{"ً":{"ٌ":3528,"ٍ":"معالم أصول التربية الإسلامية من خلال وصايا لقمان لابنه","َ":2,"ُ":1,"ِ":{"root":"الجوامع والمجلات ونحوها/مجلة الجامعة الإسلامية/028_105-106","files":["028_105-106_mgi.pdf"]},"ّ":"الكتاب: معالم أصول التربية الإسلامية من خلال وصايا لقمان لابنه\nالمؤلف: عبد الرحمن محمد عبد المحسن الأنصاري\nالناشر: مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة\nالطبعة: السنة الثامنة والعشرون - ١٤١٧هـ - ١٤١٨هـ\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]\nعدد الصفحات: ٤٨٧","ْ":"","ٓ":"1.1","ٔ":2173,"ٕ":23,"ٖ":1770155808,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":1},{"title":"الفصل الأول: التعريف بلقمان الحكيم","level":1,"page":7},{"title":"اسمه ونسبه","level":2,"page":7},{"title":"أوصافه","level":2,"page":8},{"title":"صفاته","level":2,"page":9},{"title":"مهنته","level":2,"page":10},{"title":"هل كان لقمان نبيا أم حكيما؟","level":2,"page":12},{"title":"الفصل الثاني","level":1,"page":15},{"title":"المبحث الأول: لقمان لإبنه","level":2,"page":15},{"title":"المبحث الثاني: الجوانب التربوية لوصايا لقمان","level":2,"page":18},{"title":"المبحث الثالث: معالم أصول التربية الإسلامية من خلال وصايا لقمان","level":2,"page":45},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":65}],"ٛ":{"1,423":1,"1,424":2,"1,425":3,"1,426":4,"1,427":5,"1,428":6,"1,430":7,"1,431":9,"1,432":11,"1,433":13,"1,434":14,"1,436":15,"1,437":16,"1,438":17,"1,439":18,"1,440":19,"1,441":20,"1,442":21,"1,443":22,"1,444":23,"1,445":24,"1,446":25,"1,447":26,"1,448":27,"1,449":28,"1,450":29,"1,451":30,"1,452":31,"1,453":32,"1,454":33,"1,455":34,"1,456":35,"1,457":36,"1,458":37,"1,459":38,"1,460":39,"1,461":40,"1,462":41,"1,463":42,"1,464":43,"1,465":44,"1,466":45,"1,467":46,"1,468":47,"1,469":48,"1,470":49,"1,471":50,"1,472":51,"1,473":52,"1,474":53,"1,475":54,"1,476":55,"1,477":56,"1,478":57,"1,479":58,"1,480":59,"1,481":60,"1,482":61,"1,483":62,"1,484":63,"1,485":64,"1,486":65,"1,487":66},"ٜ":{"1":[423,487]},"ٝ":["1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,430","1,430","1,431","1,431","1,432","1,432","1,433","1,434","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487"],"ٞ":{"1":[1],"7":[2,3],"8":[4],"9":[5],"10":[6],"12":[7],"15":[8,9],"18":[10],"45":[11],"65":[12]},"ٟ":[],"numbers":{"2":2,"3":3,"4":6,"5":8,"6":21,"7":33,"8":60,"9":61},"number_max":"9","number_pages":{"2":"2","3":"3","6":"4","8":"5","21":"6","33":"7","60":"8","61":"9"}},"pages":[{"text":"بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>مُقَدّمَة </span>الدراسة:\nالْحَمد لله رب الْعَالمين وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على أشرف الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ نَبينَا مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله وَصَحبه أَجْمَعِينَ.\nأما بعد:\nتظهر على الساحة التربوية بَين آونة وَأُخْرَى العديد من الأفكار والنظريات التربوية الَّتِي تَدعِي اهتمامها بتربية الْإِنْسَان وتهذيبه مثل النظريات المثالية والوجودية والواقعية والبرجماتية وَغَيرهَا، وبالرغم من ملاءمة تِلْكَ النظريات لظروف وَاقعهَا إِلَى حد مَا إِلَّا أَنه يُمكن القَوْل أَن تِلْكَ النظريات تقف عاجزة أَمَام تحديات تربية الْإِنْسَان فِي كل عصر هَذَا من جِهَة وَمن جِهَة أُخْرَى أَنَّهَا لَيست عَامَّة وشاملة لكل زمَان وَمَكَان.\nمن هُنَا كَانَت حَاجَة الْإِنْسَان إِلَى تربية تهذب العناصر الْمَطْلُوبَة لشخصيته وَهِي عناصر طيبَة تلتقي جَمِيعهَا فِي نقطة وَاحِدَة هِيَ الْفَضِيلَة وَالَّتِي يُمكن توضيحها بِأَنَّهَا كل فعل فعلته فأرضيت فِيهِ رَبك وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ قَلْبك واستراح لَهُ ضميرك ونلت بِهِ حب النَّاس١. بِهَذِهِ المواصفات يُمكن إعداد الشخصية الإنسانية الْخيرَة الصَّالِحَة.\nيَتَقَرَّر مِمَّا سبق أَن الْحَاجة إِلَى التربية الإسلامية شَدِيدَة، لِأَن الْعُقُول البشرية لَا تَسْتَطِيع وَحدهَا إِدْرَاك مصالحها الْحَقِيقَة الَّتِي تكفل لَهَا سَعَادَة الدَّاريْنِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، كَمَا أَنَّهَا لَا تهدي وَحدهَا إِلَى التَّمْيِيز بَين الْخَيْر وَالشَّر، والفضيلة والرذيلة فالإنسان لَيْسَ كَامِل الْحَواس وَالْعقل وَمن ثمَّ فَإِن مداركه ومعارفه مهما وصلت إِلَى دَرَجَة عالية فَإِنَّهَا تبقى قَاصِرَة ومحدودة.\n_________\n١ - مُحَمَّد عبد الله السمان: التربية فِي الْقُرْآن ص ١٤.","vol":"1","page":423},{"text":"لذا يَنْبَغِي أَن يكون الْإِسْلَام هُوَ الْمصدر الأساسي الَّذِي يستمد مِنْهُ الْمُجْتَمع فكره التربوي، وأهدافه التربوية، وَأسسَ مناهجه وأساليب تدريسه وَسَائِر عناصر العلمية التعليمية.\nقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ١.\nيَتَّضِح من الْآيَة الْكَرِيمَة أَنه لَا سَبِيل إِلَى تلافي هَذَا النَّقْص وَذَلِكَ الْقُصُور إِلَّا بتفهم أصُول التربية الإسلامية من مصادرها الْأَصْلِيَّة وَالرُّجُوع إِلَى سير السّلف الصَّالح رضوَان الله تَعَالَى عَنْهُم للإقتداء بهم.\nوَلما كَانَت التربية الإسلامية تقوم على الْإِيمَان بِاللَّه ومراقبته والخضوع لَهُ وَحده، وَالْعَمَل الصَّالح والتواصي بِالْحَقِّ، وتحري الْعلم والمعرفة الصَّحِيحَة ونشرها بَين النَّاس والتواصي بِالصبرِ٢.\nأَصبَحت التربية الإسلامية فَرِيضَة على جَمِيع الْآبَاء والأمهات والمربين والمعلمين، وَهَذِه المسؤولية أَمَانَة دينية يتوارثها الأجيال، جيل بعد جيل ليربوا الناشئة على أُصُولهَا وَتَحْت ظلالها فَلَا سَعَادَة وَلَا رَاحَة وَلَا طمأنينة لَهُم إِلَّا بتربية هَذِه النُّفُوس وَتلك الأجيال وفْق مَا شَرعه الله لَهُم.\nإِن الْقُرْآن الْكَرِيم هُوَ كتاب الله الخالد الَّذِي نزل بِهِ الرّوح الْأمين بِلِسَان عَرَبِيّ مُبين على أشرف خلق الله وَخَاتم أنبياءه مُحَمَّد بن عبد الله عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَأتم التَّسْلِيم ليخرج بِهِ النَّاس من الظُّلُمَات إِلَى النُّور بِإِذن رَبهم ويهديهم إِلَى الصِّرَاط الْمُسْتَقيم، بعد مَا اشْتبهَ عَلَيْهِم الضلال وَالْجهل بالعرفان وَذَلِكَ رَحْمَة من الله بعباده ورأفة مِنْهُ ﷿ بخلقه.\n_________\n١ - سُورَة الْأَنْعَام: آيَة ١٥٣.\n٢ - أنور الجندي: التربية وَبِنَاء الأجيال فِي ضوء الْإِسْلَام ص ٢١٢ - ٢١٣.","vol":"1","page":424},{"text":"وَقد اسْتَطَاعَ الْقُرْآن الْكَرِيم بِفضل الله وَرَحمته ثمَّ بسر فَصَاحَته وبلاغته أَن يكوَّن من عرب الجزيرة أمة تحمل رِسَالَة الْإِسْلَام وتنشيء حضارة وتصنع تَارِيخا١ فتغيرت حياتهم فَأَصْبَحت من بعد ضعف قُوَّة، وَمن جهل إِلَى علم، وَمن بعد فرقة وتناحر إِلَى ألفة وتآزر، وَمن الذل والهوان إِلَى الْعِزَّة والكرامة، وَمن الضَّلَالَة إِلَى الرشاد، قَالَ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ٢\nويتفرد الْقُرْآن الْكَرِيم بأسلوبه الرائع فِي بِنَاء العقيدة الإسلامية فِي النَّفس الإِنسانية، لَا يستخدم الْعقل وَحده وَلَا العاطفة وَحدهَا، بل يُربي الْعقل والعاطفة مَعًا. يعمد إِلَى التدرج فِي مُخَاطبَة الْعقل البشري من المحسوس إِلَى الْمُجَرّد، وَمن الْحَاضِر إِلَى الْغَائِب، تمّ ينْتَقل بعد ذَلِك إِلَى بَيَان حَقِيقَة الموجد للمخلوقات وَأَنه هُوَ الْمُسْتَحق لِلْعِبَادَةِ وَحده دون سواهُ يَقُول الْحق ﵎: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ ٣\nوَبِالْجُمْلَةِ فَإِن الْقُرْآن الْكَرِيم شَامِل لجَمِيع متطلبات النَّفس الإِنسانية فِيمَا تحتاجه من الْأَوَامِر والنواهي، وَمَا يصلحها وَمَا يصلح لَهَا، وَمَا يسعدها وَمَا يشقيها، وَمَا يهديها وَمَا يُظِلّهَا. وَعَلِيهِ يَتَقَرَّر أَن الْقُرْآن الْكَرِيم هُوَ الْمنْهَج الْكَفِيل بتربية الْفَرد تربية شَامِلَة كَامِلَة، كَمَا أَنه يُربي الأسرة الفاضلة والمجتمع الْفَاضِل.\n_________\n١ - مُحَمَّد شَدِيد: مَنْهَج الْقُرْآن فِي التربية ص ٦.\n٢ - سُورَة الْجُمُعَة: آيَة ٢، وَانْظُر ابْن كثير: تَفْسِير الْقُرْآن الْعَظِيم ٤/٣٦٣.\n٣ - سُورَة النَّمْل: آيَة ٦٠.","vol":"1","page":425},{"text":"لذَلِك كُله كَانَ – ومازال - الْقُرْآن وسيظل حَتَّى يَرث الله الأَرْض وَمن عَلَيْهَا الْمصدر الأول للتشريع الإسلامي يستمد مِنْهُ الْمُسلمُونَ عقيدتهم الَّتِي يُؤمنُونَ بهَا، ويجدون فِيهِ معالجة لجَمِيع جَوَانِب حياتهم دنيا وَآخره.\nوَمِمَّا تجدر الْإِشَارَة إِلَيْهِ – هُنَا - أَن منهاج التربية فِي الْقُرْآن جَاءَ بِنَاء على فهم حَكِيم لمتطلبات الطبيعية البشرية، ونظرة كُلية فِي إطار الْمُجْتَمع الَّذِي يعِيش فِيهِ، وَفِي إطار مُقَدّر الْإِنْسَان على اتِّبَاع الْخَيْر١. قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ ٢.\nوَفِي هَذِه الدراسة يستخلص الباحث بعون الله تَعَالَى وتوفيقه أصُول التربية الإسلامية للْإنْسَان الْمُسلم من خلال وَصَايَا لُقْمَان كَمَا وَردت فِي سُورَة لُقْمَان.\nمَوْضُوع الدراسة:\nتعد وَصَايَا لُقْمَان الْحَكِيم الْوَارِدَة فِي سُورَة لُقْمَان أنموذجا تربويا لأصول التربية المستقيمة، فقائلها رجل عرف بالحكمة، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ...﴾ ٣.\nلذا فَإِن وَصَايَاهُ من الأهمية بمَكَان فِي التربية والتنشئة الْحَسَنَة، فَهِيَ نابعة من الْقلب، ومبناها والقناعة الصدْق، والتجربة والمعرفة.\nمن هُنَا كَانَت الْحَاجة ماسة للْقِيَام بِمثل هَذِه الدراسة ليتبين للقارئ من خلالها أصُول التربية الإسلامية للْإنْسَان كَمَا جَاءَت فِي وَصَايَا لُقْمَان والمذكورة فِي سُورَة لُقْمَان وَيُمكن تَحْدِيد المشكلة فِي السُّؤَال الرئيسي التَّالِي:\n_________\n١ - أمينة أَحْمد حسن: نظرية التربية فِي الْقُرْآن ص ١٦٥.\n٢ - سُورَة الْبَقَرَة آيَة (٢٨٦) .\n٣ - سُورَة لُقْمَان: آيَة ١٢.","vol":"1","page":426},{"text":"مَا معالم أصُول التربية الإسلامية للْإنْسَان الْمُسلم فِي الْقُرْآن الْكَرِيم كَمَا تظهر من خلال وَصَايَا لُقْمَان؟\nوَيتَفَرَّع من السُّؤَال السَّابِق الأسئلة الفرعية التالية:\nس ١: من هُوَ لُقْمَان الْحَكِيم؟\nس ٢: مَا الْوَصَايَا الَّتِي أوصى بهَا لُقْمَان ابْنه؟\nس ٣: مَا جَوَانِب التربية الإسلامية للْإنْسَان الَّتِي يُمكن الْخُرُوج بهَا من خلال تِلْكَ الْوَصَايَا؟\nهدف الدراسة:\nتهدف هَذِه الدراسة الْوُقُوف على المعالم الصَّحِيحَة لأصول التربية القويمة وَالَّتِي تساعد الْآبَاء والأمهات والمعلمين وكل من لَهُ عناية بشؤون التربية والتعليم على تربية الأجيال الناشئة تربية إسلامية صَحِيحَة.\nأهمية الدراسة:\nتكمن أهمية الدراسة فِي استخلاص جَوَانِب التربية الإِسلامية للْإنْسَان من خلال وَصَايَا لُقْمَان الْحَكِيم، وَأَن الْقيام بِمثل هَذَا الْعَمَل يعد بِمَثَابَة أنموذجا مرجعيًا لكل أَب ومربّ مُسلم يُرِيد أَن ينشئ أبناءه وتلاميذه التنشئة الَّتِي يريدها منهاج الْإِسْلَام التربوي.\nمَنْهَج الدراسة:\nيستخدم الباحث فِي دراسته الْمنْهَج التحليلي الاستنباطي لاستخراج جَوَانِب التربية الإسلامية من وَصَايَا لُقْمَان وَذَلِكَ بإتباع مَا يَلِي:","vol":"1","page":427},{"text":"١ - قِرَاءَة الْآيَات الْكَرِيمَة من كتاب الله عزوجل والمتضمن لتِلْك الْوَصَايَا الْوَارِدَة فِي سُورَة لُقْمَان من آيَة ١٣ - ١٩.\n٢ - اسْتِخْدَام كتب التَّفْسِير بهدف التعرف على تَفْسِير الْآيَات الْمشَار إِلَيْهَا سَابِقًا.\n٣ - استنباط الجوانب التربية المتضمنة لتِلْك الْوَصَايَا.\n٤ - التَّوَصُّل إِلَى تَحْدِيد معالم أصُول التربية الإسلامية للْإنْسَان الْمُسلم كَمَا تظهر من خلال الْوَصَايَا.","vol":"1","page":428},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>الْفَصْل الأول: التَّعْرِيف بلقمان الْحَكِيم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>اسْمه وَنسبه</span>\n...\nاسْمه وَنسبه:\nلُقْمَان اسْم أعجمي لَا عَرَبِيّ١\nوَقد اخْتلف فِي نسبه:\nفَقيل هُوَ لُقْمَان بن باعوراء بن ناحور بن تارح وَهُوَ آزر أَبُو إِبْرَاهِيم الْخَلِيل ﵇ هَكَذَا ذكره ابْن إِسْحَاق، وَقيل هُوَ لُقْمَان بن عنقاء بن سرون وَكَانَ نوبيا من أهل من أهل إيلة ذكره السُّهيْلي قَالَ وهب: \"كَانَ ابْن أُخْت أَيُّوب ﵊\"، وَقَالَ مقَاتل ابْن خَالَته، وَقيل كَانَ من أَوْلَاد آزر وعاش ألف سنة وَأدْركَ دَاوُد ﵇ وَأخذ مِنْهُ الْعلم، وَكَانَ يُفْتِي قبل مبعثه، فَلَمَّا بعث قطع الْفَتْوَى ٢ وَقيل أَنه كَانَ قَاضِيا فِي زمن دَاوُد ﵇ ٣","vol":"1","page":430},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>أَوْصَافه:</span>\nقَالَ ابْن عَبَّاس: كَانَ عبدا حَبَشِيًّا٤\nوَقَالَ قَتَادَة: عَن عبد الله بن الزبير قلت لجَابِر بن عبد الله: مَا انْتهى إِلَيْكُم فِي شَأْن لُقْمَان؟ قَالَ: كَانَ قَصِيرا أفطس من النّوبَة٥٦\nوَقَالَ مُجَاهِد: كَانَ لُقْمَان عبدا أسود عَظِيم الشفتين، مُشفق الْقَدَمَيْنِ،وفى رِوَايَة مصفح الْقَدَمَيْنِ٧.\n_________\n١ - أَحْمد الْخَطِيب: إرشاد الساري فِي شرح أَحَادِيث البُخَارِيّ ٧/٢٨٨.\n٢ - الزَّمَخْشَرِيّ: الْكَشَّاف ٣/٢١١، وَكَذَلِكَ الْقُرْطُبِيّ: الْجَامِع لأحكام الْقُرْآن ١٤/٥٩.\n٣ - ابْن كثير: الْبِدَايَة وَالنِّهَايَة ٢/١٢٣.\n٤ - المر جع السَّابِق: ٢/١٢٣.\n٥ - النّوبَة: تطلق على الْجُزْء الجنوبي من بِلَاد مصر، وهى جبل من السودَان وَاحِدهَا نوبي وبلاد النّوبَة من ذَلِك الْجَبَل المعجم الْوَسِيط ص ٩٦١.\n٦ - ابْن كثير: الْمرجع السَّابِق ٢/١٢٤.\n٧ - الْمرجع السَّابِق ٢/١٢٤.","vol":"1","page":430},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>صِفَاته:</span>\nكَانَ لُقْمَان من أخير النَّاس حكيما وفطينا، رَقِيق الْقلب، صَادِق الحَدِيث، صَاحب أَمَانَة وعفة، وعقل وإصابة فِي القَوْل، وَكَانَ رجلا سكيتا، طَوِيل التفكر، عميق النّظر لم ينم نَهَارا قطّ، وَلم يره أحد يبزق وَلَا يَتَنَحْنَح، وَلَا يَبُول وَلَا يتغوط، وَلَا يغْتَسل، وَلَا يعبث وَلَا يضْحك، وَكَانَ لَا يُعِيد منطقا نطقه إِلَّا أَن يَقُول حِكْمَة يستعيدها أَي وَاحِد١.\nوَكَانَ قد تزوج وَولد لَهُ أَوْلَاد فماتوا فَلم يبك عَلَيْهِم، وَكَانَ يغشى السُّلْطَان، وَيَأْتِي الْحُكَّام لينْظر ويتفكر وَيعْتَبر فبذلك أُوتِيَ مَا أُوتِيَ٢.","vol":"1","page":431},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>مهنته:</span>\nقيلَ: أَنه كَانَ خياطًا، قَالَه سعيد بن الْمسيب. قَالَ الْأَوْزَاعِيّ: حَدثنِي عبد الرَّحْمَن بن حَرْمَلَة قَالَ: جَاءَ رجل أسود إِلَى سعيد بن الْمسيب يسْأَله فَقَالَ لَهُ سعيد: لَا تحزن من أجل أَنَّك أسود فَإِنَّهُ كَانَ من أخير النَّاس ثَلَاثَة من السودَان: بِلَال، وَمهجع مولى عمر، ولقمان الْحَكِيم كَانَ أسود نوبيًا ذَا مشافر٣.\nوَقيل: كَانَ يحتطب كل يَوْم لمَوْلَاهُ حزمة حطب، وَقَالَ لرجل ينظر إِلَيْهِ: إِن كنت تراني غليظ الشفتين فَإِنَّهُ يخرج من بَينهمَا كَلَام رَقِيق وَإِن كنت تراني أسود فقلبي أَبيض، وَقيل: كَانَ رَاعيا قَالَه عبد الرَّحْمَن بن زيد ابْن جَابر.\nوَقَالَ خَالِد الربعِي: كَانَ لُقْمَان عبدا حَبَشِيًّا نجارًا فَقَالَ لَهُ سَيّده: أذبح لي شَاة، وأتني بأطيب مضغتين فِيهَا فَأَتَاهُ بِاللِّسَانِ وَالْقلب، فَقَالَ لَهُ: مَا كَانَ فِيهَا\n_________\n١ - ابْن كثير: الْبِدَايَة وَالنِّهَايَة ٢/ ١٢٤.\n٢ - الْمرجع السَّابِق: ٢/١٢٤.\n٣ - الزَّمَخْشَرِيّ: الْكَشَّاف ٣/٢١١، وَكَذَلِكَ الْقُرْطُبِيّ: الْجَامِع لأحكام الْقُرْآن ١٤/٦٠، وَابْن كثير: الْبِدَايَة وَالنِّهَايَة ٢/١٢٤.","vol":"1","page":431},{"text":"شَيْء أطيب من هذَيْن فَسكت، ثمَّ أمره بِذبح شَاة أُخْرَى ثمَّ قَالَ لَهُ: ألق بأخبث مضغتين فِيهَا فَألْقى اللِّسَان وَالْقلب، فَقَالَ لَهُ أَمرتك بِأَن تَأتِينِي بأطيب مضغتين فأتيتني بِاللِّسَانِ وَالْقلب، وأمرتك أَن تلقي أخبثها فألقيت اللِّسَان وَالْقلب؟ فَقَالَ لَهُ: إِنَّه لَيْسَ شَيْء أطيب مِنْهُمَا إِذا طابا وَلَا أَخبث مِنْهُمَا إِذا أخبثا١.","vol":"1","page":432},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>هَل كَانَ لُقْمَان نَبيا أم حكيما</span>؟\nاخْتلف السّلف فِي لُقْمَان: هَل كَانَ نَبيا أَو عبدا صَالحا من غير نبوة؟ على قَوْلَيْنِ:\nفَقَالَ جُمْهُور أقل التَّأْوِيل: أَنه كَانَ وليا وَلم يكن نَبيا.\nوَقَالَ عِكْرِمَة وَالشعْبِيّ بنبوته.\nوَالصَّوَاب أَنه كَانَ رجلا حكيما بحكمة الله تَعَالَى - وَهِي الصَّوَاب فِي المعتقدات، وَالْفِقْه فِي الدّين وَالْعقل - قَاضِيا فِي بني إِسْرَائِيل قَالَه ابْن عَبَّاس وَغَيره٢.\nعَن ابْن عمر ﵄ قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: \"لم يكن لُقْمَان نَبيا وَلَكِن كَانَ عبدا كثير التفكر حسن الْيَقِين، أحب الله تَعَالَى فَأَحبهُ فَمن الله عَلَيْهِ بالحكمة، وخيره فِي أَن يَجعله خَليفَة يحكم بِالْحَقِّ، فَقَالَ: رب إِن خيرتني قبلت الْعَافِيَة وَتركت الْبِلَاد، وَإِن عزمت عَليّ فسمعًا وَطَاعَة فَإنَّك ستعصمني\" ذكره ابْن عَطِيَّة وزاداه الثَّعْلَبِيّ: فَقَالَت لَهُ الْمَلَائِكَة بِصَوْت لَا يراهم: لم يَا لُقْمَان؟ قَالَ: لِأَن الْحَاكِم بأشد الْمنَازل وأكدرها، يَغْشَاهُ الْمَظْلُوم من كل مَكَان، إِن يعن فبالحري أَن ينجو، وَإِن أَخطَأ أَخطَأ طَرِيق الْجنَّة، وَمن يكون فِي الدُّنْيَا ذليلا فَذَلِك خير من أَن يكون فِيهَا شريفا، وَمن\n_________\n١ - الْقُرْطُبِيّ: الْجَامِع أَحْكَام الْقُرْآن ١٤/١٦ - ٦٠، وَكَذَلِكَ أَحْمد بن حَنْبَل: كتاب الزّهْد ص ٤٩.\n٢ - الْقُرْطُبِيّ: الْجَامِع لأحكام الْقُرْآن ١٤/٥٩.","vol":"1","page":432},{"text":"يخْتَر الدُّنْيَا على الْآخِرَة نفته الدُّنْيَا وَلَا يُصِيب الْآخِرَة، فعجبت الْمَلَائِكَة من حسن مَنْطِقه ﴿فَنَامَ نومَة فَأعْطِي الْحِكْمَة، فانتبه يتَكَلَّم بهَا، ثمَّ نُودي دَاوُد بعده فقبلها - يَعْنِي الْخلَافَة - وَلم يشْتَرط مَا اشْتَرَطَهُ لُقْمَان، فهوى فِي الْخَطِيئَة غير مرّة، كل ذَلِك يعْفُو الله عَنهُ. وَكَانَ لُقْمَان يؤازره بِحِكْمَتِهِ؛ فَقَالَ لَهُ دَاوُد: طُوبَى لَك يَا لُقْمَان﴾ أَعْطَيْت الْحِكْمَة وَصرف عَنْك الْبلَاء، وَأعْطى دَاوُد الْخلَافَة وابتلي بالبلاء والفتنة١\nوَنقل عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَوْله: لُقْمَان لم يكن نَبيا وَلَا ملكا وَلَكِن كَانَ رَاعيا أسود، فرزقه الله الْعتْق وَرَضي قَوْله ووصيته فَقص أمره فِي الْقُرْآن لتمسكوا بوصيته٢.\nوَأخرج ابْن جرير عَن قَتَادَة ﵁ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَة﴾ أَي الْفِقْه فِي الْإِسْلَام، قَالَ قَتَادَة: وَلم يكن نَبيا وَلم يُوح إِلَيْهِ٣ وَعَن مُجَاهِد أَنه قَالَ: كَانَ لُقْمَان رجلا صَالحا وَلم يكن نَبيا٤\nوروى ابْن كثير عَن قَتَادَة أَنه قَالَ: \"خيّر الله تَعَالَى لُقْمَان بَين النُّبُوَّة وَالْحكمَة، فَاخْتَارَ الْحِكْمَة على النُّبُوَّة فَأَتَاهُ جِبْرِيل ﵇ وَهُوَ نَائِم فذرَّ عَلَيْهِ الْحِكْمَة فَأصْبح وَهُوَ ينْطق بهَا\". قَالَ سعيد: سَمِعت قَتَادَة يَقُول: \"قيل للقمان كَيفَ اخْتَرْت الْحِكْمَة على النُّبُوَّة وَقد خيّرك رَبك؟ فَقَالَ: أَنه لَو أرسل إليّ بِالنُّبُوَّةِ عَزمَة لرجوت فِيهِ الْفَوْز مِنْهُ ولكنت أَرْجُو أَن أقوم بهَا وَلَكِن خيّرنيى\n_________\n١ - الْقُرْطُبِيّ: الْمرجع السَّابِق ١٤/٦٠.\n٢ - الزَّمَخْشَرِيّ: الْكَشَّاف ٣/٢١١.\n٣ - الطَّبَرِيّ: جَامع الْبَيَان عَن تَأْوِيل آي الْقرَان ٦٧/١١.\n٤ - الْمرجع السَّابِق.","vol":"1","page":433},{"text":"فَخفت أَن أَضْعَف عَن النُّبُوَّة فَكَانَت الْحِكْمَة أحب إِلَيّ وَهَذَا فِيهِ نظر لِأَن سعيد بن بشير يروي عَن قَتَادَة وَقد تكلمُوا فِيهِ\"١.\nوكما ذكرت سَابِقًا أَن الْمَشْهُور عَن الْجُمْهُور أَنه كَانَ رجلا حكيما وَلم يكن نَبيا وَهُوَ قَول الْأَكْثَرين٢.\nوَهَذَا هُوَ الْحق إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَالله أعلم.\n_________\n١ - ابْن كثير: الْبِدَايَة وَالنِّهَايَة ٢/١٢٩.\n٢ - ابْن كثير تَفْسِير الْقُرْآن الْعَظِيم ٣/٤٤٣، وَكَذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيّ: الْكَشَّاف ٣/٢١١.","vol":"1","page":434},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>الْفَصْل الثَّانِي</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>المبحث الأول: لُقْمَان لإبنه</span>\n...\nالمبحث الأول\nوَصَايَا لُقْمَان لِابْنِهِ\nيتَنَاوَل هَذَا المبحث بَيَان الْوَصَايَا الْقيمَة الَّتِي أوصى بهَا لُقْمَان ابْنه كي يَتَّضِح لنا أهميتها فِي تربية الْأَبْنَاء على أسسها القويمة كَمَا حددها – لُقْمَان - لِابْنِهِ، ذَلِك الْأَب الرَّحِيم الَّذِي أَتَاهُ الله الْحِكْمَة فَهُوَ ينظر إِلَى ابْنه نظرة شَفَقَة وَعطف، حَتَّى لَا يَقع فِي مهاوي الزيغ والضلال، وَلِهَذَا كَانَت وَصَايَاهُ من الأهمية بمَكَان، وَقد بَينهَا لنا الْقُرْآن الْكَرِيم بأسلوبه ومعانيه المعجزة الخالدة، فَكَانَت وَصَايَاهُ أنموذجا يتوافر فِيهِ الْإِخْلَاص وَالصَّوَاب، وعَلى الأباء أَن يسلكوا مسلكه فِي تنشئة أبنائهم تنشئة إسلامية صَحِيحَة وفْق مَا تعرضه الْآيَات الْكَرِيمَة من كتاب الله عزوجل وَالَّتِي ذكرت بهَا وَصَايَا لُقْمَان. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ. وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ. وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَان بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ. يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ. يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ. وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ","vol":"1","page":436},{"text":"اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ ١.\nمن خلال الْعرض السَّابِق للآيات الْكَرِيمَة يُمكن توضيح الْوَصَايَا فِي النقاط التالية:\nالْوَصِيَّة الأولى:\nتَوْحِيد الله وإفراده بِالْعبَادَة لله وَحده لَا شريك لَهُ فِي ذَلِك فَهُوَ الْمُسْتَحق لِلْعِبَادَةِ وَحده - ﷾ - ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ .\nالْوَصِيَّة الثَّانِيَة:\nبرَّ الْأَبْنَاء لِآبَائِهِمْ ﴿وَوَصَّيْنَا الأِنْسَانَ بِوَالِدَيْه ...﴾ الْآيَة.\nالْوَصِيَّة الثَّالِثَة:\nأَن يراقب العَبْد الله ﷾ فِي حركاته وسكناته وَجَمِيع أَعماله، فَالله عزوجل لَا تخفى عَلَيْهِ خافية لَا فِي الأَرْض وَلَا فِي السَّمَاء ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ ...﴾ الْآيَة.\nالْوَصِيَّة الرَّابِعَة:\nالْأَمر بِإِقَامَة الصَّلَاة وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر، وَالصَّبْر على تحمل المشاق فِي سَبِيل ذَلِك ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ ...﴾ الْآيَة.\n_________\n١ - سُورَة لُقْمَان: الْآيَات ١٢ - ١٩.","vol":"1","page":437},{"text":"الْوَصِيَّة الْخَامِسَة:\nالتَّوَاضُع لعباد الله والإقبال عَلَيْهِم بِوَجْه طليق والابتعاد عَن مظَاهر الْكبر والغرور، وخفض الصَّوْت أثْنَاء الحَدِيث مَعَهم وَعدم رَفعه ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ ....﴾ الْآيَة ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِك......﴾ الْآيَة\nتِلْكَ هِيَ وَصَايَا لُقْمَان الْحَكِيم لِابْنِهِ ذكرهَا لنا الْقُرْآن الْكَرِيم للتفكر وَالِاعْتِبَار فَهَل من مدَّكر، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ ١\n_________\n١ - سُورَة ق الْآيَة ٣٧.","vol":"1","page":438},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>المبحث الثَّانِي\nالجوانب التربوية لوصايا لُقْمَان</span>\nفِي هَذَا الْبَحْث نتناول جَوَانِب التربية الإسلامية المتضمنة لوصايا لُقْمَان لِابْنِهِ وَفِيمَا يَلِي بَيَان ذَلِك:\nأَولا: الدعْوَة إِلَى غرس عقيدة التَّوْحِيد:\nإِن المتدبر لكتاب الله ﷾ والمتأمل فِي آيَاته الْبَينَات يَتَّضِح لَهُ تميز الْمِنْهَاج الرباني بمفاهيم تربوية لَا يجد لَهَا مثيلا فِي المناهج وَالنّظم والنظريات التربوية البشرية تستهدف تِلْكَ المفاهيم الربانية خير الْإِنْسَان فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة جَمِيعًا، وينطلق الْمِنْهَاج الرباني نَحْو بِنَاء الْقيم الإسلامية الَّتِي تتظافر للوصول بالإنسان إِلَى الصّلاح والإصلاح وشجب كل صور الْفساد فِي النَّفس والمجتمع لتحَقّق لَهُ بذلك كَمَاله الإنساني.\nإِن الْمِنْهَاج الرباني وَاضح فِي أهدافه وغاياته ليتَمَكَّن الْمُسلم من اتِّبَاع هَدْيه، وَهُوَ مُؤمن بمقاصده الْعَظِيمَة، وموقن بِالْخَيرِ الَّذِي يعود عَلَيْهِ نتيجة التَّمَسُّك بِهِ وَالْعَمَل بأوامره وَاجْتنَاب نواهيه، وَمن هُنَا فَإِن منهاج التربية الإسلامية يركز على غرس الْحق وَالْعدْل وَالْإِحْسَان والإخاء والمساواة وَالْعَفو وَالرَّحْمَة وَالْمَعْرُوف والاستقامة وَالصَّبْر ... وَغير ذَلِك من أَفعَال الْخَيْر وَصَالح الْأَعْمَال.\nوالأسرة الْمسلمَة هِيَ الْمدرسَة الأولى الَّتِي تقوم بتوجيه وتربية الْأَبْنَاء تربية صَالِحَة.\nفالأبناء أَمَانَة فِي أَعْنَاقهم يسْأَلُون عَنْهُم أَمَام الله تَعَالَى، قَالَ الله ﷿:","vol":"1","page":439},{"text":"﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ١\nوَبِنَاء على مَا سبق وَجب على الْآبَاء أَن يوضحوا لأبنائهم معالم التربية الصَّحِيحَة، ويبينوا لَهُم الصَّالح من الضار، وَالْحق من الْبَاطِل، فَإِن غفلوا أَو قصروا فِي أَدَاء ذَلِك نَشأ أبناؤهم نشأة لَا تحمد عقباها وَلَا يُرْجَى خَيرهَا وَكَانَ الْإِثْم على الْآبَاء أَولا.\nفالأبوان هما المسؤولان فِي الدرجَة الأولى عَن انحراف أبنائهم خلقيًا واجتماعيًا وعقديًا، وَقد قَالَ الرَّسُول ﷺ: \"مَا من مَوْلُود إِلَّا يُولد على الْفطْرَة فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَو ينصرَانِهِ أَو يُمَجِّسَانِهِ كَمَا تنْتج الْبَهِيمَة بَهِيمَة جَمْعَاء هَل تُحِسُّونَ فِيهَا من جَدْعَاء\"٢ وَفِي هَذَا دلَالَة وَاضِحَة على أَن الْمَوْلُود يُولد على فطْرَة الإِسلام، لَكِن تَأْثِير الْأَبَوَيْنِ وأسلوب تربيتهما هما اللَّذَان يوجهان عقيدة هَذَا الطِّفْل نَحْو الْيَهُودِيَّة أَو النَّصْرَانِيَّة أَو غَيرهمَا. وَمن هُنَا كَانَت مهمة الْأَبَوَيْنِ فِي التربية من الأهمية بمَكَان فالطفل يحاكي أَبَوَيْهِ فِي جَمِيع سلوكهما ومعتقداتهما وأخلاقهما.\nفَأول وَاجِب يجب على الْأَبَوَيْنِ الْقيام بِهِ والاهتمام بأَمْره دون كلل، هُوَ غرس عقيدة التَّوْحِيد فِي نفس الطِّفْل وتوجيه عواطفه نَحْو حب الله وَرَسُوله وإخباره بِأَن الله يجب أَن يكون أحب إِلَيْهِ من أمه وَأَبِيهِ وَنَفسه، والإِيمان بِاللَّه الَّذِي لَا إِلَه غَيره وبملائكته وَرُسُله، وتوحيد الله فِي الألوهية والربوبية والقوامة وَالسُّلْطَان والحاكمية لِأَن الْإِيمَان بِاللَّه هُوَ الموجه لسلوك الْإِنْسَان والدافع لَهُ إِلَى اتجاه الْخَيْر، والنصير لَهُ من حَيْثُ الْعِنَايَة وَالرِّعَايَة والتوفيق، كَمَا أَنه الَّذِي\n_________\n١ - سُورَة التَّحْرِيم: آيَة ٦.\n٢ - البُخَارِيّ: صَحِيح البُخَارِيّ مَعَ فتح الْبَارِي ٣/٢١٩ كتاب الْجَنَائِز ٢٣ بَاب إِذا أسلم الصَّبِي رقم الحَدِيث ١٣٥٨ - ١٣٥٩، وَمُسلم: صَحِيح مُسلم ٤/٢٠٤٧ كتاب الْقدر ٤٦ بَاب كل ٦ رقم الحَدِيث ٢٦٥٨ وَاللَّفْظ للْبُخَارِيّ.","vol":"1","page":440},{"text":"يصرفهُ عَن طَرِيق الشَّرّ ويجعله متحليًا بالفضائل وَحسن الْخلق١ وَالْمَقْصُود بِالْإِيمَان أَي الإِيمان بِمَا أوجب الله تَعَالَى فِي قَوْله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِه﴾ ٢. وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ ٣.\nوَأما السّنة فقد ذكرت أَرْكَان الْإِيمَان مجتمعة فِي حَدِيث جِبْرِيل ﵇، عَن عمر بن الْخطاب ﵁ أَنه قَالَ: \"بَيْنَمَا نَحن عِنْد رَسُول الله ﷺ ذَات يَوْم إِذْ طلع علينا رجل شَدِيد بَيَاض الثِّيَاب، شَدِيد سَواد الشّعْر، لَا يرى عَلَيْهِ أثر السّفر، وَلَا يعرفهُ منا أحد، حَتَّى جلس إِلَى النَّبِي ﷺ فأسند رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ وَوضع كفيه على فَخذيهِ وَقَالَ: يَا مُحَمَّد! أَخْبرنِي عَن الإِسلام. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ: \"الإِسلام أَن تشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّد رَسُول الله، وتقيم الصَّلَاة، وتؤتي الزَّكَاة، وتصوم رَمَضَان، وتحج الْبَيْت إِن اسْتَطَعْت إِلَيْهِ سَبِيلا. قَالَ: صدقت، قَالَ: فعجبنا لَهُ يسْأَله ويصدقه، قَالَ: فَأَخْبرنِي عَن الْإِيمَان. قَالَ: أَن تؤمن بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله وَالْيَوْم الآخر، وتؤمن بِالْقدرِ خَيره وشره\" الحَدِيث٤.\nإِن الْإِيمَان بِاللَّه هُوَ الموجه للسلوك وَالضَّابِط لَهُ والمتصل اتِّصَالًا وثيقًا بِالْأَعْمَالِ الصادرة من الإِنسان فَإِن التربية الإِسلامية ترْبط دَائِما بَين الْعَمَل\n_________\n١ - عَبَّاس مَحْجُوب: أصُول الْفِكر التربوي فِي الْإِسْلَام ص ٨٩ - ٩٢.\n٢ - سُورَة الْبَقَرَة: آيَة (٢٨٥) .\n٣ - سُورَة الْبَقَرَة: آيَة (١٧٧) .\n٤ - مُسلم: صَحِيح مُسلم بشرح النَّوَوِيّ ١/٢٥٩ كتاب الْإِيمَان، بَاب بَيَان الْإِيمَان والإِسلام وَالْإِحْسَان (١) رقم الحَدِيث (١) .","vol":"1","page":441},{"text":"والسلوك ثمَّ بَين الْعَمَل الصَّادِر من هَذَا الْإِيمَان وَبَين الْجَزَاء، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ ١.\nوَيَقُول تَعَالَى: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ ٢.\nوَهُنَاكَ آيَات كَثِيرَة تقرن الْإِيمَان بِالْعَمَلِ، فالإيمان الْحق هُوَ الْإِيمَان الَّذِي يصدر عَنهُ السلوك وينبع مِنْهُ الْعَمَل الصَّالح وَيخرج مِنْهُ الْخلق الْكَرِيم، فَحسن الْخلق والإخاء والمودة وَاجْتنَاب الْكَبَائِر والتمسك بالفضائل يجب أَن تصدر عَن هَذِه العقيدة٣\nوَالرَّسُول ﷺ يَقُول: \"لَا إِيمَان لمن لَا أَمَانَة لَهُ وَلَا دين لمن لَا عهد لَهُ \" ٤.\nوَيَقُول ﷺ فِي سلوك الْمُؤمن نَحْو جَاره وَنَحْو نَفسه: \"من كَانَ يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فَلَا يُؤْذِي جَاره \" ٥.\nكَمَا يتحدث عَن أثر الْإِيمَان فِي تجنب الرذائل وارتباط الْإِيمَان بالسلوك سَاعَة فعل الْعَمَل كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث الشريف: \"لَا يَزْنِي الزَّانِي حِين يَزْنِي وَهُوَ مُؤمن، وَلَا يشرب الْخمر حِين يشرب وَهُوَ مُؤمن، وَلَا يسرق حِين يسرق وَهُوَ مُؤمن\" الحَدِيث٦.\n_________\n١ - سُورَة الْكَهْف: آيَة (١٠٧) .\n٢ - سُورَة الْعَصْر: آيَة (١ - ٣) .\n٣ - انْظُر عَبَّاس مَحْجُوب: أصُول الْفِكر التربوي فِي الْإِسْلَام ص ٨٩ـ ٩٩.\n٤ - أَحْمد بن حَنْبَل: مُسْند أَحْمد ٣/١٣٥.\n٥ - البُخَارِيّ: صَحِيح البُخَارِيّ على فتح الْبَارِي ٩/٢٥٢ كتاب النِّكَاح (٦٧) بَاب الوصاة بِالنسَاء (٨٠) رقم الحَدِيث ٥١٨٥.\n٦ - البُخَارِيّ: صَحِيح البُخَارِيّ على فتح الْبَارِي ١٢/٥٨ كتاب الْحُدُود (٨٦) بَاب الزِّنَا وَشرب الْخمر، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: ينْزع مِنْهُ نور الْإِيمَان (١) رقم الحَدِيث ٦٧٧٢.","vol":"1","page":442},{"text":"وكما ورد فِي الحَدِيث الآخر \"لَا يُؤمن أحدكُم حَتَّى يحب لِأَخِيهِ أَو قَالَ لجاره مَا يحب لنَفسِهِ\" ١.\nفالعقيدة لابد أَن تنعكس على الْإِنْسَان وسلوكه فَإِذا آمن إِيمَانًا يقينيًا بِاللَّه سُبْحَانَهُ وبعلمه ومراقبته الدائمة لعَبْدِهِ كَانَ هَذَا الْإِيمَان محددًا لسلوك الْمُسلم كفرد وسلوك الْجَمَاعَة كأمة مسلمة. فالعقيدة لابد أَن تترجم فِي حَيَاة الْفَرد الَّذِي يعلم بِأَن الله يطلع على سره ونجواه وَأَن أَفعاله مَكْتُوبَة وَهُوَ محاسب عَلَيْهَا، ولابد أَن تترجم فِي حَيَاة الْجَمَاعَة فتبني نظام حَيَاتهَا وفْق هَذِه العقيدة الَّتِي آمَنت بهَا٢من كل مَا سبق يَتَقَرَّر أَنه لَا سَعَادَة لهَذِهِ النَّفس الإِنسانية وَلَا استقامة لَهَا إِلَّا إِذا ارتبطت كَافَّة جوانبها بعقيدة التَّوْحِيد، وَمن هُنَا يجب على المربي الْمُسلم أَن يرْبط كل جَوَانِب التربية بِهَذَا الأَصْل الاعتقادي لما لَهُ من أهمية كبرى فِي حَيَاة الْإِنْسَان النفسية، وتوحد نوازعه وتفكيره وأهدافه وَتجْعَل كل عواطفه، وسلوكه وعاداته قوى متضافرة متعاونة ترمي كلهَا إِلَى تَحْقِيق هدف وَاحِد هُوَ الخضوع لله وَحده والشعور بألوهيته وحاكميته وَرَحمته وَعلمه لما فِي النُّفُوس وَقدرته وَسَائِر صِفَاته٣.\nثَانِيًا: بر الْوَالِدين:\nإِن عطف الْآبَاء على الْأَبْنَاء من أبرز صور الرَّحْمَة، وَهُوَ يفْرض على الْأَبْنَاء أَن يقابلوا رَحْمَة والديهم لَهُم بِأَن يرعوهم - كبارًا فيخفضوا لَهُم جنَاح الذل من الرَّحْمَة، وَالدُّعَاء لَهُم بالمغفرة وَالرَّحْمَة بهم.\n_________\n١ - مُسلم: صَحِيح مُسلم بشرح النَّوَوِيّ ٢/٣٧٥ - ٣٧٦ كتاب الْإِيمَان (١) بَاب الدَّلِيل على أَن من خِصَال الْإِيمَان أَن يجب لِأَخِيهِ الْمُسلم (١٧) رقم الحَدِيث ٧١\n٢ - عَبَّاس مَحْجُوب: أصُول الْفِكر التربوي فِي الْإِسْلَام ص ٩١ - ٩٢.\n٣ - النحلاوي: أصُول التربة الإسلامية وأساليبها ص ٨٠.","vol":"1","page":443},{"text":"إِن عطف الْوَالِدين على أَوْلَادهم عَطاء لَا يقدر بِثمن وَلَا ينْتَظر مِنْهُ الْعِوَض، إِنَّه فطْرَة فطر الله الْوَالِدين عَلَيْهَا، وَلذَلِك كَانَ برهما من أعظم الْوَاجِبَات وَفِي مُقَدّمَة الصلات الاجتماعية، كَمَا كَانَ عقوقهما من الْكَبَائِر المقاربة للشرك بِاللَّه، وَلِهَذَا ورد الْأَمر بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمَا فِي مَوَاضِع كَثِيرَة من كتاب الله ﷿ عقب الْأَمر بِعبَادة الله وَحده، وَالنَّهْي عَن الْإِشْرَاك بِهِ.\nفَمن ذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا..﴾ الْآيَة ١\nفَفِي الْآيَة الْكَرِيمَة يَأْمر الله تَعَالَى بِعِبَادَتِهِ وَينْهى عَن الشّرك بِهِ ثمَّ يتبعهُ الْأَمر بِالْإِحْسَانِ للْوَالِدين وبرهما لما لَهما من الْفضل على الابْن مُنْذُ أَن كَانَ نُطْفَة فِي رحم أمه حَتَّى صَار كَبِيرا يعْتَمد على نَفسه.\nويعرض لُقْمَان الْحَكِيم فِي وَصيته لِابْنِهِ العلاقة بَين الْوَالِدين وَالْأَوْلَاد فِي أسلوب رَقِيق، وَفِي صُورَة موحية بالْعَطْف والرقة، وَمَعَ هَذَا فَإِن رابطة العقيدة مُقَدّمَة على تِلْكَ العلاقة الْوَثِيقَة٢.\nوَلِهَذَا كَانَ شكر الْوَالِدين بعد شكر الله ﷿ لِأَنَّهُ الْمُنعم الأول٣.\nوَوَصِيَّة الْإِنْسَان بِوَالِديهِ تتمثل فِي طاعتهما مِمَّا لَا يكون شركا ومعصية لله تَعَالَى٤. وَبِمَعْنى آخر أَن طَاعَة الْوَالِدين لَا تكون فِي ركُوب كَبِيرَة، وَلَا فِي ترك فَرِيضَة على الْأَعْيَان، وَتلْزم طاعتهما فِي الْمُبَاحَات٥.\nمِمَّا سبق يُمكن القَوْل أَن علاقَة الْأَبْنَاء بالوالدين يجب أَن تكون علاقَة قَوِيَّة\n_________\n١ - سُورَة النِّسَاء: آيَة ٣٦.\n٢ - سيد قطب: فِي ظلال الْقُرْآن ٥/٢٧٨٨.\n٣ - الْمرجع السَّابِق.\n٤ - الْقُرْطُبِيّ: الْجَامِع لأحكام الْقُرْآن ١٤/٦٣.\n٥ - الْمرجع السَّابِق ١٤/٦٤.","vol":"1","page":444},{"text":"مَبْنِيَّة على التَّقْدِير والاحترام ذَلِك أَن فَضلهمْ على أبنائهم لَا يدْرك مداه وَلَا يَسْتَطِيع أحد أَن يقدره، وَمن هُنَا كَانَ توصية الْأَبْنَاء بآبائهم تَتَكَرَّر فِي الْقُرْآن الْكَرِيم، وَالسّنة المطهرة لما فِي ذَلِك من حَاجَة لتذكيرهم بِوَاجِب الجيل الَّذِي نفق رحيقه كُله حَتَّى أدْركهُ الْجَفَاف، وَلِهَذَا يَجِيء الْأَمر بالإِحسان إِلَى الْوَالِدين فِي صُورَة قَضَاء من الله يحمل معنى الْأَمر الْمُؤَكّد بعد الْأَمر الْمُؤَكّد بِعبَادة الله، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ ١.\nوَفِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ مَا يُفِيد أَن أول مرتبَة من مَرَاتِب الرِّعَايَة وَالْأَدب أَلا يَنِدَّ من الْوَلَد مَا يدل على الضجر والضيق، وَمَا يمشي بالإِهانة وَسُوء الْأَدَب ... ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ وَهِي مرتبَة أَعلَى إيجابية أَن يكون كَلَامه لَهما بالإكرام والاحترام.\n﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ وَهنا يشف التَّعْبِير ويلطف، ويبلغ شغَاف الْقلب وحنايا الوجدان فَهِيَ الرَّحْمَة ترق وتلطف حَتَّى وَكَأَنَّهَا الذل الَّذِي لَا يرفع عينا وَلَا يرفض أمرا وكأنما للذل جنَاح يخفضه إِيذَانًا بِالسَّلَامِ والاستسلام.\n﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ فَهِيَ الذكرى الحانية ذكرى الطفولة الضعيفة يرعاها الْولدَان، وهما الْيَوْم فِي مثلهَا من الضعْف وَالْحَاجة إِلَى الرِّعَايَة والحنان٢.\n_________\n١ - سُورَة الْإِسْرَاء: الْآيَتَانِ (٢٣ - ٢٤) .\n٢ - سيد قطب: فِي ظلال الْقُرْآن ٤/ ٢٢١ - ٢٢٢.","vol":"1","page":445},{"text":"وَمِمَّا لاشك فِيهِ أَن الْإِنْسَان لَا يَفِي وَالِديهِ حَقّهمَا عَلَيْهِ مهما أحسن إِلَيْهِمَا، لِأَنَّهُمَا كَانَا يحسنان إِلَيْهِ حينما كَانَ صَغِيرا وهما يتمنيان لَهُ كل خير ويخشيان عَلَيْهِ من كل سوء ويسألان الله لَهُ السَّلامَة وَطول الْعُمر، ويهون عَلَيْهِمَا من أَجله كل بذل مهما عظم ويسهران على رَاحَته دون أَن يشْعر بِأَيّ تضجر من مطالبه، ويحزنان عَلَيْهِ إِذا آلمه أَي شَيْء، أما الْوَلَد فَإِذا قَامَ بِمَا يجب عَلَيْهِ من الْإِحْسَان لوَالِديهِ فَإِن مشاعره النفسية نَحْوهمَا لَا تصل إِلَى مثل مشاعر أَنفسهمَا الَّتِي كَانَت نَحوه وَلَا تصل إِلَى مثل مشاعره هُوَ نَحْو أَوْلَاده إِلَّا فِي حالات نادرة جدا١.\nويتحقق حق الْوَالِدين على الْأَوْلَاد بطاعتهما ماداما يأمران بِالْخَيرِ، فَإِن أمرا بِمَعْصِيَة الله فَلَا تجوز طاعتهما، إِذْ لَا طَاعَة لمخلوق فِي مَعْصِيّة الْخَالِق وَلَكِن لَا يسْقط حَقّهمَا فِي الْمُعَامَلَة الطّيبَة والصحبة الْكَرِيمَة٢.\nفَعَن أَسمَاء بنت أبي بكر ﵄ أَنَّهَا قَالَت: \"قدمت أُمِّي وَهِي مُشركَة - فِي عهد قُرَيْش ومدتهم إِذْ عَاهَدُوا النَّبِي - ﷺ - مَعَ أَبِيهَا، فاستفتيت النَّبِي فَقلت: إِن أُمِّي قدمت وَهِي راغبة، قَالَ: \"نعم، صلي أمك\"٣.\nوَفِي حَدِيث آخر: أَتَتْنِي أُمِّي راغبة فِي عهد النَّبِي ﷺ، فَسَأَلت النَّبِي ﷺ، آصلها؟ قَالَ: نعم... ٤الحَدِيث.\nمن الْحَدِيثين السَّابِقين يتَبَيَّن أَن حق الْأَبَوَيْنِ قَائِم وَلَو كَانَا الْكَافرين، وعَلى الابْن يحسن صحبتهما دون أَن يطيعهما فِي مَعْصِيّة الله ﷿، فطاعة الله لَا تقدم عَلَيْهَا طَاعَة لأحد مهما كَانَ ذَا حق٥.\n_________\n١ - عبد الرَّحْمَن الميداني: الْأَخْلَاق الإسلامية ٢/٢٢.\n٢ - سيد قطب: فِي ظلال الْقُرْآن ٥/٢٧٨٨.\n٣ - صَحِيح البُخَارِيّ على الْفَتْح ١٠/٤١٣ كتاب الْأَدَب (٧٨) بَاب صلَة الْمَرْأَة أمهَا وَلها زوج (٨) رقم الحَدِيث ٥٩٧٩.\n٤ - صَحِيح البُخَارِيّ على الْفَتْح ١٠/٤١٣ كتاب الْأَدَب (٧٨) بَاب صلَة الْوَالِد الْمُشرك (٧) رقم الحَدِيث ٥٩٧٨.\n٥ - عبد الرَّحْمَن الميداني: الْأَخْلَاق الإسلامية ٢/٢٩.","vol":"1","page":446},{"text":"من الْبَيَان السَّابِق للْوَصِيَّة الثَّانِيَة وَالَّتِي تتَعَلَّق ببر الْوَالِدين يَتَقَرَّر أَن من أول الْوَاجِبَات الَّتِي يجب على الطِّفْل الْمُسلم أَن يتعلمها الشُّكْر للْوَالِدين وَيكون هَذَا بعد الإِيمان بِاللَّه ﷾ وَحده وَالشُّكْر لَهُ، وَلِهَذَا جعل لُقْمَان شكر الْوَالِدين بعد شكر الله ﷿ وَالْإِيمَان بِهِ اعترافًا بحقوقهما ووفاء بمعروفهما.\nثَالِثا: التربية على الإِيمان بقدرة الله ﷿:\nقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ ١.\nفِي الْآيَة الْكَرِيمَة يعلم لُقْمَان ابْنه مدى قدرَة الله تَعَالَى، حَيْثُ قيل: إِن الْحس لَا يدْرك للخردلة ثقلا، إِذْ لَا ترجح ميزانًا. أَي لَو كَانَ للْإنْسَان رزق مِثْقَال حَبَّة خَرْدَل فِي هَذِه الْمَوَاضِع جَاءَ الله بهَا حَتَّى يَسُوقهَا إِلَى من هِيَ رزقه، أَي لَا تهتم للرزق حَتَّى تشتغل بِهِ عَن أَدَاء الْفَرَائِض، وَعَن إتباع سَبِيل من أناب إليّ٢.\nوَالْآيَة الْكَرِيمَة السَّابِقَة توجه الْإِنْسَان إِلَى قدرَة الله الواسعة وَأَن الله قد أحَاط بِكُل شَيْء علما وأحصى كل شَيْء عددا، فسبحانه وَتَعَالَى لَا شريك لَهُ. وَهُنَاكَ آيَات بَيِّنَات من كتاب الله ﷿ تدل على سَعَة علم الله وَقدرته الْعَظِيمَة فَمن ذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ٣.\n_________\n١ - سُورَة لُقْمَان: آيَة (١٦) .\n٢ - الْقُرْطُبِيّ: الْجَامِع لأحكام الْقُرْآن ١٤/٦٦.\n٣ - سُورَة الْأَنْعَام: آيَة (٥٩) .","vol":"1","page":447},{"text":"وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ١.\nوَكَانَ تَوْجِيه لُقْمَان لِابْنِهِ بقدرة الله ﷾ وإطلاعه على سَعَة علمه عزوجل عِنْدَمَا قَالَ ابْن لُقْمَان لِأَبِيهِ: يَا أَبَت إِن عملت الْخَطِيئَة حَيْثُ لَا يراني أحد كَيفَ يعلمهَا الله؟ فَقَالَ لُقْمَان: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ ...﴾ فمازال ابْن لُقْمَان يضطرب حَتَّى مَاتَ٢.\nوَفِي قَوْله تَعَالَى: ﴿حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَل﴾ ٣، إِشَارَة إِلَى دقة الْحساب وعدالة الْمِيزَان مَا يبلغهُ هَذَا التَّعْبِير المصور حَبَّة من خَرْدَل، صَغِيرَة ضائعة لَا وزن لَهَا وَلَا قيمَة ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَة﴾ أَي صلبة محشورة فِيهَا لَا تظهر وَلَا يتَوَصَّل إِلَيْهَا ﴿أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ ...﴾ فِي ذَلِك الكيان الهائل الشاسع الَّذِي يَبْدُو فِيهِ النَّجْم الْكَبِير ذُو الجرم الْعَظِيم نقطة سابحة أَو ذرة تائهة ﴿أَو ْفِي الأَرْض﴾ ضائعة فِي ثراها وحصاها لَا تبين ﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ فَعلمه يلاحقها وَقدرته لَا تفلتها٤. وَيُرَاد من ذَلِك الْأَعْمَال، الْمعاصِي والطاعات، أَي إنْ تَكُ الْحَسَنَة أَو الْخَطِيئَة مِثْقَال حَبَّة يَأْتِ بهَا الله، أَي لَا تفوت الْإِنْسَان الْمُقدر وُقُوعهَا مِنْهُ، وَبِهَذَا الْمَعْنى يتَحَصَّل فِي الموعظة الترجية والتخويف٥.\nوَيدْرك الْإِنْسَان من مَعْرفَته لقدرة الله ﷿ مراقبة الله الدائمة لَهُ فِي كل تصرف، مراقبة الله لَهُ فِي الصَّغِيرَة والكبيرة، وَفِي الْجَهْر والخفاء.\nوَلذَا فَهُوَ يراقب الله وهم يعْمل ... فَلَا يعْمل شَيْئا بِغَيْر إخلاص، لَا يعْمل شَيْئا يقْصد الشَّرّ ... لَا يعْمل مستهترًا وَلَا مستهينا بالعواقب، وَلَا يعْمل\n_________\n١ - سُورَة فاطر: آيَة (١١) .\n٢ - الْقُرْطُبِيّ: الْجَامِع لأحكام الْقُرْآن ١٤/٦٧.\n٣ - سُورَة لُقْمَان: آيَة (١٦) .\n٤ - سيد قطب: فِي ظلال الْقُرْآن ٥/٢٧٨٩.\n٥ - الْقُرْطُبِيّ: الْجَامِع لأحكام الْقُرْآن ١٤/٦٧.","vol":"1","page":448},{"text":"شَيْئا لغير الله، فَالله ﷾ يحاسبه على النِّيَّة بعد الْعَمَل وعَلى الْإِخْلَاص فِيهِ.\nفَعَن عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ: سَمِعت رَسُول الله يَقُول: \"إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لكل إمرىء مَا نوى ... \" ١.\nهَذَا وَالله لَا يقبل أَن يكون شَيْء من الْعَمَل لغير وَجهه.\nفَعَن أبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ قَالَ: جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ: أَرَأَيْت رجلا غزا يلْتَمس الْأجر وَالذكر مَاله، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ: \"لَا شَيْء لَهُ\". فَأَعَادَهَا ثَلَاث مَرَّات يَقُول لَهُ رَسُول الله ﷺ: \"لاشيء لَهُ. ثمَّ قَالَ: إِن الله لَا يقبل من العَبْد إِلَّا مَا كَانَ لَهُ خَالِصا وابتغي بِهِ وَجهه\" ٢.\nوَكَذَلِكَ يراقبه وَهُوَ يفكر ويحس ... فَالله يعلم السِّرّ وَمَا أخْفى من السِّرّ الهاجسة فِي بَاطِن النَّفس لم يطلع عَلَيْهَا أحد لِأَنَّهَا مطمورة فِي الأعماق يراقبه فَلَا يحس بإحساس غير نظيف، يراقبه فينظف مشاعره أَولا بِأول لَا يحْسد وَلَا يحقد، وَلَا يكره للنَّاس الْخَيْر، وَلَا يتَمَنَّى أَن يحرمهما مِنْهُ ويستحوذ هُوَ عَلَيْهِ، وَلَا يشتهى الشَّهَوَات الْبَاطِلَة وَالْمَتَاع الدنس، وَحين تُوجد فِي الْقلب هَذِه الحساسية المرهفة تجاه الله، لتستقيم النَّفس ويستقيم الْمُجْتَمع وتستقيم جَمِيع الْأُمُور، ويعيش الْمُجْتَمع نظيفًا من الجريمة، نظيفًا من الدنس، نظيفًا من الأحقاد لِأَنَّهُ لَا يتعامل فِي الْحَقِيقَة بعضه مَعَ بعض وَإِنَّمَا يتعامل أَولا مَعَ الله٣. وَبِنَاء على مَا سبق ذكره يَنْبَغِي على الْآبَاء والأمهات وَكَذَلِكَ العاملين فِي\n_________\n١ - البُخَارِيّ: صَحِيح البُخَارِيّ مَعَ الْفَتْح ١/٩ كتاب بَدْء الْوَحْي، بَاب كَيفَ كَانَ بَدْء الْوَحْي (١) الحَدِيث رقم (١) .\n٢ - سنَن النَّسَائِيّ ٦/٢٥ كتاب الْجِهَاد، بَاب من غزا يلْتَمس الْأجر وَالذكر، رقم الحَدِيث٣١٤٠.\n٣ - مُحَمَّد قطب: مَنْهَج التربية الإسلامية ا/٦٨ - ٦٩.","vol":"1","page":449},{"text":"مجَال التربية والتعليم أَن يغرسوا فِي قُلُوب أبنائهم وتلاميذهم مراقبة الله تَعَالَى فِي أَعْمَالهم وَسَائِر أَحْوَالهم، لتصبح هَذِه المراقبة الإلهية سلوكا لَازِما لَهُم فِي كل تصرفاتهم وَيتم ذَلِك بترويض الْوَلَد على مراقبة الله وَهُوَ يعْمل فيتعلم الْإِخْلَاص لله ﷿ فِي كل أَقْوَاله وأعماله وَسَائِر تَصَرُّفَاته وَيكون مِمَّن شملهم الْقُرْآن بقوله تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ ...﴾ ١.\nوَكَذَلِكَ ترويضه على مراقبة الله وَهُوَ يفكر ليتعلم الأفكار الَّتِي تقربه من خالقه الْعَظِيم وَالَّتِي بهَا ينفع نَفسه ومجتمعه وَالنَّاس أَجْمَعِينَ.\nوَأَيْضًا ترويضه على مراقبة الله وَهُوَ يحس. فيتعلم كل إحساس نظيف وليتربى على كل شُعُور طَاهِر.. وَهَذَا النمط من التربية والمراقبة قد وَجه إِلَيْهِ المربي الأول ﵊ فِي إجَابَته السَّائِل عَن الْإِحْسَان: \" أَن تعبد الله كَأَنَّك ترَاهُ فَإِن لم تكن ترَاهُ فَإِنَّهُ يراك \" ٢.\nوَهَذِه الظَّاهِرَة من الترويض والتعليم كَانَت ديدن السّلف الصَّالح فِي ترويضهم لأولادهم وتأديبهم عَلَيْهَا٣.\nوحينما ينهج المربون فِي تربية الْأَوْلَاد هَذَا النهج ويسير الْآبَاء والأمهات فِي تَأْدِيب الْأَبْنَاء على هَذِه الْقَوَاعِد يَسْتَطِيعُونَ بِإِذن الله تَعَالَى فِي فَتْرَة يسيرَة من الزَّمن أَن يكوّنوا جيلًا مُسلما مُؤمنا بِاللَّه معتزًا بِدِينِهِ، مفتخرًا بتاريخه وأمجاده، ويستطيعون كَذَلِك أَن يكوّنوا مجتمعًا نظيفًا من الْإِلْحَاد والميوعة والحقد، ونظيفًا من الجريمة٤.\n_________\n١ - سُورَة الْبَيِّنَة: آيَة (٥) .\n٢ - مُسلم: صَحِيح مُسلم بشرح النَّوَوِيّ ٢/٢٧٢ كتاب الْإِيمَان (١)، بَاب بَيَان الْإِيمَان وَالْإِسْلَام وَالْإِحْسَان (١)، رقم الحَدِيث (١) .\n٣ - عبد الله علوان: تربية الْأَوْلَاد فِي الْإِسْلَام ٢/١٥٩ - ١٦٠.\n٤ - الْمرجع السَّابِق ٢/١٦١.","vol":"1","page":450},{"text":"رَابِعا: التَّوَجُّه إِلَى الله تَعَالَى بِالصَّلَاةِ، والتوجه إِلَى النَّاس بالدعوة إِلَيْهِ تَعَالَى وَالصَّبْر فِي سَبِيل الدعْوَة ومتاعبها:\nأ - الْأَمر بِإِقَامَة الصَّلَاة:\nيَقُول لُقْمَان لِابْنِهِ كَمَا ورد فِي قَول الْحق ﵎: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ﴾ ١.\nفرض الله ﷾ على عباده عبادات لَهَا أَثَرهَا فِي تَهْذِيب سلوك الْإِنْسَان، وَإِصْلَاح الْقُلُوب وَمن هَذِه الْعِبَادَات الصَّلَاة، وَهِي الرُّكْن الثَّانِي من أَرْكَان الْإِسْلَام وعموده الَّذِي لَا يقوم إِلَّا بِهِ فقد ثَبت عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: \"رَأس الْأَمر الْإِسْلَام وعموده الصَّلَاة وذروة سنامه الْجِهَاد فِي سَبِيل الله\" الحَدِيث٢.\nوَالصَّلَاة هِيَ أول مَا أوجبه الله تَعَالَى على عباده من الْعِبَادَات، وَفد فرضت على النَّبِي ﷺ لَيْلَة أسرِي بِهِ من مَكَّة إِلَى الْمَسْجِد الْأَقْصَى ثمَّ عرج بِهِ إِلَى السَّمَاء، يَقُول أنس ﵁: \"فرضت الصَّلَاة على النَّبِي لَيْلَة أسرى بِهِ خمسين، ثمَّ نقصت حَتَّى جعلت خمْسا ثمَّ نُودي يَا مُحَمَّد: إِنَّه لَا يُبدل القَوْل لدىّ، وَإِن لَك بِهَذِهِ الْخمس خمسين\" ٣.\n_________\n١ - سُورَة لُقْمَان: آيَة (١٨) .\n٢ - التِّرْمِذِيّ: الْجَامِع الصَّحِيح ٥/١٢ كتاب الْإِيمَان (٤١) بَاب مَا جَاءَ فِي حُرْمَة الصَّلَاة (٨) رقم الحَدِيث (٢٦١٦) .\n٣ - الْمرجع السَّابِق: ١/٤١٧ أَبْوَاب الصَّلَاة، بَاب مَا جَاءَكُم فرض الله على عباده من الصَّلَوَات رقم الحَدِيث (٢١٣) .\nوَانْظُر كَذَلِك أَحْمد ابْن حَنْبَل: مُسْند الإِمَام أَحْمد ٣/١٦١.","vol":"1","page":451},{"text":"وَهِي أول مَا يُحَاسب عَلَيْهِ العَبْد يَوْم الْقِيَامَة وَقد ثَبت عَن رَسُول الله ﵇ أَنه قَالَ: \"إِن أول مَا يُحَاسب بِهِ العَبْد يَوْم الْقِيَامَة من عمله صلَاته فَإِن صلحت فقد أَفْلح وأنجح، وَإِن فَسدتْ فقد خَابَ وخسر ... \" الحَدِيث١.\nوَقد بلغ من عناية الْإِسْلَام بِالصَّلَاةِ أَن أَمر بالمحافظة عَلَيْهَا فِي الْحَضَر وَالسّفر، والأمن وَالْخَوْف قَالَ تَعَالَى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ ٢.\nإِن المتمعن بالعبادات الَّتِي فَرضهَا الله ﷾ - على النَّاس - عُمُوما، وَالصَّلَاة خُصُوصا يدْرك أَثَرهَا التربوي فِي إشراقة النُّفُوس، وطمأنينة الْقُلُوب، وَإِصْلَاح الْفَرد وَالْجَمَاعَة، وَمن هَذِه الْآثَار التربوية مَا يَلِي:\n١ - إِقَامَة الصَّلَاة دَلِيل على صدق الْإِيمَان، وعَلى تقوى الله، وعَلى مَا يتمتع بِهِ صَاحبهَا من بره بعهده وقيامه على الْحق وإخلاصه لله، قَالَ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ ٣٤.\n٢ - الصَّلَاة مَنْهَج متناسق لتربية الرفد والمجتمع يصل بهما إِلَى قمة السمو الأخلاقي، قَالَ تَعَالَى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ...﴾ الْآيَة٥٦.\n٣ - الصَّلَاة تمد الْمُؤمن بِقُوَّة روحية تعينه على مُوَاجهَة المشقات والمكاره\n_________\n١ - التِّرْمِذِيّ: الْجَامِع الصَّحِيح ٢/٢٧٠ أَبْوَاب الصَّلَاة، بَاب مَا جَاءَ أَن أول مَا يُحَاسب بِهِ العَبْد يَوْم الْقِيَامَة الصَّلَاة (٣٠٥)، رقم الحَدِيث (٤١٣) .\n٢ - سُورَة الْبَقَرَة: الْآيَتَانِ (٢٣٨ - ٢٣٩) .\n٣ - سُورَة الْمُؤْمِنُونَ: الْآيَتَانِ (١ - ٢) .\n٤ - عبد الفتاح عاشور: مَنْهَج الْقُرْآن فِي تربية الْمُجْتَمع ص ١٩٣.\n٥ - سُورَة العنكبوت: آيَة (٤٥) .\n٦ - عبد الفتاح عاشور: مَنْهَج الْقُرْآن فِي تربية الْمُجْتَمع ص ١٩٤.","vol":"1","page":452},{"text":"فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ١.\n٤ - الصَّلَاة غذَاء روحي لِلْمُؤمنِ يُعينهُ على مقاومة الْجزع والهلع عِنْد مَسّه الضّر، وَالْمَنْع عِنْد الْخَيْر والتغلب على جَوَانِب الضعْف الإنساني، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الأِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلا الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ ٢.\n٥ - إِن الصَّلَاة سَبَب لمحو الْخَطَايَا وغفران الذُّنُوب فقد ثَبت عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ: \" أَرَأَيْتُم لَو أَن نَهرا على بَاب أحدكُم يغْتَسل فِيهِ كل يَوْم خمْسا مَا تَقول ذَلِك يبْقى من دَرَنِه؟ قَالُوا: لَا يبْقى من دَرَنِه شَيْئا، قَالَ: \"فَذَلِك مثل الصَّلَوَات الْخمس يمحو الله بِهِ الْخَطَايَا\" ٣.\n٦ - إِن فِي الصَّلَاة غذَاء للروح لَا يُغني عَنهُ علم وَلَا أدب فالصلوات الْخمس هِيَ وجبات الْغذَاء اليومي للروح كَمَا أَن للمعدة وجباتها اليومية يُنَاجِي الْمُصَلِّي فِيهَا ربَّه فتكاد تشف روحه وتصفوا نَفسه فَتسمع كَلَام الله الَّذِي يَقُود: \"قسمت الصَّلَاة بيني وَبَين عَبدِي نِصْفَيْنِ ولعبدي مَا سَأَلَ: فَإِذا قَالَ العَبْد الْحَمد لله رب الْعَالمين. قَالَ تَعَالَى: حمدني عَبدِي، وَإِذا قَالَ: الرَّحْمَن الرَّحِيم. قَالَ الله تَعَالَى: أثنى علىّ عَبدِي، وَإِذا قَالَ: مَالك يَوْم الدّين. قَالَ: مجدني عَبدِي وَقَالَ مرّة: فوض إليّ عَبدِي، فَإِذا قَالَ: إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين. قَالَ: هَذَا بيني وَبَين عَبدِي ولعبدي مَا سَأَلَ. فَإِذا قَالَ: اهدنا الصِّرَاط\n_________\n١ - سُورَة الْبَقَرَة: آيَة (١٥٣) .\n٢ - سُورَة المعارج: الْآيَات (١٩ - ٢٠ - ٢١ - ٢٢ - ٢٣) .\n٣ - البُخَارِيّ: صَحِيح البُخَارِيّ بشرح فتح الْبَارِي ٢/١١، كتاب مَوَاقِيت الصَّلَاة (٩)، بَاب الصَّلَوَات الْخمس كَفَّارَة (٦)، رقم الحَدِيث (٥٢٨) .","vol":"1","page":453},{"text":"الْمُسْتَقيم صِرَاط الَّذين أَنْعَمت عَلَيْهِم غير المغضوب عَلَيْهِم وَلَا الضَّالّين، قَالَ: هَذَا لعبدي ولعبدي مَا سَأَلَ\"١.\n٧ - فِي الصَّلَاة تدريب للْمُسلمِ على النظام وتعويد لَهُ على الطَّاعَة وَيظْهر هَذَا وَاضحا فِي صَلَاة الْجَمَاعَة إِذْ يقف الْمُسلمُونَ فِي صُفُوف مُسْتَقِيمَة متلاصقة فَلَا عوج وَلَا فرج، الْمنْكب إِلَى الْمنْكب، والقدم إِلَى الْقدَم، فَإِذا كبّر الإِمَام كبّروا، وَإِذا قَرَأَ أَنْصتُوا، وَإِذا ركع ارْكَعُوا، وَإِذا سجد اسجدوا، وَإِذا سلم سلمُوا.\nفَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁، عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: \"أما مَا يخْشَى أحدكُم أَو لَا يخْشَى أحدكُم إِذا وَقع رَأسه قبل الإِمَام أَن يَجْعَل الله رَأسه رَأس حمَار أَو يَجْعَل الله صورته صُورَة حمارٍ\"٢.\n٨ - فِي صَلَاة الْجَمَاعَة دعم لعاطفة الْأُخوة وتقوية لروابط الْمحبَّة وَإِظْهَار للقوة فبالاجتماع تذْهب الضغائن وتزول الأحقاد وتتآلف الْقُلُوب وتتحد الْكَلِمَة، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ الْآيَة٣.\nب - بعد مَا أَمر لُقْمَان ابْنه بالإِيمان بِاللَّه وَعدم الْإِشْرَاك بِهِ، وَالْقِيَام ببر الْوَالِدين والثقة بعدالة الْجَزَاء والتوجه إِلَى الله بِالصَّلَاةِ، أمره بِالْقيامِ بِالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْي عَن الْمُنكر، لما فِي ذَلِك من آثَار حب الْفَضِيلَة وأساس من أسس صَلَاح الْمُجْتَمع الإنساني بِالْإِضَافَة إِلَى أَن ممارسته يوقظ الشُّعُور وينبه الضَّمِير ويخيف الْمُقدم على الْمُنكر، وَإِذا تضامن النَّاس فِي ذَلِك - كَمَا\n_________\n١ - مُسلم: صَحِيح مُسلم بشرح النَّوَوِيّ ٤/٣٤٥، - كتاب الصَّلَاة (٤) بَاب وجوب قِرَاءَة الْفَاتِحَة\n(١١)، الحَدِيث ٣٨/٣٩٥.\n٢ - البُخَارِيّ: صَحِيح البُخَارِيّ بشرح فتح الْبَارِي ٢/١٨٢، كتاب الْأَذَان (١٠)، بَاب إِثْم من رفع رَأسه قبل الإِمَام ٣١ رقم الحَدِيث (٦٩١) .\n٣ - سُورَة التَّوْبَة: آيَة (١١) .","vol":"1","page":454},{"text":"هُوَ الْوَاجِب شرعا - وَوجد تضامن النَّاس على الْفَضِيلَة فَلَا تضيع بَينهم، وَوجد تضامنهم على استنكار الرذيلة فَلَا تُوجد بَينهم١.\nلَا شكّ أَن الله ﷿ جعل هَذِه الْأمة المحمدية خير أمة أخرجت للنَّاس، كَمَا جعل الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر منَاط هَذِه الْخَيْرِيَّة مَعَ الإِيمان بِاللَّه ﷿، قَالَ تَعَالَى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ ٢.\nوَجَاء فِي الحَدِيث عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: \"من رأى مِنْكُم مُنْكرا فليغيره بِيَدِهِ، فَإِن لم يسْتَطع فبلسانه، فَإِن لم يسْتَطع فبقلبه وَذَلِكَ أَضْعَف الْإِيمَان\" ٣.\nوَعَن عبد الله بن مَسْعُود أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: \"مَا من نَبِي بَعثه الله فِي أمة قبلي إِلَّا كَانَ لَهُ من أمته حواريون وَأَصْحَاب يَأْخُذُونَ بسنته ويقتدون بأَمْره ثمَّ أَنَّهَا تخلف من بعدهمْ خلوف يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ ويفعلون مَا لَا يؤمرون فَمن جاهدهم بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤمن، وَمن جاهدهم بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤمن، وَمن جاهدهم بِقَلْبِه فَهُوَ مُؤمن وَلَيْسَ وَرَاء ذَلِك من الْإِيمَان حَبَّة خَرْدَل\" ٤\nفَالْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر ومحاولة تَغْيِير الْمُنكر بِالنَّصِيحَةِ وبالطرق العملية المثمرة مساهمة جليلة فِي صِيَانة الْمُجْتَمع وتقويمه وإصلاحه، وكل مساهمة فِي إصْلَاح المجتمعات الإنسانية وتقويمها وصيانتها أَعمال أخلاقية فاضلة.\n_________\n١ - عَليّ حسن العريض: فتح الرَّحْمَن فِي تَفْسِير سورتي الْفَاتِحَة ولقمان ص ٩٢.\n٢ - سُورَة آل عمرَان: آيَة (١١٠) .\n٣ - مُسلم: صَحِيح مُسلم بشرح النَّوَوِيّ ٢/٣٨٠، كتاب الْإِيمَان (١)، بَاب بَيَان كَون النَّهْي عَن الْمُنكر من الْإِيمَان (٢٠)، رقم الحَدِيث ٧٨/٤٩.\n٤ - الْمرجع السَّابِق: ٢/٣٨٤، رقم الحَدِيث. ٨٠/٥٠.","vol":"1","page":455},{"text":"فَالْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وإنكاره ومحاولة تَغْيِيره من مَكَارِم الْأَخْلَاق الإيمانية لما فِيهَا من خدمَة اجتماعية، وصيانة للمجتمعات عَن الانزلاق فِي مزالق الانحراف، وَلذَلِك حرص الْإِسْلَام حرصا شَدِيدا على جعل كل الْمُسلمين وَالْمُسلمَات حرّاسًا لأسوار الْفَضَائِل وتعاليم الدّين الحنيف فَمن جَاهد مِنْهُم المنحرفين بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤمن وَمن جاهدهم بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤمن وَمن جاهدهم بِقَلْبِه فَهُوَ مُؤمن وَلَيْسَ وَرَاء ذَلِك من الْإِيمَان حَبَّة خَرْدَل.\nفوظيفة حراسة الْمُجْتَمع لحمايته من الانحراف وَظِيفَة اجتماعية لَا يجوز التخلي عَنْهَا فِي أَي حَال من الْأَحْوَال فَإِذا حدث ذَلِك تعرضت الْأمة كلهَا للعقوبة الْعَامَّة١.\nوَيُؤَيّد هَذَا مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَن حُذَيْفَة، عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: \"وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لتأمرن بِالْمَعْرُوفِ ولتنهون عَن الْمُنكر أَو ليوشكن الله أَن يبْعَث عَلَيْكُم عقَابا مِنْهُ ثمَّ تَدعُونَهُ فَلَا يُسْتَجَاب لكم\" ٢.\nجـ - تتطلب الدعْوَة إِلَى الله تَعَالَى الصَّبْر من الدَّاعِي فِي سَبِيل مَا يلقاه من أَعدَاء دَعوته، ذَلِك لِأَن النَّاس أَعدَاء لما جهلوا، وتحويلهم من عقيدة اعتنقوها فَتْرَة من الزَّمن، وَلَو كَانَت بَاطِلَة إِلَى عقيدة أُخْرَى لم يألفوها وَإِن كَانَت هِيَ الْحق، أَمر صَعب على النُّفُوس، وَلِهَذَا أوصى لُقْمَان ابْنه بِالصبرِ يَقُول الْحق ﵎ على لِسَان لُقْمَان ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ ٣، لِأَن الْإِنْسَان عِنْدَمَا يتَعَرَّض لدَعْوَة النَّاس إِلَى الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر، لابد أَن يتَصَدَّى لَهُ أهل الشَّرّ، ويناله مِنْهُم أَذَى وَلَو كَانَ قَلِيلا، فَأمر لُقْمَان ابْنه بِالصبرِ عَلَيْهِ.\n_________\n١ - عبد الرَّحْمَن الميداني: الْأَخْلَاق الإسلامية ٢/٦٣٠ - ٦٣٢.\n٢ - التِّرْمِذِيّ: الْجَامِع الصَّحِيح ٤/٤٦٨، كتاب الْفِتَن (٣٤)، بَاب مَا جَاءَ فِي الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر (٩)، رقم الحَدِيث (٢١٦٩) .\n٣ - سُورَة لُقْمَان: آيَة ١٧١.","vol":"1","page":456},{"text":"يَقُول سيد قطب فِي تَفْسِير هَذِه الْآيَة: \"وَهَذَا هُوَ طَرِيق العقيدة المرسوم. تَوْحِيد الله، وشعور برقابته، وتطلع إِلَى مَا عِنْده، وثقة فِي عدله، وخشية من عِقَابه. ثمَّ انْتِقَال إِلَى دَعْوَة النَّاس وَإِصْلَاح حَالهم، وَأمرهمْ بِالْمَعْرُوفِ، ونهيهم عَن الْمُنكر، والتزود قبل ذَلِك كُله للمعركة مَعَ الشَّرّ، بالزاد الْأَصِيل زَاد الْعِبَادَة لله والتوجه إِلَيْهِ بِالصَّلَاةِ ثمَّ الصَّبْر على مَا يُصِيب الداعية إِلَى الله، من التواء النُّفُوس وعنادها، وانحراف الْقُلُوب وإعراضها. وَمن الْأَذَى تمتد بِهِ الْأَلْسِنَة وتمتد بِهِ الْأَيْدِي. وَمن الِابْتِلَاء فِي المَال والابتلاء فِي النَّفس عِنْد الِاقْتِضَاء\" إِن ذَلِك من عزم الْأُمُور\"وعزم الْأُمُور قطع الطَّرِيق على التَّرَدُّد فِيهَا بعد الْعَزْم والتصميم\"١،\nوَالصَّبْر فِي اللُّغَة: يَعْنِي الْحَبْس والكف٢.\nأما فِي الِاصْطِلَاح: فَهُوَ قُوَّة خلقية من قوى الْإِرَادَة تمكن الْإِنْسَان من ضبط نَفسه لتحمل المتاعب والمشقات والآلام وضبطها عَن الاندفاع بعوامل الضجر والجزع والسأم والملل والعجلة والرعونة وَالْغَضَب والطيش وَالْخَوْف والطمع والأهواء والشهوات والغرائز٣.\nوبالصبر يتَمَكَّن الْإِنْسَان بطمأنينة وثبات أَن يضع الْأَشْيَاء فِي موَاضعهَا، ويتصرف فِي الْأُمُور بعقل واتزان وَينفذ مَا يُرِيد من تصرف فِي الزَّمن الْمُنَاسب، بالطريقة الْمُنَاسبَة الحكيمة، وعَلى الْوَجْه الْمُنَاسب الْحَكِيم، بِخِلَاف عدم الصَّبْر الَّذِي يدْفع إِلَى التسرع والعجلة فَيَضَع الإِنسان الْأَشْيَاء فِي غير موَاضعهَا، ويتصرف برعونة فيخطئ فِي تَحْدِيد الزَّمَان، ويسيء فِي طَريقَة\n_________\n١ - سيد قطب: فِي ظلال الْقُرْآن ٥/٢٧٩٠.\n٢ - الفيروز آبادي: الْقَامُوس الْمُحِيط ٥٤١.\n٣ - عبد الرَّحْمَن الميداني: الْأَخْلَاق الإسلامية ٢/٢٩٣.","vol":"1","page":457},{"text":"التَّنْفِيذ، وَرُبمَا يكون صَاحب حق أَو يُرِيد الْخَيْر فيغدو جانيًا أَو مُفْسِدا وَلَو أَنه اعْتصمَ بِالصبرِ لَسلِم من كل ذَلِك١.\nلهَذَا أوصى لُقْمَان ابْنه بِالصبرِ، لِأَن الصَّبْر على المصائب يبْقى للْفِعْل نوره، وَيبقى للشَّخْص وقاره، وَلذَا كَانَ الصَّبْر من الْآدَاب الرفيعة والأخلاق القويمة، وَصفَة من صِفَات الْمُؤمن، وسمة من سمات المبشرين بِالْأَجْرِ الْعَظِيم من الله ﷿ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ٢.\nنخلص مِمَّا سبق أَن لُقْمَان وَصيته هَذِه رتب الْأُمُور بِحَسب أهميتها للداعية حَيْثُ بدأها بتربية النَّفس على طَاعَة الله ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاة﴾ ثمَّ ثنى بدعوة الآخرين ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ ثمَّ أَمر بِالصبرِ على مَا يُصِيبهُ وَتحمل مَا يتَعَرَّض لَهُ من الْأَذَى ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَك﴾ .\nوَهَكَذَا يربَّي لُقْمَان ابْنه على مَنْهَج الْعِبَادَة، حَيْثُ أَن الْعِبَادَة فِي الإسلامِ تربي الْإِنْسَان الْمُسلم على الوعي الفكري الدَّائِم، وَهَذَا مَا يَجعله إنْسَانا منطقيًا واعيًا فِي كل أُمُور حَيَاته، ومنهجيًا لَا يقوم بِعَمَل إِلَّا ضمن خطة ووعي وتفكير، إِلَى جَانب ذَلِك فَهُوَ فِي يقظة دائمة يراقب الله فِي كل أَعماله٣.\nوَإِضَافَة إِلَى مَا سبق فَإِن الْعِبَادَة تربي فِي الإِنسان الْمُسلم الشُّعُور بِالْعِزَّةِ والكرامة، قَالَ تَعَالَى: ﴿... وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الْآيَة ٤.\nفضلا عَن تَرْبِيَته على قدر من الْفَضَائِل الثَّابِتَة الْمُطلقَة، لَا تقف عِنْد حُدُود الأَرْض أَو الْقَوْم والمصلحة القومية، إِنَّهَا أَخْلَاق الْإِسْلَام الَّتِي تصلح لكل زمَان وَمَكَان، وَبِهَذَا الْمنْهَج الرباني الْمُرْسل لِلْعِبَادَةِ يرتبط الْإِنْسَان الْمُسلم بإخوانه\n_________\n١ - الْمرجع السَّابِق.\n٢ - سُورَة الزمر: آيَة (١٠) .\n٣ - عبد الرَّحْمَن النحلاوي: أصُول التربية الإسلامية ص ٥٤ - ٥٥.\n٤ - سُورَة المُنَافِقُونَ: آيَة (٨) .","vol":"1","page":458},{"text":"الْمُسلمين ارتباطًا واعيًا منظمًا قَوِيا مَبْنِيا على عاطفة صَادِقَة، وثقة بِالنَّفسِ عَظِيمَة ١.\nخَامِسًا: الْآدَاب الاجتماعية:\nيستطرد لُقْمَان فِي وَصيته الَّتِي يحكيها الْقُرْآن هُنَا إِلَى آدَاب الداعية إِلَى الله، فالدعوة إِلَى الْخَيْر لَا تجيز التعالي على النَّاس والتطاول عَلَيْهِم باسم قيادتهم إِلى الْخَيْر، وَمن بَاب أولى يكون التعالي والتطاول بِغَيْر دَعْوَة إِلَى الْخَيْر أقبح وأرذل٢.\nوَلِهَذَا لما أَمر لُقْمَان ابْنه بِأَن يكون كَامِلا فِي نَفسه، مكملا لغيره، كَانَ يخْشَى بعْدهَا من أَمريْن، أَحدهمَا: التكبر على الْغَيْر بِسَبَب كَونه مكملا بِهِ. وَالثَّانِي: التَّبَخْتُر فِي النَّفس بِسَبَب كَونه كَامِلا فِي نَفسه٣.\nيَقُول تَعَالَى حِكَايَة عَن لُقْمَان وَهُوَ يعظ ابْنه: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ ٤.\n﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ ٥.\nفَمن الْآيَتَيْنِ الكريمتين السابقتين يَتَّضِح أَن الْآدَاب المتضمنة فِي تِلْكَ الموعظة هِيَ كالتالي:\n_________\n١ -) ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاس﴾ ينْهَى لُقْمَان ابْنه عَن الْكبر، وَالْمعْنَى أَن لَا تعرض بِوَجْهِك عَن النَّاس إِذا كلمتهم، أَو كلموك احتقارًا مِنْك لَهُم واستكبارًا\n١ - عبد الرَّحْمَن النحلاوي: الْمرجع السَّابِق ص ٥٥ - ٥٧.\n٢ - سيد قطب: فِي ظلال الْقُرْآن ٥/٢٧٩٠.\n٣ - الْفَخر الرَّازِيّ: التَّفْسِير الْكَبِير ٢٥/١٤٩.\n٤ - سُورَة لُقْمَان: آيَة (١٨) .\n٥ - سُورَة لُقْمَان: آيَة (١٩) .","vol":"1","page":459},{"text":"عَلَيْهِم، وَلَكِن ألن جَانِبك وابسط وَجهك إِلَيْهِم١. والصعر دَاء يُصِيب الْإِبِل فيلوي أعناقها والأسلوب القرآني يخْتَار هَذَا التَّعْبِير للتنفير من الْحَرَكَة المشابهة للصعر حَرَكَة الْكبر والازورار وإمالة الخد للنَّاس فِي تعال واستكبار٢.\nيَقُول الْقُرْطُبِيّ فِي تَفْسِير هَذِه الْآيَة: \"هُوَ أَن تلوي شدقك إِذا ذكر الرجل عنْدك كَأَنَّك تحتقره، فَالْمَعْنى: أقبل عَلَيْهِم متواضعًا مؤنسا مستأنسا، وَإِذا حَدثَك أَصْغَرهم فأصغ إِلَيْهِ حَتَّى يكمل حَدِيثه، وَكَذَلِكَ كَانَ النَّبِي ﷺ يفعل٣.\nوَبِنَاء على مَا تقدم يُمكن القَوْل بِأَن التكبر لَيْسَ من أَخْلَاق الْمُؤمن، فَلَو عرف المتكبر حَقِيقَة نَفسه أَي أَن أَوله نُطْفَة قذر، وَآخره جيفة مُنْتِنَة يخجل من نَفسه، ووقف عِنْد حَده، وأخلص الْعِبَادَة لرَبه وتواضع لخالقه، لِأَن الإِنسان كلما تواضع لله رَفعه الله، وَكلما تكبر عَلَيْهِ وَضعه وقصمه، وَفد أكد النَّبِي ﷺ هَذَا الْمَعْنى بقوله: \"مَا تواضع أحد لله إِلَّا رَفعه الله\" ٤.\nوَقَالَ أَيْضا: \"ثَلَاثَة لَا يكلمهم الله يَوْم الْقِيَامَة وَلَا يزكيهم، قَالَ أَبُو مُعَاوِيَة: وَلَا ينظر إِلَيْهِم وَلَهُم عَذَاب أَلِيم: شيخ زَان، وَملك كَذَّاب، وعائل مستكبر\" ٥.\nكَمَا يظْهر من الْعرض السَّابِق أَن أولى الْأَخْلَاق الَّتِي يرغب لُقْمَان فِي غرسها فِي ابْنه عدم التكبر على النَّاس، والتواضع لَهُم.\n_________\n١ - ابْن كثير: تَفْسِير الْقُرْآن الْعَظِيم ٣/٤٤٦.\n٢ - سيد قطب: فِي ظلال الْقُرْآن ٥/٢٧٩٠.\n٣ - الْقُرْطُبِيّ: الْجَامِع لأحكام الْقُرْآن ١٤/٧٠.\n٤ - مُسلم: صَحِيح مُسلم بشرح النَّوَوِيّ ١٦/٣٧٨، كتاب الْبر والصلة والآداب (٤٥)، بَاب اسْتِحْبَاب الْعَفو والتواضع (١٩)، رقم الحَدِيث ٦٩/٢٥٨٨.\n٥ - مُسلم: صَحِيح مُسلم بشرح النَّوَوِيّ ٢/٦٤٧، كتاب الْإِيمَان (١)، بَاب بَيَان غلظ تَحْرِيم\n(٤٦)، رقم الحَدِيث ١٧٢/١٠٧.","vol":"1","page":460},{"text":"٢ -) ﴿وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا ...﴾ المرح يَأْتِي فِي اللُّغَة بِمَعْنى شدَّة الْفَرح والنشاط١. حَتَّى يُجَاوز قدره، وَيَأْتِي أَيْضا بِمَعْنى التَّبَخْتُر والإختيال فَقَوله: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا﴾ هُوَ بِمَعْنى وَلَا تمش فِي الأَرْض مشْيَة تبختر واختيال وَلذَلِك ختم الله الْآيَة بِمَا يُنَاسب هَذَا الْمَعْنى فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ أَي لَا يحب كل مختالٍ على النَّاس مستكبر عَلَيْهِم بمشيته بَينهم أَو بإعراضه عَنْهُم، وَلَا يحب كل فخور على النَّاس بِنَفسِهِ أَو بِمَا أَتَاهُ الله من قُوَّة أَو مالٍ أَو نسبٍ أَو جاهٍ أَو ذكاء قلب أَو جمال وَجه وَحسن طلعة٢.\nوَلَو عقل المستكبرون الَّذين يختالون ويمشون فِي الأَرْض مرحًا لعرفوا إِن هَذَا الْعَمَل يصغرهم، ويقلل من شَأْنهمْ عِنْد الله وَعند النَّاس فَالله لَا يحب الَّذين يَسْتَكْبِرُونَ على عباده وَلَا يحب الَّذين يُرِيدُونَ علوا فِي الأَرْض وَالنَّاس أَيْضا يكْرهُونَ من يستكبر عَلَيْهِم ويكرهون كل ظَاهِرَة تدل على الْكبر فِي الْأَنْفس إِذا رأوها من غَيرهم٣.\n٣ -) ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ ...﴾ بَعْدَمَا نهى لُقْمَان ابْنه عَن مَشْيه المرح وصعر الخد أمره بالمشية المعتدلة القاصدة، فَقَالَ تَعَالَى على لِسَان لُقْمَان: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ وَالْقَصْد هُنَا من الاقتصاد وَعدم الإِسراف وَعدم إِضَاعَة الطَّاقَة فِي التَّبَخْتُر والتثني والاختيال وَمن الْقَصْد كَذَلِك لِأَن المشية القاصدة إِلَى هدف لَا تتلكأ وَلَا تتخايل وَلَا تتبختر، إِنَّمَا تمْضِي لقصدها فِي بساطة وانطلاق٤.\nوَلَقَد نهى الله تَعَالَى الْمُسلم أَن يسير مسرع الخطى وَهُوَ يَلْهَث، كَمَا نَهَاهُ أَن يبطئ فِي مَشْيه وَهُوَ خامل كسول، إِنَّمَا عَلَيْهِ أَن يتوسط فِي مَشْيه فَخير الْأُمُور أوسطها.\n_________\n١ - الفيروز آبادي: الْقَامُوس الْمُحِيط ٣٠٨.\n٢ - عبد الرَّحْمَن الميداني: الْأَخْلَاق الإسلامية وأسسها ١/٦٧٦.\n٣ - الْمرجع السَّابِق ١/٦٧٨.\n٤ - سيد قطب: فِي ظلال الْقُرْآن ٥/٢٧٩٠.","vol":"1","page":461},{"text":"فَإِذا وضعت أسس التربية على أساس من التوازن والاعتدال كَمَا أوضحتها النظرة الإسلامية لعتدل الْأَمر وَمَا تحولت الْوَسَائِل إِلَى غايات، وَمَا انحرفت بِنَا الطَّرِيق بَين غلو وتقصير وإفراط وتفريط. والتربية الإِسلامية تهتم بالتركيز على التوازن بَين إشباعات النَّفس ومطالبها وَبَين عفتها وقناعتها، وَهَذَا وَارِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ ...﴾ الْآيَة١.\nوسياسة الِاعْتِدَال فِي العملية التربوية إِنَّمَا تتركز على علم النَّفس من الْأَهْوَاء والشهوات، فَإِذا مَالَتْ إِلَى الاغترار عولجت بالتواضع حَتَّى يتم الِاعْتِدَال أَو يتم التوازن، وَإِذا مَالَتْ إِلَى الْهوى كَانَ عالجها الاسْتقَامَة، فَأَي من الْعُيُوب والآفات النفسية إِنَّمَا هِيَ تَمْرَة فجة للتربية الْخَاطِئَة وَالنَّقْص فِي الْأَدَب والأخلاق، وكل شَيْء فِي هَذَا الْوُجُود يسير على هدي من الِاعْتِدَال والتوازن والاتساق والتناسب والتناسق ماعدا الْإِنْسَان. فالإنسان وَإِن كَانَ فِي الأَصْل فِي خلقه على الْفطْرَة السليمة إِلَّا أَنه يبتعد عَن هَذِه الْفطْرَة إِذا افْتقدَ إِلَى التربية الإسلامية الصَّحِيحَة، وَهنا يخلط بَين اشباعاته ومطالبه فَيُطَالب بحقوقه ويتغافل عَن واجباته وَبِذَلِك ينحرف عَن طَرِيق القوامة والاستقامة الَّتِي جعلهَا الله تَعَالَى أساسًا لشريعة الْإِسْلَام ومنهاجه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ الْآيَة٢.\nفالوسط الإسلامي هُوَ التوازن فِي الْفِكر والسلوك والتطبيق٣.\nمن أجل ذَلِك طلب لُقْمَان ابْنه أَن يتوسط فِي مشيته، وَالْمرَاد من ذَلِك أَن تكون مشيته مَا بَين الْإِسْرَاع والبطء أَي لَا تدب دَبِيب المتماوتين ولاتثب وثب الشطار٤.\n_________\n١ - سُورَة الْإِسْرَاء: آيَة (٢٩) .\n٢ - سُورَة الْبَقَرَة: آيَة (١٤٣) .\n٣ - حسن الشرقاوي: نَحْو تربية إسلامية ص ١٣٠ - ١٣١.\n٤ - الْقُرْطُبِيّ: الْجَامِع لأحكام الْقُرْآن ١٤/٧١.","vol":"1","page":462},{"text":"٤ -) ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾، أغضض من صَوْتك أَي أنقص مِنْهُ، أَي لَا تتكلف رفع صَوْتك وَخذ مِنْهُ مَا تحْتَاج إِلَيْهِ، فَإِن الْجَهْر بِأَكْثَرَ من الْحَاجة تكلّف يُؤْذِي، وَالْمرَاد بذلك التَّوَاضُع١.\nوغض الصَّوْت فِيهِ أدب وثقة بِالنَّفسِ واطمئنان إِلَى صدق الحَدِيث وقوته، وَمَا يزعق أَو يغلظ فِي الْخطاب إِلَّا سيئ الْأَدَب أَو شَاك فِي قيمَة قَوْله، أَو قيمَة شخصه، يحاول إخفاء هَذَا الشَّك بالحدة والغلظة والزعاق٢.\nوالأسلوب القرآني يرذل هَذَا الْفِعْل ويقبحه فِي صُورَة منفرة محتقرة بشعة حِين يعقب عَلَيْهِ بقوله: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ .\nفيرتسم مشْهد مضحك يَدْعُو إِلَى الهزء والسخرية، مَعَ النفور والبشاعة وَلَا يكَاد ذُو حس يتَصَوَّر هَذَا المشهد المضحك من وَرَاء التَّعْبِير الْمُبْدع، ثمَّ يحاول شَيْئا من صَوت هَذَا الْحمير٣.\nيَقُول الْقُرْطُبِيّ: فِي هَذِه الْآيَة دَلِيل على تَعْرِيف قبح ردع الصَّوْت فِي المخاطبة، والملاحاة٤ بقبح أصوات الْحمير لِأَنَّهَا عالية، وَفِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: \"وَإِذا سَمِعْتُمْ نهيق الْحمير فتعوذوا بِاللَّه من الشَّيْطَان فَإِنَّهَا رَأَتْ شَيْطَانا\" ٥.\n_________\n١ - سُورَة لُقْمَان: آيَة (١٩) .\n٢ - الْقُرْطُبِيّ: الْجَامِع لأحكام الْقُرْآن ١٤/٧١.\n٣ - سيد قطب: فِي ظلال الْقُرْآن ٥/٢٧٩٠.\n٤ - الْمرجع السَّابِق.\n٥ - الملاحاة: الملاومة والمباغضة. البُخَارِيّ: صَحِيح البُخَارِيّ بشرح فتح الْبَارِي ٦/٣٥٠، كتاب الْخلق (٥٩)، بَاب خير مَال الْمُسلم (١٥)، رقم الحَدِيث (٣٣٠٣) .","vol":"1","page":463},{"text":"وَقد رُوِيَ: إِنَّه مَا صَاح حمَار وَلَا نبح كلب إِلَّا أَن يرى شَيْطَانا.\nوَقَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ: صياح كل شَيْء تَسْبِيح إِلَّا نهيق الْحمير.\nوَقَالَ عَطاء: نهيق الْحمير دُعَاء على الظلمَة.\nوَهَذِه الْآيَة أدب من الله تَعَالَى بترك الصياح فِي وُجُوه النَّاس تهاونًا بهم أَو بترك الصياح جملَة.\nوَكَانَت الْعَرَب تَفْخَر بجهارة الصَّوْت الجهير وَغير ذَلِك، فَمن كَانَ مِنْهُم أَشد صَوتا كَانَ أعز، وَمن كَانَ أَخفض كَانَ أذلّ حَتَّى قَالَ شَاعِرهمْ:\nجهير الْكَلَام جهير العطاس ... جهير الرواء جهير النعم\nويعدو على الأين عدوى الظليم ... ويعلو الرِّجَال بِخلق عمم\nفَنهى الله ﷾ عَن تِلْكَ الْخلق الْجَاهِلِيَّة بقوله: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ أَي لَو أَن شَيْئا يهاب صَوته لَكَانَ الْحمار، فجعلهم فِي الْمثل سَوَاء١.\nيَتَّضِح من الْوَصَايَا الَّتِي وصّى بهَا لُقْمَان ابْنه أَنَّهَا تجمع أُمَّهَات الحكم، وتستلزم مَا لم يذكر مِنْهَا، وكل وَصِيَّة يقرن بهَا مَا يَدْعُو إِلَى فعلهَا إِن كَانَت أمرا وَإِلَى مرتكبها إِن كَانَت نهيا. فَأمره بِأَصْل الدّين وَهُوَ التَّوْحِيد، وَنَهَاهُ عَن الشّرك وَبَين لَهُ الْمُوجبَة لتَركه. وَأمره ببر الْوَالِدين وَبَين لَهُ السَّبَب الْمُوجب لبرهما وَأمره بشكره وشكرهما ثمَّ احْتَرز بِأَن مَحل برهما وامتثال أوامرهما مالم يأمرا بِمَعْصِيَة وَمَعَ ذَلِك فَلَا يعقهما بل يحسن إِلَيْهِمَا، وَإِن كَانَ لَا يطيعهما إِذا جاهداه على الشّرك. وَأمر بمراقبة الله وخوّفه الْقدوم عَلَيْهِ وَأَنه لَا يُغَادر صَغِيرَة وَلَا كَبِيرَة من الْخَيْر وَالشَّر إِلَّا أَتَى بهَا. وَأمره بِالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَإِقَامَة الصَّلَاة وبالصبر اللَّذين يسهل بهما كل أَمر كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ .\n_________\n١ - الْقُرْطُبِيّ: الْجَامِع لأحكام الْقُرْآن ١٤/٧٢.","vol":"1","page":464},{"text":"وَنَهَاهُ عَن التكبر وَأمره بالتواضع، وَنَهَاهُ عَن البطر والأشر والمرح وَأمره بِالسُّكُونِ فِي الحركات والأصوات، وَنَهَاهُ عَن ضد ذَلِك١.\nفحقيق من أوصى بِهَذِهِ الْوَصَايَا أَن يكون مَخْصُوصًا بالحكمة، مَشْهُورا بهَا، وَلِهَذَا من منّة الله تَعَالَى على عباده أَن قصر عَلَيْهِم من حكمته مَا يكون لَهُم بِهِ أُسْوَة حَسَنَة٢.\nفالوصايا السَّابِقَة هِيَ مَنْهَج الْآدَاب السامية الَّتِي يُؤَدب الله عباده ذَلِك لِأَن فِي امتثالها سعادتهم وفلاحهم دنيا وآخرة هَذَا من جِهَة، وَمن جِهَة أُخْرَى فَإِنَّهُم يرَوْنَ آثارها التربوية فِي تَوْجِيه وتهذيب سلوكهم، وتعمل على زِيَادَة الألفة والمحبة بَينهم كَمَا يُؤَدِّي هَذَا إِلَى تماسك مجتمعهم.\n_________\n١ - عبد الرَّحْمَن السَّعْدِيّ: تيسير الْكَرِيم الرَّحْمَن فِي تَفْسِير كَلَام المنان ٦/٧٩.\n٢ - الْمرجع السَّابِق ٦/ ٧٩ - ٨٠.","vol":"1","page":465},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>المبحث الثَّالِث\nمعالم أصُول التربية الإسلامية من خلال وَصَايَا لُقْمَان</span>\nيتَضَمَّن هَذَا المبحث تَحْدِيد معالم أُصُوله التربية الإسلامية المستخلصة من وَصَايَا لُقْمَان لِابْنِهِ حَيْثُ تعد وَصَايَاهُ دستورًا كَامِلا فِي أصُول التربية الإسلامية، فقائلها أَب ومعلم صَالح آتَاهُ الله الْحِكْمَة، هَذَا بِالْإِضَافَة إِلَى أَنَّهَا نابعة عَن قناعة وَصدق، ومبنية على التجربة والمعرفة وَهِي تهدف أَولا وأخيرًا أَن يُحَقّق الْإِنْسَان الْمُسلم الْعُبُودِيَّة الْكَامِلَة لله ﷾ وَحده فِي حَيَاته الفردية والاجتماعية وَهَذِه هِيَ غَايَة التربية الإسلامية كَمَا هِيَ غَايَة خلق الله للْإنْسَان فِي هَذِه الدُّنْيَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ ١.\nوَفِيمَا يَلِي بَيَان لتِلْك الْأُصُول التربوية:\nالأَصْل الأول: العقيدة الإسلامية وجوهرها التَّوْحِيد:\nإِن عقيدة التَّوْحِيد وإفراد الله وَحده بِالْعبَادَة هِيَ أجل الْمسَائِل وَأَعْظَمهَا على الْإِطْلَاق فَمن أجلهَا خلق الله الْخلق وَأنزل الْكتب وَبعث الرُّسُل وَجعل الْجنَّة وَالنَّار.\nوالمتأمل لآيَات الْقُرْآن الْكَرِيم يجدهَا تبدى وتعيد فِي شَأْن العقيدة، تبينها وتوضحها دَاعِيَة إِلَيْهَا، محذرة من ضدها فِي آيَات كَثِيرَة وبطرق متنوعة وأساليب مُخْتَلفَة٢.\n_________\n١ - سُورَة الذاريات: آيَة (٥٦) .\n٢ - عبد الرَّزَّاق الْعباد: الشَّيْخ بن سعدي وجهوده فِي توضيح العقيدة ص ٦٤.","vol":"1","page":466},{"text":"قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ ١.\nوَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٢.\nوَمن هُنَا كَانَ أول وَاجِب على الْمُكَلف أَن يرتبط مُنْذُ تعقله بأركان الْإِيمَان الْمَذْكُورَة فِي حَدِيث جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام٣ فغرس العقيدة الإسلامية فِي النُّفُوس هُوَ أمثل طَريقَة لإيجاد عناصر صَالِحَة تَسْتَطِيع تقوم بدورها كَامِلا فِي الْحَيَاة، وتسهم فِيهِ بِنَصِيب كَبِير فِي تزويدها بِمَا هُوَ أَنْفَع وأرشد، وانعكست آثارها على سلوكهم.\nوَبِنَاء على مَا سبق يُمكن القَوْل بِأَن التربية الحقة إِنَّمَا تكون فِي تدريب الطِّفْل على أَعمال الْخَيْر وإرشاده إِلَى الصِّرَاط الْمُسْتَقيم، وتعليمه الْأَخْلَاق الطّيبَة، وَذَلِكَ كُله لَا يتَحَقَّق إِلَّا بِالْإِيمَان بِاللَّه وَحده وَعدم الشّرك بِهِ تَعَالَى. وَلِهَذَا نصح لُقْمَان ابْنه قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيم﴾ ٤. فَمن الْآيَة الْكَرِيمَة يتَبَيَّن أَن الأَصْل الأول لهَذِهِ التربية الْإِيمَان بِاللَّه وَعدم الشّرك بِهِ تَعَالَى، وَلِهَذَا يجب أَن تكون عظة لُقْمَان لِابْنِهِ نبراسًا يستضيء بِهِ الْآبَاء فِي تَوْجِيه أبنائهم وسراجًا يقودهم من الظُّلُمَات إِلَى النُّور، وَأعظم مَا تقدمه العظة الصَّرِيحَة قَول لُقْمَان لِابْنِهِ كَمَا ورد فِي الْقُرْآن الْكَرِيم ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ٥.\nلَو وعى الْأَبْنَاء لهَذِهِ النَّصِيحَة مَا وَقَعُوا فِي الْإِثْم وَمَا تراكمت عَلَيْهِم البلايا\n_________\n١ - سُورَة الذاريات: آيَة (٥٦) .\n٢ - سُورَة الْأَنْبِيَاء: آيَة (٢٥) .\n٣ - انْظُر حَدِيث جِبْرِيل ﵇ ص ١٨.\n٤ - سُورَة لُقْمَان: آيَة (١٣) .\n٥ - سُورَة لُقْمَان: آيَة (١٣) .","vol":"1","page":467},{"text":"والأخطاء ولعاشوا فِي أَمن نَفسِي وطمأنينة قلبية وَقد ابتعدوا عَن القلق والكآبة. وظلم النَّفس واليأس والقنوط١.\nوَالنَّفس الإنسانية تحْتَاج إِلَى التربية المستمرة والتذكرة المستديمة والوعظ الصَّادِق حَتَّى لَا يعتريها الصدأ ولتأمن من ريَاح الشّرك العابثة وتبتعد عَن الأمواج العاتية حَيْثُ شط الْأَمْن والأمان. وَالْإِسْلَام يُربي الْإِنْسَان على إخلاص الْعُبُودِيَّة لله وَحده، فَلَا يخَاف إِلَّا الله، وَلَا يَرْجُو أَو يتوسل غَيره من الْإِنْس أَو الْجِنّ وَلَا يبث حزنه أَو شكواه إِلَّا لله تَعَالَى وَمن هُنَا كَانَ الْإِنْسَان الْمُؤمن ذَا شخصية قَوِيَّة مُنْذُ نعومة أَظْفَاره، فالطفل الصَّغِير رُبمَا يَقُول كَلِمَات حكيمة يعجز الْكَبِير غير الْمُؤمن عَن فهمها أَو الاهتداء إِلَى مثلهَا٢.\nمرَّ عمر بن الْخطاب ﵁ على صبية يَلْعَبُونَ وَفِيهِمْ عبد الله بن الزبير فَهَرَبُوا مِنْهُ إِلَّا عبد الله، فَقَالَ لَهُ عمر ﵁: مَا لَك؟ لِمَ لَا تهرب مَعَ أَصْحَابك؟ فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لم أكن على رِيبَة فأخافك، وَلم يكن الطَّرِيق ضيقا فأوسع لَك٣. فَمن أَيْن جَاءَت هَذِه الفطنة وَتلك الكياسة فِي السلوك؟ لاشك أَن جَوَاب ذَلِك الطِّفْل إِنَّمَا هُوَ ثَمَرَة يانعة من ثمار التربية النفسية الإسلامية الَّتِي لَا تعرف الخضوع وَلَا الذل وَلَا الْخَوْف والفزع ... سياسة تقوم على تَقْوِيَة الثِّقَة بِاللَّه والاسترسال مَعَه على الدَّوَام٤.\nوتبدأ التربية النفسية من قَول الله عزوجل على لِسَان عَبده لُقْمَان فِي وعظه لِابْنِهِ:\n﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ .\nتبدأ التربية الإسلامية من نزع الشّرك الظَّاهِر والخفي من النُّفُوس فتتخلى\n_________\n١ - حسن الشرقاوي: نَحْو تربية إسلامية ص ٨٧ - ٨٨.\n٢ - الْمرجع السَّابِق.\n٣ - الْمَاوَرْدِيّ: أدب الدُّنْيَا وَالدّين ص ٩.\n٤ - حسن الشرقاوي: نَحْو تربية إسلامية ص ٩٢.","vol":"1","page":468},{"text":"بذلك من الظُّلم والرياء والفسوق والعصيان، ثمَّ تستعد النَّفس بعد سلب كل شرك عَن النَّفس بملء الْقلب بدين التَّوْحِيد الْخَالِص، والتوحيد سلب وَإِيجَاب، سلب كل ماعدا الله، وَإِيجَاب للألوهية المنزهة عَن كل شرك١. وللإيمان الْكَامِل بأركانه السِّتَّة آثَار تربوية عَظِيمَة فِي حَيَاة الْفَرد والمجتمع، فالإِيمان هُوَ الَّذِي يهيأ النَّفس الإِنسانية دَائِما للرضا والأمن وللعمل الجاد المثمر، كَمَا يضفي على النَّفس المؤمنة رضَا يغمرها فَلَا يَسْتَطِيع شَيْء مهما عظم أَن يسخطها، فَيحصل لَهَا بذلك الطُّمَأْنِينَة والراحة النفسية٢.\nمِمَّا سبق يَنْبَغِي أَن يكون الأَصْل الأول الَّذِي يجب على الْآبَاء أَن يربوا أَبْنَاءَهُم عَلَيْهِ ترسيخ عقيدة التَّوْحِيد فِي نُفُوسهم من المراحل الأولى من أعمارهم واستخدام كَافَّة الْوَسَائِل المتاحة فِي سَبِيل ذَلِك مَعَ مُرَاعَاة خَصَائِص النمو الْعقلِيّ والإدراكي لَهُم تأسيًا بالمعلم الأول نَبينَا مُحَمَّد ﷺ فَمن الْأَمْثِلَة على ذَلِك عَن عَطاء بن يزِيد اللَّيْثِيّ: أَن أَبَا هُرَيْرَة أخبرهُ أَن أُنَاسًا قَالُوا لرَسُول الله: يَا رَسُول الله هَل نرى رَبنَا يَوْم الْقِيَامَة ... \"وَفِي جَهَنَّم كلابيب٣ مثل شوك السعدان٤، هَل رَأَيْتُمْ شوك السعدان؟ \" قَالُوا: نعم يَا رَسُول الله، قَالَ: \"فَإِنَّهَا مثل شوك السعدان غير أَنه لَا يعلم مَا قدر عظمها إِلَّا الله \" ٥.\nفَفِي الحَدِيث السَّابِق درس وتطبيق عَمَلي من النَّبِي ﷺ فِي طرح قضايا الْإِيمَان مستخدمًا فِي ذَلِك أسلوب ضرب الْأَمْثَال لمناسبته لحَال المخاطبين لما يَلِي:\n_________\n١ - الْمرجع السَّابِق: ص ٩٣.\n٢ - لمزيد من التَّفْصِيل فِي هَذَا الْمَوْضُوع انْظُر النحلاوي: أصُول التربية الإسلامية ص ٧٧ - ١٠٤.\n٣ - كلابيب: جمع كَلوب وَهِي حَدِيدَة معطوفة الرَّأْس يعلق فِيهَا اللَّحْم وَترسل فِي التَّنور.\n٤ - السعدان: من أفضل مرَاعِي الْإِبِل وشوكه مستدير يشبه حلمة الثدي. انْظُر الْجَوْهَرِي: ١/٤٨٥ مَادَّة (سعد) .\n٥ - مُسلم: صَحِيح مُسلم ١/١٦٥، كتاب الْإِيمَان، بَاب معرفَة طَرِيق الرُّؤْيَة (٨١)، رقم الحَدِيث (١٨٢) .","vol":"1","page":469},{"text":"١ - تَأَكد الرَّسُول من معرفَة الصَّحَابَة لشوك السعدان حَيْثُ قَامَ بِنَفسِهِ من سُؤَالهمْ \"هَل تعرفُون شوك السعدان؟ فَلَمَّا تبين لَهُ ذَلِك أعَاد عَلَيْهِم الْمثل مرّة أُخْرَى.\n٢ - التَّنْبِيه على الْفَارِق بَين الْأَمريْنِ حَيْثُ أخْبرهُم\"أَنه لَا يعلم قدر عظمها إِلَّا الله\".\nوَبِهَذَا الْمنْهَج يصل النشئ إِلَى شاطئ الْأَمْن والأمان والسلامة وَالْإِسْلَام، فَلَا سَعَادَة لَهُم بِغَيْر الْإِيمَان وَلَا طمأنينة لَهُم إِلَّا فِي ظلّ عقيدة التَّوْحِيد بِاللَّه ﷾.\nالأَصْل الثَّانِي: مراقبة الله ﷿:\nهَذَا هُوَ الأَصْل الثَّانِي من أصُول التربية الإسلامية الصَّحِيحَة وَقد بَين لُقْمَان هَذَا الأَصْل لِابْنِهِ، قَالَ تَعَالَى حِكَايَة عَن لُقْمَان: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ ١.\nوَبِهَذَا يُربي لُقْمَان فِي ابْنه قَاعِدَة أساسية من قَوَاعِد العقيدة الإسلامية الصَّحِيحَة بِأَن الله عزوجل صَاحب السُّلْطَان وَالْقُدْرَة وَمَالك الْأَمر كُله فعندما تترسخ العقيدة السَّابِقَة فِي النَّفس، فَإِن الطُّمَأْنِينَة تشيع فِيهَا كَمَا أَن حَيَاة النَّاس تتسم بِالرِّضَا وَالتَّسْلِيم.\nفالقلق وَالِاضْطِرَاب وَسَائِر الْأَمْرَاض النفسية المعاصرة الَّتِي يشكوا مِنْهَا النَّاس الْيَوْم مردها إِلَى عدم رضَا النَّفس بِمَا يحصل لَهَا هَذَا من جِهَة، وَمن جِهَة\n_________\n١ - سُورَة لُقْمَان: آيَة (١٦) .","vol":"1","page":470},{"text":"أُخْرَى نَاشِئ هَذَا من عدم الْإِيمَان بِالْقدرِ.\nإِن الْقَاعِدَة السَّابِقَة الَّتِي أَصْلهَا لُقْمَان فِي ابْنه أَن الأهمية بمَكَان إِذا مَا تربت النُّفُوس عَلَيْهَا، وَلِهَذَا يجب على الْآبَاء والمربين أَن يغرسوا فِي أبنائها وتلاميذهم مراقبة الله ﷿ فِي قُلُوبهم، لما فِي ذَلِك من ثَمَرَات تربوية لَا تخفى على الْعَاقِل، فمراقبة الله ﷿ هِيَ الَّتِي تعْمل على قامع الشَّهَوَات، وتحث على الطَّاعَات، ويذل الْقلب ويستكين، ويفارقه الْكبر والحقد والحسد، فَمَتَى استشعر النشئ روح هَذِه المراقبة انكف وانزجر عَن الْمعاصِي والنواهي، فَجعل تقوى الله عزوجل سترا ومانعًا لَهُ من الْوُقُوع فِي المهلكات، وَهِي أَيْضا تعْمل على تحريره من الْخَوْف من أحد غير الله عزوجل، وتحرره أَيْضا من القلق والضجر وَالِاضْطِرَاب، فالكون كُله لله والأعمار والأرزاق بيد الله ﷿ وَقد بَين لنا الرَّسُول هَذِه الْحَقِيقَة بأسلوب تطبيقي عَمَلي عِنْدَمَا وَجه ابْن عَبَّاس ﵄ بقوله ﵊ \"يَا غُلَام إِنِّي أعلمك كَلِمَات احفظ الله يحفظك، احفظ الله تَجدهُ تجاهك، إِذا سَأَلت فاسأل الله، وَإِذا استعنت فَاسْتَعِنْ بِاللَّه، وَاعْلَم أَن الْأمة لَو اجْتمعت على أَن ينفعوك بِشَيْء لم ينفعوك إِلَّا بِشَيْء قد كتبه الله لَك، وَإِن اجْتَمعُوا على أَن يضروك بِشَيْء لم يضروك إِلَّا بِشَيْء قد كتبه الله عَلَيْك، رفعت الأقلام وجفت الصُّحُف\" ١.\nيَتَرَتَّب على مَا ذكر مَا يَلِي.\n١ - إِيجَاد جيل قوي يخلص الْعُبُودِيَّة الْكَامِلَة لله ﷿ وَحده.\n٢ - الْعَمَل الجاد المثمر، وَالْإِخْلَاص لله ﷿ فِي أَعْمَالهم، كل بِحَسب عمله، ومجال تخصصه.\n٣ - مراقبة الله ﷿ فِي سلوكهم وَفِي معاملاتهم مَعَ الآخرين.\n_________\n١ - التِّرْمِذِيّ: ٤/٦٧٧، كتاب صفة الْقِيَامَة وَالرَّقَائِق والورع، رقم الحَدِيث (٥١) وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح وَاللَّفْظ لَهُ. وَأحمد: مُسْند الإِمَام أَحْمد ١/٢٩٣ - ٣٠٣ - ٣٠٧.","vol":"1","page":471},{"text":"من كل مَا تقدم يَتَقَرَّر أَنه على الْآبَاء والمربين. أَلا يغفلوا عَن تذكير أبنائهم وتلاميذهم بمدى قدرَة الله ﷿ عَن طَرِيق التَّأَمُّل والتفكير فقد خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض، وَذَلِكَ فِي سنّ الْإِدْرَاك والتمييز١.\nفَيكون تركيزهم على الأَصْل الثَّانِي لمعالم التربية الإسلامية الأساسية منصبًا على تَعْرِيف النشئ بقدرة الْخَالِق عزوجل متدرجين مَعَهم من المحسوس إِلَى الْمَعْقُول، وَمن الجزئي إِلَى الْكُلِّي، وَمن الْبَسِيط إِلَى الْمركب حَتَّى يصلوا مَعَهم فِي نِهَايَة الشوط إِلَى قَضِيَّة الْإِيمَان عَن اقتناع وَحجَّة وبرهان٢.\nالأَصْل الثَّالِث: الْعِبَادَات:\nلِلْعِبَادَةِ فِي الإِسلام شَأْن كَبِير بَين الْفَرَائِض والواجبات الْأُخْرَى، لِأَنَّهَا تؤكد إِقْرَار الْمَرْء إِقْرَارا كَامِلا بِقَلْبِه وَلسَانه وجوارحه، وخضوعه خضوعًا مُطلقًا، لله الْخَالِق الْوَاحِد القهار، الْوَاحِد الْأَحَد، الْفَرد الصَّمد، الَّذِي لَهُ كل صِفَات الْكَمَال، لَا يُشبههُ أحد من خلقه، لَا يفنى وَلَا يَزُول، فَهُوَ المتفرد بذلك كُله. قَالَ تَعَالَى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالأِكْرَامِ﴾ ٣. ويحدد لنا الْقُرْآن الْكَرِيم غَايَة الْخلق لِلْعِبَادَةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ ٤.\nوَقد كَانَت دَعْوَة أَنْبيَاء الله عزوجل من لدن نوح ﵇ وَآخرهمْ نَبينَا مُحَمَّد إِلَى عبَادَة الله وَحده، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٥.\n_________\n١ - سعيد إِسْمَاعِيل عَليّ: أهداف الْمدَارِس الإسلامية ص ٩٩.\n٢ - عبد الله علوان: تربية الْأَوْلَاد فِي الْإِسْلَام ١/١٥٥.\n٣ - سُورَة الرَّحْمَن: الْآيَتَانِ (٢٦ - ٢٧) .\n٤ - سُورَة الذاريات: آيَة (٥٦) .\n٥ - سُورَة النَّحْل: آيَة (٣٦) .","vol":"1","page":472},{"text":"وَإِذا كَانَت الْعِبَادَة غَايَة الْوُجُود الإِنساني فَإِن مفهومها لَا يقْتَصر على الْمَعْنى الْخَاص الَّذِي يرد إِلَى الذِّهْن وَالَّذِي يضيق نطاقها، فيجعلها محصورة فِي الشعائر الْخَاصَّة الَّتِي يُؤَدِّيهَا الْمُؤمن.\nوَلِهَذَا فَإِن حَقِيقَة الْعِبَادَة تبرز فِي الْمَعْنى الشَّامِل الَّذِي اخْتَارَهُ شيخ الْإِسْلَام ابْن تيميه فَقَالَ يرحمه الله: \"الْعِبَادَة هِيَ اسْم جَامع لكل مَا يُحِبهُ الله ويرضاه من الْأَقْوَال والأعمال الْبَاطِنَة وَالظَّاهِرَة\"١.\nوَبِنَاء على ذَلِك فَإِن الْعُبُودِيَّة الحقة لله ﷿ تكون شَامِلَة بِمَا افترضه الله سُبْحَانَهُ على عباده من الْفَرَائِض والطاعات والواجبات: كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَام، وَالزَّكَاة، وَالْحج، وصلَة الْأَرْحَام، وبر الْوَالِدين، وَالدُّعَاء، وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر، وَهَكَذَا كل عمل مَشْرُوع قصد بِهِ رِضَاء الله تَعَالَى مهما عظم شَأْنه أَو قل، وَيَتَرَتَّب على ذَلِك أَن للعبادات تَأْثِير فِي سلوك الْمُسلم وَفِي كل حركاته وسكناته، وَقَوله وَعَمله، وسره وعلنه، كل ذَلِك يعد عبَادَة لله عزوجل مادام فَاعله يقْصد الْخَيْر، وَلَيْسَ السمعة وَالثنَاء، وَإِنَّمَا ابْتغِي بذلك وَجه الله تَعَالَى.\nوَفِي ضوء مَا سبق يتَبَيَّن أَن اقْتِصَار الْعِبَادَة على مُجَرّد الشعائر الَّتِي تُؤَدّى فِي أَوْقَات محددة، وأماكن مُعينَة يعد مفهومًا ضيقا لِلْعِبَادَةِ، وَهَذَا لَهُ تَأْثِير فِي تكوين الشخصية الْمسلمَة، فالعبادة فِي الإِسلام شَامِلَة لكل جَوَانِب الْحَيَاة، لِأَن الدّين كُله دَاخل فِي الْعِبَادَة، إِذْ يتَضَمَّن مَعْنَاهُ الخضوع والذل لله عزوجل وعَلى هَذَا تصبح تِلْكَ الشعائر التعبدية جُزْء من مَفْهُوم الْعِبَادَة الشَّامِل أَو محطات يقف عِنْدهَا السائرون فِي الطَّرِيق فيتزودون بالزاد وكل مَا يَقع، وَلَكِن الطَّرِيق كُله عبَادَة، وكل مَا يَقع فِيهِ من نسك أَو عمل ... فَهُوَ كَذَلِك عبَادَة ...\n_________\n١ - ابْن تَيْمِية: الْعُبُودِيَّة ص ٢٣، وَانْظُر سُلَيْمَان بن عبد الْوَهَّاب: تيسير الْعَزِيز الحميد ص ٤٥ - ٤٦.","vol":"1","page":473},{"text":"مادامت وجهته إِلَى الله، ومادام قد شهد حَقًا – لَا بِاللِّسَانِ - أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله، وَأقَام حَيَاته كلهَا وواقعه كُله على هَذَا الأساس١.\nوللعبادة آثارها التربوية نذْكر مِنْهَا:\n١ - أَنَّهَا تزَود الْإِنْسَان دَائِما بشحنات متتالية من الْقُوَّة المستمدة من قُوَّة الله، والثقة بِالنَّفسِ المستمدة من الثِّقَة بِاللَّه٢.\n٢ - أَنَّهَا تجدّد للْمُسلمِ نَفسه باستمرار وَذَلِكَ عَن طَرِيق التَّوْبَة الَّتِي تزيل عَن قلبه وتصوراته مَا قد يعلق بهما من أدناس، وتمحو من جوارحه أثر مَا قد يكْسب من آثام أَو أخطاء٣.\n٣ - تقَوِّي وتعزز العقيدة الإسلامية فِي نفس الْمُسلم فالعقيدة الإسلامية فِي حَيَاة الْإِنْسَان الْمُسلم إِذا لم تترجم إِلَى سلوك وَعمل وَطَاعَة وَتعبد لَا تكتمل دائرتها فِي نَفسه. فالعبادة تَعْنِي التطبيق والالتزام بِمَا شَرعه الله ﷿، ودعا إِلَيْهِ رسله أمرا ونهيا، وتحليلا وتحريما. وَهَذَا يمثل من الْمُسلم الطَّاعَة والخضوع لله تَعَالَى والإِقرار الْكَامِل بوحدانية الْخَالِق عزوجل.\nوَيظْهر مَنْهَج الْعِبَادَة فِي وَصِيَّة لُقْمَان لِابْنِهِ فِي الْأُمُور التالية:\n١ -) أمره بِإِقَامَة الصَّلَاة:\nفَالصَّلَاة هِيَ أعظم فَرَائض الْإِسْلَام وَعون على احْتِمَال تكاليف الْحَيَاة ونوائب الدَّهْر، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ ٤.\nوَقد ذكر لُقْمَان لِابْنِهِ من أَرْكَان الْإِسْلَام الصَّلَاة، وَذَلِكَ لمكانتها الْعَالِيَة بَين\n_________\n١ - مُحَمَّد قطب: مَنْهَج التربية الإسلامية ١/٣٨.\n٢ - عبد الرَّحْمَن النحلاوي: أصُول التربية الإسلامية ص ٥٧.\n٣ - الْمرجع السَّابِق: ص ٥٩.\n٤ - سُورَة الْبَقَرَة: آيَة (٤٥) .","vol":"1","page":474},{"text":"الْعِبَادَات، فَهِيَ الرُّكْن الثَّانِي بعد الشَّهَادَتَيْنِ، وعماد الدّين الَّذِي لَا يقوم الدّين بغَيْرهَا، وَلذَا فَمن تَركهَا فقدكفر.١\nفَعَن عبد الله بن بُرَيْدَة، عَن أَبِيه ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ: \"إِن الْعَهْد الَّذِي بَيْننَا وَبينهمْ الصَّلَاة فَمن تَركهَا فقد كفر \".\nوَهِي كَذَلِك مُنَاجَاة من قِبَل العَبْد لرَبه يَقُول النَّبِي ﷺ: \"إِن أحدكُم إِذا قَامَ فِي صلَاته فَإِنَّمَا يُنَاجِي ربه - أَو ربه بَينه وَبَين قبلته - فَلَا يبزقن فِي قبلته وَلَكِن ... \" الحَدِيث٢\nوَمن هُنَا جَاءَ كَونهَا عماد الدّين وَأَنه لَا مكانة للاستقامة أَو التخلق بِخلق الْإِسْلَام إِذا لم تكن الصَّلَاة متحققة بالطريقة الَّتِي وضحها الشَّرْع وعَلى النَّحْو الَّذِي أَرَادَهُ الله للنَّاس بِأَن تُؤَدّى فِي الْمَسْجِد وَفِي جمَاعَة، وَهِي بِهَذَا تكون سَببا فعَّالًا فِي إِيجَاد الألفة بَين الْمُسلمين فِي أَرْوَاحهم وسلوكهم، وَتُعْطِي صُورَة حيهّ للْمُسلمين أفرادا وجماعات، وهم يتوجهون بقلوبهم ومشاعرهم إِلَى الْوَاحِد القهار.\nوبالإضافة إِلَى مَا ذكر فَإِن الصَّلَاة تقَوِّي الروابط الروحيه وتشد الْمُجْتَمع بعضه إِلَى بعض، وتطهر الْمُجْتَمع من الرذائل وَالْفَوَاحِش، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ...﴾ الْآيَة٣.\nوَبِذَلِك يصبح أَفْرَاد الْمُجْتَمع متوادين ومتراحمين، وعبادا لله صالحين.\n_________\n١ - النَّسَائِيّ: سنَن النَّسَائِيّ بشرح الْحَافِظ السُّيُوطِيّ وحاشية السندي ١/٢٣١ - ٢٣٢، كتاب الصَّلَاة (٥)، بَاب الحكم فِي تَارِك الصَّلَاة (٨)، رقم الحَدِيث (٤٦٣) .\n٢ - البُخَارِيّ: صَحِيح البُخَارِيّ على فتح الْبَارِي ١/٥١٣، كتاب الصَّلَاة (٨)، بَاب إِذا بدره البزاق. (٣٩)، رقم الحَدِيث (٤١٧) .\n٣ - العنكبوت: (٤٥) .","vol":"1","page":475},{"text":"٢ -) أمره أَن يَأْمر بِالْمَعْرُوفِ وَينْهى عَن الْمُنكر:\nإِن الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر سلطة اجتماعية أَو رقابة اجتماعية، وَأَن الْقيام بِهَذَا الْوَاجِب هُوَ الدرْع الواقي للمجتمع، يصونه ويحفظه من التفكك والانهيار وَإِلَّا دبت فِيهِ الفوضى واعتراه الْعَبَث والاضمحلال.\nوَقد نبه الْإِسْلَام إِلَى الْخطر الَّذِي يحل بالأمة عِنْدَمَا تقصر أَو تهمل فِي أَدَاء هَذَا الْوَاجِب فالأحاديث فِي ذَلِك كَثِيرَة وَلَا يُمكن سردها فِي هَذَا الْبَحْث وأكتفي بقوله ﵊: \"يَا أَيهَا النَّاس إِن الله ﷿ يَقُول: مروا بِالْمَعْرُوفِ وانهوا عَن الْمُنكر من قبل أَن تَدعُونِي فَلَا أُجِيبكُم، وتسألوني فَلَا أُعْطِيكُم، وتستنصروني فَلَا أَنْصُركُمْ\" ١.\nوَبِنَاء على ذَلِك يكون منابذة أهل الْفساد ومحاصرتهم مطلب ضَرُورِيّ لحفظ الْمُجْتَمع الْمُسلم وسلامته من الْآفَات والأمراض والمعاصي الَّتِي تفتك بالأمة، وتقضي على وحدتها، وَتصل بهَا فِي النِّهَايَة إِلَى الدمار والهلاك.\n٣ -) أمره بِالصبرِ على مشاق الدعْوَة إِلَى الله:\nويعد هَذَا من أشرف وأرقى أَنْوَاع الصَّبْر، لما يتَعَرَّض لَهُ الدَّاعِي من متاعب وآلام، فَمَا على الداعية إِلَى الله إِلَّا أَن يعتصم بِالصبرِ ويتسلح بِالْيَقِينِ لِأَنَّهُ من عزائم الْأُمُور، كَمَا أوضح ذَلِك لُقْمَان لِابْنِهِ قَالَ تَعَالَى حِكَايَة عَن لُقْمَان وَهُوَ يعظ ابْنه: ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ ٢.\nوَمِمَّا يحث الدعاة على الصَّبْر وَتحمل مشاق الدعْوَة، مَا ينتظره الصَّابِرُونَ من حسن الْجَزَاء، وَالْيَقِين بِأَن نصر الله قريب، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٣.\n_________\n١ - أَحْمد بن حَنْبَل: مُسْند الإِمَام أَحْمد ٦/١٥٩.\n٢ - سُورَة لُقْمَان: آيَة (١٧) .\n٣ - سُورَة النَّحْل: آيَة (٩٦) .","vol":"1","page":476},{"text":"وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ١.\nمن كل مَا تقدم يَنْبَغِي أَن يكون الأَصْل الثَّالِث الَّذِي يَنْبَغِي على الْآبَاء والمربين أَن يربوا أَبْنَاءَهُم وتلاميذهم عَلَيْهِ \"مَنْهَج الْعِبَادَات\" فيتعودوا على ممارستها على النَّحْو الَّذِي وضحه الشَّارِع الْكَرِيم وَأَن يكون مُنْذُ نعومة أظفارهم وَبِذَلِك يتربى النشئ على طَاعَة الله، وَالْقِيَام بِحقِّهِ وَالشُّكْر لَهُ، والالتجاء إِلَيْهِ، والثقة بِهِ، والاعتماد عَلَيْهِ، وَالتَّسْلِيم لجنابه فِيمَا يَنُوب ويروع ...، وَحَتَّى يجد الطُّهْر لروحه، وَالصِّحَّة لجسمه، والتهذيب لخلقه، والإِصلاح لأقواله وأفعاله٢.\nالأَصْل الرَّابِع: الْآدَاب الاجتماعية:\nأدب الله عباده بآداب كَثِيرَة، وَهَذِه الْآدَاب حلية الْمُسلم تزين نَفسه الْبَاطِنَة، وأفعاله الظَّاهِرَة.\nو\"الْأَدَب اسْتِعْمَال مَا يحمد قولا وفعلا، وَعبر بَعضهم عَنهُ بِأَنَّهُ الْأَخْذ بمكارم الْأَخْلَاق ... وَالْأَدب مَأْخُوذ من المأدبة وَهِي الدعْوَة إِلَى الطَّعَام، سمي بذلك لِأَنَّهُ يَدعِي إِلَيْهِ\"٣.\nوترتبط الْآدَاب بالعقيدة الإسلامية ارتباطًا وثيقًا، ذَلِك أَن العقيدة هِيَ الَّتِي تحفز الإِنسان نَحْو السلوك الطّيب، وَأَن انْتِفَاء العقيدة عِنْده سيقود إِلَى كل الِاحْتِمَالَات السلبية والتفكك والانحراف، وَبِنَاء على ذَلِك فَإِن الْآدَاب الإسلامية هِيَ وليدة العقيدة الَّتِي تَسْتَقِر فِي قلب الْإِنْسَان، وَهِي الْعَامِل المحرك الْمُؤثر وَبِدُون ذَلِك لَا مكانة للآداب بِغَيْر عقيدة. وَلِهَذَا تنْقَلب الْآدَاب إِلَى نتائج عكسية تتمثل فِي السلوك الذميم كالرذائل وَالْفَوَاحِش مثلا، ذَلِك إِذا لم يكن هُنَاكَ عقيدة ثَابِتَة صَحِيحَة تتهذب مَعهَا النَّفس ويتقوم بهَا الاعوجاج.\n_________\n١ - سُورَة الزمر: آيَة (١٠) .\n٢ - عبد الله علوان: تربية الْأَوْلَاد فِي الْإِسْلَام ١/١٤٩.\n٣ - ابْن حجر: فتح الْبَارِي ١٠/٤٠٠.","vol":"1","page":477},{"text":"وَمن هُنَا كَانَت الْآدَاب الَّتِي أوصى بهَا لُقْمَان ابْنه بعد تأكيده على العقيدة وغرس التَّوْحِيد، ومراقبة الله ﷾ والتأكيد على الْعِبَادَة أَيْضا.\nوَفِيمَا يَلِي بَيَان للآداب الْمَذْكُورَة فِي وَصِيَّة لُقْمَان لِابْنِهِ وَالَّتِي يَنْبَغِي أَن يتضمنها منهاج التربية الإسلامية.\nأ) برّ الْوَالِدين:\nفقد أمرنَا الله ﷿ بر الْوَالِدين وَجعل حَقّهمَا فِي مرتبَة تالية لحقه١، فالوالدان هما السَّبَب الَّذِي شَاءَ الله أَن يُوجد الْأَبْنَاء من خلاله وَقد عانيا فِي سَبِيل ذَلِك عناءً كَبِيرا ولاقيا صعابًا جمة، وخاصة الْأُم الَّتِي حملت وليدها كرها، وَوَضَعته كرها، وَمَعَ هَذَا فقد أمرنَا الْخَالِق تَعَالَى بإكرامها، وخفض الْجنَاح لَهما، وَالدُّعَاء لَهما.\nوَبِنَاء على ذَلِك يَنْبَغِي على الْآبَاء والمربين أَن يغرسوا فِي أبنائها وتلاميذهم حب الْوَالِدين وَأَن يعملوا على تكوين الاتجاه الإيجابي نَحْو بر الْوَالِدين وَالشُّكْر لَهُم وطاعتهم واحترامهم على أَن يكون ذَلِك مُنْذُ الصغر ليسهل عَلَيْهِم تطبيقه فِي الْكبر.\nب) التَّوَاضُع والبعد عَن التكبر:\nيظْهر هَذَا فِي قَول الْحق ﵎ حِكَايَة عَن لُقْمَان ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاس ...﴾ الْآيَة٢.\nفالمسلم يتواضع لِأَخِيهِ الْمُسلم فِي غير مذلة وَلَا مهانة والتواضع من أَخْلَاق الْإِسْلَام المثالية وَصِفَاته الْعَالِيَة، وَالْكبر على عكس من ذَلِك، فَفعله مَذْمُوم وَصَاحبه كَذَلِك فَفِي الحَدِيث الْقُدسِي يَقُول الله تَعَالَى: \"الْكِبْرِيَاء\n_________\n١ - انْظُر ذَلِك بالتفصيل ص ٢٠ - ٢٤ من هَذِه الدراسة.\n٢ - سُورَة لُقْمَان آيَة (١٨) .","vol":"1","page":478},{"text":"رِدَائي، وَالْعَظَمَة إزَارِي، فَمن نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا أَلقيته فِي جَهَنَّم وَلَا أُبَالِي\"١.\nوَالْكبر أَيْضا يمْنَع صَاحبه من الاستفادة من اتِّبَاع الْحق وَالْهدى فيخسر كثيرا قَالَ تَعَالَى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ ٢. وَلِهَذَا كَانَت الْعِزَّة والكرامة للمتواضعين فَفِي الحَدِيث \"مَا نقصت صَدَقَة من مَال، وَمَا زَاد الله عبدا بِعَفْو إِلَّا عزا، وَمَا تواضع أحد لله إِلَّا رَفعه الله\"٣\nوَبِنَاء على مَا سبق ذكره يجب على الْآبَاء والمربين أَن يعودوا أَبْنَاءَهُم ويدربوا تلاميذهم على ممارسة الْأَخْلَاق الإسلامية وَمن بَينهَا خلق التَّوَاضُع تأسيًا بقول النَّبِي ﷺ: \"إِن الله أوصى إليّ أَن تواضعوا حَتَّى لَا يفخر أحد على أحد\" ٤.\nوَقد ضرب النَّبِي ﷺ بتواضعه الْمثل الْأَعْلَى فِي ذَلِك، فَلم يعرف عَنهُ أَن رفض دَعْوَة أقل النَّاس شَأْنًا، وَلم يتعال على أحد من قومه بل كَانَ يَقُول: \"إِنَّمَا أَنا عبد الله وَرَسُوله\" ٥، وَلم يرد طلبا لأحد فَإِن الْأمة تَأْخُذ بِيَدِهِ وَبِه فتنطلق بِهِ فِي حَاجَتهَا٦فعلى الْأَبْنَاء والتلاميذ أَن يسموا سلوكهم بالتواضع فِي كل شَيْء، فِي\n_________\n١ - ابْن مَاجَه: سنَن ابْن مَاجَه ٢/١٣٩٧، كتاب الزّهْد، بَاب الْبَرَاءَة من الْكبر، رقم الحَدِيث (٤١٧٤) .\n٢ - سُورَة الْأَعْرَاف: آيَة (١٤٦) .\n٣ - انْظُر تَخْرِيج الحَدِيث ص ٣٨.\n٤ - مُسلم: صَحِيح مُسلم بشرح النَّوَوِيّ ١٧/٢٠٥، كتاب الْجنَّة وَصفَة نعيمها وَأَهْلهَا، بَاب الصِّفَات الَّتِي يعرف بهَا فِي الدُّنْيَا أهل الْجنَّة وَأهل النَّار، رقم الحَدِيث ٦٤/٢٨٦٥.\n٥ - البُخَارِيّ: صَحِيح البُخَارِيّ، كتاب بَدْء الْخلق ٤٠/١٤٢.\n٦ - ابْن حجر: فتح الْبَارِي بشرح صَحِيح البُخَارِيّ ١٠/٤٩٠.","vol":"1","page":479},{"text":"بُيُوتهم وَمَعَ ذويهم، وَفِي مدارسهم وَمَعَ معلميهم، وَفِي مجتمعهم وَمَعَ عُلَمَائهمْ، وَمَعَ النَّاس جَمِيعًا. وَفِي الْمُقَابل أَيْضا عَلَيْهِم أَن يحذروا من الْوُقُوع فِي الْكبر وَعجب النَّفس فَإِن ذَلِك يُؤَدِّي بِصَاحِبِهِ إِلَى غمط الْحق، وطمس معالمه، وَفِي النِّهَايَة يَقُودهُ إِلَى الدمار والهلاك وَغَضب الله عَلَيْهِ.\nجـ) آدَاب الْمَشْي:\nللمشي فِي الطَّرِيق آدَاب وواجبات قلَّ من يهتم بهَا مَعَ أهميتها، وخلاصة هَذِه الْآدَاب والواجبات أَن الْمَشْي يطْلب فِي أَثْنَائِهِ كل مَا يطْلب من الْجَالِس على الطَّرِيق وَيُزَاد عَلَيْهِ التَّوَاضُع فِي أثْنَاء الْمَشْي والتسامح مَعَ من يقابلهم١. وَلِهَذَا وصف الله عزوجل عباده أَنهم يَمْشُونَ على الأَرْض هونا أَي: مشيًا متصفا بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقار، غير مختالين وَلَا مستكبرين٢. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ ٣.\nوَلِهَذَا أَمر لُقْمَان ابْنه بالاعتدال فِي المشية وَالْحَرَكَة. قَالَ تَعَالَى حِكَايَة عَن لُقْمَان: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ..﴾ الْآيَة٤. أَي توسّط فِيهِ، وَالْقَصْد مَا بَين الإِسراع والبطء٥.\nالْمَعْنى: أَي امش مقتصدا معتدلًا لَا بطئ الخطو وَلَا مسرعا مفرطا فِي السرعة، مشْيَة لَا ذل فِيهَا وَلَا كبر، متواضعًا. وَليكن لَك قصد وهدف تمشي\n_________\n١ - حسن أَيُّوب: السلوك الاجتماعي فِي الْإِسْلَام ص ٤٣٢.\n٢ - الجزائري: أيسر التفاسير ٣/٢٨٩.\n٣ - سُورَة لُقْمَان: آيَة (٦٣) .\n٤ - سُورَة لُقْمَان: آيَة (١٩)\n٥ - الْقُرْطُبِيّ: الْجَامِع لأحكام الْقُرْآن ١٤/٧١.","vol":"1","page":480},{"text":"إِلَيْهِ، وليظهر ذَلِك فِي سيرك بِحَيْثُ تمشي مشْيَة الهادف الَّذِي ينْطَلق لقصده فِي بساطة وانطلاق١.\nفعلى الْآبَاء والمربين أَن يستفيدوا من هَذِه التوجيهات الربانية فِي إرشاد أبنائهم وتلاميذهم إِلَى كَيْفيَّة الْمَشْي الصَّحِيح على الطَّرِيق وَكَذَلِكَ تعليمهم آدَاب الطَّرِيق كَمَا حددها النَّبِي فِي أَحَادِيث كَثِيرَة وَمِنْهَا قَوْله: \"إيَّاكُمْ٢ وَالْجُلُوس على الطرقات، فَقَالُوا: مَا لنا بُد٣ إِنَّمَا هِيَ مجالسنا نتحدث فِيهَا، فَقَالَ: فَإِذا أَبَيْتُم إِلَّا الْمجَالِس٤ فأعطوا الطَّرِيق حَقّهَا٥، قَالُوا: وَمَا حق الطَّرِيق؟ قَالَ: غض الْبَصَر٦، وكف الْأَذَى٧، ورد السَّلَام، وَأمر بِالْمَعْرُوفِ، وَنهي عَن الْمُنكر\"٨.\nوَهَكَذَا يتأدب النشئ مُنْذُ نعومة أظفارهم بأخلاق الْإِسْلَام، فَتطهر نُفُوسهم وتسموا أَخْلَاقهم، وتتكامل شخصياتهم.\nد) آدَاب الحَدِيث:\nالحَدِيث مَعَ الآخرين فِي الْإِسْلَام لَهُ أُصُوله وآدابه، على الْمُسلم التقيد بهَا إرضاءً لله عزوجل وتجنبا لسخطه وعقابه، وَمن أجل هَذَا يبين لنا الرَّسُول فِي أَحَادِيث عدَّة خطورة اللِّسَان وَمَا يُؤَدِّي بِصَاحِبِهِ إِلَى الْوُقُوع فِي الْهَلَاك.\n_________\n١ - سيد قطب: فِي ظلال الْقُرْآن ٥/٢٧٩٠.\n٢ - إيَّاكُمْ: أحذركم.\n٣ - بُد: غنى عَنهُ.\n٤ - الْمجَالِس: الْجُلُوس فِي تِلْكَ الْمجَالِس.\n٥ - حَقّهَا: مَا يَلِيق بهَا من آدَاب.\n٦ - غض الْبَصَر: خفض النّظر عَمَّن يمر فِي الطَّرِيق من النِّسَاء وغيرهن مِمَّا يثير الْفِتْنَة.\n٧ - كف الْأَذَى: عدم التَّعَرُّض لأحد بقول أَو فعل يتَأَذَّى مِنْهُ.\n٨ - البُخَارِيّ: صَحِيح البُخَارِيّ، تَرْتِيب مصطفى البغا ٢/٨٧٠، بَاب أفنية الدّور وَالْجُلُوس فِيهَا وَالْجُلُوس على الصّعدات، رقم الحَدِيث (٢٣٣٣) .","vol":"1","page":481},{"text":"فَمن ذَلِك قَوْله النَّبِي ﷺ: \"ثكلتك أمك١ يَا معَاذ، وَهل يكب النَّاس٢ فِي النَّار على وُجُوههم أَو على مناخرهم إِلَّا حصائد ألسنتهم\" ٣٤.\nوَكَذَلِكَ أَيْضا قَوْله ﵊: \"إِن العَبْد ليَتَكَلَّم بِالْكَلِمَةِ، مَا يتَبَيَّن فِيهَا٥، يزل بهَا فِي النَّار٦ أبعد٧ مِمَّا بَين الْمشرق\" ٨.\nوَفِي حَدِيث آخر يَقُول ﵊: \"إِن العَبْد ليَتَكَلَّم بِالْكَلِمَةِ من رضوَان الله٩، لَا يلقِي لَهَا١٠بَالا يرفع الله بهَا دَرَجَات، وَإِن العَبْد ليَتَكَلَّم بِالْكَلِمَةِ من سخط الله١١، لَا يلقِي لَهَا بَالا، يهوى بهَا١٢فِي جَهَنَّم\" ١٣.\n_________\n١ - ثكلتك أمك أَي فقدتك. وَيُرِيد إِذا كنت هَكَذَا فالموت خير لَك لِئَلَّا تزداد سوءا. ابْن الْأَثِير: النِّهَايَة فِي غَرِيب الحَدِيث ١/ ٢١٧.\n٢ - يكب: كب لوجهه، وعَلى وَجهه كَبا أَي قلبه وألقاه. المعجم الْوَسِيط ص٧٧١. وَيكون الْمَعْنى هُنَا يقلبهم.\n٣ - حصائد ألسنتهم: أَي مَا يقتطعونه من الْكَلَام الَّذِي لَا خير فِيهِ. ابْن الْأَثِير: مرجع سَابق ١/٣٩٤.\n٤ - التِّرْمِذِيّ: سنَن التِّرْمِذِيّ ٥/١٢، كتاب الْإِيمَان، بَاب مَا جَاءَ فِي مرحة الصَّلَاة، رقم الحَدِيث (٢٦١٦)\n٥ - مَا يتَبَيَّن فِيهَا: لَا يتدبرها وَلَا يتفكر فِي قبحها وَمَا يَتَرَتَّب عَلَيْهَا.\n٦ - يزل بهَا فِي النَّار: ينزلق بِسَبَبِهَا وَيقرب من دُخُول النَّار.\n٧ - أبعد مِمَّا ...: كِنَايَة عَن عظمها ووسعها.\n٨ - البُخَارِيّ: صَحِيح البُخَارِيّ، تَرْتِيب مصطفى البغا ٥/٣٣٧٧، كتاب الرقَاق، بَاب حفظ اللِّسَان، رقم الحَدِيث (٦١١٢) .\n٩ - من رضوَان الله: مِمَّا يرضى الله تَعَالَى.\n١٠ - لَا يلقى لَهَا بَالا: لَا يُبَالِي بهَا وَلَا يلْتَفت إِلَى مَعْنَاهَا خاطره وَلَا يعْتد بهَا وَلَا يعيها بِقَلْبِه.\n١١ - سخط الله: مِمَّا يغضبه وَلَا يرضاه.\n١٢ - يهوى بهَا: يسْقط بِسَبَبِهَا.\n١٣ - البُخَارِيّ: صَحِيح البُخَارِيّ، تَرْتِيب مصطفى البغا ٥/٢٣٧٧، كتاب الرقَاق، بَاب حفظ اللِّسَان، رقم الحَدِيث (٦١١٣) .","vol":"1","page":482},{"text":"ولكي لَا يَقع الْمُسلم فِي مزالق اللِّسَان وعثراته فهناك شُرُوط فِي الْإِسْلَام للْكَلَام يُمكن إيضاحها فِي النقاط التالية:١\nالشَّرْط الأول: أَن يكون الْكَلَام لداع يَدْعُو إِلَيْهِ إِمَّا فِي اجتلاب نفع أَو دفع ضرّ.\nالشَّرْط الثَّانِي: أَن يَأْتِي بِهِ فِي مَوْضِعه، ويتوخى بِهِ إِصَابَة فرصته.\nالشَّرْط الثَّالِث: أَن يقْتَصر مِنْهُ على قدر حَاجته.\nالشَّرْط الرَّابِع: أَن يتَخَيَّر اللَّفْظ الَّذِي يتَكَلَّم بِهِ.\nوَبِنَاء على الشُّرُوط السَّابِقَة والمذكورة أَعْلَاهُ يكون أحسن الْكَلَام مَا لَا يحْتَاج فِيهِ إِلَى الْكَلَام بل يَكْتَفِي فِيهِ بِالْفِعْلِ من القَوْل وَألا يرفع بالْكلَام صَوتا مستكرهًا، وَلَا ينزعج لَهُ انزعاجًا مستهجنا٢.\nوَلِهَذَا أدَّب لُقْمَان ابْنه فِي هَذَا الْخُصُوص بقوله قَالَ تَعَالَى حِكَايَة عَن لُقْمَان: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ ٣. فخفض الصَّوْت عِنْد محادثة النَّاس فِيهِ أدب وثقة بِالنَّفسِ، واطمئنان إِلَى صدق الحَدِيث، وَرَفعه أَي رفع الصَّوْت دَلِيل على فقدان ذَلِك.\nوَمن هُنَا جَاءَ اسْتِخْدَام لُقْمَان لِابْنِهِ وسيله منفرة تَجْعَلهُ يكره رفع الصَّوْت، فقد شبه لَهُ من يفعل ذَلِك بنهيق الْحمار. وَلَيْسَ هُنَاكَ أغْلظ من أصوات الْحمير إِذا مَا قورنت أصواتها بِالنِّسْبَةِ لسَائِر الْحَيَوَانَات الْأُخْرَى، وَقد أرشدت السّنة النَّبَوِيَّة الْإِنْسَان الْمُسلم بالتعوذ عِنْد سَماع صَوت الْحمار. فَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁، أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: \"إِذا سَمِعْتُمْ صياح الديكة فاسألوا الله من فَضله\n_________\n١ - الْمَاوَرْدِيّ. أدب الدُّنْيَا وَالدّين ص ٢٣٧.\n٢ - الْمرجع السَّابِق: ص ٢٤٥.\n٣ - سُورَة لُقْمَان. آيَة (١٩) .","vol":"1","page":483},{"text":"فَإِنَّهَا رَأَتْ ملكا، وَإِذا سَمِعْتُمْ نهيق الْحمار فتعوذوا بِاللَّه من الشَّيْطَان، فَإِنَّهُ رأى شَيْطَانا\" ١.\nوَبِنَاء على مَا ذكر يَنْبَغِي على الْآبَاء والمربين أَن يعودوا أَبْنَاءَهُم وتلاميذهم على الِالْتِزَام بآداب الْإِسْلَام فِي الحَدِيث مَعَ الآخرين، وَأَن يكون الحَدِيث بِقدر مَا تَدْعُو إِلَيْهِ الضَّرُورَة وبشرط عدم رفع الصَّوْت فِي وَجه الْمُخَاطب حَتَّى لَا يكون ذَلِك مصدر أَذَى من الحَدِيث بِغَيْر دَاع أَو من جراء رفع الصَّوْت. وَبِهَذَا يكتمل مَنْهَج الْآدَاب الاجتماعية الَّتِي أوصى بهَا لُقْمَان ابْنه، فقد بدأها ببر الْوَالِدين وطاعتهما ثمَّ عدم التكبر على النَّاس وَكَذَلِكَ الِالْتِزَام بآداب الْمَشْي على الأَرْض والْحَدِيث مَعَ الآخرين.\nونلحظ من الْعرض السَّابِق أَن تِلْكَ الْآدَاب الاجتماعية لَهَا أهميتها فِي تنشئة النُّفُوس المؤمنة على الْخلق القويم الَّذِي يَقْتَضِيهِ التَّمَسُّك بشريعة الْإِسْلَام فالإسلام يَبْغِي للنَّفس المؤمنة أَن تكون مهذبة مصونة من كل أَسبَاب الْأَمْرَاض، بعيدَة عَن كل ألوان الْعُيُوب النفسية، من أجل أَن يكون الْمُسلم ذَا خلق كريم، وَأَن تكون نَفسه خيّرة طيبَة مطمئنة. وَعَلِيهِ يَبْغِي أَن تكون الْآدَاب الاجتماعية أصلا من أصُول التربية الإسلامية، لما لَهَا من تَأْثِير كَبِير فِي تشكيل شخصية الْإِنْسَان الْمُسلم، شخصية سماتها الْوَقار والهيبة، والاعتدال وَقُوَّة الشخصية فالخلق فِي الْإِسْلَام هُوَ سَبِيل الارتقاء بِالْمُسلمِ إِلَى مدارج الْكَمَال، كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث النَّبَوِيّ الشريف \"أكمل الْمُؤمنِينَ إِيمَانًا أحْسنهم خلقا\"٢.\n_________\n١ - البُخَارِيّ: صَحِيح البُخَارِيّ ٤/٩٨، كتاب بَدْء الْخلق، بَاب خير مَال الْمُسلم غنم يتبع بهَا شغف الْجبَال.\n٢ - ابْن حجر: فتح الْبَارِي بشرح صَحِيح البُخَارِيّ.١/٤٥٨.","vol":"1","page":484},{"text":"وَفِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁، سُئِلَ النَّبِي ﷺ عَن أَكثر مَا يدْخل النَّاس الْجنَّة، فَقَالَ: \"تقوى الله وَحسن الْخلق\" ١.\nكَمَا أَن صَاحب الْخلق الْحسن يَسعهُ النَّاس كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث \"إِنَّكُم لن تسعوا النَّاس بأموالكم وَلَكِن يسعهم مِنْكُم بسط الْوَجْه وَحسن الْخلق\" ٢.\n_________\n١ - البُخَارِيّ: الْأَدَب الْمُفْرد، رقم الحَدِيث (٢٩٧) .\n٢ - ابْن حجر: فتح الْبَارِي بشرح صَحِيح البُخَارِيّ ١٠/٤٥٩.","vol":"1","page":485},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>الخاتمة</span>\n...\nخَاتِمَة\nتِلْكَ الْأُصُول الْأَرْبَعَة السَّابِقَة هِيَ معالم أصُول التربية الإسلامية الَّتِي أمكن استنباطها من وَصَايَا لُقْمَان الْحَكِيم لِابْنِهِ كَمَا وَردت فِي سُورَة لُقْمَان من الْآيَة (١٣ - ١٩) .\nوَفِيمَا يَلِي تَلْخِيص لنقاطها:\nالأَصْل الأول: العقيدة الإسلامية وجوهرها التَّوْحِيد.\nالأَصْل الثَّانِي: مراقبة الله ﷿.\nالأَصْل الثَّالِث: الْعِبَادَات.\nالأَصْل الرَّابِع: الْآدَاب الاجتماعية.\nوَالْأُصُول التربوية الْمَذْكُورَة أَعْلَاهُ هِيَ وَصَايَا نافعة، ونصائح غَالِيَة، وَحكم نبيلة، وتوجيهات سديدة، يقدمهَا لُقْمَان لِابْنِهِ، ليَكُون ابْنا بارًا، يتعامل مَعَ النَّاس بِحسن الْخلق وَطيب الْمُعَامَلَة، يعرف للنَّاس حُقُوقهم، وَلَا ينسى حق الله عَلَيْهِ.\nفحري بِالْآبَاءِ والمربين أَن يستفيدوا من تِلْكَ الْوَصَايَا فِي تربية أبنائهم، وتوجيه تلاميذهم، فَهِيَ بِلَا شكّ الْمِنْهَاج الصَّحِيح لأصول التربية الْحَسَنَة الناجحة، والطريقة المثلى لإِعداد جيل صَالح على أساس قوي من عقيدة التَّوْحِيد، يعرف حُقُوق ربه، وَحُقُوق وَالِديهِ، وَحُقُوق مجتمعه.\nفَهَل يَسْتَطِيع الْآبَاء والمربون اتِّبَاع معالم هَذِه التربية فِي تربية أبنائهم وتلاميذهم.\nلَا سَبِيل لفلاحهم ونجاحهم فِي هَذِه الْحَيَاة إِلَّا أَن ينهلوا من سنَن الْإِسْلَام ومنهاجه القويم فِي تربية أبنائهم، وتقويم سلوك تلاميذهم، وَفِي إصْلَاح نُفُوسهم، وتثبيت عقيدتهم، وتعليمهم مبادئ الْخَيْر والفضيلة،","vol":"1","page":486},{"text":"وتنشئتهم على الْأَخْلَاق الحميدة، وَبِذَلِك يضمنوا بِإِذن الله تَعَالَى إِيجَاد الجيل الْمُؤمن، والشباب الصَّالح، الممتثل لأوامر ربه، والقدوة الطّيبَة لغيره فِي كل مكرمَة وفضيلة، والخلق وَالْعَمَل الصَّالح.\nوأخيرًا أَحْمد الله ﷿ على مَا وفقني فِي إنجاز هَذِه الدراسة حَتَّى ظَهرت بِهَذِهِ الصُّورَة، فَإِن وفقت لما أصبو إِلَيْهِ فبتوفيق من الله جلّ ثَنَاؤُهُ، وَإِن عجزت عَن الْوَفَاء بِمَا تبلغه الْغَايَة بِي، فحسبي أَن أَضَع لزملائي العاملين فِي مجَال التربية والتعليم هَذِه الدراسة لتَكون لَهُم معلما ومرشدًا فِي أَدَاء رسالتهم التربوية والتعليمية.\nأسأَل الله ﷿ أَن يوفقني للْعَمَل بِمَا علمت وَأَن يعلمني مَا جهلت إِنَّه خير مأمول، وَأكْرم مسؤول، وَالله من وَرَاء الْقَصْد، وَهُوَ الْهَادِي إِلَى سَوَاء السَّبِيل.\nوَصلى الله وَسلم على رَسُوله مُحَمَّد وعَلى آله وَصَحبه أَجْمَعِينَ.","vol":"1","page":487}]}