عمرو بن دينار به نحوه، ولفظه: \" ﴿يطيقونه﴾ يكلَّفونه، ﴿فديةٌ طعام مسكين فمن تطوّع خيرًا﴾ طعام مسكين آخر، ليست بمنسوخة ﴿فهو خير له وأن تصوموا خير لكم﴾ لا يرخّص في هذا؛ إِلا للذي لا يطيق الصيام، أو مريض لا يشفى.\nقلت: وإسناده صحيح ... \".\nوجاء في \"مجموع الفتاوى\" (٢٥/ ٢١٧): \"وسُئل عن رجل كلَّما أراد أن يصوم أُغمِي عليه، ويزبد ويخبط، فيبقى أيّامًا لا يفيق، حتى يُتّهم أنّه جنون، ولم يتحقّق ذلك منه.\nفأجاب: الحمد لله، إِنْ كان الصوم يوجب له مِثل هذا المرض؛ فإِنه يُفطِر ويقضي، فإِنْ كان هذا يصيبه في أي وقتٍ صام؛ كان عاجزًا عن الصيام؛ فيُطعم عن كل يوم مسكينًا، والله أعلم\".\n_________\n(١) \"صحيح سنن أبي داود\" (٤٧٩).\n(٢) أخرجه البخاري: ٤٥٠٥.","vol":"3","page":220},{"text":"والحُبلى والمرضع إِذا لم تطيقا الصوم أو خافتا على أنفسهما أو أولادهما أفطرتا وعليهما الفدية، ولا قضاء عليهما.\nعن ابن عبّاس -﵄- قال: \"إِذا خافت الحامل على نفسها، والمرضع على ولدها في رمضان قال: يُفطران، ويُطعمان مكان كل يوم مسكينًا، ولا يقضيان صومًا\" (١).\nقال شيخنا في \"الإِرواء\" (٤/ ١٩): \"وفي رواية له (٢) بالسند المذكور عن ابن عبّاس -﵄-: \"أنّه رأى أمّ ولد له حاملًا أو مرضعًا فقال: أنتِ بمنزلة الذي لا يطيق، عليكِ أن تطعمي مكان كلّ يوم مسكينًا، ولا قضاء عليك\".\nزاد في رواية (٢٧٦١) عن سعيد به: \"أنَّ هذا إِذا خافت على نفسها\".\nورواه الدارقطني (٢٥٠) من طريق روح عن سعيد به بلفظ: \"أنتِ من الذين لا يطيقون الصيام، عليك الجزاء، وليس عليك القضاء\".\nوقال الدارقطني: \"إِسناده صحيح\".\nثمّ روى من طريق أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس وابن عمر قال: \"الحامل والمرضع تفطر ولا تقضي\". وقال: \"وهذا صحيح\".\nقلت -أي شيخنا ﵀-: ورواه ابن جرير من طريق علي بن ثابت\n_________\n(١) أخرجه الطبري، وقال شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٤/ ١٩): وإِسناده صحيح على شرط مسلم.\n(٢) أي: للطبري -﵀-.","vol":"3","page":221},{"text":"عن نافع عن ابن عمر مِثل قول ابن عبّاس في الحامل والمرضع، وسنده صحيح ولم يسُق لفظه.\nوقد رواه الدارقطني من طريق أيوب عن نافع عن ابن عمر: \"أن امرأته سألته وهي حُبْلى، فقال: أفطري، وأطعمي عن كل يوم مسكينًا، ولا تقضي\"، وإسناده جيد.\nومن طريق عبيد الله عن نافع قال: \"كانت بنت لابن عمر تحت رجل من قريش، وكانت حاملًا، فأصابها عطش في رمضان، فأمَرها ابن عمر أن تُفطر وتُطعم عن كلّ يوم مسكينًا\"، وإِسناده صحيح.\nومنها ما عند الدارقطني وصححه من طريق منصور عن مجاهد عن ابن عبّاس قرأ: ﴿وعلى الذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكين﴾ يقول:\n\"هو الشيخ الكبير الذي لا يستطيع الصيام فيُفطر ويُطعم عن كلّ يوم مسكينًا؛ نصف صاع من حنطة\".\nوأخرجه (٢٤٩) من طريق عكرمة عن ابن عبّاس قال: \"إِذا عجَز الشيخ الكبير عن الصيام؛ أطعم عن كلّ يوم مُدًّا مُدًّا\". وقال: \"إِسناده صحيح\".\nوعن أنس بن مالك الكعبي (١) قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إِنّ الله وضع عن\n_________\n(١) جاء في \"عون المعبود\" (٧/ ٣٣): \"قال في \"المرقاة\" هو من بني عبد الله بن كعب على ما جَزم به البخاري في ترجمته، وجرى عليه أبو داود فقال: رجل من بني عبد الله بن كعب، أخوه قشير فهو كعبي لا قشيري؛ خلافًا لما وقع لابن عبد البر؛ لأنّ كعبًا له ابنان عبد الله جد أنس هذا، وقشير وهو أخو عبد الله ... وأما أنس بن مالك خادم النّبيّ - ﷺ - فهو أنصاري خزرجي. انتهى\".","vol":"3","page":222},{"text":"المسافر شطر الصلاة، والصوم عن المسافر وعن المرضع والحبلى\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-872>من يرخص لهم في الفطر، ويجب عليهم القضاء</span>\n* يباح الفِطْر للمريض الذي يُرجى برؤه والمسافر، ويجب عليهما القضاء. * (٢)\nقال الله تعالى: ﴿ومن كان منكم مريضًا أو على سفر فعِدَّةٌ من أيّامٍ أُخر﴾ (٣).\nوفي حديث معاذ بن جبل الطويل -﵁-: \" ... فإِنّ رسول الله - ﷺ -، كان يصوم ثلاثة أيّام من كلّ شهر، ويصوم يوم عاشوراء، فأنزل الله تعالى ﴿كُتب عليكم الصيام كما كُتب على الذين من قبلكم﴾ إِلى قوله: ﴿طعام مسكين﴾.\nفكان من شاء أن يصوم صام، ومن شاء أن يُفطر ويُطعم كلّ يوم مسكينًا أجزأه ذلك، وهذا حول، فأنزل الله تعالى: ﴿شهر رمضان الذي أُنزل فيه القرآن﴾ إِلى ﴿أيّام أُخر﴾ فثبت الصيام على من شهد الشهر، وعلى المسافر أن يقضي، وثبت الطعام للشيخ الكبير والعجوز اللذين لا يستطيعان الصوم\" (٤).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢١٠٧)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٢١٤٦)، والترمذي وابن ماجه، وانظر \"المشكاة\" (٢٠٢٥).\n(٢) العنوان وما بين نجمتين من \"فقه السنة\" (١/ ٤٤١).\n(٣) البقرة: ١٨٥.\n(٤) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٤٧٩)، وغيره، وانظر \"الإرواء\" (٤/ ٢٠)، وتقدّم.","vol":"3","page":223},{"text":"وعن أنس بن مالك أنه ضعُف عن الصوم عامًا، فصنع جفنة ثريد، ودعا ثلاثين مسكينًا فأشبَعهم\" (١).\n* والصحيح الذي يخاف المرض بالصيام يُفطر، مِثل المريض، وكذلك من غلَبه الجوع أو العطش، فخاف الهلاك، لزِمه الفطر، وإِنْ كان صحيحًا مقيمًا، وعليه القضاء.\nقال الله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إنّ الله كان بكم رحيمًا﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ (٣).\nوإِذا صام المريض، وتحمَّل المشقَّة، صحّ صومه، إِلا أنه يُكره له ذلك؛ لإِعراضه عن الرخصة التي يحبها الله، وقد يلحقه بذلك ضرر. * (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-873>وأمَّا الرُّخصة للمسافر؛ ففيها أحاديث عديدة؛ منها:</span>\nعن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: \"غزونا مع رسول الله - ﷺ -\nلستَّ عشرة مضَت من رمضان، فمنّا من صام ومنّا من أفطَر، فلم يَعِبِ الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم\" (٥).\nوعن حمزة بن عمرو الأسلمي أنّه قال للنّبيّ - ﷺ -: \"أأصوم في السفر؟\n_________\n(١) قال شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٤/ ٢٢): وسنده صحيح .. وعلّق البخاري بنحوه.\n(٢) النساء: ٢٩.\n(٣) الحج: ٧٨.\n(٤) ما بين نجمتين عن \"فقه السنة\" (١/ ٥٥٤).\n(٥) أخرجه مسلم: ١١١٦.","vol":"3","page":224},{"text":"-وكان كثير الصيام- فقال: إنْ شئت فصم، وإنْ شئت فأفطرِ\" (١).\nوفي رواية: \"أنّه قال: يا رسول الله! أجد بي قوَّة على الصِّيام في السفر، فهل عليّ جُناح؟ فقال رسول الله - ﷺ -: هي رخصة من الله، فمن أخَذ بها فحسَن، ومن أحبَّ أن يصوم فلا جُناح عليه\" (٢).\nقال شيخنا -﵀- في \"الصحيحة\" (٣) (١/ ٣٧٧): بعد كلام طويل: \"والحقّ أنّ الحديث يفيد التخيير لا التفضيل\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-874>أيّهما أفضل للمريض والمسافر؛ الفطر أم الصوم</span>؟\nإِذا لم يجد المسافر أو المريض مشقةً في الصوم، جاز له الصوم، وإن وجدا المشقّة فعليهما أن يُفطِرا.\nفعن أنس -﵁- قال: كنّا مع النّبيّ - ﷺ - في السفر، فمنّا الصائم ومنّا المفطر، قال: فنزلنا مَنْزِلًا في يوم حارّ أكثرُنا ظلًاّ صاحب الكساء (٤)، ومنّا من يتّقي الشمس بيده.\nقال: فسقط الصُّوَّام (٥)، وقام المفطرون فضربوا الأبنية وسَقَوُا الرِّكاب (٦)،\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٩٣٤.\n(٢) أخرجه مسلم: ١١٢١.\n(٣) انظره للمزيد من الفوائد الفقهية إِن شئت.\n(٤) في رواية البخاري -﵀-: \" ... أكثرُنا ظلًاّ الذي يستظلّ بكسائه\".\n(٥) أي: لضعفهم.\n(٦) الرّكاب: الإِبل التي يُسار عليها، الواحدة راحلة، ولا واحدة لها من لفظها. \"مختار الصحاح\".","vol":"3","page":225},{"text":"فقال رسول الله - ﷺ -: \"ذهب المُفطرون اليوم بالأجر\" (١).\nوعن قَزَعَة قال: \"أتيت أبا سعيد الخدري -﵁- وهو مكثور عليه (٢)، فلما تفرّق الناس عنه، قلت: إِني لا أسألك عمَّا يسألك هؤلاء عنه، سألته عن الصوم في السفر، فقال: سافَرنا مع رسول الله - ﷺ - إِلى مكّة ونحن صيام. قال: فنزَلنا منزلًا، فقال رسول الله - ﷺ -: \"إِنكم قد دنوتم من عدوِّكم، والفطر أقوى لكم\". فكانت رخصة، فمنّا من صام ومنّا من أفطر.\nثمّ نزلنا منزِلًا آخر، فقال: \"إِنكم مُصَبِّحو عدوِّكم، والفطر أقوى لكم، فأفطروا\". وكانت عَزْمَة (٣)، فأفطرنا ثمّ قال: لقد رأيتنا نصوم مع رسول الله - ﷺ - بعد ذلك في السفر\" (٤).\nوعن جابر بن عبد الله -﵁- \" أنّ رسول الله - ﷺ - خرج عام الفتح إِلى مكة في رمضان، فصام حتى بلغ كُرَاعَ الغميم، فصام الناس، ثمّ دعا بقدح من ماء فرفَعه، حتى نظر الناس إِليه، ثمّ شرب.\nفقيل له بعد ذلك: إِنَّ بعض الناس قد صام. فقال: أولئك العُصاة، أولئك العصاة\" (٥).\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٢٨٩٠، ومسلم: ١١١٩، واللفظ له.\n(٢) قال في \"النهاية\": \"يقال: رجل مكثور عليه، إذا كثُرت عليه الحقوق والمطالبات، أراد أنّه كان عنده جمع من الناس؛ يسألونه عن أشياء، فكأنهم كان لهم عليه حقوقٌ، فهم يطلبونها\".\n(٣) العَزْمة: ضدّ الرخصة.\n(٤) أخرجه مسلم: ١١٢٠.\n(٥) أخرجه مسلم: ١١١٤.","vol":"3","page":226},{"text":"قال ابن خزيمة -﵀- في \"صحيحه\" (٣/ ٢٥٦): وفي خَبَر أبي سعيد أنّ النّبيّ - ﷺ - أتى على نهر من ماء السماء من هذا الجنس أيضًا.\nقال في الخبر: \"إِنّي لست مثلكم، إِني راكب وأنتم مشاة، إِني أيسركم\" (١).\nقال ابن خزيمة -﵀-: \"فهذا الخبر دلّ على أنَّ النّبيّ - ﷺ - صام وأمرَهم بالفطر في الابتداء، إِذ كان الصوم لا يَشُقّ عليه إِذ كان راكبًا، له ظهْر لا يحتاج إِلى المشي، وأمَرهم بالفطر إِذ كانوا مشاة يشتدُّ عليهم الصوم مع الرجَّالة (٢).\nفسمّاهم - ﷺ - عصاة إِذ امتنعوا من الفطر بعد أمر النّبيّ - ﷺ - إِياهم، بعد عِلمه أن يشتد الصوم عليهم، إِذ لا ظهر لهم، وهم يحتاجون إِلى المشي\".\nوعن جابر قال: \"مرّ النّبيّ - ﷺ - برجل يقلب ظهره لبطنه، فسأل عنه، فقالوا: صائم يا نبي الله!\nفدعاه، فأمَره أن يفطر فقال: أَمَا يكفيك في سبيل الله، ومع رسول الله - ﷺ - حتى تصوم؟! \" (٣).\nقال شيخنا -﵀- في \"الصحيحة\" (٦/ ١٨٦): \"وله طرق أخرى عن جابر بنحوه في \"الصحيحين\" وغيرهما، وهي مخرجة في \"الإِرواء\" (٩٢٥). وفي الحديث دلالة ظاهرة على أنه لا يجوز الصوم في السفر إِذا كان\n_________\n(١) أخرجه الإِمام أحمد وابن خزيمة في \"صحيحه\" (٢٠٢٢)، وقال شيخنا: إِسناده صحيح على شرط مسلم، وصححه ابن حبّان.\n(٢) جمع راجل، وهو الماشي على رجليه.\n(٣) أخرجه أحمد وإسناده صحيح على شرط مسلم.","vol":"3","page":227},{"text":"يضرّ بالصائم، وعليه يُحمَل قوله - ﷺ -: \"ليس من البر الصِّيام في السفر\".\nيوضّح ما قاله شيخنا -﵀- مناسبة الحديث؛ فعن جابر بن عبد الله -﵁- قال: \"كان رسول الله - ﷺ - في سفرٍ فرأى زحامًا ورجلًا قد ظُلِّل عليه فقال: ما هذا؟ فقالوا: صائم، فقال: ليس من البرّ الصوم في السفر\" (١).\nقال ابن خزيمة -﵀- في \"صحيحه\" (٣/ ٢٥٥): \"أي: ليس البر الصوم في السفر؛ حتى يُغشى على الصائم ويحتاج إِلى أن يُظلل ويُنضح عليه، إِذ الله -﷿- رخّص للمسافر في الفطر، وجعل له أن يصوم في أيّام أخر، وأعلم في حُكم تنزيله؛ أنه أراد بهم اليسر لا العسر في ذلك، فمن لم يَقبل يُسر الله، جاز أن يقال له: ليس الحسر أخذك بالعسر عليك من البّر.\nوقد يجوز أن يكون في هذا الخبر: \"ليس البر أن تصوموا في السفر\"، أي: ليس كل البرّ هذا، قد يكون البر أيضًا [أن] تصوموا في السفر [و] قبول رخصة الله والإِفطار في السفر\".\nوقوله: \"أولئك هم العصاة\"، وفيما سوى ذلك فهو مخير إِن شاء الله صام، وإِن شاء أفطر، وهذا خلاصة ما تدل عليه أحاديث الباب، فلا تعارض بينها والحمد لله\".\nوقال -﵀- (ص ٢٦٠): (باب استحباب الصوم في السفر لمن قوي عليه، والفِطر لمن ضعُف عنه).\nثمّ ذكَر حديث أبي سعيد الخدري -﵁- المتقدّم ... \"فلم\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٩٤٦، ومسلم: ١١١٥.","vol":"3","page":228},{"text":"يَعِبْ المفطر على الصّائم ولا الصّائم على المُفطر\".\nوقال شيخنا -﵀- في \"الصحيحة\" (١/ ٣٧٧): \" ... يمكن الاستدلال لتفضيل الإِفطار على الصيام بالأحاديث التي تقول: \"إِنّ الله يحبّ أن تؤتى رُخَصه كما يَكره أن تؤتى معصيته (وفي رواية: كما يحبّ أن تؤتى عزائمه) \" (١).\nوهذا لا مناص من القول به، لكن يمكن أن يقيَّد ذلك بمن لا يتحرج بالقضاء، وليس عليه في الأداء، وإلا عادت الرخصة عليه بخلاف المقصود، فتأمّل\". انتهى.\nوجاء في \"مجموع الفتاوى\" (٢٥/ ٢١٣): \"وسُئل ﵀ عمّن يكون مسافرًا في رمضان، ولم يُصبه جوع، ولا عطش، ولا تعب، فما الأفضل له، الصيام؟ أم الافطار؟\nفأجاب: أمّا المسافر فيفطر باتفاق المسلمين، وإن لم يكن عليه مشقّة، والفطر له أفضل، وإن صام جاز عند أكثر العلماء، ومنهم من يقول لا يجزئه\".\nقلت: والراجح القول الأوّل لِما تقدّم، والله -تعالى- أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-875>هل يجوز له الفطر إِذا نوى الصيام وهو مقيم ثمّ سافر نهارًا</span>؟\nإِذا نوى المرء الصيام أو شرع فيه ثمّ سافر أثناء النهار، جاز له الفطر.\nفعن محمّد بن كعب أنه قال: \"أتيتُ أنس بن مالك في رمضان، وهو يريد سفرًا، وقد رُحِّلَت له راحلته، ولبس ثياب السفر، فدعا بطعام فأكل، فقلت\n_________\n(١) أخرجه أحمد في \"مسنده\" وغيره، وصححه شيخنا في \"الإِرواء\" (٥٦٤).","vol":"3","page":229},{"text":"له: سُنّة؟ فقال: سُنّة، ثمّ ركب\" (١).\nوعن عبيد بن جبير قال: ركبت مع أبي بصرة الغفاري في سفينة من الفسطاط في رمضان فدفع، ثمّ قرّب غداءه، ثمّ قال: اقترب، فقلت: ألست في البيوت؟ فقال أبو بصرة: أرغبت عن سُنّة رسول الله - ﷺ -؟ \" (٢).\nقال أبو عيسى الترمذي -﵀- عَقِب حديث محمّد بن كعب: \"وقد ذهب بعض أهل العلم، إِلى هذا الحديث، وقال: للمسافر أن يفطر في بيته قبل أن يخرج، وليس له أن يقصر الصلاة، حتى يخرج من جدار المدينة أو القرية، وهو قول: إِسحاق بن إِبراهيم\".\nقال الشوكاني -﵀- (٣): \"والحديثان يدلاّن على أنّ للمسافر أن يفطر قبل خروجه؛ من الموضع الذي أراد السفر منه\".\nقال شيخنا -﵀- في كتابه النافع \" تصحيح حديث إِفطار الصائم قبل سفره بعد الفجر\" (ص ٢٨) -بعد الحديث الأوّل-: \"وله شاهد من القرآن الكريم والسُّنّة:\nأمّا القرآن: فهو قول الله ﵎: ﴿فمن كان مريضًا أو على سفر\n_________\n(١) أخرجه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٦٤١)، وانظر \"تصحيح حديث إِفطار الصائم قبل سفره بعد الفجر والردّ على مَن ضعَّفه \" لشيخنا -﵀-.\n(٢) أخرجه أحمد وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢١٠٩)، وانظر \"تمام المِنّة\" (ص ٤٠٠)، و\"الإِرواء\" (٩٢٨).\n(٣) \"نيل الأوطار\" (٤/ ٣١١)، وذكَره السيد سابق -﵀- في \"فقه السنة\" (١/ ٤٤٤).","vol":"3","page":230},{"text":"فعدّةٌ من أيّام أُخَر﴾، فإِن قوله: ﴿على سفر﴾ يشمل من تأهَّب للسَّفر ولمَّا يخرج، وقد صرّح الإِمام القرطبي في تفسيره \"الجامع لأحكام القرآن\" ... أنّ ذلك مقتضى الآية\".\nثمّ ذكَر -﵀- للحديث شواهد من السُّنّة منها:\n١ - عن اللجلاج قالوا (كذا الأصل: ولعله: اللجلاج وغيره قالوا): كنّا نسافر مع عمر -﵁- ثلاثة أميال فيتجوّز في الصلاة ويفطر.\nرواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٢/ ١٥١/٢) بإِسناد حسن أو قريب منه.\n٢ - عن أنس بن مالك قال: قال لي أبو موسى: ألم أُنبَّأ أنك إِذا خرجْتَ خرجت صائمًا، وإذا دخلتَ دخلتَ صائمًا؟ فإِذا خرجتَ فاخرج مُفطرًا، وإِذا دخلتَ فادخل مُفطرًا.\nرواه الدارقطني (ص ٢٤١) والبيهقي (٤/ ٢٤٧) بإِسناد صحيح على شرط الستة.\n٣ - عن نافع عن ابن عمر أنه خرَج في رمضان فأفطرَ.\nرواه ابن أبي شيبة (٢/ ١٥١/١) بإِسناد رجاله ثقات.\n٤ - عن ابن عبّاس قال: إِنْ شاء صام وإنْ شاء أفطر.\nرواه ابن أبي شيبة في \"باب ما قالوا في الرجل يُدركه رمضان، فيصوم ثمّ يسافر\"، (٢/ ١٥١/١) وإسناده صحيح.\n٥ - عن مغيرة قال: خرج أبو ميسرة في رمضان مسافرًا فمرّ بالفرات وهو صائم، فأخذ منه حسوة فشربه وأفطر.","vol":"3","page":231},{"text":"رواه ابن أبي شيبة (٢/ ١٥١/١) بإِسناد صحيح.\nثمّ روى هو (٢/ ١٥١/٢) والبيهقي (٤/ ٢٤٧) بسند آخر عنه مختصرًا وهو صحيح أيضًا.\n٦ و٧ - عن سعيد بن المسيّب والحسن البصري قالا: يفطر إِنْ شاء.\nرواه ابن أبي شيبة عقب الأثر الذي قبله وسنده صحيح.\nوفي رواية عن الحسن البصري: \"يفطر إِنْ شاء في بيته؛ يوم يريد أن يخرج\" ذكَرها القرطبي في \"تفسيره\" (٢/ ٢٧٩).\nثمّ قال -﵀- (ص ٣٤): \"إذا تبيّن أنّ الحديث صحيح بلفظ الإِثبات، فهو حُجّة واضحة لما ذهب إِليه الإِمام إِسحاق بن راهويه، كما حكاه الترمذي عنه، وقد نقله الشيخ عنه -وفي كتاب \"المسائل\" لإِسحاق بن منصور المروزي (ق ٢٩/ ١ - ٢) ما نصه:\n\"قلت (يعني: للإِمام أحمد): إِذا خرج مسافرًا متى يفطر؟ قال: إذا برز عن البيوت، قال إِسحاق (يعني ابن راهويه): بل حين يضع رِجله فله الإِفطار؛ كما فعَل ذلك أنس بن مالك، وسنَّ النّبيِّ - ﷺ - (كذا)، وإذا جاوز البيوت قصَر\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-876>لا يجوز للحائض أو النفساء أن تصوما، ويجب عليهما القضاء</span>\nعن معاذة قالت: سألت عائشة فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أَحَرُوريَّةٌ أنتِ؟ قلت: لست بحَرُوريَّة، ولكنِّي أسأل.\nقالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمَر بقضاء الصوم ولا نؤمَر بقضاء الصلاة\" (١).\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٣٢١، ومسلم: ٣٣٥، وهذا لفظه.","vol":"3","page":232},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-877>كان صيام تسع وعشرين لرمضان على عهد النّبيّ - ﷺ - أكثر من صيام ثلاثين</span>\nعن ابن مسعود -﵁- قال: \"لَمَا (١) ضمنا مع النّبيّ - ﷺ - تسعًا وعشرين أكثر ممّا صمنا معه ثلاثين\" (٢).\nوفي لفظ: \"ما صُمتُ مع النّبيّ - ﷺ - تسعًا وعشرين؛ أكثر ممّا صُمنا ثلاثين\" (٣).\nقال ابن خزيمة في \"صحيحه\" (٣/ ٢٠٨): \"باب الدليل على أنَّ صيام تسع وعشرين لرمضان؛ كان على عهد النّبيّ - ﷺ - أكثر من صيام ثلاثين؛\n_________\n(١) لَمَا موصولة أو مصدرية وجاء في \"تحفة الأحوذي\" (٣/ ٣٧٠): \"قال أبو الطَّيِّب السندي في \"شرح الترمذي\": كلمة \"ما\" تحتمل أن تكون مصدرية في الموضعين أي: صومي تسعًا وعشرين أكثر من صومي ثلاثين.\nوتحتمل أن تكون في الموضعين موصولة والعائد محذوف، والتقدير: ما صمته حال كونه تسعًا وعشرين أكثر مما صمناه حال كونه ثلاثين، فيكون تسعًا وعشرين، وكذلك ثلاثين؛ حال من ضمير المفعول المحذوف الراجع إِلى رمضان المراد بالموصول، وعلى التقديرين قوله: \"أكثر\" مرفوع على الخبرية.\nوالحاصل أنّ الأشهر الناقصة أكثر من الوافية\".\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٠٣٦) والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٥٥٦)، وابن خزيمة في \"صحيحه\" (١٩٢٢).\n(٣) انظر \"صحيح سنن الترمذي\" (٥٥٦).","vol":"3","page":233},{"text":"خلاف ما يتوهم بعض الجُهّال والرُّعَاع (١) أن الواجب أن يصام لكلّ رمضان ثلاثين يومًا كوامل\".\nثمّ ذكَر الحديث السابق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-878>الأيّام المنهي عن صيامها</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-879>١ - يوما العيدين</span>\nعن أبي عبيد قال: \"شهدتُ العيد مع عمر بن الخطاب -﵁- فقال: هذان يومان نهى رسول الله - ﷺ - عن صيامهما: يوم فِطركم من صيامكم، واليوم الآخر تأكلون فيه من نُسُكِكُم (٢) \" (٣).\nقال في \"الروضة النديّة\" (١/ ٥٦٦): \"وقد أجمع المسلمون على ذلك\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-880>٢ - أيّام التشريق </span>(٤)\nعن سالم عن ابن عمر -﵃- قالا: \"لم يُرخَّصْ أيّام التشريق\n_________\n(١) الرُّعاع: جمع رُعاعة [رَعاعة]، وهو من لا قلب له ولا عقل. وانظر \"الوسيط\"، وفيه: \"الرُّعاع من الناس: الغوغاء\". وفي \"اللسان\": \"الغوغاء: الجراد حين يخفّ للطيران، ثمّ استعير للسّفَلَة من الناس والمتسرّعين إِلى الشرّ\".\n(٢) أي: أضاحيكم.\n(٣) أخرجه البخاري: ١٩٩٠، ومسلم: ١١٣٧.\n(٤) جاء في \"النهاية\": هي ثلاثة أيّام تلي عيد النحر، سُمّيت بذلك من تشريق اللحم، وهو تقديده وبسْطه في الشمس ليجفّ، لأنّ لحوم الأضاحي؛ كانت تشرق فيها بمِنى، وقيل: سميت به لأن الهَدْي والضحايا لا تُنحر حتى تشرق الشمس: أي: تطلع\".","vol":"3","page":234},{"text":"أن يُصَمْن إِلا لمن لم يجد الهَدي\" (١).\nوعن أبي مرّة مولى أمّ هانئ \"أنه دخل مع عبد الله بن عمرو على أبيه عمرو بن العاص فقرّب إِليهما طعامًا، فقال: كل، فقال: إِنّي صائم، فقال عمرو: كُلْ؛ فهذه الأيّام التي كان رسول الله - ﷺ - يأمرنا بإِفطارها، وينهانا عن صيامها.\nقال مالك: وهي أيّام التشريق\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-881>٣ - يوم الجمعة منفردًا</span>\nعن جويرية بنت الحارث -﵂- أنَّ النّبيّ - ﷺ - دخَل عليها يوم الجمعة وهي صائمة، فقال: أصمتِ أمس؟ قالت: لا، قال: تريدين أن تصومي غدًا؟ قالت: لا، قال: فأفطري\" (٣).\nوعن أبي هريرة -﵁- قال: سمعْت النّبيّ - ﷺ - يقول: \"لا يصوم أحدكم يوم الجمعة إلاَّ يومًا قبله أو بعده\" (٤).\nوعنه -﵁- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"لا تختصوا ليلة الجمعة بقيامٍ مِن بين الليالي، ولا تخصّوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيّام؛ إِلا أن يكون في صومٍ يصومه أحدكم\" (٥).\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٩٩٧، ١٩٩٨.\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢١١٣).\n(٣) أخرجه البخاري: ١٩٨٦.\n(٤) أخرجه البخاري: ١٩٨٥، ومسلم: ١١٤٤.\n(٥) أخرجه مسلم: ١١٤٤.","vol":"3","page":235},{"text":"عن قيس بن سكن قال: \"مرّ ناسٌ من أصحاب عبد الله على أبي ذرّ يوم جمعة وهم صيام، فقال: أقسمتُ عليكم لتُفطرنّ، فإِنه يوم عيد\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-882>٤ - يوم السبت في غير الفرض</span>\nعن الصمّاء -﵂- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"لا تصوموا يوم السبت؛ إِلا فيما افترض عليكم، وإن لم يجد أحدكم إِلا لحاء (٢) عنبة أو عود شجرة فليمضغه (٣) \" (٤).\nقال الإِمام الطحاوي -﵀- بعد أن روى حديث عبد الله بن بسر السابق: \" ... فذهَب قومٌ إِلى هذا الحديث؛ فكرِهوا صوم يوم السبت تطوُّعًا، وخالَفهم في ذلك آخرون؛ فلم يروا بصومه بأسًا ... \" (٥).\nوملخّص أقوال العلماء الذين أجازوا صيام السبت لغير فريضة (٦)، يدور\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة، وقال شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٩٥٩): وإسناده صحيح.\n(٢) أراد قِشر العنبة؛ استعارهَ من قشر العود. \"النهاية\".\n(٣) مضَغه: لاكه بأسنانه، وهذا تأكيد لنفي الصوم. \"عون المعبود\" (٧/ ٤٩).\n(٤) أخرجه الترمذي وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٤٠٣) والحاكم وغيرهم، وصححه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٩٦٠)، و\"تمام المِنة\" (٤٠٥).\n(٥) \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ٨٠) وأشار إِليه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٤/ ١٢٥) (التحقيق الثاني) إِلى نسخته (١/ ٣٣٩).\n(٦) وكانت أقوالهم -رحمهم الله تعالى- مختلفة لا مؤتلفة -والاختلاف في ماهية الشيء يدلّ على وهْنه وضعْفه كما لا يخفى-.","vol":"3","page":236},{"text":"حول تضعيف الحديث السابق أو القول بشذوذه، أو نسخه، أو جواز صيامه مقرونًا بغيره (١).\nأمّا من جهة درجة الحديث؛ فقد قال بثبوته جمْع من العلماء، فقد حسّنه الترمذي وقال الحاكم: صحيح على شرط البخاري وأقرّه الذهبي، وصححه ابن خزيمة وابن حبّان، وانظر طرقه في \"تلخيص الحبير\" للحافظ ابن حجر (٢/ ٨٢٢). و\"الإِرواء\" (٢) (٩٦٠).\n\"أمّا دعوى الشذوذ، فهي إِمّا إِسنادية أو متنية، فمن حيث الإِسناد، فالحديث صحيح دونما ريب.\nأمّا من حيث المتن، فلم ترِد هذه الدعوى على أصحابها إِلا بعد تعذُّر الجمع والتوفيق عندهم، ولا يُلْجَأُ إِلى ادّعاء الشذوذ بمجرد هذا التعذُّر.\nوليس التعريف العلمي الاصطلاحي للشذوذ منطبقًا على هذا النوع من مظنّة التعارض، كما لا يخفى\" (٣). انتهى.\nأمّا دعوى النسخ؛ فإِنَّ النسخ لا يبطل بالاحتمال.\nوأمّا جواز صيامه مقرونًا مع غيره:\n_________\n(١) وقد أُلِّفت في ذلك بعض الرسائل منها: \"القول الثبت في صوم يوم السبت\" لفضيلة الشيخ محمّد الحمود النجدي -حفظه الله تعالى-.\n(٢) وانظر كذلك تخريج الشيخ علي الحلبي -حفظه الله- للحديث في كتابه \"زهر الروض في حُكم صيام يوم السبت في غير الفرض\".\n(٣) \"زهر الروض\" (ص ٧٢).","vol":"3","page":237},{"text":"فليس هنالك ما يشير من الأدلة على ذلك إِذ الاستثناء بيّن ... \"إِلا فيما افتُرض عليكم\".\nأوما كان رسول الله - ﷺ - قادرًا أن يقول: \"لا تصوموا يوم السبت مفردًا ... \". أو: \"لا تصوموا السبت إِلا مقرونًا مع غيره\"؟!\nجاء في \"تمام المِنّة\" (ص ٤٠٦): \"وتأويل الحديث بالنهي عن صوم السبت مفردًا يأباه قوله: \"إِلا فيما افُترض عليكم\"، فإِنه كما قال ابن القيم - ﵀- في \"تهذيب السنن\": \"دليل على المنع من صومه؛ في غير الفرض مفردًا أو مضافًا؛ لأنّ الاستثناء دليل التناول، وهو يقتضي أنّ النّهي عنه يتناول كل صور صومه إِلا صورة الفرض.\nولو كان إِنما يتناول صورة الإِفراد لقال: لا تصوموا يوم السبت إِلا أن تصوموا يومًا قبله أو يومًا بعده، كما قال في الجمعهَ، فلمّا خصّ الصورة المأذون فيها صومها بالفريضة؛ علم تناول النهي لما قابلها\".\nقلت [أي: شيخنا -﵀-]: وأيضًا لو كانت صورة الاقتران غير منهي عنها؛ لكان استثناؤها في الحديث أولى من استثناء الفرض؛ لأنّ شبهة شمول الحديث له أبعد من شموله لصورة الاقتران، فإِذا استثنا الفرض وحده؛ دلّ على عدم استثناء غيره؛ كما لا يخفى ... \" انتهى.\nولنا أن نقول: إِنّ من قال بجواز صيام السبت مقرونًا مع غيره في النافلة؛ قد سوَّى بين الجمعة والسبت، وأنّى له هذا؟!\nوكأنّ لسان حاله يقول: لو قال رسول الله - ﷺ -: \"لا تصوموا يوم الجمعة إِلا فيما افترض عليكم\" لأغنى عن كلّ نصوص الجمعة، ومعاذ الله من ذلك.","vol":"3","page":238},{"text":"ثمَّ إِنّ رسول الله - ﷺ - قال في الجمعة ما لم يَقُل في السبت، فممّا قاله في الجمعة -كما تقدّم-: \"إِلا أن يكون في صومٍ؛ يصومه أحدكم (١) \".\nوقال - ﷺ - في صيام يوم الشكّ: \" ... إِلا أن يكون رجل كان يصوم صومه؛ فليصم ذلك اليوم\" (٢)،\nفلو جاز صيام السبت لغير فريضة؛ لجاءت الاستثناءات كما جاءت في الجمعة ويوم الشكّ والنصف من شعبان؛ لمن اعتاد الصيام، والله -تعالى- أعلم.\nلذلك أرى أنّ النصوص كانت على أصناف ثلاثة:\n١ - صنف يفيد جواز صيام السبت مطلقًا، كما في حديث جويرية -﵂- المتقدّم: \"أنّ النّبيّ - ﷺ - دخَل عليها يوم الجمعة وهي صائمة، فقال: أصمتِ أمس؟ قالت: لا، قال: تريدين أن تصومي غدًا؟ قالت: لا، قال: فأفطري\".\nوكحديث عبد الله بن عمر -﵄- قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: \"أحبُّ الصيام إِلى الله صيام داود؛ كان يصوم يومًا ويُفطر يومًا ... \" (٣).\nوهذا يفيد صيام يوم السبت مفردًا لغير فريضة؛ لمن صام صيام داود -﵇-. إِلى غير ذلك من النصوص.\n_________\n(١) وانظر -إِن شئت- \"الصحيحة\" المجلد الثاني استدراك (١٦).\n(٢) أخرجه البخاري: ١٩١٤، ومسلم: ١٠٨٢، وسيأتي إِن شاء الله تعالى.\n(٣) أخرجه البخاري: ٣٤٢٠، ومسلم: ١١٥٩.","vol":"3","page":239},{"text":"٢ - صنف يفيد استواء الطرفين، لا له ولا عليه؛ كما في حديث: عبيد الأعرج قال: \"حدَّثتني جدتي أنها دخلت على رسول الله - ﷺ - وهو يتغدّى، وذلك يوم السبت، فقال: تعالي فكلي، فقالت: إِني صائمة، فقال لها: صمتِ أمس؟ فقالت: لا، فقال: فكلي؛ فإِنّ صيام يوم السبت لا لك ولا عليك\" (١).\n٣ - صنف ثالث يفيد تحريم صيام يوم السبت إِلا لفريضة وقد مضى في أوّل الكلام في موضوعنا؛ من حديث الصمَّاء -﵂-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-883>فكيف يكون التعامل مع هذه النصوص</span>؟\nإِنَّ من لم يصم السبت لغير فريضة؛ لم يُعارض هذه النصوص أبدًا، وهذا يتمشّى مع القاعدة المعروفة \"الحاظر مقدّم على المبيح\" (٢).\nجاء في كتاب \"الاعتبار\" للعلاّمة الحازمي -﵀- (ص ٣٩) إِشارة إِلى أنه في غير السبت: \" ... ولأنّ الإِثم حاصل في فِعل المحظور، ولا إِثم في ترْك المباح، فكان الترك أولى\".\nوقال -﵀- (ص ٣٥): في وجوه الترجيح: \" ... أن يكون أحد الحديثين قولًا والآخر فِعلًا، فالقول أبلغ في البيان؛ ولأنّ النّاس لم يختلفوا في كون قوله حُجّة، واختلفوا في اتباع فِعله، ولأنّ الفِعل لا يدلّ لنفسه على شيء؛ بخلاف القول فيكون أقوى\".\n_________\n(١) أخرجه أحمد وغيره، وانظر \"الصحيحة\" (٢٢٥).\n(٢) قاعدة \"الحاظر مقدّم على المبيح\"، و\"القول مقدّم على الفعل\" عند التعارض ممّا يذكره شيخنا -﵀- في موضوع صيام السبت لغير الفريضة، وتحريم الشرب قائمًا لغير ضرورة.","vol":"3","page":240},{"text":"ويكون قد نجا من عمل بلا ثواب ولا عقاب \"لا لك ولا عليك\".\nوقال شيخنا -﵀- بعد حديث: \"لا تصوموا يوم السبت ... \".\nوالحديث ظاهره النّهي عن صوم السبت مطلقًا إِلا في الفرض، وقد ذهب إِليه قومٌ من أهل العلم كما حكاه الطحاوي، وهو صريحٌ في النهي عن صومه مفردًا، ولا أرى فرقًا بين صومه -ولو صادف يوم عرفة أو غيره من الأيّام المفضَّلة- وبين صوم يوم من أيّام العيد إِذا صادف يوم الاثنين أو الخميس؛ لعموم النهي، وهذا قول الجمهور فيما يتعلّق بالعيد؛ كما في \"المحلّى\" (٧/ ٢٧).\nوقال الشيخ محمود مهدي إِستنبولي -﵀- في كتابه \"صوم رمضان\" (ص ٤٩): \"قلت: والحديث صريح في النهي القطعيِّ عن صومه، ولم يُشِر إِلى كونه منفردًا أو مخصوصًا، فالحمل للحديث على ظاهره هو الأصل. والله أعلم\".\nويذكّرنا شيخنا -﵀- بقوله - ﷺ -: \"إِنّك لن تدَع شيئًا لله ﷿ إلاَّ بدّلك الله به ما هو خيرٌ لك منه\" (١) فلا يحزنك أنّك لم تصم عرفة أو عاشوراء إِذا وافق السبت؛ لهذا الحديث.\nويحضرني في هذا المقام ما قاله البخاري -﵀- في \"صحيحه\" \"ما يُذكَر في الفخِذ ... وقال أنس: حسر النّبيّ - ﷺ - عن فَخِذه (٢)، وحديث\n_________\n(١) أخرجه وكيع في \"الزهد\" وعنه أحمد وغيره، وسنده صحيح على شرط مسلم، وانظر \"الضعيفة\" تحت رقم (٥).\n(٢) أخرجه البخاري معلقًا وموصولًا: ٣٧١، وانظر \"الفتح\" (١/ ٤٧٨) -إِن شئت - للمزيد من الفائدة، وانظر أيضًا \"صحيح مسلم\" (٢٤٠١).","vol":"3","page":241},{"text":"أنس أسند، وحديث جَرهد (١) أحوط، حتى يُخرَج من اختلافهم\". انظر \"الفتح\" (١/ ٤٧٨).\nوفي المسألة تفصيل أكثر، أكتفي بما ذكرتُ والله -تعالى- أعلم.\nولا ينبغي أن تؤدّي هذه المسائل إِلى التدابر والتباغض والولاء والبراء!\nقال الذهبي في \"سير أعلام النبلاء\" (١٤/ ٣٧٦) -بعد ذِكْر مسألةٍ يرى فيها أنّ أحد الأئمة الأعلام قد أخطأ في اجتهاده-: \"ولو أنَّ كلَّ مَن أخطأ في اجتهاده -مع صحة إِيمانه، وتوخّيه لاتّباع الحق- أهدرناه، وبدَّعْناه، لقلَّ من يَسْلَم من الأئمّة معنا. رحم الله الجميع بمنّه وكرَمه\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-884>٥ - يوم الشكّ</span>\nعن أبي هريرة -﵁- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"لا يتقدّمَنّ أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين؛ إلاَّ أن يكون رجل كان يصوم، فليصم ذلك اليوم\" (٢).\nوعن عمّار بن ياسر -﵁- قال: \"من صام اليوم الذي يُشَكُّ فيه؛ فقد عصى أبا القاسم\" (٣).\n_________\n(١) قال شيخنا في \"مختصر البخاري\" (١/ ١٠٧): \"وصله مالك والترمذي وحسّنه، وصححه ابن حبّان\".\n(٢) أخرجه البخاري: ١٩١٤، ومسلم: ١٠٨٢\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٠٤٦)، والترمذي، وغيرهما، وانظر \"الإِرواء\" (٩٦١).","vol":"3","page":242},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-885>٦ - صوم الدهر</span>\nعن عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄- قال: قال لي النّبيّ - ﷺ -: \"إِنّك لتصوم الدّهر وتقوم الليل، فقلت: نعم، قال: إِنك إِذا فعلْتَ ذلك هَجَمَت (١) له العين ونَفِهَتْ (٢) له النفس، لا صام مَن صام الدّهر، صوم ثلاثة أيّام صوم الدهر كلِّه.\nقلت: فإِنّي أطيق أكثر من ذلك، قال: فصم صوم داود -﵇-: كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، ولا يَفِرُّ إِذا لاقى\" (٣).\nوعن أبي قتادة -رجل (٤) أتى النّبيّ - ﷺ - فقال: كيف تصوم؟ فغضب رسول الله - ﷺ - فلمّا رأى عمر -﵁- غضبه قال: رضينا بالله ربًا ... وذكَر الحديث إِلى أن قال عمر -﵁-: \"يا رسول الله! كيف بمن يصوم الدّهر كلّه قال: \"لا صام (٥) ولا أفطر (٦) أو قال: لم يصُم ولم يُفطر\" (٧).\n_________\n(١) أي: غارت ودخَلَت في موضعها، ومنه الهجوم على القوم: الدخول عليهم. \"النهاية\".\n(٢) أي: أعْيَت وكَلّت. \"الفتح\".\n(٣) أخرجه البخاري: ١٩٧٩، ومسلم: ١١٥٩.\n(٤) في بعض النسخ أنّ رجُلًا أتى النبي - ﷺ -.\n(٥) أي: ليس له أجر الصائم لأنه لا يشرع.\n(٦) لأنه منَع عن نفسه الطعام، فليس حاله حال المفطرين.\n(٧) أخرجه مسلم: ١١٦١.","vol":"3","page":243},{"text":"وردًّا على قول الشيخ السيد سابق -﵀- في \"فقه السنة\" (١/ ٤٤٨): \"فإِن أفطَر يومي العيد وأيّام التشريق وصام بقيّة الأيّام؛ انتفت الكراهة\".\nقال شيخنا -﵀- في \"تمام المِنّة\" (ص ٤٠٨): \"هذا التأويل خلاف ظاهر الحديث: \"لا صام من صام الأبد\"، وقوله: \"لا صام ولا أفطَر\".\nوقد بيَّن ذلك العلاّمة ابن القيّم في \"زاد المعاد\" بما يزيل كلّ شبهة، فقال -﵀-: \"وليس مراده بهذا من صام الأيّام المحرَّمة ... \".\nوذكَر نحوه الحافظ -﵀- في \"الفتح\" (٤/ ١٨٠) \".\nوجاء في \"تمام المِنّة\" كذلك (ص ٤٠٩): \"ثمّ قوله (١) أيضًا: \"والأفضل أن يصوم يومًا ويفطر يومًا؛ فإِنّ ذلك أحبّ الصيام إِلى الله\".\nقلت: فهذا من الأدلة على كراهة صوم الدهر مع استثناء الأيّام المحرّمة، إِذ لو كان صوم الدهر هذا مشروعًا أو مستحبًّا؛ لكان أكثر عملًا، فيكون أفضل، إِذ العبادة لا تكون إِلا راجحة، فلو كان عبادة لم يكن مرجوحًا؛ كما تقدّم (٢) عن ابن القيّم\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-886>٧ - صيام المرأة وزوجها حاضر إِلاَّ بإِذنه</span>\nعن أبي هريرة -﵁- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"لا تصوم المرأة\n_________\n(١) أي: الشيخ السيد سابق -﵀- في \"فقه السُّنّة\" (١/ ٤٤٨).\n(٢) (ص ٤٠٨) من الكتاب.","vol":"3","page":244},{"text":"وبعلها شاهد (١) إِلا بإذنه\" (٢).\nوفي رواية: \"لا تصوم المرأة يومًا تطوُّعًا في غير رمضان وزوجها شاهد إِلا بإِذنه\" (٣).\nقال شيخنا -﵀- في \"الصحيحة\" (١/ ٧٥٢): \"وله شاهد من حديث أبي سعيد الخدري -﵁- أتمّ منه، وفيه بيان سبب وروده، مع فوائد أخرى ينبغي الاطلاع عليها، وهذا نصّه:\nقال [أبو هريرة]-﵁-: جاءت امرأة إِلى النّبيّ - ﷺ - ونحن\nعنده، فقالت: يا رسول الله! إِنّ زوجي صفوان بن المعطل يضربني إِذا صلّيت، ويُفطّرني إِذا صُمتُ، ولا يصلِّي صلاة الفجر حتى تطلع الشمس - قال: وصفوان عنده-.\nقال: فسأله عمّا قالت، فقال: يا رسول الله! أمّا قولها: \"يضربني إِذا صلّيت\"؛ فإِنها تقرأ بسورتين [فتعطّلني]، وقد نهيتها [عنهما]. قال: فقال: \"لو كانت سورة واحدة؛ لكفت الناس\".\nوأمّا قولها: \"يُفطّرني\"؛ فإِنها تنطلق فتصوم، وأنا رجل شابٌّ؛ فلا أصبر، فقال رسول الله - ﷺ -: \"لا تصوم المرأة إِلا بإِذن زوجها\".\n_________\n(١) أي: حاضر.\n(٢) أخرجه البخاري: ٥١٩٢، ومسلم: ١٠٢٦.\n(٣) أخرجه الدارمي في \"سننه\" وإسناده صحيح على شرط مسلم وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢١٤٦)، وانظر \"الصحيحة\" (٣٩٥) و\"صحيح الترغيب والترهيب\" (١٠٣٩).","vol":"3","page":245},{"text":"وأمّا قولها: \"إِني لا أُصلّي حتى تطلع الشمس\"؛ فإِنّا أهل بيت؛ قد عُرف لنا ذاك، لا نكاد نستيقظ حتى تطلع الشمس. قال: \"فإِذا استيقظتَ فصلِّ\".\nأخرجه أبو داود والسياق له، وابن حِبّان، والحاكم، وأحمد بإِسناد صحيح على شرط الشيخين ... \".\nجاء في \"الفتح\" (٩/ ٢٩٦) -بعد حمْل هذا على التحريم-: \"قال النووي في \"شرح مسلم\": وسبب هذا التحريم؛ أنّ للزوج حقَّ الاستمتاع بها في كل وقت، وحقّه واجب على الفور فلا يفوته بالتطوع، ولا بواجب على التراخي، وإِنّما لم يجُز لها الصوم بغير إِذنه.\nوإذا أراد الاستمتاع بها جاز ويفسد صومها لأن العادة أنّ المسلم يهاب انتهاك الصوم بالإِفساد، ولا شكّ أنّ الأَولى له خلاف ذلك؛ إِن لم يثبت دليل كراهته.\nنعم لو كان مسافرًا فمفهوم الحديث في تقييده بالشاهد؛ يقتضي جواز التطوع لها إِذا كان زوجها مسافرًا، فلو صامت وقَدِم في أثناء الصيام؛ فله إِفساد صومها ذلك من غير كراهة.\nوفي معنى الغَيْبَة أن يكون مريضًا بحيث لا يستطيع الجماع (١).\nوحمل المهلَّب النهي المذكور على التنزيه فقال: هو من حسن المعاشرة، ولها أن تفعل من غير الفرائض بغير إِذنه ما لا يضرّه ولا يمنعه من واجباته، وليس له أن يُبطل شيئًا من طاعة الله إِذا دخلت فيه بغير إِذنه اهـ. وهو\n_________\n(١) ولكن إِذا رأى قصورًا منها في خدمة الأبناء فله منْعها؛ لأنّ له القوامة في ذلك كما لا يخفى. والله أعلم.","vol":"3","page":246},{"text":"خلاف الظاهر.\nوفي الحديث أنّ حق الزوج آكد على المرأة من التطوع بالخير، لأنّ حقّه الواجب والقيام بالواجب مُقدَّم على القيام بالتطوع (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-887>٨ - النصف الثاني من شعبان، إلاَّ لمن كان له صوم يصومه</span>.\nعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إِذا انتصف شعبان فلا تصوموا\" (٢).\nوعنه أيضًا عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"لا يتقدّمن أحدكم رمضان بصوم يومٍ أو يومين؛ إِلا أن يكون (٣) رجلٌ كان يصوم صومه، فليصم ذلك اليوم\" (٤).\n\nالوصال (٥) في الصوم\nعن أبي هريرة -﵁- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"إِيّاكم والوصال، مرّتين، قيل: إِنّك تواصل، قال: إِني أَبيتُ يطعمني ربي ويَسقين، فاكلَفوا (٦)\n_________\n(١) انظر -إِن شئت- تعليق شيخنا -﵀- على هذا في \"آداب الزفاف\" (ص ١٧٦).\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٠٤٩) والترمذي وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٣٣٩)، وغيرهم، وانظر \"المشكاة\" (١٩٧٤).\n(٣) فال الحافظ -﵀- كان تامّة أي: إِلا أن يوجد رجل.\n(٤) أخرجه البخاري: ١٩١٤، ومسلم: ١٠٨٢، وتقدّم.\n\n(٥)<span data-type=\"title\" id=toc-888> الوصال في الصوم: </span>هو ألاّ يُفطر يومين أو أيّامًا. \"النهاية\".\n(٦) أي: احملوا المشقة في ذلك، يُقال: كلفت بكذا: إِذا ولعت به. \"الفتح\" (٤/ ٢٠٨).","vol":"3","page":247},{"text":"من العمل ما تطيقون\" (١).\nوقد أفاد الحديث تحريم الوصال، ولكن ورد ما يدلّ على جواز المواصلة حتى السَّحر؛ كما في حديث أبي سعيد الخدري -﵁- أنّه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: \"لا تواصلوا، فأيّكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السّحر.\nقالوا: فإِنّك تواصل يا رسول الله، قال: لست كهيئتكم، إِني أبيتُ لي مُطِعم يُطعمني وساقٍ يَسقين\" (٢).\nقال الحافظ -﵀- في \"الفتح\" (٤/ ٢٠٩): \"والنهي في حديث أبي سعيد على ما فوق السَّحر على كراهة التحريم\".\nوسألت شيخنا -﵀- عن مواصلة الصيام إِلى السَّحر قائلًا: هل هذا ماضٍ حُكمه؟ أم هناك ناسخٌ أو صارف؟ فقال: هذا ماضٍ حُكمه.\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٩٦٦، ومسلم: ١١٠٣.\n(٢) أخرجه البخاري: ١٩٦٧.","vol":"3","page":248},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-889>صيام التطوّع</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-890>١ - الاثنين والخميس</span>\nعن أبي قتادة -﵁-: \"أن رسول الله - ﷺ - سئل عن صوم يوم الاثنين؟ قال: ذاك يوم وُلدت فيه، ويوم بُعثت -أو أُنزل عليّ فيه-\".\nوعن أبي هريرة -﵁- عن رسول الله - ﷺ - قال: \"تُعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس، فأُحبّ أن يُعرض عملي وأنا صائم\" (١).\nوعن أبي هريرة أيضًا أنّ النّبيّ - ﷺ -: كان يصوم الاثنين والخميس، فقيل: يا رسول الله! إِنك تصوم الاثنين والخميس؟\nفقال: \"إِنَّ يوم الاثنين والخميس يَغفر الله فيهما لكل مسلم، إِلا مُهتجرين، يقول: دعهما حتى يصطلحا\" (٢).\n\n٢ - صيام يوم (٣) وفطر يوم\nعن عبد الله بن عمرو -﵄- قال: أخبر رسول الله - ﷺ - أنّي أقول: والله لأصومنَّ النّهار ولأقومنَّ الليل ما عشت، فقلت له: قد قُلتُه بأبي\n_________\n(١) أخرجه الترمذي وغيره، وصححه شيخنا -﵀- في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١٠٢٧)، وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" أيضًا (١٠٢٩).\n(٢) أخرجه ابن ماجه وغيره، وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١٠٢٨) و\"تمام المِنّة\" (ص ٤١٣).\n(٣) إِلا إِذا وافَق يومًا ورَد النّص بتحريمه.","vol":"3","page":249},{"text":"أنت وأمّي.\nقال: فإِنّك لا تستطيع ذلك، فصم وأفطر، وقم ونم، وصم من الشهر ثلاثة أيّام فإِنَّ الحسنة بعشر أمثالها، وذلك مثل صيام الدّهر.\nقلت: إِني أُطيق أفضل من ذلك، قال: فصم يومًا وأفطِر يومين، قلت: إِنّي أطيق أفضل من ذلك.\nقال: فصم يومًا وأفطِر يومًا، فذلك صيام داود ﵇، وهو أفضل الصيام، فقلت: إِنّي أطيق أفضل من ذلك، فقال النّبيّ - ﷺ -: لا أفضل من ذلك\" (١).\nوعنه -﵄- أيضًا قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إِنَّ أحبّ الصيام إِلى الله صيام داود، وأحبّ الصلاة إِلى الله صلاة داود -﵇- كان ينام نصف الليل، ويقوم ثُلُثه، وينام سُدُسه، وكان يصوم يومًا ويفطر يومًا\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-892>٣ - ثلاثة أيّام من كل شهر </span>(٣)\nوقد تقدم في ذلك حديث عبد الله بن عمرو -﵄- وفيه: \"وصم من الشهر ثلاثة أيّام فإِنّ الحسنة بعَشر أمثالها، وذلك مِثل صيام الدهر ... \".\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٩٧٦، ومسلم: ١١٥٩.\n(٢) أخرجه البخاري: ١١٣١، ومسلم: ١١٥٩.\n(٣) انظر -إِن شئت- ما قاله في \"الروضة الندية\" (١/ ٥٦٠) تحت عنوان (وأيّام البيض).","vol":"3","page":250},{"text":"وعن أبي ذر -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إِذا صمت من الشهر ثلاثًا فصم ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة\" (١).\nوفي رواية: \"فأنزَل الله تصديق ذلك في كتابه ﴿مَن جاء بالحسنة فله عشْر أمثالها﴾، فاليوم بعشرة أيّام\" (٢).\nوقال ابن خزيمة -﵀- في \"صحيحه\" (٣/ ٣٠٢): (باب استحباب صيام هذه الأيّام الثلاثة من كل شهر أيّام البيض منها)، ثمّ ذكَر حديثين، منهما: حديث أبي ذر -﵁-.\nوقال (ص ٣٠٣): \"باب إِباحة صوم هذه الأيّام الثلاثة من كلّ شهر أوّل الشهر؛ مبادرة يصومها خوف أن لا يدرك المرء صومها أيّام البيض\".\nثمّ روى بإِسناده إِلى النّبيّ - ﷺ -: \"أنّه كان يصوم ثلاثة أيّام من غرّة كلّ شهر، ويكون من صومه يوم الجمعة\" (٣).\nوقال ابن خزيمة -﵀- في \"صحيحه\" (٣/ ٣٠٣): \"باب ذِكر الدليل على أنّ صوم ثلاثة أيّام من كل ثلاث؛ يقوم مقام صيام الدهر، كان\n_________\n(١) أخرجه أحمد والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٦٠٨) والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٢٢٧٩)، وابن ماجه، وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١٠٢٤).\n(٢) أخرجه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٦٠٩)، وابن ماجه وغيرهما، وانظر \"الإِرواء\" (٤/ ١٠٢).\n(٣) أخرجه ابن خزيمة في \"صحيحه\" (٢١٢٩)، وقال شيخنا -﵀- إِسنادهُ حسن ... وأخرج أبو داود نحوه \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٤٥٠) بلفظ: \"كان رسول الله - ﷺ - يصوم -يعني من غرّة كل شهر- ثلاثة أيّام\".","vol":"3","page":251},{"text":"صوم الثلاثة أيّام من أول الشهر، أو من وسطه، أو من آخره\".\nثمّ روى حديث معاذة العدويّة (١).\nولفظه: \"أنها سألت عائشة زوج النّبيّ - ﷺ -: أكان رسول الله - ﷺ - يصوم من كلّ شهر ثلاثة أيّام؟ قالت: نعم، فقلت لها: من أي أيّام الشهر كان يصوم؟ قالت: لم يكن يبالي من أيّ أيّام الشّهر يصوم\" (٢).\nوعن عبد الملك بن قدامة بن مَلْحَان عن أبيه -﵁- قال: \"كان رسول الله - ﷺ - يأمرنا بصيام أيّام البيض، ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة، قال: وقال: هو كهيئة الدهر\" (٣).\nوفي رواية: \"هن صيام الشهر\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-893>٤ - أكثر شعبان</span>\nعن عائشة -﵂- قالت: \"كان رسول الله - ﷺ - يصوم حتى نقول: لا يُفطر، ويُفطر حتى نقول: لا يصوم، وما رأيت رسول الله - ﷺ - استكمل صيام شهر إلاَّ رمضان، وما رأيته أكثر صيامًا منه في شعبان\" (٥).\n_________\n(١) انظر \"صحيح ابن خزيمة\" (٢١٣٠).\n(٢) أخرجه مسلم: ١١٦٠.\n(٣) أخرجه أبو داود وغيره، وحسّنه شيخنا -﵀- في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١٠٢٥).\n(٤) أخرجه النسائي، وحسّنه شيخنا -﵀- في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١٠٢٥).\n(٥) أخرجه البخاري: ١٩٦٩، ومسلم: ١١٥٦.","vol":"3","page":252},{"text":"وعن أسامة بن زيد -﵁- قال: \"قلت: يا رسول الله لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان!\nقال: ذاك شهر تغفل الناس فيه عنه، بين رجب ورمضان، وهو شهر تُرفَع فيه الأعمال إِلى ربّ العالمين، وأُحبّ أن يُرفَع عملي وأنا صائم\" (١).\nوقد تقدّم حديث: \"إِذا انتصف شعبان فلا تصوموا ... \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-894>٥ - ستة أيّام من شوّال</span>\nعن أبي أيوب الأنصاري -﵁- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"من صام رمضان ثمّ أتبعه ستًّا من شوّال كان كصيام الدهر\" (٢).\nقال النووي -﵀- في \"شرحه\" (٨/ ٥٦): \"قال أصحابنا: والأفضل أن تصام الستة متوالية؛ عقب يوم الفطر، فإِنْ فرَّقها أو أخّرها عن أوائل شوال إِلى أواخره؛ حصلت فضيلة المتابعة، لأنه يصدق أنه أتبعه ستًّا من شوال\".\nوجاء في \"الروضة الندية\" (١/ ٥٥٥): \"أقول: ظاهر الحديث أنّه يكفي صيام ستّ من شوال، سواء كانت من أوله، أو من أوسطه، أو من آخره، ولا يُشتَرط أن تكون متصلة به؛ لا فاصل بينها وبين رمضان إِلا يوم الفطر، وإنْ كان ذلك هو الأولى، ولأنّ الإِتْباع -وإن صدق على جميع الصور- فصِدقه على الصورة التي لم يُفصَل فيها بين رمضان، وبين الستّ إِلا يوم الفطر الذي لا\n_________\n(١) أخرجه النسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٢٢٢١) وغيره، وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١٠٠٨) و\"تمام المِنّة\" (٤١٢).\n(٢) أخرجه مسلم: ١١٦٤ وغيره.","vol":"3","page":253},{"text":"يصحّ صومه لا شك أنه أولى.\nوأمّا أنّه لا يحصل الأجر إِلا لمن فعل كذلك فلا، لأنّ مَن صام ستًا من آخر شوال؛ فقد أتبع رمضان بصيام ستٍّ من شوال بلا شكّ، وذلك هو المطلوب\".\nقال النووي -رحمه الله تعالى- في \"شرحه\" (٨/ ٥٦): \"قال العلماء: وإنّما كان ذلك كصيام الدهر؛ لأنّ الحسنة بعشر أمثالها، فرمضان بعشرة أشهر، والستة بشهرين، وقد جاء هذا في حديث مرفوع في كتاب النسائي\" (١).\nلعلّه يُشير -﵀- إِلى قوله - ﷺ -: \"جعَل الله الحسنة بعشر أمثالها، فشهرٌ بعشرة أشهر، وصيام ستة أيّام بعد الفطر تمام السّنة\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-895>٦ - تسع ذي الحجة </span>(٣)\nعن هُنَيْدة بن خالد عن امرأته عن بعض أزواج النّبيّ - ﷺ - قالت: كان رسول الله - ﷺ - يصوم تسع ذي الحجّة، ويوم عاشوراء، وثلاثة أيّام من كلّ شهر: أول اثنين من الشهر وخميسين\" (٤).\n_________\n(١) أخرجه النسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٢٢٦٩) والترمذي، وابن ماجه، وانظر \"الإِرواء\" (٤/ ١٠٢).\n(٢) انظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٩٩٣)، و\"الإِرواء\" (٤/ ١٠٧).\n(٣) فائدة: تبويب عدد من العلماء بقولهم: \"باب في صوم العشر\"؛ من باب التغليب؛ لأنّ اليوم العاشر لا يجوز صيامه\".\n(٤) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢١٢٩) بلفظ: \"والخميس\" =","vol":"3","page":254},{"text":"وعن ابن عبّاس -﵄- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ما من أيّام العمل الصالح فيها؛ أحبُّ إِلى الله من هذه الأيّام -يعني أيّام العشر-.\nقالوا: يا رسول الله! ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إِلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء\" (١).\nوعن عائشة -﵂- قالت: \"ما رأيت رسول الله - ﷺ - صائمًا في العشر قطّ\" (٢).\nقال ابن خزيمة -﵀- بعد الحديث السابق (٣/ ٢٩٣): \"باب ذكَر علّةٍ قد كان النّبيّ - ﷺ - يترك لها بعض أعمال التطوع، وإن كان يحثّ عليها، وهي خشية أن يُفرَض عليهم ذلك الفعل؛ مع استحبابه - ﷺ - ما خفف على الناس من الفرائض\".\nثمّ روى -﵀- بإِسناده حديث عائشة -﵂- قالت: \"كان رسول الله - ﷺ - يترك العمل وهو يحب أن يفعله؛ خشية أن يستن به فيفرض عليهم\" (٣).\n_________\n= والتصويب من النسائي، انظر \"صحيح سنن النسائي\" (٢٢٣٦)، وفي لفظ عند النسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٢٢٧٢): \" ... والخميس الذي يليه، ثمّ الخميس الذي يليه\".\n(١) أخرجه البخاري: ٩٦٩ وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢١٣٠) -واللفظ له- وغيرهما، وتقدّم في \"كتاب الزكاة\".\n(٢) أخرجه مسلم: ١١٧٦.\n(٣) وهو في \"صحيح مسلم\" (٧١٨) بلفظ: \" ... وإن كان رسول الله - ﷺ - لَيدع العمل، وهو يحب أن يَعَمل به، خشية أن يَعْمل به الناس، فيُفرَض عليهم\".","vol":"3","page":255},{"text":"وقال الإِمام النووي -﵀- في \"شرحه\" (٨/ ٧١): \"قال العلماء: هذا الحديث ممّا يوهم كراهة صوم العشر، والمراد بالعشر هنا الأيّام التسعة من أول ذي الحِجّة.\nقالوا: وهذا ممّا يتأول؛ فليس في صوم هذه التسعة كراهة؛ بل هي مُستحبّة استحبابًا شديدًا؛ لا سيما التاسع منها وهو يوم عرفة (١). ثمّ ذكَر حديث: \"ما من أيّام العمل الصالح فيها أفضل منه في هذه\".\nقال: \"فيتأول قولها لم يصم العشر؛ أنه لم يصمه لعارض مرض أو سفر أو غيرهما، أو أنها لم تره صائمًا فيه، ولا يلزم من ذلك عدم صيامه في نفس الأمر، ويدل على هذا التأويل حديث هُنَيدة بن خالد عن امرأته عن بعض أزواج النّبيّ - ﷺ - قالت: كان رسول الله - ﷺ - يصوم تسع ذي الحجة ... \".\nوقال في \"الروضة النديّة\" (١/ ٥٥٦): \"وعدم رؤيتها وعِلمها لا يستلزم العدم\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-896>أيهما أفضل العشر من ذي الحجة أم العشر الأواخر من رمضان</span>؟\nجاء في \"مجموع الفتاوى\" (٢٥/ ٢٨٧): \"وسئل عن عشر ذي الحجة، والعشر الأواخر من رمضان، أيهما أفضل؟\nفأجاب: أيّام عشر ذي الحِجّة؛ أفضل من أيّام العشر من رمضان، والليالي العشر الأواخر من رمضان؛ أفضل من ليالي عشر ذي الحِجّة.\nقال ابن القيّم -﵀-: وإذا تأمّل الفاضل اللبيب هذا الجواب،\n_________\n(١) انظر \"شرح النووي\" (٨/ ٥٠).","vol":"3","page":256},{"text":"وجَدَه شافيًا كافيًا، فإِنّه ليس من أيّام العمل فيها أحبّ إِلى الله من أيّام عشر ذي الحجة -وفيها: يوم عرفة، ويوم النحر، ويوم التروية-.\nوأمّا ليالي عشر رمضان فهي ليالي الإِحياء، التي كان رسول الله - ﷺ - يحييها كلّها، وفيها ليلة خير من ألف شهر.\nفمن أجاب بغير هذا التفصيل، لم يمكنه أن يُدليَ بحُجّة صحيحة\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-897>٧ - يوم عرفة لغير الحاج:</span>\nعن أبي قتادة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"صيام يوم عرفة، أحتسب (١) على الله أن يُكفّر السنة التي قبله والسنة التي بعده.\nوصيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفّر السّنة التي قبله\" (٢).\nوعن كعب بن مالك عن أبيه أنّه حدثه أنّ رسول الله - ﷺ - بعَثه وأوس بن الحَدَثان؛ أيّام التشريق فنادى: \"أنّه لا يدخل الجنَّة إِلا مؤمن، وأيّام منىً أيّام أكل وشُرب\" (٣).\nوعن ميمونة -﵂-: \"أن الناس شكُّوا في صيام النّبيّ - ﷺ - يوم عرفة، فأرسلْتُ إِليه بحِلابٍ (٤) وهو واقف في الموقف، فشرب\n_________\n(١) أي: أرجو، وفي \"المرقاة\" (٤/ ٥٤٢): \"قال الطيبي: كان الأصل أن يُقال: أرجو من الله أن يكفّر، فوضع مرضعه أحتسب وعداه بعلى الذي للوجوب؛ على سبيل الوعد؛ مبالغةً لحصول الثواب\".\n(٢) أخرجه مسلم: ١١٦٢، وغيره.\n(٣) أخوجه مسلم: ١١٤٢.\n(٤) وفي رواية عند مسلم: \"بِحِلاب اللبن\" قال النووي -﵀- (٤/ ٨): =","vol":"3","page":257},{"text":"منه (١) والناس ينظرون\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-898>٨ - أكثر شهر الله المحرّم، وتأكيد صوم عاشوراء، ويومًا قبلها أو يومًا بعدها</span>\nعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرَّم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة، صلاة الليل\" (٣).\nوعن حُميد بن عبد الرحمن أنّه سمع معاوية بن أبي سفيان -﵁- يوم عاشوراء عام حجّ على المنبر يقول: \"يا أهل المدينة، أين علماؤكم؟ سمعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب الله عليكم صيامه، وأنا صائم، فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر\" (٤).\nوعن عائشة -﵂- قالت: كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله - ﷺ - يصومه في الجاهلية، فلمَّا قَدِم المدينة صامه، وأمَر بصيامه، فلمّا فُرِض رمضان، ترك يوم عاشوراء، فمن شاء صامهُ، ومن شاء ترَكه\" (٥).\n_________\n= \"هو بكسر الحاء المهملة: وهو الإِناء الذي يُحلب فيه، ويقال له المِحلب -بكسر الميم-\".\n(١) فيه جواز الأكل والشرب في المحافل من غير كراهة. \"تحفة\" (٧/ ٧٦).\n(٢) أخرجه البخاري: ١٩٨٩، ومسلم: ١١٢٤.\n(٣) أخرجه مسلم: ١١٦٢، وتقدّم.\n(٤) أخرجه البخاري: ٢٠٠٣، ومسلم: ١١٢٩.\n(٥) أخرجه البخاري: ٢٠٠٢، ومسلم: ١١٢٥.","vol":"3","page":258},{"text":"قال ابن خزيمة -﵀- في \"صحيحه\" (٣/ ٢٨٤): \"باب ذِكر الدليل على أنّ ترْك النّبيّ - ﷺ - صوم عاشوراء؛ بعد نزول فرض صوم رمضان، إِنْ شاء ترَكه، لا أنه كان يتركه على كلّ حال، بل كان يتركه؛ إنْ شاء تركه، ويصوم، إِن شاء صامه\".\nثمّ روى عن ابن عمر نحوًا من حديث عائشة -﵃-.\nوعن ابن عبّاس -﵄- قال: \"قدم النّبيّ - ﷺ - المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجّى الله بني إِسرائيل من عدوّهم فصامه موسى.\nقال: فأنا أحقّ بموسى منكم، فصامه وأمَر بصيامه\" (١).\nوعن أبي موسى الأشعري -﵁- قال: \"كان يوم عاشوراء تعدُّهُ اليهود عيدًا، قال النّبيّ - ﷺ -: فصوموه أنتم\" (٢).\nوعن ابن عبّاس -﵄- قال: \"حين صام رسول الله - ﷺ - يوم عاشوراء، وأمَر بصيامه قالوا: يا رسول الله! إِنه يوم تُعظّمه اليهود والنصارى، فقال رسول الله - ﷺ -: فإِذا كان العام المقبل -إِن شاء الله- صمنا اليوم التاسع.\nقال: فلم يأت العام المقبل حتى توفِّي رسول الله - ﷺ -\" (٣).\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٢٠٠٤، ومسلم: ١١٣٠.\n(٢) أخرجه البخاري: ٢٠٠٥، ومسلم: ١١٣١.\n(٣) أخرجه مسلم: ١١٣٤.","vol":"3","page":259},{"text":"وفي لفظ: \"لئن بقيت إِلى قابل لأصومنّ التاسع\" (١).\nوفي الحديث: \"صوموا يوم عاشوراء وخالِفوا اليهود، صوموا قبله يومًا أو بعده يومًا\" (٢).\nقال الحافظ -﵀- في \"الفتح\" (٤/ ٢٤٦): \" .. صيام عاشوراء على ثلاث مراتب: أدناها: أن يصام وحده، وفوقه أن يصام التاسع معه، وفوقه أن يصام التاسع والحادي عشر والله أعلم\".\nوسألت شيخنا -﵀- قائلًا: ذكَر بعض العلماء أنّ صيام عاشوراء على ثلاث مراتب: أعلاها: صوم التاسع والعاشر والحادي عشر، ما رأيكم؟\nفقال: وعلى ذلك صيام شهر محرم، وفهمتُ أنّ هذا ينسحب على صيامه كله إِلا ما استثني، لأنّ أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرّم.\nوسأل أحد الإِخوة شيخنا -﵀-: \"إِذا لم يتيسَّر صيام التاسع لامرأة حائض أو رجل لا عِلم عنده، فهل نقول له صُم الحادي عشر للمخالفة؟ \".\nفقال شيخنا: \"هذا من باب أولى؛ لأنّ شهر محرّم محلّ الصيام، إِذ أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرّم، ولذلك استدركنا على التقسيم الثلاثي هذا\".\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ١١٣٤.\n(٢) أخرجه الطحاوى والبيهقي وسنده صحيح، وانظر \"صحيح ابن خزيمة\" (٢٠٩٥).","vol":"3","page":260},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-899>هل يصحّ إِظهار السرور يوم عاشوراء والاكتحال وطبْخ الحبوب ونحوه</span>؟\nجاء في \"مجموع الفتاوى\" (٢٥/ ٢٩٩) -بحذف-: \"وسُئل شيخ الإِسلام عمّا يفعله الناس في يوم عاشوراء من الكحل، والاغتسال، والحناء، والمصافحة، وطبخ الحبوب، وإظهار السرور، وغير ذلك إلى الشارع، فهل ورد في ذلك عن النّبيّ - ﷺ - حديث صحيح؟ أم لا؟\nوإذا ورد حديث صحيح في شيء من ذلك فهل يكون فعل ذلك بدعة أم لا؟\nوما تفعله الطائفة الأخرى من المأتم والحزن، والعطش، وغير ذلك من الندب والنياحة، وقراءة المصروع، وشقّ الجيوب؛ هل لذلك أصل؟ أم لا؟\nفأجاب: الحمد لله رب العالمين، لم يرد في شيء من ذلك حديث صحيح عن النّبيّ - ﷺ - ولا عن أصحابه، ولا استحَبّ ذلك أحد من أئمّة المسلمين، لا الأئمّة الأربعة ولا غيرهم، ولا روى أهل الكتب المعتمدة في ذلك شيئًا، لا عن النّبيّ - ﷺ -، ولا الصحابة، ولا التابعين، لا صحيحًا ولا ضعيفًا، لا في كتب الصحيح، ولا في السنن، ولا المسانيد، ولا يعرف شيء من هذه الأحاديث على عهد القرون الفاضلة.\nورووا في حديث موضوع مكذوب عن النّبيّ - ﷺ -: \"أنّه من وسع على أهله يوم عاشوراء؛ وسّع الله عليه سائر السَّنة\"؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-900>هل في الأشهر الحُرُم صوم</span>؟\nلم يثبت في تخصيص صيام الأشهر الحرم شيء، وقد ورد في ذلك حديث","vol":"3","page":261},{"text":"ضعيف (١)\nيبقى ما ورد فيه النصوص، كصيام الاثنين والخميس، وأيّام البيض ... إلخ.\nوكذلك ليس في صيام رجب دليل ثابت، ولا فضيلة خاصة.\nعن خرشة بن الحرّ قال: \"رأيتُ عمر يضرب أكفّ المترجّبين (٢)؛ حتى يضعوها في الطعام، ويقول: كلوا فإِنّما هو شهر كانت تعظّمه الجاهلية\" (٣).\nوعن ابن عمر -﵄-: \"أنّه كان إِذا رأى النّاس وما يعدّونه لرجب كَرِهه\" (٤).\nقال شيخ الإِسلام -﵀- في \"مجموع الفتاوى\" (٢٥/ ٢٩٠): \"وأمّا صوم رجب بخصوصه؛ فأحاديثه كلّها ضعيفة، بل موضوعة؛ لا يَعتمد\n_________\n(١) وهو حديث مجيبة الباهلية، عن أبيها أو عمّها \"أنّه أتى رسول الله - ﷺ - ... \" فذكَر الحديث إِلى أن قال [أي: رسول الله - ﷺ -]: \"صُم من الحُرم واترك، صُم من الحُرُم واترك، صُم من الحُرم واترك\". أخرجه أحمد وأبو داود وغيره، وضعّفه شيخنا -﵀ - كما في \"تمام المِنّة\" (ص ٤١٣) و\"ضعيف سنن أبي داود\" (٥٢٦).\n(٢) أي: الصائمين في رجب.\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" وقال شيخنا -﵀- في \"الإرواء\" (٩٥٧): وهذا سند صحيح.\n(٤) أخرجه ابن أبي شيبة وقال شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٩٥٨): وهذا سند صحيح على شرط الشيخين.","vol":"3","page":262},{"text":"أهل العِلم على شيء منها\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-901>فائدة:</span>\nقد يضعُف العبد عن الصوم في الصّيف، إِذا كان مِن أهل البلاد الحارّة، فليغتنِم الصوم في الشتاء؛ فإِنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"الصوم في الشتاء؛ الغنيمة الباردة\" (١).\nجاء في \"فيض القدير\" (٤/ ٢٤٣): \"الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة: أي: الغنيمة التي تحصل بغير مشقّة، والعرب تستعمل البارد في شيء ذي راحة، والبرد ضدّ الحرارة؛ لأنّ الحرارة غالبةً في بلادهم، فإِذا وجدوا بردًا عدّوه راحة.\nوقيل: الباردة الثابتة، من برد لي على فلان كذا، أي: ثبَت، أو الطيبة مِن برْد الهواء إِذا طاب.\nوالأصل في وقوع البرد عبارة عن الطيب، أيضًا إِنّ الهواء والماء لمّا كان طيبهما ببرْدهما؛ سيّما في بلاد تهامة والحجاز قيل: هواء بارد وماء بارد؛ على سبيل الاستطابة، ثمّ كَثُر حتى قيل: عيش بارد وغنيمة باردة. ذكَره الزمخشري.\nقال الطيبي: والتركيب من قلب التشبيه؛ لأن الأصل الصوم في الشتاء كالغنيمة الباردة، وفيه من المبالغة أنّ الأصل في التشبيه أن يلحق الناقص بالكامل كما يقال: زيد كالأسد، فإِذا عكس وقيل: الأسد، يجعل الأصل كالفرع، والفرع كالأصل، يبلغ التشبيه إِلى الدرجة القصوى في المبالغة.\n_________\n(١) أخرجه أحمد وغيره، وانظر \"الصحيحة\" (١٩٢٢).","vol":"3","page":263},{"text":"ومعناه الصائم في الشتاء يحوز الأجر من غير أن تمسّه مشقّة الجوع\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-902>جواز فِطر الصائم المتطوّع</span>\nفعن عائشة أمّ المؤمنين -﵂- قالت: \"دخل عليَّ النّبيّ - ﷺ - ذات يوم فقال: هل عندكم شيء؟ فقلنا: لا، قال: فإِني إِذن صائم.\nثمّ أتانا يومًا آخر فقلنا: يا رسول الله! أُهْدِى لنا حَيْس (١) فقال: أرينيه فلقد أصبحت صائمًا فأكل\".\nقال طلحة: \"فحدّثْتُ مجاهدًا بهذا الحديث فقال: ذاك بمنزلة الرجل يُخْرِج الصدقة من ماله، فإِنْ شاء أمضاها، وإن شاء أمسَكها\" (٢).\nوفي رواية: قال: أدنيه؛ أما إِنّي قد أصبحتُ وأنا صائم، فأكَل منه، ثمّ قال: إِنّما مثل صوم المتطوع مثل الرجل؛ يُخرج من ماله الصدقة، فإِنْ شاء أمضاها، وإِنْ شاء حبَسها\" (٣).\nوعن أمّ هانئ -﵂- قالت: كنت قاعدة عند النّبيّ - ﷺ - فأتُي بشراب فضرب منه، ثمّ ناولني فضربت منه، فقلت: إِني أذنبت فاستغفر لي\n_________\n(١) حَيس: بفتح الحاء المهملة وسكون الياء تمر مخلوط بسمن وأقط، وقيل: طعام يتخذ من الزبد والتمر والأقط وقد يبدّل الأقط بالدقيق، والزبد بالسّمن، وقد يبدل السمن بالزيت.\n(٢) أخرجه مسلم: ١١٥٤.\n(٣) أخرجه النسائي بإِسناد صحيح، وانظر \"آداب الزفاف\" (ص١٥٩) و\"الإرواء\" (٤/ ١٣٥)، وفيه: \"فهذه الزيادة ثابتة عندي، ولا يُعلّها أنّ بعض الرواة أوقفها على مجاهد، فإِنّ الراوي قد يرفع الحديث تارة، ويوقفه أخرى\".","vol":"3","page":264},{"text":"قال: وما ذاك؟ قالت: كنت صائمة فأفطرْتُ.\nفقال: أمِن قضاءٍ كنت تقضينه؟ قالت: لا، قال: فلا يضرّك\" (١).\nوفي رواية: \"فلا يضرّك إِن كان تطوّعًا\" (٢).\nوفي رواية: \"الصائم المتطوع أمير نفسه (٣)، إِنْ شاء صام، وإن شاء أفطر\" (٤).\nعن أبي جحيفة قال: \"آخى النّبيّ - ﷺ - بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أمّ الدرداء متبذّلة، فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجةٌ في الدنيا.\nفجاء أبو الدرداء، فصَنع له طعامًا فقال: كُل فإِنّي صائم، فقال: ما أنا بآكل حتى تأكل، فأكل، فلمّا كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم، فقال: نم، فنام، ثمّ ذهب يقوم، فقال: نم، فلمّا كان آخر الليل قال سلمان: قم الآن.\nقال: فصلّيا، فقال له سلمان: إِنّ لربك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا، فأعط كلّ ذي حقٍّ حقّه.\n_________\n(١) أخرجه أبو داود، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٥٨٤) وغيرهما، وانظر \" المشكاة\" (٢٠٧٩).\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢١٤٥).\n(٣) قال الطيبي: يُفهم أنّ الصائم غير المتطوّع لا تخيير له؛ لأنه مأمور مجبور عليه. \"مرقاة\" (٤/ ٥٧٥).\n(٤) أخرجه أحمد والنسائي في \"الكبرى\" والحاكم وغيرهم، وانظر \"المشكاة\" (٢٠٧٩)، و\"آداب الزفاف\" (ص ١٥٦).","vol":"3","page":265},{"text":"فأتى النّبيّ - ﷺ - فذكَر ذلك له، فقال النّبيّ - ﷺ -: صدَق سلمان\" (١).\nوعن جابر -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إِذا دُعي أحدكم إِلى طعام فليُجب، فإِن شاء طعم وإن شاء تَرَك\" (٢).\nوعن أبي سعيد الخدري -﵁- أنه قال: \"صنعْتُ لرسول الله - ﷺ - طعامًا، فأتاني هو وأصحابه، فلمّا وُضع الطعام قال رجل من القوم: إِنّي صائم.\nفقال رسول الله - ﷺ -: دعاكم أخوكم وتكلّف لكم، كُلْ يومًا، ثمّ صم مكانه إِن شئت\" (٣).\nوفي رواية: \" ... ثمّ قال له: أَفطِر، وصُم مكانه يومًا إِن شئت\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-903>عدم وجوب قضاء يوم النّفل </span>(٥)\nلا يجب قضاء يوم النّفل لحديث أبي سعيد الخدري المتقدم وفيه: \" ... فقال رسول الله - ﷺ - دعاكم أخوكم وتكلّف لكم، ثمّ قال له: أفطر وصُم مكانه يومًا إِنْ شئت\".\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٦١٣٩.\n(٢) أخرجه مسلم: ١٤٣٠.\n(٣) أخرجه البيهقي وحسّنه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (١٩٥٢).\n(٤) انظر \"الإِرواء\" (٧/ ١٢).\n(٥) هذا العنوان من \"آداب الزفاف\" (ص ١٥٩) لشيخنا -﵀- وكذلك ما تحته بتصرف.","vol":"3","page":266},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-904>آداب الصيام</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-905>١ - السحور </span>(١)\nعن أنس بن مالك -﵁- قال: قال النّبيّ - ﷺ -: \"تسحّروا فإِنّ في السُّحور (٢) بركة\" (٣).\nقال ابن خزيمة -﵀- في \"صحيحه\" (٣/ ٢١٣): \"باب الأمر بالسحور أمر ندب وإرشاد، إِذ السحور بركة، لا أمْر فرض وإيجاب يكون تاركه عاصيًا بتركه\".\nثمّ ذكَر -﵀- حديث أنس -﵁-.\nوسألت شيخنا -﵀- إِن كان يرى الوجوب في السّحور؛ لحديث أنس السابق -﵁- فقال: لا نقول بالوجوب.\nوعن عمرو بن العاص -﵁- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"فصْل ما بين صيامنا وصيامِ أهل الكتاب أكلةُ السَّحَر\" (٤).\n_________\n(١) جاء في \"النهاية\": \"هو بالفتح اسم ما يُتَسَحَّر به من الطعام والشراب، وبالضم المصدر والفعل نفسه، وأكثر ما يروى بالفتح.\nوقيل: إِنّ الصواب بالضم؛ لأنه بالفتح الطعام، والبركةُ والأجر والثواب في الفعل لا في الطعام\". وجاء في \"القاموس المحيط\": \"السَّحَر: قبيل الصُّبح\".\n(٢) بالضم والفتح.\n(٣) أخرجه البخاري: ١٩٢٣، ومسلم: ١٠٩٥.\n(٤) أخرجه مسلم: ١٠٩٦.","vol":"3","page":267},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-906>فضله:</span>\nلقد ورد في فضل السحور أحاديثُ كثيرة، منها:\n١ - عن ابن عمر -﵄- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إِنّ الله وملائكته يُصلّون على المتسحِّرين\" (١).\n٢ - وعن العرباض بن سارية -﵁- قال: \"دعاني رسول الله - ﷺ - إِلى السحور في رمضان فقال: هلُمَّ إِلى الغداء المبارك\" (٢).\n٣ - وعن عبد الله بن الحارث عن رجل من أصحاب النّبيّ - ﷺ - قال: \"دخلْتُ على النّبيّ - ﷺ - وهو يتسحَّر فقال: \"إِنّها بركة أعطاكم الله إِياها، فلا تَدَعوه\" (٣).\n٤ - وعن سلمان -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"البركة في ثلاثة: في الجماعة، والثريد، والسحور\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-907>بمَ يتحقّق</span>؟\nيتحقّق السحور ولو بجَرعة من ماء.\n_________\n(١) أخرجه الطبراني في \"الأوسط\"، وابن حِبّان في \"صحيحه\"، وصححه شيخنا -﵀- في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١٠٥٣).\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٠٥٤) والنسائي وابن خزيمة وابن حبان في \"صحيحيهما\"، وصححه شيخنا -﵀- في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١٠٥٤).\n(٣) أخرجه النسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٢٠٤٢) بإِسناد حسن، وصححه شيخنا -﵀- في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١٠٥٦).\n(٤) أخرجه الطبراني في \"الكبير\"، وصححه شيخنا -﵀- في \"صحيح =","vol":"3","page":268},{"text":"فعن عبد الله بن عمر -﵄- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"تسحروا ولو بجَرعة (١) من ماء\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-908>فضل السحور بالتمر</span>\nعن أبي هريرة -﵁- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"نعم سَحور المؤمن التمر\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-909>وقته:</span>\nيبدأ قبيل الفجر -فيما يبدو- ففي \"القاموس المحيط \" -كما تقدم-: السحر: قبيل الصُّبح (٤) وينتهي بتبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر.\nقال الله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبيّن لكم الخيطُ الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾ (٥).\nوعن عدي بن حاتم -﵁- قال: \"لمّا نزلت ﴿حتى يتبيّن لكم\n_________\n= الترغيب والترهيب\" (١٠٥٢).\n(١) الجُرعة: -بالضمّ- الاسم من الشرب اليسير، وبالفتح: المرّة الواحدة منه، وانظر \"النهاية\".\n(٢) أخرجه ابن حبان في \"صحيحه\"، وصححه شيخنا -﵀- في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١٠٥٨).\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٠٥٥)، وابن حبان في \"صحيحه\"، وصححه شيخنا في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١٠٥٩).\n(٤) وربّما أكل المرء قبله بساعات، فلا يسمّى سحورًا.\n(٥) البقرة: ١٨٧.","vol":"3","page":269},{"text":"الخيطُ الأبيض من الخيط الأسود﴾ عَمَدْتُ إلى عِقَال أسود وإلى عقال أبيض فجعلتهما تحت وسادتي، فجعلْتُ أنظر في الليل فلا يَسْتَبِين لي، فغدوت على رسول الله - ﷺ - فذكَرت له ذلك، فقال: إِنما ذلك سوادُ الليل وبياض النهار\" (١).\nوعن سهل بن سعد قال: \"أُنْزلت: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبيّن لكم الخيطُ الأبيض من الخيط الأسود﴾ ولم ينزل ﴿من الفجر﴾، فكان رجال إِذا أرادوا الصوم؛ ربَط أحدهم في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولم يزل يأكل حتى يتبيّن له رؤيتهما، فأنزل الله بعد ﴿من الفجر﴾ فعلموا أنّه إِنّما يعني الليل والنهار\" (٢).\nوعن عائشة -﵂- عن النّبيّ - ﷺ - أنه قال: \"إِنَّ بلالًا يؤذِّنُ بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذّن ابن أمِّ مكتوم\" (٣).\nوفي لفظٍ لها -﵂- \"أنَّ بلالًا كان يؤذِّن بليل، فقال رسول الله - ﷺ -: كلوا واشربوا حتى يؤذّن ابن أمّ مكتوم، فإِنّه لا يؤذن حتى يطلع الفجر. قال القاسم: ولم يكن بين أذانهما إِلا أن يرقى ذا وينزل ذا\" (٤).\nوعن عبد الله بن النعمان السُّحَيمي قال: \"أتاني قيس بن طَلق في رمضان في آخر الليل -بعدما رفعت يدي من السّحور لخوف الصبح- فطلب مني\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٩١٦، ومسلم: ١٠٩٠.\n(٢) أخرجه البخاري: ١٩١٧، ومسلم: ١٠٩١، وتقدّم.\n(٣) أخرجه البخاري: ٦٢٢، ومسلم: ١٠٩٢.\n(٤) أخرجه البخاري: ١٩١٨، ١٩١٩، ومسلم: ١٠٩٢.","vol":"3","page":270},{"text":"بعض الإِدام، فقلت له: يا عمّاه! لو كان بقي عليك من اللَّيل شيء لأدخلتك إِلى طعام عندي وشراب.\nقال: عندك؟ فدخل، فقربت إِليه ثريدًا ولحمًا ونبيذًا (١)، فأكَل وشرب، وأكرهني فأكلْتُ وشربْتُ، وإني لَوَجِلٌ من الصُّبح.\nثمّ قال: حدَّثني طَلْق بن علي أن نبيّ الله قال: كلوا واشربوا، ولا يَهيدنّكم السَّاطع المُصعِد (٢)، فكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر\" (٣).\nجاء في \"بذل المجهود\" (١١/ ١٤٧) -في شرح \"حتى يعترض لكم\n_________\n(١) جاء في \"النهاية\": النّبيذ: هو ما يُعمل من الأشربة من التّمر والزبيب، والعسل، والحنطة، والشَّعير، وغير ذلك.\nيُقال: نبذْتُ التمر والعنب؛ إِذا تركْت عليه الماء ليصير نبيذًا، فصُرِفَ مِن مفعول إِلى فعيل. وانتبذْته: أي: اتخذته نبيذًا.\nوسواء كان مسكرًا أو غير مسكر فإِنه يُقال له: نبيذ، ويُقال للخمر المعتَصَر من العنب: نبيذ، كما يقال للنّبيذ: خمر.\n(٢) لا يهِيدنكم: أي: لا تنزعجوا للفجر المستطيل؛ فتمتنعوا به عن السَّحور؛ فإِنه الصُّبح الكاذب، وأصل الهَيْد: الحركة. \"النهاية\".\nالساطع المُصعِد: جاء في \"النهاية\": السَّاطع أي: الصبُّح الأوّل المستطيل، يُقال: سطع الصُّبح يسطع فهو ساطع: أوّل ما ينشقّ مستطيلًا.\nوفي \"بذل المجهود\" (١١/ ١٤٧): السَّاطع المُصعِد: أي المرتفع طولًا. وفي \"تحفة الأحوذي\" (٣/ ٣٨٩): من الإِصعاد: أي المرتفع.\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٠٥٨) والترمذي وابن خزيمة وغيرهم، وانظر \"الصحيحة\" (٢٠٣١).","vol":"3","page":271},{"text":"الأحمر\"-: \"قال في \"الدّرجات\": أي: يستبطن البياض المعترض أوائل حمرة؛ لأنّ البياض إِذا تتامّ طلوعه؛ ظهر أوائل الحُمْرة، والعرب تشبِّه الصّبح بالبلق في الخيل؛ لما به من بياض وحمرة، قلت [أي: صاحب بذل المجهود]: لا يصحّ كونه أحمر إلاَّ قبل نزول قوله تعالى: ﴿حتى يتبيّن لكم الخيطُ الأبيض﴾ الآية لأنّه معنى الآخر هو النَّهار إِلا أنَّ الشمس لم تطلع، وكلاهما يعارض الآية، وهذا كله على ظاهره، وإلا فإِنَّ الأحمر يطلق على الأبيض أيضًا، فإِن أطلق عليه وافق الآية فتنبّه له إِن كنت فائق السجيَّة\".\nقال ابن خزيمة -﵀- في \"صحيحه\" (٣/ ٢١٠): \"باب الدليل على أنَّ الفجر الثاني ... هو البياض المعترض الذي لونه الحُمْرة إِن صحَّ الخبر ... \".\nثمّ ذكَر حديث أبي طلق بن علي -﵁-.\nوقال شيخنا -﵀- في \"الصحيحة\" (٥/ ٥٢) عَقِبَ الحديث:\n\"واعلم أنَّه لا منافاة بين وصفه - ﷺ - لضوء الفجر الصَّادق (بالأحمر) ووصفه تعالى إِياه بقوله: ﴿الخيط الأبيض﴾؛ لأنّ المراد -والله أعلم- بياض مشوب بحمرة، أو تارة يكون أبيض، وتارة يكون أحمر، يختلف ذلك باختلاف الفصول والمطالع.\nوقد رأيت ذلك بنفسي مرارًا من داري في (جبل هملان) جنوب شرق (عمّان)، ومكَّنني ذلك من التأكد من صحَّة ما ذكَره بعض الغيُورين على تصحيح عبادة المسلمين؛ أنّ أذان الفجر في بعض البلاد العربية يرفع قبل الفجر الصَّادق؛ بزمن يتراوح بين العشرين والثَّلاثين دقيقة -أي: قبل الفجر","vol":"3","page":272},{"text":"الكاذب أيضًا! -.\nوكثيرًا ما سمعت إِقامة صلاة الفجر من بعض المساجد مع طلوع الفجر الصَّادق، وهم يؤذِّنون قبلها بنحو نصف ساعة، وعلى ذلك فقد صلَّوا سنّة الفجر قبل وقتها.\nوقد يستعجلون بأداء الفريضة أيضًا قبل وقتها في شهر رمضان، كما سمعته من إِذاعة دمشق وأنا أتسحَّر رمضان الماضي (١٤٠٦)، وفي ذلك تضييقٌ على الناس بالتعجيل بالإِمساك عن الطَّعام، وتعريضٌ لصلاة الفجر للبطلان.\nوما ذلك إلاَّ بسبب اعتمادهم على التوقيت الفلكي، وإعراضهم عن التوقيت الشرعي: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبيّن لكم الخيطُ الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾، \"فكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر\"، وهذه ذكرى، (والذكرى تنفع المؤمنين) \". انتهى.\nقال ابن حزم -﵀- في \"المحلّى\" (٦/ ٣٤٢) (مسألة ٧٥٦): \"ولا يلزم صومٌ في رمضان ولا في غيره إِلا بتبيُّن طلوع الفجر الثاني، وأمَّا ما لم يتبيّن؛ فالأكل والشُّرب والجماع مباح، كلُّ ذلك كان على شكّ من طلوع الفجر، أو على يقين من أنه لم يطلع.\nومن أكل شاكًّا (١) في غروب الشَّمس أو شَرِب فهو عاصٍ له تعالى، مفسد لصومه، ولا يقدر على القضاء؛ فإِنْ جامع شَاكًّا في غروب الشّمس فعليه\n_________\n(١) الشّك لغةً: خلاف اليقين، والمقصود هنا أنّه أكل ولم يتيقّن أو يرجّح الظنّ أن الشمس قد غربت.","vol":"3","page":273},{"text":"الكفّارة ... \". ثمّ ذكَر الأدلّة على ذلك.\nوقال (ص ٣٤٦): \"وروينا من طريق معمر عن أبان عن أنس عن أبي بكر الصدِّيق أنّه قال: إِذا نظر الرَّجلان إِلى الفجر فشكَّ أحدهما؛ فليأكلا حتى يتبين لهما\".\nوقال (ص ٣٤٧): \"ومن طريق الحسن: أنّ عمر بن الخطاب كان يقول: إِذا شكّ الرجلان في الفجر فليأكلا حتى يستيقنا.\nومن طريق ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عبّاس قال: أحل الله الشراب ما شَككْت؛ يعني في الفجر.\nوعن وكيع عن عمارة بن زاذان عن مكحول الأزدي قال: رأيت ابن عمر أخذ دلوًا من زمزم وقال لرجلين: أَطَلَع الفجر؟ قال أحدهما: قد طلع، وقال الآخر: لا؛ فشرب ابن عمر\".\nوقال -﵀- (ص ٣٤٩): \"وعن الحسن: كُلْ ما امتريت وعن أبي مجلز: السّاطع: ذلك الصُّبح الكاذب؛ ولكن إذا انفضح الصبح في الأفق.\nوعن إِبراهيم النخعي: المعترض الأحمر يُحلّ الصلاة (١) ويُحرّم الطعام.\nومن طريق ابن أبي شيبة: ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن مسلم قال: لم يكونوا يعدون الفجر فجركم، إِنّما كانوا يعدُّون الفجر الذي يملأ البيوت والطرق.\nوعن معمر: أنّه كان يؤخِّرُ السّحور جدًا، حتى يقول الجاهل: لا صوم له! \".\n_________\n(١) أي: صلاة الفجر.","vol":"3","page":274},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-910>فائدة:</span>\nإِذا سمع النِّداء والإِناءُ على يده، أو كان يأكل، فله أَنْ يستكْمِل شرابه وأكْله، ويقضي حاجته منهما؛ لحديث أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إِذا سمع أحدكم النِّداء والإِناء على يده، فلا يضَعْه حتى يقضي حاجته منه\" (١).\nقال شيخنا -﵀- في \"تمام المِنّة\" (ص ٤١٧): \"وفيه دليل على أَنَّ مَنْ طلع عليه الفجر وإناء الطعام أو الشراب على يده؛ أنّه يجوز له أن لا يضعه حتى يأخذ حاجته منه.\nفهذه الصورة مستثناة من الآية: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبيّن لكم الخيطُ الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾.\nفلا تعارُض بينها وما في معناها من الأحاديث؛ وبين هذا الحديث، ولا إِجماع يعارضه، بل ذهب جماعة من الصحابة وغيرهم إِلى أكثر ممّا أفاده الحديث، وهو جواز السّحور إِلى أن يتضح الفجر، وينتشر البياض في الطرق، راجع \"الفتح\" (٤/ ١٠٩ - ١١٠).\nوإِنَّ من فوائد هذا الحديث إِبطال بدعة الإِمساك قبل الفجر بنحو ربع ساعة؛ لأنَّهم إِنَّما يفعلون ذلك خشية أن يدركهم أذان الفجر وهم يتسحّرون، ولو علموا هذه الرخصة لما وقعوا في تلك البدعة. فتأمّل\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-911>استحباب تأخيره:</span>\nعن ابن عبّاس -﵄- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إِنّا معشر\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٠٦٠)، وغيره.","vol":"3","page":275},{"text":"الأنبياء أُمِرنا بتعجيل فِطرنا، وتأخير سحورنا، وأن نضَع أيماننا على شمائلنا في الصلاة\" (١).\nوعن أنس عن زيد بن ثابت -﵁- قال: \"تسحَّرنا مع النّبىِّ - ﷺ -، ثمّ قام إِلى الصلاة، قلت (٢): كم كان بين الأذان (٣) والسّحور؟ قال: قَدْر خمسين آية (٤) \" (٥).\nجاء في \"الفتح\" (٤/ ١٩٩): \"قال ابن عبد البرّ: أحاديث تعجيل الإِفطار وتأخير السّحور صِحاح متواترة، وعند عبد الرزاق بإِسناد صحيح عن عمرو بن ميمون الأودي قال: كان أصحاب محمّد - ﷺ - أسرَعَ النّاس إِفطارًا وأبطأهم سحورًا\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-912>هل يفطر إِذا أكل أو شرب أو جامع، ظانًّا غروب الشمس أو عدم طلوع الفجر</span>؟\nمَن أكَل أو شرب أو جامع ظانًّا غروب الشمس، أو عدم طلوع الفجر، ثمّ\n_________\n(١) أخرجه ابن حبان والضياء بسند صحيح، وانظر \"التعليقات الرضيَّة\" (٢/ ٢٠) و\"الصحيحة\" (٤/ ٣٧٦).\n(٢) قلتُ: هو مقول أنس، والمقول له زيد بن ثابت -﵄-.\n(٣) أي: الإقامة، وبوّب له البخاري -﵀- في كتاب الصوم بقوله: (باب كم بين السَّحور وصلاة الفجر). جاء في \"الفتح\" (٤/ ١٣٨): \"وقال: أي انتهاء السّحور وابتداء الصلاة؛ لأنّ المراد تقدير الزّمان الذي ترك فيه الأكل والمراد بفعل الصَّلاة؛ أول الشّروع فيها قاله الزين بن المنيّر\".\n(٤) أي: متوسطة؛ لا طويلة ولا قصيرة، لا سريعة ولا بطيئة \"فتح\".\n(٥) أخرجه البخاري: ١٩٢١، ومسلم: ١٠٩٧.","vol":"3","page":276},{"text":"ظهر له خلاف ذلك فإِنّه لا يفسد صومه، وليس عليه قضاء ولا كفّارة.\nجاء في \"المحلّى\" (٦/ ٣٣١) المسألة (٧٥٣): \"ومن أكل وهو يظنّ (١) أنّه ليل، أو جامَع كذلك؛ أو شرب كذلك؛ فإِذا به نهار -إِما بطلوع الفجر، وإمّا بأنّ الشَّمس لم تغرب-: فكلاهما لم يتعمّد إِبطال صومه، وكلاهما ظن أنَّه في غير صيام، والناسي ظنّ أنّه في غير صيام ولا فرق، فهما والناسي سواء ولا فرق.\nوليس هذا قياسًا (٢) -ومعاذ الله من ذلك- وإنما يكون قياسًا لو جعلنا الناسي أصلًا؛ ثمّ شبّهنا به مَن أكل وشرب وجامع، وهو يظنّ أنّه في ليل فإِذا به في نهار، ولم نفعل هذا، بل كلّهم سواء في قول الله تعالى: ﴿ليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمَّدت قلوبكم﴾ (٣) وفي قول رسول الله - ﷺ -: \"إِنّ الله تجاوز لأمّتي الخطأ والنِّسيان وما استُكرِهوا عليه\" (٤)، وهذا قول جمهور السَّلف.\nثمّ ساق بإِسناده إِلى جمْع من السَّلف في ذلك ومنه:\n_________\n(١) الظنّ: إِدراك الذهن الشيءَ مع ترجيحه، وقد يكون مع اليقين. \"الوسيط\".\n(٢) قال الشيخ أحمد شاكر -﵀- في التعليق: \"سواءٌ رضي المؤلف أن يكون هذا قياسًا أو لم يرضَ، فإِنه قياسٌ في الحقيقة على الناسي، لأنّ النصّ لم يدلّ على عدم بطلان صوم من أفطر ظانًّا أنه في ليل، والقياس على الناسي -الذي ذكره المؤلّف- قياس صحيح، وإنْ تحاشى هو أن يُسمّيه قياسًا\".\n(٣) الأحزاب: ٥.\n(٤) تقدّم.","vol":"3","page":277},{"text":"عن زيد بن وهب قال: أفطر النّاس في زمن عمر بن الخطاب فرأيت عِساسًا (١) أُخرجَت من بيت حفصة، فشربوا، ثمّ طلعت الشّمس من سحاب، فكَأنّ ذلك شقَّ على النّاس.\nفقالوا: نقضي هذا اليوم فقال عمر: لِمَ؟ والله ما تجانفنا لإِثم (٢) \".\nوروينا أيضًا من طريق الأعمش عن المسيّب عن زيد بن وهب، ومن طريق ابن أسلم عن أخيه عن أبيه ولم يذكر قضاء.\nوقد رُوي عن عمر أيضًا القضاء، وهذا تخالف من قوله، فوجب الرُّجوع إِلى ما افترض الله تعالى الرّجوع إِليه عند التنازع، من القرآن والسنة؛ فوجدنا ما ذكَرنا قبل، مع أنّ هذه الرواية عن عمر أولى؛ لأن زيد بن وهب له صحبة، وإنّما روى عنه القضاء من طريق علي بن حنظلة عن أبيه.\nومن طريق شعبة قال: سألت الحكم بن عتيبة عمّن تسحّر نهارًا وهو يرى أنّ عليه ليلًا، فقال: يُتمّ صومه.\nوعن مجاهد قال: من أكل بعد طلوع الفجر وهو يظنّ أنّه لم يطلع فليس عليه القضاء؛ لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿حتى يتبيّن لكم الخيطُ الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾.\nوعن الحسن البصري فيمن تسحَّر وهو يرى أنّه ليل، قال: يُتمُّ صومه.\nوعن جابر بن زيد فيمن أكل يرى أنَّه ليل فإِذا به نهار، قال: يُتمّ صومه.\n_________\n(١) العِساس: جمع العُسّ: القدح الكبير.\n(٢) أي: لم نمِلْ فيه لارتكاب الإِثم، ومنه قوله تعالى: ﴿غير متجانفٍ لإِثم﴾ [المائدة: ٣]. \"النهاية\".","vol":"3","page":278},{"text":"ثمّ اتفق عروة وعطاء فيمن أكل في الصّبح وهو يرى أنّه ليل: لم يقضه.\nفهؤلاء: عمر بن الخطاب، والحكم بن عتيبة، ومجاهد، والحسن، وجابر ابن زيد أبو الشعثاء، وعطاء بن أبي رباح، وعروة بن الزبير.\nفإِنْ ذكَروا ما رويناه ... عن أسماء بنت أبي بكر قالت: \"أفطر النّاس على عهد رسول - ﷺ - ثمّ طلعت الشّمس\".\nقال أبو أسامة: قلت لهشام: فأُمِروا بالقضاء؟ فقال: ومن ذلك بدٌّ (١)؟! فإِنّ هذا ليس إلاَّ من كلام هشام، وليس من الحديث، فلا حُجّة فيه (٢)، وقد قال معمر: سمعت هشام بن عروة في هذا الخبر نفسه يقول: لا أدري أقضوا أم لا؟! فصحّ ما قُلنا.\nوأمَّا مَنْ أُكره على الفطر، أو وطئت امرأة نائمة، أو مكرهة أو مجنونة أو مغمى عليها، أو صُبّ في حلقه ماء وهو نائم، فصوم النّائم والنّائمة، والمُكْره، والمُكْرهة تامّ صحيح لا داخلة فيه، ولا شيء عليهم، ولا شيء على المجنونة، والمغمى عليها، ولا على المجنون والمغمى عليه، لمَا ذكَرنا من قول رسول الله - ﷺ -: إِنّ الله تجاوز لأمتّه عن الخطأ والنِّسيان وما استُكرهوا عليه (٣).\nوالنّائم والنّائمة مكرهان بلا شك، غير مُخْتارين لما فُعِل بهما.\nوقال زفر: لا شيء على النّائم والنّائمة، ولا قضاء كما قلنا، سواء سواء، وصومهما تامّ -وهو قول الحسن بن زياد.\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٩٥٩.\n(٢) وسيأتي -إِن شاء الله تعالى- كلام شيخ الإِسلام -﵀- في ذلك.\n(٣) تقدّم.","vol":"3","page":279},{"text":"وقد رُوي أيضًا عن أبي حنيفة في النّائم مثل قول زفر.\nوقال سفيان الثّوري: إِذا جومعت المرأة مُكْرهة في نهار رمضان فصومها تامّ، لا قضاء عليها، وهو قول عبيد الله بن الحسن، وبه يقول أبو سليمان، وجميع أصحابنا.\nوالمجنون والمغمى عليه غير مخاطَبَين، قال رسول الله - ﷺ -: \"رُفع القلم عن المجنون حتى يفيق، والنائم حتى يستيقظ، والصبي حتى يحتلم\" (١).\nقال شيخ الإِسلام -﵀- في \"مجموع الفتاوى\" (٢٥/ ٢٢٨): \" ... وكذلك طرد هذا أنّ الصائم إِذا أكل أو شرب أو جامع ناسيًا أو مخطئًا، فلا قضاء عليه، وهو قول طائفة من السلف والخلف ومنهم من يُفَطِّر الناسي والمخطئ كمالك ... \".\nوقال -﵀- (ص ٢٣١): \"وأيضًا فقد ثبت في \"صحيح البخاري\" عن أسماء بنت أبي بكر قالت: \"أفطرنا يومًا من رمضان في غيم على عهد رسول الله - ﷺ - ثمّ طلعت الشمس ... \".\nوهذا يدلّ على شيئين: على أنّه لا يُسْتحَب مع الغيم التأخير إِلى أن يتيقّن الغروب ...\nوالثاني: لا يجب القضاء فإِنّ النّبيّ - ﷺ - لو أمَرهم بالقضاء لشاع ذلك كما نقل فطرهم، فلمّا لم يُنقَل ذلك دلّ على أنّه لم يأمرهم به.\nفإِنْ قيل: فقد قيل لهشام بن عروة: أمروا بالقضاء؟ قال: أو بد من القضاء؟\n_________\n(١) تقدّم.","vol":"3","page":280},{"text":"قيل: هشام قال ذلك برأيه، لم يرو ذلك في الحديث، ويدلّ على أنّه لم يكن عنده بذلك علم أنّ معمرًا روى عنه قال: سمعت هشامًا قال: لا أدري أقضوا أم لا؟\nذكَر هذا وهذا عنه البخاري، والحديث رواه عن أمِّه فاطمة بنت المنذر عن أسماء.\nوقد نقل هشام عن أبيه عروة أنهم لم يؤمروا بالقضاء، وعروة أعلم من ابنه، وهذا قول إِسحاق بن راهويه -وهو قرين أحمد بن حنبل، ويوافقه في المذهب: أصوله وفروعه، وقولهما كثيرًا ما يجمع بينه ... \".\nوجاء (ص ٢٥٩) منه: \"وسئل عن رجل باشر زوجته، وهو يسمع المتسحر يتكلّم، فلا يدري: أهو يتسحّر؟ أم يؤذّن، ثمّ غلب على ظنِّه أنّه يتسحَّر، فوطئها، وبعد يسير؛ أضاء الصبح، فما الذي يجب عليه؟ أفتونا مأجورين.\nفأجاب: هذه المسألة للعلماء فيها ثلاثة أقوال:\nأحدها: عليه القضاء، والكفّارة، هذا إِحدى الروايتين عن أحمد.\nوقال مالك: عليه القضاء لا غير، وهذه الرواية الأخرى عنه، وهذا مذهب الشافعي، وأبي حنيفة وغيرهما.\nوالثالث: لا قضاء ولا كفّارة عليه.\nوهذ قول النّبيّ - ﷺ -، وهو أظهر الأقوال، ولأنّ الله تعالى عفا عن الخطأ والنِّسيان، وأَباح -﷾- الأكل والشرب، والجماع حتى يتبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود، والشاكّ في طلوع الفجر يجوز له الأكل والشرب والجماع بالاتفاق، ولا قضاء عليه إِذا استمر الشَّك\".","vol":"3","page":281},{"text":"وجاء (ص ٢٦٤) منه: \"وهذا القول أصحّ الأقوال، وأشبهها بأصول الشريعة، ودلالة الكتاب والسنَّة، وهو قياس أصول أحمد وغيره، فإِنّ الله رفع المؤاخذة عن الناسي، والمخطئ، وهذا مخطئ.\nوقد أباح الله الأكل والوطء حتى يتبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، واستحبَّ تأخير السّحور، ومن فعل ما ندب إِليه، وأُبيح له، لم يفرّط فهذا أولى بالعذر من الناسي، والله أعلم\".\nوقال الحافظ ﵀- في \"الفتح\" (٤/ ٢٠٠) -بحذف-: \"وقد اختلف في هذه المسألة فذهب الجمهور إِلى إِيجاب القضاء ... وجاء ترك القضاء عن مجاهد والحسن، وبه قال إِسحاق وأحمد في رواية.\nقال ابن خزيمة -﵀- في \"صحيحه\" (٣/ ٢٣٩): \"ليس في هذا الخبر أنّهم أمروا بالقضاء، وهذا من قول هشام: بدٌّ من ذلك، لا في الخبر، ولا يُبيّن عندي أنّ عليهم القضاء، فإِذا أفطروا والشمس عندهم قد غربت، ثمّ بان أنها لم تكن غَرَبت؛ كقول عمر بن الخطاب: والله ما نقضي ما يجانفنا من الإِثم\".\nوسألت شيخنا -﵀- قائلًا: إذا أكل ظانًّا غروب الشمس فظهر خلاف ذلك، أو ظنَّ عدم طلوع الفجر. فقال -﵀-: \"إِذا كان معذورًا في ظنّه فلا يعدُّ مُفطرًا\". انتهى.\nقلت: والراجح عدم القضاء -والله تعالى أعلم- لِمَا وردَ عن السلف من آثارٍ في ذلك، فإِنْ كان بالنقل فهم أولى، وإن كان بالرأي فرأيهم خير من رأي سواهم (١).\n_________\n(١) ذكره بعض العلماء.","vol":"3","page":282},{"text":"حشَرَنا الله وإياهم مع النبيّين والصدّيقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-913>٢ - تعجيل الفطر</span>\nعن سهل بن سعد أنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"لا يزال الناس بخير ما عجّلوا (١) الفطر\" (٢).\nقال ابن خزيمة -﵀- في \"صحيحه\" (٣/ ٢٧٤): (باب ذِكر دوام الناس على الخير، ما عجّلوا الفطر، وفيه كالدلاله على أنّهم إِذا أخّروا الفِطر؛ وقعوا في الشّر). ثمّ روى الحديث السابق.\nعن سهل بن سعد -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا تزال أمَّتي على سُنَّتي ما لم تنتظر بفطرها النّجوم.\nقال: وكان النّبيّ - ﷺ - إِذا كان صائمًا أمَر رجلًا، فأوفى على شيء، فإِذا قال: غابت الشمس أفطر\" (٣).\nوقد بوّب له ابن خزيمة -﵀- بقوله: \"باب ذكر استحسان سنّة المصطفى محمّد - ﷺ - ما لم ينتظر بالفطر قبل طلوع النجوم\".\n_________\n(١) وهذا يقتضي معرفة الوقت والدّقة في ذلك، وأوراق التقويم في معظم البلاد مع الأسف -إن لم نقُل كلها- تقريبيّة. والله المستعان.\n(٢) أخرجه البخاري: ١٩٥٧، ومسلم: ١٠٩٨.\n(٣) أخرجه ابن خزيمة في \"صحيحه\" (٣/ ٢٧٥)، وقال شيخنا -رحمهما الله تعالى-: إِسناده صحيح، وأخرجه ابن ماجه من طريق المصنف دون الزيادة المدرجة.","vol":"3","page":283},{"text":"وعن أبي هريرة -﵁- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"لا يزال الدين ظاهرًا، ما عجّل النّاس الفطر؛ لأنّ اليهود والنّصارى يؤخّرون\" (١).\nوقال الحافظ -﵀- في \"الفتح\" (٤/ ١٩٩): \"من البدع المنكَرة ما أُحدِث في هذا الزّمان؛ من إِيقاع الأذان الثاني قبل الفجر بنحو ثلث ساعة في رمضان، وإطفاء المصابيح التي جُعلت علامةً لتحريم الأكل والشرب على من يريد الصيام؛ زعمًا ممّن أحدثه أنّه للاحتياط في العبادة، ولا يعلم بذلك إِلا آحاد النّاس.\nوقد جرّهم ذلك إِلى أنْ صاروا لا يؤذِّنون إِلا بعد الغروب بدرجة لتمكين الوقت زعموا، فأخَّروا الفِطر وعجَّلوا السّحور وخالفوا السنّة، فلذلك قلَّ عنهم الخير وكثير فيهم الشرّ، والله المستعان\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-914>متى يُفطر الصائم</span>\nعن عمر بن الخطاب -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إِذا أقبل الليل (٢) من ها هنا، وأدبر النهار من ها هنا، وغربت الشمس من ها هنا؛ فقد أفطر الصائم\" (٣).\nوعن عبد الله بن أبي أوفى -﵁- قال: \"كنّا مع رسول الله - ﷺ - في سفر وهو صائم، فلمّا غابت الشّمس قال لبعض القوم: يا فلان قُم فاجدح\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٠٦٣) وابن خزيمة في \"صحيحه\" (٢٠٦٠)، وقال شيخنا -﵀ -: إسناده حسن.\n(٢) أي: من جهة المشرق.\n(٣) أخرجه البخاري: ١٩٥٤، ومسلم: ١١٠٠.","vol":"3","page":284},{"text":"لنا (١)، فقال: يا رسول الله لو أمسيت (٢)، قال: انزل فاجدَحْ لنا، قال: يا رسول الله فلو أمسيت، قال: انزل فاجدَحْ لنا، قال: إِنّ عليك نهارا (٣)، قال: انزل اجدَحْ لنا.\nفنزل فجدَح لهم، فشرب النّبيّ - ﷺ - ثمّ قال: إِذا رأيتم الليل قد أقبل من ها هنا؛ فقد أفطر الصائم\" (٤).\nوجاء في \"مجموع الفتاوى\" (٢٥/ ٢١٥): \"وسُئل عن غروب الشّمس: هل يجوز للصائم أنْ يفطر بمجرد غروبها؟\nفأجاب: إِذا غاب جميع القرص أفطر الصائم، ولا عبرة بالحمرة الشديدة الباقية في الأفق، وإذا غاب جميع القرص ظهر السواد من المشرق، كما قال النّبيّ - ﷺ -: \"إِذا أقبل الليل من ها هنا، وأدبر النهار من ها هنا، وغربت الشمس؛ فقد أفطر الصائم\"\".\n_________\n(١) الجدْح: تحريك السَّويق ونحوه بالماء بعود، يُقال له المِجْدَح [عود] مُجَنَّح الرأس [وربّما يكون له ثلاث شعب]. \"الفتح\" والزيادة من \"النهاية\".\nوالسَّويق: طعام يُتخذ من مدقوق الحنطة والشعير، سمي بذلك؛ لانسياقه في الحلق. \"الوسيط\".\n(٢) لو أمسيت: فيه دليل على أنّ وقت المساء يبدأ مِن غروب الشمس قاله بعض طلاّب العلم.\n(٣) قال الحافظ -﵀-: يُحْتمل أن يكون المذكور كان يرى كثرة الضوء من شدة الصحو؛ فيظن أنَ الشّمس لم تغرب، ويقول لعلّها غطّاها شيء من جبلٍ ونحوه، أو كان هناك غيم فلم يتحقَّق غروب الشّمس.\n(٤) أخرجه البخاري: ١٩٥٥، ومسلم: ١١٠١.","vol":"3","page":285},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-915>علام يُفطر</span>؟\nيسنّ أن يُفطر على رطبات قبل صلاة المغرب، فإِنْ لم يجد فعلى تمرات، فإِن لم يجد فعلى الماء.\nعن أنس بن مالك -﵁- قال: كان رسول الله - ﷺ - يفطر على رُطبات، قبل أنْ يُصلّي، فإِنْ لم تكن رطبات فعلى تمرات، فإِنْ لم تكن حسا (١) حسَوات من ماء\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-916>٣ - الدعاء عند الفِطر</span>\nعن مروان (٣) قال: \"رأيت ابن عمر يقبض على لحيته، فيقطع ما زاد على الكفّ، وقال: كان رسول الله - ﷺ - إِذا أفطر قال: ذهب الظمأ، وابتلّت العُروق (٤)، وثبت الأجر (٥) إِن شاء الله\" (٦).\n_________\n(١) حسا: أي: شرِب، وفي \"النهاية\": \"الحُسوة -بالضمّ- الجرعة من الشراب، بقدر مرة واحدة والحَسوة -بالفتح- المرّة\".\n(٢) أخرجه أحمد وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٠٦٥)، وغيرهما، وانظر \"الإِرواء\" (٩٢٢)، و\"صحيح الترغيب والترهيب\" (١٠٦٤)، وهذا حتى يصلّي الجماعة في المسجد؛ إِن كان يسمع النداء، أو يصلّي مع أهل بيته جماعة كذلك، ثم يستكمل طعامه.\n(٣) هو ابن سالم المقفع.\n(٤) وابتلت العُروق: أي: بزوال اليبوسة الحاصلة بالعطش.\n(٥) وثبت الأجر: أي: حصل الثواب، وهذا حثٌّ على العبادات، فإِنّ التعب يُسرّ لذَهابه وزواله. قال الطيبي: ذِكر ثبوت الأجر بعد زوال التعب استلذاذ أيّ استلذاذ، ونظيره قوله تعالى حكايةً عن أَهل الجنة: ﴿الحمد لله الذي أذهب عنّا الحَزَن إِنّ ربنا لغفورٌ شكور﴾. [فاطر: ٣٤]، انظر \"المرقاة\" (٤/ ٤٨٨).\n(٦) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٠٦٦)، وغيره، وحسنه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٩٢٠).","vol":"3","page":286},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-917>٤ - الجود ومدارسة القرآن</span>.\nعن ابن عبّاس -﵄- قال: \"كان رسول الله - ﷺ - أجود النّاس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل يلقاه في كلّ ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن، فلَرسول الله - ﷺ - حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة (١) \" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-918>فينبغي الاقتداء بالنّبيّ - ﷺ - في الجود والعطاء</span>.\nقال ابن خزيمة -﵀- في \"صحيحه\" (٣/ ١٩٣) تبويبًا لهذا الحديث: (باب استحباب الجود بالخير والعطايا في شهر رمضان إِلى انسلاخه، استنانًا بالنّبيّ - ﷺ -).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-919>٥ - الاجتهاد في العبادة في العشر الأواخر من رمضان</span>.\nعن عائشة -﵂- قالت: \"كان النّبيّ - ﷺ - إِذا دخل العَشرُ شدَّ\n_________\n(١) المرسلة: أي: المطلقة يعني: أنّه في الإسراع بالجود أسرع من الريح، وعبّر بالمرسَلَة إِشارة إِلى دوام هبوبها بالرحمة، وإلى عموم النفع بجوده كما تعمّ الريح المرسَلَة جميع ما تهب عليه ...\nوقال النووي: في الحديث فوائد: منها: الحث على الجود في كل وقت، ومنها: الزيادة في رمضان وعند الاجتماع بأهل الصلاح، وفيه: زيارة الصلحاء وأهل الخير، وتكرار ذلك إِذا كان المزور لا يكرهه، واستحباب الإكثار من القراءة في رمضان، وكونها أفضل من سائر الأذكار. \"الفتح\" (١/ ٣١)، وتقدّم.\n(٢) أخرجه البخاري: ٣٢٢٠، ومسلم: ٢٣٠٨، وتقدّم في \"كتاب الزكاة\".","vol":"3","page":287},{"text":"مِئْزره (١) وأحيا ليله، وأيقظ أهله (٢) \" (٣).\nوفي رواية: \"كان يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره\" (٤).\nوعن علي -﵁- \"أنّ النّبيّ - ﷺ - كان يوقظ أهله في العشر الأواخر من رمضان\" (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-920>ترهيب الصائم من الغِيبة والفُحش والكذب ونحو ذلك </span>(٦)\nلا شكّ أنّ الصِّيام يهذِّب النّفس ويزكّيها، ويمرّسها على فِعل الخير وترْك الشر، قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كُتب عليكم الصيام كما كُتب على الذين من قبلكم لعلّكم تتّقون﴾ (٧).\nوعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من لم يدَع قول الزور والعَمَلَ به؛ فليس لله حاجةٌ؛ في أن يدَع طعامه وشرابه\" (٨).\n_________\n(١) أي: اعتزل النساء، وقال الخطابي: يُحتمل أنه يريد به الجدّ في العبادة، كما يُقال: شددت لهذا الأمر مئزري، أي: تشمّرْت له، ويحتمل أن يراد التشمير والاعتزال معًا ... \". \"فتح\" (٤/ ٢٦٩).\n(٢) أي: للصلاة.\n(٣) أخرجه البخاري: ٢٠٢٤، ومسلم: ١١٧٤.\n(٤) أخرجه مسلم: ١١٧٥.\n(٥) أخرجه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٦٣٧).\n(٦) هذا العنوان من كتاب \"الترغيب والترهيب\" للمنذري.\n(٧) البقرة: ١٨٣.\n(٨) أخرجه البخاري: ١٩٠٣.","vol":"3","page":288},{"text":"وعنه -﵁- أيضًا قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"رُبَّ صائم ليس له من صيامه إلاَّ الجوع، ورُبَّ قائم ليس له مِن قيامه إِلا السّهر\" (٦).\nوعنه أيضًا قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"قال الله: كلّ عمل ابن آدم له، إِلا الصّيام فإِنه لي وأنا أجزي به، والصيام جُنّة (١).\nوإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفُث (٢) ولا يصخب (٣)، فإِنْ سابّه أحدٌ أو قاتله فليقل إِنّي امرؤٌ صائم\" (٤).\nوعنه كذلك -﵁- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"لا تسابّ وأنت صائم، فإِنْ سابّك أحد؛ فقل: إِنّي صائم، وإنْ كنتَ قائمًا فاجلس\" (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-921>ما يُباح للصائم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-922>١ - الغُسل تعبُّدًا</span>، كالاغتسال من جنابة باحتلام، أو جماعٍ قبل الفجر أو\n_________\n(٦) أخرجه ابن ماجه -واللفظ له- والنسائي وغيرهما، وصححه شيخنا -﵀ - في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١٠٦٩).\n(١) جُنّة: أي: وقاية كما تقدّم.\n(٢) يرفُث: من الرفث، كلمة جامعة لكل ما يريدهُ الرجل من المرأة. \"النهاية\".\n(٣) الصخب: الخصام والصياح كما تقدّم.\n(٤) أخرجه البخاري: ١٩٠٤، ومسلم: ١١٥١، وتقدّم.\n(٥) أخرجه ابن خزيمة في \"صحيحه\" (٣/ ٢٤١)، وقال شيخنا -﵀-: وإسناده صحيح وأخرجه ابن حبان من طريق المصنف، قال ابن خزيمة (٣/ ٢٤١): \"باب الأمر بالجلوس إِذا شتم الصائم وهو قائم؛ لتسكين الغضب على المشتوم؛ فلا ينتصر بالجواب\".","vol":"3","page":289},{"text":"اغتسال الجمعة؛ أو تبرُّدًا من حرٍّ ونحوه، وله أن يصبّ الماء على رأسه من عطشٍ أو حرّ.\nعن أبي بكر بن عبد الرحمن عن بعض أصحاب النّبيّ - ﷺ - قال: \"رأيت رسول الله - ﷺ - أمَر الناس في سفره عام الفتح بالفطر، وقال: تقَوَّوْا لعدوِّكم، وصام رسول الله - ﷺ -.\nقال أبو بكر: قال الذي حدَّثني: لقد رأيت رسول الله - ﷺ - بالعَرْج (١) يصبّ على رأسه الماء وهو صائم من العطش أو من الحرّ\" (٢).\nوعن عائشة وأمّ سلمة -﵄- \"أنّ رسول الله - ﷺ - كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله؛ ثمّ يغتسل ويصوم\" (٣).\nوبلّ ابن عمر -﵄- ثوبًا فألقاه عليه وهو صائم، ودخل الشعبي الحمّام وهو صائم\" (٤).\nوجاء في \"المغني\" (٣/ ٤٥): ولا بأس أن يغتسل الصائم، وذكر حديث عائشة وأم سلمة -﵄-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-923>٢ - أن يصبح جُنبًا </span>لحديث عائشة وأمّ سلمة -﵄-\n_________\n(١) اسم موضع.\n(٢) أخرجه أحمد وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٠٧٢)، وغيرهما.\n(٣) أخرجه البخاري: ١٩٢٥، ومسلم: ١١٠٩.\n(٤) أخرجه البخاري معلقًا مجزومًا به، ووصله في \"التاريخ\"، وابن أبي شيبة من طريق عبد الله بن أبي عثمان أنّه رأى ابن عمر يفعل ذلك، وانظر \"مختصر البخاري\" (١/ ٤٥١).","vol":"3","page":290},{"text":"المتقدّم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-924>٣ - المضمضة والاستنشاق من غير مبالغة</span>.\nعن لقيط بن صَبِرَةَ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"بالِغْ في الاستنشاق إلاَّ أنْ تكون صائمًا\" (١).\nوقال عطاء: إِنْ تمضمض ثمّ أفرغ ما في فيه من الماء، لا يَضيره إِن لم يَزْدَرِدْ (٢) ريقه، وماذا بقي في فيه (٣).\nوقال الحسن: \"لا بأس بالمضمضة والتبرّد للصائم\" (٤).\nوقال الحافظ -﵀- في \"الفتح\" (٤/ ١٦١): \"قال ابن المنذر: أجمعوا على أنّه لا شيء على الصائم فيما يبتلعه ممّا يجري مع الريق؛ ممّا بين أسنانه؛ ممّا لا يقدر على إِخراجه\".\nجاء في \"الشرح الكبير\" (٣/ ٤٤): \"المضمضة والاستنشاق لا يفطّر بغير خلاف؛ سواء كان في طهارة أو غيرها\".\n_________\n(١) تقدّم.\n(٢) أي: يبتلع.\n(٣) أخرجه البخاري -﵀- معلقًا بصيغة الجزم، قال شيخنا -﵀-: وصله سعيد بن منصور وعبد الرزاق، لكن عند عبد الرزاق (٧٤٨٧) زيادة: \"قلت: فإِن أزدرده وهو يقال له: إنّه ينهى عن ذلك؟ قال: قد أفطر إِذن. غير مرةّ يقول ذلك وسنده صحيح، وانظر \"مختصر البخاري\" (١/ ٤٥٣).\n(٤) أخرجه البخاري معلّقًا مجزومًا به، ووصَله عبد الرزاق بمعناه، وأخرج مالك وأبو داود نحوه مرفوعًا، وانظر \"مختصر البخاري\" (١/ ٤٥١).","vol":"3","page":291},{"text":"وفي \"المغني\" (٣/ ٤٤): \"وإنْ تمضمض أو استنشق في الطهارة؛ فسبق الماء إِلى حلْقه من غير قصد ولا إِسراف، فلا شيء عليه، وبه قال الأوزاعي وإسحاق والشافعي في أحد قوليه ورُوي ذلك عن ابن عباس.\nوقال مالك وأبو حنيفة: يفطر؛ لأنه أوصل الماء إِلى جوفه؛ ذاكرًا لصومه فأفطر كما لو تعمّد شربه ... \". ا. هـ\nوالصواب أنه لا يُفطّر؛ لعموم قوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسًا إِلا وسعها﴾ (١)، وقوله سبحانه: ﴿ما جَعل عليكم في الدين مِن حَرَج﴾ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-925>٤ - الاكتحال والقطرة ونحوها ممّا يدخل العين</span>؛ سواء أَوَجَد طعْمه في حلقه أم لم يَجده، لأنّ العين ليست بمنفذ إِلى الجوف (٣).\nعن عائشة -﵂- قالت: اكتحل رسول الله وهو صائم\" (٤).\nوعن أنس بن مالك: \"أنّه كان يكتحل وهو صائم\" (٥).\nعن الأعمش قال: \"ما رأيت أحدًا من أصحابنا يكره الكحل للصّائم،\n_________\n(١) البقرة: ٢٨٦.\n(٢) الحج: ٧٨.\n(٣) \"فقه السنة\" (١/ ٤٦٠).\n(٤) أخرجه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٣٦٠).\n(٥) أخرجه البخاري معلقًا مجزومًا به، وانظر \"الفتح\" (٤/ ١٥٣)، ووصَله أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٠٨٢)، وقال شيخنا -﵀-: حسن موقوف.","vol":"3","page":292},{"text":"وكان إِبراهيم (١) يرخّص أن يكتحل الصائم بالصَّبر\" (٢).\nوقال الحسن: \"لا بأس بالكحل للصائم\" (٣).\nجاء في كتاب \"الأمّ\" (٤/ ٣٦٥): \"قال الشافعي: ولا يُفْسِد الكُحل وإن تنخَّمه، فالنخامة تجيء من الرأس باستنزاله، والعين متصلة بالرأس، ولا يصل إِلى الرأس والجوف -عِلْمي- ولا أعلم أحدًا كره الكحل على أنّه يفطِّر\".\nوسألت شيخنا -﵀-: ما رأيكم فيمن يقول: إِن الاكتحال والقطرة لا يفطران؛ سواء وجَد طعمه في الحلق أم لم يجد؟ فقال: هو كذلك، وإذا وجَد طعمه لفَظه، ولا يجوز بلْعه.\nوقال أحد الإِخوة الحاضرين: وهل يُفطر إِذا بلَعَه؟ فقال -﵀-: نعم.\nوجاء في \"مجموع الفتاوى\" (٢٥/ ٢٤١): \" ... وإذا كانت الأحكام التي تعمّ بها البلوى لا بد أن يبيّنها الرسول - ﷺ - بيانًا عامًّا، ولا بدّ أَنْ تنقل الأمّة ذلك، فمعلوم أنّ الكحل ونحوه مما تعمّ به البلوى كما تعمّ بالدُّهن والاغتسال والبخور والطّيب، فلو كان هذا ممّا يفطِّر لبيّنه النّبيّ - ﷺ - كما بيّن الإِفطار بغيره، فلمّا لم يُبيّن ذلك؛ عُلِم أنّه من جنس الطيب\n_________\n(١) هو النخعي، وانظر \"بذل المجهود\" (١١/ ١٩٤).\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٠٨٣)، وانظر \"الفتح\" (٤/ ١٥٤).\n(٣) أخرجه عبد الرزاق بإِسناد صحيح عنه؛ كما قال الحافظ في \"الفتح\" (٤/ ١٥٤) وأورده البخاري معلقًا مجزومًا به.","vol":"3","page":293},{"text":"والبخور والدّهن.\nوالبخور قد يتصاعد إِلى الأنف ويدخل في الدِّماغ وينعقد أجسامًا، والدّهن يشربه البدن، ويدخل إِلى داخله ويتقوّى به الإِنسان، وكذلك يتقوى بالطيب قوّة جيدة، فلمّا لمْ يُنه الصّائم عن ذلك؛ دلّ على جواز تطييبه وتبخيره وادّهانه، وكذلك اكتحاله.\nوقد كان المسلمون في عهده - ﷺ - يُجْرح أحدهم؛ إِمّا في الجهاد وإمّا في غيره مأمومة (١) وجائفة (٢)، فلو كان هذا يفطر لبيّن لهم ذلك، فلما لم ينه الصائم عن ذلك عُلِمَ أنّه لم يجعله مفطِّرًا\".\nوجاء في \"مجموع الفتاوى\" (٢٥/ ٢٤٤) أيضًا: \"فإِنّ الكحل لا يُغَذِّي البتة، ولا يُدْخِل أحد كحلًا إِلى جوفه؛ لا من أنفه ولا فمه\".\n٥ - القبلة والمباشرة لمن قدر على ضبط نفسه.\nعن عائشة - ﵂ - قالت: \"كان النّبيّ - ﷺ - يقبِّل ويُباشر وهو\nصائم، وكان أملككم لأربه (٣) \" (٤).\nوجاء في \"الصحيحة\" (١/ ٤٣٣): -بتِصرف- تحت هذا الحديث:\n_________\n(١) المأمومة: أي: الشَّجَّة في الرّأس، تصل إِلى أم الدماغ، وأمّ الدّماغ: الجلِدة الرّقيقة التي تجمعه، يقال: بلغت الشّجّة أمّ الدّماغ. \"الوسيط\".\n(٢) الجائفة: الطعنة التي تبلغ الجوف. \"اللسان\".\n(٣) لأرَبه: بفتح الهمزة والرّاء أي: حاجته، ويروى بكسر الهمزة وسكون الرّاء [إِرْبه] أي: عضوه، والأوّل أشهر، وِإلى ترجيحه أشار البخاري بما أورده من التفسير. \"الفتح\".\n(٤) أخرجه البخاري: ١٩٢٧، ومسلم: ١١٠٦.","vol":"3","page":294},{"text":"\"ومرادها -﵂- أنَّ النّبيّ - ﷺ - كان غالبًا لهواه.\nو(الإِرب): هو بفتح الهمزة أو كسرها، قال ابن الأثير: \"وله تأويلان: أحدهما: أنّه الحاجة. والثاني: أنّه أراد به العضو، وعنت به من الأعضاء الذَّكَر خاصّة. وهو كناية عن المجامعة\".\nقال في \"المرقاة\": \"وأمّا ذِكر الذَّكَر؛ فغير ملائم للأنثى، لا سيّما في حضور الرِّجال\"، وراجع تمام البحث فيه.\nوفي الحديث فائدة أخرى على الحديث الذي قبله، وهي جواز المباشرة من الصائم، وهي شيء زائد على القبلة، وقد اختلفوا في المراد منها هنا، فقال القاري: \"قيل: هي مسُّ الزوج المرأة فيما دون الفرج، وقيل: هي القبلة واللَّمس باليد\".\nقلت: [أي: شيخنا -رحمه الله تعالى-] ولا شكَّ أنّ القبلة ليست مرادة بالمباشرة هنا؛ لأنّ الواو تفيد المغايرة، فلم يبق إلاَّ أن يكون المراد به إِمّا القول الأوّل أو اللّمس باليد، والأوّل هو الأرجح، لأمرين:\nالأوّل: حديث عائشة الآخر قالت: \"كانت إِحدانا إِذا كانت حائضًا، فأراد رسول الله - ﷺ - أن يباشرها؛ أمَرها أن تتزر في فور حيضتها، ثمّ يباشرها. قالت: وأيّكم يملك إِرْبَه؟! \".\nرواه البخاري (١/ ٣٢٠)، ومسلم (١/ ١٦٦ و١٦٧) وغيرهما.\nفإِنّ المباشرة هنا هي المباشرة في حديث الصيام؛ فإِنّ اللّفظ واحد، والدّلالة واحدة، والرِّواية واحدة أيضًا.","vol":"3","page":295},{"text":"بل إِنّ هناك ما يؤيِّد المعنى المذكور، وهو الأمر الآخر، وهو أن السَّيدة عائشة -﵂- قد فسّرت المباشرة بما يدلّ على هذا المعنى، وهو قولها في رواية عنها: \"كان يباشر وهو صائم، ثمّ يجعل بينه وبينها ثوبًا. -يعني: الفرج-\" (١).\nقلت: [أي: شيخنا -﵀-]: \"وفي هذا الحديث فائدة هامّة، وهو تفسير المباشرة بأنّه مسّ المرأة فيما دون الفرج،؛ فهو يؤيّد التفسير الذي سبق نقْله عن القاري، وإن كان حطططططكاه بصيغة التمريض: (قيل)؛ فهذا الحديث يدلّ على أنّه قول معتمد، وليس في أدلّة الشّريعة ما ينافيه، بل قد وجدنا في أقوال السّلف ما يزيده قوّة؛ فمنهم راوية الحديث عائشة نفسها -﵂- فَرَوَى الطحاوي (١/ ٣٤٧) بسند صحيح عن حكيم بن عقال أنّه قال:\n\"سألْتُ عائشة: ما يحرم عليَّ من امرأتي وأنا صائم؟ قالت: فرجها\".\nوحكيم هذا وثّقه ابن حبان، وقال العجلي: \"بصري، تابعي، ثقة\".\nوقد علّقه البخاري (٤/ ١٢٠) بصيغة الجزم: \"باب المباشرة للصائم، وقالت عائشة -﵂-: يحرم عليه فرجها\".\nوقال الحافظ: \"وصله الطحاوي من طريق أبي مرّة مولى عقيل عن حكيم ابن عقال ... وإسناده إِلى حكيم صحيح.\nويؤدّي معناه أيضًا ما رواه عبد الرزاق بإِسناد صحيح عن مسروق: سألت\n_________\n(١) أخرجه أحمد وابن خزيمة في \"صحيحه\"، وانظر \"الصحيحة\" (٢٢١).","vol":"3","page":296},{"text":"عائشة: ما يحلُّ للرّجل من امرأته صائمًا؟ قالت: كلّ شيء؛ إِلا الجماع\". قلت [أي: شيخنا -رحمه الله تعالى-]: وذكَره ابن حزم (٦/ ٢١١) محتجًّا به على من كره المباشرة للصائم.\nثمّ ذكَر ابن حزم عن سعيد بن جبير: \"أنّ رجلًا قال لابن عبّاس: إِنّي تزوجت ابنة عمّ لي جميلة، فبُني بي في رمضان، فهل لي -بأبي أنت وأمّي- إِلى قُبْلتها من سبيل؟\nفقال له ابن عبّاس: هل تملك نفسك؟ قال: نعم. قال: قبِّل.\nقال: فبأبي أنت وأمّي؛ هل إِلى مباشرتها من سبيل؟ قال: هل تملك نفسك؟ قال: نعم، قال: فباشِرها.\nقال: فهل لي أن أضرب بيدي على فرجها مِن سبيل؟ قال: وهل تملك نفسك؟ قال: نعم، قال: اضرب\".\nقال ابن حزم: \"وهذه أصحّ طريق عن ابن عبّاس\".\nقال: \"ومن طرق صحاح عن سعد بن أبي وقّاص أنّه سُئل: أتقبِّل وأنت صائم؟ قال: نعم، وأقبض على متاعها.\nوعن عمرو بن شرحبيل أنّ ابن مسعود كان يباشر امرأته نصف النّهار وهو صائم، وهذه أصحّ طريق عن ابن مسعود\".\nقلت [أي: شيخنا -رحمه الله تعالى-]: أثر ابن مسعود هذا أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ١٦٧/٢) بسند صحيح على شرطهما، وأثر سعد هو عنده بلفظ: \"قال: نعم؛ وآخذ بجهازها\"، وسنده صحيح على شرط مسلم.","vol":"3","page":297},{"text":"وأثر ابن عبّاس عنده أيضًا، ولكنّه مختصر بلفظ: \"فرخّص له في القبلة والمباشرة ووضع اليد؛ ما لم يعْدُه إِلى غيره\"، وسنده صحيح على شرط البخاري.\nوروى ابن أبي شيبة (٢/ ١٧٠/١) عن عمرو بن هَرِم قال: \"سُئل جابر بن زيد عن رجل نظر إِلى امرأته في رمضان؛ فأمنى من شهوتها؛ هل يفطر؟ قال: لا؛ ويتمّ صومه\".\nوإِسناده جيّد، وعلّقه البخاري على عمرو بصيغة الجزم، وسكت عنه الحافظ (٤/ ١٥١).\nوترجم ابن خزيمة للحديث بقوله: \"باب الرخصة في المباشرة التي هي دون الجماع للصائم، والدليل على أنّ اسم الواحد قد يقع على فِعلين أحدهما مباح والآخر محظور\"\".\nوعن عمر بن الخطاب قال: \"هَشِشْتُ فقبَّلتُ وأنا صائم، فقلت: يا رسول الله، صنعت اليوم أمرًا عظيمًا، قبَّلتُ وأنا صائم.\nقال: أرأيتَ لو مضمضتَ من الماء وأنت صائم؟ قلت: لا بأس به، قال: فمه؟ \" (١).\nوعن أبي هريرة -﵁- \"أنّ رجلا سأل النّبيّ - ﷺ -؛ عن المباشرة للصائم، فرخَّص له، وأتاه آخر فنهاه، فإِذا الذي رخَّص له شيخ، والذي نهاه شابٌ\" (٢). وعن عائشة -﵂- قالت: \"كان يقبّلني وهو صائم\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٠٨٩).\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٠٩٠).","vol":"3","page":298},{"text":"وأنا صائمة\" (١).\nوجاء في \"الصحيحة\" (١/ ٤٣٠): \"والحديث دليل على جواز تقبيل الصائم لزوجته في رمضان، وقد اختلف العلماء في ذلك على أكثر من أربعة أقوال؛ أرجحها الجواز، على أن يراعَى حال المقبِّل؛ بحيث إِنّه إِذا كان شابًّا يخشى على نفسه أن يقع في الجماع الذي يفسد عليه صومه؛ امتنع من ذلك.\nوإلى هذا أشارت السيدة عائشة -﵂- في الرواية الآتية عنها: \" ... وأيُّكم يملك إِربه؟ \".\nبل قد روي ذلك عنها صريحًا؛ فقد أخرج الطحاوي (١/ ٣٤٦) من طريق حريث بن عمرو عن الشّعبي عن مسروق عنها قالت: \"ربما قبّلني رسول الله - ﷺ - وباشرني وهو صائم، أمّا أنتم؛ فلا بأس به للشيخ الكبير الضعيف\".\nوحريث هذا أورده ابن أبي حاتم (٢/ ٢/٢٦٣) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، بل جاء هذا مرفوعًا من طرق عن النّبيّ - ﷺ -؛ يقوّي بعضها بعضًا، أحدها عن عائشة نفسها.\nويؤيده قوله - ﷺ -: \"دع ما يبريبك إِلى ما لا يريبك\" (٢).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود وغيره وإسناده صحيح على شرط الشيخين، وانظر \"الصحيحة\" (٢١٩).\n(٢) أخرجه أحمد والترمذي والنسائي وغيرهم، وصححه شيخنا -﵀- في \"غاية المرام\" (١٧٩) و\"الإِرواء\" (١٢ و٢٠٧٤).","vol":"3","page":299},{"text":"ولكن ينبغي أن يُعلم أنّ ذِكر الشيخ ليس على سبيل التحديد، بل المراد التمثيل بما هو الغالب على الشيوخ من ضعف الشهوة، وإلا فالضّابط في ذلك قوّة الشهوة وضعْفها، أو ضعْف الإِرادة وقوّتها.\nوعلى هذا التفصيل تُحمل الروايات المختلفة عن عائشة -﵂- فإِنّ بعضها صريح عنها في الجواز مطلقًا؛ كحديثها هذا؛ لا سيّما وقد خرج جوابًا على سؤال عمرو بن ميمون لها في بعض هذه الروايات، وقالت: و﴿لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ (١).\nوبعضها يدلّ على الجواز حتّى للشّابّ؛ لقولها: \"وأنا صائمة\"؛ فقد توفِّي عنها رسول الله - ﷺ - وعمرها (١٨) سنة.\nومِثله ما حدَّثت به عائشة بنت طلحة؛ أنّها كانت عند عائشة زوج النّبيّ - ﷺ -، فدخَل عليها زوجها عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، وهو صائم، فقالت له عائشة: ما منعك أن تدنو من أهلك فتقبِّلها وتلاعبها؟ فقال: أقبّلها وأنا صائم؟! قالت: نعم.\nأخرجه مالك (١/ ٢٧٤)، وعنه الطحاوي (١/ ٣٢٧)، بسند صحيح.\nقال ابن حزم (٦/ ٢١١): \"عائشة بنت طلحة كانت أجمل نساء أهل زمانها، وكانت أيّام عائشة هي وزوجها فتيين في عنفوان الحداثة\".\nوهذا ومثله محمول على أنّها كانت تأمن عليهما، ولهذا قال الحافظ في \"الفتح\" (٤/ ١٢٣) -بعد أن ذكَر هذا الحديث من طريق النّسائي-: \" ... فقال: وأنا صائم؟! فقبّلني\":\n_________\n(١) الأحزاب: ٢١.","vol":"3","page":300},{"text":"\"وهذا يؤيده ما قدّمناه أنّ النّظر في ذلك لمن لا يتأثّر بالمباشرة والتقبيل، لا للتفرقة بين الشاب والشيخ؛ لأنّ عائشة كانت شابّة.\nنعم لمّا كان الشابُّ مظنّة لهيجان الشهوة؛ فرّق من فرّق\"\" انتهى.\nقال ابن قدامة -﵀- في \"المغني\" (٣/ ٣٩): فيمن قبّل أو لمس: \" ... أن يُمني فيفطر بغير خلافٍ نعلمه ... \".\nقال الحافظ -﵀- في \"الفتح\" (٤/ ١٥١): \"كذا قال، وفيه نظر، فقد حكى ابن حزم أنّه لا يفطر ولو أنزل، وقوّى ذلك، وذهب إِليه ... \".\nوسيأتي -إِن شاء الله تعالى-: (هل الاستمناء بتقبيل الرجل زوجه أو باليد يفسد الصوم)؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-926>٦ - الحُقنة لغير التغذية</span>\nيباح للصائم استعمال الحقنة لغير التغذية.\nقال شيخ الإِسلام -﵀- في \"مجموع الفتاوى\" (٢٥/ ٢٣٣): \"وأمّا الكحل والحقنة وما يقطر في إِحليله (١)، ومداواة المأمومة والجائفة؛ فهذا ممّا تنازع فيه أهل العلم، فمنهم من لم يفطّر بشيء من ذلك، ومنهم من فطَّر بالجميع لا بالكحل، ومنهم من فطَّر بالجميع لا بالتقطير، ومنهم من لم يفطِّر بالكحل ولا بالتقطير ويفطِّر بما سوى ذلك.\nوالأظهر أنّه لا يفطر بشيء من ذلك، فإِنّ الصّيام من دين المسلمين الذي يحتاج إِلى معرفته الخاصّ والعامّ، فلو كانت هذه الأمور مما حرّمها الله\n_________\n(١) هو مخرج البول. \"الوسيط\".","vol":"3","page":301},{"text":"ورسوله في الصيام، ويفسد الصوم بها، لكان هذا ممّا يجب على الرسول بيانه، ولو ذَكَر ذلك لعلِمه الصحابة وبلّغوه الأمّة؛ كما بلغوا سائر شرْعه، فلمّا لم يَنقُل أحد من أهل العلم عن النّبيّ - ﷺ - في ذلك لا حديثًا صحيحًا ولا ضعيفًا ولا مسندًا ولا مرسلًا؛ عُلِم أنّه لم يذكر شيئًا من ذلك.\nوالحديث المرويّ في الكحل ضعيف. رواه أبو داود في \"السنن\" ولم يروه غيره، ولا هو في مسند أحمد، ولا سائر الكتب المعتمدة\".\nثمّ أشار -﵀- إِلى ما رُوي عنه: \"أنّه أمر بالإِثمد المروَّح (١) عند النّوم وقال: ليتقه الصائم وبيَّن أقوال بعض العلماء في عدم ثبوته.\nوقال -﵀- (ص ٢٤٥): \" ... فالصائم نُهِي عن الأكل والشرب؛ لأنّ ذلك سبب التقوّي، فترك الأكل والشرب الذي يُولِّد الدم الكثير الذي يجري فيه الشيطان؛ إِنّما يتولد من الغذاء لا عن حقنة ولا كحل، ولا ما يقطر في الذكَر ولا ما يداوى به المأمومة (٢) والجائفة (٣) ... \".\nوسألت شيخنا -﵀- عن الحقنة؛ فبيّن أنّه يرى جوازها لغير التغذية، وأنها تفطّر إِذا كانت للتغذية من أيّ طريق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-927>٧ - الحجامة</span>\nعن ثابت البُنَاني قال: \"سُئل أنس بن مالك -﵁- أكنتم\n_________\n(١) أي: المطيّب بالمسك؛ كأنّه جُعل له رائحة تفوح بعد أن لم تكن له رائحة. \"النهاية\".\n(٢) المأمومة: أي: الشجّة في الرأس تصِل إِلى أمّ الدماغ، وتقدّم.\n(٣) الجائفة: الطعنة التي تبلغ الجوف، وتقدّم.","vol":"3","page":302},{"text":"تكرهون الحجامة للصائم؟ قال: لا، إِلا من أجل الضعف\" (١).\nعن ابن عبّاس -﵄- \"أن النّبيّ - ﷺ - احتجم وهو صائم\" (٢).\nوعن ابن عبّاس وعكرمة -﵃- قالا: \"الصوم ممّا دخَل وليس ممّا خرَج\" (٣).\nولا يعكّر على هذا قوله - ﷺ -: \"أفطر الحاجم والمحجوم\" (٤).\nقال شيخنا -﵀- في \"مختصر البخاري\" (١/ ٤٥٥) -بحذف-:\n\" ... لكنّ الحديث منسوخ، وناسخه حديث أبي سعيد الخدري -﵁- قال: \"أَرْخَص النّبيّ - ﷺ - في الحجامة للصائم\" وهو صحيح كما بينته هناك (٥).\nوجاء في \"الإِرواء\" (٤/ ٧٤): \"وفي \"الفتح\" (٤/ ١٥٥): وقال ابن حزم: صحّ حديث: \"أفطر الحاجم والمحجوم\" بلا ريب، لكن وجدنا من حديث أبي سعيد: \"أرخص النّبيّ - ﷺ - في الحجامة للصائم\". وإسناده صحيح، فوجب الأخذ به، لأنّ الرخصة إِنّما تكون بعد العزيمة، فدل على\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٩٤٠.\n(٢) أخرجه البخاري: ١٩٣٩.\n(٣) قال الحافظ -﵀- في \"الفتح\": \"وصَله ابن أبي شيبة وقال شيخنا - ﵀-: \" .. بإِسنادين صحيحين عنهما\" \"مختصر البخاري\" (١/ ٤٥٥).\n(٤) وهو حديث صحيح خرّجه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٩٣١).\n(٥) أي: \"الإِرواء\" (٤/ ٧٤).","vol":"3","page":303},{"text":"نسخ الفطر بالحجامة سواء كان حاجمًا أو محجومًا. انتهى.\nوالحديث المذكور أخرجه النسائي (يعني: في \"الكبرى\")، وابن خزيمة والدارقطني، ورجاله ثقات، لكن اختُلف في رفعه ووقفه\".\nقلت [أي: شيخنا -﵀-]: قد توبع معتمر عليه.\nثمّ ذكَر الطُّرُق التى تقوّيه وقال (ص ٧٥): \"فالحديث بهذه الطرق صحيح لا شكّ فيه، وهو نصٌّ في النسخ، فوجب الأخذ به كما سبق عن ابن حزم - ﵀-.\nثمّ قال شيخنا -﵀- في التحقيق الثاني \"للإِرواء\" في الصفحة نفسها: \"وروى علي بن حجر في \"حديثه\" (ق ١٧/ ٢): حدثنا حميد الطويل عن أبي المتوكّل الناجي أنّه سأل أبا سعيد الخدري عن الصائم يحتجم فقال: نعم لا بأس به، وسنده صحيح\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-928>٨ - ما لا يمكن التحرّر منه كابتلاع الريق</span>؛ فإِنّه لا يفطّر، لأنّ اتّقاء ذلك يشقّ، فأشبه غُبار الطريق وغربلة الدقيق ... (٢).\nقال عطاء: \"إِن ازْدَرَدَ (٣) ريقه، لا أقول يفطر\" (٤).\n_________\n(١) وانظر\"صحيح ابن خزيمة\" (٣/ ٢٣٥) برقم (١٩٧٩ و١٩٨٠ و١٩٨٢).\n(٢) قاله ابن قدامة في \"المغني\" (٣/ ٣٩).\n(٣) أي: ابتلع.\n(٤) أخرجه البخاري مجزومًا به ووصَله عبد الرزاق بسند صحيح، وانظر \"مختصر البخاري\" (١/ ٤٥١).","vol":"3","page":304},{"text":"ويُباح شمّ الريحان والطيب والادّهان به، ونحو ذلك والأصل في كلّ هذا استصحاب البراءة الأصلية، ولم يَرد نصٌّ في تحريم ذلك من كتاب أو سُنَّة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-929>٩ - السواك والطيب والادّهان:</span>\nيباح السّواك للصائم؛ لعموم قوله - ﷺ -: \"لولا أنْ أشقّ على أُمتي؛ لأمرْتهم بالسِّواك عند كلّ صلاة\" (١).\nولقوله - ﷺ -: \" .. لأمرتهم بالسِّواك مع كلّ وضوء ... \" (٢).\nقال البخاري -﵀- \"ولم يخصّ الصائم من غيره\" (٣).\nثمّ لاستصحاب البراءة الأصلية، وعدم ورود النهي عن ذلك.\nوقال ابن عمر -﵄- \"يستاك أوّل النّهار وآخره\" (٤).\nوقال ابن سيرين: \"لا بأس بالسِّواك الرَّطب، قيل: له طعم، قال: والماء له طعم تُمضْمضُ به\" (٥).\nجاء في \"الإِرواء\" (١/ ١٠٧): \"قال الترمذي: ... إنّ الشافعي لم ير في\n_________\n(١) تقدّم.\n(٢) تقدّم، وانظر \"الإِرواء\" (٧٠).\n(٣) انظر \"مختصر البخاري\" (١/ ٤٥٢).\n(٤) رواه البخاري معلقًا مجزومًا به، ووصَله ابن أبي شيبة (٣/ ٤٧)، بمعناه، وانظر \"مختصر البخاري\" (١/ ٤٥١).\n(٥) رواه البخاري معلقًا مجزومًا به، ووصَله ابن أبي شيبة وانظر \"مختصر البخاري\" (٣٦٨).","vol":"3","page":305},{"text":"السواك بأسًا للصائم أوّل النّهار وآخره، وكرهه أحمد وإِسحاق آخر النّهار.\nقلت [أي: شيخنا -﵀-]: وفي رواية عن أحمد مثل قول الشافعي، واختارها ابن تيمية في \"الاختيارات\" وقال (ص ١٠): إِنّه الأصحّ.\nقال الحافظ في \"التلخيص\" (ص ٢٢): \"وهذا اختيار أبي شامة وابن عبد السلام والنووي وقال: إِنّه قول أكثر العلماء وتبعهم المزني\".\nقلت [أي: شيخنا -﵀-]: وهو الحقّ لعموم الأدلّة كالحديث الآتي (١) في الحضّ على السواك عند كلّ صلاة، وعند كل وضوء؛ وبه قال البخاري في \"صحيحه\" (٤/ ١٢٧) \". انتهى.\nقال شيخ الإِسلام -﵀- في \"مجموع الفتاوى\" (٢٥/ ٢٦٦): \" ... وأمّا السّواك فجائز بلا نزاع، لكن اختلفوا في كراهيّته بعد الزوال على قولين مشهورين، هما روايتان عن أحمد.\nولم يقم على كراهيّته دليل شرعي يصلح أنْ يخصّ عمومات نصوص السِّواك\".\nولا بأس كذلك بالطيب والادّهان، لِمَا تقدّم.\nوقال ابن مسعود -﵁-: \"إِذا كان صوم أحدكم؛ فليصبح دهينًا مترجّلًا\" (٢).\n_________\n(١) يشير بذلك إِلى حديث أبي هريرة المتقدّم: \"لولا أن أشقَّ على أمتي لأمَرْتُهم بالسواك ... \".\n(٢) رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم، وانظر \"مختصر البخاري\" (١/ ٤٥١).","vol":"3","page":306},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-930>هل يباح ذوق الطّعام</span>؟\nوفي \"المغني\" (٣/ ٤٦): \"قال أحمد: أحبّ إِليّ أنْ يجتنب ذوق الطعام، فإِنْ فعل لم يضرّه ولا بأس به.\nقال ابن عبّاس -﵄-: \"لا بأس أنْ يذوق الطعام: الخلّ والشّيء يريد شراءه\" (١).\nوقال شيخ الإِسلام -﵀- في \"مجموع الفتاوى\" (٢٥/ ٢٦٦): \"وذوق الطعام يكره لغير حاجة؛ لكن لا يفطّره، وأمّا للحاجة فهو كالمضمضة (٢) \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-931>المفطّرات</span>\n١ - الأكل والشُّرب عمدًا عن طريق الفم أو الإِبر المغذّية ونحوه، فإِن أكل أو شرب ناسيًا فلا يفطر، ولا قضاء عليه ولا كفّارة.\nعن أبي هريرة -﵁- قال: قال النّبيّ - ﷺ -: \"من أكل ناسيًا وهو صائم؛ فليُتمّ صومه فإِنّما أطعمه الله وسقاه\" (٣).\n_________\n(١) رواه البخاري -﵀- معلقًا مجزومًا عن ابن عبّاس -﵄-: \"أنّه قال: لا بأس أن يتطعَّم القِدْر أو الشيء، ووصله ابن أبي شيبة في \"المصنف\" والبغوي في \"الجعديات\"، وانظر \"مختصر البخاري\" (١/ ٤٥١) وحسّنه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٩٣٧).\n(٢) أي: لا يُفطّر.\n(٣) أخرجه البخاري: ٦٦٦٩، ومسلم: ١١٥٥.","vol":"3","page":307},{"text":"وجاء في \"الإِرواء\" (٤/ ٨٦): \"ولفظ أبي داود: \"جاء رجل إِلى النّبيّ - ﷺ - فقال: يا رسول الله إِنّي أكلت وشربت ناسيًا، وأنا صائم؟ فقال: أطعمك الله وسقاك\".\nوهو (١) رواية للبيهقي وابن حبان (٣٥١٣)، وقال الترمذي: \"حديث حسن صحيح\". وقال الدارقطني وزاد: \"ولا قضاء عليه\": إِسناده صحيح وكلهم ثقات\".\nوفيه (ص ٨٧): عن أبي سلمة عنه بلفظ: \"من أفطر في شهر رمضان ناسيًا، فلا قضاء عليه، ولا كفّارة\" (٢).\nوفي الحديث: \"رُفع عن أمّتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه\" (٣).\n٢ - القيء عمدًا، فإِنْ غَلَبَه وسَبَقه؛ فلا قضاء عليه ولا كفّارة.\nفعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من ذَرَعه (٤)\n_________\n(١) قاله -﵀- في التحقيق الثاني.\n(٢) قال شيخنا -رحمه الله تعالى- في الكتاب المذكور: أخرجه ابن حبان (٩٠٦) والحاكم (١/ ٤٣٠) وصححه على شرط مسلم! ووافقه الذهبي، وأخرجه الدارقطني والبيهقي وقالا: \"كلهم ثقات\". قلت [أي: شيخنا -﵀-]: وإسناده حسن.\nوانظر ما قاله شيخنا -﵀- في التعليق على صحيح ابن خزيمة (٣/ ٢٣٩) و\"التعليقات الرضية\" (٢/ ١٦).\n(٣) أخرجه ابن ماجه وغيره، وصححه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٨٢ و٢٥٦٥)، وتقدّم.\n(٤) ذرعَه: أي: سبقه وغلبه في الخروج. \"النهاية\".","vol":"3","page":308},{"text":"القيء وهو صائم، فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمدًا فليقض\" (١).\nقال ابن المنذر -﵀-: وأجمعوا على إِبطال صوم من استقاء عامدًا. \"الإِجماع\" (ص ٤٧).\nقال الترمذي: \"والعمل عند أهل العلم على حديث أبي هريرة، عن النّبيّ - ﷺ -: أنّ الصائم إِذا ذرعه القيء، فل قضاء عليه، وإذا استقاء عمدًا فليقض.\nوبه يقول الشافعي، وسفيان الثوري، وأحمد، وإسحاق\".\n٣ - الحيض والنّفاس إِذا وقع قبل غروب الشمس ولو بلحظات.\n٤ - الجماع، وتجب الكفّارة (٢) الآتي بيانها -إِن شاء الله- في هذا الحديث:\nعن أبي هريرة -﵁- قال: \"بينما نحن جلوس عند النّبيّ - ﷺ -، إِذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله هَلَكتُ، قال: مالك؟ قال: وقعت\n_________\n(١) أخرجه أحمد وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٠٨٤) وابن ماجه والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٥٧٧) وغيرهم، وانظر \"الإِرواء\" (٩٢٣).\n(٢) وهذا خاصّ في صوم رمضان دون غيره؛ لعدم ورود النصّ في غير رمضان.\nقال في \"المغني\" (٣/ ٦١): \"ولا تجب الكفّارة بالفطر في غير رمضان في قول أهل العلم وجمهور الفقهاء.\nوقال قتادة: تجب على من وطئ في قضاء رمضان، لأنّه عبادة تجب الكفّارة في أدائها، فوجبت في قضائها كالحجّ. ولنا أنّه جامع في غير رمضان فلم تلزمه كفّارة كما لو جامع في صيام الكفّارة ويفارق القضاء الأداء؛ لأنّه متعيّن بزمان محترم، فالجماع فيه هتك له بخلاف القضاء\".","vol":"3","page":309},{"text":"على امرأتي وأنا صائم.\nفقال رسول الله - ﷺ -: هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا، قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، قال: فهل تجد إِطعام ستين مسكينًا؟ قال: لا.\nقال: فمكث النّبيّ - ﷺ -، فبينا نحن على ذلك أتى النّبيّ - ﷺ - بعَرَق (١) فيها تمر -والعرق: المِكتَل (٢) - قال: أين السائل؟ فقال: أنا، قال: خُذ هذا فتصدق به.\nفقال الرجل: على أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابَتَيها (٣) -يريد الحرَّتيْن- أهل بيتٍ أفقرُ من أهل بيتي، فضحك النّبيّ - ﷺ - حتى بدت أنيابه ثم قال: أطعِمه أهلك\" (٤).\nأمّا إِذا جامَع ناسيًا، فلا يفطر، ولا كفّارة عليه ولا قضاء، مع أنّ تحقّق هذا قد يصعب، لأن أحد الزوجين قد يتذكر، فيذكّر الآخر، كما ذكر ذلك شيخنا -﵀-.\n_________\n(١) يقال للعَرَق: الزّبيل، والزِّنبيل ويقال له القُفّة وعند الفقهاء ما يسع خمسة عشر صاعًا وهي ستون مدًّا؛ لستّين مسكينًا، لكل مسكين مدّ. وانظر \"شرح النووي\".\n(٢) جاء في \"النهاية\": المِكتل بكسر الميم: الزَّبيل الكبير [قال ابن دريد: سمّي زبيلًا لأنّه يُحمل فيه الزّبل والعَرَق] قيل: إنّه يسع خمسةَ عشر صاعًا؛ كأنّ فيه كُتلًا من التمر: أي: قطعًا مجتمعة\".\n(٣) هما الحرّتان، والمدينة بين حرّتين، والحَرّة: الأرض الملبّسة حجارةً سودًا. \"شرح النووي\".\n(٤) أخرجه البخاري: ١٩٣٦، ومسلم: ١١١١.","vol":"3","page":310},{"text":"ولكن لا يبعد أن يقع النّسيان من الطرفين، فربّما كانا في عمرة في رمضان، وبعد التحلّل، وقع الجماع لأن الذهن منصرف بالتحلُّل من العمرة ونسيا شهر رمضان.\nوقال الحسن ومجاهد: \"إِنْ جامَع ناسيًا فلا شيء عليه\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-932>على من تقع الكفّارة</span>؟\nاختلف العلماء في ذلك، والراجح وجوبها على الرجل دون المرأة، ففي حديث أبي هريرة -﵁- المتقدّم؛ كان الخطاب للرجل دون المرأة، \" ... هل تجدُ رقبةً تعتقها؛ ... هل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين، ... خذ هذا فتصدّق به\".\nجاء في \"المغني\" (٣/ ٥٨): \"وهل يلزمها الكفّارة؟ [أي: مع عدم العُذر] على روايتين:\nإِحداهما: يلزمها، وهو اختيار أبي بكر، وقول مالك وأبي حنيفة وأبي ثور وابن المنذر، ولأنّها هتكت صوم رمضان بالجماع، فوجبت عليها الكفّارة كالرّجل.\nوالثانية: لا كفّارة عليها، قال أبو داود سئل أحمد: من أتى أهله في رمضان أعليها كفّارة؟ قال: ما سمعنا أنّ على امرأة كفّارة.\nوهذا قول الحسن، وللشافعي قولان كالروايتين، ووجه ذلك أنّ النّبيّ - ﷺ - أمر الواطئ في رمضان أنْ يعتق رقبة، ولم يأمر في المرأة بشيء -مع علمه\n_________\n(١) رواه البخاري معلقًا مجزومًا به، ووصله عبد الرزاق بإِسنادين عنهما، وهو عن مجاهد صحيح، وانظر \"مختصر البخاري\" (١/ ٤٥٢).","vol":"3","page":311},{"text":"بوجود ذلك منها- ولأنّه حقّ يتعلّق بالوطء من بين جنسه، فكان على الرجل كالمهر\".\nوقال في \"نيل الأوطار\" (٤/ ٢٩٥): عقب حديث أبي هريرة -﵁- السابق: \"قوله: \"تصدق بهذا\" استدلّ به ... من قال: إِنّ الكفّارة تجب على الرجل فقط، وبه قال الأوزاعي وهو الأصحّ من قولي الشافعي.\nوقال الجمهور: تجب على المرأة على اختلافٍ بينهم في الحُرَّة والأَمَة والمطاوعة والمُكرهَة، وهل هي عليها أو على الرجل\".\nوسألت شيخنا -﵀-: هل الكفّارة تقع على الرّجُل في جميع الحالات، أم المتسبّب في الجماع؟\nفقال -﵀-: الرجل يكفّر في جميع الحالات\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-933>ترتيب الكفّارة كما ورَدَت في الحديث</span>\nوتجب الكفّارة كما هي مُرتّبة في الحديث، فيجب العتق أولًا، فإِنْ لم يستطع صام شهرين متتابعين، فإِنْ لم يستطع أطعم ستين مسكينًا.\nقال ابن خزيمة -رحمه الله تعالى- في \"صحيحه\" (٣/ ٢١٦): \"باب إِيجاب الكفّارة على المجامع في الصوم في رمضان بالعتق إِذا وجده، أو الصيام إِذا لم يجد العتق، أو الإِطعام إِذا لم يستطع الصوم\" ثم ذكر حديث أبي هريرة -﵁-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-934>إِذا تكرّر الجماع، هل تتكّرر الكفّارة</span>؟\nوإذا تكرّر الجماع في يوم آخر؛ تكرّرت الكفّارة؛ لأنّ كل يومٍ عبادة","vol":"3","page":312},{"text":"مستقلة، كما ذكَر بعض أهل العلم.\nوهذا هو الراجح من أقوال العلماء.\nوهل يقال لمن يجامع نساءه طوال شهر رمضان نهارًا: عليك كفّارة واحدة؟!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-935>لا تجب الكفّارة على من لم يستطعها</span>\nقال ابن خزيمة -﵀- في \"صحيحه\" (٣/ ٢٢٠): \"باب الدليل على أنّ المجامع في رمضان إِذا ملَك ما يُطعم ستين مسكينًا؛ ولم يملك معه قوت نفسه وعياله، لم تجب عليه الكفّارة\".\nثم ذكر خبر أبي هريرة -﵁- \"ما بين لابتيها أحوج منّا\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-936>هل يجوز صيام الشهرين متفرّقًا في كفّارة الجماع</span>؟\nلا يجوز ذلك لقوله - ﷺ - في الحديث المتقدّم: \"فهل تستطيع أنْ تصوم الشهرين متتابعين\".\nقال ابن خزيمة -﵀- في \"صحيحه\" (٣/ ٢٢٢): \"باب الدليل على أنّ صيام الشّهرين في كفّارة الجماع لا يجوز متفرّقًا؛ إِنِّما يجب صيام شهرين متتابعين\".\nوذكر الشاهد السابق بلفظ مقارب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-937>أَمْر المجامع بقضاء صوم يوم مكان اليوم الذي جامع فيه، إِذا لم يجد الكفّارة</span>.\nعن أبي هريرة -﵁- أنّ رجلًا جاء النّبيّ - ﷺ -، وقد وقع بأهله","vol":"3","page":313},{"text":"في رمضان، فذكر الحديث، وقال في آخره: \"فصم يومًا، واستغفر الله\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-938>هل الاستمناء بمباشرة الرجل زوجه أو باليد يفسد الصوم</span>؟\nقال السيد سابق -﵀- في \"فقه السنّهَ\" (١/ ٤٦٦) في (ما يبطل الصيام): \"الاستمناء سواء أكان سببه تقبيل الرجل لزوجته أو ضمّها إِليه، أو كان باليد، فهذا يبطل الصوم ويوجب القضاء\".\nقال شيخنا -﵀- في \"تمام المِنّة\" (ص ٤١٨): \"لا دليل على الإِبطال بذلك، وإلحاقه بالجماع غير ظاهر، ولذلك قال الصنعاني: \"الأظهر أنه لا قضاء ولا كفّارة إلاَّ على من جامع، وإلحاق غير المجامع به بعيد\".\nوإليه مال الشوكاني، وهو مذهب ابن حزم، فانظر \"المُحلّى\" (٦/ ١٧٥ - ١٧٧ و٢٠٥).\nوممّا يرشدك إِلى أنّ قياس الاستمناء على الجماع قياس مع الفارق؛ أنّ بعض الذين قالوا به في الإِفطار لم يقولوا به في الكفّارة، قالوا: \"لأنّ الجماع أغلظ، والأصل عدم الكفّارة\". انظر \"المهذب\" مع \"شرحه\" للنووي (٦/ ٣٦٨).\nفكذلك نقول نحن: الأصل عدم الإِفطار، والجماع أغلظ من الاستمناء، فلا يقاس عليه فتأمّل.\nوقال الرافعي (٦/ ٣٩٦): \"المني إِنْ خرَج بالاستمناء أفطر؛ لأنّ الإِيلاج من غير إِنزال مبطل، فالإِنزال بنوع شهوة أولى أن يكون مفطّرًا\".\n_________\n(١) أخرجه ابن خزيمة في \"صحيحه\" (١٩٥٤) وأخرجه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٣٥٧): بلفظ: \"وصم يومًا مكانه\". وانظر \"الإِرواء\" (٤/ ٩١)، وتقدّم.","vol":"3","page":314},{"text":"قلت [أي: شيخنا -﵀-]: \"لو كان هذا صحيحًا؛ لكان إِيجاب الكفّارة في الاستمناء أولى من إِيجابها على الإِيلاج بدون إِنزال، وهم لا يقولون أيضًا بذلك، فتأمّل تناقض القياسين!\nأضِف إِلى ذلك مخالفتهم لبعض الآثار الثابتة عن السلف في أنّ المباشرة بغير جماع لا تفطّر ولو أنزل، وقد ذكرْتُ بعضها في \"سلسلة الأحاديث الصحيحة\" تحت الأحاديث (٢١٩ - ٢٢١) (١)، ومنها قول عائشة -﵂- لمن سألها: ما يحلّ للرجل من امرأته صائمًا؟ قالت: \"كلّ شيء إِلا الجماع\".\nأخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٤/ ١٩٠/٨٤٣٩) بسند صحيح، كما قال الحافظ في \"الفتح\"، واحتج به ابن حزم. وراجع سائرها هناك.\nوترجم ابن خزيمة -﵀- لبعض الأحاديث المشار إِليها بقوله في \"صحيحه\" (٣/ ٢٤٢): \"باب الرخصة في المباشرة التي هي دون الجماع للصائم، والدليل على أنّ اسم الواحد قد يقع على فعلين: أحدهما مباح، والآخر محظور، إِذ اسم المباشرة قد أوقعه الله في نصّ كتابه على الجماع، ودلّ الكتاب على أنّ الجماع في الصوم محظور، قال المصطفى - ﷺ -: أنّ الجماع يفطّر الصائم، والنّبيّ المصطفى - ﷺ - قد دلّ بفعله على أنّ المباشرة التي هي دون الجماع مباحة في الصوم، غير مكروهة\".\nوإنّ ممّا ينبغي التنبيه عليه هنا أمرين:\n_________\n(١) وذكرْت ما قاله -﵀- فيها تحت (القبلة والمباشرة ... من كتابنا هذا).","vol":"3","page":315},{"text":"الأول: أنّ كون الإِنزال بغير جماع لا يفطّر؛ شيء، ومباشرة الصائم، شيء آخر، ذلك أنّنا لا ننصح الصائم وبخاصّة إِذا كان قوي الشهوة؛ أنْ يباشر وهو صائم، خشية أن يقع في المحظور؛ الجماع، وهذا سدًا للذريعة المستفادة من عديد من أدلّة الشريعة، منها قوله - ﷺ -: \"ومَن حام حول الحمى أوشك أن يقع فيه\".\nوكأنّ السيدة عائشة -﵂- أشارت إِلى ذلك بقولها حين روت مباشرة النّبيّ - ﷺ - وهو صائم: \"وأيّكم يملك إِربه؟ \".\nوالأمر الآخر: أنّ المؤلف لمّا ذكر الاستمناء باليد، فلا يجوز لأحد أن ينسب إِليه أنّه مباح عنده، لأنّه إِنّما ذكَره لبيان أنَّه مبطل للصوم عنده.\nوأما حكم الاستمناء نفسه، فلبيانه مجال آخر، وهو قد فصّل القول فيه، في \"كتاب النكاح\"، وحكى أقوال العلماء، واختلافهم فيه ...\nوأمّا نحن؛ فنرى أنّ الحق مع الّذين حرَّموه، مستدلين بقوله تعالى: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون إِلاّ على أزواجهم أو ما ملكت أَيْمانهم فإِنّهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون﴾ (١).\nولا نقول بجوازه لمن خاف الوقوع في الزنا، إِلا إِذا استعمل الطبَّ النبوي، وهو قوله - ﷺ - للشباب في الحديث المعروف الآمر لهم بالزواج:\n\"فمن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإِنّه له وجاء\".\nولذلك فإِننا نُنكر أشد الإِنكار على الذين يُفتون الشباب بجوازه؛ خشية الزنا، دون أن يأمرهم بهذا الطبّ النّبويّ الكريم\". انتهى.\n_________\n(١) المؤمنون: ٥ - ٧.","vol":"3","page":316},{"text":"وقال أخي الشيخ مشهور حسن -حفظه الله تعالى- في مقدّمة تحقيقه على \"بلوغ المنى في حُكم الاستمنى\" للشوكاني -﵀- ملخّصًا ما ذهب إِليه في مسألة الاستمناء-: \"إِنْ فعَله ليكسر حدَّة شهوته، وشدّة شبقه فحسب فحرام، فإِنْ كان هذا الفعل لدفع مضرّة الزنى أو اللواط، التي باتت أو كادت [أن تكون] متحققة في حقّه، فهو مباح بعد أن يجرّب الصيام، ويجاهد نفسه، ويتقي الله ما استطاع\". انتهى.\nقلت: فلا تنظرنّ إِلى كلمة (فهو مباح) حتى تنظر فيما أشار إِليه من الصيام ومجاهدة النفس، والتقوى المستطاعة؛ وهذا يتضمّن التحصُّن بالصلاة الخاشعة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، وقراءة القرآن، والأذكار، والدعاء والابتهال إِلى الله -سبحانه- أن يصرف عنك مقته وغضبه.\nفإِذا اجتمع هذا مع اجتناب الأطعمة والأشربة المثيرة للشهوة، مع غضّ البصر والابتعاد عن الاختلاط وأسباب الفتنة، فإِن النجاة بإِذن الله -تعالى- متحقّقة.\nلكن؛ لا بُدّ لنا أن نُذكّر بقول رسول الله - ﷺ -: \"إِن تصدق الله يصدقْك\" (١)، وبالله التوفيق.\nوجاء في \"مجموع الفتاوى\" (٢٥/ ٢١٤): \" ... وأمّا من استمنى فإِنه يُفطر\".\nوتقدم ما جاء في \"الصحيحة\" (١/ ٤٣٧): \"وروى ابن أبي شيبة (٢/ ١٧٠/١) عن عمرو بن هرم قال: سُئل جابر بن زيد عن رجل نظر إِلى امرأته في رمضان فأمنى من شهوتها؛ هل يفطر؟ قال: لا؛ ويتمّ صومه\".\n_________\n(١) أخرجه النسائي \"صحيح سنن النّسائي\" (١٨٤٥) والطبراني وغيرهما.","vol":"3","page":317},{"text":"قال شيخنا -﵀-: وإسناده جيّد، وعلّقه البخاري على عمرو بصيغة الجزم، وسكت عنه الحافظ (٤/ ١٥١).\nوترجم ابن خزيمة للحديث بقوله: \"باب الرخصة في المباشرة التي هي دون الجماع للصائم، والدليل على أنّ اسم الواحد قد يقع على فعلين أحدهما مباح والآخر محظور\".\nوجاء في التعليق على \"بلوغ المنى في حُكم الاستمنى\" (ص٥٤ - في التعليق): \"وقرّر المرغيناني في \"الهداية\" أنّ الاستمناء لا يفطّر ... \".\nوانظر تفصيل الشيخ مشهور -حفظه الله- (ص ٥٤) فإِنه نافع قويّ.\nقلت: ومهما يكن مِن أمر؛ فإِنّه لا ينبغي أن نختلف، أو نتفرّق، أو نُوالي، أو نعادي في هذه المسائل.\nفهناك من قال من أهل العلم أنّ الاستمناء يفطّر، وهناك من قال أنّه لا يفطّر ولا شكّ أنّه حرام -أي باليد ونحوه- لما ذَكرناه وقدّمناه.\nأمّا الاستمناء بضمّ الزوجة ونحو ذلك في الصيام؛ فمن رأى بعد الاطلاع على ما قال أهل العلم أنّ ذلك لا يفطّر فله ذلك، ومن رأى أنّه يفطّر؛ فإِنّ العلماء القائلين بأنّه لا يفطّر؛ لم يوجبوا عليه هذا الفعل.\nلكن ليس لأحدٍ أن يُلزم الآخر برأيه، والمهم ألا يتبع المرء هواه، فما دام قد اعتمد على أقوال العلماء، مع بذل الأسباب في معرفة الحقّ والصواب، والتجرّد من الهوى والتعصّب، فقد سدّد وقارب ونجا بإِذن الله -تعالى- وبالله التوفيق.","vol":"3","page":318},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-939>قضاء رمضان</span>\nمن أفطر لعذر شرعي وجب عليه القضاء.\nجاء في \"الرّوضة النّدية\" (١/ ٥٤٧): \"يجب على مَنْ أفطر لعذر شرعي أنْ يقضي؛ كالمسافر والمريض.\nوقد صرح بذلك القرآن الكريم: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فعدّة من أيّام أُخر﴾ (١).\nوقد ورد في الحائض حديث معاذة عن عائشة -﵂- ... والنفساء مِثلها\". [بلفظ: فتؤمر بقضاء الصِّيام ولا تؤمر بقضاء الصّلاة] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-940>متى يقضى قضاء رمضان </span>(٣)\nقال ابن كثير -﵀- في تفسير قوله تعالى: ﴿فعِدَّة من أيّام أُخر﴾ (٤): في القضاء \" ... هل يجب متتابعًا أو يجوز فيه التفريق فيه قولان:\nأحدهما: أنّه يجب التتابع، لأنّ القضاء يحكي الأداء.\nوالثاني؛ لا يجب التتابع، بل إِنْ شاء تابع، وهذا قول جمهور السلف والخلف، وعليه ثبتت الدلائل؛ لأن التتابع إِنِّما وجب في الشّهر؛ لضرورة\n_________\n(١) البقرة: ١٨٤.\n(٢) أخرجه البخاري: ٣٢١، ومسلم: ٣٣٥.\n(٣) هذا العنوان في \"صحيح البخاري\" (كتاب الصوم) \"باب - ٤٠\".\n(٤) البقرة: ١٨٥.","vol":"3","page":319},{"text":"أدائه في الشّهر، فأمّا بعد انقضاء رمضان، فالمراد صيام أيام عدّة ما أفطر، ولهذا قال الله تعالى: ﴿فعدّة من أيّام أُخر﴾ \". انتهى.\nعن أبي سلمة قال: سمعْتُ عائشة -﵂- تقول: \"كان يكون عليَّ الصيام من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه إلاَّ في شعبان. قال يحيى: الشُّغل من النّبيّ - ﷺ - أو بالنّبيّ - ﷺ -\" (١).\nوقال ابن عبّاس -﵄-: \"لا بأس أن يُفرِّق؛ لقوله الله تعالى: ﴿فعدّة من أيّام أُخر﴾ (٢).\nوعنه -﵄- كذلك في قضاء رمضان: \"صُمه كيف شئت\"، وقال ابن عمر -﵄- \"صُمه كما أفطرته\" (٣).\nوعن ابن عمر -﵄- في قضاء رمضان-: \"يُتابِع بينه\" (٤).\nوعن أبي هريرة -﵁- قال: يواتِره (٥) إِن شاء\" (٦).\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٩٥٠، ومسلم: ١١٤٦.\n(٢) البقرة: ١٨٥.\n(٣) أخرجه البيهقي وعنه ابن أبي شيبة وقال شيخنا -﵀- في \"الإرواء\" (٤/ ٩٥): \"وهذا سند صحيح على شرط الشيخين\".\n(٤) أخرجه ابن أبي شيبة وقال شيخنا -﵀- في \"الإرواء\" (٤/ ٩٥): \"وسنده صحيح\".\n(٥) يواتره: أي: يُفرِّقه، فيصوم يومًا ويفطر يومًا، ولا يَلزَمُه التتابع فيه فيقضيه وترًا وترًا\". \"النهاية\".\n(٦) أخرجه الدارقطني وقال شيخنا -﵀- في \"الإرواء\" (٤/ ٩٥): \"وإسناده صحيح\".","vol":"3","page":320},{"text":"قال شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٤/ ٩٧): \"وخلاصة القول؛ أنّه لا يصحّ في التفريق ولا في المتابعة حديث مرفوع، والأقرب جواز الأمرين كما في قول أبي هريرة -﵁-[المتقدّم: \"يُواتره إِن شاء] (١) \".\nجاء في \"الفتح\" (٤/ ١٨٩): \"قال الزين بن المنيِّر [-بحذف بعد حديث عائشة ﵂- السابق]: ... وظاهر صنيع عائشة يقتضي إِيثار المبادرة إِلى القضاء لولا ما منَعَها من الشغل، فيشعر بأنّ من كان بغير عذر لا ينبغي له التأخير. قلت: -أي: الحافظ ﵀-: ظاهر صنيع البخاري يقتضي جواز التراخي والتفريق؛ لما أودَعَه في الترجمة من الآثار كعادته -وهو قول الجمهور-.\nونقل ابن المنذر وغيره عن عليّ وعائشة وجوب التتابع، وهو قول بعض أهل الظاهر.\nوروى عبد الرزاق بسنده عن ابن عمر قال: يقضيه تباعًا ... ولا يختلف المجيزون للتفريق أنَّ التتابع أولى\".\nوجاء في \"تمام المِنّة\" (ص٤٢١): \"قوله -أي: الشيخ السيد سابق ﵀-: \"قضاء رمضان لا يجب على الفور، بل يجب وجوبًا موسَّعًا في أيِّ وقت، وكذلك الكفَّارة\".\nقلت: -أي: شيخنا ﵀- هذا يتنافى مع قوله تعالى: ﴿وسارعوا إِلى مغفرة من ربّكم﴾ [آل عمران: ١٣٣]، فالحقّ وجوب المبادرة إِلى القضاء حين الاستطاعة، وهو مذهب ابن حزم (٦/ ٢٦٠)، وليس يصحُّ في\n_________\n(١) هذه الزيادة من التحقيق الثاني \"للإِرواء\".","vol":"3","page":321},{"text":"السُّنّة ما يعارض ذلك.\nوأمّا استدلال المؤلف على عدم الوجوب بقوله: \"فقد صحّ عن عائشة أنّها كانت تقضي ما عليها من رمضان في شعبان. (رواه أحمد ومسلم)، ولم تكن تقضيه فورًا عند قدرتها على القضاء\".\nفليس بصواب؛ لأنّه ليس في حديث عائشة أنّها كانت تقدر أن تقضيه فورًا، بل فيه عكس ذلك، فإِنّ لفظ الحديث عند مسلم (٣/ ١٥٤ - ١٥٥): \"كان يكون عليَّ الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه إِلا في شعبان، الشغل من رسول الله - ﷺ -، أو برسول الله - ﷺ -\".\nوهكذا أخرجه البخاري أيضًا في \"صحيحه\" -خلافًا لما أوهمه تخريج المصنف- وفي رواية لمسلم عنها قالت: \"إِنْ كانت إِحدانا لتفطر في زمان رسول الله - ﷺ -، فما تقدر على أنْ تقضيه مع رسول الله - ﷺ - حتى يأتي شعبان\".\nفالحديث بروايتيه صريح؛ في أنّها كانت لا تستطيع، ولا تقدر على القضاء قبل شعبان، وفيه إِشعار بأنَّها لو استطاعت لَمَا أخّرته، فهو حجّة على المؤلف ومَن سبَقه.\nولذلك قال الزين بن المنيِّر -﵀-: \"وظاهر صنيع عائشة يقتضي إِيثار المبادرة إِلى القضاء، لولا ما منعها من الشغل، فيشعر بأنّ مَنْ كان بغير عذر، لا ينبغي له التأخير\" (١).\nواعلم أنّ ابن القيم والحافظ وغيرهما قد بيّنا أنّ قوله في الحديث:\n_________\n(١) وتقدم في بداية المبحث.","vol":"3","page":322},{"text":"\"الشُّغل من رسول الله - ﷺ -، أو برسول الله - ﷺ -\"؛ مدرج في الحديث، ليس من كلام عائشة، بل من كلام أحد رواته، وهو يحيى بن سعيد، ومن الدليل على ذلك قول يحيى في روايةٍ لمسلم: \"فظننت أنّ ذلك لمكانها من النّبيّ - ﷺ -\".\nولكن هذا لا يخدج فيما ذكَرنا؛ لأنّنا لم نستدل عليه بهذا المدرج، بل بقولها: \"فما أستطيع .. \"، والمدرج؛ إِنّما هو بيان لسبب عدم الاستطاعة، وهذا لا يهمنا في الموضوع.\nولا أدري كيف خفي هذا على الحافظ حيث قال في خاتمة شرح الحديث: \"وفي الحديث دلالة على جواز تأخير قضاء رمضان مطلقًا، سواء كان لعذر أو لغير عذر؛ لأن الزيادة كما بيّناه مدرجة ... فخفي عليه أنّ عدم استطاعتها هو العذر فتأمّل\".\nوجاء فيه (ص٤٢٤): \"وجملة القول؛ أنّه لا يصحّ في هذا الباب شيء لا سلبًا ولا إِيجابًا، والأمر القرآني بالمسارعة يقتضي وجوب المتابعة إلاَّ لعذر، وهو مذهب ابن حزم أيضًا (٦/ ٢٦١)، قال: \"فإِنْ لم يفعل فيقضيها متفرِّقة، وتجزيه لقول الله تعالى: ﴿فعدّةٌ من أيّام أُخر﴾، ولم يحدد تعالى في ذلك وقتًا يبطل القضاء بخروجه، وهو قول أبي حنيفة\". انتهى.\nوالخلاصة التي بدت لي: وجوب الصوم على الفور إِلا من عُذر، مع التتابع.\nوجواز تفريقه من عُذرٍ أو ابتغاء استراحة؛ تدفع عنه مشقة التتابع، إِذ القول بجواز عدم الصيام على الفور وعدم التتابع، قد يفضي إِلى تأخير القضاء","vol":"3","page":323},{"text":"شهورًا أو سنوات، وقد يقول قائل: إِنّ تأخير عائشة -﵂- قضاءَها إِلى شعبان ليس على الوجوب. فماذا إِذًا؟!\nأليس هذا بِمُفضٍ إِلى التقصير والتأخير؛ بل التفريط؟!\nولا يخفى علينا قوله تعالى: ﴿وما تدري نفس ماذا تكسب غدًا﴾ (١).\nوعن أبي أُمَامَة بن سهل قال: \"دخلت أنا وعروة بن الزبير يومًا على عائشة، فقالت: لو رأيتما نبيّ الله - ﷺ - ذات يوم، في مَرضٍ مَرِضَه.\nقالت: وكان له عندي ستةُ دنانير -قال موسى: أو سبعة- قالت: فأمرني نبيّ الله - ﷺ - أن أفرّقها، قالت: فشغلني وجع نبيّ الله - ﷺ - حتى عافاه الله.\nقالت: ثم سألني عنها؟ فقال: ما فعَلت الستة -قال: أو السبعة-؟ قلت: لا والله، لقد كان شغلني وجعك.\nقالت: فدعا بها، ثمّ صفَّها في كفّه، فقال: \"ما ظنُّ نبيِّ الله لو لقي الله ﷿، وهذه عنده! يعني: ستة دنانير أو سبعة\" (٢).\nفهذا هو حُسن الظنّ بالله -سبحانه- فمن وافتْه المنيّة وقد أدّى ذلك؛ فقد فعَل الخير.\nومن وافتْه المنيّة في فترةٍ كان يستريح فيها يومًا أو يومين أو أكثر من ذلك، ذلك بحسب طاقته وقدرته، وقد عَلِم الله تعالى منه صِدق نيّته، فإِنه يرتجى له من الله المغفرة والرحمة، ولكن من أَخّر وسوَّف، فهذا الذي نرثي\n_________\n(١) لقمان: ٣٤.\n(٢) أخرجه أحمد وغيره، وصححه شيخنا -﵀- في \"الصحيحة\" (١٠١٤).","vol":"3","page":324},{"text":"له ونأسف عليه.\nثمّ ما الفرق بين هذا وبين الذي استطاع الحجّ فأجّله لغير عُذر، ثمّ جاء أجله ولم يحجّ!\nوعلى كلّ حال إِنّ مدار الأمر لا يُغادر وجود العُذر وعدم الاستطاعة؛ لمن أجَّل وفرّق، والله -تعالى- أعلم.\nثمَّ تدبّرت بعض ما جاء في الطرق الأُخرى من حديث عائشة -﵂- المتقدّم بلفظ: \"إِنْ كانت إِحدانا لتُفطر في زمان رسول الله - ﷺ -؛ فما تقدر على أن تقضيه مع رسول الله - ﷺ -؛ حتى يأتي شعبان\" (١).\nفتأمّل يرحمك الله: \"أنْ تقضيه مع رسول الله - ﷺ -\"، وتدبّر -وفّقك الله- الطريق الأخرى بلفظ: \"ما كنتُ أقضي ما يكون عليّ من رمضان إلاَّ في شعبان، حتى توفّي رسول الله - ﷺ -\" (٢).\nفماذا بعد أن توفّي رسول الله - ﷺ -؟\nهل كانت عائشة -﵂- تؤخّر القضاء إِلى شعبان؟\nلا شكّ أنّ الجواب ظاهر، لأنّ الشغل برسول الله - ﷺ - لا وجود له بعد مصيبة موته - ﷺ -.\nوكذلك لا محلّ لعدم الاستطاعة التي كانت تقولها -﵂-:\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ١١٤٦.\n(٢) أخرجه الترمذي وابن خزيمة وغيرهما، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وانظر \"الإِرواء\" (٤/ ٩٨).","vol":"3","page":325},{"text":"\"فما أستطيع\" كما هو في حياته.\nفلمن كان في مثل حال عائشة -﵂- من الشُّغل، مِمّا يعذرها ولا تستطيع معه القضاء، نقول: لا بأس لا بأس!\nوفي حديث جابر -﵁- قال: \"مرّ النّبيّ - ﷺ - برجل يقلِّب ظهره لبطنه، فسأل عنه؟ فقالوا: صائم يا نبي الله! فدعاه فأمره أنْ يفطر فقال: أما يكفيك في سبيل الله، ومع رسول الله - ﷺ - حتى تصوم؟! \" (١).\nوهكذا لأمَ النّبيّ - ﷺ - ذلك الصحابي الذي كان يعاني من مشقة الصيام، على صومه، قائلًا: أما يكفيك في سبيل الله، ومع رسول الله - ﷺ - حتى تصوم؟! وتأجيل عائشة من هذا الباب ... ومع رسول الله - ﷺ - \" -والله تعالى أعلم-.\nثمّ إِنّ هذا يدخل في مسألة أعمّ من هذه وهي: \"ما حُكم أداء ما يتوجّب من الحقوق المتعلّقة بالله -سبحانه- أو العباد؟ أعلى الفور أمْ على التراخي؟ \".\nويطول الكلام في هذا، وحسْبنا قوله - ﷺ -: \"مطل (٢) الغني ظُلم\" (٣).\nوعن عمرو بن الشريد عن أبيه عن رسول الله - ﷺ - قال: \"لَيّ (٤) الواجد (٥)\n_________\n(١) أخرجه أحمد وإسناده صحيح على شرط مسلم، وانظر \"الصحيحة\" (٢٥٩٥)، وتقدّم.\n(٢) أي: تسويف القادر المتمكّن من أداء الدين الحالّ.\n(٣) أخرجه البخاري: ٢٢٨٧، ومسلم: ١٥٦٤.\n(٤) جاء في \"الفيض\" (٥/ ٤٠٠): \"الليّ: المطل، أصْله لوى فأدغمت الواو في الياء\".\n(٥) الواجد: الغني من الوُجد -بالضمّ- بمعنى السِّعة والقدرة، ويُقال: وجَد المال وجْدًا أي: استغنى.","vol":"3","page":326},{"text":"يُحلّ (١) عِرْضَه (٢) وعقوبته (٣) \" (٤).\nولنا أنْ نقول مقولة النّبيّ - ﷺ - في غير هذه المناسبة: \"فدين الله أحقُّ أنْ يُقضى\" (٥).\nوما تقدّم من آثار في جواز التفريق، ينبغي أن تُحمل على العُذر؛ لا على مضادّة قوله سبحانه: ﴿وسارعوا إِلى مغفرةٍ من ربّكم وجنَّةٍ عرضها السَّموات والأرض أُعدَّت للمتَّقين﴾ (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-941>هل على من أَخَّر القضاء كفّارة</span>؟\nلم يَرِد في هذا حديث مرفوع، فلا كفّارة.\nوسألت شيخنا -﵀- عن هذا فقال: هناك قول، ولكن ليس هناك حديث مرفوع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-942>هل يقضي مَن أَفطر متعمّدًا</span>؟\nإِذا أفطر متعمِّدًا في رمضان، هل يُشرع له قضاؤه أم لا؟\n_________\n(١) يُحلّ: بضمّ الياء من الإِحلال.\n(٢) عرضه: بأن يقول له المدين: أنت ظالم، أنت مماطل ونحوه؛ ممّا ليس بقذف ولا فُحش.\n(٣) بأن يعزّره القاضي على الأداء بنحو ضربٍ أو حبس حتى يؤدِّى\".\n(٤) أخرجه أحمد وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٠٨٦) وغيرهما، وحسنه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (١٤٣٤).\n(٥) تقدّم.\n(٦) آل عمران: ١٣٣.","vol":"3","page":327},{"text":"قال شيخنا -﵀- في \"تمام المنّة\" (ص ٤٢٥) -بحذف وتصرف- بعد أن رجّح عدم القضاء: \"والظاهر الثاني، وهو اختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية، فقد قال في \"الاختيارات\" (ص ٦٥): \"لا يقضي متعمِّدٌ بلا عذرٍ صومًا ولا صلاة، ولا تصحُّ منه، وما رُوي أنّ النّبيّ - ﷺ - أمر المجامع في رمضان بالقضاء ضعيف\".\nوهو مذهب ابن حزم، ورواه عن أبي بكر الصدّيق، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، وأبي هريرة، فراجع \"المُحلّى\" (٦/ ١٨٠ - ١٨٥) [المسألة: ٧٣٥].\nوالحقّ أنه ثابت صحيح بمجموع طرقه كما قال الحافظ ابن حجر، وأحدها صحيح مرسل كما كنت بيّنته في تعليقي على رسالة ابن تيمية في \"الصيام\" (ص ٢٥ - ٢٧)، ثمّ في \"إِرواء الغليل\" (٤/ ٩٠ - ٩٢). فقضاء المجامع من تمام كفّارته، فلا يلحق به غيره من المفطرين عمدًا.\nأمّا الصلاة فهو مختار المصنّف (١) أيضًا تبعًا لابن حزم -وقد كان نقَل كلامه في ذلك مُلخَّصًا في \"الصلاة\" قبيل \"الجمعة\"- وكان يلزمه أن يختار مثله في الصوم، فإِنّ دليل عدم القضاء فيه مثله في الصلاة.\nولا سيّما أنّه مذهب ابن حزم أيضًا، فقد قال: \"برهان ذلك أنّ وجوب القضاء في تعمُّد القيء قد صحَّ عن رسول الله - ﷺ - ... ولم يأت في فساد الصوم بالتعمد للأكل أو الشرب أو الوطء نصٌّ بإِيجاب القضاء.\n_________\n(١) أي: الشيخ السيد سابق -﵀- كما في \"فقه السنة\".","vol":"3","page":328},{"text":"وإنما افترض تعالى رمضان -لا غيره- على الصحيح المقيم العاقل البالغ، فإِيجاب صيام غيره بدلًا منه؛ إِيجاب شرْعٍ لم يأذن الله -تعالى- به، فهو باطل.\nولا فرق بين أنْ يوجب الله -تعالى- صوم شهر مسمّى، فيقول قائل: إِنّ صوم غيره ينوب عنه بغير نصّ وارد في ذلك، وبين من قال: إِنّ الحجّ إِلى غير مكّة ينوب عن الحجّ إِلى مكّة، والصلاة إِلى غير الكعبة، تنوب عن الصلاة إِلى الكعبة، وهكذا في كل شيء.\nقال الله تعالى: ﴿تلك حدود الله فلا تعتدوها﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿ومن يتعدّ حدود الله فقد ظلم نفسه﴾ (٢).\nثمّ شرع يرُدُّ على المخالفين قياسهم كل مفطر بعمد؛ على المفطر بالقيء، وعلى المجامع في رمضان.\nثم روى مثل قوله عن الخلفاء الراشدين حاشا عثمان، وعن ابن مسعود وأبي هريرة، فراجِعه.\nقلت [أي: شيخنا -﵀-]: لكن المجامع في رمضان قد صح أنّه أمره بالقضاء أيضًا\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-943>قضاء صوم النَّذر عن الميت من قِبل وليِّه</span>\nعن عائشة -﵂- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"من مات وعليه\n_________\n(١) البقرة: ٢٢٩.\n(٢) الطلاق: ١.","vol":"3","page":329},{"text":"صيام (١) صام عنه وليُّه\" (٢).\nوعن ابن عباس ﵄-: \"أنّ امرأة ركبَت البحر فنذَرت، إِنِ الله -﵎- أَنْجاها أنْ تصوم شهرًا، فأنجاها الله ﷿، فلم تصم حتى ماتت.\nفجاءت قرابة لها [إِمّا اختها أو ابنتها] إِلى النّبيّ - ﷺ -، فذكرت ذلك له، فقال: [أرأيتك لو كان عليها دَيْن كُنتِ تقضينه؟ قالت: نعم، قال: فَدَيْن الله أحق أن يُقضى]، [فـ] اقضِ [عن أمّك] \" (٣).\nوعنه -﵄-: \"أنّ سعد بن عبادة -﵁- استفتى رسول الله - ﷺ - فقال: إِنّ أمّي ماتت وعليها نذر فقال: اقضه عنها\" (٤).\nجاء في \"أحكام الجنائز\" (ص ٢١٥) -بتصرّف بعد أنْ ذكَر هذه الأحاديث-:\n\"قلت: وهذه الأحاديث صريحة الدَّلالة في مشروعيَّة صيام الوليّ عن\n_________\n(١) خبر بمعنى الأمر، تقديره: فليصُم عنه وليّه، قاله الحافظ في \"الفتح\" (٤/ ١٩٣).\n(٢) أخرجه البخاري: ١٩٥٢، ومسلم: ١١٤٧.\n(٣) أخرجه أبو داود والنسائي والطحاوي والبيهقي والطيالسي وأحمد والسياق مع الزيادة الثانية له، وإسناده صحيح على شرط الشيخين، والزيادة الأولى لأبي داود والبيهقي، وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي وصححه، وابن ماجه بنحوه، وفيه عندهم جميعًا الزيادة الثانية وعند مسلم الأخيرة. عن \"أحكام الجنائز\" (ص ٢١٤).\n(٤) أخرجه البخاري: ٢٧٦١، ومسلم: ١٦٣٨.","vol":"3","page":330},{"text":"الميِّت صوم النَّذر، إلاَّ أنّ الحديث الأوّل (١) يدلُّ بإِطلاقه على شيء زائدٍ على ذلك، وهو أنّه يصوم عنه صوم الفرض أيضًا، وقد قال به الشافعيَّة، وهو مذهب ابن حزم (٧/ ٢، ٨) وغيرهم.\nوذهب إِلى الأوّل الحنابلة، بل هو نصُّ الإِمام أحمد، فقال أبو داود في \"المسائل\" (٩٦): \"سمعت أحمد بن حنبل قال: لا يُصامُ عن الميِّت إلاَّ في النَّذر\".\nوحمَل أتباعه الحديث الأوَّل على صوم النَّذر، بدليل ما روت عَمْرة: أن أمّها ماتت وعليها من رمضان فقالت لعائشة: أقضيه عنها؟ قالت: لا بل تصدَّقي عنها مكان كل يوم نصف صاعٍ على كل مسكين. أخرجه الطحاوي (٣/ ١٤٢) وابن حزم (٧/ ٤) واللفظ له بإِسنادٍ؛ قال ابن التركماني: صحيح.\nوروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: \"إِذا مرض الرجل في رمضان، ثمّ مات ولم يصم؛ أطعم عنه ولم يكن عليه قضاء، وإن كان عليه نَذْر قضى عنه وليُّه\".\nأخرجه أبو داود بسند صحيح على شرط الشيخين، وله طريق آخر بنحوه عند ابن حزم (٧/ ٧) وصحح إِسناده.\nقلت: [أي: شيخنا -﵀-] وهذا التفصيل الذي ذَهَبتْ إِليه أمّ المؤمنين، وحَبْر الأمّة ابن عبّاس -﵄- وتابعهما إِمام السنَّة أحمد بن حنبل، هو الذي تطمئنُّ إِليه النَّفس، وينشرح له الصدر، وهو أعدل\n_________\n(١) يشير بذلك -﵀- إِلى حديث عائشة -﵂- المتقدّم.","vol":"3","page":331},{"text":"الأقوال في هذه المسألة وأوسطها.\nوفيه إِعمالٌ لجميع الأحاديث؛ دون ردٍّ لأيّ واحد منها، مع الفهم الصحيح لها؛ خاصّة الحديث الأول منها، فلم تَفْهَم منه أمُّ المؤمنين ذلك الإِطلاق الشامل لصوم رمضان، وهي راويته.\nومن المقرَّر أنَّ راوي الحديث أدرى بمعنى ما روى، لا سيّما إِذا كان ما فَهِمَ هو الموافق لقواعد الشريعة وأصولها، كما هو الشأن هنا\". انتهى.\nوجاء في \"مجموع الفتاوى\" (٢٥/ ٢٦٩): \"وسُئل عن الميِّت في أيّام مرضه أدركه شهر رمضان، ولم يكن يقدر على الصّيام، وتوفّي وعليه صيام شهر رمضان.\nوكذلك الصلاة مدّة مرضه، ووالديه بالحياة. فهل تسقط الصلاة والصيام عنه إِذا صاما عنه، وصلّيا؟ إِذا وصَّى، أو لم يوصِ؟\nفأجاب: إِذا اتّصل به المرض، ولم يمكنه القضاء فليس على ورثته إلاَّ الإِطعام عنه، وأمّا الصلاة المكتوبة، فلا يصلِّي أحد عن أحد، ولكن إِذا صلَّى عن الميت واحد منهما تطوُّعا، وأهداه له، أو صام عنه تطوُّعًا وأهداه له، نفَعه ذلك، والله أعلم\".\nوجاء في \"تهذيب السنن\" لابن القيم -﵀- (٧/ ٢٧): \"وقد اختلف أهل العلم فيمن مات وعليه صوم هل يقضى عنه؟ على ثلاثة أقوال:\nأحدها: لا يُقضى عنه بحال، لا في النّذر ولا في الواجب الأصلي، وهذا ظاهر مذهب الشافعي، ومذهب مالك وأبي حنيفة وأصحابه.","vol":"3","page":332},{"text":"الثاني: أنّه يُصام عنه فيهما، وهذا قول أبي ثور وأحد قولي الشافعي.\nالثالث: أنّه يُصام عنه النَّذر دون الفرض الأصلي، وهذا مذهب أحمد المنصوص عنه، وقول أبي عبيد والليث بن سعد، وهو المنصوص عن ابن عباس.\nروى الأثرم عنه أنه \"سئل عن رجل مات وعليه نذر صوم شهر، وعليه صوم رمضان؟ قال: أمّا رمضان فليطعم عنه، وأمّا النَّذر فيصام\".\nوهذا أعدل الأقوال، وعليه يدلُّ كلام الصحابة، وبهذا يزول الإِشكال.\nوتعليل حديث ابن عباس أنه قال: \"لا يصوم أحد عن أحد، ويُطْعم عنه\"، فإِنّ هذا إِنّما هو في الفرض الأصلي، وأمّا النَّذر فيصام عنه، كما صرَّح به ابن عباس.\nولا معارضة بين فتواه وروايته، وهذا هو المرويُّ عنه في قصّة مَنْ مات وعليه صوم رمضان وصوم النَّذر، فرَّق بينهما، فأفتى بالإِطعام في رمضان، وبالصوم عنه في النَّذر.\nفأيُّ شيء في هذا ممّا يوجب تعليل حديثه؟ وما روي عن عائشة من إِفتائها في التي ماتت وعليها الصوم: أنّه يُطعَم عنها؛ إِنما هو في الفرض لا في النذر؛ لأنّ الثَّابت عن عائشة فيمن مات وعليه صيام رمضان: \"أنّه يطعم عنه في قضاء رمضان، ولا يصام\".\nفالمنقول عنها كالمنقول عن ابن عباس سواء، فلا تعارُضَ بين رأيها وروايتها.","vol":"3","page":333},{"text":"وبهذا يظهر اتفاق الروايات في هذا الباب، وموافقة فتاوى الصحابة لها، وهو مقتضى الدليل والقياس، لأنّ النّذر ليس واجبًا بأصل الشرع، وإنّما أوجبه العبد على نفسه، فصار بمنزلة الدَّين الذي استدانه.\nولهذا شبَّهه النّبيّ - ﷺ - بالدَّين في حديث ابن عبّاس، والمسؤول عنه فيه؛ أنّه كان صوم نذر، والدين تدخله النيابة.\nوأمّا الصوم الذي فرَضه الله عليه ابتداء؛ فهو أحد أركان الإِسلام، فلا يدخله النيابة بحال، كما لا يدخل الصلاة والشهادتين، فإِنّ المقصود منها طاعة العبد بنفسه، وقيامه بحقِّ العبودية التي خُلِقَ لها وأُمِر بها.\nوهذا أمر لا يؤدّيه عنه غيره، كما لا يُسْلِم عنه غيره، ولا يصلِّي عنه غيره، وهكذا من ترك الحجّ عمدًا مع القدرة عليه حتى مات أو ترَك الزكاة فلم يُخرجها حتى مات (١)، فإِنّ مقتضى الدليل وقواعد الشرع: أن فِعْلهما عنه بعد الموت لا يبرئ ذمَّته. ولا يُقبل منه، والحق أحقُّ أن يتبع.\nوسرُّ الفرق: أنَّ النَّذر التزام المكلَّف لِمَا شُغِل به ذمَّته، لا أنّ الشارع ألْزَمه به ابتداءً، فهو أخف حُكْمًا ممّا جعله الشَّارع حقًا له عليه، شاء أم أبى.\nوالذِّمّة تسَع المقدور عليه والمعجوز عنه، ولهذا تقبل أنْ يشغلها المكلِّف بما لا قُدرة له عليه؛ بخلاف واجبات الشرع، فإِنِّها على قدر طاقة البدن، لا تجب على عاجز.\n_________\n(١) ولكن يبقى الحق المتعلِّق بالعباد، فتبرئة ذمَّته من جهتهم لا بدَّ منها، وذلك عن طريق الورثة، فلا بُدّ من دفْع الزكاة لأهلها. والله -تعالى- أعلم.","vol":"3","page":334},{"text":"فواجب الذِّمَّة أوسع من واجب الشرع الأصلي، لأنَّ المكلّف متمكِّن من إِيجاب واجبات كثيرة على نفسه لم يوجبها عليه الشارع.\nوالذِّمَّة واسعة، وطريق أداء واجبها أوسع من طريق أداء واجب الشرع، فلا يلزم من دخول النِّيابة في واجبها بعد الموت دخولها في واجب الشرع.\nوهذا يبيِّن أنّ الصحابة أفقه الخلْق، وأعمقهم عِلمًا، وأعرفهم بأسرار الشرع ومقاصده وحكمه، وبالله التوفيق\".\nوالخلاصة: \"أنّه لا يُصام عن الميِّت إلاَّ صوم النَّذر، أمّا رمضان فيطعم عنه\".\nوالحديث المتقدم: \"من مات وعليه صيام صام عنه وليّه\". يحمل على صوم النّذر.\nوكذلك حديث ابن عباس -﵄- \" جاء رجل إِلى النّبيّ - ﷺ - فقال: يا رسول الله إِنّ أُمّي ماتت وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ قال: نعم؛ فدين الله أحقّ أن يقضى\" (١).\nفقد جاء ما يفسّرهما عند الشيخين أنّه صوم النَّذر قال شيخنا في \"تمام المنّة\" (ص ٤٢٨) في الرَّد على السيد السابق -رحمهما الله تعالى- بعد قوله وروى أحمد وأصحاب السنن: \"هذا يوهم أنّه لم يخرِّجه من هو أرقى في الصحَّة من المذكورين، وليس كذلك، فقد أخرجه الشيخان (٢) في \"الصوم\"\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٩٥٣، ومسلم: ١١٤٨.\n(٢) قلت: فانظر -يرحمك الله- تحت الرقم السابق في \"صحيح البخاري\" =","vol":"3","page":335},{"text":"عن ابن عباس، وفي رواية لهما: \"ماتت وعليها صوم نذر\".\nفهذا الحديث إِذن وارد فى صوم النَّذر، فلا يجوز الاستدلال به على صوم الفرض كما فعل المؤلِّف\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-944>ماذا يقول الصائم إِذا دُعي إِلى طعام</span>؟\nعن أبي هريرة -﵁- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"إذا دُعي أحدكم إِلى طعام وهو صائم؛ فليقل: إِنّي صائم\" (١).\nوفي الحديث الإِشارة إِلى تأليف القلوب وتطييب خاطر الداعي.\nوإنّ ممّا يُخشى من عدم قوله: \"إِني صائم\" إِحداث شيءٍ في نفس الداعي، أو ظنّه أن الطعام أو الشراب لم يُعجِب الزائر، فيتكلّف في إِحضار غيره، والله -تعالى- أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-945>الترغيب في إِطعام الصائم </span>(٢)\nعن زيد بن خالد الجهني -﵁- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"من فطَّر صائمًا؛ كان له مثل أجره، غير أنّه لا ينقص من أجر الصَّائم شيء\" (٣).\n_________\n= (١٩٥٣) تجد تتمّة الحديث \"وقال عبيد الله: ... عن ابن عباس: قالت امرأة للنبي - ﷺ -: إِنّ أمّي ماتت وعليها صوم نذر\"، وكذلك هو تحت رقم \"صحيح مسلم\" السابق (١١٤٨، ١٥٦). وانظر كلام الحافظ حول وصْل حديث البخاري -رحمهما الله تعالى-.\n(١) أخرجه مسلم: ١١٥٠.\n(٢) هذا العنوان من \"كتاب الترغيب والترهيب\" للمنذري -﵀-.\n(٣) أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان في =","vol":"3","page":336},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-946>الصوم لمن لم يستطع الباءة </span>(١)\nعن عبد الرحمن بن يزيد قال: \"دخلت مع علقمة والأسود على عبد الله، فقال عبد الله: كنّا مع النّبيّ - ﷺ - شبابًا لا نجد شيئًا، فقال لنا رسول الله - ﷺ -: يا معشر الشباب، من استطاع الباءة فليتزوج، فإِنّه أغضُّ للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإِنّه له وِجاء (٢) \" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-947>ليلة القدر</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-948>فضلها:</span>\nليلة القدر لها فضْل عظيم، فهي خيرٌ من ألف شهر، وهى أفضل ليالي رمضان.\nقال الله تعالى: ﴿إِنّا أنْزلناه في ليلة القدر* وما أدراك ما ليلة القدر* ليلة القدر خيرٌ من ألف شهر* تنزّل الملائكة والرُّوح فيها بإِذن ربِّهم من كل أَمْر سلام هي حتى مطلع الفجر﴾ (٤).\n_________\n= \"صحيحيهما\"، وقال الترمذي: \"حديث حسن صحيح\"، وصححه شيخنا - ﵀- في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١٠٦٥).\n(١) الباءة: القُدرة على مؤن النكاح، وفي \"الفتح\" (٩/ ١٠٨) فوائد طيبة فارجع إليه إِن شئت.\n(٢) الوجاء: أن تُرضّ أنثيا الفحل رضًّا شديدًا؛ يذهب شهوة الجماع. \"النهاية\".\n(٣) أخرجه البخاري: ٥٠٦٦، ومسلم: ١٤٠٠.\n(٤) القدر: ١ - ٥.","vol":"3","page":337},{"text":"جاء في تفسير العلاّمة السعدي -﵀-: ﴿ليلة القدر خير من ألف شهر﴾ أي: تعادل في فضلها ألف شهر، فالعمل الذي يقع فيها، خير من العمل في ألف شهر، خالية منها.\nوهذا ممّا تتحيَّر فيه الألباب، وتندهش له العقول، حيث مَنَّ -تعالى- على هذه الأمّة الضعيفة القوّة والقوى؛ بليلة يكون فيها العمل يقابل ويزيد على ألف شهر، عمر رجل معمّر عمرًا طويلًا، نيفًا وثمانين سنة.\nوجاء في \"تفسير ابن كثير\" -﵀- في قوله تعالى: ﴿تنزَّلُ الملائكة والرّوح فيها﴾ أي: يكثُر تنزُّل الملائكة في هذه الليلة؛ لكثرة بركتها، والملائكة يتنزّلون مع تنزُّل البركة والرحمة، كما يتنزَّلون عند تلاوة القرآن، ويحيطون بِحِلَق الذكر، ويضعون أجنحتهم لطالب العلم بصدق؛ تعظيمًا له\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-949>متى تُتحرّى وتُلتمس</span>؟\nجاء في \"الروضة النديّة\" (١/ ٥٧٦): \"وفي المسوّى: \"اختلفوا في أي ليلة هي أرجى، والأقوى إِنّها ليلة في أوتار العشرة الأخيرة، تتقدّم وتتأخّر\"، \"وقول أبي سعيد: أنّها ليلة إِحدى وعشرين\".\nوقال المزني، وابن خزيمة (١): إِنِّها تنتقل كلّ سنة ليلة؛ جَمْعًا بين الأخبار.\nقال في \"الروضة\": وهو قوي، ومذهب الشافعي أنَّها لا تلزم ليلة بعينها، وفي \"المنهاج\" ميل الشافعي إِلى أنَّها ليلة الحادي والثالث والعشرين، وعن\n_________\n(١) انظر \"صحيح ابن خزيمة\" (٣/ ٣٢٩).","vol":"3","page":338},{"text":"أبي حنيفة أنّها في رمضان، لا يدري أية ليلة هي ... \". انتهى.\nقال أبو عيسى الترمذي -﵀-: \"وروي عن النّبيّ - ﷺ - في ليلة القدر: أنّها ليلة إِحدى وعشرين، وليلة ثلاث وعشرين، وخمس وعشرين، وسبع وعشرين، وتسع وعشرين، وآخر ليلة من رمضان\" (١). انتهى.\nعن عائشة -﵂- قالت: كان رسول الله - ﷺ - يجاور (٢) في العشر الأواخر من رمضان، ويقول: تحرَّوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان\" (٣).\nوعنها -﵂- أيضًا أنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"تحرَّوا ليلة القدْر في الوتر من العشْر الأواخر من رمضان\" (٤).\nعن ابن عمر -﵄- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"تحرَّوا ليلة القدر في السَّبْع الأواخر\" (٥).\nوفي لفظ له قال: \"قال رسول الله - ﷺ -: التمسوها في العشر الأواخر (يعني ليلة القدر)، فإِن ضَعُف أحدكم أو عجز؛ فلا يُغلَبنَّ على السَّبْع البواقي\" (٦).\n_________\n(١) انظر \"صحيح سنن الترمذي\" (١/ ٢٣٨).\n(٢) أي: يعتكف. \"النهاية\".\n(٣) أخرجه البخاري: ٢٠٢٠، ومسلم: ١١٦٧، من حديث أبي سعيد الخدري -﵁-.\n(٤) أخرجه البخاري: ٢٠١٧، ومسلم: ١١٦٩.\n(٥) أخرجه مسلم: ١١٦٥.\n(٦) أخرجه مسلم: ١١٦٥.","vol":"3","page":339},{"text":"عن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: \"اعتكف رسول الله - ﷺ - العشر الأوسط من رمضان يلتمس ليلة القدر؛ قبل أنْ تُبان له (١)، فلما انقضين أمَر بالبناء فقوِّض (٢)، ثم أبينتْ له أنّها في العشر الأواخر.\nفأمر بالبناء فأُعيد، ثمّ خرج على النّاس، فقال: يا أيها الناس! إِنّها كانت أُبينت لي ليلة القدر، وإِنِّي خرجتُ لأُخبركم بها، فجاء رجلان يحْتَقَّانِ (٣) معهما الشيطان، فَنُسِّيتُها، فالتمسوها في العشر الأواخر من رمضان، التمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة.\nقال قلت: يا أبا سعيد! إِنّكم أعلم بالعدد منّا قال: أجل، نحن أحقُّ بذلك منكم، قال قلت: ما التاسعة والسابعة والخامسة؟\nقال: إِذا مضت واحدة وعشرون فالتي تليها ثنتين وعشرين وهي التاسعة، فإِذا مضت ثلاث وعشرون فالتي تليها السابعة، فإذا مضى خمس وعشرون فالتي تليها الخامسة\" (٤).\nعن عبد الله بن أُنَيس أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"أُريت ليلة القدر ثمّ أُنسِيتُها، وأراني صُبْحَها أسجد في ماء وطين.\nقال: فمُطرنا ليلة ثلاث وعشرين، فصلَّى بنا رسول الله - ﷺ - فانصرف، وإنَّ\n_________\n(١) أي: توضّح وتُكشف.\n(٢) أي: قُلِع وأُزِيل. \"النهاية\".\n(٣) أي: يختصمان كما فسّرها ابن خلاد أحد رواة الحديث.\n(٤) أخرجه مسلم: ١١٦٧.","vol":"3","page":340},{"text":"أثر الماء والطّين على جبهته وأنفه.\nقال: وكان عبد الله بن أنيس يقول: ثلاث وعشرين\" (١).\nوعن ابن عباس -﵄- أنّ النّبيّ - ﷺ - قال: \"التمسوها في العشر الأواخر من رمضان ليلة القدر في تاسعة تبقى (٢)، في سابعة تبقى (٣)، في خامسةٍ (٤) تبقى\" (٥).\nوعن معاذ بن جبل أنَّ رسول الله - ﷺ -: سُئل عن ليلة القدر؟ فقال: \"هي في العشر الأواخر، أو في الخامسة، أو في الثالثة\" (٦).\nوعن ابن عبّاس -﵄- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"هي في العشر الأواخر، في تسع (٧) يمضين أو في سبع (٨) يبقين\" (٩).\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ١١٦٨.\n(٢) أي: ليلة الحادي والعشرين. قاله الكرماني.\n(٣) أي: ليلة ثلاث وعشرين.\n(٤) ليلة خمس وعشرين. \"عمدة القاري\".\n(٥) أخرجه البخاري: ٢٠٢١.\n(٦) أخرجه أحمد، وقال شيخنا -﵀-: وإسناده جيّد، فإنّ رجاله كلهم ثقات، وبقيّة قد صرّح بالتحديث، وانظر \"الصحيحة\" تحت الحديث (١٤٧١).\n(٧) أي: ليلة التاسع والعشرين. قاله الكرماني.\n(٨) أي: ليلة السابع والعشرين.\n(٩) أخرجه البخاري: ٢٠٢٢.","vol":"3","page":341},{"text":"وعن معاوية -﵁- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"التمسوا ليلة القدر آخر ليلة من رمضان\" (١).\nوجاء في \"مجموع الفتاوى\" (٢٥/ ٢٨٤) -بحذف-: \"وسُئل عن ليلة القدر وهو معتقل بالقلعة قلعة الجبل -سنة ست وسبعمائة-.\nفأجاب: الحمد لله، ليلة القدر في العشر الأواخر من شهر رمضان، هكذا صحّ عن النّبيّ - ﷺ - أنّه قال: \"هي في العشر الأواخر من رمضان\" (٢)، وتكون في الوتر منها.\nلكنّ الوتر يكون باعتبار الماضي، فتطلب ليلة إِحدى وعشرين، وليلة ثلاث وعشرين، وليلة خمس وعشرين، وليلة سبع وعشرين، وليلة تسع وعشرين.\nويكون باعتبار ما بقي كما قال النّبيّ - ﷺ -: \"لتاسعةٍ تبقى، لسابعةٍ تبقى، لخامسة تبقى، لثالثة تبقى\" (٣).\nفعلى هذا إِذا كان الشهر ثلاثين؛ يكون ذلك ليال الأشفاع، وتكون الاثنين وعشرين تاسعة تبقى، وليلة أربع وعشرين سابعة تبقى، وهكذا فسّره أبو سعيد الخدري في الحديث الصحيح، وهكذا أقام النّبيّ - ﷺ - في الشَّهر.\n_________\n(١) أخرجه ابن نصر في \"قيام الليل\" وابن خزيمة في \"صحيحه\"، وانظر \"الصحيحة\" تحت الحديث (١٤٧١).\n(٢) يشير إِلى حديث البخاري: ٢٠٢٢، المتقدم: \"هي في العشر الأواخر\".\n(٣) أخرجه البخاري: ٢٠٢١ دون \"لثالثة تبقى\"، وهي ثابتة كما في \"الصحيحة\" (٣/ ٤٥٦) تحت الحديث (١٤٧١).","vol":"3","page":342},{"text":"وإِن كان الشَّهر تسعًا وعشرين، كان التاريخ بالباقي، كالتاريخ الماضي.\nوإذا كان الأمر هكذا، فينبغي أنْ يتحرّاها المؤمن في العشر الأواخر جميعه؛ كما قال النّبيّ - ﷺ -: \"تَحَرَّوها في العشر الأواخر\" (١).\nوتكون في السَّبع الأواخر أكثر، وأكثر ما تكون ليلة سبع وعشرين، كما كان أُبيّ بن كعب يحلف اُنّها ليلة سبع وعشرين ...\nوقد يكشفها الله لبعض الناس في المنام، أو اليقظة فيرى أنوارها، أو يرى من يقول له هذه ليلة القدر، وقد يفتح على قلبه من المشاهدة ما يتبيّن به الأمر، والله -تعالى- أعلم\".\nوسُئل عن ليلة القدر وليلة الإِسراء بالنّبيّ - ﷺ - أيّهما أفضل؟\nفأجاب: \"بأنَّ ليلة الإِسراء أفضل في حقّ النّبيّ - ﷺ - وليلة القدر أفضل بالنسبة إِلى الأمّة، فحظُّ النّبيّ - ﷺ - الذي اختُصّ به ليلة المعراج منها؛ أكمل من حظّه من ليلة القدر.\nوحظ الأمّة من ليلة القدر أكمل من حظهم من ليلة المعراج، وإن كان لهم فيها أعظم حظّ، لكن الفضل والشرف والرتبة العليا إِنِّما حصلت فيها، لمن أُسري به - ﷺ -\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-950>تحديدها:</span>\nهي ليلة سبع وعشرين من رمضان على الأرجح، وعليه أكثر الأحاديث (٢).\n_________\n(١) تقدّم.\n(٢) انظر \"قيام رمضان\" (ص ١٩).","vol":"3","page":343},{"text":"عن زِرّ بن حُبَيْش قال: \"سألت أُبيّ بن كعب -﵁- فقلت: إِنّ أخاك ابن مسعود يقول: من يقم الحول يُصب ليلة القدر.\nفقال -﵀-: أراد أن لا يتّكل الناس، أمَا إِنّه قد عَلِم أنها في رمضان، وأنّها في العشر الأواخر، وأنّها ليلة سبع وعشرين، ثمّ حلف لا يستثني (١)، أنّها ليلة سبع وعشرين.\nفقلت: بأيِّ شيءٍ تقول ذلك يا أبا المنذر؟ قال: بالعَلاَمة، أو بالآية التي أخبَرنا رسول الله - ﷺ - أنّها تطلع يومئذٍ لا شُعاع لها\" (٢).\nوفي لفظ عنه \"قال: سمعت أُبيّ بن كعب يقول: وقيل له: إِنّ عبد الله بن مسعود يقول: من قام ليله السَّنَةَ أصاب ليلة القدر).\nفقال أُبيّ: والله الذي لا إِله إِلا هو! إِنّها لفي رمضان (يحلف ما يستثني) ووالله إِنِّي لأعلم أيّ ليلة هي، هي الليلة التي أمَرنا بها رسول الله - ﷺ - بقيامها، هي ليلة صبيحة سبع وعشرين، وأمارتها أنْ تطلع الشّمس في صبيحة يومها بيضاء؛ لا شعاع لها\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-951>قيامها والدعاء فيها</span>\nعن أبي هريرة -﵁- قال: قال - ﷺ -: \"من قام ليلة القدر إِيمانًا\n_________\n(١) لا يستثني: أي: حَلفَ حلفًا جازمًا؛ مِن غير أن يقول عقيبه: إِن شاء الله -تعالى- مِثل أن يقول الحالف: لأفعلنّ إلاَّ أن يشاء الله، أو إِن شاء الله؛ فإِنه لا ينعقد اليمين، وإنّه لا يظهر جزم الحالف. \"عون\" (٤/ ١٧٧).\n(٢) أخرجه مسلم: ٧٦٢.","vol":"3","page":344},{"text":"واحتسابًا؛ غفِر له ما تقدّم من ذنبه\" (١).\nوعن عائشة -﵂- قالت: \"قلت: يا رسول الله: أرأيت إِنْ علمت أيّ ليلة ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال: قولي اللهمّ إِنّك عفوٌ تحبُّ العفو فاعف عني\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-952>صفة ليلة القدر</span>\n١ - تكون ليلة طَلْقة (٣) لا حارّة ولا باردة.\nعن جابر بن عبد الله -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إِنّي كنت أُريت ليلة القدر، ثم نسيتُها، وهي في العشر الأواخر من ليلتها، وهي طَلْقة بَلجة (٤) لا حارّة ولا باردة\" (٥).\n٢ - تطلع الشّمس في صبيحة يومها بيضاء؛ لا شعاع لها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-953>كثرة الملائكة في الأرض ليلة القدر </span>(٦)\nعن أبي هريرة -﵁- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"ليلة القدر ليلة\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٩٠١، ومسلم: ٧٥٩.\n(٢) أخرجه أحمد وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٣١٠٥) والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٢٧٨٩)، وصححه شيخنا في \"المشكاة\" (٢٠٩١).\n(٣) طَلْقة: أي: سهلة طيّبة يُقال: يوم طَلْق وليلةٌ طلقٌ وطلقة: إِذا لم يكن فيها حرٌّ ولا بردٌ يؤذيان. \"النهاية\".\n(٤) بَلجة: أي: مشرفة، والبُلجة [البَلجة] بالضم والفتح ضوء الصبح. \"النهاية\".\n(٥) أخرجه ابن خزيمة في \"صحيحه\" (٢١٩٠)، وقال شيخنا -﵀-: وهو حديت صحيح ... لشواهده.\n(٦) هذا العنوان من \"صحيح ابن خزيمة\" (٣/ ٣٣٢).","vol":"3","page":345},{"text":"سابعة أو تاسعة وعشرين، إِنّ الملائكة تلك الليلة في الأرض أكثر من عدد الحصى\" (١).\n_________\n(١) أخرجه الطيالسي في \"مسنده\" وعنه أحمد، وكذا ابن خزيمة في \"صحيحه\"، وقال شيخنا -﵀- في \"الصحيحة\" (٢٢٠٥): وهذا إِسناد حسن وسكت عليه الحافظ في \"الفتح\" (٤/ ٢٠٩).","vol":"3","page":346},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-954>كتاب الاعتكاف</span>","vol":"3","page":347},{"text":"الاعتكاف\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-955>تعريفه </span>(١):\nالاعتكاف لغة: لزوم الشيء وحبْس النَّفس عليه، يُقال: عكَف بالمكان: إِذا أقام به، والمعكوف: المحبوس.\nقال الله تعالى: ﴿والهديَ معكوفًا أن يبلغ مَحِلَّه (٢)﴾ (٣).\nوشرعًا: المُقام في المسجد من شخص مخصوص على صفة مخصوصة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-956>مشروعيّته </span>(٤):\nلا خلاف في مشروعيّة الاعتكاف، وقد كان يعكتف النّبيّ - ﷺ - في العشر الأواخر من رمضان حتى توفّاه الله ﷿ (٥).\nفعن أبي هريرة -﵁- قال: \"كان النّبيّ - ﷺ - يعتكف في كلّ رمضان عشرة أيّام، فلمّا كان العام الذي قُبض فيه اعتكف عشرين يومًا\" (٦).\n_________\n(١) ملتقطًا من \"فتح الباري\" (٤/ ٢٧١)، و\"حلية الفقهاء\" (ص ١١٠).\n(٢) قال ابن كثير -﵀- في \"تفسيره\": \"أي: وصدُّوا [أيّ: الكفّار] الهَدي أنْ يصل إِلى مَحِلِّه وهذا مِن بغيهم وعنادهم ... \".\n(٣) الفتح: ٢٥.\n(٤) انظر \"الروضة الندية\" (١/ ٥٦٩).\n(٥) انظر \"صحيح البخاري\" (٢٠٢٦)، و\"صحيح مسلم\" (١١٧١).\n(٦) أخرجه البخاري: ٢٠٤٤، وشطره الأوّل عند \"مسلم\" من حديث عائشة -﵂-: ١١٧٢.","vol":"3","page":349},{"text":"قال شيخنا -﵀- في \"قيام رمضان\" (ص ٣٤): \"والاعتكاف سُنّة في رمضان وغيره من أيّام السنة.\nوالأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وأنتم عاكفون في المساجد﴾ (١)،\nمع توارد الأحاديث الصحيحة في اعتكافه - ﷺ -، وتواتر الآثار عن السلف بذلك ... \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-957>حكمه:</span>\nالاعتكاف سُنّة إلاَّ أنْ يكون نَذْرًا فيلزم الوفاء به، وممّا يدلُّ على أنّه سُنّة؛ فِعْل النّبيّ - ﷺ - ومداومته عليه، تقرُّبًا إِلى الله -تعالى- وطلبًا لثوابه، واعتكاف أزواجه معه وبعده (٢).\nجاء في كتاب \"الإِجماع\" لابن المنذر -﵀- (ص ٤٧): \"وأجمعوا على أنّ الاعتكاف لا يجب على النّاس فرضًا؛ إلاَّ أنْ يوجبه المرء على نفسه؛ فيجب عليه\".\nوقال الحافظ -﵀- في \"الفتح\" (٤/ ٢٧١): \"والاعتكاف ليس بواجب إِجماعًا إلاَّ على مَنْ نذرَه\".\nفعن عائشة -﵂- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"من نَذَر أنْ يطيع الله فليُطعه، ومن نذر أن يعصيَه فلا يعصِه\" (٣).\n_________\n(١) البقرة: ١٨٧.\n(٢) \"المغني\" (٣/ ١١٨).\n(٣) أخرجه البخاري: ٦٦٩٦ و٦٧٠٠.","vol":"3","page":350},{"text":"عن عمر بن الخطاب -﵁- قال: \"يا رسول الله! إِنّي نذرتُ في الجاهلية أنْ أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال له النّبيّ - ﷺ -: أوفِ نذرك، فاعتكَف ليلةً\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-958>مقصود الاعتكاف</span>\nقال الإِمام ابن القيّم -﵀- في \"زاد المعاد\" (٢/ ٨٦): \"لمّا كان صلاح القلب واستقامته على طريق سيْره إِلى الله -تعالى- متوقفًا على جمعيّته على الله، ولمّ شَعثه بإِقباله بالكليَّة على الله -تعالى- فإِنَّ شَعَثَ القلب لا يَلُمُّه، إلاَّ الإِقبال على الله -تعالى-، وكان فُضول الطعام والشراب، وفضول مخالطة الأنام، وفضول الكلام، وفضول المنام، ممّا يزيده شَعَثًا، ويُشَتِّتُه في كلِّ وادٍ، ويقطعه عن سيره إِلى الله -تعالى- أو يُضعِفه، أو يُعوّقه ويوقفه؛ اقتضت رحمة العزيز الرحيم بعباده، أنْ شرع لهم من الصوم، ما يُذهب فضول الطعام والشراب، ويستفرغ من القلب أخلاط الشهوات المعوّقة له عن سيْره إِلى الله -تعالى- وشرعه بقدر المصلحة، بحيث ينتفع به العبد في دنياه وأُخراه، ولا يضرُّه ولا يقطعه عن مصالحه العاجلة والآجلة.\nوشرع لهم الاعتكاف الذي مقصوده وروحه عكوف القلب على الله -تعالى- وجمعيِّته عليه، والخلوة به، والانقطاع عن الاشتغال بالخلق والاشتغال به وحده -سبحانه- بحيث يصير ذكره وحبه، والإِقبال عليه في محل هموم القلب وخطراته، فيستولي عليه بدلها، ويصير الهمُّ كُلُّه به،\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٢٠٤٢، ومسلم: ١٦٥٦.","vol":"3","page":351},{"text":"والخطرات كلُّها بذِكْره، والتفكُّر في تحصيل مراضيه وما يقرِّب منه.\nفيصير أُنْسه بالله بدلًا عن أُنْسه بالخلق، فيعدُّه بذلك لأُنْسه به يوم الوحشة في القبور حين لا أنيس له، ولا ما يُفرح به سواه، فهذا مقصود الاعكتاف الأعظم\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-959>زمانه:</span>\nيؤدّى الاعتكاف الواجب حسبما نَذَره وسمّاه النّاذر، فإِنْ نَذَر الاعتكاف يومًا أو أكثر؛ وجب الوفاء بما نذَره (١).\nويشرع الاعتكاف المستحبّ في أيّ وقت من أيّام العام.\nوقد ثبت أنّ النّبيّ - ﷺ - اعتكف في العشر الأول من شوّال. ففي حديث عائشة -﵂- قالت: \" ... وتَرَك الاعتكاف في شهر رمضان؛ حتى اعتكف في العشر الأَوّل من شوّال\" (٢).\n* وآكدُه في رمضان لحديث أبي هريرة -﵁-: \"كان رسول الله - ﷺ - يعتكف في كلِّ رمضان عشرة أيّام، فلمّا كان العام الذي قُبض فيه؛ اعتكف عشرين يومًا\" (٣).\nوأفضله آخر رمضان، لأن النّبيّ - ﷺ - \"كان يعتكف العشر الأواخر من\n_________\n(١) \"فقه السنة\" (١/ ٤٧٦).\n(٢) أخرجه البخاري: ٢٠٣٣، ومسلم: ١١٧٣ واللفظ له، وسيأتي -إن شاء الله تعالى- بتمامه.\n(٣) تقدّم.","vol":"3","page":352},{"text":"رمضان حتى توفَّاه الله -﷿-\" (١). * (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-960>شروطه </span>(٣)\n١ - الإِسلام، قال الله تعالى: ﴿لئنْ أشركت ليحبطنّ عَمَلُك﴾ (٤).\n٢ - العقل.\nعن عائشة -﵂- قالت: قال رسول الله - ﷺ -: \"رُفع القلم عن ثلاثة: عن النّائم حتّى يستيقظ، وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق، وعن الصبي حتى يحتلم\" (٥).\nلا يُشرع الاعتكاف إلاَّ في المساجد؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تباشروهنَّ (٦) وأنتم عاكفون في المساجد﴾ (٧).\nوقالت السيدة عائشة -﵂-: \"السنّة في المعتكِف أنْ لا\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٢٠٢٦، ومسلم: ١١٧١، وتقدّم.\n(٢) ما بين نجمتين من \"قيام رمضان\" (ص ٣٥).\n(٣) عن \"قيام رمضان\" (ص ٣٥) بتصرف وزيادة.\n(٤) الزُّمر: ٦٥.\n(٥) أخرجه أبو داود، والنسائي وغيرهما، وصححه شيخنا -﵀- في \"الإرواء\" (٢٩٧)، وتقدّم.\n(٦) أي: لا تجامعوهنّ، قال ابن عباس: المباشرة والملامسة والمسّ جماع كله، ولكنّ الله ﷿ يكنّي ما شاء بما شاء. أخرجه البيهقي بسند رجاله ثقات.\n(٧) البقرة: ١٨٧.","vol":"3","page":353},{"text":"يخرج إِلا لحاجته التي لا بدّ له منها، ولا يعود مريضًا، ولا يمسّ امرأته، ولا يباشرها، ولا اعتكاف إلاَّ في مسجد جماعة، والسنَّة فيمن اعتكف أنْ يصوم\" (١).\nوينبغي أنْ يكون مسجدًا جامعًا؛ لكي لا يضطر للخروج منه لصلاة الجمعة، فإِنّ الخروج لها واجب عليه، لقول عائشة في روايةٍ عنها في حديثها السابق: \" ... ولا اعتكاف إلاَّ في مسجد جامع\" (٢).\nقال شيخنا -﵀-: ثم وقَفْت على حديث صحيح صريح؛ يُخصّص؛ ﴿المساجد﴾ المذكورة في الآية بالمساجد الثلاثة: المسجد الحرام، والمسجد النّبوي، والمسجد الأقصى، وهو قوله - ﷺ -: \"لا اعتكاف إلاَّ في المساجد الثلاثة\" (٣).\nوقد قال به من السلف فيما اطّلعت: حذيفة بن اليمان، وسعيد بن المسيِّب، وعطاء، إلاَّ أنّه لم يذكر المسجد الأقصى.\nوقال غيرهم بالمسجد الجامع مطلقًا، وخالف آخرون فقالوا: ولو في مسجد بيته، ولا يخفى أنّ الأخذ بما وافق الحديث منها هو الّذي ينبغي\n_________\n(١) أخرجه البيهقي بسند صحيح، وأبو داود بسند حسن.\n(٢) روى البيهقي عن ابن عباس قال: إِنّ أبغض الأمور إِلى الله البدع، وإنّ من البدع الاعتكاف في المساجد التي في الدور.\n(٣) أخرجه الطحاوي والإِسماعيلي والبيهقي بإِسناد صحيح عن حذيفة بن اليمان -﵁- وهو مخرج في \"الصحيحة\" (٢٧٨٦)، مع الآثار الموافقة له ... وكلها صحيحة.","vol":"3","page":354},{"text":"المصير إِليه، والله -سبحانه- وتعالى أعلم\".\nوجاء في \"الصحيحة\" (٦/ ٦٧٠): \"واعلم أنّ العلماء اختلفوا في شرطيّة المسجد للاعتكاف وصِفَته؛ كما تراه مبسوطًا في \"المصنَّفَين\" المذكورَين (١) و\"المُحلّى\" وغيرهما.\nوليس في ذلك ما يصح الاحتجاج به سوى قوله تعالى: ﴿وأنتم عاكفون في المساجد﴾، وهذا الحديث الصحيح، والآية عامّة، والحديث خاصٌّ، ومقتضى الأصول أنْ يُحمل العام على الخاصّ.\nوعليه: فالحديث مخصِّص للآية ومبيِّن لها، وعليه يدلُّ كلام حذيفة وحديثه، والآثار في ذلك مختلفة أيضًا، فالأَوْلى الأخذ بما وافق الحديث منها، كقول سعيد بن المسيِّب: \"لا اعتكاف إلاَّ في مسجد نبيّ\". أخرجه ابن أبي شيبة وابن حزم بسند صحيح عنه\".\n٣ - لا بد من الصوم في الاعتكاف على الراجح وتقدّم حديث عائشة - ﵂-: \"والسّنة فيمن اعتكف أنْ يصوم\".\nقال الإِمام ابن القيّم -﵀- في \"زاد المعاد\" (٢/ ٨٧): \"ولم يُنقل عن النّبيّ - ﷺ - أنّه اعتكف مفطرًا قطّ، بل قد قالت عائشة: \"لا اعتكاف إلاَّ بصوم\"، ولم يذكر سبحانه الاعتكاف إِلا مع الصوم، ولا فَعَله رسول الله - ﷺ - إِلا مع الصوم.\n_________\n(١) يريد شيخنا -رحمه الله تعالى- \"مصنف ابن أبي شيبة\" و\"مصنف عبد الرّزاق\" كما في (ص ٦٦٩).","vol":"3","page":355},{"text":"فالقول الراجح في الدليل الذي عليه جمهور السلف أنّ الصوم شرط في الاعتكاف، وهو الذي كان يرجِّحه شيخ الإِسلام أبو العباس ابن تيمية\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-961>متى يدخل المعتكَف</span>؟\nعن عائشة -﵂- قالت: \"كان رسول الله - ﷺ - إِذا أراد أن يعتكف؛ صلّى الفجر، ثمّ دخَل معتكفه\" (٢).\nوسألْتُ شيخنا -﵀- عن قول بعض الفقهاء؛ في دخوله المعتكف قبل غروب الشمس من يوم، والخروج بعده بيوم؟\nفأجاب: نعم جائز؛ والمهمّ أنْ يدخل صائمًا.\nوقال ابن حزم -﵀-: \"ومن نذر اعتكاف يوم أو أيّام مسمّاة، أو أراد ذلك تطوّعًا؛ فإِنّه يدخل في اعتكافه قبل أن يتبيّن له طلوع الفجر، ويخرج إِذا غاب جميع قرص الشمس؛ سواء كان ذلك في رمضان أو غيره؟\nومن نذر اعتكاف ليلة أو ليال مسمّاة، أو أراد ذلك تطوُّعًا؛ فإِنّه يدخل قبل أنْ يتمّ غروب جميع قرص الشمس؛ ويخرج إِذا تبيّن له طلوع الفجر؛ لأن مبدأ الليل إِثر غروب الشمس، وتمامه بطلوع الفجر، ومبدأ اليوم بطلوع الفجر، وتمامه بغروب الشمس كلّها، وليس على أحد إلاَّ ما التزم أو ما\n_________\n(١) قال شيخنا -﵀-: \"ويترتّب عليه أنّه لا يشرع لمن قصد المسجد للصلاة أو غيرهما أنْ ينوي الاعتكاف مدة لبْثه فيه، وهو ما صرّح به شيخ الإسلام -﵀- في \"الاختيارات\"\".\n(٢) أخرجه البخاري: ٢٠٤١، ومسلم: ١١٧٣ واللفظ له.","vol":"3","page":356},{"text":"نوى؟ \" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-962>ما يستحبّ للمعتكِف </span>(٢)\nيستحبّ للمعتكف التشاغل بالصّلاة، وتلاوة القرآن، وذِكْر الله تعالى ونحو ذلك من الطاعات المحضة، ويجتنب ما لا يعنيه من الأقوال والأفعال، ولا يكثر الكلام؛ لأنّ من كثُر كلامه كثر سَقطه.\nوفي الحديث: \"مِنْ حُسن إِسلام المرء ترْكه ما لا يعنيه\" (٣).\nويجتنب الجدال والمراء والسّباب، والفحش، فإِنّه لا ينبغي في غير الاعتكاف، ففيه أولى.\nقال ابن قدامة (٤) -﵀-: \"فأمّا إِقراء القرآن، وتدريس العلم، ودرسه ومناظرة الفقهاء، ومجالستهم، وكتابة الحديث، ونحو ذلك مما يتعدّى نفْعه؛ فأكثر أصحابنا على أنّه لا يستحبّ، وهو ظاهر كلام أحمد.\nوقال أبو الحسن الآمدي: في استحباب ذلك روايتان، واختار أبو الخطاب أنّه مستحبّ إِذا قصد به طاعة الله -تعالى- لا المباهاة وهذا\n_________\n(١) \"المحلّى\" (٥/ ٢٩٢) مسألة (٦٣٦) وذكره السيد سابق -﵀- في \"فقه السنة\" (١/ ٤٨٠).\n(٢) عن كتاب \"المغني\" (٣/ ١٤٨) -بتصرف-.\n(٣) أخرجه أحمد وابن ماجه والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (١٨٨٦)، وانظر \"شرح العقيدة الطحاوية\" (٢٦٨ و٣٤٥).\n(٤) \"المغني\" (٣/ ١٤٩).","vol":"3","page":357},{"text":"مذهب الشافعي، لأنّ ذلك أفضل العبادات، ونفْعه يتعدّى، فكان أولى مِن ترْكه كالصلاة.\nواحتجّ أصحابنا بأنّ النّبيّ - ﷺ - كان يعتكف، فلم يُنقَل عنه الاشتغال بغير العبادات المختصَّة به، ولأنّ الاعتكاف عبادة من شرطها المسجد، فلم يُستحبّ فيها ذلك؛ كالطواف (١) انتهى\".\nوسألتُ شيخنا -﵀- عن هذا.\nفقال: \"الاعتكاف عبادة محضة، فنحن لا نرى هذا؛ كما ننكر على الأئمّة في شهر رمضان مِن فصْلهم الصلاة وإنشاء استراحة؛ تتخلّلها موعظة أو درس، وهذا كقول القائل: \"تقبّل الله\" لمن صلّى، فهذه زيادة لم تكن في عهد النّبيّ - ﷺ - ولا السلف.\nوالاعتكاف عبادة محضة؛ صلاة -ورسول الله - ﷺ - يقول: \"الصلاة خير موضوع فمن استطاع أن يستكثر فليستكثر- (٢) وتلاوة قرآن ... إِلخ\".\nقال ابن قدامة -﵀- في \"المغني\" (٣/ ١٤٩) -بتصرف يسير-:\n_________\n(١) ثمّ أتمّ -﵀- قوله: \"وما ذكروه يبطُل بعيادة المرضى وشهود الجنازة، فعلى هذا القول؛ فِعْله لهذه الأفعال أفضل من الاعتكاف\".\nقلت: وفي هذا الكلام نظر؛ لأنّ ما ذكروه يبطُل بالجماع كذلك، فهل هو خيرٌ من الاعتكاف في كلّ الأحوال؟\nوكذلك ما ذكروه يُبطل بالخروج لغير سبب، فهل هذا أيضًا أفضل من الاعتكاف!\nولا يُقال باستحباب المناظرات والتدريس في المعتكف، ونحو ذلك؛ لأنّ لللمعتكِف أن يختار أجر المناظرات والتدريس أو الاعتكاف.\n(٢) أخرجه الطبراني في \"الأوسط\" وقال شيخنا -﵀- في \"صحيح =","vol":"3","page":358},{"text":"\"وليس من شريعة الإِسلام الصمت عن الكلام، وظاهر الأخبار تحريمه.\nقال: قيس بن أبي حازم: \"دخل أبو بكر -﵁- على امرأة من أحمس يقال لها زينب، فرآها لا تتكلم فقال: ما لها لا تَكلَّمُ؟ قالوا: حجّت مُصمتةً، قال لها: تكلّمي فإِنّ هذا لا يحلّ، هذا من عمل الجاهلية، فتكلّمت\" (١).\nوعن عليّ -﵁- قال: \"حفظت عن رسول الله - ﷺ - أنّه قال: لا صُمات يوم إِلى الليل\" (٢).\nفإِنْ نذر ذلك في اعتكافه أو غيره، لم يلزمه الوفاء به، وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي وابن المنذر، ولا نعلم فيه مخالفًا؛ لما روى ابن عباس قال: بينا النّبيّ - ﷺ - يخطب إِذا هو برجل قائم فسأل عنه فقالوا: أبو إسرائيل، نذر أنْ يقوم ولا يقعد ولا يستظلّ ولا يتكلّم ويصوم.\nفقال النّبيّ - ﷺ -: مُرْهُ فليتكلم وليستظلّ، وليقعد وليُتمّ صومه\" (٣).\nولنا النّهي عنه، وظاهره التحريم، والأمر بالكلام ومقتضاه الوجوب، وقول أبي بكر الصدِّيق -﵁-: \"إِنّ هذا لا يحلّ، هذا من عمل الجاهلية\".\n_________\n= الترغيب والترهيب\" (٣٨٣): \"له شواهد يتقوّى بها؛ فأخرجه الطيالسي وأحمد والحاكم من طريقين عن أبي ذر، وأحمد وغيره، من حديث أبي أُمامة؛ فالحديث حسن إِن شاء الله -تعالى-.\n(١) أخرجه البخاري: ٣٨٣٤.\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٤٩٧).\n(٣) أخرجه البخاري: ٦٧٠٤.","vol":"3","page":359},{"text":"وهذا صريح ولم يخالِفه أحد من الصحابة؛ فيما علِمناه، واتباع ذلك أولى\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-963>ما يجوز للمعتكف </span>(١):\n١ - الخروج من معتكفه لقضاء الحاجة، وأن يُخرج رأسه من المسجد، ليغَسّل ويُسَرَّح.\nعن عائشة -﵂- قالت: \"وإنْ كان رسول الله - ﷺ - ليُدخِل عليَّ رأسه وهو [معتكف] في المسجد، [وأنا في حجرتي] فأُرَجِّلُه، [وفي رواية: فأغسله وإنّ بيني وبينه لعتبة الباب وأنا حائض].\nوكان لا يدخل البيت إِلا لحاجة [الإِنسان]، إِذا كان معتكفًا\" (٢).\nوعليه ألا يتوسّع في الخروج، قال أبو زُرعة العراقي -رحمه الله تعالى- بعد هذا الحديث: \"لو جاز له الخروج لغير ذلك، لما احتاج إِلى إِخراج رأسه من المسجد خاصّة، ولكان يخرج بجملته؛ ليفعل حاجته من تسريح رأسه في بيته ... \" (٣).\n٢ - أن يتوضأ في المسجد، لقول رجلٍ خدَم النّبيّ - ﷺ -: \"توضّأ النّبيّ - ﷺ - في المسجد وضوءًا خفيفًا\" (٤).\n_________\n(١) من (١ - ٤) من \"قيام رمضان\" (ص ٣٧) -بتصرف-.\n(٢) أخرجه البخاري: ٢٩٥، ومسلم: ٢٩٧.\n(٣) قاله في \"طرح التثريب\" (٤/ ١٧٧) ونقَله الشيخ علي الحلبي -حفظه الله تعالى- في كتابه النافع \"الإِنصاف في أحكام الاعتكاف\".\n(٤) أخرجه البيهقي بسند جيد، وأحمد مختصرًا بسند صحيح.","vol":"3","page":360},{"text":"٣ - أن يتخذ خيمةً صغيرةً في مؤخرة المسجد يعتكف فيها؛ لأنّ عائشة -﵂- \"كانت تضرب للنبي - ﷺ - خِبَاءً (١) إِذا اعتكف، وكان ذلك بأمره - ﷺ -\" (٢).\nو\"اعتكف مرّة في قُبَّةٍ تُركيّةٍ (٣) على سُدَّتِها (٤) حصير\" (٥).\n٤ - ويجوز للمرأة أن تزور زوجها وهو في مُعْتكَفه، وأن يُوَدّعها إِلى باب المسجد، لقول صفيّة -﵂-: \"كان النّبيّ - ﷺ - معتكفًا [في المسجد في العشر الأواخر من رمضان] فأتيته أزوره ليلًا، [وعنده أزواجه، فَرُحْن]، فحدّثته [ساعة]، ثم قمت لأنقلب، [فقال: لا تعجلي حتى أنصرف\n_________\n(١) الخِباء: \"أحد بيوت العرب من وبرٍ أو صوف ولا يكون من شَعَر، ويكون على عمودين أو ثلاثة\". \"النهاية\".\n(٢) أخرجه البخاري: ٢٠٣٣، ومسلم: ١١٧٣.\n(٣) القُبّة من الخيام: بيت صغير مستدير؛ وهو من بيوت العرب. \"النهاية\". وجاء في \"إكمال إِكمال المعلّم\" (٤/ ١٣٢): \"هي قُبَّة صغيرة من لِبْد\" واللِّبد: هو الشّعر أو الصوف المتلبّد. \"الوسيط\".\n(٤) والسُّدّة: كالظلّة على الباب، لتقي الباب من المطر، والمراد أنه وضع قطعة حصيرعلى سُدّتها لئلا يقع فيها نظر أحد؛ كما قال السندي.\nقال شيخنا -﵀-: وأولى أن يقال: لكي لا ينشغل بال المعتكف بمن قد يمرّ أمامه تحصيلًا لمقصود الاعتكاف وروحه؛ كما قال الإمام ابن القيّم: \"عكس ما يفعله الجهّال من اتخاذ المعتكف موضع عِشْرة ومجلبة الزائرين وأخذهم بأطراف الأحاديث بينهم، فهذا لون، والاعتكاف النبوي لون، والله الموفق\".\n(٥) هو طرف من حديث أبي سعيد الخدرى، أخرجه مسلم: ١١٦٧.","vol":"3","page":361},{"text":"معك].\nفقام معي ليقْلِبَني، وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد [حتى إِذا كان عند باب المسجد الذي عند باب أمّ سلمة]، فمرّ رجلان من الأنصار، فلمّا رأيا النّبيّ - ﷺ - أسرعا.\nفقال النّبيّ - ﷺ -: على رِسْلكما (١)؛ أنها صفية بنت حُيَيٍّ، فقالا: سبحان الله! يا رسول الله!\nقال: إِنّ الشيطان يجري من الإِنسان مجرى الدم، وإنّي خشيت أنْ يقذف في قلوبكما شرًا، أو قال: شيئًا\" (٢).\nبل يجوز لها أن تعتكف مع زوجها، أو بمفردها؛ لقول عائشة -﵂-: \"اعتكَفَتْ مع رسول الله - ﷺ - امرأة مستحاضة (وفي رواية: أنّها أمّ سلمة) من أزواجه، فكانت ترى الحُمرة والصُّفرة، فربما وضعنا الطَّسْت تحتها وهي تصلّي\" (٣).\nوقالت أيضًا: \"كان النّبيّ - ﷺ - يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفّاه الله، ثمّ اعتكف أزواجه من بعده\" (٤).\n_________\n(١) أي: اثبتا ولا تعجلا. \"النهاية\".\n(٢) أخرجه البخاري: ٢٠٣٥، ومسلم: ٢١٧٥.\n(٣) أخرجه البخاري: ٢٠٣٧، وهو مخرَّج في \"صحيح سنن أبي داود\" (٢١٣٨)، والرواية الأخرى لسعيد بن منصور كما في \"الفتح\" (٤/ ٢٨١) لكن سمّاها الدارمي (١/ ٢٢): \"زينب\". والله أعلم.\n(٤) أخرجه البخاري: ٢٠٢٦، ومسلم: ١١٧٢، وتقدّم نحوه.","vol":"3","page":362},{"text":"٥ - ولا بأس أنْ يأكل المعتكف في المسجد، ويضع سُفرة، يسقط عليها ما يقع منها؛ كيلا يُلوّث المسجد (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-964>منْع الرجل أهله من الاعتكاف</span>\nللرجل أن يمنع أهله من الاعتكاف، كما في حديث عائشة -﵂- قالت: \"كان رسول الله - ﷺ - إِذا أراد أن يعتكف صلّى الفجر، ثمّ دخَل معتكفه، وإنّه أَمَر بخبائه فضُرِب، أراد الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان.\nفأمرت زينب بخبائها فَضُرِب، وأمَر غيرُها من أزواج النّبيّ - ﷺ - بخبائه فضُرب.\nفلمّا صلّى رسول الله - ﷺ - الفجر، نظر فإِذا الأخبية، فقال: آلبر (٢) تُرِدْن؟ فأمر بخبائه فقوِّض (٣) وتَرَك الاعتكاف في شهر رمضان حتى اعتكف في العشر الأوّل من شوال (٤) \" (٥).\n_________\n(١) \"المغني\" (٣/ ١٥١).\n(٢) أي: الطاعة.\n(٣) أي: أُزيل.\n(٤) وذكر الإمام النووي عدة وجوهٍ ذكَرها القاضي -رحمهما الله تعالى- لمنع النبيّ - ﷺ - أزواجه -﵅- من ذلك منها: \"أنّه كرِه ملازمتهن المسجد؛ مع أنه يجمع النّاس، ويحضره الأعراب والمنافقون، وهنّ محتاجات إِلى الخروج والدخول لما يعرض لهنّ، فيبتذلن بذلك.\nأو لأنّه - ﷺ - رآهن عنده في المسجد، وهو في المسجد، فصار كأنّه في منزله بحضوره مع أزواجه، وذهب المهمّ من مقصود الاعتكاف وهو التخلّي عن الأزواج، ومتعلقات الدنيا وشبه ذلك، أو لأنهنّ ضيّقن المسجد بأبنيتهنّ .. \".\n(٥) أخرجه البخاري: ٢٠٣٣، ومسلم: ١١٧٣، واللفظ له.","vol":"3","page":363},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-965>ما يُبطل الاعتكاف</span>\n١ - الارتداد عن الدِّين (١) لقوله تعالى: ﴿لئن أشركت ليحبطنّ عملك﴾ (٢).\n٢ - الجماع، لقوله تعالى: ﴿ولا تباشروهنّ وأنتم عاكفون في المساجد﴾ (٣).\nوقال ابن عباس: \"إِذا جامع المعتكف بطل اعتكافه، واستأنف (٤) \" (٥).\nولا كفّارة عليه لعدم ورود ذلك عن النّبيّ - ﷺ - وأصحابه (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-966>فوائد متنوّعة</span>\n١ - هناك من يرى أن الخروج اليسير من المسجد يُبطل الاعتكاف، وأنّ الخروج في غير ما سبق ذِكره ينافي الاعتكاف، ولا دليل -فيما علمت- على إِبطاله.\nوسألت شيخنا -﵀- عن الخروج اليسير، فقال: \"لا يبطله ولكنّه\n_________\n(١) انظر \"المغني\" (٣/ ١٤٥).\n(٢) الزمر: ٦٥.\n(٣) البقرة: ١٨٧.\n(٤) أي: أعاد اعتكافه.\n(٥) أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٩٢) وعبد الرزاق بسند صحيح، وانظر \"قيام رمضان\" (ص ٤١).\n(٦) انظر \"قيام رمضان\" (ص ٤١).","vol":"3","page":364},{"text":"يقلّل الأجر\".\n٢ - الاستحاضة لا تمنع الاعتكاف؛ لأنها لا تمنع الصلاة ولا الطواف (١).\nكما في حديت عائشة -﵂- قالت: \"اعتكفَتْ مع رسول الله - ﷺ - امرأهّ مستحاضة (وفي رواية: أنّها أمّ سلمة) من أزواجه، فكانت ترى الحُمرة، والصُّفرة، فربّما وضَعْنا الطَّسْت تحتها وهي تصلّي\" (٢).\n٣ - يرى بعض العلماء أنّ ذهاب العقل بجنون ونحوه يبطل الصوم، ولا دليل على هذا.\nقال الإِمام الشافعي -﵀- في \"الأم\" (٤/ ٣٨٥): \"وإذا جُنّ المعتكف، فأقام سنين؛ ثم أفاق بنى\".\nوسألت شيخنا -﵀- عن هذا فقال: \"الجنون كالنوم، فإِذا أفاق وهو لا يزال في نيّة الاعتكاف، فإِنّه يتمُّ اعتكافه، وكذلك الحيض والنّفاس لا يُبطلان الاعتكاف، ولكنهما يمنعان من الصلاة ولا يمنعان مِن ذِكر الله تعالى\".\n٤ - ويرى عدد من العلماء أن مَن قبّل زوجه؛ لا يفسد اعتكافه إلاَّ أن يُنزل.\nوسألت شيخنا -﵀- عن هذا فقال: \"حتى الاستثناء لا نقول به، قال الله تعالى: ﴿ولا تباشروهنّ وأنتم عاكفون في المساجد﴾ (٣)، وهذا\n_________\n(١) انظر \"المغني\" (٣/ ١٥٤).\n(٢) تقدّم قريبًا.\n(٣) البقرة: ١٨٧.","vol":"3","page":365},{"text":"التقبيل ولو كان مقرونًا بالإِنزال؛ فهو كالتقبيل المقرون بالإِنزال وهو صائم (١)، فهذا لا يفطّر وهذا لا يفطّر، ولكن هل ذلك ممّا يجوز؟\nالجواب: لا، ففرق بين الأمرين\".\n٥ - سألت شيخنا عمّا ذكره السيد سابق في \"فقه السنّة\" عن الإِمام الشافعي -﵏ أجمعين-: إِن لم يكن عليه نذْر اعتكاف أو شيء أوجبه على نفسه، وكان متطوعًا فخرج، فليس عليه قضاء؛ إلاَّ أن يحبّ ذلك اختيارًا منه.\nوكلّ عمل لك أن لا تدخل فيه، فإِذا دخَلت فيه وخرجْتَ منه؛ فليس عليك أن تقضي إِلا الحجّ والعمرة\".\nفقال -﵀- مجيبًا عن العبارة الأخيرة:\nيُقيَّد ذلك بأن لا يكون فرضًا، ولا بدّ من الإِتمام لقوله تعالى: ﴿وأتمّوا الحجّ والعمرة لله﴾ (٢). وإذا لم يتيّسر له؛ فكما قال الإِمام -﵀-: \"فعليه القضاء\".\nلكن هنا يحضرني تقييد؛ وهو عدم اشتراطه كما في قوله - ﷺ -: \"اللهمّ\n_________\n(١) وقد تقدّم رأي أهل العلم في ذلك؛ فأغنى عن الإِعادة، ثم رأيت للإِمام الشافعي -﵀- كلامًا مفيدًا في \"الأمّ\" (٤/ ٣٨٢) برقم (٥٠٦٤): بلفظ: \"ولا يفسد الاعتكاف من الوطء؛ إلاَّ ما يوجب الحدّ؛ لا تفسده قبلة ولا مباشرة ولا نظرة؛ أنزل أو لم يُنزل، وكذلك المرأة؛ كان هذا في المسجد أو في غيره\".\n(٢) البقرة: ١٩٦.","vol":"3","page":366},{"text":"محلّي حيت حبَستني (١) \" (٢). فإِذا حصل طارئُ مرض أو كسْر أو نحوه؛ فلا يجب عليه القضاء لأنّه اشترط، هذا إِذا كان حجّ نافلة.\nوالخلاصة: جواب الإِمام الشافعي -﵀- صحيح، مع ذِكر الاشتراط؛ فإِذا اشترط بقوله: \"اللهمّ محلّي حيث حبستني\" فلا قضاء عليه.\nوسألت شيخنا -﵀- هل يشترط اعتكاف الليالي مع الأيام؟\nفأجاب: السُّنّة الأيام مع الليالي، ويجوز اعتكاف الأيام دون الليالي.\n-تمّ بحمد الله تعالى-\n_________\n(١) جاء في \"شرح النووي\" (٨/ ١٣١): \" ... فيه دلالة لِمن قال: يجوز أنْ يشترط الحاج والمعتمر في إِحرامه؛ أنّه إِن مرض تحلّل وهو قول عمر بن الخطاب وعلي وابن مسعود وآخرين من الصحابة -﵃- وجماعة من التابعين وأحمد وإسحاق وأبي ثور، وهو الصحيح من مذهب الإِمام الشافعي وحجّتهم هذا الحديث الصحيح الصريح.\nوقال أبو حنيفة ومالك وبعض التابعين: لا يصحّ الاشتراط، وحملوا الحديث على أنها قضيّة عين وأنّه مخصوص بضُبَاعَة\" ولعله يأتي -إن شاء الله تعالى- في موضعه.\n(٢) أخرجه البخاري: ٥٠٨٩، ومسلم: ١٢٠٧.","vol":"3","page":367},{"text":"الموسوعة الفقهية الميسرة\nفي\nفقه الكتاب والسنة المطهرة\nالجزء الرابع\nكتاب الجنائز والحج\nبقلم\nحسين بن عودة العوايشة\nالمكتبة الإسلامية\nدار ابن حزم","vol":"4","page":1},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم","vol":"4","page":2},{"text":"الموسوعة الفقهية الميسرة\nفي\nفقه الكتاب والسنة المطهرة","vol":"4","page":3},{"text":"جميع الحقوق محفوظة للمؤلف\nالطبعة الأولى\n١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٢ م\nالمكتبة الإسلامية\nص ب: (١١٣) الجبيهة - هاتف ٥٣٤٢٨٨٧\nعمَّان - الأردن\nدار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع\nبيروت - لبنان - ص ب: ٦٣٦٦/ ١٤ - تليفون: ٧٠١٩٧٤","vol":"4","page":4},{"text":"-[المقدّمة]-\nإِنّ الحمْدَ لله، نحمَدُه ونستعينهُ ونستغفِرُه، ونعوذُ بالله من شرور أَنفُسِنا، وسيِّئاتِ أعمالِنا، من يَهدِه الله فَلا مُضِلَّ لهُ، ومَن يُضْلل فلا هاديَ لهُ.\nوأَشهَد أنْ لا إله إِلاَّ الله، وحدَه لا شريكَ له، وأَشْهَدُ أنَّ محمدًا عَبدهُ ورَسولهُ.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١).\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢).\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٣).\nأمَّا بعد:\nفإِنَّ أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدْي محمّد، وشرّ الأمور مُحدثاتها، وكلَّ مُحدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة، وكلَّ ضلالة في النَّار.\nفهذا هو الجزء الرابع من الموسوعة الفقهية؛ وقد تضمّن (كتاب الجنائز)\n_________\n(١) آل عمران: ١٠٢.\n(٢) النساء: ١.\n(٣) الأحزاب: ٧٠، ٧١.","vol":"4","page":null},{"text":"و(الحجّ) وقد استفدت كثيرًا فيهما من كتاب \"أحكام الجنائز\" و\"مناسك الحج والعمرة\" و\"حجّة النّبيّ - ﷺ -\" لشيخنا -﵀- وقد أحسن شيخنا -﵀- * (١) حتى لم يكد يدَع للإِحسان موضعًا، وسَبَق حتى جاء من خَلَفه له تَبَعًا*.\nوكذا استفدت من \"فقه السنة\" أيضًا؛ في كثير من العناوين والأدلّة والترتيب؛ كما هو الشأن مع الأجزاء السابقة.\nأسأل الله -﷾- أن يتقبّل مني عملي ويجعله له خالصًا. إِنه على كل شيء قدير.\nحسين بن عودة العوايشة\nعمّان - ٨ ذو الحجة ١٤٢٢ هـ\n_________\n(١) ما بين نجمتين من كلام الإِمام ابن القيّم في حقِّ الحافظ المنذري -رحمهما الله تعالى- في اختصاره وتهذيبه \"سنن أبي داود\".","vol":"4","page":null},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-967>[[الجنائز]]</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-968>فَضْلُ المَرَضِ:</span>\nعن عبد الله بن مسعود -﵁- قال: \"دخَلْت على رسول الله - ﷺ - وهو يُوعَك وَعْكًا شديدًا، فمَسسْته بيدي فقلت: يا رسول الله! إِنك توعك (١) وَعْكًا شديدًا؟! فقال رسول الله - ﷺ -: أجل، إِني أوعك كما يوعك رجلان منكم فقلت: ذلك أنّ لك أجرين؟! فقال رسول الله - ﷺ -: أجل. ثمّ قال رسول الله - ﷺ -: ما من مسلم يُصيبه أذى -مرض فما سواه- إِلا حَطّ الله له سيّئاته، كما تحطّ الشجرة ورقها\" (٢).\nوعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة -﵄- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"ما يصيب المسلمَ من نَصَب (٣) ولا وَصَب (٤) ولا همّ ولا حَزَن ولا أذى ولا غمّ - حتى الشوكةِ يُشَاكُها- إِلا كفّر الله بها من خطاياه\" (٥).\nوعن أبي هريرة -﵁- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"لا يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في جسده وأهله وماله، حتى يلقى الله -﷿- وما عليه خطيئة\" (٦).\n_________\n(١) الوعك: الحمّى. وقيل: ألمها. \"النهاية\".\n(٢) أخرجه البخاري: ٥٦٦٠، ومسلم: ٢٥٧١.\n(٣) النّصَب: هو التعب، وانظر للمزيد من الشرح -إِن شئت- كتابي \"شرح صحيح الأدب المفرد\" برقم (٣٧٨/ ٤٩٢).\n(٤) الوصَب؛ أي: المرض. وقيل: هو المرض اللازم. \"فتح\" (١٠/ ١٠٦).\n(٥) أخرجه البخاري: ٥٦٤١، ٥٦٤٢، ومسلم: ٢٥٧٣.\n(٦) أخرجه أحمد، والترمذي وغيرهما. وقال الترمذي: \"حديث حسن صحيح\"، وانظر \"الصحيحة\" (٢٢٨٠).","vol":"4","page":5},{"text":"وعنه -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من يُرِدِ الله به خيرًا يُصِبْ (١) منه\" (٢).\nوعن عائشة -﵂- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"إِذا اشتكى المؤمن؛ أخلصَه الله (٣) كما يخلص الكِيرُ (٤) خَبَث الحديد (٥) \" (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-969>شكوى المريض:</span>\nيجوز للمريض أن يشكو للطبيب والصديق ما يجده من الألم والمرض؛ ما\n_________\n(١) قال النووي -﵀- في \"رياض الصالحين\" (ص ٦٤): \"ضبطوا \"يُصَِب\": بفتح الصاد وكسْرها.\nوقال في \"الفتح\" (١٠/ ١٠٨): \" .. \"يُصِب منه\"؛ كذا للأكثر بكسر الصاد، والفاعل: الله، قال أبو عبيد الهَرَوي: \"معناه يبتليه بالمصائب لِيُثِيبَه عليها ... \"، وانظره للمزيد من الفوائد -إِن شئت-.\n(٢) أخرجه البخاري: ٥٦٤٥.\n(٣) أي: من الذنوب.\n(٤) جهاز من جلد أو نحوه؛ يستخدمه الحدّاد وغيره؛ للنّفْخ في النار وإشعالها. \"الوسيط\".\n(٥) خَبَث الحديد: ما تلقيه النار من وسخ الفضّة والنحاس وغيرهما؛ إِذا أُذيبا. \"النهاية\". وانظر للمزيد من شرحه -إِن شئت- كتابي \"شرح صحيح الأدب المفرد\" (٢/ ١١٥).\n(٦) أخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" \"صحيح الأدب المفرد\" (٣٨٢)، وانظر \"الصحيحة\" (١٢٥٧).","vol":"4","page":6},{"text":"لم يكن ذلك على سبيل التسخّط وإظهار الجَزَع (١)؛ وقد تقدّم حديث: \"إِنّي أُوعَك كما يوعَك رجلان منكم\".\nوعن القاسم بن محمد قال: \"قالت عائشة: وارأساه!! فقال رسول الله - ﷺ -: ذاك لو كان وأنا حيٌّ واستغفرَ لك وأدعوَ لك، فقالت عائشة: واثُكْلِيَاه (٢)!! والله إِني لأظنُّك تحبّ موتي، ولو كان ذلك لظَللْتَ آخر يومك مُعرِّسًا ببعض أزواجك!!\nفقال النّبيّ - ﷺ -: بل أنا وارأساه! لقد هممت -أو أردت- أن أرسل إِلى أبي بكر وابنه وأعهد؛ أن يقول القائلون، أو يتمنى المتمنّون! ثمّ قلت: يأبى الله ويدفع المؤمنون -أو يدفع الله ويأبى المؤمنون-\" (٣).\nوعن عروة بن الزبير قال: \"دخلت أنا وعبد الله بن الزبير على أسماء -قبل قتل عبد الله بعشر ليال- وأسماء وَجِعة، فقال لها عبد الله: كيف تجدينك؟ قالت: وَجِعة.\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-970>المريض يُكتب له ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا:</span>\nعن أبي موسى الأشعري -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إِذا\n_________\n(١) انظر \"فقه السّنّة\" (١/ ٤٨٨).\n(٢) أصْل الثُّكْل: فَقْدُ الولد أو من يعزّ على الفاقد، وليست حقيقته هنا مرادة، بل هو كلام كان يجري على ألسنتهم عند حصول المصيبة أو توقعها. \"فتح\".\n(٣) أخرجه البخاري: ٥٦٦٦.\n(٤) أخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" (٥٠٩)، وانظر \"صحيح الأدب المفرد\" (٣٩٤).","vol":"4","page":7},{"text":"مرض العبد أو سافر؛ كُتب له مثلُ ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-971>عيادة المريض:</span>\nعن أبي موسى الأشعري -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"أطعموا الجائع وعودوا المريض وفُكُّوا العاني (٢) \" (٣).\nوعن أبي هريرة -﵁- قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"حقّ المسلم على المسلم خمس: ردّ السلام، وعيادة المريض، واتّباع الجنائز، وإِجابة الدعوة، وتشميت العاطس\" (٤).\nوعنه -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من عاد مريضًا أو زار أخًا له في الله؛ ناداه منادٍ: أن طِبْتَ وطاب ممشاك، وتبوَّأتَ من الجنة منزلًا\" (٥).\nوعن ثوبان مولى رسول الله - ﷺ - عن رسول الله - ﷺ - قال: \"من عاد مريضًا؛ لم يزل في خُرْفةِ الجنة (٦) قيل: يا رسول الله! وما خُرْفةُ الجنة؟ قال: جناها\" (٧).\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٢٩٩٦.\n(٢) العاني: الأسير، وكلّ من ذلَّ واستكان وخضع؛ فقد عنا يعنو، وهو عانٍ، والمرأة عانية، وجمعُها: عوانٍ. \"النهاية\".\n(٣) أخرجه البخاري: ٥٦٤٩.\n(٤) أخرجه البخاري: ١٢٤٠، ومسلم: ٢١٦٢.\n(٥) أخرجه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (١٦٣٣)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١١٨٤)، وانظر \"المشكاة\" (١٥٧٥، ٥٠١٥).\n(٦) أي: في اجتناء ثمرها. \"النهاية\". والخُرفة: اسم ما يخترف من الثمار حين يُدرك.\n(٧) أخرجه مسلم: ٢٥٦٨.","vol":"4","page":8},{"text":"وعن علي -﵁- قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"ما من مسلم يعود مسلمًا غدوةً؛ إِلا صلّى عليه سبعون ألف ملكٍ حتى يمسي، وإن عاده عَشِيَّةً؛ إِلا صلّى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح، وكان له خريف (١) في الجنة\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-972>عيادة المُغْمَى عليه </span>(٣):\nعن جابر بن عبد الله قال: \"مرضتُ مرضًا، فأتاني النّبيّ - ﷺيعودني- وأبو بكر وهما ماشيان، فوجداني أُغميَ عليّ، فتوضأ النّبيّ - ﷺ -، ثمّ صبَّ وَضوءه عليّ، فأفقتُ؛ فإِذا النّبيّ - ﷺ -. فقلت: يا رسول الله! كيف أصنع في مالي؟ [كيف] أقضي في مالي؟ فلم يُجبني بشيء حتى نزلت آية الميراث\" (٤).\nجاء في \"الفتح\" (١٠/ ١١٤): \"قال ابن المنَيِّر: فائدة الترجمة: أن لا يُعتقد أَنَّ عيادة المغمى عليه ساقطة لكونه لا يعلم بعائده.\n[قال الحافظ]: ومجرد عِلم المريض بعائده لا تتوقف مشروعية العيادة عليه؛ لأَنَّ وراء ذلك جبْرَ خاطِرِ أهله، وما يُرجَى من بركة دعاء العائد، ووضْع يده على المريض، والمسح على جسده، والنفث عليه عند التعويذ، إِلى غير\n_________\n(١) أي: مخروف من ثمرها، فعيل بمعنى مفعول. \"النهاية\".\n(٢) أخرجه أحمد، وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٦٥٥)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٧٧٥)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١١٨٣) وغيرهم، وانظر \"الصحيحة\" (١٣٦٧).\n(٣) هذا العنوان من كتاب \"الأدب المفرد\" وكذا ثلاثة الأبواب التي بعده.\n(٤) أخرجه البخاري: ٥٦٧٦، ومسلم: ١٦١٦.","vol":"4","page":9},{"text":"ذلك\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-973>قول العائد للمريض: كيف تَجِدُكَ</span>؟\nعن عائشة -﵂- قالت: \"لما قدم رسول الله - ﷺ - المدينة؛ وُعك أبو بكر وبلال، قالت: فدخلتْ عليهما، فقلت: يا أبتِ! كيف تجدك؟ ويا بلال! كيف تجدك؟ \" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-974>ما يجيب المريض:</span>\nعن سعيد بن عمرو بن سعيد قال: \"دخل الحجاج على ابن عمر -وأنا عنده -فقال: كيف هو؟ فقال: صالح، فقال: من أصابك؟ قال: أصابني من أمَر بحمل السلاح في يوم لا يحلُّ فيه حمْله! يعني: الحجاج\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-975>أين يقعد العائد</span>؟\nعن ابن عباس -﵄- قال: \"كان النّبيّ - ﷺ - إِذا عاد المريض جلس عند رأسه، ثمّ قال (سبع مرار): أسأل الله العظيم - ربَّ العرش العظيم: أنْ يشفيَك، فإِنْ كان في أجله تأخير عُوفي من وجعه (٤) \" (٥).\n_________\n(١) انظر كتابي \"شرح صحيح الأدب المفرد\" (٢/ ١٣٥).\n(٢) أخرجه البخاري: ٣٩٢٦. وبعضه في مسلم: ١٣٧٦.\n(٣) أخرجه البخاري: ٩٦٧.\n(٤) أي: إِذا لم يحضر أجله وكتب الله له حياة؛ عافاه من مرضه.\n(٥) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٦٦٣)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (١٦٩٨).","vol":"4","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-976>عيادة النِّساءِ الرّجالَ </span>(١):\nعن عائشة -﵂- قالت: \"لما قدِم رسول الله - ﷺ - المدينة؛ وُعك أبو بكر وبلال -﵄- قالت: فدخلْت عليهما قلت: يا أبت! كيف تجدك؛ ويا بلال! كيف تجدك؟ \" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-977>عيادة المشرك:</span>\nعن أنس -﵁- \"أن غلامًا ليهود كان يخدُم النّبيّ - ﷺ -، فمرض، فأتاه النّبيّ - ﷺ - يعوده، فقال: أسلِم \"فأسلم\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-978>التداوي:</span>\nعن أسامة بن شَرِيك قال: \"أتيت النّبيّ - ﷺ -؛ وأصحابُه كأنما على رؤوسهم الطير، فسلّمت ثمّ قعدت، فجاء الأعراب من هاهنا وهاهنا، فقالوا: يا رسول الله! أنتداوى؟ فقال: تداووا؛ فإِن الله -﷿- لم يضع داءً إِلا وضَع له دواءً؛ غيرَ داء واحد: الهَرَمُ\" (٤).\nوعن أبي هريرة -﵁- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"ما أنزل الله داءً؛ إِلا\n_________\n(١) هذا العنوان من \"صحيح البخاري\"، ونقله السيد السابق -﵀- في \"فقه السنة\" (١/ ٤٩٠).\n(٢) أخرجه البخاري: ٥٦٥٤، وبعضه في مسلم: ١٣٧٦، وتقدّم.\n(٣) أخرجه البخاري: ٥٦٥٧ و١٣٥٦.\n(٤) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٢٦٤)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (١٦٦٠)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢٧٧٢)، وانظر \"غاية المرام\" (تحت رقم ٢٩٢)، و\"المشكاة\" (٤٥٣٢).","vol":"4","page":11},{"text":"أنزل له شفاءً\" (١).\nوعن جابر -﵁- عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"لكل داءٍ دواء، فإِذا أُصيب دواء الداء برَأ بإِذن الله -﷿-\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-979>تحريم التداوي بمحرّم:</span>\nعن وائل الحضرمي: أن طارق بن سُويد الجُعْفِيَّ سأل النّبيّ - ﷺ - عن الخمر؟ فنهاه -أو كره- أن يصنعها، فقال: إِنما أصنعها للدواء؟! فقال - ﷺ -: إِنه ليس بدواء، ولكنه داء\" (٣).\nوقال عبد الله بن مسعود -﵁- في السُّكْر: \"إِنّ الله لم يجعل شفاءَكم فيما حرّم عليكم\" (٤).\nوعن أبي هريرة -﵁- قال: \"نهى رسول الله - ﷺ - عن الدواء الخبيث\" (٥).\nوجاء في \"مجموع الفتاوى\" (٢٤/ ٢٦٦): وسُئل عن التداوي بالخمر؟\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٥٦٧٨.\n(٢) أخرجه مسلم: ٢٢٠٤.\n(٣) أخرجه مسلم: ١٩٨٤.\n(٤) أخرجه البخاري معُلقًا مجزومًا به موقوفًا، وتقدّم في كتابنا هذا (باب الطهارة)، وانظر ما قاله الحافظ في \"الفتح\" (١٠/ ٧٩).\n(٥) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٢٧٨)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (١٦٦٧)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢٧٨٥).","vol":"4","page":12},{"text":"فأجاب:\n\"التداوي بالخمر حرام، بنص رسول الله - ﷺ -، وعلى ذلك جماهير أهل العلم\".\nثمّ ذكر -﵀- الأدلّة على ذلك، ثمّ قال:\n\"وليس هذا مِثلَ أكْل المُضْطَرِّ للميتة؛ فإِن ذلك يحصل به المقصود قطعًا، وليس له عنه عوض، والأكل منها واجب، فمن اضطر إِلى الميتة ولم يأكل حتى مات؛ دخل النار، وهنا لا يعلم حصول الشفاء، ولا يتعين هذا الدواء، بل الله - تعالى- يعافي العبد بأسباب متعددة\".\nوجاء فيه (٢٤/ ٢٧٠): وسُئل -﵀- عن رجل وُصف له شحم الخنزير بمرضٍ به، هل يجوز له ذلك أم لا؟ فأجاب:\n\"وأما التداوي بأكل شحم الخنزير؛ فلا يجوز\".\nوجاء فيه (٢٤/ ٢٧٥): \"وأما ما أبيح للحاجة لا لمجرد الضرورة -كلباس الحرير-؛ فقد ثبت في \"الصحيح\": \"أن النّبيّ - ﷺ - رخص للزبير وعبد الرحمن ابن عوف في لبس الحرير؛ لحكة كانت بهما\".\nوهذا جائز على أصح قَوْلَي العلماء؛ لأن لبس الحرير إِنما حُرِّمَ عند الاستغناء عنه، ولهذا أبيح للنساء لحاجتهن إِلى التزيّن به، وأبيح لهن التستر به مطلقًا، فالحاجة إِلى التداوي به كذلك، بل أوْلى، وهذه حُرِّمت لما فيها من السرف والخيلاء والفخر، وذلك مُنْتَفٍ إِذا احتيج إِليه، وكذلك لبسها للبرد، أو إذا لم يكن عنده ما يستتر به غيرها\".","vol":"4","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-980>الطبيب المشرك </span>(١):\nقال الشيخ تقي الدين (٢): \"إِذا كان اليهودي أو النصراني خبيرًا بالطب ثقة عند الإِنسان؛ جاز له أن يستطبّ كما يجوز له أنْ يودِعه المال وأن يعامله، كما قال -تعالى-: ﴿ومن أهل الكتاب من إِن تأمنه بقنطار يُؤَدِّهِ إِليك ومنهم من إِن تأمنه بدينار لا يُؤَدِّهِ إِليك﴾ [آل عمران: ٧٥] \".\nوفي \"الصحيح\": \"أنّ النّبيّ - ﷺ - لما هاجر؛ استأجر رجلًا مشركًا هاديًا خِرِّيتًا\" (٣). والخريت: الماهر بالهداية، وَأْتَمَنَهُ على نفسه وماله.\nوكانت خُزَاعَةُ عَيْبَةً لرسول الله - ﷺ - مسلمُهم وكافرُهم (٤).\nوإذا أمكنه أنْ يستطبّ مسلمًا؛ فهو كما لو أمكنه أن يودعه أو يعامله، فلا ينبغي أن يَعْدِلَ عنه. وأمّا إِذا احتاج إِلى ائتمان الكتابيّ أو استطبابه؛ فله ذلك، ولم يكن من ولاية اليهود والنصارى المنهيّ عنها، وإِذا خاطبه بالتي هي أحسن كان حسَنًا؛ فإِنّ الله -تعالى- يقول: ﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب إِلا\n_________\n(١) انظر \"فقه السّنّة\" (١/ ٤٩٢).\n(٢) انظر \"الآداب الشرعية\" لابن مفلح (٢/ ٩٤).\n(٣) أخرجه البخاري: ٣٩٠٥.\n(٤) أخرجه البخاري: ٢٧٣١، ٢٧٣٢ بلفظ: \"وكانوا عيبةَ نُصْح رسول الله - ﷺ -\".\nقال الحافظ -﵀- في \"الفتح\" (٥/ ٣٣٧): \"العَيبة: ما توضع فيه الثياب لحِفظها؛ أي: أنهم موضع النصح له والأمانة على سرّه، كأنّه شبّه الصدر -الذي هو مستودع السر- بالعيبة التي هي مستودع الثياب\".","vol":"4","page":14},{"text":"بالتي هي أحسن إِلا الذين ظلموا منهم﴾ (١) \". انتهى كلامه.\nوسألت شيخنا -﵀-: هل ترون جواز تطبيب الكافرِ المسلمَ؛ إِذا لم يُتهم، وكان غير مظنون به الريبة؟ فأجاب: نعم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-981>هل يداوي الرجل المرأة والمرأة الرجل</span>؟ (٢)\nعن رُبَيِّعَ بنتِ مُعوِّذ قالت: \"كنّا نغزو مع رسول الله - ﷺ -: نسقي القوم، ونخدُمهم، ونَرُدُّ القتلى والجرحى إِلى المدينة\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-982>العلاج بالرُّقى:</span>\nعن عائشة -﵂- أنّ النّبيّ - ﷺ - كان يُعوِّذ بعض أهله؛ يمسح بيده اليمنى ويقول: \"اللهمّ ربَّ الناس! أذهب الباس، واشفه -وأنت الشافي، لا شفاءَ إِلا شفاؤك- شفاءً لا يغادر سَقَمًا\" (٤).\nوعن عثمان بن أبي العاص الثقفي: أنّه شكا إِلى رسول الله - ﷺ - وجَعًا، يجده في جسده منذ أسلم، فقال له رسول الله - ﷺ -: \"ضع يدك على الذي تَألَمُ من جسدك، وقل: باسم الله؛ ثلاثًا، وقل سبع مرات: أعوذ بالله وقدرته من شرّ ما أجد وأحاذر\" (٥).\n_________\n(١) العنكبوت: ٤٦.\n(٢) هذا العنوان من \"صحيح البخاري\".\n(٣) أخرجه البخاري: ٥٦٧٩.\n(٤) أخرجه البخاري: ٥٧٤٣، ومسلم: ٢١٩١.\n(٥) أخرجه مسلم: ٢٢٠٢.","vol":"4","page":15},{"text":"وعن سعد بن أبي وقاص -﵁-: أن رسول الله - ﷺ - عاده في مرضه، فقال النّبيّ - ﷺ -: \"اللهم اشف سعدًا، اللهم اشف سعدًا ثلاث مِرارٍ\" (١).\nوعن محمد بن سالم: حدَّثنا ثابت البُناني قال: قال لي: يا محمد! إِذا اشتكيت؛ فضع يدك حيث تشتكي، ثمّ قل: \"بسم الله، أعوذ بعزة الله وقدرته من شرِّ ما أجد من وجعي هذا، ثمّ ارفع يدك، ثمّ أعد ذلك وترًا؛ فإِن أنس بن مالك حدثني أن رسول الله - ﷺ - حدّثه بذلك\" (٢).\nوعن ابن عباس -﵄- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"من عاد مريضًا لم يحضر أجله، فقال عنده -سبع مِرار- أسأل الله العظيم ربَّ العرش العظيم أن يشفيَك؛ إِلا عافاه الله من ذلك المرض\" (٣).\nوعنه -﵄- قال: \"كان النّبيّ - ﷺ - يعوِّذ الحسن والحسين ويقول: إِن أباكما كان يعوِّذ بها إِسماعيل وإسحاق: أعوذ بكلمات الله التامّة (٤)،\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ١٦٢٨.\n(٢) أخرجه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٢٨٣٨)، وانظر \"الصحيحة\" (١٢٥٨).\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٦٦٣)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (١٦٩٨)، وتقدّم.\n(٤) جاء في \"النهاية\": \"إِنما وصف كلامه بالتمام؛ لأنه لا يجوز أن يكون في شيء من كلامه نقص أو عيب كما يكون في كلام الناس. وقيل: معنى التمام ها هنا: أنها تنفع المتعوّذ بها وتحفظه من الآفات وتكفيه\".","vol":"4","page":16},{"text":"من كل شيطان وهامّة (١)، ومن كل عين لامّة (٢) \" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-983>تحريم التمائم:</span>\nعن عقبة بن عامر الجُهَني -﵁-: أنّ رسول الله - ﷺ - أقبل إِليه رَهْطٌ (٤)، فبايع تسعةً، وأمسَك عن واحد، فقالوا: يا رسول الله! بايعت تسعة وتركت هذا؟! قال: إِن عليه تميمة، فأدخل يده، فقطعها، فبايعه وقال: \"من علّق تميمةً؛ فقد أشرك\" (٥).\n\"والتميمة: هي خرَزات كانت العرب تُعلّقها على أولادهم؛ يتقون بها العين في زعمهم، فأبطلها الإِسلام\". قاله ابن الأثير في \"النهاية\".\nوقال بعض العلماء: \"ثمّ توسّعوا فيها فسمَّوا بها كل عوذة\".\nقال شيخنا -﵀- في \"الصحيحة\" تحت الحديث (٣٣١): \"ومِنْ ذلك تعليق بعضهم نعل الفرس على باب الدار، أو في صدر المكان! وتعليق بعض السائقين نعلًا في مقدمة السيارة أو مؤخرتها، أو الخرز الأزرق على مرآة السيارة التي تكون أمام السائق من الداخل؛ كل ذلك من أجل العين زعموا!\n_________\n(١) واحدة الهوامّ ذوات السموم. وقيل: كلّ ما له سمّ يقتل؛ فأمّا ما لا يقتل سمّه فيقال له؛ السوام. وقيل: المراد كل نسمة تهم بسوء. \"فتح\".\n(٢) قال الخطابي: المراد به: كلّ داء وآفة يُلِمّ بالإِنسان من جنون وخبل. وقال أبو عُبيد: أصْله من: ألمَمت إِلمامًا. \"الفتح\" أيضًا.\n(٣) أخرجه البخاري: ٣٣٧١.\n(٤) الرهط: ما دون العَشَرة من الرجال؛ لا يكون فيهم امرأة. \"مختار الصحاح\".\n(٥) أخرجه الإِمام أحمد بإِسناد صحيح، وانظر \"الصحيحة\" (٤٩٢).","vol":"4","page":17},{"text":"وهل يدخل في (التمائم) الحُجُبُ التي يعلقها بعض الناس على أولادهم أو على أنفسهم إِذا كانت من القرآن أو الأدعية الثابتة عن النّبيّ - ﷺ -؟\nللسلف في ذلك قولان؛ أرجحهما عندي المنع؛ كما بيّنتُه فيما علّقته على \"الكَلِم الطيب\" لشيخ الإِسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- (رقم التعليق: ٣٤) \".\nعن عبد الله بن مسعود -﵁- قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"إِنّ الرُّقَى (١) والتمائم والتّوَلة (٢) شرك\" (٣). وانظر تعليق شيخنا -﵀- على الحديث (٤٩٢) من \"الصحيحة\".\nعن عيسى -وهو ابن عبد الرحمن بن أبي ليلى- قال: دخلْت على عبد الله ابن عُكيم أبي معبد الجهني أعوده، وبه حُمرة، فقلت: ألا تُعلّق شيئًا؛! قال: الموت أقرب من ذلك، قال النّبيّ - ﷺ -: \"من تَعَلَّق شيئًا وُكِّلَ إِليه\" (٤).\n_________\n(١) الرُّقى: جمع رُقْيَة: العُوذة التي يُرقَى بها صاحب الآفة، كالحمى والصّرَع وغير ذلك من الآفات\". وانظر \"النهاية\"\nوقال شيخنا -﵀-: \"هي -هنا- كلّ ما فيه الاستعاذة بالجنّ، أو لا يفهم معناها، مِثل كتابة بعض المشايخ من العجم على كتابهم لفظة (يا كبيكج)؛ لحفظ الكتب من الأرَضة زعموا! \".\n(٢) التّوَلَة -بكسر التاء وفتح الواو-: ما يحبب المرأة إلى زوجها من السحر وغيره؛ جعله من الشرك؛ لاعتقادهم أنّ ذلك يؤثر ويفعل خلاف ما قدّره الله -تعالى-\".\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٢٨٨)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢٨٤٥) وغيرهما، وانظر \"الصحيحة\" (٣٣١)، و\"غاية المرام\" (٢٩٨).\n(٤) أخرجه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (١٦٩١) وغيره، وحسنه شيخنا -﵀- في \"غاية المرام\" (٢٩٧).","vol":"4","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-984>التوقِّي من العدوى:</span>\nعن أسامة بن زيد -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"الطاعون رِجْز -أو عذاب أرسل على بني إِسرائيل- أو على من كان قبلكم - فإِذا سمعتم به بأرض؛ فلا تَقْدَموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها؛ فلا تخرجوا فرارًا منه\" (١).\nوعن الشَّريد بن سُوَيْد، قال: كان في وفد ثقيف رجل مجذوم (٢)، فأرسل إِليه النّبيّ - ﷺ -: إنا قد بايعناك فارجع\" (٣).\nعن أبي هريرة -﵁- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"لا تُوردوا المُمْرضَ (٤) على المُصِحّ\" (٥).\nقال شيخنا -﵀- في \"الصحيحة\" -تحت الحديث (٩٧١) -: \"واعلم أنه لا تعارض بين هذين الحديثين وبين أحاديث: \"لا عدوى ... \" (٦) المتقدّمة\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٥٧٢٨ ومسلم: ٢٢١٨، واللفظ له.\n(٢) أي: مصاب بالجذام، وهو علّة تتأكل منها الأعضاء وتتساقط، وانظر \"الوسيط\".\n(٣) أخرجه مسلم: ٢٢٣١.\n(٤) قال النووي -﵀- (١٤/ ٢١٧): \"قال العلماء: المُمْرِضُ: صاحب الإِبل المِرَاض، والمُصِحُّ: صاحب الإِبل الصحاح، فمعنى الحديث: لا يورد صاحب الإِبل المراض إِبله على إِبل صاحب الإِبل الصحاح؛ لأنّه ربما أصابها المرض بفعل الله -تعالى- وقدَره الذي أجرى به العادة، لا بطبعها؛ فيحصل لصاحبها ضرر بمرضها، وربما حصل له ضرر أعظم من ذلك؛ باعتقاد العدوى بطبعها؛ فيكفر؛ والله أعلم\".\n(٥) أخرجه البخاري: ٥٧٧٤، ومسلم: ٢٢٢١.\n(٦) إِشارة إِلى قوله - ﷺ -: \"لا عدوى ولا طِيَرة\" أخرجه البخاري: ٥٢٧٢، ومسلم: ٢٢٢٣.","vol":"4","page":19},{"text":"برقم (٧٨١ - ٧٨٩)؛ لأنّ المقصود بهما إِثبات العدوى، وأنها تنتقل بإِذن الله - تعالى- من المريض إِلى السليم، والمراد بتلك الأحاديث نفي العدوى التي كان أهل الجاهلية يعتقدونها، وهي انتقالها بنفسها دون النظر إِلى مشيئة الله في ذلك؛ كما يرشد إِليه قوله - ﷺ - للأعرابي: \"فمن أعدى الأول؟ \" (١)\nفقد لفَت النّبيّ - ﷺ - نظر الأعرابي بهذا القول الكريم إِلى المسبِّب الأول؛ ألا وهو الله -﷿- ولم ينكر عليه قوله: \"ما بال الإِبل تكون في الرّمل كأنها الظباء، فيخالطها الأجرب فيجربها\"؟! بل إِنه - ﷺ - أقره على هذا الذي كان يشاهده، وإنما أنكر عليه وقوفه عند هذا الظاهر فقط بقوله له: \"فمن أعدى الأوّل؟! \".\nوجملة القول: أنّ الحديثين يثبتان العدوى، وهي ثابتة تجربةً ومشاهدةً،\n_________\n(١) والحديث عن أبي هريرة -﵁- قال: إِنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"لا عدوى ولا صَفَر ولا هامة\"، فقال أعرابي: يا رسول الله! فما بال إِبلي تكون في الرَّمل؛ كأنها الظِّباء، فيأتي البعير الأجرب فيدخل بينها فيجربها؟ فقال: فمن أعدى الأول؟! \" أخرجه البخاري: ٥٧١٧، ومسلم: ٢٢٢٠.\nوالطِّيَرة: التشاؤُم بالشيء؛ وانظر تفصيل الشرح -إِن شئت- في كتابي \"شرح صحيح الأدب المفرد\" (٣/ ٣٩)، وجاء في \"النهاية\" في شرح كلمة صَفَر:\n\"كانت العرب تزعم أن في البطن حيّة يقال لها: الصَّفر، تصيب الإِنسان إِذا جاع وتؤذيه، وأنها تُعدي، فأبطل الإِسلام ذلك. وقيل: أراد به النسيء الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية، وهو تأخير المحرَّم إِلى صَفَر، ويجعلون صَفر هو الشهر الحرام، فأبطله\".\nوالهامة: الرأس، واسم طائر، وهو المراد في الحديث، وذلك أنّهم كانوا يتشاءمون بها، وهي من طير الليل. \"النهاية\" أيضًا.","vol":"4","page":20},{"text":"والأحاديث الأخرى لا تنفيها؛ وإِنما تنفي عدوى مقرونة بالغفلة عن الله -تعالى- الخالق لها.\nوما أشبه اليوم بالبارحة! فإِن الأطباء الأوربيين في أشد الغفلة عنه -تعالى- لشركهم وضلالهم، وإيمانهم بالعدوى على الطريقة الجاهلية! فلهؤلاء يقال: \"فمن أعدى الأول؟! \".\nفأمّا المؤمن الغافل عن الأخذ بالأسباب؛ فهو يُذكَّر بها، ويقال له -كما في حديث الترجمة-: \"لا يورد الممرض على الصح\"؛ أخذًا بالأسباب التي خلَقها الله -تعالى- وكما في بعض الأحاديث المتقدّمة (١): \"وَفِرَّ من المجذوم فرارَك من الأسد\" ... \".\nوجاء في \"مجموع الفتاوى\" (٢٤/ ٢٨٤): \"وسُئل عن رجل مبتلى، سكَن في دارٍ بين قوم أصحَّاء، فقال بعضهم: لا يمكننا مجاورتك، ولا ينبغي أن تجاور الأصحاء، فهل يجوز إِخراجه؟\nفأجاب: نعم؛ لهم أن يمنعوه من السكن بين الأصحاء، فإِن النّبيّ - ﷺ - قال: \"لا يورد ممرض على مُصح\"؛ فنهى صاحب الإِبل الراض أن يوردها على صاحب الإِبل الصحاح، مع قوله: \"لا عدوى ولا طِيَرة\"، وكذلك روي أنه لما قدم مجذوم ليبايعه، أرسل إِليه بالبيعة، ولم يأذن له في دخول المدينة\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-985>ذكر الموت والاستعداد له بالعمل:</span>\nعن ابن عمر -﵄- قال: كنت مع رسول الله - ﷺ -، فجاءه رجل\n_________\n(١) إِشارة إِلى الحديث المتقدّم في \"الصحيحة\" (٧٨٠) وفيه: \"واتقوا المجذوم كما يُتّقى الأسد\".","vol":"4","page":21},{"text":"من الأنصار، فسلّم على النّبيّ - ﷺ -، ثمّ قال: يا رسول الله! أيّ المؤمنين أفضل؟ قال: \"أحسنهم خُلُقًا، قال: فأيّ المؤمنين أَكْيَسُ (١)؟ قال: أكثرهم للموت ذِكرًا، وأحسنهم لما بعده استعدادًا، أولئك الأكياس\" (٢).\nوعن أبي هريرة -﵁- قال: قال - ﷺ -: \"أكثِروا ذِكر هاذِمَ (٣) اللذات\" (٤).\nوقال البخاري -﵀- في \"صحيحه\": (من استعدَّ الكفن في زمن النّبيّ - ﷺ - فلم يُنكر عليه) (٥)، ثمّ ساق بإِسناده حديث (١٢٧٧) عن سهل -﵁- \"أنّ امرأة جاءت النّبيّ - ﷺ - ببُردة منسوجة فيها حاشيتُها (٦)،\n_________\n(١) أكيس: أي: أعقل؛ \"النهاية\".\n(٢) أخرجه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٣٤٣٥) وغيره، وانظر \"الصحيحة\" (١٣٨٤).\n(٣) أي: قاطع.\n(٤) أخرجه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٣٤٣٤)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (١٧٢٠)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (١٨٧٧)، وصححه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٦٨٢).\n(٥) انظر منه (كتاب الجنائز) (باب ٢٨).\n(٦) قال الداودي: \"يعني: أنها لم تقطع من ثوب فتكون بلا حاشية. وقال غيره: حاشية الثوب هُدْبُهُ؛ فكأنه قال: إِنها جديدة لم يقطع هدبها، ولم تلبس بعد. وقال القزاز: حاشيتا الثوب: ناحيتاه اللتان في طرفهما الهدب\" \"فتح\". وجاء في \"النهاية\": \"وحاشية كل شيء جانبه وطرفه\".","vol":"4","page":22},{"text":"أتدرون ما البُردة (١)؟ قالوا: الشَّمْلة (٢)، قال: نعم، قالت: نسجتها بيدي، فجئت لأكْسَوَكَها، فأخذها النّبيّ - ﷺ - محتاجًا إِليها، فخرج إِلينا وإنها إِزاره، فحسّنها فلان، فقال: اكسُنيها ما أحسنها!\nقال القوم: ما أحسنت، لبسها النّبيّ - ﷺ - مُحتاجًا إِليها ثمّ سألته وعلمت أنه لا يرُدُّ! قال: إِني -والله- ما سألته لألبسها، إِنما سألته لتكون كفني. قال سهل: فكانت كفنه\".\nوعن عائشة -﵂- قالت: \"دخلت على أبي بكر -﵁- فقال: في كم كفَّنْتم النّبيّ - ﷺ -؟ قالت: في ثلاثة أثواب بيضٍ سَحولية (٣)؛ ليس فيها قميص ولا عمامة. وقال لها: في أيّ يوم توفّي رسول الله - ﷺ -؟ قالت: يومَ الاثنين. قال: فأيّ يوم هذا؟ قالت: يوم الاثنين. قال: أرجو فيما بيني وبين الليل، فنظر إِلى ثوب عليه كان يُمرَّض فيه، به رَدْعٌ (٤) من زعفران؛ فقال: اغسلوا ثوبي هذا، وزيدوا عليه ثوبين فكفّنوني فيهما. قلت: إِنّ هذا خَلَق! قال: إِن الحيّ أحق بالجديد من الميت، إنما هو للمُهْلة (٥)، فلم يُتوفَّ حتى\n_________\n(١) و(٢) البُردة: كساء أسود مربّع، يلبسه الأعراب. والشملة: كساء يُشتمل به. قاله الكرماني. وجاء في \"الفتح\" (٣/ ١٤٣): \"وفي تفسير البردة بالشملة تجوُّز؛ لأن البردة كساء والشملة ما يشتمل به؛ فهي أعمّ، لكن لما كان أكثر اشتمالهم بها؛ أطلقوا عليها اسمها\".\n(٣) منسوبة إِلى سَحُول -بفتح المهملة وضمّها- قرية باليمن. قاله الكرماني.\n(٤) الرَّدعْ: هو لَطْخ وأثر لم يعمّه كلّه: ملتقطًا من \"شرح الكرماني\" و\"الفتح\".\n(٥) المُهْلة؛ أي: القيح والصديد الذي يذوب فيسيل من الجسد. \"النهاية\".","vol":"4","page":23},{"text":"أمسى من ليلة الثلاثاء، ودُفِنَ قبل أن يصبح\" (١).\nجاء في \"المنتقى شرح موطَّإِ مالك\" (٢/ ٤٦١): \"سؤاله -﵁- عائشة لما كانت أعلم الناس بأمره - ﷺ -؛ لأنّه مات في يومها وفي بيتها، ووليت أمره، واهْتبلَتْ به، فكان يرجع في ذلك إِليها، وسألها أبو بكر -﵁- في مرضه استعدادًا للموت، ولتنظر في كفنه وأمره، ويجري ذلك كلّه على اختياره من الاقتداء برسول الله - ﷺ -\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-986>فضل طول العمر مع حُسن العمل:</span>\nعن أبي بَكْرة -﵁-: أنّ رجلًا قال: يا رسول الله! أي الناس خير؟ قال: \"من طال عمره وحسن عمله، قال: فأي الناس شرّ؟ قال: من طال عمره وساء عمله\" (٢).\nوعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ألا أنبئكم بخياركم؟! قالوا: بلى. قال: \"خياركم: أطولكم أعمارًا وأحسنكم أخلاقًا\" (٣).\nوعن البراء بن عازب -﵄- قال: \"بينما نحن مع رسول الله - ﷺ -؛ إِذ بَصُرَ بجماعة فقال: علامَ اجتمع عليه هؤلاء؟! قيل: على قبر يحفرونه. قال: ففزع رسول الله - ﷺ -، فَبَدَرَ بين يدي أصحابه مسرعًا، حتى\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٣٨٧.\n(٢) أخرجه أحمد، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (١٨٩٩)، والدارمي.\n(٣) أخرجه أحمد وغيره، وانظر \"الصحيحة\" (١٢٩٨).","vol":"4","page":24},{"text":"انتهى إِلى القبر فجثا عليه. قال: فاستقبلتُه من بين يديه لأنظر ما يصنع، فبكى حتى بلّ الثرى من دموعه، ثمّ أقبل علينا، قال: \"أي إِخواني! لِمثل اليوم فأعدّوا\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-987>طلب الموت بالمدينة:</span>\nعن ابن عمر -﵄- قال: قال لي النّبيّ - ﷺ -: \"من استطاع أن يموت بالمدينة فَلْيَمُتْ بها؛ فإِني أشفع لمن يموت بها\" (٢).\nوعن سُبيعة الأسلمية -﵂- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"من استطاع منكم أن يموت بالمدينة فليمت؛ فإِنّه لا يموت بها أحد إلاَّ كنتُ له شفيعًا -أو شهيدًا- يوم القيامة\" (٣).\nوعن حفصة بنت عمر -﵄- قالت: سمعت عمر يقول: \"اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسولك - ﷺ -\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-988>موت الفَجأة </span>(٥):\nعن عُبَيْد بن خالد السُّلَمِيِّ -رجل من أصحاب النّبيّ - ﷺ -: عن النّبيّ - ﷺ -\n_________\n(١) أخرجه البخاري في \"التاريخ\"، وابن ماجه، وحسّنه شيخنا -﵀- في \"الصحيحة\" (١٧٥١).\n(٢) أخرجه أحمد، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٣٠٧٦) وغيرهما.\n(٣) أخرجه الطبراني في \"الكبير\" وغيره، وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١١٩٦).\n(٤) أخرجه البخاري: ١٨٩٠.\n(٥) الفَجأة: البغتة من غير تقدّم سبب، كما في \"النهاية\".","vol":"4","page":25},{"text":"قال: \"موت الفجاة أخْذةُ أَسَفٍ (١) \" (٢).\nوإنما سمّاه النّبيّ - ﷺ - بهذا؛ لأنه لا يترك المرء ليستعدّ ليوم المعاد بالتوبة وإعداد زاد الآخرة، ولم يمرض ليكون كفّارة لذنوبه (٣).\nوبهذا ينبغي على المؤمن أن يكون مستعدًّا دائمًا للموت، وأن يحرص على أداء ما عليه من الحقوق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-989>أعمار أمّة محمد - ﷺ </span>-:\nعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"أعمار أمّتى ما بين الستين إِلى السبعين، وأقلّهم من يجوز ذلك\" (٤).\nجاء في \"المرقاة\" (٩/ ١٣٠): \"وهذا محمول على الغالب؛ بدليل شهادة الحال، فإِنّ منهم من لم يبلغ ستين، ومنهم من يجوز سبعين. ذَكره الطيبي -﵀-\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-990>أجر شدّة الموت وسكراته:</span>\nعن عائشة -﵂- قالت: \"مات النّبيّ - ﷺ - وإنّه لَبْينَ حاقِنَتِي (٥)\n_________\n(١) بفتح السين وروي بكسرها. \"عون\" (٨/ ٢٦٠).\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٦٦٧)، وانظر \"المشكاة\" (١٦١١).\n(٣) \"المرقاة\" (٤/ ٧٧) -بتصرّف يسير-.\n(٤) أخرجه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٢٨١٥، ١٩٠٠)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٣٤١٤)، وانظر \"الصحيحة\" (٧٥٧).\n(٥) الفقرة من التَّرْقُوة -عظمة مشرفة بين ثغرة النحر والعاتق- وحبل العنق. \"شرح الكرماني\".","vol":"4","page":26},{"text":"وذاقِنَتي (١)، فلا أكره شدة الموت لأحدٍ أبدًا بعد النّبيّ - ﷺ -\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-991>ما يجب على المريض </span>(٣)\n١ - على المريض أنْ يرضى بقضاء الله، ويصبر على قَدَره، ويُحسن الظنَّ بربه، ذلك خير له.\nفعن صهيب -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"عجبًا لأمر المؤمن، إِنّ أمره كلَّه خير، وليس ذاك لأحدٍ إلاَّ للمؤمن: إِنْ أصابته سرَّاءُ شكَر؛ فكان خيرًا له، وإنْ أصابته ضرَّاءُ صبَر؛ فكان خيرًا له\" (٤).\nوقال - ﷺ -: \"لا يموتَنَّ أحدكم إِلا وهو يُحسن بالله الظنّ\" (٥).\n٢ - وينبغي عليه أن يكون بين الخوف والرجاء؛ يخافُ عقاب الله على ذنوبه، ويرجو رحمة ربّه.\nفعن أنس -﵁-: \"أنّ النّبيّ - ﷺ - دخل على شاب وهو في الموت، فقال: كيف تجدك؟ قال: أرجو الله يا رسول الله! وأخاف ذنوبي، فقال رسول\n_________\n(١) الذاقنة: الذَّقَن، وقيل طرف الحُلقوم. وقيل: ما يناله الذَّقَن من الصَّدر. \"النهاية\".\n(٢) أخرجه البخاري: ٤٤٤٦. وعند الترمذي وغيره: \"لا أغبط أحدًا بهون موت؛ بعد الذي رأيت من شدّة موت رسول الله - ﷺ -\". وصحّحه شيخنا -﵀- في \"مختصر الشمائل المحمدية\" (رقم ٣٢٥).\n(٣) عن \"أحكام الجنائز\" لشيخنا الألباني -﵀- بتصرّف.\n(٤) أخرجه مسلم: ٢٩٩٩.\n(٥) أخرجه مسلم: ٢٨٧٧.","vol":"4","page":27},{"text":"الله - ﷺ -: لا يجتمعان في قلب عبد في مِثل هذا الموطن؛ إِلا أعطاه الله ما يرجو، وآمَنَهُ مما يخاف\" (١).\nقال النووي -﵀- (١٧/ ٢١٠): \"قال العلماء: معنى حُسن الظنّ بالله -تعالى-: أن يظن أنه يرحمه ويعفو عنه، قالوا: وفي حالة الصحة يكون خائفًا راجيًا، ويكونان سواءً.\nوقيل: يكون الخوف أرجح، فإِذا دنت أمارات الموت؛ غلَّب الرجاءَ أو مَحَضَهُ؛ لأن مقصود الخوف الانفكاك عن المعاصي والقبائح، والحرصُ على الإِكثار من الطاعات والأعمال؛ وقد تعذر ذلك أو معظمه في هذا الحال، فاستحب إِحسان الظن المتضمن للافتقار إِلى الله -تعالى- والإِذعان له\".\n٣ - ومهما اشتد به المرض؛ فلا يجوز له أن يتمّنى الموت؛ لحديث أمّ الفضل -﵂-: \"أنّ رسول الله - ﷺ - دخل عليهم، وعباسٌ عمّ رسول الله - ﷺ - يشتكي، فتمنّى عباسٌ الموتَ، فقال له رسول الله - ﷺ -:\nيا عمّ! لا تتمنَّ الموت؛ فإِنّك إِن كنت مُحسنًا؛ فأنْ تُؤخّرَ -تزدادُ إِحسانًا إِلى إِحسانك- خيرٌ لك، وإنْ كنت مسيئًا، فأن تُؤخرَ -فَتَسْتَعْتِبَ (٢) من إِساءتك- خيرٌ لك، فلا تتمنَّ الموت\" (٣).\n_________\n(١) أخرجه الترمذي وسنده حسن، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٣٤٣٦) وغيرهما، وانظر \"الصحيحة\" (١٠٥١)، و\"المشكاة\" (١٦١٢).\n(٢) أي: ترجع عن الإِساءة، وتطلب الرضا. \"النهاية\".\n(٣) أخرجه أحمد، وأبو يعلى، والحاكم، وقال شيخنا -﵀- في \"أحكام الجنائز\" (ص ١٢): \" .. صحيح على شرط البخاري\".","vol":"4","page":28},{"text":"فإِن كان لا بدّ فاعلًا فلْيكل الأمر لله؛ لحديث أنس -﵁- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"لا يتمنَّيَنَّ أحدكم الموت لضُّرِّ نزَل به، فإِنْ كان لا بُدّ متمنيًا للموت؛ فليقل: اللهمّ أحْيني ما كانت الحياةُ خيرًا لي، وتوفّني إِذا كانت الوفاةُ خيرًا لي\" (١).\n٤ - ويجب عليه التوبة من ذنوبه والندم عليها؛ لعموم النصوص الآمرة بذلك، وهو أشد ما يكون احتياجًا لها في حاله هذه.\n٥ - وإذا كان عليه حقوق؛ فليُؤدِّها إِلى أصحابها، إِنْ تيسَّر له ذلك؛ وإلا أوصى بذلك، فقد قال - ﷺ -: \"من كانت عنده مَظلِمَةٌ (٢) لأخيه فَلْيتحلَّلْهُ منها؛ فإِنه ليس ثَمَّ دينارٌ ولا درهم، من قبل أن يُؤخذ لأخيه من حسناته، فإِن لم يكن له حسنات؛ أُخِذ من سيئات أخيه فطرِحت عليه\" (٣).\nوعن أبي هريرة -﵁- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"أتدرون ما المُفْلِسُ؟ قالوا: المفلسُ فينا من لا درهم له ولا متاع.\nفقال: إِنّ المفلس من أُمّتي مَنْ يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيُعْطَى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإِنْ فَنِيَتْ حسناته قبل أن يقضى ما عليه؛ أُخِذَ من خطاياهم فطُرحت عليه، ثمّ طُرح في النّار\" (٤).\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٦٣٥١، ومسلم: ٢٦٨٠.\n(٢) بفتح الميم وسكون الظاء المعجمة وكسر اللام؛ كما في \"الفتح\".\n(٣) أخرجه البخاري: ٢٤٤٩، ٦٥٣٤.\n(٤) أخرجه مسلم: ٢٥٨١.","vol":"4","page":29},{"text":"وعن جابر بن عبد الله: أنّه بلغه حديث عن رجل من أصحاب النّبيّ - ﷺ -، فابتعت (١) بعيرًا، فشددت إِليه رَحْلي شهرًا، حتى قدمت الشام؛ فإِذا عبد الله بن أُنَيْس، فبعثت إِليه أنّ جابرًا بالباب، فرجع الرسول فقال: جابر بن عبد الله؟ فقلت: نعم، فخرج فاعتنقني.\nقلت: حديث بلغني لم أسمعه؛ خشيت أن أموت أو تموت، قال: سمعت النّبيّ - ﷺ - يقول: \"يحشر الله العباد -أو النّاس- عراةً غُرْلًا (٢) بُهمًا (٣) قلنا: ما بُهْمًا؟ قال: ليس معهم شيء (٤)، فيناديهم -بصوت يسمعه من بُعد (أحسبه قال) كما يسمعه من قُرْب-: أنا الملك، لا ينبغي لأحد من أهل الجنّة يدخل الجنّة وأحد من أهل النّار يطلبه بِمَظْلِمَةٍ، ولا ينبغي لأحد من أهل النار يدخل النّار وأحد من أهل الجنَّة يطلبه بمظلِمة\".\nقلت: وكيف؟ وإنمّا نأتي الله عراةً بُهمًا؟! قال: \"بالحسنات والسيئات\" (٥) \" (٦).\n_________\n(١) أي: اشتريت.\n(٢) غير مختونين.\n(٣) بُهمًا: جمع بهيم، وهو في الأصل: الذي لا يُخالط لونهُ لونٌ سواه، يعني: ليس فيهم شيء من العاهات والأعراض التي تكون في الدنيا؛ كالعمى والعوَر والعرج، وغير ذلك، وإنما هي أجسادٌ مُصحَّة لخلود الأبد في الجنة أو النار. \"النهاية\".\n(٤) لا تعارض بين قوله: ليس معهم شيء وما تقدّم في \"النهاية\" في تفسير (بهمًا)، فإِنّه يُحمل على عدم اصطحابهم أدنى شيء؛ حتى مُخالطة الألوانِ، والله أعلم.\n(٥) أي: القصاص. وانظر للمزيد -إِن شئت- كتابي \"شرح صحيح الأدب المفرد\" (٧٤٦).\n(٦) أخرجه أحمد، والبخاري في \"الأدب المفرد\" \"صحيح الأدب المفرد\" (٧٤٦) =","vol":"4","page":30},{"text":"وقال - ﷺ -: \"من مات وعليه ديْنٌ؛ فليس ثَمّ دينار ولا درهم، ولكنّها الحسنات والسيئات\" (١).\nوفي لفظ: \"الدَّين دَيْنان: فمن مات وهو ينوي قضاءه؛ فأنا وليُّه، ومن مات وهو لا ينوي قضاءه؛ فذاك الذي يؤخذ من حسناته، ليس يومئذ دينارٌ ولا درهم\" (٢).\nوقال جابر بن عبد الله: \"لَمّا حضر أُحد؛ دعاني أبي من الليل، فقال: ما أُراني إِلا مقتولًا في أول من يُقتل من أصحاب النّبيّ - ﷺ -، وإني لا أترك بعدي أعزَّ علي منك؛ غيرَ نفس رسول الله - ﷺ -، وإن عَلَيَّ دينًا فاقضِ، واستوصِ بأخواتك خيرًا، فأصبحنا، فكان أوَّلَ قتيل ... \" الحديث (٣).\n٦ - ولا بُدّ من الاستعجال بمثل هذه الوصية؛ لقوله - ﷺ -: \"ما حقُّ امرئٍ مسلم له شيء يوصي فيه؛ يبيت ثلاث ليال إلاَّ ووصّيته عنده مكتوبة.\nقال عبد الله بن عمر: ما مرّت عليّ ليلةٌ - منذ سمِعْتُ رسول الله - ﷺ - قال\n_________\n= وإسناده حسن، وعلّقه البخاري في (كتاب العلم): \"باب الخروج في طلب العلم\"، وانظر \"السنة\" (٥١٤) لابن أبي عاصم، و\"الصحيحة\" (١/ ٣٠١)، و(٣٢٥١).\n(١) أخرجه الحاكم -والسّياق له- وابن ماجه، وأحمد من طريقين عن ابن عمر، والأول صحيح، كما قال الحاكم ووافقه الذهبي، والثاني حسن، كما قال المنذري.\n(٢) أخرجه الطبراني في \"الكبير\"، وهو صحيح بما قبله، وانظر \"أحكام الجنائز\" (ص ١٣).\n(٣) أخرجه البخاري: ١٣٥١.","vol":"4","page":31},{"text":"ذلك- إِلا وعندي وصيّتي\" (١).\nجاء في \"الروضة الندية\" (١/ ٤٠٥): \"ويتخلّص عن كلّ ما عليه، ووجوب ذلك معلوم، وإذا أمكن بإِرجاع كل شيء لمن هو له؛ من دين أو وديعة أو غصب أو غير ذلك فهو الواجب، وإن لم يكن في الحال؛ فالوصية المفصَّلة هي أقل ما يجب، وورد الأمر بالوصية وأنّه لا يحل لأحد أن يبيت إِلا ووصيته عند رأسه؛ كما في الأحاديث الصحيحة\" (٢).\n٧ - ويجب أن يوصيَ لأقربائه الذين لا يرثون منه؛ لقوله -﵎-: ﴿كُتِب عليكم إِذا حَضَرَ أحدَكم الموتُ إِنْ ترك خيرًا الوصيةُ للوالدَين والأقربين بالمعروف حقًّا على المتقين﴾ (٣).\n٨ - وله أن يوصي بالثُّلث من ماله، ولا يجوز الزيادة عليه، بل الأفضل أن يَنْقُصَ منه؛ لحديث سعد بن أبي وقاص -﵁- قال: \"كان رسول الله - ﷺ - يَعودني عام حجّة الوداع من وجع اشتدّ بي، فقلت: إِني قد بلغ بي من الوجع، وأنا ذو مال، ولا يرثني إِلا ابنة، أفأتصدّق بثلثي مالي؟ قال: لا. فقلت بالشطر (٤)؟ فقال: لا. ثم قال: الثُّلثُ؛ والثلث كبير -أو كثير-! إِنك أن تَذَرَ ورثتك أغنياء خيرٌ من أن تذرهم عالةً (٥) يتكفّفون النّاس (٦)، وإنك لن تُنفق\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٢٧٣٨، ومسلم: ١٦٢٧ - وهذا لفظه-.\n(٢) يشير إلى مثِل حديث ابن عمر -﵄- المتقدّم.\n(٣) البقرة: ١٨٠.\n(٤) أي: النّصف.\n(٥) العالة: الفقراء.\n(٦) أي: يسألون الناس في أكفهم. \"شرح النووي\".","vol":"4","page":32},{"text":"نفقةً -تبتغي بها وجه الله- إِلا أُجرت بها، حتى ما تجعل في فِيِّ (١) امرأتك، فقلت: يا رسول الله! أُخَلَّفُ (٢) بعد أصحابي؟ قال: إِنك لن تخلّف فتعملَ عملًا صالحًا؛ إِلا ازددت به درجة ورفعة، ثمّ لعلك أن تُخلّف حتى ينتفع بك أقوام ويُضَرَّ بك آخرون.\nاللهم أمض لأصحابي هجرتهم، ولا تردَّهم على أعقابهم، لكن البائس سعد ابن خَوْلة! يرثي له رسول الله - ﷺ -؛ أنْ مات بمكة\" (٣).\nوقال ابن عباس -﵄-: \"وَدِدْتُ أنّ الناس غضُّوا من الثُّلث إِلى الربع في الوصيّة؛ لأنّ النّبيّ - ﷺ - قال: الثلثُ كثير\" (٤).\n٩ - ويُشْهِد على ذلك رجلين عَدْلين مسلمين، فإِنْ لم يوجدا؛ فرجلين من غير المسلمين، على أن يستوثق منهما عند الشك بشهادتهما؛ حسبما جاء بيانه في قول الله -﵎-: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادةُ بينكم إِذا حضر أحدَكم الموتُ حين الوصيةِ اثنان ذوا عدلٍ منكم أو آخران من غيركم إِنْ أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما من بعد الصلاة فيُقسمان بالله إِن ارتبتم لا نشتري به ثمنًا ولو كان ذا قربى ولا نكْتُمُ شهادةَ اللهِ إِنّا إِذًا لمن الآثمين * فإِنْ عُثر على أنّهما استحقا إثمًا (٥)\n_________\n(١) أي: في فمها.\n(٢) أي: أُخلّف بمكّة.\n(٣) أخرجه البخاري: ١٢٩٥، ومسلم: ١٦٢٨.\n(٤) أخرجه البخاري: ٢٧٤٣، ومسلم: ١٦٢٩.\n(٥) قال شيخنا -﵀- في \"أحكام الجنائز\" (ص ١٥): \"أي: فإِن اتّفق الاطّلاع =","vol":"4","page":33},{"text":"فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأَوْلَيَان فيُقسمان بالله لَشَهَادتُنا أحقُّ مِنْ شَهَادتهما وما اعتدينا إِنّا إِذًا لمن الظَّالمين * ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن تُرَدَّ أيمْانٌ بعد أيمانهم واتقوا الله واسمعوا والله لا يهدي القوم الفاسقين (١)﴾ \" (٢).\n١٠ - وأما الوصية للوالدين والأقرَبين الذين يرثون من الموصي؛ فلا تجوز؛ لأنها منسوخة بآية الميراث، وبيّن ذلك رسول الله - ﷺ - أتمَّ البيان في خطبته في حجة الوداع؟ فقال: \"إِنّ الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث\" (٣).\n١١ - ويحرُمُ الإِضرار في الوصية، كأنْ يوصيَ بحرمان بعض الورثة من حقّهم من الإِرث، أو يُفضّل بعضهم على بعض فيه؛ لقوله -﵎-: ﴿للرّجال نصيب مّما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيبٌ مما ترك\n_________\n= على أنّ الشاهدين المقسِمَين استحقا إِثمًا بالكذب والكتمان في الشهادة، أو بالخيانة وكتمان شيء من التركة في حالة ائتمانهما عليها؛ فالواجب -أو فالذي يُعمل لإحقاق الحقّ - هو أن تردّ اليمين إِلى الورثة؛ بأن يقوم رجلان آخران مقامهما من أولياء الميت الوارثين له، الذين استُحقّ ذلك الأِثمُ بالإِجرام عليهم والخيانة لهم. كذا في \"تفسير المنار\"، وراجع تمام البحث فيه (٧/ ٢٢٢) \".\n(١) المائدة: ١٠٦ - ١٠٨.\n(٢) قال شيخنا -﵀- في \"أحكام الجنائز\" (ص ١٥): \"فالناسخ إِنما هو القرآن، والسُّنّة إِنما هي مبينة لذلك كما ذكرنا، وكما هو واضح من خطبته - ﷺ -؛ خلافًا لما يظنُّه كثيرون أن الحديث هو الناسخ\".\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٤٩٤) والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (١٧٢١)، والبيهقي، وأشار لتقويته، وانظر \"أحكام الجنائز\" (ص ١٥).","vol":"4","page":34},{"text":"الوالدان والأقربون ممّا قلّ منه أو كثُر نصيبًا مفروضًا﴾ (١).\nوفي الأخيرة منها: ﴿من بعد وصيّةٍ يُوصَى بها أو دَيْنٍ غير مُضَارٍّ وصيّةً من الله والله عليم حليم﴾ (٢).\nولقوله - ﷺ -: \"لا ضرر ولا ضرار، من ضارَّ ضارَّه الله، ومن شاقَّ شاقَّه الله\" (٣).\n١٢ - والوصيّة الجائرة باطلة مردودة؛ لقوله - ﷺ -: \"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ\" (٤).\nولحديث عمران بن حُصَيْن: \"أنّ رجلًا أعتق عند موته ستة رَجْلَةٍ (٥) [لم يكن له مال غيرهم] فجاء ورثته من الأعراب، فأخبروا رسول الله - ﷺ - بما صنع.\nقال: أَوَ فَعَلَ ذلك؟! قال: لو علمْنا إِن شاء الله ما صلّينا عليه قال: فأقرع بينهم؛ فأعتق منهم اثنين (٦)، وردَّ أربعةً في الرِّق\" (٧).\n_________\n(١) النساء: ٧.\n(٢) النساء: ١٢.\n(٣) أخرجه الدارقطني، والحاكم وغيرهما عن أبي سعيد الخدري؛ وحسّنه شيخنا - ﵀- في \"أحكام الجنائز\" (ص ١٦)، وانظر \"الإِرواء\" (٨٩٦).\n(٤) أخرجه البخاري: ٢٦٩٧، ومسلم: ١٧١٨.\n(٥) جمع رجل.\n(٦) يلاحظ أنّ الإِعتاق يساوي الثلث.\n(٧) أخرجه أحمد، ومسلم: ١٦٦٨ بنحوه، وانظر \"أحكام الجنائز\" (ص ١٧).","vol":"4","page":35},{"text":"١٣ - ولمَّا كان الغالبُ على كثير من الناس في هذا الزمان الابتداعَ في دينهم - ولا سيّما فيما يتعلّق بالجنائز- كان من الواجب أن يوصي المسلم بأن يجهَّز ويُدفن على السنة؛ عملًا بقوله -تعالى-: ﴿يا أيها الذين آمنوا قُوا أنفسكم وأهليكم نارًا وَقودها النّاس والحجارة عليها ملائكة غلاظٌ شدادٌ لا يعصون الله ما أمرَهم ويفعلون ما يُؤمرون﴾ (١).\nولذلك كان أصحاب رسول الله يوصون بذلك، والآثار عنهم بما ذكرنا كثيرة، فلا بأس من الاقتصار على بعضها:\nأ- عن عامر بن سعد بن أبي وقاص: أنّ أباه قال في مرضه الذي هلك فيه: \"ألْحِدُوا (٢) لي لحدًا، وانْصِبوا عليَّ اللّبن نصبًا، كما صُنِعَ برسول الله - ﷺ -\" (٣).\nب- عن أبي بُرْدَةَ قال: \"أوصى أبو موسى -﵁- حين حضره الموت قال: إِذا انطلقتم بجنازتي؛ فأسرعوا بي المشي، ولا تُتْبِعوني بمِجمَر (٤)، ولا تجعلُنَّ على لحدي شيئًا يحول بيني وبين التراب، ولا تجعلُنًّ على قبري بناءً، وأُشهدكم أني بريء من كل حالقةٍ، أو سالقة (٥)، أو خارقة (٦)!، قالوا: سمعت\n_________\n(١) التحريم: ٦.\n(٢) اللحد: هو الشق تحت الجانب القبلي من القبر. \"شرح النووي\".\n(٣) أخرجه مسلم: ٩٦٦.\n(٤) هو الذي يوضع فيه النّار للبَخُور. \"النهاية\".\n(٥) هي التي ترفع صوتها عند المصيبة.\n(٦) أي: شاقّة وممزقة.","vol":"4","page":36},{"text":"فيه شيئًا؟ قال: نعم؛ من رسول الله - ﷺ -\" (١).\nجـ - عن حذيفة قال: \"إِذا أنا متُّ؛ فلا تُؤْذِنوا (٢) بي أحدًا؛ فإِنّي أخاف أن يكون نَعْيًا (٣)، وإنّي سمعت رسول الله - ﷺ - ينهى عن النعي\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-992>تلقين المحتضر </span>(٥):\nفإِذا حضَره الموت؛ فعلى من يكون عنده أمور:\n١ - أن يلقّنوه الشهادة؛ لقوله - ﷺ -: \"لقنِّوا موتاكم: لا إِله إِلا الله\" (٦).\nوعن معاذ بن جبل -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من كان آخرُ كلامِهِ لا إِله إِلا الله؛ دخل الجنّة\" (٧).\nعن عثمان -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من مات وهو يعلم\n_________\n(١) أخرجه أحمد، والبيهقي -بهذا التمام- وابن ماجه بسند حسن.\n(٢) أي: تُعلموا.\n(٣) النعي؛ قال في \"النهاية\": \"نَعَى الميّت ينعاه نعيًا ونَعِيًّا: إِذا أذاع موته وأخبر به وإذا ندبَه.\n(٤) أخرجه الترمذي وقال: \"حديث حسن\".\n(٥) جاء في \"الروضة الندية\" (١/ ٣٩٩): \"وتلقين المحتضر؛ وهو في آخر يوم من أيام الدنيا، وأول يوم من أيّام الآخرة\".\n(٦) أخرجه مسلم: ٩١٦.\n(٧) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٦٧٣)، وانظر \"الإِرواء\" (٦٨٧)، و\"المشكاة\" (١٦٢١).","vol":"4","page":37},{"text":"أنه لا إِله إِلا الله؛ دخل الجنّة\" (١).\nوعن جابر -﵁- قال: قال رسول الله: \"من مات لا يشرك بالله شيئًا؛ دخل الجنة\" (٢).\nوتلقين المحتضر هو المشروع، أمّا تلقين الرجل بعد موته؛ فلا يشرع.\nوجاء في \"سنن الترمذي\" في (كتاب الجنائز): (باب تلقين المريض عند الموت والدّعاء له).\nقال أبو عيسى -﵀-: \"وقد كان يُستحبّ أن يُلقّن المريض عند الموت قول: لا إله إِلا الله ... \".\nوليس التلقينُ ذِكرَ الشهادة بحضرة الميت وتسميعَها إِياه، بل هو أمره بأنْ يقولها؛ خلافًا لما يظنُّ البعض، والدليل حديث أنس -﵁-: \"أن رسول الله - ﷺ - عاد رجلًا من الأنصار، فقال: يا خال! قل: لا إِله إِلا الله، فقال: أخالٌ أم عمٌّ؟ فقال: بل خال، فقال: فخير لي أن أقول: لا إِله إِلا الله؟ فقال النّبيّ - ﷺ -: نعم\" (٣).\nجاء في \"سِيَر أعلام النبلاء\" (١٣/ ٧٦): \"قال أبو جعفر محمّد بن علي\nورّاق أبي زُرعة: حضَرنا أبا زرعة بـ (ماشهران)، وهو في السَّوْق (٤)، وعنده أبو\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ٢٦.\n(٢) أخرجه مسلم: ٩٣.\n(٣) أخرجه أحمد بإِسناد صحيح على شرط مسلم.\n(٤) أي: النّزع، جاء في \"الوسيط\": \"ساق المريض سَوْقًا وسياقًا ... شرع في نزْعروح\".","vol":"4","page":38},{"text":"حاتم، وابن وارة، والمنذر بن شاذان وغيرهم، فذكروا حديث التلقين: \"لقّنوا موتاكم: لا إله إِلا الله\"، واستحْيَوْا من أبي زُرعة أن يلقّنوه، فقالوا: تعالوا نذكر الحديث.\nفقال ابن وارة: حدَّثنا أبو عاصم: حدثنا عبد الحميد بن جعفر عن صالح .. وجعل يقول: ابن أَبِي .. ولم يجاوزه. وقال أبو حاتم حدثنا بُندار: حدثنا أبو عاصم عن عبد الحميد بن جعفر [عن صالح] .. ولم يجاوز، والباقون سكتوا، فقال أبو زُرعة وهو في السَّوْق: حدثنا بُندار: حدثنا أبو عاصم: حدثنا عبد الحميد عن صالح بن أبي عَريب عن كثير بن مُرة عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من كان آخرُ كلامِهِ: لا إِله إِلا الله؛ دخل الجنّة\"، وتوفي ﵀.\nرواها أبو عبد الله الحاكم وغيره عن أبي بكر محمد بن عبد الله الورّاق الرّازي عن أبي جعفر بهذا\".\nوقال حُسين الجُعفي: دخلت على الأعمش أنا وزائدة في اليوم الذي مات فيه، والبيت مُمتلئ من الرجال، إِذ دخل شيخ، فقال: سبحان الله! ترون الرجل وما هو فيه وليس منكم أحد يُلقنّه؟!\nفقال الأعمش هكذا، فأشار بالسبّابة وحرّك شفتيه\" (١).\n٢ - أن يدعوا له، ولا يقولوا في حضوره إلاَّ خيرًا.\n_________\n(١) رواه عبد الله بن أحمد في كتاب أبيه \"العلل ومعرفة الرجال\" (٢/ ٧٦/٤٦٢) بسند صحيح.","vol":"4","page":39},{"text":"عن أمّ سلمة -﵂- قالت: قال رسول الله - ﷺ -: \"إِذا حضرتم المريض -أو الميت- فقولوا خيرًا؛ فإِنّ الملائكة يؤمّنون على ما تقولون\" (١).\n٣ - وأمّا قراءة سورة ﴿يس﴾ عنده، وتوجيهه نحو القبلة؛ فلم يصحّ فيه حديث، بل كره سعيد بن المسيِّب توجيهه إِليها، وقال: أليس الميت امرأً مسلمًا؟!\nوعن زُرعة بن عبد الرحمن: أنه شهد سعيد بن المسيِّب في مرضه؛ وعنده أبو سلمة بن عبد الرحمن؛ فغُشي على سعيد، فأمر أبو سلمة أن يحوَّل فراشه إِلى الكعبة، فأفاق، فقال: حوّلتم فراشي؟! فقالوا: نعم.\nفنظر إِلى أبي سلمة فقال: أُراه بعلمك؟! فقال: أنا أمرتهم! فأمر سعيد أن يعاد فراشه\" (٢) انتهى.\nقلت: أمّا قول النّبيّ - ﷺ - عن البيت الحرام: \"قِبلتكم أحياءً وأمواتًا\" (٣). فإِنه لا يفيد توجيه المحتضر، جاء في \"الروضة الندية\" (١/ ٤٠٠):\n\"لأنّ \"المراد بقوله: \"أحياءً\" عند الصلاة، وبقوله: \"أمواتًا\" في اللحد، والمحتضر حي غير مصلّ، فلا يتناوله الحديث؛ وإِلا لزم وجوب التوجه إِلى القبلة على كل حي، وعدم اختصاصه بحال الصلاة! وهو خلاف الإِجماع ... \".\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ٩١٩.\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" بسند صحيح عن زُرعة.\n(٣) أخرجه أبو داود والنسائي وغيرهما، وحسّنه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٦٩٠).","vol":"4","page":40},{"text":"وأمّا حديث ابن أبي قتادة -﵁- الآتي؛ فلا يثبت؛ ولفْظه: \"أنّ النّبيّ - ﷺ - حين قدم المدينة؛ يسأل عن البراء بن معرور؟ فقالوا: تُوفّي، وأوصى بثلثه لك يا رسول الله! وأوصى أن يوجه إِلى القبلة لما احتضر، فقال رسول الله - ﷺ -: أصاب الفطرة، وقد رددت ثلثه على ولده، ثمّ ذهب فصلّى عليه، فقال: \"اللهم اغفر له، وارحمه، وأدخله جنتك، وقد فعلت\" (١).\nولا بأس في أن يَحْضُر المسلمُ وفاةَ الكافر ليعرض الإِسلام عليه؛ رجاءَ أن يسلم؛ لحديث أنس -﵁- قال: \"كان غلام يهودي يخدم النّبيّ - ﷺ -، فمرض، فأتاه النّبي - ﷺ - يعوده، فقعد عند رأسه، فقال له: أسلم.\nفنظر إِلى أبيه وهو عنده، فقال له: أطع أبا القاسم - ﷺ - فأسلم فخرج النّبيّ - ﷺ - وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه من النار\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-993>ما على الحاضرين بعد موته</span>\nفإِذا قضى وأسلم الروح؛ فعليهم عدّة أشياء:\n١ - أن يغمضوا عينيه، ويَدْعوا له أيضًا.\nعن أمّ سلمة قالت: دخل رسول الله - ﷺ - على أبي سلمة وقد شَقَّ بصرُهُ (٣)،\n_________\n(١) وفيه علّتان: الأولى: فيه نعيم بن حمّاد، ضعيف.\nوالثانية: الإِرسال، فإِنّ عبد الله بن أبي قتادة ليس صحابيًّا، وانظر التفصيل في \"الإِرواء\" (٦٨٩).\n(٢) أخرجه البخاري: ١٣٥٦، وتقدّم مختصرًا.\n(٣) أي: شخَص، وهو الذي حضره الموت، وصار ينظر إِلى الشيء لا يرتدّ إِليه طرفه. \"النووي\".","vol":"4","page":41},{"text":"فأغمضه ثمّ قال: \"إِنّ الروح إِذا قبض تبعه البصر، فضجّ ناس من أهله فقال: لا تَدْعوا على أنفسكم إلاَّ بخير؛ فإِنّ الملائكة يؤمِّنون على ما تقولون، ثمّ قال: اللهمّ اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخْلُفْهُ في عقبه في الغابرين (١) واغفر لنا وله يا رب العالمين! وافسح له في قبره، ونوِّر له فيه\" (٢).\n٢ - أن يُغطّوه بثوب يستر جميع بدنه لحديث عائشة -﵂-: \"أنّ رسول الله - ﷺ - حين تُوفّي سُجِّيَ (٣)؛ بِبُرْد حِبَرَةٍ (٤) \" (٥).\nجاء في \"الفتح\" (٣/ ١١٤) في شرح (باب الدخول على الميت بعد الموت إِذا أُدرج في أكفانه): \"قال ابن رُشَيْد: موقع هذه الترجمة من الفقه: أن الموت لمّا كان سبب تغيير محاسن الحي التي عهد عليها -ولذلك أُمر بتغميضه وتغطيته-؛ كان ذلك مظنةً للمنع من كشْفه، حتى قال النَّخَعِيُّ: ينبغي أن لا يطلع عليه إِلا الغاسل له ومن يليه. فترجم البخاري على جواز ذلك، ثمّ أورد فيه ثلاثة أحاديث ... \".\nوهذا في غير من مات مُحرمًا، فأمّا المُحرم؛ فإِنّه لا يُغطى رأسه ولا وجهه؛\n_________\n(١) أي: الباقين كقوله -تعالى-: ﴿إِلا امرأته كانت من الغابرين﴾ [الأعراف: ٨٣]. \"النووي\".\n(٢) أخرجه مسلم: ٩٢٠.\n(٣) سُجيّ؛ أي: غُطيّ وزنًا ومعنى. \"الفتح\".\n(٤) الحِبرة: بكسر المهملة وفتح الموحدة؛ جاء في \"النهاية\": \"الحبير من البرود: ما كان مَوشيًّا مَخطّطًا، وهو بُرْد يمانٍ\".\n(٥) أخرجه البخاري: ٥٨١٤، ومسلم: ٩٤٢.","vol":"4","page":42},{"text":"لحديث ابن عباس -﵄- قال: \"بينما رجل واقف بعرفة؛ إِذ وقع عن راحلته؛ فوقَصَتْه (١) -أو قال: فأوقَصَتهُ-، قال النّبيّ - ﷺ -: اغسلوه بماء وسدْر، وكفّنوه في ثوبين، ولا تُحنّطوه (٢) (وفي رواية: ولا تُطيّبوه)، ولا تخمّروا (٣) رأسه [ولا وجهه]؛ فإِنّه يُبعث يوم القيامة مُلَبِّيًا\" (٤).\n٣ - أن يُعجّلوا بتجهيزه وإخراجه إِذا بان موته.\nعن أبي هريرة -﵁- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"أسرعوا بالجنازة؛ فإِن تَكُ صالحة؛ فخير تقدمونها إِليه، وإن يَكُ سوى ذلك؛ فشرٌّ تضعونه عن رقابكم\" (٥).\n٤ - أن يدفنوه في البلد الذي مات فيه، ولا ينقلوه إِلى غيره؛ لأنّه يُنافي الإِسراع المأمور به في حديث أبي هريرة المتقدّم. ونحوه حديث جابر بن عبد الله -﵄- قال: \"لما كان يوم أحد؛ جاءت عمتي بأبي لتدفنه في مقابرنا، فنادى منادي رسول الله - ﷺ -: رُدُّوا القتلى إِلى مضاجعها\" (٦).\n_________\n(١) الوقص: كسْر العُنق.\n(٢) ولا تُحنّطوه: هو بالحاء المهملة؛ أي: تُمِسُّوه حَنوطًا والحَنوط -بفتح الحاء- ويقال له: الحِناط -بكسر الحاء- وهو أخلاط من طيب تجمع للميت خاصة، لا تستعمل في غيره. \"النووي\".\n(٣) أي: تغطّوا.\n(٤) أخرجه البخاري: ١٢٦٥، ومسلم: ١٢٠٦، وانظر لأجل الزيادات \"أحكام الجنائز\" (ص ٢٢).\n(٥) أخرجه البخاري: ١٣١٥، ومسلم: ٩٤٤.\n(٦) أخرجه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (١٤٠١)، وأبو داود \"صحيح سنن =","vol":"4","page":43},{"text":"ولذلك قالت عائشة -لما مات أخٌ لها بوادي الحبشة فحُمِل من مكانه-: \"ما أجدُ في نفسي -أو يُحْزنني في نفسي- إِلا أنّي وَدِدْتُ أنه كان دُفن في مكانه\" (١).\nقال شيخنا -﵀- (ص ٢٥): \"قال النووي في \"الأذكار\": \"وإذا أوصى بأن يُنقل إِلى بلدٍ آخر؛ لا تُنَفَّذ وصيّته؛ فإِنّ النقل حرام على المذهب الصحيح المختار الذي قاله الأكثرون، وصرّح به المحقّقون\" ... \" انتهى.\nقال ابن المنذر -﵀- في \"الأوسط\" (٥/ ٤٦٤): \"يستحب أن يدفن الميت في البلد الذي توفي فيه، على هذا كان الأمر على عهد رسول الله - ﷺ -، وعليه عوامُّ أهل العلم، وكذلك تفعل العامّة في عامة البلدان، ويكره حمل الميت من بلد إِلى بلد يخاف عليه التغيّر فيما بينهما\".\n٥ - أن يبادر بعضهم لقضاء دينه من ماله، ولو أتى عليه كُلِّه، فإِن لم يكُن له مال؛ فعلى الدولة أن تؤدي عنه إِن كان جَهِدَ في قضائه، فإِن لم تفعل، وتطوّع بذلك بعضهم؛ جاز، وفي ذلك أحاديث:\nالأوّل: عن سعد بن الأطول؛ \"أن أخاه مات وترك ثلاثمائة درهم، وترك عيالًا، فأردت أن أنفقها على عياله. فقال - ﷺ -: إِن أخاك مُحْتَبِس بدينه، فاقْضِ عنه، فقال: يا رسول الله! قد أديت عنه إِلا دينارين، ادَّعَتْهُما امرأة وليس لها\n_________\n= أبي داود\" (٢٧١٠)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٢٣٠)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (١٨٩٣).\n(١) أخرجه البيهقي بسند صحيح.","vol":"4","page":44},{"text":"بيّنَة! قال: فأعْطِها فإِنها مُحِقّة\" (١).\nالثاني: عن سَمُرَة بن جُنْدُبٍ: أنّ النّبيّ - ﷺ - صلّى على جنازة (وفي رواية: صلّى الصُّبح) فلمّا انصرف قال: أهاهنا من آل فلان أحدٌ؟ [فسكت القوم، وكان إِذا ابتدأهم بشيء سكتوا]، فقال ذلك مرارًا [ثلاثًا؛ لا يجيبه أحد]، [فقال رجل: هُو ذا]، قال: فقام رجل يجرُّ إِزاره من مُؤَخَّر الناس، [فقال له النّبيّ - ﷺ -: ما منعك في المرّتين الأولين أن تكون أجبتني؟] أما إِنّي لم أُنوّه باسمك إِلا لخير، إِنّ فلانًا -لرجل منهم- مأسور بدينه [عن الجنة، فإِنْ شئتم فافْدوه، وإن شئتم فأسلموه إِلى عذاب الله]!\nفلو رأيت أهله ومن يتحرّون أمره! قاموا فقضوا عنه، [حتى ما أحدٌ يطلبه بشيء] \" (٢).\nالثالث: عن جابر بن عبد الله قال: \"مات رجل، فغسّلناه وكفّناه وحنَّطناه، ووضعناه لرسول الله - ﷺ - حيثُ توضع الجنائز، عند مقام جبريل، ثمّ آذنّا رسول الله - ﷺ - بالصلاة عليه، فجاء معنا [فتخطى] خُطىً، ثمّ قال: لعل على صاحبكم دينًا؟ قالوا: نعم، ديناران، فتخلف، [قال: صلّوا على صاحبكم]، فقال له رجل منا -يُقال له: أبو قتادة-: يا رسول الله! هما علّي.\nفجعل رسول الله - ﷺ - يقول: هما عليك وفي مالك، والميّت منهما بريء؟ فقال: نعم، فصلّى عليه فجعل رسول الله - ﷺ - إِذا لقي أبا قتادة يقول (وفي\n_________\n(١) أخرجه أحمد، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٩٧٣) وغيرهما.\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٨٥٨)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٤٣٦٨)، وغيرهما؛ وانظر \"أحكام الجنائز\" (ص ٢٦).","vol":"4","page":45},{"text":"رواية: ثمّ لقيه من الغد فقال:) ما صنعتِ الديناران؟ [قال: يا رسول الله! إنّما مات أمس] حتى كان آخر ذلك (وفي الرواية الأخرى: ثم لقيه من الغد فقال: ما فعل الديناران؟) قال: قد قضيتهما يا رسول الله! قال: الآن حين بردت عليه جلده (١) \" (٢).\nفائدة: قال شيخنا -﵀-: أفادت هذه الأحاديث أنّ الميت ينتفع بقضاء الدّين عنه، ولو كان من غير ولده، وأنّ القضاء يرفع العذاب عنه، فهي من جملة المُخصِّصات لعموم قوله ﵎: ﴿وأنْ ليس للإِنسان إِلا ما سعى﴾ (٣)، ولقوله - ﷺ -: \"إِذا مات الإِنسان انقطع عمله إلاَّ من ثلاث\" (٤).\nالرابع: عن جابر بن عبد الله، قال: كان رسول الله - ﷺ - إِذا خطب؛ احمرَّت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه؛ حتى كأنّه منذر جيش، يقول: صبّحكم ومسّاكم ويقول: \"بُعثتُ أنا والساعةُ وكهاتين\" ويقرن بين إِصبعيه السبابة (٥) والوسطى، ويقول: أمّا بعد: فإِنّ خير الحديث كتابُ الله، وخير الهدي هدي محمد - ﷺ -، وشرَّ الأمور محدثاتها، وكلَّ بدعة ضلالة، ثمّ يقول أنا أولى بكلِّ\n_________\n(١) قال شيخنا -﵀-: \"أي: بسبب رفع العذاب عنه بعد وفاء دينه\".\n(٢) أخرجه الحاكم -والسياق له- والبيهقي، والطيالسي، وأحمد بإِسناد حسن؛ كما قال الهيثمي.\n(٣) النجم: ٣٩.\n(٤) أخرجه مسلم: ١٦٣١.\n(٥) قال النووي: \"سمّيت بذلك؛ لأنهم كانوا يشيرون بها عند السبّ\".","vol":"4","page":46},{"text":"مؤمن من نفسه؛ من ترك مالًا فلأهله، ومن ترك دَيْنًا أو ضَياعًا (١)؛ فإِليَّ وعليَّ\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-994>ما يجوز للحاضرين وغيرهم</span>\nويجوز لهم كشف وجه الميّت، وتقبيله، والبكاء عليه ثلاثة أيام؛ وفي ذلك أحاديث:\nالأوّل: عن جابر بن عبد الله -﵄- قال: \"لما قُتل أبي؛ جعلت أكشف الثوب عن وجهه أبكي، وينهونني، والنّبيّ - ﷺ - لا ينهاني، فجعَلت عمّتي فاطمة تبكي، فقال النّبيّ - ﷺ -: تبكين أو لا تبكين، ما زالت الملائكة تظلّه بأجنحتها حتى رفعتموه\" (٣).\nالثاني: عن عائشة -﵂- زوج النّبيّ - ﷺ - قالت: \"أقبل أبو بكر -﵁- على فرسه من مسكنه بالسُّنُح؛ حتى نزل فدخل المسجد فلم يُكلّم الناس حتى دخل على عائشة -﵂-، فتيممّ النّبيّ - ﷺوهو مُسجًّى ببرد حِبَرة- فكشف عن وجهه، ثمّ أكبّ عليه فقبّله [بين عينيه]، ثمّ بكى فقال: بأبي أنت وأمّي يا نبي الله! لا يجمع الله عليك موتتين: أمّا الموتة التي كُتبت عليك فقد مُتَّها.\n_________\n(١) قال النووي: قال أهل اللغة: الضَّياع -بفتح الضاد-: العيال، قال ابن قتيبة: أصْله مصدر ضاع يضيع ضَياعًا المراد: من ترك أطفالًا وعيالًا ذوي ضَياع\".\n(٢) أخرجه مسلم: ٨٦٧.\n(٣) أخرجه البخاري: ١٢٤٤، ١٢٩٣، ومسلم: ٢٤٧١.","vol":"4","page":47},{"text":"قال أبو سلمة: فأخبرني ابن عباس -﵄-: أنّ أبا بكر -﵁- خرج؛ وعمر -﵁- يكلِّم الناس، فقال: اجلس، فأبى، فقال: اجلس، فأبى، فتشهد أبو بكر -﵁-، فمال إِليه الناس وتركوا عمر، فقال: أمّا بعد؛ فمن كان منكم يعبد محمّدًا - ﷺ -؛ فإِنّ محمدًا - ﷺ - قد مات، ومن كان يعبد الله؛ فإِنّ الله حيٌّ لا يموت، قال الله -تعالى-: ﴿وما محمدٌ إِلا رسولٌ قد خلت من قبله الرسل أفإِن مات أو قُتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلبْ على عقبيه فلن يضرَّ الله شيئًا وسيجزي الله الشاكرين﴾ [آل عمران: ١٤٤]!\nفوالله لكأنَّ النّاس لم يكونوا يعلمون أنّ الله أنزل الآية حتى تلاها أبو بكر - ﵁- فتلّقاها منه الناس، فما يُسمَع بشرٌ إِلا يتلوها\" (١).\nالثالث: عن عائشة -﵂- قالت: قبّل رسول الله - ﷺ - عثمان بن مظعون وهو ميّت، فكأني أنظر إِلى دموعه تسيل على خديه\" (٢).\nالرابع: عن أنس بن مالك -﵁- قال: \"دخلنا مع رسول الله - ﷺ - على أبي سيف -القَين (٣) - وكان ظِئرًا (٤) لإِبراهيم -﵇- فأخذ رسول\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٢٤١، ١٢٤٢، والزيادة للنسائي، كما في \"أحكام الجنائز\" (ص ٣١).\n(٢) أخرجه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٤٥٦)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٧٨٨)، وانظر \"المشكاة\" (١٦٢٣) و\"الإِرواء\" (٦٩٣).\n(٣) القين: هو الحدّاد، ويُطلق على كلّ صانع، يُقال: قان الشيء: إِذا أصلحه. \"الفتح\".\n(٤) ظئرًا -بكسر المعجمة وسكون التحتانية المهموزة بعدها راء-؛ أي: موضعًا =","vol":"4","page":48},{"text":"الله - ﷺ - إِبراهيم، فقبّله وشمّه، ثمّ دخلنا عليه بعد ذلك؛ وإيراهيم يجود بنفسه (١)، فجعلت عينا رسول الله - ﷺ - تذرفان، فقال له عبد الرحمن بن عوف -﵁- وأنت يا رسول الله؟! فقال: يا ابن عوف! إنها رحمةٌ، ثمّ أتبعها بأخرى فقال - ﷺ -: إِن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إِلا ما يُرْضِي ربّنا، وإِنّا بفِرَاقك يا إِبراهيم! لمحزونون\" (٢).\nالخامس: عن عبد الله بن جعفر قال: \"أمهل رسول الله - ﷺ - آل جعفر ثلاثة أن يأتيهم، ثمّ أتاهم فقال: لا تبكوا على أخي بعد اليوم\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-995>وإِن أحبّ أهله أن يَروه لم يُمنعوا </span>(٤):\nفقد تقدّم أن جابرًا كشف الثوب عن وجه أبيه -﵄- وتقدّم، أيضًا حديث عائشة: \"قبّل رسول الله - ﷺ - عثمان بن مظعون وهو ميّت ... \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-996>ما يجب على أقارب الميت</span>\nويجب على أقارب الميت حين يبلغهم خبر وفاته أمران:\n_________\n= وأطلق عليه ذلك لأنه كان زوج المرضعة، وأصل الظئر مِن: ظأرت الناقة: إِذا عطفت على غير ولدها، فقيل ذلك للتي ترضع غير ولدها، وأطلق ذلك على زوجها؛ لأنّه يشاركها في تربيته غالبًا. \"الفتح\".\n(١) أي: وهو في النَّزْع.\n(٢) أخرجه البخاري: ١٣٠٣، ومسلم: ٢٣١٥.\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٥٣٢)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٤٨٢٣).\n(٤) هذا العنوان من \"المغني\" (٢/ ٣٣٨).","vol":"4","page":49},{"text":"الأول: الصبر والرّضا بالقدر.\nقال -تعالى-: ﴿ولنبْلُوَنَّكم بشيءٍ من الخوف والجوع ونقصٍ من الأموال والأنفس والثَّمرات وبشِّر الصَّابرين * الذين إِذا أصابتهم مُصيبةٌ قالوا إنّا لله وإِنّا إِليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربِّهم ورحمة وأولئك هم المهتدون﴾ (١).\nوعن أنس بن مالك -﵁- قال: \"مرّ النّبيّ - ﷺ - بامرأة تبكي عند قبر، فقال: اتقي الله واصبري، قالت: إِليك عنّي؛ فإِنّك لم تُصَبْ بمصيبتي، ولم تعرفه، فقيل لها: إِنه النّبيّ - ﷺ -، فأتت النّبيّ - ﷺ - فلم تجد عنده بَوَّابينَ، فقالت: لم أعرفك، فقال: إِنما الصبر عند الصدمة الأولى\" (٢).\nوالصبر على وفاة الأولاد له أجر عظيم، وقد جاء في ذلك أحاديثُ كثيرة؛ منها:\n١ - عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا يموت لمسلم ثلاثة من الولد؛ فيلجُ النار؛ إِلا تحِلَّةَ القسم (٣) \" (٤).\n٢ - وعنه -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ما من مُسلِمَين يموتُ\n_________\n(١) البقرة: ١٥٥ - ١٥٧.\n(٢) أخرجه البخاري: ١٢٨٣، ومسلم: ٦٢٦.\n(٣) قال الإِمام البغوي في \"شرح السّنة\" (٥/ ٤٥١): \"يريد: إِلا قدْر ما يَبَرُّ الله قسمه فيه، وهو قوله -﷿-: ﴿وإِنْ منكم إِلا واردها﴾ فإِذا مرّ بها وجاوزها؛ فقد أبرّ قسمه\".\n(٤) أخرجه البخاري: ١٢٥١، ومسلم: ٢٦٣٢.","vol":"4","page":50},{"text":"لهما ثلاثة من الولد -لم يبلغوا الحِنْث (١) - إلاَّ أدخلهم الله وأبويهم الجنة بفضل رحمته.\nقال: ويكونون على بابٍ من أبواب الجنة، فيقال لهم: ادخلوا الجنة، فيقولون: حتى يجيء أبوانا، فيقال لهم: ادخلوا الجنة أنتم وأبواكم بفضل رحمة الله\" (٢).\n٣ - عن أبي سعيد الخدري -﵁-: \"أن النساء قلن للنّبيّ - ﷺ -: \"اجعل لنا يومًا، فوعظهن وقال: أيما امرأة مات لها ثلاثة من الولد؛ كانوا لها حجابًا من النار، قالت امرأة: واثنان؟ قال: واثنان\" (٣).\nالأمر الثاني -ممّا يجب على الأقارب-: الاسترجاع، وهو أن يقول: (إِنّا لله وإِنّا إِليه راجعون)؛ كما جاء في الآية المتقدّمة، ويزيدُ عليه قوله: \"اللهم أْجُرْني في مُصيبتي، وأخلف لي خيرًا منها\"؛ لحديث أمّ سلمة -﵂ - قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"ما من مسلم تُصيبه مُصيبة فيقول ما أمره الله: إِنّا لله وإنّا إِليه راجعون، اللهم أْجُرْني في مصيبتي، وأخلِف لي خيرًا منها؛ إلاَّ أخلَف الله له خيرًا منها.\nقالت: فلمّا مات أبو سلمة قلت: أيُّ المسلمين خيرٌ من أبي سلمة؟! أوّل\n_________\n(١) الحِنْث؛ أي: مبْلغ الرّجال، ويجري عليهم القلم، فيُكتب عليهم الحِنْث، وهو الإِثم، وقال الجوهري: بلغ الغُلام الحِنث؛ أي: المعصية والطاعة. \"النهاية\".\n(٢) أخرجه النسائي \"صحيح سنن النسائي\" (١٧٧٠)، والبيهقي وغيرهما عنه، وسنده صحيح على شرط الشيخين، كما في \"أحكام الجنائز\" (٣٤).\n(٣) أخرجه البخاري: ١٢٤٩، ومسلم: ٢٦٣٣.","vol":"4","page":51},{"text":"بيتٍ هاجر إِلى رسول الله - ﷺ -! ثمّ إِنّي قُلتها، فأخلف الله لي رسول الله - ﷺ -.\nقالت: أرسل إِليّ رسول الله - ﷺ - حاطب بن أبي بَلْتَعَةَ يخطُبني له، فقلت: إِنّ لي بنتًا وأنا غيور! فقال: \"أمّا ابنتها؛ فندعو الله أنْ يُغْنيَها عنها، وأدعو الله أن يذهب بالغيرة\" (١).\nولا ينافي الصبرَ أن تمتنع المرأة من الزينة كُلِّها؛ حِدادًا على وفاة ولدها أو غيره؛ إِذا لم تزد على ثلاثة أيام؛ إِلا على زوجها، فتُحِدُّ أربعة أشهر وعشرًا؛ لحديث زينب بنت أبي سلمة قالت: \"دخلتُ على أمَّ حبيبة زوج النّبيّ - ﷺ - حين توفي أبوها أبو سُفيان بن حرب، فدَعت أمُّ حبيبة بطيبٍ فيه صُفرة - خلوق (٢) أو غيره-، فدهنت منه جارية، ثمّ مسّت بعارضيها (٣)، ثمّ قالت: والله ما لي بالطيب من حاجة؛ غير أنّي سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: لا يحلّ لامرأة تُؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحِدَّ على ميّتٍ فوق ثلاث ليالٍ؛ إِلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا.\nقالت زينب: فدخلت على زينب ابنة جحش حين توفي أخوها، فدعت بطيب فمست منه، ثمّ قالت: أما والله ما لي بالطيب من حاجة؛ غير أني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول على المنبر: لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحِدّ على ميت فوق ثلاث ليال؛ إِلا على زوج؛ أربعة أشهر وعشرًا\" (٤).\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ٩١٨.\n(٢) خَلوق: طِيب مخلوط.\n(٣) العارِضان: جانبا الوجه فوق الذّقن ... \"شرح الكرماني\".\n(٤) أخرجه البخاري: ٥٣٣٤، ٥٣٣٥.","vol":"4","page":52},{"text":"ولكنّها إِذا لم تحدّ على غير زوجها -إِرضاءً للزوج وقضاءً لوَطَرِهِ منها- فهو أفضل لها، ويرجى لهما من وراء ذلك خيرٌ كثير؛ كما وقع لأم سُليم وزوجها أبي طلحة الأنصاري -﵄-.\nفعن أنس -﵁- قال: \"مات ابن لأبي طلحة من أم سُليم، فقالت لأهلها: لا تُحدِّثوا أبا طلحة بابنه حتى أكون أنا أُحدّثه، قال: فجاء\nفقرَّبت إِليه عشاءً، فأكل وشرب، فقال: ثمّ تصنّعت له أحسن ما كان تصنَّع قبل ذلك، فوقع بها، فلمّا رأت أنّه قد شبع وأصاب منها؛ قالت: يا أبا طلحة! أرأيت لو أنّ قومًا أعاروا عاريَتهم أهل بيت، فطلبوا عاريَتَهُم؛ أَلَهُمْ أنْ يمنعوهم؟ قال: لا، قالت: فاحتسب ابنك، قال: فغضب وقال: تركتِني حتّى تلطّخت ثمّ أخبرتني بابني!\nفانطلق حتّى أتى رسول الله - ﷺ - فأخبره بما كان، فقال رسول الله - ﷺ -: بارك الله لكما في غابر ليلتكما (١) \" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-997>ما يحرُم على أقارب الميت</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-998>١ - النياحة</span>؛ وهي رفْع الصوت بالبكاء، وفيه أحاديثُ كثيرة:\nعن أبي مالك الأشعري أنّ النّبيّ - ﷺ - قال: \"أربعٌ في أُمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهنَّ: الفخر في الأحساب (٣)، والطعن في الأنساب، والاستسقاء\n_________\n(١) أي: ماضيها.\n(٢) أخرجه البخاري: ٥٤٧٠، ومسلم: ٢١٤٤.\n(٣) الحسب في الأصل: الشرف بالآباء وما يعدُّه الناس من مفاخرهم. وتأتي بمعنى =","vol":"4","page":53},{"text":"بالنّجوم، والنياحة، وقال: النائحة -إذا لم تتب قبل موتها- تقام يوم القيامة وعليها سربال (١) من قطران، ودِرْع مِن جرَب (٢) \" (٣).\nوعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"اثنتان في النّاس هما بهم كُفر: الطعْن في النّسب، والنّياحة على الميت\" (٤).\nوعنه -﵁- قال: \"لما مات إِبراهيم ابن رسول الله - ﷺ -؛ صاحَ أسامة ابن زيد، فقال رسول الله - ﷺ -: ليس هذا منّي، وليس لصائحٍ حقّ، القلب يحزن والعين تدمع، ولا يُغضَب الربّ\" (٥).\nوعن ابن عمر -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إِنّ الميت ليُعذَّب ببكاء أهله عليه\" (٦).\n_________\n= الفَعال الحسن. وقيل: الحسب مأخوذ من الحساب، وذلك أنّهم إِذا تفاخروا؛ عدّ كلّ واحد منهم مناقبه ومآثر آبائه وحسبهم؛ فالحسب العدّ والمعدود. \"النهاية\" ملتقطًا.\n(١) سربال: هو القميص.\n(٢) ودرع من جرب؛ أي: يصير جلدها أجرب؛ حتى يكون جلدها كقميص على أعضائها، والدرع قميص النساء.\nوالقطران: دهن يُدْهَن به الجمل الأجرب؛ فيحترق لحدّته وحرارته، فيشتمل على لذع القطران وحرقته وإسراع النار في الجلد\". \"فيض\".\n(٣) أخرجه مسلم: ٩٣٤.\n(٤) أخرجه مسلم: ٦٧.\n(٥) أخرجه ابن حبان، والحاكم بسند حسن؛ كما في \"أحكام الجنائز\" (ص ٤٠).\n(٦) أخرجه البخاري: ١٢٨٦، ومسلم: ٩٢٧.","vol":"4","page":54},{"text":"وفي لفظ: \"الميّت يعذب في قبره بما نِيح عليه\" (١).\nفهذا ينفي مطلق البكاء، وأنّ المراد هو النُّوَاحُ، كما بيّن ذلك شيخنا -﵀-.\nوعن المغيرة -﵁- قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"من نِيحَ عليه؛ فإِنّه يُعذّب بما نيحَ عليه يوم القيامة\" (٢).\nوهذا لا يعارض مثل قوله -تعالى-: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ (٣). إِذ الحديث محمول -كما ذهب إِلى ذلك الجمهور- على من أوصى بالنّوح عليه، أو لم يوصِ بتركه مع علِمه بأنّ النّاس يفعلونه عادة.\nولهذا قال عبد الله بن المبارك: -رحمه الله تعالى-: \"إِذا كان ينهاهم في حياته، ففعلوا شيئًا من ذلك بعد وفاته؛ لم يكن عليه شيء\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-999>٢، ٣ - ضرب الخدود وشق الجيوب</span>.\nعن عبد الله بن مسعود -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ليس منّا\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٢٩٢، ومسلم: ٩٢٧.\n(٢) أخرجه مسلم: ٩٣٣.\n(٣) الأنعام: ١٦٤.\n(٤) \"عمدة القاري\" (٤/ ٧٩)، وذكره شيخنا -﵀- في \"أحكام الجنائز\" (ص ٤١).","vol":"4","page":55},{"text":"من لطم الخدود وشق الجيوب (١)، ودعا بدعوى الجاهلية (٢) \" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1000>٤ - حلق الشعر</span>.\nعن أبي بُردة بن أبي موسى -﵁- قال: \"وَجِع أبو موسى وَجَعًا؛ فَغُشِيَ عليه، ورأسه في حَجْرِ امرأة من أهله فصاحت امرأة من أهله، فلم يستطع أن يَرُدّ عليها شيئًا، فلمّا أفاق قال: أنا بريء ممن بريء منه رسول الله - ﷺ -، إِنّ رسول الله - ﷺ - بريء من الصالقة (٤) والحالقة (٥) والشاقّة (٦) \" (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1001>٥ - نَشْر الشّعر</span>.\nعن امرأة من المبايعات قالت: \"كان فيما أخذ علينا رسول الله - ﷺ - في المعروف -الذي أخذ علينا أن لا نعصيَه فيه-: أن لا نخمش (٨) وجهًا، ولا ندعو\n_________\n(١) الجيوب: جمع جيب، وهو ما يُفتح من الثوب، ليدخل فيه الرأس، والمراد بشقّه إِكمال فتْحه إِلى آخره، وهو من علامات التسخّط. \"فتح\".\n(٢) دعوى الجاهلية: هو قولهم: يا لفلان! يا للأنصار! يا للمهاجرين! كانوا يدْعو بعضهم بعضًا عند الأمر الحادث الشديد. \"النهاية\" ملتقطًا.\n(٣) أخرجه البخاري: ١٢٩٤، ١٢٩٧، ١٢٩٨، ومسلم: ١٠٣.\n(٤) التي ترفع صوتها بالبكاء. \"فتح\". وفي \"النهاية\": الصّلْق: الصوت الشديد ..\n(٥) التي تحلق رأسها عند المصيبة.\n(٦) التي تشقّ ثوبها.\n(٧) أخرجه البخاري: ١٢٩٦، ومسلم: ١٠٤.\n(٨) أي: لا نخدش.","vol":"4","page":56},{"text":"ويلًا (١)، ولا نشق جيبًا، ولا ننشر شعرًا (٢) \" (٣).\n٦ - الإِعلان عن موته على رؤوس المنائر ونحوها، لأنّه من النعي (٤)، وقد ثبت عن حذيفة بن اليمان أنّه قال: \"إِذا متُّ فلا تُؤْذِنوا (٥) بي أحدًا؛ فإِنّي أخاف أن يكون نعيًا، وإِنّي سمعت رسول الله - ﷺ - ينهى عن النعي\" (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1002>النعي الجائز</span>\nالنعي -لغةً-: هو الإِخبار بموت الميت؛ وقد دلّ حديث حذيفة -﵁- السابق على أنّ النهي يشمل كلّ إِخبار، ولكن قد جاءت أحاديثُ صحيحة تدّل على جواز نوعٍ من الإِخبار.\nفيجوز إعلان الوفاة إِذا لم يقترن به ما يشبه نعي الجاهلية، وقد يجب ذلك إِذا لم يكُن عنده من يقوم بحقه من الغسل والتكفين والصلاة عليه ونحو\n_________\n(١) هو أن يقول عند المصيبة: يا ويلاه.\n(٢) أي: ولا نفرّق شعرًا، يُقال: نشر الراعي غنمه؛ أي: بثّها بعد أن آواها. \"عون\" (٨/ ٢٨١).\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٦٨٥)، ومن طريقه البيهقي بسند صحيح.\n(٤) سيأتي بيانه -إِن شاء الله تعالى-.\n(٥) أي: تُعلِموا.\n(٦) أخرجه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٧٨٦) وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٢٠٣).","vol":"4","page":57},{"text":"ذلك، وفيه أحاديث:\nعن أبي هريرة -﵁-: \"أنّ رسول الله - ﷺ - نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، فخرج إِلى المصلّى؛ فصفَّ بهم وكبّر أربعًا\" (١).\nوعن أنس بن مالك -﵁- قال: قال النّبي - ﷺ -: \"أخذ الراية زيد فأصيب، ثمّ أخذها جعفر فأصيب، ثمّ أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب -وإنّ عَيْنَي رسول الله - ﷺ - لَتَذْرِفانِ- ثمّ أخذها خالد بن الوليد من غير إِمرة ففُتح له\" (٢).\nقال شيخنا -﵀- (ص ٤٥ - ٤٦): \"أخرجه البخاري وترجم له والذي قبله بقوله: \"باب الرجل ينعى إِلى أهل الميت بنفسه\". وقال الحافظ: \"وفائدة هذه الترجمة: الإِشارة إِلى أنّ النعي ليس ممنوعًا كلُّه، وإنّما نهى عمّا كان أهل الجاهلية يصنعونه، فكانوا يرسلون مَنْ يُعلن بخبر موت الميت على أبواب الدُّور والأسواق ... \" ... \" انتهى.\nجاء في \"السيل الجرار\" (١/ ٣٣٨): \"وأمّا الإِيذان بموت الميت؛ فقد ثبت في كتب اللغة أن النعي هو الإِخبار بموت الميت وإِذاعته، وقد ثبت عنه -﵌- في \"الصحيحين\" وغيرهما: \"أنه قال لما رأى قبرًا دفن ليلًا فقال: \"متى دفن هذا؟ فقالوا: البارحة. قال: أفلا آذنتموني\" (٣).\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٢٤٥، ومسلم: ٩٥١.\n(٢) أخرجه البخاري: ١٢٤٦.\n(٣) سيأتي تخريجه -إِنْ شاء الله تعالى-.","vol":"4","page":58},{"text":"وثبت في \"الصحيح\" أنه قال ذلك لما أخبروه بموت السوداء -أو الأسود- الذي كان يقُمّ المسجد (١).\nفدل على أن مجرد الإِخبار بموت الميت -من دون إِذاعة ولا تفجُّع- جائز؛ لأنّه قد ورد ما يدلّ على أنّ في كثرة المصلين عليه منفعة له، وأنهم شفعاؤه، وأيضًا لا بد من حضور من يتولى تجهيزه وحمله ودفنه، فإِخبارهم بذلك مما تدعو إِليه الحاجة وتقتضيه الضرورة.\nوأمّا ما ذكَره من توابع النّعي؛ فهي ما ورد النهي عنه مِن ضرْب الخدود، وشقِّ الجيوب، والدعاء بدعوة الجاهلية؛ كما في \"الصحيحين\" وغيرهما\".\nويستحب للمخبر أن يطلب من النّاس أن يستغفروا للميت؛ لحديث أبي قتادة -﵁- قال: \"بعث رسول الله - ﷺ - جيش الأُمراء فقال: عليكم زيد بن حارثة؛ فإِنْ أصيب زيدٌ فجعفر بن أبي طالب؛ فإِن أصيب جعفرٌ فعبد الله بن رواحة الأنصاري.\nفوثب جعفر فقال: بأبي أنت وأمّي يا رسول الله! ما كنت أرهب أن تستعمل عليّ زيدًا، قال: امضهْ فإِنّك؛ لا تدْري أيُّ ذلك خير.\nفانطلقوا، فلبثوا ما شاء الله، ثمّ إِنّ رسول الله - ﷺ - صعد المنبر، وأمر أن ينادى (الصلاة جامعة)، فقال رسول الله - ﷺ -: ناب خير، أو بات خير -أو ثاب خير؛ شك عبد الرحمن (يعني: ابن مهدي) -! ألا أخبركم عن جيشكم هذا الغازي؟ إِنهم انطلقوا فلقوا العدو، فأصيب زيد شهيدًا، فاستغفِروا له - فاستغفر له الناس- ثمّ أخذ اللواء جعفر بن أبي طالب، فشد على القوم حتى\n_________\n(١) سيأتي تخريجه -إنْ شاء الله تعالى-.","vol":"4","page":59},{"text":"قتل شهيدًا، أَشْهَدُ له بالشهادة، فاستغفَروا له، ثمّ أخذ اللواء عبد الله بن رواحة، فأثبت قدميه حتى قُتل شهيدًا، فاستغفروا له، ثمّ أخذ اللواء خالد بن الوليد؛ ولم يكن من الأمراء، هو أمّر نفسه، ثمّ رفع رسول الله - ﷺ - أصبعيه فقال: اللهم هو سيف من سيوفك، فانصره؛ فمن يومئذٍ سمّي خالد سيف الله، ثمّ قال: انفروا فأمدُّوا إِخوانكم، ولا يتخلفنّ أحدٌ؛ فنفر الناس في حرّ شديد مُشاة وركبانًا\" (١).\n\nما جاء في الإِحداد (٢) على الميت:\nالإِحداد: هو الحُزن على الميت، وترْك الزينة والطيب.\nيجوز للمرأة أن تحدّ على قريبها ثلاثة أيام، ويحرم عليها الإِحداد فوق ذلك. أمّا الزوج؛ فيحلّ لها أن تحدّ عليه أربعة أشهر وعشرًا.\nفعن أم عطية أنّ رسول الله - ﷺ - قال: لا تُحدّ امرأة على ميت فوق ثلاث؛ إِلا على زوج؛ أربعة أشهر وعشرًا، ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا؛ إِلا ثوب عَصْب (٣)، ولا تكتحل، ولا تمس طيبًا؛ إِلا إِذا طهرت نُبذة (٤) من قُسْط (٥) أو\n_________\n(١) أخرجه أحمد وإسناده حسن.\n(٢) قال النووي: \"الإِحداد والحداد: مشتق من الحد؛ وهو المنع؛ لأنها تمتنع الزينة والطيب\".\n(٣) العَصْب -بعين مفتوحة ثمّ صاد ساكنة مهملتين-: هو برود اليمن، يُعْصَبُ غزْلها ثمّ يُصبَغ معصوبًا، ثمّ تنسج. ومعنى الحديث: النهي عن جميع الثياب المصبوغة للزينة؛ إِلا ثوب العصب. \"شرح النووي\".\n(٤) النُّبذة: القطعة والشيء اليسير. \"شرح النووي\" أيضًا.\n(٥) القُسط: ضرْبٌ من الطّيب، وقيل هو العود، والقُسط: عقار معروف في =","vol":"4","page":60},{"text":"أظفار (١) \" (٢).\nوعن زينب ابنة أبي سلمة قالت: \"لمّا جاء نعي أبي سفيان من الشام؛ دعت أمّ حبيبة -﵂- بصُفرة (٣) في اليوم الثالث، فمسحت عارضيها (٤) وذراعيها، وقالت: إِني كنتُ عن هذا لغنية؛ لولا أنّي سمعت النّبيّ - ﷺ - يقول: \"لا يحلُّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحدّ على ميت فوق ثلاث؛ إِلا على زوج؛ فإِنّها تُحدُّ عليه أربعة أشهر وعشرًا\" (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1004>غَسْلُ المَيِّتِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1005>حكمه:</span>\nفإِذا مات المسلم؛ وجب على طائفة من الناس أن يبادروا إلى غَسله، وهو\n_________\n= الأدوية طيّب الريح؛ تبخّر به النّفساء والأطفال، وهو أشبه بالحديث؛ لإِضافته إِلى الأظفار. \"النهاية\".\n(١) الأظفار: جنس من الطيب، والقطعة منه شبيهة بالظُّفر. \"النهاية\" بحذف. قال النووي -﵀-: \"القُسط والأظفار: نوعان معروفان من البخور وليسا من مقصود الطيب، رخّص فيه للمغتسلة من الحيض؛ لإِزالة الرائحة الكريهة، تتبع به أثر الدم لا للتطيُّب والله -تعالى- أعلم.\n(٢) أخرجه البخاري: ٥٣٤٢، ومسلم: ٩٣٨.\n(٣) الصُّفرة -في الأصل-: لونٌ أصفر. والمراد هاهنا: نوع من الطّيب فيه صُفرة. قاله العيني في \"عمدة القاري\".\n(٤) العارض: جانب الوجه وصفحة الخدّ. \"الوسيط\"، وتقدّم.\n(٥) أخرجه البخاري: ١٢٨٠، وتقدّم نحوه.","vol":"4","page":61},{"text":"فرض كفاية؛ إِذا قام به البعض؛ سقط عن جميع المكلَّفين.\nوأمّا وجوب الغَسْل؛ فلأمره - ﷺ - به في غير ما حديث:\n١ - قوله - ﷺ - في المُحْرِم الذي وقصته ناقته: \"اغسلوه بماء وسِدْر ... \" (١).\n٢ - قوله - ﷺ - في ابنته زينب -﵂-: \"اغْسلنها ثلاثًا، أو خمسًا، أو سبعًا، أو أكثر من ذلك ... \" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1006>كيفية غَسْلِ الميت:</span>\nويُراعي في غَسْلِهِ الأمورَ الآتيةَ:\nأولًا: غسله ثلاثًا فأكثر؛ على ما يرى القائمون على غسله.\nقال الإِمام مالك -﵀-: \"إِنّ الغَسل أوّلًا هو الفرض، فوجَب أن يكون بالماء وحده، وما بعد ذلك؛ فإِنما هو على وجه التنظيف والتطييب؛ فلا يضرّه ما خالطه مما يزيد في تنظيفه\" (٣).\nثانيًا: أن تكون الغَسَلاتُ وترًا.\nقال ابن المنذر -﵀- في \"الأوسط\" (٥/ ٣٢٥): \"ذِكْر الخبر الدالِّ على أنّ النّبيّ - ﷺ - إِنما أمر بعدد غسل الميت على ما يراه غاسله بعد أن يكون عدد غسله وترًا، وعلى أنّ معنى قوله: \"إِنْ رأيتن ذلك وترًا لا شفعًا ... \".\nثمّ ذكر حديث أمّ عطيّة -﵂-.\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٢٦٥، ومسلم: ١٢٠٦، وتقدّم.\n(٢) سيأتي تخريجه -إِن شاء الله تعالى-.\n(٣) \"المنتقى شرح موطأ مالك\" (٢/ ٤٥٣).","vol":"4","page":62},{"text":"ثالثًا: أن يُقرن مع بعضها سِدْرٌ، أو ما يقوم مقامه في التنظيف، كالصابون ونحوه.\nرابعًا: أن يخلط مع آخر غَسْلة منها شيء من الطيب، والكافورُ أوْلى.\nخامسًا: نقض الضفائر وغسلها جيدًا.\nسادسًا: تسريح شعره.\nسابعًا: جعله ثلاث ضفائر للمرأة وإلقاؤها خلفها.\nثامنًا: البدء بميامنه ومواضع الوضوء منه.\nقال الزين بن المنيِّر: قوله: \"ابدأن بميامنها\"؛ أي: في الغسلات التي لا وضوء فيها. \"ومواضع الوضوء منها\"؛ أي: في الغسلة المتصله بالوضوء\". \"فتح\" (٣/ ١٢١).\nتاسعًا: أن يتولى غَسلَ الذّكر الرجالُ، والأنثى النساءُ؛ إلاَّ ما استُثْني؛ كما يأتي بيانه -إِن شاء الله تعالى-.\nوالدليل على هذه الأمور: حديث أم عطية -﵂- قالت: \"دخل علينا النّبيّ - ﷺ - ونحن نُغَسِّلُ ابنته [زينب]، فقال: اغسلنها ثلاثًا، أو خمسًا [أو سبعًا]، أو أكثر من ذلك -إِن رأيتنّ ذلك- بماء وسدْرٍ [قالت: قلت: وترًا؟ قال: نعم]، واجعلن في الآخرة كافورًا (١)، أو شيئًا من كافور، فإِذا فرغتن فآذِنَّنِي، فلمّا فرغنا آذنّاه، فألقى إِلينا حِقْوه (٢)؛ فقال: أشعرنها إِياه (٣)؛ [تعني:\n_________\n(١) الكافور: من أخلاط الطيب. وفي \"الصحاح\": من الطيب.\n(٢) الحِقو: المراد به هنا الإِزار. \"فتح\".\n(٣) أشِعْرنها إِياه؛ أي: اجعلنه شعارها. والشعار: الثوب الذي يلي الجسد؛ لأنّه يلي شعره. \"النهاية\".","vol":"4","page":63},{"text":"إِزاره]، [قالت: ومشطناها ثلاثة قُرون]، (وفي رواية: نقضنه ثمّ غسلنه) [فضفّرنا شعرها ثلاثة أثلاثٍ: قرنيها وناصيتها] وألقيناها خلفها]، [قالت: وقال لنا: ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها] (١).\nقال ابن حزم -﵀- في \"المحلّى\" (٥/ ١٨٠ - مسألة: ٥٦٨): \"وصفة الغَسْل: أن يُغسَّل جميع جسد الميت ورأسه بماء قد رُمي فيه شيء من سدر ولا بدّ، إِن وجد، فإِن لم يوجد؛ فبالماء وحده ثلاث مرات ولا بد، يُبتدأ بالميامن، ويُوضّأ، فإِنْ أحبُّوا الزيادة فعلى الوتر أبدًا: إِما ثلاث مرات، وإِما خمس مرات، وإمّا سبع مرات، ويجعل في آخر غسلاته -إِن غسل أكثر من مرة- شيئًا من كافور ولا بدّ فرضًا؛ فإِنْ لم يوجد فلا حرج؛ لأمر رسول الله - ﷺ - بذلك كلّه\".\nثمّ ذكر -﵀- حديث أم عطية -﵂- السابق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1007>ذِكْر مضمضة الميت واستنشاقه </span>(٢):\nواختلفوا في مضمضة الميت واستنشاقه:\nفكان سعيد بن جبير والنَّخَعِيُّ، والثوري لا يرون ذلك.\nوكان الشافعي وإِسحاق يأمران به.\nقال ابن النذر -﵀-: \"هذا أحبُّ إِلي؛ لأنّ في جملة ما وصَفه عامة أهل العلم أن يوضأ الميت، ومن سنة الحيِّ إِذا توضأ أن يتمضمض ويستنشق؛\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٢٥٤، ومسلم: ٩٣٩ وغيرهما، وانظر تخريج الزيادات في \"أحكام الجنائز\" (ص ٦٥ - ٦٦).\n(٢) \"الأوسط\" (٥/ ٣٣٠).","vol":"4","page":64},{"text":"فسبيل ما يُفعَل بالميت كسبيل ما يفعله الحي؛ إِلا أن تمنع منه سُنّة\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1008>ماذا إِذا مات رجل بين نساء، أو ماتت امرأة بين رجال</span>؟\nقال ابن حزم -﵀- في \"المحلّى\" (٥/ ٢٥٩ - مسألة: ٦١٨): \"فلو مات رجل بين نساء لا رجل معهن، أو ماتت امرأة بين رجال لا نساء معهم؛ غسَل النساءُ الرجلَ وغسل الرجالُ المرأةَ على ثوب كثيف، يُصبّ الماء على جميع الجسد دون مباشرة اليد؛ لأن الغسل فرض كما قدَّمنا؛ وهو ممكن كما ذكَرنا بلا مباشرة؛ فلا يحل تركه، ولا كراهة في صبّ الماء أصلًا. وبالله -تعالى- التوفيق.\nولا يجوز أن يُعوّض التيمم من الغسل؛ إِلا عند عدم الماء فقط. وبالله -تعالى- التوفيق.\nوممن قال بقولنا هذا: طائفة من العلماء: رُوِّينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري وقتادة قالا جميعًا: تُغسل وعليها الثياب، يعنيان: في المرأة تموت بين رجال لا امرأة معهم ...\nوقال الحجاج عن الحكم بن عُتَيْبَة قالا جميعًا -في المرأة تموت مع رجال ليس معهم امرأة-: إِنها يصب عليها الماء من وراء الثياب\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1009>غسل الميت بخرقة:</span>\nعاشرًا: ويراعى أن يُغسَل الميت بخرقة أو نحوها تحت ساتر لجسمه بعد تجريده من ثيابه كُلّها؛ فإِنّه كذلك كان العمل على عهد النّبيّ - ﷺ -؛ كما يُفيدُه حديث عائشة -﵂-: \"لما أرادوا غسل النّبيّ - ﷺ - قالوا: والله ما ندري؛ أنجرِّد رسول الله - ﷺ - من ثيابه كما نُجرّد موتانا، أم نغسله وعليه","vol":"4","page":65},{"text":"ثيابه؟\nفلمّا اختلفوا؛ ألقى الله عليهم النوم، حتى ما منهم رجل إلاَّ وذقنَه في صدره، ثمّ كلّمهم مُكلِّم من ناحية البيت -لا يدرون من هو-: أن اغسلوا النّبيّ - ﷺ - وعليه ثيابه.\nفقاموا إِلى رسول الله - ﷺ -، فغسلوه وعليه قميصه؛ يصُبُّون الماء فوق القميص، ويدلكونه بالقميص دون أيديهم، وكانت عائشة تقول: لو استقْبَلْتُ من أمري ما استدبرت؛ ما غسله إلاَّ نساؤه\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1010>ذِكْر عصْر بطن الميت </span>(٢):\nقال ابن المنذر -﵀-: \"واختلفوا في عصر بطن الميت: فكان ابن سيرين والنخعي والحسن البصري ومالك يقولون: يُعصَر بطن الميت. قال بعضهم: عصرًا خفيفًا.\nوكان سفيان الثوري يقول: يُمسح مسحًا رقيقًا بعد الغسلة الأولى. قال الشافعي: \"يُمِرُّ يده على بطنه إِمرارًا بليغًا؛ ليُخْرِجَ شيئًا إِنْ كان فيه\". وقال أحمد وإِسحاق: يمسح بطنه مسحًا رقيقًا؛ خرج منه شيئًا أو لم يخرج.\nوقد رُوِّينا عن الضحاك بن مزاحم: أنه أوصى أنه لا يعصر بطنه.\nوكان أحمد بن حنبل يستحب أن يعصر بطنه في الثانية قال: فإِنّه تلين\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٦٩٣)، وابن الجارود في \"المنتقى\"، والحاكم وغيرهم.\n(٢) \"الأوسط\" (٥/ ٣٢٩).","vol":"4","page":66},{"text":"في الغسلة الأولى.\nقال ابن المنذر: ليس في عصر البطن سُنّة تتبع، وقد رواه من ذكَرنا ذلك عنهم من أهل العلم؛ فإِنْ أمرَّ الغاسل يديه إِمرارًا خفيفًا على بطنه ليخرج شيئًا إِن كان هناك فحَسَن، وإن تَرك فلم يفعل ذلك، فلا بأس\" انتهى. قلت: وهذا راجع للمغسِّل، فيفعل ما تقتضيه الحاجة. والله -تعالى- أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1011>هل يغطّى وجه الميّت</span>؟\nجاء في \"الأوسط\" (٥/ ٣٢٧): \"واختلفوا في تغطية وجه الميت عند غسله:\nفكان محمد بن سليمان وسليمان بن يسار وأيوب السَّخْتِيَاني يرون أن يلقى على وجه الميت خرقة.\nوكان مالك والثوري والشافعي وجماعة يرَون أن يُطرح على فرج الميت خرقة، ولم يذكروا الوجه.\nوقال أحمد بن حنبل: إِنما يغطى منه ما كان يغطى في حياته، قال أحمد: يغطى ما بين سُرّته وركبتيه\".\nقلت: وقول الإِمام أحمد -﵀- هو الراجح؛ لأن عورة الحيّ والميت سواءٌ، ولا دليل على التخصيص.\nوجاء في \"السيل الجرار\" (١/ ٣٤٥): \"الأدلة الواردة في منع نظر العورة ولمسها شاملة لعورة الحي والميت، فغَسْلُها يكون بالدلك مع حائل بين اليد وبينها\".","vol":"4","page":67},{"text":"حادي عشر: ويستثنى -مما ذكر في (رابعًا) -: المُحْرِم؛ فإِنّه لا يجوزُ تطييبه؛ لقوله في الحديث الذي سبقت الإِشارة إِليه قريبًا:\n\"لا تُحنِّطوه (وفي رواية: ولا تُطيّبوه). فإِنّه يُبعث يوم القيامة مُلبيًا\" (١).\nثاني عشر: ويستثنى -أيضًا ممّا ورد في (تاسعًا) - الزوجان؛ فإِنّه يجوز لكلٍّ منهما أنْ يتولّى غَسْل الآخر؛ إِذ لا دليل يمنعُ منه، والأصل الجواز، ولا سيما وهو مؤيَّد بحديثين:\n١ - عن عائشة -﵂- قالت: \"لو كنت استقبلتُ من أمري ما استدبرت؛ ما غسل النّبيَّ - ﷺ - غيرُ نسائه\" (٢).\nقال البيهقي: \"فتلهّفَت على ذلك، ولا يُتَلَهَّفُ إِلا على ما يجوز\".\nقال شيخنا -﵀-: \"والجواز هو قول الإِمام أحمد، كما رواه أبو داود في \"مسائله\" (ص ١٤٦) \".\n٢ - وعنها -﵂- قالت: \"رجع إِليّ رسول الله - ﷺ - من جنازة بالبقيع، وأنا أجد صُداعًا في رأسي، وأقول: وارأساه! فقال: بل أنا وارأساه! ما ضرَّك لو متِّ قبلي فغسلتُك وكفَّنتك، ثمّ صليتُ عليك ودفنتك؟! \" (٣).\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٢٦٥، ومسلم: ١٢٠٦، وتقدّم.\n(٢) أخرجه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١١٩٦) وغيره، وتقدّم.\n(٣) أخرجه أحمد، والدارمي، وابن ماجه صحيح سنن ابن ماجه\" (١١٩٧)، وغيرهم.","vol":"4","page":68},{"text":"وعن أسماء بنت عُمَيْسٍ قالت: \"غسلت أنا وعلي فاطمة بنت رسول الله - ﷺ -\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1012>ذِكر ترْك الأخذ من شعر الميت ومن أظفاره </span>(٢):\nقال ابن المنذر -﵀-: \"واختلفوا في أخْذ شعر الميت وأظفاره: فقالت طائفة: يؤخذ من شعره وأظفاره؛ كذلك قال الحسن البصري وبكر بن عبد الله المُزَنِيُّ. ورُوِّينا أن سعد بن مالك أخذ عانة ميت، وذكَر آثارًا في ذلك\".\nثمّ قال -﵀-: \"وكرهت طائفة ذلك: كره محمد بن سيرين أخْذ عانة الميت. وسُئل حمّاد بن أبي سليمان عن تقليم أظفار الميت؟ فقال: إِنْ كان أقلف أتختنه؟ وكره مالك تقليم أظافر الميت وحلْق عانته\".\nقال ابن المنذر -﵀-: \"الوقوف عن أخذ ذلك أحب إِليّ؛ لأنّ المأمور بأخذ ذلك من نفسه الحي، فإِذا مات انقطع الأمر، ويصير جميع بدنه إِلى البلاء؛ إِلا عَجْبَ (٣) الذَّنَبِ الذي استثناه الرسول - ﷺ -\".\nوبعدم الأخذ يقول شيخنا -﵀- في إِجابةٍ أَجابنيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1013>التيمُّم للميّت عند فَقْدِ الماء:</span>\nويُيَمَّمُ الميت إِذا فُقد الماء؛ لقوله -تعالى-: ﴿فإِنْ لم تجدوا ماءً\n_________\n(١) أخرجه الحاكم، وعنه البيهقي، وحسّنه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٧٠١).\n(٢) \"الأوسط\" (٥/ ٣٢٨).\n(٣) العَجب: العظم الذي في أسفل الصُّلب عند العَجُز. \"النهاية\".","vol":"4","page":69},{"text":"فتيمّموا﴾ (١).\nولقول رسول الله - ﷺ -: \"وجُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا\" (٢).\nقال ابن حزم -﵀- في \"المحلّى\" (٥/ ١٨٢ - تحت المسألة: ٥٦٩): فإِن عُدِمَ الماء؛ يُمِّم الميت ولا بُدّ؛ لقول رسول الله - ﷺ -: \"جُعلت لي الأرض مسجدًا وطَهورًا\" ... \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1014>يتولّى الغسلَ من كان أعرف بسُنّة الغسل:</span>\nقال شيخنا -﵀- في \"أحكام الجنائز\" (ص ٦٨): [ولا بدَّ] أن يتولَّى غَسْلَهُ من كان أعرف بسُنّة الغسل، لا سيّما إِذا كان من أهله وأقاربه؛ لأنّ الذين تولّوا غَسله - ﷺ - كانوا كما ذكرنا، فقد قال عليّ -﵁-: \"غَسلْتُ رسول الله - ﷺ -، فجعلتُ أنظرُ ما يكون من الميّت؛ فلم أر شيئًا، وكان طيِّبًا حيًّا وميّتًا - ﷺ -\" (٣).\nقال ابن المنذر -﵀- في \"الأوسط\" (٥/ ٣٢٤): \"ذِكْر الدليل على أنّ عُصبة الميت وقرابته أحقّ بولايته وغَسْله؛ إِذا كان فيهم من يُحسن الغسل من الأباعد\".\nثمّ ذكر -﵀- حديث سالم بن عُبَيْدِ في وفاة النّبيّ - ﷺ -؛ وفيه:\n_________\n(١) النساء: ٤٣.\n(٢) أخرجه البخاري: ٤٣٨، ومسلم: ٥٢٣.\n(٣) أخرجه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١١٩٨)، والحاكم، والبيهقي وغيرهم.","vol":"4","page":70},{"text":"\"قالوا: يا صاحب رسول الله (١)! أيُدفَن رسول الله - ﷺ -؟ قال: نعم، قالوا: أين؟ قال: في المكان الذي قُبِض فيه روحُه، فإِنّ الله لم يقبض روحه إِلا في مكان طيب. فعلموا أن قد صدَق، ثمّ أمَرهم أن يُغسّله بنو أبيه\" (٢).\nقال شيخنا -﵀-: \" [أي: عصبته]، فغسله سيدنا علي -﵁-، فكان الفضل بن عباس وأسامة وشقران مولى رسول الله - ﷺ - يناولون عليًّا الماء\".\nولمن تولّى غَسْله أجرٌ عظيم بشرطين اثنين:\nالأول: أن يستُر عليه، ولا يحدّث بما قد يرى من المكروه؛ لقوله - ﷺ -: \"من غَسَّلَ مُسلمًا فكتم عليه؛ غفر له الله أربعين مرةً، ومن حفر له فأجنّه؛ أجري عليه كأجر مسكن أسكنه إِياه إلى يوم القيامة، ومن كفّنه؛ كساه الله يوم القيامة من سندسِ وإستبرقِ الجنة\" (٣).\nالثاني: أن يبتغي بذلك وجه الله، لا يريدُ به جزاءً ولا شُكورًا ولا شيئًا من أمور الدنيا، لما تقرّر قي الشرع أنّ الله -﵎- لا يقْبل من العمل إلاَّ ما كان خالصًا لوجهه الكريم.\nوالأدلّة على ذلك من الكتاب والسُّنة كثيرة جدًّا.\n_________\n(١) الخطاب لأبي بكر الصّديق -﵁-.\n(٢) أخرجه الترمذي في \"الشمائل\"، وهو حديث صحيح؛ خرّجه شيخنا -﵀- في \"مختصر الشمائل\" (٣٣٣).\n(٣) أخرجه الحاكم، والبيهقي وغيرهما، وانظر \"أحكام الجنائز\" (ص ٦٩).","vol":"4","page":71},{"text":"ويستحبّ لمن غسّله أن يغتسل، فعن عن أبي هريرة -﵁- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"من غسَّل الميت فليغتسل، ومن حمله فليتوضَّأ\" (١).\nقال شيخنا -رحمه الله تعالى-: \"وظاهر الأمر يفيد الوجوب، وإنّما لم نقُل به لحديثين موقوفيْن -لهما حْكم الرفع-:\nالأوّل: عن ابن عباس: \"ليس عليكم في غَسْلِ ميّتكم غُسْلٌ إِذا غسَّلْتمُوه؛ فإِن ميّتكم ليس بنجسٍ، فحسبكم أن تغسلوا أيديكم\" (٢).\nالثاني: قول ابن عمر -﵁-: \"كنّا نغسل الميت، فمنّا من يغتسل، ومنّا من لا يغتسل\" (٣).\nولا يُشْرَعُ غَسل الشهيد قتيل المعركة، ولو اتّفق أنّه كان جُنبًا، وفي ذلك أحاديث:\nعن جابر قال: قال النّبيّ - ﷺ -: \"ادْفنوهم في دمائهم؛ يعني: يوم أُحد، ولمْ يُغسِّلْهم\" (٤).\nوفي لفظ: \"لا تغسِلوهم؛ فإِنّ كُلّ جرحٍ -أو كلّ دم- يفوح مِسكًا يوم\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٧٠٧)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٧٩١)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١١٩٥).\n(٢) أخرجه الحاكم، والبيهقي، وحسّن شيخنا -﵀- إِسناده في \"أحكام الجنائز\" (ص ٧٢).\n(٣) أخرجه الدارقطني، والخطيب في \"تاريخه\" بإِسناد صحيح، كما قال الحافظ.\n(٤) أخرجه البخاري: ١٣٤٦.","vol":"4","page":72},{"text":"القيامة؛ ولم يُصلِّ عليهم\" (١).\nالثالث: عن أبي بَرْزَةَ: أنّ النّبيّ - ﷺ - كان في مغزىً له، فأفاء الله عليه، فقال لأصحابه: هل تفقدون من أحد؟، قالوا: نعم، فلانًا وفلانًا وفلانًا، ثمّ قال: هل تفقدون من أحد؟ قالوا: نعم، فلانًا وفلانًا وفلانًا، ثمّ قال: هل تفقدون من أحد؟ قالوا: لا، قال: لكنّي أفقد جُليبيبًا، فاطلبوه.\nفطُلِبَ في القتلى، فوجدوه إِلى جنب سبعةٍ قد قتلهم ثمّ قتلوه، فأتى النّبيّ - ﷺ - فوقف عليه، فقال: قتل سبعة، ثمّ قتلوه! هذا منّي وأنا منه، هذا منّي وأنا منه! قال: فوضعه على ساعديه، ليس له إِلا ساعدا النّبيّ - ﷺ -. قال: فحفر له ووضع في قبره، ولم يذكر غَسْلًا\" (٢).\nعن أنس: \"أنّ شهداء أُحد لم يغسّلوا، ودفنوا بدمائهم، ولم يُصَلَّ عليهم؛ غير حمزة\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1015>الشهداء الذين يغسلون ويصلّى عليهم:</span>\nأمّا القتلى الذين لم يُقْتَلوا في المعركة بأيدي الكفار؛ فقد أطلق الشارع على بعضهم لفظ الشهداء، وهؤلاء يغسلون، ويصلّى عليهم؛ فقد غسل\n_________\n(١) أخرجه أحمد، وسنده صحيح على شرط الشيخين، كما في \"الإِرواء\" (٣/ ١٦٤).\n(٢) أخرجه مسلم: ٢٤٧٢.\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٦٨٨) وغيره، وانظر \"أحكام الجنائز\" (ص ٧٤).","vol":"4","page":73},{"text":"رسول الله - ﷺ - من مات منهم في حياته، وغسل المسلمون بعده عمر وعثمان وعليًّا، وهم جميعًا شهداء، ونحن نذكر هؤلاء الشهداء فيما يلي (١):\nعن جابر بن عَتِيكٍ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"الشهداء سبعةٌ -سوى القتل في سبيل الله-: المطعون شهيد، والغَرِقُ شهيد، وصاحب ذات الجَنْبِ شهيد (٢)، والمبطون شهيد، وصاحب الحَرِيقُ شهيد، والذي يموت تحت الهدم شهيد، والمرأة تموت بجُمع (٣) شهيدة\" (٤).\nوعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ما تَعُدُّون الشهيد فيكم؟ قالوا: يا رسول الله! من قُتل في سبيل الله فهو شهيد. قال: إِنّ شُهداء أمتي إِذًا لقليل، قالوا: فمن هم يا رسول الله؟!\nقال: من قُتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد،\n_________\n(١) انظر \"فقه السّنّة\" (١/ ٥١٣).\n(٢) ذات الجنب: هي الدُّمّل الكبيرة التي تظهر في باطن الجَنب وتنفجر إِلى داخل. \"النهاية\".\n(٣) جاء في \"النهاية\": \"أي: تموت وفي بطنها ولد. وقيل: التي تموت بكرًا. والجُمع - بالضم- بمعنى المجموع، كذُخْر بمعنى المذخور.\nوكسر الكسائي الجيم، والمعنى: أنها ماتت مع شيء مجموع فيها غير منفصل عنها من حمل أو بكارة\".\n(٤) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٦٦٨) وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢٢٦١) والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (١٧٤٢)، وانظر \"أحكام الجنائز\" لشيخنا -﵀- (ص ٥٥).","vol":"4","page":74},{"text":"ومن مات في الطّاعون فهو شهيد، ومن مات في البطن فهو شهيد، والغريق شهيد\" (١).\nوعن سعيد بن زيد -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من قُتل دون ماله فهو شهيد، ومن قُتل دون أهله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1016>من جُرح في المعركة وعاش حياةً مستقرّة </span>(٣):\nإِذا جُرح الرجل في المعركة وعاش حياة مستقرّة، ثمّ مات؛ يُغسل ويُصلّى عليه.\nفإنْ عاش عيشة غير مستقرّة فتكلّم أو شرب ثمّ مات؛ فإِنّه لا يُغسل ولا يصلّى عليه. والله -تعالى- أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1017>هل يُغسل الكافر</span>؟\nجاء في كتاب \"الأوسط\" (٥/ ٣٤١): \"واختلفوا في غَسْل الكافر ودَفْنه: فكان مالك يقول: \"لا يغسِّلُ المسلمُ والدَه إِذا مات كافرًا، ولا يتبعه، ولا يدخل في قبره؛ إِلا أن يخشى أن يضيع، فيواريه\".\nوكان الشافعي يقول: \"لا بأس أن يغسل المسلم ذا قرابته من المشركين،\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ١٩١٥.\n(٢) أخرجه أحمد، وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٩٩٣)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (١١٤٨)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٣٨١٧).\n(٣) عن \"فقه السنة\" (١/ ٥٣١).","vol":"4","page":75},{"text":"ويتبعه ويدفنه\"، وبه قال أبو ثور، وأصحاب الرأي.\nقال أبو بكر [هو ابن المنذر]: ليس في غَسْلِ من خالف الإِسلام سنة يجب اتباعها ... \" انتهى.\nقلت: لا دليل على مشروعية غَسْلِ الكافر؛ لأن الغَسْلَ عبادة لا تثبت إِلا بدليل، وقد ورد الدليل على مواراته ودفنه؛ كما في حديث علي -﵁- قال: \"لما توفّي أبو طالب؛ أتيت النّبيّ - ﷺ - فقلت: إِنّ عمّك الشيخ الضالّ قد مات، فمن يواريه؟ قال: اذهب فواره ... \" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1018>الصبي الصغير تغسله المرأة:</span>\nقال ابن المنذر في \"الأوسط\" (٥/ ٣٣٨): \"أجمع كل من نحفظ -من أهل العلم- على أن المرأة تغسل الصبي الصغير، وممن حفظنا ذلك عنه: الحسن البصري ومحمد بن سيرين وحفصة بنت سيرين ومالك والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1019>ما عدد ما يُغسَل الجنب والحائض إِذا ماتا</span>؟\nجاء في \"الأوسط\" (٥/ ٣٤٠): \"واختلفوا في الجنب والحائض يموتان؛ كم يغسلان؟\nفكان الحسن يقول: يغسل الجنب غسل الجنابة، والحائض غسل الحيض؛\n_________\n(١) بعض من حديث أخرجه أحمد وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٧٥٣)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (١٨٩٥) وغيرهم، وسيأتي بتمامه -إِن شاء الله- في (باب الدفن).","vol":"4","page":76},{"text":"ثمّ يغسلان غَسْلَ الميت.\nوقال سعيد بن المسيِّب والحسن: ما مات ميت إِلا أجنب.\nورُوِّينا عن عطاء أنه قال: \"يُصْنَعُ بهما ما يُصْنَعُ بغيرهما\".\nقال أبو بكر [هو ابن المنذر]: وهذا قول عوام أهل العلم، وبه نقول، وذلك أنا لا نعلم -فيما سَنّ النّبيّ - ﷺ - مِن غسل الموتى- تفريقًا بين من مات منهم جُنبًا، أو غير جنب، أو حائضًا [وهذه حُجّة قوية]، وقد يجنب الرجل في غير وقت الصلاة، وإِنما يجب عليه الاغتسال إِذا دخل وقت الصلاة، فيؤدي فرض الصلاة، وإذا سقط بوفاته عنه فرض الصلاة؛ أشبه أن يسقط عنه فرض الطهارة، التي تؤدى بها الصلاة. والله أعلم\" انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1020>إِذا خرج شيء من الميت بعد الغَسْلِ؛ فهل يعاد الغَسل</span>؟\nاختلف العلماء في الميت يخرج منه الشيء بعد الغسل:\nفقال بعضهم: يعاد عليه الغَسْل، واختلفوا في عدد المرات.\n*وقالت طائفة: لا يعاد الغسل؛ كذلك قال مالك والثوري والنعمان.\nوقال الثوري والنعمان: يغسل ما خرج منه.\nقال ابن المنذر: وكذلك نقول، ولا يكون حكم الميت أكثر من حكم الحي، فلو خرج من حي شيء بعد ما اغتسل؛ لم ينقض ذلك غسله، وإيجاب الغسل في هذه الحالة إِيجاب فرض، والفرض لا يجب بغير حجة* (١).\nقلت: كلام ابن المنذر في غاية القوّة. والله أعلم.\n_________\n(١) ما بين نجمتين من كتاب \"الأوسط\" (٥/ ٣٣٤).","vol":"4","page":77},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1021>فوائد في غسل الميت:</span>\n١ - ينبغي ألاَّ يحضُرَ الغُسل إِلا من لا بدّ من حضوره.\nجاء في \"المغني\" (٢/ ٣١٧): \"ولا يحضرهُ إلاَّ من يُعين في أمره ما دام يُغسَل\".\n٢ - وأن يَحْرِص القائم على تغسيله على عدم إِظهار العورة ما استطاع إِلى ذلك سبيلًا.\n٣ - أن يتضمّن الغَسل تعميم الماء على بدن الميت كلّه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1022>تكفين الميت</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1023>حُكمه:</span>\nتكفين الميت -ولو بثوب واحدٍ- واجب؛ لحديث خبّاب -﵁- الآتي إِن شاء الله -سبحانه- بعد سطور.\nقال شيخنا -﵀- (ص ٧٦): \"وبعد الفراغ من غَسْلِ الميت؛ يجب تكفينه؛ لأمر النّبيّ - ﷺ - بذلك في حديث المُحْرِم الذي وقصته الناقة\".\nقلت: وهو حديث: \"اغسلوه بماءٍ وسدرٍ، وكفّنوه في ثوبين ... \" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1024>الكفن أو ثمنه مِن مال الميّت:</span>\nوالكَفَن أو ثمنه من مال الميت، ولو لم يُخلِّف غيره؛ لحديث خبّاب بن الأَرتِّ -﵁- قال: \"هاجرنا مع النّبيّ - ﷺ - نلتمس وجه الله، فوقع أجرنا\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٢٦٥، ومسلم: ١٢٠٦، وتقدّم.","vol":"4","page":78},{"text":"على الله: فمنّا من مات لم يأكل من أجره شيئًا (١)؛ منهم مُصعب بن عمير، ومنّا من أينعت (٢) له ثمرته؛ فهو يَهْدِبُها (٣)؟ قُتل يوم أُحد، فلم نجد ما نكفّنه إِلا بُردةً إِذا غطّينا بها رأسه خرجت رجلاه، وإذا غطّينا رجليه خرج رأسه، فأمرنا النّبيّ - ﷺ - أن نُغطّي رأسه، وأن نجعل على رجليه من الإِذخر (٤) \" (٥).\nوقال ابن المنذر -﵀- في \"الأوسط\" (٥/ ٣٥٤) -بعد هذا الحديث-: \"يدل هذا الحديث على معاني:\nأحدها: التكفين في ثوب واحد عند عدم غيره.\nويدل على أن الكفن من رأس المال، قال في الحديث: لم يترك إِلا نمرةً.\nويدل على أن الكفن يُبْدَأُ به على الدَّين، والميراث.\nويدل على أن الثوب الذي يكفن فيه لو أضاق؛ فتغطية رأسه أولى أن يبدأ به من غيره\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1025>والحَنُوط وأُجرة القبر والغسل كذلك من مال الميت</span>.\nوقال عمرو بن دينار: الحنوط من جميع المال (٦)، وقال إِبراهيم: يبدأ\n_________\n(١) كناية عن الغنائم، كما في \"الفتح\".\n(٢) أي: نضجت.\n(٣) أي: يجتنيها.\n(٤) الإِذخِر: حشيشة طيبة الرائحة.\n(٥) أخرجه البخاري: ١٢٧٦، ومسلم: ٩٤٠.\n(٦) رواه البخاري معلقًا، ووصله عبد الرزاق من طريق أُخرى عنه، وسنده صحيح، =","vol":"4","page":79},{"text":"بالكفن، ثم بالدّين، ثمّ بالوصية (١)، وقال سفيان: أجر القبر والغسل هو من الكفن (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1026>ينبغي أن يكون الكفن طائلًا سابغًا ساترًا جميع بدنه:</span>\nوينبغي أن يكون الكفن حسنًا طائلًا سابغًا، يسترُ جميع بدنه؛ لحديث جابر ابن عبد الله -﵁-: \"أنّ النّبيّ - ﷺ - خطب يومًا؛ فذكر رجلًا من أصحابه قبض؛ فكفِّن في كفن غير طائلٍ وقُبر ليلًا؛ فزجر النّبيّ - ﷺ - أن يُقبر الرّجل بالليل حتى يُصلّى عليه؛ إِلا أن يُضطرّ إِنسان إِلى ذلك، وقال النّبيّ - ﷺ -: إِذا كفّن أحدكم أخاه فليُحسِّن كفَنه\" (٣).\nقال شيخنا -﵀-: \"قال العلماء: والمراد بإِحسان الكَفن: نظافته وكثافته وستره وتوسُّطه، وليس المراد به السَّرَفَ فيه والمغالاة ونفاسته\" انتهى.\nوجاء في \"السيل الجرّار\" (١/ ٣٤٧): \"قد حصَل الاتفاق على أنّ الواجب في الكفن ثوب واحد يستر جميع البدن، وأنّ ذلك مُقدّم على ما يخرج من التَّرِكَةِ من دَيْنٍ وغيره، فإِنْ ألجأت الضرورة إِلى أن يُكفنّ في ثوب لا يستر\n_________\n= وانظر \"مختصر صحيح البخاري\" (١/ ٣٠٠).\n(١) رواه البخاري معلّقًا. وقال شيخنا -﵀- في \"مختصر البخاري\" (١/ ٣٠٠): \" ... هو إِبراهيم بن يزيد النخعي، وقد وصَله عنه الدارمي، وكذا عبد الرزاق وسنده صحيح أيضًا\".\n(٢) رواه البخاري معلّقًا، ووصده عبد الرزاق، كما في \"الفتح\" (٣/ ١٤١)؛ وفيه: \"أي: أجر حفْر القبر وأجْر الغاسل: مِن حُكم الكفن في أنه من رأس المال\".\n(٣) أخرجه مسلم: ٩٤٣.","vol":"4","page":80},{"text":"جميع بدنه؛ فللضرورة حُكمها؛ كما وقع في \"الصحيحين\" وغيرهما: \"أن مصعب بن عمير قتل يوم أحد ولم يترك إِلا نَمِرَة (١) ... \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1027>ماذا إذا ضاق الكفَن</span>؟\nفإِنْ ضاق الكَفن عن ذلك، ولم يتيسّر السابغ؛ سُتر به رأسه وما طال من جسده، وما بقي منه مكشوفًا جُعل عليه شيء من الإِذخر أو غيره من الحشيش، وفيه حديثان:\nالأول: حديث خّباب بن الأرتّ -﵁- المتقدّم وفيه: \" .. فأمَرنا النّبيّ - ﷺ - أن نغطّي رأسه، وأن نجعل على رجليه من الإِذخر\".\nالثاني: عن حارثة بن مُضَرِّب قال: \"دخلت على خبّاب وقد اكتوى [في بطنه] سبعًا، فقال: لولا أنّي سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"لا يتمنّينّ أحدكم الموت\"؛ لتمنّيته! ولقد رأيتني مع رسول الله - ﷺ - لا أملك درهمًا، وإنّ في جانب بيتي الآن لأربعين ألف درهم.\nثمّ أتى بكفنه، فلمّا رآه بكى وقال: ولكنّ حمزة لم يوجد له كفن إِلا بُردةً ملحاءَ، إِذا جُعلت على رأسه قَلَصتْ (٢) عن قدميه، وإذا جُعلت على قدميه قَلَصتْ عن رأسه، وجُعل على قدميه الإِذخر\" (٣).\n_________\n(١) النَمِرَة: كل شملة مُخطّطة من مآزر الأعراب؛ فهي نَمِرة، وجمعها نِمار، كأنها أُخذت من لون النَّمر؛ لما فيها من السواد والبياض؛ وهي من الصفات الغالبة. \"النهاية\".\n(٢) أي: نقصَت. \"الوسيط\".\n(٣) أخرجه أحمد -بهذا التمام، وإسناده صحيح- والترمذي -دون قوله: ثمّ أتى بكفنه ... - وقال: \"حديث حسن صحيح\" ... وانظر \"أحكام الجنائز\" (ص ٧٨).","vol":"4","page":81},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1028>جواز تكفين الجماعة في الكفن الواحد عند الضرورة:</span>\nوإذا قلَّت الأكفان، وكثرت الموتى؛ جاز تكفين الجماعة منهم في الكفن الواحد، ويقدَّم أكثرهم قرآنًا إِلى القبلة؛ لحديث أنس: \"لمّا كان يومُ أُحُد؛ مرّ رسول الله - ﷺ - بحمزة بن عبد المطلب، وقد جُدِعَ ومُثِّل به، فقال: لولا أن تجد صفيّة [في نفسها!] تركته [حتى تأكُله العافية]، حتى يحشره الله من بطون الطير والسّباع!\nفكفّنه في نَمِرَة، [وكانت] إِذا خُمَّرَ رأسه بدت رجلاه، وإذا خُمِّرت رجلاه بدا رأسه، فخُمّر رأسه، ولم يُصَلِّ على أحد من الشهداء غيرهُ. وقال: أنا شاهد عليكم اليوم، [قال: وكثرت القتلى، وقلّت الثياب، وقال:] وكان يَجْمَعُ الثلاثة والاثنين في قبر واحد، ويسأل: أيُّهُم أكثر قرآنًا، فيقدِّمه في اللحد، وكفّن الرجلين والثلاثة في الثوب الواحد\" (١).\nوفي رواية قال: \"أتى رسول الله - ﷺ - على حمزة يوم أُحد، فوقف عليه، فرآه قد مُثِّل به، فقال: لولا أن تجد صفية في نفسها؛ لتركته حتى تأكله العافية (٢)، حتى يحشر يوم القيامة من بطونها، قال: ثمّ دعا بنَمِرة فكفّنه فيها، فكانت إِذا مُدَّت على رأسه بدت رجلاه، وإذا مُدت على رجليه بدا رأسه.\nقال: فكثر القتلى، وقَلَّتْ الثياب.\n_________\n(١) أخرجه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٨١١).\n(٢) العافية: كلُّ طالب رزق من إِنسان أو بهيمة أو طائر، وجمْعها العوافي.\nوالمراد هنا: السّباع والطيور التي تأكل الجِيف.","vol":"4","page":82},{"text":"قال: فكُفِّنَ الرجل والرجلان والثلاثة في الثوب الواحد، ثمّ يدفنون في قبر واحد.\nقال: فجعل رسول الله - ﷺ - يسأل عنهم أيُّهم أكثر قرآنًا، فيقدمه إِلى القبل.\nقال: فدفنهم رسول الله - ﷺ - ولم يصل عليهم\" (١).\nقال شيخ الإِسلام ابن تيمية -﵀-: \"معنى الحديث أنّه كان يقسم الثوب الواحد بين الجماعة، فيكفّن كل واحد ببعضه للضرورة، وإِن لم يستر إلاَّ بعض بدنه، يدلُّ عليه تمام الحديث: أنّه كان يسأل عن أكثرهم قرآنًا فيُقدّمه في اللحد، فلو أنّهم في ثوب واحد جُملة؛ لسأل عن أفضلهم قبل ذلك؛ كي لا يؤدّي إِلى نقض التكفين وإعادته\".\nذكره في \"عون المعبود\" (٣/ ١٦٥). قال شيخنا -﵀-: \"وهذا التفسير هو الصواب. وأما قول من فسّره على ظاهره؛ فخطأ مخالف لسياق القصة كما بيّنه ابن تيمية! وأبعد منه عن الصواب من قال: معنى: (ثوب واحد) قبرٌ واحد! لأنّ هذا منصوص عليه في الحديث؛ فلا معنى لإِعادته\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1029>يدفن الشهيد في ثيابه التي قُتل فيها:</span>\nولا يجوز نزْع ثياب الشهيد التي قُتل فيها، بل يُدْفن وهي عليه؛ لقوله - ﷺ - في قتلى أُحد: \"زمِّلوهم في ثيابهم\" (٢).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٦٨٩)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٨١١) وغيرهما.\n(٢) أخرجه أحمد، وانظر \"أحكام الجنائز\" (ص ٨٠).","vol":"4","page":83},{"text":"وفي رواية: \"زمّلوهم بدمائهم\" (١).\nويُستحبُّ تكفينه بثوب واحد أو أكثر فوق ثيابه، كما فعل رسول الله - ﷺ - بمصعب بن عمير وحمزة بن عبد المطلب كما تقدّم.\nوكذلك ما ثبت عن شدّاد بن الهاد: أن رجلًا من الأعراب جاء إِلى النّبيّ - ﷺ -، فآمن به واتّبعه، ثمّ قال: أُهاجِر معك، فأوصَى به النّبيّ - ﷺ -، بعض أصحابه، فلمّا كانت غزوة [خَيْبَر] غنم النّبيّ - ﷺ - شيئًا؛ فقسم وقَسَم له، فأعطى أصحابه ما قَسم له، وكان يرعى ظهرهم، فلمّا جاء دفعوه إِليه، فقال: ما هذا؟ قالوا: قِسم قَسَمه لك النّبيّ - ﷺ -.\nفأخذه فجاء به إِلى النّبيّ - ﷺ - فقال: ما هذا؟ قال: قَسَمتُه لك، قال: ما على هذا اتبعتك، ولكني اتبعتك على أنْ أُرمى إِلى هاهُنا، وأشار إِلى حلقه بسهم فأموت، فأدخُل الجنة! فقال: إِنْ تصدُق الله يصدُقْك.\nفلبثوا قليلًا، ثمّ نهضوا في قتال العدو، فأتي به النّبيُّ - ﷺ -، يُحمل قد أصابه سهم حيث أشار، فقال النّبيّ - ﷺ -: أَهُوَ هُو؟! قالوا: نعم! قال: صَدَقَ الله فصدقه ثمّ كفَّنه النّبيّ - ﷺ -، في جبَّة النّبيّ - ﷺ -، ثمّ قدّمه فصلى عليه، فكان فيما ظهر من صلاته: اللهمّ هذا عبْدك، خرج مُهاجرًا في سبيلك، فقتل شهيدًا، أنا شهيدٌ على ذلك\" (٢).\n_________\n(١) أخرجه النسائي \"صحيح سنن النسائي\" (١٨٩٢).\n(٢) أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\"، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (١٨٤٥) وغيرهما.","vol":"4","page":84},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1030>يُكفّن المُحرِم في ثوبيه الذين مات فيهما:</span>\nوالمُحْرِم يُكفَّن في ثوبيه اللّذين مات فيهما، كما في قوله - ﷺ - في الحديث المتقدّم في المحرِم الذي وقصته الناقة: \" .. وكفّنوه في ثوبيه [اللذين أحرم فيهما] ... \".\nويستحبّ في الكفن أمور:\nالأوّل: البياض.\nفعن ابن عباس -﵄- قال رسول الله - ﷺ -: \"البَسوا من ثيابكم البياض؛ فإِنّها من خير ثيابكم، وكفّنوا فيها موتاكم\" (١).\nالثاني: كونُه ثلاثةَ أثواب.\nعن عائشة -﵂-: أنّ رسول الله - ﷺ - كُفِّن في ثلاثة أثواب يمانِيَةٍ بيض سَحولية (٢) من كُرْسُفٍ؛ ليس فيهنّ قميص ولا عِمامة\" (٣).\nوفي زيادة: \"أُدرج فيها إِدراجًا\" (٤).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٢٨٤)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٧٩٢)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٢٠١)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (١٧٨٨).\n(٢) سحوليّة: يروى بفتح السين وضمّها، فالفتح منسوب إِلى السَّحُول، وهو القصّار [المُبيّض للثّياب]؛ لأنه يسْحلُها؛ أي: يغسلها، أو إِلى سَحُول؛ وهي قرية باليمن.\nوأمّا الضم؛ فهو جمع سَحْل، وهو الثوب الأبيض النقي، ولا يكون إلاَّ من قُطن\".\n(٣) أخرجه البخاري: ١٢٦٤، ومسلم: ٩٤١.\n(٤) أخرجه أحمد، وانظر \"أحكام الجنائز\" (ص ٨٣).","vol":"4","page":85},{"text":"الثالث: أن يكون أحدها ثوبَ حِبَرَةٍ (١) إِذا تيسّر.\nفعن جابر -﵁- قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"إِذا تُوفّي أحدكم فوجد شيئًا؛ فليكفِّن في ثوب حِبَرة\" (٢).\nقال شيخنا -رحمه الله تعالى- \"اعلم أنه لا تعارض بين هذا الحديث وبين الحديث الأول في البياض: \"وكفنوا فيها موتاكم\"؛ لإِمكان التوفيق بينهما بوجه من وجوه الجمع الكثيرة المعلومة عند العلماء، ويخطر في بالي الآن منها وجهان:\n١ - أن تكون الحِبَرة بيضاء مخططة ويكون الغالب عليها البياض؛ فحينئذٍ يشملها الحديث الأول؛ باعتبار أن العبرة في كل شيء بالغالب عليه، وهذا إِذا كان الكفن ثوبًا واحدًا، وأما إِذا كان أكثر؛ فالجمع أيسر؛ وهو الوجه الآتي.\n٢ - أن يجعل كفنًا واحدًا حِبَرةً، وما بقي أبيضَ، وبذلك يُعْمَلُ بالحديثين معًا.\nْالرابع: تبخيرهُ ثلاثًا؛ لقوله - ﷺ -: \"إِذا جمّرتم (٣) الميت؛ فأجمروه ثلاثًا\" (٤).\nوهذا الحكم لا يشمل المُحِرم؛ لقوله - ﷺ - في المُحْرم الذي وقصته الناقة:\n_________\n(١) الحِبرة -بوزن عِنَبَة- والحبير من البُرود: ما كان مَوْشِيًّا، وهو بُرد يمانٍ. وانظر \"النهاية\"، وتقدّم.\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٧٠٣) وغيره.\n(٣) أي: بخّرتموه بالطيب. \"النهاية\".\n(٤) أخرجه أحمد، وابن أبي شيبة، وابن حبان في \"صحيحه\"، وغيرهم، وصححه شيخنا -﵀- في \"أحكام الجنائز\" (٨٤).","vol":"4","page":86},{"text":"\" .. ولا تطيّبوه ... \". [تقدّم تخريجه.]\nولا تجوز المُغالاة في الكفن، ولا الزيادة فيه على الثلاثة؛ لأنّه خلاف ما كُفّن فيه رسول الله - ﷺ -، وفيه إِضاعة للمال، وهو منهيّ عنه؛ لا سيّما والحيُّ أولى به.\nفعن المغيرة بن شعبة -﵁- قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"إِنّ الله كره لكم ثلاثًا: قيل وقال، وإِضاعة المال، وكثرة السؤال\" (١).\nقال شيخنا -رحمه الله تعالى-: \"ويُعجبني بهذه المناسبة ما قاله العلاّمة أبو الطيّب في \"الروضة الندية\" (١/ ١٦٥): \"وليس تكثير الأكفان والمغالاة في أثمانها بمحمود؛ فإِنّه لولا ورود الشرع به؛ لكان من إِضاعة المال؛ لأنّه لا ينتفع به الميت، ولا يعود نفْعه على الحي، ورحم الله أبا بكر الصّديق حيث قال: \"إِن الحيّ أحقُ بالجديد .. لمّا قيل له عند تعيينه لثوب من أثوابه في كفنه: إِنّ هذا خَلَق\" (٢). انتهى.\nجاء في \"السيل الجرّار\" (١/ ٣٤٨): \"أقول: الذي أوصى بأن يُكفّن في زيادة على سبعة (٣) أكفان؛ فقد أوصى بما نهى عنه -﵌- من إِضاعة المال، وهذا إِضاعة للمال بلا شك ولا شبهة؛ فهو وصية بمحْظور لا يجوز تنفيذها، وإنما قلنا: إِنه إِضاعة للمال؛ لأنّه لا ينتفع به الميت، وإن كفن\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٤٧٧، ومسلم: ١٧١٥.\n(٢) أخرجه البخاري: ١٣٨٧.\n(٣) ليس فيه جواز التكفين بسبعة أثواب، ولكنّه في معرض الردّ وقد قال -﵀- في الصفحة نفسها: \" ... ولو سلمنا ذلك؛ لكان أفضل الأكفان ثلاثة دروج؛ فلا يصحّ قول المصنف: والمشروع إِلى سبعة وترًا\".","vol":"4","page":87},{"text":"بألف كفن؛ لأن ذلك يصير ترابًا عن قريب.\nومعلوم أنه إِذا كان صحيح العقل لا يقصد التزين بذلك بين أهل البرزخ - فقد صاروا جميعًا في شغل شاغل عن ذلك-؛ فالصواب أنه يأثم الوصي والوارث بامتثال هذه الوصية لا بِرَدِّها.\nوالله -سبحانه- إِنما جعل للميت ثلث ماله ليجعله زيادة في حسناته ويتقرب به إِلى الله -سبحانه- لا ليضعه في موضع الإِضاعة، ويخالف به ما شرعه الله لعباده من عدم إِضاعة المال\".\nوالمرأة في ذلك كالرجل، إِذ لا دليل على التفريق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1031>حَمْلُ الجنازةِ واتّباعُها</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1032>حُكم حمل الجنازة واتّباعها:</span>\nويجب حمل الجنازة واتّباعها، وذلك من حقّ الميت المسلم على المسلمين، وفي ذلك أحاديث منها:\nالأول: عن أبي هريرة -﵁- قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول:\n\"حقّ المسلم على المسلم خمس: ردّ السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس\" (١).\nالثاني: قوله أيضًا: \"عودوا المريض، واتّبعوا الجنائز؛ تذكّرْكم الآخرة\" (٢).\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٢٤٠، ومسلم: ٢١٦٢.\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\"، والبخاري في \"الأدب المفرد\" \"صحيح الأدب المفرد\" (٤٠٣/ ٥١٨)، وابن حبان في \"صحيحه\" وغيرهم.","vol":"4","page":88},{"text":"واتّباعُها على مرتبتين:\nالأولى: اتّباعها من عند أهلها، حشى الصلاة عليها.\nوالأخرى: اتباعها من عند أهلها، حتى يُفرغ من دفنها.\nوكُلًاّ منهما فعَل (١) رسول الله - ﷺ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1033>هل تتبع جنازة المشرك</span>؟\nجاء في \"مجموع الفتاوى\" (٢٤/ ٢٦٥): \"وسئل -رحمه الله تعالى- عن قوم مسلمين مجاوري النصارى؛ فهل يجوز للمسلم إِذا مرض النصراني أن يعوده؟ وإِذا مات أن يتبع جنازته؟ وهل على مَن فعَل ذلك من المسلمين وِزْرٌ أم لا؟\nفأجاب: الحمد لله رب العالمين، لا يتبع جنازتَه، وأمّا عيادته فلا بأس بها (٢)؛ فإِنه قد يكون في ذلك مصلحةٌ لتأليفه على الإِسلام، فإِذا مات كافرًا؛ فقد وَجَبت له النار؛ ولهذا لا يُصلّى عليه. والله أعلم\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1034>فضل اتباع الجنازة:</span>\nعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من شهد الجنازة\n_________\n(١) انظر \"أحكام الجنائز\" (ص ٨٧).\n(٢) وقد تقدّم في ذلك الدليل، لكن ينبغي أن توظّف هذه الزيارة في الدعوة إِلى الله - تعالى- كما يشير إِلى ذلك الحديث، وهذا ما ذهب إِليه شيخ الإِسلام -﵀- في الكلام السابق.\nأمّا إِذا كان الزائر ضعيف العلم والإِيمان؛ فلا يحلّ له الذّهاب مخافة الافتتان.","vol":"4","page":89},{"text":"حتى يُصلّى عليها؛ فله قيراط (١)، ومن شهِدهَا حتى تدفن؛ فله قيراطان، قيل: وما القيراطان؟ قال: مثل الجبلين العظيمين\" (٢).\nوفي لفظٍ: \"أعظم من أُحد\" (٣).\nوفي بعض الشواهد عن أبي هريرة زيادات مفيدة، لعلّه من المُستحسن ذِكْرها: \"وكان ابن عمر يُصلّي عليها، ثمّ ينصرف، فلمّا بلغه حديث أبي هريرة قال: [أكثر علينا أبو هريرة (وفي رواية: فتعاظمه)]، [فأرسل خبّابًا إِلى عائشة يسألها عن قول أبي هريرة، ثمّ يرجع إِليه فيُخبره ما قالت؟ وأخذ ابن عمر قبضةً من حصى المسجد يُقلِّبها في يده، حتى رجع إِليه الرسول، فقال: قالت عائشة: صدق أبو هريرة.\nفضرب ابن عمر بالحصى الذي كان في يده الأرض، ثمّ قال:] لقد فرّطْنا في قراريط كثيرة! [فبلغ ذلك أبا هريرة فقال: إِنه لم يكن يَشْغَلني عن رسول الله - ﷺ - صفقة السوق، ولا غرس الوَدِيِّ (٤)، إِنما كنت ألزم النّبيّ - ﷺ - لكلمةٍ يُعلّمنيها، وللُقمة يُطعِمُنيها]، [فقال له ابن عمر: أنت يا أبا هريرة! كنت ألزمنا لرسول الله - ﷺ - وأعلمنا بحديثه] \" (٥).\n_________\n(١) القيراط: جزء من أجزاء الدينار، وهو نصف عُشرِه في أكثر البلاد. \"لسان العرب\".\n(٢) أخرجه البخاري: ١٣٢٥، ومسلم: ٩٤٥ - واللفظ له-.\n(٣) أخرجه النسائي \"صحيح سنن النسائي\" (١٨٨٧).\n(٤) صغار النّخل.\n(٥) قال شيخنا -﵀-: \"هذه الزيادات كلّها لمسلم (٩٤٥)، إِلا الأخيرة؛ =","vol":"4","page":90},{"text":"عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من أصبح منكم اليوم صائمًا؟! قال أبو بكر: أنا قال: فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا. قال: فمن أطعم منكم اليوم مسكينًا؟ قال أبو بكر: أنا قال: فمن عاد منكم اليوم مريضًا؟ قال أبو بكر: أنا.\nفقال رسول الله - ﷺ -: ما اجتمعن في امرئ إِلا دخَل الجنة\" (١).\nوهذا الفضْل في اتّباع الجنائز؛ إِنّما هو للرجال دون النساء؛ لنهي النّبيّ - ﷺ - لهنّ عن اتباعها، وهو نهي تنزيه.\nعن أم عطية -﵂- قالت: \"نُهينا عن اتباع الجنائز؛ ولم يُعْزَم علينا\" (٢).\nوفي روإية: \"نهانا رسول الله - ﷺ -\" (٣).\nوقد جاء التصريح بأنّ النساء لا أجر لهنَّ في اتباعها: كما في الحديث الذي أخرجه ابن حبان في \"الثقات\" (٦/ ٤٩٣) بإِسناده عن عائشة مرفوعًا؛ وهو مخرج في \"الصحيحة\" (٣٠١٢).\n_________\n= فهي لأحمد؛ وكذا سعيد بن منصور بإِسنادٍ صحيحٍ، كما قال الحافظ في \"الفتح\"، والتي قبلها للطيالسي وسندها صحيح على شرط مسلم، والزيادة الثانية للشيخين، والرواية الثانية فيها للترمذي، وأحمد ... \".\n(١) أخرجه مسلم: ١٠٢٨.\n(٢) أخرجه البخاري: ١٢٧٨، ومسلم: ٩٣٨.\n(٣) انظر \"أحكام الجنائز\" (ص ٩٠).","vol":"4","page":91},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1035>لا يجوزأن تُتَّبَعَ الجنائز بما يخالف الشريعة:</span>\nولا يجوز أن تُتّبع الجنائز بما يخالف الشريعة، وقد جاء النصُّ فيها على أمرين: رفع الصوت بالبكاء، واتبّاعها بالبَخُور.\nعن ابن عمر قال: \"نهى رسول الله - ﷺ - أن تتّبع جنازة معها رانّة (١) \" (٢). وعن أبي بُردة قال: \"أوصى أبو موسى -﵁- حين حضَره الموت قال: إِذا انطلقتم بجنازتي؛ فأسرعوا بي المشي، ولا تَتَّبعوني بمِجمَر (٣) ... \" (٤).\nوعن عمرو بن العاص -﵁- قال وهو في سياق الموت: \"فإِذا أنا مِتُّ؛ فلا تصحبني نائحةٌ ولا نار\" (٥).\nويلحق بذلك رفع الصوت بالذّكر أمام الجنازة؛ لأنّه بدعة، ولقول قيس بن عُبَاد: \"كان أصحاب النّبيّ - ﷺ - يكرهون رفع الصوت عند الجنائز\" (٦).\nولأنّ فيه تشبّهًا بالنصارى؛ فإِنّهم يرفعون أصواتهم بشيء من أناجيلهم\n_________\n(١) رانّة: الرنّة -بتشديد النون-: الصوت، يُقال: رنّت المرأة؛ إِذا صاحت. \"شرح سنن ابن ماجه\" للسندي (١/ ٤٨٠).\n(٢) أخرجه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٢٨٧)، وأحمد من طريقين عن مجاهد عنه، وهو حسن بمجموع الطريقين.\n(٣) المِجْمَر: هو الذي يوضَع فيه النّار للبَخور، كما تقدّم.\n(٤) أخرجه أحمد، وابن ماجه بسند حسن وغيرهما، وتقدّم.\n(٥) أخرجه مسلم: ١٢١.\n(٦) أخرجه البيهقي، وابن المبارك في \"الزهد\"، وأبو نعيم بسند رجاله ثقات.","vol":"4","page":92},{"text":"وأذكارهم مع التمطيط والتلحين والتحزين.\nوأقبح من ذلك: تشييعها بالعزف على آلالات الموسيقية أمامها عزفًا حزينًا، كما يفعل في بعص البلاد الإِسلامية تقليدًا للكفّار! والله المُستعان.\nقال النووي -رحمه الله تعالى- في \"الأذكار\" (ص ٢٠٣): \"واعلم أنّ الصواب والمختار وما كان عليه السلف -﵃-: السّكوت في حال السّير مع الجنازة، فلا يُرْفَعُ صوت بقراءة ولا ذكر ولا غير ذلك، والحكمة فيه ظاهرة، وهي أنّه أسكن لخاطره، وأجمع لفكره فيما يتعلّق بالجنازة، وهو المطلوب في هذا الحال، فهذا هو الحق، ولا تغترّ بكثرة من يخالفه، فقد قال أبو عليّ الفُضَيْل بن عِيَاضٍ -﵁- ما معناه: الزم طُرق الهدى؛ ولا يضرك قلّة السالكين، وإيّاك وطرُق الضلالة؛ ولا تغتر بكثرة الهالكين\". وقد روّينا في \"سنن البيهقي\" ما يقتضي ما قلته (يشير إِلى قول قيس بن عباد). وأمّا ما يفعله الجهلة من القراءة على الجنازة بدمشق وغيرها؛ من القراءة بالتمطيط وإخراج الكلام عن مواضعه، فحرام بإِجماع العلماء، وقد أوضحت قُبحه، وغلظ تحريمه، وفسق من تمكّن من إِنكاره فلم يُنكره في كتاب \"آداب القراءة\". والله المستعان\".\nقال شيخنا -﵀-: \"يشير إِلى كتابه \"التبيان في آداب حَمَلة القرآن\" انتهى.\nوجاء في \"مجموع الفتاوى\" (٢٤/ ٢٩٣): \"وسُئل عن رفع الصوت في الجنازة؟\nفأجاب: الحمد لله؛ لا يستحب رفع الصوت مع الجنازة، لا بقراءة ولا ذِكر","vol":"4","page":93},{"text":"ولا غير ذلك؛ هذا مذهب الأئمة الأربعة، وهو المأثور عن السلف من الصحابة والتابعين، ولا أعلم فيه مخالفًا؛ بل قد روي عن النّبيّ - ﷺ -: أنّه نهى أن يتبع بصوت أو نار: رواه أبو داود (١).\nوسمع عبد الله بن عمر -﵄- رجلًا يقول في جنازة: استغفروا لأخيكم. فقال ابن عمر: لا غفر الله بعد!\nوقال قيس بن عُبَاد -وهو من أكابر التابعين من أصحاب علي بن أبي طالب -﵁-: كانوا يستحبون خفض الصوت عند الجنائز، وعند الذكر، وعند القتال.\nوقد اتفق أهل العلم بالحديث والآثار أنّ هذا لم يكن على عهد القرون الثلاثة المفضلة.\nوأما قول السائل: إِن هذا قد صار إِجماعًا من الناس! فليس كذلك؛ بل ما زال في المسلمين من يكره ذلك، وما زالت جنائز كثيرة تخرج بغير هذا في عدة أمصار من أمصار المسلمين.\nوأما كون أهل بلد -أو بلدين أو عشر- تعوَّدوا ذلك؛ فليس هذا بإِجماع؛ بل أهل مدينة النّبيّ - ﷺ - التي نزل فيها القرآن والسنة -وهي دار الهجرة، والنصرة، والإِيمان، والعلم- لم يكونوا يفعلون ذلك؛ بل لو اتفقوا في مثل زمن مالك وشيوخه على شيء، ولم ينقلوه عن النّبيّ - ﷺ - أو خلفائه؛ لم يكن\n_________\n(١) قال شيخنا -﵀- في \"أحكام الجنائز\" (ص ٩١): \"أخرجه أبو داود [انظر \"ضعيف أبي داود\" (٦٩٦)]، وأحمد من حديث أبي هريرة، وفي سنده من لم يسمّ، لكنّه يتقوى بشواهده المرفوعة وبعض الآثار الموقوفة ... \".","vol":"4","page":94},{"text":"إِجماعهم حُجّة عند جمهور المسلمين، وبعد زمن مالك وأصحابه ليس إِجماعهم حجة باتفاق المسلمين؛ فكيف بغيرهم من أهل الأمصار.\nوأمّا قول القائل: إِنّ هذا يشبه بجنائز اليهود والنصارى! فليس كذلك؛ بل أهل الكتاب عادتهم رفع الأصوات مع الجنائز، وقد شُرط عليهم في شروط أهل الذّمة أن لا يفعلوا ذلك.\nثمّ إنما نهينا عن التشبه بهم فيما ليس هو من طريق سلفنا الأول، وأما إِذا اتبعنا طريق سلفنا الأول كنا مصيبين، وإن شاركنا في بعض ذلك من شاركنا، كما أنهم يشاركوننا في الدفن في الأرض، وفي غير ذلك\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1036>الإِسراع في السير بها:</span>\nويجب الإِسراع في السير بها، سيرًا دون الرَّمَلِ، وفي ذلك أحاديث:\nالأول: عن أبي هريرة -﵁- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"أسرِعوا بالجنازة؛ فإِن تكُ صالحة؛ فخير تقدّمونها إِليه، وإن يَكُ سوى ذلك؛ فشرّ تضعونه عن رقابكم\" (١).\nالثاني: عن أبي هريرة -﵁- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"إِذا وُضِعَتِ الجنازة واحتملها الرجال على أعناقهم؛ فإِن كانت صالحة قالت: قدّموني، وإن كانت غير صالحة؟ قالت: يا ويلها! أين تذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شيء إِلا الإِنسان، ولو سمعه صَعِق\" (٢).\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٣١٥، ومسلم: ٩٤٤، وتقدّم.\n(٢) أخرجه البخاري: ١٣١٤.","vol":"4","page":95},{"text":"الثالث: عن عبد الرحمن بن جَوْشَنٍ قال: \"كنت في جنازة عبد الرحمن بن سَمُرَةَ، فجعل زياد ورجال من مواليه يمشون على أعقابهم أمام السرير، ثمّ يقولون: رويدًا رويدًا بارك الله فيكم!!\nفلحِقهم أبو بكرة في بعض سِكَكِ المدينة، فحمل عليهم بالبَغْلَةِ، وشدّ عليهم بالسّوط، وقال: خلُّوا! والذي أكرم وجه أبي القاسم - ﷺ -؛ لقد رأيتنا على عهد رسول الله - ﷺ - لنكاد أن نَرْمُلَ بها رَمَلًا\" (١).\nقال شيخنا -﵀-: ظاهر الأمر الوجوب [أي: الإِسراع بالجنازة]، وبه قال ابن حزم (٥/ ١٥٤ - ١٥٥)، ولم نجد دليلًا يصرفه إِلى الاستحباب، فوقفنا عنده، وقال ابن القيم في \"زاد المعاد\": \"وأمّا دبيب الناس اليوم خطوة خطوة؛ فبدعة مكروهة، مخالفة للسنّة، ومتضمّنة للتشبّه بأهل الكتاب اليهود\" ... \" انتهى.\nوجاء في \"الروضة الندية\" (١/ ٤٣٠): \"والحق: هو القصد في المشي، فالأحاديث المصرحة بمشروعية الإِسراع؛ ليس المراد بها الإِفراطَ في المشي الخارج عن حد الاعتدال، والأحاديث التي فيها الإِرشاد إِلى القصد؛ ليس المراد بها الإِفراطَ في البُطْءِ، فيجمع بين الأحاديث بسلوك طريقة وسطى بين الإِفراط والتفريط؛ يصدق عليها أنه إِسراع بالنسبة إِلى الإِفراط في البطء، وأنها قصد بالنسبة إِلى الإِفراط في الإِسراع، فيكون المشروع دون الخبب، وفوق المشي الذي يفعله من يمشي في غير مهم\".\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٧٢٥)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (١٨٠٥) وغيرهما.","vol":"4","page":96},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1037>أين يكون الماشي والراكب من الجنازة</span>؟\nويجوز المشي أمامها وخلفها وعن يمينها ويسارها، على أن يكون قريبًا منها، إِلا الراكب فيسير خلفها.\nفعن المغيرة بن شعبة قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"الراكب يسير خلف الجنازة والماشي يمشي خلفها وأمامها وعن يمينها وعن يسارها؛ قريبًا منها؛ والسِّقْط يُصلّى عليه ويُدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة\" (١).\nوكل من المشي أمامها وخلفها ثبت عن رسول الله - ﷺ - فِعْلًا، كما قال أنس ابن مالك -﵁-: \"إِنّ رسول الله - ﷺ - وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة وخلفها\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1038>ما هو الأفضل</span>؟\nلكن الأفضل المشي خلفها؛ لأنّه مقتضى قوله - ﷺ -: \"واتبعوا الجنائز\" (٣).\nويؤيِّده قول علي -﵁-: \"المشي خلفها أفضل من المشي أمامها، كفضل صلاة الرجل في جماعة على صلاته فذًّا\" (٤).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٧٢٣)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٢٠٥)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٨٢٣)، والنسائي \"صحيح سنن الترمذي\" (١٨٣٤).\n(٢) أخرجه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٢٠٧)، والطحاوي.\n(٣) تقدّم بتمامه بلفظ: \"عودوا المريض، واتبعوا الجنائز، تذكّرْكم الآخرة\".\n(٤) أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد والبيهقي وغيرهم، وانظر \"أحكام الجنائز\" (ص ٩٦).","vol":"4","page":97},{"text":"الجنازة\" .. \" (١).\nلكر، الأفضل المشي؛ لأنّه المعهود عنه - ﷺ -، ولم يَرِدْ أنّه ركب معها؛ بل قال ثوبان -﵁-: \"إِنّ رسول الله - ﷺ - أُتي بدابة وهو مع الجنازة؛ فأبى أن يركبها، فلما انصرف أُتي بدابة فركب، فقيل له؟ فقال: إِنّ الملائكة كانت تمشي؛ فلم أكن لأركب وهم يمشون، فلما ذهبوا ركبْتُ\" (٢).\nوأمّا الركوب بعد الانصراف عنها؛ فجائز بدون كراهة؛ لحديث ثوبان المذكور آنفًا، ومِثله حديث جابر بن سمرة -﵁- قال: \"صلّى رسول الله - ﷺ - على ابن الدَّحداح، تم أُتي بفرس عُرْي (٣)؛ فعقله (٤) رجل فركبه، فجعل يتوقّص (٥) به؛ ونحن نتّبعه ونسعى خلفه، فال: فقال رجل من القوم: إِنّ النّبيّ - ﷺ - قال: كم من عِذْق (٦) مُعلّق (أو مُدلّى) في الجنة لابن الدحداح! أو قال شعبة: لأبي الدحداح! \" (٧).\n_________\n(١) تقدّم.\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٧٢٠).\n(٣) عُري؛ أي: لا سرج عليه ولا غيره. \"النهاية\".\n(٤) أي: أمسَكه له وحبَسه.\n(٥) يتوقّص به؛ أي: يَثب ويُقارب الخُطَى. \"النهاية\".\n(٦) قال النووي -﵀ - (٧/ ٣٣): العِذق هنا بكَسر العين المهملة: وهو الغصن من النخلة. وأما العَذق بفتحها: فهو النخلة بكماَلها، وليس مرادًا هنا\".\n(٧) أخرجه مسلم: ٩٦٥.","vol":"4","page":98},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1039>تحريم حمل الجنازة على عربة مخصصة لها ونحو ذلك:</span>\nوأمّا حمل الجنازة على عربة أو سيارة مخصصة للجنائز، وتشييع المُشيعين لها وهم في السيارات؛ فهذه الصورة لا تُشْرع البتة، وذلك لأمور:\nالأول: أنها من عادات الكُفار، وقد تقرّر في الشريعة أنّه لا يجوز تقليدهم فيها.\nالثاني: أنها بدعة في عبادة، مع مُعارضتها للسّنة العملية في حمل الجنازة، وكلّ ما كان كذلك من المُحدثات؛ فهو ضلالة اتفاقًا.\nالثالث: أنها تُفوّت الغاية من حملها وتشييعها، وهي تذكّر الآخرة، كما في الحديث المتقدّم: \" .. واتبعوا الجنائز تُذكّركم الآخرة\".\nقال شيخنا -﵀-: إِنّ تشييعها على تلك الصّورة ممّا يفوّت على الناس هذه الغاية الشريفة تفويتًا كاملًا أو دون ذلك؛ فإِنّه ممّا لا يخفى على البصير أنّ حمل الميت على الأعناق (١)، ورؤية المشيعين لها وهي على\n_________\n(١) وقد أوصى شيخنا -﵀- أن تُحمَل جنازته على الأعناق، وكان ذلك، مع ما كان مِن مسافة؛ لكن لم يشعر بها المشيّعون وحفظ الله سماحة الشيخ الوالد العثيمين؛ فقد قال: طبّق السّنة في حياته وبعد مماته. وقد كان هذا خلال حياته، ثمّ وقعت مصيبة الموت، فرحمه الله -تعالى- وألحقنا به وأشياخنا ووالدينا وأحبابنا في الجنّة؛ مع النّبين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا.\nفأقول بهذه المناسبة المفجعة:\nواحرَّ قلباهُ من فَقْدِ العثيميِن ... لا شيء بعدك في دُنْيايَ يُرضيني\nذَهبَ الأئمّةُ يا حُزني ويا أَلمي ... ماتَ ابنُ بازٍ وأيضًا ناصرُ الدِّينِ =","vol":"4","page":99},{"text":"رؤوسهم؛ أبلغ في تحقيق التذكّر والاتعاظ من تشييعها على الصّورة المذكورة، ولا أكون مُبالغًا إِذا قلت: إِنّ الذي حمل الأوروبيين عليها إِنّما هو خوفهم من الموت وكل ما يذكّر به؛ بسبب تغلُّب المادة عليهم وكفرهم بالآخرة! \".\nالرابع: أنها سبب قويّ لتقليل المُشيّعين لها والرّاغبين في الحصول على الأجر.\nالخامس: أنّ هذه الصّورة لا تتفق من قريب ولا من بعيد -مع ما عُرف عن الشريعة المُطهّرة السمحة من البُعد عن الشكليّات والرسميّات، لا سيّما في مثل هذا الأمر الخطير: الموت!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1040>نسْخ القيام للجنازة:</span>\nوالقيام لها منسوخ، وهو على نوعين:\nأ- قيام الجالس إِذا مرّت به.\nب- وقيام المُشيّع لها عند انتهائها إِلى القبر حتى تُوضْع على الأرض.\nوالدليل على ذلك. حديث عليّ -﵁- وله ألفاظ:\nالأول: عن عليّ -﵁- قال: \"رأينا رسول الله - ﷺ - قام فقمنا؛ وقعد فقعدنا؛ يعني: في الجنازة\" (١).\n_________\n= هل ظلَّ مِن رغَدٍ في العيش أَنشُدُه ... بل طاب بَعْدَكُمُ غَسْلي وتكفيني\nتبكي القَصِيمُ ولا تبكي بِمُفْرَدِها ... فالدَّمْعُ في مِصْرَ في الأفغانِ في الصينِ\n(١) أخرجه مسلم: ٩٦٢.","vol":"4","page":100},{"text":"الثاني: \"كان يقوم في الجنائز، ثمّ جلس بَعْدُ\" (١).\nالثالت: من طريق واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ قال: \"شهدت جنازة في بني سَلِمَة، فقمت، فقال لي نافع بن جبير: اجلس؛ فإِنّي سأخبرك في هذا بثَبْتٍ، حدّثني مسعود بن الحكم الزُّرَقيُّ أنه سمع علي بن أبي طالب -﵁- برَحْبَة الكوفة وهو يقول: \"كان رسول الله - ﷺ - أمرنا بالقيام في الجنازة، ثمّ جلس بعد ذلك، وأمرنا بالجلوس\" (٢).\nالرابع: عن إِسماعيل بن مسعود بن الحكم الزُّرَقي عن أبيه قال: \"شهدتُ جنازة بالعراق، فرأيت رجالًا قيامًا ينتظرون أن توضع، ورأيت عليّ بن أبي طالب -﵁- يشير إِليهم: أن اجلسوا؛ فإِن النّبيّ - ﷺ - قد أمَرَنا بالجلوس بعد القيام\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1041>استحباب الوضوء لمن حمَلها:</span>\nويُستحبُّ لمن حملها أن يتوضأ؛ للحديث المتقدّم: \"من غسل ميتًا فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ\".\n_________\n(١) رواه مالك وعنه الشافعي في \"الأم\"، وأبو داود.\n(٢) أخرجه الشافعي، وأحمد، والطحاوي، وابن حبان في \"صحيحه\".\n(٣) أخرجه الطحاوي بسند حسن.","vol":"4","page":101},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1042>الصلاة على الجنازة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1043>شروطها </span>(١):\n*صلاة الجنازة يتناولها لفظ الصلاة، فيشترط فيها الشروط التي تفرض في سائر الصلوات المكتوبة: من الطهارة الحقيقية، والطهارة من الحدث الأكبر والأصغر، واستقبال القبلة، وستر العورة.*\nلكنّه إِذا خشي فوات الصلاة؛ فله أن يتيمّم وبه يقول شيخ الإِسلام - ﵀- كما في \"مجموع الفتاوى\"، وكذلك شيخنا -﵀- في إِجابةٍ أجابنيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1044>حُكمها:</span>\nوالصلاة على الميت المسلم فرض كفاية؛ لأمره - ﷺ - بها في أحاديث منها: حديث أبي هريرة -﵁-: أنّ رسول الله - ﷺ - \"كان يُؤتى بالرّجل الميّت، عليه الدّين، فيسأل: هل ترك لدَيْنه من قضاء؟ فإِنْ حُدّث أنّه ترك وفاءً صلّى عليه؛ وإلا قال: صلّوا على صاحَبكم، فلمّا فتح الله عليه الفتوح قال: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن تُوفّي وعليه دَيْن؛ فعليَّ قضاؤه، ومن ترك مالًا فهو لورثته\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1045>عدم وجوب الصلاة على شخصين:</span>\nويستثنى من ذلك شخصان؛ فلا تجب الصلاة عليهما:\n_________\n(١) ما بين نجمتين من \"فقه السّنّة\" (١/ ٥٢١).\n(٢) أخرجه البخاري: ٢٢٩٨، ومسلم: ١٦١٩ - واللفظ له-.","vol":"4","page":102},{"text":"الأول: الطفل الذي لم يبلغ؛ لأنّ النّبيّ - ﷺ - لم يُصلِّ على ابنه إِبراهيم؛ قالت عائشة -﵂-: \"مات إِبراهيم ابن النّبيّ - ﷺ - وهو ابن ثمانية عشر شهرًا، فلم يصلِّ عليه رسول الله - ﷺ -\" (١).\nالثاني: الشهيد؛ لأنّ النّبيّ - ﷺ - لم يُصلِّ على شهداء أُحد وغيرهم؛ وفي ذلك ثلاثة أحاديث سبَق ذِكْرها: منها حديث أنس -﵁-: \"أنّ شهداء أحد لم يُغسّلوا، ودُفنوا بدمائهم، ولم يُصلّ عليهم [غير حمزة] \".\nولكنّ ذلك لا ينفي مشروعية الصلاة عليهما بدون وجوب، كما يأتي من الأحاديث فيهما في المسألة التالية:\nوتُشرع الصلاة على من يأتي ذكرهم.\nالأول: الطفل، ولو كان سِقْطًا (وهو الذي يَسْقُط من بطن أُمّه قبل تمامه)، وفي ذلك حديثان:\n١ - \" .. والطفل (وفي رواية: السِّقْط) يُصلّى عليه، ويُدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة\" (٢).\n٢ - وعن عائشة أمّ المؤمنين -﵂- قالت: دُعي رسول الله - ﷺ - إِلى جنازة صبيّ من الأنصار، فقلت: يا رسول الله! طوبى لهذا؛ عُصفور من عصافير الجنّة؛ لم يعمل السُّوء ولم يدركه!\nقال: أوَ غيرَ ذلك يا عائشة! إِنّ الله خلق للجنة أهلًا خلقهم لها وهم في\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٧٢٩) وغيره.\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٧٢٣)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (١٨٣٤) وغيرهما، وتقدّم.","vol":"4","page":103},{"text":"أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلًا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم\" (١).\nقال شيخنا -﵀-: \"وأجاب السّندي في \"حاشيته على النسائي\" بجوابٍ خلاصتُه: أنّه إِنما أنكر عليها الجزم بالجنة لطفل معين: قال: ولا يصحّ الجزم في مخصوص؛ لأنّ إِيمان الأبوين -تحقيقًا- غيب، وهو المناط عند الله -تعالى-.\nوالظاهر أن السِّقْط إِنّما يُصلّى عليه إِذا كان قد نُفخت فيه الروح، وذلك إِذا استكمل أربعة أشهر ثمّ مات، فأمّا إِذا سقط قبل ذلك فلا؛ لأنّه ليس بميت كما لا يخفى\".\nعن عبد الله بن مسعود -﵁- قال: حدثنا رسول الله - ﷺوهو الصادق المصدوق-: إِنّ خلْق أحدكم يُجمَع في بطن أُمّه أربعين يومًا وأربعين ليلة، ثمّ يكون علقة مثله، ثم يكون مُضغة مثله، ثمّ يُبْعَثُ إِليه الملك، فَيُؤْذَنُ بأربع كلمات، فيكتب رزقه وأجله وعمله وشقيٌّ أم سعيد، ثمّ ينفخ فيه الروح: فإِنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى لا يكون بينها وبينه إلا ذراع؛ فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار.\nوإنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل النار؛ حتى ما يكون بينها وبينه إِلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب؛ فيعمل عمل أهل الجنة فيدخلها\" (٢).\nوجاء في \"المحلّى\" (٥/ ٢٣٣ - مسألة: ٥٩٨): \"ونستحب الصلاة على\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ٢٦٦٢.\n(٢) أخرجه البخاري: ٧٤٥٤، ومسلم: ٢٦٤٣.","vol":"4","page":104},{"text":"المولود يولد حيًا ثمّ يموت -استهل أو لم يستهل-؛ وليس الصلاة عليه فرضًا ما لم يبلغ.\nأمّا الصلاة عليه؛ فإِنها فعل خير لم يأت عنه نهي!\nوأمّا ترك الصلاة عليه؛ فلما روينا من طريق أبي داود: ثمّ ذكر إِسناده إِلى عائشة أم المؤمنين -﵂- قالت: \"مات إِبراهيم ابن رسول الله - ﷺ - وهو ابن ثمانية عشر شهرًا، فلم يصلّ عليه رسول الله - ﷺ -\".\nوقال: هذا خبر صحيح؛ ولكن إِنما فيه ترك الصلاة، وليس فيه نهي عنها.\nالثاني: الشهيد، وفيه أحاديث كثيرة:\nمنها: عن شَدَّاد بن الهادِ: \"أنّ رجلًا من الأعراب جاء إِلى النّبيّ - ﷺ -، فآمن به واتّبعه، ثمّ قال: أُهاجر معك .. فلبثوا قليلًا، ثمّ نهضوا في قتال العدوّ، فأُتِيَ به النّبيُّ يُحْمَل قد أصابه سهم .. ثمّ كفّنه النّبيّ - ﷺ - فى جُبَّته، ثمّ قدّمه فصلّى عليه ... \" (١).\nعن عبد الله بن الزبير: \"أنّ رسول الله - ﷺ - أَمَر -يوم أحد- بحمزة؛ فسُجِّي ببردةٍ، ثمّ صلّى عليه (٢)، فكبر تسع تكبيرات، ثمّ أُتي بالقتلى يُصَفُّون، ويصلّي عليهم، وعليه معهم\" (٣).\nقال شيخنا -﵀-: \"قد يقول قائل: لقد ثبت في هذه الأحاديث\n_________\n(١) أخرجه النسائي \"صحيح سنن النسائي\" (١٨٤٥) وغيره بسند صحيح، وتقدّم.\n(٢) وللجمع بين هذا الحديث والحديث المتقدّم (ص ١٠٣) ولم يصلّ عليهم غير حمزة؛ انظر \"أحكام الجنائز\" (ص ١٠٧).\n(٣) أخرجه الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\"، وإسناده حسن، وانظر \"أحكام الجنائز\" (ص ١٠٦).","vol":"4","page":105},{"text":"مشروعية الصلاة على الشهداء، والأصل أنّها واجبةٌ، فلماذا لا يُقال بالوجوب؟!\nقلت [أي: شيخنا -﵀-]: لما سبق ذكره في المسألة (٥٨) [يعني: من كتابه؛ وهي هنا قبل بضع صفحات] ونزيد على ذلك هنا فنقول: لقد استشهد كثير من الصحابة في غزوة بدر وغيرها، ولم يُنقل أنّ النّبيّ - ﷺ - صلّى عليهم ولو فعَل لنقلوه عنه، فدلّ ذلك أنّ الصلاة عليهم غير واجبة. ولذلك قال ابن القيم في \"تهذيب السنن\" (٤/ ٢٩٥): \"والصواب في المسألة ... أنه مخير بين الصلاة عليهم، وتركها؛ لمجيء الآثار بكل واحد من الأمرين، وهذا إِحدى الروايات عن الإِمام أحمد، وهي الأَلْيَقُ بأصوله ومذهبه\".\nقلت [أي: شيخنا -﵀-]: ولا شكّ أنّ الصلاة عليهم أفضل من الترك إذا تيسّرت؛ لأنها دعاء وعبادة.\nالثالث: من قُتل في حدّ من حدود الله؛ لحديث عمران بن حصين: \"أنّ امرأة من جُهَيْنَةَ أتت نبي الله - ﷺ -، وهي حُبلى من الزّنى، فقالت: يا نبي الله! أصبت حدًّا فأقمه عليّ.\nفدعا نبيّ الله وليَّها، فقال: \"أحسِن إِليها، فإِذا وضعت فأْتِني بها ففعل، فأمر بها نبيّ الله - ﷺ -؛ فشُكّت عليها ثيابها (١)، ثمّ أَمر بها فرجمت، ثمّ صلّى عليها، فقال له عمر: تُصلي عليها؟ يا نبي الله وقد زَنَتْ؟! فقال: لقد تابت توبة، لو قُسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت توبةً أفضل\n_________\n(١) أي: شُدّت، وقد وَردت هكذا في بعض النّسخ كما قال النووي -رحمه الله تعالى-.","vol":"4","page":106},{"text":"من أن جادت بنفسها لله -تعالى-؟! \" (١).\nالرابع: الفاجر المنبعث في المعاصي والمحارم، مثل تارك الصلاة والزّكاة مع اعترافه بوجوبهما،، والزاني ومُدْمن الخمر، ونحوهم من الفُساق؛ فإِنه يصلّي عليهم؛ إِلا أنه ينبغي لأهل العلم والدين أن يَدَعُوا الصلاة عليهم؛ عقوبة وتأديبًا لأمثالهم، كما فعل النّبيّ - ﷺ -، وفي ذلك أحاديث:\n١ - عن أبي قتادة قال: \"كان رسول الله - ﷺ - إِذا دُعي لجنازة سأل عنها، فإِنْ أُثني عليها خير قام فصلّى عليها، وإن أُثني عليها غير ذلك قال لأهلها: شأنَكُم بها ولم يُصلِّ عليها\" (٢).\n٢ - عن جابر بن سمَرة -﵁- قال: \"أُتي النّبيّ - ﷺ - برجل قَتَل نفسه بمشاقص (٣)؛ فلم يُصَلِّ عليه\" (٤).\nقال أبو عيسى -﵀- تعليقًا على حديث جابر بن سمرة: \"وقد اختلف أهل العلم في هذا: فقال بعضهم: يُصلّى على كلِّ من صلّى للقبلة، وعلى قاتل النفس، وهو قول سُفيان الثوري وإسحاق، وقال أحمد: لا يُصلّي الإِمام على قاتل النفس، ويصلّي عليه غير الإِمام\".\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ١٦٩٦.\n(٢) أخرجه أحمد، والحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وشيخنا -﵀- كما في \"أحكام الجنائز\" (ص ١٠٩).\n(٣) المشاقص: سهام عراض، واحدها مِشقص -بكسر الميم وفتح القاف-.\n(٤) أخرجه مسلم: ٩٧٨.","vol":"4","page":107},{"text":"وقال شيخ الإِسلام ابن تيمية في \"الاختيارات\" (ص ٥٢): \"ومن امتنع من الصلاة على أحدهم (يعني: القاتل والغالَّ والمدين الذي ليس له وفاء) زجرًا لأمثاله عن مثل فعله؛ كان حسنًا، ولو امتنع في الظاهر، ودعا له في الباطن، ليجمع بين المصلحتين؛ كان أولى من تفويت إِحداهما\".\nقال النووي -﵀- بعد الحديث السابق: \"أُتي النّبيّ - ﷺ - برجل قتل نفسه بمشاقص فلم يُصَلِّ عليه\": وفي هذا الحديث دليل لمن يقول: لا يصلّى على قاتل نفسه لعصيانه، وهذا مذهب عمر بن عبد العزيز والأوزاعي.\nوقال الحسن والنخعي وقتادة ومالك وأبو حنيفة والشافعي وجماهير العلماء: يُصلّى عليه، وأجابوا عن هذا الحديث بأنّ النّبيّ - ﷺ -: لم يصل عليه بنفسه؛ زجرًا للناس عن مثل فعله، وصلت عليه الصحابة، وهذا كما ترك النّبيّ - ﷺ - الصلاة في أول الأمر على من عليه دين؛ زجرًا لهم عن التساهل في الاستدانة، وعن إِهمال وفائه؛ وأمر أصحابه بالصلاة عليه، فقال - ﷺ -: \"صلّوا على صاحبكم\".\nقال القاضي: مذهب العلماء كافةً: الصلاةُ على كل مسلم ومحدود ومرجوم وقاتل نفسه وولد الزنى.\nوعن مالك وغيره: أن الإِمام يجتنب الصلاة على مقتول في حد، وأن أهل الفضل لا يُصلّون على الفساق زجرًا لهم ... \" انتهى.\nوجاء في \"الأوسط\" (٥/ ٤٠٨) -بعد إِيراد عدد من النّصوص والآثار-: \"سنّ رسول الله - ﷺ - الصلاة على المسلمين ولم يستثن منهم أحدًا، وقد دخَل في جُملهم الأخيار والأشرار، ومن قُتل في حد، ولا نعلم خبرًا أوجب استثناء","vol":"4","page":108},{"text":"أحدٍ ممن ذكَرناه، فيُصلّ على من قَتل نفسه، وعلى من أُصيب في أي حد أصيب فيه، وعلى شارب الخمر، وولد الزنى، لا يستثنى منهم إِلا من استثناه النّبيّ - ﷺ - من الشهداء الذين أكرمَهم الله بالشهادة، وقد ثبَت أن نبيّ الله - ﷺ - صلّى على من أصيب في حدّ\".\nوجاء في \"المحلّى\" (٥/ ٢٤٩ - مسألة: ٦١١) -بحذف-: \"ويصلّى على كلّ مسلم، برّ أو فاجر، مقتول في حدّ، أو في حرابة، أو في بغي، ويصلّي عليهم الإِمام، وغيره ...... لعموم أمر النّبيّ - ﷺ - بقوله: \"صلّوا على صاحبكم (١)، والمسلم صاحب لنا، قال -تعالى-: ﴿إِنما المؤمنون إِخوة﴾ (٢)، وقال -تعالى-: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾ (٣).\nفمن منَع من الصلاة على مسلم؛ فقد قال قولًا عظيمًا، وإن الفاسق لأحوج إِلى دعاء إِخوانه المؤمنين من الفاضل المرحوم.\nوصح عن عطاء: أنه يصلى على ولد الزنى، وعلى أمه، وعلى المتلاعِنَين، وعلى الذي يقاد منه، وعلى المرجوم، والذي يفرّ من الزحف فيُقتل.\nقال عطاء: لا أدَع الصلاة على من فال: لا إِله إِلا الله؛ قال -تعالى-: ﴿من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم﴾ (٤).\n_________\n(١) تقدّم تخريجه.\n(٢) الحجرات: ١٠.\n(٣) التوبة: ٧١.\n(٤) التوبة: ١١٣.","vol":"4","page":109},{"text":"قال عطاء: فمن يعلم أن هؤلاء من أصحاب الجحيم؟!\nقال ابن جريج: فسألت عمرو بن دينار؟ فقال مثل قول عطاء!\nوصح عن إِبراهيم النخعي أنه قال: لم يكونوا يحجبون الصلاة عن أحد من أهل القبلة، والذي قتل نفسه يصلّى عليه.\nوصح عن قتادة: صلّ على من قال: لا إِله إِلا الله، فإِن كان رجلَ سوء جدًّا؛ فقل: اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات! ما أعلم أحدًا من أهل العلم اجتنب الصلاة على من قال: لا إِله إِلا الله!\nوصح عن ابن سيرين: ما أدركت أحدًا يتأثم من الصلاة على أحد من أهل القبلة.\nوصح عن الشعبي أنه قال في رجل قتل نفسه: ما مات فيكم -مذ كذا- وكذا أحوجُ إِلى استغفاركم منه\".\nالخامس: المدِين الذي لم يترك من المال ما يقضي به دينه؛ فإِنّه يُصلّى عليه، وإنما ترك رسول الله - ﷺ - الصلاة عليه في أوّل الأمر.\nعن سَلَمَة بن الأكوع -﵁- قال: \"كنّا جُلوسًا عند النّبيّ - ﷺ -؛ إِذ أُتي بجنازة فقالوا: صلّ عليها، فقال: هل عليه دين؟ قالوا: لا. قال: فهل ترك شيئًا؟ قالوا: لا، فصلّى عليه، ثمّ أُتي بجنازة أخرى فقالوا: يا رسول الله! صلّ عليها.\nقال: هل عليه دَين؟ قيل: نعم.\nقال: فهل ترك شيئًا؟","vol":"4","page":110},{"text":"قالوا: ثلاثة دنانير، فصلّى عليها.\nثمّ أُتي بالثالثة فقالوا: صلّ عليها، قال: هل ترك شيئًا؟ قالوا: لا. قال: فهل عليه دَين؟ قالوا: ثلاثة دنانير، قال: صلّوا على صاحبكم.\nقال أبو قتادة: صلِّ عليهِ يا رسول الله! وعليَّ دينه، فصلّى عليه\" (١).\nوعن أبي قتادة -﵁-: أنّ رسول الله - ﷺ - أُتيَ برجل من الأنصار ليصلّي عليه، فقال النّبيّ - ﷺ -: \"صلّوا على صاحبكم، فإِنّ عليه دَيْنًا.\nقال أبو قتادة: هو عليّ، قال النّبيّ - ﷺ -: بالوفاء؟ قال: بالوفاء، فصلّى عليه\" (٢).\nعن أبي هريرة -﵁- \"أنّ رسول الله - ﷺ - كان يُؤتى بالرّجل المُتوفّى؛ عليه الدين، فيسأل هل ترك لدينه فضلًا (٣) فإِنّ حُدِّث أنّه ترك لدينه وفاءً صلّى؛ وإِلا قال للمسلمين صلّوا على صاحبكم، فلمّا فتح الله عليه الفتوح قال: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن تُوُفّي من المؤمنين فترك دينًا؛ فعليّ قضاؤه، ومن ترك مالًا فلورثته\" (٤).\nقال شيخنا -﵀-: \"قال أبو بشر يونس بن حبيب -راوي \"مسند\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٢٢٨٩.\n(٢) أخرجه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٨٥٤)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (١٨٥١)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٤٥).\n(٣) في بعض النسخ: \"قضاءً\".\n(٤) أخرجه البخاري: ٢٢٩٨، ومسلم: ١٦١٩، وتقدّم.","vol":"4","page":111},{"text":"الطيالسي\"- عقب الحديث: \"سمعت أبا داود -يعني: الطيالسي- يقول: بذا نسخ تلك الأحاديث التي جاءت على الّذي عليه الدين\" انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1046>هلّ يُصلّى على الميت الذي كان لا يصلّي:</span>\nجاء في \"مجموع الفتاوى\" (٢٤/ ٢٨٥): \"وسُئل -﵀- عن الصلاة على الميت الذي كان لا يصلّي؛ هل لأحد فيها أجر أم لا؟ وهل عليه إِثم إِذا تركها، مع علمه أنه كان لا يصلّي؟ وكذلك الذي يشرب الخمر وما كان يصلّي؛ هل يجوز لمن كان يعلم حاله أن يصلّي عليه أم لا؟\nفأجاب: أما من كان مظهرًا للإِسلام، فإِنّه تجري عليه أحكام الإِسلام الظاهرة: من المناكحة، والموارثة، وتغسيله، والصلاة عليه، ودفنه في مقابر المسلمين، ونحو ذلك؛ لكن من عُلِمَ منه النفاق والزندقة؛ فإِنّه لا يجوز لمن عَلِمَ ذلك منه الصلاة عليه، وإن كان مظهرًا للإِسلام، فإِن الله نهى نبيه عن الصلاة على المنافقين، فقال: ﴿ولا تُصلِّ على أحد منهم مات أبدًا ولا تَقُم على قبره إِنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون﴾ (١)، وقال: ﴿سواءٌ عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم﴾ (٢).\nوأما من كان مظهرًا للفسق -مع ما فيه من الإِيمان- كأهل الكبائر؛ فهؤلاء لا بد أن يصلّي عليهم بعض المسلمين، ومن امتنع من الصلاة على أحدهم زجرًا لأمثاله عن مثل ما فعله، كما امتنع النّبيّ - ﷺ - عن الصلاة على قاتل نفسه،\n_________\n(١) التوبة: ٨٤.\n(٢) المنافقون: ٦.","vol":"4","page":112},{"text":"وعلى الغال، وعلى المدين الذي لا وفاء له، وكما كان كثير من السلف يمتنعون من الصلاة على أهل البدع؛ كان عمله بهذه السنة حسنًا، ومن صلّى على أحدهم يرجو له رحمة الله، ولم يكن في امتناعه مصلحة راجحة؛ كان ذلك حسنًا، ولو امتنع في الظاهر ودعا له في الباطن -ليجمع بين المصلحتين-؛ كان تحصيل المصلحتين أولى من تفويت أحداهما.\nوكل من لم يُعْلَمْ منه النفاق وهو مسلم؛ يجوز الاستغفار له، والصلاة عليه، بل يشرع ذلك، ويؤمر به، كما قال -تعالى-: ﴿واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات﴾ (١). وكل من أظهر الكبائر؛ فإِنّه تسوغ عقوبته بالهجر وغيره، حتى ممن في هجره مصلحة له راجحة فتحصل المصالح الشرعية في ذلك بحسب الإِمكان\". والله أعلم.\nوفيه (ص ٢٨٧): وسئل عن رجل يصلّي وقتًا، ويترك الصلاة كثيرًا، أو لا يصلّي؛ هل يصلّى عليه؟\nفأجاب: \"مثل هذا ما زال المسلمون يصلون عليه، بل المنافقون الذين يكتمون النفاق يصلّي المسلمون عليهم، ويغسَّلون، وتجري عليهم أحكام الإِسلام، كما كان المنافقون على عهد رسول الله - ﷺ -. وإن كان من علم نفاق شخص لم يجز له أن يصلّي عليه، كما نُهِيَ النّبيّ - ﷺ - عن الصلاة على من علم نفاقه.\nوأمّا من شك في حاله؛ فتجوز الصلاة عليه إِذا كان ظاهر الإِسلام، كما صلّى النّبيّ - ﷺ - على من لم يُنْهَ عنه، وكان فيهم من لم يعلم نفاقه، كما قال -\n_________\n(١) محمد: ١٩.","vol":"4","page":113},{"text":"تعالى-: ﴿وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل الدينة مَرَدُوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم﴾ (١).\nومثل هولاء لا يجوز النهي عنه؛ ولكن صلاة النّبيّ - ﷺ - والمؤمنين على المنافق لا تنفعه، كما قال النّبيّ - ﷺلمَا ألبس ابن أُبيٍّ قميصه (٢) -: \"وما يُغني عنه قميصي من الله؟! \"؛ وقال -تعالى-: ﴿سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم﴾ (٣).\nوتارك الصلاة أحيانًا، وأمثاله من المتظاهرين بالفسق؛ فأهل العلم والدين إِذا كان في هجر هذا، وترك الصلاة عليه منفعة للمسلمين -بحيث يكون ذلك باعثًا لهم على المحافظة على الصلاة عليه-[هجروه ولم يصلوا عليه]، كما ترك النّبيّ - ﷺ - الصلاة على قاتل نفسه، والغال، والمدين الذي لا وفاء له، وهذا شرٌّ منهم\".\nالسادس: مَن دُفن قبل أن يُصلّى عليه، أو صَلّى عليه بعضهم دون بعض، فيصلّون عليه في قبره، على أن يكون الإِمام في الصورة الثانية ممّن لم يكن صلّى.\nفعن أبي هريرة -﵁-: \"أنّ امرأةً (٤) سوداء كانت تقُمّ المسجد (أو\n_________\n(١) التوبة: ١٠١.\n(٢) انظر \"صحيح البخاري\": ٤٦٧٠، و\"صحيح مسلم\": ٢٤٠٠ دون \"وما يُغني عنه قميصي من الله\".\n(٣) المنافقون: ٦.\n(٤) انظر \"أحكام الجنائز\" (ص ١١٣) في ترجيح شيخنا -﵀- أنها امرأة.","vol":"4","page":114},{"text":"شابًّا)، ففقدها رسول الله - ﷺ -، فسأل عنها (أو عنه)؟ فقالوا: مات، قال: أفلا كنتم آذنتموني؟! قال: فكأنّهم صغّروا أمرها (أو أمره)، فقال: دُلُّوني على قبره. فدلوه، فصلّى عليها ثمّ قال: إِنّ هذه القبور مملوءةٌ ظُلمةً على أهلها، وإنّ الله ﷿ ينوّرها لهم بصلاتي عليهم\" (١).\nوعن يزيد بن ثابت -وكان أكبر من زيد- قال: خرجنا مع النّبيّ - ﷺ -، فلما ورد البقيع؛ فإِذا هو بقبر جديد، فسأل عنه؟ فقالوا: فلانة. قال: فعرفها. وقال: \"ألا آذنتموني بها؟! قالوا: كنت قائلًا صائمًا، فكرهنا أن نؤذيك! قال: فلا تفعلوا، لا أعرفنّ ما مات منكم ميت -ما كنت بين أظهركم- إِلا آذنتموني به؛ فإِنّ صلاتي عليه له رحمة ثمّ أتى القبر فصففنا خلفه، فكبّر عليه أربعًا\" (٢).\nقال الإِمام أحمد -﵀- ومن يشك في الصلاة على القبر؟! يروى عن النّبيّ - ﷺ - من ستة وجوه؛ كلّها حسان (٣).\nوجاء في \"المحلّى\" (٥/ ٢١٠ مسألة: ٥٨١): \"ورُوِّينا عن معمر عن أيوب السَّخْتيَاني عن ابن أبي مليكة: مات عبد الرحمن بن أبي بكر على ستة أميال من مكَة؛ فحملناه، فجئنا به مكة. فدفناه، فقدمت علينا عائشة أمّ المؤمنين فقالت: أين قبر أخي؟ فدللناها عديه، فوضعت في هودجها عند قبره فصلت\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٤٥٨، ومسلم: ٩٥٦ - واللفظ له-.\n(٢) أخرجه النسائي \"صحيح سنن النسائي\" (١٩١١)، وابن ماجه واللفظ له \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٢٣٩).\n(٣) انظر -للمزيد من الفوائد- \"الإِرواء\" (٣/ ١٨٣).","vol":"4","page":115},{"text":"عليه!\n.. وعن ابن عمر: أنّه قدم وقد مات أخوه عاصم، فقال: أين قبر أخي؟ فدُل عليه؛ فصلّى عليه ودعا له.\nوعن علي بن أبي طالب: أنّه أمر قَرَظَةَ بن كعب الأنصاري أن يصلّي على قبر سهل بن حُنَيْفِ بقوم جاءوا بعد ما دفن وصُلِّي عليه.\nوعن علي بن أبي طالب أيضًا: أنّه صلّى على جنازة بعد ما صُلِّي عليها.\nوأن أنس بن مالك صلّى على جنازة بعدما صُلّي عليها.\nوعن ابن مسعود نحو ذلك.\nوعن سعيد بن المسيَّب إِباحة ذلك.\nوعن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد: أنّه صلّى على جنازة بعدما صلِّي عليها.\nوعن قتادة: أنّه كان إِذا فاتته الصلاة على الجنازة صلّى عليها.\nفهذه طوائف من الصحابة لا يعرف لهم منهم مخالف.\nوأمّا أمر تحديد الصلاة بشهر أو ثلاثة أيام؛ فخطأ لا يشكل؛ لأنّه تحديد بلا دليل؛ ولا فرق بين من حد بهذا، أو من حد بغير ذلك\".\nالسابع: من مات في بلد ليس فيها من يصلّي عليه صلاةَ الحاضر، فهذا يُصلّي عليه طائفة من المسلمين صلاة الغائب؛ لصلاة النّبيّ - ﷺ - على النّجاشيّ.\nفعن أبي هريرة -﵁-: \"أنّ رسول الله - ﷺ - نعى النجاشي في اليوم","vol":"4","page":116},{"text":"الذي مات فيه، خرج الى المصلّى؛ فصفّ بهم وكبّر أربعًا\" (١).\nقال ابن حزم -﵀- في \"المحلّى\" (٥/ ٢٤٩ - مسألة: ٦١٠): \"ويصلى على الميت الغائب بإِمام وجماعة؟ قد صلّى رسول الله - ﷺ - على النجاشي -﵁- ومات بأرض الحبشة؛ وصلّى معه أصحابه عليه صفوفًا، وهذا إِجماع منهم لا يجوز تعدّيه\".\nقال شيخنا -﵀- في \"أحكام الجنائز\" (ص ١١٨): \"واعلم أنّ هذا الذي ذكرناه من الصلاة على الغائب: هو الذي لا يتحمّل الحديث غيره، ولهذا سبقَنا إِلى اختياره ثُلّةٌ من مُحقّقي المذاهب، وإليك خلاصةً من كلام ابن القيم -﵀- في هذا الصدد؟ قال في \"زاد المعاد\" (١/ ٢٠٥ و٢٠٦): \"ولم يكن من هديه - ﷺ - وسُنته الصلاة على كلّ ميت غائب؛ فقد مات خلْق كثير من المسلمين وهم غُيَّبٌ، فلم يصلّ عليهم، وصحّ عنه أنّه صلّى على النجاشي صلاته على الميت، فاخْتُلِفَ في ذلك على ثلاثة طرق:\n١ - أنّ هذا تشريع وسنّة للأمّة الصلاة على كلّ غائب. وهذا قول الشافعي وأحمد.\n٢ - وقال أبو حنيفة ومالك: هذا خاص به، وليس ذلك لغيره.\n٣ - وقال شيخ الإِسلام ابن تيمية: \"الصواب: أنّ الغائب إِن مات ببلدٍ لم يُصَلَّ عليه فيه، صُلّي عليه صلاةَ الغائب، كما صلّى النّبيّ - ﷺ - على النجاشي؛ لأنه مات بين الكُفار ولم يصلَّ عليه. وإنْ صُلّي عليه -حيث مات- لم يصلَّ\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٢٤٥، ومسلم: ٩٥١، وتقدّم.","vol":"4","page":117},{"text":"عليه صلاة الغائب؛ لأنّ الفرض سقط بصلاة المسلمين عليه، والنّبيّ - ﷺ - صلّى على الغائب وتَرَكَهُ، وفِعْلُهُ وتَرْكُه سُنّة، وهذا له موضع، والله أعلم.\nوالأقوال ثلاثة في مذهب أحمد، وأصحُّها هذا التفصيل\" .. \".\nقلت: ولو كانت الصلاة مشروعة على كل غائب؛ لنُقل إِلينا صلاة الصحابة -﵃- الذين لم يتمكّنوا من الصلاة على رسول الله - ﷺ -، ولُنقِل إِلينا كذلك صلاة الأئمة الأعلام من بعدهم على النّبيّ - ﷺ - وأصحابه -﵃-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1047>هل يُصلّى على العضو إِذا لم يُوجَدْ غيره</span>؟\nاختلف العلماء فيما إِذا وُجد عُضو من الميت، هل يصلّ عليه أم لا؟\nفقالت طائفة: يصلّ عليه، وهو قول الإِمامين: الشافعى وأحمد -رحمهما الله تعالى-.\nوقالت طائفة: لا يصلّى عليه.\nوالراجح: هو الصلاة عليه؛ لأن ذَهاب بعض الميت لا يعني ذَهاب حرمة ما بقي.\nجاء في \"الأوسط\" (٥/ ٤١١): \"قال أبو بكر [هو: ابن المنذر]: لعلّ من حجّة من رأى لا يصلّى على العضو؛ أن يقول: رسول الله - ﷺ -[صلى] الصلاة على الميت، والصلاة على الميت سُنّة، ولا سُنّة تثبت في الصلاة على بعض البدن، فيُصلّي حيث صلّى رسول الله - ﷺ -، ويقف عن الصلاة فيما لا سنّة فيه.","vol":"4","page":118},{"text":"ومن حُجّة من يرى الصلاة على العضو يوجد: أن حرمة المسلم واحدة في كل جسده، فإِذا ذهب بعضه لم تذهب حرمة ما بقي، ويجب أن يفعل فيما بقي من بدنه -من الغسل والصلاة والدفن- سُنّة الموتى. والله أعلم ... \".\nوجاء في \"المحلّى\" (٥/ ٢٠٥ - تحت المسألة: ٥٨٠): \"ويصلّى على ما وُجِدَ من الميت المسلم: ولو أنّه ظُفُرٌ أو شعرٌ فما فوق ذلك، ويُغَسَّلُ ويُكَفَّنُ؛ إِلا أن يكون من شهيد، فلا يغسل، لكن يُلَفُّ ويدفن.\nويصلّى على الميت المسلم، وإن كان غائبًا لا يوجد منه شيء؛ فإِنْ وُجِدَ من الميت عضو آخر بعد ذلك أيضًا غُسل أيضًا، وكُفّن، ودُفن، ولا بأس بالصلاة عليه ثانية؛ وهكذا أبدًا.\nبرهان ذلك: أننا قد ذكرنا -قبلُ- وجوب غَسْل الميت وتكفينه ودفْنه والصلاة عليه، فصح بذلك غَسْل جميع أعضائه -قليلها وكثيرها- وستر جميعها بالكفن والدفن؛ فذلك -بلا شك- واجب في كلّ جزء؛ منه فإِذ هو كذلك؛ فواجب عمله فيما أمكن عمله فيه بالوجود متى وجد؛ ولا يجوز أن يسقط ذلك في الأعضاء المفرقة بلا برهان.\nوينوي بالصلاة على ما وجد منه الصلاة على جميعه: جسده وروحه\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1048>تحريم الصلاة والاستغفار والترحم على الكّفار والمنافقين:</span>\nوتحرم الصلاة والاستغفار والترحُّم على الكّفار والمنافقين (١)، لقول الله\n_________\n(١) قال شيخنا -﵀- في التعليق: \"هم الذين يبطنون الكفر ويظهرون الإسلام، وإنما يتبين كُفرهم بما يترشّح من كلماتهم من الغمز في بعض أحكام الشريعة =","vol":"4","page":119},{"text":"-﵎-: ﴿ولا تُصلِّ على أحد منهم مات أبدًا ولا تَقُمْ على قبره إِنّهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون﴾ (١).\nوسبب نزول هذه الآية الكريمة: ما رواه عمر بن الخطاب -﵁- قال: \"لمّا مات عبد الله بن أُبي ابن سلُولَ؛ دُعي له رسول الله - ﷺ - يصلّي عليه، فلمّا قام رسول الله - ﷺ -؛ وَثَبْتُ إِليه فقلت: يا رسول الله! أتصلّي على ابن أُبيٍّ وقد قال يوم كذا وكذا كذا وكذا -أعدّدُ عليه قوله-؟! فتبسّم رسول الله - ﷺ - وقال: أخّر عني يا عمر!\nفلمّا أكثرت عليه قال: إِنّي خيّرت فاخترت، لو أعلم أنّي إِن زدت على السبعين يُغفر له لزدت عليها، قال: فصلّى عليه رسول الله - ﷺ -، ثمّ انصرف، فلم يمكث إِلا يسيرًا حتى نزلت الآيتان من براءة: ﴿ولا تُصلِّ على أحدٍ منهم\n_________\n= واستهجانها، وزعمهم أنّها مخالفة للعقل والذوق، وقد أشار إلى هذه الحقيقة ربّنا تبارك في قوله: ﴿أم حَسِبَ الذين في قلوبهم مرض أنْ لن يُخرج الله أضغانهم. ولو نشاء لأَريْنَاكهُم فلَعَرْفتهم بسِيمَاهُم ولَتَعْرِفَنَّهم في لَحْن القول والله يعلم أعمالكم﴾ [محمد: ٢٩ - ٣٠]. وأمثال هؤلاء المنافقين كثير في عصرنا الحاضر، والله المستعان\" انتهى.\nقلت: وهذا فيه تكفيرٌ بالقول أو الفعل، فمن قال: الشرع مخالفٌ للعقل فقد كفر، ومن قال: الشرع مخالف للذوق فقد كَفَر.\nوبهذا فلا يُصلى على أمثال هؤلاء، نسأل الله -تعالى- حُسن الختام.\nوفي هذا نقْض صريح لمذهب المرجئة البدعي الخبيث.\n(١) التوبة: ٨٤.","vol":"4","page":120},{"text":"مات أبدًا﴾ إِلى: ﴿وهم فاسقون﴾.\nقال: فعجبت -بُعْدَ- من جُرْأتي على رسول الله - ﷺ - يومئذ، والله ورسوله أعلم\" (١).\nوعن المسيَّب بن حزْن قال: لمّا حَضَرت أبا طالب الوفاةُ؛ جاءه رسول الله - ﷺ -، فوجدَ عنده أبا جهل، وعبد الله بن أبي أميةَ بنَ المغيرة، فقال رسول الله - ﷺ -: \"يا عمّ! قل: لا إِله إِلا الله، كلمة أشهد لك بها عند الله، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب! أترغب عن ملّة عبد المطلب؟!\nفلم يزل رسول الله - ﷺ - يعرضها عليه، ويعيد له تلك المقالة، حتى قال أبو طالب -آخرَ ما كّلمهم-: هو على ملّة عبد المطلب، وأَبى أنْ يقول: لا إِله إِلا الله، فقال رسول الله - ﷺ -: أما والله لأستغفرنّ لك؛ ما لم أُنْهَ عنك.\nفأنزل الله -﷿-: ﴿ما كان للنّبيّ والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قُرْبى من بعد ما تبيّن لهم أنّهم أصحاب الجحيم﴾، وأنزل الله -تعالى- في أبي طالب، فقال لرسول الله - ﷺ -: ﴿إِنّك لا تهدي من أحببت ولكنّ الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين﴾ \" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1049>هل يُصلّى على قتلى المسلمين إِذا اختلطوا بالمشركين</span>؟!\nجاء في \"الأوسط\" (٥/ ٤٢٤): \"اختلف أهل العلم في قتلى المسلمين والمشركين، إِذا اختلطوا ولم يتميّزوا:\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٣٦٦، ٤٦٧١.\n(٢) أخرجه البخاري: ٦٦٨١، ٤٦٧٥، ومسلم: ٢٤ - واللفظ له-.","vol":"4","page":121},{"text":"فكان الشافعي يقول: يُصلّي عليهم ويَنْوي بالصلاة المسلمين.\nوقال ابن الحسن: إِن كان الموتى كُفّارًا وفيهم رجل من المسلمين؛ لم يصلِّ عليهم، وإن كانوا مسلمين فيهم الكافر أو الاثنين؛ استحسنَّا الصلاة عليهم.\nوبقول الشافعي نقول.\nوقد اعتل الشافعي لقوله؛ فقال: لئن جازت الصلاة على مائة مسلم فيهم مشرك؛ لَتَجُوزَنَّ على مائة مشرك فيهم مسلم.\nوصدَق الشافعي؛ لأنّ الإِمام والمأموم في الحالين إِنما ينوون المسلم والمسلمين\" انتهى.\nقلت: وممّا يقوّي قول الإِمام الشافعي -﵀-: أن للنيّة اعتبارًا؛ إِذ هي شرط من شروط الصلاة؛ فإِن عدم نيّة الصلاة على المشرك تجعلنا نقول: إِنّه لم يُصلِّ عليه وإنْ جعَله أمامه؛ ولا سبيل إِلا هذا، والله -تعالى- أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1050>وجوب الجماعة في صلاة الجنازة:</span>\nوتجب الجماعة في صلاة الجنازة، كما تجب في الصلوات المكتوبة؛ بدليلين:\nالأول: مداومة النّبيّ - ﷺ - عليها.\nالآخر: قوله - ﷺ -: \"صلّوا كما رأيتموني أُصلّي\" (١).\nولا يُعَكِّر على ما ذكرنا صلاةُ الصحابة -﵃- على النّبيّ - ﷺ - فُرادى لم يؤمّهم أحدٌ؛ لأنها قضية خاصّة، لا يُدْرَى وجهها، فلا يجوز من\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٦٣١، وتقدّم في \"كتاب الصلاة\".","vol":"4","page":122},{"text":"أجلها أن نترك ما واظب عليه - ﷺ - طيلة حياته المباركة، لا سيّما والقضية المذكورة لم تَرِد بإِسناد صحيح تقوم به الحُجّة، وإن كانت رويت من طُرقٍ يقوّي بعضها بعضًا؛ فإِنْ أمكن الجمع بينها وبين ما ذكرنا من هديه - ﷺ - في التجميع في الجنازة فبها؛ وإِلا فهديه هو المُقَدَّم؛ لأنه أثبت وأهدى.\nفإِنْ صلَّوا عليها فُرادى سقط الفرض، وأثموا بترك الجماعة. والله أعلم.\nوقال النّووي في \"المجموع\" (٥/ ٣١٤): \"تجوز صلاة الجنازة فرادى بلا خلاف، والسنة أن تصلّى جماعةً؛ للأحاديث المشهورة في \"الصحيح\" في ذلك؛ مع إِجماع المسلمين\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1051>أقل ما ورَد في انعقاد الجماعة:</span>\nوأقلّ ما ورَد في انعقاد الجماعة فيها ثلاثة؛ فعن عبد الله بن أبي طلحة: \"أنّ أبا طلحة دعا رسول الله - ﷺ - إِلى عُمير بن أبي طلحة حين توفّي، فأتاه رسول الله - ﷺ -، فصلّى عليه في منزلهم، فتقدّم رسول الله - ﷺ -، وكان أبو طلحة وراءه، وأمّ سليم وراء أبي طلحة، ولم يكن معهم غيرهم\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1052>انتفاع الميت بكثرة المصلين إِذا كانوا موحِّدين حقًّا:</span>\nوكُلَّما كثر الجمع كان أفضل للميت وأنفع، فعن عائشة -﵂- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"ما من ميت يُصلّي عليه أُمّة من المسلمين -يبلغون مائةً- كُلهم يشْفعون له؛ إِلا شُفِّعوا فيه\" (٢).\n_________\n(١) أخرجه الحاكم، وعنه البيهقي، وصححه شيخنا -﵀- على شرط مسلم.\n(٢) أخرجه مسلم: ٩٤٧.","vol":"4","page":123},{"text":"وقد يُغفر للميت ولو كان العدد أقلّ من مائة؛ إِذا كانوا مسلمين، لم يخالط توحيدَهم شيءٌ من الشرك.\nفعن عبد الله بن عباس -﵁- قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول:\n\"ما من رجل مسلم يموت، فيقوم على جنازته أربعون رجلًا لا يشركون بالله شيئًا؛ إِلا شفَّعهم الله فيه\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1053>صلاة النساء على الجنازة:</span>\nللمرأة أن تصلّي على الجنازة كالرجل؛ لعموم النصوص الواردة في ذلك.\nعن عبّاد بن عبد الله بن الزبير: \"أنّ عائشة أمرت أن يُمَرَّ بجنازة سعد بن أبي وقاص في المسجد، فتصلي عليه، فأنكر الناس ذلك عليها، فقالت: ما أسرع ما نسِي الناس! ما صلّى رسول الله - ﷺ - على سهيل ابن البيضاء إِلا في المسجد\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1054>تسوية الصفوف في صلاة الجنازة:</span>\nويجب تسوية الصفوف حين يُصلّى على الجنائز؛ كما تسوّى في صلاة الفريضة، بل وفي كل صلاة جماعة؛ لعموم الأدلة الواردة في ذلك؛ ولا دليل على التفريق.\nقال شيخنا -﵀- (ص ١٢٨): \"وإذا لم يوجد مع الإِمام غير رجل واحد، فإِنه لا يقف حِذاءه كما هو السنّة في سائر الصلوات، بل يقف خلف\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ٩٤٨.\n(٢) أخرجه مسلم: ٩٧٣.","vol":"4","page":124},{"text":"الإِمام، للحديث المتقدّم: \" .. فتقدّم رسول الله - ﷺ -، وكان أبو طلحة وراءه، وأمّ سُلَيْمٍ وراء أبي طلحة، ولم يكن معهم غيرهم\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1055>من هو الأحقّ بالإمامة</span>؟\nوالوالي أو نائبه أحقُّ بالإِمامة فيها من الوليّ.\nعن أبي حازم قال: \"إِني لشاهد يوم مات الحسن بن علي؛ فرأيت الحسين ابن عليّ يقول لسعيد بن العاص -ويطعن في عنقه ويقول-: تقدّم؛ فلولا أنّها سنّة ما قدّمتك (وسعيد أمير على المدينة يومئذ، وكان بينهم شيءٌ) \" (١) انتهى.\nوقال الحسن: أدركت الناس، وأَحقُّهم على جنائزهم مَن رَضوهم لفرائضهم (٢).\nوجاء في \"المحلّى\" (٥/ ٢١٣ - تحت المسألة: ٥٨٤): \"ومن طريق وكيع عن الربيع عن الحسن: كانوا يُقَدِّمُون الأئمة على جنائزهم، فإِن تدارؤا (٣)؛ فالوليّ ثم الزوج (٤).\n_________\n(١) أخرجه الحاكم، والبزار، والطبراني في \"المعجم الكبير\"، وانظر \"أحكام الجنائز\" (ص ١٢٩).\n(٢) رواه البخاري معلّقًا (كتاب الجنائز -باب- ٥٦).\n(٣) أي: تدافعوا في الخصومة.\n(٤) لكن ابن حزم -﵀- يرى أنّ أحقّ الناس بالصلاة على الميت والميتة: الأولياء؛ وهم: الأب وآباؤه، والابن وأبناؤه، ثمّ الإِخوة الأشقاء، ثمّ الذين للأب، ثمّ بنوهم، ثمّ الأعمام للأب والأم، ثمّ للأب ثمّ بنوهم، ثمّ كل ذي رحم محرمة؛ إِلا أن =","vol":"4","page":125},{"text":"فإِنْ لم يحضر الوالي أو نائبه؛ فالأحقُّ بالإِمامة أقرؤُهم لكتاب الله، ثمّ على الترتيب الذي ورد ذكره في حديث أبي مسعود الأنصاري -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"يؤم القوم أقرؤُهم لكتاب الله، فإِن كانوا في القراءة سواءً، فأعلمهم بالسُّنّة، فإِن كانوا في السّنة سواءً؛ فأقدمهم هجرة، فإِن كانوا في الهجرة سواء؛ فأقدمهم سِلْمًا (١)، ولا يُؤَمَّنَ الرّجلُ في سلطانه، ولا يُقْعَدْ في بيته على تكْرِمَتِهِ (٢) إِلا بإِذنه\" (٣).\nويؤمهم الأقرأ ولو كان غُلامًا لم يبلغ الحلم؛ لحديث عمرو بن سَلِمَةَ: \"أنهم (٤) وفدوا إِلى النّبيّ - ﷺ -، فلمّا أرادوا أن ينصرفوا قالوا: يا رسول الله! من يؤمنا؟ قال: أكثركم جمعًا للقرآن -أو أخذًا للقرآن-، قال: فلم يكن أحد من القوم جمع ما جمعته.\nقال: فقدَّموني وأنا غلام، وعليّ شَمْلة لي، فما شهدت مَجْمعًا من جَرْمٍ إلاَّ كنت إِمامهم، وكنت أصلي على جنائزهم إِلى يومي هذا\" (٥).\n_________\n= يوصي الميت أن يصلّي عليه إِنسان؛ فهو أولى؛ ثم الزوج، ثمّ الأمير أو القاضي.\n(١) سِلمًا؛ أي: إسلامًا.\n(٢) تكرِمته؛ قال العلماء: التكرمة: الفراش ونحوه ممّا يُبسط لصاحب المنزل ويُخصّ به. \"النووي\".\n(٣) أخرجه مسلم: ٦٧٣.\n(٤) أي: قومه.\n(٥) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٥٤٨).","vol":"4","page":126},{"text":"هذا؛ وقد وجَدْت ابن المنذر يقول بقول شيخنا -رحمهما الله تعالى-.\nجاء في \"الأوسط\" (٥/ ٣٩٨) تحت باب (ذِكر الوالي والولي يحضران الصلاة على الجنازة): \"اختلف أهل العلم في صلاة الأمير أو الإِمام على الجنازة ووليُّها حاضر:\nفقال أكثر أهل العلم: الإِمام أحقّ بالصلاة عليها من الولي؛ رُوِّينا عن علي ابن أبي طالب أنّه قال: الإِمام أحقّ مَن صلّى على الجنازة، وليس بثابت عنه.\nوهذا قول علقمة والأسود وسُوَيْدِ بن غَفَلَةَ والحسن البصري وبه قال جماعة من المتقدمين، وقال مالك: الولي أحق، وكذلك قال أحمد وإسحاق.\nوقال أصحاب الرأى: إمام الحي أحق بالصلاة عليه\".\nوفيه قول ثانٍ قاله الشافعي، قال: \"الولي أحق بالصلاة من الوالي\".\nوقد رُوِّينا عن الضحاك أنه قال لأخيه عند موته: لا يصلين عليّ غيرك، ولا تَدَعَنَّ الأمير يصلّي عليّ، واذكر منّي ما علمت.\nقال ابن المنذر -﵀-: النظر يحتمل ما قاله الشافعي؛ غير أن مذهبه ومذهب عوام أهل العلم القول بالأخبار إِذا جاءت، وترْك حمْل الشيء على الظن عند وجود الأخبار.\nثمّ ساق بإِسناده إِلى سالم عن أبي حازم قال: شهدت حسينًا حين مات الحسن، وهو يدفع في قفا سعيد بن العاص وهو يقول: تقدّم؛ فلولا السُّنّة ما قدّمتك، وسعيد أمير المدينة.\nقال ابن المنذر: \"وقد كان بحضرته في ذلك الوقت خلْق من المهاجرين","vol":"4","page":127},{"text":"والأنصار، فلمّا لم يُنكر أحد منهم ما قال؛ دلّ على أن ذلك كان عندهم حقًّا والله أعلم.\nوليس في هذا الباب أعلى من هذا لأنّ جنازة الحسن بن علي حضَرها عوامّ الناس من أصحاب رسول الله - ﷺ - وغيرهم على ما يرى. والله أعلم.\nقال ابن المنذر: ودل حديث عمرو بن سلمة على ذلك [وفيه:] .. ثم سألوا النّبيّ - ﷺ -: من يصلّي بنا، أو من يصلّي لنا؟ قال: يصلّي بكم -أو يصلّي لكم -أكثركم أخذًا -أو أكثرهم جمعًا- للقرآن\" انتهى.\nقال ابن المنذر: \"وهذا الحديث موافق لحديث أبي مسعود الأنصاري: \"يؤم القوم أقرؤهم\"، فلو لم يكن حديث الحسن بن علي موجودًا في هذا الباب، ثمّ قال قائل: يدخل في قوله: \"يؤم القوم أقرأُهم\" الصلوات المكتوبات، وعلى الجنائز؛ ما كان بعيدًا -والله أعلم- لأن اسم الصلاة يقع على الصلاة على الميت، قال الله جل ذكره: ﴿ولا تُصلِّ على أحد منهم مات أبدًا ولا تقُم على قبره ...﴾ (١) الآية.\nوثبتت الأخبار عن النّبيّ - ﷺ - أنه قال: \"صلّوا على صاحبكم\" (٢)، وصلّى رسول الله - ﷺ - على النجاشي (٣)، والأخبار تكثر في هذا الباب، والله أعلم\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1056>ماذا إِذا اجتمعت جنائز مُتعدِّدة من الرجال والنساء</span>؟\nوإذا اجتمعت جنائز مُتعدِّدة من الرّجال والنساء؛ صُلّي عليها صلاة واحدة،\n_________\n(١) التوبة: ٨٤.\n(٢) تقدّم تخريجه.\n(٣) تقدّم.","vol":"4","page":128},{"text":"وجُعلت الذكور -ولو كانوا صِغارًا- ممّا يلي الإِمام، وجنائز الإِناث مما يلي القبلة، وفي ذلك أحاديث:\nالأول: عن نافع عن ابن عمر: \"أنه صلّى على تسع جنائز جميعًا، فجعل الرجال يلون الإِمام، والنساء يلين القبلة، فصفّهنَّ صفًا واحدًا، ووضعت جنازة أم كلثوم بنت علي امرأة عمر بن الخطاب، وابن لها -يقال له: زيد- وُضعا جميعًا، والإِمام يومئذ سعيد بن العاص، وفي الناس ابن عباس وأبو هريرة وأبو سعيد وأبو قتادة.\nفوضع الغلام ممّا يلي الإِمام، فقال رجل: فأنَكرتُ ذلك، فنظرت إِلى ابن عباس وأبي هريرة وأبي سعيد وأبي قتادة، فقلت: ما هذا؟ قالوا: هي السُّنّة\" (١).\nالثاني: عنّ عمّار مولى الحارث بن نوفل: \"أنّه شهد جنازة أم كلثوم وابنها، فجُعِلَ الغلامُ ممّا يلي الإِمام [ووضِعَتِ المرأةُ وراءه، فصلّى عليها]، فأنكرت ذلك، وفي القوم ابن عباس وأبو سعيد الخُدري وأبو قتادة وأبو هريرة، [فسألتهم عن ذلك]؟ فقالوا: هذه السنّة\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1057>جواز الصلاة على كل جنازة على حِدَة:</span>\nويجوز أن يُصَلِّيَ على كلّ واحدة من الجنائز صلاة؛ لأنّه الأصل، ولأنّ النّبيّ\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (١٨٦٩)، وابن الجارود في \"المنتقى\" وغيرهم.\n(٢) أخرجه أبو داود -والسياق له- \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٧٣٤) وغيره، وانظر \"أحكام الجنائز\" (ص ١٣٣).","vol":"4","page":129},{"text":"- ﷺ - فَعَل ذلك في شهداء أُحد.\nفعن ابن عباس -﵄- قال: \"لما وقف رسول الله - ﷺ - على حمزة .. أمر به فهيِّىء إِلى القبلة، ثمّ كبّر عليه تسعًا، ثمّ جمع إِليه الشهداء، كُلّما أُتي بشهيد وضع إِلى حمزة، فصلّى عليه، وعلى الشهداء معه، حتى صلّى عليه، وعلى الشهداء اثنتين وسبعين صلاة\" (١).\nقال النووي في \"المجموع\" (٥/ ٢٢٥): \"واتّفقوا على أنّ الأفضل أنْ يفرد كلَّ واحد بصلاة إِلا صاحب \"التتمة\" فجزم بأنّ الأفضل أن يُصلّيَ عليهم دفعة واحدة، لأنّ فيه تعجيل الدفن وهو مأمور به، والمذهب الأول، لأنّه أكثر عملًا، وأرجى للقبول، وليس هو تأخيرًا كثيرًا\". والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1058>جواز الصلاة على الجنازة في المسجد:</span>\nوتجوز الصلاة على الجنازة في المسجد؛ لحديث عائشة -﵂- قالت: \"لما توفّي سعد بن أبي وقاص؛ أرسل أزواج النّبيّ - ﷺ - أن يمروا بجنازته في المسجد، فيصلّين عليه، ففعلوا، فَوَقِفَ به على حُجرهُنّ يُصلّين عليه، أُخرج به من باب الجنائز الذي كان إِلى المقاعد (٢)؛ فبلغهنّ أنّ الناس عابوا ذلك، وقالوا: ما كانت الجنائز يُدخل بها المسجد!\nفبلغ ذلك عائشة فقالت: ما أسرعَ النّاسَ إِلى أن يعيبوا ما لا علم لهم به!\n_________\n(١) أخرجه الطبراني في \"معجمه الكبير\"، وقال شيخنا في \"أحكام الجنائز\" (ص ١٣٤): \"وهذا سند جيد، رجاله كلهم ثقات، وقد صرّح فيه محمد بن إِسحاق بالتحديث، فزالت شبهة تدليسه\".\n(٢) موضع قرب المسجد الشريف.","vol":"4","page":130},{"text":"عابوا علينا أن يمرّ بجنازة في المسجد؛ وما صلّى رسول الله - ﷺ - على سهيل بن بيضاء إِلاّ في جوف المسجد\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1059>تفضيل الصلاة على الجنازة خارج المسجد:</span>\nلكنّ الأفضل الصلاة عليها خارج المسجد في مكانٍ مُعَدّ للصلاة على الجنائز؛ كما كان الأمر على عهد النّبيّ - ﷺ -، وهو الغالب على هديه فيها، وفي ذلك أحاديث.\nمنها: عن ابن عمر -﵁-: \"أنّ اليهود جاؤوا إِلى النّبيّ - ﷺ - برجل منهم وامرأة زنيا، فأمر بهما فرجما قريبًا من موضع الجنائز عند المسجد\" (٢).\nومنها: عن أبي هريرة -﵁-: \"أنّ رسول الله - ﷺ - نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه؛ خرج إِلى المصلّى، فصَفّ بهم وكبّر أربعًا\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1060>تحريم الصلاة على الجنازة بين القبور:</span>\nولا يجوز الصلاة عليها بين القبور؛ لحديث أنس بن مالك -﵁-: \"أنّ النّبيّ - ﷺ - نهى أن يصلّى على الجنائز بين القبور\" (٤).\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ٩٧٣، وتقدّم.\n(٢) أخرجه البخاري: ١٣٢٩.\n(٣) أخرجه البخاري: ١٢٤٥، ومسلم: ٩٥١، وتقدّم.\n(٤) أخرجه ابن الأعرابي في \"معجمه\"، والطبراني في \"المعجم الأوسط\". وقال الهيثمي في \"المجمع\" (٣/ ٣٦): \"وإسناده حسن\". =","vol":"4","page":131},{"text":"وسألت شيخنا عن الصلاة بين القبور؟ فقال: لا يجوز؛ ما الذي أدْخَله في جُحر الضَّبِّ؟!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1061>يقف الإِمام وراء رأس الرجل، وَوَسَطِ المرأة:</span>\nويقف الإِمام وراء رأس الرجل ووسَطِ المرأة.\nعن أبي غالب الخيّاط قال: \"صليت مع أنس بن مالك على جنازة رجل، فقام حِيَالَ رأسه (١)، ثمّ جاءوا بجنازة امرأة من قريش، فقالوا: يا أبا حمزة صلِّ عليها.\nفقام حِيال وسط السرير، فقال له العلاء بن زياد: هكذا رأيت رسول الله - ﷺ - قام على الجنازة مقامك منها، ومن الرجل مقامك منه؟ قال: نعم، فلمّا فرغ قال: احفظوا\" (٢).\nوعن سَمُرة بن جُنْدُب قال: \"صلّيت خلف النّبيّ - ﷺ -، وصلّى على أمّ كعب؛ ماتت وهي نُفَساء، فقام رسول الله - ﷺ - للصلاة عليها وسطها (٣) \" (٤).\n_________\n= قال شيخنا -﵀- في \"أحكام الجنائز\" (ص ١٣٨): \"وله طريق أخرى عن أنس عند الضياء، يتقوّى الحديث بها\".\n(١) أي: قُبالته.\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٧٣٥)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٨٢٦) -واللفظ له- وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٢١٤).\n(٣) بتسكين السين وفتحها.\n(٤) أخرجه البخاري: ١٣٣٢، ومسلم: ٩٦٤ - واللفظ له-.","vol":"4","page":132},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1062>كم يكبّر على الجنائز</span>؟\nقال شيخنا -﵀-: \"ويُكبّر عليها أربعًا أو خمسًا، إِلى تسع تكبيرات، كُلّ ذلك ثبت عن النّبيّ - ﷺ - فأيّها فعل أجزأه، والأَوْلى التنويع، فيفعل هذا تارة، وهذا تارة، كما هو الشأن في أمثاله؛ مثل أدعية الاستفتاح، وصيغ التشهد والصلوات الإِبراهيمية ونحوها\". اهـ\nقال شيخ الإِسلام -﵀- في \"الفتاوى\" (٢٢/ ٧٠) -في معرض توجيهه المسلمين الأخذَ بجميع سنن النّبيّ - ﷺ - في العبادات-:\n\"ومنها التكبير على الجنائز؛ يجوز -على المشهور- التربيع والتخميس والتسبيع؛ وإِن اختار التربيع. وأمّا بقية الفقهاء فيختارون بعض ذلك، ويكرهون بعضه\".\nقال شيخنا -﵀- (ص ١٤١): \"وإِن كان لا بُدّ من التزام نوع واحدٍ منها؛ فهو الأربع؛ لأنّ الأحاديث فيها [أقوى و] أكثر [والمقتدي يكبّر ما كبّر الإِمام] \" (١). وإِليك بيان ذلك:\nأمّا الأربع، ففيها أحاديث:\n١ - عن أبي هريرة -﵁-: \"أنّ رسول الله - ﷺ - نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه؛ خرج إِلى المصلّى، فصفّ بهم وكبّر أربعًا\" (٢).\n_________\n(١) ما بين معقوفين زيادة من \"تلخيص أحكام الجنائز\" (ص ٥٤).\n(٢) أخرجه البخاري: ١٢٤٥، ومسلم: ٩٥١، وتقدّم.","vol":"4","page":133},{"text":"٢ - عن أبي أمامة (١) أنّه قال: \"السنّة في الصلاة على الجنازة: أن يقرأ في التكبيرة الأولى بأم القرآن مُخَافَتَةً، ثمّ يكبر ثلاثًا؛ والتسليم عند الآخرة\" (٢).\n٣ - عن عبد الله بن أبي أوفى قال: \"إِنّ رسول الله - ﷺ - كان يكبر أربعًا\" (٣).\nوأما الخمس؛ فلحديث عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: \"كان زيد يكبّر على جنائزنا أربعًا، وإِنّه كبّر على جنازة خمسًا، فسألته؟ فقال: كان رسول الله - ﷺ - يكبّرها\" (٤)\nقال الترمذي: \"وقد ذهب بعض أهل العلم إِلى هذا من أصحاب النّبيّ - ﷺ - وغيرهم-: رأوا التكبير على الجنازة خمسًا. وقال أحمد وإسحاق: إِذا كبّر الإِمام على الجنازة خمسًا؛ فإِنّه يُتَّبَع الإِمام\".\nوأما الست والسبع، ففيها بعض الآثار الموقوفة، ولكنّها في حُكم الأحاديث المرفوعة؛ لأنّ بعض كبار الصحابة أتى بها على مشهد من الصحابة دون أن يعترض عليه أحد منهم.\nالأول: عن عبد الله بن مُغفَّل: \"أنّ علي بن أبي طالب صلّى على سهل بن\n_________\n(١) قال شيخنا -﵀- في \"أحكام الجنائز\" (ص ١٤١): \"ليس هو أبا أمامة الباهلي الصحابي المشهور، بل هذا آخر معروف بكنيته أيضًا؛ واسمه أسعد -وقيل: سعد بن سعد- بن حنيف الأنصاري، معدود في الصحابة، له رؤية، ولم يسمع من النّبيّ - ﷺ -، فالحديث من مراسيل الصحابة، وهي حجة\".\n(٢) أخرجه النسائي \"صحيح سنن النسائي\" (١٨٨٠).\n(٣) أخرجه البيهقي بسند صحيح، وانظر \"أحكام الجنائز\" (ص ١٤٢).\n(٤) أخرجه مسلم: ٩٥٧، وغيره.","vol":"4","page":134},{"text":"حنيف، فكبّر عليه ستًّا، ثمّ التفت إِلينا، فقال: إِنه بدريٌّ\".\nقال الشعبي: \"وقدِمَ علقمة من الشام فقال لابن مسعود: إِنّ إِخوانك بالشام يُكبّرون على جنائزهم خمسًا، فلو وقّتّم (١) لنا وقتًا نُتابعكم عليه! فأطرق عبد الله ساعة ثمّ قال: انظروا جنائزكم، فكبّروا عليها ما كبّر أئمّتكم، لا وقت ولا عدد\" (٢).\nالثاني: عن عَبْدِ خَيْرٍ قال: \"كان عليّ -﵁- يُكبّر على أهل بدر سِتًّا، وعلى أصحابِ النّبيّ - ﷺ - خمسًا، وعلى سائر الناس أربعا\" (٣).\nالثالث: عن موسى بن عبد الله بن يزيد: \"أنّ عليًّا صلّى على أبي قتادة، فكبّر عليه سبعًا، وكان بدْريًّا\" (٤).\n_________\n(١) قال شيخنا -﵀- في التعليق: \"أي: حدّدتم لنا عددًا مخصوصًا، كما يُستفاد من \"النهاية\". وعليه فقوله في آخر الأثر: \"ولا عدد\"، تفسير وبيان لقوله: \"لا وقت\".\n(٢) أخرجه ابن حزم في \"المحلّى\" بهذا التمام، وقال: \"وهذا إِسناد غاية في الصحة.\nقال شيخنا -﵀-: \"وقد أخرج منه قصةَ علي -﵁-: أبو داود في \"مسائله\" عن الإِمام أحمد، والطحاوى، والحاكم، والبيهقي. وسندهم صحيح على شرط الشيخين، وهي عند البخاري في \"المغازي\" (٧/ ٢٥٣) دون قوله: ستًّا ... \".\n(٣) أخرجه الطحاوي، والدارقطني ومن طريقه البيهقي. وسنده صحيح رجاله ثقات كلهم، وانظر \"أحكام الجنائز\" (ص ١٤٤).\n(٤) أخرجه الطحاوي، والبيهقي بسند صحيح على شرط مسلم، وانظر \"أحكام الجنائز\" (ص ١٤٤) للمزيد من الفوائد الحديثية.","vol":"4","page":135},{"text":"قال شيخنا -﵀-: \"فهذه آثار صحيحة عن الصحابة، تدلّ على أن العمل بالخمس والستّ تكبيرات استمر إِلى ما بعد النّبيّ - ﷺ -؛ خلافًا لمن ادّعى الإِجماع على الأربع فقط! وقد حقق القولَ في بطلان هذه الدعوى ابن حزم في \"المحلى\" (٥/ ١٢٤ - ١٢٥) \".\nوأما التسع؛ فلحديث عبد الله بن الزبير: \"أنّ النّبيّ - ﷺ - صلّى على حمزة، فكّبّر عليه تسع تكبيرات ... \" (١).\nقال شيخنا -﵀- (ص ١٤٥): \"وهذا العدد هو أكثر ما وقفنا عليه في التكبير على الجنازة، فيوقف عنده ولا يُزاد عليه، وله أن ينقص منه إِلى الأربع وهو أقل ما ورد.\nقال ابن القيم -رحمه الله تعالى- في \"زاد المعاد\" -بعد أن ذكر بعض ما أوردنا من الآثار والأخبار-: \"وهذه آثار صحيحة، فلا مُوجِبَ للمنع منها، والنّبيّ - ﷺ - لم يمنع ممّا زاد على الأربع، بل فعله هو وأصحابه من بعده ... \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1063>هل يرفع يديه بعد التكبيرة الأولى</span>؟\nويُشرع له أن يرفع يديه في التكبيرة الأولى، فعن أبي هريرة -﵁-: أنّ رسول الله - ﷺ - كبّر على جنازة، فرفع يديه في أوّل تكبيرة، ووضع اليمنى على اليسرى\" (٢).\n_________\n(١) أخرجه الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\"، وإسناده حسن، وانظر \"أحكام الجنائز\" (ص ١٠٦)، وتقدّم.\n(٢) أخرجه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٨٥٩) وغيره.","vol":"4","page":136},{"text":"وفي \"المجموع\" للنووي (٥/ ٢٣٢): \"قال ابن المنذر في كتابيه \"الإِشراف\" و\"الإِجماع\": أجمعوا على أنّه يرفع في أول تكبيرة، واختلفوا في سائرها\".\nقال شيخنا -﵀- (ص ١٤٨): \"ولم نجد في السّنّة ما يدلُّ على مشروعية الرفع في غير التكبيرة الأولى؛ فلا نرى مشروعية ذلك، وهو مذهب الحنفية وغيرهم، واختاره الشوكاني وغيره من المحقّقين.\nوإليه ذهب ابن حزم فقال (٥/ ١٢٨): \"وأمّا رفع الأيدي؛ فإِنّه لم يأتِ عن النّبيّ - ﷺ - أنّه رفع في شيء من تكبيرة الجنازة إِلا في أول تكبيرة فقط، فلا يجوز فعل ذلك؛ لأنّه عمل في الصلاة لم يأْتِ به نص، وإنما جاء عنه -﵇- أنّه كبّر ورفع يديه في كُلِّ خفض ورفع، وليس فيها رفع وخفض.\nوالعجب من قول أبي حنيفة برفع الأيدي في كُلّ تكبيرة في صلاة الجنازة، ولم يأت قطُّ عن النّبيّ - ﷺ -، ومنعه من رفع الأيدي في كلّ خفض ورفع في سائر الصلوات، وقد صح عن النّبيّ - ﷺ -\" ... \" انتهى.\nوجاء في \"المحلّى\" كذلك (٥/ ٢٦٠ - مسألة: ٦١٩) -بحذف-: \"ولا ترفع اليدان في الصلاة على الجنازة إِلا في أول تكبيرة فقط؛ لأنّه لم يأت برفع الأيدي فيما عدا ذلك نص.\nوصحّ عن ابن عمر رفع الأيدي لكل تكبيرة، ولقد كان يلزم من قال بالقياس أن يرفعها في كل تكبيرة قياسًا على التكبيرة الأولى\".\nقال شيخنا -﵀-: \"نعم؛ روى البيهقي (٤/ ٤٤) بسند صحيح عن ابن عمر: أنّه كان يرفع يديه على كل تكبيرة من تكبيرات الجنازة. فمن كان","vol":"4","page":137},{"text":"يظنُّ أنه لا يفعل ذلك إِلا بتوقيف من النّبيّ - ﷺ -؛ فله أن يرفع، وقد ذكر السَّرَخْسِي عن ابن عمر خلاف هذا، وذلك ممّا لا نعرف له أصلًا في كتب الحديث\" انتهى.\nقلت: وهو أحد أقوال الإِمام مالك -﵀-؛ كما روى ابن القاسم عنه (١).\nوبه يقول الشوكاني كما أشار شيخنا -رحمهما الله- فقد قال في \"نيل الأوطار\" (٤/ ١٠٥): \" .. والحاصل أنّه لم يثبت في غير التكبيرة الأولى شيء يصلح للاحتجاج به عن النّبيّ- صلّى الله عليه واممه وسلم- وأفعال الصحابة وأقوالهم لا حجة فيها (٢)؛ فينبغي أن يقتصر على الرفع عند تكبيرة الإِحرام؛ لأنه لم يشرع في غيرها إِلا عند الانتقال من ركن إِلى ركن كما في سائر الصلوات، ولا انتقال في صلاة الجنازة\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1064>أين وكيف يضع يَدَيْهِ</span>؟\nثمّ يضع يده اليمنى على ظهر كفّه اليُسرى والرُّسغ والساعد، ثمّ يشد بهما على صدره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1065>عدم مشروعية دعاء الاستفتاح:</span>\nوليس في صلاة الجنازة دعاء استفتاح لعدم ورود ذلك عن النّبيّ - ﷺ -.\n_________\n(١) انظر \"المنتقى شرح موطأ مالك\" (٢/ ٤٧٢).\n(٢) يعني: في هذا الموضع، وإلا فهناك تفصيل حول أفعال وأقوال الصحابة -﵃- متى تكون حُجّة ومتى لا تكون.","vol":"4","page":138},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1066>قراءة الفاتحة وسورة عقب التكبيرة الأولى:</span>\nثمّ يقرأ عقب التكبيرة الأولى فاتحة الكتاب وسورة؛ لحديث طلحة بن عبد الله بن عوف قال: \"صليّت خلف ابن عباس -﵄- على جنازة، فقرأ بفاتحة الكتاب [وسورة، وجهر حتى أسمَعَنا، فلمّا فرغ أخذْتُ بيده، فسألته؟ فـ] قال: [إِنما جهرت] ليعلموا أنّها سنة [وحقّ] \" (١).\nوجاء في \"الروضة الندية\" (١/ ٤١٩): \"والحاصل: أن الموطن موطن دعاء لا موطن قراءة قرآن، فيتوجه الاقتصار على ما ورد وهو الفاتحة وسورة، ويكون ذلك بعد التكبيرة الأولى، ويشتغل فيما بعدها بمحض الدعاء\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1067>الإِسرار في القراءة:</span>\nويقرأُ سرًّا؛ لحديث أبي أُمامة بن سهل قال: \"السنة في الصلاة على الجنازة: أن يقرأ في التكبيرة الأولى بأمّ القرآن مخافتةً، ثمّ يكبّر ثلاثًا، والتسليم عند الآخرة\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1068>الصلاة على النّبيّ - ﷺ - بعد التكبيرة الثانية:</span>\nثمّ يكبّر التكبيرة الثانية، ويُصلّي على النّبيّ - ﷺ -.\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٣٣٥ وأبو داود، والنسائي، والترمذي، وابن الجارود في \"المنتقى\"، والدارقطني، والحاكم، وانظر لتخريج الزيادات \"أحكام الجنائز\" (ص ١٥١).\n(٢) أخرجه النسائي \"صحيح سنن النسائي\" (١٨٨٠) وغيره، وتقدّم.","vol":"4","page":139},{"text":"فعن أبي أُمامة أنه أخبره رجل من أصحاب النّبيّ - ﷺ -: أنّ السنّة في الصلاة على الجنازة أن يُكبّر الإِمام، ثمّ يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سرًّا في نفسه، ثمّ يُصلّي على النّبيّ - ﷺ -، ويُخلص الدعاء للجنازة في التكبيرات (الثلاث)، لا يقرأ في شيء منهنّ، ثمّ يُسلّم سرًّا في نفسه [حين ينصرف [عن يمينه]، والسنّة أن يفعل من وراءه مثلما فعَل إِمامه] \" (١).\nقال شيخنا -﵀-: \"وأما صيغة الصلاة على النّبيّ - ﷺ - في الجنازة؛ فلم أقف عليها في شيء من الأحاديث الصحيحة، فالظاهر أنّ الجنازة ليس لها صيغة خاصة، بل يُؤتى فيها بصيغة من الصيغ الثابتة في التشهد في المكتوبة\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1069>يأتي ببقية التكبيرات ويخلص الدعاء للميت</span>؛\nثمّ يأتي ببقية التكبيرات، ويخلص الدعاء فيها للميت، لحديث أبى أُمامة المتقدّم، وقوله - ﷺ -: \"إِذا صليتم على الميت؛ فأخلصوا له الدعاء\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1070>الدعاء بالثابت عن النّبيّ - ﷺ - من الأدعية:</span>\nويدعو فيها بما ثبت عنه - ﷺ - من الأدعية، وفي ذلك أحاديث:\nالأول: عن عوف بن مالك قال: صلّى رسول الله - ﷺ - على جنازة، فحفظتُ من دعائه وهو يقول: \"اللهم اغفر له وارحمه، وعافِهِ واعفُ عنه، وأكرِم نُزُلَهُ\n_________\n(١) أخرجه الشافعي في \"الأم\"، والحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، وشيخنا في \"أحكام الجنائز\" (ص ١٥٥).\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٧٤٠)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٢١٦) وغيرهما.","vol":"4","page":140},{"text":"ووسِّعْ مُدْخَلَهُ، واغسله بالماء والثلجِ والبَرَدِ، ونقِّه من الخطايا كما نقَّيْتَ الثوب الأبيض من الدنس وأَبدِلْه دارًا خيرًا من داره، وأهلًا خيرًا من أهله، وزوجًا خيرًا من زوجه، وأَدخِله الجنة، وأَعذه من عذاب القبر (أو من عذاب النّار).\nقال: حتى تمنيت أن أكون أنا ذلك الميت\" (١).\nالثاني: عن أبي هريرة -﵁- قال: كان رسول الله - ﷺ - إِذا صلّى على جنازة يقول: \"اللهم اغفر لحيّنا وميّتنا، وشاهِدِنا وغَائبِنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، اللهم من أحييتَه منّا فأحْيهِ على الإِسلام، ومن توفّيته منّا فتوفَّه على الإِيمان، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تُضِلَّنا بعده\" (٢).\nالثالث: عن واثلة بن الأسقع قال: \"صلّى بنا رسول الله - ﷺ - على رجل من المسلمين، فسمعته يقول: \"اللهمّ إِنّ فلان بن فلان، في ذمّتك، فَقِهِ فِتنة القبر - قال عبد الرحمن: في ذمتك وحَبْلِ جوارك فَقِهِ من فتنة القبر- وعذاب النّار، وأنت أهل الوفاء والحمد، اللهم فاغفر له وارحمه، إِنّك أنت الغفور الرحيم\" (٣).\nالرابع: عن يزيد بن رُكانة بن المطَّلب قال: كان رسول الله - ﷺ - إِذا قام للجنازة ليُصلّي عليها قال: \"اللهم عبدُك وابنُ أَمَتِكِ، احتاج إِلى رحمتك،\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ٩٦٣.\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٧٤١)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٨١٧)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٢١٧).\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٧٤٢)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٢١٨)، وغيرهما.","vol":"4","page":141},{"text":"وأنت غني عن عذابه، إِن كان مُحسنًا فزد في حسناته، وإن كان مُسيئًا فتجاوز عنه [ثمّ يدعو ما شاء الله أن يدعو] \" (١).\nقال شيخنا -﵀-: \"إِيثار ما تقدّم من أدعيته - ﷺ - على ما استحسنه بعض الناس: ممّا لا ينبغي أن يتردّد فيه مسلم؛ فإِنّ خير الهدى هدى محمد - ﷺ -! ولذلك قال الشوكاني (٤/ ٥٥): \"واعلم أنّه قد وقع في كتب الفقه ذِكر أدعيةٍ غير المأثورة عنه - ﷺ -؛ والتمسك بالثابت عنه أولى\".\nقلت [أي: شيخنا -رحمه الله تعالى-]: \"بل أعتقد أنّه واجب على من كان على علم بما ورد عنه - ﷺ -، فالعدولُ عنه حينئذٍ يُخشى أن يحقّ فيه قول الله -﵎-: ﴿أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير﴾؟! \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1071>بماذا يُدعى للطّفل</span>؟\nقال الحسن: \"يقرأ على الطفل بفاتحة الكتاب ويقول: اللهم اجعله لنا فرطًا (٢) وسلفًا (٣) وأجرًا\" (٤).\n_________\n(١) أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" -بالزيادة- والحاكم وقال: \"إِسناده صحيح\".\n(٢) فَرَطًا: أي: أجرًا يتقدّمنا. \"النهاية\".\n(٣) قال في \"النهاية\": \"قيل هو من سَلَف المال، كأنّه قد أسلَفَه، وجعله ثمنًا للأجر والثواب الذى يُجازى على الصبر عليه، وقيل: سَلَفُ الإِنسان مَن تقدَّمه بالموت من آبائه وذوي قرابته، ولهذا سُمّي الصدر الأول من التابعين السلف الصالح\".\n(٤) رواه البخاري معلقًا (كتاب الجنائز) (باب - ٦٥) ووصله عبد الوهاب بن عطاء في \"كتاب الجنائز\" بإِسناد صحيح عنه، وانظر \"مختصر البخاري\" (١/ ٣١٤) لشيخنا -﵀-.","vol":"4","page":142},{"text":"وقال شيخنا -﵀- (ص١٦٠): \"قال الشوكاني في \"نيل الأوطار\" (٤/ ٥٥): \"إِذا كان المُصلَّى عليه طفلًا؛ استُحبّ أن يقول المصلي: اللهم اجعله لنا سلفًا وفَرَطًا وأجرًا\". روى ذلك البيهقيُّ من حديث أبي هريرة، وروى مثله سفيان في \"جامعه\" عن الحسن.\nقلت [أي: شيخنا -﵀-]: حديث أبي هريرة عند البيهقي إِسناده حسن، ولا بأس في العمل به في مثل هذا الموضع -وإِن كان موقوفًا- إِذا لم يُتّخذ سُنّة، بحيث يؤدي ذلك إِلى الظنّ أنه عن النّبيّ - ﷺ -. والذي أختاره: أن يدعو في الصلاة على الطفل بالنوع (الثاني) [اللهم اغفر لحيّنا وميّتنا]؛ لقوله فيه: \"وصغيرنا .. اللهمّ لا تحرمنا أجره، ولا تُضِلَّنا بعده\" ... \".\nوالدُّعاء بين التكبيرة الأخيرة والتسليم مشروع؛ لحديث أبي يعفور عن عبد الله بن أبي أوفى -﵁- قال: \"شهدته وكبر على جنازة أربعًا، ثمّ قام ساعةً -يعني- يدعو، ثمّ قال: أَتَرَوْنِي كنت أكبِّر خمسًا؟ قالوا: لا. قال: إِنّ رسول الله - ﷺ - كان يُكبّر أربعًا\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1072>كم تسليمةً يسلّم الإِمام</span>؟\nثمّ يسلّم تسليمتين مثل تسليمه في الصلاة المكتوبة؛ إِحداهما عن يمينه والأخرى عن يساره.\nفعن عبد الله بن مسعود -﵁- قال: \"ثلاث خلالٍ كان رسول الله - ﷺ - يفعلُهُنّ -تركهُنّ الناس-: إِحداهنّ التسليم على الجنازة مثل التسليم في\n_________\n(١) أخرجه البيهقي بسندٍ صحيح.","vol":"4","page":143},{"text":"الصلاة\" (١).\nقال شيخنا -﵀-: \"وقد ثبت في \"صحيح مسلم\" (٢) وغيره عن ابن مسعود: أنّ النّبيّ - ﷺ - كان يسلّم تسليمتين في الصلاة.\nفهذا يُبيّن أنّ المراد بقوله في الحديث الأول: مثل التسليم في الصلاة؛ أي: التسليمتين المعهودتين\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1073>جواز الاقتصار على التسليمة الأولى:</span>\nويجوز الاقتصار على التسليمة الأولى فقط.\nفعن أبي هريرة -﵁-: \"أنّ رسول الله - ﷺ - صلّى على جنازة، فكبّر عليها أربعًا، وسلّم تسليمة واحدة\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1074>الإِسرار في التسليم وإِسماع من يليه:</span>\nوالسّنة أن يُسلّم في الجنازة سرًّا: الإِمام ومن وراءه في ذلك سواءٌ.\nفعن أبي أُمامة: \"أنّه أخبرَه رجل من أصحاب النّبيّ - ﷺ - .. وفيه: .. ثمّ يسلّم سرًّا في نفسه حين ينصرف\" (٤)، والسّنة أن يفعل من وراءه مثلما فعل\n_________\n(١) أخرجه البيهقي بإِسناد حسن، وقال النووي: \"إِسناده جيد\".\n(٢) برقم: ٥٨٢.\n(٣) أخرجه الدارقطني، والحاكم، وقال شيخنا -﵀- في \"أحكام الجنائز\" (ص ١٦٣): \"وإسناده حسن، كما بينته في \"التعليقات الجياد\".\n(٤) أخرجه الشافعي في \"الأم\" وغيره، وصحّحه شيخنا -﵀- (ص ١٥٥)، وتقدّم.","vol":"4","page":144},{"text":"إِمامه\" (١).\nوله شاهد موقوف عن ابن عباس -﵄-: أنّه: \"كان يسلّم في الجنازة تسليمة خفيّة\" (٢).\nوعن عبد الله بن عمر: أنّه \"كان إِذا صلّى على الجنائز؛ يسلم حتى يُسمع من يليه\" (٣).\nوعن عقبة بن عامر الجُهَنِيِّ قال: \"ثلاث ساعاتٍ كان رسول الله - ﷺ - ينْهانا أنْ نصلّيَ فيهنّ، أو أنْ نقبر فيهنّ موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تَضَّيَّفُ الشمس للغروب حتى تغرب\" (٤).\nوزاد البيهقي: \"قال: قلت لعقبة: أَيُدْفَنُ بالليل؟ قال: نعم؟ قد دُفن أبو بكر بالليل\" (٥).\nقال شيخنا -رحمه الله تعالى- (ص١٦٥): \"الحديث -بعمومه- يشمل الصلاة على الجنازة، وهو الذي فهمه الصحابة، فروى مالك في \"الموطأ\"\n_________\n(١) أخرجه الشافعيّ في \"الأمّ\"، وصحّحه شيخنا -﵀- في \"أحكام الجنائز\" (ص ١٥٥)، وتقدّم.\n(٢) أخرجه البيهقي وإسناده حسن.\n(٣) أخرجه البيهقي، وإسناده صحيح.\n(٤) أخرجه مسلم: ٨٣١، وغيره، وتقدم في \"كتاب الصلاة\" من \"الموسوعة\".\n(٥) وإسناده صحيح.","vol":"4","page":145},{"text":"(١/ ٢٢٨) ومن طريقه البيهقي عن محمد بن أبي حرملة: أن زينب بنت أبي سلمة توفّيت؛ وطارقٌ أمير المدينة، فأُتي بجنازتها بعد صلاة الصبح، فوضعت بالبقيع قال: وكان طارق يغلِّس بالصبح.\nقال ابن أبي حرملة: فسمعت عبد الله ابن عمر يقول لأهلها: إِمّا أن تُصلّوا على جنازتكم الآن، وإِما أن تتركوها حتى ترتفع الشمس.\nوسنده صحيح على شرط الشيخين.\nثمّ روى مالك عن ابن عمر قال: يُصلّى على الجنارة بعد العصر وبعد الصبح إِذا صُلّيتا لوقتهما.\nوسنده صحيح أيضًا.\nوروى البيهقيُّ بسند جيد عن ابن جُريج: أخبرني زياد: أنّ عليًّا أخبره: أن جنازة وُضعت في مقبرة أهل البصرة حين اصفرّت الشمس، فلم يُصلَّ عليها حتى غربت الشمس، فأمر أبو برزة المناديَ ينادي بالصلاة، ثمّ أقامها، فتقدّم أبو برزة، فصلّى بهم المغرب؛ وفي الناس أنس بن مالك وأبو برزة من الأنصار من أصحاب النّبيّ - ﷺ -؛ ثمّ صلّوا على الجنازة\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1075>المسبوق في صلاة الجنازة:</span>\nمسبوق صلاة الجنازة كمسبوق الصلاة؛ لقوله - ﷺ -: \" .. فما أدركتم فصلّوا، وما فاتكم فأتموا\" (١).\nقال الحسن: \"إِذا انتهى إِلى الجنازة وهم يُصلّون؛ يدخل معهم\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٩٠٨، ومسلم: ٦٠٢.","vol":"4","page":146},{"text":"بتكبيرة\" (١).\nوقال ابن حزم -﵀- في \"المحلّى\" (٥/ ٢٦٣ - مسألة: ٦٢٣): \"ومن فاته بعض التكبيرات على الجنازة؛ كَبَّر ساعة يأتي، ولا ينتظر تكبيرة الإِمام، فإِذا سلم الإِمام أتم هو ما بقي من التكبير، يدعو بين تكبيرة وتكبيرة كما كان يفعل مع الإِمام؛ لقول رسول الله - ﷺ - فيمن أتى إِلى الصلاة أن يصلّي ما أدرك، ويتم ما فاته؛ وهذه صلاة\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1076>التيمُّم للصلاة على الجنازة:</span>\nقال الحسن -﵀-: \"إِذا أحدث يوم العيد أو عند الجنازة؛ يَطْلُبُ الماء ولا يتيمّم\" (٢).\nوجاء في \"مجموع الفتاوى\" (٢٣/ ١٧١): \" .. وابن عباس جوّز التيمم للجنازة عند عدم الماء. وهذا قول كثير من العلماء، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في إِحدى الروايتين، فدل على أن الطهارة تشترط لها عنده\".\nوسألت شيخنا -﵀- هل يتيمّم من خشي أن تفوته صلاة الجنازة مع الجماعة؟\nفأجاب: نعم؛ يتيمّم.\n_________\n(١) رواه البخاري معلقًا (كتاب الجنائز) (باب - ٥٦)، ووصله ابن أبي شيبة بسند صحيح، والحسن: هو البصري، وانظر \"مختصر البخاري\" (١/ ٣١٢).\n(٢) رواه البخاري معلقًا (كتاب الجنائز) (باب ٥٦).","vol":"4","page":147},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1077>الدفن وتوابعه</span>\nويجب دفن الميت -أي: مواراة جيفته- في حفرة؛ بحيث لا تنبشه السباع، ولا تخرجه السيول المعتادة، ولا خلاف في ذلك، وهو ثابت في الشريعة ثبوتًا ضروريًّا\" (١).\nوقال شيخنا -﵀- في وجوب دفنه: \" .. ولو كان كافرًا\"، وفي ذلك حديثان:\nالأول: عن جماعة من أصحاب النّبيّ - ﷺمنهم أبو طلحة الأنصاري، والسياق له-: \"أن نبي الله - ﷺ - أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلًا من صناديد قريش (٢)، فقُذفوا في طَوِيٍّ (٣) -من أطواء بدر- خبيث مُخِبث\" (٤).\nالثاني: عن علي -﵁- قال: قلت للنّبيّ - ﷺ -: إِنّ عمّك الشيخ الضال قد مات، قال: \"اذهب فوارِ أباك، ثمّ لا تحْدِثَنَّ شيئًا حتى تأتيني. فذهبت فواريته وجئته، فأمرني فاغتسلت، ودعا لي\" (٥).\n_________\n(١) انظر \"الروضة الندية\" (١/ ٤٣٩).\n(٢) صناديد قريش: هم أشرافهم وعظماؤهم ورؤساؤهم. وكل عظيم غالب: صِنديد. \"النهاية\"، وتقدّم.\n(٣) هي البئر المطوية بالحجارة. \"النووي\".\n(٤) أخرجه البخاري: ٣٩٧٦، ومسلم: ٢٨٧٥.\n(٥) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٧٥٣)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (١٨٩٥) وغيرهما، وتقدّم.","vol":"4","page":148},{"text":"قال ابن حزم -﵀- في \"المحلّى\" (٥/ ١٧٤ - مسألة: ٥٦٤): \"ودفْن الكافر الحربي وغيره فرض\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1078>إِذا ماتت المرأة وفي بطنها ولد حيّ:</span>\nإِذا ماتت امرأة حامل والولد حيّ يتحرّك؛ فإِنّه يجب إِخراجه (١)، قال الله - تعالى-: ﴿ومَن أحياها فكأنّما أحيا الناس جميعًا﴾ (٢).\nومن تركه عمدًا حتى يموت؛ فهو قاتل نفس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1079>لا يُدْفَنُ المسلم مع الكافر، ولا الكافر مع المسلم:</span>\nولا يدفن مسلم مع كافر، ولا كافر مع مسلم، بل يُدفن المسلم في مقابر المسلمين، والكافر في مقابر المشركين، كذلك كان الأمر على عهد النّبيّ - ﷺ -، واستمر إِلى عصرنا هذا. فعن بَشِيرِ ابن الخَصَاصِيَةَ؟ قال: بينما أنا أمشي مع رسول الله - ﷺ - فمرَّ على مقابر المسلمين، فقال: أدرك هؤلاء خيرًا كثيرًا، ثمّ مرّ على مقابر المشركين، فقال: سبق هؤلاء خيرًا كثيرًا، قال: فالتفت فرأى رجلًا يمشي بين المقابر في نعليه، فقال: يا صاحب السِّبتيّتين! ألْقهما\" (٣).\n_________\n(١) انظر ما قاله ابن حزم -﵀- في \"المحلّى\" (٥/ ٢٤٥ - تحت المسألة: ٦٠٧).\n(٢) المائدة: ٣٢.\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٧٦٧)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (١٩٣٥)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٢٧٤).","vol":"4","page":149},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1080>الدفن في المقبرة:</span>\nوالسّنّة الدفن في المقبرة؛ لأنّ النّبيّ - ﷺ - كان يدفن الموتى في مقبرة البقيع، كما تواترت الأخبار بذلك، وتقدّم بعضها في مناسبات شتى؛ أقربها حديث ابن الخصاصية، كما في المسألة السابقة، ولم ينقل عن أحد من السلف أنه دُفِنَ في غير المقبرة؛ إِلا ما تواتر أيضًا أن النّبيّ - ﷺ - دُفِنَ في حجرته، وذلك من خصوصياته -﵊-\".\nفعن عائشة -﵂- قالت: لما قُبض رسول الله - ﷺ - اختلفوا في دفنه، فقال أبو بكر: سمعت رسول الله - ﷺ - شيئًا ما نسيته قال: \"ما قبض الله نبيًّا إلاَّ في الموضع الذي يحبّ أن يدفن فيه\"، فدفنوه في موضع فراشه\" (١).\nوجاء في \"المغني\" (٢/ ٣٨٨): \"والدفن في مقابر المسلمين أعجب إِلى أبي عبد الله من الدفن في البيوت؛ لأنّه أقل ضررًا على الأحياء من ورثته، وأشبه بمساكن الآخرة، وأكثر للدعاء له والترحم عليه، ولم يزل الصحابة والتابعون ومن بعدهم يقبرون في الصحارى.\nفإِن قيل: فالنّبيّ - ﷺ - قبر في بيته وقبر صاحباه معه؟ قلنا: قالت عائشة: إِنما فعل ذلك لئلا يتخذ قبره مسجدًا: رواه البخاري. ولأنّ النّبيّ - ﷺ - كان يدفن أصحابه بالبقيع، وفعله أولى من فعل غيره، وإنما رأوا تخصيصه بذلك، ولأنّه روي: \"يدفن الأنبياء حيث يموتون\"، وصيانةً لهم عن كثرة الطُّرَّاق، وتمييزًا له عن غيره\".\n_________\n(١) أخرجه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٨١٢)، وابن ماجه وغيرهما.","vol":"4","page":150},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1081>يُدفن شهداء المعركة في مواطن استشهادهم:</span>\nويستثنى ممّا سبق الشهداء في المعركة؛ فإِنهم يُدفنون في مواطن استشهادهم، ولا يُنقلون إِلى المقابر.\nفعن جابر -﵁- قال: \"خرج رسول الله - ﷺ - من المدينة إِلى المشركين ليُقاتلهم، وقال أبي -عبد الله-: يا جابر بن عبد الله! لا عليك أن تكون في نَِظاري أهل المدينة حتى تعْلَم إِلى ما يصير أمرنا؛ فإِنّي والله -لولا أنّي أترك بناتٍ لي بعدي؛ لأحببتُ أن تُقتل بين يديّ، قال: فبينما أنا في النِّظارين إِذ جاءت عمتي بأبي وخالي عَادِلَتَهُما (١) على ناضح، فدخلتْ بهما المدينة لتدفنهما في مقابرنا؛ إِذ لحِقَ رجل ينادي: ألا إِنّ رسول الله - ﷺ - يأمركم أنْ تَرْجِعُوا بالقتلى فتدفنوها في مصارعها حيث قُتلت، فرجعنا بهما، فدفنّاهما حيث قُتلا\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1082>الأوقات التي لا يجوز فيها الدفن:</span>\nولا يجوز الدفن في الأوقات الثلاثة الآتية أو الليل؛ إِلا لضرورة:\nأ- أمّا الدفن في الأوقات الثلاثة المشار إِليها؛ فلحديث عقبة بن عامر بلفظ: \"ثلاثُ ساعاتٍ كان رسول الله - ﷺ - ينهانا أن نصلّي فيهن، أو أن نقبر فيهنّ موتانا: حين تطلع الشمس بازغةً حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى\n_________\n(١) \"أي: شادَّتهما على جنْبَي البعير كالعِدْلين\". \"النهاية\".\n(٢) أخرجه أحمد بسند صحيح، وبعضه عند أبي داود وغيره مختصرًا، وتقدّم.","vol":"4","page":151},{"text":"تميل الشمس، وحين تَضَّيَّفُ الشمس للغروب حتى تغرب\" (١).\nقال شيخنا -﵀-: \"والحديث ظاهر الدلالة على ما ذكرنا، وقد ذهب إِلى ذلك ابن حزم في \"المحلّى\" (٥/ ١١٤ - ١١٥) وغيره من العلماء\".\nب- وأمّا النهي عن الدفن في الليل؛ فلحديث جابر بن عبد الله: \"أنّ النّبيّ - ﷺ - خطب يومًا، فذكر رجلًا من أصحابه قبض، فكُفّنَ في كفنٍ غير طائل (٢) وقُبر ليلًا، فزجر النّبيّ - ﷺ - أنْ يُقبر الرّجل بالليل حتى يُصَلِّى عليه (٣)؛، إِلا أن يُضطرّ إِنسان إِلى ذلك، وقال النّبيّ - ﷺ -: إِذا كفّن أحدكم أخاه؛ فليُحسّن كفَنُه\" (٤).\nقال شيخنا -﵀- (ص ١٧٧): \"والحديث ظاهر الدلالة على ما ذكرنا، وهو مذهب أحمد -﵀- في رواية عنه، ذَكَرها في \"الإِنصاف\" (٢/ ٥٤٧)، قال: \"لا يفعله إِلا لضرورة، وفي أخرى عنه: يُكْرَه\".\nقلت [أي: شيخنا -﵀-]: والأوّل أقرب؛ لظاهر قوله: (زجر)؛ فإِنّه أبلغ في النهي من لفظ: (نهى) الذي يمكن حمْله على الكراهة، على أنّ الأصل فيه التحريم، ولا صارف له إِلى الكراهة.\nوقال -﵀- في الصفحة نفسها: .. فإِنْ جاز ليلًا لضرورةٍ جاز نهارًا\n_________\n(١) تقدّم تخريجه.\n(٢) غير طائل؛ أي: حقير غير كامل الستر. \"شرح النووي\".\n(٣) أي: يصلّى عليه نهارًا؛ لكثرة الجماعة، كما قال شيخنا -﵀- في \"أحكام الجنائز\" (ص ١٧٨).\n(٤) أخرجه مسلم: ٩٤٣، وتقدّم.","vol":"4","page":152},{"text":"من أجلها ولا فرق، فما فائدة التقييد بـ (الليل) حينئذ؟ لا شكّ أنّ الفائدة لا تظهر بصورة قويّةٍ إِلا إِذا رجّحنا ما استظهرناه أولًا من عدم جواز الدفن ليلًا.\nوبيان ذلك: أنّ الدفن في الليل مَظِنَّةٌ قلّة المُصلّين على الميت، فنهى عن الدفن ليلًا حتى يُصلّى عليه نهارًا؛ لأنّ الناس في النهار أنشط في الصلاة عليه، وبذلك تحصل الكثرة من المصلّين عليه، هذه الكثرة التي هي من مقاصد الشريعة، وأرجى لقبول شفاعتهم في الميت\" انتهى.\nقلت: أمّا إِذا خِيف تغيُّر الميت؛ فإِنّه يُدفن في الأوقات التي تقدّم النهي عنها؛ كما ذكَر أهل العلم.\nوسألتُ شيخنا -﵀-: إِذا خيف تغيّر الميت؛ فهل ترون دفنْه في الأوقات المنهيّ عنها للضرورة؛ رعاية لحرمته وعدم إِيذاء حامله؟\nفأجاب: \"نعم؛ إِذا غَلَب الظنّ على ذلك\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1083>جواز الدفن ليلًا عند الاضطرار</span>\nفإِن اضطُرُّوا لدفنه ليلًا؛ جاز ولو مع استعمال المصباح والنّزول به في القبر، لتسهيل عملية الدفن.\nفعن ابن عباس -﵄-: \"أنّ رسول الله - ﷺ - أدخل رجلًا قبره ليلًا، وأسْرَج في قبره\" (١).\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٢٣٤)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (١٧٨).","vol":"4","page":153},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1084>وجوب تعميق القبر وتوسيعه:</span>\nويجب إِعماق القبر وتوسيعه وتحسينه؛ وفيه حديثان:\nالأوّل: عن هشام بن عامر قال: جاءت الأنصار إِلى رسول الله - ﷺ - يوم أُحد؛ فقالوا: أصابنا قَرْحٌ وجَهْد، فكيف تأمرنا؟ قال: \"احفروا وأوسعوا، واجعلوا الرجلين والثلاثة في القبر. قيل: فأيُّهم يُقدّم؟ قال: أكثرهم قرآنًا\" (١).\nالثاني: عن رجل من الأنصار قال: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - في جنازة، فرأيت رسول الله - ﷺ - وهو على القبر يوصي الحافر: \"أوسع من قِبَل رجليه، أوسِعْ من قِبَل رأسه\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1085>تفضيل اللحد على الشقّ:</span>\nويجوز في القبر اللحد (٣) والشقّ (٤)؛ لجَرَيان العمل عليهما في عهد النّبيّ - ﷺ -، ولكنّ الأوّل أفضل.\nفعن أنس بن مالك -﵁- قال: \"لما توفي النّبيّ - ﷺ -؛ كان بالمدينة\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٧٥٤)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (١٨٩٩)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (١٤٠٠)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٢٦٦).\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٨٥٠) وغيره.\n(٣) اللحد: الشقُّ الذي يُعمل في جانب القبر لموضع الميّت؛ لأنّه قد أُميل عن وسط القبر إِلى جانبه، وأصل الإِلحاد: الميل والعدول عن الشيء\". \"النهاية\" ملتقطًا.\n(٤) هو الحفر إِلى أسفل كالنّهر.","vol":"4","page":154},{"text":"رجل يَلْحد وآخر يَضْرح (١)، فقالوا: نستخير ونبعث إِليهما، فأيُّهما سُبِق تركناه، فأرسل إِليهما، فسبق صاحب اللحد؛ فلحدوا للنّبيّ - ﷺ -\" (٢).\nوعن عامر بن سعد بن أبي وقاص: أن سعد بن أبي وقاص قال في مرضه الذي هلك فيه: \"الحَدوا لي لحْدًا، وانصِبُوا عليّ اللّبِنَ نَصْبًا، كما صُنع برسول الله - ﷺ -\" (٣).\nوعن ابن عباس -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"اللّحْدُ لنا، والشِّقُّ لغيرنا\" (٤).\nجاء في \"الروضة الندية\" (١/ ٤٣٩): \"ولا بأس بالضَّرح؛ واللحد أولى؛ لأنّ اللحد أقرب من إِكرام الميت. وإهالةُ التراب على وجهه من غير ضرورة سوءُ أدب\".\nوجاء في \"الأوسط\" (٥/ ٤٥١): \"وكان الشافعيّ يقول: \"إِذا كانوا بأرضٍ شديدة؛ لُحِد لهم، وإن كانوا ببلادٍ رقيقة؛ شُقّ لهم شقًّا\".\nقال ابن المنذر -﵀-: \"الذي قال الشافعي حسن\".\n_________\n(١) أي: يعمل الضريح وهو القبر، فعيل بمعنى (مفعول)، من (الضرح): الشقّ في الأرض. \"النهاية\".\n(٢) أخرجه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٢٦٤) وغيره.\n(٣) أخرجه مسلم: ٩٦٦.\n(٤) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٧٤٧)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (١٨٩٨)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٨٣٥)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٢٦١).","vol":"4","page":155},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1086>في الحفّار يجد العظم؛ هل يتنكّب ذلك المكان </span>(١)؟\nإِذا وجد الحفّار العظم؛ فيجب عليه أن يتنكبّ مكانه؛ لقوله - ﷺ -: \"إِنّ كَسْرَ عظم المؤمن مَيْتًا؛ مِثل كسْره حيًّا\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1087>جواز دفن أكثر من واحد في القبر عند الضرورة:</span>\nولا بأس مِن أن يُدفَن فيه اثنان أو أكثر عند الضرورة، ويقدّم أفضلهم، وهدي السلف الذي جرى عليه العمل أن يدفن كل واحد في قبر، فإِنْ دفن أكثر من واحد كره ذلك؛ إِلا إِذا تعسر إِفراد كل ميت بقبر -لكثرة الموتى وقلّة الدافنين أو ضعفهم- فإِنه في هذه الحالة يجوز دفن أكثر من واحد في قبر واحد.\nفعن هشام بن عامر قال: جاءت الأنصار إِلى رسول الله - ﷺ - يوم أُحُدٍ فقالوا: أصابنا قرح وجهد، فكيف تأمرنا؟ قال: احفروا وأوسعوا، واجعلوا الرجلين والثلاثة في القبر قيل: فأيُّهم يُقدّم؟ قال: أكثرهم قرآنًا\" (٣).\nوعن جابر بن عبد الله -﵄-: \"أنّ رسول الله - ﷺ - كان يجمع\n_________\n(١) هذا العنوان من \"سنن أبي داود\".\n(٢) أخرجه البخاري في \"التاريخ\" وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٧٤٦)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٣١٠) وغيرهم.\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٧٥٤) والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (١٨٩٩)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (١٤٠٠)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٢٦٦)، وتقدّم غير بعيد.","vol":"4","page":156},{"text":"بين الرجلين من قتلى أُحد في ثوب واحدٍ ثمّ يقول: أيُّهم أكثر أخذًا للقرآن؟ فإِذا أشير له إِلى أحد قدّمه في اللحد، وقال: أنا شهيدٌ على هؤلاء يوم القيامة، وأمر بدفنهم بدمائهم، ولم يُصلِّ عليهم، ولم يُغسَّلوا\" (١).\nوعن أبي قتادة: أنه حضر ذلك، قال: \"أتى عمرو بن الجَمُوح إِلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله! أرأيت إِنْ قُتلت في سبيل الله حتى أقتل؛ أمشي برجلي هذه صحيحة في الجنة؟! وكانت رجله عرجاء، فقال رسول الله - ﷺ -: نعم.\nفقتلوا يوم أُحد؛ هو وابن أخيه ومولى لهم، فمرّ عليه رسول الله - ﷺ - فقال: كأنّي أنظر إليك تمشي برجلك هذه صحيحةً في الجنّة؛ فأمر رسول الله - ﷺ - بهما وبمولاهما، فجعلوا في قبر واحد\" (٢).\nقال شيخنا -﵀-: \"قال الشافعي في \"الأم\" (١/ ٢٤٥): \"ويدفن - في موضع الضرورة من الضيق والعجلة- الميتان والثلاثة في القبر، ويكون الذي للقبلة منهم أفضلَهم وأسنّهم، ولا أحب أن تدفن المرأة مع الرجل على حال، وإن كانت ضرورة ولا سبيل إِلى غيرها؛ كان الرجل أمامها وهي خلفه، ويُجعل بين الرجل والمرأة في القبر حاجز من تراب\" ... \".\nفائدة: سألت شيخنا -﵀- عن دفْن الرجل مع المرأة؟ فقال: \"إِذا فنيت\".\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٤٠٧٩.\n(٢) أخرجه أحمد بسند حسن، كما قال الحافظ.","vol":"4","page":157},{"text":"وسألته: هل يستثنى الزوجان؟ فقال -﵀-: \"نعم\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1088>بِدْعِيَّةُ الدفن الجماعي:</span>\nوما تقدّم من قول -حول جواز دفن الاثنين والثلاثة في قبر للحال المعروف- من باب رفْع الحرَج، وما يفعله كثير من الناس اليوم من الدفن الجماعي لعائلات معيّنة أو أُسَر محدّدة- وفيما يسمى في بعض البلاد (الفُسْتُقِيّة) (١) -فإِنه مخالِفٌ للسّنّة ومنهج سلف الأمّة.\nجاء في \"الإِرواء\" (تحت حديث ٧٤٩) بتصرّف يسير: حديث: \"أنّ النّبيّ - ﷺ - كان يدفِن كل ميت في قبر\".\nلا أعرفه، وإنْ كان معناه صحيحًا معلومًا بالتتبع والاستقراء، والمؤلف أخَذ ذلك من قول الرافعي: \"الاختيار أن يدفن كل ميت في قبر، كذلك فعَل - ﷺ -.\nفقال الحافظ في \"تخريجه\" (١٦٧): \"لم أره هكذا، لكنه معروف بالاستقراء\".\nوممّا يدل لصحة معناه: حديث هشام بن عامر [المتقدّم]: \"لمّا كان يوم أُحد؛ شكَوا إِلى رسول الله - ﷺ - القرح .. قال: \" .. وادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر\".\nالحديث [المتقدّم أيضًا]: \"أنّ النّبيّ - ﷺ - لما كثر القتلى يوم أحد؛ كان\n_________\n(١) لم أجد هذه الكلمة في معاجم اللغة، وأقرب شيء وجَدُته كلمة (الفَسقِيّة) في \"المعجم الوسيط\": \"حوض من الرخام ونحوه؛ مستدير غالبًا، تمجّ الماء فيه نافورة، ويكون في القصور والحدائق والميادين ورمْز لها بـ (د)؛ أي: لفظ دخيل ليس عربيًا\".","vol":"4","page":158},{"text":"يجمع بين الرجلين في القبر الواحد ... \".\nوسألت شيخنا -﵀- عن ذلك- أي: الدفن بما يسمّى \"الفستقيّة\"-؟ فقال: \"عادة فرعونية\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1089>الرجال هم الذين يتولّون إِنزال الميت:</span>\nويتولى إِنزالَ الميت -ولو كان أنثى- الرجالُ دون النساء؛ لأنّه المعهود في عهد النّبيّ - ﷺ -، وجرى عليه عمل المسلمين حتّى اليوم.\nعن عبد الرحمن بن أَبْزَى قال: \"صلّيت مع عمر بن الخطاب على زينب بنت جحش بالمدينة، فكبّر أربعًا، ثمّ أرسل إِلى أزواج النّبيّ - ﷺ -: من يأمرن أن يُدخلها القبر؟\nقال: وكان يُعجبه أن يكون هو الذي يلي ذلك، فأرسلْن إِليه: انظر من كان يراها في حال حياتها؛ فليكن هو الذي يُدخلها القبر، فقال عمر: صدقتُنّ\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1090>يجوز للزوج أن يتولى بنفسه دفْن زوجته:</span>\nويجوز للزوج أن يتولى بنفسه دفن زوجته.\nفعن عائشة -﵂- قالت: \"دخل عَلَيّ رسول الله - ﷺ - في اليوم\nالذي بُدئ فيه، فقلت: وارأساه! فقال: ودِدْتُ أنّ ذلك كان وأنا حيٌّ، فهيأتُك ودفنتك! قالت: فقلت -غَيْرَى-: كأنّي بك في ذلك اليوم عروسًا ببعض نسائك!\n_________\n(١) أخرجه الطحاوي، وابن سعد، والبيهقي بسند صحيح.","vol":"4","page":159},{"text":"قال: وأنا وارأساه! ادْعي لي أباك وأخاك. حتى أكتب لأبي بكر كتابًا؛ فإِنّي أخاف أن يقول قائل، ويتمنى متمنّ: أنا أولى! ويأبى الله -﷿- والمؤمنون إلاَّ أبا بكر\" (١).\nقال شيخنا -﵀- (ص ١٨٨): \"وقد ذهب إِلى جواز دفن الرجل لزوجته الشافعيةُ، بل قالوا: إِنه أحقُّ بذلك من أوليائها الذين ذكرنا، وعكَس ذلك ابن حزم، فجعله بعدهم في الأحقّية، ولعله الأقرب؛ لما سبق من عموم الآية\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1091>لا يجوز لمن وطئ أهله تلك الليلة أن يتولّى الدفن:</span>\nلكنّ ذلك مشروط بما إِذا كان لم يطأ تلك الليلة؛ وإلاَّ لم يشرع له دفنها، وكان غيره هو الأولى بدفنها -ولو أجنبيًّا- بالشّرط المذكور.\nفعن أنس -﵁- قال: \"شهدنا بنت رسول الله - ﷺورسول الله - ﷺ - جالس على القبر- فرأيت عينيه تدمعان، فقال: هل فيكم من أحد لم يُقارف (٢) الليلة؟ فقال أبو طلحة: أنا. قال: فأنزل في قبرها، فنزل في قَبْرها فَقَبَرَها\" (٣).\nوفي رواية عنه: \"أن رُقية -﵂- لما ماتت؛ قال رسول الله - ﷺ -: \"لا يدخل القبرَ رجلٌ قارف [الليلة] أهله؛ فلم يدخل عثمان بن عفان -رضي\n_________\n(١) أخرجه أحمد بإِسناد صحيح على شرط الشيخين. وهو في \"صحيح البخاري\" (٥٦٦٦) بنحوه، ومسلم: ٢٣٨٧ مختصرًا.\n(٢) أي: يجامع.\n(٣) أخرجه البخاري: ١٣٤٢.","vol":"4","page":160},{"text":"الله عنه- القبر\" (١).\nقال شيخنا -﵀-: \"قال النووي في \"المجموع\" (٥/ ٢٨٩): \"هذا الحديث من الأحاديث التي يُحْتَجُّ بها في كون الرجال هم الذين يتولّون الدفن وإن كان الميت امرأة.\nقال: ومعلوم أن أبا طلحة -﵁- أجنبي عن بنات النّبيّ - ﷺ -، ولكنّه كان من صالحي الحاضرين، ولم يكن هناك رجل مَحْرَمٌ إِلا النّبيّ - ﷺ -، فلعلّه كان له عذر في نُزول قبرها، وكذا زوجها، ومعلوم أنها كانت أختها فاطمة وغيرها من محارمها وغيرهنّ هناك؛ فدّل على أنه لا مدخل للنساء في إِدخال القبر والدفن\" انتهى.\nوجاء في \"المحلّى\" (٥/ ٢١٤ - تحت المسألة: ٥٨٥): \"وأحقُّ الناس بإِنزال المرأة في قبرها: من لم يطأ تلك الليلة، وإِن كان أجنبيًّا؛ حضر زوجها أو أولياؤها أو لم يحضروا، وأحقهم بإِنزال الرجل أولياؤه.\nأمّا الرجل؛ فلقول الله -تعالى-: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾؛ وهذا عموم؛ لا يجوز تخصيصه إلاَّ بنص.\nوأمّا المرأة؛ فإِنّ عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد حدثنا قال: ثنا إِبراهيم بن أحمد: ثنا الفربري: ثنا البخاري ... \" ثمّ ذكر حديث أنس -﵁-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1092>أولياء الميت أحقّ بإِنزاله:</span>\nأولياء الميت أحقّ بإِنزاله؛ لعموم قوله -تعالى-: ﴿وأولوا الأرحام (٢) بعضهم\n_________\n(١) أخرجه أحمد، والطحاوي، والحاكم وقال: \"حديث صحيح على شرط مسلم\".\n(٢) قال \"شيخنا -﵀- في التعليق (ص ١٨٦): \"وهم الأب وآباؤه، والابن =","vol":"4","page":161},{"text":"أولى ببعض في كتاب الله﴾ (١)، ولحديث علي -﵁- قال: غسَّلت رسول الله - ﷺ -، فذهبت أنظر ما يكون من الميت، فلم أر شيئًا وكان طيّبًا حيًا وميتًا، وولي دفنه وإجنانه دون الناس أربعة: عليّ والعباس، والفضل، وصالح، مولى رسول الله - ﷺ -، ولحدَ لرسول الله لحدًا، ونصب عليه اللَّبِن نصبًا\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1093>إِدخال الميت من مؤخّر القبر:</span>\nوالسّنّة إِدخال الميت من مؤخر القبر؛ لحديث أبي إِسحاق قال: \"أوصى الحارث أن يُصلّي عليه عبد الله بن يزيد، فصلى عليه، ثمّ أدخله القبر من قبل رجلي القبر، وقال: هذا من السّنّة\" (٣).\nوعن ابن سيرين قال: \"كنتُ مع أنس في جنازة، فأمَرَ بالميت، فسُلَّ من قِبَل رجل القبر\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1094>يوضع الميت على جنبه الأيمن ووجهه قُبالةَ القِبْلَة:</span>\nقال شيخنا -﵀-: \"ويُجْعل الميت في قبره على جنبه اليمين، ووجهه قُبالةَ القبلة، ورأسه ورجلاه إِلى يمين القبلة ويسارها؛ على هذا جرى عمل أهل\n_________\n= وأبناؤه، ثم الإِخوة الأشقاء، ثمّ الذين للأب، ثمّ بنوهم، ثمّ الأعمام للأب والأم ثمّ للأب ثمّ بنوهم، ثمّ كل ذي رحم محرمة\". كذا في \"المحلّى\" (٥/ ١٤٣) ونحوه في \"المجموع\" (٥/ ٢٩٠).\n(١) الأنفال: ٧٥.\n(٢) أخرجه الحاكم، وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\"، وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٧٥٠).\n(٤) أخرجه أحمد، وابن أبي شيبة، وسنده صحيح.","vol":"4","page":162},{"text":"الإِسلام من عهد رسول الله - ﷺ - إِلى يومنا هذا، وهكذا كلُّ مقبرة على ظهر الأرض، كذا في \"المحلّى\" (٥/ ١٧٣) وغيره\" انتهى.\nوجاء في \"الروضة الندية\" (١/ ٤٤١): \"ويوضَع على جنبه الأيمن مستقبِلًا؛ وهو ممّا لا أعلم فيه خلافًا\".\nويقول الذي يضعه في لَحْده: (بسم الله، وعلى سنّة رسول الله -أو ملّة رسول الله -ﷺ--).\nفعن ابن عمر -﵁-: \"أنّ النّبيّ - ﷺ - كان إِذا وضع الميت في القبر قال: بسم الله، وعلى سُنة رسول الله\" (١).\nوعن البياضي -﵁- عن رسول الله - ﷺ - أنّه قال: \"الميت إِذا وضع في قبره؛ فليقل الذين يضعونه حين يُوضع في اللّحد: بسم الله، وبالله، وعلى ملّة رسول الله - ﷺ -\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1095>هل تحلُّ عقد الكفن </span>(٣)؟\nهناك العديد من الآثار ساقها ابن أبي شيبة عن بعض التابعين لا تخلو من ضعف، لكن مجموعها يلقي الاطمئنان في النفس أن حل عقد كفن الميت في القبر كان معروفًا عند السلف، فلعله لذلك قال به الحنابلة تبعًا للإِمام أحمد، فقد قال أبو داود في \"مسائله\" (١٥٨): \"قلت لأحمد (أو سئل)\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٧٥٢)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٨٣٦)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٢٦٠).\n(٢) أخرجه الحاكم، وإسناده حسن.\n(٣) هذا الباب من اقتراح أخي (عمر الصادق) -حفظه الله-.","vol":"4","page":163},{"text":"عن العقد تحل في القبر؟ قال: نعم\".\nوقال ابنه عبد الله في \"مسائله\" (١٤٤ - ٥٣٨): \"مات أخ لي صغير، فلما وضعته في القبر، وأبي قائم على شفير القبر، قال لي: يا عبد الله! حل العقد، فحللتها\" (١).\nفائدة: سألت شيخنا -﵀- عن وضْع الطين في القبر بين اللبنات لمنع تسرُّب التراب على الميت؟ فقال: \"يبدو أنّه صحيح؛ لأنّ اللحد فُضّل على الشِّق\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1096>استحباب حَثْوِ ثلاث حَثَوات من التراب بعد سدّ اللحد:</span>\nويُستحبّ لمن عند القبر أن يحثو من التراب ثلاث حثوات بيديه جميعًا بعد الفراغ من سدّ اللحد.\nفعن أبي هريرة -﵁-: \"أنّ رسول الله - ﷺ - صلّى على جنازة، ثمّ أتى قبر الميت، فحثا (٢) عليه من قِبَل رأسه ثلاثًا\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1097>ويُسنّ بعد الفراغ من دفنه أمور:</span>\nالأوّل: أن يُرفَع القبر عن الأرض قليلًا نحو شبرٍ، ولا يسوّى بالأرض، وذلك ليتميّز فيُصان ولا يُهان.\nفعن جابر -﵁-: \"أنّ النّبيّ - ﷺ - أُلْحِد له لحد، ونُصِب عليه اللَّبْن\n_________\n(١) ذكره شيخنا -﵀- في \"الضعيفة\" (١٧٦٣).\n(٢) أي: غرف بيده.\n(٣) أخرجه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٢٧١).","vol":"4","page":164},{"text":"نصبًا، ورُفع قبره من الأرض نحوًا من شبر\" (١).\nقال شيخنا -﵀-: \"قال الشافعي في \"الأم\" (١/ ٢٤٥ - ٢٤٦) ما مختصره: \"وأحبّ أن لا يُزاد في القبر تراب من غيره؛ لأنّه إِذا زيد ارتفع جدًا، وإِنما أُحِبّ أن يُشْخَصَ على وجه الأرض شبرًا أو نحوه\".\nونقل النووي في \"المجموع\" (٥/ ٢٩٦) اتفاق أصحاب الشافعي على استحباب الرفع بالقدر المذكور\".\nالثاني: أن يجعل مُسنّمًا (٢).\nفعن سفيان التمّار: \"أنّه رأى قبر النّبيّ - ﷺ - مُسنّمًا\" (٣).\nالثالث: أنْ يُعَلّمه بحجرٍ أو نحوه؛ ليدفن إليه من يموت من أهله؛ لحديث المُطّلب -وهو ابن عبد الله بن المطلب بن حَنْطَبِ -﵁- قال: \"لمّا مات عثمان بن مظعون؛ أُخرج بجنازته فدُفن؛ أمر النّبيّ - ﷺ - رجلًا أن يأتيه بحجر، فلم يستطع حمله، فقام إِليها رسول الله - ﷺ - وحسَر عن ذراعيه.\nقال كثير: قال المُطلب: قال الذي يُخبرني [ذلك] عن رسول الله - ﷺ -؛ كأنّي أنظر إِلى بياض ذراعي رسول الله - ﷺ - حين حسر عنهما، ثمّ حملها\n_________\n(١) أخرجه ابن حبان في \"صحيحه\" والبيهقي وإسناده حسن.\n(٢) التسنيم: هو رفْع القبر عن وجه الأرض كالسّنام، وعدم تسطيحه، يُقال: سنّم القبر: ملأه حتى صار فوقه مثلُ السِّنام؛ [وهي كُتل من الشحم محدّبة على ظهر البعير والناقة]. وانظر \"الوسيط\".\n(٣) أخرجه البخاري: ١٣٩٠.","vol":"4","page":165},{"text":"فوضعها عند رأسه، وقال: أتعلّم بها قبر أخي (١)، وأدفن إِليه من مات من أهلي\" (٢).\nولا يشرع تلقينُ الميت التلقينَ المعروفَ اليوم (٣)؛ لأنّ الحديث الوارد فيه لا يصح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1098>الاستغفار للميت والدعاء له بالتثبيت:</span>\nوينبغي للحاضرين حين يفرغون من دفْن الميت، أن يقفوا على القبر ويدعوا له بالتثبيت، وأن يستغفروا له، وكان النّبيّ - ﷺ - يأمر الحاضرين بذلك؛ لحديث عثمان بن عفان -﵁- قال: \"كان النّبيّ - ﷺ - إِذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: استغفروا لأخيكم، وسلوا له التثبيت؛ فإِنّه الآن يُسأل\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1099>الموعظة عند القبر</span>\nعن البراء بن عازب -﵁- قال: خرجنا مع النّبيّ - ﷺ - في جنازة\n_________\n(١) أرجح الأقوال -والله أعلم-: أنه أخوه من الرّضاعة، ذكره في \"عون المعبود\" (٩/ ١٧) نقلًا عن \"المرقاة\" (٤/ ١٩٢).\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٧٤٥)، وترجم له أبو داود بـ \"باب في جمع الموتى في قبر، والقبر يُعلّم\".\n(٣) وسيأتي التفصيل بإِذن الله -تعالى-.\n(٤) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٧٥٨)، والحاكم، والبيهقي وغيرهم.","vol":"4","page":166},{"text":"رجل من الأنصار، فانتهينا إِلى القبر؛ ولمّا يُلحد (١)، فجلس رسول الله - ﷺ -[مستقبل القبلة]، وجلسنا حوله، وكأنّ على روؤسنا الطّير، وفي يده عودٌ ينكت (٢) في الأرض، [فجعل ينظر إِلى السماء، وينظر إِلى الأرض، وجعل يرفع بصره ويخفضه، ثلاثًا]، فقال: استعيذوا بالله من عذاب القبر مرتين أو ثلاثًا، [ثمّ قال: اللهم إِنّي أعوذ بك من عذاب القبر] [ثلاثًا]، ثمّ قال: إِنّ العبد المؤمن إِذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة؛ نزل إِليه ملائكة من السماء، بيض الوجوه، كأنّ وجوههم الشمس، معهم كفنٌ من أكفان الجنة، وحَنُوطٌ (٣) من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مَدَّ البصر، ثمّ يجيء ملك الموت -﵇- حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيّتها النفس الطيبة (وفي رواية: المطمئنة)! اخرجي إِلى مغفرة من الله ورضوان.\nقال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السِّقَاءِ، فيأخذها (وفي رواية: حتى إِذا خرجت روحه؛ صلّى عليه كلُّ ملكٍ بين السماء والأرض، وكلّ ملك في السماء، وفتحت له أبواب السماء، ليس من أهلِ باب إلاَّ وهم يدْعون الله أن يعرج بروحه من قبلهم)، فإِذا أخذها؛ لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن، وفي ذلك الحنوط، [فذلك قوله - تعالى-: ﴿توفّته رُسُلنا وهم لا يفرِّطون﴾، ويخرج منها كأطيب نَفْحَةِ مِسْكٍ وُجِدت على وجه الأرض.\n_________\n(١) أي: لم يوضْع في لحده بعْدُ.\n(٢) أي: يضرب بطرفه الأرض، وذلك فِعل المفكّر المهموم \"عون\" (١٣/ ٦٣).\n(٣) بفتح المهملة: ما يُخلط من الطيب لأكفان الموتى وأجسامهم خاصّة. \"النهاية\".","vol":"4","page":167},{"text":"قال: فيصعدون بها؛ فلا يمرّون -يعني- بها على ملإٍ من الملائكة إلاَّ قالوا: ما هذا الروح الطيّب؟! فيقولون: فلان بن فلان -بأحسن أسمائه التي كانوا يُسمُّونه بها في الدنيا- حتى ينتهوا بها إِلى السماء الدنيا، فيستفتحون له، فيفتح لهم، فيشيّعه من كلّ سماء مُقرّبوها إِلى السماء التي تليها، حتى يَنتهيَ به إِلى السماء السابعة، فيقول الله -﷿-: اكتبوا كتاب عبدي في علّيّين، ﴿وما أدراك ما عِلِّيُّون كتاب مرقوم * يشهده المُقرّبون﴾، فيكتب كتابه في عِلِّيِّين، ثمّ يقال]: أعيدوه إِلى الأرض؛ فإِنّي [وعدتهم أنّي] منها خلقتهم وفيها أُعيدهم ومنها أُخرجهم تارةً أخرى.\nقال: فـ[يُردّ إِلى الأرض، و] تُعاد روحه في جسده، [قال: فإِنّه يسمع خفق نعال أصحابه إِذا ولّوا عنه] [مدبرين].\nفيأتيه ملكان [شديدا الانتهار]، فـ[ينتهرانه و] يُجلسانه، فيقولان له: من ربّك؟ فيقول: ربي الله. فيقولان له: ما دينك؛ فيقول: ديني الإِسلام. فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بُعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله - ﷺ -. فيقولان له: ما عَمَلُك؟ فيقول: قرأت كتاب الله، فآمنت به وصدّقت، فينتهره فيقول: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيُّك؟ وهي آخر فتنة تعرض على المؤمن.\nفذلك حين يقول الله -﷿-: ﴿يُثَبِّتُ الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا﴾، فيقول: ربي الله، وديني الإِسلام، ونبيّ محمد - ﷺ -، فينادي منادٍ في السماء: أنْ صدق عبدي، فأفرِشوه من الجنة، وألبِسوه من الجنة، وافتحوا له بابًا إِلى الجنّة، قال: فيأتيه من رَوْحِها وطِيبها، ويفسح له في قبره مدّ بصره.","vol":"4","page":168},{"text":"قال: ويأتيه [وفي رواية: يُمَثَّلُ له] رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيّب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسُرُّك، [أبشر برضوانٍ من الله، وجنّاتٍ فيها نعيم مقيم]، هذا يومك الذي كُنت تُوعد، فيقول له: [وأنت -فبشّرك الله بخير]- من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالخير! فيقول: أنا عملك الصالح؛ [فوالله ما عَلِمْتُك إِلا كنت سريعًا في طاعة الله، بطيئًا في معصية الله، فجزاك الله خيرًا].\nثمّ يُفتح له باب من الجنة، وباب من النار، فيقال: هذا منزلك لو عصيت الله، أبدلك الله به هذا، فإِذا رأى ما في الجنة قال: ربِّ! عجّل قيام الساعة؛ كيما أرجع إِلى أهلي ومالي! [فيقال له: اسكن].\nقال: وإِنّ العبد الكافر (وفي رواية: الفاجر) إِذا كان في انقطاع من الدنيا،\nوإقبال من الآخرة؛ نزل إِليه من السماء ملائكة [غلاظ شداد]، سُود الوجوه،\nمعهم المُسُوح (١) [من النار]، فيجلسون منه مدّ البصر (٢)، ثمّ يجيء ملك\nالموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة! أخرجي إِلى سَخَطٍ\nمن الله وغضب، قال: فتفرَّق في جسده، فينتزعها كما يُنتزع السُّفُّود (٣) [الكثير الشُّعب] من الصّوف المبلول، [فتَقطَّعُ معها العروق والعصب]، [فيلعنه كلُّ ملك بين السماء والأرض، وكلُّ ملك في السماء، وتغلَق أبواب السماء، ليس من أهل باب إِلا وهم يدعون الله ألا تعرج روحه من\n_________\n(١) جمع مِسح: ثوب من الشعر غليظ.\n(٢) أي: منتهى بصره.\n(٣) السُّفود: هو عود من حديد يُنظّم فيه اللحم ليُشوى. \"الوسيط\".","vol":"4","page":169},{"text":"قِبلهم]، فيأخذها، فإِذا أخذها لم يدَعوها في يده طرفة، عين حتى يجعلوها في تلك المُسوح، ويخرج منها كأنتن ريحٍ جيفةٍ وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرّون بها على ملأ من الملائكة إِلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟! فيقولون: فلان ابن فلان -بأقبح أسمائه التي كان يُسمّى بها في الدنيا، حتى يُنتَهى به إِلى السماء الدنيا، فيُستفتح له، فلا يُفتح له، ثمّ قرأ رسول الله - ﷺ -: ﴿لا تُفَتَّحُ لهم أبواب السماء ولا يدْخلون الجنة حتى يَلِجَ الجَمَلُ في سمِّ الخِياط (١)﴾ (٢) فيقول الله -﷿-: اكتبوا كتابه في سِجين (٣)؛ في الأرض السُّفلى، [ثمّ يقال: أعيدوا عبدي إِلى الأرض، فإِنّي وعدتهم أنّي منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أُخرجهم تارةً أخرى)، فتُطرح روحه [من السماء] طرحًا [حتى تقع في جسده] ثمّ قرأ: ﴿ومن يشرك بالله فكأنّما خرَّ من السماء فَتَخْطَفُهُ الطير أو تهوي به الريح في مكان سَحِيق﴾، فتعاد روحه في جسده، [قال: فإِنّه ليسمع خفق نعال أصحابه إِذا\n_________\n(١) قال الحسن البصري وغيره: \"حتى يدخل البعير في خرق الإِبرة. وكذا روى علي بن أبى طلحة والعوفي عن ابن عباس. وقال مجاهد وعكرمة عن ابن عباس -﵄-: إِنّه كان يقرأُها ﴿يلج الجمل في سمّ الخياط﴾ بضم الجيم وتشديد الميم -الجُمّل- يعني: الحبل الغليظ في خرق الإِبرة\". عن \"تفسير ابن كثير\" بحذف.\nوهذا تعليق بالمستحيل؛ أي: أنهم لا يدخلون الجنة أبدًا، وانظر -إِن شئت- ما قاله البغوي في \"تفسيره\".\n(٢) الأعراف: ٤٠.\n(٣) قال ابن كثير -﵀- في \"تفسيره\": \"والصحيح أنّ سجّينًا مأخوذ من السِّجن، وهو الضيق\"، وقال في موطن آخر: \"وهو يجمع الضيق والسفول\".","vol":"4","page":170},{"text":"ولّوا عنه].\nويأتيه ملكان [شديدا الانتهار، فينتهرانه و] يُجلسانه، فيقولان له: من ربُّك؟ [فيقول: هاهْ هاهْ (١)! لا أدري! فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاهْ هاهْ! لا أدري]! فيقولان: فما تقول في هذا الرجل الذي بُعث فيكم؟ فلا يهتدي لاسمه، فيُقال: محمد! فيقول: هاه هاه! لا أدري! [سمعت الناس يقولون ذاك! قال: فيقال: لا دَرَيْتَ]، ولا تلوت]، فينادي مُنادٍ من السماء: أنْ كذب، فأفرشوا له من النار، وافتحوا له بابًا إِلى النار، فيأتيه من حرّها وسَمُومها (٢)، ويُضيَّق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه (وفي رواية: ويُمثل له) رجلٌ قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومُك الذي كنت توعد، فيقول: [وأنت فبشّرك الله بالشرِّ] من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالشّر! فيقول. أنا عملك الخبيث؛ [فوالله ما علمت إِلا كنت بطيئًا عن طاعة الله، سريعًا إِلى معصية الله]، [فجزاك الله شرًّا! ثمّ يُقيّض له أعمى أصمُّ أبكم في يده مِرْزبَة (٣) لو ضُرِبَ بها جبل كان ترابًا، فيضربه ضربة حتى يصير بها ترابًا، ثمّ يعيده الله كما كان، فيضربه ضربة أخرى، فيصيح صيحة يسمعه كلّ شيء إِلا الثقلين، ثمّ يفتح له\n_________\n(١) جاء في \"عون المعبود\" (١٣/ ٦٥): \"هاهْ هاهْ -بسكون الهاء فيهما بعد الألف-: كلمة يقولها المتحيّر الذي لا يقدر -من حَيرته للخوف أو لعدم الفصاحة- أن يستعمل لسانه في فيه\".\n(٢) الريح الحارّة.\n(٣) المِرزَبة -بالتخفيف-: المطرقة الكبيرة التي تكون للحّداد. \"النهاية\".","vol":"4","page":171},{"text":"باب من النار، ويُمهَّد من فُرُش النار]، فيقول: ربِّ! لا تُقم الساعة\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1100>استحباب جمع الموتى الأقارب في أماكن متجاورة </span>(٢):\nويستحب جمع الموتى الأقارب في أماكن متجاورة؛ لأنّه أيسر لزيارتهم وأكثر للترحُّم عليهم، كما ذكَر بعض أهل العلم؛ لحديث المطلب -﵁- قال: \"لما مات عثمان بن مظعون؛ أُخرج بجنازته فدفن؛ أمر النّبيّ - ﷺ - رجلًا أنْ يأتيه بحجر، فلم يستطع حمله، فقام إِليها رسول الله - ﷺ - وحسر عن ذراعيه -قال المطلب: قال الذي يُخبرني [ذلك] عن رسول الله - ﷺ --؛ كأني أنظر إِلى بياض ذراعي رسول الله - ﷺ - حين حسر عنهما، ثمّ حملها فوضعها عند رأسه، وقال: أتعلّم بها قبر أخي، وأدفن إِليه من مات من أهلي\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1101>ضَمَّة القبر:</span>\nعن ابن عمر -﵁- عن رسول الله - ﷺ - قال: \"هذا (٤) الذي تحرَّك له العرش، وفُتحت له أبواب السماء، وشهده سبعون ألفًا من الملائكة، لقد ضُمّ ضمة، ثمّ فُرِّج عنه\" (٥).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٩٧٩)، والحاكم، والطيالسي، وأحمد وغيرهم، وانظر \"أحكام الجنائز\" (ص ١٩٨).\n(٢) انظر \"فقه السّنة\" (١/ ٥٥٠) تحت عنوان (تعليم القبر بعلامة).\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٧٤٥)، وتقدّم.\n(٤) هو سعد بن معاذ الأنصاري سيد الأنصار -﵃-.\n(٥) أخرجه النسائي \"صحيح سنن النسائي\" (١٩٤٢).","vol":"4","page":172},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1102>سؤال القبر وعذابه ونعيمه </span>(١):\nوقد تقدّم في سؤال القبر عذابه ونعيمه: حديثُ البراء بن عازب -﵁- الطويل. وعن البراء بن عازب -﵁- أيضًا عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"إِذا أُقعد المؤمن في قبره؛ أُتي ثمّ شهِدَ أن لا إِله إِلا الله وأنّ محمّدًا رسول الله، فذلك قوله: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت﴾، وفي رواية: نزلت في عذاب القبر\" (٢).\nوعن أنس بن مالك -﵁- أنّه حدّثهم أنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"إِنّ العبد إذا وضع في قبره وتولّى عنه أصحابه -وإنه ليسمع قرع نعالهم-؛ أتاه ملكان فيُقعِدانه فيقولان: ما كنت تقول في هذ الرجل -لمحمد - ﷺ --؟ فأمّا المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار، قد أبدلك الله به مقعدًا من الجنة، فيراهما جميعًا. قال قتادة: وذُكِر لنا أنّه يُفسح له في قبره.\nثمّ رجع إِلى حديث أنس قال: وأمّا المنافق والكافر فيُقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري! كنت أقول ما يقول الناس، فيقال: لا دَرَيْتَ ولا تَلَيْتَ، ويضرب بمطارق من حديد ضربة، فيصيح صيحة يسمعها من يليه غيرَ الثقلين\" (٣).\n_________\n(١) انظر للمزيد -إِن شئت- كتابي \"القبر عذابه ونعيمه\".\n(٢) أخرجه البخاري: ١٣٦٩، ومسلم: ٢٨٧١.\n(٣) أخرجه البخاري: ١٣٧٤، ومسلم: ٢٨٧٠.","vol":"4","page":173},{"text":"وعن زيد بن ثابت -﵁- قال: بينما النّبيّ - ﷺ - في حائط لبني النجار على بغْلة له ونحن معه؛ إِذ حادَتْ به فكادت تلقيه، وإذا أَقْبُرٌ ستة أو خمسة أو أربعة، فقال: \"من يعرف أصحاب هذه الأَقْبُر؟ فقال رجل: أنا. قال: فمتى مات هؤلاء؟ قال: ماتوا في الإِشراك، فقال: إِن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا؛ لدعوت الله أن يُسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه؛ ثمّ أقبل علينا بوجهه، فقال: تعوّذوا بالله من عذاب النّار، قالوا: نعوذ بالله من عذاب النّار، فقال: تعوّذوا بالله من عذاب القبر، قالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر! قال: تعوّذوا بالله من الفتن: ما ظهر منها وما بطن، قالوا: نعوذ بالله من الفتن: ما ظهر منها وما بطن! قال: تعوّذوا بالله من فتنة الدّجال. قالوا: نعوذ بالله من فنتة الدّجال! \" (١).\nوعن سمرة بن جندب قال: \"كان النّبيّ - ﷺ - إِذا صلّى صلاة؛ أقبل علينا بوجهه فقال: من رأى منكم الليلة رؤيا؟ قال: فإِن رأى أحد قصّها، فيقول ما شاء الله، فسألَنا يومًا فقال: هل رأى أحد منكم رؤيا؟ قلنا: لا، قال: لكنّي رأيت الليلة رجلين؛ أتياني فأخذا بيدي، فأخرجاني إِلى الأرض المقدّسة؛ فإِذا رجل جالس، ورجل قائم بيده كَلُّوب من حديد -قال بعض أصحابنا عن موسى أنه- يدخل ذلك الكلوب في شِدْقِهِ حتى يبلغ قفاه، ثمّ يفعل بشدقه الآخر مثل ذلك، ويَلْتَئِمُ شدقه هذا، فيعود فيصنع مثله، قلت: ما هذا؟ قالا: انطلق.\nفانطلقنا حتى أتينا على رجل مُضطجع على قفاه، ورجل قائم على رأسه\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ٢٨٦٧.","vol":"4","page":174},{"text":"بفِهْرٍ (١) أو صخرة، فَيَشْدَخُ به رأسه، فإِذا ضربه تَدَهْدَه (٢) الحجر، فانطلق إِليه ليأخذه؛ فلا يرجع إِلى هذا حتى يلتئم رأسه؛ وعاد رأسه كما هو، فعاد إِليه فضربه، قلت: من هذا؟ قالا: انطلق.\nفانطلقنا إِلى ثُقْبٍ مثل التّنّور؛ أعلاه ضيّق وأسفله واسع، يتوقّد تحته نارًا؛ فإِذا اقترب ارتفعوا حتى كاد أن يخرجوا، فإِذا خمدت رجعوا فيها، وفيها رجال ونساء عراة، فقلت: من هذا؟ قالا: انطلق، فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم، فيه رجل قائم، وعلى وسط النهر رجل بين يديه حجارة -قال يزيد ووهب بن جرير عن جرير بن حازم: وعلى شطّ النهر رجل-؛ فأقبل الرجل الذي في النهر، فإِذا أراد أن يخرج؛ رمى الرجل بحجر في فيهِ؛ فردَّه حيث كان، فجعل كلّما جاء ليخرج رمى في فيه بحجر، فيرجع كما كان، فقلت: ما هذا؟ قالا: انطلق، فانطلقنا حتى انتهينا إِلى روضة خضراء فيها شجرة عظيمة، وفي أصلها شيخ وصِبيان، وإذا رجل قريب من الشجرة بين يديه نار يوقدها، فصعِدا بي في الشجرة، وأدخلاني دارًا لم أرَ قط أحسن منها، فيها رجال شيوخ وشباب ونساء وصبيان، ثمّ أخرجاني منها، فصعدا بي الشجرة؛ فأدخلاني دارًا هي أحسن وأفضل، فيها شيوخ وشباب، قلت: طوّفتماني الليلة فأخبِراني عمّا رأيت؟ قالا: نعم.\nأمّا الذي رأيته يُشق شِدقه؛ فكذاب يحدِّث بالكذبة، فتحمل عنه حتى تبلغ الآفاق، فيصنع به إِلى يوم القيامة. والذي رأيته يُشدخ رأسه؛ فرجل علّمه\n_________\n(١) الفِهْر: هو الحجر مِلءُ الكفِّ. وقيل: هو الحجر مطلقًا. \"النهاية\".\n(٢) أي: تدحرج.","vol":"4","page":175},{"text":"الله القرآن، فنام عنه بالليل ولم يعمل فيه بالنهار، يُفعل به إِلى يوم القيامة، والذي رأيته في الثَّقب؛ فهم الزناة، والذي رأيته في النهر؛ آكِلُو الربا. والشيخ في أصل الشجرة؛ إِبراهيم -﵇-، والصبيان حوله؛ فأولاد الناس. والذي يوقد النار؛ مالك خازن النار. والدار الأولى التي دخلت؛ دار عامّة المؤمنين. وأمّا هذه؛ الدار فدار الشهداء، وأنا جبريل، وهذا ميكائيل، فارفع رأسك، فرفعت رأسي فإِذا فوقي مثل السّحاب، قالا: ذاك منزلك، قلت: دَعَاني أدخلْ منزلي! قالا: إِنه بقي لك عُمُر لم تستكمله، فلو استكملت أتيت منزلك\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1103>هل يجوز نبش القبر</span>؟\nلا يجوز نبش القبر إِلا لغرض صحيح.\nقال شيخنا -﵀- (ص ٢٠٣) -بتصرّف يسير-: \"ويجوز إِخراج الميت من القبر لغرض صحيح، كما لو دفن قبل غسله وتكفينه ونحو ذلك.\nفعن جابر بن عبد الله قال: \"أتى النّبيّ - ﷺ - عبد الله بن أُبي بعدما دفن، فأخرجه؛ فَنفث فيه من ريقه، وألبسه قميصه\" (٢).\nوالظاهر: أنّ هذا كان قبل نزول قوله -تعالى-: ﴿ولا تُصلِّ على أحدٍ منهم مات أبدًا ولا تقُم على قبره﴾ \". انتهى كلام شيخنا -﵀-.\nوقال البخاري -﵀- في \"صحيحه\" (٣): \"باب هل يخرج الميت من\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٣٨٦.\n(٢) أخرجه البخاري: ١٢٧٠، ومسلم: ٢٧٧٣.\n(٣) انظر (كتاب الجنائز) \"باب - ٧٧\".","vol":"4","page":176},{"text":"القبر واللحد لعلّة؟ ثمّ ذكر (برقم: ١٣٥١) حديث جابر بن عبد الله -﵄- قال: \"لما حضر أُحد دعاني أبي من الليل فقال: ما أُراني إِلا مقتولًا في أول من يُقتل من أصحاب النّبيّ - ﷺ -، وإني لا أترك بعدي أعزّ عليّ منك؛ غير نفس رسول الله - ﷺ -، وإنّ عليّ دينًا، فاقض واستوص بأخواتك خيرًا.\nفأصبحنا، فكان أوّل قتيل، ودفن معه آخر في قبر، ثمّ لم تَطِبْ نفسي أن أتركه مع الآخر، فاستخرجته بعد ستة أشهر؛ فإِذا هو كَيَوْمَ وضَعْتُه هُنيَّة (١)؛ غيرَ أُذُنه\".\nوجاء في \"الأوسط\" (٥/ ٣٤٣): \"واختلفوا في النبش عمن دفن ولم يغسل: فقال أكثر أهل العلم: يخرج فيغسل. هكذا قال مالك والثوري والشافعي، إِلا أن مالكًا قال: ما لم يتغير.\nوقال أصحاب الرأي: إِذا وضع في اللحد ولم يغسل، ولم يُهَلْ عليه التراب؛ أخرج فغسل وصلّي عليه، وإن كانوا نصبوا اللبن، وأهالوا عليه التراب؛ لم يَنْبَغ لهم أن ينبشوا الميت من قبره\".\nقال أبو بكر [وهو ابن المنذر -﵀-]: يُخرج ويغسل ما لم يتغير، كما قال مالك\" انتهى.\nولقول مالك وأبي بكر -رحمهما الله- تطمئن نفسي.\nقال ابن حزم -﵀- (٥/ ١٦٩ - تحت المسألة: ٥٥٩): \"ومن لم يُغَسل ولا كُفِّن حتى دُفِن؛ وجب إِخراجه حتى يغسّل ويكفّن؛ ولا بُدّ\".\n_________\n(١) أي: شيئًا يسيرًا.","vol":"4","page":177},{"text":"وجاء في \"مجموع الفتاوى\" (٢٤/ ٣٠٤): \"وسئل -﵀- عن قوم لهم تربة، وهي في مكان منقطع، وقتل فيها قتيل، وقد بنوا لهم تربة أخرى؛ هل يجوز نقل موتاهم إِلى التربة المُسْتَجَدَّةِ أم لا؟\nفأجاب: لا يُنبش الميت لأجل ما ذُكِر. والله أعلم\" انتهى.\nوسألت شيخنا -﵀- عن قول بعض العلماء: \"ولو حُفر القبر فوُجَد فيه عظام الميت باقية؛ لا يُتمّ الحافر حفره\"؟\nفقال: \"به أقول\".\nوسألته -﵀-: هل يجوز نبش القبر لإِخراج مالٍ تُرك في القبر؟\nفقال: \"نعم\".\nوسألته -﵀-: إذا صار جسم الميت ترابًا؛ فهل ينتفع من المكان بزرعٍ أو نحوه؟\nفأجاب: هذا يُتصوّر في أرضٍ قَفْرٍ؛ دُفن فيها ميت، ثمّ أصَبَح هذا الميت ترابًا ورميمًا، فبهذا التصوّر الضيّق؛ نعم، كما يروى عن أبي العلاء المعرّي أنه قال:\nصَاحِ هذي قبورُنا تملأ الرَّحب (١) ... فأين القبور من عهد عادِ\nخفَف الوطء (٢) ما أظنّ ... أديم الأرض إلاَّ من هذه الأجساد\n_________\n(١) و(٢) الرّحب: الواسع، يقال: مكان رَحب ودار رَحبة؛ والرَّحبة: الأرض الواسعة.\nالوطء: الدوس بالقدم. \"الوسيط\" ملتقطًا.","vol":"4","page":178},{"text":"فإِذا كان السؤال في ميِّت محدّد في هذا الوضْع الضّيق؛ فالجواب الجواز، ولكن إِذا كان القبر في مقبرة؛ فحينئذ يختلف الحُكم تمامًا، وبهذا التحديد يجوز؛ وإلاَّ فلا.\nقلت: فإِذا كانت المقبرة كلها ترابًا؛ هل يمكن الانتفاع بذلك؟\nفقال -﵀-: المسألة تأخذ طورًا آخر، فالمقابر بشكل عام موقوفة لموتى المسلمين، بمعنى أن أرض المقبرة لا يملكها أحد، فلا يستطيع أحد أن يشتريها؛ لأنّه لا مالك لها، فمن الأخطاء الشائعة أن تباع القبور! ومن هو المالك؟\nوالانتفاع بأرض المقبرة بعد أن صار أهلها رميمًا؛ لا يرِدُ جوازه من هذه الحيثية، وعلى العكس من ذلك.\nلو قيل: هذه مقبرة عائلة؛ فهذه الأرض ملْك لهم؛ فإِذا أصبحَ الموتى ترابًا؛ فباستطاعتهم استثمارها في بناية دار أو حديقة؛ لأنها ملْك لهم.\nفهنا شرطان: أن يتحول الموتى رميمًا، وأن تكون الأرض مملوكة.\nوسألت شيخنا -﵀- عن حديث جابر بن عبد الله -﵄- قال: \"أتى النّبيّ - ﷺ - عبد الله بن أُبي بعد ما أُدخل قبره، فأمر به فأُخرج ووضع على رُكبتيه، ونفث عليه من ريقه، وألبسه قميصه، فالله أعلم\" (١)؛ هل يفيدنا في جواز إِخراج الميّت؟\nفقال -﵀-: وهو لا يزال سليمًا؟\nقلت: حديث عهد بدفن؟\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٥٧٩٥، وتقدّم غير بعيد.","vol":"4","page":179},{"text":"فقال: نعم، يجوز.\nقلت: أهذا متعلّق بفناء الجسم أو عدمه؟\nقال: نعم.\nقال أحد الإِخوة: هل يجوز النبش لمِثل هذا السبب؟\nقال -﵀-: يجوز إِذا غلب على ظنّه بقاء الجسم.\nوسألت شيخنا -﵀-: هل يَسُوغ وضْع العظام جانبًا لدْفن ميت آخر؟\nفقال: يمكن ذلك إِذا ضاقت المقبرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1104>هل يُستحبّ للرجل حفْر قبره قبل موته</span>؟\nولا يُستحبّ للرجل أن يحفر قبره قبل أن يموت، فإِنّ النّبيّ - ﷺ - لم يفعل ذلك هو ولا أصحابه، والعبد لا يدري أين يموت، وإذا كان مقصود الرجل الاستعداد للموت، فهذا يكون من العمل الصالح.\nكذا في \"الاختيارات العلمية \" لشيخ الإِسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1105>عدم مشروعية تلقين المقبور:</span>\nولا يشرع تلقين المقبور بأي صيغة من الصّيغ، أو عبارة من العبارات؛ لعدم وروده عن النّبيّ - ﷺ - أو الصحابة -﵃-.\nأما حديث: \"لقنّوا موتاكم: لا إِله إِلا الله؛ من كان آخر كلامه لا إِله إِلا الله عند الموت دخل الجنة ... \" (١). فقد تقدّم أنّ معناه تلقين المحتضر، ومن تأمّل\n_________\n(١) تقدّم تخريجه.","vol":"4","page":180},{"text":"لفظ الحديث؛ من كان آخر كلامه لا إِله إِلا الله عند الموت؛ أيقَن أنّ المراد بذلك المحتضر ليقولها.\nوأمّا حديث أبي أمامة الباهلي وقوله في النّزع: \"إِذا أنا مِتُّ فاصنعوا بي كما أمر رسول الله - ﷺ - فقال: إِذا مات أحد من إِخوانكم، فسوَّيتم التراب عليه؛ فليقم أحدكم على رأس قبره ثمّ ليقل: يا فلان بن فلان! فإِنه يسمع ولا يجيب.\nثمّ يقول: يا فلان بن فلانة! فإِنّه يستوي قاعدًا ثمّ يقول: يا فلان بن فلانة! فإِنه يقول: أَرْشِدْنا رحمك الله! ولكن لا تشعرون، فليقل: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة: أن لا إِله إِلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وأنك رضيت بالله ربًّا، وبالإِيسلام دينًا، وبمحمد نبيًّا، وبالقرآن إِمامًا؛ فإِن منكرًا ونكيرًا يأخذ كل واحد منهما بيد صاحبه ويقول: انطلق بنا؛ ما نقعد عند من لُقِّنَ حجته؟! فيكون الله حجيجه دونهما. قال رجل: يا رسول الله! فإِن لم يعرف أمه؟ قال: فينسبه إِلى حواء: يا فلان بن حواء! \".\nفإِنه ضعيف؛ وانظره في \"الإِرواء\" (٧٥٣).\nوجاء فيه (٣/ ٢٠٥): \"وقال الأثرم: قلت لأحمد: هذا الذي يصنعونه إِذا دفن الميت؛ يقف الرجل ويقول: يا فلان بن فلانة!؟ قال: ما رأيت أحدًا يفعله إِلا أهل الشام حين مات أبو المغيرة، يروى فيه عن أبي بكر بن أبي مريم عن أشياخهم أنهم كانوا يفعلونه، وكان إِسماعيل بن عياش يرويه، يشير إِلى حديث أبي أمامة\".\nقال شيخنا -﵀-: وليت شعري؛ كيف يمكن أن يكون مثل هذا","vol":"4","page":181},{"text":"الحديث صالحًا ثابتًا، ولا أحد من السلف الأول يعمل به؟!\nوقد قال النووي في \"المجموع\" (٥/ ٣٠٤)، والعراقي في \"تخريج الإِحياء\" (٤/ ٤٢٠): إِسناده ضعيف. وقال ابن القيم في \"زاد المعاد\" (١/ ٢٠٦): \"حديث لا يصح\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1106>التعزية</span>\nتعريفها: هي حمْل ذوي الميت على الصبر وفضْله، والابتلاء وأجره، والمصيبة وثوابها (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1107>مشروعية تعزية أهل الميت:</span>\nوتشرع تعزية أهل الميت.\nفعن قُرَّةَ بن إيَاسٍ -﵁- قال: \"كان نبي الله - ﷺ -. إِذا جلس؛ يجلس إِليه نفر من أصحابه، وفيهم رجل له ابن صغير، يأتيه من خلف ظهره، فيُقعده بين يديه، فهلك، فامتنع الرجل أن يحضر الحلقة (٢) لذكر ابنه.\nفحزن عليه، ففقده النّبيّ - ﷺ - فقال: ما لي لا أرى فُلانًا؟! قالوا: يا رسول الله! بُنيُّهُ الذي رأيته هلك، فلقيه النّبيّ - ﷺ -، فسأله عن بُنَيِّه؟ فأخبره أنه هلك، فعزاه عليه ثمّ قال: يا فلان! أيُّما كان أحبَّ إليك: أنْ تمتّع به عُمُرك، أو لا تأتي غدًا إِلى باب من أبواب الجنة؛ إِلا وجدته قد سبقك إِليه يفتحه لك.\n_________\n(١) ملتقطًا عن \"فيض القدير\".\n(٢) الحَلْقة: مجلس العِلم.","vol":"4","page":182},{"text":"قال: يا نبي الله! بل يسبقني إِلى باب الجنة فيفتحها لي، لهو أحبّ إِليّ! قال: فذاك لك\" (١).\nوعن عمرو بن حزم -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ما من مؤمن يُعزّي أخاه بمصيبة؛ إِلا كساه الله -﷿- من حُلل الجنّة\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1108>ماذا يقول عند التعزية</span>؟\nويُعزّيهم بما يظنُّ أنه يُسلّيهم، ويكفّ من حزنهم، ويحملهم على الرّضا والصبر، ممّا يثبت عنه - ﷺإِنْ كان يعلمه ويستحضره- وإلا فبما تيسرّ له من الكلام الحسن الذي يُحقق الغرض ولا يخالف الشرع، وفي ذلك أحاديث:\nالأول: عن أسامة بن زيد -﵄- قال: \"أرسلت ابنة النّبيّ - ﷺ - إِليه: إِنّ ابنًا لي قُبض، فأْتِنا، فأرسل يُقرئ السلام ويقول: إِنّ لله ما أخذ وله ما أعطى، وكلٌّ عنده بأجلٍ مسمًّى (٣)، فلتصبر ولتحتسب (٤) \" (٥).\n_________\n(١) أخرجه النسائي \"صحيح سنن النسائي\" (١٩٧٤) وغيره.\n(٢) أخرجه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٣٠١)، وغيره، وحسّنه شيخنا - ﵀- في \"الإِرواء\" (٧٦٤) -التحقيق الثاني-، وانظر \"الصحيحة\" (١/ ٣٧٨) برقم (١٩٥).\n(٣) أي: معلوم مُقدّر.\n(٤) أي: لِتَنْوِ بصبرها طلب الثواب من ربّها؛ ليُحسب ذلك من عملها الصالح. \"فتح\".\n(٥) أخرجه البخاري: ١٢٨٤، ومسلم: ٩٢٣.","vol":"4","page":183},{"text":"قال شيخنا -﵀- (ص ٢٠٧): \"وهذه الصِّيغة من التعزية؛ وإنْ وردت فيمن شارف الموت؛ فالتعزية بها فيمن قد مات أولى بدلالة النّصّ، ولهذا قال النوويّ في \"الأذكار\" وغيره: \"وهذا الحديث أحسن ما يعزّى به\".\nالثاني: عن بُرَيْدَة بن الحُصَيْبِ قال: \"كان رسول الله - ﷺ - يتعهّد الأنصار\nويعودهم ويسأل عنهم، فبلغه عن امرأة من الأنصار مات ابنها وليس لها غيره، وأنها جزعت عليه جزعًا شديدًا، فأتاها النّبيّ - ﷺ -[ومعه أصحابه، فلمّا بلغ باب المرأة قيل للمرأة: إِنّ نبيّ الله يريد أنْ يدخل يُعزِّيها.\nفدخل رسول الله - ﷺ - فقال: أما إِنّه بلغني أنّك جزعتِ على ابنك؛ فأمرها بتقوى الله وبالصّبر، فقالت: يا رسول الله! [ما لي لا أجزع]؛ وإنّي امرأة رَقُوبٌ لا ألد، ولم يكن لي غيره؟!\nفقال رسول الله - ﷺ -: الرقوب: الذي يبقى ولدها، ثمّ قال: ما من امرئٍ أو امرأةٍ مُسلمةٍ يموت لها ثلاثة أولاد [يحتسبهم]؛ إلاَّ أدخله الله بهم الجنّة. فقال عمر [وهو عن يمين النّبيّ - ﷺ -]: بأبي أنت وأُمّي واثنين؟! قال: واثنين\" (١).\nالثالث: قوله - ﷺ - حينما دخل على أمّ سلمة -﵂- عقب موت أبي سلمة: \"اللهمّ اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديّين، واخلُفْه في عَقِبه في الغابرين (٢)، واغفِر لنا وله يا ربّ العالمين! وافسح له في قبره، ونوِّر له\n_________\n(١) أخرجه البزار والزيادات منه، والحاكم وقال: \"صحيح الإِسناد\"، ووافقه الذهبي، وانظر للمزيد من الفوائد الحديثية ما قاله شيخنا -﵀- في \"أحكام الجنائز\" (ص ٢٠٨).\n(٢) أي: الباقين.","vol":"4","page":184},{"text":"فيه\" (١)\nوسألت شيخنا -﵀- عن تعزية الذّمي إِذا أَمِنَ المعزّي الفتنة؟\nفقال: \"نعم يجوز، ويضاف إِلى ذلك: أحسن التعزية\".\nيريد شيخنا: يجوز للمرء أن يعزّي الذمّي إِذا أمِن الفتنة وأحسَن التعزية.\nلكن قرأت في \"أحكام الجنائز\" (ص ١٦٩) كلامًا له -﵀- يقول فيه -بعد حديث: \"اذهب فواره\"-: ومن الملاحظ في هذا الحديث أنّ النّبيّ - ﷺ - لم يُعزِّ عليًا بوفاة أبيه المشرك، فلعله يصلح دليلًا لعدم شرعية تعزية المسلم بوفاة قريبه الكافر، فهو -من باب أولى- دليلٌ على عدم جواز تعزية الكفار بأمواتهم أصلًا\".\nثمّ ذكّرني أخي عمر الصادق -حفظه الله تعالى- بفائدة ذكَرها شيخنا - ﵀- في \"صحيح الأدب المفرد\" (٨٤٧/ ١١١٢) وهو تقييده جواز تعزية الكافر بأن لا يكون حربيًا عدوًا للمسلمين، فقد قال -﵀- بعد إِيراد أثر عُقبة بن عامر الجُهني -﵁-: \"أنّه مرَّ برجل هيئته هيئة مسلم، فسلَّم فردَّ عليه: وعليك ورحمة الله وبركاته، فقال له الغلام: إِنّه نصراني! فقام عقبة فتبعه حتى أدركه فقال: إِنَّ رحمة الله وبركاته على المؤمنين، لكن أطال الله حياتك، وأكثر مالك وولدك\" (٢).\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ٩٢٠، وتقدّم بتمامه.\n(٢) أخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" (١١١٢)، وحسن شيخنا -﵀- إِسناده في \"الإِرواء\" (١٢٧٤).","vol":"4","page":185},{"text":"قال -﵀-: في هذا الأثر إِشارةٌ من هذا الصحابي الجليل إِلى جواز الدعاء بطول العمر ولو للكافر، فللمسلم أولى، ولكن لا بُدّ أن يلاحظ الداعي أن لا يكون عدوًّا للمسلمين، ويترشّح منه جواز تعزية مِثله لما في هذا الأثر\".\nوالخلاصة جواز تعزية الكافر غير الحربيّ أو المعادي للمسلمين أحسن المعزّي عزاءَه وأمِن الفتنة، والله -تعالى- أعلم.\nوسألته -﵀-: هل ترون الذهاب إِلى بيوت التعزية للنهي عن المنكر؛ مع ما قد عَلِمنا من حُكمه؟!\nفقال: يحضر وينصح ويُذكّر، أمّا للتعزية فقط فلا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1109>لا تُحدّ التعزية بثلاثة أيام:</span>\nولا تُحدّ التعزية بثلاثة أيام لا يتجاوزها؛ فإِن حديث: \"لا عزاء فوق ثلاث\" لا يُعرف له أصْل؛ كما قال شيخنا -﵀-.\nبل متى رأى الفائدة في التعزية أتى بها؛ فقد ثبت عنه - ﷺ - أنه عزى بعد الثلاثة في حديث عبد الله بن جعفر -رضي الله تعالى عنهما- قال: \"بعث رسول الله - ﷺ - جيشًا استعمل عليهم زيد بن حارثة وقال: فإِنْ قُتل زيد أو استشهد؛ فأميركم جعفر، فإِنْ قتل أو استشهد، فأميركم عبد الله بن رواحة؛ فلقوا العدوّ، فأخذ الراية زيد، فقاتل حتى قُتل، ثمّ أخذ الراية جعفر فقاتل حتى قُتل، ثمّ أخذها عبد الله، فقاتل حتى قُتل، ثمّ أخذ الراية خالد بن الوليد ففتح الله عليه.\nوأتى خبرهم النّبيّ - ﷺ -، فخرج إِلى الناس، فحمد الله وأثنى عليه وقال: إِنّ إِخوانكم لقوا العدوّ، وإِنّ زيدًا أخذ الراية، فقاتل حتى قُتل واستشهد، ثمّ ..","vol":"4","page":186},{"text":"ثم .. ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله: خالد بن الوليد؛ ففتح الله عليه، فأُمِهْل؛ ثمّ أَمْهَل آل جعفر ثلاثًا أن يأتيهم، ثمّ أتاهم فقال: لا تبكوا على أخي بعد اليوم، ادعوا لي ابْنَيْ أخ.\nقال: فجيء بنا كأنّا أفْرُخٌ، فقال: ادعوا لي الحلاق، فجيءَ بالحلاق، فحلق رؤوسنا ثمّ قال: أمّا محمد؛ فشبيه عمِّنا أبي طالب، وأما عبد الله؛ فشبيه خلْقي وخُلُقي، ثمّ أخذ بيدي فأشالها فقال: اللهمّ اخلف جعفرًا في أهله، وبارك لعبد الله في صفقة يمينه، قالها ثلاث مرات.\nقال: فجاءت أُمنّا فذكرت له يُتْمَنا، وجعلت تُفْرِح (١) له، فقال: آلعَيْلَةَ تخافين عليهم؛ وأنا وليُّهم في الدنيا والآخرة؟! \" (٢).\nقال شيخنا -﵀- (ص٢١٠): \"وقد ذهب إِلى ما ذكرنا -من أنّ التعزية لا تُحدّ بحدّ-: جماعة من أصحاب الإِمام أحمد، كما في \"الإِنصاف\" (٢/ ٥٦٤)، وهو وجهٌ في المذهب الشافعي، قالوا: لأنّ الغرض الدعاء، والحمل على الصبر، والنهي عن الجزع، وذلك يحصل مع طول الزمان.\nحكاه إِمام الحرمين، وبه قطع أبو العباس ابن القاص من أئمتهم، وإن أنكره عليه بعضهم؛ فإِنما ذلك من طريق المعروف من المذهب لا الدليل، وانظر \"المجموع\" (٥/ ٣٠٦) \".\n_________\n(١) تُفرِحُه: مِن أفرَحه: إِذا غمّه وأزال عنه الفرَح، وأفرَحه الدّين إِذا أثقله. \"النهاية\".\n(٢) أخرجه أحمد بإِسناد صحيح على شرط مسلم، وانظر \"أحكام الجنائز\" (ص ٢٠٩).","vol":"4","page":187},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1110>ينبغي اجتناب أمرين، وإنْ تتابع الناس عليهما:</span>\n١ - الاجتماع للتعزية في مكانٍ خاصّ؛ كالدار أو المقبرة أو المسجد.\n٢ - اتخاذ أهل الميت الطعام؛ لضيافة الواردين للعزاء.\nفعن جرير بن عبد الله البَجَلي -﵁- قال: \"كنّا نعُدُّ (وفي رواية: نرى) الاجتماع إِلى أهل الميت، وصنيعة الطعام بعد دفنه من النياحة\" (١).\nقال شيخنا -﵀- (ص ٢١٠): \"قال النووي في \"المجموع\" (٥/ ٣٠٦): وأمّا الجلوس للتعزية؛ فنصّ الشافعي -والمصنّف [أي: الشِّيرازيّ] وسائر الأصحاب على كراهته، قالوا: يعني بالجلوس لها: أن يجتمع أهل الميت في بيت، فيقصدهم من أراد التعزية.\nقالوا: بل ينبغي أن ينصرفوا في حوائجهم، فمن صادفهم عزّاهم، ولا فرق بين الرجال والنساء في كراهة الجلوس لها\".\nونصُّ الإِمام الشافعي الذي أشار إِليه النووي: هو في كتاب \"الأم\" (١/ ٢٤٨): \"وأكره المآتم، وهي الجماعة، وإِنْ لم يكن لهم بكاءٌ؛ فإِنّ ذلك يُجدِّد الحزن، ويكلّف المُؤْنَة (٢)، مع ما مضى فيه من الأثر.\nكأنّه يُشير إِلى حديث جرير هذا [كنّا نعد الاجتماع إِلى أهل الميت وصنيعة الطعام بعد دفنه من النّياحة]، قال النووي: \"واستدلّ له المصَنِّف وغيره بدليل آخر؛ وهو أنّه مُحدَث\".\n_________\n(١) أخرجه أحمد، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٣٠٨).\n(٢) المُؤْنَة: القوت.","vol":"4","page":188},{"text":"وكذا نص ابن الهُمَام في \"شرح الهداية\" (١/ ٤٧٣) على كراهية اتِّخاذ الضيافة من الطعام من أهل الميت؛ وقال: \"وهي بدعة قبيحة\".\nوهو مذهب الحنابلة كما في \"الإِنصاف\" (٢/ ٥٦٥).\nوإنما السّنة أن يصنع أقرباء الميت وجيرانه لأهل الميت طعامًا يُشبعهم.\nفعن عبد الله بن جعفر -﵁- قال: \"لما جاء نَعِيُّ جعفر حين قُتل؛ قال النّبيّ - ﷺ -: اصنعوا لآل جعفر طعامًا؛ فقد أتاهم أمر يَشْغَلُهم -أو أتاهم ما يَشْغَلُهم-\" (١).\nوقد كانت عائشة تأمر بالتلبينةِ للمريض، وللمحزون على الهالك، وتقول: إِني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"إِنّ التلبينة (٢) مَجمَّة (٣) لفؤاد المريض؛ تذهب ببعض الحزن\" (٤).\nقال الإِمام الشافعي في \"الأم\" (١/ ٢٤٧): \"وأحبّ لجيران الميت أو ذوي القرابة: أن يعملوا لأهل الميت في يوم يموت وليلته طعامًا يُشبعهم؛ فإِنّ ذلك سُنّة، وذكر كريم، وهو من فعل أهل الخير قبلنا وبعدنا\".\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٦٨٦)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٧٩٦)، وحسنه، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٣٠٦).\n(٢) طعام يُتخّذ من دقيق أو نخالة، وربما جُعل فيها عسل، سمّيت بذلك؛ لشبهها باللبن في البياض والرّقة. \"فتح\".\n(٣) مَجمّة -بفتح الميم-؛ أي: مكان الاستراحة. ورويت بضم الميم -مُجِمّة-؛ أي: مريحة. وانظر \"الفتح\".\n(٤) أخرجه البخاري: ٥٤١٧، ومسلم: ٢٢١٦.","vol":"4","page":189},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1111>ما ينتفع به الميِّت</span>\nوينتفع الميت من عَمَل غيره بأمور:\nأولًا: دعاء المسلم واستغفاره له، إِذا توفّرت فيه شروط القبول؛ لقول الله - ﵎-: ﴿والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربّنا اغفر لنا ولإِخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غِلًاّ للذين آمنوا ربَّنا إِنّك رؤوف رحيم﴾ (١).\nوأما الأحاديث؛ فهي كثيرة جدًّا؛ منها حديث أبي الدرداء -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة؛ عند رأسه مَلَك مُوكّل؛ كلّما دعا لأخيه بخير؛ قال الملك المُوكّل به: آمين؛ ولك بمثل\" (٢).\nبل إِنّ صلاة الجنازة جلّها شاهد لذلك؛ لأنّ غالبها دعاء للميت، واستغفار له.\nثانيًا: قضاء وليّ الميت صومَ النّذر عنه؛ دون صوم رمضان (٣)، وفيه أحاديث:\n١ - عن عائشة -﵂- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"من مات وعليه صيام؛ صام عنه وليُّه\" (٤).\n_________\n(١) الحشر: ١٠.\n(٢) أخرجه مسلم: ٢٧٣٢، وغيره.\n(٣) انظر \"تلخيص أحكام الجنائز\" (ص ٧٥).\n(٤) أخرجه البخاري: ١٩٥٢، ومسلم: ١١٤٧.","vol":"4","page":190},{"text":"٢ - عن ابن عباس -﵄- قال: \"جاء رجل إِلى النّبيّ - ﷺ - فقال: يا رسول الله! إِنّ أمّي ماتت وعليها صوم شهر؛ أفأقضيه عنها، قال: نعم؛ فدين الله أحقُّ أن يقضى.\nوعنه أيضًا: قالت امرأة: إِنّ أختي ماتت\" (١).\n٣ - عن ابن عباس -﵄- أيضًا: أنّ سعد بن عبادة -﵁- استفتى رسول الله - ﷺ - فقال: \"إِنّ أُمّي ماتت وعليها نَذْر؟ فقال: اقضِه عنها\" (٢).\nقال شيخنا -﵀- (ص ٢١٥): \"وهذه الأحاديث صريحة الدلالة في مشروعية صيام الوليّ عن الميت صومَ النذر؛ إِلا أنّ الحديث الأول يدلُّ - بإِطلاقه- على شيء زائد على ذلك، وهو أنه يصوم عنه صوم الفرض أيضًا، وقد قال به الشافعية، وهو مذهب ابن حزم (٧/ ٢، ٨) وغيرهم. وذهب إِلى الأول الحنابلة، بل هو نصُّ الإِمام أحمد، فقال أبو داود في \"المسائل\" (٩٦): \"سمعت أحمد بن حنبل قال: لا يُصام عن الميت إِلا في النذر\".\nوحمل أتباعه الحديث الأول على صوم النذر، بدليل ما روت عمرة: أنّ أمها ماتت وعليها من رمضان؛ فقالت لعائشة: أقضيه عنها؟ قالت: لا؛ بل تصدّقي عنها -مكان كل يوم- نصف صاع على كل مسكين\" (٣).\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٩٥٣، ومسلم: ١١٤٨.\n(٢) أخرجه البخاري: ٢٧٦١، ومسلم: ١٦٣٨.\n(٣) أخرجه الطحاوي، وابن حزم -واللفظ له- بإِسناد قال ابن التركماني: \"صحيح\".","vol":"4","page":191},{"text":"وبدليل ما روى سعيد بن جبير عن ابن عباس -﵄- قال: \"إِذا مرض الرجل في رمضان، ثمّ مات ولم يصم؛ أطعم عنه، ولم يكن عليه قضاء، وإن كان عليه نذر قضى عنه وليه\" (١).\nقال شيخنا -﵀- (ص ٢١٥): \"وهذا التفصيل الذي ذهبَت إِليه أم المؤمنين، وحَبْر الأمّة ابن عباس -﵄- وتابعهما إِمام السنّة أحمد ابن حنبل: هو الذي تطمئن إِليه النفس، وينشرح له الصدر، وهو أعدل الأقوال في هذه المسألة وأوسطها، وفيه إِعمال لجميع الأحاديث؛ دون ردٍّ لأيّ واحد منها، مع الفهم الصحيح لها؛ خاصة الحديث الأول منها، فلم تفهم منه أم المؤمنين ذلك الإِطلاق الشامل لصوم رمضان، وهي رَاوِيتُهُ، ومن المقرر أنّ راوي الحديث أدرى بمعنى ما روى، لا سيّما إِذا كان ما فَهِمَ هو الموافق لقواعد الشريعة وأصولها، كما هو الشأن هنا.\nوقد بيّن ذلك المُحقق ابن القيم -رحمه الله تعالى- فقال في \"إِعلام الموقعين\" (٣/ ٥٥٤) -بعد أن ذكر الحديث وصححه-: \"فطائفة حملت هذا على عمومه وإطلاقه، وقالت: يُصام عنه النذر والفرض! وأبت طائفة ذلك، وقالت: لا يُصام عنه نذر ولا فرض! وفصّلت طائفة؛ فقالت: يُصام عنه النذر دون الفرض الأصلي.\nوهذا قول ابن عباس وأصحابه، وهو الصحيح؛ لأنّ فرض الصيام جارٍ مجرى الصلاة، فكما لا يُصلي أحد عن أحد، ولا يُسْلِمُ أحد عن أحد، فكذلك\n_________\n(١) أخرجه أبو داود بسند صحيح على شرط الشيخين، وله طريق آخر بنحوه عند ابن حزم، وصحح إِسناده.","vol":"4","page":192},{"text":"الصيام. وأمّا النذر؛ فهو التزام في الذمة بمنزلة الدَّين، فيُقبل قضاء الوليّ له كما يقضي دَيْنه، وهذا محض الفقه.\nوطرد هذا أنه لا يُحَجُّ عنه، ولا يُزَكَّى عنه؛ إِلا إِذا كان معذورًا بالتأخير؛ كما يطعم الوليّ عمّن أفطر في رمضان لعذر.\nفأما المُفرّط من غير عذر أصلًا فلا ينفعه أداء غيره لفرائض الله التي فرّط فيها، وكان هو المأمور بها ابتلاءً وامتحانًا دون الوليّ، فلا تنفع توبة أحد عن أحد، ولا إِسلامه عنه، ولا أداء الصلاة عنه؛ ولا غيرها من فرائض الله -تعالى- التي فرّط فيها حتى مات\".\nقال شيخنا -﵀-: \"وقد زاد ابن القيم -﵀- هذا البحث توضيحًا وتحقيقًا في \"تهذيب السنن\" (٣/ ٢٧٩ - ٢٨٢)، فليراجع؛ فإِنّه مهم.\nثالثًا: قضاء الدّين عنه من أيّ شخص؛ وليًّا كان أو غيره، وفيه أحاديث كثيرة وقد سبق ذِكر الكثير منها.\nرابعًا: ما يفعله الولد الصالح من الأعمال الصالحة؛ فإِنّ لوالديه مثلَ أجره، دون أن ينقص من أجره شيء؛ لأن الولد من سعْيهما وكسْبهما، والله -﷿- يقوله: ﴿وأنْ ليس للإِنسان إِلا ما سعى﴾ (١).\nوعن عمّة عمارة بن عمير: أنّها سألت عائشة -﵂-: في حجري يتيم؛ أفآكل من ماله؟ فقالت: قال رسول الله - ﷺ -: \"إِنّ من أطيب ما أكل\n_________\n(١) النجم: ٣٩.","vol":"4","page":193},{"text":"الرجل من كسْبه، وولدهُ من كسْبه\" (١).\nويؤيد ما دلّت عليه الآية والحديث أحاديثُ خاصة وردت في انتفاع الوالد بعمل ولده الصالح؛ كالصدقة والصيام والعتق ونحوه، وهي هذه:\nالأول: عن عائشة -﵂-: \"أنّ رجلًا قال للنّبيّ - ﷺ -: إِنّ أميّ افتُلِتَت نفسها (٢)، وأراها لو تكلّمت تصدّقت، أفأتصدق عنها؟ قال: نعم، تصدّق عنها\" (٣).\nالثاني: عن ابن عباس -﵄-: أنّ سعد بن عبادة -﵁- أخا بني ساعدة -تُوفِّيت أُمه وهو غائب، فأتى النّبيّ - ﷺ - فقال: يا رسول الله!\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٠١٣)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٤١٤٤)، والترمذي، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٧٣٨).\n(٢) جاء في \"النهاية\": \"أي: ماتت فجأة وأُخذت نفسها فلتة، يُقال: افتلته: إِذا استلبه، وافتُلِتَ فلان بكذا: إِذا فُوجئ به قبل أن يستعدّ له.\nويروى بنصب النفس ورفعها: فمعنى النصب: افتَلَتَها الله نفسها، مُعدّى إِلى مفعولين، كما تقول: اختَلَسَه الشيء واستلبه إِيّاه، ثمّ بنى الفعل لما لم يُسمّ فاعله، فتحوّل المفعول الأوّل مضمرًا وبقي الثاني منصوبًا، وتكون التاء الأخيرة ضمير الأمّ؛ أي: افتلتت هي نفسها.\nوأمّا الرّفع؛ فيكون مُتعديًا إِلى مفعول واحد، أقامه مقام الفاعل، وتكون التاء للنفس؛ أي: أُخذت نفسها فلتة\".\nقال القاضي: أكثر روايتنا فيه بالنصب. قاله النووي -﵀-.\n(٣) أخرجه البخاري: ٢٧٦٠، ١٣٨٨، ومسلم: ١٠٠٤.","vol":"4","page":194},{"text":"إِنّ أمي توفِّيت وأنا غائب عنها، فهل ينفعها شيء إِن تصدَّقت به عنها؟ قال: نعم. قال: إِني أُشهِدك أنّ حائطى المِخْرَافَ (١) صدقة عليها\" (٢).\nالثالث: عن أبي هريرة -﵁-: \"أنّ رجلًا قال للنّبيّ - ﷺ -: إِنّ أبي مات وترك مالًا ولم يُوصِ، فهل يُكفّر عنه أن أتصدّق عنه؟ قال: نعم\" (٣).\nالرابع: عن عبد الله بن عمرو: \"أنّ العاص بن وائل السَّهْمِي أوصى أن يُعتق عنه مائة رقبة، فأعتق ابنه هشام خمسين رقبة، فأراد ابنه عمرو أن يعتق عنه الخمسين الباقية.\nقال: حتى أسأل رسول الله - ﷺ -، فأتى النّبيّ - ﷺ - فقال: يا رسول الله! إِنّ أبي أوصى بعتق مئة رقبة، وإنّ هشامًا أعتق عنه خمسين، وبقيت عليه خمسون، أفأعتق عنه؟ فقال رسول الله - ﷺ -: إِنه لو كان مسلمًا فأعتقتم عنه أو تصدّقتم عنه، أو حججتم عنه؛ بلغه ذلك (وفي رواية: فلو كان أقرّ بالتوحيد فصمت وتصدّقت عنه؛ نفعه ذلك) \" (٤).\nقال شيخنا -﵀- (ص ٢١٩): \"قال الشوكاني في \"نيل الأوطار\" (٤/ ٧٩): \"وأحاديث الباب تدّل على أنّ الصدقة من الولد تلحق الوالدين\n_________\n(١) أي: المثمر. قاله الكرماني (١٢/ ٧٧). سمي بذلك لما يُخْرَفُ منه؛ أي: يجنى من الثمرة. قاله القسطلاني، كما في \"عون المعبود\" (٨/ ٦٣).\n(٢) أخرجه البخاري: ٢٧٦٢.\n(٣) أخرجه مسلم: ١٦٣٠.\n(٤) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٥٠٧)، والبيهقي -والسياق له- وأحمد، -والرواية الأخرى له-، وإسنادهم حسن.","vol":"4","page":195},{"text":"بعد موتهما بدون وصيّة منهما، ويصل إِليهما ثوابها، فيخصّص بهذه الأحاديثِ عمومُ قوله -تعالى-: ﴿وأنْ ليس للإِنسان إِلا ما سعى﴾، ولكن ليس في أحاديث الباب إِلا لحوق الصدقة من الولد، وقد ثبت أنّ ولد الإِنسان من سعيه، فلا حاجة إِلى دعوى التّخصيص، وأمّا من غير الولد؛ فالظاهر من العموميّات القرآنية أنه لا يصل ثوابه إِلى الميت، فيوقف عليها، حتى يأتي دليل يقتضي تخصيصها\".\nقلت أي: شيخنا -﵀-: \"وهذا هو الحق الذي تقضيه القواعد العلمية: أنّ الآية على عمومها، وأن ثواب الصدقة وغيرها يصل من الولد إِلى الوالد؛ لأنّه من سعيه؛ بخلاف غير الولد\".\nوقال -﵀- (ص ٢٢٢): \"وإذا كان من المسلَّم به عند أهل العلم: أنّ لكلّ عقيدة أو رأي يتبناه أحد في هذه الحياة أثرًا في سلوكه -إِن خيرًا فخير؛ وإن شرًّا فشّر-؛ فإِن من المُسَلّم به أيضًا: أنّ الأثر يدلُّ على المُؤثّر، وأنّ أحدهما مرتبط بالآخر -خيرًا أو شرًا كما ذكرنا-، وعلى هذا؛ فلسنا نشكُّ أنّ لهذا القول أثرًا سيئًا في من يحمله أو يتبناه، من ذلك مثلًا: أنّ صاحبه يتّكل في تحصيل الثواب والدرجات العاليات على غيره؛ لعلمه أنّ الناس يُهدون الحسنات مئات المرّات في اليوم الواحد إِلى جميع المسلمين: الأحياء منهم والأموات، وهو واحد منهم، فلماذا لا يستغني حينئذ بعمل غيره عن سعيه وكسْبه؟!\nألست ترى -مثلًا- أنّ بعض المشايخ الذين يعيشون على كسْب تلامذتهم لا يَسْعَوْن بأنفسهم ليَحْصُلوا على قوت يومهم بعرق جبينهم وكَدِّ يمينهم؟!","vol":"4","page":196},{"text":"وما السبب في ذلك؛ إِلا أنهم استغنوا عن ذلك بكسب غيرهم، فاعتمدوا عليه وتركوا العمل!! هذا أمر مشاهد في المادِّيّات، معقول في المعنويات، كما هو الشأن في هذه المسألة.\nوليت أنّ ذلك وقف عندها ولم يتعدّها إِلى ما هو أخطر منها، فهناك قول بجواز الحجّ عن الغير؛ ولو كان غير معذور؛ كأكثر الأغنياء التاركين للواجبات! فهذا القول يحملهم على التساهل في الحجّ والتقاعس عنه؛ لأنّه يتعلّل به ويقول في باطنه: يحجّون عنّي بعد موتي!\nبل إِنّ ثمّة ما هو أضرُّ من ذلك، وهو قول بوجوب إِسقاط الصلاة عن الميت التارك لها! فإِنّه من العوامل الكبيرة على ترك بعض المسلمين للصلاة؛ لأنّه يتعلل أيضًا بأنّ النّاس يُسقطونها عنه بعد وفاته! إِلى غير ذلك من الأقوال التي لا يخفى سوء أثرها على المجتمع! فمن الواجب على العالم الذي يُريد الإِصلاح: أن ينبذ هذه الأقوال؛ لمُخالفتها نصوص الشريعة ومقاصدها الحسنة.\nوقابِل أثر هذه الأقوال بأثر قول الواقفين عند النّصوص -لا يخرجون عنها بتأويل أو قياس-: تجد - الفرق كالشمس؛ فإِنّ من لم يأخذ بمثل الأقوال المشار إِليها؛ لا يُعقل أن يتّكل على غيره في العمل والثواب؛ لأنه يرى أنه لا يُنجّيه إِلا عمله، ولا ثواب له إِلا ما سعى إِليه هو بنفسه، بل المفروض فيه أن يسعى - ما أمكنه- إِلى أنْ يُخلِّف من بعده أثرًا حسنًا يأتيه أجره، وهو وحيد في قبره، بدل تلك الحسنات الموهومة، وهذا من الأسباب الكثيرة في تقدّم السلف وتأخُّرنا، ونَصْر الله إِيّاهم وخِذْلانه إِيّانا، نسأل الله -تعالى- أن يهدينا كما هداهم، وينصرنا كما نصرهم (١)!\n_________\n(١) أيُّ سبيلٍ لهدم الإِرجاء كهذا؟! فَرحم الله شيخنا رحمة واسعة على نشْرِهِ =","vol":"4","page":197},{"text":"خامسًا: ما خلّفه من بعده من آثارٍ صالحة وصدقات جارية، لقوله ﵎-: ﴿ونكتب ما قدّموا وآثارَهم﴾، وفيه أحاديث:\n١ - عن أبي هريرة -﵁- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"إِذا مات الإِنسان؛ انقطع عنه عمله إِلا من ثلاثة: إِلا من صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له\" (١).\n٢ - عن أبي هريرة -﵁- أيضًا قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إِنّ ممّا يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علمًا علّمه ونشره، وولدًا صالحًا تركه، ومُصْحفًا ورّثه، أو مسجدًا بناه، أو بيتًا لابن السبيل بناه، أو نهرًا أجراه، أو صدقةً أخرجها من ماله في صحته وحياته؛ يلحقه من بعد موته\" (٢).\n٣ - عن جرير بن عبد الله قال: \"كنّا عند رسول الله - ﷺ - في صدر النهار، قال: فجاءه قوم حُفاةً عُراةً مُجتابي (٣) النِّمار (٤) أو العباء (٥) مُتقلِّدي السيوف،\n_________\n= عقيدة أهل السّنّة والجماعة.\n(١) أخرجه مسلم: ١٦٣١.\n(٢) أخرجه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٩٨) وغيره.\n(٣) مجتابي النمار؛ أي: خرقوا وسطها. قاله النووي -﵀-.\n(٤) النمار -بكسر النون-: جمع نَمِرة؛ وهي ثياب صوف فيها تنمير. قاله النووي أيضًا.\nجاء في \"النهاية\": \"كلّ شَمْلةٍ مخطّطة من مآزر الأعراب؛ فهي نَمِرة، وجمعها نمار؛ كأنها أُخذت من لون النّمِر؛ لما فيها من السواد والبياض، وهي من الصفات الغالبة، أراد أنه جاءه قوم لابسي أُزر مُخطّطة من صوف\".\n(٥) العباء: جمع عباءَة.","vol":"4","page":198},{"text":"عامَّتهم من مُضَرَ -بل كلّهم من مضر- فتمعّر (١) وجه رسول الله - ﷺ -، لما رأى بهم من الفاقة، فدخل ثمّ خرج؛ فأمر بلالًا؛ فأذّن وأقام فصلّى؛ ثمّ خطب فقال: ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة ...﴾ إِلى آخر الآية: ﴿إِنّ الله كان عليكم رقيبًا﴾، والآية التي في الحشر: ﴿اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدّمت لغدٍ واتقوا الله﴾؛ تصدّق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بُرِّهِ، من صاع تمره (حتى قال)، ولو بشقِّ تمرة.\nقال: فجاء رجل من الأنصار بصُرّة كادت كفّه تَعْجِزُ عنها، بل قد عَجَزت.\nقال: ثمّ تتابع الناس، حتى رأيت كومين عن طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله - ﷺ - يتهلَّل (٢)؛ كأنّه مُذْهَبَة (٣)، فقال رسول الله - ﷺ -: من سنّ في الإِسلام سُنّة حسنة؛ فله أجرها وأجر من عمل بها بعده؛ من غير أن ينقص من أُجورهم شيء.\nومن سنّ في الإِسلام سنّة سيئةً؛ كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده؛ من غير أن ينقُص من أوزارهم شيء\" (٤).\n_________\n(١) تمعّر؛ أي: تغيّر.\n(٢) يتهلّل؛ أي: يستنير فرحًا وسرورًا.\n(٣) مُذَهَبَة: من الشيء المذهب، وهو المُمَوَّه بالذهب، أو مِن قولهم: فرس مُذهَب: إِذا عَلَت حُمرتَه صَفرةٌ. \"النهاية\".\n(٤) أخرجه مسلم: ١٠١٧.","vol":"4","page":199},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1112>زيارة القبور</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1113>مشروعيّتها:</span>\nوتُشرع زيارة القبور؛ للاتعاظ بها وتذكُّر الآخرة؛ شريطة أن لا يقول عندها ما يُغْضِبُْ الرَّبَّ -﷾- كدعاء المقبور والاستغاثة به من دون الله -تعالى- أو تزكيته والقطع له بالجنّة، ونحو ذلك، وفيه أحاديث:\n١ - عن بُرَيْدَةَ -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها\" (١).\nوفي زيادة: \"فمن أراد أن يزور؛ فليزُر ولا تقولوا هُجْرًا (٢) \" (٣).\nقال شيخنا -﵀-: \"ولا يخفى أنّ ما يفعله العامّة وغيرهم عند الزيارة -من دعاء الميت، والاستغاثة به، وسؤال الله بحقِّه-: لهو من أكبر الهُجْرِ والقول الباطل، فعلى العلماء أن يبيّنوا لهم حُكم الله في ذلك، ويُفهِّموهم الزيارة المشروعة والغاية منها.\nوقد قال الصنعاني في \"سبل السلام\" (٢/ ١٦٢) -عقب أحاديثَ في الزيارة والحكمة منها-: \"الكُلُّ دالٌّ على مشروعية زيارة القبور، وبيان الحكمة فيها، وأنّها للاعتبار، فإِذا خلت من هذه؛ لم تكن مُرادةً شرعًا\".\n٢ - وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إِنّي نهيتكم عن\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ٩٧٧.\n(٢) أي: فُحْشًا، يُقال: أهَجر في مَنطِقه يُهْجِرُ إِهجارًا: إِذا أفحش، وكذلك إِذا أكثر الكلام فيما لا ينبغي. \"النهاية\".\n(٣) أخرجه النسائي \"صحيح سنن النسائي\" (١٩٢٢).","vol":"4","page":200},{"text":"زيارة القُبور؛ فزوروها، فإِنّ فيها عبرة، [ولا تقولوا ما يُسْخِطُ الربّ] \" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1114>ما يقول إِذا زار القبور أو مرّ بها </span>(٢):\nعن بريدة -﵁- قال: \"كان رسول الله - ﷺ - يُعلّمهم إِذا خرجوا إِلى المقابر، فكان قائلهم يقول: السّلام على أهل الدّيار، السّلام عليكم أهل الديّار؛ من المؤمنين والمسلمين، وإنّا إِن شاء الله للاحقون، أسأل الله لنا ولكم العافية\" (٣).\nعن عائشة -﵂- قالت: \"كان رسول الله - ﷺ - كلما كان ليلتها من رسول الله - ﷺ -؛ يخرج من آخر الليل إِلى البقيع، فيقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين! وأتاكم ما توعدون؛ غدًا مؤجّلون، وإنّا إِن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد (٤) \" (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1115>جواز زيارةِ النساءِ القبورَ:</span>\nوالنّساء كالرجال في استحباب زيارة القبور؛ لوجوه:\n_________\n(١) أخرجه أحمد، والحاكم، وعنه البيهقي، ثمّ قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وقال شيخنا -﵀- في \"أحكام الجنائز\" (ص ٢٢٨): \"وهو كما قالا\".\n(٢) هذا العنوان من \"سنن أبي داود\".\n(٣) أخرجه مسلم: ٩٧٥.\n(٤) ويدعو لأهل القبور الذين زارهم.\n(٥) أخرجه مسلم: ٩٧٤.","vol":"4","page":201},{"text":"١ - عُموم قوله - ﷺ -: \" .. فزوروا القبور\"؛ فيدخل فيه النساء، وبيانه: أنّ النّبيّ - ﷺ - لما نهى عن زيارة القبور في أوّل الأمر؛ فلا شك أنّ النهي كان شاملًا للرجال والنساء معًا، فلمّا قال: \"كُنتُ نهيتكم عن زيارة القبور\"؛ كان مفهومًا أنّه كان يعني الجنسين؛ ضرورةَ أنّه يخبرهم عمّا كان في أول الأمر من نهي الجنسين.\nفإِذا كان الأمر كذلك؛ كان لزامًا أنّ الخطاب في الجملة الثانية من الحديث - وهو قوله: \"فزوروها\"-؛ إِنّما أراد به الجنسين أيضًا.\nويؤيده أنّ الخطاب في بقية الأفعال المذكورة في زيادة مسلم في حديث بُريدة المتقدّم آنفًا:\n\"ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث؛ فأمسكوا ما بدا لكم، ونهيتكم عن النّبيذ إِلا في سقاءٍ؛ فاشربوا في الأسقية كلها ولا تشربوا مسكرًا\".\nأقول [أي: شيخنا -﵀-]: فالخطاب في جميع هذه الأفعال موجّه إِلى الجنسين قطعًا، كما هو الشأن في الخطاب الأوّل: \"كنت نهيتكم\"؛ فإِذا قيل بأنّ الخطاب في قوله: \"فزوروها\" خاصٌّ بالرجال؛ اختل نظام الكلام وذهبت طراوته! الأمر الذي لا يليق بمن أوتي جوامع الكلم. ويزيده تأييدًا الوجوه الآتية:\n٢ - مُشاركتهنّ الرجالَ في العلّة التي من أجلها شُرعت زيارة القبور: \"فإِنها تُرِقُّ القلبِ وتدمع العين، وتُذكّر الآخرة\" (١).\n٣ - أنّ النّبيّ - ﷺ - قد رخص لهن في زيارة القبور في حديثين حَفِظْتهما لنا\n_________\n(١) أخرجه الحاكم بسند حسن، وانظر \"أحكام الجنائز\" (ص ٢٢٨).","vol":"4","page":202},{"text":"أُمُّ المؤمنين عائشة -﵂-: عن عبد الله بن أبي مُليكة: \"أنّ عائشة أقبلت ذات يوم من المقابر، فقُلت لها: يا أمَّ المؤمنين! من أين أقبلتِ؟ قالت: مِنْ قَبْرِ عبد الرحمن بن أبي بكر، فقلت لها: أليس كان رسول الله - ﷺ - نهى عن زيارة القبور؟! قالت: نعم، ثمّ أمر بزيارتها\" (١).\nعن محمد بن قيس بن مَخْرَمَةَ بن المطلب أنّه قال يومًا: ألا أحدثكم عني وعن أمّي؟! قال: فظننا أنه يريد أمّه التي ولدته، قال: قالت عائشة: ألا أُحدّثكمَ عنيّ وعن رسول الله - ﷺ -؟! قلنا: بلى.\nقال: قالت: لمّا كانت ليلتي التي كان النّبيّ - ﷺ - فيها عندى؛ انقلب فوضع رداءه، وخلع نعليه، فوضعهما عند رجليه، وبسط طرف إِزاره على فراشه، فاضطجع -فذكرت الحديث إِلى أن قالت-: فقال [أي: جبريل لرسول الله - ﷺ -]: إنّ ربّك يأمُرك أنْ تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم.\nقالت: قلت: كيف أقول لهم يا رسول الله؟! قال: قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المُستقدمين منّا والمُستأخرين، وإنا إِن شاء الله بكم للاحقون\" (٢).\n٤ - إِقرار النّبيّ - ﷺ - المرأة التي رآها عند القبور في حديث أنس -﵁-: \"مرّ النّبيّ - ﷺ - بامرأةٍ تبكي عند قبرٍ، فقال: اتّقي الله واصبري ... \" (٣).\n_________\n(١) أخرجه الحاكم وغيره، وصححه شيخنا -﵀- في \"أحكام الجنائز\" (ص ٢٣٠)، وانظر \"الإِرواء\" (٧٧٥).\n(٢) أخرجه مسلم: ٩٧٤.\n(٣) أخرجه البخاري: ١٢٨٣، ومسلم: ٦٢٦، وتقدّم.","vol":"4","page":203},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1116>عدم جواز إِكثار النساء من زيارة القبور:</span>\nلا يجوز للنساء الإِكثار من زيارة القبور والتردد عليها؛ لأنّ ذلك قد يُفضي بهنّ إلى مخالفة الشريعة، من مثل الصّياح، والتبرّج، واتخاذ القبور مجالس للنزهة، وتضييع الوقت في الكلام الفارغ، كما هو مشاهد اليوم في بعض البلاد الإِسلامية، وهذا هو المراد -إِن شاء الله- بحديث أبي هريرة: \"أنّ رسول الله - ﷺ - لعن زوّارات القبور\" (١).\nقال شيخنا -﵀-: \"فهذا اللفظ: \"زوّارات\" إِنما يدلُّ على لعن النساء اللاتي يكثرن الزيارة؛ بخلاف غيرهنّ؛ فلا يشملُهنّ اللعن ...\nقال القرطبي: \"اللعن المذكور في الحديث إِنما هو للمكثرات من الزيارة؛ لِما تقتضيه الصّيغة من المبالغة، ولعلّ السبب ما يُفضي إِليه ذلك من تضييع حقّ الزوج والتبرج، وما ينشأ من الصّياح ونحو ذلك، وقد يُقال: إِذا أُمِنَ جميع ذلك فلا مانع من الإِذن لهنّ؛ لأنّ تذكُّر الموت يحتاج إِليه الرجال والنساء\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1117>جواز زيارة من مات على غير الإِسلام للعبرة:</span>\nويجوز زيارة قبر من مات على غير الإِسلام للعبرة فقط.\nفعن أبي هريرة -﵁- قال: \"زار النّبيّ - ﷺ - قبر أمه؛ فبكى وأبكى من حوله، فقال: استأذنْتُ ربي في أن استغفر لها؛ فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها؛ فأذِن لي، فزوروا القبور؛ فإِنها تُذكّر الموت\" (٢).\n_________\n(١) أخرجه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٨٤٣)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٢٨١).\n(٢) أخرجه مسلم: ٩٧٦، وغيره.","vol":"4","page":204},{"text":"وقال ابن حزم -﵀-: \"ونستحب زيارة القبور، وهو فرض ولو مرةً؛ ولا بأس بأن يزور المسلم قبر حميمه المشرك، الرجال والنساء سواءٌ.\nلما روينا من طريق مسلم ثمّ ساق إِسناده إِلى بريدة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"نهيتكم عن زيارة القبور؛ فزوروها\".\nومن طريق مسلم وساق إِسناده إِلى أبي هريرة -﵁- أنّه قال: زار النّبيّ - ﷺ - قبر أمه؛ فبكى وأبكى من حوله، فقال: استأذنت ربي أن أستغفر لها؛ فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها؛ فأذن لي؛ فزوروا القبور؛ فإِنها تذكر الموت\".\nقال: وقد صح عن أم المؤمنين وابن عمر وغيرهما زيارة القبور.\nوروي عن عمر النهي عن ذلك، ولم يصح\". انتهى.\nقلت: يزور للعبرة فقط؛ فيتعظ ويعتبر ويبكي؛ خوفًا من أن يموت مُشركًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1118>المقصود من زيارة القبور:</span>\nالمقصود من زيارة القبور شيئان:\n١ - انتفاع الزائر بذِكر الموت والموتى، وأنّ مآلهم إِمّا إِلى جنة وإمّا إِلى نار، وهو الغرض الأول من الزيارة، كما يدلّ عليه ما سبَق من الأحاديث.\n٢ - نفع الميت والإِحسان إِليه: بالسلام عليه، والدعاء، والاستغفار له، وهذا خاصٌّ بالمسلم.\nفعن عائشة -﵂- أيضًا أنها قالت: \"كان رسول الله - ﷺ - كلما كان ليلتها من رسول الله - ﷺ -؛ يخرج من آخر الليل إِلى البقيع فيقول: السلام","vol":"4","page":205},{"text":"عليكم دار قومٍ مؤمنين! وأتاكم ما توعدون، غدًا مؤجّلون، وإنا إِن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد\" (١).\nوعنها أيضًا في حديثها الطويل قالت: \"كيف أقول لهم يا رسول الله؟! قال: قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنّا إِنْ شاء الله بكم للاحقون\" (٢).\nوعن بريدة -﵁- قال: \"كان رسول الله - ﷺ - يعلّمهم إِذا خرجوا إِلى المقابر، فكان قائلهم يقول: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإِنّا إِن شاء الله للاحقون، أسأل الله لنا ولكم العافية\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1119>عدم مشروعية قراءة القرآن عند زيارة القبور:</span>\nوأمّا قراءة القرآن عند زيارتها؛ فمما لا أصل له في السُّنّة، بل الأحاديث المذكورة في المسألة السابقة تُشعر بعدم مشروعيتها؛ إِذ لو كانت مشروعة؛ لفَعلها رسول الله - ﷺ - وعلّمها أصحابه، لا سيّما وقد سألته عائشة -﵂- وهي من أحبِّ الناس إليه - ﷺ - عمّا تقول إِذا زارت القبور؟ فعلّمها السلام والدعاء، ولم يُعلمها أن تقرأ الفاتحة أو غيرها من القرآن، فلو أن القراءة كانت مشروعة لما كتم ذلك عنها، كيف وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز كما تقرّر في علم الأصول، فكيف بالكتمان، ولو أنّه - ﷺ - علّمهم شيئًا من ذلك لنُقل إِلينا، فإِذا لم يُنقل بالسّند الثابت دلّ على أنه لم يقع.\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ٩٧٤، وتقدّم.\n(٢) أخرجه مسلم: ٩٧٤، وتقدّم.\n(٣) أخرجه مسلم: ٩٧٥، وتقدّم.","vol":"4","page":206},{"text":"ومّما يُقويّ عدم المشروعية حديث أبي هريرة -﵁- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"لا تجعلوا بيوتكم مقابر؛ إِنّ الشيطان ينفر من البيت الذي تُقرأ فيه سورة البقرة\" (١).\nفقد أشار - ﷺ - إِلى أنّ القُبور ليست موضعًا للقراءة شرعًا، فلذلك حضّ على قراءة القرآن في البيوت، ونهى عن جعلها كالمقابر التي لا يُقرأ فيها، كما أشار في الحديث الآخر إِلى أنّها ليست موضعًا للصلاة أيضًا.\nفعن ابن عمر -﵄- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم، ولا تتخذوها قبورًا\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1120>جواز رفع اليدين عند الدعاء:</span>\nويجوز رفع اليدين في الدّعاء لها؛ لحديث عائشة -﵂- قالت: \"خرج رسول الله - ﷺ - ذات ليلة، فأرسلتُ بَرِيرَة في إِثَرِهِ لتنظر أين ذهب؟\nقالت: فسلك نحو بقيع الغرقد، فوقف في أدنى البقيع، ثمّ رفع يديه، ثمّ انصرف، فرجعت إِليّ بريرة، فأخبرتني، فلمّا أصبَحْتُ سألْته، فقلت: يا رسول الله! أين خرجت الليلة؟ قال: بُعثت إِلى أهل البقيع لأُصلّي عليهم\" (٣).\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ٧٨٠.\n(٢) أخرجه البخاري: ٤٣٢، ومسلم: ٧٧٧ بنحوه.\n(٣) أخرجه أحمد، وهو في \"الموطأ\"، وعنه النسائي بنحوه، لكن ليس فيه رفع اليدين، وإسناده حسن.","vol":"4","page":207},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1121>عدم استقبال القبور حين الدعاء:</span>\nولكنه لا يستقبل القبور حين الدعاء لها، بل الكعبة؛ لنهيه - ﷺ - عن الصلاة إِلى القبور؛ كما سيأتي -إِن شاء الله تعالى- والدعاء مخُّ الصلاة ولبُّها كما هو معروف؛ فله حُكمها، وقد قال - ﷺ -: \"الدعاء هو العبادة\" وقرأ: ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم﴾ إِلى قوله: ﴿داخرين﴾ \" (١).\nقال شيخنا -﵀- (ص ٢٤٧): \"فإِذا كان الدعاء من أعظم العبادة؛ فكيف يُتَوَجَّهُ به إِلى غير الجهة التي أمر باستقبالها في الصلاة؟! ولذلك كان من المُقرّر عند العلماء المُحققين أنه \"لا يُستقبل بالدّعاء إِلا ما يستقبل بالصلاة\".\nقال شيخ الإِسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- في \"اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم\" (ص ١٧٥): \"وهذا أصل مستمرٌّ: أنه لا يستحبُّ للداعي أن يستقبل إِلا ما يُستحبُّ أن يُصلّي إِليه، ألا ترى أنّ الرجل لما نُهي عن الصلاة إِلى جهة المشرق وغيرها؛ فإِنّه يُنهى أن يتحرّى استقبالها وقت الدعاء؟! ومن الناس من يتحرى وقت دعائه استقبال الجهة التي يكون فيها الرجل الصالح، سواءً كانت في المشرق أو غيره، وهذا ضلال بيّن، وشرٌّ واضح، كما أنّ بعض الناس يمتنع من استدبار الجهة التي فيها بعض الصالحين، وهو يستدبر الجهة التي فيها بيت الله، وقبر رسول الله - ﷺ -! وكلُّ هذه الأشياء من البدع التي تُضارع دين النصارى\".\n_________\n(١) أخرجه ابن المبارك في \"الزهد\"، والبخارى في \"الأدب المفرد\"، وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٣١٢)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٣٠٨٦) وغيرهم.","vol":"4","page":208},{"text":"قال شيخنا -﵀-: \"وذكر قبل ذلك بسطور عن الإِمام أحمد وأصحاب مالك: أنّ المشروع استقبال القبلة بالدّعاء؛ حتى عند قبر النبيّ - ﷺ - بعد السلام عليه.\n... قال شيخ الإِسلام في \"القاعدة الجليلة في التوسّل والوسيلة\" (ص ١٢٥): \"ومذهب الأئمة الأربعة: مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم من أئمة الإِسلام: أنّ الرجل إِذا سلم على النّبيّ - ﷺ -، وأراد أن يدعو لنفسه؛ فإِنّه يستقبل القبلة ... \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1122>عدم دخول مقابر الظالمين إِلا وهو يبكي:</span>\nعن ابن عمر -﵄- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين؛ إِلا أن تكونوا باكين، فإِن لم تكونوا باكين، فلا تدخلوا عليهم؛ لا يصيبُكم ما أصابهم\" (١).\nوذلك لما أرادوا دخول الحِجر مساكن ثمود.\nقال الحافظ في \"الفتح\" (١/ ٥٣١): \"ووجه هذه الخشية؛ أنّ البكاء يبعثه على التفكر والاعتبار، فكأنه أمَرهم بالتفكر في أحوالٍ توجب البكاء من تقدير الله -تعالى- على أولئك بالكفر؛ مع تمكينه لهم في الأرض وإمهالهم مدة طويلة، ثمّ إِيقاع نقمته بهم وشدّة عذابه، وهو -سبحانه- مقلب القلوب؛ فلا يأمن المؤمن أن تكون عاقبته إِلى مِثل ذلك. والتفكر أيضًا في مقابلة أولئك نعمة الله بالكفر وإِهمالهم إِعمال عقولهم فيما يوجب الإِيمان به والطاعة له، فمن مرّ عليهم ولم يتفكر فيما يوجب البكاء اعتبارًا بأحوالهم؛ فقد شابههم\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٤٣٣، ومسلم: ٢٩٨٠.","vol":"4","page":209},{"text":"في الإِهمال، ودل على قساوة قلبه وعدم خشوعه؛ فلا يأمن أن يجرّه ذلك إِلى العمل بمِثل أعمالهم فيصيبه ما أصابهم.\nوبهذا يندفع اعتراض من قال: كيف يصيب عذاب الظالمين من ليس بظالم؟ لأنّه بهذا التقرير لا يأمن أن يصير ظالمًا؛ فيُعذَّب بظلمه\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1123>لا يمشي منتعلًا بين قبور المسلمين:</span>\nولا يمشي بين قبور المسلمين في نعليه؛ لحديث بشير بن الخصاصية قال: \"بينما أُماشي رسول الله - ﷺ - .. أتى على قبور المسلمين ... فبينما هو يمشي؛ إِذ حانت منه نظرة؛ فإِذا هو برجلٍ يمشي بين القبور عليه نعلان، فقال: يا صاحبَ السِّبْتيَّتيْن (١) ألقِ سِبتيّتيْك. فنظر، فلمّا عرف الرجل رسول الله - ﷺ - خلع نعليه، فرمى بهما\" (٢).\nقال الحافظ في \"الفتح\" (٣/ ١٦٠): \"والحديث يدلُّ على كراهية المشي بين القبور بالنّعال، وأغرب ابن حزم فقال: يحرم المشي بين القبور بالنّعال السّبّتية دون غيرها! وهو جمود شديد.\nقال شيخنا -﵀- (ص ٢٥٣): \"وقد ثبت أن الإِمام أحمد كان يعمل بهذا الحديث، فقال أبو داود في \"مسائله\" (ص ١٥٨): \"ورأيت أحمد إِذا تبع الجنازة فقرُب من المقابر؛ خلع نعليه\".\n(وكذا في \"العلل\" (٣٠٩١) - طبع بيروت).\n_________\n(١) جاء في \"النهاية\": \"السّبت -بالكسر-: جلود البقر المدبوغة بالقَرَظ [ورق شجر له شوك]، يتخذ منها النعال، سُمِّيَتْ بذلك؛ لأنّ شعرها قد سُبت عنها؛ أي: حُلق.\n(٢) أخرجه أصحاب \"السنن\" وغيرهم، وقد تقدّم.","vol":"4","page":210},{"text":"فرحمه الله، ما كان أتبعه للسّنة! \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1124>تحريم وضع الرياحين والورود على القبور:</span>\nولا يُشرع وضع الآس ونحوها من الرياحين والورود على القبور؛ لأنّه لم يكن من فعل السّلف، ولو كان خيرًا لسبقونا إِليه، وقد قال ابن عمر -﵄-: \"كلّ بدعةٍ ضلالة وإنْ رآها النّاس حسنة\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1125>عدم وضع الجريدة على القبر:</span>\nورأى ابن عمر -﵄- فُسْطاطًا (٢) على قبر عبد الرحمن، فقال: انزعه يا غلام! فإِنّما يُظلّه عمله\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1126>نقْل الميت:</span>\nلا يجوز نقْل الميت من بلد إلى بلد -ولو أوصى بذلك-؛ لأنّه ينافي الإِسراع الذي أمر به - ﷺ -: \"أسرعوا بالجنازة؛ فإِن تكُ صالحة؛ فخير تقدمونها ... \" (٤).\nوسألت شيخنا -﵀- عن قول بعض العلماء: \"يحرم نقل الميت من بلد إِلى بلد؛ إِلا أن يكون بقرب مكة أو المدينة أو بيت المقدس، فإِنّه يجوز النقل إِلى إِحدى هذه البلاد لشرفها وفضلها\"؟\n_________\n(١) أخرجه ابن بَطَّةَ في \"الإِبانة عن أصول الديانة\"، واللالكائي في \"السنّة\" موقوفًا بإِسناد صحيح.\n(٢) الفسطاط: هو البيت من الشعر، وقد يطلق على غير الشعر.\n(٣) أخرجه البخاري معلّقًا مجزومًا به (كتاب الجنائز) (٨١ - باب الجريد على القبر ...).\n(٤) أخرجه البخاري: ١٣١٥، ومسلم: ٩٤٤، وتقدّم.","vol":"4","page":211},{"text":"فأجاب: \"نحن مع النصوص\"؛ يشير -﵀- إِلى عدم الجواز؛ لمنافاة الإِسراع الذي أَمَر به النّبيّ - ﷺ -. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1127>ما يحرم عند القبور</span>\nويحرم عند القبور ما يأتي:\n١ - الذبح والنّحر؛ لقوله - ﷺ -: \"لا عَقْرَ في الإِسلام\".\nقال عبد الرزّاق بن همام: \"كانوا يَعْقِرون (١) عند القبر بقرة أو شاة\" (٢).\nقال شيخنا -﵀-: \"قال النووي في \"المجموع\" (٥/ ٣٢٠): \"وأمّا الذبح والعقر عند القبر؛ فمذموم؛ لحديث أنس هذا، رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح\".\nقلت [أي: شيخنا -﵀-]: \"وهذا إِذا كان الذبح هناك لله -تعالى- وأمّا إِذا كان لصاحب القبر -كما يفعله بعض الجهال- فهو شرك صريح (٣)، وأكله حرام وفسق ... \".\n٢ - رفْعها زيادة على التراب الخارج منها.\n_________\n(١) أي: ينحرونها ويقولون: إِنّ صاحب القبر كان يعقر للأضياف أيام حياته، فنكافئه بمثل صنيعه بعد وفاته، وأصل العقر: ضرب قوائم البعير أو الشاة بالسيف وهو قائم\". \"النهاية\".\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٧٥٩) وغيره.\n(٣) وهذا نقض الإِرجاء البدعي، وردٌّ على من يقول: إِن العمل بذاته لا يكون كُفرًا، ولكنّه دالٌّ على الكفر!!","vol":"4","page":212},{"text":"قال شيخنا -﵀- (ص ٢٦١): \" .. [قال] ابن حزم في \"المحلَّى\" (٥/ ٣٣): \"ولا يحلُّ أن يُبنى القبر، ولا أن يُجصّص، ولا أن يُزادَ على ترابه شيء، ويُهدمُ كلُّ ذلك\".\nوقال الإِمام محمد في \"الآثار\" (ص ٤٥): \"أخبرنا أبو حنيفة عن حمّاد عن إِبراهيم قال: كان يُقال: ارفعوا القبر حتى يُعرف أنه قبر فلا يُوطأ.\nقال محمد: وبه نأخذ، ولا نرى أن يزاد على ما خرج منه، ونكره أن يُجصّص، أو يُطيّن، أو يجعل عنده مسجدًا أو علَمًا، أو يكتب عليه، ويكره الآجُرُّ أن يبنى به، أو يدخله القبر، ولا نرى برش الماء عليه بأسًا، وهو قول أبي حنيفة\".\nقال شيخنا -﵀- بتصرّف: \"ويدّل الحديث بمفهومه على جواز رفع القبر بقدْر ما يساعد عليه التراب الخارج منه، وذلك يكون نحو شبر.\nولعلّ النهي عن التجصيص -المراد الطلي به- من أجل أنه نوع زينة؛ كما قال بعض المتقدمين، وعليه فما حُكم تطيين القبر؟ \".\nللعلماء فيه قولان: الأول: الكراهة. والآخر: أنّه لا بأس به.\nقال شيخنا -﵀- (ص ٢٦٢): \"ولعلّ الصواب التفصيل على نحو ما يأتي: إِن كان المقصود من التطيّين المحافظة على القبر وبقائه مرفوعًا قدر ما سَمحَ به الشرع، وأنْ لا تنسفه الرياح ولا تبعثره الأمطار؛ فهو جائز بدون شكّ لأنّه يحقّق غاية مشروعة، ولعلّ هذا هو وجه من قال من الحنابلة: إِنه يُستحبُّ، وإن كان المقصود الزينة ونحوها ممّا لا فائدة فيه؛ فلا يجوز؛ لأنّه مُحدَث.","vol":"4","page":213},{"text":"٣ - طَلْيُها بالكلس ونحوه.\n٤ - الكتابة عليها.\nقال شيخنا -﵀-: \"وأمّا الكتابة، فظاهر الحديث تحريمها، وهو ظاهر كلام الإِمام محمد، وصرّح الشافعية والحنابلة بالكراهة فقط!\nوقال النووي (٥/ ٢٩٨): \"قال أصحابنا: وسواءٌ كان المكتوب على القبر في لوح عند رأسه -كما جرت عادة بعض الناس- أم في غيره؛ فكلّه مكروه؛ لعموم الحديث\".\nواستثنى بعض العلماء كتابة اسم الميت لا على وجه الزخرفة، بل للتعرف؛ قياسًا على وضع النّبيّ - ﷺ - الحجر على قبر عثمان بن مظعون كما تقدّم.\nوالذي أراه (١) -والله أعلم-: أنّ القول بصحة هذا القياس على إِطلاقه بعيد، والصواب تقييده بما إِذا كان الحجر لا يُحقّق الغاية التي من أجلها وضع رسول الله - ﷺ - الحجر، ألا وهي التعرّف عليه، وذلك بسبب كثرة القبور مثلًا، وكثرة الأحجار المُعرّفة؛ فحينئذ يجوز كتابة الاسم بقدر ما تتحقق به الغاية المذكورة\".\n٥ - البناء عليها.\n٦ - القعود عليها.\nوفي ذلك أحاديث:\nالأول: عن جابر -﵁- قال: \"نهى رسول الله - ﷺ - أن\n_________\n(١) الكلام لشيخنا -رحمه الله تعالى-.","vol":"4","page":214},{"text":"يُجصّص (١) القبر، وأنْ يُقْعَدَ عليه، وأن يُبْنَى عليه، [أو يُزَاد عليه]، [أو يُكْتَبَ عليه] \" (٢).\nالثاني: عن أبي سعيد الخدري -﵁-: \"أنّ النّبيّ - ﷺ - نهى أن يبنى على القبر\" (٣).\nالثالث: عن أبي الهيّاج الأسَدي قال: \"قال لي علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله - ﷺ -؟! أن لا تدع تمثالًا إِلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إِلا سوّيته (٤) \".\nوفي رواية: \"ولا صورة إِلا طمستها\" (٥).\nقال الشوكاني -﵀- (٤/ ٧٢) في شرح هذا الحديث: \"فيه أنّ السّنة أنّ القبرَ لا يُرفع رفعًا كبيرًا؛ من غير فرْق بين من كان فاضلًا ومن كان غير فاضل، والظاهر أنّ رفع القبور زيادة على القدر المأذون فيه محرّم، وقد صرّح بذلك أصحاب أحمد، وجماعة، والشافعيّ، ومالك\".\nقال: \"ومن رفع القبور -الداخل تحت الحديث دُخولًا أوّليًّا-: القُبب والمشاهد المعمورة على القبور، وأيضًا هو من اتّخاذ القبور مساجد، وقد لعن النّبيّ - ﷺ - فاعل ذلك ... وكم قد نشأ عن تشييد أبنية القبور وتحسينها من\n_________\n(١) يُجصّص؛ أي: يُطلى بالجصّ، وهو الكلس؛ من موادّ البناء.\n(٢) أخرجه مسلم: ٩٧٠، وانظر لأجل تخريج الزيادات \"أحكام الجنائز\" (ص ٢٦٠).\n(٣) أخرجه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٢٧٠).\n(٤) أخرجه مسلم: ٩٦٩.\n(٥) أخرجه مسلم: ٩٦٩.","vol":"4","page":215},{"text":"مفاسد يبكي لها الإِسلام، منها اعتقاد الجهلة لها كاعتقاد الكُفّار للأصنام، وعَظُم ذلك، فظنّوا أنها قادرة على جلب النفع ودفع الضرر، فجعلوها مقصدًا لطلب قضاء الحوائج، وملجأً لنجاح المطالب، وسألوا منها ما يسأله العباد من ربّهم، وشدُّوا إِليها الرحال وتمسحوا واستغاثوا.\nوبالجملة: إِنّهم لم يَدَعُوا شيئًا ممّا كانت الجاهلية تفعله بالأصنام إِلا فعلوه! فإِنّا لله وإنا إِليه راجعون!\nومع هذا المنكر الشنيع والكفر الفظيع؛ لا نجد من يغضب لله، ويغار حميّة للدين الحنيف، لا عالمًا ولا مُتعلمًا، ولا أميرًا ولا وزيرًا ولا ملكًا، وقد توارد إِلينا من الأخبار ما لا يُشّك معه أنّ كثيرًا من هؤلاء القُبوريين أو أكثرهم -إِذا توجّهت عليه يمين من جهة خصْمِه- حلف بالله فاجرًا، فإِذا قيل له بعد ذلك: احلِف بشيخك ومعتقدك الوليّ الفلاني! تلعثم وتلكأ وأبى واعترف بالحقّ!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1128>وهذا من أبين الأدلة الدالة على أنّ شركهم قد بلغ فوق شرك من قال:\nإِنّه -تعالى- ثاني اثنين، أو ثالث ثلاثة </span>(١).\nفيا عُلماء الدين! ويا ملوك المسلمين! أيُّ رُزْءٍ للإِسلام أشدُّ من الكفر؟! وأيُّ بلاء لهذا الدين أضرُّ عليه من عبادة غير الله؟! وأيّ مصيبة يُصاب بها\n_________\n(١) وهذا هو قول أهل السّنة والجماعة: أن المرء يكفُر بالفعل، وأنّ الفعل بذاته كُفر يدلّ على كُفر الباطن، لا كما تقوله المرجئة: أن الفعل ليس بكفر، لكنهَ يدلّ على كفر الباطن! وهذا من نقولات شيخنا -﵀- القديمة التي تدلّ على نقضه عقيدة المرجئة وسائر العقائد الباطلة ونَصْرِه عقيدةَ السلف الصالح ومنهجهم، فرَحمه الله -تعالى- وجمعنا به مع النبيّين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسُن أولئك رفيقًا.","vol":"4","page":216},{"text":"المسلمون تعدل هذه المصيبة؟! وأيّ منكرٍ يجب إِنكاره إِنْ لم يكن إِنكار هذا الشرك واجبًا؟!\nلقد أسمعتَ لو ناديت حيًّا ... ولكن لا حياةَ لمن تُنادي\nولو نارًا نَفَخْتَ بها أضاءَتْ ... ولكن أنت تنفخ في رَمادِ\".\nالرابع: عن أبي هريرة -﵁- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"لأَنْ يجلس أحدكم على جمرة فتُحرِقَ ثيابه، فتَخْلُصَ إِلى جلده: خير له من أن يجلس (وفي رواية: يطأ) على قبر\" (١).\nالخامس: عن عقبة بن عامر -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لأن أمشي على جمرة أو سيف، أو أخصف نعلي برجلي (٢): أحبُّ إِليّ من أن أمشي على قبر مسلم، وما أبالي أوسط القبور قضيت حاجتي أو وسط السّوق (٣) \" (٤).\nالسادس: عن أبي مَرْثَد الغَنَويّ قال: سمعت رسول الله - ﷺ -: \"لا تجلسوا على القبور، ولا تصلّوا إِليها\" (٥).\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ٩٧١، وغيره.\n(٢) الخصف: الخرز، والمراد أنّه صعب شديد.\n(٣) يريد أنهما في القبح سيّان، فمن أتى بأحدهما؛ فهو لا يبالي بأيهما أتى، قاله السندي في \"شرح ابن ماجه\" (١/ ٤٧٤).\n(٤) أخرجه ابن أبي شيبة، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٢٧٣).\n(٥) أخرجه مسلم: ٩٧٢.","vol":"4","page":217},{"text":"٧ - الصلاة إِلى القبور؛ للحديث المتقدّم آنفًا: \"لا تجلسوا على القبور، ولا تُصلّوا إِليها\".\nقال شيخنا -﵀- (ص ٢٦٩): \"وفيه دليل على تحريم الصلاة إِلى القبر؛ لظاهر النهي\". انتهى.\nوجاء في \"مجموع الفتاوى\" (٢٤/ ٣٢١): \"وأمّا التمسُّح بالقبر، أو الصلاة عنده، أو قصْده لأجل الدعاء عنده، مُعتقِدًا أنّ الدعاء هناك من الدعاء في غيره، أو النذر له ونحو ذلك؛ فليس هذا من دين المسلمين؛ بل هو مما أُحدث من البدع القبيحة، التي هي من شُعب الشرك، والله أعلم وأحكم\".\n٨ - الصلاة عندها ولو بدون استقبال، وفيه أحاديث:\nالأوّل: عن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: \"قال رسول الله - ﷺ -: \"الأرض كلها مسجد؛ إِلا المقبرة والحمام\" (١).\nالثاني: عن أنس -﵁ \" أنّ النبيّ - ﷺ - نهى عن الصلاة بين القبور\" (٢).\nالثالث: عن ابن عمر -﵄- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم، ولا تتخذوها قبورًا\" (٣).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٤٦٣)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٢٦٢)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٦٠٦).\n(٢) أخرجه البزار وغيره، وقال الهيثمي في \"المجمع\": \"ورجاله رجال الصحيح\".\n(٣) أخرجه البخاري: ٤٣٢، ومسلم: ٧٧٧.","vol":"4","page":218},{"text":"الرابع: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا تجعلوا بُيوتكم مقابر؛ إِنّ الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة\" (١).\nقال شيخنا -﵀- (ص ٢٧١): \"وقد ترجم البخاري للحديث الثالث بقوله: \"باب كراهية الصلاة في المقابر\".\nوقال شيخنا -﵀- (ص ٢٧٤): \" [و] كراهة الصلاة في المقبرة تشمل كلّ مكان منها؛ سواءً كان القبر أمام المُصلّي، أو خلفه، أو عن يمينه، أو عن يساره؛ لأنّ النهي مُطلق، ومن المقرّر في علم الأصول أن المطلق يجري على إِطلاقه حتى يأتي ما يُقيّده، ولم يَرِد هنا شيء من ذلك.\nوقد صرح بما ذكرنا بعض فقهاء الحنفية وغيرهم كما يأتي، فقال شيخ الإِسلام ابن تيمية في \"الاختيارات العلمية\" (ص ٢٥): \"ولا تصحُّ الصلاة في المقبرة ولا إِليها، والنهي عن ذلك إِنما هو سدّ لذريعة الشّرك، وذكر طائفة من أصحابنا أنّ القبر والقبرين لا يمنع من الصلاة؛ لأنّه لا يتناوله اسم المقبرة، وإنما المقبرة ثلاثة قبور فصاعدًا!\nوليس في كلام أحمد وعامّة أصحابه هذا الفرق؛ بل عموم كلامهم وتعليلهم واستدلالهم يوجب منع الصلاة عند قبر واحد من القبور، وهو الصواب، والمقبرة كلّ ما قُبر فيه، لا أنّه جمع قبر.\nوقال أصحابنا: وكلُّ ما دخل في اسم المقبرة ممّا حول القبور لا يُصلّى فيه، فهذا يعيَّن أنّ المنع يكون مُتناولًا لحرمة القبر المنفرد وفِنائه المضاف إِليه.\nوذكر الآمديّ وغيره: أنه لا تجوز الصلاة فيه -أي: المسجد الذي قبلته إِلى\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ٧٨٠، وتقدّم.","vol":"4","page":219},{"text":"القبر- حتى يكون بين الحائط وبين المقبرة حائل آخر، وذكر بعضهم: هذا منصوص أحمد\".\n٩ - بناء المساجد عليها؛ وفيه أحاديث:\nالأوّل: عن عائشة وابن عباس -﵃- قالا: \"لما نُزِل برسول الله - ﷺ -؛ طفِق (١) يَطرَحُ خَمِيصةً (٢) على وجهه، فإِذا اغتمّ كشفها عن وجهه، فقال وهو كذلك: لعنة الله على اليهود والنصارى؛ اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد؛ يحذّرُ ما صنعوا\" (٣).\nالثاني: عن عائشة -﵂- عن النّبيّ - ﷺ -: قال في مرضه الذي مات فيه: \"لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مسجدًا؟ قالت: ولولا ذلك لأبرزوا قبره؛ غير أنّي أخشى أنْ يُتَّخَذَ مسجدًا\" (٤).\nالثالث: عن أبي هريرة عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"اللهم لا تجعل قبري وثَنًا، لعَن الله قومًا اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد\" (٥).\nالرابع: عن عائشة -﵂-: أنّ أمّ حبيبة وأمّ سَلَمة ذكرتا كنيسةً\n_________\n(١) طَفِق -بكسر الفاء وفتحها-؛ أي: جعل، والكسر أفصح وأشهر، وبه جاء القرآن. \"شرح النووي\".\n(٢) الخميصة: كساء له أعلام.\n(٣) أخرجه البخاري: ٣٤٥٣، ٣٤٥٤، ومسلم: ٥٣١.\n(٤) أخرجه البخاري: ١٣٣٠، ومسلم: ٩٢٩، وتقدّم بعضه غير بعيد.\n(٥) أخرجه أحمد، وابن سعد في \"الطبقات\"، وأبو يعلى، والحميدي، وأبو نعيم في \"الحلية\" بإِسناد صحيح.","vol":"4","page":220},{"text":"رأينها بالحبشة فيها تصاوير، فذكرتا للنّبيّ - ﷺ -، فقال: \"إِنّ أولئك إِذا كان فيهم الرجل الصالح فمات؛ بنوا على قبره مسجدًا، وصوّروا فيه تلك الصّور، فأولئك شِرار الخلق عند الله يوم القيامة\" (١).\nقال شيخنا -﵀- (ص ٢٧٩): \"وهي تدلّ دلالة قاطعة على أنّ اتّخاذ القبور مساجد حرام؛ لما فيها من لعن المتّخذين، ولذلك قال الفقيه الهيتمي في \"الزواجر\" (١/ ١٢٠ - ١٢١): \"الكبيرة الثالثة والتّسعون: اتخاذ القبور مساجد\"؛ ثمّ ساق بعض الأحاديث المتقدّمة -وغيرها مما ليس على شرطنا- ثمّ قال: \"وعدُّ هذه من الكبائر؛ وقع في كلام بعض الشافعية، وكأنّه أخذ ذلك ممّا ذكره من هذه الأحاديث، ووجهه واضح؛ لأنّه لعن من فعل ذلك بقبور أنبيائه، وجعل من فعل ذلك بقبور صُلحائه شرّ الخلق عند الله يوم القيامة، ففيه تحذير لنا كما في رواية: \"يحذّر ما صنعوا\"، أي: يُحذّر أمّته -بقوله لهم ذلك- من أنْ يصنعوا كصنع أولئك، فيُلعَنُوا كما لُعِنُوا ..\nقال بعض الحنابلة: قَصْدُ الرّجل الصلاةَ عند القبر متبركًا بها: عين المُحادَّة لله ورسوله، وإيداع دين لم يأذن به الله؛ للنهي عنها، ثمّ إِجماعًا؛ فإِنّ أعظم المحرمات وأسباب الشرك: الصلاة عندها، واتّخاذها مساجد، أو بناؤها عليها، والقول بالكراهة محمول على غير ذلك؛ إِذ لا يظنُّ بالعلماء تجويز فعل تواتر عن النّبيّ - ﷺ - لعن فاعله، وتجب المبادرة لهدمها وهدم القباب التي على القبور؛ إِذ هي أضر من مسجد الضّرار لأنها أسست على معصية رسول الله - ﷺ -؛ لأنّه نهى عن ذلك، وأمر بهدم القبور المشرفة، وتجب إِزالة كلّ قنديل أو\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٤٢٧، ومسلم: ٥٢٨.","vol":"4","page":221},{"text":"سراج على قبر، ولا يصح وقفه ونذره\". انتهى كلام شيخنا -﵀-.\nوجاء في \"مجموع الفتاوى\" (١٧/ ٤٦٣): \" .. كذلك قال العلماء: يحرم بناء المساجد على القبور، ويجب هدم كل مسجد بني على قبر، وإن كان الميت قد قُبِر في مسجدٍ وقد طال مكثه؛ سُوَّيَ القبر حتى لا تظهر صورته؛ فإِن الشرك إِنما يحصل إِذا ظهرت صورته، ولهذا كان مسجد النّبيّ - ﷺ - أولا مقبرة للمشركين، وفيها نخل وخَرِبٌ، فأمر بالقبور فنبشت، وبالنخل فقطع، وبالخرب فسويت، فخرج عن أن يكون مقبرة، فصار مسجدًا\".\nقال شيخنا -رحمه الله تعالى-: \"هذا .. والاتخاذ المذكور في الأحاديث المتقدّمة يشمل عدّة أمور:\nالأول: الصلاة إِلى القبور مُستقبلًا لها.\nالثاني: السّجود على القبور.\nالثالث: بناء المساجد عليها.\nوالمعنى الثاني ظاهر من الاتّخاذ، والآخران -مع دخولهما فيه- فقد جاء النصُّ عليهما في بعض الأحاديث المتقدّمة\".\n١٠ - اتخاذها عيدًا، تُقصد في أوقات معينة، ومواسم معروفة للتعبد عندها أو لغيرها؛ لحديث أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا تتخذوا قبري عيدًا، ولا تجعلوا بيوتكم قُبورًا، وحيثما كنتم فصلّوا عليّ؛ فإِنّ صلاتكم تبلغني\" (١).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٧٩٦)، وأحمد بإسناد حسن، وهو على شرط مسلم، وانظر \"أحكام الجنائز\" (ص ٢٨٠).","vol":"4","page":222},{"text":"قال شيخنا -﵀- (ص ٢٨٤): \"وممّا يدخل في ذلك دخولًا أوّليًا: ما هو مشاهد اليوم في الدينة [النبوية]، من قصد الناس -دُبُرَ كلّ صلاة مكتوبة- قبر- النّبيّ - ﷺ - للسلام عليه والدُّعاء عنده وبه، ويرفعون أصواتهم لديه، حتى ليضجّ المسجد بهم، ولا سيّما في موسم الحجّ، حتى لكأنّ ذلك من سنن الصلاة! بل إِنهم يحافظون عليه أكثر من محافظتهم على السّنن! وكلّ ذلك يقع على مرأىً ومسمعٍ من ولاة الأمر، ولا أحد منهم يُنكر، فإِنّا لله وإنّا إِليه راجعون! وأسفًا على غُربة الدين وأهله، وفي مسجد النّبيّ - ﷺ - الذي ينبغي أن يكون أبعد المساجد -بعد المسجد الحرام- عمّا يخالف شريعته ﵊\".\nوقال شيخنا -﵀- (ص ٢٨٥): \"ويجوز لمن بالمدينة إِتيان القبر الشريف للسلام عليه - ﷺ - أحيانًا؛ لأنّ ذلك ليس من اتخاذه عيدًا؛ كما هو ظاهر.\nوالسلام عليه وعلى صاحبيه -﵄- مشروع بالأدلة العامة، فلا يجوز نفي المشروعية مطلقًا لنهيه - ﷺ - عن اتّخاذ قبره عيدًا؛ لإِمكان الجمع بملاحظة الشّرط الذي ذكَرْنا.\nولا يَخْدِجُ عليه أننا لا نعلم أنّ أحدًا من السلف كان يفعل ذلك؛ لأنّ عدم العلم بالشيء لا يستلزم العلم بعدمه كما يقول العلماء، ففي مثل هذا؛ يكفي لإِثبات مشروعيته الأدلة العامّة؛ ما دام أنّه لا يثبت ما يُعارضها فيما نحن فيه.\nعلى أنّ شيخ الإِسلام قد ذكر في \"القاعدة الجليلة\" (ص ٨٠ - طبع المنار) عن نافع أنه قال: كان ابن عمر يُسلم على القبر، رأيته -مائة مرة أو أكثر-","vol":"4","page":223},{"text":"يجيء إِلى القبر فيقول: السلام على النّبيّ - ﷺ -، السلام على أبي بكر، السلام على أبي، ثمّ ينصرف؛ فإِنّ ظاهره أنّه كان يفعل ذلك في حالة الإِقامة لا السفر؛ لأنّ قوله: \"مائة مرة\"؛ ممّا يُبعد حمل هذا الأثر على حالة السفر\".\n\n١١ - السفر إِليها؛ وفيه أحاديث:\nالأول: عن أبي هريرة عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"لا تُشدّ الرحال إِلا إِلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول - ﷺ -، ومسجد الأقصى\" (١).\nالثاني: عن أبي بَصْرَةَ الغِفَاري: أنه لقي أبا هريرة وهو جاءٍ من الطُّور، فقال: من أين أقبلْتَ؟ قال: أقبلت من الطُّور، صلّيت فيه.\nقال: أما إِنّي لو أدركتك لم تذهب إِنّي سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"لا تُشدُّ الرحال إِلا إِلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى\" (٢).\nقال شيخنا -﵀-: \"ومّما يَحْسُنُ التنبيه عليه ... أنّه لا يدخل في النهي السّفر للتجارة وطلب العلم؛ فإِنّ السّفر إِنّما هو لطلب تلك الحاجة حيث كانت، لا لخُصوص المكان، وكذلك السّفر لزيارة الأخ في الله؛ فإِنّه ليس هو المقصود، كما قال شيخ الإِسلام ابن تيمية في \"الفتاوى\" (٢/ ١٨٦) \".\n١٢ - إِيقاد السُّرُجِ عندها؛ والدليل على ذلك عدّة أمور:\nأولًا: كونه بدعة محدثة لا يعرفها السلف الصالح، وقد قال - ﷺ -: \"كل\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١١٨٩.\n(٢) أخرجه الطيالسي، وأحمد، -والسياق له- وغيرهما، وإسناده صحيح.","vol":"4","page":224},{"text":"بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النّار\" (١).\nثانيًا: أنّ فيه إِضاعة للمال، وهو منهيٌّ عنه، كما في حديث المغيرة بن شعبة عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"إنّ الله كره لكم ثلاثًا: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال\" (٢).\nثالثًا: أنّ فيه تشبهًا بالمجوس عُبّاد النار، قال ابن حجر الفقيه في \"الزواجر\" (١/ ١٣٤): \"صرّح أصحابُنا بحرمة السّراج على القبر وإِنْ قلّ؛ حيث لم ينتفع به مقيم ولا زائر، وعلّلوه بالإِسراف، وإضاعة المال، والتشبه بالمجوس، فلا يبعد في هذا أن يكون كبيرة\".\nقال شيخنا -﵀- (ص ٢٩٤): \"ولم يورد -بالإِضافة إِلى ما ذكر من التعليل- دليلنا الأوّل، مع أنه دليل وارد، بل لعلّه أقوى الأدلة؛ لأنّ الذين يوقدون السّرج على القبور إِنما يقصدون بذلك التقرّب إِلى الله -تعالى زعموا! - ولا يقصدون الإِنارة على المقيم، بدليل إِيقادهم إِياها والشمس طالعة في رابعة النهار! فكان من أجل ذلك بدعة ضلالة\".\n١٣ - كسر عظامها:\nوالدليل عليه قوله - ﷺ -: \"إِنّ كسر عظم المؤمن ميتًا مثل كسره حيًّا\" (٣).\n_________\n(١) أخرجه النسائي \"صحيح سنن النسائي\" (١٤٨٧)، وابن خزيمة في \"صحيحه\" بسند صحيح، وتقدّم.\n(٢) أخرجه البخاري: ١٤٧٧، ومسلم: ١٧١٥، وتقدّم.\n(٣) أخرجه البخاري في \"التاريخ\"، وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٧٤٦)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٣١٠)، وغيرهم وتقدّم.","vol":"4","page":225},{"text":"قال شيخنا -﵀- (ص ٢٩٦): \"والحديت دليل على تحريم كسر عظم الميت المؤمن، ولهذا جاء في كتب الحنابلة: \"ويحرم قطع شيء من أطراف الميت، وإِتلاف ذاته، وإحراقه، ولو أوصى به\". كذا في \"كشّاف القناع\" (٢/ ١٢٧). ونحو ذلك في سائر المذاهب، بل جزم ابن حجر الفقيه في \"الزّواجر\" (١/ ١٣٤) بأنّه من الكبائر، قال: \"لما علمت من الحديث أنه ككسر عظم الحيّ\".\nقال شيخنا -﵀- (ص ٢٩٧): ويستفاد من الحديث السابق شيئان: الأول: حُرمة نبش قبر المسلم؛ لما فيه من تعريض عظامه للكسر، ولذلك كان بعض السلف يتحرّج من أن يُحفر له في مقبرة يكثر الدفن فيها، قال الإِمام الشافعي في \"الأم\" (١/ ٢٤٥): \"أخبرنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه قال: ما أُحبُّ أن أُدفن بالبقيع! لأنْ أُدفن في غيره أحبُّ إِليّ؛ إِنّما هو أحد رجلين: إِمّا ظالم؛ فلا أُحبُّ أن أكون في جواره، وأمّا صالح؛ فلا أُحبُّ أن ينبش في عظامه، قال: وإِنْ أُخرجت عظام ميّت أحببت أن تعاد فتدفن\".\nوقال النووي في \"المجموع\" (٥/ ٣٠٣) ما مختصره: \"ولا يجوز نبش القبر لغير سبب شرعي باتفاق الأصحاب، ويجوز بالأسباب الشرعية كنحو ما سبق (في المسألة: ١٠٩)، ومختصره: \"أنه يجوز نبش القبر إِذا بلي الميت وصار تُرابًا، وحينئذ يجوز دفن غيره فيه، ويجوز زرع تلك الأرض وبناؤها، وسائر وجوه الانتفاع والتصرف فيها باتفاق الأصحاب، وهذا كلّه إِذا لم يَبْقَ للميت أثر من عظم وغيره، ويختلف ذلك باختلاف البلاد والأرض، ويعتمد فيه قول","vol":"4","page":226},{"text":"أهل الخبرة بها\".\nقلت [أي: شيخنا -﵀-]: ومنه تعلم تحريم ما ترتكبه بعض الحكومات الإِسلامية من درس بعض المقابر الإِسلامية ونبشها؛ من أجل التنظيم العمراني، دون أي مبالاة بحرمتها، أو اهتمام بالنهي عن وطئها وكسر عظامها ونحو ذلك!\nولا يتوهّمنّ أحد أنّ التنظيم المشار إِليه يُسوغّ مثل هذه المُخالفات! كلا؛ فإِنّه ليس من الضّروريّات، وإنما من الكماليات التي لا يجوز بمثلها الاعتداء على الأموات، فعلى الأحياء أن يُنظِّموا أمورهم، دون أن يؤذوا موتاهم.\nومن العجائب التي تلفت النّظر: أن ترى هذه الحكومات تحترم الأحجار والأبنية القائمة على بعض الموتى أكثر من احترامها للأموات أنفسهم؛ فإِنّه لو وقف في طريق التنظيم المزعوم بعض هذه الأبنية -من القباب أو الكنائس ونحوها-؛ تركتها على حالها، وعدّلت من أجلها خارطة التنظيم؛ إِبقاءً عليها؛ لأنّهم يعتبرونها من الآثار القديمة!\nوأمّا قبور الموتى أنفسهم؛ فلا تستحق عندهم ذلك التعديل! بل إِنّ بعض تلك الحكومات لتسعى -فيما علمنا- إِلى جعل القبور خارج البلدة، والمنع من الدفن في القبور القديمة؛ وهذه مخالفة أخرى في نظري؛ لأنها تُفوِّت على المسلمين سُنّة زيارة القبور؛ لأنّه ليس من السّهل على عامّة الناس أن يقطع المسافات الطويلة حتى يتمكن من الوصول إِليها، ويقوم بزيارتها والدّعاء لها!\nوالحامل على هذه المُخالفات -فيما أعتقد-: إِنّما هو التقليد الأعمى لأوروبّا الماديّة الكافرة، التي تريد أن تقضي على كلّ مظهر من مظاهر الإِيمان","vol":"4","page":227},{"text":"بالآخرة، وكلّ ما يذكّر بها، وليس هو مراعاةَ القواعد الصِّحّيّة كما يزعمون! ولو كان ذلك صحيحًا؛ لبادروا إِلى مُحاربة الأسباب التي لا يشكُّ عاقل في ضررها، مثل بيع الخمور وشربها، والفسق والفجور؛ على اختلاف أشكاله وأسمائه، فعدم اهتمامهم بالقضاء على هذه المفاسد الظاهرة، وسعيُهم إِلى إِزالة كلّ ما يُذكّر بالآخرة وإِبعادها عن أعينهم: أكبر دليل على أنّ القصد خلاف ما يزعمون ويعلنون، وما تُكنّه صدورهم أكبر.\nالثاني: أنه لا حرمة لعظام غير المؤمنين؛ لإِضافة العظم إِلى المؤمن في قوله: \"عظم المؤمن\"، فأفاد أنّ عظم الكافر ليس كذلك، وقد أشار إِلى هذا المعنى الحافظ في \"الفتح\" بقوله: \"يُستفاد منه أنّ حرمة المؤمن بعد موته باقية كما كانت في حياته\".\nومن ذلك يُعرف الجواب عن السؤال الذي يتردّد على ألسنة كثيرٍ من الطُّلاّب في كلّيّات الطب، وهو: هل يجوز كسر العظام لفحصها وإِجراء التحرّيات الطبية فيها؟\nوالجواب: لا يجوز ذلك في عظام المؤمن، ويجوز في غيرها. ويؤيده ما يأتي في المسألة التالية:\nيجوز نبش قُبور الكفار؛ لأنّه لا حرمة لها؛ كما دلَّ عليه مفهوم الحديث السابق، ويشهد له حديث أنس بن مالك -﵁- قال: \"قدم النّبيّ - ﷺ - المدينة، فنزل أعلى المدينة في حيّ -يقال لهم: بنو عمرو بن عوف- فأقام النّبيّ - ﷺ - فيهم أربع عشرة ليلة، ثمّ أَرسل إِلى بني النجّار، فجاءوا متقلّدي السيوف، كأنّي أنظر إِلى النّبيّ - ﷺ - على راحلته وأبو بكر رِدْفَهُ وملأُ بني النجار","vol":"4","page":228},{"text":"حوله، حتى ألقى (١) بفِناء (٢) أبي أيوب، وكان يُحبّ أن يصلّي حيث أدركته الصلاة، ويُصلّي في مرابض الغنم (٣)، وإنّه أمر ببناء المسجد، فأرسل إِلى ملإٍ من بني النجار: ثامنوني (٤) بحائطكم هذا. قالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إِلا إِلى الله.\nفقال أنس: فكان فيه ما أقول لكم: قبور المشركين، وفيه خَرِب (٥)، وفيه نخل، فأمر النّبيّ - ﷺ - بقبور المشركين فنُبِشَتْ، ثمّ بالخَرب فسُوِّيَتْ، وبالنخل فقُطِع، فصفّوا النخل قِبلة المسجد، وجعلوا عِضادتيه (٦) الحجارة، وجعلوا ينقلون الصّخر وهم يرتجزون، والنّبيّ - ﷺ - معهم وهو يقول:\nاللهم لا خيرَ إِلا خيرُ الآخرة ... فاغفر للأنصار والمهاجِرَة\" (٧).\nعن عائشة -﵂- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"كسر عظم الميت\n_________\n(١) أي: ألقى رحله.\n(٢) هو الناحية المتسعة أمام الدار.\n(٣) مرابض الغنم: هي مباركها ومواضع مبيتها ووضْعها أجسادها على الأرض للاستراحة، وتقدّم معناها في \"كتاب الطهارة\".\n(٤) ثامنوني؛ أي: اذكروا لي ثمنه؛ لأذكر لكم الثمن الذي أختاره، قال ذلك على سبيل المساومة. \"فتح\".\n(٥) خَرِب؛ قال القاضي: رُوِّيناه هكذا؛ ورويناه بكسر الخاء وفتح الراء، وكلاهما صحيح، وهو ما تخرّب من البناء. \"شرح النووي\".\n(٦) العِضادة -بكسر العين-: هي جانب الباب.\n(٧) أخرجه البخاري: ٤٢٨، ومسلم: ٥٢٤.","vol":"4","page":229},{"text":"ككسره حيًّا\" (١).\nقال شيخنا -﵀-: \"قال الحافظ في \"الفتح\": وفي الحديث جواز التصرف في المقبرة المملوكة بالهبة والبيع، وجواز نبش القبور الدارسة إِذا لم تكن محترمة، وجواز الصلاة في مقابر المشركين بعد نبشها؛ وإِخراج ما فيها؛ وجواز بناء المساجد في أماكنها\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1129>تحريم جعْل المصاحف عند القبور للقراءة:</span>\nجاء في \"مجموع الفتاوى\" (ص ٣٠١): \" .. وأما جعل المصاحف عند القبور لمن يقصد قراءة القرآن هناك وتلاوته؛ فبدعة منكرة، لم يفعلها أحد من السلف، بل هي تدخل في معنى \"اتخاذ المساجد على القبور\" وقد استفاضت السنن عن النّبيّ - ﷺ -[في النهي] عن ذلك، حتى قال: \"لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد\" يُحَذِّرُ ما صنعوا، قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجدًا.\nوقال: \"إِن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد؛ فإِني أنهاكم عن ذلك\"، ولا نزاع بين السلف والأئمة في النهي عن اتخاذ القبور مساجد.\nومعلوم أن المساجد بنيت للصلاة، والذكر، وقراءة القرآن، فإِذا اتخذ القبر لبعض ذلك؛ كان داخلًا في النهي، فإِذا كان هذا مع كونهم يقرؤون فيها؛\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٧٤٦)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٣١٠) وتقدّم.","vol":"4","page":230},{"text":"فكيف إِذا جعلت المصاحف بحيث لا يقرأ فيها، ولا ينتَفع بها لا حيٌّ ولا ميتٌ؟! فإِن هذا لا نزاع في النهي عنه.\nولو كان الميت ينتفع بمثل ذلك؛ لفعله السلف؛ فإِنهم كانوا أعلم بما يحبه الله ويرضاه، وأسرع إِلى فعل ذلك وتَحرِّيهِ\".\nوسألت شيخنا -﵀- عن قراءة القرآن عند القبر؟\nفقال: لا أراها.\nفقلت له: من أيّ باب؟\nفأجاب: لعدم وجود مصلحةٍ تستوجب هذا التكلّف.","vol":"4","page":231},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1130>الحج</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1131>تعريفه:</span>\nالحج -لغةً-: القصد، قال الله -تعالى-: ﴿ولله على الناس حِجّ البيت﴾ (١). أي: قصد البيت.\nوفي الشرع: القصد إِلى أماكن مخصوصة للقيام بأعمال مخصوصة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1132>فضله والترغيب فيه:</span>\nعن أبي هريرة -﵁- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"العمرة إِلى العمرة كفّارة لما بينهما، والحج المبرور (٢) ليس له جزاءٌ إلاَّ الجنة\" (٣).\nوعن عبد الله بن مسعود -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"تابِعوا بين الحج والعمرة؛ فإِنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكِيرُ خَبَثَ (٤) الحديد والذهب والفضة، وليس للحج المبرور ثواب دون الجنة\" (٥).\nوعن أبي هريرة -﵁- أنّ رسول الله - ﷺ - سُئِل: أي العمل أفضل؟\n_________\n(١) آل عمران: ٩٧.\n(٢) المبرور: هو الذي لا يخالطه شيء من الإِثم. وقيل: هو المقبول المقابَل بالبرّ، وهو الثواب. \"النهاية\".\n(٣) أخرجه البخاري: ١٧٧٣، ومسلم: ١٣٤٩.\n(٤) الخَبَث: هو ما تُلقيه النار من وسخ الفضّة والنحاس وغيرهما إذا أُذيبا. \"النهاية\".\n(٥) أخرجه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٦٥٠)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٢٤٦٨)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢٣٣٤)، وانظر \"المشكاة\" (٢٥٢٤) و\"الصحيحة\" (١٢٠٠).","vol":"4","page":233},{"text":"فقال: \"إِيمان بالله ورسوله. قيل: ثمّ ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قيل: ثمّ ماذا؟ قال: حج مبرور\" (١).\nوعن أبي هريرة -﵁- قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"من حج لله، فلم يَرْفُثْ ولم يَفْسُقْ؛ رجع كيومَ ولدته أمه (٢) \" (٣).\nعن عائشة -﵂- قالت: قلت: \"يا رسول الله! ألا نغزو ونجاهد معكم؟! فقال: لَكُنَّ أحسنُ الجهاد وأجمله: الحج حج مبرور، فقالت عائشة: فلا أدَعُ الحج بعد إِذ سمعت هذا من رسول الله - ﷺ -\" (٤).\nعن عمرو بن العاص -﵁- قال: \"لمّا جعل الله الإِسلام في قلبي؛ أتيتُ النّبيّ - ﷺ - فقلت: ابسُطْ يمينك فلأبايعك؛ فبسط يمينه، قال: فقبضت يدي، قال: ما لك يا عمرو؟! قال: قلت: أردت أن أشترط! قال: تشترط بماذا؟ قلت: أن يغفر لي، قال: أما علمت أنّ الإِسلام يهدم ما كان قبله؟ وأنّ الهجرة تهدم ما كان قبلها؟ وأنّ الحجّ يهدم ما كان قبله؟ \" (٥).\nعن ابن عمر -﵄- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"الغازي في سبيل الله والحاج والمعتمر وفْد (٦) الله: دعاهم فأجابوه، وسألوه\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٢٦، ومسلم: ٨٣.\n(٢) أي: بغير ذنب، وظاهره غفران الصغائر والكبائر والتَّبِعَات. \"فتح\".\n(٣) أخرجه البخاري: ١٥٢١، ومسلم: ١٣٥٠.\n(٤) أخرجه البخاري: ١٨٦١.\n(٥) أخرجه مسلم: ١٢١.\n(٦) قال في \"النهاية\": \"قد تكرّر ذِكر الوفد في الحديث، وهم القوم يجتمعون =","vol":"4","page":234},{"text":"فأعطاهم\" (١).\nوعن ابن عمر -﵄- قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"ما ترفع إِبل الحاج رِجْلًا، ولا تضع يدًا؛ إلاَّ كتبَ الله له بها حسنة، أو محا عنه سيئة، أو رفعه بها درجة\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1133>الحج جهادٌ لا شوكة فيه:</span>\nعن الحسين بن علي -﵄- قال: \"جاء رجل إِلى النّبيّ - ﷺ - فقال: إِني جبان، وإني ضعيف، قال: هلمّ إِلى جهاد لا شوكة فيه: الحج\" (٣).\nوعن أبي هريرة -﵁- عن رسول الله - ﷺ - قال: \"جهاد الكبير، والصغير، والضعيف، والمرأة: الحج والعمرة\" (٤).\nوعن أمّ سلمة -﵂- قالت: قال رسول الله - ﷺ -: \"الحجّ جهادُ كل\n_________\n= ويَرِدُون البلاد، واحدهم وافد، وكذلك الذين يقصدون الأمراء؛ لزيارةٍ واسترفادٍ وانتجاع وغير ذلك\".\n(١) أخرجه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢٣٣٩)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٢٤٦٢)، وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١١٠٨).\n(٢) أخرجه البيهقي في \"الشعب\"، وابن حبان في \"صحيحه\"، وحسنه شيخنا -﵀- في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١١٠٦).\n(٣) أخرجه الطبراني في \"الكبير\"، و\"الأوسط\"، وصححّه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٤/ ١٥٢)، و\"صحيح الترغيب والترهيب\" (١٠٩٨).\n(٤) أخرجه النسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٢٤٦٣)، وحسنه لغيره شيخنا -﵀- في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١١٠٠).","vol":"4","page":235},{"text":"ضعيف\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1134>أجر الحاج والمعتمر على قدر نَصَبِهِ ونفقته:</span>\nعن عائشة -﵂- قالت: \"يا رسول الله! يصدُرُ الناس بنُسُكين وأصدُر بنُسُك؟ فقيل لها: انتظري فإِذا طهُرْتِ فاخرجي إِلى التنعيم؛ فأهلِّي ثمّ ائتينا بمكان كذا، ولكنها على قدر نفقتك أو نصبك\" (٢).\nوفي رواية: \"إِنما أجرك في عمرتك على قدْر نفقتك\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1135>من خرَج حاجًّا فمات:</span>\nعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من خرج حاجًّا فمات؛ كُتب له أجر الحاج إِلى يوم القيامة، ومن خرج معتمرًا فمات؛ كُتِب له أجر المعتمر إِلى يوم القيامة، ومن خرج غازيًا فمات؛ كُتب له أجر الغازي إِلى يوم القيامة\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1136>وجوب الحجّ مرّة واحدة:</span>\nعن أبي هريرة -﵁- قال؛ خطَبنا رسول الله - ﷺ - فقال: \"أيها\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه، وحسّنه شيخنا -﵀- في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١١٠٢).\n(٢) أخرجه البخاري: ١٧٨٧، ومسلم: ١٢١١.\n(٣) أخرجه الحاكم، وصححه شيخنا -﵀- في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١١١٦).\n(٤) رواه أبو يعلى من رواية محمد بن إِسحاق، وبقية رواته ثقات، وصححه لغيره شيخنا -﵀- في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١١١٤).","vol":"4","page":236},{"text":"الناس! قد فرض الله عليكم الحج فحُجّوا. فقال رجل: أكُلَّ عام يا رسول الله؟! فسكت، حتى قالها ثلاثًا، فقال رسول الله - ﷺ -: لو قلت: نعم لوجبت، ولما استطعتم. ثمّ قال: ذروني ما تركتكم؛ فإِنما هلك من كان قبلكم بكثرة سُؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإِذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه\" (١).\nوعن ابن عباس -﵄-: \"أنّ الأقرع بن حابس سأل النّبيّ - ﷺ - فقال: يا رسول الله! الحج في كل سنة أو مرّةً واحدةً؟ قال: بل مرّة واحدة، فمن زاد [فتطوَّع] فهو تطوُّع\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1137>وجوبه على الَفْورِ:</span>\nعن ابن عباس -﵄- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من أراد الحج فليتعجّل؛ فإِنّه قد يمرض المريض، وتَضِلُّ الضالّة، وتعرضُ الحاجة\" (٣).\nقال شيخ الإِسلام -﵀- كما في \"الاختيارات\" (ص ١١٥): \"والحج واجب على الفور عند أكثر العلماء\".\nوسألت شيخنا -﵀- عمن يقول: لا يجب الحجّ على الفور؛ لأنّ رسول الله - ﷺ - أخّر الحج إِلى سنة عشرة، وكان معه أزواجه وكثير من أصحابه، فلو كان واجبًا على الفور؛ لَما أخره﵊-؟\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٧٢٨٨، ومسلم: ١٣٣٧ - واللفظ له-.\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٥١٤)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٢٤٥٧)، وغيرهما، وانظر \"الإِرواء\" (٩٨٠).\n(٣) أخرجه أحمد وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢٣٣١)، وانظر \"الإِرواء\" (٩٩٠).","vol":"4","page":237},{"text":"فأجاب -﵀-: \"هذا تعليل ظنّي، ومن الظنّ المنهيّ عنه؛ لأنّ أيّ إِنسان لم يحجّ فور وجوب الحجّ عليه؛ يُحتمل أن يكون له عذر غير عُذر آخر مثله، من حيث إِنّه لم يحج فورًا، وهذا أمرٌ لا يناقش فيه الإِنسان، وبخاصة فيما يتعلّق برجل دولة كالرسول﵊- حينما يقال: إِنه لم يحج على الفور لأنّه كان مستطيعًا أن يحج على الفور؛ من أين لهذا المدعي أنه كان مستطيعًا هذا؟! فلا سبيل إِليه إِلا بنص من الرسول -﵊- يخبر فيه أنه ما حج فورًا؛ لأنّ الحج فورًا ليفرض عين، هذا لا سبيل إِليه إِطلاقًا.\nوهذا نحن نقوله فيما لو لم يكن لدينا نصٌّ يوجب علينا الحج فورًا، ولا شكّ أن الاستدلال على فورية الحج الواجب له عدة أدلة؛ فبعضها من الأدلة العامة، كمِثل قوله -تعالى-: ﴿وسارعوا إِلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أُعدَّت للمتقين﴾؛ لأنّ المعنى: سارعوا إِلى الأخذ بالأسباب التي تستحقون بها مغفرته، فالأمر بالمسارعة يؤكد الفورية التي نحن نبحث فيها الآن.\nونص صريح هو قوله -﵇-: \"من أراد الحجّ فليتعجّل\"، فمع وجود هذين الدليلين وردّ الاحتمال الظنّي؛ لا يصحّ أن يقولوا: إِن الحجّ ليس على الفور؛ لا سيما أنّ الحج عبادة في السَّنَة مرة واحدة.\nفحين تكون هناك مسافة زمنية بعيدة بين الإِنسان وبين وقت العبادة؛ فهنا يقع احتمال عارض المرض، وفِقدان المال ونحو ذلك، فحين تعرض مِثل هذه الأعذار لبعد المسافة الزمنية؛ فإِنها أقوى من أن يعرض عُذرٌ في الصلاة المحدّدة","vol":"4","page":238},{"text":"الوقت.\nلذلك هذه ملاحظة توجب على الإِنسان -حينما يشعر أثناء السَّنَة بالاستطاعة- أنه يجب عليه الحج، وأن يُعِدّ نفسه لذلك، ولا يتمهّل بحُجَّة أنّه لا يجب عليه على الفور، وما يدريه أنه سيعيش إِلى السّنة القادمة؟ \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1138>حكمه:</span>\nالحج رُكن من أركان الإِسلام وفرض من فرائضه.\nقال الله -تعالى-: ﴿ولله على الناس حِجُّ البيت مَنِ استطاع إِليه سبيلًا ومن كفر فإِنّ الله غنيٌّ عن العالمين﴾ (١).\nوعن ابن عمر -﵄- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"بُني الإِسلام على خمس: شهادة أن لا إِله إِلا الله وأنّ محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزّكاة، والحجّ، وصوم رمضان\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1139>على من يجب</span>؟\nيجب الحج على كل مسلم بالغ عاقل حُرٍّ مستطيع.\nعن علي -﵁- أنّه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل\" (٣).\n_________\n(١) آل عمران: ٩٧.\n(٢) أخرجه البخاري: ٨، ومسلم: ١٦.\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٧٠٣)، وابن ماجه \"صحيح سنن =","vol":"4","page":239},{"text":"وأمّا الاستطاعة؛ فلقول الله -تعالى-: ﴿ولله على النّاس حِجّ البيت من استطاع إِليه سبيلًا ومن كفر فإِنّ الله غنيّ عن العالمين﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1140>بِمَ تتحقق الاستطاعة </span>(٢)؟\nتتحقق الاستطاعة بما يأتي:\n١ - أن يكون المكلّف صحيح البدن، فإِن عجَز عن الحج لشيخوخته، أو مرض لا يرجى شفاؤه؛ لزمه إِحجاج غيره عنه إِن كان له مال، كما سيأتي إِن شاء الله -تعالى-.\n٢ - أن تكون الطريق آمنة، بحيث يأمن الحاج على نفسه وماله؛ فلو خاف على نفسه من قُطّاع الطريق، أو وباء، أو خاف على ماله من أن يُسْلَبَ منه؛ فهو ممن لم يستطع إِليه سبيلًا.\n٣، ٤ - أن يكون مالكًا للزاد والراحلة.\nوالمعتبر في الزاد: أن يملك ما يكفيه مما يصحّ به بدنه، ويكفي من يعوله كفاية فاضلة عن حوائجه الأصلية؛ من ملبس ومسكن ومركب، حتى يؤدي الفريضة ويعود.\nعن ابن عباس -﵄- قال: \"كان أهل اليمن يحجّون ولا يتزودون، ويقولون: نحن المتوكلون، فإِذا قدموا مكة سألوا الناس، فأنزل\n_________\n= ابن ماجه\" (١٦٦٠) وغيرهما، وانظر \"الإرواء\" (٢٩٧)، وتقدّم.\n(١) آل عمران: ٩٧.\n(٢) عن \"فقه السّنة\" (١/ ٦٣٠) بتصرّف وزيادة حديث ابن عباس -﵄-.","vol":"4","page":240},{"text":"-تعالى-: ﴿وتزوَّدوا فإِنّ خير الزاد التقوى (١)﴾ \" (٢).\nوالمعتبر في الراحلة؛ أن تمكِّنه من الذهاب والإِياب، سواءٌ أكان ذلك عن طريق البر، أو البحر، أو الجو.\nوهذا بالنسبة لِمَنْ لا يمكنه المشي لبعده عن مكة، فأمّا القريب الذي يمكنه المشي؛ فلا يعتبر وجود الراحلة في حقه؛ لأنها مسافة قريبة يمكنه المشي إِليها.\n٥ - أن لا يوجد ما يمنع من الذهاب إِلى الحج؛ كالحبس أو الخوف من سلطان جائر يمنع الناس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1141>حجّ الصبيّ والعبد:</span>\nلا يجب على الصبيّ والعبد حجٌّ، وإذا حجّا صحّ منهما، لكن عليهما أن يحجّا حجَّة أخرى؛ إِذا بلغ الصبي، وأعتق العبدُ.\nعن ابن عباس -﵄- عن النّبيّ - ﷺ - أنّه قال: \"أيّما صبيّ حجّ ثمّ بلَغ؛ فعليه حجة أخرى، وأيما عبد حجَّ ثمّ عُتق؛ فعليه حجّة أخرى\" (٣).\nوعن السائب بن يزيد قال: \"حُجَّ بي مع رسول الله - ﷺ - وأنا ابن سبع سنين\" (٤).\n_________\n(١) البقرة: ١٩٧.\n(٢) أخرجه البخاري: ١٥٢٣، وانظر \"الفتح\" (٣/ ٣٨٤) -إن شئت- للمزيد من الفوائد الحديثية.\n(٣) أخرجه الشافعي، والطحاوي وغيرهما، وصححه شيخنا -﵀- في \"الإرواء\" (٩٨٦).\n(٤) أخرجه البخاري: ١٨٥٨.","vol":"4","page":241},{"text":"وعن ابن عباس -﵄- عن النّبيّ - ﷺ -: أنه لقي ركْبًا (١) بالرَّوْحَاءِ (٢) فقال: \"من القوم؟ قالوا: المسلمون. فقالوا: من أنت؟ قال: رسول الله. فرفعت إِليه امرأة صبيًّا، فقالت: ألهذا حج؟ قال: نعم، ولك أجر\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1142>وجوب اصطحابِ المرأةِ ذا مَحْرَمٍ:</span>\nعن ابن عباس -﵄- أنّه سمع النّبيّ - ﷺ - يقول: \"لا يخلُوَنّ رجل بامرأة، ولا تسافرنّ امرأة إلاَّ ومعها محرم. فقام رجل فقال: يا رسول الله! اكتُتِبْتُ في غزوة كذا وكذا، وخرَجَت امرأتي حاجّة؟ قال: اذهب فاحجُج مع امرأتك\" (٤).\nعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا يحِلُّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرًا يكون ثلاثة أيام فصاعدًا؛ إِلا ومعها أبوها، أو ابنها، أو زوجها، أو أخوها، أو ذو محرم منها\" (٥).\nجاء في \"فيض القدير\" (٦/ ٣٩٨) (٦): \"إلاَّ مع ذي محرم: بنسب أو رضاع أو مصاهرة، وفي رواية: \"إِلا ومعها ذو محرم\"؛ أي: من يحرُم عليه\n_________\n(١) الرّكب: أصحاب الإِبل خاصّة، وأصله أن يستعمل في عشرة فما دونها. \"نووي\".\n(٢) الروحاء: مكان على ستة وثلاثين ميلًا من المدينة. \"نووي\".\n(٣) أخرجه مسلم: ١٣٣٦.\n(٤) أخرجه البخاري: ٣٠٠٦، ومسلم: ١٣٤١.\n(٥) أخرجه مسلم: ١٣٤٠.\n(٦) ملتقطًا.","vol":"4","page":242},{"text":"نكاحها من الأقارب؛ كأخ وعمّ وخال، ومن يجري مجراهم؛ كزوج، كما جاء مصرحًا به في روايةٍ ... والمحرم: من حَرُم نكاحه على التأبيد بسبب مُباح لحرمتها. قال ابن العربي: النساء لحم على وضَم (١)، كلُّ أحد يشتهيهن، وهنّ لا مدفع عندهنّ، بل الاسترسال فيهن أقرب من الاعتصام، فحصَّن الله عليهن بالحجاب وقطْع الكلام، وحرّم السلام، وباعد الأشباح إِلا مع من يستبيحها وهو الزوج، أو يُمنع منها وهو أولو المحارم، ولما لم يكن بُدٌّ من تصرفّهن؛ أُذن لهن فيه بشرط صحبة من يحميهن، وذلك في مكان [مخافة استمالتهن وخديعتهنّ]، وهو السفر، مقر الخلوة ومعْدن الوحدة\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1143>استئذانُ المرأةِ زوجَها </span>(٢):\nيُسنّ للمرأة أن تستأذن زوجها في الخروج إِلى الحجّ المفروض، فإِن أَذِن لها خرجت، وإن لم يأذن لها خرجت بغير إِذنه؛ لأنّه ليس للرجل مَنْعُ امرأة من حجّ الفريضة؛ لأنها عبادة واجبة عليها، ولا طاعة لخلوق في معصية الخالق -سبحانه - وعليها أن تعجل به لتُبْرِئ ذمّتها.\nوأمّا حجّ التطوُّع فله منْعُها منه.\nقال شيخ الإِسلام -﵀- كما في \"الاختيارات\" (ص ١١٥): \"وليس للزوج منع زوجته من الحج الواجب مع ذي محرم، وعليها أن تحج وإن لم يأذن في ذلك؛ حتى إِن كثيرًا من العلماء أو أكثرهم؛ يوجبون لها النفقة عليه مدةَ الحج\".\n_________\n(١) الوضَم: كل ما يوضَع عليه اللحم من خشب أو حصير أو نحو ذلك. \"الوسيط\".\n(٢) عن \"فقه السنة\" (١/ ٦٣٦) بتصرّف.","vol":"4","page":243},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1144>من مات أو عجَز وعليه حجّ:</span>\nمن مات ولم يحج حجة الإِسلام، أو نذر أن يحجّ، أو عجَز لمرض أو شيخوخة؛ وجب على أبنائه الحجّ عنه، أو توكيل من يحجّ عنه.\nعن ابن عباس -﵄-: أن امرأة من جُهينة جاءت إِلى النّبيّ - ﷺ - فقالت: \"إنّ أمي نذرت أن تحج، فلم تحج حتى ماتت، أفأحجّ عنها؟ قال: نعم؛ حُجّي عنها؛ أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قَاضِيَتَهُ؟! اقضوا الله؛ فالله أحقّ بالوفاء\" (١).\nوعنه -﵁- قال: \"جاءت امرأة من خَثْعَمٍ فقالت: يا رسول الله! إِنّ فريضة الله على عباده في الحجّ أدرَكت أبي شيخاَ كبيرًا لا يثبت على الراحلة؛ أفأحجّ عنه؟ قال: نعم. وذلك في حجّة الوداع\" (٢).\nوجاء في \"مجموع الفتاوى\" (٢٦/ ١٢): \"وسُئل عن شيخ كبير وقد انحلت أعضاؤه، لا يستطيع أن يأكل أو يشرب، ولا يتحرك، هل يجوز أن يستأجر من يحج عنه الفرض؟\nفأجاب: أمّا الحج؛ فإِذا لم يستطع الركوب على الدابة؛ فإِنه يستنيب من يحجّ عنه\". انتهى.\nواختلف العلماء هل يُحَجّ عنه سواءٌ أوصى أم لم يوصِ؟\nفمنهم من رأى أنه يُحجّ عنه أوصى أو لم يوصِ.\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٨٥٢.\n(٢) أخرجه البخاري: ١٥١٣.","vol":"4","page":244},{"text":"ومنهم من اشترط الوصيّة أو عدم القدرة.\nقال أبو عيسى الترمذي -﵀- عقب حديث الخثعمية: \"وقد صحّ عن النّبيّ - ﷺ - في هذا الباب غير حديث، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النّبيّ - ﷺ - وغيرهم، وبه يقول الثوري، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق؛ يرون أن يحج عن الميت.\nوقال مالك: إِذا أوصى أن يُحَجّ عنه حُجَّ عنه.\nوقد رخص بعضهم أن يحج عن الحيّ، إِذا كان كبيرًا، وبحال لا يقدر أن يحج، وهو قول ابن المبارك والشافعي\" (١).\nجاء في \"المنتقى شرح موطأ مالك\" (٣/ ٤٧٠): \"والعبادات على ثلاثة أضرب:\nعبادة مختصة بالمال كالزكاة، فلا خلاف في صحة النيابة فيها.\nوعبادة مختصة بالجسد كالصوم والصلاة، فلا خلاف في أنه لا تصح النيابة فيها. ولا خلاف في ذلك نعلمه؛ إلاَّ ما يروى عن داود أنه قال: من مات وعليه صوم يصوم عنه وليه.\nوعبادة لها تعلق بالبدن والمال كالجهاد والحج، فقد أطلق القاضي أبو محمد أنه تصح النيابة فيها.\nوقد كره ذلك مالك -﵀- قال: ولا يحج أحد عن أحد ولا يصلّي أحد عن أحد، ورأى أنّ الصدقة على الميت أفضل من استئجار من يحجّ عنه؛ إِلا أنه إِن أوصى بذلك نُفّذت وصيته.\n_________\n(١) انظر \"صحيح سنن الترمذي\" (١/ ٢٧٥).","vol":"4","page":245},{"text":"وقال القاضي أبو الحسن: لا تصح النيابة، وإنما للميت المحجوج عنه نفقته إِن أوصى أن يستأجر من ماله على ذلك، وإن تطوع عنه بذلك أحد؛ فله أجر الدعاء وفضله؛ وهذا وجه انتفاع الميت بالحج\".\nوسألت شيخنا -﵀- عن مطلق عمل الخير للوالدين؛ أو الصدقة ... إِلى آخره؟\nفأجاب بالجواز.\nقلت: أيعتمر ويتصدّق ويعمل كلّ أعمال الخير؟\nقال: نعم.\nقلت: والحج؟\nفقال -﵀-: \"إِذا أراد الابن أن يحجّ عن أحد والديه؛ فإِن كان يقصد حجّ الفريضة؛ فلا بُدّ من التفصيل، ولماذا لم يحجّ؟ فإِنْ كان معذورًا حجّ عنه، أمّا التطوع فلا تفصيل\".\nوسألت شيخنا -﵀- مرّة أخرى عن الحجّ عمّن توفّي؟\nفأجاب: \"نريد أن نفهم من الذي طلب الحجّ عنه؟ هل هذا قبل الوفاة أم بعدها؟\nثمّ قال -﵀-: لو أنّ المتوفّى كلّفه وأوصى بذلك؛ فله أن يحجّ، أمّا أن يكلّفه غير المكلّف فلا.\nويُنظر أيضًا إِلى السبب الذي من أجله لم يحجّ المتوفّى، فإِن شغلَته الدنيا ولم يكن له عُذر؛ فلا يُحجّ عنه؛ إِذ لا يُحجّ عنه إلاَّ في حالة العذر وعدم","vol":"4","page":246},{"text":"الاستطاعة (١).\nوسألته -﵀- ذات يوم: هل التوكيل في الحجّ عن العاجز؟\nفقال: نعم وذكر الشروط السابقة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1145>هل يوكّل في الحجّ غير الأبناء</span>؟\nبعد تقدّم الشروط السابقة أقول: لا شك أن حجّ الأبناء عن آبائهم وأمهاتهم هو الأولى، لكن يجوز توكيل غير الأبناء؛ إِذ التوكيل باب معروف من أبواب الفقه الإِسلامي.\nوسألت شيخنا -﵀-: إِن كان له أبناء؛ هل يسوغ له أن يوكّل غيرهم؟\nفقال: نعم؛ يجوز، لكن إِذا كان مريضًا، أو تنفيذًا لوصية.\nقلت: والعمرة؟\nفأجاب -﵀-: نفس الشيء.\nوقال شيخنا -﵀- في بعض إِجاباته: \"يبحث عن الأصلح والأفضل، فإِذا لم يكن في الأبناء؛ فلا مانع من التعدي إِلى غيرهم\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1146>اشتراط الحج عن الغير:</span>\nوينبغي فيمن يحجّ عن غيره أن يكون حاجًّا عن نفسه.\n_________\n(١) وسألته -﵀- عن أخذ النقود إِذا عُرضت على من يحجّ؟ فقال -﵀- بالجواز، وسيأتي إِن شاء الله -﷿- كلام شيخ الإِسلام -﵀- في ذلك.","vol":"4","page":247},{"text":"عن ابن عباس -﵄- أنّ النّبيّ - ﷺ - سمع رجلًا يقول: \"لبيك عن شبرمة، قال: من شُبْرُمة؟ قال: أخ لي -أو قريب لي-. قال: حججت عن نفسك؟ قال: لا، قال: حُجّ عن نفسك، ثمّ حُجّ عن شبرمة\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1147>هل يحج الرجل عن المرأة والمرأة عن الرجل</span>؟\nإذا تحققت الشروط السابقة؛ جاز للمرأة أن تحجّ عن الرجل، والعكس كذلك.\nعن ابن عباس -﵄- قال: \"جاءت امرأة من خثعم، فقالت: يا رسول الله! إِن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يثبت على الراحلة؛ أفأَحج عنه؟ قال: نعم، وذلك في حجة الوداع\" (٢).\nوقال البخاري -﵀-: \"باب الحج والنذور عن الميت، والرجل يحجّ عن المرأة\" (٣).\nوقال -﵀-: \"باب حج المرأة عن الرجل\" (٤).\nويرى شيخ الإِسلام -﵀- جواز حج المرأة عن الرجل؛ وذكر حديث ابن عباس -﵄- المتقدّم عن المرأة الخثعمية.\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٥٩٦)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢٣٤٧)، وصححه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٩٩٤).\n(٢) أخرجه البخاري: ١٥١٣، وتقدّم غير بعيد.\n(٣) انظر \"كتاب جزاء الصيد\" (باب - ٢٢).\n(٤) انظر \"كتاب جزاء الصيد\" (باب - ٢٤).","vol":"4","page":248},{"text":"ونقل -﵀- جواز هذا عن الأئمة الأربعة وجمهور العلماء (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1148>أخذ النفقة في الحجّ عن الميت:</span>\nقال شيخ الإِسلام -﵀: \"حقيقة الأمر في ذلك: أن الحاج يستحب له ذلك إِذا كان مقصوده أحد شيئين: الإِحسان إِلى المحجوج عنه، أو نفس الحج لنفسه.\nوذلك أن الحج عن الميت إِن كان فرضًا؛ فذِمَّته متعلقة به، فالحج عنه إِحسان إِليه بإِبراء ذمته؛ بمنزلة قضاء دينه؛ كما قال النّبيّ - ﷺ - للخثعمية: \"أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيتيه؛ أكان يجزي عنه؟ قالت: نعم.\nقال: فالله أحقّ بالقضاء\"، وكذلك ذكر هذا المعنى في عدة أحاديث، بين أنّ الله -لرحمته وكرمه- أحق بأن يقبل قضاء الدين عمن قضي عنه، فإِذا كان مقصود الحاج قضاء هذا الدين الواجب عن هذا، فهذا مُحسن إليه، والله يحب المحسنين؛ فيكون مستحبًّا، وهذا غالبًا إِنما يكون لسببٍ يبعثه على الإِحسان إِليه، مِثل رَحِم بينهما، أو مودةٍ وصداقة، أو إِحسان له عليه يجزيه به، ويأخذ من المال ما يستعين به على أداء الحج عنه، وعلامة ذلك أن يطلب مقدار كفاية حجِّه، ولهذا جوّزنا نفقة الحج بلا نزاع، وكذلك لو وصى بحجة مستحبة، وأحب إِيصال ثوابها إِليه.\nوالموضع الثاني: إِذا كان الرجل مُؤْثرًا أن يحج؛ محبةً للحج وشوقًا إِلى المشاعر، وهو عاجز؛ فيستعين بالمال المحجوج به على الحجّ، وهذا قد يُعطى المال ليحجَّ به لا عن أحد، كما يعطى المجاهد المال ليغزو به، فلا شبهة فيه، فيكون\n_________\n(١) وانظر \"مجموع الفتاوى\" (٢٦/ ١٣).","vol":"4","page":249},{"text":"لهذا أجر الحج ببدنه، ولهذا أجر الحج بماله، كما في الجهاد؛ فإِنه من جهز غازيًا فقد غزا، وقد يعطى المال ليحج به عن غيره، فيكون مقصود المعطى الحج عن المعطى عنه، ومقصود الحاج ما يحصل له من الأجر بنفس الحج لا بنفس الإِحسان إِلى الغير ...\nوهذا أيضًا إِنما يأخذ ما ينفقه في الحج؛ كما لا يأخذ إلا ما ينفقه في الغزو، فهاتان صورتان مستحبتان، وهما الجائزتان من أن يأخذ نفقة الحج ويردَّ الفضل، وأما إِذا كان قصده الاكتساب بذلك، وهو أن يستفضل مالًا؛ فهذا صورة الإِجارة والجعالة، والصواب أنّ هذا لا يستحب -وإِن قيل بجوازه- لأنّ العمل المعمول للدنيا ليس بعمل صالح في نفسه، إِذا لم يقصد به إلاَّ المال، فيكون من نوع المباحات، ومن أراد الدنيا بعمل الآخرة؛ فليس له في الآخرة من خلاق (١) \" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1149>ما الأفضل؛ الحجّ عن نفسه أو والده أم الصدقة</span>؟\n\"وسئل شيخ الإِسلام -﵀-:\nماذا يقول أهل العلم في رجل ... آتاه ذو العرش مالًا حَجَّ واعتمرا\nفهزَّه الشوقُ نحو المصطفى (٣) طربًا ... الحجُّ أفضلُ أم إِيثارُه الفُقَرا\n_________\n(١) أي: حظّ ونصيب.\n(٢) \"مجموع الفتاوى\" (٢٦/ ١٤) -بحذف-.\n(٣) قلت: شد الرّحال إِلى قبْرٍ -أخي- حَرُما ... عنه الحبيبُ رسولُ الله قد زَجَرا =","vol":"4","page":250},{"text":"أم حجه عن أبيه ذاك أفضل أم ... ماذا الذي يا سادتي ظهرا\nأفتوا مُحبًّا لكم نفسي فديتكمو ... وذكركم دأْبُه إِن غاب أو حضرا\nفأجاب -﵁-:\nنقول فيه بأن الحج أفضل من ... فِعل التصدّق والإِعطاء للفُقَرا\nوالحج عن والديه فيه بِرُّهما ... والأم أسبق في البر الذي ذُكِرا\nلكن إِذا الفرضُ خَصَّ الأَبَّ كان إِذًا ... هو المقدَّمَ فيما يمنع الضررا\nكما إِذا كان محتاجًا إِلى صِلَةٍ ... وأمُّهُ قد كفاها من بَرَا البشرا\nهذا جوابك يا هذا موازنةً ... وليس مفتيك معدودًا من الشعرا (١) \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1150>التكسُّب في الحجّ:</span>\nقال الله -تعالى-: ﴿ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيّام معلُومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعِموا البائس الفقير * ثمّ لْيَقضُوا تَفَثَهُم ولْيُوفوا نُذورهم ولْيطَوَّفوا بالبَيت العِتيق﴾ (٢).\nقال ابن كثير -﵀- في \"تفسيره\": \"قال ابن عباس: ﴿ليشهدوا منافع لهم﴾ قال: منافع الدنيا والآخرة، أما منافع الآخرة؛ فرضوان الله -تعالى- وأما منافع الدنيا؛ فما يصيبون من منافع البُدْن والذبائح والتجارات. وكذا قال مجاهد، وغير واحد: إِنها منافع الدنيا والآخرة، كقوله: ﴿ليس عليكم جُناحٌ\n_________\n= لكن لمسجده بالنّص قد شُرِعا ... هذا بيانيَ قد سَطَّرْتُ مختصرا\n(١) \"مجموع الفتاوى\" (٢٦/ ١٠).\n(٢) الحج: ٢٨ - ٢٩.","vol":"4","page":251},{"text":"أن تبتغوا فضلًا من ربكم﴾ [البقرة: ١٩٨] \".\nقال ابن عباس -﵄-: \"كان ذو المجاز وعُكاظ مَتْجَرَ الناس في الجاهلية، فلمّا جاء الإِسلام؛ كأنهم كرهوا ذلك، حتى نزلت: ﴿ليس عليكم جُناح أن تبتغوا فضلًا من ربكم﴾ (١): في مواسم الحج\" (٢).\nوعن مجاهد عن عبد الله بن عباس -﵄- قال: \"قرأ هذه الآية: ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلًا من ربكم﴾ قال: كانوا لا يتّجرون بمنى، فأُمروا بالتجارة إِذا أفاضوا من عرفات\" (٣).\nوعن أبى أُمامة التيمي قال: \"كنت رجلا أَكْرِي (٤) في هذا الوجه، وكان ناس يقولون: إِنه ليس لك حج، فلقيت ابن عمر فقلت: يا أبا عبد الرحمن! إِني رجل أَكْرِي في هذا الوجه، وإِن ناسًا يقولون: إِنه ليس لك حج؟ فقال ابن عمر: أليس تُحْرِمُ، وتلبِّي، وتطوف بالبيت، وتفيض من عرفات، وترمي الجمار؟ قال: قلت: بلى! قال: فإِن لك حجًّا، جاء رجل إِلى النّبيّ - ﷺ - فسأله عن مثل ما سألتني عنه، فسكت عنه رسول الله - ﷺ - فلم يجبه، حتّى نزَلت هذه الآية: ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلًا من ربكم﴾، فأرسل إِليه رسول الله - ﷺ -، وقرأ عليه هذه الآية، وقال: لك حج\" (٥).\n_________\n(١) البقرة: ١٩٨.\n(٢) أخرجه البخاري: ١٧٧٠.\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٥٢٣).\n(٤) أي: أؤجّر دابتي. وانظر \"النهاية\".\n(٥) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٥٢٥).","vol":"4","page":252},{"text":"جاء في \"الاختيارات\" (ص ١١٥): \"والتجارة ليست محرَّمة، لكن ليس للإِنسان أن يفعل ما يَشْغَلُهُ عن الحج\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1151>ما يقول إِذا ركب إِلى سفر الحج وغيره </span>(١)؟\nعن ابن عمر: \"أنّ رسول الله - ﷺ - كان إِذا استوى على بعيره خارجًا إِلى سفر؛ كبّر ثلاثًا، ثمّ قال: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنّا له مقرنين (٢)، وإنا إِلى ربّنا لَمُنقلبون. اللهمّ! إِنّا نسألك في سفرنا هذا البرّ والتّقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهمّ! هوّن علينا سفرنا هذا، واطوِ عنّا بعده، اللهمّ! أنت الصّاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهمّ! إِني أعوذ بك من وعثاء السفر (٣)، وكآبة المنظر (٤)، وسوء المنقلب (٥) في المال والأهل\". وإذا رجع قالهنّ وزاد فيهنّ: \"آيبون تائبون عابدون، لربنا حامدون\" (٦).\n_________\n(١) هذا العنوان من \"صحيح مسلم\" (كتاب الحج) (باب - ٧٥).\n(٢) أي مطيقين، أي: ما كنا نطيق قهره واستعماله لولا تسخير الله تعالى إِياه لنا\". \"شرح النووي\".\n(٣) وعثاء السفر؛ أي: شدّته ومشقّته، وأصله من الوعث، وهو الرمل، والمشي فيه يشتدّ على صاحبه ويشقّ. \"النهاية\".\n(٤) كآبة المنظر: هي تغير النفس من حزن ونحوه. \"شرح النووي\".\n(٥) المنقلب؛ أي: الانقلاب من السفر والعود إِلى الوطن، يعني: أنه يعود إِلى بيته فيرى ما يحزنه، والانقلاب: الرجوع مطلقًا. \"النهاية\".\n(٦) أخرجه مسلم: ١٣٤٢.","vol":"4","page":253},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1152>ماذا يقول إِذا قَفَلَ من سفر الحج وغيره </span>(١)؟\nعن عبد الله بن عمر -﵄- قال: \"كان رسول الله - ﷺ - إِذا قَفَلَ (٢) من الجيوش أو السّرايا أو الحج أو العمرة، إِذا أوفى (٣) على ثنيّة (٤) أو فدفد (٥)؛ كبر ثلاثًا، ثمّ قال: لا إِله إِلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، آيبون، تائبون، عابدون، ساجدون، لربّنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده (٦) \" (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1153>حَجّة رسول الله - ﷺ - برواية جابر -﵁</span>- (٨)\nقال جابر -﵁-:\n_________\n(١) هذا العنوان من \"صحيح مسلم\" (كتاب الحج) (باب - ٧٦).\n(٢) أي: رجع.\n(٣) أوفى: ارتفع وعلا.\n(٤) الثنية في الجبل؛ كالعقبة فيه. وقيل: هو الطريق العالي فيه. وقيل: أعلى المسيل في رأسه. \"النهاية\".\n(٥) الفدفد: هو الموضع الذي فيه غلظ وارتفاع. وقيل: هو الفلاة التي لا شيء فيها. وقيل: غليظ الأرض ذات الحصى. وقيل: الجَلَدُ من الأرض في ارتفاع، وجمعه فدافد.\n(٦) المراد: الأحزاب الذين اجتمعوا يوم الخندق وتحزبوا على رسول الله - ﷺ -، فأرسل الله عليهم ريحًا وجنودًا لم يروها. \"شرح النووي\".\n(٧) أخرجه البخاري: ١٧٩٧، ومسلم: ١٣٤٤.\n(٨) عن كتاب \"حجة النّبيّ - ﷺ - \" لشيخنا -﵀- بتصرُّف.","vol":"4","page":254},{"text":"١ - إِن رسول الله - ﷺ - مكث [بالمدينة] تسع سنين لم يحج.\n٢ - ثمّ أذّن في الناس في العاشرة: إِن رسول الله - ﷺ - حاجٌّ [هذا العامَ].\n٣ - فقدم المدينة بشر كثير (وفي رواية: فلم يبق أحد يقدر أن يأتيَ راكبًا أو راجلًا إِلا قَدِم) [فتدارَك الناس (١) ليخرجوا معه]؛ كلهم يلتمس أن يأتمّ برسول الله - ﷺ - ويعمل مِثل عمَله.\n٤ - [وقال جابر -﵁-: سمعت -قال الراوي: أحسبه رفع إِلى النّبيّ - ﷺ -- (وفي رواية قال: خطبنا رسول الله - ﷺ -) فقال: \"مُهَلُّ أهل المدينة من ذي الحُلَيْفَةِ (٢)، و[مهلّ أهل] الطريق الآخر الجُحفة، (٣) ومهل أهل العراق من ذات عِرْقٍ (٤)، ومهل أهل نجد قَرْنٌ، ومهلّ أهل اليمن من\n_________\n(١) أي: تلاحقوا ووصلوا.\n(٢) موضع على ستة أميال من المدينة، كما في \"القاموس\"، وقال الحافظ ابن كثير في \"البداية\" (٥/ ١١٤): \"على ثلاثة أميال\"، وقال ابن القيم في \"الزاد\" (٢/ ١٧٨): \"ميل أو نحوه\"، وهذا اختلاف شديد.\n(٣) موضع بينه وبين مكة نحو ثلاث مراحل، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- في (مناسك الحج\" (٢/ ٣٥٦) من \"مجموعة الرسائل الكبرى\": \"هي قرية كانت قديمة معمورة، وكانت تسمى (مهيعة)، وهي اليوم خراب، ولهذا صار الناس يحرمون قبلها من المكان الذي يسمى (رابغًا)، وهذا ميقات لمن حج من ناحية المغرب، كأهل الشام ومصر، وسائر المغرب؛ إذا اجتازوا بالمدينة النبوية كما يفعلونه في هذه الأوقات؛ أحرموا من ميقات أهل المدينة؛ فإِنّ هذا هو المستحب لهم بالاتفاق، فإِن أخروا الإِحرام إِلى الجحفة ففيه نزاع\".\nقال شيخنا -﵀-: \"والأشبه الجواز؛ لهذا الحديث\".\n(٤) مكان بالبادية، وهو الحد الفاصل بين نجد وتِهَامة، كما في \"القاموس\" و\"معجم البلدان\"، والمسافة بينه وبين مكة اثنان وأربعون ميلًا، كما في \"الفتح\".","vol":"4","page":255},{"text":"يَلَمْلَمَ (١)].\n٥ - [قال: فخرج رسول الله - ﷺ -] [لخمس بقين من ذي القَعْدة أو أربع].\n٦ - [وساق هديًا] (٢).\n٧ - فخرجنا معه [معنا النساء والولدان].\n٨ - حتى أتينا ذا الحليفة، فولدت أسماءُ بنت عُمَيْسِ محمّدَ بنَ أبي بكر.\n٩ - فأرسَلَت إِلى رسول الله - ﷺ -: كيف أصنع؟\n١٠ - [فـ] قال: \"اغتسلي واستثفري (٣) بثوب وأحرمي\".\n١١ - فصلّى رسول الله - ﷺ - في المسجد [وهو صامت] (٤).\n١٢ - ثمّ ركب القصواء (٥)، حتى إِذا استوت به ناقته على البيداء؛ [أهلّ بالحجّ (وفي رواية: أفرَد بالحج) هو وأصحابه].\n١٣ - [قال جابر]: فنظرت إِلى مدّ بصري [من] بين يديه من راكب وماشٍ،\n_________\n(١) مكان على مرحلتين من مكة، بينهما ثلاثون ميلًا.\n(٢) والأفضل: ترْك سوق الهدي والتمتع بالعمرة إِلى الحج، كما في الحديث المتقدّم: \"لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي، فحلّوا\"، وانظر ما قاله شيخنا -﵀- في الأصل.\n(٣) أمْرٌ من الاستثفار. قال ابن الأثير في \"النهاية\": \"هو أن تشد فرجها بخرقة عريضة بعد أن تحتشي قطنًا، وتوثق طرفيها في شيء تشدّه على وسطها، فتمنع بذلك سيل الدم\".\n(٤) يعني: أنه لمّا يلبِّ بعدُ.\n(٥) هي بفتح القاف وبالمد: اسم ناقته - ﷺ -، ولها أسماء أخرى مثل: العضباء والجدعاء، وقيل: هي أسماء لنوق له - ﷺ -. انظر \"شرح مسلم\" للنووي.","vol":"4","page":256},{"text":"وعن يمينه مِثْل ذلك، وعن يساره مِثْل ذلك، ومن خلفه مِثل ذلك، ورسول الله - ﷺ - بين أظهرنا؛ وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل به من شيء عملنا به.\n١٤ - فأهلّ بالتوحيد: \"لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إِنّ الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك\".\n١٥ - وأهلّ الناس بهذا الذي يُهلّون به (وفي رواية: ولبّى الناس [والناس يزيدون]): [لبيك ذا المعارج لبيك! ذا الفواضل!]، فلم يرُدّ رسول الله - ﷺ - عليهم شيئًا منه.\n١٦ - ولَزِم رسول الله - ﷺ - تلبيته.\n١٧ - قال جابر: [ونحن نقول: [لبيك اللهم] لبيك بالحج] [نَصْرُخُ صراخًا]؛ لسنا ننوي إِلا الحجّ [مفردًا] [لا نخلطه بعمرة] (وفي رواية: لسنا نعرف العمرة) (١) (وفي أخرى: أهللنا أصحابَ النّبيّ - ﷺ - بالحجّ خالصًا ليس معه غيره، خالصًا وحده).\n١٨ - [قال: وأقبلت عائشة بعمرة، حتى إِذا كانت بـ \"سَرِف\" (٢)\n_________\n(١) قال شيخنا -﵀-: \"كان هذا في أوّل هذه الحجة، وقَبْلَ أن يعلمهم رسول الله - ﷺ - مشروعية العمرة في أشهر الحج، وفي ذلك أحاديث منها حديث عائشة -﵂- قالت: \"خرجنا مع رسول الله - ﷺ - (عام حجة الوداع) فقال: من أراد منكم أن يهل بحج وعمرة فليفعل، ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل، قالت عائشة: .. وكنت فيمن أهل بالعمرة\". رواه البخاري، ومسلم، -واللفظ له-.\n(٢) بكسر الراء. موضع قرب التنعيم. قال في \"النهاية\": \"وهو من مكة على عشرة أميال. وقيل: أقل. وقيل أكثر\".","vol":"4","page":257},{"text":"عَرَكت (١)].\n١٩ - حتى إِذا أتينا البيت معه [صُبْحَ رابعة مضت من ذي الحجة]، (وفي رواية: دخلنا مكة عند ارتفاع الضحى).\n٢٠ - فأتى النّبيّ - ﷺ - باب المسجد، فأناخ راحلته ثمّ دخل المسجد.\n٢١ - استلم الرُّكْنَ (٢) (وفي رواية: الحجر الأسود).\n٢٢ - [ثمّ مضى عن يمينه].\n٢٣ - فرمل (٣)، [حتى عاد إِليه] ثلاثًا، ومشى أربعًا [على هيّنته].\n٢٤ - ثمّ نفذ إِلى مقام إِبراهيم -﵊- فقرأ: ﴿واتخِذوا من مقام إِبراهيم مُصلّى﴾، [ورفَع صوته يُسمِع الناس].\n٢٥ - فجعل المقام بينه وبين البيت، [فصلّى ركعتين].\n٢٦ - [قال:] فكان يقرأ في الركعتين: ﴿قل هو الله أحد﴾ و﴿قل يا أيها الكافرون﴾ (وفي رواية: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ و﴿قل هو الله أحد﴾).\n٢٧ - [ثمّ ذهب إِلى زمزم؛ فشرب منها، وصبّ على رأسه].\n٢٨ - ثمّ رجع إِلى الركن فاستلمه.\n٢٩ - ثمّ خرج من الباب (وفي رواية: باب الصفا) إِلى الصفا، فلما دنا من\n_________\n(١) أي: حاضت.\n(٢) أي: مسَحه بيده.\n(٣) قال العلماء: الرمَل: هو أسرع المشي مع تقارب الخطى؛ وهو الخَبَبُ. \"نووي\".","vol":"4","page":258},{"text":"الصفا قرأ: \" ﴿إِنّ الصفا والمروة من شعائر الله﴾. أَبْدَأُ (وفي رواية: نبدأ) بما بدأ الله به\"؛ فبدأ بالصفا فَرَقِيَ عليه حتى رأى البيت.\n٣٠ - فاستقبَل القبلة فوحّد الله وكبّره [ثلاثًا] و[حَمِده] وقال: \"لا إِله إلاَّ الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، [يحيي ويميت]، وهو على كل شيء قدير، لا إِله إِلا الله وحده [لا شريك له]، أنجز وعده، ونصَر عبده، وهزم الأحزاب وحده؛ ثمّ دعا بين ذلك، وقال مِثل هذا ثلاث مرات.\n٣١ - ثمّ نزل [ماشيًا] إِلى المروة، حتى إِذا انصبّت قدماه في بطن الوادي سعى، حتى إِذا صعِدتا [يعني]: [قدماه] [الشق الآخر]؛ مشى حتى أتى المروة، [فَرَقِيَ عليها حتى نظر إِلى البيت].\n٣٢ - ففعل على المروة كما فعل على الصفا.\n٣٣ - حتى إِذا كان آخر طوافه (وفي رواية: كان السابع) على المروة؛ فقال: [يا أيها الناس!] لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت؛ لم أسق الهدي، و[لَـ] جعَلْتها عُمرة، فمن كان منكم لَيْسَ معه هدي؛ فليُحلّ وليجعلها عُمرة، (وفي رواية: فقال: أحلّوا من إِحرامكم، فطوفوا بالبيت، وبين الصفا والمروة، وقصّروا (١) وأقيموا حلالًا، حتى إِذا كان يوم التروية فأهلوا بالحجّ، واجعلوا التي قدمتم بها متعة) (٢).\n_________\n(١) هذا هو السُّنّة والأفضل بالنسبة للمتمع؛ أن يقصر من شعره ولا يحلقه، وإنما يحلقه يوم النحر بعد فراغه من أعمال الحج، كما قال شيخ الإِسلام ابن تيمية وغيره، فقوله - ﷺ -: \"اللهم اغفر للمحلقين ثلاثًا، وللمقصرين مرة واحدة؛ محمول على غير المتمتع كالقارن والمعتمر عمرة مفردة.\n(٢) أي: اجعلوا الحَجّة المفردة التي أهللتم بها عمرة، وتحللوا منها؛ فتصيروا متمتعين ... \"فتح\".","vol":"4","page":259},{"text":"٣٤ - فقام سراقة بن مالك بن جُعشُم (وهو في أسفل المروة:) فقال: يا رسول الله! [أرأيت عمرتنا (وفي لفظ: متعتنا) هذه؛ ألِعامِنا هذا أم لأبد [الأبد]؟ [قال:] فشبَّك رسول الله - ﷺ - أصابعه واحدة في أخرى، وقال: دخَلَت العمرة في الحج [إِلى يوم القيامة]، [لا، بل لأبد أبد]، [لا، بل لأبد أبد]؛ [ثلاث مرات].\n٣٥ - [قال: يا رسول الله! بين لنا ديننا كأنّا خُلِقنا الآن، فيما العمل اليوم؟ أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير؛ أو فيما نستقبل؟ قال: لا؛ بل فيما جفّت به الأقلام وجرَت به المقادير. قال: ففيم العمل [إِذن]؟! قال: اعملوا فكُلٌّ مُيسَّر] [لما خُلِق له].\n٣٦ - [قال جابر: فأمرنا إِذا حللنا أن نُهْدي (١)، ويجتمع النفر منا في الهَدِيَّة، [كل سبعة منا في بدنة] [فمن لم يَكن معه هدي، فليصم ثلاثة أيام؛ وسبعة إِذا رجع إِلى أهله].\n٣٧ - [قال: فقلنا: حلّ ماذا؟ قال: الحلّ كلَّه] (٢).\n٣٨ - [قال: فكبُر ذلك علينا، وضاقت به صدورنا].\n٣٩ - [قال: فخرجنا إِلى البطحاء (٣)، قال: فجعل الرجل يقول: عهدي\n_________\n(١) من الهَدِيِّ؛ بالتشديد والتخفيف، وهو ما يهدى إِلى البيت الحرام من النعم لتنحر. \"نهاية\".\n(٢) يعني: الذي يَحْرُم على المحرم. قال الحافظ: \"كأنهم كانوا يعرفون أن للحج تحلّلين، فأرادوا بيان ذلك، فبيّن لهم أنهم يتحللّون الحلّ كله لأنّ العمرة ليس لها إلاَّ تحلُّل واحد\".\n(٣) يعني: بطحاء مكة، وهو الأبطح، وهو سيل واسع فيه دقاق الحصى، كما في \"القاموس\" وغيره، وموقعه شرقي مكة.","vol":"4","page":260},{"text":"بأهلي اليوم] (١)!\n٤٠ - [قال: فتذاكَرنا بيننا فقلنا: خرجنا حُجّاجًا لا نريد إِلا الحجّ، ولا ننوي غيره، حتى إِذا لم يكن بيننا وبين عرفة إِلا أربع]. (وفي رواية: خمس) [ليالٍ] أمرنا أن نفضي إِلى نسائنا، فنأتي عرفة تقطر مذاكيرنا المني (٢) [من النساء]!! قال: يقول جابر بيده، (قال الراوي:) كأني أنظر إِلى قوله بيده يحركها، [قالوا: كيف نجعلها متعة وقد سمَّينا الحج؟!]\n٤١ - قال: [فبلغ ذلك النّبيّ - ﷺ -، فما ندري أشيء بلغه من السماء، أم شيء بلغه من قبل الناس]؟!.\n٤٢ - [فقام] [فخطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه] فقال: \" [أبالله تعلّموني أيها الناس؟!، قد علمتم أني أتقاكم لله، وأصدقكم وأبرّكم، [افعلوا ما آمركم به؛ فإِني] لولا هديي لحللت كما تَحلّون، [ولكن لا يحلّ مني حرام (٣) حتى يبلغ الهدي مَحِلَّهُ] (٤)، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت؛ لم أسق الهدي، فَحِلُّوا] \".\n٤٣ - [قال: فواقَعنا النساء، وتطيّبنا بالطيب، ولبِسنا ثيابنا].\n_________\n(١) كأنهم يستنكرون ذلك، وهذا يدّل على أنّ بعضهم قد تحلّل بعد أمره - ﷺ - بذلك، ولكن لم يزل في نفوسهم شيء من ذلك، وأمّا الآخرون فإِنهم تأخروا، حتى خطبهم - ﷺ - الخطبة الآتية، وأكّد لهم فيها الأمر بالفسخ، فتحللوا -﵃- جميعًا.\n(٢) هو إِشارة إِلى قرب العهد بوطء النساء. \"نووي\".\n(٣) أي: شيء حرام، والمعنى: لا يحل مني ما حرم. \"فتح\".\n(٤) أي: إِذا نحر يوم منى.","vol":"4","page":261},{"text":"٤٤ - [فحَلّ الناس كلّهم وقصّروا؛ إِلا النّبيّ - ﷺ - ومن كان معه هدي].\n٤٥ - [قال: وليس مع أحد منهم هدي غيرَ النّبيّ - ﷺ - وطلحة].\n٤٦ - وقدم عليٌّ [من سعايته (١)] من اليمن ببُدْن النّبيّ - ﷺ -.\n٤٧ - فوجد فاطمة -﵂- ممن حلّ، ولبستَ ثيابًا صبيغًا واكتحَلَت، فأنكَر ذلك عليها، [وقال: من أمرك بهذا؟!] فقالت: إِنّ أبي أمَرني بهذا.\n٤٨ - قال: فكان عليّ يقول بالعراق: فذهبْتُ إِلى رسول الله - ﷺ - مُحرشًا (٢) على فاطمة؛ للذي صنعَت مُستفتيًا لرسول الله - ﷺ - فيما ذكَرت عنه، فأخبْرته أنّي أنكرْتُ ذلك عليها [فقالت: أبي أمرني بهذا]؟ فقال: صدقَت، صدقَت، [صدقَت]! [أنا أمرتها به].\n٤٩ - قال جابر: وقال لعليّ: ماذا قلت حين فَرَضْتَ الحجّ؟ قال: قلت: اللهمّ! إِني أهلّ بما أهلّ به رسول الله - ﷺ -.\n٥٠ - قال: فإِنّ معي الهدي فلا تُحلّ، [وامكث حرامًا كما أنت].\n٥١ - قال: فكان جماعة الهدي الذي قدم به عليّ من اليمن، والذي أتى به النّبيّ - ﷺ -[من المدينة] مائة [بَدَنَةٍ].\n٥٢ - قال: فحلّ الناس كلهم (٣) وقصّروا؛ إِلا النّبيّ - ﷺ - ومن كان معه هدي.\n_________\n(١) أي: من عمله في السعي في الصدقات.\n(٢) التحريش: الإغراء، والمراد هنا: أنْ يذكر ما يقتضي عتابها. \"نووى\".\n(٣) قال النووي: \"فيه إِطلاق اللفظ العام وإرادة الخصوص؛ لأنّ عائشة لم تحلّ، ولم =","vol":"4","page":262},{"text":"٥٣ - فلما كان يوم التروية [وجعلنا مكة بظهر]؛ توجهوا إِلى منى (١)، فأهلوا بالحج] [من البطحاء].\n٥٤ - قال: ثمّ دخَل رسول الله - ﷺ - على عائشة -﵂-، فوجدَها تبكي فقال: ما شأنك؟ قالتْ شأني أني قد حضت، وقد حلّ الناس ولم أحْلِلْ، ولم أطُف بالبيت، والناس يذهبون إِلى الحجّ الآن، فقال: إِنّ هذا أَمْرٌ كتَبه الله على بنات آدم، فاغتسلي ثمّ أهلِّي بالحجّ [ثمّ حُجّي واصنعي ما يصنع الحاجّ؛ غير أن لا تطوفي بالبيت ولا تُصلّي] (٢). ففعَلت (وفي رواية: فنسَكَت المناسك كلها؛ غير أنها لم تطُف بالبيت).\n٥٥ - وركب رسول الله - ﷺ - وصلّى بها (يعني: منى، وفي رواية: بنا) الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر.\n٥٦ - ثمّ مكث قليلًا حتى طلعت الشمس.\n٥٧ - وأمر بقُبّة [له] من شعر تضرب له بنمرة.\n٥٨ - فسار رسول الله - ﷺ -، ولا تشكّ قريش إِلا أنه واقف عند المشعر الحرام [بالمزدلفة]، [ويكون منزله ثَمَّ]؛ كما كانت قريش تصنع في الجاهلية؛\n_________\n= تكن ممن ساق الهدي. والمراد بقوله: حلّ الناس كلّهم؛ أي: معظمهم\".\n(١) قال النووي: \"وفي هذا بيان أنّ السُّنّة أن لا يتقدّم أحد إِلى منى قبل يوم التروية، وقد كره مالك ذلك، وقال بعض السلف: لا بأس به، ومذهبنا أنّه خلاف السُّنّة\".\n(٢) قال شيخنا -﵀-: \"فيه دليل على جواز قراءة الحائض القرآن؛ لأنها بلا ريب من أفضل أعمال الحجّ\".","vol":"4","page":263},{"text":"فأجاز (١) رسول الله - ﷺ -، حتى أتى عرفة (٢)؛ فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها.\n٥٩ - حتى إِذا زاغت الشمس؛ أمر بالقصواء فرُحِلت له، فـ[ركب، حتى] أتى بطن الوادي (٣).\n٦٠ - فخطب الناس وقال: \"إِنّ دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا [إِن] كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدميّ [هاتين] موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإنّ أول دم أضع من دمائنا: دم ابن ربيعة بن الحارث [بن المطلب]-كان مسترضعًا في بني سعد فقتلته هذيل-، وربا الجاهلية موضوع، وأوّل ربا أضع ربانا: ربا عباس ابن عبد المطلب؛ فإِنّه موضوع كلّه؛ فاتقوا الله في النساء، فإِنكم أخذتموهن بأمانـ[ـة:] الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله (٤)، و[إِن] لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فإِن فعلن ذلك؛ فاضربوهن ضربًا غير مبرِّح (٥)، ولهن عليكم رَزْقُهُنَّ وكسوتهن بالمعروف، و[إِني] قد تركت فيكم ما لن\n_________\n(١) أي: جاوزَها، كما قال النووي.\n(٢) قال النووي: \"هذا مجاز، والمراد: قارب عرفات؛ لأنّه فسره بقوله: فوجد القبة ضربت بنمرة فنزل بها؛ [وهي] ليست من عرفات [كما لا يخفى] \".\n(٣) هو وادي عُرنة -بضم العين وفتح الراء-؛ وليست من عرفات. \"نووي\".\n(٤) في معناه أربعة أقوال؛ ذكرَها في \"شرح مسلم\"، وقال: إِنّ الصحيح منها: أن المراد قوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النّساء﴾.\n(٥) الضرب المبرح: هو الضرب الشديد الشّاق، ومعناه: اضربوهنّ ضربًا ليس بشديد ولا شاقّ.","vol":"4","page":264},{"text":"تضلوا بعده إِن اعتصمتم به: كتاب الله؛ وأنتم تسألون (وفي لفظ: مسؤولون) عنّي، فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت [رسالات ربك] وأدّيت، ونصحْتَ [لأمّتك، وقضيت الذي عليك]، فقال بأصبعه السبابة -يرفعها إِلى السماء ويَنْكُتُها إِلى الناس-: اللهم! اشهد، اللهم! اشهد \" ثلاث مرات.\n٦١ - ثمّ أذّن [بلال] [بنداء واحد].\n٦٢ - ثمّ أقام؛ فصلّى الظهر، ثمّ أقام؛ فصلّى العصر.\n٦٣ - ولم يُصلّ بينهما شيئًا.\n٦٤ - ثمّ رَكِب رسول الله - ﷺ -[القصواء]، حتى أتى الموقف، فجعَل بَطن ناقته القصواء إِلى الصخرات (١)، وجعل حَبْلَ المشاة (٢) بين يديه، واستقبل القبلة (٣).\n٦٥ - فلم يزل واقفًا، حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلًا حتى غاب القرص.\n٦٦ - [وقال: \"وقفت هاهنا؛ وعرفة كلها موقف\"].\n٦٧ - وأردف أسامة [بن زيد] خلفه.\n_________\n(١) هي صخرات مفترشات في أسفل جبل الرحمة، وهو الجبل الذى بوسط أرض عرفات، قال النووي: \"فهذا هو الموقف المستحب، وأمّا ما اشتهر بين العوام من الأغبياء بصعود الجبل، وتوهمهم أنّه لا يصح الوقوف إِلا فيه؛ فغلط\".\n(٢) أي: مجتمعهم.\n(٣) وجاء في غير حديث أنه - ﷺ - وقف يدعو رافعًا يديه.","vol":"4","page":265},{"text":"٦٨ - ودفَع رسول الله - ﷺ - (وفي رواية: أفاض وعليه السكينة) (١)؛ وقد شنق (٢) للقصواء الزِّمام، حتى إِنّ رأسها ليصيب مَورِك (٣) رَحْله، ويقول بيده اليمنى [هكذا -وأشار بباطن كفه إِلى السماء]-: \"أيها الناس! السكينة السكينةَ\".\n٦٩ - كلما أتى حبلًا (٤) من الحبال: أرخى لها قليلًا حتى تصعد.\n٧٠ - حتى أتى المزدلفة؛ فصلّى بها، [فجمع بين] المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين.\n٧١ - ولم يُسبِّح (٥) بينهما شيئًا.\n٧٢ - ثمّ اضطجع رسول الله - ﷺ -؛ حتى طلع الفجر.\n٧٣ - وصلّى الفجر -حين تبيّن له الفجر- بأذان وإقامة.\n٧٤ - ثمّ ركب القصواء؛ حتى أتى المشعر الحرام (٦) [فَرَقِيَ عليه].\n_________\n(١) هي الرفق والطمأنينة.\n(٢) أي: ضم وضيَّق.\n(٣) هو الموضع الذي يثني الراكب رجله عليه قُدّام واسطة الرحل إِذا ملّ من الركوب.\n(٤) في \"النهاية\": \"الحبل: المستطيل من الرمل. وقيل: الضخم منه؛ وجمعه حبال. وقيل: الحبال في الرمل كالجبال في غير الرمل\".\n(٥) أي: لم يُصلّ سبحة؛ أي: نفْلًا.\n(٦) المراد به هنا. قُزح -بضم القاف وفتح الزاي وبحاء مهملة-، وهو جبل معروف في المزدلفة، وهذا الحديث حجة الفقهاء في أن المشعر الحرام هو قزح. وقال جماهير المفسرين وأهل السير والحديث: المشعر الحرام جميع المزدلفة. \"نووي\".","vol":"4","page":266},{"text":"٧٥ - فاستقبل القبلة، فدعاه (وفي لفظ: فحمد الله) وكبّره وهلّله ووحّده.\n٧٦ - فلم يزل واقفًا حتى أسفر جدًّا.\n٧٧ - وقال: \"وقفت هاهنا، والمزدلفة كلها موقف\"].\n٧٨ - فدفع [من جَمْعٍ] قبل أن تطلع الشمس [وعليه السكينة].\n٧٩ - وأردف الفضل بن عباس -وكان رجلًا حسن الشعر أبيضَ وسيمًا-.\n٨٥ - فلما دفَع رسول الله - ﷺ - مَرَّتْ به ظُعُنٌ (١) تَجْرِينَ، فطفِقَ الفضل ينظر إِليهن، فوضع رسول الله - ﷺ - يدَه على وجه الفضل، فحوّل الفضلُ وجهه إِلى الشقّ الآخر، فحوّل رسول الله - ﷺ - يده من الشقّ الآخر على وجه الفضل، يصرف وجهه من الشق الآخر ينظر!\n٨١ - حتى أتى بطن مُحَسِّر (٢)، فحرّك قليلًا (٣) [وقال: \"عليكم السكينةَ\"].\n٨٢ - ثمّ سلَك الطريق الوسطى (٤) التي تخرج على الجمرة الكبرى [حتى\n_________\n(١) بضم الظاء والعين، ويجوز إِسكان العين: جمع ظعينة، كسفينة وسفن، وأصل الظعينة: البعير الذي عليه امرأة، ثمّ تسمّى به المرأة مجازًا لملابستها البعير.\n(٢) سمي بذلك؛ لأنّ فيل أصحاب الفيل حَسَّرَ فيه، أي: أعيا وكلّ.\n(٣) أي: أسرع السير، كما في غير هذا الحديث. قال النووي -﵀-: \"فهي سنة من سنن السير في ذلك الموضع\". قال ابن القيم -﵀-: \"وهذه كانت عادته - ﷺ - في المواضع التي نزل فيها بأس الله بأعدائه، وكذلك فعل في سلوكه الحجر وديار ثمود، تقنع بثوبه وأسرع السير\".\n(٤) قال النووي: \"فيه أن سلوك هذا الطريق في الرجوع من عرفات سنة، وهو غير =","vol":"4","page":267},{"text":"أتى الجمرة التي] عند الشجرة.\n٨٣ - فرماها [ضحى] بسبع حصيات (١).\n٨٤ - يُكبّر مع كل حصاة منها، مِثل حصى الخَذْف (٢).\n٨٥ - [فـ] رمى من بطن الوادي [وهو على راحلته [وهو] يقول: \"لتأخذوا مناسككم؛ فإِني لا أدري لعلي لا أحج بعد حَجّتي هذه\"].\n٨٦ - [قال: ورمى بعد يوم النحر [في سائر أيام التشريق] إِذا زالت الشمس].\n٨٧ - [ولقيه سُراقة وهو يرمي جمرة العقبة، فقال: يا رسول الله! ألنا هذه خاصة؟ قال: \"لا، بل لأبد\"].\n٨٨ - ثمّ انصرف إِلى المنحر، فنَحَر ثلاثًا وستين [بَدَنةً] بيده.\n٨٩ - ثمّ أعطى عليًّا، فنحَر ما غَبَرَ [يقول: ما بقي]، وأشركه في هديه.\n٩٠ - ثمّ أمر من كل بدنة ببَضْعة (٣)؛ فجُعِلت في قِدر فطُبخت، فأكلا من\n_________\n= الطريق الذي ذهب فيه إِلى عرفات\".\n(١) وحينئذ قطع؛ أي: تلبيته، كما في حديث الفضل وغيره.\n(٢) قال النووي: \"وهو نحو حبة الباقلاء، وينبغي أن لا يكون أكبر ولا أصغر، فإن كان أكبر أو أصغر أجزأه\". قال شيخنا -﵀- في موطن آخر: \"وهو فوق الحِمِّصِ ودون البندق\".\n(٣) قال النووي -﵀-: \"البَضعة: بفتح الباء لا غير، وهي قطعة من اللحم، وفيه استحباب الأكل من هدى التطوع وأُضحيته\".","vol":"4","page":268},{"text":"لحمها، وشربا من مرقها.\n٩١ - (وفي رواية قال: نحَر رسول الله - ﷺ - عن نسائه بقرة).\n٩٢ - (وفي أخرى قال: فنحَرنا البعير (وفي أخرى: نحر البعير) عن سبعة، والبقرة عن سبعة) (وفي رواية خامسة عنه قال: فاشتركنا في الجزور سبعة، فقال له رجل: أرأيت البقرة؛ أيشترك؟ فقال: ما هي إِلا من البُدْنِ).\n٩٣ - (وفي رواية: قال جابر: كنا لا نأكل من البدن إِلا ثلاث منى، فأرخص لنا رسول الله - ﷺ - قال: \"كلوا وتزوّدوا\") [قال: فأكَلْنا وتزوّدنا] [حتى بلَغنا بها المدينة] (١).\n٩٤ - (وفي رواية: نحر رسول الله - ﷺ -[فحلق] (٢».\n٩٥ - وجلس [بمنى يوم النحر] للناس، فما سئل [يومئذ] عن شيء [قُدِّمَ قبل شيء] إِلا قال: لا حرج، لا حرج (٣) حتى جاءه رجل فقال: حلْقتُ قبل أن\n_________\n(١) وكانت السيدة عائشة -﵂- قد طيبته - ﷺ - بالمسك، وذلك عقب رمْيه - ﷺ - لجمرة العقبة يوم النحر.\n(٢) فيه أنّ السّنّة الحلق بعد النحر، وأنّ النحر بعد الرمي، ومن السّنّة أن يبدأ الحالق بيمين المحلوق؛ لحديث أنس بن مالك: أنّ رسول الله - ﷺ - أتى منى، فأتى الجمرة فرماها، ثمّ أتى منزله بمنى ونحر، ثمّ قال للحلاق: خذ؛ وأشار إِلى جانبه الأيمن، ثمّ الأيسر، ثمّ جعل يعطيه الناس. رواه مسلم.\n(٣) معناه: افعل ما بقي عليك، وقد أجزأك ما فعلته، ولا حرج عليك في التقديم والتأخير. واعلم أن أفعال يوم النحر أربعة: رمي جمرة العقبة، ثمّ الذبح، ثمّ الحلق، ثمّ طواف الإِفاضة، والسنّة ترتيبها هكذا كما سبق في الأعلى، فلو خالف وقدّم بعضها على =","vol":"4","page":269},{"text":"أنحر؟ قال: لا حرج.\n٩٦ - ثمّ جاءه آخر فقال: حلْقتُ قبل أن أرمي؟ قال: لا حرج.\n٩٧ - [ثمّ جاءه آخر فقال: طُفت قبل أن أرمي؟ قال: لا حرج].\n٩٨ - [قال آخر: طُفت قبل أن أذبح، قال: اذبح ولا حرج].\n٩٩ - ثمّ جاءه آخر فقال: إِنّي نحرْتُ قبل أن أرمي؟ قال: [ارْمِ و] لا حرج].\n١٠٠ - [ثمّ قال نبي الله - ﷺ -: قد نحرْتُ هاهنا، ومنى كلّها مَنحر].\n١٠١ - [وكُلّ فِجاج (١) مكة طريق ومَنحَر] (٢).\n١٠٢ - [فانحروا من رحالكم].\n١٠٣ - [وقال جابر -﵁-: خطَبنا - ﷺ - يوم النحر فقال: أيُّ يوم أعظم حرمة؟ فقالوا: يومنا هذا، قال: فأيُّ شهر أعظم حُرمة؟ قالوا: شهرنا هذا. قال: أي بلد أعظم حُرمة؟ قالوا: بلدنا هذا، قال: فإِنّ دماءَكم وأموالكم\n_________\n= بعض؛ جاز ولا فدية عليه؛ لهذا الحديث وغيره مما في معناه. قال النووي: \"وبهذا قال جماعة من السلف، وهو مذهبنا\".\n(١) الفِجاج: جمع فَجّ، وهو الطريق الواسع. \"النهاية\".\n(٢) فيه جواز نحر الهدي في مكة، كما يجوز نحرها في منى، وقد روى البيهقي في \"سننه\" (٥/ ٢٣٩) بسند صحيح عن ابن عباس قال: إِنما النحر بمكة، ولكن نزهت عن الدماء، ومكة من منى. كذا وفي رواية: ومنى من مكة، ولعلها الصواب. زاد في الرواية الأولى عن عطاء: أن ابن عباس كان ينحر بمكة، وأن ابن عمر لم يكن ينحر بمكة، كان ينحر بمنى.","vol":"4","page":270},{"text":"عليكم حرام؛ كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، هل بلّغت؟ قالوا: نعم. قال: اللهم اشهَدْ].\n١٠٤ - ثمّ ركب رسول الله - ﷺ -، فأفاض إِلى البيت [فطافوا (١).\n١٠٥ - ولم يطوفوا بين الصفا المروة] (٢).\n١٠٦ - فصلّى بمكة الظهر.\n١٠٧ - فأتى بني عبد المطلب [وهم] يسقُون على زمزم (٣)، فقال: انْزِعوا (٤) بني عبد المطلب! فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم؛ لنزعت معكم (٥).\n١٠٨ - فناولوه دلوًا، فشرب منه\".\n١٠٩ - [وقال جابر -﵁-: وإنّ عائشة حاضت، فنسَكَت المناسك كلها؛ غير أنها لم تطف بالبيت].\n١١٠ - [قال: حتى إِذا طهُرت؛ طافت بالكعبة (٦) والصفا والمروة، ثمّ قال:\n_________\n(١) ثمّ حل منهم كل شيء حرم منهم، كما في \"الصحيحين\" عن عائشة وابن عمر.\n(٢) انظر الفائدة التي ذكرها شيخنا -﵀- في كتاب \"حجة النّبيّ - ﷺ -\" (ص ٨٨ - ٩٠).\n(٣) معناه: يغرفون بالدلاء ويصبونه في الحياض ونحوها، ويُسَبِّلونه للناس.\n(٤) أي: استقوا بالدلاء وانزعوها بالرشاء.\n(٥) معناه: لولا خوفي أن يعتقد الناس ذلك من مناسك الحج ويزدحموا عليه بحيث يغلبونكم عن الاستقاء لاستقيت معكم لكثرة فضيلة هذا الاستقاء. \"نووي\".\n(٦) أي: طواف الإِفاضة والصدر. قال الحافظ (٣/ ٤٨٠): \"واتفقت الروايات كلها على أنها طافت طواف الإِفاضة من يوم النحر\".","vol":"4","page":271},{"text":"قد حلَلْتِ من حجك وعُمرتك جميعًا].\n١١١ - [قالت: يا رسول الله! أتنطلقون بحج وعمرة وأنطلق بحج؟!] [قال: إِن لك مثل ما لَهُم].\n١١٢ - [فقالت: إِني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حتى حجَجت]!\n١١٣ - [قال: وكان رسول الله - ﷺ - رجلًا سهلًا، إِذا هوِيَتِ الشيء تابعَها عليه] (١).\n١١٤ - [قال: فاذهب بها يا عبد الرحمن! فأعمِرها من التنعيم.\n١٥٠ - [فاعتمرت بعد الحج]، [ثمّ أقبلت] وذلك ليلة الحَصْبة (٢)].\n١١٦ - [وقال جابر: طاف رسول الله - ﷺ - بالبيت في حَجّة الوَداع على راحلته، يستلم الحجر بمحجنه لأن يراه الناس، وليَشْرُفَ وليسألوه؛ فإِنّ الناس غَشُوه].\n١١٧ - [وقال: رفعَت امرأة صبيًّا لها إِلى رسول الله - ﷺ -، فقالت: يا رسول الله! ألهذا حجٌّ؟ قال: نعم، ولكِ أجر].\n_________\n(١) معناه: إِذا هويت شيئًا لا نقص فيه في الدين -مثل طلبها الاعتمار وغيره؛ أجابها إِليه. وفيه حُسن معاشرة الأزواج، قال الله تعالى: ﴿وعاشروهنّ بالمعروف﴾؛ لا سيما فيما كان من باب الطاعة. \"نووي\".\n(٢) بفتح الحاء وإسكان الصاد المهملة، وهي التي بعد أيام التشريق، وسميت بذلك؛ لأنهم نفروا من منى فنزلوا في المُحَصَّب وباتوا به. \"نووي\". والمُحَصَّب: هو الشِّعب الذي مخرجه إِلى الأبطح بين مكة ومنى. كما في \"النهاية\".","vol":"4","page":272},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1154>المواقيت</span>\nالمواقيت: جمع ميقات؛ كمواعيد وميعاد، وأصل التوقيت: أن يُجعل للشيء وقت يختصّ به، ثمّ اتسع فيه؛ فأطلق على المكان أيضًا (١).\nوبهذا؛ فالمواقيت نوعان: زمانية ومكانية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1155>المواقيت الزمانيّة:</span>\nقال الله -تعالى-: ﴿يسألونك عن الأهلة (٢) قل هي مواقيتُ للنّاس والحج﴾ (٣).\nوقال الله -تعالى-: ﴿الحجّ أشهر معلومات﴾ (٤).\nفلا يصح الحجّ إلاَّ في أشهر الحجّ.\nقلت: وأيّ مدلول لكلمة ﴿معلومات﴾ المذكورة في الآية الكريمة إِذا أهلّ بالحجّ وأحرم قبل وقته؟!\nوهي على الراجح -والله أعلم-: شَوَّالٌ وذو القَعْدَةِ وصدر ذي الحِجَّةِ.\nجاء في \"المحلّى\" (٧/ ٦٢): \"ورُوِّينا عن الحسن: شوال وذو القعدة وصدر\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٨٣ و٣/ ٣٨٥) ملتقطًا.\n(٢) أي: عدم بقاء الهلال على حالة واحدة. قال البغوي -﵀-: \"سُمّي هلالًا؛ لأنّ الناس يرفعون أصواتهم بالذكر عند رؤيته، مِن قولهم: استهلّ الصبي؛ إذا صرخ حين يولد، وأهلّ القوم بالحجّ؛ إِذا رفعوا أصواتهم بالتلبية\".\n(٣) البقرة: ١٨٩.\n(٤) البقرة: ١٩٧.","vol":"4","page":273},{"text":"ذي الحجة\" (١).\nعن ابن عمر -﵁- قال: \"أشهر الحج: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة\" (٢).\nوقال ابن عباس -﵁-: \"من السّنّة: أن لا يحرم بالحج إِلا في أشهر الحج\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1156>المواقيت المكانية </span>(٤):\nهي الأماكن التي يحرم منها من يريد الحج أو العمرة، ولا يجوز لحاج أو معتمر أن يتجاوزها، دون أن يحرم، وقد بيّنها رسول الله - ﷺ -:\nفجعل ميقات أهل المدينة \"ذا الحليفة\": موضع يقع في شمال مكّة.\nووقت لأهل الشام \"الجُحْفَةَ\": موضع في الشمال الغربي من مكة، وهي قريبة من \"رابغ\"، وقد صارت \"رابغ\" ميقات أهل مصر والشام ومن يمر عليها بعد ذهاب معالم \"الجحفة\".\nوميقات أهل نجد \"قرن منازل\": جبل شرقيّ مكة، يطلُّ على عرفات.\n_________\n(١) يرجّح ابن حزم -﵀- أنها ثلاثة أشهر كما في \"المحلّى\" (٧/ ٦٢).\n(٢) رواه البخاري معلقًا في \"كتاب الحج\" (باب - ٢٣)، ووصله الطبري والدارقطني بسند صحيح، وانظر \"مختصر البخاري\" (١/ ٣٧٢).\n(٣) رواه البخاري معلقًا في \"كتاب الحجّ\" (باب - ٢٣)، ووصَلَه ابن خزيمة والدارقطني والحاكم بسند صحيح عنه، وانظر \"مختصر البخاري\" (١/ ٣٧٢).\n(٤) عن \"فقه السّنّة\" (١/ ٦٥٢) بتصرّف.","vol":"4","page":274},{"text":"وميقات أهل اليمن \"يَلَمْلَم\": جبل يقع جنوب مكة.\nوميقات أهل العراق \"ذاتَ عِرْقٍ\": موضع في الشمال الشرقي لمكة.\nعن ابن عباس -﵄-: \"أنّ النّبيّ - ﷺ - وقّت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجُحفة (١)، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم\" (٢).\nوعن ابن عمر -﵁- قال: \"لما فُتح هذان المصران؛ أتوا عمر فقالوا: يا أمير المؤمنين! إِنّ رسول الله - ﷺ - حدّ لأهل نجد قرْنًا؛ وهو جَوْرٌ (٣) عن طريقنا، وإِنا إِن أردنا قرْنًا شَقّ علينا؟! قال: فانظروا حذْوَها من طريقكم، فحدّ لهم ذات عرق\" (٤).\nوقد نظمها بعضهم فقال:\nعِرْقُ العراقِ يَلَمْلَمُ اليَمَنِ ... وبذِي الحُلَيفةِ يُحرمُ المدَنِي\nوالشامُ جحفةُ إِنْ مَرَرْتَ بها ... ولأهلِ نَجْد قَرْنُ فاسْتَبِنِ\nهذه هي المواقيت التي عيّنها رسول الله - ﷺ -، وهي مواقيت لأهل البلاد\n_________\n(١) سُمّيت الجُحفة؛ لأًنَّ السيل أجحف بها. قاله النووي ونحوه المنذري، انظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٢/ ٥٨).\n(٢) أخرجه البخاري: ١٥٣٠، ومسلم: ١١٨١.\n(٣) قال الحافظ -﵀-: \"أي مَيْل، والجور: الميل عن القصد، ومنه قوله -تعالى-: ﴿ومنها جائر﴾ \".\n(٤) أخرجه البخاري: ١٥٣١.","vol":"4","page":275},{"text":"المذكورة، ولمن مرّ بها.\nعن ابن عباس -﵄-: \"أنّ رسول الله - ﷺ - وقّت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل اليمن يلملم، ولأهل نجد قرنًا؛ فهنّ لهنّ، ولمن أتى عليهنّ من غير أهلهنّ، ممنّ كان يريد الحج والعمرة، فمن كان دونهنّ؛ فمن أهله؛ حتى إِنّ أهل مكة يهلّون منها\" (١).\nوإن لم يكن من أهل تلك الآفاق المعينة؛ فإِنه يحرم منها إِذا أتى مكة قاصدًا النسك.\nومن كان بمكة وأراد الحج، فميقاته منازل مكة.\nومن كان بين الميقات وبين مكة، فميقاته من منزله.\nقال ابن حزم -﵀تعالى- في \"المحلّى\" (٧/ ٦٤): \"ومن كان طريقه لا تمرّ بشيء من هذه المواقيت؛ فليحرم من حيث شاء، برًّا أو بحرًا\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1157>الإِحرام قبل الميقات:</span>\nإِذا أحرم المرء قبل الميقات فإِنّه يجزئ، لكنه مخالف للسُّنّة.\nقال شيخنا -﵀-: \"وقد روى البيهقي كراهة الإِحرام قبل الميقات عن عمر وعثمان -﵄-، وهو الموافق لحكمة تشريع المواقيت.\nوما أحسن ما ذكر الشاطبي -﵀- في \"الاعتصام\" (١/ ١٦٧)، ومن قبله الهروي في \"ذم الكلام\" (٣/ ٥٤/١) عن الزُّبيْرِ بن بَكَّارٍ قال: حدثني سفيان بن عيينة قال: \"سمعت مالك بن أنس، وأتاه رجل فقال: يا أبا عبد\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٥٢٩، ومسلم: ١١٨١.","vol":"4","page":276},{"text":"الله! من أين أحرم؟ قال: من ذي الحليفة، من حيث أحرم رسول الله - ﷺ -. فقال: إِني أريد أن أحرم من المسجد من عند القبر؟! قال: لا تفعل؛ فإِني أخشى عليك الفتنة! قال: وأي فتنة في هذه؟ إِنما هي أميال أزيدها! قال: وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إِلى فضيلة قصّر عنها رسول الله - ﷺ -؟! إِني سمعت الله يقول: ﴿فليحذر الذين يُخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذابٌ أليم (١)﴾ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1158>أنواع الإِحرام </span>(٣)\nالإِحرام ثلاثة أنواع:\n*١ - تمتُّع: وهو أن يحرم الآفاقي (٤) بالعمرة وحدها في أشهر الحج من الميقات، ويقول عند التلبية: \"لبيك اللهم بعمرة\". ثمّ يدخل مكة ويتم عمرته، فيطوف ويسعى ويقصّر، ويخرج من إِحرامه، ثمّ يبقى حلالًا حتى يحج، وعليه أن يذبح ما استيسر من الهدي. وسمّي بالتمتُّع؛ لأنّه يتمتّع بعد\n_________\n(١) النور: ٦٣.\n(٢) \"الضعيفة\" (١/ ٣٧٧ تحت الحديث ٢١٠)، وانظر \"الإِرواء\" (٤/ ١٨١/تحت الحديث (١٠٠٢).\n(٣) ما بين نجمتين ملتقط من \"الروضة الندية\" (١/ ٥٩٠) و\"المنهج لمريد العمرة والحجّ\" للإِمام العثيمين -﵀- (ص ٩). بتصرّف وزيادة.\n(٤) نسبة إِلى الآفاق؛ وهي نواحي الأرض والأقطار، مفردها: أُفق. والمراد أنه ليس من أهل مكة أو ممّن يقيمون فيها.","vol":"4","page":277},{"text":"التحلُّل من إِحرامه بما يتمتع به غير المحرم من لُبس الثياب والطيب وغير ذلك.\n٢ - قِران: وهو أن يحرم الآفاقي بالحج والعمرة معًا، ويقول عند التلبية: \"لبيك اللهمّ بحجّ وعمرة\"، ثمّ يدخل مكة، ويبقى على إِحرامه حتى يفرغ من أفعال الحج والعمرة، ثمّ يذبح ما استيسر من الهدي، فإِذا أراد أن ينفر من مكة طاف للوداع.\nوقد ذهب الجمهور من العلماء إِلى أنّه يكفيه عمل الحجّ؛ فيطوف طوافًا واحدًا -وهو طواف الإِفاضة- بعد الوقوف بعرفة، ويسعى سعيًا واحدًا للحج والعمرة.\n٣ - الإِفراد: أن يُحرم -من يريد الحجّ- من الميقات بالحجّ وحده، ويقول في التلبية: \"لبيك اللهمّ بحجّ\"؛ ويبقى مُحرمًا حتى تنتهي أعمال الحج.\nوعمل القارِن كعمل المفرد سواءً؛ إِلا أن القارن عليه الهدي، والمفرد لا هدي عليه*.\nعن عائشة -﵂- قالت: \"خرجنا مع رسول الله - ﷺ - للحج على أنواع ثلاثة: فمنا من أهَلَّ بحج وعمرة معًا، ومنّا من أهل بحج مفرد، ومنّا من أهل بعمرة مفردة، فمن كان أهل بحج وعمرة معًا؛ لم يَحْلِل من شيء مما حرم منه حتى يقضي مناسك الحج، ومن أهل بالحج مفردًا؛ لم يَحْلل من شيء مما حرُم منه، حتى يقضي مناسك الحج، ومن أهل بعمرة مفردة فطاف بالبيت وبين الصفا والمروة؛ حل ما حرم عنه حتى يستقبل حجًّا\" (١).\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢٤٩٥).","vol":"4","page":278},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1159>أيّ أنواع النُّسك أفضل</span>؟\nاختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة مذاهب، والراجح فيها نسك التمتع، كما هو مذهب الإِمام أحمد وغيره، بل ذهب بعض العلماء المحققين إِلى وجوبه إِذا لم يَسق معه الهدي، منهم ابن حزم وابن القيم؛ تبعًا لابن عباس وغيره من السلف (١).\nقال شيخنا -﵀- في \"حجّة النّبيّ - ﷺ -\" (ص ١١): \"لا شّك أنّ الحجّ كان -في أول استئنافه - ﷺ - إِياه- جائزًا بأنواعه الثلاثة المتقدّمة، وكذلك كان أصحابه - ﷺ -؛ منهم المتمتع، ومنهم القارن، ومنهم المفرد؛ لأنّه - ﷺ - خيّرهم في ذلك كما في حديث عائشة -﵂-: \"خرجنا مع رسول الله - ﷺ - فقال: من أراد منكم أن يهلّ بحجّ وعُمرة فليفعل، ومن أراد أن يهل بحج فليهل، ومن أراد أن يهل بعمرة فليهلّ ... \" الحديث؛ رواه مسلم (٢).\nوكان هذا التخيير في أول إِحرامهم عند الشجرة (٣)؛ كما في رواية لأحمد (٦/ ٢٤٥)، ولكن النّبيّ - ﷺ - لم يستمر على هذا التخيير، بل نَقَلهم إِلى ما هو أفضل؛ وهو التمتع، دون أن يعزم بذلك عليهم أو يأمرهم به، وذلك في مناسبات شتّى في طريقهم إِلى مكة.\nفمن ذلك: حينما وصلوا إِلى (سَرِف)، وهو موضع قريب من التنعيم، وهو من مكة على نحو عشرة أميال، فقالت عائشة -﵂- في رواية\n_________\n(١) انظر \"حجّة النّبيّ - ﷺ -\" (ص ١٠) بتصرّف.\n(٢) برقم: ١٢١١.\n(٣) أي: عند ذي الحليفة.","vol":"4","page":279},{"text":"عنها:\n\" .. فنزلنا سَرِف، قالت: فخرج إِلى أصحابه فقال: من لم يكن منكم أهدى، فأحب أن يجعلها عمرة فليفعل، ومن كان معه هدي فلا. قالت: فالآخذ بها والتارك لها من أصحابه [ممن لم يكن معه هدي] ... \" الحديث؛ متفق عليه، والزيادة لمسلم.\nومن ذلك لما وصل - ﷺ - إِلى (ذي طُوى)، وهو موضع قريب من مكة، وبات بها، فلمّا صلّى الصّبح قال لهم: \"من شاء أن يجعلها عمرة؛ فليجعلها عمرة\" أخرجه الشيخان من حديث ابن عباس.\nولكنّا رأيناه - ﷺ - لما دخل مكّة وطاف هو وأصحابه طواف القدوم؛ لم يدَعْهم على الحكم السابق وهو الأفضلية؛ بل نقَلهم إِلى حُكم جديد وهو الوجوب؛ فإِنّه أمَر من كان لم يَسُق الهدي منهم أن يفسخ الحج إِلى عمرة ويتحلل، فقالت عائشة -﵂-:\n\"خرجنا مع رسول الله - ﷺ - ولا نرى إِلا أنّه الحج، فلما قدمنا مكة تطوَّفنا بالبيت، فأَمَر رسول الله - ﷺ - من لم يكن ساق الهدي أن يحل، قالت: فحل من لم يكن ساق الهدي، ونساؤه لم يسقن الهدي، فأحللن (١).\" الحديث، متفق عليه. وعن ابن عباس نحوه بلفظ:\n_________\n(١) في رواية عن أسماء بنت أبي بكر -﵄- قالت: \"خرجنا مع رسول الله - ﷺ - محرمين فقال النّبيّ - ﷺ -: \"من كان معه هدي؛ فليُقم على إِحرامه، ومن لم يكن معه هدي فليحلل. قالت: ولم يكن معي هدي فأحللت، وكان مع الزبير هدى، فلم يَحِلَّ، فلبست ثيابي وجئت إِلى الزبير فقال: قومي عني، فقلت: أتخشى أن أثب عليك؟! أخرجه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢٤١٦).","vol":"4","page":280},{"text":"\"فأَمَرهم أن يجعلوها عمرة، فتعاظم ذلك عندهم، فقالوا: يا رسول الله! أيّ الحلّ؟ قال: الحلّ كلّه\"؛ متفق عليه. وفي حديث جابر نحوه وأوضح منه؛ كما يأتي فقرة (٣٣ - ٤٥) (١).\nقلت [أي: شيخنا]: فمن تأملّ في هذه الأحاديث الصحيحة؛ تبيّن له - بيانًا لا يشوبه ريب- أن التخيير الوارد فيها إِنما كان منه - ﷺ - لإِعداد النفوس وتهيئتها؛ لتقبُّل حُكمٍ جديدٍ، قد يصعب ولو على البعض تقبّله بسهولة لأول وَهْلَةٍ، ألا وهو الأمر بفسخ الحج إِلى العمرة، لا سيّما وقد كانوا في الجاهلية كما هو ثابت في \"الصحيحين\" - يرون أن العمرة لا تجوز في أشهر الحج، وهذا الرأي -وإن كان رسول الله - ﷺ - قد أبطله باعتماره - ﷺ - ثلاث مرات في ثلاث سنوات كلها في شهر ذي القعدة-؛ فهذا وحده وإن كان كافيًا في إِبطال تلك البدعة الجاهلية؛ فإِنه لا يكفي -والله أعلم- لإِعداد النفوس لتقبل الحكم الجديد، فلذلك مهّد له - ﷺ - بتخييرهم بين الحج والعمرة مع بيان ما هو الأفضل لهم، ثمّ أتبع ذلك بالأمر الجازم بفسخ الحج والعمرة.\nفإِذا عرفنا ذلك؛ فهذا الأمر للوجوب قطعًا، ويدل على ذلك الأمور الآتية:\nالأول: أن الأصل فيه الوجوب إِلا لقرينة، ولا قرينة هنا، بل والقرينة هنا تؤكده، وهي الأمر التالي وهو:\nالثاني: أنه - ﷺ - لما أمرهم تعاظم ذلك عندهم، كما تقدّم آنفًا، ولو لم يكن للوجوب لم يتعاظموه، ألم تر أنه - ﷺ - قد أمرهم من قَبْلُ ثلاث مرات أَمْرَ تخيير، ومع ذلك لم يتعاظموه، فدل على أنهم فهموا من الأمر الوجوب، وهو\n_________\n(١) انظر (ص ٦٠) منه بعنوان \"الأمر بفسخ الحجّ إِلى العمرة\".","vol":"4","page":281},{"text":"المقصود.\nالثالث: أن في رواية في حديث عائشة -﵂- قالت: \" .. فدخل عليّ وهو غضبان، فقلت: من أغضبك يا رسول الله! أدخله الله النار! قال: أوما شعرت أني أمرت الناس بأمر؛ فإِذا هم يترددون؟! ولو أني استقبلت من أمري ما استدبرت، ما سقت الهدي معي حتى أشتريه، ثمّ أحل كما حلوا\". رواه مسلم والبيهقي وأحمد (٦/ ١٧٥).\nففي غضبه - ﷺ - دليل واضح على أن أمره كان للوجوب، لا سيّما وأن غضبه - ﷺ - إِنما كان لترددهم، لا من أجل امتناعهم من تنفيذ الأمر، وحاشاهم من ذلك، ولذلك حلوا جميعًا؛ إِلا من كان معه هدي كما يأتي في الفقرة (٤٤) (١).\nالرابع: قوله - ﷺ - لما سألوه عن الفسخ الذي أمرهم به: ألعامنا هذا أم لأبد الأبد؟ فشبَّك - ﷺ - أصابعه واحدة في أخرى وقال: \"دخَلَت العمرة في الحجّ إِلى يوم القيامة، لا بل لأبد أبد، لا بل لأبد أبد\".\nفهذا نص صريح على أن العمرة أصبحت جزءًا من الحج لا يتجزأ، وأن هذا الحكم ليس خاصًّا بالصحابة كما يظنّ البعض، بل هو مستمر إِلى الأبد.\n[الخامس]: أن الأمر لو لم يكن للوجوب؛ لكفى أن ينفذه بعض الصحابة، فكيف وقد رأينا رسول الله - ﷺ - لا يكتفي بأمر الناس بالفسخ أمرًا عامًّا، فهو تارة يأمر بذلك ابنته فاطمة -﵁- كما يأتي (فقرة ٤٨) (٢)، وتارة\n_________\n(١) انظر (ص ٦٥) منه بعنوان \"خطبته - ﷺ - بتأكيد الفسخ وإطاعة الصحابة له\".\n(٢) انظر (ص ٦٧) منه.","vol":"4","page":282},{"text":"يأمر به أزواجه، كما في \"الصحيحين\" عن ابن عمر: أن النّبيّ - ﷺ - أمر أزواجه أن يحللن عام حجة الوداع، قالت حفصة: فقلت: ما يمنعك أن تحل؟ قال: \"إِني لبَّدت رأسي ... \" الحديث. ولما جاءه أبو موسى من اليمن حاجًّا، قال له - ﷺ -: \"بم أهللت؟ \". قال: أهللت بإِهلال النّبيّ - ﷺ -. قال: هل سقت من هدي؟ قال: لا، قال: \"فطُفْ بالبيت وبالصفا والمروة، ثمّ حِلّ ... \" الحديث.\nفهل هذا الحرص الشديد من النّبيّ - ﷺ - على تبليغ أمره بالفسخ إِلى كل مكلف لا يدل على الوجوب؟ اللهم إِن الوجوب ليثبت بأدنى من هذا! انتهى.\nوجاء (ص ١٩) منه: \"وخلاصة القول: أن على كل من أراد الحج أن يلبي عند إِحرامه بالعمرة، ثمّ يتحلل منها بعد فراغه من السعي بين الصفا والمروة؛ بقص شعره، وفي اليوم الثامن من ذي الحجة يحرم بالحج، فمن كان لبَّى بالقران أو الحج المفرد؛ فعليه أن يفسخ ذلك بالعمرة؛ إِطاعةً لنبيه - ﷺ -؛ والله -﷿- يقول: ﴿من يُطع الرسول فقد أطاع الله﴾ (١)، وعلى المتمتع بعد ذلك أن يقدم هديًا يوم النحر، أو في أيام التشريق، وهو من تمام النسك، وهو دم شُكْران وليس دم جُبْران، وهو -كما قال ابن القيم -رحمه الله تعالى- بمنزلة الأضحية للمقيم، وهو من تمام عبادة هذا اليوم، فالنسك المشتمل على الدم بمنزلة العيد المشتمل على الأضحية، وهو من أفضل الأعمال، فقد جاء من طرق أن النّبيّ سئل: أي الأعمال أفضل؟ فقال: العجُّ (٢) والثجّ (٣)؛ وصححه\n_________\n(١) النساء: ٨٠.\n(٢) رفْع الصوت بالتلبية.\n(٣) الثجّ: سيلان دم الهدي والأضاحي. \"النهاية\".","vol":"4","page":283},{"text":"ابن خزيمة وحسّنه المنذري\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1160>باب ما جاء في التمتع:</span>\nعن سالم بن عبد الله؛ أنه سمع رجلًا من أهل الشام وهو يسأل عبد الله بن عمر عن التمتع بالعمرة إِلى الحج؟ فقال عبد الله بن عمر: هي حلال، فقال الشامي: إِن أباك قد نهى عنها! فقال عبد الله بن عمر: أرأيت إِن كان أبي نهى عنها وصنعها رسول الله - ﷺ -؛ أَمْرُ أبي يُتبع، أم أمر رسول الله - ﷺ -؟ فقال الرجل: بل أَمْرُ رسول الله - ﷺ -. فقال: لقد صنعها رسول الله - ﷺ -\" (١).\nقال أبو عيسى: \"واختار قوم من أهل العلم، من أصحاب النّبيّ - ﷺ - وغيرهم: التمتع بالعمرة.\nوالتمتع: أن يدخل الرجل بعمرة في أشهر الحج، ثمّ يقيم حتى يحج، فهو متمتع، وعليه دم ما استيسر من الهدي، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إِذا رجع إِلى أهله، ويستحب للمتمتع إِذا صام ثلاثة أيام في الحج أن يصوم في العشر، ويكون آخرها يوم عرفة، فإِن لم يصم في العشر؛ صام أيام التشريق في قول بعض أهل العلم من أصحاب النّبيّ - ﷺ -، منهم: ابن عمر، وعائشة. وبه يقول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق.\nوقال بعضهم: لا يصوم أيام التشريق، وهو قول أهل الكوفة.\nقال أبو عيسى: وأهل الحديث يختارون التمتع بالعمرة في الحج. وهو قول\n_________\n(١) أخرجه أحمد، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٦٥٨)، وانظر \"صفة الصلاة\" (ص ٥٤).","vol":"4","page":284},{"text":"الشافعي وأحمد وإسحاق\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1161>من اعتمر بعد الحجّ بغير هدي </span>(٢):\nفيه قصة عائشة -﵂- المعروفة حين نفست في حجّها، وفيه:\n\"فأهلّت بعمرة مكان عمرتها، فقضى الله حجّها وعُمرتها. [ولم يكن في شيء من ذلك هدي ولا صدقة ولا صوم] \" (٣).\nوليس هذا على إِطلاقه، وإنما في أحوال ضيّقة وأمّا فِعله للتهرب من الهدي فلا يجوز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1162>ليس لحاضري المسجد الحرام إِلاّ الإِفراد:</span>\nعن ابن عباس -﵄-: أنه سُئل عن متعة الحجّ؟ فقال: أهلَّ المهاجرون والأنصار وأزواج النّبيّ - ﷺ - في حجة الوداع وأهللنا، فلما قدمنا مكة؟ قال رسول الله - ﷺ -: اجعلوا إِهلالَكم بالحجّ عمرة؛ إِلا من قلّد الهدي (٤). فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة، وأتينا النساء، ولبسنا الثياب، وقال: من قلّد الهدي؛ فإِنه لا يحلّ له حتى يبلغ الهدي محِلَّه (٥). ثمّ أمرنا عشية التّروية أن\n_________\n(١) انظر \"صحيح سنن الترمذي\" (١/ ٢٤٨).\n(٢) هذا العنوان من \"صحيح البخاري\" (كتاب العمرة) (باب - ٧).\n(٣) أخرجه البخاري: ١٧٨٦، ومسلم: ١٢١١ - ١١٧، وما بين معقوفين من كلام هشام بن عروة، كما في \"صحيح مسلم\".\n(٤) جاء في \"الوسيط\": \"قلّد البَدَنة: علَّقَ في عُنُقها شيئًا ليُعْلَمَ أنّها هدي.\n(٥) وهو يوم النحر، انظر \"تفسير العلامة السعدي\" -﵀- وما فيه من فوائد في هذه الآية.","vol":"4","page":285},{"text":"نهل بالحجّ، فإِذا فرغنا من المناسك؛ جئنا فطفنا بالبيت وبالصّفا والمروة، وقد تمَّ حجُّنا وعلينا الهدي كما قال الله -تعالى-: ﴿فما استيسر (١) من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحجِّ وسبعة إِذا رجعتم﴾ [البقرة: ١٩٦] إِلى أمصاركم، الشاة تجزي، فجمعوا نُسكين في عام بين الحجّ والعمرة؛ فإِنّ الله -تعالى- أنزله في كتابه وسنّة نبيّه - ﷺ -، وأباحه للناس؛ غير أهل مكة، قال الله: ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾، وأشهر الحجّ التي ذكر الله -تعالى-؛ \"شوال وذو القعدة وذو الحجة، فمن تمتع في هذه الأشهر فعليه دم أو صوم\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1163>من هم حاضرو المسجد الحرام</span>؟\nجاء في \"تفسير ابن كثير\" -﵀- بحذف: \"في قوله -تعالى-: ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾ قال ابن جرير: واختلف أهل التأويل فيمن عنى بقوله: ﴿لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾ بعد إجماع جميعهم على أنّ أهل الحرم معنيّون به، وأنه لا متعة لهم: فقال بعضهم: عنى بذلك أهل الحرم خاصّة دون غيرهم.\nثمّ ساق بإِسناده إِلى سفيان الثوري قال: قال ابن عباس ومجاهد: هم أهل الحرم.\nوقال عبد الرزاق: حدثنا معْمر عن ابن طاوس عن أبيه قال: المتعة للناس -لا\n_________\n(١) أي: فاذبحوا ما استيسر من الهدي، وهو سُبع بدنة، أو سُبع بقرة، أو شاة يذبحها المحصِر. \"تفسير السعدي\" أيضًا.\n(٢) أخرجه البخاري: ١٥٧٢.","vol":"4","page":286},{"text":"لأهل مكة- من لم يكن أهله من الحرم. وذلك قول الله -﷿-: ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾.\nقال: وبلغني عن ابن عباس مثل قول طاوس.\nوقال آخرون: هم أهلُ الحرم ومن بينه وبين المواقيت، كما قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن رجل عن عطاء قال: من كان أهل دون المواقيت؛ فهو كأهل مكة، لا يتمتع.\nوقال عبد الله بن المبارك عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن مكحول في قوله: ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾ قال: من كان دون الميقات.\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر: سمعت الزهري يقول: من كان أهله على يوم أو نحوه تمتع.\nوفي رواية عنه: اليوم واليومين.\nواختار ابن جرير في ذلك مذهب الشافعي: أنهم أهل الحرم، ومن كان منه على مسافة لا تقصر فيها الصلاة؛ لأنّ من كان كذلك يعد حاضرًا لا مسافرًا، والله أعلم\".\nوهذا الذي يترجّح -والله أعلم-؛ لأنّ الذين ذُكروا في تفسير الآية هم: أهل الحرم، وأَهل مكة، ودون الميقات، ومن كان أهله على يوم ويومين، ومن كان منه على مسافة لا تقصر فيها الصلاة.\nفأهل الحرم وأهل مكة ومن كان على مسافة لا تقصر فيها الصلاة؛ قد","vol":"4","page":287},{"text":"دخلوا في المعنى المراد.\nوبقي من كان على مسيرة يوم أو يومين أو يوم وبعض يوم؛ فهذا ارتباطه بالسفر نفيًا وإثباتًا.\nوبقي كذلك من كان دون الميقات، وهذا قول ليس بالقوي؛ لأنّ المواقيت متفاوتة في بعدها وقُربها من المسجد الحرام، وأبعدها ذو الحليفة فهل من كان منزله بعد هذا الميقات بشيء يسير يقال: إِنه من حاضري المسجد الحرام؟!\nوالحاصل أن حاضري المسجد الحرام هم أهل الحرم، ومن كان على مسافة لا تقصر فيها الصلاة. والله -تعالى- أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1164>أَيُّما أفضل للمكي؛ العمرة أم الطواف</span>؟\nجاء في \"مجموع الفتاوى\" (٢٦/ ٢٤٨): \"وسئل أبو العباس: أيما أفضل لمن كان بمكة: الطواف بالبيت أو الخروج إِلى الحل ليعتمر منه ويعود؟ وهل يستحب لمن كان بمكة كثرة الاعتمار في رمضان أو في غيره، أو الطواف بدل ذلك؟ وكذلك كثرة الاعتمار لغير المكي: هل هو مستحب؟ وهل في اعتمار النّبيّ - ﷺ - من الجعرانة وفي عمرة الحديبية مستند لمن يعتمر من مكة، كما في أمره لعائشة أن تعتمر من التنعيم؟ وقول النّبيّ - ﷺ -: \"عمرة في رمضان تعدل حجة\"؛ هل هي عمرة الأفقي؟ أو تتناول المكي الذي يخرج إِلى الحل ليعتمر في رمضان؟\nفأجاب: أمّا من كان بمكة من مستوطن، ومجاور وقادم وغيرهم؛ فإِنّ طوافه بالبيت أفضل له من العمرة، وسواء خرج في ذلك إِلى أدنى الحل -وهو التنعيم الذي أحدث فيه المساجد التي تسمى: مساجد عائشة -أو أقصى الحل من أي","vol":"4","page":288},{"text":"جوانب الحرم، سواء كان من جهة \"الجعرانة\" أو \"الحديبية\" أو غير ذلك، وهذا المتفق عليه بين سلف الأمة، وما أعلم فيه مخالفًا من أئمة الإِسلام في العمرة المكية.\nوأمّا العمرة من الميقات: بأن يذهب إِلى الميقات فيُحرم منه، أو يرجع إِلى بلده، ثمّ يُنِشئ السفر منه للعمرة؛ فهذه ليست عمرة مكية بل هذه عمرة تامة، وليس الكلام هنا فيها.\nوهذه فيها نزاع: هل المقام بمكة أفضل منها، أم الرجوع إِلى بلده أو الميقات أفضل؟ وسيأتي كلام بعض من رجح المقام بمكة للطواف على الرجوع للعمرة من الميقات.\nوإِنما النزاع في أنه هل يكره للمكي الخروج للاعتمار من الحل أم لا؟ وهل يكره أن يعتمر مَنْ تشرع له العمرة -كالأفقي- في العام أكثر من عمرة أم لا؟ وهل يستحب كثرة الاعتمار أم لا؟\nفأما كون الطواف بالبيت أفضل من العمرة لمن كان بمكة؛ فهذا مما لا يستريب فيه من كان عالمًا بسنة رسول الله - ﷺ - وسنة خلفائه، وآثار الصحابة، وسلف الأمة وأئمتها، وذلك أن الطواف بالبيت من أفضل العبادات والقربات التي شرعها الله في كتابه وعلى لسان نبيه - ﷺ -، وهو من أعظم عبادة أهل مكة؛ أعني: من كان بمكة مستوطنًا أو غير مستوطن، ومن عباداتهم الدائمة الراتبة التي امتازوا بها على سائر أهل الأمصار، وما زال أهل مكة على عهد رسول الله - ﷺ - وخلفائه وأصحابه -﵃- يطوفون بالبيت في كل وقت ويُكْثِرون ذلك ... \".","vol":"4","page":289},{"text":"وقال -﵀- (ص ٢٥٢): \"وأمّا الاعتمار للمكي بخروجه إِلى الحل؛ فهذا لم يفعله أحد على عهد رسول الله - ﷺ -؛ إِلا عائشة في حجة الوداع، مع أنّ النّبيّ - ﷺ - لم يأمرها به، بل أذن فيه بعد مراجعتها إِياه ... فأمّا أصحابه الذين حجوا معه حجة الوداع كلهم من أولهم إِلى آخرهم؛ فلم يخرج أحد منهم؛ لا قبل الحجة ولا بعدها؛ لا إِلى التنعيم ولا إِلى الحديبية ولا إِلى الجعرانة، ولا غير ذلك لأجل العمرة، وكذلك أهل مكة [المستوطنون]؛ لم يخرج أحد منهم، إِلى الحل لعمرة، وهذا متفق عليه، معلوم لجميع العلماء الذين يعلمون سنته وشريعته.\nوكذلك أيضًا أصحابه الذين كانوا مقيمين بمكة من حين فَتْحِهِ مكة من شهر رمضان سنة ثمان، وإلى أن توفي؛ لم يعتمر أحد منهم من مكة، ولم يخرج أحد منهم إِلى الحل ويهل منه، ولم يعتمر النّبيّ - ﷺ - وهو بمكة قط، لا من الحديبية، ولا من الجعرانة، ولا من غيرهما، بل قد اعتمر أربع عمر: ثلاث منفردة، وواحدة مع حجته، وجميع عمره كان يكون فيها قادمًا إِلى مكة، لا خارجًا منها إِلى الحل.\nفأمّا عمرة الحديبية؛ فإِنه اعتمر من ذي الحليفة -ميقات أهل المدينة- هو وأصحابه الذين بايعوه في تلك العمرة تحت الشجرة، ثمّ إِنهم لما صدهم المشركون عن البيت، وقاضاهم النّبيّ - ﷺ - على العمرة من العام القابل، وصالحهم الصلح المشهور؛ حل هو وأصحابه من العمرة بالحديبية، ولم يدخلوا مكة ذلك العام ... \".\nوجاء في \"الاختيارات\" (ص ١١٥): \"والقول بوجوب العمرة على أهل","vol":"4","page":290},{"text":"مكة: قول ضعيف جدًّا، مخالف للسنة الثابتة، ولهذا كان أصح الطريقين عن أحمد: أن أهل مكة لا عمرة عليهم، رواية واحدة، وفي غيرهم روايتان، وهي طريقة أبي محمد المقدسي. وطريقة المجد أبي البركات في العمرة ثلاث روايات، ثالثها: تجب على غير أهل مكة\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1165>القارن يطوف طوافًا واحدًا ويسعى سعيًا واحدًا:</span>\nعن عائشة -﵂-: أنها حاضت بِسَرِف، فتطهّرت بعرفة، فقال لها رسول الله - ﷺ -: \"يجزئ عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك (١) \" (٢).\nعن جابر -﵁-: \"أنّ رسول الله - ﷺ - قرن الحج والعمرة، فطاف لهما طوافًا واحدًا\" (٣).\nوعن ابن عمر -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من أحرم بالحج والعمرة؛ أجزأه طواف واحد وسعْي واحد منهما؛ حتى يحلّ منهما جميعًا\" (٤).\n_________\n(١) قال النووي -﵀- (٨/ ١٤٠): \"وأمّا عائشة -﵂- فإِنّما حصل لها عمرةٌ مندرجة في حجة بالقِران؛ فقال لها النّبيّ - ﷺ - يوم النفر: \"يسعُك طوافك لحجّك وعمرتك\"؛ أي: وقد تمّا وحُسِبا لك جميعًا ... \".\n(٢) أخرجه مسلم: ١٢١١.\n(٣) أخرجه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٧٥٥)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢٤٠٧).\n(٤) أخرجه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٧٥٦)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢٤٠٩).","vol":"4","page":291},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1166>من لم يجد هدْيًا:</span>\nمن لم يجد هدْيًا؛ فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إِذا رجع إِلى أهله،\nقال الله -تعالى-: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1167>متى يصوم الأيام الثلاثة</span>؟\nقال ابن كثير -﵀- في \"تفسيره\" -بحذف-: \"يقول -تعالى-: فمن لم يجد هديًا فليصم ثلاثة أيام في الحجّ؛ أي: في أيام المناسك. قال العلماء: والأولى أن يصومها قبل يوم عرفة في العشر؛ قاله عطاء، أو من حين يحرم؛ قاله ابن عباس وغيره؛ لقوله: ﴿في الحجّ﴾. ومنهم من يُجوِّز صيامها من أول شوال، قاله طاوس ومجاهد وغير واحد. وجوّز الشعبي صيام يوم عرفة وقبله يومين، وكذ اقال مجاهد، وسعيد بن جبير، والسدي، وعطاء، وطاوس، والحكم، والحسن وحماد، وإبراهيم، وأبو جعفر الباقر، والربيع، ومقاتل بن حيّان.\nوقال العوفي عن ابن عباس: إِذا لم يجد هدْيًا؛ فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج قبل يوم عرفة، فإِذا كان يوم عرفة الثالث؛ فقد تمّ صومه، وسبعة إِذا رجع\n_________\n(١) البقرة: ١٩٦.","vol":"4","page":292},{"text":"إِلى أهله وكذا روى أبو إِسحاق عن وبرة عن ابن عمر قال: يصوم يومًا قبل التروية، ويوم التروية، ويوم عرفة. وكذا روي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي أيضًا.\nفلو لم يصمها أو بعضها قبل يوم العيد؛ فهل يجوز أن يصومها في أيام التشريق؟ فيه قولان للعلماء؛ هما للإِمام الشافعي - أيضًا: القديم منهما: أنه يجوز له صيامها؛ لقول عائشة وابن عمر -﵃- في \"صحيح البخاري\": لم يرخّص في أيام التشريق أن يُصمن إِلا لمن لم يجد الهدي (١). وكذا رواه مالك عن الزهري عن عروة عن عائشة وعن سالم عن ابن عمر، وإِنما قالوا ذلك لعموم، قوله: ﴿فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة﴾ وقد روي من غير وجه عنهما. ورواه سفيان عن جعفر بن محمد عن أبيه.\nوبهذا يقول عبيد بن عمير الليثي، وعكرمة، والحسن البصري، وعروة بن الزبير، وإنما قالوا ذلك لعموم قوله: ﴿فصيام ثلاثة أيام في الحج﴾ ... \". اهـ\nوعن هشام قال: أخبرني أبي: \"كانت عائشة -﵂- تصوم أيّام منى، وكان أبوهُ (٢) يصومها\" (٣).\nوعن ابن عمر -﵄- قال: \"الصيام لمن تمتّع بالعمرة إِلى الحجّ\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٩٩٧.\n(٢) قال الحافظ -﵀-: \"قوله: (وكان أبوه يصومها): هو كلام القطان لهشام ابن عروة، وفاعل يصومها هو عروة، والضمير فيه لأيام التشريق، ووقع في رواية كريمة: (وكان أبوها)؛ وعلى هذا فالضمير لعائشة، وفاعل يصومها هو أبو بكر الصديق\".\n(٣) أخرجه البخاري: ١٩٩٦.","vol":"4","page":293},{"text":"إِلى يوم عرفة، فإِن لم يجد هدْيًا ولم يصم؛ صام أيّام منى\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1168>متى يبطل الحج بالجماع؟ وما جزاء الوطء</span>؟\nإِذا وطئ المرء في الحجّ قبل التحلُّل الأوّل؛ يبطَل حجُّه وعليه بدنة.\nأمّا إِذا وطئ بعد التحلُّل الأول وقبل التحلُّل الثاني؛ فعليه شاة؛ ولا يبطل حجُّه.\nعن ابن عباس -﵄-: \"أنه سُئل عن رجل وقَع بأهله وهو بمنى؛ قبل أن يفيض؟ فأمره أن ينحر بدنة\" (٢).\nوفي رواية: \"الذي يصيب أهله قبل أن يفيض؛ يعتمر ويهدي\" (٣).\nعن سعيد بن جبير: \"أنّ رجلًا أهلّ هو وأمرأته جميعًا بعمرة، فقضت مناسكها إِلا التقصير، فغشيها قبل أن تقصر، فسئل ابن عباس عن ذلك؟ فقال: إِنها لشَبِقَةٌ (٤)، فقيل له: إِنها تسمع.\nفاستحيا من ذلك وقال: ألا أعلمتموني؟! وقال لها: أهريقي دمًا، قالت: ماذا؟ قال: انحري ناقة أو بقرة أو شاة، قالت: أي ذلك أفضل؟ قال: ناقة\" (٥).\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٩٩٩.\n(٢) أخرجه مالك في \"الموطأ\"، وصححه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (١٠٤٤).\n(٣) انظر \"الإرواء\" تحت الأثر السابق.\n(٤) أي: شديدة الشهوة.\n(٥) أخرجه البيهقي. وقال شيخنا -﵀- في \"الإرواء\" (١٠٤١): \"وسنده صحيح\".","vol":"4","page":294},{"text":"عن عمرو بن شعيب عن أبيه: \"أنّ رجلًا أتى عبد الله بن عمرو يسأله عن مُحرِم وقع بامرأة، فأشار إِلى عبد الله بن عمر؟ فقال: اذهب إِلى ذلك فسله، قال: فلم يعرفه الرجل، فذهبت معه، فسأل ابن عمر، فقال: بطل حجك، فقال الرجل: فما أصنع؟ قال: اخرج مع الناس، واصنع ما يصنعون، فإِذا أدركت قابلًا؛ فَحُجَّ وأهْدِ فرجع إِلى عبد الله بن عمرو، وأنا معه، فأخبره، فقال: اذهب إِلى ابن عباس فسله، قال شعيب: فذهبت معه إِلى ابن عباس فسأله، فقال له كما قال ابن عمر: فرجع إِلى عبد الله بن عمرو وأنا معه، فأخبره بما قال ابن عباس، ثمّ قال: ما تقول أنت؟ فقال: قوْلي مثل ما قالا\" (١).\nوإذا لم يجد الهدي؛ فإِنه يصوم ثلاثة أيام في الحجّ، وسبعة إِذا رجع إلى أهله (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1169>الدماء في الحجّ</span>\nلم يرد في دماء الحجّ إلاَّ خمس حالات:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1170>١ - دم التمتع والقِران</span>.\nقال -تعالى-: ﴿فَمَنْ تمتع بالعمرة إِلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعةٍ إِذا رجعتم﴾ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1171>٢ - دم الفدية</span>.\n_________\n(١) أخرجه البيهقي وصحح شيخنا -﵀- إِسناده في \"الإِرواء\" (١٠٤٣).\n(٢) انظر \"منار السبيل\" (١/ ٢٥٧)، و\"الإِرواء\" (٤/ ٩٦٤، ١٠٤٢).\n(٣) البقرة: ١٩٦.","vol":"4","page":295},{"text":"وهو الدم الذي يجب على الحاج إِذا حلق شعره لمرض أو شيء يؤذيه.\nقال -تعالى-: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نُسُكٍ﴾ (١).\nوسألت شيخنا -﵀-: هل صحّ معنى أو مبنى ما يُذكر عن عطاء أنه قال: إذا نتف المحرم ثلاث شعرات فصاعدًا؛ فعليه دم؟\nفأجاب -﵀-: روايةً لا أدري، ودرايةً ندَعُه له.\nقلت: فلو صحّ سندًا فهل تقولون: ندعه له؟\nفقال -﵀-: نعم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1172>٣ - دم الجزاء</span>.\nقال- تعالي-: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقتُلوا الصيد وأنتم حُرُمٌ ومن قتَله منكم متعمدًا فجزاءٌ مِتلُ ما قتَل من النَّعَم (٢) يحكم به ذَوَا عدلٍ منكم هديًا بالغَ الكعبة (٣) أو كفّارةٌ طعام مساكين أو عدل ذلك صيامًا ليذوق وبال (٤) أمره عفا الله عمّا سلف ومن عاد فينتقمُ الله منه والله عزيزٌ ذو انتقام﴾ (٥).\n_________\n(١) البقرة: ١٩٦.\n(٢) هو المال السائم.\n(٣) أي: واصلًا إِلى الكعبة، والمراد وصوله إِلى الحرم؛ بأن يذبح هناك، ويفرّق لحمه على مساكين الحرم، وهذا أمر متفق عليه في هذه الصورة. \"تفسير ابن كثير\".\n(٤) أي: أوجبنا عليه الكفّارة ليذوق عقوبة فِعله الذى ارتكب فيه المخالفة. \"تفسير ابن كثير\".\n(٥) المائدة: ٩٥.","vol":"4","page":296},{"text":"وهذا في صيد البّر.\nوأمّا صيد البحر؛ فجائز كما تقدّم، فليس فيه جزاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1173>٤ - دم الوطء</span>.\nوهو دمٌ يجب على الحاج إِذا جامع أهله أثناء حجّه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1174>٥ - دم الإِحصار</span>.\nوهو الدم الذي يجب لانحباسه عن إِتمام المناسك، وعدم تمكُّنه من أدائها؛ لمرض أو عدوّ أو نحو ذلك، إِذا لم يكن قد اشترط عند إِحرامه بقوله: \"اللهم! مَحِلِّي حيث حبستني\".\nقال الله -تعالى-: ﴿فإِن أُحصرتم فما استيسر من الهدي﴾ (١)؛ وسيأتي بعد قليل -إِن شاء الله تعالى-.\nقال شيخنا -﵀- لنا في بعض مجالسه: \"ليس لموجبي الدماء أيّ مستند من الكتاب والسّنّة، اللهم إِلا أثر عبد الله بن عباس -﵄- يرويه الإِمام أبو بكر البيهقي في كتابه \"السنن الكبرى\" بالسند الصحيح عنه أنّه قال: \"مَن نسي أو أخطأ في نُسك؛ فعليه دم\" (٢).\nوقد روي هذا الأثر موقوفًا، وهو صحيح وروي مرفوعًا؛ ولا يصح؛ مع أنّ ابن عباس تفرّد في هذا الرأي، ولا نعلم من وافقه من أصحاب آخرين.\nفنحن نجد فيه توسعًا يخالف بعض الأحاديث الصحيحة، كمثل حديث\n_________\n(١) البقرة: ١٩٦.\n(٢) وسيأتي الكلام عليه -إِن شاء الله تعالى- بعد سطور.","vol":"4","page":297},{"text":"ذلك الأعرابي الذي سمعه النّبيّ - ﷺ - يلبّي بالعمرة، وهو متضمّخ بالطيب وعليه جبّة؛ فأمره - ﵊- بأن يخلع الجبّة أو القميص وأن يغسل عنه الطيب، وقال له: \"اصنع في عمرتك ما تصنع في حجّك\" (١)؛ ولم يأمره بدم، مع أنّ الذي فعَله يدخل في كلام ابن عباس -﵄- ولا نجد ما يوجب الدّم إِلا ما هو معلوم بالأدلّة الصحيحة من الكتاب والسنّة ... \" انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1175>أثر ابن عباس -﵄-: من نسي من نسكه شيئًا أو تركه؛ فليهرِق دمًا</span>\" (٢).\nولا بُد لنا من التأمّل في مسألة عظيمة كهذه - نسيان أو ترك مناسك مِن نسك الحج، لا يَرد فيها حديث مرفوع، والحاجة تقتضي ذلك؛ لكثرة وقوعها وملابستها من الناس، مع ما قد علمنا من أمر النّبيّ - ﷺ - بأخذ المناسك عنه؛ ومع ما لا يخفى من حِرص الصحابة -﵃- على التأسي والاقتداء به\n_________\n(١) يشير شيخنا -﵀- إِلى الحديث الذي رواه صفوان بن يعلى: أنّ يعلى قال لعمر -﵁-: \"أرني النّبيّ - ﷺ - حين يوحى إِليه، قال: فبينما النّبيّ - ﷺ - بالجعرانة -ومعه نفر من أصحابه-؛ جاءه رجل فقال: يا رسول الله! كيف ترى في رجل أحرم بعمرة وهو متضمّخ بطيب؟ فسكت النّبيّ - ﷺ - ساعة، فجاءه الوحي، فأشار عمر -﵁- إِلى يعلى، فجاء يعلى -وعلى رسول الله - ﷺ - ثوب قد أُظلّ به-؛ فأدخل رأسه، فإِذا رسول الله - ﷺ - محمرُّ الوجه وهو يَغطُّ، ثمّ سُرِّيَ عنه، فقال: أين الذي سأل عن العمرة؟ فأتي برجل فقال: اغسل الطّيب الذي بك ثلاث مرات، وانزع عنك الجُبّة، واصنع في عمرتك كما تصنع في حجّتك\". أخرجه البخاري: ١٥٣٦، ومسلم: ١١٨٠.\n(٢) وهو ضعيف مرفوعًا، وثابت موقوفًا كما في \"الإِرواء\" (١١٠٠).","vol":"4","page":298},{"text":"-﵊- وكثرتهم واجتماعهم - ما لا يكون في أيّ عبادة أُخرى، لا في جمعة، ولا جماعة، ولا صلاة عيد، ولا جهاد في سبيل الله -تعالى-.\nوالصحابة -﵃- قد نقلوا أحكام الوضوء والصلاة بدقّة بلغت الغاية.\nفماذا يعني عدم ورود حديث مرفوع، أو نقولات مستفيضة من الصحابة - ﵃- في هذا الأمر، مع ما سبق بيانه من النصوص البيّنة المتعلّقة بالدماء؟!\nوالذبح مُكْلِفٌ كما لا يخفى؛ أو الصيام -على التفصيل المعلوم-؛ وهو يحتاج إِلى صبرٍ ومجاهدة.\nفهذا يجعلنا نقدّم الآيات والنصوص -التي بيّنت متى يهراق الدم- على أثر ابن عباس -﵄-؛ لعدم علمنا مَن وافقه من الصحابة -﵃-؛ كما أشار شيخنا -﵀- في تحديد المواطن التي تجب فيها الدماء؛ مع احترامنا لمن يأخذ بهذا الأثر. والله -تعالى- أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1176>الإِحصار</span>\nالإِحصار: هو المنع والحبس.\nوالمراد: المنع عن الطواف في العمرة أو أداء الأركان أو بعضها، كالوقوف بعرفة وطواف الإِفاضة.\nقال الله -تعالى-: ﴿فإِن أُحصرتم فما استيسر من الهدي﴾ (١).\n_________\n(١) البقرة: ١٩٦.","vol":"4","page":299},{"text":"جاء في \"تفسير ابن كثير\": \"ذكروا أنّ هذه الآية نزلت في سنة ست؛ أي: عام الحديبية، حين حال المشركون بين رسول الله - ﷺ - وبين الوصول إِلى البيت ... \".\n*واختلف العلماء هل يختصّ الحصر بالعدوّ، دون المرض أو غيره؟\nوذكروا عن طاوس عن ابن عباس -﵄- أنه قال: لا حصر إِلا حصر العدوّ، فأمّا من أصابه مرض أو وجع أو ضلال؛ فليس عليه شيء؛ إِنما قال الله: ﴿فإذا أمِنتم﴾، فليس الأمن حصرًا.\nالقول الثاني: أنّ الحصر أعمّ من أن يكون بعدوّ أو مرض أو ضلال عن الطريق أو نحو ذلك.\nعن الحجاج بن عمرو الأنصاري قال: سمعت النّبيّ - ﷺ - يقول: \"من كُسِرَ أو عَرِج؛ فقد حلّ، وعليه حجة أخرى. فحدثت به ابن عباس، وأبا هريرة فقالا: صدق\" (١).\nوفي رواية عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة قال: \"سألت الحجاج بن عمرو عن حبس المُحرم؟ فقال: قال رسول الله - ﷺ -: من كُسرَ أو مرض أو عرِج فقد حل، وعليه الحجُّ من قابل. قال عكرمة: فحدثت به ابن عباس وأبا هريرة فقالا: صدق\" (٢).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٦٣٩)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢٤٩٧).\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٦٤٠)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢٤٩٨).","vol":"4","page":300},{"text":"وأفتى ابن مسعود -﵁- رجُلًا لُدغ بأنه مُحْصَرٌ (١).\nالقول الثاني هو الراجح -والله أعلم- لذلك جاء تبويبه في \"سنن أبي داود\" تحت (باب في الإِحصار)، وفي \"سنن ابن ماجه\" تحت (باب المحصر)، وفي \"المشكاة\" (٢/ ٨٢٨): (باب الإِحصار وفوت الحج).\nوالحديث صريح فيمن مُنع وحُبس في غير العدّو، والثمرة هي الحبس؛ سواءٌ أكان من عدوٍ أم مرض أم ضلال طريق. وبالله -تعالى- التوفيق.\nوجاء في \"الاختيارات\" (ص ١١٩): \"والمحصر بمرض أو ذهاب نفقة: كالمحصر بعدّو، وهو إِحدى الروايتين عن أحمد\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1177>يذبح المحصر ما استيسر من الهدي:</span>\nقال الله -تعالى-: ﴿فإِن أُحصرتم فما استيسر من الهدي﴾ (٢).\nعن ابن عباس -﵄- قال: \"قد أُحصر رسول الله - ﷺ -، فحلق رأسه، وجامع نساءه، ونحر هديه، حتى اعتمر عامًا قابلًا\" (٣).\nوذهب الجمهور إِلى إِجزاء الشاة في الإِحصار.\nقال ابن كثير -﵀- في \"تفسيره\": \"والدليل على صحة قول الجمهور فيما ذهبوا إِليه من إِجزاء ذبح الشاة في الإِحصار: أنّ الله أوجب ذبح\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير بإِسناد صحيح عنه. قاله الحافظ في \"الفتح\" في أول كتاب المحصر.\n(٢) البقرة: ١٩٦.\n(٣) أخرجه البخاري: (١٨٠٩).","vol":"4","page":301},{"text":"ما استيسر من الهدي؛ أي: مهما تيسر مما يسمى هديًا، والهدي من بهيمة الأنعام، وهي الإِبل والبقر والغنم، كما قاله الحَبْر البحر ترجمان القرآن وابن عم رسول الله - ﷺ -، وقد ثبت في \"الصحيحين\" عن عائشة أمّ المؤمنين -﵂- قالت: \"أهدى النّبيّ - ﷺ - مرة غنمًا\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1178>مكان ذبْحها:</span>\nاختلف العلماء في موضع ذبح هدي الإِحصار:\nفقال الجمهور: يَذبَحُ هديَه حيث يحل في الحرم أو الحل.\nوقال بعضهم: لا ينحره إلاَّ في الحرم.\nوقيل غير ذلك.\nوالراجح: ما قاله الجمهور: أنه يذبح حيث هو؛ لأنّ هذا ظاهر النص، وهو الشيء الممكن. والله أعلم.\nوسألت شيخنا -﵀- عن ذلك.\nفقال: \"يذبحه حيث هو\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1179>إِذا أخطأ العِدّة في الحج ولم يقم ببعض الأركان؛ فإِنه يُحلّ بعمرة وعليه الحج من قابل:</span>\nعن سليمان بن يسار: \"أنّ هَبَّار بن الأسود جاء يوم النحر، وعمر بن الخطاب ينحر هديه، فقال: يا أمير المؤمنين! أخطأنا العِدّة، كنّا نُرى أن هذا اليوم يوم عرفة، فقال عمر: اذهب إِلى مكة، فطُف أنت ومن معك، وانحروا\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٧٠١، ومسلم: ١٣٢١.","vol":"4","page":302},{"text":"هديًا إِن كان معكم، ثمّ احلقوا أو اقصروا وارجعوا، فإِذا كان عام قابل فحُجّوا وأَهدوا! فمن لم يجد؛ فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إِذا رجع\" (١).\nوفي رواية: \"أن أبا أيوب الأنصاري خرج حاجًا، حتى إِذا كان بالنازية من طريق مكة؛ أضل رواحله، وأنه قدم على عمر بن الخطاب يوم النحر، فذكر ذلك له؟ فقال عمر: اصنع كما يصنع المعتمر، ثمّ قد حللت، فإِذا أدركك الحج قابلًا؛ فاحجج، وأهد ما تيسر من الهدي\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1180>ما يُفعَل بالمحرم إِذا مات </span>(٣):\nعن ابن عباس -﵁- قال: \"بينما رجل واقف بعرفة؛ إِذ وقع عن راحلته فوقصته (٤) -أو قال: فأوقصته-؟ قال النّبيّ - ﷺ -: اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين، ولا تحنطوه (٥)، ولا تخمِّروا (٦) رأسه؛ فإِنَّه يُبعث يوم القيامة مُلبيًا\" (٧).\n_________\n(١) أخرجه مالك، وقال شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (١٠٦٨): \"وهذا سند صحيح، والهبار صحابي معروف له ترجمة في \"الإِصابة\" وغيره\".\n(٢) صححه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (١١٣٢).\n(٣) هذا العنوان من \"صحيح مسلم\".\n(٤) وقصته: أي: كَسَرتْ عنقه.\n(٥) لا تحنطوه: هو بالحاء المهملة؛ أي: لا تُمسّوه حَنوطًا؛ والحَنوط: بفتح الحاء -ويقال له: الحِناط؛ بكسر الحاء- وهو أخلاط من طيب تجمع للميت خاصة؛ لا تستعمل في غيره. \"نووي\".\n(٦) أي: لا تغطّوا.\n(٧) أخرجه البخاري: ١٢٦٥، ومسلم: ١٢٠٦، وتقدّم.","vol":"4","page":303},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1181>جزاء قتْل الصّيد</span>\nقال الله -تعالى-: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا (١) الصيد وأنتم حُرُم ومن قَتَله منكم مُتعمدًا فجزاءٌ مِثلُ ما قَتَلَ من النَّعَم يحكُم به ذَوَا عدلٍ منكم هديًا بالغَ الكعبة أو كفّارةٌ طَعَامُ مساكينَ أو عَدْلُ ذلك صِيامًا ليذوقَ وبال أمره عفا الله عمّا سلف ومن عادَ فينتقمُ الله منه والله عزيزٌ ذو انتقام﴾ (٢).\nقال ابن كثير -﵀- في \"تفسيره\" -بحذف- بعد أن ذكر بعض أقوال السلف في المتعمدّ والنّاسي: \" ﴿هديًا بالغ الكعبة﴾؛ أي: واصلًا إِلى الكعبة، والمراد وصوله إِلى الحرم بأن يذبح هناك، ويُفرّق لحمه على مساكين الحرم، وهذا أمر متفق عليه في هذه الصورة.\n... والذي عليه الجمهور (٣) أن العامد والناسي سواءٌ في وجوب الجزاء عليه. قال الزهري: دل الكتاب على العامد، وجرَت السّنّة على الناسي. ومعنى هذا: أن القرآن دل على وجوب الجزاء على المتعمد وعلى تأثيمه بقوله: ﴿ليذوق وبال أمره عفا الله عمّا سلف ومن عاد فينتقم الله منه﴾، وجاءت السُّنّة من أحكام النّبيّ - ﷺ - وأحكام أصحابه بوجوب الجزاء في الخطأ، كما دل\n_________\n(١) لا يجوز للمحرم قتْل الصيد إِلا إِن صال عليه فقَتَله دفعًا؛ فيجوز ولا ضمان عليه. والله أعلم، قاله الحافظ في \"الفتح\" (٤/ ٣١).\n(٢) المائدة: ٩٥.\n(٣) سألت شيخنا -﵀- إِذا قتل المحرم صيدًا ناسيًا أو جاهلًا بالتحريم؛ فهل أنتم مع من يوجب عليه الجزاء؟\nفأجاب: نعم.","vol":"4","page":304},{"text":"الكتاب عليه في العمد. وأيضًا؛ فإِنَّ قتل الصيد إِتلاف، والإِتلاف مضمون في العمد وفي النسيان، لكن المتعمد مأثوم، والمخطئ غير ملوم.\nوقوله: ﴿فجزاءٌ مِثل ما قَتَل من النَّعَم﴾، قرأ بعضهم بالإِضافة، وقرأ آخرون بعطفها: (فجزاءٌ مثلُ ما قتل من النَّعَم﴾، وحكى ابن جرير: أن ابن مسعود قرأها: \"فجزاؤه مثل ما قتل من النعم\".\nوفي قوله: ﴿فجزاءٌ مِثلُ ما قَتَل من النَّعَم﴾ -على كل من القراءتين- دليل لما ذهب إِليه مالك والشافعي وأحمد والجمهور من وجوب الجزاء من مثل ما قتله المحرم، إِذا كان له مثل من الحيوان الإِنسي، خلافًا لأبي حنيفة -﵀-؛ حيث أوجب القيمة، سواءً كان الصيد المقتول مثليًّا أو غير مثليّ، قال: وهو مخير؛ إن شاء تصدق بثمنه، وإن شاء اشترى به هديًا.\nوالذي حكم به الصحابة في المِثْل أولى بالاتباع، فإِنهم حكموا في النعامة ببدنة، وفي بقرة الوحش ببقرة، وفي الغزال بعنز. وذِكْرُ قضايا الصحابة وأسانيدها مقررٌ في كتاب \"الأحكام\".\nوأمّا إِذا لم يكن الصيد مثليًّا؛ فقد حكم ابن عباس فيه بثمنه يحمل إِلى مكة. رواه البيهقي.\nوقوله: ﴿يحكم به ذوا عدلٍ منكم﴾؛ يعني: أنه يحكم بالجزاء -في المثل -أو بالقيمة - في غير المثل-: عدلان من المسلمين.\nوقوله: ﴿أو كفارةٌ طعام مساكين أو عدْل ذلك صيامًا﴾، أي: إِذا لم يجد المحرم مثل ما قتل من النعم، أو لم يكن الصيد المقتول من ذوات الأمثال، أو قلنا بالتخيير في هذا المقام بين الجزاء والإِطعام والصيام ... لظاهر \"أو\"؛ فإِنها","vol":"4","page":305},{"text":"للتخيير، والقول الآخر: أنها على الترتيب.\nفصورة ذلك: أن يعدل إِلى القيمة، فيقوم الصيد المقتول عند مالك، وأبي حنيفة وأصحابه، وحماد وإبراهيم. وقال الشافعي: يقوم مثله من النَّعم لو كان ْموجودًا، ثمّ يشتري به طعام ويتصدّق به، فيُصرف لكل مسكين مُد منه عند الشافعي، ومالك وفقهاء الحجاز، واختاره ابن جرير.\nوقال أبو حنيفة وأصحابه: يُطعَم كل مسكين مُدّين. وهو قول مجاهد.\nوقال أحمد: مُدٌّ من حنطة، أو مُدان من غيره، فإِن لم يجد، أو قلنا بالتخيير؛ صام عن إِطعام كل مسكين يومًا.\nوقال ابن جرير: وقال آخرون: يصوم مكان كل صاع يومًا، كما في جزاء المترفَّه بالحلق ونحوه؛ فإِنّ الشارع أمر كَعْبَ بن عُجْرَةَ أن يقسم فَرْقًا بين ستة، أو يصوم ثلاثة أيام، والفرق ثلاثة آصُعِ\". انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1182>ما قضى به النّبيّ - ﷺ - والسلف في هذا المقام:</span>\nعن جابر بن عبد الله -﵁- قال: \"سألت رسول الله - ﷺ - عن الضَّبُع؟ فقال: \"هو صيدٌ، ويُجعل فيه كَبش إِذا صاده المُحرِم\" (١).\nوفي رواية: قال أبو عمّار: \"قلت لجابر بن عبد الله: الضَّبُعُ أصيدٌ هي؟ قال: نعم. قلت: آكلها؟ قال: نعم. قال: قلت: أقاله رسول الله - ﷺ -؟ قال: نعم\" (٢).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٢٢٦)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢٥٠٤)، وصححّه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (١٠٥٠).\n(٢) أخرجه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٦٧٦)، والنسائي \"صحيح سنن =","vol":"4","page":306},{"text":"وعن جابر -﵁- أيضًا: \"أنّ عمر بن الخطاب قضى في الضّبُع بكبش، وفي الغزال بعنز، وفي الأرنب بعَناق (١)، وفي اليربوع (٢) بجَفْرة\" (٣).\nوفي رواية: \"قال أبو عبيد: قال أبو زيد: الجَفْر من أولاد المعز: ما بلَغ أربعة أشهر، وفُصل عن أمه (٤) \" (٥).\nوعن ابن عباس -﵄-: أنه جعل في حَمام الحرم على المحرم والحلال في كل حمامةٍ شَاة\" (٦).\nوفي روايهَ: \"ما كان سوى حمام الحرم؛ ففيه ثمنه إِذا أصابه المحرم\" (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1183>صيد الحرم وقطْع شجره، وهل في ذلك جزاءٌ أو قيمة</span>؟\nيحرُم على المُحرم والحلال -وهو غير المحرم- صيد الحرم، وتنفيره، وقطْع شجرِهِ وشوكِهِ ورَطْبِ نباتِهِ؛ إلاَّ الإِذخِرَ.\nعن ابن عباس -﵄- أنّ النّبيّ - ﷺ - قال: \"إِنّ الله حرَّم مكة، فلم\n_________\n= النسائي\" (٢٦٥٩)، وانظر \"المشكاة\" (٢٧٠٣).\n(١) العَناق: الأنثى من أولاد المعيز والغنم من حين الولادة إِلى تمام حول، وحيوان من رتبة اللواحم، ومن فصيلة السنانير، أكبر من القط قليلًا، لونها أحمر ... \"الوسيط\".\n(٢) دُوَيبة فوق الجُرَذ؛ الذكر والأنثى فيه سواء. \"اللسان\".\n(٣) أخرجه مالك وغيره، وصححّه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (١٠٥١).\n(٤) جاء في \"النهاية\": \"نحو ما قال أبو عبيد عن أبي زيد.\n(٥) أخرجه البيهقي، وانظر \"الإِرواء\" (١٠٥٣).\n(٦) أخرجه البيهقي، وصححه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (١٠٥٦).\n(٧) صححه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (١٠٥٦).","vol":"4","page":307},{"text":"تحلّ لأحد قبلي، ولا تحلّ لأحد بعدي، وإنما أُحلّت لي ساعةً من نهار، لا يُختلى (١) خلاها (٢)، ولا يُعضد (٣) شجرها، ولا يُنفّر صيدها، ولا تُلتقط لُقطتها إِلا لمعرّف. وقال العباس: يا رسول الله! إلاَّ الإِذخِر لِصاغتنا (٤) وقُبورنا؟ فقال: إِلا الإِذخِر\" (٥).\nوفي رواية: \"فقال العباس: إِلا الإِذخِر يا رسول الله! فإِنّه لا بُدّ منه للقَين (٦) والبيوت؟ فسكَت، ثمّ قال: إِلا الإِذخِر؛ فإِنه حلال\" (٧).\nوجاء في \"الروضة الندية\" (١/ ٦١٤) في مناقشة الجزاء والقيمة: \"أقول: عندي أنه لا يجب على من قتل صيدًا، أو قطع شجرًا من حرم المدينة لا جزاءٌ ولا قيمة؛ بل يأثم فقط، ويكون لمن وجده يفعل ذلك أخذ سَلَبِهِ؛ ولا يجب على الحلال في صيد حرم مكة ولا شجره شيء إِلا مجرد الإِثم؛ وأما من كان محرمًا؛ فعليه الجزاء الذي ذكَره الله -﷿- إِذا قتل صيدًا، وليس عليه شيء\n_________\n(١) أي: لا يُقطع.\n(٢) خلاها؛ أي: الرّطبُ من النبات.\n(٣) يُعضد؛ أي: يُقطع.\n(٤) لصاغتنا: جمع الصائغ، وهو الذي يعمل الحُليّ من الفضة والذهب ونحوهما.\n(٥) أخرجه البخاري: ١٨٣٣، ومسلم: ١٣٥٣.\n(٦) القَين: -بفتح القاف-: هو الحداد والصائغ، ومعناه: يحتاج إِليه القين في وقود النار، ويحتاج إِليه في القبور لتسد به فُرج اللحد المتخللة بين اللَّبِنَاتِ، ويحتاج إليه في سقوف البيوت فيجعل فوق الخشب\". \"شرح النووي\".\n(٧) أخرجه البخاري: ٤٣١٣، ومسلم: ١٣٥٣.","vol":"4","page":308},{"text":"في شجر مكة؛ لعدم ورود دليل تقوم به الحجة، وما يروى عنه - ﷺأنه قال في الدوحة الكبيرة إِذا قطعت من أصلها بقرة- لم يصح، وما يروى عن بعض السلف لا حجة فيه.\nوالحاصل: أنه لا ملازمة بين النهي عن قتل الصيد وقطع الشجر، وبين وجوب الجزاء أو القيمة، بل النهي يفيد بحقيقته التحريم، والجزاء والقيمة لا يجبان إِلا بدليل، ولم يرد دليل إِلا قول الله -تعالى-: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حُرم﴾ الآية، وليس فيها إِلا ذكر الجزاء فقط؛ فلا يجب غيره\".\nوعن عكرمة عن ابن عباس -﵄- قال: \"في بيض النّعام ثمنه\" (١).\nوفي طريق أخرى: \"أنه جعل في كلّ بيضتين من بيض حمام الحرم درهمًا\" (٢).\nعن القاسم قال: \"كنت جالسًا عند ابن عباس، فسأله رجل عن جرادة قتلها وهو محرم؟ فقال ابن عباس: فيها قبضة من طعام، ولتأخذن بقبضة جرادات، ولكن ولو\".\nقال الشافعي: \"قوله: ولتأخذن بقبضة جرادات؛ إِنما فيها القيمة، وقوله (ولو) يقول: تحتاط، فتخرج أكثر مما عليك بعدما أعلمتك أنه أكثر مما\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\"، وصححه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (١٠٢٩)، وقال: وهذا سند موقوف، صحيح على شرط الشيخين.\n(٢) أخرجه البيهقي، وصحح شيخنا -رحمه الله تعالى- اِسناده في \"الإِرواء\" (١٠٢٩).","vol":"4","page":309},{"text":"عليك\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1184>تحريم صيد حرم المدينة وقطع شجره:</span>\nوما مضى في تحريم صيد حرم مكة وشجره ... إِلى غير ذلك؛ فإِنه ماضٍ في حرم المدينة.\nعن جابر -﵁- قال: قال النّبيّ - ﷺ -: \"إِنّ إِبراهيم حرّم مكة، وإنيّ حرّمت المدينة ما بين لابتيها (٢)، لا يقطع عِضاهُهَا (٣) ولا يُصاد صيدها\" (٤).\nوعن علي -﵁- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"لا يُختلى خلاها، ولا يُنفّر صيدها، ولا تُلتقط لُقطتها؛ إلاَّ لمن أشاد بها، ولا يصلح لرجل أن يحمل فيها السلاح لقتال، ولا يصلح أن يقطع منها شجرة؛ إِلا أن يعلف رجل بعيره\" (٥).\nوعن علي بن أبي طالب -﵁- أيضًا قال: قال النّبيّ - ﷺ -: \"المدينة حرم ما بين عَيْرٍ إِلى ثَوْرِ\" (٦).\nوعن أبي هريرة -﵁- قال: \"حرّم رسول الله - ﷺ - ما بين لابَتَيِ\n_________\n(١) ذكره شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" وقال: إِسناده جيد.\n(٢) اللابتان: الحرّتان، واحدتهما لابة، وهي الأرض الملبّسة حجارة سوداء، وللمدينة لابتان شرقية وغربية، وهي بينهما. \"شرح النووي\".\n(٣) العِضاة: كل شجر فيه شوك. \"شرح النووي\" أيضًا.\n(٤) أخرجه مسلم: ١٣٦٢.\n(٥) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٧٩٠)، وانظر \"الإِرواء\" (١٠٥٨).\n(٦) أخرجه البخاري: ٦٧٥٥، ومسلم: ١٣٧٠.","vol":"4","page":310},{"text":"المدينة، قال أبو هريرة: فلو وجدتُ الظّبَاءَ ما بين لابتيها ما ذَعَرْتُها (١)، وجعل اثني عشر ميلًا حول المدينة حِمى\" (٢).\nوفي رواية عن أبي هريرة أنه كان يقول: \"لو رأيت الظباء ترتع (٣) بالمدينة ما ذَعَرْتها، قال رسول الله - ﷺ -: ما بين لابتيها حرام\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1185>ليس في قتْل صيد الحرم المدني ولا قطع شجره جزاء:</span>\nمَن قتَل صيد الحرم المدني أو قطع شجره؛ فإِنه آثم، ولا جزاء عليه؛ لعدم ورود الدليل في ذلك.\nعن أنس -﵁- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"المدينة حرم من كذا إِلى كذا، لا يُقطع شجرها، ولا يُحْدَثُ فيها حدث (٥)، من أحدث حَدَثًا؛ فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين\" (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1186>مَن وجد أحدًا يقطع شجر المدينة فَلْيَسْلَبْهُ:</span>\nوعن عامر بن سعد: أنّ سعدًا ركب إِلى قصره بالعقيق، فوجد عبدًا يقطع\n_________\n(١) أي: أفزعتها. وقيل: نفّرتها. \"شرح النووي\".\n(٢) أخرجه البخاري: ١٨٧٣، ومسلم ١٣٧٢ - واللفظ له-.\n(٣) ترتع؛ أي: ترعى. وقيل: معناه: تسعى وتبسط. \"شرح النووي\" أيضًا.\n(٤) أخرجه البخاري: ١٨٧٣، ومسلم: ١٣٧٢.\n(٥) الحَدَث: الأمر الحادث المنكر، الذى ليس بمعتاد ولا معروف في السّنة. \"النهاية\".\n(٦) أخرجه البخاري: ١٨٦٧، ومسلم: ١٣٦٦.","vol":"4","page":311},{"text":"شجرًا أو يخبطه؛ فسَلَبَه (١)، فلمّا رجع سعد جاءه أهل العبد؛ فكلّموه أن يردّ على غلامهم أو عليهم ما أخذ من غلامهم، فقال: معاذ الله أنْ أرُدَّ شيئًا نفّلنيه رسول الله - ﷺ -! وأبى أنْ يَرُدّ عليهم\" (٢).\nوفي رواية عن سليمان بن أبي عبد الله قال: رأيت سعد بن أبي وقاص أخذ رجلًا يصيد في حرم المدينة -الذي حرّم رسول الله - ﷺ --، فسلبه ثيابه، فجاء مواليه فكلّموه فيه، فقال: إِن رسول الله - ﷺ - حرّم هذا الحرم وقال: \"من وجد أحدًا يصيد فيه؛ فليسلبه، فلا أرد عليكم طُعْمَةً أطعَمنيها رسول الله - ﷺ -، ولكن إِن شئتم دفعت إِليكم ثمنه (٣) \" (٤).\nوفي رواية: \"سمعت رسول الله - ﷺ - ينهى أن يُقطَع من شجر المدينة شيء، وقال: ن قطع منه شيئًا؛ فلمن أخذه سَلَبُه\" (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1187>مكّة أحب أرض الله إلى الله -تعالى</span>-:\nعن عبد الله بن عدي بن حمراء -﵁- قال: رأيت رسول الله - ﷺ - واقفًا على الحَزْوَرَة (٦)، فقال: والله إِنك لخير أرض الله، وأحبّ أرض الله إِلى الله،\n_________\n(١) سَلَبُه؛ أي: [أخَذْ] ما عليه من الثياب وغيره. \"المرقاة\" (٥/ ٦٢٨).\n(٢) أخرجه مسلم: ١٣٦٤.\n(٣) أي: تبرعًا. قاله الطيبي -﵀-. أو احتياطًا للاختلاف فيه. \"المرقاة\" (٥/ ٦٢٧).\n(٤) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٧٩١)، وانظر \"المشكاة\" (٢٧٤٧).\n(٥) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٧٩٢)، وانظر \"المشكاة\" (٢٧٤٨).\n(٦) الحَزوَرة: موضع بمكة. \"تحفة الأحوذي\" (١٠/ ٤٢٦).","vol":"4","page":312},{"text":"ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت\" (١).\nعن ابن عباس -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ - لمكة: \"ما أَطيَبَكِ من بلد، وأَحَبَّكِ إِليّ! ولولا أنّ قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1188>جواز دخول مكّة بغير إِحرام</span>\nعن جابر بن عبد الله الأنصاري: أنّ رسول الله - ﷺ - \"دخل مكّة وعليه عمامة سوداء بغير إِحرام\" (٣).\nوقال البخاري -﵀-: \"باب دخول الحرم ومكّة بغير إِحرام\".\nودخل ابن عمر، وإنما أمر النبيّ - ﷺ - بالإِهلال لمن أراد الحج والعمرة (٤). ثمّ ذكر برقم (١٨٤٥) حديث ابن عباس -﵄-: أنّ النّبيّ - ﷺ - وقَّت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، هنّ لهنّ ولكلِّ آتٍ أتى عليهنّ من غيرهم؛ ممنّ أراد الحجّ والعمرة، فمن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة\" (٥).\n_________\n(١) أخرجه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٣٠٨٢)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢٥٢٣)، وصحح شيخنا -﵀- إِسناده في \"المشكاة\" (٢٧٢٥).\n(٢) أخرجه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٣٠٨٣)، وصحح شيخنا -﵀- إِسناده في \"المشكاة\" (٢٧٢٤).\n(٣) أخرجه مسلم: ١٣٥٨.\n(٤) انظر \"كتاب جزاء الصيد\" (باب - ١٨).\n(٥) وأخرجه مسلم: ١١٨١، وتقدّم.","vol":"4","page":313},{"text":"ثمّ ذكر برقم (١٨٤٦) حديث أنس بن مالك -﵁- \"أنّ رسول الله - ﷺ - دخل عام الفتح وعلى رأسه مِغفَر (١)، فلمّا نزعه جاء رجل فقال: إنّ ابن خَطَلٍ متعلّق بأستار الكعبة، فقال: اقتلوه\" (٢).\nقال الحافظ في \"الفتح\" (٤/ ٥٩) في قول البخاري -رحمهما الله-: \"ودخل ابن عمر\": ووصله مالك في \"الموطا\" عن نافع قال: \"أقبل عبد الله بن عمر من مكة، حتى إِذا كان بقُديد -يعني: بضم القاف-؛ جاءه خبر عن الفتنة، فرجع فدخل مكة بغير إِحرام\" (٣).\nولعلّ مراد الإِمام البخاري -﵀-: أن دخول النّبيّ - ﷺ - وعلى رأسه المغفر؛ يدلّ على جواز دخول مكّة بغير إِحرام؛ لأنّ المحرم لا يغطيّ رأسه. والله أعلم.\nوفي حديث ابن عباس -﵄-: \"هُنّ لهنّ ولكلّ آتٍ أتى عليهنّ من غيرهم، ممن أراد الحجّ والعمرة\": دليل على تخصيص الإِحرام بمن أراد الحج والعمرة، ومفهومه: أن التردّد إِلى مكة لغير قصد الحج والعمرة لا يلزمه الإِحرام (٤).\n_________\n(١) جاء في \"الفتح\": \"زرد يُنسج من الدروع على قدر الرأس ... وفي \"المشارق\": هو ما يجعل من فضل دروع الحديد على الرأس مثل القلنسوة\".\n(٢) وأخرجه مسلم: ١٣٥٧.\n(٣) وصححّ شيخنا -﵀- إِسناده في \"مختصر البخاري\" (١/ ٤٣٢).\n(٤) انظر \"الفتح\" (٤/ ٥٩) بتصرّف يسير.","vol":"4","page":314},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1189>بين يدي الإِحرام </span>(١):\nيستحب لمن عزم على الحج أو العمرة المفردة؛ أن يغتسل للإِحرام، ولو كانت حائضًا أو نُفَساءَ.\nعن ابن عباس -﵄- أنّ النّبيّ - ﷺ - قال: \"الحائض والنفساء إِذا أتتا على الوقت؛ تغتسلان وتحرمان، وتقضيان المناسك كلها؛ غيرَ الطواف بالبيت\" (٢).\nثمّ يلبس الرجل ما شاء من الألبسة التي لم تفصّل على قدر الأعضاء، وهي المسماة عند الفقهاء بـ (غير المخيط)، فيلبس الإِزار فيلفُّ به النصف الأسفل من البدن، والرداء يلف به النصف الأعلى منه، ونحوهما، والنعلين؛ وهما كل ما يلبس على الرجلين لوقايتهما مما لا يستر الكعبين.\nولا يلبس القلنسوة والعمامة ونحوهما مما يستر الرأس مباشرة (٣). هذا للرجل.\nوأما المرأة؛ فلا تنزع شيئًا من لباسها المشروع؛ إلاَّ أنها لا تشد على وجهها النقاب (٤) والبرقع أو اللثام أو المنديل ولا تلبس القُفَّازين (٥) وقد قال - ﷺ -: \"لا\n_________\n(١) عن كتاب \"مناسك الحج والعمرة\" لشيخنا -﵀- بتصرّف وزيادة.\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٥٣٤)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٧٥٤)، وانظر \"الصحيحة\" (١٨١٨).\n(٣) وسيأتي بإِذن الله -تعالى-.\n(٤) قال شيخنا -﵀-: \"هو القناع على مارن الأنف، وهو على وجوه: إِذا أدنَت المرأة نقابها إِلى عينها فتلك الوصوصة، أو البرقع، فإِن أنزلته دون ذلك إِلى المحْجِر فهو النقاب، فإِن كان على طرف الأنف فهو اللغام. وسمي نقاب المرأة، لأنه يستر نقابها؛ أي: لونها بلون النقاب. انتهى ملخصًا من \"لسان العرب\".\n(٥) قال شيخنا -﵀-: \"قال شيخ الإِسلام ابن تيمية في \"منسكه\" (ص ٣٦٥): =","vol":"4","page":315},{"text":"يلبس المحرم القميص، ولا العمامة، ولا البُرنُس (١)، ولا السراويل، ولا ثوبًا مسّه ورس ولا زعفران، ولا الخفين؛ إِلا أن لا يجد نعلين [فيلبس الخُفّين] \" (٢).\n\"لا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين\" (٣).\nويجوز للمرأة أن تستر وجهها بشيء؛ كالخمار أو الجلباب؛ تلقيه على رأسها وتسدله على وجهها، وإِن كان يمس الوجه على الصحيح، ولكنها لا تشدّه عليها؛ كما قال شيخ الإِسلام -رحمه الله تعالى-.\nوله أن يلبس الإِحرام قبل الميقات ولو في بيته، كما فعله رسول الله - ﷺ - وأصحابه -﵃-؛ وفي هذا تيسير على الذين يحجّون بالطائرة، ولا يمكنهم لبس ملابس الإِحرام عند الميقات، فيجوز لهم أن يصعدوا الطائرة في لباس الإِحرام، ولكنهم لا يُحرمون إِلا قبل الميقات بيسير حتى لا يفوتهم الميقات وهم غير محرمين.\nوأن يدّهن ويتطيب في بدنه بأي طيب شاء؛ له رائحة ولا لون له؛ إِلا النساء؛ فطيبهنّ ما له لون ولا رائحة له.\n_________\n= \"والقفازات: غلاف يصنع لليد كما يفعله حملة البزاة\". والبزاة: جمع بازٍ، وهو نوع من الصقور يستخدم في الصيد.\n(١) جاء في \"النهاية\": \"هو كلّ ثوب رأسه منه ملتزق به، من دُرّاعة أو جُبّة ... قال الجوهري: هو قَلَنسُوة طويلة كان النساك يلبسونها في صدر الإِسلام، وهو من البِرس -بكسر الباء-: القطن، والنون زائدة. وقيل: إِنه غير عربي\".\n(٢) أخرجه البخاري: ١٥٤٢، ومسلم: ١١٧٧، ١١٧٨.\n(٣) أخرجه البخاري: ١٨٣٨.","vol":"4","page":316},{"text":"عن عبد الله بن عباس -﵄- قال: \"انطلق النّبيّ - ﷺ - من المدينة بعد ما ترجّل وادّهن ولبس إِزاره ورداءه هو وأصحابه\" (١).\nعن عائشة -﵂- قالت: \"كأني انظر إِلى وَبِيص (٢) الطّيب في مفارق (٣) رسول الله - ﷺ - وهو محرم\" (٤).\nوعنها -﵂- قالت: \"كنت أُطيِّب رسول الله - ﷺ - لإِحرامه حين يحرم، ولِحِلِّه قبل أن يطوف بالبيت\" (٥).\nوعنها -﵂- قالت: \"كنّا نخرج مع النّبيّ - ﷺ - إِلى مكة؛ فنُضمّد جباهنا بالسُّكِّ (٦) المطيَّب عند الإِحرام، فإِذا عرقت إحدانا سال على وجهها، فيراه النّبيّ - ﷺ -؛ فلا ينهاها\" (٧).\nوهذا كلّه قبل أن ينوي الإِحرام عند الميقات ويلبّي به. وأمّا بعده فحرام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1190>الإِحرام ونيّته:</span>\nفإِذا جاء ميقاته؛ وجب عليه أن يُحرم، ولا يكون ذلك بمجرد ما في قلبه\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٥٤٥.\n(٢) الوبيص: البريق واللمعان. \"نووي\".\n(٣) مفارق: جمع مَفرِق [بفتح الميم وكسر الراء]، وهو المكان الذي يفترق فيه الشعر في وسط الرأس. \"فتح\".\n(٤) أخرجه البخاري: ١٥٣٨، ومسلم: ١١٩٠.\n(٥) أخرجه البخاري: ١٥٣٩، ومسلم: ١١٩١.\n(٦) السُّكّ: هو طيب معروف؛ يضاف إِلى غيره من الطيب ويُستعمل. \"النهاية\".\n(٧) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٦١٥).","vol":"4","page":317},{"text":"من قصد الحج ونيّته؛ فإِن القصد ما زال في القلب منذ خرج من بلده، بل لا بد من قول أو عمل يصير به محرمًا، فإِذا لبّى قاصدًا للإِحرام؛ انعقد إِحرامه اتفاقًا (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1191>ما يباح للمحرم </span>(٢):\n١ - الاغتسال لغير احتلام، ودلك الرأس.\nعن عبد الله بن حنين: أنّ عبد الله بن العباس والمِسْوَرَ بن مَخْرَمَةَ اختلفا بالأبواء، فقال عبد الله بن عباس: يغسل المحرم رأسه، وقال المسور: لا يغسل المحرم رأسه، فأرسَلني عبد الله بن العباس إِلى أبي أيوب الأنصاري؛ فوجدته يغتسل بين القرنين؛ وهو يستتر بثوب، فسلّمت عليه، فقال: من هذا؟ فقلت: أنا عبد الله ابن حنين، أرسلني إليك عبد الله بن العباس أسألك: كيف كان رسول الله - ﷺ - يغسل رأسه وهو محرم؟ فوضع أبو أيوب يده على الثوب؛ فطأطأه حتى بدا لي رأسه؛ ثمّ قال لإِنسان يصُبُّ عليه: اصبُبْ؛ فَصَبَّ على رأسه، ثمّ حرّك رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر، وقال: هكذا رأيته - ﷺ - يفعل\" (٣).\nوفي رواية: \"فقال المسور لابن عباس: لا أماريك أبدًا\" (٤).\n_________\n(١) وهكذا لا تكفي النيّة؛ كما كان يعلمنا شيخنا -﵀-؛ بل لا بُدّ من العمل، ولا يجزئ عن الإنسان نيّة إِيمانه دون التلفُّظ بالشهادتين والإِيمان بما يجب الإيمان به؛ مع ما يتبعه من العمل.\n(٢) من (١ - ٦) عن كتاب \"حجة النّبيّ - ﷺ -\" لشيخنا -﵀ - بتصرّف.\n(٣) أخرجه البخاري: ١٨٤٠، ومسلم: ١٢٠٥.\n(٤) أخرجه مسلم: ١٢٠٥.","vol":"4","page":318},{"text":"وعن ابن عباس قال: \"ربما قال لي عمر بن الخطاب -﵁- ونحن محُرمون بالجحفة: تعالَ أباقيك أيُّنا أطول نفسًا في الماء\" (١).\nوعن عبد الله بن عمر: أن عاصم بن عمر وعبد الرحمن بن زيد وقعا في البحر يتمالقان (٢)؛ يغيِّب أحدهما رأس صاحبه، وعمر ينظر إِليهما، فلم ينكر ذلك عليهما\".\n٢ - حكّ الرأس والجسد، ولو سقط منه بعض الشعر، وحديث أبي أيوب المتقدّم آنفًا دليل عليه. وعن أمّ علقمة بن أبي علقمة أنها قالت: سمعت عائشة زوج النّبيّ - ﷺ - تُسأل عن المحرم: أيحك جسده؟ فقالت: نعم؛ فليحكه وليشدُد، ولو رُبِطت يداي، ولم أجد إِلا رجلي لحككت (٣).\nولم ير ابن عمر وعائشة -﵃- بالحكّ بأسًا (٤).\nقال شيخ الإِسلام ابن تيمية في \"المجموعة الكبرى\" (٢/ ٣٦٨): \"وله أن يحك بدنه إِذا حكَّه، وكذلك إِذا اغتسل وسقط شيء من شعره بذلك؛ لم يضره\".\n_________\n(١) أخرجه الشافعي وغيره، وإسناده صحيح على شرط الشيخين، وانظر \"الإِرواء\" (١٠٢١).\n(٢) أي: يتغاطسان.\n(٣) أخرجه مالك، وسنده حسن في الشواهد.\n(٤) رواه البخاري معلقًا \"كتاب الصيد\" (باب الاغتسال للمحرم)، وانظر \"الفتح\" (٤/ ٥٥).","vol":"4","page":319},{"text":"٣ - الاحتجام ولو بحلق الشعر مكان الحجم؛ لحديث ابن بُحينة -﵁- قال: \"احتجم النّبيّ - ﷺ - وهو محرم بـ (لَحْيَيْ جمل) (١) في وسط رأسه\" (٢).\nقال شيخ الإِسلام ابن تيمية في \"مناسكه\" (٢/ ٣٣٨): \"وله أن يحك بدنه إِذا حكه، ويحتجم في رأسه وغير رأسه، وإِن احتاج أن يحلق شعر الذّكر جاز؛ فإِنّه قد ثبت في \"الصحيح\" ... \" ثمّ ساق هذا الحديث، ثمّ قال: ولا يمكن ذلك إِلا مع حلق بعض الشعر، وكذلك إِذا اغتسل وسقط شيء من شعره بذلك؛ لم يضره، وإن تيقن أنه انقطع بالغسل\".\nوهذا مذهب الحنابلة؛ كما في \"المغني\" (٣/ ٣٠٦)، ولكنه قال: \"وعليه الفدية\". وبه قال مالك وغيره.\nورده ابن حزم بقوله: (٧/ ٢٥٧) -عقب الحديث-: \"لم يخبر -﵇- أن في ذلك غرامة ولا فدية، ولو وجبت لما أغفل ذلك، وكان -﵇- كثير الشعر أفرع (٣) وإنما نهينا عن حلق الرأس في الإِحرام\".\n٤ - شم الريحان وطرح الظفر إِذا انكسر.\nقال ابن عباس -﵁-: والمحرم يدخل الحمام، وينزع ضرسه، ويشم الريحان، وإذا انكسر ظفره طرحه، ويقول: أميطوا عنكم الأذى، فإِن الله -﷿- لا يصنع بأذاكم شيئًا (٤).\n_________\n(١) موضع بصريق مكّة.\n(٢) أخرجه البخاري: ١٨٣٦، ومسلم: ١٢٠٣.\n(٣) الأفرع: التام الشعر.\n(٤) رواه البيهقي بسند صحيح، وانظر \"مختصر البخاري\" (١/ ٣٦٥).","vol":"4","page":320},{"text":"إِلى هذا ذهب ابن حزم (٧/ ٢٤٦). وروى مالك عن محمد بن عبد الله ابن أبي مريم: أنه سأل سعيد بن المسيب عن ظفر له انكسر وهو محرم؟ فقال سعيد: اقطعه.\n٥ - الاستظلال بالخيمة أو المظلة (١) (الشمسية) وفي السيارة.\nورفع سقفها من بعض الطوائف تشدد، وتنطع في الدين، لم يأذن به رب العالمين، فقد صحّ أنّ النّبيّ - ﷺ - أمر بنصْب القُبَّة له بـ (نمرة)، ثمّ نزل بها (٢).\nوعن أمّ الحصين -﵂- قالت: \"حججتُ مع رسول الله - ﷺ - حجّة الوداع، فرأيت أسامة وبلالًا؛ وأحدهما آخذ بخطام ناقة النّبيّ - ﷺ -، والآخر رافعٌ ثوبَه يستره من الحر، حتى رمى جمرة العقبة\" (٣).\n٦ - وله أن يشد المنطقة والحزام على إِزاره، وله أن يعقده عند الحاجة، وأن\n_________\n(١) وأما ما روى البيهقي عن نافع قال: أبصر ابن عمر -﵁- رجلًا على بعيره وهو محرم قد استظل بينه وبين الشمس، فقال له: ضح لمن أحرمت له.\nوفي رواية من طريق أخرى: أنه رأى عبد الله بن أبي ربيعة جعل على وسط راحلته عودًا، وجعل ثوبًا يستظل به من الشمس وهو محرم، فلقيه ابن عمر فنهاه!\nقال شيخنا -﵀-: \"فلعل ابن عمر -﵁- لم يبلغه حديث أم الحصين المذكور؛ وإلا فما أنكره هو عين ما فعله رسول الله - ﷺ -، ولذلك قال البيهقي: \"هذا موقوف، وحديث أم الحصين صحيح\". يعني: فهو أولى بالأخذ به، وترجم له بقوله: \"باب المحرم يستظل بما شاء ما لم يمس رأسه\" ... \".\n(٢) وسيأتي -إِن شاء الله تعالى-.\n(٣) أخرجه مسلم: ١٢٩٨.","vol":"4","page":321},{"text":"يتختم، وأن يلبس ساعة اليد، ويضع النظارة؛ لعدم النهي عن ذلك، وورود بعض الآثار بجواز شيء من ذلك.\nفعن عائشة -﵂-: \"أنها سُئلت عن الهِميان (١) للمحرم؟ فقالت: وما بأس؟ ليستوثق من نفقته\" (٢).\nقال عطاء: يتختمّ ويلبس الهِميان\" (٣).\nقال شيخنا -﵀-: \"ولا يخفى أن الساعة والنظارة في معنى الخاتم والمنطقة، مع عدم ورود ما ينهى عنهما، ﴿وما كان ربك نسيًّا﴾ (٤) ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولِتُكملوا العِدّةَ ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون﴾ (٥).\n٧ - تبديل الرداء والإِزار.\nقال إِبراهيم النَّخعِيُّ: \"لا بأس أن يبدل ثيابه\" (٦).\n_________\n(١) الهِميان -بكسر الهاء-: معرّب، يشبه تكّة السراويل، يجعل فيها النفقة ويشدّ في الوسط. \"فتح\" (٣/ ٣٩٧).\n(٢) وسنده صحيح.\n(٣) رواه البخاري معلقًا في \"كتاب الحج\" \"باب الطيب عند الإِحرام\"، وانظر \"الفتح\" (٣/ ٣٩٦).\n(٤) مريم: ٦٤.\n(٥) البقرة: ١٨٥.\n(٦) رواه البخاري معلقًا \"كتاب الحج\" (باب - ٢٣)، وانظر \"الفتح\" (٣/ ٤٠٥).","vol":"4","page":322},{"text":"٨ - نقض الشعر وتمشيطه.\nعن عائشة -﵂- قالت: \"قدمت مكة وأنا حائض، لم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، فشكوت ذلك إِلى رسول الله - ﷺ - فقال: انقُضي رأسك وامتشطي\" (١).\n٩ - لُبس الخُفّين للمحرم إذا لم يجد النعلين، والسراويل لمن لم يجد الإِزار.\nعن ابن عباس -﵄- قال: \"سمعت النّبيّ - ﷺ - يخطب بعرفات: مَن لم يجد النعلين؛ فليلبس الخُفّين، ومن لم يجد إِزارًا؛ فليلبس سراويلَ؛ للمُحرم\" (٢).\nوفي رواية: \" .. وإن لم يجد نعلين فليلبس الخفّين، وليقطعْهما حتى يكونا أسفل من الكعبين\" (٣).\nجاء في \"مناسك الحج والعمرة\" (ص ١٣): \"قال شيخ الإِسلام ابن تيمية في \"منسكه\": \"وليس عليه أن يقطعهما دون الكعبين؛ فإِن النّبيّ - ﷺ - أمر بالقطع أولًا؛ ثمّ رخص بعد ذلك في عرفات في لبس السراويل لمن لم يجد إِزارًا، ورخص في لبس الخفين لمن لم يجد نعلين، هذا أصح قولي العلماء\".\n١٠ - قتل القمل.\nعن عبد الله بن عمر -﵄-: \"أنّ رجلًا أتاه فقال: إِني قتلت\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ١٢١١.\n(٢) أخرجه البخاري: ١٨٤١، ومسلم: ١١٧٨.\n(٣) أخرجه البخاري: ١٨٤٢، ومسلم: ١١٧٧.","vol":"4","page":323},{"text":"قملة وأنا محرم؟ فقال ابن عمر -﵁-: أهون قتيل\" (١).\nوعن ميمون بن مهران قال: كنت عند ابن عباس -﵄- وسأله رجل فقال: أخذْتُ قملةً فألقيتها، ثمّ طلبتُها، فلم أجدها، فقال له ابن عباس - ﵄-: تلك ضالة لا تبتغى\" (٢).\nوعن ابن عباس -﵄- في قتل القملة: \" .. وما نُهيتُم إِلا عن قتل الصيد\" (٣).\n١١ - قتْل الفواسق الخمس ونحوها.\nعن عائشة -﵂- أن رسول الله - ﷺ - قال: \"خمس من الدواب كلهنّ فاسق (٤) يُقْتَلْن في الحرم: الغراب والحِدَأة (٥) والعقرب والفأرة والكلب\n_________\n(١) أخرجه البيهقي. وقال شيخنا -﵀-: \"وهذا إِسناد جيد رجاله كلهم ثقات رجال البخاري\". وانظر \"الإِرواء\" (١٠٣٤).\n(٢) أخرجه الشافعي. وقال شيخنا -﵀-: \"وهذا سند صحيح، وانظر \"الإرواء\" (١٠٣٥) \".\n(٣) أخرجه البيهقي. وقال شيخنا -﵀-: \"وإسناده جيد\". وانظر \"الإِرواء\" (١٠٣٥).\n(٤) قال الإِمام النووي -﵀- (٨/ ١١٤): \"وأمّا تسمية هذه المذكورات فواسق؛ فصحيحة جارية على وفْق اللغة، وأصْل الفسْق في كلام العرب: الخروج، وسمّي الرجل الفاسق لخروجه على أمر الله -تعالى- وطاعته، فسمّيت هذه فواسق لخروجها -بالإِيذاء والإِفساد- عن طريق معظم الدواب. وقيل: لخرجها عن حكم الحيوان في تحريم قتْله في الحرم والإِحرام\".\n(٥) الحِدَأة: طائر من الجوارح.","vol":"4","page":324},{"text":"العَقور (١) \" (٢).\nوفي لفظ: \"الحية\" (٣).\n١٢ - دفْع الصائل من الآدمييّن.\nيجوز للمحرم أن يدفع عن نفسه أذى الآدمييّن؛ سواءً كان هذا الإِيذاء في العرض أو المال أو النفس.\nعن سعيد بن زيد عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"من قُتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله أو دون دمه، أو دون دينه فهو شهيد\" (٤).\n*١٣ - ولا بأس من المجادلة بالتي هي أحسن حين الحاجة؛ فإِنّ الجدال المحظور في الحجّ؛ إِنما هو الجدال بالباطل المنهي عنه في غير الحج أيضًا؛ كالفسق المنهي عنه في الحج أيضًا؛ فهو غير الجدال المأمور به في مثل قوله -تعالى-: ﴿ادع إِلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي\n_________\n(١) العقور والعاقر: الجارح، قال الإِمام النووي -﵀-: \"واختلفوا في المراد به [أي: الكلب العقور]: فقيل: هذا الكلب المعروف خاصة حكاه القاضي عن الأوزاعي وأبي حنيفة والحسن بن صالح وألحقوا به الذئب وحمَل زفر معنى الكلب على الذئب وحده. وقال جمهور العلماء: ليس المراد بالكلب العقور تخصيص هذا الكلب المعروف، بل المراد هو كل عادٍ مفترس غالبًا؛ كالسبع والنمر والذئب والفهد نحوها ... \".\n(٢) أخرجه البخاري: ١٨٢٩، ومسلم: ١١٩٨.\n(٣) أخرجه مسلم: ١١٩٨.\n(٤) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٩٩٣)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (١١٤٨) وغيرهما، وانظر \"الإِرواء\" (٧٠٨).","vol":"4","page":325},{"text":"أحسن﴾، ومع ذلك فإِنه ينبغي على الداعية أن يلاحظ أنه إذا تبين له أنه لا جدوى من المجادلة مع المخالف -لتعصبه لمذهبه أو رأيه- وأنه إِذا صابره في الجدال؛ فلربما ترتب عليه ما لا يجوز أنه من الخير له حينئذ؛ أن يدَع الجدال معه؛ لقوله - ﷺ -: \"أنا زعيم ببيت في رَبَض الجنة (١) لمن ترك المراء وإن كان مُحقًّا ... \" الحديث (٢) * (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1192>محظورات الإِحرام </span>(٤):\n١ - لباس المخيط، وهو ما كان على قدْر العضو؛ كالقميص والبرنس (٥) والسراويل والعمامة ونحوها.\nوكذلك يحرم لُبس الثوب الذي مسّه ورس -وهو نبت أصفر يُصبغ به- أو زعفران.\nفعن عبد الله بن عمر -﵄- قال: \"يا رسول الله! ما يلبس المحرم من الثياب؟ قال رسول الله - ﷺ -: لا يلبس القُمُصَ ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانِس ولا الخفاف؛ إِلا أحد لا يجد نعلين؛ فليلبس خفين وليقطعهما\n_________\n(١) ما حولها خارجًا عنها، تشبيهًا بالأبنية التي تكون حول المدن وتحت القلاع. \"النهاية\".\n(٢) أخرجه أبو داود وغيره، وهو حديث حسن، خرّجه شيخنا -﵀- في \"الصحيحة\" (٢٧٣).\n(٣) ما بين نجمتين من \"مناسك الحج والعمرة\" (ص ٨).\n(٤) من \"فقه السنة\" بتصرّف وزيادة.\n(٥) البُرنس: كلّ ثوب رأسه منه ملتزَق به. \"النهاية\".","vol":"4","page":326},{"text":"أسفل من الكعبين، ولا تلبسوا من الثياب شيئًا مسّه زعفران أو ورس\" (١).\nأمّا المرأة؛ فإِنها تلبس جميع ذلك، ولكن يَحْرم عليها الثوب -الذي مسّه الطيب- والنقاب والقفازان.\nقال شيخنا -﵀- في التعليق على \"الروضة الندية\": \"وأما سدْلها على وجهها فجائز، وهو غير التنقيب، والتسوية بينهما خطأ، كما بيّنه ابن القيم في \"إِعلام الموقّعين\" (١/ ٢٦٩) \".\nفعن ابن عمر -﵄- أنّ النّبيّ - ﷺ - قال: \"لا تنتقب (٢) المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين (٣) \" (٤).\nوعنه -﵁-: أنّه سمع رسول الله - ﷺ - نهى النساء في إِحرامهن عن القفازين، والنقاب، وما مس الورس والزعفران من الثياب، ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من ألوان الثياب؛ مُعَصفرًا أو خزًّا (٥)، أو حليًا أو سراويل أو قميصًا أو خفًا\" (٦).\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٥٤٢، ومسلم: ١١٧٧، وتقدّم.\n(٢) النقاب، قال الحافظ: \"الخمار الذي يشدّ على الأنف، أو تحت المحاجر. والمحاجر: جمع مَحجر: ما أحاط بالعين\".\n(٣) شيء يلبسه نساء العرب في أيديهنّ، يغطّي الأصابع والكف والساعد من البرد، ويكون فيه قطن محشو. \"النهاية\".\n(٤) أخرجه البخاري: ١٨٣٨، وتقدّم.\n(٥) الخَزّ: ثياب تُنسج من صوف وإبْرَيسَم. \"النهاية\". والإِبرَيسَم: الحرير.\n(٦) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٦١٢).","vol":"4","page":327},{"text":"ولبست عائشة -﵂- الثياب المعصفرة (١) وهي محرمة، وقالت: لا تَلَثَّمْ ولا تتبرقعْ (٢)، ولا تلبس ثوبًا بورس ولا زعفران.\nوقال جابر: لا أرى المعصفر طيبًا.\nولم تر عائشة بأسًا بالحُلي والثوب الأسود والمورّد والخُفّ للمرأة (٣).\nومن لم يجد الإِزار والرداء؛ فله أن يلبس السراويل.\nولا يلبس الخُفّين؛ إِلا إِذا لم يجد النعلين؛ فليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين، وتقدّم دليل هذا في حديث ابن عمر -﵄-.\nجاء في \"مناسك الحج والعمرة\" (ص ١٢): \"قال شيخ الإِسلام ابن تيمية في \"منسكه\": وليس عليه أن يقطعهما دون الكعبين؛ فإِن النّبيّ - ﷺ - أمر بالقطع أولًا، ثمّ رخصّ بعد ذلك في عرفات في لبس السراويل لمن لم يجد إِزارًا، ورخص في لبس الخفين لمن لم يجد نعلين، هذا أصح قولي العلماء\" ... \". انتهى. وتقدّم.\nقلت: يشير -﵀- إِلى حديث ابن عباس -﵄- قال: خطبنا النّبيّ - ﷺ - بعرفات فقال: \"من لم يجد الإِزار فليلبس السراويل، ومن لم يجد النّعلين فليلبس الخُفين\" (٤).\n_________\n(١) عصْفر الثوب وغيره: صبغه بالعُصفر. \"الوسيط\".\n(٢) أي: تلبس البُرقع، وهو قناع فيه خرَقان للعينين.\n(٣) رواه البخاري معلقًا في \"كتاب الحج\" (٢٣ - باب ما يلبس المحرم من الثياب ...)، وانظر \"الفتح\" (٣/ ٤٠٥) لبيان وصْل هذين الأثرين.\n(٤) أخرجه البخاري: ١٨٤٣، ومسلم: ١١٧٨.","vol":"4","page":328},{"text":"قال الحافظ -﵀-: \"وجزم المصنف بالحكم في هذه المسألة دون التي قبلها؛ لقوة دليلها، وتصريح المخالف بأن الحديث لم يبلغه، فيتعين على من بلغه العمل به\".\n٢ - الجماع ودواعيه؛ كالتقبيل، واللمس بشهوة، وخطاب الرجل المرأة فيما يتعلّق بالوطء.\n٣ - اقتراف المعاصي والمنكرات.\n٤ - المخاصمة والمجادلة مع الرفقاء والخدم وغيرهم.\nوالأصل تحريم هذه الأمور في غير الحجّ؛ وهي ها هنا آكد، ولبيان خطرها في الحجّ.\nودليل ما تقدّم قوله -تعالى- ﴿فمن فرَض فيهنّ الحجّ فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾ (١).\nوعن ابن عباس -﵄-: \"الرفث: الإِعرابة (٢) والتعريض للنساء بالجماع. والفسوق: المعاصي كلّها. والجدال: جدال الرجل صاحبه\" (٣).\n*وقال عطاء بن أبي رباح: الرفث: الجماع وما دونه من قول الفحش.\n_________\n(١) البقرة: ١٩٧.\n(٢) الإعرابة: الإِفحاش في القول والرفث: اسم موضوع من التعريب والإِعراب، يقال: عرّب وأعرب: إِذا أفحش، وقيل: أراد به الإيضاح والتصريح بالهجْرِ مْن الكلام. \"النهاية\" بحذف يسير.\n(٣) أخرجه الطبراني في \"الكبير\"، والضياء في \"المختارة\"، وهو ثابت موقوفًا، ضعيف مرفوعًا، وانظر \"الضعيفة\" (١٣١٣).","vol":"4","page":329},{"text":"وقال طاوس: هو أن تقول للمرأة: إِذا حلَلْت أصبتك.\nوقال ابن عباس وابن عمر -﵃-: الرفث: غشيان النساء.* (١)\nوسألت شيخنا -﵀-: هل ترون أنّ لمس الزوجة بشهوة من محظورات الإِحرام؟\nفأجاب: \"إِنه محظورٌ لغيره، من باب سدّ الذريعة\".\nوعن أسماء بنت أبي بكر -﵄- قالت: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - حُجّاجًا، حتى إِذا كنا بالعرْج؛ نزل رسول الله - ﷺ - ونزلنا، فجلست عائشة إِلى جنب رسول الله - ﷺ -، وجلست إِلى جنب أبي، وكانت زِمالة (٢) أبي بكر وزمالة رسول الله - ﷺ - واحدة مع غلام لأبي بكر، فجلس أبو بكر ينتظر أن يطلع عليه، فطلع وليس معه بعيره، قال: أين بعيرك؟ قال: أضللته البارحة. قال: فقال أبو بكر: بعير واحد تُضله؟ قال: فطفق يضربه ورسول الله - ﷺ - يتبسم، ويقول: انظروا إِلى هذا المحرم ما يصنع! قال ابن أبي رِزْمَةَ: فما يزيد رسول الله - ﷺ - على أن يقول: انظروا إِلى هذا المحرم ما يصنع! ويتبسم\" (٣).\nوهذا ليس فيه إِقرار؛ بل هو كهيئة الإِنكار اللطيف، كما قال الحافظ ابن كثير -﵀- في تفسيره.\nلذلك جاء في \"سنن ابن ماجه\" تحت (باب التوقّي في الإِحرام).\n_________\n(١) ما بين نجمتين من \"تفسير ابن كثير\".\n(٢) زِمالة؛ أي: مركوبُهما وأداتهما وما كان معهما في السفر. \"النهاية\".\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٦٠٢) وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢٣٧٣) وغيرهما.","vol":"4","page":330},{"text":"وسألت شيخنا -﵀-: هل يفهم من الحديث السابق جواز تأديب الخادم ونحوه، كما قال بعضهم؟\nفقال: \"لا بل هو للإِنكار\".\n٥ - عقْد النّكاح لنفسه أو لغيره، بولايةٍ أو وكالة.\nعن عثمان بن عفان -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا يَنِكحُ المحرم ولا يُنكَح ولا يخطُب\" (١).\nوأمّا ما ورد عن ابن عباس -﵄-: \"أنّ النّبيّ - ﷺ - تزوج ميمونة وهو محرم\" (٢).\nفهو معارض بما ورد عن يزيد بن الأصمّ -﵄-: حدثتني ميمونة بنت الحارث -﵂-: \"أنّ رسول الله - ﷺ - تزوجها وهو حلال\" (٣)!\nقال شيخنا -﵀- في \"مختصر مسلم\" (ص ٢١٢): \"والحديث [أي: تزوج ميمونة وهو مُحْرِم] شاذ عند المحقّقين؛ لمخالفته للحديث الذي بعده [أي: حديث يزيد بن الأصمّ] انظر مقدّمة \"آداب الزفاف\" ... وقد أشار الإِمام الشافعي في \"الأم\" (٥/ ١٦٠) إِلى شذوذه فراجعه؛ فإِنّه مهمّ\".\nوسألت شيخنا -﵀- هل ترون بطلان عقْد نكاح المحرم؟\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ١٤٠٩.\n(٢) أخرجه البخاري: ١٨٣٧، ومسلم: ١٤١٠.\n(٣) أخرجه مسلم: ١٤١١.","vol":"4","page":331},{"text":"فقال: \"نعم؛ نكاحه باطل\".\nويرى صديق خان صاحب \"الروضة\" عدم بطلان الحج بالجماع قبل وقوف عرفة.\nوردّ عليه شيخنا -﵀- متعقبًا: \"قلت: قد نقل الحافظ في \"الفتح\" (٤/ ٤٢) الإِجماع على إِفساد الحج والعمرة بالجماع، وسبقه إِلى ذلك ابن حزم في \"مراتب الإِجماع\" (ص ٤٢)، وقيده بأن يكون ذاكرًا؛ ما لم يَقْدم المعتمر مكة، ولم يأت وقت الوقوف بعرفة للحاج.\nولم يتعقبه شيخ الإِسلام بشيء؛ فالظاهر صحة هذا الإِجماع، فإِذا صحّ؛ فهو الدليل على الفساد، والله أعلم\".\nثمّ أشار شيخنا إِلى ما ذكره شيخ الإِسلام -رحمهما الله تعالى- في \"رسالة الصيام\" حول ذلك.\nوسألت شيخنا -﵀-: هل ترون إِبطال حج أو عمرة من جامع أهله (١)؟\nفأجاب -﵀-: \"نعم\".\n٦ - تقليم الأظفار وإِزالة الشعر أو غيره بالحلق أو القصّ أو بأي طريقة.\nقال الله -تعالى-: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي مَحِلَّهُ﴾ (٢).\nقال ابن المنذر: \"وأجمعوا على أنّ المحرم ممنوع من ... أخْذ الشعر وتقليم\n_________\n(١) يعني: قبل التحلُّل المعروف.\n(٢) البقرة: ١٩٦.","vol":"4","page":332},{"text":"الأظفار\" (١).\nوتقدّم جواز طرح الظفر إِذا انكسر.\nويجوز إِزالة الشعر إِذا تأذّى ببقائه، مع وجوب الفدية؛ لقول الله -تعالى-: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو به أذًى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نُسُك﴾ (٢).\nوسيأتي التفصيل بإِذن الله -تعالى-.\n٧ - التطيّب في الثوب أو البدن سواءً أكان رجلًا أم امرأة.\nعن صفوان بن يعلى: أنّ يعلى قال لعمر -﵁-: \"أرني النّبيّ - ﷺ - حين يوحى إِليه، قال: فبينما النّبيُّ - ﷺ - بالجعرانة -ومعه نفر من أصحابه-؛ جاءه رجل فقال: يا رسول الله! كيف ترى في رجل أحرم بعمرة وهو مُتَضَمِّخٌ بطيب؟ فسكت النّبيّ - ﷺ - ساعة، فجاءه الوحي، فأشار عمر -﵁- إِلى يعلى، فجاء يعلى؛ وعلى رسول الله - ﷺ - ثوب قد أُظِلّ (٣) به، فأدخل رأسه؛ فإِذا رسول الله - ﷺ - مُحْمَرُّ الوجه وهو يَغِطُّ (٤)، ثمّ سُرًّي (٥) عنه فقال:\n_________\n(١) \"الإِجماع\" (ص ٤٩).\n(٢) البقرة: ١٩٦.\n(٣) أي: جُعل عليه كالظلّة. \"فتح\".\n(٤) يَغِطّ؛ أي: ينفخ. والغطيط: صوت النفس المتردّد من النائم أو المغمى، وسبب ذلك شدّة ثِقل الوحي. \"فتح\".\n(٥) سُرّي عنه: أي؛ أُزيل ما به وكشف عنه؛ والله أعلم. \"نووي\".","vol":"4","page":333},{"text":"أين الذي سأل عن العمرة؟ فأُتي برجلٍ فقال: اغسل الطّيب الذي بك ثلاث مراتٍ، وانزع عنك الجُبة، واصنع في عمرتك كما تصنع في حجتك\" (١).\nوفي رواية: \"اغسل عنك أثر الصُّفرة -أو قال: أثر الخلوق (٢) -\" (٣).\nوإذا مات المحرم؛ فإِنّه لا يوضع الطيب في غسْله ولا في كفنه.\nعن ابن عباس -﵄-: أنّ رجلًا وقَصه (٤) بعيره -ونحن مع النّبيّ - ﷺ -- وهو محرم، فقال النّبيّ - ﷺ -: \"اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين، ولا تُمسوه طيبًا، ولا تخمروا (٥) رأسه؛ فإِن الله يبعثه يوم القيامة ملبيًا\" (٦).\nوتقدّم جواز شم الريحان ونحوه للمحرم.\n٨ - لبس الثوب الذي مسّه ورس أو زعفران أو نحو ذلك.\nللحديث المتقدّم: \"ولا تلبسوا من الثياب شيئًا مسّه زعفران أو ورس\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1193>التعرض للصيد </span>(٧):\nيجوز للمحرم أن يصيد صيد البحر، وأن يتعرض له، وأن يشير إِليه، وأن\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٥٣٦، ومسلم: ١١٨٠، وتقدّم.\n(٢) الخلوق: نوع من الطيب مركّب فيه الزعفران. \"فتح\".\n(٣) أخرجه مسلم: ١١٨٠.\n(٤) الوقْص: كسر العنق. \"النهاية\".\n(٥) أي: تغطّوا.\n(٦) أخرجه البخاري: ١٢٦٧، ومسلم: ١٢٠٦.\n(٧) عن \"فقه السّنّة\" (١/ ٦٧٨) -بتصرّف-.","vol":"4","page":334},{"text":"يأكل منه.\nويحرم التعرّض لصيد البرِّ بالقتل أو الذبح، أو الإِشارة إِليه، وإنْ كان مرئيًّا، أو الدلالة عليه؛ إِنْ كان غير مرئي، أو تنفيره.\nوالدليل على هذا قول الله -تعالى-: ﴿أُحلّ لكم صيد البحر وطعامه (١) متاعًا لكم وللسيارة (٢) وحُرّم عليكم صيد البَرّ ما دمتم حُرُمًا﴾ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1194>الأكل من الصيد </span>(٤):\nيحرُم على المحرم الأكل من صيدَ البر الذي صيد من أجله، أو صيد بإِشارته إِليه، أو بإِعانته عليه.\nعن أبي قتادة: \"أنّ رسول الله - ﷺ - خرج حاجًّا فخرجوا معه، فصرَف طائفة منهم فيهم أبو قتادة فقال: خُذوا ساحل البحر حتى نلتقي، فأخذوا ساحل البحر، فلمّا انصرفوا أحرموا كُلُهم إِلا أبا قتادة (٥) لم يُحرم، فبينما هم يسيرون؛ إِذ رأوا حُمُر وحش، فحمل أبو قتادة على الحُمُر فعقر منها أتانًا (٦)، فنزلوا\n_________\n(١) وطعامه: ما لفَظه ميِّتًا. \" تفسير ابن كثير\".\n(٢) السيّارة: جمْع سيّار. وقال عكرمة: لمن كان بحضرة البحر ... \"تفسير ابن كثير\" أيضًا.\n(٣) المائدة: ٩٦.\n(٤) عن \"فقه السّنّة\" (١/ ٦٧٨) بتصرّف.\n(٥) كذا للكشميهني. ولغيره: \"إلاَّ أبو قتادة\" بالرفع، وانظر \"الفتح\" للمزيد من الفوائد اللغوية.\n(٦) الأتان: الحمار؛ يقع على الذكر والأنثى، والأتان الحمارةُ الأنثى خاصة. \"النهاية\".","vol":"4","page":335},{"text":"فأكلوا من لحمها، وقالوا: أنأكل لحم صيدٍ ونحن محرمون؟ فحملنا ما بقي من لحم الأتان، فلمّا أتوا رسول الله - ﷺ - قالوا: يا رسول الله! إِنّا كنّا أحرمنا، وقد كان أبو قتادة لم يحرم، فرأينا حُمُر وحَش، فحمل عليها أبو قتادة، فعقر منها أتانًا، فنزلنا فأكلنا من لحمها، ثمّ قلنا: أنأكل لحم صيد ونحن محرمون؟ فحملنا ما بقي من لحمها، قال: منكم أحدٌ أمره أن يحمل عليها، أو أشار إِليها؟ قالوا: لا. قال: فكلوا ما بقي من لحمها\" (١).\nويجوز له أن يأكل من لحم الصيد الذي لم يَصِدْه هو، أو لم يُصَدْ من أجله أو لم يُشر إِليه، أو يُعِنْ عليه للحديث السابق: \" ... منكم أحدٌ أمره أن يحمل عليها أو أشار إِليها؟ قالوا: لا قال: فكلوا ما بقي من لحمها\".\nوعن عثمان التيميّ قال: كنّا مع طلحة بن عبيد الله ونحن حُرُم، فأُهدي له طير وطلحة راقد؛ فمنّا من أكل، ومنّا من تورع، فلمّا استيقظ طلحة وفَّقَ (٢) من أكله، وقال: أكلناه مع رسول الله - ﷺ -\" (٣).\nقال الترمذي -﵀-: \"والعمل على هذا عند أهل العلم؛ لا يَرون بأكل الصيد للمحرم بأسًا، إِذا لم يصده أو يُصَد من أجله\".\nوما جاء في الأحاديث المانعة مِن أكل لحم الصّيد؛ فهي محمولة على ما صادَه الحلال من أجل المحرم؛ جمعًا بين الأحاديث، كحديث الصعب بن جَثّامة\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٨٢٤، ومسلم: ١١٩٦.\n(٢) أي: دعا له بالتوفيق، واستصوَب فعِله.\n(٣) أخرجه مسلم: ١١٩٧.","vol":"4","page":336},{"text":"الليثي: أنه أهدى لرسول الله - ﷺ - حمارًا وحشيًّا وهو بالأبواء (١) -أو بودَان (٢) - فردّه عليه، فلمّا رأى ما في وجهه قال: إِن لم نردّه عليك إِلا أنّا حُرُم (٣) \" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1195>جواز حلق الرأس للمحرم إِذا كان به أذى، ووجوب الفدية عليه </span>(٤):\nعن كعب بن عُجرة -﵁- عن رسول الله - ﷺ - أنّه قال: \"لعلك آذاك هوامُّك (٥)؟ قال: نعم يا رسول الله! فقال رسول الله - ﷺ -: احلق رأسك، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسُك بشاة\" (٦).\nوفي رواية: \"وقف عَليَّ رسول الله - ﷺ - بالحديبية؛ ورأسي يتهافت قملًا (٧).\nفقال: يُؤذيك هوامّك؟ قلت: نعم. قال: فاحلق رأسك -أو قال: احلق- قال: فيّ نزلت هذه الآية: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو به أذًى من رأسه ...﴾ إِلى آخرها، فقال النّبيّ - ﷺ -: صم ثلاثة أيام، أو تصدّق بفرق (٨) بين ستةٍ، أو انسُك\n_________\n(١) مكانان بين مكة والمدينة.\n(٢) أي: محرمون.\n(٣) أخرجه البخاري: ١٨٢٥، ومسلم: ١١٩٣.\n(٤) هذا العنوان من تبويب الإِمام النووي -﵀- لـ \"صحيح مسلم\".\n(٥) الهوامّ: جمع هائة، وهو ما يدبّ من الحشرات. وقال النووي -﵀-: القمل.\n(٦) أخرجه البخاري: ١٨١٤، ومسلم: ١٢٠١.\n(٧) يتهافت قملًا؛ أي: يتساقط شيئًا فشيئًا. \"فتح\".\n(٨) فرْق: بفتح الراء وإسكانها، لغتان. قال الحافظ في \"الفتح\": \" .. ووقع في رواية ابن عيينة عن ابن أبي نجيح عند أحمد وغيره: \"والفَرَق ثلاثة آصع\". ولمسلم [١٢٠١] من طريق أبي قلابة عن ابن أبي ليلى: \"أو أطعم ثلاثة أرطال من تمر على ستة مساكين\". =","vol":"4","page":337},{"text":"بما تيسّر\" (١).\nوفي رواية: \"تجد شاة؟ فقلت: لا. فقال: فصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، لكل مِسكين نصف صاع\" (٢).\nقال شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٤/ ٢٣١) -بحذف-: \" .. لكن رواه الدارقطني (٢٨٨) بلفظ: \"أمعك نسك؟ قال: لا. قال: فإِن شئت فصم ... \" الحديث. وهو رواية لأبي داود (١٨٥٨).\nفهذا يدل على أن التخيير إِنما كان بعد أمره - ﷺ - إِياه بالنسيكة، واعتذر كعب بأنّه لا يجدها، ويشهد له ما يأتي:\n١ - عن عبد الله بن معقل قال: \"قعدت إِلى كعب -﵁- وهو في المسجد، فسألته عن هذه الآية: ﴿ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾؟ فقال كعب -﵁-: نزلت فيَّ؛ كان بي أذى من رأسي، فحُملت إِلى رسول الله - ﷺ - والقمل يتناثر على وجهي، فقال: ما كنت أرى أن الجهد بلغ منك ما أرى! أتجد شاة؟ فقلت: لا. فنزلت هذه الآية: ﴿ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾. قال: صوم (وفي رواية: فصم) ثلاثة أيام، أو إِطعام (وفي الرواية الأخرى: أو أطعم) ستة مساكين نصف صاع طعامًا لكل مسكين. قال: فنزلت فيّ خاصة، وهي لكم عامّة\".\n_________\n= وإذا ثبت أن الفَرَق ثلاثة آصع؛ اقتضى أن الصاع خمسة أرطال وثلث؛ خلافًا لمن قال: إِنّ الصاع ثمانية أرطال\".\n(١) أخرجه البخاري: ١٨١٥، ومسلم: ١٢٠١.\n(٢) أخرجه البخاري: ١٨١٦.","vol":"4","page":338},{"text":"أخرجه البخاري (١/ ٤٥٤) ومسلم (٤/ ٢١ - ٢٢) والسياق له والترمذي ...\n٢ - عن محمد بن كعب القُرَظي عن كعب بن عجرة قال: \"أمَرني رسول الله - ﷺ - حين آذاني القمل أن أحلق رأسي، ثمّ أصوم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، وقد علم أنه ليس عندي ما أنسك به\".\nأخرجه الشافعي (١٠١٧) وابن ماجه (٣٠٨٠). وإسناده حسن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1196>أمر النّبيّ - ﷺ - بالتمتع:</span>\nإِذا أراد المرء الإِحرام: فإِن كان قارنًا قد ساق الهدي؟ قال: \"لبيك اللهم! بحجة وعمرة\".\nوإِن لم يسُق الهدي -وهو الأفضل-؛ لبّى بالعمرة وحدَها ولا بد، فقال: \"لبيك اللهم! بعمرة\".\nفإِن كان لبّى بالحج وحده؛ فسخه وجعلَه عمرة؛ لأمر النّبيّ - ﷺ - بذلك، وقوله: \"دخلت العمرة في الحج إِلى يوم القيامة\"؛ وشبك بين أصابعه\" (١).\nوقوله: \"يا آل محمد! من حج منكم؛ فليهل بعمرة في حَجّة\" (٢)، وهذا هو التمتع بالعمرة إِلى الحج\".\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ١٢١٨، وأبو داود وغيرهما، ولفظ مسلم: \" .. لا بل لأبدٍ أبدٍ\"، وانظر \"الإِرواء\" (٩٨٢).\n(٢) أخرجه الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\"، وابن حبّان، وأحمد وغيرهم، وصححه شيخنا -﵀- في \"الصحيحة\" (٢٤٦٩).","vol":"4","page":339},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1197>الاشتراط:</span>\nوإن أحبّ قَرَن مع تلبيته الاشتراط على ربه -تعالى- خوفًا من العارض من مرض أو خوف، فيقول كما جاء في تعليم الرسول - ﷺ -: \"اللهمّ! محِلّي حيث حبستني\" (١)؛ فإِنه إِن فعل ذلك، فحبس أو مرض؛ جاء له التحلّل من حجه أو عمرته، وليس عليه دم ولاحج من قابل؛ إِلا إِذا كانت حجة الإِسلام، فلا بُدّ من قضائها.\nيشير شيخنا -﵀- بهذا الحديث إِلى حديث عائشة -﵂- قالت: \"دخل رسول الله - ﷺ - على ضُبَاعة بنت الزبير فقال لها: لعلك أردت الحج؟!\nقالت: والله لا أجدني إِلا وجعة، فقال لها: حُجي واشترطي، قولي: اللهم! محِلّي حيث حبستني؛ وكانت تحت المقداد بن الأسود\" (٢).\nجاء في \"شرح النووي\" (٨/ ١٣١): \" .. فيه دلالة لمن قال: يجوز أنْ يشترط الحاج والمعتمر في إِحرامه؛ أنه إِن مرض تحلّل؛ وهو قول عمر بن الخطاب وعلي وابن مسعود وآخرين من الصحابة -﵃- وجماعة من التابعين وأحمد وإسحاق وأبي ثور، وهو الصحيح من مذهب الإِمام الشافعي؛ وحجّتهم هذا الحديث الصحيح الصريح.\nوقال أبو حنيفة ومالك وبعض التابعين: لا يصحّ الاشتراط، وحملوا الحديث على أنها قضية عين، وأنّه مخصوص بضُبَاعة.\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٥٠٨٩، ومسلم: ١٢٠٧.\n(٢) أخرجه البخاري: ٥٠٨٩، ومسلم: ١٢٠٧.","vol":"4","page":340},{"text":"قال أبو عيسى -﵀- عقب حديث ضباعة -﵂-: حديث ابن عباس حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم؛ يرون الاشتراط في الحج ويقولون: إِن اشترط فعرض لى مرض أو عذر؛ فله أن يحل ويخرج من إِحرامه. وهو قول الشافعي، وأحمد، وإِسحاق.\nولم ير بعض أهل العلم الاشتراط في الحج، وقالوا: إِن اشترط؛ فليس له أن يخرج من إِحرامه، ويرونه كمن لم يشترط\".\nفقولهم: (إِن اشترط فعرض له مرض) بيّنٌ في جوازه لمن لم يكن به مرض من قبل، وأنّ الاشتراط عام. والله -تعالى- أعلم.\nوليس للإِحرام صلاة تخصّه، لكن إِن أدركته الصلاة قبل إِحرامه، فصلّى ثمّ أحرم عَقب صلاته؛ كان له أسوة برسول الله - ﷺ -، حيث أحرم بعد صلاة الظهر (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1198>الصلاة بوادي العقيق:</span>\nلكن من كان ميقاته ذا الحليفة؛ استُحبّ له أن يصلّيَ فيها، لا لخصوص الإِحرام، وإنما لخصوص المكان وبركته.\nفعن عمر -﵁- قال: \"سمعت رسول الله - ﷺ - بوادي العقيق يقول: أتاني الليلة آتٍ من ربي، فقال: صلِّ في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرةٌ في حَجّة\" (٢).\n_________\n(١) انظر \"صحيح مسلم\" (١٢١٨).\n(٢) أخرجه البخاري: ١٥٣٤.","vol":"4","page":341},{"text":"وفي رواية: \"عمرةٌ وحجة\" (١).\nوعن ابن عمر عن النّبيّ - ﷺ -: \"أنّه رُئي (وفي رواية: أُرِيَ) (٢) وهو مُعَرِّسُ (٣) بذي الحليفة ببطن الوادي، قيل له: إِنك ببطحاء مباركة\" (٤).\nوفي رواية: \"كان رسول الله - ﷺ - يركع بذي الحُليفة ركعتين\" (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1199>استقبال القبلة قائمًا:</span>\nثمّ يستقبل القبلة قائمًا؛ عن نافع قال: \"كان ابن عمر -﵄- إِذا صلّى بالغداة بذي الحليفة؛ أمر براحلته فرُحلَتْ، ثمّ ركب، فإِذا استوت به؛ استقبل القبلة قائمًا، ثمّ يلبّي حتى يبلغ المحرَم، ثمّ يمسك، حتى إِذا جاء ذا طوى (٦)؛ بات به حتى يصبح، فإِذا صلّى الغداة اغتسل، وزعم أنّ رسول الله - ﷺ - فعل ذلك\" (٧).\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٧٣٤٣.\n(٢) أخرجه البخاري: ٢٣٣٦، قال الحافظ (٣/ ٣٩٣): \"بضمّ الهمزة؛ أي: في المنام، وفي رواية كريمة \"رُئي\" بتقديم الراء، أي: رآه غيره\".\n(٣) التعريس: نزول المسافر آخر الليل نزلةً للنوم والاستراحة. \"النهاية\".\n(٤) أخرجه البخاري: ١٥٣٥.\n(٥) أخرجه مسلم: ١١٨٤.\n(٦) ذا طوى: وادٍ معروف بقرب مكة.\n(٧) رواه البخاري معلّقًا (١٥٥٣)؛ والبيهقي موصولًا بسند صحيح، وانظر \"مختصر البخاري\" (١/ ٣٧٠).","vol":"4","page":342},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1200>التلبية </span>(١):\nثمّ يلبّي بالعمرة أو الحج والعمرة، ويقول: اللهمّ! هذه حجة؛ لا رياء فيها ولا سمعة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1201>مشروعيتها:</span>\nعن أم سلمة -﵂- قالت: \"سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: يا آل محمد! من حج منكم فليهلَّ بعمرة في حجة\" (٣).\n_________\n(١) جاء في \"النهاية\": التلبية: [هي] إِجابة المنادي؛ أي: إِجابتي لك يا رب! وهو مأخوذ من لبَّ بالمكان وألبّ: إِذا أقام به، وألبّ على كذا: إِذا لم يُفارقه، ولم يستعمل إِلا على لفظ التثنية [لبيك اللهمّ لبيك] في معنى التكرير: أي: إِجابة بعد إِجابة؛ وهو منصوب على المصدر بعامل - ﵁ - لا يظهر، كأنك قلت: ألبُّ إِلبابًا بعد إِلباب، والتلبية من لبيك؛ كالتهليل من لا إِله إِلا الله.\nوقيل: معناه: اتجاهي وقصدى يا رب! إِليك، من قولهم: دارِي تَلّبُّ دارك؛ أي: تُواجهها.\nوقيل: معناه: إِخلاصي لك، من قولهم: حَسَبٌ لُبَابٌ: إِذا كان خالصًا محضًا، ومنه لُبُّ الطعام ولُبابه\". انتهى.\nقال ابن عبد البر: \"قال جماعة من أهل العلِم معنى التلبية إِجابة دعوة إِبراهيم حين أذن في النّاس بالحجّ\". \"عون المعبود\" (٥/ ١٧٥).\nوبيّن الحافظ ابن القيم -﵀- ثمانية أقوال في معنى التلبية؛ كما في \"تهذيب السنن\".\n(٢) أخرجه الضياء بسند صحيح.\n(٣) أخرجه الطحاوي في \"شرح المعاني والآثار\"، وابن حبّان، وأحمد، وصحّحه شيخنا -﵀- في \"الصحيحة\" (٢٤٦٩).","vol":"4","page":343},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1202>حكمها:</span>\nوالتلبية واجبة؛ للحديث المتقدّم: \"فليهل بعمرة في حجة\"؛ ولام الأمر للوجوب، ولم يرد -فيما علمت- عن أحد من الصحابة -﵃- ترْك التلبية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1203>لفظها:</span>\nعن نافع عن ابن عمر -﵁-: أن تلبية رسول الله - ﷺ -: \"لبيك اللهم! لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إِن الحمد والنِّعمة لك والملك، لا شريك لك؛ لا يزيد على هؤلاء الكلمات\" (١).\nقال نافع: وكان عبد الله بن عمر -﵄- يزيد فيها: \"لبيك لبيك وسعديك (٢) والخير بيديك لبيك، والرغباء (٣) إِليك والعمل\" (٤).\nوعن جابر بن عبد الله -﵁- قال: \"أهلّ رسول الله - ﷺفذكر التلبية مثل حديث ابن عمر-؟ قال: والناس يزيدون: \"ذا المعارج! \" (٥)، ونحوه من الكلام والنّبيّ - ﷺ - يسمع، فلا يقول لهم شيئًا\" (٦).\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ١١٨٤.\n(٢) وسعديك؛ أي: مساعدة لطاعتك بعد مساعدة. \"شرح النووي\".\n(٣) والرغباء -بالمدّ-: من الرغبة، كالنُّعمى والنعماء من النّعمة. \"النهاية\".\n(٤) أخرجه البخاري: ١٥٤٩، ومسلم: ١١٨٤ - واللفظ له-.\n(٥) أي: لبيّك ذا المعارج! جاء في \"النهاية\": المعارج: المصاعد والدّرج، واحدها مَعرَج، يريد معارج الملائكة إلى السماء. وقيل: المعارج: الفواضل العالية.\n(٦) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٥٩٨).","vol":"4","page":344},{"text":"وفي رواية: \"لبيك ذا المعارج! لبيّك ذا الفواضل! (١) \" (٢).\nوعن أبي هريرة -﵁- قال: \"كان من تلبية النّبيّ - ﷺ -: لبيّك إِله الحق! \" (٣).\nوعن ابن عباس -﵄-: \"أنّ رسول الله - ﷺ - خطب بعرفات، فلمّا قال: لبيّك اللهم! لبيك؟ قال: إِنما الخير خير الآخرة\" (٤).\nوالتزام تلبيته - ﷺ - أفضل، وإنْ كانت الزيادة عليها جائزة؛ لإِقرار النّبيّ - ﷺ - على ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1204>رفع الصوت في التلبية:</span>\nويؤمر المُلبي بأن يرفع صوته بالتلبية؛ لقوله - ﷺ -: \"أتاني جبريل - ﷺ -، فأمرني أن آمر أصحابي ومن معي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية\" (٥)، وقوله - ﷺ -:\n_________\n(١) الفواضل في اللغة: الأيادي الجميلة كما في \"اللسان\" فالمراد: عظيم الإِنعام والإِحسان والتفضل. والله أعلم.\n(٢) أخرجه أبو داود، وأحمد في \"مسنده\"، والبيهقي، وانظر \"حجة النّبيّ\" (ص ٥٥).\n(٣) أخرجه النسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٢٥٧٩)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢٣٦٢)، وابن خزيمة وغيرهم، وصححه شيخنا -﵀- في \"الصحيحة\" (٢١٤٦).\n(٤) أخرجه البيهقي، وحسّنه شيخنا -﵀ في \"الصحيحة\" (٢١٤٦).\n(٥) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٥٩٩)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٦٦٣)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢٣٦٤)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٢٥٨٠)، وانظر \"المشكاة\" (٢٥٤٩).","vol":"4","page":345},{"text":"\"أفضل الحج: العجُّ (١) والثج (٢) \" (٣)، ولذلك كان أصحاب النن - ﷺ - في حجته يصرخون بها صُراخًا.\nوقال أبو حازم: كان أصحاب النّبيّ - ﷺ - إِذا أحرموا؛ لم يبلغوا (الروحاء) حتى تبحّ أصواتهم وقوله - ﷺ -: \"كأني أنظر إِلى موسى -﵇- هابطًا من الثّنية، وله جُؤَارٌ (٤) إِلى الله بالتلبية\" (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1205>تلبية النساء:</span>\nوالنساء في التلبية كالرجال، لعموم الحديثين السابقين؛ فيرفعن أصواتهنّ؛ ما لم تُخْش الفتنة، ولأنّ عائشة كانت ترفع صوتها حتى يسمعها الرجال، فقال أبو عطية: سمعت عائشة تقول: إِني لأعلم كيف كانت تلبية رسول الله - ﷺ -، ثمّ سمعْتها تلبّي بعد ذلك: \"لبيّك اللهم! لبيّك ... \" (٦) إِلخ.\nوقال القاسم بن محمد: خرج معاوية ليلة النفر، فسمع صوت تلبية، فقال: من هذا؟ قيل: عائشة أم المؤمنين؛ اعتمرت من التنعيم؛ فذكر ذلك لعائشة؟ فقالت: لو سألني لأخبرْتُه (٧).\n_________\n(١) العج: رفع الصوت بالتلبية.\n(٢) سيلان دماء الهدي والأضاحي.\n(٣) أخرجه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٦٦١)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢٣٦٦)، وانظر \"الصحيحة\" (١٥٠٠).\n(٤) الجؤار: رفع الصوت والاستغاثة. \"النهاية\".\n(٥) أخرجه البخاري: ٣٣٥٥، ومسلم: ١٦٦.\n(٦) أخرجه البخاري: ١٥٥٠، وتقدّم.\n(٧) رواه ابن أبي شيبة، كما في \"المحلّى\" (٧/ ٩٤ - ٩٥)، وسنده صحيح، وقال =","vol":"4","page":346},{"text":"ويلتزم التلبية؛ لأنها \"من شعائر الحج\" (١)، ولقوله - ﷺ -: \"ما من مُلبٍّ يلبي إِلا ولبّى ما عن يمينه وعن شماله من شجر وحجر، حتى تنقطع الأرض من هنا وهنا -يعني- عن يمينه وشماله\" (٢)؛ وبخاصة كلما علا شرفًا، أو هبط واديًا؛ للحديث المتقدّم قريبًا: \"كأني انظر إِلى موسى -﵇- هابطًا من الثّنية، له جُؤار إِلى الله تعالى بالتلبية\"، وفي حديث آخر: \"كأني أنظر إِليه إِذا انحدر في الوادي يلبي\" (٣).\nوله أن يخلطها بالتكبير والتهليل؛ لقول ابن مسعود -﵁-: \"خرجت مع رسول الله - ﷺ -؛ فما ترَك التلبية حتى رمى جمرة العقبة؛ إلاَّ أن يخلطها بتكبير أو تهليل\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1206>ماذا إِذا أطلق الإِحرام ولم يعيّنه</span>؟\nمن أحرم إِحرامًا مطلقًا من غير تعيين؛ فإِنّه يحوّل إِلى عمرة الحج؛ وهو التمتّع، وبه يقول شيخنا -﵀- في بعض إِجاباته لي.\n_________\n= شيخ الإسلام -﵀- في \"منسكه\": \"والمرأة ترفع صوتها بحيث تسمع رفيقاتها، ويستحب الإِكثار منها عند اختلاف الأحوال ... \".\n(١) هو جزء من حديث صحيح مخرج في \"الصحيحة\" (٨٣٠) بلفظ: \"أمرني جبريل برفع الصوت في الإِهلال؛ فإِنه من شعائر الحج\".\n(٢) رواه ابن خزيمة، والبيهقي بسند صحيح، كما في تخريج \"الترغيب والترهيب\" (٢/ ١١٨).\n(٣) عن ابن عباس -﵄- أنّ النّبيّ - ﷺ - قال: \"وأمّا موسى ... كأني أنظر إِليه انحدر في الوادي \"أخرجه البخاري: ٣٣٥٥، ومسلم: ١٦٦، وتقدّم.\n(٤) أخرجه أحمد بسند جيد، وصححه الحاكم، والذهبي، كما في \"الحج الكبير\".","vol":"4","page":347},{"text":"وسأله أحد الإِخوة عن ذلك؟\nفقال شيخنا -﵀-: \"متى تذكّر؟ فأجاب السائل: في مكة وقد اعتمر.\nفقال -﵀-: يتحلّل ويَعدّ هذا تمتُّعًا، وإذا أنهى الحج؛ فلا حرج عليه بالذي أتى به\".\nفإِذا بلغ الحرم المكي، ورأى بيوت مكة؛ أمسك عن التلبية (١)؛ ليتفرغ للانشغال بغيرها مما يأتي (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1207>الاغتسال لدخول مكة:</span>\nومن تيسَّر له الاغتسال قبل الدخول؛ فليغتسل، وليدخل نهارًا؛ أسوة برسول الله - ﷺ - (٣).\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٥٧٣.\n(٢) عن عبد الملك بن أبي سليمان قال: \"سئل عطاء: متى يقطع المعتمر التلبية؟ فقال: قال ابن عمر: إِذا دخل الحرم. وقال ابن عباس: حتى يمسح الحجر. قلت: يا أبا محمد! أيهما أحب إِليك؟ قال: قول ابن عباس\". أخرجه البيهقي. وقال شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٤/ ٢٩٧): \"وسنده صحيح\".\nوعن مجاهد قال: \"كان ابن عباس -﵁- يلبي في العمرة حتى يستلم الحجر ثمّ يقطع. قال: وكان ابن عمر -﵁- يلبي في العمرة حتى إِذا رأى بيوت مكة ترك التلبية، وأقبل على التكبير والذكر؛ حتى يستلم الحجر\". سنده صحيح أيضًا، قاله شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٤/ ٢٩٨).\n(٣) انظر \"صحيح البخاري\" (١٥٧٤).","vol":"4","page":348},{"text":"وليدخل من الناحية العليا التي فيها اليوم باب المعلاة؛ فإِنه - ﷺ - دخلها من الثنية العليا؛ ثنية (كَدَاءَ)، المشرفة على المقبرة، ودخل المسجد من باب بني شيبة؛ فإِن هذا أقرب الطرق إِلى الحجر الأسود.\nفعن ابن عمر -﵄-: \"أنّ النّبيّ - ﷺ - دخل مكة من كداء من الثنية العليا التي بالبطحاء، ويخرج من الثنية السفلى\" (١).\nوله أن يدخلها من أي طريق شاء؛ لقوله - ﷺ -: \"كل فجاج مكة طريق ومنحر\" (٢).\nوفي حديث آخر: \"مكة كلها طريق: يدخل من هاهنا، ويخرج من هاهنا\" (٣).\nفإِذا دخلت المسجد؛ فلا تنس أن تقدّم رجلك اليمنى (٤)، وتقول: \"اللهم! صلّ على محمد وسلم، اللهمّ! افتح لي أبواب رحمتك\" (٥).\nأو: \"أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من الشيطان\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٥٧٦، ومسلم: ١٢٥٧.\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٧٠٧)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢٤٧٣)، وانظر \"الصحيحة\" (٢٤٦٤).\n(٣) رواه الفاكهي بسند حسن.\n(٤) فيه حديث حسن مخرج في \"الصحيحة\" (٢٤٧٨).\n(٥) انظر \"الكلم الطيب\" لشيخ الإِسلام ابن تيمية، بتحقيق شيخنا -رحمهما الله- (ص ٥١، ٥٢).","vol":"4","page":349},{"text":"الرجيم\" (١).\nفإِذا رأى الكعبة؛ رفع يديه إِن شاء؛ لثبوته عن ابن عباس -﵄- (٢).\nولم يثبت عن النّبيّ - ﷺ - هنا دعاء خاص، فيدعو بما تيسير له، وإن دعا بدعاء عمر: \"اللهم! أنت السلام، ومنك السلام فحيّنا ربّنا بالسلام\" فحسن؛ لثبوته عنه -﵁- (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1208>تحريم المرور أمام المصلّي في الحرمين:</span>\n*احذر يا أخي! مِن أنْ تمرّ بين يدي أحد من المصلّين في المسجد الحرام وفي غيره من المساجد؛ لقوله - ﷺ -: \"لو يعلم المارُّ بين يدي المصلي ماذا عليه؛ لكان أن يقف أربعين خيرًا له من أن يمر بين يديه\".\nقال الراوى: لا أدري قال: أربعين يومًا، أو شهرًا، أو سنة؟! رواه الشيخان في \"صحيحيهما\"، وكما لا يجوز لك هذا؛ فلا يجوز لك أيضًا أن تصلّي إِلى غير سترة؛ بل عليك أن تصلي إِلى أي شيء يمنع الناس من المرور بين يديك، فإِن أراد أحد أن يجتاز بينك وبين سترتك؛ فعليك أن تمنعه، وفي ذلك أحاديث وآثار، أذكر منها:\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٤٤١)، وانظر \"تخريج الكلِم الطيب\" برقم (٦٥).\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح عنه.\n(٣) أخرجه البيهقي بسند حسن عن سعيد بن المسيب قال: سمعت من عمركلمة ما بقي أحد من الناس سمعها غيرى، سمعته يقول إِذا رأى البيت ... فذكره. ورواه بإِسناد آخر حسن أيضًا عن سعيد بن المسيب أنه كان يقول ذلك، ورواه ابن أبي شيبة عنهما.","vol":"4","page":350},{"text":"١ - \"إِذا وَضَع أحدكم بين يديه مثل مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ فَلْيُصَلِّ ولا يبالي من مرَّ وراء ذلك\" (١).\n٢ - إِذا صلّى أحدكم إِلى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه؛ فليدفع في نحره، وليدرأ ما استطاع، فإِن أبى فليقاتله؛ فإِنما هو شيطان\" (٢).\n٣ - قال يحيى بن أبي كثير: \"رأيت أنس بن مالك دخل المسجد؛ فركز شيئًا أو هيّأ شيئًا يصلّي إِليه\".\nرواه ابن سعد (٧/ ١٨) بسند صحيح.\n٤ - عن صالح بن كيسان قال: \"رأيت ابن عمر يصلّي في الكعبة ولا يدع أحدًا يمر بين يديه\".\nرواه أبو زرعة الدمشقي في \"تاريخ دمشق\"، وكذا ابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" بسند صحيح.\nففي الحديث الأول: إِيجاب اتخاذ السترة، وأنه إِذا فعل ذلك فلا يضره من مرّ من ورائها.\nوفي الحديث الثاني: إِيجاب دفع المار بين يدي المصلي إِذا كان يصلّي إِلى سترة، وتحريم المرور عمدًا؛ وأن فاعل ذلك شيطان.\nوليت شعري ما هو الكسب الذي يعود به الحاج إِذا رجع وقد استحق هذا الاسم: \"الشيطان\"؟!\n_________\n(١) تقدّما في \"كتاب الصلاة\".\n(٢) تقدّما في \"كتاب الصلاة\".","vol":"4","page":351},{"text":"والحديثان وما في معناهما مطلقان لا يختصان بمسجد دون مسجد، ولا بمكان دون مكان، فهما يشملان المسجد الحرام والمسجد النبوي من باب أولى؛ لأن هذه الأحاديث إِنما قالها - ﷺ - في مسجده، فهو المراد بها أصالةً، والمساجد الأخرى تبعًا.\nوالأثران المذكوران نصان صريحان على أن المسجد الحرام داخل في تلك الأحاديث، فما يقال من بعض المطوفين وغيرهم؛ أن المسجد المكي والمسجد النبوي مستثنيان من النهي؛ لا أصل له في السنة، ولا عن أحد من الصحابة، اللهم! سوى حديث واحد، روي في المسجد المكي لا يصح إِسناده، ولا دلالة فيه على الدعوى ... \".* (١)\nأمّا ما روُي عن كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وِدَاعَةَ، عن بعض أهله عن جده: \"أنه رأى النّبيّ - ﷺ - يُصلّي ممّا يلي باب بني سَهْمٍ، والناس يمرُّون بين يديه، وليس بينهما سُترة\".\nقال سفيان: ليس بينه وبين الكعبة سترة!\nفإِنّه ضعيف (٢).\nوعلى أي حال؛ فالكلام يطول في هذا الموضوع؛ فأقول مختصرًا:\nإِنّ ممّا يُؤْسَفُ له: أن لا تعظَّم حُرمات الحرمين من قِبَل الكثير الكثير في حالات عديدة يستطيعون أن يتفادوا المرور بين يدي المصلّي، حتى إِنهم فيما\n_________\n(١) ما بين نجمتين عن كتاب \"حجّة النّبيّ - ﷺ -\" (ص ٢١).\n(٢) انظر \"ضعيف سنن أبي داود\" (٤٣٧).","vol":"4","page":352},{"text":"استطاعوا اجتنابه في المساجد الأُخرى لا يجتنبونه في الحرمين؛ بزعم جواز المرور! ففهموا أنّ الأصل الجواز، وليتهم فهموا أنّ ذلك في حالة الاضطرار التي لا محيص عنها! والله المستعان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1209>هل يلزم من يدخل البيت الحرام الطوافُ</span>؟\nليس هناك من دليل على هذا. أما حديث: \"تحية المسجد الطواف\":\nفقد قال شيخنا -﵀- في شأنه في \"السلسلة الضعيفة\" (١٠١٢):\n\"لا أعلم له أصلًا، وإن اشتهر على الألسنة، وأورده صاحب \"الهداية\" من الحنفية بلفظ: \"من أتى البيت فليُحيِّه بالطواف\".\nوقد أشار الحافظ الزيلعي في تخريجه إِلى أنه لا أصل له بقوله (٢/ ٥١): \"غريب جدًّا\".\nوأفصح عن ذلك الحافظ ابن حجر فقال في \"الدراية\" (ص ١٩٢): \"لم أجده\".\nقلت [أي: شيخنا -﵀-]: ولا أعلم في السنة القولية أو العملية ما يشهد لمعناه، بل إِن عموم الأدلة الواردة في الصلاة قبل الجلوس في المسجد تشمل المسجد الحرام أيضًا، والقول بأن تحيته الطواف مخالف للعموم المشار إليه، فلا يقبل إِلا بعد ثبوته؛ وهيهات! لاسيما وقد ثبت بالتجربة أنه لا يمكن للداخل إِلى المسجد الحرام الطواف كلما دخل المسجد في أيام المواسم، فالحمد لله الذي جعل في الأمر سعة، ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾.\nوإنّ مما ينبغي التنبيه له: أن هذا الحكم إِنما هو بالنسبة لغير المحرم؛ وإلا فالسُّنّة في حقّه أن يبدأ بالطواف، ثمّ بالركعتين بعده\".","vol":"4","page":353},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1210>فضل الطواف:</span>\nعن عبد الله بن عمر -﵄- قال: \"سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: من طاف بالبيت وصلّى ركعتين؛ كان كَعتق رقَبة\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1211>شروط الطواف </span>(٢)\n<span data-type=\"title\" id=toc-1212>١ - الطهارة من الحَدَثين والنجاسة:</span>\nعن ابن عباس -﵄-: أن النّبيّ - ﷺ - قال: \"الطواف حول البيت مثل الصلاة؛ إِلا أنكم تتكلمون فيه، فمن تكلم فيه فلا يتكلم إِلا بخير\" (٣).\nوفي طريق أُخرى عن ابن عباس -﵄- قال: \"قال الله لنبيّه - ﷺ - ﴿طَهِّرْ بَيْتِيَ للطائفين والعاكفين والرّكع السجود﴾؛ فالطواف قبل الصلاة، وقد قال رسول الله - ﷺ -: الطواف بالبيت بمنزلة الصلاة؛ إِلا أن الله قد أحل فيه النطق، فمن نطق فلا ينطق إِلا بخير\" (٤).\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢٣٩٣) وغيره، وصححه شيخنا - ﵀- في \"الصحيحة\" (٢٧٢٥).\n(٢) ملتقطًا من \"فقه السُّنّة\"، و\"الروضة الندية\"، و\"منار السبيل\" بتصرّف، وانظر \"الوجيز\" (ص ٢٤٩).\n(٣) أخرجه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٧٦٧)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٢٧٣٥)، والدارمي وغيرهم، وصححّه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (١٢١).\n(٤) أخرجه الحاكم، وصححّه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (١/ ١٥٧).","vol":"4","page":354},{"text":"وعن عائشة -﵂- قالت: \"خرجنا لا نُرَى إلاَّ الحج، فلمّا كنا بِسَرِفَ حِضتُ، فدخل عليّ رسول الله - ﷺ - وأنا أبكي، قال: أَنَفِسْتِ؟ قلت: نعم. قال: إِنّ هذا أمر كتبه الله على بنات آدم، فاقضي ما يقضي الحاجُّ؛ غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تغتسلي\" (١).\nوعنها- أيضًا: \"أنّ أوّل شيء بدأ به حين قدم النّبيّ - ﷺ -؛ أنه توضأ ثمّ طاف\" (٢).\nوجاء في \"المغني\" (٣/ ٣٩٠): مسألة (ويكون طاهرًا في ثياب طاهرة): \"يعني: في الطواف؛ وذلك لأنّ الطهارة من الحدث والنجاسة والستارة شرائط لصحة الطواف في المشهور عن أحمد، وهو قول مالك والشافعي. وعن أحمد أن الطهارة ليست شرطًا للزيارة غير متطهر أعاد ما كان بمكة، فإِن خرج إِلى بلده جبره بدم. وكذلك يخرج في الطهارة من النجس والستارة. وعنه فيمن طاف للزيارة وهو ناسٍ الطهارةَ: لا شيء عليه. وقال أبو حنيفة: ليس شيء من ذلك شرطًا. واختلف أصحابه، فقال بعضهم: هو واجب. وقال بعضهم: هو سنة؛ لأنّ الطواف ركن الحج، فلم يشترط له الطهارة كالوقوف.\nولنا ما روى ابن عباس أنّ النّبيّ - ﷺ - قال: \"الطواف بالبيت صلاة؛ إِلا أنكم\nتتكلمون فيه\"؛ رواه الترمذي والأثرم. وعن أبي هريرة: أن أبا بكر الصديق بعثه في الحَجّة التي أمَّرَه عليها رسول الله - ﷺ - قبل حَجّة الوداع يوم النحر في رهطٍ يؤذِّن في الناس: ألا لا يَحُجُّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٢٩٤، ومسلم: ١٢١١.\n(٢) أخرجه البخاري: ١٦١٤، ١٦١٥، ومسلم: ١٢٣٥.","vol":"4","page":355},{"text":"عُريان (١). ولأنها عبادة متعلقة بالبيت؛ فكانت الطهارة والستارة فيها شرطًا كالصلاة. وعكس ذلك الوقوف\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1213>٢ - سَتْر العورة:</span>\nقال الله تعالى: ﴿يا بني آدم خذوا زينتكم عند كلّ مسجد﴾ (٢).\nعن ابن عباس -﵄- قال: كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عُريانة، فتقول: من يُعيرُني تِطوافًا (٣) تجعله على فَرْجها، وتقول:\nاليومَ يبدو بعضُهُ أوكلُّهُ ... فما بدا منه فلا أحِلُّهُ\nفنزلت هذه الآية: ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾.\nولحديث أبي بكر -﵁- المتقدّم؛ وفيه: \"ولا يطوف بالبيت عُريان\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1214>٣ - أن يكون سبعة أشواط كاملة:</span>\nويجب أن يطوف الطائف سبعة أشواط كاملة؛ فإِنْ ترَك شيئًا من السبع -ولو قليلًا- لم يُجزئه.\nعن ابن عباس -﵄- قال: \"قَدِم النّبيّ - ﷺ - مكة، فطاف وسعى بين الصفا والمروة، ولم يقرَب الكعبة بعد طوافه بها، حتى رجع من عرفة\" (٤).\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٦٢٢، ومسلم: ١٣٤٧.\n(٢) الأعراف: ٣١.\n(٣) جاء في \"النهاية\": \"هذا على حذف المضاف؛ أي: ذا تَطْواف. ورواه بعضهم بكسر التاء [تِطوافًا]، وقال: هو الثوب الذي يُطافُ به\".\n(٤) أخرجه البخاري: ١٦٢٥.","vol":"4","page":356},{"text":"فمن شكّ في العدد؛ فليطرح الشكّ وليتحرَّ الصواب، وإن لم يمكنه؛ فَلْيَبْنِ على الأقلّ.\nجاء في \"الروضة الندية\" (١/ ٦١٦): \"الأقرب -والله أعلم-: أنّ الطواف يوافق الصلاة، فمن شكّ هل طاف ستة أشواط أو سبعة؛ فليطرح الشك وليتحر الصواب، فإِن أمكنه ذلك عمل عليه، وإن لم يمكنه فَلْيَبْنِ على الأقل، كما ورد بذلك الدليل الصحيح\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1215>٤ - أن يبدأ الطواف من الحجر الأسود، وينتهي إِليه، ويجعل البيت عن يساره:</span>\nعن جابر بن عبد الله -﵁-: \"أنّ رسول الله - ﷺ - لما قدم مكة؛ أتى الحجر فاستلمه، ثمّ مشى على يمينه؛ فرمل ثلاثًا ومشى أربعًا\" (١).\nوعن سفيان عن عمرو قال: \"سألْنا ابن عمر -﵄-: أيقع الرجل على امرأته في العمرة قبل أن يطوف بين الصفا والمروة؟ قال: قدم رسول الله - ﷺ -؛ فطاف بالبيت سبعًا، ثمّ صلّى خلف المقام ركعتين، وطاف بين الصفّا والمروة، وقال: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ (٢) \" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1216>٥ - أن يكون الطواف خارج البيت</span>، وقد قال الله تعالى: ﴿وليطَوَّفوا بالبيت العتيق﴾، فالله تعالى أمر بالطواف بالبيت؛ لا في البيت\".\nفلو طاف في الحِجْرِ لا يصحّ طوافه؛ إِذ الحِجْرُ من البيت.\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ١٢١٨.\n(٢) الأحزاب: ٢١.\n(٣) أخرجه البخاري: ١٦٢٣، ومسلم: ١٢٣٤.","vol":"4","page":357},{"text":"عن عائشة -﵂- قالت: \"سألت رسول الله - ﷺ - عن الجَدْر (١): أمِن البيت هو؟ قال: نعم. قلت: فَلِمَ لَمْ يدخلوه في البيت؟ قال: إِنّ قومك قصُرت بهم النفقة. قلت: فما شأنُ بابه مرتفعًا؟ قال: فعل ذلك قومك لِيدخِلُوا من شاؤوا ويمنعوا من شاؤوا، ولولا أنّ قومك حديثٌ عهدُهم في الجاهلية، فأخاف أن تنكر قلوبهم؛ لنظرت أن أدخل الجدار في البيت، وأن ألصق بابه بالأرض\" (٢).\nوعن عائشة -﵂- قالت: \"قلت: يا رسول الله! ألا أدخل البيت؟! قال: ادخلي الحِجر؛ فإِنه من البيت\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1217>٦ - الموالاة:</span>\nلأنّ رسول الله - ﷺ - طاف كذلك، وقد قال: \"لتأخذوا مناسككم\" (٤).\nوجاء في \"صحيح البخاري\" (٥): (باب إِذا وقف في الطواف)، قال عطاء فيمن يطوف فتقام الصلاة، أو يدفع عن مكانه: \"إِذا سلّم يرجع إِلى حيث قُطع عليه، فيبني (٦).\n_________\n(١) يريد الحِجر؛ لما فيه من أصول حائط البيت. \"النهاية\".\n(٢) أخرجه البخاري: ١٥٨٤، ومسلم: ١٣٣٣.\n(٣) أخرجه النسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٢٧٢٥)، وانظر \"الإِرواء\" (٤/ ٣٠٧).\n(٤) أخرجه مسلم: ١٢٩٧.\n(٥) انظر \"كتاب الحج\" (باب - ٦٨).\n(٦) وصله عبد الرزاق بسند صحيح عنه نحوه. \"مختصر البخاري\" (١/ ٣٨٦).","vol":"4","page":358},{"text":"ويُذْكَرُ نحوه عن ابن عمر (١)، وعبد الرحمن بن أبي بكر -﵃ (٢) -.\nوإذا أعيا في الطواف؛ فلا بأس أن يستريح. قاله الإِمام أحمد -﵀-\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1218>عدم مخالطة الرجال النساء في الطواف</span>\nقال ابن جريج: أخبرني عطاء -إِذ مَنَعَ ابنُ هشام النساءَ الطوافَ مع الرجال- قال: كيف يمنعهنّ وقد طاف نساء النّبيّ - ﷺ - مع الرجال؟! قلت: أبعد الحجاب أو قبل؟ قال: إِي لعمري؛ لقد أدركته بعد الحجاب، قلت: كيف يُخالطن الرجال؟ قال: لم يَكْنَّ يخالطْنَ، كانت عائشة -﵁- تطوف حَجْرة (٣) من الرّجال لا تخالطهم. فقالت امرأة: انطلقي نستلم يا أمّ المؤمنين! قالت: عَنْكِ! وأبَتْ، يخرجن متنكرات بالليل فيطفن مع الرجال، ولكنهنّ كنّ إِذا دخلن البيت؟ قُمن حتى يدخلن وأُخرج الرجال\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1219>هل يركب الطائف</span>؟\nاختلف العلماء في هذه المسألة واستدلّ المجوّزون بحديث ابن عباس -\n_________\n(١) وصله سعيد بن منصور عن جميل بن زيد عن ابن عمر نحوه، وجميل هذا ضعيف، \"مختصر البخاري\" (١/ ٣٨٦) أيضًا.\n(٢) وصله عبد الرزاق بسند صحيح عن عبد الرحمن بن أبي بكر. \"مختصر البخاري\" (١/ ٣٨٦) كذلك.\n(٣) حَجْرةً؛ أي: ناحية. \"فتح\".\n(٤) أخرجه البخاري: ١٦١٨.","vol":"4","page":359},{"text":"﵄- قال: \"طاف النّبيّ - ﷺ - في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمِحجَن (١) \" (٢).\nواستدلّوا كذلك بحديث جابر -﵁- قال: \"طاف رسول الله - ﷺ - بالبيت في حجة الوداع على راحلته؛ يستلم الحجر بمحجنه؛ لأن يراه الناس وَلِيَشْرُفَ وليسألوه؛ فإِنّ الناس غَشُوه\" (٣).\nومنهم من منَع ذلك (٤) إِلا لمرض أو سبب؛ وهو الراجح -والله أعلم- لما يأتي:\n١ - إِن حديث جابر وضّح سبب الركوب، وهو قوله -﵁-: \"لأن يراه الناس، وليشرف، وليسألوه؛ فإِن الناس غَشُوه\".\nفماذا إِذا لم تكن حاجة لأن يُرى الطائف أو يشرف؟! وماذا إِذا لم يَغْشَهُ الناس؟!\n٢ - إِن المتأمّل في النصوص الواردة في الركوب لا يراها تعدو وجود مرض أو سبب، وما أُجمل؛ فالروايات الأخرى تفصّله.\nومن ذلك: حديث أم سلمة -﵂- قالت: \"شكوت إِلى رسول\n_________\n(١) المِحْجن: عصا مُعقفة؛ يتناول بها الراكب ما سقط له، ويحرّك بطرفها بعيره للمشي. \"شرح النووي\".\n(٢) أخرجه البخاري: ١٦٠٧، ومسلم: ١٢٧٢.\n(٣) أخرجه مسلم: ١٢٧٣.\n(٤) انظر ما قاله الحافظ -إِن شئت- في ترجيحه المنع.","vol":"4","page":360},{"text":"الله - ﷺ - أنّي أشتكي؟ فقال: طوفي من وراء الناس وأنت راكبة ... \" (١).\nلذلك ذكر الإِمام البخاري -﵀- حديث ابن عباس -﵄- السابق تحت (باب المريض يطوف راكبًا)، قال الحافظ -﵀- تحت الحديث (١٦٣٣): \" ... وقد تقدّم الكلام عليهما [أي: حديث ابن عباس وأم سلمة -﵃-] في (باب إِدخال البعير المسجد للعلّة). وأنّ المصنّف حمل سبب طوافه - ﷺ - راكبًا على أنّه كان عن شكوى\".\nوجاء في \"منار السبيل\" (١/ ٢٥٣): \" .. فلا يجزئ طواف الراكب لغير عُذر ... \"؛ ونقل الأقوال المخالفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1220>استحباب دخول الكعبة للحاج وغيره، والصلاة فيها، والدعاء في نواحيها كلها </span>(٢)\nعن ابن عمر -﵄-: \"أنّ رسول الله - ﷺ - دخل الكعبة، هو وأسامة وبلال وعثمان بن طلحة الحَجَبي (٣) فأغلقها عليه، ثمّ مكث فيها. قال ابن عمر: فسألت بلالًا حين خرج: ما صنع رسول الله - ﷺ -؟ قال: جعل عمودين عن يساره، وعمودًا عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءه، وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة، ثمّ صلّى\" (٤).\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٦٣٣.\n(٢) هذا العنوان من \"صحيح مسلم\" (كتاب الحج\" (باب-٦٨).\n(٣) الَحَجبي: منسوب إِلى حجابة الكعبة، وهي: ولايتها وفتحها وإغلاقها وخدمتها، ويقال له ولأقاربه: الحجبيون. \"شرح النووي\".\n(٤) أخرجه البخاري: ٥٠٥، ومسلم: ١٣٢٩.","vol":"4","page":361},{"text":"يبادر المرء إِلى الحجر الأسود، فيستقبله استقبالًا فيكبّر، والتسميةُ قبله صحت عن ابن عمر موقوفًا.\nثمّ يستلمه بيده ويقبِّله بفمه؛ فعن عمر -﵁-: \"أنه جاء إِلى الحجر الأسود فقبله فقال: إِني أعلم أنك حجر لا تضرُّ ولا تنفع، ولولا أني رأيت النّبيّ - ﷺ - يُقبلّك؛ ما قبّلتك\" (١).\nويسجد عليه أيضًا، فقد فعَله رسول الله - ﷺ -، وعمر وابن عباس (٢).\nفإِن لم يمكنه تقبيله؛ استلمه بيده ثمّ قبّل يَدَه.\nعن نافع قال: \"رأيت ابن عمر يستلم الحجر بيده، ثمّ قبّل يده؛ وقال: ما تركته منذ رأيت رسول الله - ﷺ - يفعله\" (٣).\nفإِن لم يمكنه الاستلام؛ أشار إِليه بيده.\nويفعل ذلك في كلّ طَوْفَةٍ.\nولا يزاحم عليه؛ لقوله - ﷺ -: \"يا عمر! إِنك رجل قوي، فلا تُؤْذِ الضعيف، وإذا أردت استلام الحجر؛ فإِنْ خلا لك فاستلِمْه؛ وإلا فاستقبله وكبّر\" (٤).\nوفي استلام الحجر فضْل كبير؛ لقوله - ﷺ -: \"ليبعثنّ الله الحجر يوم القيامة،\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٥٩٧، ومسلم: ١٢٧٠.\n(٢) أخرجه الشافعي، وأحمد وغيرهما، وهو حديث قوي؛ كما بينّه شيخنا -﵀- في \"الحج الكبير\"، وانظر \"الإِرواء\" (١١١٢) ففيه تحقيق وتخريج مفيد.\n(٣) أخرجه مسلم: ١٢٦٨.\n(٤) صححه الترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، والذهبي.","vol":"4","page":362},{"text":"وله عينان يُبصِر بهما، ولسانٌ ينطق به، ويشهد على من استلمَه بحقّ\"، وقال: \"مسْح الحجر الأسود والركن اليماني يحطان الخطايا حطًا\" (١).\nوقال: \"الحجر الأسود من الجنة، وكان أشدّ بياضًا من الثلج، حتى سوَّدته خطايا أهل الشرك\" (٢).\nثمّ يبدأ بالطواف حول الكعبة يجعلها عن يساره، فيطوف من وراء الحجر سبعة أشواط، من الحجر إِلى الحجر شوط، يضطبع (٣) فيها كلها، عن يعلى بن أميّة: \"أنّ النّبيّ - ﷺ - طاف بالبيت مضطبعًا؛ وعليه بُرد\" (٤).\nويرمل في الثلاثة الأُوَل منها، من الحجر إِلى الحجر، ويمشي في سائرها.\nعن ابن عباس -﵄-: \"أنّ رسول الله - ﷺ - وأصحابه اعتمروا من الجِعرّانة، فرملوا بالبيت، وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم، قد قذفوها على عواتقهم اليسرى\" (٥).\nوعن ابن عمر -﵄- قال: \"رَمَل رسول الله - ﷺ - من الحجر إلى الحجر ثلاثًا، ومشى أربعًا\" (٦).\n_________\n(١) حسنه الترمذي، وصححه ابن حبان، والحاكم، والذهبي.\n(٢) صححه الترمذي، وابن خزيمة.\n(٣) الاضطباع: أن يدخل الرداء من تحت إِبطه الأيمن، ويردَّ طرفه على يساره، ويبدي مَنكِبه الأيمن، ويغطي الأيسر، وهو بدعة قبل هذا الطواف وبعده.\n(٤) أخرجه ابن ماجه والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٦٨٢).\n(٥) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٦٥٩)، وانظر \"المشكاة\" (٢٥٨٥).\n(٦) أخرجه مسلم: ١٢٦٢.","vol":"4","page":363},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1221>حكمة الرَّمَلِ:</span>\nعن ابن عباس -﵄- قال: \"قدم رسول الله - ﷺ - وأصحابه مكة، وقد وهنتهم حُمَّى يثرب، قال المشركون: إِنّه يَقْدَمُ عليكم غدًا قوم وهنتهم الحمّى، ولقوا منها شدّة، فجلسوا ممّا يلي الحِجْرَ، وأمرهم النّبيّ - ﷺ - أن يرملوا ثلاثة أشواط، ويمشوا ما بين الرّكنين، ليرى المشركون جَلَدَهُمْ، فقال المشركون: هؤلاء الذين زعمتم أنّ الحمى قد وهنتهم؟! هؤلاء أجلد من كذا وكذا! قال ابن عباس: ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها؛ إِلا الإِبقاء عليهم\" (١).\nومع حدوث هذا الأمر لسبب؛ إِلا أنّ العلماء قالوا بعدم زوال حُكمه، وإن كان قد زال سببه.\nعن أسلم أنّ عمر بن الخطاب قال: \"ما لنا وللرَّمَل؟! إِنما كنّا راءينا به المشركين، وقد أهلكَهم الله! ثمّ قال: شيء صنَعه النّبيّ - ﷺ -؛ فلا نحبّ أن نتركه\" (٢).\nوفي رواية: \"يقول [أي: عمر]: فِيمَ الرَّمَلان -اليوم- والكشف عن المناكب؟! وقد أطّأ (٣) الله الإِسلام، ونفى الكفر وأهله! مع ذلك لا ندع شيئًا كنا نفعله على عهد رسول الله - ﷺ -\" (٤).\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٦٠٢، ومسلم: ١٢٦٦ - واللفظ له-.\n(٢) أخرجه البخاري: ١٦٠٥.\n(٣) أطّأ الله الإِسلام: أي: ثبتّه وأرساه. والهمزة فيه بدل من واو وطّأ. \"النهاية\".\n(٤) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٦٦٢)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢٣٨٩).","vol":"4","page":364},{"text":"ويستلم الركن اليماني بيده في كل طوفة، ولا يقبّله، فإِن لم يتمكنّ من استلامه؛ لم تشرع الإِشارة إِليه.\nعن عمر بن الخطاب -﵁- قال: \"لم أرَ النّبيّ - ﷺ - يستلم من البيت إِلا الركنين (١) اليمانيين\" (٢).\nوعن ابن عمر قال: \"ما تركت استلام هذين الركنين اليماني والحَجَرَ -مُذْ رأيت رسول الله - ﷺ - يستلمهما- في شدّة ولا رخاء\" (٣).\nويقول بينهما: \" ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وَقِنَا عذاب النّار﴾ \" (٤).\nولا يستلم الركنين الشاميين؛ اتباعًا للنّبيّ - ﷺ - (٥).\n_________\n(١) قال النووي -﵀-: \" .. فالركنان اليمانيان: هما الركن الأسود والركن اليماني؛ وإنما قيل لهما: اليمانيان للتغليب، كما قيل في الأب والأم: الأبوان، وفي الشمس والقمر: قمران، وفي أبي بكر وعمر -﵄-: العمران، وفي الماء والتمر: الأسودان، ونظائره مشهورة. واليمانيان بتخفيف الياء؛ هذه اللغة الفصيحة المشهورة. وحكى سيبويه والجوهري وغيرهما فيها لغة أخرى؛ بالتشديد\".\n(٢) أخرجه البخاري: ١٦٠٩، ومسلم: ١٢٦٧.\n(٣) أخرجه مسلم: ١٢٦٧.\n(٤) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٦٦٦) وغيره.\n(٥) قال شيخ الإِسلام ابن تيمية -﵀-: \"والاستلام هو مسْحه باليد، وأمّا سائر جوانب البيت ومقام إِبراهيم، وسائر ما في الأرض من المساجد وحيطانها، ومقابر الأنبياء والصالحين -كحجرة نبينا - ﷺ -، ومغارة إِبراهيم، ومقام نبينا - ﷺ - الذي كان يصلّي فيه- وغير =","vol":"4","page":365},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1222>مشروعية التزام الملْتزم في الطواف </span>(١):\nويشرع التزام الملتزم في الطواف؛ لثبوت ذلك عن النّبيّ - ﷺ -؛ فإِنّه \"كان يضع صدره ووجهه وذراعيه وكفّيه بين الركن والباب؛ يعني: في الطواف\" (٢).\nقال شيخ الإِسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- في \"منسكه\" (ص ٣٨٧): \"وإن أحب أن يأتي الملتزم -وهو ما بين الحجر الأسود والباب - فيضع عليه صدره ووجهه وذراعيه وكفّيه، ويدعو، ويسأل الله تعالى حاجته-؛ فعَل ذلك. وله أن يفعل ذلك قبل طواف الوداع؛ فإِنّ هذا الالتزام لا فرق بين أن يكون حال الوداع أو غيره، والصحابة كانوا يفعلون ذلك حين يدخلون مكة .. ولو وقف عند الباب ودعا هناك من غير التزام للبيت، كان حسنًا\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1223>موضعه:</span>\nمكان الملتزم بين الركن والباب؛ للحديث السابق، ولقول ابن عباس -رضي\n_________\n= ذلك من مقابر الأنبياء والصالحين، وصخرة بيت المقدس؛ فلا تستلم ولا تقبّل باتفاق الأئمة. وأمّا الطواف بذلك؛ فهو من أعظم البدع المحرّمة، ومن اتخذه دينًا يُستتاب؛ فإِنْ تاب وإلا قُتِل\".\nقال شيخنا -﵀-: وما أحسن ما روى عبد الرزاق (٨٩٤٥)، وأحمد، والبيهقي عن يعلى بن أميّة قال: طُفت مع عمر بن الخطاب (وفي رواية: مع عثمان) -﵁- فلمّا كنت عند الركن الذي يلي الباب مما يلي الحجر؛ أخذت بيده ليستلمه، فقال: أما طُفت مع رسول الله؟! قلت: بلى. قال: فهل رأيته يستلمه؟ قلت: لا. قال: فانْفُذْ عنك؛ فإِنّ لك في رسول الله - ﷺ - أسوة حسنة\".\n(١) هذه العنوان من \"الصحيحة\" (٥/ ١٧٠).\n(٢) حسنه شيخنا -﵀- من طريقين؛ كما في \"الصحيحة\" (٢١٣٨).","vol":"4","page":366},{"text":"الله عنهما-: \"هذا الملتزم بين الركن والباب\" (١).\nوعن مجاهد: قال جئتُ ابن عباس وهو يتعوّذ بين الركن والباب (٢).\nوعن عروة: \"أنه كان يلصق بالبيت: صدره ويده وبطنه\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1224>متى يلتزمه</span>؟\nيأتي الملتزم حين يفرغ من السبع؛ لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه (٤) قال: \"طفت مع عبد الله بن عمرو، فلما فرغنا من السبع؛ ركعنا في دُبُر الكعبة، فقلت: ألا نتعوذ بالله من النّار؟! قال: أعوذ بالله من النّار، قال: ثمّ مضى فاستلم الركن، ثمّ قام بين الحجر والباب، فألصق صدره ويديه وخده إِليه، ثمّ قال: هكذا رأيت رسول الله - ﷺ - يفعل\" (٥).\nوليس للطواف ذِكْر خاصٌّ، فله أن يقرأ من القرآن أو الذكر ما شاء؛ لقوله - ﷺ -: \"الطواف بالبيت صلاة، ولكنّ الله أحلّ فيه النطق، فمن نطق فلا ينطق\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" وصحح شيخنا -﵀- إِسناده في \"الصحيحة\" تحت الحديث (٢١٣٨).\n(٢) أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\"، وصحح شيخنا -﵀- إِسناده في \"الصحيحة\" تحت الحديث (٢١٣٨) أيضًا.\n(٣) أخرجه عبد الرزاق أيضًا، وصحح شيخنا -﵀- إِسناده في \"الصحيحة\" (٥/ ١٧١).\n(٤) في بعض الكتب عن جدّه، وانظر \"الصحيحة\" (٢١٣٨).\n(٥) أخرجه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢٣٩٧)، وانظر \"الصحيحة\" (٢١٣٨).","vol":"4","page":367},{"text":"إِلا بخير\"، وفي رواية: \"فأقلّوا فيه الكلام\" (١).\nولا يجوز أن يطوف بالبيت عريان ولا حائض؛ لقوله - ﷺ -: \"ولا يطوف بالبيت عريان\" (٢).\nوقوله لعائشة حين قدمت معتمرة في حَجّة الوداع: \"افعلي كما يفعل الحاج؛ غير أن لا تطوفي بالبيت [ولا تصلّي] حتى تطهري\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1225>صلاة ركعتين بعد الطَّواف:</span>\nوينطلق إِلى مقام إِبراهيم؛ وقد غطّى كتفه الأيمن، ويقرأ: ﴿واتخذوا من مقام إِبراهيم مصلّى﴾، ويجعل المقام بينه وبين الكعبة، ويصلّي عنده ركعتين.\nعن ابن عمر -﵄- قال: \" .. قدم رسول الله - ﷺ -، فطاف بالبيت سبعًا، ثمّ صلّى خلف المقام ركعتين\" (٤).\nوعن جابر قال: \"لما قدم النّبيّ - ﷺ - مكة؛ دخل المسجد فاستلم الحجر، ثمّ مضى على يمينه؛ فرمل ثلاثًا ومشى أربعًا، ثمّ أتى إِلى المقام فقال: ﴿واتخذوا من مقام إِبراهيم مصلّى﴾، فصلّى ركعتين، والمقام بينه وبين البيت، ثمّ أتى\n_________\n(١) أخرجه الترمذي وغيره، والرواية الأخرى للطبراني، وهو حديث صحيح، كما حققه شيخنا -﵀- في \"الإرواء\" (١٢١).\nقال شيخ الإسلام: \"وليس فيه ذكر محدود عن النّبيّ - ﷺ -: لا بأمره، ولا بقوله، ولا بتعليمه؛ بل يدعو فيه بسائر الأدعية الشرعية\".\n(٢) أخرجه البخاري: ١٦٢٢، ومسلم: ١٣٤٧، وتقدّم.\n(٣) أخرجه البخاري: ١٦٥٠، ومسلم: ١٢١١.\n(٤) أخرجه البخاري: ١٦٢٣، ومسلم: ١٢٣٤.","vol":"4","page":368},{"text":"الحجر بعد الركعتين فاستلمه، ثمّ خرج إِلى الصفا -أظنه قال-: ﴿إِنّ الصفا والمروة من شعائر الله﴾ \" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1226>جواز تأديتهما أوقات النهي:</span>\nوتؤدّيان في جميع الأوقات؛ حتى أوقات النهي.\nعن جبير بن مُطعِمٍ أنّ النّبيّ - ﷺ - قال: \"يا بني عبد مناف! لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت وصلّى أيّةَ ساعة شاء من ليل أو نهار\" (٢).\nوعن عبد العزيز بن رُفيع قال: \"رأيت عبد الله بن الزبير -﵄- يطوف بعد الفجر ويصلّي ركعتين\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1227>إذا صلّى المكتوبة؛ هل تجزئه</span>؟\nوإذا صلّى المكتوبة بعد الطواف؛ أجزأته عن الركعتين؛ بشرطين:\n١ - أن يكون عند المقام؛ بحيث يمضي فيه قوله تعالى: ﴿واتخذوا من مقام إِبراهيم مصلّى﴾.\n٢ - أن ينوي ذلك (٤).\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ١٢١٨ من حديث جابر الطويل، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٦٧٩) -وهذا لفظه-.\n(٢) أخرجه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٦٨٨)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٠٣٦)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٥٧٠)، وانظر \"الإِرواء\" (٤٨١).\n(٣) أخرجه البخاري: ١٦٣٠.\n(٤) أفادنيه شيخنا -﵀- إجابةً عن بعض سؤالاتي.","vol":"4","page":369},{"text":"وقرأ فيهما: \" ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ و﴿قل هو الله أحد﴾ \" (١).\nوينبغي أن لا يمرّ بين يدي المصلّي هناك، ولا يدع أحدًا يمرُّ بين يديه وهو يصلّي؛ لعموم الأحاديث الناهية عن ذلك، وعدم ثبوت استثناء المسجد الحرام منها، بله مكة كلها!\nثمّ إِذا فرغ من الصلاة؛ ذهَب إِلى زمزم فشرب منها، وصبَّ على رأسه، فقد قال - ﷺ -: \"ماء زمزم لما شرب له\" (٢).\nوقال: \"إِنها مباركة، وهي طعام طُعْم، [وشفاء سُقْمٍ] \" (٣).\nوقال: \"خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم؛ فيه طعام من الطُّعم (٤)، وشفاء من السقم\" (٥).\nثمّ يرجع إِلى الحجر الأسود؛ فيكبّر ويستلمه على التفصيل المتقدّم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1228>إِذا وقف في الطواف </span>(٦):\nقال عطاء فيمن يطوف، فتقام الصلاة أو يدفع عن مكانه: إِذا سلّم يرجع\n_________\n(١) انظر\"صحيح مسلم\" (١٢١٨).\n(٢) حديث صحيح؛ كما قال جمع من الأئمة، وقد خرّجه شيخنا -﵀- وتكلم على طُرقه في \"الإِرواء\" (١١٢٣)، وأحدها في \"الصحيحة\" (٨٨٣).\n(٣) حديث صحيح، رواه الطيالسي وغيره، وهو مخرج في \"الصحيحة\" تحت الحديث (١٠٥٦) وغيرها.\n(٤) أي: يشبع الإِنسان إِذا شرب ماءها، كما يشبع من الطعام. (النهاية).\n(٥) أخرجه الضياء في \"المختارة\" وغيره، وهو مخرج في المصدر السابق (١٠٥٦).\n(٦) هذا العنوان من \"صحيح البخاري\" (كتاب الحج) (باب - ٦٨).","vol":"4","page":370},{"text":"إِلى حيث قطع عليه فيبني (١).\nويُذكر نحوه عن ابن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر -﵃- (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1229>السعي بين الصفا والمروة:</span>\nثمّ يعود أدراجه ليسعى بين الصفا والمروة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1230>حُكْمه:</span>\nاختلف العلماء في حُكم السعي بين الصفا والمروة: فمنهم من قال بركنيته، ومنهم قال بوجوبه، ومنهم من قال بسنّيته.\nوالراجح -والله أعلم- الركنّية؛ لحديث عروة قال: \"سألت عائشة -﵂- فقلت لها: أرأيت قول الله تعالى: ﴿إِنّ الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جُناح عليه أن يطوّف بهما﴾؛ فوالله ما على أحدٍ جناح أن لا يطوف بالصّفا والمروة، قالت: بئس ما قلت يا ابن أختي! إِنّ هذه لو كانت كما أوّلتها عليه كانت لا جناح عليه أن لا يتطّوف بهما)! ولكنها أُنزلت في الأنصار، كانوا قبل أن يسلموا يُهِلُّون لِمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها عند المشلَّل، فكان من أهلّ يتحرّج أن يطوف بالصّفا والمروة، فلمّا أسلموا سألوا رسول الله - ﷺ - عن ذلك؛ قالوا: يا رسول الله! إِنّا كنّا نتحرّج\n_________\n(١) رواه البخاري معلقًا مجزومًا به، ووصله عبد الرزاق بسند صحيح عنه، وانظر \"مختصر البخاري\" (١/ ٣٨٦).\n(٢) رواه البخاري معلّقًا، وجاء في \"مختصر البخاري\" (١/ ٣٨٦): \"وصله سعيد بن منصور عن جميل بن زيد عن ابن عمر نحوه، وجميل هذا ضعيف. ووصله عبد الرزاق بسند صحيح عن عبد الرحمن بن أبي بكر\".","vol":"4","page":371},{"text":"أن نطوف بين الصفا والمروة؟ فأنزل الله تعالى: ﴿إِنّ الصفا والمروة من شعائر الله﴾ الآية، قالت عائشة -﵂-: وقد سنّ رسول الله - ﷺ - الطواف بينهما؛ فليس لأحدٍ أن يترك الطواف بينهما\" (١).\nوعن عائشة -﵂- قالت: \"طاف رسول الله - ﷺ - وطاف المسلمون؛ فكانت سُنّة، فلعمري ما أتمّ الله حج من لم يطف بين الصفا والمروة\" (٢).\nوعن حبيبة بنت أبي تِجْرَأة قالت: \"دخلتْ على دار أبي حسين نسوةٌ من قريش، ورسول الله - ﷺ - يطوف بين الصفا والمروة وهو يسعى، يدور به إِزاره من شدة السعي، وهو يقول لأصحابه: اسعوا فإِن الله كتب عليكم السعي\" (٣).\nوسألت شيخنا -﵀-: ماذا ترون حُكم السعي بين الصفا والمروة؟\nفقال -﵀-: \"رُكن\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1231>أصل مشروعيته:</span>\nقال ابن عباس: \"أول ما اتخذ النساء المِنطَق (٤) من قِبل أم إِسماعيل؛ اتخذت مِنطقًا لتُعفّي (٥) أثرها على سارة، ثمّ جاء بها إِبراهيم وبابنها إِسماعيل\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٦٤٣، ومسلم: ١٢٧٧.\n(٢) أخرجه مسلم: ١٢٧٧.\n(٣) أخرجه أحمد، وصحّحه شيخنا -﵀- في \"الإرواء\" (١٠٧٢).\n(٤) المِنْطَق: هو ما يشدّ به الوسط.\n(٥) أي: لتُخفي، وانظر ما قاله الحافظ -﵀- في شرح هذا الأمر.","vol":"4","page":372},{"text":"-وهي تُرضعه- حتى وضعها عند البيت عند دوحة (١) فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء، فوضعهما هنالك، ووضع عندهما جرابًا (٢) فيه تمر وسقاءً فيه ماء، ثمّ قفّى (٣) إِبراهيم منطلقًا، فتبعته أمّ إِسماعيل فقالت: يا إِبراهيم! أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إِنس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مرارًا، وجعل لا يلتفت إِليها، فقالت له: آللهُ الذي أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إِذن لا يُضيعنا، ثمّ رجعت.\nفانطلق إِبراهيم حتى إِذا كان عند الثّنيّة حيث لا يرونه؛ استقبل بوجهه البيت ثمّ دعا بهؤلاء الكلمات ورفع يديه فقال: ﴿ربنا إِني أسكنتُ من ذرّيّتي بوادٍ غير ذي زرع﴾ حتى بلغ: ﴿يشكرون﴾؛ وجعلت أمّ إِسماعيل ترضع إِسماعيل وتشرب من ذلك الماء، حتى إِذا نفد ما في السقاء؛ عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إِليه يتلوّى -أو قال: يتلبّط (٤)؛ فانطلقت كراهية أن تنظر إِليه، فوجدت الصّفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه، ثمّ استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدًا؟ فلم ترَ أحدًا، فهبطت من الصفا، حتى إِذا بلغت الوادي؛ رفعت طرف دِرعها، ثمّ سعت سعي الإِنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثمّ أتت المروة فقامت عليها؛ فنظرت هل ترى أحدًا فلم ترَ أحدًا،\n_________\n(١) الدوحة: الشجرة الكبيرة.\n(٢) وعاء يحفظ فيه الزاد ونحوه. \"الوسيط\".\n(٣) أي: ولّى راجعًا إِلى الشام.\n(٤) أي: يتمرّغ ويضرب بنفسه الأرض ويقرب منها.\nملاحظة: استفدت من \"فتح الباري\" في شرح غريب ألفاظ هذا الحديث.","vol":"4","page":373},{"text":"ففعلت ذلك سبع مرات، قال ابن عباس: قال النّبيّ - ﷺ -: فذلك سعي النّاس بينهما\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1232>هل يشرع الركوب في السعي</span>؟\nوما قيل في الركوب في الطواف؛ يقال في السعي بين الصفا والمروة؛ فإِنه يجوز لمرض أو حاجة.\nفعن جابر -﵁- قال: \"طاف رسول الله - ﷺ - بالبيت في حجة الوداع على راحلته، يستلم الحجر بمحجنه؛ لأن يراه الناس، وليشرف، وليسألوه؛ فإِنّ الناس غَشُوه\" (٢).\nوعن أبي الطفيل قال: \"قلت لابن عباس -﵄-: أخبرني عن الطواف بين الصفا والمروة راكبًا؛ أسنّة هو؟ فإِنّ قومك يزعمون أنّه سُنّة! قال: صدقوا وكذبوا. قال: قلت: وما قولك: صدقوا وكذبوا؟! قال: إِنّ رسول الله - ﷺ - كثر عليه الناس، يقولون: هذا محمّد، هذا محمّد، حتى خرج العواتق (٣) من البيوت، قال: وكان رسول الله - ﷺ - لا يضرب النّاس بين يديه، فلمّا كثر عليه ركب؛ والمشي والسّعي أفضل\" (٤).\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٣٣٦٤.\n(٢) أخرجه مسلم: ١٢٧٣، وتقدّم.\n(٣) العواتق: جمع عاتق، وهي البكر البالغة، أو المقاربة للبلوغ، وقيل: التي تتزوّج، سُمّيت بذلك لأنّها عتقت من استخدام أبويها وابتذالها في الخروج والتصرّف التي تفعله الطفلة الصغيرة. \"شرح النووي\".\n(٤) أخرجه مسلم: ١٢٦٤.","vol":"4","page":374},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1233>السعي بين الميلين:</span>\nيسنّ المشي بين الصفا والمروة؛ إِلا ما كان بين الميلين؛ فإِنّه يشتد سعيه.\nعن جابر -﵁-: \" .. حتى إِذا انصبّت (١) قدماه في بطن الوادي سعى، حتى إِذا صَعِدتا (٢) مشى\" (٣).\nعن أم ولد شيبة -﵂- قالت: \"رأيت رسول الله - ﷺ - يسعى بين الصفا والمروة وهو يقول: لا يُقطع الأبطح (٤) إِلا شدًّا\" (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1234>الرُّقِيُّ على الصفا والمروة والدعاء عليهما مع استقبال البيت:</span>\nعن جابر -﵁- في حديثه الطويل: \"أنّ رسول الله - ﷺ - لمّا دنا من الصفا قرأ: ﴿إِنّ الصفا والمروة من شعائر الله﴾، أَبَدأُ بما بدأ الله به، فبدأ بالصّفا فرقي عليه، حتّى رأى البيت فاستقبل القبلة، فوحد الله وكبّره وقال: لا إِله إِلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كلّ شيء قدير، لا إِله إِلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ثمّ دعا بين\n_________\n(١) أي: انحدرت في المسعى. \"النهاية\".\n(٢) أي: ارتفعت قدماه عن بطن الوادي. \"شرح النووي\".\n(٣) أخرجه مسلم: ١٢١٨.\n(٤) الأبطح: المكان المتّسِع يمرّ به السيل فيترك فيه الرمل والحصى الصغار\". \"الوسيط\".\n(٥) أخرجه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢٤١٩)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٢٧٨٩) وغيرهما، وانظر \"الصحيحة\" (٢٤٣٧) وتقدّم دون ذِكر المناسبة.","vol":"4","page":375},{"text":"ذلك، قال مثل هذا ثلاث مرات، ثمّ نزل إِلى المروة .. حتى أتى المروة، ففعل على المروة كما فعل على الصّفا\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1235>ما يقوله الساعي بين الصفا والمروة:</span>\nيسنّ للساعي بين الصفا والمروة أن يدعو الله -﷾- ويذكره ويستغفره، ويقرأ القرآن الكريم.\nويحرص في سعيه -كما يحرص في طوافه- على جوامع الدعاء، والمأثور عن النّبيّ - ﷺ - وسلف الأُمّة.\nكما يحرص على التفقّه في آداب الدعاء؛ حتى لا يقع في المخالفات الشرعية.\nولا بأس أن يدعو بما ثبت عن جمع من السلف، فيقول: \"ربّ اغفر وارحم، إِنّك أنت الأعز الأكرم\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1236>الموالاة في السعي:</span>\nلا بُدّ من الموالاة في السعي؛ إِلا لعُذر أو استراحة ونحو ذلك.\nوما قيل في الموالاة في الطواف عند البيت؛ يقال في الطواف بين الصفا والمروة، والله -تعالى- أعلم.\nوسألت شيخنا -﵀- عن ذلك!\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ١٢١٨.\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة عن ابن مسعود وابن عمر -﵃- بإِسنادين صحيحين، وانظر \"مناسك الحج والعمرة\" (ص ٢٧) وتقدّم.","vol":"4","page":376},{"text":"فقال: \"تجب الموالاة إلاَّ لعذر\" (١).\nفإِذا دنا من الصفا؟ قرأ قوله تعالى: ﴿إِنّ الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جُناح عليه أن يطوّف بهما ومن تطوع خيرًا فإِنّ الله شاكر عليم﴾ ويقول: نبدأ بما بدأ الله به\".\nثمّ يبدأ بالصفا فيرتقي عليه حتى يرى الكعبة (٢)، فيستقبل الكعبة، فيوحد الله ويكبره فيقول: الله أكبر؛ الله أكبر؛ الله أكبر، (ثلاثًا).\nلا إِله إِلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كلّ شيء قدير.\nلا إِله إلاَّ الله وحده لا شريك له، أنجَز وعدَه، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، يقول ذلك ثلاث مرات.\nويدعو بين ذلك.\nثمّ ينزل ليسعى بين الصفا والمروة، وقال رسول الله - ﷺ -: \"اسعوا؛ فإِن الله كتَب عليكم السعي\" (٣). فيمشي إِلى العلم (الموضوع) عن اليمين واليسار،\n_________\n(١) وما قاله شيخنا يشبه ما قاله شيخ الإِسلام -رحمهما الله تعالى- في وجوب الموالاة في الوضوء؛ فإِنه -﵀- أوجبها إِلا من عُذر، وتقدّم في \"كتاب الوضوء\".\n(٢) ليس من السهل الآن رؤية البيت إِلا في بعض الأماكن من الصفا؛ فإِنه يراه من خلال الأعمدة التي بني عليها الطابق الثاني من المسجد، فمن تيسر له ذلك فقد أصاب السنّة؛ وإلا فليجتهد ولا حرج.\n(٣) وهو حديث صحيح، مخرّج في \"الإِرواء\" (١٠٧٢).","vol":"4","page":377},{"text":"وهو المعروف بالميل الأخضر، ثمّ يسعى منه سعيًا شديدًا (١) إِلى العلم الآخر الذي بعده، وكان في عهده - ﷺ - واديًا أبطح فيه دِقاق الحصا\". وتقدّم الحديث في ذلك.\nثمّ يمشي صُعُدًا حتى يأتي المروة فيرتقي عليها، ويصنع فيها ما صَنع على\n_________\n(١) فائدة: جاء في \"المغني\" لابن قدامة المقدسي (٣/ ٣٩٤) ما نصه: \"وطواف النساء وسعيهن مشي كلّه، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أنه لا رمل على النساء حول البيت، ولا بين الصفا والمروة، وليس عليهن اضطباع، وذلك لأن الأصل فيه إِظهار الجلد، ولا يقصد ذلك في حقّ النّساء؛ لأن النساء يقصد فيهن الستر، وفي الرمل والاضطباع تعرُّضٌ للكشف\".\nوفي \"المجموع\" للنووي (٨/ ٧٥) ما يدل على أنّ المسألة خلافية عند الشافعية؛ فقد قال: \"إِنّ فيها وجهين:\nالأول -وهو الصحيح، وبه قطع الجمهور-: أنها لا تسعى؛ بل تمشي جميع السافة ليلًا ونهارًا.\nوالوجه الئاني: أنها إِن سعت في الليل حال خلو المسعى؛ استحب لها السعي في موضع السعي كالرجل\".\nقلت [أي: شيخنا -رحمه الله تعالى-]: ولعل هذا هو الأقرب؛ فإِن أصل مشروعية السعي إِنما هو سعي هاجر أم إِسماعيل تستغيث لابنها العطشان، كما في حديث ابن عباس: \"فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدًا؟ فلم تر أحدًا، فهبطت من الصفا حتى إِذا بلغت الوادي؛ رفعت درعها ثمّ سعت سعي الإِنسان المجهود، حتى إِذا جاوزت الوادي، ثمّ أتت المروة فقامت عليها فنظرت هل ترى أحدًا؟ فلم تر أحدًا، ففعلت ذلك سبع مرات، قال ابن عباس: قال النّبيّ - ﷺ -: \"فذلك سعي الناس بينهما\". أخرجه البخاري في (كتاب الأنبياء).","vol":"4","page":378},{"text":"الصفا؛ من استقبال القبلة، والتكبير، والتوحيد، والدعاء، وهذا شوط.\nثمّ يعود حتى يرقى على الصفا، يمشي موضع مشْيه، ويسعى موضع سعْيه، وهذا شوط ثانٍ.\nثمّ يعود إِلى المروة، وهكذا حتى يتم له سبعة أشواط نهاية آخرها على المروة.\nويجوز أن يطوف بينهما راكبًا، والمشي أعجب إِلى النّبيّ - ﷺ - (١).\nفإِذا انتهى من الشوط السابع على المروة؛ قصّ شعر رأسه (٢)؛ وبذلك تنتهي العمرة، ويحلُّ له ما حرُم عليه بالإِحرام، ويمكث هكذا حلالًا إِلى يوم التروية.\nومن كان أحرم بغير عمرة الحج، ولم يكن ساق الهدي من الحل؛ فعليه أن يتحلل؛ اتباعًا لأمر النّبيّ - ﷺ - واتقاءً لغضبه.\nوأمّا من ساق الهدي؛ فيظلّ في إِحرامه، ولا يتحلّل إِلا بعد الرمي يوم النحر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1237>الإِهلال بالحج يوم التروية</span>\nفإِذا كان يوم التروية -وهو اليوم الثامن من ذي الحجة- أحرم وأهلّ بالحج، فيفعل كما فعَل عند الإِحرام بالعمرة من الميقات؛ من الاغتسال، والتطيب، ولبُسْ الإِزار والرداء، والتلبية، ولا يقطعها إلاَّ عَقِب رمي جمرة العقبة.\n_________\n(١) رواه أبو نعيم في \"مستخرجه على صحيح مسلم\".\n(٢) أو حلق إِذا كان بين عمرته وحجه فترة كافية يطول الشعر خلالها. \"راجع \"الفتح\" (٣/ ٤٤٤) \".","vol":"4","page":379},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1238>التوجه إِلى منى </span>(١):\nيتوجه الحاج إِلى منى يوم التروية (٢) ويصلّي فيها الظهر ويبيت فيها حتى يصلّي سائر الصلوات الخمس قصرًا دون جمع.\nفإِنْ كانْ الحاجّ قارنًا أو مفردًا؛ توجه إِليها بإِحرامه، وإن كان متمتعًا؛ أحرم بالحجّ، وفعل كما فعل عند الميقات.\nوالسُّنّة أن يحرم من الموضع الذى هو فيه، حتى أهْل مكّة يحرمون من مكة.\nعن ابن عباس -﵄-: \"أنّ النّبيّ - ﷺ - وقّت لأهل المدينة ذا الحليفة ... فمن كان دون ذلك فمِن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة\" (٣).\nويُكْثِرُ الحاج من الدعاء والتلبية عند التوجُّه إِلى منى، ولا يخرج منها حتى تطلع شمس يوم التاسع؛ اقتداءً بالنّبيّ - ﷺ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1239>الانطلاق إِلى عرفة:</span>\nفإِذا طلعت شمس يوم عرفة؛ انطلق إِلى عرفة، وهو يُلبّي أو يُكبّر، كلَّ ذلك فعَل أصحاب النّبيّ - ﷺ - وهم معه في حَجّته، يُلبّي الملبّي فلا يُنكر عليه،\n_________\n(١) عن \"فقه السّنّة\" (١/ ٧١٦) بتصرّف.\n(٢) سُمّي به لأنهم كانوا يرتوون فيه من الماء لما بَعْدَه؛ أي: يَسقُون ويَسْتقون. \"النهاية\".\n(٣) أخرجه البخاري: ١٥٣٠، ومسلم: ١١٨١.","vol":"4","page":380},{"text":"ويكبر المكبر فلا يُنكر عليه.\nفعن محمد بن أبي بكر الثقفي: أنه سأل أنس بن مالك -وهما غاديان من منى إِلى عرفة-: كيف كنتم تصنعون في هذا اليوم مع رسول الله - ﷺ -؟ فقال: كان يُهلُّ منّا المُهلّ؛ فلا ينكر عليه، ويكبّرمنا المكبّر؛ فلا ينكر عليه\" (١).\nثمّ ينزل في نَمِرَةَ (٢)، وهو مكان قريب من عرفات، وليس منها، ويظلّ بها إِلى ما قبل الزوال.\nفإِذا زالت الشمس؛ رحل إِلى عُرنة ونزل فيها، وهي قبيل عرفة، وفيها يخطب الإِمام الناس خطبة تناسب المقام.\nثمّ يصلّي بالناس الظهر والعصر قصرًا وجمعًا في وقت الظهر.\nعن ابن شهاب قال: \"أخبرني سالم: أنّ الحجاج بن يوسف -عام نزل بابن الزبير -﵄- سأل عبد الله بن عمر -﵄-: كيف تصنع في الموقف يوم عرفة؟ فقال سالم: إِن كنت تُريد السُّنّة فهجّر بالصلاة يوم عرفة، فقال عبد الله بن عمر: صدق، إِنهم كانوا يجمعون بين الظهر والعصر في السُّنّة.\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٦٥٩، ومسلم: ١٢٨٥.\n(٢) هذا النزول والذى بعده قد يتعذر اليوم تحقيقه لشدة الزحام، فإِذا جاوزهما إِلى عرفة؛ فلا حرج إِن شاء الله. قال شيخ الإِسلام ابن تيمية في \"الفتاوى\" (٢٦/ ١٦٨): \"وأمّا ما تضمّنته سُنّة رسول الله - ﷺ - المقام بمنى يوم التروية، والمبيت بها الليلة التي قبل يوم عرفة، ثمّ المقام بـ \"عُرَنة\" -التي بين المشعر الحرام وعرفة- إِلى الزوال، والذهاب منها إِلى عرفة، والخطبة والصلاتين في أثناء الطريق ببطن عرنة؛ فهذا كالمُجمع عليه بين الفقهاء، وإن كان كثير من المصنّفين لا يميزه، وأكثر الناس لا يعرفه لغلبة العادات المُحدثة\".","vol":"4","page":381},{"text":"فقلت لسالم: أفعل ذلك رسول الله - ﷺ -؟ فقال سالم: وهل يتبعون بذلك إِلا سنته؟! \" (١).\nعن حارثة بن وهب الخُزاعي -﵁- قال: \"صلّيت خلف رسول الله - ﷺ - بمنى -والناس أكثر ما كانوا-؛ فصلّى بنا ركعتين في حجة الوداع.\nقال أبو داود: حارثة من خزاعة ودارهم بمكة\" (٢).\nويؤذن لهما أذانًا واحدًا وإقامتين.\nولا يُصلّي بينهما شيئًا (٣).\nومن لم يتيسر له صلاتهما مع الإِمام؛ فليصلّهما كذلك وحده، أو مع من حوله من أمثاله (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1240>الوقوف بعرفة:</span>\nثمّ ينطلق إِلى عرفة، فيقف عند الصخرات عند أسفل جبل الرحمة، إِن تيسّر له ذلك؛ وإلا فعرفة كلّها موقف.\nعن جابر -﵁- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: \" .. ووقفت هاهنا وعرفة\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٦٦٢.\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٧٢٨).\n(٣) قال شيخنا -﵀-: \"وكذلك لم ينقل عنه - ﷺ - أنه تطوع قبل الظهر وبعد العصر هنا وفي سائر أسفاره؛ ولم يثبت أنّه صلّى شيئًا من الرواتب فيها؛ إِلا سنتي الفجر والوتر\".\n(٤) رواه البخاري عن ابن عمر تعليقًا.","vol":"4","page":382},{"text":"كلّها موقف، ووقفت هاهنا وجَمْعٌ كلها موقف\" (١).\nوعن يزيد بن شيبان قال: \"أتانا ابن مربع الأنصاري ونحن بعرفة -في مكان يباعده عمرو عن الإِمام- فقال: أما إِني رسولُ رسول الله - ﷺ - إِليكم، يقول لكم: قفوا على مشاعركم؛ فإِنكم على إِرثٍ من أرث أبيكم إِبراهيم\" (٢).\nويقف مستقبلًا القبلة، رافعًا يديه يدعو ويُلبي.\nعن أسامة بن زيد -﵁- قال: \"كنت رديف النّبيّ - ﷺ - بعرفات، فرَفَع يديه يدعو\" (٣).\nوفي حديث جابر -﵁-: \"واستقبل القبلة\" (٤).\nويكثر فيها من التهليل؛ فإِنّه خير الدعاء يوم عرفة؛ لقوله - ﷺ -: \"أفضل ما قلت أنا والنبيون عشية عرفة: لا إِله إِلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كلّ شيء قدير\" (٥).\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ١٢١٨.\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٦٨٨)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٧٠٠)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢٤٣٨)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٢٨٢٠)، وجوّد شيخنا -﵀- إسناده في \"المشكاة\" (٢٥٩٥).\nوقال شيخ الإِسلام -﵀- كما في \"الاختيارات\" (ص ١١٨): \"ولا يشرع صعود جبل الرحمة إِجماعًا\".\n(٣) أخرجه النسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٢٨١٧).\n(٤) أخرجه مسلم: ١٢١٨.\n(٥) حديث حسن أو صحيح، له طرق خرّجها شيخنا -﵀- في \"الصحيحة\" (١٥٠٣).","vol":"4","page":383},{"text":"وعن عبد الله بن عمروٍ أنّ النّبيّ - ﷺ - قال: \"خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إِله إِلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير\" (١).\nوإِن زاد في التلبية أحيانًا: \"إِنما الخير خير الآخرة\"؛ جاز (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1241>إِفطار الحاج يوم عرفة:</span>\nعن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"يوم عرفة (٣) ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإِسلام، وهي أيام أكْل وشُرب\" (٤).\nويفطر الحاجّ هذا اليوم؛ لأنّه أقوى له على أداء النّسك، ولأنّه هو الثابت عنه - ﷺ - مِن فِعله في حجّة الوداع (٥).\nوتقدّم في \"كتاب الصيام\" (٣/ ٢٥٧) حديث ميمونة في \"الصحيحين\": أنّ النّبيّ - ﷺ - شرب من حلاب لبن يوم عرفة.\nولا يزال هكذا ذاكرًا ملبيًا داعيًا بما شاء، راجيًا من الله -تعالى- أن يجعله من عتقائه الذين يباهي بهم الملائكة، كما سيأتي -إِن شاء الله تعالى-.\n_________\n(١) أخرجه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٢٨٣٧)، وانظر \"المشكاة\" (٢٥٩٨).\n(٢) لثبوت ذلك عنه - ﷺ - كما هو مبيّن في \"حجة النّبيّ - ﷺ -\" لشيخنا -﵀-.\n(٣) وقد ورد صيام يوم عرفة لغير الحاج؛ كما تقدّم في \"كتاب الصيام\".\n(٤) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢١١٤)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٦٢٠)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٢٨١٠)، وانظر \"الإِرواء\" (٤/ ١٣٠).\n(٥) قاله شيخنا -﵀- تحت الحديث (٤٠٤) من \"الضعيفة\" بتصرّف يسير.","vol":"4","page":384},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1242>فضل يوم عرفة:</span>\nعن عائشة -﵂- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النّار من يوم عرفة، وإِنه ليدنو ثمّ يباهي بهم الملائكة؛ فيقول: ما أراد هؤلاء؟! \" (١).\nوفي زيادة: \"اشهدوا ملائكتي! أني قد غفرت لهم\" (٢).\nعن أنس بن مالك قال: \"وقف النّبيّ - ﷺ - بـ (عرفات)؛ وقد كادت الشمس أن تؤوب، فقال: يا بلال! أنصت لي الناس. فقام بلال، فقال: أنصتوا لرسول الله - ﷺ -، فأنصت الناس، فقال: معاشر الناس! أتاني جبرائيل آنفًا، فأقرأني من ربي السلام، وقال: إِنّ الله -﷿- غفر لأهل عرفات، وأهل المشعر، وضمن عنهم التبعات. فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله! هذا لنا خاصة؟ قال: هذا لكم، ولمن أتى من بعدكم إِلى يوم القيامة. فقال عمر بن الخطاب: كثر خير الله وطاب! \" (٣).\nوعن أبي هريرة -﵁- عن رسول الله - ﷺ - قال: \"إِنّ الله يباهي بأهل عرفات أهل السماء، فيقول لهم: انظروا إِلى عبادي؛ جاءوني شُعْثًا (٤)\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ١٣٤٨.\n(٢) انظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١١٥٤).\n(٣) صحيح لغيره؛ كما في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١١٥١).\n(٤) أي: متغيّري الأبدان والشعور والملابس، لقلة تعهدّهم بالادهان والإِصلاح. والشعث: الوسخ في بدن أو شعر. \"فيض القدير\". وتقدّم.","vol":"4","page":385},{"text":"غُبْرًا (١) \" (٢)\nوعن عبد الله بن عمرو بن العاصي -﵄- أنّ النّبيّ - ﷺ - كان يقول: \"إِنّ الله -﷿- يباهي ملائكته عَشيَّة عرفة بأهل عرفة، فيقول: انظروا إِلى عبادي شُعثًا غُبرًا\" (٣).\nوفي حديث ابن عمر -﵄- الطويل: \" .. فإِذا وقف بـ (عرفة)؛ فإِنّ الله -﷿- ينزل إِلى سماء الدنيا فيقول: انظروا إِلى عبادي شُعثًا غبرًا، اشهدوا أني قد غفرت لهم ذنوبهم، وإِن كانت عدد قطر السماء ورمل عالج (٤) \" (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1243>الوقوف بعرفة رُكن الحجِّ الأعظم:</span>\nعن عبد الرحمن بن يعمر الدَّيْلي قال: \"أتيت رسول الله - ﷺ - وهو بعرفة، فجاء ناس -أو نفر- من أهل نجد، فأمروا رجلًا فنادى رسول الله - ﷺ -: كيف\n_________\n(١) أي: من غير استحداد ولا تنظُّف؛ قد رَكبهم غبار الطريق. \"فيض القدير\" أيضًا، وتقدّم.\n(٢) أخرجه أحمد، وابن حبان في \"صحيحه\"، والحاكم وقال: \"صحيح على شرطهما\"، وصححه شيخنا -﵀- في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١١٥٢).\n(٣) رواه أحمد والطبراني في \"الكبير\" و\"الصغير\" وإسناد أحمد لا بأس به، وصحّحه شيخنا -﵀- في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١١٥٣).\n(٤) هو ما تراكم من الرمل، ودخَل بعضه في بعض. \"النهاية\".\n(٥) أخرجه البزار، والطبراني، وابن حبان في \"صحيحه\"، وحسّنه شيخنا -﵀- في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١١٥٥).","vol":"4","page":386},{"text":"الحج؟ فأمَر رسول الله - ﷺ -[رجلًا] فنادى: الحجّ الحجُّ، يوم عرفة، من جاء قبل صلاة الصبح من ليلة جمع؛ فتمّ حجة، أيام منى ثلاثة، ﴿فمن تعجل في يومين فلا إِثم عليه ومن تأخر فلا إِثم عليه﴾ قال: ثمّ أردف رجلًا خلفه فجعل ينادي بذلك\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1244>الإِفاضة من عرفات إِلى المزدلفة:</span>\nويبقى حتى غروب الشمس كما في حديث جابر: \"فلم يزل واقفًا حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلًا حتى غاب القرصُ\" (٢).\nفإِذا غربت الشمس؛ أفاض من عرفات إِلى المزدلفة وعليه السكينة والهدوء، لا يزاحم الناس بنفسه أو دابته أو سيارته، فإِذا وجد خلوة أسرع.\nوعن ابن عباس -﵄-: \"أنّه دفع مع النّبيّ - ﷺ - يوم عرفة، فسمع النّبيُّ - ﷺ - وراءه زجرًا شديدًا وضربًا وصوتًا للإِبل، فأشار بسوطه إِليهم وقال: أيها الناس! عليكم بالسكينة؛ فإِن البر ليس بالإِيضاع (٣) \" (٤).\nعن عروة قال: سئل أسامة وأنا جالس: كيف كان رسول الله - ﷺ - يسير في\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٧١٧)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٧٠٥)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢٤٤١)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٢٨٢٢)، وانظر \"الإِرواء\" (١٠٦٤).\n(٢) أخرجه مسلم: ١٢١٨.\n(٣) الإِيضاع: الإِسراع. وقال البخاري -﵀-: ﴿أوضعوا﴾: أسرعوا.\n(٤) أخرجه البخاري: ١٦٧١.","vol":"4","page":387},{"text":"حجة الوداع حين دفع؟ قال: كان يسير العَنق (١)، فإِذا وجد فجوة نصّ (٢) \" (٣).\nثمّ يأخذ الطريق الوسطى التي تخرجه على الجمرة الكبرى.\nفإِذا وصَلها؛ أذَّن وأقام وصلّى المغرب ثلاثًا، ثمّ أقام وصلّى العشاء قصرًا، وجمَع بينهما.\nعن جابر -﵁-: أنّ النّبيّ - ﷺ - صلّى المغرب والعشاء بمزدلفة بأذان واحد وإقامتين، ولم يُسّبح (٤) بينهما شيئًا\" (٥).\nوإن فصَل بينهما لحاجة لم يضرّه ذلك (٦).\nولا يصلّي بينهما ولا بعد العشاء شيئًا (٧).\n_________\n(١) العَنق -بفتح المهملة والنون-: هو السير الذي بين الإِبطاء والإِسراع. قال في \"المشارق\": هو سير سهل في سرعة. وقال القزاز: العَنَق: سير سريع. وقيل: المشي الذى يتحرك به عنق الدابة. وفي \"الفاءق\": العنق: الخطو الفسيح. \"فتح\".\n(٢) نصّ؛ أي: أسرع. قال أبو عبيد: النص: تحريك الدابة حتى يستخرج به أقصى ما عندها، وأصل النص: غاية المشي ومنه نصصت الشيء: رفعته، ثمّ استعمل في ضرب سريع من السير. \"الفتح\" أيضًا.\n(٣) أخرجه البخاري؛ ١٦٦٦، ومسلم: ١٢٨٦.\n(٤) أي: لم يصلِّ النافلة.\n(٥) أخرجه مسلم [في حديث جابر الطويل]: ١٢١٨، وتقدّم.\n(٦) قال شيخ الإِسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: \"لثبوت ذلك عن النّبيّ - ﷺ - وأصحابه في \"صحيح البخاري\" (٢٥/ ٩٤/٨٠١) -، من \"مختصر البخاري\".\n(٧) قال شيخ الإِسلام: \"فإِذا وصل المزدلفة؛ صلّى المغرب قبل تبريك الجمال إِن أمكن، ثمّ إِذا برّكوها صلّوا العشاء، وإنْ أخّر العشاء لم يضّره ذلك\".","vol":"4","page":388},{"text":"ثمّ ينام حتى الفجر.\nفإِذا تبيّن له الفجر؛ صلّى في أوّل وقته بأذان وإِقامة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1245>المبيت بالمزدلفة وصلاة الفجر فيها:</span>\nولا بُدّ من صلاة الفجر في المزدلفة لجميع الحجاج؛ إِلا الضعفَة والنساء؛ فإِنّه يجوز لهم أن ينطلقوا منها بعد نصف الليل؛ خشية حَطَمة الناس.\n\"والسّنّة أن يبت بمزدلفة إِلى أن يطلع الفجر، فيصلّي بها الفجر في أوّل الوقت، ثمّ يقف بالمشعر الحرام إِلى أن يسفر جدًّا قبل طلوع الشمس، فإِن كان من الضعفة كالنساء والصبيان ونحوهم -فإِنّه يتعجل من مزدلفة إِلى منى إِذا غاب القمر، ولا ينبغي (١) لأهل القوة أن يخرجوا من مزدلفة حتى يطلع الفجر، فيصلّوا بها الفجر، ويقفوا بها، ومزدلفة كلها موقف، لكن الوقوف عند قزح أفضل، وهو جبل الميقدة، وهو المكان الذي يقف فيه الناس اليوم، وقد بني عليه بناءٌ، وهو المكان الذي يخصه كثير من الفقهاء باسم المشعر الحرام\" (٢).\nأجابنا شيخنا -﵀- عن حدّ المبيت في المزدلفة قائلًا:\n\"المبيت: هو كما فعَلَه الرسول -﵇- الأمر واضح جدًّا ...\nحَجَّةُ الرسول -﵇- معلومة تمامًا، حتى أفاض من عرفات عندما غربت الشمس، فيجب على الجميع أن ينطلقوا من عرفات حينما يرون\n_________\n(١) قلت: ولا يخفى مدلول كلمة (لا ينبغي)، قال الله تعالى: ﴿وما علّمناه الشعر وما ينبغي له﴾. وقال - ﷺ -: \"لا ينبغي لمؤمن أن يُذّل نفسه ... \".\n(٢) \"مجموع الفتاوى\" (٢٦/ ١٣٥).","vol":"4","page":389},{"text":"الشمس قد غربت، هنا قد تختلف الظروف كما يقع في كثير من الأحيان في الازدحام؛ قد لا يَصِلون إِلا مع الفجر مثلًا، وقد يصلون بربع ساعة أو نصف ساعة حسبما يتيّسر، إِذًا فبمجرّد وصول من أفاض من عرفات إِلى مزدلفة يبدأ وقت المبيت، ومبيت الليلة يعني يشمل الليل، فالرسول - ﷺ - ماذا فعَل الليل كله؟ ...\nوقد يقول القائل: البيات بعد نصف الليل! نقول له أولًا: هذا مخالف لفعل الرسول -﵇- الذي نعتبره بيانًا لقوله - ﷺ -: \"لتأخذوا مناسككم\" هذا أولًا.\nثانيًا: اللغة لا تساعد على هذا التعديل، لأنَّ بات يبدأ من بعد الغروب، إِذًا يبقى من حيث اللغة البيات على عمومه؛ والسُّنّة العملية تؤيده أو تقيّده ... \".\nومزدلفة كلها موقف، فحيثما وقف فيها جاز.\nثمّ ينطلق قبل طلوع الشمس إِلى منى؛ وعليه السكينة وهو يلبي.\nفإِذا أتى بطن مُحَسِّر؛ أسرع السير إِذا أمكنه، وهو من منى.\nعن ابن عباس -﵄- قال: \"ارفعوا عن بطن مُحسِّر، وعليكم بمثل حصى الخَذَف \" (١).\nوعن علي -﵁- قال: \"لما أصبح النّبيّ - ﷺ -؛ وقف على قُزَح فقال: هذا قُزَح وهو الموقف، وجمْعٌ كلها موقف\" (٢).\n_________\n(١) أخرجه أحمد وغيره، وانظر \"الصحيحة\" (١٥٣٤).\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٧٠٥)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٧٠٢).","vol":"4","page":390},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1246>حُكم ذلك:</span>\nوأريد أن أفرّق بين حُكم المبيت بالمزدلفة -وهو واجب على الراجح من أقوال العلماء؛ ومن العلماء من يرى الركنية-؛ وبين حُكم صلاة الفجر -والذي نحن بصدده-.\nفأقول -وبالله تعالى أستعين-:\nجاء في \"زاد المعاد\" (٢/ ٢٥٣) في ذِكر من يرى ركنية المبيت في المزدلفة: \" .. وهو مذهب اثنين من الصحابة، ابن عباس، وابن الزبير -﵃-. وإِليه ذهب إِبراهيم النّخعي، والشعبي، وعلقمة، والحسن البصري، وهو مذهب الأوزاعي، وحماد بن أبي سليمان (١)، وداود الظاهري، وأبي عُبيد القاسم بن سلاّم، واختاره المحمّدان: ابن جرير وابن خزيمة، وهو أحد الوجوه للشافعية (٢). انتهى.\nوكذا ابن العربي المالكي (٣).\nويرى ابن حزم -﵀- ركنية صلاة الفجر.\nوقال لي شيخنا -﵀- في بعض الإِجابات:\n\"نحن لا نقول بركنية المبيت، نحن نقول بركنية صلاة الفجر ووجوب\n_________\n(١) وذكر الحافظ ابن العربي المالكي -﵀-: الثورىَّ في \"عارضة الأحوذي\" (٤/ ١١٨).\n(٢) منهم القفّال. قاله ابن كثير -﵀- في تفسير سورة البقرة الآية (١٩٨).\n(٣) انظر \"عارضة الأحوذي\" (٤/ ١١٨).","vol":"4","page":391},{"text":"المبيت، يجب التفريق بين الأمرين، والحديث الواضح الصريح: أنّه مَن صلّى صلاتنا هذه\" معنا في جمع، وكان قد وقف على عرفة ساعةً من الليل أو النهار؛ فقد تمّ حجُّه وقضى تَفَثَهُ\" (١). فجعل صلاة الصبح في مزدلفة والوقوف في عرفة أوّلًا شيئًا واحدًا؛ ثمّ رتَّب على مجموع الأمرين بأنّه قد تمّ حَجُّهُ.\nومعنى ذلك: أنّه إِذا أخلّ بأحد الأمرين المذكورين في هذا الحديث الصحيح؛ فحجّه لم يتمّ\". انتهى.\nأقول: صلاة الفجر في المزدلفة لغير النساء والضعفة رُكن على الراجح، والله أعلم، وذلك لقول الله تعالى: ﴿فاذكروا الله عند المشعر الحرام﴾ ولقول النّبيّ - ﷺ -: \"لتأخذوا مناسككم\" (٢).\nولحديث عروة بن مضرِّس -﵁- قال: \"أتيت رسول الله - ﷺ - بالموقف -يعني: الجمع- قلت: يا رسول الله! من جبل طَيءٍ، أكللت مَطِيَّتي، وأتعبت نفسي، والله ما تركت من حَبْل (٣) إِلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال رسول الله - ﷺ -: من أدرك معنا هذه الصلاة، وأتى عرفات قبل ذلك ليلًا أو\n_________\n(١) ذكر شيخنا -﵀- حديث عروة بن المضرِّس بمعناه، وسيأتي في الصفحة الآتية إِن شاء الله تعالى.\n(٢) تقدّم تخريجه.\n(٣) حَبل: المستطيل من الرمل، وقيل: الضخم منه. وقيل: الحبال في الرمل؛ كالجبال في غير الرمل\". \"النهاية\". وفي بعض النسخ (جبل) بالجيم.","vol":"4","page":392},{"text":"نهارًا؛ فقد تمّ حجُّه، وقضى تفَثه (١) \" (٢).\nوفي لفظ: \"من أدرك جمْعًا مع الإِمام والناس حتى يُفيض منها؛ فقد أدرك الحج، ومن لم يُدرك مع الناس والإِمام؛ فلم يُدرك\" (٣).\nقال ابن القيم -﵀- في \"زاد المعاد\" (٢/ ٢٥٣) -بعد حديث عروة بن المضرّس -﵁-: \"وبهذا احتجّ من ذهب إِلى أنّ الوقوف بمزدلفة والمبيت بها ركن كعرفة ... \" ثمّ ذكر من يرى هذا من الصحابة -﵃- ومن بعدهم، وقال: ولهم ثلاث حجج، هذه إحداها.\nوالثانية: قوله تعالى: ﴿فاذكروا الله عند المشعر الحرام﴾ (٤).\nوالثالثة: فِعل رسول الله - ﷺ - الذي خرَج مخرج البيان لهذا الذّكر المأمور به.\nحُجج من يرد على الركنية:\n*١ - احتج بعضهم بقول النّبيّ - ﷺ -: \"الحج عرفة\".\nويرد عليهم:\n_________\n(١) التفَث: هو ما يفعله المحرم بالحج إِذا حلّ؛ كقص الشارب، والأظفار، ونتْف الإِبط، وحلق العانة. وقيل: هو إِذهاب الشعَث والدَّرَن والوسخ مطلقًا. \"النهاية\".\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٧١٨)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٧٠٧)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢٤٤٢)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٢٨٤٥).\n(٣) أخرجه النسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٢٨٤٦).\n(٤) البقرة: ١٩٨.","vol":"4","page":393},{"text":"أ- أنّ عندهم فرائض يبطل الحجّ بتركها سوى عرفة؛ كترك الإِحرام، وترك طواف الإِفاضة، وترك الصفا والمروة.\nب- ليس قوله - ﷺ -: \"الحج عرفة\" بمانع من أن يكون غيرُ عرفة الحجَّ أيضًا، إِذا جاء بذلك نصّ، وقد قال تعالى: ﴿ولله على الناس حجّ البيت من استطاع إِليه سبيلًا﴾ (١)؛ والبيت غير عرفة بلا شكّ.\n.. وقد قال تعالى: ﴿وأذان من الله ورسوله إِلى الناس يوم الحج الأكبر﴾ (٢).\nوأخبر رسول الله - ﷺ - أنّ يوم الحج الأكبر هو يوم النحر؛ ولا يكون يوم الحج الأكبر إِلا وغيره يوم الحج الأصغر، ومحال ممتنع أن يكون هو يوم الحج الأكبر ولا يكون فيه من فرائض الحج شيء، ويكون فرض الحج في غيره.\nفصحّ أن جملة فرائض الحج الأكبر، وهي الوقوف بمزدلفة الذي لا يكون في غيره، ورمي الجمرة، والإفاضة؛ وقد يكونان فيما بعده كما عرفة فيما قبله* (٣).\nوذكر ابن حزم -﵀- في \"المحلّى\" (٧/ ١٧٠) بإِسناده إِلى ابن عباس -﵄- أنّه قال: \"من أفاض من عرفة؛ فلا حجّ له\".\nوقال (ص ١٧١): \"وقد ذكرنا عن ابن الزبير أنّه كان يقول في خطبته: ألا\n_________\n(١) آل عمران: ٩٧.\n(٢) التوبة: ٣.\n(٣) ما بين نجمتين من \"المحلّى\" (٧/ ١٦٩) بتصرّف.","vol":"4","page":394},{"text":"لا صلاة إِلا بجمع! فإِذا أبطل الصلاة إِلا بمزدلفة؛ فقد جعَلها من فرائض الحج.\nومن طريق شعبة عن داود بن يزيد الأزدي عن أبي الضحى قال: سألت علقمة عمن لم يدرك عرفات أو جمعًا أو وقع بأهله يوم النحر قبل أن يزور؟ فقال: عليه الحج.\nومن طريق شعبة عن المغيرة بن مقسم عن إِبراهيم النخعي قال: كان يقال: من فاته جمع أو عرفة؛ فقد فاته الحج.\nومن طريق عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان الثوري عن منصور بن المعتمر عن إبراهيم النخعي قال: من فاته عرفة أو جمع أو جامع قبل أن يزور؛ فقد فسد حجه.\nومن طريق سفيان الثوري أيضًا عن عبد الله بن أبي السَّفَرِ عن الشعبي أنه قال: من فاته جمع؛ جعلها عمرة.\nوعن الحسن البصري: من لم يقف بجمع؛ لا حجّ له.\nوعن حمّاد بن أبي سليمان قال: من فاته الإِفاضة من جمع؛ فقد فاته الحج؛ فليحلّ بعمرة ثمّ ليحج من قابل.\nومن طريق شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير قال: يوم الحج الأكبر هو يوم النحر، ألا ترى أنه إِذا فاته عرفة لم يفته الحج، وإذا فاته يوم النحر فاته الحج؟!\nقال أبو محمد: صدق سعيد؛ لأنّ من فاتته عرفة يوم عرفة؛ لم يفته الحج؛ لأنّه يقف بعرفة ليلة النحر يوم النحر؛ وأمّا يوم النحر فإِنما سماه الله تعالى:","vol":"4","page":395},{"text":"﴿يوم الحج الأكبر﴾ (١)؛ لأنّ فيه فرائض ثلاثًا من فرائض الحج، وهو الوقوف بمزدلفة لا يكون جازئًا إِلا غداة يوم النحر، وجمرة العقبة وطواف الإِفاضة؛ ويجوز تأخيره؛ فصح أن مزدلفة أشد فروض الحج تأكيدًا وأضيقها وقتًا؛ وقد روي عن ابن عمر خلاف هذا.\n٢ - واحتجّ بعضهم بأنّ النّبيّ - ﷺ - مدّ وقت الوقوف بعرفة إِلى طلوع الفجر، وهذا يقتضي أنّ من وقف بعرفة قبل طلوع الفجر بأيسر زمان صحّ حجّه، ولو كان الوقوف بمزدلفة ركنًا؛ لم يصحّ حجّه (٢).\nقال ابن القيم -﵀- في \"زاد المعاد\" (٢/ ٢٥٤): \"وأمّا توقيت الوقوف بعرفة إِلى الفجر؛ فلا ينافي أن يكون المبيت بمزدلفة رُكنًا، وتكون تلك الليلة وقتًا لهما كوقت المجموعتين من الصلوات (٣)، وتضييق الوقت لأحدهما لا يُخرجه عن أن يكون وقتًا لهما حال القدرة\".\n٣ - واحتجّ بعضهم بأنّه لو كان ركنًا لاشترك فيه الرجال والنّساء، فلمّا قدَّم رسول الله - ﷺ - النساء بالليل؛ عُلم أنه ليس بركن! فأقول:\n_________\n(١) التوبة: ٣.\n(٢) قلت: وإذا قلنا بركنية صلاة الفجر دون ركنية المبيت لأهل القوّة؛ في حال يضيق عليه الوقت؛ فإِنه يتمكن من الجمع بين الوقوف في عرفة قبل الفجر وشهود صلاة الفجر بالمزدلفة. وتأمّل قوله - ﷺ -: \"الحج عرفة، فمن أدرك ليلة عرفة قبل طلوع الفجر من ليلة جمْع؛ فقد تمّ حجّه\". أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٧١٧)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٢٨٢٢)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٧٠٥)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢٤٤١)، وانظر \"الإِرواء\" (١٠٦٤).\n(٣) يعني: كوقت آخر الظهر وأول العصر مثلًا.","vol":"4","page":396},{"text":"أ- قال ابن القيم -﵀- في \"زاد المعاد\" (٢/ ٢٥٤): \"وفي [هذا] نظر؛ فإِنّ النّبيّ - ﷺ - إِنما قدّمهنّ بعد المبيت بمزدلفة، وذكر الله تعالى بها لصلاة عشاء الآخرة؛ والواجب هو ذلك\".\nب- إِنما يكون الأمر بحسب القدرة؛ فعند الضعف يكون التخفيف أو رفع التكليف، فالقيام في الصلاة من أركانها؛ كما في قوله تعالى: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ (١).\nوفي الحديث: \"صلِّ قائمًا، فإِن لم تستطِع فقاعدًا ... \" (٢).\n*٤ - وأجابوا .. عن حديث عروة: بأنّ الإِتمام يكون على وجوه: تارة يكون إِتمامًا لا يصح الشيء إِلا به، وتارة يكون إِتمامًا يصح الشيء بدونه مع التحريم، وتارة يكون إِتمامًا يصح الشيء به مع نفي التحريم، والمراد بالإِتمام في حديث عروة بالنسبة للمزدلفة: إِتمام الواجب الذي تصح العبادة بدونه، وهذا هو رأي الجمهور* (٣).\nفأقول:\n١ - ما هو الدليل على هذا الاختيار في تفسير مدلول الإِتمام؛ فإِن هذا يتقرّر من خلال مجموع أفراد المسائل الأُخرى! وقد بيّنت الردّ عليها.\n٢ - إِن النّبي - ﷺ - لم يذكر كلّ أعمال الحج حتى يقال هذا القول فإِنّه لم\n_________\n(١) البقرة: ٢٣٨.\n(٢) تقدّم تخريجه.\n(٣) ما بين نجمتين عن كتاب \"الشرح الممتع\" (٧/ ٤١٥) للشيخ الوالد محمد بن صالح العثيمين -﵀-.","vol":"4","page":397},{"text":"يذكر إِلا شهود صلاة الفجر والوقوف بعرفة، فبهما يتمّ الحج ويُقضى التفث، والحاج مُعرَّض للتمام الذي يصحّ الحج به؛ سواءً أكان مع التحريم أو بدونه؛ بالأعمال التي تأتي بعد هذه العبارة.\nج- إِنّ الله -تعالى- قد أوجب على الرجال أمورًا لم يوجبها على النساء؛ كصلاة الجمعة والجماعة ...\nفإِن قالوا: لكن هناك البدل والمبدل منه.\nقلنا: فالجهاد؟! وما الدليل على البدل والمبدل منه؟\nفهذه أمور تُستقرأ من النصوص ولا تُؤصّل.\nوالحاصل أنّ هناك أمورًا يسقط وجوبها بالكلية، وهناك من الأمور ما يكون فيه البدل منه.\nأقول: إِنّ تقديم ما فيه الاختيار للركنية (١) وبراءة الذّمة أولى.\nجاء في كتاب \"الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار\" للحازمي -﵀- (ص ٣٧): \"الوجه الرابع والأربعون في ترجيح أحد الحديثين على الآخر: أن يكون في أحدهما احتياط للفرض وبراءة الذمة بيقين، ولا يكون في الآخر ذلك؛ فتقديم ما فيه الاحتياط للفرض وبراءة الذمة بيقين أولى (٢).\n_________\n(١) أمّا مَن ترجح لديه الوجوب دون الركنية من خلال بحثه الموضوعي بتجرّد؛ فله عدم الأخذ بهذا الاحتياط.\nوعلى أي حال: فثمرة هذا الحكم يتعلّق بأهل القوّة، فينبغي التأني في إِطلاق القول بالوجوب ارتجالًا.\n(٢) وتقدّم.","vol":"4","page":398},{"text":"ولا يجوز لنا أن نخرج عن موضوعية البحث العلمي، أو أن يُفضي الأمر بنا إِلى الخصومة والعداء؛ فإِنّ المراد هو وجه الله -تعالى- عند القائلين بأيّ رأيٍ من الرأيَيْن، وهو بين الأجر والأجرين، فلا يجوز أن نتخطّى دائرة الأجر والأجرين إِلى الإِثم، أو ما يبلغنا إِليه! ونسأل الله الهدى والسداد.\nثمّ يأتي المشعر الحرام (وهو جبل في المزدلفة)، فيرقى عليه ويستقبل القبلة، فيحمد الله ويكبّره ويهلّله ويوحّده ويدعو، ولا يزال كذلك حتى يُسفر (١) جدًّا.\nعن جابر -﵁- في حديثه الطويل: \"أتى المزدلفة فصلّى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يُسبح بينهما شيئًا، ثمّ اضطجع رسول الله - ﷺ - حتى طلع الفجر، وصلّى الفجر حين تبيّن له الصبح بأذان وإِقامة، ثمّ ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام (٢)، فاستقبل القبلة، فدعاه وكبّره وهلله ووحدّه، فلم يزل واقفًا حتى أسفر جدًّا، فدفع قبل أن تطلع الشمس\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1247>فضل الوقوف في المشعر الحرام:</span>\nروى ابن المبارك عن سفيان الثوري عن الزبير بن عدي عن أنس بن مالك قال: \"وقف النّبيّ - ﷺ - بـ (عرفات) وقد كادت الشمس أن تؤوب؛ فقال: يا بلال! أنصت لي الناس، فقام بلال فقال: أنصتوا لرسول الله - ﷺ - فأنصت الناس\n_________\n(١) الإِسفار: إِضاءة الفجر إِضاءة تامّة.\n(٢) جبل معروف في المزدلفة.\n(٣) أخرجه مسلم: ١٢١٨، وتقدّم.","vol":"4","page":399},{"text":"فقال: معاشر الناس. أتاني جبرائيل آنفًا، فأقرأني من ربي السلام، وقال: إِنّ الله -﷿- غفر لأهل عرفات، وأهل المشعر، وضمن عنهم التبعات. فقام عمر ابن الخطاب فقال: يا رسول الله! هذا لنا خاصة؟ قال: هذا لكم ولمن أتى من بعدكم إِلى يوم القيامة. فقال عمر بن الخطاب: كثُر خير الله وطاب\" (١)!\n\nهل التحصِيب (٢) سُنّة؟\nعن عمر بن الخطاب -﵁- قال: \"من السّنّة النزول بـ (الأبطح) (٣) عشية النَّفْر\" (٤).\nقال شيخنا -﵀- في \"الصحيحة\" تحت الحديث (٢٦٧٥): ولقد بادرت إِلى تخريج هذا الحديث فور حصولي على نسخة مصوّرة من \"المعجم الأوسط\" لعزّته، وقلّة من أورده من المخرجين وغيرهم، ولكونه شاهدًا قويًا لما\n_________\n(١) انظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١١٥١)، وتقدّم.\n(٢) التحصيب: النزول بـ (المحصَّب) وهو الشعب الذي مخرجه إِلى الأبطح بين مكة ومنى. وهو أيضًا (خيف بني كنانة). قاله شيخنا -﵀- في \"الصحيحة\".\nوقال الخطابي -﵀-: التحصيب: هو أنّه إذا نفَر من منى إِلى مكة للتوديع؛ يقيم بالمحصّب حتى يهجع به ساعة ثم يدخل مكّة. \"عمدة القارئ\" (١٠/ ١٠٠).\nوقال النووي -﵀-: والمحصّب والحصْبة والأبطح والبطحاء وخَيْف بني كنانة اسم لشيء واحد.\n(٣) الأبطح: يعني أبطح مكّة، وهو مسيل واديها، ويجمع على البطاح والأباطح، ومنه قيل: قريش البطاح، هم الذين ينزلون أباطح مكّة وبطحاءها. \"النهاية\".\n(٤) أخرجه الطبراني في \"المعجم الأوسط\"، وانظر \"الصحيحة\" (٢٦٧٥).","vol":"4","page":400},{"text":"رواه مسلم (٤/ ٨٥) عن نافع أنّ ابن عمر كان يرى التحصيب سنّة.\nفكأنّ ابن عمر تلقّى ذلك من أبيه -﵄- فتقوّى رأيه بهذا الشاهد الصحيح عن عمر.\nوليس بخافٍ على أهل العلم أنّه أقوى في الدلالة على شرعية التحصيب من رأي ابنه؛ لما عُرف عن هذا من توسّعه في الاتباع له - ﷺ - حتى في الأمور التي وقعت منه - ﷺ - اتفاقًا لا قصدًا، والأمثلة على ذلك كثيرة، وقد ذكر بعضها المنذري في أول \"ترغيبه\" بخلاف أبيه عمر كما يدلّ على ذلك نهيه عن اتباع الآثار، فإِذا هو جزم أنّ التحصيب سنّة؛ اطمأن القلب إِلى أنه يعني أنّها سنّة مقصودة أكثر من قول ابنه بذلك، لا سيّما ويؤيّده ما أخرجه الشيخان عن أبي هريرة قال: قال لنا رسول الله - ﷺ - ونحن بمنى: \"نحن نازلون غدًا بخيفٍ بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر\".\nوذلك أنّ قريشًا وبني كنانة تحالفت على بني هاشم وبني المطلب أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم حتى يسلّموا إِليهم رسول الله - ﷺ -. يعني بذلك التحصيب. والسياق لمسلم. قال ابن القيم في \"زاد المعاد\": \"فقصد النّبيّ - ﷺ - إِظهار شعائر الإِسلام في المكان الذي أظهروا فيه شعائر الكفر، والعداوة لله ورسوله. وهذه كانت عادته -صلوات الله وسلامه عليه-: أن يقيم شعار التوحيد في مواضع شعائر الكفر والشرك كما أمر - ﷺ - أن يبني مسجد الطائف موضع اللات والعزّى\".\nوأما ما رواه مسلم عن عائشة أنّ نزول الأبطح ليس بسنّة، وعن ابن عباس","vol":"4","page":401},{"text":"أنّه ليس بشيء (١)، فقد أجاب عنه المحقّقون بجوابين:\nالأول: أنّ المثبت مقدّم على النافي.\nوالآخر: أنّه لا منافاة بينهما، وذلك أنّ النافي أراد أنّه ليس من المناسك فلا يلزم بتركه شيء، والمثبت أراد دخوله في عموم التأسي بأفعاله - ﷺ -، لا الإِلزام بذلك، قال الحافظ عقبه (٣/ ٤٧١):\n\"ويستحب أن يصلّي به الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ويبيت به بعض الليل كما دلّ عليه حديث أنس وابن عمر\".\nقلت -أي: شيخنا ﵀-: وهما في \"مختصري لصحيح البخاري\" (كتاب الحج/٨٣ - باب و١٤٨ - باب). انتهى.\nوجاء في \"الفتح\" (٣/ ٥٩١): \"وروى مسلم وأبو داود وغيرهما من طريق سليمان بن يسار. عن أبي رافع قال: \"لم يأمرني رسول الله - ﷺ - أن أنزل الأبطح حين خرج من منى، ولكن جئت فضربْتُ قبته فجاء فنزل\".\nلكن لما نزله النّبيّ - ﷺ - كان النزول به مستحبًا اتباعًا له لتقريره على ذلك، وقد فعَله الخلفاء بعده كما رواه مسلم من طريق عبد الرزاق عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: \"كان النّبيّ - ﷺ - وأبو بكر وعمر ينزلون الأبطح\"، وسيأتي للمصنف في الباب الذي يليه (٢) لكن ليس فيه ذكر أبي بكر، ومن طريق أخرى عن نافع عن ابن عمر أنه كان يرى التحصيب سنّة، قال\n_________\n(١) أي: ليس بنُسك من مناسك الحجّ كما قال عدد من العلماء.\n(٢) أي: باب ١٤٨ - باب النزول بذي طوُى والنزول بالبطحاء ...","vol":"4","page":402},{"text":"نافع: \"وقد حصب رسول الله - ﷺ - والخلفاء بعده\".\nفالحاصل أن من نفى أنّه سنّة كعائشة وابن عباس أراد أنّه ليس من المناسك فلا يلزم بتركه شيء.\nومن أثبته كابن عمر أراد دخوله في عموم التأسي بأفعاله - ﷺ -؛ لا الإِلزام بذلك، ويستحب أن يصلّي به الظهر والعصر والمغرب والعشاء ويبيت به بعض الليل؛ كما دل عليه حديث أنس، ويأتي نحوه من حديث ابن عمر في الباب الذي يليه.\nويأتي زمزم، فيشرب منها.\nفائدة: سألت شيخنا -﵀- عن النزول في المُحصب حين ينفر الحاج من منى إِلى مكة؟\nفقال -﵀-: \"مسألة خلافية بين الصحابة -﵃- منهم من رآها سنة، ومنهم من لم يرها\".\nقلت: وما تقدّم في \"السلسلة\" زيادة بيان وفائدة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1249>الرمي</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1250>مشروعيته:</span>\nعن ابن عباس -﵄- رفعه إِلى النّبيّ - ﷺ -: \"لما أتى إِبراهيم خليل الله المناسك؛ عرض له الشيطان عند جمرة العقبة، فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض، ثمّ عرض له عند الجمرة الثانية، فرماه بسبع حصيات","vol":"4","page":403},{"text":"حتى ساخ في الأرض، ثمّ عرض له عند الجمرة الثالثة، فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض.\nقال ابن عباس: الشيطان ترجمون، وملة أبيكم إِبراهيم تتبعون\" (١).\nوسألت شيخنا -﵀- عن قصّة ظهور الشيطان لصرف إِبراهيم -﵊- قبل الاطلاع على تصحيحه.\nفأجاب: نعم، لكن ليس هناك شيطان قابع ليرميَه الحُجَّاج، ولكنه تذكير بتلك الحادثة الجليلة\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1251>وجوبه:</span>\nعن جابر بن عبد الله -رضي لله عنه- قال: رأيت النّبيّ - ﷺ - يرمي على راحلته يوم النحر ويقول: لتأخذوا مناسككم؛ فإِني لا أدري لعلي لا أحجُّ بعد حَجّتي هذه\" (٢).\nوسألت شيخنا -﵀-: هل ترون وجوب رمي الجمار،؟\nفأجاب: نعم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1252>صفته:</span>\nويلتقط الحصيات (٣) التي يريد أن يرمي بها جمرة العقبة في منى، وهي\n_________\n(١) أخرجه ابن خزيمة في \"صحيحه\"، والحاكم -واللفظ له-، وصححه شيخنا -﵀- في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١١٥٦).\n(٢) أخرجه مسلم: ١٢٩٧.\n(٣) جاء في كتاب \"حجة النّبيّ - ﷺ -\" (ص ٨١): \" .. يجوز له أن يلتقط الحصى =","vol":"4","page":404},{"text":"آخر الجمرات وأقربهن إِلى مكة.\nويستقبل الجمرة، ويجعل مكة عن يساره، ومنى عن يمينه.\nويرميها بسبع حصيات مثل حصى الخَذْف، وهو أكبر من الحِمِّصَة قليلًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1253>الرفق في رمي الجمار وصفتها:</span>\nعن أم سليمان بن عمرو بن الأحوص قالت: رأيت رسول الله - ﷺ - يرمي الجمرة من بطن الوادي وهو راكب، يُكبّر مع كلّ حصاة، ورجل من خلفه يستره، فسألت عن الرجل، فقالوا: الفضل بن العباس، وازدحم الناس، فقال النّبيّ - ﷺ -: يا أيها الناس! لا يقتل بعضكم بعضًا، وإذا رميتم الجمرة؛ فارموا بمثل حصى الخَذْف\" (٢).\n_________\n= من حيث شاء، كما قال ابن تيمية -﵀-؛ وذلك لأن النّبيّ - ﷺ - لم يحدد لذلك مكانًا، وغاية ما جاء فيه حديث ابن عباس (وفي رواية: الفضل بن عباس) قال:\nقال لي رسول الله - ﷺ - غداة العقبة (وفي رواية: غداة النحر، وفي أخرى: غداة جمع) وهو على راحلته: هاتِ القُطْ لي. فلقطت له حصيات نحوًا من حصى الخذف، فلمّا وضعتهنّ في يده قال: مثل هؤلاء -ثلاث مرات-؛ وإياكم والغلو في الدين؛ فإِنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين\". أخرجه النسائي، وابن ماجه، وابن الجارود في \"المنتقى\" -والسياق له-، وابن حبان في \"صحيحه\"، والبيهقي، وأحمد بسند صحيح. فهذا مع كونه لا نص فيه على المكان؛ فهو يشعر بأن الالتقاط كان عند جمرة العقبة، على الرواية الثانية، وكذا الأولى وعليها أكثر الرواة .. فما يفعله كثير من الحجاج -من التقاط الحصيات من المزدلفة وحين وصولهم إِليها- خلاف السُّنّة، مع ما فيه من التكلّف لحمل الحصيات لكل يوم\".\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٧٢٩) وغيره، وانظر \"الصحيحة\" (٢٤٤٥).","vol":"4","page":405},{"text":"عن ابن عباس -﵄- قال: (قال رسول الله - ﷺ - غداة العقبة- وهو على ناقته-: أُلقُطْ لي حصًى. فلقطت له سبع حصيات، هنّ حصى الخذْف، فجعل ينفضهنّ في كفه ويقول: أمثال هؤلاء فارموا. ثمّ قال: يا أيها الناس! إِياكم والغلوّ في الدّين؛ فإِنه أهلك من كان قبلكم الغلوّ في الدّين\" (١).\nويكبر مع كلّ حصاة.\nْفعن جابر -﵁-: \"أن النّبيّ - ﷺ - كان يكبّر مع كلّ حصاة\" (٢).\nويقطع التلبية مع آخر حصاة.\nعن الفضل -﵁-: \"أنّ رسول الله - ﷺ - لم يزل يلبي حتى بلغ الجمرة\" (٣).\nولا يرميها إِلا بعد طلوع الشمس، ولو كان من النساء أو الضعفة الذين أبيح لهم الانطلاق من المزدلفة بعد نصف الليل، فهذا شيء، والرمي شيءآخر.\nعن جابر -﵁- قال: \"رمى رسول الله - ﷺ - الجمرة يوم النحر ضُحى، وأمّا بعدُ (٤)؛ فإِذا زالت الشمس\" (٥).\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢٤٥٥)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٢٨٦٣)، وانظر \"الصحيحة\" (١٢٨٣).\n(٢) أخرجه مسلم: ١٢١٨، وانظر حديث عبد الله بن مسعود -﵁- في \"صحيح البخاري\" (١٧٥٠)، و\"صحيح مسلم\" (١٢٩٦).\n(٣) أخرجه البخاري: ١٦٧٠، ومسلم: ١٢٨١.\n(٤) أي: أيام التشريق الثلاثة.\n(٥) أخرجه مسلم: ١٢٩٩.","vol":"4","page":406},{"text":"وعن ابن عباس -﵁- قال: قَدَّمَنَا رسول الله - ﷺ - ليلة المزدلفة أُغَيْلِمَة (١) بني عبد المطلب على حُمُرات (٢)؛ فجعل يَلْطَخُ (٣) أفخاذنا ويقول: أُبَينِيَّ! لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس\" (٤).\nقال شيخنا -﵀- في كتاب \"حجة النّبيّ - ﷺ -\" (ص ٨٠) -بتصرُّفٍ يسير-:\nوهنا تنبيهات:\nالأول: أنّه لا يجوز الرمي يوم النحر قبل طلوع الشمس، ولو من الضعفة والنساء الذين يرخص لهم أن يرتحلوا من المزدلفة بعد نصف الليل، فلا بد لهم من الانتظار حتى تطلع الشمس ثمّ يرمون، لحديث ابن عباس -﵁-: \"أن النّبيّ - ﷺ - قَدَّمَ أهله وأمَرهم أن لا يرموا جمرة العقبة حتى تطلع الشمس؛ وهو حديث صحيح بمجموع طرقه وصححه الترمذي، وابن حبان، وحسنه الحافظ في \"الفتح\" (٣/ ٤٢٢)، ولا يصلح أن يعارض بما في البخاري (٥): أنّ أسماء بنت أبي بكر رمت الجمرة ثمّ صلت الصبح بعد وفاة النّبيّ - ﷺ -.\n_________\n(١) أُغيلمَة: تصغير أغلِمة، جمع غلام. \"النهاية\".\n(٢) حُمُرات: جمع حُمُر، وحُمُر: جمع حمار. \"عون المعبود\" (٥/ ٢٨٩).\n(٣) قال الجوهري: اللطخ: الضرب اللين على الظهر ببطن الكف. \"عون المعبود\" (٥/ ٢٨٩) أيضًا.\n(٤) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٧١٠)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٧٠٩)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢٤٥١)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٢٨٧٠)، وانظر \"الإِرواء\" (٤/ ٢٤٦).\n(٥) ١٦٧٩، ومسلم: ١٢٩١.","vol":"4","page":407},{"text":"لأنه ليس صريحًا أنها فعلت ذلك بإِذن منه - ﷺ -؛ بخلاف ارتحالها بعد نصف الليل؛ فقد صرحت بأنّ النّبيّ - ﷺ - أذن بذلك للظُّعن (١)، فمن الجائز أنها فهمت -من هذا الإِذن- الإِذن أيضًا بالرمي بليل، ولم يبلغها نهيه - ﷺ - الذي حفظه ابن عباس -﵁-.\nالثاني: أن هناك رخصةً بالرمي في هذا اليوم بعد الزوال ولو إِلى الليل، فيستطيع أن يتمتع بها من يجد المشقة في الرمي ضحى، والدليل حديث ابن عباس أيضًا قال: \"كان النّبيّ - ﷺ - يُسألُ يوم النحر بمنى؟ فيقول: لا حرج. فسأله رجل، فقال: حلقت قبل أن أذبح؟ قال اذبح ولا حرج. قال: رميت بعد ما أمسيت؟ فقال: \"لا حرج\" (٢). وإلى هذا ذهب الشوكاني، ومن قبله ابن حزم، قال في \"المحلّى\": \"إِنما نهى النّبيّ - ﷺ - عن رميها ما لم تطلع الشمس من يوم النحر، وأباح رميها بعد ذلك، وإن أمسى، وهذا يقع على الليل والعشي معًا\".\nفاحفظ هذه الرخصة؛ فإِنها تنجيك من الوقوع في ارتكاب نهي الرسول - ﷺ - المتقدّم عن الرمي قبل طلوع الشمس، الذي يخالفه كثير من الحجاج بزعم الضرورة. انتهى كلام شيخنا -﵀-.\nقلت: وذكر بعض العلماء حديث عائشة أنها قالت: \"أرسل النّبيّ - ﷺ - بأمّ سلمة ليلة النحر؛ فرمت الجمرة قبل الفجر، ثمّ مضت فأفاضت، وكان ذلك\n_________\n(١) قال في \"الفتح\": \"جمع ظعينة، وهي المرأة في الهودج؛ ثمّ أطلق على المرأة مطلقًا. وانظر \"النهاية\" -إِن شئت- للمزيد من الفوائد اللغوية.\n(٢) أخرجه البخاري: ١٧٣٥، ومسلم: ١٣٠٦.","vol":"4","page":408},{"text":"اليومُ اليومَ الذي يكون رسول الله - ﷺتعني: عندها-!!\nوقد ضعّفه شيخنا -﵀- في \"ضعيف سنن أبي داود\" (٤٢٣).\nقال الحافظ شمس الدين ابن القيم -﵀- في \"تهذيب السنن\": \"قال ابن عبد البر: كان الإِمام أحمد يدفع حديث أم سلمة هذا ويضعفه. قال ابن عبد البر: وأجمع المسلمون على أنّ النّبيّ - ﷺ - إِنما رماها ضحى ذلك اليوم. وقال جابر: \"رأيت النّبيّ - ﷺ - يرمي الجمرة ضحى يوم النحر وحده، ورمى بعد ذلك بعد زوال الشمس\". أخرجه مسلم. وقال أبو داود: اختلفوا في رميها قبل طلوع الشمس، فمن رماها قبل طلوع الشمس لم يجزِهِ وعليه الإِعادة.\nقال ابن عبد البر: وحجته أن رسول الله - ﷺ - رماها بعد طلوع الشمس، فمن رماها قبل طلوع الشمس كان مخالفًا للسنة، ولزمه إِعادتها. قال: زعم ابن المنذر أنه لا يعلم خلافًا فيمن رماها قبل طلوع الشمس وبعد الفجر أنّه يجزئه، قال: ولو علمتُ أن في ذلك خلافًا لأوجبت على فاعل ذلك الإِعادة. قال: ولم يعلم قول الثوري؛ يعني: أنه لا يجوز رميها قبل طلوع الشمس، وهو قول مجاهد، وإبراهيم النخعي. فمقتضى مذهب ابن المنذر: أنه يجب الإِعادة على من رماها قبل طلوع الشمس، وحديث ابن عباس صريح في توقيتها بطلوع الشمس، وفعِله - ﷺ - متفق عليه بين الأمّة.\nفهذا فعله وهذا قوله، وحديث أم سلمة قد أنكره الإِمام أحمد وضعفه.\nوقال مالك: لم يبلغنا أن رسول الله - ﷺ - أرخص لأحد في الرمي قبل طلوع الفجر.\nقال الحافظ شمس الدين ابن القيم -﵀-: \"والحديث الذي أشار","vol":"4","page":409},{"text":"إِليه: هو ما في \"الصحيحين\" عن عبد الله مولى أسماء: أنها نزلت ليلة جَمْعٍ عند المزدلفة، فقامت تصلّي، فصلّت ساعة ثمّ قالت: يا بُنَيَّ! هل غاب القمر؟ قلت: نعم، قالت: فارتحلوا؛ فارتحلنا، فمضينا حتى رمت الجمرة، ثمّ رجعت فصلّت الصبح في منزلها، فقلت لها: يا هَنْتاه (١)! ما أرانا إِلا قد غَلَّسْنَا؟! قالت: يا بني! إِن رسول الله - ﷺ - أذن للظعن -وفي لفظ لمسلم: لظعنه-.\nوليس في هذا دليل على جواز رميها بعد نصف الليل، فإِن القمر يتأخر في الليلة العاشرة إِلى قبيل الفجر، وقد ذهبت أسماء بعد غيابه من مزدلفة إِلى منى، فلعلها وصلت مع الفجر أو بعده، فهي واقعة عين، ومع هذا فهي رخصة للظُّعن، وإِن دلت على تقدّم الرمي؛ فإِنما تدل على الرمي بعد طلوع الفجر. وهذا قول أحمد في رواية، واختيار ابن المنذر، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وأصحابهما\". انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1254>تأخير الرمي بعد الزوال ولو إِلى الليل:</span>\nوله أن يرميها بعد الزوال ولو إِلى الليل؛ إِذا وجد حرجًا في رميها قبل الزوال.\nعن ابن عباس -﵁-: \"كان النّبيّ - ﷺ - يُسْأَل يوم النحر بمنى؟ فيقول: لا حرج. فسأله رجل، فقال: حلقت قبل أن أذبح؟ قال: اذبح ولا حرج. وقال: رميت بعدما أمسيت؟ فقال: لا حرج\" (٢).\nقال أبو عيسى: \"حديث ابن عباس حديث حسن صحيح، والعمل على\n_________\n(١) أي: يا هذه. \"فتح\".\n(٢) أخرجه البخاري: ١٧٣٥، ومسلم: ١٣٠٦، وتقدّم.","vol":"4","page":410},{"text":"هذا الحديث عند أهل العلم، لم يروا بأسًا أن يتقدّم الضعفة من المزدلفة بليل يصيرون إِلى منى. وقال أكثر أهل العلم بحديث النّبيّ - ﷺ - إِنهم لا يرمون حتى تطلع الشمس، ورخص بعض أهل العلم في أن يرموا بليل، والعمل على حديث النّبيّ - ﷺ -؛ وهو قول الثوري والشافعي\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1255>جواز رميها راكبًا:</span>\nعن قدامة بن عبد الله قال: \"رأيت النّبيّ - ﷺ - يرمي الجمار على ناقته، ليس ضَرْبٌ ولا طَرْدٌ ولا: إِليك (٢) إِليك\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1256>فوائد في الرمي:</span>\n١ - سأل أحد الإِخوة شيخنا -﵀- عن مكان الرجم؟\nفأجاب: في الحوض، لا العمود.\n٢ - وسألته -﵀- قائلًا: إِذا رمى بعض الجمرات، ثمّ وجد زحامًا عند أخرى؛ وقد يكون ذلك لساعات، فهل يلزمه الإِعادة؟\nفأجاب: لا يلزمه الإِعادة.\n٣ - وسألته عن عدم ترتيب الجمرات جهلًا؟\n_________\n(١) انظر \"صحيح سنن الترمذي\" (١/ ٢٦٦).\n(٢) أي: لا يقول: إِليك إِليك، أي: ابتعد ابتعد. وإليك: اسم فعِل أمر.\n(٣) أخرجه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٧١١٨)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢٤٦١)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٢٨٦٤)، وقال شيخنا -﵀- في \"المشكاة\" (٢٦٢٣): وإسناده صحيح.","vol":"4","page":411},{"text":"فأجاب -﵀-: لا يؤثر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1257>التحلل الأوّل:</span>\nفإِذا انتهى من رمي الجمرة؛ حلّ له كلّ شيء إِلا النساء؛ ولو لم ينحر أو يحلق؛ فيلبس ثيابه ويتطيب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1258>الطِّيب بعد رمي الجمار </span>(١):\nعن عائشة -﵂- قالت: طيَّبْتُ رسول الله - ﷺ - بيديّ هاتين حين أحرم، ولحلّه حين أحلّ قبل أن يطوف -وبَسطت يديها-\" (٢).\nوهذا هو التحلل الأوّل.\nلكنْ عليه أن يطوف طواف الإِفاضة -وهو ركن- في اليوم نفسه، إِذا أراد أن يستمر في تمتعه المذكور؛ وإلا فإِنه إِذا أمسى ولم يطف؛ عاد محرمًا كما كان قبل الرمي، فعليه أن ينزع ثيابه ويلبس ثوبي الإِحرام، لقوله - ﷺ -: \"إِنّ هذا يوم رُخّص لكم -إِذا أنتم رميتم الجمرة- أن تَحلّوا من كُلّ ما حُرِمتم منه إِلا النساء، فإِذا أمسيتم قبل أن تطوفوا هذا البيت، صرتم حُرُمًا كهيئتكم قبل أن ترموا الجمرة، حتى تطوفوا به\" (٣).\n_________\n(١) هذا العنوان من \"صحيح البخاري\" (باب-١٤٣).\n(٢) أخرجه البخاري: ١٧٥٤، ومسلم: ١١٨٩، وانظر -للمزيد من النصوص والآثار- \"الإِرواء\" (٤/ ٢٣٦ - ٢٤٠).\n(٣) وهو حديث صحيح، وقد قواه جمع، منهم الإِمام ابن القيّم، كما بيّنه شيخنا - ﵀- في \"صحيح سنن أبي داود\" (١٧٤٥).\nثمّ قال -﵀-: \"ولما اطلع على هذا الحديث بعض أفاضل أهل العلم قبل ذيوع =","vol":"4","page":412},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1259>الذبح والنحر</span>\nثمّ يأتي المنحر في منى فينحر هديه، وهذا هو السُّنّة.\nلكن يجوز له أن ينحر في أي مكان آخر من منى، وكذلك في مكة؛ لقوله - ﷺ -: \"قد نحرت هاهنا، ومنى كلها منحر، فانحروا في رحالكم، ووقفت\n_________\n= الرسالة؛ استغربوه، وبعضهم بادر إِلى تضعيفه -كما كنت فعلت أنا نفسي في بعض مؤلفاتي بناءً على الطريق التي عند أبي داود! وهذه مع أنها قواها الإِمام ابن القيم في \"التهذيب\" والحافظ في \"التلخيص\" بسكوته عليه؛ فقد وجدت له طريقًا أخرى يقطع الواقف عليها بانتفاء الضعف عنه، وارتقائه إِلى مرتبة الصحة، ولكنها لما كانت في مصدر غير متداول عند الجماهير -وهو \"شرح معاني الآثار\" للإِمام الطحاوي- خفيت عليه كما خفيت عليّ من قبل، فلذلك بادروا إلى الاستغراب أو التضعيف.\nوشجّعهم على ذلك: أنهم وجدوا من قال من العلماء فيه: \"لا أعلم أحدًا من الفقهاء قال به\"! وهذا نفي، وهو ليس علمًا؛ فإِن من المعلوم عند أهل العلم؛ أن عدم العلم بالشيء لا يستلزم العلم بعدمه، فإِذا ثبت الحديث عن رسول الله - ﷺ - وكان صريح الدلالة كهذا؛ وجبت المبادرة إِلى العمل به، ولا يتوقف ذلك على معرفة موقف أهل العلم منه، كما قال الإِمام الشافعي:\n\"يُقْبَلُ الخبر في الوقت الذي يثبت فيه، وإن لم يَمْضِ عمل من الأئمة بمثل الخبر الذى قبلوا، إِن حديث رسول الله - ﷺ - يثبت بنفسه، لا يعمل غيره بعده\".\nقلت [أي: شيخنا -﵀-]: \"فحديث رسول الله - ﷺ - أَجَلُّ من أن يستشهد عليه بعمل الفقهاء به؛ فإِنه أصْل مستقل حاكم غير محكوم! ومع ذلك؛ فقد عمل بالحديث جماعة من أهل العلم؛ منهم عروة بن الزبير التابعي الجليل، فهل بعد هذا لأحد عذر في ترْك العمل به؟ ﴿إِن في ذلك لِذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد﴾.","vol":"4","page":413},{"text":"هاهنا؛ وعرفة كلها موقف، ووقفت هاهنا، وجَمع كلها موقف\" (١).\nوفي رواية: \"وكلّ فجاج مكة طريق ومنحر\" (٢).\nوالسّنّة: أن يذبح أو ينحر بيده إِن تيسر له؛ وإلا أناب عنه غيره.\nعن أنس -﵁- قال: \" .. ونحر النّبيّ - ﷺ - بيده سبع بُدْنٍ قيامًا\" (٣).\nويذبحها مستقبلًا بها القبلة (٤)، فيُضْجِعُها على جانبها الأيسر، ويضع قدمه اليمنى على جانبها الأيمن (٥).\nوأمّا الإِبل؛ فالسّنّة أن ينحرها وهي قائمة معقولة اليسرى، قائمةً على ما بقي من قوائمها.\nعن زياد بن جبير قال: \"رأيت ابن عمر -﵄- أتى على رجل\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ١٢١٨، وتقدّم.\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٧٠٧)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢٤٧٣).\n(٣) أخرجه البخاري: ١٧١٢.\n(٤) فيه حديث مرفوع عن جابر: عند أبي داود وغيره، مخرج في \"الإرواء\" (١١٣٨). وآخر عند البيهقي. وروي عن ابن عمر: أنه كان يستحب أن يستقبل القبلة إِذا ذبح. وروى عبد الرزاق بإِسناد صحيح عنه: أنه كان يكره أن يأكل ذبيحة ذبحت لغير القبلة.\n(٥) قال الحافظ (١٠/ ١٦): \"ليكون أسهل على الذابح في أخذ السكين باليمين،\nوإمساك رأسها بيده اليسار\".","vol":"4","page":414},{"text":"قد أناخ بدنته ينحرها، قال: ابعثها قيامًا مقيدة؛ سنةَ محمد - ﷺ -\" (١).\nوعن عبد الرحمن بن سابط: \"أنّ النّبيّ - ﷺ - وأصحابه كانوا ينحرون البدنة معقولة اليسرى قائمة على ما بقي من قوائمها\" (٢).\nووجهها قِبَل القبلة (٣).\nويقول عند الذبح أو النحر: بسم الله، والله أكبر، اللهم! إِن هذا منك ولك (٤)، اللهم! تقبل مني (٥).\nووقت الذبح أربعة أيام العيد: يوم النحر -وهو يوم الحج الأكبر (٦) - وثلاثة أيام التشريق؛ لقوله - ﷺ -: \"كل أيام التشريق ذبح\" (٧).\nوله أن يأكل من هديه، وأن يتزود منه إِلى بلده كما فعَل النّبيّ - ﷺ -.\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٧١٣، ومسلم: ١٣٢٠.\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٥٥٣).\n(٣) رواه مالك بسند صحيح عن ابن عمر موقوفًا. وعلقه البخاري بصيغة الجزم رقم (٣٣٠) من \"مختصر البخاري\".\n(٤) أخرجه أبو داود وغيره من حديث جابر. وله شاهد من حديث أبي سعيد الخدري رواه أبو يعلى، كما في \"المجمع\"، وهو مخرج في \"الإِرواء\" (١١١٨).\n(٥) انظر \"صحيح مسلم\" (١٩٦٧).\n(٦) علقه البخاري، ووصله أبو داود وغيره، \"صحيح سنن أبي داود\" ١٧٠٠ و(١٧٠١).\n(٧) أخرجه أحمد، وصححه ابن حبان، قال شيخنا -﵀-: \"وهو قوي عندى بمجموع طرقه، ولذلك خرجته في \"الصحيحة\" (٢٤٧٦) \".","vol":"4","page":415},{"text":"وعليه أن يُطعِم منها الفقراء وذوي الحاجة؛ لقوله تعالى: ﴿والبُدْنَ جعلناها لكم من شعائر الله (١) لكم فيها خير فاذكروا الله عليها صوافَّ (٢) فإِذا وجَبَت جنوبُها فكُلوا منها وأطعموا القانع (٣) والمعْتَرَّ (٤)﴾.\nويجوز أن يشترك سبعة في البعير أو البقرة.\nعن جابر -﵁- قال: \"حججنا مع رسول الله - ﷺ -، فنحرنا البعير عن سبعة، والبقرة عن سبعة\" (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1260>لا يُعطى الجزّار الأجرة من الهدي:</span>\nعن علي -﵁- قال: \"أمرني رسول الله - ﷺ - أن أقوم على بُدْنه، وأن أتصدّق بلحمها وجلودها وأجِلَّتها، وأن لا أُعطي الجزار منها، قال: نحن نعطيه من عندنا\" (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1261>من لم يجد هديًا:</span>\nفمن لم يجد هديًا؛ فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إِذا رجَع إِلى أهله.\n_________\n(١) وهو أنه جعَلها تُهدى إِلى بيته الحرام. \"ابن كثير\".\n(٢) أي: تصف بين يديها. \"ابن كثير\".\n(٣) القانع: السائل.\n(٤) المعتر: الذي يعترّ بالبُدن يطيف بها معترضًا لها من غني أو فقر.\n(٥) أخرجه مسلم ١٣١٨، وفي بعض الرويات الشاذّة: البدنة عن عشرة! أشار الى ذلك الذهبي في \"تلخيصه\"؛ وأفاده شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٤/ ٢٥٣).\n(٦) أخرجه البخاري: ١٧١٦، ومسلم: ١٣١٧ - واللفظ له-.","vol":"4","page":416},{"text":"ويجوز له أن يصوم في أيام التشريق الثلاثة؛ لحديث عائشة وابن عمر - ﵄- قالا: \"لم يُرخَّص في أيام التشريق أن يُصَمن؛ إلاَّ لمن لم يجد الهدي\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1262>الحلق أو التقصير:</span>\nثمّ يحلق رأسه كله أو يقصّره، والأول أفضل؛ لقوله - ﷺ -: \"اللهمّ! ارحم المحلّقين، قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟! قال: اللهم! ارحم المحلّقين. قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟! قال: والمقصرين\" (٢).\nوالسُّنّة أن يبدأ الحالق بيمين المحلوق.\nعن أنس بن مالك -﵁-: \"أنّ رسول الله - ﷺ - أتى منى فأتى الجمرة فرماها، ثمّ أتى منزله بمنى ونحر، ثمّ قال للحلاق: خذ. وأشار إِلى جانبه الأيمن ثمّ الأيسر، ثمّ جعل يعطيه للناس\" (٣).\nوالحلق خاصٌّ بالرجال دون النساء، وإنما عليهنّ التقصير؛ لقوله - ﷺ -: \"ليس على النساء حلق؛ إِنما على النساء التقصير\" (٤). فتجمع شعرها فتقص منه قدر الأنملة؛ وهي عقدة الإِصبع، أو المفْصِل الأعلى من الإِصبع الذي فيه الظُّفْر (٥).\n_________\n(١) أخرجه البخاري ١٩٩٧، ١٩٩٨.\n(٢) أخرجه البخاري: ١٧٢٧، ومسلم: ١٣٠١.\n(٣) أخرجه مسلم: ١٣٠٥.\n(٤) وهو حديث صحيح مخرج في \"الصحيحة\" (٦٠٥)، وأورده شيخنا -﵀- في \"صحيح سنن أبي داود\" (١٧٤٧).\n(٥) \"المعجم الوسيط\" بحذف.","vol":"4","page":417},{"text":"فائدة: سألت شيخنا -﵀- عن إِمرار الموسى على رأس الأصلع؛ كما يرى بعض العلماء؟\nفأجاب: \"إِذا كان يريد أن يفلق رأسه نصفين؛ فليفعل! \".\nويُسنّ للإِمام أن يخطب يوم النحر بمنى (١) بين الجمرات (٢) حين ارتفاع الضحى (٣)، يعلِّم الناس مناسكهم (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1263>طواف الإِفاضة</span>\nثمّ يُفيض من يومه إِلى البيت -وهو ركن- فيطوف به سبعًا كما تقدّم في طواف القدوم؛ إِلا أنه لا يضطبع ولا يرمل.\nعن عبد الله بن عباس -﵄-: \"أنّ النّبيّ - ﷺ - يرمل في السبع الذي أفاض فيه\" (٥).\nومن السُّنّة أن يصلّي ركعتين عند المقام، كما قال الزهري (٦)، وفعله ابن\n_________\n(١) انظر \"صحيح البخاري\" (١٧٣٩).\n(٢) رواه البخاري تعليقًا، ووصله أبو داود، انظر \"صحيح سنن أبي داود\" (١٧٠٠)، و\"الإِرواء\" (١٠٦٤).\n(٣) رواه أبو داود وغيره، انظر \"صحيح سنن أبي داود\" (١٧٠٩).\n(٤) رواه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٧١٠)، وغيره.\n(٥) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٧٦٢)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢٤٨٣).\n(٦) علقه البخاري، ووصله ابن أبي شيبة وغيره، راجع \"مختصر البخاري\" (١/ ٣٨٦) رقم (٣١٩).","vol":"4","page":418},{"text":"عمر (١)، وقال: على كل سَبْع (٢) ركعتان (٣).\nثمّ يطَّوَّف ويسعى بين الصفا والمروة كما تقدّم أيضًا؛ خلافًا للقارن والمفرد، فيكفيهما السعي الأول.\nوبهذا الطواف يحلّ له كلّ شيء حرُم عليه بالإِحرام، حتى نساؤه.\nويصلّي الظهر بمكة، وقال ابن عمر: بمنى (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1264>البيات في منى:</span>\nثمّ يرجع إِلى منى؛ فيمكث بها أيام التشريق بلياليها.\nويرمي فيها الجمرات الثلاث كلَّ يوم بعد الزوال، بسبع حصيات لكل جمرة، كما تقدّم في الرمي يوم النحر.\nعن جابر -﵁- قال: \"رمى رسول الله - ﷺ - الجمرة يوم النحر ضحى، وأما بعدُ فإِذا زالت الشمس\" (٥).\n_________\n(١) علقه البخاري، ووصله عبد الرزاق، \"مختصر البخاري\" (١/ ٣٨٦) رقم (٣١٨).\n(٢) بضم السين وفتحها.\n(٣) رواه عبد الرزاق بسند صحيح عنه.\n(٤) قال شيخنا -﵀-: \"والله أعلم أيهما فعَل رسول الله - ﷺ -؟! ويُحتمل أنه صلى بهم مرّتين: مرةً في مكة، ومرّة في منى، الأولى فريضة، والثانية نافلة، كما وقَع له في بعض حروبه - ﷺ -\".\n(٥) أخرجه مسلم: ١٢٩٩، وتقدّم.","vol":"4","page":419},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1265>القيام والدعاء ورفع اليدين بعد الرمي أيام التشريق:</span>\nويبدأ بالجمرة الأولى، وهي الأقرب إِلى مسجد الخيف، فإِذا فرَغ من رميها، تقدّم قليلًا عن يمينه، فيقوم مستقبلًا القبلة قيامًا طويلًا، ويدعو ويرفع يديه.\nثمّ يأتي الجمرة الثانية، فيرميها كذلك، ثمّ يأخذ ذات الشمال، فيقوم مستقبلا القبلة قيامًا طويلًا، ويدعو، ويرفع يديه.\nعن سالم عن ابن عمر -﵄-: \"أنّه كان يرمي الجمرة الدُّنيا بسبع حصيات؛ يُكبّر على إِثر كلّ حصاة، ثمّ يتقدّم؛ حتى يُسهل (١) فيقوم مستقبل القبلة، فيقوم طويلًا، ويدعو ويرفع يديه، ثمّ يرمي الوسطى، ثمّ يأخذ ذت الشمال فيُسهل (٢) ويقوم مستقبل القبلة، فيقوم طويلًا، ويدعو ويرفع يديه ويقوم طويلًا، ثمّ يرمي جمرة ذات العقبة من بطن الوادي، ولا يقف عندها، ثمّ ينصرف فيقول: هكذا رأيت النّبيّ - ﷺ - يفعله\" (٣).\nثمّ يأتي الجمرة الثالثة -وهي جمرة العقبة- فيرميها كذلك، ويجعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه، ولا يقف عندها.\nعن ابن عباس -﵄- قال: \"كان رسول الله - ﷺ - إِذا رمى جمرة العقبة؛ مضى ولم يقف\" (٤).\n_________\n(١) أي: يقصد السهل من الأرض وهو المكان المصطحب الذي لا ارتفاع فيه. \"فتح\".\n(٢) في بعض النُّسخ: فيستهلّ.\n(٣) أخرجه البخاري: ١٧٥١.\n(٤) أخرجه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢٤٥٩)، وانظر \"الصحيحة\" (٢٠٧٣).","vol":"4","page":420},{"text":"ثمّ يرمي اليوم الثاني، واليوم الثالث كذلك.\nوإن انصرف بعد رميه في اليوم الثاني، ولم يبت للرمي في اليوم الثالث جاز؛ لقوله تعالى: ﴿واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إِثم عليه ومن تأخر فلا إِثم عليه لمن اتقى﴾ (١)، لكن التأخر للرمي أفضل؛ لأنّه السُّنّة (٢).\nوالسّنّة الترتيب بين المناسك المتقدّمة: الرمي، فالذبح أو النحر، فالحلق، فطواف الإِفاضة، فالسعي للمتمتع؛ لكن إِنْ قدّم شيئًا منها أو أخَّر جاز؛ لقوله - ﷺ -: \"لا حرج، لا حرج\".\nعن عبد الله بن عمر: \"أنّ رسول الله - ﷺ - وقف في حجة الوداع؛ فجعلوا يسألونه، فقال رجل: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح؟ قال: اذبح ولا حرج. فجاء آخر فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي؟ قال: ارمِ ولا حرج. فما سُئل\n_________\n(١) البقرة: ٢٠٣.\n(٢) قال شيخ الإِسلام ابن تيمية: \"فإِذا غربت الشمس وهو بمنى؛ أقام حتى يرمي مع الناس في اليوم الثالث\".\nقال شيخنا -﵀-: وعليه جماهير العلماء، خلافًا لما ذهب إِليه ابن حزم في \"المحلى\" (٧/ ١٨٥)! واستدل لهم النووي بمفهوم قوله تعالى: ﴿فمن تعجل في يومين فلا إِثم عليه﴾ فقال في \"المجموع\" (٨/ ٢٨٣): \"واليوم اسم للنهار دون الليل\"؛ وبما ثبت عن عمر وابنه عبد الله قالا: من أدركه المساء في اليوم الثاني بمنى؛ فليقم إِلى الغد حتى ينفر مع الناس. ولفظ \"الموطإِ\" عن ابن عمر: لا ينفرون حتى يرمي الجمار من الغد\". وأخرجه عن مالك الإِمام محمد في \"موطَّئه\" (ص ٢٣٣ - \"التعليق الممجد\") وقال: \"وبهذا نأخذ، وهو قول أبي حنيفة والعامة\".","vol":"4","page":421},{"text":"يومئذ عن شيء قُدّم ولا أخّر إِلا قال: افعل ولا حرج\" (١).\nوفي رواية له: \"قال سمعت رسول الله - ﷺوأتاه رجل يوم النحر، وهو واقف عند الجمرة- فقال: يا رسول الله! إِني حلقت قبل أن أرمي؟ فقال: ارمِ ولا حرج. وأتاه آخر فقال: إِني ذبحت قبل أن أرمي؟ قال: ارمِ ولا حرج. وأتاه آخر فقال: إِني أفضت إِلى البيت قبل أن أرمي؟ قال: ارمِ ولا حرج، قال: فما رأيته سُئل يومئذٍ عن شيء؟ إلاَّ قال: افعلوا ولا حرج\" (٢).\nوعن ابن عباس -﵄-: \"أنّ النّبيّ - ﷺ - قيل له في الذبح، والحلق، والرمّي، والتقديم، والتأخير؟ فقال: لا حرج\" (٣).\nويجوز للمعذور في الرمي ما يأتي:\n١ - أن لا يبيت في منى؛ لحديث ابن عمر: \"استأذن العباس رسول الله - ﷺ - أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته؛ فأَذِن له\" (٤).\n٢ - وأن يجمع رمي يومين في يوم واحد؛ لحديث عاصم بن عدي قال: \"رخّص رسول الله - ﷺ - لرعاء الإِبل في البيتوتة: أن يرموا يوم النحر، ثمّ يجمعوا رمي يومين بعد النحر، فيرمونه في أحدهما\" (٥).\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٧٣٦، ومسلم: ١٣٠٦، وتقدّم.\n(٢) أخرجه مسلم: ١٣٠٦، وتقدّم.\n(٣) أخرجه مسلم: ١٣٠٧.\n(٤) أخرجه البخاري: ١٧٤٥، ومسلم: ١٣١٥.\n(٥) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٩٧٥)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٧٦٣)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٢٨٧٤)، وابن ماجه \"صحيح =","vol":"4","page":422},{"text":"٣ - وأن يرميَ في الليل؛ لقوله - ﷺ -: \"الراعي يرمي بالليل، ويرعى بالنهار\" (١).\nويشرع له أن يزور الكعبة، ويطوف بها كل ليلة من ليالي منى؛ لأنّ النّبيّ - ﷺ - فعَل ذلك (٢).\nويجب على الحاج في أيام منى أن يحافظ على الصلوات الخمس مع الجماعة، والأفضل أن يصلّي في مسجد الخَيف إِنْ تيسّر له؛ لقوله - ﷺ -: \"صلّى في مسجد الخَيف سبعون نبيًّا\" (٣).\nفإِذا فرَغَ من الرمي في اليوم الثاني أو الثالث من أيام التشريق؛ فقد انتهى من مناسك الحج، فينفر إِلى مكة، ويقيم فيها ما كتب الله له، وليحرص على أداء الصلاة جماعة، ولا سيما في المسجد الحرام؛ لقوله ﵊: \"صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه؛ إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه\" (٤).\n_________\n= سنن ابن ماجه\" (٢٤٦٣)، وهو مخرج في \"الإِرواء\" (١٠٨٠).\n(١) حديث حسن؛ أخرجه البزار، والبيهقي وغيرهما عن ابن عباس، وحسن إِسناده الحافظ، وله شواهد خرّجها شيخنا -﵀- في \"الصحيحة\" (٢٤٧٧).\n(٢) علقه البخاري (٢٨٧ - \"مختصر البخاري\")، ووصله جمع ذكرهم شيخنا - ﵀- في \"الصحيحة\" (٨٠٤).\n(٣) أخرجه الطبراني، والضياء المقدسي في \"المختارة\" وحسّن إِسناده المنذري، وانظر \"تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد\" (ص ١٠٦ - ١٠٧ - الطبعة الثانية- المكتب الإِسلامي).\n(٤) أخرجه أحمد وغيره من حديث جابر مرفوعًا بإِسناد صحيح، وصححه جمع =","vol":"4","page":423},{"text":"ويُكثر من الطواف والصلاة في أي وقت شاء من ليل أو نهار؛ لقوله - ﷺ - في الركنين الأسود واليماني: \"مَسْحُهما يحطّ الخطايا، ومن طاف بالبيت؛ لم يرفع قدمًا ولم يضع قدمًا؛ إِلا كتَب الله له حسنة، وحطّ عنه خطيئة، وكتَب له درجة، ومن أحصى أسبوعًا؛ كان له كعتق رقبة\" (١). وقوله: يا بني عبد مناف! لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت، وصلى أية ساعة من ليل أو نهار\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1266>طواف الوداع</span>\nسمّي بهذا الاسم؛ لأنّه لتوديع البيت، وهو طواف لا رمل فيه؛ وهو آخر ما يفعله الحاج -غير المكي- عند إِرادة السفر من مكة.\nأمّا المكي فإِنّه لا يشرع في حقّه. وأمّا الحائض؛ فإِنه يرخّص لها تركه، ولا يلزم بتركها له شيء (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1267>حُكمه:</span>\nوهو واجب؛ لأمر النّبيّ - ﷺ - بذلك، كما في الحديث المتقدّم: \"أُمِر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت\".\n_________\n= ذكرهم شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (١١٢٩).\n(١) أخرجه الترمذي وغيره، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم وغيرهم، وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١١٣٩).\n(٢) رواه أصحاب \"السنن\" وغيرهم، وصححه الترمذي والحاكم والذهبي، وهو مخرج في \"الإِرواء\" (٤٨١).\n(٣) \"فقه السّنّة\" (١/ ٧٥٢) -بتصرّف-.","vol":"4","page":424},{"text":"وكذلك نهي النّبيّ - ﷺ - أن ينفر أحد من غير طواف، وقوله: \"لا يَنْفرنّ ... \".\nوقوله - ﷺ - المتقدّم: \"رُخّص للحائض أن تصدر قبل أن تطوف ... \". ولو كان الطواف مستحبًّا؛ لما كان ثمّة فائدة من هذه الرُّخصة.\nوكذلك قوله: \"أحابستنا هي\"؛ لأنّ التطوّع لا يَحبِس أحدًا.\nفإِذا انتهى من قضاء حوائجه، وعزَم على الرحيل؛ فعليه أن يُودّع البيت بالطواف؛ لحديث ابن عباس قال: \"كان الناس ينصرفون في كل وجه، فقال رسول الله - ﷺ -: \"لا ينفرنّ أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت\" (١).\nوكانت المرأة الحائض قد أُمِرت أن تنتظر حتى تطهر لتطوف طواف الوداع (٢)، ثمّ رخص لها أن تنفر ولا تنتظر؛ لحديث ابن عباس أيضًا: \"أنّ النّبيّ - ﷺ - رخص للحائض أن تصدر قبل أن تطوف، إِذا كانت قد طافت طواف الإِفاضة\" (٣).\nوفي لفظ: \"أمِر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت؛ إلاَّ أنه خُفّف عن الحائض\" (٤).\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ١٣٢٧ وغيره، والبخاري نحوه: ١٧٥٥.\n(٢) ثبت هذا في حديث الحارث بن عبد الله بن أوس عند أحمد وغيره، وهو مخرج في \"صحيح سنن أبي داود\" (١٧٤٨).\n(٣) أخرجه أحمد بإِسناد صحيح على شرط الشيخين، وقد أخرجاه بنحوه، كما هو مبين في \"الإِرواء\" (١٠٨٦) [سيأتي عقب هذا الحديث -إِن شاء الله تعالى-]، وله شاهد من حديث عائشة عندهما، وهو مخرّج في \"صحيح سنن أبي داود\" (١٧٤٨).\n(٤) أخرجه البخاري: ١٧٥٥، ومسلم: ١٣٢٨.","vol":"4","page":425},{"text":"وعن عائشة -﵂-: \"أنّ صفية بنت حُيَيٍّ زوج النّبيّ - ﷺ - حاضت، فذكرت ذلك لرسول الله - ﷺ -؟ فقال: \"أحابستنا هي؟! قالوا: إِنها قد أفاضت؟ قال: فلا إِذًا\" (١).\nوله أن يحمل معه من ماء زمزم ما تيسر له؛ تبركًا به؛ فقد كان رسول الله - ﷺ - يحمله معه في الأدَواى (٢) والقِرَب، وكان يصبّ على المرضى ويسقيهم (٣).\nبل إِنّه كان يرسل وهو بالمدينة -قبل أن تفتح مكة- إِلى سهيل بن عمرو؛ أن: أهدِ لنا من ماء زمزم، ولا تترك؛ فيبعث إِليه بمزادتين (٤) \" (٥).\nفإِذا انتهى من الطواف؛ خرج كما يخرج الناس من المساجد؛ فلا يمشي القهقرى، ويخرج مقدمًا رجله اليسرى (٦) قائلًا: اللهم! صلِّ على محمّد وسلّم، اللهمّ! إِني أسألك من فضلك\".\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٧٥٧، ومسلم: ١٢١١.\n(٢) الأداوى: جمع الإِداوة: إِناء صغير من جلد؛ يتخذ للماء. \"النهاية\" بحذف.\n(٣) أخرجه البخاري في \"التاريخ\"، والترمذي -وحسنّه- من حديث عائشة -﵂- وهو مخرج في \"الصحيحة\" (٨٨٣).\n(٤) المزادَة: وعاء يحمل فيه الماء في السفر؛ كالقربة ونحوها، جمعها مَزاد\". \"الوسيط\".\n(٥) أخرجه البيهقي بإِسناد جيد عن جابر -﵁- وله شاهد مرسل صحيح في \"مصنف عبد الرزاق\"، وذكر شيخ الإِسلام ابن تيمية -﵀- أن السلف كانوا يحملونه.\n(٦) تقدّم.","vol":"4","page":426},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1268>خلاصة جامعة في الحجّ </span>(١)\n١ - الإِحرام في إِزار ورداء.\n٢ - لُبْسهما والتطيب قبله.\n٣ - الإِحرام من الميقات.\n٤ - إِحرام النفساء والحائض بعد الاغتسال.\n٥ - الإِحرام بحج وعمرة.\n٦ - الحج راكبًا.\n٧ - الحج بالنّساء والصبيان.\n٨ - التلبية بتلبية النّبي - ﷺ -، ورفع الصوت بها.\n٩ - فسْخ الحج ممن نواه مفردًا، أو قَرَن إِليه عمرة ولم يسُقِ الهدي.\n١٠ - طواف القدوم سبعة أشواط.\n١١ - الاضطباع فيها.\n١٢ - الرمل في الثلاث الأولى منه.\n١٣ - التكبير عند الحجر.\n١٤ - تقبيل الحجر الأسود أو استلام الركن اليماني في كل شوط.\n١٥ - صلاة ركعتين بعد الفراغ من الأشواط.\n_________\n(١) عن كتاب \"حجّة النّبيّ - ﷺ -\" لشيخنا -﵀- (ص ٩٤).","vol":"4","page":427},{"text":"١٦ - القراءة فيها بـ ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ و﴿قل هو الله أحد﴾.\n١٧ - صلاتهما خلف المقام.\n١٨ - الشرب من زمزم والصبّ منها على الرأس.\n١٩ - العود إِلى استلام الحجر الأسود.\n٢٠ - الوقوف على الصفا مستقبل القبلة.\n٢١ - ذِكْر الله عليها وتوحيده وتكبيره وتحميده وتهليله ثلاثًا.\n٢٢ - المشي بينها وبين المروة سبعًا.\n٢٣ - السعي بينهما في بطن الوادي في كل شوط.\n٢٤ - الوقوف على المروة.\n٢٥ - الذكر عليها كما فعَل على الصفا.\n٢٦ - ختم السعي على المروة.\n٢٧ - التحلل من الإِحرام من المتمتّع أو القارن الذي لم يسق الهدي؛ بقصّ الشعر وبلبس الثياب وغير ذلك.\n٢٨ - تحلل المتمتّع بقص الشعر لا الحلق.\n٢٩ - الإِهلال بالحج يوم التروية.\n٣٠ - الذّهاب إِلى منى والبيات فيها.\n٣١ - أداء صلاة الظهر وبقية الصلوات الخمس بها.\n٣٢ - التوجه منها بعد طلوع شمس يوم عرفة إِلى عرفات.","vol":"4","page":428},{"text":"٣٣ - النزول بنمرة عند عرفات.\n٣٤ - الجمع بين الظهر والعصر عندها جمع تقديم.\n٣٥ - الوقوف على عرفة مفطرًا.\n٣٦ - الخطبة في عرفة.\n٣٧ - استقبال القبلة رافعًا يديه يدعو على عرفة.\n٣٨ - التلبية على عرفة.\n٣٩ - الإِفاضة من عرفة بعد الغروب وعليه السكينة.\n٤٠ - الجمع بين المغرب والعشاء جمع تأخير في المزدلفة.\n٤١ - الأذان فيه بإِقامتين.\n٤٢ - ترْك السنة بين الصلاتين.\n٤٣ - البيات بها بدون إِحياء الليل.\n٤٤ - صلاة الفجر حين يتبيّن الفجر.\n٤٥ - الوقوف على المشعر الحرام منها مستقبل القبلة؛ داعيًا حامدًا مكبرًا مهللًا حتى الإِسفار جدًّا.\n٤٦ - الدفع منها قبل أن تطلع الشمس.\n٤٧ - الإِسراع قليلًا في بطن محسِّر.\n٤٨ - الذّهاب إِلى الجمرة من طريق أخرى غير طريق الذّهاب إِلى عرفات.\n٤٩ - رمي الجمرة الكبرى يوم النحر من بطن الوادي بسبع حصيات ضحى.","vol":"4","page":429},{"text":"٥٠ - الرمي بحصى الخذْف.\n٥١ - جواز رميها بعد الزوال.\n٥٢ - الرمي من بطن الوادي.\n٥٣ - التكبير مع كلّ حصاة.\n٥٤ - قطع التلبية عند رمي الجمرة.\n٥٥ - التحلُّلُ الحلَّ الأصغر بالرمي.\n٥٦ - الرمي في أيام التشريق بعد الزوال.\n٥٧ - نحْر القارن والمتمتع للهدي، فمن لم يجد؛ صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إِذا رجع.\n٥٨ - نحر البعير وكذلك البقرة عن سبعة.\n٥٩ - النحر في منى ومكة.\n٦٥ - الأكل من الهدي.\n٦١ - التطيب بعد الرمي.\n٦٢ - الحلق.\n٦٣ - البدء بيمين المحلوق.\n٦٤ - الخطبة يوم النحر.\n٦٥ - الإِفاضة لطواف الصدر (١) بدون رمل.\n_________\n(١) سمّي هكذا لأنّ الناس يصدرون إِلى مكة المكرّمة.","vol":"4","page":430},{"text":"٦٦ - سعي المتمتع بعد طواف الإِفاضة؛ خلافًا للقارن.\n٦٧ - ترتيب المناسك يوم النحر.\n٦٨ - الإِحلالُ بعده الحلَّ كلَّه.\n٦٩ - الشرب من زمزم عقب الفراغ من الطواف.\n٧٠ - الرجوع إِلى منى والمكث فيها أيام التشريق الثلاثة.\n٧١ - رمي الجمرات الثلاث في كل يوم منها بعد الزوال.\n٧٢ - الطواف للوداع بدون رمل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1269>العمرة المُفردَة</span>\nالعمرة في اللغة: الزيارة، وقيل: إِنها مشتقة من عمارة المسجد الحرام (١).\nوفي الشرع: زيارة البيت الحرام بشروط مخصوصة مذكورة في الفقه (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1270>فضلها:</span>\nعن أبي هريرة -﵁- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"العمرة إِلى العمرة كفّارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إِلا الجنة\" (٣).\nعن عبد الله بن مسعود -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"تابعوا\n_________\n(١) \"الفتح\" (٣/ ٥٩٧).\n(٢) \"النهاية\".\n(٣) أخرجه البخاري: ١٧٧٣، ومسلم: ١٣٤٩، وتقدّم.","vol":"4","page":431},{"text":"بين الحج والعمرة؛ فإِنهما ينفيان الفقر والذنوب، كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة ثواب إِلا الجنّة\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1271>حكمها:</span>\nالعمرة سُنّة، وذكر بعض العلماء أنها فرض! ولا دليل على ذلك (٢).\nوقال شيخ الإِسلام -﵀- في \"مجموع الفتاوى\" (٢٦/ ٥): \"والعمرة في وجوبها قولان للعلماء؛ هما قولان في مذهب الشافعي وأحمد، والمشهور منها وجوبها، والقول الآخر: لا تجب، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك.\nوهذا القول أرجح؛ فإِن الله بما أوجب الحج بقوله: ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ لم يوجب العمرة، وإنما أوجب إِتمامهما، فأوجب إِتمامهما لمن شرع فيهما، وفي الابتداء إِنما أوجب الحج، وهكذا سائر الأحاديث الصحيحة ليس فيها إِلا ايجاب الحج ... \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1272>جوازها قبل الحجّ وفي أشهره:</span>\nيجوز للمرء أن يعتمر في أي شهر من العام، كما يجوز له الاعتمار في أشهر الحج من غير أن يحجّ.\n_________\n(١) أخرجه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٦٥٠)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢٣٣٤)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٢٤٦٧ و٢٤٦٨)، وانظر \"الصحيحة\" (١٢٠٠)، و\"المشكاة\" (٢٥٢٤ و٢٥٢٥)، وتقدّم.\n(٢) أمّا حديث جابر -﵁-: أنّ النّبيّ - ﷺ - سئل عن العمرة: أواجبة هي؟ قال: لا، وأن يعتمروا هو أفضل\"! فإِنه ضعيف، انظر \"ضعيف سنن الترمذي\" (١٦١).","vol":"4","page":432},{"text":"عن ابن عباس -﵄- قال: \"كانوا (١) يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض، ويجعلون المحرم صَفَرًا (٢)، ويقولون: إِذا برأ الدَّبْر (٣)، وعفا الأثر (٤)، وانسلخ صَفَرْ، حلت العمرة لمن اعتمرْ! قدم النّبيّ - ﷺ - وأصحابه صبيحة رابعةٍ مُهلّين بالحجّ، فأمرهم أن يجعلوها عمرة، فتعاظم ذلك عندهم، فقالوا: يا رسول الله! أيُّ الحل؟ قال: حلٌّ (٥) كلّه\" (٦).\nوذهب بعض العلماء إِلى كراهتها في خمسة أيام: يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق الثلاثة!\nوسألت شيخنا -﵀- عن ذلك.\nفقال: لا دليل على المنع.\n_________\n(١) أي: أهل الجاهلية.\n(٢) هذا من النسيء الذي كانوا يفعلونه، فكانوا يؤخرون المحرم إِلى ما بعد صفر؛ لئلا يتوالى عليهم ثلاثة أشهر محرّمة تُضيِّق علِيهم أمورهم من الغارة وغيرها. \"نووي\" بتصرّف وحذف.\n(٣) يعنون: دبر ظهور الإبل بعد انصرافها من الحج؛ فإنها كانت تدبر بالسير عليها للحج. \"نووي\" أيضًا.\n(٤) وعفا الأثَر: أي: درس وامّحى والمراد: أثر الإِبل وغيرها في سيرها؛ عفا أثرها لطول مرور الأيام. هذا هو المشهور. وقال الخطابي: المراد أثر الدبر. والله أعلم، وهذه الألفاظ تقرأ كلها ساكنة الآخر، ويُوقَّف عليها؛ لأن مرادهم السجع\". \"نووي\" كذلك.\n(٥) وفي لفظ: الحِلُّ.\n(٦) أخرجه البخاري: ١٥٦٤، ومسلم: ١٢٤٠.","vol":"4","page":433},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1273>فضل العمرة في رمضان:</span>\nعن ابن عباس -﵄- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"عمرة في رمضان تقضي (١) حجة معي\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1274>عمرة التنعيم:</span>\nعن عبد الرحمن بن أبي بكر: أنّ النّبيّ - ﷺ - قال له: \"أردف أُختك عائشة فَأعْمرها من التنعيم، فإِذا هبطت الأكَمة فمُرها فلتُحرم؛ فإِنّها عُمرة متقبّلة\" (٣).\nقال شيخنا -﵀ في \"الصحيحة\" (٦/ ٢٦٠) تحت الحديث (٢٦٢٦) -بحذف-: \"وقد أخرجه البخاري (٣/ ٤٧٨)، ومسلم (٤/ ٣٥) من طريق أخرى عن عبد الرحمن بن أبي بكر مختصرًا.\nوكذلك أخرجاه من حديث عائشة نفسها.\nوفي رواية لهما عنها قالت: فاعتمرت، فقال: هذه مكان عمرتك\". وفي أخرى بنحوه قال: \"مكان عمرتي التي أدركني الحج ولم أحْلِلْ منها\".\nوفي أخرى: \"مكان عمرتي التي أمسكت عنها\".\nوفي أخرى: \"جزاءً بعمرة الناس التي اعتمروا\". رواها مسلم.\nوفي ذلك إِشارة إِلى سبب أمره - ﷺ - لها بهذه العمرة بعد الحج، وبيان ذلك:\n_________\n(١) أي: تقوم مقامها في الثواب. \"شرح النووي\".\n(٢) أخرجه البخاري: ١٨٦٣، ومسلم: ١٢٥٦.\n(٣) أخرجه الحاكم وأحمد وأبو داود وغيرهما، وانظر \"الصحيحة\" (٢٦٢٦).","vol":"4","page":434},{"text":"أنها كانت أهلّت بالعمرة في حجتها مع النّبيّ - ﷺ -: إِما ابتداءً أو فسخًا للحج إِلى العمرة (على الخلاف المعروف) (١)، فلما قدمتْ (سَرِفَ) -مكان قريب من مكة- حاضت، فلم تتمكن من إِتمام عمرتها والتحلل منها بالطواف حول البيت؛ لقوله - ﷺ - لها -وقد قالت له: إِني كنت أهللت بعمرة فكيف أصنع بحجتي؟ - قال: \"انقضي رأسك، وامتشطي، وأمسكي عن العمرة، وأهلّي بالحجّ، واصنعي ما يصنع الحاج؛ غير أن لا تطوفي ولا تصلّي حتى تطهري (وفي رواية: فكوني في حجّك، فعسى الله أن يرزقكيها) \".\nففعلت، ووقفت المواقف، حتى إِذا طهرت طافت بالكعبة والصفا والمروة، وقال لها - ﷺ -. -كما في حديث جابر-: \"قد حللتِ من حجَّك وعمرتك جميعًا\"، فقالت: يا رسول الله! إِنّي أجد في نفسي؛ أنّي لم أطف بالبيت حتى حججت، وذلك يوم النفر، فأبت، وقالت: أيرجع الناس بأجرين وأرجع بأجر؟\nوفي رواية عنها: يصدر الناس بنسكين وأصدُر بنسك واحد؟! (وفي أخرى: يرجع الناس (وعند أحمد (٦/ ٢١٩): صواحبي، وفي أخرى له (٦/ ١٦٥ و٢٦٦): نساؤك بعمرة وحجة، وأرجع أنا بحجة؟!).\nوكان - ﷺ - رجلًا سهلًا إِذا هويت الشيء تابعَها عليه، فأرسلها مع أخيها عبد الرحمن، فأهلت بعمرة من التنعيم.\nفقد تبيّن مما ذكرنا من هذه الروايات -وكلها صحيحة- أنّ النّبيّ - ﷺ - إِنما أمرها بالعمرة عقب الحج بديل ما فاتها من عمرة التمتع بسبب حيضها، ولذلك قال العلماء في تفسير قوله - ﷺ - المتقدّم: \"هذه مكان عمرتك\": أي:\n_________\n(١) ورجّح شيخنا -﵀- الأول، وانظر المصدر المذكور -إِن شئت-.","vol":"4","page":435},{"text":"العمرة المنفردة التي حصل لغيرها التحلل منها بمكة، ثمّ أنشأوا الحج مفردًا. إِذا عرفْتَ هذا؛ ظهر لك جليًّا أنّ هذه العمرة خاصة بالحائض التي لم تتمكن من إِتمام عمرة الحج، فلا تشرع لغيرها من النساء الطاهرات، فضلًا عن الرجال.\nومن هنا يظهر السرّ في إِعراض السلف عنها، وتصريح بعضهم بكراهتها، بل إِنّ عائشة نفسها لم يصحّ عنها العمل بها، فقد كانت إِذا حجّت تمكث إِلى أن يهلّ المحرم ثمّ تخرج إِلى الجُحْفَةِ فتحرم منها بعمرة، كما في \"مجموع الفتاوى\" لابن تيمية (٢٦/ ٩٢).\nوقد أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٣٤٤) بمعناه عن سعيد بن المسيب: أنّ عائشة -﵂- كانت تعتمر في آخر ذي الحجة من الجحفة.\nوإسناده صحيح.\nقال شيخ الإِسلام ابن تيمية في \"الاختيارات العلمية\" (ص ١١٩): \"يكره الخروج من مكة لعمرة تطوّع، وذلك بدعة لم يفعله النّبيّ - ﷺ -، ولا أصحابه على عهده، لا في رمضان ولا في غيره، ولم يأمر عائشة بها، بل أذن لها بعد المراجعة؛ تطييبًا لقلبها، وطوافه بالبيت أفضل من الخروج اتفاقًا، ويخرج عند من لم يكرهه على سبيل الجواز\".\nوهذا خلاصة ما جاء في بعض أجوبته المذكورة في \"مجموع الفتاوى\" (٢٦/ ٢٥٢ - ٢٦٣)، ثمّ قال (٢٦/ ٢٦٤): \"ولهذا كان السلف والأئمة ينهون عن ذلك، فروى وسعيد بن منصور في \"سننه\" عن طاوس -أجلّ","vol":"4","page":436},{"text":"أصحاب ابن عباس- قال: \"الذين يعتمرون من التنعيم؛ ما أدري أيؤجزون عليها أم يعذبون؟!\nقيل: فلِمَ يعذبون؟! قال: لأنّه يَدَع الطواف بالبيت، ويخرج إِلى أربع أميال ويجيء، وإلى أن يجيء من أربعة أميال [يكون] قد طاف مائتي طواف، وكلما طاف بالبيت كان أفضل من أن يمشي في غير شيء\". وأقرّه الإِمام أحمد. وقال عطاء بن السائب: \"اعتمرنا بعد بالحج، فعاب ذلك علينا سعيد ابن جبير\". وقد أجازها آخرون، لكن لم يفعلوها ... \".\nوقال ابن القيم -﵀- في \"زاد المعاد\" (١/ ٢٤٣): \"ولم يكن - ﷺ - في عُمره عمره واحدة خارجًا من مكة كما يفعل كثير من الناس اليوم، وإنما كانت عُمَره كلها داخلًا إِلى مكة، وقد أقام بعد الوحي بمكة ثلاث عشرة سنة، لم ينقل عنه أنه اعتمر خارجًا من مكة في تلك المدة أصلًا، فالعمرة التي فعَلها رسول الله - ﷺ - وشرعها فهي عمرة الداخل إِلى مكة، لا عمرة من كان بها فيخرج إِلى الحل ليعتمر.\nولم يفعل هذا على عهده أحد قط إِلا عائشة وحدها من بين سائر من كان معه؛ لأنّها كانت قد أهلّت بالعمرة فحاضت، فأمرها فأدخلت الحج على العمرة وصارت قارنة، وأخبرها أنّ طوافها بالبيت وبين الصفا والمروة وقع عن حجّتها وعمرتها، فوجدت في نفسها أن ترجع صواحباتها بحجّ وعمرة مستقلين -فإِنهن كنّ متمتعات ولم يحضْنَ ولم يَقْرِنّ- وترجع هي بعمرة في ضمن حجتها، فأمر أخاها أن يُعْمِرَها من التنعيم تطييبًا لقلبها، ولم يعتمر هو من التنعيم في تلك الحجة ولا أحد ممن كان معه\".","vol":"4","page":437},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1275>العمرة الرَّجَبِيَّة</span>!\nلم يَرد دليل في تخصيص العمرة في رجب، ويجوز من غير تخصيص؛ كما هو الشأن في سائر الشهور، لكن هناك من يعظّم العمرة في رجب إِلى حدٍّ كبير ويحرص ألا تفوته، وذلك نابع عن اعتقادِ أجرٍ خاصّ!\nعن مجاهد قال: \"دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد؛ فإِذا عبد الله بن عمر جالس إِلى حُجْرة عائشة، والنّاس يُصلّون الضحى في المسجد، فسألناه عن صلاتهم؟ فقال: بدعة (١). فقال له عروة: يا أبا عبد الرحمن! كم اعتمر رسول الله - ﷺ -؟ فقال: أربع عُمَر، إِحداهُنَّ في رجب.\nفكرهنا أنْ نكذّبه ونرُدَّ عليه، وسمعنا اسْتِنان عائشة في الحجرة، فقال عروة: ألا تسمعين يا أمّ المؤمنين! إِلى ما يقول أبو عبد الرحمن؟! فقالت: وما يقول؟ قال: يقول: اعتمر النّبيّ - ﷺ - أربع عمرٍ إِحداهنّ في رجب؟ فقالت: يرحم الله أبا عبد الرحمن! ما اعتمر رسول الله - ﷺ - إِلا وهو معه، وما اعتمر في رجب قطّ! \" (٢).\nوهذا لا يعني المنع في ضوء ما سبق في كلامي من جواز العمرة في كلّ الشهور، لكن القول بالأجر الخاص لا بد له من دليل خاص كأجر العمرة في رمضان.\n_________\n(١) هذا قد حمله القاضي وغيره على أن مراده أن إِظهارها في المسجد والاجتماع لها هو البدعة؛ لا أن أصل صلاة الضحى بدعة ... والله أعلم. \"نووي\".\n(٢) أخرجه البخاري: ١٧٧٦، ١٧٧٧، ومسلم: ١٢٥٥.","vol":"4","page":438},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1276>العمرة عن الرجل الذي لا يستطيع </span>(١):\nعن أبي رزين العقيلي: \"أنّه أتى النّبيّ - ﷺ - فقال: يا رسول الله! إِن أبي شيخ كبير، لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظَّعْنَ؟ قال: \"حُجَّ عن أبيك واعتمِر\" (٢).\nقال أبو عيسى -﵀-: \"هذا حديث حسن صحيح، وإنما ذُكرت العمرة عن النّبيّ - ﷺ - في هذا الحديث: أن يعتمر الرجل عن غيره. وأبو رزين العقيلي اسمه: لَقِيطُ بن عامر\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1277>فضائل المدينة النبويّة</span>\nعن أبي هريرة -﵁- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"إِن الإِيمان ليأرِزُ (٣) إِلى المدينة، كما تأرز الحية إِلى جحرها\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1278>فضل الموت بالمدينة النبوية:</span>\nعن ابن عمر -﵄- قال: قال النّبيّ - ﷺ -: \"من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها؛ فإِني أشفع لمن يموت بها\" (٥).\n_________\n(١) هذا العنوان من \"سنن النسائي\".\n(٢) أخرجه ابن ماجه، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٧٣٨).\n(٣) يأرز: أي: ينضمّ إِليها ويجتمع بعضه إِلى بعض فيها\". \"النهاية\".\n(٤) أخرجه البخاري: ١٨٧٦، ومسلم: ١٤٧.\n(٥) أخرجه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٣٠٧٦)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن\nماجه\" (٢٥٢٦).","vol":"4","page":439},{"text":"وعن عمر أنّه قال: \"اللهمّ! ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسولك\" (١).\nقلت: وقد كان ذلك بحمد الله -تعالى- وتوفيقه (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1279>استحباب شدّ الرحال إِلى المساجد الثلاثة:</span>\nعن أبي هريرة -﵂- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"لا تشدّ الرحال إِلا إِلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول - ﷺ -، ومسجد الأقصى\" (٣).\nوعن أبي ذر -﵁- قال: \"قلت: يا رسول الله! أي مسجد وضع في الأرض أول؟ قال: المسجد الحرام. قال: قلت: ثمّ أيّ؟ قال: المسجد الأقصى. قلت: كم كان بينهما؟ قال: أربعون سنة، ثمّ أينما أدركتك الصلاة بعد فصلّه؛ فإِن الفضل فيه\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1280>فضل الصلاة في المسجد النبوي:</span>\nعن جابر -﵁- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه؛ إِلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه\" (٥).\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٨٩٠.\n(٢) وانظر \"صحيح البخاري\" برقم (٣٧٠٠) (باب قصة البيعة والاتفاق على عثمان؛ وفيه مقتل عمر بن الخطاب -﵄-.\n(٣) أخرجه البخاري: ١١٨٩، ومسلم: ١٣٩٧.\n(٤) أخرجه البخاري: ٣٣٦٦، ومسلم: ٥٢٠.\n(٥) أخرجه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١١٥٥)، وتقدّم.","vol":"4","page":440},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1281>فوائد متعلّقة بالمسجد النبوي الشريف:</span>\n١ - لا يجوز شدّ الرّحال إِلى قبر النّبيّ - ﷺ -؛ للحديث المتقدّم: \"لا تشدّ الرحال إلاَّ إِلى ثلاثة مساجد ... \".\n٢ - لا يجوز التقبيل أو التمسح بالقبر الشريف.\nعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا (١)، وصلّوا عليّ؛ فإِن صلاتكم تبلغني حيث كنتم\" (٢).\n٣ - إِذا بلغ المرء قبر النّبيّ - ﷺ - وصاحبيه -﵄-، قال: \"السلام عليك يا رسول الله! ورحمة الله وبركاته، السلام عليك يا أبا بكر! السلام عليك يا عمر! كما كان ابن عمر يفعل، فإِن زاد شيئًا يسيرًا مما يُلْهَمُهُ ولا يلتزمه؛ فلا بأس -إِن شاء الله تعالى-\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1282>فضل ما بين القبر والمنبر </span>(٤):\nعن أبي هريرة -﵁- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"ما بين بيتي ومنبري\n_________\n(١) قال ابن القيم -﵀-: \" .. نهي لهم أن يجعلوه مجمعًا، كالأعياد التي يقصد الناس الاجتماع إِليها للصلاة، بل يزار قبره -صلوات الله وسلامه عليه- كما كان يزوره الصحابة -رضوان الله عليهم- على الوجه الذي يرضيه ويحبه، -صلوات الله وسلامه عليه-\". \"عون\" (٦/ ٢٣).\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٧٩٦)، وأحمد، وانظر \"المشكاة\" (٩٢٦)، و\"تحذير الساجد\" (ص ٩٦).\n(٣) انظر \"مناسك الحج والعمرة\" (ص ٥٨).\n(٤) هذا العنوان من \"صحيح البخاري\".","vol":"4","page":441},{"text":"روضة من رياض الجنّة، ومنبري على حوضي\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1283>لا يصح أن نقول: حرم المقدس أو حرم الخليل</span>.\nجاء في \"مجموع الفتاوى\" (٢٦/ ١١٧): \"وليس في الدنيا حرم -لا بيت المقدس، ولا غيره إلاَّ هذان الحرمان، ولا يسمى غيرهما حرمًا كما يسمي الجهال، فيقولون: حرم المقدس، وحرم الخليل؛ فإِن هذين وغيرهما ليسا بحرم باتفاق المسلمين، والحرم المجمع عليه: حرم مكة، وأمّا المدينة فلها حرم أيضًا عند الجمهور، كما استفاضت بذلك الأحاديث عن النّبيّ - ﷺ -، ولم يتنازع المسلمون في حرم ثالث: إِلا في \"وَجٍّ\"، وهو وادٍ بالطائف، وهو عند بعضهم حرم، وعند الجمهور ليس بحرم\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1284>استحباب إتيان مسجد قباء والصلاة فيه:</span>\nعن ابن عمر -﵄- قال: كان رسول الله - ﷺ - \"يأتي مسجد قباء كل سبت ماشيًا وراكبًا\" (٢).\nوعن سهل بن حُنيف قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من تطهر في بيته، ثمّ أتى مسجد قباء، فصلّى فيه صلاة؛ كان له كأجر عمرة\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1285>مشاركة حاضري المسجد الحرام في الجمع والقصر:</span>\nقال شيخ الإِسلام -﵀- في \"الفتاوى\" (٢٦/ ١٦٨): \"ومن سُنَّة\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١١٩٦، ومسلم: ١٣٩٠.\n(٢) أخرجه البخاري: ١١٩٣، ومسلم: ١٣٩٩.\n(٣) أخرجه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١١٦٠)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٦٧٥).","vol":"4","page":442},{"text":"رسول الله - ﷺ -: أنّه جمع بالمسلمين جميعهم بعرفة بين الظهر والعصر، وبمزدلفة بين المغرب والعشاء، وكان معه خلق كثير ممن منزله دون مسافة القصر من أهل مكة وما حولها، ولم يأمر حاضري المسجد الحرام بتفريق كل صلاة في وقتها، ولا أن يعتزل المكيّون ونحوهم فلم يصلوا معه العصر، وأن ينفردوا فيصلوها في أثناء الوقت دون سائر المسلمين؛ فإِن هذا مما يعلم بالاضطرار -لمن تتبع الأحاديث- أنه لم يكن، وهو قول مالك وطائفة من أصحاب الشافعي وأحمد، وعليه يدل كلام أحمد\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1286>استحباب التعجيل إِلى الأهل:</span>\nعن أبي هريرة -﵁- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"السفر قطعة من العذاب؛ يمنع أحدكم طعامه وشرابه ونومه، فإِذا قضى نَهْمَتَهُ (١)؛ فليُعجِّل إِلى أهله\" (٢).\nوعن عائشة -﵂- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"إِذا قضى أحدكم حجه؛ فليُعجِّل إِلى أهله؛ فإِنّه أعظم لأجره\" (٣).\n_________\n(١) النّهْمَة: بلوغ الهمّة في الشيء. \"النهاية\".\n(٢) أخرجه البخاري: ١٨٠٤، ومسلم: ١٩٢٧.\n(٣) أخرجه الدارقطني، والحاكم، وحسنه شيخنا -﵀- في \"الصحيحة\" (١٣٧٩).","vol":"4","page":443},{"text":"الموسوعة الفقهية الميسرة\nفي\nفقه الكتاب والسنة المطهرة\nالجزء الخامس\nكتاب النكاح والطلاق والحضانة\nبقلم\nحسين بن عودة العوايشة\nالمكتبة الإسلامية\nدار ابن حزم","vol":"5","page":1},{"text":"حقوق الطبع محفوظة للمؤلف\nالطبعة الأولى\n١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م\nالكتب والدراسات التي تصدرها الدار\nتعبر عن آراء واجتهادات أصحابها\nالمكتبة الإسلامية\nص ب: (١١٣) الجبيهة؛ هاتف ٥٣٤٢٨٨٧\nعمَّان - الأردن\nدار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع\nبيروت - لبنان - ص ب: ٦٣٦٦/ ١٤ - تليفون: ٧٠١٩٧٤","vol":"5","page":2},{"text":"الموسوعة الفقهية الميسرة\nفي\nفقه الكتاب والسنة المطهرة","vol":"5","page":3},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم","vol":"5","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1287>النِّكاح</span>","vol":"5","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1288>النِّكاح</span>\nتعريفه -في اللغة-: الضمّ والتداخُل (١).\nوفي الشرع: التزويج وربُّما عُبِّر به عن الغِشْيان نفسه (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1289>التَّرغيب في النكاح </span>(٣):\nلقد رغَّب الإِسلام في الزواج بصورٍ مُتعدِّدة للترغيب: فتارة يذكر أنَّه من سُنن الأنبياء، وهَدْي المرسلين، وأنّهم القادة الذين يجب علينا أن نقتدي بهُداهم: ﴿ولقد أَرْسَلنا رُسُلًا من قَبْلِك وجَعَلنا لهم أزواجًا وذُرِّيَّة﴾ (٤).\nوتارةً يذكره في معرض الامتنان: ﴿واللهُ جَعَلَ لكُم مِنْ أَنْفُسكُم أزواجًا وجَعَلَ لكم من أزواجكم بَنِينَ وحَفَدَةً وَرَزَقَكم من الطيِّبات﴾ (٥).\nوأحيانًا يتحدّث عن كونه آيةً من آيات الله: ﴿ومن آياته أن خَلَقَ لَكُم من أَنْفُسِكم أزواجًا لِتَسْكُنُوا إِليها وجَعَلَ بَيْنَكُم مَوَدَّةً ورَحْمَة إِنَّ في ذلك\n_________\n(١) \"فتح\" (٩/ ١٠٣).\n(٢) \"حلية الفقهاء\" (ص ١٦٥).\n(٣) عن \"فقه السُّنّة\" (٢/ ٣٢٦) بتصرّف.\n(تنبيه): من هذا العنوان حتى آخر كتابي \"الموسوعة الفقهية\"؛ سأعتمد -إِن شاء الله تعالى- في عَزْوِي إلى \"فقه السنة\" -طبعة \"الفتح للإِعلام العربي\"- مصر.\n(٤) الرعد: ٣٨.\n(٥) النحل: ٧٢.","vol":"5","page":7},{"text":"لآياتٍ لقوم يتفكرون﴾ (١).\nوقد يتردّد المرء في قَبول الزواج، فيُحْجِمُ عنه؛ خوفًا من الاضطلاع بتكاليفه، وهروبًا من احتمال أعبائه، فَيَلْفِتُ الإِسلام نظره إِلى أنّ الله سيجعل الزواج سبيلًا إِلى الغنى، ويمده بالقوة، التي تجعله قادرًا على التغلُّب على أسباب الفقر: ﴿وأَنْكِحُوا الأَيَامَى (٢) مِنْكُمْ والصَّالِحين من عِبَادكُمْ (٣) وإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِه (٤) واللهُ واسعٌ عليم﴾ (٥).\nعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ثلاثة حقٌّ على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتَب (٦) الذي يريد الأداء، والناكح الذي\n_________\n(١) الروم: ٢١.\n(٢) الأيامى: جمع أيّم، ويقال ذلك للمرأة التي لا زوج لها، وللرجل الذي لا زوجة له، وسواء كان قد تزوج ثمّ فارق، أو لم يتزوج واحد منهما. حكاه الجوهرى عن أهل اللغة، يقال: رجل أيّم، وامرأة أيّم أيضًا. \"تفسير ابن كثير\".\n(٣) أي: عبيدكم.\n(٤) قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: رغبهم الله في التزويج، وأمر به الأحرار والعبيد، ووعَدهم عليه الغنى، فقال: ﴿إِنْ يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله﴾. \"تفسير ابن كثير\".\n(٥) النور: ٣٢.\n(٦) المكاتَب: من الكتابة: وهي أن يكاتِب الرجل عبده على مال يؤدّيه إِليه مُنجْمًا، فإِذا أدّاه صار حرًّا، وسُمّيت كتابة لمصدر كَتَب، كأنه يكْتُب على نفسه لمولاه ثمنه، ويكتب مولاه له عليه العِتق، وقد كاتبه مُكاتبة، والعبد مكاتَب. وانظر \"النهاية\".","vol":"5","page":8},{"text":"يريد العفاف\" (١).\nوجاء في \"سنن النسائي\": (باب معونَةِ اللهِ الناكحَ الذي يُريد العفاف (٢» وذكر الحديث السابق.\nوعن عبد الله بن عمرو -﵁- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة\" (٣).\nوعن ثوبان قال: لمّا نزلت: ﴿والذين يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ﴾ (٤)، قال: كنّا مع رسول الله - ﷺ - في بعض أسفاره، فقال بعض الصحابة: أُنزلت في الذهب والفضة، لو عَلِمنا أيُّ المال خيرٌ فَنتَّخِذَهُ؟ فقال: \"أفضله لسان ذاكر، وقلب شاكر، وزوجة مؤمنة تعينه على إِيمانه\" (٥).\nْوعن سعد بن أبي وقاص -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"مِن سعادة ابن آدم ثلاثة، ومِن شِقْوَةِ ابن آدم ثلاثة. مِن سعادة ابن آدم: المرأة الصالحة، والمسكن الصالح، والمركب الصالح. ومِن شِقْوة ابن آدم: المرأة السوء،\n_________\n(١) أخرجه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (١٣٥٢)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢٠٤١)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٣٠١٧)، وانظر \"غاية المرام\" (٢١٠).\n(٢) انظر \"صحيح سنن النسائي\" (٢/ ٦٧٧).\n(٣) أخرجه مسلم: ١٤٦٧.\n(٤) التوبة: ٣٤.\n(٥) أخرجه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٢٤٧٠)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٥٠٥)، وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١٩١٣).","vol":"5","page":9},{"text":"والمسكن السوء، والمركب السوء\" (١).\nوعنه -﵁- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"ثلاث من السَّعادة: المرأة تراها تعجبك، وتغيب عنها فتأمنها على نفْسها ومالك، والدابّة تكون وَطِيئةً، فتُلحِقُك بأصحابك، والدار تكون واسعة كثيرة المرافق.\nوثلاث من الشقاء: المرأة ترأها فتسوؤك، وتحمل لسانها عليك، وإنْ غِبت لم تأمنها على نفسها ومالك، والدابّة تكون قَطُوفًا (٢)، فإِن ضربتها أتعبتك، وإِن تركتها لم تُلْحِقْك بأصحابك، والدار تكون ضيّقة قليلة المرافق\" (٣).\nوعن أنس -﵁- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"من رزقه الله امرأة صالحة، فقد أعانه على شطر دينه، فليتق الله في الشطر الباقي\" (٤).\nوفي رواية: \"إِذا تزوّج العبد؛ فقد استكمل نصف الدين، فليتق الله في النصف الباقي\" (٥).\n_________\n(١) أخرجه أحمد بإِسناد صحيح، والطبراني وغيرهما، وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١٩١٤)، و\"الصحيحة\" (١٠٤٧).\n(٢) القَطُوف من الدواب: التي تُسيء السير وتُبطئ، وقد يوصف بها الإنسان فيقال: هذا غلام قطوف. \"الوسيط\".\n(٣) أخرجه الحاكم وغيره، وحسنه شيخنا -﵀- في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١٩١٥)، وانظر \"الصحيحة\" (١٠٤٧).\n(٤) أخرجه الطبراني في \"الأوسط\" وغيره، وحسنه لغيره شيخنا -﵀- في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١٩١٦)، وانظر \"الصحيحة\" تحت الحديث (٦٢٥).\n(٥) أخرجه البيهقي، وحسنه لغيره شيخنا -﵀- في \"صحيح الترغيب =","vol":"5","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1290>حُكم الزواج:</span>\nيجب الزواج على كل شخص يخشى العنَت -وهو الوقوع في الزنى والفجور-.\nعن عبد الله بن مسعود -﵁- أنّ النّبيّ - ﷺ - قال: \"يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة (١) فليتزوج، فإِنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإِنه له وجاء (٢) \" (٣).\n_________\n= والترهيب\" (١٩١٦).\n(١) قال النووي -﵀-: \"واختلف العلماء في المراد بالباءة هنا على قولين، يرجعان إِلى معنى واحد، أصحهما أن المراد معناها اللغوي، وهو الجماع، فتقديره: من استطاع منكم الجماع لقدرته على مُؤَنِهِ، وهي مُؤَنُ النكاح فليتزوج، ومن لم يستطع الجماع لعجزه عن مؤنه؛ فعليه بالصوم ليدفع شهوته، ويقطع شرَّ منيِّه كما يقطعه الوجاء. وعلى هذا القول؛ وقع الخطاب مع الشبَّان الذين هم مَظِنَّة شهوة النساء، ولا ينفكّون عنها غالبًا. والقول الثاني: أن المراد هنا بالباءة مُؤَنُ النكاح، سُمّيت باسم ما يلازمها. وتقديره: من استطاع منكم مؤن النكاح فليتزوج، ومن لم يستطعها فليصم؛ ليدفع شهوته. والذي حمل القائلين بهذا على أنهم قالوا: قوله - ﷺ -. \"ومن لم يستطع فعليه بالصوم\"، قالوا: والعاجز عن الجماع لا يحتاج إِلى الصوم لدفع الشهوة، فوجب تأويل الباءة على المؤن. وأجاب الأولون بما قدّمناه في القول الأول وهو أن تقديره من لم يستطع الجماع؛ لعجزه عن مؤنه وهو محتاج إلى الجماع؛ فعليه بالصوم. والله أعلم\".\n(٢) جاء في \"النهاية\": \"الوجَاء: أن تُرَضّ أنثيا الفحل رضًّا شديدًا يُذهب شهوة الجماع ... \". وفي \"الفتح\" (٩/ ١١٠): \" ... وجأه بالسيف: إِذا طعنه به؛ ووجأ أنثييه؛ غمزهما حتى رضّهما\". وقال النووي -﵀-: \"المراد هنا: أنّ الصوم يقطع الشهوة، ويقطع شر المنيّ كما يفعله الوجاء\".\n(٣) أخرجه البخاري: ٥٠٦٦، ومسلم: ١٤٠٠.","vol":"5","page":11},{"text":"قال الحافظ ابن كثير بعد قوله -تعالى-: ﴿وأنكحوا الأيامى ...﴾: \"وقد ذهب طائفة من العلماء إِلى وجوبه، على كلّ من قدر عليه، واحتجوا بظاهر قوله - ﷺ -: \"يا معشر الشباب ... \" ... \".\nومن لم يستطع الباءة التي تقدّم ذِكرها فعليه بالصوم؛ لحديث عبد الله بن مسعود -﵁- المتقدّم: \"ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإِنّه له وجاء\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1291>الزواج الحرام </span>(١):\nيحرُم الزواج في حق من يُخِلّ بالزوجة في الوطء والإِنفاق، مع عدم قدرته عليه وتَوَقَانِهِ إِليه، قال الطبري: فمتى علم الزوج أنّه يعجز عن نفقة زوجته، أو صَداقها، أو شيء من حقوقها الواجبة عليه، فلا يحلّ له أن يتزوجها، حتى يُبيّن لها، أو يعلم من نفسه القدرة على أداء حقوقها.\nوكذلك لو كانت به علة تمنعه من الاستمتاع، كان عليه أن يبيّن؛ كيلا يغرَّ المرأة من نفسه، وكذلك لا يجوز أن يغرّها بنسب يدّعيه؛ ولا مال ولا صناعة يذكرها وهو كاذب فيها.\nوكذلك يجب على المرأة، إِذا علِمت من نفسها العجز عن قيامها بحقوق الزوج، أو كان بها علّة تمنع الاستمتاع؛ من جنون، أو جذام، أو برص، أو داءٍ في الفرج، لم يجُز لها أن تغرّه، وعليها أن تبيّن له ما بها في ذلك، كما يجب على بائع السلعة أن يبيّن ما بسلعته من العيوب.\n_________\n(١) هذا العنوان وما يتضمّنه من \"فقه السُّنّة\" (٢/ ٣٣٤) بتصرّف.","vol":"5","page":12},{"text":"ومتى وجَد أحد الزوجين بصاحبه عيبًا، فله الردّ، فإِنْ كان العيب بالمرأة ردّها الزوج، وأخذ ما كان أعطاها من الصَّداق.\nوسألتُ شيخنا -﵀-: إِذا اكتشف الرجل عيبًا بالمرأة يمنعه الاستمتاع، فهل له أخْذ ما أعطاها من الصّداق؟\nفأجاب -﵀-: إِذا جامعها؛ لا، وإِذا لم يجامعها فله ذلك.\n\nالنهي عن التبتّل (١) للقادر على الزواج:\nعن سعد بن أبي وقاص -﵁- قال: \"ردّ رسول الله - ﷺ - على عثمان بن مظعون التبتل (١)، ولو أذِن له لاختصينا\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1293>هل يقدّم الزواج على الحجّ</span>؟\nإِذا احتاج الشخص إِلى الزواج وخشي العنت؛ فإِنه يقدّمه على حجّة الإِسلام التي تجب عليه، وإلا قدّم الحجّ عليه.\n_________\n(١) قال النووي -﵀-: \"قال العلماء: التبتل هو الانقطاع عن النساء وترك النكاح؛ انقطاعًا إِلى عبادة الله. وأصل التبتل القطع، ومنه: مريم البتول، وفاطمة البتول؛ لانقطاعهما عن نساء زمانهما دينًا وفضلًا ورغبة في الآخرة. ومنه صدقة بتلة؛ أي: منقطعة عن تصرف مالكها. قال الطبري: التبتل هو ترك لذَّات الدنيا وشهواتها، والانقطاع إِلى الله -تعالى- بالتفرغ لعبادته. وقوله: \"رد عليه التبتل\" معناه: نهاه عنه. وهذا عند أصحابنا محمول على من تاقت نفسه إِلى النكاح ووجد مؤنه، وعلى من أضرّ به التبتل بالعبادات الكثيرة الشاقّة. أمّا الإِعراض عن الشهوات واللذات؛ من غير إِضرار بنفسه، ولا تفويت حق لزوجة ولا غيرها؛ ففضيلة ... \".\n(٢) أخرجه البخاري: ٥٠٧٣، ومسلم: ١٤٠٢.","vol":"5","page":13},{"text":"عن أبي هريرة﵁- عن النبيّ - ﷺ - قال: \"غزا نبيٌّ من الأنبياء، فقال لقومه: لا يَتبعْني رجل قد ملَك بُضع (١) امرأة وهو يُريد أن يبنيَ بها ولمّا يَبْنِ بها، ولا آخرُ قد بنى بُنيانًا ولمّا يرفَعْ سقُفَها ... \" (٢).\nجاء في \"الصحيحة\" تحت هذا الحديث (٢٠٢): \"قال ابن المنيِّر: يستفاد منه الردّ على العامّة في تقديمهم الحجّ على الزواج، ظنًّا منهم أنّ التعفّف إِنّما يتأكّد بعد الحجّ، بل الأولى أن يتعفّف ثمّ يحجّ\".\nوسألتُ شيخنا -﵀-: هل يقدّم الزواج على الحج؟\nفأجاب: إِذا خشي العنَت قدّمه، وإلا فلا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1294>في ذمِّ العِشْق:</span>\nقال ابن القيّم -﵀- في \"زاد المعاد\" (٤/ ٢٦٥) -بحذف-: \"هذا مرض من أمراض القلب، مخالف لسائر الأمراض في ذاته وأسبابه وعلاجه، وإذا تمكّن واستحكم، عزّ على الأطباء دواؤه، وأعْيَا العليلَ داؤُه، وإنما حكاه الله -سبحانه- في كتابه عن طائفتين من النّاس؛ من النّساء، وعُشّاق الصبيان المُردان، فحكاه عن امرأة العزيز في شأن يوسف، وحكاه عن قوم لوط، فقال -تعالى- إِخبارًا عنهم لمّا جاءت الملائكة لوطًا: ﴿وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧) قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (٦٩) قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (٧٠) قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٧١) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (٣).\n_________\n(١) البُضع: فرج المرأة.\n(٢) أخرجه مسلم: ١٧٤٧.\n(٣) الحجر: ٦٧ - ٧٢.","vol":"5","page":14},{"text":"نعم؛ كان رسول الله - ﷺ - يُحبُّ نِساءه، وكان أحبهنّ إِليه عائشة -﵂- ولم تكن تبلُغُ محبتُه -لها ولا لأحد سوى ربه- نهايةَ الحبّ.\nوعِشق الصور إِنما تُبتلى به القلوب الفارغة من محبة الله -تعالى-، المُعرضة عنه، المتعوّضة بغيره عنه، فإِذا امتلأ القلب من محبة الله والشوق إِلى لقائه، دفع ذلك عنه مَرَضَ عِشْق الصور، ولهذا قال -تعالى- في حقّ يوسف: ﴿كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إِنّه من عبادنا المُخلَصين﴾ (١)، فدل على أن الإِخلاص سبب لدفع العشق؛ وما يترتّب عليه من السوء والفحشاء التي هي ثمرته ونتيجته، فصرف المسبَّب صرف لسَبَبِهِ، ولهذا قال بعض السلف: العشق حركة قلب فارغ، يعني: فارغًا مما سوى معشوقه. قال -تعالى-: ﴿وأصبح فؤاد أمّ موسى فارغًا إِن كادت لتبدي به﴾ (٢) أي: فارغًا من كل شيء إِلا من موسى؛ لِفَرْطِ محبتها له، وتعلّق قلبها به.\nوالمحبة أنواع متعددة: فأفضلها وأجلها: المحبة في الله ولله، وهي تستلزم محبة ما أحبّ الله، وتستلزم محبة الله ورسوله.\nومنها: محبة الاتفاق في طريقةٍ، أو دينٍ، أو مذهب، أو نِحلة، أو قرابة، أو صناعة، أو مرادٍ ما.\nومنها: محبة لنيل غرض من المحبوب، إِمّا مِن جاهه أو من ماله أو مِن تعليمه وإرشاده، أو قضاء وَطَرٍ منه، وهذه هي المحبة العَرَضِيَّةُ التي تزول بزوال مُوجِبِها، فإِنَّ مَنْ ودَّك لأمرٍ ولّى عنك عند انقضائه.\n_________\n(١) يوسف: ٢٤.\n(٢) القصص: ١١.","vol":"5","page":15},{"text":"وأمّا محبةُ المشاكلة والمناسبة التي بين المحب والمحبوب، فمحبة لازمة لا تزول إِلا لعارض يُزيلها، ومحبة العشق من هذا النوع، فإِنها استحسان روحاني، وامتزاج نفساني، ولا يَعْرِضُ في شيء من أنواع المحبة -من الوسواس والنحول، وشغل البال، والتلف- ما يَعْرِضُ من العشق\". انتهى.\nقلت: وبهذا؛ فالعِشق مَشْغَلةٌ عن الله -سبحانه- الذي ينبغي أن يكون أحبَّ إِليك من نفسك ومالك والناس أجمعين.\nوهو عذابٌ لا يُؤجر المرء عليه، وقد يدفع بعضَ الناس إِلى الشرك بالله، وتقديم ذلك المحبوب على الله -تعالى- أو رسوله - ﷺ -. ولو قيل لبعضهم: لو طُلب منك الكُفر لِنَيْلِ محبوبك، أكنتَ فاعلَهُ؟ لقال: نعم! نعوذ بالله -تعالى- من الخِذلان.\nقال الشاعر:\nفما في الأرض أشقى من مُحِبٍّ ... وإِنْ وجَدَ الهوى حُلْوَ المذاقِ\nتراه باكيًا في كلّ حينٍ ... مخافةَ فُرقةٍ أو لاشتياقِ\nوالعِشق يوقع صاحبه في الذُّل؛ فإِنه لا يرضى إِلا بالمعشوق، فكلما تقدّم الخُطّاب -ومهما كانوا متحلّين بحُسن الدين والخُلُق-؛ كان الكذب في إِبداء المعاذير وردّهم.\nوخيرُ ما يفعله الشابُّ أو الشابّة؛ عدم التعلّق بمعشوق، والجِدّ والمثابرة في النكاح الصحيح؛ في ضوء قوله - ﷺ -: \"إِذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوِّجوه\" (١).\nمع إضافة ما يمكن الحصول عليه من الرغبة في الجمال ونحوه.\n_________\n(١) سيأتي تخريجه -إِن شاء الله تعالى-.","vol":"5","page":16},{"text":"وأنت تَرى أنّ كلّ عاشق يزعم أن عشيقته هي ملكة الجمال في كلّ من خلَق الله -تعالى- من نساء الأرض! وذلك لأنه صادف قلبًا خاليًا فتمكّن؛ كما في قول الشاعر:\nأتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبًا خاليًا فتمكّنا\nفليت أوّل لحظة من هذا تكون في فتاة فاضلة، بعد خِطبة شرعيّة وموافقة من الوليّ؛ ليكون تعلّقهما صحيحًا، وبذا يشعران بالغبطة والحبور والسرور والسعادة؛ عند المحادثة وعند اللقاء ونحو ذلك، فحَذارِ أن تعيش في سراب، ولا تتخيّر العذاب! جعلني الله وإِياك من أولي الألباب.\nومع رغبتي في الإِفاضة في الموضوع؛ أكتفي بهذا، ففي هذا ذكرى و﴿الذكرى تنفع المؤمنين﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1295>الرغبة عن الزواج:</span>\nومن المصائب الكُبرى التي ابتُلِيَتْ بها أمّتنا؛ الاستهتار بالنكاح، ولا تجدُ ثمّة تفكير عند الشباب فيه، والأسباب كثيرة؛ من أبرزها الحرص على الحصول على الشهادة -ولا أقول: الحرص على تلقّي العلم-، والكلام في هذا يطول، ولكن ملخّصه:\nإِنّ مناهج الحياة قد صُنعت لنا وفُرضت علينا من قِبَل الكَفرة والمشركين، وحَرص كثير من الناس على أخْذها بحبّ وقناعة، ومن ذلك النظام التعليمي، فالشباب والشابّات قد أَقْصَوْا عن تفكيرهم أمر الزواج؛ حتى يُنْهوا الدراسة الجامعية، واشترط بعضهم التخصص! واشترط كثيرٌ منهم ممارسة العمل والحصول\n_________\n(١) الذاريات: ٥٥.","vol":"5","page":17},{"text":"على الأموال الكثيرة، وماذا يكون من شأنهم وشأنهنّ خلال فترة الدراسة؟! أَيَقْضُونَهَا في غَضِّ بصرٍ وحِفْظ فرجٍ، أم صومٍ ليكون لهم وجاءً؟! وهناك من يلجأ إِلى الاستمناء (العادة السرية) ليطفئ حرارة شهوته.\nوقال لنا شيخنا -﵀- في بعض مجالسه:\nالعادة السرّية [الاستمناء] حرام، ولو خشي الزنى، والحَلُّ هو الزواج! وتلا قوله -تعالى-: ﴿... فَمَن ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلكَ فأولئِك هُمُ العَادُون﴾ (١).\nأقول: إِنّ في بلاد الكُفر إِباحة جنسية، ففي السنة السادسة الدراسية؛ تُدرّس الموادّ الجنسية، مع التطبيق العملي والوسائل المُعِينَةِ في ذلك!\nالجنس مُشاعٌ ميسَّر في كل وقت؛ فهم لا يعرفون الحرام.\nفكيف بنا نقلّدهم؟ ونكبِتُ الشباب والشابّات -هذا للعفيفين والعفيفات-؟! أما من ضعُف إِيمانه؛ فلا يسأل كيف يقضي شهوته؟ وبذلك تكون المعاهد والمجتمعات ملتقى العُشّاق والفُسَّاق!!\nكل هذا، وهذه التخصّصات الدراسية والعلمية؛ لم تُؤتِ أكُلها كما ينبغي، وكثير من الرّجال والنساء حصلوا على الشهادات، وأَنْهَوْا دراساتهم، ولكنْ هم أنفسهم على قناعةٍ أنهم لم يُفِيدُوا من دراساتهم ما يستحقّ الذِّكر.\nولكن أصبح من المُخزي -زعموا- ألا يُدرِّس الرجلُ ولدَه أو ابنتَهُ، وأمسى الرياءُ، وحبُّ الظهور، ومداراةُ المجتمع أمرًا بيِّنًا جليًّا.\nوأرجو أن يُيسَّر لهذه الأمّة من يجمع بين العِلم النافع وتيسير النكاح.\n_________\n(١) المؤمنون: ٧، المعارج: ٣١.","vol":"5","page":18},{"text":"وعلى كلّ حال: أريد أن أُذكّر بقول رسول الله - ﷺ -: \"مِن حُسن إِسلام المرء ترْكه ما لا يعنيه\" (١).\nفالإِنسان مسؤول أمام الله -تعالى- عن إِضاعة الوقت، وعن تأخير الزواج، وعن إِيقاع نفسه في الفتنة.\nولعلّنا نستطيع أن نتّخذ الشهادة والدراسة حُجَّةً أمام الناس. أمّا أمام الله -تعالى- فلا، وقد قال -سبحانه-: ﴿بَل الإِنْسَانُ على نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1296>اختيار الزّوجة:</span>\nومَنْ أقبَلَ على النكاح؛ فعليه أن يتحرّى في اختياره الزوجة ما يأتي:\n١ - أن تكون ذات دين؛ لحديث أبي هريرة -﵁- عن النّبي - ﷺ -\nقال: \"تُنكح المرأة لأربع: لمالها، ولِحسبها (٣)، ولجمالها، ولدينها، فأظفر بذات الدين تربت يداك (٤) \" (٥).\n_________\n(١) أخرجه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (١٨٨٦)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٣٢١١)، وصححه شيخنا -﵀- في \"العقيدة الطحاوية\" (٢٦٨).\n(٢) القيامة: ١٤ - ١٥.\n(٣) \"أي: لشرفها، والحسب في الأصل: الشرف بالآباء وبالأقارب، مأخوذ من الحساب، لأنهم كانوا إِذا تفاخروا عدّوا مناقبهم ومآثر آبائهم وقومهم وحسبوها؛ فيُحكم لمن زاد عدده على غيره ... \". \"فتح\" (٩/ ١٣٥).\n(٤) \"تربت يداك؛ أي: لصقتا بالتراب، وهي كناية عن الفقر، وهو خبر بمعنى الدعاء، لكن لا يُراد به حقيقته ... \". \"فتح\".\n(٥) أخرجه البخاري: ٥٠٩٠، ومسلم: ١٤٦٦.","vol":"5","page":19},{"text":"وفي الحديث: \"الحسب: المال\" (١).\nوفي رواية: \"إِنّ أحساب النّاس بينهم هذا المال\" (٢).\n٢ - أن تكون وَلُودًا وَدُودًا:\nلحديث معقل بن يسار -﵁- أنّ النّبيّ - ﷺ - قال: \"تزوّجوا الوَدُودَ الوَلوُدَ، فإِني مُكاثر بكم الأمم\" (٣).\n٣ - أن تكون حانية على ولدها، وراعية على زوجها:\nعن أبي هريرة -﵁- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"خير نساء ركبن الإِبل: صالحُ (٤) نساءِ قريش، أحناه (٥) على ولد في صِغره، وأرعاه على زوج (٦) في ذات يد\" (٧).\n_________\n(١) أخرجه الترمذي، وابن ماجه، والدارقطني، وصححه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (١٨٧٠).\n(٢) انظر \"الإِرواء\" (١٨٧١).\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٨٠٥)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٣٠٢٦)، والحاكم، وانظر \"الإِرواء\" (١٧٨٤)، و\"آداب الزفاف\" (ص ١٣٢).\n(٤) قال الحافظ -﵀-: \"المراد بالصلاح هنا: صلاح الدين وحُسن المخالطة مع الزوج ونحو ذلك\".\n(٥) الحانية: التي تقيم على ولدها، ولا تتزوّج شفقة وعطفًا. \"النهاية\".\n(٦) \"أرعاه على زوج؛ أي: أحفظ وأصون لماله بالأمانة فيه، والصيانة له وترك التبذير في الإِنفاق\". \"فتح\".\n(٧) أخرجه البخاري: ٥٠٨٢، ومسلم: ٢٥٢٧.","vol":"5","page":20},{"text":"وهذا -وما قبله من معرفتها وَدُودًا وَلُودًا- إِنما يتمُّ بالاستفسار عن بيئتها وأهل بيتها.\nوفي بعض مجالس شيخنا -﵀- كان أحد الإِخوة من المغرب يتكلّم مُبالِغًا حول لقاء الخطيبَين وحوارهما ومناقشتهما ... إِلخ فقال له شيخنا -﵀-: كيف تعرف أنها وَلُود، هل تقول لها: هل أنتِ وَلُود؟! قال: لا؛ أسأل عن أمّها وأخواتها، قال شيخنا -﵀-: وكذلك هل تقول لها: هل أنت وَدُود؟! انتهى.\nقلت: ولا مانع من اللقاء فيما لا بُدَّ منه؛ وممّا فيه مصلحة النّكاح، دون مبالغة وإِسراف.\n٤ - ويفضّل أن تكون بِكرًا:\nعن جابر بن عبد الله -﵄- قال: \"هَلَكَ أبي، وترك سبع بنات -أو تسع بنات-، فتزوجتُ امرأة ثيِّبًا، فقال لي رسول الله - ﷺ -: تزوجتَ يا جابر؟! فقلت: نعم، فقال: بكرًا أم ثيّبًا؟ قلت: بل ثيّبًا، قال: فهلا جارية تُلاعِبها وتُلاعِبك، وتُضاحكهَا وتُضاحكك؟ قال: فقلت له: إِنّ عبد الله هَلَكَ وترك بنات، وإِني كَرِهْتُ أنْ أجِيئهنّ بمثلهن، فتزوجتُ امرأة تقوم عليهن وتُصلحهن، فقال: بارك الله لك -أو خيرًا-\" (١).\nوللإِنسان اختيار الزوجة الجميلة أو اشتراطها عند النكاح، لأنه يعمل عملَهُ في غضّ البصر وتحصين الفرج.\nعن عبد الله بن مسعود عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"إِنّ الله جميل يحب\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٥٣٦٧، ومسلم: ٧١٥.","vol":"5","page":21},{"text":"الجمال\" (١).\nوقال - ﷺ -: \"عليكم بالأبكار؛ فإِنهنّ أعذبُ أفواهًا، وأنتقُ أرحامًا، وأرضى باليسير\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1297>التقارُب في السِّنِّ:</span>\nعن بريدة قال: خطب أبو بكر وعمر فاطمة -﵃-، فقال رسول الله - ﷺ -: \"إِنها صغيرة. فخطبها عليّ، فزوّجها منه\" (٣).\nولكن؛ لا نجعل هذا التقارُب عائقًا إِن لم يتيسّر؛ فالموازنة في المصالح أمرٌ لا بُدّ منه.\nوهذا لا يمنع من تزويج الصغيرة من الكبير! واقرأ العنوان الآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1298>تزويج الصغار من الكبار </span>(٤):\nعن عائشة -﵂- قالت: \"تزوّجني النّبيّ - ﷺ - وأنا بنتُ ستِّ سنين، فقدمنا المدينة، فنزلنا في بني الحارث بن الخزرج، فوُعِكتُ، فتمزّق شعري (٥)، فوَفَى جُمَيْمَةً (٦)، فأتتني أمّي أمُّ رومان -وإني لفي أرجوحة ومعي\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ٩١.\n(٢) أخرجه ابن ماجه وغيره، وانظر \"الصحيحة\" (٦٢٣).\n(٣) أخرجه النسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٣٠٢٠)، وغيره.\n(٤) هذا العنوان من \"صحيح البخاري\".\n(٥) فتمزّق شعري؛ أي: تقطع. \"فتح\".\n(٦) فوفى جُمَيْمَةً؛ أي: كثر. وجُمَيْمَة: مجتمع شعر الناصية، ويقال للشعر إذا سقط على المنكبين: جُمّة. \"فتح\".","vol":"5","page":22},{"text":"صواحب لي -فصرخَت بي، فأتيتها- لا أدري ما تريد بي؟ -، فأخذت بيدي حتى أوقفتني على باب الدار، وإني لأنْهَجُ، حتى سكن بعض نَفَسِي، ثمّ أخذت شيئًا من ماء، فمسحت به وجهي ورأسي، ثمّ أدخلتني الدار، فإِذا نسوة من الأنصار في البيت، فقلن: على الخير والبركة، وعلى خير طائرٍ، فأسلمتني إليهنّ، فأصلحن من شأني، فلم يرُعني إِلا رسول الله - ﷺ - ضُحىً، فأسلمتني إِليه، وأنا يومئذ بنت تسع سنين\" (١).\nوعنها -﵂- أيضًا: \"أنّ النّبيّ - ﷺ - تزوجها وهي بنت ست سنين، وأُدخلت عليه وهي بنت تسع، ومكثت عنده تسعًا\" (٢).\nوفي لفظ عند مسلم (٣): \"ومات عنها وهي بنت ثمان عشرة\".\nوهذا فيه حكمة بالغة، فليس هناك من اضطرار للصغيرة لانعدام الكبيرات مثلًا، ولكن ليكون حكمًا شرعيًّا يُفِيُد منه المسلمون، فتدبّر.\nواستدلّ البخاري -﵀- على نكاح الصغار بقوله -تعالى-: ﴿وَاللائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ (٤)، وقال: \"فجعَل عدتها ثلاثة أشهر قبل البلوغ\" (٥).\nقال الحافظ في \"الفتح\" (٩/ ١٩٠): \"فدلّ على أنّ نكاحها قبل البلوغ\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٣٨٩٤، ومسلم: ١٤٢٢.\n(٢) أخرجه البخاري: ٥١٣٣.\n(٣) برقم: ١٤٢٢.\n(٤) الطلاق: ٤.\n(٥) انظر \"صحيح البخاري\" (كتاب النكاح) \"باب - ٣٨\".","vol":"5","page":23},{"text":"جائز، وهو استنباط حَسَن .. \".\nوقال لي شيخنا -﵀- عن نكاح الصغار -مجيبًا عن سؤالي-: هل المقصود بالصغيرة التي لا تصلح للاستبضاع والتمتّع بها، أم المقصُود التي لم تبلغ سنّ الرُّشد؟ وأنا أُفرِّق بين الأمرين؛ فإِذا كان السؤال متوجهًا إِلى من لا تصلح أن يتمتّع بها الزوج العاقد عليها لصِغَر سنّها؛ فيمكن أن يُقال بأنّ العقد ليس صحيحًا. أمّا إِذا كانت عاقلة وراشدة، لكنها لَمْ تَحِض؛ فعندنا أدلَّة كثيرة على الجواز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1299>أيّ النساء خير</span>؟\nعن أبي هريرة -﵁- قال: قيل لرسول الله - ﷺ -: أيّ النساء خير؟ قال: \"التي تسُرّه إِذا نظر، وتطيعه إِذا أمر، ولا تخالفه فى نفسها ومالها بما يكره\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1300>اختيار الزوج:</span>\nعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إِذا أتاكم مَن ترضون خُلُقه ودينه فزوّجوه، إِلا تفعلوا تكن فتنةٌ في الأرض وفساد عريض\" (٢).\n_________\n(١) أخرجه أحمد، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٣٠٣٠) وغيرهما، وحسّنه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (١٧٨٦).\n(٢) أخرجه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي، (٨٦٦)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٦٠١)، والحاكم وغيرهم، وانظر \"الصحيحة\" (١٠٢٢)، و\"الإِرواء\" (١٨٦٨).","vol":"5","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1301>عرْض الإِنسان ابنتَه أو أختَه على أهل الخير </span>(١):\nعن عبد الله بن عمر -﵄-: \"أنّ عمر بن الخطاب حين تأيّمت (٢) حفصة بنت عمر من خُنيس بن حُذافة السهميّ -وكان من أصحاب رسول الله - ﷺ - فتوفِّي بالمدينة-، فقال عمر بن الخطاب: أتيت عثمان بن عفان فعرضتُ عليه حفصة، فقال: سأنظر في أمري، فلبثتُ لياليَ، ثمّ لقيني فقال: قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا! قال عمر: فلقيت أبا بكر الصديق فقلت: إِن شئت زوجتُك حفصة بنت عمر، فصَمَتَ أبو بكر، فلم يرجع إِليّ شيئًا، وكنت أَوْجَدَ عليه منِّي على عثمان، فلبثتُ لياليَ، ثمّ خطَبها رسول الله - ﷺ -، فأنكحْتُها إِياه، فلقيني أبو بكر، فقال: لعلك وجدتَ عليّ حين عرضتَ عليّ حفصة فلم أرجع إِليك شيئًا (٣)؟ قال عمر: قلت: نعم، قال أبو بكر: فإِنه لم يمنعني أن أرجع إِليك فيما عرضت عليّ إلاَّ أني كنت علمت أن رسول الله - ﷺ - قد ذكرها، فلم أكن لأُفْشِيَ سِرَّ رسول الله - ﷺ -، ولو تركها رسول الله - ﷺ - قَبِلْتُها\" (٤).\nقال الحافظ -﵀- في \"الفتح\" (٩/ ١٧٨): \" ... وفيه أنه لا بأس\n_________\n(١) هذا العنوان من \"صحيح البخاري\" (كتاب النكاح) \"باب - ٣٣\".\n(٢) \"تأيمّت؛ أي: صارت أيّمًا، وهي التي يموت زوجها أو تبين منه وتنقضي عدتها، وأكتر ما تُطْلَق على من مات زوجها، وقال ابن بطال: العرب تُطْلِق على كل امرأة لا زوج لها وكل رجل لا امرأة له أيِّمًا\". \"فتح\".\n(٣) أي: أعدْ عليك الجواب. \"فتح\".\n(٤) أخرجه البخاري: ٥١٢٢.","vol":"5","page":25},{"text":"بعرضها عليه، ولو كان متزوّجًا؛ لأنّ أبا بكر كان حينئذ متزوّجًا\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1302>التَّزْيين للتنفيق والتّرغيب في النكاح:</span>\nعن عائشة -﵂- قالت: \"عَثَرَ أسامةُ بِعَتَبَةِ الباب، فشُجّ في وجهه، فقال رسول الله - ﷺ -: أميطي عنه الأذى، فتقذَّرته! فجعل يمصُّ عنه الدم ويمجّه عن وجهه، ثمّ قال: لو كان أسامة جاريةً؛ لحلّيته وكسوته حتى أُنفِّقه\" (١).\nوعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: \"أنّ أباه كتب إِلى عمر بن عبد الله بن الأرقم الزهرى؛ يأمره أن يدخل على سبيعة بنت الحارث الأسلمية، فيسألها عن حديثها، وعمّا قال لها رسول الله - ﷺ - حين استفتته؟ فكتب عمر بن عبد الله ابن الأرقم إِلى عبد الله بن عتبة، يخبره أن سبيعة بنت الحارث أخبرته: أنها كانت تحت سعد بن خَوْلَةَ -وهو من بني عامر بن لؤي؛ وكان ممن شهد بدرًا-، فتوفي عنها في حَجّة الوداع وهي حامل، فلم تَنْشَبْ (٢) أن وضعت حمْلها بعد وفاته، فلما تعلّت (٣) من نفاسها تجمّلت للخطاب، فدخل عليها أبو السنابل بن بَعْكك -رجل من بني عبد الدار-، فقال لها: ما لي أراك تجمّلتِ للخُطّاب؟ تَرْجيِنَ النكاح؟ فإِنك والله ما أنت بناكحٍ، حتى تمرّ عليك\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٦٠٧)، وانظر \"الصحيحة\" (١٠١٩).\n(٢) فلم تنشب؛ أي: لم تمكث. \"نووي\".\n(٣) أي: ارتفعت وطهُرت. ويجوز أن يكون من قولهم: تعلّى الرجل مِن علّته: إِذا برَأ؛ أي: خَرجَتْ مِن نفاسها وسَلِمت. \"النهاية\".","vol":"5","page":26},{"text":"أربعةُ أشهر وعشر! قالت سُبيعة: فلما قال لي ذلك؛ جمعْتُ عليّ ثيابي حين أمسيت، وأتيت رسول الله - ﷺ -، فسألته عن ذلك؛ فأفتاني بأني قد حللتُ حين وضعْت حملي، وأمَرني بالتزوّج إِنْ بدا لي\" (١).\nوفي الحديث فوائد فقهية أخرى؛ ساق الحافظُ الكثيرَ الطيّبَ منها؛ كقوله: \"وفيه جواز تجمُّل الموأة بعد انقضاء عدّتها لمن يخطُبها، لأنّ في رواية الزهري عند البخاري: فقال: ما لي أراك تجمّلت للخُطّاب؟ وفي رواية ابن إِسحاق: فتهيأتُ للنكاح واختضبت. وفي رواية معمر عن الزهري: وقد اكتحلت\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1303>صلاة المرأة إِدْا خُطِبَت واستخارتُها ربَّها </span>(٢):\nعن أنس -﵁- قال: \"لما انقضت عدَّةُ زينب؛ قال رسول الله - ﷺ - لزيد: فاذكُرها عليّ؛ قال: فانطلق زيد فقلت: يا زينب! أرسل رسول الله - ﷺ - يذكرك. قالت: ما أنا بصانعةٍ شيئًا حتى أُوامِرَ (٣) ربي! فقامت إِلى مسجدها (٤)، ونزل القرآن، وجاء رسول الله - ﷺ -، فدخل عليها بغير إِذن\" (٥).\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٣٩٩١، ومسلم: ١٤٨٤.\n(٢) هذا العنوان من سنن النسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٢/ ٦٨٦).\n(٣) أي: أستخيره، وأنظر أمره على لسانِ رسول الله - ﷺ -، قاله القرطبي في \"المفهم\" (٤/ ١٤٧).\n(٤) قال النووي -﵀- (٩/ ٢٢٨): \"أي: موضع صلاتها من بيتها. وفيه استحباب صلاة الاستخارة لمن همّ بأمر، سواء كان ذلك الأمر ظاهر الخير أم لا\".\n(٥) أخرجه مسلم: ١٤٢٨.","vol":"5","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1304>الخِطبة </span>(١)\n\nالخِطبة: فِعْلة، كقِعدة وجِلسة، يقال: خَطب المرأة يَخْطُبها، خَطْبًا وخِطْبَةً، أي: طلبها للزواج بالوسيلة المعروفة بين الناس، ورجل خطّاب: كثير التصرّف في الخطبة، والخطيب، والخاطب، والخطب؛ الذي يخطب المرأة، وهي خطبة، وخطبته، وخطب يخطب: قال كلامًا يعظ به، أو يمدح غيره، ونحو ذلك.\nوالخِطبة من مقدمات الزواج، وقد شرعها الله قبل الارتباط بعقد الزوجية؛ ليتعرّف كلّ من الزوجين صاحبه، ويكون الإِقدام على الزواج على هدى وبصيرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1305>ماذا يقول إِذا دُعي ليزوِّج</span>؟\nعن أبي بكر بن حفص قال: \"كان ابن عمر إِذا دعي إِلى تزويج قال: لا تفضِّضوا (وفي نسخة: تعضضوا) علينا الناس، الحمد لله، وصلّى الله على محمد، إِن فلانًا خطب إِليكم فلانة، إِنْ أَنكحتموه فالحمد لله، وإنْ رددتموه فسبحان الله\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1306>خِطبة معتدَّة الغير </span>(٣):\nتحرُم خِطبة المعتدَّة؛ سواء أكانت عدتها عدة وفاة، أم عدة طلاق، وسواء أكان الطلاق طلاقًا رجعيًا أم بائنًا، فإِن كانت معتدة من طلاق رجعي، حرمت\n_________\n(١) عن كتاب \"فقه السّنة\" (٢/ ٣٤٣).\n(٢) أخرجه البيهقي، وصحّح شيخنا -﵀- إِسناده في \"الإِرواء\" (١٨٢٢).\n(٣) عن \"فقه السّنة\" (٢/ ٣٤٤) بتصرّف.","vol":"5","page":28},{"text":"خطبتها؛ لأنها لم تخرج عن عصمة زوجها، وله مراجعتها في أي وقت شاء.\nوإِن كانت معتدة من طلاق بائن، حرُمت خطبتها بطريق التصريح، إِذ حقّ الزوج لا يزال متعلّقًا بها، وله حقّ إِعادتها بعقد جديد، ففي تقدُّم رجل آخر لخطبتها اعتداء عليه.\nواختلف العلماء في التعريض بخطبتها، والصحيح جوازه.\nوإن كانت معتدة من وفاة، فإِنه يجوز التعريض لخطبتها أثناء العدة دون التصريح (١)؛ قال الله -تعالى-: ﴿ولا جناح عليكم فيما عرّضتم به من خِطبة النّساء أو أكننتم في أنفسكم عَلِم الله أنَّكم ستذكُرُونهنّ ولكن لا تُواعدوهنّ سرًّا إِلاّ أن تقولوا قولًا معروفًا ولا تعزِمُوا عُقْدة النّكاح حتّى يبلغ الكتاب أَجَلَه واعلموا أنّ الله يَعْلَم ما في أنفسكُم فاحذَروه﴾ (٢).\nوالمراد بالنساء المعتدات لوفاة أزواجهن؛ لأن الكلام في هذا السياق، ومعنى التعريض؛ أن يذكر المتكلم شيئًا؛ يدل به على شيء لم يذكره، مِثل أن يقول: إِني أريد التزوج، أو: لَودِدْتُ أن يُيسّر الله لي امرأة صالحة، أو يقول: إِن\n_________\n(١) سألت شيخنا عن قول الشيخ السيد سابق -رحمهما الله تعالى-: وإن كانت معتدة من وفاة فإِنه يجوز التعريض لخطبتها أثناء العدة دون التصريح؛ لأن صلة الزوجية قد انقطعت بالوفاة، فلم يبق للزوج حق يتعلق بزوجته التي مات عنها.\nوإنما حرمت خطبتها بطريق التصريح؛ رعاية لحزن الزوجة وإحدادها من جانب، ومحافظة على شعور أهل الميت وورثته من جانب آخر؟\nفقال -﵀-: لا أرى صحّة هذا التعليل!\n(٢) البقرة: ٢٣٥.","vol":"5","page":29},{"text":"الله لسائق لكِ خيرًا.\nعن ابن عباس -﵄-: \" ﴿فيما عرّضتم به من خِطبة النساء﴾ يقول: إِني أريد التزويج، ولوددت أنه ييسر لي امرأة صالحة. وقال القاسم: يقول: إِنك عليّ كريمة، وإني فيك لراغب، وإنّ الله لسائق إِليك خيرًا، أو نحو هذا. وقال عطاء: يُعرّض ولا يبوح، يقول: إِنّ لي حاجة، وأبشري، وأنتِ بحمد الله نافقة\" (١).\nوخلاصة الآراء: أن التصريح بالخطبة حرام لجميع المعتدات، والتعريض مباح للبائن، وللمعتدة من الوفاة، وحرام في المعتدة من طلاق رجعي.\nوإذا صرَّح بالخِطبة في العدة، ولكن لم يعقد عليها إلاَّ بعد انقضاء عدتها، فقد اختلف العلماء في ذلك؛ قال مالك: يفارقها؛ دخَل بها أم لم يدخل. وقال الشافعي: صح العقد، وإن ارتكب النهي الصريح المذكور؛ لاختلاف الجهة.\nواتفقوا على أنه يُفرّق بينهما لو وقع العقد في العدة، ودخل بها.\nوهل تحل له بعد، أم لا؟ قال مالك والليث والأوزاعي: لا يحل له زواجها بعد.\nوقال جمهور العلماء: بل يحلّ له إِذا انقضت العدة أن يتزوجها، إِذا شاء.\nوسألت شيخنا -﵀-: \"إِذا صرّح بالخِطبة في العدّة، ولكن لم يعقد عليها إِلا بعد انقضاء عدّتها، فهل أنتم مع من قال بصحّة العقد، وإن ارتكب النهي الصريح؟\n_________\n(١) انظر \"صحيح البخاري\" (٥١٢٤).","vol":"5","page":30},{"text":"فأجاب: نعم، أرى صحّة العقد، مع القول بارتكاب النهي\".\nثمّ رأيت قول عطاء: ولا يواعِد وليّها بغير علمها، وإن واعَدَت رجُلًا في عدّتها ثمّ نكحها بعد، لم يفرّق بينهما (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1307>تحريم خِطبة الرجل على خِطبة أخيه:</span>\nعن عقبة بن عامر -﵁- قال: أنّ رسول الله - ﷺ -: \"المؤمن أخو المؤمن؛ فلا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه، ولا يخطُب على خِطبة أخيه حتى يَذَرَ\" (٢).\nوإنْ أذِن الأول للثاني جاز.\nعن ابن عمر -﵄- كان يقول: \"نهى النّبيّ - ﷺ - أن يبيع بعضكم على بيع بعض، ولا يخطُب الرجل على خِطبة أخيه، حتى يترك الخاطب قبله، أو يأذن له الخاطب\" (٣).\nقال أبو عيسى الترمذي: \"قال مالك بن أنس: إِنما معنى كراهيهّ أن يخطب الرجل على خِطبة أخيه: إِذا خطبَ الرجلُ المرأة فرضيت به، فليس لأحدٍ أن يخطب على خِطبته.\nوقال الشافعي معنى هذا الحديث: لا يخطب الرجل على خطبة أخيه، هذا عندنا إِذا خطب الرجل المرأة، فرضيت به وركنَت إِليه، فليس لأحد أن يخطب\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (٥١٢٤).\n(٢) أخرجه مسلم: ١٤١٤.\n(٣) أخرجه البخاري: ٥١٤٢، ومسلم: ١٤١٢.","vol":"5","page":31},{"text":"على خطبته. فأمّا قبل أن يعلم رضاها أو ركونها إِليه، فلا بأس أن يخطبها، والحُجّة في ذلك حديث فاطمة بنت قيس، حيث جاءت النّبيّ - ﷺ -، فذكَرت له أنّ أبا جهم بن حذيفة، ومعاوية بن أبي سفيان خطباها. فقال: \"أمّا أبو جهم، فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأمّا معاوية فصعلوك لا مال له، انكحي أسامة بن زيد\" (١).\nفمعنى هذا الحديث عندنا -والله أعلم-: أن فاطمة لم تخبره برضاها بواحد منهما، فلو أخبرته، لم يشر عليها بغير الذي ذكرت\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1308>تفسير ترْك الخِطبة </span>(٣):\nعن ابن عمر -﵄-: \"أنّ عمر بن الخطاب حين تأيمت حفصة قال عمر: لَقيت أبا بكر فقلت: إِن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر، فلبثت لياليَ، ثمّ خطبها رسول الله - ﷺ -، فلقيني أبو بكر فقال: إِنه لم يمنعني أن أرجع إِليك فيما عرضت؛ إِلا أني قد علمتُ أنّ رسول الله - ﷺ - قد ذكَرها، فلم أكن لأُفْشِيَ سِرَّ رسول الله - ﷺ -، ولو ترَكها لَقَبِلتُها\" (٤).\nقال ابن بَطّال ما ملخصه: \"تقدّم في الباب الذي قبله تفسير ترك الخِطبة\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ١٤٨٠.\n(٢) انظر \"سنن الترمذي\" (كتاب النكاح) \"باب أن لا يخطب الرجل على خطبة أخيه\".\n(٣) هذا من تبويب الإِمام البخاري -﵀- (كتاب النكاح) \"باب - ٤٦\".\n(٤) أخرجه البخاري: ٥١٤٥، وتقدّم.","vol":"5","page":32},{"text":"صريحًا في قوله: حتى ينكح أو يترك، وحديث عمر في قصة حفصة لا يظهر منه تفسير ترك الخِطبة؛ لأن عمر لم يكن عَلِمَ أنّ النّبيّ - ﷺ - خطب حفصة، قال: ولكنه قصد معنى دقيقًا يدلّ على ثقوب ذهنه ورسوخه في الاستنباط، وذلك أن أبا بكر علم أنّ النّبيّ - ﷺ - إِذا خطب إِلى عمر أنه لا يردُّه، بل يرغب فيه ويشكر الله على ما أنعم عليه به من ذلك، فقام عِلْم أبي بكر بهذا الحال مقام الركون والتراضي، فكأنه يقول: كلّ من عُلِمَ أنه لا يُصرَف إِذا خطب؛ لا ينبغي لأحد أن يخطب على خِطبته\" (١).\nوالحاصل: أنّ تفسير ترْك الخِطبة في الحديث السابق أن تُذكَر المرأة مِن قِبَل شخص لأخيه، ويعلم رغبته في النكاح منها، ويُرجّح قبول الوليّ، فهذا كلّه يدعو إِلى ترْك الخِطبة، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1309>إِذا استشارت المرأة رجلًا فيمن يخطبها؛ هل يخبرها بما يعلم </span>(٢)؟\nعن فاطمة بنت قيس: أنّ أبا عمرو بنَ حفصٍ طلّقها البتة ... فذكرت الحديث إِلى أن قالت: فلمّا حللتُ؛ ذكرت له أنّ معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم خطباني، فقال رسول الله - ﷺ -: \"أمّا أبو جهم؛ فلا يضع عصاه عن عاتقه (٣)، وأمّا معاوية فصعلوك (٤) لا مال له، انكحي أسامة بن زيد. فكرهته،\n_________\n(١) انظر \"الفتح\" (٩/ ٢٠١).\n(٢) هذا العنوان من سنن النسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٢/ ٦٨٤).\n(٣) لا يضع العصا عن عاتقه؛ العاتق: ما بين العنق والمنكب، والمراد أنه كثير الضرب للنساء.\n(٤) الصعلوك: قليل المال جدًا. \"نووي\".","vol":"5","page":33},{"text":"ثمّ قال: انكحي أسامة، فنكحته. فجعل الله فيه خيرًا واغتبطتُ\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1310>إِذا استشار رجلٌ رجلًا في المرأة هل يخبره بما يعلم </span>(٢)؟\nعن أبي هريرة -﵁- قال: \"كنت عند النّبيّ - ﷺ -، فأتاه رجل فأخبره أنه تزوّج (٣) امرأة من الأنصار، فقال له رسول الله - ﷺ -: أنظرْتَ إِليها؟ قال: لا. قال: فاذهب فانظر إِليها، فإِن في أعين الأنصار شيئًا\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1311>النظر إِلى المخطوبة:</span>\nعن سهل بن سعد -﵁-: \"أنّ امرأة جاءت إِلى رسول الله - ﷺ -، فقالت: يا رسول الله! جئت لأهبَ لك نفسي، فنَظر إِليها رسول الله - ﷺ - فصعَّد النظر إِليها وصوّبه ... \" (٥).\nوعن المغيرة بن شعبة: أنّه خطب امرأة، فقال النّبيّ - ﷺ -: \"انظر إِليها؛ فإِنه أحرى أن يُؤْدَمَ (٦) بينكما\" (٧).\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ١٤٨٠، وتقدّم.\n(٢) هذا العنوان من سنن النسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٢/ ٦٨٥).\n(٣) وفي \"صحيح سنن النسائي\" (٣٠٤٦): \"أراد أنْ يتزوّجها\".\n(٤) أخرجه مسلم: ١٤٢٤، وتقدّم.\n(٥) أخرجه البخاري: ٥١٢٦، ومسلم: ١٤٢٥.\n(٦) يُؤدم؛ أي: تكون بينكما المحبّة والاتفاق، يقال: أدَمَ الله بينهما يأدِم أدْمًا -بالسكون-؛ أي: ألّف ووفّق. \"النهاية\".\n(٧) أخرجه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٨٦٨)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٥١١)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٣٠٣٤)، وانظر \"الصحيحة\" (٩٦).","vol":"5","page":34},{"text":"قال أبو عيسى: \"هذا حديث حسن. وقد ذهب بعض أهل العلم إِلى هذا الحديث، وقالوا: لا بأس أن ينظر إِليها ما لم ير منها محرّمًا، وهو قول أحمد وإسحاق. ومعنى قوله: \"أحرى أن يؤدم بينكما\"؛ قال: أحرى أن تدوم المودة بينكما\".\nوعن أبي هريرة -﵁- قال: كنت عند النّبيّ - ﷺ -، فأتاه رجل فأخبره أنه تزوج امرأة من الأنصار، فقال له رسول الله - ﷺ -: \"أنظرتَ إِليها؟ قال: لا، قال: فاذهب فانظر إِليها، فإِنّ في أعيُن الأنصار شيئًا\" (١)، يعني: الصغر.\nويجوز النظر إِليها، ولو لم تعلم أو تشعر به (٢)، لقوله - ﷺ -: \"إِذا خطب أحدكم امرأة؛ فلا جناح عليه أن ينظر إِليها، إِذا كان إِنَّما ينظر إِليها لِخطبتهِ، وإِن كانت لا تعلم\" (٣).\nقال شيخنا -﵀-: \"وقد عمل بهذا الحديث بعض الصحابة، وهو محمد بن مسلمة الأنصاري، فقال سهل بن أبي حثمة: رأيت محمد بن مسلمة يطارد بُثَيْنَةَ بنت الضَّحَّاك -فوق إِجّار (٤) لها- ببصره طردًا شديدًا،\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ١٤٢٤، وتقدّم.\n(٢) قاله شيخنا -﵀- في \"الصحيحة\" تحت الحديث (٩٦)، ثمّ ذكر الدليل في الحديث الذي يليه.\n(٣) أخرجه الطحاوي، وأحمد، والطبراني وغيرهم، وصححه شيخنا -﵀- في \"الصحيحة\" (٩٧).\n(٤) الإِجّار -بالكسر والتشديد-: السطح الذي ليس حواليه ما يردّ الساقط عنه. \"النهاية\".","vol":"5","page":35},{"text":"فقلت: أتفعل هذا وأنت من أصحاب رسول الله - ﷺ -؟! فقال: إِني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"إِذا أُلْقي في قلب امرئٍ خِطبةُ امرأة فلا بأس أن ينظر إِليها\" (١).\nروى عبد الرزاق في \"الأمالي\" (٢/ ٤٦/١) بسند صحيح عن ابن طاوس قال: أردت أن أتزوج امرأة، فقال لي أبي: اذهب فانظر إِليها. فذهبت، فغسلت رأسي وترجَّلت، ولبِسْتُ من صالح ثيابي، فلمّا رآني في تلك الهيئة؛ قال: لا تذهب!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1312>إِلامَ ينظُر</span>؟\nويجوز له أن ينظر منها إِلى أكثر من الوجه والكفّين؛ لإِطلاق الأحاديث المتقدّمة (٢)، ولحديث جابر -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إِذا خطب أحدكم المرأة؛ فإِن استطاع أن ينظر إِلى ما يدعوه إِلى نكاحها فليفعل، قال جابر: فخطبْتُ جارية، فكنت أتخبأ لها، حتى رأيتُ منها ما دعاني إِلى نكاحها، وتزوجتُها\" (٣).\nوقد صنَع مثله محمد بن مسلمة، كما تقدّم، وكفى بهما حُجّة (٤).\n_________\n(١) رواه سعيد بن منصور في \"سننه\"، وعبد الرزاق في \"المصنف\"، وابن ماجه والطحاوي وغيرهم، وانظر \"الصحيحة\" (٩٨).\n(٢) هذا كلام شيخنا -﵀- في \"الصحيحة\" تحت الحديث (٩٨).\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٨٣٢)، وانظر \"الإِرواء\" (١٧٩١)، و\"الصحيحة\" (٩٩).\n(٤) انظر \"الصحيحة\" تحت الحديث (٩٩).","vol":"5","page":36},{"text":"وجاء في \"الصحيحة\" تحت الحديث (٩٩): \"قال ابن القيم في \"تهذيب السنن\" (٣/ ٢٥ - ٢٦): \"وقال داود: ينظر إِلى سائر جسدها، وعن أحمد ثلاث روايات:\nإِحداهن: ينظر إِلى وجهها ويديها.\nوالثانية: ينظر ما يظهر غالبًا كالرقبة والساقين ونحوهما.\nوالثالثة: ينظر إِليها كلها عورةً وغيرَها؛ فإِنه نص على أنه يجوز أن ينظر إِليها متجردة! \".\nقلت: والرواية الثانية هي الأقرب إِلى ظاهر الحديث، وتطبيق الصحابة له، والله أعلم.\nوقال ابن قدامة في \"المغني\" (٧/ ٤٥٤): \"ووجه جواز النظر [إِلى] ما يظهر غالبًا: أن النّبيّ - ﷺ - لما أَذِنَ في النظر إِليها من غير عِلمها؛ عُلِمَ أنه أذن في النظر إِلى جميع ما يظهر عادة، إِذ لا يمكن إِفراد الوجه بالنظر مع مشاركة غيره له في الظهور، ولأنّه يظهر غالبًا، فأبيح النظر إِليه كالوجه، ولأنها امرأة أبيح له النظر إِليها بأمر الشارع، فأبيح النظر منها إِلى ذلك كذوات المحارم\". انتهى.\nقلت: وخلاصة القول جواز النظر من غير اتفاق إِلى ما يظهر غالبًا بما يزيد عن الوجه والكفين؛ لقوله - ﷺ - المتقدّم: \"ما يدعوه إِلى نكاحها\"، وقوله - ﷺ -: \"وإن كانت لا تعلم\" وعَمَلِ بعض الصحابة بذلك.\nأمّا بالاتفاق؛ فلا يكون إِلا للوجه والكفّين. والله -تعالى- أعلم.\nوسألت شيخنا -﵀-: ما هو آخر ما تقولونه في المواضع التي ينظر","vol":"5","page":37},{"text":"إِليها الخاطب؛ أهي الوجه والكفّان فحسب؟\nفأجاب -﵀-: نعم.\nقلتُ: ومِن غير اتفاق؛ ألَهُ أن يحاول رؤية ما يدعوه إِلى نكاحها؟\nفأجاب -﵀-: نعم.\nقال شيخنا -﵀- بعد أن ذكَر عددًا من الأحاديث في النظر إِلى الخطوبة: \"هذا؛ ومع صحة الأحاديث في هذه المسألة، وقول جماهير العلماء بها ... فقد أعرض كثير من المسلمين في العصور المتأخرة عن العمل بها؛ فإِنهم لا يسمحون للخاطب بالنظر إِلى فتاتهم -ولو في حدود القول الضيق! - تورُّعًا منهم -زعموا-! ومن عجائب الورع البارد أن بعضهم يأذن لابنته بالخروج إِلى الشارع سافرة بغير حجاب شرعي! ثمّ يأبى أنْ يراها الخاطب في دارها وبين أهلها بثياب الشارع!\nوفي مقابل هؤلاء بعض الآباء المستهترين الذين لا يغارون على بناتهم -تقليدًا منهم لأسيادهم الأوروبين-، فيسمحون للمصوِّر أن يصوّرهنّ وهنّ سافرات سفورًا غيرَ مشروع، والمصور رجل أجنبيّ عنهم، وقد يكون كافرًا، ثمّ يُقدِّمْنَ صورَهن إِلى بعض الشُّبَّان؛ بزعم أنهم يريدون خِطبتهن، ثمّ ينتهي الأمر على غير خطبة، وتظل صور بناتهم معهم ليتغزلوا بها، وليطفئوا حرارة الشباب بالنظر إِليها! ألا فتعسًا للآباء الذين لا يغارون، وإنا لله وإنا إِليه راجعون\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1313>نظر المرأة إِلى الرجل:</span>\nوما مضى من القول في أهمية النظر في الوفاق والتآلف؛ فإِنه ينسحب على","vol":"5","page":38},{"text":"المرأة كذلك، فلها الحقّ أن تنظر إِلى من جاء يخطبها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1314>محادثة الرجل المرأة:</span>\nتشرع المحادثة بينهما دون خلوة فيما لا بُدّ منه. أمّا المبالغة في ذلك فلا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1315>تحريم الخلوة بالمخطوبة:</span>\nولا يجوز الخلوة بالمخطوبة قبل العقد، وغاية ما في الأمر جواز النظر؛ ليقرِّرا هذا الزواج أو يرفضاه.\nعن ابن عباس -﵄- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"لا يخلونّ رجل بامرأة إِلا مع ذي محرم\" (١).\nوعن عقبة بن عامر أنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"لا يخلون رجل بامرأة إِلا كان ثالثهما الشيطان\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1316>العدولُ عن الخِطْبة وأثره </span>(٣):\nالخِطبة مقدمة تسبق عقد الزواج، وكثيرًا ما يعقبها تقديم المهر كلّه أو بعضه، وتقديم هدايا وهِبات؛ تقويةً للصلات، وتأكيدًا للعلاقة الجديدة.\nوقد يحدُث أن يعدل الخاطب أو المخطوبة -أو هما معًا- عن إِتمام العقد، فهل يجوز ذلك، وهل يُرَدُّ ما أُعطِي للمخطوبة؟\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٥٢٣٣، ومسلم: ١٣٤١.\n(٢) أخرجه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٩٣٤)، وصحح شيخنا -﵀- إِسناده في \"المشكاة\" (٣١١٨).\n(٣) عن \"فقه السنّة\" بتصرّف (١/ ٣٥٠).","vol":"5","page":39},{"text":"إِن الخطبة مجرد وَعْدٍ بالزواج، وليست عقدًا ملزمًا، والعدول عن إِنجازه حقّ من الحقوق التي يملكها كل من المتواعِدَين، ولم يجعل الشارع لإِخلاف الوعد عقوبة مادية، يجازي بمقتضاها المُخْلِف، وإنْ عَدَّ ذلك خُلقًا ذميمًا، ووصَفه بأنه من صفات المنافقين، إِلا إِذا كانت هناك ضرورة ملزمة، تقتضي عدم الوفاء.\nعن أبي هريرة -﵁- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"آية المنافق ثلاث: إِذا حدّث كذب، وإِذا وعد أخلف، وإذا ائتُمِن خان\" (١).\nوأمّا الهدايا إذا تمّت الموافقة على الزوج، وحصَل الزواج بشروطه؛ فحُكمها حُكم الهبة، والصحيح أنّ الهبة لا يجوز الرجوع فيها إِذا كانت تبرعًا محضًا، لا لأجل العِوَض؛ *لأنّ الموهوب له -حين قَبَضَ العينَ الموهوبة- دخلت في ملكه، وجاز له التصرف فيها؛ فرجوع الواهب فيها انتزاع لملكه منه بغير رضاه، وهذا باطل شرعًا وعقلًا * (٢) [والله -تعالى- أعلم].\nعن ابن عمر -﵄- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"لا يحل لأحد أن يعطي عطية فيرجع فيها، إِلا الوالد فيما يعطي ولده\" (٣).\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٣٣، ومسلم: ٥٩.\n(٢) ما بين نجمتين نقَله المؤلف -﵀- عن \"إِعلام الموقعين\" (٢/ ٣١٤).\n(٣) أخرجه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (١٠٤٤)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٩٢٤)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٣٤٥١)، وانظر \"الإِرواء\" (٣/ ٦٣).","vol":"5","page":40},{"text":"وعن ابن عباس -﵄- قال: قال النّبيّ - ﷺ -: \"العائد في هبته؛ كالكَلب يقيء ثمّ يعودُ في قيئه\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1317>أركان عقد النكاح:</span>\nوعقْد النكاح له رُكنان: الإِيجاب والقَبول -وهو رضا الطرفين وتوافُقُهما-.\nويُشترط لصحّته:\n١ - موافقة الولي (٢) -الذي يلي أمر الزوجة- أو إِذْنه.\nعن عائشة -﵂- قالت: قال رسول الله - ﷺ -: \"أيُّما (٣) امرأةٍ نُكِحَت بغير إِذن مواليها، فنكاحها باطلٌ -ثلاث مرات-، فإِن دخَل بها؛ فالمهر لها بما أصاب منها، فإِن تشاجروا (٤)، فالسلطان وليُّ من لا وليّ له (٥) \" (٦).\nوالأولياء: هم قرابة المرأة الأدنى فالأدنى؛ الذين يلحقهم الغضاضة إِذا\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٢٥٨٩، ومسلم: ١٦٢٢.\n(٢) وانظر مبحث \"الولاية على الزواج\".\n(٣) أيُّما: كلمة استيفاء واستيعاب؛ فيشمل البِكر والثيب والشريفة والوضيعة. \"فيض القدير\".\n(٤) أي: تنازع الأولياء وتخاصموا.\n(٥) أي: من ليس له وليٌّ خاصّ. \"فيض القدير\".\n(٦) أخرجه أحمد وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٨٣٥)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٨٨٠)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٥٢٤)، وغيرهم، وانظر \"الإِرواء\" (١٨٤٠).","vol":"5","page":41},{"text":"تزوّجت بغير كُفْءٍ وكان المزوِّجُ لها غيرَهم (١).\n٢ - حضور شاهِدَيْ عدل.\nعن عائشة -﵂- قالت: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا نكاح إِلا بولي وشاهِدَيْ عدل\" (٢).\n\"قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النّبيّ -﵌- ومن بعدهم من التابعين وغيرهم قالوا: \"لا نكاح إِلا بشهود\" لم يختلفوا في ذلك عندنا من مضى منهم إِلا قومًا من المتأخرين من أهل العلم، وإِنما اختلف أهل العلم في هذا إِذا شَهِدَ واحدٌ بعد واحد، فقال أكثر أهل العلم من الكوفة وغيرهم: لا يجوز النكاح حتى يشهد الشاهدان معًا عند عُقْدَةِ النكاح، وقد رأى بعض أهل المدينة إِذا شَهِدَ واحد بعد واحد أنه جائز إِذا أعلنوا ذلك، وهو قول مالك بن أنس وغيره. وقال بعض أهل العلم: يجوز شهادة رجل وامرأتين في النكاح. وهو قول أحمد وإِسحاق ... \" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1318>ما يُشترط في الشهود:</span>\n١ - الإِسلام: ويُشترط الإِسلام ولا بُدّ في الشاهِدَين، ولفظ: \"شاهِدَي\n_________\n(١) انظر \"الروضة الندية\" (٢/ ٢٧).\n(٢) أخرجه أحمد، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٨٧٩)، وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٨٣٦)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٥٢٦)، وغيرهم، وكلمة: \"شاهدين\" من رواية البيهقي، وانظر \"صحيح الجامع\" (٧٤٣٣)، و\"الإِرواء\" (١٨٥٨) لزامًا.\n(٣) \"النيل\" (٦/ ٢٦٠).","vol":"5","page":42},{"text":"عدل\" يدّل على ذلك.\n٢ - العدالة: للحديث المتقدّم المشار إِليه: \"لا نكاح إِلا بوليّ وشاهدي عدل\".\n٣ - العقل والبلوغ: لقوله - ﷺ -: \"رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المبتلى حتى يبرأ، وعن الصبي حتى يكبر\" (١).\n*وبهذا فشهادة الصبي أو المجنون أو الأصم أو السكران لا تصح؛ فإِنّ وجود هؤلاء كعدمه* (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1319>شهادة النساء:</span>\nاختلف الفقهاء في جواز شهادة المرأتين بدل الرجل (٣)، فمنهم من لم يُجِزها أخْذًا بالحديث المتقدّم: \"لا نكاح إِلا بوليّ وشاهِدَي عدل\"، ومنهم من أجازها لقول الله -تعالى-: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهيدَينِ مِنْ رِجَالكُم فَإِنْ لَمْ يَكونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشَّهَدَاء﴾ (٤).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٦٩٨)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (١١٥٠)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٦٦٠)، وصححه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٢٩٧).\n(٢) ما بين نجمتين من \"فقه السنة\" (٢/ ٣٧٨) بتصرّف.\n(٣) واستدل المانعون بما رُوي عن الزهري أنه قال: \"جَرت السُّنة من عهد رسول الله - ﷺ - أن لا تُقبل شهادة النساء في الحدود\". أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\"، وضعّفه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٢٦٨٢).\n(٤) البقرة: ٢٨٢.","vol":"5","page":43},{"text":"وبشهادة رجل وامرأتين يقول ابن حزم -﵀-؛ بل ويقول بشهادة أربع نسوة كما في \"المحلّى\" تحت (المسألة ١٨٣٢)؛ فانظر تفصيله -إِن شئت-.\nوسألت شيخنا -﵀-: هل ترون انعقاد الزواج بشهادة: رجل وامرأتين؟\nفقال: نعم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1320>ألفاظ الإِيجاب والقَبول:</span>\nيقع عقْد الزواج بالألفاظ التي يفهمها المتعاقدان بما يدلّ على إِرادة النكاح مع فَهْم الشاهِدَين لذلك، كأن يقول في الموافقة: وافقت، قبلت، رضيت، أو يقول في الإِيجاب: أَنكحتك، أو زوّجتك ...\nقال شيخ الإِسلام -﵀-: \"وينعقد النكاح بما عدّه الناس نكاحًا بأي لغة ولفظ وفِعْل كان، ومثله كل عقْد\" (١).\nوسألتُ شيخنا -﵀- هل ترون صحة النكاح إِذا وقَع الإِيجاب والقبول وفهمه الشهود، هل ترونه يكفي مهما كانت اللغة التي أُدّي بها؟\nفأجاب -﵀-: نعم.\n*وينعقد بألفاظ الهِبة أو البيع أو التمليك؛ إِذا كان المخاطب يعقله؛ لأنّه عقْد لا يُشترط في صحته لفْظ مخصوص، بل أي لفظٍ إِذا اتفق فهم المعنى الشرعي منه؛ أي: إِذا كان بينه وبين المعنى الشرعي مشاركة* (٢).\n_________\n(١) \"الاختيارات\"، ونقَله السيد سابق -﵀- في \"فقه السنّة\" (٢/ ٣٥٥).\n(٢) ما بين نجمتين عن \"فقه السُّنّة\" (٢/ ٣٥٥) بتصرُّف.","vol":"5","page":44},{"text":"عن سهل بن سعد -﵁- أنّ النّبيّ - ﷺ - زوّج رجلًا امرأة فقال: \"اذهب، فقد أنكحتُكها بما معك من القرآن\" (١).\nوجاء في تبويب سنن النسائي: (باب الكلام الذي ينعقد به النكاح)، بمعنى انعقاد النكاح بكلمة: \"أنكحتُكَها\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1321>الخُطبة قبل الزواج</span>\nعن أبي هريرة -﵁- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"كل خُطبة ليس فيها تشهّد؛ فهي كاليد الجذماء (٢) \" (٣).\nقال عبد الله بن مسعود -﵁-: علَّمنا رسول الله - ﷺ - خطبة الحاجة (٤): \"إِنّ الحمْدَ لله، [نحمَدُهُ و] نستعينُه ونستغفِرُه، ونعوذ بالله من شرورِ أَنْفسِنا، وسيِّئاتِ أعمالِنا، من يَهدِه اللهُ فَلا مُضِلَّ لهُ، ومَن يُضْلل فلا هاديَ لهُ.\nوأَشهَدُ أنْ لا إِله إلاَّ الله، وحدَه لا شريكَ له، وأَشْهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدهُ ورَسولهُ.\n﴿يا أَيّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِنْ نَّفْسٍ وَاحدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنهُمَا رِجَالًا كثِيرًا ونِساءً واتَّقُوا الله الَّذِي تساءَلُونَ بِهِ\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٥١٤٩، ومسلم: ١٤٢٥.\n(٢) أي: المقطوعة ... يعني: أن كل خطبة لم يؤتَ فيها بالحمد والثناء على الله؛ فهي كاليد المقطوعة التي لا فائدة بها لصاحبها\". \"فيض القدير\".\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٤٠٥٢)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٨٨٣)، وانظر \"المشكاة\" (٣١٥٠)، و\"الصحيحة\" (١٦٨).\n(٤) جاء في \"سُبل السلام\" (٣/ ٢١٧): \"وقوله: (في الحاجة) عام لكل حاجة، ومنها النكاح\".","vol":"5","page":45},{"text":"والأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكُم رَقِيبًا﴾ (١).\n﴿يا أيّهَا الَّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله حقَّ تُقَاتِهِ ولاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُسْلِموُن﴾ (٢).\n﴿يا أيّهَا الَّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَقُولُوا قَوْلًا سدِيدًا يُصْلحْ لَكُم أَعْمَالكُمْ ويَغْفِرْ لَكُم ذُنُوبكُمْ وَمَنْ يُطِع الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٣) \" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1322>نيّة الطلاق عند العقد:</span>\nإِذا عقَد الرجل على المرأة وفي نيّته الطلاق منها حين العقد، فإِنّ الزواج يكون صحيحًا، ولكنّه غاشٌّ مخادِع.\nوسألت شيخنا -﵀-: مَن تزوّج ونوى الطلاق؛ دون إِظهار ذلك؛ هل ترون صحّة نكاحه، ولكنّه غاشٌّ مخادِع؟\nفقال: نعم، يصح الزواج.\nوأراد شيخنا -﵀- الاطمئنان فسأل: هل هو نكاح متعة؟\nفقلت: لا. فقال: نيّة الطلاق غير مستقرّة. ثمّ ضرَب مثالًا لشخصٍ كنت قد سألته عن حاله، وكان قد طلّق قبل الدخول، ولم يكن ذلك في نيّته عند\n_________\n(١) النساء: ١.\n(٢) آل عمران: ١٠٢.\n(٣) الأحزاب: ٧٠ - ٧١.\n(٤) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٨٦٠)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٨٨٢)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٥٣٥)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٣٠٧٠)، وصحّحه شيخنا -﵀- في \"الكلم الطيب\" (برقم ٢٠٥).","vol":"5","page":46},{"text":"العقد، ثمّ حاول إِرجاعها.\nمسألة: جاء في \"الفتاوى\" (٣٢/ ١٠٦): \"وسئل -رحمه الله تعالى- عن رجل \"ركَّاض\" يسير في البلاد في كل مدينة شهرًا أو شهرين ويعزل عنها، ويخاف أن يقع في المعصية: فهل له أن يتزوج في مدة إِقامته في تلك البلدة؛ وإِذا سافر طلقها وأعطاها حقها؛ أو لا؟ وهل يصح النكاح أم لا؟\nفأجاب: له أن يتزوّج، لكن ينكح نكاحًا مُطلقًا؛ لا يشترط فيه توقيتًا؛ بحيث يكون إِنْ شاء مسكها، وإِن شاء طلّقها، وإن نوى طلاقها حتمًا عند انقضاء سفره كُرِه في مثل ذلك، وفي صحة النكاح نزاع.\nولو نوى أنه إِذا سافر وأعجبته أمسكها وإِلا طلّقها؛ جاز ذلك. فأمّا أن يشترط التوقيت فهذا \"نكاح المتعة\" الذي اتفق الأئمة الأربعة وغيرهم على تحريمه، وإنْ كان طائفة يرخِّصون فيه، إِما مطلقًا، وإمّا للمضطر، كما قد كان ذلك في صدر الإِسلام، فالصواب أنّ ذلك منسوخ، كما ثبت في \"الصحيح\" أن النّبيّ - ﷺ - بعد أن رخص لهم في المتعة عام الفتح قال: \"إِنّ الله قد حرَّم المتعة إِلى يوم القيامة\" (١) والقرآن قد حرّم أن يطأ الرجل إِلا زوجة أو مملوكة بقوله: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون إِلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإِنهم غير ملومين * فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون﴾ (٢). وهذه المستمتَعُ بها ليست من الأزواج، ولا ما ملكت اليمين؛ فإِنّ الله قد جعل للأزواج أحكامًا: من الميراث، والاعتداد بعد الوفاة بأربعة أشهر وعشر، وعدَّة\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ١٤٠٦، وتقدّم.\n(٢) المؤمنون: ٥ - ٧، المعارج: ٢٩ - ٣١.","vol":"5","page":47},{"text":"الطلاق ثلاثة قروء، ونحو ذلك من الأحكام التي لا تثبت في حق المستمتَع بها، فلو كانت زوجة لثبت في حقها هذه الأحكام؛ ولهذا قال مَن قال من السلف: إِنّ هذه الأحكام نَسخَت المتعة. وبسْط هذا طويل، وليس هذا موضعه\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1323>زواج الأخرس </span>(١):\nيصح زواج الأخرس بإِشارته إِن فُهمت، كما يصح بيعه؛ لأنّ الإِشارة معنى مُفهم. وإِن لم تفهم إِشارته، لا يصح منه؛ لأنّ العقد بين شخصين، ولا بد من فهْمِ كل واحد منهما ما يصدر من صاحبه.\nقال لي شيخنا -﵀-: \"اللفظ المحدّد في الزواج لا يُشترط، ولكن يجب أن نفهم ذلك اللفظ، ويقع دون لفظٍ إِذا فُهم\".\nجاء في \"السيل الجرّار\" (٢/ ٢٦٦): \"وأمّا صحة العقد بالرسالة والكتابة ومن المُصْمِت (٢) والأخرس بالإِشارة؛ فلا نزاع في مِثله، ولم يَرِدْ ما يدل على أنه لا بدّ أن يكون لفظًا\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1324>تزويج الصغير:</span>\nعن سليمان بن يسار: \"أنّ ابن عمر -﵄- زوّج ابنًا له ابنة أخيه، وابنه صغيرٌ يومئذ\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1325>توثيق الزواج بالكتابة:</span>\nيمضي الزواج بلا كتابة بشروطه؛ كما هو معلومٌ من حال النّبيّ - ﷺ -\n_________\n(١) عن \"فقه السّنة\" (٢/ ٣٥٧).\n(٢) أي: الساكت. \"القاموس المحيط\".\n(٣) أخرجه البيهقي، وإسناده صحيح كما في \"الإرواء\" (١٨٢٧).","vol":"5","page":48},{"text":"وأصحابه -﵃-! غير أنّ رقّة الدّين التي أصابت كثيرًا من الناس؛ تدعو إِلى هذه الكتابة؛ كما هو شأن المحاكم الآن.\nوليس يخفى ما يتبع هذا من تحقيق المصالح؛ التي لا تتمّ في عصرنا الحاضر إِلا بالتدوين؛ كالحصول على وثائق السفر وشهادات الميلاد وغير ذلك.\nومن فوائد الكتابة؛ حِفظ حقوق المرأة إِذا ساء دين زوجها، فقد يأكل حقوقها ويطلّقها، فالكتابة تضمن الحقوق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1326>الأنكحة المحرّمة</span>\n١ - نكاح المتعة: هو النكاح إِلى أجل مُعيَّن، وهو من التمتُّع بالشيء: الانتفاع به (١).\nوقد كان رخّص فيها - ﷺ - أيّامًا، ثمّ نهى عنها.\nعن سَبْرة الجُهني: أنه غزا مع رسول الله - ﷺ - فتح مكة قال: فأقمنا بها خمس عشرة -ثلاثين بين ليلة ويوم-، فأَذِن لنا رسول الله - ﷺ - في متعة النساء ... فلم أخرج حتى حرّمها رسول الله - ﷺ - (٢).\nوفي رواية: \"يا أيها الناس! إِنّي قد كنت أذِنْت لكم في الاستمتاع من النساء، وإِنّ الله قد حرَّم ذلك إِلى يوم القيامة\" (٣).\nوعن علي بن أبي طالب -﵁-: \"أنّ رسول الله - ﷺ - نهى عن مُتعة\n_________\n(١) \"النهاية\".\n(٢) أخرجه مسلم: ١٤٠٦.\n(٣) أخرجه مسلم: ١٤٠٦.","vol":"5","page":49},{"text":"النساء يوم خيبر، وعن أكْل لحوم الحُمُرِ الإِنسية\" (١).\nوعن ابن عمر -﵄- قال: \"لما وَلي عمر بن الخطاب -﵁- خطب الناس فقال: إِنّ رسول الله - ﷺ - أَذِن لنا في المتعة ثلاثًا ثمّ حرّمها. والله لا أعلم أحدًا يتمتع وهو مُحصَن إلاَّ رجمته بالحجارة، إِلا أن يأتيني بأربعة يشهدون أن رسول الله - ﷺ - أحلّها بعد إِذ حرَّمها\" (٢).\nوعن عروة بن الزبير: \"أنّ عبد الله بن الزبير قام بمكة فقال: إِنّ ناسًا أعمى الله قُلُوبهم، كما أعمى أبصارهم، يُفتون بالمتعة -يُعرِّض برَجُل-، فناداهُ فقال: إِنَك لَجِلْفٌ جاف (٣)! فَلَعَمْري! لقد كانت المتعة تُفعلُ على عهد إِمام المتقين (يريد رسول الله - ﷺ -)، فقال له ابن الزبير: فجرِّب بنفسك؛ فوالله! لئن فعلتَها لأرجمنَك بأحجارك.\nقال ابن أبي شهاب: فأخبرني خالد بن المهاجر بن سيف الله؛ أنه بيْنا هو جالس عند رجل؛ جاءه رجلٌ فاستفتاه في المُتعة، فأمره بها، فقال له ابن أبي عمرة الأنصاري: مهلًا! قال: ما هي؟ والله لقد فُعلت في عهد إِمام المتقين!\nقال ابن أبي عمرة: إِنها كانت رُخصةً في أول الإِسلام لمن اضطُرَّ إِليها، كالميتة والدّم ولحم الخنزير، ثمّ أحكَم الله الدّين ونهى عنها\" (٤).\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٤٢١٦، ومسلم: ١٤٠٧.\n(٢) أخرجه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٥٩٨).\n(٣) قال ابن السكّيت وغيره: الجلف هو الجافي. وعلى هذا قيل: إِنما جمَع بينهما توكيدًا لاختلاف اللفظ. والجافي. هو الغليظ الطبع القليل الفهم والعلم والأدب لبُعده عن أهل ذلك. \"شرح النووي\".\n(٤) أخرجه مسلم: ١٤٠٦.","vol":"5","page":50},{"text":"وجاء في \"السيل الجرّار\" (٢/ ٢٦٨): \"ثمّ قد أجمع المسلمون على التحريم، ولم يبق على الجواز إِلا الرافضة، وليسوا ممن يُحتاج إِلى دفع أقوالهم، ولا هم ممّن يقدح في الإِجماع، فإِنهم في غالب ما هم عليه مخالفون للكتاب والسنة ولجميع المسلمين. قال ابن المنذر: جاء عن الأوائل الرخصة فيها -يعني المتعة-، ولا أعلم اليوم أحدًا يجيزها إِلا بعض الرافضة. وقال القاضي عياض: أجمع العلماء على تحريمها إِلا الروافض ... \".\n٢ - نكاح التحليل: وهو أن يتزوج المطلّقة ثلاثًا بعد انقضاء عدَّتها، أو يدخل بها، ثمّ يطلقها؛ ليُحلّها للزوج الأول، وهذا النوع من الزواج كبيرة من كبائر الإِثم والفواحش، حرّمه الله، ولعَن فاعله (١).\nعن علي -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لَعَن الله المحلِّلَ والمحلَّلَ له\" (٢).\nوعن ابن عباس -﵄- قال: \"لعَن رسولا الله - ﷺ - المحلِّل والمحلَّل له\" (٣).\nوعن عقبة بن عامر -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ألا أُخبِركم\n_________\n(١) \"فقه السنة\" (٢/ ٣٦٤).\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٨٢٧)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٨٩٤)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٥٧١)، وانظر \"الإِرواء\" (١٨٩٧).\n(٣) أخرجه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٥٧٠)، والترمذي وغيرهما، وانظر \"الإرواء\" (١٨٩٧).","vol":"5","page":51},{"text":"بالتيس المستعار؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: هو المحلّل والمحلّل له\" (١). وعن عمر بن نافع عن أبيه أنه قال: \"جاء رجل إِلى ابن عمر -﵄-، فسأله عن رجل طلّق امرأته ثلاثًا، فتزوجها أخ له من غير مؤامرة منه ليُحلّها لأخيه، هل تحلّ للأول؟ قال: لا، إِلا نكاح رغبة، كنا نعدّ هذا سِفاحًا (٢) على عهد رسول الله - ﷺ -\" (٣).\nجاء في \"الروضة الندية\" (٢/ ٣٨): \"وصحّ عن عمر أنه قال: لا أوتى بمحلّل ومحلّل له إِلا رجمتهما.\nرواه ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، في \"مصنّفيهما\"، وابن المنذر في \"الأوسط\".\nوروى ابن أبي شيبة، عن ابن عمر: أنه سئل عن ذلك؟ فقال: كلاهما زانٍ.\nوالكلام في ذلك عن الصحابة والتابعين طويل، قد أطال شيخ الإِسلام تقي الدين ابن تيمية الكلام عليه، وأفرده مصنفًا سماه: (بيان الدليل على إِبطال التحليل) \". انتهى.\nوجاء فيه أيضًا (ص ٣٨ - ٣٩): \"أقول [أي: صاحب الروضة]: حديث\n_________\n(١) أخرجه أحمد، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٥٧٢)، والبيهقي وغيرهم، وانظر \"الإرواء\" (٦/ ٣٠٩).\n(٢) سفاحًا؛ أي: زنىً.\n(٣) أخرجه الطبراني في \"الأوسط\"، والحاكم، والبيهقي ... وصححه شيخنا -﵀- في \"الإرواء\" (١٨٩٨).","vol":"5","page":52},{"text":"لعْن المحلّل: مرويٌّ من طريق جماعة من الصحابة بأسانيد بعضها صحيح، وبعضها حسن، واللعن لا يكون إِلا على أمر غير جائز في الشريعة المطهرة، بل على ذنب هو من أشد الذنوب. فالتحليل غير جائز في الشرع، ولو كان جائزًا لم يلعن فاعله والراضي به. وإذا كان لعْن الفاعل لا يدل على تحريم فِعْله؛ لم تبق صيغة تدل على التحريم قطّ، وإذا كان هذا الفعل حرامًا غير جائز في الشريعة؛ فليس هو النكاح الذي ذكَره الله في قوله: ﴿حتى تَنْكِحَ زوجًا غيره﴾ (١)، كما أنه لو قال: لعَن الله بائع الخمر، لم يلزم من لفظ: (بائع) أنه قد جاز بيعه، وصار من البيع الذي أَذِن فيه بقوله: ﴿وأحلَّ اللهُ البيعَ﴾ (٢). والأمر ظاهر.\nقال ابن القيم: ونكاح المحلّل لم يُبَح في مِلّة من المِلَل قطّ، ولم يفعله أحد من الصحابة، ولا أفتى به واحد منهم. ثمّ سَلْ من له أدنى اطلاع على أحوال الناس: كم من حُرَّة مصونة، أنشب فيها المحلل مخالب إِرادته؛ فصارت له بعد الطلاق من الأخدان. وكان بعلها منفردًا بوطئها، فإِذا هو والمحلل ببركة التحليل شريكان! فلعمر الله كم أخرج التحليل مخَدَّرةً من سترها إِلى البغاء، ولولا التحليل لكان منال الثريا دون منالها، والتدرع بالأكفان دون التدرع بجمالها، وعناق القنا دون عناقها، والأخذ بذراع الأسد دون الأخذ بساقها. وأمّا هذه الأزمان التي شَكَتِ الفروجُ فيها إِلى ربها من مفسدة التحليل، وقُبح ما يرتكبه المحلِّلون، مما هو رمد -بل عمَى- في عين الدين، وَشَجًا في حلوق المؤمنين، من\n_________\n(١) البقرة: ٢٣٠.\n(٢) البقرة: ٢٧٥.","vol":"5","page":53},{"text":"قبائحَ تُشْمِت أعداء الدين به، وتمنع كثيرًا ممن يريد الدخول فيه بسببه؛ بحيث لا يحيط بتفاصيلها خطاب، ولا يحصرها كتاب، يراها المؤمنون كلهم من أقبح القبائح، ويعدّونها من أعظم الفضائح، قد قلبت من الدين رسمه، وغيرت منه اسمه، وضَمَّخَ التيس المستعار فيها المطلقة بنجاسة التحليل، وزعم أنه قد طيَّبها للتحليل، فيالله العجب أيَّ طيبٍ أعارها هذا التيس الملعون؟ وأيُّ مصلحة حصلت لها ولمطلِّقها بهذا الفعل الدون؟ .. إِلى غير ذلك\".\nقال صاحب \"الروضة\": \"وقد أطال -رحمه الله تعالى- في تخريج أحاديث التحليل في \"إعلام الموقعين\" إِطالة حسنة، فليراجع\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1327>الزواج الذي تحلُّ به المطلقة للزوج الأول </span>(١):\nإِذا طلَّق الرجل زوجته ثلاث تطليقات، فلا تحلّ له مراجعتها، حتى تتزوج بعد انقضاء عدتها زوجًا آخر زواجًا صحيحًا، لا بقصد التحليل.\nفإِذا تزوجها الثاني زواج رغبة، ودخل بها دخولًا حقيقيًا، حتى ذاق كل منهما عُسَيْلَةَ الآخر، ثمّ فارقها بطلاق أو موت، حلّ للأول أن يتزوجها بعد انقضاء عدتها.\nعن عائشة -﵂-: أن امرأة رِفاعة القُرَظيِّ جاءت إلى رسول الله - ﷺ -، فقالت: يا رسول الله! إِن رِفاعة طلقني فَبَتَّ طلاقي، وإني نكحتُ بعدهُ عبد الرحمن بن الزبير القُرظي، وإنما معهُ مثل الهدبة (٢)؟! قال رسول الله - ﷺ -: \"لعلك تريدين أن ترجعي إِلى رِفاعة؟ لا حتى يذوق عُسَيلتك وتذوقي\n_________\n(١) عن \"فقه السنة\" (٢/ ٣٦٨) -بتصرّف يسير-.\n(٢) أرادت متاعه، وأنه رِخْوٌ مثل طرَف الثوب، لا يُغني عنها شيئًا. \"النهاية\".","vol":"5","page":54},{"text":"عُسَيلته\" (١).\nوذوق العُسَيلة كناية عن الجماع، ويكفي في ذلك التقاء الختانين، الذي يوجب الحد والغسل. ونزل في ذلك قول الله -تعالى-: ﴿فإنْ طلقها فلا تحلّ له من بعْدُ حتى تنكح زوجًا غيره فإِن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إِن ظنَّا أن يقيما حدودَ الله﴾ (٢).\nوعلى هذا، فإِن المرأة لا تحل للأول، إِلا بهذه الشروط:\nأولًا: أن يكون زواجها بالزوج الثاني صحيحًا.\nثانيًا: أن يكون زواج رغبة؛ لا بقصد تحليلها للأول.\nثالثًا: أن يدخُل بها دخولًا حقيقيًا بعد العقد، ويذوق عُسَيلتها، وتذوق عُسَيلته.\n٣ - نكاح الشِّغار: وهو نِكاح معروف في الجاهلية، كان يقول الرجل للرّجل: شاغرني؛ أي: زوّجني أختك أو بنتك أو من تَلِي أمرها، حتى أزوّجك أختي أو بنتي أو من أَلِي أمرها، ولا يكون بينهما مهر، ويكون بُضْعُ كل واحدةٍ منهما في مقابلة بُضع (٣) الأخرى (٤).\nعن ابن عمر -﵄- أنّ النّبيّ - ﷺ - قال: \"لا شغار في\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٥٢٦٠، ومسلم: ١٤٣٣.\n(٢) البقرة: ٢٣٠.\n(٣) البُضع: يطلق على عقد النكاح والجماع معًا، وعلى الفرج. \"النهاية\".\n(٤) \"النهاية\" وجاء في تتمَّته: \"وقيل له: شغار لارتفاع [أي: لسقوط] المهر بينهما، من شَغَر الكلب: إِذا رفع إحدى رجليه ليبول. وقيل الشغر: البعد. وقيل: الاتّساع\".","vol":"5","page":55},{"text":"الإِسلام\" (١).\nوعن أبي هريرة -﵁- قال: \"نهى رسول الله - ﷺ - عن الشغار. والشغار أن يقول الرجل للرجل: زوجني ابنتك وأُزوجك ابنتي، أو زوجني أختك وأُزوجك أختي\" (٢).\nوعن ابن عمر -﵄-: \"أنّ رسول الله - ﷺ - نهى عن الشغار. والشّغار أن يُزوِّج الرجل ابنته على أن يزوّجه الآخر ابنته، وليس بينهما صَداق\" (٣).\nوهناك بعض الآثار الدالّة على بُطلان هذا النكاح وإن كان هناك صَداق.\nفعن الأعرج: \"أنّ العباس بن عبد الله بن عباس أنكح عبد الرحمن بن الحكم ابنته، وأنكحه عبد الرحمن ابنته، وكانا جعلا صَداقًا، فكتب معاوية إِلى مروان يأمره أن يُفرِّق بينهما، وقال في كتابه: هذا الشغار الذي نهى عنه رسول الله - ﷺ -\" (٤)\nوجاء في \"السيل الجرّار\" (٢/ ٢٦٧): \"ولا يختص الشغار بالبنات والأخوات، بل حُكْم غيرهن من القرائب حُكْمهن، وقد حكى النووي الإِجماع على ذلك\".\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ١٤١٥.\n(٢) أخرجه مسلم: ١٤١٦.\n(٣) أخرجه البخاري: ٥١١٢، ومسلم: ١٤١٥.\n(٤) أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن حبان، وحسّن إِسناده شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (١٨٩٦).","vol":"5","page":56},{"text":"قال ابن عبد البر: \"أجمع العلماء على أن نكاح الشغار لا يجوز، ولكن اختلفوا في صحته: فالجمهور على البطلان. وفي رواية عن مالك يُفْسَخُ قبل الدخول لا بعده، وحكاه ابن المنذر عن الأوزاعي. وذهب الحنفية إِلى صحته ووجوب مهر المِثْل ... \" (١).\nوجاء في \"الفتح\" (٩/ ١٦٣): \"قال القرطبي: ... تفسير الشغار صحيح مُوافِق لما ذكَره أهل اللغة؛ فإِن كان مرفوعًا فهو المقصود، وإن كان من قول الصحابي فمقبول أيضًا؛ لأنه أعلم بالمقال وأقعد بالحال. وقد اختلف الفقهاء هل يُعتبر في الشغار الممنوع ظاهر الحديث في تفسيره، فإِن فيه وصفين: أحدهما: تزويج كل من الوليين وليّته للآخر بشرط أن يزوجه وليّته، والثاني: خلو بضع كل منهما من الصَّداق.\nفمنهم من اعتبرهما معًا؛ حتى لا يمنع مثلًا إِذا زوَّج كل منهما الآخر بغير شرط؛ وإن لم يذكر الصَّداق، أو زوَّج كل منهما الآخر بالشرط وذكر الصَّداق.\nوذهب أكثر الشافعية إِلى أن علة النهي الاشتراك في البضع؛ لأن بُضع كل منهما يصير مورد العقد، وجعْلُ البُضع صَداقًا مخالف لإِيراد عقد النكاح، وليس المقتضي للبطلان ترك ذِكر الصَّداق؛ لأن النكاح يصح بدون تسمية الصَّداق ... \".\nقال ابن حزم -﵀- في \"المحلّى\" (١١/ ١٣١) تحت المسألة (١٨٥٦): \"ولا يحل نكاح الشغار: وهو أن يتزوج هذا وليَّة هذا على أن يزوجه الآخر وليَّته أيضًا، سواء ذكَرا في كل ذلك صَداقًا لكل واحدة منهما أو\n_________\n(١) انظر \"الفتح\" (٩/ ١٦٣).","vol":"5","page":57},{"text":"لإِحداهما دون الأخرى، أو لم يذكرا في شيء من ذلك صداقًا، كل ذلك سواء يفسخ أبدًا، ولا نققة فيه؛ ولا ميراث، ولا صَداق، ولا شيء من أحكام الزوجية، ولا عدة\".\nوجاء في \"السيل الجرّار\" (٢/ ٢٦٧): \"والنهي حقيقة في التحريم المقتضي للفساد المرادف للبُطلان\".\nوسألت شيخنا -﵀- قائلًا: \"يرى جمهور العلماء أن عقد الشغار باطل، وأنه لا ينعقد أصلًا، وخالف في ذلك أبو حنيفة -﵀- فهو يرى أنه يقع صحيحًا؛ ويجب لكل واحدةٍ من البنتين مهر مِثلها على زوجها. فماذا تقولون؟\nفقال -﵀-: \"الصحيح هو القول الأول، لورود النّهي عن الشغار، والنهي يقتضي البُطلان\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1328>فائدة:</span>\nقال الإِمام ابن حزم -﵀- في \"المحلى\" (١١/ ١٣٦): \"فإِن خطب أحدهما إِلى الآخر فزوجه، ثمّ خطب الآخر إِليه فزوّجه، فذلك جائز -ما لم يشترط أن يزوّج أحدهما الآخر- فهذا هو الحرام الباطل\".\n\n٤ - نكاح السِّرِّ:\nوجاء في \"الفتاوى\" (٣٢/ ١٠٢): \"وسئل -رحمه الله تعالى- عن رجل تزوّج امرأة \"مصافحةً\" (١) على صَداق خمسة دنانير كل سنة نصف دينار، وقد\n_________\n(١) المصافحة: نكاح السر.","vol":"5","page":58},{"text":"دخل عليها وأصابها: فهل يصح النكاح أم لا؟ وهل إِذا رُزق بينهما ولد يرث أم لا؟ وهل عليهما الحدّ أم لا؟\nفأجاب: الحمد لله. إِذا تزوجها بلا ولي ولا شهود، وكتما النكاح: فهذا نكاح باطل باتفاق الأئمة؛ بل الذي عليه العلماء أنه: \"لا نكاح إِلا بولي\" (١) و\"أيما امرأة تزوجت بغير إذن وليها؛ فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل\" (٢). وكلا هذين اللفظين مأثور في \"السنن\" عن النبيّ - ﷺ -.\nوقال غير وأحد من السلف: لا نكاح إِلا بشاهدين، وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد. ومالك يوجب إِعلان النكاح.\n\"ونكاح السرّ\" هو من جنس نكاح البغايا؛ وقد قال الله -تعالى-: ﴿مُحْصَنات غير مُسَافِحَاتٍ ولا مُتَّخذَات أَخْدَان﴾ (٣). فنكاح السرّ من جنس ذوات الأخدان؛ وقال -تعالى-: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامى مِنْكُم﴾ (٤)، وقال -تعالى-: ﴿ولا تُنْكِحُوا المُشركين حتى يُؤمنوا﴾ (٥)، فخاطَب الرجال بتزويج النساء؛ ولهذا قال من قال من السلف: إِن المرأة لا تُنْكِحُ نفسَها، وإنَّ\n_________\n(١) أخرجه أحمد، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٨٧٩)، وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٨٣٦)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٥٢٦) وغيرهم، وتقدّم.\n(٢) أخرجه أحمد، وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٨٣٥)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٨٨٠)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٥٢٤) وغيرهم، وانظر \"الإرواء\" (١٨٤٠)، وتقدّم.\n(٣) النساء: ٢٥.\n(٤) النور: ٣٢.\n(٥) البقرة: ٢٢١.","vol":"5","page":59},{"text":"البَغِيَّ هي التي تُنْكِحُ نفسَها.\nلكن إِن اعتقد هذا نكاحًا جائزًا؛ كان الوَطْءُ فيه وَطْءَ شبهة، يلحق الولد فيه، ويرث أباه، وأما العقوبة فإِنهما يستحقان العقوبة على مثل هذا العقد\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1329>الشروط في النكاح </span>(١)\n١ - ما يجب الوفاء به، وهو ما أمَر الله به من إِمساك بمعروف أو تسريحٍ بإِحسان، وما كان من مُقتضَيات العقد ومقاصده، ولم يتضمّن تغييرًا لحُكم الله -تعالى- ورسوله - ﷺ -؛ كاشتراط العشرة بالمعروف، والإِنفاق عليها، وكسوتها، وألا يقصّر في شيء من حقوقها، وأنها لا تخرج من بيته إِلا بإِذنه، ولا تصوم تطوُّعًا بغير إِذنه ...\nوعليه حمَل بعضهم حديث عقبة -﵁- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"أحقّ ما أوفيتم من الشروط (٢)؛ أن توفوا به ما استحلَلتُم به الفروج\" (٣).\n_________\n(١) ملتقطٌ من \"المغني\" و\"مجموع الفتاوى\" و\"فقه السّنة\" وغيرها بتصرّف وزيادة.\n(٢) قال في \"فيض القدير\" (٢/ ٤١٨): \"يعني الوفاء بالشروط حق، وأحق الشروط بالوفاء الذي استحللتم به الفروج، وهو المهر والنفقة ونحوهما، فإِن الزوج التزمها بالعقد، فكأنها شرطت. هذا ما جرى عليه القاضي في تقريره. ولا يخفى حُسنه. قال الرافعي -﵀-: وحمَله الأكثر على شرط لا ينافي مقتضى العقد؛ كشرط المعاشرة بالمعروف، ونحو ذلك مما هو من مقاصد العقد ومقتضياته، بخلاف ما يخالف مقتضاه؛ كشرط أن لا يتزوج أو يتسرى عليها، فلا يجب الوفاء به. وأخذ أحمد -﵁- بالعموم، وأوجب الوفاء بكل شرط\".\n(٣) أخرجه البخاري: ٥١٥١، ومسلم: ١٤١٨.","vol":"5","page":60},{"text":"جاء في \"سبل السلام\" (٣/ ٢٤٢): \"والحديث دليل على أن الشروط المذكورة في عقد النكاح يتعين الوفاء بها، سواء كان الشرط عرضًا (١) أو مالًا، حيث كان الشرط للمرأة، لأنّ استحلال البضع إِنما يكون فيما يتعلق بها أو ترضاه لغيرها\".\n٢ - ما لا يُوفّى به، وهو ما لا يجب الوفاء به مع صحّة العقد، وهو ما كان منافيًا لمقتضى العقد؛ كاشتراط ترْك الإِنفاق، والوطء، أو اشتراط عدم إِعطائها المهر، أو اشتراط إِنفاقها عليه، أو لا يكون عندها في الأسبوع إِلا ليلة، أو أن يكون لها النهار دون الليل.\nفهذه الشروط كلّها باطلة في نفسها؛ لأنّها تُنافي العقد، ولأنّها تتضمّن إِسقاط حقوقٍ تجب بالعقد قبل انعقاده\".\nقلت: لكن هذا إِنْ كان بلا سبب. أمّا إِنْ كان هناك ما يدعو إِليه، فلا بأس.\nوسألتُ شيخنا -﵀- قائلًا: هناك من يقول: لا يجب الوفاء في اشتراط ترْك الإِنفاق.\nفسأل شيخنا -﵀-: قبل الزواج؟\nقلت: نعم.\nقال -﵀-: وقَبِل وليّ الأمر والزوجة؟\nقلت: نعم.\nقال -﵀-: فهل الفقر الذي حمَل على عدم الإِنفاق مثلًا؟\n_________\n(١) العَرْض: كلّ شيء سوى الدَّراهم والدَّنانير.","vol":"5","page":61},{"text":"قلت: هل أفهم منكم -شيخنا- إِن كان ثمّة مسوّغ جاز؛ وإلا فلا.\nقال -﵀-: نعم.\nوسألته -﵀- عن اشتراط ترْك الوطء، أو عدم تقديم المهر، فقال -﵀-: نفس الجواب.\nوسألته عمن يشترط ألا يكون عندها في الأسبوع إِلا ليلة؟\nفقال -﵀-: إِنْ كان لعجز أو سبب جاز. انتهى.\nوسألته -﵀- في موضع آخر عمّن يرى من العلماء فسْخ نكاح من تزوّج بغير ذِكر المهر، أو من اشترط أن لا مهر عليه؟\nفأجاب -﵀-: هذا زنى، أمّا إِذا كان هناك مهْر لم يسمَّ ولم يُحدّد؛ فلا بأس.\nوممّا لا يُوفّى به كذلك؛ ما كان ممّا نهى الشرع عنه؛ كاشتراط المرأة عند الزواج طلاق ضرّتها.\nعن أبي هريرة -﵁- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"لا يحل لامرأة تسأل طلاق أختها؛ لتستفرغ صحفتها (١)، فإِنما لها ما قُدّر لها\" (٢).\n٣ - ما اختُلف فيه؛ كاشتراط أن لا يتزوّج عليها، أو ألا يتسرّى، أو لا ينقلها من منزلها إِلى منزله، أو لا يسافر بها ونحو ذلك.\n_________\n(١) الصحفة: إِناءٌ كالقصعة المبسوطة ونحوها. وهذا مثل يريد به الاستئثار عليها بحظّها، فتكون كمن استفرغ صحفة غيره، وقلب ما في إِنائه إِلى إِناء نفسه. \"النهاية\".\n(٢) أخرجه البخاري: ٥١٥٢، ومسلم: ١٤١٣.","vol":"5","page":62},{"text":"واستدلّ الأحناف والشافعية وكثير من أهل العلم بما يأتي:\nأ- إِن رسول الله - ﷺ - قال: \"المسلمون على شروطهم؛ إِلا شرطًا حرّم حلالًا، أو أحل حرامًا\" (١).\nب- قوله - ﷺ -: \"ما كان من شرطٍ ليس في كتاب الله فهو باطل، وإنْ كان مائةَ شرط\" (٢).\nولا بُد من بيان بعض الأمور دفْعًا للالتباس، فأقول -وبالله التوفيق-:\nالمراد بقوله - ﷺ -: \"ليس كتاب الله\"؛ أي: ليس فيه جوازُه أو وجوبه، فالمراد في الحديث: الشروط الجائزة؛ لا المنهيّ عنها، كما بيّن ذلك العلماء.\nوقال القرطبي -﵀-: \"قوله: \"ليس في كتاب الله\"؛ أي: ليس مشروعًا فيه تأصيلًا ولا تفصيلًا، فإِنّ من الأحكام ما لا يوجد تفصيله في الكتاب -كالوضوء-، ومنها ما يوجد تأصيله دون تفصيله -كالصلاة-، ومنها ما أُصّل أصْله -كدلالة الكتاب على أصلية السنّة والإِجماع والقياس-\" (٣).\nويجب أن نعلم أن الشرط الذي يحل الحرام أو يحرّم الحلال ليس في كتاب الله -تعالى- وليس المراد من قوله - ﷺ -: \"ليس في كتاب الله\" أنّ كتاب الله -تعالى- قد نطَق به لفظًا ونصًّا؛ فإِن كثيرًا من الشروط على هذا النحو غير منطوقٍ بها، ومع ذلك فهي مشروعة؛ لأنها لا تخالف الكتاب ولا السُّنهّ.\n_________\n(١) أخرجه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (١٠٨٩) وغيره، والجملة الأولى رواها البخاري معلّقة بصيغة الجزم، وانظر \"الفتح\" (٤/ ٤٥١) و\"الإرواء\" (٥/ ١٤٤).\n(٢) أخرجه البخاري: ٢٧٢٩، ومسلم: ١٥٠٤.\n(٣) انظر \"فيض القدير\" (٥/ ٢٢).","vol":"5","page":63},{"text":"وجاء في \"المغني\" (٧/ ٤٤٨): \"وإذا تزوَّجها وشرّط لها أن لا يخرجها من دارها وبلدها؛ فلها شرطها؛ لما روي عن النّبيّ - ﷺ - أنه قال: \"أحق ما أوفيتم به من الشروط ما استحللتم به الفروج\". وإن تزوجها وشرط لها أن لا يتزوج عليها؛ فلها فراقه إِذا تزوج عليها، وجملة ذلك أن الشروط في النكاح تنقسم أقسامًا ثلاثة ... \".\nثمّ فصّل القول في ذلك.\nوجاء في \"الفتاوى\" (٣٢/ ١٦٤): \"وسئل -﵀- عن رجل تزوَّج بامرأةٍ؛ فشُرِط عليه عند النَّكاح أنه لا يتزوج عليها، ولا ينقُلُها من منزلها. وكانت لها ابنةٌ، فشرط عليه أن تكون عند أمّها، وعنده ما تزال، فدخل على ذلك كله، فهل يلزمه الوفاء؟ وإذا أخلف هذا الشرط، فهل للزوجة الفسخ، أم لا؟\nفأجاب: الحمد لله. نعم تصحّ هذه الشروط وما في معناها في مذهب الإِمام أحمد، وغيره من الصحابة والتابعين وتابعيهم؛ كعمر بن الخطاب وعمرو بن العاص -﵄-، وشريح القاضي، والأوزاعي، وإسحاق، ولهذا يوجد في هذا الوقت صَداقات أَهل المغرب القديمة -لمَّا كانوا على مذهب الأوزاعي- فيها هذه الشروط. ومذهب مالك: إِذا شرط أنه إِذا تزوج عليها أو تسرّى أن يكون أمرها بيدها ونحو ذلك: صح هذا الشرط أيضًا، وملكت الفُرقة به. وهو في المعنى نحو مذهب أحمد في ذلك؛ لما أخرجاه في \"الصحيحين\" عن النّبيّ - ﷺ - أنه قال: \"إِنّ أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج\" (١).\nوقال عمر بن الخطاب: \"مقاطع الحقوق عند الشروط\" (١).\n_________\n(١) تقدّم.","vol":"5","page":64},{"text":"فجعل النّبيّ - ﷺ - ما يستحل به الفروج من الشروط أحق بالوفاء من غيره، وهذا نص في مِثل هذه الشروط؛ إِذ ليس هناك شرط يُوفّى به بالإِجماع غير الصَّداق والكلام. فتعيَّن أن تكون هي هذه الشروط.\nوأمّا شرط مُقامِ ولدِها عندها، ونفقته عليه؛ فهذا مِثل الزيادة في الصَّداق، والصّداق يحتمل من الجهالة فيه -في المنصوص عن أحمد وهو مذهب أبي حنيفة ومالك- ما لا يحتمل في الثمن والأجرة. وكل جهالة تنقص على جهالة مهر المثل تكون أحق بالجواز؛ لا سيما مثل هذا يجوز في الإِجارة ونحوها في مذهب أحمد وغيره: إِن استأجر الأجير بطعامه وكسوته، ويُرْجَعُ في ذلك إِلى العرف، فكذلك اشتراط النفقة على ولدها يُرْجَعُ فيه إِلى العرف بطريق الأولى.\nومتى لم يُوفِ لها بهذه الشروط فتزوج، وتسرّى، فلها فسْخ النكاح، لكن في توقُّف ذلك على الحاكم نزاع؛ لكونه خيارًا مجتهدًا فيه، كخيار العنّة والعيوب؛ إِذ فيه خلاف ... \" (١).\nوجاء (ص ١٦٧) منه: \"وسئل شيخ الإِسلام -﵀- عن رجل تزوج بنتًا عمرها عشر سنين، واشترط عليه أهلها أنه يسكن عندهم، ولا ينقلها عنهم، ولا يدخل عليها إِلا بعد سنة، فأخذها إِليه، واختلف ذلك، ودخل عليها، وذكر الدايات: أنه نقلها، ثمّ سكن بها في مكان يضربها فيه الضَّرْبَ المُبرِّح، ثمّ بعد ذلك سافر بها، ثمّ حضر بها، ومنع أن يدخل أهلها عليها مع مداومته على ضرْبها: فهل يحل أن تدوم معه على هذا الحال؟\n_________\n(١) وانظر للمزيد -إن شئت- فيما يتعلق بالشروط في \"الفتاوى\" (٢٩/ ١٧٥ - ١٧٦) و(٢٩/ ٣٥٠ - ٣٥٤) و(٣٢/ ١٦٩ - ١٧٠).","vol":"5","page":65},{"text":"فأجاب: إِذا كان الأمر على ما ذكَر؛ فلا يحل إِقرارها معه على هذه الحالة؛ بل إِذا تعذر أن يعاشرها بالمعروف فُرّق بينهما؛ وليس له أن يطأها وطأ يضرُّ بها؛ بل إِذا لم يمتنع من العدوان عليها فُرّق بينهما، والله أعلم\".\nوجاء (ص ١٦٨) منه: \"وسئل -﵀- عن رجل شرط على امرأته بالشهود أن لا يُسكنها في منزل أبيه، فكانت مدة السكنى منفردة، وهو عاجز عن ذلك: فهل يجب عليه ذلك؟ وهل لها أن تفسخ النكاح إِذا أراد إِبطال الشرط؟ وهل يجب عليه أن يمكّن أمها أو أختها من الدخول عليها والمبيت عندها، أو لا؟\nفأجاب: لا يجب عليه ما هو عاجز عنه؛ لا سيما إِذا شرطت الرضا بذلك؛ بل [إِذا] كان قادرًا على مسكن آخر؛ لم يكن لها عند كثير من أهل العلم -كمالك وأحد القولين في مذهب أحمد وغيرهما- غير ما شرط لها، فكيف إِذا كان عاجزًا؟ وليس لها أن تفسخ النكاح عند هؤلاء وإنْ كان قادرًا. فأمّا إِذا كان ذلك للسكن، ويصلح لسكنى الفقير، وهو عاجز عن غيره؛ فليس لها أن تفسخ بلا نزاع بين الفقهاء، وليس عليه أن يمكِّن من الدخول إِلى منزله: لا أمّها ولا أختها، إِذا كان معاشرًا لها بالمعروف، والله أعلم\".\nوجاء في تعليق شيخنا على \"الروضة الندية\" (٢/ ١٧٥) بعد نقْل كلام شيخ الإِسلام -رحمهما الله-: \"وإنما المشترط له أن يوجب بالشرط ما لم يكن واجبًا بدونه، فمقصود الشروط وجوب ما لم يكن واجبًا ولا حرامًا، وعدم الإِيجاب ليس نفيًا للإِيجاب، حتى يكون المشترط مناقضًا للشرع، وكل شرط صحيح فلا بد أن يفيد وجوب ما لم يكن واجبًا، ويباح أيضًا لكل منهما ما","vol":"5","page":66},{"text":"لم يكن مباحًا، ويحرم على كل منهما ما لم يكن حرامًا، وكذلك كل من المتآجرين والمتناكحين، وكذلك إِذا اشترط صفة في المبيع أو رهنًا، أو اشترطت المرأة زيادة على مهر مِثلها؛ فإِنه يجب ويحرُم ويباح بهذا الشرط؛ ما لم يكن كذلك؛ كذا في \"الفتاوى\" (٣/ ٣٣٣) \".\nوقال الإِمام ابن حزم -﵀- في \"المحلّى\" (١١/ ١٣٩) بعد حديث: \"إِنّ أحق الشروط أن توفّوا ... \": \"فقد صحّ أنّ رسول الله - ﷺ - لم يُرِدْ قط في هذا الخبر شرطًا فيه تحريم حلال، أو تحليل حرام، أو إِسقاط فرض، أو إِيجاب غير فرض، لأنّ كل ذلك خلاف لأوامر الله -تعالى- ولأوامره -﵊-.\nواشتراط المرأة أن لا يتزوج، أو أن لا يتسرى، أو أن لا يغيب عنها، أو أن لا يرحِّلها عن دارها؛ كل ذلك تحريم حلال، وهو وتحليل الخنزير والميتة سواء في أنّ كلّ ذلك خلاف لحكم الله -﷿-\".\nوخلاصة القول التي بدت لي:\nإِنّ الأعمال إِمّا أن تكون واجبة، وإِمّا أن تكون حرامًا، وإمّا أن تكون جائزة.\nفاشتراط المرأة ترْك الواجب باطل، واشتراطها فِعْل الحرام باطل كذلك، فيبقى البحث في الأمور الجائزة؛ فيجوز ذلك. والله -تعالى- أعلم.\nمسألة: جاء في \"الفتاوى\" (٣٢/ ٤٢): \"وسئل -﵀- عن بنت زالت بكارتها بمكروه، ولم يُعْقَدْ عليها عَقْدٌ قطّ، وطلبها من يتزوّجها؛ فذكر له ذلك فرضي: فهل يصح العقد بما ذكر إِذا شهد المعروفون أنها بنت؛ لتسهيل الأمر في ذلك؟\nفأجاب: إِذا شهدوا أنها ما زُوجت؛ كانوا صادقين، ولم يكن في ذلك","vol":"5","page":67},{"text":"تلبيس على الزّوج؛ لعلِمه بالحال.\nوينبغي استنطاقها بالأدب؛ فإِنّ العلماء متنازعون: هل إِذنها -إِذا زالت بكارتها بالزنى- الصمت، أو بالنطق؟ والأول مذهب الشافعي وأحمد كصاحبي أبي حنيفة. وعند أبي حنيفة ومالك: إِذنها الصمات، كالتي لم تزَلْ عذرتها\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1330>هل يحقّ فسْخُ العقد إِذا ثبَتَ العيب</span>؟\n* اختلف الفقهاء في ذلك، فقال داود، وابن حزم، ومن وافَقَهما: لا يُفْسَخ النكاح بعيب ألبتة.\nوقال أبو حنيقة: لا يفسخ إِلا بالجَبِّ والعُنّة (١) خاصة.\nوقال الشافعي ومالك: يُفْسَخ بالجنون والبرص، والجُذام والقَرَن (٢)، والجَبِّ والعُنّة خاصة. وزاد الإِمام أحمد عليهما: أن تكون المرأة فتقاء منخرقة ما بين السبيلين. ولأصحابه في نَتَن الفرج والفم، وانخراق مخرجي البول والمني في الفرج، والقروح السيالة فيه، والبواسير، والنّاصور، والاستحاضة، واستطلاق البول، والنجو (٣)، والخصي -وهو قطع البيضتين- والسَّل -وهو سَلُّ البيضتين-، والوَجء -وهو رضُّهما-، وكون أحدهما خُنثى مشكلًا، والعيب الذي بصاحبه\n_________\n(١) العُنّة: العجز عن وطء النّساء.\n(٢) القرناء من النساء: التي في فرجها مانع يمنع من سلوك الذكر فيه، إِمّا غدّة غليظة، أو لحمة مُرْتَتِقة أو عظم، يقال لذلك كله: القرَن. \"لسان العرب\".\n(٣) النجو: ما يخرج من البطن من ريحٍ وغائط. \"القاموس المحيط\".","vol":"5","page":68},{"text":"مثله من العيوب السبعة، والعيب الحادث بعد العقد: وجهان.\nوذهب بعض أصحاب الشافعي إِلى ردّ المرأة بكُلِّ عيبٍ تُردُّ به الجارية في البيع، وأكثرهم لا يَعرف هذا الوجه ولا مظنّته، ولا مَن قاله. وممن حكاه: أبو عاصم العباداني في كتاب \"طبقات أصحاب الشافعي\"، وهذا القول هو القياس، أو قول ابن حزم ومن وافقه.\nوأما الاقتصار على عيبين أو ستة أو سبعة أو ثمانية، دون ما هو أولى منها أو مساوٍ لها، فلا وجه له ... * (١).\nأقول: يحقّ فسْخ العقد إِذا ثبَت -عيب عند الرجل أو المرأة- في الفرج؛ يمنع الوطء والاستمتاع، أو كان به مرض مُنفّر، كالجنون أو البرص أو الجذام ...\nوهناك آثار عن عمر وعثمان وابن مسعود والمغيرة بن شعبة -﵃- أن العِنّين (٢) يؤجّل سَنة (٣).\nوجاء في \"الإِرواء\" (٦/ ٣٢٤): \" ... وأمّا أثر ابن مسعود، فيرويه سفيان عن الركين عن أبيه وحصين بن قبيصة عن عبد الله أنه قال: \"يؤجل العنّين سنة، فإِنْ جامع، وإِلا فرّق بينهما\" (٤).\n_________\n(١) ما بين نجمتين من \"زاد المعاد\" (٥/ ١٨٢).\n(٢) هو الذي لا يأتي النساء ولا يريدهنّ. \"اللسان\".\n(٣) انظر \"الإِرواء\" (١٩١١).\n(٤) قال شيخنا -﵀- في الكتاب المذكور: \"أخرجه ابن أبي شيبة: وكيع عن سفيان به. وتابعه شعبة: حدثني الركين عن حصين به؛ لم يذكر عن أبيه. =","vol":"5","page":69},{"text":"وجاء في \"سُبُل السلام\" (٣/ ٢٦٣): \"قال ابن المنذر: اختلفوا في المرأة تطالب الرجل بالجماع، فقال الأكثرون: إِنْ وطِئها بعد أنْ دخَل بها مرة واحدة؛ لم يؤجل أجل العِنِّين، وهو قول الأوزاعي والثوري وأبي حنيفة ومالك والشافعي وإسحاق. وقال أبو ثور: إِنْ ترَك جماعها لعِلّة؛ أُجِّلَ لها سنة، وإنْ كان لغير عِلّة فلا تأجيل. وقال عياض: اتفق كافة العلماء على أنّ للمرأة حقًّا في الجماع، فيثبت الخيار لها إِذا تزوجت المجبوب والممسوح جاهلة بهما، ويضرب للعِنِّين أجل سنة؛ لاختبار زوال ما به\". انتهى.\nقال شيخ الإِسلام -﵀- في \"الفتاوى\" (٢٨/ ٣٨٣): \"ومن الحقوق الأبضاع، فالواجب الحُكم بين الزوجين بما أمَر الله -تعالى- به، من إِمساكٍ بمعروف أو تسريحٍ بإِحسان، فيجب على كلٍّ من الزوجين أن يؤدي إِلى الآخر حقوقه، بطيب نفس وانشراح صدر؛ فإِنّ للمرأة على الرجل حقًّا في ماله؛ وهو الصَّداق والنفقة بالمعروف، وحقًّا في بدنه؛ وهو العشرة والمتعة؛ بحيث لو آلى منها استحقت الفرقة بإِجماع المسلمين، وكذلك لو كان مجبوبًا أو عنّينًا لا يمكنه جماعها فلها الفرقة؛ ووطؤها واجب عليه عند أكثر العلماء\".\nوقال -﵀- (٢٩/ ١٧٥): \"وكذلك يوجب العقدُ المُطْلَق: سلامةَ الزوج من الجَبِّ والعُنَّةِ عند عامة الفقهاء، وكذلك يوجب عند الجمهور: سلامتها من موانع الوطء كالرتق (١)، وسلامتها من الجنون، والجذام، والبرص،\n_________\n= قلت: وهذا إِسناد صحيح على شرط مسلم، فإِن رجاله كلهم ثقات من رجاله سوى حصين بن قبيصة، لكن روايته متابعة، ثم هو ثقة\".\n(١) المرأة الرتقاء: هي المرأة المنضمّة الفرج، التي لا يكاد الذّكر يجوز فرجها؛ لشدّة انضمامه. \"لسان العرب\".","vol":"5","page":70},{"text":"وكذلك سلامتهما من العيوب التي تمنع كماله، كخروج النجاسات منه أو منها، ونحو ذلك في أحد الوجهين في مذهب أحمد وغيره\".\nوجاء فيه (٣٢/ ١٧٣): \"وسئل -﵀- عن رجل تزوج امرأة على أنها بِكر، فبانت ثيبًا؛ فهل له فسخ النكاح ويرجع على مَن غرَّه أم لا؟\nفأجاب: له فسْخ النكاح، وله أن يطالب بأرش (١) الصَّداق -وهو تفاوُتُ ما بين مهر البِكر والثيب؛ فينقص بنسبته من المسمّى-، وإذا فسخ قبل الدخول سقط المهر، والله أعلم\".\nوجاء فيه (٣٢/ ١٧١): \"وسئل -﵀- عن امرأة تزوجت برجل، فلما دخل رأت بجسمه برصًا: فهل لها أن تفسخ عليه النكاح؟\nفأجاب: إِذا ظهر بأحد الزوجين جنون، أو جذام، أو برص: فللآخر فسْخ النكاح؛ لكن إِذا رضي بعد ظهور العيب فلا فسْخ له. وإذا فسخت فليس لها أن تأخذ شيئًا من جهازها، وإنْ فسخت قبل الدخول سقط مهرها. وإنْ فسخت بعده لم يسقط\".\nوجاء (ص ١٧١) منه: \"وسئل -﵀- عن رجل متزوج بامرأة فظهر مجذومًا: فهل لها فسْخ النكاح؟\nفأجاب: الحمد لله. إِذا ظهر أن الزوج مجذوم، فللمرأة فسْخ النكاح بغير اختيار الزوج. والله أعلم\".\n_________\n(١) الأرش: هو اسم للمال الواجب على ما دون النفس، كما في \"التعريفات\". هذا في القصاص. وهو ما يستردّ من ثمن المبيع إذا ظهر فيه عيب. وهذا في البيوع. والمراد هنا: ما يسترد من المهر بعد ظهور العيب.","vol":"5","page":71},{"text":"وقال ابن القيّم -﵀- في \"زاد المعاد\" (٥/ ١٨٤): \" ... وأمّا إِذا اشترط السلامة، أو شرَط الجمال، فبانت شوهاء، أو شرَطها شابة حديثة السن، فبانت عجوزًا شمطاء، أو شرَطها بيضاء، فبانت سوداء، أو بِكرًا فبانت ثيِّبًا، فله الفسْخُ في ذلك كلّه.\nفإِنْ كان قبل الدخول، فلا مهر لها. وإنْ كان بعده، فلها المهر، وهو غُرْمٌ على وليها إِنْ كان غرّه، وإنْ كانت هي الغارّهّ، سقط مهرها، أو رجع عليها به إِن كانت قبضته. ونص على هذا أحمد في إِحدى الروايتين عنه، وهو أقيسهما وأولاهما بأصوله فيما إذا كان الزوج هو المشترط\".\nوقال -﵀- (ص ١٨٣): \" [إِنّ] كُلّ عيب يُنفّر الزوج الآخر منه، ولا يحصل به مقصود النكاح من الرحمة والمودة يوجب الخيار، وهو أولى من البيع، كما أن الشروط المشترطة في النكاح أولى بالوفاء من شروط البيع، وما ألزم الله ورسوله مغرورًا قطُّ، ولا مغبونًا بما غُرَّ به وغُبن به، ومن تدبّر مقاصد الشرع في مصادره وموارده وعدْله وحكمته، وما اشتمل عليه من المصالح؛ لم يَخْفَ عليه رجحان هذا القول، وقُربه من قواعد الشريعة\".\nوقال -﵀- (ص ١٨٥): \"وإذا كان النّبيّ - ﷺ - حرّم على البائع كِتمان عيب سلعته، وحرّم على مَن علمه أن يكتمه من المشتري، فكيف بالعيوب في النكاح، وقد قال النّبيّ - ﷺ - لفاطمة بنت قيس حين استشارته في نكاح معاوية، أو أبي الجهم: \"أمّا معاوية، فصعلوك لا مال له، وأمّا أبو جهم، فلا يضع عصاه عن عاتقه\" (١)، فعُلم أنّ بيان العيب في النكاح أولى وأوجب،\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ١٤٨٠.","vol":"5","page":72},{"text":"فكيف يكون كتمانه وتدليسه والغشُّ الحرام به سببًا للزومه، وجعل ذا العيب غُلًاّ لازمًا في عُنق صاحبه، مع شدّة نُفرته عنه، ولا سيّما مع شرط السلامة منه، وشرط خلافه؟! وهذا مما يُعلم يقينًا أن تصرفات الشريعة وقواعدها وأحكامها تأباه. والله أعلم\".\nوقال -﵀- (ص ١٨٦): \"وقد ذهب أبو محمد ابن حزم إِلى أن الزوج إِذا شرط السلامة من العيوب، فوجد أيّ عيب كان، فالنكاح باطل من أصله غير منعقد، ولا خيار له فيه، ولا إجازة ولا نفقة، ولا ميراث، قال: لأن التي أدخلت عليه غير التي تزوج، إِذ السالمة غير المعيبة بلا شك، فإِذا لم يتزوجها فلا زوجية بينهما\".\nوسألت شيخنا -﵀-: هل ترون انفساخ العقد إِذا غرّر الرجل بالمرأة أو العكس؟\nقال: ما نوع الغرر؟\nقلت: يريد شيخنا -﵀- أنّ هناك غررًا يَسوغ فيه انفساخ العقد، وغررًا لا يسوغ فيه، وذلك على النحو الذي فصّله العلماء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1331>فائدة:</span>\nسألت شيخنا -﵀-: ماذا إِذا كان الرجل عنّينًا، ووافقت المرأة على الزواج منه؟\nفأجاب -﵀-: مقصود الزواج الإِحصان، فإِن كانت مُطلّقة أو أرملة وذاقت العسيلة، وليس عندها شَبَقٌ فلا مانع، وإلا فلا. انتهى.","vol":"5","page":73},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1332>المحرّمات من النّساء </span>(١)\nليس كلُّ امرأةٍ صالحةً للعقد عليها، بل يُشترط في المرأة التي يراد العقد عليها، أن تكون غير محرّمة على من يريد التزوج بها؛ سواء أكان هذا التحريم مؤبدًا، أم مؤقتًا.\nوالتحريم المؤبد يمنع المرأة أن تكون زوجةً للرجل؛ في جميع الأوقات.\nوالتحريم المؤقت يمنع من التزوج بها، ما دامت على حالة خاصة قائمة بها، فإِنْ تغير الحال، وزال التحريم الوقتي، صارت حلالًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1333>المُحَرَّمات مُؤبَّدًا</span>\nوأسباب التحريم المؤبد هي:\n١ - النسب.\n٢ - المصاهرة.\n٣ - الرضاع.\nوهي المذكورة في قول الله -تعالى-: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٢).\n_________\n(١) عن \"فقه السنّة\" بتصرّف وزيادة.\n(٢) النساء: ٢٣.","vol":"5","page":74},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1334>أولًا: المحرمات من النسب هنّ:</span>\n١ - الأمّهات.\n٢ - البنات.\n٣ - الأخوات.\n٤ - العمات.\n٥ - الخالات.\n٦ - بنات الأخ.\n٧ - بنات الأخت.\nوالأم: اسم لكل أنثى لها عليك ولادة؛ فيدخل في ذلك الأمّ، وأمّهاتها، وجدّاتها، وأمّ الأب. وجدّاته، وإن عَلَوْن.\nوالبنت: اسم لكل أنثى لك عليها ولادة، أو كل أنثى يرجع نسَبُها إِليك بالولادة بدرجة أو درجات. فيدخل في ذلك بنت الصُّلب، وبناتها.\nوالأخت: اسم لكل أنثى جاورتك في أَصْلَيْكَ، أو في أحدهما.\nوالعمّة: اسم لكل أنثى شاركَت أباك أو جدَّك في أصليه، أو في أحدهما.\nوقد تكون العمّة من جهة الأمّ، وهي أخت أبي أمّك.\nوالخالة: اسم لكل أنثى شاركت أمك في أصليها، أو في أحدهما.\nوقد تكون من جهة الأب، وهي أخت أمّ أبيك.\nوبنت الأخ: اسم لكل أنثى لأخيك عليها ولادة، بواسطة أو مباشرة،","vol":"5","page":75},{"text":"وكذلك بنت الأخت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1335>ثانيًا: المحرّمات بسبب المصاهرة:</span>\nوهي القرابة الناشئة بسبب الزواج.\n١ - أمّ زوجته، وأم أمّها، وأمّ أبيها وإن علَت؛ لقول الله -تعالى-: ﴿وأُمّهات نسائكم﴾، ولا يُشترط في تحريمها الدخول بابنتها، بل مجرّد العقد على ابنتها يحرّمها.\nوجاء في \"الفتاوى\" (٣٢/ ٧٧): \"وسئل -﵀- عن رجل تزوج بامرأة من مدة سنة ولم يدخل بها، وطلّقها قبل الإِصابة: فهل يجوز له أن يدخل بالأمّ بعد طلاق البنت؟\nفأجاب: لا يجوز تزويج أمّ امرأته؛ وإن لم يدخل بها. والله أعلم\".\n٢ - وابنة زوجته التي دخَل بها، ويدخل في ذلك بنات بناتها، وبنات أبنائها، وإنْ نزلن؛ لأنهنّ مِن بناتها؛ لقول الله -تعالى-: ﴿وربائبكم اللاّتي في حُجُورِكُم من نسائكم اللاَّتي دَخَلتم بِهِنّ فإِن لم تكونوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فلا جُنَاحَ عَلَيْكُم﴾.\nوالربائب جمع ربيبة، وربيب الرجل: ولَدُ امرأته من غيره؛ سُمّي ربيبًا له؛ لأنه يَرُبّه، كما يَرُبّ ولده؛ أي: يَسُوسُه.\nوقوله: ﴿اللاّتي في حُجُورِكُم﴾: وصْف لبيان الشأن الغالب في الربيبة، وهو أن تكون في حجر زوج أمّها، وليس قيدًا. وذَكر ابن كثير -﵀- أنّ هذا قول جمهور الأئمة.\nوعند الظاهرية: أنه قيد، وأنّ الرجل لا تحرُم عليه ربيبته -أي: ابنة امرأته- إِذا لم تكن في حجره.","vol":"5","page":76},{"text":"عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: \"كانت عندي امرأة، فتوُفّيت، وقد ولَدت لي، فوَجَدْتُ عليها، فلقيني علي بن أبي طالب فقال: ما لك؟ فقلت: تُوفِّيت المرأة، فقال عليّ: لها ابنة؟ قلت: نعم، وهي بالطائف. قال: كانت في حجرك؟ قلت: لا، قال: فانْكِحْها، قلت: فأين قول الله: ﴿وربائِبُكم اللاتي في حُجُورِكُم﴾؟! قال: إِنها لم تكن في حجرك، إِنما ذلك إِذا كانت في حجرك\" (١).\nوجاء في \"الإِرواء\" (٦/ ٢٨٧)؛ \"وقال الحافظ ابن كثير في \"تفسيره\" (٢/ ٣٩٤): \"هذا إِسناد قوي ثابت إِلى علي بن أبي طالب، على شرط مسلم، وهو قول غريب جدًا.\nوإلى هذا ذهب داود بن علي الظاهري وأصحابه، وحكاه أبو القاسم الرافعي عن مالك -﵀-، واختاره ابن حزم، وحكى لي شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي أنه عرض هذا على الشيخ الإِمام تقي الدين ابن تيمية -﵀-؟ فاستشكله، وتوقف في ذلك\".\nوكذلك صحح إِسناده السيوطي في \"الدر\" (٢/ ١٣٦)، ومن قبله الحافظ في \"الفتح\".\nوأمّا عن عمر، فلم أقف عليه الآن (٢) \".\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\"، وابن أبي حاتم في \"التفسير\"، وصححه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (١٨٨٠).\n(٢) وفي التحقيق الثانى \"للإِرواء\" تفصيلاتٌ طيبة لشيخنا -﵀-، ذكَر فيها أنه رآه في \"مصنّف عبد الرزاق\" برقم (١٠٨٣٥)، وقال: \"وإسناده جيّد\".","vol":"5","page":77},{"text":"قال ابن كثير -﵀- في \"تفسيره\": \"أمّا أمّ المرأة؛ فإِنها تحرُم بمجرد العقد على ابنتها، سواءٌ دخل بها أو لم يدخل. وأمّا الربيبة -وهي بنت المرأة- فلا تحرم بمجرد العقد على أمّها حتى يدخل بها، فإِنْ طلق الأم قبل الدخول بها؛ جاز له أن يتزوّج بنتها\".\nقال أبو عيسى (١): \"والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، قالوا: إِذا تزوّج الرجل امرأة ثمّ طلّقها قبل أن يدخل بها، حَلَّ له أن ينكح ابنتها، وإِذا تزوّج الرجل الابنة فطلّقها قبل أن يدخل بها؛ لم يحلَّ له نكاح أمها؛ لقول الله -تعالى-: ﴿وأمّهاتُ نسائكم﴾، وهو قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق\".\nوجاء في \"المحلّى\" (١١/ ١٥٥) تحت المسألة (١٨٦٤): \"وأمّا من تزوّج امرأة ولها ابنة، أو ملَكَها ولها ابنة، فإِن كانت الابنة في حجره ودخل بالأم مع ذلك -وطئ أو لم يطأ، لكن خلا بها بالتلذذ-: لم تحل له ابنتها أبدًا، فإِنْ دخل بالأمّ، ولم تكن الابنة في حجره، أو كانت الابنة في حجره ولم يدخل بالأمّ، فزواج الابنة له حلال.\nوأمّا من تزوّج امرأة لها أمّ، أو ملَك أمة تحلَّ له ولها أمّ؛ فالأمّ حرام عليه بذلك أبد الأبد -وطئ في كل ذلك الابنة أو لم يطأها-.\nبرهان ذلك: قول الله -تعالى-: ﴿وربائِبُكُم اللاتي في حُجُورِكُم من نسائِكُم\n_________\n(١) قاله -﵀- بعد حديث ضعيف: \"أيما رجل نكح امرأة فدخل بها، فلا يحل له نكاح ابنتها، فإِن لم يكن دخل بها فلينكح ابنتها، وأيما رجل نكح امرأة فدخل بها، أو لم يدخل بها؛ فلا يحلّ له نكاح أمّها\". أخرجه الترمذي \"ضعيف سنن الترمذي\" (١٩١) وغيره، وانظر \"الإِرواء\" (١٨٧٩).","vol":"5","page":78},{"text":"اللاتي دَخَلْتُم بِهِنَّ فإِن لم تكونوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فلا جُنَاحَ عَلَيْكُم﴾ (١)، فلم يُحرِّم الله -﷿- الربيبة بنت الزوجة أو الأمَة إِلا بالدخول بها، وأن تكون هي في حجره، فلا تحرم إِلا بالأمرين معًا، لقوله -تعالى- بعد أن ذكَر ما حرم من النّساء-: ﴿وأُحِلَّ لكم ما وراء ذلكم﴾ (٢)، ﴿وما كان ربك نَسِيًّا﴾ (٣).\nوكونها في حجره ينقسم قسمين:\nأحدهما: سكناها معه في منزله، وكونه كافلًا لها.\nوالثاني: نظره إِلى أمورها نحو الولاية لا بمعنى الوكالة، فكل واحد من هذين الوجهين يقع به عليها كونها في حجره.\nوأمّا أمّها؛ فيحرِّمها عليه بالعقد جملةً: قولُ الله -تعالى-: ﴿وأمّهات نسائكم﴾، فأجملها -﷿- فلا يجوز تخصيصها، وفي كلّ ذلك اختلاف قديم وحديث ... \".\nثمّ ذكر -﵀- هذا الاختلاف وناقشه مع بيان الأدلّة.\n٣ - زوجة الابن، وابن ابنه، وابن بنته، وإِنْ نزل؛ لقول الله -تعالى-: ﴿وحلائِلُ أبنائِكُم الذين من أَصْلابِكُم﴾.\nوالحلائل جمع حليلة، وحليلة الرجل: امرأته، والرجل حليلها؛ لأنها تحُلّ معه ويحل معها. وقيل: لأنّ كلّ واحد منهما يحل للآخر (٤).\n_________\n(١) النساء: ٢٣.\n(٢) النساء:٢٤.\n(٣) مريم: ٦٤.\n(٤) \"النهاية\".","vol":"5","page":79},{"text":"٤ - زوجة الأب: لقول الله -تعالى-: ﴿ولا تنكحوا ما نكَحَ آباؤُكم من النساء﴾ (١).\nويحرم على الابن التزوج بحليلة أبيه، بمجرد عقْد الأب عليها، ولو لم يدخل بها.\nوعن البراء بن عازب -﵁- قال: \"مرّ بي عمّي الحارث بن عمرو، ومعه لواء قد عقَده له النبيّ - ﷺ -، فقُلت له: أي عمّ! أين بعثك النّبيّ - ﷺ -؟\nقال: بعثني إِلى رجل تزوّج امرأة أبيه، فأمَرني أن أضرب عنقه\" (٢).\nقال ابن كثير -﵀- في تفسير قوله -تعالى-: ﴿ولا تنكحوا ما نكَحَ آباؤُكم من النّساء﴾: \"وقد أجمع العلماء على تحريم من وَطِئَها الأب بتزويج أو ملك أو بشبهة أيضًا. واختلفوا فيمن باشرَها بشهوة دون الجماع، أو نظر ما لا يحلّ له النظر إِليه منها، لو كانت أجنبيية\". ثمّ ذَكر أثرًا في ذلك.\nويرى بعض الفقهاء أنّ مَن زنى بامرأة، أو لمسها، أو قبَّلها، أو نظر إِلى فرجها بشهوة، حرُم عليه أصولها وفروعها، وتحرُم هي على أصوله وفروعه؛ إِذ إِنّ حرمة المصاهرة تثبت عندهم بالزنى، ومِثله مقدماته ودواعيه؛ قالوا: ولو زنى الرجل بأمّ زوجته أو بنتها، حرمت عليه حرمة مؤبّدة.\nويرى [المخالفون] أنّ الزنى لا تثبت به حرمة المصاهرة، وممّا استدلّوا به:\n_________\n(١) النساء: ٢٢.\n(٢) أخرجه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (١٠٩٨)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢١١١) وغيرهما، وصححه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٢٣٥١).","vol":"5","page":80},{"text":"١ - قول الله -تعالى-: ﴿وأُحلَّ لكم ما وَرَاءَ ذلكم﴾ (١). فهذا بيان عما يحلّ من النساء بعد بيان ما حُرّم منهن، ولم يذكر أن الزنى من أسباب التحريم.\n٢ - أن ما ذكروه من الأحكام في ذلك: هو مما تمس إِليه الحاجة، وتعمُّ به البلوى أحيانًا، وما كان الشارع ليسكت عنه، فلا ينزل به قرآن، ولا تمضي به سنة، ولا يصح فيه خبر، ولا أثر عن الصحابة، وقد كانوا قريبى عهد بالجاهلية التي كان الزنى فيها فاشيًا بينهم، فلو فهم أحد منهم أن لذلك مدركًا في الشرع، أو تدل عليه عِلّهَ وحكمة لسألوا عن ذلك، وتوفّرت الدواعي على نقل ما يفتنون به (٢).\nواستدلوا بحديث لا يثبت ولا يصح عن عائشة -﵂- قالت: \"سُئِل رسول الله - ﷺ - عن الرجل يتبع المرأة حرامًا؛ أينكح ابنتها؟ أو يتبع الابنة حرامًا؛ أينكَح أمّها؟ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: لا يُحَرِّمُ الحرام؛ إِنما يُحرم ما كان بنكاحٍ حلال\".\nقال شيخنا -﵀- في \"الضعيفة\" (٣٨٨): \"باطل\"؛ وأفاض في تخريجه، ثمّ قال -﵀-: \"وقد استدل بالحديث الشافعية وغيرهم على أنه يجوز للرجل أن يتزوج ابنته من الزنى، وقد علمتَ أنه ضعيف؛ فلا حُجّة فيه.\n_________\n(١) النساء: ٢٤.\n(٢) انظر \"المنار\" (٤/ ٤٧٩).","vol":"5","page":81},{"text":"والمسألة اختلف فيها السلف، وليس فيها نصٌّ مع أحد الفريقين، وإنْ كان النظر والاعتبار يقتضي تحريم ذلك عليه، وهو مذهب أحمد وغيره، ورجّحه شيخ الإِسلام ابن تيمية، فانظر \"الاختيارات\" له (١٢٣ - ١٢٤)، وتعليقنا على الصفحة (٣٦ - ٣٩) من كتابنا \"تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1336>ثالثًا: المحرّمات بسبب الرضاع:</span>\nيحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، والذي يحرم من النسب -كما تقدّم-: الأمّ، والبنت، والأخت، والعمّة، والخالة، وبنات الأخ، وبنات الأخت.\nكما في الآية المتقدّمة: ﴿حُرِّمت عليكم أمّهاتُكُم وبناتُكُم وأَخَواتُكُم وعمّاتُكُم وخَالاتُكُم وبَنَاتُ الأخِ وبَنَاتُ الأخْت وأمّهاتُكُم الَّلاتي أَرْضَعْنَكُم وأخَوَاتُكُم من الرَّضَاعَة﴾ (١).\nوعلى هذا، فَتُنَزَّلُ المرضعة منزلة الأمّ، وتحرم على الرضيع؛ هي وكلّ من يحرم على الابن من قبل أمّ النسب؛ فتحرم:\n١ - المرأة المرضعة؛ لأنها لإِرضاعها تُعَدُّ أمًّا للرضيع.\n٢ - أمّ المرضعة؛ لأنها جدّة له.\n٣ - أم زوج المرضعة -صاحب اللبن- لأنها جدّة كذلك.\n٤ - أخت الأمّ؛ لأنها خالة الرضيع.\n٥ - أخت زوجها -صاحب اللبن- لأنها عمّته.\n٦ - بنات بنيها وبناتها؛ لأنهن بنات إِخوته، وأخواته.\n_________\n(١) النساء: ٢٣.","vol":"5","page":82},{"text":"٧ - الأخت؛ سواء أكانت أختًا لأب وأمّ، أو أختًا لأمّ، أو أختًا لأب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1337>الرِّضاع الذي يثبُت به التحريم:</span>\nيثبت التحريم بخمس رضعات معلومات.\nعن عائشة أنها قالت: \"كان فيما أُنزل من القرآن: (عشر رضعات معلومات يُحرِّمن)، ثمّ نُسخْن بخمس معلومات، فتوُفي رسول الله - ﷺ - وهنّ فيما يُقرأ من القرآن (١) \" (٢).\nعن ابن مسعود -﵁- قال: \"لا رضاع إِلا ما شدّ العظم وأنبت اللحم\" (٣).\nعن أمّ سلمة قالت: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا يحرم من الرضاعة إِلا ما فتق (٤) الأمعاء في الثدي، وكان قبل الفطام\" (٥).\n_________\n(١) قال النووي (١٠/ ٢٩) في \"شرحه\": \"معناه: أنّ النسخ بخمس رضعات تأخّر إِنزاله جدًا؛ حتى إِنّه - ﷺ - توفّي، وبعض الناس يقرأ: \"خمس رضعات\" ويجعلهما قرآنًا متلوًا؛ لكونه لم يبلغه النسخ لقرب عهده؛ فلمّا بلغهم النسخ بعد ذلك؛ رجعوا عن ذلك، وأجمعوا على أنّ هذا لا يُتلى\".\n(٢) أخرجه مسلم: ١٤٥٢.\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٨١٤)، وانظر \"الإِرواء\" (٢١٥٣).\n(٤) أصل الفَتق: الشقّ والفتح. وجاء في \"الوسيط\": \"يُقال: فتِق فَتَقًا: تفتّح جسمه سِمَنًا، فهو فَتِق\".\n(٥) أخرجه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٩٢١)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٥٨٢)، وانظر \"الإِرواء\" (٢١٥٠).","vol":"5","page":83},{"text":"وأمّا قول من قال: إِنّ قليل الرضاع وكثيره سواء في التحريم؛ أخْذًا بإِطلاق الإِرضاع في الآية، فجوابه أنّ السنّة المطهرّة مُفصِّلة مُبيِّنة للقرآن الكريم.\nوأمّا استدلالهم بحديث عقبة بن الحارث قال: \"تزوجتُ امرأة، فجاءتنا امرأة سوداء فقالت: أرضعتكما! فأتيت النّبيّ - ﷺ - فقلت: تزوجت فلانة بنت فلان، فجاءتنا امرأة سوداء فقالت لي: إِني قد أرضعتكما! وهي كاذبة؟! فأعرض عني، فأتيته من قِبَل وجهه؛ قلت: إِنها كاذبة! قال: كيف بها وقد زعمت أنها قد أرضعتكما؟! دعها عنك\" (١).\nوقولهم: إنّ ترْك رسول الله - ﷺ - السؤالَ عن عدد الرضعات دليل على عدم اعتبار العدد!\nفجوابه؛ أنّه ينبغي حمْله على الجمع مع النصوص الأُخرى.\nوأمّا قول من قال: إنّ التحريم يثبثُ بثلاث رضعات فأكثر؛ لقوله - ﷺ -: \"لا تحرِّمُ المصَّةُ والمصّتَان\" (٢). وقولهم: هذا الحديث يثبت التحريم فيما زاد على ثلاث رضعات.\nفجوابه أنّ ذِكْر هذا؛ على سبيل البيان وتفسير حديث الخَمْس، وهو أقوى عند أهل اللغة من قوله: \"لا تُحرّم المصّة، ولا المصّتان، ولا الثلاث، ولا الأربع\"؟!\nقال في \"فيض القدير\" -بحذف-: \" ... وإِلا فالتحريم بالثلاث إِنما يُؤخَذ منه بالمفهوم. ومفهوم العدد ضعيف؛ على أنه قد عارضه مفهوم حديث الخَمْس فيرجع إِلى الترجيح بين المفهومين\" انتهى. ولك أن تقول: إِنّ مفهوم\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٥١٠٤.\n(٢) أخرجه مسلم: ١٤٥٠.","vol":"5","page":84},{"text":"الثلاث عارض منطوق الخَمْس والله -تعالى- أعلم.\nوسألتُ شيخنا -﵀- عن ذلك؟ فقال: خَمْسُ رضعات مُشبعات تجعل النّسب محرمًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1338>اللبن المختلط بغيره:</span>\nإِذا اختلط لبن المرأة بطعام أو شراب أو دواء أو لبن شاة أو غيره، وتناوله الرضيع؛ فإِنْ كان الغالب لبنَ المرأة؛ حرم. وإن لم يكن غالبًا؛ فلا يثبت به التحريم.\nوبه يقول شَيخنا -﵀- في إِجابة أجابنيها.\nويشترط أن يكون الرّضاع في الحولين، وهي المدّة التي بيّنها الله -تعالى- في قوله: ﴿والوالداتُ يُرْضعْنَ أولادَهنَّ حَوْلَين كامِلَين لِمن أراد أن يتِمَّ الرَّضاعة﴾ (١).\nوفي حديث أُمّ سلمة المتقدّم: \"لا يحرم من الرضاعة إِلا ما فتق الأمعاء في الثدي، وكان قبل الطعام\".\nولو فُطم الرضيع قبل الحولين؛ واستغنى بالغذاء عن اللبن، ثمّ أرضعته امرأة؛ فإِنّ ذلك الرضاع لا تثبت به الحُرمة.\nوعن عائشة -﵂-: \"أن النّبيّ - ﷺ - دخل عليها وعندها رجل، فكأنه تغيّر وجهه -كأنه كره ذلك-، فقالت: إِنه أخي! فقال: انظرن ما إِخوانكنّ؟ فإِنما الرضاعة من المجاعة\" (٢).\n_________\n(١) البقرة: ٢٣٣.\n(٢) أخرجه البخاري: ٥١٠٢، ومسلم: ١٤٥٥.","vol":"5","page":85},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1339>رضاع الكبير:</span>\nوبما تقدّم من الأدلّة؛ يتبيّن لنا أن رضاع الكبير لا يُحرِّم؛ بيْد أنّ بعض النصوص تدلّ على جوازه لحاجة.\nعن عائشة -﵂-: \"أنّ أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس -وكان ممّن شهد بدرًا مع النّبيّ - ﷺ -- تبنّى سالمًا، وأنكحه بنت أخيه هندًا بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة -وهو مولى لامرأة من الأنصار-، كما تبنّى النّبيّ - ﷺ - زيدًا، وكان من تبنّى رجلًا في الجاهلية دعاه الناس إِليه، وورث من ميراثه، حتى أنزل الله ﴿ادْعُوهُم لآبَائِهِم﴾ إِلى قوله: ﴿وَمَوَالِيْكُم﴾، فرُدُّوا إلى آبائهم، فمن لم يُعلم له أب، كان مولى وأخًا في الدّين، فجاءت سهلة بنت سهيل بن عمرو القرشي ثمّ العامري -وهي امرأة أبي حذيفة بن عتبة- النّبيَّ - ﷺ -، فقالت: يا رسول الله! إِنّا كنّا نرى سالمًا ولدًا، وقد أنزل الله فيه ما قد علِمتَ ... \" (١) فذكر الحديث.\nوساق الحديثَ بتمامه أبو داود بلفظ: \" ... فكيف ترى فيه؟ فقال لها النّبيّ - ﷺ -: أرضعيه. فأرضعته خَمْس رضعات، فكان بمنزلة ولدها من الرضاعة\" (٢).\nوفي رواية عن عائشة: \"أنّ سالمًا مولى أبي حذيفة كان مع أبي حذيفة وأهله في بيتهم، فأتت (تعني ابنة سهيل) النّبيّ - ﷺ -، فقالت: إِنّ سالمًا قد بلغ ما يبلغ الرجال، وعقل ما عقلوا، وإنه يدخل علينا، وإني أظنّ أنّ في نفس أبي حذيفة من ذلك شيئًا؟! فقال لها النّبيّ - ﷺ -: أرضعيه تحرمي عليه، ويذهب\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٥٠٨٨.\n(٢) \"صحيح سنن أبي داود\" (١٨١٥).","vol":"5","page":86},{"text":"الذي في نفس أبي حذيفة. فرجعت فقالت: إِنّي قد أرضعته، فذهب الذي في نفس أبي حذيفة\" (١).\nوعن أمّ سلمة -﵂- قالت لعائشة -﵂-: إِنه يدخل عليك الغلام الأيْفع (٢) الذي ما أحب أن يدخل عليّ! فقالت عائشة: أما لك في رسول الله - ﷺ - أسوة؟ قالت: إِنّ امرأة أبي حذيفة قالت: يا رسول الله! إِنّ سالمًا يدخل عليّ وهو رجل، وفي نفس أبي حذيفة منه شيء؟! فقال رسول الله - ﷺ -: \"أرضعيه حتى يدخل عليك\" (٣).\nوقال الحافظ في \"الفتح\" (٩/ ١٤٩): \" ... وقال عبد الرزاق عن ابن جريج: قال رجل لعطاء: إِنّ امرأة سقتني من لبنها بعدما كبِرْتُ؛ أَفَأَنْكِحُهَا؟ قال: لا. قال ابن جريج: فقلت له: هذا رأيك؟ قال: نعم. كانت عائشة تأمر بذلك بنات أخيها. وهو قول الليث بن سعد. وقال ابن عبد البر: لم يختلف عنه في ذلك. قلت: وذكر الطبري في \"تهذيب الآثار\" في \"مسند عليٍّ\" هذه المسألة، وساق بإِسناده الصحيح عن حفصة مثل قول عائشة ... \".\nجاء في \"الروضة الندية\" (٢/ ١٧٩): \"ويجوز إِرضاع الكبير -ولو كان ذا لحية-، لتجويز النظر، ثمّ حديث أم سلمة المتقدّم؛ وفيه: \"أرضعيه حتى يدخل عليك\".\nقال: \"وقد أخرج نحوه البخاري من حديث عائشة أيضًا -وقد تقدّم كذلك-\".\n_________\n(١) انظر \"صحيح مسلم\" (١٤٥٣).\n(٢) هو الذي قارب البُلوغ ولم يبلُغ. \"شرح النووي\".\n(٣) أخرجه مسلم: ١٤٥٣.","vol":"5","page":87},{"text":"ثمّ قال: \"وقد روى هذا الحديث من الصحابة أمّهات المؤمنين، وسهلة بنت سهيل، وزينب بنت أم سلمة. ورواه من التابعين جماعة كثيرة، ثمّ رواه عنهم الجمع الجمّ. وقد ذهب إِلى ذلك علي وعائشة وعروة بن الزبير وعطاء بن أبي رباح والليث بن سعد وابن عُلَيَّةَ وداود الظاهري وابن حزم. وهو الحقّ. وذهب الجمهور إِلي خلاف ذلك. قال ابن القيّم: \"أخذ طائفة من السلف بهذه الفتوى، منهم عائشة. ولم يأخذ به أكثر أهل العلم، وقدَّموا عليها أحاديث توقيت الرّضاع المحرِّم بما قبل الفطام وبالصغر وبالحولين؛ لوجوه:\nأحدها: كثرتها، وانفراد حديث سالم.\nالثاني: أن جميع أزواج النّبيّ - ﷺسوى عائشة- في شِقِّ المنع.\nالثالث: أنه أحوط.\nالرابع: أنّ رضاع الكبير لا يُنبِت لحمًا ولا يُنشِز عظمًا؛ فلا يحصل به البعضية التي هي سبب التحريم.\nالخامس: أنه يحتمل أن هذا كان مختصًا بسالم وحده، ولهذا لم يجئ ذلك إِلا في قصته.\nالسادس: \"أن وسول الله - ﷺ - دخل على عائشة وعندها رجل قاعد، فاشتدَّ ذلك عليه وغضب، فقالت: إِنه أخي من الرّضاعة! فقال: انظرن مَن إِخوانكن من الرّضاعة؟ فإِنما الرّضاعة من المجاعة\". متفق عليه واللفظ لمسلم.\nوفي قصة سالم مسلك، وهو أن هذا كان موضع حاجة، فإِنّ سالمًا كان قد تبنّاه أبو حذيفة وربّاه، ولم يكن له منه ومن الدخول على أهلهِ بدٌّ، فإِذا دعَت الحاجة إِلي مِثل ذلك؛ فالقول به مما يسوغ فيه الاجتهاد. ولعل هذا المسلك","vol":"5","page":88},{"text":"أقوى المسالك، وإِليه كان شيخنا يجنح. والله -تعالى- أعلم\"، انتهى.\nأقول [أي: صاحب الروضة]: الحاصل: أن الحديث المتقدّم صحيح، وقد رواه الجمّ الغفير عن الجمّ الغفير سلفًا عن خلف، ولم يقدح فيه مِن رجال هذا الشأن أحد، وغاية ما قاله من يخالفه أنه ربما كان منسوخًا! ويجاب بأنه لو كان منسوخًا لوقع الاحتجاج على عائشة بذلك، ولم ينقل أنه قال قائل به؛ مع اشتهار الخلاف بين الصحابة.\nوأما الأحاديث الواردة بأنه لا رضاع إِلا في الحولين وقبل الفطام -فمع كونها فيها مقال (١) - لا معارضة بينها وبين رضاع سالم؛ لأنها عامّة، وهذا خاصّ، والخاصّ مُقدَّم على العامّ، ولكنه يختصُّ بمن عرض له من الحاجة إِلى إِرضاع الكبير ما عرض لأبي حذيفة وزوجته سهلة، فإِنّ سالمًا لمّا كان لهما كالابن، وكان في البيت الذي هما فيه، وفي الاحتجاب مشقّة عليهما؛ رخص - ﷺ - في الرضاع على تلك الصفة، فيكون رخصة لمن كان كذلك. وهذا لا محيص عنه\".\nقلت: وبه يقول شيخنا -﵀-، كما في بعض مجالسه؛ مقيِّدًا ذلك بالحاجة؛ كما في الحديث المتقدّم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1340>قَبول قول المرضعة:</span>\nعن عقبة بن الحارث قال: \"تزوجت امرأة، فجاءتنا امرأة سوداء فقالت: أرضعتكما! فأتيتُ النّبيّ - ﷺ - فقلتُ: تزوجت فلانة بنت فلان، فجاءتنا امرأة سوداء فقالت لي: إِني قد أرضعتكما! وهي كاذبة؟! فأعرض عني، فأتيته من\n_________\n(١) وقد تقدّم تخريجها مختصرًا غير بعيد. والمقال الذى فيها لا يؤثِّر!!","vol":"5","page":89},{"text":"قِبَل وجهه قلت: إِنها كاذبة! قال: كيف بها وقد زعمت أنها قد أرضعتكما؟! دعها عنك\" (١).\nقال البخاري -﵀-: \"باب شهادة المرضعة\".\nوقال الحافظ في \"الفتح\": \"أي: وحدها\".\nجاء في \"الروضة الندية\" (٢/ ١٧٩) -بعد ذِكْر الحديث السابق-: \"وقد ذهب إِلى ذلك عثمان، وابن عباس، والزهري، والحسن، وإسحاق، والأوزاعي، وأحمد بن حنبل، وأبو عبيد، ورُوي عن مالك ... \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1341>لبن الفحل:</span>\nوالمراد بالفحل: الرجل (٢) تكون له امرأة، ولَدت منه ولدًا، ولها لبن، فكُلّ من أرضعَتْه من الأطفال بهذا اللبن؛ فهو مُحرّم على الزوج وإِخوته، فيكونون أعمامه وأولاده (٣).\nعن عائشة -﵂- قالت: استأذن عليّ أفْلَحُ [أخو أبي القُعيس] (٤)، فلم آذَنْ له، فقال: أتحتجبين منّي وأنا عمّك؟! فقلت: وكيف ذلك؟ فقال: أرضعتكِ امرأة أخي بلبن أخي. فقالت: سألت عن ذلك رسول الله\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٥١٠٤، وتقدّم.\n(٢) ونسبة اللبن إِليه؛ لكونه سببًا فيه.\n(٣) \"النهاية\" بتصرّف.\n(٤) هذه الزيادة من \"صحيح البخاري\" (٤٧٩٦)، وفي رواية \"لمسلم\" (١٤٤٥): وكان أبو القُعيس أبا عائشة من الرضاعة.","vol":"5","page":90},{"text":"- ﷺ -؟ فقال: \"صدق أفْلَح، ائذني له\" (١).\nوعن ابن عباس -﵄-: \"أنه سئل عن رجل له جاريتان (٢)، أرضعت إِحداهما جارية، والأخرى غلامًا: أيحل للغلام أن يتزوج الجارية؟ فقال: لا، اللقاح واحد\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1342>المحرمات مؤقَّتًا</span>\n١ - الجمع بين الأُختين:\nقال الله -تعالى-: ﴿وأنْ تَجمَعوا بين الأُخْتَين إِلا ما قد سَلَفَ﴾ (٤).\nوعن فيروز قال: قلت: يا رسول الله! إِني أسلمتُ وتحتي أُختان، قال: \"طلق أيتهما شئت\" (٥).\n٢ - الجمع بين المرأة وعمّتها أو خالتها:\nعن أبي هريرة -﵁- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"لا يُجمع بين المرأة\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٢٦٤٤، ومسلم: ١٤٤٥.\n(٢) أي: أمَتان.\n(٣) أخرجه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٩١٨).\n(٤) النساء: ٢٣.\n(٥) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٩٦٢)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٥٨٧)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٩٠٢)، وانظر \"الإِرواء\" (٦/ ٣٣٤).","vol":"5","page":91},{"text":"وعمّتها، ولا بين المرأة وخالتها\" (١).\n٣ - زوجة الغير ومعتدّته -رجعيًّا-؛ إِلا المسبيّة، فإِنّها تحلّ لسابيها بعد الاستبراء، وإِنْ كانت متزوّجة.\nفعن أبي سعيد الخدري. \"أنّ رسول الله - ﷺ - يوم حنين بعث جيشًا إِلى أوطاس، فلَقُوا عدُوًّا، فقاتلوهم فظهروا عليهم، وأصابوا لهم سبايا، فكأنّ ناسًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - تحرّجوا من غشيانهنّ من أجل أزواجهنّ من المشركين! فأنزل الله -﷿- في ذلك: ﴿والمحصنات من النّساء إلاَّ ما ملكَت أيمانكم﴾؛ أي: فهنّ لكم حلال إذا انقضت عدّتهن\" (٢).\nقال ابن كثير -﵀- في تفسير هذه الآية: \"أي: وحُرّم عليكم الأجنبيّات المحصنات؛ وهنّ المزوّجات ﴿إِلا ما ملكت أيمانكم﴾ يعني: إِلا ما ملكتموهنّ بالسبي؛ فإِنه يحلّ لكم وطؤُهنّ إذا استبرأتموهنّ، فإِنّ الآية نزلت في ذلك\".\n٤ - المطلّقة ثلاثًا:\nلا تحلّ المطلّقة ثلاثًا لزوجها الأوّل؛ حتى تنكح زوجًا غيره. قال الله -تعالى-: ﴿فإِنْ طلّقها فلا تحلّ له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره﴾ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1343>نكاح الكفار </span>(٤):\nقال الله -تعالى-: ﴿وامرأته حمّالةَ الحطب﴾، ﴿وامرأة فرعون﴾\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٥١٠٩، ومسلم: ١٤٥٨.\n(٢) أخرجه مسلم: ١٤٥٦.\n(٣) البقرة: ٢٣٠.\n(٤) عن \"منار السبيل في شرح الدليل\" (٢/ ١٦٦) بحذف.","vol":"5","page":92},{"text":"فأضاف النّساء إِليهم، وحقيقة الإِضافة تقتضي زوجيّة صحيحة.\nوقال - ﷺ -: \"وُلدْتُ من نكاح لا سفاح\" (١).\n[قلت: فميّز النّبيّ - ﷺ - بين النكاح والسفاح في أنكحة الكُفّار، وأثبت النكاح].\nوإذا ثبتت الصحّة؛ ثبتت أحكامها *ولأنهْ أسلم خلْقٌ كثير في عصر رسول الله - ﷺ -، فأقرّهم على أنكحتهم، ولم يكشف عن كيفيّتها* (٢).\nوإنْ أسلم الزوجان معًا، أو أسلم زوج الكتابية، فهما على نكاحهما، ولم تتعرض لكيفية عقده، لما تقدّم. قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أنّ الزوجين إِذا أسلما معًا في حال واحدة؛ أنِّ لهما المُقَامَ على نكاحهما؛ ما لم يكن بينهما نسب أو رضاع.\n_________\n(١) حديث حسن، خرّجه شيخنا -﵀- في \"الإرواء\" (١٩١٤).\n(٢) قال شيخنا -﵀- عن الكلام الذى بين نجمتين: \"صحيح المعنى، وليس له ذِكر بهذا اللفظ في شيء من كتب الحديث التي وقفْتُ عليها، وإنما استنبط المصنف معناه من جملة أحاديث، منها قوله - ﷺ - لغيلان: \"أمسِك أربعًا وفارِق سائرهن\". أخرجه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٩٠١)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٥٨٩)، وصححه شيخنا -﵀- في \"الإرواء\" (١٨٨٣) \".\nومنها حديث الضحاك بن فيروز عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله! إني أسلمتُ وتحتي أُختان، قال: طلِّق أيتهما شئت، وفى لفظ: اختر أيتهما شئت\". أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٩٦٢)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٥٨٧)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٩٠٢)، وانظر \"الإرواء\" (٦/ ٣٣٤).","vol":"5","page":93},{"text":"\" ... فإِن أنكحة الكفار لم يتعرض لها النّبيّ -﵌- كيف وقعت؟ وهل صادفت الشروط المعتبرة في الإِسلام فتصحّ؛ أو لم تصادفها فتبطل؟ وإنما اعتبر حالها وقت إِسلام الزوج؛ فإِن كان ممن يجوز له المقام مع امرأته أقرّهما، ولو كان في الجاهلية؛ وقد وقع على غير شرطه من الولي والشهود وغير ذلك. وإِن لم يكن الآن ممن يجوز له الاستمرار؛ لم يقرّ عليه، كما لو أسلم وتحته ذات رحم محرم، أو أختان، أو أكثر من أربع، فهذا هو الأصل الذي أصّلَتْه سُنّة رسول الله -صلّى الله تعالى عليه وآله وسلم-. وما خالفه فلا يُلتفت إِليه، والله الموفق\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1344>نكاح الزانية:</span>\nلا يحلّ للرجل التزوّج بزانية. وكذا المرأة لا يحل لها التزوّج بزانٍ، إِلا إِذا أحدثا توبةً نصوحًا.\nوالله -﷾- جعَل العفاف شرطًا ينبغي وجوده في كلٍّ من الزوجين قبل النكاح، قال الله -سبحانه-: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ (٢).\nقال ابن كثير -﵀- في \"تفسيره\": \" ﴿مُحْصِنِينَ غيْرَ مُسَافِحِينَ ولا مُتَّخِذِي أَخْدَان﴾: فكما شرَط الإِحصان في النساء -وهي العِفّة عن الزنى-\n_________\n(١) \"التعليقات الرضية\" (٢/ ٢٠٥ - ٢٠٦).\n(٢) المائدة: ٥.","vol":"5","page":94},{"text":"كذلك شرَطَها في الرجال وهو أن يكون الرجل -أيضًا- محصنًا عفيفًا؛ ولهذا قال: ﴿غير مُسافحين﴾ وهم: الزناة الذين لا يرتدعون عن معصية، ولا يردُّون أنفسهم عَمَّن جاءهم، ﴿ولا متخذي أخدان﴾؛ أي: ذوي العشيقات الذين لا يفعلون إِلا معهنّ\".\nوقال -سبحانه-: ﴿الزَّاني لا يَنْكِح إِلا زانيةً أو مُشْرِكةً والزَّانية لا يَنْكِحُهَا إِلا زانٍ أو مُشْرِكٌ وحُرِّم ذلك على المؤمنين﴾ (١).\nقال ابن كثير -﵀- في \"تفسيره\" -بحذف-: \"هذا خبرٌ من الله -تعالى- بأنّ الزاني لا يطأ إِلا زانيةً أو مشركة، أي: لا يطاوعه على مراده من الزنى إِلا زانية عاصية أو مشركة، لا ترى حُرمةَ ذلك، وكذلك: ﴿الزانية لا ينكحها إِلا زان﴾؛ أي: عاص بزناه، ﴿أو مُشْرِك﴾: لا يعتقد تحريمه.\nقال سفيان الثوري: عن حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس -﵄-: ﴿الزَّاني لا يَنْكِحُ إِلا زانيةً أو مُشْرِكةً﴾ قال: ليس هذا بالنكاح، إِنما هو الجماع، لا يزني بها إِلا زانٍ أو مشرك. وهذا إِسناد صحيح عنه. وقد روي عنه من غير وجه -أيضًا-.\nوقوله -تعالى-: ﴿وحُرِّم ذلك على المؤمنين﴾؛ أي: تعاطيه والتزويج بالبغايا، أو تزويج العفائف بالفُجّار من الرجال.\nوقال قتادة، ومقاتل بن حيان: حَرَّم الله على المؤمنين نكاح البغايا، وتقدّم في ذلك فقال: ﴿وحُرِّم ذلك على المؤمنين﴾.\nوهذه الآية كقوله -تعالى-: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ ولا مُتَّخِذَاتِ\n_________\n(١) النور: ٣.","vol":"5","page":95},{"text":"أخْدَان﴾ (١)، وقوله: ﴿مُحصنين غير مُسافحين ولا مُتَخِذي أخْدَان﴾ (٢).\nومن ها هنا ذهب الإِمام أحمد بن حنبل -﵀- إِلى أنه لا يصح العقد من الرجل العفيف على المرأة البغي ما دامت كذلك حتى تستتاب، فإِن تابت صحّ العقد عليها؛ وإِلا فلا، وكذلك لا يصح تزويج المرأة الحُرّة العفيفة بالرجل الفاجر المسافح، حتى يتوب توبة صحيحة، لقوله -تعالى-: ﴿وحُرّم ذلك على المؤمنين﴾ ... \" ثمّ ذكر الحديث الآتي:\nعن عبد الله بن عمرو: \"أن مرثد بن أبي مرثد الغَنَوِيِّ كان يحمل الأسارى بمكة، وكان بمكة بغيٌّ يقال لها: عَنَاقُ، وكانت صديقَتَه، قال: جئت النبيّ - ﷺ -، فقلت: يا رسول الله! أنكح عناقًا؟ قال: فسكت عني، فنزلت: ﴿والزَّانية لا يَنْكِحُهَا إِلا زانٍِ أو مُشْرِكٍ﴾، فدعاني فقرأها عليّ، وقال: لا تنكحها\" (٣).\nوعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا ينكح الزاني المجلود إِلا مثله\" (٤).\nوقال شيخنا -﵀- في \"الصحيحة\" (٥/ ٥٧٢): \"قوله: \"المجلود\"؛\n_________\n(١) النساء: ٢٥.\n(٢) المائدة: ٥.\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٨٠٦)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي) (٣٠٢٧) وغيرهما، وانظر \"الإرواء\" (١٨٨٦).\n(٤) أخرجه أحمد وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٨٠٧)، والحاكم وغيرهم، وانظر \"الصحيحة\" (٢٤٤٤).","vol":"5","page":96},{"text":"قال الشوكاني (٦/ ١٢٤): هذا الوصف خرج مخرج الغالب، باعتبار من ظهر منه الزنى. وفيه دليل على أنه لا يحل للمرأة أن تتزوج من ظهر منه الزنى، وكذلك لا يحل للرجل أن يتزوج بمن ظهر منها الزنى، ويدل على ذلك قوله -تعالى-: ﴿والزَّانية لا يَنْكِحُهَا إِلا زانٍ أو مُشْرِك﴾ \". انتهى (١).\nقال شيخنا -﵀- في \"التعليقات الرضية\" (٢/ ١٧٦): \"ومعنى الآية: أن الزاني المعروف بالزنى لا ترتضيه زوجًا لها إِلا زانية أو مشركة في نظر الشرع، وكذلك القول في الزانية، وبيان ذلك في \"إِغاثة اللهفان\" (١/ ٦٦): أنّ المتزوّج أُمِرَ أن يتزوّج المحصنة العفيفة، وإنما أبيح له نكاح المرأة بهذا الشرط، والحكم المعلَّق على الشرط ينتفي عند انتفائه؛ والإِباحة قد علقت على شرط الإِحصان، فإِذا انتفى الإِحصان؛ انتفت الإِباحة المشروطة، فالمتزوّج إِما أن يلتزم حُكم الله وشَرعه، أو لا يلتزم، فإِن لم يلتزِمه؛ فهو مشرك لا يرضى بنكاحه إِلا من هو مشرك مثله، وإن التزمه وخالفه ونكح ما حرم عليه؛ لم يصح النكاح؛ فيكون زانيًا\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1345>فائدة:</span>\nوقال لي شيخنا -﵀- حول نكاح الزانية في معرض التوضيح لسؤالٍ سابق: إِذا كان يعلم أنها زانية ولا يعلم أنها تائبة؛ فلا يجوز أن يتزّوجها، ولكنه إِذا تزوّجها وهو لا يعلم أنّها زانية؛ فزواجه صحيح.\nوسأَل شيخَنا -﵀- أحدُ الإِخوة عن رجل زنى بامرأة؛ هل يحقّ له الزواج منها؟\n_________\n(١) انظر للمزيد من المسائل والفوائد -إِن شئت- \"الفتاوى\" (٣٢/ ١١٢ - ١٢٥).","vol":"5","page":97},{"text":"فأجاب الشيخ -﵀- بعدم الجواز. ثمّ قال السائل: وإنْ تابا؟\nفأجاب: لا يجوز. وقد لمسْتُ من شيخنا -﵀- أنه يشكُّ في صحّة التوبة. فقلتُ له: إِذا عُلِم صدق توبتهما من خلال بعض القرائن؟ فقال: يجوز.\nوسُئل شيخنا -﵀- في بعض مجالسه: رجل فعَل الفاحشة بامرأة، ثمّ حملت، هل يستطيع أن يتزوجها؟\nفأجاب: لا أرى هذا؛ لأنّه بالتالي تخطيط لإِلحاق الولد بهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1346>عقد المُحرم</span>\n*يحرُم على المُحْرِمِ أن يعقد النكاح لنفسه أو لغيره؛ بولاية أو وكالة، ويقع العقد باطلًا* (١).\nعن عثمان بن عفان -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا يَنكِح المحرم ولا يُنْكَح ولا يخطُب\" (٢).\nوما ورد عن ابن عباس -﵄- \"أنّ النّبيّ - ﷺ - تزوج ميمونة وهو محرم\" (٣)؛ فهو معارض بحديث ميمونة -﵂- نفسها: \"أنّ رسول الله - ﷺ - تزوجها وهو حلال\" (٤).\n_________\n(١) ما بين نجمتين عن \"فقه السّنّة\" (٢/ ٤١٢).\n(٢) أخرجه مسلم: ١٤٠٩.\n(٣) أخرجه البخاري: ١٨٣٧، ومسلم: ١٤١٠.\n(٤) أخرجه مسلم: ١٤١١.","vol":"5","page":98},{"text":"وقال شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٤/ ٢٣٧): \"تنبيه: أخرج الشيخان وغيرهما من حديث ابن عباس -﵄-: \"أنّ النّبيّ - ﷺ - تزوج ميمونة وهو محرم\".\nقال الحافظ في \"الفتح\" (٤/ ٤٥): \"وصحّ نحوه عن عائشة وأبي هريرة وجاء عن ميمونة نفسها أنه كان حلالًا. وعن أبي رافع مثله، وأنه كان الرسول إِليها (١). واختلف العلماء في هذه المسألة، فالجمهور على المنع لحديث عثمان (يعني: هذا)، وأجابوا عن حديث ميمونة بأنه اختلف في الواقعة كيف كانت، فلا تقوم بها الحجة، ولأنها تحتمل الخصوصية، فكان الحديث في النهي عن ذلك أولى بأن يؤخَذ به. وقال عطاء وعكرمة وأهل الكوفة: يجوز للمحرم أن يتزوج، كما يجوز له أن يشتري الجارية للوطْءِ؛ فتعقب بالتصريح فيه بقوله: (ولا يُنكح) بضم أوله. وبقوله فيه (ولا يخطُب) \".\nوقال الحافظ ابن عبد الهادي في \"تنقيح التحقيق\" (٢/ ١٠٤/١) -وقد ذكر حديث ابن عباس-:\n\"وقد عُدَّ هذا من الغلطات التي وقعت في \"الصحيح\"، وميمونة أخبرت أن هذا ما وقع، والإِنسان أعرف بحال نفسه، قالت: \"تزوجني رسول الله - ﷺ - وأنا حلال بعدما رجعنا من مكة\". رواه أبو داود عن موسى بن إِسماعيل نحوه: \"تزوجني النّبيّ - ﷺ - ونحن حلال بِسَرِفَ\".\n_________\n(١) قال شيخنا -﵀- في التعليق: \"في إِسناد حديث أبي رافع: مطر الوراق، وهو ضعيف، وقد خالفه مالك فأرسله، كما يأتي بيانه في \"النكاح\"، في أول الفصل الذي يلي \"باب النكاح وشروطه\". رقم (١٨٤٩) \".","vol":"5","page":99},{"text":"قلت [أي: شيخنا -﵀-]: وسند أبي داود صحيح على شرط مسلم، وقد أخرجه في \"صحيحه\" (٤/ ١٣٧ - ١٣٨) دون ذكر سَرِفَ، وأخرجه أحمد (٦/ ٣٣٢، ٣٣٥) باللفظ الأول الذي في \"التنقيح\"، وهو على شرط مسلم أيضًا\".\nوأضاف -﵀- في التحقيق الثاني على \"الإِرواء\" (٤/ ٢٢٨): \"وذكر ابن القيّم في \"الزاد\" (٥/ ١١٢ - ١١٣) سبعة أوجه لترجيح حديث ميمونة -﵂-؛ منها: أن الصحابة -﵃- غلّطوا ابن عباس، ولم يغلّطوا أبا رافع، كذا قال. وانظر \"الفتح\" (٩/ ١٦٥) \".\nوجاء في \"الإِرواء\" تحت الحديث (١٠٣٨): \"وعن أبي غطفان عن أبيه: أنّ عمر -﵁- فرّق بينهما؛ يعني: رجلًا تزوّج وهو مُحْرِم\".\nوقال شيخنا -﵀-: \"صحيح، أخرجه مالك وعنه البيهقي والدارقطني. ... وهذا سند صحيح على شرط مسلم.\nثمّ روى مالك عن نافع أنّ عبد الله بن عمر -﵄- كان يقول: \"لا ينكح المُحْرِم، ولا يخطب على نفسه، ولا على غيره\". وسنده صحيح. وروى البيهقي عن علي قال: \"لا ينكح المحرم؛ فإِن نكح رُدّ نكاحه\"، وسنده صحيح أيضًا\".\nثمّ قال شيخنا -﵀-: \"واتفاق هؤلاء الصحابة على العمل بحديث عثمان -﵁- مما يؤيد صحته. وثبوت العمل به عند الخلفاء الراشدين يدفع احتمال خطأ الحديث أو نسْخه، فذلك يدلّ على خطأ حديث ابن عباس -﵁-، وإليه ذهَب الإِمام الطحاوي في كتابه \"الناسخ والمنسوخ\"؛ خلافًا لصنيعه في \"شرح المعاني\". انظر \"نصب الراية\" (٣/ ١٧٤). انتهى.","vol":"5","page":100},{"text":"جاء في \"سبل السلام\" (٣/ ٢٤٠): \"قال ابن عبد البر: اختلفت الآثار في هذا الحكم، لكن الرواية أنه تزوّجها وهو حلال جاءت من طرق شتى، وحديث ابن عباس صحيح الإِسناد، لكن الوهم إِلى الواحد أقرب من الوهم إِلى الجماعة؛ فأقل أحوال الخبرين أن يتعارضا؛ فتطلب الحجة من غيرهما، وحديث عثمان صحيح في منع نكاح المحرم، فهو معتمد. انتهى.\nوقال الأثرم: قلت لأحمد: إِن أبا ثور يقول: بأي شيء يدفع حديث ابن عباس -أي: مع صحته-؟ قال: الله المستعان! ابن المسيب يقول: وهم ابن عباس، وميمونة تقول: تزوجني وهو حلال\".\nوسألت شيخنا -﵀-: يَحْرُمُ على المُحْرِم أن ينكح، فإِذا فَعَل هل يكون العقد باطلًا؟\nقال: هو كذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1347>نكاح الملاعِنَة:</span>\nاللِّعانُ والمُلاعَنَةُ والتَّلاعُنُ: ملاعنة الرجل امرأته، يُقال: تلاعنَا والْتَعَنَا ولاعَن القاضي بينهما، وسمّي لِعانًا؛ لقول الزوج: \"عليّ لعنة الله إِن كنتُ من الكاذبين\" (١).\nقال الله -تعالى-: ﴿والذين يَرمُون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إِلا أنفُسُهُم فشهادة أحدِهم أربعُ شهادات بالله إِنَّه لمن الصَّادقين * والخامِسَةَ أنَّ لعنةَ الله عليه إِن كان من الكاذبين * ويدرأُ عنها العذابَ أن تشهد أربع شهادات بالله إِنّه لَمِنَ الكاذبين * والخامِسَةَ أنَّ غَضَبَ الله عليها إِن كان من\n_________\n(١) \"شرح النووي\" (١٠/ ١١٩).","vol":"5","page":101},{"text":"الصَّادقين * ولولا فَضْل الله عليكم ورحمته وأنّ الله توَّابٌ حكيم﴾ (١).\nقال ابن كثير -﵀- في \"تفسيره\": \"هذه الآية الكريمة فيها فرَج للأزواج، وزيادة مَخرج، إِذا قذَف أحدهم زوجته، وتعسّر عليه إقامة البيّنة، أن يلاعنها، كما أمر الله -﷿-، وهو أن يُحضِرها إِلى الإِمام، فيدّعي عليها بما رماها به، فيحلّفه الحاكم أربع شهادات بالله في مقابلة أربعة شهداء: ﴿إِنه لمن الصادقين﴾، أي: فيما رماها به من الزنى، ﴿والخامِسَةَ أنّ لعنةَ الله عليه إنْ كان من الكاذبين﴾، فإِذا قال ذلك، بانت منه بنفس هذا اللعان عند الشافعي وطائفة كثيرة من العلماء، وحَرُمت عليه أبدًا، ويعطيها مهرَها، ويتوجه عليها حدّ الزنى، ولا يدرأ عنها إِلا أن تُلاعِن، فتشهد أربع شهادات بالله إِنه لمن الكاذبين، أي: فيما رماها به، ﴿والخامِسَةَ أنّ غَضَبَ الله عليها إِنْ كان من الصادقين﴾، ولهذا قال: ﴿ويدرأ عنها العذاب﴾ يعني: الحد ﴿أنْ تشهد أربع شهادات بالله إِنه لمن الكاذبين * والخامِسَةَ أنّ غَضَبَ الله عليها إِنْ كان من الصادقين﴾. فخصّها بالغضب، كما أنّ الغالب أن الرجل لا يتجشم فضيحة أهله ورمْيها بالزنى؛ إِلا وهو صادق معذور، وهي تعلم صِدقه فيما رماها به. ولهذا كانت الخامسة في حقّها أنّ غضب الله عليها؛ والمغضوب عليه: هو الذي يعلم الحقّ ثمّ يحيد عنه\".\nوعن ابن عمر -﵄- أيضًا قال: \"لاعَنَ النّبيّ - ﷺ - بين رجلٍ وامرأة من الأنصار، وفرّق بينهما\" (٢).\n_________\n(١) النور: ٦ - ١٠.\n(٢) أخرجه البخاري: ٥٣١٤.","vol":"5","page":102},{"text":"وعن ابن عمر -﵄- أيضًا: \"أنّ النّبيّ - ﷺ - لاعَنَ بين رجل وامرأتِه، فانتفى من ولدها، ففرّق بينهما، وألحق الولَد بالمرأة\" (١).\nعن ابن جريج قال: أخبرني ابن شهاب عن المتلاعِنَين وعن السُّنَّة فيهما عن حديث سهل بن سعد أخي بني ساعِدَة: أنّ رجُلًا من الأنصار جاء إِلى النّبيّ - ﷺ - فقال: يا رسول الله! أرأيت رجلًا وجد مع امرأته رجلًا ... وذكر الحديث بقصّته (٢).\nوزاد فيه: فتلاعنا في المسجد وأنا شاهد. وقال في الحديث: فطلقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول الله - ﷺ -، ففارقها عند النّبيّ - ﷺ -، فقال النّبيّ - ﷺ -: \"ذاكم التّفريق بين كلّ مُتلاعِنَين\" (٣).\nوجاء في \"الصحيحة\" -بحذف- برقم (٢٤٦٥): \"المتلاعنان إِذا تفرّقا، لا يجتمعان أبدًا\" ... وفيه:\n\"وأمّا حديث سهل -﵁- في حديث المتلاعِنَين قال: \" ...\nفمضت السُّنَّة بعد في المتلاعِنَين أن يفرق بينهما، ثمّ لا يجتمعان أبدًا\" أخرجه أبو داود، والبيهقي ...\n... وعن عاصم عن زر عن علي قالا: \"مضت السُّنَّة في المتلاعِنَين أن لا يجتمعا أبدًا\".\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٥٣١٥، ومسلم: ١٤٩٤.\n(٢) انظر الرواية التي قبل هذه في \"صحيح مسلم\"، وهي في أول كتاب اللعان.\n(٣) أخرجه مسلم: ١٤٩٢.","vol":"5","page":103},{"text":"أخرجه عبد الرزاق، والبيهقي؛ وإسناده حسن في المتابعات\". ثمّ قال شيخنا -﵀-: \" ... إِذا علمت ما تقدّم؛ فالحديث صالح للاحتجاج به على أنّ فُرْقَة اللّعان إِنما هي فَسخ، وهو مذهب الشافعي، وأحمد وغيرهما، وذهب أبو حنيفة إِلى أنه طلاق بائن، والحديث يردُّ عليه، وبه أخذ مالك أيضًا والثوري وأبو عبيدة وأبو يوسف، وهو الحق الذي يقتضيه النظر السليم في الحكمة من التفريق بينهما، على ما شرحه ابن القيّم -رحمه الله تعالى- في \"زاد المعاد\"؛ فراجعه (٤/ ١٥١ و١٥٣ - ١٥٤)، وإِليه مال الصنعاني في \"سبل السلام\" (٣/ ٢٤١) \".\nقال النووي -﵀- في \"شرحه\" (١٠/ ١٢٣): \" ... وأمّا قوله - ﷺ -: \"ذاكم التفريق بين كل متلاعِنَين\"؛ فمعناه عند مالك والشافعي والجمهور: بيان أن الفرقة تحصل بنفس اللعان بين كل متلاعِنَين. وقيل: معناه تحريمها على التأبيد، كما قال جمهور العلماء\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1348>نكاح المشرِكة:</span>\nلا يحل للمسلم أن يتزوج من غير الكتابيّات -على ما سيأتي تفصيله إِن شاء الله تعالى-؛ كالوثنية أو الشيوعيّة أو الملحدة أو المرتدَّة عن الإِسلام أو عابدة النّار أو الفرج ... ونحو ذلك.\nقال الله -تعالى-: ﴿ولا تُمسِكُوا بعِصَم الكَوَافِر﴾ (١).\nقال ابن كثير -﵀-: \"وقوله -تعالى-: ﴿ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوَافِر﴾ تحريمٌ من الله -﷿- على عباده المؤمنين نكاحَ المشركات والاستمرارَ معهنّ.\n_________\n(١) الممتحنة: ١٠.","vol":"5","page":104},{"text":"وفي \"الصحيح\" عن الزهري، عن عروة، عن المسور، ومروان بن الحكم: أن رسول الله - ﷺ - لمّا عاهد كفار قريش يوم الحديبية، جاءه نساء من المؤمنات، فأنزل الله -﷿-: ﴿يا أيها الذين آمنوا إِذا جاءَكم المؤمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ إِلى قوله: ﴿ولا تُمْسِكُوا بِعِصَم الكَوَافِر﴾، فطلّق عمر بن الخطاب يومئذ امرأتين، فتزوّج إِحداهما معاوية بن أبي سفيان، والأخرى صفوان بن أمية (١) \" (٢).\nوقال -سبحانه-: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (٣).\nقال ابن كثير -﵀- في \"تفسيره\": \"هذا تحريم من الله -﷿- على المؤمنين أن يتزوجوا المشركات من عبَدة الأوثان. ثمّ إِنْ كان عمومها مرادًا، وأنه يدخل فيها كل مشركة من كتابية ووثنية، فقد خص من ذلك نساء أهل الكتاب بقوله: ﴿والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إِذا آتيتموهنّ أجورهنّ مُحْصنينَ غير مُسَافحينَ ولا مُتَّخِذِي أخْدَان﴾ (٤).\n_________\n(١) وكانا كافرين يومئذ.\n(٢) بعض حديث أخرجه البخاري: ٢٧٣١، ٢٧٣٢.\n(٣) البقرة: ٢٢١.\n(٤) المائدة: ٥.","vol":"5","page":105},{"text":"قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿ولا تَنكحوا المشركات حتّى يؤمِنّ﴾: استثنى الله من ذلك نساء أهل الكتاب. وهكذا قال مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومكحول، والحسن، والضحاك، وزيد بن أسلم، والربيع بن أنس، وغيرهم.\nوقيل: بل المراد بذلك (١) المشركون من عبَدة الأوثان، ولم يُردْ أهل الكتاب بالكلية، والمعنى قريب من الأول، والله أعلم.\nثمّ قال -﵀-: \"قال أبو جعفر بن جرير -﵀- بعد حكايته الإِجماع على إِباحة تزويج الكتابيات: وإنما كره عمر ذلك لئلا يزهد الناس في المسلمات، أو لغير ذلك من المعاني، كما حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن إِدريس، حدثنا الصلت بن بهرام، عن شقيق؛ قال: تزوج حذيفة يهودية، فكتب إِليه عمر: خلِّ سبيلها، فكتب إِليه: أتزعم أنها حرام؛ فأُخلّيَ سبيلها؟ فقال: لا أزعم أنها حرام، ولكني أخاف أن تَعَاطَوُا المومسات منهن.\nوهذا إِسناد صحيح. وروى الخلال عن محمد بن إِسماعيل، عن وكيع، عن الصلت. نحوه.\nثمّ ساق ابن جرير بإِسناده إِلى زيد بن وهب؛ قال: قال لي عمر بن الخطاب: المسلم يتزوج النصرانية، ولا يتزوج النصراني المسلمة (٢).\nقال: وهذا أصح إِسنادًا من الأول\".\n_________\n(١) أي: في عدم النكاح.\n(٢) أخرجه الطبراني، والبيهقي، قال أحمد شاكر: \"هذا إِسناد صحيح متصل إلى عمر\". قاله محقق \"ابن كثير\" - ط الفتح.","vol":"5","page":106},{"text":"وهناك آثار عديدة عن السلف في نكاح نساء أهل الكتاب (١)؛ منها: أن حذيفة -﵁- نكَح يهودية، وعنده عربيّتان.\nعن أبي وائل قال: \"تزوج حذيفة يهودية، فكتب إِليه عمر أن: خلِّ سبيلها، فكتب إِليه: إِنْ كان حرامًا خليتُ سبيلها، فكتب إِليه: إِني لا أزعم أنها حرام، ولكني أخاف أن تَعَاطَوُا المومساتِ منهن\" (٢).\nومنها: عن أبي عياض قال: لا بأس بنكاح اليهوديات والنصرانيات إِلا أهل الحرب (٣).\nومع القول بجواز نكاح الكتابيات أصلًا؛ ولكن لا بُدّ من أمْن الفتنة، والنظر إِلى عاقبة الأمور وخواتيمها، فإِنّ من تزَوّج من السلف منهنّ كانت لديهم القُدرة على هدايتهنّ للإِسلام بتوفيق الله -سبحانه-، وكذلك إِحسان تربية الأبناء.\nونحن نرى الآن أن الزّواج من المسلمة العاصية له أثره السَّيِّئُ في الزوج، وانتكاسه ونقْص إِيمانه، فكيف إِذا تزوّج من كتابيّة!\nوسألت شيخنا -﵀- عن الزواج من الكتابيات؟ فقال: أرى عدم الزواج من الكتابيات؛ من باب سدّ الذرائع، وإنْ وقَع لا نُبطِله.\n_________\n(١) انظرها -إِن شئت- في \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٣/ ٤٦٣).\n(٢) قال شيخنا -﵀-: \"وهذا إسناد صحيح. وأخرجه البيهقي وقال: \"وهذا من عمر -﵁- على طريق التنزيه والكراهة ... \". وانظر \"الإِرواء\" (١٨٨٩).\n(٣) المصدر نفسه.","vol":"5","page":107},{"text":"وقال شيخ الإِسلام -﵀- في \"الفتاوى\" (٣٢/ ١٨٢): \"إِن نكاح المجوسيات لا يجوز، كما لا يجوز نكاح الوثنيات، وهذا مذهب الأئمة الأربعة، وذكره الإِمام أحمد عن خمسة من الصحابة في ذبائحهم ونسائهم، وجعل الخلاف في ذلك من جنس خلاف أهل البدع ... \".\nوسألت شيخنا -﵀- عن زواج المجوس؟ فقال: يحرُم ذلك.\nوسألته -﵀- عن قول بعضهم في جواز الزواج ممّن لهم كتاب غير اليهود والنّصارى؟ فقال -﵀-: لا نعلم أهل الكتاب إِلا اليهود والنصارى.\nوجاء في \"الإِرواء\" (٥/ ٩٠): \"وروى البيهقي (٩/ ١٩٢) عن الحسن بن محمد بن علي قال:\nكتَب رسول الله - ﷺ - إِلى مجوس هجَر يَعرِض عليهم الإِسلام، فمن أسلَم قُبِل منه، ومن أبى ضُربت عليه الجزية، على أن لا تؤكل لهم ذبيحة، ولا تُنكَح لهم امرأة. وقال:\nهذا مرسل، وإِجماع أكثر المسلمين عليه يؤكده، ولا يصح ما روي عن حذيفة في نكاح مجوسية\".\nقال شيخنا -﵀-: \"ورجال إِسناده ثقات\" انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1349>نكاح المسلمة بغير المسلم:</span>\nقال الله -تعالى-: ﴿يا أيها الذين آمنوا إِذا جاءَكُمُ المؤمناتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللهُ أَعْلَمُ بإِيمانِهِنّ فإِنْ عَلِمْتُمُوهُنّ مُؤمِنَاتٍ فلا تَرْجِعُوهنّ إِلى","vol":"5","page":108},{"text":"الكُفّار لا هُنّ حِلٌّ لهم ولا هم يَحِلّونَ لهُنَّ﴾ (١).\nقال ابن كثير -﵀- في \"تفسيره\": \"وقوله -تعالى-: ﴿فإن عَلِمْتُمُوهُنّ مُؤمِنَاتٍ فَلا تَوْجِعُوهُنَّ إِلى الكُفَّار﴾؛ فيه دلالة على أن الإِيمان يمكن الاطلاع عليه يقينًا.\nوقوله -تعالى-: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لهم ولا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾: هذه الآية هي التي حَرّمت المسلماتِ على المشركين، وقد كان جائزًا في ابتداء الإِسلام أن يتزوج المشركُ المؤمنةَ، ولهذا كان أبو العاص بن الربيع زوجَ ابنة النّبيّ - ﷺ - زينب -﵂-، قد كانت مسلمة، وهو على دين قومه، فلمّا وقع في الأسارى يوم بدر؛ بَعثت امرأته زينب في فدائه بقلادة لها كانت لأمّها خديجة، فلمّا رآها رسول الله - ﷺ -؛ رقّ لها رقّة شديدة، وقال للمسلمين: \"إِنْ رأيتم إِن تُطْلقوا لها أسيرها فافعلوا ... \" (٢).\nوعن ابن عباس -﵄- قال: ردّ النّبيّ - ﷺ - ابنته زينب على أبي العاص بن الربيع بالنكاح الأوّل، ولم يُحدِث نكاحًا\" (٣).\nوجاء في \"الإِرواء\" (٦/ ٣٤٠): \" ... قال قتادة: ثمّ أُنزلت سورة ﴿براءة﴾ بعد ذلك، فإِذا أسلمت المرأة قبل زوجها؛ فلا سبيل له عليها إِلا\n_________\n(١) الممتحنة: ١٠.\n(٢) أخرجه أحمد وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٣٤١)، والحاكم وغيرهم، وانظر \"الإِرواء\" (١٩٢١).\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٩٥٧)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٩١٣).","vol":"5","page":109},{"text":"بخطبة، وإسلامها تطليقة بائنة. وإسناده صحيح مرسل\". انتهى.\nوقال الله -تعالى-: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا﴾ (١).\nفما كان للكافرِ من سلطانٍ على مسلمة، ونكاحه منها أعظم سلطان عليها؛ عياذًا بالله -تعالى-.\nوقد جاء إِليّ من خارج البلاد سؤالٌ مِن أحد الإِخوة وهذا نصُّه:\nالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته: فقد هداني الله -﷾- وعن طريق أحد الإِخوة المؤمنين. ... وحصلتُ على عنوانكم طالبًا منكم المساعدة في سبيل مرضاة الله، والسير على طريق الشرع الإِسلامي الحنيف. والأمرُ كالآتي:\nلقد تزوجتُ من امرأة مسلمة بعد طلب يدها للزواج من ذويها، وبعد استئذانها، ثمّ بعد سنتين من الزواج سافرنا إِلى بريطانيا للدراسة، وفي تلك البلاد انشقّت زوجتي عني، وحصل بيننا شِقاق في أمور يسيرة، إِلا أنها أخذت الأمر حُجة لطلب الطلاق من المحكمة البريطانية التي لا تدين بدين الإِسلام، ورفضَت كل طلبٍ للوساطة والصلح؛ من طريق أهل الخير من المسلمين الذين يعرفوننا هناك .. وحتى إِنّها رفضت أن تتحدث -ولو بشكل وُدِّي غير ملزِم- إِلى المركز الإِسلامي (بلندن)، ولمّا كنت أرفض التحاكم إِلى القضاء غير المسلم، ورغم عدم ثبوت أي صحة تُبيح تطليقها منّي بحكم القانون البريطاني؛ مِثل ثبوت سوء المعاملة، أو الضرب، أو الخيانة الزوجية، أو فقدان العقل .. لذلك حكموا بالفراق ومن ثمّ بالطلاق، وفي كل مرة كنّا نتواجه بها في المحكمة أو عن طريق محاميها؛ كانت ترفض دعوتي لها بإِرجاع\n_________\n(١) النساء: ١٤١.","vol":"5","page":110},{"text":"الأمر إِلى قضاءٍ مسلم، وهددتني برفع الأمر إِلى الشرطة البريطانية إِذا حاولتُ الاتصال بها، أو محادثتَها، فأوكلت أمري إِلى الله الواحد الأحد! وعلمتُ فيما بعد أنها تزوّجت من رجل غيرِ مسلم في تلك البلاد دون إِذن مني، إِني أرجوكم أن تساعدوني بتقديم البيان لي في شرع الله -﷾-، وسنة نبيّه الكريم محمد - ﷺ -.\nولحاجتي الماسّة إِلى البيان أرجو منكم استعجالَ الجواب.\nأولًا: هل يجوز لقاضٍ غير مسلم تطليق امرأة مسلمة من زوجها المسلم؟\nثانيًا: هل يقع الطلاق برغم تمسُّك الزوج وطلبه من زوجته الرجوع في الأمر إِلى قضاء مسلم، وكان ذلك ميسّرًا؟\nثالثًا: هل يحِلّ للمرأة في هذه الحالة أن تعدّ نفسها مطلقة من زوجها الأول المسلم؟ وهل يحقُّ لها الزواج من غيره؛ مع العلم أنها مبلّغة بالحذر من اعتبار طلاقها من القضاء البريطاني، وأنّ الأَولى أن يصلح بينهما، أو يطلقها قاضٍ مسلم؟ وطوال هذا الوقت تعلم تلك المرأة عِلم اليقين مكان وعنوان الاتصال المباشر مع زوجها الأول المسلم، ولكنها آثَرت البلاد غير المسلمة، ورفضت العودة إِلى بلادها أو الاتصال به.\nأرجو منكم استعجال الجواب، وبإِذن الله، وعسى أن يَرِدَني منكم الجوابُ بفتوى خطية، وعسى أن تبحثوا الأمر مع صاحب العِلم الجليل فضيلة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني -حفظه الله وأبقاه-.\nوإِني سوف أسعى لإِبلاغها ونُصحها بالعودة إِلى الصراط المستقيم؛ قبل أن تلقى ربّها وهي مذنبة غير تائبة.","vol":"5","page":111},{"text":"هذا .. ووفقّكم الله لكل خير. انتهى.\nوعرضتُ السؤال على شيخنا -﵀-؛ فأجاب.\nالحمد لله: الجواب عن الأسئلة الثلاثة: لا يجوز، لا يقع، لا يحلّ.\nوأنصح السائل أن يَنْفُضَ يده من هذه المرأة، ولا يسأل عنها، ولا يذهب نفسه حسراتٍ عليها، وأن لا يفكِّر أن يعيدها إِلى عصمته ولو رغبت، بعد أن ارتكبت ذينك الذنبين الكبيرين:\n١ - تحاكَمت إِلى الطاغوت، ورَضِيت بحكمه، وهذا خُلُق من يزعمون أنهم آمنوا، وقد قال الله فيهم. ﴿يُريدون أن يَتَحَاكمُوا إِلي الطَّاغُوت وقد أُمِروا أن يكفروا به ويُرِيُد الشَّيطانُ أن يُضِلّهم ضلالًا بعيدًا﴾ (١).\n٢ - رضيت أن يعلوها زوج كافر، والله -تعالى- يقول: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا﴾ (٢).\nوكتب: محمد ناصر الدين الألباني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1350>فائدة:</span>\nجاء في \"الفتاوى\" (٣٢/ ٦١): \"وسئل عن \"الرافضة\" هل تزوّج؟\nفأجاب: الرافضة المحضة هم أهل أهواء وبدع وضلال، ولا ينبغي للمسلم أن يزوّج موليته من رافضي، وإِنْ تزوج هو رافضية صح النكاح، إِنْ كان يرجو أن تتوب؛ وإلا فترْك نكاحها أفضل؛ لئلا تُفسد عليه ولده، والله أعلم\".\n_________\n(١) النساء: ٦٠.\n(٢) النساء: ١٤١.","vol":"5","page":112},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1351>تحريم الزيادة على الأربع:</span>\nلا يحلّ للرجل أن يجمع في نكاحه أكثر من أربع زوجات في وقت واحد؛ لقوله -تعالى-: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكم مِنَ النِّسَاءِ مثنَى وثلاثَ ورُبَاعَ﴾ (١). وهذا عدا ما ملكَت يمينه من الإِماء.\nعن ابن عمر -﵁-: \"أن غَيلان بن سلمة الثقفي أسلم، وله عشر نسوة في الجاهلية، فأسلَمْن معه، فأمَره النّبيّ - ﷺ - أن يتخير منهنّ أربعًا\" (٢).\nوعن قيس بن الحارث قال: \"أسلمتُ وعندي ثمانِ نسوة، فذكرتُ ذلك للنّبيّ - ﷺ -؛ فقال النّبيّ - ﷺ -: اختر منهن أربعًا\" (٣).\nقال ابن كثير -﵀-: \"قال الشافعي: وقد دلّت سُنّة رسول الله -﵌- المبيّنة عن الله أنه لا يجوز لأحد غير رسول الله - ﷺ - أن يجمع بين أكثر من أربع نسوة. وهذا الذي قاله الشافعي -﵀- مُجمَع عليه بين العلماء؛ إِلا ما حُكي عن الشيعة أنه يجوز الجمع بين أكثر من أربع إِلى تسع ... \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1352>تعدُّد الزوجات:</span>\nأباح ديننا الحنيف تعدّد الزوجات، على ألا يزيد على أربع؛ خلا ملك\n_________\n(١) النساء: ٣.\n(٢) أخرجه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٩٠١)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٥٨٩)، وانظر \"الإرواء\" (١٨٨٣).\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٩٦٠)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٥٨٨)، وانظر \"الإِرواء\" (١٨٨٥).","vol":"5","page":113},{"text":"اليمين من الإِماء؛ كما تقدّم.\nوأوجب العَدْل بينهنّ في الطعام والكسوة والسكن والمبيت.\nعن أبي هريرة -﵁- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"من كانت له امرأتان فمال إِلى إِحداهما، جاء يوم القيامة وشِقّه مائل\" (١).\nومن خاف ألا يعدل فعليه أن يقتصر على واحدة؛ لقول الله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وثُلاثَ ورُبَاعَ فإِنْ خفْتُم ألا تَعْدلُوا فَوَاحدَةً أو مَا مَلَكَتْ أَيْمانُكُم ذلك أدْنَى ألا تَعُولُوا﴾ (٢).\nقال ابن كثير -﵀-: \"أي: فإِنْ خشيتم من تعداد النساء أن لا تعدلوا بينهن؛ كما قال -تعالى-: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حَرَصتم﴾، فمن خاف من ذلك؛ فليقتصر على واحدة، أو على الجواري السراري؛ فإِنه لا يجب قسم بينهن، ولكن يستحبّ، فمن فعَل فحسَن، ومن لا فلا حرج\". انتهى.\nوعن عائشة -﵂- عن النّبيّ - ﷺ - في قوله -تعالى-: ﴿ذلك أدنى أن لا تعولوا﴾ قال: \"أن لا تجوروا\" (٣).\nوالمراد من قوله -تعالى-: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٨٦٧)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٩١٢)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٦٠٣)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٣٦٨٢)، وانظر \"الإرواء\" (٢٠١٧).\n(٢) النساء: ٣.\n(٣) أخرجه ابن حبّان في \"صحيحه\" وغيره، وانظر \"الصحيحة\" (٣٢٢٢).","vol":"5","page":114},{"text":"حَرَصْتُم﴾ (١) - كما قال ابن كثير -بحذف-: \"أي: لن تستطيعوا أيها الناس! أن تساووا بين النساء من جميع الوجوه، فإِنه وإن حصَل القسم الصوري: ليلة وليله، فلا بد من التفاوت في المحبة والشهوة والجماع؛ كما قاله ابن عباس، وعبَيِدة السلماني، ومجاهد، والحسن البصري، والضحاك بن مزاحم\".\nثمّ ساق بإِسناد ابن أبي حاتم إِلى ابن أبي مليكة قال: \"نزلت هذه الآية: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرَصتم﴾ في عائشة. يعني: أنّ النّبيّ - ﷺ - كان يحبها أكثر من غيرها (٢) \".\nثمّ قال -﵀-: \"وقوله: ﴿فلا تميلوا كلّ الميل﴾؛ أي: فإِذا مِلتم إلى واحدة منهنّ، فلا تُبالِغوا في الميل بالكلِّية ﴿فتذروها كالمعلّقة﴾؛ أي: فتبقى الأخرى مُعلّقة.\nقال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والحسن، والضحاك، والربيع بن أنس، والسُّدِّيُّ، ومقاتل بن حيان: معناه: لا ذات زوج ولا مطلقة\".\nثمّ ذكر حديث أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من كانت له امرأتان فمال إِلى إِحداهما، جاء يوم القيامة وأحد شقّيه ساقط\" (٣).\nثمّ قال -﵀-: \" ﴿وإِنْ تُصلحوا وتتقوا فإِنّ الله كان غفورًا\n_________\n(١) النساء: ١٢٩.\n(٢) وقد سأل عمرو بن العاص -﵁- رسول الله - ﷺ -، فقال: \"أيّ الناس أحبّ إِليك؟ قال: عائشة\". أخرجه البخاري: ٣٦٦٢، ومسلم: ٢٣٨٤.\n(٣) تقدّم.","vol":"5","page":115},{"text":"رحيمًا﴾؛ أي: وإنْ أصلحتم في أموركم، وقسَمتم بالعدل فيما تملكون، واتقيتم الله في جميع الأحوال، غفَر الله لكم ما كان من مَيْل إِلى بعض النساء دون بعض\". انتهى.\nوالحاصل: أن المرء لا يستطيع المساواة بين النساء مِن جميع الوجوه، فلا بُدّ من التفاوت في المحبّة والشهوة والجماع، وقد تقدّم أن عائشة -﵂- كانت أحبَّ النساء إِلى رسول الله - ﷺ -.\nوجاء التوجيه الرّباني بالإِصلاح والتقوى في الأمور؛ لتكون المغفرة على ما كان من ميل إِلى بعض النساء دون بعض.\nوهذا يعني مراعاة الضعف البشري، وليس معنى قوله -تعالى-: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حَرَصْتُم﴾ تحريم التعدّد! وهذا الفَهْم السقيم فيه اتهام لربّ العالمين؛ أنه يعلم عدم استطاعة العدل بين النساء؛ ثمّ يأمر -سبحانه- بالتعدُّد!! تعالى الله عن هذا علوًّا كبيرًا.\nفلا بدّ ابتداءً أن ينوي المرء العدل ويتحرّاه -كما ينوي عدم الوقوع في أي ذنبٍ آخر؛ ولكنه يُذنب، وأينا لا يظلم نفسه؟! - فإِذا وقعَ منه الميل أو عدم العدل؛ استغفر وأناب، واتقى وأصلح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1353>ماذا يُشترط على من يريد التعدّد</span>؟\n١ - القدرة عليه ماليًا وبدنيًا.\n٢ - القدرة على العدل الممكن؛ في ضوء التفصيل السابق، والله -تعالى- يقول: ﴿فإنْ خِفْتُمْ ألا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَة﴾.","vol":"5","page":116},{"text":"فمن لم يخف عدم العدل فقد حلّ له ذلك، وإلا حرُم عليه، فلا بُدّ من الإِيمان والتقوى وقوة الشخصيّة؛ لضبط الأمور بين النّساء.\nفعن عائشة -﵂- قالت: \"كان رسول الله - ﷺ - لا يُفضّل بعضنا على بعض في القسم\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1354>من محاسن التعدّد:</span>\nومحاسن التعدّد كثيرة، منها:\n١ - أنّ النّبيّ - ﷺ - يكاثر بأُمّته الأمم يوم القيامة، والتعدّد من الأبواب الموصلة إِلى ذلك.\nعن أبي أمامة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"تزوّجوا؛ فإِنّي مُكاثِرٌ بكم الأمم يوم القيامة\" (٢).\n٢ - أنّ خير الناس أكثرهم نساءً، عن سعيد بن جبير قال: قال لي ابن عباس: \"هل تزوجتَ؟ قلت: لا. قال: فتزوَّجْ؛ فإِنّ خير هذه الأمّة أكثرها نساءً\" (٣).\n٣ - أنّ الأمّة المجاهدة تفتقر إِلى عدد كبير؛ يقوم بهذا الأمر العظيم.\n٤ - إِنّ الأعداد الكثيرة في أيّ دولة -حين يلي أمورها أمراء متقون وولاةٌ\n_________\n(١) أخرجه أبو داود وغيره، وانظر \"الإِرواء\" (٢٠٢٠).\n(٢) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\". وله شواهدُ يتقوى بها؛ ذَكرها شيخنا -﵀- في \"الصحيحة\" (١٧٨٢).\n(٣) أخرجه البخاري: ٥٠٦٨. وبوّب الإمام البخاري -﵀- بقوله: (باب كثرة النساء).","vol":"5","page":117},{"text":"عادلون- لهي الأولى بالرفعة والسمّو والعزّ.\n٥ - أنّ في ذلك علاجًا ناجعًا للنّساء في حالات عديدة؛ فهناك الكثير من النسوة لا تُرْتَضَى زوجة أولى؛ لِكبرها أو لنقصٍ في جمالها، أو لكونها مطلّقة، أو مريضة، أو لا تلِد.\n٦ - أنّ قدرة الرجل على الوطء والجماع؛ لا كالمرأة، والله -تعالى- بحكمته وعلِمه خلَقه كذلك.\nولا يخفى ما يصيب المرأة من حيض ونفاس، تؤثّر في حالتها النفسية والبدنية، فماذا يكون من شأن الرجل خلال هذه المُدّة؟! وكيف إِذا كان لدى بعض الرجال رغبة جنسيّة قويّة؟!\n٧ - أنّ الفُجّار والفُسّاق ينفّسون عن شهواتهم -على اختلاف درجاتها- بالزنى والفجور والمحرّمات، أمّا المتّقون الذين يحوصون على غضّ البصر وحِفظ الفرج؛ فإِنّ ملاذَهم -بفضل الله- هو التعدّد.\nوكلّ ما نقوله في محاسن التعدّد؛ لا يعني أن لا تكون معاناةٌ عند المرأة، أو أن لا ترى ما تكره.\nولكن؛ هل في عدم التعدّد قد ارتاحت من المعاناة، ولم تَرَ إِلا ما تحبّ؟!\nوليس يخفى أن الأمور بمجموعها؛ لا بأفرادها، وماذا إِذا زنى زوجها -عياذًا بالله-؟! فلا بُدّ أن تعلم أنّ ما يكون من ضررٍ للرجل أو المرأة من إِباحة التعدد؛ لهو أخفّ من منْعه.\nوللعلماء في الأضرار والمنافع كلام طيّب، فقد بيّنوا -مثلًا- أنه يحصل في","vol":"5","page":118},{"text":"الجهاد نقصٌ في الأموال والأنفس والثمرات ... ولكن لا يخفى ما يكون من حال الأُمّة التي لا تجاهد؛ ممّا يركبها من ذِلّةٍ وهوانٍ وطمع الأعداء، فالأموال والأنفس والثمرات كلها تحت تصرف الأعداء إِلا ما شاء الله.\nهذا؛ وفي حوارٍ بين زوجين، قال الزوج:\nلماذا تحاربين هذا الأمر؟! أتريدين أن أزني؟!\nفقالت: ازْنِ؛ ولا تتزوّج!!!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1355>توجيهات وكلمات مضيئة في التعدّد</span>\n١ - إِن كثيرًا من النّاس يضربون الأمثلة على فشل زيد وعمرو في التعدّد! فأقول:\nإِنّ ضرْب الأمثلة على فشل زيد وعمرو في التعدّد: لهو الفشل في الفقه والعلم! فالأمثلة لا تُلغي الأحكام الشرعيّة، لأنه قد يقول جاهل: لقد أسلم ملحد ذات يوم، وبعد إِسلامه ابتُلي بالفقر والمرض النفسي؛ ثمّ قام بسرقة ألوف الدنانير من بعض المسلمين! فهذا المثال -على ما فيه من فساد- أشبه ما يكون بظلمات بعضها فوق بعض؛ فهل نتوقّف عن الدعوة إِلى الإِسلام.\nبل إنّ المرأة قد تتمنّى الوطء الحلال، ولو لمرَّةٍ واحدة، حتى لو طُلّقت، وكم من الرجال والنساء من يشتهي هذا الوطء، ولكن لم ييسّر لهم ذلك، وعدمُه يُفضي إِلى الحرام؛ عياذًا بالله -تعالى-!\nولو أنّ تلك المرأة -بعد ذلك الوطء الحلال- قد أنجبت ولدًا صالحًا ينفعها؛ فهو خير لها من أن تموت من غير نكاح.","vol":"5","page":119},{"text":"٢ - ولا بُدّ أن يعلم هؤلاء المعترضون أنهم بآيات الله يجحدون، وأنّهم يُعارضون الدّين، فليحذروا من هذا كلّه.\nوأقول: هل اعتراضهم على الحُكم الشرعي في أمر التعدّد؛ أم على سوء تطبيق بعض الناس؟!\nفهل سوء استخدام السيارة يحرّمها؟!\nوهل سوء استخدام الهاتف يحرّمه؟!\nوهل سوء استخدام المال يحرمه؟!\nوكذلك الأمر في التعدّد.\n٣ - إِنّ كثيرًا من النّساء؛ لا يمنعهن الموافقة على هذا الأمر إِلا النّاس!\nفالمرأة تخشى القيل والقال، وألسنة النّاس! ولو أنها أمِنَت ذلك، ورأت من المجتمع إِقرارًا؛ لما عارضَت هذا الأمر.\nولو جئتَ تستحلفها بالله -سبحانه-: ألَيس الأتقى لربك -﷿- أن يعدّد زوجك؛ لقالت: نعم؛ لأنها تعلم أنها لا تستطيع إِشباع غريزته الجنسية مثلًا -ولو ادعت ذلك-، ولأنها تعلم أنه لا يلبّي حاجات زوجها الكثيرة إلاَّ الزّواج.\nفإِلى كلّ من خشي النّاس -من ذَكَر وأنثى- أقول:\nاخشَ رب النّاس، ملك النّاس، إِله النّاس -﷾-.\n٤ - وأمّا بعض الرجال -وهم أشباه النّساء مع الأسف- الذين شنّوا الحرب على التعدّد؛ فإِنّك لو استحلفتهم بالله -سبحانه-: ألا تتمنّون التعدّد في أفئدتكم؟ وتشتهونه في قلوبكم؟! لما سمعت منهم إِلا الإِقرار.","vol":"5","page":120},{"text":"٥ - ولا بُدّ للمرأة المسلمة أن تثق بربّها -سبحانه- ودينها الحنيف، وألا تخضع للموازين الفاسدة، فلا بُدّ لها أن تُوازِن بين عدم زواجها إِرضاءً للناس، وبين زواجها بما فيه من إِعفاف وإحصان، ومنافع في الدارَين.\n٦ - ومع الأسف أن تكون الحرب الشعواء من نساءٍ مسلمات سُمّين بـ (الملتزمات)!! فإِذا سمعن بشيء من هذا؛ غلَت صدورهنّ، وبدأن بإِشعال النيران، وإطالة ألسنتهن طعنًا وافتراءً على العروسين؛ دون تقوى أو مراقبة لله -تعالى-! وبينهنّ حبل التواصي بالباطل ممدود، حتى إِنّ إِحداهنّ (من الداعيات)! سمعت أن فلانًا خطب فلانة، فقالت: أنا التى سأقف ضدّه.\nوليست هذه القضيّة -والله- حربًا ومعركة بين فريقين؛ ليحشد كلٌّ منهما ما عنده من الأسلحة الفتّاكة ليحرق الآخر! ولا هي بالمنافسة الشريفة والمسابقة المشروعة؛ ليسارع كلٌّ للانتصار لما عنده! بل إِن الأمر يحتاج إِلى الاحتكام إِلى العلماء وَرَثة الأنبياء -﵈-؛ وقد قال -سبحانه-: ﴿فاسألوا أهل الذِّكر إِن كنتم لا تعلمون﴾ (١).\nوقال -سبحانه-: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤمِنُون حتَّى يُحَكِّموكَ فيما شَجَرَ بينهم ثُمَّ لا يَجِدُوا في أَنْفُسِهم حَرَجًا ممّا قَضَيْتَ ويُسَلِّموا تَسْلِيمًا﴾ (٢).\nوبهذا يكون معنى الآية: \"فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكِّموا ورثتك فيما شجرَ بينهم ثمّ لا يجدوا في أنفسهم حرجًا ممّا قَضَوْا ويسلّموا تسليمًا\".\nأما أن ترى المرأة نفسها فقيهة مجتهدة في هذا الأمر، فتُفتي من عندها بما\n_________\n(١) النحل: ٤٣، الأنبياء: ٧.\n(٢) النساء: ٦٥.","vol":"5","page":121},{"text":"تهوى؛ فهذا هو العجَب.\nوأنا أعجب من هؤلاء النّسوة اللاتي يُطِلن ألسنتهنّ خوضًا وطعنًا في النّاس، وكأنّ الله -تعالى- قد أحلّ لهنّ هذا الخوض، أو كأنّ الإِجماع في تحريم الغيبة قد صار إِلى سراب؛ فأصبحت غِيبةُ المعدّدين من أفضل القُربات إِلى الله -تعالى-.\nوأنا أستحلف هؤلاء النسوة بالله ربّ العالمين: هل استغفرن من هذه الذنوب؟! وهل طلبن التحلُّل ممّن طَعَنَّ فيهم أو فيهنّ؟! هل دعون لهم أو لهنّ في ظهر الغيب؟! هل تُبْن توبةً نصوحًا؟!\nهل استحضَرن قول النّبيّ - ﷺ -: \"إِني لأرى لحمه بين أنيابكما\"؟!\nهل استشعرن في أنفسهنّ عذاب النّار، والمُثُولَ بين يدي العزيز الجبّار؟!\nهل تدبّرْن قوله -تعالى-: ﴿يومئذٍ تُعرضون لا تَخفى منكم خافية﴾ (١).\nوهل خَشِينَ على أنفسهنّ أن تُعرض فضائحهن أمام الخلق؟!\nوهل تدبّرن قوله -تعالى-: ﴿يوم تجد كلّ نفسٍ ما عملت من خيرٍ مُحضرًا وما عملت من سوء تودُّ لو أنّ بينها وبينه أمدًا بعيدًا﴾ (٢)؟!\nوهل خِفْن على أنفسهنّ أن يجدن ما عملن من سوء وطعنٍ في النّاس مُحضَرًا؟!\nكم أُشْفق على هؤلاء النسوة، وعلى ما فيهنّ من حالٍ؛ في محاربة الله ورسوله - ﷺشعرْنَ أو لم يشعرن-!\n_________\n(١) الحاقة: ١٨.\n(٢) آل عمران: ٣٠.","vol":"5","page":122},{"text":"كم أرثي لحالهنّ وهنّ يَعِثن في الأرض فسادًا!\nكم يتفطّر القلب عليهنّ؛ وهن يُمسِكْن معاول الهدم للإِسهام في هدم المجتمع -وإن زَعمنَ غير ذلك-!\nكم يتلوَّع الفؤاد عليهنّ في الجزم بالعِلم والمعرفة والخبرة والمصلحة؛ وهنّ أبعد النّاس من هذا كلّه!\nكم أرقُّ لهؤلاء المفلسات اللائي يضيّعن الثواب يوم القيامة؛ وقد اغْتَبْنَ هذا، وطَعَنَّ في هذا، وشَتَمْنَ هذا ... والثمن كله من الحسنات: يوم لا درهم ولا دينار!\nفهلمّ إِلى التوبة والإِنابة والاستغفار والندم ﴿من قبل أن يأتي يوم لا مردّ له من الله﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1356>فائدة:</span>\nإِنّ ما جرى عند أُمّهات المؤمنين -﵅- من غَيرةٍ -والنصوص في ذلك كثيرة-: إِنّما هو توجيه وإرشاد للنّساء -ولا سيّما في زماننا- أن هذا حال البشر، وأنّ أمْر التعدّد لا يخلو ممّا تكرهه المرأة، ولا يعنى أنها إِذا لقيت أدنى ما تكره قذِرت التعدّد وجَحدته -عياذًا بالله تعالى-.\nوكأنّ ما جرى بين أزواج النبيّ - ﷺ - يقول: هذا هو التعدّد، وهذه هي بشريّة الإِنسان غير المعصوم، فَلَكُنّ في أزواج النّبيّ - ﷺ - ونساء السلف أسوة وقدوة في قَبوله وتحمُّله، مع ورود ما ذكَرْت.\nوهناك أمْرٌ هامّ؛ وهو أنّ ما جاء في مِثل هذه الأمور لا يعدو أن يكون بين\n_________\n(١) الشورى: ٤٧.","vol":"5","page":123},{"text":"أزواج النّبي - ﷺ -، لا كحال أكثر النساء اليوم -مع الأسف- مِن تعدّي هذا؛ إِلى المجتمع: غيبةً ونميمةً وقدحًا وطعنًا، وركوبًا للهوى، بل إِنّك قد ترى من الكلام حول التعدُّد ما قد تحكمُ بِكفر بعضهنّ؛ عياذًا بالله -سبحانه-!\n٧ - وندائي إِلى كلّ من يسعى إِلى مرضاة الله -تعالى-، ومن يرغب في التعدّد ويسعى إِليه؛ أن يتقي الله -تعالى-؛ ليمحو كثيرًا من الصور المظلمة عن المعدّدين، فالقدوة العملية لها أثرها الكبير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1357>مسائل في التعدّد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1358>١ - مَن أَوْلَمَ على بعض نسائه أكثر من بعض </span>(١):\nعن ثابت قال: \"ذُكر تزويج زينب بنت جحش عند أنس، فقال: ما رأيت النّبيّ - ﷺ - أَوْلَمَ على أحد من نسائه ما أولم عليها، أولم بشاة\" (٢).\nقال الحافظ -﵀-: \" ... وأشار ابن بطال إِلى أن ذلك لم يقع قصدًا لتفضيل بعض النساء على بعض، بل باعتبار ما اتفق، وأنه لو وجد الشاة في كل منهن لأولم بها، لأنه كان أجود الناس، ولكن كان لا يبالغ فيما يتعلّق بأمور الدنيا في التأنق. وجوَّز غيره أن يكون فعل ذلك لبيان الجواز\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1359>٢ - إِذا تزوّج البكر على الثيّب، والثيب على البكر:</span>\nعن أنس -﵁- قال: \"من السّنّةَ إِذا تزوّج الرجلُ البكرَ على\n_________\n(١) هذا العنوان من \"صحيح البخاري\" (كتاب النكاح) \"باب - ٦٩\".\n(٢) أخرجه البخاري: ٥١٧١، ومسلم: ١٤٢٨.","vol":"5","page":124},{"text":"الثيب، أقام عندها سبعًا وقَسَم، وإذا تزوّج الثيّب على البكر؛ أقام عندها ثلاثًا ثمّ قَسَم. قال أبو قِلابة: ولو شئت لقلت. إِن أَنَسًَا رفعه إِلى النّبيّ - ﷺ -\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1360>٣ - القُرْعة بين النّساء إِذا أراد سفرًا </span>(٢):\nعن عائشة -﵂- \" أنّ النّبيّ - ﷺ - كان إِذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1361>٤ - النهي عن افتخار الضَّرَّة </span>(٤):\nعن أسماء: \"أن امرأة قالت: يا رسول الله! إِن لي ضَرَّة، فهل عليَّ جُناحٌ إِن تَشبّعتُ من زوجي غير الذي يعطيني؟ فقال رسول الله - ﷺ -: المتشبّع (٥) بما لم\nيُعطَ كلابس ثَوبيْ زور\" (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1362>٥ - استئذانُ الرجلِ نساءَهُ في أن يُمرَّض في بيت بعضهنّ:</span>\nعن عائشة -﵂-: \"أنّ رسول الله - ﷺ - كان يسأل في مرضه الذي\nمات فيه: أين أنا غدًا؟ أين أنا غدًا؟ يريد يوم عائشة، فأذِنَ له أزواجه يكون\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٥٢١٤، ومسلم: ١٤٦١.\n(٢) هذا العنوان من \"صحيح البخاري\" (باب - ٩٧).\n(٣) أخرجه البخاري: ٥٢١١، ومسلم: ٢٤٤٥.\n(٤) من تبويب الإمام البخاري -﵀ - في \"كتاب النكاح\" (باب - ١٠٦).\n(٥) المتشبّع؛ أي: المتزين بما ليس عنده، يتكثر بذلك، ويتزين بالباطل، كالمرأة تكون عند الرجل ولها ضرّة، فتدّعي من الحظوة عند زوجها أكثر مما عنده، تريد غيظ ضَرّتها. \"الفتح\".\n(٦) أخرجه البخاري: ٥٢١٩، ومسلم: ٢١٣٠.","vol":"5","page":125},{"text":"حيث شاء، فكان في بيت عائشة، حتى مات عندها، قالت عائشة: فمات في اليوم الذي كان يدور عليّ فيه في بيتي، فقبضه الله؛ وإنّ رأسه لبَين نحري (١) وسَحري (٢)، وخالط ريقه ريقي\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1363>فائدة:</span>\nجاء في \"الفتاوى\" (٣٢/ ٢٦٩) -بحذف-: \"وسئل -رحمه الله تعالى- عن رجل متزوّج بامرأتين، وإحداهما يحبُّها، ويكسوها، ويعطيها، ويجتمع بها أكثر من صاحبتها؟\nفأجاب: الحمد لله، يجب عليه العدل بين الزوجتين باتفاق المسلمين\"، وأشار إِلى الحديث: \"من كانت له امرأتان ... \"، ثمّ قال:\n\"فعليه أن يعدل في القَسم، فإِذا بات عندها ليلة أو ليلتين أو ثلاثًا بات عند الأخرى بقدر ذلك، ولا يُفضّل إِحداهما في القَسم. لكن إِنْ كان يحبها أكثر، ويطأها أكثر فهذا لا حرج عليه فيه؛ وفيه أنزل الله -تعالى-: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم﴾ (٤)، أي: في الحب والجماع ... وأمّا العدل في النفقة والكسوة، فهو السنة أيضًا، اقتداءً بالنّبيّ - ﷺ -، فإِنه كان يعدل بين أزواجه في النفقة؛ كما كان يعدل في القسمة\".\n_________\n(١) النحر: هو أعلى الصدر.\n(٢) السَّحر: الرئة؛ أي: أنه مات وهو مُستند إِلى صدرها وما يحاذي سَحرها منه.\nوقيل: السَّحْر: ما لصق بالحلقوم من أعلى البطن ... أي: أنه مات وقد ضمته بيديها إِلى نحرها وصدرها. \"النهاية\".\n(٣) أخرجه البخاري: ٥٢١٧، ومسلم: ٢٤٤٣.\n(٤) النساء: ١٢٩.","vol":"5","page":126},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1364>الولاية على الزّواج</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1365>معنى الولاية </span>(١):\nالولاية: حقٌّ شرعي، يُنفّذ بمقتضاه الأمر على الغير، جبرًا عنه. وهي ولاية عامّة، وولاية خاصّة. والولاية الخاصّة؛ ولاية على النفس، وولاية على المال.\nوالولاية على النفس هي المقصودة هنا، أي: ولاية على النفس في الزواج.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1366>من هو الوليّ</span>؟\nالوليّ: هو قرابة المرأة؛ الأدنى فالأدنى الذين يلحقهم الغضاضة إِذا تزوّجت بغير كفء؛ وكان المزوّج لها غيرهم ... (٢).\nوأدلّة اشتراط الولي كثيرة؛ منها (٣): قوله -تعالى-: ﴿فلا تعضلوهنّ أن ينكحن أزواجهنّ﴾ (٤).\nقالى الإِمام الشافعي -﵀-: \"هي أصرح آية في اعتبار الولي، وإلا لما كان لعضله معنى\" (٥).\n_________\n(١) عن \"فقه السنة\" (٢/ ٤٤٧).\n(٢) انظر \"الروضة الندية\" (٢/ ٢٨) بتصرّف يسير.\n(٣) وقد تقدّم بعضها في (أركان عقد النكاح).\n(٤) البقرة: ٢٣٢.\n(٥) انظر \"سبل السلام\" (٣/ ٢٣٣)، وسيأتي الكلام قريبًا -إن شاء الله- حول هذه الآية الكريمة.","vol":"5","page":127},{"text":"وجاء في \"سبل السلام\" (٣/ ٢٣٣): \"ويدلّ لاشتراط الولي ما أخرجه البخاري، وأبو داود، من حديث عروة، عن عائشة: أنها أخبرته أنّ النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء: فنكاحٌ منها نكاح النّاس اليوم، يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته فَيُصْدِقها، ثمّ ينكحها ... ثمّ قالت في آخره: فلمّا بُعث محمد - ﷺ - بالحق هدَم نكَاح الجاهلية كله إِلا نكاح النّاس اليوم (١).\nفهذا دالٌّ أنه - ﷺ - قرَّر ذلك النكاح المعتبر فيه الولي، وزاده تأكيدًا بما قد سمعت من الأحاديث، ويدلّ له نكاحه - ﷺ - لأم سلمة، وقولها: إِنه ليس أحد من أوليائها حاضرًا، ولم يقل - ﷺ -: أنكحي أنت نفسك، مع أنه مقام البيان. ويدل له قوله -تعالى-: ﴿ولا تُنْكِحُوا المشركين﴾ (٢) فإِنه خطاب للأولياء بأن لا يَنْكحوا المسلماتِ المشركين ... \".\nوجاء في \"الروضة الندية\" (٢/ ٢٩): \" ... ولا شكّ أن بعض القرابة أَدْخَلُ في هذا الأمر من بعض، فالآباء والأبناء أولى من غيرهم، ثمّ الإِخوة لأبوين، ثمّ الإِخوة لأب أو لأمّ، ثمّ أولاد البنين وأولاد البنات، ثمّ أولاد الإِخوة وأولاد الأخوات، ثمّ الأعمام والأخوال، ثمّ هكذا من بعد هؤلاء. ومن زعَم الاختصاص بالبعض دون البعض؛ فليأتنا بحُجّة، وإن لم يكن بيده إِلا مجرد أقوال من تقدمه؛ فلسنا ممن يُعَوِّل على ذلك، وبالله التوفيق\".\nوقال الإِمام ابن حزم -﵀- في \"المحلى\" (١١/ ٣٥): \"وأمّا قولنا: إنه لا يجوز إِنكاح الأبعد من الأولياء مع وجود الأقرب، فلأن الناس كلّهم يلتقون\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٥١٢٧.\n(٢) البقرة: ٢٢١.","vol":"5","page":128},{"text":"في أب بعد أب إِلى آدم -﵇- بلا شكّ، فلو جاز إِنكاح الأبعد مع وجود الأقرب؛ لجاز إِنكاح كلّ من على وجه الأرض؛ لأنه يلقاها بلا شك في بعض آبائها! فإِنْ حَدُّوا في ذلك حدًّا كُلّفوا البرهان عليه -ولا سبيل إِليه-. فصحّ يقينًا أنه لا حقّ مع الأقرب للأبعد. ثمّ إِنْ عُدِمَ فَمَنْ فَوْقَهُ بِأَبٍ .. هكذا أبدًا؛ ما دام يُعْلَمُ لها وليّ عاصب؛ كالميراث ولا فرق\".\nوسألت شيخنا -﵀-: \"هل ينعقد نكاح المرأة بوليّ؛ مع وجود من هو أولى منه؟ \".\nفأجاب: \"إِذا كان بإِذنه جاز؛ وإلا فلا\".\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1367>شروط الوليّ:</span>\nويشترط في الولي: الحرية، والعقل، والبلوغ؛ سواء كان المُولَّى عليه مسلمًا أو غير مسلم، فلا ولاية لعبد، ولا مجنون، ولا صبي؛ لأنه لا ولاية لواحد من هؤلاء على نفسه، فأولى ألا تكون له ولاية على غيره.\nويزاد على هذه الشروط شرط رابع، وهو الإِسلام، إِذا كان المُولَّى عليه مسلمًا؛ فإِنه لا يجوز أن يكون لغير المسلم ولاية على السلم؛ لقول الله -تعالى-: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1368>عدم اشتراط العدالة:</span>\nولا تشترط العدالة في الولي؛ إِذ الفسق لا يسلب أهلية التزويج، إِلا إِذا خرج به الفسق إِلى حد التهتُّك؛ فإِنّ الولي في هذه الحالة لا يؤتمن على ما تحت\n_________\n(١) النساء: ١٤١.","vol":"5","page":129},{"text":"يده، فَيُسْلَبُ حقّه في الولاية؛ [وللسلطان في ذلك شأن وتدبير] * (١).\nجاء في \"الفتاوى\" (٣٢/ ١٠١): \"وسئل -﵀- عن رجل تزوّج بامرأة، وليها فاسق يأكل الحرام ويشرب الخمر؛ والشهود أيضًا كذلك، وقد وقع به الطلاق الثلاث: فهل له بذلك الرخصة في رجعتها؟\nفأجاب: إِذا طلقها ثلاثًا وقع به الطلاق. ومن أخذ ينظر بعد الطلاق في صفة العقد، ولم ينظر في صفته قبل ذلك: فهو من المتعدين لحدود الله، فإِنه يريد أن يستحل محارم الله قبل الطلاق، وبعده. والطلاق في النكاح الفاسد المختلف فيه عند مالك وأحمد وغيرهما من الأئمة، والنكاح بولاية الفاسق: يصح عند جماهير الأئمة، والله أعلم\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1369>المرأة لا تزوّج نفسها:</span>\nليس للمرأة أن تزوّج نفسها؛ لأنّ الولاية شرط في صحّة العقد. ومن الأدلّة على ذلك:\nقوله -سبحانه-: ﴿وأنْكحُوا الأيَامَى منكم والصَّالحين مِن عبَادكُم وإِمَائِكم﴾ (٢).\nفكان الخطاب هنا للأولياء.\nوكذلك قوله -سبحانه-: ﴿وإِذا طلَّقتم النّساء فَبَلَغْنَ أجلهُنَّ فلا تَعضُلوهنّ أن يَنْكِحْنَ أزواجَهنَّ إِذا تَراضَوا بينهم بالمعروف ذلك يُوعَظُ به\n_________\n(١) ما بين نجمتين عن \"فقه السّنّة\" (٢/ ٤٤٧).\n(٢) النور: ٣٢.","vol":"5","page":130},{"text":"من كان مِنْكُم يُؤمن بالله واليوم الآخر ذلكُم أزكى لكُم وأطْهَر والله يَعْلم وأنتم لا تعلمون﴾ (١).\nقال ابن كثير -﵀- بحذف: \" ... عن ابن عباس: نزلت هذه الآية في الرجل يطلق امرأته طلقة أو طلقتين، فتنقضي عدتها، ثمّ يبدو له أن يتزوجها وأن يراجعها، وتريد المرأة ذلك، فيمنعها أولياؤها من ذلك، فنهى الله أن يمنعوها. وكذا روى العوفي عنه. وكذا قال مسروق، وإِبراهيم النخعي، والزهري والضحاك أنها نزلت في ذلك. وهذا الذي قالوه ظاهر من الآية. وفيها دلالة على أن المرأة لا تملك أن تُزوِّج نفسها، وأنه لا بدّ في تزويجها مِن وليّ؛ كما قاله الترمذي وابن جرير عند هذه الآية، كما جاء في الحديث: \"لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها ... \" (٢).\nثمّ أشار إِلى ما ورد عن الحسن قال: ﴿فلا تَعْضُلُوْهُنّ﴾ قال: حدثني معقل بن يسار أنها نزلت فيه، قال: \"زوجتُ أختًا لي من رجل فطلَّقها، حتى إِذا انقضت عدتها جاء يخطبها، فقلت له: زوجتك وأفرشْتُك وأكرمتُك، فطلقتَها، ثمّ جئتَ تخطبها! لا والله لا تعود إِليك أبدًا، وكان رجلًا لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إِليه، فأنزل الله هذه الآية: ﴿فلا تَعْضُلُوْهُنّ﴾؛ فقلتُ: الآن أفعل يا رسول الله! قال: فزَوجها إِيّاه\" (٣).\n_________\n(١) البقرة: ٢٣٢.\n(٢) أخرجه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٥٢٧) وغيره، وصححه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (١٨٤١).\n(٣) أخرجه البخاري: ٥١٣٠.","vol":"5","page":131},{"text":"وعن أبى موسى أنّ النبيّ - ﷺ - قال: \"لا نكاح إِلا بوليّ\" (١).\nوفي رواية: \"لا نكاح إلاَّ بِوَلِيٍّ وشاهِدَيْ عدل\" (٢).\nوعن عائشة -﵂- قالت: قال رسول الله - ﷺ -: \"أيّما امرأة نُكحت بغير إِذن مواليها؛ فنكاحها باطل -ثلاث مرات-. فإِنْ دخَل بها؛ فالمهر لها بما أصاب منها، فإِنْ تشاجروا فالسلطان وليُّ من لا وليّ له\" (٣).\nوعن أبي هريرة -﵁- قال: \"كُنّا نعدُّ التي تنكح نفسها هي الزانية\" (٤).\nوأمّا استدلال بعض الفقهاء بقول الله -تعالى-: ﴿فإنْ طَلّقَهَا فلا تَحِلُّ له من بَعْد حتَّى تًنْكِح زوجًا غَيْرَه﴾ (٥).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٨٣٦)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٨٧٩)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٥٢٦)، وانظر \"الإرواء\" (١٨٥٨)، و\"المشكاة\" (٣١٣٠).\n(٢) أخرجه أحمد، وصححه شيخنا -﵀- في \"الإرواء\" (١٨٥٨، ١٨٦٠)، وتقدّم.\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٨٣٥)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٨٨٠)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٥٢٤)، وانظر \"الإروإء\" (١٨٤٠)، وتقدّم.\n(٤) أخرجه الدارقطني، والبيهقي، وقال شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٦/ ٢٤٩): إسناده صحيح على شرط الشيخين.\n(٥) البقرة: ٢٣٠.","vol":"5","page":132},{"text":"وقوله -سبحانه-: ﴿وإِذا طَلَّقتُم النِّساء فبلَغْن أجَلَهُنّ فلا تَعْضُلُوهُنَّ أن يَنْكِحْنَ أزواجَهُنّ﴾ (١).\nوقولهم: في هاتين الآيتين إِسناد الزواج إِلى المرأة؛ فهو دليل على أنها تلي أمر نفسها في الزواج!!\nفالردّ عليه من وجوه كثيرة، أبرزها ما تقدّم من أدلّة، ثمّ إِن المعنى: حتى تنكح زوجًا غيره في ضوء الشروط المنصوص عليها؛ لا بمعزلٍ عنها، فلا ينبغي أن نضرب بعض النصوص ببعض.\nوفي الآية الأخرى في قوله: فـ ﴿لا تَعْضُلُوُهنَّ﴾ ما يدلّ على أن الخطاب للأولياء كما تقدّم.\nوجاء في \"الفتاوى\" (٣٢/ ٣١ - ٣٢): \"وسئل -﵀- عن امرأة خلاها أخوها في مكان لتوفي عدة زوجها، فلمّا انقضت العدة هربت إِلى بلد مَسيرةَ يوم، وتزوّجت بغير إِذن أخيها، ولم يكن لها ولي غيره: فهل يصح العقد أم لا؟\nفأجاب: إِذال يكن أخوها عاضلًا لها، وكان أهلًا للولاية: لم يصح نكاحها بدون إِذنه، والحال هذه، والله أعلم\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1370>إِذا كان الوليّ هو الخاطب </span>(٢):\nقال الإِمام البخاري -﵀-: \"وخطب المغيرة بن شعبة امرأة هو أوْلى\n_________\n(١) البقرة: ٢٣٢.\n(٢) هذا العنوان من \"صحيح البخاري\" (كتاب النكاح) \"باب - ٣٧\".","vol":"5","page":133},{"text":"النّاس بها، فأمَر رجلًا فزوّجه (١). وقال عبد الرحمن بن عوف لأم حكيم بنت قارظ: أتجعلين أمرك إِليّ؟ قالت: نعم، فقال: قد تزوجتك (٢). وقال عطاء: ليُشهد أني قد نكحتكِ، أو ليأمر رجلًا من عشيرتها (٣) \".\nقال شيخنا -﵀- في \"مختصر البخاري\" (٣/ ٣٦٦): \"المفهوم من كلام الشارح أنّ عطاء بن أبي رباح قاله في امرأة خطبها ابن عمّ لها؛ لا رجل لها غيره، قال حين سألوه عنها: \"فلتشهد أنّ فلانًا خطبها، وإني أشهدكم أني قد نكحته\"، أو تفوض الأمر إِلى الوليّ الأبعد، وهو معنى قوله بعد هذا: \"أو ليأمر رجلًا من عشيرتها\"، والكلام جرى على التذكير في ضبط الشارح، ونحن أتينا البيوت من أبوابها\".\nقال الحافظ في \"الفتح\" بعد تبويب الإِمام البخاري -رحمهما الله تعالى-: \"الذي يظهر من صنيعه أنه يرى الجواز، فإِنّ الآثار التي فيها أمر الولي غيره أن يزوجه ليس فيها التصريح بالمنع من تزويجه نفسه، وقد أورد في الترجمة أثر عطاء الدالّ على الجواز، وإنْ كان الأولى عنده أن لا يتولى أحد طرفَي العقد.\nوقد اختلف السلف في ذلك، فقال الأوزاعي وربيعة والثوري ومالك وأبو حنيفة وأكثر أصحابه والليث: يزوج الولي نفسه، ووافقهم أبو ثور: وعن\n_________\n(١) رواه البخاري معلّقًا، ووصله وكيع في \"مصنفه\"، وعنه البيهقي وسعيد بن منصور، وانظر \"الفتح\"، و\"مختصر البخاري\" (٣/ ٣٦٦).\n(٢) رواه البخاري معلقًا، ووصله ابن سعد.\n(٣) رواه البخاري معلقًا، ووصله عبد الرزاق بسند صحيح عنه، وانظر \"مختصر البخاري\" (٣/ ٣٦٦).","vol":"5","page":134},{"text":"مالك: لو قالت الثيب لوليها: زوِّجني بمن رأيت، فزوَّجها من نفسه أو ممن اختار؛ لَزِمها ذلك، ولو لم تعلم عين الزوج. وقال الشافعي: يزوجهما السلطان، أو ولي آخر مثله، أو أقعد منه. ووافقه زفر وداود. وحُجّتهم أنّ الولاية شرط في العقد، فلا يكون الناكح مُنكحًا كما لا يبيع من نفسه\". انتهى.\nوقال ابن حزم -﵀-: \"وأمّا قولهم: إِنه لا يجوز أن يكون الناكح هو المُنْكِح! ففي هذا نازعناهم، بل جائز أن يكون الناكح هو المُنْكِح، فدعوى كدعوى.\nوأمّا قولهم: كما لا يجوز أن يبيع من نفسه! فهي جملة لا تصحّ كما ذكروا، بل جائز إِن وُكِّل ببيع شيء أن يبتاعه لنفسه، إن لم يُحابها بشيء\". ثمّ ساق البرهان على صحة ما رجّحه (١)، من أن البخاري روى عن أنس: أن رسول الله - ﷺ - أعتق صفية، وتزوجها، وجعل عتقها صداقها، وأولم عليها بِحيس (٢).\nقال: \"فهذا رسول الله - ﷺ - زوَّج مولاته من نفسه، وهو الحُجّة على من سواه\". ثمّ قال: \"قال الله -تعالى-: ﴿وأنْكحُوا الأيَامَىَ منكم والصَّالحين من\nعِبَادِكُم وإِمَائِكُم إِن يَكُونوا فُقَرَاء يُغْنهم الله من فضله والله واسعٌ عليم﴾ (٣).\nفمن أنكح أيّمة من نفسه برضاها، فقد فعل ما أمره الله -تعالى- به، ولم يمنع\n_________\n(١) هذا كلام السيد سابق -﵀- في \"فقه السنة\" (٢/ ٤٥٧).\n(٢) أخرجه البخاري: ٥١٦٩، ومسلم: ١٣٦٥.\nو(الحَيْسُ): \"هو الطعام المتخذ من التمر والأقط والسّمْن. وقد يجعل عوض الأقط: الدقيق أو الفتيت\". \"النهاية\".\n(٣) النور: ٣٢.","vol":"5","page":135},{"text":"الله -﷿- من أن يكون المنكح لأيمة هو الناكح لها، فصح أنه الواجب\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1371>غَيْبَةُ الوليّ:</span>\nلا ولاية للبعيد مع وجود الوليّ الأقرب؛ فبحضور الأب لا ولاية للأخ أو العمّ؛ فضلًا عن غيرهما، وعقد هؤلاء موقوف على صاحب الولاية: الأب.\nوفي حالة غياب الأقرب يأتي من يليه؛ لعموم قوله -تعالى-: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ (٢). ولقوله - ﷺ -: \"إِذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم\" (٣).\nفلا يمكن تعطيل الزواج لغيابه وصعوبة الاتصال به وأخْذِ رأيه، وذلك حين لا يترجّح أوان عودته، ولا يخفى ما يترتّب على ذلك من تفويت مصالح النكاح العامّة والخاصّة، وليس لهذا الوليّ الغائب أن يعترض على ما كان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1372>ولاية غير الآباء على الصغار:</span>\nعن ابن عمر -﵄-: \"أنه حين هلَك عثمان بن مظعون ترك ابنة له. قال ابن عمر: فزوّجنيها خالي قُدامة -وهو عمها- ولم يشاورها، وذلك بعدما هلك أبوها، فكرهت نكاحه، وأحبت الجارية أن يزوجها المغيرة بن شعبة، فزوجها إِياه\" (٤).\n_________\n(١) انظر \"المحلّى\" (١١/ ٦٣)، وذكره الشيخ السيد سابق -﵀- في \"فقه السنة\" (٢/ ٤٥٧).\n(٢) التغابن: ١٦.\n(٣) أخرجه البخاري: ٧٢٨٨، ومسلم: ١٣٣٧.\n(٤) أخرجه أحمد، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٥٢٣) وغيرهما، وحسّنه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (١٨٣٥).","vol":"5","page":136},{"text":"وجاء في تبويب \"سنن ابن ماجه\": (باب نكاح الصغار يزوّجهن غير الآباء).\nوجاء في \"الفتاوى\" (٣٢/ ١٩): \"وسئل -﵀- عن وجل له بنت، وهي دون البلوغ، فزوَّجوها في غَيبة أبيها، ولم يكن لها ولي؛ وجعلوا أن أباها توفي -وهو حي- وشهدوا أن خالها أخوها؛ فهل يصح العقد أم لا؟\nفأجاب: إِذا شهد وا أن خالها أخوها؛ فهذه شهادة زور، ولا يصير الخال وليًا بذلك؛ بل هذه قد تزوّجت بغير ولي، فيكون نكاحها باطلًا عند أكثر العلماء والفقهاء، كالشافعي وأحمد وغيرهما، وللأب أن يجدده، ومن شهد أن خالها أخوها وأن أباها مات؛ فهو شاهد زور، يجب تعزيره، ويعزر الخال، وإِن كان دخل بها فلها المهر، ويجوز أن يزوجها الأب في عدة النكاح الفاسد عند أكثر العلماء، كأبي حنيفة والشافعي وأحمد في المشهور عنه، والله أعلم\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1373>السلطانُ وليُّ من لا ولي له:</span>\nإذا لم يكن للمرأة وليّ؛ فوليّها السلطان.\nعن عائشة -﵂- قالت: قال رسول الله - ﷺ -: \"أيّما امرأة نُكحت بغير إِذن مواليها؛ فنكاحها باطل -ثلاث مرات-، فإِنْ دخَل بها، فالمهر لها بما أصاب منها، فإِنْ تشاجروا فالسلطانُ وليُّ من لا وليّ له\" (١).\nوقال الإِمام البخاري -﵀-: (باب السلطان وليّ؛ لقول النّبيّ - ﷺ - \"زوّجناكها بما معك من القرآن\") (٢).\n_________\n(١) تقدّم تخريجه.\n(٢) انظر كتاب النّكاح (باب - ٤٠).","vol":"5","page":137},{"text":"قال القرطبي -﵀-: \"وإذا كانت المرأة بموضع لا سلطان فيه، ولا وليّ لها، فإِنها تُصيِّرُ أمرها إِلى من يوثَق به من جيرانها، فيزوجها ويكون هو وليّها في هذه الحال؛ لأن الناس لا بد لهم من التزويج، وإِنما يعملون فيه بأحسن ما يمكن.\nوعلى هذا، قال مالك في المرأة الضعيفة الحال: إِنه يزوجها مَن تُسند أمرها إِليه؛ لأنها ممن تضعُف عن السلطان، فأشبهت من لا سلطان بحضرتها، فرجعت في الجملة إِلى أن المسلمين أولياؤها\" (١).\nوجاء في \"المحلّى\" (١١/ ٣٠): \"وصح عن ابن سيرين في امرأة لا ولي لها، فولت رجلًا أمرها، فزوّجها، قال ابن سيرين: لا بأس بذلك، المؤمنون بعضهم أولياء بعض\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1374>عضْل الوليّ:</span>\nعضْل المرأة: هو منْعها من التزوّج ظُلمًا.\nوليس للولي أن يعضل من يلي أمرها دون مسوّغ، أو سبب شرعي، فتقدُّم من يُرضى عن دينه وخُلُقه -حين يدفع مهر المِثل- لا يجوز ردّه، ومن حقّها أن تشكو وليّها إِلى القاضي.\nقال الله -تعالى-: ﴿وإِذا طلَّقْتُم النَّسَاء فَبَلَغْن أجلهُنّ فلا تَعْضُلُوهُنّ أنْ يَنْكِحْنَ أزواجَهنّ إِذا تراضَوا بينهم بالمعروف﴾ (٢).\n_________\n(١) \"الجامع لأحكام القرآن\" (٣/ ٧٦)، وذَكَرْهُ الشيخ السيد سابق -﵀- في \"فقه السنة\" (٢/ ٤٥٩).\n(٢) البقرة: ٢٣٢.","vol":"5","page":138},{"text":"وقد نزلت هذه الآية في معقل بن يسار -كما تقدّم-.\nفعن الحسن قال: ﴿فلا تَعْضُلُوهُنّ﴾ قال: حدثني معقل بن يسار أنها نزَلَت فيه قال: \"زوجْتُ أختًا لي من رجل فطلَّقها، حتى إِذا انقضت عدّتها جاء يخطُبُها، فقلت له: زوجْتُك وأفرشتُك وأكرمتُك، فطلقتَها، ثمّ جئت تخطبها! لا والله لا تعود إِليك أبدًا! وكان رجلًا لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إِليه، فأنزل الله هذه الآية: ﴿فلا تَعْضُلُوهُنّ﴾، فقلت: الآن أفعل يا رسول الله! قال: فزوجها إِيّاه\" (١).\nجاء في \"المحلّى\" (١١/ ٦١) تحت المسألة (١٨٤١): \"ولا يكون الكافر وليًّا للمسلمة، ولا المسلم وليًّا للكافرة، الأب وغيره سواء، والكافر ولي للكافرة التي هي وليّته، يُنكحها من المسلم والكافر.\nبرهان ذلك قول الله -﷿- ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾ (٢)، وقال -تعالى-: ﴿والذين كفروا بعضهم أولياء بعض﴾ (٣)، وهو قول من حفِظْنا قوله، إِلا ابن وهب صاحب مالك قال: إِن المسلم يكون وليًا لابنته الكافرة في إِنكاحها من المسلم أو من الكافر! وهذا خطأ لما ذكرنا. وبالله -تعالى- التوفيق\".\nوجاء فيه أيضًا (٤٣ - ٤٤) تحت المسألة (١٨٢٨): \"وإذا أسلمت البكر ولم يسلم أبوها، أو كان مجنونًا؛ فهي في حُكم التي لا أب لها؛ لأن الله\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٥١٣٠، وتقدّم.\n(٢) التوبة: ٧١.\n(٣) الأنفال: ٧٣.","vol":"5","page":139},{"text":"-تعالي- قطع الولاية بين الكفار والمؤمنين، قال -تعالى-: ﴿يا أيّها الذين آمنوا لا تَتَولَّوا قومًا غَضِبَ الله عليهم﴾ (١).\nوقال -تعالى-: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾ (٢).\nوصح في المجنون قول رسول الله - ﷺ -: \"رفع القلم عن ثلاثة\"؛ فذكر منهم: \"المجنون حتى يفيق\" (٣).\nوقد صحّ أنه غير مخاطب باستئمارها ولا بإِنكاحها، وإنما خاطب -﷿- أولي الألباب، فلها أن تنكح من شاءت بإِذن غيره من أوليائها، أو السلطان\".\nجاء في \"الفتاوى\" (٣٢/ ٣٥): \"وسئل -رحمه الله تعالى- عن رجل أسلم: هل يبقى له ولاية على أولاده الكتابيِّين؟\nفأجاب: لا ولاية له عليهم في النكاح، كما لا ولاية له عليهم في الميراث، فلا يزوج المسلم الكافرة، سواء كانت بنته أو غيرها، ولا يرث كافر مسلمًا ولا مسلم كافرًا، وهذا مذهب الأئمة الأربعة وأصحابهم من السلف والخلف ... (٤) \".\n_________\n(١) الممتحنة:١٣.\n(٢) التوبة: ٧١.\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٦٩٨)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٦٦٠) واللفظ له وغيرهما، وانظر \"الإرواء\" (٢٩٧)، وتقدّم.\n(٤) انظر تتمّة الإِجابة للمزيد من الفائدة -إن شئت-.","vol":"5","page":140},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1375>اليتيمة تُستأمر في نفسها:</span>\nعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"تُسْتأمر (١) اليتيمة في نفسها، فإِنْ سكتت فهو إِذنها، وإن أبت فلا جواز عليها (٢) \" (٣).\nوعن عبد الله بن عمر -﵄- قال: \"توفي عثمان بن مظعون، وترك ابنة له من خويلة بنت حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص، قال: وأوصى إِلى أخيه قدامة بن مظعون، قال عبد الله: وهما خالاي، قال: فخطبت إِلى قدامة بن مظعون ابنة عثمان بن مظعون، فزوَّجنيها، ودخل المغيرة بن شعبة، يعني: إِلى أمّها، فأرغبها في المال، فحطَّتْ إِليه (٤)، وحطَّتْ الجارية إِلى هوى أمّها، فأبيا حتى ارتفع أمرهما إِلى رسول الله - ﷺ -، فقال قدامة بن مظعون: يا رسول الله! ابنة أخي أوصى بها إِليّ، فزوجتها ابنَ عمتها عبدَ الله بن عمر، فلم أقصِّرْ بها في الصلاح، ولا في الكفاءة، ولكنها امرأة، وإِنما حطَّتْ إِلى هوى أمها! قال: فقال رسول الله - ﷺ -: هي يتيمة، ولا تنكح إِلا بإِذنها. قال: فانتُزعت -والله- مني، بعد أن ملكتها، فزوجوها المغيرة بن شعبة\" (٥).\nجاء في \"زاد المعاد\" (٥/ ١٠٠): \"وقضى رسول الله - ﷺ - أن اليتيمة\n_________\n(١) أي: تُسْتأذن.\n(٢) أي: لا تعدّي عليها ولا إِجبار. \"المرقاة\" (٦/ ٢٩٨).\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٨٤٣)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٨٨٦)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٣٠٦٧)، وانظر \"الإرواء\" (١٨٣٤)، وانظر -إِن شئت المزيد من الفائدة- ما جاء في \"الفتاوى\" (٣٢/ ٤٣ - ٥٣).\n(٤) \"أي: مالت إليه، ونزلت بقلبها نحوه\". \"النهاية\".\n(٥) أخرجه أحمد والحاكم وغيرهما، وصححه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (١٨٣٥).","vol":"5","page":141},{"text":"تُستأمر في نفسها، و\"لا يُتْمَ بعد احتلام (١) \"، فدلّ ذلك على جواز نكاح اليتيمة قبل البلوغ، وهذا مذهب عائشةرضي الله عنها-، وعليه يدلُّ القرآن والسّنّة، وبه قال أحمد وأبو حنيفة وغيرهما.\nقال -تعالى-: ﴿ويَستفتُونك في النّساء قُل الله يُفِتيكُم فيهنَّ وما يُتْلَى عليكم في الكتاب في يَتَامَى النِّساء اللاتي لا تُؤتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنّ وتَرغَبون أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ (٢).\nقالت عائشة -﵂-: هي اليتيمة تكون في حَجر وليها، فيرغب في نكاحها، ولا يُقْسِط لها سُنة صَداقها، فنهوا عن نكاحهنّ إِلا أن يُقسطوا لهنّ سُنّة صَداقهنّ (٣) \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1376>استئذان المرأة قبل النكاح:</span>\nعن ابن عباس -﵁- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"الأيّم (٤) أحقّ بنفسها مِن وليّها، والبِكر تستأذن في نفسها، وإذنها صُمَاتها\" (٥).\n_________\n(١) أخرجه عدد من الأئمة، وصححّه شيخنا -﵀ - في \"الإِرواء\" (١٢٤٤) بعددٍ من الطُّرق والشواهد.\n(٢) النساء: ١٢٧.\n(٣) انظر \"صحيح مسلم\" (٣٠١٨).\n(٤) الأيّم في الأصل: التي لا زوج لها؛ بكرًا كانت أو ثيبًا، مطلَّقة كانت أو متوفّى عنها، ويريد بالأيّم في هذا الحديث الثيّب خاصة، يُقال: تأيمت المرأة وآمت: إِذا أقامت لا تتزوّج. \"النهاية\".\n(٥) أخرجه مسلم: ١٤٢١.","vol":"5","page":142},{"text":"وعن أبي هريرة -﵁- أنّ النّبيّ - ﷺ - قال: \"لا تُنكَح الأيّم حتى تُستأمَر، ولا تُنكَح البكر حتى تُستأذَن، قالوا: يا رسول الله! وكيف إِذنها؟ قال: أن تسكت\" (١).\nقال الحافظ -﵀- في \"الفتح\": \"أصل الاستئمار: طلبُ الأمر؛ فالمعنى: لا يعقد عليها حتى يطلب الأمر منها. ويؤخذ من قوله: لا تستأمر؛ أنّه لا يعقد إِلا بعد أن تأمر بذلك\".\nوعن خنساءَ بنت خذامٍ الأنصارية: \"أنّ أباها زوّجها وهي ثيّب، فكرهَت ذلك، فأتت رسول الله - ﷺ -، فردّ نكاحها\" (٢).\nوعن ابن عباس -﵄-: \"أنّ جارية بكرًا أتت النّبيّ - ﷺ -، فذكرت أن أباها زوّجها وهي كارهة، فخيرها النّبيّ - ﷺ -\" (٣).\nوثبت عن النّبيّ - ﷺ - أنه: \"كان إِذا أراد أن يُزوّج بنتًا من بناته جلس إِلى خدرها، فقال: إِنّ فلانًا يذكرُ فلانة -يسمّيها، ويسمّي الرجل الذي يذكُرها-! فإِنْ هي سكتت؛ زوَّجها، أو إِن كرهت نقرت الستر، فإِذا نقرته لم يزوجها\" (٤).\nوقال الإِمام البخاري -﵀-: \"باب إِذا زَوّج الرجل ابنته وهي كارهة،\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٥١٣٦، ومسلم: ١٤١٩.\n(٢) أخرجه البخاري: ٥١٣٨.\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٨٤٥)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٥٢٠)، وانظر \"المشكاة\" (٣١٣٦).\n(٤) انظر \"الصحيحة\" (٢٩٧٣)، وانظر للمزيد ما جاء في \"الفتاوى\" (٣٢/ ٣٠).","vol":"5","page":143},{"text":"فنكاحه مردود\" (١).\nثمّ ذكر حديث خنساء بنت خدام.\nجاء في \"السيل الجرّار\" (٢/ ٢٧٢) بعد أن ذكَر عددًا من الأدلّة المتقدّمة وقال: \"والأحاديث في هذا الباب كثيرة، وهي تفيد أنه لا يصح نكاح من لم ترْضَ؛ بِكْرًا كانت أو ثيّبًا\".\nوقد فصل العلامة ابن القيّم -﵀- في \"زاد المعاد\" (٥/ ٩٥) فأجاد وأفاد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1377>الوكالة في الزواج:</span>\n*الوكالة من العقود الجائزة في الجملة؛ لحاجة الناس إِليها في كثير من معاملاتهم.\nوقد اتفق الفقهاء على أنّ كلّ عقد جاز أن يعقده الإِنسان بنفسه، جاز أن يُوكِّل به غيره، كالبيع، والشراء، والإِجارة، واقتضاء الحقوق، والخصومة في المطالبة بها، والتزويج، والطلاق، وغير ذلك من العقود التي تقبل النيابة.\nوقد كان النّبيّ -صلوات الله وسلامه عليه- يقوم بدور الوكيل في عقد الزواج، بالنسبة لبعض أصحابه؛ روى أبو داود عن عقبة بن عامر: أنّ النّبيّ - ﷺ - قال لرجل: \"أترضى أن أزوجك فلانة؟ قال: نعم! وقال للمرأة: أترضين أن أزوجك فلانًا؟ قالت: نعم! فزوَّج أحدهما صاحبه، فدخَل بها الرجل، ولم يفرض لها صَداقًا، ولم يعطها شيئًا.\nوكان ممّن شهد الحديبية وكان مَن شهد الحديبية له سهم بخيبر، فلمّا\n_________\n(١) انظر \"صحيح البخاري\" (كتاب النكاح) (باب - ٤٢).","vol":"5","page":144},{"text":"حضرته الوفاة، قال: إِنّ رسول الله - ﷺ - زوّجني فلانة، ولم أفرِض لها صَداقًا، ولم أُعطها شيئًا، وإنّي أشهدكم: أني أعطيتها من صداقها سهمي بخيبر، فأخذَت سهمًا، فباعته بمائة ألف\" (١).\nوفي هذا الحديث دليل على أنه يصحّ أن يكون الرّجل وكيلًا عم الطرفين.\nعن أمّ حبيبة: \"أنها كانت عند ابن جحش، فهلَك عنها، وكان فيمن هاجر إِلى أرض الحبشة، فزوّجها النجاشيُّ رسولَ الله - ﷺ - وهي عندهم\" (٢).\nويصح التوكيل من الرجل العاقل البالغ الحر؛ لأنه كامل الأهلية، وكلّ من كان كامل الأهلية، فإِنه يملك تزويج نفسه بنفسه، وكل من كان كذلك، فإِنه يصح أن يُوكِّل عنه غيره.\nأمّا إِذا كان الشخص فاقد الأهلية أو ناقصها، فإِنه ليس له الحق في توكيل غيره؛ كالمجنون، والصبي، والمعتوه، فإِنه ليس لواحد منهم الاستقلال في تزويج نفسه بنفسه.\nوالتوكيل يجوز مطلقًا ومقيدًا:\nفالمطلق: أن يُوكِّل شخص آخر في تزويجه، دون أن يقيده بامرأة معينة، أو بمهر، أو بمقدارٍ مُعين من المهر.\nوالمقيّد: أن يوكّله في التزويج، ويقيده بامرأة معيّنة، أو امرأة من أسرة معينة، أو بقدر معين من المهر* (٣).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٨٥٩)، وانظر \"الإِرواء\" (١٩٢٤).\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٨٣٧)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٣١٤٢).\n(٣) ما بين نجمتين عن \"فقه السُّنّة\" (٣/ ٤٦٣).","vol":"5","page":145},{"text":"جاء في \"الروضة الندية\" (٢/ ٣٢): \"ويجوز لكل واحد من الزوجين أن يوكّل لعقد النكاح، ولو واحدًا؛ لحديث عقبة بن عامر عند أبي داود أنّ النّبيّ - ﷺ - قال لرجل: أترضى أن أزوجك فلانة؟ قال: نعم، وقال للمرأة: أترضين أن أزوجك فلانًا؟ قالت: نعم. فزوج أحدهما صاحبه ... الحديث. وقد ذهب إِلى ذلك جماعة من أهل العلم: الأوزاعي، وربيعة، والثوري، ومالك، وأبو حنيفة، وأكثر أصحابه، والليث، وأبو ثور. وحكى في \"البحر\" عن الشافعي، وزُفَر: أنه لا يجوز. وقال في \"الفتح\": وعن مالك: لو قالت المرأة لوليها: زوجني بمن رأيت، فزوّجها من نفسه أو ممن اختار؛ لزمها ذلك؛ ولو لم تعلم عين الزوج ... \".\nوسألت شيخنا -﵀-: هل ترون صحّة عقد الزواج للغائب إِذا وُثّق؟\nفقال: نعم؛ بالشرط المذكور.\n\nهل الكفاءة (١) في الزواج معتبرة؟\nهذه من المسائل التي اختلف فيها العلماء؛ فمنهم من قال باعتبارها، ومنهم من لم يقُل بذلك. ومن الأحاديث التي ذكَرها القسم الأوّل في ذلك:\n١ - ما روي عن علي -﵁- أنّ النبيّ - ﷺ - قال: \"ثلاث لا يؤخَّرن: الصلاة إِذا أتت، والجنازة إِذا حضرت، والأيّم إِذا وجدت لها كفُؤًا\" (٢)، وهو ضعيف.\n٢ - ما رُوي عن ابن عمر -﵄- \"أنّ النّبيّ - ﷺ - قال: العرب\n_________\n(١) الكفء: المِثل والنظير.\n(٢) أخرجه الترمذي وقال: حديث غريب حسن، قال شيخنا -﵀-: \"وفيه سعيد ابن عبد الله الجهني؛ قال أبو حاتم: مجهول ... \". وانظر \"المشكاة\" (٦٠٥)، و\"ضعيف الترمذي\" (٢٥).","vol":"5","page":146},{"text":"أكفاءٌ بعضهم لبعض، قبيلة لقبيلة، وحيٌّ لحي، ورجلٌ لرجل؛ إِلا حائك أو حجّام\" (١). وهو موضوع.\nوعن بريدة -﵁- قال: \"جاءت فتاة إِلى النّبيّ - ﷺ - فقالت: إِنّ أبي زوَّجني ابن أخيه ليرفع بي خسيسته! قال: فجعل الأمر إِليها، فقالت: قد أجزْتُ ما صنَع أبي، ولكن أردتُ أن تعلم النساء أَنْ ليس إِلى الآباء من الأمر شيء\"، وهو ضعيف (٢).\nوعلى افتراض ثبوته أقول بما جاء في \"الروضة\" (٢/ ١٧): \"ومحلّ الحُجّة منه قولها: ليرفع بي خسيسته، فإِنّ ذلك مُشعِر بأنه غير كفؤ لها، ولا يخفى أن هذا إِنما هو من كلامها، وإنما جعل النّبيّ - ﷺ - الأمر إِليها؛ لكون رضاها مُعتَبرًا. فإِذا لم ترض، لم يصح النكاح، سواء كان المعقود له كفؤًا، أو غير كفؤ. وأيضًا هو زوَّجها بابن أخيه؛ وابن عمّ المرأة كفؤ لها\"، ثُمَّ ذكَّرني أحد الإِخوة بتراجع شيخنا -﵀- في \"الصحيحة\" تحت الحديث (٣٣٣٧) عن إِعلاله بالانقطاع فثبت وصْلُه.\n٣ - وذكروا أثر عمر -﵁-: \"لأمنعنّ تزوُّج ذوات الأحساب إِلا من الأكفاء\". وقد أخرجه الدارقطني، وفيه انقطاع؛ فإِن إِبراهيم بن محمد بن طلحة لم يد رك عمر -﵁-. وانظر \"الإِرواء\" (١٨٦٧).\nوهناك من استدلّ بأحاديث ثابتة، لكنها لا تدلّ على المطلوب. ومِن ذلك\n_________\n(١) أخرجه الحاكم، وجاء في \"الروضة الندية\": \"وفي إِسناده رجل مجهول، وقال أبو حاتم: إِنه كذب لا أصل له، وذكر الحُفّاظ أنه موضوع\". وانظر \"الإرواء\" (١٨٦٩).\n(٢) انظر \"نقد نصوص حديثية\" (ص ٤٤) و\"التعليقات الرضية\" (٢/ ١٤١).","vol":"5","page":147},{"text":"حديث: \"خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإِسلام إِذا فقهوا\" (١).\nفهو كما جاء في \"الروضة الندية\" (٢/ ١٤٣) -بتصرّف-: \"ليس فيه دلالة على المطلوب؛ لأن إِثبات كون البعض خيرًا من بعض؛ لا يستلزم أنّ الأدنى غير كفؤ للأعلى.\nوهكذا حديث: \"إِنّ الله اصطفى كنانة من ولد إِسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم\" (٢).\nوكذلك حديث سمرة -﵁- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"الحسب: المال، والكرم: التقوى\" (٣).\nوأيضًا حديث بريدة -﵁- أنّ النّبيّ - ﷺ - قال: \"إِنّ أحساب أهل الدنيا الذين يذهبون إِليه: المال\" (٤).\nفهذا ليس فيه إِقرار على ما ذهب إِليه أهل الدنيا، وإنما هو إِيضاحٌ للمعاني، وحكاية عن صنيعهم، قال صاحب \"الروضة\" (٢/ ١٨): \" ... فيكون في حُكم التوبيخ لهم والتقريع\".\nوالخلاصة؛ أنّ أحاديث هذا الباب -كما قال بعض العلماء في غير هذا\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٣٤٩٣، ومسلم: ٢٦٣٨.\n(٢) أخرجه مسلم: ٢٢٧٦.\n(٣) أخرحه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٢٦٠٩)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٣٣٩٩)، وصححه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (١٨٧٠).\n(٤) أخرجه أحمد والنسائي وابن حبان والحاكم، وحسّنه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٦/ ٢٧٢).","vol":"5","page":148},{"text":"الموضوع- صحيحها غير صريح، وصريحها غير صحيح، وسيأتي ما أستطيعه -إِن شاء الله- من البيان.\nقال شيخ الإِسلام -﵀- في \"الفتاوى\" (١٩/ ٢٩): \"وليس عن النّبيّ - ﷺ - نصٌّ صحيح صريح في هذه الأمور [عدم اعتبار الكفاءة] \".\nوجاء في \"الفتح\" (٩/ ١٣٣): \"ولم يثبت في اعتبار الكفاءة بالنسب حديث\".\nومنهم من قال بعدم اعتبار الكفاءة في النكاح؛ وأنها لا تكون إِلا في الدين والخُلُق.\nقال الله -تعالى-: ﴿إنَّ أكْرَمَكُم عِنْدَ الله أتْقَاكُم﴾ (١).\nوعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"النّاسُ وَلدُ آدم، وآدم من تراب\" (٢).\nقال الإِمام البخاري -﵀-: \"وقوله: ﴿وهو الذي خلَق من الماء بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصِهْرًا وكان ربّك قديرًا﴾ (٣) \".\nوهذا يُشعِر من الإِمام البخاري -﵀- أنه يرى اعتبار الكفاءة في الدين فحسب؛ إِذ البشر من الماء، فلا بغي ولا تفاخر، ولا ترفُّع في النكاح.\nومما ذكَره الإِمام البخاري -﵀-: حديث أبي هريرة -﵁-\n_________\n(١) الحجرات: ١٣.\n(٢) أخرجه ابن سعد في \"الطبقات\" وغيره، وانظر \"الصحيحة\" (١٠٠٩).\n(٣) الفرقان: ٥٤.","vol":"5","page":149},{"text":"عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك\" (١).\nفالذي ينبغي أن يصار إِليه؛ الظَّفَرُ بذات الدين.\nثمّ ذكر -﵀- حديث سهل -﵁- قال: \"مرّ رجل على رسول الله - ﷺ -، فقال: ما تقولون في هذا؟ قالوا: حريٌّ إِنْ خطب أن يُنْكَحَ، وإِن شَفِعَ أن يُشفّع، وإن قال أن يُستمَع! قال: ثمّ سكت. فمرّ رجلٌ من فُقراء المسلمين؛ فقال: ما تقولون في هذا؟ قالوا: حريٌّ إِن خطب أن لا يُنْكَح، وإن شفع أن لا يشفَّع، وإن قال أن لا يُستمع! فقال رسول الله - ﷺ -: هذا خيرٌ من ملء الأرض مِثل هذا\" (٢).\nوالحديث في غاية التصريح إِلى ما يذهب إِليه من يقول باعتبار الكفاءة في الدين والخُلُق.\nوفي رواية: \"مرّ رجل على رسول الله - ﷺ -، فقال لرجلٍ عنده جالس: ما رأيك في هذا؟ فقال: رجل من أشراف الناس ... \" (٣).\nوعن أبي هريرة -﵁-: \"أنّ أبا هند حَجَمَ النَّبيَّ - ﷺ - في اليافوخ (٤)، فقال النَّبيّ - ﷺ -: يا بني بياضة! أنكحوا أبا هند، وانكحوا إِليه\" (٥).\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٥٠٩٠، ومسلم: ١٤٦٦.\n(٢) أخرجه البخاري: ٥٠٩١.\n(٣) أخرجه البخاري: ٦٤٤٧.\n(٤) أي: وسط رأسه.\n(٥) أخرجه البخاري في \"التاريخ\"، وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٨٥٠)، =","vol":"5","page":150},{"text":"وجاء في \"سُبل السلام\" (٣/ ٢٥٠) عقب هذا الحديث: \" ... فنبه على الوجه المقتضي لمساواتهم [أي: المسلمين]، وهو الاتفاق في وصف الإِسلام.\nوللناس في هذه المسألة عجائب، لا تدور على دليل غير الكبرياء والترفع، ولا إِله إِلا الله! كم حُرِمت المؤمناتُ النكاحَ لكبرياء الأولياء واستعظامهم أنفسهم، اللهم إِنّا نبرأ إِليك من شَرْطٍ ولّده الهوى، وربّاه الكبرياء ... \".\nوعن عائشة -﵂-: \"أنّ أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس -وكان ممن شهد بدرًا مع النّبيّ - ﷺ - تبنّى سالمًا وأنكحه بنت أخيه هندًا بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة، وهو مولى لامرأة من الأنصار\" (١).\nوعن فاطمة بنت قيس -رضي الله تعالى عنها- أنّ النّبيّ - ﷺ - قال لها: \"انكحي أُسامة\" (٢).\nجاء في \"سُبل السلام\" (٣/ ٢٥٠): \"وفاطمة قرشية فِهْرِيَّة، أخت الضحاك بن قيس، وهي من المهاجرات الأُوَل، كانت ذات جمال وفضل وكمال، جاءت إِلى رسول الله - ﷺ - بعد أن طلّقها أبو عمرو بن حفص بن المغيرة بعد انقضاء عدتها منه، فأخبرته أنّ معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم خطَباها، فقال رسول الله - ﷺ -: \"أما أبو جهم؛ فلا يضع عصاه عن عاتقه. وأمّا معاوية؛ فصعلوك لا مال له. انكحي أسامة بن زيد ... \" الحديث، فأمرَها بنكاح أسامة مولاه ابن مولاه، وهي قرشية، وقدّمه على أكفائها ممن ذَكَر، ولا أعلم أنه طلب\n_________\n= وابن حبّان وغيرهم، وانظر \"الصحيحة\" (٢٤٤٦).\n(١) أخرجه البخاري: ٥٠٨٨.\n(٢) أخرجه مسلم: ١٤٨٠، وتقدّم.","vol":"5","page":151},{"text":"من أحد من أوليائها إِسقاط حَقّه\".\nوعن أبي حاتم المُزَنِيِّ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إِذا جاءكم من ترضون دينه. وخُلُقه فأنكحوه، إِلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد، قالوا: يا رسول الله! وإن كان فيه؟ قال: إِذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه. ثلاث مرات\" (١).\nوجاء في \"الروضهَ الندية\" (٢/ ٢٠ - ٢١): \"وأعلى الصنائع المعتبرة في الكفاءة في النّكاح على الإِطلاق: العلمُ؛ لحديث: \"العلماء ورثة الأنبياء\" (٢).\nوالقرآن الكريم شاهد صدق على ما ذكرناه، فمن ذلك قوله -تعالى-: ﴿قُل هل يَسْتَوِي الذين يَعْلَمُونَ والذين لا يعلمون﴾، وقوله -تعالى-: ﴿يرفعِ الله الذيق آمنو امِنْكُم والذين أُوتُوا العلم درجات﴾، وقوله -تعالى-: ﴿شهد الله أنّه لا إِله إلاَّ هُوَ والملائِكَة وأولو العلم﴾، وغير ذلك من الآيات والأحاديث المتكاثرة، منها حديث: \"خياركم في الجاهلية خياركم في الإِسلام إِذا فقهوا\"، وقد تقدّم.\nوبالجملة؛ إِذا تقرر لك هذا، عرفتَ أن المعتبر هو الكفاءة فى الدين والخلُق، لا في النسب (٣) \". انتهى.\n_________\n(١) أخرجه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٨٦٥، ٨٦٦)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٦٠١)، وحسنه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (١٨٦٨)، و\"الصحيحة\" (١٠٢٢).\n(٢) أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه وغيرهم، وحسنه لغيره شيخنا -﵀- في \"صحيح الترغيب والترهيب\" برقم (٧٠).\n(٣) وانظر للمزيد من الفائدة -إِن شئت- ما قاله ابن القيم -﵀- من كَلامٍ قَيِّمٍ =","vol":"5","page":152},{"text":"وعن عائشة -﵂- قالت: قال رسول الله - ﷺ -: \"تخيّروا لنُطفِكم، وانكحوا الأكفاء، وانكحوا إِليهم\" (١).\nوقال شيخنا -﵀- في \"الصحيحة\" (٣/ ٥٧) عقب الحديث: \"ولكن يجب أن يُعلم أنّ الكفاءَة إِنّما هي في الدين والخُلُق فقط\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1379>المهر</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1380>حُكمه:</span>\nجعل ديننا الحنيف للمرأة مهرًا يُدفع من قِبَل الزوج وأوجبه عليه.\nجاء في \"الروضة الندية\" (٢/ ٧١): \"ودليل وجوبه: أنّه -﵌- لم يسوّغ نكاحًا بدون مهر أصلًا.\nوفي الكتاب العزيز: ﴿وآتوا النساء صَدُقاتهنَّ نِحْلَةً﴾ (٢)، وقوله: ﴿فلا تأخذوا منه شيئًا﴾ (٣)، وقال: ﴿وكيف تأخذُونَه وقد أفْضى بعْضُكُم إَلى بعض﴾ (٤) الآية، وقال -تعالى-: ﴿ولا جُنَاح عَليْكُم أنْ تنْكِحُوهُنَّ إِذا\n_________\n= في \"زاد المعاد\" (٥/ ١٥٨).\n(١) أخرجه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٦٠٢)، والحاكم وغيرهما، وانظر \"الصحيحة\" (١٠٦٧).\n(٢) النساء: ٤.\n(٣) النساء:٢٠.\n(٤) النساء:٢١.","vol":"5","page":153},{"text":"آتَيتُمُوهُنَّ أُجورَهنَّ﴾ (١) \". انتهى.\nوهذا بما استحلّ من فرجها، كما في الآية المتقدّمة.\nوقال -سبحانه-: ﴿وكيف تأخذُونَه وقد أفْضَى بعْضُكم إِلى بعض﴾.\nقال العلامة السعدي -﵀-: \"وبيان ذلك: أنّ الزوجة -قبل عقد النكاح- مُحرّمة على الزوج، ولم ترض بحلّها له إِلا بذلك المهر، الذي يدفعه لها. فإِذا دخَل بها وأفضى إِليها، وباشَرها المباشرة التي كانت حرامًا قبل ذلك [وهي الجماع]، والتي لم ترض ببذلها إِلا بذلك العِوض، فإِنه قد استوفى المُعوَّض، فثبت عليه العِوض، فكيف يستوفي المُعوَّض، ثمّ بعد ذلك يرجع في العِوض؟ هذا من أعظم الظلم والجور، وكذلك أخذ الله على الأزواج ميثاقًا غليظًا بالعقد، والقيام بحقوقها\".\nوعن ابن عمر -﵄-: أنّ رسول الله - ﷺ - قال للمتلاعِنَين: \"حسابكما على الله، أحدُكما كاذبٌ، لا سبيل لك عليها، قال: مالي؟! قال: لا مال لك، إِنْ كنت صدقتَ عليها؛ فهو بما استحللت من فرجها. وإنْ كنتَ كذبتَ عليها؛ فذاك أبعدُ لك\" (٢).\n*وهذا المهر المفروض للمرأة، كما أنه يحقق هذا المعنى، فهو يطيّب نفس المرأة ويرضيها بقوامة الرجل عليها؟ قال -تعالى-: ﴿الرِّجال قَوّامُون على النّساء بما فضَّل الله بَعْضَهُم على بَعْضٍ وبما أنْفَقوا من أمْوَالِهم﴾ (٣)، مع ما\n_________\n(١) الممتحنة: ١٠.\n(٢) أخرجه البخاري: ٥٣١٢، ومسلم: ١٤٩٣.\n(٣) النساء: ٣٤.","vol":"5","page":154},{"text":"يضاف إِلى ذلك من توثيق الصِّلات، وإِيجاد أسباب المودة والرحمة* (١).\nوقال الله -تعالى-: ﴿وآتوا النِّساء صَدُقاتِهِنَّ نحْلَة فإِنْ طبْنَ لكم عن شيء مِنْهُ نَفْسًا فكُلوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ (٢).\nأي: آتوا النساء مهورهن فريضةً مُسمّاة.\nقال ابن كثير -﵀- بعد ذِكْر عدد من أقوال السلف: \"ومضمون كلامهم: أنّ الرجل يجب عليه دفْع الصَّداق إلى المرأة حتمًا، وأن يكون طَيِّبَ النفس بذلك، كما يمنح المنيحة ويعطي النِّحلة طَيِّبًا بها، كذلك يجب أن يعطي المرأة صَداقها طيِّبًا بذلك، فإِن طابت هي له به بعد تسميته، أو عن شيء منه؛ فليأكله حلالًا طيبًّا، ولهذا قال: ﴿فإِن طِبْنَ لكم عن شيء منه نَفْسًا فكلوه هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1381>قدْر المهر:</span>\n*لم تجعل الشريعة حدًّا لقلّته ولا لكثرته، إِذ الناس يختلفون في الغنى والفقر، ويتفاوتون في السعة والضيق، ولكل جهة عاداتها وتقاليدها، فترَكت التحديد؛ ليعطي كل واحد على قدر طاقته، وحسب حالته ... وكل النصوص جاءت تشير إِلى أنّ المهر لا يشترط فيه إِلا أن يكون شيئًا له قيمة [وثمن]؛ بقطع النظر عن القلة والكثرة؛ فيجوز أن يكون خاتمًا من حديد [مبالغة في تقليله]، أو قدحًا من تمر، أو تعليمًا لكتاب الله، وما شابَه ذلك،\n_________\n(١) ما بين نجمتين عن كتاب \"فقه السنّة\" (٢/ ٤٧٨).\n(٢) النساء: ٤.","vol":"5","page":155},{"text":"إِذا تراضى عليه المتعاقدان* (١).\nوقال ابن حزم -﵀- في \"المحلّى\" (١١/ ٩٧) تحت المسألة (١٨٥١) فيما يجوز من الصَّداق.\" ... ولو أنه حبَّة بُرٍّ أو حبَّة شعير أو غير ذلك، وكذلك كل عمل حلال موصوف؛ كتعليم شيء من القرآن أو من العلم أو البناء أو الخياطة أو غير ذلك إِذا تراضيا بذلك. وورد في هذا اختلاف\".\nوقوله -تعالى-: ﴿... وآتَيتُم إِحْداهُنَّ قِنْطَارًا﴾ (٢) يدل على جواز الكثرة، وعدم تحريم ذلك.\nقال العلامة السعدى -﵀-: \"مع أنّ الأفضل واللائق؛ الاقتداء بالنّبيِّ - ﷺ - في تخفيف المهر ... لكن قد يُنهى عن كثرة الصَّداق؛ إِذا تضمّن مفسدةَ دينية، وعدم مصلحة تُقاوَم\".\nوجاء في \"الفتاوى\" (٣٢/ ١٩٢): \"السُّنّة تخفيف الصّداق وأن لا يزيد على نساء النّبيّ - ﷺ - وبناته ... \".\nوجاء في \"الروضة الندية\" (٢/ ٧٣): \"قال: في \"الحجة\": ولم يضبط النّبيّ - ﷺ - المهر بحدٍّ لا يزيد ولا ينقص؛ إِذ العادات في إِظهار الاهتمام مختلفة، والرغبات لها مراتب شتى، ولهم في المشاحَّة طبقات؛ فلا يمكن تحديده عليهم؛ كما لا يمكن أن يضبط ثمن الأشياء المرغوبة بحدٍّ مخصوص\".\nعن سهل بن سعد الساعدي يقول: \"إِني لفي القوم عند رسول الله - ﷺ -؛ إِذْ\n_________\n(١) ما بين نجمتين عن \"فقه السُّنَّة\" (٢/ ٤٧٨) بحذفٍ يسير.\n(٢) النساء: ٢٠.","vol":"5","page":156},{"text":"قامت امرأة فقالت: يا رسول الله! إِنها قد وَهَبت نفسها لك، فرَ (١) فيها رأيك، فلم يجبها شيئًا، ثم قامت فقالت: يا رسول الله! إِتها قد وَهَبت نفسها لك، فرَ فيها رأيك، فلم يُجبها شيئًا، ثمّ قامت الثالثة فقالت: إِنها قد وَهَبت لك، فرَ فيها رأيك، فقام رجلٌ فقال: يا رسول الله! أنكِحْنيها، قال: هل عندك من شيء؟ قال: لا، قال: اذهب فاطلب ولو خاتمًا من حديد، فذهب وطلب، ثمّ جاء فقال: ما وجدتُ شيئًا، ولا خاتمًا في حديد، قال: هل معك من القرآن شيء؟ قال: معي سورة كذا وسورة كذا، قال: اذهب فقد أنكحتُكها بما معك من القرآن\" (٢).\nوعن أنس قال: \"خطب أبو طلحة أم سليم، فقالت: والله ما مِثلك يا أبا طلحة! يُردّ، ولكنك رجل كافر، وأنا مسلمة، ولا يحلّ لي أن أتزوجك، فإِنْ تُسلِم فذاك مهري، وما أسألك غيره. فأسلَم؛ فكان ذلك مهرها\" (٣).\nوقد يكون المهر على العمل يُعمل؛ وجاء في تبويب \"سنن أبي داود\": (باب، في التزويج على العمل يُعمَل).\nثم ذكر حديث سهل بن سعد الساعدي - ﵁-؛ وفيه: \"هل معك من القرآن شيء؟ قال: نعم سورة كذا وسورة كذا -لسُورٍ سمّاها-، فقال له رسول الله - ﷺ -: قد زوجتُكَها بما معك من القرآن\" (٤).\n_________\n(١) فعل أمرٍ من (رأى)؛ أي: انظر.\n(٢) أخرجه البخاري: ٥١٤٩، ومسلم: ١٤٢٥.\n(٣) أخرجه النسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٣١٣٣)، وانظر تخريجه في \"أحكام الجنائز\" (ص ٣٨).\n(٤) أخرجه البخاري: ٥١٤٩، ومسلم، ١٤٢٥، وهذا لفظ أبي داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٨٥٦)، وتقدّم.","vol":"5","page":157},{"text":"و(العمل يُعمل) هنا: إِفادة زوجِهِ من السور التي يحفظها، وذلك أنّ المهر المادّي إِنما هو بما يستحلّه الرجل من فرج المرأة، فينبغي إِذًا أن نحمل المهر هنا؛ على إِفادتها من خلال تعليمه لها ما استطاع من هذه السُّور، وانتفاعها بعمله بمقتضاها -ما استطاع إِلى ذلك سبيلًا-. فليس المراد من حفظه القرآن الا ما تستفيد منه هي ليكون مهرها.\nوبذا، فيفيدنا ما جاء من تبويب في \"سنن أبي داود\" قوله: \"التزويج على العمل يُعمل\" أن يقدّم أعمالًا أو خدماتٍ معيّنة للزوجة؛ فقد يعلّمها القراءة أو الكتابة، وقد يتعهّد بعلاجها إِنْ كان مختصًا بذلك ... إِلخ. والله -تعالى- أعلم.\nمسألة: إِذا اختلف ما اتفق عليه العاقدان في السرّ والعلانية.\nجاء في \"الفتاوى\" (٣٢/ ١٩٩): \"وسئل -﵀- عن رجل تزوج امرأة وأعطاها المهر، وكُتب عليه صَداقًا ألف دينار، وشرطوا عليه أننا ما نأخذ منك شيئًا إِلا عندنا عادة وسمعة، والآن توفي الزوج، وطلبت المرأة كتابها من الورثة على التمام والكمال؟\nفأجاب: إِذا كانت الصورة ما ذُكِر؛ لم يجُز لها أن تطالب إِلا ما اتفقا عليه، وأمّا ما ذُكر على الوجه المذكور؛ فلا يحلّ لها المطالبة به، بل يجب لها ما اتفقا عليه\".\nوسألت شيخنا -﵀-: إِذا اتفق العاقدان في السرّ على المهر، ثمّ تعاقدا في العلانية بأكثر منه واختلفا؛ فبِمَ يكون الحُكم؟\nفأجابني شيخنا -﵀-: الحُكم بالمعلَن.","vol":"5","page":158},{"text":"وقال الإِمام البخاري -﵀-: (باب تزويج المعسر الذي معه القرآن والإِسلام (١».\nقال الله -تعالى-: ﴿إِنْ يَكُونوا فُقَراء يُغْنِهِم اللهُ مِنْ فَضْلِه﴾ (٢).\nوذكر حديث سهل بن سعد.\nقال الحافظ: \"قوله [أي: الإِمام البخاري]: لقوله -تعالى-: ﴿إِنْ يَكُونوا فُقَراء يُغْنِهِم اللهُ مِنْ فَضلِه﴾: هو تعليل لحُكم الترجمة، ومحصّله أن الفقر في الحال لا يمنع التزويج؛ لاحتمال حصول المال في المآل، والله أعلم\".\nوقال الإِمام البخاري (٣) -﵀-: (باب المهر بالعُروض وخاتمٍ من حديد). والعُروض ما يقابل النقد، كما قال الحافظ -﵀-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1382>فائدة:</span>\nجاء في \"السلسلة الضعيفة\" (٤): \"قد اعتاد كثير من الآباء مثل هذا الشرط [أي: أن يشترط لنفسه سوى المهر]، وأنا وإنْ كنتُ لا أستحضر الآن ما يدلّ على تحريمه، ولكني أرى -والعلم عند الله تعالى- أنه لا يخلو من شيء، فقد\n_________\n(١) انظر \"صحيح البخاري\" (كتاب النكاح) (باب - ٦)، وذكر الإِمام البخاري -﵀- الآية في (باب - ١٤).\n(٢) النّور: ٣٢.\n(٣) انظر \"صحيح البخاري\" (كتاب النكاح) \"باب - ٥١\".\n(٤) تحت الحديث الضعيف برقم (١٠٠٧): \"أيّما امرأة نُكحت على صداق أو حباء أو عدّة قبل عِصمة النكاح، فهو لها، وما كان بعد عصمة النكاح، فهو لمن أُعْطِيَهُ. وأحقُّ ما أُكْرِمَ عليه الرجل ابنتُهُ أو أختُهُ\".","vol":"5","page":159},{"text":"صحّ أن النبيّ - ﷺ - قال: \"إِنما بعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق (١) \"، ولا أظن مسلمًا سليم الفطرة، لا يرى أن مثل هذا الشرط ينافي مكارم الأخلاق، كيف لا؟! وكثيرًا ما يكون سببًا للمتاجرة بالمرأة إِلى أن يحظى الأب أو الولي بالشرط الأوفر، والحظ الأكبر، وإلا أعضلها! وهذا لا يجوز؛ لنهي القرآن عنه\" (٢). انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1383>النهي عن المغالاة في المهور:</span>\nعن عائشة -﵂- قالت: قال رسول الله - ﷺ -: \"إِنّ مِن يمُن (٣) المرأة تيسير خِطبتها، وتيسير صَداقها، وتيسير رحمها\". قال عروة: يعني: \"تيسير رحمها للولادة\". قال عروة: \"وأنا أقول مِن عندي: مِن أوّل شُؤمها: أن يكثر صَداقها\" (٤).\nوعن أنس: \"أنّ رسول الله - ﷺ - رأى عبد الرحمن بن عوف وعليه وَضَرٌ (٥) من\n_________\n(١) أخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\"، وأحمد، والحاكم وغيرهم، وصححه شيخنا -﵀- في \"الصحيحة\" (٤٥).\n(٢) وانظر -إِن شئت- ما قاله الإِمام ابن حزم -﵀- في \"المحلّى\" (١١/ ١٢٧) تحت المسألة (١٨٥٥)\n(٣) اليُمْنُ؛ أي: البركة، وضدّه الشُّؤم. \"النهاية\".\n(٤) أخرجه أحمد وغيره، وحسّنه شيخنا -﵀- في \"الإرواء\" تحت (١٩٢٨)، وكان شيخنا -﵀- قد تردد في أسامة بن زيد؛ أهو الليثي أم العدوى؟! وفي التحقيق الثاني \"للإرواء\" (٦/ ٣٥٠) قال -﵀-: \"ثم رأيت ما يرجّح أنه الليثي، وهو قول السخاوي في \"المقاصد\" (ص ٤٠٤)، وسنده جيّد\".\n(٥) الوضر: لطخ من خلوق، أو طيب له لون، وذلك من فعل العروس إِذا دخل على زوجته، والوضر: الأثر من غير الطيب. \"النهاية\".","vol":"5","page":160},{"text":"صُفرةٍ، فقال النّبيّ - ﷺ -: مَهْيَمْ (١)؟! فقال: يا رسول الله! تزوجت امرأة من الأنصار، قال: ما سُقت إِليها؟ قال: وزن نواة (٢) من ذهب، قال: أوْلِمْ ولو بشاة\" (٣).\nوعن أبي سلمة قال: \"سألت عائشة: كم كان صَداق رسول الله - ﷺ -؟ قالت: كان صَداقه لأزواجه ثنتي عشرة أُوقية ونشًّا. قالت: أتدري ما النشُّ؟ قال: قلت: لا. قالت: نصف أوقية (٤) \" (٥).\nوعن أبي العجفاء السلمي، قال: \"خطَبنا عمر فقال: ألا لا تغالوا بصُدُق النساء، فإِنها لو كانت مَكرُمة في الدنيا، أو تقوى عند الله، لكان أولاكم بها النّبيّ - ﷺ -، ما أصدق رسول الله - ﷺ - امرأة من نسائه، ولا أُصْدِقت امرأة من بناته أكثر من ثنتي عشرة أوقية\" (٦).\nوعن عقبة بن عامر -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"خير النكاح أيسره\" (٧).\n_________\n(١) أي: ما أمْرُك وشأنك؟ \"النهاية\".\n(٢) جاء في \"النهاية\": \"النواة: اسم لخمسة دراهم، كما قيل للأربعين: أوقية وللعشرين: نشٌّ ... والنواة في الأصل: عجمة التمرة\".\n(٣) أخرجه البخاري: ٢٠٤٩، ومسلم: ١٤٢٧.\n(٤) النَّشّ: نصف الأوقية، وهو عشرون درهمًا، والأوقية: أربعون، فيكون الجميع خمسمائة درهم. \"النهاية\".\n(٥) أخرجه مسلم: ١٤٢٦.\n(٦) أخرجه أحمد وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٨٥٢)، والنسائي، والترمذي وصححه، وغيرهم، وصححه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (١٩٢٧).\n(٧) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٨٥٩)، وابن حبان، والحاكم =","vol":"5","page":161},{"text":"وعن أبي هريرة -﵁- قال: \"جاء رجل إِلى النّبيّ - ﷺ - فقال: إِنّي تزوّجتُ امرأةً من الأنصار، فقال له النّبيّ - ﷺ -: هل نظرت إِليها؟ فإِنّ في عيون الأنصار شيئًا، قال: قد نظرت إِليها، قال: على كم تزوجتها؟ قال: على أربع أواقٍ. فقال له النّبيّ - ﷺ -: على أربع أواقٍ؟ كأنّما تنحِتون الفضّة من عُرْض هذا الجبل\" (١).\nجاء في \"الفتاوى\" (٣٢/ ١٩٢ - ١٩٤): \"ويُكره للرجل أن يصدق المرأة صدقًا فيضرّ به إِنْ نَقَده، ويعجز عن وفائه إِنْ كان دينًا. قال أبو هريرة -﵁-: جاء رجل إِلى النّبيّ - ﷺ - فقال: إِني تزوجت امرأة من الأنصار. فقال - ﷺ -: على كم تزوّجتها؟ قال: على أربع أواقٍ. فقال له النّبيّ - ﷺ -: على أربع أوَاقٍ؟ فكأنما تنحتون الفضة من عُرْض هذا الجبل! ما عندنا ما نعطيك؛ ولكن عسى أن نبعثك في بعْث تصيب منه! قال: فبعث بعثًا إِلى بني عبس، بعث ذلك الرجل فيهم. رواه مسلم في \"صحيحه\" (٢). والأوقية عندهم: أربعون درهمًا، وهي مجموع الصَّداق، ليس فيه مقدم ومؤخر.\nوعن أبي عمرو الأسلمي: أنه أتى النّبيّ - ﷺ - يستعينه في مهر امرأة، فقال: كم أمهرتها؟ فقال: مائتي درهم. فقال: لو كنتم تغرفون من بطحان ما زدتم (٣).\n_________\n= وغيرهم، وصححه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (١٩٢٤).\n(١) أخرجه مسلم: ١٤٢٤.\n(٢) برقم: ١٤٢٤.\n(٣) أخرجه الحاكم، وأحمد وقال الحاكم: \"صحيح الإِسناد\"، ووافقه الذهبي، وانظر \"الصحيحة\" (٢١٧٣).","vol":"5","page":162},{"text":"رواه الإِمام أحمد في \"مسنده\". وإذا أصدقها دينًا كثيرًا في ذمته وهو ينوي أن لا يعطيها إِياه؛ كان ذلك حرامًا عليه (١).\nوما يفعله بعض أهل الجفاء والخيلاء والرياء، من تكثير الهر للرياء والفخر، وهم لا يقصدون أخْذه من الزوج، وهو ينوي أن لا يعطيهم إِياه؛ فهذا منكر قبيح، مخالف للسنة، خارج عن الشريعة.\nوإِنْ قصد الزوج أن يؤديه، وهو في الغالب لا يطيقه؛ فقد حمَّل نفسه، وشغل ذمّته، وتعرّض لنقص حسناته، وارتهانه بالدَّين؛ وأهل المرأة قد آذوا صهرهم وضرّوه.\nوالمستحب في الصَّداق -مع القدرة واليسار- أن يكون جميع عاجله وآجله لا يزيد على مهر أزواج النّبيّ - ﷺ - ولا بناته، وكان ما بين أربعمائة إِلى خمسمائة بالدراهم الخالصة، نحوًا من تسعة عشر دينارًا. فهذه سُنّة رسول الله - ﷺ -. مَنْ فَعَلَ ذلك فقد استن بسنة رسول الله - ﷺ - في الصَّداق، قال أبو هريرة -﵁-: كان صَداقنا إِذ كان فينا رسول الله - ﷺ - عشر أواق، وطبق بيديه، وذلك أربعمائة درهم. رواه الإِمام أحمد في \"مسنده\"، وهذا لفظ أبي داود في \"سننه\" (٢).\nوقال أبو سلمة: سألْت عائشة: كم كان صَداق رسول الله - ﷺ -؟ قالت: كان\n_________\n(١) وفي الحديث: \"مَنْ تزوَّج امرأة على صَدَاق؛ وهو ينوي أنْ لا يُؤدِّيه إِليها، فهو زانٍ\" أخرجه البزّار وغيره وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١٨٠٦ - ١٨٠٧).\n(٢) وهو في سنن النسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٣١٤٠) ولفظه: \"كان الصَّداق إِذ كان فينا رسول الله - ﷺ - عشر أواق\".","vol":"5","page":163},{"text":"صَداقه لأزواجه ثنتي عشرة أوقية ونشًا. قالت: أتدري ما النشّ؟ قال: قلت: لا. قالت: نصف أوقية: فتلك خمسمائة درهم. رواه مسلم (١) في \"صحيحه\". وقد تقدّم عن عمر أن صَداق بنات رسول الله - ﷺ - كان نحوًا من ذلك. فمن دعته نفسه إلى أن يزيد صَداق ابنته على صَداق بنات رسول الله - ﷺ - اللواتي هن خير خلق الله في كل فضيلة، وهنّ أفضل نساء العالمين في كل صفة: فهو جاهل أحمق. وكذلك صَداق أمهات المؤمنين، وهذا مع القدرة واليَسار. فأمّا الفقير ونحوه فلا ينبغي له أن يصدق المرأة إِلا ما يقدر على وفائه من غير مشقة.\nوالأولى فعجيل الصَّداق كله للمرأة قبل الدخول إِذا أمكن، فإِنْ قدّم البعض وأخّر البعض: فهو جائز، وقد كان السلف الصالح الطيب يرخصون الصَّداق. فتزوّج عبد الرحمن بن عوف في عهد رسول الله - ﷺ - على وزن نواة من ذهب. قالوا: وزنها ثلاثة دراهم وثلث. وزوّج سعيد بن المسيب بنته على درهمين، وهي من أفضل أَيِّمِ من قريش، بعد أن خطبها الخليفة لابنه، فأبى أن يزوجها به، والذي نُقل عن بعض السلف من تكثير صَداق النّساء؛ فإِنما كان ذلك لأن المال اتسع عليهم، وكانوا يعجلون الصَّداق كلّه قبل الدخول؛ لم يكونوا يؤخرون منه شيئًا. ومن كان له يَسار ووجد، فأحب أن يعطي امرأته صَداقًا كثيرًا؛ فلا بأس بذلك، كما قال -تعالى-: ﴿وآتيتم إِحداهنّ قِنْطارًا فلا تأخذوا منه شيئًا﴾ (٢). أمّا من يشغل ذمّته بصَداق لا يريد أن يؤديه، أو يعجز عن وفائه، فهذا مكروه، كما تقدّم. وكذلك من جعل في ذمّته صَداقًا كثيرًا\n_________\n(١) برقم: ١٤٢٦.\n(٢) النساء: ٢٠.","vol":"5","page":164},{"text":"من غير وفاء له: فهذا ليس بمسنون. والله أعلم\".\nوليُعلم أنّ ابتعاد الناس عن هذه النصوص والعمل بمقتضاها؛ قد أدّى إِلى العزوف عن الزواج، أو أنه جرّ أزمات اقتصادية للأُسر بعد الزواج، وأضحى الفُحش أقرب من النكاح الحلال عند عددٍ من الشباب والشابّات.\nفلنحذر من مظهريات النكاح، والمغالاة في المهور التي تقتُل العفّة والطُّهر، وتعسّر الحلال، وتيسّر الحرام، وتستجلب الهموم والكُربات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1384>إِثقال الصَّداق يجعل العداوة في نفس الزوج:</span>\nعن أبي العجفاء السُلمي قال: قال عمر بن الخطاب: \"لا تغالوا صَداق النساء، فإِنها لو كانت مكرمة في الدنيا، أو تقوى عند الله، كان أولاكم وأحقّكم بها محمد - ﷺ -، ما أَصدق امرأة من نسائه، ولا أُصْدِقت امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية، وإنّ الرجل ليثقل صدقة امرأته حتى يكون لها عداوة في نفسه، ويقول: قد كَلِفتُ إليك علَقَ القِربة -أو عَرَق القربة (١) -. وكنت رجلًا عربيًا مولَّدًا (٢)، ما أدري ما عَلَق القِرية -أو عَرَق القِربة-؟ \" (٣).\n_________\n(١) عَلَق القربة أو عَرَق القربة؛ أي: تحملت لأجلك كل شيء حتى عَلق القربة، وهو حبلها الذى تُعلّق به.\nوعَرَق القربة؛ أي: تكلفت إِليك وتعِبت، حتى عرقِتُ كَعَرق القِربة، وعرقها: سيلان مائها. \"النهاية\".\n(٢) هو الذي ولد بين العرب، ونشأ مع أولادهم وتأدّب بآدابهم. وقال الجوهري: رجلٌ مُولَّدٌ: إِذا كان عربيًا غير محض، وانظر \"النهاية\".\n(٣) أخرجه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٥٣٢)، وأبو داود \"صحيح سنن =","vol":"5","page":165},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1385>هل يدخل على زوجه إِذا لم يُمْهِرْهَا </span>(١)؟\nعن ابن عباس -﵄- قال: \"لمّا تزوج عليّ فاطمة، قال له رسول الله - ﷺ -: أعطها شيئًا، قال: ما عندي شيء، قال: أين درعك الحُطميّة؟ \" (٢).\nوجاء في تبويب \"سنن أبي داود\" قبل هذا الحديث: (باب في الرجل يدخل بامرأته قبل أن ينقدها).\nوجاء في تبويب \"سنن النسائي\" تحت (باب نِحْلة الخلوة) بلفظ: \" ... أنّ عليًا قال: تزوّجْتُ فاطمة -﵂- فقلتُ: يا رسول الله! ابْنِ بي. قال: أعطها شيئًا ... \" (٣).\nقال ابن حزم -﵀-: \"*ومن تزوج، فسمّى صَداقًا أو لم يُسمّ، فله الدخول بها؛ أحبَّت أم كرهت، ويقضى لها بما سمّى لها؛ أحبّ أم كره، ولا يُمْنَعُ من أجل ذلك من الدخول بها، لكن يُقضى له عاجلًا بالدخول، ويقضى لها عليه، حسب ما يوجد عنده من الصَّداق، فإِن كان لم يُسم لها شيئًا، قضي عليه بمهر مِثلها، إِلا أن يتراضيا؛ بأكثر أو بأقل\".\nقال ابن المنذر -﵀-: \"أجمع كل من يُحْفَظُ عنه من أهل العلم، أن للمرأة أن تمتنع من دخول الزوج عليها، حتى يعطيها مهرها\".\n_________\n= أبي داود\" (١٨٥٢)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٨٨٩)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٣١٤١) وغيرهم، وانظر \"الإِرواء\" (١٩٢٧).\n(١) هذا العنوان وكذا الثلاثة الآتية بعده بينها تداخُل؛ رأيتُ إِبقاءَها للمزيد من الفائدة والتفصيل.\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح أبي داود\" (١٨٦٥)، والنسائي \"صحيح النسائي\" (٣١٦١).\n(٣) \"صحيح سنن النسائي\" (٣١٦٠).","vol":"5","page":166},{"text":"وقد ناقش صاحب \"المحلّى\" هذا الرأي، فقال: \"لا خلاف بين أحد من المسلمين في أنه من حين يعقد الزواج؛ فإِنها زوجة له، فهو حلال لها، وهي حلال له، فمن منَعَها منه، حتى يعطيها الصَّداق أو غيره، فقد حال بينه وبين امرأته، بلا نصٍّ من الله -تعالى- ولا من رسوله - ﷺ -، لكن الحق ما قلنا: ألا يمنع حقّه منها، ولا تمنع هي حقّها من صَداقها، لكن يطلق الدخول عليها؛ أحبَّت أم كَرِهت، ويُؤخَذ مما يوجد له صَداقها؛ أحب أم كره، وصح عن النّبيّ - ﷺ - تصويب قول القائل: \"أعط كلّ ذي حقٍّ حقّه\" (١) * (٢).\nوسألتُ شيخنا -﵀-: هل يتحقّق النكاح بالوليّ والشاهدين؛ وبه تستحلّ الفروج، أم أنّ للمهر علاقة؟\nفأجاب -﵀-: \"ليس له علاقة، فيمكن أن يبني بزوجته؛ بالشرطين المذكورين في الحديث، وأن يؤخّر المهر لها؛ دون الاتفاق على كميّة المهر، وإِذا اختلفوا، فهو مُكلّف شرعًا بأن يدفع لها مهر المِثل -أي: مثيلاتها من نساء قبيلتها-: سنّها، ثيّب، بِكر، قبيحة، جميلة، ويمكن في صورة نادرةٍ جدًّا؛ أن يجعل مهرها تعليمها القرآن، بل ثبتَ أن أمّ سليم قد جعلَت مهر أبي طلحة -﵄- إِسلامه، فأسلم، وكان مهرَ زوجه\".\nثمّ قرأْتُ ما جاء في \"السيل الجرّار\" (٢/ ٢٧٦) وهو قوله: \" ... أقول: لم يَرِدْ ما يدلّ على أنّ المهر شرطٌ مِن شروط العقد أو رُكن من أركانه. وأمّا قوله\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٩٦٨.\n(٢) انظر \"المحلى\" (١١/ ٨٧ - ٩١) وذكره السيد سابق -﵀- في \"فقه السنة\" (٢/ ٤٨٣ - ٤٨٤).","vol":"5","page":167},{"text":"-سبحانه-: ﴿ولا جُناح عليكم أن تنكحُوهنّ إِذا آتيتموهنّ أجورهنّ﴾ (١)،\nفالمراد أنّ المهر واجب للمنكوحة لا يجوز مَطْلُهَا منه، ولو كان العقد لا يصحّ إِلا بالمهر؛ لم يقل الله -﷿-: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهنّ أو تفرضوا لهنّ فريضة﴾ (٢)؛ فإِنّ هذه الآَية تفيد أنّ العقد قد يقع قبل فرض المهر\".\nثمّ ذكَر بعض الأدلّة على ذلك.\nوقال شيخ الإِسلام -﵀- في \"الفتاوى\" (٣٢/ ٢٠٧): \"إِذا خلا الرجل بالمرأة، فمنعته نفسها من الوطء ولم يطأها؛ لم يستقر مهرها في مذهب الإِمام أحمد -الذي ذكره أصحابه: كالقاضي أبي يعلى، وأبي البركات، وغيرهما-، وغيره من الأئمة: مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وإذا اعترفت بأنها لم تمكّنه من وطئها؛ لم يستقر مهرها باتفاقهم.\nولا يجب لها عليه نفقة ما دامت كذلك باتفاقهم، وإِذا كانت مبغضة له مختارة سواه؛ فإِنها تفتدي نفسها منه\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1386>ماذا إِذا دخَل بها ولم يفرض لها صَداقًا</span>؟\nعن عقبة بن عامر -﵁-: \"أنّ النّبيّ - ﷺ - قال لرجل: أترضى أن أزوجك فلانة؟ قال: نعم! وقال للمرأة: أترضين أن أزوجك فلانًا؟ قالت نعم! فزوّج أحدهما صاحبه، فدخل بها الرجل، ولم يفرض لها صَداقًا، ولم يعطها شيئًا -وكان ممن شهد الحديبية، وكان مَنْ شهد الحديبية له سهم بخيبر- فلمّا\n_________\n(١) الممتحنة: ١٠\n(٢) البقرة: ٢٣٦.","vol":"5","page":168},{"text":"حضرته الوفاة قال: إِنّ رسول الله - ﷺ - زوّجني فلانة، ولم أفرِض لها صَداقًا، ولم أُعطها شيئًا، وإني أشهدكم: أني أعطيتها من صداقها سهمي بخيبر، فأخذَت سهمًا، فباعته بمائة ألف\" (١).\nوكنت قد سألت شيخنا -﵀- في موطن آخر. هل يمكن الدخول بدون مهر ثمّ يدفع؟ فقال -﵀-: نعم؛ يدفع لها مهر مَثِيلاتها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1387>الزواج بغير ذِكر المهر:</span>\nيجب الاتفاق على المهر للأحاديث المتقدّمة -قلّ أو كثُر-، ولكن إذا وقَع الزواج بغير ذكر المهر صحّ، قال الله -تعالى-: ﴿لا جُناح إنْ طَلَّقْتُم النّساءَ ما لم تَمَسّوهُنَّ أو تَفْرِضُوا لهُنَّ فريضة﴾ (٢).\nوإِذا دخَل بها الزوج، أو تُوفّي قبل ذلك؛ فإِن للزوجة مهرَ المِثل والميراث.\nعن ابن مسعود -﵁-: \"أنه سئل عن امرأة تزوجها رجل، ولم يفرض لها صَداقًا، ولم يدخل بها حتى مات؟ فقال ابن مسعود: لها صَداق نسائها؛ لا وكس (٣) ولا شطط (٤)، وعليها العدة، ولها الميراث. فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال: قضى رسول الله - ﷺ - في بروَع (٥) بنت واشق -أمرأة لنا-\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٨٥٩)، وانظر \"الإِرواء\" (١٩٢٤)، وتقدّم.\n(٢) البقرة: ٢٣٦.\n(٣) الوكس: النقص.\n(٤) الشطط: الجور.\n(٥) انظر ضبطها في \"أسد الغابة\" (٧/ ٣٥٦) برقم (٦٧٧٢).","vol":"5","page":169},{"text":"مثل ما قضيت\" (١).\nوفي رواية: \"أنه أتاه (٢) قوم فقالوا: إِنّ رجلًا منّا تزوج امرأة، ولم يفرض لها صَداقًا، ولم يجمعها إِليه، حتى مات؟ فقال عبد الله: ما سئلت -منذ فارقت رسول الله - ﷺ -- أشد علي من هذه! فأْتوا غيري، فاختلفوا إِليه فيها شهرًا، ثم قالوا له في آخر ذلك: من نسأل إِن لم نسألك؟! وأنت من جلة أصحاب محمد - ﷺ - بهذا البلد، ولا نجد غيرك؟ قال: سأقول فيها بجهد رأيي، فإِنْ كان صوابًا، فمن الله وحده لا شريك له، وإِن كان خطأً، فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، أرى أن أجعل لها صَداق نسائها، لا وكس ولا شطط، ولها الميراث، وعليها العدة أربعة أشهر وعشرًا، قال: وذلك بسمْع أُناسٍ من أشجع، فقاموا فقالوا: نشهد أنك قضيت بما قضى به رسول الله - ﷺ - في امرأة منّا -يقال لها: بروع بنت واشق-. قال: فما رُئي عبد الله فرح فرحته يومئذ إِلا بإِسلامه\".\nوفي رواية: \"وذلك بحضرة ناس من أشجع، فقام رجل -يقال له: معقل بن سنان الأشجعي- فقال: أشهد أنك قضيت بمِثل الذي قضى به رسول الله - ﷺ -، في امرأة منا -يقال لها: بْروَع بنت واشق-، فما رُئي عبد الله فرح بشيء بعد الإِسلام كفرحه بهذه القصة\" (٣).\nجاء في \"سُبُل السلام\" (٣/ ٢٨٩): \"والحديث دليل على أنّ المرأة\n_________\n(١) أخرجه أبو داود، والترمذي، وصححه شيخنا -﵀ في \"الإِرواء\" (١٩٣٩).\n(٢) أي: عبد الله بن مسعود -﵁-.\n(٣) أخرجه النسائي والسياق له، وابن حبان والرواية الأخرى له، والحاكم وغيرهم، وصححه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٦/ ٣٥٨).","vol":"5","page":170},{"text":"تستحق كمال المهر بالموت، وإن لم يُسَمِّ لها الزّوج ولا دخل بها، وتستحق مهر مِثلها\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1388>فيمن تزوّج ولم يُسمِّ صداقًا حتى مات </span>(١):\nفيه الحديث المتقدّم عن عبد الله، في رجل تزوّج امرأة فمات عنها، ولم يدخل بها، ولم يفرض لها الصَّداق، فقال: لها الصَّداق كاملًا، وعليها العدة، ولها الميراث. فقال معقل بن سنان: سمعت رسول الله - ﷺ - قضى به في بَرْوَعَ بنت واشق (٢).\nوجاء في \"السيل الجرّار\" (٢/ ٢٨٠): \"فيه دليل على ثبوت المهر بالموت بطريق الأولى؛ لأنّه إِذا ثبت مع عدم التسمية؛ يثبت معها بفحوى الخطاب، فهذا الحديث يكفي في الاستدلال به على أن الموت يجب به المهر والميراث\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1389>مهر المِثل:</span>\n*مهر المِثل؛ هو المهر الذي تستحقه المرأة، مِثل مهر من يماثلها وقت العقد في السنّ، والجمال، والمال، والعقل، والدين، والبكارة، والثيوبة، والبلد، وكل ما يختلف لأجله الصَّداق؛ كوجود الولد، أو عدم وجوده؛ إِذ إِن قيمة المهر للمرأة تختلف عادة باختلاف هذه الصفات، والمعتبر في المماثلة من جهة عصبتها، كأختها، وعمّتها، وبنات أعمامها.\nوقال أحمد -﵀-: \"هو معتبر بقراباتها من العصبات، وغيرهم من\n_________\n(١) هذا العنوان من سنن أبي داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢/ ٣٩٧).\n(٢) انظر تخريج الحديث الذي قبله، وانظر \"صحيح سنن أبي داود\" (١٨٥٧).","vol":"5","page":171},{"text":"ذوي أرحامها، وإِذا لم توجد امرأة من أقربائها من جهة الأب متصفة بأوصاف الزوجة، التي نريد تقدير مهر المِثل لها، كان المعتبر مهر امرأة أجنبية، من أسرة تماثل أسرة أبيها\"* (١).\nعن عروة بن الزبير: \"أنه سأل عائشة -﵂- عن قول الله -تعالى-: ﴿وإِنْ خفْتُمْ﴾ إِلى ﴿وَرُبَاعَ﴾؟ فقالت: يا ابن أختي! هي اليتيمة تكون في حَجْر وليَّها، تُشاركه في ماله، فيُعجبه مالها وجمالها، فيُريد وليُّها أن يَتَزَوَّجَها بغير أن يقسِط في صَداقها، فيُعطيها مثلَ ما يُعطيها غيره، فَنُهُوا أن ينكحوهنّ إِلا أن يُقسطوا (٢) لهنّ، ويبلغوا بهنّ أعلى سُنّتِهنّ من الصَّداق (٣)، وأُمِروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهنّ. قال عروة: قالت عائشة: ثمّ إِنَّ النّاس استفتوا رسول الله - ﷺ - بعد هذه الآية؟ فأنزل الله: ﴿ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساء﴾ إِلى قوله: ﴿وتَرْغَبُون أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾، والذي ذكر الله أنه يُتلى عليكم في الكتاب الآية الأولى التي قال فيها: ﴿وإِنْ خِفتم أن لا تُقْسِطوا في اليتامى فانكحوا ما طابَ لكم من النساء﴾، قالت عائشة: وقول الله في الآية الأخرى: ﴿وَترغبون أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾؛ يعني: هي رغبة أحدكم ليتيمته التي تكون في حَجره حين تكون قليلة المال والجمال، فنُهوا أن ينكحوا ما رغبوا في مالها من يتامى النساء إِلا بالقسط؛ من أجل رغبتهم عنهنّ\" (٤).\n_________\n(١) ما بين نجمتين عن \"فقه السّنّة\" (٢/ ٤٧٨).\n(٢) أي: يعدلوا.\n(٣) أي: أعلى عادتهنّ في مهورهن ومهور أمثالهنّ. \"شرح النووي\".\n(٤) أخرجه البخاري: ٢٤٩٤، ومسلم: ٣٠١٨.","vol":"5","page":172},{"text":"ففي قول عائشة -﵂-: \"فنُهوا أن ينكحوهنّ إِلا أن يُقسطوا لهنّ، ويبلغوا بهنّ أعلى سُنّتهنّ من الصَّداق\"؛ مراعاة مَهْر المِثل في النساء كما لا يخفى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1390>العدْل في المهور:</span>\nلحديث عروة بن الزبير السابق وفيه: \" ... فيُريد وليُّها أن يَتَزَوّجها بغير أن يقسِط في صَداقها، فيُعطيها مثل ما يُعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهنّ إِلا أن يُقسطوا لهنّ، ويبلغوا بهن أعلى سُنّتِهنّ من الصَّداق\".\nوكيف يقسط في صَداقها؟\nقد بيّنته عائشة -﵂- بقولها: \" .. فيعطيها مِثل ما يُعطيها غيره\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1391>العَدْل في صداق اليتيمة:</span>\nللنصّ السابق، وفيه قول عائشة -﵂-: \"هي اليتيمة تكون في حجر وليّها، تُشاركه في ماله، فيُعجبه مالها وجمالها، فيُريد وليُّها أن يَتَزَوّجها بغير أن يقسِط في صَداقها، فيُعطيها مثل ما يُعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهنّ إِلا أن يُقسطوا لهنّ\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1392>الرجل هو الذي يحدّد المهر:</span>\nوالرجل هو الذي يُحدّد المهر؛ لكن في ضوء ما تقدّم من توجيهات وقواعد، ويراعي مهر المِثل، ولا يُغالي في ذلك.\nوفي بعض مجالس شيخنا -﵀-: أفادنا أنّ الرجل هو الذي يحدّد","vol":"5","page":173},{"text":"ذلك، وذكر عددًا من الأدلّة؛ منها:\nحديث أنس -﵁- قال: \"سأل رسول الله - ﷺ - عبد الرحمن بن عوف -وتزوّج امرأة من الأنصار-: كم أصدقتها؟ قال: وزن نواة من ذهب\" (١).\nوذكَر ما يتعلّق بخاتمة الأمر، وعدم رفض ولي الزوجة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1393>متى يجب عليه نصف المهر</span>؟\nإِذا طلّق الرجل زوجه قبل الدخول بها، وكان قد فرَض لها قدْرًا مُعينًا؛ فإِنّه يجب عليه نصف المهر.\nقال -تعالى-: ﴿وإِنْ طَلّقتُموهنّ من قبل أن تَمَسُّوهنّ وقد فَرَضْتم لهُنّ فَريضة فَنِصفُ ما فَرَضتُم إِلا أنْ يَعْفُون (٢) أو يَعْفُوَ الذي بِيَدِه عُقْدَةُ النكاح وأنْ تَعْفوا أقْرَبُ للتَّقْوَى ولا تَنْسَوا الفَضْلَ بَيْنَكُم إِنّ اللهَ بما تَعْمَلون بصير﴾ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1394>ماذا يجب مِن المهر إِذا أغلق الباب وأرخى الستر ولم يدخل بزوجه</span>؟\nعن زرارة بن أبي أوفى -﵁- قال: \"قضى الخلفاءُ الراشدون\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٥١٦٧، ومسلم: ١٤٢٧، وتقدّم.\n(٢) قال ابن كثير -﵀-: \"وقوله: ﴿إِلا أن يعفون﴾ أي: النساء عما وجب لها على زوجها من النصف، فلا يجب لها عليه شيء.\nقال السدي، عن أبي صالح، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِلا أن يعفون﴾ قال: إِلا أن تعفو الثًيّب فتدَعَ حقّها\".\n(٣) البقرة: ٢٣٧.","vol":"5","page":174},{"text":"المهديّون؛ أنّ مَن أغلق بابًا، أو أرخى سترًا؛ فقد وجب المهر، ووجبت العدّة\" (١).\nوعن عمر -﵁- قال: \"إِذا أُجيف الباب، وأُرخيت الستور؛ فقد وجب المهر\" (٢).\nهذا؛ وقد فصّل الإمام ابن حزم -﵀- في ذلك تفصيلًا قويًّا تحت المسألة (١٨٤٦)؛ فارجع إِليه -إِن شئت-. وقال في آخر المسألة:\n\"فإِن تعلّقوا بمن جاء ذلك عنه من الصحابة -﵃-؛ فلا حُجّة في أحد دون رسول الله - ﷺ -.\nوقد اختلفوا كما ذَكَرْنا (٣)؛ فوجَب الردّ عند التنازُع إِلى القرآن والسُّنّة\".\nجاء في \"السيل الجرّار\" (٢/ ٢٨١): \" ... وأمّا الخلوة فلم يكن في المقام ما ينتهض للاحتجاج به، ولم يصحّ من المرفوع ما تقوم به الحُجّة ...\nوقد قال -﷿-: ﴿وإِنْ طَلّقتُموهنّ من قبل أن تَمَسّوهنّ وقد فَرَضْتُم لهُنّ فَريضة فَنِصفُ ما فَرَضتُم﴾، فإِن كان المراد بالمس الجماع؛ فظاهره أنَّ الخلوة ليست بجماع، وإِن كان المس أعمّ من الجماع، وهو وضع عضو منه على عضو منها؛ فليست الخلوة المجردة مَسًّا؛ وإن أرخى عليها مائة ستر، ونظر إِليها\n_________\n(١) أخرجه الإِمام أحمد وغيره، وصححه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (١٩٣٧).\n(٢) أخرجه الدارقطني بإِسناد صحيح، وانظر \"الإِرواء\" (٦/ ٣٥٧).\n(٣) وكان قد ذَكر -﵀- آثارًا عديدة، بعضها في إِيجاب المهر كاملًا، وبعضها في نصفه.","vol":"5","page":175},{"text":"ألف نظرة! وإِذا عرفت هذا؛ فلا حاجة بنا إِلى التكلم على الخلوة الصحيحة والفاسدة\".\nوقال شيخنا -﵀ - في \"السلسلة الضعيفة\" بعد الحديث (١٠١٩) -بحذف-: \"من كشف خمار امرأة، ونظر إِليها، فقد وجَب الصَّداق؛ دخل بها أم لم يدخل\" (١):\n\"وجُملة القول؛ أن الحديث ضعيف مرفوعًا، صحيح موقوفًا. ولا يقال: فالموقوف شاهد للمرفوع لأنه لا يقال بمجرد الرأي؛ لأمرين:\nالأوّل: أنه مخالف لقوله -تعالى-: ﴿وإِنْ طَلّقتُمُوهنّ من قبل أن تَمَسُّوهنّ وقد فَرَضْتُم لهُنّ فَريضة فَنِصفُ ما فَرَضتم ..﴾ (٢)؛ فهي بإِطلاقها تشمل التي خلا بها. وما أحسن ما قال شريح: \"لم أسمع الله -تعالى- ذكر في كتابه بابًا ولا سترًا، إذا زعم أنه لم يمسها فلها نصف الصَّداق\" (٣).\nالثاني: أنه قد صح خلافه موقوفًا، فروى الشافعي (٢/ ٣٢٥): ... عن ابن عباس -﵄-: \"أنه قال في الرجل يتزوج المرأة، فيخلو بها ولا يمسها، ثمّ يطلّقها: ليس لها إِلا نصف الصَّداق؛ لأن الله يقول: ﴿وإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنّ وَقَدْ فرَضْتُم لَهُنَّ فَرِيضَة﴾. ومن طريق\n_________\n(١) أخرجه الدارقطني؛ وفيه علّة الإِرسال، وضَعْف ابن لهيعة، وانظر \"الضعيفة\" (١٠١٩).\n(٢) البقرة: ٢٣٧.\n(٣) \"تفسير القرطبي\" (٣/ ٢٠٥)، وهو عند البيهقي بسند صحيح عنه نحوه. قاله شيخنا -﵀-.","vol":"5","page":176},{"text":"الشافعي رواه البيهقي (٧/ ٢٥٤).\nقلت: وهذا سند ضعيف، لكن قد جاء من طريق أخرى عن طاوس، أخرجه البيهقي من طريق سعيد بن منصور: ثنا هُشيم: أنبأ الليث عن طاوس عن ابن عباس: \"أنه كان يقول في الرجل أُدخلت عليه امرأته، ثمّ طلقها، فزعم أنه لم يمسها، قال. عليه نصف الصَّداق\".\nقلت: وهذا سند صحيح، فبه يتقوّى السند الذي قبله، والآتي بعده عن علي بن أبي طلحة.\nثمّ أخرج البيهقي عن عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله -تعالى-: ﴿وإِن طَلَّقْتُمُوهُنّ قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنّ ..﴾ الآية: \"فهو الرجل يتزوّج المرأة، وقد سمى لها صَداقًا، ثمّ يطلقها من قبل أن يمسها، والمس الجماع، فلها نصف الصَّداق، وليس لها أكثر من ذلك.\nقلت: وهذا ضعيف منقطع، ثم روى عن الشعبي عن عبد الله بن مسعود قال: \"لها نصف الصَّداق، وإِنْ جلس بين رجليها\". وقال: \"وفيه انقطاع بين الشعبي وابن مسعود\".\nفإِذا كانت المسألة مما اختلف فيه الصحابة، فالواجب حينئذ الوجوع إِلى النص، والآية مؤيدة لما ذهب اليه ابن عباس؛ على خلاف هذا الحديث، وهو مذهب الشافعي في \"الأمّ\" (٥/ ٢١٥). وهو الحق- إِن شاء الله تعالى-\". انتهى كلام شيخنا -﵀-.\nقلت: ومِثل ذلك يُقال في أثر زرارة -﵁-؛ لأن إِيجاب العدّة إِنما","vol":"5","page":177},{"text":"هو على مَنْ دخَل، وقد قال الله -تعالى-: ﴿يا أيها الذين آمنوا إِذا نَكَحْتُم المؤمنات ثمّ طَلَّقْتمُوهُنّ مِنْ قَبْلِ أن تَمَسُّوهَنّ فَمَا لَكُم عَلَيْهنّ من عدّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ (١).\nوالراجح: أنه إِذا أَغلق الباب وأرخى الستر، ولم يدخل بزوجه؛ فلها نصف الصَّداق، ولا عدّة عليها -والله تعالى أعلم-.\nقال ابن كثير -﵀-: \" ... وتشطير الصداق -والحالة هذه- أمْر مُجمعٌ عليه بين العلماء، لا خلاف بينهم في ذلك، فإِنه متى كان قد سَمَّى لها صَداقًا ثمّ فارقَها قبل دخوله بها، فإِنه يجب لها نصف ما سمّى من الصَّداق، إِلا أن عند الثلاثة أنه يجب جميع الصَّداق إِذا خلا بها الزوج، وإن لم يدخل بها ... \" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1395>فوائد متفرِّقة:</span>\n*جاء في \"الفتاوى\" (٣٢/ ١٩٧): \"وسئل -رحمه الله تعالى- عن رجل اعتقلته زوجته عند الحاكم على الصَّداق مدة شهرين، ولم يوجد له موجود: فهل يجوز للحاكم أن يبقيه أو يُطْلِقه؟\nفأجاب: إِذا لم يُعرَف له مال؛ حلّفه الحاكم على إِعساره وأطلقه، ولم يجز حبسه وتكليفه البينة والحالة هذه في المذاهب الأربعة\".\n*وسألتُ شيخنا -﵀-: هل يسقط المهر إِذا فُسخ العقد لإِعسار الرجل أو لعيبٍ فيه؟!\nفأجاب -﵀-: إِذا بنى أو دخَل؛ فهو حقٌّ لها.\n_________\n(١) الأحزاب: ٤٩.\n(٢) انظر -إِن شئت- تتمّة الكلام عن الإِمام الشافعي -﵀-.","vol":"5","page":178},{"text":"* وسألت شيخنا -﵀-: إِذا ارتدّت المرأة عن الإِسلام، فهل يسقط المهر عن الرجل قبل الدخول؟\nفأجاب -﵀-: لا يسقط حقّها؛ لأنّ حقّها تحقّق بمجرّد العقد، وكان العقد مشروعًا، والحقّ يبقى في ذمّته.\nقلت: وبعد الدخول؛ هل هو من باب أولى؟\nفأجاب -﵀-: نعم.\n* وسألت شيخنا -﵀-: إِذا اكتشف الرجل عيبًا بالمرأة؛ يمنَعه من الاستمتاع؛ فهل له أخْذ ما أعطاها من الصّداق؟\nفأجاب -﵀-: إِذا جامعها لا، وإذا لم يجامعها، فله ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1396>الإِمهار عن غيره:</span>\nعن أمّ حبيبة: \"أنها كانت تحت عبيد الله بن جحش، فمات بأرض الحبشة، فزوجها النجاشي النّبيّ - ﷺ -، وأمهرها عنه أربعة آلاف، وبعث بها إلى رسول الله - ﷺ - مع شرحبيل ابن حسنة\".\nقال أبو داود: \"حسنةُ هي أمّه\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1397>الرجل هو الذي يُعدّ البيت ويؤثثه ويجهّزه:</span>\nلا شكّ أنّ *المسؤول عن إِعداد البيت إِعدادًا شرعيًا، وتجهيز كل ما يحتاج له من الأثاث، والفرش، والأدوات: هو الزوج. والزوجة لا تسأل عن شيء من ذلك، مهما كان مهرها ... لأنّ المهر إِنما تستحقه الزوجة في مقابل الاستمتاع\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٨٥٣).","vol":"5","page":179},{"text":"بها، لا من أجل إِعداد الجهاز لبيت الزوجية، فالمهر حقٌّ خالصٌ لها. ليس لأبيها، ولا لزوجها، ولا لأحد حقّ فيه* (١).\nوقد قال الله -تعالى-: ﴿الرِّجال قَوّامون على النِّساء بمَا فَضَّل الله بَعضهم على بعض وبِما أنْفَقُوا مِن أمْوَالِهم﴾ (٢).\nقال ابن كثير -رحمه الله تعالى-: \" ﴿وبمَا أنفقوا من أمْوَالِهِم﴾؛ أي: من المهور والنفقات والكُلَف التي أوجبها الله عليهم لهنّ في كتابه وسنة نبيه - ﷺ -\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1398>النفقة</span>\nالمراد بالنفقة: الشيء الذي يبذله الإِنسان؛ فيما يحتاجه هو أو غيره؛ من الطعام والشراب وغيرهما (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1399>حُكمها:</span>\nالنفقة واجبة بالكتاب والسّنّة والإِجماع.\nقال الله -تعالى-: ﴿وعلى المولود له رِزقُهنّ وكِسْوَتُهُنّ بالمعروف لا تُكلَّف نفسّ إِلا وُسْعَها﴾ (٤).\nقال ابن كثير -رحمه الله تعالى- في تفسير هذه الآية: \"أي: وعلى والد\n_________\n(١) ما بين نجمتين عن \"فقه السنة\" (٢/ ٤٩٠) -بحذف-.\n(٢) النساء: ٣٤.\n(٣) \"سبل السلام\" (٣/ ٤١٤).\n(٤) البقرة: ٢٣٣.","vol":"5","page":180},{"text":"الطفل نفقة الوالدات، وكسوتهنّ بالمعروف، أي: بما جرت به عادة أمثالهنّ في بلدهنّ؛ من غير إِسراف ولا إِقتار، بحسب قدرته في يساره وتوسطه وإقتاره، كما قال -تعالى-: ﴿لينفق ذُو سَعَة من سَعَته ومن قُدرَ عليه رِزْقُهُ فَلْيُنْفِق ممَّا آتاه الله لا يُكَلّفُ الله نفسًا إِلا ما آتاها سَيَجْعَل الله بعد عُسْرٍ يُسْرًا﴾ (١). قال الضحاك: إِذا طلّق الرجل زوجته وله منها ولد، فأرضعت له ولده، وجب على الوالد نفقتها وكسوتها بالمعروف.\nوقال -﷾-: ﴿أسكنوهنّ من حيث سَكَنْتُم من وُجْدِكم ولا تُضارُّوهنّ لتضيِّقوا عليهنّ وإِن كُنَّ أُولاتِ حملٍ فأنفقوا عليهنّ حتى يضعن حملهنّ فإِن أرضعن لكم فآتوهنّ أجورهن وأْتَمِرُوا بينكم بمعروف وإِن تعاسرتم فَسَتُرْضِعُ له أخرى﴾ (٢).\n*وقوله -سبحانه-: ﴿أسكنوهنّ من حيثُ سكنتم﴾، أَي: عندكم.\nوقوله -تعالى-: ﴿مِن وُجْدِكُم﴾، قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: يعني سعتكم. حتى قال قتادة. إِن لم تَجِد إِلا جنب بيتك فأسكِنها فيه* (٣).\nوعن جابر -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ - في حَجَّة الوداع: \"اتقوا الله في النساء، فإِنكم أخذتموهنّ بأمان الله، واستحللتم فروجهنِّ بكلمة الله، ولكم عليهنّ أن لا يوطئن فُرُشَكم أحدًا تكرهونه، فإِن فَعَلْن ذلك؛ فاضربوهنّ\n_________\n(١) الطلاق: ٧.\n(٢) الطلاق: ٦.\n(٣) ما بين نجمتين من \"تفسير ابن كثير\".","vol":"5","page":181},{"text":"ضربًا غير مبرِّح (١). ولهنّ عليكم رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف\" (٢).\nوعن عائشة -﵂-: \"أنّ هندًا قالت للنّبيّ - ﷺ -: إِنّ أبا سفيان رجل شحيح؛ فأحتاج أن آخذ من ماله؟ قال - ﷺ -: خذي ما يكفيك وولدَك بالمعروف\" (٣).\nوعن معاوية القُشَيْرِي قال: \"قلت: يا رسول الله! ما حقُّ زوجة أحدِنا عليه؟ قال: أن تُطعِمَها إِذا طَعِمْت، وتَكْسُوَها إِذا اكتسيت، ولا تضربَ الوجه، ولا تُقَبِّحَ، ولا تهجرَ إِلا في البيت\" (٤).\nوعن جابر -﵁- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"ابدأ بنفسك فتصدّق عليها، فإِن فَضَل شيء فلأهلك، فإِن فَضَل عن أهلك شيء فلذي قرابتك\" (٥).\nوجاء في \"الروضة الندية\" (٢/ ٧٩): \"والواجب الأصلي هو المعاشرة بالمعروف، وبيّنها النّبيّ - ﷺ - بالرزق والكسوة وحُسن المعاملة، ولا يمكن في الشرائع المستندة إِلى الوحي أن يُعيّن جنس القوت وقدره مثلًا، فإِنه لا يكاد يتفق أهل الأرض على شيء واحد، ولذلك إِنما أمر أمرًا مطلقًا\".\nوجاء في \"السيل الجرّار\": \"ثبت الإِجماع على وجوب نفقة الزوجات على\n_________\n(١) أي: غير شاق. \"النهاية\".\n(٢) أخرجه مسلم: ١٢١٨.\n(٣) أخرجه البخاري: ٧١٨٠، ومسلم: ١٧١٤.\n(٤) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٨٧٥)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٥٠٠)، وانظر \"الإِرواء\" (٢٠٣٣).\n(٥) أخرجه مسلم: ٩٩٧.","vol":"5","page":182},{"text":"الأزواج، ولم يَرِد في ذلك خلاف\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1400>ماذا إِذا كان الزوج بخيلًا</span>؟\nللزوجة أن تطلب فرض نفقةٍ لها ولأبنائها؛ مما تحتاجه من طعام أو كِسوة أو مسكن أو نحو ذلك.\nولها حين يقصّر الزوج أن تأخذ من ماله ما يكفيها بالمعروف -من غير إِسراف ولا مخيلة-، وإن لم يعلم بذلك.\nعن عائشة -﵂-: \"أنّ هندًا قالت للنّبيّ - ﷺ -: إِنّ أبا سفيان رجل شحيح؛ فأحتاج أن آخذ من ماله؟ قال النّبيّ - ﷺ -: خذي ما يكفيك وولدَك بالمعروف\" (١).\nقال النووي -﵀- في \"شرحه\" (١٢/ ٧، ٨): \"في هذا الحديث فوائد: منها: وجوب نفقة الزوجة. ومنها: وجوب نفقة الأولاد الفقراء الصغار. ومنها: أن النفقة مقدرة بالكفاية ...\nقال أصحابنا: إِذا امتنع الأب من الإِنفاق على الولد الصغير، أو كان غائبًا؛ أذِن القاضي لأمّه في الأخذ من آل الأب، أو الاستقراض عليه والإِنفاق على الصغير؛ بشرط أهليتها. وهل لها الاستقلال بالأخذ من ماله بغير إِذْن القاضي؟ فيه وجهان مبنيان على وجهين لأصحابنا؛ في أنّ إِذْن النّبيّ - ﷺ - لهند امرأة أبي سفيان كان إِفتاءً أم قضاءً؟ والأصح أنه كان إِفتاءً، وأن هذا يجري في كل امرأة أشبهتها، فيجوز. والثاني: كان قضاءً، فلا يجوز لغيرها إِلا بإِذن القاضي. والله أعلم\".\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٧١٨٠، ومسلم: ١٧١٤، وتقدّم غير بعيد.","vol":"5","page":183},{"text":"قلت: والقول: إنه إِفتاء أصحّ. وعلى افتراض أنه كان قضاءً؛ فلا ينفي أن يكون ذلك إِفتاءً لمن احتاج إِلى الإِفتاء، وقضاءً لمن احتاج إِلى القضاء، فمقتضى الفقه أن يستفاد منه في الإِفتاء والقضاء.\nوليست كل امرأةٍ بمستطيعة أن تشكو إِلى القاضي، إذ ربما يؤدي ذلك إِلى مفاسد أخرى، والله -تعالى- أعلم.\nويُشترط الرُشد في المرأة؛ لأخْذ النفقة من الزوج بغير علمه، قال الله -تعالى-: ﴿ولا تُؤتوا السفهاء أموالكم﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1401>نفقة زوجة الغائب:</span>\nوإذا غاب الرجال عن النّساء؛ لم تسقط عنهم النفقة.\nفعن ابن عمر أنّ عمر بن الخطاب -﵄-: \"كتب إِلى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم يأمرهم أن ينفقوا أو يُطلّقوا، فإِنْ طلّقوا بعثوا بنفقة ما مضى\". قال ابن المنذر: ثبت ذلك عن عمر (٢).\nجاء قي \"السيل الجرّار\" (٢/ ٢٥٦): \"أقول: قد أمَر الله -سبحانه- بإِحسان عِشرة - ﷺ - زوجات فقال: ﴿وعاشِرُوهُنّ بِالمَعْرُوف﴾ (٣)، ونهى عن إِمساكهن ضرارًا فقال: ﴿ولا تمسكوهنّ ضرارًا﴾ (٤)، وأمَر بالإِمساك بالمعروف أو\n_________\n(١) النساء: ٥.\n(٢) أخرجه الشافعي، وعنه البيهقي، وصححه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٢١٥٩).\n(٣) النساء: ١٩.\n(٤) البقرة: ٢٣١.","vol":"5","page":184},{"text":"التسريح بإِحسان فقال: ﴿فإِمساك بمعروف أو تسريح بإِحسان﴾ (١)، ونهى عن مضارتهن فقال: ﴿ولا تُضَاروُّهنّ﴾ (٢). فالغائب إِن حصل مع زوجته التضرّر بغيبته جاز لها أن ترفع أمرها إِلى حُكّام الشريعة، وعليهم أن يخلِّصوها من هذا الضرار البالغ. هذا على تقدير أنّ الغائب تَرَك لها ما يقوم بنفقتها، وأنها لم تتضرر من هذه الحيثية، بل من حيثية كونها لا مزوجة ولا أيمّة. أمّا إِذا كانت متضررة بعدم وجود ما تستنفقه مما تركه الغائب؛ فالفسخ بذلك على انفراده جائز ولو كان حاضرًا؛ فضلًا عن أن يكون غائبًا، وهذه الآيات التي ذكَرناها وغيرها تدل على ذلك.\nفإِن قلت: هل تعتبر مدة مقدرة في غيبة الغائب؟\nقلت: لا؛ بل مجرد حصول التضرر من المرأة مُسوِّغ للفسخ بعد الإِعذار إِلى الزوج؛ إِن كان في محلٍّ معروف، لا إِذا كان لا يعرف مستقره، فإِنه يجوز للحاكم أن يفسخ النكاح بمجرد حصول التضرر من المرأة، ولكن إِذا كان قد ترك الغائب ما يقوم بما تحتاج إِليه، ولم يكن التضرر منها إِلا لأمر غير النفقة ونحوها؛ فينبغي توقيفها مدة، يخبر مَنْ له عدالة من النساء؛ بأن المرأة تتضرر بالزيادة على تلك المدة.\nوأمّا إِذا لم يترك لها ما تحتاج إِليه؛ فالمسارعة إِلى تخليصها، وفكِّ أسْرها ودفْع الضرار عنها واجب. ثمّ إِذا تزوجت بآخر؛ فقد صارت زوجته، وإِنْ عاد الأول فلا يعود نكاحه؛ بل قد بطل بالفسخ\".\n_________\n(١) البقرة: ٢٢٩.\n(٢) الطلاق: ٦.","vol":"5","page":185},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1402>نفقة المعتدة </span>(١):\nللمعتدّة الرجعيَّة النفقة؛ لقول الله -تعالى-: ﴿أسْكِنُوهُنّ من حَيثُ سَكَنْتم مِن وُجدكم﴾ (٢) -والسياق في الطلاق الرجعي-. وكذلك للمعتدّة الحامل النفقة لقول الله -تعالى- فيهنّ: ﴿وإِن كُنّ أولات حملٍ فأنفقوا عليهنّ حتى يضعن حملهنّ﴾ (٣).\n*وهذه الآية تدلّ على أنّ وجوب النفقة للحامل؛ سواءٌ أكانت في عدّة الطلاق الرجعي أم البائن، أم كانت عدتها عدّة وفاة* (٤).\nوقد اختلف العلماء في شأن النفقة والسُّكنى إِذا لم تكن حاملًا.\nوالراجح أنه لا نفقة لها ولا سكنى. فعن الشعبي قال: \"دخلتُ على فاطمة بنت قيس، فسألتها عن قضاء رسول الله - ﷺ - عليها؟ فقالت: طلَّقها زوجها البتة، فقالت: فخاصمتُه إِلى رسول الله - ﷺ - في السكنى والنّفقة، قالت: فلم يجعل لي سكنى ولا نفقة، وأمرني أن أعتدّ في بيت ابن أم مكتوم\" (٥).\nوفي رواية: \"إِنما النفقة والسكنى للمرأة إِذا كان لزوجها عليها رجعة\" (٦).\n_________\n(١) وسيأتي التفصيل -إن شاء الله- في \"كتاب الطلاق\".\n(٢) الطلاق: ٦.\n(٣) الطلاق: ٦.\n(٤) ما بين نجمتين عن \"فقه السّنّة\" (٢/ ٥٠٥).\n(٥) أخرجه مسلم: ١٤٨٠، وأصله في البخاري: ٥٣٢٣، ٥٣٢٤.\n(٦) أخرجه النسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٣١٨٦)، وقال شيخنا -﵀- في \"الصحيحة\" (٤/ ٢٨٨): \"المطلقة ثلاثًا لا سكن لها ولا نفقة ... \". وذكَر الحديث.","vol":"5","page":186},{"text":"وعنها كذلك: أن النّبيّ - ﷺ - قال لها: \"لا نفقة لك إِلا أن تكوني حاملًا\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1403>لا تنتهك المرأة شيئًا من مالها الا بإِذن زوجها:</span>\nلقوله - ﷺ -: \"لا يجوز لامرأة عطيّةٌ في مالها إِلا بإذن زوجها\" (٢).\nولقوله - ﷺ -: \"ليس للمرأة أن تنتهك شيئًا من مالها إِلا بإِذن زوجها\" (٣).\nقال شيخنا -﵀- عقب هذا الحديث: \"وهذا الحديث -وما أشرنا إِليه ممّا في معناه- يدل على أنّ المرأة لا يجوز لها أن تتصرف بمالها الخاص بها إِلا بإِذن زوجها، وذلك من تمام القوامة التي جعلها ربنا -﵎- له عليها، ولكن لا ينبغي للزوج -إِذا كان مسلمًا صادقًا- أن يستغل هذا الحكم؛ فيتجبر على زوجته، ويمنعها من التصرف في مالها فيما لا ضير عليهما منه. وما أشبهَ هذا الحقَّ بحق وليّ البنت التي لا يجوز لها أن تُزوّج نفسها بدون إِذن وليها، فإِذا أعضلها رفعت الأمر إِلى القاضي الشرعي لينصفها، وكذلك الحكم في مال المرأة إِذا جار عليها زوجها؛ فمنعها من التصرف المشروع في مالها؛ فالقاضي ينصفها أيضًا. فلا إِشكال على الحكم نفسه، وإِنما الإِشكال في سوء التصرّف به. فتأمّل\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1404>متى يستحبّ البناء بالنساء </span>(٤)؟\nعن عروة عن عائشة -﵂- قالت: \"تزوجني رسول الله - ﷺ - في\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٠٠٥) وغيره، وانظر \"الإِرواء\" (٢١٦٠).\n(٢) أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وانظر \"الصحيحة\" (٨٢٥).\n(٣) أخرجه الطبراني، وابن عساكر وغيرهما، وانظر \"الصحيحة\" (٧٧٥).\n(٤) هذا العنوان من \"سنن ابن ماجه\".","vol":"5","page":187},{"text":"شوال، وبنى بي في شوال. فأيُّ نساء رسول الله - ﷺ - كان أحظى عنده منّي؟\nقال: وكانت عائشة تستحب أن تُدخل نساءها في شوال\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1405>موعظةُ الرّجلِ ابْنَتَهُ لِحَالِ زَوَاجها </span>(٢):\nفيه حديث ابن عباس -﵄- الطويل وفيه: \" ... فنزلتُ فدخلت [أي: عمر -﵁-] على حفصة، فقلت لها. أي حفصةُ! أتغاضِب إِحداكنّ النّبي - ﷺ - اليوم حتى الليل؟ قالت: نعم، فقلت: قد خبتِ وخسرتِ، أفتأمنين أن يغضب الله لغضب رسول الله - ﷺ - \"؛ فَتَهْلَكِي؟ لا تستكثري النَّبيّ - ﷺ -، ولا تراجعيه في شيء، ولا تهجريه، وسليني ما بدا لكِ، ولا يغرنّك أن كانت جارتك أَوْضَأَ منك، وأحبَّ إِلى النّبيّ - ﷺيريد عائشهّ-\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1406>ذهاب النّساء والصبيان إِلى العُرس </span>(٤):\nعن أنس بن مالك -﵁- قال: \"أبصر النّبي - ﷺ - نساءً وصبيانًا مُقبلين من عُرس، فقام مُمْتنًّا (٥)، فقال: اللهمّ أنتم من أحبّ النّاس إِليّ\" (٦).\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ١٤٢٣.\n(٢) هذا العنوان من \"صحيح البخاري\" (كتاب النكاح) \"باب - ٨٣\".\n(٣) أخرجه البخاري: ٥١٩١، ومسلم: ١٤٧٩.\n(٤) هذا العنوان من \"صحيح البخاري\" (كتاب النكاح) \"باب - ٧٥\".\n(٥) أي: قام قيامًا قويًّا، مأخوذ من المُنّة -بضمّ الميم- وهي القوّة؛ أي: قام إِليهم مسرعًا مشتدًا في ذلك، فرحًا بهم. \"فتح\".\n(٦) أخرجه البخاري: ٥١٨٠، ومسلم: ٢٥٠٨.","vol":"5","page":188},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1407>استعارة الثياب للعروس </span>(١):\nعن عائشة -﵂-، \"أنها استعارت من أسماء قلادة، فهلكت، فأرسل رسول الله - ﷺ - ناسًا من أصحابه في طلبها، فأدركتهم الصلاة، فصلَّوا بغير وضوء، فلما أتوا النّبيّ - ﷺ -؛ شّكَوا ذلك إِليه، فنزلت آية التيمم.\nفقال أُسيد بن حُضَير: جزاكِ الله خيرًا، فوالله ما نزل بكِ أمرٌ قطُّ إِلا جعل الله لكِ منه مخرجًا، وجعل للمسلمين فيه بركة\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1408>الهديّة للعروس </span>(٣):\nعن أنس بن مالك -﵁- قال: \"كان النبي - ﷺ - عروسًا بزينب، فقالت لي أمُّ سُليم: لو أهدَينا لرسول الله - ﷺ - هدية، فقلت لها: افعلي. فعَمَدَتْ إِلى تمر وسمن وأَقِطٍ، فاتخذت حَيْسة في بُرْمة (٤)، فأرسلت بها معي إِليه، فانطلقت بها إِليه، فقال لي: ضعها، ثمّ أمرني فقال: ادعُ لي رجالًا -سمّاهم- وادعُ من لَقِيتَ، قال: ففعلت الذي أمرني ... \" (٥).\n_________\n(١) هذا العنوان من \"صحيح البخاري\" (كتاب النكاح) \"باب - ٦٥\".\n(٢) أخرجه البخاري: ٥١٦٤، ومسلم: ٣٦٧.\n(٣) هذا العنوان من \"صحيح البخاري\" (كتاب النكاح) (باب-٦٤).\n(٤) البُرمة: قِدر من الحجارة. \"المحيط\".\n(٥) أخرجه البخاري: ٥١٦٣، ومسلم: ١٤٢٨.","vol":"5","page":189},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1409>آداب الزِّفاف </span>(١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1410>١ - ملاطفة الزوجة عند البناء بها:</span>\nيُستحبّ له إِذا دخَل على زوجته أن يلاطفها، كأنْ يقدّم إليها شيئًا من الشراب ونحوه؛ لحديث أسماء بنت يزيد بن السكن، قالت: \"إِنّي قَيَّنت (٢) عائشة لرسول الله - ﷺ -، ثمّ جئته، فدعوته لجلوتها (٣)، فجاء فجلَس إِلى جنبها، فأُتي بعُسّ (٤) لبن، فشرب، ثمّ ناوَلها النّبيّ - ﷺ -، فخفضَت رأسها واستحيت.\nقالت أسماء: فانتهرتها، وقلت لها: خذي من يد النّبيّ - ﷺ -، قالت: فأخذَت، فشربَتْ شيئًا، ثمّ قال لها النبيّ - ﷺ -: أعطي تِرْبَكِ (٥) \" (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1411>٢ - وضْعُ اليدِ على رأس الزوجة والدعاءُ لها:</span>\nوينبغي أن يضع يده على مقدّمة رأسها عند البناء بها -أو قبل ذلك-، وأن يسميَ الله -﵎-، ويدعو بالبركة، ويقول ما جاء في قوله - ﷺ -: \"إِذا تزوج أحدكم امرأة، أو اشترى خادمًا، [فليأخُذ بناصيتها] (٧)، [وليُسَمِّ الله -عزّ\n_________\n(١) عن \"آداب الزفاف\" -بتصرُّف- لشيخنا الألباني -﵀-.\n(٢) أي: زيّنْتُها لزفافها.\n(٣) أي: حتى يراها -﵊- مجلوّة؛ أي: مكشوفة.\n(٤) العُسّ: القَدح الكبير.\n(٥) التِّرب: المماثل في السنّ، وأكثر ما يُستعمَل في المؤنث. \"الوسيط\".\n(٦) أخرجه أحمد وغيره، وانظر \"آداب الزفاف\" (ص ٩٢).\n(٧) أي: مقدّم رأسها.","vol":"5","page":190},{"text":"وجلّ-]، [وليدْعُ بالبركة]، وليقل: اللهم إِني أسألك من خيرها وخير ما جَبَلتها (١) عليه، وأعوذ بك من شرّها وشرّ ما جَبلْتَها عليه\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1412>٣ - صلاة الزوجين معًا:</span>\nويُستحبّ لهما أن يُصلّيا ركعتين معًا، لأنّه منقولٌ عن السلف، وفيه أثران:\nالأول: عن أبي سعيد مولى أبي أسيد قال: \"تزوجتُ وأنا مملوك، فدعوتُ نفرًا من أصحاب النّبيّ - ﷺفيهم ابن مسعود وأبو ذرّ وحذيفة-، قال: وأقيمت الصلاة، قال: فذهب أبو ذرّ ليتقدّم، فقالوا: إِليك! قال: أوَكَذَلك؟! قالوا: نعم (٣)، قال: فتقدمت بهم وأنا عبد مملوك، وعلَّموني فقالوا: إِذا دخَل عليك أهلك؛ فصلّ ركعتين، ثمّ سل الله من خير ما دخل عليك، وتعوَّذ به من شرِّه، ثمّ شأنَك وشأنَ أهلك\" (٤).\nالثاني: عن شقيق قال: \"جاء رجل يقال له: أبو حريز، فقال: إِني تزوجتُ جارية شابّة [بكرًا]، وإني أخاف أن تَفْرَكَنِي (٥)! فقال عبد الله (يعني: ابن\n_________\n(١) أي: خَلْقتها وطبَعْتها عليه من الأخلاق. \"عون المعبود\" (٦/ ١٣٩).\n(٢) أخرجه البخاري في \"أفعال العباد\"، وأبو داود، وابن ماجه وغيرهم، وانظر \"آداب الزفاف\" (ص ٩٣).\n(٣) قال شيخنا -﵀-: \"يُشيرون بذلك إِلى أنّ الزائر لا يؤمّ المزور في بيته إِلا أن يأذَن له، لقوله - ﷺ -: \"ولا يُؤَمُّ الرجل في بيته ولا في سلطانه\". أخرجه مسلم وأبو عوانة في \"صحيحيهما\"، وهو في \"صحيح أبي داود\" (٥٩٤) \".\n(٤) أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في \"المصنف\"، وعبد الرزاق، وانظر \"آداب الزفاف\" (ص ٩٤).\n(٥) أي: تبغضني.","vol":"5","page":191},{"text":"مسعود): إِنّ الإِلْفَ من الله، والفِرْكَ من الشيطان، يريد أن يكرّه إِليكم ما أحل الله لكم؛ فإِذا أتتك فَأْمُرها أن تصلي وراءك ركعتين -زاد في رواية أخرى عن ابن مسعود-، وقل: اللهم بارِك لي في أهلي، وبارِك لهم فيَّ، اللهم اجمع بيننا ما جمعت بخير؛ وفرِّق بيننا إِذا فرَّقتَ إلى خير\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1413>٤ - ما يقول حين يجامعها:</span>\nوينبغي أن يقول حين يأتي أهله: \"بسم الله، اللهمّ جنّبنا الشيطان، وجنِّب الشيطان ما رَزَقْتَنَا\".\nعن ابن عباس -﵄- أنّ النّبيّ - ﷺ - قال: \"لو أنّ أحدكم إِذا أتى أهله قال: بسم الله، اللهمّ جنّبنا الشيطان، وجنِّب الشيطان ما رَزَقْتَنَا، فقُضي بينهما ولد لم يَضُرَّه\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1414>٥ - كيف يأتيها</span>؟\nويجوز له أن يأتيها في قُبُلها من أيِّ جهةٍ شاء، مِن خَلْفها أو من أمامها، لقول الله -﵎-: ﴿نِسَاؤُكم حَرثٌ لكم فَأتُوا حَرْثَكُم أنّى شِئْتُم﴾، أي: كيف شئتم؛ مُقبلة ومدبرة.\nعن جابر -﵁- قال: \"كانت اليهود تقول: إِذا أتى الرجل امرأته من دُبُرها في قُبُلها؛ كان الولد أحول! فنزلت ﴿نِسَاؤُكُم حَرثٌ لكم فَأتُوا حَرْثَكُم أنّى شِئْتُم﴾، [فقال رسول الله - ﷺ -: مقبلة ومدبرة؛ إِذا كان ذلك في\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق في \"المصنف\"، وانظر \"آداب الزفاف\" (ص ٩٦).\n(٢) أخرجه البخاري: ١٤١، ومسلم: ١٤٣٤.","vol":"5","page":192},{"text":"الفرج] \" (١).\nجاء في \"سبل السلام\" (٣/ ٢٦٥): \"فأباح موضع الحرث، والمطلوب من الحرث نبات الزرع، فكذلك النساء؛ الغرض من إِتيانهن هو طلب النسل؛ لا قضاء الشهوة [فحسب]، وهو لا يكون إِلا في القبل، فيحرم ما عدا موضع الحرث، ولا يقاس عليه غيره؛ لعدم المشابهة في كونه محلًا للزرع، وأمّا حل الاستمتاع فيما عدا الفرج؛ فمأخوذ من دليل آخر، وهو جواز مباشرة الحائض فيما عدا الفرج ... \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1415>٦ - تحريم الدُّبُر:</span>\nويحرم عليه أن يأتيها في دُبُرها؛ لمفهوم الآية السابقة: ﴿نسَاؤُكُم حَرثٌ لكم فَأتُوا حَرْثَكُم أنّى شِئْتُم﴾، ولما رواه ابن عباس -﵄- قال: \"جاء عمر بن الخطاب إِلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله! هلَكتُ! قال: وما الذي أهلكَك؟ قال: حولتُ رحْلي الليلة (٢)، فلم يَرُدَّ عليه شيئًا، فأُوحِي إِلى رسول الله - ﷺ - هذه الآية: ﴿نِسَاؤُكُم حَرثٌ لكم فَأتُوا حَرْثَكُم أنّى شِئتُم﴾، يقول: أقْبِلْ وأدْبر، واتق الدُّبُر والحيضة\" (٣).\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٤٥٢٨، ومسلم: ١٤٣٥، واللفظ له، والزيادة لابن أبي حاتم، وانظر \"آداب الزفاف\" (ص ٩٩).\n(٢) جاء في \"النهاية: \"كنّى برَحله عن زوجته، أراد به غِشْيانها في قُبُلها من جهة ظهرها ... \".\n(٣) أخرجه النسائي في \"العِشْرة\"، والترمذي -وحسّنه- وغيرهما، وانظر \"آداب الزفاف\" (ص ١٠٣).","vol":"5","page":193},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1416>لا كراهة في الكلام حال الجماع:</span>\nجاء في \"الروضة الندية\" (٢/ ٨٣): \"وأمّا الكلام حال الجماع؛ فقد استدل بعض أهل العلم على كراهة الكلام حال الجماع، بالقياس على كراهته حال قضاء الحاجة، فإِنْ كان ذلك بجامع الاستخباث؛ فباطل؛ فإِنّ حالة الجماع حالة مُستلذَّة، لا حالة مُستخبثة، وفي المكالمة -حَالَتَهُ- نوع من إِحسان العشرة؛ بل فيه لذة ظاهرة؛ كما قال بعض الشعراء:\nوَيُعْجِبُنِي مِنْكِ حَالَ الجِمَاعِ ... لِينُ الكَلامِ وَضَعْفُ النَّظَرْ\nوإِنْ كان الجامع شيئًا آخر؛ فما هو؛ فإِنّ النّبيّ - ﷺ - قد شرع الملاعبة والمداعبة، ووقتُ الجماع أولى بذلك من غيره\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1417>٧ - الوضوء بين الجماعين:</span>\nوإِذا أرادَ أن يعود إِليها توضّأ؛ لقوله - ﷺ -: \"إِذا أتى أحدُكم أهلَه، ثمّ أراد أن يعود، فليتوضأ\" (١).\nوفي رواية: \"فإِنه أنشط في العَوْدِ\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1418>٨ - الغُسل أفضل:</span>\nلكن الغسل أفضل من الوضوء؛ لحديث أبي رافع -﵁-: \"أنّ النّبيّ - ﷺ - طاف ذاتَ يوم على نسائه، يغتسل عند هذه وعند هذه، قال: فقلت له: يا رسول الله! ألا تجعله غُسلًا واحدًا؟ قال: هذا أزكى وأطيب وأطهر\" (٣).\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ٣٠٨.\n(٢) انظر \"آداب الزفاف\" (ص ١٠٧).\n(٣) أخرجه أبو داود، والنسائي في \"عشرة النساء\" وغيرهما، وانظر \"آداب الزفاف\" (ص ١٠٨).","vol":"5","page":194},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1419>٩ - اغتسال الزوجين معًا:</span>\nويجوز لهما أن يغتسلا معًا في مكان واحد، ولو رأى منها ورأت منه.\nعن عائشة -﵂- قالت: \"كنت أغتسل أنا ورسول الله - ﷺ - من إِناء بيني وبينه واحد، فيبادرني حتى أقول: دَعْ لي، دَعْ لي، قالت: وهما جُنُبان\" (١).\nوعن معاوية بن حيدة -﵁- قال: \"قلتُ: يا رسول الله! عوراتنا؛ ما نأتي منها وما نذَر؟\nقال: احفظ عورتك؛ إِلا من زوجتك أو ما ملكَت يمينك\" (٢).\nوجاء في \"السلسلة الضعيفة\" (٣) -بعد حديث موضوع يمنع النظر إِلى فرج الزوجة-: \"والنظر الصحيح يدل على بطلان هذا الحديث، فإِن تحريم النظر بالنسبة للجماع: من باب تحريم الوسائل، فإِذا أباح الله -تعالى- للزوج أن يجامع زوجه، فهل يُعقل أن يمنعه من النظر إِلى فرجها؟! اللهم لا. ويؤيد هذا من النقل حديث عائشة قالت: \"كنت أغتسل أنا ورسول الله - ﷺ - من إِناءٍ بيني وبينه واحد، فيُبادرني؛ حتى أقول: دَع لي، دَع لي\". أخرجه الشيخان وغيرهما.\nفإِن الظاهر من هذا الحديث جواز النظر، ويؤيده رواية ابن حبان من طريق\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٢٥٠، ومسلم: ٣٢١ واللفظ له.\n(٢) أخرجه أصحاب السنن إِلا النسائي، وانظر \"آداب الزفاف\" (ص ١١٢).\n(٣) برقم (١٩٥) بلفظ: \"إِذا جامع أحدكم زوجته أو جاريته؛ فلا ينظر إِلى فرجها، فإنّ ذلك يورث العمى\".","vol":"5","page":195},{"text":"سليمان بن موسى: أنه سُئِل عن الرجل ينظر إِلى فرج امرأته؟ فقال: سألت عطاءً؟ فقال: سألت عائشة؟ ... فذكرت هذا الحديث بمعناه.\nوهو نص في جواز نظر الرجل إِلى عورة امرأته -وعَكْسِهِ- وإذا تبيّن هذا؛ فلا فرق حينئذ بين النظر عند الاغتسال أو الجماع، فثبت بطلان الحديث\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1420>١٠ - توضُّؤ الجُنُب قبل النوم:</span>\nولا ينامان جُنُبين إِلا إِذا توضآ؛ فعن عائشة -﵂- قالت: \"كان النّبيّ - ﷺ - إِذا أراد أن ينام وهو جُنُب؛ غَسَل فرجه، وتوضأ [وضوءه] للصلاة\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1421>١١ - حُكم هذا الوضوء:</span>\nوليس ذلك على الوجوب، وإنما للاستحباب المؤكّد، لحديث عمر: \"أنه سأل رسول الله - ﷺ -: أينام أحدنا وهو جُنُب؟ فقال: نعم، ويتوضأ إِنْ شاء\" (٢).\nويؤيده حديث عائشة -﵂- قالت: \"كان رسول الله - ﷺ - ينام وهو جُنُب من غير أن يمس ماءً؛ [حتى يقوم بعد ذلك فيغتسل] \" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1422>١٢ - تيمُّم الجُنُب بدل الوضوء:</span>\nويجوز لهما التيمم بدل الوضوء أحيانًا؛ لحديث عائشة قالت: \"كان رسول\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٢٨٨، ومسلم: ٣٠٥ والزيادة له.\n(٢) أخرجه ابن حبّان في \"صحيحه\" عن شيخه ابن خزيمة -رحمهما الله تعالى-، وانظر \"آداب الزفاف\" (ص ١١٥).\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة، وأَصحاب \"السنن\" إلاَّ النسائي، وانظر \"آداب الزفاف\" (١١٦).","vol":"5","page":196},{"text":"الله - ﷺ - إذا أجنب فأراد أن ينام، توضأ أو تيمّم\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1423>١٣ - اغتساله قبل النوم أفضل:</span>\nواغتسالهما أفضل؛ لحديث عبد الله بن قيس قال: \"سألتُ عائشة قلت: كيف كان - ﷺ - يصنع في الجنابة؟ أكان يغتسل قبل أن ينام، أم ينام قبل أن يغتسل؟ قالت: كلَّ ذلك قد كان يفعل، ربما اغتسل فنام، وربما توضأ فنام. قلت: الحمد لله الذي جعل في الأمر سَعة\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1424>١٤ - تحريم إِتيان الحائض:</span>\nويحرُم عليه أن يأتيها في حيضها؛ لقوله -﵎-. ﴿ويسألونك عن المحيض قُل هو أذىً فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهنّ حتى يطهرن فإِذا تطهّرن فأتوهن من حيث أمركم الله إِنّ الله يحبّ التوابين ويحبّ المتطهرين﴾ (٣).\nومن الأحاديث الدالّة على ذلك قوله - ﷺ -: \"من أتى حائضًا، أو امرأة في دُبُرها، أو كاهنًا؛ فصدَّقه بما يقول، فقد كفَر بما أُنزل على محمد\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1425>١٥ - ما يحِلّ له من الحائض:</span>\nويجوز له أن يتمتّع بما دون الفرج من الحائض، ومن الأدلة على ذلك:\n_________\n(١) أخرجه البيهقي، وحسنه الحافظ في \"الفتح\"، وانظر \"آداب الزفاف\" (ص ١١٨).\n(٢) أخرجه مسلم: ٣٠٧.\n(٣) البقرة: ٢٢٢.\n(٤) أخرجه أصحاب \"السنن\" وغيرهم، وانظر \"آداب الزفاف\" (ص ١٢١).","vol":"5","page":197},{"text":"قوله - ﷺ -: \" ... اصنعوا كلّ شيء إِلا النكاح (١) \" (٢).\nوعن بعض أزواج النّبيّ - ﷺ - قالت: \"إِنّ النّبيّ - ﷺ - كان إِذا أراد من الحائض شيئًا؛ ألقى على فرجها ثوبًا؛ [ثمّ صنع ما أراد] \" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1426>١٦ - ولا يأتيها بعد الطُّهر إِلا أن تغتسل:</span>\nقال الله -تعالى-: ﴿فإِذا تطهّرن فأتوهنّ من حيثُ أمَركم الله﴾ (٤).\nوقد فصّلتُ القول في هذه المسألة من كتابي هذا: \"الموسوعة\" (١/ ٢٧٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1427>١٧ - جواز العزل:</span>\nويجوز له أن يعزل عنها ماءَه.\nعن جابر -﵁- قال: \"كنّا نعزل والقرآن ينزل\" (٥).\nوفي رواية: \"كنّا نعزِل على عهد رسول الله - ﷺ -، فبلَغ ذلك نبيّ الله - ﷺ -، فلم يَنْهَنا\" (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1428>١٨ - الأوْلى ترْك العزل:</span>\nولكن ترْكه أولى لأمور:\n_________\n(١) أي: الجماع.\n(٢) أخرجه مسلم: ٣٠٢.\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٤٢)، وانظر \"آداب الزفاف\" (١٢٥).\n(٤) البقرة: ٢٢٢.\n(٥) أخرجه البخاري: ٥٢٠٩، ومسلم: ١٤٤٠.\n(٦) أخرجه مسلم: ١٤٤٠.","vol":"5","page":198},{"text":"الأول: أنّ فيه إِدخالَ ضررٍ على المرأة لما فيه من تفويت لذتها (١).\nفإِنْ وافقَت عليه (٢)؛ ففيه ما يأتي، وهو:\nالثاني: أنه يُفوِّت بعض مقاصد النكاح، وهو تكثير نَسْل أمّة نبيِّنا - ﷺ -، وذلك قوله - ﷺ -: \"تزوَّجوا الودود الولود، فإِني مُكاثِرٌ بكم الأم (٣) \" (٤).\nولذلك وصَفَه النّبيّ - ﷺ - بالوأد الخفي حين سألوه عن العزل.\nعن جُذَامة بنت وهب قالت: \"حضرتُ رسول الله - ﷺ - في أناس سألوه عن العزل؟ فقال - ﷺ -: ذلك الوأد الخفي\" (٥).\nولهذا أشار - ﷺ - إِلى أن الأوْلى تركه في حديث أبي سعيد الخدري أيضًا، قال: \"ذُكر العزل عند رسول الله - ﷺ -، فقال: ولِمَ يفعل ذلك أحدكم؟! -ولَمْ يقل: فلا يفعل ذلك أحدكم-؛ فإِنه ليست نفس مخلوقة إِلا الله خالقها\".\n_________\n(١) قال شيخنا -﵀-: \"ذكَره الحافظ في \"الفتح\" ... \".\n(٢) وقد رأيت هذا موافقًا لكلام شيخ الإِسلام -﵀- في \"الفتاوى\" (٣٢/ ١٠٨): \"وأمّا العزل فقد حرمه طائفة من العلماء؛ لكن مذهب الأئمة الأربعة أنه يجوز بإِذن المرأة، والله أعلم\".\n(٣) مُكاثِر بكم الأم؛ أي: مُفاخِر بسببكم سائر الأمم؛ لكثرة أتباعي. \"عون المعبود\" (٦/ ٣٤).\n(٤) أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي وغيرهم، وانظر \"آداب الزفاف\" (ص ١٣٢).\n(٥) أخرجه مسلم: ١٤٤٢.","vol":"5","page":199},{"text":"وفي رواية: \"فقال لنا: وإِنكم لتفعلون، وإنكم لتفعلون، وإنكم لتفعلون؟ ما مِن نسمة كائنةٍ إِلى يوم القيامة، إِلا وهي كائنة\" (١). انتهى كلام شيخنا -﵀-. وانظر للمزيد -إِن شئت- ما قاله العلامة ابن القيّم -﵀- في \"زاد المعاد\" (٥/ ١٤).\nوقال شيخنا -﵀- في \"الصحيحة\" (٤/ ٣٨٥): \"كراهة تحديد النسل أو تنظيمه والنهي عن الرهبانية\"؛ ثم ذكر الحديث (١٨٧٢): \"تزوّجوا فإِني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة، ولا تكونوا كرهبانية النصارى\".\nجاء في \"الروضة الندية\" (٢/ ٨٥): \"قال في \"المُسَوَّى\": اختلف أهل العلم في العزل، فرخّص فيه غير واحد من الصحابة والتابعين، وكرهه جمع منهم، ولا شكّ أنّ تركه أولى\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1429>١٩ - ما ينويان بالنكاح:</span>\nوينبغي لهما أن ينويا بنكاحهما إعفاف نفسَيْهما، وإحصانهما من الوقوع فيما حرّم الله عليهما، فإِنه تكتب مباضعتهما صدقة لهما، لحديث أبي ذر -﵁-: \"أنّ ناسًا من أصحاب النّبيّ - ﷺ - قالوا للنّبيّ - ﷺ -: يا رسول الله! ذهب أهل الدثور (٢) بالأُجور، يصلّون كما نُصلّي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفُضول أموالهم! قال: أوَلَيْسَ قد جعل الله لكم ما تصّدّقون؟ إِنّ بكلّ تسبيحةٍ صدقة، وكلّ تكبيرة صدقة، وكُلّ تحميدةٍ صدقة،\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٥٢١٠، ومسلم: ١٤٣٨ واللفظ له.\n(٢) جمع دَثْر، وهو المال الكثير. \"النهاية\".","vol":"5","page":200},{"text":"وكلّ تهليلةٍ صدقة، وأمْرٌ بالمعروف صدقة، ونهْيٌ عن منكر صدقة، وفي بُضع أحدكم (١) صدقة. قالوا: يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟! قال: أرأيتم لو وضعها في حرام؛ أكان عليه فيها وِزر؟ فكذلك إِذا وضَعَها في الحلال؛ كان له أجرًا\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1430>٢٠ - ما يفعل صبيحةَ بنائه:</span>\nويُستحب له صبيحةَ بنائه بأهله؛ أن يأتي أقاربه الذي أتوه في داره، ويُسلّم عليهم، ويدعو لهم، وأن يُقابِلوه بالمِثل؛ لحديث أنس -﵁- قال: \"أَوْلَم رسول الله - ﷺ - إِذ بنى بزينب، فأشبع المسلمين خُبزًا ولحمًا، ثمّ خرَج إِلى أُمّهات المؤمنين فسلّم عليهنّ، ودعا لهنّ، وسلّمن عليه ودعَون له، فكان يفعل ذلك صبيحة بنائه\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1431>٢١ - تحريم نشْر أسرار الاستمتاع:</span>\nويحرُم على كلٍّ منهما أن ينشر الأسرار المتعلقة بالوقاع، فعن أسماء بنت يزيد -﵂-: \"أنها كانت عند رسول الله - ﷺ -، والرجال والنساء قعود، فقال: لعلّ رجلًا يقول ما يفعل بأهله، ولعلّ امرأة تُخبِر بما فعَلَت مع زوجها؟! فأرَمّ القوم (٤)، فقلت: إِي والله يا رسول الله! إِنهن ليفعلن، وإنهم\n_________\n(١) بُضع أَحدكم: البُضع: يُطلق على الجماع، ويُطلق على الفرج نفسه، وكلاهما تصحّ إِرادته هنا. قاله النّووي -﵀-.\n(٢) أخرجه مسلم: ١٠٠٦.\n(٣) أخرجه ابن سعد، والنسائي في \"الوليمة\"، وانظر \"آداب الزفاف\" (ص ١٣٩).\n(٤) أرمّ القوم، أي: سكتوا ولم يجيبوا. \"النهاية\".","vol":"5","page":201},{"text":"ليفعلون، قال: فلا تفعلوا، فإِنّما ذلك مَثَلُ الشيطان لقي شيطانة في طريق، فغَشِيَها والناس ينظرون\" (١).\nقلت: أمّا إِذا كانت هناك حاجة أو ضرورة للتحدُّث بشيء من ذلك؛ فلا حرج.\nعن عكرمة: \"أنّ رِفاعة طلّق امرأته، فتزوجها عبد الرحمن بن الزبير القُرَظي، قالت عائشة: وعليها خمارٌ أخضر، فشكت إِليها، وأرتها خُضرةً بجِلدها، فلما جاء رسول الله - ﷺوالنساء ينصر بعضهنّ بعضًا- قالت عائشة: ما رأيت مثل ما يلقى المؤمنات، لَجِلْدُها أشدُّ خُضْرَةً من ثوبها! قال: وسمع أنها قد أتت رسول الله - ﷺ -، فجاء ومعه ابنان له من غيرها، قالت: والله ما لي إِليه من ذنب، إِلا أنّ ما معه ليس بأغنى عني من هذه -وأخذت هُدبة (٢) من ثوبها-! فقال: كذبت والله يا رسول الله! إِني لأنفضُها نفض الأديم (٣)، ولكنها ناشزٌ تريد رِفاعة، فقال رسول الله - ﷺ -: فإِن كان ذلك؛ لم تحلّي له -أو لم تصلحي له- حتى يذوق عُسَيلتك! قال: وأبصر معه ابنَين له فقال: بنوك هؤلاء؟ قال: نعم. قال: هذا الذي تزعمين ما تزعمين؟ فوالله لهم أشبه به من الغراب بالغراب\" (٤).\n_________\n(١) أخرجه أحمد، وهو حسن أو صحيح بشواهده؛ وانظر \"آداب الزفاف\" (ص ١٤٤).\n(٢) أرادت متاعَه، وأنّه رِخْو مثلُ طَرَف الثوب؛ لا يُغني عنها شيئًا. \"النهاية\".\n(٣) أي: الجلد، قال الحافظ في \"الفتح\": \"كناية بليغة من ذلك؛ لأنها أوقع في النفس من التّصريح، لأنّ الذي ينفض الأديم يحتاج إِلى قوة ساعد وملازمة طويلة\".\n(٤) أخرجه البخاري: ٥٨٢٥، ومسلم: ١٤٣٣ نحوه.","vol":"5","page":202},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1432>٢٢ - وجوب الوليمة:</span>\nولا بد له مِن وليمةٍ بعد الدخول؛ لأمر النّبيّ - ﷺ - عبدَ الرحمن بن عوف بها كما تقدّم، ولحديث بُرَيْدة بن الحُصَيْب، قال: \"لمّا خطَب عليٌّ فاطمة -﵄- قال: قال رسول الله - ﷺ -: إنه لا بد للعُرْس (وفي رواية: للعروس) من وليمة\" (١). انتهى كلام شيخنا -﵀-.\nقال الإِمام ابن حزم -﵀- في \"المحلّى\" (١١/ ٢١) تحت المسألة (١٨٢٣): \"وفَرْضٌ على كلّ من تزوّج أن يولم بما قلّ أو كثُر ... \" ثمّ ذكر الأدلّة على ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1433>٢٣ - السُّنة في الوليمة:</span>\nوينبغي أن يلاحظ فيها أمورًا:\nالأول: أن تكون ثلاثة أيام عَقِب الدخول، لأنه هو المنقول عن النّبيّ - ﷺ -، فعن أنس -﵁- قال: \"بنى النّبيّ - ﷺ - بامرأة، فأرسَلَني، فدعوت رجالًا على الطعام\" (٢).\nوعنه قال: \"تزوج النّبيّ - ﷺ - صفية، وجعل عتْقها صداقها، وجعَل الوليمة ثلاثة أيام\" (٣).\nالثاني: أن يدعو الصالحين إِليها، فقراءَ كانوا أو أغنياءَ، لقوله - ﷺ -: \"لا\n_________\n(١) أخرجه أحمد والطبراني وغيرهما، وانظر \"آداب الزفاف\" (١٤٤).\n(٢) أخرجه البخاري: ٥١٧٠.\n(٣) أخرجه أبو يعلى بسند حسن، كما قال الحافظ في \"الفتح\" (٩/ ٢٤٣)، وانظر \"آداب الزفاف\" (ص ١٤٦). وستأتي رواية البخاري -﵀-، تحت (جواز الوليمة بغير لحم).","vol":"5","page":203},{"text":"تُصاحِبْ إِلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامَك إِلا تقيّ\" (١).\nالثالث: أن يولم بشاة أو أكثر -إِن وجد سَعة-.\nعن أنس أيضًا قال: \"ما رأيتُ رسول الله - ﷺ - أولَم على امرأةٍ من نسائه ما أولَم على زينب؛ فإِنه ذبَح شاة، [قال: أطعمهم خبزًا ولحمًا حتى تركوه] \" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1434>٢٤ - جواز الوليمة بغير لحم:</span>\nويجوز أن تُؤدّى الوليمة بأي طعامٍ تيسّر، ولو لم يكن فيه لحم، لحديث أنس -﵁- قال: \"أقام النّبيّ - ﷺ - بين خيبر والمدينة ثلاثَ ليالٍ؛ يُبنى عليه بصفيّة، فدعوت المسلمين إِلى وليمته، وما كان فيها من خبز ولا لحم، وما كان فيها إِلا أنْ أمَر بلالًا بالأنطاع (٣) فبُسطت (وفي رواية: فُحِصَت الأرض أفاحِيصَ (٤)، وجيء بالأنطاع فوُضعت فيها)، فأُلقي عليها التمر والأقط والسمن [فشبع الناس] \" (٥).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٤٠٤٥)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (١٩٥٢) وغيرهما.\n(٢) أخرجه البخاري: ٥١٦٨، ومسلم: ١٤٢٨ واللفظ له مع الزيادة.\n(٣) الأنطاع: جمع نِطع؛ وهو بساط من الجلد المدبوغ.\n(٤) فُحِصَت الأرض أفاحيص؛ أي: كُشف التراب من أعلاها، وحُفرت شيئًا يسيرًا ليُجعل الأنطاع في المحفور، ويُصبّ فيها السمن، فيثبتَ ولا يخرج من جوانبها\". \"النووي\" (٩/ ٢٢٤).\n(٥) أخرجه البخاري: ٤٢١٣ وهذا لفظه، ومسلم: ١٣٦٥ والرواية الأخرى والزيادة له.","vol":"5","page":204},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1435>٢٥ - مشاركة الأغنياء بمالهم في الوليمة:</span>\nيُستحبّ أن يشارك ذوو الفضل والسَّعة في إعدادها؛ لحديث أنس في قصة زواجه - ﷺ - بصفية قال: \"حتى إِذا كان بالطريق؛ جهَّزَتْها له أُمّ سليم، فأهدَتْها له من الليل، فأصبح النّبيّ - ﷺ - عروسًا (١)، فقال: من كان عنده شيء فَلْيَجِئْ به (وفي رواية: من كان عنده فضل زاد فليأتنا به)، قال: وبسط نِطعًا، فجعل الرجل يجيء بالتمر، وجعل الرجل يجيء بالسمن، فحاسوا حَيْسًا، فكانت وليمةَ رسول الله - ﷺ -\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1436>٢٦ - تحريم تخصيص الأغنياء بالدعوة:</span>\nولا يجوز أن يخصّ بالدعوة الأغنياء دون الفقراء؛ لقوله - ﷺ -: \"شرّ الطعام طعام الوليمة، يُدعى لها الأغنياء، ويُمْنَعُهَا المساكين، ومن لم يُجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1437>٢٧ - وجوب إِجابة الدعوة:</span>\nويجب على من دُعي إِليها أن يحضرها.\nعن ابن عمر -﵁- أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إِذا دعي أحدكم إِلى الوليمة؛ فليأتها\" (٤).\n_________\n(١) جاء في \"النهاية\": \"وفيه: فأصبح عروسًا؛ يُقال للرجل؛ عَروس؛ كما يقال للمرأة، وهو اسم لهما عند دخول أحدهما بالآخر\".\n(٢) أخرجه البخاري: ٣٧١، ومسلم: ١٣٦٥ والرواية له.\n(٣) أخرجه البخاري: ٥١٧٧، ومسلم: ١٤٣٢.\n(٤) أخرجه البخاري: ٥١٧٣، ومسلم: ١٤٢٩.","vol":"5","page":205},{"text":"وعن أبي هريرة -﵁- أنه كان يقول: \"من ترك الدعوة؛ فقد عصى الله ورسوله\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1438>٢٨ - ترْك حضور الدعوة التي فيها معصية:</span>\nولا يجوز حضور الدعوة إِذا اشتملت على معصية، إِلا أن يقصد إِنكارها ومحاولة إِزالتها، فإِن أُزيلت؛ وإلا وجب الرجوع.\nعن علي قال: \"صنعتُ طعامًا، فدعوتُ رسول الله - ﷺ -، فجاء فرأى في البيت تصاوير، فرجع، [قال: فقلت: يا رسول الله! ما أرجعَك بأبي أنت وأمّي؟! قال: إِنّ في البيت سترًا فيه تصاوير، وإنّ الملائكة لا تدخل بيتًا فيه تصاوير] \" (٢).\nوفي الحديث: \"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فلا يقعُدنّ على مائدة يُدار عليها الخمر\" (٣).\nوعن أبي مسعود عقبة بن عمرو: \"أنّ رجلًا صنَع له طعامًا، فدعاه، فقال: أفي البيت صورة؟ قال: نعم، فأبى أن يدخل حتى كسَر الصورة، ثمّ دخَل\" (٤).\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٥١٧٧، ومسلم: ١٤٣٢.\n(٢) أخرجه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢٧٠٨)، وأبو يعلى في \"مسنده\" والزيادة له، وانظر \"آداب الزفاف\" (ص ١٦١).\n(٣) أخرجه أحمد، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٢٢٤٦)، وانظر \"الإِرواء\" (١٩٤٩).\n(٤) أخرجه البيهقي، وسنده صحيح، وانظر \"آداب الزفاف\" (ص ١٦٥).","vol":"5","page":206},{"text":"قال الإِمام الأوزاعي: \"لا ندخل وليمة فيها طبل ولا مِعْزَافٌ\" (١). انتهى كلام شيخنا -﵀-.\nقال الإِمام ابن حزم -﵀- في \"المحلّى\" (١١/ ٢١) تحت المسألة (١٨٢٤): \" ... فإِن كان هنالك حرير مبسوط، أو كانت الدار مغصوبة، أو كان الطعام مغصوبًا،. أو كان هنالك خمر ظاهر: فليرجع ولا يجلس .. \"، ثمّ ذكر الأدلّة على ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1439>٢٩ - الدعاء للعروسين بالخير والبركة:</span>\nعن جابر بن عبد الله -﵄- قال: \"هلك أبي، وترك سبع بنات -أو تسع بنات-، فتزوّجت امرأة ثيّبًا، فقال لي رسول الله - ﷺ -: تزوجتَ يا جابر؟! فقلت: نعم، فقال: بكرًا أم ثيّبًا، قلت: بل ثيبًا، قال: فهلا جاريةً تُلاعبها وتلاعبُك، وتُضاحكها وتُضاحكك؟! قال فقلت له: إِنّ عبد الله هلك وترك بنات، وإِني كرهتُ أن أجِيئهنّ بمِثلهن، فتزوجتُ امرأة تقوم عليهنّ وتُصلحهن، فقال: بارَك الله لك -أو خيرًا-\" (٢).\nوفي حديث بريدة -﵁-: \" ... يا علي! إِنه لا بدّ للعروس من وليمة. فقال سعد؛ عندي كبش، وجمع له رهط من الأنصار أَصْوُعًا من ذُرَةٍ، فلمّا كانت ليلةُ البناءِ، قال: لا تُحْدِثْ شيئًا حتى تلقاني، فدعا رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) أخرجه أبو الحسن الحربي في \"الفوائد المنتقاة\" بسند صحيح، وانظر \"آداب الزفاف\" (ص ١٦٦).\n(٢) أخرجه البخاري: ٥٣٦٧، ومسلم: ٧١٥، وتقدّم.","vol":"5","page":207},{"text":"بماء فتوضأ فيه، ثمّ أفرغَه على عليّ، فقال: اللهم بارِك فيهما، وبارِك لهما في بنائهما\" (١).\nوعن عائشة -﵂- قالت: \"تزوّجني النبيّ - ﷺ -، فأتتني أُمّي، فأدخَلتني الدار، فإِذا نسوة من الأنصار في البيت، فقلن: على الخير والبركة، وعلى خير طائر\" (٢).\nوعن أبي هريرة: \"أنّ النبي - ﷺ - كان إِذا رفّأ (٣) الإنسان إِذا تزوج، قال: بارك الله لك، وبارك الله عليك، وجمَع بينكما في (وفي رواية: على) خير\" (٤).\n\n٣٠ - بالرِّفاء (٥) والبنين تهنئة الجاهلية:\nولا يقول: \"بالرِّفاء والبنين\"، فإِنه مِنْ عمل الجاهلية، فعن عَقِيلِ بن أبي طالب: \"أنه تزوج امرأة من بني جُشَمٍ، فقالوا: بالرِّفاء والبنين، فقال: لا تقولوا\n_________\n(١) أخرجه ابن سعد والطبراني في \"الكبير\" بسند حسن، وانظر \"آداب الزفاف\" (ص ١٧٤).\n(٢) أخرجه البخاري: ٥١٥٦، ومسلم: ١٤٢٢.\n(٣) رفّأ: بتشديد الفاء وهمزة، وقد لا يُهمز؛ أي: هنّاه ودعا له. \"عون المعبود\" (٦/ ١١٧).\n(٤) أخرجه سعيد بن منصور في \"سننه\"، وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٨٦٦)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٨٧١) وغيرهم، وانظر \"آداب الزفاف\" (ص ١٧٥).\n(٥) جاء في \"سبل السلام\" (٣/ ٢١٦): \"الرفاء؛ الموافقة وحسن المعاشرة، وهو من رفأ الثوب. وقيل: من رفوت الرجل: إِذا سكَّنت ما به من روع. فالمراد: إِذا دعا - ﷺ - للمتزوج بالموافقة بينه وبين أهله وحسن العشرة بينهما، قال ذلك\".","vol":"5","page":208},{"text":"هكذا، ولكن قولوا كما قال رسول الله - ﷺ -: اللهم بارِك لهم وبارِك عليهم\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1441>٣١ - الغناء والضرب بالدُّفِّ:</span>\nويجوز له أن يسمح للنساء (٢) في العرس يإِعلان النكاح بالضرب على الدفّ فقط، وبالغناء المباح الذي ليس فيه وصْف الجمال وذِكْر الفجور؛ فعن الرُّبيّع بنت مُعوِّذ قالت: \"جاء النّبي - ﷺ - يدخل حين بُني عليّ، فجلس على فراشي كمجلسك منّيّ (٣)، فجعلت جويريات لنا يضربن بالدف، ويندبن من قُتل من آبائي يوم بدر، إِذ قالت إِحداهنّ: وفينا نبيٌّ يعلم ما في غد، فقال: دعي هذه، وقولي بالذي كنت تقولين\" (٤).\nوعن عائشة: \"أنها زَفَّتِ امرأة إلى رجل من الأنصار، فقال نبي الله - ﷺ -: يا عائشة! ما كان معكم لهو؟! فإنّ الأنصار يُعجبهم اللهو؟ \" (٥).\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٥٤٧)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٣١٥٦)، وانظر \"آداب الزفاف\" (ص ١٧٥).\n(٢) قلت: قيده شيخنا -﵀- في \"غاية المرام\" و\"تحريم آلات الطرب\" بأن يكون ذلك للبنات الصَّغِيرات دون البلوغ -وهن الجواري- لا البالغات من النساء.\n(٣) الخطاب للراوي عنها، وقال الحافظ -﵀- في \"الفتح\" (٩/ ٢٠٣): \"والذي وضح لنا بالأدلة القوية: أنّ منْ خصائص النبي - ﷺ - جواز الخلوة بالأجنبية والنظر إِليها، وهو الجواب الصحيح عن قصة أمّ حرام بنت مِلْحان في دخوله عديها، ونومه عندها، وتفليتها رأسه، ولم يكن بينهما محرمية ولا زوجية \"\n(٤) أخرجه البخاري: ٥١٤٧.\n(٥) أخرجه البخاري: ٥١٦٢.","vol":"5","page":209},{"text":"وفي رواية بلفظ: \"فقال: فهل بعَثتم معها جارية تضرب بالدفّ وتُغنّي؟ قلت: تقول ماذا؟ قال: تقول:\nأتيناكم أتيناكمْ ... فحيّونا نحيّيكمْ\nولولا الذهب الأحمـ ... ـر ما حلّت بواديكمْ\nولولا الحنطة السمرا ... ء ما سَمِنَتْ عذاريكمْ\" (١).\nوعن أبي بَلْجٍ يحيى بن سُلَيْمٍ قال: \"قلت لمحمد بن حاطب: تزوجتُ امرأتين، ما كان في واحدة منهما صوت -يعني دفًّا-؟ فقال محمّد -﵁-: قال رسول الله - ﷺ -: فصْل ما بين الحلال والحرام: الصوت بالدف\" (٢).\nوقال - ﷺ -: \"أعلنوا النكاح\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1442>٣٢ - الامتناع من مخالفة الشرع:</span>\nويجب عليه أن يمتنع من كل ما فيه مخالفة للشرع، وخاصة ما اعتاده الناس في مِثل هذه المناسبة، حتى ظنّ كثير منهم -بسبب سكوت العلماء- أنْ لا بأس فيها.\nقال شيخنا -﵀-: وأنا أنبّه هنا على أمور هامّة منها:\n_________\n(١) أخرجه الطبراني في \"الأوسط\"، وحسّنه لغيره شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (١٩٩٥).\n(٢) أخرجه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٨٦٩)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن\nماجه\" (١٥٣٨)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٣١١٤) وغيرهم، وانظر \"آداب الزفاف\" (ص ١٨٣).\n(٣) أخرجه ابن حبّان والطبراني في \"الكبير\" و\"الأوسط\" وغيرهما، وحسّنه شيخنا -﵀- في \"آداب الزفاف\" (ص ١٨٤).","vol":"5","page":210},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1443>١ - تعليق الصُّوَر:</span>\nتعليق الصُّوَرِ على الجدران، سواء أكانت مُجسّمة، أو غير مجسّمة، لها ظِلّ، أو لا ظلّ لها، يدويّة أو فوتوغرافية، فإِن ذلك كله لا يجوز، ويجب على المستطيع نَزْعُها إِن لم يستطع تمزيقها، فعن عائشة -﵂- قالت: \"دخَل عليّ رسول الله - ﷺ -؛ وقد سترتُ سهوةً (١) لي بِقرامٍ (٢) فيه تماثيل (وفي رواية: فيه الخيل ذوات الأجنحة)، فلمّا رآه هتَكَه، وتلوّن وجهه، وقال: يا عائشة! أشدّ الناس عذابًا عند الله يوم القيامة: الذين يضاهون بخلق الله (وفي رواية: إِنّ أصحاب هذه الصور يُعذّبون، ويقال لهم: أحيوا ما خلقْتُم، ثمّ قال: إِنّ البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة)! قالت عائشة: فقطعناه فجعلنا منه وسادة أو وسادتين\" (٣).\nوعنها -﵂- قالت: \"حشوت للنّبيّ - ﷺ - وسادة فيها تماثيل، كأنها نُمْرُقة (٤)، فجاء فقام بين البابَيْنِ، وجعل يتغيَّرُ وجهه، فقالت: ما لنا يا رسول الله؟! قال: ما بالُ هذه؟ قلت: وسادة جعلتُها لك لتضطجع عليها، قال: أما علمتِ أنّ الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة؟ وأنّ من صنع الصورة\n_________\n(١) السهوة: قال النووي -﵀-: \"قال الأصمعي: هي شبيهة بالرّف أو بالطاق يوضع عليه الشيء. قال أبو عبيد: وسمعت غير واحد من أهل اليمن يقولون: السهوة عندنا بيت صغير مُتحدّر في الأرض، وسُمْكه مرتفع من الأرض، يشبه الخزانة الصغيرة يكون فيها المتاع\".\n(٢) جاء في \"النهاية\": \"القِرام: السِّتر الرقيق. وقيل: الصفيق ذي ألوان. وقيل: الستر الرقيق وراء الستر الغليظ\". وانظر -للمزيد إن شئت- ما قاله الحافظ -﵀- في \"الفتح\".\n(٣) أخرجه البخاري: ٥٩٥٤، ومسلم: ٢١٠٧ واللفظ له مع الروايتين.\n(٤) النمرقة: الوسادة. \"النهاية\".","vol":"5","page":211},{"text":"يُعذّب يوم القيامة، فيقول: أحيوا ما خلقتم\" (١).\nوعن سعيد بن أبي الحسن قال: \"كنت عند ابن عباس -﵄- إِذ أتاه رجل فقال: يا ابن عباس! إِني إِنسان إِنما معيشتي من صنعة يدي، وإني أصنع هذه التّصاوير، فقال ابن عباس: لا أُحدِّثك إِلا ما سمعت من رسول الله - ﷺ -، سمعته يقول: من صوّر صورة؛ فإِنّ الله معذِّبه حتّى ينفخ فيها الرُّوح، وليس بنافخ فيها أبدًا. فرَبا الرجل ربوة شديدة، واصفَرَّ وجهه، فقال: ويحك! إِن أبيْت إلاَّ أن تصنع؛ فعليك بهذا الشجر؛ كلِّ شيء ليس فيه روح\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1444>٢ - نتف الحواجب وغيرها</span>!\nما تفعله بعض النسوة من نتفهن حواجبهن حتى تكون كالقوس أو الهلال، يفعلق ذلك تجمُّلًا بزعمهن! وهذا مما حرّمه رسول الله - ﷺ -، ولعَن فاعله بقوله: \"لعَن الله الواشمات (٣)، والمستوشمات (٤)، والنامصات (٥)، والمتنمصات (٦)،\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٣٢٢٤، ومسلم: ٢١٠٧.\n(٢) أخرجه البخاري: ٢٢٢٥، ومسلم: ٢١١٠.\n(٣) الواشمة: هي التي تَشِم. والوشم: أن يُغرَز الجلد بإِبرة؛ ثمّ يحشى بكُحل أو نيل، فيزرقّ أثره أو يخضرّ. \"النهاية\".\n(٤) المستوشمة: هي التي تطلب الوشم.\n(٥) النامصة: هي التي تفعل النماص، والنماص: إِزالة شعر الوجه بالمنقاش، ويسمى المنقاش منماصًا لذلك. \"فتح\".\nقلت: ولا يختص النماص بالوجه؛ بل هو عام في جميع شعر الجسد، كما ذكره شيخنا -﵀- في \"آداب الزفاف\" (٢٠٢ - ٢٠٤)، و\" غاية المرام\" (ص ٩٧).\n(٦) المتنمّصات: جمع متنمصة؛ وهي التي تطلب النّماص.","vol":"5","page":212},{"text":"والمتفلجات (١) للحسن المغيرات خلق الله\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1445>٣ - تدميم الأظفار وإِطالتها:</span>\nوهذه العادة القبيحة الأخرى التي تسرّبت من فاجرات أوروبا إِلى كثيرٍ من المسلمات، وهي تدميمهن لأظفارهن بالصمغ الأحمر المعروف اليوم بـ (مينيكور)، وإِطالتهن لبعضها -وقد يفعلها بعض الشباب أيضًا-! فإِن هذا مع ما فيه من تغييرٍ لخلق الله، المستلزم لعْن فاعله، ومن التشبُّه بالكافرات المنهيّ عنه في أحاديث كثيرة التي منها قوله - ﷺ -: \" ... ومن تشبه بقوم فهو منهم\" (٣)؛ فإِنه أيضًا مخالف للفطرة ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾، وقد قال - ﷺ -: \"الفطرة (٤) خمس: الختان، والاستحداد (٥)، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الآباط\" (٦).\nوقال أنس -﵁-: \"وُقِّت لنا (وفي رواية: وقَّت لنا رسول الله) في قص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإِبط، وحلق العانة: أن لا نَتْرُك أكثر من\n_________\n(١) هن النساء اللاتي يجعلن فُرَجًا بين بعض أسنانهنّ رغبة في التحسين.\n(٢) أخرجه البخاري: ٤٨٨٦، ومسلم: ٢١٢٥، واللفظ له.\n(٣) أخرجه أحمد وأبو داود، وانظر \"آداب الزفاف\" (ص ٢٠٥).\n(٤) أي: السُّنّة؛ يعني: سنن الأنبياء -﵈- التي أُمِرْنَا أن نقتدي بهم. \"النهاية\".\n(٥) الاستحداد: حلْق العانة؛ سمّي استحدادًا؛ لاستعمال الحديدة، وهي الموسى. \"شرح النووي\".\n(٦) أخرجه البخاري: ٥٨٩١، ومسلم: ٢٥٧.","vol":"5","page":213},{"text":"أربعين ليلة\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1446>٤ - حلْق اللحى:</span>\nومثلها في القُبح -إِن لم تكن أقبح منها عند ذوي الفطر السليمة- ما ابتلي به أكثر الرجال من التزيُّن بحلق اللحية، بحكم تقليدهم للأوروبيين الكفار، حتى صار من العار عندهم أن يدخل الرجل على عروسه وهو غير حليق! وفي ذلك عدّة مخالفات:\n١ - تغيير خَلْق الله -تعالى-؛ وقد قال -تعالى- حكاية عن الشيطان: ﴿ولآمُرنّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذان الأنعام ولآمُرنّهم فليغيّرُنَّ خَلْق الله﴾ (٢).\nفهذا نصّ صريح في أنّ تغيير خلْق الله دون إِذْن منه -تعالى- إِطاعة لأمر الشيطان، وعِصيان للرحمن -ﷻ- ... وإنما قلتُ (٣): دون إِذْنٍ من الله -تعالى-؛ لكي لا يتوهم أنه يدخُل في التغيير المذكور مِثل حلْق العانة ونحوها ممّا أذِن فيه الشارع، بل استحبّه؛ بل أوجبَه.\n٢ - مخالفة أمره - ﷺ - وهو قوله: \"أنهكوا الشوارب، وأعفوا اللحى\" (٤).\n٣ - التشبّه بالكُفار؛ وقد قال - ﷺ -: \"جزّوا الشوارب وأرخوا اللحى؛ خالفوا المجوس\" (٥).\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ٢٥٨.\n(٢) النساء: ١١٩.\n(٣) الكلام لشيخنا -﵀-.\n(٤) أخرجه البخاري: ٥٨٩٣، ومسلم: ٢٥٩.\n(٥) أخرجه مسلم: ٢٦٠.","vol":"5","page":214},{"text":"٤ - التشبه بالنساء؛ وقد: \"لعَن رسول الله - ﷺ - المتشبّهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال\" (١).\nوانظر التفصيل القويّ في \"آداب الزفاف\" -إِن شئت المزيد-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1447>٥ - خاتم الخطبة:</span>\nلُبْسُ بعض الرجال خاتم الذهب الذي يُسمّون بـ \"خاتم الخِطبة\"، فهذا فيه من تقليد الكُفار ما فيه؛ لأن هذه العادة سرَتْ إِليهم من النصارى.\nويرجع ذلك إلى عادة قديمة لهم، عندما كان العروس يضع الخاتم على رأس إِبهام العروس اليسرى، ويقول: باسم الآب. ثمّ ينقله واضعًا له على رأس السبّابة، ويقول: وباسم الابن. ثمّ يضعه على رأس الوسطى، ويقول: وباسم الروح القدس، وعندما يقول: آمين، يضعه أخيرًا في البنْصِر حيث يستقر.\nوهذا جاء جوابًا من قِبَل محرّرة قسم أسئلة مجلة \"المرأة\" الصادرة في لندن عدد ١٩ آذار ١٩٦٠ (ص ٨).\nوانظر \"آداب الزفاف\" للمزيد من التفصيل والأدلّة في الوضوع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1448>إِذا رأى المرء من امرأةٍ ما يعجبه؛ فليأت أهله:</span>\nعن جابر -﵁-: \"أنّ رسول الله - ﷺ - رأى امرأةً، فأتى امرأته زينب، وهي تمعسُ (٢) منيئةً (٣) لها، فقضى حاجته، ثمّ خرج إِلى أصحابه،\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٥٨٨٥.\n(٢) قال النووي: \"قال أهل اللغة: المعس -بالعين المهملة-: الدلك\".\n(٣) قال النووي: \"قال أهل اللغة: هي الجلد أول ما يوضع في الدباغ\".","vol":"5","page":215},{"text":"فقال: إن المرأة تُقبل في صورة شيطان، وتُدْبر في صورة شيطان، فإِذا أبصر أحدكم امرأة فلْيأت أهله، فإِنّ ذلك يردّ ما في نفسه\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1449>وصايا الإِمام الألباني -﵀- إِلى العروسين </span>(٢):\nأولًا: أن يتطاوعا ويتناصحا بطاعة الله -﵎- واتّباع أحكامه الثابتة في الكتاب والسّنّة، ولا يُقدِّما عليها تقليدًا أو عادة غلبَت على النّاس، أو مَذْهبًا، فقد قال -﷿-: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إِذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخِيَرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضلّ ضلالًا مبينًا﴾ (٣).\nثانيًا: أن يلتزم كل واحد منهما القيام بما فرض الله عليه من الواجبات والحقوق تجاه الآخر، فلا تطلب الزوجة -مثلًا- أن تساوي الرجل في جميع حقوقه، ولا يستغلّ الرجل ما فضّله الله -تعالى- به عليها من السيادة والرياسة؛ فيظلمها، ويضربها بدون حقّ، فقد قال الله -﷿-: ﴿وَلَهُنَّ مثْل الذي عَلَيْهِنَّ بِالمعْرُوف ولِلرّجال عَلَيْهِنَّ دَرَجَة واللهُ عَزِيزٌ حَكِيم﴾ (٤). وقال: ﴿الرِّجالُ قَوَّامُونَ على النِّساء بِمَا فَضَّل اللهُ بعضهم على بعض وبمَا أنْفَقُوا مِنْ أمْوَالِهِم فَالصَّالحاتُ قانتاتٌ حافظاتٌ للغيبِ بِما حَفِظَ الله واللاتي\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ١٤٠٣.\n(٢) عن \"آداب الزفاف\" (٢٧٨) بتصرّف.\n(٣) الأحزاب: ٣٦.\n(٤) البقرة: ٢٢٨.","vol":"5","page":216},{"text":"تخافون نُشوزهنّ (١) فَعِظُوهُنَّ واهجروهنّ في المضاجع واضربوهن فإِنْ أطعنكم فلا تبغوا عليهنّ سبيلًا إِنّ الله كان عليًّا كبيرًا﴾ (٢).\nوقد قال معاوية بن حيدة -﵁-: يا رسول الله! ما حقّ زوجةِ أحدِنا عليه؟ قال: \"أن تُطعمها إِذا طَعِمْت، وتكسوها إِذا اكتسيت، ولا تقبح الوجه (٣)، ولا تضرب، [ولا تهجر إِلا في البيت، كيف وقد أفضى بعضكم إِلى بعض (٤)؛ إِلا بما حلّ عليهنّ (٥) \" (٦).\nوقد قال - ﷺ -: \"إِنّ المقسطين عند الله على منابر من نور، عن يمين الرحمن -﷿- وكلتا يديه يمين-؛ الذين يعدلون في حُكمهم وأهليهم وما وَلُوا\" (٧).\nفإِذا هما عَرفا ذلك وعمِلا به، أحياهما الله -﵎- حياةً طيّبة، وعاشا -ما عاشا معًا- في هناء وسعادة، فقد قال -﷿-: ﴿مَن عَمِل\n_________\n(١) أي: خروجهنّ عن الطاعة، قال ابن كثير: \"والنشوز: هو الارتفاع، فالمرأة الناشز: هي المرتفعة على زوجها، التاركة لأمره، المعرضة عنه\".\n(٢) النساء: ٣٤.\n(٣) أي: لا تقُلْ: قبَّح الله وجهك.\n(٤) يعني: الجماع.\n(٥) يعني: من الضرب والهجر بسبب نشوزهنّ.\n(٦) أخرجه أحمد والزيادة له، وأبو داود، والحاكم وقال: \"صحيح\"، ووافقه الذهبي، وانظر \"آداب الزفاف\" (ص ٢٨٠)، وتقدّم.\n(٧) أخرجه مسلم: ١٨٢٧.","vol":"5","page":217},{"text":"صالحًا مِن ذكر أو أُنثى وهو مؤمن فَلَنُحْيينّه حياةً طيبة ولَنَجْزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون﴾ (١).\nثالثًا: وعلى المرأة بصورة خاصّة أن تطيع زوجها فيما يأمرها به، في حدود استطاعتها، فإِنّ هذا مما فضّل الله به الرجال على النساء؛ كما في الآيتين السابقتين: ﴿الرجال قوّامون على النساء﴾، ﴿وللرجال عليهنّ درجة﴾، وقد جاءت أحاديث كثيرة صحيحة مؤكِّدة لهذا المعنى، ومُبيِّنة بوضوح ما للمرأة، وما عليها إِذا هي أطاعت زوجها أو عصَتْه، فلا بد من إِيراد بعضها، لعلّ فيها تذكيرًا لنساء زماننا، فقد قال -تعالى-: ﴿وذكّر فإِنّ الذكرى تنفع المؤمنين﴾.\nالحديث الأول: \"لا يحلّ للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد (٢) إِلا بإِذنه [غير رمضان]، ولا تأذن في بيته إِلا بإِذنه\" (٣).\nالثاني: \"إذا دعا الرجل امرأته إِلى فراشه فأبت، فبات غضبان عليها، لعَنَتها الملائكة حتى تصبح (وفي رواية: أو حتى ترجع. وفي أخرى: حتى يرضى عنها) \" (٤).\nالثالث: \"والذي نفس محمد بيده، لا تؤدّي المرأة حقَّ ربّها حتى تؤدّي حقّ\n_________\n(١) النحل: ٩٧.\n(٢) شاهد؛ أي: حاضر.\n(٣) أخرجه البخاري: ٥١٩٥، ومسلم: ١٠٢٦، وانظر للزيادة \"آداب الزفاف\" (ص ٢٨٢).\n(٤) أخرجه البخاري: ٣٢٣٧، ومسلم: ١٤٣٦.","vol":"5","page":218},{"text":"زوجها، ولو سألها نفسها وهي على قَتَب (١)؛ لم تمنعه نفسها\" (٢).\nالرابع: \"لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا؛ إِلا قالت زوجته من الحور العين: لا تؤذيه قاتلكِ الله، فإِنما هو عندك دخيل (٣)، يوشك أن يفارقك إِلينا\" (٤).\nالخامس: عن حصين بن مُحصن قال: حدثتني عمّتي قالت: \"أتيت رسول الله - ﷺ - في بعض الحاجة، فقال: أَيْ هذه! أَذاتُ بَعْلٍ؟ قلت: نعم، قال: كيف أنت له؟ قالت: ما آلوه (٥)؛ إِلا ما عَجَزت عنه، قال: [فانظري] أين أنت منه؟ فإِنما هو جنّتك ونارك\" (٦).\nالسادس: \"إِذا صلَّت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحفظت فرجها، وأطاعت زوجها؟ قيل لها: ادخلي الجنة من أيِّ أبواب الجنة شئت\" (٧).\n_________\n(١) قال في \"النهاية\": \"القَتَب للجمل: كالإِكاف لغيره [والإِكاف: ما يوضع على الحمار أو البغل ليُركب عليه، كالسرج للفرس]. ومعناه: الحثّ لهنّ على مطاوعة أزواجهنّ، وأنه لا يسعهنّ الامتناع في هذا الحال، فكيف في غيرها؟! \".\n(٢) أخرجه أحمد، وابن ماجه، وابن حبّان في \"صحيحه\"، وصححه شيخنا -﵀- في \"آداب الزفاف\" (ص ٢٨٤).\n(٣) الدَّخيل: الضيف والنزيل. \"النهاية\".\n(٤) أخرجه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٩٣٧)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٦٣٧) وغيرهما، وانظر \"آداب الزفاف\" (ص ٢٨٤).\n(٥) أي: لا أقصّر ولا أُبْطِئُ عن طاعته وخدمته.\n(٦) أخرجه أحمد، والنسائي بإِسنادين جيدين وغيرهما، وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١٩٣٣)، و\"آداب الزفاف\" (ص ٢٨٥).\n(٧) أخرجه أحمد والطبراني، وحسنه لغيره شيخنا -﵀- في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١٩٣٢).","vol":"5","page":219},{"text":"جاء في \"الفتاوى\" (٣٢/ ٢٦١): \"وسئل -﵀- عن امرأة تزوّجت، وخرجت عن حكم والديها؛ فأيهما أفضل: بِرُّها لوالديها، أو مطاوعة زوجها؟\nفأجاب: الحمد لله رب العالمين. المرأة إِذا تزوّجت كان زوجها أملك بها من أبويها، وطاعة زوجها عليها أوجب، قال الله -تعالى-: ﴿فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله﴾ ... \". ثمّ ذكَر -﵀- عددًا من الأحاديث في وجوب طاعة المرأة زوجها.\nثمّ قال -﵀-: \"والأحاديث في ذلك كثيرة عن النَبيَ - ﷺ -، وقال زيد ابن ثابت: الزوج سيِّد في كتاب الله، وقرأ قوله -تعالى-: ﴿وألفيا سيدها لدى الباب﴾. وقال عمر بن الخطاب: النكاح رقّ فلينظر أحدكم عند من يُرِقُّ كريمته (١). وفي \"الترمذي\" وغيره عن النّبيّ - ﷺ - أنه قال: \"استوصوا بالنساء خيرًا، فإِنّما هنّ عندكم عوانٍ\" (٢). فالمرأة عند زوجها تشبه الرقيق والأسير، فليس لها أن تخرج من منزله إِلا بإِذنه؛ سواءٌ أمَرها أبوها أو أمها، أو غير أبويها باتفاق الأئمة.\nوإِذا أراد الرجل أن ينتقل بها إِلى مكان آخر -مع قيامه بما يجب عليه وحِفْظِ حدود الله فيها- ونهاها أبوها عن طاعته في ذلك؛ فعليها أن تطيع زوجها دون أبويها؛ فإِن الأبوين هما ظالمان؛ ليس لهما أنْ يَنْهَيَاهَا عن طاعة مثل هذا\n_________\n(١) قال العلامة العراقي -﵀- في تخريج \"الإحياء\" (٢/ ٤٧): \"رواه أبو عمر التوقاني في \"معاشرة الأهلين\" موقوفًا على عائشة وأسماء ابنتي أبي بكر -﵃- قال البيهقي: ورُوي ذلك مرفوعًا؛ والموقوف أصحّ\".\n(٢) أخرجه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٥٠١)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٩٢٩) وغيرهما، وحسنه شيخنا -﵀- في \"الإرواء\" (٢٠٣٠).\nومعنى (عوانٍ)؛ أي: أسيرات، جمع (عَانِيَة).","vol":"5","page":220},{"text":"الزّوج، وليس لها أن تطيع أمّها فيما تأمرها به من الاختلاع منه، أو مضاجرته حتى يطلقها؛ مثل أن تطالبه من النفقة والكسوة والصَّداق بما تطلبه ليطلقها، فلا يحل لها أن تطيع واحدًا من أبويها في طلاقه إِذا كان متقيًا لله. ففي \"السنن الأربعة\" و\"صحيح أبي حاتم\" عن ثوبان قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس؛ فحرام عليها رائحة الجنّة\" (١). وفي حديث آخر: \"المختلعات والمنتزعات هنّ المنافقات\" (٢). وأمّا إِذا أمرها أبواها أو أحدهما بما فيه طاعة الله: مثل المحافظة على الصلوات؛ وصدق الحديث، وأداء الأمانة، ونهوها عن تبذير مالها وإضاعته، ونحو ذلك مما أمر الله ورسوله أو نهاها الله ورسوله عنه: فعليها أن تطيعهما في ذلك، ولو كان الأمر من غير أبويها، فكيف إِذا كان من أبويها؟!\nوإذا نهاها الزوج عما أمر الله، أو أمرها بما نهى الله عنه، لم يكن لها أن تطيعه في ذلك، فإِن النبيّ - ﷺ - قال: \"إِنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق\" (٣). بل المالك لو أمر مملوكه بما فيه معصية لله؛ لم يجز له أن يطيعه في معصية، فكيف يجوز أن تطيع المرأة زوجها أو أحد أبويها في معصية؟! فإن الخير كلّه في طاعة الله ورسوله، والشر كلّه في معصية الله ورسوله\".\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٩٤٧)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٦٧٢) واللفظ له، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٩٤٨) وغيرهم، وصححه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٢٠٣٥).\n(٢) أخرجه أحمد والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٣٢٣٨)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٩٤٧) وغيرهم، وانظر \"الصحيحة\" (٦٣٢).\n(٣) أخرجه أحمد والطبراني وغيرهما، وانظر \"الصحيحة\" (١٨٠).","vol":"5","page":221},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1450>وجوب خدمة المرأة لزوجها </span>(١):\nقلت: وبعض الأحاديث المذكورة آنفًا (٢) ظاهرة الدلالة على وجوب طاعة الزوجة لزوجها، وخِدمتها إِياه في حدود استطاعتها، ومما لا شكّ فيه أنّ من أول ما يدخل في ذلك: الخدمةَ في منزله، وما يتعلق به من تربية أولاده ونحو ذلك. وقد اختلف العلماء في هذا، فقال شيخ الإِسلام ابن تيمية -﵀- في \"الفتاوى\" (٢/ ٢٣٤ - ٢٣٥): \"وتنازع العلماء، هل عليها أن تخدمه في مِثل فراش المنزل، ومناولة الطعام والشراب، والخَبْزِ والطَّحْنِ والطعام لمماليكه وبهائمه؛ مِثل علف دابته ونحو ذلك؟\nفمنهم من قال: لا تحب الخِدمة.\nوهذا القول ضعيف، كضعف قول من قال: لا تجب عليه العشرة والوطء! فإِنّ هذا ليس معاشرة له بالمعروف، بل الصاحب في السفر الذي هو نظير الإِنسان، وصاحبه في المسكن؛ إِن لم يعاونه على مصملحته؛ لم يكن قد عاشره بالمعروف.\nوقيل -وهو الصواب-: وجوب الخدمة، فإِنّ الزوج سيّدها في كتاب الله، وهي عانية عنده بسُنّة رسول الله - ﷺ -، وعلى العاني والعبد الخدمة، ولأن ذلك هو المعروف.\nثمّ مِنْ هؤلاء مَنْ قال: تجب الخدمة اليسيرة، ومنهم من قال: تجب الخِدمة\n_________\n(١) عن كتاب \"آداب الزفاف\" (ص ٢٨٦) -بتصرّف يسير-.\n(٢) كقوله - ﷺ -: \"فانظُري أين أنت منه؟ فإِنّما هو جنّتك ونارك\"، وكقوله - ﷺ -: \"إِذا صلّت المرأة خمسها، وحصّنت فرجها، وأطاعت بعلها؛ دخلَت من أيّ أبواب الجنّة شاءت\".","vol":"5","page":222},{"text":"بالمعروف. وهذا هو الصواب، فعليها أن تَخْدُمَهُ الخدمة المعروفة من مثلها لِمثله، ويتنوع ذلك بتنوع الأحوال، فخِدمة البدوية ليست كخدمة القروية، وخدمة القوية ليست كخدمة الضعيفة\".\nقال شيخنا -﵀-: \"وهذا هو الحقّ -إِن شاء الله تعالى- أنه يجب على المرأة خدمة البيت، وهو قول مالك وأصبغ، كما في \"الفتح\" (٩/ ٤١٨)، وأبي بكر بن أبي شيبة، وكذا الجُوزَجَانِيِّ من الحنابلة، كما في \"الاختيارات\" (ص ١٤٥)، وطائفة من السلف والخلف، كما في \"الزاد\" (٤/ ٤٦)، ولم نجد لمن قال بعدم الوجوب دليلًا صالحًا.\nوقول بعضهم: \"إِنّ عقد النكاح إِنما اقتضى الاستمتاع لا الاستخدام\"! مردود بأنّ الاستمتاع حاصل للمرأة أيضًا بزوجها، فهما متساويان في هذه الناحية، ومن المعلوم أنّ الله -﵎- قد أوجب على الزوج شيئًا آخر لزوجته، ألا وهو نفقتها وكسوتها ومسكنها، فالعدل يقتضي أن يجب عليها مقابل ذلك شيء آخر أيضًا لزوجها، وما هو إِلا خِدمتها إِيّاه، ولا سيما أنه القوّام عليها بنص القرآن الكريم، وإذا لم تقم هي بالخدمة فسيُضْطَرُّ هو إِلى خدمتها في بيتها، وهذا يجعلها هي القوّامة عليه، وهو عكس للآية القرآنية كما لا يخفى، فثَبتَ أنه لا بدّ لها من خِدمته، وهذا هو المراد!\nوأيضًا؛ فإِنّ قيام الرجل بالخدمة يؤدّي إِلى أمرين متباينين تمام التباين؛ أن ينشغل الرجل بالخدمة عن السعي وراء الرزق وغير ذلك من المصالح، وتبقى المرأة في بيتها عُطَلًا عن أي عمل يجب عليها القيام به! ولا يخفى فساد هذا في الشريعة التي سوَّت بين الزوجين في الحقوق، بل وفضّلت الرجل عليها","vol":"5","page":223},{"text":"درجة، ولهذا لم يُزِل الرسول - ﷺ - شكوى ابنته فاطمة [﵂] حينما: \"أتت النّبيّ - ﷺ - تشكو إِليه ما تلقى في يدها من الرَّحَى، وبَلَغَها أنه جاءه رقيق، فلم تصادفه، فذكَرت ذلك لعائشة، فلما جاء، أخبرته عائشة، قال علي -﵁-: فجاءنا وقد أخذْنا مضاجعنا، فذهبْنا نقوم، فقال: على مكانكما! فجاء، فقعد بيني وبينها، حتى وجدت بَرْدَ قدميه على بطني، فقال: ألا أدلكما على خير ممّا سألتما؟ إذا أخذتما مضاجعكما -أو أويتما إِلى فراشكما- فسبِّحا ثلاثًا وثلاثين، واحمدا ثلاثًا وثلاثين، وكبّرا أربعًا وثلاثين، فهو خير لكما من خادم. قال علي: فما تركْتها منذ سمعته من النّبيّ - ﷺ -. قيل له: ولا ليلة صِفّين؟ قال: ولا ليلة صفّين\" (١).\nفأنت ترى أنّ النّبيّ - ﷺ - لم يقل لعليّ: لا خِدمة عليها، وإنما هي عليك، وهو - ﷺ - لا يحابي في الحُكم أحدًا كما قال ابن القيّم -﵁-. ومن شاء زيادة البحث في هذه المسألة فليرجع إِلى كتابه القيم \"زاد المعاد\" (٤/ ٤٥ - ٤٦).\nهذا وليس فيما سَبق من وجوب خِدمة المرأة لزوجها ما ينافي استحباب مشاركة الرجل لها في ذلك، إِذا وجد الفراغ والوقت، بل هذا من حُسْنِ المعاشرة بين الزوجين، ولذلك قالت السيدة عائشة -﵂-: \"كان - ﷺ - يكون في مهنة أهله -تعني خِدمة أهله-، فإِذا حضرت الصلاة خرج إِلى الصلاة\" (٢). انتهى كلام شيخنا -﵀-.\nوذكر بعض العلماء في وجوب خدمة المرأة زوجها لقوله -سبحانه-:\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٥٣٦١، ومسلم: ٢٧٢٧ واللفظ له.\n(٢) أخرجه البخاري: ٦٧٦.","vol":"5","page":224},{"text":"﴿ولهنّ مِثلُ الذي عليهنّ بالمعروف﴾ (١)؛ أي: ولهنّ على الرجال من الحقّ مِثل ما للرجال عليهنّ، فليؤدّ كل واحدٍ منهما إِلى الآخر ما يجب عليه بالمعروف. قاله ابن كثير -﵀-.\nفإِن لم تكن الخدمة من ذلك؛ فماذا يكون عليها؟!\nوذكروا كذلك حديث أسماء بنت أبي بكر -﵄- قالت: \"تزوّجني الزُّبير وما له في الأرض من مال ولا مملوك ولا شيء؛ غير ناضح (٢)، وغير فرسه، فكنت أعلف فرسه، وأستقي الماء، وأخرِز (٣)، غَرَبهُ (٤)، وأعجن، ولم أكن أُحسن أخبز، وكان يخبز جارات لي من الأنصار -وكُنَّ نِسْوةَ صِدْقٍ- وكنت أنقل النّوى من أرض الزبير -التي أقطعه رسول الله - ﷺ -- على رأسي، وهي مِنّي على ثُلُثَيْ فرسخٍ (٥) \" (٦).\nوفي بعض مجالس شيخنا -﵀- سُئل: هل للمرأة أن تَخْدُمَ إِخوان الزوج؟ فأجاب -﵀-: الزوج هو الذي يُخْدَمُ فقط لا غيره؛ إِلا إِذا كان قد اشترط بخدمة أخ أو والد أو والدة؛ فيجب.\n_________\n(١) البقرة: ٢٢٨.\n(٢) الناضح: هو الجمل الذي يُسقى عليه الماء.\n(٣) أي: تخيط الجلد وتجعل منه دلوًا.\n(٤) هو الدلو.\n(٥) الفرسخ: ثلاث أميال، وهي حوالي ٦ كم، انظر كتاب: \"المكاييل والأوزان الإِسلامية وما يعادلها في النظام المتري\" (ص ٩٤) لفالترهنتس وترجمه عن الألمانية د. كامل العسلي.\n(٦) أخرجه البخاري: ٥٢٢٤، ومسلم: ٢١٨٢.","vol":"5","page":225},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1451>حقّ الزوجة على زوجها </span>(١)\n<span data-type=\"title\" id=toc-1452>١ - حُسن المعاشرة:</span>\nقال الله -تعالى-: ﴿وعاشروهنّ بالمعروف فإِنْ كرهتموهنّ فعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعلَ الله فيه خيرًا كثيرًا﴾ (٢).\nقال ابن كثير -﵀- بتصرُّف: \"أي: طيّبوا أقوالكم لهنّ، وحسِّنوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم، كما تحبّ ذلك منها، فافعل أنت بها مِثله، كما قال -تعالى-: ﴿ولهنّ مِثل الذي عليهنّ بالمعروف﴾ (٣) وقال رسول الله - ﷺ -: \"خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي\" (٤).\nوكان من أخلاقه - ﷺ - أنه جميل العشرة دائم البِشر، يُداعب أهله، ويتلطف بهم، ويوسعهم نفقته، ويضاحك نساءه، حتى إِنه كان يسابق عائشة أمّ المؤمنين يتودّد إِليها بذلك: عن عائشة -﵂- قالت: \"كُنْتُ مع النّبيّ - ﷺ - في سفر، فسابقْتُه فسبَقْته على رِجْلَيَّ، فلمّا حَملتُ اللحم؛ سابقْتُه فسبقَني، فقال: هذه بتلك السّبْقة\" (٥).\n_________\n(١) وقد تكرّر عدد من أحاديث هذا الباب في (وصايا الإِمام الألباني -﵀-).\n(٢) النساء: ١٩.\n(٣) البقرة: ٢٢٨.\n(٤) أخرجه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٣٠٥٧)، والدارمي، وابن حبان، وانظر \"الصحيحة\" (٢٨٥).\n(٥) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٢٤٨)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٦١٠)، وانظر \"الإِرواء\" (١٥٠٢)، و\"الصحيحة\" (١٣١)، و\"المشكاة\" (٣٢٥١).","vol":"5","page":226},{"text":"وقوله -تعالى-: ﴿فإِنْ كرهتموهنّ فعسى أن تكرهوا شيئًا ويَجْعَلَ الله فيه خيرًا كثيرًا﴾، أي: فعسى أن يكون صبركم -مع إِمساككم لهنّ وكراهتهن- فيه خير كثير لكم في الدنيا والآخرة، كما قال ابن عباس -﵄- في هذه الآية: هو أن يعطف عليها، فيرزق منها ولدًا، ويكون في ذلك الولد خير كثير. وفي الحديث الصحيح: \"لا يَفْرَك (١) مؤمن مؤمنة، إِن كره منها خلقًا رضي منها آخر\" (٢). انتهى.\nوعن عائشة -﵂- قالت: \"كنت أشرب وأنا حائض، ثمّ أناوله النّبيّ - ﷺ -، فيضع فاه على موضع فيَّ، فيشرب، وأتعرّقُ العَرْق (٣) وأنا حائض، ثمّ أناوله النّبيّ - ﷺ -، فيضع فاه على موضع فيّ\" (٤).\nوعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"استوصوا بالنساء، فإِنّ المرأةَ خُلِقَتْ من ضِلَع أعوج، وإن أعوج شيء في الضلَع أعلاه، فإِنْ ذهبتَ تقيمه كسرته، وإنْ تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء\" (٦).\n_________\n(١) يَفْرَك: لا يُبغِض.\n(٢) أخرجه مسلم: ١٤٦٩.\n(٣) العَرق: واحد العراق، وهي العظام التي يُؤخذ منها هبر اللحم، وتقدّم مفصّلًا في كتابي هذا \"الموسوعة\" (١/ ٣٧).\n(٤) أخرجه مسلم: ٣٠٠.\n(٦) أخرجه البخاري: ٣٣٣١، ومسلم: ١٤٦٨.","vol":"5","page":227},{"text":"وعن عمرو بن الأحوص: \"أنه شهد حجة الوداع مع رسول الله - ﷺ -، فحمد الله وأثنى عليه، وذكَّر ووعظ، ثمّ قال: استوصوا بالنّساء خيرًا، فإِنّهنّ عندكم عوانٍ، ليس تملكون منهنّ شيئًا غير ذلك، إِلا أنْ يأتين بفاحشة مبينة، فإِنْ فعلن فاهجروهنّ في المضاجع، وإضربوهنّ ضربًا غير مُبرّح، فإِد أطعنكم فلا تبغوا عليهنّ سبيلًا، إِنّ لكم من نسائكم حقًا، ولنسائكم عليكم حقًا. فأمّا حقُّكم على نسائكم: فلا يوطئن فُرشكم من تكرهون، ولا يَأذَنَّ في بيوتكم لمن تكرهون. ألا وحقّهُنَّ عليكم: أن تُحسنوا إِليهن في كسوتهنّ وطعامهنّ\" (١).\nفينبغي في ضوء ما تقدّم ألا يتعامل الرجل مع زوجه على أنها كاملة معصومة، بل خطّاءة خُلقت من ضِلَع أعوج، فإِذا جاء التصرّف الأعوج تذكّر أصْل خلقتها، فصبَر عليها، وتذكّر ما لها من محاسن السلوك والأخلاق، والأقوال والأفعال، فازداد صبرًا، ولم يبْدُ منه ما يعكّر صفو حياته الزوجيّة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1453>٢ - صيانتها </span>(٢):\nويجب على الزوج أن يصون زوجتَه، ويحفظها من كل ما يخدش شرفَها، ويثلم عرضها، ويمتهن كرامتها، ويُعرّض سمعتها لقالة السوء، وهذا من الغيرة التي يحبها الله؛ عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إِنّ الله يغار، وإِنّ المؤمن يغار، وغيرةُ الله أن يأتي المؤمن ما حَرّم عليه\" (٣).\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٥٠١)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٩٢٩) وغيرهما، وحسّنه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٢٠٣٠).\n(٢) من \"فقه السُّنّة\" (٢/ ٥٠٩) بتصرّف.\n(٣) أخرجه البخاري: ٥٢٢٣، ومسلم: ٢٧٦١.","vol":"5","page":228},{"text":"وعن المغيرة قال: \"قال سعد بن عبادة: لو رأيت رجلًا مع امرأتي لضربتُه بالسيف غيرَ مُصْفَح (١). فبلغ ذلك رسول الله - ﷺ - فقال: تعجبون من غيرة سعد، واللهِ لأنا أغيرُ منه، واللهُ أغيرُ منّي، ومِن أجل غيرة الله حرّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحدَ أحبُّ إِليه العُذْرُ من الله، ومن أجل ذلك بعث المبشرين والمنذِرين، ولا أحدَ أحبُّ إِليه المِدحةُ من الله، ومن أجل ذلك وعد الله الجنة\" (٢).\nوعن ابن عمر -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ثلاثة لا ينظر الله -﷿- إِليهم يوم القيامة: العاقُّ لوالديه، والمرأة المترجّلة (٣)، والديّوث (٤) \" (٥).\nوعن عمّار بن ياسر -﵁- عن رسول الله - ﷺ - قال: \"ثلاثة لا يدخلون الجنّة أبدًا: الديّوث، والرَّجُلة من النساء، ومدمن الخمر. قالوا: يا رسول الله! أما مُدمن الخمر فقد عرفناه، فما الديُّوث؟ قال: الذي لا يبالي مَن دخل على أهله. قلنا: فما الرَّجُلَة من النساء؟ قال: التي تَشَبَّهُ بالرجال\" (٦).\nوكما يجب على الرجل أن يغار على زوجته، فإِنه يُطلَبُ منه أن يعتدل في\n_________\n(١) قال في \"النهاية\": \"يقال: أصْفَحه بالسيف: إِذا ضربه بعُرْضه دون حدّه، فهو مُصْفِح، والسيف مُصفَح\".\n(٢) أخرجه البخاري: ٧٤١٦، ومسلم: ٢٧٦٠.\n(٣) التي تتشبّه بالرّجال في زيّهم وهيأتهم، وانظر \"النهاية\".\n(٤) الدَّيوث: هو الذى لا يغار على أهله. \"النهاية\".\n(٥) أخرجه النسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٢٤٠٢)، وأحمد وغيرهما، وانظر \"الصحيحة\" (٦٧٤).\n(٦) أخرجه الطبراني، وصححه لغيره شيخنا -﵀- كما في \"صحيح الترغيب =","vol":"5","page":229},{"text":"هذه الغَيرة، فلا يبالغ في إِساءة الظن بها، ولا يسرف في تَقَصِّي كل حركاتها وسكناتها، ولا يحصي جميع عيوبها؛ فإِن ذلك يفسد العلاقة الزوجية، ويقطع ما أمر الله به أن يوصَل.\nعن جابر بن عَتِيكِ أن نبيَّ الله - ﷺ - كان يقول: \"من الغَيرة ما يحبُّ الله، ومنها ما يُبْغِض الله؛ فأمَّا التي يُحبّها الله فالغيرة في الريبة، وأمّا التي يبغضها الله فالغَيرة في غير ريبة. وإنّ من الخيلاء ما يبغض الله، ومنها ما يحبُّ الله، وأمّا الخُيلاء التي يحبُّ الله؛ فاختيال الرجل نفسه عند القتال، واختياله عند الصدقة، وأمّا التي يبغض الله؛ فاختياله في البغي والفخر\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1454>٣ - إِتيانها ووطْؤُها:</span>\nقال ابن حزم -﵀- في \"المحلّى\" (١١/ ٢٣٦): \"وفرْض على الرجل أن يُجامع امرأته التي هي زوجته، وأدنى ذلك مرة في كلّ طُهر -إِنْ قَدَرَ على ذلك-؛ وإِلا فهو عاص لله -تعالى-. بُرهان ذلك: قول الله -﷿-: ﴿فإذا تطهرن فَأْتُوهُنّ من حَيْثُ أَمَرَكُم الله﴾ \".\nثمّ روى بإِسناده عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: \"إِنّا لنسير مع عمر بن الخطاب -﵁- بالرف من جُمْدان؛ إِذ عرضت له امرأة -من خزاعة- شَابة، فقالت: يا أمير المؤمنين! إِني امرأة أحبّ ما تحب النساء من الولد وغيره، ولي زوج شيخ، ووالله ما برِحْنا حتى نظرنا إِليه يهوي -شيخ كبير-، فقال\n_________\n= والترهيب «٢٠٧١).\n(١) أخرجه أحمد، وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٣١٦)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٢٣٩٨) وغيرهما، وانظر \"الإرواء\" (١٩٩٩).","vol":"5","page":230},{"text":"لعمر: يا أمير المؤمنين! إِني لمحسن إِليها وما آلوها؟ فقال له عمر: أتقيم لها طُهرها؟ فقال: نعم، فقال لها عمر: انطلقي مع زوجك، والله إِنّ فيه لما يجزي -أو قال: يغني- المرأة المسلمة\".\nقال أبو محمد -﵀-: \"ويُجبَر على ذلك من أبى بالأدب، لأنه أتى منكرًا من العمل\".\nثمّ ذكَر قول سلمان لأبي الدرداء -﵄-: \" ... ولأهلك عليك حقًّا\"، ولفظه كما في حديث أبي جُحَيْفَة -﵁- قال: \"آخى النّبيّ - ﷺ - بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أمّ الدّرداء متبذّلة (١)، فقال لها: ما شأنُك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا! فجاء أبو الدرداء، فصنع له طعامًا فقال له: كُل، قال: فإِني صائم، قال: ما أنا بآكلٍ حتى تأكل، قال: فأكل. فلمّا كان الليل؛ ذهب أبو الدرداء يقوم، قال: نم، فنام، ثمّ ذهب يقوم، فقال: نم، فلمّا كان من آخر الليل؛ قال سلمان: قُم الآن، فصلَّيا. فقال له سلمان: إِنّ لربّك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا، فأعط كلّ ذي حقٍّ حَقَّهُ، فأتى النّبيَّ - ﷺ -، فذكَر ذلك له؟ فقال له النّبيّ - ﷺ -: صدَق سلمان\" (٢).\nوفي رواية: \" ... وائت أهلك\" (٣).\n_________\n(١) \"متبذلة؛ أي: لابسة ثياب البِذْلة -بكسر الموحدة وسكون الذال-، وهي المهنة؛ وزنًا ومعنى، والمراد: أنها تاركة للبس ثياب الزينة\". \"فتح\".\n(٢) أخرجه البخاري: ١٩٦٨.\n(٣) أخرجه الدارقطني، وذكره الحافظ -﵀- في \"الفتح\"، وانظر \"آداب الزفاف\" (ص ١٦٠).","vol":"5","page":231},{"text":"قال الحافظ -﵀-: \"وقد يُؤخذ منه ثبوت حقّها في الوطءِ لقوله: \"ولأهلك عليك حقًّا\" ثمّ قال: \"وائت أهلك\"؛ وقرّرهُ النّبيّ - ﷺ - على ذلك\". انتهى.\nقلت: وقول ابن حزم -﵀-: \" ﴿فإذا تَطَهَّرْنَ فَأتُوهُنّ من حَيْثُ أَمَرَكُم الله﴾ \"؛ جاء بعد حظر، فمن العلماء من يقول: إِنه للإِباحة *والتحقيق أن يقال: صيغة: (افْعَلْ) بعد الحَظر لرفع ذلك الحظر، وإعادة حال الفعل إِلى ما كان قبل الحَظر؛ فإِنْ كان مباحًا كان مباحًا، وإنْ كان واجبًا أو مستحبًا كان كذلك، وعلى هذا يخرج قوله: ﴿فإِذا انْسَلَخَ الأشهر الحُرُم فاقْتلوا المشركين﴾ (١)؛ فإِنّ الصيغة رفَعت الحظر، وأعادته إِلى ما كان أوّلًا، وقد كان واجبًا* (٢).\nوبذا عُدْنا إِلى الحوار في أصْل الحُكم.\nوالذي يبدو أنّ هذا يَتْبَعُ حال الرجل والمرأة، فإِذا احتاجا إِليه؛ وجب؛ لتحقيق الإِحصان وغضّ البصر والإِعفاف، فقد جاء الحثّ على الزّواج من أجل ذلك، كما في قوله - ﷺ -: \"يا معشر الشباب! من استطاع الباءة فليتزوج، فإِنه أغضُّ للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإِنه له وجاء\" (٣).\nوالأثر الذي ذكَره الإِمام ابن حزم -﵀- فيه أنّ المرأة اشتكَت، وكذا في توجيه سلمان أبا الدرداء -﵄-، فقد أجابت أمّ الدرداء سلمان -﵄- حين سألها: ما شأنك؟ فقالت: أخوك أبو الدرداء ليس له\n_________\n(١) التوبة: ٥.\n(٢) ما بين نجمتين من كتاب \"المسوّدة\" (ص ١٨).\n(٣) أخرجه البخاري: ٥٠٦٦، ومسلم: ١٤٠٠، وتقدّم.","vol":"5","page":232},{"text":"حاجةٌ في الدنيا.\nفالوجوب الذي أشار إِليه ابن حزم -﵀- كان مبعثُهُ الحاجةَ أو الشكوى، فماذا إِذا لم تكن ثمّة حاجة أو شكوى؟!\nثمّ رأيت ابن كثير -﵀- يقول في تفسير قوله -تعالى-: ﴿فإذا تَطَهَّرْنَ فَأتُوهُنَّ مِنْ حَيثُ أَمَرَكُمُ الله﴾: \"فيه ندْب وإرشاد إلى غشيانهن بعد الاغتسال، وذهب ابن حزم إِلى وجوب الجماع بعد كل حيض، لقوله: ﴿إذا تَطَهَّرْنَ فَاْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله﴾! وليس له في ذلك مستند؛ لأنّ هذا أمر بعد الحظر، وفيه أقوال لعلماء الأصول، منهم من يقول: إِنه للوجوب كالمطلق، وهؤلاء يحتاجون إِلى جواب ابن حزم. ومنهم من يقول: إِنه للإِباحة، ويجعلون تقدّم النهي عليه قرينة صارفة له عن الوجوب، وفيه نظر! والذي ينهض عليه الدليل أنه يُردّ الحكم إِلى ما كان عليه الأمر قبل النهي، فإِن كان واجبًا فواجب؛ كقوله -تعالى-: ﴿فإِذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين﴾ (١)، أو مباحًا فمباح؛ كقوله -تعالى-: ﴿وإِذا حللتم فاصطادوا﴾ (٢)، ﴿فإِذا قُضيت الصلاة فانتشروا في الأرض﴾ (٣). وعلى هذا القول تجتمع الأدلّة ... \".\nوجاء في \"الفتاوى\" (٣٢/ ٢٧١): \"وسئل -رحمه الله تعالى- عن الرجل إِذا صبر على زوجته الشهر والشهرين لا يطؤها؛ فهل عليه إِثم أم لا؟ وهل يطالب الزوج بذلك؟\n_________\n(١) التوبة: ٥.\n(٢) المائدة: ٢.\n(٣) الجمعة: ١٠.","vol":"5","page":233},{"text":"فأجاب: يجب على الرجل أن يطأ زوجته بالمعروف؛ وهو من أوكد حقها عليه: أعظم من إِطعامها.\nوالوطء الواجب قيل: إِنه واجب في كل أربعة أشهر مرة. وقيل: بقدر حاجتها وقدرته؛ كما يطعمها بقدر حاجتها وقدرته، وهذا أصح القولين. والله أعلم\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1455>حقّ الزوج على زوجته:</span>\nمن حقّ الرجل على زوجته أن تطيعه في غير معصية الله -سبحانه-، فللرجل القوامة، وعليها الاستجابة والطاعة.\nقال الله -تعالى-: ﴿الرِّجال قوّامون على النساء بما فضّل اللهُ بعضَهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم (١) فالصَّالحات قانتاتٌ (٢) حافظات للغيب (٣) بما حفظ الله﴾ (٤).\nوعن قيس بن سعد أنّ النّبيّ - ﷺ - قال: \"لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد؛ لأمرتُ النساء أن يسجدن لأزواجهنّ؛ لِما جعل الله لهم عليهنّ من الحقّ\" (٥).\n_________\n(١) قال ابن كثير -﵀-: \"قال الشعبي في هذه الآية: الصَّداق الذي أعطاها. ألا ترى أنه لو قذَفها لاعَنَها، ولو قذفتْهُ جُلِدَت\".\n(٢) أي: مطيعات لأزواجهنّ.\n(٣) قال السدي وغيره: \"أي: تحفظ زوجها في غيبته؛ في نفسها وماله\".\n(٤) النساء: ٣٤.\n(٥) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٨٧٣)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٩٢٦)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٥٠٣)، وانظر \"الإِرواء\" (١٩٩٨).","vol":"5","page":234},{"text":"وتقدّم أنّ خير النساء: التي تسر زوجها إِذا نظرَ إِليها، وتطيعه إِذا أمرها، ولا تخالفه في نفسها ومالها بما يكره.\nفعن أبي هريرة -﵁- قال: \"قيل لرسول الله - ﷺ -: أي النساء خير؟ قال: التي تسرّه إِذا نظر، وتطيعه إِذا أمر، ولا تخالفه في نفسها ومالها بما يكره\" (١).\nوعن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: \"أتى رجل بابنته إِلى رسول الله - ﷺ -، فقال: إِنّ ابنتي هذه أبت أن تتزوّج؟ فقال لها رسول الله - ﷺ -: أطيعي أباك.\nفقالت: والذي بعثك بالحق؛ لا أتزوّج حتى تخبرني ما حقّ الزوج على زوجته؟ قال: حق الزوج على زوجته؛ لو كانت به قُرْحة، فلحستها، أو انتثر منخراه صديدًا أو دمًا، ثمّ ابتلعته؛ ما أدّت حقّه. قالت: والذي بعثك بالحق لا أتزوّج أبدًا! فقال النّبيّ - ﷺ -: لا تنْكِحُوهنَّ إِلا بِإِذْنِهِنَّ\" (٢).\nوجاء في \"الفتاوى\" (٣٢/ ٢٧١ - ٢٧٧) -بحذف-: \"وسئل -رحمه الله تعالى- عمن له زوجة لا تصلّي: هل يجب عليه أن يأمرها بالصلاة؟ وإذا لم تفعل: هل يجب عليه أن يفارقها، أم لا؟\nفأجاب: نعم، عليه أن يأمرها بالصلاة، ويجب عليه ذلك؛ بل يجب عليه\n_________\n(١) أخرجه أحمد، والحاكم، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٣٠٣٠)، وانظر \"الصحيحة\" (١٨٣٨)، وتقدّم.\n(٢) أخرجه البزار بإِسناد جيد، رواته ثقات مشهورون، وابن حبان في \"صحيحه\"، وقال شيخنا -﵀- في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١٩٣٤): \"حسن صحيح\".","vol":"5","page":235},{"text":"أن يأمر بذلك كل من يقدر على أمره به إِذا لم يقم غيره بذلك، وقد قال -تعالى-: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بالصَّلاة وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ (١)، وقال -تعالى-: ﴿يا أيها الذين آمنوا قُوا أنفُسَكم وأهلِيكُم نارًا وَقُودُهَا الناس والحجارة﴾ (٢).\nوينبغي مع ذلك الأمر أن يَحُضَّها على ذلك بالرغبة، كما يَحُضُّها على ما يحتاج إِليها، فإِن أصرّت على ترْك الصلاة؛ فعليه أن يطلّقها، وذلك واجب في الصحيح. وتارك الصلاة مستحق للعقوبة حتى يصلّي -باتفاق المسلمين-؛ بل إِذا لم يصلِّ قُتِل، وهل يُقْتَل كافرًا مرتدًا؟ على قولين مشهورين. والله أعلم\".\nويجب عليها أن تلبّي دعوته إِلى الفراش حين يطلبها.\nعن أبي هريرة -﵁- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"إِذا دعا الرجل امرأته إِلى فراشه، فأبت أن تجيء، لعنتها الملائكة حتى تصبح\" (٣).\nولقوله - ﷺ -: \"إِذا دعا الرجل زوجته لحاجته؛ فلتأته وإن كانت على التنّور\" (٤).\nولقوله - ﷺ -: \"والذي نفس محمد بيده؛ لا تؤدّي المرأة حقّ ربّها حتى تؤدّي حقّ زوجها، ولو سألها نفسها وهي على قتب لم تمنعه\" (٥).\n_________\n(١) طه: ١٣٢.\n(٢) التحريم: ٦.\n(٣) أخرجه البخاري: ٥١٩٣، ومسلم: ١٤٣٦.\n(٤) أخرجه الترمذي، والنسائي، وقال الترمذي: \"حديث حسن صحيح\".\n(٥) أخرجه أحمد، وابن ماجه، وابن حبان، وانظر \"آداب الزفاف\" (ص ٢٨٣).","vol":"5","page":236},{"text":"جاء في \"الفتاوى\" (٣٢/ ٢٠٣ - ٢٠٤): \"وسئل -﵀- عن رجل تزوّج امرأة، وكتب كتابها، ودفع لها المال بكماله؛ وبقي المقسّط من ذلك، ولم تستحق عليه شيئًا؛ وطلبها للدخول فامتنعت؛ ولها خالة تمنعها: فهل تجبر على الدخول؟ ويلزم خالتها المذكورة تسليمها إِليه؟\nفأجاب: ليس لها أن تمتنع من تسليم نفسها -والحالُ هذه- باتفاق الأئمة، ولا لخالتها ولا غير خالتها أن يمنعها؛ بل تعزَّر الخالة على منعها من فعل ما أوجب الله عليها، وتُجْبر المرأة على تسليم نفسها للزّوج\".\nومن حقّه ألا تصوم بحضوره إِلا بإِذنه.\n\"لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إِلا بإِذنه [غير رمضان]، ولا تأذن في بيته إِلا بإِذنه\" (١).\nولا تأذن في بيته إِلا بإِذنه؛ للحديث السابق، ولقوله - ﷺ -: \"ألا إِنّ لكم على نسائكم حقًّا، ولنسائكم عليكم حقًّا. فأمّا حقّكم على نسائكم؛ فلا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذنَّ في بيوتكم لمن تكرهون. ألا وحقّهُنّ عليكم أن تُحسنوا إِليهنَّ في كسوتهنّ وطعامهنّ\" (٢).\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٥١٩٥، ومسلم: ١٠٢٦، وانظر \"آداب الزفاف\" (ص ٢٨٢) لأجل الزيادة.\n(٢) أخرجه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٩٢٩)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٥٠١)، وانظر \"الإرواء\" (٢٠٣٠).","vol":"5","page":237},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1456>الطَّلاق</span>","vol":"5","page":239},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1457>الطلاق</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1458>معناه:</span>\nالطلاق في اللغة. حلّ الوثاق مشتق من الإطلاق وهو الإرسال والترك، [ويقال]: فلان طلْق اليد بالخير أي؛ كثير البذل وأطلقْتُ الرجل من حبسه.\nوفي الشرع: حلُّ عقدة التزويج وإزالة ملك النكاح، وهو موافق لبعض أفراد مدلوله اللغوي (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1459>مشروعيته </span>(٢):\nوالأصل في مشروعيته الكتاب والسُّنة والإِجماع.\nأمّا الكتاب. فلقول الله -تعالى-: ﴿الطلاق مرّتان فإِمساكٌ بمعروفٍ أو تسريحٌ بإِحسان﴾ (٣).\nولقوله -تعالى-: ﴿يا أيها النّبيّ إِذا طلّقتم النساء فطّلقوهنّ لعدّتهنّ﴾ (٤).\nوأمّا السّنّة: فلحديث سالم: \"أنّ عبد الله بن عمر -﵄- أخبره\n_________\n(١) \"الفتح\" (٩/ ٣٤٦) بزيادة من \"حلية الفقهاء\" (١٧٢) و\"التعريفات\" (١٠١).\n(٢) \"المغني\" (٨/ ٢٣٣) بتصرّف يسير.\n(٣) البقرة: ٢٢٩.\n(٤) الطلاق: ١.","vol":"5","page":241},{"text":"أنه طلّق امرأته وهي حائض، فَذَكَرَ ذلك عمر لرسول الله - ﷺ -، فتغيّظ فيه رسول الله - ﷺ - ثمّ قال: لِيراجعها، ثمّ يمسكها حتى تطهر، ثمّ تحيض فتطهر، فإِنْ بدا له أن يُطلّقها فليطلِّقها طاهرًا قبل أن يمسَّها، فتلك العدّة كما أمَره الله\" (١).\nوأجمع المسلمون على جواز الطلاق والعِبرة دالّةٌ على جوازه، فإِنه ربّما فسدت الحال بين الزوجين؛ فيصير بقاء النّكاح مفسدة محضة وضررًا مجرّدًا؛ بإِلزام الزَّوج النفقة والسُّكنى وحبس المرأة؛ مع سوء العِشرة والخصومة الدائمة مِن غير فائدة؛ فاقتضى ذلك شرْع ما يزيل النكاح؛ لتزول المفسدة الحاصلة منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1460>حُكمه:</span>\nالطّلاق على أضرُب (٢):\nواجب: وهو طلاق المولي (٣) بعد التربُّص إِذا أبى الفيئة، وطلاق الحَكَمين في الشقاق إِذا رأيا ذلك.\nوكذلك إِذا كانت المرأة سيئة الخُلُق لقوله - ﷺ -: \"ثلاثة يدعون فلا يستجاب لهم: رجلٌ كانت تحته امرأة سيئة الخلق فلم يطلّقها، ورجلٌ كان له على رجل مال فلم يُشهد عليه، ورجل آتى سفيهًا ماله وقد قال الله -﷿-: ﴿ولا تُؤتُوا السُّفهاء أموالكم﴾ (٤) (٥).\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٤٩٠٨، ومسلم: ١٤٧١.\n(٢) استفدته من \"المغني\" (٨/ ٢٣٤) بتصرّف.\n(٣) سيأتي الكلام -إِن شاء الله تعالى- عن الإِيلاء.\n(٤) النساء: ٥.\n(٥) أخرجه الحاكم وغيره، وانظر \"الصحيحة\" (١٨٠٥).","vol":"5","page":242},{"text":"قال الإِمام أحمد -﵀-: \"لا ينبغي له إِمساكها، وذلك لأن فيه نقصًا لدينه، ولا يأمن إِفسادها لفراشه وإِلحاقها به ولدًا ليس هو منه، ولا بأس بعضلها في هذه الحال والتضييق عليها لتفتدي منه. قال الله -تعالى-: ﴿ولا تَعْضُلُوهُنَّ لتذهبوا بِبَعض ما آتيتموهنّ إِلا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾ (١) \".\nومكروه: وهو الطلاق من غير حاجة إِليه، وقال بعضهم: إِنه محرّم لأنّه ضررٌ بنفسه وزوجته، وإعدام المصلحة الحاصلة لهما من غير حاجة إِليه؛ فكان حرامًا كإِتلاف المال، ولقول النّبيّ - ﷺ -: \"لا ضرر ولا ضِرار\" (٢).\nومحظور: وهو أن يكون الطلاق في الحيض أو في طُهرٍ جامَعها فيه، ويُسمّى طلاق البدعة؛ لأنّ المطلِّق خالف السُّنّة وترَك أمْر الله -تعالى- ورسوله - ﷺ - ولأنه إِذا طلَّق في الحيض طَوَّل العدة عليها، فإِن الحيضة التي طلَّق فيها لا تحسب من عدتها، ولا الطهر الذي بعدها عند من يجعل الأقراء الحيض، وإِذا طلّق في طهرٍ أصابها فيه؛ لم يأمن أن تكون حاملًا؛ فيندم وتكون مرتابة لا تدري أتعتد بالحمل أو الأقراء (٣). وهناك أضرُبٌ أُخرى؛ تَرَكْتُها لاختلاف القول فيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1461>الطلاق من حق الرجل وحده:</span>\nعن ابن عبّاس -﵄- قال: \"أتى النّبيّ - ﷺ - رجل فقال: يا رسول الله! إِن سَيّدي زوَّجني أَمَتهُ، وهو يريد أن يفرِّق بيني وبينها، قال:\n_________\n(١) النساء: ١٩.\n(٢) أخرجه أحمد وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٨٩٥) وغيرهما، وصححه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٨٩٦).\n(٣) انظر \"المغني\" (٨/ ٢٣٥).","vol":"5","page":243},{"text":"فصعد رسول الله - ﷺ - المنبر فقال: يا أيها النّاس! ما بال أحدكم يزوّج عبده أَمَتهُ؛ ثمّ يريد أن يفرّق بينهما؟ إِنّما الطلاق لِمن أخذ بالساق\" (١).\nجاء في \"فيض القدير\" (٤/ ٢٩٣) في تفسير \"لمن أخذ بالساق\": \"يعني الزَّوج وإِنْ كان عبدًا فإِذا أذِن السيد لعبده في النّكاح؛ كان الطلاق بيد العبد الآخذ بالساق؛ لا بِيَدِ سيده، فليس له إِجباره على الطلاق؛ لأنّ الإِذن في النّكاح إِذن في جميع أحكامه وتعلّقاته\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1462>تحريم سؤال الزَّوجة الطَّلاق من غير سبب موجبٍ له:</span>\nعن ثوبان -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"أيُّما امرأة سألت زوجها طلاقًا في غير ما بأس؛ فحرام عليها رائحة الجنّة\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1463>من يقع منه الطلاق:</span>\nيقع الطلاق من الزوج العاقل البالغ المختار، ولا يقع من المجنون أو الصبيّ أو المُكرَه.\nعن علي -﵁- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل\" (٣).\nوجاء في سنن النسائي \"باب متى يقع طلاق الصّبي\" تمَّ ذكر تحته حديث كثير بن السائب قال: حدَّثني أبناء قُريظة: أنَّهم عُرِضُوا على رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٦٩٢) وغيره، وحسّنه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٢٠٤١).\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٩٤٧)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٩٤٨)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٦٧٢)، وانظر \"المشكاة\" (٣٢٧٩).\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٧٠٣)، والترمذي \"صحيح سنن =","vol":"5","page":244},{"text":"يوم قريظة، فمن كان محتلمًا، أو نبتت عانته: قتل، ومن لم يكن محتلمًا أو لم تنبت عانته: ترك (١). ثمَّ ذكر حديث عطيَّة القُرظي قال: كنت يوم حُكْمِ سعد في بني قُريظة، غلامًا، فشكُّوا فيَّ، فلم يجدوني أنبتُّ، فاستُبقيت، فها أنا ذا بين أظهركم (٢). ثمّ ذكر كذلك حديث ابن عمر: أنَّ رسول الله - ﷺ - عرضه يوم أُحُد، وهو ابن أربع عشرة سنة فلم يُجِزْه، وعرَضه يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة، فأجازه (٣).\nقال نافع: فقدِمتُ على عمر بن عبد العزيز وهو خليفة؛ فحدَّثته هذا الحديث فقال: إِنَّ هذا لحدٌّ بين الصَّغير والكبير، وكَتَب إلى عمَّاله أن يفرضوا لمن بلغ خمس عشرة (٤).\nقال ابن القيّم -﵀- في \"تحفة المودود\" (ص ٤٧٧): \"وليس لوقت الاحتلام سنّ معتاد، بل من الصِّبيان من يحتلم لثنتي عشرة سنة، ومنهم من يأتي عليه خمس عشرة وستَّة عشرة سنة وأكثر من ذلك ولا يحتلم\".\nقلت: الاحتلام أمْر يُعْرَف بِحُصوله، وقد ثبتَ اختلاف السِنِّ فيه، وتقدَّم القول في \"كتاب الحيض\" أنَّه ليس في السُّنَّة تحديدٌ لِسِنِّ البنت التي تحيض، وهذا يمضي في الاحتلام. والله -تعالى- أعلم.\n_________\n= الترمذي\" (١١٥٠)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٦٦١)، وتقدّم.\n(١) انظر \"صحيح سنن النسائي\" (٣٢٠٧).\n(٢) انظر \"صحيح سنن النسائي\" (٣٢٠٨).\n(٣) انظر \"صحيح سنن النسائي\" (٣٢٠٩).\n(٤) وهو في \"صحيح البخاري\": ٢٦٦٤، و\"صحيح مسلم\": ١٨٦٨.","vol":"5","page":245},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1464>طلاق المكره والمجنون والسكران والغضبان والمدهوش ونحو ذلك:</span>\nهذه الأمور صاحبها مجرّد من الإِرادة والاختيار والنيّة، والنصوص في ذلك كثيرة:\nفعن أبي ذر الغفاري -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إِن الله تجاوز عن أُمَّتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه\" (١).\nبل إِنّ مَن أُكره على الكُفر -إِنْ كان قلبه مطمئنًا بالإِيمان- لا يكفر لقوله -سبحانه-: ﴿إِلا من أُكره وقلبه مطمئنٌّ بالإِيمان﴾ (٢).\nوعن عائشة -﵂- أنّ النّبيّ - ﷺ - قال: \"لا طلاق ولا عتاق في إِغلاق\" (٣).\nقال الإِمام البخاري -﵀-: \"الطلاق (٤) في الإِغلاق والكُرْه، والسكران والمجنون وأمرهما، والغلط والنسيان في الطلاق والشرك وغيره:\nلقول النّبيّ - ﷺ -: \"الأعمال بالنّية، ولكل امرئٍ ما نوى\"، وتلا الشعبيُّ: ﴿لا تؤاخِذْنا إِن نَسِينا أو أخطأنا﴾ (٥) وما لا يجوز من إِقرار المُوَسْوِسِ، وقال\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٦٦٢)، وانظر \"الإِرواء\" (٨٢).\n(٢) النحل: ١٠٦.\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٩١٩)، والترمذي \"صحيح سنن\nالترمذي\" (٩٤٤)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٦٦٥)، وحسنه شيخنا -﵀- في \"الإرواء\" (٢٠٤٧).\n(٤) انظر ما ذكره الحافظ في \"الفتح\" (٩/ ٣٨٩)، وانظر كذلك لوصْل المعلَّقات والمزيد من الفوائد الحديثية فيه أيضًا (٩/ ٣٨٩) و\"مختصر البخاري\" (٣/ ٣٨٩ - ٤٠٠).\n(٥) البقرة: ٢٨٦.","vol":"5","page":246},{"text":"النّبيّ - ﷺ - للذي أقرّ على نفسه: أَبِك جُنون؟ وقال علي: بقرَ حمزة خواصر شارفَيَّ (١)، فطفق النبي - ﷺ - يلوم حمزة، فإِذا حمزة ثَمِلٌ محمرّة عيناه، ثمّ قال حمزة: وهل أنتم إِلا عبيد لأبي؟ فعرف النّبيّ - ﷺ - أنه قد ثَمِلَ، فخرج وخرجنا معه. وقال عثمان: ليس لمجنون ولا لسكران طلاق. وقال ابن عباس: طلاقُ السكران والمستَكرَه ليس بجائز، وقال عقبة بن عامر: لا يجوز طلاق الموسوس، وقال عطاء: إِذا بدا بالطلاق فله شرطه، وقال نافع: طلق رجلٌ امرأته البتة إِن خرجت، فقال ابن عمر: إِن خرجت فقد بُتَّت منه، وإِن لم تخرج فليس بشيء، وقال الزُّهري فيمن قال: إِن لم أفعل كذا وكذا فامرأتي طالق ثلاثًا: يُسأل عمَّا قال وعقد عليه قلبه حين حلف بتلك اليمين، فإِن سمَّى أجلًا أراده وعقد عليه قلبه حين حَلَف؛ جُعلَ ذلك في دينه وأمانته، وقال إِبراهيم: إِن قال لا حاجة لي فيك نيته ...\nوقال الحسن: إِذا قال: الحَقي بأهلك نيته. وقال ابن عباس: الطلاق عن وطَر (٢)، والعتاق ما أُريد به وجه الله. وقال الزهري: إِن قال: ما أنت بامرأتي نيته، وإن نوى طلاقًا فهو ما نوى. وقال عليٌّ: ألم تعلم أن القلم رُفع عن ثلاثة: عن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يدرك، وعن النائم حتى يستيقظ، وقال عليّ: وكلُّ الطلاق جائز إِلا طلاق المعتوه\".\nثمّ ذكر الإِمام البخاري -﵀- حديث جابر -﵁- \"أنّ رجلًا مِن أسلم أتى النّبيّ - ﷺ - وهو في المسجد فقال: إنه قد زنى، فأعرض عنه،\n_________\n(١) الشارف: الناقة المسنّة. \"نووي\".\n(٢) \"أي: أنه لا ينبغي للرجل أن يطلّق امرأته إِلا عند الحاجة كالنّشوز بخلاف العتق؛ فإِنه مطلوب دائمًا\". \"الفتح\".","vol":"5","page":247},{"text":"فتنحَّى لشقه الذي أعرض فشهد على نفسه أربع شهادات، فدعاه فقال: هل بك جُنون؟ هل أُحصنت؟ قال: نعم، فأمر به أن يرجم بالمصلّى، فلمّا أذْلَقَتْهُ الحجارة؛ جمز (١) حتى أُدرك بالحرّة فقتل\" (٢).\nقلت: مراد الإِمام البخاري -﵀- من إِيراد هذا الحديث تحت هذا الباب؛ أن من به جنون وشهد على نفسه بالزنى فلا يقام عليه الحدّ، فمن باب أولى ألا يقع منه الطلاق، والله أعلم.\nقال الحافظ -﵀- في \"الفتح\" (٩/ ٣٨٩): \"اشتملت هذه الترجمة [أي: ترجمة الباب] على أحكام يجمعها أن الحكم إِنما يتوجه على العاقل المختار العامد الذاكر، وشمل ذلك الاستدلال بالحديث؛ لأن غير العاقل المختار لا نية له فيما يقول أو يفعل، وكذلك الغالط والناسي والذي يُكره على الشيء\".\nوفيه (ص٣٩٠): \"واحتج عطاء بآية النحل: ﴿إِلا من أُكره وقلبُه مُطمئن بالإِيمان﴾ قال عطاء: الشرك أعظم من الطلاق، أخرجه سعيد بن منصور بسند صحيح وقرره الشافعي بأن الله لما وضع الكفر عمن تلفظ به حال الإِكراه، وأسقط عنه أحكام الكفر؛ فكذلك يسقط عن المكره ما دون الكفر؛ لأن الأعظم إِذا سقط سقط ما هو دونه بطريق الأولى، وإلى هذه النكتة أشار البخاري بعطف الشرك على الطلاق في الترجمة\".\nوفي طلاق السكران خلاف بين العلماء، والسُّكر -عياذًا بالله- متفاوِتٌ في تأثيره.\n_________\n(١) أي: أسرع هاربًا من القتل. \"النّهاية\".\n(٢) أخرجه البخاري: ٥٢٧٠، ومسلم: ١٦٩١.","vol":"5","page":248},{"text":"قال الحافظ (٩/ ٣٩٠): \"وقد يأتي السكران في كلامه وفِعله بما لا يأتي به وهو صاح لقوله -تعالى-: ﴿حتى تعلموا ما تقولون﴾ (١) فإِن فيها دلالة على أن من علم ما يقول لا يكون سكرانًا\".\nوهذا كلام قويّ يجعلنا نحكم على وقوع طلاق السكران الذي يعلم ما قال، وعدم وقوع طلاق السكران الذي لا يعلم ما قال.\nوربما أقَرَّ هذا السكران بعد يقظته أنه طلّق وأنه متيقّظ لما قال، وربّما أنكر ذلك، فإِنكاره قد يدلُّ على ذَهاب عقْله. والله -تعالى- أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1465>طلاق الهازل:</span>\nيقع طلاق الهازل؛ كالجادّ.\nفعن أبي هريرة -﵁- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"ثلاث جِدّهن جِدّ وهزلهن جِدّ: النكاح والطلاق والرجعة\" (٢).\nجاء في \"الروضة الندية\" (٢/ ٩٩ - ١٠٠) في معنى الهازل والجاد: \"وهو الذي يتكلّم من غير قصد لموجبه وحقيقته؛ بل على وجه اللعب، ونقيضه الجاد من الجِد بكسر الجيم وهو نقيض الهزل\".\nقال ابن القيّم -﵀- في \"إِعلام الموقعين\" (٣/ ١٣٦): \"فأمَّا طلاق الهازل فيقع عند الجمهور، وكذلك نكاحه صحيح كما صرح به النص، وهذا\n_________\n(١) النساء: ٤٣.\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٩٢٠)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٩٤٤)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٦٥٨)، وحسنه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (١٨٢٦).","vol":"5","page":249},{"text":"هو المحفوظ عن الصحابة والتابعين، وهو قول الجمهور، وحكاه أبو حفص أيضًا عن أحمد، وهو قول أصحابه، وقول طائفة من أصحاب الشافعي، وذكر بعضهم أن الشافعي نصَّ على أن نكاح الهازل لا يصح بخلاف طلاقه، ومذهب مالك الذي رواه ابن القاسم عنه، وعليه العمل عند أصحابه أن هزل النكاح والطلاق لازم، بخلاف البيع\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1466>الطلاق قبل الزواج:</span>\nلا يقع الطلاق قبل النكاح؛ كان يقول الرجل: إِنْ تزوجت فلانة فهي طالق.\nعن عبد الله بن عمرو أنّ النّبيّ - ﷺ - قال: \"لا طلاق إِلا فيما تملك\" (١).\nوقال الإِمام البخاري (٢) -﵀-: \"باب لا طلاق قبل نكاح، وقول الله -تعالى-: ﴿يا أيها الذين آمنوا إِذا نكحتم المؤمنات ثمّ طلقتموهنّ من قبل أن تمسوهنّ فما لكم عليهنّ من عدّة تعتدُّونها فمتعوهنّ وسرّحوهنّ سراحًا جميلًا﴾ (٣).\nوقال ابن عباس: جعل الله الطلاق بعد النكاح، ويروى في ذلك عن عليّ وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وأبي بكر بن عبد الرحمن وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وأبان بن عثمان وعليّ بن حسين وشريح وسعيد بن جبير\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٩١٦)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٩٤٢)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٦٦٦)، وصحَّحه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (١٧٥١).\n(٢) انظر \"صحيح البخاري\" (كتاب الطلاق) \"باب - ٩\".\n(٣) الأحزاب: ٤٩.","vol":"5","page":250},{"text":"والقاسم وسالم وطاوُس والحسن وعكرمة وعطاء وعامر بن سعد وجابر بن زيد ونافع بن جبير ومحمد بن كعب وسليمان بن يسار ومجاهد والقاسم بن عبد الرحمن وعمرو بن هرم والشعبيّ أنها لا تطلق (١) \".\nوعنه -﵄- قال: \"لا طلاق إلاَّ بعد نكاح، ولا عتق إِلا بعد ملك\" (٢).\nوعن ابن عباس -﵄- أيضًا قال: \"ما قالها ابن مسعود، وإن يكن قالها فزلَّة من عالم، في الرجل يقول؛ إِن تزوجت فلانة فهي طالق، قال الله -﷿-: ﴿يا أيها الذين آمنوا إِذا نَكَحْتُمُ المؤمنات ثمّ طلقتموهنّ﴾، ولم يقل: إِذا طلقتم المؤمنات ثمّ نكحتموهنّ\" (٣).\nجاء في \"المحلّى\" (١١/ ٥٢٩): \"ومن قال: إِنْ تزوجتُ فلانة فهي طالق، أو قال: فهي طالقٌ ثلاثًا فكلُّ ذلك باطل، وله أن يتزوّجها ولا تكون طالقًا؛ وكذلك لو قال: كلُّ امرأة أتزوجها فهي طالق -وسواءٌ عيَّن مدّة قريبة أو بعيدة أو قبيلة أو بلدة- كل ذلك باطل لا يلزم، وقد اختلف الناس في هذا ... \".\n_________\n(١) وقال الحافظ -﵀- في أثر ابن عباس -﵄-: \"هذا التعليق طرف من أثرٍ أخرجه أحمد فيما رواه عنه حرب في \"مسائله\" من طريق قتادة عن عكرمة عنه؛ وقال: سنده جيّد\".\n(٢) أخرجه الحاكم وابن أبي شيبة والبيهقي، وصححه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٧/ ١٥١).\n(٣) أخرجه الطحاوي في \"المُشكل\" وعنه البيهقي والحاكم، وحسّنه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٧/ ١٦١).","vol":"5","page":251},{"text":"ثمّ قال -﵀- (ص ٥٣٠). \"ومن طريق عبد الرزاق نا ابن جريج قال: سمعتُ عطاءً يقول: قال ابن عباس: لا طلاق إِلا من بعد نكاح، قال عطاء: فإِن حلف بطلاق ما لم ينكح فلا شيء قال ابن جريج. بلغ ابن عباس أن ابن مسعود يقول: إِن طلق ما لم ينكح فهو جائز؟ فقال ابن عباس: أخطأ في هذا؛ إِن الله -﷿- يقول: ﴿إِذا نكحتم المؤمنات ثمّ طلقتموهنّ﴾، ولم يقل: إِذا طلقتم المؤمنات ثمّ نكحتموهنّ\".\nثمّ ذكر بعض الآثار المتعلِّقة بذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1467>بماذا يقع الطلاق:</span>\nيقع الطلاق بكل ما يدل على إِنهاء العلاقة الزوجية، سواءٌ أكان ذلك باللفظ، أم بالكتابة إِلى الزوجة، أم بالإِشارة من الأخرس، أو بإِرسال رسول.\nوجاء في تبويب سنن النسائي (١): (باب الطَّلاق بالإِشارة المفهومة)؛ ثمَّ ذكر حديت أنس -﵁- قال: \"كان لرسول الله - ﷺ - جار فارسيّ؛ طيِّب المرقة، فأتى رسولَ الله - ﷺ - ذات يومٍ وعنده عائشة، فأومأ إِليه بيده: أن تعال، وأومأ رسول الله - ﷺ - إِلى عائشة؛ أي: وهذه؟ فأومأ إِليه الآخر هكذا بيده: أن لا؛ مرَّتين أو ثلاثًا ... \" (٢).\n_________\n(١) انظر \"صحيح سنن النسائي\" (٢/ ٧٢٤).\n(٢) أخرجه مسلم: ٢٠٣٧، واللفظ للنسائي، وانظر إلى فقه الإِمام النِّسائي -رحمه الله تعالى- كيف بوَّب له بهذا الباب؛ مع عدم وجود ما يمتُّ بِصِلةٍ نصًّا بالطَّلاق! فجزاه الله -وسائر المحدِّثين والفقهاء- خير الجزاء عن أهل الإسلام.","vol":"5","page":252},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1468>الطلاق باللفظ:</span>\nواللفظ قد يكون صريحًا، وقد يكون كناية، فالصريح هو الذي يُفهم من معنى الكلام عند التلفظ به، مثل: أنت طالق، ومطلقة، وكل ما اشتق من لفظ الطلاق.\nولو قال من طلَّق بلفظٍ صريح: لم أُرِد الطلاق ولم أقصده؛ وإِنما أردت معنى آخر؛ لا يُصدّق قضاءً، ويقع طلاقه (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1469>الطلاق بالكناية:</span>\nيقع الطلاق بالكناية مع النية.\nعن عائشة -﵂- \"أنّ أبنة الجَوْنِ لما أُدخلت على رسول الله - ﷺ - ودنا منها قالت: أعوذ بالله منك، فقال لها: لقد عُذتِ بعظيم، الحقي بأهلك\" (٢).\nوعن كعب بن مالك -﵁- في قصة تخلُّفه قال: \" .. إِذا رسول رسول الله - ﷺ - يأتيني فقال: إِن رسول الله يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقلت: أُطلّقها أم ماذا أفعل؟ قال: لا بل اعتزلها ولا تقربها ... فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك\" (٣).\nفكلمة \"الحقي بأهلك\" أفادت في الحديث الأول الطلاق مع القصد، ولم\n_________\n(١) انظر \"فقه السُّنّة\" (٣/ ١٩).\n(٢) أخرجه البخاري: ٥٢٥٤.\n(٣) أخرجه البخاري: ٤٤١٨، ومسلم: ٢٧٦٩.","vol":"5","page":253},{"text":"تُفِد الطلاق في الحديث الثاني لعدم القصد.\n*والحاصل أن \"ما يحتمل الطلاق وغيره، مثل: أنتِ بائن، فهو يحتمل البينونة عن الزواج، كما يحتمل البينونة عن الشر، ومثل: أمرك بيدك، فإِنها تحتمل تمليكها عصمتها ... كما تحتمل تمليكها حرية التصرّف.\nعن أبي الحلال أنّه وفد إِلى عثمان فقال قلت: \"رجلٌ جعَل أمْرَ امرأته بيدها؟ قال: فأمْرها بيدها\" (١).\nوقال الزهري: إِن قال: ما أنتِ بامرأتي نيّته، وإن نوى طلاقًا فهو ما نوى (٢).\nومثل: أنتِ عليّ حرام، فهي تحتمل حرمة المتعة بها، وتحتمل حرمة إِيذائها ... والصريح: يقع به الطلاق من غير احتياج إِلى نية تبين المراد منه، لظهور دلالته ووضوح معناه.\nولو قال الناطق بالكناية: لم أنوِ الطلاق بل نويت معنى آخر؛ يُصدّق قضاءً، ولا يقع طلاقه لاحتمال اللفظ معنى الطلاق وغيره. والذي يُعيِّن المراد هو النيّة والقصد* (٣).\nوالحديثان المتقدمان دليل ذلك.\n_________\n(١) أخرجه البخاري في \"التاريخ\" وابن أبي شيبة في \"المصنف\" وغيرهما، وحسّنه شيخنا -﵀- فى \"الإِرواء\" (٢٠٤٩).\n(٢) رواه البخاري معلَّقًا مجزومًا به وذكر الحافظ -﵀- في \"الفتح\" (٩/ ٣٩٣) وصْله عند ابن أبي شيبة.\n(٣) ما بين نجمتين من \"فقه السّنّة\" (٣/ ١٩) بتصرُّفٍ وزيادة، وانظر \"المحلى\" (١١/ ٤٩٣) تحت المسألة (١٩٦٠).","vol":"5","page":254},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1470>حُكم الطلاق بلفظ التحريم:</span>\nلا يقع الطّلاق بالتحريم إِذا لم يُرِد الطّلاق.\nعن سعيد بن جبير عن ابن عباس -﵁-: \"أنه كان يقول في الحرام: يمينٌ يكفّرها.\nوقال ابن عباسٍ: \" ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حسنة﴾ (١) \" (٢).\nوفي لفظ: \"إِذا حرَّم الرَّجل عليه امرأته؛ فهي يمينٌ يكفِّرها\" (٣).\nوجاء في تبويب \"صحيح مسلم\" (باب وجوب الكفّارة على من حرّم امرأته ولم ينوِ الطلاق)، ثمَّ ذكر أثر ابن عباس -﵄-.\nجاء في \"الروضة\" (٢/ ١٢٠): \"وفي هذه المسألة مذاهب قد ذكر الحافظ ابن القيّم منها ثلاثة عشر مذهبًا، وقال: إِنها تزيد على عشرين مذهبًا، والذي أرجِّحُه منها: هو أن التحريم ليس من صرائح الطلاق، ولا من كناياته، بل هو يمين من الإِيمان كما سمَّاه الله -﷿- في كتابه، فقال: ﴿يا أيها النّبيّ لِمَ تُحرّم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم * قد فرض الله لكم تَحِلّة أيمانكم﴾ (٤) فهذه الآية مصرحة بأن التحريم يمين، والسبب وإن كان\n_________\n(١) الأحزاب: ٢١.\n(٢) إِشارة إِلى سبب نزول أول سورة التحريم: ﴿يا أيها النّبيّ لمَ تحرّم ما أحل الله لك﴾ [التحريم: ١]. وسيأتي الحديث -إِن شاء الله- المتعلق بشُربه - ﷺ - العسل عند زينب -﵂- وانظر ما قاله الحافظ -﵀- تحت الحديثين: (٤٩١٢ و٥٢٦٧).\n(٣) أخرجه مسلم: ١٤٧٣.\n(٤) التحريم: ١ - ٢.","vol":"5","page":255},{"text":"خاصًّا وهو العسل (١)، الذي حرَّمه على نفسه، أو الأَمَة التي كان يطؤها؛ فلا اعتبار بخصوص السبب، فإِنَّ لفظ: ﴿ما أحل الله لك﴾ عامّ، وعلى فرض عدم العموم فلا فرق بين الأعيان التي هي حلال\".\nوفيه (ص ١٢١): \"وفي الباب عن جماعة من الصحابة في تفسير الآية بمثل ما ذكرناه، وبالجملة: الحق ما ذكَرناه، وقد ذهب إِليه جماعة من الصحابة، ومن بعدهم، وجميع أهل الظاهر، وأكثر أصحاب الحديث، وهذا إِذا أراد تحريم العين، وأمَّا إِذا أراد الطلاق بلفظ التحريم؛ غير قاصد لمعنى اللفظ؛ بل قصد التسريح فلا مانع من وقوع الطلاق بهذه الكناية كسائر الكنايات\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1471>الطلاق بالكتابة:</span>\nالكتابة من الوسائل التي تُعبّر عمّا في القلب كما يعبّر اللسان، وكثير من الخير والشرّ انتشر عن طريق الكتابة، وتشهد البشريَّة الآن كيف ينتشر الخير\n_________\n(١) يشير -﵀ - إِلى حديث عائشة -﵂- \"أن النبي - ﷺ - كان يمكث عند زينب بنت جحش فيشرب عندها عسلًا، قالت: فتواطيت أنا وحفصة: أنّ أيّتنا ما دخل عليها النّبي - ﷺ - فَلْتَقُلْ: إِني أجد منك ريح مغافير، أكلتَ مغافير؟ [جمع مغفور وهو صمغ حلو ... وله رائحة كريهة ينضحه شجر يقال له: العُرفُط .. يكون بالحجاز. \"النووي\".] فدخل على إِحداهما فقالت ذلك له، فقال: بل شربت عسلًا عند زينب بنت جحش ولن أعود له، فنزل: ﴿لمَ تُحرّم ما أحل الله لك﴾ إلى قوله: ﴿إن تتوبا﴾ (لعائشة وحفصة)، ﴿وإذ أسرَّ النّبيَّ﴾ - ﷺ - ﴿إِلى بعض أزواجه حديثًا﴾ (لقوله: بل شربتُ عسلًا) \". أخرجه مسلم: ١٤٧٤.\nوفي رواية: \"لا ولكنّي كنتُ أشرب عسلًا عند زينب ابنة جحش؛ فلن أعود له، وقد حلفت لا تخبري بذلك أحدًا\". أخرجه البخاري: ٤٩١٢.","vol":"5","page":256},{"text":"والشر؛ عقيدةً ومنهجًا وسلوكًا من خلال الكتابة المجرّدة عن النطق؛ بالإِفادة من التقنيات الحديثة وتطوّر الأجهزة وتقدّم العلوم.\nوالطّلاق فرْع من ذلك وجزء منه، فمن كتَب إِلى زوجه: أنتِ طالق مثلًا؛ مضى هذا الطلاق.\nوهذا كما لو كتَب شخص عبارةً أخبرَ فيها أنه يبغض الله ورسوله - ﷺ -، فهذا يُحكم عليه بالخروج عن الإِسلام، ولا يُقال: لا يُحكَم عليه بالكفر إِلا أن ينطِق بذلك!!\nجاء في \"المحلَّى\" (١١/ ٥١٤): \"وقد اختلف الناس في هذا: فروينا عن النخعي والشعبي والزهري إِذا كتب الطلاق بيده فهو طلاق لازم، وبه يقول الأوزاعي، والحسن بن حي، وأحمد بن حنبل.\nوروينا عن سعيد بن منصور نا هشيم أنا يونس، ومنصور عن الحسن، في رجل كتب بطلاق امرأته ثمّ محاه؟ فقال: ليس بشيء إِلا أن يمضيه، أو يتكلم به.\nوروينا عن الشعبي مثله. وصح أيضًا عن قتادة.\nوقال أبو حنيفة: إنْ كتب طلاق امرأته في الأرض لم يلزمه طلاق وإن كتبه في كتاب ثمّ قال: لم أنوِ طلاقًا؛ صُدِّقَ في الفتيا، ولم يُصَدَّق في القضاء.\nوقال مالك: إِنْ كَتَبَ طلاقَ امرأته؛ فإِن نوى بذلك الطلاق فهو طلاق، وإن لم ينو به طلاقًا فليس بطلاق، وهو قول الليث، والشافعي.\nقال أبو محمد: قال الله -تعالى-: ﴿الطلاق مرتان﴾ (١)، وقال -تعالى-:\n_________\n(١) البقرة: ٢٢٩.","vol":"5","page":257},{"text":"﴿فطلقوهنّ لعدتهنّ﴾ (١)، ولا يقع في اللغة التي خاطبنا الله -تعالى- بها ورسوله -﵌- اسم تطليق على أن يكتب إِنما يقع ذلك اللفظ به فصح أن الكتاب ليس طلاقًا حتى يلفظ به إِذ لم يوجب ذلك نص. وبالله -تعالى- التوفيق\". انتهى.\nقلت: ومن خلال الآثار التي ذكَرها ابن حزم -﵀- هناك من قال بوقوع الطلاق كما هو في الأثرين الأوليين لأنه لو لم يمْحُه لمضى، كما صرّح بقوله: \"ليس بشيء إِلا أن يُمضيه\" يعني: يتراجع عن المحو ويعيده حالته الأولى.\nوكذا الأثر الثالث لقوله: وروّينا عن الشعبي مثله، وصحّ أيضًا عن قتادة، وأمّا قوله: \"قال أبو حنيفة: إِن كتَب طلاق امرأته في الأرض لم يلزمه طلاق وإنْ كتبه في كتاب ثمّ قال: لم أنوِ طلاقًا، صدق في الفتيا ولم يصدق في القضاء.\nفالكلام الآن متعلّق بالنيّة لا بالكتابة، فماذا إِذا كتب وقال: نويت الطّلاق؟ فهذا يُفضي في رأي الإِمام أبي حنيفة -﵀- إِلى أنه صدِّق في الفتيا والقضاء.\nوأمّا قوله: \"قال الإِمام مالك: إِن كتَبَ طلاق امرأته؛ فإِن نوى بذلك الطلاق فهو طلاق، وإن لم ينو به طلاقًا فليس بطلاق؛ وهو قول الليث، والشافعي\".\nفهو كالمسألة التي قبلها بمعنى أن الكتابة معتبرة.\nوأمّا استدلاله بقوله -تعالى-: ﴿الطلاق مرتان﴾ فالكلام عن العدد لا عن\n_________\n(١) الطلاق: ١.","vol":"5","page":258},{"text":"الكيف فقد تكونان بالكتابة، أو اللفظ، وقد تكون إِحداهما بالكتابة والأُخرى باللفظ.\nوكذا استدلاله بقوله -تعالى-: ﴿فطلّقوهنّ لعدَّتهن﴾ فالكلام عن العدّة والمدّة، والحال التي يصلّقها عليه؛ لا عن كيفية الطلاق لفظًا أو كتابة.\nوأمّا قوله: ولا يقع في اللغة التي خاطبنا الله -تعالى- بها ورسوله -﵌- اسم تطليق على أن يكتب إِنما يقع ذلك اللفظ به فصح أن الكتاب ليس طلاقًا حتى يلفظ به إِذ لم يوجب ذلك نص.\nفأقول: اللغة لفظ وكتابة، فماذا يقول في مِثل قوله -تعالى-: ﴿إِنّي أُلقي إِليّ كتاب كريم إِنه من سليمان وإِنه بسم الله الرحمن الرحيم﴾ (١) -وهذا كلّه كان كتابةً- فهل يقول: إِنه ليس من اللغة.\nوهناك كلام حول وجوب شاهدين عدلين لإِثبات الكتاب بالطلاق ... فارجع إِليه -إِن شئت التفصيل- في كتاب \"المغني\" (٨/ ٤١٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1472>طلاق الأبكم ومن لا يُحسن العربية:</span>\n\"يطلّق من لا يُحسن العربية بلغته؛ باللفظ الذي يترجم عنه في العربية بالطلاق، ويطلق الأبكم والمريض بما يقدر عليه من الصوت أو الإِشارة؛ التي يوقن بها من سمعهما قطعًا أنهما أرادا الطلاق.\nوبرهان ذلك: قول الله -﷿-: ﴿لا يكلّف الله نفسًا إِلا وسعها﴾ (٢)، وقول رسول الله -﵌-: \"إِذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما\n_________\n(١) النمل: ٢٩ - ٣٠.\n(٢) البقرة: ٢٨٦.","vol":"5","page":259},{"text":"استطعتم\".\nفصحّ أن ما ليس في وسع المرء ولا يستطيعه فقد سقط عنه، وأنه يؤدي مما أمر به ما استطاع فقط. وبالله -تعالى- التوفيق\" انتهى (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1473>طلاق كلّ قوم بلسانهم:</span>\nقال الإمام البخاري -﵀- ... قال إِبراهيم [هو: النخعي]: \" ... وطلاق كلّ قوم بلسانهم\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1474>إذا طلّق في نفسه فلا يقع الطلاق:</span>\nعن أبي هريرهّ -﵁- عن النبي - ﷺ - قال: \"إنّ الله تجاوز عن أمّتي ما حدَّثت به أنفسها، ما لم تعمل به أو تتكلَّم\" (٣).\nوقال قتادة: \"إذا طلَّق في نفسه فليس بشيء\".\nقال الحافظ -﵀- في \"الفتح\" (٩/ ٣٩٤): \"وصله عبد الرزاق عن معمر عن قتادة والحسن قالا: من طلق سرًَّا في نفسه فليس طلاقه ذلك بشيء، وهذا قول الجمهور وخالفهم ابن سيرين وابن شهاب فقالا: تطلق، وهي رواية\n_________\n(١) قاله الإمام ابن حزم -﵀- في \"المحلّى\" (١١/ ٥١٤) تحت المسألة (١٩٦٤).\n(٢) رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم ووصله ابن أبي شيبة قال: حدثنا إِدريس قال: حدثنا ابن أبي إِدريس وجرير فالأوّل عن مطرف والثاني عن المغيرة كلاهما عن إِبراهيم قال: طلاق العجمي بلسانه جائز. ومن طريق سعيد بن جبير قال: \"إِذا طلّق الرّجل بالفارسيّة يلزمه\"، انظر \"الفتح\" (٩/ ٣٩٢) للفوائد الحديثية و\"مختصر البخاري\" (٣/ ٤٠٠) وفيه: \" ... وصله ابن أبي شيبة عنه، وهو صحيح\".\n(٣) أخرجه البخاري: ٥٢٦٩، ومسلم: ١٢٧.","vol":"5","page":260},{"text":"عن مالك (١).\nقلت: وقول الجمهور هو الأرجح؛ لأنّ النّكاح كما لا يكون في النّفس فالطّلاق كذلك والحديث المتقدِّم: \"إِن الله تجاوز عن أمَّتي .. \" بيِّن الدّلالة. وإيراد الإِمام البخاري -﵀- تحت باب الطَّلاق في الإِغلاق والكره ... يدلُّ على عدم وقوعه لأنَّه داخلٌ في الباب نفسه، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1475>الوكالة في الطلاق:</span>\nوما مضى عن الوكالة في النكاح يمضي في الطلاق ولا فرق. والله -تعالى- أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1476>التعليق والتنجيز </span>(٢): (٣)\nصيغة الطلاق، إِمّا أن تكون مُنَجَّزة، وإمّا أن تكون مُعلّقة، وإمّا أن تكون مضافة إِلى مستقبل.\nفالمنجزة، هي الصيغة التي ليست معلّقة على شرط، ولا مضافة إِلى زمن مستقبل، بل قَصد بها من أصدرها وقوع الطلاق فى الحال، كأن يقول الزوج لزوجته: أنتِ طالق.\nوحُكم هذا الطلاق، أنه يقع في الحال متى صدر من أهله، وصادف محلًا له.\nوأمّا المعلَّق، وهو ما جعل الزوج فيه حُصولَ الطلاقِ معلّقًا على شرط، مِثل\n_________\n(١) قال شيخنا -﵀-: \"وصله عبد الرزاق بسند صحيح عنه، وانظر \"مختصر البخاري\" (٣/ ٤٠٠).\n(٢) التنجيز: التعجيل والإِسراع.\n(٣) عن \"فقه السنَّة\" (٣/ ٢٦) بتصرُّف وزيادة.","vol":"5","page":261},{"text":"أن يقول الزوج لزوجته: إِنْ ذهبتِ إِلى مكان كذا، فأنتِ طالق. ويُشترط في صحة التعليق، ووقوع الطلاق به ثلاثة شروط: الأول: أن يكون على أمر معدوم، ويمكن أن يوجد بعد، فإِنْ كان على أمر موجود فعلًا، حين صدور الصيغة، مثل أن يقول: إِنْ طلع النهار، فأنت طالق. والواقع أن النهار قد طلع فعلًا، كان ذلك تنجيزًا، وإنْ جاء في صورة التعليق.\nفإِنْ كان تعليقًا على أمْرٍ مستحيل، كان لغوًا مثل: إِنْ دخَل الجمل في سمّ الخياط، فأنتِ طالق.\nالثاني: أن تكون المرأة -حين صدور العقد- محلًا للطلاق، بأن تكون في عصمته.\nالثالث: أن تكون كذلك، حين حصول المعلّق عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1477>والتعليق قسمان:</span>\nالقسم الأول: يُقصد به ما يقصد من القَسم، للحَمل على الفعل أو الترك، أو تأكيد الخبر، ويسمّى التعليق القَسَمِيَّ، مِثل أن يقول لزوجته: إِنْ خرجت، فأنت طالق. مريدًا بذلك منْعها من الخروج إِذا خَرَجَت، لا إِيقاع الطلاق (١).\nالقسم الثاني: ويكون القصد منه إِيقاع الطلاق عند حصول الشرط، ويُسمّى التعليق الشرطي، مِثل أن يقول لزوجته: إِن أبرأتني من مؤخر\n_________\n(١) ويجدُر القول هنا أنّ منَ قصَد الطلاق وادعى أنه عنى اليمين؛ فإِنّه يعيش عمُرَه وحياته بالحرام مع الزوجة، فلا نريد أن نفتح الباب بالقول: \"أنا أقصد اليمين؛ لا الطَّلاق\" وقد قال الله -تعالى-: ﴿بل الإِنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره﴾ [القيامة: ١٤ - ١٥].","vol":"5","page":262},{"text":"صداقك، فأنت طالق.\nوهذا التعليق -بنوعيه- واقع عند جمهور العلماء، ويرى ابن حزم أنه غير واقع.\nوفصَّل ابن تيمية، وابن القيّم، فقالا: إِنّ الطلاق المعلق الذي فيه معنى اليمين، غير واقع، وتجب فيه كفّارة اليمين إِذا حصل المحلوف عليه؛ وهي إِطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، فإِنْ لم يجد، فصيام ثلاثة أيام.\nوقالا في الطلاق الشرطي: إِنه واقع عند حصول المعلَّق عليه.\nقال شيخ الإِسلام -﵀-: والألفاظ، التي يتكلم بها الناس في الطلاق، ثلاثة أنواع:\nالأول: صيغة التنجيز والإِرسال، كقوله: أنتِ طالق. فهذا يقع به الطلاق، وليس بحلف، ولا كفّارة فيه، اتفاقًا.\nالثاني: صيغة تعليق، كقوله: الطلاق يلزمني، لأفعلنّ هذا. فهذا يمين، باتفاق أهل اللغة، واتفاق طوائف العلماء، واتفاق العامّة.\nالثالث: صيغة تعليق، كقوله: إِن فعلتُ فامرأتي طالق. فهذا إِن قصد بِهِ اليمين، وهو يكره وقوع الطلاق، كما يكره الانتقال عن دينه، فهو يمين، حُكمه حُكم الأوَّل، الذي هو صيغة القسم؛ باتفاق الفقهاء.\nوإنْ كان يريد وقوع الجزاء عند الشرط، لم يكن حالفًا، كقوله: إِنْ أعطيتني ألفًا، فأنتِ طالق وإذا زنيتِ فأنتِ طالق. وقصد إِيقاع الطلاق عند وقوع الفاحشة، لا مجرد الحلف عليها، فهذا ليس بيمين، ولا كفّارة في هذا عند","vol":"5","page":263},{"text":"أحد من الفقهاء -فيما عَلِمناه- بل يقع به الطلاق إِذا وُجدَ الشرط.\n*وسألت شيخنا الألباني -﵀-: ماذا إِذا قال: إِذا فعلتِ كذا فأنتِ طالق؟\nفأجاب -﵀- \"إِذا وقع الشَّرط وكان قصده تأديبها فلا يقع الطَّلاق، وإِذا وقع الشرط وكان يقصد الطَّلاق؛ فلا بُدَّ من إِشهادٍ إنْ أراد الطَّلاق؛ وإلا فلا يقع هذا الطَّلاق\".\nوقال -﵀- في بعض مجالسه في موضعٍ آخر: \"إِذا علَّق الطَّلاق من باب التَّخويف ولا يقصد التَّطليق؛ مثلًا عنده زوجة كثيرة الزِّيارات ووعظها، فمن باب التَّخويف قال لها: \"إِن زرت؛ فأنتِ طالق\" يريد تربيتها فهنا لا يقع الطَّلاق. أمّا إِنْ رأى امرأته مع جاره، فقال: إِن رأيتك مع الجار طلَّقتكِ، فإِنَّه يقع الطَّلاق؛ لأنَّه يقصد الطَّلاق\"* (١) انتهى.\nوأمّا ما يقصد به الحضّ، أو المنع، أو التصديق، أو التكذيب بالتزامه -عند المخالفة- ما يكره وقوعه؛ سواء كان بصيغة القسم، أو الجزاء، فهو يمين عند جميع الخلق، من العرب وغيرهم.\nوإنْ كان يمينًا، فليس لليمين إِلا حُكمان: إِمّا أن تكون منعقدة، فتكفّر، وإمّا ألا تكون منعقدة، كالحلف بالمخلوقات، فلا تُكفّر. وأمّا أن تكون يمينًا منعقدة محترمة، غير مكفّرة، فهذا حُكم ليس في كتاب الله، ولا سنّة رسول الله - ﷺ -، ولا يقوم عليه دليل.\n_________\n(١) ما بين نجمتين من سؤالي شيخنا -﵀- قد أدخلته هنا؛ لصلته الوثيقة بالموضوع.","vol":"5","page":264},{"text":"وأمّا الصيغة المضافة إِلى مستقبل؛ فهي ما اقترنت بزمن، يقصد وقوع الطلاق فيه متى جاء، مثل أن يقول الزوج لزوجته: أنت طالق غدًا أو إِلى رأس السنة فإِنّ الطلاق يقع في الغد، أو عند رأس السنة، إِذا كانت المرأة في ملكه عند حلول الوقت، الذي أضاف الطلاق إِليه.\nقال الإِمام البخاري -﵀-. \"قال عطاء: إِذا بدا بالطلاق فله شرطه. وقال نافع: طلق وجلٌ امرأتَهُ البتة إن خرجت، فقال ابن عمر: إن خرجت فقد بُتَّت منه، وإن لم تخرج فليس بشيء. وقال الزهريّ فيما قال: إن لم أفعل كذا وكذا فامرأتي طالق ثلاثًا: يُسأل عمّا قال وعقد عليه قلبه حين حلف بتلك اليمين، فإِن سمّى أجلًا أراده وعقد عليه قلبه حين حلف؛ جعل ذلك في دينه وأمانته.\nوقال قتادة: إِذا قال: إِذا حملت فأنت طالق ثلاثًا يغشاها عند كل طهرٍ مرة، فإِن استبان حملها فقد بانت منه\" (١).\nوسألت شيخنا -﵀- عن رجل فَعَل الفاحشة -عياذًا بالله- وقال لزوجه: إِذا أخبرْتِ أحدًا؛ فأنت طالق؛ ثم أخبرَت، فهل تُطلَّق؟\nفأجاب -﵀-: أيّ طلاق لا يقع إِلا بشاهدَين. انتهى (٢).\n_________\n(١) قاله الإِمام البخاري -﵀- تعليقًا في (كتاب الطلاق) \"ب-١١\" وانظر للفوائد الحديثية والوصل؛ ما جاء في \"فتح الباري\" (٩/ ٣٨٩) و\"مختصر البخاري\" (٣/ ٣٩٨).\n(٢) وسيأتي الكلام عن الإِشهاد على الطلاق -إِن شاء الله تعالى- وانظر -إِن شئت- للمزيد من الفائدة في هذا المبحث (أي: التعليق والإنجاز) كتاب \"الاختيارات\" =","vol":"5","page":265},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1478>الطلاق السُّني والبدعي</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1479>يقسم الطلاق إلى قِسمين:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1480>١ - الطلاق السُّنّي: </span>وهو أن يطلّقها في طُهرها الذي لم يجامِعها فيه، أو أن تكون حاملًا قد استبان حمْلها ويطلقها طلقة واحدة؛ أو كانت يائسةً من المحيض، أو لمَّا تَحِضْ؛ ولو جامعها؛ لعدم وقوع الحمل.\nوأمّا اشتراط ألا تكون حائضًا فلقوله -سبحانه-: ﴿يا أيها النّبيّ إِذا طلقتم النساء فطلّقوهن لعدّتهنّ﴾ (١).\nوعن عبد الله بن مسعود -﵁- قال: \" ﴿فطلّقوهن لعدّتهنّ﴾ قال: طاهرًا في غير جماع\" (٢).\nوعن عبد الله -﵁- أيضًا أنَّه قال: \"طلاق السنَّة تطليقها وهي طاهر؛ في غير جماع، فإِذا حاضت وطهرت؛ طلَّقها أخرى؛ فإِذا حاضت وطهرت طلَّقها أخرى؛ ثمَّ تعتدَّ بعد ذلك بحيضة (٣) \".\n_________\n= (٢٦٢)، و\"الفتاوى\" (٣٣/ ٤٤ - ٤٧، ٥٥ - ٥٧، ٥٨ - ٦١، ٦٤ - ٦٦، ٧٠، ١٤٠ - ١٤٢، ٢٠٥ - ٢٠٧، ٢٢٣ - ٢٢٥، ١٢٩، ٢٣٨ - ٢٤٧، ١٦١ - ١٧٠). (٣٥/ ٢٦٩ - ٢٧٠،\n٢٩٣ - ٢٩٤، ٢٤٦ - ٢٥٠، ٣٠٩).\n(١) الطلاق: ١.\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة، وابن جرير في \"تفسيره\"، وصححه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٢٠٥١).\n(٣) أخرجه النسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٣١٧٨).","vol":"5","page":266},{"text":"وجاء في \"المغني\": (٨/ ٢٣٦) بعد أن ذكر الأثر السَّابق: \"ولنا ما روي عن علي -﵁- أنه قال: لا يطلِّق أحد للسنَّة فيندم.\nرواه الأثرم وهذا إِنَّما يحصل في حقّ من لم يطلِّق ثلاثًا\".\nولقوله﵊- في حديث ابن عمر -﵄-:\n\" ... ثمّ ليمسكها حتى تطهر، ثمّ تحيض ثمّ تطهر، ثمّ إِن شاء أمسك بعد، وإِن شاء طلّق قبل أن يمسّ، فتلك العِدَّة التي أمر الله أن تطلّق لها النساء\" (١).\nوأمّا اشتراط أن تكون في طُهر لم يجامِعها فيه فلقوله - ﷺ -: \"وإن شاء طلّق قبل أن يمسّ\" يعني في ذلك الطُّهر.\nودليل كونها حاملًا: حديث ابن عمر -﵄-: \"أنه طلّق امرأته وهي حائض فذكر ذلك عمر للنّبيّ - ﷺ - فقال: مُرْهُ فليراجعها ثمّ ليطلقها طاهرًا أو حاملًا\" (٢).\nوأمّا اشتراط ألا يطلّقها في ذلك الطُّهر أكثر من طلقة فلقوله -تعالى-: ﴿الطلاق مرّتان﴾ قال ابن القيّم -﵀- في \"الزاد\" (٥/ ٢٤٤): \"ولم يشرع الله -سبحانه- إِيقاع الثلاث جُملة واحدة ألبتة؟ قال -تعالى-: ﴿الطلاق مرّتان﴾، ولا تعقل العرب في لغتها وقوع المرتين إِلا متعاقبتين، كما قال النّبيّ - ﷺ -: \"من سبّح الله في دُبُرِ كلّ صلاة ثلاثًا وثلاثين، وحمد الله\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٥٢٥١، ومسلم: ١٤٧١.\n(٢) أخرجه مسلم: ١٤٧١.","vol":"5","page":267},{"text":"ثلاثًا وثلاثين، وكبّر الله ثلاثًا وثلاثين\" (١)، ونظائره فإِنه لا يُعقل من ذلك إِلا تسبيح وتكبير وتحميد متوالٍ يتلو بعضه بعضًا، فلو قال: سبحان الله ثلاثًا وثلاثين، والحمد لله ثلاثًا وثلاثين، والله أكبر ثلاثًا وثلاثين بهذا اللفظ، لكان ثلاث مرات فقط.\nوأصرح من هذا قوله -سبحانه-: ﴿والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إِلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله﴾ (٢) فلو قال: أشهد بالله أربع شهادات إِني لمن الصادقين، كانت مرّة، وكذلك قوله: ﴿ويدرأُ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إِنّه لمن الكاذبين﴾ (٣) فلو قالت: أشهد بالله أربع شهادات إِنه لمن الكاذبين، كانت واحدة، وأصرح من ذلك قوله -تعالى-: ﴿سنعذّبهم مرتين﴾ (٤) فهذا مرة بعد مرة.\nومما يدل على أنّ الله لم يشرع الثلاث جملة، أنه -﵎- قال: ﴿والمطلقات يتربّصن بأنفسهنّ ثلاثة قروء﴾ إِلى أن قال: ﴿وبعولتهنّ أحقُّ بردّهنّ في ذلك إِنْ أرادوا إِصلاحًا﴾ (٥)، فهذا يدلُّ على أن كلّ طلاق بعد الدخول، فالمطلّق أحقُّ فيه بالرجعة سوى الثالثة المذكورة بعد هذا، وكذلك قوله -تعالى-: ﴿يا أيها النّبيّ إِذا طلّقتم النّساء فطلّقوهنّ لعدتهنّ﴾ إِلى\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ٥٩٧.\n(٢) النور: ٦.\n(٣) النور: ٨.\n(٤) التوبة: ١٠١.\n(٥) البقرة: ٢٢٨.","vol":"5","page":268},{"text":"قوله: ﴿فإِذا بلغن أجلهنّ فأمسكوهنّ بمعروف أو فارقوهنّ بمعروف﴾ (١) فهذا هو الطلاق المشروع.\nوقد ذكَر الله -﷾- أقسام الطلاق كُلها في القرآن، وذكر أحكامها، فذكَر الطلاق قبل الدخول، وأنه لا عدّة فيه، وذكَر الطلقة الثالثة، وأنها تُحرِّم الزوجة على المطلِّق حتى تنكح زوجًا غيره، وذكَر طلاق الفداء الذي هو الخلع، وسمَّاه فدية، ولم يحسبه من الثلاث ... وذكر الطلاق الرجعيّ الذي المُطلِّق أحقُّ فيه بالرجعة، وهو ما عدا هذه الأقسام الثلاثة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1481>٢ - الطّلاق البدعي: </span>وهو أن يطلّقها في حيضٍ أو نفاس أو في طُهرٍ جامعَها فيه ولا يدري أحملت أم لا، أو أن يطلّقها ثلاثًا فيقول: أنت طالق ثلاثًا أو يقول: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1482>طلاق الآيسة والصغيرة ومنقطعة الحيض:</span>\nوطلاق هؤلاء إِنَّما يكون للسُّنّة؛ إِذا كان طلاقًا واحدًا؛ ولا يشترط له شرطٌ آخر غير ذلك (٢).\nوجاء في \"المحلّى\" (١١/ ٤٥٢): \"وأمّا التي لم تحض -أو قد انقطع حيضها- فإِن الله -﷿- أجمل لنا إِباحة الطلاق، وبين لنا طلاق الحامل، وطلاق التي تحيض، ولم يَحُدَّ لنا -تعالى- في التي لم تحض، ولا في التي انقطع حيضها حدًا، فوجب أنه -تعالى- أباح طلاقها متى شاء الزوج، إِذ لو كان له -﷿-\n_________\n(١) الطلاق: ١ - ٢.\n(٢) \"فقه السنّة\" (٣/ ٣٣). وسيأتي المزيد من التفصيل- إِن شاء الله تعالى- في العدّة.","vol":"5","page":269},{"text":"في وقت طلاقها شرع لبيَّنه علينا\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1483>هل يقع طلاق الحائض</span>؟\nجاء في \"الروضة الندية\" (٢/ ١٠٥): \"هذه المسألة من المعارك التي لا يجول في حافاتها إِلا الأبطال، ولا يقف على تحقيق الحق في أبوابها إِلا أفراد الرجال، والمقام يضيق عن تحريرها على وجه ينتج المطلوب. فمن رام الوقوف على سرِّها؛ فعليه بمؤلَّفات ابن حزم كـ \"المحلّى\" ومؤلَّفات ابن القيِّم كـ \"الهدي\". وقد جمع السيد العلامة محمد بن إِبراهيم الوزير في ذلك مصنَّفًا حافلًا، وجمع الإِمام الشوكاني رسالة ذكَر فيها حاصل ما يحتاج إِليه من ذيول المسألة، وقرر ما ألهم الله إِليه، وذكر في \"شرح المنتقى\" أطرافًا من ذلك.\nوخلاصة ما عوَّل عليه القائلون بوقوع الطلاق البدعي؛ هو اندراجه تحت الآيات العامَّة، وتصريح ابن عمر بأنها حسبت تلك طلقة. وأجاب القائلون بعدم الوقوع عنهم بمنع اندراجه تحت العمومات لأنه ليس من الطلاق الذي أذن الله به؛ بل هو من الطلاق الذي أمر الله بخلافه قال: ﴿فطلِّقوهنّ لعدتهنّ﴾. وقال - ﷺ -: \"مره فليراجعها\". وصح أنه غضب عند أن بلغه ذلك، وهو لا يغضب مما أحلَّه الله ... \" (١).\nوقد خاض غمار هذه المعركة شيخنا -﵀- فانظر ما فصّله في \"الإِرواء\" تحت الحديث (٢٠٥٩) في قرابة أربع عشرة صفحة أفاض فيها بالطُّرق والروايات والألفاظ؛ أحاديث وآثارًا ثمّ بدأ -﵀- بالترجيح\n_________\n(١) انظر -إِن شئت- ردّ شيخنا -﵀- في \"الإرواء\" تحت الحديث (٢٠٥٩) و\"التعليقات الرضية\" (٢/ ٢٤٧).","vol":"5","page":270},{"text":"بطريقة عجيبة تروي الغليل؛ مفيدًا من علم مصطلح الحديث والفقه وأصوله، فارجع إِلى المصدر المشار إِليه للمزيد من الفائدة.\nوالحاصل أنه رأى إيقاع طلاق الحائض، وانظر ما قاله (٨/ ١٣٣) في إِجابته على ابن القيّم -رحمهما الله تعالى- في عدم وقوعها.\nوالنصّ المشار إِليه من حديث عبد الله بن عمر -﵄- أنّه طلق امرأته وهي حائض على عهد رسول الله - ﷺ -، فسأل عمر بن الخطاب رسول الله - ﷺ - عن ذلك فقال رسول الله - ﷺ -: مُره فلْيراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر، ثمّ تحيض ثمّ تطهر، ثمّ إِن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق بها النساء\" (١).\nجاء في \"المغني\" (٨/ ٢٣٧): \"فإِنْ طلَّق للبدعة وهو أن يطلقها حائضًا، أو في طهر أصابها فيه؛ أثِم ووقع طلاقه في قول عامَّة أهل العلم.\nقال ابن المنذر وابن عبد البر: لم يخالف في ذلك إِلا أهل البدع والضلال وحكاه أبو نصر عن ابن علية وهشام بن الحكم والشيعة قالوا: لا يقع طلاقه لأنّ الله -تعالى- أمر به في قبل العدة فإِذا طلّق في غيره لم يقع كالوكيل إِذا أوقعه في زمن أمره موكله بإِيقاعه في غيره ولنا حديث ابن عمر أنّه طلق امرأته وهي حائض فأمره النّبيّ - ﷺ - أن يراجعها ... \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1484>عدد الطلقات:</span>\nإِذا بنى الرَّجل بأهله ملَك عليها ثلاث طلقات، وأُمِر أن يكون ذلك على\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٥٢٥١، ومسلم: ١٤٧١.","vol":"5","page":271},{"text":"مرات، قال -سبحانه-: ﴿الطلاق مرتان فإِمساك بمعروف أو تسريح بإِحسان﴾ (١).\nقال ابن كَثير -﵀- في \"تفسيره\": \"هذه الآية الكريمة رافعة لما كان عليه الأمر في ابتداء الإِسلام، من أن الرجل كان أحق برجعة امرأته، وإنْ طلّقها مائة مرّة ما دامت في العدّة، فلمّا كان هذا فيه ضرر على الزوجات قصَرهم الله -﷿- إِلى ثلاث طلقات، وأباح الرجعة في المرّة والثنتين، وأبانها بالكلية في الثالثة، فقال: ﴿الطَّلاق مَرَّتان فإِمساكٌ بمعروفٍ أو تسريحٌ بإِحسان﴾ قال أبو داود -﵀- في \"سننه\": \"باب في نسْخ المراجعة بعد الطلقات الثلاث\".\nثمّ ساق بإِسناده إِلى ابن عباس -رضي الله- قال: ﴿والمطلقات يتربَصنّ بأنفسهنَّ ثلاثة قروء ولا يحلُّ أن يكتُمن ما خَلَق الله في أوحامهنّ﴾ (٢).\" الآية، وذلك أنّ الرجل كان إِذا طلّق امرأته فهو أحق برجعتها، وإنْ طلقها ثلاثًا، فَنُسِخ ذلك وقال: ﴿الطلاق مرّتان﴾ (٣) \" (٤).\nقال العلاّمة أبو بكر الجصَّاص -﵀-: \"تضمّنت [الآَية] الأمر بإيقاع\n_________\n(١) البقرة: ٢٢٩.\n(٢) البقرة: ٢٢٨.\n(٣) البقرة: ٢٢٩.\n(٤) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٩٢١) والبيهقي والنسائي وغيرهم، وصححه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٢٠٨٠).","vol":"5","page":272},{"text":"الاثنتين في مرتين، فمن أوقع الاثنتين في مرّة؛ فهو مخالف لحُكمها\" (١)،\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1485>هل يقع طلاق الثلاث جملةً أم يُحسب طلقة</span>؟\nقال الله -تعالى-: ﴿الطلاق مرّتان﴾.\nوعن ابن عباس -﵄- قال: \"كان الطلاق على عهد رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر، طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إِن الناس قد استعجلوا في أمرٍ قد كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم\" (٢).\nوجاء في \"الفتاوى\" (٣٣/ ٧): \"وإن طلَّقها ثلاَثًا في طُهر واحد بكلمة واحدة أو كلمات؛ مِثل أن يقول. أنتِ طالق فلانًا، أو أنتِ طالق وطالق وطالق، أو أنت طالق، ثمّ طالق، ثم طالق. أو يقول: أنت طالق، ثمّ يقول: أنت طالق، ثمّ يقول: أنت طالق، أو يقول: أنت طالق ثلاثًا، أو عشر طلقات أو مائة طلقة، أو ألف طلقة ونحو ذلك من العبارات: فهذا للعلماء من السلف والخلف فيه ثلاثة أقوال، سواء كانت مدخولًا بها أو غير مدخول بها، وكما السلف من فرّق ببن المدخول بها وغير المدخول بها، وفيه قول رابع محدث مبتدع.\nأحدها: أنه طلاقٌ مباح لازم، وهو قول الشافعي، وأحمد في الرواية القديمة عنه: اختارها الخرقي.\n_________\n(١) انظر \"أحكام القرآن\" وذكَره العلامة أحمد شاكر -﵀- في \"نظام الطلاق في الإِسلام\" (ص ١٢).\n(٢) أخرجه مسلم: ١٤٧٢.","vol":"5","page":273},{"text":"الثاني: أنه طلاقٌ مُحرَّم لازم وهو قول مالك، وأبي حنيفة، وأحمد في الرواية المتأخرة عنه، اختارها أكثر أصحابه، وهذا القول منقول عن كثير من السلف من الصحابة والتابعين، والذي قبله منقول عن بعضهم.\nالثالث: أنه مُحرَّم، ولا يلزم منه إِلا طلقة واحدة، وهذا القول منقول عن طائفة من السلف والخلف من أصحاب رسول الله - ﷺ - مِثل الزبير بن العوَّام، وعبد الرحمن بن عوف، ويروى عن علي وابن مسعود وابن عباس القولان؛ وهو قول كثير من التابعين ومن بعدهم: مِثل طاوس وخلاس بن عمرو، ومحمد بن إِسحاق وهو قول داود وأكثر أصحابه؛ ويروى ذلك عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين وابنه جعفر بن محمد، ولهذا ذهب إِلى ذلك من ذهب من الشيعة، وهو قول بعض أصحاب أبي حنيفة، ومالك، وأحمد بن حنبل.\nوأمّا القول الرابع الذي قاله بعض المعتزلة والشيعة فلا يعرف عن أحد من السلف، وهو أنه لا يلزمه شيء.\nوالقول الثالث هو الذي يدل عليه الكتاب والسنة؛ فإِنَّ كلَّ طلاق شرَعَه الله في القرآن في المدخول بها إِنما هو الطلاق الرجعي؛ لم يشرع الله لأحد أن يُطلِّق الثلاث جميعًا، ولم يشرع له أن يطلق المدخول بها طلاقًا بائنًا، ولكن إِذا طلقها قبل الدخول بها بانت منه، فإِذا انقضت عدتها بانت منه\".\nوفيه (٣٣/ ٩٢): \"وليس في الأدلة الشرعية: الكتاب والسنة والإِجماع والقياس ما يوجب لزوم الثلاث له، ونكاحه ثابت بيقين، وامرأته مُحرَّمة على الغير بيقين، وفي إِلزامه بالثلاث إِباحتها للغير مع تحريمها عليه وذريعة إِلى نكاح","vol":"5","page":274},{"text":"التحليل الذي حرَّمه الله ورسوله.\nو\"نكاح التحليل\" لم يكن ظاهرًا على عهد النّبيّ - ﷺ - وخلفائه. ولم يُنقل قط أنّ امرأة أُعيدت بعد الطلقة الثالثة على عهدهم إِلى زوجها بنكاح تحليل؛ بل \"لعَن رسول الله - ﷺ - المحلل والمحلل له\" (١).\nوفيه (٣٢/ ٣١٠): \" ... وكما قال طائفة من السلف فيمن طلّق ثلاثًا بكلمة: هو جاهلٌ بالسُّنة؛ فيُردّ إِلى السُّنة\".\nوفيه (٣٢/ ٣١٢): \"وذِكر كلام الناس على \"الإِلزام بالثلاث\": هل فعَله مَن فَعَلَه من الصحابة لأنه شرع لازم من النّبيّ - ﷺ -؟ أو فعله عقوبة ظهور المنكر وكثرته؟ وإِذا قيل: هو عقوبة: فهل موجبها دائم لا يرتفع؟ أو يختلف باختلاف الأحوال؟ وبين أن هذا لا يجوز أن يكون شرعًا لازمًا، ولا عقوبة اجتهادية لازمة؛ بل غايته أنه اجتهاد سايغ مرجوح، أو عقوبة عارضة شرعية، والعقوبة إِنما تكون لمن أقدم عليها عالمًا بالتحريم. فأمّا من لم يعلم بالتحريم، ولمَّا علمَه تاب منه؛ فلا يستحق العقوبة، فلا يجوز إِلزام هذا بالثلاث المجموعة؛ بل إِنما يلزم واحدة، وهذا إِذا كان الطلاق بغير عِوَض فأمّا إذا كان بعوض فهو فدية\".\nوقال ابن القيّم -﵀- في \"إِعلام الموقعين\" (٣/ ٤٧): \"والمقصود أنّ هذا القول (٢) قد دلّ عليه الكتاب والسّنة والقياس والإِجماع القديم، ولم يأت\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٥٧٠)، والترمذي وغيرهما، وانظر \"الإِرواء\" (١٨٩٧)، وتقدّم.\n(٢) يعني أنّ الثلاث تقع واحدة.","vol":"5","page":275},{"text":"بعده إِجماع يبطله، ولكن رأى أمير المؤمنين عمر -﵁- أنّ الناس قد استهانوا بأمر الطلاق، وكثُر منهم إِيقاعه جملة واحدة؛ فرأى من المصلحة عقوبتهم بإِمضائه عليهم؛ ليعلموا أنّ أحَدَهم إِذا أوقعه جملةً؛ بانت منه المرأة، وحرمت عليه حتى تنكح زوجًا غيره نكاح رغبة؛ يراد للدوام لا نكاح تحليل، فإِنه كان من أشد الناس فيه، فإِذا علموا ذلك كَفُّوا عن الطلاق المحرّم، فرأى عمر أنّ هذا مصلحة لهم في زمانه، ورأى أنّ ما كانوا عليه في عهد النّبيّ - ﷺ - وعهد الصِّدِّيق وصدرًا من خلافته كان الأليق بهم؛ لأنهم لم يتتابعوا فيه، وكانوا يتَّقون الله في الطلاق، وقد جعل الله لكل من اتقاه مخرجًا، فلما تركوا تقوى الله وتلاعبوا بكتاب الله وطلّقوا على غير ما شرعه الله ألزمهم بما التزموه عقوبةَ لهم؛ فإِنّ الله -تعالى- إِنّما شرع الطلاق مرة بعد مرة، ولم يشرعه كله مرة واحدة، فمن جمع الثلاث في مرة واحدة فقد تعدّى حدود الله، وظلم نفسه، ولعب بكتاب الله، فهو حقيق أن يُعاقب، ويُلْزَمَ بما التزمه، ولا يُقرّ على رخصهّ الله وسعَتِه، وقد صعَّبها على نفسه، ولم يتق الله ولم يُطلِّق كما أمَره الله وشرع له، بل استعجل فيما جعل الله له الأناة فيه رحمة منه وإحسانًا، ولبّس على نفسه، واختار الأغلظ والأشد؛ فهذا مما تغيرت به الفتوى لتغير الزمان، وعلم الصحابة -﵃- حُسن سياسة عمر وتأديبه لرعيته في ذلك فوافقوه على ما ألزم به، وصرحوا لمن استفتاهم بذلك ... \" (١).\nوأما فتاوى بعض الصَّحابة -﵃- التي نصّت على إِيقاع من طلّق ثلاثًا في مجلسٍ واحد ووقوعه ثلاثًا؛ ففيها آثار ثابتة.\n_________\n(١) وانظر ما قاله العلامة ابن القيّم -﵀- كذلك في \"زاد المعاد\" (٥/ ٢٤١).","vol":"5","page":276},{"text":"فعن مجاهد قال: \"جلست عند ابن عباس فجاءه رجل فقال: إِنه طلق امرأته ثلاثًا فسكت حتى ظننت أنه رادّها إليه ثمّ قال: ينطلق أحدكم فيركب الأحموقة ثمّ يقول: يا ابن عباس، وإنَّ الله قال: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجًا﴾ (١) وإِنك لم تتق الله، فلم أجد لك مخرجًا؛ عصيت ربك فبانت منك امرأتك\".\nوفي زيادة: \"وإِنّ الله قال: ﴿يا أيها النّبيّ إِذا طلقتم النساء فطلقوهنّ﴾ في قبل عدتهن\" (٢).\nوعن مجاهد أيضًا: \"أنّ ابن عباس سُئِلَ عن رجل طلق امرأته مائة، فقال: عصيت ربك وفارقْتَ امرأتك\".\nوفي زيادة: \"لم تتق الله فيجعل لك مخرجًا\" (٣).\nوعن ابن عباس -﵄- \" أنّ رجلًا طلَّق امرأته ألفًا قال: يكفيك من ذلك ثلاث\".\nوفي زيادة: \"وتدَع تسعمائة وسبعًا وتسعين\" (٤).\n_________\n(١) الطلاق: ٢.\n(٢) أخرجه أبو داود ومن طريقه البيهقي والزيادة له، وصححه شيخنا -﵀- في \"الإرواء\" (٢٠٥٥).\n(٣) أخرجه الدارقطني والطحاوي والبيهقى والزيادة له، وصححه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٢٠٥٦).\n(٤) أخرجه الدارقطني والبيهقي والزيادة له، وصححه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٢٠٥٧).","vol":"5","page":277},{"text":"وعن سعيد بن جبير قال: \"جاء رجل إِلى ابن عباس فقال: إِني طلقت امرأتي ألفًا؟ قال: أمّا ثلاث فتحرم عليك امرأتك، وبقيتهن وزر. اتَّخذْتَ آيات الله هزوًا\" (١). انتهى.\nقلت: وهذه الآثار في إِيقاع بعض الصحابة -﵃- الطَّلاق جملة واحدة؛ إِنما كانت اجتهادًا في إِمضاء العقوبة، كيلا تفشو وتشيع في النّاس، فإِيقاعها على عدد قليل تأديبًا وتربية يعيد واقع الناس إِلى ما كان عليه النّبيّ - ﷺ - وأبو بكر وأوَّل خلافة: عمر -﵄-.\nوحديث النّبيّ - ﷺ - هو المقدَّم. فلا تقع هذه الألفاظ، ومع ذلك فقد ثبتَ عن ابن عباس -﵄-: \"أن الرجل إِذا قال: أنت طالقٌ ثلاثًا بفم واحد فهي واحدة\".\nجاء في \"الإِرواء\" (٧/ ١٢١): \"قال أبو داود: وروى حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس: \"إِذا قال: أنت طالق ثلاثًا بفم واحد، فهي واحدة\".\nورواه إِسماعيل بن إِبراهيم عن أيوب عن عكرمة هذا قوله، لم يذكر ابن عباس، وجعله قول عكرمة\".\nثمّ قال أبو داود:\n\"وقول ابن عباس هو أن الطلاق الثلاث تبين من زوجها مدخولًا بها وغير مدخول بها، لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره، هذا مثل خبر الصرف قال فيه،\n_________\n(١) أخرجه الطحاوي والدارقطني وابن أبي شيبة، وصححه شيخنا -﵀- في \"الإرواء\" (٧/ ١٢٣).","vol":"5","page":278},{"text":"ثمّ إِنه رجع عنه. يعني ابن عباس\".\nثمّ ساق أبو داود بإِسناده الصحيح عن طاوس:\n\"أن أبا الصهباء قال لابن عباس: أتعلم أنما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد النّبيّ - ﷺ -، وأبي بكر، وثلاثًا من إِمارة عمر؟ قال ابن عباس: نعم\".\nوأخرجه مسلم في \"صحيحه\" والنسائي وأحمد وغيرهم.\nقال شيخنا -﵀-: \"وخلاصة كلام أبي داود أنّ ابن عباس -﵁- كان له في هذه المسألة وهي الطلاق بلفظ ثلاث قولان:\nأحدهما: وقوع الطلاق بلفظ ثلاث، وعليه أكثر الروايات عنه.\nوالآخر: عدم وقوعه كما في رواية عكرمة عنه، وهي صحيحة.\nوهي وإنْ كان أكثر الطرق عنه بخلافها، فإِنَّ حديث طاوس عنه المرفوع يشهد لها. فالأخذ بها هو الواجب عندنا، لهذا الحديث الصحيح الثابت عنه من غير طريق، وإنْ خالفه الجماهير، فقد انتصر له شيخ الإِسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيّم وغيرهما، فمن شاء تفصيل القول في ذلك، فليرجع إِلى كتبهما، ففيها الشفاء والكفاية -إِن شاء الله تعالى-\". انتهى.\nقال العلامة أحمد شاكر -﵀- عقب حديث ابن عباس -﵄- بحذف وتصرّف يسير-: \"وهذا الحديث أصل جليل من أصول التشريع في الطلاق والبحث فيه من مزالق الأقدام، فإِنه يصادم كثيرًا مما يذهب إِليه جمهور العلماء وعامة الدّهماء في الطلاق. وقديمًا كان موضع نزاع وخلاف واضطراب، ولشيخ الإِسلام ابن تيمية ثمّ تلميذه الإِمام ابن القيّم الباعُ","vol":"5","page":279},{"text":"الطويل في شرحه والكلام عليه، ونصرة القول بوقوع الطلاق الثلاث طلقة واحدة فقط، كما هو معروف مشهور.\nوأول ما نبحث فيه أن نحدد موضع الخلاف بين القائلين بوقوع الطلقات الثلاث مجموعة وبين القائلين وقوعها طلقة واحدة.\nفالذي يظنه كل الناس، والذي يفهم من أقوال جمهور من تعرضوا لهذا البحث من العلماء: أنهم يريدون بالطلاق الثلاث لفظ (طالق ثلاثًا) وما في معناه، أي: لفظ الطلاق موصوفًا بعدد لفظًا أو إِشارة أو نحو ذلك. ويعتبرون أنَّ الخلاف بين المتقدمين في وقوع الطلاق الثلاث أو عدم وقوعه؛ إِنما هو في هذه الكلمة وما في معناها، بل ويحملون كل ما ورد في الأحاديث والأخبار من التعبير عن إِيقاع طلقات ثلاث على أنه قول المطلِّق: (طالق ثلاثًا).\nوكل هذا خطأ صرف، وانتقال نظر غريب، وقلبٌ للأوضاع العربية في الكلام، وعدول عن استعمالٍ صحيحٍ مفهومٍ إِلى استعمال باطل غير مفهوم.\nثمّ تغالوا في ذلك حتى قال قائلهم: إِذا خاطب أمرأته بلفظ من ألفاظ الطلاق، كقوله: أنت طالق أو بائن أو بَتّةٌ أو ما أشبهها ونوى طلقتين أو ثلاثًا وقع، فجعلوا النية تقوم مقام العدد اللفظي.\nووجه الخطأ في ذلك: أن العقود كالبيع والنكاح، والفسوخ كالإِقالة والطلاق: حقائق معنوية، لا وجود لها في الخارج إِلا بإِيجادها بالدلالة عليها بالألفاظ التي وُضِعت لها، في العرف اللغوي في الجاهلية، ثمّ العرف الشرعي","vol":"5","page":280},{"text":"في الإِسلام، كقوله: بعت ونكحت وأقَلْت وطلّقْت.\nفهذه الحقائق توجد عند النطق بالألفاظ الموضوعة لها بشروطها، فقول القائل. أنت طالق يوجد به حين القول حقيقة معنوية (واقعيَّة: هي الطَّلاق، أو هي فسخٌ وإنْهاءٌ لعقد الزَّواج الذي بينهما) بصفة خاصة لها أحكام معينة، ووصفُهُ بعد ذلك هذا الفعل بالعدد (مرتين) أو (ثلاثًا) وصْفٌ باطل غير صحيح، وهو لغو من القول، إِذ إنَّ قوله: (ثلاثًا) -مثلًا- صفة لمفعول مطلق محذوف، هو مصدر الفعل، وهو (طلاقًا) وهذا المصدر هو الذي تحققت به الحقيقة المعنوية عند النطق بقوله: (أنت طالق)، وتحقُّقُها بهذا المصدر إِنما يكون مرة واحدة ضرورة، ولا تتحقق مرة أخرى إِلا بِنُطق آخر مثل سابقه، أي يقصد به الإِنشاء والإِيجاد (١).\nوأمَّا وصف المصدر بأنه مرتان أو ثلاث لا تتحقق به حقيقة جديدة، لأن الإِنشاء إِنما يكون في الحال -أعني حال النُّطق- ولا يكون ماضيًا ولا مستقبلًا، والتكرار يستدعي زمنًا آخر للثاني ثمّ الثالث، فلا يكون زمنها كلها حالًا، إِذ أنه محال عقلًا.\nوهكدا الشأن في نظائره، فلا يسوغ لك أن تقول: (بعت ثلاثًا) على معنى القصد إِلى إِيجاد عقد البيع وإنشائه، وكذلك في الجمل الإِنشائية الصرفة، لا يسوغ أن تقول: (سبحان الله ثلاثًا) -أعني هذه الجملة كما هي\n_________\n(١) وقال -﵀- في التعليق: ولذلك قالوا: لو قال لزوجته: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، فإِن نوى إِنشاء الطلاق بكل واحدة كان ثلاث طلقات -عندهم- وإن نوى التأكيد بالجملتين الأخريين وقع واحدة فقط.","vol":"5","page":281},{"text":"لأنك تقصد بها إِلى تسبيح الله -تعالى- فاللفظ بها تنزيه وتسبيح مرة واحدة، فصار قولك: (ثلاثًا) لغوًا لا يتسق مع صواب القول في الوجه العربي.\nوأمّا قول القائل: (اضرب ثلاثًا) فإِنه نوع آخر، وذلك أنه إِنشاء للأمر -بالضرب- مرة واحدة أيضًا، وهو المعنى الوضعي لفعل الأمر، وكلمة (ثلاثًا) وصف أيضًا للمصدر المضمر في الفعل، أعني (ضربًا)، وهو الذي قد يحصل في المستقبل طاعة لمدلول صيغة الإِنشاء، وقد لا يحصل عند العصيان، وليس هو -أي المصدر- مدلول الصيغة؛ لأنه قد لا يحصل إِذا خالف المأمور الأمر فلم يفعل ما أمَره به، مع أن مدلول الصيغة قد تم وتحقق، وهو حصول الأمر من الأمر بخلاف أنواع الإِنشاء -اللفظي أو المعنوي- التي يكون مدلولها حقيقة لا تتحقق ولا توجد إِلا بنفس النطق بها وحده، فلا يمكن تكرار المدلول إِلا بتكرار اللفظ الدال عليه.\nونظائر ذلك في الشريعة كثير. فإِنّ الملاعِن أُمِر بأن يقول أربع مرات: (أشهد بالله إِني لمن الصادقين) فلا بد لطاعة الأمر من أن يقول هذه الجملة مرارًا أربعة مكررة في اللفظ.\nأمّا إِذا قال: (أشهد بالله أربع مرات إِني لمن الصادقين) لكان قوله معدودًا مرة واحدة، وبقي عليه ثلاث. لا أقول: إِن هذا إِجماع -وهو إِجماع فعلًا-؛ ولكن أقول: إِنه بالبداهة التي لا يقبل في العقل غيرها، ولا يتصور أحد سواها.\nقال ابن القيّم -رحمه الله تعالى- في \"إِعلام الموقعين\" (٣/ ٢٧) -بعد أنْ ذكَر أن الله -تعالى- جعل الطلاق مرة بعد مرة-: وما كان مرة بعد مرّة لم يملك","vol":"5","page":282},{"text":"المكلف إِيقاع مرَّاته جملة واحدة، كاللعان [وذكر الكلام السابق] ولو حَلَف في القسامة وقال: أقسم بالله خمسين يمينًا أنّ هذا قاتِلُه؛ كان ذلك يمينًا واحدة. ولو قال المقِرُّ بالزنى: أنا أقر أربع مرات أني زنيت؛ كان مرة واحدة، فمن يعتبر الأربع لا يجعل ذلك إِلا إِقرارًا واحدًا (١).\nوقال النّبيّ - ﷺ -: \"من قال: سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرّة حُطّت عنه خطاياه وإن كانت مِثل زبد البحر (٢) \". فلو قال: سبحان الله وبحمده مائة مرة؛ لم يحصل له هذا الثواب حتى يقولها مرة بعد مرة ... وكذلك قوله: \"من قال: لا إِله إِلا الله وحده لا شريك له؛ له الملك وله الحمد وهو على كلّ شيء قدير في يوم مائة مرة ... وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي (٣) \". لا يحصل هذا إِلا مرة بعد مرة. وهكذا قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحُلُمَ منكم ثلاث مرات﴾ (٤) وهكذا قوله في الحديث: \"الاستئذان ثلاث مرّات فإِن أُذن لك وإلا فارجع\" لو قال الرجل ثلاث مرات هكذا؛ كانت مرة واحدة، حتى يستأذن مرة بعد مرة (٥).\n... [إِنَّ] قول القائل: \"أنت طالق ثلاثًا\" ونحوه -أعني إِيقاع الطلاق\n_________\n(١) وتقدّم هذا في الطلاق السنّي والبدعي.\n(٢) أخرجه البخاري: ٦٤٠٥، ومسلم: ٢٦٩١.\n(٣) أخرجه البخاري: ٣٢٩٣، ومسلم: ٢٦٩١.\n(٤) النور: ٥٨.\n(٥) وانظر ما قاله العلامة ابن القيّم -﵀- في \"الزاد\" (٥/ ٢٤٤) وذكرته في \"الطلاق السني والبدعي\".","vol":"5","page":283},{"text":"وإنشاءه بلفظ واحد موصوف بعدد- لا يكون في دلالة الألفاظ على المعاني لغة وفي بديهة العقل إلاَّ طلقة واحدة، وأن قوله: (ثلاثًا) في الإِنشاء والإِيقاع، قول محال عقلًا، باطل لغة، فصار لغوًا من الكلام، لا دلالة له على شيء في تركيب الجملة التي وضع فيها، وإنْ دلّ في نفسه على معناه الوضعي دلالة الألفاظ المفردة على معانيها. كما إِذا ألحق المتكلم بأية جملة صحيحة كلمة لا تعلُّق لها بالكلام، فلا تزيد على أن تكون لغوًا باطلًا.\n[وكذلك] الخلاف بين التابعين فمن بعدهم في الطلاق الثلاث ونحوه، إِنما هو في تكرار الطلاق. أعني: أن يطلق الرجل امرأته مرّة ثمّ يطلقها مرة أخرى ثمّ ثالثة؛ وأعني أيضًا: أن موضوع الخلاف هو: هل المعتدة يلحقها الطلاق؟ أي: إِذا طلقها المرة الأولى فصارت معتدة، ثمّ طلقها طلقةً ثانية في العدة؛ هل تكون طلقة واقعة ويكون قد طلقها طلقتين؛ فإِذا ألحق بهما الثالثة وهي معتدة من الأولى؛ هل تكون طلقة واقعة أيضًا ويكون قد أوقع جميع الطلقات التي له عليها وأبانها وبتّ طلاقها؟ أو أنّ المعتدة لا يلحقها الطلاق؟ فإِذا طلَّقها الطلقة الأولى كانت مطلقة منه، وهي في عدته، لا يملك عليها إلاَّ ما أَذِنه به الله: ﴿فإِمساك بمعروف أو تسريح بإِحسان﴾ (١) إِن ندم على الفراق راجعها فأمسكها، وإِنْ أصرّ على الطلاق فليدعْها حتى تنقضي عدتها، ثمّ يسرِّحها بإِحسان من غير مُضارّة، ثمّ هو بالنسبة إليها بعد ذلك إِنْ رغب في عودتها كغيره من الرجال: خاطِبٌ من الخٌطَّاب؟\nهذا هو موضع الخلاف على التحقيق، وأمّا كلمة (أنت طالق ثلاثًا)\n_________\n(١) البقرة: ٢٢٩.","vol":"5","page":284},{"text":"ونحوها فإِنما هي مُحال، وإِنما هي تلاعب بالألفاظ، بل هي تلاعُب بالعقول والأفهام!! ولا يعقل أن تكون موضع خلاف بين الأئمة من التابعين فمن بعدهم.\nوقال -﵀- (ص ٣٧) في التعليق: \"وأما الأحاديث التي تجد فيها أن فلانًا أو رجلًا طلّق زوجته ثلاثًا: فإنما هي إخبار، أي أن الراوى يحكي عن المطلق ويخبر عنه أنه طلق ثلاثًا، فهذا إِخبار صادق، لأنه يحكي عن غيره أو عن نفسه أنه أوقع ثلاث تطليقات إِنشاءً لكل واحدة منها، كما تحكي عن نفسك أو عن غيرك، فتقول: صلى أربع ركعات، وسبح مائة تسبيحة، وهكذا ... (١) انتهى.\nوبعد: فإِذ قد تحققنا أن التطليق بلفظ: (أنت طالق ثلاثًا) ونحوه إِنما هو تطليق واحد قطعًا، وأنه ليس مما اختلف في وقوعه ثلاثًا أو واحدة: فلنرجع إِلى الخلاف في وقوع الطلاق الثلاث، أو بتعبير أدق: هل يقع طلاق آخر على المعتدة؟\nثمّ ذكَر حديث ابن عباس -﵁- في تطليق ركانة بن عبد يزيد -أخي بني مطلب- امرأته ثلاثًا في مجلس واحد. وقد اختلف فى إِسناده ولفظه، وللعلماء فيه أقوال (٢).\n_________\n(١) يريد العلامة أحمد شاكر -﵀ - أنه طلّق زوجته ثلاثًا بالشروط المعروفة؛ لا أنه طلّق الثلاث مجموعة مرّة واحدة.\n(٢) انظر \"الفتاوى\" (٣٢/ ٣١١) وتفصيل العلاَّمة أحمد شاكر -﵀ - في كتابه المشار إِليه (ص ٢٧ - ٣٨) وتخريج شيخنا -﵀- في \"الإرواء\" (٢٠٦٣).","vol":"5","page":285},{"text":"[وبعد إِفاضة وتفصيل من شيخنا -﵀- ونقولات كثيرة للعلماء في \"الإِرواء\" تحت الحديث (٢٠٦٣) ذكَر حديث ابن عباس -﵄- وقال: \" ... هذا الإِسناد صححه الإِمام أحمد والحاكم والذهبي وحسنه الترمذي في متن آخر تقدّم برقم (١٩٢١)، وذكرنا هناك اختلاف العلماء في داود بن الحصين وأنه حجة في غير عكرمة، ولولا ذلك لكان إسناد الحديث لذاته قويًا، ولكن ذلك لا يمنع من الاعتبار بحديثه والاستشهاد بمتابعته لبعض بني رافع، فلا أقل من أن يكون الحديث حسنًا بمجموع الطريقين عن عكرمة، ومالَ ابن القيّم إِلى تصحيحه وذكر أن الحاكم رواه في \"مستدركه\" وقال: إِسناده صحيح، ولم أره في \"المستدرك\" لا في \"الطلاق\" منه، ولا في \"الفضائل\" والله أعلم، وقال ابن تيمية في \"الفتاوى\" (٣/ ١٨): \"وهذا إِسناد جيد\". وكلام الحافظ ابن حجر في \"الفتح\" (٩/ ٣١٦) يشعر بإِنه يرجح صحته أيضًا ... \"].\nوفي \"صحيح سنن أبي داود\" (١٩٢٢): عن ابن عبَّاس -﵄- قال: \"طلّق عبد يزيد -أبو ركانة وإِخوته- أم ركانة، ونكح امرأة من مزينة، فجاءت النّبيّ - ﷺ - فقالت: ما يُغني عني، إِلا كما تغني هذه الشعرة -لشعرة أخذتها من رأسها- ففرّق بيني وبينه، فأخذت النّبي - ﷺ - حَمِيَّةٌ، فدعا بِركانة وإِخوته، ثمّ قال لجلسائه: أترون فلانًا يشبه منه كذا وكذا -من عبد يزيد-، وفلانًا يشبه منه كذا وكذا؟ قالوا: نعم! قال النّبي - ﷺ - لعبد يزيد: طلقها ففعل، ثمّ قال: راجع امرأتك أم ركانة وإخوته، قال: إِني طلقتها ثلاثًا يا رسول الله، قال: قد علمت، راجعها وتلا: ﴿يا أيها النّبيّ إِذا طلقتم النساء فطلقوهنّ لعدتهنّ﴾ \".","vol":"5","page":286},{"text":"قال أبو داود: وحديث نافع بن عجير، وعبد الله بن علي بن يزيد بن ركانة عن أبيه عن جده: أن ركانة طلق امرأته البتة فردها إِليه النّبيّ - ﷺ -: أصح؛ لأن ولد الرجل وأهله أعلم به: إِنّ ركانة إِنما طلق امرأته البتة فجعلها النّبيّ - ﷺ - واحدة\". انتهى.\nواستأنف العلامة أحمد شاكر -﵀- كلامه قائلًا: \"وقال ابن عباس أيضًا: كان الطلاق على عهد رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إِنّ النّاس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم؟ فأمضاه عليهم\" (١).\nوفي رواية في \"صحيح مسلم\" (١٤٧٢) عن طاوس: \"أنّ أبا الصّهباء قال لابن عباس: هات من هَناتِك (٢)، ألم يكن الطلاق الثلاث على عهد رسول الله - ﷺ - وأبي بكر واحدة؟ فقال: قد كان ذلك، فلمّا كان في عهد عمر تتايع (٣) النّاس في الطلاق فأجازه عليهم\".\nوفي رواية \"لمسلم\" (١٤٧٢) أيضًا عن طاوس: أنّ أبا الصهباء قال لابن عباس: \"أتعلم أنما كانت الثلاث تُجعل واحدة على عهد النّبيّ - ﷺ - وأبي بكر وثلاثًا من إِمارة عمر؟ فقال ابن عباس: نعم\".\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ١٤٧٢. وتقدَّم.\n(٢) هَناتِك أي: أخبارك وأمورك المستغربة. \"نووي\".\n(٣) بالياء المثناة التحتية قبل العين، كما نص عليه النووي في \"شرح مسلم\"، وهو بمعنى \"تتابع\" بالباء الموحدة، ولكنه بالمثناة إنما يستعمل في الشر فقط، قال النووي: (وهو بالمثناة أجود).","vol":"5","page":287},{"text":"وفي رواية في \"المستدرك\" للحاكم (٢/ ١٩٦) عن ابن أبي مليكة أن أبا الجوزاء أتى ابن عباس فقال: أتعلم أن ثلاثًا كن يُرْدَدْنَ على عهد رسول الله - ﷺ - إِلى واحدة؟ قال: نعم. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإِسناد. وفي إِسناده عبد الله بن المؤمل، تَكلَّم فيه بعضهم، والحق أنه ثقة.\nوفي رواية عند الطحاوي في \"معاني الآثار\" (٢/ ٣٢) بإِسناد صحيح من طريق طاوس، قال ابن عباس: \"فلما كان زمان عمر -﵁- قال: أيها الناس، قد كانت لكم في الطلاق أناة، وإنه من تعجّل أناة الله في الطلاق ألزمناه إِياه\".\nفهذه الأحاديث تدل على أن إِيقاع طلقات ثلاث في مجلس واحد أو مجالس متعددة كان يُرَدُّ في عهد رسول الله - ﷺ - إِلى طلقة واحدة ... وهي موافقة لنظم القرآن ورسْمه في الطلاق. لأن الله -﷾- شرع في طلاق غير المدخول بها أنها تبين بنفس الطلاق وليس للمطلق عليها عدة تعتدها، فبمجرد أن نطق بالطلاق وأنشأه بانت منه، فلا يمكنه أن يكرر طلاقها مرة أخرى إِلا أن يتزوجها بعقد جديد.\nوشرع في طلاق المدخول بها أنها تطلق مرتين، وفي كل مرة إما إِمساك بمعروف وإِمّا تسريح بإِحسان، ثمّ تبين منه في الثالثة، وعليها العدة، ولا يجوز له أن يراجعها فيتزوجها إِلا بعد زوج آخر.\nوقد قال حُجّة الإِسلام الجصاص في \"أحكام القرآن\" (١/ ٣٨٠): \"إِن الله -تعالى- لم يُبحِ الطلاق ابتداءً لمن تجب عليها العدة إِلا مقرونًا بِذكر الرجعة. منها قوله -تعالى-: ﴿الطلاق مرتان فإِمساك بمعروف﴾ (١) وقوله -تعالى-:\n_________\n(١) البقرة: ٢٢٩.","vol":"5","page":288},{"text":"﴿والمُطلقات يتربصن بأنفسهنّ ثلاثة قروء﴾ (١)، وقال -تعالى-: ﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهنّ فأمسكوهنّ بمعروف أو سرّحوهنّ بمعروف﴾ (٢) أي: فارقوهن بمعروف.\nفلم يبح الطلاق المبتدأ لذوات العدد إِلا مقرونًا بذكر الرجعة.\nوليس المقصود من الطلاق اللعب واللهو، حتى يزعم الرجل لنفسه أنه يملك الطلاق كما شاء، وكيف شاء، ومتى شاء، وأنه إِن شاء أبان المرأة بتة، وإنْ شاء جعلها معتدة يملك عليها الرجعة.\nكلا ثمّ كلا، بل هو تشريع منظم دقيق من لدنْ حكيم عليم شرَعَه الله لعباده ترفيهًا لهم ورحمة بهم، وعلاجًا شافيًا لما يكون في الأسرة بين الزوجين من شقاق وضِرار، ورسَم قواعده وحدَّ حدوده بميزان العدالة الصحيحة التامّة ونهى عن تجاوُزِها، وتَوعّد على ذلك. ولهذا تجد في آيات الطلاق تكرار ذِكر حدود الله، والنهي عن تعدِّيها وعن المضارة:\n﴿تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعدّ حدود الله فأولئك هم الظالمون﴾ (٣) ﴿وتلك حدود الله يبيّنها لقوم يعلمون﴾ (٤) ﴿ولا تمسكوهنّ ضرارًا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ولا تتخذوا آيات الله\n_________\n(١) البقرة: ٢٢٨.\n(٢) البقرة: ٢٣١.\n(٣) البقرة: ٢٢٩.\n(٤) البقرة: ٢٣٠.","vol":"5","page":289},{"text":"هُزُوًا﴾ (١) ﴿واعلموا أنّ الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه﴾ (٢) ... \". انتهى (٣).\nوسألت شيخنا -﵀- عمَّن طلَّق أكثر من طلقة في عدَّة واحدة فأجاب: إِذا جمع الثَّلاث في عدَّة واحدة فإِنَّها تحسب طلقة واحدة، ثمَّ قال -﵀-: لا يجوز جمع الثَّلاث في عدَّة واحدة.\nوقال شيخنا -﵀- في \"السلسلة الضعيفة\" (٣/ ٢٧٢ - ٢٧٣) تحت الحديث (١١٣٤) بعد أن ساق حديث مسلم: \"كان الطلاق على عهد رسول الله - ﷺ -، وأبي بكر، وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر ابن الخطاب: إِنّ الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم\".\nوهو نص لا يقبل الجدل على أن هذا الطلاق حُكْم مُحكَمٌ ثابت غير منسوخ لجريان العمل عليه بعد وفاته - ﷺ - في خلافة أبي بكر، وأول خلافة عمر، ولأن عمر -﵁- لم يخالفه بنص آخر عنده بل باجتهاد منه ولذلك تردَّد قليلًا أوّل الأمر في مخالفته كما يشعر بذلك قوله: \"إِن الناس قد استعجلوا ... فلو أمضيناه عليهم .. \"، فهل يجوز للحاكم مثل هذا التساؤل\n_________\n(١) البقرة: ٢٣١.\n(٢) البقرة: ٢٣٥.\n(٣) وانظر للمزيد -إِن شئت- \"الروضة الندية\" (أقوال العلماء في وقوع الطلاق الثلاث في مجلس واحد) ففيه كلام قويّ وكتاب \"الاستئناس\" (ص ٣٩) للعلامة القاسمي -﵀- بعنوان (من ذهب إِلى أنّ جمْع الثلاث جملةً يحسب طلقة).","vol":"5","page":290},{"text":"والتردد لو كان عنده نص بذلك؟!\nوأيضًا، فإِن قوله: \"قد استعجلوا\" يدل على أن الاستعجال حدث بعد أن لم يكن، فرأى الخليفة الراشد أن يمضيه عليهم ثلاثًا من باب التعزير لهم والتأديب، فهل يجوز مع هذا كله أن يترك الحكم المحكم الذي أجمع عليه المسلمون في خلافة أبي بكر وأول خلافة عمر، من أجل رأيٍ بدا لعمر واجتهد فيه، فيؤخذ باجتهاده، ويترك حكمه الذي حكم هو به أول خلافته تبعًا لرسول الله - ﷺ - وأبي بكر؟!\nاللهم إِن هذا لمن عجائب ما وقع في الفقه الإِسلامي، فرجوعًا إِلى السنة المحكمة أيها العلماء، لا سيما وقد كثرت حوادث الطلاق في هذا الزمن كثرة مدهشة تنذر بِشرٍّ مستطير تصاب به مئات العائلات.\nوأنَا حين أكتب هذا أعلم أن بعض البلاد الإِسلامية كمصر وسوريا قد أدخَلت هذا الحكم في محاكمها الشرعية، ولكن من المؤسف أن أقول: إِن الذين أدخلوا ذلك من الفقهاء القانونيين لم يكن ذلك منهم بدافع إِحياء السنة، وإِنما تقليدًا منهم لرأي ابن تيميَّة -﵀- الموافق لهذا الحديث، أي إِنهم أخذوا برأيه لا لأنه مدعم بالحديث، بل لأن المصلحة اقتضت الأخذ به زعموا، ولذلك فإِنَّ جلّ هؤلاء الفقهاء لا يُدَعِّمون أقوالهم واختياراتهم التي يختارونها اليوم بالسنة، لأنهم لا عِلم لهم بها، بل قد استغنوا عن ذلك بالاعتماد على آرائهم، التي بها يحكمون، وإليها يرجعون في تقدير المصلحة التي بها يستجيزون لأنفسهم أن يغيروا الحكم الذي كانوا بالأمس القريب به يدينون الله -تعالى- كمسألة الطلاق هذه.","vol":"5","page":291},{"text":"فالذي أودُّه أنهم إِن غيَّروا حُكمًا أو تركوا مذهبًا إِلى مذهب آخر، أن يكون ذلك اتباعًا منهم للسنة، وأن لا يكون ذلك قاصرًا على الأحكام القانونية والأحوال الشخصية، بل يجب أن يتعدوا ذلك إِلى عباداتهم ومعاملاتهم الخاصة بهم، فلعلهم يفعلون\" انتهى.\nوالخلاصة أنّ الثلاث تقع واحدة إِذْ خَيرُ الهدي هدي محمد - ﷺ - وهو عَمَلٌ بمقتضى قوله -تعالى-: ﴿الطلاق مرتان﴾ والنية لا تقوم مقام العدد اللفظي.\nوكما أنه لا يجزئ قول المرء: \"سبحان الله وبحمده مائة مرة\" -هكذا- للحصول على ثواب من يقول: \"سبحان الله وبحمده\" مرّة بعد مرّة؛ مِن حطِّ الخطايا ولو كانت مثل زبد البحر؛ فإِنه لا يجزئ قول المرء: طالق ثلاثًا جملة واحدة، ولا يكون إِلا مرّة بعد مرَّة، على النحو الذي بيّن الله -تعالى- في كتابه ورسوله - ﷺ - في سُنّته، وأنّ إِيقاع الثلاث وإمضاءَه؛ إِنّما هو تسوية بين المدخول بها وغير المدخول، وتجاوز للأحكام التي وضعها الحكيم العليم الرحمن الرحيم.\nوما ورَد عن بعض الصحابة -﵃- إِنما هو اجتهادٌ؛ كيلا تفشو هذه الألفاظ في النّاس وتشيع فيهم، والله -تعالى- أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1486>الإِشهاد على الطَّلاق:</span>\nقال الله -تعالى-: ﴿يا أيها النّبيّ إِذا طلّقتم النّساء فطلِّقوهنّ لعدَّتهنّ وأحصوا العِدَّة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهنّ من بيوتهنّ ولا يخرجن إِلا أن يأتين بفاحشة مُبيِّنة وتلك حدود الله ومن يتعدّ حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعلّ الله يحدث بعد ذلك أمرًا * فإِذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروفٍ","vol":"5","page":292},{"text":"أو فارقوهنّ بمعروف وأشهدوا ذَوَيْ عدلٍ منكم وأقيموا الشهادة لله ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ومن يتَّق الله يجعل له مخرجًا﴾ (١).\nوقد اختلف العلماء في معنى الإِشهاد في قوله -سبحانه-: ﴿وأشهدوا ذَوَي عدْلٍ منكم﴾ أهو على الطلاق أم الرجعة أم عليهما معًا، وهذا له أثره الخلافي في المسألة.\nجاء في \"صحيح البخاري\" (٢) باب قول الله -تعالى-: ﴿يا أيها النّبيّ إِذا طلّقتم النّساء فطلِّقوهنّ لعدَّتهنّ وأحصوا العدة﴾ أحصيناه: حفظناه وعددناه، وطلاق السّنّة أن يُطلقها طاهرًا من غير جماع، ويشهد شاهدين.\nقال الحافظ -﵀-: \"قوله: ويُشهد شاهدين: مأخوذ من قوله -تعالى-: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ وهو واضح، وكأنه لمح بما أخرجه ابن مردويه عن ابن عباس قال: \"كان نفر من المهاجرين يطلقون لغير عدة ويراجعون بغير شهود فنزلت\".\nجاء في كتاب \"الجامع في أحكام الطلاق\" (٣): \" ... [أخرج] ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٢٨/ ٨٨) من طريق أبي صالح، عن معاوية بن صالح، عن علي، عن ابن عباس (٤) قال: إِن أراد مراجعتها قبل أن تنقضي عدتها أشهد رجلين\n_________\n(١) الطلاق: ١ - ٢.\n(٢) انظر \"كتاب الطلاق\" (باب - ١).\n(٣) لعمرو عبد المنعم سليم -حفظه الله تعالى- (ص ١٥٢).\n(٤) قلت: وقد تُكُلِّم كثيرًا في رواية (علي بن أبي طلحهّ) عن (ابن عباس)، وأنه =","vol":"5","page":293},{"text":"كما قال الله: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ عند الطلاق وعند المراجعة.\n_________\n= لم يسمع منه، بيْد أن في الأمر تفصيلًا، فقد قال الحافظ ابن حجر -﵀- في كتاب \"العجاب في بيان الأسباب\" (١/ ٢٠٣):\n\"والذين اشتهر عنهم القول في ذلك [أي: تفسير القرآن العظيم] من التابعين: أصحاب ابن عبّاس -﵄- ثقات وضعفاء فمن الثقات:\n١ - مجاهد بن جبر.\n٢ - ومنهم عكرمة.\n٣ - ومن طريق معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عبّاس -﵄- وعليّ صدوق لم يلْقَ ابن عبّاس، لكنّه حَمَل عن ثقاتِ أصحابه، فلذلك كان البخاري وابن أبي حاتم وغيرهما يعتمدون على هذه النُّسخة.\nقال الحافظ ابن حجر -﵀-: قال أبو جعفر النحاس في كتاب \"معاني القرآن\" له بعد أن ساق رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في تأويل الآية -: هذا من أحسن ما قيل في تأويل الآية وأعلاه وأجلّه، ثم أسند عن أحمد بن حنبل قال: بمصر صحيفة في التفسير رواها علي بن أبي طلحة لو رحل رجل فيها إِلى مصر قاصدًا ما كان كثيرًا. انتهى. وهذه النسخة كانت عند أبي صالح كاتب الليث رواها عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عبّاس وهي عند البخاري عن أبي صالح وقد اعتمد عليها في \"صحيحه\" هذا كثيرًا على ما بيناه في أماكنه. وهي عند الطبري وابن أبي حاتم وابن المنذر بوسائط بينهم وبين أبي صالح. انتهى\".\nوالحاصل أنّ هذه وجادةٌ اعتمدها الإِمام البخاري وأمثاله من الفحول المذكورين في رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عبّاس -﵄- على نسخة معاوية بن صالح. وهنالك من يفرّق بين ما رواه في الحديث وما رواه في التفسير [انظر ما قاله محقق كتاب \"العُجَاب\" (١/ ٢٠٦)].\nويزيدنا اطمئنانًا أن تكون رواية عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس -﵄- =","vol":"5","page":294},{"text":"وجاء في \"تفسير ابن كثير\" -﵀-: \"وقوله -تعالى-: ﴿وأشهدوا ذَوَي عدل منكم﴾ أي: على الرجعة إِذا عزمتم عليها، كما رواه أبو داود، وابن ماجه عن عمران بن حصين، أنه سئل عن الرجل يطلق امرأته ثمّ يقع بها، ولم يشهد على طلاقها ولا على رجعتها، فقال: طلقت لغير سُنَّة وراجعت لغير سُنَّة، أشهد على طلاقها وعلى رجعتها ولا تَعُد (١).\nوقال ابن جريج: كان عطاء يقول: ﴿وأشهدوا ذَوَي عدل منكم﴾ قال: لا يجوز في نكاح ولا طلاق ولا إرجاع إلاَّ شاهدا عدل، كما قال الله -﷿- إِلا أن يكون من عذر\".\nوجاء في \"تفسير القرطبي\" -﵀-: \"قوله -تعالى-: ﴿وأشهِدوا﴾ أمرٌ بالإِشهاد على الطلاق، وقيل: على الرجعة.\nوالظاهر رجوعه إِلى الرجعة لا إِلى الطلاق، فإِن راجع من غير إِشهاد؛ ففي صحة الرجعة قولان للفقهاء، وقيل: المعنى: وأشهدوا عند الرجعة والفرقة جميعًا. وهذا الإِشهاد مندوب إِليه عند أبي حنيفة؛ كقوله -تعالى-: ﴿وأشهدوا إِذا تبايعتم﴾. وعند الشافعي واجب في الرجعة، مندوب إِليه في الفرقة\".\n_________\n= من اختيار ابن جرير أو ابن كثير وأمثالهما -رحم الله الجميع-.\nوانظر -إِن شئت المزيد- ما قاله الحافظ -﵀- في كتاب \"العُجاب في بيان الأسباب\" وما أفاده محقّقه: الأستاذ عبد الحكيم محمد الأنيس -حفظه الله تعالى- وقد مضى في بداية القول توثيق الحافظ ابن حجر -﵀- لذلك. والله -تعالى- أعلم.\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٩١٥)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٦٤٥)، وصححه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٢٠٧٨).","vol":"5","page":295},{"text":"وجاء في \"تفسير الإِمام البغوي\" -رحمه الله تعالى-: \" ﴿وأشهدوا﴾ على الرجعة أو الفراق، أمر بالإِشهاد على الرجعة وعلى الطلاق ... \".\nوقال العلامة السعدي -﵀ في \"تفسيره\": \" ﴿وأشهدوا﴾ على طلاقها ورجعتها ﴿ذوي عدل منكم﴾ أي: رجلين مسلمين عدلين لأن في الإِشهاد المذكور سدًا لباب المخاصمة وكتمان كل منهما ما يلزم بيانه\".\nقال العلامة أحمد شاكر -﵀- في كتاب \"نظام الطلاق في الإِسلام\" (ص ٨٠) -بحذف-: \"والظاهر من سياق الآيتين أنَّ قوله: ﴿وأشهدوا﴾ راجع إِلى الطلاق وإلى الرجعة معًا والأمر للوجوب، لأنه مدلوله الحقيقي، ولا ينصرف إِلى غير الوجوب -كالندب- إِلا بقرينة، ولا قرينة هنا تصرفه عن الوجوب، بل القرائن هنا تؤيد حمْله على الوجوب: لأن الطلاق عمل استثنائي يقوم به الرجل -وهو أحد طرفي العقد- وحده. سواء أوافقته المرأة أم لا، كما أوضحنا ذلك مرارًا، وتترتب عليه حقوق للرجل قِبَلَ المرأة، وحقوق للمرأة قِبَلَ الرجل، وكذلك الرجعة، ويخشى فيهما الإِنكار من أحدهما، فإِشهاد الشهود يرفع احتمال الجحد، ويثبت لكل منهما حقه قِبَلَ الآخر.\nفمن أشهد على طلاقه فقد أتى بالطلاق على الوجه المأمور به، ومن أشهد على الرجعة فكذلك، ومن لم يفعل فقد تعدى حد الله الذي حده له، فوقع عمله باطلًا، لا يترتب عليه أي أثر من آثاره.\nوهذا الذي اخترنا هو قول ابن عباس. فقد روى عنه الطبري في التفسير (٢٨ - ٨٨) قال: إِنْ أراد مراجعتها قبل أن تنقضي عدتها أشهد رجلين، كما قال الله: ﴿وأشهدوا ذَوَي عدلٍ منكم﴾ عند الطلاق وعند المراجعة.","vol":"5","page":296},{"text":"وهو قول عطاء أيضًا.\nفقد روى عنه عبد الرزاق وعبد بن حميد قال: \"النكاح بالشهود، والطلاق بالشهود، والمراجعة بالشهود\" نقله السيوطي في \"الدر المنثور\" (٦/ ٢٣٢) والجصاص في أحكام القرآن بمعناه (٣/ ٤٥٦) وكذلك هو قول السدي. فقد روى عنه الطبري قال في قوله: ﴿وأشهدوا ذَوَي عدلٍ منكم﴾. على الطلاق والرجعة.\nوأمّا ابن حزم فإِنَّ ظاهر قوله في \"المحلى\" (١) (١٠/ ٢٥١) يفهم منه أنه يرى اشتراط الإِشهاد في الطلاق وفي الرجعة، وإن لم يذكر هذا الشرط في مسائل الطلاق؛ بل ذكره في الكلام على الرجعة فقط، قال: \"فإنْ راجع ولم يُشهِد فليس مراجعًا، لقول الله -تعالى-: ﴿فإِذا بلغن أجلهن فأمسكوهنّ بمعروفٍ أو فاوقوهنّ بمعروف وأشهدوا ذَوَي عدل منكم﴾ لم يفرق -﷿- (٢) بين المراجعة والطلاق والإِشهاد، فلا يجوز إِفراد ذلك عن بعض، وكل من طلّق ولم يشهد ذوَي عدل، أو رجع ولم يشهد ذوي عدل: متعديًا لحدود الله -تعالى- وقال رسول الله - ﷺ -: \"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد\" (٣).\nقال شيخ الإِسلام -﵀- في \"الفتاوى\" (٣٣/ ٣٣): \"وقد ظن بعض\n_________\n(١) وفي نسختي: (١١/ ٦١٣) دار الاتحاد العربي.\n(٢) جاء في التعليق: في النسخة المطبوعة من \"المحلّى\" \"فرق -﷿- \" وهو خطأ مطبعي واضح من سياق الكلام. والصواب (فقرن) كما في النسخة المخطوطة من \"المحلّى\" بدار الكتب المصرية.\n(٣) أخرجه البخاري: ٢٦٩٧، ومسلم: ١٧١٨، واللفظ له.","vol":"5","page":297},{"text":"الناس: أن الإِشهاد هو الطلاق، وظن أن الطلاق الذي لا يشهد عليه لا يقع. وهذا خلاف الإِجماع (١)، وخلاف الكتاب والسّنة، ولم يقل أحد من العلماء المشهورين به؛ فإِن الطلاق أذن فيه أولًا، ولم يأمر فيه بالإِشهاد، وإِنما أمر بالإِشهاد حين قال: ﴿فإِذا بلغن أجلهنّ فأمسكوهنّ بمعروف أو فارقوهنّ بمعروف﴾ والمراد هنا بالمفارقة تخلية سبيلها إِذا قضت العدة، وهذا ليس بطلاق ولا برجعة ولا نكاح. والإِشهاد في هذا باتفاق المسلمين، فعلم أن الإِشهاد إِنما هو على الرجعة، ومن حكمة ذلك: أنه قد يطلقها ويرتجعها، فيزين له الشيطان كتمان ذلك حتى يطلقها بعد ذلك طلاقًا محرمًا ولا يدري أحد، فتكون معه حرامًا، فأمر الله أن يشهد على الرجعة ليظهر أنه قد وقعت به طلقة\".\nوإِذا عَرف المرء رأي شيخ الإِسلام -﵀- في الإِشهاد في النكاح؛ وأنه يرى حصولَه مع الإِعلان ولو لم يَشْهَد شاهدان، إِذا كان كذلك؛ انقدح في ذهنه أنّ هذا له أثره في فتواه -﵀- في مسألة عدم إِيجاب الإِشهاد في الطلاق، علمًا أنّ الإِشهاد في النكاح أقوى نصًّا وفقهًا من الإِشهاد في الطلاق كما هو ظاهر النُّصوص.\nجاء في \"الفتاوى\" (٣٢/ ١٢٧): \"واشتراط الإِشهاد وحده ضعيف؛ ليس له أصل في الكتاب ولا في السنة، فإِنه لم يثبت عن النّبيّ - ﷺ - فيه حديث (٢).\n_________\n(١) قال الموزعي في \"تيسير البيان\": وقد اتفق الناس على أن الطلاق من غير إشهاد جائز. قاله في \"سبل السلام\" (٣/ ٣٤٨). وفي \"السيل الجرار\" (٢/ ٤١٠): \"وقد وقع الإِجماع على عدم وجوب الإِشهاد في الطلاق واتفقوا على الاستحباب\".\n(٢) وقد خالفه من العلماء مَن خالفه في هذا؛ فهذا رأيه، رحم الله الجميع.","vol":"5","page":298},{"text":"ومن الممتنع أن يكون الذي يفعله المسلمون دائمًا له شروط لم يُبِنْها رسول الله - ﷺ - وهذا مما تعمُّ به البلوى، فجميع المسلمين يحتاجون إِلى معرفة هذا. وإذا كان هذا شرطًا كان ذِكره أولى من ذِكر المهر وغيره، مما لم يكن له ذِكر في كتاب الله ولا حديث ثابت عن رسول الله - ﷺ -[فتبين] أنه ليس مما أوجبه الله على المسلمين في مناكحهم.\nقال أحمد بن حنبل وغيره من أئمَّة الحديث: لم يثبت عن النّبيّ - ﷺ - في الإِشهاد على النكاح شيء، ولو أوجبه لكان الإِيجاب إِنما يعرف من جهة النّبيّ - ﷺ -، وكان هذا من الأحكام التي يجب إِظهارها وإعلانها، فاشتراط المهر أولى؛ فإِن المهر لا يجب تقديره في العقد بالكتاب والسّنة والإِجماع، ولو كان قد أظهر ذلك لنقل ذلك عن الصحابة: ولم يضيعوا حِفْظ ما لا بُدّ للمسلمين عامة من معرفته، فإِنَّ الهمم والدواعي تتوافر على نقل ذلك، والذي يأمر بحفظ ذلك. وهم قد حفظوا نهيه عن نكاح الشغار، ونكاح المحرم، ونحو ذلك من الأمور التي تقع قليلًا؛ فكيف النكاح بلا إِشهاد إِذا كان الله ورسوله قد حرَّمه وأبطله؛ كيف لا يحفظ في ذلك نص عن رسول الله - ﷺ -؟!\nبل لو نقل في ذلك شيء من أخبار الآحاد لكان مردودًا عند من يرى مثل ذلك، فإِن هذا من أعظم ما تعمّ به البلوى أعظم من البلوى بكثير من الأحكام، فيمتنع أن يكون كل نكاح للمسلمين لا يصح إِلا بإِشهاد، وقد عقد المسلمون من عقود الأنكحة ما لا يحصيه إِلا رب السماوات؛ فعُلم أنَّ اشتراط الإِشهاد دون غيره باطل قطعًا.\nولهذا كان المشترطون للإِشهاد مضطربين اضطرابًا يدل على فساد الأصل،","vol":"5","page":299},{"text":"فليس لهم قول يثبت على معيار الشرع، إِذا كان فيهم من يجوزه بشهادة فاسقين، والشهادة التي لا تجب عندهم قد أمر الله فيها بإِشهاد ذوي العدل، فكيف بالإِشهاد الواجب؟! \".\nوقال -﵀- (ص ١٢٩): \"وأمَّا النكاح فلم يرد الشرع فيه بإِشهاد واجب ولا مستحب، وذلك أن النكاح أُمِر فيه بالإِعلان، فأغنى إِعلانه مع دوامه عن الإِشهاد، فإِن المرأة تكون عند الرجل والناس يعلمون أنها امرأته، فكان هذا الإِظهار الدائم مُغنيًا عن الإِشهاد كالنسب؛ فإِن النسب لا يحتاج إِلى أن يُشهِد فيه أحدًا على ولادة امرأته؛ بل هذا يظهر ويعرف أن امرأته ولدت هذا فأغنى هذا عن الإِشهاد؛ بخلاف البيع؛ فإِنّه قد يجحد ويتعذر إِقامة البينة عليه.\nولهذا إِذا كان النكاح في موضع لا يظهر فيه كان إِعلانه بالإِشهاد، فالإِشهاد قد يجب في النكاح؛ لأنَّه بِهِ يُعلَن ويُظهَر؛ لا لأنَّ كل نكاح لا ينعقد إِلا بشاهدين؛ بل إِذا زَوَّجَهُ وَلِيَّتَهُ ثمّ خرجا فتحدثا بذلك وسمع الناس، أو جاء الشهود والناس بعد العقد فأخبروهم بأنه تزوجها؛ كان هذا كافيًا، وهكذا كانت عادة السلف، لم يكونوا يكلَّفون إِحضار شاهدين، ولا كتابة صَداق\".\nوقال -﵀- (ص ١٣٠): \"فالذي لا ريب فيه أن النكاح مع الإِعلان يصح، وإِن لم يشهد شاهدان. وأمّا مع الكتمان والإِشهاد فهذا مما ينظر فيه. وإذا اجتمع الإِشهاد والإِعلان، فهذا الذي لا نزاع في صحته.\nوإِن خلا عن الإِشهاد والإِعلان: فهو باطل عند العامَّة فإِن قُدِّرَ فيه خلاف فهو قليل. وقد يظن أن في ذلك خلافًا في مذهب أحمد، ثم يقال: ما يميز","vol":"5","page":300},{"text":"هذا عن المتخذات أخدانًا؟\nوفي المشترطين للشهادة من أصحاب أبي حنيفة من لا يعلل ذلك بإِثبات الفراش؛ لكن كان المقصود حضور اثنين تعظيمًا للنكاح. وهذا يعود إِلى مقصود الإِعلان، وإذا كان الناس ممن يجهل بعضهم حال بعض، ولا يعرف من عنده هل هي امرأته أو خدينة، مثل الأماكن التي يكثر فيها الناس المجاهيل: فهذا قد يقال: يجب الإِشهاد هنا\".\nوجاء في \"تبين المسالك بتدريب السالك\" (٣/ ١٥٩). \" قال الموَّاق: من المدونة: من طلق زوجته فليشهد على طلاقه وعلى رجعته، وقال مالك فيمن منعت نفسها وقد ارتجع حتى يشهد: قد أصابت. ابن عرفة: وهذا دليل على وجوب الإِشهاد. وعلى ندبه درج خليل قال: وندب الإِشهاد وأصابت من منعت له.\nوالأصل في مشروعية الإِشهاد قوله -تعالى-: ﴿وأشهدوا ذَوَي عدل منكم﴾.\nوذكر كلام القرطبي -﵀- المتقدّم، ثمّ ذكر كذلك أثر عمران بن الحصين -﵁- ثمَّ قال: ومذهب الثلاثة: عدم وجوب الإِشهاد.\nوجاء في \"الاستئناس لتصحيح أنكحة النّاس\" (ص ٥١) للعلامة القاسمي -﵀- (١): \"ممّن ذهب إِلى وجوب الإِشهاد واشتراطه لصحته من الصحابة: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وعمران بن حصين -رضي الله\n_________\n(١) وقد نقلْتُ أقوال أهل السّنة، وحذفتُ أقوال الآخرين؛ فهي مبثوثة في كُتبهم.","vol":"5","page":301},{"text":"عنهما- ومن التابعين الإِمام محمد الباقر (١)، والإِمام جعفر الصادق (١)، وبنوهما أئمة آل البيت -رضوان الله عليهم- وكذلك عطاء، وابن جريج، وابن سيرين -﵏-.\nوروى أبو داود في \"سننه\" عن عمران بن حصين -﵁- أنه سئل عن الرجل يُطلّق امرأته ثمّ يقع بها ولم يُشهد على طلاقها ولا على رجعتها فقال: طلقت لغير سنّة وراجعت لغير سنة، أشهد على طلاقها وعلى رجعتها\n_________\n(١) قال الإِمام الذهبي في \"سِير أعلام النبلاء\" (٤/ ٤٠١) في ترجمة محمد الباقر -رحمهما الله تعالى-: \"وشُهِر أبو جعفر بالباقر من بقر العلم أي: شقّه فعرف أصله وخفيّه، ولقد كان أبو جعفر إِمامًا مجتهدًا تاليًا لكتاب الله، كبير الشّأن، ولكن لا يبلغ في القرآن درجة ابن كثير ونحوه، ولا في الفقه درجة أبي الزناد، وربيعة، ولا في الحفظ ومعرفة السّنن درجة قتادة وابن شهاب، فلا نُحابيه، ولا نحيف عليه، ونُحبّه في الله لما تجمّع فيه من صفات الكمال.\nقال ابن فُضيل، عن سالم بن أبي حفصة: سألت أبا جعفر وابنه جعفرًا عن أبي بكر وعمر، فقالا لي: يا سالم، تولّهما وابرأ من عدوّهما، فإِنهما كانا إِمامي هُدَى\".\nوقال كذلك (٦/ ٢٥٥) في ترجمة جعفر الصادق -رحمهما الله تعالى-: \" ... الإِمام الصادق شيخ بني هاشم أبو عبد الله القرشي الهاشمي العلوي النبوي ... وكان يغضب من الرافضة ويمقتهم إِذا علم أنهم يتعرضون لجدّه أبي بكر ظاهرًا وباطنًا -هذا لا ريب فيه-.\nولكن الرافضة قوم جَهَلة، قد هوى بهم الهوى في الهاوية فبُعدًا لهم\" انتهى.\nقلت: ومع القول بإِمامتهما، فإِننا لا نخصُّهما وأشخاصًا محدّدين بذلك -كما تفعل الشيعة- كما لا نعني بذلك مدلولهم في هذه الإِمامة وهذا كقولهم: \"الإِمام علي\" -﵁- فمدلول إِمامة علي -﵁- عند أهل السّنة غير مدلول الشيعة، نسأل الله -تعالى- الوفاة على الكتاب والسّنة على منهج سلف الأمّة.","vol":"5","page":302},{"text":"ولا تعد (١).\nوقد تقرر في الأصول أن قول الصحابي: من السّنة كذا في حُكم المرفوع إِلى النّبيّ - ﷺ - على الصحيح، لأن مُطلق ذلك إِنما ينصرف بظاهره إِلى من يجب اتباع سنته وهو رسول الله - ﷺ -، ولأن مقصود الصحابي بيان الشرع لا اللغة والعادة كما بُسط في موضعه.\n... [وفي] \"الدر المنثور\" آية: ﴿فإِذا بلغن أجلهنّ فأمسكوهنّ بمعروف أو فارقوهنّ بمعروف وأشهدوا ذَوَي عدل منكم﴾ الآية. عن عبد الرزاق عن ابن سيرين أن رجلًا سأل عمران بن حصين عن رجل طلّق ولم يشهد وراجع ولم يُشهد قال: بئسما صنع، طلّق لبدعة وراجع لغير سنّة، فليشهد على طلاقه وعلى مراجعته وليستغفر الله.\nفإِنكار ذلك من عمران -﵁- والتهويل فيه وأمره بالاستغفار لعده إِياه معصية ما هو إِلا لوجوب الإِشهاد عنده -﵁- كما هو ظاهر.\n... [وفي] \"الدر المنثور\" عن عبد الرزاق وعبد بن حميد عن عطاء قال: النكاح بالشهود والطلاق بالشهود والمراجعة بالشهود.\nثمّ ذَكر قول ابن كثير -﵀- المتقدّم عن عطاء (٢) ثمَّ قال العلامة القاسمي -﵀-: فقوله: لا يجوز، صريح في وجوب الإِشهاد على الطلاق عنده -﵁- لمساواته له بالنكاح، ومعلوم ما اشتُرط فيه من\n_________\n(١) تقدّم تخريجه.\n(٢) انظر (ص ٢٩٣).","vol":"5","page":303},{"text":"البينة.\nإِذا تبين لك أن وجوب الإِشهاد على الطلاق هو مذهب هؤلاء الصحابة والتابعين المذكورين، تعلم أن دعوى الإِجماع على ندبه المأثورة في بعض كتب الفقه مراد لها الإِجماع المذهبي لا الإِجماع الأصولي الذي حدُّه -كما في \"المستصفى\"- اتفاق أمَّة محمد - ﷺ - خاصَّة على أمرٍ من الأمور الدينية، لانتقاضه بخلاف كما ذكر كما الصحابة والتابعين ومن بعدهم من المجتهدين\".\nوجاء في كتاب \"الجامع في أحكام الطلاق\" (ص ١٥٦): \"وأما من قال بوجوب الإشهاد على الطلاق والرجعة من السلف فجماعة منهم:\nعطاء بن أبي رباح -رحمه الله تعالى- فقال: الفرقة والرجعة بالشّهود (١).\nوصح عنه أنه لم يجز طلاق من أشهد شهيدين متفرقين. فعند عبد الرزاق (٦/ ٣٧٤) عن ابن جريج، قال: سئل عطاء عن رجل طلّق عند رجل واحدة، وعند رجل واحدة، قال. ليستا بشىء، إِنما شهد رجل على واحدة.\nوسنده صحيح أيضًا.\nوأورده ابن كثير في \"التفسير\" (٤/ ٣٧٩) عن ابن جريج، قال: كان عطاء يقول: ﴿وأشهدوا ذَوَي عدلٍ منكم﴾.\nقال: لا يجوز في نكاح، ولا طلاق، ولا رجاع إلاَّ شاهدان كما قال الله -﷿- إِلا أن يكون من عذر [وتقدّم].\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٦٠) من طريق سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء به، وسنده صحيح.","vol":"5","page":304},{"text":"وأخرج عبد الرزاق (٦/ ٣٢٧): عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: رجل طلّق امرأته تطليقة ولم يشهد، ولم يُعلمها، لم نرد على هذا. وسنده صحيح.\nعبد الملك بن عبد العزيز بن جريج رحمه الله تعالى- قال: لا يجوز نكاح، ولا طلاق، ولا ارتجاع إِلا بشاهدَيْن، فإن ارتجع وجهل أن يشهد وهو يدخل ويصيبها، فإِذا علم فليعد إِلى السنة إِلى أن يشهد شاهدين عدل (١) \". انتهى.\nوفي \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٤/ ١٩٣) برقم (١٩١٨٤) عن الشعبي -﵀- \"أنّه سُئل عن رجل طلّق امرأته عند رجلين وامرأة فشهد أحد الرجلين والمرأة وغاب الآخر قال: تعزل عنه حتى يجيء الغائب\".\nورأي شيخنا -﵀- أن الطّلاق لا يقع إِلا بشاهدين، فقد قال لي مجيبًا عن بعض أسئلتي: \"أيّ طلاق لا يقع إِلا بشاهدَين\".\nوسألت شيخنا -﵀- عن شخصٍ طلّق بلا إشهاد، ثمّ أخبرَ إخوانه، أنَّه قد طلّق؟\nفأجاب -﵀-: إِذا رأى أنه طلّق؛ فقد وقع الطلاق وإِذا أفتاه بعض العلماء بوقوع الطلاق؛ فإِنَّه يقع أيضًا.\nوالحاصل أن شيخنا -﵀- يرى أن من استفتى في الطَّلاق، فقول من أفتاه من العلماء في الطَّلاق ماضٍ، وكذلك إِذا طلّق بلا إِشهاد؛ معتمدًا على فتاوى أهل العِلم.\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق (٦/ ١٣٥) عن ابن جريج به، وسنده صحيح.","vol":"5","page":305},{"text":"وسألته -﵀-: ماذا إِذا طلّق ولم يُشهد؟\nفأجاب: يكون معلّقًا؛ فإِن شاء أمضاه، وإلا ترك\".\nقلت: وأمّا قول عمران بن حصين -﵁-: طلّقت لغير سُنّة، وراجعْت لغير سُنّة، أشهد على طلاقها وعلى رجْعتها ولا تعُد.\nفقد أفاد أنّ من السّنّة النبوية الإِشهاد على الطلاق فقول الصحابي: من السّنّة له حُكم الرفع كما تقدّم، وهذا يبيّن أن الإِشهاد في الآية الكريمة: ﴿وأشهدوا ذَوَي عدل منكم﴾ يتضمّن الطلاق والرجعة والله -تعالى- أعلم.\nوانقدح في نفسي أنه لو لم يقع طلاق ذاك الرجل بلا إِشهاد؛ لما قال له عمران -﵁-: أشهد على طلاقها، ولا سيّما أنه راجع امرأته بل ينبغي أن يقول له: طلاقُك لم يقع لأنه بلا إِشهاد، ثمّ بدا لي أن قول عمران -﵁- من باب التعليم وبيان القاعدة.\nوهذه الصورة تختلف عن صورة عدم الإِشهاد على النكاح. فلو أنّ رجلًا حصل نكاحُه بلا شهود ثمّ طلّقها، فهذا يُقال له: ما بُني على فاسد فهو فاسد؛ وأصل النكاح لم يقع أصْلًا؛ لأن شروطه المطلوبة لم تتحقّق أو تكتمل.\nوهل صورة الطلاق بلا إِشهاد؛ كرجل أعطى رجُلًا دينًا ولم يُشهد عليه، فهو عاصٍ دعاؤه لا يستجاب كما ثبت عن النّبيّ - ﷺ - (١)، لكن لا يعني عدم الإِشهاد إِسقاط حقّه من مالٍ على الآخرين؟؟\n_________\n(١) إِشارة إِلى قوله - ﷺ -: \"ثلاثة يدعون الله فلا يُستجاب لهم ... ورجلٌ كان له على رجلٍ مالٌ فلم يُشهد عليه\". أخرجه الحاكم والطحاوى في \"مُشكل الآثار\" وغيرهما وهو في \"الصّحيحة\" (١٨٠٥).","vol":"5","page":306},{"text":"أم أنّ الطلاق لا يتمّ إِلا بالإِشهاد؛ كما هو في حدّ القذف الذي لا يثبت إِلا بأربعة شهود؛ فإِن شهد شاهدان أو ثلاثة، فإِنّه يمضي فيهم قوله -تعالى-: ﴿فإِذْ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون﴾ (١) فأولئك عند الله هم الكاذبون ولو كانوا في أنفسهم صادقين فيما رأوا.\nوجاء في كتاب \"الجامع لأحكام الطلاق\" (ص ١٦١): \"وعلى تقدير أن الأمر في الآية يقتضي الوجوب، فمخالفته لا تبطل أثر الطلاق ولا المراجعة، والدليل على ذلك: أن الله -﷾- قد أمرنا في الطلاق باستقبال النساء في عدتهن في طهر لم يجامعها فيها زوجها، فلمّا خالف ابن عمر -﵄- هذا الأمر، وطلّق امرأته وهي حائض، أجازه النّبيّ - ﷺ - عليه، فهو قد خالف الأمر الوارد في آية الطلاق، ولم يمنع هذا من أن تُحسب عليه طلقة، فكذلك هو الحال بالنسبة لمن خالف الأمر في الإِشهاد، والله أعلم.\nقلت: ويؤيد هذا ما تقدّم من قول الإِمام البخاري -﵀- في كتاب الطلاق: (باب قول الله -تعالى-: ﴿يا أيّها النّبي إِذا طلَّقتم النّساء ...﴾ ... وطلاق السّنّة أن يطلِّقها طاهرًا من غير جماع، ويشهد شاهدَين).\nثمّ ذَكَر حديث ابن عمر -﵄- في قصة تطليقه امرأته وهي حائض.\nفإِيقاع طلاق الحائض على بدعيته، إِيقاع للطلاق بلا إِشهاد على مخالفته للسّنّة، وإيرادهما تحت بابٍ واحد يُفهم هذا، لكن سيأتي عمّا قريب -إن شاء\n_________\n(١) النور: ١٣.","vol":"5","page":307},{"text":"الله تعالى- الإِجابة عن هذه المسألة.\nوبعد أنْ أخذَت المسألة من تفكيري مأخَذَها، وبعد انهماك شديد في غالب وقتي، رأيتُ ما يأتي:\n١ - أنَّ استحلال الفُروج وتحريمها لا بدّ أنْ يخضع إِلى نُصوصٍ ثابتة، وكيفيَّةٍ شرعيَّة، وبِذا؛ فإِنّنا نُطالب بالدَّليل على إِيقاع الطَّلاق لِمَنْ لم يُشهِد.\nوتحرير هذا؛ أنَّ أساس الخلاف هو: هل للإِنسان أنْ يُطلِّق كيفما اتَّفق أمْ أنَّ للطَّلاق أُصولًا وقواعد؟ وهل الأصل إِيقاع الطَّلاق بلا إِشهاد والمراد من الإِشهاد التوثيق ودفع التهمة والالتباس فحسب؟ أم الأصل إِيقاع الطَّلاق بالإِشهاد ولا يتمّ إِلا بذلك؟ وما الدَّليل على هذا وذاك؟ وما هو الأقرب للصواب؟\nوالذي بدا لي؛ أنَّ إِيقاع الطَّلاق يحتاج إِلى نصٍّ؛ فلا يكون إِلا بالإِشهاد، فالأصل عدم إِيقاع الطلاق إِلا على وجهٍ شرعيٍّ منصوصٍ عليه، وهذا إِنَّما يكون بنصٍّ من كتابٍ أو سنّة وما كان إِلى هذا أقرب؛ فهو أمثل.\n٢ - وأنَّ أقرب شيءٍ إِلى الدّليل والنَّصّ الذي سَبق ذِكْرُه بما يتَّصِل بمسألتنا السَّابقة هو:\nأوَّلًا: قوله -تعالى-: ﴿فإِذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فأمْسِكوهُنَّ بِمعروف أو فارِقوهُنَّ بِمعروفٍ وأشْهِدوا ذَوَيْ عَدْلِ منكُم﴾، وقد سبق قول ابن عباس -﵄- في تأويلها: \"عند الطَّلاق وعند والمراجعة\" وكذا قول عطاء في تأويلها: \"لا يجوز في نكاحٍ ولا طلاق ولا إِرجاعٍ إِلا شاهدا عدلٍ، كما قال الله -﷿-؛ إلاَّ أنْ يكون من عُذرٍ\". وقوله: \"النِّكاح بالشُّهود، والطَّلاق بالشُّهود، والمراجعة بالشُّهود\". وغير ذلك من الآثار المتقدِّمة.","vol":"5","page":308},{"text":"وتقدّم قول العلاَّمة أحمد شاكر -﵀-: \"والظَّاهر من سياق الآيتين أنَّ قوله: ﴿وأشهِدوا﴾ راجِعٌ إِلى الطلاق وإلى الرّجعة معًا، والأمر للوجوب\".\nثانيًا: وأقرب شيء إِلى الدَّليل والنّص كذلك حديث عمران بن الحصين -﵁-: \"طلَّقتَ لغير سنّة، وراجعتَ لغير سنّة، أشهد على طلاقها وعلى رجعتها ولا تعُد\" فقوله. طلَّقتَ لغير سنّة؛ دل على أنّ السنّة هو الإِشهاد، والبدعة عدم الإِشهاد، وقولُه: من السنّة في حُكْم المرفوع كما تقدّم، ولنا أنْ نقول بقول النّبي - ﷺ -: \"من عمِل عملًا ليس عليه أمرنا، فهو ردٌّ\" (١)، بمعنى: رُدَّ هذا الطلاق (٢).\nلكنّ إِمضاء طلاق ورجعة هذا الذي سُئل عنه عمران بن الحصين -﵁- فهو من باب قول المفتي: \"قُضِيَ الأمر\" فحين يأتي شخصٌ يستفتي في الطَّلقة الثّالثة مثلًا، فيُفتي له عالمٌ بإِيقاعها وبينونة زوجته بينونْةً كُبرى، ثُمّ بعد مُدَّة تزوّجت من آخر، فليس للزَّوج المُطلِّق أن يطلُب إِلغاء النِّكاح الآخر؛ لتعود إِليه زوجته، لسببٍ يتعلَّق في الفتوى السَّابقة؛ ولِقَناعةٍ شرعيّةٍ ما تستند على نُصوص أخَذ بها عُلماء؛ لأنّ هذا يُفضي إِلى التّلاعب في النِّكاح والطلاق، بل في كثيرٍ من مسائل الدّين.\nوهذا ما كان يقوله شيخنا -﵀- كما تقدّم.\nومن هذا الباب ما رواه ابن أبي شيبة في \"المصنّف\" (٤/ ١٩٦) برقم (١٩٢٠٨): \"وساق إِسناده إِلى الشعبي -﵀- أنه سئل عن رجلٍ شهد\n_________\n(١) تقدّم تخريجه.\n(٢) وسيأتي -إِن شاء الله تعالى- ما يتعلَّق بإِيقاع طلاق الحائض مع بِدْعيَّته.","vol":"5","page":309},{"text":"عليه رجلان بطلاق امرأته، ففرّق القاضي بينهما فرجع أحد الشاهدين وتزوجها الآخر قال: فقال الشعبي: مضى القضاء ولا يلتفت إِلى رجوع الذي رجع\".\nوبذا فمن رأى أنّه قد طلَّق، أو أُفْتيَ بالطلاق فقد وقع طلاقه لأنّ له قولًا من أهل العلم.\nفأصل القاعدة التي يُستفاد منها من حديث عمران بن الحصين أنّ السنّة هو الإِشهاد وهذا من باب التّأصيل وبيان القاعدة؛ ولا بُدّ لنا أن نتأمّل قول عمران ابن الحصين -﵁- فإِنه لم يقل: \"طلقتَ لغير سُنّة وراجعت لغير سُنّة\" وسكت، ولكنه قال: \"أشهِد على طلاقها وعلى رجعتها ولا تعُد\". فدلّ على عدم الجواز -والله أعلم-.\n٣ - لقد عَهِدنا في الأبحاث الفقهية ذكر المشروعيّة مع الدليل على ذلك، فيقولون مثلًا: مشروعيّة الوضوء، مشروعيَّة الأذان، مشروعيّة الصيام ... إِلخ.\nفهل لقائلٍ أن يقول: مشروعيّة عدم الإِشهاد على الطلاق؟! علمًا بأن المشروعيّة تمضي على الرّكن والواجب والمستحبّ.\n٤ - أنّ الطلاق لا يقع إِلا بنيَّة وعَزْمٍ، وقد قال الله -تعالى-: ﴿فإِنْ عَزَمُوا الطَّلاق﴾ فما من شخصٍ طلب الإِشهاد على الطّلاق، إِلا ظهر إِنْ كان له عزمٌ في ذلك أم لا، إِذ هو بلا إِشهادٍ يُمضيه فيندم، ويقول: لا، والله ما أردته! ولا أدري كيف كان ذلك! أمَّا حين ينتظر وصول شاهدي عدلٍ، فتسكن نفسُه ويهدأُ فؤاده، وتذهب عنه الوساوس، وقد يُسهم الشَّاهدان في الإِصلاح، فلا يُطلِّق إِلا من أراد الطَّلاق حقًَّا وقل: لا يُطلِّق إِلا من عزم ذلك.","vol":"5","page":310},{"text":"والعزم هو القوَّة والصَّبر على الأمر، والجدّ والقطعُ فيه؛ وقال القرطبي -﵀- في قوله تعالى: ﴿ولم نجد له عزمًا﴾ (١): قال ابن عباس وقتادة: لم نجد له صبرًا عن أكل الشّجرة، ومواظبة على التزام الأمر، قال النّحاس: وكذلك هو في اللغة، يقال: لفلان عزمٌ أي: صبرٌ وثباتٌ على التّحفُّظ من المعاصي ... وقال ابن كيسان: ﴿ولم نجد له عزمًا﴾: إِصرارًا. وقال -﵀- في قوله تعالى-: ﴿وإِنْ عزموا الطَّلاق﴾ (٢) العزيمة: تتميم العقد على شيء ... وعزمتُ عليكَ لتفعلنَّ: أي أقسمت عليك. قال شَمِر: العزيمة والعزم: ما عقدت عليه نفسك من أمرٍ أنّك فاعله. والطَّلاق: حلُّ عُقدة النِّكاح.\nفتأمَّل -رحمني الله وإياك- معنى العزم وهل يتحقَّقُ في كثيرٍ ممن يُطلِقون كلمة \"الطَّلاق\" ولعلَّ هذا الإِشكالَ يزول بِشاهِدَيْ عدل.\n٥ - وأمّا من قاس إِيقاع طلاق من لم يُشهد على إِيقاع طلاق الحائض -مع الخلاف المعروف فيه- فالجواب عليه؛ أنّ قياس الإِشهاد على الطلاق على إِشهاد النِّكاح أولى؛ لأنَّ موضوع الإِشهاد في النِّكاح والطلاق ألصق بالموضوع من بدعيَّة عدم الإِشهاد وطلاق الحائض، وجامع الإِشهاد في الموضوعَين أولى من جامع البدعيَّة فيهما، فتأمّل.\nوالأقرب إِلى الصَّواب في هذا الحال أن يُقال: كما أنّ النِّكاح لا يقع إِلا بشاهدي عدل، فالطَّلاق لا يقع إِلا كذلك، ولا سيَّما مع ورود نصوص في الإِشهاد -مع اختلاف الفهم فيها-.\n_________\n(١) طه: ١٠٥.\n(٢) البقرة: ٢٢٧.","vol":"5","page":311},{"text":"ومهما كان من خلاف في مسألة الإِشهاد على الطلاق، وسواءٌ قيل بِإِيقاعه أو عدمه، فإِنّ أقلَّ ما يُقال فيه الإِيجاب، وتأثيم من لم يُشهد؛ لقول عمران بن حُصَيْن -﵁-: \"طلَّقتَ لغير سُنَّة ... أَشهد على طلاقها ... \" وكذلك أقوال السَّلف المتقدِّمة في تأويل الآية: ﴿وأَشهِدوا ذَوَيْ عدلٍ منكم﴾.\nوعليه: فلا يجوز لمن أراد الطلاق أنْ يُسارع به، اِلا بعد إِحضار شاهِدَي عدل (١)؛ وإلا فإِنّه يَحمِلُ يوم القيامة وِزْرًا.\nوختامًا: فمع ترجيحي عدم وقوع الطلاق إِلا بشاهدي عدل؛ فإِنّني أُحيلُ كُلَّ حالةٍ من هذه الحالات إِلى حكم القاضي العادل الذي لا تأخُذه في الله لومة لائم؛ ليحكم بما يلهمه الله في هذا الأمر.\nوهذا ما بدا لي في هذه المسألة، فإِن أصبتُ فمن الله -تعالى-، وإن أخطأتُ فمنِّي ومن الشّيطان، والله -تعالى- أعلم بالصّواب.\n_________\n(١) بِالإضافة إِلى الشُّروط المتقدمة في الطَّلاق السُّنِّي.","vol":"5","page":312},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1487>الطلاق الرجعي وأحكامه</span>\nالطلاق الرجعي: هو الذي يكون فيه الزوج مخيّرًا ما دامت زوجته في العدّة بين تركها لا يراجعها حتى تنقضي عدتها، فتملك أمرها، فلا يراجعها إِلا بولي ورضاها، وصَداق، وبين أن يُشهد على ارتجاعها فقط؛ فتكون زوجته -أحبّت أم كرهت- بلا ولي ولا صَداق، لكن بإِشهاد فقط؛ ولو مات أحدهما قبل تمام العدة وقبل الراجعة ورثه الباقي منهما- وهذا لا خلاف فيه من أحد من الأئمة (١).\nوجاء في \"سبل السلام\" (٣/ ٣٤٧): \"وقد أجمع العلماء على أنّ الزوج يملك رجعة زوجته في الطلاق الرجعي؛ ما دامت في العدة من غير اعتبار رضاها ورضا وليّها إِذا كان الطلاق بعد المسيس\".\n[والرجعة] ثابتة بالكتاب والسّنة والإِجماع، أمّا الكتاب فقول الله -سبحانه-: ﴿والمطلقات يتربصنَ بأنفسهنّ ثلاثة قروء﴾ إِلى قوله: ﴿وبعولَتُهُنَّ أحقُّ بردِّهنّ في ذلك إِن أرادوا إِصلاحًا﴾ (٢) والمراد به الرجعة عند جماعة العلماء وأهل التفسير، وقال -تعالى-: ﴿وإِذا طلَّقتم النساء فبلغن أجلهنّ فأمسكوهن بمعروف﴾ (٣). أي بالرَّجعة ومعناه إِذا قاربن بلوغ أجلهن أي: انقضاء عدتهنّ\" (٤).\n_________\n(١) انظر \"المحلَّى\" (١١/ ٥٥٠)، و\"الفتاوى\" (٣٣/ ٩).\n(٢) البقرة: ٢٢٨.\n(٣) البقرة: ٢٣١.\n(٤) انظر \"المغني\" (٨/ ٤٧٠).","vol":"5","page":313},{"text":"وقال -تعالى-: ﴿الطلاق مرَّتان فإِمساكٌ بمعروف أو تسريح بإِحسان﴾ (١).\n*أي: أنَّ الطلاق الذي شرَعَه الله يكون مرة بعد مرة، وأنه يجوز للزوج أن يمسك زوجته، بعد الطلقة الأولى بالمعروف، كما يجوز له ذلك بعد الطلقة الثانية، والإِمساك بالمعروف معناه مراجعتها وردّها إِلى النكاح، ومعاشرتها بالحسنى، ولا يكون له هذا الحق، إِلا إِذا كان الطلاق رجعيًا* (٢).\nوأمّا السّنة فما روى ابن عمر -﵄- أنه طلق امرأته وهي حائض على عهد رسول الله - ﷺ - فسأل عمر بن الخطاب رسول الله - ﷺ - عن ذلك فقال رسول الله - ﷺ -: \"مُرْه فليراجعها\" متفق عليه (٣).\nوروى أبو داود عن عمر: \"أنّ رسول الله - ﷺ - طلَّق حفصة ثمّ راجعَها\" (٤).\nوعن عمران بن حصين أنه سئل عن الرجل يطلق امرأته، ثم يقع بها، ولم يُشهِد على طلاقها، ولا على رجعتها، فقال: \"طلّقت لغير سنة، وراجعت لغير سُنة، أشهد على طلاقها، وعلى رجعتها، ولا تَعُد\" (٥).\n_________\n(١) البقرة: ٢٢٩.\n(٢) ما بين نجمتين عن \"فقه السّنة\" (٣/ ٩٣).\n(٣) أخرجه البخاري: ٥٢٥١، ومسلم: ١٤٧١، وتقدّم.\n(٤) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٩٩٨)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٣٣٣٢)، وغيرهما، وصححه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٢٠٧٧).\n(٥) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٩١٥)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٦٤٥) وغيرهما، وصححه شيخنا -﵀- في \"الإرواء\" (٢٠٧٨) وتقدّم.","vol":"5","page":314},{"text":"وتستثنى بعض الحالات من الطلاق الرجعي:\nكأن يكون الطلاق مكمّلًا للثلاث؛ فهو *يُبينُ المرأة، ويُحرِّمها على الزوج، ولا يحل له مراجعتها، حتى تنكح زوجًا آخر، نكاحًا لا يقصد به التحليل؛ قال الله -تعالى-: ﴿فإِنْ طلَّقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره﴾ (١) أي: فإِن طلقها الطلقة الثالثة، بعد طلقتين، فلا تحل له من بعد الطلاق المكمل للثلاث، حتى تتزوج غيره زواجًا صحيحًا.\nوالطلاق قبل الدخول يُبِينُهَا كذلك؛ لأن المطلقة في هذه الحالة لا عدة عليها، والمراجعة إِنما تكون في العدة، وحيث انتفت العدة، انتفت المراجعة؛ قال الله -تعالى-: ﴿يا أيها الذين آمنوا إِذا نكحتم المؤمنات ثمّ طلقتموهنّ من قبل أن تمسوهنّ فما لكم عليهنّ من عدّة تعتدونها فمتعوهنّ وسرّحوهنّ سراحًا جميلًا﴾ (٢) * (٣).\nوالطلاق الرجعي لا يمنع الاستمتاع بالزوجة (٤) لأنه لا يرفع عقد الزواج، ولا يزيل الملك، ولا يؤثر في الحل، فهو وإن انعقد سببًا للفرقة، إِلا أنه لا يترتب عليه أثره، ما دامت المطلقة في العدة، وإنما يظهر أثره بعد انقضاء العدة دون مراجعة، فإِذا انقضت العدة ولم يراجعها، بانت منه، وإذا كان ذلك كذلك،\n_________\n(١) البقرة: ٢٣٠.\n(٢) الأحزاب: ٤٩.\n(٣) ما بين نجمتين من \"فقه السّنة\" (٣/ ٣٩).\n(٤) مع التَّنبيه إِلى أنَّ بعض العلماء يرى أنَّ جِماع الزوجة إِعادة لها، وانظر -إِن شئت- بعد صفحتين.","vol":"5","page":315},{"text":"فإِنَّ الطلاق الرجعي لا يمنع من الاستمتاع بالزوجة، وإِذا مات أحدهما ورثه الآخر، ما دامت العدة لم تَنْقَضِ، ونفقتها واجبة عليه (١).\nومن قال لامرأته: أنت طالق طلقة لا رجعة لي فيها عليك، بل تملكين بها نفسك، فإِن الناس اختلفوا في ذلك.\nقال ابن حزم -﵀- في \"المحلَّى\" (١١/ ٥٥٠): \"قال أبو حنيفة، والشافعي، وأصحابهما، وابن وهب -صاحب مالك-: هي طلقة يملك فيها زوجها رجعتها، وقوله بخلاف ذلك لغو. وقالت طائفة: هي ثلاث، وهو قول ابن الماجشون -صاحب مالك-. وقالت طائفة: هي كما قال، وهو قول ابن القاسم صاحب مالك.\nوالذي نقول به: أنه كلام فاسد لا يقع به طلاق أصلًا، لأنه لم يطلق كما أمَره الله -﷿- ولا طلاق إِلا كما أمَر الله -تعالى-.\nقال رسول الله - ﷺ -: \"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد\" (٢).\nولا بُدّ من الإِشهاد على الرجعة لقوله -تعالى-: ﴿أشهدوا ذَوَي عدْلٍ منكم﴾ (٣).\nولحديث عمران بن الحصين -﵁- المتقدّم. \"أشهد على طلاقها وعلى رجعتها\".\nوقال العلامة الشوكاني -﵀- في \"نيل الأوطار\" (٧/ ٤٢) -بحذف-:\n_________\n(١) انظر \"فقه السنَّة\" (٣/ ٤٠).\n(٢) أخرجه البخاري: ٢٦٩٧، ومسلم: ١٧١٨ واللفظ له، وتقدّم.\n(٣) الطلاق: ٢.","vol":"5","page":316},{"text":"\"واختلف السلف فيما يكون به الرجل مراجعًا فقال الأوزاعي: إِذا جامعَها فقد راجعَها، ومثله أيضًا روى عن بعض التابعين. وبه قال مالك وإسحاق بشرط أن ينوي به الرجعة. وقال الكوفيون كالأوزاعى وزادوا: ولو لمسها شهوة أو نظر إِلى فرجها لشهوة، وقال الشافعي: لا تكون الرجعة إِلا بالكلام.\nوحُجَّة الشافعي أن الطلاق يزيل النكاح.\nوإِلى ذلك ذهب الإِمام يحيى والظاهر ما ذهب إِليه الأولون؛ لأن العدة مدة خيار والاختيار يصح بالقول والفعل.\nوأيضًا ظاهر قوله -تعالى-: ﴿وبعولتهن أحق بردهنّ﴾ (١)، وقوله ﵌: \"مره فليراجعها\": أنها تجوز المراجعة بالفعل؛ لأنه لم يخصَّ قولًا مِنْ فِعْلٍ، ومن ادعى الاختصاص فعليه الدليل، وقد حكى في \"البحر\" عن العترة ومالك أن الرجعة بالوطء ومقدماته محظورة وإن صحت، ثم قال: قلت: إِن لم يَنوِ بِهِ الرجعة فنعم لعزمه على قبيح وإلا فلا لما مرَّ، وقال أحمد بن حنبل: بل مباح لقوله -تعالى-: ﴿إلاَّ على أزواجهم﴾ (٢) والرجعية زوجة بدليل صحة الإِيلاء\". انتهى.\nوجاء في \"الفتاوى\" (٢٠/ ٣٨١): \" ... ومسألة الرجعة بالفِعْل، كما إِذا طلّقها: فهل يكون الوطء رجعة؟ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: يكون رجعة كقول أبي حنيفة. والثاني: لا يكون كقول الشافعي. والثالث. يكون رجعة مع النية وهو المشهور عند مالك، وهو أعدل الأقوال الثلاثة في مذهب أحمد\".\n_________\n(١) البقرة: ٢٢٨.\n(٢) المؤمنون: ٦.","vol":"5","page":317},{"text":"وقال لنا شيخنا -﵀- في بعض مجالسه: \"إِذا جامعها؛ فهذا يعني إِرجاعها\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1488>الطلاق البائن وأحكامه</span>\nهو الطلاق المكمّل للثلاث، والطلاق قبل الدخول، والطلاق على مال وهو ما يسمّى بالخلع كما سيأتي -إِن شاء الله تعالى-، ويبقى به الزوج خاطبًا من الخُطّاب لا تباحُ له إِلا بعقد جديد، إِلا إِذا طلَّقها ثلاثًا؛ فلا تحلّ له حتَّى تنكح زوجًا غيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1489>أقسامه:</span>\nينقسم الطلاق البائن إِلى قسمين:\nبائن بينونة صُغرى، وهو ما كان دون الثلاث، وبائن بينونة كُبرى، وهو المكمّل للثلاث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1490>حُكم البائن بينونة صُغرى:</span>\n*الطلاق البائن بينونةً صغرى يزيل قيد الزوجية، بمجرد صُدوره، وإذا كان مزيلًا للرابطة الزوجية، فإِنّ المطلقة تصير أجنبية عن زوجها، فلا يحل له الاستمتاع بها، ويحل بالطلاق البائن موعد مؤخر الصداق -المؤجل- إِلى أبعد الأجلين؛ الموت أو الطلاق.\nوللزوج أن يعيد المطلقة طلاقًا بائنًا بينونة صغرى إِلى عصمته [برضاها]، بعقد ومهر جديدين، [ولا يشترط] أن تتزوج زوجًا آخر، وإذا أعادها عادت","vol":"5","page":318},{"text":"إِليه بما بقي له من الطلقات، فإِذا كان طلقها واحدة من قبل، فإِنه يملك عليها طلقتين بعد العودة إِلى عصمته، وإِذا كان طلقها طلقتين، لا يملك عليها إِلا طلقة واحدة* (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1491>حُكم الطَّلاق البائن بينونة كُبرى:</span>\n*الطلاق البائن بينونة كبرى يزيل قيد الزوجية، مثل البائن بينونة صغرى، ويأخذ جميع أحكامه، إِلا أنه لا يحل للرجل أن يعيد من أبانها بينونة كبرى إِلى عصمته، إِلا بعد أن تنكح زوجًا آخر نكاحًا صحيحًا، ويدخل بها دون إِرادة التحليل؛ يقول الله -تعالى-: ﴿فإِنْ طلَّقها فلا تحلُّ له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره﴾ (٢) أي: فإِن طلقها الطلقة الثالثة، فلا تحل لزوجها الأول، إِلا بعد أن تتزوج آخر؛ لقول رسول الله - ﷺ - لامرأة رفاعة: \"لا حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته\" (٣) * (٤).\nجاء في \"المحلّى\" (١١/ ٥٥١): \"والبائن هو الذي لا رجعة له عليها إِلا أن تشاء هي في غير الثلاث بولي وصداق، ورضاها، ونفقتها عليه في الطلاق الرجعي ما دامت في العدة، ويلحقها طلاقه\".\nوجاء في \"الفتاوى\" (٣٢/ ٣١٣): \"وجماع الأمر أن البينونة نوعان: البينونة الكبرى وهي إِيقاع البينونة الحاصلة بإِيقاع الطلاق الثلاث الذي تحرم به\n_________\n(١) ما بين نجمتين من \"فقه السنة\" (٣/ ٤٣) بتصرف.\n(٢) البقرة: ٢٣٠.\n(٣) أخرجه البخاري: ٥٢٦٠، ومسلم: ١٤٣٣ وتقدّم.\n(٤) ما بين نجمتين من \"فقه السنة\" (٣/ ٤٣).","vol":"5","page":319},{"text":"المرأة حتى تنكح زوجًا غيره. والبينونة الصغرى وهي: التي تبين بها المرأة ... \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1492>مسألة الهدم:</span>\nإِذا طلّق الرجل زوجته وبانت منه بينونة كُبرى وانقضت عدّتها، ونَكَحت زوجًا غيره، ودخَل بها، ثمّ طلّقها أو مات، ثمّ انقضت عدّتها، ثمّ نكَحها الأول؛ فإِنه يملك عليها ثلاث تطليقات.\nقال ابن المنذر في كتاب \"الإِجماع\" (ص ٨١): \"وأجمعوا على أنّ الحُرَّ إِذا طلّق الحُرَّةَ ثلاثًا، ثمّ انقضت عدّتها، ونَكَحت زوجًا غيره، ودخَل بها، ثمّ فارقها وانقضت عدتها، ثمّ نكَحها الأول، أنها تكون عنده على ثلاث تطليقات\" انتهى.\nأمّا التي تبين من زوجها بينونة صغرى، فإِنها إِذا انقضت عدّتها، ونكَحت زوجًا غيره، ثمّ طلّقها أو مات، ثمّ انقضت عدّتها، فالراجح أنها تعود على ما بقي من الثلاث.\nجاء في \"السيل الجرَّار\" (٢/ ٣٧٤): \"قوله: ولا ينهدم الا ثلاثة. أقول: وجه تخصيص الانهدام بالثلاث لا بما دونها؛ أنها مورد النص فإِنَّ الله -سبحانه- قال: ﴿فإِنْ طلَّقها من بعد فلا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره﴾ (١) أي: فإِن طَلَّقَ مرةً ثانيةً مَنْ طلقها مرتين؛ فلا تحل له بعد هذا التثليث؛ حتى تنكح زوجًا غيره، فإِنْ نكحت زوجًا غيره حَلَّتْ له. والظاهر أنها تحل له حِلًا مُطلَقًا فيملك عليها من الطلاق ما يملكه لو نكحها ابتداءً.\nوإذا عرفت أن التثليث هو مورد النص؛ فاعلم أنه لم يرد في شيء من\n_________\n(١) البقرة: ٢٣٠.","vol":"5","page":320},{"text":"الكتاب والسّنة ما يدل على أنها إِذا نكحت زوجًا غيره بعد طلقة أو تطليقتين أن الطلقة أو الطلقتين يكون لها حُكم الثلاث في الانهدام.\nلكن ها هنا قياس قويٌّ هو القياس الذي يسمُّونه قياس الأولى -وتارة يسمونه فحوى الخطاب- فإِنه يدل على أن انهدام ما دون الثلاث مأخوذ من الآية بطريق الأولى، ويعضد هذا أن الاحتساب بما وقع من طلاق الزوج عليها بعد أن نكحت زوجًا غيره؛ خلاف ما يوجبه الحل المفهوم من قوله: ﴿فلا تحل له﴾ فإن ظاهره أنها تحل له الحلّ الذي يكون للزوج على زوجته لو تزوجها ابتداءً\".\nجاء في \"المغني\" (٨/ ٤٤١): \"وإذا طلّق زوجته أقلّ من ثلاث فقضت العدة؛ ثمّ تزوجت غيره ثمّ أصابها، ثمّ طلقها أو مات عنها وقضت العدة، ثمّ تزوجها الأول فهي عنده على ما بقي من الثلاث.\nوجملة ذلك أن المطلق إِذا بانت زوجته منه ثمّ تزوجها لم يخلُ من ثلاثة أحوال:\nأحدها: أن تنكح غيره ويصيبها ثمّ يتزوجها الأوَّل فهذه ترجع إِليه على طلاق ثلاث بإِجماع أهل العلم. قاله ابن المنذر.\nالثاني: أن يطلقها دون الثلاث، ثمّ تعود إِليه برجعة أو نكاح جديد؛ قبل زوج ثانٍ، فهذه ترجع إِليه على ما بقي من طلاقها بغير خلاف نعلمه.\nوالثالث: طلقها دون الثلاث فقضت عدتها ثمّ نكحت غيره ثمّ تزوجها الأول فعن أحمد فيها روايتان: إِحداهما: ترجع إِليه على ما بقي من طلاقها وهذا قول الأكابر من أصحاب رسول الله - ﷺ - عمر وعلي وأُبي ومعاذ وعمران ابن حصين وأبي هريرة وروي ذلك عن زيد وعبد الله بن عمرو بن العاص وبه","vol":"5","page":321},{"text":"قال سعيد بن المسيب وعبيدة والحسن ومالك والثوري وابن أبي ليلى والشافعي وإِسحاق وأبو عبيد وأبو ثور ومحمد بن الحسن وابن المنذر.\nوالرواية الثانية: عن أحمد أنها ترجع إِليه على طلاق ثلاث، وهذا قول ابن عمر وابن عباس وعطاء والنخعي وشريح وأبي حنيفة وأبي يوسف لأن وطء الزوج الثاني مثبت للحل، فيثبت حلًا يتّسعُ لثلاث تطليقات؛ كما بعد الثلاث لأن الوطء الثاني يهدم الطلقات الثلاث، فأولى أن يهدم ما دونها.\nولنا أنَّ وطء الثاني لا يُحتاج إِليه في الإِحلال للزوج الأول فلا يغير حكم الطلاق ... \".\nوجملة القول: أن ما جاء في \"المغني\" هو الأرجح والأقوى. وقول العلامة الشوكاني -﵀- \"وجه تخصيص الانهدام بالثلاث؛ لا بما دونها أنها مورد النّص ... \" يرجّح هذا، فترجع على ما بقي، ولا سيّما أنه قول الأكابر من الصحابة كعمر بن الخطاب وأمثاله -﵃-.\nفقد جاء في \"الفتاوى\" (٢٠/ ٣٨٠): \" ... وكذلك مسألة إِصابة الزوج الثاني: هل تهدم ما دون الثلاث؟ وهو الذي يطلِّق امرأته طلقة أو طلقتين ثمّ تتزوج من يصيبها، ثمّ تعود إِلى الأول؛ فإِنها تعود على ما بقي عند مالك، وهو قول الأكابر من الصحابة كعمر بن الخطاب وأمثاله، وهو مذهب الشافعي وأحمد في المشهور عنه، وإِنما قال: لا تعود على ما بقي ابن عمر وابن عباس، وهو قول أبي حنيفة\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1493>هل يقع طلاق المريض مرض الموت</span>؟\nجاء في \"المحلّى\" (١١/ ٥٥٣) تحت المسألة (١٩٨٠): \"وطلاق المريض","vol":"5","page":322},{"text":"كطلاق الصحيح ولا فرق -مات في ذلك المرض أو لم يَمُت منه- فإِنْ كان طلاق المريض ثلاثًا أو آخر ثلاث، أو قبل أن يطأها فمات، أو ماتت -قبل تمام العدة أو بعدها- أو كان طلاقًا رجعيًا فلم يرتجعها حتى مات أو ماتت بعد تمام العدة؛ فلا ترثه في شيء من ذلك كلّه، ولا يرثها أصلًا.\nوكذلك طلاق الصحيح للمريضة، وطلاق المريض للمريضة، ولا فرق، وكذلك طلاق الموقوف للقتل والحامل الثقلة، وهذا مكان اختلف الناس فيه .. \".\nثمّ أفاض في ذِكر الآثار وناقش المسألة فارجع إِليه للمزيد -إِن شئت-.\nوعن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف: \"أنّ عبد الرحمن بن عوف طلّق امرأته البتة وهو مريض، فورّتها عثمان -﵁- بعد انقضاء عدتها\" (١).\nوقال شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٦/ ١٦٠): \"قال الشافعي (١٣٩٤): أخبرنا ابن أبي رواد ومسلم بن خالد عن ابن جريج قال: أخبرني ابن أبي مليكة أنه سأل ابن الزبير عن الرجل يطلق المرأة فيبتِّها ثمّ يموت وهي في عدتها، فقال عبد الله بن الزبير: طلَّق عبد الرحمن بن عوف تماضر بنت الأصبغ الكلبية، فبتَّها، ثمّ مات، وهي في عدتها، فورّثها عثمان -﵁- قال ابن الزبير: وأمّا أنا فلا أرى أن تَرِثَ مبتوتة\" (٢).\nوارتباط المسألة في الميراث اختلفت الآراء في ذلك؛ والذي يترجَّح -والله أعلم- وقوع الطلاق لتطليق عبد الرحمن بن عوف امرأته في مرض موته وكان\n_________\n(١) أخرجه الشافعي ومن طريقه البيهقي، وصححه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٦/ ١٥٩).\n(٢) وقال شيخنا -﵀-: وهذا إِسناد صحيح.","vol":"5","page":323},{"text":"قد بتّها كما تقدّم.\nأمّا الاختلاف في أمر الميراث، فهذه مسألة أخرى سأذكرها -إن شاء الله تعالى- في حينها.\nويشترط في إيقاع الطلاق ألا يكون عقله قد زال.\nوجاء في \"الفتاوى\" (٣١/ ٣٦٨): \"وسئل الشيخ -﵀- عن امرأة مزوجة، ولزوجها ثلاث شهور وهو في مرض مزمن، فطلب منها شرابًا فأبطأت عليه، فنفر منها، وقال لها: أنت طالق ثلاثة، وهي مقيمة عنده تخدمه، وبعد عشرين يومًا توفي الزوج: فهل يقع الطلاق؛ وهل إِذا حلف على حُكم هذه الصورة يحنث؟ وهل للوارث أن يمنعها الإِرث؟\nفأجاب: أمّا الطلاق فإِنه يقع إِن كان عاقلًا مختارًا؛ لكن ترثه عند جمهور أئمة الإِسلام، وهو مذهب مالك، وأحمد، وأبي حنيفة، والشافعي في القول القديم، كما قضى به عثمان بن عفان في امرأة عبد الرحمن بن عوف، فإِنه طلقها في مرض موته، فورَّثها منه عثمان، وعليها أن تعتد أبعد الأجلين: من عدة الطلاق، أو عدة الوفاة، وأمّا إِن كان عقله قد زال فلا طلاق عليه\".\nوفيه (ص ٣٦٩): \"وسُئل -﵀- عن رجل زوَّج ابنته، وكتَب الصداق عليه، ثمّ إِن الزوج مرض بعد ذلك، فحين قَوِيَ عليه المرض فقبْل موته بثلاتة أيام طلق الزوجة؛ ليمنعها من الميراث: فهل يقع هذا الطلاق؟ وما الذي يجب لها في تركته؟\nفأجاب: هذه المطلقة إِنْ كانت مطلقة طلاقًا رجعيًا، ومات زوجها، وهي في العدة وَرِثتْهُ باتفاق المسلمين، وإن كان الطلاق بائنًا كالمطلقة ثلاثًا؛ ورثته","vol":"5","page":324},{"text":"أيضًا عند جماهير أئمة الإِسلام، وبه قضى أمير المؤمنين عثمان بن عفان -﵁- لما طلق عبد الرحمن بن عوف زوجته بنت الأصبغ الكلبية طلقها ثلاثًا في مرض موته، فشاور عثمان الصحابة فأشاروا على أنها ترِث منه، ولم يعرف عن أحد من الصحابة في ذلك خلاف.\nوإِنما ظهر الخلاف في خلافة ابن الزبير، فإِنه قال: لو كنت أنا لم أورثها، وابن الزبير قد انعقد الإِجماع قبل أن يصير من أهل الاجتهاد، وإِلى ذلك ذهب أئمة التابعين، ومن بعدهم، وهو مذهب أهل العراق: كالثوري، وأبي حنيفة، وأصحابه، ومذهب أهل المدينة، كمالك، وأصحابه، ومذهب فقهاء الحديث: كأحمد بن حنبل، وأمثاله، وهو القول القديم للشافعي.\nوفي الجديد وافق ابن الزبير؛ لأن الطلاق واقع بحيث لو ماتت هي لم يرثها هو بالاتفاق، فكذلك لا ترثه هي، ولأنها حرمت عليه بالطلاق، فلا يحل له وطؤها، ولا الاستمتاع بها، فتكون أجنبية، فلا ترث ... \".\nوجاء في \"الاختيارات الفقهية\" (ص ١٩٨): \"ونكاح المريض في مرض الموت صحيح، وترث زوجته منه في قول جمهور العلماء من الصحابة والتابعين، ولا تستحق إِلا مَهر المِثل، لا الزيادة عليه بالاتفاق\". انتهى.\nوكما يقع النكاح في مِثل هذا الحال يقع الطلاق، كلاهما بشرطه، والله -تعالى- أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1494>متى يطلّق القاضي</span>؟\n<span data-type=\"title\" id=toc-1495>١ - عدم الإِنفاق:</span>\nجاء في \"المحلّى\" (١١/ ٣٢٦) تحت المسألة (١٩٣١): \"وَمن منع النفقة","vol":"5","page":325},{"text":"والكسوة وهو قادر عليها؛ فسواء كان غائبًا أو حاضرًا: هو دَيْن في ذمته يؤخذ منه أبدًا، ويُقضى لها به في حياته وبعد موته ... \".\nوفيه: (ص ٣٢٧) تحت المسألة (١٩٣٢): \"فمن قدر على بعض النفقة والكسوة، فسواء قلَّ ما يقدر عليه أو كثُر: الواجب أن يقضي عليه بما قدر، ويسقط عنه ما لا يقدر، فإِن لم يقدر على شيء من ذلك سقط عنه، ولم يجب أن يقضى عليه بشيء، فإِن أيسر بعد ذلك قضى عليه من حين يوسر، ولا يقضى عليه بشيء مما أنفقته على نفسها من نفقة أو كسوة مدة عسره، لقول الله -﷿-: ﴿لا يكلف الله نفسًا إِلا وُسْعَها﴾ (١)، وقوله -تعالى-: ﴿لا يكلّف الله نفسًا إِلا ما آتاها﴾ (٢). فصحَّ يقينًا أن ما ليس في وسعه، ولا آتاه الله -تعالى- إِياه، فلم يكلِّفه الله -﷿- إِياه، وما لم يكلفه الله -تعالى- فهو غير واجب عليه، وما لم يجب عليه؛ فلا يجوز أن يقضى عليه به أبدًا أيسر أو لم يوسر.\nوهذا بخلاف ما وجب لها من نفقة أو كسوة؛ فمنعها إِياها وهو قادر عليها، فهذا يؤخذ به أبدًا أعسر بعد ذلك أو لم يُعسر، لأنه قد كلَّفه الله -تعالى- إِياه، فهو واجب عليه، فلا يسقطه عنه إِعساره، لكن يوجب الإِعسار أن ينظر به إِلى الميسرة فقط، لقوله -﷿-: ﴿وإِن كان ذو عسرة فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرة﴾ (٣) \".\n_________\n(١) البقرة: ٢٨٦.\n(٢) الطلاق: ٧.\n(٣) البقرة: ٢٨٠.","vol":"5","page":326},{"text":"وجاء في \"السيل الجرار\" (٢/ ٤٥٢) -بحذف-: \"قد ذهب الجمهور كما حكاه ابن حجر في \"فتح الباري\" إِلى ثبوت الفسخ إِذا لم يجد الرَّجل ما ينفق على امرأته، وهو الحق لقوله -﷿-: ﴿ولا تُمسكوهنّ ضرارًا﴾ (١) والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما تقرر في الأصول. وأي ضرار أعظمِ من أن يبقيها في حَبْسِهِ وتحت نكاحه بغير نفقة؟! فإِنَّ هذا ممسك لها ضراراَ بلا شك ولا شبهة، بل ممسك لها مع أشد أنواع الضرار، فإِنَّ قوام الأنفس لا يكون إِلا بالطعام والشراب. ولقول الله -﷿-: ﴿فإِمساكٌ بمعروف أو تسريحٌ بإِحسان﴾ (٢) فخيّر الأزواج بين الأمرين، فليس لهم فسحة في المعاملة للزوجات بأحدهما.\nفمن لم يُمسك بمعروف كان عليه التسريح بإِحسان، فإِنْ لم يفعل كان على حُكَّام الشريعة أن يوصلوا المُمْسَكَةَ ضرارًا بحكم الله -﷿- فيفسخوا نكاحها.\nوأين الإِمساك بمعروف من رجل ترك زوجته في مضايق الجوع، ومتالف المخمصة، وعرَّضها للهلاك، وحبَسها عن طلب رزق الله -﷿- وأراد أن تكون له فراشًا، وهي بهذه الحالة المنكرة والصفة المستشنعة، وكل من يعرف الشريعة يعلم أن هذا منكر من منكراتها ومُحرَّم من مُحرَّماتها ولقوله -﷿-: ﴿ولا تضاروهنّ﴾ (٣) وهذا من أعظم أنواع الضرار وأشدها كما سلف.\n_________\n(١) البقرة: ٢٣١.\n(٢) البقرة: ٢٢٩.\n(٣) الطلاق: ٦.","vol":"5","page":327},{"text":"وأيضًا قد شرع الله -سبحانه- بعْث الحَكَمين بين الزَّوجين عند مجرَّد الشِّقاق وفوَّض إِليهما ما فوَّضه إِلى الأزواج، فإِذا كان لهما التفرقة بمجرد وجود الشقاق؛ فكيف لا يكون لحاكم الشريعة الفسخ بعد وصول المرأة إليه؛ تشكو إِليه ما مسَّها من الجوع، ونزَل بها من الفاقة الشديدة.\nوالحاصل أن بعض ما ذكَرناه يصلح مستندًا لفسخ النكاح في هذه الحالة ...\nوأمّا استدلال المانعين من الفسخ بقوله -سبحانه-: ﴿لينفق ذو سَعَةٍ مِن سَعَته ومن قُدِرَ عليه رزقُهُ فلينفق مما آتاه الله﴾ (١) فيجاب عنه بأنا لا نكلفه بأن ينفق زيادة على ما آتاه، بل دفعنا الضرار عن المرأة وخلَّصناها من حباله لتذهب تطلب لنفسها رزق الله -﷿- بالتكسب، أو تتزوّج آخر يقوم بمطعمها ومشربها\".\nجاء في \"الروضة الندية\" (٢/ ١١٢): \"وأمّا التفريق بين المعسِر وبين امرأته، فأقول: إِذا كانت المرأة جائعة، أو عارية في الحالة الراهنة فهي في ضرار، والله -تعالى- يقول: ﴿ولا تضاروهنّ﴾ (٢) وهي أيضًا غير معاشَرة بالمعروف، والله يقول: ﴿وعاشروهنّ بالمعروف﴾ (٣) وهي أيضًا غير ممسَكة بمعروف، والله يقول: ﴿فإِمساك بمعروف أو تسريحٌ بإِحسان﴾ (٤) بل هي ممسَكة\n_________\n(١) الطلاق: ٧.\n(٢) الطلاق: ٦.\n(٣) النساء: ١٩.\n(٤) البقرة: ٢٢٩.","vol":"5","page":328},{"text":"ضرارًا، والله يقول: ﴿ولا تمسكوهنّ ضرارًا﴾ (١) والنّبيّ صلّى الله -تعالى- عليه وآله وسلّم- يقول: \"لا ضرر ولا ضرار\" (٢).\nثمّ من أعظم ما يدل على جواز الفسخ بعدم النفقة؛ أن الله -سبحانه- قد شرع الحَكَمين بين الزوجين عند الشقاق، وجعل إِليهما الحُكْم بينهما، ومن أعظم الشقاق أن يكون الخصام بينهما في النفقة. وإذا لم يمكنهما دفْع الضرر عنها إِلا بالتفريق، كان ذلك إِليهما. وإذا جاز ذلك منهما، فجوازه من القاضي أولى\". انتهى.\nو\"كتب عمر إِلى أُمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم يأمرهم أن يُنفقوا أو يُطلّقوا، فإِنْ طلَّقوا بعَثوا بنفقة ما مضى، قال ابن المنذر: ثبت ذلك عن عمر\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1496>٢ - غَيبة الزوج:</span>\n*مِن حق الزوجة أن تطلب التفريق إِذا غاب عنها زوجها، ولو كان له مالٌ تنفق منه؛ إِذا كان غياب الزوج لغير عُذر مقبول، مع حصول التضرّر بغيابه* (٤).\n_________\n(١) البقرة: ٢٣١.\n(٢) أخرجه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٨٩٥) وأحمد وغيرهما، وصححه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٨٩٦) وتقدّم.\n(٣) أخرجه الشافعي وعنه البيهقي، وصححه شيخنا -﵀ - في \"الإِرواء\" (٢١٥٩)، وتقدّم. والصَّواب أنَّه برقم (٢١٥٨) كما في التخريج الثاني وذلك لسقوط رقم (٢١٥٧) سهوًا.\n(٤) ما بين نجمتين من \"فقه السّنة\" (٣/ ٥٨) -بحذف وتصرّف-.","vol":"5","page":329},{"text":"وثبت أنه فُقد رجل في عهد عمر -﵁- فجاءت امرأته إِلى عمر فَذكَرت ذلك له فقال: انطلقي فتربصي أربع سنين، فَفَعَلت، ثمّ أتته فقال: انطلقي فاعتدي أربعة أشهر وعشرًا فَفَعَلت، ثمّ أتته فقال: أين وليُّ هذا الرجل؟ فجاء وليُّه فقال: طلِّقها ففعَل. فقال عمر: انطلقي فتزوجي من شئت.\nفعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: \"قضى عمر -﵁- في المفقود تَرَبَّصُ امرأته أربع سنين، ثمّ يطلقها وليّ زوجها، ثمّ تربص بعد ذلك أربعة أشهر وعشرا، ثمّ تزوج\" (١).\nعن عبد الرحمن بن أبي ليلى \"أنّ رجلًا من قومه من الأنصار خرج يصلّي مع قومه العشاء، فسَبَتْهُ الجنّ، فَفُقد، فانطلقت امرأته إِلى عمر بن الخطاب -﵁- فقصَّت عليه القصَّة، فسأل عنه عمر قومه، فقالوا: نعم؛ خرج يصلّي العشاء فَفُقد، فأمرها أن تربص أربع سنين، فلما مضت الأربع سنين؛ أتته فأخبرته، فسأل قومها؟ فقالوا: نعم؛ فأمرها أن تتزوج، فتزوجت.\nفجاء زوجها يخاصم في ذلك إِلى عمر بن الخطاب -﵁- فقال عمر بن الخطاب -﵁-: يغيب أحدكم الزمان الطويل، لا يعلم أهله حياته، فقال له: إِنّ لي عذرًا يا أمير المؤمنين، فقال: وما عذرك؟ قال: خرجتُ أصلِّي العشاء، فسَبَتْنِي الجنّ، فلبثتُ فيهم زمانًا طويلًا، فغزاهم جنٌّ مؤمنون -أو قال: مسلمون، شك سعيد- فقاتلوهم، فظهَروا عليهم، فسبَوا منه سبايا، فسَبَوني فيما سبَوا منهم، فقالوا: نراك رجلًا مسلمًا ولا يحلُّ لنا سبيُك، فخيروني بين المُقَامِ وبين القُفُول إِلى أهلي، فاخترت القفول إِلى أهلي،\n_________\n(١) أخرجه البيهقي، وحسنه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (١٧٠٨).","vol":"5","page":330},{"text":"فأقبلوا معي، أمَّا بالليل فليس يحدثوني، وأمَّا بالنّهار فعصًا أتبعها.\nفقال له عمر -﵁-: فما كان طعامك فيهم؟ قال: الغول، وما لم يذكر اسم الله عليه، فال: فما كان شرابك فيهم؟ قال: الجدف، قال قتادة: والجدف ما لا يخمر من الشراب قال: فخيَّره عمر بين الصَّداق وبين امرأته\" (١).\nوالخلاصة: أنّ عمر -﵁- أمَرها أن تنتظر أربع سنين، وبعد ذلك تربص أربعة أشهر وعشرًا ثمّ الزَّواج.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1497>٣ - التطليق للضَّرر:</span>\n*ذهب بعض العلماء أن للزوجة أن تطلب من القاضي التفريق، إِذا ادّعت إِضرار الزوج بها إِضرارًا؛ لا يُستطاع معه دوام العِشرة بين أمثالهما، مثل ضَرْبها، أو سبِّها، أو إِيذائها بأي نوع من أنواع الإِيذاء الذي لا يُطاق، أو إكراهها على مُنكَر؛ من القول أو الفعل، فإِذا ثبتت دعواها لدى القاضي، ببيِّنة أو اعتراف الزوج، وكان الإِيذاء مما لا يُطاق معه دوام العِشرة بين أمثالهما، وعجز القاضي عن الإِصلاح بينهما* (٢) تولى القاضي تطليقها بعد التثبت من ذلك.\nوقد قال -سبحانه-: ﴿فإِمساك بمعروف أو تسريح بإِحسان﴾.\nفوجبَ على من لم يُمسِك بالمعروف أن يُسرّح بإِحسان، فإِذا لم يفعل؛ شكت المرأة أمرها إِلى القاضي وحَكم بذلك.\nوفي الحديث: \"لا ضرر ولا ضرار\" (٣).\n_________\n(١) أخرجه البيهقي، وصححه شيخنا -﵀ - في \"الإِرواء\" (١٧٠٩).\n(٢) ما بين نجمتين عن \"فقه السّنة\" (٣/ ٥٦).\n(٣) أخرجه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٨٩٥) وأحمد وغيرهما، =","vol":"5","page":331},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1498>متعة الطّلاق</span>\nقال الله -تعالى-: ﴿لا جُناح عليكم إِنْ طلّقتم النساء ما لم تمسّوهنّ أو تفرِضوا لهنّ فريضة ومتّعوهنّ على الموسع قَدَرُه وعلى المقتر قَدَرُه متاعًا بالمعروف حقًّا على المحسنين﴾ (١).\nعن سهل الساعدي، وأبي أُسيد -﵄- قالا: \"تَزوَّج النّبي - ﷺ - أمَيمة بنتَ شراحيل، فلمّا أُدخلت عليه بسَط يدَه إِليها (٢)، فكأنّها كرِهت ذلك، فأمَرَ أَبا أُسيدٍ أن يُجهِّزها ويكسوها ثوبين رازقيَّيْن (٣) \" (٤).\nوعن جابر بن عبد الله -﵄- قال: لما طلّق حفص بن المغيرة امرأته فاطمة، أتت النبي - ﷺ - فقال لزوجها: مَتِّعها، قال: لا أَجد ما أمتّعها، قال: فإِنّه لا بدّ من المتاع، قال: متِّعْها ولو نصف صاعٍ من تمر (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1499>الخُلع</span>\n* الحياة الزوجية لا تقوم إِلا على السكن، والمودة والرحمة، وحُسن المعاشرة، وأداء كل من الزوجين ما عليه من حقوق، وقد يحدُث أن يَكرَه\n_________\n= وصححه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٨٩٦)، وتقدّم.\n(١) البقرة: ٢٣٦.\n(٢) انظر صحيح البخاري: ٥٢٥٥، فإِنها رواية مفسِّرة لها لا بدَّ منها.\n(٣) ثياب كَتَّان بيض، والرازقيّ: الضعيف من كل شيء \"النهاية\".\n(٤) أخرجه البخاري: ٥٢٥٦، ٥٢٥٧.\n(٥) أخرجه البيهقي وحسّنه شيخنا -﵀- في \"الصحيحة\" (٢٢٨١).","vol":"5","page":332},{"text":"الرجل زوجته، أو تكره هي زوجها، والإِسلام في هذه الحال يوصي بالصبر والاحتمال، وينصح بعلاج ما عسى أن يكون من أسباب الكراهية؛ قال الله -تعالى-: ﴿وعاشروهنّ بالعروف فإِنْ كرهتموهنّ فعسى أن تكرهوا شيئًا ويَجْعَلَ الله فيه خيرًا كثيرًا﴾ (١).\nوفي الحديث الصحيح: \"لا يَفْرَكْ (٢) مؤمن مؤمنة؛ إِنْ كره منها خُلُقًا، رضي منها آخر\" (٣). إِلا أن البغض قد يتضاعف، ويشتد الشقاق، ويصعب العلاج، وينفد الصبر، ويذهب ما أُسِّس عليه البيت؛ من السكن، والمودة، والرحمة، وأداء الحقوق، وتصبح الحياة الزوجية غير قابلة للإِصلاح، وحينئذ يرخّص الإِسلام بالعلاج الوحيد الذي لا بد منه.\nفإِنْ كانت الكراهية من جهة الرجل، فبَيدِه الطلاق، وهو حقٌّ من حقوقه، وله أن يستعمله في حدود ما شرع الله، وإِنْ كانت الكراهية من جهة المرأة، فقد أباح لها الإِسلام أن تتخلص من الزوجية بطريق الخُلع، بأن تعطي الزوج ما كانت أخذتْ منه، باسم الزوجية؛ ليُنهي علاقته بها.\nوفي ذلك يقول الله -﷾-: ﴿ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهنّ شيئًا إِلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإِنْ خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جُناح عليهما فيما افتدت به﴾ (٤).\n_________\n(١) النساء: ١٩.\n(٢) الفَرك: البُغضُ.\n(٣) أخرجه مسلم: ١٤٦٩.\n(٤) البقرة: ٢٢٩.","vol":"5","page":333},{"text":"وفي أخْذ الزوج الفدية عدلٌ وإنصاف؛ إِذ إِنَّه هو الذي أعطاها المهر، وبذَل تكاليف الزواج، والزفاف، وأنفقَ عليها، وهي التي قابلت هذا كلّه بالجحود، وطلبَت الفراق، فكان من النَّصَفَة أن تَرُدَّ عليه ما أخذَت.\nوإنْ كانت الكراهية منهما معًا؛ فإِنْ طلَب الزوج التفريق، فبيده الطلاق، وعليه تَبِعاتُه، وإنْ طلبَت الزوجة الفُرقة، فبيدها الخُلع، وعليها تَبِعاتُهُ كذلك\"* (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1500>تعريفه:</span>\nالخُلع: أصْله من خَلْع الثوب؛ لأنّ المرأة لباسُ الرجل معنىً، وضُمّ مصدره تفرقةً بين الحِسّي والمعنوي وهو طلب المرأة الفراق من زوجها؛ على عِوَضٍ تبذلُه له (٢).\nوقال ابن حزم -﵀- في \"المحلّى\" (١١/ ٥٨٤): \"الخلع: وهو الافتداء إِذا كرهت المرأة زوجها، فخافت أن لا توفيه حقَّه، أو خافت أن يبغضها فلا يوفيها حقَّها، فلها أنْ تفتدي منه ويطلِّقها، إنْ رضي هو؟ وإلا لم يجبر هو؟ ولا أجبرت هي؟ إِنما يجوز بتراضيهما\".\nوجاء في \"زاد المعاد\" (٥/ ١٩٦): \"وفي تسميته -سبحانه- الخُلع فديةً؛ دليلٌ على أنّ فيه معنى المعاوضة ولهذا اعتُبر فيه رضا الزوجين\".\nوسُئل شيخ الإِسلام -رحمه الله تعالى-: ما هو الخُلع الذي جاء به الكتاب والسّنة؟\nفأجاب: الخُلع الذي جاء به الكتاب والسّنة: أن تكون المرأة كارهة للزوج\n_________\n(١) ما بين نجمتين عن \"فقه السّنة\" (٣/ ٦٠).\n(٢) ملتقط من \"النهاية\" و\"الفتح\" (٩/ ٣٩٥).","vol":"5","page":334},{"text":"تريد فراقه فتعطيه الصداق أو بعضه فداء نفسها؛ كما يفتدي الأسير (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1501>مشروعيته:</span>\nقال الله -تعالى-: ﴿ولا يحلّ لكم أن تأخذوا مما آتيتموهنّ شيئًا إِلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإِنْ خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ (٢).\nوعن ابن عباس -﵄- قال: \"أنّ امرأة ثابت بن قيس أتت النّبيّ - ﷺ - فقالت: يا رسول الله، ثابت بن قيس ما أعتِبُ عليه في خُلقٍ ولا دين، ولكنّي أكره الكُفر في الإِسلام (٣). فقال رسول الله - ﷺ -: أترُدّين عليه حديقته؟ قالت: نعم؛ قال رسول الله - ﷺ -: اقبَل الحديقة وطلّقها تطليقة\" (٤).\n\nاشتراط النشوز (٥) فيه وعدم إِقامة حدود الله -تعالى-:\nجاء في \"السيل الجرار\" (٢/ ٣٦٤): \"وأمّا اشتراط النشوز منها فلقوله\n_________\n(١) انظر \"الفتاوى\" (٣٢/ ٢٨٢).\n(٢) البقرة: ٢٢٩.\n(٣) قال الحافظ في \"الفتح\" (٩/ ٤٠٠): يحتمل أن تريد بالكفر كفران العشير إِذ هو تقصير المرأة في حق الزوج. وقال الطيبي: المعنى أخاف على نفسي في الإِسلام ما ينافي حكمه من نشوز وفَرك وغيره؛ مما يتوقع من الشابة الجميلة المبغضة لزوجها إذا كان بالضد منها، فأطلقت على ما ينافي مقتضى الإسلام الكفر. ويحتمل أن يكون في كلامها إِضمار، أي: أكره لوازم الكفر من المعاداة والشقاق والخصومة.\n(٤) أخرجه البخاري: ٥٢٧٣.\n(٥) النُّشوز: هو الارتفاع والمرأة النَّاشِزة: هي المرتفعة على زوجها، التَّاركة =","vol":"5","page":335},{"text":"-﷿-: ﴿ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيمتوهنّ شيئًا إِلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإِنْ خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ (١) فقيَّد -سبحانه- حلّ الافتداء بمخافتهما ألا يقيما حدود الله.\nوظاهر الآية أن الخُلع لا يجوز إِلا بحصول المخالفة منهما جميعًا، بأن يخاف الزوج أن لا يمسكها بالمعروف، وتخاف الزوجة أن لا تطيعه كما يجب عليها.\nولكنّه لمّا ثبتَ حديث ابن عباس عند البخاري وغيره (٢) ... دلّ ذلك على أنّ المخافة لعدم إِقامة حدود الله من طريقها كافية في جواز الاختلاع\".\nوقال ابن كثير -﵀- في \"تفسيره\": \"ثمّ قد قال طائفة كثيرة من السلف، وأئمة الخلف: إِنه لا يجوز الخُلع إِلا أنْ يكون الشقاق والنشوز من جانب المرأة، فيجوز للرجل حينئذ قَبول الفدية، واحتجوا بقوله -تعالى-: ﴿ولا يحِلُّ لكم أن تأخذوا مما آتيتموهنّ شيئًا إِلا أن يخافا ألا يُقيما حُدود الله ...﴾ الآية، قالوا: فلم يشرع الخُلع إِلا في هذه الحالة، فلا يجوز في غيرها إِلا بدليل، والأصل عدمه.\nوممن ذهب إِلى هذا ابن عباس، وطاوس، وإبراهيم، وعطاء، والحسن، والجمهور؛ حتى قال مالك والأوزاعي: لو أخذ منها شيئًا وهو مضارّ لها وجب ردّه إِليها، وكان الطلاق رجعيًا؛ قال مالك: وهو الأمر الذي أدركتُ الناس عليه.\nوذهب الشافعي -﵀- إِلى أنه يجوز الخُلع في حالة الشقاق، وعند\n_________\n= لأمره المعرضة عنه المبغضة له -وسيأتي إِنْ شاء الله تعالى-.\n(١) البقرة: ٢٢٩.\n(٢) ثمّ ساق الحديث بتمامه.","vol":"5","page":336},{"text":"الاتفاق بطريق الأولى والأحرى (١). انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1503>لا يجوز التضييق على الزوجة لأجل الافتداء:</span>\nقال الله -تعالى-: (أسكنوهنّ مِنْ حيثُ سكنتم مِن وُجدكم (٢) ولا تضارُّوهن لتُضيّقوا عليهنّ﴾ (٣).\nقال مقاتِل بن حيان: يعني يضاجرها لتفتدي منه بمالها أو تخرج من مسكنه (٤).\nوجاء في \"تفسير ابن كثير\": \"وقوله: ﴿ولا يحلّ لكم أن تأخذوا مما آتيتموهنّ شيئًا إِلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله﴾. أي: لا يحل لكم أن تضاجروهنّ وتضيقوا عليهن، ليفتدين منكم بما أعطيتموهنّ من الأصدقة أو ببعضه؛ كما قال -تعالى-: ﴿ولا تعضُلُوهنّ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ إِلا أن يأتين بفاحشة مُبَيِّنَة﴾ (٥) فأما إِنْ وهبته المرأة شيئًا عن طيب نفس منها، فقد قال -تعالى-: ﴿فإِن طبن لكم عن شيء منه فكلوه هنيئًا مريئًا﴾ (٦).\n_________\n(١) قلت: بالشّرط المبيّن سابقًا؛ وهو عدم اصطناع الشقاق؛ ليؤول الأمر إِلى الافتداء.\n(٢) أي: سعتكم.\n(٣) الطلاق: ٦.\n(٤) \"تفسير ابن كثير\".\n(٥) النساء: ١٩.\n(٦) النساء: ٤.","vol":"5","page":337},{"text":"وأمّا إِذا تشاقق الزوجان ولم تقم المرأة بحقوق الرجل، وأبغضته ولم تقدر على معاشرته، فلها أن تفتدي منه بما أعطاها، ولا حرج عليها في بذْلها، ولا عليه في قَبُول ذلك منها؛ ولهذا قال -تعالى-: ﴿ولا يحلّ لكم أن تأخذوا مما آتيتموهنّ شيئًا إِلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإِنْ خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ الآية.\nفأمّا إِذا لم يكن لها عذر وسألت الافتداء منه، فقد قال ابن جرير: [وساق بإِسناده إِلى ثوبان -﵁-] قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"أيما امرأة سألت زوجها طلاقًا في غير ما بأس فحرامٌ عليها رائحة الجنّة\" (١).\nوقال - ﷺ -: \"المختلعات (٢) والمنتزعات هنّ المنافقات\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1504>الخُلع بتراضي الزوجين </span>(٤):\nوالخُلع يكون بتراضي الزوج والزوجة، فإِذا لم يتم التراضي منهما، فللقاضي إِلزام الزوج بالخلع؛ لأن ثابتًا وزوجته رفَعا أمرهما للنّبيّ - ﷺ -، وألزمه الرسول - ﷺ - بأن يقبل الحديقة، ويطلِّق، كما تقدّم في الحديث.\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٩٤٧)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٩٤٨)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٦٧٢)، وصححه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٢٠٣٥)، وتقدّم.\n(٢) يعني: اللاتي يطلُبن الخُلع بغير عُذرٍ.\n(٣) أخرجه أحمد والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٩٤٧)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٣٢٣٨) وغيرهم، وانظر \"الصحيحة\" (٦٣٢)، وتقدّم.\n(٤) عن \"فقه السّنة\" (٣/ ٦٥ - ٦٦).","vol":"5","page":338},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1505>جواز الخُلع في الطُّهر والحيض:</span>\n*يجوز الخلع في الطهر والحيض، ولا يتقيد وقوعه بوقت؛ لأن الله -سبحانه- أطلقه، ولم يقيده بزمن دون زمن؛ قال الله -تعالى-: ﴿فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ (١)، ولأن الرسول﵊- أطلق الحُكم في الخُلع؛ بالنسبة لامرأة ثابت بن قيس من غير بحث، ولا استفصال عن حال الزوجة، وليس الحيض بأمر نادر الوجود، بالنسبة للنساء.\nقال الشافعي -رحمه الله تعالى-: ترْك الاستفصال في قضايا الأحوال، مع قيام الاحتمال، ينزل منزلة العموم في المقال، والنّبيّ - ﷺ - لم يستفصل؛ هل هي حائض أم لا؟ * (٢).\nوقال شيخ الإِسلام -﵀ بعد أن بيّن أنّ الخلع كافتداء الأسير-: \"ولهذا يُباح في الحيض بخلاف الطلاق\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1506>هل يجوز للزّوج أخْذ الزيادة على المهر</span>؟\nذهب بعض العلماء إِلى جواز أخْذ الزيادة لعموم قوله -تعالى-: ﴿فلا جُناح عليهما فيما افتدت به﴾ وقالوا: دلّ على جوازه قلّ أو كَثُر.\nوهذا سائغٌ لولا التقييد الذي جاء به الكتاب والسّنة.\nجاء في \"السيل الجرار\" (٢/ ٣٦٥) تعليقًا على عبارة: \"ولا يحلّ منها\n_________\n(١) البقرة: ٢٢٩.\n(٢) ما بين نجمتين من \"فقه السنّة\" (٣/ ٦٦).\n(٣) انظر \"الفتاوى\" (٣٢/ ٩١) وستأتي هذه العبارة في آخر مبحث الخلع -إِن شاء الله تعالى-.","vol":"5","page":339},{"text":"أكثر ممّا لزم بالعقد\": ظاهر القرآن يدلّ على هذا فإِنه -سبحانه- قال: ﴿ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهنّ شيئًا﴾ (١) إِلى آخر الآية فإِنها واردة في أخذ الزوج لشىء مما أتاها فإِذا أخذ منها زيادة على ما آتاها فقد خالف ما في الكتاب العزيز.\nثمّ قال: ويدلّ على هذا أيضًا؛ ما أخرجه ابن ماجه ولفظ الحديث: \"عن ابن عباس أن جميلة بنت سلول أتت النبيّ - ﷺ - فقالت: والله ما أعتب على ثابت في دين ولا خلُق، ولكني أكره الكُفر في الإِسلام، لا أطيقه بغضًا، فقال لها النّبيّ - ﷺ -: \"أترُّدِّينَ عليه حديقته؟ \" قالت: نعم، فأمره رسول الله - ﷺ - أن يأخذ منها حديقته ولا يزداد\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1507>المختلعة تعتدّ بحيضة واحدة:</span>\nعن الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ بن عفراء؛ أنَّها اختلعت على عهد رسول الله - ﷺ -؛ فأمَرَها النّبي - ﷺ - أو أُمِرت أنْ تعتدَّ بِحَيضَة (٣).\nوعن ابن عباس -﵄- \"أنّ امرأة ثابت بن قيس اختلعت منه، فجعل النّبىّ - ﷺ - عدتها حيضة\" (٤).\nوعن ثابت بن قيس بن شمّاس: \"أنه ضرب امرأته فكَسَر يدها، وهي جميلة بنت عبد الله بن أُبي، فأتى أخوها يشتكيه إِلى رسول الله - ﷺ -، فأرسل\n_________\n(١) البقرة: ٢٢٩.\n(٢) أخرجه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٦٧٣)، والبيهقي، وانظر \"الإِرواء\" (٢٠٣٦).\n(٣) أخرجه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٩٤٥) وغيره.\n(٤) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٩٥٠).","vol":"5","page":340},{"text":"رسول الله - ﷺ - إِلى ثابت، فقال له: خُذ الذي لها عليك، وخلّ سبيلها، قال: نعم. فأمَرها رسول الله - ﷺ - أن تتربص حيضة واحدة، فتلحق بأهلها\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1508>هل الخُلع فسْخٌ أم طلاق </span>(٢):\nجاء في \"الفتاوى\" (٣٢/ ٢٨٩). \"وسئل -رحمه الله تعالى-: عن الخُلع هل هو طلاق محسوب من الثلاث؟ وهل يشترط كونه بغير لفظ الطلاق ونيته؟\nفأجاب -رحمه الله تعالى-: هذه المسألة فيها نزاع مشهور بين السلف والخلف، فظاهر مذهب الإِمام أحمد وأصحابه؛ أنه فرقة بائنة وفسخٌ للنِّكاح، وليس من الطلاق الثلاث. فلو خلَعها عشر مرات كان له أن يتزوجها بعقد جديد قبل أن تنكح زوجًا غيره، وهو أحد قولي الشافعي، واختاره طائفة من أصحابه ونصروه، وطائفة نصروه ولم يختاروه؛ وهذا قول جمهور فقهاء الحديث: كإِسحاق بن راهويه، وأبي ثور، وداود، وابن المنذر، وابن خزيمة؛ وهو ثابت عن ابن عباس وأصحابه: كطاوس، وعكرمة.\nوالقول الثاني: أنه طلاق بائن محسوب من الثلاث، وهو قول كثير من السلف، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك، والشافعي في قوله الآخر؛ ويقال: إِنه الجديد، وهو الرواية الأخرى عن أحمد، ويُنقل ذلك عن عمر، وعثمان،\n_________\n(١) أخرجه النسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٣٢٧٢) وأبو داود نحوه \"صحيح سنن أبي داود\" (١٩٤٩).\n(٢) انظر للمزيد -إِن شْئت- ما قاله ابن حزم -﵀- في \"المحلى\" تحت المسألة (١٩٨٢).","vol":"5","page":341},{"text":"وعلي، وابن مسعود؛ لكن ضعف أحمد وغيره من أئمة العلم بالحديث كابن المنذر، وابن خزيمة، والبيهقي وغيرهم النقل عن هؤلاء؛ ولم يصححوا إِلا قول ابن عباس: إِنه فسْخ وليس بطلاق.\nوأمّا الشافعي وغيره فقال: لا نعرف حال من روى هذا عن عثمان: هل هو ثقة أم ليس بثقة؟ فما صححوا ما نقل عن الصحابة؛ بل اعترفوا أنهم لا يعلمون صحته، وما علمت أحدًا من أهل العلم بالنقل صَحَّحَ ما نُقل عن الصحابة من أنه طلاق بائن محسوب من الثلاث؛ بل أثبت ما في هذا عندهم ما نُقل عن عثمان، وقد نُقل عن عثمان بالإِسناد الصحيح أنه أمر المختلعة أن تستبرئ بحيضة، وقال: لا عليك عدة.\nوهذا يوجب أنه عنده فرقة بائنة؛ وليس بطلاق؛ إذ الطلاق بعد الدخول يوجب الاعتداد بثلاثة قروء بنص القرآن واتفاق المسلمين؛ بخلاف الخلع؛ فإِنه قد ثبت بالسّنة وآثار الصحابة أن العدة فيها استبراء بحيضة، وهو مذهب إِسحاق، وابن المنذر، وغيرهما، وإحدى الروايتين عن أحمد.\nوقد رد ابن عباس امرأة على زوجها بعد طلقتين وخُلْع مرة قبل أن تنكح زوجًا غيره، وسأله إِبراهيم بن سعد بن أبي وقاص لما ولاَّه الزبير على اليمن عن هذه المسألة وقال له: إِنّ عامّة طلاق أهل اليمن هو الفداء؟ فأجابه ابن عباس بأن الفداء ليس بطلاق؛ ولكن الناس غلطوا في اسمه.\nواستدل ابن عباس بأن الله -تعالى- قال: ﴿الطلاق مرتان فإِمساكٌ بمعروف أو تسريحٌ بإِحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا ممّا آتيتموهنّ شيئًا إِلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإِن خفتم ألا يُقيما حدود الله فلا جناح","vol":"5","page":342},{"text":"عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعدّ حدود الله فأولئك هم الظلمون * فإِنّ طلّقها فلا تحل له من بعد حتّى تنكح زوجًا غيره﴾ (١).\nقال ابن عباس: فقد ذكر الله -تعالى- الفدية بعد الطلاق مرتين، ثمّ قال: ﴿فإِنّ طلّقها فلا تحل له من بعد حتّى تنكح زوجًا غيره﴾ وهذا يدخل في الفدية خُصوصًا، وغيرها عمومًا، فلو كانت الفدية طلاقًا لكان الطلاق أربعًا. وأحمد في المشهور عنه هو ومن تقدّم اتبعوا ابن عباس\".\nوقال شيخ الإِسلام -﵀- في \"الفتاوى\" (٣٢/ ٩١): \" ... ولهذا ذهب كثير من السلف والخلف إِلى أن الخلع فسْخ للنكاح؛ وليس هو من الطلقات الثلاث، كقول ابن عباس، والشافعي وأحمد في أحد قوليهما لأن المرأة افتدت نفسها من الزوج كافتداء الأسير؛ وليس هو من الطلاق المكروه في الأصل، ولهذا يباح في الحيض؛ بخلاف الطلاق. وأمّا إِذا عدل هو عن الخلع وطلقها إِحدى الثلاث بعِوَض فالتفريط منه\".\nوقال ابن القيّم -﵀- في \"زاد المعاد\" (٥/ ١٩٦): \"وفي أمره - ﷺ - المختلعة أن تعتدَّ بحيضة واحدة دليل على حُكمين: أحدهما (٢): أنه لا يجب عليها ثلاث حيض، بل تكفيها حيضةٌ واحدة.\nوهذا كما أنه صريحُ السنة، فهو مذهب أمير المؤمنين عثمان بن عفان، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، والرُّبَيِّع بِنْت مُعوّذ، وعمها وهو من كبار\n_________\n(١) البقرة: ٢٢٩ - ٢٣٠.\n(٢) لم أجِد كلمة ثانيهما أو ما في معناها فلعلّ فِعلَه مضمنٌ في السياق.","vol":"5","page":343},{"text":"الصحابة، لا يُعرف لهم مخالف منهم، كما رواه الليث بن سعد، عن نافع مولى ابن عمر، أنه سمع الرُّبَيِّعْ بِنْت مُعوّذ بن عفراء وهي تُخبر عبد الله بن عمر -﵄- أنها اختلعت من زوجها على عهد عثمان بن عفان، فجاء عمّها إِلى عثمان بت عفان، فقال له: إِن ابنة مُعَوّذ اختلعت من زوجها اليوم، أفتنتقل؟ فقال عثمان: لتنتقل ولا ميراث بينهما، ولا عدة عليها إِلا أنها لا تنكح حتى تحيض حيضة خشية أن يكون بها حَبَلٌ، فقال عبد الله بن عمر: فعثمان خيرنا وأعلمنا.\nوذهب إِلى هذا المذهب إِسحاق بن راهويه، والإِمام أحمد في رواية عنه، اختارها شيخ الإِسلام ابن تيمية.\nقال من نصر هذا القول: هو مقتضى قواعِدِ الشريعة، فإِن العدة إِنما جُعلت ثلاثَ حيض لِيَطُول زمن الرّجعة، فيتروّى الزوج، ويتمكّن من الرجعة في مدة العِدة، فإِذا لم تكن عليها رجعة، فالمقصود مجرد براءة رحمها من الحمل، وذلك يكفي فيه حيضة، كالاستبراء، قالوا: ولا ينتقض هذا علينا بالمطلقة ثلاثًا، فإِن باب الطلاق جُعِلَ حكمُ العدة فيه واحدًا بائنة ورجعية.\nقالوا: وهذا دليل على أن الخلع فسخ، وليس بطلاق، وهو مذهب ابن عباس، وعثمان، وابن عمر، والرُّبَيِّع، وعمّها، ولا يصحّ عن صحابى أنه طلاق البتة، فروى الإِمام أحمد، عن يحيى بن سعيد، عن سفيان، عن عمرو، عن طاوس، عن ابن عباس -﵃- أنه قال: الخُلع تفريق، وليس بطلاق.\nوذكر عبد الرزاق، عن سفيان، عن عمرو، عن طاوس، أن إِبراهيم بن سعد ابن أبي وقاص سأله عن رجل طلق امرأته تطليقتين، ثمّ اختلعت منه:","vol":"5","page":344},{"text":"أينكحِها؟ قال ابن عباس: نعم، ذكَر الله الطلاق في أوّل الآية وآخرها، والخلع بين ذلك.\nوإذا كانت أحكام الفدية غير أحكام الطلاق، دلّ على أنها من غير جنسه، فهذا مقتضى النصّ، والقياس، وأقوال الصحابة، ثمّ مَن نَظر إِلى حقائق العقود ومقاصدها دون ألفاظها؛ يَعُدُّ الخُلع فسخًا بأي لفظ كان حتى بلفظ الطلاق، وهذا أحدُ الوجهين لأصحاب أحمد، وهو اختيار شيخنا، قال: وهذا ظاهر كلام أحمد، وكلام ابن عباس وأصحابه.\nقال ابن جريج: أخبرني عمرو بن دينار، أنه سمع عكرمة مولى ابن عباس يقول: ما أجازه المال، فليس بطلاق. قال عبد الله بن أحمد: رأيت أبي كان يذهب إِلى قول ابن عباس، وقال عمرو عن طاوس عن ابن عباس: الخلعُ تفريقٌ وليس بطلاق. وقال ابن جريج عن ابن طاوس: كان أبي لا يرى الفداء طلاقًا ويُخَيّرُهُ.\nومن اعتبر الألفاظ ووقف معها، واعتبرها في أحكام العُقود، جعله بلفظ الطلاق طلاقًا، وقواعد الفقه وأصوله تشهد أن المرعيّ في العقود حقائقها ومعانيها لا صورها وألفاظها، وبالله التوفيق.\nومما يدلُّ على هذا، أنّ النبيّ - ﷺ - أمَر ثابت بن قيس أن يطلق امرأته في الخلع تطليقة، ومع هذا أمرها أن تعتدّ بحيضة، وهذا صريح في أنه فسْخ، ولو وقع بلفظ الطلاق.\nوأيضًا فإِنه -سبحانه- علّق عليه أحكام الفِدية بكونه فدية، ومعلوم أنّ الفدية لا تختص بلفظ، ولم يُعيِّن الله -سبحانه- لها لفظًا معيّنًا، وطلاق الفداء","vol":"5","page":345},{"text":"طلاقٌ مقيّد، ولا يدخل تحت أحكام الطلاق المطْلَق، كما لا يدخل تحتها في ثبوت الرجعة والاعتداد بثلاثة قروء بالسنة الثابتة، وبالله التوفيق.\nمسألة: جاء في \"الفتاوى\" (٣٢/ ٢٨٥): \"وسئل شيخ الإِسلام﵀- عن ثيِّب بالغ لم يكن وليها إِلا الحاكم، فزوَّجها الحاكم لعدم الأولياء، ثمّ خالعها الزوج وبرَّأته من الصداق بغير إِذن الحاكم: فهل تصح المخالعة والإِبراء؟\nفأجاب: إِذا كانت أهلًا للتبرع جاز خلْعها وإبراؤها بدون إِذْن الحاكم\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1509>علاج نشوز الرجل:</span>\nقال الله -تعالى-: ﴿وإِنِ امرأةٌ خافت مِن بعلها نشوزًا أو إِعراضًا فلا جُناح عليهما أن يُصلحا بينهما صُلحًا والصُّلح خير وأُحضرت الأنفسُ الشحَّ وإِن تُحسنوا وتتّقوا فإِنّ الله كان بما تعملون خبيرًا﴾ (١).\nقال ابن كثير -﵀- في \"تفسيره\": \"يقول -تعالى- مخبرًا ومشرعًا عن حال الزوجين: تارة في حال نفور الرجل عن المرأة، وتارة في حال اتفاقه معها، وتارة في حال فراقه لها.\nفالحالة الأولى: ما إِذا خافت المرأة من زوجها أن ينفر عنها، أو يُعِرض عنها، فلها أن تُسقِط حقَّها أو بعضَه، من نفقةٍ أو كسوةٍ أو مبيت، أو غير ذلك من الحقوق عليه، وله أن يقبل ذلك منها، فلا جُناح عليها في بذْلها ذلك له، ولا عليه في قَبوله منها، ولهذا قال -تعالى-: ﴿فلا جُناح عليهما أن يُصلحا بينهما صُلحًا﴾ ثم قال: ﴿والصلح خير﴾ أي: من الفراق. وقوله:\n_________\n(١) النساء: ١٢٨.","vol":"5","page":346},{"text":"﴿وأُحضرت الأنفس الشح﴾ أي: الصُّلح عند المُشاحَّة خير من الفراق؛ ولهذا لما كَبِرَتْ سودة بنت زمعة عزم رسول الله - ﷺ - فراقها، فصالحته على أن يُمسكها، وتترك يومها لعائشة، فقبل ذلك منها وأبقاها على ذلك\".\nثم ذَكر -﵀- النصوص المتعلقة بذلك (١)، منها: حديث عائشة - ﵂- أنّ سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة، وكان النّبيّ - ﷺ - يقسم لعائشة بيومها ويوم سودة\" (٢).\nوعنها أيضًا: \" ﴿وإِن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إِعراضًا﴾ قالت: الرجل تكون عنده المرأة ليس بمستكثر منها يريد أن يفارقها، فتقول: أجعلك من شأني في حِلٍّ، فنزلت هذه الآية في ذلك\" (٣).\nوفي رواية أخرى عنها -﵂-: \" ﴿وإِن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إِعراضًا﴾ قالت: هو الرجل يرى من امرأته ما لا يعجبه كِبَرًا أو غيرَه فيريد فراقها، فتقول: أمسكني، واقسم لي ما شئت. قالت: ولا بأس إِذا تراضيا\" (٤).\nوفي رواية عنها -﵂- كذلك: \" ﴿وإِن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إِعراضًا ...﴾ قالت: هي المرأة تكون عند الرجل لا يستكثر منها، فيريد طلاقها ويتزوج غيرها، تقول له: أمسكني ولا تطلّقني، ثمّ تَزَوَّجْ غيري،\n_________\n(١) وسأذكرها أو ما هو في معناها بإِذن الله -تعالى-.\n(٢) أخرجه البخاري: ٥٢١٢، ومسلم: ١٤٦٣.\n(٣) أخرجه البخاري: ٤٦٠١.\n(٤) أخرجه البخاري: ٢٦٩٤، ومسلم: ٣٠٢١.","vol":"5","page":347},{"text":"فأنت في حِلٍّ من النفقة عليّ والقسمة لي، فذلك قوله -تعالى-: ﴿فلا جناح عليهما أن يُصْلحا بينهما صلحًا والصُّلح خير﴾ \" (١).\nثمّ قال -﵀-: \"وقوله ﴿والصُّلح خير﴾: الظاهر من الآية: أنّ صُلحهما على ترْك بعض حقّها للزوج، وقَبول الزوج ذلك خير من المفارقة بالكلية، كما أمسَك النّبيّ - ﷺ - سودة بنت زمعة على أن تركَت يومها لعائشة -﵂- ولم يفارقها بل ترَكَها من جملة نسائه، وفِعله ذلك لتتأسى به أمّته في مشروعية ذلك وجوازه، فهو أفضل في حقّه -﵊- ولما كان الوفاق أحبَّ إِلى الله -﷿- من الفراق قال: ﴿والصلح خير﴾ \".\nثمّ قال -﵀-: \"وقوله: ﴿وإِن تُحسنوا وتتّقوا فإِنّ الله كان بما تعملون خبيرًا﴾ أي: وإن تتجشَّموا مشقة الصبر على من تكرهون منهن، وتَقسموا لهن أسوة أمثالهنّ، فإِنَّ الله عالم بذلك، وسيجزيكم على ذلك أوفر الجزاء\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1510>علاج نشوز المرأة:</span>\nقال الله -تعالى-: ﴿واللاتي تخافون نشوزهنّ فعظوهن واهجروهنّ في المضاجع واضربوهن فإِنْ أطعْنكم فلا تبغوا عليهنّ سبيلًا إِنّ الله كان عليًّا كبيرًا﴾ (٢).\nقال ابن كثير -﵀ - في \"تفسيره\": \"وقوله: ﴿واللاتي تخافون نشوزهنّ﴾ أي: والنساء اللاتي تتخوفون أن ينشزن على أزواجهنّ -والنشوز:\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٥٢٠٦، ومسلم: ٣٠٢١.\n(٢) النساء: ٣٤.","vol":"5","page":348},{"text":"هو الارتفاع- فالمرأة الناشز هي المرتفعة على زوجها، التاركة لأمره، المعرضة عنه، المبغضة له؛ [وتقدَّم] فمتى ظَهَر له منها أمارات النشوز؛ فليَعظها وليُخوِّفها عقاب الله في عصيانه، فإِنّ الله قد أوجب حق الزوج عليها وطاعته، وحَرَّم عليها معصيته لما له عليها من الفضل والإِفضال.\nوقوله: ﴿واهجروهنّ في المضاجع﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: الهجران: ألاَّ يجامعها، ويضاجعها على فراشها ويوليها ظهره.\nوكذا قال غير واحد، وزاد آخرون منهم، السدي، والضحاك، وعكرمة، وابن عباس -في رواية:-: \"ولا يُكَلِّمها مع ذلك ولا يُحدِّثها\".\nقال علي بن أبي طلحة -أيضًا- عن ابن عباس: يَعِظها، فإِنْ هي قَبِلت وإلا هجَرها في المضجع، ولا يكلّمها من غير أن يذر نكاحها، وذلك عليها شديد.\nوقال مجاهد، والشعبي، وإبراهيم، ومحمد بن كعب، ومقسم، وقتادة: الهجر: هو ألا يضاجعها.\nثمّ ساق الحديث: \"فإِن خفتم نشوزهنّ فاهجروهنّ في المضاجع، قال حماد: يعني النكاح\" (١).\nثم ذكَر حديث معاوية بن حيدة القشيري قال: \"قلت: يا رسول الله! ما حقُّ زوجة أحدِنا عليه؟ قال: أن تطعمها إذا طعمتَ، وتكسوها إذا اكتسيتَ، ولا تضرب الوجه ولا تقبِّح ولا تهجر إِلا في البيت\" (٢).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٠٢٧) وانظر \"الإرواء\" (٢٠٢٧)\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٨٧٥)، وابن ماجه \"سنن ابن ماجه\" (١٥٠٠)، وصححه شيخنا -﵀ - في \"الإرواء\" (٢٠٣٣)، وتقدّم.","vol":"5","page":349},{"text":"ثم قال -﵀-: \"وقوله: ﴿واضربوهنّ﴾ أي: إِذا لم يرتدِعْن بالموعظة ولا بالهجران، فلكم أن تضربوهنّ ضربًا غير مبرِّح كما ثبت في \"صحيح مسلم\" (١) عن جابر عن النّبيّ - ﷺ -: \"أنه قال في حَجّة الوداع: فاتقوا الله في النّساء، فإِنكم أخذتموهُنّ بأمان الله واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله، ولكم عليهنّ أن لا يوطئن فُرُشَكُم أحدًا تكرهونه، فإِنْ فعلن ذلك فاضربوهنّ ضربًا غير مبرّح، ولهنّ عليكم رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف\".\nوكذا قال ابن عباس وغير واحد: ضربًا غير مبرِّح؛ قال الحسن البصري: يعني: غير مؤثِّر. وقال الفقهاء: هو أن لا يكسر فيها عضوًا، ولا يؤثر فيها شيئًا.\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يهجرها في المضجع، فإِنْ أقبلت وإلا فقد أذِن الله لك أن تضرب ضربًا غير مبرح، ولا تكسر لها عظمًا، فإِنْ أقبلت وإِلا فقد حل لك منها الفدية.\nثمّ ذكر الحديث: \"لا تضربوا إِماء الله، فجاء عمر -﵁- إِلى رسول الله - ﷺ - فقال: ذَئِرْن (٢) النساء على أزواجهنّ، فرخصّ في ضربهنّ، فأطاف بآل رسول الله - ﷺ - نساء كثير يشكون أزواجهنّ، فقال النّبيّ - ﷺ -: لقد طاف بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجهنّ، ليس أولئك بخياركم\" (٣).\nثمّ قال -﵀-: \"وقوله: ﴿فإِنْ أطعنكم فلا تبغوا عليهنّ سبيلًا﴾\n_________\n(١) برقم: ١٢١٨.\n(٢) ذَئرْن: أي: اجترأن ونشزن وغلبن. \"عون\".\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٨٧٩)، وابن ماجه \"صحيح سنن =","vol":"5","page":350},{"text":"أي: فإِذا أطاعت المرأة زوجها في جميع ما يريد منها، ممّا أباحه الله له منها، فلا سبيلَ له عليها بعد ذلك، وليس له ضربها ولا هجرانها\".\nوقوله: ﴿إِنّ الله كان عليًَّا كبيرًا﴾ تهديد للرجال إِذا بغوا على النساء من غير سبب؛ فإِن الله العلي الكبير وليُّهنَّ، وهو ينتقم ممن ظلمهنّ وبغى عليهنّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1511>هل للزَّوجة النَّاشِز نفقة أو كِسْوَة</span>؟\nجاء في \"الفتاوى\" (٣٢/ ٢٧٨): \"وسئل -﵀-: عن رجل له زوجة، وهي ناشِز تمنعه نفسها: فهل تسقط نفقتها وكسوتها وما يجب عليها؟\nفأجاب: الحمد لله. تسقط نفقتها وكسوتها إِذا لم تُمكِّنه من نفسها، وله أنْ يضربها إِذا أصرَّت على النُّشوز. ولا يحِلُّ لها أن تمنع من ذلك إِذا طالبَها به؛ بل هي عاصِية لله ورسوله\".\nوفيه (ص ٢٧٩): \"وسئل شيخ الإِسلام -﵀-: عن رجلٍ له امرأة، وقد نشزت عنه في بيت أبيها من مُدَّة ثمانية شهور، ولم ينتفع بها؟\nفأجاب: إِذا نشزت عنه فلا نفقة لها، وله أن يضربها إِذا نشزت؛ أوآذته، أو اعتدت عليه\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1512>ماذا إِذا وقع الشِّقاق بين الزوجين:</span>\nقال الله -تعالى-: ﴿وإِنْ خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكَمًا من أهله وحكَمًا من أهلها إِنْ يريدا إِصلاحًا يوفِّق الله بينهما إِنَّ الله كان عليمًا\n_________\n= ابن ماجه\" (١٦١٥)، وانظر \"المشكاة\" (٣٢٦١)، و\"غاية المرام\" (٢٥١).","vol":"5","page":351},{"text":"خبيرًا﴾ (١). قال ابن كثير -﵀- في \"تفسيره\" (٢): \"ذكر -تعالى- الحال الأول، وهو إِذا كان النفور والنشوز من الزوجة؛ ثمّ ذكَر الحال الثاني وهو: إِذا كان النفور من الزوجين فقال -تعالى-: ﴿وإِنْ خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكَمًا من أهله وحكَمًا من أهلها﴾.\nقال الفقهاء: إِذا وقَع الشقاق بين الزوجين، أسكنهما الحاكم إِلى جنب ثقة، ينظر في أمرهما، ويمنع الظالم منهما من الظلم، فإِنْ تفاقم أمرُهما وطالت خصومتهما، بعَث الحاكم ثقة من أهل المرأة وثقة من قوم الرجل، ليجتمعا وينظرا في أمرهما، ويفعلا ما فيه المصلحة مما يريانه من التفريق أو التوفيق.\nوتشوّف الشارع إِلى التوفيق؛ ولهذا قال -تعالى-: ﴿إِنْ يريدا إِصلاحًا يوفق الله بينهما﴾ (٣).\nقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس -﵄- قال: \"أمَر الله -﷿- أن يبعثوا رجلًا صالحًا من أهل الرجل، ورجلًا مِثله من أهل المرأة، فينظران أيهما المسيء، فإِن كان الرجل هو المسيء، حجبوا عنه امرأته وقَصَروه على النفقة، وإنْ كانت المرأة هي المسيئة، قَصَروها على زوجها ومنعوها النفقة. فإِن اجتمع رأيهما على أن يُفَرِّقا أو يَجمَعا؛ فأمرهما جائز ... \".\nثم ساق بإِسناد عبد الرزاق إِلى ابن عباس -﵁- قال: \"بُعِثتُ أنا\n_________\n(١) النساء: ٣٥.\n(٢) بتصرّف.\n(٣) قال البغوي -﵀- في \"تفسيره\": \" ﴿يوفق الله بينهما﴾: يشتمل على الفراق وغيره؛ لأنَّ التَّوفيق أنْ يخرج كلُّ واحدٍ منهما من الوِزر، وذلك تارة يكون بالفراق، وتارةً بِصلاح حالِهما\".","vol":"5","page":352},{"text":"ومعاوية حَكَمَين، قال معمر: بلغني أنَّ عثمان بعَثَهما وقال لهما: إِنْ رأيتما أنْ تجمعا جمعتما، وإِنْ رأيتما أن تُفرِّقا فرقتما\".\nوساق كذلك بإِسناد عبد الرزاق إِلى عَبِيدَةَ قال: \"شهدت عليًا وجاءته امرأة وزوجها، مع كل واحد منهما فئام من الناس، فأخرج هؤلاء حكَمًا وهؤلاء حكَمًا، فقال علي للحَكَمين: أتدريان ما عليكما؟ إِنَّ عليكما إِن رأيتما أن تجمعا، جمعتما. فقالت المرأة: رضيت بكتاب الله لي وَعَلَيَّ. وقال الزوج: أمّا الفرقة فلا. فقال علي: كذبْتَ، والله لا تبرح حتى ترضى بكتاب الله -﷿- لك وعليك\".\nثمّ قال الحافظ ابن كثير -﵀-: \"وقال الحسن البصري: الحَكَمان يَحْكُمان في الجمع ولا يحكمان في التفريق؛ وكذا قال قتادة، وزيد بن أسلم، وبه قال أحمد بن حنبل، وأبو ثور، وداود، ومأخذهم قوله -تعالى-: ﴿إِنْ يريدا إِصلاحًا يوفِّق الله بينهما﴾ ولم يذكر التفريق.\nوأمّا إِذا كانا وكيلين من جهة الزوجين، فإِنه ينفَّذ حُكمهما في الجمع والتفرقة بلا خلاف.\nوقد اختلف الأئمة في الحَكَمين: هل هما منصوبان من عند الحاكم، فيحكمان وإِن لم يرض الزوجان، أو هما وكيلان من جهة الزوجين؟ على قولين: فالجمهور على الأول، لقوله -تعالى-: ﴿فابعثوا حكَمًا من أهله وحكَمًا من أهلها﴾ فسمَّاهما حَكَمين، ومن شأن الحَكَم أن يَحْكُم بغير رضا المحكوم عليه، وهذا ظاهر الآية، والجديد من مذهب الشافعي، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه.","vol":"5","page":353},{"text":"والثاني منهما: قول علي -﵁- للزوج حين قال: أمّا الفرقة فلا. قال: كذبت، حتى تُقرَّ بما أقرَّت به. قالوا: فلو كانا حاكمين لا افتقر إِلى إِقرار الزوج، والله أعلم.\nقال الشيخ أبو عمر بن عبد البر: وأجمع العلماء على أن الحَكَمين، إِذا اختلف قولهما، فلا عبرة بقول الآخر، وأجمعوا على أن قولهما نافذ في الجمع وإن لم يوكلهما الزوجان، واختلفوا: هل ينفذ قولهما في التفرقة؛ ثمّ حكى عن الجمهور أنه ينفذ قولهما فيها أيضًا. انتهى\nقلت: والذي يترجَّح لديّ أنَّ للحَكَمين أنْ يجمَعا وأنْ يُفرِّقا، وذلك إِذا كان فعْل أحدهما هو الأرضى لله -تعالى-، ويكون الأكثر مصلحة أو الأخفّ مفسَدَة للزوجين، وهذا قد يكون في جمْعهِما، وقد يكون في تفريْقهِما -والله أعلم-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1513>الظِّهار</span>\n\nأصْل الظهار مشتقٌّ من الظَّهْر، وذلك أنّ الجاهلية كانوا إِذا ظاهر أحدهم من امرأته قال لها: أنتِ عليّ كظهر أمّي، [وإنما خُصّ الظهر بذلك دون سائر الأعضاء؛ لأنه محلّ الركوب غالبًا، ولذلك سُمّيَ المركوبُ ظهرًا، فشُبّهت الزوجة بذلك لأنها مركوب الرجل].\n... وكان الظهار عند الجاهلية طلاقًا، فأرخص الله لهذه الأمّة وجعَل فيه كفّارة، ولم يجعله طلاقًا؛ كما كانوا يعتمدونه في الجاهليّة (١).\n_________\n(١) قاله ابن كثير -﵀- في \"تفسيره، وما بين معقوفين من \"الفتح\" (٩/ ٤٣٢).","vol":"5","page":354},{"text":"قال الله -تعالى-: ﴿الذين يُظاهرون منكم من نسائهم ما هنَّ أُمَّهاتِهِم إِنْ أُمَّهاتُهُم إِلا اللائي ولَدْنهم وإِنهم ليقولون مُنكَرًا من القول وزورًا وإِنّ الله لعفوّ غفور﴾ (١). وهذه الآية صريحةٌ في حُرمته.\nوعن عروة بن الزبير قال: \"قالت عائشة: تبارك الذي وسِع سمْعُه كل شيء، إِني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة، ويخفى عليَّ بعضه، وهي تشتكي زوجها إِلى رسول الله - ﷺ - وهي تقول: يا رسول الله! أكلَ شبابي، ونثرتُ له بطني، حتى إِذا كَبِرت سِنِّي، وانقطع ولدي، ظاهَر منّي، اللهم إِني أشكو إِليك.\nفما برحت حتى نزل جبرائيل بهؤلاء الآيات: ﴿قد سمع الله قول التي تُجادلك في زوجها وتشتكي إِلى الله﴾ \" (٢).\nوعن سلمة بن صخر البياضي قال: كنت امرأً أصيب من النساء ما لا يصيب غيري، فلما دخل شهر رمضان، خِفْتُ أن أصيب من امرأتي شيئًا يُتابَعُ بي حتى أُصبح، فظاهرتُ منها حتى ينسلخ شهر رمضان، فبينا هي تَخْدُمني ذات ليلة إِذ تكشّف لي منها شيء، فلم ألبَث أن نزوْت عليها (٣)، فلما\n_________\n(١) المجادلة: ٢.\n(٢) أخرجه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٦٧٨)، والحاكم وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا، وانظر \"الإرواء\" (٧/ ١٧٥). وذكَره البخاري معلّقًا ولفظه: \"عن عروة عن عائشة قالت: الحمد لله الذى وسع سمْعُهُ الأصواتَ، فأنزل الله -تعالى- على النّبي - ﷺ -: ﴿قد سمع الله قول التي تُجادلك في زوجها﴾ \". وقد وصَله أحمد وغيره بسند صحيح عنها، وانظر \"مختصر البخاري\" (٤/ ٣٣٤).\n(٣) أي: وَثَبْتُ عليها ووَاقعتُها.","vol":"5","page":355},{"text":"أصبحت، خرجتُ إِلى قومي فأخبرتُهم الخبر، وقلت: امشوا معي إِلى رسول الله - ﷺ -، قالوا: لا والله!\nفانطلقتُ إلى النّبيّ - ﷺ - فأخبرتُه، فقال: أنت بذاك يا سلمة؟ قلت: أنا بذاك يا رسول الله -مرتين- وأنا صابر لأمر الله فاحكم فيَّ ما أراك الله، قال: حرِّرْ رقبة قلت: والذي بَعثك بالحق ما أملك رقبة غيرها، وضربت صفحةَ رقبتي، قال: فصم شهرين متتابِعَيْن قال: وهل أصبتُ الذي أصبتُ إِلا من الصيام؟ قال: فأطعِم وَسْقًا من تمر بين ستّين مسكينًا قلت: والذي بعثك بالحق لقد بتنا وحشَيْن (١) ما لنا طعام.\nقال: فانطلقْ إِلى صاحب صدقة بني زريق فليدفعها إِليك، فأطعم ستين مسكينًا وسقًا من تمر، وكُلْ أنت وعيالك بقيتها، فرجعتُ إِلى قومي، فقلت: وجدتْ عندكم الضيق، وسوء الرأي، ووجدت عند النبيّ - ﷺ - السعة، وحُسن الرأي. وقد أمرني -أو أمَر لي- بصدقتكم\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1514>هل الظهار مختصٌّ بالأم</span>؟\n* ... ذهب الجمهور إِلى أنَّ الظِّهار يختص بالأم كما ورد في القرآن، وفي حديث خولة (٣) التي ظاهَر منها أوس. فلو قال: كظهر أختي مثلًا لم يكن\n_________\n(١) أي: جائِعَين لا طعام لنا، وقد أوحش إِذا جاع. وانظر \"النِّهاية\".\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٩٣٣)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٩٥٩)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٦٧٨)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٣٢٣٧) وغيرهم، وصححه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٢٠٩١).\n(٣) خولة وقيل: خويلة، والأول أكثر كما فى \"أسد الغابة\".","vol":"5","page":356},{"text":"ظهارًا، وكذا لو قال: كظهر أبي. وفي رواية عن أحمد: أنه ظهار وطرَّده (١) في كل من يحرُم عليه وطؤه حتى في البهيمة* (٢).\nوخولة التي أشار إِليها في الحديث هي: خولة بنت مالك بن ثعلبة، قالت: ظاهَر مني زوجي أوس بن الصامت، فجئت رسول الله - ﷺ - أشكو إِليه، ورسول الله - ﷺ - يجادلني فيه، ويقول: اتّقي الله فإِنه ابن عمّك، فما برحت حتى نزل القرآن ﴿قد سمع الله قول التي تُجادلك في زوجها﴾ إِلى الفرض فقال: يعتق رقبة، قالت: لا يجد، قال: فيصوم شهرين متتابعين، قالت: يا رسول الله، إِنه شيخ كبير ما به من صيام، قال: فليطعم ستين مسكينًا قالت: ما عنده من شيء يتصدق به، قالت: فأُتي ساعتئذ بعرَقَ (٣) من تمر، قلت: يا رسول الله! فإِني أعينه بعرَق آخر، قال: قد أحسنتِ، اذهبي فأطعمي بها عنه ستين مسكينًا، وارجعي إِلى ابن عمّك\" (٤).\nثمّ ذكر أقوال بعض العلماء -كأبي حنيفة وأصحابه والأوزاعي والثوري والشافعي في أحد قوليه- الذين قالوا بقياس المحارم على الأمَّ ولو من رضاع.\n_________\n(١) أمضاه وأجراه.\n(٢) انظر \"نيل الأوطار\" (٧/ ٥١).\n(٣) العَرَق: ضفيرة تُنسج من خوص. وفي \"صحيح سنن أبي داود\" (١٩٣٦) عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال:- يعني بالعَرَق: زنبيلًا يأخذ خمسة عشر صاعًا وفي \"سنن أبي داود\" (١٩٣٨) عن أوس أخي عبادة بن الصّامت: أن النبي - ﷺ - أعطاه خمسة عشر صاعًا من الشَّعير؛ إِطعام ستِّين مسكينًا. وانظر إِن شئت المزيد ما جاء في \"عون المعبود\" (٦/ ٢١٧) أحوال اختلاف العَرَق في السّعة والضّيق وأنه قد وكون بعضها أكبر من بعض.\n(٤) أخرجه أحمد، وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٩٣٤)، غيرهما، وصححه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٢٠٨٧).","vol":"5","page":357},{"text":"*فالظهار عندهم، هو تشبيه الرجل زوجته في التحريم بإِحدى المحرمات عليه، على وجه التأبيد بالنسب، أو المصاهرة، أو الرضاع* (١). إِذ العلة التحريم المؤبد (٢).\nوإنْ قال: أنتِ كأمّي أو مِثل أمِّي ونوى به الكرامة والتوقير ونحو ذلك؛ فليس بظهار (٣).\nوذكَر ابن حزم -﵀- في \"المحلّى\" (١١/ ٢٥٥) قوله -تعالى-: ﴿الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هنّ أمهاتهم إِنْ أمّهاتهم إِلا اللائي ولَدْنهم﴾، ثمّ قال -﵀-: \"فهذه الآية تنتظم كلّ ما قلناه، لأن الله -﷿- لم يذكر إِلا الظهر من الأم، ولم يوجب -تعالى- الكفَّارة في ذلك إِلا بالعود لما قال\".\nوقال (ص ٢٦٢): \"وقالت طائفة -منهم سفيان الثوري، والشافعي-: إنْ ظاهر برأس أُمّه، أو يدها فهو ظهار.\nوقال أبو حنيفة: إِنْ ظاهر بشيء لا يحل له أن ينظر إِليه من أمه؛ فهو ظهار، وإِنْ ظاهر بشيء يحل له أن ينظر إِليه من أمه؟ فليس ظهارًا.\nقال أبو محمد: وكل هذه مقاييس فاسدة، ليس بعضها أولى من بعض؛ وكذلك قياس قول مالك ذكَره ابن القاسم: أن ما ظاهر به من أعضاء أمه فهو ظهار! والحق من ذلك ما ذكرنا: من أن لا نتعدّى النّص الذي حدّه الله\n_________\n(١) ما بين نجمتين من \"فقه السّنة\" (٣/ ٧٨).\n(٢) انظر \"نيل الأوطار\" بحذف (٧/ ٥١).\n(٣) انظر \"المغني\" (٨/ ٥٥٩) بتصرّف.","vol":"5","page":358},{"text":"-تعالى-. قال الله -تعالى-: ﴿ومن يتعدَّ حدود الله فقد ظلم نفسه﴾ (١) \".\nوجاء في \"سبل السلام\" (٣/ ٣٥٥): \"وقد اتفق العلماء على أنه يقع بتشبيه الزوجة بظهر الأُمِّ، ثمّ اختلفوا فيه في مسائل:\nالأولى: إِذا شبَّهها بعضو منها غيره، فذهب الأكثر إِلى أنه يكون ظهارًا أيضًا، وقيل: يكون ظهارًا إِذا شبّهها بعضو يحرم النظر إِليه. وقد عرفت أن النص لم يَرِد إِلا في الظهر.\nالثانية: أنهم اختلفوا أيضًا فيما إِذا شبَّهها بغير الأم من المحارم فقالت الهادوية: لا يكون ظهارًا لأن النص ورَد في الأمِّ. وذهب آخرون منهم مالك والشافعي وأبو حنيفة إِلى أنه يكون ظهارًا ولو شبَّهها بمحرم من الرضاع. ودليلهم القياس فإِنَّ العلة التحريم المؤبد، وهو ثابت في المحارم كثبوته في الأمِّ، وقال مالك وأحمد: إِنه ينعقد وإن لم يكن المشبه به مؤبد التحريم كالأجنبية، بل قال أحمد: حتى في البهيمة\".\nثمّ قال -﵀-: \"ولا يخفى أنّ النص لم يرد إِلا في الأم. وما ذكر من إِلحاق غيرها بالقياس وملاحظة المعنى، ولا ينتهض دليلًا على الحُكم\".\nوجاء في \"المغني\" (٨/ ٥٥٦): \"وإذا قال لزوجته: أنت عليّ كظهر أمّي أو كظهر امرأة أجنبية أو أنتِ عليَّ حرام، أو حرَّمَ عُضوًا من أعضائها فلا يطؤها حتى يأتي بالكفَّارة\". ثمّ فصّل في ذلك.\nأمّا شيخنا -﵀- فهو يرى تقييد الظهار بالأمّ؛ تقيُّدًا بالنصّ.\nوأقول: إِنَّ لفظ: ﴿يُظاهِرون﴾ له دلالته ولفظ: ﴿إِنْ أمّهاتهم إِلا اللائي\n_________\n(١) الطلاق: ١.","vol":"5","page":359},{"text":"ولدنهم﴾ له دلالته أيضًا، فالكفَّارة المختصة بهذا النَّوع جاءت لهذا النَّوع من اللفظ.\nفالذي يترجَّح لدىَّ أنَّ الظِّهار يختصُّ بالأُمّ؛ لأن الله -تعالى- لم يذكر إِلا الظَّهر من الأُمّ، أمَّا غير الأمِّ فهو أشبه ما يكون بالتَّحريم: كقوله (أنتِ علىَّ حرام) وكفَّارتُه كفَّارة اليمين. وإذا أردنا أنْ نتوسَّع في النَّص فهذا يجرُّنا إِلى:\n١ - التَّوسّع بغير لفظ الظَّهر؛ كقوله: أنتِ عليَّ كرِجل كذا، أو كيد كذا، وهكذا يذكر سائر الأعضاء.\n٢ - ويَجُرُّنا إِلى التَوَسّع بكلِّ مُحَرَّم؛ من قرابة أو غيرها، أو ذكر أو أُنثى.\nولا دليل على هذا. والله -تعالى- أعلم،\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1515>ماذا يفعل من يُظاهر امرأته</span>؟\nيجب على من يُظاهر امرأته ألا يجامعها، فإِنَّها تحرُم عليه بظهارِه؛ حتى يكفّر عن ذلك؛ لقوله -تعالى-: ﴿والذين يظاهرون من نسائهم ثمّ يعودون لمِا قالوا فتحرير رقبةٍ من قبل أن يتماسَّا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير * فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسَّا فمن لم يستطع فإِطعام ستين مسكينًا ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله وتلك حدود الله وللكافرين عذاب أليم﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1516>ماذا إِذا مسّ قبل التَّكفير</span>؟\nإذا مسّ الرجل قبل التكفير فقد خالَف أمْره -سبحانه- فى قوله: ﴿من قبل أن يتماسّا﴾. ولا دليل على أنّ الكفّارة تتضاعف.\n_________\n(١) المجادلة: ٣ - ٤.","vol":"5","page":360},{"text":"فعن سلمة بن صخر البياضي عن النّبيّ - ﷺ - في المظاهر يواقع قبل أن يكفِّر، قال: \"كفّارة واحدة\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1517>كفّارة الظهار:</span>\nوالكفارة -كما ورد في الآيتين السابقتين، ولحديث سلمة بن صخر البياضي المتقدّم- عَتْق رَقَبَة، فمن لم يجد فعليه أن يصوم شهرين متتابعين، فمن لم يستطع؛ فعليه أن يُطعم ستين مسكينًا.\nوجاء في \"الفتاوى\" (٣٤/ ٨): \"وسئل -﵀- عن رجل قال في غيظه لزوجته: أنتِ عليّ حرام مِثل أمّي؟\nفأجاب: هذا مُظاهر من امرأته، داخل في قوله: ﴿الذين يُظاهرون منكم من نسائهم ما هُنّ أمَّهاتهم إِنْ أُمَّهاتهم إِلا اللائي ولدنهم ...﴾ فهذا إِذا أراد إِمساك زوجته ووطْأَها فإِنه لا يقربها حتى يكفِّر هذه الكفارة التي ذكَرها الله\".\nوفيه في (ص ٩): \"وسئل -﵀- عن رجل قالت له زوجته. أنتَ عليّ حرام مِثل أبي وأمي. وقال لها: أنْتِ عليَّ مِثلَ أُمِّي وأُختي: فهل يجب عليه طلاق؟\nفأجاب: لا طلاق بذلك؛ ولكن إِنِ استمرَّ على النكاح فعلى كلٍّ منهما كفَّارة ظِهار قبل أنْ يجتمعا، وهي عتق رقبة، فإِن لم يجد فصيام شهرين متتابعين؛ فإِنْ لم يستطع فإِطعام ستِّين مسكينًا\".\n_________\n(١) أخرجه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٩٥٧)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٦٧٩)، وهو في \"المشكاة\" (٣٣٠١).","vol":"5","page":361},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1518>الإِيلاء</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1519>تعريفه:</span>\nالإِيلاء لغةً: الامتناع باليمين، والإِيلاء: الحَلِف، يقال: آلى يُؤلي إِيلاءً، فهو مُؤلٍ [ملتقط من \"زاد العاد\" (٥/ ٣٤٤) و\"طَلِبة الطَّلَبَة\" (ص ١٥٦)].\nوهو في الشرع: اسمٌ لِيَمين؛ يمنع بها المرء نفسه مِن وطْء منكوحته. [\"طَلِبة الطَّلَبَة\" (ص ١٥٦)].\nقال الله -تعالى-: ﴿للذين يُؤلون من نسائهم تربُّص (١) أربعة أشهر فإِن فاؤوا (٢) فإِنّ الله غفور رحيم وإِنْ عزموا الطلاق فإِنّ الله سميع عليم﴾ (٣).\nفإِذا حَلَف الرجل ألا يجامع زوجته؛ مُدّةً تقِلُّ عن أربعة أشهر؛ فالأولى أن يكفّر عن يمينه ويجامعها، لقوله - ﷺ -: \"من حلَف على يمين، فرأى غيرها خيرًا منها؛ فليكفّر عن يمينه، وليفعل\" (٤).\nفإِن لم يفعل فله أن ينتظر انقضاء المدة ثمّ يُجامعها.\nعن أنس -﵁- قال: \"آلى (٥) رسولُ الله - ﷺ - من نسائه، وكانت\n_________\n(١) أي: يُنْتَظَرُ الزوج أربعة أشهر من حين الحَلِف، ثمّ يوقَف ويُطالب بالفيئة أو الطلاق. \"تفسير ابن كثير\".\n(٢) أي: رجعوا إِلى ما كانوا عليه وهو كناية عن الجماع. المصدر نفسه.\n(٣) البقرة: ٢٢٦ - ٢٢٧.\n(٤) أخرجه مسلم: ١٦٥٠.\n\n(٥) مشتقة من الإيلاء اللغوي؛ لا من الإِيلاء الفقهي؛ كما قال الكرماني.","vol":"5","page":362},{"text":"انفكّت رِجْله، فأقام في مَشرُبةٍ (١) له تسعًا وعشرين ثمّ نزَل، فقالوا: يا رسول الله آليتَ شهرًا، فقال: الشهر تسعٌ وعشرون\" (٢).\nأمّا إِذا زادت المدّة على أربعة أشهر؛ فللزوجة مطالبة الزوج عند انقضاء المدّة بالجماع أو الطلاق، وعلى الحاكم أن يُجبره على ذلك، كيلا يضرَّ بها.\nعن ابن عمر -﵄- كان يقول في الإِيلاء الذي سمّى الله: \"لا يحلّ لأحدٍ بعد الأجل إِلا أن يُمسك بالمعروف أو يعزم بالطلاق؛ كما أمر الله -﷿-\" (٣).\nوفي رواية: \"إِذا مضت أربعة أشهر؛ يوقف حتى يُطلِّق، ولا يقع عليه الطلاق حتى يطلّق\" (٤).\nويُذكر ذلك عن عثمان وعليّ وأبي الدرداء وعائشة واثني عشَر رجُلًا من أصحاب النّبيّ - ﷺ -\" (٥).\nقال أبو عيسى الترمذي -﵀-: الإِيلاء أنْ يحلف الرَّجل أنْ لا يَقْرب امرأته أربعة أشهرٍ فأكثر. واختلف أهل العلم فيه: إِذا مضت أربعة أشهر. فقال بعض أهل العلم، من أصحاب النّبي - ﷺ - وغيرهم: إِذا مضت أربعة أشهرٍ يوقف.\n_________\n(١) أي: غُرفَة.\n(٢) أخرجه البخاري: ٥٢٨٩.\n(٣) أخرجه البخاري: ٥٢٩٠.\n(٤) أخرجه البخاري ٥٢٩١، وانظر كلام الحافظ -﵀- للمزيد من الفوائد الحديثية.\n(٥) رواه البخاري معلّقًا، وانظر \"الفتح\" و\"مختصر البخاري\" (٣/ ٤٠٦) لوصل المعلّقات، وكذا \"الإِرواء\" (٧/ ١٧٤) ولا سيما لأثر عثمان -﵁-.","vol":"5","page":363},{"text":"فإِمَّا أنْ يفيء، وإمَّا أنْ يُطلِّق. وهو قول مالك بن أنس، والشّافعي، وأحمد، وإِسحاق، وقال بعض أهل العلم، من أصحاب النّبي - ﷺ - وغيرهم: إِذا مضت أربعة أشهرٍ فهي تطليقة بائنة. وهو قول سفيان الثّوري، وأهل الكوفة (١).\nوالراجح: قول عمر وعثمان ومن قال بقولهما -﵃-، وهو اختيار ابن جرير -﵀- في \"تفسيره\" فانظره -إِن شئت- فإِنَّه مهمّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1520>الفسخ </span>(٢)\n<span data-type=\"title\" id=toc-1521>تعريفه: </span>فسْخ العقد: نقْضُه، وحَلّ الرابطة التي تربِط بين الزوجين، وقد يكون الفسخ بسببِ خللٍ وقَع في العقد، أو بسبب طارئ عليه يمنع بقاءه.\nمثال الفسْخ بسبب الخلل الواقع في العقد:\n١ - إِذا تمّ العقد، وتبيّن أن الزوجة التي عقَد عليها أخته من الرضاع، فُسخ العقد.\n٢ - إِذا عَقد غير الأب والجد للصغير أو الصغيرة، ثمّ بلغ الصغير أو الصغيرة، فمِن حقّ كلٍّ منهما، أن يختار البقاءَ على الزوجية، أو إِنهاءَها، ويُسمّى هذا خيار البلوغ، فإِذا اختار إِنهاء الحياة الزوجية، كان ذلك فسخًا للعقد [وتقدّمت الأدلّة في كتاب النكاح].\nمثال الفسْخ الطارئ على العقد:\n١ - إِذا ارتد أحد الزوجين عن الإِسلام، ولم يعُد إِليه، فُسخ العقد بسبب\n_________\n(١) انظر \"صحيح سنن الترمذي\" (١/ ٣٥٣).\n(٢) عن \"فقه السّنة\" (٣/ ٨١).","vol":"5","page":364},{"text":"الردّة الطارئة.\n٢ - إِذا أسلَم الزوج، وأبَتْ زوجتُهُ أن تُسلِم، وكانت مشركة، فإِنَّ العقد حينئذ يُفسخ، بخلاف ما إِذا كانت كتابية، فإِن العقد يبقى صحيحًا كما هو؛ إِذ إِنَّه يصح العقد على الكتابية ابتداءً.\nوالفُرقة الحاصلة بالفسخ، غير الفُرقة الحاصلة بالطلاق؛ إِذ إِن الطلاق ينقسم إِلى طلاق رجعي وطلاق بائن، والرجعي لا يُنهي الحياة الزوجية في الحال، والبائن ينهيها في الحال.\nأمّا الفسخ؛ سواء أكان بسبب طارئ على العقد، أم بسبب خلل فيه، فإِنه يُنهي العلاقة الزَّوجية في الحال.\nومن جهة أخرى، فإِنّ الفُرقة بالطلاق تَنْقُص عددَ الطلقات، فإِذا طلَّق الرجل زوجته طلقة رجعية، ثمّ راجعها، وهي في عدتها، أو عقد عليها بعد انقضاء العدة عقدًا جديدًا، فإِنه تحسب عليه تلك الطلقة، ولا يملك عليهما بعد ذلك إِلا طلقتين.\nوأمّا الفُرقة بسبب الفسْخ؛ فلا ينقص بها عدد الطلقات، فلو فُسخ العقد بسبب خيار البلوغ، ثمّ عاد الزوجان وتزوجا، ملك عليها ثلاث طلقات. انتهى.\nوتقدّم في كتاب \"النكاح\" الفسخ إِذا ثَبَتَ العيب بشرطه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1522>اللِّعان</span>\nقيل: هو مشتق من اللَّعن؛ لأنَّ كل واحد من الزوجين يلعن نفسه في","vol":"5","page":365},{"text":"الخامسة؛ إِنْ كان كاذبًا.\nوقال القاضي: سُمّي بذلك لأن الزوجين لا ينفكان من أن يكون أحدهما كاذبًا؛ فتحصل اللعنة عليه وهي الطرد والإِبعاد، والأصل فيه قول الله -تعالى-: ﴿والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إِلا أنفسهم﴾ الآيات (١).\nوجاء في \"سبل السلام\" (٣/ ٣٦٢): \"وهو مأخوذ من اللعن؛ لأنه يقول الزوج في الخامسة: لعنة الله عليه إِنْ كان من الكاذبين. ويقال فيه: اللعان والالتعان والملاعنة\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1523>مشروعيته:</span>\nقال الله -تعالى-: ﴿والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلاَّ أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إِنّه لمن الصادقين * والخامسةُ أنّ لعنةَ الله عليه إِنْ كان من الكاذبين * ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إِنّه لمن الكاذبين * والخامسةَ أنّ غضب الله عليها إِنْ كان من الصادقين﴾ (٢).\nويكون هذا حين يقذف الرجل امرأته بالزنى، وتُنكر ذلك.\nعن ابن عباس \"أنّ هلال بن أمية قذَف امرأته عند النّبيّ - ﷺ - بشريك بن سحماء، فقال النّبيّ - ﷺ -: البيّنة أو حدٌّ في ظهرك فقال: يا رسول الله! إِذا رأى أحدنا على امرأته رجلًا ينطلق يلتمس البيّنة؟ فجعل النّبيّ - ﷺ - يقول: البيّنة وإِلا حدٌّ في ظهرك، فقال هلال: والذي بعثَك بالحق إنِّي لصادق، فلَيُنزلنّ الله\n_________\n(١) انظر \"المغني\" (٩/ ٢).\n(٢) النور: ٦ - ٩.","vol":"5","page":366},{"text":"ما يُبرّئ ظهري من الحدِّ، فنزَل جبريل وأنزَل عليه ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ فقرأ حتى بلغ: ﴿إِنْ كان من الصادقين﴾، فانصرف النّبيّ - ﷺ - فأرسل إِليها، فجاء هلال فَشَهِدَ، والنّبيّ - ﷺ - يقول: إِن الله يعلم أنَّ أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ ثمّ قامت فشهدت، فلما كانت عند الخامسة وقفوها وقالوا: إِنها مُوجبة.\nقال ابن عباس: فتلكأت ونكصت حتى ظننّا أنها ترجع، ثمّ قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، فمضت، فقال النّبيّ - ﷺ -: أبصِروها، فإِنْ جاءت به أكحل العينين سابغ الأليتين (١)، خدلّج (٢) الساقين؛ فهو لشريك بن سحماء؛ فجاءت به كذلك، فقال النّبيّ - ﷺ -: لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1524>متى يكون اللّعان</span>؟\n*يكون اللعان في صورتين:\nالصورة الأولى: أن يرميَ الرجل امرأته بالزنى، ولم يكن له أربعة شهود؛ يشهدون عليها بما رماها به.\nالصورة الثانية: أن ينفيَ حَمْلها منه.\nوإنما يجوز في الصورة الأولى إِذا تحقق من زناها؛ كان رآها تزني، أو أقرَّت\n_________\n(١) سابغ الأليتين: أي تأمَّهما وعظِيمهما \"النهاية\".\n(٢) الخَدْل والخدلَّج: الغليظ المُمتلئ السّاق، وانظر \"النهاية\".\n(٣) أخرجه البخاري: ٤٧٤٧، ومسلم: ١٤٩٦.","vol":"5","page":367},{"text":"هي، ووقع في نفسه صِدْقها، والأولَى في هذه الحال، أن يُطلّقها ولا يلاعنها، فإِذا تحقَّق مِنْ زناها، فإِنه لا يجوز له أن يرميَها به، ويكون نفي الحمل في حالة ما إِذا ادعى أنه لم يطأها أصلًا، من حين العقْد عليها* (١) [أو ادّعى أنّ هذا الوطء لم يجرّ حملًا ببينةٍ يُدليها].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1525>صفة اللعان </span>(٢):\n\nصفة اللعان: هو أن من قَذَف امرأته بالزِّنى هكذا مُطلقًا، أو بِإِنسانٍ سمَّاه فواجب على الحاكم أنْ يجمعهما في مجلسه، ثمَّ يسأله البيّنة على ما رماها به. فإِنْ أتى ببينة عدول أقيم عليها الحد.\nفإِنْ لم يأت بالبيّنة قيل له: التَعِن. فيقول: بالله إِني لمن الصادقين، بالله إِنّي لمن الصادقين، بالله إِنّي لمن الصادقين، بالله إِنّي لمن الصادقين، هكذا يكرر، بالله إِني لمن الصادقين، أربع مرات.\nثم يأمر الحاكم مَن يضَع يَده على فيه، ويقول له: إِنها موجبة؟ فإِنْ أبى، فإِنه يقول: وعليَّ لعنة الله إِن كنت من الكاذبين. فإذا أتمَّ هذا الكلام سقط عنه الحد لها، والذي رماها به.\nفإن لم يلتعن حُدَّ حَدّ القذف [لقوله - ﷺ - في حديث اللعان المتقدِّم: \"البيّنة وإِلا حدٌّ في ظهرك\"].\nفإذا التَعن قيل لها: إِن التعنت وإلا حُدِدتِ حَدّ الزنى، فتقول: بالله إِنه لمن الكاذبين، بالله إِنه لمن الكاذبين، بالله إِنه لمن الكاذبين، بالله إِنه لمن الكاذبين،\n_________\n(١) ما بين نجمتين من \"فقه السّنة\" (٣/ ٨٥).\n(٢) عن \"المحلى\" (١١/ ٤١٧) بحذف وتصرف يسير.","vol":"5","page":368},{"text":"تُكرر بالله إِنه لمن الكاذبين، أربع مرات.\nثمّ تقول: وعليّ غضب الله إِنْ كان لمن الصادقين، ويأمر الحاكم من يوقفها عند الخامسة، ويخبرها بأنها موجبة لغضب الله -تعالى- عليها، فإِذا قالت ذلك برئت من الحد، وانفسخ نكاحها منه، وحرُمت عليه أبد الآبد، لا تحل له أصلًا -لا بعد زوج ولا قبله- ولا وإِن أكذب نفسه، لكن إِن أكذب نفسه حُدّ فقط.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1526>الحاكم هو الذي يقضي باللعان:</span>\nويتبيّن مما سبق أنّ الحاكم هو الذي يقضي باللعان، وقد تقدّم حديث ابن عباس -﵄- في قذْف هلال بن أميّة امرأته عند رسول الله - ﷺ - بشريك بن سحماء وفيه ما يدل على ذلك؛ إِذ كان اللعان بقضاء النبي - ﷺ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1527>اشتراط العقل والبلوغ:</span>\nيُشترط في اللعان: العقل والبلوغ في كُلٍّ من المتلاعِنَين:\nعن عائشة -﵂- إِن رسول الله - ﷺ - قال: \"رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المبتلى حتى يبرأ، وعن الصبي حتى يكبر\" (١).\nوعن علي -﵁- عن النبيّ - ﷺ - قال: \"رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل\" (٢).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٦٩٨)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٦٦٠)، وغيرهما، وصححه شيخنا -﵀- في \"الإرواء\" (٢٩٧)، وتقدّم.\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٧٠٣)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٦٦١)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (١١٥٠)، وغيرهم وانظر \"الإِرواء\" (٢/ ٦)، وتقدّم.","vol":"5","page":369},{"text":"وجاء في كتاب \"الإِجماع\" لابن المنذر (ص ٨٥): \"وأجمعوا أنّ الصبي إِذا قذف امرأته، أنه لا يُضرب، ولا يُلاعَن\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1528>لعان الأخرسَيْن </span>(١):\nيشرع لِعان الأخرَسَيْن لقوله -تعالى-: ﴿لا يُكلِّف الله نفسًا إِلا وُسْعها﴾،\nوليس في وسعه الكلام، فلا يجوز أن يُكلّف إِياه، وقال رسول الله - ﷺ -: \"وإِذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم\" (٢). فصح أنه يلزم كل أحد مما أمر الله -تعالى- به ما استطاع، والأخرس يستطيع الإِفهام بالإِشارة، فعليه أن يأتي بها. وكذلك من لا يحسن العربية؛ يلتعن بِلُغته بألفاظ يُعبِّر بها عما نص الله -تعالى- عليه\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1529>مسائل في الامتناع عن اللعان أو عدم إِتمامه:</span>\nإِذا قذَف الرجل امرأته بالزنى ثمّ امتنع عن اللعان أو لم يتمّه أو أكذب نفسه (٣)؛ فعليه حدّ القَذف لقوله -تعالى-: ﴿والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إِلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إِنه لمن الصادقين﴾ (٤).\nفإِذا لم يُقم الشهادة التي أمر الله -تعالى- بها قُذِف للحديث المتقدّم:\n_________\n(١) انظر \"المحلّى\" (١١/ ٤٢٤).\n(٢) أخرجه البخاري: ٧٢٨٨، ومسلم: ١٣٣٧.\n(٣) انظر \"المحلّى\" (١١/ ٤١٨).\n(٤) النور: ٦.","vol":"5","page":370},{"text":"\"البيّنة أو حدٌّ في ظهرك\".\nوإِذا كان الامتناع من الزوجة؛ أُقيمَ عليها حدّ الزنى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1530>ماذا يترتب على اللعان:</span>\n١ - بتمام الالتعان من الزوجين؛ يقع التَّفريق الأبدي، فعن سهل بن سعد قال: \"مضت السّنة بَعْدُ في المتلاعِنَيْن: أن يُفَرَّق بينهما، ثمّ لا يجتمعان أبدًا\" (١).\nوعن عمر -﵁-: \"المتلاعنان يُفرَّق بينهما ولا يجتمعان أبدًا\" (٢).\nقال ابن حزم -﵀- في \"المحلّى\" (١١/ ٤٢٣): \"وقوله -﵊- لا سبيل لك عليها، مَنْعٌ مِن أن يجتمعا أبدا بكل وجه، ولم يقل -﵊- ذلك بنص الخبر إِلا بعد تمام التعانهما جميعًا، فلا يقع التفريق إِلا حينئذ.\n٢ - يأمر القاضي أن تُمسك المرأة عند ثقةٍ حتَّى تَلِد؛ عن سهل بن سعد -﵁- \"أنَّ النبي - ﷺ - قال لعاصم بن عدي: أمسك المرأة (٣) عندك؛ حتَّى تَلِد\" (٤).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٩٦٩)، وصححه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٢١٠٤).\n(٢) أخرجه البيهقي، وصححه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٢١٠٥).\n(٣) وهي امرأة عويمر بن أشقر العجلانيّ.\n(٤) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٩٦٥).","vol":"5","page":371},{"text":"٣ - أمّا ما يتعلق بإِلحاق الولد؛ فإِنه حين ينفيه الرجل، يُلحق بأمِّه فيدعى لها فتَرِثه ويَرِث منها ما فرض الله -تعالى- له، وينتفي نسَبُه من أبيه فلا يدعى له، ولا تجب نفقته عليه، ولا توارث بينهما؛ وذلك لحديث سهل بن سعد ... وفيه: \"قال ابن جريج: قال ابن شهاب: فكانت السُّنة بعدهما أن يُفرَّق بين المتلاعنين، وكانت حاملًا، وكان ابنها يدعى لأمّه. قال: ثم جرت السُّنة في ميراثها أنها ترِثه ويرث منها ما فرض الله له\" (١).\nقال ابن حزم -﵀- في \"المحلّى\" (١١/ ٤١٨): \"فإِنْ كانت المرأة الملاعنة حاملًا؛ فبتمام الالتعان منهما جميعًا ينتفي عنه الحمل -ذكَره أم لم يذكره- إِلا أن يُقرَّ به فيلحقه\". انتهى.\nوكذا إِذا أكذب نفسه؛ فإِنه يلحقه ويُدعى له.\nمسألة: إِذا لم يُتمَّ الرجل اللعان أو تُتمّه هي، فهما على نكاحهما، فلو مات أحدهما قبل تمام اللعان لتوارثا، ولا معنى لتفريق الحاكم بينهما، أو لتركه، لكن بتمام اللعان تقع الفرقة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1531>آداب التطليق المستنبطة من الكتاب الكريم والسّنة الصحيحة </span>(٣)\nالأدب الأول: هو رعاية المصلحة في إِيقاعه؛ بعد التروي والتحاكُم إِلى\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٥٣٠٩، ومسلم: ١٤٩٢.\n(٢) انظر \"المحلّى\" (١١/ ٤١٨) بتصرف يسير.\n(٣) عن كتاب \"الاستئناس في تصحيح أنكحة الناس\" للعلاّمة جمال الدين القاسمي -﵀- بحذف.","vol":"5","page":372},{"text":"حَكَمَين، فقد دلّ الكتاب الكريم على مشروعية ذلك عند شقاق الزوجين بإِرسال حَكَمَين من أهل الزوجين؛ يُؤْثِران الإِصلاح بالوفاق، على الفراق والطلاق، فينصحان الزوجين ويعظانهما ويؤذنانهما بمفاسد الطلاق ومَضرّاته وخراب ما بُني من المعيشة البيتية، وما يَعْقُبه من الندم ونفرة الحبّ القلبي، وغير ذلك من تَشتُّتِ شمْل البنين والبنات، وتجرّعهم غُصص الحسرات، حتى إِذا لم يُفد نصحهما وأخفَقَ سعيهما، ورأيا الخيرة لهما في الفراق، أَذِنا للزوج بالطلاق.\nوهذا كله مستفاد من قوله -تعالى-: ﴿وإِنْ خفتم شِقاق بينهما فابعثوا حَكَمًا من أهله وحَكَمًا من أهلها إِنْ يريدا إِصلاحًا يوفق الله بينهما﴾ (١) فلم يشرع -﷾- للزوج أن يعجَل بالطلاق، وأن يبادر به سائق الهوى والهوَس بدون عمل بما أمر -تعالى- به وحَضَّ عليه.\nودلّ الأمر في قوله -تعالى-: ﴿فابعثوا حَكَمًا من أهله وحَكَمًا من أهلها﴾ على أنّ إِرسال الحَكَم فرْض، لأنَّ الأمر للوجوب عند الأكثرين، والأمر بالشيء نهيٌ عن ضده، والنهي -أعني التلبُّس بخلاف الأمر- يقضي الفساد وعدم الاعتداد كما تقرر في الأصول.\nفإِذَنْ؛ من عَجَّل في الشِّقاق، وتلفَّظ بالطَّلاق بدون الرجوع إِلى التحاكم المأمور به؛ فقد تلبس بالمنهي عنه وعصى بمخالفة الأمر، وأمّا من عمل بالأمر ففوّض للحَكَمين الخيرة؛ فلم يجدا سبيلًا لائتلاف الزوجين، ولا طريقًا لجمع شملهما؛ فما جعل الله في ذلك من حرج؛ لقوله: ﴿وإِن يتفرقا يُغنِ اللهُ كلًاّ من سَعته﴾ (٢).\n_________\n(١) النساء: ٣٥.\n(٢) النساء: ١٣٠.","vol":"5","page":373},{"text":"الأدب الثاني: إِيقاعه في حال الخوف من عدم إِقامة حدود الله، وذلك بأنْ تتضرّر المرأة من الرجل فترى منه ما يسوؤها؛ من قول أو فِعل أو أمر يستحيل معه صبرها عليه.\nومنه أن يترك معاشرتها بالمعروف ويتجافى الإِحسان إِليها، أو تُشاهد منه انكبابًا على الفحشاء وعملًا بالمنكرات، أو إِغراءً لها بترك الواجبات، أو إِفسادًا لصالح تربيتها بمشاهدة ما يأتيه من الموبقات، أو سعيًا في إِيذائها بأنواع المضَرّات؛ فتخشى من بقائها على عصمته أن تبوء بإِثم الناشزة والهاجرة، وهي لا تطيق حالتئذٍ ملامسته بوجهٍ ما، وتأبى القُرب منه أشدّ الإِباء، ففي هذه الحالة شُرع مخالعتها؛ بأن تفتدي منه بما يتراضيان به، وإليه الإِشارة بقوله -تعالى-: ﴿فإِنْ خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعدّ حدود الله فأولئك هم الظالمون﴾ (١).\nوتدلّ الآية بمفهومها على أنهما إِذا كانا يقيمان حدود الله في الزوجية؛ فليس له أن يطلب مخالعتها بأخذ ما لا تطيب نفسها به، وليس لها أيضًا أن تفتكر في الاختلاع منه، لأن في ذلك إِفسادًا لهما، وإصرارًا بهما وبأولادهما -إِن كانوا- وإِنّ ذلك حينئذ من تعدّي حدود الله، أي: مجاوزتها.\nثمّ إِذا خلَعها من عصمته فهل يكون خلْعُه طلاقًا أو فَسْخًا؟ فذهب الجمهور إِلى الأول، وجعلوا عدّتها ثلاثة قروء، وذهب ابن عباس وعثمان وابن عمر والرُّبيِّع بنت معوِّذ وعمُّها -﵃- إِلى أنَّه فسْخ.\nقال الإِمام ابن القيم: ولا يصح أنَّه طلاق البتَّة، وقد أمَر النّبيّ - ﷺ - امرأة\n_________\n(١) البقرة: ٢٢٩.","vol":"5","page":374},{"text":"ثابت بن شمَّاس لما اختلعت من زوجها أن تعتدّ بحيضة واحدة (١)، وبه قضى عثمان -﵁- (٢) وإليه ذهب الإِمام إِسحاق بن راهويه والإِمام أحمد في رواية عنه اختارها شيخ الإِسلام ابن تيمية.\nقال: من نظر هذا القول وجَده مقتضى قواعد الشريعة، فإِنَّ العدة إِنما جُعلت ثلاث حيضٍ ليطول زمن الرّجعة ويتروّى الزوج ويتمكن من الرجعة في مدة العدّة. فإِذا لم تكن عليها رجعة فالمقصود مجرد براءة رحمها من الحمْل، وذلك يكفي فيه حيضة كالاستبراء، قال: ولا ينتقض هذا بالمطلقة ثلاثًا، فإِنَّ باب الطلاق جعل حُكْم العدّة فيه واحدة بائنة ورجعية (٣).\nالأدب الثالث: أن لا يكون القصْدُ بإِيقاع الطلاق مضارَّة الزوجة، فإِنّ الضِّرار ممنوع شرعًا لحديث: \"لا ضرر ولا ضرار\" (٤)، ولعموم آية: ﴿ولا\n_________\n(١) أخرجه النسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٣٢٧٢) ولفظه: عن ثابت بن قيس بن شمَّاس: \"أنه ضرب امرأته فكَسَر يدها -وهي جميلة بنت عبد الله بن أُبي- فأتى أخوها يشتكيه إِلى رسول الله - ﷺ -، فأرسل رسول الله - ﷺ - إِلى ثابت، فقال له: خُذ الذي لها عليك، وخلّ سبيلها، قال: نعم. فأمَرها رسول الله - ﷺ - أن تتربص حيضة واحدة، فتلحق بأهلها\".\n(٢) أخرجه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٦٧٤)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٣٢٧٣) ولفظه: \"عن رُبيِّع بنت معوِّذ قالت: اختلَعْتُ من زوجي، ثمّ جئت عثمان، فسألتُهُ ماذا عليّ من العدة؟ فقال: لا عدة عليك، إِلا أن تكوني حديثة عهد به فتمكثي حتى تحيضي حيضة، قال: وأنا متبع في ذلك قضاء رسول الله - ﷺ - في مريم المغاليّة؛ كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس فاختلعت منه\".\n(٣) انظر \"زاد المعاد\" (٥/ ١٩٧) ونقله جمال الدين القاسي -﵀- بتصرّف.\n(٤) أخرجه أحمد وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٨٩٥) وغيرهما وهو حديث صحيح خرّجه شيخنا -﵀- في \"الإرواء\" (٨٩٦)، و\"الصحيحة\" (٢٥٠).","vol":"5","page":375},{"text":"تضاروهنّ﴾ (١) ولقوله -تعالى-: ﴿فإِن أطعْنكُم فلا تبغوا عليهنّ سبيلًا﴾ (٢).\nوأعظم البغي على النساء تطليقهنّ للمُضارّة والتشفّي والإِيذاء وتخريب بنيان المعيشة.\nوقد تنبه لهذا الأدب من رأى أنَّ تطليق المرأة في مرض الموت لا يمنعها من الإِرث، لأنه لما قصَد بطلاقها حرمانها من حقّها المشروع؛ عومل بنقيض قصْده عدلًا ورحمة من الشارع، فقد قال مالك: من حُجَّتنا في الذي يتزوج وهو مريض (٣) أنه ليس له ميراث؛ لأنه يُمْنع أنْ يُطلِّق وهو مريض، فكَما يُمْنع من الطَّلاق وهو مريض لحقّ امرأته في الثُّمن؛ فإِنَّه لا ينبغي أن يدخل عليها من يَنقصُها من ثُمنها.\nقال ابن رشد: هذا بيِّن لأن المعنى الذي من أجله لم يجز أن يطلق في المرض موجود في النكاح، فلا يجوز له أن يُدخل وارثًا على ورثته؛ كما لا يجوز أن يخرج عنهم وارثًا.\nالأدب الرابع: أن يُطلّق لداعٍ لا يتأتّى معه اتخاذها زوجة، كأن يراها لا تردّ يد لامس (٤)، أو لا تؤمَّن على مالٍ ولا سرّ، أو لا تحفظ نظام بيته ورعاية حرمته،\n_________\n(١) الطلاق: ٦.\n(٢) النساء: ٣٤.\n(٣) أقول: ليس للرجل أنْ يُطلِّق أو يَنكَح، في مرض الموت لِيَنقص أو ليمنع الميراث؛ ولكنْ له أنْ يَنكح أو يُطلِّق في مرضه إِذا كان له مصلحة في أيٍّ منهما -والله تعالى أعلم-.\n(٤) قيل: إِنها تُعطي من ماله من يطلب منها، وقيل غير ذلك.","vol":"5","page":376},{"text":"أو لا تستجيب لطاعته، إِلى غير ذلك من الأخلاق الفاسدة التي تحقق أنها صارت مَلَكَةً راسخة فيها مُرِّنت عليها وانطبعت فيها، فلا جَرَمَ أنها حينئذ جرثومة النكد، ومادة النقص، ومباءة الفساد والإِفساد للمروءة والدين والدنيا، فمثل هذه المشؤومة مما يُشرع طلاقها ويُندب إِنْ لم يجب، وقد ورد في هذا ما أخرجه البخاري في \"صحيحه\" عن ابن عباس -رضي الله- أنه قال: \"الطلاق عن وطر\" (١).\nقال الحافظ ابن حجر: أي: أنه لا ينبغي للرجل أن يُطلِّق امرأته إِلا عند الحاجة كالنشوز.\nوقال الإِمام ابن القيّم في \"إِعلام الموقعين\": \"معنى قول ابن عباس: إِنما الطلاق عن وطَر؛ أي: عن غرض من المطلِّق في وقوعه\".\nالأدب الخامس: أنْ لا يُطلِّق ثلاثًا دفعة واحدة ....... (٢).\nقال ابن القيّم: \". ... [فإِن الله -تعالى- أراد من المرء] أن يُطلّق طلاقًا يملك فيه ردّ المرأة إِذا شاء، فطلّق طلاقًا يريد به أن لا يملك فيه ردّها، وأيضًا فإِن إِيقاعه الثلاثَ دفعةً مخالفٌ لقوله -تعالى-: ﴿الطلاق مرتان﴾ (٣)، والمرتان والمرّات في لغة القرآن والسّنة -بل ولغة العرب بل ولغة سائر الأمم- لِما كان مرة بعد مرة، فإِذا جمع المرتين والمرات في مرة واحدة؛ فقد تعدى حدود الله -تعالى- وما دلّ عليه كتابه، فكيف إِذا أراد باللفظ الذي رتَّب عليه الشارع حُكمًا ضد\n_________\n(١) تقدَّم.\n(٢) حذفْتُ الحديث الذي ذكَره لعدم ثبوته.\n(٣) البقرة: ٢٢٩.","vol":"5","page":377},{"text":"ما قصَده الشارع.\nالأدب السادس: أن يُشهد على الطَّلاق، لقوله -تعالى-: ﴿يا أيها النّبيّ إذا طلّقتم النّساء فطلقوهنّ لعدّتهنّ وأحصوا العدّة﴾ إِلى قوله: ﴿فإِذا بلغْن أجلهنّ فأمسكوهنّ بمعروف أو فارقوهنّ بمعروف وأشهدوا ذَوَيْ عدل منكم وأقيموا الشهادة لله﴾ (١)، فأمَر بالإِشهاد على الرجعة -وهو الإِمساك بمعروف- وعلى الطلاق -وهو المفارقة بمعروف-.\nالأدب السابع: أن لا يكون في حالة الغضب لحديث: \"لا طلاق في إِغلاق\" (٢).\nالأدب الثامن: أن ينوي الطلاق لحديث: \"إِنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى\" فإِنّ الحديث هو الكلِّيُّ الأعظم في أبواب من الشريعة، قال الحافظ ابن حجر: إِنّ الحكم إِنما يتوجه على العاقل المختار العامد الذاكر. انتهى.\nوأصله من قوله -تعالى-: ﴿وإنْ عزموا الطَّلاق فإِنّ الله سميع عليم﴾ (٣) فمن لم يعزم الطلاق بأنْ علّقه أو عبث به؛ لم يُطلّق الطَّلاق المشروع.\nالأدب التاسع: أن يكون التطليق مأذونًا فيه من جهة الشارع، فلا يكون محرّمًا مبتدعًا، بل مأمورًا به، وذلك بمعرفة زمان التطليق لقوله -تعالى-:\n_________\n(١) الطلاق: ١ - ٢.\n(٢) أخرجه أحمد وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٩١٩)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٦٦٥) والحاكم، وصححه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٢٠٤٧).\n(٣) البقرة: ٢٢٧.","vol":"5","page":378},{"text":"﴿يا أيها النّبيّ إِذا طلّقتم النّساء فطلقوهنّ لعدّتهنّ﴾ أي: لاستقبال عدتهن، يعني: أن يُطلَّقن في وقت يتعقبه شروعهنّ في العدة، وذلك أن تطلّق في طُهر لم تُجامَع فيه.\nوأمّا طلاقها في حال الحيض فهو محرّم بالكتاب والسنّة والإِجماع (١)، وليس في تحريمه نزاع، ولهذا أمَر النّبيّ -صلوات الله عليه- عبد الله بن عمر -﵄- لما طلّق امرأته في الحيض أن يراجعها (٢)، وتلا عليه هذه الآية تفسيرًا للمراد بها؛ إِيذانًا بأن الطلاق لم يُشرع في حيض ولا في طهر وُطِئت فيه، وإنما شرع للعدَّة، وهو أن يطلِّقها في طُهرٍ من غير جماع.\nوفي \"المدونة\" عن ابن مسعود -﵁- قال: \"من أراد أن يُطلِّق للسُّنّة فليطلق امرأته طاهرًا في غير جماع تطليقة، ثم ليدَعْها، فإِذا أراد أن يراجعها راجعَها، وإن حاضت ثلاث حيض كان بائنًا، وكان خاطبًا من الخطَّاب\".\nقال الإِمام ابن القيّم -رحمه الله تعالى-: وأصْل هذا أنّ الله -﷾- لمّا كان يبغض الطلاق (٣)، لما فيه من كسْر الزوجة، وموافقة رضا عدوه إِبليس، ومفارقة طاعته -تعالى- بالنكاح الذي هو واجب أو مستحبٌّ، وتعريض كلٍّ\n_________\n(١) وتقدَّم تفصيله.\n(٢) أخرجه البخاري: ٥٢٥١، ومسلم: ١٤٧١.\n(٣) لا يقصد ابن القيّم -﵀- هذا بإِطلاق، لأن الطلاق واجب في بعض الحالات كما لا يخفى، أمّا حديث: \"أبغض الحلال إِلى الله الطلاق\" فإِنّه ضعيف، وانظر \"الإِرواء\" (٢٠٤٠).","vol":"5","page":379},{"text":"من الزوجين للفجور والمعصية وغير ذلك من مفاسد الطلاق، وكان مع ذلك قد يحتاج إِليه الزوج أو الزوجة وتكون المصلحة فيه؛ شَرَعَهُ على وجهٍ تحصل به المصلحة وتندفع به المفسدة، وحرَّمه على غير ذلك الوجه، فشرعه على أحسن الوجوه، وأقْربِها لمصلحة الزوج والزوجة، فشرع له أن يطلّقها طاهرًا من غير جماع طلقة واحدة؛ ثمّ يدعها حتى تنقضي عدتها، فإِنْ زال الشّرّ بينهما وحصلت الموافقة؛ كان له سبيل إِلى لمِّ الشعث وإعادة الفراش كما كان، وإلا تركها حتى تنقضي عدَّتها، فإِنْ تبعَتها نفسه؛ كان له سبيل إِلى خِطبتها وتجديد العقد عليها برضاها، وإنْ لم تتبعها نفسه؛ تركَها فنكحت من شاءت، وجعل العدّة ثلاثة قروء؛ ليطول زمن المهلة والاختيار.\nفهذا هو الذي شرَعه وأذن فيه، ولم يأذن في إبانتها بعد الدخول إِلا بالتراضي بالفسخ والافتداء، فإِذا طلَّقها مرةً بعد مرةٍ بقي له طلقةٌ واحدة، فإِذا طلقها الثالثة حرَّمها عليه عقوبة له، ولم يحلَّ له أن ينكحها حتى تنكح زوجًا غيره، ويدخل بها ثمّ يفارقها بموت أو طلاق، فإِذا عدمِ أن حبيبه يصير إِلى غيره فيحظى به دونه؛ أمسك عن الطلاق. انتهى ملخصًا.\nالأدب العاشر: التطليق بإِحسان، لا بإِساءة ولا فحش من الكلام ولا بغي ولا عدوان، فإِن الله -تعالى- أمَر بالإِحسان في كل شيء، قال -تعالى-: ﴿الطلاق مرَّتان فإِمساكٌ بمعروف أو تسريح بإِحسان﴾ وقد روى ابن جرير \"أنّ ابن عباس سئل عن معنى الآية فقال: ليتق الله في التطليقة الثالثة، فإمَّا يمسكها بمعروف فيحسن صحابتها، أو يسرِّحها فلا يظلمها من حقها شيئًا\".\nوقال الضحاك: التسريح بإِحسان أن يعطيها مهرًا إِنْ كان لها عليه إِذا","vol":"5","page":380},{"text":"طلّقها، والمتعة قدر الميسرة.\nونظير هذه الآية آية: ﴿فإِذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهنّ بمعروف﴾ (١).\nوآية: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٢).\nفتأمّل هذا الوعيد الشديد لمن اتخذ آيات الله هُزوًا أي: اتخذ ما بيّنه من حلاله وحرامه، وأمْره ونهْيه؛ في أمر الإِمساك والتسريح مهزوءًا به؛ بأنْ خالفَه وعصاه ولم يَحْفِلْ به، فضيّعه وتعدّى حدوده، وكيف سجَّل عليه بأنه ظلم نفسه؛ فأكسبها إِثمًا وأوجب لها من الله عقوبةً! وتدبر كيف أمَرهم أن يذكروا نعمة الله عليهم بما أمرهم به ونهاهم عنه؛ مما فيه سعادتهم وفلاحهم!\nوفي معنى هذه الآيات قوله -تعالى-: ﴿وللمطلقات متاعٌ بالمعروف حقًّا على المُتقين﴾ (٣) قال ابن جرير: يعني -تعالى- بذلك أنّ لمن طُلِّق من النساء على مُطلِّقها من الأزواج متاعًا -وهو ما يستمتع به من ثياب وكسوة ونفقة أو خادم أو غير ذلك مما يُستمتع به- وأكَّد ذلك بقوله: ﴿حقًّا على المتقين﴾\n_________\n(١) الطلاق: ٢.\n(٢) البقرة: ٢٣١.\n(٣) البقرة: ٢٤١.","vol":"5","page":381},{"text":"وهم الذي اتقوا الله في أمره ونهيه وحدوده، فقاموا بها على ما كلّفهم القيام بها؛ خشيةً منهم له ووجلًا منهم من عقابه. انتهى\nوكذلك قوله -تعالى-: ﴿ومتّعوهنّ على الموسع قدَرُه وعلى المُقْتِرِ قدَرُه﴾ (١) فأمر -تعالى- المطلِّقين إِذا طلَّقوا الطَّلاق المأذون فيه -وهو المستوفي شروطه- أن يُسرِّحوا نساءهم راضيات عنهم، داعيات لهم، ذاكرات لجميلهم ومعروفهم وإِحسانهم، وذلك بأن يحسن إِليهن بما يتمتعن به على قدر اليُسر والعُسر.\nوأكّد ذلك أيضًا بقوله: ﴿متاعًا بالمعروف حقًّا على المحسنين﴾ (٢) فجعل ذلك حقًا لازمًا على الذين يحسنون إِلى أنفسهم في المسارعة إِلى طاعة الله؛ فيما ألزمهم به وأدائهم ما كلفهم من فرائضه، ويحسنون إِلى المطلقات بالتمتيع على الوجه الذي يحسُن في الشرع والمروءة.\nفأين المسلمون من هذه الآداب؟ وما عراهم (٣) حتى هجروا أحكام الكتاب! تالله إِنّ القلب يكاد يتفطر ألمًا، والعين تدمع دمًا على ما أصبحوا فيه من الجهل، ولا من سائق لهم إِلى الفقه والعلم، حتى أصبحت محاكم القضاة تيارًا لأمواج شكايات المظلومات، وميدانًا لجولان دعاوى الزوجات، حتى صار المسلمون ببغيهم في الطلاق وهضعم حقوق الأزواج عارًا على الإِسلام، وفتنة لسواهم من الأقوام!! ﴿ربنا لا تجعلنا فتنةً للذين كفروا واغفر لنا ربنا إِنك أنت العزيز الحكيم﴾ (٤).\n_________\n(١) البقرة: ٢٣٦.\n(٢) البقرة: ٢٣٦.\n(٣) أي: أصابهم.\n(٤) الممتحنة: ٥.","vol":"5","page":382},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1532>العدّة </span>(١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1533>تعريفها:</span>\nالعدة في اللغة من قولك: عَدَدْت الشيء إِذا أحصيتَه؛ فسُمّيت العدّة عدّة؛ مِن أنَها مُحصاة؛ لأنها ثلاثة قروء، وثلاثة أشهر، وأربعة أشهر وعشرًا (٢).\nوفي الشرع: \"اسم لمدة تتربّص المرأة عن التزويج بعد وفاة زوجها أو طلاقها؛ بالولادة أو الأقراء أو الأشهر\" (٣).\nوكانت العدة معروفة في الجاهلية، وكانوا لا يكادون يتركونها، فلمَّا جاء الإِسلام، أقرّها؛ لما فيها من مصالح.\nوأجمَع العلماء على وجوبها؛ لقول الله -تعالى-: ﴿والمطلقات يتربصنَ بأنفسهنّ ثلاثة قروء﴾ (٤) ولحديث فاطمة بنت قيس -﵂- قالت: \"طلَّقني زوجي ثلاثًا، فأردت النُّقلة، فأقبل النّبيّ - ﷺ - فقال: \"انتقلي إِلى بيت ابن عمك عمرو بن أمِّ مكتوم؛ فاعتدِّي عنده\" (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1534>حِكمة مشروعيتها:</span>\n١ - معرفة براءة الرحم، حتى لا تختلط الأنساب بعضها ببعض.\n_________\n(١) عن \"فقه السّنة\" (٣/ ٩٢) بتصرُّف وزيادة لأوَّل (أين تعتدّ المرأة المتوفّى زوجها).\n(٢) انظر \"حلية الفقهاء\" (ص ١٨٣).\n(٣) انظر \"سبل السلام\" (٣/ ٣٧٣) بتصرُّف يسير.\n(٤) البقرة: ٢٢٨.\n(٥) أخرجه مسلم: ١٤٨٠.","vol":"5","page":383},{"text":"٢ - تهيئة فرصة للزوجين لإِعادة الحياة الزوجية، إِنْ رأيا أن الخير في ذلك.\n٣ - أنَّ مصالح النّكاح لا تتمّ، حتى يُوطِّنا أنفسهما على إِدامة هذا العقد ظاهرًا، فإِنْ حدث حادِثٌ يوجب فكّ النظام، لم يكن بدٌّ من تحقيق صورة الإِدامة في الجملة، بأن تتربص مدةً تجد لتربصها بالًا، وتقاسي لها عناءً (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1535>أنواع العِدّة:</span>\n١ - عدة المرأة التي تحيض، وهي ثلاث حِيَض.\n٢ - عدة المرأة التي يئست من الحيض، وكذا التي لم تَحِضْ، وهي ثلاثة أشهر.\n٣ - عدة المرأة التي مات عنها زوجها، وهي أربعة أشهر وعشرًا؛ ما لم تكن حاملًا.\n٤ - عدة الحامل، حتى تضع حملها.\nوهذا إِجمال، نفصله فيما يلي: فإِن الزوجة؛ إِمّا أن تكون مدخولًا بها، أو غير مدخول بها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1536>عِدَّة غير المدخول بها:</span>\nوالزوجة غير المدخول بها، إِنْ طُلقتْ، فلا عِدَّة عليها؛ لقول الله -تعالى-: ﴿يا أيها الذين آمنوا إِذا نكحتم المؤمنات ثمّ طلقتموهنّ من قبل أن تمسوهنّ (٢) فما لكم عليهنّ من عدّة تعتدونها﴾ (٣).\n_________\n(١) من \"حجة الله البالغة\".\n(٢) المس: الدخول.\n(٣) الأحزاب: ٤٩.","vol":"5","page":384},{"text":"فإِنْ كانت غيرَ مدخول بها، وقد مات عنها زوجها، فعليها العِدّة، كما لو كان قد دخَل بها.\nقال الله -تعالى-: ﴿والذين يُتوفون منكم ويذَرون أزواجًا يتربَّصن بأنفسهنَّ أربعةَ أشهرٍ وعشرًا﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1537>عدّة المدخول بها:</span>\nوأمّا المدخول بها؛ فإِمّا أن تكون من ذوات الحيض، وإمّا أن تكون من غير ذوات الحيض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1538>عدّة الحائض:</span>\nفإِنْ كانت من ذوات الحيض، فعدّتها ثلاثة قروء؛ لقول الله -تعالى-: ﴿والمطلقات يتربّصن بأنفسهنّ ثلاثة قروء﴾ (٢).\nوالقروء جمع قُرء، والقرء: الحيض.\nورجَّح ذلك ابن القيّم -رحمه الله تعالى- فقال في \"زاد المعاد\" (٥/ ٦٠٩ - ٦١١): \"إِن لفظ (القرء) لم يُستعمل في كلام الشارع إِلا للحيض، ولم يجيء عنه في موضع واحد استعماله للطهر، فحمْله في الآية على المعهود المعروف من خطاب الشارع أولى، بل متعين، فإِنه - ﷺ - قال للمستحاضة: \"دعي الصّلاة أيّام أقْرائِك\" (٣) وهو - ﷺ - المعبّر عن الله -تعالى- وبِلُغَةِ قومه نزَل القرآن، فإِذا ورد\n_________\n(١) البقرة: ٢٣٤.\n(٢) البقرة: ٢٢٨.\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٥٢)، والترمذي \"صحيح سنن =","vol":"5","page":385},{"text":"المشترك في كلامه على أحد معنييه، وجب حمْلُه في سائر كلامه عليه؛ إِذا لم تثبت إِرادة الآخر في شيء من كلامه ألبتة، ويصيرُ هو لغة القرآن التي خوطبنا بها، وإنْ كان له معنى آخر في كلام غيره\".\nثمّ قال -﵀-: \"فإِذا ثبت استعمال الشارع لفظ القروء في الحيض؛ عُلم أن هذا لغته، فيتعين حمْله على ما في كلامه، ويوضح ذلك ما في سياق الآية من قوله: ﴿ولا يحلّ لهنّ أنْ يكتمن ما خلَق الله في أرحامهنّ﴾ (١).\nوهذا هو الحيض والحمل عند عامَّة المفسرين، والمخلوق في الرحم إِنما هو الحيض الوجودي، ولهذا قال السلف والخلف: هو الحمل والحيض، وقال بعضهم: الحمل، وبعضهم: الحيض، ولم يقل أحد قطُّ: إِنه الطهر، ولهذا لم ينقله من عُني بجمع أقوال أهل التفسير، كابن الجوزي وغيره، وأيضًا فقد قال -سبحانه-: ﴿واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهنّ ثلاثة أشهر واللائي لم يَحِضْن﴾ (٢) فجعل كلّ شهر بإِزاء حيضة، وعلّق الحكم بعدم الحيض لا بعدم الطهر من الحيض\".\nثمّ قال -﵀- (ص ٦٣١) منه: \"فقوله -تعالى-: ﴿فطلّقوهنّ\n_________\n= الترمذي\" (١٠٩)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٥٠٨)، وانظر \"الإرواء\" (٢٠٧ و٢١١٨).\n(١) البقرة: ٢٢٨.\n(٢) الطلاق: ٤.","vol":"5","page":386},{"text":"لعدتهنّ﴾ (١)، معناه: لاستقبال عدتهنّ لا فيها، وإذا كانت العدة التي يُطلق لها النساء مستقبلةً بعد الطلاق، فالمستقبَل بعدها إِنما هو الحيض، فإِنَّ الطاهر لا تستقبِلُ الطهر -إِذ هي فيه- وإنما تستقبل الحيض بعد حالها التي هي فيها\". انتهى.\nقلت: جاء في \"حلية الفقهاء\" (ص ١٨٣) -بحذف-: \"وأمّا القُرء فهو اسمٌ يقع على الحيض والطُّهر ... قال أبو عمرو بن العلاء: وإنّما جاز ذلك؛ لأنّ القُرء الوقت، وهو يصلح للحيض، ويصلُح للطُّهر.\nفهذا ما تقوله العرب، وليس الاختلاف الواقع بين الفقهاء على اطّراح أحد القولين، وكلّهم مجمعون على أنّ القُرء اسمٌ يقع على الحيض، كما يقع على الطهر، ولكن كُلًاّ اختار قولًا، واحتج له من جهة المعنى.\nومثل ذلك أنّ الجون اسمٌ يقع على الأبيض، كما يقع على الأسود، ثمّ اختلف الناس في الشمس، ولِمَ سُمّيت جَوْنًا؟ فيقول قوم: لبياضها، ونورها، ويقول آخرون: لا، بل لسوادها، لأنّها إِذا غابت اسودت. ثمّ يحتجُّ كلٌّ لمِقالته؛ بعد إِجماعهم على أن الجَوْن الأبيض والأسود.\nوكذا الفقهاء مجمعون على أن القُرء: الطُّهر والحيض ... \". انتهى\nقلت: الذي ترجَّح لديّ أنْ يكون القرء هنا الحيض، وذلك أننا إِذا جَعَلنا القرء الطُّهر؛ أفضى ذلك إِلى تقليل مُدّة العدّة، فلو أنّ الرجل طلّق زوجته قبل موعد حيضتها بيوم؛ فإِنَّ أوَّل قرءٍ ينتهي بعد قرابة خمسة أيام مثلًا.\n_________\n(١) الطلاق: ١.","vol":"5","page":387},{"text":"أمّا إِذا كان القرء هو الحيض؛ فلو طلقها قبل موعد حيضتها بيوم؛ فإِنّ أول قرء ينتهي بانتهاء الحيضة الثانية، فتكون مُدة القرء شهرًا تقريبًا، وهذا يلتقي حُكم مدّة اللائي يئسنَ من المحيض، وكذا اللائي لم يحضن وهي ثلاثة أشهر، والله -تعالى- أعلم.\nثمَّ رأيت أثر عائشة -﵂- قالت: \"أُمِرت بَريرة أنْ تعتدّ بثلاث حِيَض\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1539>عِدّة غير الحائض:</span>\nوإنْ كانت من غير ذوات الحيض، فعدّتها ثلاثة أشهر، ويصدق ذلك على الصغيرة التي لم تبلغ، والكبيرة التي لا تحيض؛ سواء أكان الحيض لم يسبق لها، أم انقطع حيضها بعد وجوده؛ لقول الله -تعالى-: ﴿واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إِن ارتبتم فعدتهنّ ثلاثة أشهر واللائي لم يحضنَ وأُولات الأحمال أجلهنّ أن يضعن حملهنّ﴾ (٢).\nوعن سعيد بن جبير، في قوله: ﴿واللائي يئسن من المحيض من نسائكم﴾ يعني: الآيسة العجوز التي لا تحيض، أو المرأة التى قعدت من الحيضة، فليست هذه من القروء في شيء. وفي قوله: ﴿إِن ارتبتم﴾ في الآية، يعني: إِنْ شككتم، ﴿فعدتهنّ ثلاثة أشهر﴾، وعن مجاهد: ﴿إِن ارتبتم﴾ ولم تعلموا عدة التي قعَدت عن الحيض، أو التي لم تحض ﴿فعدتهنّ ثلاثة\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٦٩٠) وصححه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٢١٢٠).\n(٢) الطلاق: ٤.","vol":"5","page":388},{"text":"أشهر﴾، فلقوله -تعالى-: ﴿إِن ارتبتم﴾ يعني: إِن سألتم عن حُكمهن، ولم تعلموا حكمَهُنَّ وشككتم فيه، فقد بيّنه الله لكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1540>حُكم المرأة الحائض إِذا لم تر الحيض:</span>\nإِذا طُلِّقت المرأة وهي من ذوات الأقراء؛ ثمّ إِنها لم تر الحيض في عادتها، ولم تَدْرِ ما سَببه؛ فإِنها تعتد سَنَةً تتربص مدة تسعة أشهر؛ لتعلم براءة رحمها؛ لأن هذه المدة هي غالب مدة الحمل، فإِذا لم يَبِن الحمل فيها، عُلِم براءة الرحم ظاهرًا، ثمّ تعتد بعد ذلك عدة الآيسات ثلاثة أشهر.\nوجاء في كتاب \"الاختيارات الفقهيَّة\" (ص ٢٨٢): \"ومن ارتفَعَ حَيضُها ولا تدري ما رَفَعَه إِنْ علِمَت عدَمَ عودِه؛ فتعتدّ. وإلا اعتدَّت بِسَنة\".\nهذا؛ وقد ذَكَر ابن حزم -﵀- عددًا من الآثار في أقوالٍ ثلاثة؛ تتعلّق بالمرأة المختلفة الأقراء، وحين تصير في حد اليائسات من المحيض، وترجَّح لديّ القول الثاني من ذلك، وقد ساق في بعض الآثار بإِسناده إِلى سعيد بن المسيب قال: قال عمر بن الخطاب -﵁- \" أيّما امرأةٍ طُلِّقت فحاضت حيضة أو حيضتين، ثمّ رفعت حيضتها، فإِنها تنتظر تسعة أشهر، فإِنْ بان بها حمْل فذلك، وإلا اعتدّت بعد التسعة الأشهر ثلاثة أشهر ثمّ حلّت\".\nوقال -﵀-: وصحَّ مِثل هذا عن الحسن البصري وسعيد بن المسيب (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1541>سِنّ اليأس:</span>\nاختلف العلماء في سِنّ اليأس؛ فقال بعضهم: إِنها خمسون. وقال آخرون:\n_________\n(١) انظر\"المحلّى\" (١١/ ٦٤٧).","vol":"5","page":389},{"text":"إِنها ستون، والحق أنَّ ذلك يختلف باختلاف النساء.\nقال شيخ الإِسلام ابن تيمية -﵀-: \"اليأس يختلِف باختلاف النساء، وليس له حدٌّ يتفق فيه النساء، والمراد بالآية، أنّ يأس كل امرأة من نفسها؛ لأنّ اليأس ضد الرجاء، فإِذا كانت المرأة قد يئست من الحيض، ولم تَرْجُه، فهي آيسة، وإنْ كان لها أربعون أو نحوها، وغيرها لا تيأس منه، وإن كان لها خمسون\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1542>عِدّة الحامل:</span>\nوعِدّة الحامل تنتهي بوضع الحمل؛ سواء أكانت مُطلَّقة، أم متوفّى عنها زوجها؛ لقول الله -تعالى-: ﴿وأولات الأحمال أجلُهنَّ أن يضعن حمْلهنّ﴾ (٢).\nقال في \"زاد المعاد\": \"ودلّ قوله -سبحانه-: ﴿أجلُهُنّ أن يضعن حملهنّ﴾ (٣) على أنها إِذا كانت حاملًا بتوأمين، لم تنقض العدة، حتى تضعهما جميعًا، ودلت على أن مَن علَيها الاستبراء، فعدتها وضْع الحمل أيضًا، ودلت على أن العدة تنقضي بوضعه على أي صفةٍ كان؛ حيًَّا أو ميّتًا، تام الخِلقة أو ناقصها، نُفخ فيه الروح أو لم ينفخ.\nعن سبيعة \"أنها كانت تحت سعد بن خولة وهو في بني عامر بن لؤيٍّ -وكان ممّن شهد بدرًا- فتوفّي عنها في حجّة الوَداع وهي حاملٌ، فلم\n_________\n(١) انظر \"زاد المعاد\" (٥/ ٦٥٧ - ٦٥٨).\n(٢) الطلاق: ٤.\n(٣) الطلاق: ٤.","vol":"5","page":390},{"text":"تنشب (١) أن وضعت حملْها بعد وفاته، فلمّا تعلّت (٢) من نفاسها تجمّلت للخُطّاب فدخَل عليها أبو السّنابل بن بعكك (رجل من بني عبد الدّار) فقال لها: ما لي أراكِ مُتجمّلة؟ لعلّك ترجين النّكاح، إِنّك والله ما أنتِ بناكح حتّى تَمُرَّ عليك أربعةُ أشهر وعشرٌ، قالت سبيعة: فلمّا قال لي ذلك جمعْتُ عليّ ثيابي حين أمسيت فأتيتُ رسول الله - ﷺ - فسألته عن ذلك؟ فأفتاني بأنّي قد حللتُ حِين وضعْتُ، وأمَرني بالتزوّج إِنْ بدا لي\".\nقال ابن شهاب: فلا أرى بأسًا أن تتزوج حين وضعت وإِنْ كانت في دمها؛ غير أن لا يقربها زوجها حتى تطهر\" (٣).\nوالعلماء يجعلون قول الله -تعالى-: ﴿والذين يُتَوَفَّون منكم ويذَرون أزواجًا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرًا﴾ (٤) خاصةً بِعِدَد الحوائل (٥)، ويجعلون قول الله -تعالى-: ﴿وأولات الأحمال أجلهنَّ أن يضعن حمْلهن﴾ (٦) في عِدَدِ الحوامل، فليست الآية الثانية معارضة للأولى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1543>عدة المتوفّى عنها زوجها:</span>\nوالمتوفَّى عنها زوجها عدّتُها أربعة أشهر وعشر، ما لم تكن حاملًا، لقول الله\n_________\n(١) أي: لم تلبث.\n(٢) تعلَّت: أى خرجت من نفاسها، وانظر \"النِّهاية\".\n(٣) أخرجه البخاري: ٥٣١٩، ومسلم: ١٤٨٤، واللفظ له.\n(٤) البقرة: ٢٣٤.\n(٥) أي: غير الحوامل.\n(٦) الطلاق: ٤.","vol":"5","page":391},{"text":"-تعالى-: ﴿والذين يُتوفون منكم ويذَرون أزواجًا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا﴾ (١). وإنْ طلّق امرأته طلاقًا رجعيًا، ثمّ مات عنها وهي في العِدَّة؛ اعتدّت بِعِدَّةِ الوفاة؛ لأنه توفي عنها، وهي زوجته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1544>عِدّة المستحاضة:</span>\nالمستحاضة تعتدّ بالحيض، ثمّ إِنْ كانت لها عادة، فعليها أن تراعي عادتها في الحيض والطهر، فإِذا مضت ثلاث حيض، انتهت العدة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1545>عدة المطلّقة ثلاثًا:</span>\nجاء في \"الاختيارات الفقهية\" (ص ٢٨٢): \"والمطلقة ثلاث تطليقات؛ عدّتها حيضة واحدة\". انتهى.\nوبالحيضة يتحقّق استبراء الأرحام؛ ولها بعد ذلك أن تنكح زوجًا غيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1546>عدّة المختلعة:</span>\nوالمختلعة تعتدّ بحيضة واحدة، وتقدّم التفصيل في (باب الخلع).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1547>وجوب العدّة في غير الزواج الصحيح:</span>\nمَن وطئ امرأةً بشبهة وجَبت عليها العدَّة؛ لأنّ وطْء الشبهة كالوطء في النكاح في النَّسَب، فكان كالوطء في النكَاح، في إِيجاب العِدَّة، وكذلك تجَِب العِدَّة في زواجٍ فاسد، إذا تحقَّق الدخول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1548>تحول العدة من الحيض إِلى العِدَّة بالأشهر:</span>\nإِذا طلَّق الرجل زوجته، وهي من ذوات الحيض، ثمّ مات وهي في العِدَّة،\n_________\n(١) البقرة: ٢٣٤.","vol":"5","page":392},{"text":"فإِنْ كان الطلاق رجعيًا، فإِن عليها أن تعتد عدة الوفاة، وهي أربعة أشهر وعشرًا؛ لأنها لا تزال زوجةً له، ولأنّ الطلاق الرجعي لا يُزيل الزوجية؛ ولذلك يثبت التوارث بينهما، إِذا توفي أحدهما وهي في العِدَّة.\nوإِنْ كان الطلاق بائنًا فإِنها تُكمِل عدة الطلاق بالحيض، ولا تتحول العدة إِلى عدة الوفاة، وذلك لانقطاع الزوجية بين الزوجين من وقت الطلاق؛ لأن الطلاق البائن يزيل الزوجية، فتكون الوفاة قد حدثت وهو غير زوج.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1549>تحول العدة من الأشهر إِلى الحيض:</span>\nإِذا شرعت المرأة في العدة بالشهور لِصِغَرِها، أو لبلوغها سِنَّ اليأس، ثمّ حاضت؛ لزمها الانتقال إِلى الحيض؛ لأنّ الشهور بدل عن الحيض، فلا يجوز الاعتداد بها مع وجود أصلها.\nوإن انقضت عِدَّتها بالشهور، ثمّ حاضت، لم يلزمها الاستئناف للعدة بالأقراء، لأنّ هذا حدَثَ بعد<span data-type=\"title\" id=toc-1550> انقضاء العدة [</span>ولأنه لو كانت لها عِدَّةٌ من قبل بالأقراء؛ لم تكن في الغالب أكثر من عدّتها بالشهور]. وإنْ شرعت في العدة بالأقراء أو الأشهر، ثمّ ظهر لها حمْلٌ من الزوج، فإِنّ العدة تتحول إِلى وضع الحمل، والحمل دليل على براءة الرحم، من جهة القطع.\n\nانقضاء العدة:\nإِذا كانت المرأة حاملًا، فإِنَّ عدتها تنقضي بوضع الحمل، وإذا كانت العدة بالأشهر، فإِنها تحتسب من وقت الفرقة أو الوفاة، حتى تستكمل ثلاث أشهر أو أربعة أشهر وعشرًا، وإذا كانت بالحيض، فإِنها تنقضي بثلاث حيضات، وذلك يُعرَف من جهة المرأة نفسها.","vol":"5","page":393},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1551>لزوم المطلقة المعتدة بيت الزوجية:</span>\n*يجب على المعتدة أن تلزم بيت الزوجية، حتى تنقضي عِدَّتها، ولا يحلُّ لها أن تخرج منه، ولا يحل لزوجها أن يُخرِجها منه. ولو وقع الطلاق، أو حصلت الفرقة وهي غير موجودة في بيت الزوجية، وجَب عليها أن تعود إِليه بمجرد عِلْمها* (١).\nيقول الله -تعالى-: ﴿يا أيها النّبيّ إِذا طلقتم النساء فطلِّقوهنّ لعدَّتهنَّ وأحصوا العِدَّة واتقوا الله ربَّكم لا تُخرِجوهنّ من بيوتهنَّ ولا يَخرُجن إلاَّ أن يأتين بفاحشة مبيِّنة وتلك حدود الله ومن يتعدَّ حدود الله فقد ظلم نفسه﴾ (٢).\nقال ابن كثير -﵀-: \"وقوله -تعالى-: ﴿إِلا أن يأتين بفاحشة مُبَيِّنَة﴾ أي: لا يخرجن من بيوتهن إِلا أن ترتكب المرأة فاحشة مبينة فتخرج من المنزل، والفاحشة المبينة تشمل: الزنى كما قاله ابن مسعود، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، والشعبي، والحسن، وابن سيرين، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وأبو قلابة، وأبو صالح، والضحاك، وزيد بن أسلم، وعطاء الخراساني، والسدي، وسعيد بن أبي هلال وغيرهم، وتشمل ما إِذا نشزت المرأة، أو بَذَتْ على أهل الرجل، وآذتهم في الكلام والفِعال، كما قاله أُبيّ بن كعب، وابن عباس، وعكرمة وغيرهم.\nوقد رخَّص النّبيّ - ﷺ - لخالة جابر بن عبد الله أن تخرج لتجدَّ نخلها.\n_________\n(١) ما بين نجمتين من \"فقه السّنة\" (٣/ ١٠١).\n(٢) الطلاق: ١.","vol":"5","page":394},{"text":"فعن جابر بن عبد الله -﵁- قال: \"طُلِّقت خالتي، فأرادت أن تجُدّ نخلها (١)، فزَجَرها رجل أن تخرج، فأتت النّبيّ - ﷺ - فقال: بلى فجُدِّي نخلك؛ فإِنك عسى أن تصدَّقي أو تفعلي معروفًا\" (٢).\nفيبدو أنّ الأمر عند الحاجة أوسع منه من معتدّة الوفاة.\nوسألت شيخنا -﵀- عنْ ذلك، فأجابني به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1552>أين تعتد المرأة المتوفَّى زوجها</span>؟\nعن زينب بنت كعب بن عجرة \"أنّ الفُريعة بنت مالك بن سنان، وهي أخت أبي سعيد الخدري، أخبَرتها أنها جاءت إِلى رسول الله - ﷺ - تسأله أن ترجع إِلى أهلها في بني خُدرة، فإِنَّ زوجها خرج في طلب أعبُد له أبَقوا حتى إِذا كانوا بطرف القَدُوم لحقَهم فقتلوه، فسألتُ رسول الله - ﷺ - أن أرجع إِلى أهلي، فإِني لم يتركني في مسكن يملكه، ولا نفقة، قالت: فقال رسول الله - ﷺ -: نعم.\nقالت: فخرجتُ حتى إِذا كانت في الحجرة، أو في المسجد، دعاني أو أمَر بي فدُعيت له فقال: كيف قلت؟ فرددت عليه القصة التي ذَكَرْت من شأن زوجي.\nقالت: فقال: امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله، قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرًا، قالت: فلما كان عثمان بن عفان: أرسل إِليّ فسألني\n_________\n(١) أن تقطع ثمَرَه.\n(٢) أخرجه مسلم: ١٤٨٣.","vol":"5","page":395},{"text":"عن ذلك، فأخبرته فاتَّبعه وقضى به\" (١).\nقال التِّرمذي -﵀- عقب هذا الحديث: ... والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم، من أصحاب النبي - ﷺ - وغيرهم: لم يروا للمعتدَّة أن تنتقل من بيت زوجها حتى تنقضي عدَّتها. وهو قول سفيان الثّوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ - وغيرهم: للمرأة أنْ تعتدّ حيث شاءت، وإنْ لم تعتدّ في بيت زوجها. والقول الأوَّل أصحّ (٢).\nوعن سعيد بن المسيب: \"أنّ عمر بن الخطاب -﵁- كان يَرُدُّ المتوفى عنهنّ أزواجهنّ من البيداء يمنعهنّ الحج\" (٣).\nوقد ضعّف هذا الأثر ابن حزم، وانظر الردّ عليه في \"زاد المعاد\" و\"التلخيص الحبير\" (٤/ ١٢٩١) برقم (١٦٤٨)، و\"نيل الأوطار\" (٧/ ١٠١)، والتحقيق الثاني \"للإِرواء\" (٢١٣١) لشيخنا (٤).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٥١٦)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٩٦٢)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٦٥١)، والنسائي \"صحيح سنن النسائى\" (٣٣٠٢، ٣٣٠٣، ٣٣٠٤)، وصححه شيخنا -﵀- في \"الإرواء\" (٢١٣١).\n(٢) انظر \"صحيح سنن الترمذي\" (١/ ٣٥٥).\n(٣) أخرجه مالك والبيهقي وغيرهما، وانظر \"الإِرواء\" (٢١٣٢).\n(٤) وكان من قبل -﵀- يضعّف هذا الأثر، ثمّ تراجع عن ذلك. وفي التحقيق الثاني فوائد قيّمة تُثبت صحّته. وذكر شيخنا -﵀- رواية عبد الرّزّاق في \"المصنف\" (٧/ ٣٣/١٢٠٧٢) من طريق آخر صحيح عن سعيد به.","vol":"5","page":396},{"text":"وقال عطاء: قال ابن عباس: \"نسخَت هذه الآية عدتها عند أهلها؛ فتعتدّ حيث شاءت، وهو قول الله -تعالى-: ﴿غيرَ إِخراج﴾ قال عطاء: إِن شاءت اعتدت عند أهله وسكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت، لقول الله -تعالى-: ﴿فلا جناح عليكم فيما فعلن﴾ (١) قال عطاء: ثمّ جاء الميراث فنسخ السّكنى، فتعتدُّ حيث شاءت ولا سكنى لها\" (٢).\nومع هذا الأثر بل وآثار عديدة سيأتي ذِكرها إِن شاء الله -تعالى- بات الخلاف معتبرًا.\nقال ابن القيّم -﵀- في \"زاد المعاد\" (٥/ ٦٨١ - ٦٨٢) - بعد أن ذَكَر حديث زينب بنت كعب في شأن الفريعة بنت مالك ﵂-: \"وقد اختلف الصحابة -﵃- ومن بعدهم في حُكم هذه المسألة، فروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة -﵂- أنها كانت تُفتي المتوفّى عنها بالخروج في عدَّتها، وخرجت بأختها أم كلثوم حين قُتل عنها طلحة بن عبيد الله إِلى مكة في عمرة.\nومن طريق عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج: أخبرني عطاء عن ابن عباس أنه قال: \"إِنما قال الله -﷿-: تعتد أربعة أشهر وعشرًا، ولم يقل: تعتد في بيتها، فتعتد حيث شاءت. وهذا الحديث سمعه عطاء من ابن عباس، فإِنَّ علي ابن المديني قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن ابن جريج عن عطاء قال: سمعت ابن عباس يقول: قال الله -تعالى-: ﴿والذين يُتوفّون منكم ويَذَرون\n_________\n(١) البقرة: ٢٤٠.\n(٢) أخرجه البخاري: ٤٥٣١.","vol":"5","page":397},{"text":"أزواجًا يتربّصن بأنفسهنّ أربعة أشهر وعشْرًا﴾ ولم يقل: يعتَدِدْن في بيوتهن، تعتدُّ حيث شاءت، قال سفيان: قاله لنا ابن جريج كما أخبرنا.\nوقال عبد الرزاق: حدثنا ابن جريج: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: تعتدُّ المتوفّى عنها حيث شاءت.\nوقال عبد الرزاق عن الثوري عن إِسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي أن علي بن أبي طالب -﵁- كان يُرحِّل المتوفَّى عنهن في عدتهن.\nوذكر عبد الرزاق أيضًا، عن محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن طاوس وعطاء، قالا جميعًا: المبتوتة والمتوفَّى عنها تَحُجّان وتعتمران، وتنتقلان وتبييتان\".\nإِلى غير ذلك من الآثار الثابتة بالأسانيد الصحيحة، ثمّ قال (ص ٦٨٦) منه: \"وقال سعيد بن منصور: حدثنا هُشيم: أنبأنا إِسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي أنه سُئل عن المتوفّى عنها: أتخرج في عدتها؟ فقال: كان أكثر أصحاب ابن مسعود أشدّ شيء في ذلك، يقولون: لا تخرج، وكان الشيخ -يعني علي بن أبي طالب ﵁- يُرحلها.\nوقال حماد بن سلمة: أخبرنا هشام بن عروة، أن أباه قال: المتوفّى عنها زوجها تعتدُّ في بيتها إِلا أن ينتوي أهلها فتنتوي معهم.\nوقال سعيد بن منصور: حدثنا هشيم:، أخبرنا يحيى بن مسعود هو الأنصاري، أن القاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، وسعيد بن المسيب قالوا في المتوفّى عنها: لا تبرح حتى تنقضي عِدَّتها.\nوذكر أيضًا عن ابن عُيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء وجابر كلاهما قال","vol":"5","page":398},{"text":"في المتوفّى عنها: لا تخرج\".\nوقال -﵀- (ص ٦٨٦): \"وذكر حماد بن زيد، عن أيوب السَّختياني، عن محمد بن سيرين أن امرأة توفي زوجها وهي مريضة، فنقَلها أهلها، ثمّ سألوا فكُلُّهم يأمرهم أن تُردَّ إِلى بيت زوجها، قال ابن سيرين: فرددناها في نمَط. وهذا قول الإِمام أحمد ومالك والشافعي وأبي حنيفة -﵏- وأصحابهم والأوزاعي وأبي عبيد وإسحاق.\nقال أبو عمر بن عبد البر: وبه يقول جماعة فقهاء الأمصار بالحجاز، والشام، والعراق، ومصر\".\nثمَّ قال (ص ٦٨٧): \"قالوا: ونحن لا نُنكر النزاع بين السلف في المسألة، ولكن السّنة تفصل بين المتنازعين، قال أبو عمر بن عبد البر: أمّا السّنة، فثابتة بحمد الله. وأمّا الإِجماع، فمستغنى عنه مع السّنة، لأن الاختلاف إِذا نزل في مسألة، كانت الحجة في قول من وافَقَتْهُ السّنة (١).\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن الزهري، قال: أخذ المترخّصون في المتوفّى عنها بقول عائشة -﵂-، وأخَذ أهل العزم والورع بقول ابن عمر.\nفإِن قيل: فهل ملازمة المنزل حقٌّ عليها، أو حقٌّ لها؟ قيل: بل هو حقٌّ عليها إِذا ترَكه لها الورثة، ولم يكن عليها فيه ضررٌ، أو كان المسكن لها، فلو حوّلها الوارث، أو طلبوا منها الأجرة، لم يلزمها السكن، وجاز لها التحول.\n_________\n(١) وهذا قول عزيز نفيس؛ يجب أن يعضّ طالب العلم عليه بالنّواجذ، وأنْ يسأل الله -سبحانه- أن يهبه العزيمة القوية في طلب الحق ومعرفة الصواب.","vol":"5","page":399},{"text":"ثمّ اختلف أصحاب هذا القول: هل لها أن تتحول حيث شاءت، أو يلزمها التحول إِلى أقرب المساكن إِلى مسكن الوفاة؟ على قولين. فإِن خافت هدمًا أو غرقًا، أو عدوًا أو نحو ذلك، أو حوَّلها صاحب المنزل لكونه عاريّة رجع فيها، أو بإِجارة انقضت مدتها، أو منَعَها السكنى تعديًا، أو امتنع من إِجارته، أو طلب به أكثر من أجر المِثل، أو لم تجد ما تكتري به، أو لم تجد إِلا من مالها؛ فلها أن تنتقل، لأنها حال عذر، ولا يلزمها بذل أجر المسكن، وإنما الواجب عليها فِعْل السُّكنى لا تحصيل المسكن، وإذا تعذَّرت السّكنى، سقطت. وهذا قول أحمد والشافعي\".\nوقال -﵀- (ص ٦٩١ - ٦٩٢): \"قال الآخرون: ليس في هذا ما يوجب رد هذه السّنة الصحيحة الصريحة التي تلقّاها أمير المؤمنين عثمان بن عفان، وأكابر الصحابة بالقَبول، ونفَّذها عثمان، وحَكَم بها، ولو كنّا لا نقبل رواية النساء عن النّبيّ - ﷺ -، لذهبت سنن كثيرة من سنن الإِسلام لا يُعرف أنه رواها عنه إِلا النساء، وهذا كتاب الله ليس فيه ما ينبغي وجوب الاعتداد في المنزل حتى تكون السّنة مخالفة له، بل غايتها أن تكون بيانًا لحُكمٍ سكَت عنه الكتاب.\nومثل هذا لا تُردُّ به السنن، وهذا الذي حذّر منه رسول الله - ﷺ - بعينه أن تترك السنّة إِذا لم يكن نظير حُكمها في الكتاب.\nوأمَّا ترك أمّ المؤمنين -﵂- لحديث الفُريعة، فلعله لم يبلغها. ولو بَلَغَها فلعلها تأولته، ولو لم تتأوله، فلعله قام عندها معارض له.\nوبكل حال، فالقائلون به في تركهم لتركها لهذا الحديث؛ أعذر من التاركين له لترك أمّ المؤمنين له، فبين التركين فرقٌ عظيم.","vol":"5","page":400},{"text":"وأمّا من قُتل مع النّبيّ - ﷺ -، ومن مات في حياته، فلم يأت قط أن نساءهم كن يعتددن حيث شئن، ولم يأت عنهن ما يُخالف حُكم حديث فُريعة ألبتة، فلا يجوز ترك السنة الثابتة لأمرٍ لا يعلم كيف كان، ولو عُلم أنهن كن يعتددن حيث شئن، ولم يأت عنهن ما يخالف حُكْم حديث الفريعة، فلعل ذلك قبل استقرار هذا الحكم وثبوته حيث كان الأصل براءة الذمة، وعدم الوجوب\".\nوجاء في \"سُبل السلام\" (٣/ ٣٨٥) -بعد حديث فُريعة بنت مالك ﵂-: \"والحديث دليل على أن المتوفى عنها زوجها تعتد في بيتها الذي نوت فيه العدة، ولا تخرج منه إِلى غيره، وإلى هذا ذهب جماعة من السلف والخلف، وفي ذلك عدة روايات وآثار عن الصحابة ومن بعدهم.\nوقال بهذا أحمد والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم. وقال ابن عبد البر: وبه يقول جماعة من فقهاء الأمصار بالحجاز والشام ومصر والعراق، وقضى به عمر بمحضر من المهاجرين والأنصار\".\nوجاء في \"الروضة الندية\" (٢/ ١٥٠): \"وقد ذهَب إِلى العمل بحديث فريعة جماعة من الصحابة فمن بعدهم، وقد روي جواز الخروج للعذر عن جماعة من الصحابة فمن بعدهم، ولم يأت من أجاز ذلك بحجة تصلح لمعارضة حديث فريعة، وغاية ما هناك روايات عن بعض الصحابة وليست بحجة، لا سيما إِذا عارضَت المرفوع\".\nوقال شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٧/ ٢٠٧) في (التحقيق الثاني): \"ثمّ رأيت ابن القيّم قد انتصر لصحة الحديث ... كما انتصر لقول من قال بوجوب العمل به -وهم الجمهور-، ويؤيّده تصحيح من صحّحه من الأئمة دون","vol":"5","page":401},{"text":"مُعارض، وهم الترمذي وابن حبّان وابن الجارود والحاكم والذهبي ... (١) \".\nوجاء في \"الفتاوى\" (٣٤/ ٢٨): \"وسُئل -رحمه الله تعالى- عن امرأة معتدة عدة الوفاة؛ ولم تعتدّ في بيتها بل تخرج في ضرورتها الشرعية: فهل يجب عليها إعادة العدّة؟ وهل تأثم بذلك؟\nفأجاب: العدّة انقضت بمضي أربعة أشهر وعشر من حين الموت، ولا تقضي العدّة. فإِنْ كانت خرجت لأمر يحتاج إِليه ولم تبِتْ إِلا في منزلها فلا شيء عليها، وإِن كانت قد خرجت لغير حاجة وباتت في غير منزلها لغير حاجة، أو باتت في غير ضرورة، أو تركت الإِحداد: فلتستغفر الله وتتوب إِليه من ذلك، ولا إِعادة عليها\".\nوجاء فيه (ص ٢٩): \"وسئل -رحمه الله تعالى- عن رجل توفي وقعدت زوجته في عدته أربعين يومًا؛ فما قدرت تخالف مرسوم السلطان؛ ثمّ سافرت وحضرت إِلى القاهرة، ولم تتزين لا بطيب ولا غيره، فهل تجوز خطبتها؛ أم لا؟\nفأجاب: العدة تنقضي بعد أربعة أشهر وعشرة أيام؛ فإِنْ كان قد بقي من هذه شيء فلتتمه في بيتها، ولا تخرج ليلًا ولا نهارًا إِلا لأمر ضروري؛ وتجتنب الزينة والطيب في بيتها وثيابها، ولتأكل ما شاءت من حلال، وتشم الفاكهة، وتجتمع بمن يجوز لها الاجتماع به في غير العدة؛ لكن إِنْ خطَبها إِنسان لا تجيبه صريحًا، والله أعلم\".\nوفيه (ص ٢٩) أيضًا: \"وسئل -رحمه الله تعالى- عن امرأة عزمت على الحج هي وزوجها، فمات زوجها في شعبان: فهل يجوز لها أن تحج؟\n_________\n(١) انظر المصدر المذكور لبقية الأسماء -إِن شئت-.","vol":"5","page":402},{"text":"فأجاب: ليس لها أن تسافر في العدة عن الوفاة إِلى الحج في مذهب الأئمة الأربعة\". انتهى.\nوفي بعض مجالس شيخنا -﵀- سُئل عن ذهاب امرأة لدرس ديني، وهي في عدَّة الوفاة؟\nفأجاب: لا يجوز للمرأة أن تغادر بيت زوجها خلال عدَّتها إِلا للضرورة، وليس هذا من الضَّرورة.\nوسُئل -﵀- عن ذهابها لصلاة الجماعة؟\nفأجاب: لا تخرج للمسجد؛ للجماعة ولا للجمعة.\nوسُئل -﵀- عن الخروج للمعالجة؟\nفأجاب: إِذا اشتدَّ المرض ولم تتمكَّن من إِحضار الطَّبيبة، فلها ذلك.\nوسئل -﵀-: أين تعتدَّ الزَّوجة؟\nفأجاب: في البيت الذي يأتيها خبر وفاة زوجها، وإذا لم يكن هناك محارم؛ تنتقل لبيت زوجها.\nوالخُلاصة: أن المتوفّى عنها زوجها تلزم بيت الزوجية وتعتدّ فيه إِلا لضرورة، والله -تعالى- أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1553>لا يجوز للمعتدَّة الرَّجعية الخروج إِلا بإِذن زوجها:</span>\nجاء في \"السَّيل الجرَّار\" (٢/ ٣٨٨): \" ... وجهُهُ أنَّها لم تنقطع الزَّوجيَّة بينهما، فقد بقي له طرف منها وبقي لها طرف منه، وذلك إِذا تراجعا. ومعلوم أنَّها إِذا كانت باقية لديه غير مطلقة؛ أنَّها لا تخرج إِلا بإِذنه؛ لأنَّها قد تدعو","vol":"5","page":403},{"text":"حاجته إِليها وهي خارجة عن البيت، وقد يكون عليه في خروجها ما يلحق به غضاضة أو تعتريه بسببه غيرة.\nولهذا صحَّ عن النّبي - ﷺ - من حديث أبي هريرة -﵁- في الصّحيحين وغيرهما أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"لا يحلُّ للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إِلا بإِذنه\" فإِذا كان هذا في الصَّوم الذي هو من أعظم القُرَبِ، فكيف بالخروج؟\nوإِذا عرَفت هذا؛ عرفتَ أنَّه ينبغي لها في أيَّام عدَّة الرَّجعة أنْ لا تخرج إِلا بِإِذن زوجها؛ لأنَّه إذا كان عازمًا على رجعتها لحقه من الغَضَاضَة والغيرة ما يلحقه عليها قبل طلاقها؛ إِلا أنْ يكون الخروج للحاجة ... \" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1554>حِداد المُعْتدَّة:</span>\n*يجوز للمرأة أن تحدّ على قريبها ثلاثة أيام، ويحرم عليها الإِحداد فوق ذلك. أمّا الزوج؛ فيحلّ لها أن تحدّ عليه أربعة أشهر وعشرًا (٢).\nفعن أمِّ عطية -﵂- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: لا تُحدّ امرأة على ميت فوق ثلاث؛ إِلا على زوج؛ أربعة أشهر وعشرًا، ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا؛ إِلا ثوب عَصْب (٣)، ولا تكتحل، ولا تمس طيبًا؛ إِلا إذا طهرت\n_________\n(١) واستدلَّ بالخروج للحاجة بقوله - ﷺ -: \"اخرجي فجدِّي نخلك ... \" ولا شك أن الخروج للحاجة يرجع تقديره للمرأة؛ بتجرُّد وتقوى.\n(٢) منها ثلاثة أيامٍ تلزم السَّواد، لقوله - ﷺ - لأسماء بنت عميس: \"تسلّبي ثلاثًا ... \" انظره وفقهه في \"الصّحيحة\" (٣٢٢٦).\n(٣) العَصْب -بعين مفتوحة ثمّ صاد ساكنة مهملتين-: هو برود اليمن، يُعْصَبُ غزْلها ثمّ يُصبَغ معصوبًا، ثمّ تنسج. ومعنى الحديث: النهي عن جميع الثياب المصبوغة للزينة؛ =","vol":"5","page":404},{"text":"نُبذة (١) من قُسْط (٢) أو أظفار (٣) \" (٤).\nوعن زينب ابنة أبي سلمة قالت: \"لَمّا جاء نعي أبي سفيان من الشام؛ دعت أمّ حبيبة -﵂- بصُفرة (٥) في اليوم الثالث، فمسحت عارضيها (٦) وذراعيها، وقالت: إِني كنتُ عن هذا لغنيَّة؛ لولا أنّي سمعت النّبي - ﷺ - يقول: \"لا يحلُّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحدّ على ميت فوق ثلاث؛ إِلا على زوج؛ فإِنّها تُحدُّ عليه أربعة أشهر وعشرًا\" (٧) * (٨).\n_________\n= إِلا ثوب العصب. \"شرح النووي\".\n(١) النُّبذة: القطعة والشيء اليسير. \"شرح النووي\" أيضًا.\n(٢) القُسط: ضرْبٌ من الطّيب، وفيل: هو العود، والقُسط: عقار معروف في الأدوية طيّب الريح؛ تبخّر به النّفساء والأطفال، وهو أشبه بالحديث؛ لإضافته إلى الأظفار. \"النهاية\".\n(٣) الأظفار: جنس من الطيب، والقطعة منه شبيهة بالظُّفر. \"النهاية\" بحذف.\nقال النووي -﵀-: \"القُسط والأظفار: نوعان معروفان من البخور وليسا من مقصود الطيب، رُخّص فيه للمغتسلة من الحيض؛ لإزالة الرائحة الكريهة، تتبع به أثر الدم لا للتطيُّب. والله -تعالى- أعلم\".\n(٤) أخرجه البخاري: ٥٣٤٢، ومسلم: ٩٣٨.\n(٥) الصُّفرة -في الأصل-: لونٌ أصفر. والمراد هاهنا: نوع من الطّيب فيه صُفرة. قاله العيني في \"عمدة القاري\".\n(٦) العارض: جانب الوجه وصفحة الخدّ.\n(٧) أخرجه البخاري: ١٢٨٠، وتقدّم نحوه.\n(٨) ما بين نجمتين تقدّم في كتابي \"الموسوعة\" في (الجنائز) (٤/ ٦٠).","vol":"5","page":405},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1555>فائدة:</span>\nجاء في \"الفتاوى\" (٣٤/ ٢٧): \"المعتدَّة عدَّة الوفاة تتربَّص أربعة أشهرٍ وعشرًا، وتجتنب الزِّينة والطِّيب في بدنها وثيابها، ولا تتزيَّن، ولا تتطيَّب، ولا تلبس لباس الزِّينة، وتلزم منزلها فلا تخرج بالنَّهار إِلا لحاجة، ولا بالليل إِلا لضرورة، ويجوز لها أنْ تأكل كلّ ما أباحه الله: كالفاكهة واللحم: لحم الذَّكر والأنثى، ولها أكْل ذلك باتِّفاق علماء المسلمين، وكذلك شُرْب ما يُباح من الأشربة ويجوز لها أنْ تلبس ثياب القطن والكتَّان، وغير ذلك مما أباحه الله، وليس عليها أنْ تصنع ثيابًا بيضاء أو غير بيض للعدَّة، بل يجوز لها لبس المقفص (١)؛ لكن لا تلبس ما تتزيَّن به المرأة: مثل الأحمر، والأصفر، والأخضر الصّافي، والأزرق الصَّافي، ونحو ذلك ولا تلبس الحُلِي مِثل الأسورة، والخلاخل، والقلائد، ولا تختضب بحنَّاء ولا غيره؛ ولا يحرم عليها عمل شُغلٍ من الأشغال المباحة: مثل التَّطريز، والخياطة، والغَزْل، وغير ذلك مما تفعله النِّساء.\nويجوز لها سائر ما يُباح لها في غير العِدَّة: مثل كلام من تحتاج إِلى كلامه من الرِّجال إِذا كانت مُستترة، وغير ذلك. وهذا الذي ذكرته هو سُنَّة رسول الله - ﷺ - الذي كان يفعله نساء الصَّحابة إِذا مات أزواجهنّ (ونساؤه - ﷺ -) ... \". والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1556>ماذا إِذا نكحت المرأة في عدَّتها</span>\nإِذا نكحت المرأة في عدَّتها؛ فإِنَّه يُفَرَّق بينهما، ولها الصَّداق بما استحلّ من فرجها، وتكمل ما أفسدت من عدَّة الأوَّل وتعتدّ من الآخر، وذلك لأثر\n_________\n(١) أي المخطَّط.","vol":"5","page":406},{"text":"سليمان بن يسار: أنَّ طليحة الأسديَّة كانت تحت رشيد الثَّقفي، فطلَّقها، فنَكَحت في عدَّتها، فضربها عمر بن الخطَّاب -﵁-، وضرب زوجها بالمِخفقة (١) ضربات، وفرَّق بينهما، ثمَّ قال عمر بن الخطَّاب: \"أيّما امرأة نكحَت في عدّتها، فإِن كان زوجها الذي تزوَّجها لم يدخل بها، فرِّق بينهما، ثمّ اعتدَّت بقيَّة عدَّتها من زوجها الأوَّل، ثمَّ كان الآخر خاطبًا من الخطَّاب، وإن كان دخل بها، فرَّق بينهما، ثمَّ اعتدَّت بقيَّة عدَّتها من الأوَّل ثمَّ اعتدَّت من الآخر، ثمَّ لا يجتمعان أبدًا؟ قال سعيد: ولها مهرها بما استحلَّ منها\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1557>نَفَقَة المُعْتَدَّة</span>\nإِذا كانت عدّة المرأة رجعية فإِنها تجب لها السكنى والنفقة لقوله - ﷺ - لفاطمة بنت قيس -﵂-: \"إِنّما النفقة والسُّكنى للمرأة إِذا كان لزوجها عليها الرجعة\" (٣).\nوإذا كانت مبتوتة فلا نفقة لها ولا سُكْنى (٤)، كما في حديث فاطمة بنت قيس -﵂- المتقدم، وفي رواية عنها: \"أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة وهو غائب. فأرسل إِليها وكيله بشعير. فسخطته، فقال: والله! ما لكِ\n_________\n(١) المِخفقة: الدِّرّة، وهي التي يُضرب بها.\n(٢) أخرجه مالك في \"الموطَّأ\" وصحَّحه شيخنا -﵀- في \"الإرواء\" (٢١٢٤).\n(٣) أخرجه أحمد والنسائي \"صحيح سنن النسائى\" (٣١٨٦) وغيرهما، وانظر \"الصحيحة\" (١٧١١).\n(٤) وانظر -إِن شئت المزيد- ما جاء في \"تهذيب السنن\" لابن القيّم -﵀- مع \"عون المعبود\" (٦/ ٢٧٧).","vol":"5","page":407},{"text":"علينا من شيء. فجاءت رسول الله - ﷺ - فذكرت ذلك له. فقال: \"ليس لكِ عليه نفقة\" (١).\nوفي رواية: \"لا نفقة لك ولا سُكنى\" (٢).\nأمَّا قوله -تعالى-: ﴿أسكنوهن من حيث سكنتم مِن وُجْدِكم﴾ (٣) فهذا سياقه في الرجعيَّة، كما ذكَر ابن القيّم -﵀- في \"تهذيب السنن\" (٤).\nولا نفقة للمبتوتة إِلا أن تكون حامِلًا؛ لقوله - ﷺ -: \"لا نفقة لك؛ إِلا أن تكوني حاملًا\" (٥).\nولا نفقة للمعتدة من وفاة إِلا أنْ تكون حاملًا كذلك.\nجاء في \"الروضة\" (٢/ ١٦٥): \" ... ولا في عدّة الوفاة؛ فلا نفقة ولا سُكنى إِلا أن تكونا حاملتين؛ لعدم وجود دليلٍ يدلّ على ذلك في غير الحامل، ولا سيّما بعد قوله -صلى الله عديه وآله وسلم-: \"إِنما النفقة والسُّكنى للمرأة إِذا كان لزوجها عليها الرجعة، فإِذا لم يكن عليها رجعة فلا نفقة ولا سكنى\" (٦).\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ١٤٨٠.\n(٢) أخرجه مسلم: ١٤٨٠.\n(٣) الطلاق: ٦.\n(٤) انظر التفصيل في \"العون\" (٦/ ٢٧٨).\n(٥) أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي، ورواه مسلم بمعناه، وصححه شيخنا -﵀- في \"الإرواء\": (٢١٦٠).\n(٦) تقدم تخريجه قبل سطور.","vol":"5","page":408},{"text":"وفيه (ص ١٦٦): \"ويؤيده أيضًا تعليل الآية المتقدمة بقوله -تعالى-: ﴿لا تدري لعلّ الله يُحدِثُ بعد ذلك أمرًا﴾ (١) وهو الرجعة، ولم يبق في عدة الوفاة ذلك الأمر.\nويفيده أيضًا مفهوم الشرط في قوله -تعالى-: ﴿وإنْ كنّ أولاتِ حملٍ فأنفقوا عليهنّ حتّى يضعن حملهنّ﴾ (٢) وهي أيضًا تدل على وجوب النفقة للحامل سواء كانت في عدة الرجعي، أو البائن، أو الوفاة، وكذلك يدل على ذلك قوله - ﷺ - لفاطمة بنت قيس: \"لا نفقة لكِ إلاَّ أن تكوني حاملًا\" (٣).\nوقال في الصفحة نفسها: \"وينبغي أن يُقيَّد عدم وجوب السكنى لمن في عدة الوفاة؛ بما تقدّم في وجوب اعتدادها في البيت الذي بلَغها موت زوجها وهي فيه، فإِنَّ ذلك يفيد أنها إِذا كانت في بيت الزوج؛ بقيت فيه حتى تنقضي العدة؛ ويكون ذلك جمعًا بين الأدلة؛ من باب تقييد المطلق، أو تخصيص العام فلا إِشكال\".\nوفيه (ص ١٦٧): \"الحقُّ أنّ المتوفى عنها زوجها لا تستحق في عدة الوفاة لا نفقة، ولا سكنى، سواء كانت حاملًا أو حائلًا؛ لزوال سبب النفقة بالموت، واختصاص آية السكنى بالمطلَّقة رجعيًا، واختصاص آية إِنفاق الحامل بالمطلَّقة ... فإِذا مات وهي في بيته اعتدت فيه لا لأنَّ لها السُّكنى؛ بل لوجوب الاعتداد عليها في البيت الذي مات وهي فيه\".\n_________\n(١) الطلاق: ١.\n(٢) الطلاق: ٦.\n(٣) تقدَّم قبل سطور.","vol":"5","page":409},{"text":"وقال -﵀- (ص ١٦٧) أيضًا: \"فتقرر بمجموع ما ذُكِر أن المتوفّى عنها مطلقًا؛ كالمطلقة بائنًا، إِذا لم تكن المطلقة بائنًا حاملًا في عدم وجوب النفقة والسكنى، فإِنْ كانت المطلقة بائنًا حاملًا؛ فلها النفقة ولا سُكنى لها.\nوأمّا المطلقة الرجعية فلها النفقة والسكنى سواء كانت حاملًا أو حائلًا. وأمّا المطلقة قبل الدخول فلا عدة عليها؛ فالنفقة ساقطة بلا ريب، وكذلك السكنى، والمتعة المذكورة لها في القرآن هي عِوَض عن المهر.\nوالملاعِنة لا نفقة لها ولا سكنى؛ لأنها إِنْ كانت المطلقة بائنًا كانت مثلها في ذلك، وإن كانت المتوفى عنها زوجها فكذلك ... \".","vol":"5","page":410},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1558>الحضانة</span>","vol":"5","page":411},{"text":"الحِضانة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1559>تعريفها:</span>\nالحِضانة: -بكسْر الحاء المهملة- مصدر من حضن الصبي حضنًا وحضانة: جَعَلَه في حضنه، أو ربّاه فاحتضنه، والحِضْن -بكسر الحاء- هو ما دون الإِبط إِلى الكشح (١) والصدر: أو العضدان وما بينهما، وجانب الشيء أو ناحيته؛ كما في \"القاموس\".\nوفي الشرع: حِفظ من لا يستقل بأمره وتربيته ووقايته عمَّا يهلكه أو يضره (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1560>الحِضانة حقٌّ مشترك </span>(٣):\nالحِضانة حقٌّ للصغير، لاحتياجه إِلى مَن يرعاه، ويحفظه، ويقوم على شؤونه، ويتولى تربيته، ولأمِّه الحقّ في احتضانه كذلك، لقول الرسول - ﷺ -: \"أنت أحقُّ به\" (٤).\nوإذا كانت الحِضانة حقًَّا للصغير، فإِن الأمّ تُجبر عليها إذا تعيَّنَت، بأن يحتاج الطفل إِليها، ولم يوجد غيرها، كيلا يضيع حقّه في التربية والتأديب، فإِن لم تتعين الحضانة، بأن كان للطفل جدّة، ورضيت بإِمساكه، وامتنعت الأمّ، فإِنَّ حقّها في الحضانة يسقط بإِسقاطها إِياه، لأن الحضانة حقٌّ لها.\n_________\n(١) وهو ما بين الخاصرة والضُّلوع.\n(٢) انظر \"سبل السلام\" (٣/ ٤٢٩).\n(٣) عن \"فقه السنّة\" (٣/ ١٠٦).\n(٤) جزء من الحديث الآتي تخريجه إِن شاء الله -تعالى-.","vol":"5","page":413},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1561>الأولى بحضانة الطفل أُمّه ما لم تنكح:</span>\nالأولى بالطفل أمُّه ما لم تنكح؛ فعن عبد الله بن عمرو \"أنّ امرأة قالت: يا رسول الله إِنّ ابني هذا كان بطني له وعاءً وثديي له سقاءً، وحِجري (١) له حواءً (٢)، وإنّ أباه طلَّقني، وأراد أن ينتزعه منّي. فقال لها رسول الله - ﷺ -: أنتِ أحقُّ به ما لم تنكحي\" (٣).\nوجاء في \"الرّوضة\" (٢/ ١٨٣): \"وقد وقع الإِجماع على أنّ الأمّ أولى بالطّفل من الأب.\nوحكى ابن المنذر الإِجماع: \"على أن حقّها يبطل بالنّكاح، وقد رُوي عن عثمان أنّه لا يبطل بالنّكاح؛ وإليه ذَهَب الحسن البصري، وابن حزم، واحتجّوا ببقاء ابن أمّ سلمة في كفالتها بعد أن تزوّجت بالنّبي - ﷺ -.\nويجاب عن ذلك؛ بأنّ مجرَّد البقاء مع عدم المنازع لا يُحتجُّ به؛ لاحتمال أنّه لم يبق له قريب غيرها ... \".\nوانظر للمزيد من الفائدة -إن شئت- ما جاء في \"الصّحيحة\" تحت الحديث (٣٦٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1562>حضانة الأب:</span>\nوفي الحديث المتقدّم: \" ... وإنّ أباه طلّقني، وأراد أن ينتزعه منّي، فقال\n_________\n(١) أي حضني.\n(٢) أي يضمّه ويجمعه.\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٩٩١) وحسَّنه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٢١٨٧).","vol":"5","page":414},{"text":"لها رسول الله - ﷺ -: أنت أحقُّ به ما لم تنكحي\" دليل على حضانة الأب بعد الأم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1563>إِذا بلغ الصّبي سنَّ التمييز خُيِّر بين أبويه:</span>\nعن أبي هريرة -﵁- قال: \"إِنَّ امرأة جاءت رسول الله - ﷺ -، فقالت: فداك أبي وأمّي، إِنّ زوجي يريد أن يذهب بابني، وقد نَفَعَني وسقاني من بئر أبي عِنبة (١) فجاء زوجها وقال: من يخاصمني في ابني؟ فقال: يا غلام! هذا أبوك، وهذه أمّك، فخذ بيد أيّهما شِئتَ. فأخَذ بيد أمّه، فانطلقَت به\" (٢). قال الخطّابي في \"المعالم\": هذا في الغلام الذي قد عقل واستغنى عن الحضانة، وإذا كان كذلك؛ خُيِّرَ بين والديه (٣).\nوقال شيخنا -﵀- في التعليق على \"الرّوضة\" (٢/ ٣٣٨) في التخيير: \"وينبغي أن لا يكون هذا على إِطلاقه، بل يقيّد بما إِذا حصلت به مصلحة الولد؛ وإلا فلا يلتفت إِلى اختيار الصّبي، لأنه ضعيف العقل، وتفصيل هذا في الزاد\" انتهى.\nوإِليك -يرحمني الله وإيّاك- كلام ابن القيّم الذي أشار إِليه شيخنا\n_________\n(١) أي: أظهرت حاجتها إلى الولد، ولعلَّ محمل الحديث بعد مدّة الحضانة مع ظهور حاجة الأمِّ إلى الولد، واستغناء الأب عنه، مع عدم إِرادته إِصلاح الولد، قاله السندي كما في \"عون المعبود\" (٦/ ٢٦٦).\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٩٩٢)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (١٠٩٤)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٩٠٣)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٣٢٧١)، واللفظ له. وصححه شيخنا -﵀- في \"الإرواء\" (٩٩٢).\n(٣) انظر \"عون المعبود\" (٦/ ٢٦٦).","vol":"5","page":415},{"text":"-رحمهما الله تعالى- في \"زاد المعاد/ (٤/ ٤٧٥): \"فمن قدّمناه بتخيير أو قرعة أو بنفسه، فإِنما نقدِّمه إِذا حصَلت به مصلحة الولد، ولو كانت الأمُّ أصون من الأب وأغير منه قُدّمت عليه، ولا التفات إِلى قُرعة ولا اختيار الصّبي في هذه الحالة، فإِنه ضعيف العقل يؤثر البطالة واللعب، فإِذا اختار من يساعده على ذلك، لم يُلتَفت إِلى اختياره، وكان عند من هو أنفع له وأخير، ولا تحتمل الشريعة غير هذا، والنبي - ﷺ - قد قال: \"مروهم بالصلاة لسبع، واضربوهم على تركها لعشرٍ، وفرِّقوا بينهم في المضاجع\" (١) والله -تعالى- يقول: ﴿يا أيُّها الذين آمنوا قُوا أَنْفسَكُمْ وأهْلِيكُمْ نارًا وَقُودُهَا النَّاسُ والحِجَارَةُ﴾ (٢).\nوقال الحسن: علِّموهم وأدِّبوهم وفقِّهوهم، فإِذا كانت الأمُّ تتركه في المكتب، وتُعلِّمه القرآن، والصّبيّ يُؤْثِر اللعب ومعاشرة أقرانه، وأبوه يمكنه من ذلك، فإِنها أحقّ به بلا تخيير، ولا قرعة، وكذلك العكس، ومتى أخلّ أحد الأبوين بأمر الله ورسوله في الصّبيّ وعطّله، والآخر مُراعٍ له، فهو أحقّ وأولى به.\nوسمعت شيخنا -﵀- يقول: تنازع أبوان صبيًّا عند بعض الحكّام، فخيّره بينهما، فاختار أباه، فقالت له أمّه: سله لأي شيء يختار أباه، فسألَه، فقال: أمّي تبعثني كلّ يوم للكتاب، والفقيه يضربني، وأبي يتركني للّعب مع الصبيان، فقضى به للأمّ. قال: أنت أحقُّ به.\nقال شيخنا: \"وإذا ترك أحد الأبوين تعليم الصبي، وأمْره الذي أوجبه الله\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٤٦٦)، وغيرهم وانظر \"الإِرواء\" (٢٤٧).\n(٢) التحريم: ٦.","vol":"5","page":416},{"text":"عليه، فهو عاصٍ ولا ولاية له عليه، بل كل من لم يقم بالواجب في ولايته، فلا ولاية له، بل إِمّا أن تُرفع يده عن الولاية ويقام من يفعل الواجب، وإمَّا أن يُضمّ إِليه من يقوم معه بالواجب، إِذ المقصود طاعة الله ورسوله بحسب الإِمكان\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1564>الاقتراع على الولد:</span>\nعن هلال بن أسامة: أنَّ أبا ميمونة سليم (١) مولى مِن أهل المدينة -رجلُ صِدْقٍ- قال: بينما أنا جالس مع أبي هريرة، جاءته امرأة فارسية، معها ابن لها، فادعياه، وقد طلَّقها زوجها، فقالت: يا أبا هريرة -﵁- ورطنت له بالفارسية - زوجي يريد أن يذهب بابني، فقال أبو هريرة -﵁-: استهِما (٢) عليه -ورطن لها بذلك- فجاء زوجها فقال: من يُحاقّني (٣) في ولدي؟ فقال أبو هريرة: اللهمّ! إِني لا أقول هذا، إِلا أنّي سمعتُ امرأةً جاءت إِلى رسول الله - ﷺ -، وأنا قاعد عنده، فقالت: يا رسول الله، إِنّ زوجي يريد أن يذهب بابني، وقد سقاني من بئر أبي عِنبة، وقد نفَعَني، فقال رسول الله - ﷺ -: \"استهِما عليه\" فقال زوجها: من يحاقّني في ولدي؟ فقال النبي - ﷺ -: هذا أبوك، وهذه أمّك، فخذ بيد أيّهما شئت فأخذ بيد أمّه، فانطلَقَت به\" (٤).\nقال ابن القيم -﵀- في \"زاد المعاد\" (٥/ ٤٦٨) -ناقلًا أقوال العلماء-:\n_________\n(١) أي: اقترعا عليه.\n(٢) أي: ينازعني.\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٩٩٢)، والنسائي، والدارمي، وغيرهم، وانظر \"الإِرواء\" (٢١٩٢)، وتقدم مختصرًا غير بعيد.\n(٤) قال في \"تهذيب التهذيب\": \"قيل اسمه: سليم؛ وقيل: سلمان؛ وقيل: أسامه\".","vol":"5","page":417},{"text":"\"قد ثبَت التخيير عن النبي - ﷺ - في الغلام من حديث أبي هريرة، وثبت عن الخلفاء الراشدين، وأبي هريرة، ولا يعرف لهم مخالف في الصحابة ألبتة، ولا أنكَره مُنكِر. قالوا: وهذا غاية في العدل الممكن، فإِنّ الأمّ إِنما قُدِّمت في حال الصغر لحاجة الولد إِلى التربية والحمل والرضاع والمداراة التي لا تتهيأ لغير النساء، وإِلا فالأمّ أحد الأبوين، فكيف تُقدّم عليه؟ فاذا بلغ الغلام حدًّا يُعرِب فيه عن نفسه، ويستغني عن الحمل والوضع وما تعانيه النساء، تساوى الأبوان، وزال السبب الموجب لتقديم الأمّ، الأبوان متساويان فيه، فلا يُقدَّم أحدهما إِلا بمرجِّح، والمرجِّح إِمّا من خارج، وهو القرعة، وإمّا من جهة الولد، وهو اختياره.\nوقد جاءت السُّنة بهذا وهذا، وقد جمَعَهما حديث أبي هريرة، فاعتبرناهما جميعًا، ولم ندفع أحدهما بالآخر، وقدَّمنا ما قدَّمه النبي - ﷺ -، وأخَّرنا ما أخَّره، فقدّم التخيير، لأنَّ القرعة إِنما يصار إِليها إِذا تساوت الحقوق من كل وجه، ولم يبق مُرجِّح سواها، وهكذا فَعَلْنا ها هنا؛ قدَّمنا أحدهما بالاختيار، فإِن لم يختر، أو اختارهما جميعًا، عَدَلْنا إِلى القرعة، فهذا لو لم يكن فيه موافقة السنة، لكان مِن أحسن الأحكام، وأعدلها، وأقطعها للنزاع بتراضي المتنازعين.\nوفيه وجه آخر في مذهب أحمد والشافعي: أنه إِذا لم يختر واحدًا منهما كان عند الأمِّ بلا قرعة، لأن الحضانة كانت لها، وإنما ننقله عنها باختياره، فإِذا لم يختر، بقي عندها على ما كان. انتهى.\nوعن رافع بن سنان: \"أنه أسلم، وأبت امرأته أن تسلم، فأتت النبي - ﷺ -، فقالت: ابنتي وهي فطيم -أو شبهه- وقال رافع: ابنتي، فقال له النبي - ﷺ -: اقعدْ ناحية، وقال لها: اقعدي ناحية، قال: وأقعَد الصبيَّة بينهما، ثم قال:","vol":"5","page":418},{"text":"ادعُواها، فمالت الصبية إِلى أمِّها، فقال النبي - ﷺ -: اللهم اهدها، فمالت الصبيَّة إِلى أبيها فأخَذَها\" (١).\nوعن عبد الرحمن بن غَنْم قال: \"شهدت عمر خيّر صبيَّا بين أبيه وأمِّه\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1565>ضابط باب الحضانة:</span>\nوفي ضابط باب الحضانة أقوال عديدة (٣)، وفيه بَسْط وتفصيل، وجاء في \"زاد المعاد\" (٥/ ٤٥٠): \"وقد ضبط هذا البابَ شيخُنا -شيخ الإِسلام ابن تيمية- بضابط آخر فقال: أقرب ما يضبط به باب الحضانة أن يقال: لما كانت الحضانة ولاية تعتمد الشفقة والتربية والملاطفة؛ كان أحقّ الناس بها أقومَهم بهذه الصفات، وهم أقاربه يقدّم منهم أقربهم إليه وأقومُهم بصفات الحضانة، فإِنِ اجتمع منهم اثنان فصاعدًا، فإِن استوت درجتهم قُدِّم الأنثى على الذكر. فتُقدَّم الأمّ على الأب، والجدة على الجد، والخالة على الخال، والعمَّة على العم، والأُخت على الأخ، فإِن كانا ذكَرين أو أُنثيين؛ قُدِّم أحدهما بالقرعة يعني مع استواء درجتهما. وإِنِ اختلفت درجتهما من الطِّفل فإِنْ كانوا مِن جِهةٍ واحدة، قُدِّم الأقرب إِليه، فتُقدَّم الأخت على ابنتها، والخالة على خالة الأبوين، وخالة الأبوين على خالة الجد والجدة، والجد أبو الأم على الأخ للأمّ.\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٩٦٣)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٩٠٤)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٣٢٧٠).\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" وصححه شيخنا -﵀- في \"الإرواء\" (٢١٩٤).\n(٣) راجع -إِن شئت المزيد- \"زاد المعاد\" (٥/ ٤٣٢).","vol":"5","page":419},{"text":"هذا هو الصحيح؛ لأن جهة الأبوة والأمومة في الحضانة أقوى من جهة الأخوة فيها. وقيل: يقدم الأخ للأم؛ لأنه أقوم من أب الأم في الميراث. والوجهان في مذهب أحمد\".\nوجاء في \"السيل الجرّار\" (٢/ ٤٣٨): \"والحاصل أنّ الحقّ في الحضانة للأمّ ثم للخالة، فإِنْ عُدما فالأب أولى بولده يضعه حيث يشاء من قرائبه أو غيرهن. وإذا وقع النزاع بينه وبين الأمّ أو الخالة؛ كان الحَكَم ما تقدم في الأحاديث كما بيَّنَّا.\nوإذا كان الأب لا يُحسِن حضانة ولده، أَو ليس ممن يقوم برعاية مصالحه؛ كان للحاكم أَن يُعيِّن من يحضنه من قرائبه أَو غيرهن. وهكذا إِذا كان الأب غير موجود\" انتهى.\nوالحاصل أنَّ الأمر يدور حول مصلحة الولد وإحسان حضانته وتنشئته، وللحاكم أن يقدّر ذلك، وله فصْل النزاع بما يراه، فهو يختار من هو مَظِنَّةُ الحُنوِّ والرِّعاية، وهو الذي يُرجّح الأفضل في ضوء الكلام المتقدّم. والله -تعالى- أعلم (١).\nتمَّ بحمد الله -تعالى- وتوفيقه.\nانتهيتُ مِن مقابلته وتصحيحه والنَّظر فيه يوم الأحد\nفي /١٠/ربيع ثانٍ/ ١٤٢٥ هـ\n_________\n(١) انظر للمزيد من الفائدة في هذا المبحث -إِن شئت- \"المحلى\" (١١/ ٧٤٢ - ٧٦٢)، و\"المغني\" (٩/ ٢٩٧ - ٣١٣)، و\"الفتاوى\" (٣٤/ ١٠٧ - ١٣٥)، و\"السيل الجرّار\" (٢/ ٤٣٦ - ٤٤٤)، و\"سبل السلام\" (٣/ ٤٢٩).","vol":"5","page":420},{"text":"الموسوعة الفقهية الميسرة\nفي\nفقه الكتاب والسنة المطهرة\nالجزء السادس\nكتابُ الحدود والجنايات والقصاص والديات والضمان والقسامة والتعزير\nبقلم\nحسين بن عودة العوايشة\nالمكتبة الإسلامية\nدار ابن حزم","vol":"6","page":1},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم","vol":"6","page":2},{"text":"الموسوعة الفقهية الميسرة\nفي\nفقه الكتاب والسنة المطهرة","vol":"6","page":3},{"text":"جميع الحقوق محفوظة للمؤلف\nالطبعة الأولى\n١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م\nالمكتبة الإسلامية\nص ب: (١١٣) الجبهية؛ هاتف ٥٣٤٢٨٨٧\nعمَّان - الأردن\nدار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع\nبيروت - لبنان - ص ب: ٦٣٦٦/ ١٤ - تليفون: ٧٠١٩٧٤","vol":"6","page":4},{"text":"-[مقدّمة المؤلف]-\nإِنّ الحمد لله، نحمَدُه ونستعينهُ ونستغفِرُه، ونعوذُ بالله من شرور أَنفُسِنا، وسيِّئاتِ أعمالِنا، من يَهدِه الله فَلا مُضِلَّ لهُ، ومَن يُضْلل فلا هاديَ لهُ.\nوأَشهَد أنْ لا إله إِلاَّ الله، وحدَه لا شريكَ له، وأَشْهَدُ أنَّ محمدًا عَبدهُ ورَسولهُ.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١).\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢).\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٣).\nأمَّا بعد:\nفإِنَّ أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدْي محمّد، وشرّ الأمور مُحدثاتها، وكلَّ مُحدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة، وكلَّ ضلالة في النَّار،\n_________\n(١) آل عمران: ١٠٢.\n(٢) النساء: ١.\n(٣) الأحزاب: ٧٠ - ٧١.","vol":"6","page":5},{"text":"فهذا هو الجزء السادس من كتابي \"الموسوعة الفقهيّة الميسّرة في ضوء الكتاب والسّنة المطهرة\" قد تضمّن كتاب الحدود والردّة والزندقة والحِرابة والجنايات والقِصاص والدِّيات والضمان والقسامة والتعزير.\nوأنا ماضٍ على منهجي نفسه؛ في الانتفاع مِن كتب الفقه؛ مفيدًا من علماء الأمّة، مع تحرّي الدليل من الكتاب والسّنة وآثار السلف الصالح.\nومازلت أستفيد من ترتيب السيد سابق -رحمه الله تعالى- من عناوينه وأدلّته -كما سبقَت الإِشارة من قبل- وكما هو الحال في إِفادتي من كتب شيخنا -﵀- وتحقيقاته وتخريجاته.\nوأسأل الله -﵎- أن يتقبّل منّي عملي، وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وألا يجعل لأحدٍ فيه شيئًا.\nوأسأله -سبحانه- أن ينفع بي وأن يجعلني مفتاحًا للخير، مغلاقًا للشرّ، وأن يحشرني مع الذين أنعم الله عليهم؛ من النبيّين والصّدّيقين والشهداء والصالحين، وحسُن أولئك رفيقًا.\nوكتب:\nحسين بن عودة العوايشة\nعمّان- ٤ جمادى الآخرة ١٤٢٦ هـ","vol":"6","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1566>الحدود</span>","vol":"6","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1567>الحدود</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1568>تعريفها:</span>\nجمع حدّ وأصْله في اللغة ما يُحجَز به بين شيئين فيمنع اختلاطهما، وسميت هذه العقوبات حدودًا لكونها تمنع عن المعاودة، ويطلق الحد على التقدير.\nوهذه الحدود مقدرة من الشارع، ويُطلقَ الحد على نفس المعاصي، نحو قوله -تعالى-: ﴿تلك حدود الله فلا تقربوها﴾ (١).\nوعلى فِعْلٍ فيه شيء مُقدّر (٢)، نحو قوله: ﴿ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه﴾. (٣).\nواصطلاحًا: هي عقوبة مقدّرة؛ وجبَت حقًّا لله -سبحانه- لتمنع من الوقوع في محارم الله -تعالى- وتزجره بعد الوقوع كذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1569>جرائم الحدود:</span>\n\"قرّر الكتابُ والسّنّة عقوبات محدّدة لجرائم معينة تسمّى \"جرائم الحدود\" وهذه الجرائم هي: الزنا، والقذف والسرقة والسُّكر والمحاربة والردة والبغي، فعلى من ارتكب جريمة من هذه الجرائم عقوبة محدّدة قرّرها الشارع\" (٤). وسيأتي التفصيل في موضعه -إِن شاء الله تعالى-.\n_________\n(١) البقرة: ١٨٧.\n(٢) \"سبل السلام\" (٤/ ٣).\n(٣) الطلاق: ١.\n(٤) عن \"فقه السنة\" (٣/ ١٢٣).","vol":"6","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1570>وجوب إِقامة الحدود:</span>\nعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"حدٌّ يُعْمل به في الأرض؛ خير لأهل الأرض من أن يُمْطَرُوا أربعين صباحًا\" (١).\n*وكلّ عملٍ من شأنه أن يُعطِّل إِقامة الحدود؛ فهو تعطيل لأحكام الله ومحاربة له؛ لأنّ ذلك من شأنه إِقرار المنكَر وإِشاعة الشر* (٢).\nوقد نهى الله -تعالى- عباده المؤمنين أن تأخذهم الرأفة في دينه قال -سبحانه -: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كلَّ واحد منهما مائة جلدةٍ ولا تأخُذكم بهما رأفة في دين الله إِن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين﴾ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1571>تحريم الشفاعة في الحدود إِذا بلغت السلطان:</span>\nعن عبد الله بن عمر -﵁- قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"من حالت شفاعته دون حدّ من حدود الله فقد ضادّ الله في أمره\" (٤).\nوعن عائشة -﵂- أنّ قريشًا أهمّتهم (٥) المرأة المخزومية التي\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢٠٥٧)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٤٥٥٤)، وانظر \"الصحيحة\" (٢٣١).\n(٢) ما بين نجمتين عن \"فقه السنة\" (٣/ ١٢٧).\n(٣) النور: ٢.\n(٤) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٠٦٦)، وانظر \"الصحيحة\" (٤٣٧)، و\"الإِرواء\" (٢٣١٨).\n(٥) أهمتهم المرأة: أي أجلبت إليهم همًّا أو صيّرتهم ذوي همّ؛ بسبب ما وقع منها، يقال: أهمّني الأمر أي: أقلقني. \"فتح\".","vol":"6","page":10},{"text":"سرَقَت فقالوا: من يكلّم فيها رسول الله - ﷺ - ومن يجترئ (١) عليه إِلا أُسامة حبُّ (٢) رسول الله - ﷺ -؟ فكلّم رسولَ الله - ﷺ - فقال: أتشفعُ في حدٍّ من حدود الله؟\nثمّ قام فخطب فقال: يا أيها النّاس إِنما ضلَّ من كان قبلكم أنهم كانوا إِذا سرق الشريف تركوه، وإِذا سرق الضعيف، [وفي رواية (٣): الوضيع (٤)] فيهم أقاموا عليه الحدَّ، وأيم (٥) الله لو أنّ فاطمة بنت محمّد سرقت لقطعَ محمّد يدها\" (٦).\nوقد وجّهنا النبي - ﷺ - إِلى العفو وعدم رفْع الحدود إِلى الأئمّة.\nفعن عبد الله بن عمرو بن العاص -﵁- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"تعافوا (٧)\n_________\n(١) من يجترئ: مِن الجُرأة، وهي الإقدام بإدلال. \"الفتح\" أيضًا.\n(٢) الحِبّ: المحبوب.\n(٣) انظر \"صحيح البخاري\" (٦٧٨٧).\n(٤) مِن الوضع، وهو النقص. \"فتح\".\n(٥) أيم الله من ألفاظ القسم، كقولك لعمر الله وعهد الله، وفيها لغات كثيرة، وتُفتَح همزتها وتُكسر، وهمزتها وصْل، وقد تُقْطع، وأهل الكوفة من النحاة يزعمون أنها جمع يَمين، وغيرهم يقول: هي اسمٌ موضوعٌ للقسم. \"النهاية\".\n(٦) أخرجه البخاري؛ ٦٧٨٨، ومسلم: ١٦٨٨.\n(٧) جاء في \"عون المعبود\" (١٢/ ٢٦): \"تعافوا: أمر من التعافي، والخطاب لغير الأئمّة. الحدود: أي تجاوزوا عنها ولا ترفعوها إليّ فإنيّ متى علمتها أقمتها\". قاله السيوطي. \"فما بلغني مِن حدٍّ فقد وجب\" أي: فقد وجب عليّ إقامته. وفيه أن الإِمام لا يجوز له العفو عن حدود الله إذا رُفِع الأمر إِليه\".","vol":"6","page":11},{"text":"الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حدّ فقد وجَبَ\" (١).\nوعن صفوان بن أميّة قال: \"كنت نائمًا في المسجد عليّ خميصةٌ لي ثمنُ ثلاثين درهمًا، فجاء رجل فاختلسَها مني، فأُخِذَ الرجل، فأُتي به رسول الله - ﷺ -، فأَمَر به ليُقطَع.\nقال: فأتيته، فقلت: أتقطعه من أجل ثلاثين درهمًا، أنا أبيعه وأنسئه ثمنها؟ قال: فهلاّ كان هذا قبل أن تأتيني به\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1572>درء الحدود بالشُّبهات:</span>\nعن ابن مسعود -﵁- قال: \"ادرؤوا الحدود والقتْل عن المسلمين ما استطعتم\" (٣).\nوعن ابن عباس -﵄- قال: \"لما أتى ماعزُ بن مالكٍ النّبيّ - ﷺ - قال له: لعلّك قبَّلت أو غمزْتَ أو نَظَرْت؟\nقال: لا يا رسول الله: قال: أنِكْتَها؟ -لا يُكنّي- قال: فعنْد ذلك أمَر برجْمه\" (٤).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٦٨٠)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٤٥٣٩)، و\"المشكاة\" (٣٥٦٨).\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٦٩٣)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢١٠٣)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٤٥٣٢)، وصححه شيخنا -﵀ - في \"الإِرواء\" (٢٣١٧).\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة والبيهقي وقال شيخنا -﵀- في \"الإرواء\" (٨/ ٢٦): \"حسن الإِسناد\".\n(٤) أخرجه البخاري (٦٨٢٤).","vol":"6","page":12},{"text":"وبوّب الإِمام البخاري -﵀- لهذا الحديث بقوله: (باب هل يقول الإِمام للمُقرّ: لعلّك لمسْتَ أو غمزْت): جاء في \"الفتح ... \"هذه الترجمة معقودةٌ لجواز تلقين الإِمام المقرَّ بالحدّ ما يدفعه عنه ... \" (١).\nعن بريدة -﵁- قال: \"جاء ماعز بن مالك إِلى النّبيّ - ﷺ - فقال: يا رسول الله! طهِّرني. فقال: ويحك ارجع فاستغفر الله وتب إِليه.\nقال: فرجع غير بعيد، ثمّ جاء فقال: يا رسول الله طهِّرني. فقال رسول الله - ﷺ -: ويحك ارجْع فاستغفر الله وتب إِليه.\nقال: فرجع غير بعيد، ثمّ جاء فقال: يا رسول الله طهِّرني، فقال النّبيّ - ﷺ - مثل ذلك حتى إِذا كانت الرابعة قال له رسول الله - ﷺ -: فِيمَ أطهرك؟ فقال: من الزنى.\nفسأل رسول الله - ﷺ -: أبه جنون؟ فأخْبر أنه ليس بمجنون. فقال: أشَرِب خمرًا، فقام رجل فاسْتَنْكَهَه (٢) فلم يجد منه ريح خمر. فقال رسول الله - ﷺ -: أزنيت؟ فقال نعم، فأمر به فرُجم.\nفكان النّاس فيه فرقتين: قائل يقول: لقد هلك، لقد أحاطتْ به خطيئته، وقائل يقول: ما توبة أفضل من توبة ماعزٍ: أنّه جاء إِلى النّبيّ - ﷺ - فوضع يده في يده ثمّ قال: اقتلني بالحجارة.\nقال: فلبثوا بذلك يومين أو ثلاثة. ثمّ جاء رسول الله - ﷺ - وهم جلوس\n_________\n(١) وتتمة القول: \"وخصّه بعضهم بمن يظن به أنه أخطأ أو جهل\". ولا دليل على هذا.\n(٢) أي شم رائحة فمه \"النووي\".","vol":"6","page":13},{"text":"فسلَّم ثمّ جلس، فقال: استغفروا لماعز بن مالك.\nقال: فقالوا: غفر الله لماعز بن مالك. قال: فقال رسول الله - ﷺ -: لقد تاب توبةً لو قُسمت بين أمّةٍ لوسعتهم.\nقال: ثمّ جاءته امرأة من غامد من الأزد، فقالت: يا رسول الله! طهِّرني. فقال: ويحكِ! ارجعي فاستغفري الله وتوبي إِليه. فقالت: أراك تُريد أن تُرَدِّدَني كما ردّدْت ماعز بن مالك. قال: وما ذاك؟ قالت: إِنّها حُبلى من الزنى، فقال: آنتِ؟ قالت: نعم، فقال لها: حتّى تضعي ما في بطنك.\nقال: فكَفَلهَا رجل من الأنصار حتّى وضعت، قال: فأتي النّبيّ - ﷺ - فقال: قد وضعت الغامدّية. فقال: إِذًا لا نرجمها وندَعُ ولدها صغيرًا ليس له من يرضعه، فقام رجل من الأنصار فقال: إِليّ رَضاعه يا نبي الله قال: فرجَمها\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1573>من يُقيم الحدود</span>؟\nلا يُقيم الحدّ إِلا الإِمام أو من يُنيبه، ومن استقرأ الأحاديث وجد ذلك.\nقال الشيخ إِبراهيم بن ضويّان -﵀-: \"في منار السبيل\" (٢/ ٣٢٢): \"ولا يقيمه إِلا الإِمام أو نائبه سواءٌ كان الحدّ لله -تعالى- كحدّ الزنى، أو لآدمي، كحدّ القذف، لأنه يفتقر إِلى الاجتهاد، ولا يُؤمَن فيه الحيف، فوجب تفويضه إِليه، ولأنه - ﷺ - كان يقيم الحدود في حياته، وكذا خلفاؤه من بعده.\nونائبه كهو، لقوله - ﷺ -: \" .. واغْدُ يا أنيس إِلى امرأة هذا، فإِن اعترفت\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١٦٩٥).","vol":"6","page":14},{"text":"فارجمها، فاعترفت فَرجَمها\" (١).\n\"وأمَر برجم ماعز ولم يحضره\" (٢).\nوعن أبي هريرة -﵁- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"إن سرَقَ فاقطعوا يده، ثمّ إِنْ سرَقَ فاقطعوا رجله\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1574>التستُّر في الحدود:</span>\nعن أبي هريرة -﵁- عن النّبىّ - ﷺ - قال: \"من سترَ مسلمًا سترَه الله في الدنيا والآخرة\" (٤).\nعن ابن عباس -﵄- عن النّبيّ قال: \"من ستر عورة أخيه المسلم، ستر الله عورته يوم القيامة، ومن كشف عورة أخيه المسلم؛ كشف الله عورته؛ حتى يفضحه بها في بيته\" (٥).\nوفي هذا الستر تفصيل لا بُدّ مِن بيانه، فإِنْ كان الذنب يضيّع حقوق الآخرين؛ كجريمة القتل أو الاغتصاب ونحوهما؛ فإِنه لا يجوز أن يُستر عليه،\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٨٢٨)، ومسلم (١٦٩٧).\n(٢) تقدم حديث ماعز، وسيأتي موطن الشاهد منه -إِن شاء الله تعالى- وهو قوله - ﷺ -: \"هلا- تركْتُموه؛ لعلّه أن يتوب فيتوب الله عليه\".\n(٣) أخرجه الدارقطني وغيره، وصححه شيخنا -﵀- في \"الإرواء\" (٢٤٣٤).\n(٤) أخرجه مسلم (٢٦٩٩).\n(٥) أخرجه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢٠٦٣)، وانظر \"الصحيحة\" (٢٣٤١).","vol":"6","page":15},{"text":"بل الواجب كشف ذلك؛ إِحقاقًا للحقّ وإِبطالًا للباطل وإِن كان الأمر لا يضرّ بالآخرين؛ فهنا محلّ الستر، ومثل ذلك أن يرى أحدهم رجلًا وامرأة على حالٍ شنيع ثمّ يلمس النّدم منهما، وأنهما يعزمان على التوبة، والإِقبال على الله -تعالى- وانظر ما جاء من فوائد في \"الصحيحة\" تحت الحديث (٣٤٦٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1575>ستر المسلم على نفسه:</span>\nعن أبي هريرة يقول سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"كل أمتي مُعافى إِلا المجاهرين، وإِنَّ من المجاهرة أن يعمل الرجلُ بالليل عملًا ثمّ يصبح وقد ستره الله فيقول: يا فلان عملتُ البارحة كذا وكذا، وقد باتَ يسترُه ربه ويصبح يكشف سترَ الله عنه\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1576>الحدود كفّارة للآثام:</span>\nعن عبادة بن الصامت -﵁- قال: كنّا عند النّبيّ - ﷺ - فقال: \"أتُبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا ولا تزنوا ولا تسرقوا؟ وقرأ آية النساء فمن وفى منكم (٢) فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب [في الدنيا] فهو كفّارة له، ومن أصاب منها شيئًا من ذلك فستره الله فهو إِلى الله؛ إِن شاء عذّبه وإِن شاء غفر له\" (٣).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٠٦٩)، ومسلم (٢٩٩٠).\n(٢) أي: ثبتَ على العهد.\n(٣) أخرجه البخاري (٤٨٩٤)، ومسلم (١٧٠٩) والزيادة عند البخاري (١٨).","vol":"6","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1577>النهي عن إِقامة الحدود في المساجد:</span>\nعن حكيم بن حزام -﵁- أنّه قال: \"نهى رسول الله - ﷺ - أن يُسْتَقاد (١) في المسجد، وأن تنْشد فيه الأشعار، وأن تقام فيه الحدود\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1578>اتقاء ضرْب الوجه في الحدود:</span>\nعن أبي هريرة -﵁- عن النبي - ﷺ - قال: \"إِذا ضرب أحدكم أخاه فليجْتَنِب الوجه\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1579>الخمر:</span>\nأجمع المسلمون على تحريم الخمر والنصوص في ذلك معلومة (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1580>ما هي الخمر</span>؟\nسُمّيت خمرًا؛ لأنها تُركت فاختَمَرت، واختمارها تغيُّر ريحها، وقيل:\n_________\n(١) يستقاد: أي يطلب القَوَد أي القِصاص. \"عون المعبود\".\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٧٦٩)، وانظر \"الإِرواء\" (٢٣٢٧).\n(٣) أخرجه البخاري (٢٥٥٩)، ومسلم (٢٦١٢) بلفظ \" إِذا قاتل ... \".\n(٤) ومن الأحاديث الشريفة قوله - ﷺ -: \"الخمر أمّ الفواحش وأكبر الكبائر، مَنْ شَربها وقع على أمّه وخالته وعمّته\". أخرجه الطبراني في \"الأوسط\" و\"الكبير\" وحسّنه شيخنا -﵀- بمجموع الطّرق في \"الصحيحة\" (١٨٣٥) وفي رواية: \"الخمر أم الخبائث، ومَن شربها لم يقبل الله منه صلاةً أربعين يومًا، فإِن مات وهي في بطنه؛ مات ميتةً جاهلية\". أخرجه الطبراني في \"الأوسط\" وغيره، وحسّنه شيخنا -﵀- في \"الصحيحة\" (١٨٥٤).","vol":"6","page":17},{"text":"سُميّت بذلك لمخامرتها العقل أي: مخالطتها وتغطيته (١).\nويتضمّن الخمر كلّ ما كان مسكرًا (٢).\nعن ابن عمر -﵄- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"كل مسكر خمر، وكل خمر حرام\" (٣).\nوعن عائشة -﵂- قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"كل مسكر حرام، وما أسكر منه الفَرْقُ، فملء الكف منه حرام\" (٤).\nوتؤخذ الخمر مما ذُكر في النصوص الآتية:\nعن ابن عمر -﵄- قال: \"قام عمر على المنبر فقال: أمّا بعد: نزل تحريم الخمر وهي من خمسة: العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير، والخمر ما خامر العقل\" (٥).\nوعن جابر \"أنّ رجلًا قدم من جيشان (وجيشان من اليمن) فسأل النّبيّ - ﷺ - عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة يُقال له المِزْر؟ فقال النّبيّ - ﷺ -: أوَ مُسكِرٌ هو؟ قال: نعم.\n_________\n(١) جاء في \"طلبة الطلبة\" (ص ٣١٧): عشرة أقاويل في معناها فانظرها -إِن شئت-.\n(٢) انظر للمزيد من الفائدة -إِن شئت- تعليق شيخنا -﵀- على \"الضعيفة\" على الحديث (١٢٢٠).\n(٣) أخرجه مسلم (٢٠٠٣).\n(٤) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣١٣٤)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (١٥٢١)، وانظر \"الإرواء\" (٢٣٧٦).\n(٥) أخرجه البخاري (٥٥٨١) ومسلم (٣٠٣٢).","vol":"6","page":18},{"text":"قال رسول الله - ﷺ -: كُلّ مسكر حرامٌ، إِنّ على الله -﷿- عهدًا لِمن يشرب المُسكر أن يَسِقيَه من طينة الخَبال، قالوا: يا رسول الله! وما طينة الخبال؟ قال: عرقُ أهل النّار، أو عصارة أهل النّار\" (١).\nعن النعمان بن بشير -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إِنّ من العنب خمرًا وإِنّ من التمر خمرًا، وإن من العسل خمرًا، وأنّ من البُرِّ خمرًا، وإِنّ من الشعير خمرًا\" (٢).\nعن علي -﵁- قال: \"نهانا رسول الله - ﷺ - عن الدُبّاء والخنتم، والنقير، والجَعَةِ (٣) \" (٤).\nعن عائشة -﵂- قالت: سئل رسول الله - ﷺ - عن البِتع -وهو نبيذ العسل وكان أهل اليمن يشربونه- فقال رسول الله - ﷺ -: \"كل شراب أسكَر فهو حرام\" (٥).\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٢٠٠٢).\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣١٢٣)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (١٥٢٦)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢٧٢٤)، وانظر \"الصحيحة\" (١٥٩٣).\n(٣) جاء في \"النهاية\": \"في تفسير \"الجَعَة\": هي النبيذ المتّخذ من الشعير\"، وهي التي تسمّى الآن \"البيرة\" نعوذ بالله مِن الخذلان.\n(٤) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣١٤٤)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٢٢٥١)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٤٧٧٠).\n(٥) أخرجه البخاري (٥٥٨٦)، ومسلم (٢٠٠١).","vol":"6","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1581>ما أسكر كثيره فقليله حرام:</span>\nعن جابر بن عبد الله -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ما أسكر كثيره فقليله حرام\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1582>شرب العصير والنبيذ قبل التخمير:</span>\nعن بريدة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"كنت نهيتكم عن الأشربة في ظروف الأَدَم فاشربوا في كل وعاء غير أن لا تشربوا مُسْكِرًا\" (٢).\nوعن أبي بُردة عن أبيه قال: بعثني رسول الله - ﷺ - ومعاذًا إِلى اليمن، فقال: ادعوا النّاس وبشِّرا ولا تُنَفِّرا، ويسِّرا ولا تُعَسِّرا، قال: فقلت: يا رسول الله! أفتنا في شرابَين كُنّا نصنعهما باليمن: البِتْعُ، وهو من العسل يُنبَذ حتى يشتدَّ والمِزْرُ، وهو من الذرة والشّعير يُنبذ حتّى يشتدَّ.\nقال: وكان رسول الله - ﷺ - قد أُعطِيَ جوامعَ الكَلِم بخواتمه فقال: \"أنهى عن كلِّ مُسكر أسكر عن الصّلاة\" (٣).\nفالعلّة هي النّبذ حتى يشتدّ، فإِذا نُبذ من غير اشتداد، بحيث لا يسكر قليله، فلا حرج.\nوعن ابن عباس -﵄- \"كان رسول الله - ﷺ - يُنْتَبذُ له أوّل الليل،\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣١٢٨)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (١٥٢٠)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢٧٣٧)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٥١٨٠)، وانظر \"الإِرواء\" (٥٣٧٥).\n(٢) أخرجه مسلم (٩٧٧).\n(٣) أخرجه البخاري (٥٥٨٦)، ومسلم (١٧٣٣)، واللفظ له.","vol":"6","page":20},{"text":"فيشربُه إِذا أصبح، يومه ذلك، والليلة التي تجيء، والغد والليلة الأخرى، والغد إِلى العصر فإِن بقي شيء، سقاه الخادم أو أمَر به فصُبَّ\" (١).\nوفي رواية: \"كان رسول الله - ﷺ - يُنْتَبذُ له في سِقاء قال شعبة: من ليلة الاثنين فيشربه يوم الاثنين والثلاثاء إِلى العصر فإِن فَضَل منه شيء؛ سقاه الخادم أو صبّه\" (١).\nقال النووي -﵀-: \"معناه تارة يسقيه الخادم، وتارة يصبه، وذلك الاختلاف لاختلاف حال النبيذ، فإِنْ كان لم يظهر فيه تغيُّر ونحوه من مبادئ الإِسكار؛ سقاه الخادم ولا يريقه؛ لأنه مالٌ تحرم إِضاعته ويترك شربه تنزهًا.\nوإِن كان قد ظهر فيه شيء من مبادئ الإِسكار والتغير أراقه، لأنه إِذا أسكر صار حرامًا ونجسًا (٢)، فيراق ولا يسقيه الخادم، لأن المسكر لا يجوز سقيه الخادم، كما لا يجوز شربه، وأمّا شربه - ﷺ - قبل الثلاث فكان حيث لا تغير ولا مبادئ تغير ولا شك أصلًا. والله أعلم\".\nوعن أبي هريرة -﵁- قال: \"علمْتُ أنّ رسول الله - ﷺ - كان يصوم، فتحينت فطره بنبيذٍ صنعته في دباء، ثمّ أتيته به فإِذا هو يَنِشُّ (٣)، فقال: اضرب بهذا الحائط، فإِنّ هذا شرابُ مَن لا يؤمن بالله واليوم الآخر\" (٤).\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٢٠٠٤).\n(٢) وقد تقدّم الكلام حول عدم نجاسة الخمر في الجزء الأوّل.\n(٣) أي: يغلي.\n(٤) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣١٦٠)، وابن ماجه، \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢٧٥٢) والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٥١٨٣)، وانظر \"الإرواء\" (٢٣٨٩).","vol":"6","page":21},{"text":"وعن عبد الله بن يزيد الخطمي قال: كَتَب إِلينا عمر بن الخطاب -﵁-: \"أمّا بعد: فاطبخوا شرابكم، حتى يذهب منه نصيب الشيطان، فإِنّ له اثنين ولكم واحد\" (١).\nوالحاصل أن الشراب الذي لم يتخمّر بالمُكث أو الطبخ أو أي وسيلة أخرى جاز، وإِلا فلا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1583>الخمر إِذا تخلّلت:</span>\nعن أنس بن مالك أن أبا طلحة سأل النّبيّ - ﷺ - عن أيتامٍ ورثوا خمرًا، قال: \"أهرقها\" قال: أفلا أجعلها خلًا؟ قال: \"لا\" (٢).\nوهذا دليلٌ على عدم جواز تخليل الخمر؛ لأنه لا يجوز حمْلها أصلًا، ولا يجوز التعاوُن فيها في أيِّ صورة من الصور.\nوعن ابن عمر -﵄- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لعن الله الخمر وشاربها، وساقيها، وبائعها ومبتاعها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إِليه\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1584>أمّا إِذا تخلّلت من ذاتها فلا بأس</span>.\nوقال الإِمام ابن حزم -﵀- في \"المحلّى\" (٨/ ٢٨١): \"وإذا بطلت\n_________\n(١) أخرجه النسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٥٢٧٥)، وانظر \"الإِرواء\" (٢٣٨٧).\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣١٢٢)، وغيره، وهو في مسلم (١٩٨٣) مختصرًا.\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣١٢١)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن\nماجه\" (٢٧٢٥)، وانظر \"الإِرواء\" (٥/ ٣٦٥) تحت الحديث: (١٥٢٩).","vol":"6","page":22},{"text":"هذه الصِّفة [أي: الإِسكار] من الشراب بعد أن كانت فيه موجودة؛ فصار لا يَسْكَرُ أحدٌ من الناس من الإكثار منه فهو حلال؛ خلٌّ لا خمر\".\nوقال في \"المغني\" (١٠/ ٣٤٣): \"والخمرة إِذا أفسدت فصيرت خلًاّ، لم تَزُل عن تحريمها، وإِنْ قلَب الله عينها فصارت خلًاّ فهي حلال\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1585>المخدرات:</span>\nوما تقدّم من نصوصٍ في الخمر؛ يمضي في المخدارت وكل ما يزيل العقل ويُسكر.\nقال شيخ الإِسلام -﵀-: \"وأمّا \"الحشيشة\" الملعونة المسكرة: فهي بمنزلة غيرها من المسكرات، والمسكر منها حرام باتفاق العلماء؛ بل كل ما يزيل العقل فإِنه يُحرم أكلْه ولو لم يكن مسكرًا كالبنج، فإِن المسكر يجب فيه الحدّ، وغير المسكر يجب فيه التعزير.\nوأمّا قليل \"الحشيشة المسكرة\" فحرام عند جماهير العلماء، كسائر القليل من المسكرات، وقول النّبي - ﷺ -: \"كلّ مسكر خمر، وكلّ خمر حرام\" (١) يتناول ما يُسكر، ولا فرق بين أن يكون المسكر مأكولًا، أو مشروبًا؛ أو جامدًا، أو مائعًا. فلو اصطبغ كالخمر كان حرامًا، ولو أماع الحشيشة وشربها كان حرامًا.\nونبيّنا - ﷺ - بُعِث بجوامع الكَلِم، فإِذا قال كلمة جامعة كانت عامّة في كل ما يدخل في لفظها ومعناها، سواء كانت الأعيان موجودة في زمانه أو مكانه، أو لم تكن، فلمّا قال: \"كل مسكر حرام\" تناوَل ذلك ما كان بالمدينة من خمر\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٢٠٠٣) وتقدّم.","vol":"6","page":23},{"text":"التمر وغيرها، وكان يتناول ما كان بأرض اليمن من خمر الحنطة والشعير والعسل وغير ذلك، ودخل في ذلك ما حدث بعده من خمر لبن الخيل الذي يتخذه الترك ونحوهم.\nفلم يُفرّق أحد من العلماء بين المسكر من لبن الخيل والمسكر من الحنطة والشعير، وإِن كان أحدهما موجودًا في زمنه كان يعرفه، والآخر لم يكن يعرفه، إِذ لم يكن بأرض العرب من يتخذ خمرًا من لبن الخيل.\nوهذه \"الحشيشة\" فإِنّ أول ما بلَغَنا أنها ظهرت بين المسلمين في أواخر المائة السادسة وأوائل السابعة، حيث ظهرت دولة التتر؛ وكان ظهورها مع ظهور سيف \"جنكسخان\"، لما أظهر الناس ما نهاهم الله ورسوله عنه من الذنوب سلّط الله عليهم العدو.\nوكانت هذه الحشيشة الملعونة من أعظم المنكرات، وهي شرٌّ من الشراب المسكر من بعض الوجوه، والمسكر شر منها من وجه آخر، فإِنها مع أنها تُسكر آكلها؛ حتى يبقى مصطولًا تورث التخنيث والديوثة، وتفسد المزاج، فتجعل الكبير كالسفنجة وتوجب كثرة الأكل، وتورث الجنون، وكثير من الناس صار مجنونًا بسبب أكْلِها.\nومن الناس من يقول إِنها تغيّر العقل فلا تسكر كالبنج؛ وليس كذلك بل تورث نشوةً ولذةً وطربًا كالخمر، وهذا هو الداعي إِلى تناولها، وقليلها يدعو إِلى كثيرها كالشراب المسكر، والمعتاد لها يصعب عليه فطامه عنها أكثر من الخمر؛ فضررها من بعض الوجوه أعظم من الخمر؛ ولهذا قال الفقهاء: أنه يجب فيها الحد، كما يجب في الخمر\" (١).\n_________\n(١) انظر \"الفتاوى\" (٣٤/ ٢٠٤) ونقله السيد سابق -﵀- ملخصًا في \"فقه السنة\" (٣/ ١٥٨).","vol":"6","page":24},{"text":"*وإِذ قد تبيّن أن النصوص من الكتاب والسنة تتناول الحشيشة، فهي تتناول أيضًا الأفيون الذي يبين العلماء أنه أكثر ضررًا ... ويترتب عليه من المفاسد ما يزيد على الحشيش* (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1586>الاتجار بالخمر والمواد المخدّرة:</span>\nقال الله -تعالى-: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإِثم والعدوان﴾ (٢).\nوعن جابر -﵁- قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول وهو بمكة عام الفتح: \"إِنّ الله ورسوله حرّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام\" (٣).\nوعن ابن عباس -﵄- أنّ النّبيّ - ﷺ - قال: \"إِنّ الله إذا حرم على قوم أكْل شيء؛ حَرّم عليهم ثمنه\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1587>حدّ شارب الخمر:</span>\nعن أنس بن مالك -﵁- أنّ النّبيّ - ﷺ - أُتِي برجل قد شرب الخمر فجُلد بجرِيدتين (٥) نحو أربعين، قال: وفعله أبو بكر، فلمّا كان عمر استشار\n_________\n(١) ما بين نجمتين من \"فقه السّنة\" (٣/ ١٥٩).\n(٢) المائدة: ٢.\n(٣) أخرجه البخاري (٢٢٣٦)، ومسلم (١٥٨١).\n(٤) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٩٧٨).\n(٥) جريد النخل الذي يجرد ويُزال عنه الخوص [أي: الورق] ولا يُسمى جريدًا ما دام عليه الخوص، وإنما يسمّى سعَفًا. وانظر \"مختار الصحاح\". وفي \"اللسان\": \"الجريدة للنخلة؛ كالقضيب للشجرة\".","vol":"6","page":25},{"text":"الناس فقال عبد الرحمن: أخفَّ الحدود ثمانين فأَمَر به عمر\" (١).\nوفي رواية: \"أنّ النّبيّ - ﷺ - كان يضرب في الخمر بالنّعال والجريد أربعين\" (٢).\nوعن عقبة بن الحارث أنّ النّبيّ - ﷺ - أتى بنعيمان -أو بابن نعيمان- وهو سكران، فشق عليه، وأمَر مَن في البيت أن يضربوه، فضربوه بالجريد والنعال وكُنت فيمن ضربه\" (٣).\nوعن أبي هريرة -﵁- قال: \"أُتي النّبيّ - ﷺ - برجل قد شرب قال: اضربوه، قال أبو هريرة: فمنّا الضارب بيده والضارب بنعله، والضارب بثوبه\" (٤).\nولم يُذكر العدد في هذين الحديثين، فيحمل على الأربعين، كما هو مبيَّنٌ في بعض النّصوص الأُخرى.\nوعن حُضين بن المنذر قال: \"شهدتُ عثمان بن عفان وأُتي بالوليد قد صلى الصبح ركعتين ثمّ قال: أزيدكم؟ فشهد عليه رجلان: أحدهما حُمران؛ أنه شرب الخمر، وشهد آخر؛ أنّه رآه يتقيّأ، فقال عثمان: إِنه لم يتقيّأ حتّى شربها. فقال: يا عليّ! قُم فاجلده، فقال عليّ: قم، يا حسن! فاجلده، فقال\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١٧٠٦).\n(٢) أخرجه مسلم (١٧٠٦).\n(٣) أخرجه البخاري (٦٧٧٥).\n(٤) أخرجه البخاري (٦٧٧٧).","vol":"6","page":26},{"text":"الحسن: ولِّ حارَّها من تولّى قارَّها (١). فكأنه وجد عليه، فقال: يا عبد الله بن جعفر! قم فاجلده، فجلده وعليّ يَعُدُّ حتّى بلغ أربعين، فقال: أمسك، ثمّ قال: جلد النّبيّ - ﷺ - أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكلٌّ سُنّة وهذا أحبُّ إِليّ\" (٢).\nقال الحافظ في \"التلخيص\": \" ... فلو كان هُو المشير بالثمانين؛ ما أضافها إِلى عمر ولم يعمل بها؛ لكن يمكن أن يُقال: إِنه قال لعمر باجتهاده، ثمّ تغيّر اجتهاده\"، وذكره شيخنا -﵀- في \"الإرواء\" (٨/ ٤٧).\nوالذي بدا من خلال أقوال العلماء أن الزيادة من جملة أنواع التعزير، وورد تعليل الزّيادة على الأربعين بالعُتوّ والطغيان والفساد.\nفعن السائب بن يزيد قال: \"كُنّا نُؤتى بالشارب على عهد رسول الله - ﷺ -، وإِمرة أبي بكر، وصدرًا من خلافة عمر؛ فنقوم إِليه بأيدينا ونعالنا وأرديتنا؛ حتّى كان آخر إِمرة عمر؛ فجلد أربعين، حتّى إِذا عتَوا وفسقوا؛ جلد ثمانين\" (٣).\n_________\n(١) قال الإمام النووي -﵀- (١٢/ ٢١٩): \"ولّ حارّها مَنْ تولى قارّها: الحار الشديد المكروه والقارّ البارد الهنيء الطيب، وهذا مَثلٌ مِن أمثال العرب. قال الأصمعي وغيره: معناه ولّ شدتها وأوساخها من تولى هنيئها ولذّاتها والضمير عائد إِلى الخلافة والولاية أي: كما أن عثمان وأقاربه يتولون هنيء الخلافة ويختصون به يتولون نكدها وقاذوراتها، ومعناها ليتولّ هذا الجَلْد عثمان بنفسه أو بعض خاصة أقاربه الأدنين. والله أعلم\".\n(٢) أخرجه مسلم (١٧٠٧).\n(٣) أخرجه البخاري (٦٧٧٩).","vol":"6","page":27},{"text":"قال الحافظ -﵀- في \"الفتح\": \"حتّى إِذا عَتوا: من العتوّ وهو التجبُّر، والمراد هنا: انهماكهم في الطغيان والمبالغة في الفساد في شُرب الخمر؛ لأنه ينشأ عن الفساد.\nوفسقوا: أي خرجوا عن الطاعة، ووقع في روايةٍ للنسائي: \"فلم ينكلوا\" أي: يَدَعوا [و] وقَع في مُرسل عُبيد بن عمير -أحد كبار التابعين- فيما أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عنه ... \"أنّ عمر جعله أربعين سوطًا، فلمّا رآهم لا يتناهَون، جعله ستين سوطًا، فلمّا رآهم لا يتناهون؛ جَعَله ثمانين سوطًا وقال: هذا أدنى الحدود\".\nوفيه: \" ... وتمسّك من قال بجواز الزيادة على الثمانين تعزيرًا ... أنّ عمر حدَّ الشارب في رمضان، ثمّ نفاه إِلى الشام، وبما أخرجه ابن أبي شيبة أنّ عليًا جلد النجاشي الشاعر ثمانين، ثم أصبح فجلده عشرين بجراءته بالشرب في رمضان\". انتهى.\nوعن عبد الرحمن بن أزهر قال: \"رأيت رسول الله - ﷺ - غداة الفتح وأنا غلام شاب يتخلّل الناس يسأل عن منزل خالد بن الوليد، فأُتي بشارب، فأمرهم فضربوه بما في أيديهم، فمنهم من ضربه بالسوط، ومنهم من ضربه بعصا، ومنهم من ضربه بنعله، وحثى رسول الله - ﷺ - التراب.\nفلمّا كان أبو بكر أُتي بشارب فسألهم عن ضرب النّبيّ - ﷺ - الذي ضربه، فحزروه أربعين، فضرب أبو بكر أربعين.\nفلمّا كان عمر كَتَب إِليه خالد بن الوليد: إِنّ النّاس قد انهمكوا في الشرب وتحاقروا الحد والعقوبة، قال: هم عندك فسلهم، وعنده المهاجرون الأولون،","vol":"6","page":28},{"text":"فسألهم فأجمعوا على أن يضرب ثمانين.\nقال: وقال عليّ: إِنّ الرجل إِذا شرب افترى فأرى أن يجعله كحد الفرية\" (١).\nأقول:\nخلاصة الأمر أنّ فِعل الرسول - ﷺ - هو الحُجّة وإِليه المرجع، وما جرى مِن زيادة، فإِنّها ليست زيادة في حدّ الخمر، ولكنها تعزير بالطغيانِ المصاحبِ لحدِّ الخمر؛ كالشُّرب في رمضان والجرأة في الرجوع إِليه.\nوربما جرّ هذا التكرار إِلى قتْله.\nفعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إِذا سَكِرَ فاجلدوه، فإِنْ عاد فاجلدوه، فإِنْ عاد فاجلدوه، ثمّ قال في الرابعة: فإِنْ عاد فاضربوا عُنُقه\" (٢).\nفإِذا أفضت أسباب معيّنة إِلى القتل بالنص، فلقائلٍ مِن أهل العلم أن\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٧٦٨).\n(٢) أخرجه أحمد وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٧٦٤)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢٠٨٥) واللفظ له وغيرهم، وانظر \"الصحيحة\" (١٣٦٠) وقال شيخنا -﵀- معلّقًا: \"وقد قيل إِنه حديث منسوخ، ولا دليل على ذلك، بل هو محكم غير منسوخ كما حققه العلامة أحمد شاكر في تعليقه على \"المسند\" (٩/ ٤٩ - ٩٢)، واستقصى هناك الكلام على طرقه بما لا مزيد عليه، ولكنا نرى أنه من باب التعزيز، إِذا رأى الإِمام قتل، وإن لم يره لم يقتل بخلاف الجلد، فإنه لا بد منه في كل مرّة، وهو الذي اختاره الإِمام ابن القيم -رحمه الله تعالى-\".","vol":"6","page":29},{"text":"يقول: بين الأربعين جلدة والقتل قدْرٌ معيّنٌ من التعزير؛ حسبما يقتضيه الحال والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1588>بمَ يثبُت حدّ الشرب</span>؟\nويثبُت على شارب الخمر بالإِقرار والاعتراف، أو شهادة شاهدين عدلين، لما تقدّم مِن حديث حُضين بن المنذر قال: شهدْتُ عثمان بن عفان وأُتي بالوليد قد صلّى الصبح ركعتين، ثمّ قال: أزيدكم؟ فشهد عليه رجلان: أحدهما حُمران أنه شرب الخمر، وشهد آخر أنه رآه يتقيّأ فقال عثمان: إِنه لم يتقيّأ حتى شربها فقال: يا عليّ قم فاجلده ... \" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1589>شروط إِقامة الحدّ </span>(٢):\n١ - العقل؛ فلا يُحدّ المجنون إِذا سَكِر.\n٢ - البلوغ وقد رُفع التكليف عن الصبي حتّى يحتلم ويبلغ؛ كما تقدّم.\n٣ - الاختيار: إِذ مَن وقع منه الكُفر بالإِكراه لا يكفر، فكيف بما دونه، وقد قال -تعالى-: ﴿إِلا مَن أكره وقلبه مطمئنٌّ بالإِيمان﴾ (٣).\nوعن ابن عباس -﵄- عن النّبي - ﷺ - قال: \"إِنّ الله وضع عن أمّتي الخطأ والنسيان، وما استُكرهوا عليه\" (٤).\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١٧٠٧)، وتقدّم.\n(٢) \"فقه السّنّة\" (٣/ ١٦٧) بتصرف وزيادة.\n(٣) النحل: ١٠٦.\n(٤) أخرجه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٦٦٤)، وانظر \"الإرواء\" (٨٢)، و\"المشكاة\" (٦٢٨٤)، وتقدّم.","vol":"6","page":30},{"text":"ويدخُل في ذلك الاضطرار، فمن لم يجدِ ماءً وعطش عطشًا شديدًا، يخشى عليه منه الموت، ووجدَ خمرًا؛ فله أن يشرب القدر الذي يُنجيه من الهلاك، والضرورة تقدّر بقدرها؛ فلا يتوسع في ذلك.\n٤ - العِلم بأن ما يتناوله مسكر، وإذا لفَتَ نظَره أحد من النّاس، فتمادى في شُربه؛ فإِنه يستوجب إِقامة الحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1590>عدم اشتراط الحرّية والإِسلام في إِقامة الحدّ:</span>\nولا يُشترط الإِسلام والحرية في إِقامة الحد.\nأمّا عدم اشتراط الإِسلام؛ فلأمور عديدة منها؛ أنّ إِقامة أهل الكتاب في ديار المسلمين؛ لا تكون إِلا بشروط، ولا يُؤذن لهم بالمجاهرة والمعاصي، أفرأيت لو قتَل أحدهم؛ فهل يُرفع عنه الحدّ؟!\nوفي الإِذن لهؤلاء في شرب المسكرات، والمجاهرة بالذنوب والمعاصى؛ خطرٌ كبير على أبناء الإِسلام -كما لا يخفى-.\nوإِذا شرب المملوك فإِنه يقام عليه الحدّ؛ لأنّ تحريم الخمر عامٌّ ليس فيه استثناء؛ وقد ورد استثناءُ تكليفه من صلاة الجمعة مثلًا، كما تقدّم في \"كتاب الجُمعة\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1591>تحريم التداوي بالخمر:</span>\nعن طارق بن سُوَيْد الجُعْفِيّ \"أنه سأل النّبيّ - ﷺ - عن الخمر؟ فنهاه، أو كره أن يَصْنَعها، فقال: إِنّما أصنعها للدواء، فقال: إنه ليس بدواء ولكنه داء\" (١).\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١٩٨٤).","vol":"6","page":31},{"text":"عن ديلم الحميري قال: \"سألت رسول الله - ﷺ -، فقلت: يا رسول الله، إِنا بأرض باردة نعالج فيها عملًا شديدًا، وإِنا نتخذ شرابًا من هذا القمح نتقوى به على أعمالنا، وعلى برد بلادنا؟ قال: هل يسكر؟ قلت: نعم، قال: فاجتنبوه قال: قلت: فإِن النّاس غير تاركيه، قال: فإن لم يتركوه فقاتِلوهم\" (١).\nوعن ابن مسعود -﵁- قال: \"إِنّ الله لم يجعل شفاءكم فيما حرّم عليكم\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1592>إِذا أقام الإِمام الحدّ على السكران فمات أعطاه الدِّية:</span>\nعن علي -﵁- قال: \"ما كنت لأقيم حدًا على أحد فيموت فأجد في نفسي إِلا صاحبَ الخمر فإِنه لو مات وَدَيْته (٣) وذلك أنّ رسول الله - ﷺ - لم يسُنَّه\" (٤).\nوفي رواية: \"من شرب الخمر فجلدناه، فمات وديناه؛ لأنه شيء صنعناه\" (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1593>حدّ الزنى</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1594>الزنى الموجب للحدّ:</span>\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣١٣١).\n(٢) تقدّم تخريجه في \"كتاب الطهارة\" (١/ ٥٢).\n(٣) أي: أعطيتُ دِيته لمستحقّها.\n(٤) أخرجه البخاري (٦٧٧٨)، ومسلم (١٧٠٧).\n(٥) أخرجه الطحاوي وابن ماجه، وصحح إِسناده شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٨/ ٤٩).","vol":"6","page":32},{"text":"يتحقّق الزنى المترتب عليه الحدّ؛ بتغييب الحشفة -وهي رأس الذكر- أو المدوّرة في فرجٍ محرّم، ولو لم يكن معه إِنزال، أمّا إِذا استمتع فيما دون الفرج؛ فلا حدَّ عليه، وإِن استوجب التعزير.\nفعن عبد الله -﵁- قال: \"جاء رجلٌ إِلى النّبيّ - ﷺ - فقال: يا رسول الله! إِنّي عالجتُ امرأةً (١) في أقصى المدينة، وإِنّي أصبت منها ما دون أن أمَسَّها (٢) فَأنَا هذا. فاقض فيَّ ما شئت، فقال له عمر: لقد سترَكَ الله، لو ستْرتَ نفسك، قال: فلم يَرُدَّ النّبيّ - ﷺ - شيئًا.\nفقام الرّجل فانطلق، فأتبعه النّبيّ - ﷺ - رجُلًا دعاه، وتلا عليه هذه الآية: ﴿أقمِ الصلاة طرفَي النهار وزُلَفًا من الليل إِنَّ الحسنات يُذهِبن السيئات ذلكَ ذكرى للذاكرين﴾ (٣) فقال رجلٌ من القوم: يا نبيّ الله! هذا له خاصّة؟ قال: بل للنّاس كافّة\" (٤).\nوجاء في \"سبل السلام\" (١/ ١٥١): \"قال الشافعي: إِنَّ كلام العرب يقتضي أنّ الجنابة تُطلق بالحقيقة على الجماع، وإِن لم يكن فيه إِنزال؛ فإِنّ كلَّ من خوطب بأنّ فلانًا أجنب عن فلانة؛ عقل أنّه أصابها، وإِن لم يُنْزِل.\nولم يُخْتَلَف أنّ الزِّنى الذي يجب به الجلد هو الجماع، ولو لم يكن منه إِنزال\".\n_________\n(١) معنى عالَجَها: أي تناوَلها، واستمتع بها بالقبلة والمعانقة وغيرهما من جميع أنواع الاستمتاع إِلا الجماع، وانظر \"شرح النووي\".\n(٢) أي: دون الزنا في الفرج.\n(٣) هود: ١١٤.\n(٤) أخرجه مسلم (٢٧٦٣).","vol":"6","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1595>حدّ الزاني البكر </span>(١):\nحدّ الزاني البكر مائة جلدة؛ لقول الله -تعالى-: ﴿الزانيةُ والزاني فاجلدوا كلَّ واحد منهما مائة جلدةٍ ولا تأخُذْكم بهما رأفةٌ في دين الله إِن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفةٌ من المؤمنين﴾ (٢).\nقال ابن كثير -﵀- في تفسيره: \"هذه الآيةُ الكريمة فيها حُكْم الزاني في الحدّ، وللعلماء فيه تفصيل ونزاع؛ فإِنّ الزاني لا يخلو:\nإِمّا أن يكون بِكْرًا: وهو الذي لم يتزوج.\nأو مُحصَنًا: وهو الذي قد وطئ في نكاحٍ صحيح، وهو حُرٌّ بالغ عاقل.\nفأمّا إِذا كان بِكْرًا لم يتزوج؛ فإِنّ جَلْده مائة جَلدة كما في الآية، ويزاد على ذلكَ أن يُغرَّب عامًا عن بلده عند جمهور العلماء؛ خلافًا لأبي حنيفة -﵀- فإِن عنده التغريب إِلى رأي الإِمام، إِنْ شاء لم يُغّرب\".\nوإِليك -رحمني الله وإِياك- التفصيل في العنوان الآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1596>ما وَرد في التغريب:</span>\nالتغريب: النفي عن البلد الذي وقعَت فيه الجناية، يُقال: أغربتَه وغرَّبتَه إِذا نحّيْتَهُ وأبعدتَه. والغَرْبُ: البُعد (٣).\nعن أبي هريرة وزيد بن خالد -﵄- قالا: \"كنّا عند النّبيّ - ﷺ - فقام رجلٌ فقال: أنشدك الله إِلا قضيت بيننا بكتاب الله، فقام خصمه وكان\n_________\n(١) تُطلق كلمة البكر على الرجل والمرأة، والبكر من الرجال الذي لم يقرب المرأة.\n(٢) النور: ٢.\n(٣) \"النهاية\".","vol":"6","page":34},{"text":"أفقه منه فقال: اقض بيننا بكتاب الله وائذن لي.\nقال: قل، قال: إِنّ ابني هذا كان عسيفًا (١) على هذا، فزنى بامرأته، فافتديت منه بمائة شاة وخادم، ثمّ سألت رجالًا من أهل العلم فأخبروني أنّ على ابني جلد مائة وتغريب عام، وعلى امرأته الرجم.\nفقال النّبيّ - ﷺ -: والذي نفسي بيده لأقضينَّ بينكما بكتاب الله -جلّ ذِكْرُه- المائة شاة والخادم رد، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغدُ يا أُنيس على امرأة هذا، فإِن اعترفَت فارجمها، فغدا عليها فاعترفت فرجمها\" (٢).\nوعن عبادة بن الصامت -﵁- قال: قال رسول - ﷺ -: \"خذوا عنّي، خذوا عنّي، قد جعل الله لهُنّ سبيلًا، البكر بالبكر جلْد مِائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرّجم\" (٣).\nوعن أبي هريرة -﵁- أنّ رسول الله - ﷺ - قضى فيمن زنى ولم يُحصَنْ بنفي عامٍ وبإِقامة الحدِّ عليه\" (٤).\nوعن ابن عمر -﵄- أنّ النّبيّ - ﷺ - ضَرَب وغرَّب، وأنّ أبا بكر ضَرَب وغرّب، وأنّ عمر ضَرَب وغرّب\" (٥).\n_________\n(١) أي: أجيرًا.\n(٢) أخرجه البخاري (٦٨٢٧)، (٦٨٢٨)، ومسلم (١٦٩٧)، (١٦٩٨).\n(٣) أخرجه مسلم (١٦٩٠).\n(٤) أخرجه البخاري (٦٨٣٣).\n(٥) أخرجه الترمذي والنسائي، وصححه ابن خزيمة والحاكم، قاله الحافظ في \"الفتح\" تحت الحديث (٦٨٣٣).","vol":"6","page":35},{"text":"جاء في \"الفتح\" تحت الحديث (٦٨٣٣): \"وقال ابن المنذر: أقسم النّبيّ - ﷺ - في قصة العسيف أنه يقضي فيه بكتاب الله ثمّ قال: إِن عليه جلد مائة وتغريب عام، وهو المبين لكتاب الله، وخطب عمر بذلك على رؤوس الناس، وعمل به الخلفاء الراشدون فلم ينكره أحد فكان إِجماعًا.\nواختلف في المسافة التي يُنفى إِليها: فقيل: هو إِلى رأي الإِمام، وقيل: يشترط مسافة القصر، وقيل: إِلى ثلاثة أيام، وقيل: يومين، وقيل: يوم وليلة، وقيل: من عمل إِلى عمل، وقيل: إِلى ميل، وقيل: إِلى ما ينطلق عليه اسم نفي\".\nوالذي يترجّح لديّ رجوعُ ذلك إِلى رأي الإِمام فيما يراه يُحقّق المقصود، وقد يكون لبعض النّاس أحوالٌ خاصّة، فيعمل الإِمام بما يحقّق المقصود الشرعي من التغريب؛ مراعيًا هذه الأحوال، والمصلحة العامّة. والله -تعالى- أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1597>حدّ الزاني المحصن:</span>\nويُحدّ الزاني المحصَن بالرجم حتى الموت، رجُلًا كان أم امرأة.\nعن أبي هريرة -﵁- قال: \"أتى رسولَ الله - ﷺ - رجلٌ من النّاس وهو في المسجد فناداه: يا رسول الله! إِني زنيتُ -يريدُ نفسه- فأعرض عنه النّبيّ - ﷺ -، فتنحى لشقِّ وجهه الذي أعرض قِبَلَه؟\nفقال: يا رسول الله! إِني زنيت، فأعرض عنه، فجاء لشقِّ وجه النّبيّ - ﷺ - الذي أعرض عنه.\nفلمّا شهد على نفسه أربع شهاداتٍ؛ دعاه النّبيّ - ﷺ - فقال: أبكَ جنون؟ قال: لا يا رسول الله، فقال: أحصنتَ؟ قال: نعم يا رسول الله، قال: اذهبوا","vol":"6","page":36},{"text":"فارجموه\" (١).\nوعن ابن عباس -﵄- قال: قال عمر لقد خشيتُ أن يطول بالنّاس زمان حتّى يقول قائل لا نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، ألا وإِن الرجم حقٌّ على من زنى وقد أحصن إِذا قامت البيّنة أو كان الحمل أو الاعتراف.\nقال سفيان: كذا حفظت، ألا وقد رجم رسول الله - ﷺ - ورجمنا بعده\" (٢).\nويشترط في إِقامة هذا الحد بالإِضافة إِلى ما تقدّم مِن كونه عاقلًا بالغًا الحريّة، إِذ لا رجم على العبد أو الأمة؛ لقوله الله -﵎-: ﴿فإِن أتيْن بفاحشة فعليهنّ نصفُ ما على المحصناتِ من العذاب﴾ (٣) والرجم لا يتجزّأ.\nعن أبي عبد الرحمن قال: \"خطب عليٌّ فقال: يا أيها النّاس! أقيموا على أرقائكم الحدّ؛ من أحصن منهم ومن لم يُحْصِن، فإِنّ أمَةً لرسول الله - ﷺ - زنت فأمرني أنْ أجْلدها فإِذا هي حديث عهدٍ بنفاس، فخشيت إِنْ أنا جلدتها أنْ أقتلها، فذكرت ذلك للنّبيّ - ﷺ - فقال: أحسنت\" (٤).\nوفي رواية: \"اتركها حتّى تَماثَل (٥) \" (٦).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٨٢٥)، ومسلم (١٦٩١).\n(٢) أخرجه البخاري (٦٨٢٩)، ومسلم (١٦٩١).\n(٣) النساء: ٢٥.\n(٤) أخرجه مسلم (١٧٠٥).\n(٥) تماثل: أي: تُقارب البُرء.\n(٦) أخرجه مسلم (١٧٠٥).","vol":"6","page":37},{"text":"قال الإِمام النووي -﵀- في \"شرحه\" (١١/ ٢١٣): \" ... [وفي الحديث] بيان أن الأَمَة المحصنة بالتزويج وغير المحصنة تجلد، وهو معنى ما قاله عليّ -رضي الله تعالى عنه- وخطَب الناس به.\nفإِنْ قيل: فما الحكمة في التقييد في قوله -تعالى-: ﴿فإِذا أُحصنّ﴾ مع أن عليها نصف جلد الحرة؛ سواء كانت الأمة محصنة أم لا.\nفالجواب أن الآية نبهت على أن الأَمَة وإِنْ كانت مزوجة لا يجب عليها إِلا نصف جلد الحرّة؛ لأنه الذي ينتصف، وأمّا الرجم فلا ينتصف فليس مرادًا في الآية بلا شك، فليس للأمَة المزوجة الموطوءة في النكاح حُكم الحُرّة الموطوءة في النكاح، فبيّنت الآية هذا لئلا يتوهم أنّ الأمَة المزوجة تُرجَم، وقد أجمعوا على أنها لا ترجم، وأمّا غير المزوجة فقد علمنا أن عليها نصف جلد المزوجة بالأحاديث الصحيحة ... \".\nويشترط برجم المحصَن كذلك أن يكون قد سبق له أن تزوج زواجًا صحيحًا، ووطئ فيه ولو مرّة واحدة أنزَل أم لم يُنزل.\nوكذا المرأة إِذا تزوّجت ووُطئت ولو مرّة واحدة، ثمّ طُلقت فزنت فإِنها تُرجم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1598>وجوب الحد على الكافر والذّمي:</span>\nعن عبد الله بن عمر -﵄- أنه قال: \"إِنّ اليهود جاءوا إِلى رسول الله - ﷺ - فذكروا له أن رجلًا منهم وامرأةً زنَيا، فقال لهم رسول الله - ﷺ -: ما تجدون في التّوراة في شأن الرّجم؟ فقالوا: نفضحهم ويُجلدون، قال عبد الله بن سلام: كذبتم، إِن فيها الرّجم.\nفأَتَوا بالتّوراة فنَشروها، فوضَع أحدهم يده على آية الرّجم فقرأ ما قبلها وما","vol":"6","page":38},{"text":"بعدها.\nقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفع يده، فإِذا فيها آية الرّجم، قالوا: صدق يا محمّد، فيها آية الرّجم، فأمَر بهما رسول الله - ﷺ - فرُجما، فرأيت الرجل يحني على المرأة يقيها الحجارة\" (١).\nقال الإِمام البخاري -﵀-: (بابُ أحكام أهل الذّمة (٢) وإحصانهم إِذا زَنَوا (٣) ورُفعوا إِلى الإِمام) وذكر هذا الحديث.\nقال الحافظ -﵀- في \"الفتح\": \"وفي هذا الحديث من الفوائد؛ وجوب الحدّ على الكافر الذمّي إِذا زنى؛ وهو قول الجمهور ... \".\nوعن جابر بن عبد الله قال: \"رَجَم النّبيّ - ﷺ - رجلًا مِنْ أسلم، ورجلًا من اليهود، وامرأته\" (٤).\nوعن البراء بن عازب -﵁- قال: \"مُرَّ على النّبيّ - ﷺ - بيهوديٍّ مُحَمَّمًا (٥) مجلودًا فدعاهم - ﷺ - فقال: هكذا تجدون حدّ الزّاني في كتابكم؟ قالوا: نعم.\nفدعا رجُلًا من علمائهم فقال: أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى! أهكذا تجدون حدّ الزاني في كتابكم؟ قال: لا، ولولا أنّك نشدتني بهذا لم\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٨٤١)، ومسلم (١٦٩٩).\n(٢) أي اليهود والنصارى وسائر من تؤخذ منه الجزية.\n(٣) يعني: خلافًا لمن قال: \"إِنّ من شروط الإِحصان الإسلام\".\n(٤) أخرجه مسلم (١٧٠١).\n(٥) أي مُسوَدّ الوجه، من الحُممة: الفحمة \"النهاية\".","vol":"6","page":39},{"text":"أخبرك، نجده الرَّجم، ولكنّه كثر في أشرافنا، فكنَّا إِذا أخذنا الشّريف تركناه، وإِذا أخذنا الضّعيف أقمنا عليه الحدّ.\nقلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشّريف والوضيع، فجعلنا التّحميم والجلد مكان الرّجم، فقال رسول الله - ﷺ -: اللهمّ إِني أوّل من أحيا أمرك إِذ أماتوه، فأَمَر به فرُجم فأنزل الله -﷿-: ﴿يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر﴾ إِلى قوله: ﴿إِن أُوتيتم هذا فخذوه﴾ (١).\nيقول: ائتوا محمّدًا - ﷺ - فإنْ أمرَكم بالتحميم والجلد فخذوه، وإِنْ أفتاكم بالرّجم فاحذروا، فأنزل الله -تعالى-: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ (٢)، ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون﴾ (٣)، ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون﴾ (٤) في الكفّار كُلّها\" (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1599>بمَ يثبت حدّ الزنى</span>؟\nيثبت الحدّ بما يأتي:\n١ - بالاعتراف:\nفعن أبي هريرة وزيد بن خالد -﵄- أنّ رسول الله - ﷺ - قال:\n_________\n(١) المائدة: ٤١.\n(٢) المائدة: ٤٤.\n(٣) المائدة: ٤٥.\n(٤) المائدة: ٤٧.\n(٥) أخرجه مسلم (١٧٠٠).","vol":"6","page":40},{"text":"\"واغْدُ يا أُنيس على امرأة هذا؛ فإِن اعترفت فارجمها، فغدا عليها فاعترفت فرَجمها\" (١).\n٢ - بأربعة شهود:\nقال الله -تعالى-: ﴿والذين يرمون المحصنات ثمّ لم يأتوا بأربعة شهداء﴾ (٢).\nويشترط في الشهود: البلوغ والعقل والإِسلام، كما تقدّم في مثله، وكذا العدالة لقول الله -تعالى-: ﴿وأشهدوا ذَوَي عدلٍ منكم﴾ (٣)، وقوله -سبحانه-: ﴿يا أيها الذين آمنوا إِن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قومًا بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين﴾ (٤).\nوكذا المعاينة أي: أن يكون قد عاين فرجَها في فرجه؛ كما سيأتي -إِن شاء الله- في (باب حدّ من رمى المحصنة ولم يأت بأربعة شهود) قول عمر -﵁- لزياد هل رأيت المرود دخَل المكحلة؟ (٥).\n٣ - بالحبَل، إِذا لم يُعلم لها زوج أو سيد:\nعن ابن عباس -﵄- قال: \"قال عمر: لقد خشيت أن يطول\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٨٢٧)، ومسلم (١٦٩٧)، وتقدّم بطوله في حدّ الزاني البكر.\n(٢) النور: ٤.\n(٣) الطلاق: ٢.\n(٤) الحجرات: ٦.\n(٥) انظر \"الإِرواء\" (٨/ ٢٩).","vol":"6","page":41},{"text":"بالنّاس زمانٌ؛ حتّى يقول قائل لا نجدُ الرجم في كتاب الله؛ فيضلّوا بترك فريضة أنَزَلها الله، ألا وإِنّ الرجم حقٌّ على مَن زنى، وقد أحصَن إِذا قامت البينة أو كان الحمل أو الاعتراف\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1600>ماذا يفعل الإِمام إِذا جاءه من أقرّ على نفسه بالزنى</span>؟\nإِذا جاءَ منْ يُقرّ على نفْسه بالزِّنى عند الإِمام؛ فعلى هذا الإمام أن يعمل بمقتضى قوله - ﷺ -: \"تَعَافَوُا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حدٍّ فقد وجب\" (٢).\nقال ابن الأثير في \"النهاية\": \"تَعَافَوُا الحدود فيما بينكم\" أي: تجاوزوا عنها ولا ترفعوها إِليَّ؛ فإِنِّي متى علمتها أقمتها.\nوعن نُعيم بن هَزّال قال: كان ماعز بن مالك يتيمًا في حِجْر أبي، فأصاب جارية من الحي، فقال له أبي: ائت رسول الله - ﷺ - فأخبره بما صنعت لعله يستغفر لك، وإِنما يريد بذلك رجاء أن يكون له مخرجًا.\nفأتاه فقال: يا رسول الله إِني زنيت، فأقم عليّ كتاب الله! فأعرض عنه، فعاد فقال: يا رسول الله، إِني زنيت فأقم عليّ كتاب الله! حتى قالها أربع مرار.\nقال - ﷺ -: \"إِنّك قد قُلتها أربع مرّات، فبمن؟ قال: بفلانة، قال: هل ضاجعتها؟ قال: نعم؟ قال: هل باشرتها؟ قال: نعم قال: هل جامعتها؟ قال:\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٨٢٩)، ومسلم (١٦٩١) وتقدّم.\n(٢) أخرجه أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو -﵁- \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٦٨٠) وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢٩٥١) والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٤٥٣٨).","vol":"6","page":42},{"text":"نعم؛ قال: فأَمَر به أن يُرجَم، فأُخرج به إِلى الحرّة.\nفلمّا رُجِم فوجد مَسَّ الحجارة جزع فخرج يشتد، فلقيه عبد الله بن أنيس، وقد عجز أصحابه فنزع له بوظيف بعير (١)، فرماه به فقتله، ثمّ أتى النّبيّ - ﷺ - فذكر ذلك له فقال: هلا تركتموه\" (٢).\nوعن محمّد بن إِسحاق قال: \"ذكرت لعاصم بن عمرو بن قتادة قصة ماعز بن مالك، فقال لي: حدَّثني حسن بن محمد بن عليّ بن أبي طالب، قال: حدَّثني ذلك مِن قول رسول الله - ﷺ -: \"فهلاّ تركتموه\" من شئتم من رجال أسلم ممن لا أتهم، قال: ولم أعرف الحديث، قال: فجئت جابر بن عبد الله فقلت: إِنّ رجالًا مِن أسلم يحدثون: أن رسول الله - ﷺ - قال لهم حين ذكروا له جزع ماعز من الحجارة حين أصابته: \"ألا تركتموه\" وما أعرف الحديث. قال: يا ابن أخي، أنا أعلم الناس بهذا الحديث، كنت فيمن رجَم الرجل، إِنّا لما خرجنا به فرجمناه، فوجد مسّ الحجارة صرخ بنا:\nيا قوم ردّوني إِلى رسول الله - ﷺ -، فإِنّ قومي قتلوني وغرُّوني من نفسي، وأخبروني أن رسول الله - ﷺ - غير قاتلي، فلم ننزع عنه حتّى قتلناه، فلمّا رجعنا إِلى رسول الله - ﷺ - وأخبرناه قال:\nفهلا تركتموه وجئتموني به ليستثبت رسول الله - ﷺ - منه، فأما لترك حد فلا! \" (٣).\n_________\n(١) وظيف البعير: خفّه، وهو له كالحافر للفرس. \"النهاية\".\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٧١٦)، وانظر \"الإِرواء\" (٢٣٢٢).\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٧١٧)، وانظر \"الإِرواء\" (٧/ ٣٥٤).","vol":"6","page":43},{"text":"وعن ابن عباس قال: \"جاء ماعز بن مالك إِلى النّبيّ - ﷺ - فاعترف بالزنا مرتين فطرده، ثمّ جاء فاعترف بالزنا مرتين، فقال: شهدت علي نفسك أربع مرّات، اذهبوا به فارجموه\" (١).\nفتأمّل حديث نعيم بن هزال وقوله: \"فأعرَض عنه\" أي أعرض عنه رسول الله - ﷺ - حين قال: إِني زنيت وأيضًا: \"حتّى قالها أربع مرار، ثمّ قول رسول الله - ﷺ -: \"إِنّك قد قلتها أربع مرّات فبمن؟ \".\nفماذا لو قالها مرةً، وحين رأى إِعراض رسول الله - ﷺ -، مضى ولم يعُد؟!\nوتأمّل قوله - ﷺ -: \"هل ضاجَعَتها؟ ... هل باشرتها؟ ... هل جامعتها؟\nوفي بعض الروايات: \"لعلّك قبّلت أو غمزت أو نظرت\" حتى قال: \"أنِكتَها، لا يُكنّي\" (٢).\nوتأمّل بعد ذلك قوله - ﷺ - لأصحابه: \"هلا تركتموه\" حينما بلغه جزعُه وفرارُه من الرجم.\nفهذا فيه ما فيه من الدعوة إِلى ستْر النفس والإِقلاع عن المعصية والندم وإِحسان التوبة إِلى الله -﷿- وهذا مطلبٌ سامٍ ومقصد عظيم، -والله أعلم-.\nوأما ما جاء في رواية محمد بن إِسحاق ... في قول رسول الله - ﷺ -: \"فهلا تركتموه وجئتموني به، ليستثبت رسول الله - ﷺ - منه، فأمّا لترْكِ حد فلا\" فهذه ليست من قول النّبيّ - ﷺ - وإِنما هي تفسير مِن الراوي، والسؤال ماذا بعد\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١٦٩٣) وأبو داود واللفظ له \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٧٢٣).\n(٢) أخرجه البخاري (٦٨٢٤).","vol":"6","page":44},{"text":"أن يستثبت منه رسول الله - ﷺ - أيعيده للرجم أم ماذا؟!\nفإِن قالوا: يعيده للرجم فلا فائدة من الاستثبات، لأن الاستثبات ليس بثبوت زناه، وإِنّما لأن قومه غرّوه من نفسه أنه لن يُقتل! وأي فائدة في ذلك؟!\nفالحكمة واضحة بيّنة، وقد جاء هذا صريحًا من حديث بريدة بن الحصيب قال: \"ثمّ جاءت امرأه من غامد الأَزْد فقالت: يا رسول الله! طهّرني فقال: ويحك؛ ارجعي فاستغفري الله وتوبي إِليه\" (١).\nولكن لما كان الإِصرار والإِلحاح والمتابعة من ماعز والغامديّة؛ والنّاس ينظرون؛ فإِنه لا بدّ من إِقامة الحد؛ لأن هناك مفسدةً في عدم إِقامته، والحاصل أنه إِذا بلغَ الإِمام أمْرٌ كهذا أعرَض وذكّر بالاستغفار والتوبة، فإِنْ أصرّ مُقارِفُ الفاحشة على إِقامة الحد؛ أقيم عليه. والله أعلم.\nويؤيِّد هذا ما ثبت عن الأجلح عن الشعبي قال: \"جيء بشُرَاحة الهمدانية إِلى علي -﵁- فقال لها: ويلك لعل رجلًا وقع عليكِ وأنت نائمة، قالت: لا، قال لعلك استكرهت، قالت: لا، قال: لعل زوجك من عدونا هذا أتاك؛ فأنت تكرهين أن تدلي عليه، يُلقِّنها لعلَّها تقول: نعم.\nقال: فأمَر بها فحُبست، فلمَّا وضعت ما في بطنها، أخرجها يوم الخميس فضربها مائة، وحفر لها يوم الجمعة في الرحبة، وأحاط الناس بها، وأخذوا الحجارة، فقال: ليس هكذا الرجم، إِذًا يُصيب بعضكم بعضًا، صفّوا كصفّ الصلاة صفًا خلف صفّ.\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١٦٩٥).","vol":"6","page":45},{"text":"ثمّ قال: أيها الناس أيَّما امرأة جيء بها وبها حبل يعني أو اعترفت، فالإِمام أوَّل من يرجم ثم الناس، وأيَّما امرأة أو رجُل زان فشهد عليه أربعة بالزنا فالشُّهود أوَّل من يرجُم، ثمَّ الإِمام، ثمّ الناس، ثمَّ رجمَها، ثمَّ أمَرهم فرَجَم صفّ ثمّ صفّ، ثم قال: افعلوا بها ما تفعلون بموتاكم\" (١).\nفتأمَّل قول عليٍّ -﵁- لعلَّ رجُلًا وقَع عليك وأنتِ نائمة، ... لعلَّكِ استُكْرِهتِ، ... لعلَّ زوجك من عدوّنا هذا؛ أتاك فأنت تكرهين أن تدلِّي عليه. وتأمَّل كلمة: \"يلقِّنها لعلَّها تقول: نعم\".\nولذلك إِذا أنْكرت المرأة أنَّه زُنِيَ بها؛ لم يُقَم عليها الحدّ ولو أقرَّ الرجُل الزَّاني، وأُقيم عليه الحدّ. وانْظر العنوان الآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1601>من أقرّ بزنى امرأة فأنكرت:</span>\nعن سهل بن سعد عن النبيّ - ﷺ - \" أنّ رجلًا أتاه، فأقرّ عنده أنه زنى بامرأة سمّاها، فبعَث رسول الله - ﷺ - إِلى المرأة فسألها عن ذلك، فأنكَرت أن تكون زنَت، فجلده الحدّ وترَكَها\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1602>سقوط الحدّ بظهور ما يقطع بالبراءة:</span>\n*إِذا ظهَر بالمرأة أو بالرجل ما يقطع أنه لم يقع مِن أحدٍ منهما زنى؛ كأن تكون المرأة عذراء لم تفضّ بكارتها، أو رتقاء مسدودة الفرج، أو يكون الرجل\n_________\n(١) جاء في \"الإِرواء\" (٨/ ٧): أخرجه ابن أبي شيبة (١١/ ٨٤/١) مختصرًا، والبيهقي والسياق له، قال شيخنا -﵀-: وإسناده جيد رجاله ثقات رجال الصحيح غير الأجلح وهو ابن عبد الله الكوفي وهو صدوق\"، وانظر \"الإِرواء\" (٨/ ٧).\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٧٤٩).","vol":"6","page":46},{"text":"مجبوبًا أو عنّينًا، سقط الحد* (١)\nعن أنس -﵁- حين أرسل رسول الله - ﷺ - عليًّا إِلى رجل كان يُتّهم بإِحدى النساء، فقال رسول الله - ﷺ - لعليّ: اذهب فاضرب عنقه، فأتاه عليٌّ فإِذا هو في رَكِيٍّ (٢) يتبردُ فيها، فقال له عليٌّ: اخرج، فناوله يده فأخرجه فإِذا هو مجبوب ليس له ذكَر، فكفَّ عليٌّ عنه، ثمّ أتى النّبيّ - ﷺ - فقال: يا رسول الله! إِنّه لمجبوب ما له ذكَر\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1603>سقوط الحدّ إِذا أبدى المتهم العذر واقتنع الإِمام:</span>\nوكذلك يسقط للحد إِذا أُبدى المتهم العذر واقتنع به الإِمام.\nعن أبي موسى قال: \"أُتي عمر بن الخطاب بامرأة من أهل اليمن، قالوا: بغت! قالت: إِني كنت نائمة، فلم أستيقظ إِلا برجل رمى فيّ مثل الشهاب، فقال عمر -﵁-: يمانية نؤومة شابّة، فخلى عنها ومتعها\" (٤).\nقال شيخنا -﵀-: \"وله طريق أخرى يرويه النزال بن سبرة قال: \"إِنا لبمكة إِذ نحن بامرأة اجتمع عليها النّاس؛ حتى كاد أن يقتلوها وهم يقولون: زنَت زنَت، فأتي بها عمر بن الخطاب -﵁- وهي حبلى، وجاء معها\n_________\n(١) ما بين نجمتين من \"فقه السّنَة\" (٣/ ١٩٣).\n(٢) رَكِيٍّ: هو البئر \"نووي\".\n(٣) أخرجه مسلم (٢٧٧١)، وللحديث مناسبة في روايات أُخرى كما في \"الصحيحة\" تحت الحديث (١٩٠٤).\n(٤) أخرجه البيهقي من طريق سعيد بن منصور وغيره، وصححه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٢٣٦٢).","vol":"6","page":47},{"text":"قومها، فأثنوا عليها بخير، فقال عمر: أخبريني عن أمرك.\nقالت: يا أمير المؤمنين كنت امرأة أصيب من هذا الليل، فصليت ذات ليلة، ثمّ نمت وقمت ورجُلٌ بين رجِليّ، فقذَف فيّ مثل الشهاب، ثم ذهب، فقال عمر -﵁-: لو قتل هذه من بين الجبلين أو قال: الأخشبين -شك أبو خالد- لعذبهم الله، فخلى سبيلها، وكتب إِلى الآفاق أن لا تقتلوا أحدًا إِلا بإِذني\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1604>سقوط الحدّ بالتوبة الصحيحة:</span>\nيسقط الحد عمن تاب توبة صحيحة.\nعن وائل الكندي -﵁- قال: \"خرجت امرأة إِلى الصلاة، فلقيها رجل فتجلّلها بثيابه، فقضى حاجته منها وذهب، وانتهى إِليها رجل، فقالت له: إِن الرجل فعل بي كذا وكذا، فذهب الرجل في طلبه، فانتهى إِليها قوم من الأنصار، فوقفوا عليها، فقالت لهم إِن رجلًا فعل بي كذا وكذا، فذهبوا في طلبه، فجاؤوا بالرجل الذي ذهب في طلب الرجل الذي وقع عليها، فذهبوا به إِلى النبي - ﷺ - فقالت: هو هذا.\nفلمّا أمر النبي - ﷺ - برجمه قال الذي وقع عليها: يا رسول الله أنا هو، فقال للمرأة: اذهبي فقد غفر الله لك، وقال للرجل قولًا حسنًا.\nفقيل: يا نبي الله ألا ترجمه؟ فقال: لقد تاب توبة لو تابها أهل المدينة\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة والبيهقي، وقال شيخنا -﵀ -: \"وهذا إِسناد صحيح على شرط البخاري\"، وانظر \"الإرواء\" (٨/ ٣٠).","vol":"6","page":48},{"text":"لقُبل منهم\" (١).\nقال شيخنا -﵀-: \"وفي هذا الحديث فائدة هامة، وهي: أنّ الحد يسقط عمّن تاب توبة صحيحة، وإِليه ذهب ابن القيم في بحت له في \"الإِعلام\" فراجِعْه (٣/ ١٧ - ٢٠) مطبعة السعادة\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1605>عفو الحاكم عن الحدود لأسباب مخصوصة:</span>\nللحديث السابق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1606>الوطء بالإِكراه:</span>\nلا حدّ على المرأة التي تُكره على الزنى، وإِذا أُكره المرء على الكُفر وقلبه مطمئنٌّ بالإِيمان فلا يكفر، فكيف بما هو دونه!\nوفي الحديث: \"رفع عن أمّتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه\" (٢).\nوتقدم حديث وائل الكندي قبل الباب السابق.\nوعن طارق بن شهاب: \"أنّ امرأة زنت، فقال عمر: أراها كانت تصلي من الليل فخشعت فركعت، فسجدت، فأتاها عادٍ من العواد فتجثمها، فأرسل عمر إِليها، فقالت كما قال عمر، فخلّى سبيلها\" (٣).\n_________\n(١) أخرجه أحمد وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٦٨١) والترمذي وغيرهم وانظر \"الصحيحة\" (٩٠٠).\n(٢) أخرجه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٦٦٤)، وصححه شيخنا -﵀- \"الإِرواء\" (٨٢) وتقدّم.\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" وغيره، وصححه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٢٣١٢).","vol":"6","page":49},{"text":"وعن أبي عبد الرحمن السلمي قال: \"أُتي عمر بن الخطاب -﵁- بامرأة جهدها العطش، فمرت على راع فاستقت، فأبى أن يسقيها إِلا أن تُمكنّه من نفسها، ففعَلت، فشاور النّاس في رجمها، فقال عليّ -﵁-: هذه مضطرة، أرى أن تخلّيَ سبيلها، ففعل\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1607>الخطأ في الوطء </span>(٢):\nإِذا زُفّت إِلى رجلٍ امرأةٌ غير زوجته، وقيل له: هذه زوجتك، فوطئها يعتقدها زوجته، فلا حدّ عليه، باتفَاق.\nوكذلك الحُكم، إِذا لم يُقَل له: هذه زوجتك، أو وَجَد على فراشه امرأة ظنها امرأته فوطئَها، أو دعا زوجته فجاء غيرها، فظنها المدعوة فوطئها، لا حدّ في كل ذلك.\nوهكذا الحُكم في كل خطأ في وطء مباح.\nأمّا الخطأ في الوطء المحرم، فإِنه يوجب الحدّ، فمن دعا امرأة محرمة عليه، فأجابته غيرها، فوطئها يظنها المدعُوة فعليه الحدّ، فإِنْ دعا امرأة مُحرّمة عليه، فأجابته زوجته فوطِئَها، يظنها الأجنبية التي دعاها؛ فلا حدّ عليه، وإِنْ أثم باعتبار ظنه [والله -تعالى- أعلم].\nقلت: وللحاكم أن يُعزّره إِذا علم ذلك.\n_________\n(١) أخرجه البيهقي، وصححه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٢٣١٣).\n(٢) عن \"فقه السنّة\" (٣/ ٢١٠ - ٢١١).","vol":"6","page":50},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1608>الوطء في نكاحٍ باطل </span>(١):\nكلّ زواجٍ مُجمَع على بطلانه، كنكاح خامسة زيادة على الأربع، أو متزوجة، أو معتدة الغير، أو نكاح المطلقة ثلاثًا قبل أن تتزوج زوجًا آخر إِذا وطئ فيه، فهو زنى موجب للحدّ، ولا عبرة بوجود العقد، ولا أَثَر له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1609>لا تُرجم الحُبلى حتّى تضع وتُرضع ولدها، ولا المريضة حتى تبرأ:</span>\nتقدّم في حديث بريدة -﵁- في قِصّة الغامديّة: \"قال: ثمّ جاءته امرأة من غامد من الأزد، فقالت: يا رسول الله! طهِّرني، فقال: ويحك! ارجعي فاستغفري الله وتوبي إِليه.\nفقالت: أراك تُريد أن تُرَدِّدني كما ردّدت ماعز بن مالك، قال: وما ذاك؟ قالت: إِنها حبلى من الزنى، فقال: آنْتِ؟ قالت: نعم. فقال لها: حتّى تضعي ما في بطنك.\nقال: فكَفَلَها رجل من الأنصار حتّى وضعت. قال: فأتى النّبيّ - ﷺ - فقال: قد وضعت الغامدية، فقال: إِذًا لا نرجمها وندَعُ ولدها صغيرًا ليس له من يرضعه، فقام رجل من الأنصار فقال: إِليّ رَضاعه يا نبي الله، فرجمها\" (٢).\nوفي رواية: \"قال: فجاءت الغامدية فقالت: يا رسول الله! إِنّي قد زنيت فطهِّرني، وإِنّه ردّها فلمّا كان الغد قالت: يا رسول الله! لم تردُّني؟ لعلك أن\n_________\n(١) عن \"فقه السنّة\" (٣/ ٢١٠ - ٢١١).\n(٢) أخرجه مسلم (١٦٩٥).","vol":"6","page":51},{"text":"تردّني كما رددت ماعزًا، فوالله إِنّي لحُبلى قال: إِمّا لا (١) فاذهبي حتّى تلدي، فلمّا ولدت أتته بالصّبيّ في خِرقة، قالت: هذا قد ولدته، قال: اذهبي فأرضعيه ْحتّى تفطميه، فلمّا فطمته أتته بالصبيّ في يده كِسرةُ خُبز، فقالت: هذا يا نبيَ الله قد فطمْتُه، وقد أكل الطّعام.\nفدفع الصبيَّ إِلى رجل من المسلمين، ثمّ أمَر بها فحُفر لها إِلى صدرها وأمَر النّاس فرجموها\" (٢).\nقال الإِمام النووي -﵀-: \" [فيه] أن النفساء والمريضة ونحوهما يؤخر جلدهما إِلى البُرء. والله أعلم\".\nوعن أبي عبد الرحمن قال: \"خطب عليٌّ فقال: يا أيها النّاس أقيموا على أرقّائكم الحدّ، فإِنّ أمةً لرسول الله - ﷺ - زنت، فأمَرني أنْ أجلدها، فإِذا هي حديث عهدٍ بنفاس، فخشيت إِنْ أنا جلدتها أنْ أقتلها، فذكَرْت ذلك للنّبيّ - ﷺ - فقال: أحسنت، اتركها حتى تماثل (٣) \" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1610>شهود طائفة من المؤمنين الحدّ:</span>\nقال الله -تعالى-: ﴿الزانيةُ والزاني فاجلدوا كُلَّ واحد منهما مائة جلدةٍ\n_________\n(١) الأصل: إن ما فأُدغمت النون في الميم، وحُذف فِعل الشرط، فصار إمّا لا، ومعناه: إذا أبيت أن تستري على نفسك وتتوبي وترجعي عن قولك؛ فاذهبي حتى تلدي، فترجمين بعد ذلك.\n(٢) أخرجه مسلم (١٦٩٥ - ٢٣).\n(٣) يقال: تماثَل: إذا قارب البُرء.\n(٤) أخرجه مسلم (١٧٠٥) وتقدّم.","vol":"6","page":52},{"text":"ولا تأخُذْكُم بهما رأفةٌ في دين الله إِن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفةٌ من المؤمنين﴾ (١).\nقال ابن كثير -﵀- في \"تفسيره\": \"وقوله -تعالى-: ﴿وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين﴾: هذا فيه تنكيل للزانيَيْن إِذا جُلدا بحضرة الناس، فإِنّ ذلك يكون أبلغ في زجرهما، وأنجع في ردْعهما، فإِن في ذلك تقريعًا وتوبيخًا وفضيحة إِذا كان الناس حضورًا.\nقال الحسن البصري في قوله -تعالى-: ﴿وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين﴾ يعني: علانية، وقال قتادة: أمر الله أن يشهد عذابهما طائفة من المؤمنين، أي: نفر من المسلمين؛ ليكون ذلك موعظة وعبرة ونكالًا\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1611>الشهود أول من يرجُم ثم الإِمام ثمّ الناس:</span>\nعن أبي حصين عن الشعبي قال: \"أتي علي -﵁- بشراحة الهمدانية قد فجرت، فردّها حتى ولَدت، فلمّا ولدت قال: ائتوني بأقرب النساء منها، فأعطاها ولدها ثم جلَدَها ورجمَها.\nثم قال: جلدتها بكتاب الله ورجمتها بالسُّنّة، ثمّ قال: أيما امرأة نعى عليها ولدها، أو كان اعتراف؛ فالإِمام أوّل من يرجم ثم الناس، فإِنْ نعاها الشهود؛ فالشهود أول من يرجُم، ثم الإِمام ثمّ الناس\" (٢).\n_________\n(١) النور: ٢.\n(٢) أخرجه الدارقطني والبيهقي (٨/ ٢٢٠) وقال شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٨/ ٧): \"إِسناده صحيح على شرط مسلم\".","vol":"6","page":53},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1612>ما جاء في جلد المريض:</span>\nيُراعى المريض والسقيم في حدّ الجلد؛ ولا يُعامل كما يعامل الصحيح المعافى.\nعن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، أن بعض أصحاب رسول الله - ﷺ - من الأنصار: أنه اشتكى رجل منهم حتى أُضني (١)، فعاد جلدة على عظم، فدخَلَت عليه جارية لبعضهم، فهشّ لها، فوقع عليها فلمّا دخَل عليه رجال قومِه يعودونه أخبرهم بذلك، وقال: استفتوا لي رسول الله - ﷺ -، فإِنّي قد وقعْت على جاريةٍ دخلت عليّ.\nفذكروا ذلك لرسول الله - ﷺ -، وقالوا: ما رأينا بأحد من الناس من الضُّرِّ مثل الذي هو به، لو حملناه إِليك لتفسَّخت عظامه، ما هو إِلا جلد على عظم، فأمَر رسول الله - ﷺ -، أن يأخذوا له مائة شمراخ (٢) فيضربوه بها ضربة واحدة\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1613>اللواط:</span>\nاللواط: إِتيان الرجل الرجل، وهو من أبشع الأفعال وأقذرها، قال الله -تعالى-: ﴿ولوطًا إِذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحدٍ من العالمين * إِنّكم لتأتون الرجال شهوةً من دون النساء بل أنتم قومٌ مسرفون *وما كان\n_________\n(١) أي: حتى اشتدّ مرضه، حتى نَحَل جسمه.\n(٢) كل غصن من أغصان العِذق -وهو العود الأصفر- شمراخ، وهو الذي عليه البُسر.\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٧٥٤)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢٠٨٧)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٥٠٠٢) وغيرهم، وانظر \"الصحيحة\" (٢٩٨٦).","vol":"6","page":54},{"text":"جواب قومه إِلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إِنّهم أناس يتطهرون * فأنجيناه وأهله إِلا امرأته كانت من الغابرين * وأمطرنا عليهم مطرًا فانظر كيف كان عاقبة المجرمين﴾ (١).\nوفاعله ملعون كما في حديث أبي هريرة -﵁- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"ملعون من عَمِل عَمَل قوم لوط، ملعون مَن عمِل عَمَل قوم لوط، ملعون مَن عمِل عمَل قوم لوط\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1614>ما هو حدّ اللواط:</span>\nعن ابن عباس -﵄- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به\" (٣).\nقال شيخ الإِسلام -﵀- في \"الفتاوى\" (١١/ ٥٤٣): \"وفي السنن عن النّبيّ - ﷺ -: \"مَن وجدتموه يعمل عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعول به\".\nولهذا اتفق الصحابة على قَتْلهما جميعًا؛ لكن تنوعوا في صفة القتل: فبعضهم قال: يُرجَم، وبعضهم قال: يرمى من أعلى جدارٍ في القرية ويتبع\n_________\n(١) الأعراف: ٨٠ - ٨٤.\n(٢) أخرجه الطبراني في \"الأوسط\"، والحاكم، وصححه لغيره شيخنا -﵀- في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٢٤٢٠).\n(٣) أخرجه أحمد، وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٧٤٥)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (١١٧٧)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢٠٧٥) وغيرهم، وانظر \"الإِرواء\" (٣٤٥٠).","vol":"6","page":55},{"text":"بالحجارة، وبعضهم قال: يحرق بالنّار (١).\nولهذا كان مذهب جمهور السلف والفقهاء أنهما يرجمان بِكْرين كانا أو ثيّبين، حُرّين كانا أو مملوكين، أو كان أحدهما مملوكًا للآخر، وقد اتفق المسلمون على أن من استحلها بمملوك أو غير مملوك فهو كافر مرتد\". انتهى.\nقلت: أمّا الحرق بالنّار فإِنه لا يشرع، وإِن وقَع شيء؛ فهو محمولٌ قبل بلوغ النهي، ولا سيّما أنّ النبي - ﷺ -، كان قد أمَر بالحرق، ثمّ يلبَث أن نهى عن ذلك، والله أعلم.\nعن أبي هريرة -﵁- أنه قال: \"بَعثَنا رسول الله - ﷺ - في بعثٍ فقال: إِن وجَدتم فلانًا وفلانًا فأحرِقوهما بالنَّار.\nثمَّ قال رسول الله - ﷺ - حين أردْنا الخروجَ: إِني أمرتُكم أن تحرقوا فلانًا وفلانًا، وإِنَّ النارَ لا يُعذِّب بها إِلا الله، فإِنْ وجَدْتموهما فاقتُلوهما\" (٢).\n_________\n(١) عن محمد بن المنكدر: أن خالد بن الوليد كتب إلى أبي بكر الصديق -﵄- أنه وجد رجلًا في بعض ضواحي العرب يُنكَح كما تُنكحَ المرأة، فجمع لذلك أبو بكر أصحاب رسول الله - ﷺ - وفيهم عليُّ بن أبي طالب فقال عليّ: إِن هذا ذنب لم تعمل به أمة إِلا أمة واحدة، ففعل الله بهم ما قد علمتم، أرى أن تحرقه النار، فاجتمع رأي أصحاب رسول الله - ﷺ - أن يُحرَق بالنار، فأمر به أبو بكر أن يحرق بالنار.\nقال: وقد حرقه ابن الزبير وهشام بن عبد الملك. أخرجه ابن أبي الدنيا ومن طريقه البيهقي في \"شعب الإِيمان\" بإِسناد جيد، وأخرجه أيضًا في \"سننه\" من غير طريق ابن أبي الدنيا، وأعله بالإِرسال. وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٢/ ٦٢٤). انتهى، ويُعلم ضَعْفه من إِعلاله بالإِرسال.\n(٢) أخرجه البخاري (٣٠١٦).","vol":"6","page":56},{"text":"وعن عكرمة أنَّ عليًّا -﵁- \"حَرَّقَ قومًا فبَلَغَ ابن عباس فقال: لو كنتُ أنا لم أُحرِّقْهم؛ لأنَّ النبي - ﷺ - قال لا تعذِّبوا بعذاب الله، ولَقتَلْتُهم كما قال النبي - ﷺ -: من بدَّل دِينَهُ فاقتلوه\" (١).\nوقال -﵀- (٣٤/ ١٨٢): \"أمّا الفاعل والمفعول به فيجب قتْلهما رجمًا بالحجارة، سواءٌ كانا مُحصَنَين أو غير محصنين؛ لما في السنن عن النّبيّ - ﷺ - أنه قال: \"من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به\"، ولأن أصحاب النّبيّ - ﷺ - اتفقوا على قتلهما\".\nوقال في \"الفتاوى\" أيضًا (٢٨/ ٣٣٤): \"وأمّا اللواط، فمن العلماء من يقول: حده كحد الزنا، وقد قيل: دون ذلك.\nوالصحيح الذي اتفقت عليه الصحابة: أن يقتل الاثنان الأعلى والأسفل، سواء كانا مُحصَنَين أو غير محصَنَين؛ فإِنّ أهل السنن رووا عن ابن عباس -﵄- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعول به\".\nوروى أبو داود عن ابن عباس -﵄- في البكر يوجد على اللوطية. قال: يُرجَم (٢). ويروى عن عليّ بن أبي طالب -﵁- نحو ذلك.\nولم تختلف الصحابة في قْتله؛ ولكن تنوعوا فيه. فرُوي عن الصديق\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٣٠١٧).\n(٢) \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٧٤٦) وهو صحيح الإِسناد موقوف.","vol":"6","page":57},{"text":"-﵁- أنه أمر بتحريقه (١) وعن غيره قتْله، وعن بعضهم: أنه يلقى\nعليه جدار حتى يموت تحت الهدم، وقيل: يُحبسان في أنتن موضع حتى يموتا، وعن بعضهم: أنه يرفع على أعلى جدار في القرية ويرمى منه، ويُتبع بالحجارة كما فعل الله بقوم لوط.\nوهذه رواية عن ابن عباس والرواية الأخرى قال: \"يرجم\". وعلى هذا أكثر السلف.\nقالوا لأن الله رجم قوم لوط، وشرَع رَجم الزاني تشبيهًا برجْم قوم لوط، فيرجم الاثنان سواء كانا حُرّين أو مملوكين، أو كان أحدهما مملوكًا والآخر حُرًّا، إِذا كانا بالغين، فإِن كان أحدهما غير بالغ؛ عوقب بما دون القتل، ولا يُرجَم إِلا البالغ\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1615>السّحاق:</span>\nإِن السّحاق -وهو إِتيان المرأة المرأة- من أقبح الأفعال وأخبثها وأشنعها، وهذا الفعل يمضي فيه قوله -تعالى-: ﴿فأولئك هم العادون﴾ وهذا الخطاب للذكر والأنثى، والأمر بحفظ الفرج يعمّهما كذلك.\nعن أبي سعيد الخدري -﵁- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"لا ينظر الرجل إِلى عورة الرجل، ولا المرأة إِلى عورة المرأة، ولا يفضي الرجل إِلى الرجل في ثوب واحد، ولا تفضي المرأة إِلى المرأة في الثوب الواحد\" (٢).\n_________\n(١) تقدم الكلام حول هذا الأمر.\n(٢) أخرجه مسلم (٣٣٨).","vol":"6","page":58},{"text":"جاء في \"إِكمال إِكمال المعلم\": \" (ولا يفضي الرجل إِلى الرجل ..): لأنّ تجرّدهما مظنّة مسّ أحدهما عورة الآخر، ومسّ العورة حرام؛ كالنظر -وإِنْ كانا مستورَيْن- فليتنزّها عن ذلك، لعموم النهي، وعلى أنّ جسد المرأة على المرأة عورة يحرم ذلك\".\nوإِذا كان اقتراف الحرام بالنظر والتجرّد؛ فكيف بما هو أعظم من ذلك.\n*والسّحاق مباشرة دون إِيلاج، ففيه التعزير دون الحدّ؛ كما لو باشر الرجلُ المرأة؛ دون إِيلاجٍ في الفرج* (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1616>الاستمناء:</span>\nقال الله -تعالى-: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون * إِلا على أزواجهم أو ما ملكَتْ أيمانُهم فإِنهم غيرُ ملومين * فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون﴾ (٢).\nقال الحافظ ابن كثير -﵀- في \"تفسيره\": \"وقوله: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون * إِلا على أزواجهم أو ما ملكَت أيمانُهم فإِنّهم غيرُ ملومين * فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون﴾ أي: والذين قد حفظوا فروجهم من الحرام، فلا يقعون فيما نهاهم الله عنه من زنا أو لواط، ولا يقربون سوى أزواجهم التي أحلَّها الله لهم، وما ملكت أيمانهم من السراري، ومن تعاطى ما أحله الله له فلا لوم عليه ولا حرج، ولهذا قال: ﴿فإِنّهم غير ملومين * فمن ابتغى وراء ذلك﴾ أي: غير الأزواج والإِماء، ﴿فأولئك هم العادون﴾ أي:\n_________\n(١) ما بين نجمتين من \"فقه السّنّة\" (٣/ ٢٠٧).\n(٢) المؤمنون: ٥ - ٧.","vol":"6","page":59},{"text":"المعتدون\".\nوقال -﵀-: \"وقد استدل الإِمام الشافعي -﵀- ومن وافَقَه على تحريم الاستمناء باليد بهذه الآية الكريمة ﴿والذين هم لفروجهم حافظون * إِلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانُهم﴾.\nقال: فهذا الصنيع خارجٌ عن هذين القِسْمين، وقد قال -تعالى-: ﴿فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون﴾ \".\nوقال الإِمام القرطبي -﵀-: \" ... وقال بعض العلماء، إِنه كالفاعل بنفسه، وهي معصية أحدثها الشيطان وأجراها بين الناس حتى صارت قيلة، وياليتها لم تُقَل؛ ولو قام الدليل على جوازها لكان ذو المروءة يعرض عنها لدناءتها.\nفإِنْ قيل: إِنها خير من نكاح الأمَة؛ قلنا: نكاح الأمة ولو كانت كافرة على مذهب بعض العلماء خير من هذا -وإِنْ كان قد قال به قائل أيضًا- ولكن الاستمناء ضعيف في الدليل، عار بالرجل الدنيء، فكيف بالرجل الكبير\" انتهى.\nوقال بعضهم: \"إِنه حرام؛ إِلا إِذا استمنى خوفًا على نفسه من الزنا، أو خوفًا على صحّته ولم تكن له زوجة أو أمَة ولم يقدر على الزواج؛ فإِنه لا حرج عليه!!! \".\nقال شيخنا -﵀- في \"تمام المنّة\": \"ولا نقول بجوازه لمن خاف الوقوع في الزنى؛ إِلا إِذا استعمل الطبّ النبوي وهو قوله - ﷺ - للشباب في الحديث المعروف الآمر لهم بالزواج: \"فمن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإِنه له وجاء\".","vol":"6","page":60},{"text":"ولذلك فإِننا ننكر أشدّ الإِنكار، على الذين يُفتون الشباب بجوازه، خشية الزنا؛ دون أن يأمرهم بهذا الطبّ النبوي الكريم\". انتهى.\nوإِني لأخشى أن تُستغَل فتوى الترخّص في الاستمناء خوفًا من الزنى -مع ما تقدّم من التحفّظ- استغلالًا بشِعًا، وأن تُفهم على غير وجهها.\nفلا بدّ من التأكيد على تحريم الفِعل، وما يتضمّنه من الدناءة وسوء الأدب، ومنافاته مكارم الأخلاق.\nوقد تقدّم القول في \"كتاب الصيام\" (٣/ ٣١٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1617>إِتيان البهيمة:</span>\nعن ابن عباس -﵄- قال: قال - ﷺ -: \"من أتى بهيمة فاقتلوه، واقتلوها معه.\nقال: قلت له: ما شأن البهيمة؟ قال: ما أراه إِلا قال ذلك أنه كره أن يؤكل لحمها، وقد عمل بها ذلك العمل\" (١).\nوعن ابن عباس -﵄- قال: \"ليس على الذي يأتي البهيمة حدّ\" (٢).\nجاء في \"عون المعبود\" (١٢/ ١٠٢): \"وأكثر الفقهاء -كما حكاه الخطابي-\n_________\n(١) أخرجه أحمد وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٧٤٧)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (١١٧٦)، وابن ماجه الجزء الأول منه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢٠٧٨)، وانظر \"الإِرواء\" (٢٣٤٨).\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٧٤٨)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" تحت رقم (١١٧٦)، وانظر \"الإِرواء\" (٨/ ١٣).","vol":"6","page":61},{"text":"على عدم العمل بهذا الحديث، فلا يقتل البهيمة، ومَن وقَع عليها، وإنّما عليه التعزير ترجيحًا لما رواه الترمذي عن ابن عباس -﵄- قال: \"من أتى بهيمة فلا حدّ عليه\" قال الترمذي: هذا أصح من الحديث الأول، والعمل على هذا عند أهل العلم\".\nقلت: إِذا ثبت الحديث وجبَ العمل به، مع رجائنا الأجر الواحد لمن لم يعمل به من العلماء اجتهادًا لرؤيةٍ شرعيّة.\nوجاء في \"مجموع الفتاوى\" (٣٤/ ١٨٢): \"وسئل -﵀- عن قوله في \"التهذيب\" من أتى بهيمة فاقتلوا المفعول، واقتلوا الفاعل بها، فهل يجب ذلك أم لا؟\nفأجاب: الحمد لله هذا فيه حديث رواه أبو داود في \"السنن\" وهو قوله: \"من أتى بهيمة فاقتلوه، واقتلوها\" وهو أحد قولي العلماء؛ كأحد القولين في مذهب أحمد، ومذهب الشافعي\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1618>حدّ القذف</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1619>حرمته:</span>\nالقذف: هو الرمي بالزنا، وهو محرَّم بإِجماع الأمّة، والأصل في تحريمه الكتاب والسُّنّة.\nقال الله -تعالى-: ﴿والذين يرمون المحصنات ثمّ لم يأتوا بأربعة شهداء","vol":"6","page":62},{"text":"فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا وأولئك هم الفاسقون﴾ (١).\nوقال -سبحانه-: ﴿إِنّ الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لُعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم﴾ (٢).\nوعن أبي هريرة -﵁- عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله! وما هنّ؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرّم الله إِلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتّولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات\" (٣).\nوعن عائشة -﵂- قالت: \"لما نزل عُذري، قام النّبيّ - ﷺ - على المنبر فذكر ذاك وتلا -يعني القرآن- فلما نزل من المنبر أَمَر بالرجلين والمرأة، فضُربوا حدهم\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1620>هل يُقام حدّ القذف على من عرَّض </span>(٥)؟\nويُقام الحدّ على القاذف إِذا صرّح بالزنى أو عرّض، قولًا أو كتابة.\n_________\n(١) النور: ٤.\n(٢) النور: ٢٣.\n(٣) أخرجه البخاري (٦٨٥٧)، ومسلم (٨٩).\n(٤) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٧٥٦)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٢٥٤٢)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢٠٨١).\n(٥) استفدت من عنوان (ما يجب توافره في المقذوف) من \"فقه السّنّة\" (٣/ ٢١٦) بتصرّف.","vol":"6","page":63},{"text":"ومثال التصريح أن يقول موجّهًا الخطاب إِلى غيره: يا زاني أو يقول عبارة؛ تجري مجرى هذا التصريح؛ كنفي نسَبِه عنه، ومثال التعريض؛ أن يقول في مقام التنازُع: لستُ بزانٍ، ولا أمّي بزانية.\nعن عمرة بنت عبد الرحمن: \"أنّ رجلين استبّا في زمان عمر بن الخطاب، فقال أحدهما للآخر: والله ما أبي بزان، ولا أمّي بزانية، فاستشار في ذلك عمر ابن الخطاب.\nفقال قائل: مدَح أباه وأمّه، وقال آخَرون: قد كان لأبيه وأمّه مدْحٌ غير هذا، نرى أن تجلده الحدّ، فجلَده عمر الحدّ ثمانين\" (١).\nوذَهب بعض العلماء إِلى أنه لا حدّ في التعريض، لأنّ التعريض يتضمّن الاحتمال، والاحتمال شُبهة؛ فلا حدّ عليه.\nوجاء في \"الروضة الندية\" (٢/ ٦٠٨) بعد ذكر أقوال العلماء: \"أقول: التحقيق أنّ المراد مِنْ رمي المحصنات المذكور في كتاب الله -﷿-: هو أن يأتي القاذف بلفظٍ يدل -لغة، أو شرعًا، أو عرفًا- على الرمي بالزنا، ويظهر من قرائن الأحوال أن المتكلم لم يُرِدْ إِلا ذلك، ولم يأت بتأويلٍ مقبول يصح حمْل الكلام عليه، فهذا يوجب حدَّ القذف بلا شك ولا شُبهة.\nوكذلك لو جاء بلفظٍ لا يحتمل الزنا، أو يحتمله احتمالًا مرجوحًا، وأقرّ أنه أراد الرمي بالزنا، فإِنه يجب عليه الحد.\nوأمّا إِذا عرّض بلفظٍ مُحتَمل، ولم تدل قرينة حال ولا مقال على أنه قصد الرمي بالزنا؛ فلا شيء عليه؛ لأنه لا يسوغ إِيلامه بمجرد الاحتمال\".\n_________\n(١) أخرجه مالك، والدارقطني، وصححه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٢٣٧١).","vol":"6","page":64},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1621>بمَ يثبت حدّ القذف</span>؟ (١):\nيثبت حدّ القذف بأمرين:\n١ - إِقرار القاذف، ويثبت ذلك بإِقراره مرّة؛ لكون إِقرار المرء لازمًا له.\n٢ - شهادة عدلين؛ كسائر ما تمضي فيه الشهادة؛ كما أطلقه الكتاب العزيز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1622>عقوبة القاذف الدنيوية:</span>\n*أوجب الشرع على القاذف؛ إِذا لم يُقم بيّنة على صحّة ما قاله؛ ثلاثة أحكام:\nأحدها: أن يُجلد ثمانين جلدة.\nالثاني: أنه تُردّ شهادته دائمًا.\nالثالث: أن يكون فاسقًا؛ ليس بعدل؛ لا عند الله ولا عند النّاس* (٢).\nقال الله -تعالى-: ﴿والذين يرمون المحصنات ثمِّ لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا وأولئك هم الفاسقون * إِلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإِنّ الله غفور رحيم﴾ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1623>هل تُقبل شهادة القاذف إِذا تاب:</span>\nقال ابن كثير -﵀- بعد بيان ما أوجب الشرع على القاذف: \"ثمّ\n_________\n(١) عن \"الروضة الندية\" (٢/ ٦٠٨) بتصرف.\n(٢) انظر \"تفسير ابن كثير\" -﵀-.\n(٣) النور: ٤ - ٥.","vol":"6","page":65},{"text":"قال -تعالى-: ﴿إِلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإِنّ الله غفور رحيم﴾.\nاختلف العلماء في هذا الاستثناء: هل يعود إِلى الجملة الأخيرة فقط؛ فترفع التوبة الفسقَ فقط، ويبقى مردودَ الشهادة دائمًا وإِنْ تاب، أو يعود إِلى الجملتين الثانية والثالثة؟\nأمّا الجلد فقد ذهب وانقضى، سواء تاب أو أصرّ، ولا حكم له بعد ذلك بلا خلاف، فذهب الإِمام مالك والشافعي وأحمد بن حنبل إِلى أنه إِذا تاب قُبِلت شهادته، وارتفع عنه حُكْم الفسق، ونص عليه سعيد بن المسيب -سيد التابعين- وجماعة من السلف أيضًا.\nوقال الإِمام أبو حنيفة: إِنما يعود الاستثناء إِلى الجملة الأخيرة فقط، فيرتفع الفسق بالتوبة، ويبقى مردود الشهادة أبدًا.\nوممن ذهب إِليه من السلف: القاضي شريح، وإِبراهيم النخعي، وسعيد بن جبير، ومكحول، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم.\nوقال الشعبي والضحاك: لا تُقبل شهادته وإِنْ تاب، إِلا أن يعترف على نفسه بأنه قد قال البهتان، فحينئذ تقبل شهادته، والله أعلم\".\nقال في \"الروضة الندية\" (٢/ ٦٠٩): \"وإِذا لم يتُب لم تُقبل شهادته؛ لقوله -تعالى-: ﴿ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا﴾ ثمّ ذَكر بعد ذلك التوبة.\nوالذي يترجّح لديّ قبول شهادته إِذا تاب توبة نصوحًا وأكذب نفسه، ويقرّ أنه قال البُهتان، وذلك لما يأتي:","vol":"6","page":66},{"text":"١ - للنصوص العامّة في قَبول التوبة بشروطها، ومن ذلك توبة القاتل (١) وهو أعظم جرمًا من القاذف -بل تُقبل توبة المشرك إِذا تاب.\nوحين سألت شيخنا -﵀- هل تقبل توبة الكاذب على رسول الله - ﷺ - وقد اختلف فيها العلماء -وكنتُ مستحضرًا في نفسي أَن الله تعالى يقبل التوبة من الشرك- فقال: إِذا كانت تُقبل توبة المشرك مِن شركه، فكيف بالكاذب على رسول الله - ﷺ -!.\n٢ - لترجيحي قول العلماء الذين يرون رجوع الاستثناء إِلى الجملتين لا إِلى الجملة الأخيرة فقط.\nوقد فصَّل القولَ في ذلك الأُستاذ عبد القادر عبد الرحمن السعدي في كتابه النافع \"أثر الدلالة النحوية واللغوية في استنباط الأحكام من آيات القرآن التشريعية\" (ص ٢١١ - ٢١٥) مُبّينًا أقوال النحاة والراجح في ذلك. فارجع إِليه -إِن شئت- فإِنه مهمّ.\nوأمّا أن يكذب نفسه، ويقرّ أنه قال البهتان، فهذا من شروط التوبة المتعلّقة بحقوق العباد، ورد الظالم، وتبرئتهم مما يجب فيه ذلك.\n_________\n(١) وفي المسألة تفصيل، والراجح قَبول توبة القاتل، ومن الأدلة على ذلك؛ أثر ابن عباس -﵄- \"أنه أتاه رجل فقال: إِنّي خطبتُ امرأة فأبت أن تنْكحني وخطبَها غيري فأحبّت أن تنكحه، فغِرت عليها فقتلتُها، فهل لي من توبة؟ قال: أمّك حيّة؟ قال: لا، قال: تبْ إِلى الله -﷿- وتقرَّبْ إِليه ما استطعت، قال عطاء بن يسار: فذهبتُ فسألت ابن عباس -﵄- لم سألته عن حياة أمّه؟ فقال: إِني لا أعلم عملًا أقرب إِلى الله -﷿- من بر الوالدة\" أخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" \"صحيح الأدب المفرد\" برقم (٤).","vol":"6","page":67},{"text":"قال الله -سبحانه-: ﴿إِنّ الذين يكْتُمُون ما أنزلْنَا من البيّناتِ والهدى من بعد ما بينّاه للناس في الكتاب أولئك يلعَنُهُمُ الله ويلعَنُهُم اللاعنُون * إِلا الذين تَابُوا وأصلَحُوا وبيّنوا فأولئك أتُوبُ عليهم وأنَا التّواب الرّحيم﴾ (١).\nقال ابن كثير -﵀-: \"وفى هذا دلالة على أنّ الداعية إِلى كُفر أو بدعة إِذا تاب إِلى الله؛ تاب الله عليه\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1624>من رمى المحصنة ولم يأتِ بأربعة شهداء:</span>\nعن أبي عثمان النهدي قال: \"جاء رجل إِلى عمر بن الخطاب -﵁- فشهد على المغيرة بن شعبة فتغيّر لون عمر، ثمّ جاء آخر فشهد؛ فتغيّر لون عمر، ثمّ جاء آخر فشهد؛ فتغيّر لون عمر، حتى عرفنا ذلك، وأنكر لذلك، وجاء آخر يحرك بيديه، فقال: ما عندك يا سلخ العقاب، وصاح أبو عثمان صيحة تشبهها صيحة عمر، حتى كربت (٢) أن يغشى عليّ، قال: رأيت أمرًا قبيحًا.\nقال: الحمد لله الذي لم يشمت الشيطان بأمّة محمد - ﷺ -، فأمر بأولئك النفر فجلدوا\" (٣).\n_________\n(١) البقرة: ١٥٩ - ١٦٠.\n(٢) كربت: بمعنى دنوت وقربت، انظر \"النهاية\".\n(٣) أخرجه الطحاوي، وقال شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٢٣٦١): \"وإسناده صحيح\". ورجاله ثقات غير ابن رشيد وهو صدوق وقد توبع، فقال ابن أبي شيبة (١١/ ٨٥/١): نا ابن علية عن التيمي عن أبي عثمان قال: \"لما شهد أبو بكرة وصاحباه على المغيرة جاء زياد، فقال له عمر: رجلٌ لن يشهد إِن شاء الله إلاَّ بحقّ، قال: رأيت =","vol":"6","page":68},{"text":"وله طريق أُخرى عن قسامة بن زهير قال: لمّا كان من شأن أبي بكرة والمغيرة الذي كان -وذكر الحديث- قال: فدعا الشهود، فشهد أبو بكرة، وشبل بن معبد، وأبو عبد الله نافع، فقال عمر حين شهد هؤلاء الثلاثة: شق على عمر شأنه، فلما قدم زياد قال: إِن تشهد إِن شاء الله إِلا بحق، قال زياد: أما الزنا فلا أشهد به، ولكن قد رأيت أمرًا قبيحًا، قال عمر: الله أكبر، حدوهم، فجلدوهم، قال: فقال أبو بكرة بعدما ضربه: أشهد أنه زان، فهمّ عمر -﵁- أن يعيد عليه الجلد، فنهاه عليّ -﵁- وقال: إِن جلدته فارجم صاحبك، فتركه ولم يجلده\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1625>إِذا كرّر القذف للشخص نفسه:</span>\nإِذا قذف المرء شخصًا وحُدّ، ثمّ قذفه مرّه أُخرى؛ حُدّ مرّة أخرى، وهكذا لو عاد؛ فإِنّه يُحدّ لكل قذف.\nومن الأدلّة على ذلك؛ ما تقدّم في أثر قسامة بن زهير، وفيه قول عمر -﵁-: \"الله أكبر؛ حدُّوهم، فجلَدوهم، فقال أبو بكرة بعد ما ضَربه: أشهد أنه زان، فهمّ عمرُ -﵁- أن يعيد عليه الجلد؛ فنهاه عليّ -﵁- وقال: إِنْ جلدْتَه؛ فارجم صاحبك، فتركه ولم يجلده\" (٢).\n_________\n= انبهارًا، ومجلسًا سيئًا، فقال عمر: هل رأيت المرود دخل المكحلة؟ قال لا، قال: فأَمَر بهم فجُلدوا\" قال شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٨/ ٢٩): \"وهذا إِسناد صحيح على شرط الشيخين\".\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة والبيهقي وصححه شيخنا -﵀- في \"الإرواء\" (٢٣٦١) وتقدّم.\n(٢) المصدر السابق.","vol":"6","page":69},{"text":"والشاهد فيه أن عُمَر همّ بإِعادة الحدّ مرّةً أُخرى، ومنعَه ذلك وضْع خاصّ، وهو أنّه إِذا حدّه، فكأنها أصبحت أربع شهادات، فيجب رجْم المقذوف فلم يفعل -والله تعالى أعلم-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1626>سُقوط حد القذف </span>(١):\nويسقط حد القذف بمجيء القاذف بأربعة شهداء؛ لأن الشهداء ينفون عنه صفة القذف الموجبة للحد، ويثبتون صدور الزنى بشهادتهم، فيقام حد الزنى على المقذوف؛ لأنه زان، وكذلك إِذا أقرّ المقذوف بالزنى، واعترف بما رماه به القاذف.\nوإِذا قذفَت المرأة زوجها، فإِنه يقام عليها الحدّ إِذا توفرت شروطه، بخلاف ما إِذا قذَفَها هو، ولم يُقِم عليها البيّنة؛ فإِنه لا يقام عليه الحدّ، وإِنما يتلاعنان (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1627>إِقامة الحد يوم القيامة:</span>\nعن أبي هريرة -﵁- قال: سمعت أبا القاسم - ﷺ - يقول: \"من قذَف مملوكه وهو بريء مما قال؛ جُلِد يوم القيامة، إِلا أن يكون كما قال\" (٣).\n_________\n(١) عن \"فقه السنّة\" (٣/ ٢٢٢).\n(٢) وانظر (باب اللعان) في المجلد الرابع.\n(٣) أخرجه البخاري (٦٨٥٨)، ومسلم (١٦٦٠).","vol":"6","page":70},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1628>حدّ السّرقة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1629>تعريف السّرقة:</span>\nالسرقة لغةً: أخْذ الشيء المحرَز من الغير؛ من مالكه أو نائبه على وجه الاختفاء (١).\nأجمع العلماء على قطع اليد في السرقة لقوله -تعالى-: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديَهما ...﴾ (٢).\nوعن عائشة -﵂- قالت: قال النبي - ﷺ -: \"تقطع اليد في رُبع دينار فصاعدًا\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1630>أنواع السرقة </span>(٤)\nوالسرقة أنواع:\n١ - ما يوجب التعزير: وهي السرقة التي لم تتوفر فيها شروط إِقامة الحد، وقد قضى رسول الله - ﷺ - بمضاعفة الغُرم والعقوبة على مَن سَرَق ما لا قطْع فيه؛ كما في سارق الثمار المعلّقة، وكذا سارق الشّاة من المرتع.\n_________\n(١) \"منار السبيل\" (٢/ ٣٤٠) -بتصرّف وزيادة يسيرين-.\n(٢) المائدة: ٣٨.\n(٣) أخرجه البخاري (٦٧٨٩)، ومسلم (١٦٨٤).\n(٤) عن \"فقة السُّنة\" (٣/ ٢٥٩) -بتصرف-.","vol":"6","page":71},{"text":"فعن عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄- عن رسول الله - ﷺ -: أنه سُئل عن الثمر المعلق، فقال: \"من أصاب بفيه (١) من ذي حاجة غير مُتّخذٍ خُبْنَةً (٢)، فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مِثلَيْه والعقوبة، ومن سرق منه شيئًا بعد أن يؤويه الجَرين (٣) فبلغ ثمن المجنّ (٤) فعليه القطع\" (٥).\nوفي رواية من حديث عبد الله بن عمرو -﵄- أن رجلًا من مُزَيْنة أتى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله! كيف ترى في حريسة (٦) الجبل، فقال: \"هي وَمثْلُها والنَّكَالُ، ولَيْس في شَيْء مِنَ الماشيَة قَطعٌ، إِلا فيما آوَاه المُراحُ (٧). فَبَلغَ ثمن المِجَنّ، فَفيِه قَطْع اليد، وما لم يَبلُغ ثمن المِجَنِّ، ففيِه\n_________\n(١) فيه دليل على أنّه إِذا أخَذَ المحتاج بُغيته لسدّ فاقته؛ فإِنه مباح \"عون المعبود\" (٥/ ٩١).\n(٢) الخُبنة: مِعطف الإِزار وطرف الثوب: أي لا يأخذ منه في ثوبه.\n(٣) الجَرين: موضع تجفيف التمر، وهو له كالبيدر للحِنطة \"النهاية\".\n(٤) المجنّ: هو التُرس؛ لأنه يواري حامله: أي يستره والميم زائدة \"النهاية\" أيضًا.\n(٥) أخرجه أبو داود، \"صحيح سنن أبي داود\" (١٥٠٤)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٤٥٩٣) وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢١٠٤) وانظر \"الإِرواء\" (٢٤١٣).\n(٦) الحريسة: فعيلة بمعنى مفعولة: أي أنّ لها مِن يحرسها ويحفظها ومنهم من يجعل الحريسة السرقة نفسها ... \"النهاية\" والمراد: ليس فيما يُسرق من الجبل قطع، لأنه ليس بحرز.\n(٧) المُراح: الموضع الذي يريح الراعي إليه الماشية إِذا أمسى وانظر \"غريب الحديث\" للهروي.","vol":"6","page":72},{"text":"غرامةُ مِثْليِه، وجَلَدَات نَكَال\" (١). قال يا رسول الله كيف ترى في الثمر المعلق؟\nقال: \"هو ومِثلُه معهُ والنّكالُ، وليس في شيء من الثمر المعلق قَطعٌ إِلا فيما آواه الجَرينُ، فما أُخِذ من الجَرين فبَلَغ ثمنَ المِجَنّ، ففيِه القَطعُ، وما لم يَبْلغ ثَمَنَ المِجَن فَفِيه غَرَامةُ مِثليْه وجَلداتُ نَكَال\" (٢).\nوعن رافع بن خديج -﵁- عن النبي - ﷺ -: \"لا قطع في ثمر ولا كَثَر (٣) \". (٤)\n٢ - ما يوجب الحدّ وهي التي يجب فيها قطع اليد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1631>ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع:</span>\nعن جابر -﵁- عن النبي - ﷺ - قال: \"ليس على خائن (٥) ولا مُنْتهب (٦)\n_________\n(١) النكال: العقوبة التي تنكُلُ الناسَ عن فِعْل ما جُعلت له جزاءً \"النهاية\".\n(٢) أخرجه النسائي، \"صحيح سنن النسائي\" (٤٥٩٤)، وحسنه شيخنا -﵀- في \"الإرواء\" (٢٤١٣).\n(٣) الكَثَر: -بفتحتين- جُمّار النخل، وهو شحمه الذي وسَط النخلة \"النهاية\".\n(٤) أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي ومالك والدرامي وغيرهم وصححه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٢٤١٤).\n(٥) الخائن: أي في نحو وديعة.\n(٦) المنتهب: هو الذي يعتمد القوّة والغَلَبة ويأخذ عيانًا.","vol":"6","page":73},{"text":"ولا مختلس (١) قطع (٢) \". (٣)\nقال ابن القيم -﵀-: \"وأمّا قطع يد السارق في ثلاثة دراهم، وترْك قطْع المختلس، والمنتهب، والغاصب، فمِن تمام حكمة الشارع أيضًا؛ فإِنّ السارق لا يمكن الاحتراز منه، فإِنه ينقُب الدور، ويهتك الحِرز، ويكسر القفل، ولا يمكن صاحب المتاع الاحتراز بأكثر من ذلك، فلو لم يشرع قطْعه، لسَرَق الناس بعضهم بعضًا، وعظُم الضرر، واشتدت المحنة بالسُّراق، بخلاف المنتهب والمختلس؛ فإِن المنتهب هو الذي يأخذ المال جهرة بمرأى من الناس، فيمكنهم أن يأخذوا على يديه، ويُخلّصوا حقّ المظلوم أو يشهدوا له عند الحاكم.\n_________\n(١) المختلس: هو من يأخذ معاينةً ويهرب، لأنّ من شرط القطع الإِخراج من الحرز.\n(٢) قال في \"فيض القدير\" (٥/ ٣٦٩): \" ... وليس عليهم قطع لأنهم غير سُرّاق والله -سبحانه- أناط القطع بالسرقة، قال ابن العربي: أمّا المنتهب فلأنه قد جاهر، والسرقة معناها الخفاء والتستر عن الأبصار والأسماع.\nوأمّا المختلس فإِنه وإنْ كان سارقًا لغةً؛ فليس بسارق عرفًا، فإِنه مجاهر لا يقصد الخلوات ولا يترصد الغفلات إِلا عن صاحب المال فقط، وإنما يراعى فعل السرقة على العموم.\nوأمّا الخائن فلأنه ائتمن على المال ومكن منه فلم يكن محترزًا عنه كالمودع والمأذون في دخول الدار\".\n(٣) أخرجه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (١١٧٢)، وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٦٩٠)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢٠٩٩)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٤٦٠٦).","vol":"6","page":74},{"text":"وأمّا المختلس فإِنّه إِنّما يأخذ المال على حين غفلة من مالكه وغيره، فلا يخلو من نوع تفريط يُمكّن به المختلس من اختلاسه، وإِلا فمع كمال التحفُّظ والتيقُّظ، لا يمكنه الاختلاس، فليس كالسارق، بل هو بالخائن أشبه، وأيضًا فالمختلس إِنما يأخذ المال من غير حِرز مثله غالبًا، فإِنه الذي يغافلك، ويختلس متاعك في حال تخلّيك عنه، وغفلتك عن حِفظه، وهذا يمكن الاحتراز منه غالبًا، فهو كالمنتهب.\nوأمّا الغاصب فالأمر فيه ظاهر، وهو أولى بعدم القطع من المنتهب، ولكن يسوغ كفّ عدوان هؤلاء بالضرب والنَّكال، والسجن الطويل، والعقوبة بأخذ المال\". (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1632>هل في جحد العارية حدّ</span>؟\n*اختلف العلماء في حُكم جاحد العارية، فقال الجمهور لا تُقطع يده؛ لأن القرآن والسنّة أوجبا القطع على من سرق، والجاحد للعارية ليس بسارق! * (٢).\nوذهب الإِمام أحمد (٣) وإِسحاق وجمْع من العلماء إِلى قطع يده لحديث عائشة -﵂- \"أن قريشًا أهمتهم المرأة المخزومية التي\n_________\n(١) قاله ابن القيم في \"إِعلام الموقعين\" (٢/ ٦١) وذكره السيد سابق -﵀- في \"فقه السنة\" (٣/ ٢٦٢).\n(٢) ما بين نجمتين من \"فقه السنة\" (٣/ ٢٦٢) -بتصرف-.\n(٣) في \"منار السبيل\" (٢/ ٣٤٠) قال الإمام أحمد: \"لا أعرف شيئًا يدفعه، وعنه: لا قطع عليه\".","vol":"6","page":75},{"text":"سرقت فقالوا: من يكلّمُ فيها رسول الله - ﷺ - ومن يجترئ عليه إِلا أسامة حِبّ (١) رسول الله - ﷺ -؟ فكلم رسول الله - ﷺ - فقال: أتشفع في حدّ من حدود الله؟\nثم قام فخطب فقال: يا أيها الناس إِنما ضلّ من كان قبلكم أنهم كانوا إِذا سرق الشريف تركوه، وإِذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد، وايم (٢) الله لو أنّ فاطمة بنت محمد سرقَت لقطع محمد يدها\" (٣).\nوفي رواية عن عائشة -﵂- قالت: \"كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع وتجحده، فأمرَ النبي - ﷺ - أن تُقطَع يدها ... \" (٤).\nقال الإِمام ابن حزم -﵀- بعد تفصيل ومناقشة للآراء المخالفة في \"المحلى\" (٣/ ٤١٤): \"فتُقطع يد المستعير الجاحد؛ كما تقطع من السارق -سواءٌ بسواء- .... \".\nولا شك أن الحديث هو الفيصل فقد نزّل الجحد منزلة السرقة، وقد كان القطع لأجل الجحد، ورواية \"سرقت\" تفسير للفظ \"تستعير المتاع وتجحده\".\nقال الإِمام الشوكاني -﵀- في \"نيل الأوطار\" (٧/ ٣٠٨):\n_________\n(١) أي محبوبه.\n(٢) أيم اللهِ: من ألفاظ القَسم، وفيها لغاتٌ كثيرة، وتُفتَح همزتها وتُكسَر، وهمزتها وصْلٌ، وقد تُقطع. \"النهاية\".\n(٣) أخرجه البخاري (٦٧٨٨) ومسلم (١٦٨٨).\n(٤) أخرجه مسلم (١٦٨٨).","vol":"6","page":76},{"text":"\" .. فالحق قطع جاحد الوديعة؛ ويكون ذلك مُخصِّصًا للأدلة الدالة على اعتبار الحرز، ووجهه أن الحاجة ماسّة بين الناس إِلى العارية، فلو علم المعير أن المستعير إِذا جحَد؛ لا شيء عليه؛ لجَرّ ذلك إِلى سد باب العارية وهو خلاف المشروع\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1633>الصفات التي يجب اعتبارها في السارق </span>(١):\n*١ - أن يكون السارق بالغًا عاقلًا؛ فلا حدّ على مجنون ولا صغير إِذا سرق؛ لأنهما غير مُكَلَّفين ولكن يُؤدّب الصغير إِذا سرَق.\nولا يُشترط في السارق الإسلام؛ فإِذا سَرق الذّمي أو المرتدّ فإِنه يُقطع، كما أنّ المسلم يُقطَع إِذا سرَق من الذمّي.\n[أقول: هذا لعموم النصوص الواردة في عقوبة السارق والسارقة من غير استثناء؛ فتُؤخذ على عمومها].\n٢ - الاختيار؛ بأن يكون السارق مختارًا في سرقته، فلو أُكره على السرقة؛ فلا يُعدّ سارقًا؛ لأن الإِكراه يسلبه الاختيار، وسلْب الاختيار يُسقِط التكليف.\n٣ - ألا يكون للسارق في الشيء المسروق شبهة، فإِن كانت له فيه شُبهة؛ فإِنه لا يقطَع، ولهذا لا يقطع الأب ولا الأمّ بسرقة مالِ ابنيهما.* (٢).\nفعن جابر بن عبد الله -﵁- \"أنّ رجلًا قال: يا رسول الله إِنّ لي\n_________\n(١) لا يجب القطع إِلا بسبعة شروط ذكرها صاحب \"المغني\" -﵀- في كتابه تحت (باب القطع في السرقة) فانظرها -إِن شئت- المزيد من الفائدة.\n(٢) ما بين نجمتين من \"فقه السُّنة\" (٣/ ٢٦٤).","vol":"6","page":77},{"text":"مالًا وولدًا. وإِنّ أبي يريد أن يجتاحَ مالي. فقال: أنت ومَالُك لأبيكَ\" (١).\nوجاء في \"السيل الجرّار\": (٤/ ٣٦٧) قوله: \"ولا يقطع والد لولده وإنْ سفُل\".\nأقول: لا شك أنّ حديث: \"أنت وَمالُكَ لأَبيكَ\" يكون شبهة أقلّ أحْوَاله، وهو حديث تقوم به الحجّة، وقد عضده حديث: \"كُلُوا مِنْ كَسبِ أولادكم\" وأمّا الولد إِذا سرق مال والده فلا شبهة له، وهو مشمول بالأدلة الموجبة للحد على السارق.\nقلت: ويرى شيخنا -﵀- أنه لا بدّ من تقييد هذا بالحاجة، والله أعلم بالصواب.\nفعن عائشة -﵂- قالت: قال رسول الله - ﷺ -: \"إِنّ أولادكم هِبَةُ الله لكم ﴿يَهَبُ لمن يشاء إناثًا ويَهَبُ لمن يشاء الذّكور﴾ فهم وأموالهم لكم إِذا احتجتُم إِليها\" (٢).\nقال شيخنا -﵀-: \"وفي الحديث فائدة فقهية هامة قد لا تجدها في غيره، وهي أنه يبين أنّ الحديث المشهور: \"أنت ومالك لأبيك\" (٣) ليس على إِطلاقه، بحيث أنّ الأب يأخذ من مال ابنه ما يشاء، كلا وإِنما يأخذ ما هو بحاجة إِليه\". انتهى.\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٨٥٥) وصححه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٨٣٨).\n(٢) أخرجه الحاكم وعنه البيهقي وانظر \"الصحيحة\" (٢٥٦٤).\n(٣) انظر\"الإرواء\" (٨٣٨).","vol":"6","page":78},{"text":"قلت: لذلك كان يرى ابن حزم -﵀- قطع الأب والأم لغير حاجة فقد قال في \"المحلى\" (١٣/ ٣٨٥): \" ... فصحّ أن القطع واجب على الأب والأمّ، إِذا سرقا من مال ابنهما؛ ما لا حاجة بهما إِليه\".\nوالذي يترجح لديّ عدم إِقامة الحدّ على الأب للشبهة المعلومة، فإِن الوالد لا يُقتل بولده، -كما سيأتي إِن شاء الله تعالى في حدّ القتل (١) -.\nوسيأتي الآن بعد سطرٍ -بإِذن الله سبحانه- عدم قطع الخادم؛ فالأب من باب أولى. والله -تعالى- أعلم.\nولا يقطع الخادم الذي يخدم سيده.\nفعن السائب بن يزيد؛ أنّ عبد الله بن عمرو الحَضرمي جاء بغلام له إِلى عمر بن الخطاب فقال له: \"اقطع يد غلامي هذا فإِنه سرق، فقال له عمر: ماذا سرق؟ فقال: سرق مرآة لامرأتي ثمنها ستون درهمًا. فقال له عمر: أرسِله فليس عليه قطع، خادمكم سرق متاعكم\" (٢).\nوعن عمرو بن شرحبيل قال: \"جاء معقل المزنيّ إِلى عبد الله فقال: غلامي سرق قبائي، فاقطعه، قال عبد الله: لا؛ مالك بعضُه في بعض\".\n_________\n(١) وفي ذلك قوله - ﷺ -: \"لا يُقتَل والدٌ بولده\" أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه وغيرهم، وصححه شيخنا -﵀ - في \"الإرواء\" (٢٢١٤).\n(٢) أخرجه مالك والشافعي والبيهقي وغيرهم، وصححه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٢٤١٩).","vol":"6","page":79},{"text":"وفي لفظ \"مالك سرق بعضه بعضًا؛ لا قطع عليه\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1634>الصفات التي يجب اعتبارها في المال المسروق:</span>\n*١ - أن يكون ممّا يُتَموَّل ويُملَك ويَحل بيعه، وأخذ العِوض عنه، فلا قطع على من سَرق الخمر والخنزير؛ حتى لو كان المالك لهما ذمّيّا؛ لأن الله -تعالى- حرّم ملكيتهما والانتفاع بهما؛ بالنسبة للمسلم والذّمي على السواء.\nوكذلك لا قطع على سارق أدوات اللهو؛ مثل العود والكمنج والمزمار (٢)؛ لأنها آلات لا يجوز استعمالها، وأمّا الذين يُبيحون استعمالها؛ فهم يتفقون مع مَن يُحرّمها في عدم قطع يد سارقها، لوجود شبهة، والشبهات مُسقِطةٌ للحدود* (٣).\n٢ - أن يكون في حرز (٤)، فشَرْط القطع؛ الإِخراج من الحرز -كما تقدم- قال النووي -﵀- في \"شرح مسلم\" (١١/ ١٨٥): \"والحرز مشروطٌ؛ فلا قطع إِلا فيما سرق من حرزٍ، والمعتبر فيه العُرف؛ ممّا عدّه أهل العُرف حرزًا لذلك الشيء؛ فهو حِرزٌ له، ومالا؛ فلا .. \" (٥).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة والبيهقي، وقال شيخنا -﵀-: \"وإِسناده صحيح\"، وقال البيهقي: \"وهو قول ابن عباس\" وانظر \"الإِرواء\" (٢٤٢١).\n(٢) انظر للمزيد -إن شئت- ما جاء في \"المغني\" (١٠/ ٢٨٢).\n(٣) ما بين نجمتين من \"فقه السنة\" (٣/ ٢٦٧).\n(٤) الحرز في اللغة: الموضع الحصين.\n(٥) انظر للمزيد -إِن شئت- ما جاء في \"الروضة الندية\" (٢/ ٥٩٥).","vol":"6","page":80},{"text":"قلت: وهذا مأخوذٌ باستقراء الأحاديث والآثار؛ كما هو بيّن.\n٣ - أَلاّ يقل الشيء المسروق عن ربع دينار من ذهب أو ما يعادلها كما في الحديث \"تُقطع اليد في ربع دينار\" (١).\nوعن عائشة -﵂- قالت: \"لم تُقطع يَد السارق في عهد رسول الله - ﷺ - في أقلّ مِن ثمن المجنّ (٢) جَحَفة (٣) أو ترس، وكلاهما ذو ثمن\" (٤).\nوفي رواية عنها أيضًا؛ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا تُقطَع يد السارق فيما دون المِجَنّ، قيل لعائشة: ما ثمن المجنّ؟ قالت: ربع دينار\" (٥).\nوعن ابن عمر -﵄- أن رسول الله - ﷺ - \"قطع سارقًا في مِجَنّ قيمته ثلاثة دراهم\" (٦).\nوعن أبي هريرة -﵁- عن النبي - ﷺ - قال: \"لعَن الله السارق\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٧٨٩)، ومسلم (١٦٨٤) وتقدّم في حدّ السرقة.\n(٢) المِجَنّ: بكسر الميم وفتح الجيم: وهو اسم لكل ما يُستجنّ به -أي يُستَتَر-.\n(٣) الحَجَفة: هي الدَّرقة واحدة الحجف: وهي التروس من جلود بلا خشب ولا عَقَب ولا رباط من عصب.\n(٤) أخرجه البخاري (٦٧٩٤)، ومسلم (١٦٨٥).\n(٥) أخرجه النسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٤٥٨٣).\n(٦) أخرجه البخاري (٦٩٩٧)، ومسلم (١٦٨٦).","vol":"6","page":81},{"text":"يسرق البيضة (١) فتُقَطَع يده، ويَسرِق الحبل فتُقطع يده\".\nقال الأعمش: كانوا يرَون أَنه بيض الحديد، والحبل كانوا يرَون أنه منها ما يساوي دراهم (٢).\nوجاء في \"الفتح\": \" ... وحاصلُه أَنّ المراد بالخبر؛ أنّ السارق يسرق الجليل فتُقطع يده، ويسرق الحقير فتُقطع يده، فكأنّه تعجيزٌ له وتضعيفٌ لاختياره؛ لكونه باع يده بقليل الثمن وكثيره\".\nوقد ثبت في السُّنة المطهرة عدم القطع في الثمر والكثر (٣).\nعن رافع بن خديج -﵁- قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"لا قطع في ثَمر ولا كَثَر\" (٤).\nوذكر بعض الفقهاء أن فيه شبهة الشركة العامّة، لقول رسول الله - ﷺ -: \"المسلمون شركاء في ثلاثة: في الكلأ، والماء، والنار\" (٥).\n_________\n(١) فسّرها بعضهم بالخُوذة، وآخرون ببيضة الدجاجة، والراجح الأول وما في معناه؛ كيلا يكون القطع في أقل من ربع دينار. والله أعلم.\n(٢) أخرجه البخاري (٦٧٨٣)، ومسلم (١٦٨٧).\n(٣) الكَثَر: تقدّم أنه شحم النخل الذي يكون وسط النخلة.\n(٤) أخرجه أحمد وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٦٨٨) والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (١١٧٣)، وابن ماجه، \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢١٠١)، والنسائي، \"صحيح سنن النسائي\" (٤٥٩٥) وصححه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (١٤١٤) وتقدّم.\n(٥) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٩٦٨)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢٠٠٤) وانظر الإِرواء (١٥٥٢).","vol":"6","page":82},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1635>ما يُعتبر في الموضع المسروق منه </span>(١):\nوأمّا الموضع المسروق منه، فإِنه يُعتبر فيه الحرز.\nوالحِرز؛ هو الموضع المعدّ لحفظ الشيء؛ مثل الدار، والدّكان، والاصطبل، والمراح، والجرين (٢)، ونحو ذلك.\nواعتبار الشرع للحرز؛ لأنه دليل على عناية صاحب المال به، وصيانته له، والمحافظة عليه من التعرض للضياع.\nودليل ذلك حديث عبد الله بن عمرو -﵄-: أن رجلًا من مُزَيْنة أتى رسول الله - ﷺ - فقال: \"يا رسول الله! كيف ترى حريسة الجبل، فقال: هي وَمِثْلُها والنَّكَالُ، ولَيْس في شَيْء مِنَ الماشِيَة قَطعٌ، إِلا فِيما آوَاه المُراحُ. فَبَلغ ثمن المِجَنّ، فَفيِه قَطْع اليد، وما لم يبلُغ ثمن المِجَنِّ، ففيِه غرامةُ مِثلْيِه، وجَلَدَات نَكَال.\nقال: يا رسول الله كيف ترى في الثمر المعلّق؟ قال: هو ومِثلُه معهُ والنّكالُ، وليس في شيء من الثمر المعلق قَطعٌ إِلا فيما آواه الجَرينُ، فما أُخِذ من الجَرين فبَلَغ ثمنَ المِجَنّ، ففِيه القَطعُ، وما لم يَبْلغ ثَمَنَ المِجَن فَفِيه غَرَامة\n_________\n(١) عن \"فقه السنة\" (٣/ ٢٧٤) -بحذف-.\n(٢) الجَرين: موضع تجفيف التمّر.","vol":"6","page":83},{"text":"مِثليْه وجَلَداتُ نَكَال\" (١).\nقال ابن القيّم -﵀-: \"فإِنه - ﷺ - أسقط القطع عن سارق الثمار من الشجرة، وأوجبه على سارقه من الجرين.\nوعند أبي حنيفة -﵀- أنّ هذا لنقصان ماليته؛ لإسراع الفساد إِليه وجعَل هذا أصلًا في كل ما نقصت ماليته بإِسراع الفساد إِليه.\nوقول الجمهور أصح؛ فإنه - ﷺ - جعل هذا له ثلاثة أحوال: حالة لا شيء فيها، وهي ما إِذا أكل منه بفيه، وحالة يُغرم مثليه ويُضرب من غير قطْع، وهي ما إِذا أخرجه من شَجَره وأخذه، وحالة يقطع فيها وهو ما إِذا سرقه من بيدره؛ سواء أكان قد انتهى جفافه، أم لم ينته.\nفالعبرة بالمكان والحرز، لا بيبسه ورطوبته، ويدل عليه أنه - ﷺ - أسقط القطع عن سارق شاة من مرعاها، وأوجبه على سارقها من عَطَنها، (٢) فإِنه حرز\". انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1636>الإِنسان حِرْز نفسه:</span>\nوالإِنسان حِرْزٌ لثيابه ولفراشه الذي هو نائم عليه، سواء كان في المسجد أم في خارجه، فمن جلس الطريق ومعه متاعه فإِنه يكون مُحرَزًا به.\n_________\n(١) أخرجه النسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٤٥٩٤)، وحسّنه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٢٤١٣) وتقدّم.\n(٢) العطن: مبرك الإِبل.","vol":"6","page":84},{"text":"عن صفوان بن أميّة -﵁- قال: \"كنت نائمًا في المسجد عليّ خميصةٌ لي ثمن ثلاثين درهمًا، فجاء رجل فاختلسها مني، فأُخِذَ الرجل، فأُتي به رسول الله - ﷺ - فأمر به ليقطع.\nقال: فأتيته، فقلت: أتقطعه من أجل ثلاثين درهمًا، أنا أبيعه وأنسئه ثمنها؟ قال \"فَهَلاَّ كان هذا قبل أن تأتيني به\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1637>المطالبة بالمسروق شرطٌ في القطع:</span>\nللحديث السابق وفيه شكوى صفوان -﵁- على الرجل، وحين طلب العفو عن السارق قال له رسول الله - ﷺ -: \"فَهَلاَّ كان هذا قبل أن تأتيني به\".\nففيه جواز العفو وعدم رفْعه إِلى وليّ الأمر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1638>المسجد حرزٌ:</span>\nقد تقدم حديث صفوان بن أميّة -﵁- قال: \"كنت نائمًا في المسجد عليّ خميصةٌ لي ثمن ثلاثين درهمًا، فجاء رجل فاختلسها مني، فأخِذَ الرجل، فأُتي به رسول الله - ﷺ - فأمر به ليقطع، قال: فأتيته ... \".\nوعن ابن عمر -﵄- \" أن النبي - ﷺ - قطع يد رجل سرق تُرْسًا من صُفَّةِ النساء؛ ثمنه ثلاثة دراهم\" (٢).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٦٩٣)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٤٥٣٢) وغيرهما، وصححه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٢٣١٧).\n(٢) أخرجه أبو داود\"صحيح سنن أبي داود\" (٣٦٨٧)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٤٥٥٩)، وصححه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٢٤١١).","vol":"6","page":85},{"text":"جاء في عون المعبود (١٢/ ٣٥): \"صُفّة النساء بضم الصاد وتشديد الفاء: أي الموضع المختصّ بهن في المسجد وصُفّة المسجد: موضع مُظلّل منه. قاله الشوكاني\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1639>السرقة من الدار:</span>\nوعلى ما مضى من التفصيل فإِنّ الدار لا تكون حرزًا إلاَّ إِذا كان بابُها مغلقًا والله أعلم-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1640>بمَ يثبثُ حدّ السرقة</span>؟\nيثبتُ حدّ السرقة بشهادة عدلين أو بالإِقرار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1641>إِذا تراجع الشاهدان في الشهادة بعد إِقامة الحدّ:</span>\nعن مطرِّفٍ عن الشعبي في رجلين شهدا على رجلٍ أنه سرق، فقطعه عليّ، ثمّ جاءا بآخر، وقالا: أخطَأنا، فأبطل شهادتهما، وأخذَ بديَة الأول وقال: لو علمتُ أنكما تعمّدتما لقطعتكما\" (١).\nوفي لفظ: \"وأغرمهما دية الأول\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1642>إِذا عُلم كذب الشاهِدَين أقيم عليهما الحدّ:</span>\nأفاد الأثر السابق أنه إِذا عُلم كذب الشاهدين؛ أقيم عليهما الحد، وفيه قول علي -﵁-: \"لو علمتُ أنّكما تعمّدتما لقطعتكما\".\n_________\n(١) رواه البخاري معلقًا مجزومًا به (كتاب الديات باب - ٢١) ووصله الشافعي عن سفيان بن عيينة عن مطرف بن طريف بن الشعبي .. كذا قال الحافظ -﵀- في الفتح تحت الباب السابق.\n(٢) انظر ما جاء في \"الفتح\" أيضًا تحت الباب السابق.","vol":"6","page":86},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1643>هل يتوقف الحدّ على طلب المسروق منه</span>؟\nنعم؛ يتوقّف الحد على مطالبة المسروق منه، وقد تقدم قول صفوان -﵁- حين سُرقت منه الخميصة- أتقطعه من أجل ثلاثين درهمًا، أنا أبيعه وأنسئه ثمنها؟ قال رسول الله - ﷺ -: \"فَهَلاَّ كان هذا قبل أنْ تأتيني به\".\nومما يدّل على أن الحد يتوقف على طلب المسروق منه؛ ما ثبت عن عبد الله ابن عمرو بن العاص -﵄-: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"تعافوا (١) الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حدٍّ فقد وجب\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1644>هل يُلقّن القاضي السارق ما يُسقط الحدّ</span>؟\nللقاضي أن يُلقّن السارق ما يُسقط الحدّ، فليس المراد الحدّ في نفسه، ولكن المراد التوبة والإِقلاع عن التعدّي على النّاس، فمن لم يعِ هذه المعاني فإِن الحدود تزجره وتكفّه عن اقتراف هذه العاصي.\nعن القاسم بن عبد الرحمن أن عليًّا -﵁- أتاه رجل فقال: \"إِني سرقت، فطرَده ثمّ عاد مرة أخرى فقال: إِني سرقت فأمَرَ به أن يُقطَع\".\nوفي لفظ: \"لا يقطع السارق حتى يشهد على نفسه مرتين\" حكاه أحمد في رواية مهنا (٣).\nوعن أبي الدرداء -﵁- \" أنه أُتي بجارية سوداء سرقت، فقال\n_________\n(١) أي: تجاوزوا عنها ولا ترفعوها إِليّ، فإني متى علمتها أقمتها.\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٦٨٠) والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٤٥٣٨) وانظر المشكاة (٣٥٦٨).\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة وغيره، وقال شيخنا -﵀-: \"وهذا إِسناد صحيح على شرط الشيخين\" وانظر \"الإِرواء\" (٢٤٢٥).","vol":"6","page":87},{"text":"لها: سرقتِ؟ قولي لا، فقالت: لا، فخلّى سبيلها\" (١).\nوعن عطاء قال: \"كان من مضى يؤتى بالسارق، فيقول: أسرقت؟ ولا أعلمه إِلا سمّى أبا بكر وعمر\" (٢).\nوفي سؤال أبي بكر وعمر -﵄-: أسرقْت؟ مجال لقول: لا، فهذا ضرْب من ضروب التلقين. والله -تعالى- أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1645>عقوبة السرقة:</span>\nإِذا ثبتت السرقة وجَب إِقامة الحد على السارق؛ لقوله -تعالى-: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديَهما ...﴾ (٣).\nفتقطع يده اليمنى من مفصِل الكفّ.\nقال الإِمام القرطبي -﵀- في تفسير الآية السابقة: \"فإِذا قطعت اليد أو الرجل؛ \"فإِلى أين تقطع؟ فقال الكافة: تقطع من الرسغ والرجل من المفصِل ... \".\nوذكر الإِمام ابن حزم -﵀- في \"المحلى\" تحت المسألة (٢٢٨٨) (١٣/ ٤٠٤) صِفة القطع وأنها من المفصِل وذكر بعض الآثار عن عمر -﵁- وغيره من السلف.\nوقال -﵀-: \"وهكذا وجدنا الله -تعالى- إِذا أمَرَنا في التيمم بما\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة وغيره وصحّحه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" تحت رقم (٢٤٢٧).\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة وصحح شيخنا -﵀- إِسناده في الإِرواء (٨/ ٧٩) تحت (٢٤٢٧).\n(٣) المائدة: ٣٨.","vol":"6","page":88},{"text":"أمَرَ، إِذ يقول -تعالى-: ﴿فلم تجدوا ماءً فتيمّموا صعيدًا طيّبًا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾ (١).\nففسّر رسول الله - ﷺ - مراد الله -تعالى- بذكر الأيدي هاهنا، وأنه الكفان فقط، على ما قد أوردناه\".\nثم قال (ص ٤٠٥): \"وإِنْ سرق الحُر؛ قُطعت يده من الكوع وهو المفصل\" (٢).\nوجاء في رسالة \"منزلة السُّنة في الإِسلام وبيان أنه لا يُستغنى عنها بالقرآن\" (ص ٧) لشيخنا -﵀-: \"وقوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديَهما ...﴾. مثالٌ صالح لذلك (٣) فإِنّ السارق فيه مطلق كاليد، فبيَّنت السُّنّة القولية الأول منهما، وقيَّدتْه بالسارق الذي يَسرق ربع دينار بقوله - ﷺ -: \"لا قطع إِلا في ربع دينار فصاعدًا\". أخرجه الشيخان.\nكما بيّنت الآخر بفِعله - ﷺ - أو فِعْل أصحابه وإِقراره، فإِنهم كانوا يقطعون يد السارق من عند المفصل -كما هو معروف في كتب الحديث- بينما بيّنَت السنة القولية اليد المذكوره في آية التيمم: ﴿فَامسَحُوا بوجوهكمْ وأيْدِيكمْ﴾ (٤) بأنها الكف أيضًا بقوله - ﷺ -: \"التيمم ضربة للوجه والكفين\" أخرجه أحمد والشيخان وغيرهم من حديث عمّار بن ياسر -﵄-\".\n_________\n(١) المائدة: ٦.\n(٢) وانظر للمزيد -إِن شئت- \"المغني\" (١٠/ ٢٦٤) و\"السيل الجرار\" (٤/ ٣٦٢).\n(٣) أي: ضرورة السُّنة لفهم القرآن.\n(٤) المائدة: ٦.","vol":"6","page":89},{"text":"حسْم (١) يد السارق إِذا قُطعت:\nإِذا قُطعت يد السارق وجَب حسْمها، لأنّ حدّه قطع اليد، وعدم الحسم قد يُفضي إِلى الموت والهلاك.\nوفي (باب الحرابة) تحت عنوان: (عدم حسم المحاربين من أهل الردّة) سيأتي -إن شاء الله تعالى- حديث أنس -﵁- وفيه: \"فقَطَع أيديهم وأرجلهم وسَمل أعينهم ثم لم يحسِمهم\".\nفدلّ هذا على أن الأصل في قطع اليد هو الحسم، لكن هؤلاء المحاربين لم يُحسموا لشناعة جريمتهم.\nفائدة: *والمرأة كالرجل في الحدود كُلّها، كما في النصوص والآثار؛ وأمّا حديث النهي عن قتل النساء؛ فذلك إِنّما هو في حال الحرب؛ لأجل ضعفهنّ وعدم مشاركتهنّ في القتال* (٢).\nفعن رباح بن ربيع قال: \"كنّا مع رسول الله - ﷺ - في غزوة، فرأى النّاس مجتمعين على شيء، فبعَث رجلًا فقال: انظر عَلامَ اجتمع هؤلاء، فجاء فقال: على امرأة قتيل، فقال: ما كانت هذه لتُقاتل.\nقال: وعلى المقدمة خالد بن الوليد، فبعث رجلًا فقال: قلْ لخالد لا يَقْتُلَنّ امرأةً، ولا عَسيفًا (٣) \" (٤).\n_________\n(١) الحسم: أن توضع اليد بعد القطع في زيت حارّ، وذلك لمنْع استمرار نزْف الدّم، ويتحقّق بأي صورة طيّية؛ يمكن أن تمنع نزْف الدم، وتقدّم.\n(٢) ما بين نجمتين عن \"فقه السنة\" (٣/ ٢٣٠) بتصرّف يسير.\n(٣) العسيف: الأجير انظر \"النهاية\".\n(٤) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٣٢٤) وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢٢٩٤) وانظر \"الصحيحة\" (٧٠١).","vol":"6","page":90},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1647>الردَّة والزّندقة</span>","vol":"6","page":91},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1648>الردّة:</span>\nالردّة من قولك: ردَدَت الشيء: أرُدُّه؛ كأنّه ردَّه إِلى كُفره فارتدّ، أي: فرجع وردّ نفسه (١).\nوقال في \"المغني\" (١٠/ ٧٤): \"الردّة: هي الرجوع عن دين الإِسلام إِلى الكُفر، قال الله -تعالى-: ﴿ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النّار هم فيها خالدون﴾ (٢).\nوقال النّبيّ - ﷺ -: \"من بدل دينه فاقتلوه\" (٣).\nوأجمع أهل العلم على وجوب قتل المرتد، وروي ذلك عن أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ ومعاذ وأبي موسى وابن عباس وخالد وغيرهم، ولم ينكر ذلك فكان إِجماعًا\".\nوفيه أيضًا (١٠/ ٧٤): \"فمن أشرك بالله -تعالى- أو جحد ربوبيته أو وحدانيته أو صفة من صفاته أو قال اتخذ صاحبة أو ولدًا، أو جحد نبيًا أو كتابًا من كتب الله أو شيئًا منه، أو سبَّ الله -﷾- ورسوله كَفَر\".\n*ولا يجوز إِيقاع حُكم التكفير على أيّ مسلم؛ إِلا مَن دلّ الكتابُ والسّنة على كُفره دلالةً واضحة صريحة بيّنة؛ فلا يكفي في ذلك مجرّدُ\n_________\n(١) \"حلية الفقهاء\" (١٩٨).\n(٢) البقرة: ٢١٧.\n(٣) أخرجه البخاري (٣٠١٧).","vol":"6","page":93},{"text":"الشبهة والظنّ.\nوقد يَرِد في الكتاب والسّنة؛ ما يُفهم منه أن قولًا ما أو عملًا أو اعتقادًا كُفرٌ؛ مخرجٌ من الإِسلام، لكن ليس لنا أن نكفِّر به أحدًا بعينه؛ إِلا إِذا أقيمت عليه الحُجّة؛ بتحقيق الشروط: علمًا وقصدًا واختيارًا وانتفاء للموانع، وهي عكس هذه وأضدادها، وهي الجهل والذهول والإِكراه* (١).\nفمن سجد عند صنم وهو لا يعلم أنه صنَم، أو نطق كلمةً مِن كلمات الكُفر وهو في ذهول؛ كأن يقول: اللهم أنت عبدي وأنا ربّك، أو أُكره على ذلك وقلبه مطمئنٌ بالإِيمان فإنه لا يكفُر.\nقال الله -تعالى-: ﴿مَن كفَر بالله من بعد إِيمانه إِلا مَن أكره وقلبه مطمئنٌّ بالإِيمان ولكن من شرح بالكُفر صدرًا فعليهم غضبٌ من الله ولهم عذابٌ أليم﴾ (٢).\nوقد نزلت هذه الآية في عمّار بن ياسر -﵁- (٣).\nوقد يكون المرء حديث عهدٍ بالإِسلام؛ فما وقع منه من بعض الكفر؛ فإِنه يُعذَر؛ حتى يبلغه ذلك.\n_________\n(١) ما بين نجمتين من \"مُجمَل مسائل الإِيمان العلمية في أُصول العقيدة السلفية\" (ص ١٧) بتصرّف يسير.\n(٢) النّحل: ١٠٦.\n(٣) قال -شيخنا -﵀- في تخريج \"فقه السّيرة\" (ص ١٢٢): \" ... نعم إِنما يصحّ منه نزول الآية في عمّار؛ لمجيء ذلك مِن طُرُق؛ ساقها ابن جرير، والله أعلم\".","vol":"6","page":94},{"text":"ومن الأمثلة الدالّة على الكفر (١):\n١ - إِنكار ما عُلم من الدين بالضرورة، مثل: إِنكار وحدانية الله، وخلقه للعالم، وإِنكار وجود الملائكة، وإِنكار نبوة محمد - ﷺ -، وأن القرآن وحي من الله، وإِنكار البعث والجزاء، وإِنكار فرضية الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج.\n٢ - استباحة محرّم أجمعَ المسلمون على تحريمه، كاستباحة الخمر، والزنى، والربا، وأكل الخنزير ...\n٣ - تحريم ما أجمع المسلمون على حله، كتحريم الطيبات.\n٤ - سبِّ النّبيّ - ﷺ - أو الاستهزاء به، وكذا سبّ أي نبيّ من أنبياء الله.\n٥ - سبِّ الدين، والطعن في الكتاب والسّنة، وتفضيل القوانين الوضعية عليهما.\n٦ - ادعاء فرد من الأفراد، أن الوحي ينزل عليه.\n٧ - إِلقاء المصحف في القاذورات، وكذا كتب الحديث؛ استهانة بها، واستخفافًا بما جاء فيها.\nقلت: وجاء في \"الروضة الندية\" (٢/ ٦٢٩) تحت عنوان \"والساب لله أو لرسوله أو للإِسلام أو للكتاب أو للسُّنة، والطاعن في الدين، وكل هذه الأفعال موجبة للكفر الصريح، ففاعلها مرتدّ حده حده ...\nثم ذكر حديث ابن عباس -﵄- أنّ أعمى كانت له أمّ ولد،\n_________\n(١) عن \"فقه السنة\" (٣/ ٢٢٧) بتصرف.","vol":"6","page":95},{"text":"تشتم النبيّ - ﷺ -، وتقَع فيه، فينهاها فلا تنتهي، ويزجرها فلا تنزجر.\nقال: فلمّا كانت ذات ليلة جَعَلت تقع في النبي - ﷺ - وتشتمه، فأخذ المِغْوَل (١) فوضعه في بطنها، واتكأ عليها فقتَلها، فوقع بين رجليها طفل، فلطخت ما هَناك بالدم، فلما أصبح ذُكِر ذلك لرسول الله - ﷺ -، فجمع الناس فقال: أنشد الله رجلًا فَعَل ما فَعَل لي عليه حقّ؛ إِلا قام.\nفقام الأعمى يتخطى الناس، وهو يتزلزل، حتى قَعد بين يدي النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله! أنا صاحبها، كانت تشتمك وتقع فيك، فأنهاها فلا تنتهي، وأزجرها فلا تنزجر، ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين، وكانت بي رفيقة، فلمّا كانت البارحة جَعَلت تشتمك وتقع فيك، فأخذتُ المِغْوَل فوضعْتُه في بطنها، واتكأت عليها حتى قتلْتُها.\nفقال النبي - ﷺ -: ألا اشهدوا أنّ دمها هدر\" (٢).\nثمّ ذكَر حديث أبي برزة قال: كنت عند أبي بكر فتغيّظ على رجل، فاشتد عليه، فقلت: تأذن لي يا خليفة رسول الله - ﷺ - أضرب عنقه؟ قال: فأذهبت كلمتي غضبه.\nفقام فدخل فأرسل إِليّ فقال: ما الذي قلت آنفًا؟ قلت: ائذَنْ لي أضرب عنقه، قال: أكنت فاعلًا لو أمرتُك؟ قلت: نعم، قال: لا والله ما كانت لبشر\n_________\n(١) المِغْوَل: شبه سيف قصير، يشتمل به الرجل تحت ثيابه فيغطّيه، وقيل: هو حديدة دقيقة لها حَدٌّ ماضٍ وقَفَا \"النهاية\" وتقدّم.\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٦٦٥)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٣٧٩٤) وتقدّم.","vol":"6","page":96},{"text":"بعد محمد - ﷺ -. (١)\nوقد نقل ابن المنذر الإِجماع على أن من سبّ النبي - ﷺ - وجَبَ قتْله، ونقل أبو بكر الفارسي أحد أئمّة الشافعية في كتاب الإِجماع؛ أنّ مَن سبّ النبي - ﷺ - بما هو قذْفٌ صريحٌ كَفَر باتفاق العلماء ....\nقال الخطابي: لا أعلم خلافًا في وجوب قتْله إِذا كان مسلمًا.\nوإِذا ثبت ما ذكَرنا في سبّ النبي - ﷺ - فبالأولى مَن سبّ الله -﵎- أو سب كتابه، أو الإِسلام، أو طعن في دينه وكفَر، من فعل هذا لا يحتاج إِلى برهان.\nقال صاحب \"الروضة\": \"وقريب من هذا مَنْ جَعلَ سبّ الصحابَة شعاره ودثاره، فإِنه لا مقتضى لسبّهم قطّ، ولا حاملَ عليه أصلًا؛ إِلا غشّ الدين في قلب فاعلِهِ وكراهة الإِسلام وأهله، فإِنّ هؤلاء هم أهله على الحقيقة؛ أقاموه بسيوفهم، وحفظوا هذه الشريعة المطهرة، ونقلوها إِلينا كما هي، فرضي الله عنهم وأَرضاهم وأقمأ (٢) المشتغلين بثلبهم، وتمزيق أعراضهم المصونة\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1649>التحذير من التكفير:</span>\nعن عبد الله بن عمر -﵄- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"أيما رجل قال لأخيه يا كافر؛ فقد باء بها أحدهما\" (٣).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٦٦٦)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٣٧٩٥).\n(٢) من القماءة: وهي الذلة والصغار.\n(٣) أخرجه البخاري (٦١٠٤)، ومسلم (٦٠).","vol":"6","page":97},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1650>تجاوز الله -تعالى- عن العبد ما حدّث به نفسه ما لم يعمل به أو يتكلم:</span>\nعن أبي هريرة -﵁- عن النبيّ - ﷺ - قال: \"إِن الله تجاوز عن أمّتي ما حدّثت به أنفسها، ما لم تعمل أو تتكلم\" (١).\nوعنه -﵁- قال: \"جاء ناس من أصحاب النّبيّ - ﷺ - فسألوه: إِنّا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به، قال: وقد وجدتموه؟ قالوا: نعم. قال: ذاك صريح الإِيمان\" (٢).\nوعنه -﵁- أيضًا قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا يزال النّاس يتساءلون حتى يقال: هذا، خَلَقَ الله الخلق، فمن خلق الله؟ فمن وجَد من ذلك شيئًا فليقل: آمنت بالله\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1651>أحكام المرتدّ والمرتدّة واستتابتهم:</span>\nقال الإِمام البخاري -﵀-: حُكم المرتد والمرتدة واستتابتهم (٤).\nقال الله -تعالى-: ﴿إِن الذين كفروا بعد إِيمانهم ثم ازدادوا كفرًا لن تُقبل توبتهم وأولئك هم الضالون﴾ (٥).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٥٢٦٩)، ومسلم (١٢٧).\n(٢) أخرجه مسلم (١٣٢).\n(٣) أخرجه مسلم (١٣٤).\n(٤) هذا العنوان من \"صحيح البخاري\" (كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم) (باب-٢).\n(٥) آل عمران: ٩٠.","vol":"6","page":98},{"text":"وقال ابن عمر والزهري وإِبراهيم: \"تُقْتل المرتدة\" (١).\nوقال -تعالى-: ﴿ومن يرتدِدْ منكم عن دينه فيمُت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النّار هم فيها خالدون﴾ (٢).\nأمّا العقوبة العاجلة في الدنيا، فهي القَتل.\nفعن ابن عباس -﵄- أنّ النّبيّ - ﷺ - قال: \"مَن بدَّل دينه فاقتلوه\" (٣).\nوعن عبد الله بن مسعود -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا يحِلّ دم امرئٍ مسلم يشهد أن لا إِله إِلا الله وأني رسول الله؛ إِلا بإِحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيّب الزاني، والمفارق لدينه التارك للجماعة\" (٤).\nوعن عثمان -﵁- قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"لا يحلّ دم امرئ مسلم إِلا بإِحدى ثلاث؛ رجل زنى بعد إِحصان فعليه الرجم، أو قتل عمدًا فعليه القَوَد، أو ارتد بعد إِسلامه فعليه القتل\" (٥).\n_________\n(١) رواه البخاري معلقًا في \"كتاب استتابة المرتدين\" (باب حكم المرتد والمرتدة واستتابتهم)، وانظر ما قاله الحافظ -﵀- في وصْله في \"الفتح\".\n(٢) البقرة: ٢١٧.\n(٣) أخرجه البخاري (٣٠١٧)، وتقدّم.\n(٤) أخرجه البخاري (٦٨٧٨)، ومسلم (١٦٨٦)، وتقدّم.\n(٥) أخرجه أبو داود والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٣٧٨١) واللفظ له، وغيرهما وانظر \"الإِرواء\" (٧/ ٢٥٤).","vol":"6","page":99},{"text":"وعن أبي هريرة -﵁- \" قال: لما توفي النّبيّ - ﷺ - واستُخلف أبو بكر، وكفَر من كَفر من العرب، قال عمر: يا أبا بكر كيف تُقاتل الناس وقد قال رسول الله - ﷺ -: \"أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إِله إِلا الله؛ فمن قال: لا إِله إِلا الله عصَم مني ماله ونفسه إِلا بحقه وحسابه على الله\".\nقال أبو بكر: \"والله لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة، فإِنّ الزكاة حقّ المال، والله لو منعوني عَناقًا كانوا يؤدّونها إِلى رسول الله - ﷺ - لقاتلتهم على منعها، قال عمر: فوالله ما هو إِلا أن رأيت أن قد شرح الله صدر أبي بكر للقتال، فعرفْتُ أنه الحقّ\" (١).\nعن أبي موسى قال: \"أقبلتُ إلى رسول الله - ﷺ - ومعي رجلان من الأشعريين أحدهما عن يميني، والآخر عن يساري، ورسول الله - ﷺ - يستاك، فكلاهما سأل، فقال: يا أبا موسى -أو يا عبد الله بن قيس- قال: قلت: والذي بعثكّ بالحقّ؛ ما أطلعاني على ما في أنفسهما، وما شعرت أنهما يطلبان العمل، فكأني أنظر إِلى سواكه تحت شفته قلصت، فقال: لن -أو لا- نستعمل على عملنا من أراده، ولكن اذهب أنت يا أبا موسى -أو يا عبد الله بن قيس- إِلى اليمن.\nثمّ اتّبَعَه معاذ بن جبل، فلمّا قدم عليه ألقى له وسادةً قال: انزل، فإِذا رجل عنده موثق، قال: ما هذا؟ قال: كان يهوديًا فأسلم ثمّ تهوّد، قال: اجلس، قال: لا أجلس حتى يُقتَل، قضاء الله ورسوله (ثلاث مرات).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٩٢٤، ٦٩٢٥)، ومسلم (٢٠)، وتقدّم.","vol":"6","page":100},{"text":"فأمر به فقُتلَ، ثمّ تذاكرا قيام الليل، فقال أحدهما: أما أنا فأقوم وأنام، وأرجو في نومتي ما أرجو في قومتي\" (١).\n*وإذا ارتد المسلم ورجع عن الإِسلام؛ تغيرت الحالة التي كان عليها وتغيرت تبعًا لذلك المعاملة التي كان يُعامل بها وهو مسلم، وثبتت بالنسبة له أحكام، نجملها فيما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1652>١ - العلاقة الزوجيّة:</span>\nإِذا ارتد الزوج أو الزوجة، انقطعت علاقةُ كلٍّ منهما بالآخر؛ لأن ردّة أي واحد منهما موجبة للفرقة بينهما، وهذه الفرقة تُعَدُّ فسخًا، فإِذا تاب المرتد منهما، وعاد إِلى الإِسلام، كان لا بدّ من عقدٍ ومهر جديدَين، إِذا أرادا استئناف الحياة الزوجيّة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1653>٢ - ميراثه:</span>\nعن أسامة بن زيد -﵄- أنّ النّبيّ - ﷺ - قال: \"لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم\" (٢).\nوجاء في \"السيل الجرار\" (٤/ ٥٨٠): \"وأمّا كونه يَرثه ورثته المسلمون؛ فلا أعرف لهذا وجهًا، ولا أجد عليه دليلًا، والأدلّة مُصرِّحة بأنه لا توارث بين مسلم وكافر على العموم، ولا يصلح للتخصيص إِلا دليلٌ تقوم به الحُجّة.\nولا حُجّة فيما يروى عن بعض الصحابة، فإِنّ ذلك محمولٌ على الاجتهاد،\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٩٢٣)، ومسلم (١٧٣٣).\n(٢) أخرجه البخاري (٦٧٦٤) ومسلم (١٦١٤).","vol":"6","page":101},{"text":"واجتهاد الصحابي لا يُخصِّص ما ثبَت عن رسول الله -﵌- بإِجماع المسلمين\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1654>٣ - فَقْد أهليته للولاية على غيره:</span>\nوليس للمرتد ولاية على غيره، فلا يجوز له أن يتولى عقد تزويج بناته، ولا أبنائه الصغار، وتعدّ عقوده بالنسبة لهم باطلة؛ لسلب ولايته لهم بالرِّدّة* (١).\nوقد قال الله -تعالى-: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا﴾ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1655>قتل الخوارج والملحدين بعد إِقامة الحُجّة عليهم </span>(٣):\nوقول الله -تعالى-: ﴿وما كان اللهُ ليضل قومًا بعد إِذ هداهم حتى يبيّن لهم ما يتقون﴾ (٤).\nقال البخاري -﵀-: \"وكان ابن عمر يراهم (٥) شرار خلْق الله،\n_________\n(١) ما بين نجمتين عن \"فقه السنة\" (٣/ ٢٣٣) بتصرف.\n(٢) النساء: ١٤١.\n(٣) هذا التبويب من \"صحيح البخاري\" (كتاب استتابة المرتدين) (باب - ٦).\n(٤) التوبة: ١١٥.\n(٥) يعني الخوارج.","vol":"6","page":102},{"text":"وقال: إِنهم انطلقوا إِلى آياتٍ نزلت في الكفار، فجعلوها على المؤمنين\" (١).\nوعن علي -﵁- إِذا حدثْتكم عن رسول الله - ﷺ - حديثًا، فوالله لأنْ أخرّ من السماء أحبّ إِليّ من أن أكذب عليه، وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم فإِنّ الحرب خُدعةٌ، وإِني سمعت رسول - ﷺ - يقول: \"سيخرج قومٌ في آخر الزمان، حُدَّاث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البريّة، لا يجاوز إِيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين؛ كما يمرق السهم من الرَّميَّة، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإِنّ في قتلهم أجرًا لمن قتَلهم يوم القيامة\" (٢).\nوانظر ما جاء في \"صحيح البخاري\" (٣) إِن -شئت- (باب من ترك قتال الخوارج للتألّف، وأن لا ينفر الناس عنه) وما قاله الحافظ ابن حجر -﵀-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1656>الزنديق</span>\nتعريفه: الزنديق هو الذي يُظهر الإِسلام ويُبطن الكفر، ويعتقد بطلان الشرائع، فهذا كافر بالله وبدينه، مُرتدّ عن الإِسلام أقبح رِدّة؛ إِذا ظهر منه ذلك بقولٍ أو فِعل (٤).\nوإِذا اعترف بأنّ القرآن حق وما فيه من ذكر الجنة والنّار حق لكن المراد بالجنة الابتهاج الذي يحصل بسبب الملكات المحمودة، والمراد بالنّار هي الندامة\n_________\n(١) رواه البخاري معلقًا ووصله الطبري في \"مسند علي\" من \"تهذيب الآثار\" بسند صحيح عنه وانظر \"الفتح\" (١٢/ ٢٨٦) ومختصر البخاري (٤/ ٢٣٩).\n(٢) أخرجه البخاري (٦٩٣٠)، ومسلم (١٠٦٦).\n(٣) كتاب استتابة المرتدين (باب - ٧).\n(٤) انظر \"الروضة الندية\" (٢/ ٦٣١).","vol":"6","page":103},{"text":"التي تحصل بسبب الملكات المذمومة، وليس في الخارج جنة ولا نار فهو الزنديق (١)، فكلّ من أنكَر الشفاعة، أو أنكر رؤية الله يوم القيامة، أو أنكر عذاب القبر، وسؤال منكر ونكير، أو أنكر الصراط والحساب ... سواءٌ قال: لا أثق بهؤلاء الرواة أو قال: أثق بهم، لكن الحديث مؤول. ثمّ ذكر تأويلًا فاسدًا لم يُسمَع ممن قبله؛ فهو الزنديق.\nوكذلك من قال في الشيخين أبي بكر وعمر مثلًا: ليسا من أهل الجنّة مع تواتر الحديث في بشارتهما، أو قال: إِن النّبيّ - ﷺ - خاتم النبوة ولكن معنى هذا الكلام أنه لا يجوز أن يسمى بعده أحد بالنّبيّ، وأما معنى النبوة وهو كون الإِنسان مبعوثًا من الله -تعالى- إِلى الخلق مفترض الطاعة، معصومًا من الذنوب ومن البقاء على الخطأ فيما يرى فهو موجود في الأئمة بعده فذلك هو الزنديق.\nوقد اتفق جماهير المتأخرين من الحنفية والشافعية على قتْل من يجري هذا المجرى والله -تعالى- أعلم (٢).\nوقال شيخ الإِسلام -﵀- في \"الفتاوى\" (٧/ ٤٧١): \"ولما كثُرت الأعاجم في المسلمين تكلموا بلفظ \"الزنديق\" وشاعت في لسان الفقهاء، وتكلَّم الناس في الزنديق: هل تُقبَل توبته في الظاهر إِذا عُرف بالزندقة، ودُفِع إِلى ولي الأمر قبل توبته؟\n_________\n(١) \"الروضة الندية\" (٢/ ٦٣٢).\n(٢) \"الروضة الندية\" (٢/ ٦٣٣).","vol":"6","page":104},{"text":"فمذهب مالك وأحمد في أشهر الروايتين عنه، وطائفة من أصحاب الشافعي، وهو أحد القولين في مذهب أبي حنيفة: أنّ توبته لا تُقبَل والمشهور من مذ هب الشافعي: قَبولها، كالرواية الأخرى عن أحمد، وهو القول الآخر في مذهب أبي حنيفة، ومنهم من فصل.\nوالمقصود هنا: أن الزنديق في عُرف هؤلاء الفقهاء هو المنافق الذي كان على عهد النّبيّ - ﷺ -، وهو أن يُظهر الإِسلام ويُبطن غيره، سواء أبطَن دينًا من الأديان كدين اليهود والنصارى أو غيرهم، أو كان مُعطلًا جاحدًا للصانع، والمعاد، والأعمال الصالحة.\nومن النّاس من يقول: \"الزنديق هو الجاحد المعطل، وهذا يُسمّى الزنديق في اصطلاح كثيرٍ من أهل الكلام والعامّة، ونقَلَة مقالات الناس.\nولكنّ الزنديق الذي تكلم الفقهاء في حُكمه: هو الأول؛ لأنّ مقصودهم هو التمييز بين الكافر وغير الكافر، والمرتد وغير المرتد، ومَن أظهَر ذلك أو أسرَّه.\nوهذا الحُكم يشترك فيه جميع أنواع الكفار والمرتدين، وإنْ تفاوتت درجاتهم في الكفر والردة فإِن الله أخبَر بزيادة الكفر، كما أخبر بزيادة الإِيمان بقوله: ﴿إِنْما النسيء زيادةٌ في الكفر﴾ (١)، وتارك الصلاة وغيرها من الأركان أو مرتكبي الكبائر، كما أخبر بزيادة عذاب بعض الكفار على بعض في الآخرة بقوله: ﴿الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابًا فوق العذاب﴾ (٢).\n_________\n(١) التوبة: ٣٧.\n(٢) النحل: ٨٨.","vol":"6","page":105},{"text":"فهذا \"أصلٌ\" ينبغي معرفته فإِنه مهمّ في هذا الباب؛ فإِنّ كثيرًا ممن تكلم في \"مسائل الإِيمان والكفر\" -لتكفير أهل الأهواء- لم يلحظوا هذا الباب، ولم يميزوا بين الحكم الظاهر والباطن، مع أنّ الفرق بين هذا وهذا ثابت بالنصوص المتواترة، والإِجماع المعلوم؛ بل هو معلوم بالاضطرار من دين الإِسلام.\nومن تدبر هذا، علم أن كثيرًا من أهل الأهواء والبدع قد يكون مؤمنًا مخطئًا جاهلًا ضالًاّ عن بعض ما جاء به الرسول - ﷺ -، وقد يكون منافقًا زنديقًا يُظهِر خلاف ما يبطن.\nوقال -﵀- (١١/ ٤٠٥): \"وَمن جحَد وجوب بعض الواجبات الظاهرة المتواترة: كالصلوات الخمس، وصيام شهر رمضان، وحج البيت العتيق، أو جحَد تحريمَ بعض المحرمات الظاهرة المتواترة: كالفواحش، والظلم والخمر والميسر والزنا وغير ذلك، أو جحد حِلّ بعض المباحات الظاهرة المتواترة: كالخبز واللحم والنكاح. فهو كافر مرتد، يُستتاب فإِنْ تاب وإلا قُتل، وإِنْ أضمَر ذلك كان زنديقًا منافقًا، لا يستتاب عند أكثر العلماء؛ بل يُقتل بلا استتابة، إِذا ظهر ذلك منه\". انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1657>هل يُقتل الساحر</span>؟\nلا شكَّ أنَّ السحر من الموبقات والمهلكات.\nفعن أبي هريرة -﵁- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"اجتنبوا السبع الموبقات قالوا: يا رسول الله وما هنَّ؟ قال: الشِّرك بالله، والسِّحر، وقتل النَّفس التي حرَّم الله إِلا بالحقّ وأكل الرِّبا، وأكل مال اليتيم، والتَولِّي يوم الزَّحف،","vol":"6","page":106},{"text":"وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات\" (١).\nوقد اختلف العلماء في حدِّ الساحر؛ وقد جاء في \"المرقاة\" (٧/ ١١٦): \"في شرح السنَّة: اختلفوا في قتْله، فذهب جماعة من الصحابة وغيرهم إِلى أنَّه يُقْتل.\nورُويَ عن حفْصة: أنَّ جارية لها سَحَرَتْها فَأَمَرَت بها فقتلتْها، ورُوي أنَّ عمر -﵁- كتَب: \"اقتلوا كلّ ساحر وساحرة\". قال الرَّاوي: فقتلنا ثلاث سواحر (٢).\nوعند الشافعي: يُقتل إِنْ كان ما يَسحر به كُفرًا إِن لم يتب، فإِن لم يبلغ عمله الكفر فلا يُقتل، وتعليم السحر ليس كفرًا عنده إِلا أن يَعتقد قلْب الأعيان.\nقال القاضي: الساحر إِذا لم يتمّ سحرُه إِلا بدعوة كوكبٍ أو شيء يوجب كفرًا؛ يجب قتْله، لأنَّه استعان في تحصيله بالتَّقرُّب إِلى الشيطان مما لا يستقِلّ به الإِنسان، وذلك لا يتسبَّب إِلا لمن يُناسبُه في الشرارة وخُبث النَّفس\".\nوعن عمرو بن دينار، سمع بجالة يحدِّث عمرو بن أوس وأبا الشعثاء، قال: \"كنت كاتبًا لِجَزْء بن معاوية، عمّ الأحنف بن قيس، إِذ جاءنا كتاب عمر قبل موته بسَنَة: اقتُلُوا كلَّ ساحر، وفَرِّقوا بين كل ذي مَحْرَم من المجوس،\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٨٥٧)، ومسلم (٨٩)، وتقدّم.\n(٢) وسيأتي تخريجه -إن شاء الله تعالى-.","vol":"6","page":107},{"text":"وانهوهم عن الزَّمْزَمَةِ (١).\nفقَتَلْنا في يوم ثلاثة سواحر، وفرَّقنا بين كل رجُل من المجوس وحريمه في كتاب الله، وصنَعَ طعامًا كثيرًا، فدعاهم فعرض السَّيف على فَخذه، فأكلوا ولم يُزمزموا ... \" (٢).\nأمَّا حديث: \"حدُّ السَّاحر ضرْبةٌ بالسَّيف\" فضعيف (٣). والصحيح وقفه على جندب -﵁- كما قال الترمذي وغيره.\nقال شيخنا -﵀-: \" ... وقد أخرجه الحاكم (٤/ ٣٦١) من طريق أشعث بن عبد الملك عن الحسن: \"أنَّ أميرًا من أمراء الكوفة دعا ساحرًا يلعب بين يدي الناس فبلغ جندب، فأقبل بسيفه، واشتمل عليه، فلمَّا رآه ضربه بسيفه، فتفرَّق الناس عنه، فقال: أيها الناس لن تراعوا، إِنَّما أردت الساحر فأخَذَه الأمير فحبَسه.\nفبلغ ذلك سلمان، فقال: بئس ما صَنَعا! لم يكن ينبغي لهذا وهو إِمام يؤتمّ به يدعو ساحرًا يلعب بين يديه، ولا ينبغي لهذا أن يعاتب أميره بالسيف\".\nقلت: وهذا إِسناد موقوف صحيح إِلى الحسن وقد توبع، فقال هشيم:\n_________\n(١) الزَّمْزَمَة: هي كلامٌ يقولونه عند أكْلهم بصوت خفي. \"النِّهاية\".\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٦٢٤).\n(٣) أخرجه الترمذي والدارقطني والحاكم وغيرهم، قال الترمذي: لا نعرفه معروفًا إِلا من هذا الوجه، وإِسماعيل بن مسلم المكِّي يُضعّف في الحديث، ... وانظر \"الضعيفة\" (١٤٤٦).","vol":"6","page":108},{"text":"أنبأنا خالد الحذاء عن أبي عثمان النهدي: \"أنَّ ساحرًا كان يلعب عند الوليد ابن عقبة، فكان يأخذ سيفه فيذبح نفسه، ولا يضره، فقام جندب إِلى السيف فأخذه فضرب عنقه، ثم قرأ: ﴿أَفتأْتُونَ السِّحْرَ وأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ \" (١).\nوهذا إِسناد صحيح موقوف، صرح فيه هشيم بالتحديث.\nوله طريق أخرى عند البيهقي عن ابن وهب: أخبرني ابن لهيعة عن أبي الأسود: \"أنَّ الوليد بن عقبة كان بالعراق يلعب بين يديه ساحر، وكان يضرب رأس الرجُل، ثمّ يصيح به، فيقوم خارجًا، فيرتدّ إِليه رأسه.\nفقال الناس: سبحان الله، يحيي الموتى! ورآه رجُل من صالح المهاجرين، فنظر إِليه.\nفلمَّا كان من الغد، اشتمل على سيفه فذهب يلعب لعبه ذلك، فاخترط الرجُل سيفه فضرب عنقه، فقال: إِن كان صادقًا فليحيي نفسه!\nوأمر به الوليد دينارًا صاحب السجن -وكان رجلًا صالحًا- فسجنه، فأعجبه نحو الرجُل، فقال: أتستطيع أن تهرب؟ قال: نعم، قال: فاخرج لا يسألني الله عنك أبدًا\".\nقلت (٢): وهذا إِسناد صحيح إِن كان أبو الأسود أدرك القصَّة فإِنَّه تابعي صغير، واسمه محمد بن عبد الرحمن بن نوفل يتيم عروة.\n_________\n(١) أخرجه الدارقطني وعنه البيهقي وابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (٤/ ١٩/ ١ و٢) والسياق له من طرق عن هشيم به.\n(٢) الكلام لشيخنا -﵀-.","vol":"6","page":109},{"text":"قلت (١): ومثل هذا الساحر المقتول، هؤلاء الطرقيَّة الذين يتظاهرون بأنَّهم من أولياء الله، فيضربون أنفسهم بالسيف والشيش، وبعضه سحر وتخييل ولا حقيقة له، وبعضه تجارب وتمارين، يستطيعه كل إِنسان من مؤمن أو كافر إِذا تمرّس عليه وكان قويّ القلب، ومن ذلك مسُّهم النار بأفواههم وأيديهم، ودخولهم التنّور.\nولِي مع أحدهم في حلب موقف تظاهر فيه أنَّه من هؤلاء، وأنَّه يطعن نفسه بالشيش، ويقبض على الجمر فنصحْته، وكشفْت له عن الحقيقة، وهددته بالحرق إِن لم يرجع عن هذه الدّعوى الفارغة! فلم يتراجع.\nفقمت إِليه وقرَّبت النار من عمامته مهدِّدًا، فلمَّا أصرَّ أحرقْتُها عليه، وهو ينظر! ثمَّ أطفأتها خشية أن يحترق هو من تحتها معاندًا.\nوظنِّي أنَّ جندبًا -﵁- لو رأى هؤلاء لقتلهم بسيفه كما فعل بذلك الساحر ﴿وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ \". انتهى.\nوقال الإِمام الترمذي -﵀- عقب أثر جندب -﵁- السابق: \"والعمل على هذا [أي: الضَّرب بالسيف] عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ - وغيرهم، وهو قول مالك بن أنس وقال الشافعي -﵀-: إِنَّما يُقتل الساحر إِذا كان يعمل في سحره ما يبلُغ به الكفر، فإِذا عمل عملًا دون الكفر؛ لم نَرَ عليه قتلا\".\n_________\n(١) الكلام لشيخنا -﵀-.","vol":"6","page":110},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1658>الكاهن والعرَّاف والمنجِّم:</span>\nجاء في \"النهاية\": الكاهن: هو الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزَّمان، ويَدَّعي معرفة الأسرار، وقد كان في العرب كَهَنَة، كَشِقّ وسطيح وغيرهما، فمنهم من كان يزعُم أنَّ له تابعًا من الجنّ ورَئيَّا؛ يُلقي إِليه الأخبار.\nومنهم من كان يزعُم أنَّه يعرف الأمور بمقدِّمات أسبابٍ؛ يستدلّ بها على مواقعها من كلامِ مَن يسأله أو فِعْله أو حاله، وهذا يخصُّونه باسم العرَّاف؛ كالذي يدَّعي معرفة الشيء المسروق، ومكان الضَّالَّة ونحوهما، والحديث الذي فيه: \"من أتى كاهنًا ... \" قد يشتمل على إِتيان الكاهن والعرَّاف والمنجِّم\". انتهى.\nوالحديث الذي أشار إليه هو قوله - ﷺ -: \"من أتى كاهنا فصدَّقه بما يقول فقد كفر بما أنزِل على محمد - ﷺ -\" (١).\nوعن صفيَّة عن بعض أزواج النبي - ﷺ -، عن النبي - ﷺ - قال: \"منْ أتى عرَّافًا فسأله عن شيء، لم تُقبل له صلاةُ أربعين ليلة\" (٢).\nقال في \"النهاية\": \"أراد بالعرَّاف المنجِّم الذي يدَّعي عِلْم الغيب، وقد\n_________\n(١) أخرجه البزَّار في مسنده وهو في \"الصحيحة\" (٣٣٨٧) وانظر شواهده. -إِن شئت- في \"غاية المرام\" (١٧٢ - ٢٨٤) و\"آداب الزِّفاف\" (١٠٥ - ١٠٧).\n(٢) أخرجه مسلم (٢٢٣٠).","vol":"6","page":111},{"text":"استأثر الله -تعالى- به\".\nوقال النووي -﵀- في العرَّاف: \" [هو] من جملة أنواع الكُهَّان، قال الخطابي وغيره: العرَّاف: هو الذي يتعاطى معرفة مكان المسروق ومكان الضَّالَّة ونحوهما\".\nوالمنجِّم: الذي يدَّعي معرفة الأنباء بمطالع النجوم.\nوما قيل في الساحر من حيث القتل يُقال في الكاهن والعرَّاف والمنجِّم؛ إِذا استخدموا في أمورهم هذه ما يبلغون به الكفر؛ أو جرُّوا الناس إِلى الشّرك بالله -تعالى- والخروج من ملَّة الإِسلام والله -تعالى- أعلم. (١)\n_________\n(١) انظر -إِن شئت- المزيد من الفائدة \"الفتاوى\" (٣٥/ ١٦٦ - ١٩٧).","vol":"6","page":112},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1659>الحرابة</span>","vol":"6","page":113},{"text":"الحرابة (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1660>تعريفها:</span>\nالحرابة -وتسمَّى أيضًا قطع الطَّريق-: هي خروج طائفة مسلَّحة في دار الإِسلام؛ لإِحداث الفوضى، وسفْك الدِّماء، وسلْب الأموال، وهتْك الأعراض، وإِتلاف الممتلكات.\nوكما تتحقَّق الحرابة بخروج جماعة من الجماعات؛ فإِنَّها تتحقَّق كذلك بخروج فردٍ من الأفراد، فلو كان لفردٍ من الأفراد فضلُ جبروت وبطْش، ومزيدُ قوَّة وقدرة، يغلب بها الجماعة على النفس والمال والعرض؛ فهو محاربٌ وقاطعُ طريق.\nويدخل في مفهوم الحرابة العصابات المختلفة، كعصابة القتل، وعصابة خطف الأطفال، وعصابة اللصوص للسطو على البيوت والمصارف، وعصابة خطف البنات والعذارَى للفجور بهنّ، وعصابة اغْتيال الحُكَّام؛ ابتغاء الفتنة، واضطراب الأمن، وعصابة إِتلاف الزروع، وقتل المواشي والدواب.\nوكلمة الحرابة مأخوذة من الحرب؛ لأن هذه الطائفة الخارجة على النظام، تعَدّ مُحاربةً للجماعة مِن جانب، ومحاربة للتعاليم الإِسلاميَّة التي جاءت لتُحقِّق أمْن الجماعة، وسلامتها بالحفاظ على حقوقها، من جانب آخر.\nفخروج هذه الجماعة على هذا النحو يُعدُّ محاربة، ومِنْ ذلك أُخذت كلمة الحرابة، وكما يسمَّى هذا الخروج على الجماعة وعلى دينها حرابة، فإِنَّه يُسمَّى\n_________\n(١) عن \"فقه السنة\" (٣/ ٢٣٨) -بتصرّف-.","vol":"6","page":115},{"text":"أيضًا قطع طريق؛ لأنَّ الناس ينقطعون بخروج هذه الجماعة عن الطريق، فلا يمرُّون فيه؛ خشية أن تُسفَك دماؤهم، أو تُسلَب أموالهم، أو تُهتك أعراضهم، أو يتعرَّضون لما لا قدرة لهم على مواجهته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1661>الحرابَة جريمةٌ كُبرى:</span>\nوالحرابة -أو قطع الطَّريق- تُعدّ من كُبْريات الجرائم، ومن ثمَّ أطلق القرآن الكريم على المتورِّطين في ارتكابها أقصى عبارة، فَجَعَلَهم محاربين لله ورسوله - ﷺ -، وساعين في الأرض بالفساد، وغلَّظ عقوبتهم تغليظًا لم يجعله لجريمةٍ أخرى.\nقال الله -سبحانه-: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (١).\nوعن عبد الله بن عمررضي الله عنهما- عن النبى - ﷺ - قال: \"من حَمَلَ علينا السِّلاح فليس منَّا\" (٢).\nقال الحافظ ابن حجر -﵀-: فليس منَّا: أي: ليس على طريقتنا.\nوعن أبي هريرة -﵁- عن النبي - ﷺ -: \"من خرج من الطَّاعة، وفارق الجماعة، فمات، مات ميتةً جاهليَّة\" (٣).\n_________\n(١) المائدة: ٣٣.\n(٢) أخرجه البخاري (٦٨٧٤) ومسلم (٩٨).\n(٣) أخرجه مسلم (١٨٤٨).","vol":"6","page":116},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1662>شروط الحرابة:</span>\nولا بُدَّ من توافُرِ شروط معينة في المحاربين، حتى يستحقُّوا العقوبة المقررة لهذه الجريمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1663>شرط التَّكليف:</span>\nيُشترط في المحاربين العقل والبلوغ؛ لأنَّهما شرطا التَّكليف الذي هو شرطٌ في إِقامة الحدود، فالصَّبي والمجنون لا يُعدّ الواحد منهما محاربًا، مهما اشترك في أعمال المحاربة؛ لعدم تكليف واحد منهما شرعًا، ولم يختلف في ذلك الفقهاء.\nولا تُشترط الذكورة ولا الحرية، لأنه ليس للأنوثة ولا للرّق تأثيرٌ على جريمة الحرابة، فقد يكون للمرأة والعبد من القوة؛ مثل ما لغيرهما -أو أكثر- من التديبر، وحمْل السلاح، والمشاركة في التمرد والعصيان؛ فيجري عليهما ما يجري على غيرهما من أحكام الحرابة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1664>هل يُشترط حمل السِّلاح</span>؟\nويُشترط في المحاربين عند بعض الفقهاء أن يكون معهم سلاح؛ لأنَّ قوَّتهم التي يعتمدون عليها في الحرابة إِنَّما هي قوَّة السِّلاح، فإِن لم يكن معهم سلاح، فليسوا بمحاربين؛ لأنَّهم لا يمنعون من يقصدهم!\nويترجَّح لديَّ عدم اشتراط حمل السِّلاح إِذا تحقَّق معنى الحرابة وقطع الطَّريق. إِذ قد يكون القتل والإِيذاء بالسّموم والحرق ونحوهما، ومن المعلوم أنَّ الحرق يعمل عمله أكثر من عددٍ من أنواع الأسلحة؛ التي يستخدمها قُطَّاع","vol":"6","page":117},{"text":"الطُّرق والمفسدون والعصابات.\nثمَّ قرأْتُ قول ابن حزم -﵀- في \"المحلَّى\" (١٣/ ٣٢٠) تحت المسألة (٢٢٥٦) بعد أن ساق بإِسناده من طريق الإِمام مسلم -﵀- حديث أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" ... ومَنْ خَرَجَ منْ أُمَّتي على أُمَّتي يضْرب بَرّها وفاجرها، لا يتحاشى من مؤمنها، ولا يفي بذي عهدها، فليس منِّي\".\nفقد عَمَّ رسول الله - ﷺ - كما تسمع \"الضَّرب\" ولم يقل بسلاح، ولا غيره فصحَّ أنَّ كل حرابة بسلاح، أو بلا سلاح فسواء؟\nقال: فوجب بما ذكَرنا أنَّ المحارب: هو المكابر المخيف لأهل الطريق، المفسد في سبيل الأرض سواء بسلاح، أو بلا سلاح أصلًا سواء ليلًا، أو نهارًا، في مصر أو في فلاة، أو في قصر الخليفة، أو الجامع سواء قدموا على أنْفسهم إِمامًا، أو لم يقدِّموا سوى الخليفة نفسه، فَعَل ذلك بجنده أو غيره، منقطعين في الصَّحراء، أو أهل قرية سكانًا في دورهم، أو أهل حصن كذلك، أو أهل مدينة عظيمة، أو غير عظيمة -واحدًا كان أو أكثر-.\nكل من حارب المار، وأخاف السبيل بقتْل نفس، أو أخْذ مال، أو لجراحة، أو لانتهاك فرج؛ فهو محارب، عليه وعليهم -كثروا أو قلُّوا- حُكم المحاربين المنصوص في الآية، لأنَّ الله -تعالى- لم يخصّ شيئًا من هذه الوجوه، إِذ عهد إِلينا بحُكم المحاربين ﴿ومَا كانَ رَبُّكَ نَسِيّا﴾ (١) \".\nوقال شيخ الإِسلام -﵀- في \"مجموع الفتاوى\" (٢٨/ ٣١٦):\n_________\n(١) مريم: ٦٤.","vol":"6","page":118},{"text":"\"ولو حاربوا بالعصِيِّ والحجارة المقذوفة بالأيدي أو المقاليع ونحوها: فهم محاربون أيضًا. وقد حُكي عن بعض الفقهاء لا محاربة إِلا بالمحدد. وحكى بعضُهم الإِجماع على أن المحاربة تكون بالمحدد والمثقَّل.\nوسواء كان فيه خلاف أو لم يكن، فالصَّواب الذي عليه جماهير المسلمين؛ أنَّ من قاتل على أخْذ المال بأيّ نوع كان من أنواع القتال؛ فهو محارب قاطع، كما أنَّ من قاتل المسلمين من الكفار بأي نوع كان من أنواع القتال فهو حربي، ومن قاتل الكفار من المسلمين بسيف، أو رمح، أو سهم، أو حجارة، أو عصى، فهو مجاهد في سبيل الله.\nوأمَّا إِذا كان يقتل النفوس سرًّا، لأخذ المال؛ مثل الذي يجلس في خان يكريه لأبناء السبيل، فإِذا انفرد بقوم منهم قتلهم وأخذ أموالهم. أو يدعو إِلى منزله من يستأجره لخياطة، أو طبّ أو نحو ذلك فيقتله، ويأخذ ماله، وهذا يسمَّى القتل غيلة ... \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1665>هل تُشترط الصَّحراء والبعد عن العمران</span>؟\nواشترط بعض الفقهاء أن يكون ذلك في الصَّحراء، فإِنْ فعلوا ذلك في البُنيان، لم يكونوا محاربين، ولأنَّ الواجب يسمَّى حدّ قُطَّاع الطَّريق، وقطْع الطَّريق إِنَّما هو في الصحراء، ولأن في المصر يلحق الغوث غالبًا، فتذهب شوكة المعتدين، ويكونون مختلسين، والمختلس ليس بقاطع، ولا حدَّ عليه.\nوذهب فريقٌ آخر إِلى أنَّ حُكْمهم في المصر والصَّحراء واحد؛ لأنَّ الآية بعمومها تتناول كل محارب، ولأنَّه في المصر أعظمُ ضررًا، فكان أولى.\nقال شيخ الإِسلام -﵀- في \"مجموع الفتاوى\" (٢٨/ ٣١٥): \"بل","vol":"6","page":119},{"text":"هم في البنيان أحقّ بالعقوبة منهم في الصَّحراء؛ لأنَّ البنيان محلّ الأمن والطمأنينة، ولأنَّه محل تناصر الناس وتعاونهم، فإِقْدامهم عليه يقتضي شدَّة المحاربة والمغالبة؛ ولأنَّهم يسلبون الرجل في داره جميع ماله، والمسافر لا يكون معه غالبًا إِلا بعض ماله، وهذا هو الصَّواب\".\nوالذي يترجَّح لديَّ عدم التَّفريق بين الصحراء والبنيان؛ لعموم الآية المتناولة كل محارب في أيّ مكان، فقطع الطَّريق وسفْك الدِّماء وسلْب الأموال وهتْك الأعراض واقعٌ في الصَّحراء والبُنْيان، والأودية والجبال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1666>هل تشترط المجاهرة</span>؟\nومِن شروط الحرابة عند بعض الفقهاء المجاهرة، بأن يأخذوا المال جهرًا، فإِنْ أخذوه مختفين، فهم سُرَّاق، وإِنْ اختطفوه وهربوا، فهم منتهبون لا قطْع عليهم، وكذلك إنْ خَرَجَ الواحد والاثنان على آخر قافلة، فسلبوا منها شيئًا؛ لأنَّهم لا يرجعون إِلى منعة وقوَّة، وإِنْ خرجوا على عدد يسير فقهروهم، فهم قُطّاع طريق. وهذا مذهب الأحناف، والشافعيَّة، والحنابلة. وخالف في ذلك المالكيَّة، والظَّاهريَّة.\nقال ابن العربي المالكي: والذي نختاره، أنَّ الحرابة عامّة في المصر والقفر، وإِن كان بعضها أفحش من بعض، ولكن اسم الحرابة يتناولها، ومعنى الحرابة موجود فيها، ولو خَرج بعصًا في المصر يُقْتَلُ بالسَّيف، ويُؤخَذُ فيه بأشدّ من ذلك، لا بأيسره؛ فإِنَّه سلبَ غيلةً، وفِعْل الغيلة أقبح من فِعل المجاهرة.\nولذلك دخل العفو في قتل المجاهرة، فكان قِصاصًا، ولم يدخل في قتل الغيلة، فكان حرابة، فتحرر أنَّ قطع السبيل موجب للقتل.","vol":"6","page":120},{"text":"وقال: لقد كنتُ، أيام تولية القضاء، قد رُفِعَ إِليَّ أمرُ قومٍ خَرَجوا محاربين في رفقة، فأخذوا منهم امرأة مغالبةً على نفسها من زوجها، ومِن جملة المسلمين معه فاختلوا بها، ثم جد فيهم الطلب، فأُخِذوا وجيء بهم.\nفسألتُ من كان ابتلاني الله به من المفتين، فقالوا: ليسوا محاربين، لأنَّ الحرابة إِنَّما تكون في الأموال، لا في الفروج. فقلتُ لهم: إِنَّا لله وإِنَّا إِليه راجعون! ألم تعلموا أنَّ الحرابة في الفروج أفحش منها في الأموال، وأنَّ الناس ليرضون أن تذهب أموالهم، وتحرب بين أيديهم، ولا يرضون أن يحرب المرء في زوجته وبنته؟ ولو كان فوق ما قال الله عقوبة، لكانت لمن يسلب الفروج، وحسبكم من بلاءٍ صحبة الجُهَّال، وخصوصًا في الفتيا والقضاء.\nوقال القرطبي: والمغتال كالمحارب، وهو أن يحتال في قتلِ إِنسان على أخذ ماله، وإِن لم يُشهِر السِّلاح، ولكن دخل عليه بيته، أو صَحِبَه في سفر، فأطعمه سُمًّا فقتله، فيقتل حدًّا، لا قوَدًا.\nوقريب من هذا القول، رأي ابن حزم، حيث يقول: إِنَّ المحارب هو المكابر، المخيف لأهل الطريق، المفسد في سبل الأرض؛ سواء بسلاح، أم بلا سلاح أصلًا، سواء ليلًا، أم نهارًا، في مصر أم فلاة، في قصر الخليفة، أم في الجامع سواء، وسواء فعل ذلك بجندٍ، أم بغير جند، منقطعين في الصحراء، أم أهل قرية؛ سكانًا في دورهم، أم أهل حصن كذلك، أم أهل مدينة عظيمة، أم غير عظيمة، كذلك واحد، أم أكثر، كل من حارب المارة، وأخاف السبيل بقتل نفس، أو أخْذ مال، أو لجراحة، أو لانتهاك عرض، فهو محارب عليه وعليهم،","vol":"6","page":121},{"text":"كثُروا أو قلُّوا (١).\nومن ثمّ يتبيَّن أنَّ مذهب ابن حزم أوسع المذاهب بالنسبة للحرابة، ومثله في ذلك المالكيَّة؛ لأنَّ كل من أخاف السبيل على أي نحوٍ من الأنحاء، وبأيّ صورة من الصور، يُعدُّ محاربًا، مستحقًا ل<span data-type=\"title\" id=toc-1667>عقوبة الحرابة</span>.\n\nعقوبة الحرابة:\nأنزل الله -سبحانه- في جريمة الحرابة قوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢).\nفهذه الآية نزلت فيمن خرج من المسلمين يقطع السبيل، ويسعى في الأرض بالفساد؛ لقوله -سبحانه-: ﴿إِلا الذينَ تَابُوا منْ قَبْلِ أنْ تَقْدرُوا عَلَيْهِم﴾.\nوقد أجمع العلماء على أنَّ أهل الشرك إِذا وقعوا في أيدي المسلمين، فأسلموا، فإِنَّ الإِسلام يعصم دماءهم وأموالهم، وإِنْ كانوا قد ارتكبوا من المعاصي، قبل الإِسلام، ما يستوجب العقوبة: ﴿قُلْ للذينَ كَفَروا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٣).\n_________\n(١) وتقدم غير بعيد.\n(٢) المائدة: ٣٣ - ٣٤.\n(٣) الأنفال: ٣٨.","vol":"6","page":122},{"text":"قال ابن كثير -﵀-: \"يقول -تعالى- لنبيّه محمد - ﷺ -: ﴿قُلْ للذينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا﴾ أي: عمَّا هُم فيه من الكُفر والمشاقَّة والعِناد، ويدخلوا في الإِسلام والطَّاعة والإِنابة، ﴿يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ أي: من كُفرهم، وذنوبهم وخطاياهم؛ كما جاء في \"الصحيح\" من حديث أبي وائل عن ابن مسعود -﵁- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"مَن أحسَن في الإِسلام، لم يؤاخذ بما عمل في الجاهليَّة، ومَن أساء في الإِسلام، أُخِذَ بالأوَّل والآخر\" (١).\nوفي \"الصحيح\" -أيضًا- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"أما علمْتَ أنَّ الإِسلام يهدم ما كان قبله، وأنَّ الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأنَّ الحج يهدم ما كان قبله\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1668>سببُ نزول هذه الآية:</span>\nعن أبي قلابة عن أنس بن مالك -﵁-: \"أنَّ رَهطًا من عُكل -أو قال من عُرَينة، ولا أعلمه إِلا قال من عُكل- قدموا المدينة، فأمَرَ لهُم النبيّ - ﷺ - بِلقاح، وأمَرَ أنْ يخرجوا فيشربوا من أبوالها وألبانها، فشرِبوا، حتَّى إِذا بَرِئوا قَتَلوا الرَّاعي واسْتاقوا النَّعم.\nفبلغ النبيَّ - ﷺ - غُدْوةً، فَبَعَثَ الطَّلبَ في إِثْرهم، فما ارتَفَعَ النَّهارُ حتَّى جيء بهم، فأمَرَ بهم فَقَطَعَ أيديهم وأرجُلَهُم وسَمَرَ أعيُنَهم، فأُلْقوا بالحرَّة يُستسقَون فلا يُسقَون\" (٣).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٩٢١)، ومسلم (١٢٠).\n(٢) أخرجه مسلم (١٢١).\n(٣) أخرجه البخاري (٦٨٠٥)، ومسلم (١٦٧١) وتقدّم في باب الطهارة.","vol":"6","page":123},{"text":"قال أبو قِلابة: \"هؤلاء قومٌ سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إِيمانهم وحاربوا الله ورسوله\" (١).\nوفي رواية: \"فأنزل الله -﵎- في ذلك: ﴿إنَّمَا جَزَاءُ الذينَ يُحَارِبونَ اللهَ ورَسُولَهُ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسَادًا﴾ \" (٢).\nوعن عبد الله بن عمر -﵄- عن رسول الله - ﷺ -: \" ... ونزلت فيهم آية المحاربة\" (٣).\nوفي رواية: \" ... فلمَّا صحّوا كفروا بعد إِسلامهم، وقتَلوا راعيَ رسول الله - ﷺ - مؤمنًا، واستاقوا ذود (٤) رسول الله - ﷺ - وانطلقوا محاربين\" (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1669>العقوبات التي قررتها الآية الكريمة:</span>\nوالعقوبة التي قررتها هذه الآية للذين يحاربون الله ورسوله، ويَسعَونَ في الأرضِ فسادًا، هي إِحدى عقوبات أربع:\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٨٠٥).\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٦٧٠).\n(٣) أخرجه النسائي (٣٧٧٢) وقال شيخنا -﵀- في \"صحيح سنن النسائي\": حسن صحيح.\n(٤) الذَّود من الإِبل: ما بين الثنتين إِلى التسع، وقيل: ما بين الثلاث إِلى العشر \"النهاية\".\n(٥) \"صحيح سنن النسائي\" (٣٧٦٢) وأَصل أكثر هذه الألفاظ في \"الصحيحين\" كما تقدّم.","vol":"6","page":124},{"text":"١ - القتل.\n٢ - أو الصَّلْب.\n٣ - أو تقطيع الأيدي والأرجُل من خِلاف.\n٤ - أو النَّفْي من الأرض.\nوهذه العقوبات جاءت في الآية معطوفة بحرف \"أو\" وقد اختلف العلماء في \"أو\" في هذه الآية الكريمة، أهي للتَّخيير أم للتَّفصيل؟ (١).\n_________\n(١) جاء في كتاب \"أثر الدلالة النحويَّة واللغوية في استنباط الأحكام من آيات القرآن التشريعية\" للأستاذ السعدي (ص ١٣٨) -بحذف-: ... ذهب فريق [من الفقهاء] إِلى أنَّ السلطة مخيَّرة بين العقوبات المذكورة، وأيُّها رآها السلطان أنفع للمصلحة أنْزلها بهم، ومن هؤلاء سعيد بن المسيب، ومجاهد، والحسن البصري، وعطاء، ومالك (أ).\nويرى أكثرهم أن هذه العقوبات تنزل بهم على حسب جنايتهم، فَمَن قَتَلَ قُتِلَ، ومَن قَتَلَ وأخَذَ المال قُتلَ وصُلِبَ، ومَن أَخَذَ المال بلا قَتْل قُطِعَت يده ورجلُه من خلاف، ومن أخاف أهل السبيل فقط فلم يَقْتُل ولم يأخُذ مالًا: نُفِيَ.\nومن القائلين بهذا ابن عبَّاس، والأوزاعي، وأبو يوسف ومحمد من الأحناف والشافعي (ب).\n_________\n(أ) انظر \"بداية المجتهد\" (٢/ ٤٤٥)، و\"البحر المحيط\" (٣/ ٤٧٠).\n(ب) انظر \"بدائع الصنائع\" (٧/ ٩٣ - ٩٤)، و\"المغني\" لابن قدامة (٩/ ١٤٥)، و\"تفسير آيات الأحكام\" (٢/ ١٨٤).\nوقد ضعَّف شيخنا -﵀- هذا الأثر كما في \"الإرواء\" برقم (٢٤٤١ و٢٤٤٤). الدليل النحوي للفريق الأوَّل:\nإِنَّ \"أو\" في الآية للتخيير، فالسلطانُ مُخيَّر في إنزال أى عقوبة يراها مما ذُكر؛ مِن غير =","vol":"6","page":125},{"text":"والذي يترجَّح لديّ أنَّ التَّخيير ليس بإِطلاق؛ ولا هو بالانتقائي، وإِنَّما هو نابعٌ مِنْ مرآة الفقه والعِلم وتحقيق العدل والإِنصاف، وعدم التسوية في\n_________\n= ملاحظة تناسبهم مع جناياتهم؛ لأنَّ ذلك مقتضٍ التَّخيير.\nوحجَّة الفريق الثاني:\nأن \"أو\" للتَّفصيل، والعرب تستعملها كثيرًا بهذا المعنى، فيقولون: \"اجتمع القوم فقالوا حارِبوا أو صالحوا، أي قال: بعضهم كذا وبعضهم كذا\".\nويقوِّيه قول الله -تعالى-: ﴿وقَالُوا كُونُوا هُودًا أو نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ وليس المقصود التخيير، لأنَّه ليس هناك فرقة تخير بين اليهودية، والنَّصرانيَّة، بل كلٌّ يدعو إلى دينه، فكان المعنى: أنَّ بعضهم -وهم اليهود- قالوا كونوا هودًا، وبعضهم -وهم النَّصارى- قالوا كونوا نصارى.\nوكثيرًا ما تعتمد العرب على لفّ الكلامَين المختَلِفَين وتسمح بتفسيرها جملة، ثقةً منها بأنَّ السَّامع يردّ كلَّ مخبر عنه بما يليق به، كقول امرئ القيس:\nكأنَّ قلوب الطير رطبًا ويابسًا ... لدى وكْرِها العناب والحشف البالي\nفالعناب هو الرَّطب، والحشف هو اليابس، وقد لفهما بعبارة واحدة. ... فلمَّا كانت \"أو\" للتفصيل، فإِنَّها قد فصَّلت أحكام قطاع الطريق وجَعَلت لكل منهم حُكمه؛ لأنَّ جناياتهم لا بد من أن تكون مختلفة، وحينئذ يجب تقدير شرط محذوف ينسجم مع معنى التفصيل.\nفيكون التقدير: أن يقَتَّلوا إِنْ قَتَلُوا، أو يُصَلَّبُوا إن قَتَلُوا وأخذوا المال، أو تُقَطَّع أيديهم وأرجلهم إِن أخذوا المال ولم يَقْتُلوا، أو يُنْفَوا من الأرض إن أخَافُوا السائرين في السبيل فقط.\nولدى موازنة الرَّأيين يتَّضِح لنا رُجْحان رأي الفريق الثاني لما يأتي:\n١ - جعل \"أو\" في هذه الآية للتفصيل أولى من جَعْلها للتَّخيير، لأنَّنا إِذا تتبَّعنا كلام =","vol":"6","page":126},{"text":"اقتراف الجريمة والإِفساد، كما في قوله -تعالى-: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَة سَيِّئَة مِثْلها﴾ (١).\n_________\n= النُّحاة نجدهم يجعلون \"أو\" للتَّخيير بعد الطلب غالبًا، وذلك واضح مِن أمثلتهم. وقد صرَّح ابن هشام بذلك فقال: \"وهي الواقعة بعد الطلب\" (١).\nوحيث لم تقع بعد طلب في هذه الآية، فإِنَّ حَمْلها على التَّفصيل أولى من الناحية النَّحويَّة، وكذلك من الناحية الشَّرعيَّة؛ لأن القاعدة العامَّة في التَّشريع الإسلامي أنَّ العقوبة تكون بمقدار الجناية، لقوله -تعالى- في جزاء جناية صيد المحرم في الحج: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النًعَمِ﴾ (ب).\n٢ - لو سلَّمنا أنَّها للتخيير على رأي الفريق الأوَّل، فإنَّه لدى التَّحقيق يتبيَّن لنا أنَّ مِثل هذا التَّخيير يتَّفق مع معنى التَّفصيل من حيثُ المعنى، وذلك لأنَّ الحكم المخير فيه إِذا كان سببه مختلفًا فإِنَّه يكون لبيان كل واحد من المخير بنفسه.\nيوضح ذلك قوله -تعالى-: ﴿إِمَّا أنْ تُعَذِّبَ وإِمّا أن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ (ج). فإنَّه ليس المراد هنا التَّخيير بين التَّعذيب أو الإِحسان مُطلقًا من غير ملاحظة عَمَل من يعذبهم أو يحسن إليهم، وإنما المراد بيان حُكمِ كلِّ صنف، أي إِمّا أن تعذب من ظلم أو تَتَّخذ الحسن فيمن آمن ولم يظلم.\nفكذلك التخيير في إنزال العقوبة بقطاع الطريق إِنَّما يكون لبيان كل صنف منهم على حِدَة؛ لأنَّ سبب تلك العقوبة مُختلف. وبهذا يتَّضِح لنا أنَّ إِنزال العقوبة بهم يكون على وفق جنايتهم ... \".\n_________\n(أ) \"مغني اللبيب\" (١/ ٥٩).\n(ب) المائدة: ٩٥.\n(ج) الكهف: ٨٦.\n(١) الشورى: ٤٠.","vol":"6","page":127},{"text":"وهكذا فلا بدَّ مِن حَمل التَّخيير على التَّفصيل، فلا إِشكال، وقد أشار الأستاذ السَّعدي إِلى هذا جزاه الله خيرًا.\nوجاء في \"الروضة النديَّة\" (٢/ ٦١٨) -بحذف-: \"يفعل الإِمامُ مِنْها ما رأى فيه صلاحًا؛ لكلِّ منْ قَطَعَ طَريقًا وَلَو في المِصْر إِذا كان قد يسَعَى في الأرض فَسادًا\".\nهذا ظاهر ما دلَّ عليه الكتاب العزيز مِنْ غير نظرٍ إِلى ما حدث من المذاهب، فإِنَّ الله -سبحانه- قال: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الذينَ يُحَارِبُونَ اللهَ ورَسُولَهُ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسَادًا﴾ (١)، فضمَّ إلى محاربة الله ورسوله ... السَّعي في الأرض فسادًا، فكان ذلك دليلًا على أنَّ مَن عصى الله ورسوله بالسَّعي في الأرض فسادًا؛ كان حدُّه ما ذكره الله في الآية.\nولمّا كانت الآية الكريمة نازلة في قُطَّاع الطريق وهم العرنيُّون، كان دخولُ مَن قَطَعَ طريقًا تحت عموم الآية دخولًا أوَّليًّا ثم حصر الجزاء في قوله: ﴿أنْ يُقَتَّلُوا أو يُصَلَّبُوا أو تُقَطَّعَ أيْدِيهمْ وأرْجُلُهُم منْ خِلاف أو يُنْفَوا مِنَ الأرضِ﴾ فخيَّر بين هذه الأنواع فكان للإِمام أن يختار ما رأى فيه صلاحًا منها.\nفإِنْ لم يكن إِمامٌ فمن يقوم مقامه في ذلك من أهل الولايات، فهذا ما يقتضيه نَظْم القرآن الكريم، ولم يأت من الأدلَّة النبويَّة ما يصرف ما يدلّ عليه القرآن الكريم عن معناه الذي تقتضيه لغة العرب.\n_________\n(١) المائدة: ٣٣.","vol":"6","page":128},{"text":"أمَّا ما روي عن ابن عباس كما أخرجه الشافعي في \"مسنده\" أنَّه قال في قُطَّاع الطَّريق: \"إِذا قَتَلوا وأخذوا الأموال صُلِّبوا، وإِذا قتلُوا ولم يأخذوا المالَ قُتِلُوا ولم يُصَلَّبُوا، وإِذا أخذوا المال ولم يقتُلُوا قُطِعَت أيْديهم وأرْجلهم من خِلاف، وإِذا أخافُوا السَّبيل ولم يأخذوا مالًا نُفُوا من الأرض\".\nفليس هذا الاجتهاد ممَّا تقوم به الحُجَّة على أحد، ولو فرضنا أنَّه في حكم التَّفسير للآية. وإِنْ كان مخالفًا لها غاية المخالفة، ففي إِسناده إِبراهيم بن أبي يحيى وهو ضعيف جدًّا لا تقوم بمثله الحُجَّة (١).\nوقد ذهب إِلى مِثل ما ذهبنا إِليه جماعة من السَّلف كالحسن البصري وابن المسيِّب ومجاهد.\nوأسعد الناس بالحق من كان معه كتاب الله. وقد ثبت عن رسول الله - ﷺ - في العرنيين أنَّه فعل بهم أحد الأنواع المذكورة في الآية -وهو القَطْع كما في الصحيحين، وغيرهما من حديث أنس- والمراد بالصلب المذكور في الآية هو الصلب على الجذوع، أو نحوها حتَّى يموت إِذا رأى الإِمام ذلك، أو يصلبه صلبًا لا يموت فيه. فإِنَّ اسم الصَّلب يصدُق على الصَّلب المفضي إِلى الموت، والصَّلب الذي لا يُفضي إِلى الموت.\nولو فرضنا أنَّه يختصّ بالصَّلب المفضي إِلى الموت. لم يكن في ذلك تكرار بعد ذِكر القتل، لأنَّ الصَّلب هو قتْلٌ خاص. وأمَّا النَّفي من الأرض فهو طرْده من الأرض التي أفسد فيها ... \" انتهى.\nقلت: وقد ورد في بعض ألفاظ الحديث: \" ... فبلغ ذلك رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) انظر \"الإِرواء\" (٢٤٤٣).","vol":"6","page":129},{"text":"فبعث في آثارهم، فلمَّا ارتفع النَّهار جيء بهم فأمر فقطع أيديهم وأرجلهم وسُمِّرت أعينهم (١) ... \" (٢).\nوفي رواية: \"ثمَّ أمر بمسامير فأُحميت فَكَحَلهم بها ... \" (٣).\nفإِنَّ السَّمر لم يَرِد في الآية الكريمة، وهو من فِعل النبيّ - ﷺ - وهذا يبيِّن أنَّ الأمر يرجع إِلى الحاكم بما تقدَّم من قيود.\nفالحاصل أن الأمر راجع إِلى السُّلطان (٤) فهو مخيَّر في إِيقاع العقوبة اللازمة وفي تقدير العقوبة على التفصيل؛ بما يتناسب مع إِفساده وجريمته؛ وبما يكون الأقرب في العمل بمقتضى الآية الكريمة والحديث الشريف والآثار. والله -تعالى - أعلم.\nوقد جاء في بعض الروايات:- قال أنس -﵁-: \"إِنَّما سمل النبي - ﷺ - أعين أولئك، لأنَّهم سملوا أعين الرعاء\" (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1670>عدم حسْم المحاربين من أهل الرِّدَّة حتى يهلكوا وكذا عدم سقايتهم الماء ونبذهم في الشمس:</span>\nعن أنس -﵁- قال: \"قدمَ على النبي - ﷺ - نفر من عُكل\n_________\n(١) سُمِّرت أعينهم: أي فُقئت.\n(٢) أخرجه البخاري (٢٣٣)، ومسلم (١٦٧١).\n(٣) أخرجه البخاري (٣٠١٨).\n(٤) انظر -إِن شئت- ما جاء في \"مجموع الفتاوى\" (٢٨/ ٣١٠).\n(٥) أخرجه مسلم (١٦٧١).","vol":"6","page":130},{"text":"فأسلموا، فاجْتووا (١) المدينة، فأَمَرهم أن يأتوا إِبلَ الصَّدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها، ففعلوا فصحُّوا، فارتدُّوا، فقتلوا رعاتها واسْتاقُوا الإِبلَ.\nفبعث في آثارهم فأُتي بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم وسَمل أعينهم، ثم لم يحسمهم (٢) حتى ماتوا\" (٣).\nوفي رواية: \"فرأيت الرجُل منهم يَكْدُِمُ (٤) الأرض بلسانه حتى يموت\" (٥).\nأمَّا نبذهم في الشمس حتى يموتوا، فهو في بعض ألفاظ حديث أنس -﵁- وفيه: \"وسمَّر أعينهم ثم نبَذهم في الشمس حتى ماتوا\" (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1671>فائدة \"١</span>\":\nسُئل شيخ الإِسلام -﵀- عن ثلاثةٍ من اللصوص، أخذ اثنان منهم جَمَّالا، والثالث قتل الجمَّال: هل تُقتَل الثلاثة؟\n_________\n(١) فاجتووا: قال النووي: \" ... أي لم توافقهم وكرهوها لسقم أصابهم، قالوا: وهو مثشقٌّ من الجوى؛ وهو داء في الجوف\".\n(٢) لم يحسمهم: الحسم هنا أن توضع اليد بعد القطع في زيت حار وذلك لمنع استمرار نزف الدم، ويتحقَّق بأيِّ صورة طبيَّة يمكن أن تمنع نزْف الدم، وتقدّم.\n(٣) أخرجه البخاري (٦٨٠٢)، ومسلم (١٦٧١).\n(٤) يكدُِمُ: أي يقبض عليها ويعضّ. \"النهاية\"\n(٥) أخرجه البخاري (٥٦٨٥).\n(٦) أخرجه البخاري (٦٨٩٩)، ومسلم (١٦٧١).","vol":"6","page":131},{"text":"فأجاب: إِذا كان الثلاثة حرامية؛ اجتمعوا ليأخذوا المال بالمحاربة؛ قُتِل الثلاثة؛ وإِنْ كان الذي باشر القتل واحد منهم. والله أعلم.\nوجاء في \"مجموع الفتاوى\" (٢٨/ ٣١٠) -بحذف-: \"وإِذا كان المحاربون الحراميَّة جماعة، فالواحد منهم باشَر القتل بنفسه، والباقون له أعوان وردْء له. فقد قيل؛ إِنَّه يقتل المباشر فقط.\nوالجمهور على أنَّ الجميع يقتلون، ولو كانوا مائة، وأنَّ الردء والمباشر سواء، وهذا هو المأثور عن الخلفاء الراشدين؛ فإِنَّ عمر بن الخطاب -﵁- قتل ربيئة المحاربين -والربيئة هو الناظر الذي يجلس على مكان عال، ينظر منه لهم من يجيء- ولأنَّ المباشر إِنَّما تمكَّن مِن قتْله بقوَّة الردء ومعونته.\nوالطائفة إِذا انتصر بعضها ببعض؛ حتى صاروا ممتنعين؛ فهم مشتركون في الثواب والعقاب كالمجاهدين ...\nوهكذا المقتتلون على باطل لا تأويل فيه؛ مثل المقتتلين على عصبيَّة، ودعوى جاهليَّة؛ كقيس ويمن ونحوهما؛ هما ظالمتان. كما قال النبي - ﷺ -: \"إِذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار. قيل: يا رسول الله! هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: إِنّه كان حريصًا على قتل صاحبه\". أخرجاه في الصحيحين. (١).\nوتضمن كلّ طائفة ما أتْلفتْه للأخرى من نفس ومال. وإِن لم يعرف عين\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٣١)، ومسلم (٢٨٨٨).","vol":"6","page":132},{"text":"القاتل؛ لأنَّ الطائفة الواحدة الممتنع بعضها ببعض كالشخص الواحد، وفي ذلك قوله -تعالى-: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاص في القَتْلَى﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1672>فائدة \"٢</span>\":\nجاء في \"مجموع الفتاوى\" (٣٤/ ٢٤٣): \"وسئل -رحمه الله تعالى- عن تاجر نصَب عليه جماعة؛ وأخذوا مبلغًا، فحَمَلَهم لوليّ الأمر؛ وعاقبهم حتى أقرُّوا بالمال، وهم محبوسون على المال، ولم يعطوه شيئًا، وهُم مصرُّون على أنَّهم لا يعطونه شيئًا؟\nفأجاب: الحمد لله هؤلاء مَن كان المال بيده وامتنع من إِعطائه؛ فإِنَّه يُضرَب حتى يؤديَ المال الذي بيده لغيره. ومَن كان قد غيَّب المال وجحد موضعه فإِنَّه يضرب حتَّى يدلّ على موضعه. ومَن كان مُتَّهما لا يُعرف هل معه من المال شيء أم لا؛ فإِنَّه يجوز ضربه معاقبةً له على ما فعَل من الكذب والظلم. ويُقر مع ذلك على المال أين هو. ويطلب منه إِحضاره. والله أعلم\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1673>ردُّ اعتراض، ودفْعُ إِشكالٍ </span>(٢):\nقال في \"المنار\": رَوى عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد، أنَّ الفساد هنا الزنى، والسرقة، وقتْل النساء، وإِهلاك الحرث والنَّسل، وكلّ هذه الأعمال من الفساد في الأرض.\nواستشكل بعض الفقهاء قول مجاهد، بأنَّ هذه الذنوب والمفاسد لها\n_________\n(١) البقرة: ١٧٨.\n(٢) عن \"فقه السنة\" (٣/ ٢٥٢).","vol":"6","page":133},{"text":"عقوبات في الشرع غير ما في الآية، فللزِّنى، والسرقة، والقتْل حدود، وإِهلاك الحرث والنَّسل يقدَّر بقدْره، ويضمنه الفاعل، ويعزّره الحاكم بما يؤدِّيه إِليه اجتهاده.\nوفات هؤلاء المعترضين، أنَّ العقاب المنصوص في الآية خاصٌّ بالمحاربين مِن المفسدين الذين يكاثرون أولي الأمر، ولا يُذْعنون لحُكْم الشَّرع.\nوتلك الحدود إِنَّما هي للسارقين والزُّناة أفرادًا، الخاضعين لحُكْم الشرْع فِعْلًا، وقد ذُكِرَ حُكمهم في الكتاب العزيز، بصيغة اسم الفاعل المفرد، كقوله -سبحانه-: ﴿والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (١) وقال: ﴿الزَّانِيَة والزَّانِي فَاجْلِدُوا كلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَة جَلْدَةٍ﴾ (٢).\nوهم يستَخْفُون بأفعالهم، ولا يَجهرون بالفساد، حتى ينْتشر بصوء القدوة بهم، ولا يُؤلِّفون له العصائب ليمنعوا أنفسهم من الشرع بالقوَّة.\nفلهذا لا يصدُق عليهم أنَّهم محاربو الله ورسوله ومفسدون، والحكم هنا منوط بالوصفَين معًا، وإِذا أطْلق الفقهاء لفظ المحاربين، فإِنَّما يعنون به المحاربين المفسدين؛ لأنَّ الوصفين متلازمان\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1674>واجب الحاكم والأمَّة حِيال الحرابة </span>(٣):\nوالحاكم والأمَّة معًا مسؤولون عن حماية النظام، وإقرار الأمن، وصيانة\n_________\n(١) المائدة: ٢٨.\n(٢) النور: ٢.\n(٣) عن \"فقه السُّنة\" (٣/ ٢٥٢).","vol":"6","page":134},{"text":"حقوق الأفراد في المحافظة على دمائهم، وأموالهم، وأعراضهم؛ فإِذا شذَّت طائفة، فأخافوا السبيل، وقطعوا الطريق، وعرَّضوا حياة الناس للفوضى والاضطراب، وجب على الحاكم قتال هؤلاء.\nكما فعَل رسول الله - ﷺ - مع العُرنيين (١)، وكما فَعَلَ خُلفاؤه من بعده، ووجب على المسلمين كذلك أنْ يتعاونوا مع الحاكم ... على استئصال شأفتهم، وقطْعِ دابرهم، حتى ينعم الناس بالأمن والطمأنينة، ويُحِسُّوا بلذَّة السلام والاستقرار، وينصرف كلٌّ إِلى عمله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1675>إِذا طَلب السلطان المحاربين فامتنعوا:</span>\nإِذا طَلب السلطان المحاربين لإقامة الحد فامتنعوا؛ فإِنه يجب على المسلمين قتالهم، من باب ما لا يتمّ الواجب إِلا به فهو واجب.\nجاء في \"مجموع الفتاوى\" (٢٨/ ٣١٧): \" ... فأمّا إِذا طلبهم السلطان أو نوّابه لإقامة الحدّ بلا عدوان فامتنعوا عليه؛ فإِنه يجب على المسلمين قتالهم باتفاق العلماء، حتى يقدر عليهم كلِّهم؛ ومتى لم ينقادوا إِلا بقتال يفضي إِلى قتْلهم كلهم قوتلوا، وإن أَفضى إِلى ذلك؛ سواءٌ كانوا قد قَتلوا أو لم يقتلوا.\nويقتلون في القتال كيفما أمكن؛ في العنق وغيره، ويقاتل من قاتل معهم ممن يحميهم ويُعينهم، فهذا قتال وذاك إِقامة حدّ، وقتال هؤلاء أوكد من قتل الطوائف الممتنعة عن شرائع الإِسلام\".\n_________\n(١) تقدَّم غير بعيد.","vol":"6","page":135},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1676>توبةُ المحاربين قبْل القُدرة عليهم:</span>\n*إِذا تاب المحاربون المفسدون في الأرض، قبل القدرة عليهم، وتمكَّن الحاكم من القبض عليهم، فإنَّ الله يغفر لهم ما سلَفَ، ويرفع عنهم العقوبة الخاصّة بالحرابة؛ لقوله -تعالى-: ﴿ذلكَ لَهُمْ خِزْيٌ في الدّنْيا وَلَهُم في الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِلا الذينَ تَابُوا منْ قَبْلِ أنْ تَقْدروا عَلَيْهِم فَاعْلَمُوا أنَّ الله غَفورٌ رَحِيم﴾ (١).\nوإِنَّما كان ذلك كذلك؛ لأنَّ التوبة قبل القدرة عليهم والتَّمكُّن منهم دليل على يَقَظَة القلوب، والعزم على استئناف حياةٍ نظيفة، بعيدة عن الإِفساد، والمحاربة لله ورسوله، ولهذا شملهم عفو الله، وأسقط عنهم كلَّ حقّ من حقوقه، إِن كانوا قد ارتكبوا ما يستوجب العقوبة.\nأمَّا حقوق العباد، فإِنَّها لا تسقط عنهم، وتكون العقوبة حينئذ ليست من قبيل الحرابة، وإِنما تكون من باب القِصاص.\n[أقول: وفي ذلك أثر ابن عباس -﵄-: \"نزلت هذه الآية في المشركين، فمن تاب منهم قبل أن يُقْدر عليه؛ لم يمنعه ذلك أن يقام فيه الحدّ الذي أصابه\"] (٢).\nوالأمر في ذلك يرجع إِلى المجني عليهم، لا إِلى الحاكم، فإِنْ كانوا قد قَتَلوا، سقط عنهم تحتم القتل، ولوليِّ الدَّم العفو أو القِصاص وإنْ كانوا قد قَتَلوا\n_________\n(١) المائدة: ٣٣ - ٣٤.\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٦٧٥)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٣٧٧٦)، وانظر \"الإرواء\" (٨/ ٩٣).","vol":"6","page":136},{"text":"وأخَذوا المال، سقط الصَّلب، وتحتم القتل، وبقي القِصاص، وضمان المال.\nوإِنْ كانوا قد أخذوا المال، سقط القطع، وأُخذِت الأموال منهم إِن كانت بأيديهم، وضمنوا قيمة ما استهلكوا؛ لأنَّ ذلك غَصْبٌ، فلا يجوز ملكه لهم، ويصرف إِلى أربابه، أو يجعله الحاكم عنده، حتى يعلم صاحبه؛ لأنَّ توبتهم لا تصح إِلا إِذا أعادوا الأموال المسلوبة إِلى أربابها.\nفإِذا رأى أولو الأمر إِسقاط حقٍّ ماليٍّ عن المفسدين؛ مِن أجل المصلحة العامَّة، وجب أن يضمنوه من بيت المال* (١).\nجاء في \"المغني\" (١٠/ ٣١٤): \"فإِنْ تابوا من قبل أن يُقدَر عليهم؛ سقطت عنهم حدود الله -تعالى- وأخذوا بحقوق الآدميِّين من الأنفس والجراح والأموال؛ إِلا أن يُعفى لهم عنها.\nلا نعلم في هذا خلافًا بين أهل العلم، وبه قال مالك والشافعي وأصحاب الرَّأي وأبو ثور، والأصل في هذا قول الله -تعالى-: ﴿إِلا الذينَ تَابُوا منْ قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِم فَاعْلَمُوا أنَّ الله غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\nفعلى هذا يسقط عنهم تحتم القتل والصلب والقطع والنفي، ويبقى عليهم القِصاص في النفس والجراح وغرامة المال والدِّيَة لما لا قِصاص فيه.\nفأمّا إِنْ تاب بعد القدرة عليه؛ لم يسقط عنه شيء من الحدود؛ لقول الله تعالى: ﴿إِلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم﴾ فأوجب عليهم الحدّ ثم استثنى التائبين قبل القدرة، فمن عداهم يبقى على قضِيّة العموم، ولأنّه إِذا\n_________\n(١) ما بين نجمتين من \"فقه السنة\" (٣/ ٢٥٣) -بتصرف-.","vol":"6","page":137},{"text":"تاب قبل القدرة؛ فالظاهر أنها توبة إِخلاص، وبعدها الظاهر أنها تقية من إِقامة الحدّ عليه، ولأنّ في قبول قوبته وإسقاط الحد عنه قبل القدرة؛ ترغيبًا في توبته والرجوع عن محاربته وإِفساده فناسَب ذلك الإِسقاط عنه وأما بعدها فلا حاجة إِلى ترغيبه لأنه قد عجز عن الفساد والمحاربة\".\nوجاء في \"تفسير ابن كثير\": \"وأمَّا المحاربون المسلمون فإِذا تابوا قبل القدرة عليهم، فإِنَّه يسقط عنهم انحتام القتل والصلب وقطع الرِجل، وهل يسقط قطع اليد أم لا؟ فيه قولان للعلماء: ظاهر الآية يقتضي سقوط الجميع، وعليه عَمَل الصحابة ... \".\nوجاء في \"الروضة الندية\" (٢/ ٦٢٠): \"أقول: الآية ليس فيها إِلا الإِشارة إِلى عفو الله ورحمته لمن تاب قبل القدرة. وليس فيها القطع بحصول المغفرة والرحمة لمن تاب!! ولو سُلِّم القطع فذلك في الذنوب التي أمْرها إِلى الله فيسقط بالتَّوبة الخطاب الأخروي والحد الذي شرعه الله.\nوأمَّا الحقوق التي للآدميِّين من دم أو مال أو عرض؛ فليس في الآية ما يدل على سقوطها. ومن زعم أنَّ ثم دليلًا يدل على السقوط فما الدليل على هذا الزَّعم؟! \". انتهى.\nأقول: إذا كان الشهيد يُغفر له كل شيء إِلا الدَّين، فكيف يُغفرَ للمحارب ما سَلَبَ من أموال وانْتهك مِن حُرُمات، فحقوق الآدميِّين معتبرة، وليس في الآية ما يدلّ على سقوطها.\nولكن توبة المحارب؛ تعني أنَّه اختار الدار الآخرة، ورضي أن يمضي فيه حُكْم الله -تعالى- ورأى أنَّ هذا خيرٌ له من المُضِيّ في الإفساد وعدم التوبة،","vol":"6","page":138},{"text":"متحمِّلًا الصِّعاب راغبًا في المغفرة والثواب، وربما يحظى بعفو أصحاب الحقوق. والله -تعالى- أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1677>سُقوطُ الحدود بالتَّوبة قبْل رَفْعِ الجناة إِلى الحاكم:</span>\n*تقدَّم أنَّ حدَّ الحرابة يَسْقُط عن المحاربين إِذا تابوا، قبل القدرة عليهم؛ لقول الله -سبحانه-: ﴿إِلا الذينَ تَابُوا منْ قَبْلِ أنْ تَقْدرُوا عَلَيْهِم فَاعْلَمُوا أنَّ الله غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١).\nوليس هذا الحُكم مقصورًا على حدّ الحرابة، بل هو حُكْمٌ عام ينتظم جميع الحدود، فمن ارتكب جريمة تستوجب الحدّ، ثمَّ تاب منها، قبل أنْ يُرفع إِلى الإِمام، سَقَط عنه الحد؛ لأنَّه إِذا سقط الحدّ عن هؤلاء، فأولى أن يسقط عن غيرهم، وهُم أخفُّ جرمًا منهم.\nوقد رجَّح ذلك شيخ الإِسلام ابن تيمية -﵀- فقال: ومن تاب من الزِّنى، والسرقة، وشُرب الخمر، قبل أن يُرفع إِلى الإمام، فالصحيح، أنَّ الحدَّ يسقط عنه، كما يسقط عن المحاربين، إِجماعًا، إِذا تابوا قبل القُدرة عليهم.\nوقال القرطبي: فأمَّا الشُّراب، والزُّناة، والسُّرّاق، إِذا تابوا وأصلحوا، وعُرِف ذلك منهم، ثُمَّ رُفعوا إِلى الإِمام، فلا ينبغي أنْ يُحَدُّوا، وإن رُفِعوا إِليه، فقالوا: تُبْنا. لم يُتركوا، وهم في هذا الحال كالمحاربين إذا غُلبوا* (٢).\nقلت: ويؤيِّد ما قاله القرطبي -رحمه الله تعالى- ما تقدَّم من إِعراض النبي\n_________\n(١) المائدة: ٣٤.\n(٢) ما بين نجمتين من \"فقه السنة\" (٣/ ٢٥٥).","vol":"6","page":139},{"text":"- ﷺ - عن ماعز بن مالك حينما جاءه يخبره أنَّه قد أصاب جارية، فأعرض عنه رسول الله - ﷺ - حتى إِنَّ ماعزًا قد قالها أربع مرَّات ...\nوكذا قول النبي - ﷺ - للغامديَّة: \"وَيْحَكِ؛ ارجعي فاستغفري الله وتوبي إِليه\".\nوفيه أيضًا ما رواه الأجلح عن الشعبي حين قال عليٌّ -﵁- لشُراحة الهمدانيَّة: ويلك لعلَّ رجُلًا وقع عليك وأنْتِ نائمة ... لعلَّك استُكْرِهتِ ... يُلقِّنها (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1678>دفاع الإِنسان عن نفسه </span>(٢):\n*إِذا اعتدى على الإِنسان معتدٍ يريد قتْله، أو أخْذ ماله، أو هتْك عرْض حريمه؛ فمِن حقَّه أنْ يُقاتل هذا المعتدي دفاعًا عن نفسه، وماله، وعرضْه، ويدفع بالأسهل فالأسهل، فيبدأ بالكلام، أو الصِّياح، أو الاستعانة بالناس، إِن أمْكن دفع الظَّالم بذلك، فإِن لم يندفع إِلا بالضَّرب، فليَضْربه، فإنْ لم يَنْدفع إِلا بقتْله، فليَقْتله، ولا قِصاص على القاتل، ولا كفَّارة عليه، ولا دية للمقتول؛ لأنَّه ظالم معتد، والظالم المعتدي حلال الدَّم لا يجب ضمانه.\nفإنْ قُتِل المُعتدى عليه، وهو في حالة دفاعه عن نفْسه، وماله، وعرضه، فهو شهيد. قال الله -تعالى-: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيْلٍ﴾ (٣) *.\n_________\n(١) تقدَّم تحت \"باب: ماذا يفعل الإِمام إِذا جاءه من أقرَّ على نفسه بالزِّنى\".\n(٢) ما بين نجمتين من \"فقه السنة\" (٣/ ٢٥٧).\n(٣) الشورى: ٤١.","vol":"6","page":140},{"text":"وعن أبي هريرة -﵁- قال: \"جاء رجُلٌ إِلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله! أرأيتَ إِنْ جاء رجُلٌ يُريدُ أخذ مالي؟ قال: فلا تُعْطِه مالك (١). قال: أرأيتَ إِن قاتَلني؟ قال: قاتِلْه. قال: أرأيتَ إِنْ قَتَلَني؟ قال: فَأنْتَ شهيدٌ. قال: أرأيتَ إِنْ قَتَلْتُه؟ قال: هو في النَّار\" (٢).\nوفي لفظٍ لأحمد: \"أنَّه قال له أوَّلًا: انشده الله. قال: فإِن أبى؟ قال: قاتِلْه\" (٣).\nوعن عبد الله بن عمرو -﵄- قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"مَنْ قُتِل دونَ ماله فهو شهيد\" (٤).\nوعن قابوس بن مخارق عن أبيه قال: \"جاء رجل إِلى النبي - ﷺ - فقال: الرجُل يأتيني فيريد مالي؟ قال: ذكِّره بالله، قال: فإِنْ لم يذكر؟ قال: فاستعن عليه من حولك من المسلمين.\nقال: فإِنْ لم يكن حولي أحد من المسلمين؟ قال: فاستعن عليه السلطان، قال: فإِن نأى السلطان عني؟ قال: قاتل دون مالك حتى تكون من شهداء\n_________\n(١) قال شيخ الإِسلام -﵀- في \"مجموع الفتاوى\" (٣٤/ ٢٤٢): \"لكن الدفع عن المال لا يجب، بل يجوز له أن يعطيهم المال ولا يقاتلهم. وأمًا الدفع عن النَّفس ففي وجوبه قولان، هما روايتان عن أحمد\".\n(٢) أخرجه مسلم (١٤٠).\n(٣) صححه شيخنا -﵀- في \"الإرواء\" (٢٤٤٦).\n(٤) أخرجه البخاري (٢٤٨٠)، ومسلم (١٤١).","vol":"6","page":141},{"text":"الآخرة، أو تمنع مالك\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1679>دفاع الإِنسان عن غيره:</span>\nعن أنس -﵁- قال: \"كان النبي - ﷺ - أحسَنَ النَّاس، وأشْجَع النَّاس. ولقد فزِع أهل المدينة ليلة فخرجوا نحو الصَّوتِ فاسْتَقبلهم النَّبي - ﷺ - وقد استبْرأ الخبَرَ وهو على فرسٍ لأبي طلحة عُرْيٍ وفي عُنُقه السَّيفُ وهو يقول: لم تُراعوا، لم تُراعوا. ثمَّ قال: وجَدْناه بحْرًا. أو قال: إِنَّه لبحْر\" (٢).\nوعن أنس -﵁- قال: قال النبي - ﷺ -: \"انْصرْ أخاك ظالًا أو مظلومًا\" (٣).\nوعن جابر -﵁- قال: \"اقتتل غُلامان. غُلامٌ من المُهاجرين وغُلامٌ من الأنصاِر. فَنَادَى المُهاجِرُ أو المُهاجرون يَا لَلمُهاجِرين! ونادى الأنصاريُّ يا لَلأنصار!\nفَخَرَجَ رسول الله - ﷺ - فقال: ما هذا دَعْوى أهلِ الجاهليَّة؟ قالوا: لا يا رسول الله! إِلا أنَّ غُلامينِ اقْتتلا فَكَسَعَ (٤) أحدهما الآخر قال: فلا بأس. ولْينصُر الرجُلُ أخاهُ ظالمًا أوْ مظلومًا. إِنْ كانَ ظالمًا فَلْيَنْهَهُ فإِنَّه لهُ نصرٌ، وإِنْ كانَ مَظلومًا\n_________\n(١) أخرجه النسائي بسند حسن وانظر \"الإرواء\" (٨/ ٩٦).\n(٢) أخرجه البخاري (٢٩٠٨)، ومسلم (٢٣٠٧).\n(٣) أخرجه البخاري (٢٤٤٣).\n(٤) كسع: أي ضرَب دُبُره وعجيزته؛ بيدٍ أو رِجلٍ أو سيفٍ وغيره، \"نووي\".","vol":"6","page":142},{"text":"فَلْيَنْصُرْهُ\" (١).\nولا يجوز للمسلم أن يخذل أخاه أو يُسلمه.\nفعن عبد الله بن عمر -﵄- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسلِمه\" (٢).\nوفي رواية: \"المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، التقوى هاهنا التقوى هاهنا، يقول: أي: في القلب\" (٣).\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٢٥٨٤).\n(٢) أخرجه البخاري (٢٤٤٢)، ومسلم (٢٥٨٠).\n(٣) أخرجه أحمد بإِسناد حسن وانظر \"الإِرواء\" (٨/ ١٠٠).","vol":"6","page":143},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1680>الجنايات</span>","vol":"6","page":145},{"text":"الجنايات\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1681>تعريفها:</span>\nالجنايات: هي جمع جناية، مصدر من جَنَى الذنب يجنيه جناية، أي: جَرّه إِليه، وجُمعت وإِنْ كانت مصدرًا لاختلاف أنواعها، فإِنها تكون في النفس، وفي الأطراف، وتكون عمدًا وخطأً (١).\nوجاء في \"المغني\" (٩/ ٣١٨): هي كلّ فِعل عدوانٍ على نفس أو مال، لكنها في العرف مخصوصة بما يحصل فيه التعدي على الأبدان، وسمّوا الجنايات على الأموال غصبًا ونهبًا وسرقة وخيانة وإِتلافًا.\n*وقد اصطلحَ الفقهاء على تقسيم هذه الجرائم إِلى قسمين:\nالقسم الأول: ويسمّى جرائم الحدود.\nوالقسم الثاني: ويسمّى جرائم القِصاص.\nوهي الجنايات التي تقع على النفس، أو على ما دونها من جرحٍ، أو قطع عضو، وهذه هي أصول المصالح الضرورية التي يجب المحافظة عليها؛ صيانة للناس، وحِفاظًا على حياتهم الاجتماعية. وقد تقدم الكلام على جرائم الحدود وعقوباتها، وبقي أن نتكلم على جرائم القصاص* (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1682>حُرمة المسلم عند الله تعالى:</span>\nقال الله تعالى ﴿ولا تقتلوا النفس التي حرَّم الله إِلا بالحقّ﴾ (٣).\n_________\n(١) \"سبل السلام\" (٣/ ٤٣٧).\n(٢) ما بين النجمتين من \"فقه السنة\" (٣/ ٢٨٢).\n(٣) الإِسراء: ٣٣.","vol":"6","page":147},{"text":"عن أبي بكرة -﵁- ذكَر النبي - ﷺ - قعَد على بعيره وأمسكَ إِنسانٌ بخِطامه -أو زمامه- قال: أيّ يوم هذا؟ فسَكتنا حتى ظَننّا أنه سيُسمّيه سِوى اسمه.\nقال: ألَيس يوم النَحر؟ قلنا: بلى. قال فأيّ شهر هذا؟ فسكتنا حتى ظننّا أنه سيُسمِّيه بغير اسمه، فقال: أليس بذي الحجة؟ قلنا بلى.\nقال: فإنّ دِماءَكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حَرام؛ كَحُرمِة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، لِيبلغ الشاهد الغائبَ، فإن الشاهد عَسى أن يبلّغَ مَن هو أوعى له منه\" (١).\nوعن عبد الله بن مسعود -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا يحلّ دم امرئ مسلم يشهد أن لا إِله إِلا الله وأني رسول الله إِلا بإِحدى ثلاث: النفس بالنفس والثيِّب الزاني، والمفارق لدينه التارك للجماعة\" (٢).\nوعن عبد الله بن عمرو أن النبي - ﷺ - قال: \"لزوال الدنيا أهون على الله من قَتْل رجل مسلم\" (٣).\nوعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة -﵄- أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لو أن أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن؛ لأكبّهم الله في\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٧) ومسلم (١٦٧٩).\n(٢) أخرجه البخاري (٦٨٧٨) ومسلم (١٦٧٦) وتقدّم.\n(٣) أخرجه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (١١٢٦) وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢١٢١) والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٣٧٢٢) وصححه شيخنا -﵀- في \"غاية المرام\" (٤٣٩).","vol":"6","page":148},{"text":"النار\" (١).\nونظر عبد الله بن عمر -﵄- يومًا إِلى الكعبة فقال: \"ما أعظمك وأعظم حرمتك والمؤمن أعظم حرمةً منك\" (٢).\nوعن عبد الله -﵁- قال النبي الله - ﷺ -: \"أول ما يقضى بين الناس في الدماء\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1683>جزاء من سَنّ القتل:</span>\nقال الله تعالى ﴿مَن قَتَل نفسًا بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا﴾ (٤).\nقال ابن كثير -﵀- في \"تفسيره\": \"أي: ومَن قَتَل نفسًا بغير سبب؛ من قِصاص، أو فسادٍ في الأرض، واستحلّ قتْلها بلا سبب ولا جناية؛ فكأنما قتل الناس جميعًا؛ لأنه لا فرْقَ عنده بين نفسٍ ونفس\".\nوعن عبد الله قال: قال النبي - ﷺ -: \"ليس مِن نفس تُقتَل ظلمًا؛ إِلا كان\n_________\n(١) أخرجه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (١١٢٨) وصححه لغيره شيخنا -﵀- في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٢٤٤٢).\n(٢) أخرجه الترمذي وابن حبان وغيرهما وحسنه شيخنا -﵀- في \"غاية المرام\" (٤٣٥).\n(٣) أخرجه البخاري (٦٥٣٣) ومسلم (١٦٧٨).\n(٤) المائدة: ٣٢.","vol":"6","page":149},{"text":"على ابن آدم الأوّل كِفلٌ منها (١) لأنه سَنّ القتل أوّلًا\" (٢).\nوعن جرير بن عبد الله -﵁- قال: رسول الله - ﷺ - \"مَن سنَّ في الإِسلام سُنّة حسنة؛ فله أجرها وأجر مَن عمِل بها من بعده؛ مِن غير أن يَنقُص من أجورهم شيءٌ، ومَن سنَّ في الإِسلام سنّة سيئة؛ كان عليه وزرها ووزْر من عمِل بها من بعده؛ مِن غير أن يَنقُص مِن أوزارهم شيء\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1684>تحريم الانتحار وقتل المرء نفسه:</span>\nقال الله -تعالى-: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إِنّ الله كان بكم رحيمًا﴾ (٤).\nعن أبي هريرة -﵁- عن النبي - ﷺ - قال: \"مَن تَرَدّى من جبل فقتلَ نفسَه فهو في نار جهنم يتردّى فيه خالدًا مُخلدًا فيها أبدًا.\nومن تحسّى سمًا فقَتلَ نفسه فسمُّهُ في يده، يَتحساه في نار جهنم خالدًا مُخلدًا فيها أبدًا.\nومن قتل نفسه بحديدة فحديدتهُ في يده يَجأُ بِها (٥) في بطنه في نار جهنم خالدًا مُخلدًا فيها أبدًا\" (٦).\n_________\n(١) الكفل: الحظّ والنّصيب.\n(٢) أخرجه البخاري (٧٣٢١) ومسلم (١٦٧٧).\n(٣) أخرجه مسلم (١٠١٧).\n(٤) النساء: ٢٩.\n(٥) يجأ بها: أي يضرب بها.\n(٦) أخرجه البخاري (٥٧٧٨) ومسلم (١٠٩).","vol":"6","page":150},{"text":"وعن أبي هريرة -﵁- قال: قال النبي - ﷺ - \"الذي يخنق نفسه يخنقها في النار، والذي يطعنها يطعنها في النار\" (١).\nوعن جندب -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"كان فيمن كان قبلكم رجلٌ به جُرْحٌ، فجزِع فأخذ سكينًا فحزّ بها يده، فما رقأ (٢) الدم حتى مات، قال الله -تعالى-: \"بادرني عبدي بنفسه، (٣) حَرّمتُ عليه الجنة\" (٤).\nوعن ثابت بن الضحاك -﵁- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"من قَتَل نفسه بشيء في الدنيا؛ عُذّب به يوم القيامة\" (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1685>أنواع القتل</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1686>القتلُ أنواعٌ ثلاثةٌ:</span>\n١ - عمد.\n٢ - شبه عمد.\n٣ - خطأ.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٣٦٥).\n(٢) أي لم ينقطع.\n(٣) بادرني عبدي بنفسه: أي: استعجل الموت قال العينيّ -﵀- في \"عمدة القاري\": \"معنى المبادرة: عدم صبْرِه حتى يقبض الله روحه حتف أنفه، يُقال: بدرني أي سبقني: مِن بَدرت إِلي الشيء أبدُر وبدورًا إذا أسرعت، وكذلك بادرت إِليه\".\n(٤) أخرجه البخاري (١٣٦٤، ٣٤٦٣) ومسلم (١١٣).\n(٥) أخرجه البخاري (٦٠٤٧) ومسلم (١١٠).","vol":"6","page":151},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1687>القتلُ العَمْدُ </span>(١)\n\nفالقتل العمد؛ هو أن يقصد المكلَّف قتْل إِنسان معصوم الدم (٢)، بما يغلِب على الظنّ، أنه يُقتل به، ولا تتحقّق جريمة العمد؛ إِلا إِذا توفّرت الأُمور الآتية:\n١ - أن يكون القاتل عاقلًا، بالغًا، قاصدًا القتل.\nأمّا اعتبار العقل والبلوغ فلقوله - ﷺ -: \"رُفع القلم عن ثلاثة؛ عن النائم حتى يستيقظ، وعن المبتلى حتى يبرأ، وعن الصبي حتى يكبر\" (٣).\nوأمّا اعتبار العمد؛ فلحديث أبي هريرة -﵁- قال: \"قُتلَ رجل على عهد النبي - ﷺ -، فرُفع ذلك إِلى النبي - ﷺ -، فدفَعه إِلى وليِّ المقتول، فقال القاتل: يا رسول الله! والله ما أردْتُ قتْله. قال: فقال رسول الله - ﷺ - للولي: أمَا إِنه، إِنْ كان صادقًا ثُمَّ قَتَلْتَه دَخَلْتَ النار قال: فخلّى سبيله\" (٤).\nوعن ابن عباس -﵄- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" ... ومن قتل\n_________\n(١) عن \"فقه السنة\" (٣/ ٢٩٢) بتصرف وزيادة من \"المغني\" (٩/ ٣٢١).\n(٢) أي لا يستّحق القتل شَرعًا.\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٦٩٨)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٦٦٠) والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (١١٥٠)، وصححه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٢٩٧).\n(٤) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٧٧٥)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٤٤٠٣) والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (١١٣٥) وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢١٧٨).","vol":"6","page":152},{"text":"عمدًا فهو قَوَد (١) ومن حال دونه؛ فعليه لعنة الله وغضبه، لا يُقبَل منه صَرْف (٢) ولا عَدْل\" (٣).\n٢ - أن يكون المقتول آدميًا، ومعصومَ الدم أي؛ أنّ دمه غير مباح.\n٣ - أن تكون الأداة التي استُعملت في القتل، ممّا يُقْتَلُ بها غالبًا.\nفإذا لم تتوفر هذه الأركان، فإِنّ القتل لا يعد قتلًا عمدًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1688>أداةُ القتلِ ووسائله:</span>\nولا يشترط في الأداة التي يَقتلُ بها، سوى أنها ممّا تَقْتُلُ غالبًا، سواءٌ أكانت محدَّدة؛ أم متلَفة؛ لتماثلهما في إِزهاق الروح.\nقال في \"المغني\" (٩/ ٣٢١): \"فالعمد ما ضرَبَه بحديدة أو خشبة كبيرة فوق عمود الفسطاط، أو حجر كبير؛ الغالب أن يقتل مثله، أو أعاد الضرب بخشبة صغيرة أو فعل به فِعلًا الغالب من ذلك الفعل أنه يُتلِف.\nوجملة ذلك أن العمد نوعان: أحدهما أن يضربه بمحدَّد وهو ما يقطع ويدخل في البدن؛ كالسيف والسكين والسنان، وما في معناه مما يحدد؛ فيجرح من الحديد والنحاس والرصاص والذهب والفضة والزجاج والحجر والقصب والخشب.\nفهذا كله إِذا جرح به جرحًا كبيرًا فمات فهو قتْلُ عمدٍ لا خلاف فيه بين\n_________\n(١) القَوَد: القِصاص وَقَتل القاتل بدل القتيل. \"النهاية\".\n(٢) قال في \"النهاية\": \"قد تكررت هاتان اللفظتان في الحديث، فالصّرف: التوبة وقيل: النافلة، والعَدْل: الفِدْية وقيل: الفريضة\".\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٨٠٤)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢١٣١)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٤٤٥٦).","vol":"6","page":153},{"text":"العلماء -فيما علمناه-.\nفأمّا إِنْ جَرحه جرحًا صغيرًا كشَرْطة الحجّام أو غَرَزهُ بإِبرة أو شوكة نظرت؛ فإِن كان في مقتل كالعين والفؤاد والخاصرة والصدغ وأصل الأُذُن فمات؛ فهو عمد أيضًا؛ لأن الإِصابة بذلك في المقتل كالجرح بالسكين في غير المقتل\".\nوجاء في \"الشرح الكبير\" (٩/ ٣٢٠):\n١ - \" ... أن يجرحه بسكين، أو يغرزه بمسلّة، أو ما في معناه؛ ممّا يحدّد ويجرح من الحديد والنحاس والزجاج والحجر ... فهذا كله إِذا جرَح به جُرحًا كبيرًا فمات؛ فهو قتلُ عمدٍ لا اختلاف فيه بين العلماء -فيما علمناه-.\n٢ - أن يضربه بمثقل فوق عمود ... أو حجر كبير، أو يُلقي عليه حائطًا أو سقفًا، أو يُلقيه من شاهق، أو يكرّر الضرب بصغير، أو يضربه في مقتل أو في حال ضعف قُوةٍ من مرض أو صِغر أو كِبَر.\nعن أنس بن مالك -﵁- \"أن يهوديًا رضّ رأسَ جاريةٍ بين حجرين، فقيل لها: من فَعَل بك هذا؟ أفلان أفلان، حتى سُمّي اليهودي فأومأت برأسها، فجيء باليهودي فاعترف، فأمَرَ به النبيّ - ﷺ - فَرُضّ رأسُه بالحجارة\" (١).\n٣ - إِذا جمع بينه وبين أسد أو نحوه في مكان ضيِّق، أو أنهشه كلبًا أو سبعًا أو حية.\n٤ - إِذا ألقاه في ماءٍ يُغرقه، أو نار لا يمكنه التخلص منها؛ إِمّا لكثرة الماء\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٨٨٤)، ومسلم (١٦٧٢).","vol":"6","page":154},{"text":"والنار، وإِمّا لعجزه عن التخلص.\n٥ - إِذا خنقَه بحبل أو غيره، أو سدّ فمه وأنفه، أو عصر خصيته حتى مات.\n[جاء في \"مجموع الفتاوى\" (٣٤/ ١٤٤): \"عن رجلين تضاربا وتخانقا، فوقع أحدهما فمات: فما يجب عليه؟\nفأجاب: الحمد لله رب العالمين. إِذا خَنقه الخنق الذي يموت به المرء غالبًا وجب القَوَد عليه عند جمهور العلماء؛ كمالك، والشافعي، وأحمد، وصاحبي أبي حنيفة، ولو ادعى أن هذا لا يَقْتُل غالبًا لم يُقبَل منه بغير حُجّة.\nفأمّا إِن كان أحدهما قد غشي عليه بعد الخنق، ورفَسَه الآخر برِجله حتى خرج من فمه شيء فمات؛ فهذا يجب عليه القَوَد بلا ريب، فإِن هذا قاتلٌ نفسًا عمدًا؛ فيجب عليه القَوَد؛ إذا كان المقتول يكافؤه بأن يكون حُرًّا مسلمًا، فيُسَلّم إِلى ورثة المقتول؛ إِنْ شاءوا أن يقتلوه، وإنْ شاءوا عفوا عنه، وإنْ شاءوا أخذوا الدّية\".\nوفي \"مجموع الفتاوى\" (ص ١٤٤) أيضًا: \"وَسئل -﵀- عن رجلين تخاصما وتقابضا فقام واحد ونطح الآخر في أنفه، فجرى دمه، فقام الذي جرى دمه خنقه ورفسه برجله في مخاصيه فوقع ميّتًا؟\nفأجاب: يجب القَوَد على الخانق الذي رفس الآخر في أنثييه؛ فإِنّ مثل هذا الفعل قد يَقْتُل غالبًا؛ فإِنّ موته بهذا الفِعل دليل على أنه فَعل به ما يَقْتُل غالبًا؛ والفِعْل الذي يَقْتُل غالبًا يجب به القَوَد في مذهب مالك والشافعي وأحمد وصاحبي أبي حنيفه: مثل ما لو ضرَبه في أنثييه حتى مات فيجب القَوَد، ولو خنقه حتى مات وجب القَوَد، فكيف إذا اجتمعا؟!","vol":"6","page":155},{"text":"ووليّ المقتول مُخيَّر إِنْ شاء قتَل، وإِنْ شاء أخذ الدِّية، وإِنْ شاء عفا عنه؛ وليس لولي الأمر أن يأخذ من القاتل شيئًا لنفسه ولا لبيت المال؛ وإِنما الحقّ في ذلك لأولياء المقتول\"].\n٦ - إِذا حبَسه ومنعه الطعام أو الشراب؛ حتى مات جوعًا وعطشًا؛ في مُدّةٍ يموت في مِثْلها غالبًا.\n٧ - إِذا سقاه سمًّا، أو خَلطه بطعامه فأكل فمات.\nعن أنس بن مالك -﵁-: \"أنّ يهودية أَتت النبي - ﷺ - بشاةٍ مسمومة فأكل منها، فقيل: ألا نقتلها؟ قال: لا، فما زلت أعرفها في لَهواتِ (١) رسول الله - ﷺ -\" (٢).\nوفي رواية من حديث أبي سلمة -﵁-: \"أنّ رسول الله - ﷺ -، أهدَتْ له يهودية، بخيبر شاةً مصليّة ... قال: فمات بشر بن البراء بن معرور الأنصاري، فأرسل إِلى اليهودية: ما حَمَلك على الذي صَنعْت؟ فقالت: إِنْ كنتَ نبيًا لم يضرَّك وإِن لم تكن استرحنا منك. فأمَرَ بها رسول الله فقُتلت\" (٣).\n٨ - إِذا قتَلَه بسحر يقتُلُ غالبًا.\n٩ - إِذا شهد رجلان على رجل بقتل عمدٍ ... أو رِدّة، فيُقتَل بذلك، ثمّ يرجعان ويقولان: عَمَدنا قتْله.\n_________\n(١) لَهَوات: جَمْع لهاة، وهي الَّلحَماتُ في سقف أقصى الفم. \"النهاية\".\n(٢) أخرجه البخاري (٢٦١٧)، ومسلم (٢١٩٠).\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٧٨٣).","vol":"6","page":156},{"text":"وتقدم قول عليّ -﵁-: \"لو علمْتُ أنّكما تعمّدتما لقطعتُكما\" (١).\n١٠ - إِذا أمسك الرجل وقتلَه الآخر؛ يقتل الذي قَتَل ويُحبس الذي أمسَك. عن ابن عمر -﵄- قال: \"إِذا أمسَك الرجل الآخر؛ يُقتل الذي قَتَل ويُحبس الذي أمسَك\" (٢).\nقلت: ويُحمل حبْس الذي أمسَك، إِنْ كان لا يعلم إِرادة تعمُّد القتل عند صاحبه، أمّا إِن كان يعلم ذلك فإِنه شريكه.\nوقد تقدم أثر عمر -﵁- \" لو تمالأ عليه أهل صنعاء (٣) لقتَلْتُهم جميعًا\" (٤). والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1689>فائدة:</span>\nسألت شيخنا -﵀- عن جماعةٍ دخلوا على بيتٍ لقتْلِ رجل، فقتَلَ منهم دفاعًا عن نفسه.\nفأجاب -﵀-: \"لا يقال بأنه قاتل، وإِذا جاء جماعةٌ أرادوا أخْذه لاستجوابه وهو يعلم ذلك، فلا يجوز أَن يقْتُل\".\n_________\n(١) انظر كتاب \"السرقة\" (إِذا تراجع الشاهدان في الشهادة بعد إقامة الحدّ).\n(٢) أخرجه الدارقطني بإِسناد صحيح، وانظر \"هداية الرواة\" (٣٤١٥) بتحقيق شيخنا -﵀-.\n(٣) تمالأ عليه أهل صنعاء: أي تساعدوا واجتمعوا وتعاونوا. وتقدّم.\n(٤) تقدم تخريجه.","vol":"6","page":157},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1690>ماذا يترتّب على قتْل العمد</span>؟\nيترتب على قتل العمد القصاص عند وجود المكافئ.\nعن ابن عمر -﵄- عن النبي - ﷺ - قال: \"العمد قَوَد والخطأ ديَة (١) \" (٢).\n*ولا يرث القاتل من ميراث المقتول شيئًا، لا من ماله، ولا من دِيته؛ إِذا كان من ورثته، وقاعدة الفقهاء في ذلك: \"مَن استعجل الشيء قبل أوانه؛ عوقب بحرمانه\"* (٣).\nعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ليس للقاتل من الميراث شيء\" (٤).\nوفي رواية: \"ليس للقاتل شيء، وإن لم يكن له وارث، فوارثه أقرب الناس إِليه، ولا يرث القاتل شيئًا\" (٥).\nوجاء في \"مجموع الفتاوى\" (٣٤/ ١٥٣) \"وسئل -﵀- عن القاتل\n_________\n(١) أخرجه أحمد والنسائي وانظر \"الصحيحة\" (١٩٨٦).\n(٢) انظر -إن شئت- \"الروضة النديّة\" (٢/ ٦٣٩).\n(٣) ما بين نجمتين من \"فقه السنة\" (٣/ ٢٩٨).\n(٤) أخرجه البيهقي والدارقطني وغيرهم وصححه شيخنا -﵀- في \"الإرواء\" (١٦٧١).\n(٥) أخرجه البيهقي وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٨١٨)، وانظر \"الإِرواء\" (٦/ ١١٧ - ١١٨) تحت الحديث (١٦٧١).","vol":"6","page":158},{"text":"ولدَه عمدًا؛ لمن ديته؟\nفأجاب: وأمّا الوارث كالأب وغيره إذا قتَل مورثه عمدًا؛ فإِنه لا يرث شيئًا من ماله ولا ديته باتفاق الأئمّة، بل تكون ديته كسائر ماله يحرمها القاتل؛ أبًا كان أو غيره، ويرثها سائر الورثة غير القاتل\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1691>من حقّ الورثة التنازُل عن القِصاص وطلب الدية أو العفو:</span>\nإِذا تنازل الورثة عن القِصاص، فلهم طلب الدِّية.\nفعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ - \"مَن قُتِل له قتيل؛ فهو بخير النظرين: إِمّا إِن يودَى (١) وإِما إن يُقاد\" (٢).\nولهم الصُّلح على زيادةٍ في الدِّية، ولهم كذلك العفو مجّانًا -وهو الأفضل- لقول الله -تعالى-: ﴿وأَن تعفوا أقرب للتقوى ولا تَنْسَوا الفضل بينكم﴾ (٣).\nوقد قال الله -تعالى-: ﴿يا أيها الذِينَ آمنوا كُتِبَ عليكمُ القِصاص في القتلى الحُر بالحُرّ والعبدُ بالعَبْدِ والأنثَى بالأنثَى فَمَن عُفَي لهُ مِن أخيه شيء فاتباعٌ بالمعرُوف وأداءٌ إِليهِ بإِحسان ذَلك تخفيفٌ مّن ربكم ورَحمةٌ فمنِ اعتدَى بعدَ ذلكَ فَلَهُ عذابٌ أليمٌ﴾ (٤).\n_________\n(١) أي: يُعطى الدِّية.\n(٢) أخرجه البخاري (٦٨٨٠)، ومسلم (١٣٥٥).\n(٣) البقرة: ٢٣٧.\n(٤) البقرة: ١٧٨.","vol":"6","page":159},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1692>ماذا إِذا عفا أحد الورثة</span>؟\nوإِذا عفا أحد الورثة، سقط القِصاص.\nفعن زيد بن وهب أن عمر -﵁- \"أُتي برجل قَتَل قتيلًا، فجاء ورثة المقتول ليقتلوه، فقالت امرأة المقتول -وهي أخت القاتل-: قد عفوت عن حقي، فقال عمر: الله أكبر، عُتق القتيل، فأَمَر عمر لسائرهم بالدّية\" (١).\nوعن زيد بن وهب أيضًا: \"أنّ رجلًا دخل على امرأته. فوجد عندها رجلًا فقتلها، فاستعدى عليه إِخوتها عمر -﵁- فقال بعض إِخوتها: قد تصدقت فقضى لسائرهم بالدية\" (٢).\nوفي رواية: \"أنّ رجلًا قتَل امرأته، استعدى ثلاثة إِخوة لها عليه عمر بن الخطاب -﵁- فعفا أحدهم، فقال عمرُ للباقين: خذا ثلثي الدِّية؛ فإِنه لا سبيل إِلى قتله\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1693>القَتْل شبه العمْد:</span>\nشبه العمد أحد أقسام القتل، وهو: أن يقصَد ضرْبه بما لا يَقْتُلُ غالبًا، إِمّا لقصد العدوان عليه، أو لقصد التأديب له، فيسرف فيه؛ كالضربِ بالسوط والعصا والحجر الصغير والوكْز واليد.\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" وانظر \"الإرواء\" (٢٢٢٢).\n(٢) أخرجه البيهقي وابن أبي شيبة وقال شيخنا -﵀- في \"الإرواء\" (٢٢٢٥): \"وإسناده صحيح على شرط الشيخين\".\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة وقال شيخنا -﵀- في \"الإرواء\" (٢٢٢٥): \"وإسناده صحيح\".","vol":"6","page":160},{"text":"وسائر ما لا يَقْتُل غالبًا إِذا قتل؛ فهو شبه عمد؛ لأنه قصَد الضرب دون القتل، ويُسمّى عمدَ الخطأ وخطأ العمد؛ لاجتماع العمد والخطأ فيه فإِنه عَمَد الفعل وأخطأ في القتل (١).\n*ولما لم يكن عمدًا محضًا، سقط القَوَد؛ لأن الأصل صيانة الدماء، فلا تُستباح إِلا بأمر بيّن، ولما لم يكن خطأ محضًا -لأن الضرب مقصود بالفعل دون القتل- وَجَبَت فيه دِيَة مُغلظة* (٢).\nعن عبد الله بن عمرو -﵄-: أنّ النبي - ﷺ - قال: \"عَقلُ (٣) شبهِ العمد مُغَلّظ؛ مثل عقْلِ العمد، ولا يُقتَل صاحبه، وذلك أن ينزو (٤) الشيطَان بين الناس فتكون دماء في عِمّيّا (٥) في غير ضغينة (٦) ولا حمْلِ سلاح\" (٧).\n_________\n(١) \"المغني\" (٩/ ٣٣٧).\n(٢) ما بين نجمتين من \"فقه السنة\" (٣/ ٢٩٥).\n(٣) العقل: أي: الدّية وأصلُه: أنّ القاتل إِذا قَتَل قتيلًا جمَع الدِّية من الإِبل فعَقَلها بفِناء أولياء المقتول: أي: شَدّها في عُقُلها ليُسَلمها إِليهم ويَقبضُوها منه، فسُميت الدِّية عَقلًا بالمصدر. يقال عَقَل البعير يَعْقله عقلًا، وجمعُها عقُول. وكان أصل الدِّية الإِبل، ثم قُوّمت بعد ذلك بالذهب والفضة والبقر والغنم وغيرها. \"النهاية\".\n(٤) النزو: الوثوب والتسرّع إِلى الشّر؛ انظر \"النهاية\" و\"عون المعبود\" (١٢/ ٢٠٠) وسيأتي كلام الحافظ -﵀- قريبًا بإِذن الله.\n(٥) عِمّيّا: -بكسر العين والميم المشددة وتشديد الياء-: أي: في حالٍ يعمى أمْرُه، فلا يتبين قاتله ولا حالُ قتْله، فحُكمه حُكم قتيل الخطأ؛ تجب فيه الدِّية \"النهاية\" -بتصرف يسير-.\n(٦) الضغينة: الحقد والعداوة والبغضاء.\n(٧) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٨١٩)، وانظر المشكاة (٣٥٠١).","vol":"6","page":161},{"text":"جاء في \"عون المعبود\" (١٢/ ٢٠١): \"والحاصل أن قتل شبه العمد يحصل بسبب وثوب الشيطان بين الناس، فيكون القتال بينهم من غير حقد وعداوة ولا حمْل سلاح، بل في حالٍ يعمى أمره، ولا يتبين قاتله ولا حال قتله، ففي مثل هذه الصورة؛ لا يُقتَل القاتل بل عليه دِيَة مغلظة مثل دية قتل العمد\".\nوفي رواية من حديث عبد الله بن عمرو -﵄- أيضًا أنّ رسول الله - ﷺ - خطب يوم الفتح بمكة، ثم قال: \"ألا إِنّ دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1694>ماذا يترتب على قتل شِبْه العمد</span>؟\nلا يجب في قتل شبه العمد القِصاص، ويجب فيه الدية المغلّظة على العاقلة (٢).\nقال في \"المغني\" (٩/ ٣٣٧): \"فهذا لا قَوَد فيه، والدّية على العاقلة في قول أكثر أهل العلم .. \".\nمسألة: جاء في \"مجموع الفتاوى\" (٣٤/ ١٤٤) \"وَسئلَ -﵀- عمن ضرب رجلًا ضربة فمكث زمانًا ثمّ مات، والمدة التي مكث فيها كان ضعيفًا من الضربة: ما الذي يجب عليه؟\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٨٠٧)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢١٢٧)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٤٤٥٨)، وصححه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٢١٩٧).\n(٢) انظر \"الروضة\" (٢/ ٦٣٩).","vol":"6","page":162},{"text":"فأجاب: الحمد لله رب العالمين. إِذا ضربه عدوانًا فهذا شبه عمد فيه دية مغلظة، ولا قَوَد فيه، وهذا إِن لم يكن موته من الضربة. والله أعلم\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1695>القتل الخطأ </span>(١):\nهو أن لا يقصد ضربه، وإِنما قصَد غيره فأصابه، أو أن يفعل ما يجوز له ويُباح؛ كأن يحفر بئرًا؛ فيتردّى فيه إِنسان، أو أن يرمي الصيد، أو يفعل ما يجوز له قتْله فيؤول إِلى قتْل آدمي، فلا قَوَد عليه ولا قِصاص، وإِنما تجب الدية مخفّفة؛ كما سيأتي -إِن شاء الله تعالى-.\nقال ابن المنذر: \"أجمع كلُّ من نحفظ عنه مِن أهل العلم؛ أن القتل الخطأ؛ أنْ يرمي الرامي شيئًا؛ فيصيب غيره، لا أعلمهم يختلفون فيه.\nهذا قول عمر بن عبد العزيز وقتادة والنخعي والزهري وابن شبرمة والثوري ومالك والشافعي وأصحاب الرأي.\nفهذا الضرب من الخطأ تجب به الدية على العاقلة والكفّارة في مال القاتل بغير خلاف نعلمه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1696>ماذا يترتب على قتل الخطأ</span>؟\nتجب الدّية مخفّفة على العاقلة (٢) والكفّارة في مال القاتل، وهي عتق\n_________\n(١) ملتقط من \"المغني\" (٩/ ٣٣٨) و\"الروضة الندية\" (٢/ ٦٣٩).\n(٢) قال في \"النهاية\": \"والعاقلة: هي العَصَبة والأقارب مِن قِبل الأب الذين يُعْطُون ديَةَ قتيل الخطأ ... وأصلها اسم فاعلة من العقل، وهي مِن الصّفات الغالبة\".\nوقال الحافظ -﵀- في \"الفتح\" (١٢/ ٢٤٦): \"العاقلة: بكسر القاف جمع =","vol":"6","page":163},{"text":"رقبة مؤمنة فإِن لم يجد فصيام شهرين متتابعين.\nوالأصل في وجوب الدِّية والكفّارة قول الله -تعالى-: ﴿ومن قَتَل مؤمنًا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة وديِةٌ مُسلَّمة إِلى أهله إِلا أن يصّدقوا﴾ وسواء كان المقتول مسلمًا أو كافرًا له عهد لقول الله -تعالى-: المتقدّم ﴿وإِن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدِيَةٌ مسلَّمة إِلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة﴾.\nولا قِصاص في شيء من هذا لأن الله -تعالى- أوجب به الدية ولم يذكر قصاصًا.\nوقال النبي - ﷺ -: \"إِنّ الله وضَع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكرهوا\n_________\n= عاقل وهو دافع الدية، وسُمّيت الدية عقلًا تسميةً بالمصدر؛ لأن الإِبل كانت تُعْقَل بفناء ولي القتيل، ثم كثر الاستعمال حتى أطلق العقل على الدية ولو لم تكن إِبلًا.\nوعاقلة الرجل قرابته من قبل الأب، وهم عصبته، وهم الذين كانوا يعقلون الإِبل على باب ولي المقتول، وتَحمُّل العاقلة الدية ثابت بالسنة، وأجمع أهل العلم على ذلك، وهو مخالف لظاهر قوله: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ لكنه خُصّ من عمومها، ذلك لما فيه من المصلحة؛ لأن القاتل لو أُخِذ بالدية لأوشك أن تأتي على جميع ماله، لأن تتابع الخطأ منه لا يؤمَن، ولو تُرك بغير تغريم لأهدر دم المقتول.\nقلت: [أي: الحافظ -رحمه الله تعالى-] ويحتمل أن يكون السر فيه أنه لو أفرد بالتغريم حتى يفتقر لآل الأمر إِلى الإِهدار بعد الافتقار، فجعل على عاقلته؛ لأن احتمال فقر الواحد أكثر من احتمال فقر الجماعة، ولأنه إذا تكرر ذلك منه كان تحذيره من العود إِلى مثل ذلك من جماعة أدعى إِلى القَبول؛ من تحذيره نفسه والعلم عند الله -تعالى-. وعاقلة الرجل عشيرته، فيبدأ بفخذه الأدنى فإِن عجزوا ضم إِليهم الأقرب إِليهم وهي على الرجال الأحرار البالغين أُولي اليسار منهم\".","vol":"6","page":164},{"text":"عليه\" (١). ولأنه لم يوجب القِصاص في عمد الخطأ ففي الخطأ أولى (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1697>فائدة:</span>\nجاء في \"مجموع الفتاوى\" (٣٤/ ١٧٠): \"وإِذا ماتَ منْ عليه الكفّارة ولم يُكفّر، فليُطعم عنه وليّه ستّين مِسكينًا فإِنّه بدلُ الصيام الذي عَجزت عنه قوتُه، فإِذا أَطعَم عنه في صيام رمضان فهذا أولى.\nوالمرأة إِنْ صامت شهرين متتابعين؛ لم يَقْطَع الحيضُ تتابُعَها، بل تَبني بعد الطهر باتفاق الأئمِّة، والله أعلم\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1698>عمْد الصبيّ والمجنون خطأ تحمله العاقلة:</span>\nجاء في \"الغني\" (٩/ ٥٠٤): \"عمْد الصبيّ والمجنون خطأ تحمله العاقلة، وقال الشافعي في أحد قوليه: لا تحمله؛ لأنه عمد يجوز تأديبهما عليه، فأشبه القتل مِن البالغ.\nولنا أنه لا يتحقق منهما كمال القصد فتحمله العاقلة كشبه العمد، ولأنه قتْلٌ لا يوجب القِصاص لأجل العذر، فأشبه الخطأ وشبه العمد، وبهذا فارَقَ ما ذكروه ويبطُل ما ذكروه بشبه العمد\".\nقلت: والذي جاء في \"المغني\" هو الأرجح، وتعليله أقرب للنُّصوص المتصلة بالموضوع. والله -تعالى- أعلم.\nوجاء في \"مجموع الفتاوى\" (٣٤/ ١٥٨): \"وسُئل -﵀- تعالى\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٦٦٤)، وصححه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٨٢).\n(٢) انظر \"المغني\" (٩/ ٣٣٨) -بتصرف- وانظر \"الروضة الندية\" (٢/ ٦٥٢).","vol":"6","page":165},{"text":"عن صبيّ دون البلوغ جنى جناية يجب عليه فيها دِية؛ مثل أن يَكسر سنَّا، أو يَفقأ عينًا، ونحو ذلك خطأ؛ فهل لأولياء ذلك أن يأخذوا دِيَة الجناية من أبي الصبيّ وحده إِنْ كان موسرًا؟ أم يطلبوها من عمّ الصبي أو ابن عمّه؟\nفأجاب: الحمد لله. أمّا إِذا فَعل ذلك خطأ؛ فديته على عاقلته بلا ريب؛ كالبالغ وأولى.\nوإِنْ فَعَل عمدًا فعمدُه خطأ عند الجمهور: كأبي حنيفة، ومالك وأحمد في المشهور عنه، والشافعي في أحد قوليه، وفي القول الآخر عنه وعن أحمد أنّ عمده إِذا كان غير بالغ في ماله\".\nوفيه (ص ١٥٩): \"والذي تحمله العاقلة بالاتفاق ما كان فوق ثُلث الدية، مِثْل قلْع العين، فإِنّه يجب فيه نصف الدِّية. وأمّا دون الثلث، كدِيَة السن؛ وهو نصف عشر الديَة، ودِيَة الأصبع، هي عشر الديَة\" (١).\n_________\n(١) انظر تتمّة كلامه للمزيد من الفائدة ومعرفة رأي الأئمة الأربعة -﵏ أجمعين-.","vol":"6","page":166},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1699>القِصاص</span>","vol":"6","page":167},{"text":"القِصاص\nالقصاص من قولِكَ: قَصَصْتُ الأثَرَ، وأقْصَصتُه: إِذا اتَّبعْتَه، قال الله -تعالى-: ﴿وقَاَلَتْ لأختِه قُصِّيهِ﴾ (١) أي: اتْبَعِي أثَره.\nوقال في قصة موسى -﵇- وفتاهُ: ﴿فَارتدا عَلَى آثارِهما قَصَصًا﴾ (٢) كذلك القِصاص إِنِّما هو سُلوكُ مِثْل الطَّريقةِ التي فَعَلها الجارِحُ، لأنه يُؤتَى إِليه مثلَ ما أتَاَه هو (٣).\nوجاء في كتاب \"التعريفات\": \"هو أن يُفعل بالفاعل مثل ما فَعَل\".\nوفي \"طِلبة الطَّلَبَة\": \"القتل بإِزَاءِ القتلِ، وإِتْلاف الطَّرف بإِزَاءِ إِتْلاف الطَّرف.\nوقد اقتصَّ وليُّ المقتولِ من القاتلِ: أي: اسْتَوفَى قِصاصَهُ. وأقصَّه السّلطانُ منَ القَاتِل؛ أي: أوفَاه قصاصهُ، وهو من قولِكَ قصَّ الأَثرَ، واقْتَصَّه: أي: اتَّبَعَهُ، وقصَّ الحديث واقتصَّه؛ أي: رَوَاه على جهتِه، وهو كذلكَ أيضًا، أي: من الاتَّباع ... \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1700>شروط القِصاص </span>(٤):\n١ - أن يكون الجاني مُكلَّفًا، فأمّا الصبيّ والمجنون فلا قِصاص عليهما، لا\n_________\n(١) القصص: ١١.\n(٢) الكهف: ٦٤.\n(٣) انظر \"حلية الفقهاء\".\n(٤) ملتقط من \"الشرح الكبير\" (٩/ ٣٥٠) و\"فقه السنة\" (٣/ ٣٠١) بزيادة وتصرف.","vol":"6","page":169},{"text":"خلاف بين أهل العِلم؛ في أنه لا قِصاص على الصبيّ والمجنون، وكذلك كلُّ زائل العقل بسببٍ يُعذر فيه كالنائم؛ لقول - ﷺ -: \"رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل\" (١).\nولأنّ القِصاص عقوبة مغلّظة؛ فلم تجب على الصبيّ وزائل العقل كالحدود ولأنهم ليس لهم قصدٌ صحيح، فهم كالقاتل خطأً.\nوإِذا كان المجنون يزول عنه جنونه أحيانًا، فقَتل اقتصّ منه، وإِذا شرب رجلٌ شيئًا ظنّه غير مسكر، فزال عقله فقَتل في هذه الحال، فلا قِصاص عليه.\n٢ - أن يكون المقتول معصومًا؛ فلا يجب القِصاص بقتلِ حربيّ؛ ولا يجب بقتله؛ ديَة ولا كفارة، وكذا الزاني المحصَن أو المرتد.\nعن ابن مسعود -﵁- أن رسول الله قال: \"لا يحلّ دم امرئ مسلم يشهد أن لا إِله إِلا الله وأني رسول الله إِلا بإِحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيِّب الزانى، والمفارق لدينه التارك للجماعة\" (٢).\nوعن ابن عباس -﵄- أنّ أعمى كانت له أمّ ولد، تشتم النبيَّ - ﷺ -، وتقَع فيه، فينهاها فلا تنتهي، ويزجرها فلا تنزجر.\nقال: فلمّا كانت ذات ليلة جَعَلت تقع في النبي - ﷺ - وتشتمه، فأخذ\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٧٠٣)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٦٦١) وغيرهما، وانظر \"الإِرواء\" (٢٩٧). وتقدّم.\n(٢) أخرجه البخاري (٦٨٧٨)، مسلم (١٦٧٦) وتقدّم.","vol":"6","page":170},{"text":"المِغْوَل (١) فوضعه في بطنها، واتكأ عليها فقتَلها، فوقع بين رجليها طفل، فلطخت ما هناك بالدم.\nفلمّا أصبح ذُكِر ذلك لرسول الله - ﷺ -، فجمَع الناس فقال: أنشد الله رجلًا فَعل ما فَعل لي عليه حقّ، إِلا قام.\nفقام الأعمى يتخطى الناس، وهو يتزلزل حتى قَعد بين يدي النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله! أنا صاحبها، كانت تشتمك وتقع فيك فأنهاها فلا تنتهي، وأزجرها فلا تنزجر، ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين، وكانت بي رفيقة، فلمّا كانت البارحة جَعَلت تشتمك وتقع فيك، فأخذتُ المِغْوَل فوضعْتُه في بطنها، واتكأت عليها حتى قتلْتُها، فقال النبي - ﷺ -: ألا اشهدوا أنّ دمها هدر\" (٢).\n٣ - أن يكون المجنيَّ عليه مسلمًا، فلا يُقتل مؤمن بكافر.\nعن أبي جُحَيفةَ قال: \"سألت عليًا -﵁-: هل عندكم شيء ما ليس في القرآن -وقال مُرة: ما ليس عند الناس- فقال: والذي فلقَ الحبَّةَ وبَرأ النَّسمةَ (٣)، ما عندَنا إِلا ما في القرآن -إِلا فَهْمًا يُعطَى رجلٌ في كتابه- وما في الصحيفة.\nقلتُ: وما في الصحيفة؟ قال: العقلُ، وفكاكُ الأسير، وأن لا يُقتل مسلمٌ\n_________\n(١) المِغْوَل: شبه سيف قصير، يشتمل به الرجل تحت ثيابه فيغطّيه، وقيل هو حديدة دقيقة لها حَدٌّ ماضٍ، وقيل هو سوط في جوفه سيف دقيق يشده الفاتك على وسطه ليغتال به الناس. \"النهاية\".\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٦٦٥)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٣٧٩٤)، وتقدّم.\n(٣) النسمة: أي خَلَقَ ذات الرُّوح. \"النهاية\".","vol":"6","page":171},{"text":"بكافر\" (١).\nوعن علي -﵁- أن رسول الله - ﷺ - قال: \"ألا لا يُقتل مؤمن بكافر\" (٢).\nوقد اختلف العلماء هل يُقتل الحُرّ بالعبد؛ والراجح أنه يُقتل لقوله -تعالى-: ﴿وكَتَبْنا عليهم فيها أنّ النفسَ بالنفس﴾ (٣).\nولقوله - ﷺ -: \"المسلمون تتكافأ (٤) دماؤُهم ويسعى بذمّتهم أدناهم\" (٥).\nقال الإِمام الطبري -﵀- فإِن قال قائل: فإِنه -تعالى-: ذكْره قال: ﴿كُتِبَ عليكم القِصاص في القتلى الحرُّ بالحرِّ والعبدُ بالعبَدِ والأنثى بالأنثى﴾ فما لنا أن نقتصّ للحرّ إِلا من الحرّ، ولا للأنثى إِلا من الأنثى؟\nقيل: بل لنا أن نقتصّ للحرّ من العبد وللأنثى من الذَّكر، بقول الله -تعالى- ذكْره: ﴿وَمَن قُتلَ مَظْلُومًا فَقَد جَعَلنا لوليّه سُلطَانًا﴾ (٦).\nوبالنقل المستفيَض عن رسول اللهَ - ﷺ - أنّه قال: \"المسلمون تتكافأ دماؤُهم\".\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٩٠٣).\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٧٩٧)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢١٥٣) والنسائي، \"صحيح سنن النسائي\" (٤٤١٢)، وصححه شيخنا - ﵀ - في \"الإرواء\" (٢٢٠٨).\n(٣) المائدة: ٥.\n(٤) تتكافأ: تتساوى في القصاص والدِّيات. \"النهاية\".\n(٥) أخرجه أحمد وأبو داود وغيرهما، وصححه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٢٢٠٨).\n(٦) الإِسراء: ٣٣.","vol":"6","page":172},{"text":"وقال: فإِنْ قال ذلك، فما وجه تأويل هذه الآية؟\nقيل: اختلف أهل التأويل في ذلك، فقال بعضهم: نَزَلت هذه الآية في قوم كانوا إِذا قَتَل الرجُل منهم عبدَ قومٍ آخرين؛ لم يرضوا مِنْ قتيلهم بدم قاتله؛ من أجل أنه عبد حتى يَقتُلوا به سيده.\nوإذا قَتَلَت المرأة من غيرهم رجلًا لم يرضوا من دم صاحبها بالمرأة القاتلة، حتى يقتلوا رجلًا من رهط المرأة وعشيرتها، فأنزل الله هذه الآية، فأعلمهم أن الذي فَرَض لهم من القِصاص أن يقتلوا بالرجل الرجل القاتل دون غيره، وبالأنثى الأنثى القاتلة دون غيرها من الرجال، وبالعبد العبد القاتلَ دون غيره من الأحرار، فنهاهم أن يتعدُّوا القاتلَ إِلى غيره في القِصاص\".\nثم ذكر -رحمه الله تعالى- عددًا من الآثار في ذلك، وذكَر وجوهًا أُخرى ومناسبات عديدة ساقها بإسناده ثم قال -﵀-: \" .. وقد تظاهرت الأخبار عن رسول الله - ﷺ - بالنقل العام؛ أنّ نفس الرجل قَوَدٌ قِصاصًا بنفس المرأة الحرة\".\nثم قال -﵀-: \"وإِذا كان كذلك؛ كان بيِّنًا بذلك؛ أنه لم يُرَدْ بقوله -تعالى-: ذِكْره: ﴿الحرّ بالحرِّ والعبدُ بالعبدِ والأنثى بالأنثى﴾ أن لا يقادَ العبد بالحرّ، وأن لا تُقتَل الأنثى بالذكر، ولا الذكر بالأنثى ... \" انتهى.\nقلت: أمّا حديث: \"لا يُقاد مملوك من مالكه\" فإِنه لا يثبُت، وانظر تفصيل ذلك في \"الإِرواء\" (٧/ ٢٧٠).\nوكذا أثرُ علي -﵁-: \"من السُّنة أن لا يُقتل حُرٌّ بعبد\" فهو ضعيف جدًا، وانظر \"الإِرواء\" أيضًا (٢٢١١).","vol":"6","page":173},{"text":"وفي \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٧٨٨) عن الحسن قال: \"لا يُقاد الحر بالعبد\" وهو صحيح مقطوع، ولا حُجّة فيه، كما لا يخفى على أهل العلم. والله -تعالى- أعلم.\nأقول: أمّا أن يقاد الرجل بالمرأة والعكس؛ ففيه عدد من الأدلة؛ إِضافة إِلى النصوص العامة المتقدمة.\nقال البخاري -﵀- \"باب القصاص بَيْن الرِّجالِ والنِّساءِ في الجرَاحَاتِ\" وقال أهل العلمِ: يُقْتَل الرجل بالمرأة.\nثم قال: ويذكَر عن عمر: \"تُقادُ المرأة مِنَ الرَّجُلِ في كل عمدٍ يَبْلُغُ نفسه فما دونها مِنَ الجراحِ\" (١).\nوبهِ قال عُمر بن عبدِ العَزيز وإِبْرَاهيمُ وأبو الزِّنادِ عَن أصحَابه (٢).\nوَجَرَحتْ أخْتُ الرُّبيع إِنسانًا فقالَ النبيُّ - ﷺ -: \"القِصاصُ\" (٣).\n_________\n(١) وصله سعيد بن منصور من طريق النخعي، قال: كان فيما جاء به عروة البارقي إِلى شريح من عند عمر قال: جرح الرجال والنساء والأثر به سواء. وسنده صحيح، وانظر \"مختصر البخاري\" (٤/ ٢٢٤).\n(٢) أما أثر عمر؛ فوصَله ابن أبي شيبه بسند صحيح عنه نحوه، وأما أثر إِبراهيم؛ وهو النخعي؛ فتقدم في أثر عمر الذي قبله، وأما أثر أبي الزناد؛ فوصله البيهقي بسند جيد عنه، \"المصدر نفسه\".\n(٣) وصله مسلم في \"صحيحه\" قال شيخنا -﵀- في \"مختصر البخاري\" (٤/ ٢٢٤) والراجح: \"أن هذه القصة هي غير قصة الربيع نفسها المتقدمة في \"الصلح\" (ج٢/برقم ١٢١٣) [أي في \"صحيح البخاري\"] لتغايرهما من وجوه\" انتهى.\nولعلها القصة نفسها انظر \"صحيح النسائي\" برقم (٤٤٢٨) من حديث أنس أن أُخت الرّبيع أم حارثة جرحت إِنسانًا؛ فاختصموا إلى النبي - ﷺ -، وساق الحديث نفسه.","vol":"6","page":174},{"text":"٤ - أن لا يكون أبًا للمقتول ولا أُمًّا؛ فلا يُقتَل الوالد بولده ولا الأمّ بولدها.\nعن عمر بن الخطاب -﵁- قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"لا يقاد الوالد بالولد\" (١).\nوعن عمرو بن شعيب أنّ أبا قتادة، رجل من بني مُدْلِج، قَتَل ابنه، فأخذ منه عمر مائة من الإبل، ثلاثين حِقّة (٢)، وثلاثين جَذَعَة (٣)، وأربعين خَلِفَةً (٤).\nفقال: أين أخو المقتول؟ سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"ليس لقاتلٍ ميراث\" (٥).\nوأما الأمّ فلأنها أولى بالبِرّ كما قال بعض العلماء؛ فلا قِصاص عليها في قَتْل ولدها.\nوفي هذه الحالة يدفع الأب الدية للورثة، ويُستثنى هو منها، وكذا الأمّ تدفع الديَة إِنْ قتلت، وتُستثنى منها؛ فلا تأخُذ شيئًا.\n_________\n(١) أخرجه أحمد وابن أبي شيبة والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (١١٢٩)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢١٥٧) وغيرهم، وصححه شيخنا -﵀- في \"الإرواء\" (٢٢١٤).\n(٢) حِقّة: هو من الإِبل ما دخل في السّنة الرابعة إلى آخرها، وسُميَ بذلك؛ لأنه استحق الركوب والتحميل. \"النهاية\".\n(٣) جَذَعَة: أصل الجذع من أسنان الدوابّ، وهو ما كان منها شابًا فتيًّا. وهو في الإبل ما دخل السنة الخامسة. \"النهاية\".\n(٤) خَلِفَةً: الحامل من النُّوق، وقد خَلِفت: إذا حَملت. \"النهاية\".\n(٥) أخرجه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢١٤١)، وانظر \"الإِرواء\" (١٦٧٠، ١٦٧١).","vol":"6","page":175},{"text":"عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: \"نُحِلت لرجل من بني مدلج جارية، فأصاب منها ابنًا، فكان يستخدمها، فلما شبّ الغلام دعاها يومًا، فقال: اصنعي كذا وكذا، فقال: لا تأتيك، حتى متى تستأمي أمي (١)؟!\nقال: فغضب، فحذفَه بسيفه، فأصاب رجله، فنزف الغلام فمات.\nفانطلق في رهطٍ من قومه إِلى عمر -﵁- فقال: يا عدو نفسه أنت الذي قتلت ابنك؟! لولا أنيّ سمْعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"لا يقاد الأب من ابنه\" لقتلتك، هلم دِيَته.\nقال فأتاه بعشرين أو ثلاثين ومائة بعير، قال: فخيّر منها مائة، فدفَعهَا إِلى ورثته، وتَرَك أباه\" (٢).\n٥ - أن يكون القاتل مختارًا فإِنّ الإِكراه يسلبه الإِرادة، ولا مسؤولية على من فقَد إِرادته.\nوقد تقدَّم هذا في أكثر من مسألة، وإِذا أَمَر مكلّفٌ غيرَ مكلفٍ بأن يقتل غيره، مثل الصغير والمجنون، فالقِصاص على الآخر، لأن المباشِر للقتل آلة في يده، فلا يجب القِصاص عليه، وإِنّما يجب على المتسبب.\n_________\n(١) تستأمي أمي: أي: تسترقّها.\n(٢) أخرجه ابن الجارود والبيهقي بهذا التمام، والدارقطني من طُرُق، وقال شيخنا -﵀-: \"وهذا إِسناد جيد، رجاله كلهم ثقات، وفي عمرو بن أبي قيس كلام يسير لا ينزل حديثه عن رتبة الحسن. وقد ذكر الحافظ الزيلعي عن البيهقي أنّه قال: \"وهذا إِسنادٌ صحيح\" ولعلّ هذا في كتابه \"المعرفة\" فإِنّي لم أره في \"السنن\".\nوقال الحافظ في \"التلخيص\": وصحح البيهقي سنده؛ لأنّ رواته ثقات. وانظر \"الإِرواء\" (٧/ ٢٦٩).","vol":"6","page":176},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1701>الجماعة تُقتَل بالواحد:</span>\nعن سعيد بن المسيب: \"أنّ عمر بن الخطاب -﵁- قتَل نفرًا: خمسة أو سبعة؛ برجلٍ واحدٍ قتلوه قتل غيلة (١)، وقال: \"لو تمالأ عليه أهل صنعاء (٢) لَقَتْلتهم جميعًا\" (٣).\nجاء في \"مجموع الفتاوى\" (٣٤/ ١٩٠): \"وسئل -رحمه الله تعالى- عن جماعة اشتركوا في قَتْل رجل، وله وَرَثة صغار وكبار؛ فهل لأولاده الكبار أن يقتلوهم؛ أم لا؟ وإِذا وافَق وليّ الصغار -الحاكم أو غيره- على القتل مع الكبار: فهل يُقتَلون، أم لا؟\nفأجاب: إِذا اشتركوا في قتْله؛ وجب القَوَد على جميعهم باتفاق الأئمة الأربعة، وللوَرَثة أن يقتلوا، ولهم أن يعفوا.\nفإِذا اتفق الكبار من الورَثة على قتْلهم فلهم ذلك عند أكثر العلماء: كأبي حنيفة، ومالك، وأحمد في إِحدى الروايتين.\nوكذا إِذا وافق وليّ الصغار الحاكم أو غيره على القتل مع الكبار؛ فيُقتلون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1702>ثبوت القِصاص:</span>\nويثبت القِصاص بالآتي:\n١ - الإِقرار: عن وائل بن حجر -﵁- قال: \"إِني لقاعِدٌ مع النبي\n_________\n(١) غيلة: أي في خُفيةٍ واغتيال، وهو أن يُخدع ويُقتل في موضع لا يراه فيه أحد. \"النهاية\".\n(٢) تمالأ عليه أهل صنعاء: أي تساعدوا واجتمعوا وتعاونوا. \"النهاية\"، وتقدّم.\n(٣) أخرجه مالك في \"الموطأ\" والشافعي والبيهقي وغيرهم، وصححه شيخنا - ﵀- في \"الإِرواء\" (٢٢٠١)، وتقدّم.","vol":"6","page":177},{"text":"- ﷺ - إِذا جاء رَجُلٌ يَقُودُ آخرَ بِنِسْعَةٍ (١). فقال: يا رسول الله هذا قَتَل أخي. فقال رسول الله - ﷺ - أقَتَلْتَهُ؟ فقال: إِنَّه لَوْ لَمْ يعترِف أقمْتُ عَلَيْه البَيّنةَ قال: نعم قَتَلْتُهُ.\nقال: كيف قَتَلْتَهُ؟ قال: كنت أنا وهو نَختَبط (٢) من شجَرَةٍ. فسَبَّني فأغَضَبني. فضرَبتُهُ بالفأس على قرْنِهِ (٣) فقتلته.\nفقال له النبي - ﷺ - هل لك مِنْ شَيءٍ تُؤدِّيه عَنْ نفسِك؟ قال: ما لي مَالٌ إلاَّ كِسائي وفأسي.\nقال: فَتَرى قومَك يشْتَرُونَكَ؟ قال: أنا أهْونُ على قومي من ذاك. فرمى إِليه بِنِسعَته. وقال: دُونَكَ صَاحبَكَ.\nفانطلَقَ به الرَّجل، فلما ولّى قال رسول الله - ﷺ -: إِنْ قَتَلَهُ فَهو مِثْلُهُ، فَرَجَع فقال: يا رسول الله إِنَّه بَلَغني أنّكَ قُلتَ: إِنْ قَتَلَهُ فَهُو مِثْلُهُ، وأَخَذتُه بِأمرِكَ.\nفقال رسول الله - ﷺ - أمَا تُريد أن يَبُوء بإِثمِك وإِثمِ صَاحبِك؟ قال: يا نبي الله! بَلَى، قال: فإِنَّ ذَاك كَذاكَ قالَ: فَرَمى بِنِسْعَتهِ وخَلّى سَبيله\" (٤).\nولعله لم يُرد قتْله، لحديث أبي هريرة -﵁- قال: \"قُتِل رجل\n_________\n(١) النِّسعة: حبل من جلود مضفورة.\n(٢) نختبط: أي نجمع الخبط -وهو ورق الثمر- بأن يضرب الشجر بالعصا فيسقط ورقه فيجمعه علفًا \"شرح النووي\".\n(٣) قرنه: جانب رأسه.\n(٤) أخرجه مسلم (١٦٨٠).","vol":"6","page":178},{"text":"على عهد النبي - ﷺ -، فرُفع ذلك إلى النبي - ﷺ -، فدفعَه إِلى ولي المقتول، فقال القاتل: يا رسول الله والله ما أردْتُ قتْله.\nقال: فقال رسول الله للولي: أمَا إِنه، إِنْ كان صادقًا ثمَّ قَتَلْتَهُ دَخَلْتَ النَّار قال: فخلَّى سبيله\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1703>ويُسأَل القاتل حتى يُقرّ:</span>\nقال الإِمام البخاري -﵀-: \"باب سؤال القاتل حتى يُقرّ، والإِقرار في الحدود\".\nثم ذكر حديث أنس بن مالك -﵁-: \"أن يهوديًا رَضّ رأس جارية بين حَجَرين، فقيلَ لها مَن فعَل بك هذا؟ أفلان أو فلان؟ حتى سُمِّيَ اليهودي، فأَتى به النبي - ﷺ -، فلم يَزَل به حتى أقرّ، فرُضّ رأسه بالحجارة\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1704>وإِذا أقرّ بالقتل مرّة واحدة قتل به </span>(٣).\nللحديث السابق (٤) وفيه: \"فجيء باليهودي فاعترف\".\nفإِنّه لم يذكُر فيه عددًا والأصل عدمه (٥).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٧٧٥)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (١١٣٥)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢١٧٨) والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٤٤٠٣) وتقدّم.\n(٢) أخرجه البخاري (٦٨٧٦)، ومسلم (١٦٧٢) وتقدّم.\n(٣) هذا العنوان من \"صحيح البخاري\" \"كتاب الديات\" (باب - ١٢).\n(٤) وقد ذكر الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- هذا الحديث تحت الباب السابق.\n(٥) انظر \"الفتح\" (١٢/ ٢١٣).","vol":"6","page":179},{"text":"٢ - يثبت (١) بشهادة رجلين عدلين.\nعن رافع بن خديج قال: \"أصبح رجل من الأنصار مقتولًا بخيبر، فانطلق أولياؤه إِلى النبي - ﷺ -، فذكروا ذلك له، فقال: لَكمْ شاهِدان يَشهدَان على قَتْل صاحبكم؟\nقالوا: يا رسول الله، لم يكن ثَمّ أحدٌ من المسلمين، وإِنما هم يهود، وقد يجترئون على أعظم من هذا.\nقال: فَاخْتارُوا مِنْهم خَمسِين فاستحلفوهم فأبوا، فوداه (٢) النبي - ﷺ - من عنده\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1705>استيفاء القِصاص </span>(٤):\nويُشترط لاستيفاء القِصاص ثلاثة شروط:\n١ - أن يكون من يستحقّه مُكَلّفًا، فإِنْ كان صبيًّا أو مجنونًا لم يَجُز استيفاؤه، ويُحبَس القاتل حتى يبلغ الصبيّ، ويعقل المجنون -إِذا أمكن ذلك-.\n٢ - أن يتفق أولياء الدم جميعًا على استيفائه، وليس لبعضهم الاستيفاء دون بعض، وإِنْ عفا بعضهم سقط القِصاص؛ كما تقدَّم.\n_________\n(١) أي القِصاص.\n(٢) وداه: أي أعطى ديِتَه. \"النهاية\".\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٧٩٣) وأصْل القصّة في \"الصحيحين\".\n(٤) \"الشرح الكبير\" (٩/ ٣٨٣) -بتصرف وزيادة-.","vol":"6","page":180},{"text":"٣ - أن يُؤمَن في استيفاء القِصاص التَّعدّي إِلى غير القاتل، فلو وجب القِصاص على حامل، أو حَمَلت بعد وجوبه، لم تُقتَل حتى تضع الولد وتسقِيه اللبأ -وهو أوّل اللّبن عند الولادة (١).\nوقد قال الله -تعالى-: ﴿فلا يُسرف في القتل﴾ (٢) وقتل ما في بطن الحامل منَ الإِسراف في القتل.\nعن بريدة -﵁- قال: \"جاءت امرأة من غامد من الأزد، فقالت: يا رسول الله! طهرني. فقال: ويحكِ! ارجعي فاستغفري الله وتوبي إِليه. فقالت: أراك تُريد أن تُرَدِّدَني كما ردّدْت ماعز بن مالك.\nقال: وما ذاك؟ قالت: إِنها حُبلى من الزنى، فقال: آنتِ؟ قالت: نعم، فقال لها: حتّى تضعي ما في بطنك.\nقال: فكَفَلهَا رجل من الأنصار حتّى وضعت، قال: فأتى النّبيّ - ﷺ - فقال: قد وضعت الغامدّية. فقال: إِذًا لا نرجمها وندَع ولدها صغيرًا ليس له من يرضعه.\nفقام رجل من الأنصار فقال: إِليّ رَضاعه يا نبي الله قال: فرجَمها\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1706>بمَ يكون القِصاص </span>(٤)؟\nالأصل في القصاص، أن يُقتَل القاتل بالطريقة التي قتَل بها؛ لأنّ ذلك\n_________\n(١) انظر \"لسان العرب\".\n(٢) الإسراء: ٣٣.\n(٣) أخرجه مسلم (١٦٩٥) وتقدّم.\n(٤) عن \"فقه السنة\" (٣/ ٣١٣) -بتصرف وزيادة-.","vol":"6","page":181},{"text":"مُقْتَضى المماثلة والمساواة. إِلا أن يطول تعذيبه بذلك، فيكون السيف له أروح، ولأنّ الله -تعالى- يقول: ﴿فمن اعتدى عَلَيْكم فاعْتَدوا عَلَيه بمِثْل ما اعْتَدى عَلَيْكُم﴾ (١).\nويقول -تعالى-: ﴿وإِنْ عاقبتُم فعاقِبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتُم لهو خيرٌ للصابرين﴾ (٢) وقد رجّح الجمهور أن القاتل يُقتَل بما قتَل به، وتمسّكوا بالآيتين السابقتين (٣).\nقال ابن كثير -﵀- في \"تفسيره\": \"يأمر -تعالى- بالعدل والاقتصاد والمماثلة في استيفاء الحق .. \".\nوقال -تعالى-: ﴿وجزاءُ سيئةٍ سيئةٌ مِثلها﴾ (٤) وقد رضّ رسول الله - ﷺ - اليهودي بحجر لمّا رضّ هو رأس المرأة بحجر.\nفعن أنس من مالك -﵁- أن يهوديًا رضّ رأس جارية بين حجرين، فقيل لها: مَن فعل بكِ هذا؛ أفلان أفلان حتى سُمي اليهودي فأومأت برأسها، فجيء باليهودي فاعترف، فأمَر النبي به - ﷺ - فَرُضّ رأسُه بالحجارة\" (٥).\nولا تجوز المثلة في القِصاص؛ لأنه من الإِسراف في القتل.\n_________\n(١) سورة البقرة: ١٩٤.\n(٢) النحل: ١٢٦.\n(٣) انظر \"الفتح\" (١٢/ ٢٠٠).\n(٤) الشورى: ٤٠.\n(٥) أخرجه البخاري (٦٨٨٤)، ومسلم (١٦٧٢) وتقدّم.","vol":"6","page":182},{"text":"قال ابن كثير -﵀- في تفسير قوله: ﴿فلا يُسرف في القتل﴾ \"قالوا: معناه، فلا يسرف الوليّ في قتْل القاتل، بأن يمثّل به أو يقتَصّ من غير القاتل\".\nوعن عمران بن حصين قال: \"كان رسول الله ينهانا عن المُثْلة\" (١).\nبل يجب الإحسان في القِصاص.\nفعن شداد بن أوس قال: قال رسول الله - ﷺ - قال: \"إِذا قتلتم فأحسنوا القِتْلَة\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1707>استحباب العفو في القِصاص:</span>\nعن وائل بن حجر -﵁- قال: \"إِني لقاعِد مع النبي - ﷺ - إِذا جاء رَجُلٌ يَقُودُ آخرَ بِنِسعَةً (٣). فقال: يا رسول الله هذا قَتَل أخي. فقال رسول الله - ﷺ - أقَتَلْتَهُ؟ فقال: إِنَّه لَوْ لَمْ يعترِف أقمْتُ عَلَيْه البَيّنةَ قال: نعم قَتَلْتُهُ.\nقال: كيف قَتَلْتَهُ؟ قال: كنت أنا وهو نَختَبط (٤) من شجَرَةٍ. فسَبَّني\n_________\n(١) أخرجه أحمد وابن أبي شيبة وأبر داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٣٢٢)، وانظر \"الإِرواء\" (٢٢٣٠).\n(٢) أخرجه مسلم (١٩٥٥).\n(٣) النِّسعة: حبل من جلود مضفورة.\n(٤) نختبط: أي نجمع الخبط -وهو ورق الثمر- بأن يضرب الشجر بالعصا فيسقط ورقه فيجمعه علفًا \"شرح النووي\".","vol":"6","page":183},{"text":"فأغَضبني. فضرَبتُهُ بالفأس على قرْنِهِ (١) فقتلته، فقال له النبي - ﷺ -: هل لك مِنْ شَيءٍ تُؤدِّيه عَنْ نفسِك؟ قال: ما لي مَالٌ إِلا كِسائي وفأسي.\nقال: فَتَرى قومَك يشْتَرُونَكَ؟ قال: أنا أهْونُ على قومي من ذاك. فرمى إِليه بِنسعَته. وقال: دُونَكَ صَاحبَكَ فانطلَقَ به الرَجُلُ فلمّا ولّى، قال رسول الله - ﷺ - إِن قَتَلَهُ فَهُو مِثله.\nفَرَجَع، فقال: يا رسول الله إِنَّه بَلَغني أنّكَ قُلتَ: إِن قَتَلَهُ فَهُو مِثْلُهُ وأَخَذتُهُ بِأمرِكَ. فقال رسول الله - ﷺ -: أمَا تُريد أن يَبُوء بإِثمِك وإِثمِ صَاحبِك؟\nقال: يا نبي الله! (لعَلَّه قال) بَلَى قال: فإِنَّ ذَاك كَذاكَ قالَ: فَرَمى بنِسْعِته وخَلّى سَبيلهُ\" (٢).\nولعله لم يُرد قتْله -كما تقدّم- لما في حديث أبي هريرة -﵁- قال: \"قُتِل رجل على عهد النبي - ﷺ -، فرُفع ذلك إِلى النبي - ﷺ -، فدفعَه إِلى وليّ المقتول، فقال القاتل: يا رسول الله والله ما أردْتُ قتْله قال: فقال رسول الله للولي: أمَا إِنه، إِنْ كان صادقًا ثُمَّ قَتَلْتَهُ دَخَلْتَ النَّار قال: فخلَّى سبيله\" (٣).\nوعن عطاء بن أبي ميمون قال: لا أعلمه إلاَّ عن أنس بن مالك قال: \"ما رُفع\n_________\n(١) قرنه: جانب رأسه.\n(٢) أخرجه مسلم (١٦٨٠)، وتقدّم.\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٧٧٥)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (١١٣٥)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢١٧٨)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٤٤٠٣) وتقدّم.","vol":"6","page":184},{"text":"إِلى رسول الله - ﷺ - شيء فيه قِصاص؛ إلاَّ أمَر فيه بالعفو\" (١).\nوفي لفظ: قال: أنس بن مالك -﵁- قال: \"ما أُتي النبي - ﷺ - في شيء فيه قِصاص؛ إلاَّ أمَر فيه بالعفو\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1708>إِذا اعتدى على الجاني بعد العفو:</span>\nعن ابن عباس -﵄- يقول: \"كان في بنى إِسرائيلَ القِصاصُ، ولم تكن فيهمُ الديَة، فقال الله تعالى لهذه الأمّة ﴿كُتِبَ عليكم القصاص في القتلى الحرُّ بالحرِّ والعبدُ بالعبدِ والأنثى بالأنثى فمن عُفي لَه من أخيه شيء﴾ فالعَفوُ أن يقبل الدِّية في العمدِ ﴿فاتِّباعٌ بالمعروف وأداءٌ إِليه بإِحسان﴾ يتبعُ بالمعروف ويؤدِّي بإحسان ﴿ذلك تخفيفٌ من ربكم ورحمة﴾ مما كُتب على من كان قبلكم ﴿فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم﴾ أي: قَتَلَ بعد قَبول الدِّيَة\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1709>سقوط القِصاص </span>(٤):\nويسقُط القِصاص بعد وجوبه بأحد الأسباب الآتية:\n١ - عفو جميع الأولياء أو أحدهم، لكن يشترط أن يكون العافي عاقلًا مميزًا؛ لأنه من التصرفات المحضة، التي لا يمكلها الصبي ولا المجنون.\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢١٨٠).\n(٢) أخرجه النسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٤٤٥٢).\n(٣) أخرجه البخاري (٤٤٩٨).\n(٤) عن \"فقه السنة\" (٣/ ٣١٤) -بتصرّف وحذْف-.","vol":"6","page":185},{"text":"٢ - موت الجاني أو فوات الطرف الذي جنى به، فإِذا مات مَنْ عليه القِصاص، أو فقَد العضو الذي جنى به، سقط الِقصاص؛ لتعذر استيفائه.\n٣ - إِذا تمّ الصلح بين الجاني والمجني عليه، أو أوليائه وانظر العنوان الآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1710>التراضي على الدِّية بالزيادة فِرارًا من القِصاص:</span>\nعن عائشة -﵂- أن النبي - ﷺ - بعث أبا جهم بن حذيفة مصدّقًا، فلاَجّه رجل في صدقته، فضربه أبو جهم، فشجّه، فأتوا النبي - ﷺ - فقالوا: القَوَد يا رسول الله، فقال النبي - ﷺ -: لكم كذا وكذا فلم يرضوا، فقال: لكم كذا وكذا فلم يرضوا، فقال النبي - ﷺ -: لكم كذا وكذا فرضوا.\nفقال النبي - ﷺ -: \"إِني خاطبٌ العَشيَّة على النَّاس ومُخبرهُم بِرِضاكم فقالوا: نعم، فخطَب رسول الله - ﷺ - فقال: إِنّ هؤلاء الليْثيِّين أتوني يريدون القَوَد، فعرضتُ عليهم كذا وكذا فرضوا، أرضيتم؟ قالوا: لا!\nفَهَمَّ المهاجرون بهم، فأمَرَهم رسول الله - ﷺ -: أن يكفّوا عنهم، فكفّوا، ثمّ دعاهم فزادهم، فقال: أرضيتم؟ قالوا نعم!\nقال: إِنِّي خاطبٌ النَّاس ومُخبرهُم بِرِضاكم فقالوا: نعم، فخطب النبي - ﷺ - فقال: أرضيتم؟ قالوا: نعم\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1711>استيفاء القِصاص بحضرة السلطان </span>(٢):\nينبغي أن يكون استيفاء القصاص بحضرة السُّلطان؛ إذ واجب الحاكم\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٨٠١)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢١٣٣) وصححه شيخنا -﵀- في \"التعليقات الحسان\" (٤٤٧٠).\n(٢) \"المغني\" (٩/ ٣٩٣) -بزيادة وتصرُّفٍ يسير-.","vol":"6","page":186},{"text":"تمَكِين أولياء المقتول مِن استيفاء حقّهم من القاتل؛ ويفعل فيه الحاكم ما يختاره الوالي من القتل أو العفو أو الدِّيَة.\nثم إِنّ للسلطان أثرًا في التذكير بالعفو -من غير إِلزام- وقد تقدّم أكثر مِن مرّة حديث أبي هريرة -﵁- قال: \"قُتِل رجل على عهد النبي - ﷺ -، فرُفع ذلك إِلى النبي - ﷺ -، فدفعَه إِلى وليّ المقتول، فقال القاتل: يا رسول الله والله ما أردْتُ قتْله قال: فقال رسول الله - ﷺ - للولي: أمَا إِنّه إِنْ كان صادقًا ثمَّ قَتَلْتَهُ دَخلت النَّار، قال: فخلَّى سبيله\" (١).\nولأَنّه أمْرٌ يفتقر إِلى الاجتهاد، ويحرُمُ الحيف فيه، فلا يُؤمَن الحيف مع قصد التشفّي، فإِنِ استوفاه من غير حضرة السلطان؛ فإِنه يُعزّر بفعل ما مُنع.\nوعلى السلطان تفقُّد الآلة؛ فإِن كانت كالّة - منعه الاستيفاء بها لئلا يُعذَّب المقتول (٢).\nعن شداد بن أوس -﵁- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"إِنَّ الله كَتب الإِحسان على كل شيء، فإِذا قتلتم فأحسنوُا القِتْلَة وإذا ذَبَحتُم فأحسنوا الذَّبح، وليُحِدَّ أحدكُم شَفْرتَه فلْيُرح ذبيحَتَه\" (٣).\nوإنْ كان الوليّ لا يُحسن استيفاء حقّه؛ أمَرَه السلطان بالتوكيل فيه لأنه\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٧٧٥)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (١١٣٥)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢١٧٨)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٤٤٠٣) وتقدّم.\n(٢) \"المغني\" (٩/ ٣٩٤).\n(٣) أخرجه مسلم (١٩٥٥)، وتقدم مختصرًا في (باب بمَ يكون القِصاص).","vol":"6","page":187},{"text":"حقُّه، فكان له التوكيل في استيفائه كسائر حقوقه، فإِن لم يجد من يوكّله إِلا بعِوض، أُخِذ العِوَض من بيت المال.\nأقول: ولا يخفى أن القِصاص من غير إِشراف الحاكم قد يؤدِّي إِلى الإِسراف في القتل والذي أشير إِليه آنفًا - ومِن أبشع صُوره اتساع دائرة القتل إِلى أبناء عشيرتين أو قبيلتين؛ انتقامًا وأخذًا بالثأر!\nوجاء في \"فتح الباري\" (١٢/ ٢١٦): \"قال ابن بطال: اتفق أئمّة الفتوى على أنه لا يجوز لأحد إِن يَقتَصّ مِن حقّه دون السلطان، قال: وإنما اختلفوا فيمن أقام الحد على عبده ... \".\nوهناك نُصوص تدلّ على أخذ الحق أو القِصاص في أشياء محدّدة دون السلطان.\nقال الإِمام البخاري -﵀- (باب مَن أخَذَ حقّه أو اقتصّ دون السلطان) ثمّ ذكر تتمّة حديث أبي هريرة -﵁- عن النبي - ﷺ - قال: \"لو اطلع في بيتك أحَدٌ ولم تأذن له، حذفته بحصاة ففقأت عينه (١)؛ ما كان عليك من جُناح (٢) \" (٣).\nوعن حميد أنّ رجلًا اطّلع في بيت النبي - ﷺ - فسدّد (٤) إِليه\n_________\n(١) ففقأت عينه: أي أطفأت ضوءَها.\n(٢) جُناح: أي إِثم أو مؤاخذة.\n(٣) أخرجه البخاري (٦٨٨٨)، ومسلم (٢١٥٨).\n(٤) فسدّد: أي صوّب، وزْنُه ومعناه. والتصويب: توجيه السهم إلى مرماه \"الفتح\".","vol":"6","page":188},{"text":"مِشقصًا (١) \" (٢).\nوذكر النسائي -﵀- تحت (باب مَن اقتصّ وأَخذ حقّه دون السلطان) أثر (٣) أبي سعيد الخدري -﵁- قال: \"رأيت أبا سعيد الخدري في يوم جمعة يصلّي إِلى شيء يَستُرهُ منَ الناسِ، فأَرادَ شابٌّ من بني أبي مُعَيط أن يجتازَ بينَ يدَيِه، فدفَعَ أبو سعيد في صدرهِ، فنظرَ الشابُّ فلم يَجِد مَساغًا إِلا بين يدَيه، فعادَ ليَجْتازَ؛ فدفعه أبو سعيد أشدَّ منَ الأولى، فنالَ مِن أبي سعيدٍ.\nثمَّ دخلَ على مَروَانَ فشكا إِليهِ ما لَقيَ من أبي سعيدٍ، ودخل أبو سعيد خَلفهُ على مَروانَ، فقال: ما لَكَ ولابنِ أخيكَ يا أبا سعيد؟\nقال: سَمعتُ النبي - ﷺ - يقول: \"إِذا صلى أحدُكم إِلى شيء يَستُرهُ منَ الناسِ، فأَرادَ أحدٌ أن يجتازَ بينَ يدَيه فليَدْفعْه. فإِنْ أبى فليُقاتلْهُ فإِنمَّا هو شيطانٌ\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1712>القِصاص في الأطراف والجروح:</span>\nويثبت القِصاص في الأطراف ونحوها والجروح مع الإمكان؛ لقوله -تعالى-: ﴿وكتبنا عليهم فيها أنّ النّفس بالنّفس والعينَ بالعينِ والأنف بالأنف\n_________\n(١) المشقص: قال جمعٌ من الشُّراح: \"هو سَهْم ذو نصلٍ عريض\" والنّصل: حديدة السهم.\n(٢) أخرجه البخاري (٦٨٨٩)، ومسلم (٢١٥٧) من حديث أنس -﵁-.\n(٣) انظر \"صحيح سنن النسائي\" (٤٥١٨).\n(٤) أخرجه البخاري (٥٠٩)، ومسلم (٥٠٥).","vol":"6","page":189},{"text":"والسنّ بالسنّ والجروح قِصاص فمنْ تصدّق به فهو كفّارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون﴾ (١).\nقال ابن كثير -﵀- في \"تفسيره\": \"وقد استدل كثير ممن ذهب من الأصوليين والفقهاء إِلى أنّ شرعَ مَنْ قبلنا شرع لنا؛ إِذا حُكِى مُقرّرًا ولم يُنسَخ؛ كما هو المشهور عن الجمهور، وكما حكاه الشيخ أبو إِسحاق الإِسفراييني عن نص الشافعي وأكثر الأصحاب بهذه الآية، حيث كان الحكم عندنا على وفقها في الجنايات عند جميع الأئمة\".\nوقال -﵀- أيضًا في \"تفسيره\": \"قال علي بن أبي طلحة عن ابن عبّاس، قال: تقتل النفس بالنفس، وتُفقَأ العين بالعين، ويقطع الأنف بالأنف، وتُنزَع السنّ بالسنّ وتُقتَصّ الجراح بالجراح\".\nوفي حديث أنس -﵁- أنّ الرّبيِّع -وهي ابنةُ النّضر- كسرَت ثَنيَّة جاريةٍ، فطلبوا الأرشَ (٢) وطلبوا العفو، فأبَوا. فأبَوا النبي - ﷺ - فأمَرهم بالقِصاص.\nفقال أنس بن النّضر: أتُكسر ثَنيَّة (٣) الرّبيِّع يا رسول الله؟ لا والذي بعَثَكَ بالحقّ لا تُكسر ثنيّتها. فقال: يا أنس كتابُ الله القِصاص. فرضي القوم وعَفوا.\nفقال النبي - ﷺ -: إِن مِن عباد الله مَن لو أقسم على الله لأَبرّه\". زاد الفزاري\n_________\n(١) المائدة: ٤٥.\n(٢) الأرش: الدِّية.\n(٣) الثنية: إحدى الأسنان الأربع التي في مُقدّم الفم: ثنتان من فوق وثنتان من تحت.","vol":"6","page":190},{"text":"عن حميد عن أنس \"فرضيَ القوم وقَبِلوا الأرش\" (١).\nوعن أنس بن مالك قال: إِنما سَمَل (٢) النبي - ﷺ - أعين أولئك لأنهم سملوا أعين الرعاء (٣).\nوهو معنى قوله: ﴿والجُرُوحَ قِصاص﴾ وقد روي عن محمد بن سيرين قال: \"إِنما فَعل بهم النبي - ﷺ - هذا قبل أن تُنزل الحدود\" (٤).\nويُقيّد القِصاص في الأطراف والجروح بالإِمكان.\nجاء في \"المغني\" (٩/ ٤٠٩): \"وإِذا جرحه جرحًا يمكن الاقتصاص منه بلا حيف؛ اقتُصّ منه.\nوجملة ذلك أنّ القِصاص يجري فيما دون النفس من الجروح إذا أمكنَ؛ للنصّ والإِجماع\".\nثمّ استدل -﵀- بقوله -تعالى-: ﴿والجُرُوحَ قِصاص﴾ ثمّ بحديث الرُّبَيِّع -﵂-.\nثم قال -﵀-: \"وأجمع المسلمون على جريان القِصاص فيما دون النفس إِذا أمكن، ولأنّ ما دون النفس كالنفس في الحاجة إِلى حفظه بالقِصاص؛ فكان كالنفس في وجوبه\" ثم قال -﵀- \"ويشترط لوجوب\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٧٠٣)، ومسلم (١٦٧٥).\n(٢) سَمَل: فقَأها وأذهب ما فيها.\n(٣) أخرجه مسلم (١٦٧١)، وتقدّم.\n(٤) أخرجه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٦٣).","vol":"6","page":191},{"text":"القِصاص في الجروح ثلاثة أشياء:\nأحدها: أن يكون عمدًا محضًا، فأمّا الخطأ فلا قِصاص فيه إِجماعًا، ولأن الخطأ لا يوجب القِصاص في النفس -وهي الأصل- ففيما دونها أولى.\nولا يجب بعمد الخطأ، وهو أن يقصد ضَرْبه بما لا يفضي إِلى ذلك غالبًا، مثل أن يضربه بحصاة لا يوضح مثلها فتوضحه فلا يجب به القِصاص؛ لأنه شبه العمد، ولا يجب القِصاص إِلا بالعمد المحض، وقال أبو بكر: يجب به القِصاص ولا يراعى فيه ذلك لعموم الآية.\nالثاني: التكافؤ بين الجارح والمجروح وهو أن يكون الجاني يقاد من المجني عليه لو قتَلَه ... فأما من لا يُقتَل بقتله فلا يُقتَص منه فيما دون النفس له كالمسلم مع الكافر ... والأب مع ابنه؛ لأنه لا تُؤخَذُ نفسه بنفسه فلا يؤخذ طرفه بطرفه، ولا يجرح بجرحه.\nالثالث: إِمكات الاستيفاء من غير حيف ولا زيادة؛ لأن الله -تعالى- قال: ﴿وإِنْ عاقبتُم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾ وقال: ﴿فمن اعتدى عَلَيْكم فاعْتَدوا عَلَيه بمثْل مَا اعْتَدى عَلَيْكُم﴾ ولأنّ دم الجاني معصوم إِلا في قدر جنايته، فما زاد عليها يبقى على العصمة فيحرم استيفاؤه بعد الجناية؛ كتحريمه قبلها ومن ضرورة المنع من الزيادة المنع مع القِصاص؛ لأنها مِن لوازمه، فلا يمكن المنع منها إِلا بالمنع منه، وهذا لا خلاف فيه نعلمه.\nوممن منَع القِصاص فيما دون الموضحة (١)؛ الحسن والشافعي وأبو عبيد وأصحابُ الرأي.\n_________\n(١) وهي التي تُبدي وَضح العظم، أي بياضَه. \"النهاية\".","vol":"6","page":192},{"text":"ومنَعه في العظام عمر بن عبد العزيز وعطاء والنخعي والزهري والحكم وابن شبرمة والثوري والشافعي وأصحاب الرأي.\nوإِذا ثبت هذا؛ فإِن الجرح الذي يمكن استيفاؤه من غير زيادة؛ هو كل جرح ينتهي إِلى عظم؛ كالموضحة في الرأس والوجه.\nولا نعلم في جواز القِصاص في الموضحة -وهي كل جرح ينتهي إِلى العظم في الرأس والوجه- وذلك لأن الله -تعالى- نصَّ على القصاص في الجروح فلو لم يجب هاهنا لسقط حُكم الآية.\nوفي معنى الموضحة؛ كل جرح ينتهي إِلى عظم فيما سوى الرأس والوجه؛ كالساعد والعضد والساق والفخذ في قول أكثر أهل العلم، وهو منصوص الشافعي. وقال بعض أصحابه: لا قِصاص فيها .... \".\nقلت: يجب العمل بمقتضى عموم الآية ﴿والجُرُوحَ قِصاص﴾ في أي مكان من الجسم، إِذا أَمكن عدم الحيف أو الزيادة.\nوجاء في \"الروضة النديّة\" (٢/ ٦٤٧): \"وأمّا تقييد ذلك بالإِمكان، فلكون بعض الجروح قد يتعذر الاقتصاص فيها؛ كعدم إمكان الاقتصار على مِثل ما في المجنيّ عليه.\nوخطاب الشرع محمول على الإِمكان، مِن دون مجاوزة للمقدار الكائن في المجنيّ عليه، فإِذا كان لا يمكن إِلا بمجاوزةٍ للمقدار، أو بمخاطرة وإضرار؛ فالأدلة الدّالة على تحريم دم المسلم، وتحريم الإِضرار به -بما هو خارج عن القِصاص- مُخصِّصة لدليل الاقتصاص.\nقلت: [-أي: صاحب \"الروضة النديّة\"-] إن كلّ طَرَف له مَفْصِل","vol":"6","page":193},{"text":"معلوم، فَقَطَعه ظالم من مَفْصِله من إِنسان اقتُص منه؛ كالإِصبع يقطعها من أصلها، أو اليد يقطعها من الكوع، أو من المرفق، أو الرِّجل يقطعها من المفصل؛ يُقتصّ منه.\nوكذلك لو قلَع سِنّه، أو قطَع أنفه، أو أذنه، أو فَقأ عينه، أوجَبّ ذكَرَه، أو قطع أُنثيَيه؛ يُقتَصّ منه، وكذلك لو شَجَّه موضِحةً في رأسه أو وجهه؛ يُقتصّ منه.\nولو جرح رأسه دون المُوضِحة، أو جرح موضعًا آخر من بدنه، أو هشم العظم؛ فلا قَوَد فيه؛ لأنه لا يمكن مراعاة المماثلة فيه.\nوكذلك لو قَطَع يَده من نِصف الساعد؛ فليس له أن يقطع يده من ذلك الموضع، وله أنْ يقتصّ من الكوع، ويأخذ حكومةً (١) لنصف الساعد، وعلى هذا أكثر أهل العِلم في الجملة، وفي التفاصيل لهم اختلاف\".\nوجاء في كتاب \"الإِجماع\" لابن المنذر (ص ١٧٢): \"وأجمعوا على أن الموضحة فيها القِصاص إِذا كانت عمدًا\".\nوعن العباس بن عبد المطلب -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا قَودَ في المأمومةِ ولا الجائِفة ولا المنقّلة\" (٢).\nالمأمومة: الشَّجَّة التي بلغت أمّ الرأس؛ وهي الجلدة التي تجمع الدماغ.\n_________\n(١) ما يحكُم فيه الحاكم من الجراحات التي ليس فيها دِيَةٌ مقدّرة، وسيأتي التفصيل إن شاء الله -تعالى-.\n(٢) أخرجه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢١٣٢) وأبو يعلى، وانظر \"الصحيحة\" (٥/ ٢٢٢).","vol":"6","page":194},{"text":"الجائفة: الطعنة التي تَصل إِلى الجوف، والمراد بالجوف هنا كل ما له قوة محيلة كالبطن والدماغ.\nالمنقِّلة: هي التي تخرُج منها صغار العظام وتنتقل عن أماكنها. وقيل: التي تُنقِّل العظم، أي: تَكْسِره. كذا في \"النهاية\".\nقال أبو الحسن السندي: \"وإنما انتفى القِصاص لعسر ضبطه\" (١).\nأقول: في قوله -تعالى-: ﴿فمن تصدَّق به فهو كفّارة له﴾ بيان أجر من يتنازل عن القِصاص.\nوعن عبادة بن الصامت -﵁- قال سمعتُ النبي - ﷺ - يقول: \"ما من رجلٍ يُجرح في جسده جراحة، فيتصدق بها؛ إِلا كَفّر الله عنه مِثل ما تصدّق به\" (٢).\nقال في \"فيض القدير\": \"يعني إِذا جنى إِنسان على آخر فقلع سِنّه أو قطع يده مثلًا، فعفا المستحقّ عن الجاني لوجه الله؛ نال هذا الثواب\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1713>القِصاص في اللطمة والضربة واللكز والسبِّ:</span>\nمذهب الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة والتابعين أنّ القِصاص ثابت في ذلك كلّه؛ وشرطُ ذلك أن يكون اللطمُ والضرب أو السبّ المراد إِيقاعه بالجاني؛ مساويًا لِلَطْم وضرب وسبِّ المقتصّ، أو قريبًا من ذلك، دون تعمُّد الزيادة.\n_________\n(١) انظر \"شرح سنن ابن ماجه\" (٢/ ١٤١) للسندي -رحمه الله تعالى- و\"الصحيحة\" (٥/ ٢٢٣) لمعرفة غريب الحديث -إِن شئت-.\n(٢) أخرجه أحمد بإِسناد صحيح، وانظر \"الصحيحة\" (٢٢٧٣).","vol":"6","page":195},{"text":"وجاء في \"مجموع الفتاوى\" (٣٤/ ١٦٢): \"وسئل -﵀- عن الرجل يلطِم الرجل أو يكلمه، أو يسبّه؛ هل يجوز أن يُفعَل به كما فعَل؟\nفأجاب: وأمّا القِصاص في اللطمة والضربة ونحو ذلك؛ فمذهب الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة والتابعين؛ أنّ القِصاص ثابت في ذلك كلّه، وهو المنصوص عن أحمد في رواية إِسماعيل بن سعيد الشالنجي، وذهب كثير من الفقهاء؛ إِلى أنه لا يشرع في ذلك قِصاص؛ لأنّ المساواة فيه متعذرة في الغالب.\nوهذا قول كثير من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد؛ والأول أصحّ؛ فإِن سُنّة النبي - ﷺ - مضَت بالقِصاص في ذلك وكذلك سُنّة الخلفاء الراشدين، وقد قال -تعالى-: ﴿وجزاءُ سيئةٍ سيئة مِثلها﴾ (١).\nوقال -تعالى-: ﴿فمن اعتدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيه بمثْل ما اعْتَدى عَلَيْكُم﴾ (٢) ونحو ذلك.\nوأمّا قول القائل: إِنّ المماثلة في هذه الجناية متعذرة. فيقال: لا بدّ لهذه الجناية من عقوبة: إِمّا قِصاص، وإِمّا تعزير، فإِذا جوّز أن يُعزر تعزيرًا غير مضبوط الجنس والقدر؛ فلأن يعاقب إِلى ما هو أقرب إِلى الضبط من ذلك أولى وأحرى. والعدل في القِصاص مُعتَبر بحسب الإِمكان.\nومن المعلوم أن الضارب إِذا ضرب ضربة مثل ضربته أو قريبًا منها كان هذا أقرب إِلى العدل من أن يُعزَّر بالضرب بالسوط؛ فالذي يمنَع القِصاص في ذلك\n_________\n(١) الشورى: ٤٠.\n(٢) البقرة: ١٩٤.","vol":"6","page":196},{"text":"خوفًا من الظلم يبيح ما هو أعظم ظلمًا مما فرّ منه. فعُلم أنما جاءت به السُّنة أعدل وأمثل.\nوكذلك له أن يسبّه كما يسبّه: مثل أن يلعنه كما يلعنه. أو يقول: قبّحك الله. فيقول: قبّحك الله. أو أخزاك الله فيقول: أخزاك الله. أو يقول: يا كلب! يا خنزير! فيقول: يا كلب! يا خنزير!\nفأمّا إِذا كان مُحرّم الجنس مثل تكفيره أو الكذب عليه، لم يكن له أن يُكفّره ولا يكذب عليه. وإِذا لعَن أباه لم يكن له أن يلعن أباه؛ لأنّ أباه لم يظلمه\". انتهى.\nقال الإمام البخاري -﵀-: \"وأقاد أبو بكر وابن الزبير وعليّ وسُوَيد ابن مقرِّن مِنْ لطمة. وأقاد عمر من ضربةٍ بالدِّرة، وأقاد عليّ من ثلاثة أسواط واقتص شرَيحٌ من سوطٍ وخموش\" (١).\nقال الحافظ -﵀- في \"الفتح\" (١٢/ ٢٢٧): قوله -أي الإِمام البخاري \"وأقاد أبو بكر وابن الزبير وعليّ وسُوَيد بن مقرِّن مِنْ لطمة. وأقاد عمر من ضربة بالدِّرة، وأقاد عليّ من ثلاثة أسواط واقتص شرَيحٌ من سوطٍ وخموش\".\nأمّا أثر أبي بكر -وهو الصِّدّيق-: فوصَله ابن أبي شيبة من طريق يحيى بن الحصين سمعت طارق بن شهاب يقول \"لطم أبو بكر يومًا رجلًا لطمة، فقيل\n_________\n(١) رواه البخاري معلقًا مجزومًا به (كتاب الديات باب ٢١ - إذا أصاب قومٌ من رجل ...). وانظر -إن شئت- \"مختصر البخاري\" (٤/ ٢٢٦) لوصل التعليق، والحكم على إسناده.","vol":"6","page":197},{"text":"ما رأينا كاليوم قط هنعة (١) ولطمة، فقال أبو بكر: إِن هذا أتاني ليستحملَني فحملتهُ فإِذا هو يتبعهم، فحلفت أن لا أحمله ثلاث مرات، ثمّ قال له: اقتصّ، فعفا الرجل\".\nوأمّا أثر ابن الزبير فوَصلَه ابن أبي شيبة ومسدد جميعًا عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار \"أن ابن الزبير أقاد من لطمة\".\nوأمّا أثر علي الأول؛ فأخرجه ابن أبي شيبة من طريق ناجية أبي الحسن عن أبيه \"أن عليًا أتى في رجلٍ لطَم رجلًا، فقال للملطوم: اقتصّ\".\nوأما أثر سويد بن مُقرِّن فوصَلَه ابن أبي شيبة من طريق الشعبي عنه.\nوأمّا أثر عمر فأخرجه في \"الموطأ\" عن عاصم بن عبيد الله عن عمر منقطعًا (٢)، ووصله عبد الرزاق عن مالك عن عاصم عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: \"كنت مع عمر بطريق مكة فبال تحت شجرة، فناداه رجل فضربه بالدِّرَّة فقال: \"عجلت عليّ، فأعطاه المِخْفقة (٣) وقال: اقتصّ، فأبى، فقال: لتفعلن، قال: فإِني أغفرها\".\nوأمّا أثر علي الثاني فأخرجه ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور من طريق فضيل بن عمرو عن عبد الله بن مَعْقِل -بكسر القاف- قال: \"كنت عند عليّ\n_________\n(١) جاء في \"تاج العروس\": الهنَع انحناء في القامَة، وفي \"الصحاح\" تطامُنٌ في عُنق البعير؛ فلعلّها تعني الذّل. والله أعلم.\n(٢) وقال شيخنا -﵀- في \"مختصر البخاري\" (٤/ ٢٢٦): وصله مالك وعبد الرزاق بسند ضعيف عنه.\n(٣) ما يضرَبُ به من سوطٍ ونحوه.","vol":"6","page":198},{"text":"فجاءه رجل فسارَّه فقال: يا قنبر اخرج فاجلد هذا، فجاء المجلود فقال: إنه زاد عليّ ثلاثة أسواط، فقال: صدَق.\nقال: خذ السوط فاجلده ثلاثة أسواط ثم قال: يا قنبر إِذا جلدت فلا تتعد الحدود\".\nوأمّا أثر شُريح فوصَله ابن سعد وسعيد بن منصور من طريق إِبراهيم النخعي قال: \"جاء رجل إِلى شريح فقال: اقدني من جلْوازك (١)، فسأله فقال: ازدحموا عليك فضربته سوطًا. فأقاده منه\".\nومن طريق ابن سيرين قال: اختصم إِليه -يعني: شريحًا- عبدٌ جَرَح حرًّا فقال: إِنْ شاء اقتص منه.\nوأخرج ابن أبي شيبة من طريق إسحاق عن شريح أنه أقاد من لطمة، ومن وجه آخر عن أبي إِسحاق عن شريح أنه أقاد من لطمة وخُموش (٢).\nوقال الليث وابن القاسِم: \"يقاد من الضرب بالسوط وغيره؛ إِلا اللطمة في العين؛ ففيها العقوبة خشيةً على العين\". انتهى.\nوعن أبي هريرة -﵁- عن النبي - ﷺ - قال: \"المُسْتَبّان ما قالا؛ فعلى البادئ، ما لم يعتَدِ المظلوم\" (٣).\n(المُسْتَبان ما قالا): جاء في \"العون\" (١٣/ ٢٣٨): \"المُسْتَبان تثنية\n_________\n(١) أي: شرطيِّك.\n(٢) الخُموش -بضم المعجمة- الخدوش وزنه ومعناه، والخماشة: ما ليس له أَرْش معلوم من الجراحة. \"الفتح\".\n(٣) أخرجه مسلم (٢٥٨٧).","vol":"6","page":199},{"text":"مستبّ وهما المتشاتمان اللذان يشتم كلّ منهما الآخر.\n(ما قالا) أي: إِثم قولهما من السبّ والشتم.\n(فعلى البادئ): أي: على الذي بدأ في السبّ، لأنه السبب لتلك المخاصمة.\nقال في \"اللمعات\": أما إِثم ما قاله البادئ فظاهر، وأمّا إِثم الآخر فلكونه الذي حمَله على السبّ وظلمه\".\n(ما لم يعتدِ المظلوم): أي: يتجاوز الحدّ؛ بأن سبّه أكثر وأفحش منه، أمّا إِذا اعتدى كان إِثم ما اعتدى عليه، والباقي على البادي؛ كذا في \"اللمعات\".\nوالحاصل إِذا سبَّ كلّ واحد الآخر؛ فإِثم ما قالا على الذي بدأ السبّ، وهذا إِذا لم يتعدّ ويتجاوز الحدّ، والله أعلم.\nقال النووي (١٦/ ١٤١) -بحذف وتصرف يسيرين-: \"معناه أنّ إِثم السباب الواقع من اثنين مختصٌ بالبادئ منهما كلّه، إلاَّ أن يتجاوز الثاني قدْر الانتصار فيقول للبادئ أكثر مِمّا قال له، وفي هذا جواز الانتصار ولا خلاف في جوازه.\nوقد تظاهرت عليه دلائل الكتاب والسنة، قال الله -تعالى-: ﴿ولَمَنِ انتَصَر بعْدَ ظُلْمه فَأولئكَ مَا عليْهم مِن سَبيلٍ﴾ (١) وقال -تعالى-: ﴿والَّذين إذا أصَابهُمُ البَغيُ هُم يَنتَصرون﴾ (٢).\n_________\n(١) الشورى: ٤١.\n(٢) الشورى: ٣٩.","vol":"6","page":200},{"text":"ومع هذا فالصبر والعفو أفضل، قال الله تعالى ﴿ولمَن صَبَرَ وغَفَر إِنّ ذلك لمِنْ عَزْمِ الأمُورِ﴾ (١) ولقوله - ﷺ -: \"ما زاد الله عبدًا بعفو إِلا عزًّا\" (٢).\nواعلم أن سِباب المسلم بغير حقّ حرام كما قال رسول الله - ﷺ -: \"سِباب المسلم فسوق\".\nولا يجوز للمسبوب أن ينتصر إلاَّ بمِثل ما سبّه، ما لم يكن كَذبًا أو قذفًا أو سبًا لأسلافه، فمِن صور المباح أن ينتصر بيا (٣) ظالم، أو جافي، أو نحوه، ذلك لأنّه لا يكاد أحد ينفكّ من هذه الأوصاف.\nقالوا: وإِذا انتصَر المسبوب استوفى ظلامته وبرئ الأول من حقّه، وبقي عليه إِثم الابتداء أو الإِثم المستحقّ لله تعالى ... \".\nجاء في \"إِكمال الإِكمال\" (٨/ ٥٤٤): \"ما لم يتعدّ: أي يتجاوز، فلأنّه إِنّما أُبيح له أن يَرُدّ مِثل ما قيل له؛ لقوله تعالى: ﴿وإِنْ عاقبتُم فعاقبِوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتُم لهو خيرٌ للصابرين﴾ (٤) وقوله تعالى: ﴿وجزاءُ سيئةٍ سيئةٌ مِثلها﴾ (٥).\nوالعداء في الردّ بالتكرار مِثل أن يقول البادئ: يا كلب فيردّ عليه مرّتين،\n_________\n(١) الشورى: ٤٣.\n(٢) أخرجه مسلم (٢٥٨٨).\n(٣) أي أن يقول: يا ظالم ...\n(٤) النحل: ١٢٦.\n(٥) الشورى: ٤٠.","vol":"6","page":201},{"text":"وبأن يردّ بأفحش كما لو قيل له: يا كلب فقال له: أنت خنزيز.\nوكما لو سبّه البادئ فسبّ الراد آباء البادئ وكان ذلك عداء؛ لأنّه سبّ من لم يجْن عليه، وكانت هذه المذكورات عداءً؛ لأنَّ الانتصار إِنّما هو من باب القِصاص، والقِصاص إِنما يكون بالمِثل للآيتين السابقتين\".\nوالخلاصة: إِنّ إِثم السبّ والشتم الصادر من المسْتبّين المشاتمين على من بَدأَ لأنّه السبب في ذلك، ما لم يعْتد المظلوم ويتجاوز الحدّ؛ بأن يسبّه أكثر وأفحش ففيه جواز السب والشتم بالشرط المذكور، والعفو أفضل.\nويُحمَل قوله - ﷺ -: \"المستبّان شيطانان يتهاتران ويتكاذبان\" (١) على الاعتداء في القِصاص.\nوتجاوز الحدّ، ومقابلة المعصية بمثلها أو أكثر؛ فقد تقدم أن المعصية لا تقابَل بالمعصية، وهنا قال - ﷺ -: \"يتهاتران\" أي: يتقاولان ويتقابحان في القول من الهِتر -وهو الباطل والسَّقط من الكلام، وقال - ﷺ - أيضًا: \"يتكاذبان\" وتقدّم القول بتحريمه. والله -تعالى- أعلم.\nوفي الحديث: \"لَيُّ الواجد يُحِلّ عرضه وعقوبته (٢) \" (٣).\n_________\n(١) انظر \"صحيح الأدب المفرد\" (٣٣٠).\n(٢) أخرجه أحمد وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٠٨٦)، وابن ماجه، \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٩٧٠)، وغيرهما. وانظر \"الإرواء\" (١٤٣٤) ورواه البخاري معلّقًا \"كتاب الاستقراض\" (باب لصاحب الحقّ مقال).\n(٣) قال ابن المبارك: \"يُحِلّ عرضه يغلظ له، وعقوبته يحبس له\".\nليّ الواجد: أي مطلق الغنى، والليّ بالفتح المطل، وأصله لوى فأُدغمت الواو في الياء. =","vol":"6","page":202},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1714>اشتراك الجماعة في القِصاص:</span>\nعن مطرّفٌ عن الشعبي في رجلين شهدا على رجلٍ أنّه سرق فقطعه علي -﵁- ثم جاءا بآخر وقالا: أخطأنا، فأبطل شهادتهما، وأُخذا بدية الأول.\nوقال: \"لو علمت أنكما تعمدتما لقطعتكما\" (١).\nوعن عائشة -﵂- قالت: \"لَدَدْنَا (٢) رسول الله - ﷺ - في مرضه، وجعلَ يشيرُ إِلينا لا تَلُدُّوني.\nقال: فقلنا كراهية المريض بالدواء فلمّا أفاق قال: ألم أنهكنّ أن تَلُدُّوني، قال: قُلنا كراهيةً للدواء؛ فقال رسول الله - ﷺ -: لا يبقى منكم أحدٌ إِلا لُدَّ وأنا\n_________\n= والواجد الغني من الوُجد بالضم بمعنى السعة والقدرة، ويقال وجَد في المال وجدا أي: استغنى.\n(يحل): بضم الياء من الإِحلال.\n(عرضه): بأن يقول له المدين: أنت ظالم، أنت مماطل، ونحوه مما ليس بقذف ولا فحش.\n(وعقوبته): بأن يُعزّره القاضي على الأداء؛ بنحو ضربٍ أو حبس حتى يؤدي.\n(١) رواه البخاري معلقًا مجزومًا به (كتاب الديات باب - إِذا أصاب قومٌ من رجل ...) ووصله الشافعي عن سفيان بن عيينة وانظر \"الفتح\" (١٢/ ٣٣٦) وتقدّم.\n(٢) اللَّدود: بفتح اللام وبمهملتين: هو الدواء الذي يُصبُّ في أحد جانبي فم المريض. واللُّدود -بالضم- الفعل ولدَدْت المريض: فَعَلْت ذلك به. \"الفتح\".","vol":"6","page":203},{"text":"أنظر؛ إلاَّ العباسَ فإِنه لم يَشهدكم\" (١).\nقال الحافظ -﵀- في \"الفتح\" (٨/ ١٤٧): \"قوله: لا يبقى أحدٌ في البيت إِلا لُدَّ وأنا أنظر إلاَّ العباسَ فإِنه لم يَشهدكم\" قيل: فيه مشروعية القِصاص في جميع ما يُصاب به الإِنسان عمدًا، وفيه نظَر، لأنّ الجميع لم يتعاطَوا ذلك، وإنما فَعَل بهم ذلك عقوبة لهم لتركهم امتثال نهيه عن ذلك.\nأمّا مَن باشره فظاهر، وأمّا من لم يباشِره فلكونهم تركوا نهيهم عما نهاهم هو عنه.\nويستفاد منه أن التأويل البعيد لا يُعْذَرُ به صاحبه، وفيه نظَر أيضًا لأن الذي وقع في معارضة النهي.\nقال ابن العربي: أراد أن لا يأتوا يوم القيامة، وعليهم حقّه فيقعوا في خَطبٍ عظيم، وتُعقِّب بأنه كان يمكن العفو؛ لأنه كان لا ينتقم لنفسه.\nوالذي يظهر أنه أراد بذلك تأديبهم لئلا يعودوا، فكان تأديبًا لا قِصاصًا ولا انتقامًا.\nقيل: وإِنما كَره اللَّد مع أنه كان يتداوى؛ لأنه تحقق أنه يموت في مرضه، ومَن حقق ذلك كُره له التداوي. قلت: وفيه نظَر، والذي يظهر أن ذلك كان قبل التخيير والتحقق، وإِنما أنكَر التداوي؛ لأنه كان غيرَ ملائم لدائه؛ لأنهم ظنوا أنّ به ذات الجنب فداووه بما يلائمها؛ ولم يكن به ذلك كما هو ظاهر في سياق الخبر كما ترى، والله أعلم\".\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٨٩٧) مسلم (٢٢١٣).","vol":"6","page":204},{"text":"قلت: والمترجّح لديّ أنّه مِن باب القِصاص، وقد رواه الإِمام البخاري -﵀- في مواطن عديدة؛ منها باب الدِّيات، فدلّ هذا على أنه يراه من باب القِصاص ولا يمتنع عليه هذا الفعل؛ لأنه - ﷺ - كما وصَفَه الله -سبحانه-: ﴿وما ينطق عن الهوى إِنْ هُوَ إِلاّ وحْيٌ يوحى﴾.\nوتركُه - ﷺ - العفو في هذا الموطن -وهو قادرٌ عليه بلا ريب- يؤيّد الأصل العامّ -ألا وهو القِصاص- وهذا كما لا يخفى من باب التشريع للأمّة.\nوأما قول مَن قال إِنه تأديب وليس قِصاصًا، فلعل الأَوْلى أن يقول القائل: تأديبٌ بالقِصاص. والله -تعالى- أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1715>هل يشرع القِصاص في إِتلاف الأموال</span>؟\nإِذا أتلف المرء مال غيره؛ كأن يخرق ثوبه أو يهدم داره، أو يقطع ثمره، فهل له أن يقتصّ منه؛ بمثِل ما أصابه فيه قولان للعلماء:\nأحدهما: أن ذلك غيرُ مشروع لإِنه إِفساد، ولأنّ العقار والثيابَ غيرُ مماثلة.\nوالثاني: أن ذلك مشروع؛ كما سيأتي البيان والتعليل بإِذن الله.\nجاء في \"مجموع الفتاوى\" (٣٠/ ٣٣٢): \"وسئل -﵀- هل يجوز له أن يَخرق ثَوبه كما يخرِق ثوبه؟\nفأجاب: وأمّا القِصاص في إِتلاف الأموال؛ مِثل أن يخرق ثوبه فيخرق ثوبه المماثل له، أو يهدم داره فيهدم داره ونحو ذلك؛ فهذا فيه قولان للعلماء هما روايتان عن أحمد:","vol":"6","page":205},{"text":"أحدهما: أن ذلك غيرُ مشروع لإِنه إِفساد، ولأنّ العقار والثيابَ غيرُ مماثلة.\nوالثاني: أن ذلك مشروع؛ لأنّ الأنفس والأطراف أعظمُ قدْرًا من الأموال، وإِذا جاز إِتلافها على سبيلْ القِصاص؛ لأجل استيفاء المظلوم، فالأموال أولى.\nولهذا يجوز لنا أن نُفسد أموال أهل الحرب إِذا أفسدوا أموالنا، كقطع الشجر المثمِر.\nوإِن قيل بالمنعِ من ذلك لغير حاجة، فهذا فيه نزاع؛ فإِنه إِذا أتلف لى ثيابًا أو حيوانًا أو عقارًا ونحو ذلك، فهل يضمنه بالقيمة؟ أو يضمنه بجنسه مع القيمة؟ على قولين معروفين للعلماء. وهما قولان في مذهب الشافعي، وأحمد فإِن الشافعي قد نَصّ على أنه إِذا هَدَم داره بناها كما كانت، فضَمِنَه بالمثل. وقد رُوي عنه في الحيوان نحو ذلك ...\nوقصة داود وسليمان هي من هذا الباب، فإِنّ داود -﵇- قد ضَمِن أهل الحرث الذي نفشت (١) فيه غَنَم القوم بالقيمة، وأعطاهم الماشية مكان القيمة. وسليمان -﵇- أمَرَهم أن يعمروا الحرث حتى يعود كما كان، وينتفعوا بالماشية بدل ما فاتهم من منفعة الحرث.\nوبهذا أفتى الزهري لعمر بن عبد العزيز لما كان قد اعتدى بعض بني أميّة على بستان له فقلعوه، وسألوه ما يجب في ذلك؟ فقال: يغرسه كما كان. فقيل له: إِن ربيعة وأبا الزناد قالا: تجب القيمة، فتكلَّم الزهري فيهما بكلام مضمونه: أنهما خالفا السنة.\n_________\n(١) النَّفش: الرعي، قال شريح والزهري وقتادة: النفش لا يكون إلاَّ بالليل. قاله ابن كثير -﵀-.","vol":"6","page":206},{"text":"ولا ريب أنّ ضمان المال بجنسه مع اعتبار القيمة أقرب إِلى العدل من ضمانه بغير جنسه، وهو الدراهم والدنانير مع اعتبار القيمة؛ فإِنّ القيمة مُعتبرةٌ في الموضعين، والجنس مختصٌّ بأحدهما، ولا ريب أن الأغراض متعلقة بالجنس، وإِلا فمن له غرضٌ في كتابٍ أو فرس أو بستان؛ ما يصنع بالدراهم؟\nفإِنْ قيل: يشتري بها مثله، قيل: الظالم الذي فوّته ماله هو أحقّ بأن يَضْمَن له مِثل ما فوّته إِياه؛ أو نظير ما أفسدَه من ماله.\nوقال ابن القيم -﵀- (١) - في معرض الكلام عن القِصاص في إِتلاف الأموال-: \"إِتلاف المال؛ فإِنْ كان مما له حُرمة، كالحيوان والعبيد، فليس له أن يُتلِف ماله، كما أتلف مالَه، وإِنْ لم تكن له حرمة، كالثوب يشقّه، والإِناء يكسره، فالمشهور، أنه ليس له أن يُتلِف عليه نظيرَ ما أتلفه، بل له القيمة أو المِثل.\nوالقياس يقتضي أن له أن يفعل بنظير ما أتلفه عليه؛ كما فعله الجاني به، فيشقُّ ثوبه، كما شقَّ ثوبه، ويكسر عصاه كما كَسَر عصاه، إِذا كانا متساويين، وهذا من العدل، وليس مع منْ منَعَه نصّ، ولا قياس، ولا إِجماع، فإِنّ هذا ليس بحرام لحقّ الله، وليست حُرمة المال أعظم من حرمة النفوس والأطراف.\nوإِذا مكّنه الشارع أن يُتلف طرَفَه بطرَفِه؛ فتمكينه من إِتلاف ماله في مقابلة ماله هو أولى وأحرى، وإنّ حكمة القِصاص من التشفي، ودرك الغيظ، لا تحصل إِلا بذلك، ولأنه قد يكون له غرض في أذاه، وإتلاف ثيابه، ويعطيه قيمتها، ولا يشق ذلك\n_________\n(١) ذكره في \"إعلام الموقعين\" (١/ ٣٢٧) ونقله السيد سابق -﵀- في \"فقه السنة\" (٣/ ٣٢٤).","vol":"6","page":207},{"text":"عليه؛ لكثرة ماله، فيشفي نفسه منه بذلك، ويبقى المجني عليه بغبْنِه وغيظه، فكيف يقع إِعطاؤه القيمة من شفاء غيظه، ودرك ثأره، وبرد قلبه، وإِذاقة الجاني من الأذى ما ذاقه هو؟!\nفحكمة هذه الشريعة الكاملة الباهرة وقياسُها معًا؛ يأبى ذلك، وقوله -تعالى-: ﴿فاعْتَدُوا عَلَيه بمثْل ما اعْتَدى عَلَيْكُم﴾ (١) وقوله -تعالى-: ﴿وجزاءُ سيئةٍ سيئةٌ مِثلها﴾ (٢)، وقوله -تعالى-: ﴿وإِنْ عاقبتُم فعاقبِوا بمثل ما عوقبتم به﴾ (٣) يقتضي جواز ذلك.\nوقد صرَّح الفقهاء بجواز إِحراق زروع الكفار، وقطْع أشجارهم، إِذا كانوا يفعلون ذلك بنا، وهذا عين المسألة.\nوقد أقرّ الله -سبحانه- الصحابة على قطع نخل اليهود؛ لما فيه من خزيهم، وهذا يدل على أنه -سبحانه- يحب خزي الجاني الظالم ويشرعه\".\nقلت: يُشير -﵀- إِلى قوله -سبحانه-: ﴿ما قَطعتُم من لينةٍ (٤) أو\n_________\n(١) سورة البقرة: ١٩٤.\n(٢) الشورى: ٤٠.\n(٣) النحل: ١٢٦.\n(٤) قال الحافظ في \"الفتح\" (٨/ ٦٢٩): \"قال أبو عبيدة في قوله -تعالى-: ﴿ما قَطعتُم من لينةٍ﴾: أي: من نخلة، وهي من الألوان ما لم تكن عجوة أو برنية إلاَّ أن الواو ذهبت بكسر اللام، وعند الترمذي من حديث ابن عباس: \"اللينة النخلة\" في أثناء حديث، وروى سعيد بن منصور من طريق عكرمة قال: اللينة ما دون العجوة، وقال سفيان: هي شديدة الصفرة تنشق عن النوى\".","vol":"6","page":208},{"text":"تركتموها قائمةً على أُصولها فبإذن الله وليُخزِيَ الفاسقين﴾ (١).\nعن ابن عمر -﵁- أنّ رسول الله - ﷺ -: \"حرَّق نخْل بني النّضير وقطَع، وهي البويرة (٢)، فأنزَل الله -تعالى-: ﴿ما قَطعتُم من لينةٍ أو تركتموها قائمةً على أُصولها فبإذن الله وليُخزِيَ الفاسقين﴾ \" (٣).\nقال أبو عيسى: وقد ذهب قوم من أهل العلم، إِلى هذا، ولم يروا بأسًا بقطع الأشجار وتخريب الحصون.\nوكَرِه بعضُهم ذلك، وهو قول الأوزاعي. قال الأوزاعي: ونهى أبو بكر الصديق، أن يقطع شجرًا مُثمرًا، أو يُخرّب عامرًا، وعَمِل بذلك المسلمون بعده.\nوقال الشافعي: لا بأس بالتحريق في أرض العدو، وقطع الأشجار والثمار. وقال أحمد: وقد تكون في مواضع لا يجدون منه بُدًّا، فأمّا بالعَبَث فلا تُحرَق، وقال إِسحاق: التحريقُ سُنّة إِذا كان أنكى فيهم.\nقال الحافظ -﵀- في \"الفتح\" (٥/ ٩) قوله (٤): (باب قطْع الشجر والنخل) أي: للحاجة والمصلحة إِذا تعيّنت طريقًا في نكاية العدو ونحو ذلك.\nوخالف في ذلك بعض أهل العلم، فقالوا: لا يجوز قطع الشجر المثمر أصلًا\n_________\n(١) الحشر: ٥.\n(٢) البُوَيْرة: موضع نخل بني النضير \"شرح النووي\".\n(٣) أخرجه البخاري (٤٨٨٤) وفي مواضع عديدة، ومسلم (١٧٤٦).\n(٤) أي: الإمام البخاري -﵀-.","vol":"6","page":209},{"text":"وحمَلوا ما ورَد من ذلك إِمّا على غير المثمر وإِمّا على أن الشجر الذي قُطع في قصة بني النضير كان في الموضع الذي يقع فيه القتال، وهو قول الأوزاعي والليث وأبي ثور.\nوقال أيضًا (٦/ ١٥٥): \"وقد ذهب الجمهور إِلى جواز التحريق والتخريب في بلاد العدو، وكرهه الأوزاعي والليث وأبو ثور، واحتجوا بوصية أبي بكر لجيوشه أن لا يفعلوا شيئًا من ذلك.\nوأجاب الطبري بأن النهي محمول على القصد لذلك؛ بخلاف ما إِذا أصابوا ذلك في خلال القتال؛ كما وقع في نصب المنجنيق على الطائف، وهو نحو ما أجاب به في النهي عن قتل النساء والصبيان، وبهذا قال أكثر أهل العلم، ونحو ذلك القتل بالتغريق.\nوقال غيره: إِنما نهى أبو بكر جيوشه عن ذلك لأنه علم أن تلك البلاد ستُفتح فأراد إِبقاءها على المسلمين. والله أعلم\". انتهى.\nوالذي يترجّح لديَّ أن الحرق والقطع ونحوهما جائز بنصّ الكتاب والسُّنة، والأمر يرجع إِلى الحاكم في الفِعل أو الترك، فإِنْ رأى مصلحةً في مرحلةٍ ما في حرق الزروع والثمار - ومثل ذلك هدم مؤسسات ومبانٍ فعل ذلك، وإِنْ رجّح الاستفادة منها لنصرٍ يرجوه، ولم يرَ فائدة منْ قطْعها وحرْقها لم يفعل.\nأمّا أبو بكر -﵁- فإِنه لم يفُته دليل الكتاب والسُّنة، ولكن لا يخفى أنّ الدليل يدل على المشروعية، والمشروعية قد تكون ركنًا أو واجبًا، أو مندوبًا أو مستحبًا.\nوقد كان موقف أبي بكر -﵁- لمصلحةٍ رآها جمْعًا بين النصوص؛","vol":"6","page":210},{"text":"لا تأصيلًا لإِلغاء مقتضى الكتاب والسُّنة. والله -تعالى- أعلم.\nثم قال ابن القيّم -﵀- (١): \"وإِذا جاز تحريق متاع الغالِّ، لكونه تعدى على المسلمين في خيانتهم في شيء من الغنيمة، فلأَنْ يحرق ماله، إِذا حَرَق مال المسلم المعصوم أولى وأحرى.\nوإِذا شرعت العقوبة المالية في حق الله الذي مسامحته به أكثر من استيفائه، فلأَنْ تُشرع في حقّ العبد الشحيح أولى وأحرى، ولأن الله -سبحانه- شرع القِصاص؛ زجرًا للنفوس عن العدوان، وكان من الممكن أن يوجب الدية استدراكًا لظلامة المجني عليه بالمال، ولكن ما شرعه أكمل، وأصلح للعباد، وأشفى لغيظ المجني عليه، وأحفظ للنفوس والأطراف، وإِلا فمن كان في نفسه من الآخر؛ من قتله أو قطع طرفه، قتَله أو قطعَ طرفه، وأعطى ديته، والحكمة، والرحمة، والمصحلة تأبى ذلك، وهذا بعينه موجود في العدوان على المال.\nفإِن قيل: فهذا ينجبر بأن يعطيه نظير ما أتلفه عليه. قيل: إِذا رضي المجني عليه بذلك، فهو كما لو رضي بدية طرفه، فهذا هو محض القياس، وبه قال الأحمدان؛ أحمد بن حنبل، وأحمد بن تيمية.\nقال في رواية موسى بن سعيد: وصاحب الشيء يخيّر؛ إِن شاء شقّ الثوب، وإِنْ شاء أَخَذ مثله\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1716>ضمان المِثل:</span>\nعن أنس -﵁- قال: \"كان النبي - ﷺ - عند بعض نسائِه، فأرسَلتْ إِحدى أُمّهاتِ المؤْمنين بصَحْفَةٍ فيها طعام، فضرَبتِ التي النبيّ - ﷺ -\n_________\n(١) انظر \"إِعلام الموقعين\" (١/ ٣٢٨).","vol":"6","page":211},{"text":"في بيتها يدَ الخام، فسقَطَتِ الصحْفَةْ فانْفلقت، فجمع النبي - ﷺ - فِلَقَ الصَّحْفَة ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة ويقول: غارَت أمّكم.\nثم حبس الخادمَ حتى أُتي بصَحْفَةٍ من عند التي هو في بيتها، فدفَع الصحفةَ الصحيحة إِلى التي كُسِرتْ صحفَتها، وأمسكَ المكسورة في بيت التي كُسِرت فيه\" (١).\nوفي رواية: \"أنّ النبي - ﷺ - كان عند بعض نسائِه، فأرسَلتْ إِحدى أُمهاتِ المؤْمنين مع خادم بقَصْعةٍ فيها طعامٌ، فضربَتْ بيدِها فكسَرَت القَصعة (٢)، فضمَّها وجعل فيها الطعام وقال: كلوا. وحَبسَ الرسولَ والقصعةَ حتى فرَغوا، فدفع القصعةَ الصحيحةَ وحَبسَ المكسورة\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1717>لا يُستقاد من الجُرح حتى يبرأ صاحبُه:</span>\nلا يجوز أن يقتص من الجراحة حتى تندمل جراحة المجنيّ عليه، فإِن اقتصّ منه قبل الاندمال ثمّ زاد جرحه؛ فلا شيء له.\nعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: \"أن رجلًا طعنَ رجلًا بقرن في ركبته فجاء إِلى النبي - ﷺ - فقال: أقِدْني. قال: حتى تبرأ ثم جاء إِليه فقال:\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٥٢٢٥).\n(٢) قال الحافظ -﵀- في \"الفتح\": \"بقَصعة: إِناء من الخشب وفي رواية ابن عليّة في النكاح عند المصنّف \"بصحفة وهي قصعة مبسوطة وتكون من غير الخشب\" قلت: يشير -﵀- إلى الرواية السابقة برقم (٥٢٢٥).\n(٣) أخرجه البخاري (٢٤٨١).","vol":"6","page":212},{"text":"أقدني فأقاده. ثم جاء إِليه فقال: يا رسول الله عرجت فقال: قد نهيتك فعصيتني، فأبعدك الله وبطل عرجك (١). ثم نهى رسول الله - ﷺ - أن يقتص مِن جرح؛ حتى يَبْرأ صاحبُه\" (٢).\nوفي رواية: \"لا يُستقاد من الجُرح حتى يبرأ\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1718>موت المقتصّ منه </span>(٤):\nإِذا مات المقتصّ منه بسبب الجرح الذي أصابه من أجل القِصاص، فقد اختلفت فيه أنظار العلماء؛ فذهب الجمهور منهم إلى أنه لا شيء على المقتص؛ لعدم التعدي، ولأن السارق إِذا مات من قطع يده، فإِنه لا شيء على الذي قطع يده بالإِجماع. وهذا مِثل ذلك.\nوقال أبو حنيفة، والثوري، وابن أبي ليلى: إِذا مات، وجب على عائلة المقتص الدية؛ لأنه قتل خطأ.\nقلت: والأول أصح وأقوى لما علّله الجمهور، ولأن المتعدّي هو الذي جرّ إِلى نفسه ذلك؛ والله أعلم.\n_________\n(١) بَطَل عَرَجُك: أي: ذهَب ضياعًا وخُسرًا وهدرًا.\n(٢) أخرجه أحمد والدارقطني والبيهقي وصححه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٢٢٣٧).\n(٣) أخرجه الطحاوي وغيره، وحسنه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٧/ ٢٩٩).\n(٤) عن \"فقه السنة\" (٣/ ٣٣٠).","vol":"6","page":213},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1719>الدِّيات والضمان</span>","vol":"6","page":215},{"text":"الدِّيات\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1720>تعريفها:</span>\nالدِّيات -بتخفيف التحتانية-: جمع دِيَة مِثْل عِدات وعِدَة، وأصلها وَدْية -بفتح الواو وسكون الدال- تقول: ودى القتيل يدِيِه إِذا أعطى وليه دِيَتَه، وهي ما جُعِل في مقابلة النفس، وسُمّي دِيَة تسميةً بالمصدر، وفاؤها محذوفة والهاء عِوَض (١).\nقال في \"حلية الفقهاء\" (ص ١٩٦): \"وأمّا الدِّيةَ، فهي دِيَةٌ وعَقلٌ، وسُمّيت عقلًا؛ لأنّها تعقِل الدماء عن أن تُسْفَك.\nوقال قوم: كان أصل الدِّية الإِبل؛ فكانت تُجمع وتُعْقل بفِناء وليّ المقتول، فسميّت الدِّية عقلًا، وإنْ كانت دراهم أو دنانير\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1721>مشروعيتها:</span>\nقال الله -تعالى-: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (٢).\n_________\n(١) انظر \"الفتح\" (١٢/ ١٨٧).\n(٢) النساء: ٩٢.","vol":"6","page":217},{"text":"وعن عبد الله بن عمرو -﵄- قال: \"كانت قيمةُ الدِّية على عهد رسول الله - ﷺ - ثمانمائةَ دينار، أو ثمانيةَ آلاف درهم، ودِية أهل الكتاب يومئذ النصف من دية المسلمين.\nقال: فكان ذلك كذلك؛ حتى استخلف عمر -﵀- فقام خطيبًا فقال: ألا إِنّ الإِبل قد غَلَت (١).\nقال: فَفَرَضها عمر على أهل الذهب: ألفَ دينار، وعلى أهل الورق: اثني عشرَ ألفًا، وعلى أهل البقر مائتي بقرة وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الحُلل مائتي حلة.\nقال: وترك دِيَة أهل الذمة لم يرفعها فيما رفَع من الدِّيَة\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1722>حِكمتها:</span>\nالأصل في الدِّيَة أنها تجب أن تكون مالًا عظيمًا يغلبهم وينقص من مالهم، ويجدون له ألمًا عندهم، ويكون بحيث يؤدّونه بعد مقاساة الضيق ليحصل الزجر، وهذا القدْر يختلف باختلاف الأشخاص (٣).\n_________\n(١) قلت: فيه تصرف الوالي في الدية مراعاةً للغلاء والانخفاض، ليحقّق معنى الدِّية، وليذوق القاتل وبال أمره، وكذا يراعى في الدَّين هذا الأمر ليُنصف الدائن؛ مع انخفاض العملة الورقية. والله -تعالى- أعلم.\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٨٠٦) وحسنه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٢٢٤٧).\n(٣) انظر \"الروضة الندية\" (٢/ ٦٥٥).","vol":"6","page":218},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1723>مقدار دِية الرجل المسلم:</span>\nديَة الرجل المسلم مائة مِن الإِبل، أو مائتا بقرة، أو ألفا شاة، أو ألف دينار ذهب، اثنا عشرَ ألف درهم أو مائتا حُلّة (١).\nلحديث عبد الله بن عمرو -﵄- عن النبي - ﷺ - قال: \" ... ألا إِنّ ديَة الخطأ- شبه العمد؛ ما كان بالسوط والعصا مائة من الإِبل؛ منها أربعون في بطونها أولادها\" (٢).\nوفي كتاب عمرو بن حزم \"وفي النفس مائة من الإِبل\" (٣).\nوللحديث المتقدّم عن عبد الله بن عمرو -﵄- قال: \"كانت قيمةُ الدِّية على عهد الرسول الله - ﷺ - ثمانمائةَ دينار، أو ثمانيةَ آلاف درهم، ودِية أهل الكتاب يومئذ النصف من دية المسلمين.\nقال: فكان ذلك كذلك؛ حتى استخلف عمرُ -﵀- فقام خطيبًا فقال: ألا إِنّ الإِبل قد غَلَت.\nقال: فَفَرَضها عمر على أهل الذهب: ألفَ دينار، وعلى أهل الورق: اثني عشرَ ألفًا، وعلى أهل البقر مائتي بقرة وعلى أهل الشاء ألفي شاة وعلى\n_________\n(١) الحُلَل: جمع حُلّة، قال ابن الملك: \"وهي إزار ورداء مِن أيّ نوعٍ من أنواع الثياب، وقيل: الحُلَل: برود اليمن، ولا يسمّى حُلّة؛ حتى يكون ثوبين. \"المرقاة\" (٧/ ٦٢).\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢١٢٦) والنسائي وابن ماجه وغيرهم وصححه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٢١٩٧).\n(٣) صححه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٢٢٤٣).","vol":"6","page":219},{"text":"أهل الحلل مائتي حلة. قال: وترك دِيَة أهل الذمة لم يرفعها فيما رفَع من الدية\" (١).\nوفي رواية عنه أيضًا -﵁-: \"كان رسول الله - ﷺ -: يُقوِّم دِيَة الخطأ على أهل القرى أربعمائة دينار، أو عدلها من الورق يُقوِّمها على أثمان الإِبل، فإِذا غلت رفع في قيمتها، وإذا هاجت رخَصًا نقص من قيمتها، وبَلَغت على عهد رسول الله - ﷺ - ما بين أربعمائة دينار إِلى ثمانمائة دينار، وعدلها من الورق ثمانية آلاف درهم.\nوقضى رسول الله - ﷺ - على أهل البقر مائتي بقرة، ومن كان دِيَة عقْله في الشاء؛ فألفي شاة.\nقال: وقال - ﷺ -: إِن العقل ميراث بين ورثة القتيل على قرابتهم، فما فضل فللعصبة.\nقال: وقضى رسول الله في الأنف إِذا جُدِعَ الدية كاملة، وإِنْ جُدعت ثَنْدُوته فنصف العقل؛ خمسون من الإِبل، أو عدلها من الذهب أو الورق، أو مائة بقرة أو ألف شاة. وفي اليد إِذا قطعت نصف العقل، وفي الرِّجل نصف العقل، وفي المأمومة ثلث العقل ثلاث وثلاثون من الإِبل وثُلثُ أو قيمتها من الذهب، أو الورق، أو البقر أو الشاة، والجائفةُ مثل ذلك. وفي الأصابع في كل أصبع عَشْرٌ من الإِبل وفي الأسنان في كل سِنَّ خمس من الإِبل\" (٢).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٨٠٦) وحسنه شيخنا -﵀- في \"الإرواء\" (٢٢٤٧) وتقدّم.\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٨١٨) وتقدّم.","vol":"6","page":220},{"text":"وقد تقدم أن الدينار = ٤.٢٥ غرامًا.\nوالدية من الذهب = ٨٠٠ دينار = ٣٤٠٠ غرامًا.\nوحين فرضها عمر -﵁- ألف دينار = ٤٢٥٠ غرامًا.\nوالدرهم (١) = ٢.٩٧٥ غرامًا.\nوالدية من الفضة = ٨٠٠٠ درهم = ٢٣٨٠٠ غرامًا.\nوحين غَلَت: ١٢ ألفًا = ٣٥٧٠٠ غرامًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1724>القتل الذي تجب فيه </span>(٢):\nتجب الدية في القتل الخطأ، وشِبه العمد، وفي العمد الذي وقَع ممّن فَقد شرطًا من شروط التكليف؛ مثل الصغير والمجنون. وكذا في العمد الذي تكون فيه حُرمة المقتول ناقصةً عن حُرمة القاتل؛ مِثل الحُر إِذا قتَل العبد ... وسيأتي التفصيل بإِذن الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1725>تغليظ الدِّية </span>(٣):\nاختلفت الأحاديث الشريفة في الدِّيات تغليظًا وتخفيفًا لكل قسم، فالدِّية المغلّظة في الخطأ الذي هو شبه العمد، والدّيَة المخفّفة في الخطأ المحض والأحاديث مُصرّحةٌ بذلك.\n_________\n(١) انظر المكاييل والأوزان الإسلامية ترجمة الدكتور كامل العسلي (ص ٩) وفيه أن الدرهم = ٢.٩٧ غرامًا.\n(٢) عن \"فقه السنة\" (٣/ ٣٣٣) -بحذف وتصرف يسير-.\n(٣) عن \"الروضة الندية\" (٦٥٢) -بتصرف-.","vol":"6","page":221},{"text":"وتغلّظ الدية بأن تكون المائة من الإِبل؛ في بطون أربعين منها أولادها.\nعن عبد الله بن عمرو -﵄- \"أن رسول الله - ﷺ - خطَب يوم الفتح فقال: ألا إِنّ ديَة الخطأ -شبه العمد- ما كان بالسوط والعصا مائة من الإِبل؛ منها أربعون في بطونها أولادها\" (١).\nوفي رواية عن عقبة بن أوس عن رجُلٍ مِن أصحاب النبي - ﷺ - قال: \"خطَب النبي - ﷺ - يوم فتح مكة فقال: ألا وإِنّ قتيل الخطأ -شِبه العمد-؛ بالسوط والعصا والحجر مائة من الإِبل، فيها أربعون ثنية إِلى بازل عامها (٢) كلهنّ خَلِفةٌ (٣) \" (٤).\nوعن عبد الله بن عمرو -﵄- أنّ النبي - ﷺ - قال: \"عَقلُ شِبهِ العمد مُغَلّظ، مثل عقْلِ العمد، ولا يقتل صاحبه، وذلك أن ينزو الشيطان بين الناس فتكون دماء في عِمّيَّا في غير ضغينة ولا حمْل سلاح\" (٥).\nوعنه أيضًا: \"أن رسول الله - ﷺ - قضى: أنّ مَن قتَل خطأ؛ فديته مائة من\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٨٠٧) وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢١٢٧)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٤٤٥٨)، وصححه شيخنا - ﵀- في \"الإِرواء\" (٢١٩٧) وتقدّم.\n(٢) بازل عامها: هي البازل من الإبل الذي أتمّ ثماني سنين، ودخل في التاسعة وحينئذ يطلع نابه وتكمل قوته، ثم يقال له بعد ذلك: بازلُ عامٍ وبازلُ عامين. \"النهاية\".\n(٣) الخَلِفةٌ: الحامل من النوق، وقد خلفته إِذا حَمَلت. \"النهاية\".\n(٤) أخرجه أبو داود والنسائي واللفظ له، \"صحيح سنن النسائي\" (٤٤٦١).\n(٥) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٨١٩) وتقدّم.","vol":"6","page":222},{"text":"الإِبل: ثلاثون بنت مخاض (١)، وثلاثون بنت لَبون (٢)، وثلاثون حِقّة (٣)، وعشرة بني لبون ذكر\" (٤).\nوعن عثمان بن عفان، وزيد بن ثابت: في المغلظة: أربعون جَذَعة (٥) خَلِفَة، وثلاثون حِقّة، وثلاثون بنات لبون. وفي الخطأ ثلاثون حِقّة، وثلاثون بنات لَبون، وعشرون بنو لبون ذكور، وعشرون بنات مخاض\" (٦).\nوقد ذهب جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومَنْ بعدهم إِلى أن القتل على ثلاثة أضرب: عمد، خطأ، وشبه عمد.\nففي العمد القِصاص، وفي الخطأ الدية، وفي شبه العمد وهو ما كان بما مثله لا يَقْتُل في العادة، كالعصا والسوط والإِبرة مع كونه قاصدًا للقتل ديَة مغلظة، وهي مائة من الإِبل أربعون منها في بطونها أولاد.\n_________\n(١) مخاض: اسم للنوق الحوامل، واحدتها خَلِفة، وبنت المخاض وابن المخاض: ما دخَل في السنة الثانية؛ لأنّ أمّه قد لحقت بالمخاض: أي الحوامل وإن لم تكن حاملًا. \"النهاية\".\n(٢) لبون: بنت الّلبون وابن اللبون: هما من الإِبل ما أتي عليه سنتان، ودخل في الثالثة، وصارت أمّه لَبونًا؛ أي ذاتَ لبن، لأنّها تكون قد حملت حمْلًا آخر ووضعته. \"النهاية\".\n(٣) حقّة: هو منْ الإِبل ما دخل في السّنة الرابعة إِلى آخرها، وسميّ بذلك؛ لأنه استحقّ الركَوب والتحميل. \"النهاية\".\n(٤) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٨٠٥).\n(٥) جَذَعَة: أصل الجذع من أسنان الدوابّ، وهو ما كان منها شابًا فتيًا. فهو من الإِبل ما دخل في السنة الخامسة. \"النهاية\".\n(٦) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٨٠٨).","vol":"6","page":223},{"text":"وممن ذهب إِلى هذا زيد بن علي والشافعية والحنفية وأحمد وإِسحاق. وقال مالك والليث: إِن القتل ضربان: عمد وخطأ، فالخطأ ما وقع بسبب من الأسباب، أو غير مكلف، أو غير قاصد للمقتول ونحوه، أو للقتل بما مثله لا يقتل في العادة. والعمد ما عداه. والأول لا قَوَد فيه (١).\nوالقول إِنّه على ثلاثة أضرب؛ ثبت من خلال نصوصٍ صريحة الدلالة.\n١ - فقوله -تعالى-: ﴿ومن قتل مؤمنًا خطأً﴾ في قتل الخطأ.\n٢ - وقوله - ﷺ -: \"مَن قتَل عمدًا فهو قَوَد (٢) (٣) في قتل العمد.\n٣ - وقوله - ﷺ -: \"عَقلُ شِبهِ العمد مُغَلّظ، مثل عقْلِ العمدَ\" (٤) في قتل شبه العمد (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1726>تغليظ الدِّية في الحَرَم والشهر الحرام:</span>\nعن أبي نُجيح: \"أن امرأةً وُطئت في الطواف، فقضى عثمان -﵁- فيها بستة آلاف، وألفين تغليظًا للحرم\" (٦).\nوفي لفظ: \"أن عثمان -﵁- قضى في امرأة قُتلت في الحرام بدية\n_________\n(١) عن \"الروضة الندية\" (٢/ ٦٥٩).\n(٢) القود: القِصاص وقتل القاتل بدل القتيل وتقدّم.\n(٣) تقدّم تخريجه في \"أنواع القتل\".\n(٤) تقدّم تخريجه في \"أنواع القتل\".\n(٥) وهو كذلك في إِثبات نوع قتل العمد.\n(٦) صححه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٢٢٥٨).","vol":"6","page":224},{"text":"وثلث دِيَة\" (١).\nوفي لفظ: \"أن رجلًا وطئ امرأةً بمكة في ذي القَعدة فقَتَلها، فقضى فيها عثمان -﵁- بدية وثلث\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1727>على مَن تَجب الدِّية</span>؟\nالدية الواجبة على القاتل نوعان:\n١ - نوعٌ يجِب على الجاني في ماله، وهو القتل العمد إِذا سقط القِصاص، ولا تحمل العاقلة العمد، ولا الإقرار بالقتل أو الصُلح في عمد.\nعن ابن عباس -﵄- قال: \"لا تحمل العاقلة عمدًا، ولا ما جنى المملوك (٣)، ولا صُلحًا، ولا اعترافًا\" (٤).\nوعن عامر الشعبي -﵀- قال: \"العمد والعبد والصُلح والاعتراف لا تعقله العاقلة\" (٥).\nوجاء في كتاب \" الإِجماع\" (ص ١٢٠) لابن المنذر: \"وأجمعوا على أنّ العاقلة لا تحمل دية العمد، وأنها تحمل دية الخطأ\".\n*٢ - ونوعٌ يجب على القاتل، وتتحمله عنه العاقلة، إِذا كانت له عاقلة\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة والبيهقي، وانظر المصدر السابق.\n(٢) أخرجه البيهقي وقال شيخنا -﵀- وإسناده صحيح وانظر المصدر السابق.\n(٣) أي: ما جنى من قتل.\n(٤) أخرجه البيهقي، وحسنه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٢٣٠٤).\n(٥) أخرجه البيهقي وابن أبي شيبة بإسناد صحيح، وانظر \"الإرواء\" (٧/ ٣٣٧).","vol":"6","page":225},{"text":"بطريق التعاون، وهو قتل شبه العمد وقتل الخطأ (١)، والقاتل كأحد أفراد العاقلة؛ لأنه هو القاتل، فلا معنى لإِخراجه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1728>تعريف العاقلة:</span>\nالعاقلة مأخوذة من العقل؛ لأنها تَعقل الدماء؛ أي؛ تُمسكها من أن تسفك، يقال: عقَل البعير عقلًا. أي: شدَّه بالعقال، ومنه العقل؛ لأنه يمنع من التورط في القبائح.\nوالعاقلة: هي الجماعة الذين يعقلون العقل، وهي الدية، يقال: عقلْت القتيل، أي: أعطيت دِيته، وعقلْت عن القاتل، أدّيت ما لزمه من الدِّية.\nوالعاقلة هم عَصَبةَ الرجل، أي: قرابته الذكور، البالغون من قِبل الأب الموسرون، العقلاء ويدخل فيهم الأعمى والزَّمِن (٢)، والهرم إِن كانوا أغنياء، ولا يدخل في العاقلة أنثى، ولا فقير ولا صغير ولا مجنون، ولا مخالف لدين الجاني؛ لأنّ مبنى هذا الأمر على النصرة، وهؤلاء ليسوا من أهلها* (٣).\nقال ابن الأثير -﵀- في \"النهاية\":- \"والعَصَبة: الأقارب من جهة الأب؛ لأنّهم يُعصّبونه ويعتصب بهم يحيطون ويشتدّ بهم\".\nقال شيخ الإِسلام -﵀- في \"مجموع الفتاوى\" (٣٤/ ١٥٨):\n\"وأمّا العاقلة التي تحمِل: فَهُم عَصَبته: كالعمّ وبنيه، والإِخوة وبنيهم باتفاق العلماء وأمّا أبو الرجل وابنه فهو من عاقلته أيضًا عند الجمهور؛ كأبي حنيفة،\n_________\n(١) وكذا عمد الصغير والمجنون؛ كما سيأتي؛ إِن شاء الله.\n(٢) من الزمانة: أي مرض يدوم.\n(٣) ما بين نجمتين من \"فقه السنة\" (٣/ ٣٣٦).","vol":"6","page":226},{"text":"ومالك، وأحمد في أظهر الروايتين عنه، وفي الرواية الأخرى، وهو قول الشافعي: أبوه وابنه ليسا من العاقلة\".\nوقال شيخنا -﵀- في \"الصحيحة\" تحت الحديث (١٩٨٣): \"العصبة: هم بنو الرجل وقرابته لأبيه، وفي \"الفرائض\": مَن ليست له فريضة مُسمّاة في الميراث وإِنّما يأخُذُ ما أبقى ذوو الفرائض\".\nوقال ابن المنذر -﵀-: \"وأجمعوا أن المرأة والصبي الذي لم يبلغ؛ لا يعقلان مع العاقلة شيئًا\" (١).\nودليل وجوب الدِّيَة على العاقلة؛ ما ورَدَ في حديث أبي هريرة -﵁-: \"أن امرأتين من هذيل رمت إِحداهما الأخرى فطرحت جنينها، فقضى رسول الله - ﷺ - فيها بغُرّةٍ: عبدٍ أو أَمة\" (٢).\nوفي الحديث: \"العقل (٣) على العَصَبة، وفي السّقط غُرَّة عبدٍ أو أَمة\" (٤).\nقال ابن المنذر -﵀-: \"أجمع أهل العلم على أن دِيَة الخطأ تحمِله العاقلة\" (٥).\n*ويرى مالك وأحمد -رحمهما الله تعالى- أنه لا يجب على واحدٍ من\n_________\n(١) انظر \"الإِجماع\" (١٢٠).\n(٢) أخرجه البخاري (٦٩٠٤)، ومسلم (١٦٨١).\n(٣) أي: الدِّية؛ كما تقدّم.\n(٤) أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" وإسناده صحيح كما في \"الصحيحة\" (١٩٨٣).\n(٥) انظر \"الإِجماع\" (١٢٠).","vol":"6","page":227},{"text":"العَصبَة قدْرٌ مُعيَّنٌ مِن الدِّية، ويجتهد الحاكم في تحميل كلّ واحدٍ منهم ما يسهُل عليهِ، ويبدأ بالأقرب فالأقرب.\nوقال شيخ الإِسلام -﵀-: \"وتُؤخذ الدّيَة من الجاني خطأً عند تعذُّر العاقلة؛ في أصحّ قولي العلماء.\nوإذا قتل المسلمون رجلًا في المعركة ظنًا أنه كافر؛ ثمّ تبيّن أنه مُسلم؛ فديَته في بيت المال؛ وكذلك مَن مات من الزِّحام (١)، تجب ديته في بيت المال* (٢).\nعن عائشة -﵂- قالت: \"لما كان يوم أُحد هُزِم المشركون، فصاح إِبليسُ: أي عباد الله أخراكم. فرجَعَت أولاهم فاجتَلَدَت هي وأخراهم فنظر حذيفة فإِذا هو بأبيه اليمان، فقال: أي عباد الله، أبي أبي.\nقالت: فوالله ما احتجزوا حتى قتلوه، قال حذيفة: غفرَ الله لكم. قال عروة: فما زالت في حذيفة منه بقية خير حتى لحقَ بالله\" (٣).\nقال الحافظ -﵀- في \"الفتح\": \"قال ابن بطّال: اختلف عليٌّ وعمرُ هل تجب دِيَته في بيت المال أو لا؟ وبه قال إِسحاق -أي: بالوجوب- وتوجيهه أنه مسلم مات بفعل قوم من المسلمين، فوجبت ديته في بيت مال المسلمين\" (٤).\n_________\n(١) انظر حديث عائشة -﵂- الآتي في \"صحيح البخاري\" (كتاب الدِّيات باب إِذا مات في الزِّحام أو قُتِل).\n(٢) ما بين نجمتين من \"فقه السنة\" (٣/ ٣٣٩) -بتصرف-.\n(٣) أخرجه البخاري (٦٨٩٠).\n(٤) انظر للمزيد -إن شئت- ما قاله الحافظ -﵀- (١٢/ ٢١٨).","vol":"6","page":228},{"text":"عن بُشير بن عُبيد عن سهل بن أبي حَثْمة: \"أخبرهُ أن نَفَرًا مِن قومه انطلقوا إِلى خَيبر فتفرقوا فيها ووجدوا أحدهم قتيلًا وقالوا: للذي وُجد فيهم: قَتَلْتُم صاحِبنا، قالوا ما قَتلنا ولا عَلِمنا قاتلًا.\nفانطلقوا إِلى النبي - ﷺ - فقالوا: يا رسول الله، انطلقنا إِلى خَيبر، فوجدنا أحدنا قتيلًا فقال الكُبْرَ الكُبْرَ، فقال لهم: تأتونَ بالبَيِنّة على من قَتَله؟ قالوا: ما لنا بيّنة، قالوا: فيحلفون؟ قالوا: لا نرضى بأيْمانِ اليهود، فكَرِه رسول الله أن يُبطل دمَهُ فوداه (١) مائة من إِبل الصدقة\" (٢).\nوجاء في \"سنن ابن ماجه\": \"الدية على العاقلة، فإِن لم يكن عاقلة؛ ففي بيت المال\" (٣).\nثم ذكر حديث المقدام الشامي -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -:\n\"أنا وارثُ مَن لا وارث له، أعقِل عنه وأرثُه، والخال وارثُ من لا وارث له؛ يَعقِلُ عنه ويَرثُه\" (٤).\nونخلُص بهذا إِلى أنّ الدِّية إِن تعذّر الحصول عليها؛ فإِنها تُؤْخَذ من بيت مال المسلمين.\n_________\n(١) أي: دفع دِيته.\n(٢) أخرجه البخاري (٦٨٩٨) ومسلم (١٦٦٩).\n(٣) انظر الكتاب المذكور (كتاب الديات باب - ٧).\n(٤) أخرجه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢١٣٠) وغيره، وانظر \"الإِرواء\" (٦/ ١٣٨).","vol":"6","page":229},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1729>فائدة:</span>\nقال ابن المنذر -﵀- في كتاب \" الإِجماع\" (ص ١٢٠):- \"وأجمعوا على أنّ الفقير لا يلزمه من ذلك شيء\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1730>مقدار دية الأعضاء والشّجاج:</span>\nلقد ورَدَ في دية الأعضاء والشّجاج عددٌ من النصوص؛ ومن ذلك:\n١ - عن عمر -﵁- عن النبي - ﷺ - قال: \"في الأنف الدية إِذا استُوعِب جَذعُه مائة من الإِبل، وفي اليد خمسون، وفي الرجل خمسون، وفي الآمة ثلث النفْس، وفي الجائفة ثلث النفس، وفي المنَقّلة خمس عشرة، وفي الموضِحِة خمسٌ، وفي السِّنِّ خمسٌ، وفي كل إِصبع مما هنالك عشر\" (٢).\n٢ - عن عبد الله بن عمرو -﵄-: \"كان رسول الله - ﷺ -: يُقوِّم دية الخطأ على أهل القرى أربعمائة دينار، أو عدلها من الورق يُقوِّمها على أثمان الإِبل، فإِذا غلت رفع في قيمتها، وإذا هاجت رخَصًا نقص من قيمتها.\nوبَلَغت على عهد رسول الله - ﷺ - ما بين أربعمائة دينار إلى ثمانمائة دينار، وعدلها من الورق ثمانية آلاف درهم.\nوقضى رسول الله - ﷺ -: على أهل البقر مائتي بقرة، ومن كان دية عقله الشاء فألفي شاة، قال: وقال رسول الله - ﷺ -: \"إِن العقل ميراث بين ورثة القتيل على قرابتهم، فما فضل فللعصبة.\nقال: وقضى رسول الله - ﷺ - في الأنف إِذا جُدعَ الدية كاملة وإن جدعت\n_________\n(١) أي لا يعقل مع العاقلة شيئًا.\n(٢) أخرجه البزار وغيره وانظر \"الصحيحة\" (١٩٩٧).","vol":"6","page":230},{"text":"ثَنْدُوته فنصف العقل؛ خمسون من الإِبل، أو عدلها من الذهب أو الورق، أو مائة بقرة أو ألف شاة.\nوفي اليد إِذا قطعت نصف العقل، وفي الرِّجل نصف العقل، وفي المأمومة ثلث العقل ثلاث وثلاثون من الإبل وثُلثُ، أو قيمتها من الذهب، أو الورق، أو البقر أو الشاء، والجائفةُ مثل ذلك. وفي الأصابع في كل أصبع عَشْرٌ من الإبل، وفي الأسنان في كل سِنٍّ خمس من الإِبل.\nوقضى رسول الله - ﷺ -: أن عقل المرأة بين عصبتها من كانوا لا يرثون منها شيئًا إِلا ما فضل عن ورثتها. وإِن قتلت فعقلها بين ورثتها، وهم يقتلون قاتلهم.\nوقال رسول الله - ﷺ - ليس للقاتل شيء، وإن لم يكن له وارث فوارثه أقرب الناس إِليه، ولا يرث القاتلُ شيئًا\" (١).\nوفي لفظٍ من حديث عبد الله بن عمرو -﵄- أيضًا قال: \"كانت قيمةُ الدِّية على عهد رسول الله - ﷺ - ثمانمائةَ دينار، أو ثمانيةَ آلاف درهم، ودِية أهل الكتاب يومئذ النصف من دية المسلمين، قال: فكان ذلك كذلك؛ حتى استخلف عمر -﵀- فقام خطيبًا فقال: ألا إِنّ الإِبل قد غَلَت.\nقال: فَفَرَضها عمر على أهل الذهب: ألفَ دينار، وعلى أهل الورق: اثني عشرَ ألفًا، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة.\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٨١٨).","vol":"6","page":231},{"text":"قال: وترك دِيَة أهل الذمة لم يرفعها فيما رفَع من الدية\" (١).\n٣ - عن أبي موسى -﵁- عن النبي - ﷺ - قال: \"الأصابع سواء: عشْرٌ عشْرٌ من الإِبل\" (٢).\n٤ - وعن ابن عباس -﵄- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"دِيَة أصابع اليدَين والرِّجلين سَواء، عشْرُ من الإِبل لكل إِصبع\" (٣).\n٥ - وعنه أيضًا -﵁- أن النبي - ﷺ - قال: \"هذه وهذه سواء\" يعني الخِنصر والإِبهام (٤).\n٦ - وعنه -﵁- أن رسول الله - ﷺ - قال: \"الأصابع سَواء، والأسنان سَواء؛ الثّنِيَّة (٥) والضِّرسُ سواء، وهذه وهذه سواء\" (٦).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٨٠٦) ومن طريقه البيهقي، وانظر \"الإِرواء\" (٢٢٤٧) وتقدّم.\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٨١٠) وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢١٤٧) والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٤٥٠٣)، وانظر \"الإِرواء\" (٢٢٧٢).\n(٣) أخرجه أحمد والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (١١٢٣)، وغيرهما، وانظر \"الإِرواء\" (٢٢٧١).\n(٤) أخرجه البخاري (٦٨٩٥).\n(٥) الثنيّة: إِحدى الأسنان الأربع التي في مقدّم الفم: ثنتان من فوق وثنتان من تحت.\n(٦) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٨١٣) وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢١٤٨) وغيرهم، وانظر \"الإِرواء\" (٢٢٧٧).","vol":"6","page":232},{"text":"وورد في حديث عمرو بن حزم عدد من ديات الأعضاء والشجاج الأخرى، والراجح فيه الإِرسال وإِسناد المرسل صحيح (١) ولبعض أفراده شواهدُ ثابتة مرفوعة، ولذلك ضربت صفحًا عن التفصيل فيه وما يترتّب على ذلك من الأحكام (٢).\nونخلُص من النصوص المتقدّمة -والآتية- بما يأتي:\n١ - دية الأنف إِذا استوعب جدْعه وقُطع جميعه؛ الدية كاملة، وهي مائة\n_________\n(١) انظر \"الإرواء\" (٢٢١٢)، وورد في عدة مواطن فيه. وانظر كذلك ضعيف النسائي (٣٣٩) و\"هداية الرواة\" (٣٤٢١).\n(٢) وهذا لفظه: \"عن أبي بكر محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جدّه -﵁- أن رسول الله - ﷺ - كتب إِلى أهل اليمن كتابًا فيه الفرائض والسنن والديات، وبعث به مع عمرو بن حزم، فقرئت على أهل اليمن، هذه نسختها:\nمن محمد النبي - ﷺ - إِلى شرحبيل بن عبد كُلال، ونعيم بن عبد كُلال، والحارث ابن عبد كُلال، قَيْلِ ذي رُعَيْنٍ، ومُعَافِرَ وهَمدان.\nأمّا بعد، وكان في كتابه:\nأن من اعتَبطَ (أ) مؤمنًا قتلًا عن بينةٍ فإِنّه قَودٌ، إِلا أن يرضى أولياء المقتول، وأنّ في النفس الدّيَة مائة من الإبل، وفي الأنف إِذا أُوعِب جَدعُهُ الدِّية، وفي اللسان الدّيَة، وفي الشَّفتين الدّيَة، وفي البَيضَتَينِ الدّيَة، وفي الذَّكر الدّيَة، وفي الصُلبِ الدّيَة، وفي العينين الدّيَة، وفي الرجل الواحدة نِصف الدّيَة، وفي المأمومةِ ثلث الدية، وفي الجَائفة ثلث الدية، وفي المُنقِّلَة خمس عشرةَ من الإِبل، وفي كل أُصبع من أصابع اليد والرجل عشرٌ من الإِبل، وفي السنّ خمسٌ مِن الإبل، وفي الموضحَة خمس مِن الإبل، وأنّ الرّجُل يُقْتَل بالمرأة، وعلى أهل الذهب ألف دينار\".\n_________\n(أ) أي: قتله بلا جناية. \"النهاية\".","vol":"6","page":233},{"text":"من الإِبل.\nوإِذا جدُعت أرنبة أنفه؛ فله نصف الدية؛ لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه: \"أن رسول الله قضى في الأنف إِذا جُدع كلّه بالعقل كاملًا؛ وإِذا جدُعت أرنبته؛ فنصف العقل\" (١).\n٢ - في اليد نصف الدية؛ خمسون من الإِبل.\n٣ - في اليد الشلاّء ثلث ديتها، ودية اليد كاملة نصف الديَة، فتكون ديتها -أي اليد الشلاّء- سدس الدية وهي ستة عشر من الإِبل وثُلُثان.\nعن عمر بن الخطاب -﵁- أنه قال: في العين القائمة، والسنّ السوداء واليد الشلاّء ثلث ديتها\" (٢).\n٤ - في الرِّجل نصف الدية؛ خمسون من الإِبل.\n٥ - في أصابع اليدين والرِّجلين سَواء، عشْرٌ من الإبل.\n٦ - دية الظفر إِذا لم يُعدْ أو عاد أسود، أو اعورّ خُمس دية الإِصبع (٣).\nعن ابن عبّاس -﵄- قال: \"في الظّفر إِذا اعْوَرّ خُمس دية\n_________\n(١) أخرجه أحمد في \"المسند\" وغيره وقال شيخنا -﵀- في \"التعليقات الرضية\" (٣/ ٣٨٠): \"سنده حسن\".\n(٢) أخرجه البيهقي بإِسناد صحيح، وانظر \"الإِرواء\" (٢٢٩٤).\nوهذا ورد مرفوعًا عن النبي - ﷺ - من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه أخرجه النسائي وغيره، وهو حسن احتمالًا، انظر \"الإرواء\" (٢٢٩٣).\n(٣) يذكّر ويؤنّث، وفيه خمس لغات؛ انظرها في المعاجم -إِنْ شئت-.","vol":"6","page":234},{"text":"الإِصبع\" (١).\nوتقدم أن دية الإِصبع عَشْرٌ من الإِبل -وهي عُشر الدية- فتكون دية الظفر خُمس العشر وهي: اثنان من الإِبل.\n٧ - في العين نصف الدية؛ خمسون من الإِبل لقوله - ﷺ -: \"وفي العين خمسون من الإِبل\" (٢).\nوفي العين إِذا طُمست: ثلث ديتها، ستة عشر من الإبل وثُلُثان (٣). وفي عين الأعور؛ دِيةٌ كاملة.\nثبت ذلك عن عمر وعلي وابن عمر -﵃ أجمعين-.\nفعن أبي مجلز: \"أن رجلًا سأل ابن عمر: وفي رواية عنه: سألت عبد الله ابن عمر عن الأعور تفقأ عينه، فقال عبد الله بن صفوان: قضى فيها عمر الدية\" (٤).\nوعن قتادة عن علي -﵁-: \"في الرجل الأعور إِذا أصيبت عينه الصحيحة قال: إِن شاء أنَ يفقأ عينًا مكان عينٍ ويأخذ النصف، وإِن شاء أخذ الدية كاملة\" (٥).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة وسنده صحيح على شرط مسلم كما في \"الإرواء\" (٢٢٧٤).\n(٢) حسنه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٢٢٦٩).\n(٣) تقدّم تخريجها في اليد الشلاّء، وانظر \"هداية الرواة\" (٣٤٣٢).\n(٤) أخرجه ابن أبي شيبة والبيهقي بإِسناد صحيح، وانظر \"الإِرواء\" (٧/ ٣١٥).\n(٥) أخرجه ابن أبي شيبة بإِسناد صحيح وانظر \"الإِرواء\" (٧/ ٣١٦).","vol":"6","page":235},{"text":"عن ابن عمر -﵄- قال: إِذا فُقئت عين الأعور ففيها الدية كاملة\" (١).\n٨ - وفي الأذن خمسون.\nفعن ابن شهاب قال: قرأت كتاب رسول الله - ﷺ - الذي كتَبه لعمرو بن حزم -﵁- ... فكتب: \"وفي الأذن خمسون من الإِبل\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1731>فائدة:</span>\nعن عمران بن حصين -﵁-: \"أنّ غلامًا لأُناس فقراء؛ قطَع أُذن غلامٍ لأُناسٍ أغنياء، فأتى أهلُهُ النبيّ - ﷺ - فقالوا: إِنّا أُناسٌ فقراء، فلم يجعل عليه شيئًا\" (٣).\n٩ - في كل سنن خمسٌ من الإِبل.\nرجاء في \"مجموع الفتاوى\" (٣٤/ ١٧١): \"وسُئِل -قدس الله روحُه- عن رَجُلٍ ضَرَب رجُلًا فتحوّل حنكُه، ووَقَعت أنيابه، وخيّطوا حنَكَه بالإِبر؛ فما يجب؟\nفأجاب: يجب في الأسنان؛ في كل سنٍّ نصف عشر الدية (٤)؛ خمسون\n_________\n(١) انظر المصدر السابق.\n(٢) أخرجه البيهقي بسند صحيح ويقويه قول عمر وعلي بما فيه، كما في البيهقي بسندين صحيحين؛ قاله شيخنا -﵀- في \"التعليقات الرضية\" (٣/ ٣٨٢).\n(٣) أخرجه أبو داود والنسائي، وقال شيخنا -﵀- في \"هداية الرواة\" (٣٤٣٥): إِسنادهُ صحيح على شرط مسلم.\n(٤) لأن الخَمس من الإِبل = ٥/ ١٠٠ = ١/ ٢٠ وهو ما ذكره الفقهاء أنه نصف العُشر.","vol":"6","page":236},{"text":"دينارًا أو خمس من الإِبل أو ستمائة درهم. ويجب في تحويل حنك الأرش؛ يقوم المجني عليه كأنه عبد سليم، ثم يقوم وهو عبد معيب، ثم ينظر تفاوُت ما بين القيمتين، فيجب بنسبته من الدية.\nوإِذا كانت الضربة مما تقلع الأسنان في العادة؛ فللمجني عليه القِصاص، وهو أن يقلع له مِثْل تلك الأسنانِ من الضارب\".\n١٠ - الثَّندُوَة (١) نصف الدية، خمسون من الإِبل (٢).\n١١، ١٢ - الضلع والتَرقوة.\nعن أسلم مولى عمر -﵁- \"أن عمر قضى في الترقوة وفي الضلع بجمل\" (٣).\n١٣ - إِذا ذهب سمعه ولسانه وعقْله وذَكَره، فيه أربع ديات، عن أبي المهلّب قال: \"رُمي رجل بحجر في رأسه، فذهب سمْعه ولسانه وعقْله وذَكَره، فلم يقرب النساء، فقضى فيه عمر بأربع ديات\" (٤).\nوجاء في كتاب \"الإِجماع عند أئمّة أهل السُّنة الأربعة\" (ص ١٧٤):\n_________\n(١) الثَّندُوَة للرجل: كالثدي للمرأة، وانظر \"النهاية\".\n(٢) أو عدلها من الذهب أو الورِق، أو مائة بقرة، أو ألف شاة كما ورَد في الحديث الذي أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٨١٨). وهذا عامّ في الدية كاملة؛ كانت أو مجزّأة، وسيأتي عما قريب -إِن شاء الله تعالى- التنبيه على ذلك.\n(٣) أخرجه مالك، وعنه البيهقي بإسناد صحيح، وانظر \"الإرواء\" (٢٢٩١).\n(٤) أخرجه ابن أبي شيبة، وعنه البيهقي، وحسّنه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٢٢٧٩).","vol":"6","page":237},{"text":"وأجمعوا على أن: في اللسان الدية.\nوأجمعوا على أن: في الذكر الدية.\nوأجمعوا على أن: في ذهاب العقل الدية.\nوأجمعوا على أن: في ذهاب السمع الدية.\nومن تأمّل ما ثَبت من نصوصٍ وآثارٍ في الديَة؛ فإِنه يرى أنّ في العضوين الدِّيَة كاملة، وفي العضو الواحد نصف الدية.\nففي الأُذُن نصف الدية.\nوفي الرِّجل نصف الدية.\nوفي العين نصف الدية.\nوفي اليد نصف الدية.\nوفي الثندوة نصف الدية.\nوفي الأنف إِذا استوعب الدية كاملة.\nوفي أصابع اليدين الدية كاملة.\nوفي أصابع الرجلين الدية كاملة.\nوفي عين الأعور الدية كاملة.\nوعلى هذا يحمل قضاء عمر -﵁- فيمن فقد سمْعه ولسانه وعقْله وذَكَره، أنّ لكل واحدٍ منها الدية كاملة.\nوبهذا تجدني أميل إِلى تصحيح معنى حديث عمرو بن حزم -رضي الله","vol":"6","page":238},{"text":"عنه- (١) واعتماد ما تبقّى من الأعضاء التي لم أرَ لها -فيما أعلم- شواهد من السّنة النبوية.\nوقد تقدم في قضاء عمر -﵁- وأجمع عليه الأئمّة الأربعة: أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد -رحم الله الجميع- (٢).\nففي اللسان الدّية.\nوفي الشفتين الدّية.\nوفي البيضتين الدّية.\nوفي الذَّكَر الدّية.\nوفي الصُّلب الدية.\nفكل ما تقدّم في حديث عمرو بن حزم -﵁- إِما عضوٌ واحد في الجسد أو عضوان استُئصلا؛ كالشفتين والبيضتين. والله أعلم.\nتنبيه: كلّ ما يذكر من الديات في الأعضاء والشجاج من الإِبل؛ يمكن أن يخرجَ عدله من الذهب أو الورق أو البقر أو الشياه.\nوقد تقدّم أن دية الرجل المسلم مائة مِن الإِبل، أو مائتا بقرة، أو ألفا شاة، أو\n_________\n(١) ولا سيّما أن هناك من صحّح هذا الحديث؛ مثل ابن حبّان والحاكم والبيهقي، ونُقل عن أحمد أنه قال: أرجو أن يكون صحيحًا، وصحّحه أيضًا من حيث الشهرة؛ لا مِن حيث الإسناد جماعة من الأئمة؛ منهم الشافعي ... وقال ابن عبد البر: هذا كتاب مشهور عند أهل السِّير معروف ما فيه عند أهل العلم؛ يُستغنى بشهرته عن الإِسناد؛ لأنه أشبه بالتواتُر في مجيئه؛ لتلقّي الناس له بالقَبول والمعرفة. وانظر \"النيل\" (٧/ ١٦٣).\n(٢) انظر \"الإِجماع عند أئمة أهل السُّنة الأربعة\" للوزير يحيى بن هبيرة (ص ١٧٤).","vol":"6","page":239},{"text":"ألف دينار ذهب، أو اثنا عشرَ ألف درهم من فضة أو مائتا حُلّة.\nوبعض الديَة تقسّم بحسبها:\nفنصف الدية مثلًا خمسون من الإِبل؛ أو مائة بقرة، أو ألف شاة، أو ألف دينار ذهب، أو ستة آلاف درهم فضة، مائة حُلّة.\nوثلث الدّية هكذا ...\nوتقدّم قوله - ﷺ -: \"وإِنْ خدعت ثَنْدُوته فنصف العقل؛ خمسون من الإِبل، أو عدْلها من الذهب أو الورق، أو مائة بقرة أو ألف شاة\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1732>الجراح وأقسامها ودِياتها</span>\nجاء في \"المحلى\" (١٢/ ٢١١) -في تقسيم الجراح-:\nأولها الحارضة (١) ثمّ الدامية، ثمّ الدامعة، ثمّ الباضعة، ثمّ المتلاحمة، ثمّ السمحاق، ثمّ الموضحة، ثمّ الهاشمة، ثمّ المنقلة، ثمّ المأمومة، -وهي الآمة أيضًا-.\nوفي الجوف وحده: الجائفة، وهي التي نفذت إِلى الجوف.\nوالحارِضة (١) -التي تشق الجلد شقًا خفيفًا- يقال حرض القصار الثوب إِذا شقه شقًا لطيفًا.\nوالدامية: هي التي ظهر فيها شيء من دم ولم يَسِل.\nوالدامعة: هي التي سال منها شيءٌ من دمٍ كالدمع.\nوالباضعة: هي التي شقّت الجلد، ووصلت إِلى اللحم.\n_________\n(١) وهكذا جاءت -بالضّاد- ومن خلال مراجعاتي في كتب الغريب والمعاجم؛ رأيتها (الحارصة) بمهملتين؛ -بالحاء والصاد-.","vol":"6","page":240},{"text":"والمتلاحمة: هي التي شقّت الجلد، وشرعت في اللحم.\nوالسمحاق: -هي الملطا- وهي التي قطَعت الجلد واللحم كله، ووصلت إِلى القشرة الرقيقة التي على العظم.\nوالموضحة: التي شقّت الجلد واللحم، وتلك القشرة، وأوضحت عن العظم.\nوالهاشمة: هي التي قطعت الجلد واللحم والقشرة، وأثّرت في العظم فهشمت فيه.\nالمنقلة: -وهي المنقولة أيضًا- التي فعلت ذلك كلّه، وكسرت العظم؛ فصار يخرج منها العظام.\nوالمأمومة: التي نفذت ذلك كله، وشقّت العظم كلّه، فبلغت أمّ الدماغ.\nهذا الكلام كله هكذا، حدَّثناه أحمد بن محمد بن الجسور قال: نا محمد بن عيسى بن رفاعة قال: نا علي بن عبد العزيز نا أبو عبيد عن الأصمعي وغيره فذكر كما ذكَرْنا\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1733>دية الشجاج:</span>\nويتلخص مما تقدّم من النّصوص -وما يأتي- ما يلي:\n١ - في الآمة أو المأمومة (١) ثلث الدية (٢) ثلاث وثلاثون من الإِبل وثُلث.\n_________\n(١) الآمة أو المأمومة: هما الشجّة التي بلغَت أمْ الرأس، وهي الجلدة التي تجمع الدّماغ. وانظر \"النهاية\".\n(٢) انظر \"الإِرواء\" (٢٢٨٩).","vol":"6","page":241},{"text":"٢ - في الجائفة (١): ثلث الدية (٢)، وهي ثلاث وثلاثون من الإِبل وثُلث، فإِذا خَرَجت من الجانب الآخر، ففيها ثلثا الدية.\nعن سعيد بن المسيب: \"أن قومًا يرمون، فرمى رجل منهم بسهم خطأ، فأصاب بطن رجل، فأنفذه إِلى ظهره، فدووي فبرأ، فرفع إِلى أبي بكر، فقضى فيه بجائفتين\" (٣).\n٣ - في المنقّلة (٤) خمس عشرة من الإِبل (٥).\n٤ - في المواضح (٦) خمس خمس.\nعن عبد الله بن عمرو -﵄- قال: \"لما افتتحَ رسول الله - ﷺ - مكة قال في خطبته: وفي المواضح: خمس خمسٌ\" (٧).\n_________\n(١) الجائفة: هي الطعنة التي تبلغ الجوف \"طلبة الطَلَبة\" (٣٢٨).\n(٢) انظر \"الإِرواء\" (٢٢٩٦).\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة وانظره والشواهد الأخرى في \"الإرواء\" تحت الأثر (٢٢٩٨).\n(٤) المنقلة: هي التي تخرج منها صِغار العظام، وتنتقل عن أماكنها، وقيل: التي تنقُل العظم: أي تكسره \"النهاية\".\n(٥) انظر \"الإرواء\" (٢٢٨٦، ٢٢٨٧).\n(٦) جمع موضحة: هي التي تُبدي وَضَحَ العظم: أي بياضه، وانظر \"النهاية\".\n(٧) أخرجه النسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٤٥١٢) وأبو داود \"صحيح سنن أُبي داود\" (٣٨٢٠) والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (١١٢٢) وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢١٥٠).","vol":"6","page":242},{"text":"وجاء في \"المغني\" (٩/ ٦٤٣): \"وإنْ أوضَحه في رأسه موضحتين بينهما حاجز؛ فعليه أرش موضحتين؛ لأنهما موضحتان، فإِنْ أزال الحاجز الذي بينهما؛ وجب أرش موضحة واحدة؛ لأنّه صار الجميع بفعله موضحة ... \".\nوهذا الذي ثبت فيه الحديث والأثر من الشجاج -فيما أعلم- وقد ورد في حديث عمرو بن حزم -﵁- عددٌ من الشّجاج، والأعضاء ولا يثبت الحديث مرفوعًا -كما تقدّم-.\nوتقدم ذكر دِية الآمة والجائفة والمنقّلة والموضحة؛ مع الأدلة، وبقي من ذلك: الحارصة، والدامية والدّامعة والباضعة والمتلاحمة والسمحاق والهاشمة.\nفبحثتُ عن نصوصٍ وآثار ثابتة، فلم أعثر على ذلك، وتأمّلت تقسيم ابن حزم -﵀- الذي أفاده من الأصمعي وغيره، وتدرّجَه (التصاعدي) في الجراح؛ فرأيت أربعة أنواع من الجراح ذُكرت قبل الموضّحة، ولمّا كان في الموضّحة خمس من الإبل، ترجّح أن تكون دية ما دون هذه الجراح دون الخمس.\nووجدت ابن قدامة -﵀- يقول في \"المغني\" (٩/ ٦٥٧): عن الموضّحة: وهي أول الشجاج المؤقته، وما قبلها من الشجاج الخمس؛ فلا توقيت فيها في الصحيح من مذهب أحمد، وهو قول أكثر الفقهاء.\nيروى ذلك عن عمر بن عبد العزيز ومالك والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي، وروي عن أحمد رواية أُخرى أن في الدامية بعيرًا، وفي الباضعة بعيرين وفي المتلاحمة ثلاثة، وفي السمحاق أربعة؛ لأن هذا يروى عن زيد بن","vol":"6","page":243},{"text":"ثابت ...\nوبقيت الهاشمة وهي تقع بين الموضحة والمأمومة، وتقدّم أنّ في الموضحة خمسًا، وفي المنقلة خمس عشرة، وهذا يلتقي ما ذكَره الفقهاء أن فيها عشرًا من الإِبل.\nوقيل: إِنه روي موقوفًا على زيد ين ثابت؛ كما في \"سنن الدارقطني\" \"والسنن الكبرى\" للبيهقي و\"مصنف عبد الرزاق\" وانظر \"الروضة الندية\" (٢/ ٦٦٦).\nوعلى أيّ حالٍ فإِنّ هذا العدد -وهو العشر من الإِبل- راجحٌ في الهاشمة؛ لأنه -كما ذكرت- يقع بين الموضحة والمأمومة، أي بين إِيجاب الخمس والخمس عشرة.\nوقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد فيها عشْر من الإِبل (١).\nوجاء في كتاب \"الإجماع عند أئمّة أهل السُّنة الأربعة\": لابن هبيرة -﵀- (ص ١٧٢): \"واتفقوا على أنّ: الجروح قصاص في كل ما يتأتى منه القِصاص، ومن الجراح التي لا يتأتّى فيه القِصاص: الحارصة، هي: التي تشقّ الجلد قليلًا، وقيل: بل تكشطه ومنه قولهم حرص القصارُ الثوبَ، أي: شقّه، وتسمّى: (القاشرة) وتسمى: (المليطاء).\nثم الباضعة: وهي التي تشق اللحم بعد الجلد.\nثم البازلة: وهي تنزل الدم وتُسمّى الدامية والدامعة.\n_________\n(١) انظر \"الإِجماع عند أئمّة أهل السُّنة الأربعة\" (ص ١٧٣).","vol":"6","page":244},{"text":"والمتلاحمة وهي: التي تغوص في اللحم.\nوالسمحاق وهي: التي يبقى بينها وبين العظم جلدة رقيقة.\nفهذه الجراح الخمسة ليس فيها تقدير شرعي بإِجماع الأئمّة المذكورة -﵃- إِلا ما روي عن أحمد أنه ذهب إِلى حُكم زيد في ذلك، وهو أنّ زيدًا -﵁- حَكَم في الدامية ببعير، وفي الباضعة ببعيرين، وفي المتلاحمة بثلاثة أبعرة، وفي السمحاق بأربعة أبعرة.\nوقال أحمد: فأنا ذاهب إليه، وهذه رواية أبي طالب المسكاني عن أحمد، والظاهر مِن مذهبه؛ أنه لا مقدر فيها كالجماعة وهي الرواية المنصورة عند أصحابه.\nوأجمعوا على أنّ في كل واحدة منها حكومةً بعد الاندمال، والحكومة: أن يُقوّم المجني عليه قبل الجناية -كأنه كان عبدًا- أو يقال: كم كانت قيمته قبل الجناية، وكم قيمته بعدها، فيكون له بقدر التفاوت من ديته.\nوالخلاصة أن في الآتي من الشّجاج؛ ما يلي من الدِّيات:\nالحارصة فيها دون البعير وقدّرها بعضهم بخمس الدامية (١).\nوالدامية والدامعة (٢) فيها بعير واحد.\nوالباضعة فيها بعيران.\n_________\n(١) جاء في \"السيل الجرار\" (٤/ ٤٤٩): \"وقُدّر في حارصة رأس الرِّجل خمسة مثاقيل [أي خمسة دنانير من ذهب] وفي الدامية اثنا عشَر ونصف\" ووافق الإمام الشوكاني صاحب \"الأزهار\" في هذا القول.\n(٢) قال في \"المغني\" (٩/ ٦٥٧) بعد أن ذكَر الحارصة: قال \"ثم البازلة وهي التي يبزُل منها الدم؛ أي يسيل، وتُسمى الدامية أيضًا والدامعة\".","vol":"6","page":245},{"text":"والمتلاحمة فيها ٣ من الإِبل.\nوالسّمحاق فيها ٤ من الإِبل.\nوالموضحة فيها ٥ من الإِبل.\nوالهاشمة فيها ١٠ من الإِبل.\nوالمنقّلة فيها ١٥ من الإِبل.\nوالمأمومة فيها ١/ ٣٣.٣ من الإِبل. والله -تعالى- أعلم.\nويحسب عدل ذلك بالذهب؛ بالنظر إِلى أجزاء الدية؛ كالربع والنصف والعُشر ... لخ\nوالدية كاملة من الذهب؛ تعدل ألف دينار؛ كما تقدّم أكثر من مرّة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1734>ما جاء في أرش الجروح غير المسمّاة والحكومة:</span>\nجاء في \"الروضة الندية\" (٢/ ٦٦٦): \"وما عدا هذه الجروح المسمّاة، فيكون أرشهُ بمقدار نِسبته إِلى أحدهما تقريبًا؛ لأنّ الجناية قد لَزِم أرْشها بلا شك، إِذ لا يُهدَر دم المجني عليه بدون سبب، ومع عدم ورود الشرع بتقدير الأرش؛ لم يبق إِلا التقدير بالقياس على تقدير الشارع.\nوبيان ذلك: أنّ المُوضحة إِذا كان أرْشها نصف عشر الدية -كما ثبتَ عن الشارع- نظَرْنا إِلى ما هو دون الموضحة من الجنايات، فإِنْ أخذت الجناية نصف اللحم، وبقي نصفه إِلى العظم؛ كان أَرش هذه الجناية نصف أرش الموضحة، وإِنْ أخذت ثلثه؛ كان الأرش ثلث أرش الموضحة، ثم هكذا.\nوكذلك إِذا كان المأخوذ بعض الأصبع؛ كان أرشه بنسبة ما أُخذ من","vol":"6","page":246},{"text":"الأصبع؛ إِلى جميعها، فأرشها نصف الأصبع؛ عشر الدية، ثم كذلك.\nوهكذا الأسنان؛ إِذا ذهب نصف السن؛ كان أرشه نصف أرش السن.\nويُسلك هذا في الأمور التي تلزم فيها الدية كاملة كالأنف؛ فإذا كان الذاهب نصفَه؛ ففيه نصف الدية، ...، ونحو ذلك، فهذا أقرب المسالك إِلى الحق، ومطابقة العدل، وموافقة الشرع.\nأقول ... [الكلام لصاحب الروضة]: اعلمْ أنّ كل جناية فيها أرش مُقدَّر من الشارع -كالجنايات التي في حديث عمرو بن حزم الطويل (١) وفي غيره؛ مما ورد في -معناه- فالواجب الاقتصار في المقدار، على الوارد في النصّ.\nوكل جناية ليس فيها أرش من الشارع، بل ورَد تقرير أرشها عن صحابي أو تابعي، أو من بعدهما- فليس في ذلك حُجّة على أحد، بل المرجع في ذلك نظر المجتهد، وعليه أن ينظر في مِقدار نِسبتها؛ من نسبة الجناية التي ورد في أرش مُقدَّر من الشارع، فإِذا غلب في ظنه مقدار النسبة؛ جعل لها من الأرش مقدارَ نِسْبتها.\nمثلًا الموضِحة ورد في الشرع تقدير أرشها، فإِذا كانت الجناية دون الموضحة كالسِّمْحَاق والمتلاحمة والباضعة والدامية؛ فعليه أن ينظر -مثلًا- مقدار ما بقي من اللحم إِلى العظم، فإِن وجده مقدار الخمس، والجناية قد قطعت من اللحم أربعة أخماس؛ جعل في الجناية أربعًا من الإِبل أو أربعين (٢) مثقالًا؛ لأن مجموع أرش الموضحة خمس من الإِبل، وإِنْ وجد الباقي من اللحم ثلثًا؛ جعل\n_________\n(١) تقدّم تخريجه.\n(٢) وذلك لأنها على أهل الذهب ألف دينار؛ كما تقدم في أثر ابن عمر -﵄-.","vol":"6","page":247},{"text":"أرش الجناية بمقدار الثلثين من أرش الموضحة، ثم كذلك إِذا بقي النصف أو الربع أو الخمس أو العشر وهكذا في سائر الجنايات التي لم يَرِدْ تقدير أرْشها، فإِنه ينبغي النسبة بينها وبين ما وَرَد تقدير أرشه من جنسها ... \".\nوجاء في \"السيل الجرّار\" (٤/ ٤٥٠): \"أقول: قد تقرر عصمة الدّماء، وأنه لا يَحلّ إِراقة شيء منها بغير حقِّه، ولا الجناية على مَعْصوم الدم؛ من غير فرق بين أن تكون صغيرة أو كبيرة وَرَد في الشرع تقديرها أو لم يَرِد.\nفمن جنى على غيره جنايةً ظاهرة الأثر، ولم يَرِد في الشرع لها تقدير، كما في دون الموضحة وسائر ما أشار إِليه المصنّف؛ فلا يكون عدم ورود الشرع بتقديرها مقتَضيًا لإِهدارها، وعدم لزوم أرْشها بلا خلاف، وإِلا لزم إِهدار ما هو معصوم بعصمة الشرع، واللازم باطل بالإِجماع فالملزوم مثله.\nفالجناية التي لم يَرِد الشرع بتقديرها؛ لابدّ من الرجوع في التقدير إِلى شيء يكون على طريقة العدل لا حَيْف فيها على الجاني، ولا على المجني عليه، فيُنظر مثلًا في قدر اللحم الذي ذَهَب بالجناية، وقَدْر ما بقي إِلى ما ورد فيه التّقدير من الشرع، فيلزم فيه بنسبته إِلى ذلك الذي ورد فيه التقدير.\nفإِذا كان المأخوذ نِصفَ اللحم والباقي فوق العظم نصفه كان أرشها نصف أرش الموضِحة.\nوإذا كان المأخوذ ثلثًا كان أرشها ثلث أرش الموضِحة، ثمّ كذلك، ويكون المرجع في هذا التقدير إِلى أهل الاختبار بالجنايات.\nفإِذا أخبروا الحاكم بأن المأخوذ كذا؛ قَرّبه الحاكم إِلى أرش ما وَرَد به الشَّرع بحسب نِسبته إِليه، وهكذا في العضو الزائد، وسِنّ الصبي، وذهاب الشّعر","vol":"6","page":248},{"text":"والجمال، وما لا نَفْع فيه.\nوقد قدَّمنا ما يدل على أنه لم يَثْبت في الشرع، تقدير ما دون الموضِحة، فما ذكَره المصنف هنا من تَقدير أرش الدامية والباضعة والسِّمحَاق؛ هو مِن هذا القبيل الذي ذكَرناه، فإِنْ وافق نظَر الحاكم الخبير بما ورد قرّره، وإِلا فعل ما يَتَرجّح له، فليس في ذلك حَجر، ولا يكون تقْدير المتقدم حُجّةً على المتأخر؛ إِذا كان الصواب عنده في مخالفته.\nوهكذا الكلام في أرش الدامية (١) والمتلاحمة والحارصة (٢) والوارمة\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1735>دية المرأة:</span>\nدية المرأة إِذا قُتلَت خطأً؛ على النصف من دِيَة الرجل.\nعن شريح قال: \"أتاني عروة البارقي من عند عمر: أنّ جراحات الرجال والنساء؛ تستوي في السنِّ والموضّحة، وما فوق ذلك؛ فدية المرأة على النّصف من دية الرجل\" (٣).\nجاء في \"المغني\" (٩/ ٥٣١): قال ابن المنذر وابن عبد البرّ: \"أجمع أهل\n_________\n(١) وكان تقدير المصنف الذي أشار إِليه الإِمام الشوكاني -﵀- في الدامية اثنا عشر ونصف من المثقال، وفي الباضعة عشرون، وفي السمحاق أربعون مثقالًا؛ على اعتبار المثقال هنا هو الدينار من الذهب.\n(٢) وقدّر صاحب \"الأزهار\" الحارصة بثلث دية الدامية. انظر \"السيل\" (٤/ ٤٤٩).\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة بإِسناد صحيح، وانظر \"الإِرواء\" (٢٢٥٠).","vol":"6","page":249},{"text":"العلم أنّ دية المرأة نصف دية الرجل\" (١).\nوأمّا حديث عمرو بن حزم: \"دِية المرأة على النّصف من دية الرجل\" فلم يثبت مرفوعًا (٢).\nوعن ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال: \"قلت لسعيد بن المسيب: كم في أصبع المرأة؟ قال عشرٌ من الإِبل. قلت: فكم في أصبعين؟ قال: عشرون، قلت: ففي ثلاث أصابع، قال ثلاثون، قلت: ففي أربع؟ قال: عشرون.\nقال: فقلت: لمّا عظم جرحها واشتدت مصيبتها نقَص عقلها؟! قال سعيد: أعراقي أنت؟ قلت بل عالم متثبت أو جاهل متعلم، قال: هي السُّنة يا ابن أخي\" (٣).\nوقول سعيد بن المسيب: \"هي السُّنة يا ابن أخي\" ليس في حُكم المرفوع؛ لأنه تابعيّ، فلا يترتّب على ذلك الحكم المنصوص به؛ والله -تعالى- أعلم.\n_________\n(١) وقال في تتمّة الكلام: \"وحكى غيرهما عن ابن عليّة والأصمّ؛ أنهما قالا: ديتها كدِية الرجل؛ لقوله - ﷺ -: \"في النفس المؤمنة مائة من الإِبل\" وهذا قول شاذٌ يخالف إِجماع الصحابة وسُنة النبي - ﷺ - ... \".\n(٢) قال شيخنا -﵀- في \"الإرواء\" (٧/ ٣٠٨): \"لم أره في شيء من طُرُق حديث عمرو بن حزم، وتقدّم عن الحافظ ابن حجر جزْمه بنفي وجود الشطر الأوّل من هذا في حديث ابن حزم ... \".\n(٣) أخرجه مالك في \"الموطأ\" وغيره وصحح شيخنا -﵀- إِسناده إِلى سعيد في \"الإِرواء\" (٢٢٥٥) وقال: \"وقوله \"السُّنّة\" ليس في حُكم المرفوع؛ كما هو مقرّرٌ في \"المصطلح\".","vol":"6","page":250},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1736>دية أهل الكتاب:</span>\nودية أهل الكتاب في قتل الخطأ على النّصف مِن دية المسلمين.\nعن عبد الله بن عمرو عن النبي - ﷺ - قال: \"دية المعاهد (١) نصف دية الحر\" (٢).\nوفي لفظ: \"أنّ النبيّ - ﷺ - قضى بأنّ عقْل أهل الكتاب نصف عقْل المسلمين\" (٣).\nوفي لفظ: \"عقْل الكافر نصف عقْل المؤمن\" (٤).\nوفي لفظ: \"أنّ رسول الله - ﷺ -: قضى أنّ عقْل أهل الكتابين؛ نصف عقْل المسلمين، وهم اليهود والنصارى\" (٥).\nوهناك من يقول إِنّ دِيَته مثل دية المسلم، واحتجّوا بقوله -تعالى-: ﴿وإِن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدِيةٌ مُسلَّمة إِلى أهله وتحرير رقبة\n_________\n(١) دية المعاهد: أي الذمّي.\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٨٣١) وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢١٣٩) والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٤٤٦٩) والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (١١٤٢)، وحسنه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٢٢٥١).\n(٣) انظر \"الإِرواء\" (٢٢٥١) والمصادر السابقة.\n(٤) انظر \"صحيح النسائي\" (٤٤٧٠).\n(٥) انظر \"صحيح النسائي\" (٤٤٦٩) و\"صحيح ابن ماجه\" (٢١٣٩).","vol":"6","page":251},{"text":"مؤمنة﴾ (١).\nويجاب بأن هذا إِجمالٌ مُبيَّنٌ في السُنّة النبويّة المطهرة، وأنها على النصف مِن دية المسلم.\nثمّ إِن لفظ (ديَة) قد جاء نكرة غير معلومة القيمة، وحديث النبي - ﷺ - عرّف قدْرها وقيمتها.\nوهناك عددٌ من الآثار؛ ذَكرها جمْعٌ من العلماء (٢)؛ بعضها ينصُّ أن دية أهل الكتاب كدية المسلمين، وبعضها ينصّ على أنّ ديتهم على النصف من دية المسلمين، وبعضها ينصّ على أن ديتهم على الثلث من دية المسلمين.\nوالفصل في ذلك حديث النبيّ - ﷺ -، وخير الهدي هدي محمّد - ﷺ -؛ وبالله التوفيق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1737>فائدة:</span>\nإِذا قَتَل مسلمٌ كافرًا عمْدًا؛ أُضعفت ديته لإِزالة القَوَد؛ وقد قضى بذلك عثمان -﵁-.\nعن ابن عمر -﵄-: \"أنّ رجُلًا مسلمًا قَتلَ رجُلًا مِن أهل الذّمة عمدًا، ورُفع إِلى عثمان -﵁- فلم يقتُله، وغلّظ عليه الديَة مثل دم المسلم\" (٣).\n_________\n(١) النساء: ٩٢.\n(٢) انظر لذلك -إِن شئت- تفسير الإمام الطبري -﵀-.\n(٣) أخرجه أحمد، والدارقطني، وعنه البيهقي، وصححه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٢٢٦٢).","vol":"6","page":252},{"text":"وجاء في \"مجموع الفتاوى\" (٣٤/ ١٤٦): \"وسئل -رحمه الله تعالى- عن رجل يهودي قَتلَه مسلم: فهل يُقتَل به؟ أو ماذا يجب عليه؟\nفأجاب: الحمد لله، لا قِصاص عليه عند أئمّة المسلمين، ولا يجوز قتْل الذمّي بغير حقّ؛ فإنه قد ثبَت في الصحيح عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"لا يقتَل مسلم بكافر\" (١).\nولكن تجب عليه الدية، فقيل: الدِّية الواجبة نصف دِيَة المسلم. وقيل: ثُلُث دِيتَه، وقيل: يفرّق بين العمد والخطأ، فيجب في العمد مثل دية المسلم ويُروى ذلك عن عثمان بن عفّان -﵁- أنّ مسلمًا قتَل ذمّيًا فغلظ عليه، وأوجب عليه كمال الدية، وفي الخطأ نصف الدية، ففي السنن عن النبي - ﷺ -: \"أنه جعل دية الذمّي نصف دية المسلم\".\nوعلى كل حال تجب كفّارة القتل أيضًا، وهي عتق رقبة مؤمنة، فإِن لم يَجِدْ فصيام شهرين متتابعين\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1738>دية الجنين:</span>\n\"إِذا مات الجنين بسبب الجناية على أمّه عمدًا أو خطأ، ولم تمُت أمّه وجَب فيه غُرَّة (٢)، سواء انفصل عن أمه وخرج ميتًا، أم مات في بَطنها، وسواء أكان ذكرًا أم أنثى\" (٣).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٩٠٣)، وتقدّم.\n(٢) سيأتي معنى الغُرَّة -إن شاء الله تعالى- في العنوان الآتي بعده.\n(٣) عن \"فقه السنة\" (٣/ ٣٤٦).","vol":"6","page":253},{"text":"هُذيل اقتَتَلتا، فرمت إِحداهما الأخرى بحجر فأصاب بطنَها وهي حامل، فقَتلت ولدها الذي في بَطنها.\nفاختصَموا إِلى النبي - ﷺ -، فقضى أن دية ما في بطنها غُرَّة عبدٌ أو أمة. فقال وليُّ المرأة التي غَرِمت: كيف أغرَمُ يا رسول الله من لا شَرب ولا أكل، ولا نطق ولا استهلّ (١)، فمثل ذلك يُطلّ (٢)؟\nفقال النبي - ﷺ -: إِنما هذا من إِخوان الكهان (٣) \" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1739>ما هي الغُرة</span>؟\nقال الإِمام النووي -﵀-: \"قال أهل اللغة: الغُرّة عند العرب أنفس شيء\".\nوقال ابن الأثير -﵀- في \"النهاية\": \"الغُرّة: العبد نفْسُه أو الأمة، وأصل الغُرّة: البياض الذي يكون في وجه الفَرس، وكان أبو عمرو بن العلاء يقول: الغرّة عبدٌ أبيض أو أمة بيضاء، وسمي غرّةً لِبياضِه، فلا يُقبَل في الدية عبدٌ أسود ولا جارية سوداء، وليس ذلك شرطًا عند الفقهاء ... \".\nقال الإِمام النووي -﵀- (١١/ ١٧٦): \"واعلم أنّ المراد بهذا كلِّه؛ إِذا انفصل الجنين ميتًا أمّا إذا انفصل حيًّا ثم مات؛ فيجب فيه كمال الدّية؛\n_________\n(١) استهلال الصبيّ: تصويته عند ولادته. \"النهاية\".\n(٢) أي يُهدَر، يقال: دم فلان هُدر إِذا تُرك الطَّلب بثأره \"الفتح\".\n(٣) أي لمشابهة كلامه كلامهم. \"الفتح\".\n(٤) أخرجه البخاري (٥٧٥٨)، مسلم (١٦٨١).","vol":"6","page":254},{"text":"فإِنْ كان ذكرًا وجب مائة بعير، وإِن كان أُنثى؛ فخمسون، وهذا مُجمع عليه، وسواء في هذا كلّه العمدُ والخطأ\".\nقال الحافظ في \"الفتح\" (١٢/ ٢٥٠): \"وعلى قول الجمهور فأقل ما يجزئ من العبد والأمة؛ ما سلم من العيوب التي يثبت بها الرد في البيع؛ لأن المعيب ليس من الخيار.\nواستنبط الشافعي من ذلك أن يكون منتفعًا به، فشرط أن لا ينقص عن سبع سنين؛ لأن من لم يبلغها لا يستقل غالبًا بنفسه؛ فيحتاج إِلى التعهد بالتربية، فلا يجبر المستحق على أخذه\" انتهى.\nوعن بريدة \" أن امرأة حذفت امرأة (١) فأسقطت، فجعل رسول الله - ﷺ - في ولدها خمسين شاة، ونهى يومئذ عن الخذف (٢) \" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1740>لمن تجب وعلى من</span>؟\nتجب للورثة؛ وهي على عاقلة الجاني.\nعن أبي هريرة -﵁- \"أن رسول الله - ﷺ - قضى في جنين امرأة من بني لحْيان؛ بغُرّة عبد أو أمَة، ثمّ إِن المرأة التي قضى عليها بالغرة تُوفّيت فقضى رسول الله - ﷺ - أن ميراثها لبنيها وزوجها، وأن العقل (٤) على عَصبَتها\" (٥).\n_________\n(١) أي: رَمَتها.\n(٢) الخذف: أي رمي الحصاة.\n(٣) أخرجه النسائي \"صحيح سنن النسائى\" (٤٤٧٦).\n(٤) قال الكرماني (٢٤/ ٣٤): \"أي دية الجنين على عَصَبَة المقضي عليها\".\n(٥) أخرجه البخاري (٦٩٠٩).","vol":"6","page":255},{"text":"وقد ورد في بعض الروايات أنّ المرأة التي قَتلت، ضربت ضَرَّتها بعمود فسطاط وفيه:- \"فقضى في الجنين بغرّة\".\nوفي لفظ: \"فقضى فيه بغُرّة، وجعلَه على أولياء المرأة\" (١).\nقال الإِمام النووي -﵀- (١١/ ١٧٦): \"ومتى وَجبت الغُرّة فهي على العاقلة؛ لا على الجاني، هذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة وسائر الكوفيين -﵃- وقال مالك والبصريون: تجب على الجاني، وقال الشافعي وآخرون: يلزم الجاني الكفّارة.\nوقال بعضهم: لا كفّارة عليه، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة -﵄- والله أعلم\". انتهى.\nورجّح شيخ الإِسلام -﵀- الكفّارة؛ كما في العنوان الآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1741>مسألة:</span>\nإِذا قال الرجل لزوجته أسقطي ما في بطنك والإثم عليّ:\nجاء في \"مجموع الفتاوى\" (٣٤/ ١٥٩): \"وسئل -﵀- عن رجل قال لزوجته: أسقطي ما في بطنك والإِثم عليّ، فإِذا فعَلت هذا، وسَمعت منه؛ فما يجب عليهما من الكفّارة؟\nفأجاب: إِنْ فعَلت ذلك فعليهما كفّارة رقبة مؤمنة، فإن لم يجدا فصيام شهرين متتابعين، وعليهما غُرّة عبد أو أَمَة لوارثه الذي لم يقتله؛ لا للأب، فإِنّ الأب هو الآمر بقتله، فلا يستحق شيئًا\".\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١٦٨٢).","vol":"6","page":256},{"text":"وجاء فيه (ص ١٦١): \"وسئل -﵀- عن امرأة حامل تعمّدت إِسقاط الجنين إِمّا بضربٍ، وإِما بشرب دواء؛ فما يجب عليها؟\nفأجاب: يجب عليها بسُنّة رسول الله - ﷺ - واتفاق الأئمّة؛ غرّة عبد أو أَمَة، تكون هذه الغرة لورثة الجنين؛ غير أمّه، فإنْ كان له أب كانت الغرة لأبيه، فإنْ أحب أن يسقط عن المرأة فله ذلك، وتكون قيمة الغرة عشر ديَة، أو خمسين دينارًا وعليها أيضًا عند أكثر العلماء عتْق رقبة، فإِن لم تجِدْ؛ صامت شهرين متتابعين، فإِن لم تستطِع؛ أطعمت ستين مسكينًا\" (١).\nوجاء في \"الروضة النديّة\" (٢/ ٦٦٨): \"وأمّا إِذا خرج الجنين حيًّا، ثم مات مِن الجناية؛ ففيه الدِّيَة أو القَوَد\".\nقلت: وهذا القَوَد إِذا كان عمدًا.\nوقد اختلف العلماء في وجوب القِصاص في القتل بالمثقل.\nقال الحافظ في \"الفتح\": \"عقب الحديث المتقدّم: \"واستدل به على عدم وجوب القِصاص في القتل بالمثقل؛ لأنه - ﷺ - لم يأمر فيه بالقَوَد وإِنما أمر بالدية.\nوأجاب من قال به بأن عمود الفسطاط يختلف بالكبر والصغر؛ بحيث يقتل بعضه غالبًا ولا يقتل بعضه غالبًا، وطرد المماثلة في القصاص إِنما يشرع فيما إِذا وقعت الجناية بما يقتل غالبًا.\n_________\n(١) وبناء على قوله -﵀- (عشر دية) أقول: إِذا كانت الخمسون دينارًا عشر دية؛ فالدية كاملة خمسمائة دينار من ذهب. وقد سبق أن الدية ألف دينار من ذهب، وفي حديث عبد الله بن عمر -﵄- بلغت على عهد رسول الله - ﷺ - ما بين أربعمائة دينار إِلى ثمانمائة دينار، وذكر بعض الفقهاء أنها نصف عشر الدية والأول أرجح. والله -تعالى- أعلم.","vol":"6","page":257},{"text":"وفي هذا الجواب نظر، فإن الذي يظهر أنه إنما لم يوجب فيه القَوَد؛ لأنها لم يقصد مثلها، وشرط القَوَد العمد، وهذا إنما هو شبه العمد، فلا حُجّة فيه لقتلٍ بالمثقل ولا عكسه\" (١).\nوجاء في \"السيل الجرار\" (٤/ ٤١٤): \" ... وأمّا إذا كانت الآلة مثلها يقتل في العادة، وإن لم يكن من المحدّد؛ فإن القصاص فيها واجب، كما تقدم في رضّ رأس اليهودي الذي رضّ رأس الجارية، وكما أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث حمل بن مالك قال: \"كنت بين امرأتين فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فَقَتلتها وجنينها، فقضى النبي - ﷺ - في جنينها بغُرّة، وأن تُقتل بها\" (٢).\nوقد ذهب إلى وجوب القصاص في مثل هذا الجمهور -وهو الحقّ- وأدلة الكتاب والسنة المثبتة للقصاص تشمله، وليس بيد من قال إنه لا قصاص في القتل بغير المحدّد مطلقًا دليل تقوم به الحجة، ولا حجة فيما ورد من طريق الكذّابين والوضّاعين.\nوقد بيّن لنا رسول الله - ﷺ - الخطأ الذي هو شبه العمد بيانًا شافيًا، فلنقتصر عليه، ونردّ ما عداه إلى ما شرعه الله لعباده من القصاص في العمد العدوان\".\n_________\n(١) \"الفتح\" (١٢/ ٢٥٠).\n(٢) أخرجه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢١٣٦) من حديث عمر بن الخطاب، أنه نشد الناس قضاء النبي - ﷺ - في ذلك -يعني في الجنين- فقام حمل بن مالك بن النابعة فقال: \"كنت بين امرأتين لي، فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فقتلتها وقتلت جنينها، فقضى رسول الله - ﷺ - في الجنين بغرة عبد، وأن تقتل بها\". أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٨٢٥).","vol":"6","page":258},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1742>فائدة:</span>\nإِذا خَرج الجنين حيًّا ثمّ مات؛ ففيه الكفّارة مع الدّيَة لأنه يتبع الأصل العام في حُكم الدِّيات، وتقدّم ما قاله الإِمام النووي -﵀- غير بعيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1743>لا ديَة إِلا بعد البُرء:</span>\nتقدّم في باب القِصاص أنه لا يجوز أن يقتصّ من الجراحة حتى تندمل جراحة المجني عليه، مع الدليل على ذلك، وكذلك الحال في الدية، فإِنه لا يُعقل حتى يبرأ المجروح ويصحّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1744>وجود قتيل بين قومٍ متشاجرين:</span>\nإِذا عميَ أمرُ قتيل في قوم؛ كان بينهم رمْيٌ بالحجارة أو السياط، أو ضرْبٌ بالعصيّ، أو نحو ذلك؛ فهو خطأ، وديته دية الخطأ، أمّا مَن قَتَل عمدًا؛ فإِنه يقتصّ منه.\nعن ابن عباس -﵄- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"مَنْ قُتِلَ في عمِّيًّا في رمي يكون بينهم بحجارة، أو بالسياط، أو ضربٍ بعصا؛ فهو خطأ وعقْله عقْل الخطأ، ومن قُتِل عمدًا فهو قَوَد، ومن حال دونه (١)، فعليه لعنة الله وغضبه، لا يقبل منه صرف (٢) ولا عدل (٣) \" (٤).\n_________\n(١) ومن حال دونه: أي دون القاتل بأن منَع الوليَّ عن القِصاص منه، أو مَنْ حال دون القِصاص: أي منَع المستحقّ عن استيفاء القِصاص. انظر \"المرقاة\" (٧/ ٣٨).\n(٢) الصرف: التوبة، وقيل النافلة \"النهاية\".\n(٣) العدل: الفدية وقيل الفريضة. \"النهاية\".\n(٤) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٨٠٤) وابن ماجه \"صحيح سنن =","vol":"6","page":259},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1745>هل يضمن راكب الدابّة</span>؟\nعن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله - ﷺ - قال: \"العَجْماء (١) جرحُها جُبار (٢)، والمعدِنُ جُبار، وفي الركاز الخمس\" (٣).\nبيّن النبي - ﷺ - أن العجماء جرحها جُبار، أي: ما أتلفته بجرح أو غيره هدر، لا يضمنه صاحبها ما لم يفرط، لأنّ الضمان لا يكون إِلا بمباشرة أو سبب، وهو لم يَجْن ولم يتسبب، وفِعْلها غير منسوب إِليه، نعم إِنْ كان معها ضمن ما أتلفته ليلًا ونهارًا عند الشافعي\" (٤).\nقال الإِمام النووي -﵀- (١١/ ٢٢٥) -بحذف-: \"فأمّا قوله - ﷺ -: العجماء جرْحها جُبار؛ فمحمول على ما إِذا أتلفَت شيئًا بالنهار، أو أتلفت بالليل بغير تفريطٍ من مالكها، أو أتلفت شيئًا وليس معها أحد، فهذا غير مضمون وهو مراد الحديث.\nفأمّا إِذا كان معها سائق أو قائد أو راكب فأتلفَت بيدها أو برجلها أو فمها ونحوه؛ وجَب ضمانه في مال الذي هو معها، سواءٌ كان مالكًا أو مستأجرًا أو\n_________\n= ابن ماجه\" (٢١٣١) والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٤٤٥٦)، وانظر \"المشكاة\" (٣٤٧٨) وتقدّم.\n(١) العجماء: -بالمدّ- هي كل الحيوان سوى الآدميّ، وسمّيت البهيمة عجماء؛ لأنّها لا تتكلّم.\n(٢) جُبار: أي هدْر.\n(٣) أخرجه البخاري (٦٩١٢)، ومسلم (١٧١٠).\n(٤) انظر \"فيض القدير\" (٤/ ٣٧٦).","vol":"6","page":260},{"text":"مستعيرًا أو غاصبًا أو مودِعًا أو وكيلًا أو غيره، إِلا أن تتلف آدميًا فتجب ديته على عاقلة الذي معها والكفّارة في ماله، والمراد بجرح العجماء إِتلافها سواء كان بجرح أو غيره.\nقال القاضي: أجمع العلماء على أنْ جناية البهائم بالنهار لا ضمان فيها إِذا لم يكن معها أحد، فإِن كان معها راكب أو سائق أو قائد فجمهور العلماء على ضمان ما أتلفته ... وجمهورهم على أن الضارية من الدواب كغيرها على ما ذكَرناه، وقال مالك وأصحابه: يضمن مالكها ما أتلفت، وكذا قال أصحاب الشافعي: يضمن إِذا كانت معروفةً بالإِفساد، لأن عليه ربطها والحالة هذه ... \".\nوقال الإِمام البخاري -﵀- في كتاب \"الديات: باب - ٢٩\":\n\"قال ابن سِيرين: كانوا لا يُضمِّنونَ مِن النَّفْحَةِ (١) ويضمّنون مِن ردِّ العِنان (٢).\nوقال حمّادٌ: لا تُضمَنُ النَّفْحة إِلا أن يَنْخُسَ إِنسان الدَّابة (٣).\nوقال شريح: لا يُضمنُ ما عاقَبَت أن يَضْرِبها فَتَضرِبَ بِرِجْلها (٤).\n_________\n(١) أي: الضربة بالرِّجل. يقال: نفحَت الدابة إِذا ضَرَبَت بِرجلها. \"الفتح\".\n(٢) العِنان: هو ما يوضع في فم الدابة ليصرّفها الراكب كما يختار، والمعنى: إِنّ الدابة إِذا كانت مركوبه فَفَلتَ الراكب عِنانها، فأصابت بِرجلها شيئًا؛ ضَمنه الراكب، وإذا ضَرَبت برجلها من غير أن يكون له في ذلك تسبُّب لم يضمن. \"الفتح\".\n(٣) وصل بعضه ابن أبي شيبة من طريق شعبة: سألْتُ الحكم عن رجل واقف على دابته فضَربَت برجلها؟ فقال: يضمن، وقال حمّاد: لا يضمن.\n(٤) وصله ابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور.","vol":"6","page":261},{"text":"وقال الحكم وحمّاد: إِذا ساق المُكَاري حِمارًا عليه امرأة فتَخِرُّ، لا شيء عليه.\nوقال الشعبي: إِذا ساق دابَّة فأتعبَها، فهو ضامِنُ لِمَا أصابَتْ، وإِنْ كان خلفها مُترسِّلا؛ لم يَضمَن (١) \".\nوجاء في \"مجموع الفتاوى\" (٣٤/ ١٤٩): \"وسئل -رحمه الله تعالى- عن رجل راكب فرس، مرّ به دباب ومعه دبّ، فجفَل الفرس ورمى راكبه، ثمّ هرب ورمى رجلًا فمات؟\nفأجاب: لا ضمان على صاحب الفرس والحالة هذه؛ لكنّ الدباب عليه العقوبة. والله أعلم\".\nوممّا تقدّم يظهر لنا أن جرح الدابة هدر ولا ضمان على صاحبها، إلاَّ إِنْ كان هناك تفريط أو تسبُّبٌ مِن صاحبها، وفيما مضى من التفصيل كفاية. والله -تعالى- أعلم.\nوما تقدّم مِن قول؛ فغالبه يمضي على المراكب المعاصرة؛ كالسيارات ونحوها، فإِنْ كان السائق أو صاحب السيّارة مُفرِّطًا أو متسبّبًا؛ لزِمه الضمان، كأن يسير في إِطارات مهترئة، أو أن يقف في مكان مُرتفع ويستهتر فيجعلها عُرضة للسقوط أو الانتقال، لعدم رفعه الكابح اليدوي ...\n_________\n(١) وصله سعيد بن منصور وابن أبي شيبة. وانظر \"الفتح\" و\"مختصر البخاري\" (٤/ ٢٣٢) للتخريجات السابقة.","vol":"6","page":262},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1746>ماذا إِذا صدم راكب السيارة أو الدابة سيارةً أو دابةً واقفة</span>؟\nجاء في \"المغني\" (١٠/ ٣٦٠): \"وإنْ كان أحدهما (١) يسير والآخر واقِفًا؛ فعلى السائر قيمة دابّة الواقف\".\nنصّ أحمد على هذا لأنّ السائر هو الصادم المتلف، فكان الضمان عليه، وإِنْ مات هو أو دابته فهو هدْر، لأنه أتلف نفسَه ودابّته، وإن انحرفَ الواقف فصادفت الصدمة انحرافه، فهما كالسّائرين لأنّ التلف حصل مِنْ فِعْلهما\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1747>ماذا إِذا كان الواقف متعدّيًا</span>؟\nوجاء في \"المغني\" (١٠/ ٣٦٠) أيضًا: \"وإِنْ كان الواقف متعديًا بوقوفه مثل أن يقف في طريق ضَيق فالضمان عليه دونَ السائر؛ لأنّ التلف حَصَل بتعدِّيه، فكان الضمان عليه؛ كما لو وضع حجرًا في الطريق، أو جلس في طريقٍ ضيق؛ فعثُر به إِنسان\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1748>حُكم قتْل الدابَّة والجناية عليها:</span>\nوأمّا الدابة إِذا قَتلَها قاتل ففيها قيمتها، وإِذا جنى عليها كان الأرشُ مقدارَ نقْصِ قيمتها بالجناية.\nوهذا وإنْ لم يقم عليه دليل بخصوصه؛ فهو معلوم من الأدلة الكلية، لأنّ العبد وسائر الدواب مِن جملة ما يملكه الناس، فمَن أتلفه كان الواجب عليه قيمته، ومَن جنى عليه جناية تنقصه؛ كان الواجب عليه أرش النقص. كما لو جُني على عينٍ مملوكة من غير الحيوانات؛ وكان الأولى أن يكون المملوك كسائر\n_________\n(١) أي أحد الفارِسَين.","vol":"6","page":263},{"text":"الدواب؛ يجب في الجناية عليه نقْص القيمة\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1749>ما أفسدت البهائم بالليل من الزرع فهو مضمون على أهلها وما أفسدت من ذلك نهارًا لم يضمنوه:</span>\nيعني إِذا لم تكن يدُ أحدٍ عليها؛ فإِن كان صاحبها معها أو غيره؛ فعلى مَنْ يده عليها ضمان ما أتلفته مِن نفس أو مال ... وإِنْ لم تكن يدُ أحدٍ عليها، فعلى مالكها ضمانُ ما أفسدته من الزرع ليلًا دون النّهار، وهذا قولُ مالك والشافعي وأكثر فقهاء الحجاز (٢).\nودليل ذلك: \"أن ناقةً للبراء بن عازب -﵁- دخَلت حائط رجل، فأفسدت فيه، فقضى رسول الله - ﷺ - أنّ على أهل الحوائطِ حفظَها في النّهار، وأنّ ما أفسدت المواشي بالليل ضامنٌ على أهلها (٣) \".\nقال في \"المغني\" (١٠/ ٣٥٧): \"قال بعض أصحابنا: إِنما يضمَن مالكُها ما أتلفته ليلًا، إِذا كان التفريط منه بإِرسالها ليلًا، أو إِرسالها نهارًا ولم يضمّها ليلًا، أو ضَمّها بحيث يمكنها الخروج، أما إِذا ضَمَّها فأخرَجها غيره بغير إِذنه، أو فتَح عليها بابها؛ فالضمان على مُخرِجها أو فاتحِ بابها لأنه المتِلف\".\n_________\n(١) انظر \"الروضة الندية\" (٢/ ٦٦٢).\n(٢) انظر \"الغني\" (١٠/ ٣٥٦).\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٠٤٨) وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٨٨٨)، وانظر \"الصحيحة\" (٢٣٨).","vol":"6","page":264},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1750>ضمان صاحب الكلب العقور ونحوِه:</span>\nومن اقتنى كلبًا عقورًا؛ فأطلقه، فعقَر إِنسانًا أو دابَّة، ليلًا أو نهارًا، أو خرق ثوب إِنسان؛ فعلى صاحبه ضمانُ ما أتلفه لأنه مُفرط باقتنائه؛ إِلا أن يدخل إِنسانٌ داره بغير إِذنه، فلا ضمان فيه؛ لأنه مُتعدٍ بالدخول متسبِّبٌ بعدوانه إِلى عَقْر الكلب له، وإنْ دخَل بإِذن المالك فعليه ضمانهُ، لأنه تسبب إِلى إِتلافه.\nوإِنْ أتلفَ الكلبُ بغير العقر؛ مِثْل أن ولَغ في إِناء إِنسان أو بال؛ لم يضمنهُ مقتنيه، لأنّ هذا لا يختص به الكلب العَقور.\nقال القاضي: وإِن اقتنى سنورًا يأكل أفراخ الناس ضَمِن ما أتلفه كما يضمن ما أتلفه الكلب العقور، ولا فرق بين الليل والنهار (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1751>ضمان صاحب الطيور:</span>\nوإِن اقتنى حمامًا أو غيره من الطير؛ فأرسله نهارًا فلقط حبًا؛ لم يضمنه؛ لأنه كالبهيمة، والعادة إِرساله (٢).\nوإِن كان له طيرٌ جارح -كالصقر والبازي- فأفسد طيور الناس وحيواناتهم؛ ضمن (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1752>لا ضمان في قتْل الحيوان الضارّ:</span>\nويشرع قتل الحيوان الذي ورد النَصُّ بقتْله.\n_________\n(١) انظر \"المغني\" (١٠/ ٣٥٨).\n(٢) انظر المصدر السابق.\n(٣) انظر \"فقه السنة\" (٣/ ٣٥٥).","vol":"6","page":265},{"text":"عن عائشة -﵂- أن رسول الله - ﷺ - قال: \"خمسٌ من الدواب كلهنّ فاسقٌ؛ يُقتلن في الحرم: الغراب (١) والحِدَأة (٢)، والعقرب والفأرة والكلب العَقور\" (٣).\nوفي لفظ: \"خمسٌ فواسقُ يُقتَلْنَ في الحِلِّ والحَرَم: الحية والغراب الأبقع والفأرة والكلب العَقور والحُدَيّا\" (٤).\nوفي رواية: \"العقرب\" بدل الحيّة (٥).\nوقد ورد النهي عن قتل أربع من الدواب، كما في حديث ابن عباس -﵄-: \"أن النبي - ﷺ - نهى عن قتل أربع من الدواب النملة والنحلة والهدهد والصُّرَد (٦) \" (٧).\n_________\n(١) وفي رواية عند مسلم (١١٩٨) والغراب الأبقع. قال ابن قُدامة -﵀- \"يلتحق بالأبقع ما شاركه في الإيذاء وتحريم الأكل\"، وانظر للمزيد من الفائدة في مسألة الغراب الأبقع. ما جاء في \"الفتح\" تحت الحديث (١٨٣١).\n(٢) الحِدَأة: طائر من الجوارح؛ ينقضّ على الجُرذان والدواجن والأطعمة ونحوها.\n(٣) أخرجه البخاري (١٨٢٩)، ومسلم (١١٩٨).\n(٤) أخرجه مسلم (١١٩٨).\n(٥) أخرجه البخاري (١٨٢٩) ومسلم (١١٩٩).\n(٦) الصُّرد: طائرٌ ضخْم الرأس والمنقار، له ريش عظيم، نصفه أبيض، ونصفه أسود. \"النهاية\".\n(٧) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٤٣٨٧) وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢٦٠٩)، وانظر \"الإِرواء\" (٢٤٩٠).","vol":"6","page":266},{"text":"قال النووي: \"فالمنصوص عليه الستّ\" أي: الحية والغراب والفأرة والكلب العَقور والحِدَأة والعقرب.\nوعن أم شريك أن النبي - ﷺ - \"أمَرَها بقتل الأوزاغ\" (١).\nولا ضمان في قَتْلها، ولا في غيرها من السباع والحشرات الضارّة.\nقال النووي -﵀-: \"واتفق جماهير العلماء على جواز قتْلهنّ في الحِلّ والإِحرام، واتفقوا على أنه يجوز للمحرم أن يقتُل ما في معناهنّ، ثمّ اختلفوا في المعنى فيهنّ وما يكون في معناهنّ، فقال الشافعي -﵀-: \"المعنى جواز قتلهنّ؛ كونهنّ ممّا لا يُؤكل، وكل ما لا يُؤكَل ولا هو متولد من مأكول وغيره؛ فقتْله جائز للمحرم، ولا فدية عليه\".\nوقال مالك: \"المعنى فيهن: كونهنّ مؤذيات، فكلّ مؤذٍ يجوز للمحرم قتله، وما لا فلا\".\nقلت: وقول الإِمام مالك -﵀- أصحّ لاشتراط علّة الإِيذاء. والله -تعالى- أعلم.\nوفي الكلب العقور قال الحافظ -﵀- في \"الفتح\" (٤/ ٣٩): \"واختلف العلماء في المراد به هنا، وهل لوصفه بكونه عقورًا مفهوم أو لا؟ فررى سعيد بن منصور بإِسناد حسن عن أبي هريرة -﵁- قال: الكلب العقور الأسد.\nوعن سفيان عن زيد بن أسلم أنهم سألوه عن الكلب العقور فقال: وأيّ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٣٣٠٧)، ومسلم (٢٢٣٧).","vol":"6","page":267},{"text":"كلب أعقر من الحية؟ وقال زفر: المراد بالكلب العقور هنا الذئب خاصة.\nوقال مالك في \"الموطأ\": كل ما عقر الناس وعدا عليهم وأخافهم مثل الأسد والنمر والفهد والذئب هو العقور. وكذا نقل أبو عبيد عن سفيان، وهو قول الجمهور.\nوقال أبو حنيفة: \"المراد بالكلب هنا الكلب خاصة، ولا يلتحق به في هذا الحكم سوى الذئب\" ......\nواحتج بقوله -تعالى-: ﴿وما عَلَّمتم من الجوارح مُكَلِّبين﴾، فاشتقها من اسم الكلب، فلهذا قيل لكل جارح: عَقور.\nواحتج الطحاوي للحنفية، بأن العلماء اتفقوا على تحريم قتل البازي والصقر -وهما من سباع الطير- فدلّ ذلك على اختصاص التحريم بالغراب والحِدَأة\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1753>إِذا كانت الجناية من الظالم المعتدي فلا ضمان فيها:</span>\nإِذا كانت الجناية مِن ظالمٍ معتدٍ، فجنايته هدْرٌ، وليس له المطالبة بالقِصاص أو الدية، ومن صُور ذلك:\n١ - سقوط أسنان العاضّ:\nعن عمران بن حصين \"أن رجلًا عضّ يد رجل فنزع يده من فمه، فوقعت ثنيّتاه، فاختصموا إِلى النبي - ﷺ - فقال: \"يَعَضُّ أحدكم أخاه كما يعَضُّ الفحل، لا ديَة لك\" (١).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٨٩٢)، ومسلم (١٦٧٣) وتقدّم.","vol":"6","page":268},{"text":"وبوّب لذلك الإِمام النووي -﵀- في \"صحيح مسلم\" فقال: \"الصائل على نفس الإِنسان أو عضوه إِذا دفعه المصول عليه، فأتلف نفسه أو عضوه؛ لا ضمان عليه\" (١).\n٢ - النظر في بيت غيره من غير إِذنه، فإِذا اطّلع رجُلٌ في بيت إِنسانٍ مِنْ ثُقب أو شقّ بابٍ أو نحوه؛ فرماه صاحب البيت بحصاة، أو طعَنَه بعود أو نحوه فقلَع عينه؛ لم يضمنها (٢).\nعن أبي هريرة -﵁- قال: قال أبو القاسم - ﷺ -: \"لو أنّ امرءًا اطلع عليك بغير إِذن، فحَذفته بحصاةٍ، ففقأت عينه؛ لم يكن عليك جُناح\" (٣).\nوفي رواية: \"من اطّلع في بيت قوم بغير إِذنهم؛ ففقأُوا عينه، فلا دية له، ولا قِصاص\" (٤).\nوعن سهل بن سعد أن رجلًا اطّلع في جُحرٍ في باب رسول الله - ﷺ -، ومع رسول الله - ﷺ - مِدرَى (٥) يحكُّ به رأسه -فلما رآه رسول الله - ﷺ - قال: \"لو\n_________\n(١) انظر \"صحيح مسلم\" \"كتاب القسامة\" (باب - ١٤).\n(٢) انظر -إِن شئت- المزيد ما جاء في \"المغني\" (١٠/ ٣٥٥).\n(٣) أخرجه البخاري (٦٩٠٢)، ومسلم (٢١٥٨).\n(٤) أخرجه النسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٤٥١٦) وصحح شيخنا -﵀- إِسناده في \"الإِرواء\" (٢٢٢٧).\n(٥) المِدرى: شيءٌ يُعمل من حديد أو خشب، على شكل سنّ من أسنان المُشط وأطول منه، يسرّح به الشَّعر المتلبّد، ويستعمله مَن لا مُشط له. \"النهاية\".","vol":"6","page":269},{"text":"أعلم أنك تنظرني لطعنْتُ به في عينيك، وقال رسول الله - ﷺ -: إِنما جُعل الإِذن من قِبَل البصر\" (١).\nفمن مجموع هذه النّصوص؛ يتضح لنا أنه لا جُناح على المرء في طعْن العين وفقْئها؛ عند الاطلاع غير المشروع، وكذلك لا دِيَة له ولا قِصاص.\n*فأمّا إِنْ تَرك الإِطلاع ومضى؛ لم يَجُز رمْيه، لأنّ النبيّ - ﷺ - لم يطعن الذي اطلع ثم انصرف (٢)، ولأنه ترَك الجناية، فأشبه من عضّ ثمّ ترَك العَضّ، فلم يجز قلْع أسنانه.\nوليس لصاحب الدار رمْي الناظر بما يقتله ابتداءً، فإِنْ رماه بحجر فقتَلَه، أو حديدة ثقيلة؛ ضَمنه بالقِصاص، لأنه إِنما له ما يَقْلع به العين المبصرة التي حصَل الأذى منها دون ما يتعدّى إِلى غيرها* (٣).\n\n٣ - القتْل دفاعًا عن النّفس أو المال أو العرض:\nعن أبي هريرة -﵁- قال: \"جاءَ رجُلٌ إِلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله أرأيتَ إِنْ جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال فلا تعطِه مالك قال: أرأيت إِنْ قاتلني؟ قال: قاتِلْه قال: أرأيتَ إِنْ قتَلني؟ قال: فأنت شهيد قال: أرأيت إِنْ قتلتُه؟ قال: هو في النار\" (٤).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٩٠١)، ومسلم (٢١٥٦).\n(٢) في رواية: \"فانقمع الأعرابي فذَهَب\" \"صحيح الأدب المفرد\" برقم (٨١٥) وفي رواية أُخرى \"فسدّده [أي: السهم] نحو عينيه حتى انصرف\"، انظر \"الصحيحة\" (٦١٢).\n(٣) ما بين نجمتين من كتاب \"المغني\" (١٠/ ٣٥٦).\n(٤) أخرجه مسلم (١٤٠).","vol":"6","page":270},{"text":"ولا يبدأ المرء بالقتل؛ فإِنه لا يجوز، وعليه أن يبذُل الأسباب في منْعَه وطرْده، فإِنْ أبى ضربه بأسهل ما يُخرجه به، فإِنْ رجّح أنه يخرج بضَرْب عصا؛ لم يجُز أن يضربه بحديد؛ لأنّ الحديد آلةٌ للقتل بخلاف العصا، وإِنْ ذَهب مُولِّيًا؛ لم يكن له قَتْله ولا اتباعه، وإِنْ ضربَه ضربةً عطَّلته؛ لم يكن له أن يُثنّي عليه؛ لأنه كُفي شرّه (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1754>ادعاء القتل دفاعًا:</span>\nإِذا قتلَ رجلٌ رجلًا، وقال: إِنه قد هجَم منزلي؛ فلم يمكنني دفعه إِلا بالقتل، لم يُقبَل قوله إِلا ببيّنة، وعليه القَوَد، سواء كان المقتول يُعرفُ بسرقة أو عيارة، أو لا يعرف بذلك.\nفإِنْ شهدت البينة أنهم رأوا هذا مُقبِلًا إِلى هذا بالسلاح المشهور، فضَرَبه هذا، فقد هُدر دمه، وإِن شهدوا أنهم رأوه داخلًا داره، ولم يذكروا سِلاحًا، لم يسقط القوَدَ بذلك، لأنه قد يدخل لحاجة، ومجرد الدخول المشهود به لا يوجب إِهدار دمه (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1755>هل يضمن ما أتلفته النار</span>؟\n*مَن أوقدَ نارًا في داره كالمعتاد، فهبّت الريح، فأطارت شرارةً؛ أحرقَتْ نفسًا أو مالًا؛ فلا ضمان عليه.\n_________\n(١) انظر \"المغني\" (١٠/ ٣٥١).\n(٢) المصدر السابق (١٠/ ٣٥٤) -بحذف وتصرف يسيرين-.","vol":"6","page":271},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1756>في إِفساد زرْعِ الغير:</span>\nولو سقَى أرضه سقيًا زائدًا على المعتاد، فأفسَد زَرْع غيره ضَمِن، فإِذا انصبَّ الماء مِنْ موضعٍ لا عِلْم له به؛ لم يضمن؛ حيث لم يَحدُث منه تعدٍّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1757>في غرق السفينة:</span>\nمَنْ كان له سفينةٌ يعبر بها الناس ودوابّهم، فغَرِقت دون سبب مباشر منه؛ فلا ضمان عليه فيما تلف بها، فإِنْ كان غرقُها بسببٍ منه ضمن* (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1758>ضمان الطبيب:</span>\nإِذا لم تكن درايةٌ بالطب للمرء، وتكلّف ذلك فعالجَ مريضًا، فآذاه أو أتلف شيئًا من بدنه؛ فإِنه ضامِنٌ مسؤول عما جنت يداه، والدِّيَة في ماله.\nعن عبد الله بن عمرو -﵁-: \"أن رسول الله - ﷺ - قال: من تطبّبَ (٢) ولا يُعلَمُ منه طبّ فهو ضامن\" (٣).\nوعن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز قال: \"حدّثني بعض الوفد الذين قدِموا على أبي، قال: قال رسول الله - ﷺ -: أيما طبيب تطبّب على قومٍ لا\n_________\n(١) ما بين نجمتين من \"فقه السنة\" (٣/ ٢٦١، ٢٦٢) بتصرف يسير.\n(٢) مَن تطبّب: أي تعاطى عِلم الطبِّ، وعالج مريضًا.\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٨٣٤) وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٣٨٣٤) والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٤٤٩١)، وانظر \"الصحيحة\" (٦٣٥).","vol":"6","page":272},{"text":"يُعرف له تطبُّبٌ قبل ذلك، فأعنَتَ (١)؛ فهو ضامن\".\nقال عبد العزيز: \"أما إِنه ليس بالعَنَت، إِنما هو قطع العروق والبطّ (٢) والكي (٣) \" (٤).\nجاء في \"سُبُل السلام\" (٣/ ٤٧٢): \"الحديث دليل على تضمين المتطبّب ما أتلفَه مِن نفسٍ فما دونها، سواء أصابَ بالسراية أو بالمباشرة، وسواء كان عمدًا أو خطأ، وقد ادُّعي على هذا الإِجماع.\nوفي \"نهاية المجتهد\" إِذا أعنَت -أي المتطبب- كان عليه الضرب والسجن، والدية في ماله، وقيل على العاقلة.\nواعلم أن المتطبب هو من ليس له خِبرةٌ بالعلاج، وليس له شيخٌ معروف، والطبيب الحاذِق هو مَن له شيخ معروف؛ وَثِقَ مِنْ نفسه بجودة الصنعة وإحكام\n_________\n(١) فأعنَتَ: أي أضرَّ بالمريض وأفسده.\n(٢) أي الشَّقّ.\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٨٣٥)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\"، وانظر \"الصحيحة \" تحت (٦٣٥)، (٢/ ٢٢٧).\n(٤) جاء في \"عون المعبود\": (١٢/ ٢١٥): \"ومراد عبد العزيز -والله أعلم بمراده- أنّ لفْظ الطبيب الواقع في الحديث؛ ليس المقصود منه معناه الوصفي العامّ الشامل لكل من يُعالج؛ بل المقصود منه قاطع العروق والباطّ والكاوي، ولكن أنت تعلم أنّ لفْظ الطبيب في اللغة عامّ لكلّ من يعالج الجسم؛ فلا بدّ للتخصيص ببعض الأنواع من دليل\".\nقلت: لعلّ قول عبد العزيز -رحمه الله تعالى- تفسير للحديث، فهو على سبيل المثال لا الحصر، والأخْذ بعموم النصّ هو الأولى، إذا الجاهل بالطبّ يلزمه الضمان في عموم ما يقع منه من إِضرارٍ أو إِفساد. والله -تعالى- أعلم.","vol":"6","page":273},{"text":"المعرفة (١).\nقال ابن القيم في \"الهدي النبوي\": إِنّ الطبيب الحاذق هو الذي يراعي في علاجه عشرين أمرًا وسَرَدها هنالك.\nقال: والطبيب الجاهل إِذا تعاطى عِلْم الطّبّ أو عَلمَه ولم يتقدم له به معرفة فقد هجم بجهله على إِتلاف الأنفس، وأقدمَ بالتهور على ما لا يعلمه، فيكون قد غرّر بالعليل فيلزمه الضمان. وهذا إِجماعٌ من أهل العلم.\nقال الخطّابي: لا أعلم خلافًا في أنّ المعالج إِذا تعدّى فتلفَ المريض كان ضامنًا، والمتعاطي علمًا أو عملًا لا يعرفه متعدٍّ، فإِذا تولّد مِنْ فِعْله التلف، ضَمِن الديَة وسقط عنه القَوَد؛ لأنه لا يستبد بذلك دون إِذن المريض وجناية الطبيب؛ على قول عامّة أهل العِلم على عاقلته. انتهى.\nوأمّا إِعنات الطبيب الحاذق؛ فإِنْ كان بالسراية لم يضمن اتفاقًا، لأنها سراية فِعْل مأذونٍ فيه مِن جهة الشرع، ومِن جهة المعالج، وهكذا سراية كلّ مأذونٍ فيه؛ لم يتعد الفاعل في سببه، كسراية الحد وسراية القِصاص عند الجمهور\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1759>الحائط يقع على شخصٍ فيقتله:</span>\nإِذا بنى الرجُل في ملْكِه حائطًا مائلًا إِلى الطريق، أو إِلى ملك غيره، فتلف به شيء، وسقط على شيء فأتلَفَه؛ ضَمِنه؛ لأنه متعدٍّ بذلك، فإِنه ليس له الانتفاع بالبناء في هواء ملْك غيره، أو هواءٍ مشترك، ولأنه يُعرّضه للوقوع على غيره في غير ملكه.\nقال في \"المغني\" (٩/ ٥٧١): \"وهذا مذهب الشافعي -﵀- ولا\n_________\n(١) والميزان الآن بيِّنٌ مِن خلال الدراسة الجامعية، ونظام معادلة الشهادات، وشهادة أهل الاختصاص.","vol":"6","page":274},{"text":"أعلم فيه خلافًا\".\nثمّ قال (ص ٥٧٢): \"وإِنْ بناه في ملكه مستويًا ... فسقط مِن غير استهدام ولا ميل؛ فلا ضمانَ على صاحبه فيما تلِف به؛ لأنه لم يتعدَّ ببنائه، ولا حصَل منه تفريطٌ بإِبقائه\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1760>ضمان حافر البئر:</span>\nعن أبي هريرة -﵁- عن النبي - ﷺ - قال: \"العجماء جرحها جُبار، والبئر جُبار، والمعدن جُبار، وفي الرِّكاز الخمس\" (١).\nقال الحافظ -﵀- في \"الفتح\" (١٢/ ٢٥٥): \"قال أبو عبيد: المراد بالبئر هنا العادية القديمة، التي لا يُعلم لها مالك، تكون في البادية، فيقع فيها إِنسان أو دابة، فلا شيء في ذلك على أحد.\nوكذلك لو حفَر بئر في ملكه أو في موات، فوقع فيها إِنسان أو غيره فتلف، فلا ضمان إِذا لم يكن منه تسبب إِلى ذلك ولا تغرير، وكذا لو استأجر إِنسانًا ليحفر له البئر فانهارت عليه فلا ضمان.\nوأمّا مَن حفر بئرًا في طريق المسلمين، وكذا في ملك غيره بغير إِذن، فتلف بها إِنسان فإِنه يجب ضمانه على عاقلة الحافر والكفّارة في ماله.\nوإِنْ تلف بها غير آدمي؛ وجب ضمانه في مال الحافر، ويلتحق بالبئر كل حفرة على التفصيل المذكور، والمراد بجرحها -وهي بفتح الجيم لا غير كما نقله في \"النهاية\" عن الأزهري- ما يحصل بالواقع فيها من الجراحة، وليست الجراحة مخصوصة بذلك بل كل الإِتلافات ملحقة بها.\nقال عياض وجماعة: إِنما عبر بالجرح؛ لأنه الأغلب، أو هو مثالٌ نبّه به على\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٩١٢)، ومسلم (١٧١٠) وتقدّم.","vol":"6","page":275},{"text":"ما عداه، والحكم في جميع الإِتلاف بها سواء، سواءٌ كان على نفسٍ أو مال\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1761>ضمان المعدن:</span>\nفي الحديث المتقدّم: \"والمعدن جُبار\" والحُكم فيه ما تقدّم في البئر، فلو حَفَر معدنًا في ملْكِه أو في موات؛ فوقع فيه شخص فمات، فدمه هدْر، وكذا لو استأجر أجيرًا يعمل له، فانهار عليه فمات (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1762>من استؤجر على صعود شجرة فسقط منها:</span>\nويُلحق بالبئر والمعدن في ذلك كل أجير على عمل؛ كمن استُؤجر على صعود نخلةٍ، فسقط منها فمات (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1763>هل في أخْذ الطعام مِن غير إِذن ضمان</span>؟\nعن عبد الله بن عمر -﵄- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"لا يَحلُبنَّ أحد ماشية أمرئ بغير إِذنِه، أيحب أحدُكم أن تُؤتى مَشْرُبَتُه (٣) فتُكْسَرَ خِزانته فينتقل طعامه؟ فإِنما تَخزُن لهم ضُروعُ (٤) ماشِيتِهم أطعُماتِهم، فلا يحلُبنَّ أحدٌ ماشية أحدٍ إِلا إِذنِه\" (٥).\nواختلف العلماء في هذا النهي وذكروا استثناءات مِن ذلك (٦):\n_________\n(١) انظر \"شرح النووي\" (١١/ ٢٢٦) و\"فتح الباري\" (١٢/ ٢٥٥).\n(٢) انظر \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٥٥).\n(٣) مشرُبَتُه: قال الحافظ -﵀- في \"الفتح\" \"-بضم الراء وقد تفتح- أي: غُرفته: والمشربة: مكان الشرب بفتح الراء خاصة، والمشربة بالكسر إِناء الشرب\".\n(٤) الضرع للبهائم؛ كالثدي للمرأة.\n(٥) أخرجه البخاري (٢٤٣٥)، ومسلم (١٧٢٦).\n(٦) وأفاض الحافظ -﵀- في تفصيل ذلك في \"الفتح\" (٥/ ٨٩).","vol":"6","page":276},{"text":"منها: حديث سمرة بن جندب -﵁-: أن نبي الله - ﷺ - قال: \"إِذا أتى أحدكم على ماشية: فإِنْ كان فيها صاحبها فليستأذنْه، فإِن أَذِن له فليحْلِب وليشرب، فإِن لم يكن فيها فليُصَوِّت ثلاثًا، فإِن أجابه فليستأذنه، وإِلا فلَيحْتلِب وليشرب ولا يحمل\" (١).\nوكذلك حديث أبي سعيد -﵁- عن النبي - ﷺ - قال: \"إِذا أتَيْت على راعٍ، فناده ثلاث مرارٍ. فإِنْ أجابك، وإِلا فاشرب في غير أن تُفسد، وإِذا أتَيْت على حائط بُستان، فنادِ صاحب البُستان ثلاث مراتٍ، فإِنْ أجابك، وإِلا فكل في أن لا تُفسد\" (٢).\nوأيضًا؛ حديث ابن عمر -﵄- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إِذا مرّ أحدكم بحائط، فليأكل ولا يتخّذ خُبْنَةً (٣) \" (٤).\nوالذي يترجّح لديّ:\n١ - أنه يُراعَى فيما إِذا كان البستان عليه حائطٌ أو لا، وسمعْت من شيخنا -﵀- يقولُ به.\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٢٨٠)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (١٠٤٢)، وانظر \"الإرواء\" (٢٥٢١).\n(٢) أخرجه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٨٦٢) وابن حبّان وغيرهما، وانظر \"الإِرواء\" (٢٥٢١).\n(٣) الخُبْنَة: معطف الإِزار وطرف الثوب، أي لا يأخذ منه في ثوبه، يقال: أخْبنَ الرجل: إِذا خبّأ شيئًا في خُبْنة ثوبه أو سراويله. \"النهاية\".\n(٤) أخرجه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٨٦٣) والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (١٠٣٤)، وصححه الحافظ -﵀- في \"الفتح\" (٥/ ٩٠) تحت الحديث (٢٤٣٥).","vol":"6","page":277},{"text":"٢ - وأنّ الأخْذ مِن غير إِذْنٍ يجوز؛ إِذا عَلِم أو رجّح طِيب نفسِ صاحب الطعام. ويفيدنا في ذلك قول الإمام البخاري -﵀- في كتاب \"الأدبَ المفرد\" (باب دالّة أهل الإِسلام بعضهم على بعض) ثم ذِكْر لأثر محمد بن زياد قال: \"أدركت السَّلف، وإِنَّهم ليكونون في المنزل الواحد بأهاليهم، فربما نزل على بعضهم الضيف، وقِدْرُ أحدهم على النَّار، فيأخذها صاحب الضيف لضيفه، فيفقد القِدرَ صاحَبُها، فيقول: من أخذ القِدر؟ فيقول صاحب الضيف: فحن أخذناها لضيفنا، فيقول صاحب القِدر. بارك الله لكم فيها أو كلمةً نحرها.\nقال بقية: قال محمّد: والخبز إِذا خَبَزوا مثل ذلك، وليس بينهم إلاَّ جُدُرُ القَصبِ\" (١).\n٣ - وأنه يجوز للحاجة والضرورة: ويعود تقدير الحاجة والضرورة للمرء نفسه.\nعن عباد بن شرحبيل -﵁- قال: \"أصابتني سَنَة (٢)، فدخَلْتُ حائطًا من حيطان المدينة، ففركْتُ سنبلًا، فأكلْتُ وحملتُ في ثوبي، فجاء صاحبه، فضربني وأخَذ ثوبي.\nفأتيتُ رسول الله - ﷺ - فقال له: ما علّمته إِذْ كان جاهلًا، ولا أطعمته إِذ كان ساغبًا (٣) أو جائعًا، وأمَره، فردَّ عليّ ثوبي، وأعطاني وسْقًا (٤) أو نصف\n_________\n(١) انظر \"صحيح الأدب المفرد\" (٥٧٦).\n(٢) السَّنَة: الجدب، في \"سنن ابن ماجه\": \"أصابنا عام مخمصة\".\n(٣) ساغبًا: جائعًا، وقيل: لا يكون السَّغَب إِلا مع التعب. \"النهاية\".\n(٤) الوَسْق: ستون صاعًا ... والأصل في الوَسْق الحمل، وكل شيء وسَقْته فقد حَملته. \"النهاية\".","vol":"6","page":278},{"text":"وسْقٍ من طعام\" (١).\nفعباد بن شرحبيل -﵁- قال: أصابتني سَنَة -أي: جدب- فدخل حائطًا من حيطان المدينة ... وقد لام النبيّ - ﷺ - صاحب الحائط، فقال له: \" ... ولا أطعمته إِذْ كان ساغبًا\".\nفهذا واجب متعيّن على القادر؛ أن يطعم الجائع، سواء أكان من الزكاة الواجبة أو الصدقة، أو فيما دخل في قاعدة \"في المال حقٌّ سوى الزكاة\".\nوجاء في تمام النصِّ \"وأعطاني وسْقًا أو نصف وسْقٍ من طعام\" طردًا لجوعه وجبرًا لخاطره، وتفريجًا لكربه.\nوهذا كله شريطة عدم الإفساد والحمل واتخاذ الخبيئة، ففي هذه الحالة وبهذه الضوابط؛ لا يضمن ما أخَذه من طعام أو شراب.\nومن الأدلّة على عدم الضمان؛ أنّ النبي - ﷺ - لم يأمر المارّ على الماشية بعد أن يُصوّت؛ بضمان ما شَرِبه؛ لكن نهاه عن الحمل والإِفساد فحسب. والله -تعالى- أعلم.\nوقد ورَد الضّمانُ في أَخْذ الطعام كما في النصّ الآتي:\nعن عمير مولى آبي اللحم قال: \"أقبلتُ مع سادتي نُريد الهجرة، حتى دَنَوْنا من المدينة، قال: فدخلوا المدينة وخَلَّفوني في ظهرهم، قال: فأصابني مجاعة شديدة، قال: فمرَّ بي بعض من يخرُجُ من المدينة فقالوا لي: لو دخَلْتَ المدينة فأصبْتَ من ثمرِ حوائطها، فدخلتُ حائطًا فقطعتُ منه قِنْوينِ (٢)\n_________\n(١) أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه والحاكم وأحمد وانظر \"الصحيحة\" (٤٥٣).\n(٢) القِنو: هو العِذق: وهو الغضن له شعب بما يحمله من الرُّطب.","vol":"6","page":279},{"text":"فأتاني صاحبُ الحائط، فأتى بي إِلى رسول الله - ﷺ - وأخبَره خبري، وعليّ ثوبان،\nفقال لي: \"أيُّها أفضل؟ فأشَرْتُ له إِلى أحدهما، فقالك خُذْهُ، وأعطى صاحب الحائط الآخر، وخلّى سبيلي\" (١).\nقال شيخنا -﵀-: \"فيه دليلٌ على جواز الأكل من مال الغير بغير إِذنه عند الضرورة، مع وجوب البَدل. أفاده البيهقي.\nقال الشوكاني: (٨/ ١٢٨): \"فيه دليلٌ على تغريم السارق قيمة ما أخذه مما لا يجب فيه الحدّ، وعلى أنّ الحاجة لا تبيح الإِقدام على مال الغير مع وجود ما يمكن الانتفاع به، أو بقيمته، ولو كان مما تدعو حاجة الإِنسان إِليه، فإِنّه هنا أخذ أحدَ ثوبيه ودَفعَه إِلي صاحب النخل\". انتهى.\nقلت: وقطْع عمير قِنوين -وهما غصنان ذو شُعبٍ من الرُّطب- لا يدخل في المأذون فيه، مما سبق تَفصيله، فلزم من ذلك التغريم والله -تعالى- أعلم.\n_________\n(١) أخرجه أحمد وحسّنه شيخنا -﵀- في \"الصحيحة\" (٢٥٨٠).","vol":"6","page":280},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1764>القَسامة</span>","vol":"6","page":281},{"text":"القَسامة (١)\nالقَسامة: هي مصدر أقسم قَسَمًا وقَسَامة، وهي الأيمان تُقسَم على أولياء القتيل إِذا ادعوا الدم أو على المُدَّعَى عليهم الدم، وخُصّ القَسَم على الدم بلفظ القَسامة.\nوقال الحافظ ابن حجر -﵀-: \"القَسامة: هي في عرف الشرع حلف معيّن عن التّهمة بالقتل على الإِثبات أو النفي، وقيل: هي مأخوذة من قسمة الأيمان على الحالفين\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1765>القَسامة في الجاهلية </span>(٢):\nعن ابن عباس -﵄- قال: \"إِنّ أول قَسامةٍ كانت في الجاهلية لَفِينا بني هاشم.\nكان رجل من بني هاشم؛ استأجرهُ رجل من قريش من فَخِذٍ أخرى، فانطلق معه في إِبله، فمرّ به رجل من بني هاشم قد انقطعتْ عُروة جُوالقِهِ (٣) فقال: أغِثني بعقال أشد به عروة جُوالقي لا تنفر الإِبل، فأعطاه عقالًا فشدَّ به عروة جُوالَقه، فلما نزلوا عُقِلَتِ الإِبل إِلا بعيرًا واحدًا، فقال الذي استأجره: ما\n_________\n(١) انظر -إِن شئت- \"طلبة الطلبة\" (٣٣٢) و\"حلية الفقهاء\" (١٩٨).\n(٢) هذا العنوان من \"صحيح البخاري\" (باب - ٢٧).\n(٣) جُوالَقه: -بضم الجيم وفتح اللام- الوعاء مِن جلود وثياب وغيرها، فارسي معَرب وأصلها كُوالَة \"الفتح\".","vol":"6","page":283},{"text":"شأن هذا البعير لم يُعقَلْ من بين الإِبل؟ قال: ليس له عقال، قال: فأين عِقالهُ؟ قال: فحذَفَهُ (١) بعصًا كان فيها أجله.\nفمرَّ به رجل من أهل اليمن، فقال: أتشهد الموسم؟ قال: ما أشهد، وربَّما شهدته، قال: هل أنت مُبْلِغٌ عني رسالة مرةً من الدهر؟ قال: نعم، قال فكتب: إِذا أنت شهدتَ الموسم فنادِ يا آل قريش، فإِذا أجابوك فنادِ يا آل بني هاشم، فإِنْ أجابوك فاسأل عن أبي طالب فأخبِره أن فلانًا قَتَلَني في عقال.\nومات المستأجر فلمّا قدم الذي استأجره أتاه أبو طالب فقال: ما فعَل صاحِبُنا؟ قال: مرض فأحسنتُ القِيام عليه، فوليتُ دَفنَه، قال: قد كان أهل ذلك منك.\nفمكَث حِينًا ثمّ إِن الرجل الذي أوصى إِليه أن يُبلغ عنه وافى الموسم فقال: يا آل قريش، قالوا: هذه قريش، قال: يا بني هاشم، قالوا: هذه بنو هاشم، قال: أين أبو طالب؟ قالوا: هذا أبو طالب، قال: أمرني فلان أن أبلِغك رسالة أنّ فلانًا قتَلهُ في عقال.\nفأتاهُ أبو طالب فقال له: اختر منّا إِحدى ثلاث: إِن شئت أن تؤدي مائةً من الإبل؛ فإِنك قتَلْت صاحبنا، وإنْ شئت حلَف خمسون من قومك؛ إِنك لم تقتله، وإِن أبيتَ قتلناك به، فأتى قومه فقالوا نحلِف.\nفأتته امرأة من بني هاشم كانت تحت رجل منهم، قد ولدت له، فقالت: يا\n_________\n(١) فحذَفَه: أي رماه.","vol":"6","page":284},{"text":"أبا طالب أحبُّ أن تجِيزَ ابني هذا برجل من الخمسين ولا تُصبِر (١) يمينَه حيث تُصبَر الأيمان (٢)، ففعل.\nفأتاه رجل منهم فقال: يا أبا طالب أردتَ خمسين رجلًا أن يَحلِفوا مكان مائةٍ من الإِبل، يصيبُ كل رجل بعيران، هذان بعيران فاقبلهما منّى ولا يصبر يميني؛ حيث تُصْبر الأيمان، فقبلهما، وجاء ثمانية وأربعون فحلفوا.\nقال ابن عباس: فوالذي نفسي بيده ما حال الحول (٣) ومن الثمانية وأربعين عينٌ تَطرِفُ (٤) \" (٥).\nوعن سليمان بن يَسار مولى ميمونة زوج النبي - ﷺ - عن رجل من أصحاب رسول الله من الأنصار: \"أنّ رسول الله - ﷺ - أقَرّ القَسامة على ما كانت عليه في الجاهلية\" (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1766>بيان صورة القَسامَة:</span>\n*صورة القَسامة أن يوجدَ قتيلٌ وادعى وليّه على رجلٍ، أو على جماعةٍ\n_________\n(١) تُصبر يمينَه: أصل الصبر: الحبس والمنع، ومعناه في الأيمان الإلزام، تقول: صبرتُه: أي ألزمتُه أن يحلف بأعظم الإِيمان حتى لا يسعه أن لا يحلف. \"الفتح\".\n(٢) أي: بين الرّكن والمقام.\n(٣) أي: من يوم حلفوا.\n(٤) أي: تتحرّك.\n(٥) أخرجه البخاري (٣٨٤٥).\n(٦) أخرجه مسلم (١٦٧٠).","vol":"6","page":285},{"text":"وعليهم لوثٌ ظاهر. واللوث: ما يَغلب على القلب صدق المدّعي، بأن وجد فيما بين قوم أعداء لا يخالطهم غيرُهم، كقتيل خيبر وُجد بينهم، والعداوة بين الأنصار وبين أهل خيبر ظاهرة، أو اجتمع جماعةٌ في بيت أو صحراء وتفرقوا عن قتيل، أو وُجد في ناحية قتيلٌ وثمّ رجل مختضب بدمه، أو يشهد عدل واحد على أن فلانًا قتَله* (١).\nفيحلف أولياء المقتول خمسين يمينًا، أن ذلك الخاصم هو الذي قتلَه ويستحقون دمه.\nفإِن أبَوا القَسم؛ ردّ ذلك إِلى أولياء المدَّعَى عليه بالقتل، فيحلفون خمسين يمينًا على نفي القتل، فإِن حلفوا؛ لم يُطالبوا بالدِّية، وإن أبَوا؛ وجبت الدية عليهم.\nوإذا لم يتمكن الوالي مِن تمحيص الأمر -لالتباس أو غموض- كأن يأبى أولياء المدعي أيمان أولياء المدعي عليه- كانت الدية مِن بيت مال المسلمين.\nودليل ذلك ما رواه رافع بن خَديج وسهل بن أبي حَثْمة: \"أن عبد الله بن سهل ومحيِّصة بن مسعود أتيا خيبر، فتفرقا في النّخل، فقُتل عبد الله بن سهل، فجاء عبد الرحمن بن سهل وحوَيِّصة ومحيِّصة ابنا مسعود إِلى النبي - ﷺ - فتكلموا في أمرِ صاحبهم، فبدأ عبد الرحمن -وكان أصغر القوم- فقال النبي - ﷺ -: كبِّر الكُبْرَ.\nقال يحيى: لِيليَ الكلام الأكبر، فتكلموا في أمرَ صاحبهم، فقال النبي - ﷺ -: أتستَحِقون قتيلَكم -أو قال:- صاحبَكم- بأيمان خمسين منكم.\n_________\n(١) ما بين نجمتين من \"الروضة الندية\" (٢/ ٦٦٩).","vol":"6","page":286},{"text":"[وفي رواية لمسلم: يُقسم خمسون منكم على رجل منهم فيُدفع برُمّته (١)].\nقالوا يا رسول الله، أمرٌ لم نرَه قال: فتُبرِؤكم يهود في أيمان خمسين منهم: قالوا: يا رسول الله، قومٌ كفّارٌ: فوَداهم (٢) رسول الله - ﷺ - مِن قِبَله.\nقال سهل فأدركت ناقة من تلك، فدخلت مِربدًا (٣) لهم، فركضتني (٤) برجلها\" (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1767>الردّ على من يقول بعدم مشروعيّة القَسامة:</span>\nعن أبي قلابة \"أن عمر بن عبد العزيز أبرز سريرَه يومًا للناس، ثمّ أذِنَ لهم فدخلوا، فقال: ما تقولون في القَسامة؟ قالوا: نقول القسامة القَوَد بها حقّ وقد أقادَت بها الخلفاء.\nقال لي: ما تقول يا أبا قلابة؟ ونَصبني للناس؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، عندَك رؤوس الأجناد وأشراف العرب، أرأيتَ لو أن خمسين منهم شهدوا على رجل مُحصَن بدمشق أنه قد زنى ولم يرَوْه أكنت ترجمه؟ قال: لا،\n_________\n(١) يدفع بُرمّته: الرُّمّة: بضم الراء: الحبل، والراد هنا: الحبل الذي يُربط في رقبة القاتل؛ ويُسلم فيه إِلى وليّ القتيل، وفي هذا دليل لمن قال: إِنّ القَسامة يثبت فيها القِصاص ... قاله النووي -﵀-.\n(٢) فوداهم: أعطاهم ديته.\n(٣) المِربد: الموضع الذي تجتمع فيه الإِبل وتحبس.\n(٤) أي: رَفَستني.\n(٥) أخرجه البخاري (٦١٤٢، ٦١٤٣)، ومسلم (١٦٦٩).","vol":"6","page":287},{"text":"قلتُ: أرأيت لو أن خمسين منهم شهدوا على رجل بحمص أنه سَرق أكنت تَقطعُه ولم يَرَوه؟ قال: لا\" (١).\nفقد ورَد في هذا الأثر؛ أنّ القَسامة القَوَد بها حقٌّ، وقد أقادَت بها الخلفاء.\nوأمّا قول أبي قلابة -﵀-: \"أرأيتَ لو أن خمسين منهم، شهدوا على رجل مُحصَن بدمشق أنه قد زنى ولم يرَوْه؛ أكنت ترجمه؟ \".\nفالجواب عنه؛ أنّ أحكام القَسامة تختلف عن أحكام حدّ الزنى والسرقة، والقياس هنا باطل، إِذ لكل شيءٍ حُكمه وبيانه.\nوأيضًا؛ هؤلاء شهدوا على رجل أنه قد زنى ولم يَرَوه، وعلم الأمير أنهم لم يَروه، فلا يأخذ بقولهم فتنَبَّهْ -رحمني الله وإياك- إِلى قوله: (ولم يَروه) فعدم الرؤية متحقّقة متيقّنة، بخلاف القَسامة التي يمكن تحقُّق ذلك من قِبَل بَعضهم، ومن كذَب منهم فعليه كذبه.\nلكن لو سأله عمر بن عبد العزيز -﵀- فقال: لو جاءك خمسون شهدوا على رجل أنه سَرق أكنت تَقطعُه؟ فماذا يجيبه؟\nوحسْبُنا أنه قد تقدّم حديث رافع بن خديج وسهل بن أبي حثمة وفيه قول النبي - ﷺ -: أتستَحِقون قتيلَكم -أو قال: صاحبَكم بأيمان خمسين منكم؟ قالوا: يا رسول الله؛ أمرٌ لم نرَه قال: فتُبرِؤكم يهود في أيمان خمسين منهم ... \".\nقال الحافظ -﵀- عقب هذا الحديث: \"وفي حديث الباب من\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٨٩٩).","vol":"6","page":288},{"text":"الفوائد مشروعية القَسامة، قال القاضي عياض: هذا الحديث أصْلٌ من أصول الشرع وقاعدةٌ من قواعد الأحكام، ورُكن من أركان مصالح العباد، وبه أخَذ كافَّة الأئمّة والسلف؛ من الصَحابة والتابعين وعلماء الأمّة وفقهاء الأمصار من الحجازيين والشاميين والكوفيين، وإِن اختلفوا في صورة الأخذ به.\nورُوِيَ التوقف عن الأخذ به عن طائفة فلم يروا القَسامة، ولا أثبتوا بها في الشرع حُكمًا، وهذا مَذهب الحكم بن عتيبة وأبي قلابة وسالم بن عبد الله وسليمان بن يسار وقتادة ومسلم بن خالد وإِبراهيم بن علية، وإِليه ينحو البخاري، وروي عن عمر بن عبد العزيز باختلاف عنه، قلت: هذا ينافي ما صدَّر به كلامه أن كافّة الأئمّة أخَذوا بها\" انتهى كلام الحافظ -رحمه الله تعالى-.\nقلت: وتوقّف بعضهم لا ينافي ثبوت هذا الحُكم، فحسبُنا قضاء النبي - ﷺ - بذلك، وعمل السلف من الخلفاء والصحابة والتابعين وعلماء الأمة وفقهاء الأمصار. وبالله التوفيق.\nوجاء في \"سبل السلام\" (٣/ ٤٨٠): بعد الحديث المشار إِليه-: \"اعلم أنّ هذا الحديث أصْلٌ كبير في ثبوت القَسامة عند القائلين بها، وهم الجماهير؛ فإِنهم أثبتوها وبيّنوا أحكامها\".\nوجاء أيضًا في \"مجموع الفتاوى\" (٣٤/ ١٥٥): \"وسئل -رحمه الله تعالى- عن أهل قريتين بينهما عداوة في الاعتقاد، وخاصَم رجل آخر في غنم ضاعت له، وقال: ما يكون عِوَض هذا إِلا رقبتك، ثم وجد هذا مقتولًا، وأثر الدم أقرب إِلى القرية التي منها المتهم، وذكر رجل له قتْله؟\nفأجاب: إِذا حلَف أولياء المقتول خمسين يمينًا، أنّ ذلك المخاصِم هو الذي","vol":"6","page":289},{"text":"قَتلَه حُكِم لهم بدمه؛ وبراءة من سواه، فإِنما بينهما من العداوة والخصومة والوعيد بالقتل وأثَر الدم، وغير ذلك لوْث وقرينة وأمارة على أن هذا المتهم هو الذي قتَله، فإِذا حلفوا مع ذلك أيمان القَسامة الشرعية استحقوا دم المتهم، وسلم إليهم برُمّتة (١)، كما قضى بذلك رسول الله - ﷺ - في قصية الذي قُتل بخيبر\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1768>هل في قتل الخطأ قَسامة</span>؟\nاختلف العلماء فيما إِذا كان القتل خطأ؛ هل تشرع فيه القسامة!\nوالراجح أنّ القَسامة في قَتْل العمد دون الخطأ، لأنّ النصّ قد وَرَد في قتل العمد؛ لا في الخطأ.\nجاء في \"مجموع الفتاوى\" (٣٤/ ١٥٤): \"وسئل -﵀- عن رجل تخاصَم مع شخص، فراح إِلى بيته، فحصَل له ضعف، فلمّا قارب الوفاة أشهد على نفسه أنّ قاتله فلان، فقيل له كيف قتَلَك؟ فلم يذكر شيئًا، فهل يلزمه شيء، أم لا؟ وليس بهذا المريض أثرُ قتْلٍ ولا ضربٍ أصْلًا، وقد شهِد خلق من العدول أنه لم يضربه، ولا فعَل به شيئًا؟\nفأجاب: أمّا بمجرد هذا القول فلا يلزمه شيء بإِجماع المسلمين؛ بل إِنما يجب على المدَّعى عليه اليمين بنفي ما ادعى عليه، إِمّا يمين واحد عند أكثر العلماء: كأبي حنيفة وأحمد، وإِمّا خمسون يمينًا: كقول الشافعي.\n_________\n(١) وتقدّم المراد من ذلك، وهو أن القاتل يُربط بحبلٍ في رقبته، ويُسلّم إِلى وليّ القتيل.","vol":"6","page":290},{"text":"والعلماء قد تنازعوا في الرجل إِذا كان به أثر القتل -كجرح أو أثر ضرْب- فقال: فلان ضرَبني عمدًا: هل يكون ذلك لوثًا؟ فقال أكثرهم كأبي حنيفة والشافعي وأحمد: ليس بلوث؛ وقال مالك: هو لوث.\nفإِذا حلَف أولياء الدم خمسين يمينًا حُكم به، ولو كان القتل خطأ فلا قَسامة فيه في أصح الروايتين عن مالك، وهذه الصورة قيل: لم تكن خطأ، فكيف وليس به أثرُ قتْل، وقد شهِد الناس بما شَهدوا به، فهذه الصورة ليس فيه قَسامة بلا ريب على مذهب الأئمّة\".\nوجاء في \"المغني\" (١٠/ ٩): \" ... أن يزدحم الناسُ في مضيق؛ فيوجد فيهم قتيل، فظاهر كلام أحمد أن هذا ليس بلوث؛ فإِنه قال فيمن مات بالزحام يوم الجمعة؛ فدِيَتُه في بيت المال وهذا قول إسحاق ...\nقال أحمد: فيمن وُجد مقتولًا في المسجد الحرام؛ يُنظر مَن كان بينه وبينه شيء في حياته -يعني: عداوة- يؤخذون فلم يجعل الحضور لوثًا، وإنما جعلَ اللوث العداوة ... \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1769>هل يُضرب المتهم ليُقرّ</span>؟\nجاء في \"مجموع الفتاوى\" (٣٤/ ١٥٤): \"وسئل عمن اتُّهم بقتيل: فهل يُضرَب ليقرّ؟ أم لا؟\nفأجاب: إِنْ كان هناك لوث -وهو ما يغلِب على الظن أنه قتَله- جاز لأولياء المقتول أن يحلفوا خمسين يمينًا ويستحقّون دمه.\nوأمّا ضرْبُه ليقرّ فلا يجوز إِلا مع القرائن التي تدُلّ على أنه قتَله، فإِنّ بعض العلماء جوّز تقريره بالضرب في هذه الحال، وبعضهم منَع مِن ذلك مطلقًا\".","vol":"6","page":291},{"text":"قلت: قد ورَد في هذا أثرٌ عن النعمان بن بشير -﵁-: \"أنه رُفع إِليه نفر من الكلاعيين، أن حاكةً سرقوا متاعًا فحبَسهم أيامًا، ثم خلّى سبيلَهم فأتوه فقالوا: خلّيتَ سبيل هؤلاء بلا امتحان ولا ضرْب؟ فقال النعمان: ما شئتم إِنْ شئْتم أضربهم، فإِنْ أخرَج الله متاعكم فذاك، وإِلا أخذْتُ مِن ظهوركم مثلَه؟\nقالوا: هذا حُكمك، قال: هذا حُكْم الله ﷿ ورسوله - ﷺ -\" (١).\n_________\n(١) أخرجه النسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٤٥٢٩).","vol":"6","page":292},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1770>التعزير</span>","vol":"6","page":293},{"text":"التعزير\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1771>تعريفه:</span>\nالتعزير لغةً: مصدر عزر من العَزْر -بفتح العين وسكون الزاي المعجمة- هو الردّ والمنع.\nوهو في الشرع: تأديبٌ على ذنبٍ لا حدّ فيه ولا كفّارة (١).\n*أي: أنه عقوبة تأديبية يَفْرِضها الحاكم على جنايةٍ أو معصية، لم يُعيِّن الشرع لها عقوبة، أو حدّد لها عقوبة ولكن لم تتوفر فيها شروط التنفيذ، مثل المباشرة في غير الفرج، وسرقة ما لا قطْع فيه، وجنايةٍ لا قِصاص فيها، وإِتيان المرأة المرأة، والقذف بغير الزنى.\nذلك أنّ المعاصي ثلاثة أقسام:\n١ - نوع فيه حدّ، ولا كفّارة فيه، وهي الحدود التي تقدم ذِكْرها.\n٢ - ونوع فيه كفّارة، ولا حدَّ فيه، مِثْل الجماع في نهار رمضان، والجماع في الإِحرام.\n٣ - ونوع لا كفّارة فيه، ولا حدَّ فيه، كالمعاصي التي تقدم ذِكْرها فيجب فيها التعزير* (٢).\nقال شيخ الإِسلام -﵀- في \"مجموع الفتاوى\" (٢٨/ ١٠٧): \"الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر لا يتمُّ إِلا بالعقوبات الشرعية؛ فإِن الله يزَعُ\n_________\n(١) \"سبل السلام\" (٤/ ٦٦) بزيادة كلمة \"كفّارة\".\n(٢) ما بين نجمتين من \"فقه السنة\" (٣/ ٣٦٩).","vol":"6","page":295},{"text":"بالسلطان مال لا يزَعُ بالقرآن، وإقامة الحدود واجبة على ولاة الأمور؛ وذلك يحصُل بالعقوبة على ترْك الواجبات وفِعْل المحرمات.\nفمنها عقوبات مُقدّرة؛ مثل جلْد المفتري ثمانين، وقطعْ السارق ومنها عقوبات غير مُقدَّرة قد تُسمى \"التعزير\"، وتختلف مقاديرها وصفاتها بحسب كِبَر الذنوب وصِغَرها؛ وبحسب حال المذنب؛ وبحسب حال الذنب في قلّته وكثرته.\nوجاء في \"مجموع الفتاوى\" (٢٨/ ٣٤٣): \"وأمّا المعاصي التي ليس فيها حدٌّ مقدَّر ولا كفّارة؛ كالذي يُقبِّل الصبيّ والمرأة الأجنبية، أو يباشر بلا جِماع أو يأكل ما لا يحلّ، كالدم والميتة، أو يقذف الناس بغير الزنا، أو يسرق من غير حِرز، -ولو شيئًا يسيرًا- أو يخون أمانته، كولاة أموال بيت المال أو الوقوف، ومال اليتيم ونحو ذلك، إِذا خانوا فيها، وكالوكلاء والشركاء إِذا خانوا، أو يغش في معاملته، كالذين يغشّون في الأطعمة والثياب ونحو ذلك، أو يطفف المكيال والميزان، أو يشهد بالزور، أو يلقِّن شهادة زور، أو يرتشي في حُكْمه، أو يحكُم بغير ما أنزل الله، أو يعتدي على رعيته، أو يتعزّى بعزاء الجاهلية، أو يلبّي داعي الجاهلية، إِلى غير ذلك من أنواع المحرمات.\nفهؤلاء يعاقبون تعزيرًا وتنكيلًا وتأديبًا، بقدر ما يراه الوالي، على حسب كثرة ذلك الذنب في الناس وقلّته، فإِذا كان كثيرًا زاد في العقوبة؛ بخلاف ما إِذا كان قليلًا، وعلى حسب حال المذنب؛ فإِذا كان مِن المدمنين على الفجور؛ زِيدَ في عقوبته؛ بخلاف المقلّ من ذلك، وعلى حسْب كِبَر الذنب وصِغَره؛ فيُعاقبُ من يتعرض لنساء الناس وأولادهم، بما لا يعاقب من لم يتعرض إِلا","vol":"6","page":296},{"text":"لمرأة واحدة، أو صبيٍّ واحد.\nوليس لأقل التعزير حدّ؛ بل هو بكل ما فيه إِيلام الإِنسان من قول وفِعل، وترْك قول، وترك فِعل.\nفقد يُعزَّر الرجل بوعْظِه وتوبيخه والإِغلاظ له، وقد يُعزّر بهَجْره وترْك السلام عليه حتى يتوب؛ إِذا كان ذلك هو المصلحة، كما هجَر النبي - ﷺ - وأصحابَه \"الثلاثة الذين خُلّفوا\".\nوقد يُعزّر بترك استخدامه في جُند المسلمين؛ كالجندي المقاتل إِذا فر من الزحف؛ فإِنّ الفرار من الزحف من الكبائر، وقطْع أجرِه نوعُ تعزيرٍ له، وكذلك الأمير إِذا فعل ما يُستعظَم؛ فعزْله عن إِمارته تعزير له، وكذلك قد يُعزّر بالحبس وقد يُعزر بالضرب ... \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1772>مشروعيّته:</span>\nعن بهز بن حكيم، عن أبيه عن جده -﵁-: \"أنّ النبي - ﷺ - حَبَس رجلًا في تُهمة\" (١).\nوعن أبي بُردة -﵁- قال: كان النبى - ﷺ - يقول: \"لا يُجلَد فوق عشر جلدات؛ إِلا في حدٍّ من حدود الله\" (٢).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٠٨٧)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (١١٤٥) والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٤٥٣٠)، وانظر \"الإرواء\" (٢٣٩٧).\n(٢) أخرجه البخاري (٦٨٤٨)، ومسلم (١٧٠٨).","vol":"6","page":297},{"text":"ففي هذا الحديث مشروعية الجلد في غير الحدود -أي: التعزير-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1773>هل يشرع الجلد في التعزير فوق عشر جلدات</span>؟\nفي الحديث المتقدّم بيان الاقتصار على عشر جلدات في غير الحدود.\nقال الإِمام النووي -﵀-: \"اختلف العلماء في التعزير؛ هل يقتصر فيه على عشرة أسواط فما دونها، ولا تجوز الزيادة؛ أَم تجوز الزيادة؟ فقال أحمد بن حنبل، وأشهب المالكي، وبعض أصحابنا: لا تجوز الزيادة على عشرة أسواط.\nوذهب الجمهور من الصحابة والتابعين ومن بعدهم؛ إِلى جواز الزيادة ... \" (١).\nقال الحافظ -﵀- في \"الفتح\" (١٢/ ١٧٨): \"وقد اختلف السلف في مدلول هذا الحديث، فأخَذ بظاهره الليث وأحمد -في المشهور- عنه وإسحاق وبعض الشافعية.\nوقال مالك والشافعي وصاحبا أبي حنيفة: تجوز الزيادة على العشر، ثم اختلفوا، فقال الشافعي: لا يبلغ أدنى الحدود، وهل الاعتبار بحدّ الحر أو العبد؟ قولان، وفي قولٍ أو وجه يستنبط كل تعزير من جنس حدّه، ولا يجاوزه، وهو مقتضى قول الأوزاعي: \"لا يبلغ به الحدّ\" ولم يفصل.\nوقال الباقون: هو إِلى رأي الإِمام بالغًا ما بلغ، وهو اختيار أبي ثور.\nوعن عمر أنه كتب إِلى أبي موسى: \"لا تجلد في التعزير أكثر من عشرين\"\n_________\n(١) انظر \"شرح النووي\" (١١/ ٢٢١).","vol":"6","page":298},{"text":"وعن عثمان ثلاثين، وعن عمر أنه بلغ بالسوط مائة، وكذا عن ابن مسعود وعن مالك وأبي ثور وعطاء: لا يعزر إِلا من تكرر منه ومَن وقع منه مرة واحدة معصية لا حدّ فيها فلا يُعزَّر، وعن أبي حنيفة لا يبلغ أربعين، وعن ابن أبي ليلى وأبي يوسف لا يزاد على خمس وتسعين جلدة.\nوفي رواية عن مالك وأبي يوسف لا يبلغ ثمانين، وأجابوا عن الحديث بأجوبة منها ما تقدم، ومنها قصره على الجلد وأمّا الضرب بالعصا مثلًا وباليد فتجوز الزيادة لكن لا يجاوز أدنى الحدود، وهذا رأي الأصطخري من الشافعية وكأنه لم يقِف على الرواية الواردة بلفظ الضرب، ومنها أنه منسوخ دلّ على نسخه إِجماع الصحابة.\nورُدّ بأنه قال به بعض التابعين، وهو قول الليث بن سعد أحد فقهاء الأمصار، ومنها معارضة الحديث بما هو أقوى منه وهو الإِجماع على أن التعزير يخالف الحدود وحديث الباب يقتضي تحديده بالعشر فما دونها؛ فيصير مثل الحد، وبالإِجماع على أن التعزير موكول إِلى رأي الإِمام فيما يرجع إِلى التشديد والتخفيف، لا من حيث العدد، لأن التعزير شرع للردع ففي الناس من يردعه الكلام ومنهم من لا يردعه الضرب الشديد، فلذلك كان تعزير كلّ أحد بحسبه.\nوتُعُقِّب بأنّ الحدّ لا يزاد فيه، ولا ينقص فاختلفا، وبأن التخفيف والتشديد مُسلّم، لكن مع مراعاة العدد المذكور، وبأن الردع لا يراعى في الأفراد بدليل أن من الناس من لا يردعه الحدّ ... \".\nوجاء في \"فيض القدير\" (٦/ ٤٤٦): \"يعني لا يُزاد على عشْرة أسواط بل","vol":"6","page":299},{"text":"بالأيدي والنعال أو الأولى ذلك، فتجوز الزيادة إِلى ما دون الحد بقدْر الجرم عند الشافعي وأبي حنيفة.\nأخذ أحمد بظاهر الخبر؛ فمنع بلوغ التعزير فوقها، واختاره كثير من الشافعية، وقالوا: لو بلغ الشافعي لقال به، لكن يردّه نقْل إِمامهم الرافعي إِنه منسوخ محتجًّا بما منه عمل الصحابة، بخلافه مع إِقرار الباقين.\nونُوزع بما لا يُجدي، ونقَل المؤلف عن المالكية؛ أنّ الحديث مختص بزمن المصطفى - ﷺ - \"لأنه كان يكفي الجاني منهم هذا القدر.\nقال القرطبي في \"شرح مسلم\": ومشهور مذهب مالك أنّ ذلك موكول إِلى رأي الإِمام بحسب ما يراه أليق بالجاني؛ وإن زاد على أقصى الحدود، قال: والحديث خرج على أغلب ما يحتاج إِليه في ذلك الزمان\" انتهى.\nوقد وردَ بعض الآثار عن السلف في الزيادة على عشرة أسواط:\nفعن داود عن سعيد بن المسيب: \"في جارية كانت بين رجُلين؛ فوقَع عليها أحدهما (١)؟\nقال: يضرب تسعةً وتسعين سوطًا\" (٢).\nوعن عمير بن نمير قال: \"سُئل ابن عمر -﵄- عن جاريةٍ؛\n_________\n(١) أي سُئل ما حكمه؟\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة وصحح إسناده شيخنا -﵀- في \"الإرواء\" (٢٣٩٨).","vol":"6","page":300},{"text":"كانت بين رجلين؛ فوقَع عليها أحدهما؟\nقال: ليس عليه حدّ هو خائن، يُقوّم عليه قيمة، ويأخذها\" (١).\nوعن عطاء بن مروان عن أبيه قال: \"أُتيَ عليٌّ -﵁- بالنّجاشي قد شرب الخمر في رمضان، فضربه ثمانين، ثمّ أمَر به إِلى السّجن، ثمّ أخرجه من الغد فضربه عشرين، ثمّ قال: إِنّما جَلْدتك هذه العشرين؛ لإِفطارك في رمضان، وجَرأتك على الله\" (٢).\nوالمترجّح لديّ هو التمسُّك بالنصّ، ولكن قد ثبَت عن النبي - ﷺ - التعزير بالقتل؛ لمن شرب الخمر في المرّة الرابعة (٣).\nوورَد عن عدد من الصحابة -﵃- الزيادة على عشرة جلدات، فهذا يقوّي أن الإِمام موكولٌ بحسب ما يراه أليق بالجاني.\nولا نحمل ما فعَلَه بعض الصحابة -﵃- في الزيادة؛ إلاَّ أَنهم استفادوه من صحبة رسول الله - ﷺ -، والجمع بين أَحاديثه - ﷺ -؛ لدرء المفاسد، وردع الجاني، وتحقيق المصالح. والله -تعالى- أعلم.\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة، وقال شيخنا -﵀- في \"الإرواء\" (٨/ ٥٧) ورجاله ثقات رجال الشيخين غير عمير بن نمير، أورده ابن حبان في \"الثقات\" (١/ ١٧٢) وقال: \" ... أبو وَبَرة الهمداني، مِن أهل الكوفة، يروي عن ابن عمر، روى عنه إِسماعيل بن خالد وموسى الصغير\".\n(٢) أخرجه الطحاوي، وقال شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٢٣٩٩): \"وإسناده حسن أو قريب من ذلك ... \".\n(٣) وسيأتي - إن شاء الله تعالى- (باب التعزير في حالات مخصوصة).","vol":"6","page":301},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1774>الفرق بينه وبين الحدود:</span>\nالتعزير مخالف للحدود مِن ثلاثة أوجُه:\nالأول: أنه يختلف باختلاف الناس، فتعزير ذوي الهيئات أخفّ، ويستوون في الحدود مع الناس.\nعن عائشة -﵂- قالت: قال رسول الله - ﷺ -: \"أقيلوا (١) ذوي الهيئات (٢) عثراتهم (٣) إِلا الحدود (٤) \" (٥).\nالثاني: أنها تجوز فيه الشفاعة دون الحدود؛ كما تقدّم في الحديث السابق: \"إِلا الحدود\".\nالثالث: التالف به مضمون؛ خلافًا لأبي حنيفة ومالك.\nوقد فَرَّق قومٌ بين التعزير والتأديب، ولا يتمّ لهم الفَرق، ويُسمّى تعزيرًا؛\n_________\n(١) أقيلوا: من الإِقالة، وهي الترك.\n(٢) ذوي الهيئات: جمع هيئة، والمراد هنا: أهل المروءة والخصال الحميدة التي تأبى عليهم الطِّباع، وتجمع بهم الإِنسانية والألفة؛ أن يرضَوا لأنفسهم بنسبة الفساد والشرّ إِليهم. \"فيض القدير\".\n(٣) عثراتهم: زلاتهم: أى ذنوبهم.\n(٤) إِلا الحدود: أي إِلا فيما ما يوجب الحدود؛ إِذا بلغت الإِمام، وإلا الحقوق البشرية؛ فإِن كُلًاّ منهما يُقام، فالمأمور بالعفو عنه هفوة أو زلّة لا حدّ فيها، وهي مِن حقوق الحقّ؛ فلا يعزّر عليها وإِنْ رُفعت إِليه. \"فيض القدير\" أيضًا.\n(٥) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٦٧٩)، وأحمد والطحاوي في \"مشكل الآثار\" وغيرهم، وانظر \"الصحيحة\" (٦٣٨).","vol":"6","page":302},{"text":"لدفعه وردّه عن فِعْل القبائح، ويكون بالقول والفعل على حسب ما يقتضيه الحال (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1775>صفة التعزير </span>(٢):\nالتعزير أجناس، فمنه ما يكون بالتوبيخ والزجر بالكلام، ومنه ما يكون بالحبس، ومنه ما يكون بالنفي عن الوطن، ومنه ما يكون بالضرب فإِنْ كان لترك واجب مثل الضرب على ترك الصلاة أو ترك أداء الحقوق الواجبة: مثْل ترك وفاء الدين مع القدرة عليه؛ أو على ترْك ردّ المغصوب؛ أو أداء الأمانة إِلى أهلها: فإِنه يُضرَب مرّة بعد مرّة حتى يؤدي الواجب، ويُفرّق الضرب عليه يومًا بعد يوم، وإِنْ كان الضرب على ذنب ماضٍ؛ جزاءً بما كسب ونكالًا من الله له ولغيره؛ فهذا يفعل منه بقدر الحاجة فقط، وليس لأقله حدّ.\nوإليكَ التفصيل في هذه الأصناف وغيرها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1776>التعزير بالتوبيخ والزجر والكلام:</span>\nقال في \"الروضة الندية\" (٢/ ٦١٦): \" ... ومن ذلك قول يوسف -﵇- لإِخوته: ﴿أَنْتُم شرٌّ مَكاَنًا﴾ (٣) لمّا نسبوه إِلى السرقة.\nوقال - ﷺ - لأبي ذر: \"إِنك امرؤ فيك جاهلية\" (٤). لمّا سمعه يُعيّر رجلًا\n_________\n(١) انظر \"سبل السلام\" (٤/ ٦٦).\n(٢) انظر \"مجموع الفتاوى\" (٢٧/ ١٠٧).\n(٣) يوسف: ٧٧.\n(٤) أخرجه البخاري (٣٠)، ومسلم (١٦٦١).","vol":"6","page":303},{"text":"بأُمّه.\nوعن سلمة بن الأكوع -﵁-: \"أن رجلًا أكل عند رسول الله - ﷺ - بشماله فقال: كُلْ بيمنك، فقال: لا أستطيع، فقال: لا استطعتَ؛ ما منَعَه إِلا الكِبْرُ، قال: فما رفَعَها إِلى فيه\" (١).\nوعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"مَن سَمِعَ رجلًا يَنْشُدُ ضالّةً في المسجدِ، فليقل: لا رَدَّها الله عليك؛ فإِنّ المساجد لم تُبْن لهذا\" (٢).\nوعن بريدة -﵁- أن النبي - ﷺ - قال له: \"لا وجَدْتَ\" (٣).\nوعن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إِذا رأيتُم من يبيعُ أو يبتاعُ في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتَكَ\" (٤).\nوعن عديّ بن حاتم -﵁-: \"أن رجلًا خطَب عند النبي - ﷺ - فقال: مَن يطِع الله ورسولَه فقد رشَد، ومن يعصهما فقد غوى، فقال رسول الله - ﷺ -: بئس الخطيب أنت، قُل: ومن يعصِ الله ورسولَه\" (٥).\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٢٠٢١).\n(٢) أخرجه مسلم (٥٦٨).\n(٣) أخرجه مسلم (٥٦٩).\n(٤) أخرجه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (١٠٦٦) والدارمي وابن خزيمة في \"صحيحه\" وغيرهم وصححه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (١٢٩٥).\n(٥) أخرجه مسلم (٨٧٠).","vol":"6","page":304},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1777>التعزير بالمقاطعة والامتناع عن الكلام:</span>\nومن ذلك ما كان من شأن الثلاثة الذين خُلِّفوا:\nعن كعب بن مالك -﵁- يحدّث حين تخلّف عن غزوة تبوك: قال: \"لم أتخلَّف عن رسول الله - ﷺ - في غزوةً غزاها، إلاَّ في غزوة تبوك ...\nكان من خبري أنِّي لم أكنْ قطُّ أقوى ولا أيسر؛ حين تخلَّفْتُ عنه في تلك الغَزاة، والله ما اجتَمَعَتْ عندي قبله راحلتان قطُّ؛ حتى جمعتُها في تلك الغزوة.\nولم يكن رسول الله - ﷺ - يريد غزوة، إِلا ورَّى بغيرها (١)، حتى كانت تلك الغزوة؛ غزاها رسول الله - ﷺ - في حرٍّ شديد، واستقبل سفرًا بعيدًا ومفازًا (٢) وعدوًّا كثيرًا، فجلَّى للمسلمين أمرهم؛ ليتأهَّبوا أُهبة (٣) غزوِهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله - ﷺ - كثير (٤)، ولا يجمعهم كتاب حافظ (يريد: الديوان).\nقال كعب: فما رجلٌ يريد أن يتغيَّب؛ إلاَّ ظنَّ أنْ سيخفى له؛ ما لم يَنْزِلْ فيه وحْي الله.\n_________\n(١) قال في \"الفتح\": \"أي: أوهم غيرها، والتورية: أن يذكر لفظًا يحتمل معنيين، أحدهما أقرب من الآخر، فيوهم إرادة القريب، وهو يريد البعيد\".\n(٢) المفاز والمفازة: البريَّة القفْر.\n(٣) تأهَّب: استعدَّ، والأهبة: الحرب عدَّتها وجمعها. \"المختار\".\n(٤) في رواية لمسلم (٢٧٦٩): \"وغزا رسول الله - ﷺ - بناس كثير، يزيدون على عشرة آلاف، ولا يجمعهم ديوان حافظ\".","vol":"6","page":305},{"text":"وغزا رسول الله - ﷺ - تلك الغزوة حين طابت الثِّمار والظِّلال، وتجهَّز رسول الله والمسلمون معه، فطفِقْتُ أغدو لكي أتجهَّز معهم، فأرجع ولم أقضِ شيئًا، فأقول في نفسي: أنا قادر عليه، فلم يزل يتمادى بي؛ حتى اشتدَّ بالنَّاس الجِدُّ، فأصبح رسول الله - ﷺ - والمسلمون معه، ولم أقْضِ مِن جَهازي شيئًا، فقلتُ: أتجهَز بعده بيوم أو يومين، ثم ألحقُهُم، فغدوْتُ بعد أن فَضَلوا لأتجهَّزَ، فرجعْتُ ولم أقْضِ شيئًا، ثم غَدَوْتُ، ثم رجَعْتُ ولم أقْضِ شيئًا.\nفلم يَزَلْ بي حتى أسرعوا، وتفارطَ الغزو (١)، وهَمَمْتُ أنْ أرتَحِل فأدرِكهم -وليتني فعَلْت فلم يُقدَّر لي ذلك- فكنتُ إِذا خرجتُ في الناس بعد خروج رسول الله - ﷺ - فطُفْتُ فيهم؛ أحزَنَني أنِّي لا أرى إِلا رجلًا مغموصًا (٢) عليه النِّفاق، أو رجلًا ممَّن عذَرَ الله من الضُّعفاء.\nقال كعب بن مالك: \"فلمَّا بَلَغَني أنَّه توجَّه قافلًا (٣)؛ حَضَرني همِّي، وطَفِقْتُ أتذكَّرُ الكذب، وأقول: بماذا أخرُجُ من سَخَطه غدًا؟ واستَعَنْتُ على ذلك بكلِّ ذي رأيٍ من أهلي، فلمَّا قيل: إِنَّ رسول الله - ﷺ - قد أظلَّ قادمًا؛ زاح عنِّي الباطل، وعرفْتُ أنِّي لن أخرجَ منه أبدًا بشيء فيه كذب، فأجْمَعْتُ صِدقَه.\n_________\n(١) أي: فات وسبق.\n(٢) أي: مطعونًا عليه في دينه، متَّهمًا بالنَِّفاق، وقيل: معناه: مُستحقرًا، تقول: غَمَصْتُ فلانًا: إِذا استحقرْته. \"النهاية\".\n(٣) القفول: الرُّجوع من السَّفر.","vol":"6","page":306},{"text":"وأصبح رسول الله - ﷺ - قادمًا، وكان إِذا قَدِمَ مِن سَفَرٍ؛ بدأ بالمسجد، فيركعُ فيه ركعتين، ثم جلس للنَّاس، فلمَّا فعَل ذلك؛ جاءهُ المُخَلَّفون، فطفقوا يعتَذرون إِليه، ويحلفون له -وكانوا بضعةً وثمانين رجلًا- فقَبِلَ منهُم رسول الله - ﷺ - علانِيَتَهُم، وبايعَهُم، واستغفرَ لهم، ووكَلَ سرائرَهم إِلى الله.\nفجئتهُ، فلمَّا سلَّمتُ عليه؛ تبسَّمَ تبسُّمَ المُغْضَب، ثمّ قال: تعالَ. فجئتُ أمشي حتى جلستُ بين يديِه، فقال لي: ما خَلَّفَكَ؟ ألمْ تكن قد ابتَعْتَ ظهركَ (١)؟ \".\nفقلتُ: بلى؛ إِنِّي والله لو جلستُ عند غيرك من أهل الدُّنيا؛ لرأيتُ أن سأخرُجُ مِن سخطه بعُذرٍ، ولقد أُعطيتُ جَدلًا، ولكنِّي والله، لقد عَلمْت؛ لئن حدَّثْتُك اليوم حديث كَذِبٍ ترضى به عنِّي؛ ليوشِكنَّ الله أن يُسْخِطكَ عليَّ، ولئن حدَّثْتُك حديث صدقٍ تجِد عليَّ فيه (٢)؛ إِنِّي لأرجو فيه عفو الله (٣)، لا والله؛ ما كان لي مِن عُذرٍ؛ واللهِ ما كنتُ قطُّ أقوى ولا أيسر منِّي؛ حين تخلَّفْتُ عنك.\nفقال رسول الله - ﷺ -: أمَّا هذا؛ فقد صَدَقَ، فقُمْ حتى يقضي الله فيك، فقُمت ...\nونهى رسول الله - ﷺ - المسلمين عن كلامنا -أيُّها الثلاثة- من بين مَن تخلَّف عنه، فاجتَنبَنا النَّاس، وتغيَّروا لنا، حتى تَنكَّرتْ في نفسي الأرض، فما هي\n_________\n(١) اشتريت راحلتك.\n(٢) أي: تغضب.\n(٣) في \"صحيح مسلم\": \"عقبى\".","vol":"6","page":307},{"text":"التي أعرف، فلبِثنا على ذلك خمسينَ ليلة.\nفأمَّا صاحباي؛ فاسْتَكانا وقعدا في بيوتِهما يبكيان، وأمّا أنا؛ فكنتُ أشبَّ القوم وأجلَدَهُم، فكنتُ أخرجَ فأشهد الصَّلاة مع المسلمين، وأطوفُ في الأسواق، ولا يكلِّمني أحدٌ، وآتي رسول الله - ﷺ -، فأسلِّم عليه وهو في مجلسه بعدَ الصَّلاة، فأقول في نفسي: هل حرَّك شفتيهِ بردِّ السلام عليَّ أم لا؟ ثمَّ أصلِّي قريبًا منه، فأسارقهُ النَّظر، فإِذا أقبَلْتُ على صلاتي؛ أقبَل إِليَّ، وإذا التَفَتُّ نحوَه؛ أعرَضَ عنِّي.\nحتى إِذا طال عليَّ ذلك من جفوة الناس (١) مشيتُ حتى تسوَّرتُ (٢) جِدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمِّي وأحبُّ النَّاس إِلىَّ، فسلَّمتُ عليه، فوالله؛ ما ردَّ عليَّ السَّلام.\nفقلتُ: يا أبا قَتادة! أنشُدك بالله هل تعلمني أحبُّ الله ورسولَه؟ فسَكَت، فعُدْت له فنَشَدْتُه؟ فسكَتَ، فعُدْت له فنَشَدْتُه؟ فقال: الله ورسوله أعلم، ففاضتْ عيناي، وتولَّيت حتى تسوَّرت الجدار ...\nحتى إِذا مضتْ أربعون ليلة من الخمسين؛ إِذا رسولُ رسولِ الله - ﷺ - يأتيني، فقال: إِنّ رسول الله - ﷺ - يأمُرُك أنْ تعتَزِل امرأتَكَ.\nفقلتُ: أطلِّقُها؟ أم ماذا أفعل؟ قال: لا؛ بل اعتَزلها ولا تقرَبْها، وأرسل إِلى صاحبيَّ مثلَ ذلك.\nفقلتُ لامرأتي: الحَقي بأهلِك، فتكوني عندهم حتى يقضيَ الله في هذا\n_________\n(١) أي: إِعراضهم.\n(٢) أي: علوْت سور الدَّار.","vol":"6","page":308},{"text":"الأمر.\nقال كعبٌ: فجاءت امرأة هلال بن أميَّة رسولَ الله - ﷺ - فقالت: يا رسول الله، إِنّ هلال بن أميَّة شيخٌ ضائع، ليس له خادم، فهل تكره أن أخدُمَه؟\nقال: لا؛ ولكن لا يَقربْكِ، قالت: إِنّه والله ما به حَرَكة إِلى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إِلى يومه هذا، فقال لي بعض أهلي: لو استأذَنْتَ رسول الله - ﷺ - في امرأتِكَ كما أذِنَ لامرأة هلال بن أميَّة أن تخْدمَه.\nفقلتُ: والله لا أستأذن فيها رسول الله - ﷺ -، وما يدريني ما يقول رسول الله - ﷺ -: إذا استأذنْتُهُ فيها، وأنا رجل شابّ؟!\nفلَبِثْتُ بعد ذلك عشر ليالٍ، حتى كَمَلَتْ لنا خمسونَ ليلةً من حين نهى رسول الله - ﷺ - عن كلامِنا، فلمَّا صلَّيت صلاة الفجر صُبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيتٍ مِن بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذَكَر الله، قد ضاقتْ عليَّ نفسي، وضاقتْ عليَّ الأرض بما رَحُبت؛ سمِعتُ صوت صارخٍ أوفى على جبل سَلْع (١) بأعلى صوته: يا كعب بن مالك! أبْشِرْ.\nقال: فخَرَرتُ ساجدًا، وعرفْتُ أنْ قد جاء فَرَجٌ، وآذَنَ رسول الله - ﷺ - بتوبة الله علينا حين صلَّى صلاة الفجر، فذهب النَّاسُ يبشِّروننا\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1778>التعزير بالنفي:</span>\nعن أبي هريرة -﵁-: \"أن النبي - ﷺ - أُتي بمُخنّث، قد خضب\n_________\n(١) أي: صعده وارتفع عليه، وسَلْع: جبل بالمدينة معروف.\n(٢) أخرجه البخاري (٤٤١٨)، ومسلم (٢٧٦٩).","vol":"6","page":309},{"text":"يديه ورجليه بالحنّاء! فقال النبي - ﷺ -: ما بال هذا؟ قيل: يا رسول الله، يتشبّه بالنساء، فأمر فنُفي إِلى البقيع، فقالوا: يارسول الله ألا نقتله؟ فقال: إِنّي نهيت عن قتْل المصلّين\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1779>التعزير بالحبس:</span>\nعن بهز بن حكيم، عن أبيه عن جده -﵁-: \"أنّ النبي - ﷺ - حَبَس رجلًا في تُهمة\" (٢).\nوعن النعمان بن بشير -﵁-: \"أنه رُفع إِليه نفر من الكلاعيين، أن حاكةً سرقوا متاعًا؛ فحبَسهم أيامًا، ثم خلّى سبيلَهم فأتوه فقالوا: خلّيتَ سبيل هؤلاء بلا امتحان ولا ضرْب، فقال النعمان: ما شئتم، إِنْ شئْتم أضربهم، فإِنْ أخرَج الله متاعكم فذاك، وإِلا أخذْتُ مِن ظهوركم مثلَه؟\nقالوا: هذا حُكمك، قال: هذا حُكْم الله ﷿ ورسوله - ﷺ -\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1780>التعزير بالضرب:</span>\nعن ابن عمرو -﵄- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"مُروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبْعِ سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرّقوا بينهم في المضاجع\" (٤).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٤١١٩)، وانظر \"المشكاة\" (٤٤٨١).\n(٢) أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي، وانظر \"الإِرواء\" (٢٣٩٧) وتقدّم.\n(٣) أخرجه النسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٤٥٢٩) وتقدّم.\n(٤) أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود وغيرهم، وصححه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٢٤٧).","vol":"6","page":310},{"text":"وعن المسيب بن دارم قال: \"رأيت عمر بن الخطّاب ضرب جمّالًا، وقال: لِمَ تَحْمِلُ على بعيرك ما لا يُطيق؟ \" (١).\nوعن عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب: \"أن رجلًا حدَّ شفرةً، وأخذ شاةً ليذْبحَها، فضربهُ عمر بالدِّرّةِ، وقال: أتُعذِّبُ الرُّوح! ألا فعَلْتَ هذا قبل أن تأخذها؟! \" (٢).\nعن محمد بن سيرين: \"أنّ عمر -﵁- رأى رجلًا يجرُّ شاةً ليذْبحَها، فضربهُ بالدِّرَّةِ، وقال: سُقْها -لا أُمَّ لك- إِلى الموتِ سَوْقًا جميلًا\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1781>التعزير بالإِتلاف والتحريق والتكسير:</span>\nقال شيخ الإِسلام -﵀- في \"مجموع الفتاوى\" (٢٨/ ١١٣): فيما يجوز إِتلافه: \" ... مثل الأصنام المعبودة من دون الله؛ لما كانت صورها منكرة جاز إِتلاف مادتها؛ فإِذا كانت حجرًا أو خشبًا ونحو ذلك؛ جاز تكسيرها وتحريقها.\nوكذلك آلات الملاهي مثل: الطنبور يجوز إِتلافها عند أكثر الفقهاء، وهو مذهب مالك وأشهر الروايتين عن أحمد\".\n_________\n(١) أخرجه ابن سعد في \"الطبقات\" قال شيخنا -﵀-: \"وسنده صحيح إِلى المسيب بن [دارم] \"، وانظر \"الصحيحة\" (٣٠).\n(٢) أخرجه البيهقي (٩/ ٢٨٠ - ٢٨١)، وانظر \"الصحيحة\" (٣٠).\n(٣) أخرجه البيهقي أيضًا، وانظر \"الصحيحة\" تحت الحديث (٣٠).","vol":"6","page":311},{"text":"قلت: ويُحمل التكسير والتحريق والإِتلاف؛ على الأشياء التي لا يستفاد من إِبقائها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1782>التعزير بأخْذ المال:</span>\nومن صور ذلك أن يمتنع المرء عن أداء الزكاة غيرَ مُنكرٍ وجوبَها، فإِنّ للحاكم -وهذه الحال- أن يأخذ الزكاة منه قهرًا، وشطْر ماله عقوبةً.\nفعن بهز بن حكيم، عن أبيه عن جده (١) -﵁-: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا يفرق إِبل عن حسابها (٢) من أعطاها مؤتجِرًا (٣) فله أجرها، ومن أبى فإِنّا آخذوها وشطر ماله، عَزْمةً (٤) من عَزَمات ربّنا، لا يحلّ لآل محمد - ﷺ - منها شيء\" (٥).\nومن ذلك إِباحة النبي - ﷺ - سلب الذي يصطاد في حرم المدينة -لمن وجده-\n_________\n(١) هو معاوية بن حيدة؛ من أصحاب رسول الله - ﷺ -.\n(٢) معناه: أن المالك لا يفرّق مُلكَه عن ملك غيره؛ حيث كانا خليطين، أو المعنى: يحاسب الكلّ في الأربعين، ولا يُترك هزال ولا سمين، ولا صغير ولا كبير، نَعَم العامل لا يأخذ إِلا الوسط \"عون\" (٤/ ٣١٧).\n(٣) قاصدًا للأجر بإِعطائها.\n(٤) العَزْمة في اللغة: الجدّ والحق في الأمر، يعني: أُخذ ذلك بجدّ لأنّه واجب مفروض، قاله بعض العلماء.\n(٥) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٩٣)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٢٢٩٢) وغيرهم، وحسّنه شيخنا -﵀- في \"الإرواء\" (٧٩١) وتقدم في كتاب \"الزكاة\".","vol":"6","page":312},{"text":"فعن عامر بن سعد: \"أن سعدًا ركب إِلى قصره بالعقيق، فوجد عبدًا يقطع شجرًا أو يخبطه؛ فسَلَبَه (١)، فلمّا رجَع سعد جاءه أهل العبد؛ فكلّموه أن يردّ على غلامهم أو عليهم ما أخَذ من غلامهم، فقال: معاذ الله أن أرُدَّ شيئًا نفَّلنيه رسول الله - ﷺ -! وأبى أنّ يَرُدّ عليهم\" (٢).\nوفي رواية: من حديث سليمان بن أبي عبد الله قال: \"رأيت سعد بن أبي وقاص أخذ رجلًا يصيد في حرم المدينة -الذي حرّم رسول الله- فسلبَه ثيابه، فجاء مواليه فكلّموه فيه، فقال: إِنّ رسول الله - ﷺ - حرّم هذا الحرم وقال: \"من وجَد أحدًا يصيد فيه؛ فليسلُبْه، فلا أردّ عليكم طُعْمَةً أطعَمنيها رسول الله - ﷺ -، ولكن إِن شئتم دفعت إِليكم ثمنَه (٣) \" (٤).\nوفي رواية: \"سمعت رسول الله - ﷺ - ينهى أن يُقطع من شجر المدينة شيء، وقال: من قطع منه شيئًا؛ فلمن أخذه سَلَبُه\" (٥).\n_________\n(١) أي: أخذ ما عليه من الثياب وغيره. \"المرقاة\" (٥/ ٦٢٨).\n(٢) أخرجه مسلم (١٣٦٤).\n(٣) أي: تبرعًا، قاله الطيبي -﵀- أو احتياطًا للاختلاف فيه \"المرقاة\" (٥/ ٦٢٧).\n(٤) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٧٩١)، وانظر \"المشكاة\" (٢٧٤٧).\n(٥) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٧٩٢)، وانظر \"المشكاة\" (٢٧٤٨).","vol":"6","page":313},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1783>التعزير بالتغريم:</span>\nلقد تقدم قضاء رسول الله - ﷺ - بمضاعفة الغُرم والعقوبة على مَن سَرَق ما لا قطْع فيه؛ كما في سارق الثمار المعلّقة، وكذا سارق الشّاة من المرتع.\nفعن عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄- عن رسول الله - ﷺ -: \"أنه سُئل عن الثمر المعلق، فقال: \"من أصاب بفيه (١) من ذي حاجة غير مُتّخذٍ خُبْنَةً (٢)، فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مِثلَيْه والعقوبة، ومن سرق منه شيئًا بعد أن يؤويه الجَرين (٣)، فبلغ ثمن المجنّ (٤)؛ فعليه القطع\" (٥).\nوفي رواية من حديث عبد الله بن عمرو -﵄- أن رجلًا من مُزَيْنة أتى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله! كيف ترى حريسة (٦) الجبل،\n_________\n(١) فيه دليل على أنّه إِذا أخَذَ المحتاج بُغيته لسدّ فاقته؛ فإِنه مباح \"عون\" (٥/ ٩١).\n(٢) الخُبنة: مِعطف الإِزار وطرف الثوب: أي لا يأخذ منه في ثوبه، وتقدّم.\n(٣) الجَرين: موضع تجفيف التّمر، وهو له كالبيدر للحِنطة \"النهاية\".\n(٤) المجنّ: هو التُرس؛ لأنه يواري حامله: أي يستره والميم زائدة \"النهاية\" أيضًا.\n(٥) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٥٠٤)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٤٥٩٣) وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢١٠٤)، وانظر \"الإِرواء\" (٢٤١٣) وتقدّم.\n(٦) الحريسة: فعيلة بمعنى مفعولة: أي أنّ لها مِن يحرسها ويحفظها، ومنهم من يجعل الحريسة السرقة نفسها ... \"النهاية\"، والمراد: ليس فيما يُسرق من الجبل قطع لأنه ليس بحرز.","vol":"6","page":314},{"text":"فقال: هي وَمِثْلُها والنَّكَالُ.\nولَيْس في شَيْء مِنَ الماشِيَة قَطعٌ، إِلا فِيما آوَاه المُراحُ (١). فَبَلغ ثمن المِجَنّ، فَفيه قَطْع اليد، وما لم يبلُغ ثمن المِجَنِّ، ففيه غرامةُ مِثْليه، وجَلَدَات نَكَال (٢).\nقال: يا رسول الله كيف ترى في الثمر المعلّق؟ قال: هو ومِثلُه معهُ والنّكالُ، وليس في شيء من الثمر المعلق قَطعٌ إِلا فيما آواه الجَرينُ، فما أُخِذ من الجَرين فبَلَغ ثمنَ المِجَنّ، ففيه القَطعُ، وما لم يَبْلغ ثَمَنَ المِجَن فَفيه غَرَامةُ مِثليْه وجَلداتُ نَكَال\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1784>التعزير بتغليظ الدِّية:</span>\nعن ابن عمر -﵄-: \"أنّ رجلًا مسلمًا قَتلَ رجلًا مِن أهل الذّمة عمدًا، ورُفع إِلى عثمان -﵁- فلم يقتُله، وغلّظ عليه الدية مثل دَيِة المسلم\" (٤). وعُلّل ذلك لإِزالة القَوَد.\n_________\n(١) المُراح: الموضع الذي يريح الراعي إليه الماشية إِذا أمسى، وانظر \"غريب الحديث\" للهروي.\n(٢) النكال: العقوبة التي تُنكلُ الناسَ عن فِعْل ما جعلت له جزاءً \"النهاية\".\n(٣) أخرجه النسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٤٥٩٤)، وحسنه شيخنا -﵀- في \"الإرواء\" (٢٤١٣) وتقدّم.\n(٤) أخرجه أحمد والدارقطني وعنه البيهقي وصححه شيخنا -﵀- في \"الإِرواء\" (٢٢٦٢) وتقدّم.","vol":"6","page":315},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1785>التعزير بالقتل في حالات مخصوصة:</span>\nوقد يبلغ حدّ التعزير القتل (١) في حالات مخصوصة؛ كمن لم يرتدع من إِقامة حدّ الخمر، فإِنه يُقتَل في الرابعة.\nفعن معاوية بن سفيان -﵄- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إِذا شربوا الخمر فاجلدوهم، ثمّ إِنْ شربوا فاجلدوهم، ثمّ إنْ شربوا فاجلدوهم، ثمّ إِن شربوا [الرابعة] فاقتلوهم\" (٢).\nقال شيخنا -﵀- في \"الصحيحة\": \"وقد قيل إِنه حديث منسوخ، ولا دليل على ذلك، بل هو محكم غير منسوخ كما حقّقه العلامة أحمد شاكر في تعليقه على \"المسند\" (٩/ ٤٩ - ٩٢) واستقصى هناك الكلام على طرقه بما لا مزيد عليه، ولكنّا نرى أنه من باب التعزير؛ إِذا رأى الإمام القتل، وإِن لم يره لم يقتل بخلاف الجلد، فإِنه لا بد منه في كل مرة، وهو الذي اختاره الإِمام ابن القيم -رحمه الله تعالى-\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1786>التعزير على قول: يا كافر! يا فاسق! يا خبيث! يا حمار</span>!:\nعن علي -﵁-: \"في الرجل يقول للرجل: يا خبيث! يا فاسق! قال: ليس عليه حدّ معلوم، يُعزِّر الوالي بما رأى\" (٣).\n_________\n(١) وهذا لا يعارض الحديث المتقدم: \"لا يجلَد فوق عشر جلدات إِلا في حد من حدود الله\" لأن هذا قد وردَ فيه نَصّ بيِّن فأزال الإِشكال.\n(٢) أخرجه أبو داود وابن ماجه وابن حبان والحاكم وأحمد، وانظر \"الصحيحة\" (١٣٦٠).\n(٣) أخرجه البيهقي من طريق سعيد بن منصور وحسنه شيخنا -﵀- في \"الإرواء\" (٢٣٩٣).","vol":"6","page":316},{"text":"وفي لفظة: عن علي -﵁- قال: \"إِنّكم سألتموني عن الرجل يقول للرجل يا كافر! يا فاسق! يا حمار! وليس فيه حدّ، وإِنّما فيه عقوبةُ السلطان، فلا تعودوا فتقولوا\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1787>تعزير الخطباء الذين لا يتحرّون ثبوت الأحاديث:</span>\nجاء في فتوى الإِمام ابن حجر الهيتمي -﵀- في خطيب لا يُبيِّن مُخرّجي الأحاديث، في فتاواه الحديثية (ص ٣٢) ما نصه: \"وسئل -﵁- في خطيب يرقى المنبر في كل جمعة؛ ويروي أحاديث كثيرة، ولم يبين مُخَرِّجيها، ولا رواتَها فما الذي يجب عليه؟\nفأجاب بقوله: ما ذكَره من الأحاديث في خُطبِهِ من غير أن يُبيّن رواتها، أو مَنْ ذَكَرَهَا، فجائزٌ بشرط أن يكون من أهل المعرفة في الحديث، أو بنقْلها مِنْ مؤلفه كذلك.\nوأمّا الاعتماد في رواية الأحاديث على مجرَّد رؤيتها في كتاب ليس مؤلفه مِنْ أهل الحديث، أو في خطبٍ ليس مؤلفها كذلك، فلا يَحِلُّ ذلك! ومَن فعله عُزِّرَ عليه التعزير الشديد.\nوهذا حال أكثر الخطباء، فإِنهم بمجرد رؤيتهم خطبةً فيها أحاديث؛ حفظوها وخطبوا بها من غير أن يعرفوا أنّ لتلك الأحاديث أصلًا أم لا، فيجب على حُكّام كل بلد أن يزجروا خطباءَها عن ذلك، ويجب على حُكام بلد هذا\n_________\n(١) قال شيخنا -﵀ - في المصدر السابق: \"وهو عندي جيد الإسناد من الطريق الأولى؛ لأن رجاله ثقات معروفون؛ غير أصحاب عبد الملك بن عمير؛ وهم جمْعٌ تنجبر به جهالتهم\".","vol":"6","page":317},{"text":"الخطيب، منعُهُ من ذلك إِن ارتكَبه\".\nثم قال: \"فعلى هذا الخطيب أن يُبيِّن مستنده في روايته؛ فإِنْ كان مستندًا صحيحًا، فلا اعتراض عليه، وإِلا ساغ الاعتراض عليه، بل وجاز لوليّ الأمر -أيّد الله به الدين، وقمعَ بِعَدْلِه المعاندين- أن يعزله مِن وظيفة الخطابة؛ زجرًا له عن أن يتجرأ على هذه المرتبة السنيّة بغير حقّ\" انتهى ملخصًا (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1788>التعزير على نفي النسب:</span>\nعن الأشعث بن قيس قال: \"أتيت رسول الله - ﷺ - في وفد كنْدَة ولا يروني إِلا أفضلهم، فقلت: يا رسول الله ألستم منّا؟ فقال: نحن بنو النّضْر بن كنانة، لا نقفوا أمَّنَا، ولا نَنْتفي من أبينا.\nقال: فكان الأشعث بن قيس يقول: لا أُوتى برجل نفى رجلًا من قريش من النضر بن كنانة؛ إِلا جلَدْتُه الحدّ (٢) \" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1789>التعزير على الاستمناء:</span>\nجاء في \"مجموع الفتاوى\" (٣٤/ ٢٢٩): وسُئل -رحمه الله تعالى- \"عن\n_________\n(١) عن \"قواعد التحديث\" للعلاّمة القاسمي -رحمه الله تعالى-.\n(٢) والذي يبدو أنّ كلمة الحدّ هنا؛ بالمعنى اللغوي؛ لا الاصطلاحي الفقهي؛ فإِنني لم أَرَ -فيما أعلم- حدًّا مسمّى فيمن نفى النَّسب.\nوهذا كقول أنس -﵁- \"آلى رسول الله - ﷺ - من نسائه، وكانت انفكّت رجله ... \" أخرجه البخاري (٥٢٨٩)، فكلمة (آلى) هنا مشتقّة من الإِيلاء اللغوي، لا من الإيلاء الفقهي؛ كما قال الكرماني -﵀- والله -تعالى- أعلم.\n(٣) أخرجه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢١١٥)، وانظر \"الإِرواء\" (٢٣٦٨).","vol":"6","page":318},{"text":"الاستمناء، هل هو حرام؟ أَم لا؟\nفأجاب: أمّا الاستمناء (١) فالأصل فيه التحريم عند جمهور العلماء، وعلى فاعِلِه التعزير؛ وليس مِثْل الزنا. والله أعلم\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1790>التعزير من حقّ الحاكم:</span>\nوالتعزير يتولاه الحاكم؛ لأنّ له الولاية العامّة على المسلمين، وليس التعزير لغير الإِمام، إِلا لثلاثة:\n١ - الأوّل الأب، فإِن له تعزير وَلَده الصغير؛ للتعليم والزَّجر عن سيئ الأخلاق، والظاهر أنّ الأمّ في مسألة زمن الصِّبا في كفالته لها ذلك، والأمر بالصلاة، والضرب عليها.\n٢ - والثاني السيد، يعزِّر رقيقه في حقِّ نفسه، وفي حقّ الله -تعالى- على الأصحّ.\n٣ - والثالث الزوج، له تعزير زوجته في أمر النشوز، كما صرّح به القرآن، وهل له ضرْبها على ترك الصلاة ونحوها؟\nالظاهر، أن له ذلك إِن لم يكْفِ فيها الزجر؛ لأنه من باب إِنكار المنكر، والزوج من جملة مَنْ يُكلّف بالإِنكَار باليد، أو اللسان، أو الجنان، والمراد هنا الأولان (٢).\n_________\n(١) ولشيخ الإِسلام -﵀- تفصيل في حُكم الاستمناء، في مواطن أخرى وليس هذا موضعه، وتقدّم القول فيه في كتابي هذا.\n(٢) \"سبل السلام\" (٤/ ٦٩) -بحذف- ونقله السيد سابق -﵀- في \"فقه السنة\" (٣/ ٣٧٤).","vol":"6","page":319},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1791>هل في التعزير ضمان </span>(١)؟\nوليس على الزوج ضمانُ الزوجة إذا تلِفت من التأديب المشروع في النّشوز ولا على المعلم إِذا أدب صبيَّه الأدب المشروع وبه قال مالك؛ وقال الشافعي وأبو حنيفة يضمن ...\nقال الخلال: إِذا ضرب المعلّم ثلاثًا -كما قال التابعون وفقهاء الأمصار- وكان ذلك ثلاثًا، فليس بضامن، وإِنْ ضَربه ضْربًا شديدًا مثله لا يكون أدبًا للصبي ضمن، لأنه قد تعدّى في الضرب.\nقال القاضي: وكذلك يجيء على قياس قول أصحابنا؛ إِذا ضَرب الأب أو الجد الصبي، تأديبًا فهلك، أو الحاكم أو أمينه أو الوصي عليه تأديبًا؛ فلا ضمان عليهم كالمعلّم.\nقلت: ضابط الأمر هو أن يؤدب التأديب المشروع، دون إِسراف ولا تعدٍّ، فهذا لا ضمان له، وإِلا ضمن، ولا دليل في اقتصار ضرب المعلم على ثلاث. والله -تعالى- أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1792>يُعزِّر الوالي بما يرى:</span>\nعن علي -﵁- في الرجل يقول للرجل: \"يا خبيث! يا فاسق! قال: ليس عليه حدّ معلوم، يُعزِّر الوالي بما رأى\" (٢).\nوفي لفظ: عن علي -﵁- قال: \"إِنّكم سألتموني عن الرجل\n_________\n(١) استفدت مادّة هذا العنوان من \"المغني\" (٩/ ٣٤٩) وانظر الكتاب المذكور للمزيد من الفائدة تحت \"فصول فيما لا يُضمن\".\n(٢) أخرجه البيهقي من طريق سعيد بن منصور وحسنه شيخنا -﵀- في \"الإرواء\" (٢٣٩٣) وتقدّم.","vol":"6","page":320},{"text":"يقول للرجل يا كافر! يا فاسق! يا حمار! وليس فيه حدّ، وإنّما فيه عقوبةٌ من السلطان، فلا تعودوا فتقولوا\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1793>الجمع بين نوعين من أنواع التعزير:</span>\nعن جعفر بن برقان قال: \"بلغَنا أنّ عمر بن عبد العزيز أُتِيَ بجارية كانت بين رجلين فوطئها أحدهما، فاستشار فيها سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وعروة بن الزبير، فقالوا: نرى أن يجلد دون الحد، ويقيمونه قيمة، فيدفع إِلى شريكه نصف القيمة\" (٢).\nوعن عمير بن نمير قال: \"سُئل ابن عمر عن جارية كانت بين رجلين فوقَع عليها أحدهما، قال: ليس عليه حد هو خائن، يقوم عليه قيمة ويأخذها\" (٣).\nوعن عطاء بن مروان عن أبيه قال: \"أتي علي بالنجاشي قد شرب الخمر في رمضان، فضربه ثمانين، ثم أمَر به إِلى السجن، ثم أخرجه من الغد فضربه عشرين، ثم قال: إِنما جلدتك هذه العشرين لإِفطارك في رمضان، وجُرأتك على الله\" (٤).\n_________\n(١) انظر \"الإِرواء\" (٨/ ٥٤) تحت الأثر (٢٣٩٣) وتقدّم.\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة، وانظر \"الإِرواء\" (٨/ ١٥٧) وتقدّم.\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة، وقال شيخنا -﵀-: ورجاله ثقات رجال الشيخين غير عمير بن نمير أورده ابن حبان في \"الثقات\"، وانظر \"الإِرواء\" (٨/ ١٥٧) وتقدّم.\n(٤) أخرجه الطحاوي، وقال شيخنا -﵀-: وإسناده حسن أو قريب من ذلك رجاله كلهم ثقات معروفون غير أبي مروان والد عطاء، وثقه ابن حبان والعجلي، وقال النسائي: \"غير معروف: لكن روى عنه جماعة، وقيل له صحبة\"، وانظر \"الإرواء\" (٢٣٩٩) وتقدّم.","vol":"6","page":321},{"text":"وتقدم أكثر من مرَة حديث عبد الله بن عمرو -﵄- أن رجلًا من مُزَيْنة أتى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله! كيف ترى في حريسة الجبل، فقال: \"هي وَمِثْلُها والنَّكَالُ، ولَيْس في شَيْء مِنَ الماشِيَة قَطعٌ، إِلا فِيما آوَاه المُراحُ. فَبَلغ ثمن المِجَنّ، فَفيه قَطْع اليد، وما لم يبلُغ ثمن المِجَنِّ، ففيه غرامةُ مِثْليه، وجَلَدَات نَكَال\" (١).\nوكذا الأمر فيما وَرَد في الثمر المعلّق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1794>ما لا يجوز فيه التعزير:</span>\nولا يجوز التعزير بحلق اللحية، ولا بتخريب الدور، وقلْع البساتين، والزروع، والثمار والشجر، كما لا يجوز بجدع الأنف، ولا بقطع الأذن، أو الشفة، أو الأنامل؛ لأن ذلك لم يُعهَد عن أحد من الصحابة -﵃- (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1795>مسائل متفرقة في التعزير:</span>\nجاء في \"مجموع الفتاوى\" (٣٤/ ٢٢٥): \"سئل شيخ الإِسلام أبو العباس عن رجل من أمراء المسلمين له مماليك، وعنده غلمان: فهل له أن يقيم على أحدهم حَدًّا إِذا ارتكبه؟ وهل له أن يأمرهم بواجب إِذا تركوه؛ كالصلوات الخمس ونحوها؟ وما صفة السوط الذي يعاقبهم به؟\nفأجاب: الحمد لله، الذي يجب عليه أن يأمرهم كلَّهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر والبغي.\nوأقلّ ما يفعل أنه إِذا استأجر أجيرًا منهم يشترط عليه ذلك، كما يشترط ما\n_________\n(١) أخرجه النسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٤٥٩٤) وتقدّم.\n(٢) انظر \"فقه السنة\" (٣/ ٣٧٢).","vol":"6","page":322},{"text":"يشترطه من الأعمال، ومتى خرج واحد منهم عن ذلك طرَدَه.\nوإذا كان قادرًا على عقوبتهم بحيث يُقرُّه السلطان على ذلك في العرف الذي اعتاده الناس وغيره؛ لا يعاقبهم على ذلك؛ لكونهم تحت حمايته، ونحو ذلك، فينبغي له أن يُعزِّرهم على ذلك؛ إِذا لم يؤدوا الواجبات ويتركوا المحرمات إِلا بالعقوبة، وهو المخاطَب بذلك حينئذ، فإِنه هو القادر عليه، وغيره لا يقدر على ذلك؛ مراعاة له.\nفإِن لم يستطع أن يقيم هو الواجب، ولم يَقُم غيرُه بالواجب، صار الجميع مستحقين العقوبة، قال النبي - ﷺ -: \"إِنّ الناس إِذا رأوا المنكر فلم يغيروه؛ أوشك أن يعمّهم الله بعقاب منه\" (١).\nوقال: \"من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإِن لم يستطع فبلسانه، فإِنْ لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإِيمان\" (٢).\nلا سيّما إِذا كان يضربهم لما يتركونه مِن حقوقه، فمن القبيح أن يعاقبهم على حقوقه، ولا يعاقبهم على حقوق الله.\nوالتأديب يكون بسوطٍ معتدل، وضرْبٍ معتدل، ولا يَضرب الوجه، ولا المقاتِل\".\nوفيه (ص ٢٢٦): وسئل -قدّس الله رُوحه-: \"عن رجل يُسفِّه على والديه: فما يجب عليه؟\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه \"صحيح ابن ماجه\" (٣٢٣٦) وهذا لفظه وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٦٤٤) والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (١٧٦١)، وانظر \"الصحيحة\" (١٥٦٤).\n(٢) أخرجه مسلم (٤٩).","vol":"6","page":323},{"text":"فأجاب: إِذا شتَم الرجل أباه واعتدى عليه؛ فإِنه يجب أن يعاقَب عقوبة بليغة تردعه وأمثاله عن مِثل ذلك، بل وأبلغ من ذلك أنه قد ثبت عن النبي - ﷺ - في \"الصحيحين\" أنه قال: \"إِن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه، قيل: يا رسول الله، وكيف يلعن الرجل والديه؟\nقال: يسبّ أبا الرجل، فيسبّ أباه، ويسبّ أمّه فيسبّ أمّه\" (١).\nفإِذا كان النبي - ﷺ - قد جَعل من الكبائر؛ أن يسبّ الرجل أبا غيرِه؛ لئلا يسبّ أباه، فكيف إِذا سبّ هو أباه مباشرة! فهذا يستحق العقوبة التي تمنعه عن عقوق الوالدين ... \".\nوفيه (ص ٢٢٨): وسُئل -قدّس الله رُوحه-: \"عمَّن شتَم رجلًا وسبّه؟\nفأجاب: إِذا اعتدى عليه بالشتم والسب؛ فله أن يعتدي عليه بمثل ما اعتدى عليه؛ فيشتمه إِذا لم يكن ذلك مُحرَّمًا لعينه؛ كالكذِب، وأمّا إِنْ كان محرمًا لعينه كالقذف بغير الزنا فإِنه يُعزَّر على ذلك تعزيرًا بليغًا يردعه وأمثاله من السفهاء، ولو عزر على النوع الأول من الشتم جاز؛ وهو الذي يشرع إِذا تكرر سفهه أو عدوانه على من هو أفضل منه. والله أعلم\".\nوجاء في الصفحة نفسها: وسئل -﵀-: \"عمن شتم رجلًا فقال له: أنت ملعون، ولد زنا؟\nفأجاب: \"يجب تعزيزه على هذا الكلام، ويجب عليه حدّ القذف إنْ لم يقصِد بهذه الكلمة ما يقصده كثير من الناس مِنْ قَصْدهم بهذه الكلمة، أن المشتوم فِعله خبيث كفِعْل وَلد الزنا\".\nتم بحمد الله وتوفيقه.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٥٩٧٣) ومسلم (٩٠).","vol":"6","page":324},{"text":"الموسوعة الفقهية الميسرة\nفي\nفقه الكتاب والسنة المطهرة\nالجزء السابع\nكِتابُ الجِهاد وَالهدنَة وعَقد الذمَّة والجِزيَة والغَنائِمِ والفَيء\nوعَقْد الأمان وقِتَال البُغَاة\nبقلم\nحسين بن عودة العوايشة\nدار ابن حزم","vol":"7","page":1},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nحقوق الطبع محفوظة للمؤلف\nالطبعة الأولى\n١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م\nالكتب والدراسات التي تصدرها الدار\nتعبر عن آراء واجتهادات أصحابها\nدار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع\nبيروت - لبنان - ص ب: ٦٣٦٦/ ١٤\nهاتف وفاكس: ٧٠١٩٧٤ - ٣٠٠٢٢٧ (٠٠٩٦١١)\nبريد إلكتروني:  ibnhazim@cyberia.net.Ib","vol":"7","page":2},{"text":"الموسوعة الفقهية الميسَّرة\nفي\nفقه الكتاب والسنة المطهرة\nالجزء السابع\nكِتابُ الجِهاد وَالهدنَة وعَقد الذمَّة والجِزيَة والغَنائِمِ والفَيء\nوعَقْد الأمان وقِتَال البُغَاة\nبقلم\nحسين بن عودة العوايشة\nدار ابن حزم","vol":"7","page":3},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nحقوق الطبع محفوظة للمؤلف\nالطبعة الأولى\n١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م\nالكتب والدراسات التي تصدرها الدار\nتعبر عن آراء واجتهادات أصحابها\nدار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع\nبيروت - لبنان - ص ب: ٦٣٦٦/ ١٤\nهاتف وفاكس: ٧٠١٩٧٤ - ٣٠٠٢٢٧ (٠٠٩٦١١)\nبريد إلكتروني:  ibnhazim@cyberia.net.Ib","vol":"7","page":4},{"text":"-[المقَدّمَة]-\nإِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ ونَسْتَغْفِرُه وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ.\nوَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١).\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢).\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٣).\nأمَّا بعد:\nفإِنَّ أصدَقَ الحديثِ كتابُ الله، وخير الهدْي هدْي محمّد، وشرّ الأمور مُحدثاتها، وكلَّ مُحدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة، وكلَّ ضلالة في النَّار.\nفهذا الجزء السابع من كتابي \"الموسوعة الفقهيّة\" أقدّمه للقرّاء الكِرام، بعد أن طال الزّمن، لأمورٍ عديدة؛ منها إنجاز بعض الأعمال العلميّة الأُخرى، أسأل الله -تعالى- أنْ يحفظني بالإيمان والعمل الصالح؛ لاستكمال ما تبقّى مِن الكتاب\n_________\n(١) آل عمران: ١٠٢.\n(٢) النساء: ١.\n(٣) الأحزاب: ٧٠ - ٧١.","vol":"7","page":5},{"text":"وغير ذلك مما أرجو أن يكون نافعًا مفيدًا للأمة.\nوهذا الجزء مُخَصّصٌ في الجهاد في سبيل الله -سبحانه- وما يتصل به من أبحاث.\nسائلًا الله -تعالى- أن يجعل عملي خالصًا لوجهه الكريم، وأنْ ينفع بي وبكتابي، ويجعلني مفتاح خير مغلاق شرّ، إنّه سميع مجيب.\nوكتب:\nحسين بن عودة العوايشة\nعمّان- ٢٨ جمادى الآخرة ١٤٢٩ هـ","vol":"7","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1796>الجهاد</span>","vol":"7","page":7},{"text":"الجهاد\nالجهاد -بكسر الجيم- أصْلهُ لغةً: المشقّة، يقال: جَهدْتُ جهادًا: بَلغْت المشقّة. وشرعًا: بَذْل الجهد في قتال الكُفّار، وتقع مجاهدة الكفار باليد والمال واللسان والقلب (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1797>إيحابه:</span>\nقال الله -تعالى-: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢).\nقال ابن كثير -﵀-:\n\"هذا إيجابٌ من الله -تعالى- للجهاد على المسلمين أن يكفّوا شرَّ الأعداء عن حوزة الإسلام.\nوقال الزهري: الجهاد واجب على كل واحد، غزا أو قعَد، فالقاعد عليه إِذا استُعين أن يُعين، وإذا استُغيث أن يُغيث، وإذا استُنفر أن يَنْفِر، وإنْ لم يُحتَجْ إليه قعَد.\nولهذا ثَبَت في \"الصحيح\" عن أبي هريرة -﵁- قال: \"قال رسول الله - ﷺ -: من مات ولم يغزُ ولم يحدِّث به نفسه؛ مات على شُعبة من نفاق\" (٣).\n_________\n(١) \"الفتح\" بتصرف يسير.\n(٢) البقرة: ٢١٦.\n(٣) أخرجه مسلم: ١٩١٠.","vol":"7","page":8},{"text":"وقال﵊- يوم الفتح: \"لا هجرة، ولكن جهاد ونيّة، وإذا استُنفرتم فانفروا\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1798>الجهاد فرضُ كفاية إذا قام به قومٌ سقط عن الباقين</span>\nجاءفي \"المغني\" (١٠/ ٣٦٤):\n\"معنى فرضِ الكفاية، الذي إنْ لم يقم به من يَكْفي، أَثِم النّاس كلهم، وإنْ قام به من يكفي، سقَط عن سائر النّاس.\nفالخطاب في ابتدائه يتناول الجميع، كفرض الأعيان، ثمّ يختلفان في أن فرض الكفاية يسقط بفعل بعض النّاس له، وفرض الأعيان لا يسقط عن أحد بفِعل غيره، والجهاد من فروض الكفايات؛ في قول عامّة أهل العِلم.\nوحُكي عن سعيد بن المسيب، أنه مِن فروض الأعيان؛ لقول الله -تعالى-: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢) وقال: ﴿إلاَّ تنفروا يُعَذِبْكُم عَذَابًا أَليمًا﴾ (٣).\nوقوله -سبحانه-: ﴿كُتِبَ عَليكمُ القِتَالُ﴾ (٤).\nورَوَى أبو هريرة -﵁- أنّ النبى - ﷺ - قال: \"من مات ولم يغزُ،\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١٨٣٤، ومسلم: ١٣٥٣.\n(٢) التوبة: ٤١.\n(٣) التوبة: ٣٩.\n(٤) البقرة: ٢١٦.","vol":"7","page":9},{"text":"ولم يحدِّثْ نفسه بالغزو، مات على شعبة من النفاق\" (١).\nولنا قول الله -تعالى-: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٢).\nوهذا يدلّ على أنّ القاعدين غير آثمين مع جهاد غيرهم، وقال الله -تعالى-:\n﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ (٣).\nوعن أبي سعيد الخدري -﵁-: \"أنّ رسول الله - ﷺ - بعثَ بَعْثًا إلى بني لحِيان من هذيل، فقال: لينبعِثْ مِن كل رجلين أحدهما، والأجرُ بينهما\" (٤).\nولأنّ رسول الله - ﷺ - كان يبعث السرايا، ويقيم هو وسائر أصحابه.\nفأمّا الآية التي احتجّوا بها، فقد قال ابن عباس -﵄-: \"نَسَخَها قوله -تعالى-: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ (٥).\nويُحتمل أنه أراد حين استنفَرَهم النبى - ﷺ - إلى غزوة تبوك، وكانت إجابتهم إلى ذلك واجبةً عليهم، ولذلك هجر النبيّ - ﷺ - كعب بن مالك وأصحابه الذين خُلِّفوا، حتى تاب الله عليهم بعد ذلك، وكذلك يجب على من استنفَرَه الإمام؛\n_________\n(١) تقدّم.\n(٢) النساء: ٩٥.\n(٣) التوبة: ١٢٢.\n(٤) أخرجه مسلم: ١٨٩٦.\n(٥) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢١٨٧).","vol":"7","page":10},{"text":"لقول النبى - ﷺ -: \"إذا استُنفرتم فانفروا\" (١).\nومعنى الكفاية في الجهاد: أن ينهض للجهاد قوم يَكْفُون في قتالهم؛ إمّا أن يكونوا جندا لهم دواوين (٢) من أجل ذلك، أو يكونوا قد أعدّوا أنفسهم له تبرعًا؛ بحيث إذا قَصَدَهم العدو حصلَت المنَعَة بهم، ويكون في الثغور من يدفع العدوَّ عنها، ويُبعَث في كل سنة جيش يغيرون على العدوِّ في بلادهم\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1799>متى يتعيّن الجهاد </span>(٣)\nيتعيّن الجهاد في ثلاثة مواضع:\nأحدها، إذا التقى الزحفَان، وتقابَل الصفّان؛ حَرُم على مَن حَضَر الانصراف، وتعيّن عليه المُقام، لقوله -تعالى-: ﴿يا أيُّهُا اَلَذِينَءَامَنُوا إذَا لَقِيتُم فِئَةَ فَاثبُتُوا وَاَذكرُوا الله كثِيرًا﴾ (٤).\nوقوله: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ الله مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٥).\nوقوله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (٦).\n_________\n(١) تقدّم تخريجه.\n(٢) الدفتر الذي يُكتب فيه أسماء الجيش وأهل العطاء. \"النّهاية\".\n(٣) انظر \"المغني\" (١٣/ ٨).\n(٤) الأنفال: ٤٥.\n(٥) الأنفال: ٤٦.\n(٦) الأنفال: ١٥ - ١٦.","vol":"7","page":11},{"text":"الثاني: إذا نَزل الكفار ببلدٍ، تعيَّن على أهله قتالهم ودَفْعُهم.\nالثالث: إذا استنفَر الإمام قومًا لزِمهم النفير معه؛ لقوله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١).\nوقال النبيّ - ﷺ -: \"إذا استُنفرتم فانفروا\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1800>ماذا يُشترَط لوجوب الجهاد </span>(٣):\nويُشتَرط لوجوب الجهاد سبعة شروط:. الإسلام، والبلوغ، والعقل، والحرية، والذكوريّة، والسلامة من الضرر، ووجود النفقة.\nفأمّا الإسلام والبلوغ والعقل، فهي شروطٌ لوجوب سائر الفروع، ولأنَّ الكافر غير مأمونٍ في الجهاد، والمجنون لا يتأتى منه الجهاد، والصبيُّ ضعيفُ البِنية.\nعن ابن عمر -﵄- \"أنَّ النَبِى - ﷺ - عَرَضَهُ يَوْمَ أحُدٍ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَلَمْ يُجِزْهُ وَعَرَضَهُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ؛ وَهُوَ ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَأَجَازَهُ\" (٤).\nوأمّا الحريّة فتُشتَرط؛ لِما رُوي أنَ النبيَّ - ﷺ - كان يبايع الحرَّ على الإسلام\n_________\n(١) التوبة: ٣٨، ٣٩.\n(٢) تقدم تخريجه.\n(٣) \"المغني\" (١٣/ ٨) بتصرف.\n(٤) أخرجه البخاري: ٤٠٩٧ واللفظ له، ومسلم: ١٨٦٨.","vol":"7","page":12},{"text":"والجهاد (١)، ويبايع العبد على الإسلام دون الجهاد، ولأنَّ الجهاد عبادة تتعلق بقطع مسافة، فلم تجب على العبد كالحج.\nوأمّا الذكورية فتُشتَرط؛ لما رَوَت عائشة أمّ المؤمنين -﵂- عن النبي - ﷺ -: سأله نساؤه عن الجهاد فقال: \"نِعْمَ الجهاد الحجّ\" (٢).\nوعن عائشة -﵂ أيضًا- أنَّها قالت: \"يا رسول الله، نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد؟ قال: لا، لكن أفضل الجهاد حجٌّ مبرور\" (٣).\nوعن أمّ سلمة -﵂- أَنَّها قالت: \"يغزُو الرجال ولا تَغْزُو النساء وإنَّما لنا نصف الميراث، فأنزَل الله -﵎-: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوا مَا فَضَّلَ اَللهُ به بَعضَكُم عَلى بَعضٍ﴾ (٤) \" (٥).\nولا يجب على خُنثى مُشْكِل؛ لأنه لا يُعلَم كونُه ذَكَرًا، فلا يجب مع الشك في شرطِه.\nوأمّا السلامة مِن الضرر. فمعناه السلامة مِن العمى والعَرَج والمرَض، وهو شرط؛ لقول الله -تعالى-: ﴿ليسَ على الأعمى حَرَجٌ وَلَا عَلَى اَلأَعرَجِ حرجٌ وَلَا عَلَى اَلمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ (٦).\n_________\n(١) قلت لعموم النّصوص الواردة في البيعة على الجهاد، وستأتي بإذن الله -تعالى-.\n(٢) أخرجه البخاري: ٢٨٧٦.\n(٣) أخرجه البخاري: ١٥٢٠.\n(٤) النساء: ٣٢.\n(٥) أخرجه الترمذي، \"صحيح سنن الترمذي\" (٢٤١٩).\n(٦) النور: ٦١.","vol":"7","page":13},{"text":"ولأنّ هذه الأعذار تمنعه من الجهاد؛ فأمّا العَمَى فمعروف، وأمّا العَرَج، فالمانع منه هو الفاحش الذي يمنع المشي الجيِّدَ والرُّكوب؛ كالزَّمَانَة (١) ونحوها.\nوأمّا اليسير الذي يتمكن معه من الركوب والمشي، وإنما يتعذر عليه شدة العَدْو؛ فلا يَمنَع وجوب الجهاد؛ لأنه يَتَمكن منه، فشابَه الأعور.\nعن أبي قتادة -﵁- قال: \"أتى عمرو بنُ الجَمُوحِ إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله! أرأيتَ إنْ قَاتَلْتُ في سبيل الله حتى أُقتل! أَمشي برجلي هذه صحيحةً في الجنة؟ وكانت رِجْلُه عَرْجاءَ، فقال رسول الله - ﷺ -: نعم، فَقُتلوا يوم أُحُد: هو وابنُ أخيه ومولىً لهم، فَمَرَّ عليه رسول الله - ﷺ - فقال: كأني أنظرُ إليك تمشي بِرِجْلِك هذه صحيحةً في الجنةِ، فأمَر رسول الله - ﷺ - بهما وبمولاهما، فَجُعِلوا في قبر واحدٍ\" (٢).\nوكذلك المرض المانع هو الشديد، فأمَّا اليسير منه الذي لا يمنع إمكان الجهاد؛ كوجع الضرس والصداع الخفيف، فلا يَمنَع الوجوب؛ لأنه لا يتعذَّرُ معه الجهاد؛ فهو كالعَوَر.\nوأمّا وجود النفقة، فيُشترط؛ لقول الله -تعالى-: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٣).\nولأنَّ الجهاد لا يمكن إلاَّ بآلة، فيُعتبر القدرة عليها.\n_________\n(١) الزّمانة: مرضٌ يدوم.\n(٢) أخرجه أحمد بسند حسن كما قال الحافظ، كذا في \"أحكام الجنائز\" (ص ١٨٥).\n(٣) التوبة: ٩١.","vol":"7","page":14},{"text":"فإنْ كان الجهاد على مسافة لا تُقصَر فيها الصلاة؛ اشتُرط أن يكون واجدًا للزاد، ونفقة عائلته في مدة غيبته، وسلاح يقاتل به، ولا تُعتَبر الرّاحلة؛ لأنّه سفر قريب.\nوإنْ كانت المسافة تُقصَر فيها الصلاة، اعتُبِر مع ذلك الراحلة؛ لقول الله - تعالى-: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1801>متى تُشرع الحرب </span>(٢)\nتُشرع الحرب في حالة الدفاع عن النفس، والعرض، والمال، والوطن؛ عند الاعتداء.\nيقول الله -تعالى-: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٣).\nعن عبد الله بن عمرو -﵄- قال: \"سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"مَن قُتل دون ماله فهو شهيد\" (٤).\nوعن سعيد بن زيد -﵁- أن النبيّ - ﷺ - قال: \"مَن قُتِل دون ماله فهو شهيد، ومَن قُتِل دون دمه، فهو شهيد، ومَن قُتِل دون دينه فهو شهيد، ومن\n_________\n(١) التوبة: ٩٢.\n(٢) عن \"فقه السُّنَّة\" (٣/ ٣٩٤) بتصرف وزيادة.\n(٣) البقرة: ١٩٠.\n(٤) أخرجه البخاري: ٢٤٨٠، ومسلم: ١٤١.","vol":"7","page":15},{"text":"قتل دون أهله فهو شهيد\" (١).\nويقول الله -سبحانه-: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ (٢).\nوتُشرع الحرب أيضًا؛ حالةَ الدفاع عن الدعوة إلى الله، إذا وقَف أحدٌ في سبيلها بتعذيبِ مَنْ آمَن بها، أو بصدِّ مَن أراد الدخول فيها، أو بمنع الداعي مِن تبليغها، لقوله -تعالى-: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ *وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ * فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (٣).\nوقد تضمنت هذه الآيات ما يأتي:\n١ - الأمر بقتال الذين يبدؤون بالعدوان، ومقاتلة المعتدين، لكفّ عدوانهم.\n٢ - أمّا الذين لا يبدؤون بعدوان، فإنه لا يجوز قتالهم ابتداءً، لأنّ الله -تعالى- نهى عن الاعتداء، وحرّم البغيَ والظلمَ في قوله: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٤).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي وغيرهم، وصححه شيخنا -﵀- في \"أحكام الجنائز\" (ص ٥٧).\n(٢) سورة البقرة: ٢٤٦.\n(٣) سورة البقرة: ١٩٠ - ١٩٣.\n(٤) البقرة: ١٩٠.","vol":"7","page":16},{"text":"٣ - وتعليل النهي عن العدوان، بأنّ الله لا يُحب المعتدين، دليل على أنَّ هذا النهي محُكم غير قابل للنسخ، لأنّ هذا إخبار بعدم محبة الله للاعتداء، والإخبار لا يدخله النسخ؛ لأنَّ الاعتداء هو الظلم، والله لا يحبُّ الظلم أبدًا.\n٤ - أنّ لهذه الحرب المشروعة غاية تنتهي إليها، وهي منع فتنةِ المؤمنين والمؤمنات، بترك إيذائهم، وترك حريّاتهم؛ ليمارسوا عبادة الله ويقيموا دينه، وهم آمِنون على أنفسهم مِن كلّ عدوان.\nويقول الله -سبحانه-: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ (١).\nوقد بيَّنَت هذه الآية سببين مِن أسباب القتال:\n(أولهما) القتالُ في سبيل الله، وهو الغاية التي يسعى إليها الدين، حتى لا تكونَ فتنة، ويكون الدين لله.\n(وثانيهما) القتال لنُصرة المستضعفين، الذين أسلموا بمكة، ولم يستطيعوا الهجرة، فعذَّبَتْهم قريش، وفَتَنَتْهم حتى طلبوا من الله الخلاص، فهؤلاء لا غِنى لهم عن الحماية التي تَدفعُ عنهم أذى الظالمين، وتمُكّنهم مِن الحرية، فيما يدينون ويعتقدون.\nويقول الله -سبحانه-: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا\n_________\n(١) النساء: ٧٥.","vol":"7","page":17},{"text":"جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ (١).\nقال ابن كثير -﵀-:\n\"هؤلاء قوم آخرون من المُسْتَثنَين عن الأمر بقتالهم، وهم الذين يجيئون إلى المصاف، وهم حَصِرَةٌ صدورهم، أي: ضيّقةٌ صدورهم مُبْغضين أن يقاتلوكم، ولا يَهونُ عليهم أيضًا أن يقاتلوا قومهم معكم، بل هم لا لكم ولا عليكم.\n﴿ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم﴾ أي: من لُطفه بكم أن كفَّهم عنكم ﴿فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم﴾ أي: المُسالمة ﴿فَما جَعَلَ الله لكم عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ أي: فليس لكم أن تقتلوهم، ما دامت حالهم كذلك، وهؤلاء كالجماعة الذين خرجوا يوم بدر مِن بني هاشم مع المشركين، فحضروا القتال وهم كارهون، كالعباس ونحوه\". انتهى\nفهؤلاء القوم الذين لم يقاتِلوا قومهم، ولم يقاتِلوا المسلمين واعتزلوا محاربة الفريقين، وكان اعتزالهم هذا اعتزالًا حقيقيًا؛ يُريدون به السلام، فهؤلاء لا سبيلَ للمؤمنين عليهم.\nويقول الله- تعالى-: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا (٢) لِلسَّلْمِ (٣) فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ (٤).\nففي هذه الآية الأمر بالجنوح إلى السَّلم؛ إذا جنح العدو إليها، حتى ولو\n_________\n(١) النساء: ٩٠.\n(٢) جنحوا: أي مالوا. وانظر \"تفسير ابن كثير\".\n(٣) السَّلم: أي المسالمة والمصالحة والمهادنة. وانظر \"تفسير ابن كثير\".\n(٤) الأنفال: ٦١ - ٦٢.","vol":"7","page":18},{"text":"كان جنوحه خِداعًا ومكرًا [قلتُ: ويرجع هذا إلى تقدير الإمام مراعاةً لمصلحة المسلمين ولما يقتضيه الحال].\nوقد شرع الله -تعالى- قتال المشركين من العرب، وكانوا قد نكثوا الأيمان\nونقضوا العهود وهمّوا بإخراج الرسول - ﷺ -، قال الله -تعالى-: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (١).\nولمّا تجمّعوا جميعًا ورَمَوا المسلمين عن قوس واحدة، أمَرَ الله بقتالهم جميعا؛ كما في قوله -سبحانه-: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1802>مراتب الجهاد</span>\n*لمَّا كان الجِهاد ذِروةَ سنامِ الإسلام وقُبّتَه، ومنازل أهلِه أعلى المنازل في الجنة، كما لهم الرِّفعةُ في الدنيا، فهم الأعْلَوْنَ في الدنيا والآخرةِ، كان رسول الله في الذِّروة العُليا منه، واسْتولى على أنواعه كلِّها فجاهدَ في الله حقَّ جهاده؛ بالقلبِ، والجنانِ، والدعوةِ، والبيانِ، والسيفِ، والسِّنانِ، وكانت ساعاته موقوفةً على الجهاد، بقلبه، ولسانه، ويده. ولهذا كان أرفعَ العالمين ذِكْرًا، وأعظمَهم عند الله قَدْرًا.\n_________\n(١) التوبة: ١٣ - ١٥.\n(٢) التوبة: ٣٦.","vol":"7","page":19},{"text":"وأمَرَه الله -تعالى- بالجهاد مِن حين بعثَه، وقال: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا * فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ (١). فهذه سورة مكيّة أَمر فيها بجهاد الكفار، بالحُجَّة، والبيان، وتبليغِ القرآن، وكذلك جهادُ المنافقين، إنما هو بتبليغ الحُجَّة، وإلا فَهُم تحت قهر أهلِ الإسلام، قال -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (٢). فجهادُ المنافقين أصعبُ مِن جهاد الكفار، وهو جهادُ خواصِّ الأمَّه، ووَرَثةِ الرُّسل، والقائمون به أفرادٌ في العالم، والمشاركون فيه، والمعاونون عليه -وإنْ كانو اهم الأقلِّين عددًا- فهم الأَعْظمون عند الله قَدْرًا.\nولمَّا كان مِن أفضلِ الجهاد قولُ الحقِّ مع شدة المُعَارِضِ، مِثل انْ تتكلَّم به عند مَن تُخاف سطوتُه وأذاه، كان للرسلِ -صلوات الله عليهم وسلامُهُ- مِن ذلك الحظُّ الأوفَرُ، وكان لنبيِّنا -صلوات الله وسلامُه عليه- مِن ذلك أكملُ الجهاد وأَتّمُّه.\nولمَّا كان جهاد أعداء الله في الخارج؛ فَرْعًا على جهاد العبد نفسه في ذات اللهِ، وكما قال النبي - ﷺ -: \"المجاهدُ مَنْ جَاهدَ نفسَهُ في طاعةِ الله (٣)، والمُهاجِر مَنْ هَجَرَ\n_________\n(١) الفرقان: ٥١، ٥٢.\n(٢) التوبة: ٧٣.\n(٣) أقول: وبهذا فجهاد أعداء الله -تعالى- في الخارج مفتقرٌ إلى جهاد النفس، ولا يُقبَل الجهاد، ولا تُنالُ الشهادة في سبيل الله -سبحانه- إلاَّ بمجاهدة النفس، وتجريدها مِن الحظوظ والهوى، فرُبَّ رجلٍ قُتِل في الميدان؛ سُحِب على وجهه في النار يوم القيامة، لأنه قاتَل رياءً وسمعةً، ورُبَّ رجلٍ مات على فراشه لمرضٍ أو عذرٍ؛ بلَّغه الله منازل الشهداء لإخلاصه وَصِدْقِه.","vol":"7","page":20},{"text":"ما نهى الله عنه\" (١). كان جهادُ النفس مُقَدَّمًا على جهاد العدوِّ في الخارج، وأصلًا له، فإنَّه ما لم يجاهِد نفسه أوّلًا لتَفْعلَ ما أُمِرَتْ به، وتتركَ ما نُهِيَتْ عنه، ويُحارِبْها في الله، لم يُمْكِنْهُ جهادُ عدوِّه في الخارج. فكيف يمكنُه جهاد عدوِّه والانتصاف منه، وعدوُّه الذي بين جنبيه قاهرٌ له، متسلِّطٌ عليه، لم يُجاهده، ولم يحاربه في الله، بل لا يمكنه الخروج إلى عدوّه؛ حتى يجاهِدَ نفسه على الخروج.\nفهذان عدوَّان قد امْتُحِن العبد بجهادهما، وبينهما عدوٌّ ثالث لا يمكنه جهادُهما إلاَّ بجهاده، وهو واقف بينهما يُثبِّط العبدَ عن جهادهما، ويُخذِّلُه ويُرجِفُ به، ولا يزالُ يُخَيِّلُ له ما في جهادهما من المشاقِّ وترْك الحظوظ وفَوْتِ اللذاتِ والمشتهيات ولا يُمكنه أن يجاهِدَ ذَيْنكَ العدوَّيْن إلاَّ بجهاده، فكان جهادُه هو الأصلَ لجهادهما، وهو الشيطان. قال -تعالى-: ﴿إن الشيطان لكم عدوٌّ فاتخِذُوُه عَدُوًّا﴾ (٢).\nوالأمر باتخاذه عدوًّا تنبيهٌ على استفراغ الوُسع في محاربته ومجاهدته، كأنَّه عدوٌّ لا يَفْتُر ولا يُقصِّر عن محاربة العبد على عدد الأنفاس.\nفهذه ثلاثة أعداء أُمِرَ العبد بمحاربتها وجهادها، وقد بُلي بمحاربتها في هذه\nالدار، وسلَّطتْ عليه امتحانًا من الله له وابتلاءً، فأعطى الله العبدَ مَدَدًا وعُدَّةً\nوأعوانًا وسلاحًا لهذا الجهاد، وأعطى أعداءه مَدَدًا وعُدَّةً وأعوانًا وسلاحًا، وبَلاَ أحدَ الفريقين بالآخر وجعل بعضَهم لبعض فتنةَ لِيَبْلُوَ أخبارهم، ويمتحن من يتولَّاه ويتولَّى رسُلَه، ممن يتولّى الشيطان وحزبه، كما قال -تعالى-: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ\n_________\n(١) أخرجه أحمد وغيره، وانظر \"الصحيحة\" (٥٤٩).\n(٢) فاطر: ٦.","vol":"7","page":21},{"text":"لبعضٍ فتنةً أتصبرون وكان ربك بصيرًا﴾ (١)، وقال -تعالى-: ﴿ذَلِكَ وَلَو يشاء الله لَاَنتصَرَ منهُم ولكن ليبلوا بعضكم ببعضٍ﴾ (٢)، وقال -تعالى-: ﴿ولنبلوكم حتى نعلم المجاهدين منكم ونبلوا أخباركم﴾ (٣). فأعطى عباده الأسماعَ والأبصارَ، والعقول والقُوى، وأنزل عليهم كُتبه، وأرسل إليهم رسُله، وأمدّهم بملائكته، وقال لهم: ﴿أني معكم فثبتوا الذين آمنوا﴾ (٤)، وَأَمَرَهُم مِن أمره بما هو مِن أعظم العون لهم على حرب عدوِّهم، وأخبَرَهم أنهم إنِ امتثلوا ما أمَرَهم به؛ لم يزالوا منصورين على عدوِّه وعدوِّهم، وأنه إِنْ سلَّطه عليهم فلِتَرْكِهم بعضَ ما أُمِروا به؛ ولمِعصيتهم له، ثمّ لم يُؤْيسهُم، ولم يُقَنِّطْهُم، بل أَمَرَهُم أن يستقْبِلوا أمْرَهم، ويُداووا جِرَاحَهُم، ويعودوا إلى مناهضة عدوِّهم فينصرهم عليهم، ويظفرهم بهم، فأخبَرَهُم أنه مع المتقين منهم، ومع المحسنين، ومع الصابرين، ومع المؤمنين، وأنَّه يُدافع عن عباده المؤمنين ما لا يدافعون عن أنفسهم، بل بدفاعه عنهم انتصروا على عدوِّهم، ولولا دفاعُه عنهم؛ لتخطَّفَهم عدوُّهم واجتاحَهم ...\nوهذه المدافعةُ عنهم بحسب إيمانِهم، وعلى قدْرِه، فإنْ قَوِيَ الإيمانُ قويتِ المدافعة، فمَنْ وجد خيرًا، فليحمد الله، ومَن وجد غيرَ ذلك، فلا يلومنَّ إلاَّ نفسه.\nوأمَرَهم أنْ يُجاهدوا فيه حقّ جهاده، كما أمَرَهم أن يتَّقوه حقَّ تقاته. وكما أن حقّ تقاته أن يُطاع فلا يُعصى، ويذكَرَ فلا يُنسى، ويُشكَر فلا يُكفر، فحقُّ جهادِه أن يجاهد العبد نفسه؛ لِيُسلِم قلبَه ولسانَه وجوارحَه لله، فيكون كلُّه لله، وبالله، لا\n_________\n(١) الفرقان: ٢٠.\n(٢) محمد: ٤.\n(٣) محمد: ٣١.\n(٤) الأنفال: ١٢.","vol":"7","page":22},{"text":"لنفسِه ولا بنفسه، ويُجاهدَ شيطانه بتكذيبِ وعده، ومعصيةِ أمرهِ، وارتكابِ نهيه، فإنه يَعِدُ الأمانيِّ، ويمنِّي الغرور، ويعِدُ الفقرَ، ويأمرُ بالفحشاء، وينهى عن التُّقى والهُدى والعفةِ والصبرِ، وأخلاقِ الإيمان كلِّها، فجاهده بتكذيب وعْدِه، ومعصية أمره، فينشأ له من هذين الجهادين قوةٌ وسلطانٌ، وعُدَّةٌ يجاهد بها أعداء الله في الخارج؛ بقلبه ولسانه ويده ومالهِ، لتكونَ كلمةُ اللهِ هي العليا.\nواختلفَت عبارات السلف في حقِّ الجهاد:\nفقال ابن عباس -﵄-: هو استفراغ الطاقة فيه، وألاَّ يخافَ في الله لومةَ لائم. وقال مُقاتل: اعملوا لله حقَّ عمَلِه، واعبدُوه حقَّ عبادته. وقال عبد الله بن المبارك: هو مجاهدةُ النفس والهوى.\nولم يُصِبْ مَن قال: إنَّ الآيتين منسوختان؛ لظنِّه أنّهما تضمَّنَتا الأمر بما لا يُطاق، وحقّ تقاته وحقّ جهاده: هو ما يُطيقه كلُّ عبد في نفسه، وذلك يختلف باختلافِ أحوال المكلفين في القدرة، والعجز، والعلم والجهل. فحقُّ التقوى وحقُّ الجهاد بالنسبة إلى القادر المتمكن العالم شيءٌ، وبالنسبة إلى العاجز الجاهل الضعيف شيءٌ.\nوتأمَّل كيف عقَّب الأمرَ بذلك بقوله: ﴿هُوَ اجتباكم وَمَا جَعَلَ عليكم في الدين مِنْ حَرَجٍ﴾ (١)، والحَرَج: الضِّيقُ، بل جَعَلَه واسعًا يَسَعُ كلَّ أحدٍ، كما جَعل رزقه يَسَعُ كلَّ حي، وكلَّف العبد بما يسَعه العبدُ، ورَزَق العبدَ ما يسَعُ العبد، فهو يسَعُ تكليفَه وَيَسَعُهُ رزقُهُ، وما جعَل على عبده في الدين مِن حَرَجٍ بوجه ما.\nوقد وسَّع الله -﷾- على عباده غايةَ التَّوسِعة في دينه، ورِزْقِه،\n_________\n(١) الحج: ٧٨.","vol":"7","page":23},{"text":"وعفْوِه، ومغفرته، وبسَطَ عليهم التوبة ما دامت الروحُ في الجسد، وفتَحَ لهم بابًا لها لا يُغْلِقُهُ عنهم إلى أنْ تطلُعَ الشمسُ مِن مغربها، وجعلَ لكلِّ سيئةٍ كفَّارةً تكفِّرها؛ مِن توبة، أو صدقة، أو حسنة ماحية، أو مصيبة مُكفِّرة، وجعَل بكلِّ ما حرَّم عليهم عِوضًا مِن الحلال أنفعَ لهم منه، وأطيبَ وألذَّ، فيقومُ مقامَه ليستغني العبد عن الحرام، ويسعه الحلال، فلا يَضيقُ عنه، وجعَل لكل عُسرٍ يمتحنُهم به يُسرًا قبله، ويُسرًا بعده ...، فإذا كان هذا شأنه -سبحانه- مع عباده، فكيف يُكلِّفُهم ما لا يَسَعُهُم فضلًا عمَّا لا يُطيقونه ولا يقدرون عليه.\nإذا عُرف هذا، فالجهادُ أربعُ مراتبَ: جهاد النفس، وجهاد الشيطان، وجهاد الكفار، وجهاد المنافقين.\nفجهاد النفس أربعُ مراتب أيضًا:\nإحداها: أنْ يُجاهِدَها على تعلُّم الهُدى، ودينِ الحقِّ الذي لا فلاح لها، ولا سعادة في معاشها ومعادها إلاَّ به، ومتى فاتها عِلْمُه شقيت في الدَّارين.\nالثانية: أنْ يُجاهدَها على العمل به بعد عِلْمِه، وإلا فمُجرَّدُ العلم بلا عمل إنْ لم يضرَّها لم ينفعها.\nالثالثة: أنْ يُجاهدَها على الدعوة إليه، وتعليمِهِ مَنْ لا يَعْلَمهُ، وإلا كان من الذين يكتمون ما أنزل الله مِن الهدى والبينات، ولا ينفعهُ عِلْمه، ولا يُنْجِيه مِن عذاب الله.\nالرابعة: أنْ يُجاهدَها على الصبر على مشاقِّ الدعوة إلى الله، وأذى الخلق، ويتحمّلَ ذلك كلَّه لله.\nفإذا استكمَل هذه المراتب الأربع، صار من الرّبَّانيين، فإنَّ السلف مُجْمِعُون","vol":"7","page":24},{"text":"على أنَ العَالِم لا يستحقُّ أن يُسمَّى ربّانيًا حتى يعرِفَ الحقَّ، ويعملَ به، ويعلِّمَه، فمَن عَلِمَ وعَمِلَ وعلَّم؛ فذاك يُدعى عظيمًا في ملكوتِ السماوات.\nوأمَّا جهاد الشيطان فمرتبتان:\nإحداهما: جهادُه على دَفْعِ ما يُلقي إلى العبد؛ مِن الشُّبُهات والشكوك القادحة في الإيمان.\nالثانية: جهادهُ على دفع ما يُلقي إليه من الإرادات الفاسدة والشهوات.\nفالجهادُ الأول يكون بعدَه اليقين، والثاني يكون بعدَه الصبر. قال -تعالى-: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (١)، فأخبَرَ أنَّ إمامة الدين، إنَّما تُنال بالصبر واليقين، فالصبر يَدْفَع الشهواتِ والإرادات الفاسدة، واليقين يدفع الشكوك والشبهات.\nوأمَّا جهاد الكُفّار والمنافقين، فأربع مراتب: بالقلب، واللسان، والمال، والنفس، وجهاد الكفار أخصُّ باليد، وجهاد المنافقين أخصُّ باللسان.\nوأمَّا جهادُ أرباب الظلم والبِدَعِ والمنكرات، فثلاث مراتب:\nالأولى: باليدِ إذا قَدِرَ، فإنْ عَجَزَ، انتقل إلى اللسان، فإن عَجَزَ، جاهَد بقلبه، فهذه ثلاثةَ عشرَ مرتبةً مِن الجهاد، و\"مَن مَاتَ ولَم يغْزُ، ولم يُحدِّث نفسه بالغزْوِ، مات على شعبةٍ من النفاق\" (٢).\nولا يتمُّ الجهادُ إلاَّ بالهجرةِ، ولا الِهجرة والجهادُ إلاَّ بالإيمان، والرّاجُون\n_________\n(١) السجدة: ٢٤.\n(٢) أخرجه مسلم: ١٩١٠.","vol":"7","page":25},{"text":"رحمةَ الله هم الذين قاموا بِهذِهِ الثلاثة. قال -تعالى-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١).\nوكما أنَّ الإيمان فرض على كلّ أحد، ففرْضٌ عليهِ هجرتان في كل وقت:\nهجرةٌ إلى الله -﷿- بالتوحيدِ، والإخلاص، والإنابة، والتَّوكُّلِ، والخوفِ، والرجاءِ، والمحبةِ، والتوبةِ.\nوهجرةٌ إلى رسوله بالمتابعة، والانقيادِ لأمره، والتصديق بخبرِه، وتقديم أمرِه وخبرِه على أمرِ غيرِه وخبرِه: \"فمن كانت هجرتُهُ إلى الله ورسوله، فهجرتُهُ إلى الله ورسوله، ومَن كانت هجرتُهُ إلى دُنيا يصيبها، أو امرأةِ يتزوَّجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه\" (٢).\nوفَرَضَ عليه جهاد نفسِه في ذات الله، وجهاد شيطانه، فهذا كُلُّهُ فرضُ عينٍ لا ينوبُ فيه أحدٌ عن أحدِ.\nوأمَّا جهادُ الكُفار والمنافقين، فقد يُكتفى فيه ببعضِ الأمَّةِ إذا حصلَ منهم مقصود الجهاد. وأكمل الخلق عند الله، مَن كَمَّلَ مراتبَ الجهاد كُلَّها، والخلق متفاوتون في منازلهم عند الله، تفاوتهم في مراتب الجهاد، ولهذا كان أكمل الخلقِ وأكرمهم على الله، خاتِم أنبيائه ورسلِهِ، فإنَّه كمَّل مراتب الجهاد، وجاهد في الله حقَّ جهاده، وشَرع في الجهاد من حين بُعِثَ إلى أن توفاه الله -﷿-* (٣).\n_________\n(١) البقرة: ٢١٨.\n(٢) البخاري: ١، ومسلم: ١٩٠٧.\n(٣) ما بين نجمتين من \"زاد المعاد\" (٣/ ٥ - ١٢).","vol":"7","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1803>الإخلاص في الجهاد</span>\nعن عمر بن الخطاب -﵁- قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"إنّما الأعمال بالنيّات وإنّما لكل امرئٍ ما نوى\" (١). وعن أبي موسى -﵁- قال: \"جاء رجل إلى النبيّ - ﷺ - فقال: الرجل يُقاتِل للمَغْنَم، والرجل يُقاتل للذِّكر، والرجل يُقاتل ليُرى مكانُه، فمَن في سبيل الله، قال: مَن قَاتل لتكون كلمةُ الله هي العليا؛ فهو في سبيل الله\" (٢).\nوعن أبي هريرة -﵁- أنّ رجلا قال: \"يا رسول الله رجلٌ يُريد الجهاد في سبيل الله، وهو يبتغي عرَضًَا (٣) من عرَض الدنيا؟ فقال رسول الله - ﷺ -: لا أجر له، فأعظَمَ ذلك الناس وقالوا للرجل: عُد لرسول الله - ﷺ - فلعلك لم تُفَهِّمْهُ، فقال: يا رسول الله، رجل يُريد الجهاد في سبيل الله، وهو يبتغي عرَضًا من عرَض الدنيا، فقال: لا أجر له، فقالوا للرجل: عُد لرسول الله - ﷺ - فقال له الثالثة، فقال له: لا أجر له\" (٤).\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ١، ومسلم: ١٩٠٧.\n(٢) أخرجه البخاري: ٢٨١٠، ومسلم: ١٩٠٤.\n(٣) قال القاري -﵀- في المرقاة (٧/ ٤٠٦): \"عَرَضًا -بفتح الراء وُيسكن- قيل العَرَض -بالتحريك-: ما كان من مالٍ قلَّ أو كَثُر، والعَرْض -بالتسكين-: المتاع، وكلاهما هنا جائز، وكل شيء فهو عرض، سوى الدراهم والدنانير، فإنها عين [والمعنى:] يطلب شيئًا\".\n(٤) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢١٩٦)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٢٩٤٣)، وانظر \"الصحيحة\" (٥٢).","vol":"7","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1804>عذاب من يرائي في جهاده</span>\nعن أبي هريرة -﵁- قال: \"سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: إِنَّ أَوَّلَ النّاس يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ، رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَى اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، حَتَى أُلقِيَ فِي النَارِ.\nوَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ، وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا، قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ، وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ ليقالَ عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيقالَ هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلقِيَ فِي النَارِ.\nوَرَجُلٌ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ، وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ المالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا، قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلا أنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ ليُقالَ هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، ثُم أُلقِيَ فِي النارِ\" (١).\nوعن عبادة بن الصامت -﵁- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"مَن غزا في سبيل الله ولم ينو إلاّ عقالًا، فله ما نوى\" (٢).\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ١٩٠٥.\n(٢) أخرجه النسائي وابن حبَّان في \"صحيحه\"، وحسنه لغيره شيخنا -﵀- في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١٣٣٤).","vol":"7","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1805>الترهيب من أن يموت الإنسان ولم يغزُ </span>(١)\nعن أبي هريرة -﵁- قال: \"قال رسول الله - ﷺ - من مات ولم يَغزُ، ولم يُحدِّث به نفسه، مات على شعبة من نفاق\" (٢).\nوعن أبي أمامة -﵁- عن النبيّ - ﷺ - قال: \"من لم يغزُ أو يُجهِّز غازيًا، أو يخلِف غازيًا في أهله بخير، أصابه الله تعالى بقارعةٍ قبل يوم القيامة\" (٣).\nوعن أبي بكر -﵁- قال: \"قال رسول الله - ﷺ -: ما ترَك قومٌ الجهاد؛ إلّا عمّهُم الله بالعذاب\" (٤).\nوعن ابن عمر -﵄- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إذا تبايعتم بالعينة (٥)، وأخذتم أذناب البقر (٦)، ورضيتم بالزّرع، وتركتم الجهاد؛ سلّط الله\n_________\n(١) هذا العنوان من كتاب \"الترغيب والترهيب\" للمنذري -﵀-.\n(٢) أخرجه مسلم: ١٩١٠.\n(٣) أخرجه أبو داود وغيره، وحسنه شيخنا -﵀- في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١٣٩).\n(٤) أخرجه الطبراني في \"الأوسط\" بإسناد حسن، وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١٣٩٢)، و\"الصحيحة\" (٢٦٦٣).\n(٥) العِينَة: هو أن يبيع مِن رجُلٍ سلعة بثمنٍ معلوم؛ إلى أجلٍ مسمَّى، ثم يشترِيها منه بأقلَّ من الثمن الذي باعها به ... وسُمِّيت عِينَة لحصول النقد لصاحب العينة؛ لأنَّ العين هو المال الحاضر من النقد، والمشتري إنّما يشتريها ليبيعها بعينٍ حاضرة؛ تَصِلُ إليه معجّلة. \"النّهاية\". وتقدّم.\n(٦) كناية عن الاشتغال عن الجهاد بالحرث. \"فيض القدير\".","vol":"7","page":29},{"text":"عليكم ذُلًاّ لا ينزِعُهُ حتى ترجعوا إلى دينكم\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1806>الجهاد في سبيل الله تجارة مُنجية</span>\nقال الله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1807>الجهاد من أفضل الأعمال عند الله -تعالى- وأَحبِّها إليه</span>\nعن أبي هريرة -﵁- أنّ رسول الله - ﷺ - \"سُئل أي العمل أفضل؟ فقال: إيمان بالله ورسوله، قيل: ثمّ ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قيل: ثمّ ماذا؟ قال: حجٌّ مبرورٌ\" (٣).\nوعن ابن مسعود -﵁- قال: \"قلت: يا رسول الله - ﷺ - أيّ العمل أحبّ إلى الله -تعالى-؟ قال: الصلاة على وقتها، قلتُ: ثمّ أيّ؟ قال: برّ الوالدين، قلتُ: ثمّ أيّ؟ قال: الجهاد في سبيل الله\" (٤).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود وغيره، وصححه شيخنا -﵀- في \"الصحيحة\" برقم (١١).\n(٢) الصف:١٠ - ١٣.\n(٣) أخرجه البخاري: ٢٦، ومسلم: ٨٣.\n(٤) أخرجه البخاري: ٥٢٧، ومسلم: ٨٥.","vol":"7","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1808>الجنة تحت ظلال السيوف</span>\nعن أبي بكر بنِ أبي موسى الأشعري قال: \"سمعت أبي -﵁- وهو بحضرة العدوّ يقول: قال رسول الله - ﷺ -: إنّ أبواب الجنّة تحت ظلال السيوف فقام رجل رثُّ الهيئة، فقال: يا أبا موسى آنت سمعْتَ رسول الله - ﷺ - يقول هذا؟ قال: نعم، قال فرَجع إلى أصحابه، فقال: أقرأ عليكم السلام، ثمّ كسَر جَفْن سيفه (١) فألقاه، ثمّ مشى بسيفه إلى العدو، فَضَرب به حتى قُتل\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1809>لا يجتمع غُبارٌ في سبيل الله ودخان جهنّم</span>\nعن أبي عبس عبد الرحمن بن جبر -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ما اغبرَّت قدما عبد في سبيل الله فتمسَّهُ النار\" (٣).\nوعن أبي هريرة -﵁- قال: \"قال رسول الله - ﷺ -: لا يلِجُ النار رجل بكى من خشية الله -تعالى- حتى يعود اللبن في الضَّرع، ولا يجتمع على عبد غُبارٌ في سبيل الله ودُخان جهنّم\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1810>يُنجّي الله -تعالى- بالجهاد من الهمّ والغمّ</span>\nعن عُبادة بن الصامت -﵁- عن النبيّ - ﷺ - قال: \"جاهِدوا في\n_________\n(١) أي: غمده أو غلافه.\n(٢) أخرجه مسلم: ١٩٠٢.\n(٣) أخرجه البخاري: ٢٨١١.\n(٤) أخرجه الترمذي وغيره، وصححه لغيره شيخنا -﵀- في \"صحيح الترغيب والترهيب\" برقم (١٢٦٩).","vol":"7","page":31},{"text":"سبيل الله القريب والبعيد، في الحضر والسفر، فإنّ الجهاد باب من أبواب الجنّة، إنّه لينجّي الله -﵎- به من الهمّ والغمّ\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1811>المجاهد أفضل النّاس</span>\nعن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: \"قيل: يا رسول الله أيّ النّاس أفضل؟ فقال رسول الله - ﷺ -: مؤمنٌ يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله، قالوا: ثمّ مَن؟ قال: مؤمنٌ في شِعب (٢) من الشعاب، يتقي الله ويَدَعُ النّاس من شرّه\" (٣).\nوعن أبي هريرة -﵁- عن رسول الله - ﷺ - أنّه قال: \"مِن خير معاش (٤) الناس لهم؛ رجلٌ مُمسكٌ عِنان (٥) فَرَسه في سبيل الله يطيرُ، على متنه، كلمّا سمع هيْعَة (٦) أو فزْعَة (٧)؛ طار عليه يبتغي القتل والموت مظانّه (٨)، أو رجلٌ في\n_________\n(١) أخرجه أحمد وغيره، وصححه شيخنا -﵀- في \"الصحيحة\" برقم (٧٧٠).\n(٢) ما انفرَج بين جبلين، وليس المراد نفس الشِّعب خصوصًا، بل المراد الانفراد والاعتزال. \"شرح النّووي\".\n(٣) أخرجه البخاري: ٢٧٨٦، مسلم: ١٨٨٨.\n(٤) المعاش: هو العيش وهو الحياة، وتقديره -والله أعلم- مِن خير أحوال عيشهم رجل ممسك. انظر \"شرح النّووي\".\n(٥) العِنان: سيرُ اللجام.\n(٦) الهيعة: الصوت عند حضور العدو.\n(٧) الفزعة: النهوض إلى العدو.\n(٨) يبتغي القتل مظانّه: يطلُبه في مواطنه التي يُرجى فيها لشدّة رغبته في الشهادة. \"شرح النّووي\".","vol":"7","page":32},{"text":"غُنيمة (١) في رأس شعَفَة (٢) من هذه الشَّعَف، أو بطن وادٍ من هذه الأودية، يُقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويعبُد ربّه، حتى يأتيه اليقين، ليس من النّاس إلاّ في خير\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1812>ذِكر التسويةِ بين طالب العلم ومعلِّمهِ وبين المجاهدِ في سبيل الله </span>(٤)\nعن أبي هريرة -﵁- عن النبي - ﷺ - قال: \"مَن جاء مسجدي هذا، لم يأتِهِ إلاَّ لخير يتعلَّمُه، أو يُعلِّمه؛ فهو بمنزلة المجاهدين في سبيل الله، ومَن جاء لغير ذلك، فهو بمنزلة الرجل ينظُر إلى متاع غيرِه\" (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1813>أي القتل أشرف</span>\nعن عبد الله بن حبشي الخثعمي -﵁- \" أنّ النبيّ - ﷺ - سُئل: أي القتل أشرف؟ قال: من أُهريق دمه وعُقِر جواده\" (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1814>مقام الرجل في سبيل الله أفضل من صلاته في بيته سبعين عامًا</span>\nعن أبي هريرة -﵁- قال: \"مرّ رجلٌ مِن أصحاب رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) الغُنيمة: تصغير الغَنم، أي قطعة منها. \"شرح النّووي\".\n(٢) شَعَفَةُ كلّ شيء أعلاه، يريد به رأس جبلٍ من الجبال، \"النّهاية\".\n(٣) أخرجه مسلم: ١٩٨٩.\n(٤) هذا العنوان من \"صحيح ابن حبان\"، انظر \"التعليقات الحِسان\" (١/ ٢٠٣).\n(٥) أخرجه ابن ماجه والبيهقي وغيرهما، وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٨٧)، و\"التعليقات الحِسان\" (٨٧).\n(٦) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٢٨٦)، وابن ماجه بلفظ: أي الجهاد أفضل، \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢٢٥٣)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٢٣٦٦)، وصححه شيخنا -﵀- في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١٣١٨).","vol":"7","page":33},{"text":"بشِعبٍ فيه عُيَيْنَة مِن ماء عذبة، فأعجَبَتْه لطيبها، فقال: لو اعتزلْتُ الناس فأقمتُ في هذا الشعب، ولن أفعل حتى أستأذن رسول الله - ﷺ -، فذكَر ذلك لرسول الله - ﷺ -، فقال: لا تفعل، فإنّ مَقام (١) أحدكم في سبيل الله أفضل مِن صلاته في بيته سبعين عامًا، ألا تحبون أن يغفر الله لكم ويُدخلَكم الجنة، اغزو في سبيل الله، من قاتل في سبيل الله فُواق ناقةٍ (٢) وجَبت له الجنّة\" (٣).\nوعن عمرانَ بنِ حصين -﵁- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"مَقام الرجل في الصف في سبيل الله؛ أفضل عند الله من عبادة الرجل ستين سنة\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1815>للمجاهد في الجنّة مائة درجة</span>\nعن أبي سعيد الخدري -﵁- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"يا أبا سعيد، من رضي بالله ربًّا وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًّا؛ وجبَت له الجنة، فعَجِب لها أبو سعيد، فقال: أعِدها عليّ يا رسول الله ففَعل، ثمّ قال: وأخرى يُرفع بها العبد مائة درجة في الجنة، ما بين كلّ درجتين كما بين السماء والأرض، قال: وما هي يا رسول الله؟ قال: الجهاد في سبيل الله، الجهاد في سبيل الله\" (٥).\n_________\n(١) قال العلاّمة القاري -﵀- في \"المرقاة\" (٧/ ٣٩٣): \"بفتح الميم، أي قيامه، وفي نسخة: بضمّها، وهي الإقامة، بمعنى ثبات أحدكم\".\n(٢) قدْر ما بين الحلبتين وتُضَمّ فاؤُه وتُفتَح. \"النّهاية\".\n(٣) أخرجه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (١٣٤٨) وحسَّن شيخنا -﵀- إسناده في \"المشكاة\" (٣٨٣٠).\n(٤) أخرجه الحاكم وقال: صحيح على شرط البخاري، وصححه لغيره شيخنا -﵀- في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١٣٠٣).\n(٥) أخرجه مسلم ١٨٨٤.","vol":"7","page":34},{"text":"وعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله: \"إنّ في الجنّة مائَة درجة، أعدّها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوهُ الفردوس، فإنّه أوسط الجنّة، وأعلى الجنّة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تَفَجَّر أنهار الجنّة\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1816>ما يعدِل الجهاد في سبيل الله -﷿</span>-؟\nعن أبي هريرة -﵁- قال: \"قيل للنبيّ - ﷺ -: ما يعدل الجهاد في سبيل الله﷿-؟ قال: لا تستطيعونه (٢)، قال: فأعادوا عليه مرتين أو ثلاثًا، كلّ ذلك يقول: لا تستطيعونه، وقال في الثالثة: مَثَل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت (٣) بآيات الله، لا يفتر مِن صيامِ ولا صلاةٍ حتى يرجع المجاهد في سبيل الله -تعالى-\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1817>فضل الشهادة في سبيل الله -سبحانه</span>-\nقال الله -تعالى-: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الذِينَ قُتِلُوا فِى سَبِيلِ اللهِ أَمْواَتًَا بَل أَحْيَاءٌ عَندَ رَبِهِمْ\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٢٧٩٠.\n(٢) وردت بالنون وحذْفها، قال الإمام النّووي -﵀-: \" ... هكذا هو في مُعظم النُّسخ: (لا تستطيعوه) وفي بعضها (لا تستطيعونه) -بالنون-، وهذا جارٍ على اللغة المشهورة، والأول صحيح أيضًا، وهي لغة فصيحة حذْف النون من غير ناصب ولا جازم، وقد سبَق بيانها ونظائرها مرات\".\n(٣) القانت: أي المطيع.\n(٤) أخرجه البخاري: ٢٧٨٥، ومسلم: ١٨٧٨. واللفظ له.","vol":"7","page":35},{"text":"﴿يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١).\nوعن أبي هريرة -﵁- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"والذي نفسي بيده، لا يُكْلَم (٢) أحدٌ في سبيل الله -والله أعلم بمن يُكلَمُ في سبيله- إلاّ جاء يوم القيامة واللون لون الدم، والريح ريح المسك\" (٣).\nوعن مسروق قال: \"سألنا عبد الله- هو ابن مسعود- عن هذه الآية: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ قال: أمَا إنّا قد سأَلنْا عن ذلك، فقال: أرواحهم في جَوف طيرٍ خُضْر، لها قناديلُ مُعلَّقة بالعرش، تَسرَحُ من الجنة حيث شاءت، ثمّ تأوي إلما تلك القناديل، فاطلَع إليهم ربهم اطِّلاعَة فقال: هل تشتهون شيئا؟ قالوا: أيَّ شيء نشتهي، ونحن نسرح من الجنّة حيث شئنا، ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلمّا رأوا أنهم لن يُترَكوا مِن أن يسألوا؟ قالوا يا ربّ نريد أن تَرُدَّ أرواحنا في أجسادنا حتى نُقتَل في سبيلك مرّة أخرى، فلمّا رأى أنْ ليس لهم حاجة تُرِكوا\" (٤).\nوعن عبادةَ بن الصامت -﵁- عن النبيّ - ﷺ - قال: \"للشهيد\n_________\n(١) آل عمران: ١٦٩ - ١٧١.\n(٢) أي: يُجرح.\n(٣) أخرجه البخاري: ٢٨٠٣، مسلم: ١٨٧٦.\n(٤) أخرجه مسلم: ١٨٨٧.","vol":"7","page":36},{"text":"عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة من دمه، ويرى مقعده من الجنّة، ويُجار من عذاب القبر، ويَأمن الفَزع الأكبر، ويُحلّى حِلية الإيمان، ويُزوّج من الحور العين، ويشفع في سبعين إنسانًا من أقاربه\" (١).\nوعن رجلٍ من أصحاب النبى - ﷺ -: \"أنّ رجلًا قال: يا رسول الله ما بال المؤمنين يُفتَنون في قبورهم إلاّ الشهيد؟ قال: كفى ببارقة السيوف (٢) على رأسه فتنة\" (٣).\nوعن ابن عمر -﵄- \" أنّ النبيّ مرَّ بخِباء (٤) أعرابي، وهو في أصحابه يريدون الغزو، فرفَع الأعرابي ناحيةً مِن الخِباء، فقال: من القوم؟ فقيل: رسول الله - ﷺ - وأصحابه يُريدون الغزو، فقال: هل مِن عرَض الدنيا يصيبون؟ قيل له: نعم، يصيبون الغنائم، ثمّ تُقسَّم بين المسلمين.\nفعمد إلى بَكْر (٥) له فاعتقله (٦)، وسار معهم فجعل يدنو ببَكْره إلى رسول الله - ﷺ -، وجَعل أصحابه يذودون بَكْره عنه، فقال رسول الله - ﷺ -: دعوا لي النجدي، فوالذي نفسي بيده؛ إنه لمن ملوك الجنّة.\n_________\n(١) أخرجه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (١٣٥٨) وصححه، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢٢٥٧)، وأحمد، وصححه شيخنا -﵀- في \"أحكام الجنائز\" (ص ٥٠).\n(٢) أي: لمعانها، يقال: برَق بسيفه، وأبرَق: إذا لمع به. \"النّهاية\".\n(٣) أخرجه النسائي وصححه شيخنا -﵀- في \"أحكام الجنائز\" (ص ٥٠).\n(٤) الخِباء: بيتٌ صغيرٌ من صوفٍ أو شعَر. \"لسان العرب\".\n(٥) البكر: الفتيّ من الإبل، بمنزلة الغلام مِن الناس. \"النّهاية\".\n(٦) يُقال: اعتَقَل الشاة: هو أن يضَعَ رِجْلَها بين ساقه وفَخِذه، ثم يحلبَها. وانظر \"النّهاية\".","vol":"7","page":37},{"text":"قال: فلقوا العدو، فاستشهد، فأُخبر بذلك النبيّ - ﷺ -، فأتاه فقعَد عند رأسه مستبشرًا -أو قال: مسرورًا- يضحك، ثمّ أعرض عنه. فقلنا: يا رسول الله! رأيناك مُستبشِرًا تضحك، ثمّ أعرضْتَ عنه؟ فقال: أمّا ما رأيتم مِن استبشاري -أو قال من سروري-، فلِما رأيتُ مِن كرامة روحِهِ على الله -﷿-، وأمّا إعراضي عنه؛ فإنّ زوجته من الحور العين الآن عند رأسه\" (١).\nوعن مجاهد عن يزيد بن شجرة -وكان يزيد بن شجرة ممن يصدق قوله فعله-[قال:] خطبنا فقال: \"يا أيها النّاس، اذكروا نعمة الله عليكم، ما أحسن نعمة الله عليكم، تُرى مِن بين أخضر وأحمر وأصفر، وفي الرحال (٢) ما فيها. وكان يقول: إذا صفَّ النّاس للصلاة، وصفَّوا للقتال، فُتِحتْ أبوابُ السماء وأبوابُ الجنةِ، وغُلّقت أبواب النار، وزيِّن الحور العين واطّلعن، فإذا أقبل الرجل قلن: اللهم انصره، وإذا أدبر احتَجَبْنَ منه، وقُلن: اللهم اغفر له، فانهكوا وجوه القوم فدىً لكم أبي وأمي، ولا تخزوا الحور العين؛ فإن أول قطرة تنضح من دمِه؛ يُكفّر عنه كل شيء عَمِلَه، وتنزل إليه زوجتان من الحور العين، يمسحان التراب عن وجهه، ويقولان: قد أنى (٣) لك، ويقول: قد أنى لكما، ثمّ يُكسى مائة حُلّةٍ، ليس من نسيج بني آدم، ولكن من نَبْتِ الجنةِ، لو وضعْنَ بين أصبعين لوسعن. وكان يقول: نبئتُ (٤) أن السيوف مفاتيح الجنّة\" (٥).\n_________\n(١) أخرجه البيهقي بإسنادٍ حسن، وحسنه شيخنا -﵀- في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١٣٨٢).\n(٢) أي: الدور والمساكن والمنازل.\n(٣) أي: قد آن.\n(٤) قال شيخنا -﵀-: كأنه يعني عن النّبي - ﷺ -، وقد جاء مرفوعًا من طُرُق، أحدها صحيح ... وقد خرّجتها في \"الصحيحة\" (٢٦٧٢).\n(٥) أخرجه الطبراني وصححه شيخنا -﵀- في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١٣٧٧).","vol":"7","page":38},{"text":"وعن أبي هريرة -﵁- عن النبيّ - ﷺ - أنه سأَل جبرائيل عن هذه الآية ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ (١). مَن الذين لم يشأ الله أن يصعَقَهم؟ قال: هم شهداء الله\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1818>فضل الرباط في سبيل الله -تعالى</span>-\nعن سلمان -﵁- قال: سمعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"رباط يومٍ وليلة خيرٌ من صيام شهر وقيامِه، وإن مات جرى عليه عملُه الذي كان يعمله، وأُجريَ عليه رزقُهُ (٣)، وأمِن الفتّان (٤) \" (٥).\nوعن فَضالة بن عبيد: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"كل ميتٍ يُختم على عمله، إلاَّ المرابط، فإنّه ينمو له عمله إلى يوم القيامة، ويؤمّنُ من فتّان القبر\" (٦).\n_________\n(١) الزمر: ٦٨.\n(٢) أخرجه الحاكم وقال: \"صحيح الإسناد\"، وصححه شيخنا -﵀-: في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١٣٨٧).\n(٣) قال النّووي -رحمه الله تعالى-: \"موافقٌ لقول الله -تعالى- في الشهداء ﴿أَحْيَاءٌ عَندَ رَبِّهِمْ يُرزَقُونَ﴾ والأحاديث السابقة أنّ أرواح الشهداء تأكل مِن ثمار الجنة\".\n(٤) أي في القبر، والفتّان: جمع فاتن.\n(٥) أخرجه مسلم: ١٩١٣.\n(٦) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢١٨٢)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (١٣٢٢)، وصحح شيخنا -﵀- إسناده في \"المشكاة\" (٣٨٢٣)، وانظر \"أحكام الجنائز\" (ص ٥٨).","vol":"7","page":39},{"text":"وعن أبي هريرة -﵁-: \"أنه كان في الرباط ففزعوا إلى الساحل، ثمّ قيل: لا بأس، فانصرف النّاس وأبو هريرة واقفٌ، فمرّ به إنسان، فقال: ما يُوقفُك يا أبا هريرة! قال: سمعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: موقفُ ساعة في سبيل الله؛ خير من قيام ليلة القدر، عند الحجر الأسود\" (١).\nوعن عثمانَ بنِ عفان -﵁- قال: \"سمعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"رباط يوم في سبيل الله؛ خيرٌ من ألف يوم فيما سواه من المنازل\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1819>فضل الرمي بنيّة الجهاد والتحريض عليه</span>\nعن عقبةَ بن عامر -﵁- قال: \"سمعْتُ رسول الله - ﷺ - وهو على المنبر يقول: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَا استَطَعتُم مِن قُوَّةٍ﴾، ألا إنّ القوة الرمي، ألا إنّ القوة الرمي، ألا إنّ القوة الرمي\" (٣).\nوعن عقبةَ بن عامر -﵁ أيضًا- قال: سمعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"ستُفتح عليكم أرضون، ويَكفيكم الله، فلا يَعجَزْ أحدكم أن يلهو بأسهمه\" (٤).\n_________\n(١) أخرجه ابن حبان في \"صحيحه\" والبيهقي وغيرهما، وصححه شيخنا -﵀- في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١٢٢٣).\n(٢) أخرجه النسائي وغيره، وحسنه لغيره شيخنا -﵀- في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١٢٢٤).\n(٣) أخرجه مسلم: ١٩١٧.\n(٤) أخر جه مسلم: ١٩١٨.","vol":"7","page":40},{"text":"وعن سلمةَ بن الأكوع -﵁- قال: \"مرّ النبيّ - ﷺ - على نفرٍ مِن أسلَم ينتضلون (١)، فقال النبيّ - ﷺ -: ارموا بني إسماعيل، فإنّ أباكم كان راميًا، ارموا وأنا مع بني فلان، قال: فأمسَك أحد الفريقين بأيديهم، فقال رسول الله - ﷺ -: ما لكم لا ترمون؟ قالوا: كيف نرمي وأنت معهم؟ قال النبى - ﷺ -: ارموا فأنا معكم كُلِّكُم\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1820>اللهو بأدوات الحرب </span>(٣)\nعن أبي هريرة -﵁- قال: \"بينا الحبشة يلعبون عند النبي - ﷺ - بحرابهم، دخَل عمر فأهوى إلى الحصى فحَصَبَهم (٤) بها، فقال: دعهم يا عمر\" (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1821>إثم مَن تعلّم الرمي ثمّ تَركه </span>(٦)\nعن عقبَة بن عامر -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"مَن عَلِمَ الرمي ثمّ تركه؛ فليس منّا، أو قد عصى\" (٧).\n_________\n(١) أي: يرتمون بالسهام، يُقال انتضل القوم وتناضلوا: أي رَمَوا للسبق. \"النّهاية\".\n(٢) أخرجه البخاري: ٢٨٨٩.\n(٣) هذا العنوان مقتبس من تبويب البخاري (باب اللهو بالحراب ونحوها) انظر (كتاب الجهاد) (باب - ٧٩).\n(٤) فحَصَبهم: رماهم بالحصباء، وهي الحصى الصغار.\n(٥) أخرجه البخاري: ٢٩٠١، ومسلم: ٨٩٣.\n(٦) انظر -إن شئت للمزيد من الفائدة- كتاب \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٢/ ٩٤). \"الترغيب في الرمي في سبيل الله وتعلّمه\".\n(٧) أخرجه مسلم: ١٩١٩.","vol":"7","page":41},{"text":"وعن أبي هريرة -﵁- عن النبيّ - ﷺ -، قال: \"مَن تعلّم الرمي ثمّ نسيَهُ، فهي نعمة جحَدها\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1822>فضل احتباس الخيل للجهاد في سبيل الله</span>\nعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"مَن احتبسَ فرسًا في سبيل الله؛ إيمانًا بالله وتصديقًا بوعده (٢)، فإنّ شِبَعَهُ (٣) ورِيَّهُ (٤) ورَوثَه وبولَه؛ في ميزانه يوم القيامة\" (٥).\nوعن ابن عمر -﵄- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"الخيل معقود (٦) في نواصيها (٧) الخير إلى يوم القيامة\" (٨).\nوعن أبي ذر -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ما مِن فرس عربي؛ إلاَّ يُؤذَن له عند كل سحَر، بكلمات يدعو بهنّ: اللهم خوّلتَني (٩) من بني آدم،\n_________\n(١) أخرجه البزّار والطبراني في \"الصغير\" و\"الأوسط\" بإسنادٍ حسن وصححه لغيره شيخنا -﵀- في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١٢٩٤).\n(٢) أي الذي وعَد به من الثواب على ذلك \"فتح\".\n(٣) ما يشبع به.\n(٤) ما يروى به.\n(٥) أخرجه البخاري: ٢٨٥٣.\n(٦) ملوي مضفور فيها، \"شرح النووي\".\n(٧) الشعر المسترسل على الجبهة، \"شرح النّووي\".\n(٨) أخرجه البخاري: ٢٨٥٢، مسلم: ١٨٧٢.\n(٩) التخوُّل: التمليك والتّعهُد.","vol":"7","page":42},{"text":"وجعلتني له، فاجعلني أحبّ أهله ومالِه، أو مِن أحبِّ أهله ومالِه إليه\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1823>فضل النفقة في سبيل الله وتجهيز الغزاة </span>(٢)\nعن أبي هريرة -﵁- عن النبي - ﷺ - قال: \"من أنفَق زوجين في سبيل الله، دعاه خَزَنَة الجنّة -كُلُّ خَزَنةِ باب - أي فُل (٣)، هلُمَّ\" قال أبو بكر: يا رسول الله، ذاك الذي لا توى (٤) عليه، فقال النبي - ﷺ -: \"إني لأرجو أن تكون منهم\" (٥).\nوفي رواية: \"مَن أنفق زوجين في سبيل الله مِن ماله؛ دعتهُ حَجَبَة الجنّة: أي فُلُ، هَلُمّ! هذا خيرٌ -مرارًا-، فقال أبو بكر: يا رسول الله! هذا الذي لا تَوَى عليه، فقال رسول الله - ﷺ -: أما إنّي أرجو أن تدعوك الحجَبة كلها\" (٦).\nوعن زيد بن خالد -﵁- أنّ رسول الله قال: \"مَن جهَّز غازيًا في سبيل الله فقد غزا، ومن خَلَف غازيًا في سبيل الله بخيرٍ فقد غزا\" (٧).\n_________\n(١) أخرجه النسائي وصححه شيخنا -﵀- في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١٢٥١).\n(٢) هذا العنوان من \"صحيح البخاري\" (كتاب الجهاد) (باب - ٣٧).\n(٣) أي فُل: معناه يا فلان \"النهاية\". وانظر \"الفتح\" للمزيد من الفائدة.\n(٤) لا توى: أي لا ضياع ولا خسارة، وهو من التوى: الهلاك. \"النّهاية\".\n(٥) أخرجه البخاري: ٢٨٤١، ومسلم: ١٠٢٧، وانظر \"صحيح البخاري\" الأرقام الآتية (١٨٩٧، ٣٢١٦، ٣٦٦٦).\n(٦) أخرجه ابن حبان في \"صحيحه\" \"التعليقات الحسان\" (٤٦٢٢) وأبو عوانة في \"صحيحه\" وغيرهما، وانظر \"الصحيحة\" (٢٢٦٠).\n(٧) أخرجه البخاري: ٢٨٤٣، ومسلم: ١٨٩٥.","vol":"7","page":43},{"text":"عن خريم بن فاتك -﵁- عن النبيّ - ﷺ - قال: \"من أنفق نفقة في سبيل الله، كُتبت له سبعُ مائة ضعف\" (١).\nوعن أبي مسعود الأنصاري -﵁- قال: \"جاء رجل بناقة مخطومة (٢)، فقال: هذه في سبيل الله، فقال رسول الله - ﷺ -: لك بها يوم القيامة سبع مائة ناقة كلّها مخطومة\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1824>أجر الشهادة بالنيّة لمن لم يستطع الجهاد</span>\nعن سهل بن حُنيف أن النبيّ - ﷺ - قال: \"مَن سأَل الله الشهادة بصِدق، بلّغه الله منازل الشهداء، وإنْ مات على فراشه\" (٤).\nوعن أنس -﵁- \"أنّ النبيّ - ﷺ - كان في غزاة، فقال: إنّ أقوامًا بالمدينة خَلفَنا، ما سلَكْنا شِعبًا ولا واديًا إلاّ وهم معنا فيه، حَبَسهُم العُذر\" (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1825>من صفات القائد</span>\n١ - أن يُعرَف بالورع والتقوى، والائتمار بما أمَرَ الله به، والانتهاء عمّا نهى الله عنه.\n_________\n(١) أخرجه النّسائي والترمذي وقال: حديث حسن، وابن حبان في \"صحيحه\"، والحاكم وقال: صحيح الإسناد، وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١٢٣٦).\n(٢) مخطومة: أي فيها خِطَام، وهو أن يُؤْخذ حَبْل من ليف أو شَعر أو كَتَّان، فيُجْعَل في أحَد طَرَفيه حَلْقة، ثمّ يُشَدّ فيها الطَّرف الآخر؛ حتى يَصِير كالحلْقة، ثُم يُقَاد البَعير. وانظر \"النّهاية\".\n(٣) أخرجه مسلم: ١٨٩٢.\n(٤) أخرجه مسلم: ١٩٠٩.\n(٥) أخرجه البخاري: ٢٨٣٩، مسلم: ١٩١١.","vol":"7","page":44},{"text":"٢ - أن يكون من أهل الخِبرة في الأمور العسكرية وميادين القتال.\n٣ - أن يُشهد له بالجرأة والشجاعة، عن أبي اسحاق قال: قال رجلٌ للبراء بن عازب -﵄-: \"أفررتم عن رسول الله - ﷺ - يومَ حُنين، قال: لكنَّ رسولَ الله - ﷺ - لم يفرّ، إنَّ هوازن كانوا قومًا رُماةً، وإنَّا لمَّا لقِيناهم حَمَلْنا عليهم فانهزموا، فأَقْبَل المسلمون على الغنائم، واستقبلونا بالسِّهام، فأما رسول الله - ﷺ - فلم يفِرّ، فلقد رأيتُه، وإنّه لعلى بغلته البيضاء، وإنّ أبا سفيانَ (١) آخِذٌ بلجامها، والنبيُّ - ﷺ - يقول: \"أنا النبيُّ لا كَذِب أنا ابن عبد المطَّلِب\" (٢).\nقال ابن كثير -﵀- (٣): \"وهذا في غاية ما يكون مِن الشجاعة التامَّة، إنّه في مِثْل هذا اليوم في حَوْمة الوغى، وقد انكشَفَ عنه جيشه، هو مع ذلك على بغلة وليست سريعةَ الجري، ولا تصلُح لكرٍّ ولا لفرٍّ ولا لهَرَبٍ، وهو مع هذا أيضًا يُركِضها إلى وجوههم، ويُنَوِّه باسمه، ليعرفه مَن لم يعرفه -صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يومِ الدين- وما هذا كلُّه إلاَّ ثقةً بالله، وتوكُّلًا عليه، وعِلمًا منه بأنه سينصره، ويتمُّ ما أرسَلَه به، ويُظهِرُ دينَه على سائر الأديان\".\nقال الإمام أحمد -﵀-: \"لا يُعجبني أن يخرج مع الإمام أو القائد إذا ْعُرف بالهزيمة وتضييع المسلمين، وإنمّا يغزو مع مَن له شَفَقة وحيطةٌ على المسلمين\" (٤).\n_________\n(١) هو أبو سفيان بنُ الحارث بن عبد المطلب -﵁- كما في البخاري (٢٨٧٤)، وفي رواية عند مسلم (١٧٧٦ - ٧٨).\n(٢) أخرجه البخاري: ٢٨٦٤، ومواضع أخرى، ومسلم: ١٧٧٦.\n(٣) انظر تفسير \"سورة التوبة\" (آية: ٢٥).\n(٤) \"المغني\" (١٣/ ١٤).","vol":"7","page":45},{"text":"٤ - أن يُشهَد له بالصبر والجلد والحكمة.\n٥ - أن يكون ذا فطنة وبديهة، حتى يُحسِن التصرف عند الشدّة، وهذه الصفات يتفاوت قدر تحقّقها في النّاس فيُسعى إلى أفضل الموجود؛ وذلك لتحقيق أفضل الخيرين، ما أمكن ذلك.\nقال شيخ الإسلام -﵀- في \"مجموع الفتاوى\" (٢٨/ ٢٥٣): \"فالقُوَّةُ في إمارة الحرب تَرْجِع إلى شجاعة القلب، وإلى الخِبرة بالحروب، والمخادَعة فيها؛ فإنَّ الحرب خَدْعَة، وإلى القدرة على أنواع القتال: مِنْ رميٍ وَطعْنٍ وضَرْبٍ، ورُكوبٍ، وكَرٍّ، وفرٍّ، ونحوِ ذلك؛ كما قال الله -تعالى-: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (١) \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1826>من وصايا رسول الله - ﷺ - إلى قُوّاده</span>\nعن أبي موسى -﵁- قال: \"كان رسول الله - ﷺ - إذا بَعَث أحدًا من أصحابه في بعض أمره قال: بشِّروا ولا تُنفِّروا، ويسِّروا ولا تُعسِّروا\" (٢).\nوفي رواية: \"أنّ النبيّ - ﷺ - بَعَثه ومُعاذًا إلى اليمن فقال: \"يسِّرا ولا تُعسِّرا، وبشِّرا ولا تُنفِّرا وتطاوَعا ولا تختلفا\" (٣).\nوعن عبد الله بن أبي أوفى -﵁-: \"أن رسول الله - ﷺ - في بعض\n_________\n(١) الأنفال: ٦٠.\n(٢) أخرجه مسلم: ١٧٣٢.\n(٣) أخر جه البخاري: ٤٣٤٤، ٤٣٤٥، ومسلم: (١٧٣٣ - ٧).","vol":"7","page":46},{"text":"أيامه التي لقي فيها العدو، انتظَر حتى مالت الشمس، ثمّ قام في النّاس فقال: \"لا تمَنَّوا لقاء العدو وسَلُوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أنّ الجنّة تحت ظلال السيوف، ثمّ قال: اللهمّ مُنْزِلَ الكتاب، ومجُريَ السحاب، وهازِمَ الأحزاب اهزمهم، وانصرنا عليهم\" (١).\nوعن عليّ -﵁- قال: \"بعثَ النبيّ - ﷺ - سريّةً وأمَّر عليهم رجلًا من الأنصار، وأمَرَهم أن يطيعوه فغَضِب عليهم، وقال: أليس قد أَمَرَ النبيُّ - ﷺ - أن تطيعوني؟ قالوا: بلى.\nقال: عَزمْتُ عليكم لَمَا جمعتم حطبا وأوقدتم نارًا ثمّ دخلتم فيها، فجمَعوا حطبًا فأوقدوا، فلما همّوا بالدخول؛ فقام ينظُر بعضهم إلى بعض، قال: بعضهم إنما تَبِعْنا النبيّ - ﷺ - فرارًا مِن النار أفندخلها؟ فبينما هم كذلك؛ إذ خَمَدت النار، وسكَنَ غضبه، فُذكر للنبي - ﷺ - فقال: لو دخلوها ما خرجوا منها أبدًا، إنّما الطاعة في المعروف\" (٢).\nوعن بريدة -﵁- قال: \"كان رسول الله - ﷺ -، إذا أمّرَ أميرًا على جيش أو سريَّة (٣) أوصاه في خاصَّته بتقوى الله ومَن معه مِن المُسلمين خير ًا. ثمَّ\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٣٠٢٤، ومسلم: ١٧٤٢.\n(٢) أخرجه البخاري: ٧١٤٥، ومسلم: ١٨٤٠.\n(٣) السريَّة: هي قطعة من الجيش؛ تخرج منه، تَغِير وترجع إليه، قالوا: سُمّيت سريّة؛ لأنها تسري في الليل ويخفى ذهابُها. \"شرح النّووي\".","vol":"7","page":47},{"text":"قال: \"اغزوا باسم الله، في سبيل الله، قاتِلوا مَن كَفر بالله. اغْزوا ولا تَغُلُّوا ولا تَغْدِرُوا ولا تَمْثُلوا (١) ولا تَقْتُلُوا وليدًا (٢). وإذا لقيتَ عدوّك من المشركين فادْعُهم إلى ثلاث خصالٍ (أو خِلال).\nفأيّتُهُنَّ ما أجابوك؛ فاقبل منهم، وكُفّ عنهم. ثمّ ادعهم إلى الإسلام، فإنْ أجابوك فاقبل منهم، وكُفَّ عنهُم، ثمّ ادعهم إلى التَحُّول مِن دارِهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنّهم إنْ فعَلوا ذلك؛ فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإنْ أبَوا أن يتَحوَّلوا منها، فأخبِرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين؛ يجري عليهم حُكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء؛ إلاَّ أن يجاهدوا مع المسلمين.\nفإنْ هم أبَوا فسَلْهم الجزية، فإنْ هم أجابوك فاقَبَل منهم وكُفَّ عنهُم. فإنْ هم أبَوا فاستَعِن بالله وقاتِلهم، وإذا حاصرْتَ أهل حِصن، فأرادوك أن تجعل لهم ذِمّة الله (٣) وذِمّة نبيّه، فلا تجعل لهم ذِمّة الله ولا ذِمّة نبيّه.\nولكن اجعل لهم ذمّتك وذمّة أصحابك فإنكم أنْ تُخفِروا (٤) ذممكم وذِمَم أصحابكم، أهون مِن أنْ تُخفِروا ذِمَّة الله وذِمَّة رسوله، وإذا حاصرتَ أهل حِصنٍ\n_________\n(١) تَمْثُلُوا: أي لا تُشَوّهوا القتلى بقَطْع أنوفهم، أو آذانهم، أو مذاكِيرهم، أو شيئًا مِن أطرافهم. وانظر \"النّهاية\".\n(٢) الوليد: الصبي.\n(٣) قال العلماء: الذمّة هنا العهد.\n(٤) تُخفِروا -بضم التاء-، يُقال: أخفرت الرجل: إذا نقضْتَ عهده، وخفرته: أمّنْتَه وحميته ... \"شرح النّووي\".","vol":"7","page":48},{"text":"فأرادوك أن تُنزِلهم على حُكم الله؛ فلا تَنزِلْهم على حُكم الله، ولكن أنزلهم على حُكمك، فإنك لا تدري أتصيب حُكم الله فيهم أم لا\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1827>ما يجب على أمير الجيش أو قائده </span>(٢)\n١ - يجب على القائد أن يشاور أهل الرأي، لقول الله -تعالى-: ﴿وَشَاوِرهُم في الأَمر﴾ (٣).\nولما ثَبَت عن أنس -﵁- \"أن رسول الله - ﷺ - شاور حين بَلَغه إقبالُ أبي سفيان قال: فتكلَّم أبو بكر فأعرَض عنه، ثمّ تكلَّم عمر فأعرَض عنه، فقام سعد بن عبادة فقال: إيانا تريد يا رسول الله؟ والذي نفسي بيده لو أَمَرتنا أن نُخيضَها البحر لأخَضناها، ولو أَمَرْتنا أن نضرِب أكبادها (٤) إلى بَرْك (٥) الغِماد لفَعَلنا، قال: فندَب رسول الله - ﷺ - النّاس فانطلقوا حتى نزلوا بدرا\" (٦).\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ١٧٣١.\n(٢) انظر للمزيد- إن شئت- \"الروضة الندية\" (٢/ ٧٢٣).\n(٣) آل عمران: ١٥٩.\n(٤) قال بعض العلماء في تفسير قوله - ﷺ -: \"لو أمَرْتنا أن نضربَ أكبادها\" أي: الخيل والمراد ركوبها والسير عليها مهما نأى المكان، وخصَّ ضرب الأكباد بالذكر؛ لأن الفارس كان إذا أراد إسراع مركوبه؛ حرّك رجليه ضاربًا على موضع كبده.\n(٥) انظر للمزيد -إن شئت- في ضبط هذه الكلمة ما جاء في \"شرح النووي\" (١٢/ ١٢٥)، وهو موضع من وراء مكّة بخمس ليال، بناحية الساحل، وقيل غير ذلك وانظر المصدر السابق.\n(٦) أخرجه مسلم: ١٧٧٩.","vol":"7","page":49},{"text":"وعن ابن عباس -رضي الله- عنهما- قال: \"قدم عيينةُ بن حِصن بن حذيفة فنزَل على ابن أخيه الحُرّ بن قيس، وكان من النّفر الذين يُدنِيهم عمر، وكيان القُرّاء أصحابَ مجالس عمر ومُشاورته كهولًا (١) كانوا أو شُبّانًا ... \" (٢).\nواستشار رسول الله - ﷺ - أبا بكرٍ وعمر -﵄- في أُسارى بدر.\nفعن ابن عباس -﵄- قال: \"لمّا أسروا الأسارى قال رسول الله - ﷺ - لأبي بكر وعمر: ما ترون في هؤلاء الأسارى؟ \" (٣).\nوقال قتادة: \"ما تشاور قومٌ يبتغون وجه الله؛ إلاَّ هدوا لأرشد أمورهم\".\n٢ - الرفق بهم والاجتهاد والنصح لهم.\nعن عائشة -﵂- قالت: سمعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"اللهمّ مَن ولِيَ مِن أمر أُمتي شيئًا فَشَقَّ عليهم فاشقُق عليه، ومَن وَلِيَ من أمر أُمّتي شيئًا فرَفَق بهم، فارفُق به\" (٤).\nوعن جابر -﵁- قال: \"كان رسول الله - ﷺ - يتَخلّف في المسير\n_________\n(١) الكَهْل من الرجال: مَنْ زاد على ثلاثين سنة إلى الأربعين، وقيل: هو مِن ثلاث وثلاثين إلى تمام الخمسين. \"النهاية\".\n(٢) أخرجه البخاري: ٤٦٤٢.\n(٣) أخرجه مسلم: ١٧٦٣ من حديث عمر -﵁-.، ذكره شيخ الإسلام -﵀- في \"الكَلِم الطيّب\" (ص ٧١).\n(٤) أخرجه مسلم: ١٨٢٨.","vol":"7","page":50},{"text":"فيُزْجي (١) الضعيف، ويُرْدِفُ (٢) ويدعو لهم\" (٣).\nوعن مَعْقِل بن يَسار -﵁- قال: سمعْتُ النبيّ - ﷺ - يقول: \"ما مِنْ عبدِ استرعاه الله رَعيّة، فلم يَحُطها بنصيحة؛ إلاّ لم يَجِد رائحة الجنَّة\" (٤).\nوفي رواية: \"ما من والٍ يلي رعيّةً من المسلمين، فيموت وهو غاشٌّ لهم؛ إلاَّ حرّم اللهُ عليه الجنّة\" (٥).\nوفي لفظ: \"ما من أميرٍ يلي أمرَ المسلمين، ثمّ لا يَجْتَهد لهم وينصح؛ إلاَّ لم يدخُل معهم الجنَّة\" (٦).\n٣ - عقد الألوية والرايات، وذلك لاسترداد ما اغتُصِب من ديار المسلمين، وتحقيق الفتوحات؛ لنشر التوحيد والدعوة إلى الله -تعالى- وإخراج النّاس مِن الظُلمات إلى النور بإذن الله -سبحانه-.\nعن ابن عباس -﵄- قال: \"كان لواءُ رسولِ الله - ﷺ - أبيض\n_________\n(١) يزجي: أي يسوق ويدفع.\n(٢) الردف: الراكب خلف الراكب، والمراد أنّه - ﷺ - كان يُرْدفُ خلفه من ليس له راحلة؛ إذا كان يضعف عن المشي. انظر \"نيل الأوطار\" (٨/ ٤٨).\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٢٩٨) والحاكم وانظر \"الصحيحة\" (٢١٢٠).\n(٤) أخرجه البخاري: ٧١٥٠، ومسلم: ١٤٢.\n(٥) أخرجه البخاري: ٧١٥١، ومسلم: ١٤٢.\n(٦) أخرجه مسلم: ١٤٢ كتاب الإمارة (٥) باب فضيلة الإمام العادل رقم (٢٢)، (ص ١٤٦٠).","vol":"7","page":51},{"text":"ورايته سوداء\" (١).\nوعن عطاء بن أبي رباح قال: كنت مع عبد الله بن عمر فأتاه فتى يسأله عن إسدال العمامة، [فذكر الحديث إلى أن قال]: \" ... ثمّ أمر (٢) عبد الرحمن بن عوف يتجهز لسرية بعثه عليها، وأصبح عبد الرحمن قد اعتمّ بعمامة من كرابيس سوداء، فأدناه النبيّ - ﷺ -، ثمّ نقضه وعمّمه بعمامة بيضاء، وأرسل من خلفه أربع أصابع، أو نحو ذلك، وقال: هكذا يا ابن عوف اعتمّ فإنه أعرب وأحسن، ثمّ أمَر النبيّ - ﷺ - بلالًا أن يدفع إليه اللواء، فحمد الله وصلى على النبيّ - ﷺ - ثمّ قال: خذ ابن عوف؛ فاغزوا جميعًا في سبيل الله، فقاتلوا مَن كفَر بالله لا تغلوا ولا تغدروا ولا تقتلوا وليدًا، فهذا عهد الله وسيرة نبيه - ﷺ -\" (٣).\n٤ - تخيُّر المنازل المُلائمة للقتال والمواقع الصالحة لذلك.\n٥ - أن يكون على دراية بأحوال الجنود، * فلا يستصحب الأمير معه مُخَذِّلًا، وهو الذي يُثبِّط النّاس عن الغزو، ويُزهِّدهُم في الخروج إليه والقتال والجهاد، مِثل أنْ يقول: الحرُّ أو البردُ شديدٌ، والمشقَّة شديدة، ولا\n_________\n(١) أخرجه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (١٣٧٤)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢٢٧٤) وانظر \"الصحيحة\" (٢١٠٠).\n(٢) أي: النبيّ - ﷺ -.\n(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك (٤/ ٥٤٠) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الذهبي في \"التلخيص\": صحيح. قال شيخنا -﵀- في \"الصحيحة\" تحت الحديث (١٠٦): بل هو حسن الإسناد؛ فإن ابن غيلان هذا قد ضعفه بعضهم، ولكن وثقه الجمهور، وقال الحافظ في \"التقريب\": \"صدوق، فقيه، رمي بالقدر\".","vol":"7","page":52},{"text":"تُؤمَنُ هزيمةُ هذا الجيش.\nوأشْباه هذا، ولا مُرجِفًا، وهو الذي: يقول هَلَكَت سريَّةُ المسلمين، وما لَهم مدَدٌ، ولا طاقة لهم بالكُفَّار، والكفّار لهم قوّةٌ ومَدَدٌ وصبرٌ، ولا يَثبُتُ لهم أحدٌ، ونحو هذا.\nولا مَن يُعين على المسلمين بالتّجسُّس للكفَّار، وإطْلاعِهم على عَوْراتِ المسلمين، ومُكاتَبَتِهم بأخبارهم، ودلالتِهم على عَوْراتِهم، أو إيوَاءِ جواسيسهم.\nولا مَن يُوقِعُ العداوة بين المسلمين، ويسعى بالفساد، لقول الله -تعالى-: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ (١) وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ * لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا (٢) وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ (٣)﴾ (٤).\nولأنّ هؤلاء مضرّةٌ على المسلمين، فيلزَمهُ مَنعُهُم\"* (٥).\n_________\n(١) فثبَّطهم أي: فثقَّل عليهم الخروج، حتى استخفوا القعود في منازلهم خلافك، واستثقلوا السفر والخروج معك. \"تفسير الطبري\".\n(٢) خَبالًا: فسادًا. وضُرًّا.\n(٣) أي: ولأسرعوا السير والمشي بينكم؛ بالنميمة والبغضاء والفتنة. وانظر \"تفسير ابن كثير\".\n(٤) التوبة: ٤٦، ٤٧.\n(٥) ما بين نجمتين من كتاب \"المغني\" (١٣/ ١٥).","vol":"7","page":53},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1828>ذكر ما يُستحَبّ للإمام أن يستعين بالله -جلّ وعلا- على قتال الأعداء إذا عزَم على ذلك </span>(١)\nعن صهيبٍ -﵁- قال: \"كان إذا صلّى هَمس ... [وذكر الحديث إلى أن قال:] فهَمْسِي الذي تَرون أنّي أقول: اللهمّ بك أقاتل وبك أصاول (٢) ولا حولَ ولا قوّةَ إلاّ بك\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1829>الاستنصار بالضعفاء: بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم</span>\nعن مصعب بن سعد قال: \"رأى سعدٌ -﵁- أنّ له فضلًا على مَن دونه (٤)، فقال النبيّ - ﷺ -: هل تُنصَرون وتُرزقون إلاّ بضعفائكم\" (٥).\nوفي لفظ: \"إنّما يَنْصُر الله هذه الأُمّة بضعيفها، بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم\" (٦).\nوعن أبي الدرداء -﵁- قال: \"سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول:\n_________\n(١) هذا العنوان من \"صحيح ابن حبان\" \"التعليقات الحِسان\" (٧/ ١٣٧).\n(٢) أصاوِل: أسطو وأقهر، والصولة: الحملة والوثبة. \"النهاية\".\n(٣) أخرجه ابن حبان في \"التعليقات الحِسان\" (٤٧٣٨)، وابن نصر في \"الصلاة\" وغيرهما، وهو في \"الصحيحة\" (١٠٦١)، وسيأتي بتمامه في أسباب النصر والتمكين.\n(٤) أي في المغنم.\n(٥) أخرجه البخاري: ٢٨٩٦.\n(٦) أخرجه النسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٢٩٧٨)، وانظر \"الصحيحة\" (٢/ ٤٠٩).","vol":"7","page":54},{"text":"أُبغوني (١) الضعفاء، فإنما تُرزَقون وتُنصَرون بضُعفائكم\" (٢).\nوعن أبي هريرة -﵁- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"رُبَّ أَشْعَثَ (٣) مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ لَوْ أقْسَمَ عَلَى الله لأبَرَّهُ\" (٤).\nوقال الإمام البخاري -﵀-: (باب من استعَان بالضعفاء والصالحين في الحرب) (٥). ثم قال: وقال ابن عباس: \"أخبرني أبو سفيان قال لي قيصر: سألتك أشرافُ الناس اتَّبعوه أم ضعفاؤُهم؟ فزعمْتَ ضعفاءَهم، وهم أتباع الرُّسل\" (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1830>جواز تخلّفِ الإمام عن السرية لمصلحة </span>(٧)\nعن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله - ﷺ - قال: \"انتدَب الله لمن خرَج في سبيله، لا يُخْرجه إلاَّ إيمان بي وتصديق برُسُلي، أن أُرجِعه بما نال من أجرٍ\n_________\n(١) بوصل الهمزة وقطعها، وانظر -للمزيد من الفائدة إن شئت- \"النّهاية\" و\"فيض القدير\" (١/ ٨٢).\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٢٦٠)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (١٣٩٢)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٢٩٧٩)، وانظر \"الصحيحة\" (٧٧٩).\n(٣) الأشعث: المُلبّد الشعر المُغبَرّ غير مدهون ولا مُرجَّل. انظر \"شرح النّووي\".\n(٤) أخرجه مسلم: ٢٦٢٢.\n(٥) انظر \"صحيح البخاري\" (كتاب الجهاد) (باب - ٧٦).\n(٦) رواه البخاري معلقًا مجزومًا به في المصدر المشار إليه آنفًا، ووصله في (بدء الوحي) برقم (٦)، وأخرجه مسلم: ١٧٧٣.\n(٧) في \"صحيح ابن حبان\" \"ذكْرِ الأخبار عن جواز تخلُّف الإمام عن السرية إذا خَرَجَت في سبيل الله -جلّ وعلا-\".","vol":"7","page":55},{"text":"أو غنيمة، أو أُدخِلَه الجنّة، ولولا أن أشقّ على أمّتي، ما قَعَدْتُ خلف سريّة، ولوددت أنّي أُقتَل في سبيل الله، ثمّ أُحيا، ثمّ أُقتل، ثمّ أُحيا، ثمّ أُقتل\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1831>إذا طلَب الإمام قَتْلَ رجل</span>\nعن عبد الله بن أنيس الجهني -﵁- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"مَن لي بخالد بن نبيح؟ رجل من هذيل -وهو يومئذ قبل عرفة بعرنة- قال عبد الله بن أُنيس: أنا يا رسول الله، انعَتْه لي، قال: إذا رأيته هِبته، قال: يا رسول الله والذي بعثَك بالحق ما هِبْت شيئًا قطّ.\nقال: فخَرج عبدُ الله بنُ أُنيس حتى أتى جبال عرفة قبل أن تغيب الشمس، قال عبد الله: فلقيتُ رجلًا، فرعبْتُ منه حين رأيتُه، فعرفْتُ حين رعبت منه أنه ما قال رسول الله - ﷺ -، فقال لي: مَن الرجل؟ فقلت: باغي حاجة، هل من مبيت؟ قال: نعم، فالحْقْ، فَرُحتُ في أثره، فصليت العصر ركعتين خفيفتين، وأشفقت أن يراني، ثمّ لحقْتُه، فضربتُه بالسيف، ثمّ خرجْتُ، فأتيتُ رسول الله - ﷺ -، فأخبرتُه.\nقال محمّد بن كعب: فأعطاه رسول الله - ﷺ - مخِصرة (٢)، فقال: تخصّر بهذه حتى تلقاني، وأقلّ النّاس المتخصّرون، قال محمّد بن كعب: فلمّا تُوفي عبد الله بن أُنيس أُمِر بها فوُضِعت على بطنه وكُفّن، ودُفن ودُفِنت معه\" (٣).\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٣٦، ومسلم: ١٨٧٦.\n(٢) المخصرة: ما يَختصره الإنسان بيده، فيُمسِكه من عصا أو عُكَّازةٍ أو مِقْرَعَةٍ أو قضيب وقد يتكئ عليه. \"النّهاية\".\n(٣) أخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" و\"أخبار أصبهان\" وغيره، وانظر \"الصحيحة\" (٢٩٨١).","vol":"7","page":56},{"text":"وفي رواية: \"دعاه رسول الله - ﷺ - فقال: إنّه قد بلغني أن سفيان بن نبيح الهذلي جَمع لي النّاس ليغزوني، وهو بنخلة أو بعُرنة فأتِه فاقتُله، قال: قلت: يا رسول الله، انعته لي حتى أعرفَه، قال: آيةُ ما بينك وبينه أنك إذا رأيته وجَدْت له قُشَعْريرةً.\nقال: فخرجت متوشِّحًا بسيفي حتى دفعْتُ إليه، وهو في ظعنٍ يرتاد لهنَّ منزلًا، حتى كان وقت العصر، فلمّا رأيْته وجدْتُ ما وَصَفَ لي رسول الله - ﷺ - من الاقشعريرة.\nفأخذْتُ نحوه، وخشيت أن يكون بيني وبينه مجاولة تشغلني عن الصلاة، فصليت وأنا أمشي نحوه، وأُومئ برأسي، فلمّا انتهيت إليه، قال: ممّن الرجل؟ قلت: رجل من العرب سمع بك وبجمعك لهذا الرجل، فجاء لذلك، قال: فقال: إنَّا في ذلك.\nفمشيتُ معه شيئًا حتى إذا أمكنني حَمَلْتُ عليه بالسيف حتى أقتله، ثمّ خرجْتُ وتركْت ظعائنه (١) مُنكَبّاتٍ عليه، فلمّا قدمتُ على رسول الله - ﷺ - ورآني، قال: قد أفلح الوجه، قلت: قتلْتُه يا رسول الله، قال: صدقْتَ.\nقال: ثمّ قام معي رسول الله - ﷺ -، فأدخلني بيته وأعطاني عصًا، فقال: أمسِك هذه العصا عندك يا عبد الله بن أُنيس، قال: فخرجتُ بها على النّاس فقالوا: ما هذه العصا؟ قلتُ: أعطانيها رسول الله - ﷺ -، وأمَرني أن أمسِكها، قالوا:\n_________\n(١) الظعائن: النساء، جمع ظعينة، وأصل الظعينة: الراحلة التي يُرحل ويُظعَن عليها أي يُسار، وقيل للمرأة ظَعينة لأنها تَظْعَن مع الزَّوج حَيثُما ظَعَن أو لأنَّها تُحمَل على الرَّاحِلَة إذا ظَعَنت ... \"النهاية\".","vol":"7","page":57},{"text":"أفلا ترجعُ إلى رسول الله - ﷺ -، فتسأله لِمَ ذلك؟\nقال: فرجعْت إلى رسول الله - ﷺ -، فقلت: يا رسول الله، لم أعطيتني هذه العصا، قال: آية بيني وبينك يوم القيامة، إنّ أقلّ النّاس المتخصرون يومئذ، فَقَرنها عبد الله بسيفه، فلم تزل معه حتى إذا مات أُمِر بها، فضُمّت معه في كفنه، ثمّ دُفِنا جميعًا﴾ (١).\nوعن جابر بن عبد الله -﵄- قال: قال رسول الله - ﷺمَن لكعب بن الأشرف؟ فإنه قد آذى اللهَ ورسوله، فقام محمّد بن مَسْلَمة فقال: يا رسول الله أتُحِبّ أنْ أقتله؟ قال: نعم، قال: فأذَنْ ليِ أن أقول شيئًا (٢). قال: قُلْ.\nفأتاه محمّد بن مَسلَمة فقال: إنّ هذا الرجل قد سألَنا صَدَقةً، وإنه قد عنّانا (٣) وإني قد أتيتك أستَسلِفك (٤) قال: وأيضًا (٥) والله لتملُّنَّه (٦)، قال: إنا قد اتبعناه فلا نحب أن ندَعَه حتى ننظر إلى أي شيء يصير شأنه وقد أردنا أن تُسلِفنا وَسْقًا (٧) أو\n_________\n(١) صححه لغيره شيخنا -﵀- في \"صحيح موارد الظمآن \" برقم (٤٩٠).\n(٢) قال الحافظ -﵀-: \"كأنه استأذنَه أن يفتعل شيئًا يحتال به، ومن ثمّ بوَّب عليه المصنف \"الكذب في الحرب\" وقد ظَهر من سياق ابن سعد للقصة أنهم استأذنوا أن يشكوا منه ويعيبوا رأيه، ولفظه: \"فقال له: كان قدوم هذا الرجل علينا من البلاء، حاربتنا العرب، ورمَتْنا عن قوس واحدة\".\n(٣) من العناء وهو التعب.\n(٤) السّلفُ: القرض الذي لا منفعة فيه للمقرض. \"النّهاية\".\n(٥) أي: زيادة على ذلك.\n(٦) من الملال.\n(٧) الوَسْق: سِتُّون صاعًا وهو ثلاثُماثة وعِشْرون رِطْلا عند أهْل الحِجاز وأربَعمائة وثمانون رِطْلا عنْد أهْل العِراق على اخْتِلافِهِم في مِقدار الصَّاع والمُدِّ. والأصل في الوَسْق: الحِمْل، وكُلُّ شيءٍ وَسَقتَه فقد حَمَلْتَه، والوَسْق أيضا: ضَمُّ الشَّيء إلى الشَّيء. \"النّهاية\".","vol":"7","page":58},{"text":"وَسْقَين -وحدثنا عمرو غير مرّة فلم يذكر وَسْقًا أو وَسْقين- فقلت له: فيه وسْقًا أو وَسْقين فقال: أرى فيه وسْقًا أو وسْقين، فقال: نعم ارهَنوني، قالوا: أي شيء تريد؟ قال ارهَنوني نساءكم، قالوا كيفَ نَرْهَنُك نساءَنا وأنت أجمل العرب؟ قال: فارهَنوني أبناءكم، قالوا: كيف نَرْهَنُك أبناءَنا فَيُسَبُّ أحدهم فيقال: رُهِن بوسْق أو وسْقين، هذا عار علينا ولكنّا نرهنك اللأمة، قال سفيان يعني: السلاح.\nفواعَدَه أن يأتيه، فجاءه ليلًا ومعه أبو نائلة -وهو أخو كعب مِن الرضاعة- فدعاهم إلى الحِصن فنزل إليهم، فقالت له امرأته: أين تخرج هذه الساعة؟ فقال: إنما هو محمّد بن مسلمة وأخي أبو نائلة، وقال غير عمرو: قالت: أسمع صوتًا كأنه يقطر منه الدم، قال: إنما هو أخي محمّد بن مسلمة، ورضيعي أبو نائلة، إنّ الكريم لو دعي إلى طعنة بليلٍ لأجاب.\nقال: ويُدخِلُ محمّد بن مسلمة معه رجلين، قيل لسفيان: سماهم عمرو؟ قال: سمّى بعضهم، قال عمرو: جاء معه برجلين، وقال غير عمرو: أبو عبس بن جبر والحارث بن أوس وعباد بن بشر، قال عمرو: جاء معه برجلين فقال: إذا ما جاء فإني قائل (١) بشعره، فأشمَّه فإذا رأيتموني استمكنْتُ مِن رأسه؛ فدونكم فاضربوه، وقال مرّةً ثمّ أُشِمُّكم.\nفنزل إليهم متوشحًا (٢) وهو ينفَحُ منه ريح الطيب، فقال: ما رأيت كاليوم ريحًا -أي أطيب- وقال غير عمرو: قال عندي أعطرُ نساء العرب وأكملُ\n_________\n(١) هو من باب إطلاق القول على الفعل. \"الفتح\".\n(٢) يعني لابسًا الوشاح: وهو شيءٌ يُنسَج عريضًا من أديم، وربّما رُصّع بالجوهر والخرز. وانظر \"النهاية\".","vol":"7","page":59},{"text":"العرب، قال عمرو فقال أتأذن لي أن أشَمَّ رأسَك قال: نعم فشَمَّه ثم أَشَمَّ أصحابه ثم قال أتأذن لي؟ قال نعم فلما استمكن منه قال دونكم، فقتلوه، ثمّ أتوا النبيّ - ﷺ - فأخبروه\" (١).\nوعن البراء بن عازب -﵁- قال: \"بعثَ رسول الله - ﷺ - إلى أبي رافعٍ اليهوديّ رجالًا من الأنصار، فأمّرَ عليهم عبد الله بن عَتيك، وكان أبو رافع يُؤْذي رسول الله - ﷺ - ويُعين عليه، وكان في حِصنٍ له بأرض الحجاز، فلمّا دَنَوا منه وقد -غربت الشمس وراح النّاس بسَرْحِهم (٢) - فقال عبد الله لأصحابه: اجلسوا مكانكم فإني منطلقٌ ومتلطّفٌ للبوّاب، لعلي أن أدخل، فأقبَل حتى دنا مِن الباب، ثمّ تقنّع بثوبه (٣) كأنه يقضي حاجةً وقد دخل النّاس، فهتَف به البوّاب يا عبد الله إنْ كنت تريد أن تدخل فادخل، فإنّي أريد أن أغلق الباب، فَدَخَلْتُ فكَمَنْت (٤)، فلمّا دخَل الناس أغلق الباب، ثمّ علّق الأغاليق على وَدّ (٥)، قال: فقمت إلى الأقاليد (٦)، فأخذتها ففَتَحْتُ الباب وكان أبو رافعٍ يُسمَرُ عنده، وكان في عَلاليّ (٧) له، فلمّا ذهَب عنه أهل سمرِه صَعِدتُ إليه، فجعلْتُ كلّما فتحْتُ بابًا أغلقت عليّ\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٤٠٣٧، ومسلم: ١٨٠١.\n(٢) أي: رجَعوا بمواشيهم التي ترعى، وسَرْح -بفتح المهملة وسكون الراء بعدها مهملة-: هي السائمة من إبِل وبقر وغنم \"الفتح\".\n(٣) تغطّى به لئلا يُعرف.\n(٤) أي: اختبأت.\n(٥) هو الوتد.\n(٦) جمع أقليد وهو المفتاح.\n(٧) العَلاليّ: الغرفة.","vol":"7","page":60},{"text":"مِن داخل، قلتُ إنِ القوم نَذِروا بي (١)؛ لم يخلصوا إلي حتى أقتله. فانتهيت إليه فإذا هو في بيت مُظلم وسْط عياله، لا أدري أين هو مِن البيت.\nفقلت يا أبا رافع، قال: مَنْ هذا؟ فأهويت نحو الصوت فأضرِبُه (٢) ضربةً بالسيف وأنا دَهِشٌ فما أغنيتُ شيئًا (٣)؛ وصاح فخرجْتُ من البيت، فأمكثُ غير بعيد، ثمّ دخلت إليه فقلت: ما هذا الصوت يا أبا رافع؟ فقال: لأمّك الويل، إنّ رجلًا في البيت ضربني قبلُ بالسيف، قال: فأضرِبُه ضربةً أثخَنَته ولم أقتُله، ثمّ وضعْت ضبيب السيف (٤) في بطنه حتى أخذ في ظهره، فعرفتُ أني قتلتهُ فجعلْتُ أفتح الأبواب بابًا بابًا، حتى انتهيت إلى درجةٍ له فوضعْتُ رِجلي وأنا أرى أني قد انتهيت إلى الأرض فوقعْتُ في ليلة مقمرةٍ، فانكَسَرت ساقي فعَصَبْتُها بعِمامة ثمّ انطلقتُ حتى جلسْتُ على الباب، فقلت: لا أخرج الليلة حتى أعلم أَقَتَلْتُه؟.\nفلمّا صاح الديك قام الناعي (٥) على السُّور فقال أنعى أبا رافع تاجر أهل الحجاز، فانطلقت إلى أصحابي فقلت: النَّجاء (٦)، فقد قتل الله أبا رافع، فانتهيتُ إلى النبيّ - ﷺ - فحدَّثته فقال لي: ابسُط رجلك، فبسطْتُ رجلي فمسَحَها فكأنها لم أشتكِها قطُّ\" (٧).\n_________\n(١) أي: علموا وأحسوا بمكاني. \"النّهاية\".\n(٢) قال في \"الفتح\": ذكره بلفظ المضارع مبالغةً لاستحضار صورة الحال، وإنْ كان ذلك قد مضى.\n(٣) أي: لم أقْتُله.\n(٤) قال الحافظ -﵀-: \"حرف حدِّ السيف\"، وفي \"القاموس المحيط\": \"حدّ السيف\".\n(٥) النعي: خبر الموت والاسم الناعي. \"الفتح\".\n(٦) أي: أسرعوا.\n(٧) أخرجه البخاري: ٤٠٣٩.","vol":"7","page":61},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1832>البيان بأن صاحبَ السرية إذا خالَف الإمام فيما أمَره به كان على القوم أنْ يَعْزِلوه وُيولُّوا غيره </span>(١)\nعن عقبةَ بنِ مالك -﵁- قال: \"بعَث رسول الله - ﷺ - سريةً، فسلَّح رجلًا سيفًا، فلمّا انصرفنا، ما رأيت مِثل ما لامنا رسول الله - ﷺ -، قال: \"أعَجَزتم إذا أمّرْتُ عليكم رجلًا، فلم يمض لأمري الذي أمرْتُ، أو نهيْتُ أن تجعلوا مكانه آخر، يُمضي أمري الذي أمرْتُ؟ \" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1833>من تَأمَّر في الحرب مِن غير إمرةٍ إذا خاف العدو </span>(٣)\nعن أنس بن مالك -﵁- قال: \"خَطَب رسول الله - ﷺ - فقال: أخَذ الراية زيدٌ فأُصيب ثمّ أخَذَها جعفرٌ فأُصيب ثمّ أخذها عبد الله بن رواحة فأُصيب، ثمّ أخَذَها خالدُ بن الوليد من غير إمرةٍ ففُتح عليه وما يسرّني -أو قال: ما يُسرّهم- أنّهم عندنا، وقال: وإنّ عينيه لتَذْرِفان\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1834>توليةُ الإمِام أمراءَ جماعة واحدًا بعد الآخر عند قَتْل الأول </span>(٥)\nعن ابن عمر -﵄- قال: \"أمَّرَ رسول الله - ﷺ - في غزوة مؤتة\n_________\n(١) هذا العنوان من \"التعليقات الحِسان\" (٤٧٢٠).\n(٢) أخرجه ابن حبان في \"صحيحه\" \"التعليقات الحِسان\" (٤٧٢٠) وأبو داود وغيرهما، وانظر تخريجه في \"صحيح سنن أبي داود\" (الأمّ) (٢٣٦٢).\n(٣) هذا العنوان من \"صحيح البخاري\" (كتاب الجهاد) (باب - ١٨٣).\n(٤) أخرجه البخاري: ١٢٤٦، ٣٠٦٣.\n(٥) مُقتبَسٌ مِن تبويب \"صحيح ابن حبان\" انظر \"التعليقات الحِسان\" (٧/ ١٢٤).","vol":"7","page":62},{"text":"زيدَ بن حارثة، فقال رسول الله - ﷺ -: إنْ قُتل زيد فجعفر، وإنْ قُتل جعفر؛ فعبد الله ابن رواحة، قال عبد الله: كنت فيهم في تلك الغزوة، فالتمَسْنا جعفرَ بن أبي طالب فوجدناه في القتلى، ووجدنا ما في جسده بضعًا وتسعين مِن طعنةٍ ورَمْية\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1835>متى تجب طاعة الجنود الأمير أو القائد</span>\nتَجِب طاعةُ الجنود الأميرَ أو القائدَ في غير معصية.\nعن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله - ﷺ - قال: \"مَن أطاعني فقد أطاع الله، ومَن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومَن عمى أميري فقد عصاني\" (٢).\nوتتضمّن الطاعة ما أحبَّ المرءُ أو كَرِه، ما لم يُؤمَر بارتكاب المعاصي، أو اقتراف الآثام.\nعن عبد الله -﵁- عن النبيّ - ﷺ - قال: \"السمع والطاعة على المرء المسلم، فما أحَبَّ وكَرِه، ما لم يُؤمَر بمعصية، فإذا أُمر بمعصية، فلا سَمْع ولا طاعة\" (٣).\nوعن عبد الله بن عباس -﵄- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٤) قال: نَزَلت في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي، إذ\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٤٢٦١.\n(٢) أخرجه البخاري: ٧١٣٧، ومسلم: ١٨٣٥.\n(٣) أخرجه البخاري: ٧١٤٤، ومسلم: ١٨٣٩.\n(٤) النساء: ٥٩.","vol":"7","page":63},{"text":"بَعثهُ النبيّ - ﷺ - في سريّة\" (١).\nوعن علي -﵁- قال؛ \" بَعث النبيّ - ﷺ - سريّة، وأمَّر عليهم رجلا من الأنصار، وأمَرَهم أن يطيعوه فغضب عليهم، وقال: أليس قد أمَرَ النبيُّ - ﷺ - أن تطيعوني؟ قالوا: بلى، قال: قد عَزمْتُ عليكم لَمَا جمعْتم حطبًا، وأوقدتم نارًا ثمّ دخلتم فيها، فجمَعوا حطبًَا فأوقدوا نارًا، فلمّا همُوا بالدخول؛ فقاموا ينظُر بعضهم إلى بعض، فقال بعضهم: إنما تَبِعْنا النبيّ - ﷺ - فرارًا مِن النار أفندخلها؟ فبينما هم كذلك، إذ خَمَدت النار، وسكَن غضبُه، فُذكِر للنبي - ﷺ - فقال: لو دخلوها ما خرجوا منها أبدًا، إنما الطاعة في المعروف\" (٢).\nعن عبد الله بن مسعود -﵁- قال: \"لقد أتاني اليوم رجل فسألني عن أمرٍ؛ ما دريت ما أردّ عليه، فقال: أرأيت رجلًا مؤدِيًا (٣) نشيطًا، يَخرُج مع أمرائنا في المغازي، فيَعْزِم علينا في أشياء لا نُحصيها (٤)، فقلت له: والله ما أدري ما أقول لك، إلاّ أنّا كنّا مع النّبيّ - ﷺ -، فعسى أن لا يَعزِمَ علينا في أمرٍ إلاَّ مرّة حتى\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٤٥٨٤، ومسلم: ١٨٣٤.\n(٢) أخرجه البخاري؛ ٧١٤٥، ومسلم: ١٨٤٠، وقد تقدم، وانظر -إن شئت- رقم (٤٣٤٠) وما قاله الحافظ -﵀- في شرح هذا الحديث.\n(٣) مؤديًِا: أي كامل الأداء، أي أداة الحرب، وقال الكرماني -﵀-: معناه قويًّا؛ وكأنّه فسره باللازم. \"فتح الباري\".\n(٤) قال الحافظ -﵀-: \"لا نُحصيها: أي لا نطيقها، وقيل: لا ندري أهي طاعةٌ أم معصية، والأول مُطابِقٌ لما فَهِم البخاري فترجَم به، والثاني مُوافِقٌ لقول ابن مسعود \"وإذا شك في نفسه شيء سأل رجلًا فشفاه منه\"، أي مِن تقوى الله أن لا يُقدّم المرء على ما يشكّ فيه حتى يسأل مَن عنده عِلْم فيدلّه على ما فيه شفاؤه\".","vol":"7","page":64},{"text":"نفعَلَه، وإنّ أحدَكم لن يزال بخير ما اتقى الله، وإذا شكَّ في نفسه شيء سأل رجلًا فشفاه منه، وأوشك أن لا تجدوه والذي لا إله إلاَّ هو ما أذكر ما غَبَر (١) من الدنيا إلاّ كالثَّغْب (٢) شُرِبَ صَفْوُه وبقي كَدَرُه\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1836>عقوبة مَن عصى الأمير أو القائد </span>(٤)\nعن البراء بن عازب -﵄- قال: \"جعل النبي - ﷺ - على الرَّجَّالة (٥) يوم أحدٍ -وكانوا خمسين رجلًا- عبد الله بن جُبَيْر فقال: إنْ رأيتمونا تَخْطَفُنا الطَّير (٦)؛ فلا تَبْرحُوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم، وإنْ رأيتمونا هَزَمْنا القومَ وأوْطأناهُم (٧)؛ فلا تبرحوا حتى أُرسِل إليكم، فهزموهم.\n_________\n(١) ما غَبر: أي ما مضى، وهو مِن الأضداد؛ يُطلَق على ما مضى وعلى ما بقي، وهو هنا محتمَلٌ للأمرين. \"الفتح\".\n(٢) الثَّغْب:: الموضع المطمئنّ في أعلى الجبل؛ يستنقع فيه ماء المطر، وقيل: هو غديرٌ في غِلَظٍ مِن الأرض، أو على صخرةٍ ويكون قليلًا\" \"النّهاية\".\n(٣) أخرجه البخاري: ٢٩٦٤.\n(٤) مقتبس من \"صحيح البخاري\" (كتاب الجهاد والسِّير) (باب - ١٦٤).\n(٥) الرَّجَّالة: جمع الرجل: الفارس. \"الكرماني\".\n(٦) تخطفنا الطّير: مَثَلٌ يريد به الهزيمة، أي: إذا رأيتمونا انهزمنا؛ فلا تفارقوا مكانكم. \"شرح الكرماني\".\n(٧) قال ابن التين: يريد مشينا عليهم وهم قتلى على الأرض، وقال الكرماني: الهمزة في أوطأناهم للتعريض، أي: جعلناهم في معرض الدوس بالقدم. قاله العيني في \"عمدة القاري\" (١٤/ ٢٨٣).","vol":"7","page":65},{"text":"قال: فأنا والله رأيت النساء يشْتَدِدْن (١)، قد بدت خلاخلُهن وأسْوُقُهنّ (٢)، رافعاتٍ ثيابَهُنّ. فقال أصحاب عبد الله بن جبيرٍ: الغنيمةَ أيْ قومُ الغنيمةَ، ظهر أصحابُكم فما تنتظرون؟ فقال عبد الله بن جبيرٍ: أنسيتم (٣) ما قال لكم رسول الله - ﷺ -؟\nقالوا: والله لنأتينّ الناس فلنصيبنّ من الغنيمة، فلمّا أتَوْهم صُرِفت وُجُوههم، فأقبلوا منهزمين، فذاك إذ يدعوهم الرسول في أُخْراهم.\nفلم يبْقَ مع النبي - ﷺ - غيرُ اثني عشر رجلًا، فأصابوا منّا سبعين وكان النبيُّ - ﷺ - وأصحابُه أصابَ مِن المشركين يوم بدر أربعين ومائةً، سبعين أسيرًا وسبعين قتيلًا\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1837>مبادرة الإمام عند الفزع</span>\nعن أنس بن مالك -﵁- قال: \"كان بالمدينة فَزَع، فاستعار النبيُّ - ﷺ - فرسًا لأبي طلحة، فقال: ما رأينا مِن شيء وإنْ وجَدناه لبحرًا (٥) \" (٦).\n_________\n(١) يشْتَدِدْن: أي على الكُفّار، يقال: شدَّ عليه في الحرب: أي: حَمَل عليه، ويقال: معناه: يَعْدُون، والاشتداد: العَدْوُ ... \"المصدر السابق\".\n(٢) جمع ساق.\n(٣) انقسم الصحابة -﵃- قسمين: قسمًا أخذ بالنَّص، وقسمًا تأوّل؛ والمصيب هو المتمسك بالنَّص.\n(٤) أخرجه البخاري: ٣٠٣٩.\n(٥) لبحرًا: أي واسعَ الجري، وسمّي البحر بحرًا لسَعَته، وتبحّر في العلم: أي اتّسَع \"النهاية\".\n(٦) أخرجه البخاري: ٢٩٦٨، ٢٦٢٧، ومسلم: ٢٣٠٧.","vol":"7","page":66},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1838>تشييع المجاهدين ووداعُهم والدعاءُ لهم</span>\nيُسنّ تشييع المجاهدين في سبيل الله والغزاة، والدعاء لهم؛ وقد شيَّع النبيّ - ﷺ - النفر الذين وجَّهَهم إلى كعب بن الأشرف؛ إلى بقيع الغرقد ودعا لهم.\nفعن ابن عباس -﵄- قال: \"مشى معهم رسول الله - ﷺ - إلى بقيع الغرقد ثمّ وجّهَهُم، وقال: انطلقوا على اسم الله، اللهم أعِنْهم\" (١).\nوكان النبيّ - ﷺ - إذا أراد أن يستودع الجيش قال: \"أستَودِع الله دينَك، وأمانتَك، وخواتيمَ عَمَلِك\" (٢).\nوقال الإمام البخاري -﵀-: (باب التوديع) (٣): ثم ذكرَ حديث أبي هريرة -﵁- أنه قال: \"بعَثَنا رسول الله - ﷺ - في بَعْث فقال لنا: إنْ لقيتم فلانًا وفلانًا -لرجلين من قريش سمّاهما- فحرِّقوهما بالنار، قال ثمّ أتيناه نودِّعه حين أردنا الخروج، فقال: إنّي كنت أمرتكم أنْ تحرّقوا فلانًا وفلانًا بالنار، وإنّ النار لا يُعذِّب بها إلاَّ الله، فإنْ أخذتموهما فاقتلوهما\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1839>من هديه - ﷺ - في الجهاد، واقتداء الصحابة به في المعارك واستبسالهم فيها </span>(٥)\nعن زياد بن جبير بن حية قال: \"أخبرني أبي أنَ عمر بن الخطاب -رضي الله\n_________\n(١) أخرجه أحمد وغيره، وحسنه شيخنا -﵀- في \"الإرواء\" (١١٩١).\n(٢) أخرجه أبو داود، والنسائي في \"عمل اليوم والليلة\"، والحاكم، وصححه شيخنا -﵀- في \"الصحيحة\" برقم (١٥).\n(٣) انظر \"صحيح البخاري\" (كتاب الجهاد) (باب - ١٠٧).\n(٤) أخرجه البخاري: ٢٩٥٤.\n(٥) هذا العنوان من \"السلسلة الصحيحة\".","vol":"7","page":67},{"text":"عنه- قال للهُرمُزان: أما إذ فُتَّنِي بنفسك فانصح لي، وذلك اّنه قال له: تكلَّم لا بأس، فأمَّنه، فقال الهُرمُزان: نعم؛ إنّ فارسَ اليوم رأس وجناحان. قال: فأين الرأس؟ قال: نهاوند مع بُنْدار، قال: فإنه معه أساورة كسرى وأهل أصفهان، قال: فأين الجناحان؟ فذكَر الهُرمُزان مكانًا نسيته، فقال الهُرمُزان: اقطع الجناحين توهن الرأس. فقال له عمر -﵁-: كذبْتَ يا عدوَّ الله، بل أعمد إلى الرأس فيقطعه الله، فإذا قَطَعه الله عني انقطَع عنّي الجناحان.\nفأراد عمر أنْ يسير إليه بنفسه، فقالوا: نُذكِّرك الله يا أمير المؤمنين أن تسير بنفسك إلى العجم، فإن أُصِبْت بها لم يكن للمسلمين نظامٌ (١)، ولكن ابعث الجنود.\nقال: فَبَعث أهل المدينة وبَعَثَ فيهم عبد الله بن عمر بن الخطاب، وبَعَث المهاجرين والأنصار، وكتَب إلى أبي موسى الأشعري أنْ سِرْ بأهل البصرة، وكتَب إلى حذيفة بن اليمان أن سِرْ بأهل الكوفة حتى تجتمعوا بنهاوند جميعًا، فإذا اجتمعتم فأميركم النعمان بن مُقَرِّن المزني.\nفلمّا اجتمعوا بنهاوند، أرسَل إليهم بُندارُ العلج (٢) أنْ أرسِلوا إلينا يا معشر العرب رجلًا منكم نكلّمه، فاختار النّاس المغيرة بن شعبة، قال أبي: فكأني أنظر إليه: رجل طويل أشعر أعور، فأتاه، فلمّا رجع إلينا سألناه؟ فقال لنا: إنّي وجدْتُ العلج قد استشار أصحابه في أيّ شيء تأذنون لهذا العربي؟ أبشارتنا وبهجتنا وملكنا؟ أو نتقشف له فنزهده عما في أيدينا؟ فقالوا: بل نأذن له بأفضل ما يكون\n_________\n(١) وهذا لاهتمامهم العظيم في تنظيم أمور الدولة: داخلها وخارجها.\n(٢) العِلْج: الرجل من كُفّار العجم وغيرهم، والأعلاج جمعُه ويُجمع على علوج، \"النّهاية\".","vol":"7","page":68},{"text":"من الشارة والعدة. فلمّا رأيتهم رأيت تلك الجراب (١) والدَّرَق (٢) يلمع منها البصر، ورأيتهم قيامًا على رأسه، فإذا هو على سريرٍ من ذهب، وعلى رأسه التاج، فمضيت كما أنا، ونكستُ رأسي لأقعد معه على السرير، فقال: فدُفعتُ ونُهرت، فقلت: إنّ الرسل لا يُفعَل بهم هذا. فقالوا لي: إنما أنت كلب، أتقعد مع الملِك؟! فقلتُ: لأنا أشرف في قومي مِن هذا فيكم.\nقال: فانتهرني وقال: اجلس فجلست. فتُرجم لي قوله، فقال: يا معشر العرب، إنكم كنتم أطولَ النّاس جوعًا، وأعظمَ النّاس شقاءً، وأقذرَ النّاس قذرًا، وأبعدَ النّاس دارًا، وأبعدَه مِن كل خير، وما كان منَعَني أن آمر هذه الأساورة حولي أن ينتظموكم بالنشاب؛ إلاَّ تنجُّسًا لجِيَفِكم لأنكم أرجاس، فإنْ تذهبوا نُخْلِ عنكم، وإنْ تأبوا نبوّئْكم مصارعَكم.\nقال المغيرة: فحمْدتُ الله وأثْنَيت عليه وقلت: والله ما أخطأت من صِفَتِنا ونَعْتِنا شيئًا، إن كنا لأبعد النّاس دارًا، وأشدّ النّاس جوعًا، وأعظم النّاس شقاءً، وأبعد النّاس من كل خير، حتى بَعَث الله إلينا رسولًا، فوعدَنا بالنصر في الدنيا، والجنّةِ في الآخرة، فلم نزل نتعرف مِن ربّنا -مذ جاءنا رسوله - ﷺ -- الفلاح والنصر، حتى أتيناكم، وإنّا والله نرى لكم مُلكًا وعيشًا لا نرجع إلى ذلك الشقاء أبدًا، حتى نغلبَكم على ما في أيديكم، أو نُقتَل في أرضكم. فقال: أمّا الأعور فقد صدقَكم الذي في نفسه.\nفقمتُ مِنْ عنده وقد والله أرعبت العِلْج جهدي، فأرسَل إلينا العِلج: إمّا أنْ تعبروا إلينا بنهاوند وإمّا أنْ نعبر إليكم. فقال النعمان: اعبروا فَعَبرنا. فقال أبي:\n_________\n(١) الجراب: إناء مصنوع من الجِلد، يُحمل فيه الزّاد أثناء السفر \"غريب الحديث\" للحربي.\n(٢) جمع الدَّرَقةَ: التُّرس من جِلد ليس فيه خشب ولا عَقَب.","vol":"7","page":69},{"text":"فلم أر كاليوم قطّ، إنّ العلوج يجيئون كأنهم جبالُ الحديد، وقد تواثقوا أن لا يَفرّوا مِن العرب، وقد قُرِن بعضهم إلى بعض حتى كان سبعة في قران، وألقوا حَسَك (١) الحديد خلفهم، وقالوا: مَن فرَّ منّا عقَرَه حَسَكُ الحديد. فقال: المغيرة بن شعبة حين رأى كثرتهم: لم أر كاليوم قتيلًا، إن عدوّنا يتركون أن يتناموا، فلا يُعجلوا. أمَا والله لو أن الأمر إليَّ لقد أعجلتهم به.\nقال: وكان النعمان رجلًا بكّاءَ، فقال: قد كان الله -جلّ وعزّ- يُشهِدك أمثالها فلا يحْزنك ولا يعيبك موقفك. وإني والله ما يمنعني أنْ أناجزهم إلاّ لشيء شهِدْته من رسول الله - ﷺ -، أنَّ رسول الله - ﷺ - كان إذا غزا فلم يُقاتِل أول النهار لم يَعَجَل حتى تحضر الصلوات وتهب الأرواح ويطيب القتال.\nثمّ قال النعمان: اللهم إني أسألك أن تُقرَّ عيني بفتْحٍ يكون فيه عزُّ الإسلام وأهله، وذلُّ الكفر وأهلِه. ثمّ اختِمْ لي على أثر ذلكَ بالشهادة. ثمّ قال: أمِّنوا رَحِمكم الله. فأمّنّا وبكى فبكينا. فقال النعمان: إنّي هازٌّ لوائي فتيسّروا للسلاح، ثمّ هازُّها الثانية، فكونُوا متيسَّرين لقتال عدوكم بإزائكم، فإذا هززتها الثالثة؛ فليحمِل كل قوم على مَن يليهم مِن عدوِّهم على بركة الله.\nقال: فلمّا حَضَرت الصلاة وهبَّت الأرواح كبّر وكبَّرنا. وقال: ريح الفتح والله إن شاء الله، وإني لأرجو أن يستجيب الله لي، وأن يفتح علينا. فهزّ اللواء فتيسروا، ثم هزَّها الثانية، ثمّ هزَّها الثالثة، فحمَلْنا جميعًا كلّ قوم على مَن يليهم. وقال النعمان: إنْ أنا أُصِبت، فعلى النّاس حذيفة بن اليمان، فإنْ أُصِيب حذيفة؛ ففلان، فإنْ أُصِيب فلان ففلان حتى عدَّ سبعة آخرهم المغيرة بن شعبة.\n_________\n(١) الحَسَك: ما يُعمل على مثال شوكة، أداة للحرب من حديد أو قصَب، فيُلقى حول العسكر، \"القاموس المحيط\".","vol":"7","page":70},{"text":"قال أبي: فوالله ما علمْتُ من المسلمين أحدًا يُحبُّ أن يرجع إلى أهله حتى يُقْتل أو يَظفَر. فَثَبتوا لنا، فلم نسمع إلاَّ وقْع الحديد على الحديد، حتى أصيب في المسلمين عصابة عظيمة. فلما رأوا صبرنا ورأونا لا نريد أن نرجع انهزموا، فجعل يقع الرجل فيقع عليه سبعة في قران، فُيقتلون جميعا، وجَعل يعقرهم حَسَكُ الحديد خلفهم. فقال النعمان: قدِّموا اللواء، فجعلنا نُقدّم اللواء فنقتلهم ونهزمهم.\nفلمّا رأى النعمان قد استجاب الله له ورأى الفتح، جاءته نُشَّابَة (١) فأصابت خاصرته، فقتلته. فجاء أخوه معقل بن مُقَرِّن فسجى عليه ثوبًا (٢)، وأخذ اللواء، فتقدَّم ثمّ قال: تقدَّموا رحمكم الله، فجعلنا نتقدم فنهزمهم ونقتلهم، فلمَّا فرغنا واجتمع النّاس قالوا: أين الأمير؟ فقال معقل: هذا أميركم قد أقرَّ الله عينه بالفتح، وختَم له بالشهادة. فبايع الناس حذيفةَ بنَ اليمان.\nقال: وكان عمر بن الخطاب -﵁- بالمدينة يدعو الله، وينتظر مثل صيحة الحبلى، فكتَب حذيفة إلى عمر بالفتح مع رجل من المسلمين، فلمّا قَدِم عليه قال: أبشِر يا أمير المؤمنين بفتحٍ أعزَّ الله فيه الإسلام وأهله، وأذلَّ فيه الشرك وأهله. وقال: النعمان بعثك؟ قال: احتسبْ النعمان يا أمير المؤمنين، فبكى عمر واسترجع، فقال: ومن ويحك؟ قال: فلان وفلان -حتى عدّ ناسًا- ثمّ قال: وآخرين يا أمير المؤمنين لا تعرفهم. فقال عمر رضوان الله عليه -وهو يبكي-: لا يضرهم أن لا يعرفهم عمر، لكن الله يعرفهم\" (٣).\n_________\n(١) مفرد النُشَّاب، وهو النَّبْل.\n(٢) أي: غطّاه بثوب.\n(٣) أخرجه ابن جرير الطبري في التاريخ، وابن حبان والسياق له، وإسناده صحيح، وأصْلُه في البخاري (٣١٥٩، ٣١٦٠) وانظر للمزيد من الفوائد الحديثية \"الصحيحة\" برقم (٢٨٢٦).","vol":"7","page":71},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1840>عدد غزوات النبيّ - ﷺ </span>-\nعن زيد بن أرقم -﵁- \"أن رسول الله غزا تسعَ عشرَةَ غزوة وحجّ بعدما هاجر حَجّةً؛ لم يحجّ غَيرها؛ حجَّة الوَدَاعِ\" (١).\nوعن بريدة -﵁- قال: \"غزا رسول الله - ﷺ - تسع عشرة غزوة؛ قاتل في ثمانٍ منهن\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1841>الطليعة واستطلاع الأخبار وابتعاث العيون</span>\nعن جابر -﵁- قال: \"خرجنا مع رسول الله - ﷺيعني في غزوة ذات الرقاع- فأصاب رجلٌ امرأةَ رجلٍ من المشركين، فحلفَ أن لا أنتهيَ حتى أهريق دمًا في أصحاب محمّد - ﷺ -، فخَرج يتبع أثر النبى - ﷺ - فنزل النبيّ - ﷺ - منزلًا، فقال: مَنْ رجلٌ يكلأُنا (٣) فانتُدِب رجلٌ من المهاجرين ورجلٌ من الأنصار فقال: كونا بفم الشّعْبِ، قال: فلما خرَج الرجلان إلى فم الشِّعب؛ اضطجع المهاجريّ وقام الأنصاريّ يُصلّي، وأتى الرجل فلمّا رأى شخصه، عَرَف أنه ربيئة (٤) للقوم، فرماه بسهم، فوضَعه فيه، فنزعَه حتى رماه بثلاثة أسهم، ثمّ ركع وسجَد ثمّ انتبه صاحبه، فلما عَرف أنهم قد نَذِروا به (٥) هَرب، ولما رأى المهاجريّ ما بالأنصاري\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٤٤٠٤، ومسلم: ١٢٥٤، واللفظ له.\n(٢) أخرجه مسلم: ١٨١٤.\n(٣) يكلأُنا: أي يحرسنا.\n(٤) ربيئة: أي هو العين، والطليعة الذي ينظر للقوم؛ لئلاّ يَدْهمهم عدوّ، ولا يكون إلاَّ على جبل أو شَرَف ينظرُ منه، \"النّهاية\".\n(٥) نذِروا به: أحسّوا بمكانه.","vol":"7","page":72},{"text":"من الدماء قال: سبحان الله ألا أنبهتني أوّل ما رمى، قال: كنت في سورة أقرؤها فلم أحبَّ أن أقطعَها\" (١).\nعن ابن المنكَدِر قال: سمعتُ جابرًا -﵁- يقول: \"قال رسول الله - ﷺ - يومَ الأحزاب: مَن يأتينا بخبر القوم؟ فقال الزُّبير: أنا، ثم قال: مَن يأتينا بخبر القوم؟ فقال الزبير: أنا، ثمّ قال: من يأتينا بخبر القوم؟ فقال الزبير: أنا، ثمّ قال: إنّ لكل نبيٍّ حَوارِيًّا، وإنّ حَواريَّ الزبير\" (٢).\nوعن أنس بن مالك -﵁- قال: \"بعث رسول الله بُسيسةَ (٣) عينًا ينظرُ ما صَنَعَت عيرُ (٤) أبي سفيان ... \" (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1842>التورية في الغزو</span>\nعن عبد الله بن كعب -﵁، وكان قائدَ كعبٍ مِن بنيه -قال:\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٨٢) وغيره.\n(٢) أخرجه البخاري: ٤١١٣، ومسلم: ٢٤١٥.\n(٣) قال الإمام النّووي -﵀-: \"هكذا هو في جميع النُّسخ بُسيسة -بباء موحدة مضمومة وبسينين مُهملتين مفتوحتين بينهما ياء مثناة تحت ساكنة- قال القاضي: هكذا هو في جميع النسخ، قال: وكذا رواه أبو داود وأصحابُ الحديث، قال والمعروف في كُتب السيرة بَسْبَس -ببائين موحدتين مفتوحتين بينهما سين ساكنة- وهو بَسبَس بن عمرو، ويقال ابن بشر مِن الأنصار من الخزرج، ويُقال حليف لهم، قلت: يجوز أن يكون أحد اللفظين اسمًا له والآخر لقبًا\".\n(٤) العير: هي الإبل والدواب تَحْمِل الطعام وغيره من التجارات.\n(٥) أخرجه مسلم: ١٩٠١.","vol":"7","page":73},{"text":"\"سمعْتُ كعبَ بن مالك -﵁- حين تخلَّف عن رسول الله - ﷺ - ولم يكن رسول الله - ﷺ - يريد غزوة؛ إلاَّ وَرّى بغيرها\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1843>الكَذِب والخداع في الحرب</span>\nعن جابر -﵁- أن النبيّ - ﷺ - قال: \"الحربُ خُدْعة\" (٢).\nجاء في \"الفتح\": \"قال ابن العربي -﵀-: \"الخِداع في الحرب يقع بالتعريض وبالكمين ونحو ذلك، وفي الحديث الإشارة إلى استعمال الرأي في الحرب: بل الاحتياج إليه آكد مِن الشجاعة، ولهذا وقع الاقتصار على ما يشير إليه بهذا الحديث، وهو كقوله \"الحجّ عرفة\" (٣).\nقال ابن المنير: معنى الحرب خُدعة، أي: الحرب الجيدة لصاحبها الكاملة في مقصودها؛ إنما هي المخادعة لا المواجهة، وذلك لخَطَر المواجهة، وحصول الظَّفر مع المخادعة بغير خطَر\".\nوقال الإمام النووي -﵀- (١٢/ ٤٥): \"واتفقَ العلماء على جواز خِداع الكُفّار في الحرب، وكيفما أمكَن الخداع؛ إلاَّ أن يكون فيه نقْضُ عهدٍ أو أمان؛ فلا يَحِلّ\".\nوعن أمّ كلثوم بنت عقبة -﵂- أنها سَمِعت رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٢٩٤٧ واللفظ له، ومسلم: ٢٧٦٩.\n(٢) أخرجه البخاري: ٣٠٣٠، ومسلم ١٧٣٩.\n(٣) أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه والدارمي وغيرهم، وصحَّحه شيخنا -﵀- في \"الإرواء\" (١٠٦٤).","vol":"7","page":74},{"text":"يقول: \"ليس الكذّاب الذي يُصلح بين النّاس فيَنْمي (١) خيرًا أو يقول خيرًا\" (٢).\nوفي رواية قال ابن شهاب: \"ولم أسمع يُرخَّص في شيء مما يقول النّاس كَذِبٌ إلاَّ في ثلاث: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأتَه، وحديث المرأة زوجَها\" (٣).\nقال الإمام البخاري -﵀-: \"باب الكذب في الحرب\" (٤) ثمّ ذكر تحته حديث قَتْل كعبِ بن الأشرف\" (٥).\nوفي استئذان محمد بن مسْلَمة -﵁- الكذِب للخدعة؛ إذ قال: \"ائذن لي فلأقُل، قال: قل\" (٦).\nوفي رواية: \"فقال محمّد بن مسلمة -﵁- لكعب بن الأشرف: إنّ هذا -يعني النبي - ﷺ -- قد عنّانا (٧) وسأَلنا الصدقة ... فلم يزَلْ يكلّمه، حتى استمكَن منه فقتلَه\" (٨).\n_________\n(١) ينمي -بفتح أوله وكَسْر الميم- أي: يُبلغ، تقول: نميت الحديث أنميه، إذا بلّغتَه على وجه الإصلاح وطلب الخير، فإذا بلّغتَه على وجه الإفساد والنميمة قلت: نمّيته -بالتشديد- كذا قال الجمهور، قاله الحافظ -﵀- في \"الفتح\".\n(٢) أخرجه البخاري: ٢٦٩٢، ومسلم: ٢٦٠٥.\n(٣) أخرجه مسلم: ٢٦٠٥.\n(٤) انظر \"صحيح البخاري\" (كتاب الجهاد والسِّير) (١٥٨ - باب).\n(٥) انظر إن -شئت- بر قم: ٣٠٣١.\n(٦) أخرجه البخاري: ٣٠٣٢، ومسلم: ١٨٠١ وهذا لفظه.\n(٧) عنّانا: أي أتعَبنا.\n(٨) أخرجه البخاري: ٣٠٣١ وهذا لفظه، ومسلم: ١٨٠١.","vol":"7","page":75},{"text":"وقال لنا شيخنا -﵀- في بعض مجالسه -وهو يناقش ما يجوز وما لا يجوز من الكَذِب-: \"ليس تحريم الكذب لأجل (ك، ذ، ب) ولا وجوب الصدق لأجل (ص، د، ق).\nقلت: يريد شيخنا -﵀- أنّ تحريم الكَذِب يُدرَك مغزاه ويُعقل مرماه، فلا يجوز أن تَصْدُق الأعداء وتدلّهم على مواقع المسلمين إذا سألوا؛ تَحرُّجًا من الكَذِب، فالكَذِب هنا واجب، والصدق حرام؛ لما لا يخفى مِن أثَر ذلك لكلّ ذي لُبٍّ وبصيرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1844>التسبيح إذا هَبط واديًا والتكبير إذا عَلا شَرَفًا </span>(١)\nعن جابر بن عبد الله -﵄- قال: \"كنا إذا صَعِدنا كبّرنا، وإذا نزَلنا سبَّحنا\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1845>إباحة تعاقب الجماعة الركُوبَ الواحد في الغزو عند عدم القدرة على غيره </span>(٣)\nعن عبد الله بن مسعود -﵁- أنهم كانوا يوم بدر بين كلّ ثلاثة بعير، وكان زميلَيْ (٤) رسولِ الله - ﷺ - عليّ وأبو لُبابة، فإذا حانت عُقبةُ (٥) النبيّ - ﷺ -، قالا: اركب ونحن نمشي، فيقول النبيّ - ﷺ -: \"ما أنتما بأقوى مني، وما أنا بأغنى\n_________\n(١) هذان بابان من \"صحيح البخاري\" (كتاب الجهاد) (باب ١٣٢، ١٣٣).\n(٢) أخرجه البخاري: ٢٩٩٣.\n(٣) هذا العنوان من \"صحيح ابن حبان\" بتصرف يسير، انظر \"التعليقات الحِسان\" (٧/ ١١٧).\n(٤) الزميل هنا: هو الذي يركب مع غيره على دابّة واحدة بالنوبة؛ وانظر \"المرقاة\" (٧/ ٤٥٩).\n(٥) أي: نوبة نزولهِ - ﷺ -. \"المرقاة\".","vol":"7","page":76},{"text":"عن الأجر منكما\" (١).\n\nباب الرَّجز (٢) في الحرب (٣)\nعن البراء -﵁- قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يوم الخندق وهو ينقل الترابُ؛ حتى وارى التراب شعْرَ صدْرِه وكان رجلا كثير الشعر، وهو يرتجز برجز عبد الله:\nاللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلَّينا\nفأنزِلَنْ سكينةً علينا ... وَثَبّتِ الأقدام إنْ لاقينا\nإنَّ الأعداء قد بغَوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا\nيرفع بها صوته\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1847>مَن أَحبَّ الخروج للغزو يومَ الخميس </span>(٥)\nعن عبد الرحمن بن كعب بن مالك أن كعب بنَ مالك -﵁- كان\n_________\n(١) أخرجه أحمد، وابن حبان \"التعليقات الحِسان\" (٤٧١٣) وغيرهما، وانظر \"الصحيحة\" (٢٢٥٧)، و\"فقه السيرة\" (ص ٢٥٥).\n(٢) قال الحافظ -﵀-: \"الرَّجَز بفتح الراء والجيم والزاي مِن بحور الشعر على الصحيح، وجَرَت عادة العرب باستعماله في الحرب ليزيد في النشاط ويبعث الِهمَم، وفيه جوازُ تمثَّل النبي - ﷺ - بشِعر غيرِه\".\n(٣) هذا العنوان من \"صحيح البخاري\" (كتاب الجهاد) (باب ١٦١).\n(٤) أخرجه البخاري: ٣٠٣٤، ومسلم: ١٨٠٣.\n(٥) انظر \"صحيح البخاري\" (كتاب الجهاد) (باب-١٠٣).","vol":"7","page":77},{"text":"يقول: \"لقلّما كان رسول الله - ﷺ - يخرُج إذا خَرَج في سفر؛ إلاّ في يوم الخميس\" (١).\nوعن كعب -﵁- \" أنّ النبيّ - ﷺ - خرَج يوم الخميس في غزوة تبوك، وكان يحبُّ أن يخرج يوم الخميس\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1848>ما يُؤمَر من انضمام العسكر </span>(٣)\nعن أبي ثعلبة الخشني -﵁- قال: \"كان النّاس إذا نَزَلوا مَنزِلًا؛ تفرَّقوا في الشعاب والأودية، فقال رسول الله - ﷺ - إنَّ تفرّقكم في هذه الشعاب والأودية؛ إنما ذلكم مِن الشيطان، فلم ينزل بعد ذلك منزلًا؛ إلاَّ انضَمَّ بعضهم إلى بعض، حتى يُقال لو بُسِط عليهم ثوب لَعَمّهُم\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1849>في المياسرة والمرافقة في الغزو </span>(٥)\n*قال -تعالى-: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (٦).\nوقال -تعالى-: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ (٧) وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٢٩٤٩.\n(٢) أخرجه البخاري: ٢٩٥٠.\n(٣) هذا العنوان من \"سنن أبي داود\".\n(٤) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٢٨٨).\n(٥) هذا العنوان من كتاب \"الإنجاد في أبواب الجهاد\" (١/ ١٣٧).\n(٦) المائدة: ٢.\n(٧) خصاصة: يعني حاجة، أي: يقدِّمون المحاويج؛ على حاجة أنفسهم، ويبدؤون بالناس قبلهم في حال احتياجهم إلى ذلك.","vol":"7","page":78},{"text":"فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١).\nوفي حديث معاذ بن جبل -﵁-، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"الغزو غزوانِ: فأمّا مَن ابتغى وجه الله، وأطاعَ الإمام وأنفَق الكريمةَ (٢)، وياسَرَ الشريك (٣)، واجتنَب الفساد، فإنَّ نومه ونُبْهَهُ (٤) أجرٌ كلُّه\" (٥).\nوعن أبي موسى -﵁- قال: قال النبي - ﷺ -: \"إنَّ الأشعريين إذا أرملوا (٦) في الغزو، أو قلَّ طعامُ عيالهم بالمدينة؛ جَمَعوا ما كان عندهم في ثوبٍ واحد، ثمّ اقتسموه بينهم؛ في إناءٍ واحدٍ بالسَّويَّة، فهم منّي وأنا منهم\" (٧).\nوعن جابر بن عبد الله -﵄-، حدَّث عن رسول الله - ﷺ -، \"أنه أراد أن يغزو فقال: يا معشر المهاجرين والأنصار، إنَّ من إخوانكم قومًا؛ ليس لهم مال ولا عشيرة، فَلْيَضُمَّ أحدكم إليه الرجلين أو الثلاثة، فما لأحدنا مِن ظَهْرٍ يحمله إلاَّ عُقبةٌ كعُقْبَةِ (٨) -يعني-\n_________\n(١) الحشر: ٩.\n(٢) أنفَقَ الكريمة: العزيزة على صاحبها. \"النّهاية\".\n(٣) ياسَر الشريك: ساهَلَه. \"المصدر السابق\".\n(٤) النُّبْهُ: الانتباه من النوم. \"المصدر السابق\".\n(٥) أخرجه أبو داود (٢٥١٥)، وهو في \"الصحيحة\" (١٩٩٠).\n(٦) أرملوا: فَنِي زادهم، وأصله من الرَّمل؛ كأنّهم لصقوا بالرَّمل من القلَّة، كما قيل في ﴿ذَا مَتْرَبَةٍ﴾. \"فتح\".\n(٧) أخرجه البخاري: ٢٤٨٦، ومسلم: ٢٥٠٠.\n(٨) عُقبة: العُقبة بالضم: ركوب مركب واحد بالنوبة على التعاقُب، وهو أن يركب هذا قليلًا، ثم ينزل، فيركب الآخر بالنوبة، حتى يأتي على سائرهم. ملتقط من \"الفتح\" و\"عون المعبود\". والمعنى: لم يكن لي فضلٌ في الركوب على الذين ضممتُهم إليَّ، بل كان لي عُقبةٌ من جملي مثل عُقبة أحدهم. \"عون المعبود\".","vol":"7","page":79},{"text":"أحَدِهِمْ (١)، فضَمَمْتُ إليَّ اثنين أو ثلاثة، قال: ما لي إلاَّ عُقبة كعقبة أحدِهم مِن جملي\" (٢) * (٣).\nعن أبي موسى (٤) -﵁- قال: \"خرجنا مع النبيّ - ﷺ - في غزاة، ونحن ستة نفر، بيننا بعير نَعْتَقِبُهُ (٥) فَنَقِبَتْ أقدامُنا، ونَقِبَت قدماي، وسقَطَت أظفاري، وكنَّا نلفُّ على أرجُلنا الخِرَقَ، فسُمِّيت غزوةَ ذاتِ الرِّقاع، لمِا كنّا نعْصِبُ من الخِرَق على أرجلنا، وحدَّث أبو موسى بهذا ثمّ كَرِه ذاك، قال: ما كنت أصنع بِأنْ أذكُرَه -كأنّه كَرِه أن يكون شيءٌ مِن عَمَلِه أفشاه-\" (٦).\nوعن عبد الله بن مسعود -﵁- قال: \"كنا يوم بدرٍ، كلّ ثلاثة على بعير -أي يتعاقبون- وكان أبو لبابة وعليّ بن أبي طالب زميلَي رسول الله - ﷺ -. قال: فكانت عُقبة رسول الله - ﷺ -، فقالا له: نحن نمشي عنك -ليظلّ راكبًا-.\nفقال: ما أنتما بأقوى مني على المشي، ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما\" (٧).\nوعن جابر بن عبد الله -﵄- قال: \"كان رسول الله - ﷺ - يتخلَّف\n_________\n(١) جاءت كلمة (أحدِ) مجرورة بالإضافة لأنَّ تقدير الجملة: \"كعقبةِ أحدِهم\".\n(٢) أخرجه أحمد في مسنده وأبو داود، \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٢٠٩) وغيرهما.\n(٣) ما بين نجمتين من كتاب \"الإنجاد\" (١/ ١٣٧).\n(٤) هذا الحديث إشارة من محقِّقَي كتاب \"الإنجاد\" -حفظهما الله تعالى-.\n(٥) نعتقبه: أي نركَبُه عُقبة عُقبة.\n(٦) أخرجه البخاري: ٤١٢٨، ومسلم: ١٨١٦.\n(٧) أخرجه أحمد في \"مسنده\" والحاكم: وقال: \"حديث صحيح على شرط مسلم\"، وانظر تخريج \"فقه السيرة\" (ص ٢٥٥).","vol":"7","page":80},{"text":"في المسير، فيُزجي (١) الضعيف، ويُردف، ويدعو لهم\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1850>حرمة نساء المجاهدين ومن خان غازيًا في أهله </span>(٣):\nعن بريدة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"حُرمَةُ نساء المجاهدين على القاعدين؛ كحُرمةِ أمَّهاتهم، وما مِن رجلٍ من القاعدين يخلُف رجلًا من المجاهدين في أهله، فيخونه فيهم؛ إلاَّ وُقِفَ له يوم القيامة؛ فيأخذ مِن عَمَله ما شاء، فما ظنُّكم؟ \" (٤).\nوفي رواية: \"فقال: فخُذ مِن حسناته ما شئت فالتفَتَ إلينا رسول الله - ﷺ - فقال: فما ظنُّكُم؟ (٥).\nوفي رواية: \" ... وما مِن رجل مِن القاعدين؛ يخلُف رجلًا من المجاهدين في أهله؛ إلاَّ نُصب له يوم القيامة، فيُقال: يا فلانُ، هذا فلانٌ، فخُذ مِن حسناته ما شئت، ثمّ التفَتَ النبي - ﷺ - إلى أصحابه فقال: ما ظنُّكُم تَرَون، يَدَعُ له مِن حسناته شيئًا؟ \" (٦).\nوفي رواية: \"ألا كُلَّما نفَرنا غازين في سبيل الله، خَلَف أحدُهم، له نبيبٌ\n_________\n(١) يزجي: أي يسوقه ليُلحقه بالرَّفاق. \"النّهاية\".\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٢٩٨) والحاكم، وانظر \"الصحيحة\" (٢١٢٠) وتقدّم.\n(٣) هذا العنوان من \"سنن النسائي\" (كتاب الجهاد) (باب ٤٧، ٤٨).\n(٤) أخرجه مسلم: ١٨٩٧.\n(٥) مسلم: ١٨٩٧ - ١٤٠.\n(٦) \"صحيح النسائي\": (٢٩٩٠).","vol":"7","page":81},{"text":"كنبيب التيس (١)، يمنح أحدُهم الكُثْبة (٢)، أمَا والله إنْ يُمكِنِّي مِن أحدِهم؛ لأُنكِّلَنَّه عنه (٣) \" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1851>خروج النساء للتمريض ونحوه</span>\nعن أنس -﵁- قَالَ: \"لمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ انْهَزَمَ الناس عَنْ النَبِي - ﷺ - قَالَ وَلَقَدْ رَأَيْتُ عَائِشَةَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ وَأُمَّ سُلَيْمٍ، وَإِنَّهُمَا لمُشَمِّرَتَانِ، أرَى خَدَمَ سُوقِهِمَا (٥) تَنْقُزَانِ الْقِرَبَ -وَقَالَ غَيْرُهُ تَنْقُلَانِ الْقِرَبَ- عَلَى مُتُونِهِمَا (٦) ثُمَّ تُفْرِغَانِهِ فِي أفْوَاهِ الْقَوْمِ، ثُمَّ تَرْجِعَانِ فتَمْلَآَنِهَا، ثُمَّ تَجِيئَانِ فَتُفْرِغَانِهَا فِي أَفْوَاهِ الْقَوْمِ\" (٧).\nوعن أنس -﵁ أيضًا- قال: \"كَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - يَغْزُو بِأُمِّ سُلَيْمٍ\n_________\n(١) نبيب التيس: صوته عند الوقاع، لشِدّة رغبته فيه.\n(٢) الكُثْبة: القليل من اللبن وغيره. \"شرح النووي\".\n(٣) لأُنكِّلنَّه عنه: أي لأمنعنَّه عن ذلك بالعقوبة والحدِّ، وفي رواية لمسلم (١٦٩٢ - ١٨) \"إلاَّ جعلتُه نكالًا أو نكَّلته\" أي: عِظةً وعِبرةًَ لمَن بعده، بما أصبْتُه منه من العقوبة؛ ليمتَنعوا من تلك الفاحشة. قاله النّووي -﵀- أيضًا.\n(٤) أخرجه مسلم: ١٦٩٢، وانظر رقم (١٦٩٤) أيضًا.\n(٥) قال الإمام النّووي -﵀- (١٢/ ١٨٩): \"قوله: (أرى خَدَم سوقها) هو بفتح الخاء المعجمة والدال المهملة، الواحدة خدمة، وهي الخلخال، وأمّا السوق: فجمع ساق، وهذه الرواية للخَدَم لم يكن فيها نهي؛ لأنّ هذا كان يوم أحد قبل أمْرِ النساء بالحجاب، وتحريم النظر إليهن، ولأنه لم يَذكُر هنا أنه تعمّد النظر إلى نفس الساق، فهو محمول على أنه حَصَلَت تلك النظرة فجأة بغير قصد، ولم يستدِمْها\".\n(٦) أي على ظهورهما.\n(٧) أخرجه البخاري: ٢٨٨٠، ومسلم: ١٨١١.","vol":"7","page":82},{"text":"وَنِسْوَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ مَعَهُ إِذَا غَزَا، فَيَسْقِينَ الماءَ، وَيُدَاوِينَ الجرْحَى\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1852>حَمل الرجل امرأتَه في الغزو دون بعض نسائه </span>(٢)\nعن عائشة -﵂- أنها قالت: \"كان النبيّ - ﷺ - إذا أرادَ أن يخرُج؛ أقرع بين نسائه؛ فأيتُهُنّ يخرج سهمها؛ خرج بها النبيّ - ﷺ -، فأقرع بيننا في غزوة غزاها، فخرج فيها سهمي، فخرجْتُ مع النبيّ - ﷺ - بعد ما أُنزِل الحجاب\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1853>غزوة النساء مع الرجال</span>\nعن أنس -﵁- \" أنّ أم سُليم اتّخذَت يوم حنين خَِنْجرًا فكان معها، فرآها أبو طلحة، فقال: يا رسول الله، هذه أمُّ سُليم معها خِنَجرٌ، فقال لها رسول الله - ﷺ -: ما هذا الخِنَجر؟ قالت: اتخذتهُ إنْ دنا مني أحد من المشركين؛ بَقَرتُ (٤) به بطنه، فجعل رسول الله - ﷺ - يضحك ... \" (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1854>تحريم إسناد القتال إلى النّساء</span>\nعن أبي بكرةَ -﵁- قال: لقد نفعني الله بكلمةٍ سَمِعْتها مِن رسول الله أيّام الجَمل؛ بعدما كِدْتُ أن ألحقَ بأصحاب الجمل (٦) فأقاتلَ\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ١٨١٠.\n(٢) هذا العنوان من \"صحيح البخاري\" (باب - ٦٤).\n(٣) أخرجه البخاري: ٢٥٩٣، ٢٨٧٩، ومسلم: ٢٧٧٠.\n(٤) أي شَقَقتُ.\n(٥) أخرجه مسلم: ١٨٠٩.\n(٦) يعني عائشة -﵂- ومن معها.","vol":"7","page":83},{"text":"معهم (١)، قال لما بلَغ رسول الله - ﷺ - أنّ أهل فارس قد ملّكوا عليهم بنت كسرى، قال: لن يُفْلِح قومٌ ولَّوا أمرَهم امرأة\" (٢).\nوما ورد من مشاركة بعض النساء في القتال -في حدودٍ ضيقةٍ- يختلف عن تولّيها أمرَ القتال والقيادة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1855>فضل الخدمة في الغزو</span>\nعن أنس بن مالك -﵁- قال: \"صَحِبْتُ جريرَ بن عبد الله؛ فكان يخدمني وهو أكبر من أنس. قال جرير: إنّي رأيت الأنصار يصنعون شيئًا لا أجد أحدًا منهم إلاَّ أكْرمتُه (٣) \" (٤).\nوعن أنس -﵁- قال: \"كنّا مع النبيّ - ﷺ - أكثرنا ظِلًاّ الذي يستظل بكسائه، وأمّا الذين صاموا فلم يعملوا شيئًا، وأما الذين أفطروا فبعثوا الركاب وامتهنوا وعالجوا، فقال النبيّ - ﷺ -: ذهب المفطرون اليوم بالأجر\" (٥).\n_________\n(١) تأمّل كيف نَفَع الله -تعالى- أبا بكرة -﵁- لأنه عَمِل بمقتضى الحديث، ولم يتأوّله فيقول: هذه أم المؤمنين -﵂- والأمر سائغ، بل إنّ الله -تعالى- نجّاه من الفتنة والقتال؛ ببركة تعظِيم الحديث وإمضائه.\n(٢) أخرجه البخاري: ٤٤٢٥.\n(٣) قال الحافظ -﵀-: في رواية نصر \"آليت -أي حَلَفْت- أن لا أصحب أحدًا منهم إلاَّ خَدَمْته\".\n(٤) أخرجه البخاري: ٢٨٨٨، ومسلم: ٢٥١٣.\n(٥) أخرجه البخاري: ٢٨٩٠، واللفظ له، ومسلم: ١١١٩.","vol":"7","page":84},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1856>إذن الوالدين في جهاد التطوع</span>\nالجهاد الواجب لا يلزم فيه إذن الوالدين.\nأمّا جهادُ التطوّع؛ فإنّه لا بد فيه من إذن الوالِدَيْن المسلِمَين.\nعن عبد الله بن مسعود -﵁- قال: \"سألْتُ النبيّ - ﷺ - أيُّ العمل أحبُّ إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها، قال: ثمَّ أيُّ؟ قال: بِرُّ الوالدين، قال: ثمَّ أيُّ؟ قال: الجهاد في سبيل الله\" (١).\nوعن عبد الله بن عمرو -﵄- قال: \"جاء رجل إلى النبيّ - ﷺ - فاستأذنه في الجهاد، فقال: أحيٌّ والداك؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهِد\" (٢).\nوفي رواية: \"جاء رجلٌ إلى النبي - ﷺ - يبايعه على الهجرة، وترك أبويه يبكيان، فقال: ارجع إليهما فأضحِكهما كما أبكيتَهما\" (٣).\nوعن جاهمة السُّلمي -﵁- قال: \"أنّه جاء رجل إلى النبيِّ - ﷺ - فقال: يا رسول الله، أردتُ أن أغزو، وقد جئت أستشيرك؟ فقال: هل لك من أمّ، قال: نعم، قال: فالزمها؛ فإنّ الجنّة تحت رجليها\" (٤).\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٥٢٧، ومسلم: ٨٥.\n(٢) أخرجه البخاري: ٣٠٠٤، ومسلم: ٢٥٤٩.\n(٣) أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه، وصححه شيخنا -﵀- في \"صحيح الأدب المفرد\" برقم ١٠.\n(٤) أخرجه أحمد والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٢٩٠٨) وابن ماجه وغيرهم، وانظر تعليق شيخنا -﵀- في \"التعليقات الرضيّة على الروضة النديّة\" (٣/ ٤٣٩).","vol":"7","page":85},{"text":"وقال في \"الروضة النديّة\" (٢/ ٧١٨):\n\"وقد ذَهَب الجمهور؛ إلى أنَّه يَجب استئذان الأبوين في الجهاد، ويَحرُم إذا لم يأذنا أو أحدهما، لأنّ بِرّهما فَرْضُ عين، والجهاد فرضُ كفاية، قالوا: وإذا تعيَّن الجهاد فلا إِذْن ... \".\nوقال العلّامة أحمد شاكر -﵀-: \"ولعل الأحسن في التوفيق بين الحديثين، أن يُجْعَل ذلك إلى رأي الإمام أو المكلِّف، فإنْ كانت المصلحة تقتضي بأحدهما وجب تقديمه، وقد كان المهاجرون والأنصار يجاهدون، ولم نر في شيء من الروايات، أنهم كانوا يلتزمون استئذان الوالدين في كل غزو\".\nوجاء في \"المغني\" (١٠/ ٣٨٣):\n\" (وإذا خوطب في الجهاد فلا إذْن لهما، وكذلك كلّ الفرائض لا طاعة لهما في تركها) يعني إذا وجَب عليه الجهاد لم يُعتَبَرْ إذن والديه، لأنه صار فرْضَ عين، وترْكه معصية، ولا طاعة لأحد في معصية الله، وكذلك كلّ ما وجب، مثل: الحجّ، والصلاة في الجماعة والجمع، والسفر للعِلم الواجب.\nقال الأوزاعي: لا طاعة للوالدين في تَرْك الفرائض والجُمَع والحجّ والقتال، لأنها عبادة تعيّنت عليه، فلم يُعتَبر إذن الأبوين فيها كالصلاة، ولأنّ الله -تعالى- قال: ﴿وَللهِ عَلَى اَلنَّاسِ حِجُّ اَلبَيتِ مَنِ اَسْتَطَاعَ إليَهِ سبيلًا﴾، ولم يَشتَرِط إذن الوالدين\".\nوجاء في كتاب \"الإنجاد في أبواب الجهاد\" (١) (١/ ٥٢): \"وأمَّا مَن له\n_________\n(١) تصنيف الإمام أبي عبد الله محمد بن عيسى بن محمد بن أصبغ الأزدي القرطبي المعروف بابن المُناصف -﵀-، علّق عليه وخرّج أحاديثه مشهور بن حسن آل سلمان ومحمد بن زكريا أبو غازي -حفظهما الله-.","vol":"7","page":86},{"text":"أبوان؛ فإنْ كانا يَضيعان بخروجه إلى الجهاد؛ فهو إجماعٌ على أنّ فرضَ الجهاد ساقِطٌ عنه، ذكَره أبو محمد بنُ حزمٍ في \"مراتب الإجماع\". وإنْ كانا ممّن لا يَضيع، فذهب الجمهور إلى أنّ عليه أن يستأذنهما، فإنْ أذِنا له خرَج، وإنْ أبَيَا عليه لم يجُزْ له أن يخرج.\nرُوي ذلك عن مالكِ، والأوزاعي، وسفيان الثوري، والشافعيّ، وأحمد بن حنبل، وغيرهم من أهل العلم، قال أبو عمر بن عبد البَرِّ: \"لا خلاف أعلمه أنّ الرجل لا يجوز له الغزو ووالداه كارهان، أو أحدهما\".\nقلت [والكلام لصاحب \"الإنجاد\"]: ذلك إذا لم يتعيَّن الفرض، مِثْل أنْ يفْجأ العدوُّ (١)، فيُحتاج إليه في الدفع، ونحوِ ذلك ممّا يتعيّن فيه، لأنه ما لم يتعيَّن، يعصي والديه ويعقُّهما في غير شيء أوجَبَه الشرع، فذلك حرامٌ عليه، وأمّا إذا تعيَّن الفرض، فلا يستأذنهما في تَرْك الفرائض\".\nثمّ ذكَر الأدلة على ذلك، ثمّ قال: \"وقال الحسن البصري -﵀-: \"إذا أذِنَت له أمُّه في الجهاد، وعلِمَ أنّ هواها أن يجلس؛ فليجلس\".\nوقال في \"المغني\" (١٠/ ٣٨٣) أيضًا:\n_________\n(١) وجاء في \"التعليق\": \"هل حضور الولد الصّف بعد الإذن، يُؤثّر فيه رجوع الأبوين عن الإذن؟ خلافٌ بين أهل العلم، بخلاف رجوعهما قبل حضورِ الصفّ، فالواجب على الولد الرجوع، ما لم يتعيَّن عليه الجهاد، انظر بسط المسألة في: \"روضة الطالبين\" (١٠/ ٢١٢)، \"أسنى المطالب\" (٤/ ١٧٧ - ١٧٨)، \"مغني المحتاج\" (٤/ ٢١٨)، \"كشاف القناع\" (٣/ ٤٠)، \"أحكام إذْن الإنسان\" (٢/ ٦٢٤ - ٦٢٥)، \"رسالة الإرشاد إلى بيان الحقّ في حُكم الجهاد\" (ص ٧٤ - وما بعدها) \".","vol":"7","page":87},{"text":"\"وإنْ خرَج في جهاد تطوّعٍ بإذنهما، فمنَعاه منه بعد سَيْرِه وقبل وجوبه، فعليه الرجوع، لأنه معنى لو وجد في الابتداء مُنِع، فإذا وُجد في أثنائه منع؛ كسائر الموانع، إلاَّ أن يخاف على نفسه في الرجوع، أو يحدث له عذر؛ مِن مرض أو ذهاب نفقة أو نحوه، فإنْ أمكنه الإقامة في الطريق، وإلا مضى مع الجيش، فإذا حضَر الصفّ، تعيّن عليه بحضوره، ولم يَبْقَ لهما إذن. وإن كان رجوعهما عن الإذن بعد تعيُّن الجهاد عليه، لم يؤثّر رجوعهما شيئًا\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1857>هل يُستأذَن الدائن </span>(١)\nومن كان عليه دين حالٌّ أو مُؤجَّل، لم يجُز له الخروج إلى الغزو إلاَّ بإذن غريمه، إلاَّ أن يَتْرُك وفاءً، أو يقيمَ به كفيلًا، أو يُوَثِّقَه برهن، وبهذا قال الشافعي.\nورخَّص مالك في الغزو لمن لا يقدر على قضاء دينه؛ لأنه لا تتوجه المطالبة به، ولا حبْسه من أجله، فلم يُمنَع من الغزو، كما لو لم يكن عليه دين، ولنا أنّ الجهادَ تقصد منه الشهادة التي تفوت بها النفس، فيفوت الحقُّ بفواتها.\nعن عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄-: \"أنّ رسول الله - ﷺ - قال: يُغفر للشهيد كلُّ ذنبٍ إلاّ الدَّيْن\" (٢).\nوعن أبي قتادة -﵁-: \"أنّ رسول الله قام فيهم، فذَكَر لهم أن الجهاد في سبيل الله والإيمان بالله أفضل الأعمال، فقام رجل فقال: يا رسول الله أرأيت إنْ قُتلتُ في سبيل الله تُكفّر عنِّي خطاياي؟ فقال له رسول الله: نعم، إن\n_________\n(١) عن \"المغني\" (١٣/ ٢٧) بتصرف يسير، وزيادة حديث ابن عمرو -﵄-.\n(٢) أخرجه مسلم: ١٨٨٦.","vol":"7","page":88},{"text":"قُتلتَ في سبيل الله، وأنت صابرٌ محُتسب، مُقبِل غيرُ مُدبر، ثمّ قال رسول الله - ﷺ -: كيف قلت؟ قال: أرأيتَ إنْ قُتلتُ في سبيل الله أتُكفّرُ عني خطاياي، فقال رسول الله - ﷺ -: نعم؛ وأنت صابرٌ محُتسب مُقبل غيرُ مدبر إلاّ الدَّيْن، فإنّ جبريلَ -﵇- قال لي ذلك\" (١).\nوأمّا إذا تَعيَّن عليه الجهاد، فلا إذْن لغريمه، لأنّه تعلّق بعينِه، فكان مُقدَّمًا على ما في ذمّته؛ كسائر فروض الأعيان، ولكن يُستحَبّ له أن لا يتعرض لمظانّ القتل؛ من المُبارزة، والوقوف في أول المقاتلة، لأن فيه تغريرًا بتفويت الحق (٢)، وإنْ ترَك وفاءً، أو أقام به كفيلًا، فله الغزو بغيرِ إذْن.\nنصّ عليه أحمد، في مَن تَرك وفاءً، لأنّ عبد الله بن حرام أبا جابر بن عبد الله خرَج إلى أُحُد، وعليه دَينٌ كثير، فاستُشهِد، وقضاه عنه ابنه بعِلم النبيّ - ﷺ -، ولم يذمّه النبيّ - ﷺ - على ذلك، ولم يُنكر فِعْلَه، بل مَدَحه، وقال: \"ما زالت الملائكة تُظِلّه بأجنحتها، حتى رفعتموه\" (٣).\nوقال - ﷺ - لجابر: \"ألا أُخبرك ما قال الله -﷿- لأبيك، قلتُ: بلى، قال: ما كَلَّم الله أحدًا إلاّ من وراء حجاب، وكلّم أباك كِفاحًا (٤) \" (٥).\nقلتُ: أراد المصنف -﵀- أن يجمع بين تلبية واجب الجهاد وأداء\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ١٨٨٥.\n(٢) انظر تعليقي في المتن، بعد قليل إن شاء الله -تعالى-.\n(٣) أخرجه البخاري: ١٢٤٤، ومسلم: ٢٤٧١.\n(٤) كفاحًا: أي مواجهة، ليس بينهما حجابٌ ولا رسول. \"النّهاية\".\n(٥) أخرجه ابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢٢٥٨) وغيره.","vol":"7","page":89},{"text":"الحقوق. ولكن: لا بُدّ من تفصيلٍ فيما يتعلق بالتّعرض للمبارزة والوقوف في أول المقاتلة.\nفإنْ كان أُوتي من الشجاعة والإقدام، ما يُمكنه أن يُحقّق نصرًا أو يكون سببًا في استجلاب نفعٍ عامّ أو مصلحة راجحة؛ فلا حرج من مبادرته بذلك.\nفأمّا الدين، فلا يضرُّه عدم أدائه؛ إذا كان قد بذَل الأسباب المطلوبة منه، ولا يخفى دور الإمام في سدِّ هذا الأمر، والله -تعالى- أعلم.\nقلت: ثمّ اطلعت على ما جاء في \"الإنجاد\" (١/ ٥٧) وفيه: \"وأمّا المِدْيان (١) فاختلفوا فيه، فرُوي عن الأوزاعي أنّه أرخص في خروجه إلى الجهاد مِن غير إذْنِ صاحب الحقِّ، ورُوي عن الشافعي أنه ليس له أن يغزو بحالٍ؛ إلاَّ بإذْن أهل الدَّيْن، وسواءٌ كان الدَّين لمسلمٍ أو كافر، وفرَّق مالكٌ بين أن يجد قضاءً أو لا يجد، واختلفت مع ذلك فيه الروايات عنه ...\n... وقد جاء في أمر الدَّين تشديدٌ كثير غير هذا؛ فأقول [الكلام لصاحب \"الإنجاد\"]: إنّ تعلّق المأثم بالدَّين، إنما يكون حيث التقصيرُ المُتْلِفُ لذلك الحقِّ، إمّا بالمَطْلِ أو الجحود، أو تَرْكِ أنْ يوصيَ به، وإمّا أنْ يَدَّانَ في غير الواجب، وهو ممَّن لا يقدر على الأداء، وما أشبه ذلك.\nوللمِدْيان عند إرادة الغزو حالان: مَلاَءٌ أو عَدَمٌ.\nفأمّا المليء، فإنْ كان حَلَّ دينُه، فالظاهر أنّه لا يجوز أنْ يغزوَ بغير إذْنِ صاحب الحقِّ، فإنْ كان دينه لم يحلَّ بعدُ، فهذا له أن يغزو، وعليه أن يوكِّل مَن\n_________\n(١) المِدْيان: هو الذي يُقرض كثيرًا ويستَقْرِض كثيرًا. انظر \"المحيط\".","vol":"7","page":90},{"text":"يقضيه عنه عند حلوله، والدليل على ذلك أنَّ مَن كان مليئًا، وقد حلَّ الحقُّ عليه، فهو مأمورٌ كلَّ وقتٍ بالقضاء، ففِعْلُه ما يحول بينه وبين ذلك؛ مِن غير إذن صاحب الحق لا يحلُّ له.\nخرَّج مسلم (١) عن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله - ﷺ - قال: \"مَطْلُ (٢) الغني ظُلْم، وإذا أُتبع أحدكم على مليءٍ فَلْيتْبَعْ\" (٣).\nوأمّا إذا لم يَحُلْ، فلا حَقَّ عليه الآن في الأداء، فلا يتَّصف بالمطلِ، فليس عليه أنْ يستأذنه، لكن عليه باتفاقٍ أن يوصيَ به، ويُوكِّل على قضائه، فإذا فعَل ذلك فقد أدَّى ما لزِمه ساعتئذِ، وقد قال - ﷺ -: \"وإذا أُتبع أحدكم على مليءٍ فَلْيتْبَعْ\".\nوأمَّا إنْ كان عديمًا لا يَجِدُ قضاءً، ولا يرجو كَسْبًا، فهذا روي عن مالك أنه سُئِل عنه فلم يرَ بجهاده بأسًا، يعني: وإن لم يستأذِن غريمه، وهذا ظاهر؛ لأنه لا منفعة له في منْعِه، وليس ممّن عليه حَبْسٌ ولا سلطان، بل هو مخلَّى بإنظار الله -﷿- إياه، فلا يَجِب له عليه شيءٌ، ما دام على حالته تلك. قال بعض المتأخرين: ولعله يُرزق في الغزو ما يؤدي به دَينه، ففي الغزو خيرٌ لهما.\nوقد رُوي -أيضًا- عن مالك ما ظاهِرُه، أنه يَجِب الاستئذانُ على مَن لم يجد وفاءَ من دَيْنِهِ، ولا استئذان على من ترَك وفاءً\".\n_________\n(١) برقم (١٥٦٤)، وانظر \"صحيح البخاري\" ٢٢٨٧، ٢٢٨٨، ٢٤٠٠.\n(٢) هو مَنْع قضاء ما استُحِق أداؤُه.\n(٣) معناه: إذا أُحيل بالدَّين الذي له على موسر، فليَقْبَل الحوالة.","vol":"7","page":91},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1858>حكم الاستعانة بالمشركين في الجهاد</span>\nاختلَف العلماء في مشروعية الاستعانة بالمشركين، فذهَب جماعة من العلماء إلى عدم جواز الاستعانة بالمشركين، وذهَب آخرون إلى جوازها.\nومن أهم أدلة المانعين:\nحديث عائشة -﵂- أنّها قالت: \"خرَج رسول الله - ﷺ - قِبَل بدر فلمّا كان بِحَرَّة الوَبَرَة (١)، أدركه رجل قد كان يُذكَر منه جُرأة ونجدة، ففرح أصحاب رسول الله - ﷺ - حين رأوه، فلمّا أدركه قال لرسول الله - ﷺ -: جئت لأتَّبِعَك وأصيبَ معك، قال له رسول الله - ﷺ -: تؤمن بالله ورسوله؟ قال: لا، قال: فارجع فلن أستعين بمشرك.\nقالت: ثمّ مضى، حتى إذا كنّا بالشجرة (٢)، أدركه الرجل فقال له كما قال أوّل مرّة، فقال له النبيّ - ﷺ - كما قال أول مرة، قال: فارجع فلن أستعين بمشرك، قال: ثمّ رَجَع فأدركه بالبيداء، فقال له كما قال أوّل مَرّة: تؤمن بالله ورسوله؟ قال: نعم، فقال له رسول الله - ﷺ -: فانطَلِق\" (٣).\nومن أبرز أدلّة المجوّزين:\nحديث ذي مخِبَر -﵁- قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"ستصالحون الروم صُلحًا آمنًا (٤)، فتغزون أنتم وهم عدوًا مِن ورائكم،\n_________\n(١) الوَبَرَة: موضع على نحو من أربعة أميال من المدينة.\n(٢) اسم موضع.\n(٣) أخرجه مسلم: ١٨١٧.\n(٤) أي صلحًا ذا أمن.","vol":"7","page":92},{"text":"فتُنصَرون وتَغنَمون وتَسلمون ثمّ تَرجعون، حتى تنزِلوا (١) بمَرْج (٢) ذي تُلول (٣)، فيرفع رجل من أهل النصرانية الصليب، فيقول: غَلب الصليب، فيغضب رجل من المسلمين فيدقه (٤)، فعند ذلك تغدر الروم وتجمعُ للملحمة (٥) \" (٦).\nوقوله - ﷺ -: \"إنّ الله يؤيّد الدين بالرّجُل الفاجِر\" (٧).\nفيُجمَع بين الأحاديث بأنّ الاستعانة بالمشركين لا تجوز إلاّ لضرورة؛ لا إذا لم تكن ثمّ (٨) ضرورة (٩).\nوبوّب الإمام النّووي -﵀- لمسلم في كتاب \"الجهاد والسِّير\"، فقال: \"باب كراهة الاستعانة في الغزو بكافر إلاَّ لحاجة، أو كونه حَسن الرأي في المسلمين\" وذكر الحديث السابق ثمّ قال -﵀- في الشرح: \"قوله - ﷺ -: فارجع فلن أستعين بمشرك\"، وقد جاء في الحديث الآخر أنّ النبيّ - ﷺ - استعان\n_________\n(١) أي أنتم وأهل الروم.\n(٢) مرج: أرض واسعة ذات نبات كثير.\n(٣) ذي تُلول: جمع تَل: موضع مرتفع.\n(٤) أي: فيكسر المسلم الصليب.\n(٥) أي للقتال. وانظر \"المرقاة\" (٩/ ٣١٨).\n(٦) أخرجه أحمد وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٦٠٧)، وابن ماجه. وانظر للمزيد من شرح الحديث -إن شئت- \"المرقاة\" (٩/ ٣١٨) و\"عون المعبود\"، (١١/ ٢٦٨).\n(٧) البخاري: ٤٢٠٣، ومسلم: ١١١.\n(٨) انظر إن شئت المزيد \"الروضة الندية\" (٢/ ٧٢٢).\n(٩) قال شيخنا -﵀- في \"التعليقات الرضية\" (٣/ ٤٤٣): \"انظر رأي الشافعي في \"الأم\" ففيه تفصيل جيّد\".","vol":"7","page":93},{"text":"بصفوان بن أُميّة قبل إسلامه، فأخذ طائفة من العلماء بالحديث الأول على إطلاقه، وقال الشافعي وآخرون: إنْ كان الكافر حَسَن الرأي في المسلمين ودعت الحاجة إلى الاستعانة به؛ استُعين به وإلاّ فيُكره، وحَمْل الحديثين على هاذين الحالين\". والله -تعالى- أعلم.\nوجاء في نيل الأوطار (٨/ ٤٥) بعد عَرْض الأدلة ومناقشة الفريقَين: \"والحاصل أنّ الظاهر من الأدلّة عدم جواز الاستعانة بمن كان مشركًا مُطلقًا؛ لما في قوله - ﷺ - \"إنا لا نستعين بمشرك\" من العموم ... \". انتهى.\nقلتُ: ولا أرى معارضة بين هذا وما تقدّم؛ مما جاء في كلام النّووي ونقولاته، وكذا مما قاله صاحب \"الروضة\" -رحمهما الله- إذْ أصل الحُكم عدم جواز الاستعانة، وتبقى الضرورة مسألة أخرى لا يمكن إغفالها، والنصوص فيها معلومة معروفة، ولكن ينحصر الخلاف ومدار البحث والنظر؛ في تحقيق مناط الحُكم، إذْ هو مرتبط بتنقيح مناطه (١).\nوأقول: لو أنّ المسلمين عملوا ما أوجب الله -تعالى- عليهم من أسبابٍ لاستجلاب النصر؛ مِنْ إعدادٍ عَقَديّ ومنهجي وروحي ومادي وعسكري ...، وتآلفوا فيما بينهم، وتعاونوا على البرِّ والتقوى؛ لما احتاجوا إلى الاستعانة.\nثمّ اطلعت على ما جاء في كتاب \"الإنجاد في أبواب الجهاد\" (ص ١٥٨): فقد قال مصنّفه -﵀-: \"واختلَف أهل العِلم في ذلك: فالجمهور على كراهة الاستعانة بهم في شيءٍ من الغزو، -وهو الصحيح-، لما دلّ عليه القرآن\n_________\n(١) وانظر -للمزيد إن شئت-: \"المغني\" (١٠/ ٤٥٦)، و\"نيل الأوطار\" (٨/ ٤٢) و\"سُبُل السلام\" (٤/ ٩١).","vol":"7","page":94},{"text":"والسُّنة الثابتة، ورُوي عن مالك أنه أجاز أن يُستعان بهم في خدمةٍ أو صنعَة. وعن ابن حبيب: أن يُستعان بهم في هدم الحصون ورمي المنجنيق، ... \" (١).\nوجاء في التعليق من قِبَل محقِّقي الكتاب -حفظهما الله تعالى-: \"واشترط بعضهم في الاستعانة بهم؛ إحسانهم الرأي في المسلمين، وأن يأمن المسلمون خيانتهم، وأن يكون المسلمون قادرين عليهم؛ لو اتفقوا مع العدو، فإذا وُجِدت هذه الشروط الثلاثة، جازت الاستعانة بهم. وقيل: لا يجوز استصحابهم في الجيش، مع موافقتهم العدو في المعتقد، فعلى هذا تكون الشروط أربعة\".\nوجاء في التعليق (ص ١٦٠): \"فالاستعانة بالمشرك في القتال تجوز عند الحاجة إليه. قال ابن القيم -﵀- في \"الزاد\" (٣/ ٣٠١) في مَعْرِض كلامه على ما في قصة الحديبية من الفوائد الفقهية: \"ومنها: أنّ الاستعانة بالمشرك المأمون في الجهاد جائزة عند الحاجة؛ لأن عَيْنَهُ الخزاعيَّ كان كافرًا إذ ذاك -يشير المصنف إلى ما سبق أن ذكره (ص ٢٨٨) أن النبيّ - ﷺ - لما كان بذي الحليفة؛ أرسَل عينًا له مُشركًا مِن خزاعة (٢) يأتيه بخبر قريش- وفيه في المصلحة أنه أقرب إلى اختلاطه بالعدو وأخذه أخبارهم\".\nأسأل الله -تعالى- أن يُفرّج كربات المسلمين وأن ينصرهم على الأعداء، إنّه على كل شيء قدير.\n_________\n(١) انظر تتمة كلامه وردّه -إن شئت-.\n(٢) انظر ما جاء في \"صحيح البخاري\" برقم (٤١٧٨، ٤١٧٩).","vol":"7","page":95},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1859>النهي عن السفر بالمصحف إلى أَرض الحرب</span>\nعن عبد الله بن عمر -﵄-: \"أنَّ رسول الله - ﷺ - نهى أنْ يُسافَر بالقرآن إلى أرض العدوِّ\" (١). وفي رواية: \"أنَّه كان ينهى أنْ يُسافَر بالقرآن إلى أرض العدوِّ؛ مخافةَ أن ينالَه العدوُّ\" (٢). وفي رواية أخرى: \"لا تسافروا بالقرآن؛ فإنّي لا آمَنُ أنْ ينالَه العدوُّ\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1860>ما يُنهى عنه في الحرب</span>\nقال الله -تعالى-: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٤).\nقال ابن كثير -﵀- في \"تفسيره\": وقوله: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ أي: قاتلوا في سبيل الله، ولا تعتدوا في ذلك، ويَدْخُل في ذلك ارتكاب المناهي -كما قاله الحسَن البصري- من المُثلة، والغُلول، وقتل النساء، والصبيان، والشيوخ الذين لا رأيَ لهم ولا قتالَ فيهم، والرُّهبانِ وأصحابِ الصوامع، وتحريقِ الأشجار، وقتلِ الحيوانات لغير مصلحة، كما قال ذلك ابن عباس، وعمر بن عبد العزيز، ومقاتل بن حيان وغيرهم ... \".\nوتقدّم حديث بريدة -﵁- قال: \"كان رسول الله - ﷺ -، إذا أمّرَ\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٢٩٩٠، ومسلم: ١٨٦٩.\n(٢) مسلم: ١٨٦٩ - ٩٤.\n(٣) مسلم: ١٨٦٩ - ٩٤.\n(٤) البقرة: ١٩٠.","vol":"7","page":96},{"text":"أميرًا على جيش أو سريَّة (١) أوصاه في خاصَّته بتقوى الله ومَن معه مِن المُسلمين خيرًا، ثمَّ قال: \"اغزوا باسم الله، في سبيل الله، قاتلوا مَن كَفر بالله اغْزوا ولا تَغُلّوا ولا تَغدرِوا ولا تَمْثُلوا ولا تقتلوا وليدًا\" (٢).\nومما ينهى عنه في الحرب:\n١ - قَتْل النساء والوِلدان.\nعن عبد الله ابن عمر -﵄-: \"إنّ امرأةً وُجِدت في بعض مغازي النبيّ - ﷺ - مقتولة، فأنكَر رسول الله - ﷺ - قَتْل النساء والصبيان\" (٣).\nوعن رباح بن ربيع -﵁- قال: \"كُنّا مع رسول الله - ﷺ - في غزوة، فرأى النّاس مجُتمعين على شيء، فبعَث رجلًا فقال: انظر عَلامَ اجتمع هؤلاء؟ فجاء فقال: على امرأةٍ قَتيل، فقال: ما كانت لتُقاتِل! قال: وعلى المقدمة خالد بن الوليد، فبعَث رجلًا ففال: قُل لخالد لا تقتلنَّ امرأةً ولا عسيفًا (٤) \" (٥).\nقال القاري -﵀-: ولعلّ علامته أن يكون بلا سلاح.\n_________\n(١) السريَّة: هي قطعة من الجيش؛ تخرج منه، تغير وترجع إليه، قالوا: سُميّت سريّة؛ لأنّها تسري الليل ويخفى ذهابُها. \"شرح النّووي\" وتقدّم.\n(٢) أخرجه مسلم: ١٧٣١ وتقدم غير بعيد.\n(٣) أخرجه البخاري: ٣٠١٤، ومسلم: ١٧٤٤.\n(٤) عسيفًا: أي أجيرًا.\n(٥) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٣٢٤)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢٢٩٤)، وانظر \"الصحيحة\" (٧٠١).","vol":"7","page":97},{"text":"قال الخطابي -﵀-: \"في الحديث دليل على أنّ المرأة إذا قاتَلت قُتِلَت، ألا ترى أنه جَعل العِلَّة في تحريم قَتْلها لأنّها لا تُقاتِل، فإذا قاتَلَت دَلّ على جواز قتْلها\" (١).\nقلت: ويجوز قتْلها إذا كان هناك سببٌ يدعو إلى ذلك.\nفقد ورَد قتل المرأة صريحًا؛ كما في حديث عائشة -﵂- قالت: \"لم يُقتَل مِن نِسائهم -تعني بني قريظة- إلاَّ امرأة إنها لعندي تُحَدِّثُ: تضحك ظهرًا وبطنًا، ورسول الله - ﷺ - يقتُل رجالَهم بالسيوف، إذ هتَف هاتف باسمها أين فلانة؟ قالت: أنا، قُلت وما شَأنُكِ؟ قالت: حَدَثٌ أحْدَثْتُهُ قالت: فانطُلِق بها، فضُرِبَت عنُقها، فما أنسى عجَبًا منها، أنّها تضحك ظهرًا وبطنًا، وقد عَلِمت أنها تُقتَل\" (٢).\nقال الخطّابي -﵀-: \"يُقال إنّها كانت شَتَمت النبيّ - ﷺ -، وهو الحَدث الذي أحدَثَتْهُ، وفيه دلالة على وجوب قَتْلِ مَنْ فَعَل ذلك ... \" (٣).\nوعن الأسود بن سريع -﵁- قال: \"أتيتُ النبيّ - ﷺ - وغزوت معه، فأصبْتُ ظهرَ أفضل النّاس يومئذٍ، حتى قتلوا الوِلدان- وقال مرَّةً: الذرِّيَّة.\nفبلَغ ذلك رسول الله - ﷺ -، فقال: ما بال قومٍ جاوزهم القَتْلُ اليومَ حتى قَتَلُوا الذرِّيَّة؟! فقال رجلٌ: يا رسول الله! إنَّما هُمْ أولاد المشركين! فقال: ألا إنَّ خِيارَكُم أبناء المشركين. ثمَّ قال: ألا لا تقتلوا ذُرِّيَّةً، ألا لا تقتلوا ذُرِّيَّةً.\n_________\n(١) انظر \"عون المعبود\" (٧/ ٢٣٦).\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٣٢٥).\n(٣) انظر \"عون المعبود\" (٧/ ٢٣٨).","vol":"7","page":98},{"text":"قال: كلّ نَسَمَةٍ تُولد على الفطرة (١)، حتى يَهُبَّ (٢) عنها لسانها (٣)؛ فأبواها يُهَوِّدانها ويُنَصِّرانها\" (٤).\nوعن الصَّعب بن جَثَّامة \"أنه سأل النبيّ - ﷺ - عن الدار من المشركين يُبَيَّتُون فيُصاب مِن ذراريِّهم ونسائهم، فقال النبي - ﷺ -: هُم مِنهُم\".\n[قال الزهري: ثمّ نَهى رسول الله - ﷺ - بعد ذلك عن قتل النساء والولدان.] (٥).\nقال الإمام النّووي -﵀- في \"شرح مسلم\" (١٢/ ٤٩) -بحذف-\n_________\n(١) التي فطَر النّاس عليها أي الخِلقة التي خَلَق النّاس عليها، من الاستعداد لقَبول الدين والنُّهي للتحلّي بالحق، وقَبول الاستعداد، والتأبّي عن الباطل، والتمييز بين الخطأ والصواب. \"فيض القدير\".\n(٢) وفي لفظ (يُعرب)، انظر \"صحيح الجامع\" (٤٤٣٥)، وانظر لزامًا \"الصحيحة\" (٤٠١).\n(٣) فحينئذ إنْ تُرك بحاله، وخُلّي وطَبعه؛ ولم يتعرض له مِن الخارج مَن يصدُّه عن النظر الصحيح مِن فساد التربية، وتقليد الأبوين، والإلف بالمحسوسات، والانهماك في الشهوات، ونحو ذلك؛ لينظر فيما نصب من الدلالة الجلية على التوحيد، وصِدْق الرسول - ﷺ - وغير ذلك نظرًا صحيحًا؛ يوصله إلى الحق، وإلى الرشد، عَرف الصواب، ولَزِم ما طُبع عليه في الأصل، ولم يختر إلاَّ الملة الحنيفية، وإن لم يُترك بحاله بأن كان أبواه نحو يهوديين أو نصرانيين، فأبواه هما اللذان يهوّدانه أي يُصيِّرانه يهوديًّا، بأن يُدخلاه في دين اليهودية المحرَّف المبدَّل، بتفويتهما له أو ينصرانه، أي يصيِّرانه نصرانيًّا ... \"فيض القدير\" (٥/ ٣٤).\n(٤) أخرجه أحمد والنسائي في \"الكبرى\" والدارمي وغير هم وصححه شيخنا -﵀- في \"الصحيحة\" (٤٠٢).\n(٥) أخرجه البخاري: ٣٠١٢، ومسلم: ١٧٤٥، وما بين المعقوفتين لأبي داود (٢٦٧٢) وانظر \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٣٢٦).","vol":"7","page":99},{"text":"\"وتقديره: سُئل عن حُكمِ صبيان المشركين الذين يُبَيَّتون فيُصاب مِن نسائهم وصبيانهم بالقتل، فقال: هم مِن آبائهم أي لا بأس بذلك؛ لأنّ أحكام آبائهم جارية عليهم في الميراث وفي النكاح وفي القِصاص والدِّيات وغير ذلك، والمراد إذا لم يُتعمَّدوا مِن غير ضرورة، وأمّا الحديث السابق (١) في النهي عن قتل النساء والصبيان، فالمراد به إذا تميّزوا، وهذا الحديث الذي ذكرناه من جواز بياتهم وقتْل النساء والصبيان في البيات؛ هو مذهبنا ومذهب مالك وأبي حنيفة والجمهور، ومعنى البيات وُيبَيَّتُون: أن يُغار عليهم بالليل، بحيث لا يُعرف الرجل من المرأة والصبي.\nوفي هذا الحديث: دليلٌ لجواز البيات، وجواز الإغارة على مَن بلَغتهُم الدعوة مِن غير إعلامهم بذلك\". انتهى.\nقلت: وخلاصة القول: عدم جواز تعمُّد قَتْل النساء والصبيان (٢)، وجواز ذلك إذا لم يمكن الوصول إلى الآباء المقاتلين، لاختلاطهم.\nوالضابط في عدم قتل الصبيان؛ عدم الإنبات، جاء في \"صحيح ابن حبان\":\n\"الأمر بقتل مَن أنْبَت الشعر في دار الحرب والإغضاء (٣) على مَن لم يُنْبِت\" (٤) ثمّ ذكَر تحته حديث عطية القُرظي -﵁- قال: \"عُرضْتُ على\n_________\n(١) يشير إلى حديث ابن عمر -﵄- الذي ذَكَرْتُه في بداية البحث.\n(٢) قال النّووي -﵀- في \"شرح مسلم\" (١٢/ ٤٨): \"أجمع العلماء على العمل بهذا الحديث! نهى رسول الله - ﷺ - عن قَتْل النساء والصبيان\" وتحريم قَتْل النساء والصبيان إذا لم يقاتِلوا، فإنْ قاتلوا؛ قال جماهير العلماء: يُقتلون\".\n(٣) أي الأمر بإبقائه والسكوت عنه.\n(٤) هذا العنوان من \"صحيح ابن حبان\" \"التعليقات الحِسان\" (٧/ ١٥٤).","vol":"7","page":100},{"text":"رسول الله - ﷺ - يوم قريظة، فشكُّوا فيّ، فقيل لي: هل أنبتَّ (١)، ففتّشوني (٢)، فوجدوني لم أُنبِت، فُخلّيَ سبيلي\" (٣) \".\n٢ - قتْل الأُجَراء، لحديث رباح -﵁- المتقدّم: \"لا تَقْتُلَنَّ امرأةً ولا عَسيفًا\".\n٣ - قتل المجانين: لعموم قوله - ﷺ -: \"رُفِع القلم عن ثلاث ... وعن المجنون حتى يستيقظ\".\nقال في \"الإنجاد\" (١/ ٢٢٨): \"وأمّا المجنون فلا ينبغي أن يكون فيه خلاف أنّه لا يُقتَل ... \".\n٤ - قَتْل الرهبان وأصحاب الصوامع الذين لا يخالطون النّاس، وليسوا مِن أهل القتال ولا هم من أهل المشورة والرأي فيه (٤).\nوجاء في \"مجموع الفتاوى\" (٢٨/ ٦٥٩): \"الرهبان الذين تنازَع العلماء في قَتْلِهم، وأخْذِ الجزية منهم: هم المذكورون في الحديث المأثورِ عن خليفةِ رسول الله - ﷺ -، أبي بكر الصديق -﵁- أنّه قال في وصيته ليزيد بن أبي سفيان لمّا بَعَثَه أميرًا على فَتْح الشام، فقال له في وصيته: وستجدون أقوامًا قد حبَسوا أنفسهم في الصوامع، فذروهم وما حبَسوا أنفسهم له، وستجدون أقوامًا قد\n_________\n(١) أي: هل نبَت شعر عانتك؟\n(٢) يعني كشفوا العانة، ونظروا أأنبَتُّ أم لا.\n(٣) أخرجه ابن حبان في \"صحيحه\" \"التعليقات الحِسان\" (٤٧٦٠) وأبو داود وابن ماجة وغيرهم.\n(٤) قال في \"المغني\" (١/ ٥٤٣): \"لأنّ الرأي مِن أعظم المعونة في الحرب\".","vol":"7","page":101},{"text":"فحصوا (١) عن أوساط رءوسهم، فاضربوا ما فحصوا عنه بالسيف، وذلك بأنّ الله يقول: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ (٢).\nوإنما نَهَى عن قَتْل هؤلاء، لأنهم قوم مُنقَطعون عن الناس، محبوسون في الصوامع، يُسمَّى أحدُهم حبيسًا، لا يعاوِنون أهلَ دينهم على أمرٍ فيه ضررٌ على المسلمين أصْلًا، ولا يخالطونهم في دنياهم؛ ولكن يكتفي أحدُهم بقدر ما يتبلّغ به. فتنازَع العلماء في قَتْلهم، كتنازُعهم في قَتْل مَن لا يضُرّ المسلمين؛ لا بيده ولا لسانه؛ كالأعمى، والزَّمِن، والشيخ الكبير، ونحوِه؛ كالنساء والصبيان.\nفالجمهور يقولون: لا يُقتَل إلاَّ مَن كان مِن المعاونين لهم على القتال في الجملة، وإلا كان كالنساء والصبيان. ومِنهم مَن يقول: بل مجرّد الكفر، هو المبيح للقتل، وإنّما استثني النساء والصبيان، لأنهم أموال. وعلى هذا الأصل ينبني أخْذ الجزية.\nوأمّا الراهب الذي يعاوِن أهلَ دينه بيده ولسانه: مثل أن يكون له رأي يرجعون إليه في القتال، أو نوع مِن التحضيض: فهذا يُقتَل باتفاق العلماء، إذا قُدِر عليه، وتُؤخَذ منه الجزية -وإنْ كان حبيسًا منفردًا في مُتعبّده- فكيف بمن هم كسائر النصارى في معائشهم، ومخالطتهم الناس، واكتساب الأموال بالتجارات والزراعات والصناعات، واتخاذ الديارات الجامعات لغيرهم، وإنّما تميَّزوا على غيرهم بما يُغلِظ كفرهم، ويجعلهم أئمةً في الكُفر، مثل التعبّد بالنجاسات، وترْك النكاح واللحم واللباس؛ الذي هو شعار الكفر، لا سيما وهم الذين يقيمون دين\n_________\n(١) أي: كشفوا عنها بإزالة الشعر.\n(٢) التوبة: ١٢.","vol":"7","page":102},{"text":"النصارى؛ بما يُظهرونه مِن الحِيَل الباطلة التي صَنَّف الفضلاء فيها مُصنّفات، ومِن العبادات الفاسدة، وقَبول نذورهم وأوقافهم.\nوالراهب عندهم شَرْطُه تَرْك النكاح فقط، وهم مع هذا يُجوِّزون أن يكون بتركًا، وبطرقًا، وقسيسًا، وغيرهم مِن أئمّة الكفر، الذين يَصْدُرون عن أمْرِهم ونَهْيهم؛ ولهم أنْ يكتسبوا الأموال، كما لغيرهم مِثْل ذلك.\nفهؤلاء لا يَتنازَع العلماء في أنّهم مِن أحقّ النصارى بالقتل عند المحاربة، وبأخذ الجزية عند المسالمة، وأنّهم مِن جنس أئمّة الكفر الذين قال فيهم الصدِّيق -﵁- ما قال، وتلا قوله -تعالى-: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ \".\n٥ - قتل الهَرِم والأعمى، والمقعد -بالقيد السابق-.\nجاء في \"الإنجاد\" (١/ ٢٢٧): \"وذهب مالك إلى أنه لا يُقتَل الهَرِم، ولا الأعمى، ولا المعتوه، ولا المُقْعَد، ولا أصحاب الصوامع الذين لا يخالطون النّاس، يعني: أنه لا أذى عندهم بقتال ولا مشاركة رأي؛ لانفرادهم ونحو ذلك، ورُوي عن أبي حنيفة وأصحابه، وقال الأوزاعيّ: \"لا يُقْتل الحرّاث، ولا الراهب ولا الشيخ الكبير ولا المجنون\".\nوجاء في \"المغني\" (١٠/ ٥٤٢): \"ولنا في الزَّمِن (١) والأعمى أنّهما ليسا من أهل القتال فأشبها المرأة\".\nقلت: وقد اختلف العلماء في العِلَّة الموجبة للقتل، فمنهم مَن قال:\n_________\n(١) الزَّمِن: مَنْ مَرِض مرضًا يدوم زمانًا طويلًا وضعف بكِبر سنٍّ أو مطاولة عِلَّة.","vol":"7","page":103},{"text":"العِلَّة هي الكُفر (١) لقوله -تعالى-: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٢)، وقوله - ﷺ -: \"أُمِرتُ أن أُقاتل النّاس حتى يقولوا: لا إله إلاَّ الله ... \" (٣). ومنهم من قال: العِلَّة هي القتال وما في معناه؛ كالمشاركة في الرأي والمشورة.\nقلت: والراجح هو الثاني لما يأتي:\nأ. قوله -تعالى-: ﴿وَقاتلُوا في سَبِيلِ اللهِ الذين يُقاتلُونَكم﴾ (٤)، ففيه عدم قتال من لم يُقاتِل.\nب. لاستثناء أصنافٍ من الكُفار؛ كالنساء والصبيان والعسفاء، كما في النصوص الثابتة المتقدِّمة، فلا يُسلَّم لهم بما ذهبوا إليه مِن عموم قوله -تعالى-: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٥).\nج. تعليل إنكار النبيّ - ﷺ - قَتْل المرأة في الحديث المتقدّم بقوله: \"ما كانت تقاتل\".\n_________\n(١) انظر \"المحلى\" (المسألة ٩٢٨).\n(٢) التوبة: ٥.\n(٣) أخرجه البخاري: ١٣٩٩، ومسلم: ٢٠.\n(٤) البقرة: ١٩٠.\n(٥) قلت: بل إنّ هذه الآية الكريمة هي إباحةٌ بعد حظر، ونَصُّ الآية: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾، فبعد الإباحة يَرجع الحُكم إلى ما كان قبل الحظر -واجبًا كان أو مستحبًا- كما في \"المسوَّدة\" وهو هنا يرجع إلى وجوب القتال، وما هي سِمة القتال: إنها على النَّحو الذي كان قبل حظر القتال، وليس له علاقة بما ذهبوا إليه من قَتْلِ كلّ مشرك؛ ومنهم الرهبان وأصحاب الصوامع ... !! بل ينبغي تقييد الآية السابقة بقوله -تعالى-: ﴿وَقاتِلُوا في سَبِيلِ اللهِ الذين يُقاتِلُونَكم﴾ فيكون المعنى: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين الذين يقاتلونكم حيث وجدتموهم﴾، وكذا ينبغي إخراج الأصناف الثابت إخراجها من هذه الآية؛ كالنساء والصبيان والعسفاء ... إلخ. والله -تعالى- أعلم.","vol":"7","page":104},{"text":"د. وهذا يقوِّي ما قاله الفقهاء من عدم مشروعية مقاتلة مَن لا رأيَ لهم في القتال، ولا هم فيه مِن أهل المشورة.\nوقال شيخ الإسلام -﵀- في \"مجموع الفتاوى\" (٢٨/ ٣٥٤): \"وإذا كان أَصْل القتال المشروع هو الجهاد، ومقصودُه هو أن يكونَ الدين كلُّه لله، وأن تكونَ كلمة الله هي العليا، فمن امتنَع مِن هذا قوتل باتفاق المسلمين.\nوأمّا من لم يكن مِن أهل الممانعة والمقاتَلة، كالنساء والصبيان، والراهب، والشيخ الكبير، والأعمى، والزَّمِن، ونحوِهم فلا يُقْتَل عند جمهور العلماء؛ إلاَّ أن يُقاتِل بقولِه أو فِعْلِه، وإنْ كان بعضهم يرى إباحةَ قَتْلِ الجميع لمجرد الكفر؛ إلاَّ النساءَ والصبيان؛ لكونهم مالًا للمسلمين.\nوالأوّل هو الصواب؛ لأن القتال هو لمن يقاتلنا، إذا أرَدْنا إظهارَ دينِ الله، كما قال الله -تعالى-: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (١)، وفي \"السنن\" عنه - ﷺ -: \"أنَّه مرَّ على امرأةٍ مقتولة في بعض مغازيه، قد وقف عليها الناس. فقال: ما كانت هذه لتُقاتِل\" (٢). وقال لأحدهم: \"الحَقْ خالدًا فقل له: لا تَقْتُلوا ذُريّةً ولا عسيفًا\" (٣).\nوذلكَ أنّ الله تعالى أباحَ مِنْ قَتْلِ النفوس ما يُحتاج إليه في صلاح الخلق، كما قال -تعالى-: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ (٤). أي: أنّ القتل وإنْ كان فيه شرٌّ وفساد، ففِي فِتْنة الكُفّار مِن الشرّ والفساد ما هو أكبر منه.\n_________\n(١) البقرة: ١٩٠.\n(٢) تقدّم تخريجه.\n(٣) تقدم تخريجه.\n(٤) البقرة: ٢١٧.","vol":"7","page":105},{"text":"فمن لم يمنع المسلمين من إقامة دين الله لم تكن مَضَرَّةُ كُفْره إلاَّ على نفسه؛ ولهذا قال الفقهاء: إنّ الداعية إلى البِدع المخالفةِ للكتاب والسنة؛ يعاقَب بما لا يُعاقَب به الساكت ... \".\n٦ - النهي عن التحريق بالنّار:\nعن حمزةَ الأسلمي -﵁-: \"أنّ رسول الله - ﷺ - أمَّره على سريَّة، قال: فخرجْتُ فيها، وقال: إنْ وَجدْتُم فلانًا فأحرقوه بالنار، فولَّيْتُ، فناداني فرجعتُ إليه، فقال: إنْ وجدتم فلانًا فاقتلوه، ولا تُحْرِقُوه، فإنّه لا يُعذِّبُ بالنار إلاَّ ربُّ النَّار\" (١).\nوعن عبد الرحمن بن عبد الله، عن أبيه قال: \"كنا مع رسول الله - ﷺ - في سفر، فانطلق لحاجته، فرأينا حُمَّرَة (٢) معها فرخان، فأخذنا فرخيها، فجاءت الحُمَّرَة فجعلت تُفَرِّشُ (٣)، فجاء النبي - ﷺ - فقال: مَن فَجَع هذه بولدها؟ ردُّوا ولدها إليها.\nورأى قرية نملٍ قد حرقناها، فقال من حَرق هذه؟ قلنا: نحن، قال: إنّه لا ينبغي أن يُعذّب بالنار إلاَّ ربّ النار\" (٤).\nوعن أبي هريرة -﵁- أنه قال: \"بَعَثَنا رسول الله - ﷺ - في بعثٍ فقال: إنْ وجدْتم فلانًا وفلانًا فأحرقوهما بالنّار، ثمّ قال رسول الله - ﷺحين أردنا الخروج-: إنّي أمرتُكم أن تُحرقوا فلانًا وفلانًا، وإنَّ النّار لا يُعذِّب بها إلاَّ الله،\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٣٢٧).\n(٢) طائر صغير كالعصفور، \"النّهاية\".\n(٣) هو أن تفْرش جناحيها وتقرُب من الأرض وتُرفرف، \"النّهاية\".\n(٤) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٣٢٩).","vol":"7","page":106},{"text":"فإنْ وجدتموهما فاقتُلوهما\" (١).\nوأمّا ما ورد في إحراق زروع الكفّار وقطْع أشجارهم، فهذا مِن باب قوله -تعالى-: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (٢). وقوله -تعالى-: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (٣). وقوله -تعالى-: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (٤).\nقال ابن القيم -﵀- في \"أعلام الموقعين\" (١/ ٣٢٨):\n\"وقد صرَّح الفقهاء بجواز إحراق زروع الكفار وقطْع أشجارهم إذا كانوا يفعلون ذلك بنا وهذا عين المسألة، وقد أقرّ الله -سبحانه- الصحابة على قطْع نخل اليهود لما فيه مِن خزيهم، وهذا يدلّ على أنه -سبحانه- يُحبّ خزي الجاني الظالم ويُشرِّعُه\".\nقلت: يُشير -﵀- إلى قوله- سبحانه-: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ (٥) أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ (٦).\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٣٠١٦.\n(٢) البقرة: ١٩٤.\n(٣) الشورى: ٤٠.\n(٤) النحل: ١٢٦.\n(٥) قال الحافظ في \"الفتح\" (٨/ ٦٢٩): \"قال أبو عبيدة في قوله -تعالى-: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾: أي مِن نخلة، وهي من الألوان، ما لم تكن عجوة أو برنية، إلاَّ أن الواو ذهبَت بكسر اللام، وعند الترمذي من حديث ابن عباس \"اللينة: النخلة\" في أثناء حديث، وروى سعيد بن منصور من طريق عكرمة قال: اللينة: ما دون العجوة. وقال سفيان: هي شديدة الصفرة تنشق عن النّوى\".\n(٦) الحشر: ٥.","vol":"7","page":107},{"text":"عن ابن عمر -﵄- أن رسول الله - ﷺ - \"حرَّق نخل بني النّضير وقطع، وهي البويرة (١)، فأنزَل الله -تعالى-: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ \" (٢).\nقال أبو عيسى: \"وقد ذهَب قومٌ من أهل العلم، إلى هذا، ولم يروا بأسًا بقطع الأشجار، وتخريب الحصون، وَكَرِهَ بعضُهم ذلك وهو قول الأوزاعي، قال الأوزاعي: ونهى أبو بكر الصديقُ يزيدَ أن يَقطَع شجرًا مُثمرًا أو يُخرِّب عامرًا، وعمل بذلك المسلمون بعده.\nوقال الشافعي: لا بأس بالتحريق في أرض العدو وقطْع الأشجار والثمار، وقال أحمد: وقد تكون في مواضع لا يجدون منهُ بدًا، فأمَّا بالعَبَث فلا تُحرَق، وقال إسحق: التحريقُ سُنة إذا كان أنكى فيهم\" (٣).\nقال الحافظ -﵀- في \"الفتح\" (٥/ ٩) قوله (٤): \" (بابُ قطعِ الشجر والنخل) أي: للحاجة والمصلحة؛ إذا تعيّنَت طريقًا في نكاية العدو، ونحو ذلك.\nوخالف في ذلك بعض أهل العلم، فقالوا: لا يجوز قطْعُ الشجر المثمر أصلًا، وحَملوا ما ورَدَ مِن ذلك إمّا على غير المُثمر، وإمّا على أنّ الشجر الذي قُطع في قصة بني النضير؛ كان في الموضع الذي يقع فيه القتال، وهو قول الأوزاعي والليث وأبي ثور.\nوقال أيضًا (٦/ ١٥٥): وقد ذهَب الجمهور إلى جواز التحريق والتخريب\n_________\n(١) البُويرة: موضع نخل بني النضير \"شرح النّووي\".\n(٢) أخرجه البخاري: ٤٨٨٤، وفي مواضع عديدة، ومسلم: ١٧٥٦.\n(٣) انظر \"سنن الترمذي\" تحت حديث رقم (١٥٥٢).\n(٤) أي الإمام البخاري -﵀-.","vol":"7","page":108},{"text":"في بلاد العدو، وكرهه الأوزاعي والليث وأبو ثور، واحتجُّوا بوصية أبي بكر لجيوشه أن لا يفعلوا شيئًا مِن ذلك.\nوأجاب الطبري بأنَّ النَّهي محمولٌ على القصد لذلك، بخلاف ما إذا أصابوا ذلك في خلال القتال؛ كما وقَع في نصب المنجنيق على الطائف، وهو نحو ما أجاب به في النهي عن قَتْل النساء والصبيان، وبهذا قال أكثر أهل العلم، ونحو ذلك القتل بالتغريق.\nوقال غيرُه: إنما نهى أبو بكر جيوشَه عن ذلك؛ لأنّه علم أنّ تلك البلاد ستُفتَح فأراد إبقاءها على المسلمين. والله أعلم\". انتهى.\nقلت: والذي يترجّح لديّ أنّ الحرق والقطع ونحوَهما جائز بنص الكتاب والسُّنة، والأمر يرجع إلى الحاكم في الفعل والترك، فإنْ رأى مصلحةً في مرحلةٍ ما في حرق الزروع والثمار -ومثل ذلك هدم مؤسسات ومبانٍ (١) - فعلَ ذلك، وإنْ رجّح الاستفادة منها لنصرٍ يرجوه، ولم يرَ فائدةً مِن قطعها وحرْقها لم يفعل.\nأمّا أبو بكر -﵁- فإنّه لم يَفُتهُ دليل الكتاب والسنّة، ولكن لا يخفى أنّ الدليل يدلّ على المشروعية، والمشروعية قد تكون ركنًا أو واجبًا، أو مندوبًا أوُ مستحَبًّا.\nوقد كان موقف أبي بكر -﵁- لمصلحةٍ رآها جمْعًا بين النصوص؛ والله -تعالى- أعلم (٢).\n_________\n(١) قال الإمام البخاري -﵀- في (كتاب الجهاد باب - ١٥٤): (باب حرق الدور والنخيل).\n(٢) انظر ما جاء في كتابي \"الموسوعة\" (٦/ ٢٠٥ - ٢١١).","vol":"7","page":109},{"text":"٧ - النهي عن المُثلَة: كما في حديث بريدة -﵁- المتقدم \"ولا تَمثُلُوا\".\nأمّا ما ورد في حديث أبي قلابةَ عن أنس بن مالك -﵁-: \"أنّ رهطًا من عُكل -أو قال: عُرَيْنةَ، ولا أعلَمُه إلاّ قال: مِن عُكْلٍ- قَدموا المدينة، فأمَر لهم النبيّ - ﷺ - بِلِقاح (١)، وأمَرَهم أن يخرجوا فيشربوا مِن أبوالها وألبانها، فشربوا حتى إذا برئوا قَتَلوا الراعي، واستاقوا النَّعَم، فبلغَ النبي - ﷺ - غُدوةً، فبعَث الطّلبَ في إثرِهم، فما ارتفَع النهار حتى جيء بهم، فأمَرَ بهم فقطَع أيديَهم وأرجلَهم، وسمَر (٢) أعينهم، فأُلْقُوا بالحرّة يَسْتَسْقُون فلا يُسقَون\" (٣).\nقال أبو قِلابةَ: \"هؤلاء قوم سَرَقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم وحاربوا الله ورسوله\" (٤).\nوفي رواية: \"فأنزل الله -﵎- في ذلك: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ (٥) \" (٦).\nوعن عبد الله بن عمر -﵄- عن رسول الله - ﷺ -: \"ونَزَلت فيهم آية المحاربة\" (٧).\n_________\n(١) اللقاح: جمع لِقحة وهي الناقة الحَلوب، \"شرح الكرماني\".\n(٢) سمرَ: -مخفّفة ومشددة- أي كَحَلَها بمسامير، \"شرح الكرماني\".\n(٣) أخرجه البخاري: (٦٨٠٥)، ومسلم (١٦٧١).\n(٤) أخرجه البخاري: (٦٨٠٥).\n(٥) المائدة: ٣٣.\n(٦) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٦٧٠).\n(٧) أخرجه النسائي \"صحيح سنن النسائي\": (٣٧٧٢).","vol":"7","page":110},{"text":"وفي رواية: \" ... فلمّا صحّوا كفروا بعد إسلامهم، وقتَلوا راعيَ رسول الله - ﷺ - مؤمِنًا، واستاقوا ذود (١) رسول الله - ﷺ - وانطلقوا محاربين\" (٢).\nفهذا من باب عقوبة الحِرابة وقد قال الله -تعالى-: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣).\nوعن عبد الله بن يزيد -﵁- عن النبيّ - ﷺ - \"أنّه نهى عن النُّهْبَة والمُثْلَة\" (٤).\nوعن الهيّاج بن عمران أنّ عمران أبَقَ (٥) له غلام، فجعَل لله عليه لئن قدر عليه ليقطعن يده، فأرسلني لأسأل له، فأتيت سَمَرة بن جُنْدُب فسألتُه، فقال: كان نبيّ الله - ﷺ - يحثنا على الصدقة وينهانا عن المُثْلَة، فأتيت عمران بن حصين فسألته، فقال: كان رسول الله - ﷺ - يحثّنا على الصدقة وينهانا عن المُثلَة\" (٦).\n٨ - الغُلول والنُّهْبَة: كما في حديث بريدة -﵁- المتقدّم\" ... ولا تغُلُّوا\".\n_________\n(١) الذّود من الإبل: ما بين الثنتين إلى التسع، وقيل ما بين الثلاث إلى العشر \"النّهاية\".\n(٢) \"صحيح سنن النسائي\" (٣٧٦٢)، وأصل أكثر هذه الألفاظ في \"الصحيحين\" كما تقدّم.\n(٣) المائدة: ٣٣ - ٣٤.\n(٤) أخرجه البخاري: ٥٥١٦.\n(٥) أي: هرب.\n(٦) أخرجه أبو داود (٢٦٧٦)، وصححه شيخنا -﵀- وانظر \"الإرواء\" (٢٢٣٠).","vol":"7","page":111},{"text":"وسيأتي الحديث عن الغلول في باب خاصٍّ؛ حين التحدّث عن الغنيمة؛ بإذن الله -تعالى-.\nوعن عبد الله بن يزيد -﵁- عن النبيّ - ﷺ -: \"أنّه نهى عن النُّهْبَة والمُثْلَة\" (١).\nوقال الحافظ -﵀- (٩/ ٦٤٤): \"النّهب: أخْذ مال المسلم قهرًا جهرًا، ومنه أخذ مال الغنيمة؟ قبل القسمة، اختطافًا بغير تسوية\".\n٩ - النهي عن الغدر: كما في حديث بريدة -﵁- أيضًا المتقدّم: \" ... ولا تغدِروا\".\nوعن ابن عمر -﵄- قال: سمعت النبيّ يقول: \"لكل غادرٍ لواء يُنصب بغدرته يوم القيامة\" (٢).\nقلت: وهذا اللفظ عام يتضمن الغدر للمسلم والكافر.\nلذلك بوّب له الإمام البخاري -﵀- في \"صحيحه\" بقوله: \"باب إثم الغادر للبَرِّ والفاجر\" (٣).\n...\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٥٥١٦، وتقدّم.\n(٢) أخرجه البخاري: ٣١٨٨، ومسلم: ١٧٣٥.\n(٣) انظر \"صحيح البخاري\" (كتاب الجزية والموادعة باب - ٢٢).","vol":"7","page":112},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1861>هل تُرمى حصون العدوّ بالمنجنيق ونحوه من المهلكات وفيهم النساء والذرية</span>؟\nقال في \"الإنجاد\" (١/ ٢٣٦) -بتصرف يسير-:\n\"اختلفوا في رمي حصون العدو بالمنجنيق ونحوِه من المُهْلِكات، وفيهم النساء والذُّرِيَّة، وأُسارى المسلمين؛ فذهَب مالك والشافعيّ وأبو حنيفة والأوزاعي وغيرهم إلى جواز ذلك في الجملة؛ على ما نُفصِّله عنهم، وقيل: لا يجوز ذلك.\nذَكرَ فَضْلٌ أنَّ ابنَ القاسم مِن أصحاب مالكٍ رَوَى عنه المنعَ مِن رَمْيِهم بالمجانيق، أو إرسالِ الماء عليهم ليغرقوا؛ إذا كان معهم النساء والأطفال.\nفأمَّا أبو حنيفة، فذَهَب إلى جواز رَمْيها وتحريقها عليهم بالنّار، وإنْ كان فيها الأسارى والأطفال، وكذلك عنده: لو تَتَرَّسوا بالمسلمين، رُموا -أيضًا-. قال: ويُقصد بذلك مَن فيها من الكُفَّار، فإنْ أصابوا في ذلك مُسلِمًا فلا دِيَة ولا كفّارة.\nوقال الشافعي: لا بأس برمي الحصن بالمنجنيق والنّار، وكلّ ما فيه نكاية، وفيه النساء والأطفال، ولم يَرَ رَمْيَهم إذا تَتَرَّسوا بالمسلمين إلاَّ في حال الاضطرار؛ حيث يخافهم المسلمون على أنفسهم إنْ كَفُّوا عنهم، فحينئذٍ يُقاتَلون، ولا يُتَعَمَّدُ قَتْلُ مسلم.\nوقد قيل: يُكَفّ عنهم على كلِّ حال إذا لم يكن بُدٌّ مِن إصابة المسلم، وأيُّ مسلمٍ أصيب ممّن لم يَقْصِد الرامي قَصْدَه بالرمية ولم يره، فعليه تحرير رقبة، ولا دِيَة له، وإنْ كان رآه، وعَرَف مكانه ورمى، وهو مضطرٌ إلى الرَّمي، فعليه دِيَة وكفّارة، وإنْ تعمَّده ولم يكن مضطرًا فالقِصاص.","vol":"7","page":113},{"text":"وقال الأوزاعي: يُرمى الحصن بالمنجنيق والنار، وإنْ كان فيه أسرى المسلمين، فإنْ أُصيب أحدٌ مِن المسلمين؛ فهو خطأ تكون فيه الكفّارة والدِّيَة، ورأى أن يُكَفَّ عنهم، إذا تترّسوا بالمسلمين.\nوعن مالك إجازةُ الرمي بالمنجنيق، ومنْع التحريق بالنار، إلاَّ أن يكون الحصن ليس فيه إلاَّ المُقاتِلَة فقط، فعنه في ذلك روايتان: الإجازة والمنع، ولا أعلم له في التترّس قولًا، وظاهر مذهبه المنع.\nفأمّا دليل جواز رمي الحصون في الجملة -وفيها الذراريّ-: فما خرّجه البخاري (١)، ومسلم (٢)، عن الصعب بن جثّامة قال: \"سُئِل النبي - ﷺ - عن الدار مِن المشركين يُبيَّتون (٣)، فيصيبون مِن نسائهم وذراريّهم، فقال: \"هم منهم\" (٤).\nزاد البخاريّ (٥)، قال: وسَمِعْتُه يقول: \"لا حِمى إلاَّ لله ولرسولِه\" (٦). وقوله\n_________\n(١) (رقم: ٣٠١٢).\n(٢) (رقم: ١٧٤٥).\n(٣) قال بعض العلماء: أي أن يُغار عليهم بالليل، بحيث لا يُعرَف الرجل مِن المرأة والصبيّ.\n(٤) قال الحافظ -﵀- في \"الفتح\": \"قوله: (هم منهم) أي في الحُكم تلك الحالة، وليس المراد إباحةَ قَتْلِهم بطريق القصد إليهم؛ بل المراد إذا لم يُمكِن الوصول إلى الآباء؛ إلاَّ بوطء الذريّة، فإذا أُصيبوا لاختلاطهم بهم؛ جاز قَتْلُهم.\nوقال الكرمانيّ -﵀- (١٣/ ٢٤): \"والنهي عن قَتْلهم فيما إذا كانوا هم المقصودين، وكذلك النساء إذا قاتَلْن قُتِلْن أيضًا\".\n(٥) (رقم: ٣٠١٢).\n(٦) لا حِمى إلاَّ لله ولرسوله: قال الكرماني -﵀- (١٠/ ١٨٢): \"حِمى -بغير التنوين- لغةً: المحظور، واصطلاحًا: ما يَحمي الإمام من الموات والمواشي بعينها، ويمنع سائر =","vol":"7","page":114},{"text":"- ﷺوقد قيل له: لو أنّ خيلًا أغارَت من الليل، فأصابت مِن أبناء المشركين-قال: \"هم مِن آبائهم\" (١).\nفهذا في نِساء المسلمين وأبنائهم ظاهر، فأمَّا الأسرى مِن المسلمين يكونون معهم في الحصون، فدليلُ مَن أجاز ذلك؛ هو مِن طريق المعنى، وذلك أنَّ قولَه في أبناء المشركين: \"هم من آبائهم\" ليس على معنى أنهم كُفَّار؛ لأنهم لم يبلُغوا، فلم يخاطَبوا بَعْدُ بالإيمان، ولم يَجْرِ عليهم التكليف، فلا يصحُّ إطلاق وصْفِ الكفر عليهم، لكن معنى: \"هم منهم\": رَفْعُ الخرج عن المسلمين في إصابتهم بحُكم الاضطرار، ومعرَّة الاقتحام، أي: لا مأثم يلحق في إصابتهم، فكذلك يجري المعنى في حُكْم الأسرى من المسلمين؛ إنْ أُصيب منهم أحدٌ في أثناء الاقتحام.\nووجه المنعِ في الجملة على نحو ما رُوِي عن ابن القاسم: أن لا يُرموا بالمجانيق إذا كان معهم النساء والأطفال؛ عُموم النهي عن قَتْلهم؛ ولأنّ الحديث في إرخاص ذلك؛ إنَّما جاء في البيات والغارات، حيث تدعو الضرورة إلى المباغتة، ولا يوقَن بالذراريّ أن يُصابوا.\nوأمَّا رمي الحصون -وقد عُلم ما فيها من الذريَّة، والأمر فيهم على الرَّوية وعدم الاضطرار- فليس ممَّا أبيح مِن ذلك، هذا ونحوه هو الذي يتوجه لهذا القول.\n_________\n= الناس من الرعي فيها، والمقصود مِن الحصر؛ إبطال ما كان يحميه الرجل العزيز مِن أهل الجاهلية؛ يأتي الأرض الخصبة فيستَعوي كلبًا؛ فيحمي مدى صوت الكلب من كل وجهة، ويمنع الناس أن يرعوا حوله\".\n(١) أخرجه مسلم: (١٧٤٥ - ٢٨).","vol":"7","page":115},{"text":"والأَوْلَى -إن شاء الله- والذي نختاره التفصيل في ذلك، فنقول [القول لمصنِّف \"الإنجاد\"]:\nأمَّا إنْ لم يُعلم في الحِصنِ أحدٌ من أُسارى المسلمين؛ فالأظهر جواز رميِهم، مع كون النساء والذريَّة في جملتهم، بدليل الحديث في قوله: \"هم منهم\"، إذا لم يُقصَدوا، وكان إصابتهم لضرورة الاقتحام، ولقوله - ﷺ - فيهم: \"لا حِمى إلاَّ لله ولرسوله\".\nوأمَّا إنْ كان في الحصن أحدٌ من أسارى المسلمين، يُعلم ذلك، فالأظهر توقِّي استعمال ما لا يُؤمَن فيه إصابتُهم، فإْنْ عُلم أنّ ذلك لا يصيب الأسرى، فلا بأس، وذلك لأنّ حديث الصّعب بن جثَّامة؛ لم يجرِ فيه ذِكْر مُسلمٍ، إنما هو في نساء المشركين وأبنائهم، فلا يستباح بذلك الاجتراء في أمر المسلمين.\nوأظهرُ من هذا والأتمُّ حُجَّةً قولُ الله -تعالى- في تأخير القتال عن أهل مكة عام الحديبية: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (١). فهذا نصٌ في وجوب التَوقِّي.\nفإن قيل: إنَّ ذلك خاصٌّ بأهل مَكَّة، فهو دعوى؛ لأن الله -تعالى- إنَّما جعل الحُرمة في ذلك للإيمان لا للبلد، وهذا التفصيل والفَرْق الذي اخترناه؛ إنما نَعْني به الحُكمَ في قتال الحصون، وحيث لا ضرورة تدعو المسلمين؛ لكَسْر العدو ومدافعتهم.\nوأمَّا عند لقاء جيوش المشركين، وفيهم أُسارى من المسلمين، فأرجو -إن\n_________\n(١) الفتح: ٢٥.","vol":"7","page":116},{"text":"شاء الله- أن يكون كلّ شيءٍ مما يُنْكَى به العدوّ سائغًا، سواءٌ أُمِن أن يصيب الأسرى مِن ذلك شيءٌ أوْ لا، إلاَّ أنّهم لا يُتَعَمَّدون، ويُتحفَّظ عنهم بقَدْر الوُسع، وذلك أنَّ في الكفِّ عن القتال، وتَرْك الدِّفاع في مِثل هؤلاء الذين بَرزوا للمسلمين هلاكًا للناس، وتمكينًا لأهل الكُفر مِن الإسلام ﴿وَلَن يجعَلَ اَللهُ لِلكافِرينَ عَلَى المؤمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (١).\nوهذا كلّه ما لم يتترس الكُفّار بالمسلمين، فإنْ تترسوا بهم، بحيث لا يُمكِن قتالُهم إلاَّ مِن وراء قَتْل مسلم، فالأرجح الذي نختاره؛ الكفُّ جُملةً، والقتال لا نراه على حالٍ مِنْ غير تفصيلٍ في قِتال الحصون أو الجيوش؛ لأنّ ذلك إنْ لم تكن ضرورة، فلا خفاءَ به، وإنْ كانت ضرورة بحيث يُبْقي المسلمون على أنفسهم في الكفِّ عن القتال؛ فذلك أيضًا موجودٌ إذا قاتَلوا بقَتْلهم المسلمين الذين تترَّس بهم العدوّ؛ من غير حقٍّ وجب عليهم مُبيحٍ لدمائهم، وليس لأحدٍ أن يَقْتُل مسلمًا بريئًا؛ لينجو بذلك مِن القتل ... \". انتهى.\nقلت: والراجح عندي: أنَّ الأمر يدور حول ترجيح المصالح، واختيارِ أقلِّ الضرَرين وأخفّ الشرَّين؛ مع التحرُّجِ من قَتْل أُسارى المسلمين، ونساء وذراريِّ المشركين؛ تقصُّدًا وتعمُّدًا.\nونلاحظ أنّ ترجيح المصنِّف؛ كان يدور حول المعنى المتقدِّم، وسوَّغ إصابة النّساء والذّرّية من المشركين؛ إن لم يكن بُدٌّ مِن ذلك لضرورة الاقتحام، وقد يكون القتال ليلًا، لا يُميَّز فيه الرجل من المرأة، ولا الصبيُّ من الرجل؛ كما ذكَر بعض العلماء. وذكروا قوله - ﷺ -: \"لا حِمى إلاَّ لله ولرسوله - ﷺ -\".\n_________\n(١) النساء: ١٤١.","vol":"7","page":117},{"text":"ثمّ بيَّن وجوب توقِّي إصابة أُسارى المسلمين؛ حينما يكونون في حصون العدوِّ، ثمّ استدَلَّ بقوله -تعالى-: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (١).\nقال الحافظ ابن كثيرٍ -﵀-: \" ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ﴾ أي: بين أظهُرهم ممن يكتُم إيمانَه ويُخْفيه منهم خيفةً على أنفسهم مِن قومهم، لكُنَّا سلّطْناكم عليهم فقتلتموهم، وأبدْتُم خضراءَهم [يعني: سوادهم أو معظمهم]، ولكن بين أفنائِهم مِن المؤمنين والمؤمنات أقوام لا تعرفونهم حالةَ القتل؛ ولهذا قال -تعالى-: ﴿لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ﴾ أي: إثم وغرامة ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: يؤخر عقوبتَهم ليخلِّص مِن بين أظهرهم المؤمنين، وليرجع كثيرٌ منهم إلى الإسلام. ثمّ قال -﵎-: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ أي: لو تميَّز الكُفّار مِن المؤمنين الذين بين أظهرهم ﴿لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ أي: لسلّطناكم عليهم فلقتلتموهم قَتْلًا ذريعًا\".\nثمّ ذكَر صاحب \"الإنجاد\" -﵀-: ما يكون مِن شأن لقاءِ جيوش المشركين، وفيهم أسارى مِن المسلمين، فبيَّن تحريمَ تعمُّدِ إصابتهم، والتحفّظ عنهم بقدر الوُسع، وتسويغَ القتل لطالما هو ممّا يُنكى به العدوّ، مُبَيِّناَ خَطَر الكفّ عن القتال وتَرْك الدفاع، وأنّ في ذلك مفسدةً أعظم من إصابة بعض الأُسارى.\nثمّ ذكَر مسألة تترُّس الكُفَّار بالمسلمين، واختار الكفَّ عن ذلك.\n_________\n(١) الفتح: ٢٥.","vol":"7","page":118},{"text":"قلت: والراجح عندي في مسألة التترس كلام شيخ الإسلام، فقد قال - ﵀-: \"وقد اتفق العلماء على أنّ جيش الكُفّار إذا تترَّسوا بمَن عندهم مِن أسرى المسلمين؛ وخيف على المسلمين الضرر إذا لم يقاتِلوا؛ فإنهم يقاتَلون، وإن أَفضى ذلك إِلى قَتْل المسلمين الذين تترَّسوا بهم، وإِن لم يُخَف على المسلمين؛ ففي جواز القتال المفضي إِلى قَتْل هؤلاء المسلمين؛ قولان مشهوران للعلماء، وهؤلاء المسلمون إذا قُتلوا كانوا شهداء، ولا يُتَرك الجهاد الواجب لأجل مَن يُقتَل شهيدًا\" (١).\nأقول: إِن تترُّس الكُفَّار بالمسلمين؛ ممّا يدلّ على عدم إقامة وزنٍ للأسارى، فهم مُعرّضون للقتل مِن قِبَل الكُفّار في أيّ لحظة؛ فإنْ كان في حال عدمِ قتال الكُفّار؛ لا يُؤمَن سلامة الأسارى، ويُخشى انجرار القتل إلى غيرهم، واحتلال بعض مواقع المسلمين؛ فالقتال هو الأولى، ولو أُصيب المسلم ضرورةً مِن غير تعمُّد ولا تقصُّد، والله -تعالى- أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1862>الدعوة قبل القتال</span>\nقال الله -تعالى-: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِبِينَ حَتى نَبعَثَ رَسُولًا﴾ (٢).\nعن سهل بن سعد -﵁- \"أنّه سمِع النبيّ - ﷺ - يقول يوم خَيبر: لأُعطينّ الرايةَ رجلًا يَفتَحُ الله على يديه، فقاموا يرجون لذلك أيُّهُم يُعطى، فغَدوا وكلّهم يرجو أن يُعطى، فقال: أين عليّ؟ فقيل: يشتكي عينيه، فأمرَ فدُعي له فبصَق\n_________\n(١) انظر \"مجموع الفتاوى\" (٢٨/ ٥٤٦). وجاء ذِكرُه في التعليق على كتاب: الإنجاد\" (١/ ٢٤١).\n(٢) الإسراء: ١٥.","vol":"7","page":119},{"text":"في عينيه، فبَرأ مكانَه؛ حتى كأنه لم يكن به شيء، فقال: نقاتلُهُم حتى يكونوا مثلَنا (١) فقال؛ على رِسلك (٢) حتى تنزل بساحتهم، ثمّ ادْعُهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم، فوالله لأَن يُهدَى بك رجلٌ واحد؛ خيرٌ لك من حُمْر النَّعَم (٣) \" (٤).\nوفي حديث بريدة -﵁- المتقدم: \" ... وإذا لقيتَ عدوّك مِن المشركين فادْعُهم إلى ثلاثِ خصالٍ (أو خِلال).\nفأيتُهُنَّ ما أجابوك؛ فاقبَل منهم، وكُفَّ عنهم، ثمّ ادعهم إلى الإسلام، فإنْ أجابوك فاقبَل منهم، وكُفَّ عنهُم، ثمّ ادْعهم إلى التحول مِن دارِهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إنْ فعَلوا ذلك؛ فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبَوا أن يتَحوَّلوا منها، فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين؛ يجري عليهم حُكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء؛ إلاَّ أنْ يجاهدوا مع المسلمين، فإنْ هم أبَوا فسَلْهم الجزية، فإنْ هم أجابوك فاقَبَل منهم وكُفَّ عنهُم، فإن هم أبَوا فاستَعِن بالله وقاتِلهم\" (٥).\nجاء في \"نيل الأوطار\" (٨/ ٥٣) عقب قوله - ﷺ -: \"ثمّ ادْعهم إلى الإسلام\":\n_________\n(١) جاء في \"نيل الأوطار\" (٨/ ٥٥): المراد من المثليّة المذكورة؛ أن يتصفوا بوصف الإسلام، وذلك يكون في تلك الحال بالتكلم بالشهادتين، وليس المراد أنهم يكونون مثلَهم في القيام بأمور الإسلام كلِّها، فإنّ ذلك لا يمكن امتثاله حال المقاتَلَة.\n(٢) أي اتّئد ولا تعجل.\n(٣) هي الإبِل الحُمْر، وهي من أنفس أموال العرب، يضربون بها المثَل في نفاسة الشيء، وأنه ليس هناك أعظم منه. \"شرح النّووي\".\n(٤) أخرجه البخاري: ٢٩٤٢، ومسلم: ٢٤٠٦.\n(٥) أخرجه مسلم: ١٧٣١ وتقدّم.","vol":"7","page":120},{"text":"\"وفيه دليل على وجوب تقديم دعاء الكفار إلى الإسلام قبل المقاتَلَة\".\nوفي المسألة ثلاثة مذاهب: الأول: أنّه يَجِب تقديم دعاء الكُفّار إلى الإسلام، مِن غير فرْقٍ بين من بلَغتْه الدعوة منهم، ومن لم تبلغه، وبه قال مالك والهادوية وغيرهم، وظاهر الحديث معهم.\nوالمذهب الثاني: أنّه لا يَجب مطلقًا.\nالمذهب الثالث: أنّه يَجب لمن لم تبلغهم الدعوة، ولا يَجِب إنْ بلغَتْهم لكن يُستحَبّ.\nقال ابن المنذر: وهو قول جمهور أهل العلم، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة على معناه، وبه يجمع بين ما ظاهره الاختلاف من الأحاديث.\nوقال الإمام البخاري -﵀-: \" (باب دعوة اليهود والنصارى، وما يقاتلون عليه، وما كتب النبيّ إلى كسرى وقيصر والدعوة قبل القتال (١» (٢).\nوعن ابن عون قال: كتبتُ إلى نافع، فكتَب إليّ إنّ النبيّ - ﷺ - أغارَ على بني المُصْطَلِق وهم غارّون، وأنعامُهم تُسقى على الماء، فقَتَل مُقاتِلتَهم وسبى ذراريَّهم، وأصاب يومئذٍ جُوْيرية.\nحدثني به عبد الله بن عمر وكان في ذلك الجيش\" (٣).\nوفي لفظ: قال ابن عون: \"كتبتُ إلى نافعٍ أسأله عن الدعاء قبل القتال، قال:\n_________\n(١) انظر \"صحيح البخاري\" (كتاب الجهاد والسِّير) (باب ١٠١).\n(٢) ثم ذكر تحته حديثين انظرهما -إن شئت- برقم (٢٩٣٨، ٢٩٣٩).\n(٣) أخرجه البخاري: ٢٥٤١، ومسلم: ١٧٣٠.","vol":"7","page":121},{"text":"فكتَب إليّ إنما كان ذلك في أوّل الإسلام، قد أغار رسول الله - ﷺ - على بني المصطلِق وهم غارّون ... \" (١).\nجاء في \"كتاب الإنجاد\" (ص ١٦٨): -بعد ذكر حديث سهل ﵁-: \"فتضمَّن ظاهرُ القرآن، ونصُّ حديث سهلٍ؛ الأمرَ بالدعاء إلى الإسلام قبل القتال، وجاء في حديث ابن عمر -﵄- مباغتَتُهم، والإغارةُ عليهم وهم غارُّون، فوجَب أن يُرجَع ذلك إلى اختلاف أحوال الكُفّار؛ فيمن كان قد علِمَ بأمر النبيّ - ﷺ -، وما يُقاتِلُهم عليه، داعيًا إلى الله -تعالى-، وإلى دين الإسلام، أو كان لم يعلم شيئًا من ذلك.\nوالدليل على ذلك قوله في الحديث: \"إنما كان ذلك في أول الإسلام\"، يعني: دعاءَهم قبل القتال، حيث كانوا جاهلين بأمر النبيّ - ﷺ -، وأحوالُ الكُفّار لا تخلو مِن هذين الوجهين، فأمّا من عُلِمَ، وتُحُقِّق أنّه لم تبلغه دعوة الإسلام، ولا عُلِمَ ماذا يراد منه بالقتال، فلا خِلافَ يُعرفُ أنّه يجب أن يُدعى قبلُ إلى الإسلام، ويعلم بما يجب في ذلك، فإنِ امتنعوا قوتلوا حينئذٍ\" (٢).\nوقال (ص ١٧١): \"قال ابن المنذر: ... وكان الشافعيّ وأبو ثور يقولان: فإنْ كان قومٌ لم تبلُغهم الدعوة، ولا عِلْم لهم بالإسلام، لم يقاتَلوا حتى يُدْعَوا إلى الإسلام، قال ابن المنذر: وكذلك نقول\". انتهى.\nقلت: وقد بوّب الإمام النّووي -﵀- للنص الذي قاله نافع، وكان قد حدّثه هذا الحديث عبد الله بن عمر -﵄- قائلًا: (باب جواز\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ١٧٣٠.\n(٢) انظر تتمة الكلام للمزيد من الفائدة -إن شئت-.","vol":"7","page":122},{"text":"الإغارة على الكُفّار الذين بلَغتْهم دعوة الإسلام، مِنْ غير تقدُّم الإعلام بالإغارة\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1863>الدعاء عند القتال</span>\nعن عمر بن الخطاب -﵁- قال: \"لمّا كان يومُ بدر؛ نظَر رسول الله - ﷺ - إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وتسعةَ عشرَ رجلًا، فاستقبل نبيُّ الله - ﷺ - القبلة، ثمّ مدّ يديه فجعَل يهتف بربّه: اللهم أنجِز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعَدتَني، اللهم إنْ تُهلِكْ هذه العِصابة (١) مِن أهل الإسلام لا تُعبَد في الأرض، فما زال يهتف بربه مادًّا يديه مستقبل القبلة، حتى سَقَط رداؤه عن مَنْكِبيه، فأتاه أبو بكر، فأخذ رداءه، فألقاه على مَنْكِبيه ثمّ التزمه مِن ورائه، وقال: يا نبيّ الله كفاك مناشدتُك ربِّك (٢)؛ فإنه سيُنجِز لك ما وعدَك فأنزَل الله -﷿-: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٣)﴾ (٤) فأمدّه الله بالملائكة.\nقال أبو زُمَيل: فحدَّثني ابن عباس قال: بينما رجل مِن المسلمين يومئذ، يَشتدّ في أَثر رجل من المشركين أمامه؛ إذ سمع ضربةً بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: أقدِم حيزوم (٥) فنظَر إلى المشرك أمامه فخرَّ مُستلقيًا.\n_________\n(١) أي: الجماعة.\n(٢) المناشدة: السؤال، مأخوذة مِن النشيد، وهو رفْع الصوت، \"شرح النّووي\".\n(٣) أي: يردف بعضهم بعضًا، فهم متتابعون، وراء كلّ ملَك، ملَك، على أثر بعضهم، \"ملتقط من تفسير ابن كثير\".\n(٤) الأنفال: ٩.\n(٥) اسم فرس المَلك.","vol":"7","page":123},{"text":"فنظَر إليه، فإذا هو قد خُطِمَ أنفُه (١)، وشُقَّ وجهُه كضربةِ السوط، فاخضرَّ ذلك أجمَعُ، فجاء الأنصاري، فحدَّث بذلك رسول الله - ﷺ - فقال: صدْقتَ ذلك مِن مَدَد السماء الثالثة، فقَتَلوا يومئذٍ سبعين وأسروا سبعين\" (٢).\nوعن أبي موسى الأشعري -﵁- أن النبيّ - ﷺ - كان إذا خاف قومًا قال: \"اللهمّ إنّا نجعلُكَ في نحورهم، ونعوذُ بك مِن شرورهم\" (٣).\nوعن سهل بن سعد -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ثنتان لا تُردّان -أو قلّما تُردّان-: الدعاء عند النداء، وعند البأس حين يُلْحِمُ (٤) بعضُهم بعضًا\" (٥).\nوعن أنس بن مالك -﵁- قال: كان رسول الله إذا غزا قال: \"اللهم أنت عَضُدي ونَصيري، بك أحول، وبك أصول (٦)، وبك أقاتل\" (٧).\nوعن ابن عباس -﵄- قال: \" ﴿حَسْبُنَا اَللهُ وَنِعْمَ الوكيلُ﴾\n_________\n(١) الخطم: الأثر على الأنف.\n(٢) أخرجه مسلم: ١٧٦٣.\n(٣) أخرجه أبو داود والنسائي، وصححه شيخنا -﵀ في \"الكَلِم الطيب\"، رقم (١٢٤).\n(٤) بضم الياء وكسر الحاء كما قال المناوي، وجاء في \"النّهاية\": \"أيْ يَشْتَبِك الحرْبُ بينهم، ويَلْزَم بعضُهم بَعْضًا\".\n(٥) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٢١٥)، وصححه شيخنا -﵀- في \"المشكاة\" (٦٧٢).\n(٦) أي: أسطوا وأقهر، والصولة: الحملة والوثبة. \"النّهاية\".\n(٧) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٢٩١)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٢٨٣٦) وانظر \"الكَلِم الطيب\"، بتحقيق شيخنا -﵀- رقم (١٢٥).","vol":"7","page":124},{"text":"قالها إبراهيم -﵇- حين أُلقي في النّار، وقالها محمّد - ﷺ - حين قالوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (١) \" (٢).\nوعن عليٍّ -﵁- قال: \"لمّا كان يومُ الأحزاب، قال رسول الله - ﷺ -: مَلأ الله بيوتَهم وقُبورهم نارًا، شغلونا عن الصلاة الوسطى؛ حين غابت الشمس\" (٣).\nوعن عبد الله بن أبي أوفى -﵄- قال: دعا رسول الله - ﷺ - يوم الأحزاب على المشركين فقال: \"اللهم مُنْزِل الكتاب، سريع الحساب، اللهمّ اهزم الأحزاب، اللهمّ اهزمهم وزَلْزِلهم\" (٤).\nوفي لفظ: \"اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ، وَمُجْرِيَ السَّحَابِ، وَهَازِمَ الْأَحْزَابِ، اهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ\" (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1864>الإلحاح على الله -تعالى- في طلب النصر</span>\nفيه حديث ابن عباس -﵄- المتقدّم: \" ... فما زال يهتف بربه مادًّا يديه، مُستقبل القبلة حتّى سقَط رداؤه عن مَنْكِبيه\".\nوفي رواية: \"قال: قال النبيّ - ﷺ - وهو في قُبّة (٦): اللهمّ إني أَنشُدُك عهدَك\n_________\n(١) آل عمران: ١٧٣.\n(٢) أخرجه البخاري: ٤٥٦٣.\n(٣) أخرجه البخاري: ٢٩٣١، ومسلم: ٦٢٧.\n(٤) أخرجه البخاري: ٢٩٣٣، ومسلم: ١٧٤٢.\n(٥) أخرجه البخاري: ٣٠٢٤، ومسلم: ١٧٤٢.\n(٦) القُبّة: كلّ بناء مدور، وقال ابن الأثير: القبّة من الخيام: بيت صغير وهو من بيوت العرب، ذكَره العيني -﵀- في \"عمدة القاري\" (١٤/ ١٩٣).","vol":"7","page":125},{"text":"ووعدَك، اللهم إنْ شئتَ لم تُعْبَد بعد اليوم، فأخَذ أبو بكرٍ بيده فقال: حسبك يا رسول الله، فقد ألححت على ربك -وهو في الدرع (١) - فخرَج وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ * بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ (٢). وقال وُهَيب: حدّثنا خالد يوم بدر\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1865>كراهةُ تمنّي لقاءَ العدْوّ، والأمرُ بالصبر عند اللقاء </span>(٤)\nعن أبي هريرة -﵁- أنّه قال: \"لا تَتَمنَّوا لقاء العدو، فإذا لقيتموهم فاصبِروا\" (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1866>وجوب الثبات عند لقاء العدوّ ومتى يجوز الفرار</span>\nيَجِبُ ثبات المقاتلين عند لقاء العدوّ، لقول الله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً (٦) فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٧).\nوتقدّم حديث أبي هريرة -﵁- \"لا تتمنّوا لقاء العدوّ ... \".\nويحرُم الفِرار لقوله -سبحانه-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ الذين كفروا\n_________\n(١) الدرع: هي الزَّرَديّة وهي: قميص من حلقاتٍ من الحديد متشابكة، يُلبس وقاية من السلاح.\n(٢) القمر:٤٥ - ٤٦.\n(٣) أخرجه البخاري: ٢٩١٥.\n(٤) هذا العنوان من \"صحيح مسلم\" (كتاب الجهاد والسِّير) (باب - ٦).\n(٥) أخرجه البخاري: ٣٠٢٤، ومسلم: ١٧٤٢. وتقدّم.\n(٦) أي تقاربتم منهم، ودنوتم إليهم.\n(٧) الأنفال: ٤٥.","vol":"7","page":126},{"text":"زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (١) (٢).\nقال الحافظ ابن كثير -﵀- في \"تفسيره\": \"يقول -تعالى- مُتوعّدًا على الفرار من الزحف بالنار لمن فعَل ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا﴾ أي: تقاربتم منهم ودنوتم إليهم، ﴿فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ أي: تَفرّوا وتتركوا أصحابكم، ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ﴾ أي: يَفرّ بين يدي قِرْنِه (٣) مكيدة؛ ليُريَه أنّه قد خاف منه فيتبعه، ثمّ يكرّ عليه فيقتله، فلا بأس عليه في ذلك، نصّ عليه سعيد بن جبير، والسدي.\nوقال الضحاك: أن يتقدَّم عن أصحابه ليرى غرةً مِن العدو فيصيبُها.\n﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ أي: فرَّ مِن هاهنا إلى فئةٍ أخرى مِن المسلمين، يُعاونهم ويعاونوه، فيجوز له ذلك، حتى ولو كان في سريةٍ ففرَّ إلى أميره أو إلى الإمام الأعظم، دخَل في هذه الرخصة\" انتهى.\nوعن عمر -﵁- قال: \"لو أنّ أبا عبيدة تحيَّز إلي، لكنت له فئة، وكان أبو عبيدة في العراق\" (٤).\n_________\n(١) الأنفال: ١٥، ١٦.\n(٢) عن أبي سعيد -﵁- قال: نَزَلت في يوم بدر ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾. أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٦٤٨).\n(٣) أي: مثلِه في الشجاعة والشدّة والقتال.\n(٤) صححه شيخنا -﵀ في \"الإرواء\" (١٢٠٥).","vol":"7","page":127},{"text":"وفي لفظ عن سويد أنّه سمع عمر بن الخطاب -﵁- \"يقول لمّا هُزم أبو عبيدة: لو أتوني كنت أنا فئتَهم\" (١).\nوقال الضحاك في قوله: ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ المتحيز: الفارّ إلى النبيّ - ﷺ - وأصحابه، وكذلك مَن فرّ إلى أميره وأصحابه.\nفإمّا إن كان الفرار لا عن سبب من هذه الأسباب؛ فإنّه حرام، وكبيرة من الكبائر (٢).\nعن أبي هريرة -﵁- عن النبيّ - ﷺ - قال: \"اجتنبوا السبع الموبقات (٣)، قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقَتْل النفس التي حرّمَ الله إلاّ بالحقّ، وأكْلُ الربا، وأكْل مال اليتيم، والتَّولي يومَ الزَّحف، وقذْف المحصناتِ (٤) المؤمنات الغافلات (٥) \" (٦).\nويجوز الفرار مِن الثلاثة ولا يجوز من الاثنين:\nعن ابن عباس -﵄- قال: \"إنْ فَرَّ رجلٌ من اثنين فقد فرّ، ومَن فرّ مِن ثلاثة لم يَفرّ\" (٧).\n_________\n(١) أخرجه البيهقي، وصححه شيخنا -﵀- في \"الإرواء\" (١٢٠٥).\n(٢) انظر \"تفسير ابن كثير\".\n(٣) الموبقات: المُهلِكات.\n(٤) المحصنات: العفائف.\n(٥) الغافلات: أي الغافلات عن الفواحش وما قُذفن به. \"شرح النّووي\".\n(٦) أخرجه البخاري: ٦٨٥٧، ومسلم: ٨٩.\n(٧) أخرجه البيهقي وغيره، وصححه شيخنا -﵀- في \"الإرواء\" (١٢٠٦).","vol":"7","page":128},{"text":"وهو وإنْ كان موقوفًا؛ فله حُكم المرفوع؛ بدليل القرآن وسبب النزول (١).\nفعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- لمّا نَزَلَتْ هذه الآية: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ (٢).\nفَكُتِبَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَفِرَّ وَاحِدٌ مِنْ عَشَرَةٍ، فَقَالَ سُفْيَانُ غَيْرَ مَرَّةٍ: أَنْ لَا يَفِرَّ عِشْرُونَ مِنْ مِائَتَيْنِ، ثُمَّ نزَلَتْ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ (٣) فكَتَبَ أَنْ لَا يَفِرَّ مِائَةٌ مِنْ مِائَتَيْنِ.\nزَادَ سُفْيَانُ مَرَّةً نَزَلَتْ: ﴿حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ﴾ (٤) \" (٥).\nوفي لفظ: \"لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى المسْلِمِينَ حِينَ فُرِضَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يفِرَّ وَاحِدٌ مِنْ عَشَرَةِ، فَجَاءَ التَّخْفِيفُ فَقَالَ: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ قَالَ: فَلَمَّا خَفَّفَ اللهُ عَنْهُمْ مِنْ الْعِدَّةِ نَقَصَ مِنْ الصَّبْرِ بِقَدْرِ مَا خُفِّفَ عَنْهُمْ\" (٦).\n_________\n(١) انظر الإرواء (١٢٠٦) للمزيد من الفائدة.\n(٢) الأنفال: ٦٥.\n(٣) الأنفال: ٦٦.\n(٤) الأنفال: ٦٥.\n(٥) أخرجه البخاري: ٤٦٥٢.\n(٦) أخرجه البخاري: ٤٦٥٣.","vol":"7","page":129},{"text":"وخلاصة القول: وجوب الثبات عند لقاء العدوّ، وعدم التولي مِن ميدان القتال، إلاّ إذا رأى أنّ الأفضل والأنفع؛ أن يفرّ ويكرّ، أو يفرّ مِن فئة إلى أخرى من المسلمين؛ يعاونهم ويعانوه ويقوِّي بعضهم بعضا، مع جواز فِرار الرجل من الثلاثة، وتحريم فِراره من الرجلين.\nلأنه ربّما رجّح أنّه سيُقتل مِن غير فائدة مِن قِبَل الثلاثة، ففراره على التفصيل السابق، أو لأجل معركة أُخرى، وهو الأنفع، والله -تعالى- أعلم.\nوجاء في \"المغني\" (١٠/ ٥٥٣): \"وإذا كان العدوّ أكثرَ من ضِعف المسلمين، فغلَبَ على ظنّ المسلمين الظَّفَر، فالأولى لهم الثبات؛ لما في ذلك من المصلحة.\nوإنْ انصرفوا جاز؛ لأنّهم لا يأمنون العَطَب والحُكم عُلّق على مظنّته، وهو كونهم أقلَّ مِن نصف عددهم، ولذلك لَزمَهم الثبات؛ إذا كانوا أكثر من النصف، وإنْ غلَب على ظنّهم الهلاك فيه، ويحتمل أن يلزَمهم الثبات إنْ غلَب على ظنّهم الظَّفَر، لما فيه مِن المصلحة.\nوإن غلب على ظنهم الهلاك في الإقامة، والنجاة في الانصراف؛ فالأولى لهم الانصراف، وإنْ ثبتوا جاز، لأنّ لهم غرضًا في الشهادة، ويجوز أن يغلبوا أيضًا.\nوإنْ غلَب على ظنهم الهلاك في الإقامة والانصراف، فالأولى لهم الثبات، لينالوا درجة الشهداء المُقبِلين على القتال محُتسِبين، فيكونون أفضل مِن المولّين، ولأنه يجوز أن يَغلِبوا أيضًا، فإنّ الله -تعالى- يقول: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (١) ولذلك صبَر عاصم وأصحابُه، فقاتلوا\n_________\n(١) البقرة: ٢٤٩.","vol":"7","page":130},{"text":"حتى أكرَمهم الله بالشهادة\".\nجاء في \"المغني\" (١٠/ ٥٥٠): \"ولا يحلُّ لمسلم أن يهرب مِن كافِرَين، ومُباح له أن يهرب مِن ثلاثة، فإن خشي الأسرَ قاتل حتى يُقتَل\" انتهى.\nأقول: فينبغي علينا أن نتعرّف حقيقةً مُرَّة: وهي أنّ الإنسان -لو وقع الجهاد!!! - قد يفرّ مِن عشرين أو ثلاثين؛ إذا عَلِمت أنّ الكُفار بعضهم أولياء بعض وأن المسلمين متفرّقون متناحرون متنازعون، وأنّ الكفّار أكثر إعدادًا وعددًا وسلاحًا وقوةً وتقدُّمًا علميًّا، ونكاد أن نكون في مرتبة المتخلّفين!.\nفلماذا لا يكون التقويم سديدًا في أمور الجهاد والقتال؟!\nوليس مرادي أن نَكِلَّ ونيأس؛ فقد قال ربُّنا سبحانه على لسان يعقوب -﵇-: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (١). بل مرادي مِنْ ذلك، أن نسلُك الطريق الصحيح في الإعداد الجهادي المفضي إلى النصر بإذن الله -تعالى- (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1867>المبايعة على الموت أو عدم الفرار</span>\nعن مَعْقِل بن يَسار -﵁- قال: \"لقد رأيتُني يومَ الشجرة، والنبيّ - ﷺ - يبايع النّاس وأنا رافع غُصْنًا مِن أغصانها عن رأسه، ونحن أربعَ عَشْرَةَ مائةً، قال: لم نبايعه على الموت، ولكن بايعناه على أن لا نفرّ\" (٣).\n_________\n(١) يوسف: ٨٧.\n(٢) وانظر عنوان (عَجَبًا مِن التخبط والعشوائية في طلب النّصر).\n(٣) أخرجه مسلم: ١٨٥٨، ورواه النسائي \"سنن النسائي\" عن جابر، وقال شيخنا -﵀ - \"صحيح\".","vol":"7","page":131},{"text":"وعن يزيدَ بنِ أبي عبيد مولى سلمةَ بن الأكوع قال: \"قلت لسلمة: على أيِّ شيء بايعتم رسول الله - ﷺ - يوم الحديبية؟ قال: على الموت\" (١).\nقلت: ليس في هذا تعارُض؛ لأن المبايعة على عدم الفرار -وهو المطلوب- لا يلزم منها الموت دائمًا.\nقال الحافظ -﵀-: \" ... المراد بالمبايعة على الموت أن لا يفرّوا ولو ماتوا، وليس المراد؛ أن يقع الموت ولا بُدّ\".\n\nالتحنُّط (٢) عند القتال (٣)\nعن موسى بن أنس قال: وذَكر يوم اليمامة -قال: \"أتى أنسٌ ثابت بن قيس وقد حَسَرَ (٤) عن فَخِذيه، وهو يتحنَّط، فقال: يا عَمِّ ما يَحبِسُك أن لا تجيء؟ قال: الآن يا ابن أخي؟ وجعل يتحنَّط -يعني من الحنُوط-.\nثمّ جاء فجلَس فذكرَ في الحديث انكشافًا من الناس (٥) فقال: هكذا عن وجوهنا (٦) حتى نضارب القوم، ما هكذا كنا نفعل مع رسول الله - ﷺ - (٧)، بئس ما\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٢٩٦٠، مسلم: ١٨٦٠.\n\n(٢)<span data-type=\"title\" id=toc-1868> التحنّط عند القتال: </span>أي استعمال الحَنوط، وهو ما يُطيَّب به الميت. \"الفتح\".\n(٣) هذا العنوان من \"صحيح البخاري\" (باب - ٣٩).\n(٤) حسَر: كشف.\n(٥) في رواية ابن أبي زائدة: \"فجاء حتى جلَس في الصفّ، والناس ينكشفون\" أي: ينهزمون، \"الفتح\".\n(٦) هكذا عن وجوهنا: أي افسحوا لي حتى أقاتِل.\n(٧) أي بل كان الصف لا ينحرف عن موضعه. \"الفتح\".","vol":"7","page":132},{"text":"عوَّدْتُم أقرانكُم (١) \" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1869>مَا يُتَعَوَّذُ مِنْ الْجُبْنِ </span>(٣)\nعن عمرو بن ميمون الأودي قال كان سعدٌ يُعلّم بنيه هؤلاء الكلمات كما يُعلّم المعلمُ الغلمان الكتابة، ويقول: \"إنّ رسول الله - ﷺ - كان يتعوّذ منهنّ دُبرَ الصلاة، اللهمّ إنّي أعوذ بك مِن الجُبن، وأعوذ بك أن أُرَدَّ إلما أرذل العُمُر، وأعوذ بك مِن فتنة الدنيا، وأعوذ بك مِن عذاب القبر\" (٤).\nوعن أنس -﵁- قال: كان رسول الله - ﷺ - يقول: \"اللهمَّ إنّي أعوذ بكَ من العَجْز والكَسَل، والجُبن والهرَم، وأعوذ بك مِن فتنة المحيا والممات، وأعوذ بك مِن عذاب القبر\" (٥).\nوعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"شرُّ ما في\n_________\n(١) أقرانكم: نظراءَكم، أراد توبيخ المنهزمين، أي: عودتموهم الفرار حتى طمعوا فيكم. \"الفتح\" بتصرف.\nقلت: فواحرّ قلباه ماذا لو رأى -﵁- ما نحن عليه الآن وماذا لو رأى ما عَوّدْنا به أعداءَنا الآن؟!\n(٢) أخرجه البخاري: ٢٨٤٥.\n(٣) هذا العنوان من \"صحيح البخاري\" (كتاب الجهاد والسير) (باب - ٢٥).\n(٤) أخرجه البخاري: ٢٨٢٢.\n(٥) أخرجه البخاري: ٢٨٢٣، ومسلم: ٢٧٠٦.","vol":"7","page":133},{"text":"الرجل شحٌّ (١) هالع (٢)، وجُبْنٌ خالع (٣) \" (٤).\nقال شيخ الإسلام -﵀- في \"المجموع\" (٢٨/ ٢٦): \"ومِن شرط الجندي أنْ يكون دَيِّنًا شجاعًا. ثمّ قال: الناس على أربعة أقسام: أعلاهم الدَّيِّن الشجاع؛ ثمّ الدَّيِّن بلا شجاعة؛ ثمّ عكسه؛ ثمّ العري عنهما\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1870>ما جاء في المبارزة </span>(٥)\nعَنْ عَليِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁- قالَ: \"أنا أَوَّلُ مَنْ يَجْثُو (٦) بَيْنَ يَدَيْ الرَّحْمَنِ لِلْخُصُومَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَقَالَ قَيْسُ بْنُ عُبَادٍ: وَفِيهِمْ أُنْزِلَتْ ﴿هَذَانَ خَصْمَانِ اَخْتَصمُوا في رَبّهِم﴾ (٧) قَالَ: هُمْ الَّذِينَ تَبَارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ، حَمْزَةُ وَعَليٌّ وَعُبَيْدَةُ -أَوْ أَبو عُبَيْدَةَ بْنُ الحْارِثِ- وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَالْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ\" (٨).\n_________\n(١) قال في \"النّهاية\": \"الشُّحُّ: أشدّ البُخل، وهو أبلغ في المنع من البُخل، وقيل: هو البُخل مع الحِرص، وقيل: البُخل في أفراد الأمور وآحادها، والشُّحُّ عامٌّ: وقيل البخل بالمال، والشُّحُّ بالمال والمعروف\".\n(٢) الهَلَع: أشدّ الجزَع والضَّجَر.\n(٣) أي: شديدٌ؛ كأنه يخلع فؤاده من شدّة خوفه ... والمراد به: ما يَعْرِض من نوازع الأفكار، وضعف القلب عند الخوف. \"النّهاية\".\n(٤) أخرجه أبو داود وغيره، وصحَّحه شيخنا -﵀- في \"الصحيحة\" (٥٦٠).\n(٥) ملخص من كتاب \"الإنجاد\" (١/ ١٩٦) وأضفْتُ له أثرَ أنسِ بن مالك -﵁-.\n(٦) يجثو: أي يقعُد على رُكبتيه مخُاصِمًا، والمراد بهذه الأوَّليَّة؛ تقييده بالمجاهدين مِن هذه الأمّة؛ لأنّ المبارزة المذكورة؛ أول مبارزةٍ وقَعَت في الإسلام، قاله الحافظ في \"الفتح\".\n(٧) الحج: ١٩.\n(٨) أخرجه البخاري: ٣٩٦٥.","vol":"7","page":134},{"text":"وفي رواية: قال عَليٌّ -﵁-: \"تَقَدَّمَ -يَعْنِي عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ- وَتَبِعَهُ ابْنُهُ وَأَخُوهُ، فَنَادَى: مَنْ يُبَارِزُ؟ فَانْتَدَبَ لَهُ شَبَابٌ مِنْ الأنصَارِ، فَقَالَ: مَنْ أَنْتُمْ؟ فَأَخْبَرُوه، ُ فَقَالَ: لَا حَاجَةَ لَنَا فِيكُمْ، إِنَّمَا أَرَدْنَا بَنِي عَمِّنَا، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: قُمْ يَا حَمْزَةُ، قُمْ يَا عَلِيُّ، قُمْ يَا عُبَيْدَةَ بْنَ الحارِثِ، فَأَقْبَلَ حَمْزَةُ إِلَى عُتْبَةَ، وَأَقْبَلْتُ إِلَى شَيْبةَ، وَاخْتُلِفَ بَيْنَ عُبَيْدَةَ وَالْوَليدِ ضَرْبَتَانِ، فَأثخَنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، ثُمَّ مِلْنَا عَلَى الْوَلِيدِ فَقَتَلْنَاهُ، وَاحْتَمَلْنَا عُبَيْدَةَ\" (١).\nعَنْ أَبِي ذَرٍّ -﵁- \"أنَّهُ كَانَ يُقْسِمُ فيها قَسَمًا إِنَّ هَذِهِ الآيةَ: ﴿هَذَانَ خَصْمَانِ اختصموا في رَبّهِم﴾ نَزَلَتْ فِي حَمْزةَ وَصَاحِبَيْهِ وَعُتْبةَ وَصَاحِبَيْهِ؛ يَوْمَ بَرَزُوا فِي يَوْمِ بَدْرٍ\" (٢).\nوعن أبي إسحاق قال: \"سأل رجلٌ البراء وأنا أسمع؛ قال: أَشَهِد عليٌّ بدرًا؟ قال: بارَز وظاهر (٣) \" (٤).\nوعن أنس بن مالك -﵁- \"أنّ البراء بنَ مالك -أخا أنس بن مالك- بارَز مرزبان الزارة (٥)، فطعَنه طعنةً فكسر القَرَبوس (٦)، وخلَص إليه فقتَله ... \" (٧).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٣٢١).\n(٢) أخرجه البخاري: ٤٧٤٣ واللفظ له، ومسلم: ٣٠٣٣.\n(٣) ظاهَر: أي لَبِس دِرْعًا على دِرْع، \"الفتح\".\n(٤) أخرجه البخاري: (٣٩٧٠).\n(٥) بلدة كبيرة بالبحرين، وفُتحت الزارة في سنة (١٢) هـ، في أيام أبي بكر الصديق -﵁- وصالحوا. ذكَرَه شيخنا -﵀- في التعليق، انظر \"الإرواء\" (٥/ ٥٧).\n(٦) قال في القاموس المحيط: \"القَرَبوس: حِنو السَّرج، وهما قَرَبوسان\"، والحِنو: عود الرحل.\n(٧) أخرجه الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" وصححه شيخنا -﵀- في \"الإرواء\" (١٢٢٤).","vol":"7","page":135},{"text":"قال أبو بكر بن المنذر: \"وأجمعوا على أنّ للمرء أن يُبارِزَ ويدعو إلى البِراز بإذن الإمام، وانفرَد الحسَن؛ فكان يكرهه ولا يعرف البِراز\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1871>ما يجوز للرجل مِنَ الحَمْل وحده على جيش العدوِّ وتأويل قول الله -تعالى-: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ </span>(٢):\nعَنْ أَسْلَمَ أَبِي عِمْرَانَ قَالَ: \"غَزَوْنَا مِنْ المدِينَةِ نُرِيدُ الْقُسْطَنْطِينيَّةَ وَعَلَى الجماعَةِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ الْوَليدِ، وَالرُّومُ مُلْصِقُو ظُهُورِهِمْ بِحَائِطِ المدِينَةِ، فَحَمَلَ رَجُلٌ عَلَى الْعَدُوِّ، فَقَالَ النَّاسُ: مَهْ مَهْ (٣) لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ! يُلْقِي بِيَدَيْهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ! فَقَالَ أبو أيُّوبَ: إِتَما أنزلَتْ هَذ الآيةُ فِينَا مَعْشَرَ الأنصَارِ، لَمَّا نَصَرَ اللهُ نَبِيَّهُ - ﷺ - وَأَظْهَرَ الْإِسْلَامَ، قُلْنَا: هَلُمَّ نُقِيمُ فِي أمْوَالِنَا وَنُصْلِحُهَا فَأَنْزَلَ اللهُ -﷿-: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٤).\nفَالْإِلْقَاءُ بِالْأَيْدِي إِلَى التَهْلُكَةِ: أَنْ نُقِيمَ فِي أَمْوَالِنَا وَنُصْلِحَهَا وَنَدَع الجهَادَ.\nْقَالَ أبو عِمْرَانَ: فَلَمْ يَزَلْ أبو أيُّوبَ يجاهِدُ فِي سَبِيلِ الله حَتَّى دُفِنَ بِالْقُسْطَنْطِينيَّةِ\" (٥).\nوقد اختُلف في تأويل الآية، ذَكَر إسماعيل القاضي في \"أحكام القرآن\" عن\n_________\n(١) انظر كتاب \"الإجماع\" (ص ٥٩) (رقم ٢٢٩)، وذكَرَه صاحب الإنجاد (١/ ١٩٧).\n(٢) انظر \"الإنجاد\" (ص ١٨٨).\n(٣) اسم فِغل أمر مبنيّ على السكون بمعنى اكفُف.\n(٤) البقرة: ١٩٥.\n(٥) أخرجه أبو داود (٢٥١٢) والنسائي في \"الكبرى\" وابن حبان وغيرهم، وانظر \"الصحيحة\" (١٣).","vol":"7","page":136},{"text":"حفص، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء: قال: قلت: أرأيت قول الله -﷿-: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، أهو الرجل يَحْمِل على الكتيبة فيها ألْفٌ، قال: لا، ولكن الرجل يُذنب، فيلقي بيده ويقول: لا توبة (١).\nوعن عبد الله بن مسعود -﵁- قال: \"قال رسول الله - ﷺ -: عَجِب ربُّنا -﷿- مِن رجلٍ غزا في سبيل الله، فانهزم -يعني: أصحابه- فَعَلِمَ ما عليه، فرجَع حتى أُهريق دمُه، فيقول الله -﷿- لملائكته: انظروا إلى عبدي رجَع رَغْبَةً فيما عندي، وشفقةً ممّا عندي، حتى أُهريق دَمُه\" (٢).\n[قلت: وفي الباب، حديث أبي هريرة -﵁- عن النبيّ - ﷺ - قال: \"ثلاثة يُحبُّهم الله ويَضْحَك إليهم، ويستَبْشِر بهم: الذي إذا انكشَفَت فِئَة؛ قاتل وراءَها بنفسه لله -﷿- فإمَّا أن يُقتَل، وإمَّا أنْ ينصرَه الله ويكفيه، فيقول: انظروا إلى عبدي هذا؛ كيف صبَر لي بنفسه\"] (٣).\nواختَلَف أهل العلم في حَمْل الرجل وحدَه على الجيش؛ والعدد الكثير مِن\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" وكذا ابن جرير وغيرهما وانظر ما قاله محققا كتاب \"الإنجاد\" (ص ١٩١)، قلت؛ وأخرج الحاكم نحوه في \"المستدرك\" ولفظه: \"قال له [أي للبراء -﵁-] يا أبا عمارة ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، الرجل يلقى العدوَّ، فيقاتل حتى يُقتَل؟ قال: لا، ولكن هو الرجل يذنب الذنب، فيقول: لا يغفره الله لي\"، وصحَّحه لغيره شيخنا -﵀- في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١٦٢٤).\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٢١١)، ورواه أحمد وأبو يعلى وابن حبان في \"صحيحه\"، وحسَّنه لغيره شيخنا -﵀- في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١٣٨٤).\n(٣) أخرجَه الطبراني، وحسَّنه لغيره شيخنا -﵀- في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١٣٨٤).","vol":"7","page":137},{"text":"العدوِّ؛ فأقول [الكلام لمُصنِّف الإنجاد]: أحوال الذي يَحْمِل وحده ثلاث:\nحال اضطرار، وذلك حيث يحيط به العدوّ، فهو يخاف تَغَلُّبَهم عليه وأسْرَهُم إياه، فذلك جائزٌ أن يَحْمِل عليهم باتفاق.\nوحالٌ يكون فيها في صفِّ المسلمين وَمَنَعتِهم، فيَحْمِل إرادةَ السُّمعة والاتصافَ بالشجاعة، فهذا حرام باتفاق.\nوحالٌ يكون كذلك مع المسلمين، فيحمل غَضَبًا لله، محُتَسِبًا نفسه عند الله، ففي هذا اختلف أهل العلم، فمنهم مَن كَرِهَ حَمْلَه وحده، ورآه مما نهى الله عنه مِن الإلقاء باليد إلى التهلكة، ومنهم مَن أجاز ذلك واسْتَحْسَنه؛ إذا كانت به قُوّة، وفي فِعله ذلك منفعةٌ، إمَّا لنكاية العدوِّ أو تَجرئةِ المسلمين -حتى يفعلوا مِثل ما فَعَل- أو إرهابِ العدوِّ؛ ليعلموا صلابة المسلمين في الدين (١).\n_________\n(١) وجاء في التعليق في الكتاب المذكور: تكاد تُجمِع كلمة الفقهاء على جواز ذلك، بل حكى ابن أبي زمنين في \"قدوة الغازي\" (ص ١٩٨) الإجماع عليه، ونصُّ عبارتِه: \"قال ابن حبيب: ولا بأس أن يَحْملَ الرجل وحده على الكتيبة، وعلى الجيش؛ إذا كان ذلك منه لله، وكانت فيه شجاعةٌ وجَلَدٌ وقوةٌ على ذلك، وذلك حَسَنٌ جميل لم يكرهه أحدٌ من أهل العلم، وليس ذلك مِن التهلكة، وإذا كان ذلك منه للفخر والذِّكر فلا يفعل -وإنْ كانت به عليه قوة- وإذا لم يكن به عليه قوة فلا يفعل وإنْ أراد به الله؛ لأنه حيئذٍ يُلقي بيده إلى التهلكة\" ...\nوجاء في \"البيان والتحصيل\" (٢/ ٥٦٤) ما يلي: \"قال أشهب: وسُئل مالك عن رجل من المسلمين يحمل على الجيش من العدوّ وحدَه، قال: قال الله -تعالى-: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ فجعَل كلَّ رجلٍ برجلين؛ بعد أنْ كان كلّ رجُلٍ بعشرة، فأخافُ هذا يلقي بيده إلى التهلكة، وليس ذلك بسواء أنْ يكون الرجل في الجيش الكثيف =","vol":"7","page":138},{"text":"............................\n_________\n= فيحمل وحده على الجيش، وأنْ يكون الرجل قد خلفه أصحابُه بأرض الروم، أحاطوه فتركوه بين ظهرانَيِ الروم، فهو يخاف الأسر فيستقتل فيحمل عليهم، فهذا عندي خفيف، والأول عندي في كثفٍ وقُوَّة، وليس إلى ذلك بمضطر، يختلف أن يكون الرجل يحمل احتسابًا بنفسه على الله، كما قال عمر بن الخطاب: الشهيد من احتسَب نفسَه على الله، أو يكون يريد بذلك السمعة والشجاعة.\nقال محمد بن رشد: أمّا إذا فعَل ذلك إرادةَ السمعة والشجاعة، فلا إشكال ولا اختلافَ في أنّ ذلك من الفعل المكروه، وأمّا إنِ اضطرَّ إلى ذلك بإحاطة العدوِّ به، فَفَعلَهُ مخافة الأسر؛ فلا اختلاف في أنّ ذلك من الفعل الجائز، إنْ شاء أن يستأسر، وإنْ شاء أن يحمل على العدوِّ، ويحتسب نفسه على الله، وأمّا إذا كان في صفِّ المسلمين، وأراد أن يُحمل على الجيش من العدوِّ وحده؛ مُحْتسِبًا بنفسه على الله ليُقوِّي بذلك نفوس المسلمين، ويُلقي الرعب في قلوب المشركين، فمِن أهل العلم مَن كَرهه ورآه مما نهى الله عنه مِن الإلقاء إلى التهلكة؛ لقوله﷿-: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأيدِيكم إلى التهلُكَةِ﴾، وممَن رَوَىَ ذلك عمرو بن العاص، ومنهم من أجازه واستحبَّه لمن كانت به قوة عليه، وهو الصحيح\" ...\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- في \"قاعدة في الانغماس في العدوِّ، وهل يباح ... \" (ص ٢٤): \"والرجل يَنْهزِم أصحابُه، فيقاتِل وحده، أو هو وطائفة معه العدوَّ، وفي ذلك نكاية في العدوِّ، ولكن يظنُّون أنهم يُقْتلون، فهذا كلّه جائز عند عامّة علماء الإسلام؛ مِن أهل المذاهب الأربعة وغيرهم، وليس في ذلك إلاَّ خلاف شاذّ.\nوأمّا الأئمّة المتبوعون كالشافعي وأحمد وغيرِهما؛ فقد نصّوا على جواز ذلك، وكذلك هو مذهب أيى حنيفة ومالك وغيرهما\"، ودلَّل عليه بتطويلٍ من الكتاب والسنة وإجماع السلف، ونحوه في \"مجموع الفتاوى\" (٢٨/ ٥٤٠) له.\nوقال الشافعي -﵀- في \"الأم\" (٤/ ٩٢): \"لا أرى ضيقًا على الرجل أن يُحْمل على الجماعة حاسرًا، أو يبادر الرجل، وإنْ كان الأغلب أنّه مقتول؛ لأنه قد بودر بين يدي رسول الله - ﷺ -، وحَمَل رجلٌ من الأنصار حاسرًا على جماعة من المشركين يوم بدر، بعد =","vol":"7","page":139},{"text":"وبالجملة، فكل مَن بَذَلَ نفسه لإعزاز الدِّين، وتوهينِ أهْلِ الكفر؛ فهو المقام الشريف الذي تَتَوجّه إليه مُدْحَةُ الله -تعالى-، وكريمُ وعْدِه في قوله -سبحانه-: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ (١)، وقال -تعالى-: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ (٢).\nقلت: والراجح: جوازُ حَمْلِ الرجل وحده على جيش العدوِّ حال الاضطرار، إذا أحاط به العدوُّ، لخوفه تغلُّبَهم عليه وأسْرَهم إيّاه. ويجوز في حالٍ يكون في صفِّ المسلمين ويجد في نفسه القوة فيحمل غضبًا لله، محتسبًا نفسه لله، يفعله لنكاية العدوِّ أو إرهابه، أو ليُجرِّئَ المسلمين، ويفعلوا مِثْل ما فَعَل، إذا ترجَّح لديه الظنُّ أنّ في هذا منفعةَ المسلمين. ولا يجوز هذا الحمل إرادة السمعة\n_________\n= إعلام النبي - ﷺ - بما في ذلك من الخير فقُتِل\". وانظر: \"الأوسط\" (١١/ ٣٠٦ - ٣٠٧). وكلام الإمام أحمد في \"مسائل صالح\" (٢/ ٤٦٩) قال: \"قلت: الأسير يَجِدُ السيف أو السلاح فيحمل عليهم؛ وهو لا يعلم أنّه لا ينجو، أعان على نفسه؟ قال: أما سمعْتَ قولَ عمر حين سأله الرجل فقال: إنّ أبي أو خالي ألقى بيده إلى التهلكة؟ فقال عمر: \"ذلك اشترى الآخرة بالدنيا\".\nوقال أبو داود في \"مسائله\" (٢٤٧): \"سمعت أحمدَ بنَ حنبل يقول: إذا عَلِم أنهُ يؤسَر فليقاتل حتى يُقْتل أحب إليَّ\". وقال: \"لا يستأسر، الأسر شديد\". وقال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل سُئل عن الأسير إذا أُسر؛ له أن يقاتلهم؟ قال: \"إذا علم أنّه يقوى بهم\".\n(١) التوبة: ١١١.\n(٢) البقرة: ٢٠٧.","vol":"7","page":140},{"text":"والاتصاف بالشجاعة، والله تعالى -أعلم-.\nأقول: والأصل في هذا؛ التشاور والرجوع للقائد، فقد أمَر ربُّنا -﵎- رسولَه - ﷺ - بالمشاورة؛ فقد قال -سبحانه-: ﴿وَشَاوِرْهُم في الأمر﴾ (١)، وقال -سبحانه-: ﴿وَأَمرُهُمْ شوُرَى بينهم﴾ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1872>الخُيَلاء في الحرب </span>(٣)\nعن جابر بن عتيك أنّ النبيَّ - ﷺ - كان يقول: \"مِن الغَيرة ما يُحِبّ الله، ومنها ما يُبغِض الله، فأما التي يُحبها الله فالغَيرة في الريبة، وأمّا الغَيرة التي يُبغضها الله؛ فالغَيرة في غير ريبة، وإنّ مِن الخيلاء ما يُبغض الله، ومنها ما يُحبّ الله، فأمّا الخيلاء التي يُحب الله؛ فاختيالُ الرجل نفسَه عند القتال، واختيالُه عند الصدقة (٤)، وأمّا التي يبغض الله فاختيالُه في البغي -قال موسى- والفخر\" (٥).\n...\n_________\n(١) آل عمران: ١٥٩.\n(٢) الشورى: ٣٨.\n(٣) هذا العنوان من \"سنن أبي داود\" (كتاب الجهاد) (باب - ١١٤).\n(٤) الاختيال في الصدقة: أن يُعطيَها طيبةً بها نفسه، فلا يَستكثر، ولا يُبالي بما أعطى، ولا يُعطي منها شيئًا إلاّ هو له مستقلّ. انظر \"النّهاية\" و\"عون المعبود\" (٧/ ٢٣٠).\n(٥) أخرجه أبو داود (٢٦٥٩)، \"صحيح سنن أبي داود\" (الأمّ) (٢٣٨٨)، وابن حبان في \"صحيحه\" \"التعليقات الحِسان\" (٤٧٤٢)، وانظر \"الإرواء\" (١٩٩٩).","vol":"7","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1873>التكبيرُ عند الحرب </span>(١)\nعن أنس -﵁- قال: \"صبَّح النبيّ - ﷺ - خيبرَ، وقد خرَجوا بالمساحِي (٢) على أعناقهم، فلمّا رأَوه قالوا: هذا محمّد والخميس، محمّد والخميس، فَلَجؤا إلى الحصن فرفع النبيّ - ﷺ - يديه، وقال: الله أكبر، خَرِبت خيبر، إنّا إذا نَزَلْنا بساحة قوم ﴿فساء صَبَاحُ المنذَرِينَ (٣)﴾ \" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1874>الغارة على الأعداء ليلًا</span>\nعن الصّعب بن جثّامة -﵁- قال: مرّ النبى - ﷺ - بالأبواء -أو بودّان- فسُئل عن أهل الدار يُبيَّتون (٥) مِن المشركين، فيُصاب مِن نسائهم وذراريِّهم، قال: هم منهم\" (٦).\n_________\n(١) هذا العنوان من \"صحيح البخاري\" (كتاب الجهاد) (باب - ٥٦).\n(٢) المساحي: جمع مِسحاة، وهي المِجرفة من الحديد. \"النّهاية\".\n(٣) الصافات: ١٧٧.\n(٤) أخرجه البخاري: ٢٩٩١ واللفظ له، ومسلم: ١٣٦٥ كتاب النكاح - ٤٨، ٨٧ (باب فضيلة إعتاق أمة ثم يتزوجها) نحوه.\n(٥) أي: يُصابون ليلًا، وتبييت العدو: هو أن يُقصَد في الليل مِن غير أن يَعلم؛ فيُؤخَذ بغتة، وهو البَيات. \"النّهاية\".\n(٦) قال الحافط -﵀-: \"هم منهم أي في الحُكم تلك الحالة، وليس المراد إباحة قتْلهم بطريق القصد إليهم، بل المراد: إذا لم يمكن الوصول إلى الآباء إلاّ بوطء الذريّة، فإذا أصيبوا لاختلاطهم بهم، جاز قتْلهم.","vol":"7","page":142},{"text":"وسمْعتُه يقول: \"لا حمى إلاّ لله ولرسوله\" (١).\nقال الإمام أحمد -﵀-: \"لا بأس بالبيات، ولا أعلم أحدًا كَرِهَه\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1875>القتال أول النهار أو الانتظار حتى تهُبّ الريح</span>\nعن صخرٍ الغامديِّ -﵁- عن النبي - ﷺ -: \"اللهمَّ بارِك لأمّتي في بُكورها (٣) وكان إذا بعثَ سريَّة أو جيشًا؛ بَعَثهُم من أوّل النهار، وكان صخرٌ رجلًا تاجرًا، وكان يبعث تجارتَه مِن أوّل النهار؛ فأثرى وكثُر مالُه\" (٤).\nوعن جُبَير بن حَيَّة قال: \"بَعَث عُمر النّاس في أفناء الأمصار يقاتلون المشركين فأسلم الهرمُزان ... وذكر الحديث إلى أن قال: فقال النعمان: ربما أشهدَك الله مثلها مع النبي - ﷺ - فلم يُندِّمك ولم يُخْزِك ولكني شهْدتُ القتال مع رسول الله - ﷺ - كان إذا لم يقاتِل في أول النهار؛ انتظر حتى تهبَّ الأرواح (٥) وتحضرَ\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٣٠١٢ وهذا لفظه، ومسلم: ١٧٤٥ وتقدّم. قال العلاّمة العيني - ﵀- في \"عمدة القاري\": \"معناه: لا حمى لأحد يخصُّ به نفسه، وإنما هو لله ولرسوله، ولمن وَرِث ذلك عنه - ﷺ - من الخلفاء؛ للمصلحة الشاملة للمسلمين، وما يَحتاجون إلى حمايته\".\n(٢) انظر \"الفتح\".\n(٣) قال في \"المرقاة\" (٧/ ٤٥٤): \"أي صَباحِها وأوّل نهارِها ...، وهو يشمَل طلبَ العِلم والكَسب\".\n(٤) أخرجه الترمذي وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٢٠٧)، وانظر \"المشكاة\" (٣٩٠٨).\n(٥) الأرواح: جمع ريح وأصله الواو، لكن لما انكسر ما قبل الواو الساكنة انقلبت ياء والجمع يَرُدُّ الأشياءَ إلى أصولها ... \"الفتح\".","vol":"7","page":143},{"text":"الصلوات (١) \" (٢).\nولا تعارُض بين هذا وما تقدّم مِن الغارة على الأعداء ليلًا، فهذا يختلف حسبما تقتضيه الحاجة، ويتطلّبه الحال، ويُقدّره القائد، والله -تعالى- أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1876>إذا ارتدّ على المقاتل سلاحه فقتله فله أجرُه مرّتين</span>\nعن سلَمة بنِ الأكوع -﵁- قال: \"لمّا كان يومُ خيبر، قاتل أخي قتالًا شديدًا مع رسول الله - ﷺ -، فارتدَّ عليه سيفه فقَتَلَه، فقال أصحاب رسول الله - ﷺ - في ذلك، وشكّوا فيه؛ رجل مات في سِلاحه، وشكّوا في بعض أمرِه.\nقال سَلَمَة: فقفَل رسول الله - ﷺ - مِن خيبر، فقلتُ يا رسول الله ائذَن لي أن أرجُزَ لك فأَذِن له رسول الله - ﷺ - فقال: عمر بن الخطاب أعلم ما تقول، قال: فقلت:\nوالله لولا اللهُ ما اهتدَيْنا ... ولا تصدَّقْنا ولا صَلَّينا\nفقال رسول الله - ﷺ -: صدَقْتَ.\nوأنزِلَن سكينةً علينا ... وثبِّتِ الأقدام إنْ لاقينا\nوالمشركون قد بغَوا علينا\nقال: فلمّا قضيتُ رَجَزِي قال رسول الله - ﷺ -: مَن قال هذا؟ قلت: قاله\n_________\n(١) قال الحافظ -﵀-: \"في رواية ابن أبي شيبة: \"وتزول الشمس\" وهو بالمعنى.\n(٢) انظر البخاري: ٣١٥٩، ٣١٦٠، وقد تقدّم الحديث بطوله.","vol":"7","page":144},{"text":"أخي، فقال: رسول الله - ﷺ - يرحمُه الله، قال: فقلت يا رسول الله إنّ ناسًا ليهابون الصلاة عليه يقولون: رجلٌ مات بسلاحِه، فقال رسول الله - ﷺ -: مات جاهدًا مجُاهِدًا.\nقال ابن شهاب: ثمّ سألتُ ابنًا لسلمةَ بنِ الأكوع. فحدَّثني عن أبيه مثل ذلك. غير أنّه قال: حين قُلت: إنّ ناسًا يهابون الصلاة عليه، فقال رسول الله - ﷺ -: \"كذبوا، ماتَ جاهدًا مجُاهدًا، فله أجره مرّتين، وأشار بإِصبَعَيْه\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1877>من لهم ثواب الشهداء</span>\nهناك أصناف تُعدّ مِن شهداء الآخرة، كما في حديث مخارق -﵁- عن النبيّ - ﷺ - في المقاتل دون ماله بلفظ: \"قاتِل دون مالك حتى تكون من شهداء الآخرة\" (٢).\nفهؤلاء يُغسّلون (٣) ويُصلّى عليهم، ولهم أجر الشهداء في الآخرة، وهم:\n١ - مَن قُتل دون دِيْنِه.\n٢ - المطعون (٤).\n٣ - الغريق.\n٤ - صاحب ذات الجنب (٥).\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ١٨٠٢، وأصله في البخاري: ٦٨٩١.\n(٢) سيأتي تخريجه -إنْ شاء الله تعالى-.\n(٣) إذ لا يُشرع غَسْل الشهيد قتيل المعركة، ولو اتفق أنّه كان جُنُبًا وانظر \"أحكام الجنائز\" (ص ٥٤).\n(٤) أي: الذي يموت في الطاعون.\n(٥) الدُمّل الكبيرة، التي تظهر في باطن الجنب، وتَنْفَجر إلى داخل، وقلّما يسلم صاحبها. \"النّهاية\".","vol":"7","page":145},{"text":"٥ - المبطون (١).\n٦ - صاحب الحريق (٢).\n٧ - الذي يموت تحت الهدم.\n٨ - المرأة تموت في نفاسها بسبب ولدها.\n١٠ - من قُتل دون ماله.\n١١ - من قُتِل دون أهله.\n١٢ - من قُتل دون دمه ونفسه ومظلمته.\n١٣ - الموت بداء السِّلّ.\nوأدلّة ذلك:\n١ - عن جابر بن عتيك -﵁- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"الشهادة سبعٌ سوى القتل في سبيل الله، المطعون شهيد، والغَرِق شهيد، وصاحب ذات الجنْب (٣) شهيد، والمبطون شهيد، وصاحب الحريق شهيد، والذي يموت تحت الهدم شهيد، والمرأة تموت بجُمْع شهيدة (٤) \" (٥).\n_________\n(١) من مات في البطن.\n(٢) هو الذي يقع في حَرْق النار فيلتهب. \"النّهاية\".\n(٣) تقدم، وانظر للمزيد -إنْ شثت- \"فيض القدير\".\n(٤) أي تموت وفي بطنها ولد، أو تموت من الولادة، والمعنى: ماتت مع شيء مجموع فيها غير منفصل عنها. \"فيض القدير\" بحذف.\n(٥) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٦٦٨)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢٢٦١)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي، (١٧٤٢)، وانظر \"أحكام الجنائز\" (ص ٥٤).","vol":"7","page":146},{"text":"٢ - عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ما تَعُدّون الشّهيد فيكم؟ قالوا: يا رسول الله مَن قُتِل في سبيل الله فهو شهيد، قال: إنّ شُهداء أُمّتي إذًا لقليل، قالوا: فمَن هم يا رسول الله؟ قال: مَن قُتل في سبيل الله فهو شهيد، ومَن مات في سبيل الله فهو شهيد، ومَن مات في الطّاعون فهو شهيد، ومَن مات في البطن فهو شهيد\" (١).\n٣ - عن عُتبة بن عبدٍ السُّلمي -﵁- عن النبيّ - ﷺ - قال: \"يأتي الشهداء والمُتوَفَّون بالطاعون، فيقول أصحاب الطاعون: نحن شهداء، فيقال: انظروا، فإنْ كانت جِراحهم كجراح الشهداء تسيل دمًا ريحَ المسك؛ فهم شُهداء، فيجدونهم كذلك\" (٢).\n٤ - عن أبي هريرة -﵁- عن النبيّ - ﷺ - قال: \"الشهداء خمسة: المطعون، والمبطون، والغَرِق، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله\" (٣).\n٥ - وعن راشد بن حبيش -﵁-: \"أنّ رسول الله - ﷺ - دخل على عبادةَ بن الصامت يعوده في مرضه، فقال رسول الله - ﷺ -: أتعلمون مَن الشهيد مِن أمّتي؟ فأرَمَّ (٤) القوم، فقال عبادة: ساندوني. فأسندوه، فقال: يا رسول الله! الصابرُ المحتسبُ. فقال رسول الله - ﷺ -: إنّ شهداء أمّتي إذًا لقليلٌ، القتلُ في\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ١٩١٥.\n(٢) أخرجه الإمام أحمد، والطبراني في \"الكبير\" بسند حسن، وحسنه شيخنا -﵀- بشواهده كما في \"أحكام الجنائز\" (ص ٥٢).\n(٣) أخرجه البخاري: ٢٨٢٩، ومسلم: ١٩١٤.\n(٤) أي: سكتوا ولم يجيبوا. \"النّهاية\".","vol":"7","page":147},{"text":"سبيل الله -﷿- شهادةٌ، والطاعونُ شهادة، والغَرق شهادة، والبَطْنُ شهادة، والنُفساء يجرُّها ولدها بسَرَرِه (١) إلى الجنّة، والحرِق، والسِّلُّ\" (٢).\n٦ - وعن عبد الله بن عمرو -﵄- قال: \"سمعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: مَن قُتِل دون ماله فهو شهيد\" (٣).\n٧ - وعن أبي هريرة -﵁- قال: \"جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: يا رسول الله، أرأيت إنْ جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: فلا تُعطِه مالك، قال: أرأيت إنْ قاتلني؟ قال: قاتِلْه، قال: أرأيتَ إنْ قَتَلني، قال: فأنت شهيد، قال: أرأيتَ إنْ قتلتُه؟ قال: هو والنار\" (٤).\n٨ - وعن مخارق -﵁- قال: \"جاء رجل إلى النبيّ - ﷺ - فقال: الرجل يأتيني فيُريد مالي؟ قال: ذكِّره بالله، قال: فإن لم يَذْكُر؟ قال: فاستعن عليه مَن حولك مِن المسلمين، قال: فإنْ لم يكن حولي أحَدٌ مِن المسلمين؟ قال: فاستعن عليه السلطان، قال: فإنْ نأى السلطان عنّي (وعَجِل عليَّ)؟ قال: قاتِل دون مالك؛ حتى تكون من شهداء الآخرة، أو تمنع مالك\" (٥).\n_________\n(١) ما يُقطع من سُرّة المولود.\n(٢) رواه أحمد بإسناد حسن، وحسّنه شيخنا -﵀- في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١٣٩٦).\n(٣) أخرجه البخاري: ٢٤٨٠، ومسلم: ١٤١.\n(٤) أخرجه مسلم: ١٤٠.\n(٥) أخرجه النسائي وأحمد، والزيادة له وسنده صحيح على شرط مسلم، وانظر \"أحكام الجنائز\" (ص ٥٧).","vol":"7","page":148},{"text":"٧ - وعن سويد بن مقرّن -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من قُتل دون مظلمته فهو شهيد\" (١).\n٨ - وعن سعيد بن زيد -﵁- عن النبيّ - ﷺ - قال: \"مَن قُتل دون ماله فهو شهيد، ومن قُتل دون أهله فهو شهيد، ومن قُتل دون دينه فهو شهيد، ومَن قُتِل دون دمه فهو شهيد\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1878>ماذا يجد الشهيد من مسّ القتل</span>\nعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ما يجدُ الشهيد من مسّ القتل إلاّ كما يجدُ أحدكم مِن مسّ القَرْصَة\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1879>فضل الحرب في البحر</span>\nعن أمّ حرام -﵂- عن النبيّ - ﷺ - أنّه قال: \"المَائِدُ (٤) في البحر الذي يُصيبُه القيء له أجرُ شهيد، والغَرِقُ له أجرُ شهيدين\" (٥).\n_________\n(١) أخرجه النسائي وصححه لغيره شيخنا -﵀- في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١٤١٣).\n(٢) أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي وصححه، وأحمد، وانظر \"أحكام الجنائز\" (ص ٥٧).\n(٣) أخرجه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (١٣٦٢)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢٢٦٠)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٢٩٦٣)، وانظر \"الصحيحة\" (٩٦٠).\n(٤) المائد: هو الذي يُدارُ برأسه من ريح البحر واضطراب السّفينة بالأمواج. \"النّهاية\".\n(٥) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢١٧٧)، وحسنه شيخنا الألباني -﵀- في \"الإرواء\" (١١٩٤).","vol":"7","page":149},{"text":"في زيادة الأجر للمجاهدين (١) عند الإخفاق (٢):\nعن عبد الله بن عمرو -﵄-: سمعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"ما مِن غازية تغزو في سبيل الله، فيصيبون غنيمةً؛ إلاَّ تعجَّلوا ثُلُثَي أجرهِم مِن الآخرة، ويبقى لهم الثُّلُث، فإن لم يصيبوا غنيمةً؛ تمَّ لهم أجرهم\" (٣).\nوفي لفظ: \"ما مِن غازية أو سريّة، تغزو فتغنم وتسلم؛ إلاَّ كانوا قد تعجّلوا ثُلُثي أُجورِهم، وما من غازيةٍ أو سريّة تخفق وتُصاب، إلاّ تم أجورهم\" (٤).\nظاهر هذا الحديث أنَّ مَن غزا فغنِمَ، نَقَصَ أجرُ جهادِه -كما ذهَب إلى ذلك قوم-، وليس معنى ذلك كذلك عند أهل العلم والتحقيق، بل أجْرُ الجهاد كاملٌ لكلِّ واحدٍ منهم، بفضل الله -تعالى-، وإنّما يفترقون في زيادة الأجر فوق ثوابِ الجهاد؛ فأمّا مَن غَنِم، فقد حَصَل له في الحال من السرور، ونشاط النفس بالظهور والغُنْم، ما يَدْفعُ عنه آثارَ الجهد في الغزو، وتخلّف المال في النفقة، ونحو ذلك ممّا تَفترق فيه حالُه مِنْ حال مَنْ غزا فلم يُصبْ شيئًا، ولا عفَّى على كدِّه ونفقته خَلَفٌ، فلهؤلاء زيادةُ أجرٍ فوق أجر الجهاد، مِن حيثُ تضاعُفِ آثار الجَهدِ والكرب بفوت المغنم، كما يُؤجَر مَن أُصيب بجهدٍ في نفسه، أو تَلفِ شيءٍ مِن ماله، وذلك أنَّ حالهَم بالإضافة إلى مَن غَنِمَ حالُ مَن أُصيب بفوتِ مثل ذلك.\n_________\n(١) هذا العنوان وما يتضمنه من \"الإنجاد\" (١/ ٨٧). بزيادة وتصرُّف.\n(٢) قال أهل اللغة: الإخفاق: أن يغزوا فلا يغنموا شيئًا، وكذلك كلّ طالب حاجة إذا لم تحصُل فقد أخفَق، ومنه أخفق الصائد: إذا لم يقع له صيد \"شرح النّووي\".\n(٣) أخرجه مسلم: ١٩٠٦.\n(٤) أخرجه مسلم: ١٩٠٦.","vol":"7","page":150},{"text":"فعلى نحو هذا تترتَّبُ زيادةُ الأجر لمِن لم يغنم، ويَتَّصِفُ مَنْ غَنِمَ؛ بنقصان الأجر إذا أضيف أجرُه في ذلك؛ إلى الحَظِّ الذي زِيدَ في ثواب مَنْ لم يغنم، والله أعلم.\n... وأدلُّ دليلٍ في ذلك وأوضحه: قوله - ﷺوقد ذكر ما فضَّله الله -تعالى- به، وخصَّه من كَرمِه-: \"أُعطيتُ خمسًا لم يُعطهنَّ أحدٌ قبلي؛ كان كلُّ نبيٍّ يُبعث إلى قومه خاصَّةً، وبُعثتُ إلى كلِّ أحمر وأسود، وأُحِلَّت لي الغنائم، ولم تَحِلَّ لأحدٍ قبلي\" ... الحديث، ثبت في \"الصحيحين\": البخاري ومسلم (١) \".\nفلو كانت الغنيمة تُحبطُ أجر الجهاد أو تُنْقِصُه، ما كانت فضيلةً، وهذا ظاهر\".\nقلت: إنَّ أَجْر مَن أخفَق ومَنْ غَنِم؛ لا يعلمه إلاَّ الله -تعالى-، وكذا الأجر الكامل وثلثاه، وفي كُلٍّ خيرٌ، وجزالةُ مثوبة، ولكن المراد من الحديث تحفيز هِمّةِ مَن لم يغنَموا؛ بما لهم عند الله -تعالى-؛ فحين يَعْلَم مَن أخفَق أَنَّ له ما هو أفضل من الغنيمة -وهو الأجر المُدَّخَرُ عند الله تعالى-؛ كان ذلك سبيلًا للمزيد مِن الصبر والاحتساب.\nوفي مِثل هذا قال رسول الله - ﷺ -: \"لَيَوَدَّنَّ أهل العافية يومَ القيامة؛ أنَّ جلودهم قُرضت بالمقاريض؛ مما يَرَوْن مِن ثواب أهل البلاء\" (٢).\nوعن أبي سعيد -﵁-: \"أنّه دخَل على رسول الله - ﷺ - وهو مَوْعوكٌ عليه قَطيفَةٌ، فوضَع يدَه فَوْقَ القَطيفَةِ، فقال: ما أشَدَّ حُمَّاك يا رسول الله!\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٣٣٥، ٤٣٨، ومسلم: ٥٢١.\n(٢) أخرجه الترمذي، وغيره، وحسنه شيخنا -﵀- في \"الصحيحة\" (٢٢٠٦).","vol":"7","page":151},{"text":"قال: إنا كذلك يُشَدَّدُ علينا البَلاءُ، ويضاعَفُ لنا الأجْرُ. ثمّ قال: يا رسول الله! مَنْ أشدُّ الناس بلاءً؟ قال: الأنبياءُ. قال؛ ثمّ مَن؟ قال: العُلماءُ. قال: ثمّ مَنْ؟ قال: الصالحِونَ، وكان أحدُهم يُبتلى بالقَمْلِ حتى يَقْتُلَه، ويُبْتلى أحدُهم بالفقر حتى ما يجدَ إلاَّ العباءةَ يلبَسُها، ولأَحدُهم كان أشدَّ فَرَحًا بالبلاءِ مِنْ أحدِكُم بالعطاء\" (١).\nوالشاهد فيه: \"إنَّا كذلك يُشدَّد علينا البلاء، ويُضاعف لنا الأجر\".\nفإذا قُلنا إنَّ الإخفاق مِن البلاء، فإنَّ فيه زيادةَ الأجر والثواب. والله -تعالى- أعلم بالصواب.\nقال الإمام النّووي -﵀- في \"شرحه\" (١٣/ ٥٢): \"وأمّا معنى الحديث: فالصواب الذي لا يجوز غيره، أنَّ الغزاة إذا سَلِموا أو غنموا؛ يكون أجْرُهم أقلّ مِن أجرِ مَن لم يَسلَم أو سَلِم ولم يَغنم، وأنّ الغنيمة هي في مقابلة جُزءٍ مِنْ أجرِ غزوهم، فإذا حَصَلَت لهم فقد تعجَّلوا ثُلُثي أجرِهم المترَتِّب على الغزو، وتكون هذه الغنيمة مِنْ جملة الأجر، وهذا موافق للأحاديث الصحيحة المشهورة عن الصحابة كقوله: \"مِنَّا مَن مات ولم يأكل مِن أجرِه شيئًا، ومِنَّا من أينعَت له ثمرتُه فهو يهدبها \" أي: يجتنيها. فهذا الذي ذَكَرْنا هو الصواب، وهو ظاهر الحديث ولم يأتِ حديث صريح صحيح يخالِفُ هذا؛ فتعيَّن حَمْلُه على ما ذَكَرنا ... \".\nقلت: وكلام الإمام النّووي -﵀- هو الأرجح لدلالة النصوص على ذلك، ويؤيد هذا ما ثبَت عن عائشة -﵂- أنَّها قالت: \"أُهْدِيَتْ\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه، وغيره، وصححه شيخنا -﵀- في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٣٤٠٣).","vol":"7","page":152},{"text":"لرسولِ الله - ﷺ - شاةٌ، قال: اقْسِميها، فكانت عائشةُ إذا رَجَعَتِ الخادِمُ تقولُ: ما قالوا؟ تقولُ الخادم: قالوا: بارَكَ الله فيكُم، فتقول عائشةُ: وفيهِمْ بارَكَ الله، نرُدُّ عليهم مثلَ ما قالوا، ويبقى أجْرُنا لنا\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1881>هل يسلم المجاهد نفسه للأسر </span>(٢)؟\nعن أبي هريرة -﵁- قال: \"بعث رسول الله - ﷺ - عشَرَة رهطٍ (٣) سريّةً عينًا، وأمَّرَ عليهم عاصمَ بنَ ثابت الأنصاري -جدَّ عاصم بن عمر بن الخطاب- فانطلقوا، حتى إذا كانوا بالهَدَأَة -وهو بين عُسْفَانَ ومكة- ذُكِروا لحِيٍّ من هُذَيْلٍ، يقال لهم بنو لِحْيَانَ (٤)، فَنَفروا لهم قريبًا من مائتي رجل كلُّهم رامٍ، فاقْتصُّوا آثارَهم حتى وجدوا مأكلهم تمرًا، تَزَوَّدوه مِن المدينة، فقالوا: هذا تمرُ يثرب.\nفاقتصُّوا (٥) آثارهم، فلمّا رآهم عاصمٌ وأصحابُه لجئوا إلى فَدْفَدٍ (٦)، وأحاط بهم القوم، فقالوا لهم: انزِلوا وأعطونا بأيديكم، ولكم العهدُ والميثاقُ ولا نَقْتُل\n_________\n(١) أخرجه ابن السني من طريق النسائي بسند جيِّد، وانظر \"الكَلِم الطيب\" (٢٣٨).\n(٢) هذا العنوان مُقتبس من \"صحيح البخاري\" (كتاب الجهاد) (باب - ١٧٠).\n(٣) الرهط مِن الرجال ما دون العشرة، وقيل إلى أربعين، ولا يكون فيهم امرأة، ولا واحدَ له من لفظه. \"عمدة القاري\" (١٤/ ٢٩١).\n(٤) بكسر اللام، وقيل بفتحها.\n(٥) أي: اتَّبَعوها.\n(٦) قال الحافظ -﵀-: \"هي الرابية المشرِفة، قال ابن الأثير: هو الموضع المرتفِع، ويُقال الأرض المستوية، والأول أصحّ\".","vol":"7","page":153},{"text":"منكم أحدًا.\nفقال عاصم بن ثابت -أمير السريّة-: أمّا أنا فوالله لا أنزل اليوم في ذمّة كافر، اللهم أخبر عنّا نبيّك، فرموهم بالنَّبْل، فقتلوا عاصمًا في سبعة، فنزَلَ إليهم ثلاثة رهطٍ بالعهد والميثاق، منهم خُبَيْبٌ الأنصاريّ، وابن دَثِنَةَ ورجلٌ آخر، فلمّا استمكنوا منهم أطلقوا أوتارَ قِسِيِّهم (١) فأوثقوهم.\nفقال الرجل الثالث: هذا أول الغدر، والله لا أصحبُكم، إنّ لي في هؤلاء لأُسوةً -يريد القتلى- فجرّروه وعالجوه على أن يصحبَهم فأبى، فقتلوه، فانطلقوا بخبيب وابن دَثِنة؛ حتى باعوهما بمكّة بعد وقعة بدرٍ، فابتاع خبيبًا بنو الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف، وكان خبيبٌ هو قَتَل الحارث بن عامر يوم بدرٍ، فلبِثَ خبيبٌ عندهم أسيرًا. فأخبرني عبيد الله بن عِياض أنّ بنت الحارث أخبرته أنّهم حين اجتمعوا؛ استعار منها موسى يَسْتَحِدُّ بها (٢) فأعارته، فأخذ ابنًا لي وأنا غافلةٌ حين أتاه.\nقالت: فوجدته مُجْلِسَه على فخذه والموسى بيده، ففزعْت فزعةً عَرفها خبيب في وجهي، فقال: تخشَيْن أنْ أقتلَه؟ ما كنت لأفعل ذلك.\nوالله ما رأيت أسيرًا قطُّ خيرًا من خبيب، والله لقد وجدتُه يومًا يأكل من قِطْف عِنَبٍ في يده، وإنّه لموثَقٌ في الحديد وما بمكَّةَ مِن ثمر. وكانت تقول إنّه لَرِزق من الله رَزَقَه خُبيبًا.\n_________\n(١) جمع قوس.\n(٢) يستحِدُّ بها: مِن الاستحداد، وهو حلْق شعر العانة، وهو استفعال مِن الحديد. \"عمدة القاري\".","vol":"7","page":154},{"text":"فلمّا خرجوا مِن الحرَم ليقتلوه في الحِلِّ، قال لهم خُبَيب: ذروني أركعْ ركعتين، فتركوه فركَع ركعتين ثمّ قال: لولا أنْ تظنّوا أنّ ما بي جَزَع (١) لطوّلتُها، اللهم أحْصِهِم عَدَدًا (٢).\nولست أبالي حين أُقْتَلُ مسلمًا ... على أي شِقٍّ كان لله مصرعي\nوذلك في ذات الإله وإنْ يَشَأْ ... يُبارِك على أوصال (٣) شِلْوٍ (٤) مُمَزَّعِ (٥)\nفقتَله ابن الحارث، فكان خبيبٌ هو سنَّ الركعتين لكل امرئ مُسْلم قُتِلَ صَبْرًا (٦)، فاستجاب الله لعاصم بن ثابتٍ يوم أصيب. فأخبَر النبيُّ - ﷺ - أصحابَه خَبَرهم وما أُصِيبُوا، وبعَث ناسٌ من كُفّار قريش إلى عاصم حين حُدِّثوا أنّه قُتِل ليُؤْتَوا بشيء منه يُعْرَفُ، وكان قد قتل رجلًا مِن عظمائهم يوم بدر، فبُعِث على عاصمٍ مِثْلُ الظُّلّة (٧) مِن الدَّبْرِ (٨) فَحَمَتْه (٩) من رسولهم، فلم يقدروا على أن يقطعوا\n_________\n(١) الجزع: نقيض الصبر.\n(٢) دعا عليهم بالهلاك استِئصالًا، أي: لا تُبْقِ منهم أحَدًا. \"عمدة القاري\".\n(٣) الأوصال: جَمْع وَصل، وهو العضو.\n(٤) الشِّلو -بكسر المعجمة-: الجسد، وقد يطلق على العضو، ولكن المراد به هنا الجسد.\n(٥) الممزَّع: المُقطَّع.\n(٦) قال في \"النّهاية\": \" ... وكلّ من قُتل في غير معركة، ولا حَرْب، ولا خطأ، فإنه مقتولٌ صبرًا\".\n(٧) الظُلَّة: السَّحابة.\n(٨) الدَّبر -بفتح المهملة وسكون الموحَّدة-: الزنانبير، وقيل ذكور النحل، ولا واحد له من لفظه. \"الفتح\".\n(٩) مَنَعتْه منهم.","vol":"7","page":155},{"text":"مِنْ لحمه شيئًا\" (١)\nقال العلامة العيني -﵀- في \"عمدة القاري\" (١٤/ ٢٩٤): \"في نزول خُبَيبٍ وصاحبِه، جواز أن يَسْتأْسر الرجل (٢).\nقال المهلَّب: إذا أراد أن يأخذ بالرخصة في إحياء نفسه؛ فعَل كفِعل هؤلاء، وعن الحَسن لا بأس أن يَستأسِر الرجَل إذا خاف أن يُغلَب. وقال الثوريُّ: أكره للأسير المسلم؛ أن يُمكِّن مِن نفسه إلاَّ مجبورًا، وعن الأوزاعي: لا بأس للأسير المسلم أن يأبى أن يُمكِّن مِن نفسه، بل يأخذ بالشدة والإِباء مِن الأسر والأَنَفة؛ من أن يجري عليه مَلِكٌ كافر -كما فعَل عاصم-\".\nقلت: والأسير هو الذي يرجِّح مصلحته، ويُقرّر أمْرَه، بحسب يقينه وعزمه وما يشاهده، والشاهد يرى ما لا يرى الغائب، وقد قال - ﷺ -: \"ليس الخبر كالمعاينة\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1882>من ركع ركعتين عند القتل</span>\nللحديث المتقدم وفيه:\n\"فلمّا خرجوا مِن الحرَم ليقتلوه في الحِلِّ، قال لهم خُبَيب: ذروني أركعْ\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٣٠٤٥، ٣٩٨٩، ٤٠٨٦.\n(٢) أي: يُسْلِم نفسه للأسر.\n(٣) أخرجه أحمد وغيره، وصححه شيخنا -﵀- في \"تخريج الطحاوية\" برقم (٤٠١)، وقال شيخنا -﵀- في \"هداية الرواة\" (٥٦٧٠): \"حديث صحيح، صحَّحه ابن حبان وكذا صحَّحه الحاكم ووافقه الذهبي\".","vol":"7","page":156},{"text":"ركعتين، فتركوه فركَع ركعتين ثمّ قال: لولا أنْ تظنّوا أنّ ما بي جَزَع لطوّلتُها، اللهم أحْصِهِم عَدَدًا.\nولست أبالي حين أُقْتَلُ مسلمًا ... على أي شِقٍّ كان لله مصرعي\nوذلك في ذات الإله وإنْ يَشَأْ ... يُبارِك على أوصال شِلْوٍ مُمَزَّعِ\nفقتَله ابن الحارث، فكان خبيبٌ هو سنَّ الركعتين لكل امرئ مُسْلم قُتِلَ صَبْرًا\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1883>استقبال الغزاة </span>(١)\nعن ابن أبي مُليكة قال: قال ابن الزبير لابن جعفر -﵃-: أتذكر إذ تلقّينا رسول الله - ﷺ - أنا وأنت وابن عبّاس؟ قال: نعم، فحَمَلَنا وترَكَك\" (٢).\nوعن السائب بن يزيد -﵁- قال: \"أَذْكُرُ أني خَرجْتُ مع الغِلمان إلى ثنيّة الوداع؛ نتلقّى رسول الله - ﷺ -\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1884>مراسلة المجاهدين والديهم وأهليهم</span>\nيُشرَع للمجاهدين مراسلةُ، والدِيهم وأهلِيهم، لتذكيرِهم بالله، وطَلَبِ الدعاء منهم.\n_________\n(١) هذا العنوان من \"صحيح البخاري\" (كتاب الجهاد والسِّير) (باب - ١٩٦).\n(٢) أخرجه البخاري: ٣٠٨٢، ومسلم: ٢٤٢٧.\n(٣) أخرجه البخاري: ٣٠٨٣، ٤٤٢٦.","vol":"7","page":157},{"text":"عن ابن عباس -﵄- قال: \"إني لأرى لجِواب الكتاب حقًّا كردِّ السلام\" (١).\nوجاء في \"مجموع الفتاوى\" (٢٨/ ٤٨) -بحذف-: \"مِنْ أحمدَ بن تيمية إلى الوالدة السعيدة، أقرَّ الله عينيها بنعمه، وأسبَغ عليها جزيل كَرَمِه، وجعَلَها مِن خِيار إمائه وخَدَمِه.\nسلام الله عليكم، ورحمة الله وبركاته.\nفإنَّا نَحْمَد إليكم الله الذي لا إله إلاَّ هو، وهو للحمد أهل، وهو على كل شيء قدير. ونسأله أن يصلّيَّ على خاتَم النبيين، وإمام المتقين، محمّدٍ عبدِه ورسولِه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا-.\nكتابي إليكم عن نِعَمٍ مِن الله عظيمة، ومنَنٍ كريمة، وآلاء جسيمة نشكُر الله عليها، ونسأله المزيد مِنْ فضله، ونِعَمُ الله كلَّما جاءت في نموٍّ وازدياد، وأياديه جلَّت عن التعداد، وتعلمون أنّ مقامنا الساعة في هذه البلاد، إنّما هو لأمورٍ ضرورية؛ متى أهملناها فسَد علينا أمْر الدين والدنيا.\nولسنا والله مختارين للبعد عنكم، ولو حَمَلَتْنا الطيور لسِرنا إليكم، ولكن الغائب عذره معه، وأنتم لو اطلعتم على باطن الأمور، فإنّكم -ولله الحمد- ما تختارون الساعة إلاَّ ذلك، ولم نعزِم على المقام والاستيطان شهرًا واحدًا، بل كلّ يوم نستخير الله لنا ولكم، وادعوا لنا بالخِيَرة (٢)، فنسأل الله العظيم أن يَخيرَ لنا\n_________\n(١) أخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" انظر \"صحيح الأدب المفرد\" (٨٥٠).\n(٢) انظر -إن شئت- لمعرفة الفَرقَ بين الخِيْرة -بسكون الياء- والخِيَرة: -بفتح الياء \"النّهاية\" (باب الخاء مع الياء) كلمة (خير).","vol":"7","page":158},{"text":"ولكم وللمسلمين ما فيه الخِيَرة، في خيرٍ وعافية.\nومع هذا فقد فتَح الله مِن أبواب الخير والرحمة، والهداية والبركة، ما لم يكن يخطر بالبال، ولا يدور في الخيال، ونحن في كل وقت مهمومون بالسفر، مستخيرون الله -﷾-.\nفلا يظنّ الظانُّ أنّا نُؤثِر على قُربكم شيئًا مِن أمور الدنيا قطّ، بل ولا نُؤْثِر مِن أمور الدين ما يكون قربكم أرجح منه، ولكن ثَمّ أمورٌ كِبار، نخاف الضرر الخاصّ والعامّ مِن إهمالها. والشاهد يرى ما لا يرى الغائب.\nوالمطلوب، كثرةُ الدعاء بالخِيرَة، فإنّ الله يَعلم، ولا نعلم ويَقْدِر ولا نَقْدِر. وهو علّام الغيوب.\nوالتاجر يكون مسافرًا فيخاف ضياعَ بعضِ مالِه فيحتاج أن يقيمَ حتى يستوفيَه، وما نحن فيه أمْر يَجِلّ عن الوصف، ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته كثيرًا كثيرًا، وعلى سائِر مَنْ في البيت مِن الكبار والصغار، وسائِر الجيران والأهل والأصحابِ واحدًا واحدًا، والحمد لله رب العالمين. وصَلّى الله على محمّد وآله وصحبه وسلَّم تسليمًا\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1885>انتهاء الحرب </span>(١)\nتنتهي الحرب بأحد الأمور الآتية:\n١ - إسلامِ المحاربين أو إسلامِ بعضهم، ودخولِهم في دين الله، وفي هذه الحال يُصبحون مسلمين، ويكون لهم ما للمسلمين، وعليهم ما عليهم مِن\n_________\n(١) عن \"فِقه السنة\" (٣/ ٤٤٢) بتصرف.","vol":"7","page":159},{"text":"الحقوق والواجبات.\n٢ - طلَبِهم إيقافَ القتالِ مدة مُعيَّنة، وحينئذٍ يُحقق القائد الاستجابة إلى ما طلَبوا، [إنْ رأى المصلحة في ذلك] كما فعَل ذلك رسول الله - ﷺ - في صُلح الحديبية.\n٣ - رغبتِهم في أن يبقوا على دينهم، مع دفْع الجزية، ويتمّ بمقتضى هذا عقد الذّمة بينهم وبين المسلمين.\n٤ - هزيمتِهم، وظَفَرِنا بهم، وانتصارِنا عليهم، وبهذا يكونون غنيمةً للمسلمين.\n٥ - وقد يحدُث أن يطلب بعض المحاربين الأمان (١)، فيُجاب إلى ما طلَب، وكذلك إذا طلَب الدخول في دار الإسلام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1886>لا يجوزُ نزْعُ ثيابِ الشهيد التي قُتل فيها </span>(٢)\nلا يجوز نزْعُ ثيابِ الشهيدِ التي قُتل فيها، بل يُدفن وهي عليه لقولهِ - ﷺ - في قتلى أُحُد: \"زمِّلوهم في ثيابهم\" (٣)، وفي رواية له: \"زمِّلوهم بدمائهم\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1887>استحبابُ تكفين الشهيد بثوبٍ واحدٍ أو أكثر فوق ثيابهِ (٢)</span>\nيُستحبُّ تكفينُ الشّهيد بثوبٍ واحدٍ أو أكثر فوقَ ثيابهِ.\n_________\n(١) وله شروطه وضوابطه، وسيأتي بإذن الله -تعالى-.\n(٢) انظر \"أحكام الجنائز\" (ص ٨٠).\n(٣) أخرجه أحمد، وانظر أحكام الجنائز (ص ٨٠).\n(٤) أخرجه أحمد والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (١٨٩٢)، وانظر أحكام الجنائز (ص ٨٠).","vol":"7","page":160},{"text":"فعن شَدّاد بن الهاد: \"أن رجلًا من الأعراب، جاء إلى النبي - ﷺ - فآمن به واتَّبعَه، ثمّ قال: أُهاجرُ معك، فأوصى به النبيّ - ﷺ - بعضَ أصحابه، فلمّا كانت غزوة [خَيْبرَ] غَنِمَ النبي - ﷺ -[فيها] شيئًا، فَقَسم، وَقَسَمَ له، فأعطى أصحابه ما قَسَم له، وكان يرعى ظَهْرَهم، فلمّا جاءهم دفعوه إليه، فقال: ما هذا؟ قالوا: قَسَمَ لك النبي - ﷺ -.\nفأخذه فجاء به إلى النبيّ - ﷺ - فقال: ما هذا؟ قال: قَسَمْتُه لك، قال: ما على هذا اتَّبعْتُك، ولكن اتَّبعْتُك على أن أرمى إلى هاهنا -وأشار إلى حَلْقهِ- بسهمٍ فأموتَ، فأدخلَ الجنة، فقال: إن تَصدُقِ الله يَصْدُقْك.\nفَلَبِثُوا قليلًا، ثمّ نهَضُوا في قتال العَدُوِّ، فأُتي به النبيّ - ﷺ - يُحْمَل، قد أصابه سهمٌ حيث أشار، فقال النبيّ - ﷺ - أهو هو؟ قالوا: نعم، قال: صدَق الله فصدَقَه.\nثمّ كفَّنه النبيّ - ﷺ - في جُبَّةِ النبيّ - ﷺ -، ثمّ قدَّمه فصلَّى عليه، فكان فيما ظَهرَ مِن صلاتِهِ: اللهمَّ هذا عبدك، خرج مهاجرًا في سبيلك، فقُتِل شهيدًا، أنا شهيدٌ على ذلك\" (١).\nوعن الزُّبَير بن العَوّام -﵁- قال: \"لمّا كان يومُ أُحُد؛ أقبَلتِ امرأةٌ تسعى، حتى إذا كادت أن تُشرِف على القتلى، قال: فَكرِهَ النبيّ - ﷺ - أن تَراهم، فقال: المرأةَ المرأةَ!\nقال: فتوسَّمْتُ أنها أمّي صفيّةُ، فخرجْتُ أسعى إليها، فأدْركْتُها قبل أن\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (١٨٤٥) والحاكم وغيرهم وصححه شيخنا ﵀ في \"أحكام الجنائز\" (ص ٨١).","vol":"7","page":161},{"text":"تنتهيَ إلى القتلى، قال: فَلَدَمَتْ (١) في صدري، وكانت امرأةً جَلْدةً، قالت: إليك لا أرضَ لك، فقلتُ: إن رسولَ - ﷺ - عَزَمَ عليك، فَوقَفتْ، وأخرجَتْ ثوبين معها، فقالت: هذان ثوبانِ جئتُ بهما لأخي حمزَةَ، فقد بلغني مقتلُه، فكفِّنْهُ فيهما.\nقال؛ فجئنا بالثوبين لِنُكفِّن فيهما حمزة، فإذا إلى جَنْبهِ رجلٌ من الأنصار قتيل، قد فُعل بهِ كما فُعل بحمزة، فوجدنا غضاضةً (٢) وحياءً، أن نُكفِّنَ حمزةَ في ثوبين، والأنصاريُّ لا كَفنَ له، فقلنا: لحمزةَ ثوبٌ، وللأنصاريِّ ثوبٌ، فقدَّرناهما فكان أحدُهما أكبرَ مِن الآخر، فأقْرَعْنا بينهما، فكفَّنّا كلَّ واحدٍ منهما في الثوبِ الذي صار له\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1888>لا يُشْرَعُ غَسْلُ الشهيد قتيلِ المعركة ولو كان جُنُبًا </span>(٤)\nلا يُشْرع غسْل الشهيد قتيل المعركة، ولو كان جُنُبًا، وفي ذلك أحاديث:\nالأول: عن جابرٍ قال: \"قال النبي - ﷺ -: ادفنوهم في دمائهم -يعني يوم أحد- ولم يَغْسِلْهم\" (٥).\n_________\n(١) أي: ضربت ودفعت.\n(٢) الغضاضة: العيب والمنقصة.\n(٣) أخرجه أحمد -والسياق له بسند حسَن- والبيهقي وسنده صحيح وانظر \"أحكام الجنائز\" (ص ٨١).\n(٤) انظر \"أحكام الجنائز\" (ص ٧٢).\n(٥) أخرجه البخاري: ١٣٤٦. وفي رواية \"وقال: أنا شهيدٌ على هؤلاء، وأمَر بدفنهم بدمائهم، ولم يُصلِّ عليهم، ولم يُغسّلهم\"، البخاري: ١٣٤٧.","vol":"7","page":162},{"text":"وفي رواية: فقال: \"أنا شهيدٌ على هؤلاء، لُفُّوهم في دمائهم، فإنه ليس جريح يُجرح [في الله] إلاَّ جاء وجرحه يوم القيامة يدْمي، لونُه لونُ الدم، وريحهُ ريحُ المسك\" (١).\nوفي رواية: \"لا تغْسِلوهم، فإنّ كلّ جرحٍ يفوح مِسْكًا يوم القيامة، ولم يُصلِّ عليهم\" (٢).\nالثاني: عن أبي بَرْزَةَ -﵁-: \"أنّ النبيّ - ﷺ - كان في مغْزىً له، فأفاءَ اللهُ عليه، فقال لأصحابه: هل تفقدون مِن أحدٍ؟ قالوا: نعم، فلانًا، وفلانًا، وفلانًا. ثمّ قال: هل تفْقِدون مِن أحدٍ؟ قالوا: لا: قال: لكني أفقد جُليْبِيبًا، فاطلُبوه.\nفطُلب في القتلى، فوجدوه إلى جَنْبِ سبعةٍ قد قَتَلهم، ثمّ قتلوه! فأتى النبيُّ - ﷺ -، فوقفَ عليه فقال: قَتَلَ سبعةً ثم قَتَلوه! هذا منِّي، وأنا منه، هذا منِّي، وأنا منه، قال: فَوَضَعه على ساعِدِيْه، ليس له إلاّ ساعدا (٣) النبيّ - ﷺ - قال: فحُفر له ووُضِع في قبره، ولم يَذْكُر غَسْلًا\" (٤).\nالثالث: عن أنس: \"أنّ شهداء أُحُد لم يُغَسَّلوا، ودُفنوا بدمائهم، ولم يصلِّ\n_________\n(١) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" وابن أبي شيبة في \"المصنف\" وغيرهما وانظر \"أحكام الجنائز\"، (ص ٧٢).\n(٢) أخرجه أحمد في \"المسند\" وغيره وصححه شيخنا -﵀- في: الإرواء\" (٣/ ١٦٤).\n(٣) أي: لم يكن له سرير إلاَّ ساعدي النبي - ﷺ -، وهي رواية ثابتة، انظر \"أحكام الجنائز\" (ص ٧٣).\n(٤) أخرجه مسلم: ٢٤٧٢.","vol":"7","page":163},{"text":"عليهم [غير حمزة] \" (١).\nالرابع: عن عبد الله بن الزُّبير في قصة أُحُدٍ واستشهاد حنظلَة بن أبي عامر، قال: \"فقال رسول الله - ﷺ -: إنّ صاحِبَكم تَغسِلُه الملائكةُ، فاسألوا صاحِبَتَه، فقالت: خَرَجَ وهو جُنُبٌ لمّا سَمِع الهائعة (٢)، فقال رسول الله - ﷺ -: لذلك غسَّلتْهُ الملائكة\" (٣).\nالخامس: عن ابن عباس قال: \"أصيبَ حمزةُ بن عبد المطّلب، وحنظلةُ بن الراهب، وهما جُنُبٌ (٤)، فقال رسول الله - ﷺ -: رأيتُ الملائكةَ تُغَسِّلُهما\" (٥).\nقال شيخنا -﵀ - في \"أحكام الجنائز\" (ص ٧٥):\n\"واعلم أن وجه دلالة الحديث على عدم مشروعية غَسْل الشهيد الجنبِ؛ هو ما ذكَره الشافعيةُ وغيرهُم؛ أنّه لو كان واجبًا لما سَقَطَ بغسل الملائكةِ، ولأَمرَ النبيُّ - ﷺ - بغسلِه، لأنّ المقصودَ منه تعبُّدُ الآدمى به، انظر \"المجموع\" (٥/ ٢٦٣) و\"نيل الأوطار\" (٤/ ٢٦) \".\n_________\n(١) أخرجه أبو داود والزيادة له وللحاكم والترمذي وحسّنه، وغيرهم وانظر \"أحكام الجنائز\" (ص ٧٣).\n(٢) هو الصوتُ الذي تفْزَعُ منه، وتخافه من عدوّ. \"النّهاية\".\n(٣) أخرجه ابن حبان في \"صحيحه\"، والحاكم، والبيهقي بإسناد جيد، وانظر \"أحكام الجنائز\" (ص ٧٤).\n(٤) كذا في \"السنن والآثار\" للبيهقي، وفي \"معجم الطبرانيّ الكبير\" \"جُنُبان\".\n(٥) أخرجه الطبرانيّ في \"الكبير\" وإسناده حسنٌ، كما قال الهيثمي في \"المجمع\" (٣/ ٢٣).\nوانظر \"أحكام الجنائز\"، (ص ٧٥).","vol":"7","page":164},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1889>أين يُدفن الشهيد </span>(١)\nعن جابر بن عبد الله -﵄- \"أن النبيّ - ﷺ - أَمَر بقتلى أُحُد؛ أن يُرَدّوا إلى مصارعهم، وكانوا قد نُقِلوا إلى المدينة\" (٢).\nعن نُبيح العَنَزي، عن جابر: أن النبيّ - ﷺ - قال: \"ادْفِنُوا القتْلَى في مَصَارعِهِمْ\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1890>دفنْ أكثر من شهيد في قبر واحد إذا كَثُر القتلى</span>\nعن هشام بن عَامِرٍ، قال: \"شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللهَّ - ﷺ - يَوْمَ أُحُدٍ، فَقُلْنَا يَا رَسُولَ الله الحْفْرُ عَلَيْنَا لِكُلِّ إِنْسَانٍ شَدِيدٌ، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: احْفِرُوا، وَأَعْمِقُوا، وَأَحْسِنُوا، وَادْفِنُوا الِاثْنَيْنِ وَالثلَاثَةَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ، قَالُوا: فَمَنْ نُقَدِّمُ يَا رَسُولَ الله؛ قَالَ: قَدِّمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا، قَالَ: فَكَانَ أَبي ثَالِثَ ثَلَاثَةٍ، فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ\" (٤).\nوقال الإمام البخاري -﵀- (باب دفْنِ الرجلين والثلاثة في قبرٍ) (٥) ثمّ ذكر حديث جابر -﵁-: \"أنّ النبيّ - ﷺ - كان يجمع بين الرجلين من\n_________\n(١) هذا العنوان من سنن النسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٢/ ٤٣١)\n(٢) أخرجه النسائي \"صحيح سنن النسائي\" (١٨٩٣).\n(٣) أخرجه النسائي \"صحيح سنن النسائي\" (١٨٩٤)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٢٣٠).\n(٤) أخرجه النسائي \"صحيح سنن النسائي، (١٨٩٩)، وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٧٥٤)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (١٤٠٠)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٢٦٦).\n(٥) انظر \"صحيح البخاري\" كتاب الجنائز (باب - ٧٣).","vol":"7","page":165},{"text":"قتلى أُحد\" (١).\n\nمن غَلب العدوّ فأقام على عرْصتهم (٢) ثلاثًا (٣)\nعن قتادةَ قال: \"ذكَر لنا أنس بن مالك عن أبي طلحة -﵄- عن النبيّ - ﷺ - أنّه كان إذا ظهَر على قوم، أقام بالعَرْصة ثلاثَ ليال\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1892>ما يقول إذا رجع من الغزو </span>(٥)\nعن عبد الله بن عمر -﵄- قال: \"أن رسول الله - ﷺ - كان إذا قَفَل (٦) مِن غزوٍ أو حجٍّ أو عُمرة؛ يُكبّر على كل شَرَف (٧) مِن الأرض ثلاث تكبيرات، ثمّ يقول: لا إله إلاَّ الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير، آيبون (٨) تائبون عابِدون ساجدون لربنا حامدون، صدَق الله\n_________\n(١) انظر \"صحيح البخاري\": ١٣٤٥.\n(٢) العَرْصة: هي البقعة الواسعة بغير بناء، من دارٍ وغيرها. \"الفتح\".\n(٣) هذا العنوان من \"صحيح البخاري\" (كتاب الجهاد) (باب - ١٨٥)، وجاء في تبويب \"صحيح ابن حبان\" نحوه بزيادة: \"إذا لم يكن يخاف على المسلمين فيه\". انظر \"التعليقات الحِسان\" (٧/ ١٥١).\n(٤) أخرجه البخاري: ٣٠٦٥، ومسلم: ٢٨٧٥.\n(٥) هذا العنوان من \"صحيح البخاري\" (كتاب الجهاد) (باب - ٩٧).\n(٦) قفَل: أي رَجع.\n(٧) شَرَف: الموضع العالي الذي يُشرِف على ما حولَه.\n(٨) آيبون: راجعون.","vol":"7","page":166},{"text":"وعدَه (١)، ونصَر عبدَه، وهزَم الأحزاب وحده (٢) \" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1893>إذا قَدِمَ الإمام أو القائد مِن الغزو يبدأ بالمسجد فيركع فيه ركعتين</span>\nعن كعب بن مالك -﵁- قال: \" ... وصبَّح رسول الله - ﷺ - قادمًا، وكان إذا قَدِم مِن سفرٍ (٤) بدأ بالمسجد فيركع فيه ركعتين، ثمّ جَلَس للناس\" (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1894>مراجعة الإمام أو القائد مَن تخلّف من الغزو والقتال</span>\nفي الحديث المتقدّم: \"ثمّ جلَس للناس، فلمّا فَعل ذلك جاءه المخلَّفون، فطفِقوا يعتذرون إليه، ويحلفون له، وكانوا بضعةً وثمانين رجلًا، فقَبِل منهم رسول الله - ﷺ - علانِيَّتَهم وبايعَهَم واستغَفَر لهم وَوَكَل سرائرهم إلى الله، فجئتُه (٦) فلمّا سلّمتُ عليه تبسَّم تبسُّم المُغضَب، ثمّ قال: تعال، فجئت أمشي حتى جلستُ بين يديه، فقال لي: ما خلَّفَك؟ ألم تكن قد ابتعتَ ظهرك؟ ... \" (٧).\n_________\n(١) أي صدَق وَعْدَه في إظهار الدين، وكون العاقبة للمتقين، وغير ذلك من وعْدِه -سبحانه-. \"شرح النّووي\".\n(٢) وهزم الأحزاب وحده: أي: مِن غير قتال من الآدميين، والمُراد بالأحزاب: الذين اجتمعوا يوم الخندق، وتحزّبوا على رسول الله - ﷺ -، فأرسَل الله عليهم ريحًا وجنودًا لم يَروها.\n(٣) أخرجه البخاري: ١٩٧٩ واللفظ له، ومسلم: ١٣٤٤.\n(٤) هكذا ورَد في السَّفَر، وهو أعمّ مِن الغزو في مفارقة الوطن، وقد ورَد هذا السياق في غزوة تبوك في قصة توبة كعب بن مالك وصاحبيه -﵃-.\n(٥) أخرجه البخاري: ٤٤١٨، أخرجه مسلم: ٢٧٦٩.\n(٦) أي كعب بن مالك.\n(٧) أخرجه البخاري: ٤٤١٨، ومسلم: ٢٧٦٩.","vol":"7","page":167},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1895>قتال الإمام مانعي الزكاة</span>\nعن أبي هريرة -﵁- قال: \"لمّا تُوفّيَ رسولُ الله - ﷺ -، واستُخلِف أبو بكر بعده، وكفَر مَن كفَر من العرب؛ قال عمر لأبي بكر: كيف تُقاتل النّاس وقد قال رسول الله - ﷺ -: أُمِرتُ أنْ أقاتِل النّاس حتى يقولوا لا إله إلاَّ الله، فمَن قال: لا إله إلاَّ الله عَصَمَ مني ماله ونفسه إلاَّ بحقّه، وحسابهُ على الله، فقال: والله لأُقاتلنّ مَن فرَّق بين الصلاة والزكاة، فإنّ الزكاة حقُّ المال، والله لو منعوني عِقالًا (١) كانوا يؤدّونه إلى رسول الله - ﷺ - لقاتَلْتُهم على مَنْعِه.\nفقال عمر: فوالله ما هو إلاَّ أنْ رأيتُ الله قد شَرح صدْرَ أبي بكر للقتال، فعرفْتُ أنّه الحقّ، قال ابن بكير وعبد الله عن الليث: عَناقًا؛ وهو أصح\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1896>قتل الجاسوس </span>(٣)\nعن سلمةَ بن الأكوع -﵁- قال: \"أتى النبيَّ - ﷺ - عينٌ من المشركين وهو في سفر، فجلَس عند أصحابه يتحدث ثمّ انفَتَل، فقال: النبيّ - ﷺ - اطلبوه واقتلوه، فقَتَله فنفَّله سَلَبَه\" (٤).\nوهذا ما يتعلّق الجاسوس الحربيّ، وأمّا المعاهَد والذمّي؛ فقال مالك\n_________\n(١) قال الإمام النّووي -﵀-: \"هكذا في مسلم عِقالًا، وكذا في بعض روايات البخاري وفي بعضها (عَنَاقا) بفتح العين وبالنون وهي الأنثى مِن ولد المعز، وكلاهما صحيح\".\nوالعقال: الذي يُعقل به البعير.\n(٢) أخرجه البخاري: ٧٢٨٤، ٧٢٨٥، ومسلم: ٢٠.\n(٣) عن \"الروضة الندية\" (٢/ ٧٥٢) بتصرفٍ يسير.\n(٤) أخرجه البخاري: ٣٠٥١، ومسلم مُطولًا: ١٧٥٤.","vol":"7","page":168},{"text":"والأوزاعي: ينتقض عهده بذلك.\nوعن فرات بن حيّان أن رسول الله - ﷺ - أمَرَ بقتله -وكان عينًا لأبي سفيان، وحليفًا لرجُل مِن الأنصار-، فمرّ بحلقة من الأنصار، فقال: إنّي مسلم، فقال رجلٌ من الأنصار: يا رسول الله إنه يقول إنّى مُسلم، فقال رسول الله - ﷺ - إنّ منكم رجالًا نَكِلُهم إلى إيمانهم؛ منهم فُراتُ بنُ حيان (١) \" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1897>في حُكم قتل الجاسوس إذا كان مُسلمًا</span>\nفيه الحديث المتقدّم في شأن فُرات بن حيّان.\nوعن عليٍّ -﵁- قال: \"بعثَني رسول الله - ﷺ - أنا والزبيرَ والمقدادَ\n_________\n(١) فُرات بن حَيان بن ثعلبة بن عبد العزى بن حبيب بن حية بن ربيعة بن صعب بن عجل بن لجيم الربعي اليشكري ثمّ العجلي حليف بني سهم ...\nقال البخاري: وتَبِعَه أبو حاتم، كان هاجَر إلى النبي -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم-، زاد أبو حاتم أنّه كوفي، وقال البغوي: سكن الكوفة، وابتنى بها دارًا، وله عقب بالكوفة، وأقطعه أرضًا بالبحرين.\nوقال ابن السكن: له صُحبة وذكَره ابن سعد في طبقة أهل الخندق وقال نزَل الكوفة، روى عن النبيّ - ﷺ - أنّه قال: \"إنّ منكم رجالًا نَكِلُهم إلى إيمانهم؛ منهم فرات بن حيان\".\nأخرجه أبو داود والبخاري في \"التاريخ\" وفيه قصّةٌ.\nوروى عنه حارثة بن مضرب، وقيس بن زهير، والحسن البصريّ، وكان عينًا لأبي سفيان في حروبه، ثمّ أسلَم، فحسُن إسلامه، وقال المرزباني كان ممن هجا رسول الله - ﷺ - ثمّ مدَحه فقَبِل مدْحه.\n(٢) أخرجه البخاري في \"التاريخ\" وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٣١٠) والحاكم وغيرهم، وانظر \"الصحيحة\" (١٧٠١).","vol":"7","page":169},{"text":"ابنَ الأسودِ، وقال: انطلِقوا حتى تأتوا روضة خاخ (١) فإنّ بها ظعينةً (٢) ومعها كتاب فخذوه منها، فانطلقنا تَعادَى (٣) بنا خيلنا؛ حتى انتهينا إلى الروضة، فإذا نحن بالظعينة، فقلنا: أَخْرجي الكتاب، فقالت: ما معي مِن كتاب، فقلنا: لتُخْرِجِنّ الكتاب أو لنُلقينّ الثياب، فأخرَجَتْه مِن عِقاصها (٤).\nفأتينا به رسول - ﷺ - فإذا فيه: من حاطب بن أبي بَلْتَعة إلى أناسٍ مِن المشركين مِن أهل مكة؛ يُخبِرهم ببعض أمْرِ رسولِ الله - ﷺ -.\nفقال رسول الله - ﷺ -: يا حاطب ما هذا؟ قال: يا رسول الله لا تعجَلْ عليّ، إنّي كنتُ امرَءًا مُلصَقًا في قريش، ولم أكن مِن أنفُسِها وكان مَن معك مِن المهاجرين لهم قَرابات بمكّة؛ يحمون بها أهليهم وأموالهم، فأحببتُ إذ فاتني ذلك مِن النَّسَب فيهم؛ أن أتخذ عندهم يدًا يحمون بها قرابتي، وما فعلتُ كُفرًا ولا ارتدادًا، ولا رضًا بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول - ﷺ - لقد صدَقكم.\nفقال عمرُ: يا رسولَ الله دعني أضربْ عُنُقَ هذا المنافق، قال: إنه قد شهِد بدرًا، وما يدريك لعلّ الله أن يكون قد اطَّلَع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم؛ فقد غفرْتُ لكم\" (٥).\nقال ابن القيّم -﵀- في \"زاد المعاد\" (٣/ ١١٥): \"فاستدلَّ به مَن لا\n_________\n(١) موضع بين مكّة والمدينة.\n(٢) الظعينة: هنا الجارية، وأصلها الهودج، وسُميّت بها الجارية لأنها تكون فيه. \"شرح النّووي\".\n(٣) أي: تجري.\n(٤) أي: شعرها المضفور، وهو جمع عقيصة \"شرح النّووي\".\n(٥) أخرجه البخاري: ٣٠٠٧، ٣٠٨١ ومواطن أخرى، ومسلم: ٢٤٩٤.","vol":"7","page":170},{"text":"يرى قَتْل المسلم الجاسوس؛ كالشافعي وأحمد، وأبي حنيفة -﵏- واستدل به من يرى قَتْلَه؛ كمالك، وابن عقيل من أصحاب أحمد -﵀- وغيرهما.\nقالوا: لأنه علّل بعلّة مانعةٍ من القتل، منتفية في غيره (١)، ولو كان الإسلام مانعًا من قَتْله؛ لم يُعلّل بأخص منه (٢)، لأن الحكم إذا علّل بالأعم (٣) كان الأخص (٤) عديم التأثير وهذا أقوى. والله أعلم\".\nوقال -﵀ أيضًا- (ص ٤٢٢): \"وفيها (٥) جواز قَتْل الجاسوس -وإنْ كان مُسلِمًا- لأن عمر -﵁- سأل رسول الله - ﷺ - قَتْل حاطب بن أبي بلتعة، لمّا بعَث يُخبر أهل مكة بالخبر، ولم يَقُل - ﷺ - لا يحلّ قتلُه إنه مسلم، بل قال وما يدريك لعل الله قد اطلَع على أهل بدر، فقال اعملوا ما شئتم.\nفأجاب بأنّ فيه مانعًا مِنْ قَتْله وهو شهودُه بدرًا، وفي الجواب بهذا؛ كالتنبيه على جواز قَتْل جاسوسٍ ليس له مِثل هذا المانع.\nوهذا مذهب مالك، وأحد الوجهين في مذهب أحمد، وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا يُقتَل وهو ظاهر مذهبِ أحمد والفريقان يحتجّون بقصة حاطب.\nوالصحيح أن قَتْله راجع إلى رأي الامام فإنْ رأى في قَتْله مصلحة\n_________\n(١) وهي شهود بدر.\n(٢) أي لو كان الإسلام مانعًا مِن قتله؛ فإن النبي - ﷺ - يُعلّل عدم الإذن بقتله؛ لكونهِ من أهل بدر، بل لإسلامه فحسب.\n(٣) وهو الإسلام هنا.\n(٤) وهو شهود بدر هنا.\n(٥) أي في قصة فتح مكة.","vol":"7","page":171},{"text":"للمسلمين، قَتله وإن كان استبقاؤه أصلح استبقاه، والله أعلم\".\nوأشار إلى هذا شيخنا -﵀- في \"التعليقات الرضيّة\" (٣/ ٤٧٧).\nقلت: والذي يبدو لي أنّ هذا يتعلّق بدراسةِ سببِ فِعْل هذا الجاسوس، والنظر فيما إذا كانت ثمّه قرائن تدلّ على توبته، ففي قصة حاطب -﵁- ظَهَر سبب انجراره إلى هذا الفعل، وهو اتخاذ أسباب الحماية من قِبَل أقاربه، وتصريحه أنّه لم يكن لكُفرٍ أو ارتداد، ثمّ ما كان مِن قولِ رسول الله - ﷺ -: \"لعلّ الله أن يكون قد اطّلعَ على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرْتُ لكم\".\nفالأمر متعلِّق بالتوفيق للتوبة المستجلِبة للمغفرة، والأمر يعود إلى الإمام فيما يترجّح لديه مِن حال هذا الجاسوس مِن هذا الجانب، والنظر كذلك فيما يتعلَّق بمصلحة المسلمين، سواءٌكان ذلك في القتل أو عدمه والله -تعالى- أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1898>من قفز من عسكر المسلمين إلى عسكر الكُفّار</span>\nجاء في \"مجموع الفتاوى\" (٢٨/ ٥٣٤): \"فمن قفَز عنهم إلى التتار كان أحقَّ بالقتال مِنْ كثيرٍ من التتار؛ فإنَّ التتار فيهم المُكْرَه وغيرُ المكْرَه، وقد استقرَّت السُّنَّة بأنَّ عقوبةَ المرتدّ أعظمُ مِن عقوبة الكافر الأصلي مِن وجوهٍ متعددة.\nمنها أنَّ المرتدَّ يُقتَل بكل حال، ولا يُضرَب عليه جزية، ولا تُعقَد له ذِمَّة؛ بخلاف الكافر الأصلي.\nومنها أنَّ المرتد يُقتل -وإنْ كان عاجزًا عن القتال-؛ بخلاف الكافر الأصليّ الذي ليس هو مِن أهل القتال، فإنّه لا يُقتَل عند أكثر العلماء كأبي حنيفة ومالك وأحمد؛ ولهذا كان مذهب الجمهور أن المرتدَّ يُقتَل؛ كما هو مذهب مالك والشافعي وأحمد.","vol":"7","page":172},{"text":"ومنها أن المرتدَّ لا يَرِث ولا يُناكَح ولا تُؤكَل ذبيحته بخلاف الكافر الأصلي. إلى غير ذلك من الأحكام\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1899>الهدنة</span>\nالهدنة لغةً: السكون.\nواصطلاحًا: الصُّلح والموادعة بين المسلمين والكفار، وبين كلّ متحارِبَين، والاتفاق على عدم القتال فترة زمنية معيّنة (١).\nقال العلماء: \"إذا مال العدوّ للمسالمة؛ فإنّه يجاب طَلَبُه، إذا كانت مصلحة المسلمين تقتضي ذلك؛ كأن يكون العدوّ كثيفًا، وكان الأنفع تأجيل القتال؛ حتى يتقوى المسلمون\".\nوقد يريد العدوّ المكر والخديعة، فيجب الحذَر والتيقّظ قال الله -تعالى-: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ (٢) هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣).\nقال ابن كثير -﵀-: يقول -تعالى-: إذا خفت من قوم خيانة فانبذ إليهم عهدهم على سواء، فإن استمروا على حربك ومنابذتك فقاتلهم، ﴿وإنْ جَنَحُوا﴾ أي: مالوا ﴿لِلسَّلْمِ﴾ أي: المسالمة والمصالحة والمهادنة، ﴿فَاَجْنَحْ لَهَا﴾ أي:\n_________\n(١) \"النّهاية\" بتصرف وزيادة.\n(٢) قال ابن القيم -﵀- أي الله وحده كافيك وكافي أتباعك، فلا تحتاجون معه أحد انظر \"التفسير القيّم\" (ص ٢٩٢).\n(٣) الأنفال: ٦١ - ٦٢.","vol":"7","page":173},{"text":"فمِلْ إليها، واقبَلْ منهم ذلك؛ ولهذا لما طلَبَ المشركون عام الحديبية الصلحَ ووضْعَ الحرب بينهم وبين رسول الله - ﷺ - تسعَ سنين؛ أجابهم إلى ذلك؛ مع ما اشترطوا من الشروط الأُخَر.\nقال الإمام البخاريّ -﵀-: (باب ما يُحذَر من الغدر) وقول الله - تعالى-: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ (١).\nثمّ ذكر تحته حديث عوف بن مالك -﵁- وفيه \"اعدُد ستًّا بين يدي الساعة\"، ومنها قوله - ﷺ -: \"ثمّ هُدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر (٢)، فيغدرون، فيأتونكم تحت ثمانين غاية (٣)، تحت كل غاية اثنا عَشَرَ ألفًا\" (٤).\nوعن البراء -﵁- قال: \"اعتمَر النبيّ - ﷺ - في ذي القعدة، فأبى أهل مكة أن يَدَعوه يدخُل مكة؛ حتى قاضاهم على أن يقيم بها ثلاثة أيام.\nفلمّا كتبوا الكتاب، كتبوا: هذا ما قاضى عليه محمّد رسول الله - ﷺ - فقالوا لا نقرّ بها، فلو نعلم أنك رسول الله ما منعناك، لكن أنت محمّد بن عبد الله، قال: أنا رسول الله وأنا محمّد بن عبد الله، ثمّ قال لعليّ: امْحُ رسولَ الله، قال: لا والله لا أمحوك أبدًا.\nفأخذ رسول الله - ﷺ - الكتاب فكتَب: هذا ما قاضى عليه محمّد بن عبد الله،\n_________\n(١) انظر \"صحيح البخاري\" (كتاب الجزية والموادعة) (باب - ١٥).\n(٢) هم الروم.\n(٣) أي: راية.\n(٤) انظر \"صحيح البخاري\" (٣١٧٦).","vol":"7","page":174},{"text":"لا يدخُلُ مكة سلاح إلاَّ في القِراب (١)، وأن لا يَخرُجَ مِن أهلها بأحدٍ إنْ أراد أن يتبعه، وأن لا يمنع أحدا مِن أصحابه أراد أن يُقيمَ بها.\nفلمّا دخَلها ومضى الأجل، أَتَوا عليًّا فقالوا: قل لصاحِبِك اخرُج عنّا فقد مضى الأجل، فخَرج النبيّ - ﷺ -\" (٢).\nوعن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكَم: أنّهم اصطلحوا على وضع الحرب عشر سنين، يأمَن فيهن النّاس، وعلى أن بيننا عيْبَةً (٣) مكفوفة، وأنّه لا إسلال ولا إغلال (٤) \" (٥).\nقال الإمام البخاري -﵀-: (باب الموادعة والمصالحة مع المشركين بالمال وغيره، وإثم من لم يفِ بالعهد) (٦).\nوجاء في \"السيل الجرار\" (٤/ ٥٦٤): تعليقًا على عبارة \"ويجوز للإمام\n_________\n(١) أي: غِمد السيف، جمعها: قُرُب، وأقربَة.\n(٢) أخرجه البخاري: ٢٦٩٩، ومسلم: ١٧٨٣.\n(٣) عيْبَةً: ما يُجعَل فيها الثياب، مكفوفة: أي مشدودة ممنوعة، قال في \"النيل\" أي: أمرًا مطويًّا في صدورٍ سليمةٍ، وهو إشارة إلى ترك المؤاخذة؛ بما تقدَّم بينهم مِن أسباب الحرب وغيرها، والمحافظة على العهد الذي وقَع بينهم.\n(٤) لا إسلال ولا إغلال: أي: لا سرقة ولا خيانة، يُقال: أغلّ الرجل أي: خان، والإسلال: من السّلّة، وهي: السرقة، والمراد: أن يأمن النّاس بعضهم من بعض؛ في نفوسهم وأموالهم سرًّا وجهرًا. \"عون المعبود\" (٧/ ٣٢٠). وانظر للمزيد من الفائدة، -إن شئت- \"النّهاية\" (سلل، غلل).\n(٥) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٤٠٤).\n(٦) انظر \"صحيح البخاري\" (كتاب الجزية والموادعة) (باب - ١٢).","vol":"7","page":175},{"text":"عقد الصلح لمصلحة\":\nأقول: وَجْهُ هذا أنّ الله -سبحانه- قال في كتابه ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ فدلّ ذلك على جواز المصالحة؛ إذا طلَبها الكُفّار وجَنحُوا إليها.\nوقيل لا يجوز ذلك لقوله -سبحانه-: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ (١).\nولا يخفاك أنّه لا معارضة بين الآيتين، فإنّ الآية الأولى دلَّت على أن الكُفّار إذا نجحوا للسَّلم جَنَحْنا لها، والآية الأخرى دلّت على عدم جواز الدعاء مِن المسلمين إلى السَّلم، فالجمع بينهما بأنّه يجوز عَقد الصُّلح إذا طلَب ذلك الكفّار، ولا يجوز طَلبُه مِن المسلمين؛ إذا كانوا واثقين بالنصر ...\nوقيل: لا يجوز المصالحة أصلًا، وأنّ ما ورَد في جوازها منسوخ بقوله: ﴿فاقْتُلُوا المُشْركِينَ﴾ (٢). ونحوها، ولا وَجْهَ لدعوى النسخ، وأيضًا الجمعُ ممكِن بأنهم يُقتَلون ويُقاتَلون؛ ما لم يجنحوا إلى السَّلم.\nوأمّا كون المدّة معلومةً، فوجْهُه أنّه لو كان الصلحُ مُطلقًا أو مؤبَّدًا؛ لكان ذلك مُبطلًا للجهاد الذي هو مِن أعظم فرائض الإسلام، فلا بُدّ مِن أن يكون مُدّةً معلومة على ما يَرَى الإمام من الصلاح، فإذا كان الكفّار مُستظهرِين وأمرهم مُستعلنًا؛ جاز له أن يعقده على مُدّة طويلة، ولو فوق عشر سنين، وليس في ذلك مخالفة لعقده -﵌- للصُّلح الواقع مع قريش عشر سنين،\n_________\n(١) محمد: ٣٥.\n(٢) التوبة: ٥.","vol":"7","page":176},{"text":"فإنّه ليس في هذا ما يدّل على أنّه لا يجوز أن تكون المدة أكثرَ مِن عشر سنين؛ إذا اقتضت المصلحة\" انتهى.\nوالخلاصة: جواز المصالحة إذا طلبها الكفّار؛ إذا كان فيها نفعٌ للمسلمين، ولا يجوز ابتداؤها من المسلمين إذا كانوا واثقين بالنصر.\nولا بُدّ أن تكون المُدّة معلومة -طالت أم قصرت- على ما يرى الإمام فيه تغليب المصلحة وترجيح المنفعة؛ والله -تعالى- أعلم.\nقال العلاّمة ابن القَيِّم -﵀- في زاد المعاد (٥/ ٩٣): (في حُكمه - ﷺ - في الهُدنة وما ينقضُها):\n\"ثبت عنه - ﷺ - أنّه صالَح أهل مكّة، على وضْع الحرب بينه وبينهم عشر سنين، ودخَل حلفاؤهم مِن بني بكر معهم، وحلفاؤه مِن خزاعة معه، فَعَدَتْ حلفاءُ قريش على حلفائه. فغدروا بهم، فرضِيَت قريش ولم تُنكِره، فجعَلَهم بذلك ناقضين للعهد، واستباح غزْوَهم مِن غير نبْذِ عهدِهم إليهم، لأنهم صاروا محاربين له، ناقضين لعهده؛ برضاهم وإقرارهم لحلفائهم على الغدر بحلفائه، وألحَقَ رِدأهم (١) في ذلك بمباشِرِهم.\nوثبت عنه أنّه صالَح اليهود، وعاهَدَهم لمّا قَدِمَ المدينة، فغَدَروا به، ونقَضوا عهده مرارًا، وكلّ ذلك يُحاربهم ويظْفَر بهم، وآخرُ ما صالَح يهود خيبر؛ على أنّ الأرض له، ويُقرّهم فيها عُمّالًا له ما شاء، وكان هذا الحكمُ منه فيهم حُجّةً؛ على جواز صُلح الإمام لعدوِّه ما شاء مِن المدّة، فيكون العقدُ جائزًا له\n_________\n(١) أي: المعين والمناصر.","vol":"7","page":177},{"text":"فسْخُه متى شاء، -وهذا هو الصواب-، وهو مُوجِب حُكْم رسولِ الله - ﷺ - الذي لا ناسخ له\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1900>عقد الذمّة</span>\nالذمّة هي: العهد والأمان، وعقد الذّمة: هو أنْ يُقرّ الحاكم أو نائبه بعض أهل الكتاب من الكُفّار على كفرهم بالضوابط الشرعية (١).\nجاء في \"المغني\" (١٠/ ٥٧٢): \"ولا يجوز عَقْد الذمّة المؤبَّدة إلاّ بشرطين:\nأحدهما: أن يلتزموا إعطاء الجزية في كلّ حول.\nوالثاني: التزام أحكام الإسلام، وهو قَبول ما يُحكَم به عليهم مِن أداء حقّ، أو تَرْك محُرّم، لقول الله -تعالى-: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٢).\nوقول النبيّ - ﷺ - في حديث بريدة: \"فادْعُهم إلى أداء الجزية، فإنْ أجابوك فاقبَل منهم، وكُفَّ عنهم\".\nوفيه (١٠/ ٥٧٣): \"ومَن سواهم، فالإسلام أو القتل\".\nيعني مَن سوى اليهود والنصارى والمجوس؛ لا تُقبَل منهم الجزية، ولا يُقرّون بها، ولا يُقبَل منهم إلاَّ الإسلام، فإنْ لم يسلموا قُتلوا ... (٣).\nوقال -﵀-: \"ولنا، قَوْل الله -تعالى-: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ\n_________\n(١) عن \"فقه السُّنَّة\" (٣/ ٤٤٦) بتصرّف.\n(٢) التوبة: ٢٩.\n(٣) انظر -إن شئت- \"المصدر المذكور\" لمعرفة أقوال العلماء؛ مع شيء من التفصيل.","vol":"7","page":178},{"text":"وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (١) وقول النبيّ - ﷺ -: \"أُمرتُ أن أقاتِل النّاس؛ حتى يقولوا لا إله إلاَّ الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم؛ إلاَّ بحقّها\".\nثمّ بين ما خُصِّص مِن ذلك بالكتاب والسنة (٢).\nأقول: خُصّص أهل الكتاب بالآية كما ذكَر المصنّف -﵀-، والمجوس، بما يأتي:\nعن بَجَالة قال: \"كُنت كاتبًا لجزء بن معاوية عمّ الأحنف، فأتانا كتابُ عمر ابن الخطاب قبل موته بسنة: فرِّقوا بين كل ذي مَحْرَم مِن المجوس، ولم يكن عمر أخذَ الجزية من المجوس، حتى شهد عبد الرحمن بن عوف، أنّ رسول الله - ﷺ - أخذَها مِن مجوس هجَر\" (٣).\nوعن المِسور بن مخرَمة أنّه أخبَرَه أنّ عمرَو بن عوف الأنصاري -وهو حليفٌ لبني عامر بن لؤي، وكان شهِدَ بدرًا- أخبره أنّ رسول الله - ﷺ - \"بعثَ أبا عُبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها، وكان رسول الله - ﷺ - هو صالحَ أهلَ البحرين، وأمّر عليهم العلاء بن الحضرمي\" (٤).\nقال الحافظ -﵀- في شرح قوله (بعثَ أبا عبيدة بن الجرّاح إلى البحرين): \" ... وكان أغلب أهلها إذ ذاك المجوس، ففيه تقويةٌ للحديث الذي\n_________\n(١) التوبة: ٥.\n(٢) وقال -﵀-: [وخصّ] المجوس بقول النبي - ﷺ - \"سُنُّوا بهم سُنّة أهل الكتاب\" وقد ضعَّفه شيخنا -﵀- في \"الإرواء\" (١٢٤٨) فانظر تفصيل تخريجه فيه -إن شئت-.\n(٣) أخرجه البخاري: ٣١٥٦، ٣١٥٧.\n(٤) أخرجه البخاري: ٣١٥٨، ومسلم: ٢٩٦١.","vol":"7","page":179},{"text":"قبله، ومِن ثمّ ترجم عليه النسائي (بابُ أخذ الجزية مِن المجوس) \".\nوقال الإمام البخاري -﵀-: (باب الجزية والموادعة، مع أهل الذّمة والحرب) وقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (١)﴾ (٢).\nوما جاء في أخذ الجزية مِن اليهود والنّصارى والمجوس والعجم (٣).\nثمّ ذكَر -﵀- ما تقدّم عن بجَالة.\nفائدة: وجاء في \"المغني\" (١٠/ ٥٧٤): \"وإذا عقَدَ الذّمة لكفارٍ زعموا أنهم من أهل الكتاب؛ ثمّ تبيّن أنهم عَبَدَة الأوثان؛ فالعقد باطلٌ مِن أصْلِه، وإنْ شكَكْنا فيهم، لم ينتقض عهدُهم بالشك؛ لأن الأصل صحته، فإنْ أقرّ بعضهم بذلك دون بعض، قُبل من المقرّ في نفسه، فانتقض عهْدُه، وبقي في حقّ مَن لم يُقرَّ بحاله\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1901>موجب هذا العقد:</span>\n*وإذا تمّ عقْد الذمّة، ترتَّبَ عليه حُرمة قتالهم، والحِفاظ على أموالهم، وصيانة أعراضهم، وكفالة حرّياتهم، والكفّ عن أذاهم.\n_________\n(١) قال الإمام البخاري -﵀-: \"يعني أذلاّء والمسكنة: مصدر المسكين، (فلانٌ) اسكنُ مِن فُلان: احوجُ منه، ولم يذهب إلى السكون .. \".\n(٢) التوبة: ٢٩.\n(٣) \"صحيح البخاري\" (كتاب الجزية والموادعة) (باب - ١)، وانظر -إن شئت- ما قاله الحافظ -﵀- مُفصلًا في هذا الأمر.","vol":"7","page":180},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1902>الأحكامُ التي تجري على أهل الذِّمَّة:</span>\nوتجري أحكام الإسلام على أهل الذمّة في ناحيتين:\nالناحية الأولى: المعاملات المالية، فلا يجوز لهم أن يتصرَّفوا تصرُّفًا لا يتفق مع تعاليم الإسلام؛ كعقد الربا، وغيره مِن العقود المحرّمة.\nالناحية الثانية: العقوبات المقرّرة، فيُقتصّ منهم، وتُقام الحدود عليهم متى فعلوا ما يوجب ذلك، وقد ثبَت أنَّ النبي - ﷺ - رجَم يهوديين، زنيا بعد إحصانهما (١).\nوإنْ تحاكموا إلينا، فلنا أن نحكم لهم بمقتضى الإسلام، أو نرفض ذلك، يقول الله -تعالى-: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (٢) * (٣).\nقال ابن جرير -﵀-: \"ثمّ اختلَف أهل التأويل في حكم هذه الآية، هل هو ثابتٌ اليوم؟ وهل للحكّام مِن الخِيار في الحُكم والنّظَر بين أهل الذمّة والعهد إذا احتكموا إليهم، مثل الذي جعَل لنبيّه - ﷺ - في هذه الآية، أم ذلك منسوخ؟\n_________\n(١) انظر \"صحيح البخاري\" (٦٨٤١)، و\"صحيح مسلم\" (١٦٩٩)، وتقدم في كتاب (الحدود).\n(٢) المائدة: ٤٢.\n(٣) ما بين نجمتين من \"فقه السنّة\" (٣/ ٤٤٦) بحذف.","vol":"7","page":181},{"text":"فقال بعضهم: ذلك ثابتٌ اليوم، لم ينسخه شيء، وللحُكّام من الخِيار في كلّ دهر بهذه الآية، مثلُ ما جعَله الله لرسوله - ﷺ -.\nثمّ ذكَر مَن قال ذلك.\nثمّ قال -﵀-: وقال آخرون: بل التخيير منسوخٌ (١)، وعلى الحاكم إذا احتكَم إليه أهل الذمَّة أن يحكُم بينهم بالحقّ، وليس له تْرك النظرِ بينهم.\nثمّ ذكرَ من قال ذلك.\nثمّ قال -﵀-: \"وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب: قول مَن قال: إنّ حُكم هذه الآية ثابتٌ لم يُنسَخ، وأنّ للحُكَّام مِن الخِيار في الحُكم بين أهل العهد إذا ارتفعوا إليهم فاحتكموا، وترْكِ الحكم بينهم والنظر، مثلُ الذي جَعَله الله لرسوله - ﷺ - مِن ذلك في هذه الآية\" (٢) انتهى.\n_________\n(١) وجاء في \"سنن أبي داود\": (باب الحُكم بين أهل الذِّمّة)، وجاء تحته نصّان، الأول: عن ابن عباس -﵄- قال: \" ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ فنُسخت قال: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بما أنزل الله﴾ \" أخرجه أبو داود (٣٥٩٠)، \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٠٦١).\nوالثاني: عن ابن عباس -﵄ أيضًا- قال: \"لما نزَلت هذه الآية ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾، ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ الآية، قال: كان بنو النضير إذا قتَلوا من بني قريظة، أدَّوا نصف الدية، وإذا قتل بنو قريظة من بني النضير، أدَّوا إليهم الدّية كاملة، فسوّى رسول الله - ﷺ - بينهم\". أخرجه أبو داود (٣٥٩١) وغيره،\n\"صحيح سنن أبي داود\" (٣٠٦٢).\n(٢) انظر تتمة كلامه وتفصيله -إنْ شئت المزيد من الفائدة- في المصدر المذكور.","vol":"7","page":182},{"text":"قلت: والذي يبدو لي -والله تعالى أعلم- أن الأصل على بقاء الحُكم بالتخيير، وهذا التخيير قائمٌ على تقدير المصلحة، والنسخ المذكور هو إعادة إلى أصل الأمر؛ وهو التحاكم إلى شرع الله، ولكن إذا كان هناك تلعّبٌ وأهواء، ورجّح الحاكم الإعراض عن طَلَبِهم؛ فله ذلك، ففي السياق القرآني ما يُبِّين هذا، وذلك لأنهم قالوا ﴿إنْ أُوتِيتُمْ هَذَا﴾ أي: الجلد والتحميم ﴿فَخُذُوهُ﴾ أي: اقبلوه، ﴿وَإن لمْ تُؤتَؤهُ فَاَحذَرُوا﴾ أي: مِن قَبوله واتّباعه. ﴿سَمّاَعُونَ لِلكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ (١).\nفلأجل تلاعبهم وأهوائهم، ولأنهم لا يقصدون بتحاكمهم إلى النبيّ - ﷺ - اتّباع الحق واجتناب الضلال، بل ما وافَق أهواءهم، لأجل ذلك قال الله -تعالى-: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا﴾ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1903>الجزية</span>\nتعريفها: مِن جزأت الشيء: إذا قَسمْته، ثمّ سُهّلت الهمزة، وقيل: مِن الجزاء، أي: لأنها جزاء ترْكِهم ببلاد الإسلام، أو مِن الإجزاء؛ لأنها تكفي مَن توضَع عليه في عصمة دمِه (٣).\nفالجزية: مبلغٌ مِن المال، يُؤخَذ من الكافر؛ لإقامته بدار الإسلام في كل\n_________\n(١) السُّحت: الحرام وهو الرشوة.\n(٢) المائدة: ٤٢.\n(٣) \"الفتح\" (٦/ ٢٥٩).","vol":"7","page":183},{"text":"عام (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1904>مشروعيتها:</span>\nقال الله -تعالى-: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ (٢) وَهُمْ صَاغِرُونَ (٣)﴾ (٤).\nعن بَجَالة قال: \"كُنت كاتبًا لجزء بن معاوية عمّ الأحنف، فأتانا كتابُ عمر ابن الخطاب قبل موته بسنة: فرِّقوا بين كل ذي محَرَم مِن المجوس.\nولم يكن عمر أخذَ الجزية من المجوس، حتى شَهِد عبد الرحمن بن عوف أنّ رسول الله - ﷺ - أخذَها مِن مجوس هجر\" (٥).\nعن جبير بن حية قال: \"بعثَ عمرُ النّاس في أفناء الأمصار يُقاتلون المشركين [وذكر الحديث إلى أن قال:] ... فلْينفِروا إلى كسرى وقال: فندَبَنا عمرُ، واستعمل علينا النعمانَ بنَ مُقرِّن حتى إذا كُنّا بأرض العدوّ وخرَج علينا عاملُ كسرى في أربعينَ ألفًا، فقام تَرجُمانٌ فقال: ليكلّمْني رجلٌ منكم.\nفقال المغيرة: سل عمّا شئتَ، قال: ما أنتم؟ قال: نحن أناسٌ من العرب، كنّا في شقاءٍ شديدٍ، وبلاءٍ شديدٍ، نمصُّ الجلْدَ والنوى من الجوع، ونلْبسُ الوَبَرَ\n_________\n(١) \"المغني\" (١٠/ ٥٦٧) بتصرف.\n(٢) عن قهر وغَلَبة.\n(٣) أي: ذليلون حقيرون مُهانون.\n(٤) التوبة: ٢٩.\n(٥) أخرجه البخاري: ٣١٥٦، ٣١٥٧، وتقدّم في الباب السابق.","vol":"7","page":184},{"text":"والشَّعَرَ، ونعبد الشَّجر والحجرَ، فبينا نحن كذلك؛ إذ بعَث ربُّ السماوات وربُّ الأرَضِينَ -تعالى ذكره وجَلّت عَظَمَتُه- إلينا نبيًّا من أنفسِنا، نعرفُ أباه وأمّهُ، فأمرَنا نبيُّنا رسولُ ربِّنا - ﷺ - أن نقاتِلَكُمْ حتّى تعبُدوا اللهَ وحدهُ، أو تؤدّوا الجزيَة\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1905>ممن تُقبَل</span>؟\nتُقبل الجزية من كل المِلَل والنّحل والأمم، عربهم وعجمهم.\nقال الإمام البخاري -﵀-: (باب الجزية والموادعة ... وما جاء في أخْذِ الجزية مِن اليهود والنصارى والمجوس والعَجَم).\nثمّ ذكَر -﵀- حديث بجَالة المتقدّم، وفيه أنّ رسول الله أخذ الجزية مِن مجوس هجر (٢).\nوقال العلاّمة ابن القَيِّم -﵀- في حكمه - ﷺ - في الجزية: \"قد تقدَّم أنَّ أول ما بَعَث -الله ﷿- به نبيّه - ﷺ - الدعوة إليه بغير قتالٍ ولا جزية، فأقام على ذلك بضع عشرة سنةً بمكّة ثمّ أذِنَ له في القتال؛ لمّا هاجر مِن غير فرضٍ له، ثمّ أمَرَه بقتال مَن قاتلَه، والكفِّ عمّن لم يقاتله، ثمّ لمّا نزلت (براءة) سنة ثمان، أمَرَه بقتال جميع مَن لم يُسلِم من العرب؛ مَن قاتله أو كفَّ عن قتاله إلاَّ مَن عاهدَه ولم يَنْقُصْه مِن عهده شيئًا فأمَرَه أن يفيَ له بعهده، ولم يأمره بأخذ الجزيةِ مِن المشركين، وحارَب اليهود مرارًا، ولم يُؤمَر بأخذ الجزية منهم.\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٣١٥٩، وتقدّم.\n(٢) انظر \"صحيح البخاري\" (كتاب الجزية والموادعة) (باب - ١)، وتقدّم.","vol":"7","page":185},{"text":"ثمّ أَمَره بقتال أهل الكتاب كلِّهم حتى يُسلِموا، أو يُعطوا الجزية، فامتَثَل أمْر ربِّه فقاتَلهم، فأسلَم بعضُهم، وأعطى بعضُهم الجزية، واستمرَّ بعضُهم على محاربته ....\nولم يأخذها مِن مشركي العرب، فقال أحمد والشافعي: لا تُؤخَذ إلاَّ مِن الطوائف الثلاث التي أخذَها رسول الله - ﷺ - منهم، وهم اليهود والنصارى والمجوس (١).\nومَن عداهم فلا يُقبل مِنهم إلاّ الإسلام أو القتل.\nوقالت طائفة: في الأمم كلِّها إذا بذَلُوا الجزية؛ قُبلت منهم: أهل الكتابين بالقرآن، والمجوس بالسُّنَّة، ومَن عَداهم مُلحقٌ بهم؛ لأن المجوس أهلُ شركٍ لا كتاب لهم، فأخذُها منهم دليل على أخْذِهِا من جميع المشركين؛ وإنمّا لم يأخذها - ﷺ - من عَبَدة الأوثانِ مِن العرب؛ لأنّهم أسلموا كلُّهم قبل نزول آية الجزية، فإنها نزلت بعد تبوك، وكان رسول الله - ﷺ - قد فرَغ مِن قتال العرب، واستوثَقَت كُلّها له بالإسلام، ولهذا لم يأخُذْها مِن اليهود الذين حاربوه، لأنّها لم تكن نزَلَت بعد، فلما نزَلت، أخَذَها مِن نصارى العرب، ومِن المجوس، ولو بقي حينئذ أحدٌ مِن عَبَدَة الأوثان بذَلهَا؛ لقَبِلها منه، كما قَبِلها من عَبَدَة الصُّلبان والنِّيران، ولا فرق ولا تأثير، لتغليظ كُفرِ بعض الطوائف على بعض.\n_________\n(١) وجاء في \"الروضة الندية\" (٢/ ٧٦٣): \"وقال الشافعي: إن الجزية تُقبَل مِن أهل الكتاب؛ عربًا كانوا أو عَجَمًا، ويُلحَق بهم المجوس في ذلك\".\nوقال -﵀- كذلك (٢/ ٧٦٤): \"الجزية على الأديان، لا على الأنساب، فتُؤخَذ مِن أهل الكتاب، عربًا كانوا أو عَجَمًا، ولا تؤخذ مِن أهل الأوثان، والمجوس لهم شبهة كتاب\".","vol":"7","page":186},{"text":"ثمّ إن كُفر عَبَدَة الأوثان ليس أغلظَ مِن كُفر المجوس، وأيُّ فرقٍ بين عَبَدة الأوثانِ والنّيران، بل كُفرُ المجوس أغلظ، وعُبّادُ الأوثان كانوا يُقرّون بتوحيد الربوبية، وأنّه لا خالق إلاَّ الله، وأنّهم إنّما يعبدُون اَلهتم لتُقرِّبهم إلى الله -﷾- ولم يكونوا يُقِرّون بصانِعَيْن للعالم، أحدهما: خالقٌ للخير، والآخر للشر - كما تقوله المجوس- ولم يكونوا يستحلّون نكاح الأمّهات والبنات والأخوات، وكانوا على بقايا مِن دين إبراهيم -صلوات الله وسلامه عليه-.\nوأمّا المجوس فلم يكونوا على كتاب أصلًا، ولا دانوا بدين أحدٍ مِن الأنبياء - لا في عقائدهم ولا في شرائِعهم-، والأثر الذي فيه أنّه كان لهم كتابٌ فرُفِع، ورُفِعت شريعتهم لما وقع مَلِكُهم على ابنته لا يَصحُّ البتة، ولو صحّ لم يكونوا بذلك مِن أهل الكتاب، فإنّ كتابهم رُفِع، وشريعتهم بطلت، فلم يبقوا على شيء منها.\nومعلومٌ أنّ العرب كانوا على دين إبراهيم -﵇- وكان له صُحُف وشريعة، وليس تغيير عَبَدَة الأوثان لدين إبراهيم -﵇- وشريعته بأعظم مِن تغيير المجوس لدين نبيهم وكتابهم -لو صحّ-، فإنّه لا يُعرف عنهم التّمسك بشيء مِن شرائع الأنبياء -عليهم الصلوات والسلام- بخِلاف العرب، فكيف يُجعَل المجوس الذين دينهُم أقبحُ الأديان، أحسنَ حالًا مِن مشركي العرب، وهذا القول أصحُّ في الدليل كما ترى (١).\n_________\n(١) \"زاد المعاد\" (٥/ ٩٠) بحذف. قلت: وحديث أبي داود عن أنس -﵁- \"أن النبيّ - ﷺ - بعَث خالدًا إلى [أكيدردومة]، فأخذوه فأتَوا بِه، فحقَن دمه، وصالحَه على الجزية\". ضعيف لإرساله انظر التعليقات الرضية (٣/ ٤٨٨).","vol":"7","page":187},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1906>مقدار الجزية</span>\nعن معاذ -﵁- \"أنّ النبيّ - ﷺ - لمّا وجَّهَه إلى اليمن؛ أمَرَه أن يأخذ مِن كُلّ حالمٍ (١) دينارًا أو عدله من المعافر (٢) \" (٣).\nثمّ زاد فيها عمر -﵁- فجَعَلَها على أهل الذهب أربعة دنانير، وعلى أهل الوَرِق أربعين درهمًا، ومع ذلك أرزاق المسلمين وضيافة ثلاثة أيام\" (٤).\nوعن ابن أبي نُجيح قال: \"قلت لمجاهد: ما شأن أهل الشام عليهم أربعة دنانير، وأهل اليمن عليهم دينار؟ قال: جُعل ذلك مِن قبَل اليَسار\" (٥).\nفرسول الله - ﷺ - عَلِم ضعف أهل اليمن، وعمر -﵁- عَلِم غنى أهل الشام وقوّتهم (٦).\nوقال شيخنا -﵀ في \"التعليقات الرضية\" (٣/ ٤٩٢) بعد ذكر بعض أقوال الأئمة-: \"لعلّ الأقربَ إلى الصواب، أن يُقال أن لا حدّ في الجزية يُرجَع إليه، فيقدّرها ولي الأمر بحسب المصلحة، وبهذا قال ابن تيمية -﵀- ... \". انتهى.\n_________\n(١) يعني محتلمًا.\n(٢) ثياب معروفة باليمن.\n(٣) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (١٣٩٤)، الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٥٠٩) وغيرهما وانظر \"الإرواء\" (٣/ ٢٦٩) تحت الحديث (٧٩٥).\n(٤) أخرجه مالك وإسناده صحيح وانظر \"الإرواء\" (١٢٦١).\n(٥) رواه البخاري معلقًا (كتاب الجزية والموادعة مع أهل الحرب) (باب - ١) ووصله عبد الرزّاق. وانظر \"فتح الباري\" (٦/ ٢٥٩)، والإرواء (١٢٦٠)\n(٦) انظر \"زاد المعاد\" (٥/ ٩٣).","vol":"7","page":188},{"text":"وجاء في \"المغني\" (١٠/ ٥٧٥): قال الأثرم: \"قيل لأبي عبد الله، فيُزاد اليوم فيه ويُنقص؟ يعني -الجزية- قال: نعم، يُزاد فيه ويُنقص على قَدْر طاقتهم، على قدر ما يرى الإمام\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1907>ما يجوز للإمام اشتراطه</span>\nويجوز للإمام أن يَشْترِط على أهل الجزية، ضيافة من يمرّ بهم من المسلمين، وإصلاح القناطر -وهي الجسور المتقوّسة المبنية فوق الأنهار لتسهيل العبور-، وأن يدفعوا دِيَة مَن يُقتَل مِن المسلمين بأرضهم.\nفعن أسلم مولى عمر بن الخطاب -﵁- \" أنّ عمر بن الخطاب ضرَبَ الجزية على أهل الذّهب أربعة دنانير، وعلى أهل الوَرِق أربعين درهمًا، ومع ذلك أرزاق المسلمين، وضيافة ثلاثة أيام\" (١).\nوقال ابن قدامة في \"المغني\" (١٠/ ٦٠٢): \"حديث عمر -﵁- لا شكَّ في صحتة وشهرته بين الصحابة -﵃- وغيرهم، لم يُنكِره مُنكر، ولا خلاف فيه، وعَمِل به مَن بعده من الخلفاء -﵃- فصار إجماعًا لا يجوز الخطأ عليه\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1908>الزيادة من غير إجهاد ولا مشقّة</span>\nولأثر عمر -﵁- السابق طريق أخرى يرويه شعبة، قال: أخبرني\n_________\n(١) أخرجه مالك ومن طريقه، أخرجه أبو عبيد (١٠٠)، وأخرجه البيهقي من طريق آخر عن نافع به أتمّ منه. وقال شيخنا -﵀-: \"وإسناده صحيح غاية\". وتقدّم.","vol":"7","page":189},{"text":"الحَكَم قال: \"سمعت عمرو بن ميمون، يُحدّث عن عمر بن الخطاب -﵁- فذكره، قال: ثمّ أتاه عثمان بن حنيف، فجعَل يُكلّمه مِن وراء الفسطاط، يقول: والله لئن وضعْتَ على كل جريبٍ (١) من أرضٍ درهمًا وقفيزًا (٢) مِنْ طعام، وزدت على كل رأسٍ درهمين؛ لا يشق ذلك عليهم ولا يجهدهم، قال: نعم، فكان ثمانية وأربعين، فجعلها خمسين\" (٣).\nوعن الأحنف بن قيس: \"أنّ عمر شرَطَ على أهل الذِّمّة ضيافة يوم وليلة، وأن يُصلحوا القناطر، وإنْ قُتِل رجل من المسلمين بأرضهم؛ فعليهم ديَته\" (٤).\nوقد روى أسلَم عن عمر أنّه ضَرَبَ عليهم ضيافة ثلاثة أيام، كما تقدّم في الأثر قبل هذا، وقال البيهقي:\n\"حدث أسلم أشبه، لأنّ رسول الله - ﷺ - جعَل الضيافة ثلاثًا، وقد يجوز أن\n_________\n(١) جاء في كتاب \"المكاييل والأوزان الإسلامية\"، ترجمة الدكتور كامل العسلي (ص ٩٦): كان الجريب، [مقياسًا] للأرض، يساوي شرعًا في أوائل العصور الوسطى، وفي أوجها ١٠٠ قصبة مربعة، وبذلك يكون الجريب -على وجه الدقة ١٥٩٢ مترًا مربعًا (القصبة تساوي ٣٩٩ سم).\n(٢) جاء في المصدر السابق (ص ٦٦) القفيز: أقدم رواية مؤكدة عن هذا المكيال تتعلق بقفيز الحجاج، وبمقتضاها كان القفيز يساوي صاع النبيّ، أي: ٤.٢١٢٥ لتر. في القرن العاشر كان في العراق قفيزان: القفيز الكبير، ويستعمل بالتحديد في بغداد والكوفة ويتسع لـ ٨ مكاكيك، كل مكوك ٣ كيلجات كل كيلجة ٦٠٠ درهم، أي حوالي ٤٥ كغم (قمح).\n(٣) أخرجه أبو عبيد والبيهقي والسياق له. وقال شيخنا -﵀-: \"وإسناده صحيح أيضًا على شرطهما\".\n(٤) أخرجه البيهقي وحسنه شيخنا -﵀- في \"الإرواء\" (١٢٦٢).","vol":"7","page":190},{"text":"يكون جَعَلَها على قومٍ ثلاثًا، وعلى قومٍ يومًا وليلة، ولم يجعل على آخرين ضيافةً؛ كما يختلف صلحه لهم، فلا يَرُدّ بعضُ الحديث بعضًا\".\nوقال شيخنا -﵀ -: \"هذا هو الوجه وقد توبع الأحنف على اليوم والليلة، فقال الشافعي: أنبأ سفيان بن عيينة عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب أنّ عمر بن الخطاب فرَض على أهل السواد ضيافة يوم وليلة، فمن حَبَسَه مرض أو مطر أنفَق مِن ماله\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1909>تحريم أخْذ ما يَشُقُّ على أهل الجزية</span>\nعن صفوان بن سليم، عن عِدّةٍ من أبناء أصحاب رسول الله - ﷺ - عن آبائهم دِنْيةً (٢) عن رسول الله - ﷺ - قال: \"ألا مَن ظلم مُعاهَدًا (٣)، أو انتقصَه، أو كلّفه فوق طاقته، أو أخَذ منه شيئًا بغير طيب نفس؛ فأنا حجيجه يوم القيامة (٤) \" (٥).\n_________\n(١) انظر \"الإرواء\" (٥/ ١٠٢).\n(٢) أي: لاصقي النَّسَب. \"عون المعبود\" (٨/ ٢١١).\n(٣) مضى ضبطها من النّهاية \"بالفتح\" وجاء في \"عون المعبود\" (٨/ ٢١١) معاهِدًا -بكسر الهاء-: أي ذمّيًا أو مستأنفًا\". انتهى.\nقلت: ويجوز الفتح والكسر هنا، إذ لا معارضة من حيث المعنى في السياق؛ اسمًا للفاعل أو المفعول.\n(٤) حجيجه أي: خَصْمُه، قال في \"النّهاية\": \"فأنا حجيجه: أي محُاجِجه ومُغالبُه بإظهار الحُجّة عليه، والحُجّة الدليل والبرهان، يوم القيامة\".\n(٥) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبو داود\" (٢٦٢٦) وحسنه شيخنا -﵀- في \"غاية المرام\" (٤٧١).","vol":"7","page":191},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1910>إعفاء من لم يقدر على أدائها</span>\nويعفى من الدفع مَن كان عاجزًا عن ذلك لقول الله -تعالى-: ﴿لَا يُكَلِفُ الله نَفْسًا إلاَّ وُسْعَهَا﴾ (١)\nولقوله - ﷺ - في الحديث المتقدّم \"مَن ظلم معاهدًا ... أو كلّفه فوق طاقته، فأنا حجيجه يوم القيامة\".\nوذكر بعض العلماء أنّ الجزية لا تؤخذ مِن الأعمى والزَّمِن، والشيخ الفاني (٢).\nقلت: قد تكون هذه الأصناف غنيّة فلا تسقط عنها، وإنما تسقط عند العجز عن الدفع، فلا يلزم مِن العمى مثلًا الفقر؛ كما لا يلزم من الإبصار الغنى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1911>لا تُؤخَذ الجزية مِن النساء والصبيان</span>\nعن نافع عن أسلَم أنّ عمر -﵁- كتَب إلى أمراء الأجناد: \"أن يُقاتِلوا في سبيل الله، ولا يُقاتِلوا إلاّ مَنْ قاتَلَهم، ولا يقتُلوا النساء والصبيان، ولا يقتلوا إلاَّ من جَرَت عليه الموسى، وكتَب إلى أمراء الأجناد: أن يضْربوا الجزية، ولا يَضْرِبوها على النّساء والصبيان، ولا يَضْرِبوها إلاّ على مَن جَرَت عليه الموسى\" (٣).\nثمّ قال أبو عبيد: \"وهذا الحديث هو الأصل فيمن تَجِب عليه الجزية، ومَن\n_________\n(١) البقرة: ٢٨٦.\n(٢) انظر \"المغني\" (١٠/ ٥٨٦).\n(٣) أخرجه أبو عبيد في كتاب الأموال، وكذا البيهقي من طريقين آخرين عن نافع به، وقال شيخنا -﵀- في \"الإرواء\" (١٢٥٥): \"وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين\".","vol":"7","page":192},{"text":"لا تَجِب عليه، ألا تراه إنما جَعَلَها على الذكور المدرِكين، دون الإناث والأطفال، وذلك أنّ الحُكم كان عليهم القتل لو لم يؤدّوها، وأسقطَها عمن لا يستحقّ القتل، وهم الذّرية\".\nقال: وذكَر حديث معاذ الذي قبله: \"وقد جاء في كتاب النبيّ - ﷺ - إلى معاذ باليمن أنّ على كلّ حالمٍ دينارًا، ما فيه تقوية لقول عمر، ألا ترى أنّه - ﷺ - خَصَّ الحالم دون المرأة والصبي، إلاّ أنّ في بعض ما ذكَرْنا مِن كُتُبِه: \"الحالم والحالمة\"، فترى -والله أعلم- أنّ المحفوظ مِن ذلك هو الحديث الذي لا ذِكْر للحالمة فيه، لأنه الأمر الذي عليه المسلمون\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1912>لا تؤخذ الجزية ممن أسلم ولو كان إسلامه فرارًا من دفع الجزية</span>\nعن عبيد الله بنِ رواحة قال: \"كنت مع مسروق بالسلسلة، فحدّثني أنّ رجلًا مِن الشعوب أسلَم، فكانت تُؤخَذ منه الجزية، فأتى عمر بن الخطاب، فقال: يا أمير المؤمنين إني أسلمْتُ والجزية تُؤخَذ منّي.\nقال: لعلك أسلمت مُتعوِّذًا؟ فقال: أمَا في الإسلام ما يُعيذُني؟ قال: بلى، قال: فكتَب عمر: أن لا تُؤخَذ منه الجزية\" (٢).\n_________\n(١) انظر \"الإرواء\" (٥/ ٩٦).\n(٢) أخرجه أبو عبيد في \"الأموال\" وعنه البيهقي، وحسنه شيخنا -﵀- في \"الإرواء\" (١٢٥٩) وقال: \"ورجاله كلهم ثقات رجال مسلم، غير عبيد الله بن رواحة أورده ابن حبان في \"ثقات التابعين\" (١/ ١١٩) فقال: \"يروي عن أنس عداده في المصريين (كذا ولعله: البصريين) روى عنه إسماعيل بن أبي خالد وحماد بن سلمة\". قلت [أي شيخنا - ﵀-]: \"وروى عنه أيضًا أبان بن خالد كما في \"الجرح والتعديل\" لابن أبي حاتم فالإسناد عندي حسن أو قريب منه -والله أعلم-\".","vol":"7","page":193},{"text":"قال أبو عبيد: الشعوب: الأعاجم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1913>خَتْم رقابِ أهل الجزية في أعناقهم</span>\nعن أسلَم قال: \"كتب عُمرُ بنُ الخطاب إلى أمراء الأجناد؛ أن اختِموا رقابَ أهلِ الجزية في أعناقهم\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1914>بمَ يُنقض العهد</span>\n*ويُنقَض عهد الذّمّة بالامتناع عن الجزية، أو إباء التزام حُكْم الإسلام؛ إذا\nحَكَم حاكمٌ به، أو تعدّى على مُسلم بقَتْلٍ، أو بفتنتهِ عن دينه، أو زَنَى بمسلمة، أو أصابها بزواج، أو عَمِلَ عَمَل قوم لوط، أو قطَع طريقًا، أو تجسَّس، أو آوى الجاسوس، أو ذكَر الله أو رسوله أو كتابه أو دينه بسوء، فإنّ هذا ضررٌ يعُمّ المسلمين في أنفسهم وأعراضهم وأموالهم وأخلاقهم ودينهم* (٢).\nوعن ابن عباس -﵄- \"أنّ أعمى كانت له أمّ ولَدٍ تشتم النبيّ - ﷺ - وتقع فيه، فينهاها فلا تنتهي، ويزجرها فلا تنزجر، قال: فلمّا كانت ذات ليلة جعَلت تقع في النبيّ - ﷺ - وتشتمه، فأخذ المِغْوَل (٣)، فوضعَه في بطنها، واتكأ عليها فَقَتلها، فوقَع بين رجليها طِفْل، فلطخَت ما هناك بالدم.\nفلمّا أصبح ذُكِر ذلك لرسول الله - ﷺ -، فجمَع النّاس، فقال: أُنشِد الله رجُلًا\n_________\n(١) أخرجه البيهقي، وقال شيخنا -﵀-: إسناده صحيح. انظر \"الإرواء\" (٥/ ١٠٤).\n(٢) ما بين نجمتين من \"فقه السنة\" (٣/ ٤٥٤).\n(٣) المِغوَل: شبه سيفٍ قصير؛ يَشْتمل به الرجل تحت ثيابه فيغطّيه، وقيل غير ذلك وانظر \"النّهاية\".","vol":"7","page":194},{"text":"فَعَل ما فعَل لي عليه حقّ، إلاَّ قام، فقام الأعمى يتخطّى الناس، وهو يتزلزل، حتى قعَد بين يديِ النبيّ - ﷺ - فقال: يا رسول الله أنا صاحبها، كانت تشْتمك، وتقع فيك، فأنهاها فلا تنتهي، وأزجرها فلا تنزجر، ولي منها ابنان مِثل اللؤلؤتين، وكانت بي رفيقة، فلمّا كانت البارحة، جَعَلَت تشتمك وتقع فيك، فأخذت المِغْوَل فوضعتُه في بطنها، واتكأتُ عليها حتى قتلتُها، فقال النبيّ - ﷺ -: ألا اشهدوا أنّ دَمَها هَدَر\" (١).\nورُفع إلى عمر -﵁- رجلٌ أراد استكراهَ امرأةٍ مسلمة على الزنا، فقال: ما على هذا صالحناكم، فأَمَر به فصُلب في بيت المقدس.\nفعن سويد بن غفلة قال: \"كنّا مع عمرَ بن الخطاب -وهو أمير المؤمنين\nبالشام-، فأتاه نبطي مضروب مُشجَّج مستعدى، فغضب غضبًا شديدًا، فقال\nلصهيب: انظر من صاحب هذا؟ فانطلق صهيب، فإذا هو عوف بن مالك\nالأشجعي، فقال له: إن أمير المؤمنين قد غضِب غضبًا شديدًا فلو أتيت معاذ بن\nجبل، فمشى معك إلى أمير المؤمنين فإني أخاف عليك بادرته، فجاء معه معاذ،\nفلمّا انصرف عمر من الصلاة قال: أين صهيب؟ فقال: أنا هذا يا أمير المؤمنين، قال: أجئت بالرجل الذي ضرَبَه؟ قال: نعم، فقام إليه معاذ بن جبل فقال: يا أمير المؤمنين إنه عوف بن مالك فاسمع منه ولا تعجَل عليه، فقال له عمر: مالك ولهذا؟ قال: يا أمير المؤمنين رأيته يسوق بامرأةٍ مسلمةٍ، فنخس الحمار ليصرعَها،\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٦٦٥)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٣٧٩٤)، وصحَّحه شيخنا -﵀- في \"الإرواء\" (٥/ ٩٢) تحت الحديث (١٢٥١) وتقدّم في الحدود.","vol":"7","page":195},{"text":"فلم تُصرَع، ثمّ دفعها فخرّت عن الحمار، ثمّ تغشاها، فَفَعلْتُ ما ترى.\nقال: ائتني بالمرأة لنصدقك، فأتى عوف بالمرأة، فذكر الذي قال له عمر -﵁- قال أبوها وزوجها: ما أردْتَ بصاحبتنا؟ فضَحْتَها! فقالت المرأة: والله لأذهبنّ معه إلى أمير المؤمنين، فلمّا أجمعَت على ذلك، قال أبوها وزوجها: نحن نُبلّغ عنك أمير المؤمنين، فأَتَيا فصدَّقا عوف بن مالك، بما قال.\nقال: فقال عمر لليهودي: والله ما على هذا عاهدناكم، فَأَمَر به فصُلب ثمّ قال: يا أيها الناس فُوْا (١) بذمّة محمّدٍ - ﷺ -، فمن فعَل منهم هذا فلا ذمّة له، قال سويد بن غفلة: وإنه لأوّل مصلوب رأيته\" (٢).\nوعن زياد بن عثمانَ أنّ رجُلًا من النصارى استكرَه امرأةً مسلمةً على نفسها، فرُفع إلى أبي عبيدة بن الجرّاح، فقال: \"ما على هذا صالحناكم، فضَرَب عُنقه\" (٣).\n...\n_________\n(١) أي: أوفوا.\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة، وحسّنه شيخنا -﵀- في \"الإرواء\" تحت الحديث (١٢٧٨).\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة، وقال شيخنا -﵀-: ورجاله ثقات رجال الشيخين غير زياد هذا؛ أورده ابن أبي حاتم (١/ ٢/٥٣٩) وقال: \"روى عن عباد بنِ زياد عن النبيّ - ﷺ - مرسل، روى عنه حجاج بن حجاج\" وذكَره ابن حبّان في \"الثقات\". وانظر \"الإرواء\" (٥/ ١٢٠). قلت: وليست الرواية هنا عن النبيّ - ﷺ - حتى يُحكم عليها بالإرسال.","vol":"7","page":196},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1915>الغنائم </span>(١)\n<span data-type=\"title\" id=toc-1916>تعريفها:</span>\nالغنائم، جمع غنيمة، وهي في اللغة، ما يناله الإنسان بسعي، وأَصْل الغُنم: الرِّبح والفضل، يقول الشاعر:\nوقد طوَّفتُ في الآفاق حتى ... رَضِيتُ مِن الغنيمة بالإياب\nوفي الشّرع؛ هي المال المأخوذ مِن أعداء الإسلام؛ عن طريق الحرب والقتال.\nوتشمل الأنواع الآتية:\n١ - الأموال المنقولة. ٢ - الأسرى. ٣ - الأرض.\nوتُسمّى الأنفال -جمع نَفَل- لأنها زيادة في أموال المسلمين، وكانت قبائل العرب في الجاهلية قبل الإسلام إذا حاربت وانتصر بعضها على بعض؛ أخذَت الغنيمة ووزَّعَتْها على المحاربين، وجَعَلَت منها نصيبًا كبيرًا للرئيس: أشار إليه أحد الشعراء فقال:\nلك المرباع (٢) منها والصفايا (٣) ... وحُكْمك والنشيطة (٤) والفضول (٥)\n_________\n(١) عن \"فقه السُّنَّة\" (٣/ ٤٥٨) بتصرفٍ وزيادةٍ وإضافاتٍ مِن أقوال العلماء.\n(٢) المرباع: ربع الغنيمة.\n(٣) الصفايا: ما يصطفيه الإمام عن عُرض الغنيمة من شيء قبل أن يقسم؛ مِن عبد أو جارية أو فرس أو سيف أو غيرها، وسيأتي -إن شاء الله تعالى- في (الفيء).\n(٤) النشيطة: ما يقع في أيدي المقاتلين قبل الموقعة.\n(٥) الفضول: ما يَفْضُل بعد القسمة.","vol":"7","page":197},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1917>إحلالها لهذه الأمّة دون غيرها</span>\nوقد أحلَّ الله الغنائم لهذه الأمَّة: فيُرشِد الله -سبحانه- إلى حِلِّ أخْذِ هذه الأموال بقوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١).\nويشير الحديث الصحيح إلى أنّ هذا خاصٌ بالأمّة المسلمة، فإنّ الأمم السابقة لم يكن يحلُّ لها شيءٌ من ذلك.\nعن جَابِر بْن عَبْدِ اللهِ أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُن أَحَدٌ قَبْلي، نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأيمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِي المغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلي، وَأعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النّاس عامّة\" (٢).\nوعن أبي هريرة -﵁- قال: قال النبيّ - ﷺ -: \"أحلّ الله لنا الغنائم، رأى ضعْفَنا وعَجْزنا فأحلّها لنا\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1918>وجوب المجيء بالغنائم إذا نادى المُنادي في الناس بذلك</span>\nعن عبد الله بن عمرو قال: \"كان رسول الله - ﷺ - إذا أصاب غنيمة، أمَرَ بلالًا فنادى في الناس، فيجيئون بغنائمهم، فيخمِّسُه ويقسمه، فجاء رجل بعد ذلك بزِمامٍ مِن شعر فقال: يا رسول الله هذا فيما كنّا أصبنا من الغنيمة، فقال:\n_________\n(١) الأنفال: ٦٩.\n(٢) أخرجه البخاري: ٣٣٥، ومسلم: ٥٢١.\n(٣) جزء من حديث أخرجه البخاري: ٣١٢٤، ومسلم: ١٧٤٧.","vol":"7","page":198},{"text":"أسمعتَ بلالًا يُنادي ثلاثًا؟ قال: نعم، قال: فما مَنَعك أن تجيء به؟ فاعتذَرَ فقال: كن أنت تجيء به يوم القيامة فلن أقبَلَه عنك\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1919>كيفية تقسيم الغنائم</span>\nلقد بيَّن الله -﷾- كيفية تقسيم الغنائم، فقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢).\nقال الإمام الطبري -﵀-: \"وهذا تعليمٌ من الله -﷿- المؤمنين قَسْم غنائمهم إذا غَنِموها\".\nواختلفَ أهل التأويل في قوله تعالى: ﴿فأنَّ لله خُمُسَهُ﴾ والراجح أنها مفتاحُ كلام.\nوعن قيس بن مسلم قال: \"سألْتُ الحسن بن محمّد عن قوله -﷿-: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ قال: هذا مفاتح كلام الله: الدنيا والآخرة لله ... \" (٣).\nفالآية الكريمة نصَّت على الخُمس، وأنه يُصرَف على المصارف التي ذكَرها الله -﷾-، وهي: الله ورسوله، وذو القربى، واليتامى،\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٣٥٩).\n(٢) الأنفال: ٤١.\n(٣) أخرجه النسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٣٨٦٣)، وقال شيخنا -﵀-: \"صحيح الإسناد مرسل\".","vol":"7","page":199},{"text":"والمساكين، وابن السبيل، فيُنفق سهم الله ورسوله على الفقراء، والسلاح والخيل وغير ذلك مِن المصالح العامّة.\nعن عمرو بن عَبَسة -﵁- قال: \"صلى بنا رسول الله - ﷺ - إلى بعيرٍ (١) مِن المغنم، فلمّا سلَّم، أخذ وَبَرَة مِن جنب البعير، ثمّ قال: ولا يَحِلُّ لي مِن غنائمكم مثل هذا إلاّ الخُمس، والخُمس مردودٌ فيكم\" (٢).\nوعن عبادةَ بن الصامت -﵁- قال: \"صلى بنا رسول الله - ﷺ - يوم حنين إلى جنب بعيرٍ مِن المقاسم، ثمّ تناوَل شيئًا مِن البعير، فأخَذ منه قَرَدَةً -يعني وَبَرَة (٣) - فجَعل بين إصبعيه، ثمّ قال: يا أيها الناس إنّ هذا مِن غنائمكم، أدّوا الخَيْط والمِخْيَط، فما فوق ذلك، فما دون ذلك، فإنّ الغُلول عارٌ على أهله يوم القيامة وشَنارٌ (٤) ونار\" (٥).\nوفي الحديث: \"وأيّما قرية عَصَت الله ورسولَه، فإنّ خمسَها لله ورسوله، ثمّ هي لكم\" (٦).\nقال في \"عون المعبود\" (٧/ ٣٠٩): \"أي مصروفٌ في مصالحكم مِن\n_________\n(١) أي: جَعَلَهُ سُترة.\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٣٩٣)، والبيهقي والحاكم، وصححه شيخنا -﵀- في \"الإرواء\" (١٢٤٠).\n(٣) أي: شعرة.\n(٤) الشنّار: العيب والعار، وقيل: هو العيب الذي فيه عار. \"النّهاية\".\n(٥) أخرجه ابن ماجه وغيره، وانظر \"الصحيحة\" (٩٨٥)، و\"الإرواء\" (٥/ ٧٤).\n(٦) أخرجه مسلم: ١٧٥٦.","vol":"7","page":200},{"text":"السلاح والخيل وغير ذلك، فيه أنّ أربعة أخماس الغنيمة للغانمين، وأنّها لم تكن لرسول الله - ﷺ -.\nقال الشوكانّي: لا يَأْخُذ الإمامُ من الغنيمة إلاَّ الخُمس، ويقسم الباقي منها بين الغانمين، والخُمس الذي يَأخذه أيضًا ليس هو له وحده، بل يجب عليه أن يرُدّه على المسلمين على حسب ما فصَّله الله -تعالى- في كتابه بقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ \". انتهى.\nأمّا نفقات رسول الله - ﷺ - فقد كانت ممّا أفاء الله -﷾- عليه من أموال بني النضير كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- في باب (الفيء).\nعن ابن عمر -﵄- قال: \"رأيت المغانم تُجزّأ خمسة أجزاء، ثمّ يُسْهَم عليها، فما كان لرسول الله - ﷺ - فهو له يَتَخير\" (١).\nوعن رجل مِن بلقين قال: \"أتيت النبيّ - ﷺ - وهو بوادي القرى فقلت: يا رسول الله لمن المغنم؟ فقال: لله سهم، ولهؤلاء أربعة أسهم، قلت: فهل أحد أحقّ بشيء من المغنم من أحد؟ قال: لا؛ حتى السهم يأخذه أحدكم من حينه؛ فليس بأحقَّ به مِن أخيه\" (٢).\n_________\n(١) أخرجه الطحاوي وأحمد، وانظر \"الإرواء\" تحت الحديث (١٢٢٥).\n(٢) أخرجه الطحاوي وصححه شيخنا -﵀- في \"الإرواء\" (٥/ ٦٠) تحت الحديث (١٢٢٥).","vol":"7","page":201},{"text":"وأمّا الأربعة الأخماس الباقية، فتُعطى للجيش، ويختصُّ بها الذكور، الأحرار، البالغون، العقلاء.\nجاء في \"الروضة الندية\" (٢/ ٧٣٢): \"وما غَنِمَه الجيش كان لهم أربعةُ أخماسهِ، وخُمُسه يَصرفهُ الإمام في مصارفهِ لقوله -تعالى-: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ قلت: اتفق أهل العلم على أن الغنيمة تُخَمّس، فالخُمُس للأصناف التي ذُكِرت في القرآن، وأربعة أخماسها للغانمين\".\nوسَهْم ذوي القُربى: أي قرابة رسولِ الله، وهم بنو هاشم، وحُلفاؤُهم مِن بني المطلب (١) ممّن آزرَ النبيّ - ﷺ - وناصَرَه، دون مَن خذَلَه منهم.\nعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: \"مَشَيْتُ أنا وَعثْمانُ بنُ عفانَ إلى رَسُولِ الله - ﷺ - فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ الله أَعْطَيْتَ بَني المطَّلِبِ وتركْتنا، ونحْنُ وَهُمْ منكَ بِمنْزلةٍ وَاحدةٍ، فقالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: إِنَّما بنو المطَّلبِ وبنُو هاشمٍ شيءٌ واحدٌ\" (٢).\nوفي لفظٍ: قال جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ: \"مَشَيْتُ أنا وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ إِلَى النَبِيِّ - ﷺ - فَقُلْنَا: أَعْطَيْتَ بَنِي المطَّلبِ مِنْ خُمْسِ خَيْبَرَ وَتركْتنا وَنحْنُ بِمنْزلَةٍ واحدةٍ مِنْكَ، فقال: إِنَّمَا بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو المطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ، قَالَ جُبَيْرٌ: وَلم يَقْسِمْ النَبِيُّ - ﷺ - لِبَنِي عَبْدِ شَمْسٍ وَبَنِي نَوْفَلٍ شَيْئًا\" (٣).\n_________\n(١) انظر ترجيح ابن جرير الطبري في \"تفسيره\"، وأدلته في ذلك.\n(٢) أخرجه البخاري: ٣١٤٠.\n(٣) أخرجه البخاري: ٤٢٢٩.","vol":"7","page":202},{"text":"وفي لفظٍ: قال جبير بن مطعم: \"لما كان يوم خيبر قَسَم رسول الله - ﷺ - سهم ذوي القربى بين بني هاشم وبني المطلب، فأتيتُ أنا وعُثمان بن عفّان، فقلْنا: يا رسول الله، أمّا بنو هاشم، فلا نُنكر فضلَهم؛ لمكانِك الذي وضعكَ اللهُ بهِ منْهم، فما بالُ إخواننا من بَني المُطلب أعطيتَهم وتركْتَنا، وإنّما نحنُ وَهُمْ بمنزلةٍ واحدة؟! فقال: إنّهم لمْ يفارِقوني في جاهليةٍ ولا إسْلام، وإنّما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد، وشبك أصابعه\" (١).\nوقد ثبت عن النبيّ - ﷺ - أنّه كان سيُعطي منه عمّه العبّاس -وهو غنيّ-، ويُعطي عمّته صفيّة -﵄- (٢).\nوالعبّاس -﵁- كان موسرًا في الجاهلية والإسلام؛ كما جزَم بذلك غيرُ واحدٍ من الحُفّاظ؛ منهم أبو جعفر الطحاوي -﵀- (٣).\n\nيأخذ الفارس مِن الغنيمة ثلاثة أسهم، والراجل (٤) سهمًا\nعن ابن عمر -﵄- \"أنّ رسول الله - ﷺ - جعَل للفرس سهمين، ولصاحبه سهمًا\" (٥)، وقد ذهب إلى ذلك الجمهور (٦).\nوفي لفظٍ: عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ -﵄- قال: \"قَسَمَ رَسُولُ الله\n_________\n(١) انظر \"الإرواء\" (١٢٤٢).\n(٢) انظر \"الإرواء\" (١٢٤٣).\n(٣) انظر \"الإرواء\" (٥/ ٧٩).\n(٤) وهو الماشي على رجليه.\n(٥) أخرجه البخاري: ٢٨٦٣، ومسلم: ١٧٦٢.\n(٦) انظر \"الروضة النّديّة\" (٢/ ٧٣٥).","vol":"7","page":203},{"text":"- ﷺ - يَوْمَ خيْبرَ لِلْفرَس سَهْمَيْنِ وَلِلرَّاجِل سَهْمًا، قَالَ: فَسَّرَهُ نَافِعٌ، فَقَالَ: إِذَا كَانَ مَعَ الرَّجُلِ فَرَسٌ، فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَرَسٌ فَلَهُ سَهْمٌ\" (١).\nوقال مالك: \"يُسهم للخيل والبراذين (٢) منها لقوله: ﴿وَالخيلَ وَالبِغَالَ وَاَلحَمِيرَ لِتَركَبُوهَا (٣)﴾ (٤) ولا يُسهَم لأكثر من فرس\" (٥).\nقال الإمام النّووي -﵀- (١٢/ ٨٣): \"واختلف العلماء في سهم الفارس والراجل مِن الغنيمة؛ فقال الجمهور: يكون للراجل سهمٌ واحد وللفارس ثلاثة أسهم، سهمان بسبب فرسه، وسهم بسبب نفسه.\nممّن قال بهذا: ابن عباس ومجاهد والحسن وابن سيرين وعمر بن عبد العزيز\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٤٢٢٨، ومسلم: ١٧٦٢ بلفظ: \"قَسَمَ فِي النَّفَلِ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ، وَلِلرَّجُلِ سَهْمًا\". والمراد بالنفل هنا: الغنيمة.\n(٢) البراذين: جمع بِرذَون، والمراد: الجفاة الخِلْقة من الخيل، وأكثر ما تُجلَب مِن بلاد الروم، ولها جَلَدٌ على السير في الشعاب والجبال والوعر، بخلاف الخيل العربية. \"الفتح\".\n(٣) جاء في \"الفتح\" (٦/ ٦٧): \"قال ابن بطال: وجه الاحتجاج بالآية؛ أنّ الله -تعالى- امتنّ بركوب الخيل وقد أسهم لها رسول الله - ﷺ -. واسم الخيل يقع على البِرذَون والهجين؛ بخلاف البغال والحمير، وكأنّ الآية استوعَبت ما يُركَب من هذا الجنس؛ لما يقتضيه الامتنان، فلمّا لم ينصّ على البِرذَون والهجين فيها، دلّ على دخولها في الخيل. قلت: وإنما ذكَر الهجين لأن مالكًا ذكَر هذا الكلام في الموطأ وفيه \"والهجين\" والمراد بالهجين: ما يكون أحد أبويه عربيا والآخر غير عربي، وقيل: الهجين: الذي أبوه فقط عربي وأمّا الذي أمّه فقط عربية، فيُسمّى المقرف، وعن أحمد: الهجين: البِرذَون\".\n(٤) النحل: ٨.\n(٥) انظر \"صحيح البخاري\" تحت الحديث السابق (٢٨٦٣).","vol":"7","page":204},{"text":"ومالك والأوزاعي والثوري والليث والشافعي وأبو يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وابن جرير وآخرون.\nوقال أبو حنيفة: للفارس سهمان فقط، سهم لها وسهم له، قالوا: ولم يقل بقوله هذا أحد إلاَّ ما روي عن علي وأبي موسى.\nوحُجّة الجمهور هذا الحديث، وهو صريح على رواية مَن روى \"للفرس سهمين، وللرجل سهمًا\" بغير ألف في (الرجل) وهي رواية الأكثرين، ومن روى (وللراجل) روايتهُ محتَملة، فيتعيّنَ حمْلها على موافقة الأولى جمعًا بين الروايتين، قال أصحابنا وغيرهم: ويرفَع هذا الاحتمال ما وَرَدَ مُفسَّرًا في غير هذه الرواية، في حديث ابن عمر هذا؛ من رواية أبي معاوية وعبد الله بن نمير وأبي أسامة وغيرهم بإسنادهم عنه \"أن رسول الله - ﷺ - أسهم لرجل ولفرسه ثلاثة أسهم، سهم له وسهمان لفرسه\"، ومِثْلُه من رواية ابن عباس وأبي عمرة الأنصاري -﵃-. والله أعلم\".\nأقول: المراد مِن قوله - ﷺ - \"جعَل للفرس سهمين، ولصاحبه سهمًا\" أي غير سهمي الفرس، فيصير للفارس ثلاثة أسهم كما قال الحافظ ﵀-: \"وسيأتي في غزوة خيبر أنّ نافعًا فسّره كذلك، ولفظه: \"إذا كان مع الرجل فرس فله ثلاثة أسهم، فإن لم يكن له فرس فله سهم\" (١).\nوعن أبي عمرة عن أبيه قال: \"أتينا رسول الله - ﷺ - أربعةَ نَفَر، ومعنا فرس،\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٤٢٢٨.","vol":"7","page":205},{"text":"فأعطى كلّ إنسان منّا سهمًا، وأعطى للفرس سهمين\" (١).\nقال أبو داود -﵀-: وعن أبي عمرة -بمعناه- إلاَّ أنّه قال: \"ثلاثة نفر: فزاد: فكان للفارس ثلاثة أسهم\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1921>يستوي في الغنائم مِن أفراد الجيش القوي والضعيف ومَن قاتَل ومن لم يُقاتِل</span>\nوَيستوي فيما تقدم مِن تقسيم الغنائم؛ القوي والضعيف، ومَن قاتَل ومن لم يُقاتل مِن أفراد الجيش.\nعن ابن عباس -﵄- قال رسول الله - ﷺ - يوم بدر: \"مَن فَعَل كذا وكذا؛ فله من النفل كذا وكذا.\nقال: فتقدَّم الفتيان، ولَزِم المشيخةُ الراياتِ فلم يبرحوها، فلمّا فتح الله عليهم، قال المشيخة: كنا ردْءًا (٣) لكم، لو انهزمتم لفِئْتُم إلينا فلا تذهبوا بالمغنم ونبقى.\nفأبى الفِتيان وقالوا: جعَلَه رسول الله - ﷺ - لنا، فأنزل الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ إلى قوله: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ (٤).\nيقول: فكان ذلك خيرًا لهم، فكذلك أيضًا فأطيعوني فإني أعلم بعاقبة هذا منكم، زاد في رواية: \"فقسَمَها رسول الله - ﷺ - بالسواء\" (٥).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٣٧٤).\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٣٧٥).\n(٣) الردء: العون والنصر.\n(٤) الأنفال: ١ - ٥.\n(٥) أخرجه أبو داود (٢٧٣٧، ٢٧٣٩)، وهو في \"صحيح سنن أبي داود\"، (الأمّ) برقم =","vol":"7","page":206},{"text":"وعن مصعب بن سعد قال: \"رأى سعد -﵁- أنّ له فضلًا على مَن دونه، فقال النبيّ - ﷺ -: هل تُنصَرون وتُرزقون إلاّ بضعفائكم\" (١).\nقال الحافظ -﵀- \"الفتح\": \"وعلى هذا؛ فالمراد بالفضل؛ إرادة الزيادة مِن الغنيمة، فأعلَمَه - ﷺ - أنّ سهام المقاتِلة سواء؛ فإنْ كان القوي يترجّح بفضل شجاعته فإن الضعيف يترجّح بفضل دعائه وإخلاصه\".\nويستوي كذلك في تقسيم الغنائم مَن تغيَّب لعُذر، أو مَن بعَثَه الأمير لمصلحةِ الجيش.\nفعن ابن عمر -﵄- قال: \"إنما تغيّب عثمانُ عن بدر، فإنّه كانت تحته بنت رسول الله - ﷺ -، وكانت مريضة، فقال له النبيّ - ﷺ -: إنّ لك أجرَ رجُلٍ ممن شهِد بدرًا وسهمَه\" (٢).\nوجاء في \"الروضة النديّة\" (٢/ ٧٣٦) وفي كتاب حُجّة الله البالغة: \"ومَن بَعثَه الأمير لمصلحة الجيش؛ كالبريد، والطليعة، والجاسوس؛ يُسهَم له، وإن لم يَحْضُر الواقعة، كما كان لعثمان يوم بدر\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1922>السَّلَب للقاتل</span>\nالسَّلَب: هو ما يأخذه المقاتل في الحرب مِن المقتول، ممّا يكون عليه،\n_________\n= (٢٤٤٥)، وقال شيخنا -﵀- فيه: \"إسناده صحيح، وصححه ابن حبّان والحاكم والذهبي -دون الزيادة-، والضياء في \"المختارة\"\".\n(١) أخرجه البخاري: ٢٨٩٦ وتقدم في (الاستنصار بالضعفاء).\n(٢) أخرجه البخاري: ٣١٣٥.","vol":"7","page":207},{"text":"ومعه من سلاح وثياب ودابّة وغيرها، وهو (فَعَل) بمعنى (مفَعول) أي: مسلوب (١).\nوللإمام أو القائد أن يُحفّز المجاهدين في سبيل الله، وأن يُرَغّبهم بأخذ سَلَب المقتول والتفرّد به.\nعن أبي قتادة -﵁- قال: \"مَن قَتَل قتيلًا له عليه بيّنة؛ فله سَلَبُهُ\" (٢).\nوعن أنس بن مالك -﵁-: \"أنّ رسول الله - ﷺ - قال يوم حُنين: مَن قتل قتيلًا فله سلَبُه، فقَتَل أبو طلحة يومئذٍ عشرين رجلًا، وأخَذَ أسلابهم\" (٣).\nوعن عوف بن مالك الأشجعي وخالد بن الوليد -﵄-: \"أنّ رسول الله - ﷺ - قضى بالسَّلب للقاتل، ولم يُخمّس السَّلب\" (٤).\nوعن سَلمةَ بن الأكوع عن أبيه قال: \"أتى النبيّ - ﷺ - عينٌ من المشركين -وهو في سفر- فجلَس عند أصحابه يتحدّث، ثمّ انفَتَل، فقال النبيّ - ﷺ - اطلبوه واقتلوه، فقَتَلَه، فنفَّله (٥) سَلَبَه\" (٦).\n_________\n(١) \"النّهاية\" بتصرف.\n(٢) أخرجه البخاري: ٣١٤٢، ومسلم: ١٧٥١.\n(٣) أخرجه أبو داود والدارمي وابن حبان وغيرهم، وانظر \"الإرواء\" (١٢٢١).\n(٤) أخرجه أبو داود (٢٧٢١) وغيره، وصححه شيخنا -﵀ - في \"الإرواء\" (١٢٢٣).\n(٥) قال الحافظ -﵀-: \"فيه الْتِفات مِن ضمير المتكلّم إلى الغَيْبة، وكان السياق يقتضي أن يقول (فنفلني) وهي رواية أبي داود\" قلت: يمضي على قوله (فقَتَلَه) ففي رواية: (فقتلْتُه).\n(٦) أخرجه البخاري: ٣٠٥١.","vol":"7","page":208},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1923>تخميس السَّلَب إذا بلغ مالًا كثيرًا</span>\nلقد تقدّم أنّ رسول الله - ﷺ - قضى بالسَّلَب للقاتل، ولم يُخمّس السَّلَب، ولكن وردت بعض الآثار في التخميس.\nفقد بارز البراء مرزبان الزارة (١) فقتله، فبلغ سواره ومِنطَقَته (٢)، ثلاثين ألفًا فخمّسه (٣) عمر ودفَعَه إليه.\nعن أنس بن مالك: أنّ البراء بن مالك أخا أنس بن مالك؛ بارز مرزبان الزارة، فطَعنه طعنة فكسر القَرَبوس (٤)، وخَلص إليه فَقَتَله، فقوَّم سَلَبَه ثلاثين ألفا، فلمّا صلّينا الصبح، غدا علينا عمر، فقال لأبي طلحة: إنّا كنّا لا نُخمِّس الأسلاب، وإنَّ سَلَب البراء قد بلغ مالًا، ولا أرانا إلاَّ خامسيه، فقوَّمناه ثلاثين ألفا، فدفَعْنا إلى عمر ستة آلاف\" (٥).\nوفي لفظ: \"إن أول سَلَبٍ خمّس في الإسلام، سَلَب البراء بن مالك، كان حَمَل على المرزبان فطعَنه، فقتَله، وتفرّق عنه أصحابه، فنزل إليه، فأخذ منطقته وسواريه، فلمّا قَدِم، مشى عمر بن الخطاب -﵁-، حتى أتى أبا طلحة الأنصاري ... \" فذكره مثل رواية الطحاوي، دون قوله في آخرها:\n_________\n(١) الزارة: بلدة كبير: بالبحرين.\n(٢) ما يُشدّ به الوسط.\n(٣) أي: أخذ منه الخُمس: ستة آلاف، وأعطى البراء -﵁- الباقي.\n(٤) هو حِنو السرج، قال في \"القاموس المحيط\" القَرَبوس: \"حِنو السرج\" والحِنو عود الرَّحل.\n(٥) أخرجه الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" وغيره، وصححه شيخنا -﵀- في \"الإرواء\" (٥/ ٥٨) تحت الحديث (١٢٢٤).","vol":"7","page":209},{"text":"\"فدفعنا إلى عمر ستة آلاف\" (١).\nوفي لفظ: \"فنَفَلَه السلاح وقوّم المنطقة ثلاثين ألفًا، فخمَّسَها، وقال: إنها مال\" (٢).\nأقول: ولا تعارُض بين عدم تخميسه - ﷺ - السَّلَب، وبين فِعْل عمر -﵁-، لأنّ السَّلَب الذي عُرف بقيمته المتداولة الشائعة؛ هو الذي لا يُخمَّس، أمّا إذا بلغَ مالًا كثيرًا؛ فإنّه يُخمّس ليكون النفع أكثر، والفائدة أعمّ، مع تحقيق معنى استفادة المقاتل مِن ذلك، والله -تعالى- أعلم.\n\nالرّضخ (٣) من الغنيمة لمن حضر\nوَيرْضَخ الإمامُ لمن حضَر، مِن النساء والعبيد -ممن لا سهم له في الغنيمة-.\nعَنْ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ \"أَنَّ نَجْدَةَ كَتَبَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَسْألهُ عَنْ خَمْسِ خِلَالٍ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَوْلَا أَنْ أَكْتُمَ عِلْمًا مَا كَتَبْتُ إِلَيْهِ، كَتَبَ إِلَيْهِ نَجْدَةُ: أَمَّا بَعْدُ فَأَخْبِرْنِي هَلْ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِالنِّسَاءِ؟ وَهَلْ كَانَ يَضْرِبُ لهُنَّ بِسَهْمٍ؟ وَهَلْ كَانَ يَقْتُلُ الصِّبْيَانَ؟ وَمَتَى يَنْقَضِي يُتْمُ الْيَتِيمِ؟ وَعَنْ الْخُمْسِ لمِنْ هُوَ؟\nفكَتَبَ إِلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَتبتَ تَسْألُني هَلْ كَانَ رَسُولُ - ﷺ - ِيَغْزُو بِالنِّسَاءِ؟\n_________\n(١) وصحّح إسناده شيخنا -﵀- في المصدر السابق.\n(٢) وقال شيخنا -﵀- في المصدر المذكور: وإسناده لا بأس به.\n(٣) الرضخ: هو العطية القليلة. \"النّهاية\".","vol":"7","page":210},{"text":"وَقَدْ كَانَ يَغْزُو بِهِنَّ فَيُدَاوِينَ الجرْحَى وَيُحْذَيْنَ (١) مِنْ الْغَنِيمَةِ، وَأَمَّا بِسَهْمٍ فَلَمْ يَضْرِبْ لهُنَّ، وَإِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لم يَكُنْ يَقْتُلُ الصِّبْيَانَ، فَلَا تَقْتُلْ الصِّبْيَانَ.\nوَكَتَبْتَ تَسْألنِي مَتَى يَنْقَضِي يُتْمُ الْيَتيمِ؛ فَلَعَمْرِي إِنَّ الرَّجُلَ لتنْبُتُ لحيَتُهُ وَإِنَّهُ لَضَعِيفُ الْأَخْذِ لِنَفْسِهِ ضَعِيفُ الْعَطَاءِ مِنْهَا، فَإِذَا أَخَذَ لِنَفْسِهِ مِنْ صَالِحِ مَا يَأْخُذُ النّاس؛ فَقَدْ ذَهَبَ عَنْهُ الْيُتْمُ.\nوَكَتَبْتَ تَسْألنِي عَنْ الْخُمْسِ لمِنْ هُوَ؟ وَإِنَّا كُنَّا نَقُولُ: هُوَ لَنَا فَأبى عَلَيْنَا قَوْمُنَا ذَاكَ\" (٢).\nوفي رواية: \"وسألت عن المرأة والعبد: هل كان لهما سهم معلوم إذا حضروا البأس؟ فإنهم لم يكن لهم سهمٌ معلوم إلاَّ أن يُحذَيا مِن غنائم القوم\" (٣).\nوفي زيادة: \"وأما العبد فليس له من المغنم نصيب، ولكنهم قد كان يُرضَخ لهم\" (٤).\nوعن عمير مولى آبي اللحم قال: \"شَهِدْت خيبر مع سادتي، فكلّموا فيَّ رسول الله - ﷺ - فأمَرَ بي، فقُلّدْتُ سيفًا، فإذا أنا أجرّه (٥)، فأُخبِر أني مملوك، فأَمَر لي\n_________\n(١) أي: يُعطين.\n(٢) أخرجه مسلم: ١٨١٢.\n(٣) أخرجه مسلم: ١٨١٢.\n(٤) انظر \"الإرواء\" تحت الحديث (١٢٣٦).\n(٥) أي: أسحب السيف على الأرض مِن صِغَر سنّي أو قِصَر قامتي. \"عون المعبود\".","vol":"7","page":211},{"text":"بشيء مِن خُرثيِّ المتاع (١) \" (٢).\nوعن ثابت بن حارث الأنصاري -﵁- قال: \"قسَم رسول الله - ﷺ - يوم خيبر؛ لسهلةَ بنتِ عاصم بن عدي، ولابنةٍ لها وُلِدَت\" (٣).\nوعن زينب امرأة عبد الله الثقفية \" أنّ النبيّ - ﷺ - أعطاها بخيبر خمسين وَسْقًا (٤) تمرًا، وعشرين وسْقًا شعيرًا بالمدينة\" (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1925>جواز تنفيل بعض الجيش مِن الغنيمة</span>\nيجوز للإمام تنفيل بعض الجيش، وإعطاؤهم سوى قسم عامّة الجيش، إذا كان لهم مِن العناية، والمقاتلة ما لم تكن لغيرهم.\nعن ابن عمر -﵄- \"أنّ رسول الله - ﷺ - بعَثَ سرِيّة فيها عبد الله بن عمر قِبَلَ نجد، فغنموا إبلًا كثيرة، فكانت سُهمانهم اثني عشَر بعيرًا، أو أحدَ\n_________\n(١) الخُرثي: أثاث البيت ومتاعه. \"النّهاية\".\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٧٣٠) والترمذي، \"صحيح سنن الترمذي\" (١٢٦١)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢٣٠٤)، وصححه شيخنا -﵀ في \"الإرواء\" (١٢٣٤).\n(٣) أخرجه الطبراني في \"الكبير\"، وصححه شيخنا -﵀- في \"الإرواء\" (٥/ ٧٢) تحت الحديث (١٢٣٧).\n(٤) الوَسْق: ستون صاعًا، والأصل في الوَسْق: الحِمْل، وكلُّ شيء وسَقْته فقد حملته \"النّهاية\" بحذف وتقدم في \"كتاب الزكاة\".\n(٥) أخرجه الطبراني ورجاله رجال الصحيح، وانظر \"الإرواء\" (٥/ ٧٢) تحت الحديث (١٢٣٧).","vol":"7","page":212},{"text":"عشَر بعيرًا، ونُفِّلوا بعيرًا بعيرًا\" (١).\nوفي رواية: قال ابن عمر -﵄-: \"بَعَثنا رسول الله - ﷺ - في جيش\nقِبَلَ نجدٍ، وانبعثت سرية من الجيش، فكان سُهمان الجيش اثني عشَر بعيرًا، اثني\nعشر بعيرًا، ونفل أهل السريّة (٢) بعيرًا بعيرًا، فكانت سُهْمانُهُم (٣) ثلاثةَ عشَر ثلاثةَ\nعشَر\" (٤).\nجاء في \"عون المعبود\" (٧/ ٢٩٦): \"فيه دليلٌ على أنّه يجوز للإمام أن يُنفِّل\nبعض الجيش ببعض الغنيمة، إذا كان له مِن العناية والمقاتلة ما لم يكن لغيره\".\nوعَن ابن عمر -﵄-: \"أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَدْ كَانَ يُنَفِّلُ بَعْضَ\nمَنْ يَبْعَثُ مِنْ السَّرَايَا لِأَنْفُسِهِمْ خَاصَّةً، سِوَى قَسْمِ عامّة الجيْشِ [وَالْخُمْسُ فِي\nذَلِكَ وَاجِبٌ كُلِّهِ (٥)] \" (٦).\nجاء في \"عون المعبود\" (٧/ ٣٠٠): \"وهذا تصريحٌ بوجوب الخُمُس في كل\nالغنائم، قاله النّووي، وقال في \"فتح الودود\": يفيد أنّ الخُمُس يُؤخَذ أولًا من\nالغنيمة، ثمّ يُنفَّل من الباقي ثمّ يُقْسم ما بقي\".\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٣١٣٤، ومسلم: ١٧٤٩.\n(٢) أي: أعطاهم النبيّ - ﷺ - زائدًا على سهامهم.\n(٣) أي: مع النفل.\n(٤) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٣٧٩).\n(٥) كلِّه: مجرور لأنه توكيد لكلمة (في ذلك).\n(٦) أخرجه البخاري: ٣١٣٥، ومسلم: ١٧٥٠، وما بين معقوفتين من \"صحيح مسلم\"\n(١٧٥٠ - ٤٠).","vol":"7","page":213},{"text":"وعن حبيب بن مسلمة الفهري -﵁- أنّه قال: \"كان رسول الله - ﷺ - يُنفل الثلث بعد الخُمُس\" (١).\nوعنه: \"أنّ رسول الله - ﷺ - كان يُنفّل الرُّبع (٢) بعد الخُمس (٣)، والثُّلث بعد الخُمس، إذا قَفَل (٤) \" (٥).\nوعن أبي وَهْبٍ يَقُولُ: \"سَمِعْتُ مَكْحُولًا يَقُولُ: كُنْتُ عَبْدًا بِمِصْرَ لِامْرَأَةٍ مِنْ بَنِي هُذَيْلٍ، فَأَعْتَقَتْنِي، فَما خَرَجتُ مِنْ مِصْرَ وَبِهَا عِلْمٌ إِلا حَوَيْتُ عَلَيْهِ فِيمَا أرَى، ثُمَّ آليْتُ الحجَازَ، فَمَا خَرَجْتُ مِنْهَا وَبِهَا عِلْمٌ إِلَّا حَوَيْتُ عَلَيْهِ فِيمَا أُرَى، ثُمَّ أتيْتُ الْعِرَاقَ، فَمَا خَرَجْتُ مِنْهَا وَبِهَا عِلْمٌ إِلا حَوَيْتُ عَلَيْهِ فِيمَا أُرَى، ثُمَّ أَتَيْتُ الشَّامَ، فَغَرْبَلْتُهَا، كُلُّ ذَلِكَ أَسْأل عَنْ النَّفَلِ، فَلَمْ أَجِدْ أحَدًا يُخْبِرُنِي فِيهِ بِشَيْءٍ، حَتَّى لَقِيتُ شَيْخًا يُقَالُ لَهُ زِيَادُ بْنُ جَارِيَةَ التَّمِيمِيُّ، فَقُلْتُ لَهُ: هَلْ سَمِعْتَ فِي النّفلِ شَيْئًا؟ قَالَ: نَعَمْ سَمِعْتُ حَبِيبَ بْنَ مَسْلَمَةَ الْفِهْرِيَّ يَقُولُ: شَهِدْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - نَفَّلَ الرُّبُعَ فِي الْبَدْأَةِ، وَالثُّلُثَ فِي الرَّجْعَةِ\" (٦).\nوجاء في \"عون المعبود\" (٧/ ٣٠٠): \"وقد اختلف العلماء في ذلك، فقال مكحول والأوزاعي: لا يجاوز بالنّفل الثُّلُث، وقال الشافعي: ليس في النّفل حدٌّ\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٣٨٧).\n(٢) أي: في البَدْأةَ أي: ابتداء السفر للغزو.\n(٣) أي: بعد أن يُخرِج الخُمس.\n(٤) إذا رجع من الغزو.\n(٥) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٣٨٨)، وابن ماجه وابن حبان وغيرهم.\n(٦) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٣٨٩).","vol":"7","page":214},{"text":"لا يُجاوَز؛ إنما هو اجتهاد الإمام\". انتهى.\nقلت: هو اجتهاد الإمام بما ورَد في النّصوص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1926>ردّ أموال وسبايا التائبين</span>\nعن ابن شهاب قال: وزعم عروة أنّ مروانَ بن الحكم والمِسْوَرَ بن مَخْرَمَةَ -﵄- أخبراه: \"أنّ رسول الله - ﷺ - قامَ حين جاءه وفْدُ هوازنَ مسلمين، فسألوه أن يَرُدّ إليهم أموالهم وسبْيَهم، فقال لهم رسول الله - ﷺ -: أحبُّ الحديثِ إليّ أصدقُه، فاختاروا إحدى الطائفتين إمّا السبي وإمّا المال، وقد كنت استأنَيت (١) بهم، وقد كان رسول الله - ﷺ - انتظَرَهم بضعَ عشَرةَ ليلةً؛ حين قَفَل من الطائف، فلمّا تبيّن لهم أنّ رسول الله - ﷺ - غيرُ رادٍّ إليهم إلاَّ إحدى الطائفتين؛ قالوا: فإنّا نختار سَبْيَنا.\nفقام رسول الله - ﷺ - في المسلمين، فأثنى على الله بما هو أهله ثمّ قال: أمّا بعد؛ فإنّ إخوانكم هؤلاء قد جاءونا تائبين، وإنّي قد رأيت أن أردّ إليهم سبْيَهم، فمن أحبَّ منكم أن يَطيب بذلك فليفعل، ومَن أحبَّ منكم أن يكون على حظّه حتى نعطيَه إياه مِن أوّل ما يفيء الله علينا فليفعل.\nفقال النّاس: قد طيّبنا ذلك لرسول الله - ﷺ - لهم، فقال رسول الله - ﷺ -: إنا لا ندري مَنْ أذِن منكم في ذلك ممن لم يأذن، فارجعوا حتى يَرفَعَ إلينا عرفاؤكم أمرَكم، فرجَع النّاس فكلَّمهم عرفاؤهم ثمّ رجعوا إلى رسول الله - ﷺ - فأخبروه\n_________\n(١) أي: انتظَرْتُ وتربّصت، يُقال: أنيت وأنَّيْت وتأنَّيْت واسْتَأنيْت. \"النّهاية\".","vol":"7","page":215},{"text":"أنهم قد طيَّبوا وأذِنوا\" (١).\nوعن عبد الله بن عمر -﵄- قال: \"أعطَى رسول الله - ﷺ - عمرَ ابن الخطاب جارية من سَبْيِ هوازن، فوهَبَها لي فبعثْتُ بها إلى أخوالي من بني جمح ليُصلحوا لي منها، حتى أطوف بالبيت، ثمّ آتيَهم وأنا أريد أن أصيبَها إذا رجعْت إليها.\nقال: فخرجْت مِن المسجد حين فرغْتُ فإذا النّاس يشتدّون، فقُلت: ما شأنكم؟ قالوا: ردَّ علينا رسول الله - ﷺ - أبناءنا ونساءنا، قال: قلت: تلك صاحبتكم في بني جمح، فاذهبوا فخذوها، فذهبوا فأخَذوها\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1927>إذا غنم المشركون مال المسلم ثمّ وجده المسلم </span>(٣)\nإذا غنم المشركون مال المسلم، أو وجد المسلم ماله عند الأعداء، فإنّه يُرَدُّ على صاحبه، ولا يُضاف إلى الغنائم ولا يُخمّس.\nعن ابن عمر -﵄- قال: \"ذهَب (٤) فرسٌ له فأخذَه العدوّ، فظَهر عليه المسلمون، فرُدَّ عليه في زمن رسول الله - ﷺ -، وأَبَقَ (٥) عبدٌ له، فَلَحِقَ بالروم، فظَهر عليه المسلمون، فردَّه عليه خالد بن الوليد بعد النبيّ - ﷺ -\" (٦).\n_________\n(١) أخرجه البخاري: (٢٣٠٧، ٢٣٠٨، ٢٥٣٩، ٢٥٤٠).\n(٢) أخرجه أحمد، وحسّنه شيخنا -﵀- في \"الإرواء\" (٥/ ٣٧).\n(٣) هذا العنوان من \"صحيح البخاري\" (كتاب الجهاد والسير) (باب - ١٨٧).\n(٤) أي: نَفَر وشرَد إلى الكُفّار \"عون المعبود\" (٧/ ٢١٢).\n(٥) أي: هَرَب.\n(٦) أخرجه البخاري: ٣٠٦٧.","vol":"7","page":216},{"text":"وعن عمرانَ بن حصين قال: \"كانت ثقيفُ حلفاءَ لبني عُقَيل، فأسرَت ثقيفُ رجلين من أصحاب رسول الله - ﷺ -، وأسَر أصحاب رسول الله رجُلًا من بني عُقيلٍ، وأصابوا معه العضباء [وذكر الحديث إلى أن قال:] وأُسِرت امرأةٌ مِن الأنصار، وأصيبت العضباء، فكانت المرأة في الوَثاق، وكان القوم يُريِحُون نَعَمَهُم بين يدي بيوتهم، فانفلتت ذاتَ ليلةٍ مِن الوَثاق، فأتت الإِبِلَ؛ فجعَلت إذا دنَت من البعير رغا فتتركه، حتى تنتهي إلى العضباء، فلم تَرْغُ، قال: وناقة مُنَوّقَة (١)، فقعدَت في عَجُزِها ثمّ زجَرَتْها فانطلَقت ونذِروا بها (٢) فطلبوها، فأعجَزَتْهم، قال: ونَذَرت لله إنْ نجاها الله عليها لتنحَرَنَّها.\nفلمّا قَدِمت المدينة رآها النّاس فقالوا: العضباء ناقةُ رسولِ الله - ﷺ - فقالت: إنها نَذَرَت إنْ نجّاها الله عليها لتنحرنّها، فأتَوا رسول الله - ﷺ -، فذكروا ذلك له.\nفقال: سبحان الله بئسما جَزَتْها، نَذَرت لله إنْ نجّاها الله عليها لتنحرَنَّها، لا وفاء لنذرٍ في معصية ولا فيما لا يملك العبد\" (٣).\n\nإذا أسلَم قومٌ في دار حرب ولهم مالٌ أو أرضون (٤) فهي لهم (٥)\nعن صخر بن عيلة \"إنّ قومًا مِن بني سليم؛ فرّوا عن أرضهم حين جاء الإسلام، فأخَذْتُها فأسلموا، فخاصموني فيها إلى النبيّ - ﷺ -، فردَّها عليهم وقال:\n_________\n(١) ناقة مُنَوّقة: أي مُذللة.\n(٢) نذِروا بها: أي علموا.\n(٣) أخرجه مسلم: ١٦٤١.\n(٤) انظر -إن شئت المزيد من الفائدة- ما قاله ابن حزم -﵀- تحت المسألة (٩٣٧).\n(٥) هذا العنوان مِن \"صحيح البخاري\" (كتاب الجهاد) (باب - ١٨٠).","vol":"7","page":217},{"text":"إذا أسلَم الرجل فهو أحقّ بأرضه وماله\" (١).\nقال الإمام البخاري -﵀- (باب إذا أسلم قوم ...) وذكر العنوان السابق ثم ذكر تحته حديثين (٢).\nقال الحافظ -﵀ - في \"الفتح\" (٦/ ١٧٥):\n\"أشار [أي: الإمام البخاري -﵀-] بذلك إلى الردّ على من قال مِن الحنفية إنّ الحربي إذا أسلَم في دار الحرب، وأقام بها حتى غلَب المسلمون عليها، فهو أحقُّ بجميع ماله إلاَّ أرضَه وعقاره، فإنّها تكون فيئًا للمسلمين، وقد خالفَهم أبو يوسف في ذلك فوافق الجمهور ... \".\nثمّ ذكَر حديث صخر بن عيلة المتقدّم، وأشار شيخنا إلى استدلال الحافظ -رحمهما الله- في \"الصحيحة\" (١٢٣٠).\nجاء في \"السيل الجرار\" (٤/ ٥٥٤): \"الإسلام عصمةٌ لمال الرجل ولأولاده الذين لم يبلغوا، فمَن زعَم أنّه يَحِلُّ شيءٌ مِن مال مَن أسلم؛ لكون المال في دار الحرب؛ لم يُقبل منه ذلك إلاّ بدليلٍ يدلّ على النقل مِن عصمة الإسلام، ولا دليل ... فإنّ الأحاديث الصحيحة المُصرّحة بأنّ الكُفَّار إذا تكلَّموا بكلمة الإسلام؛ عصموا بها دماءهم وأموالهم، يُغني عن غيرها ... \". انتهى.\nقلت: يُشير -﵀- إلى حديث: ابن عمر -﵄- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"أُمِرتُ أنْ أُقاتِل النّاس حتى يشهدوا أن لا إله إلاَّ الله، وأنّ محمدًا\n_________\n(١) أخرجه أحمد وإسناده حسن، وانظر الصحيحة (١٢٣٠).\n(٢) انظرهما -للمزيد من الفائدة إن شئت- برقم (٣٠٥٨، ٣٠٥٩) وكذا انظر وجه مطابقة الترجمة في \"عمدة القاري\" (١٤/ ٣٠٤).","vol":"7","page":218},{"text":"رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعَلوا؛ ذلك فقد عصَموا منّي دماءهم وأموالهم؛ إلاَّ بحقّ الإسلام وحسابهم على الله\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1929>حُكم الأرض المغنومة </span>(٢)\nالأرض المغنومة أمْرُها إلى الإمام، يفعل الأصلح مِن قِسمَتها، أو ترْكِها مشتركةً بين الغانمين، أو بين جميعِ المسلمين، لأنّ النبيّ -﵌- قَسَم نصفَ أرض خيبر بين المسلمين، وجَعل النصف الآخر لمن ينزل به مِن الوفود والأمور ونوائبِ الناس.\nفعن بُشير بن يَسار مولى الأنصار، عن رجالٍ مِن أصحاب النبيّ - ﷺ - \"أنّ رسول الله - ﷺ - لما ظَهَر على خيبر؛ قسَّمها على ستة وثلاثين سهمًا، جمَع كل سهم مائة سهم، فكان لرسول الله - ﷺ - وللمسلمين النصفُ مِن ذلك، وعزَل النصف الباقي؛ لمن نَزَل به من الوفود والأمور ونوائب النّاس\" (٣).\nوفي رواية مِن حديث سهل بن أبي حثمة -﵁- قال: \"قَسَم رسول الله - ﷺ - خيبر نصفين: نصفًا لنوائبه وحاجته، ونصفًا بين المسلمين، قسَمَها بينهم على ثمانيةَ عشَرَ سهمًا\" (٤).\nوقد ترَك الصحابة ما غَنِموه من الأراضي مُشترَكَةً بين جميع المسلمين،\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٢٥، ومسلم: ٢١.\n(٢) من \"الروضة النّديّة\" (٢/ ٧٥٥) بتصرف يسير.\n(٣) أخرجه أبو داود: \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٦٠٣).\n(٤) أخرجه أبو داود: \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٦٠١).","vol":"7","page":219},{"text":"يَقسِمون خَراجها بينهم، وقد ذهَب إلى هذا جمهور الصحابة ومَن بعدهم، وعمل عليه الخلفاء الراشدون -﵃-.\nوعن أبي هريرة -﵁- قال: \"قال رسول الله - ﷺ -: أيُّما قريةٍ أتيتموها وأقمتم فيها؛ فسَهْمُكم فيها، وأيُّما قريةٍ عَصت الله ورسوله؛ فإنَّ خُمُسَها لله ولرسوله، ثمّ هي لكم\" (١).\nوجاء في \"الروضة الندية\" (٢/ ٧٥٦):\nأقول: قسمة الأموال المجتمعة للمسلمين مِن: خراجٍ، ومعاملةٍ، وجزيةٍ، وصُلحٍ، وغير ذلك؛ ينبغي تفويض قِسْمتها إلى الإمام العادل الذي يمحض النّصح لرعيته، ويبذْل جهده في مصالحهم، فيَقْسِم بينهم ما يقوم بكفايتهم، ويدَّخر لحوادثهم ما يقوم بدفعها.\nولا يلزمه في ذلك سلوكُ طريقٍ مُعيَّنة سلَكَها السلف الصالح، فإنّ الأحوال تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، فإنْ رأى الصلاح في تقسيم ما حَصل في بيت المال في كلّ عامٍ فعَل، وإنْ رأى الصلاح في تقسيمه في الشهر أو الأسبوع أو اليوم فَعَل.\nثمّ إذا فاضَ مِن بيتِ مال المسلمين على ما يقوم بكفايتهم، وما يدخِر لدفْع ما ينوبهم، جعل ذلك في مُناجزة الكَفَرة، وفتْح ديارِهم، وتكثير جهاتِ المسلمين، وفي تكثير الجيوش والخيل والسلاح، فإنّ تقويةَ جيوش المسلمين هي الأصلُ الأصيل في دفْع المفاسد وجَلْبِ المصالح.\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ١٧٥٦.","vol":"7","page":220},{"text":"ومِن أعظم موجبات تكثيرِ بيت المال وتوسيع دائرته؛ العدلُ في الرعية، وعدمُ الجور عليهم، والقَبولُ من مُحْسِنهم، والتجاوزُ عن مسيئهم، وهذا معلومٌ بالاستقراء في جميعِ دول الإسلام والكُفر ... \".\nوعن زيدٍ عن أبيه أنّه سمع عمر بن الخطاب -﵁- يقول: \"أما والذي نفسي بيده؛ لولا أن أتركَ آخر النّاس بَبَّانًا (١) ليس لهم شيء ما فُتِحت عليَّ قرية إلاَّ قَسمْتُها كما قسَم النبيّ - ﷺ - خيبر، ولكنّي أتركها خِزانةً لهم يقتسمونها (٢) \" (٣).\nوفي رواية: \"لولا آخر المسلمين؛ ما فُتِحَت عليهم قرية، إلاّ قسمْتُها كما قسَم النبيّ - ﷺ - خيبر\" (٤).\n_________\n(١) جاء في \"الفتح\": \"قال أبو عبيدة بعد أن أخرجه عن ابن مهدي: قال: ابن مهدي يعني شيئًا واحدًا، قال الخطابي: ولا أحسب هذه اللفظة عربية، ولم أسمعها في غير هذا الحديث، وقال الأزهريّ: بل هي لغة صحيحة، لكنها غيرُ فاشية في لغة معد، وقد صحَّحَها صاحب العين وقال: ضوعفت حروفه، وقال: البَبَّان: المعدَم الذي لا شيء له، ويقال: هم علىَ بَبَّان واحدٍ، أي: على طريقةٍ واحدة، وقال ابن فارس: يقال هم بَبَّان واحد، أي: شيء واحد، قال الطبري: البَبَّان: المعدَم: الذي لا شيء له، فالمعنى: لولا أن أتركهم فقراءَ مُعدمين، لا شيء لهم، أي: متساوين في الفقر\".\n(٢) أي: يقتسمون خراجها. \"الفتح\".\n(٣) أخرجه البخاري: ٤٢٣٥، ومسلم: ٢٣٣٤، قال الحافظ -﵀ -: زاد ابن إدريس في روايته: \"ما افتَتَح المسلمون قَريةً مِن قرى الكُفَّار؛ اِلا قَسَمْتها سُهمانًا\".\n(٤) أخرجه البخاري: ٤٦٣٦، ٢٣٣٤.\nوانظر إن شئت المزيد من الفائدة \"نيل الأوطار\" (٨/ ١٦٢) (كتاب الجهاد) (باب حُكم الأرض المغنومة).","vol":"7","page":221},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1930>الغُلول</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1931>تعريفه:</span>\nالغلول: هو الخيانة في المغنم، والسّرقة مِن الغنيمة قبل القِسمة (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1932>تحريم الغُلول:</span>\nقال الله -تعالى-: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٢).\nعن ابن عباس -﵄- في قوله -تعالى-: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾، قال: \"ما كان لنبيّ أن يتَّهمَه أصحابُه (٣) \" (٤).\nوفي رواية: قال ابن عباس -﵄-: \"نزلت هذه الآية ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ في قطيفة حمراء فُقِدت يوم بدر، فقال بعضُ النّاس: لعلّ رسول الله - ﷺ - أخذها، فأنزل الله﷿- ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ إلى آخر الآية\" (٥).\nوعن أبي هريرة -﵁- قال: \"خَرجْنا مع رسول الله - ﷺ - يوم خيبر، فلم نغنم ذهبًا ولا فضة؛ إلاّ الأموال والثياب والمتاع، فأهدى رجل من بني الضُّبَيب -يقال له: رِفاعة بن زيد- لرسول الله - ﷺ - غلامًا يقال له مِدعَم، فوجَّه\n_________\n(١) \"النّهاية\".\n(٢) آل عمران: ١٦١.\n(٣) أي ما كان لنبيٍّ أن يخون أصحابه؛ فيما أفاء الله عليهم، مِن أموال أعدائهم. وانظر \"تفسير الطبري\".\n(٤) أخرجه البزّار في مسنده، وانظر \"الصحيحة\" (٢٧٨٨).\n(٥) أخرجه أبو داود (٣٩٧١) والترمذي وغيرهما، وانظر \"الصحيحة\" تحت الحديث (٢٧٨٨).","vol":"7","page":222},{"text":"رسول الله - ﷺ - إلى وادي القُرى، حتى إذا كان بوادي القُرى -بينما مِدْعَم يحطُّ رَحْلًا لرسول الله - ﷺ - إذا سهْمٌ عائر (١) فقتَله، فقال النّاس: هنيئًا له الجنّة.\nفقال رسول الله - ﷺ -: كلاّ؛ والذي نفسي بيده؛ إنّ الشملة (٢) التي أخذَها يوم خيبر مِن المغانم؛ لم تُصبها المقاسم، لتَشْتَعل عليه نارًا، فلمّا سَمِع ذلك النّاس جاء رجل بشِراكٍ (٣) أو شِراكين إلى النبيّ - ﷺ - فقال: شِراك من نار أو شِراكان من نار\" (٤).\nوعن عمرَ بن الخطاب -﵁- قال: \"لمّا كان يومُ خيبر أقْبَل نفرٌ مِن صحابة النبيّ - ﷺ -، فقالوا: فلانٌ شهيد، فلانٌ شهيد، حتى مرّوا على رجلٍ فقالوا: فلان شهيد، فقال رسول الله - ﷺ -: كلاّ إني رأيته في النار في بُردةٍ (٥) غلَّها أو عباءةٍ\" (٦).\n_________\n(١) سهم عائر: أي لا يُدرى من رمى به. \"الفتح\".\n(٢) الشملة: كساءٌ يُتغطَّى به، ويُتلفّف فيه. \"النّهاية\".\n(٣) الشِّراك: -بكسر السين- وهو السير المعروف؛ الذي يكون في النعل على ظهر القدم. \"شرح النّووي\".\n(٤) أخرجه البخاري: ٦٧٠٧، ومسلم: ١١٥.\n(٥) قال النّووي -﵀-: \"أمّا البردة -بضم الباء- فكساءٌ مخُطَّط وهي الشملة والنَّمِرة، وقال أبو عبيد: هو كساء أسود فيه صور وجمعها بُرَد -بفتح الراء-\" انتهى.\nوالنّمرة: كل شملة مخطوطة من مآزر الأعراب؛ لأنها أُخذت مِن لون النَّمِر، لما فيها مِن السواد والبياض. \"النّهاية\".\n(٦) أخرجه مسلم: ١١٤.","vol":"7","page":223},{"text":"وعن أبي هريرة -﵁- قال: \"قام فينا النبيّ - ﷺ - فذكَر الغلول فعظَّمَه، وعظَّم أمْرَه، قال: \"لا أُلفِيَنَّ (١) أحدكم يوم القيامة؛ على رقبته شاةٌ لها ثُغاء (٢)، وعلى رقبته فرسٌ له حَمْحَمَة (٣) \" (٤).\nوعن عبد الله بن عمرو -﵄- قال: \"كان على ثَقَل (٥) النبيّ - ﷺ - رجلٌ يقال له كِركَرة، فمات، فقال رسول الله - ﷺ -: هو في النار، فذهبوا ينظرون إليه فوجدوا عباءةً قد غلَّها\" (٦).\nوعن أبي أمامة -﵁- عن النبيّ - ﷺ - \"أنّه نهى أن تُباع السهام حتى تُقسم\" (٧).\nوعن عبادةَ بن الصامت -﵁- أنّ النبيّ - ﷺ - كان يقول: \"أدّوا الخِياط والمِخْيَط (٨)، وإيّاكم والغُلول، فإنّه عارٌ على أهله يوم القيامة\" (٩).\n_________\n(١) أي: لا أجدنَّ.\n(٢) ثُغاء: صوت الشاة.\n(٣) حمحمة: صوت الفرس عند العلف، وهو دون الصهيل. \"فتح\".\n(٤) أخرجه البخاري: ٣٠٧٣، ومسلم: ١٨٣١.\n(٥) الثّقَل -بمثلثة وقاف مفتوحتين-: العيال: وما يثقُل حَمْلُه من الأمتعة \"الفتح\".\n(٦) أخرجه البخاري: ٣٠٧٤.\n(٧) أخرجه الدارمي بسند حسن، وانظر \"هداية الرواة\" برقم (٣٩٤٥).\n(٨) الخِياط: الخيط، والمِخيط -بالكسرة-: الإبرة. \"النّهاية\".\n(٩) أخرجه الدارمي وإسناده حسن، وانظر \"هداية الرواة\" برقم (٣٩٥٢).","vol":"7","page":224},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1933>ما يجوز الانتفاع به قبل قسمة الغنائم</span>\nيُباح للمقاتلين أن ينتفعوا بالطعام وعَلَف الدواب؛ ما داموا في أرض العدوّ، قبل أنْ تُقسّم عليهم.\nعن عبد الله بن مُغَفَّلٍ -﵁- قال: \"كنّا محاصِرين قصرَ خيبر، فرمى إنسانٌ بجرابٍ (١) فيه شحم، فنزوت (٢) لآخذه، فالتفتُّ، فإذا النبيّ - ﷺ - فاستحييتُ منه\" (٣). وفي رواية \" فالتَفَتُّ فإذا رسول الله - ﷺ - مُتبسّمًا\" (٤).\nوعن عبد الله بن أبي أوفى -﵁- قال: \"أصبنا طعامًا يوم خيبر، فكان الرجل يجيء فيأخذ منه مقدار ما يكفيه ثمّ ينصرف\" (٥).\nوعن ابن -عمر ﵄- \" كنّا نُصيب في مغازينا العسل والعنب، فنأكله ولا نرفعه (٦) \" (٧).\n_________\n(١) الجراب: وعاء مِن جِلد.\n(٢) أي: وَثَبْت، وهي رواية مسلم: ١٧٧٢.\n(٣) أخرجه البخاري: ٣١٥٣ واللفظ له، ومسلم: ١٧٧٢.\n(٤) أخرجه مسلم: ١٧٧٢.\n(٥) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٣٥٣)، والحاكم (٢/ ١٢٦) وقال: صحيح على شرط البخاري ووافقه الذهبي، وشيخنا -﵀- في \"التعليقات الرضية\" (٣/ ٤٦٨) وكذا البيهقي.\n(٦) قال الحافظ -﵀- في \"الفتح\": \"أي ولا نحمله على سبيل الادّخار، ويُحتمل أن يُريد ولا نرفعه إلى متولّي أمر الغنيمة، أو إلى النبيّ - ﷺ -، ولا نستأذنه في أكْلِه، اكتفاءً بما سَبَق منه مِن الإذن\".\n(٧) أخرجه البخاري: ٣١٥٤.","vol":"7","page":225},{"text":"جاء في \"الروضة النديّة\" (٢/ ٧٤٥): \"قال مالك في \"الموطأ\": لا أرى بأسًا أن يأكُل المسلمون إذا دخلوا أرض العدو مِن طعامهم؛ ما وجدوا مِن ذلك كلّه، قبل أن تقع في المقاسم\".\nوقال أيضًا: \"أنا أرى الإبل والبقر والغنم بمنزلة الطعام؛ يأكُلُ منه المسلمون إذا دخَلوا أرض العدو؛ كما يأكلون الطعام\".\nوقال: \"ولو أنّ ذلك لا يُؤكَل حتى يحضُر النّاس المقاسم ويُقسَم بينهم؛ أضرَّ ذلك بالجيوش، قال: فلا أرى بأسًا بما أُكل من ذلك كلّه؛ على وجه المعروف والحاجة إليه، ولا أرى أن يدّخِرَ ذلك شيئًا؛ يَرجِع به إلى أهله. قلت: وعليه أهل العلم\". انتهى.\nقلت: ويجوز ركوب الدوابّ وما في معناها، ولبس الثياب، مِن غير إتلاف ولا إخلاق.\nفعَنْ رُوَيْفعِ بْنِ ثَابِتٍ الأنصَارِيِّ -﵁- أَنَ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلَا يَرْكَبْ دَابَّةً مِنْ فَيْءِ المسْلِمِينَ، حَتَّى إِذَا أَعْجَفَهَا (١) رَدَّهَا فِيهِ (٢)، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ؛ فَلَا يَلْبَسْ ثَوْبًا مِنْ فَيْءِ المسْلِمِينَ، حَتَّى إِذَا أَخْلَقَهُ (٣) رَدَّهُ فِيهِ\" (٤).\n_________\n(١) أعْجَفَها: أي أضعَفها وأهزلها \"عون المعبود\" (٧/ ٢٦٨).\n(٢) أي: الفيء.\n(٣) أخلَقَه: أي أبلاه.\n(٤) أخرجه أحمد وأبو داود (٢٠٧٨) وغيرهما، وقال شيخنا -﵀- حسن صحيح، وانظر \"التعلقيات الرضية على الروضة الندية\" (٣/ ٤٦٧).","vol":"7","page":226},{"text":"جاء في عون المعبود (٧/ ٢٦٨): \"قال في \"السبيل\": يُؤخَذ منه جوازُ الركوبِ ولبسِ الثوب، وإنما يتوجه النهي إلى الإعجاف والإخلاق للثوب، فلو رَكِب من غير إعجاف، وَلَبِس من غَير إخلاق وإتلافٍ؛ جاز. انتهى.\nقال في \"الفتح\": وقد اتفقوا على جواز رُكوب دوابِّهم يعني؛ أهلَ الحرب ولبس ثيابِهم، واستعمال سلاحهم حال الحرب، ورد ذلك بعد انقضاء الحرب. وشرط الأوزاعي فيه إذن الإمام وعليه أن يردّ كلما فرغت حاجته، ولا يستعمله في غير الحرب، ولا ينتظر بردّه انقضاء الحرب لئلا يُعرّضه للهلاك\".\nقلت: وقوله بإذن الإمام ليس على الإطلاق، لحديث عبد الله بن مغفّل -﵁- قال: \"أصبت جرابًا من شحم يوم خيبر، فقال: فالتزمتُه، فقلت: لا أُعطي اليوم أحدًا من هذا شيئًا؛ فالتفتّ فإذا رسولُ الله - ﷺ - متبسَّمًا\" (١).\nقال النّووي -﵀-: \"ويجوز بإذن الإمام وبغير إذنه، ولم يشترط أحد من العلماء استئذانه إلاَّ الزهري ... \".\n...\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ١٧٧٢.","vol":"7","page":227},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1934>أسرى الحرب</span>\nومن جملة الغنائم الأسرى، ولا خلافَ في ذلك (١)، وهم على قسمين:\n١ - النساء والصبيان، وهذا القسم يكون رقيقًا بمجرّد السبي، لأن النبيّ - ﷺ - نهى عن قَتْل النساء والصبيان (٢).\nفعن ابن عمر -﵄- \" أنّ النبيّ - ﷺ - أغار على بني المُصطَلَق وهم غارُّون (٣) وأنعامُهم تُسقى على الماء، فقَتَل مُقاتِلتَهم (٤)، وسبى ذراريَّهم، وأصاب يومئذ جُوَيْرية (٥) \" (٦).\n_________\n(١) انظر \"الروضة الندية\" (٢/ ٧٤٨).\n(٢) وفي ذلك أحاديث منها حديث ابن عمر -﵄- قال: \"وُجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي رسول الله - ﷺ -، فنهى رسول الله - ﷺ - عن قَتْل النساء والصبيان\" أخرجه البخاري: ٣٠١٥، ومسلم: ١٧٤٤ وتقدّم.\n(٣) وهم غارُّون: جمع غار بالتشديد أي غافل، أي أخَذَهم على غِرة. \"الفتح\".\n(٤) أي: الطائفة البالغين الذين هم على صدد القتال. \"الكرماني\".\n(٥) قال النّووي -﵀- (١٢/ ٣٦): وفي هذا الحديث جواز الإغارة على الكُفّار الذين بلغتهم الدعوة مِن غير إنذار بالإغارة ... \" وانظر تتمة كلام النّووي -﵀- إن شئت المزيد.\n(٦) أخرجه البخاري: ٢٥٤١، ومسلم: ١٧٣٠، ولفظ مسلم من حديث ابن عون قال: \"كتبت إلى نافعٍ أسأله عن الدعاء قبل القتال، قال: فكتَب إليَّ إنما كان ذلك في أول الإسلام؛ قد أغار رسول الله - ﷺ - ... \" وذكره، وتقدّم.\nوانظر رواية الإمام أحمد -﵀- وما جاء في \"الإرواء\" تحت رقم (١٢١٢) -إنْ شئت-.","vol":"7","page":228},{"text":"٢ - الرجال البالغون المقاتِلون، والإمام فيهم مخُيَّرٌ بينَ قَتْلٍ وَرِقٍّ ومَنٍّ وفداءٍ بمالٍ أو بأسيرٍ مسلم.\nأمّا القَتل: فلقوله تعالى: ﴿فاقتُلُوا المُشْركِينَ حَيْثُ وَجَدتمُوهُم﴾ (١).\nوقَتَل النبيّ - ﷺ - رجالًا مِن بني قريظة حين حكَم فيهم سعد بن معاذ -﵁- فقال: أَحْكُم فيهم أن تُقتل مُقاتلتهم وتُسبَى ذراريُّهُم وتُقسّم أموالهم، فقال رسول الله - ﷺ -: لقد حكمْتَ بحُكم الله -﷿- وحُكم رسوله\" (٢).\nوجاء في \"سنن أبي داود \" تحت (بابُ قتلِ الأسير ولا يُعرَض عليه الإسلام) عن سعد قال: \"لمّا كان يوم فتح مكة أمَّنَ رسول الله - ﷺ - الناس إلاَّ أربعةَ نفر وامرأتين وسمّاهم، وابن أبي سَرْح، فذكَر الحديث.\nقال: وأمّا ابنُ أبي سرح؛ فإنّه اختَبأ عند عثمان بن عفان، فلمّا دعا رسول الله - ﷺ - النّاس إلى البيعة؛ جاء به حتى أوقَفَه على رسول الله - ﷺ -، فقال: يا نبيَّ الله بايعْ عبد الله، فرفَع رأسه فنظَر إليه ثلاثًا، كلّ ذلك يأبى، فبايَعَه بعد ثلاث، ثمّ أقبَلَ على أصحابه فقال: أمَا كان فيكم رجل رشيد؛ يقوم إلى هذا حيث رآني كَففْتُ يدي عن بيعته فيقتله؟ فقالوا: ما ندري يا رسول الله ما في نفسك، ألا أومأتَ إلينا بعينك؟ قال: إنه لا ينبغي لنبيٍّ أن تكون له خائنةُ الأعين\" (٣).\nوعن أنس بن مالك -﵁- \"أنّ رسول الله - ﷺ - دخَل مكَّة عام\n_________\n(١) التوبة: ٥.\n(٢) أخرجه أحمد والترمذي وغيرهما، وانظر \"الصحيحة\" (٦٧) و\"الإرواء\" (١٢١٣).\n(٣) أخرجه أبو داود: (٢٦٨٣، ٤٣٥٩) وغيره وانظر \"الصحيحة\" (١٧٢٣).","vol":"7","page":229},{"text":"الفتح وعلى رأسه المِغفَر (١)، فلمَّا نَزَعَه جاءه رجل فقال: ابن خَطَل متعلِّقٌ بأستار الكعبة، فقال: اقتلوه.\nقال أبو داود: ابن خَطَل اسمه عبد الله، وكان أبو برزة الأسلمي قَتَله\" (٢).\nوأمّا دليل الرِّق، فقوله - ﷺ - لوفد هوازن: \" ... وأحبّ الحديث إليّ أصدقُه، فاختاروا إحدى الطائفتين: إمّا المال وإمّا السبي\" (٣).\nقال في \"منار السبيل\" (ص ٢٧٢): \"ولأنه يجوز إقرارهم بالجزية، فبالرقّ أولى؛ لأنّه أبلَغُ في صَغارهم\".\nوأمّا المنّ -وهو إطلاق سراح الأسير مجّانًا-، فلقوله -تعالى-: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ (٤).\nولأنّه - ﷺ - مَنّ على ثُمامة بن أُثال، وسيأتي بتمامه -إن شاء الله تعالى- في (باب ما جاء في الإحسان إلى الأسرى).\nوكذلكَ منَّ النبيُّ - ﷺ - على أبي العاص بن الربيع.\nفعن عائشة -﵂- قالت: \"لمّا بعَثَ أهلُ مكّةَ في فداء أسراهم؛ بَعَثَتْ زينبُ بنتُ رسول الله - ﷺ - في فداء أبي العاص بن الربيع بمال، وبَعَثَتْ فيه\n_________\n(١) زرَد يُنسج من الدروع، على قدر الرأس، يُلبس تحت القلنسوة.\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٣٣٥).\n(٣) أخرجه البخاري: ٢٥٣٩، ٢٥٤٠ من حديث مروان والمسور بن مخرمة -﵄-. وتقدم غير بعيد.\n(٤) محمد: ٤.","vol":"7","page":230},{"text":"بقلادة لها؛ كانت خديجة أدخلَتْها بها على أبي العاص؛ حينَ بنَى عليها.\nقالت: فلمّا رآها رسول الله - ﷺ -، رقَّ لها رِقّةً شديدة، وقال؛ إنْ رأيتم أنْ تُطلِقوا لها أسيرها، وترُدُّوا عليها مالها، فافعلوا، فقالوا: نعم يا رسول الله، فأطلَقوه وردُّوا عليها الذي لها\" (١).\nوأمّا الفداء بالمال، فإنّه قد ثبَت عن النبيّ - ﷺ - أنّه فدى أهل بدرٍ بمال (٢).\nْوأمّا الفداء بالأسير المسلم، فلأنّه قد ثبَت عن رسول الله - ﷺ - أنّه فدّى رجلين مِن أصحابه برجلٍ مِن المشركين من بني عُقَيل.\nعن عمرانَ بنِ حصين قال: \"كانت ثقيف حلفاء لبنى عُقَيل، فأسرَت ثقيف رجلين مِن أصحاب رسول الله - ﷺ -، وأسرَ أصحابُ رسولِ الله - ﷺ - رجلًا مِن بني عقيل ... ففُدِي بالرجلين\" (٣).\nويَجب على الحاكم فِعْل الأصلح، فمتى رأى المصلحة للمسلمين في إحدى الخصال، تعيَّنَت عليه، لأنّه ناظرٌ للمسلمين، وتخييره تخيير اجتهاد لا شهوة (٤).\nقال ابن المناصف -﵀-، في \"الإنجاد\" (١/ ٢٦٩): \"يكون نَظَر\n_________\n(١) أخرجه ابن إسحاق في \"السيرة\" ومن طريقه أبو داود وابن الجارود والحاكم وأحمد وحسَّنه شيخنا -﵀- في \"الإرواء\" (١٢١٦/ ٢).\n(٢) أخرجه أبو داود (٢٩٩١) وغيره، وانظر للمزيد من الفائدة والتفصيل ما جاء في \"الإرواء\" (١٢١٨).\n(٣) أخرجه مسلم: ١٦٤١ مُطوّلًا، وانظر للمزيد من الفائدة -إن شئت- ما جاء في: الإرواء\" (١٢١٧).\n(٤) انظر \"منار السبيل\" (ص ٢٧٢).","vol":"7","page":231},{"text":"الإمام في الأسرى؛ بحسب الاجتهاد والمصلحة لأهل الإسلام، فمَن خُشيت شجاعته منهم وإقدامُهُ، أو رأيُهُ وتدبيرُه، وما أشبه ذلك مِن الوجوه التي تعود بتقوية بأس العدو على المسلمين في بقائه؛ كان الأولى قَتْلُهُ، إلاَّ أن يَعْرضَ هناك ما يمنع، وتكونُ مراعاته أهمّ، مِثل أن يكون في بلاد الكفر أسيرٌ مِن المسلمين، لا يُستطاع إخراجُه إلاَّ بالمفاداة بهذا، وما أشبهَ ذلك مِن وجوه النَّظَرِ في الحال، وذلك غير مُنْحَصرٍ، بل هو بحسب ما يرى الحاضر والمجتهد، ومَن لم يكن مِن الأسرى على هذه الصِّفة، وكان في المفاداة به مصلحةٌ وتقويةٌ للمسلمين بالمال، وما أشبه ذلك مما لا ينحصر أيضًا مِن وجوه النَّظَر - فالأوْلَى المفاداةُ.\nومن يُرجى إسلامُه بَعدُ، أو الانتفاع به في استمالة أهل الكفر، أو كَسْرِ شوكتهم، وما في معنى ذلك إذا رُدَّ وأُنعِم عليه؛ فالأَوْلَى المَنُّ.\nومَن كان صانعًا أو عسيفًا يُنتفع بمِثله في الخدمة، ولم يعرض فيه وجهٌ مِن الوجوه المتقدمة؛ اسْتُرِقَّ هؤلاء، أو ضُربت عليهم الجزية -إن كانوا من أهلها- على حسب ما يظهر من ذلك.\nوبالجملة، فالنَّظَر في هذه الوجوه لمصالح المسلمين بحسب الحال؛ أوسَعُ من هذا، وإنما نَبَّهْنا على أنموذج من طريق النَّظَر، لا أنَّ ذلك واجبٌ بعينه، إلاَّ أنّه لا ينبغي أن يميل إلى واحدٍ من هذه الوجوه؛ إلاَّ لمصلحةٍ في حقِّ المسلمين؛ يغلب على نَظَرِه واجتهاده أنهأ أَوْلى.\nفأمَّا القتل، فما دام الإمام مُرتئيًا؛ لم يَعزِم على واحدةٍ مما سواه؛ ساغَ له القتل -ولو بعد مدةٍ-.\nقال بعض الفقهاء: لو عَرَضَهم للبيع ليختبر أثمانهم، ويناظر بها وجه","vol":"7","page":232},{"text":"المصلحة في إحرازها للمسلمين، أو قتلهم، وما أشبه هذا؛ كان له من ذلك ما رآه بعد، فإذا أنفَذَ نظَرَهُ في واحدةٍ من ذلك غير القتل، أو أسقَط عنه القتل، وبقي مرتئيًا فيما عداه من الوجوه؛ لم يكن له الرجوع إلى القتل؛ لأنه حُكْمٌ وَقَعَ، يتضمَّن التأمين، والله أعلم\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1935>جوازُ استرقاقِ الكُفّار مِنْ عربٍ أو عَجَم </span>(١)\nيجوزُ استرقاقُ العرب، لأنّ الأدلة الصحيحة قد دلَّت على جواز استرقاق الكُفَّار، مِن غير فَرْقٍ بين عربيٍّ وعجمي، وذَكَرٍ وأنثى.\nولم يقُم دليلٌ يصلُح للتمسك قطّ في تخصيص أسْرى العرب بعدم جواز استرقاقهم؛ بل الأدلّة قائمةٌ متكاثرة على أن حُكْمهم حُكمُ سائر المشركين.\nفعن أبي هريرة -﵁- قال: \"ما زلت أُحبُّ بني تميم منذ ثلاثٍ، سمعتُ مِن رسول الله - ﷺ - يقول فيهم: سمعته يقول: هم أشدّ أمّتي على الدجّال، قال: وجاءت صدقاتهم فقال رسول الله - ﷺ -: هذه صدقات قومِنا، وكانت سَبِيَّةٌ منهم عند عائشة؛ فقال: أعتقيها؛ فإنها مِن وَلَد إسماعيل\" (٢).\nوعن مروان والمِسْوَر بنِ مخرمة -﵄-: \"أنّ النبيّ - ﷺ - قام حين جاءه وفْد هوازن، فسألوه أن يَرُدّ إليهم أموالهم وسبْيَهم فقال: إنّ معي من ترون وأَحَبُّ الحديث إليّ أصدقه، فاختاروا إحدى الطائفتين: إمّا المال وإمّا السبي ... \" (٣).\n_________\n(١) عن الروضة الندية (٢/ ٧٥٠) بتصرف يسير.\n(٢) أخرجه البخاري: ٢٥٤٣، ومسلم: ٢٥٢٥.\n(٣) أخرجه البخاري: ٢٥٣٩، ٢٥٤٠، وتقدّم.","vol":"7","page":233},{"text":"وعن ابن عون قال: \"كتبتُ إلى نافع، فكتَب إليّ أن النبيّ - ﷺ - أغارَ على بني المصطلِق وهم غارّون وأنعامُهم تُسقى على الماء فَقَتل مُقاتلتهم وسبَى ذراريَّهم وأصاب يومئذٍ جُوْيرية ... \" (١).\nوقد ذهَب إلى جوازِ استرقاق العرب الجمهور، والحاصل: أنّ الواجب الوقوفُ على ما دلّت عليه الأدلة الكثيرة الصحيحة؛ مِن التخيير في كلِّ مُشرك بين القتل والمَنّ والفداء والاسترقاق، فمن ادَّعى تخصيصَ نوعٍ منهم، أو فرْدٍ مِن أفرادهم فهو مُطالَب بالدليل.\nوأمّا أسْرُ نساء العرب فالأمر أظهر مِن أن يُذكر، والوقائع في ذلك ثابتة في كُتُب الحديث: الصحيحين وغيرِهما، وفي كتب السِّيَر جميعها\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1936>إذا أسلم الأسير حَرُمَ قتْلُه</span>\nعن ابن شُماسةَ المَهْري قال: حَضَرْنا عمرو بنَ العاص وهو في سياقةِ الموت، فبكى طويلا وحوّل وجهَه إلى الجدار، [وذكر الحديث وفيه] أما علِمت أنّ الإسلام يَهْدِم (٢) ما كان قبله، وأنّ الهجرة تهدِم ما كان قبلها، وأنّ الحجَّ يَهدِم ما كان قبله\" (٣).\nقلت: فيستفاد من هذا الحديث؛ أن الإسلام يهدِم ما استوجبه هذا الأسير من قَتْل.\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٢٥٤١، ومسلم: ١٧٣٠، وتقدّم.\n(٢) وفي رواية أحمد \"يجُبّ\" وإسنادها صحيح وانظر \"الإرواء\" (١٢٨٠).\n(٣) أخرجه مسلم: ١٢١.","vol":"7","page":234},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1937>ما وَرَد في الإحسان إلى الأسرى</span>\nقال الله -تعالى-: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ (١) مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ (٢).\nقال ابن جرير -﵀-: ﴿وَأَسِيرًا﴾: وهو الحربيّ مِن أهل دار الحرب، يُؤخَذ قهرًا بالغَلبَة، أو مِن أهل القبلة يُؤخذ فيُحبَس بحقّ.\nوعن أبي موسى -﵁- قال: \"قال رسول الله - ﷺ -: فُكّوا العاني -يعني الأسير- وأطعموا الجائع، وعودوا المريض\" (٣).\nومِن جملة الإحسان المنّ على الأسرى إذا رأى الإمام مصلحةً في ذلك.\nعن أبي هريرة -﵁- قال: \"بَعثَ النبيّ - ﷺ - خيلًا قِبَلَ نجد، فجاءت برجُلٍ مِن بني حنيفة يقال له ثُمامةُ بن أُثال، فرَبطوه بساريةٍ من سواري المسجد، فخرَج إليه النبيّ - ﷺ - فقال: ماذا عندك يا ثُمامة؟ فقال: عندي خير يا محمد إنْ تَقْتلني تقتْل ذا دم، وإن تُنْعم تُنْعِم على شاكر، وإنْ كنت تريد المال فَسلْ منه ما شئت.\nفتُرك حتى كان الغد ثمّ قال: له ما عندك يا ثُمامة فقال: ما قلت لك، إنْ تُنْعِم تُنْعِم على شاكر، فترَكَه حتى كان بعد الغد فقال: ما عندك يا ثُمامة فقال: عندي ما قلت لك، فقال: أطلقوا ثُمامة.\n_________\n(١) أي: وهم يشتهون هذا الطعام.\n(٢) الإنسان: (٨، ٩).\n(٣) أخرجه البخاري: ٣٠٤٦.","vol":"7","page":235},{"text":"فانطلق إلى نخْلٍ (١) قريب من المسجد، فاغتسل ثم دَخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلاَّ الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، يا محمّد والله ما كان على الأرض وجهٌ أبغَضُ (٢) إليّ مِن وجهك، فقد أصبَحَ وجهُك أحبَّ الوجوه إليّ، والله ما كان مِن دينٍ أبغضَ إليّ من دينك فأصبح دينُك أحبَّ الدين إليّ، والله ما كان مِن بلدٍ أبغضُ إليّ مِن بلدِك، فأصبَح بلدُك أحبَّ البلاد إليّ، وإنَّ خيلَك أخذتني وأنا أريد العمرة؛ فماذا ترى؟\nفبشَّره رسول الله - ﷺ - وأمرَهَ أن يعتمر، فلمّا قَدم مكة قال له قائل: صَبَوْت؟ قال: لا ولكنْ أسلمتُ مع محمّد رسولِ الله - ﷺ -، ولا والله لا يأتيكم مِن اليمامة حبّةُ حِنطة حتى يأذَن فيها النبيّ - ﷺ -\" (٣).\nوفي زيادة: \"وانصَرف إلى بلده، ومنَع الحمل إلى مكّة؛ حتى جَهِدَت قريش، فكتبوا إلى رسول الله - ﷺ - يسألونه بأرحامهم أن يكتب إلى ثمامة، يُخلِّي إليهم حمْل الطعام، ففعَل رسول الله - ﷺ -\" (٤).\nوفي زيادة أُخرى:\nحتى قال عمر: \"لقد كان والله في عيني أصغر من الخنزير، وإنّه في عيني، أعظم من الجبل\" (٤).\n_________\n(١) وردت بالجيم: وهو المال القليل المُنبعث، ووردت بالخاء، وتقديره: انطلَق إلى نخلٍ فيه ماء، فاغتسَل منه. وانظر \"شرح النّووي\" (٨٩١٢).\n(٢) وردَ بالرفع والنّصب، وهما وجهان في النحو.\n(٣) أخرجه البخاري: ٤٣٧٢، ومسلم: ١٧٦٤.\n(٤) أخرجهما أحمد وإسنادهما حسن، انظر \"الإرواء\" (٥/ ٤٢).","vol":"7","page":236},{"text":"وعن عائشة أم المؤمنين -﵂- قالت: \"لما قَسَمَ رسول الله - ﷺ - سبايا بني المُصْطَلِق؛ وقعَت جويرية بنت الحارث في السّهم لثابت بن قيس بن الشماس، أو لابن عمٍّ له، وكاتَبته على نفسها، وكانت امرأةً حلوة مُلاّحة (١)، لا يراها أحد إلاَّ أخذَت بنفسه، فأتَت رسول الله - ﷺ - تستعينه في كِتابتها.\nقالت: فوالله ما هو إلاّ أن رأيتها على باب حجرتي؛ فكرِهْتُها، وعرفت أنّه سيرى منها ما رأيت، فدخَلَت عليه، فقالت: يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيّد قومه، وقد أصابني ما لم يخفَ عليك، فوقعْتُ في السهم لثابت بن قيس بن الشِّماس أو لابن عمٍّ له، فكاتَبْتُه على نفسي، فجئتك أستعينك على كِتابتي.\nقال: فهل لك في خير من ذلك؟ قالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: أقضي كتابتَك وأتزوجك، قالت: نعم يا رسول الله، قال: قد فعَلْتُ، قالت: وخرَج الخبر إلى النّاس أنّ رسول الله - ﷺ - تزوَّجَ جويريةَ بنتَ الحارث، فقال النّاس: أصهار رسول الله - ﷺ - فأرسَلُوا ما بأيديهم.\nقالت: فلقد أعتقَ بتزويجه إياها مائةَ أهلِ بيتٍ مِن بني المُصطَلِق، فما أعلَمُ امرأةً كانت أعظمَ بركةً على قومها منها\" (٢).\n_________\n(١) مُلاّحة أي: شديدةَ المَلاحَة، وهو من أبنية المبالغة. \"النّهاية\". قلت: على وزن فُعّال كقوله -تعالى-: ﴿وَمَكرُوا مَكْرًا كُبَّارًا﴾. وانظر \"التطبيق الصرفي\" (ص ٨٧) للدكتور عبده الراجحي.\n(٢) أخرجه أحمد والحاكم وغيرهما، وحسّن شيخنا -﵀- إسناده في \"الإرواء\" (٥/ ٣٧) تحت الحديث (١٢١٢).","vol":"7","page":237},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1938>ما ورَد في الإحسان إلى الرقيق</span>\nقال الله -تعالى-: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى (١) وَالْجَارِ الْجُنُبِ (٢) وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ (٣) وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٤).\nعن أبي ذرِ الغِفاريّ -﵁- قال: \"قال النبيّ - ﷺ - إنّ إخوانكم خوَلُكم (٥) جعَلَهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده، فليُطعمِه مما يأكل وليُلبِسْه مما يلبس، ولا تُكلّفوهم ما يغلبهم، فإنْ كلّفتموهم ما يَغْلِبهُم، فأعينوهم\" (٦).\nوعن أبي هريرة- ر ضي الله عنه- عن رسول الله - ﷺ - أنّه قال: \"للمملوك طعامه وكسوته ولا يُكلَّف مِن العمل إلاَّ ما يُطيق\" (٧).\nعن جابر بن عبد الله -﵄- قال: \"كان النبيّ - ﷺ - يوصي\n_________\n(١) أي: الجار ذي القرابة والرّحم، فله حقّان اثنان: حقّ القرابة وحقّ الجار.\n(٢) هو الجار الغريب البعيد المجانِب للقرابة.\n(٣) والصاحب بالجنب، قال بعضُ أهل التأويل: هو رفيق الرجل في سفره، وقال آخرون: هو امرأة الرجل التي تكون معه إلى جنبه، وقال آخرون: هو الذي يلزَمُك ويصحبُك رجاء نفْعِك، قال ابن جرير -﵀ - \"فالصواب أن يُقال: جميعهم معنيّون بذلك، وكلّهم قد أوصى الله بالإحسان إليه\".\n(٤) النساء: ٣٦.\n(٥) هم الخَدَم، سُمّوا بذلك لأنهم يتخوّلون الأمور: أي يُصلحونها. \"الفتح\".\n(٦) أخرجه البخاري: ٢٥٤٥، ومسلم: ١٦٦١.\n(٧) أخرجه مسلم: ١٦٦٢.","vol":"7","page":238},{"text":"بالمملوكين خيرًا ويقول: أطعِموهم مما تأكلون، وألبِسوهم من لَبوسكم، ولا تُعذِّبوا خَلْق الله -﷿-\" (١).\nوعن أبي مسعود -﵁- قال: كنت أضرب غلامًا لي، فسمِعْت مِن خلفي صوتًا: اعلم أبا مسعود للهُ أقدَرُ عليك منك عليه، فالتفتُّ فإذا هو رسول الله - ﷺ - فقلت: يا رسول الله! هو حرٌّ لوجه الله، فقال: أما لو لم تفعل، للفَحَتْك النار، أو لمسَّتك النار\" (٢).\nوعن أبي هريرة -﵁- قال: سمعْتُ أبا القاسم - ﷺ - يقول: \"مَن قذَف مملوكه وهو بريء ممّا قال؛ جُلدَ يوم القيامة، إلاّ أن يكون كما قال\" (٣).\nوعن عمّار بن ياسر -﵁- قال: \"لا يَضْرب أحدٌ عبدًا له، وهو ظالمٌ له؛ إلاّ أُقيدَ (٤) منه يوم القيامة\" (٥).\nعن أبي ليلى قال: \"خرَج سلمان فإذا علَفُ دابّته يتساقط من الآريّ (٦)، فقال لخادمه: لولا أنّي أخاف القِصاص لأوجعتك ضَرْبًا\" (٧).\nوعن زاذان: \"أن ابن عمر -﵄- دعا بغلام له فرأى بظهره أثرًا\n_________\n(١) أخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" \"صحيح الأدب المفرد\" (١٣٩).\n(٢) أخرجه مسلم: ١٦٥٩.\n(٣) أخرجه البخاري: ٦٨٥٨، ومسلم: ١٦٦٠.\n(٤) أُقيد منه: مِن القَوَد وهو القِصاص، أي: أُقتصّ منه يوم القيامة.\n(٥) أخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" \"صحيح الأدب المفرد\" (١٣٤).\n(٦) الآريّ: محبس الدّابة.\n(٧) أخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" \"صحيح الأدب المفرد\" (١٣٥).","vol":"7","page":239},{"text":"فقال له: أوجعتك؟ قال: لا قال: فأنت عتيقٌ.\nقال: ثم أخذ شيئًا مِن الأرض فقال: ما لي فيه من الأجر ما يَزِن هذا، إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: مَن ضرَب غلامًا له حدًّا لم يأته، أو لَطَمه؛ فإن كفّارتَه أن يُعتقه\" (١).\nوعن أبي موسى -﵁- قال: \"قال رسول الله - ﷺ -: مَن كانت له جارية، فعلَّمها فأحسن إليها، ثمّ أعتقَها وتزوَّجَها كان له أجران\" (٢).\nوعن أبي هريرة -﵁- عن النبيّ - ﷺ - قال: \"لا يَقُلْ أحدكم: عبدي، أَمَتي، وليقُل: فتاي وفتاتي وغلامي\" (٣).\nوعن عليّ -﵁- قال: \"كان آخر كلام رسول الله - ﷺ -: الصلاةَ (٤)، الصلاةَ، اتقوا الله فيما ملكت أيمانُكم\" (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1939>ربط الأسير وحبْسُه</span>\nفيه حديث أبي هريرة -﵁- قال: \"بَعَثَ النبيُّ - ﷺ - خيلًا قِبَلَ نجد، فجاءت برجل مِن بني حَنيفة، يقال له ثُمامة بن أُثال، فرَبطوه بساريةٍ مِن\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ١٦٥٧.\n(٢) أخرجه البخاري: ٢٥٤٤، ومسلم: ١٥٤.\n(٣) أخرجه البخاري: ٢٥٥٢، ومسلم: ٢٢٤٩.\n(٤) بالنّصب على تقدير فِعْل، أي: الزموا الصلاة، أو أقيموا أو احفظوا الصلاة بالمواظبة عليها ... \"عون المعبود\" (١٣/ ٤٤).\n(٥) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٤٢٩٥)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢١٨٤) وانظر \"الإرواء\" (٢١٧٨).","vol":"7","page":240},{"text":"سواري المسجد\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1940>نفيُ جوازِ قتْلِ الحربيّ إذا أتى ببعضِ أَمارات الإسلام </span>(٢)\nعن ابن عباس -﵄- قال: \"مرّ رجل مِن بني سُليم على نَفَر مِن أصحاب رسول الله - ﷺ -، ومعَه غنَم فسلَّم عليهم، فقالوا ما سلَّم عليكم إلاَّ ليتعوّذ مِنكم، فعدَوا عليه فقتلوه، وأخذوا غنَمه، فأتوا بها رسول الله - ﷺ - فأنزل الله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا ...﴾ (٣) إلى آخر الآية\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1941>تحرير الرقاب </span>(٥)\nلقد فَتَح الإسلام أبواب تحرير الرِّقاب، وبيَّنَ سُبُل الخلاص، واتخذ وسائل شتّى لإنقاذ هؤلاء مِن الرِّقّ؛ منها:\n١ - أنّه طريقٌ إلى رحمةِ الله وجنّته، يقول الله -سبحانه-: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ (٦).\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٤٣٧٢، ومسلم: ١٧٦٤ وتقدّم.\n(٢) هذا العنوان من \"صحيح ابن حبان\" انظر \"التعليقات الحِسان\" (٧/ ١٣٠).\n(٣) النساء: ٩٤.\n(٤) أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن، وابن حبان \"التعليقات الحِسان\" (٤٧٣٢) وغيرهما، وفيه: وقد أخرجَه البخاري: ٤٥٩١، ومسلم: ٣٠٢٥ وغيرهما، من طريق عطاء، عن ابن عباس به، ببعض الاختصار.\n(٥) عن \"فقه السُّنَّة\" (٣/ ٤٧٦) بتصرف وزيادة من \"تفسير ابن كثير\" وغيره.\n(٦) البلد: ١١ - ١٣.","vol":"7","page":241},{"text":"عن البراء -﵁- قال: \"جاء أعرابي فقال: يا نبيّ الله علِّمْني عَمَلًا يُدخلني الجنة، قال: لئن كنت أقصَرْتَ الخُطبة لقد أعرضْتَ المسألة (١)، أعتق النَّسَمَة (٢)، وفُكَّ الرَقَبَة. قال: أوليستا واحدًا؟ قال: لا؛ عتق النَّسَمَة: أن تعتق النَّسَمَة (٣)، وفكُّ الرَّقبةِ: أن تُعين على الرقبة\" (٤).\nوعن أبي هريرة -﵁- قال النبيّ - ﷺ -: \"أيُّما رجلٍ أعتَق امرَءًا مسلمًا؛ استنقَذَ الله بكل عضوٍ عضوًا منه مِن النار\" (٥).\nوفي رواية \"مَن أعتقَ رقبةً مسلمة؛ أعتقَ اللهُ بكلِّ عضوٍ منه عضوًا مِنه مِن النار، حتى فَرجَه بفرجِه\" (٦).\n٢ - وأنّ العِتق كَفّارة للقتل الخطأ. يقول الله -﷿-: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (٧).\n٣ - وأنّه كفَّارةٌ للحَنْث في اليمين لقوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (٨).\n_________\n(١) أي جئت بالخطبة قصيرة، وبالمسألة واسعة كثيرة. \"النّهاية\".\n(٢) النَّسَمَة: النفس والروح، أعتق النَّسَمَة: أعتق ذا روح، وكل دابة فيها روح فهي نَسَمَة، وإنّما يُريد النّاس. \"النّهاية\".\n(٣) أي: تنفرد بِعتْقها، وفكُّ الرقبة أن تُعين في عِتْقها.\n(٤) أخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" \"صحيح الأدب المفرد\" (٥٠) وغيره.\n(٥) أخرجه البخاري: ٢٥١٧، ومسلم: ١٥٠٩.\n(٦) أخرجه البخاري: ٦٧١٥، ومسلم: ١٥٠٩.\n(٧) النساء: ٩٢.\n(٨) المائدة: ٨٩.","vol":"7","page":242},{"text":"٤ - وأنّ العِتق كفّارة في حالة الظِّهار، يقول الله -سبحانه-: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ (١).\n٥ - وجعَل الإسلامُ من مصارف الزكاة شراءَ الارقاء وعِتْقَهم، يقول الله -تعالى-: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ﴾ (٢).\n٦ - ومَن نَذَر أن يُحرّر رقبةَ، وجَب عليه الوفاء بالنذر متى تحقَّق له مقصوده. وبهذا يتبيّن أنّ الإسلام ضيَّق مصادر الرَّق، وعامَل الأرقاء معاملةً كريمةً، تمهيدًا لتحريرهم.\n٧ - وأمَرَ الله -سبحانه- بمكاتبة العبد على قَدْرِ من المال، قال -تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا (٣) وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (٤).\nوالكتابة: أن يكاتِب الرجلُ عبده على مالٍ يؤديه إليه مُنجَّمًا (٥)، فإذا أدّاه صار حُرًّا، وسُمّيت كتابةً لمصدر كتَب كأنه يكتُب على نفسه لمولاه ثمنه، ويكتب\n_________\n(١) المجادلة: ٣.\n(٢) سورة التوبة: ٦٠.\n(٣) قال بعضهم: أمانة، وقال بعضهم: صِدْقًا، وقال بعضهم: مالًا، وقال بعضهم: حيلةً وكسْبًا. قلت: وهذه الأقوال يُفسّر بعضها بعضًا، ولا يمتنع الجمع بينها. والله -تعالى- أعلم.\n(٤) النور: ٣٣.\n(٥) قال في \"النّهاية\": \" ... ومنه تنجيم المكاتَب ونجوم الكتابة، وأصْلُه أنّ العرب كانت تجعل مطالعَ منازل القمر ومساقطَها مواقيتَ لحلول ديونها وغيرها، فتقول: إذا طلَع النجم؛ حلّ عليك مالي: أي الثريا، وكذلك باقي المنازل.","vol":"7","page":243},{"text":"مولاه له عليه العِتق، وقد كاتبتُه مكاتبةً والعبد مكاتَب (١).\nوقد ذهب بعض العلماء إلى أنّ هذا أمرُ إرشاد واستحباب، والسيّدُ مخيَّرٌ في ذلك، وذهَب آخرون إلى وجوب ذلك.\nوالآية تدل على وجوب المكاتبة، بشرط أن يكون للمملوك حيلة وقوة وكسْبٌ ومال؛ يؤدي إلى سيده ما شارطه على أدائه.\nوالأثران الآتيان يدلان على الإيجاب:\nعن ابن جريج قلتُ لعطاء: \"أواجبٌ عليَّ إذا علِمْتُ له مالًا أن أكاتِبَهُ؟ قال: ما أراه إلاَّ واجبًا\".\nوقال عمرو بن دينارٍ: \"قلتُ (٢) لعطاء: أتأثُرُه (٣) عن أحد؟ قال: لا، ثمّ أخبَرَني أن موسى بنَ أنس أخبَره أنّ سيرين سأَل أنسًَا المكاتَبَة وكان كثير المال، فأبى، فانطلَق إلى عمر -﵁- فقال كاتِبه، فأبى، فضربَه بالدِّرَّة ويتلو عمر: ﴿فَكاتِبوُهُم إنْ عَلِمتُم فِيهِم خيرًا﴾ فكاتَبهُ\" (٤).\nوعن أنس بن مالك -﵁-: \"أنّ سيرين أراد أن يُكاتِبه، فتلكَّأَ\n_________\n(١) \"النّهاية\".\n(٢) القائل: ابن جريج.\n(٣) أي: أترويه.\n(٤) رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم في \"كتاب المكاتَب\" (باب المكاتَب ونجومه في كلّ سنة نجم)، ووصلَه إسماعيل القاضي في \"أحكام القرآن\" بسندٍ صحيح عنه، وكذلك أخرجَه عبد الرزاق والشافعي من وجهين آخرين عن ابن جُريج، وانظر \"فتح الباري\" (٥/ ١٨٦) و\"مختصر البخاري\" (٢/ ١٧٩) لشيخنا -﵀-.","vol":"7","page":244},{"text":"عليه، فقال له عمر: لتُكاتِبنَّه\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1942>الفيء</span>\nالفيء: ما حصَل للمسلمين، وأفاءه الله -تعالى- عليهم مِن أموال الكُفار من غير حربٍ ولا جهاد.\nوأصْل الفيء: الرجوع، يُقال: فاء يفيء فئةً وفُيُوءًا؛ كأنّه كان في الأصل لهم فرجَع إليهم، قال الله -تعالى-: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) (٣).\n*لأنَّ الله أفاءه على المسلمين؛ فإنّه خَلَقَ الخَلْق لعبادته، وأحلَّ لهم الطيبات، ليأكلوا طيِّبًا، ويعملوا صالحًا، والكُفّار عبدوا غيره، فصاروا غيرَ مُستحقّين للمال، فأباحَ للمؤمنين أن يعبدوه، وأن يسترِقّوا أنفسهم (٤)، وأن يسترجعوا الأموال منهم، فإذا أعادَها الله إلى المؤمنين منهم فقد فاءت، أي: رجَعَت إلى مُستحقّيها* (٥).\nوقد تنزّل ذِكر الفيء في القرآن الكريم قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير -﵀- في \"تفسيره\"، وصحح الإمام ابن كثير -﵀- إسناده في \"تفسيره\".\n(٢) البقرة: ٢٢٦.\n(٣) \"النّهاية\" بزيادة مِن \"حلية الفقهاء\".\n(٤) أي: أنفس الكفار.\n(٥) ما بين نجمتين من \"مجموع الفتاوى\" (٢٨/ ٥٦٣).","vol":"7","page":245},{"text":"وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (١).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- في \"مجموع الفتاوى\" (٢٨/ ٢٧٥):\n\"فذكر -﷾- المهاجرين والأنصار والذين جاءوا مِنْ بَعدِهم على ما وصَف فدخَل في الصنف الثالث، كلّ مَن جاء على هذا الوجه إلى يوم القيامة؛ كما دخلوا في قوله -تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ﴾ (٢) وفي قوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ (٣) وفي قوله: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٤) \".\nوقال -﵀- (ص ٢٧٦): \"وسمّيَ فيئًا؛ لأنَّ الله أفاءَه على المسلمين، أي ردَّه عليهم مِن الكفار؛ فإنّ الأصل أن الله -تعالى- إنّما خلَق الأموال إعانةً على عبادته؛ لأنه إنّما خلَق الخلْق لعبادته. فالكافرون به أباحوا أنفسهم التي لم يعبدوه بها، وأموالهم التى لم يستعينوا بها على عبادته؛ لعباده المؤمنين الذين\n_________\n(١) الحشر:٦ - ١٠.\n(٢) الأنفال: ٧٥.\n(٣) التوبة: ١٠٠.\n(٤) الجمعة: ٣.","vol":"7","page":246},{"text":"يعبدونه، وأفاء إليهم ما يستحقّونه، كما يُعاد على الرجل ما غُصِبَ مِن ميراثه؛ وإن لم يكن قَبَضَه قبل ذلك\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1943>إنفاق رسول الله - ﷺ - على أهله نفقةَ سَنتِهِم مِن الفيء، وجعْل الباقي في مَجْعَل مال الله</span>\nعن عمرو بن عَبَسَة -﵁- قال: \"صلى بنا رسول الله - ﷺ - إلى بعيرٍ مِن المغنم، فلمّا سلَّم أخَذ وبرة من جنب البعير، ثمّ قال: ولا يَحلّ لي من غنائمكم مثل هذا، إلاَّ الخُمُس والخُمُس مردودٌ فيكم\" (١).\nوعن عطاء في قوله﷿-: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ (٢).\nقال: خُمُس الله وخُمُس رسولِه، واحد كان رسول الله - ﷺ -، يحمل منه، ويعطي منه، ويضعه حيث شاء، ويصنع به ما شاء\" (٣).\nوعن عمر -﵁- قال: \"إنّ الله قد خصَّ رسوله - ﷺ - في هذا الفيء بشيء؛ لم يُعْطِه أحدًا غيره ثمّ قرأ: ﴿وما أفاء الله على رسوله منهم﴾ إلى قوله ﴿قَدِير﴾.\nفكانت هذه خالصةً لرسول الله - ﷺ - ووالله ما احتازها دونكم، ولا استأثَرَ\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٣٩٣) والبيهقي والحاكم وصححه شيخنا - ﵀- في \"الإرواء\" (١٢٤٠). وتقدّم.\n(٢) الأنفال: ٤١.\n(٣) أخرجه النسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٣٨٦٢) وقال شيخنا -﵀ -: صحيح الإسناد مُرسَل.","vol":"7","page":247},{"text":"بها عليكم، قد أعطاكموها، وبثَّها فيكم، حتى بقي منها هذا المال، فكان رسول الله - ﷺ - يُنفِق على أهله نفقةَ سَنتَهم مِن هذا المال، ثمّ يأخُذ ما بقي، فيجعله مَجْعَل مال الله، فَعمِل رسول الله - ﷺ - بذلك حياتَه\" (١).\nوعن عمر -﵁-: \"كانت أموال بني النّضير مما أفاءَ الله على رسوله - ﷺ -، مما لم يوجِف (٢) المسلمون عليه بخيل ولا ركاب (٢)، فكانت لرسول الله - ﷺ - خاصة، وكان يُنفِق على أهله نفقة سنته (٣)، ثمّ يجعل ما بقي في السلاح والكُراع (٤)؛ عُدّةً (٥) في سبيل الله\" (٦).\n*قال أبو عبيد -﵀- في كتاب \"الأموال\" (ص ٢٦٤): \"وقد كان رأيُ عمرَ الأول؛ التفصيل على السوابق والغَنَاء عن الإسلام، وهذا هو المشهور مِن رأيه، وكان رأي أبي بكرٍ التسوية، ثمّ قد جاء عن عمرَ شيءٌ شبيهٌ بالرجوع إلى رأي أبي بكر\".\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٣٠٩٤، ومسلم: ١٧٥٧.\n(٢) يوجف: الإيجاف: هو الإسراع في السير، [والركاب: الإبل]، أي: لم يعملوا فيه سعْيًا؛ لا بالخيل ولا بالإبل. \"شرح الكرماني\" (١٢/ ١٦٧).\n(٣) قال النّووي -﵀-: \"أي: يعزل لهم نفقَة سنة، ولكنه كان يُنفِقه قبل انقضاء السنة في وجوه الخير، فلا تَتِمّ عليه السنة، ولهذا تُوفِّي - ﷺ - ودرعه مرهونةٌ على شعير؛ استدانَه لأهله، ولم يشبع ثلاثة أيام تباعًا، وقد تظاهَرَت الأحاديث الصحيحة؛ بكثرة جوعه - ﷺ - وجوع عياله\".\n(٤) أي: الخيل.\n(٥) قال العيني في \"عمدة القاري\" (١٤/ ١٨٥): \"قوله عُدّةً: وهي الاستعداد، وما أعدَدْته لحوادث الدهر مِن سلاحٍ ونحوه\".\n(٦) أخرجه البخاري: ٢٩٠٤، ومسلم: ١٧٥٧.","vol":"7","page":248},{"text":"وروى (ص ٢٦٣) بسند صحيح عن عمرَ خطبتَه بالجابية، قال: أمّا بعد؛ فإنّ هذا الفيءَ شيءٌ أفاءه الله عليكم؛ الرفيع فيه بمنزلة الوضيع. ... إلخ.\nوعن زيد بن أسلم عن أبيه قال: سمعْتُ عمر يقول: \"لئن عِشت إلى هذا العام المقبِل؛ لأُلحقنّ آخر النّاس بأولهم؛ حتّى يكونوا بيانًا (١) واحدًا\".\nوسنده حسن.\nوذكر عن شيخه عبد الرحمن بن مهدي قال: بيانًا واحدًا: أي: شيئًا واحدًا* (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1944>يُراعى في قَسْم الفيء قِدَمُ الرجل في الإسلام وبلاؤُه، وعِيالُه وحاجتُه</span>\nعن مالك بن أوس بن الحدَثان قال: ذكَر عمرُ بن الخطاب -﵁- يومًا الفيء، فقال: \"ما أنا بأحقَّ بهذا الفيء منكم، وما أحدٌ منّا بأحقَّ به من أحدٍ، إلاَّ أنّا على منازلنا مِن كتاب الله -﷿- وقَسْمِ رسول الله - ﷺ -، فالرجلُ وقِدَمُه (٣)، والرجل وبلاؤه، والرجل وعِياله والرجل وحاجته\" (٤).\n_________\n(١) كذا وردت في المصادر المذكورة، وتقدّم قبل صفحات في (حُكم الأرض المغنومة) في قول عمر -﵁- في \"الصحيحين\" بلفظ \"ببّانًا\" وهذا الراجح من خلال هذه الرواية وكلام الحافظ -﵀- في \"الفتح\" والله أعلم.\n(٢) ما بين نجمتين من كتاب \"صحيح سنن أبي داود\" (الأمّ) (٨/ ٣٠٢) لشيخنا الألباني -﵀-.\n(٣) أي: في الإسلام.\n(٤) أخرجه أبو داود وقال شيخنا -﵀- في \"هداية الرواة\" (٣٩٩٠): \"في إسناده عنعنة ابن إسحاق وقال في \"صحيح سنن أبي داود\" (الأمّ) (٨/ ٣٠١): لكن له شاهد يأتي =","vol":"7","page":249},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1945>إعطاء المتزوج حظّين والعزب حظًا واحدًا</span>\nفيه الحديث المتقدم: \" ... والرجل وعِياله والرجل وحاجته\".\nوعن عوف بن مالك \"أنّ رسول الله - ﷺ - كان إذا أتاه الفيء؛ قسَمَه في يومه، فأعطى الآهل (١) حظين (٢)، وأعطى العَزبَ (٣) حظًّا، فدُعينا، وكنت أدعى قبل عمّار فدُعيت، فأعطاني حَظَّين وكان لي أهل، ثمّ دُعي بعدي عمّار بن ياسر، فأُعطي له حظًّا واحدًا\" (٤).\nجاء في \"المرقاة\" (٧/ ٦٥٨): \"والظاهر أنّ في معناه؛ مَن له أحدٌ ممن يَجِب عليه نفقته\" أي: له حظّان\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1946>استيعاب الفيء عامّة المسلمين</span>\nعن مالك بن أوس الحدَثان قال: قَرَأ عمرُ بنُ الخطاب ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين ...﴾ حتّى بلَغ: ﴿عليم حكيم﴾، فقال: هذه لهؤلاء، ثمّ قَرَأ: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيءٍ فأنَّ لله خُمُسَهُ ...﴾ حتى بلَغ: ﴿وابن السَبِيلِ﴾، ثُمّ قال: هذه لهؤلاء، ثُمّ قرَأ: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى ...﴾ حتّى بلَغ:\n_________\n= ذِكْره، إن شاء الله -تعالى-، وقال في تخريج \"سنن أبي داود\" (٢٩٥٠): \"حسن موقوف\".\n(١) الآهل -بالمد وكسر الهاء- أي: المتأهل الذي له زوجة، قال في \"النيل\": \"وفيه دليلٌ عمليّ على أنّه ينبغي أن يكون العطاء؛ على مقدار أتباع الرجل الذي يلزم نفقتهم مِن النّساء وغيرهنّ، إذ غير الزوجة مثلها في الاحتياج إلى المؤونة\" وانظر \"عون المعبود\" (٨/ ١٢٠).\n(٢) أي: نصيبَين.\n(٣) العزب: مَن لا زوجة له.\n(٤) أخرجه أبو داود، \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٥٦٠) وانظر \"المشكاة\" (٤٠٥٧).","vol":"7","page":250},{"text":"﴿للفقراء﴾، ثمّ قرأ: ﴿والذين جاءوا من بعدهم ...﴾، ثمّ قال: هذه استوعَبَت المسلمين عامّة، فلئِن عشْتُ فليأتينّ الراعي -وهو بِسَرو حِمْيَر (١) - نصيبُه منها، لم يَعْرَق فيها جَبينه\" (٢).\nوفي رواية: \"ما مِن أحدٍ؛ إلاَّ وله في هذا المال حقّ أُعطِيَه أو مُنِعَه؛ إلاَّ ما ملكَت أيمانكم\" (٣).\nبل وردَ عن النبيّ - ﷺ - أنّه قسَم للحُرّة والأَمَة.\nفعن عائشة: \"أنّ النبيّ - ﷺ - أُتِيَ بظَبْية (٤) فيها خَرَزٌ، فقسَمها للحُرّة والأَمَة.\nقالت عائشة: وكان أبي يَقْسِم للحُرّ والعبد\" (٥).\n_________\n(١) وهو بسَرو حمير: -بفَتْح السين وسكون الراء المهملتين-: اسم موضع بناحية اليمن، وحِمْيَر -بكسر المهملة وسكون الميم وفتح التحتية-، وهو أبو قبيلة من اليمن أضيف إليهم، لأنه محلتهم، وقيل: سرو حِمير موضع من بلاد اليمن وأصل السَّرو ما ارتفع من منحدر، أو ما انحدر من مرتفع، وإنما ذَكَر سِرْو حِمْيَر؛ لما بينه وبين المدينة من المسافة الشاقّة، وذكر الراعي مبالغة في الأمر الذي أراده من معنى التعميم؛ في إيصال القسم إلى الطالب وغيره، والقريب والبعيد، والفقير والحقير، وذلك لأن الراعي يشغله الرعي عن طَلَب حقّه أو لحقارته، يظنّ أنّه لا يُعطى له شيء، بل قلّ أن يُعلَم أنّ له حقًّا في ذلك. \"المرقاة\" (٧/ ٦٦٢).\n(٢) انظر \"هداية الرواة\" (٣٩٩١) و\"الإرواء\" (٥/ ٨٤).\n(٣) أخرجه الشافعيّ، وعنه البيهقي، وقال: هذا هو المعروف عن عمر -﵁-، قال شيخنا -﵀- في \"الإرواء\" وإسناده صحيح.\n(٤) بظبية: هي جراب صغير عليه شعر، وقيل: هي شِبه الخريطة والكيس \"النّهاية\".\n(٥) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٥٥٩)، وقال شيخنا -﵀- في \"هداية الرواة\" (٣٩٨٩) وإسناده صحيح.","vol":"7","page":251},{"text":"قال القاري: \"أي يُعطي كلّ واحد مِن الحرّ والعبد، بقدْر حاجته مِن الفيء ... \" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1947>عطاء المحرَّرين</span>\nعن زيد بن أسلم: \"أنّ عبد الله بن عمر دخل على معاوية -﵃ أجمعين- فقال: حاجَتَك (٢) يا أبا عبد الرحمن؟ فقال: عطاء المحرَّرين (٣)، فإنّي رأيتُ رسول الله - ﷺ - أول ما جاء شيء بدأ بالمحرَّرين\" (٤).\n*قال الخطابي -﵀-: \"يريد بالمحرَّرين المعتَقين، وذلك أنهم قوم لا ديوان لهم، وإنّما يدخلون تبعًا في جملة مواليهم\"، وقال القاضي الشوكاني: \"فيه استحباب البداءة بهم، وتقديمهم عند القِسمة على غيرهم\"* (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1948>كيفية تجزئة النبيّ - ﷺ - الفيء</span>\nعن مالك بن أوس بن الحدَثان قال: \"كان فيما احتجَّ (٦) به عمر\n_________\n(١) انظر \"عون المعبود\" (٨/ ١٢٠).\n(٢) حاجتك بالنصب: أي اذكر حاجتَك؛ ما هي؟.\n(٣) عطاء المحرَّرين: جمع مُحرَّر، وهو الذي صار حُرًا بعد أن كان عبدًا. \"عون المعبود\".\n(٤) أخرجه \"أبو داود\" (٢٩٥١) \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٥٥٨) وقال: شيخنا -﵀- في \"هداية الرواة\" (٣٩٨٨) وإسناده حسن.\n(٥) ما بين نجمتين مِن \"عون المعبود\" (٨/ ١٢٠).\n(٦) أي استدلَّ به على أن الفيء لا يُقسَم، وذلك بمحضرٍ من الصحابة -﵃- ولم يُنكِروا عليه.","vol":"7","page":252},{"text":"-﵁- أنّه قال: كانت لرسول الله - ﷺ - ثلاث صفايا (١): بنو النضير (٢) وخيبر وفَدَك (٣)، فأمّا بنو النضير فكانت حُبْسًا (٤) لنوائبه (٥)، وأمّا فَدَك فكانت حُبْسًا لأبناء السبيل (٦)، وأمّا خيبر؛ فجزَّأَها رسول الله - ﷺ - ثلاثة أجزاء: جزأين بين المسلمين، وجزءًا نفقةً لأهله، فما فَضَل عن نفقة أهله؛ جَعَله بين فقراء المهاجرين\" (٧).\nوقال شيخ الإسلام -﵀- مُفصِّلًا في الفيء: *\"وهو الذي ذَكَرَه الله -تعالى- في \"سورة الحشر\" حيث قال: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ معنى قوله: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ﴾ أي ما حرَّكتم ولا أعملتم ولا\n_________\n(١) صفايا: جَمْعُ صفية وهو: ما يُصطفى ويُختار، قال الخطابي -﵀-: الصفيّ: ما يَصْطفيه الإمام عن عُرْضِ الغنيمة من شيء قبل أن يُقسم؛ من عبدٍ أو جاريةٍ أو فرسٍ أو سيفٍ أو غيرها. وكان - ﷺ - مخصوصًا بذلك مع الخُمُس له خاصة، وليس ذلك لواحدٍ من الأئمة بعده. قالت عائشة ﵂: \"كانت صفيةُ من الصفيّ أي: كانت صفيةُ بنتُ حُيي -زوجُ النبيّ - ﷺ -- مِن صفيّ المغنم\".\n(٢) أي أراضيهم.\n(٣) فَدَك -بفتحتين-: قرية بناحية الحجاز.\n(٤) حُبْسًا: -بضمّ الحاء المهملة، وسكون الموحّدة- أي: محبوسة.\n(٥) لنوائبه: أي لحوائِجه وحوادثِه؛ من الضيفان والرُّسُل وغير ذلك من السلاح والكراع [أي الخيل: كما تقدم].\n(٦) كانت حُبْسًا لأبناء السبيل: قال ابن المَلَك: يُحتمَل أن يكون معناه؛ أنها كانت موقوفةً لأبناء السبيل، أو مُعدَّةً لوقت حاجتهم إليها وَقْفًَا شرعيًا.\nملاحظة: استفدت من المرقاة (٧/ ٦٦٣) في شرح الحديث السابق.\n(٧) أخرجه أبو داود (٢٩٦٧) وقال شيخنا -﵀- في \"هداية الرواة\" (٣٩٩٢) إسناده حسن.","vol":"7","page":253},{"text":"سُقتم [خيلًا ولا إبلًا]. يقال وجَف البعير يَجِف وُجوفًا وأوجَفْته: إذا سار نوعًا مِن السير، فهذا هو الفيء الذي أفاءه الله على رسوله، وهو ما صار للمسلمين بغير إيجاف خيلٍ ولا رِكاب، وذلك عبارة عن القتال، أي: فما قاتلوا عليه، كان للمقاتِلةِ، وما لم يُقاتِلوا عليه؛ فهو فيء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1949>مصادر الفيء</span>\nوهذا الفيء يدخُل فيه جزية الرؤوس التي تُؤخَذ مِن أهل الذمّة، ويدخُل فيه ما يُؤخَذ منهم مِن العشور، وأنصاف العشور، وما يُصالَح عليه الكُفَّار مِن المال؛ كالذي يحملونه، وغيرِ ذلك، ويدخُل فيه ما جَلَوا عنه وتركوه خوفًا مِن المسلمين؛ كأموال بني النضير التي أنزل الله فيها \"سورة الحشر\" وقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ * وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ﴾.\nوهؤلاء أجلاهم النبيّ - ﷺ - وكانوا يَسكُنون شرقيَّ المدينة النبوية فأجلاهم بعد أنْ حاصَرهم، وكانت أموالهم مما أفاء الله على رسوله.* (١).\nوقال -﵀- (٢٨/ ٢٧٦): \"والمال الذي يُصالَح عليه العدو أو يهدونه إلى سلطان المسلمين؛ كالحِمل الذي يُحمَل مِن بلاد النصارى ونحوهم؛ وما يُؤخَذ من تجار أهل الحرب -وهو العشر- ومِنْ تُجّار أهل الذِّمَّة إذا اتجَرَوا\n_________\n(١) ما بين نجمتين من \"مجموع الفتاوى\" (٢٨/ ٥١٢).","vol":"7","page":254},{"text":"في غير بلادهم -وهو نصف العشر- هكذا كان عمر بن الخطاب -﵁ - يأخذ، وما يُؤخَذ مِن أموال مَنْ ينقُض العهد منهم، والخَراج الذي كان مضروبًا في الأصل عليهم أيضًا -وإن كان قد صار بعضه على بعض المسلمين- ثمّ إنّه يجتمع مِن الفيء جميعُ الأموال السلطانية التي لبيت مالِ المسلمين؛ كالأموال التي ليس لها مالك مُعيَّن مثل من مات من المسلمين وليس له وارث مُعيَّن؛ وكالغصوب، والعواري، والودائع التي تَعذَّر معرفة أصحابِها، وغير ذلك مِن أموال المسلمين: العقار والمنقول، فهذا ونحوه مال المسلمين\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1950>مصارف الفيء</span>\n* [وذكر- ربنا سبحانه- مصارف الفىء بقوله]: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (١).\nفهؤلاء المهاجرون والأنصار؛ ومَن جاء بعدهم إلى يوم القيامة، ولهذا قال مالك وأبو عبيد وأبو حكيم النهرواني -من أصحاب أحمد وغيرهم-: \"إنّ مَن\n_________\n(١) الحشر: ٧ - ١٠.","vol":"7","page":255},{"text":"سَبَّ الصحابة؛ لم يكن له في الفيء نصيب\".\nومِن الفيء ما ضَرَبه عمر -﵁- على الأرض التي فتحها عَنْوَة (١) ولم يَقْسِمها؛ كأرض مصر، وأرض العراق -إلاَّ شيئا يسيرا منها- وبَرّ الشام وغير ذلك.\nفهذا الفيء لا خُمُس فيه عند جماهير الأئمة: كأبي حنيفة ومالك وأحمد. وإن يرى تخميسه الشافعيّ، وبعض أصحاب أحمد، وذُكر ذلك رواية عنه، قال ابن المنذر: لا يُحفَظ عن أحدٍ قبل الشافعي؛ أنّ في الفيء خُمُسًا كخُمُس الغنيمة.\nوهذا الفىء لم يكن ملكًا للنبيّ - ﷺ - في حياته عند أكثر العلماء وقال الشافعى وبعض أصحاب أحمد: كان ملكًا له.\nوأمّا مصرفه بعد موته؛ فقد اتفَق العلماء على أن يُصْرَف منه أرزاقُ الجند المقاتِلين الذين يُقاتِلون الكُفّار؛ فإنَّ تقويتَهم تُذلّ الكُفَّار؛ فيُؤخَذ منهم الفيء.\nوتنازعوا هل يُصَرف في سائر مصالح المسلمين، أم تَخْتَصّ به المقاتِلة؟ على قولين للشافعي، ووجهين في مذهب الإمام أحمد، لكن المشهور في مذهبه -وهو مذهب أبي حنيفة ومالك-: أنّه لا يَخْتَص به المقاتِلة؛ بل يصرف في المصالح كلِّها.\nوعلى القولين؛ يُعطَى مَن فيه منفعةٌ عامة لأهل الفيء، فإنّ الشافعيّ قال: ينبغي للإمام أن يَخُصّ مَن في البلدان مِن المقاتِلة -وهو مَنْ بَلَغ، ويُحصي الذُّرّية- وهي من دون ذلك والنساء- إلى أن قال: ثمّ يُعطي المقاتِلة في كلّ عام عطاءهم ويُعطي الذرية والنساء ما يكفيهم لسنتهم.\n_________\n(١) عَنْوَة: أي قهرًا وغَلَبة.","vol":"7","page":256},{"text":"قال: والعطاء مِن الفيء لا يكون إلاَّ لبالغٍ يُطيق القتال. قال: ولم يختلف أحدٌ ممن لقيه، في أنّه ليس للمماليك في العطاء حقّ ولا للأعراب الذين هم أهل الصدقة.\nقال: فإنْ فَضُل مِن الفيء شيء؛ وَضَعه الإمام في أهل الحصون والازدياد، في الكُراع والسلاح، وكلّ ما يقوى به المسلمون. فإنِ استغنَوا عنه وحَصَلت كلّ مصلحةٍ لهم فُرِّق ما يبقى عنهم بينهم؛ على قدْر ما يستحقّون مِن ذلك المال.\nقال: ويعطي من الفيء رزقَ العمال والولاة وكلّ مَن قام بأمر الفيء؛ مِن والٍ وحاكم وكاتب وجندي؛ ممن لا غنى لأهل الفيء عنه.\nوهذا مُشْكِلٌ مع قوله: إنه لا يُعطى من الفيء صبيٌّ ولا مجنون ولا عبدٌ ولا امرأة ولا ضعيف لا يَقْدِر على القتال؛ لأنه للمجاهدين.\nوهذا إذا كان للمصالح؛ فيُصرَف منه إلى كلِّ مَن للمسلمين به منفعةٌ عامّة؛ كالمجاهدين وكولاة أمورِهم؛ مِن ولاة الحرب ووُلاة الديوان، وولاة الحُكم، ومَن يقرئهم القرآن، وُيفتيهم ويُحدّثهم ويؤمّهم في صلاتهم ويُؤَذِّن لهم. ويُصرَف منه في سداد ثغورهم وعمارةُ طُرقاتهم وحصونهم ويُصرَف منه إلى ذوي الحاجات منهم أيضًا ويُبدَأ فيه بالأهم فالأهم، فيقدَّم ذوو المنافع الذين يَحْتاج المسلمون إليهم على ذوي الحاجات الذين لا مَنفَعة فيهم.\nهكذا نصَّ عليه عامّة الفقهاء مِن أصحاب أحمد والشافعي وأبي حنيفة وغيرِهم.\nقال أصحاب أبي حنيفة يُصرَف في المصالح ما يُسَدُّ به الثغور من القناطر والجسور ويُعطَى قضاة المسلمين ما يكفيهم، ويُدفَع منه أرزاقُ المقاتِلة وذوو الحاجات يُعطَون من الزكوات ونحوها. وما فَضُل عن منافع المسلمين قُسم بينهم.","vol":"7","page":257},{"text":"لكن مذهب الشافعي، وبعض أصحاب أحمد؛ أنّه ليس للأغنياء الذين لا منفعةَ للمسلمين بهم فيه حقٌّ إذا فضُل المال واتسع عن حاجات المسلمين كما فعَل عمرُ بن الخطاب -﵁- لمّا كَثُر المال أعطى منهم عامّة المسلمين؛ فكان لجميع أصناف المسلمين فرضٌ في ديوان عمر بن الخطاب؛ غنيّهِم وفقيرِهم.\nلكن كان أهلُ الديوان نوعين: مقاتلة -وهم البالغون- وذرية -وهم الصغار والنساء الذين ليسوا من أهل القتال-؛ ومع هذا فالواجب تقديمُ الفقراءِ على الأغنياء الذين لا منفعةَ فيهم فلا يُعطَى غنيٌّ شيئًا حتى يَفضُل عن الفقراء.\nهذا مذهب الجمهور؛ كمالك وأحمد في الصحيح من الروايتين عنه. ومذهب الشافعي -كما تقدم- تخصيص الفقراء بالفاضل\"* (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1951>عقد الأمان</span>\nإذا طلَب الأمانَ أيُّ فردٍ مِن الأعداء المحاربين، قُبِل منه، وصار بذلك آمنًا؛ لا يجوز الاعتداء عليه؛ بأيّ وجهٍ مِن الوجوه، يقول الله﷾-: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢). (٣).\nقال الحافظ ابن كثير -﵀-: \"يقول تعالى لنبيِّه -صلوات الله وسلامه عليه-: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ الذين أمَرْتُكَ بقتالهم، وأحلَلْتُ لك استباحة\n_________\n(١) ما بين نجمتين من \"مجموع الفتاوى\" (٢٨/ ٥٦٤).\n(٢) التوبة: ٦.\n(٣) انظر \"فقه السُّنَّة\" (٣/ ٤٨).","vol":"7","page":258},{"text":"نفوسهم وأموالهم، ﴿اسْتَجَارَكَ﴾ أي: استأمَنك، فأجِبْه إلى طِلْبته ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ أي: القرآن تقرؤه عليه وتذكُر له شيئًا من أمر الدين تُقيم عليه به حُجَّة الله، ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ أي: وهو آمِنٌ مُستمرّ الأمان حتى يرجع إلى بلاده وداره ومأمنِه، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: إنما شَرَعْنا أمانَ مِثْلِ هؤلاء ليعلموا دين الله، وتنتشر دعوة الله في عباده.\nوقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في تفسير هذه الآية، قال: \"إنسانٌ يأتيك ليسمع ما تقول، وما أُنزِل عليك، فهو آمِنٌ حتى يأتيَك فيسمعَ كلام الله، وحتى يبلغَ مأمنَه حيث جاء\".\nومِن هذا كان رسول الله - ﷺ - يُعطي الأمان لمن جاءه، مُسترشدًا أو في رسالة، كما جاءه يوم الحديبية جماعةٌ مِن الرسُل مِن قريش، منهم: عروة بن مسعود، ومِكْرَز بن حفص، وسهيل بن عمرو، وغيرهم؛ واحدًا بعد واحد، يتردّدون في القضية بينه وبين المشركين، فرأَوا مِن إعظام المسلمين رسول الله - ﷺ - ما بَهَرهم وما لم يشاهدوه عند مَلِكٍ ولا قيصر، فرجعوا إلى قومهم فأخبَروهم بذلك، وكان ذلك وأمثالُه مِن أكبر أسباب هداية أكثرِهم (١).\n_________\n(١) قلت: يُشير الحافظ ابن كثير -﵀- إلى قصة الحديبية وفيها\" ... ثمّ إنّ عروةَ جَعَل يرمُق أصحاب النبيّ - ﷺ - بعينيه، قال فوالله ما تنخَّم رسول الله - ﷺ - نُخامةً إلاَّ وقعَت في كفِّ رجلٍ منهم، فدَلَكَ بها وجهَه وجِلده وإذا أمَرَهم ابتدروا أمْرَه وإذا توضَّأ كادوا يَقْتتِلون على وَضوئه، وإذا تكلَّم خَفضوا أصواتَهم عنده، وما يُحدّون إليه النَّظَر تعظيمًا له، فرجَع عروة إلى أصحابه، فقال: أيْ قومِ، والله لقد وَفَدْت على الملوك، ووفدْتُ على قيصر وكسرى والنجاشيّ، والله إنْ رأيت مَلِكًا قطُّ يُعظِّمه أصحابه ما يُعظِّم أصحابُ محمّد =","vol":"7","page":259},{"text":"ولهذا أيضًا لمّا قَدِم رسولُ مسيلمةَ الكذّاب على رسول الله - ﷺ -، قال له: \"أتشهدُ أنَّ مسيلمة رسول الله؟ قال: نعم، فقال رسول - ﷺ -: لولا أن الرسلَ لا تُقتَل لضَربْتُ عُنُقَك\" (١). وقد قيّض الله له ضَرْب العُنُق في إمارة ابن مسعود على الكوفة، وكان يقال له: ابن النواحة، ظَهَر عنه في زمانِ ابن مسعودٍ أنّه يشهد لمسيلمةَ بالرسالة، فأرسَل إليه ابن مسعودٍ فقال له: إنك الآن لستَ في رسالة، وأمَرَ به فضُرِبت عنقُه، لا ﵀ ولَعَنه (٢).\nوالغرض أنّ مَن قَدِمَ من دار الحرب إلى دار الإسلام، في أداء رسالة أو تجارة، أو طَلَبِ صُلحٍ أو مهادنة أو حَمْلِ جِزية، أو نحو ذلك من الأسباب، فطلَب من الإمام أو نائبه أمانًا -أُعطي أمانًا ما دام مُتردّدًا في دار الإسلام، وحتى يرجع\n_________\n= - ﷺ - محمدًا، والله إنْ يتنخم نخامة إلاَّ وقَعَت في كفِّ رجلٍ منهم؛ فدلَك بها وجهه وجِلْده وإذا أمَرهم ابتدروا أمْرَه وإذا توضَّأ كادوا يقتتلون على وَضوئه، وإذا تكلَّم خَفَضوا أصواتَهم عنده، وما يُحدّون إليه النظر تعظيمًا له، وإنه قد عَرَض عليكم خُطَةَ رُشْدِ فاقبلوها\" أخرجه أحمد، والبخاري (٢٧٣١، ٢٧٣٢).\nيرمُق: اْي يَلحظ، قال الحافظ -﵀-: وذكَر الثلاثة [قيصر، وكسرى، والنّجاشي] لكونهم أعظمَ ذلك الزَّمان.\n(١) أخرجه أحمد وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٣٩٩) وغيرهما.\n(٢) عن حارثةَ بنِ مُضرب أنّه أتى عبد الله فقال: \"ما بيني وبين أحدٍ من العرب حِنَةٌ وإني مرَرْتُ بمسجدٍ لبني حنيفة، فإذا هم يؤمنون بمسيلمة، فأرسل إليهم عبد الله، فجيء بهم فاستتابَهم، غير ابن النواحة قال له: سمعْت رسول الله - ﷺ - يقول: لولا أنك رسولٌ لضربتُ عنقَك. فأنت اليوم لست برسول، فأمَر قَرظَة بن كعب، فضَرَب عُنُقَه في السوق، ثمّ قال: مَن أراد أن ينظر إلى ابن النواحة قتيلًا بالسوق\". أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٤٠٠) وغيره.","vol":"7","page":260},{"text":"إلى مأمِنه ووطنه.\nلكن قال العلماء: لا يجوز أن يمكَّن مِن الإقامة في دار الإسلام سنة، ويجوز أن يمكَّن مِن إقامة أربعة أشهر، وفيما بين ذلك فيما زاد على أربعةِ أشهر ونقَص عن سنة قولان؛ عن الإمام الشافعي وغيره من العلماء، ﵏\". انتهى.\nقلت: والذي يبدو أن الأمر يرجع إلى الحاكم، فهو الذي يرجّح المُدّة ما بين الأربعة أشهر والسنة، مع تحرّي المصلحة، والله -تعالى- أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1952>مَن أَمّنه أحد المسلمين صارَ آمنًا</span>\nعنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عنْ أَبيه قَالَ: \"خَطَبَنَا عَلِيٌّ - ﵁- عَلَى مِنْبَرٍ مِنْ آجُرٍّ (١)، وَعَلَيْهِ سَيْفٌ فِيهِ صَحِيفَةٌ مُعَلَّقَةٌ، فَقَالَ: وَالله مَا عِنْدَنَا مِنْ كِتَابٍ يُقْرَأُ إِلَّا كِتَابُ اللهِ وَمَا فِي هَذِه الصَّحِيفَةِ، فَنَشَرَهَا فَإِذَا فِيهَا أَسَنَانُ الْإِبِلِ (٢)، وإذَا فِيهَا: المدِينَةُ حَرَمٌ مِن عَيْرٍ إِلَى كَذَا، فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا؛ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ الله وَالملَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا (٣)، وَإِذَا فِيهِ: ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ (٤)،\n_________\n(١) آجُرٍّ: هو الطوب المشويّ.\n(٢) أسنان الإبل: أي إبِل الدّيات؛ لاختلافها في العمد وشبهه والخطأ، وانظر \"شرح الكرماني\" (٢٥/ ٤٦).\n(٣) لا يقبل الله صرفًا ولا عدلًا: قال الكرماني -﵀- (٢٥/ ٤٦): \"الصرف: الفريضة، والعدل: النافلة، وقيل بالعكس\".\n(٤) ذمّة المسلمين واحدة: قال الإمام النّووي -﵀-: \"المراد بالذِّمّة هنا الأمان، معناه أنّ أمان المسلمين للكافر صحيح\"، وقال الحافظ -﵀- في الفتح (٤/ ٨٦): \"أي أمانهم صحيح فإذا أمّن الكافرَ واحدٌ منهم؛ حَرُم على غيره التعرّض له\".","vol":"7","page":261},{"text":"يَسْعَى بِهَا أدْنَاهُمْ (١)، فَمَنْ أَخْفَرَ (٢) مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالملَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا، وَإِذَا فِيهَا: مَنْ وَالَى قَوْمًا بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَاليهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ الله وَالمُلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا\" (٣).\nوعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه قال: \"قال رسول الله - ﷺ -: المسلمون تتكافأ دماؤهم، يسعى بذمّتهم أدناهم، ويجير عليهم أقصاهم (٤)، وهم يدٌ على مَن سواهم ... \" (٥).\nجاء في \"الروضة النديّة\" (٢/ ٧٥٩): \"وقد أجمَعَ أهل العِلم على أنّ مَن أمّنه أحدُ المسلمين؛ صار آمنًا.\nوأمّا العبد، فأجاز أمانَه الجمهور، وأمّا الصبيّ، فقال ابن المنذر: أجمَعَ أهل العِلم على أنّ أمانَ الصبيّ غيرُ جائز. انتهى. وأمّا المجنون فلا يصحّ أمانُه بلا خلاف.\nقلت: [أي: صاحب الروضة]: إنّما يصحّ الأمان مِن آحاد المسلمين، إذا أَمَّن واحدًا أو اثنين، فأمّا عَقْد الأمان لأهل ناحيةٍ على العموم؛ فلا يَصحّ إلاّ مِن\n_________\n(١) يسعى بها أدناهم: أي: يتولّاها ويذهب ويجيء، والمعنى أنّ ذمّة المسلمين سواءٌ صدَرَت مِن واحد، أو أكثر، شريفٍ أو وضيع؛ فإذا أمّن أحدٌ من المسلمين كافرًا وأعطاه ذمّة؛ لم يكن لأحدٍ نَقْضُه، فيستوي في ذلك الرجل والمرأة والحرّ والعبد، لأن المسلمين كنفسٍ واحدة. \"الفتح\" (٤/ ٨٦).\n(٢) أخفرَ مسلمًا: أي نقض العهد، وقال الإمام النّووي -﵀-: \"قال أهل اللغة: يقال: أخفرت الرجل إذا نقضْت عهده وخفرْته: إذا أمنته\".\n(٣) أخرجه البخاري: ٧٣٠٠، وهذا لفْظُه، ومسلم: ١٣٧٠.\n(٤) أي: أبعدهم.\n(٥) أخرجه أحمد وأبو داود (٢٧٥١) \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٣٩٠).","vol":"7","page":262},{"text":"الإمام على سبيل الاجتهاد وتحرّي المصلحة كَعَقْد الذّمّة؛ ولو جُعِل ذلك لآحاد النّاس؛ صار ذريعةً إلى إبطال الجهاد\". انتهى.\nقلت: أمّا جواز أمانِ المرأة؛ فلعموم النصوص الواردة المتقدّمة؛ فهي تمضي على الرجل والمرأة، وقد قال النبيّ - ﷺ -: \"النساء شقائق الرجال\" (١).\nولا دليل على تخصيص ذلك بالرجال.\nبل إنه قدر وَرد حديث صريحٌ يدلّ على صحة أمان المرأة.\nفعن أمّ هانئ (بنت أبي طالب) قالت، قلت: \"يا رسول الله زَعَم ابن أمّي (٢) أنّه قاتِلٌ رجلًا قد أجرْتُه، فلانَُ بنُ هُبَيرَة فقال رسول الله - ﷺ -: قد أجَرْنا مَن أجرْتِ يا أمّ هانئ\" (٣).\nقال الإمام النّووي -﵀- (٥/ ٢٣٢): \"واستدلَّ بعضُ أصحابنا وجمهور العلماء بهذا الحديث؛ على صحّة أمان المرأة\".\nوجاء في \"الروضة الندية\" (٢/ ٧٥٩): \"قال ابن المنذر: أجمَع أهل العِلم\n_________\n(١) أخرجه أبو داود، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٩٨) وانظر \"المشكاة\" (٤٤١) وتقدّم في \"كتاب الآذان\".\n(٢) قال الإمام النّووي -﵀-: \"وإنما قالت: ابن أمّي مع أنّه ابن أمّها وأبيها؛ لتأكيد الحرمة والقرابة والمشاركة في بطن واحد، وكثرة ملازمة الأمّ، وهو موافق لقول هارون - ﷺ - ﴿يَبنَؤُمَّ لَا تَأخُذ بِلِحيتِي﴾. انتهى.\nقلت: وهو عليّ بن أبي طالب -﵁- كما في روايةٍ عند البخاري: (٣١٧١)، ومسلم: (١/ ٤٨٩) (كتاب صلاة المسافرين وقِصَرها) \"باب استحباب صلاة الضحى\" (٣٣٦ - ٨٢).\n(٣) أخرجه البخاري: ٣٥٧، ومسلم: ٣٣٦.","vol":"7","page":263},{"text":"على جواز أمان المرأة\" (١).\nوأمّا عدم قَبولِ أمانِ الصبيّ والمجنون؛ فلقوله - ﷺ - لي: \"رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبيّ، حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يَعْقِل\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1953>تحريم قتل المؤمَّن</span>\nعن أنس -﵁- قال: \"قال رسول الله - ﷺ -: لكل غادر لواء يوم القيامة يُعرَف به\" (٣).\nوعن رفاعة بن شداد القِتباني قال: \"قال - ﷺ -: من أمَّنَ رَجُلًا على دَمِهِ فَقَتَلَهُ؛ فأَنا بريءٌ مِن القاتل، وإنْ كان المقتول كافِرًا\" (٤).\nوفي رواية: \"من أَمَّن رجلًا على دمه فقتَله، فإنّه يحمل لواء غدرٍ يوم القيامة\" (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1954>حُكم الرسول كالمؤَمّن</span>\nوحُكم الرسول كحُكم المؤَمّن.\n_________\n(١) انظر \"الإجماع\" لابن المنذر (ص ٦١) (رقم ٢٤٧).\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٧٠٣) والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (١١٥٠) وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٦٦١)، وانظر \"الإرواء\" (٢٩٧).\n(٣) أخرجه البخاري: ٣١٨٦، ٣١٨٧، ومسلم: ١٧٣٧.\n(٤) أخرجه البخاري في \"التاريخ\"، والطحاوي في \"المشكل\"، والطبراني في \"الصغير\" وغيرهم، وحسّنه شيخنا -﵀- إسناده في \"الصحيحة\" تحت (٤٤٠).\n(٥) أخرجه البخاري في \"التاريخ\"، وابن ماجه وغيرهما وانظر \"الصحيحة\" (٤٤٠).","vol":"7","page":264},{"text":"عن نُعَيم بن مسعود الأشجعي قال: \"سمعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول لهما (١) حين قَرَأ كتاب مسيلمة: ما تقولان أنتما؟ قالا: نقول كما قال، قال: أمَا والله لولا أنّ الرسل لا تُقتَل لضربْتُ أعناقَكما\" (٢).\nوعن أبي رافع -﵁- قال: \"بَعَثَتْني قريش إلى رسول الله - ﷺ -، فلمّا رأيت رسول الله - ﷺ -؛ أُلقيَ في قلبي الإسلام، فقلت: يا رسول الله إني والله لا أرجع إليهم أبدًا، فقال رسول الله - ﷺ -: إني لا أخِيسُ (٣) بالعهد ولا أحبِس البُرُد (٤)، ولكن ارجِعْ، فإنْ كان في نفسك الذي في نفسك الآن فارجع (٥)، قال: فذهبت، ثمّ أتيت النبيّ - ﷺ - فأسلمْتُ\" (٦).\nقال في \"سُبل الإسلام\" (٤/ ١٢٠): \"وفي الحديثِ دليلٌ على حِفظ العهد\n_________\n(١) أي: لرسولي مسيلمة الكَذّاب.\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٣٩٩) وغيره وانظر \"المشكاة\" (٣٩٨٢). وتقدّم.\n(٣) أي: لا أغدر.\n(٤) البُرُد: جمع بريد؛ وهو الرسول.\n(٥) أي: لا تُقِم بين ظَهرانَينا وتُظهرَ الإسلام، ولكن ارجع إليهم، فإن ثبَتّ على ما أنت عليه الآن، فارجِع مِن الكُفّار إِلينا، ثمّ أسْلِم لأنّي لو قَبِلْتُ منك الإسلام الآن، وما أرُدُّك عليهم؛ لغَدرت، قاله ابن الملك، وفيه أنّ قَبولَ الإسلام منه لا يكون غدرًا، ولا يُتصوّر أن يكون عدمُ حَبْسه له غدرًا، بل المراد منه أنّه لا يُظهر الإسلام، ويرجع إليهم حيث يتعذر حبْسه، فإنّه أرفق، ثمّ بعد ذلك يرجع إلى الحقّ على الطريق الأحقّ. \"المرقاة\" (٧/ ٥٣٧).\n(٦) أخرجه أحمد وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٣٩٦) وغيرهما، وانظر \"الصحيحة\" (٧٠٢).","vol":"7","page":265},{"text":"والوفاء به ولو لكافر، وعلى أنّه لا يُحبَس الرسول، بل يُرَدُّ جوابه فكأنّ وصولَه أمانٌ له؛ فلا يجوز أن يُحبَس بل يُردّ\".\nوجاء في \"السيل الجرار\" (٤/ ٥٦٠) -في تأمين الرُّسُل-: \" ... وجْهُه أنّ تَأمينَ الرُّسلِ ثابت في الشريعة الإسلامية ثبوتًا معلومًا، فقد كان رسولُ الله -﵌- يَصِل إليه الرّسلُ من الكفار، فلا يتعرّض لهم أحد مِن أصحابه، وكان ذلك طريقةً مستمرة وسُنّةً ظاهرة، وهكذا كان الأمر عند غيرِ أهل الإسلام مِن ملوك الكفر، فإن النبيّ -﵌- كان يُرَاسلهم من غير تَقدُّم أمانٍ منهم لرُسُلِه، فلا يتعرض لهم مُتعرّض.\nوالحاصل أنّه لو قال قائل: إنّ تأمين الرسل قد اتفقت عليه الشرائع، لم يكن ذلك بعيدًا، وقد كان أيضًا معلومًا ذلك عند المشركين أهل الجاهلية عَبَدة الأوثان، ولهذا إنّ النبيّ -﵌ يقول: \"لَوْلا أنَّ الرُّسلَ لا تُقْتلُ لضربتُ أعْناقَهُما\" قاله لرسولي مسيلمة أخرجه أحمد وأبو داود فقوله: \"لولا أنَّ الرُّسَلَ لا تُقْتلُ\" فيه التصريح بأنَّ شأنَ الرُّسل أنهم لا يُقتلون في الإسلام وقبلَه\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1955>المستأمَن</span>\n*المستأمَن: هو الحربيّ الذي دخَل دار الإسلام بأمان، دون نيةِ الاستيطان بها، والإقامةِ فيها بصفةٍ مستمرّةٍ، بل يكون قصْدُه إقامةَ مدّةٍ معلومةٍ، لا تزيد على سَنةٍ، فإن تجاوَزَها (١)، وقصَد الإقامة بصفةٍ دائمةٍ، فإنه يتحوّل إلى ذميّ، ويكون له\n_________\n(١) هذا كلام الفقهاء؛ وتقدم قول الحافظ ابن كثير -﵀-: \"لكن قال العلماء: لا يجوز أن يُمكَّن مِن الإقامة في دار الإسلام سَنَة، ويجوز أن يمكَّن مِن إقامة أربعة أشهر، وفيما =","vol":"7","page":266},{"text":"حُكم الذّمّي في تبعيَّته للدولة الإسلامية، ويتبعُ المستأمنَ في الأمان، ويلحقُ به زوجتُه وأبناؤُه الذكور القاصرون، والبناتُ جميعًا، والأمّ، والجدات، والخدَم، ما داموا عائشين مع الحربي الذي أُعطي الأمان.\nوأصْل هذا قول الله﷾-: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ (١).\nوجاء في \"المغني\" (١٠/ ٦٠٥): \"وليس لأهلِ الحرب دخولُ دارِ الإسلام بغير أمان؛ لأنه لا يُؤمَن أن يَدْخُل جاسوسًا، أو مُتلصّصًا، فيُضِرّ بالمسلمين، فإنْ دخَل بغيرِ أمانٍ، سُئل، فإنْ قال: جئت رسولًا، فالقول قوله؛ لأنه تتعذر إقامة البينة على ذلك، ولم تزل الرُسل تأتي من غير تَقَدُّمِ أمان.\nوإنْ قال: جئتُ تاجرًا، نظرنا؛ فإنْ كان معه متاع يبيعه، قُبِل قوله أيضًا، وحُقن دمُه؛ لأنَّ العادةَ جارية بدخول تُجارهم إلينا، وتُجّارنا إليهم، وإنْ لم يكن معه ما يُتّجَر به، لم يُقبل قوله؛ لأن التجارة لا تحصُل بغير مال، وكذلك مُدّعي الرسالة، إذا لم يكن معه رسالة يؤديها، أو كان ممن لا يكون مثله رسولًا.\nوإنْ قال: أمَّنَني مُسلم، فهل يُقبَل منه؟ على وجهين؛ أحدهما، يُقبَل، تغليبًا لحقْن دَمهِ، كما يُقبَل من الرسول والتاجر.\nوالثاني: لا يُقبَل؛ لأن إقامَة البيّنة عليه ممكنة، فإنْ قال مسلم: أنا أمَّنتُه قُبلَ\n_________\n= بين ذلك؛ فيما زاد على أربعةِ أشهر ونقَص عن سنة قولان؛ عن الإمام الشافعي وغيره من العلماء، ﵏\".\n(١) التوبة: ٦.","vol":"7","page":267},{"text":"قوله؛ لأنه يملك أن يُؤمِّنه، فقُبِل قوله فيه؛ كالحاكم إذا قال: حَكَمْت لفلان على فلان بحقّ.\nوإنْ كان جاسوسًا، خُيّر الإمام فيه بين أربعة أشياء؛ كالأسير\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1956>حقوقه</span>\nوإذا دخَل الحربيُّ دار الإسلام بأمان؛ كان له حقُّ المحافظةِ على نفسه وماله وسائِر حقوقه ومصالحه؛ مادام مُستمسِّكا بعقد الأمان ولم ينحرف عنه.\nولا يحل تقييد حُريتِه، ولا القبض عليه مُطلَقًا، سواء قُصِدَ به الأسر، أو قُصِد به الاعتقال -لمجرَّد أنهم رعايا الأعداء، أو لمجرّد قيامِ حالِة الحرب بيننا وبينهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1957>الواجب عليه</span>\nوعليه المحافظة على الأمن والنظام العامّ، وعدم الخروج عليهما، بأن يكون عينًا، أو جاسوسًا، فإن تجسَّسَ على المسلمين لحساب الأعداء، حلَّ قَتْلُه إذ ذاك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1958>تطبيق حكم الإسلام عليه</span>\nتُطبَّق على المستأمَنِ القوانين الإسلامية بالنسبة للمعاملات المالية، فيَعقِد عَقْد البيع وغيره مِن العقود؛ حسب النظام الإسلامي، ويُمنَع ِمن التعامل بالربا، لأن ذلك محُرَّم في الإسلام.\nوأمّا بالنسبة للعقوبات، فإنّه يعاقَب بمقتضى الشريعة الإسلامية إذا اعتدى على حقّ مسلم.","vol":"7","page":268},{"text":"وكذلك إذا كان الاعتداء على ذمّي، أو مستأمَن مِثلِه؛ لأنّ إنصافَ المظلوم مِن الظالم وإقامةَ العدل مِن الواجبات التي لا يَحلّ التساهلُ فيها.\nوإذا كان الاعتداء على حقٍّ مِن حُقوق الله؛ مثل اقتراف جريمة الزنا؛ فإنّه يُعاقَب كما يُعاقَب المسلم؛ لأنّ هذه جريمةٌ مِن الجرائم التي تُفسد المجتمع الإسلامي (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1959>مُصادرة ماله</span>\nومال المستأمَن لا يُصادَر إلاَّ إذا حارَب المسلمين، فأُسِر واستُرِقّ، وصار عبدًا، فإنه في هذه الحال؛ تزول عنهُ مُلكيّة مالِه، لأنه صار غيرَ أهلٍ للملكية.\nولا يستحق الوَرَثة، -ولو كانوا في دار الإسلام- شيئًا، لأنَّ استحقاقهم يكون بالخلافة عنه، وهي لا تكون إلاَّ بعد موته، وهو لم يمت، وماله في هذه الحال يؤول إلى بيت مال المسلمين، على أنّه من الغنائم [والله -تعالى- أعلم].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1960>ميراثه</span>\nإذا ماتَ المستأمَن في دار الإسلام، أو في دار الحرب، فإنَّ ملكيته لماله لا تَذهب عنه، وتَنْتقل إلى وَرَثَتِه عند الجمهور، خلافًا للشافعي.\nوعلى الدولة الإسلامية؛ أن تَنْقُل مالَه إلى وَرَثَتِه، وتُرسلَه إليهم، فإنْ لم يكن له ورثة، كان ذلك المال فيئًا للمسلمين.* (٢) [والله -تعالى- أعلم].\n_________\n(١) وانظر الجزء السادس من هذا الكتاب \"الموسوعة\" (باب وجوب الحدّ على الكافر والذمّي).\n(٢) ما بين نجمتين من \"فقه السنة\" (٣/ ٤٨٥، ٤٨٦) بحذف، وإضافة ما جاء في \"المُغني\" (١٠/ ٦٠٥).","vol":"7","page":269},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1961>العهود والمواثيق</span>\n*احترامُ العهود:\nإنَّ احترامَ العهودِ والمواثيق واجبٌ إسلاميّ؛ لما له مِن أثرٍ طيِّب، ودورٍ كبير في المحافظة على السلام، وأهميةٍ كبرى في فضِّ المشكلات، وحَلِّ المنازعات، وتسوية العلاقات.\nوالله -سبحانه- يأمُر بالوفاء بالعهود، سواءٌ أكانت مع الله، أم مع النّاس، فيقول: ﴿يا أيُّهُا الذين آمَنُوَا أَوفُوا بالعُقُودِ﴾ (١).\nوأيّ تقصيرٍ في الوفاء بهذا الأمر يُعَدُّ إثمًا كبيرًا؛ يستوجِب المقت والغضَب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (٢).\nوكل ما يقطعه الإنسان على نفسه مِن عهدٍ، فهو مسؤول عنه، ومحاسَبٌ عليه: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ (٣).\n[وحقُّ العهد مُقدَّم على حقِّ نَصْرِ مَن استنصَر في الدين لقوله -تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٤)].\n_________\n(١) المائدة: ١.\n(٢) الصف: ٢ - ٣.\n(٣) الإسراء: ٣٤.\n(٤) الأنفال: ٧٢.","vol":"7","page":270},{"text":"قال الحافظ ابن كثير -﵀-: \"وقوله: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ يقول -تعالى-: وإن استنصروكم هؤلاء الأعراب، الذين لم يُهاجروا في قتالٍ دينيّ، على عدوٍّ لهم فانصُروهم، فإنّه واجبٌ عليكم نَصْرهم؛ لأنهم إخوانكم في الدّين، إلاَّ أن يستنصروكم على قومٍ مِن الكُفَّار ﴿بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ أي: مُهادنة إلى مُدّة، فلا تخفِروا ذمَّتكم، ولا تنقضوا أيمانكم مع الذين عاهدتم. وهذا مرويٌّ عن ابن عباس -﵄-\" انتهى.\nوالوفاء جُزءٌ من الإيمان، عن عائشة -﵂- أنّ النبيّ - ﷺ - قال: \"إنّ حُسنَ العهد مِن الإيمان\" (١).\nوليس للوفاء جزاءٌ إلاَّ الجنَّة: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٢).\nولقد كان الوفاء خُلُقَ الأنبياء والرسل -عليهم الصلاة والسلام-: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ (٣).\nوقد عاهدَ رسولُ الله - ﷺ - بعد الهجرة اليهود عهدًا، [أَمَّنَهم على دمائهم، وأموالهم]، بشرط ألا يُعينوا عليه المشركين، فنقَضُوا العهد، ثمّ اعتذروا، ثمّ\n_________\n(١) أخرجه الحاكم وغيره وانظر \"صحيح الجامع\" (٢٠٥٢) و\"الصحيحة\" -لزامًا- تحت رقم (٢١٦).\n(٢) المؤمنون: ٨ - ١١.\n(٣) مريم: ٥٤.","vol":"7","page":271},{"text":"رجَعوا فنقضوه مرّةً أخرى، فأنزَل الله﷿-: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ * فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١)﴾ (٢).\nوفي التشنيع على الناقضين للعهود، يقول الله -﷿-: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (٣).\nوعن أبي هريرة -﵁- عن النبيّ - ﷺ - قال: \"آيةُ المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذَب، وإذا وعَد أخلَف، وإذا أؤتمُن خان\" (٤).\nوعن أبي بكرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"مَن قَتَل\n_________\n(١) قال ابن كثير -﵀-: \"أخبَر -تعالى- أنّ شرَّ ما دبّ على وجه الأرض؛ همُ الذين كفَروا فهم لا يؤمنون، الذين كلّما عاهدوا عهدًا نَقضوه، وكلّما أكّدوه بالأيمان نَكثوه، ﴿وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾ أي: لا يخافون مِن الله في شيءٍ ارتكبوه مِن الآثام.\n﴿فإما تثقفنهم في الحرب﴾ أي: تَغْلبهم وتظفر بهم في حرب، ﴿فَشَرِّدْ بِهِم مَنْ خلفَهُم﴾ أي: نكِّل بهم، [قاله: ابن عباس -﵄- وغيره] ومعناه: غَلِّظ عقوبَتَهم، وأثخِنْهم قَتْلًا، ليخاف مَن سواهم مِن الأعداء -مِن العرب وغيرهم- ويصيروا لهم عِبرة\".\n(٢) الأنفال: ٥٥ - ٥٧.\n(٣) النحل: ٩١ - ٩٢.\n(٤) أخرجه البخاري: ٣٣، ومسلم: ٥٩.","vol":"7","page":272},{"text":"مُعاهَدًا (١) في غير كُنهِهِ (٢) حرّم الله عليه الجنّة\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1962>شروط العهود:</span>\nويشترط في العهود التي يجب احترامها والوفاء بها، الشروط الآتية:\n١ - ألا تخالف حُكْمًا مِن الأحكام الشرعية المتَّفق عليها.\nعن عائشة -﵂- قالت: \"قال رسول الله - ﷺ -: ما كان مِن شرط ليس في كتاب الله فهو باطل؛ وإنْ كان مائةَ شرط\" (٤).\n٢ - أن تكون عن رضا واختيار، فإنَّ الإكراه يَسْلُب الإرادة، ولا احترامَ لعقْدٍ لم تتوفر فيه حريتُها.\n٣ - أن تكون بيّنةً واضحةً، لا لُبْس فيها ولا غموض؛ حتى لا تؤوّلَ تأويلًا يكون مثارًا للاختلاف عند التطبيق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1963>نقض العهود:</span>\nولا تُنقَضُ العهود إلاّ في إحدى الحالات الآتية:\n١ - إذا كانت مؤقتةً أو مُحدَّدةً بظرف، وانتهت مدّتُها أو ظرفُها.\n_________\n(١) المعاهَد: مَن كان بينك وبينه عهد، وأكثر ما يُطلَق في الحديث على أهل الذمّة، وقد يُطلَق على غيرهم من الكُفار؛ إذا صولحوا على تَرْك الحرب مُدّة ما. \"النّهاية\".\n(٢) كُنه الأمر: حقيقته وقيل: وقْتُه وقَدره، وقيل: غايته، يعنيَ من قَتَلَه في غير وَقْتِه أو غاية أمرِه الذي يجوز فيه قَتْلُه. \"النّهاية\".\n(٣) أخرجه أحمد في مسنده وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٣٩٨)، وغيرهما.\n(٤) أخرجه البخاري: ٢٧٢٩، ومسلم: ١٥٠٤.","vol":"7","page":273},{"text":"عن سُلَيم بن عامر -رجلٍ مِن حِمْيَر- قال: \"كان بين معاويةَ وبينَ الروم عهدٌ، وكان يسيرُ نحو بلادِهم؛ حتى إذا انقضى العهد غزاهم، فجاء رجلٌ على فرَس أو بِرذَون (١)، وهو يقول: الله أكبر، الله أكبر، وفاء لا غَدر، فنظروا فإذا عمرو بن عَبَسَة، فأرسل إليه معاوية فسأله فقال: سمعْتُ رسول - ﷺ - يقول: مَن كان بينه وبين قوم عهد؛ فلا يشدَّ عقدةً ولا يحُلّها (٢) حتى ينقضيَ أمدُها أو يَنْبِذَ (٣) إليهم (٤) على سواء (٥)، فرجع معاوية (٦) \" (٧).\nقال الله- تعالى-: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (٨).\n_________\n(١) قال في \"المرقاة\" (٧/ ٥٣٥): \"المراد بالفرس هنا العربيّ، والبِرذَون التركي من الخيل\".\n(٢) يَحُلُّها مِن الحلّ، بمعنى نقْض العهد، والشدّ ضدّه، والظاهر أنّ المجموع كناية عن حِفظ العهد، وعدم التعرض له، ولفظ الترمذي \"فلا يحلّن عهدًا ولا يشدنّه\" قال في \"المرقاة\" (٧/ ٥٣٦): \"أراد به المبالغة عن عدم التغيير، وإلا فلا مانع من الزيادة في العهد والتأكيد، والمعنى: لا يُغيّرنّ عهدًا ولا ينقضنّه بوجه ... قال الطيبي: هكذا بجملته عبارة عن عدم التغيير في العهد، فلا يذهب على اعتبار معاني مفرداتها\".\n(٣) أي يرمي عهدَهم.\n(٤) بأن يُخبرهم أنّ نقض العهد على تقدير خوفِ الخيانة منهم \"المرقاة\" (٧/ ٥٣٦).\n(٥) قال الطيبي: \"قوله: (على سواء): حال. قال المظهر: أي يُعلمهم أنّه يريد أن يغزوَهم، وأنّ الصلح قد ارتفَع، فيكون الفريقان في عِلم ذلك سواء\". انظر\"المصدر السابق\".\n(٦) أي بالناس، وهي بعض الروايات الثابتة. وانظر \"صحيح سنن الترمذي\" (١٢٨٥).\n(٧) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٣٩٧) والترمذي، \"صحيح سنن الترمذي\" (١٢٨٥)، وانظر \"المشكاة\" (٣٩٨٠).\n(٨) التوبة: ٤.","vol":"7","page":274},{"text":"٢ - إذا أخلّ العدو بالعهد: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (١). ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ * أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٢).\n٣ - إذا ظهرت بوادر الغدر، ودلائل الخيانة: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ (٣).\nقلت: قال ابن كثير -﵀-: \"يقول -تعالى- لنبيّه صلوات الله وسلامه عليه ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً﴾ قد عاهدْتهم ﴿خِيَانَةً﴾ أي: نَقْضًا لما بينك وبينهم؛ مِن المواثيق والعهود، ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ﴾ أي: عَهْدَهم ﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾ أي: أعْلِمْهم بأنك قد نقضْتَ عهدَهم؛ حتى يبقى عِلمُك وعِلْمَهم بأنك حرْبٌ لهم، وهم حَرْبٌ لك، وأنه لا عهدَ بينك وبينهم على السواء، أي: تستوي أنت وهم في ذلك، قال الراجز:\nفَاضْرِبْ وُجُوهَ الغُدّر الأعْداء ... حتى يجيبوك إلى السواء\nوعن الوليد بن مسلم أنّه قال في قوله: ﴿فانبِذْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ أي: على مهل، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ أي: حتى ولو في حقّ الكافرين، لا يحبّها أيضًا.\n_________\n(١) التوبة: ٧.\n(٢) التوبة: ١٢ - ١٣.\n(٣) سورة الأنفال: ٥٨.","vol":"7","page":275},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1964>الإعلام بالنقض تحرُّزًا عن الغدر</span>\nإذا عَلِم الحاكم الخيانة ممّن كان بينهم وبين المسلمين عَهْد؛ فإنّه لا تَحِلّ محاربتُهم إلاَّ بعد إعلامهم بنبذ العهد، وبلوغِ خَبرِهِ إلى القريب والبعيد، حتى لا يُؤخَذوا على غِرّة.\nيقول الله- سبحانه- في سورة الأنفال: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ (١).\nقال محمّد بن الحسن في كتاب \"السير الكبير\": لو بَعث أمير المسلمين إلى مَلِك الأعداء، مَن يُخبره بنبذ العهد عند تحقّق سبَبه، فلا ينبغي للمسلمين أن يُغيروا عليهم وعلى أطراف مملكتهم؛ إلاَّ بعد مُضيّ الوقت الكافي، لأن يبعثَ الملِك إلى تلك الأطراف؛ خَبَر النبْذ حتى لا نأخذَهم على غِزة.\nومع ذلك إذا عَلِم المسلمون يقينًا أن القوم لم يأتهم خبرٌ مِن قِبَل مَلِكِهم؛ فالمستَحبّ لهم أن لا يُغيروا عليهم حتى يعلموهم بالنبذ؛ لأن هذا شبيه الخديعة.\nوكما على المسلمين أن يتحرزوا مِن الخديعة، عليهم أن يتحرزوا من شبه الخديعة.\nوحدث أنّ أهل قبرص أحدثوا حَدَثًا عظيمًا في ولاية عبد الملك بن مروان، فأراد نَبْذ عهدِهم ونقْض صُلحهم، فاستشار الفقهاءَ في عصره، منهم الليث بن سعد ومالك وأنس، فكتَبَ الليث بن سعد: إن أهل قبرص لا يزالون متّهمين\n_________\n(١) سورة الأنفال: ٥٨.","vol":"7","page":276},{"text":"بغش أهل الإسلام ومناصحة أهل الأعداء -الروم- وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ وإنّي أرى أن تنبِذَ إليهم، وأنْ تنظرَهم سنة.\nأمّا مالك بنُ أنس فكتب في الفتيا يقول: إنَّ أمان أهلِ قبرص وعهدهم؛ كان قديمًا متظاهرًا مِن الولاة لهم، ولم أجِدْ أحدًا مِن الولاة نقَضَ صُلحَهم، ولا أخرَجَهم من ديارهم، وأنا أرى أن لا تعجلَ بمنابذتهم؛ حتى تتجه الحُجَّة عليهم؛ فإن الله يقول: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ (١).\nفإن لم يستقيموا بعد ذلك، ويدَعَوا غشَّهم ورأيت الغدر ثابتًا فيهم؛ أوقعْتَ بهم بعد النبذ والإعذار، فرُزِقْتَ النصر، فرُزقْتَ النصر* (٢).\nقلت: والمتأمّل فيما سَبَق من أقوال الفقهاء؛ يرى اتفاقهم؛ لكن موطن الخلاف: هل التخوّف كائنٌ؛ من خيانة أهل قبرص العهد أم لا، وعليه؛ فإنّ الأمر يرجع إلى تقدير الإمام والله -تعالى- أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1965>إقرار القوانين الدّولية في تحريم قتل الرسل</span>\nعن نُعَيْمِ بْنِ مَسْعُودٍ الْأَشْجَعِي قَالَ: \"سَمِعْتُ رَسُولَ اللهَّ - ﷺ - يَقُولُ لهما (٣) حِينَ قَرَأَ كِتَابَ مُسَيْلِمَةَ: مَا تَقُولانِ أَنْتما؟ قَالَا: نَقُولُ كَمَا قَالَ، قَاَلَ: أمَا وَاللهِ لَوْلَا\n_________\n(١) التوبة: ٤.\n(٢) ما بين نجمتين من فقه السُّنَّة (٣/ ٤٨٧ - ٤٩١) بحذف وإضافة بعض النصوص وتفسير ابن كثير -﵀-.\n(٣) أي: لرسولي مسيلمة الكَذّاب.","vol":"7","page":277},{"text":"أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ لَضرَبْتُ أَعْنَاقَكُمَا\" (١).\nقلت: فالمصلحة تقتضي عدم قَتْل الرُّسل؛ الذين يُبتعثون للتفاوض والتفاهم والحوار، مهما بلغ فسادُ اعتقادهم، إذ لو مضى القتل في هؤلاء الرُّسل؛ لما كان هناك مجالٌ لتبليغ الدعوة، أو تحقيق المصالح، أو دفْع المفاسد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1966>قتال البغاة</span>\nالبغاة: هم الذين لهم مَنَعة وشُبهة، فنصَّبوا رئيسًا، وخرجوا على الإمام العدل (٢).\nويجب قتال البغاة حتى يرجعوا إلى الحقّ؛ لقوله- تعالى-: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (٣).\nفأوجَب الله -سبحانه- قتال الطائفة الباغية حتى ترجع إلى أمر الله، ولا فَرْق بين أن يكون البغي مِن بعض المسلمين على إمامهم، أو على طائفةٍ منهم.\nويُستفاد حُكم البغاة مِن أثر علي -﵁- حين قاتل أهل البصرة، وأهل الشام وأهل النّهروان (٤).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٣٩٩) وغيره. وانظر \"المشكاة\" (٣٩٨٢). وتقدّم.\n(٢) عن \"الروضة الندية\" (٢/ ٧٦٩) بتصرف.\n(٣) الحجرات: ٩.\n(٤) انظر \"الروضة الندية\" (٢/ ٧٦٩).","vol":"7","page":278},{"text":"والحاصل: أنّ أصلَ دم المسلم وماله؛ العِصمَة، ولم يأذن الله -﷿- سوى بقتال الطائفة الباغية حتى تفيء، فيجب الاقتصار على هذا (١).\nوعن عرفجة -﵁- قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يُقول: \"إنّه ستكون هَنات وهَنات، فمن أراد أن يُفرّق اْمر هذه الأُمّة وهي جميع، فاضربوه بالسيف كائنًا مَن كان\" (٢).\nوفي لفظ: \"مَن أتاكم وأمرُكم جميع، على رجل واحد، يُريد أن يَشُقّ عصاكم؛ أو يُفرّق جماعتكم؛ فاقتلوه\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1967>لا يُجهز على الجريح منهم ولا يُسلب القاتل ولا يُطلب المولّي</span>\nعن أبي أمامة -﵁- قال: \"شهدت صفّين فكانوا لا يجيزون على جريح (٤)، ولا يطلبون مُوَليًّا، ولا يسلِبون قتيلًا\" (٥).\n_________\n(١) قال الإمام النّووي -﵀-، (٧/ ١٦٩)، عقب قوله - ﷺ -: \"فَإذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُم فَإنَ فِي قَتْلِهِم أجْرًا\" [سيأتي تخريجه إن شاء الله]: \"هَذَا تَصْرِيح بِوُجُوبِ قِتَال الْخوَارِج وَالْبُغَاة، وَهُوَ إِجْمَاع الْعُلَمَاء، قَالَ الْقَاضِي: أجْمَعَ الْعُلَمَاء، عَلَى أنَ الْخوَارِج، وَأشْبَاهَهُمْ مِنْ أهل الْبِدَع وَالْبَغْي؛ مَتَى خَرَجُوا عَلَى الْإِمَام وَخَالَفُوا رَأْي الجماعَة وَشَقُّوا الْعَصَا؛ وَجَبَ قِتَالهمْ بَعْد إِنذَارهمْ، وَالاعْتِذَار إِلَيْهم. قَالَ الله - تَعَالَى-: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ ...، وَهَذَا كُلّه مَا لم يَكْفُرُوا بِبِدْعَتِهِمْ، فَإِنْ كَانَتْ بِدْعَة مما يَكْفُرُونَ بِهِ جَرَتْ عَلَيْهِمْ أحْكَام المرتدِّينَ\".\n(٢) أخرجه مسلم: ١٨٥٢.\n(٣) أخرجه مسلم: ١٨٥٢.\n(٤) لا يجيزون على جريح: أي: مَن صُرع منهم وكُفِي قِتالُه، لا يُقْتَل؛ لأنهم مسْلِمون، والقصْد مِن قتالهِم دَفْعُ شَرِّهِم، فإذا لم يُمْكِن ذلك إلاَّ بقَتْلهم قُتِلوا. \"النّهاية\".\n(٥) أخرجه الحاكم، وعنه البيهقي، وصححه شيخنا -﵀- في \"الإرواء\" (٢٤٦٣).","vol":"7","page":279},{"text":"وعن الزهري قال: \"قد هاجَت الفتنة الأولى، وأدركَت -يعني الفتنة- رجالًا ذوي عددٍ مِن أصحاب رسول الله - ﷺ -، ممن شهد معه بدرًا، وبلَغَنا أنهم كانوا يرون أن يُهدَر أمر الفتنة، ولا يُقام فيها على رجلِ قاتِلٍ في تأويلِ القرآن قِصاصٌ فيمن قتل (١)، ولا حدٌّ (٢) في سباءِ امرأةٍ سُبيَت (٣)، ولا يُرى عليها حدٌّ (٤)، ولا بينها وبين زوجها ملاعنة (٥)، ولا يُرى أن يَقْفُوها أحدٌ إلاَّ جُلد (٦)، ويُرى أنْ تُردَّ إلى زوجها الأول؛ بعد أنْ تعتدّ فتقضى عدّتَها مِن زوجها الآخر (٧)، ويُرى أنْ يَرِثَها زوجُها الأوّل (٨) \" (٩).\nوفي لفظ: \"ولا مالٌ استحلَّه بتأويلِ القرآن إلاّ أنْ يوجَدَ شيء بعينه (١٠) \" (١١).\nوالزهري لم يدرك الفتنة المشار إليها، وهي وقعة صفّين.\n_________\n(١) أي: لا يُقتَل قِصاصًا بقتله، لأنّه مُتَأوّلٌ بالقرآن.\n(٢) ولا حد: تقدير الجملة: لا يُقام حدّ.\n(٣) أي: فمَن سباها بتأويلِ فلا يُقام عليه الحدّ.\n(٤) وكذلك هي لا تُنزّل منزلة الزانية، فلا حدّ عليها.\n(٥) يعني: لا يَرَون أن تكون ملاعنةٌ بينها وبين زوجها، وما يَتْبع ذلك مِن أمور؛ كالتفريق مَثلًا.\n(٦) أي: إذا اتَّهمَها أحد أو قذَفها بالزنا؛ أُقيم عليه حدّ الجلد.\n(٧) وذلك عودةً إلى الأصل واستبراءً للأرحام.\n(٨) يعني: إذا تُوفيت وَرِثها زوجها الأول، ولا يرثها الثاني.\n(٩) أخرجه البيهقي وصحَّحه شيخنا -﵀- في \"الإرواء\" (٢٤٦٥).\n(١٠) يعني: مَن عَرَف شيئًا مِن ماله مع أحد فليأخذه، ولا يجوز له تملُّك المال الذي ساقه بتأويلِ القرآن.\n(١١) أخرجه البيهقي بإسناد صحيح، انظر \"المصدر السابق\".","vol":"7","page":280},{"text":"وليس مِن البغي إظهارُ كونِ الإمام سلَك في اجتهاده في مسألة، أو مسائل؛ طريقَ مخالفةٍ لا يقتضيه الدليل؛ فإنّه ما زال المجتهدون هكذا، ولكنه ينبغي لمن ظهَر له غلط الإمام أن يُناصحه، ولا يُظهر الشناعة عليه على رؤوس الأشهاد؛ بل كما ورَد في الحديث: \"أنّه يأخذ بيده، ويخلو به، ويَبذُل له النصيحة، ولا يُذِلّ سلطان الله (١) \" (٢).\nولا يجوز الخروج على الأئمّة -وإن بلَغُوا في الظلم أيَّ مبلغ- ما أقاموا الصلاة، ولم يَظهر منهم الكفر البَوَاح، والأحاديث الواردة بهذا المعنى متواترة، ولكن على المأموم أن يطيع الإمام في طاعة الله، ويعصيَه في معصية الله؛ فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق (٣).\n_________\n(١) وقد ثبت في السنّة التعبير بسلطان الله، فعن زياد بن كُسيبٍ العدوي قال: \"كنت مع أبي بكرة تحت منبر ابن عامر وهو يخطُب، وعليه ثياب رِقاق فقال أبو بلال: انظروا إلى أميرنا يلبس ثياب الفُسّاق، فقال أبو بكرة: اسكت، سَمعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: مَن أهان سلطان الله في الأرض أهانه الله\". أخرجه الترمذي، \"صحيح سنن الترمذي\" (١٨١٢)، وانظر \"الصحيحة\" (٢٢٩٦).\n(٢) وفي هامش \"التعليقات الرضية\" (٣/ ٥٠٤) إشارة إلى كتاب \"السُّنَّة\" (١٠٩٦) لابن أبي عاصم.\nقلت: ولا بد مِن ذِكْر هذا الحديث لتحقيق الفائدة، فقد ساق المصنف -﵀- بإسناده إلى شريح بن عبيد قال: قال عياض بن غُنم لهشام بن حكيم: ألم تسمع بقول رسول الله - ﷺ -: \"مَن أراد أن ينصح لذي سلطان، فلا يُبدِه علانية، ولكن يأخذ بيده فيخلو به، فإنْا قَبِل منه فذاك، وإلا كان قد أدّى الذي عليه\" وصححه شيخنا -﵀- بمجموع طُرُقه، وانظر تفصيل تخريجه في الكتاب المذكور.\n(٣) انظر \"الروضة الندية\" (٣/ ٧٧٤).","vol":"7","page":281},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1968>أقسام البغاة وما جاء في تأويلهم</span>\nقال ابن حزم -﵀- في \"المحلى\" (١٢/ ٤٩٧) تحت مسألة (٢١٥٨) -بتصرف يسير-:\nقال الله- تعالى-: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (١).\nفكان قتال المسلمين فيما بينهم على وجهين: قتالِ البغاة وقتالِ المحاربين، فالبغاة قسمان لا ثالث لهما.\nإمّا قِسْم خرجوا على تأويلِ في الدين، فأخطئوا فيه؛ كالخوارج وما جرى مجراهم مِن سائر الأهواء المخالِفة للحقّ.\nوإمّا قِسْم أرادوا لأنفسهم دنيًا، فخرجوا على إمام حقّ، أو على مَن هو في السيرة مثلهم، فإن تعدت هذه الطائفة إلى إخافة الطريق، أو إلى أخْذ مال مَن لقوا أو سفْك الدماء هملًا؛ انتقل حُكمهم إلى حكم المحاربين، وهم ما لم يفعلوا ذلك في حُكم البغاة.\nفالقِسم الأول مِن أهل البغي يُبيَّن حُكمهم [ثمّ ساق بإسناده إلى أمّ سَلَمة - ﵂-]: أنّ رسول الله - ﷺ - قال في عمار \"تقتلك الفئة الباغية\" (٢) قال أبو\n_________\n(١) الحجرات: ٩.\n(٢) أخرجه البخاري: (٤٤٧)، (٢٨١٢)، بلفظ: \"ويح عمّار تقتله الفئة الباغية\"، ومسلم (٢٩١٦): \"تقتلك الفئة الباغية\".","vol":"7","page":282},{"text":"محمّد -﵀-: وإنما قَتَل عمّارًا -﵁- أصحابُ معاوية -﵁- وكانوا متأولين تأويلهم فيه، وإنْ أخطئوا الحقَّ مأجورون أجرًا واحدًا لقصْدِهم الخير.\nويكون مِن المتأولين قومٌ لا يُعذَرون ولا أجر لهم؛ كما روينا من طريق البخاري [ثم ساق بإسناده إلى عليّ -﵁- أنّه قال]: سمعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"سيخرُج قومٌ في آخر الزمان أحداث الأسنان سفهاء الأحلام (١) يقولون من قول خير البرية (٢)، لا يُجاوزُ إيمانُهم حناجرَهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرَّمِيَّة (٣)، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإنّ في قتلهم أجرًا لمن قَتَلهم يوم القيامة\" (٤) وروينا من طريق مسلم [ثم ساق بإسناده إلى] أبي سعيد الخدري -﵁- أنّ رسول الله - ﷺ - ذكَر قومًا يكونون في أمّته يخرجون في فِرقةٍ من النّاس سيماهم (٥) التحالق هم شرّ الخلق -أو من شرّ الخلق-، تَقْتُلهم أدنى الطائفتين إلى الحق\" (٦). وذكَر الحديث.\nقال أبو محمّد -﵀-: \"ففي هذا الحديث نصٌّ جليٌّ بما قلنا وهو أنّ النبيّ - ﷺ - ذكر هؤلاء القوم؛ فذمّهم أشدَّ الذم وأنهم مِن شر الخلق، وأنهم يخرجون\n_________\n(١) أحداث الأسنان سفهاء الأحلام: معناه صغار الأسنان، صغار العقول، \"شرح النّووي\".\n(٢) معناه في ظاهر الأمر؛ بقولهم: لا حُكم إلاَّ لله، ونظائره من دعائهم إلى كتاب الله -تعالى- والله أعلم، \"شرح النّووي\".\n(٣) الرَّمِيَّة: الصيد الذي ترميه؛ فتقصده، وينفُذُ فيه سهمك، \"النّهاية\".\n(٤) أخرجه البخاري: ٣٦١١، ومسلم: ١٠٦٦ وهذا لفظه.\n(٥) السيما: العلامة.\n(٦) أخرجه مسلم: ١٠٦٥.","vol":"7","page":283},{"text":"في فرقة مِن النّاس، فصحّ أنّ أولئك أيضًا مفترقون، وأنّ الطائفة المذمومة تقتلها أدنى الطائفتَين المفترِقَتَين إلى الحقّ، فجعَل -﵇- في الافتراق تفاضلًا، وجعَل إحدى الطائفتين المفترقتين لها دنوًا من الحقِّ -وإنْ كانت الأخرى أولى به- ولم يجعل للثالثة شيئًا من الدنو إلى الحقّ.\nفصحّ أنّ التأويل يختلف، فأيّ طائفةٍ تأوَّلَت في بُغيتها طمسًا لشيء من السّنة كمن قام برأي الخوارج ليُخرِجَ الأمر عن قريش، أو ليُردَّ النّاس إلى القول بإبطال الرجم، أو تكفيرِ أهل الذنوب، أو استقراضِ المسلمين، أو قتلِ الأطفال والنساء وإظهار القول بإبطال القدر، أو إبطال الرؤية، أو إلى أن الله تعالى لا يعلم شيئًا إلاّ حتى يكون، أو إلى البراءة عن بعض الصحابة أو إبطال الشفاعة، أو إلى إبطال العمل بالسنن الثابتة عن رسول الله - ﷺ -، ودعا إلى الردّ إلى مَن دون رسول الله - ﷺ - أَو إلى المنع مِن الزكاة، أو مِن أداء حقّ مِن مسلم أو حقٍّ لله -تعالى- فهؤلاء لا يُعذَرون بالتأويل الفاسد؛ لأنها جهالةٌ تامةٌ.\nوأمّا مَن دعا إلى تأويل لا يُحِلّ به سُنّة، لكن مِثل تأويل معاوية في أن يقتص مِن قَتَلَة عثمان قبل البيعة لعليّ، فهذا يُعذَر؛ لأنه ليس فيه إحالة شيء مِن الدِّين، وإنّما هو خطأ خاصٌّ في قصّة بعينها لا تتعدّى.\nومَن قام لعرض دنيا فقط؛ كما فَعَل يزيد بن معاوية، ومروان بن الحكم، وعبد الملك بن مروان في القيام على ابن الزبير، وكما فعَل مروان بن محمّد في القيام على يزيد بن الوليد، وكمن قام أيضًا على مروان، فهؤلاء لا يُعذَرون لأنهم لا تأويل لهم أصلًا وهو بغي مجرد.\nوأما مَن دعا إلى أمر بمعروف أو نهي عن منكر وإظهار القرآن والسنن","vol":"7","page":284},{"text":"والحُكم بالعدل؛ فليس باغيًا بل الباغي مَن خالفَه وبالله -تعالى- التوفيق\".\nوقال شيخ الإسلام -﵀- في \"مجموع الفتاوى\" (٣٥/ ٧٥):\n\"وكلُّ مَن كان باغيًا، أو ظالمًا، أو معتديًا، أو مرتكبًا ما هو ذنب؛ فهو قسمان: متأوِّل، وغير متأول.\nفالمتأوّل المجتهد؛ كأهلِ العِلم والدّين؛ الذين اجتهدوا، واعتقد بعضُهم حِلَّ أمور، واعتقَد الآخر تحريمَها، كما استحلّ بعضُهم بعضَ أنواعِ الأشربة، وبعضُهم بعضَ المعاملات الربوية، وبعضُهم بعضَ عقودِ التحليل والمتعة، وأمثال ذلك، فقد جرى ذلك وأمثالُه مِن خِيار السلف، فهؤلاء المتأوِّلون المجتهدون غايتهم أنَّهم مخُطئون، وقد قال الله -تعالى-: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (١)، وقد ثبت في \"الصحيح\" أن الله استجابَ هذا الدعاء.\nوقال شيخ الإسلام -﵀- أيضًا (٣٥/ ٧٦):\n\"أمّا إذا كان الباغي مجتهدًا متأولًا، ولم يتبين له أنّه باغ، بل اعتقَد أنّه على الحقّ وإنْ كان مخطئًا في اعتقاده: لم تكن تسميته باغيًا موجبةً لإثمه -فضلًا عن أن توجب فِسْقه- والذين يقولون بقتال البغاة المتأولين؛ يقولون مع الأمر بقتالهم: قتالنا لهم لدفع ضررِ بغيهم؛ لا عقوبةً لهم؛ بل للمنع مِن العدوان. ويقولون: إنهم باقون على العدالة؛ لا يَفْسُقون، ويقولون: هم كغير المكلَّف، كما يُمنَع الصبي والمجنون والناسي والمغمى عليه والنائم من العدوان؛ أن لا يَصْدُر منهم، بل تمُنْع البهائم من العدوان.\n_________\n(١) البقرة: ٢٨٦.","vol":"7","page":285},{"text":"ويجب على مَن قتل مؤمنا خطأً الدية بنصّ القرآن؛ مع أنّه لا إثم عليه في ذلك، وهكذا مَن رُفع إلى الإمام مِن أهل الحدود وتاب بعد القدرة عليه فأقام عليه الحدّ، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، والباغي المتأول يُجلَد عند مالك والشافعي وأحمد ونظائره متعددة\".\nوجاء في \"مجموع الفتاوى\" (٢٨/ ٥٤٥): \"وقد اتفقَ علماءُ المسلمين؛ على أنّ الطائفةَ الممتنعةَ إذا امتنعَت عن بعض واجبات الإسلام الظاهرة المتواترة؛ فإنه يَجِب قتالها؛ إذا تكلَّموا بالشهادتين وامتنعوا عن الصلاة والزكاة، أو صيامِ شهر رمضان أو حجّ البيت العتيق، أو عن الحُكم بينهم بالكتاب والسنّة، أو عن تحريم الفواحش، أو الخمرِ، أو نكاح ذوات المحارم، أو عن استحلالِ النفوس والأموال بغير حقّ، أو الربا، أو الميمسر، أو الجهاد للكُفّار، أو عن ضربِهم الجزيةَ على أهل الكتاب، ونحو ذلك من شرائع الإسلام، فإنهم يُقاتَلون عليها حتى يكون الدينُ كلُّه لله.\nثمّ ذكر قول أبي بكر -﵁-: \"والله لو منعوني عَناقًا\" ثمّ قوله - ﷺ -: \"يحقر أحدكم صلاته ... \" ثمّ قال: \"وقد اتفق السلف والأئمة على قتال هؤلاء\".\nوفيه أيضًا (ص ٥٥٦): \"وسُئل الشيخ: عن قومٍ ذوي شوكة مقيمين بأرض، وهم لا يُصلُّون الصلوات المكتوبات، وليس عندهم مسجد، ولا أذان، ولا إقامة، وإنْ صلّى أحدهم صلّى الصلاة غير المشروعة. ولا يؤدّون الزكاة مع كثرةِ أموالهم مِن المواشي والزروع. وهم يَقْتَتِلون فيَقْتُل بعضُهم بعضًا، ويَنْهَبون مالَ بعضِهم بعضًا، ويَقْتُلون الأطفال، وقد لا يمتنعون عن سَفْك الدماء وأخْذِ الأموال، لا في شهر رمضان ولا في الأشهر الحُرُم ولا غيرِها، وإذا أَسَرَ بعضهم","vol":"7","page":286},{"text":"بعضًا باعوا أسراهم للإفرنج. ويبيعون رقيقهم مِن الذكور والإناث للإفرنج عَلانية، ويسوقونهم كسوق الدوابّ. ويتزوجون المرأة في عِدَّتها. ولا يُوَرّثون النساء. ولا ينقادون لحاكِم المسلمين. وإذا دُعِي أحدهم إلى الشرع قال: أنا الشرع. إلى غير ذلك. فهل يجوز قتالهُم والحالة هذه؟ وكيف الطريق إلى دخولهم في الإسلام مع ما ذُكِر؟\nفأجاب:\nنعم يجوز؛ بل يَجب بإجماع المسلمين قتالُ هؤلاء وأمثالهِم؛ من كلّ طائفة ممتنعَةٍ عن شريعةِ مِن شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة؛ مِثْل الطائفة الممتنعة عن الصلوات الخمس، أو عن أداء الزكاة المفروضة إلى الأصناف الثمانية التي سماها الله تعالى في كتابه، أو عن صيام شهر رمضان، أو الذين لا يمتنعون عن سَفْك دماءِ المسلمين وأخْذ أموالهم، أو لا يتحاكمون بينهم بالشرع الذي بَعَث الله به رسولَه - ﷺ -، كما قال أبو بكر الصديق وسائر الصحابة -﵃- في مانعي الزكاة، وكما قاتل عليُّ بن أبي طالب وأصحاب النبيّ - ﷺ - الخوارج، الذين قال فيهم النبيّ - ﷺ -: \"يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرَهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرميَّة، أينما لقيتموهم فاقتلوهم؛ فإن في قتلهم أجرًا عند الله لمن قَتَلَهم يوم القيامة\". وذلك بقوله -تعالى-: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ (١). وبقوله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ\n_________\n(١) الأنفال: ٣٩.","vol":"7","page":287},{"text":"الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (١). والربا آخر ما حرَّمه الله ورسوله، فكيف بما هو أعظم تحريمًا.\nويُدْعَون قبل القتال إلى التزام شرائع الإسلام فإنِ التزموها استُوثِق منهم، ولم يُكْتَفَ منهم بمجرّد الكلام ... \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1969>هل البغاة والخوارج لفظان مترادفان أم لا</span>؟\nجاء في \"مجموع الفتاوى\" (٣٥/ ٥٣): \"وسُئل -﵀- عن البغاة والخوارج: هل هي ألفاظ مترادفة بمعنى واحد؟ أم بينهما فَرْق؟ وهل فرَّقَت الشريعة بينهما في الأحكام الجارية عليهما أم لا؟ وإذا ادّعى مُدّعٍ أنّ الأئمّة اجتمعَت على أن لا فرق بينهم إلاّ في الاسم؛ وخالفَه مخُالِف مستدلًا بأنّ أمير المؤمنين عليًا -﵁- فرَّق بين أهل الشام وأهل النهروان: فهل الحقّ مع المدّعي؟ أو مع مخالفه؟\nفأجاب: الحمد لله، أمّا قول القائل: إنّ الأئمّة اجتمعَت على أن لا فرْقَ بينهما إلاَّ في الاسم، فدعوى باطلة، ومدعيها مجُازِف فإنَّ نفيَ الفرق؛ إنما هو قول طائفة مِن أهل العلم مِن أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم؛ مثل كثير من المصنّفين في قتال أهل البغي؛ فإنهم قد يجعلون قتالَ أبي بكر لمانعي الزكاة، وقتالَ عليٍّ الخوارجَ وقتالَه لأهل الجمل وصِفّين إلى غير ذلك من قتال المنتسبين إلى الإسلام؛ مِن باب قتال أهل البغي\".\nوقال -﵀- أيضًا (ص ٥٦): \"وأيضًا؛ فالنبيّ - ﷺ - أمَر بقتال الخوارج\n_________\n(١) البقرة: ٢٧٨ - ٢٧٩.","vol":"7","page":288},{"text":"قبل أن يُقاتلِوا.\nوأمّا أهل البغي فإنّ الله -تعالى- قال فيهم: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ فلم يأمر بقتال الباغية ابتداءً، فالاقتتال ابتداءً ليس مأمورًا به؛ ولكن إذا اقتتلوا أمرَ بالإصلاح بينهم؛ ثم إنْ بغَت الواحدة قوتلت؛ ولهذا قال مَن قال مِن الفقهاء: إنّ البغاة لا يُبتدَءون بقتالهم حتى يُقاتلوا، وأمّا الخوارج فقد قال النبيّ - ﷺ - فيهم: \"أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإنّ في قتلهم أجرًا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة\" (١)، وقال: \"لئن أدركتُهم لأقتلنّهم قَتْل عاد\" (٢).\nوكذلك مانعو الزكاة؛ فإنّ الصّدِيق والصحابة ابتدءوا قتالهم، قال الصّديق -﵁-: \"والله لو منعوني عَناقًا (٣) كانوا يؤدونها إلى رسول الله - ﷺ - لقاتَلْتُهم عليه\" (٤).\n_________\n(١) تقدّم.\n(٢) أخرجه البخاري: ٣٤٤٤، ومسلم: ١٠٦٤.\n(٣) العَناق: هي الأُنثى مِن أولاد المعز؛ ما لم يتمّ له سنة، \"النّهاية\".\n(٤) أخرجه البخاري: ١٤٠٠، ومسلم: ٢٠، بلفظ \"لو منعوني عقالًا ... \" وقال الإمام النّووي -﵀- بحذف: \"هَكَذَا فِي مُسْلِم عِقَالًا، وَكَذَا فِي بَعْض رِوَايَات الْبُخَارِي، وَفِي بَعْضهَا عَنَاقًا -بِفَتْحِ العَيْن وَبِالنُّونِ- وَهِيَ الأُنثَى مِنْ وَلَد المعْز، وَكِلاَهُمَا صَحِيح، وَهُوَ مَحْمُول عَلَى أنَّهُ كَرَّرَ الْكَلَام مَرَّتَيْنِ، فَقَالَ فِي مَرَّة: عِقَالًا وَفِي الْأُخْرَى: عَنَاقًا فَرُوِيَ عَنْهُ اللَّفْظَانِ. فأمَّا رِوَايَة الْعَنَاق فَهِيَ مَحْمُولَة عَلَى مَا إِذَا كَانَتْ الْغَنَم صِغَارًا كُلّهَا؛ بِأنْ مَاتَت أماتها فِي بَعْض الحَوْل، فَإِذَا حَال حَوْل الْأُمَّات؛ زَكَّى السِّخَال بِحَوْلِ الْأُمَّات =","vol":"7","page":289},{"text":"وهم يقاتَلون إذا امتنعوا مِن أداء الواجبات وإنْ أقرّوا بالوجوب.\nثمّ تنازع الفقهاء في كُفر مَن مَنَعهما وقاتَل الإمام عليها مع إقراره بالوجوب؟ على قولين، هما روايتان عن أحمد، كالروايتين عنه في تكفير الخوارج.\nوأمّا أهل البغي المجرد فلا يُكفَّرون باتفاق أئمّة الدين؛ فإنّ القرآن قد نصَّ على إيمانهم وأخوتهم مع وجود الاقتتال والبغي. والله أعلم\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1970>إذا بغت طائفة ولم تَقْبَل الصلح كانت بمنزلة الصائل</span>\nوقال شيخ الإسلام -﵀- (ص ٣٥/ ٧٨): \"ولكن إذا اقتَتَلت طائفتان مِن المؤمنين؛ فالواجب الإصلاح بينهما؛ وإن لم تكن واحدة منهما مأمورةً بالقتال، فإذا بغَت الواحدة بعد ذلك قوتلت؛ لأنها لم تترك القتال ولم تُجِب إلى الصلح؛ فلم يندفع شرّها إلاَّ بالقتال، فصار قتالها بمنزلة قتال الصائل الذي لا يندفع ظُلْمُه عن غيره إلاَّ بالقتال، كما قال النبيّ - ﷺ -: \"مَن قُتل دون ماله فهو شهيد، ومَن قُتِل دون دمه فهو شهيد، ومَن قُتِل دون دينه فهو شهيد ... \" (١)،\n_________\n= سَوَاء بَقِيَ مِنْ الْأُمَّات شَيء أمْ لَا. هَذَا هُوَ الصَّحِيح المشهُور ... وَأمَّا رِوَايَة عِقَالًا، فَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء قَدِيمًا وَحَدِيثًا فِيهَا؛ فَذَهَبَ جَمَاعَة مِنْهُمْ إِلَى أنَّ المرَاد بِالْعِقَالِ؛ زَكَاة عَام ... وَذَهَبَ كَثِيرُونَ مِنْ المحَقَّقِينَ إِلَى أنَّ المرَاد بِالْعِقَالِ؛ الحَبْل الَّذِي يُعْقَل بِهِ الْبَعِير ... \".\nوقال في النّهاية: \"أراد بالعقال: الحبل الذي يُعقل به البعير الذي يُؤخذ في الصدقة؛ لأنّ على صاحبها التسليم ... \"، ثم ذكر أقوالًا أخرى.\n(١) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٩٩٣)، والنسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٣٨١٧)، والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (١١٤٨)، وغيرهم، انظر أحكام الجنائز (ص ٥٧)، والشطر الأوّل أخرجه البخاري ٢٨٤٠، ومسلم: ١٤١.","vol":"7","page":290},{"text":"قالوا: فبتقدير أنّ جميع العسكر بغاة، فلم نُؤمَر بقتالهم ابتداءً؛ بل أُمِرنا بالإصلاح بينهم\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1971>العدل بين الطائفتين وما يترتّب على ذلك مِن ضمان وقِصاص وحَمالة </span>(١).\nجاء في \"مجموع الفتاوى\" (٣٥/ ٧٩): \"وسُئل -﵀- عن الفتن التي تقع مِن أهل البرّ وأمثالها؛ فيقْتُل بعضهم بعضًا ويستبيح بعضُهم حرمة بعض، فما حُكم الله -تعالى- فيهم؟\nفأجاب:\nالحمد لله، هذه الفِتن وأمثالها مِن أعظم المحرَّمات، وأكبر المنكرات، قال الله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ (٢).\n_________\n(١) الحَمالة -بالفتح- ما يتحمّله الإنسان عن غيره مِن دَيّة أو غرامة، مثل أن تقع حَربٌ بين فريقين تسفك فيها الدماء فيدخل بينهم رجل يتحمّل ديات القتلى ليُصلِح ذات البين، والتَحمُّل: أن يحملها عنهم على نفسه \"النّهاية\".\n(٢) آل عمران: ١٠٢ - ١٠٦.","vol":"7","page":291},{"text":"وهؤلاء الذين تفرَّقوا واختلفوا حتى صار عنهم مِن الكُفر ما صار، وقد قال النبيّ - ﷺ -: \"لا ترجعوا بعدي كُفّارًا، يضرب بعضكم رقاب بعض\" (١) فهذا مِن الكُفر؛ وإنْ كان المسلم لا يُكفَّر بالذنب، قال -تعالى-: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.\nفهذا حُكم الله بين المقتتلين من المؤمنين: أخبر أنهم إخوة، وأمر أوّلًا بالإصلاح بينهم إذا اقتتلوا ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى﴾ ولم يَقْبَلوا الإصلاح ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾ فأمَر بالإصلاح بينهم بالعدل بعد أن ﴿تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ أي ترجعَ إلى أمر الله، فمَن رجَع إلى أمر الله؛ وجَب أن يُعدَل بينه وبين خصمه، ويُقسَط بينهما، فَقَبْل أن نُقاتِل الطائفة الباغية وبعد اقتتالهما؛ أُمِرنا بالإصلاح بينهما مطلقا؛ لأنه لم تُقهَر إحدى الطائفتين بقتال.\nوإذا كان كذلك؛ فالواجب أن يُسعى بين هاتين الطائفتين بالصلح الذي أَمَر الله به ورسوله، ويقال لهذه: ما تَنْقِم من هذه؟ ولهذه: ما تَنْقِم من هذه؟ فإنْ ثبَت على إحدى الطائفتين أنها اعتدت على الأخرى: بإتلاف شيءٍ من الأنفس، والأموال؛ كان عليها ضمان ما أتلفته، وإنْ كان هؤلاء أتلفوا لهؤلاء وهؤلاء أتلفوا لهؤلاء تقاصّوا بينهم، كما قال الله -تعالى-: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾.\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٧٠٧٧، ومسلم: ٦٦.","vol":"7","page":292},{"text":"وقد ذكَرَت طائفة من السلف أنها نَزَلت في مِثل ذلك في طائفتين اقتتلتا فأمَرَهم الله بالمقاصة، قال: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ والعفو الفضل، فإذا فَضُل لواحدة مِن الطائفتين شيء على الأخرى ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ والذي عليه الحقّ يؤديه بإحسان.\nوإن تعذَّر أنْ تضمن واحدة للأخرى؛ فيجوز أن يتحمَّل الرجل حَمَالةً يؤديها لصلاح ذات البين، وله أن يأخذها بعد ذلك مِن زكاة المسلمين، ويسأل الناس في إعانته في هذه الحالة وإنْ كان غنيًا، قال النبيّ - ﷺ - لقبيصة بن مخارق الهلالي: \"يا قبيصةُ إنّ المسألة لا تحلُّ إلاَّ لأحد ثلاثة: رجلٍ تحمَّل حَمالة، فحَلّت له المسألة؛ حتى يصيبها ثم يُمسك، ورجل أصابته جائحة (١) اجتاحت ماله فحلّت له المسألة حتى يصيب قِوامًا (٢) من عيش (أو قال سِدادًا (٢) من عيشٍ) ورجل أصابته فاقة؛ حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحِجا (٣) من قومه: لقد أصابت فلانًا فاقةٌ؛ فحلَّت له المسألة حتى يصيب قِوامًا من عيش (أو قال سِدادًا من عيشٍ) \" (٤).\n_________\n(١) الجائحة: هي الآفة التي تُهلك الثمار والأموال وتستأصلها، \"النّهاية\".\n(٢) القِوام والسِّداد -بكسر القاف والسين- وهما بمعنى واحد، وهو ما يغني من الشيء، وما تُسدّ به الحاجة، \"نووي\".\n(٣) (حَتَى يَقُوم ثَلَاثَة مِنْ ذَوِي الحجَا مِنْ قَوْمه) قال النّووي -﵀-: \"هَكَذَا هُوَ فِي جميع النُّسَخ: يَقُوم ثَلَاثَة، وَهُوَ صَحِيح. أي يَقُومُونَ بِهَذَا الأمْر فَيقُولُونَ: لَقَدْ أصَابَتْهُ فَاقَة. والحجا، مقصور، وَهُوَ العَقل، وَإِنمَا قَالَ - ﷺ -: مِنْ قَوْمه لِأَنهُمْ مِنْ أهل الخبرَة بِبَاطِنِهِ، وَالمال مما يَخْفَى فِي العَادَة، فَلَا يَعْلَمهُ إلاَّ مَنْ كَانَ خَبيرًا بِصَاحِبِهِ، وَإنَّمَا شَرَطَ الحجَا تَنْبِيهًا عَلَى أنَّهُ يُشتَرَط فِي الشَّاهِد التَّيَقُّظ؛ فَلَا تُقْبَل مِنْ مُغَفَّلٍ\".\n(٤) أخرجه مسلم: ١٠٤٤، ولقد أحببت أن أذكره بلفظ مسلم، وكان شيخ الاسلام -﵀- قد ذكره بتقديم مفرداتها وتأخيرها.","vol":"7","page":293},{"text":"والواجب على كل مسلم قادر أن يسعى في الإصلاح بينهم ويأمرهم بما أمر الله به مهما أمكن\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1972>ثواب صبر مَنْ يظُنّ أنّه مظلوم مبغيٌّ عليه</span>\nوقال شيخ الإسلام -﵀- (٣٥/ ٨٢): \"ومَن كان مِن الطائفتين يظنّ أنّه مظلوم مَبْغيٌّ عليه فإذا صبَر وعفا أعزَّه الله ونصرَه؛ كما ثبت في الصحيح عن النبيّ - ﷺ - أنّه قال: \"ما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلاَّ عِزًّا، وما تواضَع أحدٌ لله إلاَّ رفعَه الله؛ ولا نقَصَت صدقة مِن مال\" (١).\nوقال -تعالى-: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ وقال -تعالى-: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾.\nفالباغي الظالم يَنْتقم الله منه في الدنيا والآخرة؛ فإن البغي مصرعُه، قال ابن مسعود -﵁-: \"ولو بغَى جبلٌ على جبلٍ لجعل الله الباغي منهما دكًا\" (٢).\nومن حِكمة الشعر:\nقضى الله أنّ البغي يُصرَع أهلُه ... وأنّ على الباغي تدور الدوائر\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ٢٥٨٨.\n(٢) أخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\"، وصححه شيخنا -﵀- في \"صحيح الأدب المفرد\" برقم (٤٥٧).","vol":"7","page":294},{"text":"ويشهد لهذا قوله -تعالى-: ﴿إنَمَا بَغيُكم على أنفُسِكُم متاعَ الحياة﴾ الآية، وفي الحديث: \"ما مِن ذنب أحرى أن يُعجَّل لصاحبه العقوبةُ في الدنيا مِن البغي، وما حَسَنَة أحرى أن يُعجَّل لصاحبها الثواب مِن صلة الرحم\" (١) فمن كان من إحدى الطائفتين باغيًا ظالمًا فليتق الله وليتُب، ومَن كان مظلومًا مبغيّا عليه وصَبر كان له البشرى مِن الله، قال -تعالى-: ﴿وبشر الصابرين﴾ قال عمرو بن أوس: \"هُم الذين لا يَظْلِمون إذا ظُلِموا، وقد قال -تعالى- للمؤمنين في حقّ عدوّهم: ﴿وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئًا﴾ \".\nوقال يوسف -﵇- لَمّا فعَل به إخوته ما فَعَلوا، فصبر واتقى حتى نَصَره الله، ودخلوا عليه وهو في عِزّه ﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾.\nفمَن اتقى الله مِن هؤلاء وغيرهم بصِدْق وعدل، ولم يتعدّ حدود الله، وصبَر على أذى الآخر وظُلْمِه؛ لم يضرَّه كيد الآخر؛ بل ينصرُه الله عليه\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1973>ما يفعله ولاة الأمور مع أقوام لم يصلّوا ولم يصوموا </span>...\nوجاء في \"مجموع الفتاوى\" (٣٥/ ٨٩): \"وسُئل﵀- عن أقوامٍ لم يُصلّوا ولم يصوموا، والذي يصوم لم يُصَلِّ، ومالهُم حرام، ويأخذون أموال الناس، ويُكرمون الجار والضعيف، ولم يُعرَف لهم مذهب، وهم مسلمون؟\n_________\n(١) انظر \"الصحيحة\": (٩١٨، ٩٧٨)، \"التعليقات الحِسان\": (٤٤١).","vol":"7","page":295},{"text":"فأجاب:\nالحمد لله، هؤلاء وإنْ كانوا تحت حُكم ولاة الأمور؛ فإنه يَجب أن يأمروهم بإقامة الصلاة، ويعاقبوا على تركها، وكذلك الصيام، وإنْ أقروا بوجوب الصلوات الخمس وصيام رمضان والزكاة المفروضة؛ وإلا فمَن لم يُقِرّ بذلك فهو كافر، وإنْ أقرّوا بوجوب الصلاة وامتنعوا عن إقامتها؛ عوقبوا حتى يقيموها، ويجب قَتْل كلِّ مَن لم يُصلِّ إذا كان بالغًا عاقلًا عند جماهير العلماء، كمالك، والشافعي، وأحمد، وكذلك تقام عليهم الحدود، وإنْ كانوا طائفةً ممتنعةً ذاتَ شوكة؛ فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا أداء الواجبات الظاهرة والمتواترة؛ كالصلاة، والصيام، والزكاة، وتَرْك المحرمات، كالزنا، والرّبا، وقطع الطريق، ونحو ذلك. ومن لم يُقرّ بوجوب الصلاة والزكاة؛ فإنه كافر يستتاب، فإنْ تاب وإلا قُتِل\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1974>لا يجوز لإحدى الطائفتين أن تقول: نأخذ حقّنا بأيدينا</span>\nجاء في \"مجموع الفتاوى\" (٣٥/ ٨٨): \"وأما إذا طَلَبت إحدى الطائفتين حُكم اللهِ ورسولِه، فقالت الأخرى: نحن نأخذ حقنا بأيدينا في هذا الوقت؛ فهذا مِن أعظمَ الذنوب الموجبة عقوبةَ هذا القاتل الظالم الفاجر، وإذا امتنعوا عن حُكم الله ورسوله ولهم شوكة؛ وجَب على الأمير قتالهم، وإن لم يكن لهم شوكة؛ عُرِف مَن امتنع مِن حُكم الله ورسوله، وألزم بالعدل\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1975>مَن قَتَل أحدًا بعد إصلاح</span>\nجاء في \"مجموع الفتاوى\" (٣٥/ ٨٨): \"وأمّا مَن قتل أحدًا مِن بعد الإصطلاح أو بعد المعاهدة والمعاقدة؛ فهذا يستحِقّ القتل، حتى قالت طائفةٌ مِن","vol":"7","page":296},{"text":"العلماء: إنه يُقتَل حدًّا، ولا يجوز العفو عنه لأولياء المقتول، وقال الأكثرون: بل قَتْلُه قِصاص، والخيار فيه إلى أولياء المقتول\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1976>بيان طُرُق الإصلاح المذكور في قوله تعالى: ﴿فأصلِحوا بين أخويكم﴾</span>\nقال شيخ الإسلام -﵀- في \"مجموع الفتاوى\" (٣٥/ ٨٥): \"والإصلاح له طُرُق؛ منها أن تُجمَع أموال الزكوات وغيرها حتى يُدفع في مِثل ذلك فإنّ الغرم لإصلاح ذات البين؛ يبيح لصاحبه أن يأخذ من الزكاة بقَدْر ما غرم؛ كما ذكَره الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما، كما قال النبيّ - ﷺ - لقبيصة بن مخارق -﵁-: \"إن المسألة لا تحلُّ إلاَّ لثلاثة: ... \" (١).\nومِن طُرُق الصلح أن تعفو إحدى الطائفتين أو كلاهما عن بعض مالها عند الأخرى من الدماء والأموال ﴿فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين﴾.\nومِن طُرق الصلح أن يُحكَم بينهما بالعدل، فيُنظَر ما أتلفته كلّ طائفة من الأخرى؛ من النفوس والأموال؛ فيتقاصّان ﴿الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى﴾.\nوإذا فَضُل لإحداهما على الأخرى شيء؛ ﴿فاتباع بالمعروف وأداء إليه بأحسانٍ﴾؛ فإنْ كان يُجهَل عدد القتلى، أو مقدار المال؛ جُعِل المجهول كالمعدوم.\nوإذا ادَّعَت إحداهما على الأخرى بزيادة؛ فإمّا أن تُحلّفها على نفي ذلك، وإمّا أن تقيم البيِّنة، وإمّا تمتنع عن اليمين، فيقضى بردّ اليمين أو النكول.\n_________\n(١) تقدم تخريجه ومعناه غير بعيد.","vol":"7","page":297},{"text":"فإنْ كانت إحدى الطائفتين تبغي بأن تمتنع عن العدل الواجب، ولا تُجيب إلى أمر الله ورسوله، وتُقاتِل على ذلك، أو تَطلُب قتالَ الأخرى وإتلافَ النفوس والأموال، كما جرَت عادتهم به؛ فإذا لم يُقدَر على كفّها إلاَّ بالقتل؛ قوتلت حتى تفيء إلى أمر الله؛ وإنْ أمكَن أن تُلزَم بالعدل بدون القتال، مِثل أن يُعاقَب بعضُهم، أو يُحبَس؛ أو يُقتَل مَن وجَب قَتْلُه منهم، ونحو ذلك: عُمِل ذلك، ولا حاجة إلى القتال\".\n\nمحاورة الخوارج (١) والمتمرّدين على الإمام\nلا بُدّ من محاورةِ الخوارج والبغاة، ومراسلتِهم، وإزالةِ شُبَهِهِم، لمنْع الفتنة، وحقْنِ الدماء، والتوصُّل للحقّ، واجتماع الكلمة.\nعن عبد الله بن شداد بن الهاد قال: \"قَدِمت عائشةُ -﵂-، فبينا نحن جلوس عندها مرجعَها مِن العراق لياليَ قوتِل عليّ -﵁- إذ قالت: يا عبدَ الله بن شدّاد، هل أنت صادقي عمّا أسألك عنه؟ حدِّثني عن هؤلاء القوم الذين قَتَلَهم عليّ، قلت: ومالي لا أَصْدُقُك؟ قالت: فحدّثني عن قصتهم.\nقلت: إنّ عليًّا لمّا كاتبَ معاوية وحَكم الحكَمَين؛ خرَج عليه ثمانية آلاف مِن قُرّاء الناس، فنزلوا أرضًا مِن جانب الكوفة يُقال لها: حروراء، وإنهم أنكروا عليه،\n_________\n(١) الخوارج: فرقةٌ خَرَجت لقتال عليّ بن أبي طالب بسبب التحكيم، ومذهبُهم التبرّؤ من عثمانَ وعليّ -﵄-، والخروج على الإمام، وتكفير صاحب الكبيرة، وتخليده في النّار، والخوارج فِرَقٌ كثيرة. انظر \"معجم ألفاظ العقيدة\" (ص ١٧٧).","vol":"7","page":298},{"text":"فقالوا: انسلخْتَ مِن قميصٍ ألبسَكَه اللهُ وأسماك به، ثمّ انطلقْتَ فحَكمْتَ في دين الله ولا حُكم إلاَّ لله، فلمّا أنْ بلَغَ عليًّا ما عتبوا عليه وفارقوه، أمَر فأَذّن مُؤذِّن: لا يدخُل على أمير المؤمنين إلاَّ رجلٌ قد حَمَل القرآن.\nفلمّا أن امتَلأَ مِن قُرّاء الناس الدار؛ دعا بمُصحفٍ عظيم فوضَعَه عليٌّ -﵁- بين يديه فطفِق يصكّه بيده، ويقول: أيّها المصحف حدِّث الناس، فناداه الناس، فقالوا: يا أميرَ المؤمنين، ما تسأله عنه، إنما هو وَرَقٌ ومِداد، ونحن نتكلّم بما روينا منه فماذا تريد؟\nقال: أصحابكم الذين خَرَجوا بيني وبينهم كتاب الله -تعالى-، يقول الله -﷿- في امرأةٍ ورجل: ﴿وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكمًا من أهله﴾ (١) فأمّة محمّد - ﷺ - أعظمُ حرمةً مِن امرأةٍ ورجل.\nونقموا عليَّ أنّي كاتبْتُ معاويةَ وكتْبتُ عليَّ بن أبي طالب، وقد جاء سهيل ابن عمرو ونحن مع رسول الله - ﷺ - بالحديبية حين صالح قومُه قريشًا، فكتبَ رسولُ الله - ﷺ -: (بسم الله الرحمن الرحيم) فقال سهيل: لا تكتب (بسم الله الرحمن الرحيم)، قال: فكيف أكتب؟ قال: اكتب باسمك اللهمّ. فقال رسول الله - ﷺ -: اكتبه، ثمّ قال: اكتب: مِن محمّد رسول الله، قالوا: لو نعلم أنك رسول الله لم نخالفك، فكتب: هذا ما صالَح عليه محمّدُ بنُ عبدِ الله قريشًا.\nيقول الله في كتابه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ (٢).\n_________\n(١) النساء: ٣٥.\n(٢) الأحزاب: ٢١.","vol":"7","page":299},{"text":"فبعَث إليهم عليّ بن أبي طالب عبد الله بن عباس، فخرجْت معه حتى إذا توسَّطنا عسْكَرهم، قام ابن الكواء فخطَب الناس فقال: يا حَمَلَة القرآن إنّ هذا عبدُ الله بن عباس، فمن لم يكن يعرفه، فأنا أعرفه مِن كتاب الله هذا، مَن نَزَل في قومه: ﴿بل هم قومٌ خصمون (١)﴾ (٢) فرُدوه إلى صاحبه، ولا تواضعوه كتاب الله -﷿-، قال: فقام خطباؤُهم فقالوا: والله لنواضعنَّه كتاب الله، فإذا جاءنا بحقٍّ نعرفه اتبعناه، ولئن جاءنا بالباطل لنبكتنه بباطله، ولنردنّه إلى صاحبه، فواضَعوه على كتاب الله ثلاثة أيام.\nفرجع منهم أربعة آلاف كلّهم تائب، فأقبل بهم ابن الكواء، حتى أدخَلَهم على عليّ -﵁- فبعثَ عليٌّ إلى بقيّتهم، فقال: قد كان مِن أمرنا وأمْرِ الناس ما قد رأيتم، قِفوا حيث شئتم حتى تجتمعَ أمّة محمّد - ﷺ -، وتنزلوا فيها حيث شئتم، بيننا وبينكم أن نقيَكم رماحنا؛ ما لم تقطعوا سبيلًا، وتطلبوا دَمًا، فإنكم إنْ فعلتم ذلك فقد نبذْنا إليكم الحرب على سواء، إنّ الله لا يُحبّ الخائنين.\nفقالت عائشة -﵂-: يا ابن شداد فقد قَتَلَهُم؟ فقال: والله ما بعَث إليهم حتى قطَعُوا السبيل، وسفكُوا الدماء، وقَتلُوا ابن خباب واستحلّوا أهلَ الذمّة فقالت: آلله؟ قلتُ: آلله الذي لا إله إلاَّ هو لقد كان.\n_________\n(١) عن أبي أمامة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ما ضَل قومٌ بعد هُدًى كانوا عليه، إلاَّ أُوتُوا الجدَل، ثمّ تلا رسول الله - ﷺ - هذه الآية: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾. أخرجه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٢٥٩٣)، وابن ماجه \"صحيح ابن ماجه\" (٤٥)، \"السُّنَّة\" لابن أبي عاصم (١٠١).\n(٢) الزخرف: ٥٨.","vol":"7","page":300},{"text":"قالت: فما شيء بلغني عن أهل العراق يتحدّثون به يقولون: ذو الثدي ذو الثدي، قلت: قد رأيتُه ووقفتُ عليه مع عليّ -﵁- في القتلى فدعا الناس، فقال: هل تعرفون هذا؟ فما أكثر من جاء يقول: قد رأيته في مسجد بني فلان يصلّي، ورأيته في مسجد بني فلان يصلّي، فلم يأتوا بثَبْتٍ يعرف إلاَّ ذلك.\nقالت: فما قول عليّ حين قام عليه كما يزعم أهل العراق؟ قلت: سمعْتُه يقول: صدَق الله ورسوله، قالت: فهل سمعت أنت منه قال غير ذلك؟ قلت: اللهم لا، قالت: أجل؛ صَدَق الله ورسوله، يَرحم الله عليًّا، إنّه مِن كلامه كان لا يرى شيئًا يعجبه إلاّ قال: صدَق الله ورسوله\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1978>متى يُقاتَل الخوارج والمتمرّدون على الإمام</span>\nلا يجوز مبادرة الخوارج والمتمرّدين على الإمام بالقتال، لقولِ عليّ -﵁- في الحرورية: \"لا تبدؤوهم بقتال\" (٢).\nويُقتَل المتمرِّدون على الإمام إذا قطَعوا السبيل، وسفَكوا الدماء، واستحلّوا الحُرُمات؛ كما في الأثَر المتقدِّم، قال عليٌّ -﵁- للخوارج: \"قد كان مِنْ أمرِنا وأمْرِ النّاس ما قد رأيتم قفوا حيث شئتم، حتى تجتمعَ أمّه محمّد - ﷺ -، وتنزلوا فيها حيث شئتم، بيننا وبينكم أن نقيَكم رماحنا؛ ما لم تقطعوا سبيلًا وتطلبوا دمًا، فإنكم إنْ فعلتم ذلك، فقد نبَذْنا إليكم الحرب على سواء، إنّ الله لا يُحبّ الخائنين.\n_________\n(١) أخرجه الحاكم، وعنه البيهقي وأحمد، وصححه شيخنا -﵀- في \"الإرواء\" (٢٤٥٩).\n(٢) حسنه شيخنا -﵀ في \"الإرواء\" (٢٤٦٩).","vol":"7","page":301},{"text":"فقالت عائشة -﵂-: يا ابن شداد فقد قَتَلَهُم؟ فقال: والله ما بعَث إليهم حتى قطَعُوا السبيل، وسفكُوا الدماء، وقتلوا ابن خباب واستحلُّوا أهل الذمّة فقالت: آلله؟ قلت: آلله الذي لا إله إلاَّ هو، لقد كان\".\nفائدة: قال في \"منار السبيل\" (٢/ ٣٥٢): \"وكلُّ مَن ثبَتَت إمامتُه؛ حَرُم الخروج عليه وقتاله، سواءٌ ثبَتَت بإجماع المسلمين عليه: كإمامة أبي بكر الصديق -﵁-، أو بعهدِ الإمام الذي قبله إليه: كعهد أبي بكر إلى عمر، -﵄-، أو باجتهاد أهل الحلّ والعقد؛ لأنّ عمرَ جعَل أمْرَ الإمامة شورى بين ستةٍ من الصحابة، -﵃- فوقع الاتفاق على عثمان أو بقهره للناس، حتى أذعنوا له، ودعوه إمامًا: كعبد الملك بن مروان؛ لمّا خرجَ علي ابن الزبير فقتَله، واستولى على البلاد وأهلِها حتى بايعوه طوعًا وكرهًا، ودعوه إمامًا، لأنّ في الخروج على مَن ثبتَت إمامته بالقهر شقَّ عصا المسلمين، وإراقةَ دمائهم، وإذهابَ أموالهم.\nقال أحمد في رواية العطار: \"ومَن غَلَب عليهم بالسيف حتى صار خليفة، وسُمِّي أمير المؤمنين؛ فلا يحلّ لأحدٍ يؤمن بالله أن يبيت، ولا يراه إمامًا بَرًّا كان أو فاجرًا. وقال في \"الغاية \": ويتجه؛ لا يجوز تعدّد الإمام، وأنه لو تغلَّب كلُّ سلطان على ناحية كزماننا؛ فحُكمه كالإمام\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1979>ما جاء مِن نصوص تبيّن بعض أمارات الخوارج ومثيري الفتن</span>\nعن أبي سعيد الخدري قال: \"بَعَثَ عليٌّ -﵁- وهو باليمن","vol":"7","page":302},{"text":"بِذَهَبةٍ (١) في تُربَتِها (٢) إلى رسول الله - ﷺ - فقَسَمَها رسول الله - ﷺ - بين أربعة نفر: الأقرع بن حابس الحنظلي، وعُيينة بن بدر الفزاريّ، وعلْقَمَةُ بن عُلاثة العامريّ، ثمّ أحَد بني كِلاب، وزيد الخير الطائي، ثمّ أحَد بني نبهان.\nقال: فغَضِبَت قريش فقالوا: أتعطي صناديد (٣) نجد وتَدَعُنا، فقال رسول الله - ﷺ -: إنّي إنّما فعلْتُ ذلك لأتألّفَهُم، فجاء رجل كثُّ اللحية (٤)، مُشرف الوجنتين (٥)، غائر العينين (٦)، ناتئ الجبين (٧) محلوق الرأس، فقال: اتّق الله يا محمّد، قال: فقال رسول الله - ﷺ -: فمن يُطِع الله إنْ عصيتُه! أيأمَنُنِي على أهلِ الأرض ولا تأمَنُوني؟\nقال: ثمّ أدبَر الرجل، فاستأذَن رجلٌ من القوم في قَتْله -يرَوْن أنّه خالد بن الوليد-، فقال: رسول الله - ﷺ -: إنّ مِن ضئضئ (٨) هذا قومًا؛ يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يَقْتُلون أهل الإسلام ويَدَعُون أهل الأوثان، يمرُقون من\n_________\n(١) قال الإمام النّووي -﵀-: \"هكذا هو في جميع نُسَخِ بلادِنا -بفتح الذال-، وكذا نقَلَه القاضي عن جميع رواة مسلم عن الجلودي، قال: وفي رواية ابن ماهان (بذُهَيبَة) على التصغير\".\n(٢) أي: هي مستقِرّة فيها غير مميَّزة عنها.\n(٣) صناديد نجدٍ أي: ساداتها.\n(٤) أي: كثيرها.\n(٥) مُشرف الوجنتين: غليظهما، والوَجْنة: لحم الخدّ.\n(٦) يعني: داخلتين في الرأس، لاصقتين بقعر الحدقة. \"الكرماني\".\n(٧) مُرتفِعُه؛ مِن النّتوء.\n(٨) أي: الأصل والنسل. \"شرح الكرماني\".","vol":"7","page":303},{"text":"الإسلام كما يمرُق السهم من الرَّميّة، لئن أدركتُهم لأقتلنّهم قَتْل عاد\" (١).\nوفي رواية: قال أبو سعيد -﵁-: \"بينا نحن عند رسول الله - ﷺ - وهو يَقسِم قَسْمًا، أتاه ذو الخويصِرة -وهو رجلٌ من بني تميم- فقال: يا رسول الله اعدِل، قال رسول الله - ﷺ -: ويلك، ومَن يَعدِل إنْ لم أعدِل؟ قد خِبتَُ وخسرتَُ إنْ لم أعدل، فقال عمر بن الخطاب -﵁-: يا رسول الله ائذن لي فيه أضرب عنقه.\nقال رسول الله - ﷺ -: دعه فإنّ له أصحابًا يحقِر أحدُكم صلاتَه مع صلاتهم، وصيامَه مع صيامهم، يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيَهم (٢)، يمرقون من الإسلام؛ كما يمرُق السهم مِن الرميّة\" (٣).\nوعن جابر بن عبد الله -﵄- قال: \"أتى رجل رسول الله - ﷺ - بالجِعْرانَة مُنْصَرَفَه (٤) مِن حُنين وفي ثوب بلالٍ فضّة، ورسول الله - ﷺ - يقبض منها يُعطي الناس، فقال: يا محمّد اعدل، قال: ويلك ومَن يَعدِل إذا لم أكن أعدِل؟ لقد خبتَُ وخسِرْتَُ إن لم أكن أعدل.\nفقال عمر بن الخطاب -﵁-: دعني يا رسول الله فأقتلَ هذا\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٧٤٣٢، ومسلم: ١٠٦٤.\n(٢) التراقي: جمع تَرْقُوة، وهي العظم الذي بين ثغرة النحر والعاتق، وهما تَرقُوتان مِن الجانبين. والمعنى: أن قراءتهم لا يرفعها الله، ولا يقبلها، فكأنها لم تتجاوز حلوقهم \"النّهاية\".\n(٣) أخرجه مسلم: (١٠٦٤ - ١٤٨).\n(٤) أي: حين انصرافه -﵊-.","vol":"7","page":304},{"text":"المنافق، فقال: معاذ الله أن يتحدث الناس أني أَقْتُل أصحابي، إنّ هذا وأصحابَه يقرأون القرآن؛ لا يُجاوِز حناجرهَم، يمرُقون منه كما يمرق السهم مِن الرّميّة\" (١).\nوعن أبي سعيد الخدري -﵁- أنّ النبيّ - ﷺ - ذكَر قومًا يكونون في أمّته، يخرُجون في فرقة مِن الناس، سيماهم التحالُق (٢)، قال: هم شرّ الخلق (أو مِن أشرّ الخلق) (٣)، يقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحقّ (٤).\nقال: فضرَب النبيّ - ﷺ - لهم مَثَلًا أو قال قولًا: الرجل يرمي الرميّة (أو قال الغَرَض) فينظر في النصل فلا يرى بصيرة (٥)، وينظر في النضيّ (٦) فلا يرى بصيرة، وينظر في الفُوق (٧) فلا يرى بصيرة، قال: قال: أبو سعيد وأنتم قتلتموهم يا أهل\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٣١٣٨، ومسلم: ١٠٦٣.\n(٢) أي: حلْق الرؤوس، والسيما: العلامة.\n(٣) تأوَّله الجمهور بمعنى أشرّ المسلمين ونحوه. وانظر \"شرح النّووي\".\n(٤) قال النّووي -﵀- (٧/ ١٦٧): \"وفي رواية: أولى الطائفتين بالحقّ، وفي رواية: تكون أمّتي فرقتين، فتخرج مِن بينهما مارقة، تلي قَتْلهم؛ أولاهما بالحق، هذه الروايات صريحة في أنّ عليًاّ -﵁- كان هو المصيب المُحِقّ، والطائفة الأخرى أصحاب معاوية -﵁- كانوا بغاة متأوّلين، وفيه التصريح بأنّ الطائفتين مؤمنون لا يخرجون بالقتال عن الإيمان ولا يفسقون، وهذا مذهبنا ومذهب موافقينا\".\n(٥) هي الشيء من الدم، أي: لا يَرى شيئًا من الدم يستدلّ به على إصابة الرميّة. \"شرح النّووي\".\n(٦) هو القدح.\n(٧) موضع الوتر من السهم، وهذا تعليقٌ بالمُحال، فإنّ ارتدادَ السهم على الفوق محُال، فرجوعهم إلى الدين أيضًا محُال. \"عون المعبود\".","vol":"7","page":305},{"text":"العراق\" (١).\nوفي رواية من حديث أبي سعيد الخدري وأنس بن مالك -﵄- عن رسول الله - ﷺ - قال: \"سيكون في أمّتي اختلافٌ وفُرقة، قومٌ يُحسنون القِيلَ ويسيئون الفِعل، يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيَهم، يَمرقون مِن الدين مروق السهم مِن الرميّة، لا يرجعون حتى يرتد على فُوقِه، هم شرُّ الخلق والخليقة، طوبى لمن قَتَلَهم وَقَتلوه، يَدْعون إلى كتاب الله، وليسوا منه في شيء، مَن قاتَلَهم كان أولى بالله منهم، قالوا: يا رسول الله ما سيماهم؟ قال: التّحليق\" (٢).\nوعن سويد بن غَفَلَة قال: قال عليّ -﵁-: \"إذا حدَّثتُكم عن رسول الله - ﷺ - فَلأَنْ أخِرَّ مِن السماء أحبُّ إليَّ مِن أن أقول عليه ما لم يَقُل، وإذا حدَّثتُكم فيما بيني وبينكم فإن الحرب خَدْعة، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: سيخرج في آخر الزمان قومٌ أحداثُ الأسنان سفهاءُ الأحلام (٣)، يقولون مِن خير قول البريّة (٤)، يقرأون القرآن لا يُجاوز حناجرهم، يَمرقون مِن الدين كما يَمرُق السهم من الرمية، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم، فإنّ في قتلهم أجرًا لمن قَتَلهم عند الله يوم القيامة\" (٥).\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٣٦١٠، ٦١٦٣، ٦٩٣٣، ومسلم: ١٠٦٥.\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٩٨٧).\n(٣) صغار الأسنان صغار العقول \"شرح النّووي\".\n(٤) أي: في ظاهر الأمر؛ كقولهم: لا حُكم إلاَّ لله، ونظائره من دعائهم إلى كتاب الله تعالى -والله أعلم-. \"شرح النّووي\".\n(٥) أخرجه البخاري: ٣٦١١، ٥٠٥٧، ٦٩٣٠. ومسلم: ١٠٦٦ وتقدّم.","vol":"7","page":306},{"text":"وعن عبيد الله بن- أبي رافع: \"أنّ الحروريّة (١) لمّا خَرَجت وهم مع عليِّ بن أبي طالب -﵁- قالوا: لا حُكم إلاَّ لله، قال عليّ: كلمةُ حقٍّ أريد بها باطل، إن رسولَ الله - ﷺ - وصَفَ ناسًا إني لأعرِف صِفَتَهم في هؤلاء، يقولون الحقّ بألسنتهم، لا يجوز (٢) هذا منهم، وأشار إلى حَلْقِه، مِن أبغض خَلْق الله إليه، منهم أسود، إحدى يديه طُبْيُ (٣) شاة، أو حلمة ثدي، فلمّا قتلَهم علي بن أبي طالب -﵁-.\nقال: انظروا، فنظَروا، فلم يجدوا شيئًا، فقال: ارجعوا فوالله ما كَذَبتُ ولا كُذِّبتُ -مرتين أو ثلاثًا-، ثمّ وجدوه في خَرِبَة، فأتَوا به حتى وضعوه بين يديه، قال عبيد الله وأنا حاضر ذلك مِن أمرِهم وقولِ عليّ -﵁- فيهم\" (٤).\nعن أبي رزين: \"لما وقَع التحكيم، ورجَع عليٌّ من صِفّين رجعوا مبايِنين له، فلمّا انتهوا إلى النهرِ؛ أقاموا به فدخَل عليُّ في الناس الكوفة، ونزلوا بحروراء، فبعث إليهم عبدَ الله بن عباس، فرجَع ولم يصنع شيئًا، فخرَج إليهم عليٌّ فكلَّمَهم، حتى وقع الرضا بينه وبينهم، فدخلوا الكوفة، فأتاه رجُل فقال: إنّ الناس قد\n_________\n(١) الحرورية: فِرْقةٌ مِن فِرَق الخوارج، وهي نسبة إلى حروراء، وهي بقرب الكوفة، كان أوّل اجتماع الخوارج بها، قال الهروي: تعاقدوا في هذه القرية فنُسِبوا إليها. وانظر \"شرح النّووي\" (٤/ ٢٧). وجاء في الفتح (١/ ٤٢٢): \"ويُقال لمن يَعْتقِد مذهب الخوارج (حروريّ) لأن أولَ فرقةٍ منهم؛ خرجوا على عليّ -﵁- بالبلدة المذكورة، فاشتهروا بالنسبة إليها وهم فِرَقٌ كثيرة\".\n(٢) لا يجوز: مِن المجاوزة.\n(٣) الطُّبي: حَلَمةُ الضّرع التي فيها اللبن والتي يرضع منها الرضيع.\n(٤) أخرجه مسلم: ١٠٦٦.","vol":"7","page":307},{"text":"تحدثوا أنّك رجحْتَ لهم عن كُفرك، فخطَب الناسَ في صلاة الظهر فذكَر أمْرَهم فعابه، فوثبوا من نواحي المسجد يقولون: لا حُكم إلاّ لله، واستقبله رجل منهم واضع أصبعيه في أذنيه فقال: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١) فقال عليّ: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ (٢) \" (٣).\nومِن أجل فهم مُراد عليٍّ -﵁- لا بُد من معرِفة سياق الآية، قال الله -تعالى-: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ * كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ * فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ (٤).\nيعني: مِن شأن الكافرين إذا رأوا الآيات البيّنات والمُعجِزات الباهرات، أن يحكُموا ببطلان مَن جاء بها؛ لأنّه قد طُبع على قلوبهم فهم لا يفقهونها، فأمرَ الله -تعالى- نبيّه - ﷺ - بالصبر على مخالفتهم وعنادهم وأذاهم، فالعاقبة له ولمن اتبعَه في الدارَيْن.\nوأمَرَه -سبحانه- ألاّ يستخفنّ حِلْمه ورأيه (٥) أولئك المشركين الذين لا\n_________\n(١) الزمر: ٦٥.\n(٢) الروم: ٦٠.\n(٣) أخرجه ابن جرير في \"تاريخه\"، وصححه شيخنا -﵀- في \"الإرواء\" (٢٤٦٨).\n(٤) الروم: ٥٨ - ٦٠.\n(٥) انظر تفسير الإمام الطبري -﵀- لقوله -تعالى-: ﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾.","vol":"7","page":308},{"text":"يوقنون بالمعَاد، ولا يؤمنون بالبعث بعد الممات، بل عليه بالثبات على الحقّ، وعدم العدول عنه.\nفذِكر ذلك الخارجي الآية: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ هو حُكمٌ على عليّ -﵁- بأنه مُبطل، كما هو شأن الكفّار في اتهام النبيّ - ﷺ - ولمّا أمَرَ الله -تعالى- نبيه بالصبر وأنّ وعده -سبحانه- حقّ، فإنّ عليًا أراد أن يقول لهذا الخارجي: إنّ الله -تعالى- يأمرني أن أصبر على مخالفتك وعنادك وأذاك، وهو ناصري ومُعيني، وهو -سبحانه- يأمرني بالصبر والثبات؛ على ما أنا عليه مِن الحقّ، وعدم العدول عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1980>السمع والطاعة للإمام ما لم يَأْمُر بمعصية وما جاء في عدم منازعة الأمر أهله</span>\nقال الله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (١).\nجاء في تفسير ابن كثير -﵀-: \"قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عبّاس: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ يعني: أهلَ الفقه والدين، وكذا قال مجاهد، وعطاء، والحسن البصري، وأبو العالية: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ يعني: العلماء.\nوالظاهر -والله أعلم- أنّ الآية عامّة في جميع أولي الأمر مِن الأمراء والعلماء، -كما تقدّم-، وقد قال تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ\n_________\n(١) النساء: ٥٩.","vol":"7","page":309},{"text":"وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢).\nوفي الحديث الصحيح المتفق عليه، عن أبي هريرة -﵁-، عن رسول الله - ﷺ - أنّه قال: \"مَن أطاعني فقد أطاع الله، ومَن عصاني فقد عصى الله، ومَن أطاع أميري فقد أطاعني، ومَن عصى أميري فقد عصاني\" (٣).\nفهذه أوامر بطاعة العلماء والأمراء، ولهذا قال -تعالى-: ﴿أطِيعُوا الله﴾ أي: اتبعوا كتابه ﴿وَأَطِيعُوا اَلرسولَ﴾ أي: خذوا بسنَّته ﴿وأولي الأمر منكم﴾ أي: فيما أمروكم به من طاعة الله، لا في معصية الله؛ فإنّه لا طاعة لمخلوق في معصية الله، كما تقدم في الحديث الصحيح: \"إنما الطاعة في المعروف\" (٤).\nوعن عمرانَ بن حصين، عن النبيّ - ﷺ - قال: \"لا طاعة في معصية الله\" (٥).\nوقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ قال مجاهد وغيرُ واحدٍ مِن السلف: أي: إلى كتاب الله وسُنّة رسوله.\nوهذا أمْرٌ من الله -﷿-، بأنّ كلَّ شيء تنازَع الناس فيه من أصول الدين وفروعه، أن يُرَدّ التنازع في ذلك إلى الكتاب والسُّنّة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا\n_________\n(١) المائدة: ٦٣.\n(٢) النحل: ٤٣.\n(٣) أخرجه البخاري: ٧١٣٧، ومسلم: ١٨٣٥.\n(٤) أخرجه البخاري: ٤٣٤٠، ٧١٤٥، ومسلم: ١٨٤٠.\n(٥) أخرجه أحمد والطيالسي، والطبراني في \"الكبير\" وصححه شيخنا -﵀- في \"الصحيحة\" (١٨٠).","vol":"7","page":310},{"text":"اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (١) فما حَكَم به كتابُ الله وسُنّةُ رسولِه وشهدا له بالصّحّة فهو الحق، وماذا بعد الحقّ إلاَّ الضلال.\nولهذا قال -تعالى-: ﴿إن كنتم تُؤمِنُونَ بِاَللهِ وَاَليومِ الآخِرِ﴾ أي: رُدّوُا الخصومات والجهالاتِ إلى كتاب الله وسُنّة رسوله، فتحاكموا إليهما فيما شجَر بينكم ﴿إن كنتم تُؤمِنُونَ بِاَللهِ وَاَليومِ الآخِرِ﴾.\nفدلَّ على أنَّ مَن لم يتحاكم في مجال النزاع إلى الكتابِ والسنة ولا يرجع إليهما في ذلك؛ فليس مُؤمِنًا بالله ولا باليوم الآخر.\nوقوله: ﴿ذلك خيرٌ﴾ أي: التحاكُم إلى كتاب الله وسُنة رسوله. والرجوع في فصل النزاع إليهما خير ﴿وَأَحْسَنُ تَأوِيلًا﴾ أي: وأحسنُ عاقبةً ومآلًا؛ كما قاله السدي وغير واحد. وقال مجاهد: وأحسن جزاءً. وهو قريب\".\nعن ابن عمر -﵄- عن النبيّ - ﷺ -. قال: \"السمع والطاعة حقّ؛ ما لم يُؤمَر بمعصية، فإذا أُمِرَ بمعصية، فلا سمْعَ ولا طاعة\" (٢).\nوعن ابن عباس -﵄- عن النبيّ - ﷺ - قال: من رأى مِن أميره شيئًا يكرهه؛ فليصبِر عليه؛ فإنه مَن فارق الجماعة شبرًا فمات؛ إلاّ مات ميتة جاهلية\" (٣).\nوعن جُنادةَ بن أَبي أميّة قال: \"دخَلْنا على عُبادة بنِ الصامت وهو مريض، قُلنا أصلحَك الله، حدِّث بحديثٍ ينفعك الله به، سمعْتَه من النبيّ - ﷺ -، قال: دعانا\n_________\n(١) الشورى: ١٠.\n(٢) أخرجه البخاري: ٢٩٥٥، ومسلم: ١٨٣٩.\n(٣) أخرجه البخاري: ٧٠٥٤، ومسلم: ١٨٤٩.","vol":"7","page":311},{"text":"النبيّ - ﷺ - فبايعناه، فقال فيما أخذَ علينا؛ أن بايَعَنا على السمع والطاعة، في مَنْشَطنا (١) ومَكْرَهنا (٢) وعُسرنا ويُسرنا، وأثَرَةٍ (٣) علينا، وأن لا نُنازع الأمرَ أهلَه (٤) إلاَّ أن تروا كُفرًا بَواحًا (٥)؛ عندكم من الله فيه بُرهان (٦) \" (٧).\nوعن عبد الرحمن بن عبد ربِّ الكعبة، قال: \"دخلتُ المسجد، فإذا عبد الله بن عمرو بن العاص جالسٌ في ظِلِّ الكعبة، والناس مجتمِعون عليه، فأتيتُهم\n_________\n(١) مَنشطنا: أي في حالة نشاطنا.\n(٢) مَكرهنا: في الحالة التي نكون فيها عاجزين عن العمل بما نُؤمَر به.\n(٣) الأثَرَة -بفتح الهمزة والثاء-: الاسمُ من آثَر يُؤثرُ إيثَارًا: إذا أعْطى، أراد أنَّه يُستأثر عليكم، فيُفضَّل غيرُكم في نَصيبه مِنَ الفَيْء. والاسْتِئْثَار: الانْفِرَادُ بالشيء. \"النّهاية\". وقال الحافظ -﵀-: \"والمُراد أنّ طواعيتهم لمن يتولّى عليهم؛ لا تتوقف على إيصالهم حقوقَهم بل عليهم الطاعة ولو منعهم حقّهم\".\n(٤) وأن لا ننازع الأمر أهله: أي الملك والحكم.\n(٥) بَواحًا: ظاهرًا بيّنًا.\n(٦) عندكم من الله فيه برهان: [قال الحافظ -﵀- في \"الفتح\" (١٣/ ٨): \"أي: نصُّ آيةٍ أو خبرٌ صحيح لا يَحْتَمل التأويل، ومُقتضاه أنّه لا يجوز الخروج عليهم ما دام فِعْلهم يَحتمل التأويل، قال النّووي: المراد بالكفر هنا المعصية، ومعنى الحديث: \"لا تُنازِعوا ولاة الأمور في ولايتهم ولا تَعترِضوا عليهم إلاّ أن تروا منهم مُنكَرًا محُقَّقًا تعلمونه مِن قواعد الإسلام؛ فإذا رأيتم ذلك فأنكِروا عليهم وقولوا بالحقّ حيثما كنتم انتهى. وقال غيره: المراد بالإثم هنا المعصية والكفر، فلا يُعتَرض على السلطان إلاَّ إذا وَقَع في الكفر الظاهر، والذي يظهر حَمْلُ روايةِ الكُفر على ما إذا كانت المنازعة في الولاية؛ فلا ينازِعه بما يقدَح في الولاية إلاَّ إذا ارتكَب الكُفر، وحَمْل رواية المعصية على ما إذا كانت المنازعة فيما عدا الولاية، فإذا لم يُقدَح في الولاية؛ نازَعه في المعصية بأن يُنكِر عليه برفقٍ ويتوصل إلى تثبيت الحق له بغير عُنف، ومحلّ ذلك إذا كان قادرًا، والله أعلم\".]\n(٧) أخرجه البخاري: ٧٠٥٦، ومسلم: ١٧٠٩.","vol":"7","page":312},{"text":"فجلسْتُ إليه، فقال: كنّا مع رسول الله - ﷺ - في سفَر فنزلنا منزلًا، فمنّا من يُصلح خِباءَه ومنا من يَنتضِلُ (١) ومنّا من هو في جَشَرِه (٢) إذ نادى منادي رسولِ الله - ﷺ -: الصلاةَ جامعةً، فاجتمعْنا إلى رسول الله - ﷺ - فقال: إنه لم يكن نبيٌّ قبلي، إلاَّ كان حقًّا عليه أن يدُلّ أمّته على خيرِ ما يعلمُه لهم، ويُنذرَهم شرَّ ما يعلمه لهم، وإنَّ أمّتكم هذه جُعِل عافيتُها في أولها، وسيصيب آخرَها بلاءٌ وأمورٌ تنكرونها، وتجيء فتنة، فيُرقِّق (٣) بعضها بعضًا، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن هذه مُهلِكتي، ثمّ تنكشف وتجيء الفتنة، فيقول المؤمن: هذه هذه، فمن أحَبَّ أن يُزَحزَحَ عن النار وَيُدْخَل الجنة؛ فلتأته منيّته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يُحبّ أن يُؤتَى إليه (٤)، ومن بايع إمامًا فأعطاه صفْقَة يدِه وثمرةَ قلبه (٥) فليطعه إن استطاع، فإنْ جاء آخرُ ينازعه؛ فاضربوا عُنُق الآخر.\nفدنوت منه فقلت له: أنشدك الله آنت سمعْتَ هذا من رسول الله - ﷺ -،\n_________\n(١) ينتضِل: هو من المناضلة، وهي المراماة بالنُّشَّاب. \"شرح النّووي\".\n(٢) جَشَره- بفتح الجيم والشين-: وهي الدوابُّ التي تَرعى وتَبيت مكانها.\n(٣) يُرقق -بضم الياء وفتحِ الراء-: قال النّووي -﵀- (١٢/ ٢٣٣): \"أي: يصير بعضها رقيقًا، أي: خفيفا لعِظَم ما بعده، فالثاني يجعل الأول رقيقا، وقيل: معناه يشبه بعضها بعضا، وقيل: يدور بعضُها في بعض، ويذهب ويجيء، وقيل: معناه يسوق بعضها إلى بعض بتحسينها وتسويئها\". انتهى.\nقلت: والأوّل أرجح، والله -تعالى- أعلم.\n(٤) وليأت إلى الناس الذي يحبُّ أن يُؤتى إليه: قال النّووي -﵀-: \"هذا من جوامع كَلِمِه - ﷺ -، وبديع حكمه، وهذه قاعدة مهمّة فينبغي الاعتناء بها، وأن الإنسان يلزم ألا يفعل مع الناس، إلاَّ ما يُحبّ أن يفعلوه معه\".\n(٥) صفقة يده، وثمرة قلبه: أي خالص عهده. \"النّهاية\".","vol":"7","page":313},{"text":"فأهوى إلى أذنيه وقلبِه بيديه وقال: سَمِعَتْه أذناي ووعَاه قلبي.\nفقلت له: هذا ابن عَمِّك معاوية يأمُرنا أن نأكلَ أموالَنا بيننا بالباطل، ونقتُلَ أنفسنا، والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ (١) إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ قال: فسكَت ساعة ثمّ قال: أطِعه في طاعة الله (٢)، واعصه في معصية الله\" (٣).\nوعن عوف بن مالك -﵁- عن رسول الله - ﷺ - قال: \"خِيارُ أئمّتكم الذين تحبّونهم ويُحبّونكم، ويُصلّون عليكم (٤)، وتصلّون عليهم، وشرار أئمّتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم، قيل: يا رسول الله أفلا ننابذُهُم بالسيف؟ فقال: لا؛ ما أقاموا فيكم الصلاة (٥)، وإذا رأيتم مِن ولاتكم شيئًا تكرهونه، فاكرهوا عَمَله، ولا تنزِعوا يَدًا مِن طاعة\" (٦).\nقال شيخ الإسلام -﵀- في \"مجموع الفتاوى\" (٢٨/ ١٧٠):\n_________\n(١) المقصود بهذا الكلام: أنّ هذا القائل لمّا سمِع كلام عبدِ الله بن عمرو بن العاص، وذكر الحديث في تحريم منازعة الخليفة الأول، وأن الثاني يقتل، فاعتقد هذا القائل هذا الوصف في معاوية؛ لمنازعته عليًّا -﵁-، وكانت قد سَبَقت بيعةُ عليّ، فرأى هذا أنّ نفقة معاوية على أجناده وأتباعه في حرب عليِّ ومنازعته ومقاتلته إياه، مِن أكْل المالِ بالباطل، ومِنْ قَتْلِ النفس؛ لأنه قتالٌ بغيرِ حقّ، فلا يستحقّ أحدٌ مالًا في مقاتلته\".\n(٢) قال الإمام النّووي -﵀-: \"هذا فيه دليلٌ لوجوب طاعة المتولّين للإمامة بالقهر، مِن غير إجماع ولا عهد\".\n(٣) أخرجه مسلم: ١٨٤٤.\n(٤) يُصلّون عليكم: أي يَدْعون لكم.\n(٥) قال النّووي -﵀- (١٢/ ٢٤٣): \"فيه معنى ما سَبَق أنّه لا يجوز الخروج على الخلفاء بمجرد الظلم أو الفسق، ما لم يُغيِّروا شيئًا مِن قواعد الإسلام\".\n(٦) أخرجه مسلم: ١٨٥٥.","vol":"7","page":314},{"text":"وأولوا الأمر أصحاب الأمر وذووه؛ وهم الذين يأمُرون الناس؛ وذلك يشترك فيه أهلُ اليد والقدرة وأهلُ العلم والكلام؛ فلهذا كان أولوا الأمر صنفين: العلماء؛ والأمراء، فإذا صلحوا صلح الناس وإذا فسدوا فسَد الناس؛ كما قال أبو بكر الصديق -﵁- للأحمسية لما سألته: \"ما بقاؤنا على هذا الأمر؟ قال: ما استقامت لكم أئمّتكم\"، ويدخُل فيهم الملوك والمشايخ وأهل الديوان؛ وكل مَن كان متبوعًا فإنه مِن أولي الأمر.\nوعلى كل واحد من هؤلاء أن يَأْمُر بما أمرَ الله به، وينهى عمّا نهى عنه، وعلى كل واحدٍ ممن عليه طاعته، أن يطيعه في طاعة الله؛ ولا يطيعه في معصية الله ... \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1981>السلام في الإسلام</span>\nإنّ حامل هذه الرسالة هو حاملُ راية السلام، لأنه يَحْملُ إلى البشرية الهدى، والنور، والخير، والرشاد.\nوهو يُحدّث عن نفسه، فيقول: \"إنما أنا رحمة مهداة\" (١).\nويحدث القرآن عن رسالته، فيقول: ﴿وما أرسلناك إلاَّ رحمةً للعالمين﴾ (٢).\nيقول الله- تعالى-: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ (٣).\nقال الله -تعالى-: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٤).\n_________\n(١) أخرجه ابن سعد في \"الطبقات\" وانظر \"غاية المرام\" برقم (١) و\"الصحيحة\" (٤٩٠).\n(٢) الأنبياء: ١٠٧.\n(٣) النساء: ٩٤.\n(٤) الأنفال: ٦١.","vol":"7","page":315},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1982>أسباب النصر والتمكين </span>(١)\n<span data-type=\"title\" id=toc-1983>١ - التوحيد</span>\nقال -تعالى-: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ (٢).\nولا يُلقى الرعب في قلوب الكُفّار؛ إلاَّ إذا كان المسلمون موحِّدين حقًّا، ألا ترى ما كان مِن شأن الأعداء زمن الصحابة -﵃- فإنّه لم يكن لهم عليهِم مِن سبيل، ولكننا نراهم الآن قد تسلّطوا على المسلمين! فلا بُدّ من التوحيد، فإنّه حقّ الله على عباده، وهو سعادة الدارين.\nوكيف ينصُر الله -تعالى- أُناسًا يُؤلهّون الملائكة والأنبياء والأولياء؟!\nكيف ينصُر الله أناسًا اعتقدوا أنّ الله تفرّد بالخلق، ولم يتفرّد بالاستجابة؛ إلاّ بواسطة مخلوقاته؛ مِن أحياء وأموات، يرفعون له الدعاء والاستغاثة والتوسل؟!\nقال الله -تعالى-: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٣).\n_________\n(١) وسأذكر هذه الأسباب بإجمال، غير سالك الاستقصاء -وإن كنت أتمنّاه- بما يتفق مع المنهج الفقهي للكتاب، وهناك نقاط متفرّعة من أسباب رئيسة، قد أفردتها وأبرزتُها للأهمية.\n(٢) آل عمران: ١٥١.\n(٣) النور: ٥٥.","vol":"7","page":317},{"text":"قال ابن كثير -﵀بحذف-: \"هذا وَعْدٌ مِن الله لرسوله - ﷺ -؛ بأنه سيجْعَل أمّته خلفاء الأرض، أي: أئمّة الناس والولاة عليهم، وبهم تصلُح البلاد، وتخضع لهم العباد، ولَيُبدلَنّ بعد خوفهم من الناس أمنًا وحُكمًا فيهم، وقد فعَل تبارك -وتعالى- ذلك، وله الحمد والمِنّة، فإنه لم يمت رسول الله - ﷺ -، حتى فتَح الله عليه مكّة وخيبر والبحرين، وسائرَ جزيرة العرب، وأرض اليمن بكمالها، وأخَذ الجزية مِن مجوس هَجَر، ومِن بعض أطراف الشام، وهاداه هِرَقْل مَلِك الروم وصاحب مصر والاسكندرية -وهو المقوقس- وملوك عمان والنجاشي ملك الحبشة، الذي تَملَّك بعد أصْحَمة -﵀ وأكرمه-.\nثمّ لمّا مات رسول الله - ﷺ - واختار الله له ما عنده مِن الكرامة، قام بالأمر بعده خليفته أبو بكر الصديق -﵁-، فلمَّ شَعْث ما وَهَى عند موته - ﵊- وأطَّدَ جزيرة العرب ومهَّدها، وبعَث الجيوش الإسلامية إلى بلاد فارس صحبة خالد بن الوليد -﵁-، ففتحوا طَرَفًا منها، وقتلوا خلقًا مِن أهلها، وجيشًا آخر صحبة أبي عبيدة -﵁-، ومَن معه مِن الأمراء إلى أرض الشام، وثالثًا صحبة عمرو بن العاص -﵁- إلى بلاد مصر، ففتَح الله للجيش الشاميّ في أيامه بُصرى ودمشق ومَخَاليفهما من بلاد حوران، وما والاها، وتوفاه الله -﷿-، واختار له ما عنده مِن الكرامة.\nومَنّ على الإسلام وأهله؛ بأن أَلهْمَ الصِّديق أن استخلَف عمرَ الفاروق، فقام في الأمر بعده قيامًا تامًّا، لم يَدُر الفَلَك بعد الأنبياء -﵈- على مثله، في قوة سيرته وكمال عَدْله، وتمّ في أيامه فتْح البلاد الشاميّة بكمالها، وديار مصر إلى آخرها، وأكثر إقليم فارس، وكَسَّر كسرى وأهانه غاية الهوان، وتقهقر إلى أقصى مملكته، وقَصَّر قيصر، وانتزع يدَه عن بلاد الشام فانحاز إلى القُسطنطينة،","vol":"7","page":318},{"text":"وأنفَق أموالَهما في سبيل الله، كما أخبَر بذلك ووعَد به رسول الله -عليه مِن ربّه أتمّ سلام وأزكى صلاة-.\nثمّ لمّا كانت الدولة العثمانية (١)، امتدَّت المماليك الإسلامية إلى أقصى مشارق الأرض ومغاربها، ففُتحت بلاد المغرب إلى أقصى ما هنالك: الأندلس، وقبرص، وبلاد القيروان، وبلاد سَبْتَةَ؛ مما يلي البحر المحيط، ومِن ناحية المشرق إلى أقصى بلاد الصين، وقُتِل كسرى، وباد مُلْكُه بالكُلّية، وفُتحت مدائن العراق، وخُراسان، والأهواز، وقَتَل المسلمون مِن الترك مقتلةً عظيمةً جدًا، وخذَل الله ملكهم الأعظم خاقان، وجُبي الخراج من المشارق والمغارب إلى حضرة أمير المؤمنين عثمان بن عفان -﵁- وذلك ببركة تلاوته ودراسته وجمْعِه الأمّة على حِفظ القرآن.\nولهذا ثبَت في الصحيح عن رسول الله - ﷺ - أنّه قال: \"إن الله زَوَى (٢) لي الأرض، فرأيتُ مشارقها ومغاربها، وسيبلغُ ملك أمّتي ما زُوي لي منها\" (٣).\nفها نحن نتقلب فيما وعَدَنا الله ورسوله، وصدَق الله ورسوله، فنسأل الله الإيمان به، وبرسوله، والقيام بشُكره على الوجه الذي يُرضيه عنّا.\nقال الإمام مسلم بن الحجاج في \"صحيحه\": حدَّثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سَمُرَة قال: \"سمعتُ رسولَ الله - ﷺ - يقول: لا يزال أمْرُ الناس ماضيًا ما وَلِيَهم اثنا عشر رجلًا ثمّ تكلَّم النبيّ - ﷺ - بكلمة\n_________\n(١) أي في عهد عثمان بن عفان -﵁-.\n(٢) أي: جمع وضمّ.\n(٣) أخرجه مسلم: ٢٨٨٩.","vol":"7","page":319},{"text":"خَفِيت عني فسألْتُ أبي: ماذا قال رسول الله - ﷺ -؟ فقال: كُلُّهم مِن قريش\" (١).\nورواه البخاري من حديث شعبة، عن عبد الملك بن عمير، به (٢).\nوهذا الحديث فيه دِلالة على أنّه لا بُدّ من وجود اثني عشَر خليفةً عادلًا وليسوا هم بأئمّة الشيعة الاثني عشَر؛ فإنَّ كثيرًا مِن أولئك لم يكن إليهم مِن الأمر شيء، فأمّا هؤلاء؛ فإنهم يكونون مِن قريش، يَلُون فيَعْدِلون، وقد وقَعَت البِشارة بهم في الكتب المتقدمة.\nثمّ لا يُشتَرط أن يكونوا متتابعين، بل يكون وجودهم في الأمّة متتابعًا ومتفرّقًا، وقد وُجِد منهم أربعة على الولاء، وهم: أبو بكر، ثمّ عمر، ثمّ عثمان، ثمّ عليّ -﵃-، ثمّ كانت بعدهم فترة، ثمّ وُجِد منهم ما شاء الله، ثمّ قد يُوجَد منهم مَن بقي في وقتٍ يعلمه الله، ومنهم المهدي الذي يطابق اسمه اسمَ رسول الله - ﷺ -، وكُنيته كنيتَه، يملأ الأرض عدلًا وقسطًا، كما مُلئت جورًا وظلمًا.\n[وعن] سعيد بن جُمْهان، عن سَفِينة -مولى رسول الله - ﷺ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثمّ يكون مُلكًا (٣) \" (٤).\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ١٨٢١.\n(٢) أخرجه البخاري: ٧٢٢٢، ٧٢٢٣.\n(٣) في الأصل كلمة (عَضوضًا) وقد حذفتها لعدم ورودِها في المصادر، وقد وردت هذه الكلمة في بعض الأحاديث الأخرى على اختلاف بين العلماء على ثبوتها، وثبت معناها في \"الصحيحة\" رقم (٥).\n(٤) أخرجه أبو داود والترمذي وابن حبّان في \"صحيحه\" وغيرهم، وصححه شيخنا - ﵀- في \"الصحيحة\" (٤٥٩).","vol":"7","page":320},{"text":"وقوله -تعالى-: ﴿كما استخلف الذين من قبلهم﴾ كما قال -تعالى- عن موسى -﵇-، أنّه قال لقومه: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ (١)، وقال -تعالى-: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ (٢).\nوقوله: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ (٣).\nثمّ ذكر الحافظ ابن كثير -﵀- بعضًا مِن حديث عديِّ بن حاتم، وأرى مِن الفائدة أن أسوقه بتمامه:\nقال -﵁-: \"بَينا أنا عند النبيّ - ﷺ - إذ أتاه رجُلٌ فشكا إليه الفاقَةَ، ثمّ أتاه آخر فشكا إليه قَطْع السبيل، فقال: يا عديّ هل رأيت الحِيْرَة؟ قلت: لم أرها وقد أُنبِئتُ عنها.\nقال: فإنْ طالت بك حياة لتَرَّين الظّعينة (٤) ترتحل من الحِيرَة حتى تطوف بالكعبة، لا تخاف أحدًا إلاَّ الله -قلت فيما بيني وبين نفسي: فأين دُعّار (٥) طَيئ الذين قد سَعّروا البلاد؟ - ولئنْ طالت بك حياة لتُفتَحنّ كنوزُ كسرى، قلت: كسرى بن هرمز؟ قال: كسرى بن هرمز، ولئنْ طالت بك حياة لتَرّين الرجل\n_________\n(١) الأعراف: ١٢٩.\n(٢) القصص: ٥ - ٦.\n(٣) النور: ٥٥.\n(٤) المرأة في الهودج.\n(٥) وهو الشاطر الخبيث المُفسد. \"الفتح\".","vol":"7","page":321},{"text":"يُخرج ملءَ كفّه مِن ذهبٍ أو فِضة؟ يطلُب مَن يقبلُه منه فلا يجد أحدًا يَقْبَلُه منه.\nولَيلقَينّ الله أحدكم يوم يلقاه وليس بينه وبينه تُرجمانٌ يُترجم له، فيقولَنّ له ألم أبْعَث إليك رسولًا فيُبلّغك؟ فيقول: بلى، فيقول: ألم أُعطك مالًا وأُفْضل عليك؟ فيقولُ بلى، فينظر عن يمينه فلا يرى إلاّ جهنّم وَينظر عن يساره فلا يرى إلاَّ جهنّم.\nقال عديّ: سمعْتُ النبيّ - ﷺ - يقول: اتقوا النّار ولو بشقّ تمرة، فمن لم يجد شِقّ تمرة، فبكلمة طيّبة.\nقال عديّ: فرأيت الظعينة ترتحل مِن الحيرة حتى تطوف بالكعبة، لا تخاف إلاَّ اللهَ، وكنتُ فيمن افتتَح كنوز كسرى بن هرمز، ولئنْ طالت بكم حياة لترونّ ما قال النبيّ أبو القاسم - ﷺ - يُخرج مِلءَ كفّه\" (١).\nثمّ ساق الحافظ ابن كثير بإسناد الإمام أحمد -رحمهما الله- إلى أُبيّ بن كعبٍ - ﵁- عن النبيّ - ﷺ - أنّه قال: \"بَشّر هذه الأُمّة بالسَّناء والرفعة، والدين والنّصر والتمكين في الأرض، فمَن عَمِل منهم عَمَل الآخرة للدنيا، لم يكن له في الآخرة نصيب\" (٢).\nثمّ قال -﵀-: وقوله: ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾.\nثمّ ذكَر حديث أنس، أنّ معاذَ بنَ جبل حدّثه قال: \"بينا أنا رديف رسول الله - ﷺ -، ليس بيني وبينه إلاّ أَخِرَة الرَّحْل، قال: يا معاذ، قلت: لبيّك يا رسول الله\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٣٥٩٥.\n(٢) أخرجه أحمد وابن حبان في \"صحيحه\" وغيرهم، وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٢٣، ٢٤).","vol":"7","page":322},{"text":"وسَعْديك، قال: ثمّ سار ساعة، ثمّ قال: يا معاذ بن جبل، قلت: لبيّك يا رسول الله وسعديك، ثمّ سار ساعة، ثمّ قال: يا معاذ بن جبل، قلت: لبيّك يا رسول الله وسعديك.\nقال: هل تدري ما حقّ الله على عباده؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإنّ حقَّ الله على عباده أن يعبدوه ولا يُشركوا به شيئًا.\nقال: ثم سار ساعة، ثمّ قال: يا معاذ بن جبل، قلت: لبيّك يا رسول الله وسعديك، قال: فهل تدري ما حقّ العباد على الله إذا فعلوه؟، قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإنّ حقّ العباد على الله أن لا يُعذّبهم\" (١).\nوقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أي: فمن خرَج عن طاعتي بعد ذلك، فقد فَسَقَ عن أمر ربّه، وكفى بذلك ذنبًا عظيما. فالصحابة - ﵃-، لمّا كانوا أقومَ النّاس بعد النبيّ - ﷺ - بأوامر الله -﷿-، وأطوعَهم لله- كان نصرُهم بحسبهم، وأظهروا كلمةَ الله في المشارق والمغارب، وأيّدهم تأييدًا عظيمًا، وتحكّموا في سائر العباد والبلاد، ولما قَصَّر الناس بعدهم في بعض الأوامر، نقَص ظهورُهم بحسبهم\".\nثم ذكَر الحافظ ابن كثير -﵀- حديث الطائفة الظاهرة المنصورة بروايات متعددة، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1984>٢ - اتباع منهج النبيّ - ﷺ </span>-\nومن أسباب النصر اتباع مَنهجِ النبيّ - ﷺ -، قال الله -تعالى-: ﴿وَمَاَ آتاكم\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٥٩٦٧، ومسلم: ٣٠.","vol":"7","page":323},{"text":"الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ (١).\nوفي الحديث: \"نُصرت بالرعب مسيرةَ شهرٍ\" (٢).\nوقال لنا شيخنا -﵀- في بعض مجالسه- بعد أن ذكَر الحديث الشريفَ: \"وإذا تمسَّكَت الأُمّة بما كان عليه رسول الله - ﷺ -؛ فإنّها تُنصَر مسيرةَ شهرٍ\".\nقال شيخنا -﵀- في كتاب \"منزلة السنّة في الإسلام وبيان أنّه لا يُستغنى عنها بالقرآن\" (ص ٦) -بحذف-: \"تعلمون جميعًا أنّ الله -﵎- اصطفى محمّدًا - ﷺ - بنبوته، واختصّه برسالته، فأنزل عليه كتابه القرآن الكريم، وأمَرَه فيه -في جُملة ما أمرَه فيه- أن يُبيِّنَه للنّاس، فقال -تعالى-: ﴿وَأَنزَلْنَاَ إِليكَ اَلذكرَ لِتُبَين للنَّاسِ مَا نُزِلَ﴾ (٣).\nوالذي أراه أن هذا البيان المذكور في هذه الآية الكريمة؛ يشتمل على نوعين من البيان:\nالأول: بيان اللفظ ونَظْمه، وهو تبليغ القرآن وعدم كتمانه، وأداؤه إلى الأمّة، كما أنزَله الله -﵎- على قلبه - ﷺ -، وهو المراد بقوله -تعالى-: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾ (٤).\nوالآخر: بيان معنى اللفظ أو الجملة أو الآية الذي تحتاج الأمَّة إلى بيانه،\n_________\n(١) الحشر: ٧.\n(٢) أخرجه البخاري: ٣٣٥، ومسلم: ٥٢١.\n(٣) النحل: ٤٤.\n(٤) المائدة: ٦٧.","vol":"7","page":324},{"text":"وأكثر ما يكون ذلك في الآيات المُجْملة أو العامّة، أو المطلقة، فتأتي السنّة فتُوضّح المُجْمَل، وتُخصّص العام، وتُقيِّد المُطلق، وذلك يكون بقوله - ﷺ -، كما يكون بفِعله وإقراره\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1985>٣ - اتباع مَنْهج السلف الصالح</span>\nولا يتيسّر اتباع نبيّنا - ﷺ - إلاّ بحبّ السلف الصالح واتباع مَنهجهم السديد، وسبيلِهم الرشيد، فهم الذين نقَلُوا كتاب الله -تعالى- وسُنّة نبيه - ﷺ -، وفَهْمُهم الكتاب والسُّنة، وعملُهم بذلك؛ مرجِعٌ ومَنْهَجٌ لمن بعدهم.\nقال -تعالى-: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (١).\nوكان شيخنا -﵀- كثيرًا ما يستدل بهذه الآية؛ مُبيِّنًا أهمية العمل بمقتضى الكتاب والسُّنة؛ بفهم سلفِ الأُمّة.\nولا يغيب عن بال كلِّ عاقل؛ أنّ فَهْمَ الكتاب والسنّة على منهج أصحاب رسول الله - ﷺ -؛ سبب اجتماعٍ وائتلافٍ، ودرءٌ للخصام والاختلاف، وهذا سبيل النصر بإذن الله -تعالى-.\nوعن العرباض بن سارية -﵁- قال: \"وعظَنا رسول الله - ﷺ - موعظةً بليغة وَجِلت منها القلوب، وذَرَفَت منها العيون: فقلنا: يا رسول الله! كأنّها موعظة مُودِّع فأوصِنا قال: أوصيكم بتقوى الله والسّمع والطاعة، وإنْ تأمَّر عليكم عبدٌ حبشيّ، وإنه مَن يَعِش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم\n_________\n(١) النساء: ١١٥.","vol":"7","page":325},{"text":"بسنّتي وسُنّة الخلفاء الراشدين المهديين، عَضّوا عليها بالنواجذ (١) وإيّاكم ومحُدثات الأمور، فإنّ كُل بدعة ضلالة\" (٢).\nوفي رواية: \"فقلنا يا رسول الله! إنّ هذه لموعظة مودعِّ، فماذا تَعْهَد إلينا؟ قال: قد تركْتكم على البيضاء، ليلُها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلاَّ هالك، مَن يَعِشْ منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بما عرفتُم مِن سُنّتي وسُنّة الخلفاء الراشدين المهديين، عَضّوا عليها بالنواجذ، وعليكم بالطاعة، وإنْ عبدًا حبشيًا، فإنما المؤمن كالجمل الأنِف (٣)، حيثما قِيْدَ انْقَاد\" (٤).\nلقد قال - ﷺ -: \"فعليكم بسنّتي وسُنّة الخلفاء الراشدين المهديّين، عَضّوا عليها بالنواجذ\" ولم يقل عضّوا عليهما، إذ ليس هنا أمرٌ باتباع سُنّتين، بل هما سُنّة واحدة، ولأنّ الخلفاء الراشدين -﵃- يعملون بسنة النبيّ - ﷺ -.\nولقد أخَذ الصحابة عن الخلفاء الراشدين -﵃ أجمعين- وكانوا أحرص الناس على الخير.\nوفي الحديث: \"ألا إنّ مَن قبلكم مِن أهل الكتاب، افترقوا على ثنتين\n_________\n(١) أي: ألزموا السنّة، واحرِصوا عليها؛ كما يلزم العاضّ على الشيء بنواجذه؛ مخافة ذَهابه وتفلُّته، والنواجذ: الأنياب، وقيل: الأضراس.\n(٢) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٨٥١) والترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (٢١٥٧)، وابن ماجه \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٤٠) وغيرهم.\n(٣) الأنِف: قال في \"النّهاية\": وهو الذي عقَرَ الخِشَاشُ أنْفَه، فهو لا يَمْتَنِع على قائدِه للْوَجَع الذي به. وقيل الأنِفُ الذَّلُول.\nوالخِشاش: ما يُدخل في عظم أنف البعير من خشب. \"المحيط\".\n(٤) \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٤١).","vol":"7","page":326},{"text":"وسبعين ملّة، وإنّ هذه الملّة، ستفترق على ثلاث وسبعين، ثِنتان وسبعون في النّار، وواحدة في الجنة، وهي الجَماعة\" (١).\nوفي رواية: \"ما عليه أنا وأصحابي\" (٢).\nوعن ابن عمر -﵄- قال: \"لا تسبّوا أصحاب محمد - ﷺ -، فلمقام أحدهم ساعة، خيرٌ مِن عمل أحدكم عُمُرَه\" (٣).\nبعد أن فهِمْنا أن الصحابة أخَذُوا مِن الخلفاء الراشدين، نعلم إنّ اتباع منهاج الصحابة -﵃- اتباع لمنهاج الخلفاء، واتباع للسُنّة كذلك، واتباع السنّة؛ اتباعٌ للقرآن العظيم.\nإذا عرفْنا هذا التّدرج والتسلسل؛ علمْنا إذن أنّ مَن أخَذ عن الصحابة - ﵃- فقد أخذَ عن الله -سبحانه- ومَن رفض منهاج الصحابة؛ فقد رفَض كتاب الله -﷿-.\nوهنا نفهم سرّ ضلال وزيغ من كفَّر الصحابة -عياذًا بالله- إلاّ بضعًا منهم -على اختلاف رواياتهم-!!!\nفإنك ترى الذين كفّروا الصحابة -﵃- هم أنفسهم الذين لم\n_________\n(١) أخرجه أبو داود والدارمي وأحمد وغيرهم، وانظر \"الصحيحة\" (٢٠٤).\n(٢) حسن بطرقه وشواهده، وتفصيله في \"الصحيحة\" (٢٠٣، ٢٠٤) (التحقيق الثاني).\n(٣) أخرجه ابن ماجة \"صحيح سنن ابن ماجة\" (١٣٣)، وابن أبي عاصم \"كتاب السنة\"، ورجال إسناده ثقات رجال الشيخين غير نُسير بن ذعلوق، وقد وثّقه جمع من الأئمة، وروى عنه جمع مِن الثقات، في الكتاب الآنف الذكر، برقم (١٠٠٦) كما ذكر لي شيخنا -﵀- وأودعهُ في (التحقيق الثاني)، وفي كتابه \"تيسير انتفاع الخلاّن بكتاب ثقات ابن حبّان\".","vol":"7","page":327},{"text":"يؤمنوا بالقرآن والسُّنّة، فلم تَعُدْ لهم ضوابطُ صحيحة تَحْكُمُهم.\nوما ضلّ الضالون وانحرف المُنحرفون، إلاّ لأنهم لم يتقيدوا بمنهاج السلف الصالح، ذلك لأنهم أطلقوا لعقولهم العنان في فهم الكتاب والسنّة، وبذلك تعدّدت المناهج والأفكار والدعوات والأحزاب، والكل يقول: نحن على الكتاب والسّنّة.\nوكلٌّ يدَّعي وصلًا بليلى ... وليلى لا تُقرُّ لهم بذاك (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1986>٤ - العلم</span>\nومن أسباب النصر والتمكين؛ العلم، والعمل بمقتضاه، قال الإمام البخاري -﵀-: \"باب العلم قبل القول والعمل؛ لقول الله -تعالى-: ﴿فاعلم أنّه لا إله إلاَّ الله﴾ (٢)، فبدأ بالعلِم ... \" (٣).\nوقال الإمام البخاري -﵀- أيضًا: \"باب قول النبيّ - ﷺ -: لا تزال طائفة مِن أمّتي ظاهرين على الحقّ يُقاتِلون، وهم أهل العلم (٤) \" (٥).\nثمّ ذَكر حديث المغيرة بن شعبة -﵁- عن النبيّ - ﷺ - قال: \"لا\n_________\n(١) انظر كتابي \"وصية مودع\" (ص ٣٤).\n(٢) محمد: ١٩.\n(٣) انظر \"صحيح البخاري\" (كتاب العلم) (باب - ١٠).\n(٤) انظر للمزيد من الفائدة \"السلسلة الصحيحة\" تحت عنوان \"من هي الطائفة المنصورة\" (برقم ٢٧٠).\n(٥) انظر \"صحيح البخاري\" كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة (باب - ١٠).","vol":"7","page":328},{"text":"يزال طائفة من أمّتي ظاهرين حتى يأتيهم أمْرُ الله وهم ظاهرون\" (١).\nثمّ ذكَر حديث حميد قال: سمعت معاويةً بن أبي سفيان -﵁- يخطب قال: سمعتُ النبيّ - ﷺ - يقول: \"مَن يُرد الله به خيرًا يُفقّهه في الدين، وإنّما أنا قاسم ويُعطي الله، ولن يزال أمْرُ هذه الأُمّة مستقيمًا؛ حتى تقوم الساعةُ أو حتى يأتيَ أمرُ الله\" (٢).\nقلت: وذِكْر الإمام البخاري﵀- هذا الحديث تحت الباب المذكور، يعني أنّ الذين وُفّقوا للتفقُّه في الدين، هم الطائفة المنصورة الظاهرة على الحقّ والله -تعالى- أعلم.\nوقال عمر -﵁-: \"تفقّهوا قبل أن تُسوَّدوا\" (٣).\nقال أبو عبد الله -يعني الإمام البخاري -﵀-\" ... وبعد أن تُسوَّدوا، وقد تعلّم أصحاب النبيّ - ﷺ - في كِبَر سنّهم\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1987>٥ - تزكية النفوس والائتمار بما أمر الله -تعالى- والانتهاء عما نهى -سبحانه</span>-.\nقال -تعالى-: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (٤).\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٧٣١١، ومسلم: ١٩٢١.\n(٢) أخرجه البخاري: ٧٣١٢، ومسلم: ١٠٣٧.\n(٣) رواه البخاري في \"صحيحه\" مُعلقًا مجزومًا به في كتاب العلم (باب الاغتباط في العلم والحكمة) ووصله أبو خثيمة في (العلم) (٩) بسند صحيح وكذا ابن أبي شيبة، وانظر \"مختصر صحيح البخاري\".\n(٤) آل عمران: ١٦٠.","vol":"7","page":329},{"text":"وقال -سبحانه-: ﴿ولينصرن الله من ينصره إن الله لقويٌّ عزيزٌ﴾ (١).\nوقال: ﴿إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم﴾ (٢).\nوقال -تعالى-: ﴿وكان حقًا علينا نصرُ المؤمنين﴾ (٣).\nفمن هم المؤمنون المنصورون؟\nقال الله -تعالى-: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (٤).\nفمِن شأن المؤمنين أن تخاف قلوبُهم وتفزع عند ذكر الله -تعالى- فيسارِعون بالطاعات وأداءِ الفرائض والسُّنن، واجتناب المحرّمات والنواهي، وإِذا تُليت عليهم آياته -سبحانه- زادتهم تصديقًا، فخضَعت قلو بهم وجوارحهم وألسنتهم لله، بل وأقبلوا على الله بيقين.\nإنهم يتوكلون على ربِّهم -سبحانه- لا يرجون غيره، ولا يرغبون إلاّ إليه، وهم يوقنون أنّه لن يُخيِّبهم أو يردّهم.\nإنهم يقيمون الصلاة بالمحافظة على مواقيتها وما فيها من الأركان والواجبات والسنن، وقد قال - ﷺ -: \"إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها، بدعوتهم\n_________\n(١) الحج: ٤٠.\n(٢) محمد: ٧.\n(٣) الروم: ٤٧.\n(٤) الأنفال: ٢ - ٤.","vol":"7","page":330},{"text":"وصلاتهم وإخلاصهم\" (١).\nإِنهم ينفقون مما أعطاهم الله -سبحانه-: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (٢).\nثمّ قال -سبحانه-: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المؤمُنونَ حَقًّا﴾ (٣).\nقال الحافظ ابن كثير -﵀-: \"أي المتصفون بهذه الصفات هم المؤمنون حقّ الإيمان\".\nويتضمّن ما سَبق:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1988>٦ - ترْك الذنوب والمعاصي والأهواء</span>\nقال الله -تعالى-: ﴿فأذنوا بحربٍ من الله ورسوله﴾ (٤)، فكيف تريد أمةٌ حَربَ المشركين والكفّار والملحدين وقد آذَنَها الله بالحرب.\nفالله أكبر مِن خلقه جميعًا، والله أعزُّ مما يُخاف ويُحذَر.\nفعلينا أن نزيل الخطر الذي ذكَر الله -تعالى- بكتابه، ولا ملجأ منه إليه، بترك اجتراح الخطايا واقتراف الذنوب، ثمّ نلتفت إلى ما بعده.\nوعن أبي عامر الهوزني قال: سمعت معاوية -﵁- يقول: \"يا\n_________\n(١) أخرجه النسائي \"صحيح سنن النسائي\" (٢٩٧٨)، وانظر \"الصحيحة\" (٢/ ٤٠٩)، وقد ذكَرْته في باب (الانتصار بالضعفاء: بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم).\n(٢) المعارج: ٢٤ - ٢٥.\n(٣) الأنفال: ٤.\n(٤) البقرة: ٢٧٩.","vol":"7","page":331},{"text":"معشر العرب، والله لئن لم تقوموا بما جاء به نبيّكم لَغَيركم مِن الناس؛ أحرى أن لا يقوم به، إن رسول الله - ﷺ - قام فينا يومًا فذكَر أنّ أهل الكتاب قبلكم افترقوا على اثنتين وسبعين فرقة في الأهواء، ألا وإنّ هذه الأمّة ستفترق على ثلاثٍ وسبعين فرقةً في الأهواء\" (١).\nوقال الله -تعالى-: ﴿إن الله لا يغير ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾ (٢).\nوجاء في \"التفسير القيّم\" (ص ٥٤٥): \"وهل زالت عن أحد قطّ نعمةٌ إلاّ بشؤم معصيته، فإنّ الله إذا أنعم على عبدٍ نعمة حَفِظَها عليه، ولا يُغيّرها عنه حتى يكون هو الساعي في تغييرها عن نفسه، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ (٣)، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (٤).\nومَن تأمَّل ما قصَّ الله في كتابه مِن أحوال الأُمم الذين أزال نِعَمَه عنهم، وجَد سبب ذلك جميعه؛ إنما هو مخالفة أمره، وعصيان رُسُله -﵈-، وكذلك مَن نظَر في أحوال أهل عصره، وما أزال الله عنهم مِن نِعمه، وجَد ذلك كلَّه مِن سوء عواقب الذنوب، كما قيل:\nإذا كنت في نعمةٍ فارْعَها ... فإنّ المعاصي تزيل النِّعَم\n_________\n(١) انظر تخريج شيخنا -﵀- لكتاب \"السُّنَّة\" لابن أبي عاصم (٦٨، ٦٩).\n(٢) الرعد: ١١.\n(٣) الرعد: ١١.\n(٤) الأنفال: ٥٣.","vol":"7","page":332},{"text":"فما حُفظت نعمةُ الله بشيءٍ قطّ، مِثْل طاعتهِ، ولا حَصَلت فيها الزيادة بمثلِ شُكره.\nولا زالت عن العبد نعمة بِمثل معصيته لربّه، فإنها نار النعم التي تعمل فيها؛ كما تعمل النار في الحطب اليابس، ومَن سافر بفكره في أحوال العالم؛ استغنى عن تعريف غيرِه له\".\nوقال شيخنا عقب كلام الحافظ ابن حجر -رحمهما الله تعالى- بعد وصف تردي الأحوال: \"ما أشبه الليلة بالبارحة، بل الأمر أسوأ، فإنّه لا خليفةَ اليوم لهم، لا اسمًا ولا رسمًا، وقد تغلَّبت اليهود والشيوعيون والمنافقون على كثير مِن البلاد الإسلامية.\nفالله -تعالى- هو المسؤول أن يوفّق المسلمين أن يأتمروا بأمره في كل ما شَرَع لهم، وأن يُلْهِم الحُكّام منهم أن يتحدوا في دولة واحدة تَحْكُمْ بشريعته، حتى يُعزّهم الله في الدنيا، ويُسعِدَهم في الآخرة، وإلاّ فالأمر كما قال -تعالى-: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (١).\nوتفسيرها في الحديث الصحيح: \"إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد في سبيل الله، سلط الله عليكم ذُلاّ لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم\"، فإلى دينكم أيها المسلمون حُكّامًا ومحكومين\" (٢).\nوقال شيخنا -﵀- تحت عنوان (الخلافة في قريش ما أطاعوا الله)\n_________\n(١) الرعد: ١١.\n(٢) انظر \"الصحيحة\" المجلد السادس، القسم الثاني، تحت الحديث (٢٨٥٦) وتقدّم.","vol":"7","page":333},{"text":"وبعد ذِكر الحديث المتعلِّق به: \"وهذا الحديث عَلَمٌ مِن أعلام نبوته - ﷺ -، فقد استمرّت الخلافة في قريش عدّة قرون، ثمّ دالت دولتهم، بعصيانهم لربهم، واتباعهم لأهوائهم، فسلّط الله عليهم مِن الأعاجم مَن أخذ الحُكم من أيديهم وذلَّ المسلمون مِن بعدهم، إلاَّ ما شاء الله، ولذلك فعلى المسلمين إذا كانوا صادقين في سعيهم لإعادة الدولة الإسلامية، أن يتوبوا إلى ربهم، ويرجعوا إلى دينهم، ويتّبعوا أحكام شريعتهم، ومِن ذلك أنّ الخلافة في قريش بالشروط المعروفة في كُتُب الحديث والفقه، ولا يحكِّموا آراءهم وأهواءهم، وما وجدوا عليه آباءهم وأجدادهم، وإلاّ فسيظلون محكومين مِن غيرهم، وصدَق الله إذ قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ والعاقبة للمتقين\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1989>٧ - ترك التحايل </span>(٢)\nويتفرّع من تزكية النفس والائتمار بأمر الله -تعالى- واجتناب نواهيه ترْك التحايل.\nأقول: ودراسة الحديث المُشار إليه \"إذا تبايَعْتُم بالعِيْنَة (٣) وأخذتم أذناب\n_________\n(١) انظر \"الصحيحة\" تحت الحديث (١٥٥٢).\n(٢) قال شيخ الإسلام -﵀- في \"مجموع الفتاوى\" (٢٩/ ٢٩): \"ودلائل تحريم الحِيَل من الكتاب والسنة والإجماع والاعتبار كثيرة؛ ذكَرنا منها نحوا من ثلاثين دليلًا؛ فيما كتبناه في ذلك\".\n(٣) العِينة: هو أن يبيعَ رجل سلعة؛ بِثَمنٍ مَعْلوم إلى أجَلٍ مُسَمّىً، ثمّ يَشْتَرِيها منه بأقلَّ من الثَّمن الذي باعَها به، وسُمِّيت عِينَةً لحصُول النَّقْد لصاحب العِينَة لأنَّ العَيْن؛ هو المَال الحاضِرُ من النَّقْد، والمُشْتَرِي إنما يَشْتريها ليَبِيعَها بعَيْن حاضِرَة؛ تَصِل إليه مُعَجَّلَة. \"النّهاية\".","vol":"7","page":334},{"text":"البقر، ورضيتم بالزّرع، وتركتم الجهاد في سبيل الله؛ سلّط الله عليكم ذلًاّ لا ينزعه عنكم؛ حتى ترجعوا إلى دينكم\" (١)، مِن أهم النصوص في مبحثنا هذا؛ لاستجلاب النصر ورفع الذلّة والهوان، وكان شيخنا -﵀- يُكثر مِن افتتاحه بهذا الحديث العظيم؛ ليبيّن كيف تسعد الأمّة في الدارين.\nكيف تَنْتصر أمّة؛ وفيها مَن يتحايل في بيعها وشرائها؟!\nكيف تَنتصر أمّة؛ وفيها مَن همُّه الاستكثار من المال، مِن غير مبالاةٍ أمِن حرامٍ هو أمْ مِنْ حلال؟!\nلا بُدَّ مِن التجرُّد مِن أهواء النفوس وحظوظها.\nلقد قال - ﷺ - كلمة بيّنةً واضحة: \"سلّط الله عليكم ذُلًا؛ لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم (٢) \".\nفمن قال: هذه فروع وقشور؛ فإنه مخُالِفٌ هدي النبيّ - ﷺ -، فقد بيّن - ﷺ - أنّ الذّل لا يُنزع إلاّ بأمور؛ منها تَرْك التحايل.\nوليس ببعيدٍ عنّا ما جرى لليهود مِن ضروبٍ مِن التحايل ورَد ذكرها في الكتاب والسُنّة؛ كانت سببًا في عذابهم وإذلالهم.\nومن ذلك قوله -تعالى-: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا\n_________\n(١) أخرجه أحمد وأبو داود، وانظر تفصيل تخريجه في \"الصحيحة\" (١١) وتقدّم.\n(٢) وما هو الدين الذي نرجع إليه؟ إنه الكتاب والسنّة بمنهج الصحابة -﵃- وسلف الأمّة، وها نحن نزعم أننا متمسكون بالدين، فأين نحن مِن نزع الذلّة والهوان؟!.","vol":"7","page":335},{"text":"قِرَدَةً خَاسِئِينَ * فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١).\nقال ابن كثير -رحمه الله تعالى-: \"وَلَقَدْ علمتم يا معشرَ اليهود، ما حَلّ مِن البأس بأهل القرية التي عصَت أمر الله وخالفوا عهدَه وميثاقه؛ فيما أخَذَه عليهم مِن تعظيم السبت والقيام بأمره، إذ كان مشروعًا لهم، فتحيّلُوا على اصطياد الحيتان في يوم السبت، بما وضعوه لها من الشصوص (٢) والحبائل والبِرَك قبل يوم السبت، فلمّا جاءت يومَ السبت على عادتها في الكثرة؛ نَشِبَت بتلك الحبائل والحِيَل، فلم تخلُص منها يومها ذلك، فلمّا كان الليل أخذوها بعد انقضاء السبت، فلمّا فعلوا ذلك؛ مسَخَهم الله إلى صورة القِرَدة، وهي أشبه شيء بالأناسيّ في الشكل الظاهر، وليست بإنسانٍ حقيقة.\nفكذلك أعمالُ هؤلاء وحيَلُهم لمّا كانت مشابِهةً للحقّ في الظاهر ومخالِفةً له في الباطن، كان جزاؤهم مِن جنس عملهم.\nوهذه القصة مبسوطة في سورة الأعراف، حيث يقول -تعالى-: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (٣)، القصة بكمالها\".\nوذكر أهل التفسير أقوالًا في المراد بقوله -سبحانه-: ﴿لما بين يديها وما خلفها﴾.\nوقد رجّح ابن كثير منها أنّ المراد مَنْ بِحَضْرَتِها من القرى التي يبلغهم\n_________\n(١) البقرة: ٦٥ - ٦٦.\n(٢) جمع الشِّص: وهو حديدة عقفاء، يُصاد بها السمك، \"القاموس المحيط\".\n(٣) الأعراف: ١٦٣.","vol":"7","page":336},{"text":"خبرُها، وما حلّ بها، كما قال: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (١)، وقال -تعالى-: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾ (٢)، وقال: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (٣).\nفجعلهم عبرةً ونكالًا لمن في زمانهم، وعبرة لمن يأتي بعدهم بالخبر المتواتر عنهم، ولهذا قال: ﴿وَمَوْعِظَةً للمُتَّقِينَ﴾ \".\nوفي الحديث: \"لعَن الله اليهود إن الله حرّم عليهم الشحوم؛ فباعوها وأكلوا أثمانها وإنّ الله إذا حرّم على قوم أكْل شيء؛ حرّم عليهم ثمنَه\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1990>٨ - ترْك البِدَع</span>\nومن أسباب النصر والتمكين ترْك البِدع، ففي حديث العرباض بن سارية المتقدّم: \" ... إنّه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا ... \".\nثمّ كان بيان الدواء النبوي: \" ... وإيّاكم ومحدثات الأمور، فإنّ كلّ بدعة ضلالة\".\nفقد بيَّن رسول الله - ﷺ - أنّ البدع سببٌ في الاختلاف الكثير، وأنّ تَرْك المحدثات طريق النجاة والائتلاف.\nوإذا كانت كلّ بدعة ضلالة؛ فكيف يَنتصرُ الضالون؟!\n_________\n(١) الأحقاف: ٢٧.\n(٢) الرعد: ٣١.\n(٣) الأنبياء: ٤٤.\n(٤) أخرجه أحمد في مسنده، وأبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٩٧٨).","vol":"7","page":337},{"text":"وإذا كانت البدعة تستجلب غضب الله؛ فكيف ينصرنا وهو غاضب علينا؟! وقد قال - ﷺ -: \"إنّ الله حجَب التوبة عن كل صاحب بدعة حتى يدَع بدعته\" (١).\nوهل ينتصر إلاّ التائبون.\nولا تنس أنّ المبتدع قد يبلغ أمره إلى حمْل السلاح ومقاتلة أهل الحقّ.\nفعن الحَكَم بن المبارك عن عمر بن يحيى قال: سمعْتُ أبي يحدِّث عن أبيه قال: \"كنّا نجلس على بابِ عبد الله بن مسعود قبل صلاة الغداة، فإذا خرَج مشينا معه إلى المسجد، فجاءنا أبو موسى الأشعري، فقال: أخرَج إليكم أبو عبد الرحمن بعد؟ قلنا: لا، فجلس معنا حتى خرَج، فلمّا خرَج قمنا إليه جميعًا، فقال له أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن! إنّى رأيت في المسجد آنفًا أمرًا أنكرْتُه، ولم أرَ والحمد لله إلاَّ خيرًا، قال: فما هو؟ فقال: إن عشت فستراه.\nقال: رأيت في المسجد قومًا حلقًا جلوسًا، ينتظرون الصلاة، في كلّ حلقةٍ رجل، وفي أيديهم حصى، فيقول: كبّروا مائة، فيكبّرون مائة، فيقول: هلِّلوا مائة، فيهلّلون مائة، ويقول: سبِّحوا مائة، فيسبّحون مائة.\nقال: فماذا قلت لهم؟ قال: ما قلتُ لهم شيئًا انتظار رأيك -أو انتظار أمرك-، قال: أفلا أمرْتَهم أن يعدّوا سيئاتهم، وضمِنْت لهم أن لا يضيع مِن حسناتهم شيء؟\nثمّ مضى ومضينا معه، حتى أتى حلقة مِن تلك الحلق، فوقَف عليهم، فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن! حصى نعدُّ به التكبير\n_________\n(١) أخرجه الطبراني في \"الأوسط\" وغيره، وانظر \"صحيح الترغيب\" (٥٤) و\"الصحيحة\" (١٦٢٠).","vol":"7","page":338},{"text":"والتهليل والتسبيح، قال: فعدُّوا سيئاتكم فأنا ضامنٌ أن لا يضيعَ مِن حسناتكم شيءٌ؛ ويْحَكم يا أمّة محمّد! ما أسرع هلكتكم! هؤلاء صحابة نبيكم - ﷺ - متوافرون، وهذه ثيابه لم تَبْل، وآنيته لم تُكْسر، والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملّة هي أهدى من ملّة محمد، أو مفتتحو باب ضلالة؟!\nقالوا والله: يا أبا عبد الرحمن! ما أردنا إلاَّ الخير، قال: وكم من مريد للخير لن يصيبه، إنّ رسول الله - ﷺ - حدّثنا: أنّ قومًا يقرءون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، وايم الله ما أدري لعل أكثرهم منكم! ثمّ تولى عنهم، فقال عمرو بن سلمة: فرأينا عامّة أولئك الحلق يُطاعنونا يوم النّهروان مع الخوارج\" (١).\nوهكذا لمّا ذكَر القومُ ربَّهم بغير هُدى أو نور مِن الكتاب والسنّة، واختاروا صراط البدعة؛ كانت عاقبة أمرهم أن يُطاعِنوا المسلمين ويقاتلوهم يوم النهروان مع الخوارج.\nوهكذا خَرج هؤلاء عن سبيل المؤمنين ابتداءً مِن التسبيح والتهليل والتكبير وهم لا يريدون إلاّ الخير بزعمهم، وكذلك ما أرادوا إلاّ الخير في قتال المسلمين يوم النهروان!\nفأيّ خير هذا الذي أبلَغَهم؛ أن يُطاعنوا المسلمين، ويسفِكوا دماءهم؟! (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1991>٩ - الإعداد العسكري</span>\nقال الله -تعالى-: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ (٣).\n_________\n(١) أخرجه الدارمي (١/ ٦٨)، وإسناده صحيح، رجاله كلّهم ثقات وانظر \"الردّ على التعقّب الحثيث\" (ص ٤٧) لشيخنا الألباني -﵀-.\n(٢) انظر كتابي \"وصيّة مودِّع\" (ص ٥٣).\n(٣) الأنفال: ٦٠.","vol":"7","page":339},{"text":"عن أبي ذرٍّ -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ما من فرسٍ عربيّ؛ إلاَّ يُؤذَن له عند كل سَحَر، بكلمات يدعو بهنّ: اللهم خوّلتني (١) مِن بني آدم، وجعلتني له، فاجعلني أحبَّ أهلهِ ومالِه، أو مِن أحبِّ أهلهِ ومالِه إليه\" (٢).\nهذا ولا بد من الإفادة مِن أهل العسكرية، وما يَتْبَع ذلك مِن تقنيات في ضوء الاستطاعة والقُدرة، مِن غير تقصير، ولكن ينبغي للمسلمين أن لا تضعُف هممهم ولا تفتر عزائمهم؛ إذا رأوا أَنهم أقلّ مِن الأعداء؛ عددًا أو عُدّةً أو سلاحًا، فهذا الحال الذي كان عليه النبيّ - ﷺ - وأصحابه -﵃-، وعليهم استكمال الأسباب المطلوبة الأخرى؛ مع عدم الإعجاب بالقوّة أو الكثرة.\nقال الله -تعالى-: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ * ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣). قال الحافظ ابن كثير -﵀-: \"يذكُر -تعالى- للمؤمنين فضْله عليهم وإحسانَه لديهم في نَصْرِه إياهم في مواطنَ كثيرةٍ مِن غزواتهم مع رسوله، وأنّ ذلك من عنده -تعالى-، وبتأييده وتقديره، لا بعَدَدِهم ولا بعُدَدِهم ونبَّهَهم على أنّ النصر مِنْ عِنْده، سواء قلَّ الجمع أو كثُر، فإنّ يوم حُنين أعجَبَتْهم كثرتُهم، ومع هذا ما أجدى ذَلك عنهم شيئًا فولَّوْا مُدبرين إلاَّ\n_________\n(١) التخوُّل: التمليك والتّعهُد.\n(٢) أخرجه النسائي وصححه -شيخنا ﵀- في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١٢٥١) وتقدّم.\n(٣) التوبة: ٢٥ - ٢٧.","vol":"7","page":340},{"text":"القليلَ منهم مع رسول الله - ﷺ -. ثمّ أنزَل الله نصرَه وتأييده على رسوله وعلى المؤمنين الذين معه ...، ليُعلِمهم أنّ النصر مِن عنده -تعالى- وحده وبإمداده - وإنْ قلّ الجمع-، فكم مِن فئةٍ قليلةٍ غلبَت فئةً كثيرةً بإذن الله، والله مع الصابرين\".\nعن صهيبٍ -﵁- قال: \"كان إذا صلّى (١) هَمس، فقال: أفطنتم لذلك؟ إني ذكَرْت نبيًّا من الأنبياء؛ أعطِيَ جنودًا مِن قومه، فقال: من يكافئ هؤلاء أو مَن يُقاتل هؤلاء؟ أو كلمةً شبهها، فأوحى الله إليه أنِ اختر لقومك إحدى ثلاث: أن أسَلِّط عليهم عدوَّهم أو الجوع أو الموت.\nفاستشار قومه في ذلك؟ فقالوا: نَكِلُ ذلك إليك أنت نبيّ الله، فقام فصلّى وكانوا إذا فَزِعوا، فزعوا إلى الصلاة، فقال: يا رَبّ أمّا الجوع أو العدوّ فلا، ولكن الموتَ، فسلّط عليهم الموت ثلاثة أيام، فمات منهم سبعون ألفًا، فهَمْسِي الذي تَرون أنّي أقول: اللهمّ بك أقاتل وبك أصاول (٢) ولا حولَ ولا قوّةَ إلاّ بك\" (٣).\nوكأنّ الله -تعالى- قضى أنْ يتفوَّق الكُفَّار في العدد، والعُدّة، والتقدم العلميّ؛ لتظهَر معجزة أهل الإيمان، مع الإعداد الممكن، كما في قوله -تعالى-: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (٤).\n_________\n(١) أي رسول الله - ﷺ -.\n(٢) أصاول: أسطو وأقهر، والصولة: الحملة والوثبة. \"النّهاية\".\n(٣) أخرجه ابن حبان في \"التعليقات الحسان\" (٤٧٣٨)، وابن نصر في \"الصلاة\" وغيرهما، وانظر \"الصحيحة\" (١٠٦١)، وفي بعض الطرق أنّ الصلاة هي صلاة الفجر، وأنّ الهمس كان بعدها، وفي أيام حنين كما في \"المسند\" وانظر المصدر المذكور.\n(٤) الأنفال: ٦٠.","vol":"7","page":341},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1992>١٠ - الإعداد المعنوي </span>(١)\nوهو الاستبشار بالنصر والتمكين والغَلَبة والفوز والنّجاح، وهو كذلك شجاعة النفس في الإقدام على الأمور بثقة واطمئنان وتفاؤُل.\nويجب أن يكون هذا المعنى عند الإمام والقائد والعسكر والجُند والشعب وعامّه المجتمع.\nوينبغي على الحاكم أن يُوظّف الأجهزة التي تخدم هذا الهدف النبيل؛ بأحسن الوسائل وأفضلها، ويكون هذا بالفأل الصالح وعدم الطِّيرَة.\nوقال الإمام البخاري -﵀-: في كتاب \"الأدب المفرد\" (باب التبرّك بالاسم الحسَن) (٢)، ثمّ ذكَر حديثَ عبد اللهِ بن السائب -﵁- أن النبيّ - ﷺ - عام الحديبية، حين ذكَر عثمانُ بنُ عفانَ أنّ سهيلًا قد أرسَلَه إليه قومه، فصالحوه، على أن يرجع عنهم هذا العام، ويخلوها لهم قابلَ ثلاثة، فقال النبيّ - ﷺ - حين أتى. فقيل: أتى سُهيل، \"سهَّلَ الله أمرَكم\" (٣).\nوعن أنس -﵁- عن النبيّ - ﷺ - قال: \"لا عدوى (٤) ولا\n_________\n(١) المعنوي: خلاف الماديّ، وهي كلمة محُدَثة، والمحدَث: هو الذي استعمله المحدَثون في العصر الحديث، وشاع في لغة الحياة العامّة، انظر \"المعجم الوسيط\".\n(٢) انظر الكتاب المذكور (باب - ٣٦٢).\n(٣) أخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" (رقم ٧٠٣)، وابن حبان انظر \"التعليقات الحِسان\" (٤٨٥٢)، وأصل الحديث مُطوَّل في \"صحيح البخاري\" (٢٧٣١، ٢٧٣٢).\n(٤) العدوى: اسم مِن الإعداء، أعداه الدّاء بأن يُصيبه مِثلَ ما بصاحب الداء، بأن يكونَ =","vol":"7","page":342},{"text":"طِيَرة (١) ويعجبني الفأل (٢) الصالح: الكلمة الحسنة\" (٣).\nوقد نهى الإسلام عن اليأس والقنوط، قال -تعالى-: ﴿إنه لا ييأسُ من روحِ الله\n_________\n= ببعيرٍ جَرُب مثلًا؛ فيتقي مخالطته بإبِلٍ أخرى؛ حذرًا أن يتعدّى ما به من الجرَب إليها، ويظنّون أنّه بنفسه يتعدّى، فأبطَلَه الإسلام وأعلَمَهم النبيّ - ﷺ - بأن الله يُمرِض، ويُنزِل الداء، ولذا قال: فمَن أعدى الأوّل، أي مَن صار فيه الجرَب، أي لا عدوى بطبْعِه، ولكن بقضائه وإجراء العادة. \"مجمع بحار الأنوار\". وحديث \"مَن أعدى الأوّل\" أخرجه البخاري: ٥٧٧١، ومسلم: ٢٢٢٠.\n(١) الطِّيرَة -بكسر الطاء وفتح الياء، وقد تُسكَن-: \"هي التشاؤم بالشيء، وهي مصدر تَطَيَّر، يُقال: تطيَّر طِيرَةً، وتَخَيَّر خِيَرةً، ولم يجيء مِن المصادر هكذا غيرهما.\nوأصْلُه فيما يُقال أنّ أهل الجاهلية إذا خرجوا لحاجة أو سفر؛ فإنْ رَأَوا الطيور أخذَت ذاتَ اليمين؛ تيَمّنوا بها واستمرّوا ومضَوا، وإنْ أخذَت ذاتَ الشِّمال، رجَعوا عن سفرِهم وحاجتِهم وتشاءموا بها، فكانت تصدُّهم في كثيرٍ من الأوقات عن مصالحهم، فنفى الشرعُ ذلك وأبطلَه ونهى عنه\". ملتقط من \"النّهاية\" و\"شرح النّووي\" (١٤/ ٢١٩).\n(٢) قال الإمام النّووي -﵀- في \"شرحه\" (١٤/ ٢١٩): -بحذف، في تفسير كلمة الفأل-: \"وقد فسَّره النبيّ - ﷺ - بالكلمة الصالحة والحسنة والطيّبة، قال العلماء: يكون الفأل فيما يَسُرُّ، وفيما يَسوء، والغالب في السرور، قال العلماء: وإنما أحبَّ الفأل؛ لأنّ الإنسان إذا أمّل فائدة الله -تعالى- وفضله عند سبب قويٍّ أو ضعيف؛ فهو على خيرٍ في الحال، وإنْ غلط في جهة الرجاء؛ فالرجاء له خير، وأما إذا قَطع رجاءه وأملَه من الله -تعالى- فإنّ ذلك شرٌّ له، والطِّيَرة فيها سوء الظنّ وتوقُّع البلاء، ومِن أمثال التفاؤل: أن يكون له مريض، فيتفاءل بما يسمعه، فيسمع مَن يقول: يا سالم، أو يكون طالب حاجة، فيسمع من يقول: يا واجد، فيقع في قلبه رجاء البرء، أو الوجدان والله أعلم\".\n(٣) أخرجه البخاري: ٥٧٥٦، ومسلم: ٢٢٢٤.","vol":"7","page":343},{"text":"إلاَّ القومُ الكافرون﴾ (١).\nووجْه ذِكْر هذه الآية الكريمة؛ أنّ يعقوب حينما أُخبر بفقد ولده يوسف -﵉- حَزِن حُزنًا شديدًا، ثمّ أُخبر أنّ ابنًا آخر له قد سَرَق، فازداد همُّه وبثُّه، ومع ذلك فإنّ يعقوبَ -﵇- قد قَوي رجاؤُه بالله -سبحانه-؛ أن يردّ له ولديه؛ كما قال -تعالى- في حقّه: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (٢).\nوقال -سبحانه- في حقّه أيضًا: ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾.\nفتأمّل قوة رجائه بالله، وإحسانه الظنّ به -سبحانه-، مع ما قد عَلِمنا من عِظَم المصيبة وصعوبة الأمر.\nومِن أفضل الوسائل في تحقيق المراد في القوة (المعنوية)؛ الإفادة من النّصوص المبشّرة بالنصر، وانتشار الإِسلام، وقد ذكَرْتُ ما تيسَّر منها تحت عنوان: (البشرى بانتصار المسلمين وانتشار الإِسلام) فالحمد لله تعالى على مَنّه وكرمه وإنعامه وتوفيقه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1993>١١ - التآلف واجتماع الكلمة، وعدم التفرق والاختلاف</span>\n*لقد جاء الإسلام ليجمعَ القلبَ إلى القلب، ويَضمّ الصفّ إلى الصفّ، مُستهدِفًا إقامة كيان موحَّد، ومُتّقِيًا عوامل الفُرقة والضعف، وأسبابَ الفشل\n_________\n(١) يوسف: ٨٧.\n(٢) يوسف: ٨٣.","vol":"7","page":344},{"text":"والهزيمة، ليكون لهذا الكيان الموحَّد القدرةُ على تحقيق الغايات السامية، والمقاصدِ النبيلة، والأهدافِ الصالحة التي جاءت بها رسالته العظمى؛ مِن عبادة الله -تعالى-، وإعلاءِ كلمتِه، وإقامةِ الحقّ، وفِعْلِ الخير، والجهاد، من أجل استقرارِ المبادئ التي يعيش الناس في ظلّها آمنين.\nفهو لهذا كلِّه يُكوِّن روابط وصلات بين أفراد المجتمع، لتُنشئ هذا الكيان وتدعمه، وليست هذه كغيرها مِن الروابط المادية، التي تنتهي بانتهاء دواعيها، وتنقضي بانقضاء الحاجة إليها.\nإنّها روابطُ أقوى مِن روابط الدم، واللون، واللغة، والوطن والمصالح المادّية، وغير ذلك مما يَربِطُ بين الناس.\nوهذه الروابط مِن شأنها أن تجعل بين المسلمين تماسُكًا قويًّا، وتُقيمَ منهم كيانًا يستعصي على الفرقة وينأى عن الخَلل.\nإِنّه رباط الإيمان، فهو المحور الذي تلتقي عنده الجماعة المؤمنة، فالإيمان يجعلُ في المؤمنين إخاءً أقوى مِن إخاء النسب: ﴿إِنَّمَا المُؤمِنُونَ إِخوَةٌ﴾ (١)، ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أولياءُ بعضٍ﴾ (٢).\nوعن عبد الله بن عمر -﵄- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"المسلم أخو المسلم لا يَظْلِمه، ولا يُسْلِمُه، ومَن كان في حاجة أخيه، كان الله في حاجتهِ\" (٣).\n_________\n(١) الحجرات: ١٠.\n(٢) التوبة: ٧١.\n(٣) أخرجه البخاري: ٢٤٤٢، ومسلم: ٢٥٨٠.","vol":"7","page":345},{"text":"وطبيعة الإيمان تَجْمَع ولا تُفرّق، وتُوحّد ولا تُشتّت.\nعن جابر -﵁- قال: \"قال رسول الله - ﷺ -: المؤمن يَألَفُ ويُؤْلَفُ، ولا خير فيمن لا يَأَلف ولا يُؤلَف\" (١).\nوالمؤمن قوّةٌ لأخيه.\nعن أبي موسى الأشعري -﵁- عن النبيّ - ﷺ - قال: \"المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدُّ بعضُه بعضًا\" (٢).\nوهو يحس بإحساسه، ويشْعُر بشعوره، فيفرح لفرحه، ويحزن لحزنه، ويرى أنّه جزء منه.\nعن النعمان بن بشير قال: \"قال رسول الله - ﷺ -: ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادّهم وتعاطُفهم كمَثلِ الجسدِ؛ إذا اشتكى عُضوٌ تداعى له سائر جسده بالسَّهَر والحُمّى\" (٣).\nوالإسلام يدعم هذا الرباط، ويقوّي هذه العلاقة، بالدعوة إلى الاندماج في الجماعة، والانتظام في سِلْكها، وينهى عن كلّ ما مِن شأنه أن يوهن مِن قُوّته، أو يُضعف مِن شدّته، فالجماعة دائمًا في رعاية الله وتحت يده.\nعن ابن عمر -﵄- أن رسول الله - ﷺ - قال: \"يدُ الله مع الجماعة\" (٤).\n_________\n(١) رواه الدارقطني والضياء المقدسي وغيرهما، وانظر \"الصحيحة\" (٤٢٦).\n(٢) أخرجه البخاري: ٢٤٤٦، ومسلم: ٢٥٨٥.\n(٣) أخرجه البخاري: ٦٠١١، واللفظ له، ومسلم: ٢٥٨٦.\n(٤) أخرجه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (١٧٥٩) وغيره.","vol":"7","page":346},{"text":"وهي المتنفس الطبيعي للإنسان، ومن ثمّ كانت رحمة.\nعن النعمان بن بشير -﵁- قال: \"قال النبيّ - ﷺ -: الجماعة رحمة، والفُرقة عذاب\" (١).\nفالصلاة تُسَنُّ فيها الجماعة، وهي تَفْضُل صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة.\nعن ابن عمر -﵄- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"صلاة الجماعة تفضُل صلاة الفذّ بسبع وعشرين درجة\" (٢).\nوالزكاةُ معاملةٌ بين الأغنياء والفقراء، والصيامُ مشاركةٌ جماعية، ومساواةٌ في الجوع؛ في فترةٍ مُعيَّنة مِن الوقت، والحجّ ملتقى عامّ [يجتمع فيه مَن استطاع مِن المسلمين مِن أطراف الأرض كلّ عام، وقد قال - ﷺ - في الاجتماع على قراءة القرآن وتدارُسه]: \"وما اجتمعَ قوم في بيتٍ مِن بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلاَّ نَزَلَت عليهم السكينة، وغَشِيتهم الرحمة، وحفَّتهم الملائكة، وذكَرَهم الله فيمن عنده\" (٣).\nولقد كان الرسول - ﷺ - يحرص على أن يجتمع المسلمون، [ظاهرًا وباطنًا] إذ الارتباط بين الظاهر والباطن وثيق لا انفصام بينهما.\nقال شيخنا -﵀- في \"حجاب المرأة المسلمة\" (ص ١٠٨): \"وهذا الارتباطُ بين الظاهر والباطن؛ ممّا قرَّره - ﷺ - في قوله الذي رواه النعمان بن بشير\n_________\n(١) أخرجه أحمد، وغيره، وانظر \"الصحيحة\" (٦٦٧) و\"السُّنّة\" لابن أبي عاصم (٩٣).\n(٢) أخرجه البخاري: ٦٤٥، ومسلم: ٦٥٠.\n(٣) أخرجه مسلم: ٢٦٩٩.","vol":"7","page":347},{"text":"قال: \"كان رسول الله - ﷺ - يُسوّي صفوفَنا حتى كأنما يسوي بها القِداح (١)، حتى رأى أنّا قد عَقَلْنا عنه، ثمّ خرَج يومًا فقال: عبادَ الله لتُسوُّنَّ صفوفكم أو ليخالِفنّ اللهُ بين وجوهكم (٢)، وفي رواية: قلوبكم\" (٣).\nفأشار إلى أنّ الاختلاف في الظاهر -ولو في تسوية الصفِّ- مما يوصل إلى اختلاف القلوب، فدلَّ على أنّ الظاهر له تأثيرٌ في الباطن، ولذلك رأيناه - ﷺ - ينهى عن التفرُّق حتى في جلوس الجماعة، ويحضرني الآن في ذلك حديثان:\n١ - عن جابر بن سمرة قال: \"خرَج علينا رسول الله - ﷺ - فرآنا حِلَقًا فقال: مالي أراكم عزين؟! (٤) \" (٥).\n٢ - عن أبي ثعلبة الخشني قال: \"كان الناس إذا نَزَلوا منزلًا تفرّقوا في الشعاب والأودية، فقال رسول الله - ﷺ -: إنّ تفرّقَكم في هذه الشعاب والأودية إنّما ذلكم مِن الشيطان، فلم ينزل بعد ذلك منزلًا، إلاَّ انضَمَّ بعضُهم إلى بعض، حتى يُقال: لو بُسط عليهم ثوب لعمَّهم\" (٦).\n_________\n(١) القِداح -بكسر القاف- هي خَشَب السهام حين تُنحت وتُبرى، واحدها (قِدح) -بكسر القاف- معناه: يبالغ في تسويتها حتى تصير كأنما يُقَوِّم بها السهام؛ لشدة استوائها واعتدالها. \"شرح النّووي\" (٤/ ١٥٧).\n(٢) أخرجه مسلم: ٤٣٦، وأصله في البخاري: ٧١٧.\n(٣) انظر \"صحيح سنن أبي داود\" (٦١٦) و\"صحيح الترغيب والترهيب\" (٥١٢).\n(٤) قال النّووي -﵀- (٤/ ١٥٣): \"أي: مُتفرّقين جماعة جماعة -وهو بتخفيف الزاي الواحدة- عِزَة، معناه النهيُ عن التفرّق والأمرُ بالاجتماع\".\n(٥) أخرجه مسلم: ٤٣٠.\n(٦) أخرجه أحمد، وأبو داود (٢٦٢٨)، وابن حِبّان وغيرهم، وانظر \"حِجاب المرأة المسلمة\" (ص ١٠٩).","vol":"7","page":348},{"text":"وقال شيخنا -﵀- في التعليق: \"إذا كان مثل هذا التَفرُّق الذي إنما هو في أمر عاديّ مِن عمل الشيطان، فما بالك بالتّفرُّق في الدين، وفي أعظم أركانه العملية؛ كالصلاة مَثَلًا، حيث نرى المسلمين يتفرقون فيها وراء أئمّة متعدّدة في مسجدٍ واحد، أفليس ذلك مِن الشيطان؟ بلى وربي، ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (١) \" انتهى.\nوإذا كانت الجماعة هي القوةَ التي تحمي دين الله، وتحرُس دنيا المسلمين، فإنّ الفرقة هي التي تقضي على الدين والدنيا معًا.\nولقد نهى الإسلام أشد النهي عن الفُرقة، إذ هي الطريق المفتوح للهزيمة، ولم يؤتَ أهل الإسلام مِن جهةٍ كما أُتيَ مِن جهةِ الفُرقة التي ذهَبَت بقوّتهم، والتي تخلّف عنها: الضر، والفشل، والذلّ، وسائر ما يعانون منه.\nقال -تعالى-: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٢)، وقال -تعالى-: ﴿ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحُكُم﴾ (٣)، وقال -تعالى-: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا﴾ (٤).\nقال الإمام ابن جرير -﵀-: \"أي تعلّقوا بأسباب الله جميعًا؛ يريد بذلك -تعالى ذِكْره- وتمسّكوا بدين الله الذي أمَرَكم به، وعَهْدِه الذي عَهِده\n_________\n(١) ق: ٣٧.\n(٢) آل عمران: ١٠٥.\n(٣) الأنفال: ٤٦.\n(٤) آل عمران: ١٠٣.","vol":"7","page":349},{"text":"إليكم؛ في كتابه إليكم؛ من الألفة والاجتماع على كلمة الحقِّ، والتَّسليم لأمر الله\".\nقال ابن كثير -﵀-: \"أمَرَهُم بالجماعة ونهاهم عن التفرقة، وقد وردت الأحاديثُ المتعددة بالنهي عن التفرق، والأمر بالاجتماع والائتلاف، كما في \"صحيح مسلم\" (١) من حديث سُهَيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة؛ أنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"إنَّ اللهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلاثًا، وَيَسْخَطُ لَكُمْ ثَلاثًا، يَرْضى لَكُمْ: أنْ تَعْبدُوهُ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وأنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا، وأنْ تُنَاصِحُوا مَنْ وَلاّهُ اللهُ أمْرَكُمْ؛ وَيَسْخَطُ لَكُمْ ثَلاثًا: قيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وإِضَاعَةَ المالِ\" (٢)\nوهكذا يعمل الإسلام على تحقيق هذه الروابط، حتى يبنيَ مجُتمَعًا متماسِكًا، وكيانًا قويًا، يستطيع مواجهةَ الأحداث، وردَّ عدوان المعتدين، وما أحوجَ المسلمين في هذه الآونة إلى هذا التجمّع.\nإنهم بذلك يقيمون فريضةً إسلاميةً، ويحققون قُوّةً عسكريةً، تحمي وجودهم، ووحدة اقتصاديةً توفّر لهم كلّ ما يحتاجون إليه مِن ثروات.\nلقد ترَك الأعداء آثارًا سيئةً، مِن ضعفٍ في التديّن، وانحطاطٍ في الخُلُق، وتخلُّفٍ في العِلم، ولا يمكن القضاء على هذه الآفات الاجتماعية الخطيرة، إلاَّ إذا عادَت الأمّة مُوحّدةَ الهدف، مُتراصّة البنيان، مجُتمِعة الكلمة؛ كالبنيان المرصوص،\n_________\n(١) برقم (١٧١٥).\n(٢) عزاه الحافظ ابن كثير -﵀- إلى \"صحيح مسلم\" وانظره برقم (١٧١٥)، وفيه بعض الألفاظ المختلفة، وهذه الرواية أقرب لما جاء في \"الأدب المفرد\" (٤٤٢).","vol":"7","page":350},{"text":"يشدُّ بعضه بعضًا.* (١)\nوالتآلف والاعتصام؛ لا يكون إلاَّ على حبل الله، فهذا هو الاجتماع الممدوح المشروع.\nوحبل الله: هو كتاب الله- تعالى- المتضمّن سنّة نبيِّه المطهرة.\nعن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: \"قال رسول الله - ﷺ -: كتاب الله: هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض\" (٢).\nوعن أبي شريح الخزاعي قال: \"خرج علينا رسول الله - ﷺ - فقال: \"أبشروا أبشروا؛ أليسَ تشهدونَ أنْ لا إله إلاَّ الله وأني رسول الله؟ قالوا: نعم، قال: فإنّ هذا القرآن سببٌ طَرَفُهُ بيد الله، وطَرَفُهُ بأيديكم، فتمسّكوا به؛ فإنكم لنْ تَضِلّوا ولن تَهْلَكُوا بعدَهُ أبدًا\" (٣).\nوقد ضُمِنتْ لهم العِصْمةُ -عند اتفاقهم- من الخطأ، كما وردَت بذلك الأحاديث المتعددة أيضًا، وخِيفَ عليهم الافتراق، والاختلاف، وقد وقَع ذلك في هذه الأمّة؛ فافترقوا على ثلاث وسبعين فرقة، منها فرقة ناجية إلى الجنة ومُسَلّمة من عذاب النار، وهم الذين على ما كان عليه رسولُ الله - ﷺ - وأصحابه.\nعن عبد الله بن مسعود -﵁- أنّ النبيّ - ﷺ - قال: \"لا تختلفوا، فإنّ\n_________\n(١) ما بين نجمتين عن \"فقه السُّنَّة\" (٣/ ٣٧٨) بتصرف وحذف وزيادة.\n(٢) أخرجه أحمد والترمذي وغيرهما وانظر \"الصحيحة\" (٢٠٢٤).\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" وعنه ابن حبان والطبراني في \"المعجم الكبير\" وغيرهم وانظر \"الصحيحة\" (٧١٣).","vol":"7","page":351},{"text":"مَن كان قبلكم اختلفوا فهلكوا\" (١).\nولن تصلَ الجماعة إلى تماسُكها؛ إلاَّ إذا بذَلَ لها كلّ فردٍ مِن ذات نفسه، وذاتِ يده، وكان عَوْنًا لها في كلّ أمرٍ من الأمور التي تهمّها؛ سواءٌ أكانت هذه المعاونة معاونةً ماديةً أو أدبيةً، وسواءٌ أكانت معاونةً بالمال، أم العلم، أم الرأي، أم المشورة، قال - ﷺ -: \"خير الناس أنفعهم للناس\" (٢).\nوعن أبي موسى -﵁- أنّ النبيّ - ﷺ - قال: \"اشفعوا فَلْتُؤْجَروا\" (٣)\nوعن أبي هريرة -﵁- عن رسول الله - ﷺ - قال: \"المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، يكفُّ عليه ضيعتَه (٤)، ويَحُوطُه (٥) مِن ورائه\" (٦).\nقال الله- تعالى-: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ (٧).\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٢٤١٠.\n(٢) أخرجه القضاعي في \"مسند الشهاب\"، وانظر \"الصحيحة\" (٤٢٦).\n(٣) أخرجه البخاري: ٧٤٧٦، ومسلم: ٢٦٢٧.\n(٤) ما يكون معاشًا كالصنعة والتجارة والزراعة وغير ذلك، فالمعنى هنا: أي يمنع عن أخيه تَلَف ذلك وخسرانه، وكل ما يُحتَمل ضياعُه. انظر \"عون المعبود\" (١٣/ ١٧٨) و\"بذل المجهود\" (١٩/ ١٥٩) وكتابي \"شرح صحيح الأدب المفرد\" (١٧٨/ ٢٣٩).\n(٥) قال في \"النّهاية\": \"أحاطه يحوطه حوطًا وحياطةً: إذا حَفِظه وصانه وذبّ عنه، وتَوفّر على مصالحه\".\n(٦) أخرجه أبو داود \"صحيح سنن أبي داود\" (٤١١٠) والبخاري في \"الأدب المفرد\" \"صحيح الأدب المفرد\" (١٧٨)، وانظر \"الصحيحة\" (٩٢٦).\n(٧) الصف: ٤.","vol":"7","page":352},{"text":"قال الحافظ ابن كثير -﵀-: \"فهذا إِخبارٌ مِن الله -تعالى- بمحبته عبادَه المؤمنين إذا اصطفُّوا مُواجِهين لأعداء الله في حومة الوَغى، يُقاتِلون في سبيل الله مَن كفَر بالله، لتكونَ كلمةُ الله هي العليا، ودينُه هو الظاهر العالي على سائر الأديان.\nوقال ابن عباس: ﴿كأنهم بنيانٌ مرصُوصٌ﴾ مُثبَت لا يزول، مُلصَقٌ بعضُه ببعض. وقال قتادة: ﴿كأنهم بنيانٌ مرصُوصٌ﴾ ألم تَرَ إلى صاحِب البنيان، كيف لا يُحبُّ أن يَخْتَلف بنيانه؟. فكذلك الله -﷿- لا يُحبُّ أن يختلفَ أمرُه، وإنّ الله صفَّ المؤمنين في قتالهم، وصفَّهم في صلاتهم، فعليكم بأمر الله، فإنه عِصمةٌ لمَن أخَذ به ... \" (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1994>لماذا هُزِم المسلمون</span>؟\nلقد كثُرت على المسلمين النكبات والمصائب بعد القرون الخيرية، وطمع فينا الأعداء، وتداعَوا على أمّتنا؛ كما تتداعى الأكَلَةُ على قصعتها.\nلقد احتلَّ المشركون والكُفَّار كثيرًا من بلاد المسلمين وتسلَّطوا على أهلها، وعاثوا فسادًا فيها؛ تقتيلًا وتذبيحًا وإهانةً وإذلالًا.\nلقد مضى فينا قوله - ﷺ -: \"يوشِك الأممُ أن تَدَاعى عليكم كما تَدَاعى الأكَلَةُ إلى قَصْعَتِها، فقال قائل: ومنْ قلةٍ نحن يومئذٍ؟ قال: بل أنتم يومئذٍ كثيرٌ؛ ولكنَّكم غثاءٌ كغثاء السَّيْلِ، ولَيَنْزعنَّ اللهُ مِن صدور عدوِّكم المهابة منكم، وَلَيقْذِفنَّ الله في قلوبكم الوَهْنَ. فقال قائلٌ: يا رسول الله! وما الوَهْنُ؟ قال: حبُّ الدنيا وكراهية\n_________\n(١) مُلتقط من \"تفسير ابن كثير\".","vol":"7","page":353},{"text":"الموت\" (١).\nوعن جابر بن عبد الله -﵄- قال: \"يُوشِكُ أهل العراق أنْ لا يُجْبَى إليهم قَفِيزٌ ولا دِرهم. قلنا: مِنْ أين ذاك؟ قال: من قِبَلِ العَجَم. يمنعون ذاك. ثم قال: يُوشِك أهل الشَّأْم أن لا يُجْبَى إليهم دينار ولا مُدْيٌ.\nقلنا: مِن أين ذاك؟ قال مِن قِبَلِ الرُّوم ثمّ أسْكَتَ (٢) هُنَيَّةً (٣).\nثمّ قال: قال رسول - ﷺ -: يكون في آخر أمَّتي خليفةٌ؛ يَحثي المال حَثْيًا لا يَعُدُّه عددًا\" (٤).\nقال: قلتُ لأبي نضرةَ وأبي العلاء: أتريان أنّه عمرُ بن عبد العزيز؟ فقالا: لا.\nوقد قال الله- تعالى-: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا﴾ (٥).\nوقال -سبحانه-: ﴿وكان حقًا علينا نصرُ المؤمنين﴾ (٦).\nوقال -سبحانه-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (٧).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود وغيره، وصحَّحه شيخنا -﵀- في \"الصحيحة\" (٩٥٨).\n(٢) سكَتَ وأسْكَت: لغتان بمعنى صمت، وقيل: أسكت بمعنى أطرق وقيل بمعنى أعرض، \"شرح النّووي\". وانظر للمزيد من الفائدة ما قاله ابن الأثير -﵀- في \"النّهاية\".\n(٣) هُنَيَّةً: أي قليلًا من الزمان، وهو تصغير هَنَة. \"النّهاية\".\n(٤) أخرجه مسلم: ٢٩١٣.\n(٥) النساء: ١٤١.\n(٦) الروم: ٤٧.\n(٧) محمد: ٧.","vol":"7","page":354},{"text":"وقال -سبحانه-: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ (١).\nوالنُّصوص التي تبشّر بالنَّصر في هذا الباب كثيرة معلومة قد ذَكَرْتُها تحت عنوان مستقلّ.\nتأمّلات في الآيات المتقدّمة:\nإنّ المتأمِّل في الآيات الكريمة يجد أنّ الله- تعالى- قد وعَد المؤمنين بالنَّصر، واشترط على الناس أن ينصروه حتى ينصرهم، وفي الآية الأخيرة قال ربُّنا - سبحانه-: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾.\nفظهور الأمَّة على سائر الأمم؛ لا يكون إلاَّ بالعمل بمقتضى الرسالة: وهو الهدى ودين الحقِّ.\nولا بدَّ لنا أن نتعرَّف على صفات المؤمنين الذين لن يجعل الله للكافرين عليهم سبيلًا، والذين أخذ الله الحقَّ على نفسه؛ أن ينصُرهم ويجعلَهم سادة الأمم.\nوهذه نماذجُ من صفات المؤمنين:\nقال -تعالى-: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ (٢).\nقلوبهم وجلة بذكره -سبحانه-، وإيمانهم يزداد بتلاوة آياته.\n_________\n(١) التوبة: ٣٣.\n(٢) الأنفال: ٢ - ٤.","vol":"7","page":355},{"text":"فكيف بمن هجَر الآيات؟!\nوكيف بمن يفرح بالمعازف والأغاني؟!\nوهل المعازف والأغاني هي مادَّة النّصر وسلاح المنتصرين؟!.\n﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾، ولم يَفْهَم معنى التوكُّل إلاَّ القليل، وإذا ذكَّرْتهم بالتوكُّل على الله -تعالى- في الطعام والشراب قالوا: \" ... فإنّ السماء لا تمُطِر ذَهَبًا ولا فِضّةً\" لا بدَّ من أخْذ الأسباب.\nأوَليس النصر يا قوم يتطلَّب الأسباب!\nوهل السماءُ تمُطِر نصرًا!!!.\n﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾، بالمحافظة على مواقيتها وإسباغ الطَّهور فيها وإتمام ركوعها وسجودها ... فكيف بمن لا يُصلَّي!.\n﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾، إنها الزكاة والصدقة التي تطهرهم، قال -تعالى-: ﴿خُذْ من أموالهم صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وتُزَكّيهم بها﴾ ....\n﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾، أي: المتصِّفون بهذه الصفات هم المؤمنون حقَّ الإيمان -كما قال المفسِّرون-، لا بالدعوى ولا بالزعم؛ أنّ القلوب نقيَّة والأفئدة تقيّة ولو لم تُقَم الصلاة وتُؤْتَ الزكاة! وكم من قائلٍ هذه المقولة مِمَّن يحلمون بالنّصر!.\nوقال- تعالى-: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ","vol":"7","page":356},{"text":"الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (١).\nومن نماذج المجاهدين الخاشعين المنتصرين ما رواه جابر -﵁- قال: \"خرَجْنا مع رسول الله - ﷺ - يعني في غزوة ذات الرِّقاع - فأصاب رجلٌ امرأةَ رجلٍ من المشركين، فحَلَف: أن لا أنتهيَ حتى أهريق دمًا في أصحاب محمد، فخرَج يتبع أثرَ النبيّ - ﷺ -، فنزلَ النبيّ - ﷺ - منزلًا، فقال: مَنْ رجلٌ يكْلَأُنا (٢)؟ فانتُدِب رجلٌ من المهاجرين، ورجلٌ من الأنصار، فقال: كُونا بفَمِ الشِّعْبِ. قال: فلمّا خرَج الرجلان، إلى فم الشعب اضطجع المهاجريُّ، وقام الأنصاريُّ يُصلّي، وأتى الرجل، فلمّا رأى شخصه؛ عَرَف أنّه ربيئةٌ (٣) للقوم، فرماه بسهمٍ فوضَعَه فيه، فنزعَه حتى رماه بثلاثة أسهم، ثمّ ركَع وسجَد، ثمّ انتبهَ صاحبه، فلمّا عَرَف أنهم نَذِروا (٤) به هَرَب، ولمّا رأى المهاجريُّ ما بالأنصاريِّ مِن الدماء قال: سبحان الله! ألا أنبهتني أوّلَ ما رمى، قال: كنتُ في سورةٍ من القرآن فلم أُحِبَّ أن أقطعَها\" (٥).\n﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾، معرضون عن الباطل المتضمِّن الشركَ والمعاصي وما لا فائدة فيه مِن الأقوال -كما قال بعض المفسِّرين-.\n_________\n(١) المؤمنون: ١ - ١١.\n(٢) أي: يحفظنا ويحرسنا.\n(٣) هو العين والطليعة الذي ينظر للقوم؛ لئلاَّ يدهمَهم عدوٌّ، ولا يكون إلاَّ على جبلٍ أو شَرَفٍ ينظُر منه. \"النّهاية\".\n(٤) أحسُّوا بمكانه.\n(٥) أخرجه أبو داود وغيره، وحسَّنه شيخنا -﵀- في \"صحيح سنن أبي داود\" (١٨٢).","vol":"7","page":357},{"text":"﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾، إلاَّ ما استثناه ربُّنا -سبحانه-، فكيف بمن يشتري بماله الأجهزة الفاسدة التي تملأ سمْعَه لغوًا وتَعْرِض له العورات من أقصى البلاد؟\nوكيف بمن يدفع بنفسه ليكون من العادين؟! وهل ينتصر العادون.\n﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾.\nعن ابن مسعود -﵁- قال: \"القَتْل في سبيل الله يُكفِّر الذنوبَ كلَّها إلاَّ الأمانة\".\nقال: يؤتى بالعبد يوم القيامة -وإنْ قُتِلَ في سبيل الله-، فيقال: أدِّ أمانَتَك، فيقول: أيْ ربِّ! كيف وقد ذهَبَتِ الدنيا؟ فيُقال: انطلقوا به إلى الهاوية، فيُنْطَلَقُ به إلى الهاوية، وتمُثَّل له أمانتُه؛ كهيئتها يوم دُفِعت إليه، فيراها فيعرفها، فيهوي في أثرها حتى يدركها، فيحملها على مَنْكِبَيْه، حتى إذا ظنَّ أنّه خارجٌ؛ زلَّت عن مَنْكِبَيْه، فهو يهوي في أثرها أبد الآبدين.\nثمّ قال: الصلاة أمانة، والوضوء أمانة، والوزن أمانة، والكيل أمانة، -وأشياءَ عدَّدَها-، وأشدُّ ذلك الودائع\" (١).\nوناشدتكم الله؛ هل ينتصر خائنُ أمانةٍ وناقضُ عهدٍ!.\nوقال- تعالى-: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ\n_________\n(١) أخرجه أحمد والبيهقي موقوفًا، وحسَّنه شيخنا -﵀- في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٢٩٩٥)، ولهذا حكم الرفع؛ لأنه لا يُقال في الغيبيات من قبيل الرأي.","vol":"7","page":358},{"text":"الْمَصِيرُ﴾ (١).\nفأين موالاة المؤمنين؟ وأين معاداة الكافرين؟ وهل تأملون نصرًا ممَّن وصفه الله بقوله ﴿فليس من الله في شيءٍ﴾؟\nوأين نحن من قوله - ﷺ -: \"ترى المؤمنين في تراحُمهم وتوادِّهم وتعاطُفهم؛ كَمَثَلِ الجسد، إذا اشتكى منه عضوٌ؛ تداعى له سائر جسده، بالسهر والحمى\" (٢)؟\nوأين نحن من قوله - ﷺ -: \"المؤمن للمؤمن كالْبُنيان يشدُّ بعضه بعضًا\" (٣)؟\nوقال- سبحانه-: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٤)، فكيف بمن يأمر بالمنكَر وينهى عن المعروف.\nوقد قال- تعالى-: ﴿إِلاَّ تَفعَلُوهُ﴾ أي: أن يكون بعضكم أولياء بعض؛ كما هو شأن الكُفَّار في هذه المسألة. ﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ (٥)، ألسنا نعاين هذه الفتنة ونشهد هذا الفساد!.\nوقال -سبحانه-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ (٦)، فأين طاعة الله في توحيده واتِّباع نبيِّه واجتناب البدع!.\n_________\n(١) آل عمر ان: ٢٨.\n(٢) أخرجه البخاري: ٦٠١١ - واللفظ له-، ومسلم: ٢٥٨٦.\n(٣) أخرجه البخاري: ٦٠٢٦، ومسلم: ٢٥٨٥.\n(٤) التوبة: ٧١.\n(٥) الأنفال: ٧٣.\n(٦) النساء: ٥٩.","vol":"7","page":359},{"text":"أين طاعة الله في الائتمار بما أمَر والانتهاء عمّا نهى وزجَر.\nوقال -سبحانه-: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (١)، فأَمارة الإيمان بالله واليوم الآخر هو الردُّ إلى الله ورسوله - ﷺ - عند التنازع.\nفكيف بمن يدرس القانون البشري ليردَّ إلى الأحكام الوضعيَّة.\nوهل يجلب النصرَ من يردُّ أموره وشؤونه إلى غير الله ورسوله - ﷺ -؟! وقد قال -سبحانه-: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (٢)، فمن كانت له الخِيَرة فيما يقضيه الله ورسوله من أمر؛ فليس له الخِيَرَة أن يطلب النَّصر أو المجد أو العزَّة.\nوقال -سبحانه-: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٣)، وكيف ينتصر مَن كثُر حرجُه ممّا قضى لهم الشرع، وكانوا بمنأى عن التسليم له.\nوقال -سبحانه-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ (٤)، وكم مِن هذه الأمّة ممّن قالوا: سمعنا وهم لا يسمعون، فكيف بمن نأى عن السماع وفرَّ من الاستماع؟!\n_________\n(١) النساء: ٥٩.\n(٢) الأحزاب: ٣٦.\n(٣) النساء: ٦٥.\n(٤) الأنفال: ٢٠ - ٢١.","vol":"7","page":360},{"text":"وهل هذه سمات المنتصرين!!.\nوإليك - سدّدني الله وإياك:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1995>عوامل الهزيمة وأسباب الدَّمار </span>(١):\n١ - ضعف الاهتمام بترسيخ الاعتقاد والإيمان وتحقيق التوحيد.\nوسنَّةُ الله -تعالى- ماضيةٌ في نصر الدعاة إلى التوحيد؛ مِن الأنبياء والرُّسل - ﵈- والصحابة -﵃-.\n٢ - ضعف الاهتمام بترسيخ التأسي والاقتداء بالنبيّ - ﷺ -، والصحابة الكرام -﵃- ومنهج سلف الأمّة.\n٣ - وكذلك الخَلَل في التوكل على الله -سبحانه-، قال -تعالى-: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٢).\n٤ - التنازع والاختلاف، وضعف الائتلاف. قال الله -تعالى-: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٣).\nوعن عبد الله بن مسعود -﵁- أنّ النبيّ - ﷺ - قال: \"لا تختلفوا فإنّ مَنْ كان قبلكم اختلفوا فهلكوا\" (٤).\n_________\n(١) وسأذكرها بإجمالٍ دون تفصيل مخافة التطويل؛ بما يتناسب مع موضوع كتابنا -نفَع الله به- علمًا بأنَّ لي كتابًا مستقلًا بعنوان: لماذا هُزم المسلمون؟ يسَّر الله -تعالى- إخراجه.\n(٢) التوبة: ٥١.\n(٣) الأنفال: ٤٦.\n(٤) أخرجه البخاري: ٢٤١٠.","vol":"7","page":361},{"text":"عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن جدِّه أنَّ النبيّ - ﷺ - بعَث معاذًا وأبا موسى إلى اليمن قال يسِّرا ولا تُعسِّرا، وبشّرا ولا تُنَفِّرا، وتطاوَعا ولا تختلفا\" (١).\n٥ - التحايل على الدين، ولاسيّما في أمور التجارة والبيع والشراء وتقدّم غير بعيد حديث ابن عمر -﵄-: \"إذا تبايعتم بالعِينَة، ... \".\n٦ - إدخال المظهريات الجوفاء والشكليات الخاوية في أمور الدين. \"إذا زوَّقتم مساجدكم وحلَّيْتُم مصاحفكم فالدمار عليكم\" (٢).\nوأقول: وفي الحديث: \"أيُّما أهلُ بيتٍ مِن العرَب والعجَم، أراد الله بهم خيرًا، أدخَل عليهم الإسلام، ثمّ تقع الفتن كأنها الظُّلل (٣) \" (٤).\n\"وخرَج عمر بن الخطاب إلى الشام، ومعه أبو عبيدة بن الجراح، فأتَوا على مخاضةٍ (٥) وعمرُ على ناقة، فنزَل عنها، وخلَع خفَّيه، فوضعَهما على عاتقه، وأخَذ بزمام ناقته، فخاض بها المخاضة.\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٣٠٣٨، ومسلم: ١٧٣٣، وتقدّم.\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنَّف\" وهناك خلاف بين رفْعه ووقْفه على أبي الدرداء -﵁- وانظر تخريجه في \"الصحيحة\" (١٣٥١)، وفيه رجَّح شيخنا رفْعه.\nقلت: ذكر شيخنا -﵀- أن ابن أبي شيبة رواه مرفوعًا، وعزاه إلى مخطوطة الظاهرية.\nأقول: هي في المطبوعة برقم (٣١٤٨) موقوفة على أبي سعيد: فالإسناد هكذا ... عن سعيد بن أبي سعيد قال: قال أبي: وذكَره.\n(٣) الظُّلل: واحدتها ظُلَّة، كل ما أظلَّك؛ أراد كأنَّها الجبال والسُّحُب. \"النّهاية\".\n(٤) أخرجه أحمد والحاكم وغيرهما، وصحَّحه شيخنا -﵀- في \"الصحيحة\" (٥١).\n(٥) الخوض: المشي في الماء، والموضع مخاضة: وهو ما جاز الناس فيها مشاة وركبانًا. \"لسان العرب\".","vol":"7","page":362},{"text":"فقال أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين! أأنت تفعل هذا؟! تخلع خُفَّيك وتضعهما على عاتقك، وتأخذ بزمام ناقتك، وتخوض بها المخاضة؟! ما يسرُّني أنَّ أهل البلد استشرفوك!\nفقال عمر: أَوْهِ (١)! لو يقل ذا غيرك يا أبا عبيدة؛ جعلته نَكالًا (٢) لأمَّة محمد - ﷺ -، إنَّا كنَّا أذلَّ قوم، فأعزَّنا الله بالإسلام، فمهما نطلب العزَّ بغير ما أعزَّنا الله به، أذلَّنا الله\" (٣).\nوفي رواية: \"يا أمير المؤمنين! تلقاك الجنود وبطارقة الشام؛ وأنت على حالك هذه؟! فقال عمر: إنَّا قوم أعزَّنا الله بالإسلام، فلن نبتغي العزَّ بغيره\" (٤).\n٧ - القتال تحت الرايات العُمِّيَّة، عن أبي هريرة -﵁- عن النبيّ - ﷺ - قال: \"مَنْ خَرج من الطاعة، وفارق الجماعة، فمات مات مِيتَةً جاهليِّةً. ومَنْ قاتل تحت رايةٍ عُمِّيَّةٍ، يغضب لِعَصَبَةٍ، أو يدعو إلى عَصَبَةٍ، أو يَنْصُر عَصَبةً، فقُتِل، فقِتْلَةٌ جاهليَّةٌ، ومَنْ خرَج على أمّتي، يضرب بَرَّها وفاجرَها، ولا يتحاشَ (٥) مِن\n_________\n(١) كلمة يقولها الرجل عند الشكاية والتوجُّع، وبعضهم يفتح الواو مع التشديد فيقول: \"أوَّه\". \"النّهاية\".\n(٢) أي: عِبرة.\n(٣) رواه الحاكم (١/ ٦١ - ٦٢) من طريق طارق ابن شهاب وقال: صحيح على شرط الشيخين، وأقره الذهبي، قال شيخنا -﵀- وهو كما قالا، وانظر \"السلسلة الصحيحة\" تحت الحديث (٥١).\n(٤) انظر المصدر السابق.\n(٥) في بعض النسخ والروايات يتحاشى أي: لا يكترث بما يفعله فيها، ويخاف وبالَه وعقوبَته، وانظر \"شرح النّووي\".","vol":"7","page":363},{"text":"مؤمنها، ولا يفي لذي عهْدٍ عَهْدَه، فليس منّي ولست منه\" (١).\nفعجبًا كيف يقود الأعمى المبصرين إلى ساحة الوغى!\nوعن أبي العَجْلان المُحارِبي قال: \"كنت في جيش ابن الزبير، فتوفي ابن عمٍّ لي، وأوصى بجَمَلٍ له في سبيل الله، فقلت لابنه: ادفع إليَّ الجمل؛ فإنّي في جيش ابن الزبير، فقال: اذهب بنا إلى ابن عمر حتى نسألَه.\nفأتينا ابن عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن! إنّ والدي تُوُفِّيَ، وأوصى بجملٍ في سبيل الله، وهذا ابن عمي، وهو في جيشِ ابن الزبير، أفأدفع إليه الجمل؟\nقال ابن عمر: يا بُنيّ! إنّ سبيل الله كلُّ عملٍ صالح، فإنْ كان والدك إنّما أوصى بجمله في سبيل الله -﷿-، فإذا رأيت قومًا مسلمين يغزون قومًا مِن المشركين، فادفع إليهم الجمل؛ فإنّ هذا وأصحابَه في سبيل غلمانِ قومٍ أيُّهم يضع الطابَع\" (٢).\n٨ - عدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، عن حذيفة -﵁- عن النبيّ - ﷺ - قال: \"والذي نفسي بيده، لتأْمُرُنَّ بالمعروف، ولتنْهونَّ عن المنكر، ولَيوشكنَّ الله أن يبعثَ عليكم عِقابًا منه، ثمّ تدعونه فلا يستجيب لكم\" (٣).\n٩ - استيلاء الغفلة والشهوة والذنوب، قال -تعالى-: ﴿إنَّ الله لا يُغَيِّرُ مَا\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ١٨٤٨.\n(٢) أخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\"، وانظر \"صحيح الأدب المفرد\" (٢٨٤).\n(٣) أخرجه الترمذي \"صحيح سنن الترمذي\" (١٧٦٢)، وحسَّنه لغيره شيخنا -﵀- في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٢٣١٣).","vol":"7","page":364},{"text":"بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأنفُسِهِمْ﴾ (١).\n١٠ - عدم تحمُّل المسؤولية، قال - ﷺ -: \"كلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤول عن رعيَّته: الإمام راعٍ ومسؤولٌ عن رعيَّته، والرجل راعٍ في أهله، وهو مسؤولٌ عن رعيَّته، والمرأة راعيةٌ في بيت زوجها، ومسؤولةٌ عن رعيَّتها، والخادم راعٍ في مال سيِّده وهو مسؤولٌ عن رعيَّته\" (٢).\n١١ - البحث عن العزة بغير الدَّين، قال الله -تعالى-: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ (٣)، وقال -تعالى-: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤)، وفيه قول عمر -﵁- المتقدِّم: \"إنَّا كنَّا أذلَّ قومٍ، فأعزَّنا الله بالإسلام، فمهما طلبنا العزَّ بغير ما أعزَّنا الله به، أذلَّنا الله\".\n١٢ - عدم معرفة قدْر العلماء الرَّبانيين، قال الله -تعالى-: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (٥).\nوقال - ﷺ -: \"من سلك طريقًا يلتمس فيهِ علمًا سهَّل الله له طريقًا إلى الجنّة، وإنّ الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع، وإنّ العالِم لَيسْتَغْفِرُ له مَن في السموات ومن في الأرض، حتى الحيتان في الماء، وفَضْل العالم على العابد كفَضْل القمر على سائر الكواكب، وإنّ العلماء وَرَثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يُورِّثوا\n_________\n(١) الرعد: ١١.\n(٢) أخرجه البخاري: ٨٩٣، واللفظ له، ومسلم: ١٨٢٩.\n(٣) النساء: ١٣٩.\n(٤) المنافقون: ٨.\n(٥) فاطر: ٢٨.","vol":"7","page":365},{"text":"دينارًا ولا درهمًا إنما ورَّثوا العلم فمن أخذَه أخذَ بحظٍّ وافر\" (١).\nوإنّ العلماء وَرَثة الأنبياء، فيجب تحكيم ورثته - ﷺ - بعد وفاته.\nوإنّك لتسمع في المصائب والملمّات والنّكبات: أين العلماء؟!.\nفأقول: إن قوّة العلماء باستجابة الأمّة والمجتمعات. وهل أنتم مستجيبون لتوجيهات العلماء؟!\nأين استجابتكم في تحقيق التّوحيد تفقُّهًا وعَمَلًا بمقتضاه؟!\nأين استجابتكم في تحقيق اتباع النبيّ - ﷺ - واجتناب البدعِ والضَّلالات؟!\nأين استجابتكم في الاقتداء بالصحابة -﵃-؟!\nأين استجابتكم في ترْك الربا والغيبة والنميمة؟!\nأين استجابتكم في الائتمار بأوامِر الله واجتناب نواهيه؟!\nفأين أنتم؟! أين أنتم؟! أين أنتم؟!.\n١٣ - الخلاف بين الراعي والرعيَّة.\nعن عوف بن مالك -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"خِيارُ أئِمَّتكم الذين تحبُّونهم ويحبُّونكم، ويُصلُّون عليكم وتُصلُّون عليهم، وشرارُ أئمّتكم الذين تُبغِضونهم ويُبغِضونكم وتَلْعنونهم ويَلْعنونكم.\nقيل: يا رسول الله! أفلا نُنَابذُهم بالسّيف؟ فقال: لا؛ ما أقاموا فيكم\n_________\n(١) أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه وغيرهم، وحسَّنه لغيره شيخنا -﵀- في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٧٠).","vol":"7","page":366},{"text":"الصلاة، وإذا رأيتم مِن وُلاتِكم شيئًا تكرهونه فاكرهوا عمَله ولا تَنْزِعوا يدًا مِن طاعةٍ\" (١)\nواعلم -رحمني الله وإياك- أنّ المجتمع يتكوَّن من الراعي والرعيّة والعلماء، فإذا لم يكن الحبُّ والتآلف والطاعة؛ كان الدَّمار والهزيمة، وتعطيل الجهاد في سبيل الله -تعالى-.\nفيجب السعي لتحصيل التوافق المذكور؛ إذ هو من السُّنَنِ الكونية التي لا يمكن تجاهلها والتغافل عنها.\nفالواجب على الحُكَّام أن يعلموا دورهم ومسؤوليتهم العظيمة؛ بالحكم بما أنزَل الله -تعالى-، والعمل بمقتضى الكتاب والسنَّة؛ والرجوع إلى العلماء الرَّبانيين؛ للإفادة منهم في ذلك. وعلى الأُمَّه طاعة الحُكّام والسلاطين والأمراء.\nقال شيخ الإسلام -﵀- في \"مجموع الفتاوى\" (٢٨/ ١٧٠): \"وأولو الأمر: أصحابُ الأمر وذووه؛ وهم الذينَ يَأْمُرون الناس؛ وذلك يشترك فيه أهلُ اليد والقدرة وأهل العلم والكلام؛ فلهذا كان أولوا الأمر صنفين: العلماء؛ والأمراء. فإذا صلَحوا صَلَح الناس، وإذا فَسَدوا فَسَد الناس\".\nوقال شيخ الإسلام -﵀- في \"مجموع الفتاوى\" (٢٨/ ٣٩٤): \"فإذا كان المقصودُ بالسلطان والمالِ؛ هو التقربَ إلى الله وإنفاقَ ذلك في سبيله، كان ذلك صلاحَ الدين والدنيا. وإنِ انفردَ السلطان عن الدين، أو الدين عن السلطان؛ فسَدَت أحوالُ الناس، وإنّما يمتاز أهل طاعة الله عن أهل معصيته بالنية\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ١٨٥٥.","vol":"7","page":367},{"text":"والعمل الصالح؛ كما في \"الصحيحين\" (١) عن النبيّ - ﷺ -: \"إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم وإنما ينظر إلى قلوبِكم وأعمالِكم\".\".\nوكذا ينبغي على العلماء أن يكونوا ربانيين، عاملين بمقتضى عِلْمهم، حتى يظلّوا في مقام الأسوة الحسنة والقدوة الصالحة.\n١٤ - ترك الجهاد في سبيل الله -تعالى- عن ابن عمر -﵄- عن النبيِّ - ﷺ - قال: \"إذا تبايعتم بالعِينَة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتُم بالزَّرع، وتركتم الجهاد، سلَّط الله عليكم ذُلًاّ لا يَنْزِعُه حتى ترجعوا إلى دينكم\" (٢).\nوعن أبي بكرٍ -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ما ترَك قوم الجهاد؛ إلاَّ عمَّهم الله بالعذاب\" (٣).\nقال شيخنا -﵀- في \"الصحيحة\" (تحت الحديث ٢٦٦٣): \"والحديث مِن أعلام نبوّته - ﷺ - كما يشهَد بذلك واقع المسلمين في كثيرٍ مِن البلاد، وما حادِثةُ مهاجمةِ اليهود للمسلمين، وهم سجود صُبْح الجمعة مِن رمضان، هذه السنة (١٤١٤) في مسجد الخليل في فلسطين ببعيد. وصدَق الله: ﴿ومَا أصَابَكُمْ مِن\n_________\n(١) انظر \"صحيح مسلم\" (٢٥٦٤)، ولم أجده في \"صحيح البخاري\".\n(٢) أخرجه أحمد وأبو داود والطبراني في \"الكبير\"، وخرَّجَه شيخنا -﵀- في \"الصحيحة\" برقم (١١)، وتقدّم.\n(٣) أخرجه الطبراني في \"الأوسط\"، وخرجه شيخنا -﵀- في \"الصحيحة\" (٢٦٦٣)، وتقدّم.","vol":"7","page":368},{"text":"مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (١). أسال الله -تعالى- أن يُلهم المسلمين الرجوع إلى فَهْم دينهم فَهْمًا صحيحًا، والعمل به ليُعزَّهم وينصرهم على عدوِّهم\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1996>عجبًا من التخبُّط والعشوائية في طلب النَّصر</span>\nبعد هذا أقول: لا يكاد ينتهي عجبي مِن الموازين المقلوبة، التي يَزِن بها أكثر الناس اليوم في شأن النَّصر والغَلَبة.\nإنّهم يريدون النصر، ولكن لا أعلم بأيِّ ميزان -وإن كنت أعلم-!!\nفلا هم بميزان الكُفَّار يَزِنون، فيقارنون القوة بالقوة والسلاح بالسلاح، والإعداد بالإعداد والأعداد بالأعداد. ولا هم بميزان المؤمنين يَزِنون، من الإعداد العقدي والروحي والمعنوي والمادي الممكن!\nإنّها الدعوة إلى الجهاد مِن غير إعداد.\nإنها الدعوة إلى الإغراق في حروب دون معرفة ما يُعَدُّ للحروب.\nإنّها الدعوة إلى ميدان العسكرية؛ مع تجاهُل ما تتطلّبه العسكرية.\nوإذا لم يأخذ المسلمون بأسباب النصر؛ وحصَلَت الهزيمة -لا قدر الله، فلْيَحْذروا من اتهام الله﵎- بما قضاه لهم به. عن عبادة بن الصامت - ﵁- قال: \"إن رجلًا أتى النبيّ - ﷺ - فقال: يا نبى الله! أيُّ العمل أفضل؟ قال: الإيمان بالله، وتصديقٌ به، وجهادٌ في سبيله.\n_________\n(١) الشورى: ٣٠.","vol":"7","page":369},{"text":"قال: أريد أهونَ مِن ذلك يا رسول الله! قال: السَّماحة والصبر.\nقال: أريد أهون مِن ذلك يا رسول الله! قال: لا تتَّهم الله -﵎- في شيءٍ قضَى لك به\" (١).\nوقد قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1997>البشرى بانتصار المسلمين وانتشار الإسلام</span>\nلقد ورَدَت نصوص عديدة؛ تُبشّر بانتصار المسلمين وظهور الإسلام على الأديان كلِّها، والذي أَرمي إليه من هذا المبحث؛ ألاّ ييأس المسلم إذا رأَى ما عليه المسلمون الآن؛ مِن ضعف وهوان وشتات وضياع، ولتنبعثَ الِهمَم وتنشط، ويقوى الرجاء في القلوب ويعظُم، وليكون الإعداد للجهاد، كما أمَرَ الله -تعالى- والنصر آت بإذن الله، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله.\n*قال الله -﷿-: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (٣).\nتُبشّرنا هذه الآية الكريمة بأنّ المستقبل للإسلام بسيطرته وظهوره وحُكمه\n_________\n(١) أخرجه أحمد والطبراني، وانظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١٣٠٧)، و\"الصحيحة\" (٣٣٣٤).\n(٢) الشورى: ٣٠.\n(٣) التوبة: ٣٣.","vol":"7","page":370},{"text":"على الأديان كلِّها، وقد يَظنُّ بعض الناس أنّ ذلك قد تحقَّق في عهده - ﷺ -، وعهد الخلفاء الراشدين والملوك الصالحين، وليس كذلك، فالذي تحقَّق إنما هو جزءٌ مِن هذا الوعد الصادق؛ كما أشار إلى ذلك النبيّ - ﷺ - بقوله:\n\"لا يذهبُ الليل والنهار حتى تعبد اللاّت والعُزّى، فقالت عائشة: يا رسول الله إن كنت لأظن حين أنزل الله: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ أنّ ذلك تامًّا، قال: إنّهُ سيكونُ من ذلك ما شاء الله\" (١) الحديث.\nوقد وَرَدت أحاديثُ أخرى؛ توضح مبلغ ظهورِ الإسلام ومدى انتشاره؛ بحيث لا يَدَعُ مجالًا للشكِّ في أن المستقبل للإسلام -بإذن الله وتوفيقه-.\nقال شيخنا -﵀-: \"وها أنا أسوق ما تيسَّر من هذه الأحاديث؛ عسى أن تكون سببًا لشحذِ هِمَم العاملين للإسلام، وحُجةً على اليائسين المتواكلين:\n\"إنّ الله زَوَى (٢) لي الأرض، فرأيتُ مشارقها ومغاربها، وإنّ أمّتي سيبلغ مُلكُها ما زُوي لي منها\" (٣). الحديث.\nوأوضح منه وأعمّ الحديث التالي:\n\"ليَبْلُغَنَّ هذا الأمرُ ما بلَغ الليلُ والنّهار، ولا يَتركُ الله بيت مَدَرٍ ولا وَبَرٍ إلاَّ\n_________\n(١) أخرجه مسلم: ٢٩٠٧.\n(٢) أي: جَمَعَ وضَمَّ.\n(٣) أخرجه مسلم: ٢٨٨٩.","vol":"7","page":371},{"text":"أدخَله الله هذا الدين بعزِّ عزيزٍ، أو بذُلِّ ذليلٍ، عزًّا يُعزُّ الله به الإسلام، وذُلًاّ يُذِلُّ به الكُفرَ\" (١).\nومما لا شكّ فيه؛ أن تحقيق هذا الانتشار، يستلزم أن يعود المسلمون أقوياء؛ في معنوياتهم وماديّاتهم وسلاحهم، حتى يستطيعوا أن يتغلّبوا على قوى الكفر والطغيان، وهذا ما يُبشِّرنا به الحديث [الآتي]:\n\"عن أبي قَبيلٍ قال: كنا عند عبد الله بن عمرو بن العاص وسُئل: أيُّ المدينتين تُفتَحُ أولًا: القسطنطينيةُ أو رُومية؟ فدعا عبد الله بصندوق له حِلَق، قال: فأخرَج منه كتابًا (٢)، قال: فقال عبد الله: بينما نحنُ حول رسول الله - ﷺ - نكتبُ؛ إذ سُئلَ رسول الله - ﷺ -: أيّ المدينتين تُفتَح أولًا أقسطنطينية أو رومية؟ فقال رسول الله - ﷺ -: مدينةُ هِرَقْل تُفْتَح أوّلًا. يعني قُسْطَنطينيَّة\" (٣).\nو(رومية): هي روما، كما في \"معجم البُلدان\" وهي عاصمة إيطاليا اليوم. وقد تحقَّق الفتح الأول على يدِ محمّد الفاتح العثماني؛ -كما هو معروف-، وذلك بعد أكثر من ثمانمائة سنة مِن إخبار النبيّ - ﷺ - بالفتح، وسيتحقّق الفتح الثاني بإذن الله -تعالى- ولا بد، ولتعلمنَّ نبأه بعد حين.\n_________\n(١) أخرجه أحمد والطبراني في \"المعجم الكبير\" وابن حبان في \"صحيحه\" وغيرهم، وانظر \"تحذير الساجد\" (ص ١١٨) و\"الصحيحة\" برقم ٣.\n(٢) قال شيخنا -﵀- في التعليق: قول عبد الله هذا رواه أبو زرعة أيضًا في \"تاريخ دمشق\" (٩٦/ ١) وفيه دليلٌ على أنّ الحديث كُتِب في عهده - ﷺ -.\n(٣) أخرجه أحمد، والدارمي، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" وغيرهم، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وقال شيخنا -﵀-: هو كما قالا، وانظر \"الصحيحة\" برقم (٤).","vol":"7","page":372},{"text":"ولا شك أيضًا أنّ تحقيق الفتح الثاني؛ يستدعي أن تعود الخلافة الراشدة إلى الأمّة المسلمة، وهذا ممّا يُبشّرنا به - ﷺ - بقوله في الحديث:\n\"تكون النُّبوَّة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثمّ يرفعها الله إذا شاء أن يرفعَها، ثمّ تكون خلافة على مِنهاج النُّبوَّة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثمّ يرفعها إذا شاء أن يرفعَها، ثمّ تكون مُلكًا عاضًّا (١) فيكون ما شاء الله أن تكون، ثمّ يرفعها إذا شاء الله أن يرفعَها، ثمّ تكون مُلكًا جبريًا فتكون ما شاء الله أن تكون، ثمّ يرفعها إذا شاء أن يرفعَها، ثمّ تكون خلافة على منهاج النُّبوَّة، ثمّ سكَت\" (٢).* (٣) انتهى.\nولمّا اشتدت العداوة مع اليهود؛ فلا بدّ من ذِكْر البُشرى بالانتصار عليهم.\nفعن عبد الله بن عمر -﵄- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"تقاتلون اليهود حتى يختبيَ أحدهم وراء الحجر، فيقول: يا عبد الله هذا يهودي ورائي فاقتله\" (٤).\nوالنصوص في انتصار المسلمين وفتوحاتهم القادمة كثيرة والحمد لله، وأكتفي بما تقدّم.\n-تم بحمد الله تعالى-\n_________\n(١) أي: يُصِيبُ الرَّعيَّة فيه عسْفٌ وظُلْم؛ كأنَّهم يُعَضُّون فيه عَضًّا. وانظر \"النّهاية\".\n(٢) أخرجه أحمد وغيره وانظر \"الصحيحة\" برقم (٥).\n(٣) ما بين نجمتين من \"السلسلة الصحيحة\" بتصرّف يسير، تحت عنوان (المستقبل للإسلام) انظر الأحاديث (١ - ٥).\n(٤) أخرجه البخاري: ٢٩٢٥، ومسلم: ٢٩٢١.","vol":"7","page":373}]}