{"ً":{"ٌ":3552,"ٍ":"مباحث الأمر التي انتقدها شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى","َ":2,"ُ":1,"ِ":{"root":"الجوامع والمجلات ونحوها/مجلة الجامعة الإسلامية/036_123","files":["036_123_mgi.pdf"]},"ّ":"الكتاب: مباحث الأمر التي انتقدها شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى\nالمؤلف: سليمان بن سليم الله الرحيلي\nالناشر: الجامعة الاسلامية بالمدينة المنورة\nالطبعة: السنة السادسة والثلاثون - العدد (١٢٣)\n١٤٢٤هـ/٢٠٠٤م\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]\nعدد الصفحات: ٤٢٤","ْ":"","ٓ":"1.1","ٔ":2114,"ٕ":11,"ٖ":1770155803,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":1},{"title":"التمهيد","level":1,"page":6},{"title":"ترجمة موجزة لشيخ الإسلام ابن تيمية وبيان منهجه في نقد المباحث الأصولية إجمالا","level":2,"page":6},{"title":"المطلب الأول: اسمه، ونسبه، وشهرته، ولقبه، وكنيته","level":3,"page":6},{"title":"المطلب الثاني: مولده، ونشأته","level":3,"page":7},{"title":"المطلب الثالث: صفاته الخلقية، والخلقية، والعلمية","level":3,"page":9},{"title":"المطلب الرابع: شيوخه، وتلاميذه","level":3,"page":16},{"title":"المطلب الخامس: جهاده، وابتلأؤه","level":3,"page":19},{"title":"المطلب السادس: مؤلفاته","level":3,"page":21},{"title":"المطلب السابع: وفاته، وثناء العلماء عليه","level":3,"page":23},{"title":"مدخل","level":3,"page":26},{"title":"نظرة إجمالية في منهج شيخ الإسلام في نقد المباحث الأصولية في مجموع الفتاوى","level":2,"page":29},{"title":"باب: الإرادة في الأمر","level":1,"page":32},{"title":"أصل المسألة وما تتفرع عنه","level":2,"page":32},{"title":"الأقوال في المسألة","level":2,"page":37},{"title":"الاختيار في المسألة","level":2,"page":41},{"title":"باب: العمل الواحد هل يجوز أن يكون مأمورا به منهيا عنه","level":1,"page":49},{"title":"أصل المسألة وما تتفرع عنه","level":2,"page":49},{"title":"الأقوال في المسألة","level":2,"page":53},{"title":"الاختيار في المسألة","level":2,"page":56},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":73}],"ٛ":{"1,355":1,"1,356":2,"1,357":3,"1,358":4,"1,359":5,"1,364":6,"1,365":7,"1,366":8,"1,367":9,"1,368":10,"1,369":11,"1,370":12,"1,371":13,"1,372":14,"1,373":15,"1,374":17,"1,375":18,"1,376":20,"1,377":22,"1,378":24,"1,379":25,"1,360":26,"1,361":27,"1,362":28,"1,380":29,"1,381":30,"1,382":31,"1,383":32,"1,384":33,"1,385":34,"1,386":35,"1,387":36,"1,388":38,"1,389":39,"1,390":40,"1,391":41,"1,392":42,"1,393":43,"1,394":44,"1,395":45,"1,396":46,"1,397":47,"1,398":48,"1,399":49,"1,400":50,"1,401":51,"1,402":52,"1,403":54,"1,404":55,"1,405":56,"1,406":57,"1,407":58,"1,408":59,"1,409":60,"1,410":61,"1,411":62,"1,412":63,"1,413":64,"1,414":65,"1,415":66,"1,416":67,"1,417":68,"1,418":69,"1,419":70,"1,420":71,"1,421":72,"1,422":73,"1,423":74,"1,424":75},"ٜ":{"1":[355,424]},"ٝ":["1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,373","1,374","1,375","1,375","1,376","1,376","1,377","1,377","1,378","1,379","1,360","1,361","1,362","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424"],"ٞ":{"1":[1],"6":[2,3,4],"7":[5],"9":[6],"16":[7],"19":[8],"21":[9],"23":[10],"26":[11],"29":[12],"32":[13,14],"37":[15],"41":[16],"49":[17,18],"53":[19],"56":[20],"73":[21]},"ٟ":[],"numbers":{"2":2,"3":3,"4":4,"5":17,"6":18,"7":22,"8":28,"9":30,"11":31,"10":30,"12":74,"15":75,"13":74,"14":74},"number_max":"15","number_pages":{"2":"2","3":"3","4":"4","17":"5","18":"6","22":"7","28":"8","30":"10","31":"11","74":"14","75":"15"}},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>مُقَدّمَة</span>\nإِن الْحَمد لله نحمده، ونستعينه، وَنَسْتَغْفِرهُ، ونعوذ بِاللَّه من شرور أَنْفُسنَا، وَمن سيئات أَعمالنَا، من يهده الله فَلَا مضل لَهُ، وَمن يضلل فَلَا هادي لَهُ، وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ، وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ.﴾ ١\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ ٢\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ ٣\nأما بعد فَإِن خير الحَدِيث كتاب الله، وَخير الْهَدْي هدي مُحَمَّد ﷺ، وَشر الْأُمُور محدثاتها وكل محدثة بِدعَة، وكل بِدعَة ضَلَالَة، وكل ضَلَالَة فِي النَّار.\nأهمية الْمَوْضُوع ثمَّ إِن علم أصُول الْفِقْه علم شَرْعِي أصيل، طيبَة ثَمَرَته، باسقة شجرته، وَقد بدأت أُصُوله كَسَائِر الْعُلُوم الإسلامية ببعثة البشير النذير والسراج الْمُنِير رَسُول رب الْعَالمين الْمَبْعُوث رَحْمَة للْعَالمين مُحَمَّد بن عبد الله ﷺ، وَقد قَامَ الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم بعد وَفَاة الرَّسُول ﷺ بأعباء الْفَتْوَى وَالْقَضَاء، وَكَانَ استنباطهم للْأَحْكَام مَبْنِيا على قَوَاعِد متينة، وأصول راسخة وَكَانَ ذَلِك مَعْرُوفا لَهُم لَا يَحْتَاجُونَ فِيهِ إِلَى تدوين وتأليف، وَلَا زَالَ الْأَمر كَذَلِك إِلَى أَن تهيأت\n_________\n١ - سُورَة آل عمرَان آيَة رقم ١٠٢.\n٢ - سُورَة النِّسَاء آيَة رقم ١.\n٣ - سُورَة الْأَحْزَاب آيَة رقم ٧٠ - ٧١.","vol":"1","page":355},{"text":"الْأَسْبَاب، وَقَامَت الْحَاجة الداعية إِلَى تدوين قَوَاعِد وأصول الاستنباط بعد اخْتِلَاط اللِّسَان الْعَرَبِيّ بِغَيْرِهِ من اللهجات، وَظُهُور أفكار وعلوم جَدِيدَة فِي الساحة الإسلامية مَبْنِيَّة على أسس غير إسلامية، فتصدى للتأليف فِيهِ الإِمَام الْكَبِير مُحَمَّد بن إِدْرِيس الشَّافِعِي، فَكتب الرسَالَة فِي أصُول الْفِقْه، على أسس صَحِيحَة، وطرق عِنْد أهل الشَّرْع مسلوكة، إِلَّا أَنه من أَسف شَدِيد تصدى أهل الأفكار المنحرفة والعقائد الْفَاسِدَة للتأليف فِيهِ بعد الإِمَام الشَّافِعِي ﵀ وأدخلوا فِي علم أصُول الْفِقْه مَا لَيْسَ مِنْهُ، وَقد أدخلت الْفرق المنحرفة أُصُولهَا الْبَاطِلَة فِي كثير من عُلُوم الْإِسْلَام الْمَحْضَة، يَقُول شيخ الْإِسْلَام ﵀ عَن الْمُعْتَزلَة ومنكري الْحِكْمَة: “ثمَّ إِن كثيرا من هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاء يَتَكَلَّمُونَ فِي تَفْسِير القرءان والْحَدِيث وَالْفِقْه فيبنون على تِلْكَ الْأُصُول الَّتِي لَهُم وَلَا يعرف حقائق أَقْوَالهم إِلَّا من عرف مأخذهم”١ وبسبب هَذَا كثر خلط الْعُلُوم الإسلامية ولاسيما علم أصُول الْفِقْه بالأصول الفلسفية، يَقُول شيخ الْإِسْلَام: “من لَهُ مَادَّة فلسفية من متكلمة الْمُسلمين كَابْن الْخَطِيب وَغَيره يَتَكَلَّمُونَ فِي أصُول الْفِقْه الَّذِي هُوَ علم إسلامي مَحْض فيبنونه على تِلْكَ الْأُصُول الفلسفية”٢، وَأول من أبرز الْمنطق فِي أصُول الْفِقْه وَخَصه بالمقدمة فِي هَذَا الْعلم أَبُو حَامِد الْغَزالِيّ، يَقُول شيخ الْإِسْلَام: “وَأول من خلط منطقهم بأصول الْمُسلمين أَبُو حَامِد الْغَزالِيّ”٣ “وَإِنَّمَا كثر اسْتِعْمَالهَا فِي زمن أبي حَامِد، فَإِنَّهُ أَدخل مُقَدّمَة من الْمنطق اليوناني فِي أول كِتَابه الْمُسْتَصْفى وَزعم أَنه لَا يَثِق بِعِلْمِهِ إِلَّا من عرف هَذَا الْمنطق”٤.\n_________\n١ - مَجْمُوع الْفَتَاوَى ١٧/٢٠٣ - ٢٠٤.\n٢ - مَجْمُوع الْفَتَاوَى ٢/٨٦.\n٣ - مَجْمُوع الْفَتَاوَى ٩/٢٣١.\n٤ - مَجْمُوع الْفَتَاوَى ٩/١٨٤ - ١٨٥. وَانْظُر الْمُسْتَصْفى ١/٣٠ حَيْثُ قَالَ عَن الْمُقدمَة المنطقية “وَلَيْسَت هَذِه الْمُقدمَة من جملَة علم الْأُصُول وَلَا من مقدماته الْخَاصَّة بِهِ بل هِيَ مُقَدّمَة الْعُلُوم كلهَا وَمن لَا يُحِيط بهَا فَلَا ثِقَة لَهُ بِعُلُومِهِ أصلا”","vol":"1","page":356},{"text":"وعندما أدخلت هَذِه الفلسفات وصناعة الْمنطق فِي الْعُلُوم الإسلامية انحرفت بِكَثِير مِنْهَا عَن جادة الصَّوَاب، ومعين الْكتاب وَالسّنة لذا تَجِد أَن “كثيرا من النَّاس يقْرَأ كتبا مصنفة فِي أصُول الدّين وأصول الْفِقْه بل فِي تَفْسِير القرءان والْحَدِيث وَلَا يجد فِيهَا القَوْل الْمُوَافق للْكتاب وَالسّنة الَّذِي عَلَيْهِ سلف الْأمة وأئمتها وَهُوَ الْمُوَافق لصحيح الْمَنْقُول وصريح الْمَعْقُول، بل يجد أقوالًا كلٌّ مِنْهَا فِيهِ نوع من الْفساد والتناقض، فيحار مَا الَّذِي يُؤمن بِهِ فِي هَذَا الْبَاب، وَمَا الَّذِي جَاءَ بِهِ الرَّسُول، وَمَا هُوَ الْحق والصدق، إِذْ لم يجد فِي تِلْكَ الْأَقْوَال مَا يحصل بِهِ ذَلِك”١ و“إِدْخَال صناعَة الْمنطق فِي الْعُلُوم الصَّحِيحَة يطول الْعبارَة، وَيبعد الْإِشَارَة، وَيجْعَل الْقَرِيب من الْعلم بَعيدا، واليسير مِنْهُ عسيرًا، وَلِهَذَا تَجِد من أدخلهُ فِي الْخلاف، وَالْكَلَام، وأصول الْفِقْه، وَغير ذَلِك، لم يفد إِلَّا كَثْرَة الْكَلَام والتشقيق مَعَ قلَّة الْعلم وَالتَّحْقِيق، فَعلم أَنه من أعظم حَشْو الْكَلَام، وَأبْعد الْأَشْيَاء عَن طَريقَة ذَوي الأحلام”٢\nوَمَعَ إِدْخَال صناعَة الْمنطق والفلسفة فِي أصُول الْفِقْه أَدخل فِيهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ وَلَا طائل تَحْتَهُ، بل ضَرَره أَكثر من نَفعه وَذَلِكَ لِكَثْرَة من كتب فِيهِ من الْمُتَكَلِّمين “وَأَكْثَرهم لَا خبْرَة لَهُم بِمَا دلّ عَلَيْهِ الْكتاب وَالسّنة وآثار الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَان، بل ينصر مقالات يَظُنهَا دين الْمُسلمين، بل إِجْمَاع الْمُسلمين، وَلَا يكون قد قَالَهَا أحد من السّلف، بل الثَّابِت عَن السّلف مُخَالف لَهَا”٣\nوكل هَذَا جعل علم أصُول الْفِقْه فِي بعض مباحثه علما صَعب الْعبارَة معقد الْأَلْفَاظ بَعيدا عَن أصُول الْأَئِمَّة الْمُتَقَدِّمين فِي الْغَالِب، مِمَّا جعل كثيرا من\n_________\n١ - مَجْمُوع الْفَتَاوَى ١٧/١٠٢.\n٢ - مَجْمُوع الْفَتَاوَى ٩/٢٤.\n٣ - مَجْمُوع الْفَتَاوَى ١٧/٣٣٤ - ٣٣٥.","vol":"1","page":357},{"text":"طلبة الْعلم منصرفين عَنهُ زاهدين فِيهِ، وَمن أُلْزِم بِهِ رأى أَنه يدرس علما لَا ثَمَرَة لَهُ، وَأَنه حُمِّل حملا عَظِيما بِلَا فَائِدَة وَلِهَذَا وَغَيره كَانَ الْوَاجِب أَن يرجع بالعلوم الإسلامية عُمُوما، وبعلم أصُول الْفِقْه خُصُوصا إِلَى الصفاء السَّابِق وَأَن ترد إِلَى أُصُولهَا الثَّابِتَة الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا الْأَئِمَّة المعتبرون المهديون “وَقد صُنِّف فِي الْإِسْلَام عُلُوم النَّحْو، واللغة، وَالْعرُوض، وَالْفِقْه، وأصوله، وَالْكَلَام، وَغير ذَلِك، وَلَيْسَ فِي أَئِمَّة هَذِه الْفُنُون من كَانَ يلْتَفت إِلَى الْمنطق، بل عامتهم كَانُوا قبل أَن يعرب هَذَا الْمنطق اليوناني، وَأما الْعُلُوم الموروثة عَن الْأَنْبِيَاء صرفا وَإِن كَانَ الْفِقْه وأصوله مُتَّصِلا بذلك فَهِيَ أجل وَأعظم من أَن يظنّ أَن لأَهْلهَا التفاتًا إِلَى الْمنطق، إِذْ لَيْسَ فِي الْقُرُون الثَّلَاثَة من هَذِه الْأمة، الَّتِي هِيَ خير أمة أخرجت للنَّاس، وأفضلها الْقُرُون الثَّلَاثَة، من كَانَ يلْتَفت إِلَى الْمنطق أَو يعرج عَلَيْهِ، مَعَ أَنهم فِي تَحْقِيق الْعُلُوم وكمالها بالغاية الَّتِي لَا يدْرك أحد شأوها كَانُوا أعمق النَّاس علما، وَأَقلهمْ تكلفًا وأبرهم قلوبًا”١ “وَإِنَّمَا الْهدى فِيمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول الَّذِي قَالَ الله فِيهِ ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ ٢ ٣.\n“وَالصَّوَاب فِي جَمِيع مسَائِل النزاع مَا كَانَ عَلَيْهِ السّلف من الصَّحَابَة، وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَان، وَقَوْلهمْ هُوَ الَّذِي يدل عَلَيْهِ الْكتاب، وَالسّنة، وَالْعقل الصَّرِيح”٤.\nفَيجب أَن يُعْرَضَ مَا دُوِّن فِي كتب أصُول الْفِقْه على الْكتاب وَالسّنة على ضوء فهم السّلف الصَّالح رضوَان الله عَلَيْهِم، كَمَا يعرض الذَّهَب على النَّار،\n_________\n١ - مَجْمُوع الْفَتَاوَى ٩/٢٣.\n٢ - سُورَة الشورى آيَة رقم ٥٢ - ٥٣.\n٣ - مَجْمُوع الْفَتَاوَى ١٧/١٠٢.\n٤ - مَجْمُوع الْفَتَاوَى ١٧/٢٠٥.","vol":"1","page":358},{"text":"ليبقى النافع الصافي ويرمى الضار فَإِن “مسَائِل النزاع الَّتِي تنَازع فِيهَا الْأمة فِي الْأُصُول وَالْفُرُوع إِذا لم ترد إِلَى الله وَالرَّسُول لم يتَبَيَّن فِيهَا الْحق، بل يصير فِيهَا المتنازعون على غير بَيِّنَة من أَمرهم”١ و“من بنى الْكَلَام فِي الْعلم، وَالْأُصُول، وَالْفُرُوع، على الْكتاب، وَالسّنة، والْآثَار المأثورة عَن السَّابِقين، قد أصَاب طَرِيق النُّبُوَّة”٢.\nوَمن أجل مَا تقدم عقدت الْعَزْم على أَن أبذل مَا أمكنني فِي محاولة الْمُشَاركَة فِي إِعَادَة هَذَا الْعلم الْأَصِيل إِلَى أصالته السلفية، وَبَيَان زيف مَا أُدْخِل فِيهِ مِمَّا لَيْسَ مِنْهُ ويضر وَلَا ينفع وَبعد طول بحث وَكَثْرَة الْكَشْف وَالسُّؤَال، وتدبر لأنجع الطّرق فِي ذَلِك، ظهر لي أَن خير وَسِيلَة لذَلِك نقل أَقْوَال الْعلمَاء النقاد، الَّذين سخروا حياتهم لنصرة الْكتاب وَالسّنة، وإبراز نصوصهم، وَرَأَيْت أَن أَكثر هَؤُلَاءِ الْعلمَاء تناولًا لمباحث أصُول الْفِقْه عرضا، ونقدًا، وتحليلًا وتقريرًا، شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية ﵀ فعزمت على إِخْرَاج موسوعة أصولية من كتب شيخ الْإِسْلَام بِحَيْثُ يكون متنها من كَلَامه ﵀ فَبَدَأت بِمَجْمُوع الْفَتَاوَى فَقَرَأته قِرَاءَة كَامِلَة مرَارًا، واستخرجت كل مَا يتَعَلَّق بأصول الْفِقْه فِي هَذَا الْمَجْمُوع الْمُبَارك وَقسمت ذَلِك إِلَى أَقسَام، أَولهَا قسم التعريفات الْأُصُولِيَّة وَهُوَ بحث قُدم لإحدى المجلات المحكمة لنشره فِيهَا.\nوَأما الْقسم الثَّانِي فَهُوَ المباحث الْأُصُولِيَّة الَّتِي انتقدها شيخ الْإِسْلَام فِي مَجْمُوع الْفَتَاوَى وَهَذَا الْبَحْث الَّذِي بَين أَيْدِينَا باكورة هَذِه المباحث بعنوان “مبَاحث الْأَمر الْأُصُولِيَّة الَّتِي انتقدها شيخ الْإِسْلَام فِي مَجْمُوع الْفَتَاوَى” وستتلوه إِن شَاءَ الله بَقِيَّة المباحث وَهِي كلهَا بِحَمْد الله جاهزة للدَّفْع للنشر قَرِيبا بِإِذن الله تَعَالَى.\n_________\n١ - مَجْمُوع الْفَتَاوَى ١٧/٣١١.\n٢ - مَجْمُوع الْفَتَاوَى ١٠/٣٦٣.","vol":"1","page":359},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>التَّمْهِيد</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>تَرْجَمَة موجزة لشيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية وَبَيَان منهجه فِي نقد المباحث الْأُصُولِيَّة إِجْمَالا</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>الْمطلب الأول: اسْمه، وَنسبه، وشهرته، ولقبه، وكنيته</span>\n...\nالْمطلب الأول: اسْمه وَنسبه وشهرته ولقبه وكنيته\nهُوَ أَحْمد بن عبد الْحَلِيم بن عبد السَّلَام بن عبد الله بن أبي الْقَاسِم الْخضر ابْن مُحَمَّد بن تَيْمِية الْحَرَّانِي ثمَّ الدِّمَشْقِي.\nالإِمَام، الْعَلامَة، الْفَقِيه، الْمُجْتَهد، النَّاقِد، الْمُفَسّر، البارع، الْحَافِظ، الْمُحدث الأصولي، عَلَم الزهاد، ونادرة الدَّهْر.\nكَانَ ﵀ من أسرة علم وورع، فوالده الْعَلامَة الْمُفْتِي شهَاب الدّين","vol":"1","page":364},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>الْمطلب الثَّانِي: مولده، ونشأته</span>\nولد يَوْم الِاثْنَيْنِ، عَاشر ربيع الأول، سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وسِتمِائَة بحران، وَقيل ثَانِي عشر ربيع الأول.\nوعاش فِي حران بضع سِنِين، ثمَّ قدمت أسرته إِلَى دمشق فِرَارًا من التتار الَّذين استولوا على الْبِلَاد سنة سبع وَسِتِّينَ، وَأَقْبل على الْعُلُوم فِي صغره، وَختم القرءان، وَأخذ الْفِقْه وَالْأُصُول عَن وَالِده، وَعَن الشَّيْخ شمس الدّين بن أبي عمر، وَالشَّيْخ زين الدّين ابْن المنجا وبرع فِي ذَلِك، وَقَرَأَ فِي الْعَرَبيَّة أَيَّامًا على بن عبد الْقوي، ثمَّ أَخذ كتاب سِيبَوَيْهٍ فَتَأَمّله ففهمه، وَأَقْبل على تَفْسِير القرءان الْكَرِيم وبَرَّز فِيهِ، وَأحكم أصُول الْفِقْه، والفرائض والحساب، والجبر، والمقابلة، وَغير ذَلِك من الْعُلُوم، وَنظر فِي علم الْكَلَام، وبرز فِي ذَلِك على أَهله، ورد على كبارهم، وتأهل للْفَتْوَى، والتدريس، وَله دون الْعشْرين سنة، وَأفْتى من قبل الْعشْرين أَيْضا.","vol":"1","page":365},{"text":"وأمده الله بِكَثْرَة الْكتب، وَسُرْعَة الْحِفْظ، وَقُوَّة الْإِدْرَاك، والفهم، وبطء النسْيَان حَتَّى قَالَ غير وَاحِد إِنَّه لم يكن يحفظ شَيْئا فينساه.\nثمَّ توفّي وَالِده وَكَانَ عمره إِحْدَى وَعشْرين سنة، فَقَامَ بوظائفه بعده، فدرَّس بدار الحَدِيث السكرية أول سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ، ثمَّ جلس عقب ذَلِك مَكَان وَالِده بالجامع لتفسير القرءان الْعَظِيم، وَكَانَ يُورد من حفظه فِي الْمجْلس نَحْو كراسين أَو أَكثر.\nوَشرع الشَّيْخ فِي الْجمع، والتصنيف من دون الْعشْرين، وَلم يزل فِي علو وازدياد من الْعلم وَالْقدر إِلَى آخر عمره.\nنشأته:\nوَقد كَانَ مُنْذُ صغره ناشئًا على الطَّاعَة، والبصيرة فِي دينه، والبعد عَن الْمُحرمَات واسمع لَهُ يَحْكِي قَائِلا: “وَكنت فِي أَوَائِل عمري حضرت مَعَ جمَاعَة من أهل الزّهْد، وَالْعِبَادَة والإرادة فَكَانُوا من خِيَار أهل هَذِه الطَّبَقَة، فبتنا بمَكَان وَأَرَادُوا أَن يقيموا سَمَاعا، وَأَن أحضر مَعَهم فامتنعت من ذَلِك، فَجعلُوا لي مَكَانا مُنْفَردا قعدت فِيهِ، فَلَمَّا سمعُوا، وَحصل الوجد وَالْحَال صَار الشَّيْخ الْكَبِير يَهْتِف بِي فِي حَال وجده وَيَقُول: يَا فلَان قد جَاءَك نصيب عَظِيم تعال خُذ نصيبك، فَقلت فِي نَفسِي، ثمَّ أظهرته لَهُم لما اجْتَمَعنَا: - أَنْتُم فِي حل من هَذَا النَّصِيب، فَكل نصيب لَا يَأْتِي عَن طَرِيق مُحَمَّد بن عبد الله فَإِنِّي لَا آكل مِنْهُ شَيْئا، وَتبين لبَعض من كَانَ فيهم مِمَّن لَهُ معرفَة وَعلم أَنه كَانَ مَعَهم الشَّيَاطِين”١.\nوَقد كَانَت نشأته ﵀ فِي تصونٍ تَامّ، وعفاف، وَتعبد، واقتصاد فِي الملبس والمأكل، فَنَشَأَ على جَانب كَبِير من الْخَوْف من الله تَعَالَى، زاهدًا، ورِعًا، ملازمًا لِلْعِبَادَةِ وتلاوة القرءان الْكَرِيم، وَكَانَ قد قطع جلّ وقته وزمانه فِي عبَادَة الله، وَلم تشغله شاغلة عَن عبَادَة ربه وَكَانَت بضاعته طوال عمره الْعلم ونصرة السّنة.\n_________\n١ - مَجْمُوع الْفَتَاوَى ٣/٤١٨ - ٤١٩.","vol":"1","page":366},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>الْمطلب الثَّالِث: صِفَاته الخِلقية، والخُلُقية، والعلمية</span>\nصِفَاته الخِلْقية:\nكَانَ الشَّيْخ أَبيض، أسود الرَّأْس واللحية، قَلِيل الشيب، شعره إِلَى شحمة أُذُنه كَأَن عَيْنَيْهِ لسانان ناطقان، تلوح نَضرة النَّعيم على وَجهه، ربعَة من الرِّجَال، بعيد مَا بَين الْمَنْكِبَيْنِ، جَهورِي الصَّوْت.\nصِفَاته الخُلُقِيَّة:\nكَانَ سَمحا كَرِيمًا بطبعه لَا يتصنع ذَلِك، وَكَانَ لَا يرد من سَأَلَهُ شَيْئا، وَكَانَ حَلِيمًا كثير الْعَفو عمَّن آذاه حَتَّى قَالَ “فَلَا أحب أَن ينتصر من أحد بِسَبَب كذبه عَليّ أَو ظلمه أَو عدوانه فَإِنِّي قد أحللت كل مُسلم وَأَنا أحب الْخَيْر لكل الْمُسلمين وَأُرِيد بِكُل مُؤمن من الْخَيْر مَا أحبه لنَفْسي، وَالَّذين كذبُوا أَو ظلمُوا فهم فِي حل من جهتي”\nفقد كَانَ حَلِيمًا رَفِيقًا محبًا للخير لَا يروم انتقامًا بل يعْفُو عَن مخالفه وَإِن ظلمه.\nواسمع لَهُ ﵀ وَهُوَ يتحدث عَن مُخَالف لَهُ ناله من شَره الشَّيْء الْكثير، حَيْثُ يَقُول: “وَأَنا وَالله من أعظم النَّاس معاونة على إطفاء كل شَرّ فِيهَا وَفِي غَيرهَا، وَإِقَامَة كل خير، وَابْن مخلوف لَو عمل مهما عمل وَالله مَا أقدر على خير إِلَّا وأعمله مَعَه، وَلَا أعين عَلَيْهِ عدوه قطّ، وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه، هَذِه نيتي وعزمي، مَعَ علمي بِجَمِيعِ الْأُمُور فَإِنِّي أعلم أَن الشَّيْطَان ينزغ بَين الْمُؤمنِينَ، وَلنْ أكون عونًا للشَّيْطَان على إخْوَانِي الْمُسلمين” ١.\nوَقَالَ أَيْضا “لَيْسَ غرضي فِي إِيذَاء أحد، وَلَا الانتقام مِنْهُ، وَلَا مؤاخذته، وَأَنا عافٍ عَمَّن ظَلَمَنِي” ٢.\n_________\n١ - مَجْمُوع الْفَتَاوَى ٣/٢٧١.\n٢ - مَجْمُوع الْفَتَاوَى ٣/٢٦٦.","vol":"1","page":367},{"text":"وَكَانَ ﵀ صبورًا على من يكلمهُ، عادلًا فِي مُخَاطبَة مخالفيه، مُتبعا السّنة فِي مُعَاملَة وُلَاة الْأُمُور يَقُول ﵀ “النَّاس يعلمُونَ أَنِّي من أطول النَّاس روحًا وصبرًا على مُرِّ الْكَلَام، وَأعظم النَّاس عدلا فِي المخاطبة لأَقل النَّاس، داعٍ لولاة الْأُمُور”١.\nوَكَانَ شجاعًا من أَشْجَع النَّاس وَأَقْوَاهُمْ قلبًا، مَا رأى النَّاس فِي عصره أحدا أثبت جأشًا مِنْهُ، وَلَا أعظم عناءً فِي جِهَاد الْعَدو وَكَانَ لَا يتْرك سَبِيلا من سبل الْجِهَاد إلاّ ولجه فَجَاهد بِقَلْبِه، وَلسَانه، وَيَده.\nوَكَانَ ﵀ شَدِيد التَّمَسُّك بِدِينِهِ، مقدما حُرِّيَّته وَنَفسه وَمَاله فِي سَبِيل ذَلِك وَكَانَ لَا يُبَالِي بِمَا يلاقيه فِي سَبِيل الله شجاعًا فِي الْحق، مطمئن الْقلب، واثقًا بوعد الرب ﷾ يَقُول ﵀ “أَنا عَليّ أَي شَيْء أَخَاف إِن قتلت كنت من أفضل الشُّهَدَاء وَكَانَ عَليّ الرَّحْمَة والرضوان إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَكَانَ على من قتلني اللَّعْنَة الدائمة فِي الدُّنْيَا وَالْعَذَاب فِي الْآخِرَة، ليعلم كل من يُؤمن بِاللَّه وَرَسُوله أَنِّي إِن قتلت لأجل دين الله، وَإِن حبست فالحبس فِي حَقي من أعظم نعم الله عَليّ، وَوَاللَّه مَا أُطِيق أَن أشكر نعْمَة الله عَليّ فِي هَذَا الْحَبْس، وَلَيْسَ لي مَا أَخَاف النَّاس عَلَيْهِ لَا أقطاعي، وَلَا مدرستي، وَلَا مَالِي، وَلَا رياستي، وجاهي”٢.\nوَكَانَ ﵀ حَرِيصًا على وحدة الْمُسلمين، وتأليف قُلُوبهم، والتقريب بَينهم وَإِزَالَة الوحشة الَّتِي تقع فِي قُلُوب الْمُخْتَلِفين، باذلًا فِي ذَلِك غَايَة طاقته، ومستفرغًا تَمام جهده يَقُول ﵀: “وَالنَّاس يعلمُونَ أَنه كَانَ بَين الحنبلية والأشعرية وَحْشَة ومنافرة، وَأَنا كنت من أعظم النَّاس تأليفًا لقلوب الْمُسلمين، وطلبًا لِاتِّفَاق كلمتهم، واتباعًا لما أمرنَا بِهِ من الِاعْتِصَام بِحَبل الله،\n_________\n١ - مَجْمُوع الْفَتَاوَى ٣/٢٥١.\n٢ - مَجْمُوع الْفَتَاوَى ٣/٢١٥ - ٢١٦.","vol":"1","page":368},{"text":"وَإِزَالَة عَامَّة مَا كَانَ فِي النُّفُوس من الوحشة وبينت لَهُم أَن الْأَشْعَرِيّ كَانَ من أجل الْمُتَكَلِّمين المنتسبين إِلَى الإِمَام أَحْمد ﵀ وَنَحْوه، المنتصرين لطريقته كَمَا يذكر الْأَشْعَرِيّ فِي كتبه١ ... وَلما أظهرت كَلَام الْأَشْعَرِيّ وَرَآهُ الحنبلية قَالُوا هَذَا خير من كَلَام الْمُوفق، وَفَرح الْمُسلمُونَ بِاتِّفَاق الْكَلِمَة”٢.\nوَكَانَ ﵀ يُخَاطب النَّاس بِالَّتِي هِيَ أحسن، ويلين الْكَلَام للخصوم، إِلَّا فِي المواطن الَّتِي تَأمر فِيهَا الشَّرِيعَة بالإغلاظ قَالَ ﵀: “مَا ذكرْتُمْ من لين الْكَلَام والمخاطبة بِالَّتِي هِيَ أحسن، فَأنْتم تعلمُونَ أَنِّي من أَكثر النَّاس اسْتِعْمَالا لهَذَا، لَكِن كل شَيْء فِي مَوْضِعه حسن، وَحَيْثُ أَمر الله وَرَسُوله بالإغلاظ على الْمُتَكَلّم لبغيه، وعدوانه على الْكتاب، وَالسّنة فَنحْن مأمورون بمقابلته، وَلم نَكُنْ مأمورين أَن نخاطبه بِالَّتِي هِيَ أحسن”٣.\nصِفَاته العلمية:\nكَانَ ﵀ شَدِيد التَّمَسُّك بالأثر مُعظما لَهُ، وَمن أَشد النَّاس تَعْظِيمًا لرَسُول الله ﷺ، حَرِيصًا على اتِّبَاعه، باذلًا كل مَا يملكهُ فِي نصر مَا جَاءَ بِهِ، فَبنى علمه على نُصُوص الْكتاب، وَالسّنة، ونصوص سلف الْأمة، وَكَانَ فِي تأليفه ومناظراته مستحضرًا للأدلة من الْكتاب وَالسّنة، كَأَن الْكتاب وَالسّنة نصب عَيْنَيْهِ، وعَلى طرف لِسَانه، قَالَ عَنهُ الذَّهَبِيّ: “برع فِي\n_________\n١ - وَهَذَا فِي المرحلة الثَّالِثَة من مراحل أبي الْحسن ﵀ حَيْثُ كَانَ ﵀ أَولا معتزليًا، ثمَّ ترك الاعتزال وَأَنْشَأَ مذهبا خَاصّا بِهِ، وَإِلَيْهِ ينتسب الأشاعرة من بعده إِلَى الْيَوْم، ثمَّ هداه الله إِلَى مَذْهَب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة وَقد أعلن تَوْبَته على الْمِنْبَر، وصنف فِي عقيدته الْأَخِيرَة كتبا من أشهرها كِتَابه الْإِبَانَة. انْظُر سير أَعْلَام النبلاء ١٥/٨٥.\n٢ - مَجْمُوع الْفَتَاوَى ٣/٢٢٧ - ٢٢٩.\n٣ - مَجْمُوع الْفَتَاوَى ٣/٢٣٢.","vol":"1","page":369},{"text":"تَفْسِير القرءان، وغاص فِي دَقِيق مَعَانِيه، بطبع سيال وخاطر إِلَى مواقع الْإِشْكَال ميال، واستنبط مِنْهُ أَشْيَاء لم يسْبق إِلَيْهَا، وبرع فِي الحَدِيث وَحفظه، فَقل من يحفظ مَا يحفظه معزوًا إِلَى أُصُوله، وصحابته مَعَ شدَّة استحضار لَهُ وَقت إِقَامَة الدَّلِيل، وفَاق النَّاس فِي معرفَة الْفِقْه، وَاخْتِلَاف الْمذَاهب، وفتاوى الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ بِحَيْثُ إِنَّه إِذا أفتى لم يلْتَزم بِمذهب بل بِمَا يقوم دَلِيله عِنْده، وأتقن الْعَرَبيَّة أصولًا، وفروعًا وتعليلًا، واختلافًا، وَنظر فِي العقليات وَعرف أَقْوَال الْمُتَكَلِّمين، ورد عَلَيْهِم، وَنبهَ على أخطائهم، وحذر مِنْهُم، وَنصر السّنة بأوضح حجج وأبهر براهين”.\nوَكَانَ ﵀ متواضعًا فِي تَعْلِيمه للنَّاس، يجلس تَحت كرسيه ويدع صدر الْمجْلس عِنْد جُلُوسه للتدريس، وَيجْرِي فِي درسه مجْرى السَّيْل، وَيصير مُنْذُ يتَكَلَّم إِلَى أَن يفرغ كالغائب عَن الْحَاضِرين مغمضًا عينه من غير تعجرف، وَلَا توقف، وَلَا لحن، وَإِذا فرغ من درسه فتح عَيْنَيْهِ، وَأَقْبل على النَّاس بِوَجْه طلق بشوش، وَخلق دمث، كَأَنَّهُ قد لَقِيَهُمْ حِينَئِذٍ.\nوَكَانَ لَا يسأم مِمَّن يستفتيه، أَو يسْأَله، وَيقف مَعَه حَتَّى يكون هُوَ الَّذِي يُفَارِقهُ كَبِيرا أَو صَغِيرا، رجلا، أَو امْرَأَة، حرا، أَو عبدا، ويجيب السَّائِل ويفهمه بلطف وانبساط.\nوَكَانَ ﵀ عَالما متعمقًا فِي علمه، متبصرًا بِالسنةِ، ذابًا عَنْهَا، مُحَاربًا لمخالفتها شَدِيد الاهتمام بِالْعلمِ بِمَا ينْهَى عَنهُ من الْمُنْكَرَات، تأصيلًا، وتفريعًا حَتَّى يَقُول ﵀: “أَنا أعلم كل بِدعَة حدثت فِي الْإِسْلَام، وَأول من ابتدعها، وَمَا كَانَ سَبَب ابتداعها”١.\nوَكَانَ يَدْعُو إِلَى ذَلِك، ويحض عَلَيْهِ، وَينْهى عَن أَن يقدم الْإِنْسَان على\n_________\n١ - مَجْمُوع الْفَتَاوَى ٣/١٨٤.","vol":"1","page":370},{"text":"إِنْكَار شَيْء بِلَا حجَّة وَلَا علم يَقُول ﵀: “وَمِمَّا يجب أَن يعلم أَن الَّذِي يُرِيد أَن يُنكر على النَّاس لَيْسَ لَهُ أَن يُنكر إِلَّا بِحجَّة وَبَيَان، إِذْ لَيْسَ لأحد أَن يلْزم أحدا بِشَيْء، وَلَا يحظر على أحد شَيْئا بِلَا حجَّة خَاصَّة، إِلَّا رَسُول الله ﷺ الْمبلغ عَن الله الَّذِي أوجب على الْخلق طَاعَته، فِيمَا أَدْرَكته عُقُولهمْ، وَمَا لم تُدْرِكهُ، وَخَبره مُصدق فِيمَا علمناه وَمَا لم نعلمهُ، أما غَيره إِذا قَالَ هَذَا صَوَاب أَو خطأ فَإِن لم يبين ذَلِك بِمَا يجب بِهِ اتِّبَاعه [لم يجب اتِّبَاعه] ١، فَأول دَرَجَات الْإِنْكَار أَن يكون الْمُنكر عَالما بِمَا يُنكره ... فَلَيْسَ لأحد من خلق الله كَائِنا من كَانَ أَن يبطل قولا أَو يحرم فعلا إِلَّا بسُلْطَان الْحجَّة”٢.\nوَلم يكن ﵀ دَاعيا إِلَى مَذْهَب أحد من النَّاس فِي أصُول الدّين، بل كَانَ منافحًا عَن مَنْهَج السّلف دَاعيا إِلَيْهِ ومنتصرًا لَهُ، وَكَانَ يَقُول: “كلما كَانَ عهد الْإِنْسَان بالسلف أقرب كَانَ أعلم بالمعقول وَالْمَنْقُول”٣ وَيَقُول ﵀: “مَعَ أَنِّي فِي عمري إِلَى سَاعَتِي هَذِه لم أدع أحدا قطّ فِي أصُول الدّين إِلَى مَذْهَب حنبلي وَغير حنبلي، وَلَا انتصرت لذَلِك، وَلَا أذكرهُ فِي كَلَامي، وَلَا أذكر إِلَّا مَا اتّفق عَلَيْهِ سلف الْأمة وأئمتها، وَقد قلت لَهُم غير مرَّة أَنا أمْهل من يخالفني ثَلَاث سِنِين إِن جَاءَ بِحرف وَاحِد عَن أحد من أَئِمَّة الْقُرُون الثَّلَاثَة يُخَالف مَا قلته فَأَنا أقرّ بذلك، وَأما مَا أذكرهُ فأذكره عَن أَئِمَّة الْقُرُون الثَّلَاثَة بألفاظهم وألفاظ من نقل إِجْمَاعهم من عَامَّة الطوائف”٤.\nوَكَانَ ﵀ مُتبعا للنصوص ومنهج السّلف الصَّالح رضوَان الله عَلَيْهِم\n_________\n١ - مَا بَين القوسين زِيَادَة من الباحث ليستقيم الْكَلَام.\n٢ - مَجْمُوع الْفَتَاوَى ٣/٢٥٤.\n٣ - مَجْمُوع الْفَتَاوَى ٣/٢٢٨.\n٤ - مَجْمُوع الْفَتَاوَى ٣/٢٢٩.","vol":"1","page":371},{"text":"فِي نِسْبَة معِين إِلَى تَكْفِير أَو تفسيق، ناهيًا عَن التسرع فِي ذَلِك، مطالبًا بالتثبت فِي ذَلِك وَاتِّبَاع الشُّرُوط الشَّرْعِيَّة فِيهِ يَقُول ﵀ “إِنِّي دَائِما وَمن جالسني يعلم ذَلِك مني أَنِّي من أعظم النَّاس نهيا عَن أَن ينْسب معِين إِلَى تَكْفِير، وتفسيق، ومعصية، إِلَّا إِذا علم أَنه قد قَامَت عَلَيْهِ الْحجَّة الرسالية الَّتِي من خالفها كَانَ كَافِرًا تَارَة، وفاسقًا أُخْرَى، وعاصيًا أُخْرَى، وَأَنِّي أقرر أَن الله غفر لهَذِهِ الْأمة خطأها، وَذَلِكَ يعم الْخَطَأ فِي الْمسَائِل الخبرية القولية، والمسائل العملية”١.\nوَكَانَ ﵀ ذَا علم متبحر، مستظهرًا لأقوال السّلف الصَّالح رضوَان الله عَلَيْهِم والأدلة النقلية، والعقلية، وَهَذَا ظَاهر بَيِّن تَمام الْبَيَان فِي مَجْمُوع الْفَتَاوَى، وَمن ذَلِك أَنه ﵀ سُئِلَ عَن رجلَيْنِ تجادلا فِي الأحرف الَّتِي أنزلهَا الله على آدم، فَقَالَ أَحدهمَا: إِنَّهَا قديمَة، لَيْسَ لَهَا مُبْتَدأ، وشكلها ونقطها مُحدث، وَقَالَ الآخر: لَيست بِكَلَام الله، وَهِي مخلوقة، بشكلها، ونقطها، وَالْقَدِيم هُوَ الله وَكَلَامه مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يعود منزل غير مَخْلُوق وَلكنه كتب بهَا وسألا أَيهمَا أصوب قولا وَأَصَح اعتقادًا؟\nفَأجَاب ﵀ عَن هَذِه الْمَسْأَلَة من صفحة ٣٧ إِلَى نِهَايَة صفحة ١١٦ من المجلد الثَّانِي عشر من مَجْمُوع الْفَتَاوَى، وَتكلم عَن الْمَسْأَلَة تأصيلًا، وتقعيدًا، وتفريعًا وتدليلًا، وَنقل أَقْوَال سلف الْأمة وأئمتها بنصوصهم، حَتَّى يخيل للقارئ أَن شيخ الْإِسْلَام قد قضى فِي تحريرها أَيَّامًا عديدة، وراجع مئات الْكتب، وَإِذا بِهِ ﵀ يَقُول فِي آخر الْجَواب “وَلَكِن هَذَا الْجَواب كتب وَصَاحبه مستوفز فِي قعدة وَاحِدَة” ٢.\nوَسُئِلَ فِي سُؤال آخر عَن قوم يَقُولُونَ “كَلَام النَّاس وَغَيرهم قديم ... وَلَا فرق بَين كَلَام الله وَكَلَامهم فِي الْقدَم إِلَّا من جِهَة الثَّوَاب، وَقَالَ قوم مِنْهُم بل\n_________\n١ - مَجْمُوع الْفَتَاوَى ٣/٢٢٩.\n٢ - مَجْمُوع الْفَتَاوَى ١٢/١١٦.","vol":"1","page":372},{"text":"أَكْثَرهم أصوات الْحمير وَالْكلاب كَذَلِك، وَلما قرئَ عَلَيْهِم مَا نقل عَن الإِمَام أَحْمد ردا على قَوْلهم، تأولوا ذَلِك وَقَالُوا: إِن أَحْمد إِنَّمَا قَالَ ذَلِك خوفًا من النَّاس، فَهَل هَؤُلَاءِ مصيبون أَو مخطئون؟ وَهل يكفرون بالإصرار على ذَلِك أم لَا؟ وَهل الَّذِي نقل عَن الإِمَام أَحْمد حق كَمَا زَعَمُوا أم لَا؟\nفَأجَاب ﵀ عَن هَذِه الْمَسْأَلَة من صفحة ٣٢٣ إِلَى صفحة ٥٠١ من المجلد الثَّانِي عشر بِنَفس منهجه فِي الْمَسْأَلَة السَّابِقَة، مَعَ ذكر الْمسَائِل المرتبطة بالسؤال، بترتيب عَجِيب وتتابع دَقِيق، ودقة فِي النَّقْل، وكل هَذَا فِي جلْسَة وَاحِدَة وَصَاحب الْفَتْوَى جَالس عِنْده عجلَان حَيْثُ قَالَ ﵀ “لَكِن هَذَا الْموضع فِيهِ اشْتِبَاه وإشكال، لَا تحْتَمل تحريره وَبسطه هَذِه الْفَتْوَى، لِأَن صَاحبهَا مستوفز عجلَان يُرِيد أَخذهَا” ١.\nوَهَذَا تَمْثِيل فَقَط وَقَلِيل من كثير وغيض من فيض من الْمسَائِل الْمَعْرُوفَة عَن الشَّيْخ الَّتِي تدل على غزارة علمه وتمكنه من الْعُلُوم، واستحضاره للدلائل، ودقة نَقله، وَشدَّة حفظه لما أثر عَن السّلف فِي الْعُلُوم.\n_________\n١ - مَجْمُوع الْفَتَاوَى ١٢/٤١٦.","vol":"1","page":373},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>الْمطلب الرَّابِع: شُيُوخه وتلاميذه</span>\nشُيُوخه:\nأولع الشَّيْخ بِطَلَب الْعلم من صغره، وأوقف حَيَاته على طلب الْعلم، فَسمع من كثير من الشُّيُوخ فَسمع من أَكثر من مِائَتي شيخ مِنْهُم:\n١ - وَالِده، عبد الْحَلِيم بن عبد السَّلَام بن عبد الله بن تَيْمِية الْحَرَّانِي شهَاب الدّين (٦٢٧ - ٦٨٢ هـ) ٢.\n_________\n٢ - انْظُر تَرْجَمته فِي الْمَقْصد الأرشد ٢/١٦٦ وذيل طَبَقَات الْحَنَابِلَة ٢/٣١٠.","vol":"1","page":373},{"text":"٢ - مُحَمَّد بن عبد الْقوي بن بدران الْمَقْدِسِي الصَّالِحِي الْحَنْبَلِيّ (٦٣٠ - ٦٩٩هـ (١.\n٣ - عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن قدامَة الْمَقْدِسِي الصَّالِحِي (٥٩٧ - ٦٨٢ هـ (٢.\n٤ - منجى بن عُثْمَان بن أسعد بن المنجى الدِّمَشْقِي الْحَنْبَلِيّ زين الدّين (٦٣١ - ٦٩٥هـ (٣.\n٥ - عَبَّاس بن عمر بن عَبْدَانِ البعلي (ت ٦٨١ هـ (٤.\n٦ - مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن أبي سعد بن عَليّ الشَّيْبَانِيّ الْآمِدِيّ الْحَنْبَلِيّ (٦٣٣ - ٧٠٤هـ (٥.\n٧ - أَحْمد بن عبد الدايم بن نعْمَة بن أَحْمد زين الدّين أَبُو الْعَبَّاس (٥٧٥ - ٦٦٨ هـ (٦.\nتلاميذه:\nعَاشَ الشَّيْخ باذلًا نَفسه فِي نشر الْعلم، وَقد أقبل على الْأَخْذ عَنهُ تلاميذ كَثِيرُونَ اشْتهر كثير مِنْهُم بِالْعلمِ والإمامة فِي الدّين وَمن هَؤُلَاءِ:\n١ - الإِمَام، الْحَافِظ، مؤرخ الْإِسْلَام، شمس الدّين أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد الذَّهَبِيّ (ت ٧٤٨ هـ (٧.\n٢ - الإِمَام، الْحَافِظ، شيخ الْإِسْلَام، مُحَمَّد بن أبي بكر بن أَيُّوب الزرعي\n_________\n١ - انْظُر تَرْجَمته فِي الْمَقْصد الأرشد ٢/٤٥٩ وذيل طَبَقَات الْحَنَابِلَة ٢/٣٤٢.\n٢ - انْظُر تَرْجَمته فِي الْمَقْصد الأرشد ٢/١٠٧ وذيل طَبَقَات الْحَنَابِلَة ٢/٣٠٤.\n٣ - انْظُر تَرْجَمته فِي ذيل طَبَقَات الْحَنَابِلَة ٢/٣٣٢ والمقصد الأرشد ٣/٤١.\n٤ - انْظُر تَرْجَمته فِي الْمَقْصد الأرشد ٢/٢٧٧.\n٥ - انْظُر تَرْجَمته فِي الْمَقْصد الأرشد ٢/٣٧٩ وذيل طَبَقَات الْحَنَابِلَة ٢/٣٥٢.\n٦ - انْظُر تَرْجَمته فِي الْمَقْصد الأرشد ١/١٣٠ وذيل طَبَقَات الْحَنَابِلَة ٢/٢٧٨.\n٧ - انْظُر تَرْجَمته فِي طَبَقَات الشَّافِعِيَّة للأسنوي ١/٢٧٣.","vol":"1","page":374},{"text":"الدِّمَشْقِي ابْن قيم الجوزية\"مُحَمَّد بن أبي بكر الزرعي \" [ابْن قيم الجوزية] (٦٩١ - ٧٥١ هـ) ١.\n٣ - الإِمَام، الْحَافِظ، الْمُحدث، مُحَمَّد بن أَحْمد بن عبد الْهَادِي (٧٠٤ - ٧٤٤ هـ (٢.\n٤ - ابْن قَاضِي الْجَبَل، أَحْمد بن الْحسن بن عبد الله بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن قدامَة الْمَقْدِسِي الصَّالِحِي (٦٩٣ - ٧٧١ هـ (٣.\n٥ - عماد الدّين، أَبُو الْفِدَاء ابْن كثير،: - إِسْمَاعِيل بن عمر بن كثير بن ضوء بن ذرع الْقرشِي الْبَصْرِيّ ثمَّ الدِّمَشْقِي (٦٧١ - ٧٧٤ هـ (٤.\n٦ - الْحَافِظ، خَلِيل بن كيكلدي بن عبد الله العلائي، الدِّمَشْقِي، الشَّافِعِي (٦٩٤ - ٧٦١ هـ (٥.\n_________\n١ - انْظُر تَرْجَمته فِي ذيل طَبَقَات الْحَنَابِلَة ٢/٤٤٧ والدرر الكامنة ٤/٢١.\n٢ - انْظُر تَرْجَمته فِي الْمَقْصد الأرشد ٢/٣٦٠ وذيل طَبَقَات الْحَنَابِلَة ٢/٤٣٦.\n٣ - انْظُر تَرْجَمته فِي الْمَقْصد الأرشد ١/٩٢.\n٤ - انْظُر تَرْجَمته فِي طَبَقَات الْمُفَسّرين للداودي ١/١١١.\n٥ - انْظُر تَرْجَمته فِي طَبَقَات الشَّافِعِيَّة للأسنوي ٢/١٠٩.","vol":"1","page":375},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>الْمطلب الْخَامِس: جهاده وابتلاؤه</span>\nكَانَ ﵀ فِي طَلِيعَة الْمُجَاهدين للتتار بِنَفسِهِ، وَكَانَ يحث السُّلْطَان والولاة على الْجِهَاد، ويبشرهم بنصر الله، ويحذرهم من مُخَالفَة أمره بترك الْجِهَاد، وَكَانَ يخْطب النَّاس ويحثهم على الْقِتَال، وبذل النَّفس والنفيس فِي جِهَاد أَعدَاء الله، كَمَا كَانَ يحارب الْبدع بشتى صورها وألوانها، وَيعْمل للْقَضَاء على مظاهرها، باذلًا كل وقته لبَيَان الْحق للْمُسلمين، والدعوة إِلَى العقيدة السلفية، المبنية على كتاب الله وَسنة نبيه ﷺ، وَإِلَى تحكيم الْأُصُول الشَّرْعِيَّة، فَكَانَ سَيْفا مسلولًا على الْمُخَالفين للسّنة وشجى فِي حلوق أهل الْأَهْوَاء المبتدعين وإمامًا قَائِما بِبَيَان الْحق ونصرة الدّين، ناصرًا للسّنة، وَإِن","vol":"1","page":375},{"text":"خَالَفت مَا عَلَيْهِ النَّاس، مِمَّا أَصَابَهُ بمحن وشدائد يَقُول الذَّهَبِيّ ﵀: “وَلَقَد نصر السّنة الْمَحْضَة، والطريقة السلفية، وَاحْتج لَهَا ببراهين ومقدمات.... حَتَّى قَامَ عَلَيْهِ خلق من عُلَمَاء مصر وَالشَّام قيَاما لَا مزِيد عَلَيْهِ، وبدَّعوه، وناظروه، وكابروه، وَهُوَ ثَابت لَا يداهن وَلَا يُمَارِي بل يَقُول الْحق المر الَّذِي أَدَّاهُ إِلَيْهِ اجْتِهَاده” وَقد كَانَ خصومه يكيدون لَهُ حَتَّى تمكنوا من جعل السُّلْطَان ونوابه يسألونه عَن معتقده فِي عدَّة مجَالِس، وَلَكِن الْحق أَبْلَج وَقد كَانَ كَمَا قَالَ عَنهُ الذَّهَبِيّ: “وَكم من نوبَة قد رَمَوْهُ من قَوس وَاحِدَة فينجيه الله” وَشاء الله أَن يَبْتَلِي الشَّيْخ فأوذي فِي ذَات الله من الْمُخَالفين، وأخيف فِي نصر السّنة الْمَحْضَة، وامتحن مرَارًا، وَاتفقَ أهل الْأَهْوَاء والبدع والشهوات على معاداته، وجُلُّ من عَادَاهُ تستروا باسم الْعلمَاء والزمرة الفاخرة، فتخرصوا عَلَيْهِ بِالْكَذِبِ والبهتان، ونسبوا إِلَيْهِ مَا لم يقلهُ، وَمَا لم يَنْقُلهُ، وَمَا لم يُوجد لَهُ بِخَط، وَلَا سمع مِنْهُ فِي مجْلِس، فسجن بسببهم فِي قلعة مصر والقاهرة، والإسكندرية، وَفِي قلعة دمشق مرَّتَيْنِ، كل ذَلِك بِسَبَب تمسكه بنصوص الْكتاب وَالسّنة على فهم السّلف الصَّالح رضوَان الله عَلَيْهِم وَكَانَ رَحمَه لله ينشر دَعوته بَين النَّاس وَهُوَ فِي دَاخل سجنه حَتَّى كَانَ النَّاس يأْتونَ إِلَيْهِ من كل مَكَان يستفتونه، ويتلقون كلمة الْحق مِنْهُ، وَفِي آخر حَيَاته ﵀ سجن فِي قلعة دمشق حَتَّى أَتَاهُ الْيَقِين، وَهُوَ ثَابت على لحق الْمُبين، لَا يَشْتَرِي رَاحَة الدُّنْيَا بِشَيْء من الدّين فرحمه الله رَحْمَة وَاسِعَة، وَجعله من أهل الفردوس الْأَعْلَى.","vol":"1","page":376},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>الْمطلب السَّادِس: مؤلفاته</span>\nبَارك الله للشَّيْخ فِي عمره، وأمده بتوفيقه، فصنف مصنفات عَظِيمَة، هِيَ أشهر من أَن تذكر، وَأعرف من أَن تنكر، حَتَّى قَالَ غير وَاحِد “إِنَّهَا سَارَتْ مسير الشَّمْس فِي الأقطار وامتلأت بهَا الْبِلَاد والأمصار، قد جَاوَزت حد الْكَثْرَة","vol":"1","page":376},{"text":"فَلَا يُمكن أحد حصرها” وَلابْن الْقيم ﵀ رِسَالَة خَاصَّة فِي مؤلفات الشَّيْخ، ذكر فِيهَا وَاحِدًا وَأَرْبَعين وثلاثمائة كتاب وَمَعَ ذَلِك فقد فَاتَهُ من رسائل الشَّيْخ الْكثير.\nوَمن مؤلفاته:\n١ - منهاج السّنة النَّبَوِيَّة فِي نقد كَلَام الشِّيعَة والقدرية.\n٢ - دَرْء تعَارض الْعقل وَالنَّقْل.\n٣ - الْجَواب الصَّحِيح لمن بدل دين الْمَسِيح.\n٤ - اقْتِضَاء الصِّرَاط الْمُسْتَقيم مُخَالفَة أَصْحَاب الْجَحِيم.\n٥ - شرح الْعُمْدَة فِي الْفِقْه.\n٦ - الْقَوَاعِد النورانية.\n٧ - الْفَتْوَى الحمويّة.\n٨ - العقيدة الواسطية.\n٩ - بغية المرتاد.\n١٠ - النبوات.","vol":"1","page":377},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>الْمطلب السَّابِع: وَفَاته وثناء الْعلمَاء عَلَيْهِ</span>\nوَفَاته:\nمرض الشَّيْخ وَهُوَ فِي سجن قلعة دمشق بضعَة وَعشْرين يَوْمًا، وَلم يعلم أَكثر النَّاس بمرضه، ثمَّ توفّي فِي سحر لَيْلَة الِاثْنَيْنِ وَالْعِشْرين من ذِي الْقعدَة سنة ثَمَان وَعشْرين وَسَبْعمائة فَصلي عَلَيْهِ بالقلعة، ثمَّ حمل إِلَى جَامع دمشق وَصلى عَلَيْهِ، وشيعه أنَاس لَا يُحصونَ كَثْرَة وعددًا، وَلم تفتح الْأَسْوَاق الْمُعْتَادَة بِالْفَتْح أول ذَلِك النَّهَار، وَاجْتمعَ عِنْده خلق يَبْكُونَ وَأخْبرهمْ أَخُوهُ زين الدّين عبد الرَّحْمَن أَنَّهُمَا ختما فِي القلعة ثَمَانِينَ ختمة والحادية والثمانين انتهيا فِيهَا إِلَى قَوْله","vol":"1","page":377},{"text":"تَعَالَى ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ ١ وحزر الرِّجَال فِي جنَازَته بستين ألفا أَو أَكثر، وَالنِّسَاء بِخَمْسَة عشر ألفا.\nثَنَاء الْعلمَاء عَلَيْهِ:\nقَالَ الذَّهَبِيّ “قد قَرَأت بِخَط شَيخنَا الْعَلامَة كَمَال الدّين بن الزملكاني٢ مَا كتبه سنة بضع وَتِسْعين تَحت اسْم ابْن تَيْمِية: كَانَ إِذا سُئِلَ عَن فنٍّ من الْعلم ظن الرَّائِي وَالسَّامِع أَنه لَا يعرف غير ذَلِك الْفَنّ، وَحكم أَن أحدا لَا يعرفهُ مثله”.\nوَقَالَ الذَّهَبِيّ عَنهُ: “يصدق عَلَيْهِ أَن يُقَال: - كل حَدِيث لَا يعرفهُ ابْن تَيْمِية فَلَيْسَ بِحَدِيث وَلَكِن الْإِحَاطَة لله”.\nوَقَالَ أَيْضا: “فوَاللَّه مَا رمقت عَيْني أوسع علما، وَلَا أقوى ذكاءً من رجل يُقَال لَهُ ابْن تَيْمِية مَعَ الزّهْد فِي المأكل، والملبس، وَالنِّسَاء، وَمَعَ الْقيام بِالْحَقِّ وَالْجهَاد بِكُل مُمكن”٣.\nوَحكى الذَّهَبِيّ عَن الشَّيْخ تَقِيّ الدّين ابْن دَقِيق الْعِيد٤ أَنه قَالَ للشَّيْخ\n_________\n١ - سُورَة الْقَمَر آيَة رقم ٥٤ - ٥٥.\n٢ - هُوَ كَمَال الدّين مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الْوَاحِد بن عبد الْكَرِيم الْأنْصَارِيّ، ابْن الزملكاني، ولد بِدِمَشْق فِي شَوَّال سنة ٦٦٧هـ، كَانَ عَالما، بليغًا، من أذكياء أهل زَمَانه، درس، وَأفْتى، وصنف، وَتخرج عَلَيْهِ تلاميذ كثر، توفّي فِي مصر سادس عشر من رَمَضَان سنة ٧٢٧هـ. انْظُر تَرْجَمته فِي طَبَقَات الشَّافِعِيَّة للأسنوي ١/٣١٠ - ٣١١.\n٣ - زغل الْعلم ٣٨.\n٤ - هُوَ مُحَمَّد بن عَليّ بن مُطِيع الْقشيرِي، الْمَعْرُوف بِابْن دَقِيق الْعِيد، ولد قَرِيبا من سَاحل يَنْبع وَأَبَوَاهُ متوجهان إِلَى الْحَج يَوْم السبت الْخَامِس وَالْعِشْرين من شعْبَان سنة ٦٢٥هـ، كَانَ جَامعا للعلوم الشَّرْعِيَّة والعقلية صَاحب نظم رائق، ونثر فائق من مؤلفاته الْإِلْمَام، وإحكام الْأَحْكَام شرح عُمْدَة الْأَحْكَام، توفّي فِي الْقَاهِرَة حادي عشر من صفر سنة ٧٠٢هـ. انْظُر تَرْجَمته فِي طَبَقَات الشَّافِعِيَّة للأسنوي ٢/١٠٢ - ١٠٤.","vol":"1","page":378},{"text":"عِنْد اجتماعه بِهِ وَسَمَاع كَلَامه: “مَا كنت أَظن أَن الله تَعَالَى بقى؟ يخلق مثلك”.\nوَقَالَ الْحَافِظ الْمزي١: “مَا رَأَيْت مثله وَلَا رأى هُوَ مثل نَفسه”.\nوَقَالَ ابْن عبد الْهَادِي: “كَانَ بحرًا لَا تكدره الدلاء وحبرًا يَقْتَدِي بِهِ الأخيار الألباء طَنَّت بِذكرِهِ الْأَمْصَار، وضَنَّت بِمثلِهِ الْأَعْصَار”.\n_________\n١ - هُوَ يُوسُف بن الزكي عبد الرَّحْمَن بن يُوسُف الْقُضَاعِي، الْحلَبِي، المِزِّي، أَبُو الْحجَّاج، جمال الدّين، ولد فِي حلب سنة ٦٥٤هـ كَانَ أحفظ أهل زَمَانه، وَكَانَت الرحلة إِلَيْهِ لروايته، وَكَانَ إِمَامًا فِي اللُّغَة والتصريف ديِّنا، خَيِّرًا، من مصنفاته تَهْذِيب الْكَمَال فِي أَسمَاء الرِّجَال، وتحفة الْأَشْرَاف بِمَعْرِفَة الْأَطْرَاف، توفّي بِدِمَشْق ثَانِي عشر من صفر سنة ٧٤٢هـ. انْظُر تَرْجَمته فِي طَبَقَات الشَّافِعِيَّة للأسنوي ٢/٢٥٧ - ٢٥٨.","vol":"1","page":379},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>مدْخل</span>\n...\nخطة الْبَحْث:\nقسمتُ هَذَا الْبَحْث إِلَى مُقَدّمَة وتمهيد ومبحثين وخاتمة وفهارس وَإِلَيْك تَفْصِيل ذَلِك:\nأما الْمُقدمَة فقد تحدثت فِيهَا عَن أصُول الْفِقْه مبرزًا أهمية الْمَوْضُوع وَسبب الْكِتَابَة فِيهِ من خلال ذَلِك، ثمَّ ذكرت خطة الْبَحْث ومنهجي فِي الْبَحْث.\nوَأما التَّمْهِيد فَفِي تَرْجَمَة موجزة لشيخ الْإِسْلَام بن تَيْمِية وَبَيَان منهجه فِي نقد المباحث الْأُصُولِيَّة إِجْمَالا وَفِيه فرعان:\nالْفَرْع الأول: تَرْجَمَة موجزة لشيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية فِي المطالب التالية:\nالْمطلب الأول: اسْمه، وَنسبه، وشهرته، ولقبه، وكنيته.\nالْمطلب الثَّانِي: مولده، ونشأته.\nالْمطلب الثَّالِث: صِفَاته الخِلْقية، والخُلُقِية، والعلمية.\nالْمطلب الرَّابِع: شُيُوخه، وتلاميذه.\nالْمطلب الْخَامِس: جهاده، وابتلاؤه.\nالْمطلب السَّادِس: مؤلفاته.\nالْمطلب السَّابِع: وَفَاته، وثناء الْعلمَاء عَلَيْهِ.\nالْفَرْع الثَّانِي: نظرة إجمالية فِي مَنْهَج شيخ الْإِسْلَام فِي نقد المباحث الْأُصُولِيَّة فِي مَجْمُوع الْفَتَاوَى.\nوَأما المبحث الأول: فَفِي الْإِرَادَة فِي الْأَمر.\nوَفِيه ثَلَاثَة مطَالب:\nالْمطلب الأول: أصل الْمَسْأَلَة وَمَا تتفرع عَنهُ.\nالْمطلب الثَّانِي: الْأَقْوَال فِي الْمَسْأَلَة.\nالْمطلب الثَّالِث: الِاخْتِيَار فِي الْمَسْأَلَة.","vol":"1","page":360},{"text":"وَأما المبحث الثَّانِي فَفِي الْعَمَل الْوَاحِد هَل يجوز أَن يكون مَأْمُورا بِهِ مَنْهِيّا عَنهُ؟\nوَفِيه ثَلَاثَة مطَالب:\nالْمطلب الأول: أصل الْمَسْأَلَة وَمَا تفرع عَنهُ.\nالْمطلب الثَّانِي: الْأَقْوَال فِي الْمَسْأَلَة.\nالْمطلب الثَّالِث: الِاخْتِيَار فِي الْمَسْأَلَة.\nوَأما الخاتمة فلخصت فِيهَا أهم نتائج الْبَحْث.\nوَأما الفهارس فَهِيَ:\nثَبت المصادر والمراجع.\nفهرس الموضوعات.\nمنهجي فِي الْبَحْث:\nسرتُ فِي هَذَا الْبَحْث على الْمنْهَج التَّالِي:\n١ - قمتُ باستقراء جَمِيع مجلدات مَجْمُوع الْفَتَاوَى، واستخرجت مبَاحث الْأَمر الَّتِي انتقدها شيخ الْإِسْلَام فِيهَا، ووصلت إِلَى مبحثين هما الْإِرَادَة فِي الْأَمر، وَالْعَمَل الْوَاحِد هَل يجوز أَن يكون مَأْمُورا بِهِ مَنْهِيّا عَنهُ؟، وانتقاد شيخ الْإِسْلَام لَهما كَانَ بربطهما بأصول مُخَالفَة لأصول أهل السّنة وَالْجَمَاعَة فِي العقيدة، وَنسبَة بعض الْأَقْوَال فيهمَا إِلَى فرق مُخَالفَة لأهل السّنة وَالْجَمَاعَة.\n٢ - جمعتُ كَلَام شيخ الْإِسْلَام فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ فِي مَجْمُوع الْفَتَاوَى وألفت بَين الْكَلَام حَتَّى صَار كَأَنَّهُ كَلَام وَاحِد، بِحَيْثُ أتم بعضُه بَعْضًا، وَفسّر بعضُه بَعْضًا، ووضعتُ النقول بَين قوسين “، ذَاكِرًا موطن كل نقل فِي مَجْمُوع الْفَتَاوَى.\n٣ - جعلتُ متن الْبَحْث من كَلَام شيخ الْإِسْلَام ﵀ دون ذكر كَلَام لي إِلَّا مَا اقتضته الضَّرُورَة مَعَ التَّنْبِيه على ذَلِك فِي مَوْضِعه، أَو جعله خَارج أقواس التَّنْصِيص.","vol":"1","page":361},{"text":"٤ - عزوتُ الْآيَات القرآنية بِذكر اسْم السُّورَة ورقم الْآيَة.\n٥ - خرّجتُ الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي الْبَحْث فَإِن كَانَ الحَدِيث فِي الصَّحِيحَيْنِ أَو أَحدهمَا اكتفيت بذلك وَإِن لم يكن فيهمَا أَو فِي أَحدهمَا خرّجته من كتب السّنة مَعَ النَّص على الحكم عَلَيْهِ.\n٦ - عرّفتُ المصطلحات الْأُصُولِيَّة.\n٧ - ترجمتُ للأعلام الْوَارِدَة أَسمَاؤُهُم فِي متن الْبَحْث تَرْجَمَة موجزة.\n٨ - وثّقتُ المعلومات الْوَارِدَة فِي الْمَتْن بعزوها إِلَى مصادرها.\n٩ - علّقتُ على مَا يحْتَاج إِلَى تَعْلِيق مَعَ تَوْثِيق ذَلِك.\nهَذَا وَفِي ختام هَذِه الْمُقدمَة أسأَل الله ﷿ أَن يوفقني لإتمام هَذِه البحوث وَأَن يَنْفَعنِي وَالْمُسْلِمين بهَا، كَمَا أسأله سُبْحَانَهُ بأسمائه الْحسنى وَصِفَاته العلى أَن يغْفر لي، ولوالدي ولمشايخي، وَلِجَمِيعِ الْمُسلمين وَآخر دعوانا أَن الْحَمد لله رب الْعَالمين.","vol":"1","page":362},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>نظرة إجمالية فِي مَنْهَج شيخ الْإِسْلَام فِي نقد المباحث الْأُصُولِيَّة فِي مَجْمُوع الْفَتَاوَى</span>\n...\nالْفَرْع الثَّانِي: نظرة إجمالية فِي مَنْهَج شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية فِي نقد المباحث الْأُصُولِيَّة فِي مَجْمُوع الْفَتَاوَى\nبعد أَن أنعم الله ﷿ عليّ بِقِرَاءَة مَجْمُوع فَتَاوَى شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية ﵀ وتتبع المباحث الْأُصُولِيَّة فِي جَمِيع مجلدات الْمَجْمُوع واستخراج كل مَا يتَعَلَّق بأصول الْفِقْه فِيهَا، قسّمتُ ذَلِك إِلَى أَقسَام، وَكَانَ مِنْهَا قسم المباحث الْأُصُولِيَّة الَّتِي انتقدها شيخ الْإِسْلَام، وَقد درسْتُ هَذِه المباحث، وَتبين لي أَن من مَنْهَج شيخ الْإِسْلَام ﵀ فِي انتقاد المباحث الْأُصُولِيَّة النقاط التالية:\n١ - نسْبة القَوْل إِلَى فرق المبتدعة مَعَ التشنيع عَلَيْهِ، كَقَوْلِه فِي ١٩/١٤٩ - ١٥١ عَن الْأَقْوَال فِي الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة: “النَّاس فِيهَا طرفان ووسط:\nالطّرف الأول: طرف الزَّنَادِقَة الإباحية الْكَافِرَة بالشرائع ... الَّذين يرَوْنَ أَن هَذِه الْأَحْكَام تتبع الِاعْتِقَاد مُطلقًا ...\nالطّرف الثَّانِي: طرف الغالية المتشددين الَّذين لَا يرَوْنَ للاعتقاد أثرا فِي الْأَفْعَال ... وَهَذَا قَول جُمْهُور الْمُعْتَزلَة والخوارج ... ”.\nوَكَقَوْلِه فِي١١/٣٤١ عَن الْإِجْمَاع: “وَأنْكرهُ بعض أهل الْبدع من الْمُعْتَزلَة والشيعة”.\n٢ - وصْف القَوْل بِأَنَّهُ مُبْتَدع مَعَ التشنيع عَلَيْهِ، وَذَلِكَ كَقَوْلِه ﵀ فِي ١٩/١٣٤ عَن القَوْل إِنَّه لَيْسَ للحادثة حكم عِنْد الله فِي نفس الْأَمر وَإِنَّمَا حكمه فِي حق كل مُكَلّف يتبع اجْتِهَاده واعتقاده: “قَول مُبْتَدع، يشبه فِي المجتهدات قَول الزَّنَادِقَة الإباحية فِي المنصوصات”.\n٣ - وصْف المبحث بِأَنَّهُ مُحدث، كَقَوْلِه فِي ٦/٥٦ عَن تَسْمِيَة مسَائِل أصُول ومسائل فروع فِي بِنَاء الْأَحْكَام: “هَذِه تَسْمِيَة محدثة، قسمهَا طَائِفَة من الْفُقَهَاء والمتكلمين، وَهُوَ على الْمُتَكَلِّمين والأصوليين أغلب، لَا سِيمَا إِذا","vol":"1","page":380},{"text":"تكلمُوا فِي مسَائِل التصويب والتخطئة”.\nوَكَقَوْلِه فِي تَقْسِيم الْكَلَام إِلَى حَقِيقَة ومجاز فِي ٧/٨٧: “هَذَا التَّقْسِيم هُوَ اصْطِلَاح حَادث بعد انْقِضَاء الْقُرُون الثَّلَاثَة”.\n٤ - وصْف القَوْل بالتناقض كَقَوْلِه فِي ٢٠/٢٦ عَمَّا لم يسمعهُ الْمُجْتَهد من النُّصُوص الناسخة أَو الْمَخْصُوصَة فَلم تمكنه مَعْرفَته: “قيل عَلَيْهِ اتِّبَاع الحكم الْبَاطِن، وَأَنه إِذا أَخطَأ يكون مخطئًا عِنْد الله وَفِي الحكم تَارِك لما أَمر بِهِ مَعَ قَوْلهم إِنَّه لَا إِثْم عَلَيْهِ وَهَذَا تنَاقض”.\n٥ - وصْف القَوْل بِكَوْنِهِ خطأ كَقَوْلِه فِي ٢٠/٢٦: “فَقَوْلهم لَيْسَ فِي الْبَاطِن حكم خطأ”.\n٦ - وصْف القَوْل بِكَوْنِهِ ضلالا كَقَوْلِه فِي ١٩/٦٩: “أَن من نصب إِمَامًا فَأوجب طَاعَته مُطلقًا اعتقادًا أَو حَالا فقد ضل فِي ذَلِك”.\n٧ - وصْف المبحث بِالْبُطْلَانِ كَقَوْلِه فِي ٢٠/١٥: “وَأما التَّقْلِيد الْبَاطِل المذموم فَهُوَ قبُول قَول الْغَيْر بِلَا حجَّة”.\n٨ - وصْف القَوْل بالإسراف وَالنَّقْص كَقَوْلِه فِي ١١/٣٤١ عَن إِنْكَار الْقيَاس: “وَهِي مَسْأَلَة كَبِيرَة وَالْحق فِيهَا متوسط بَين الْإِسْرَاف وَالنَّقْص”.\n٩ - وصْف المبحث بِكَوْنِهِ مُخَالفا لأقوال الْعُقَلَاء كَقَوْلِه فِي ٩/١١٧ عَن مَسْأَلَة عدم الْقيَاس فِي العقليات: “فَقَوْلهم مُخَالف لقَوْل نظّار الْمُسلمين، بل وَسَائِر الْعُقَلَاء”.\n١٠ - وصْف قَائِل القَوْل بِكَوْنِهِ لَا معرفَة لَهُ بِالْكتاب وَالسّنة كَقَوْلِه فِي ٢٠/٥٠٥ “وَهَذَا كَقَوْلِهِم إِن أَكثر الْحَوَادِث يحْتَاج فِيهَا إِلَى الْقيَاس لعدم دلَالَة النُّصُوص عَلَيْهَا فَإِنَّمَا هَذَا قَول من لَا معرفَة لَهُ بِالْكتاب وَالسّنة ودلالتها على الْأَحْكَام”.\nوَذكر قَرِيبا من ذَلِك فِي نفس الصفحة عَن مَسْأَلَة هَل الْإِجْمَاع مُسْتَند مُعظم","vol":"1","page":381},{"text":"الشَّرِيعَة؟.\n١١ - ربْط القَوْل أَو المبحث بأصول مُخَالفَة لأصول أهل السّنة وَالْجَمَاعَة وإعادة المبحث إِلَيْهَا، وَهَذَا كثير فِي المباحث الَّتِي انتقدها ﵀ وَهَذَا ظَاهر فِي الْبَحْث الَّذِي بَين أَيْدِينَا.\n١٢ - لَا يَكْتَفِي شيخ الْإِسْلَام ﵀ بِالنَّقْدِ وَإِنَّمَا يبين وَجهه، وَيذكر الصَّحِيح فِي المبحث، مدلِّلًا عَلَيْهِ بِالْكتاب، وَالسّنة، وأقوال سلف الْأمة، مقررًا لَهُ بتحقيق دَقِيق لَا تَجدهُ عِنْد غَيره من المؤلفين فِي الْغَالِب، مَعَ بَيَانه ﵀ لمُخَالفَة مَا ينقده لكَلَام الْمُتَقَدِّمين من عُلَمَاء الْأمة وأئمتها المعتبرين.\nهَذَا وستجد إِن شَاءَ الله هَذِه المباحث وَغَيرهَا مبسوطة فِي هَذَا الْبَحْث والبحوث الَّتِي تليه.\nوَإِن المتتبع لكَلَامه ﵀ يظْهر لَهُ جليًّا سَعَة علمه، ودقة مَعْرفَته بِكَلَام الْمُخَالفين، ومآخذهم من أصولهم، مَعَ إحاطته بِكَلَام سلف الْأمة وأصولهم، وحرصه على تَخْلِيص عُلُوم الْمُسلمين الأصيلة من كل شَائِبَة أُلحقت بهَا من غَيرهَا، فرحمه الله رَحْمَة وَاسِعَة وجزاه خير الْجَزَاء عَن الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين.","vol":"1","page":382},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>بَاب: الْإِرَادَة فِي الْأَمر</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>أصل الْمَسْأَلَة وَمَا تتفرع عَنهُ</span>\n...\nالمبحث الأول: الْإِرَادَة١ فِي الْأَمر٢\nوَفِيه ثَلَاثَة مطَالب\nالْمطلب الأول: أصل الْمَسْأَلَة وَمَا تتفرع عَنهُ:\nوَمن هَذَا الْبَاب٣ تنَازع النَّاس فِي الْأَمر والإرادة هَل يَأْمر بِمَا لَا يُرِيد أَو لَا يَأْمر إِلَّا بِمَا يُرِيد؟\nفَإِن الْإِرَادَة لفظ فِيهِ إِجْمَال٤.\nيُرَاد بالإرادة الْإِرَادَة الكونية الشاملة لجَمِيع الْحَوَادِث٥.\n_________\n١ - الْإِرَادَة فِي اللُّغَة الْمَشِيئَة، يُقَال أَرَادَ الشَّيْء شاءه. انْظُر لِسَان الْعَرَب ٣/١٧٧٢ والمعجم الْوَسِيط ١/٣٨١ وَسَيَأْتِي بَيَان مَعْنَاهَا عِنْد عرض الْمَسْأَلَة.\n٢ - الْأَمر فِي اللُّغَة ضد النَّهْي، والطلب، وَالْحَال والشأن، والحادثة.\nانْظُر تَاج الْعَرُوس ٣/١٧ والمعجم الْوَسِيط ١/٢٦\nوَفِي الِاصْطِلَاح لَهُ تعريفات مِنْهَا: - القَوْل الدَّال بِالذَّاتِ على اقْتِضَاء فعل غير كف مَدْلُول عَلَيْهِ بِغَيْر كف ومرادفه وَزَاد بَعضهم على جِهَة الاستعلاء.\nانْظُر تَعْرِيفه فِي: جمع الْجَوَامِع مَعَ حَاشِيَة الْعَطَّار ١/٤٦٤ وَالْبَحْر الْمُحِيط ٢/٣٤٥ - ٣٤٦ ومذكرة أبرز الْقَوَاعِد الْأُصُولِيَّة لعمر عبد الْعَزِيز ١٠٩ - ١١٠ وقواطع الْأَدِلَّة ١/٩٠.\n٣ - أَي بَاب الْأَلْفَاظ المجملة.\n٤ - الْإِجْمَال: فِي اللُّغَة الْجمع. انْظُر لِسَان الْعَرَب ١/٦٨٣.\nوَفِي الِاصْطِلَاح: إِيرَاد الْكَلَام على وَجه يحْتَمل أمورًا مُتعَدِّدَة. التعريفات٩\n٥ - هَذَا هُوَ الْمَعْنى الأول من مَعَاني الْإِرَادَة عِنْد أهل السّنة وَالْجَمَاعَة وَهِي مُتَعَلقَة بِكُل مُرَاد فَمَا أَرَادَ الله كَونه كَانَ وَمَا أَرَادَ أَلا يكون فَلَا سَبِيل إِلَى كَونه، وَهَذِه الْإِرَادَة غير الْمحبَّة والرضى فَالله وَإِن كَانَ يُرِيد الْمعاصِي قدرا فَهُوَ لَا يُحِبهَا وَلَا يرضاها وَلَا يَأْمر بهَا بل يبغضها ويسخطها ويكرهها وَينْهى عَنْهَا هَذَا قَول السّلف قاطبة.\nانْظُر الموافقات ٣/٣٧٠ وَشرح العقيدة الطحاوية ١/٧٩.","vol":"1","page":383},{"text":"كَقَوْل الْمُسلمين مَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن١، وَكَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ ٢ وَقَول نوح ﵇: ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ ٣.\nوَلَا ريب أَن الله يَأْمر الْعباد بِمَا لَا يُريدهُ بِهَذَا التَّفْسِير وَالْمعْنَى كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ ٤ فَدلَّ على أَنه لم يوت كل نفس هداها مَعَ أَنه أَمر كل نفس بهداها.\nوكما اتّفق الْعلمَاء على أَن من حلف بِاللَّه ليقضين دين غَرِيمه غَدا إِن شَاءَ الله أَو ليردن وديعته أَو غصبه أَو ليصلين الظّهْر أَو الْعَصْر إِن شَاءَ الله، أَو ليصومن رَمَضَان إِن شَاءَ الله وَنَحْو ذَلِك مِمَّا أمره الله بِهِ فَإِنَّهُ إِذا لم يفعل الْمَحْلُوف عَلَيْهِ لَا يَحْنَث٥ مَعَ أَن الله أمره بِهِ لقَوْله إِن شَاءَ الله، فَعلم أَن الله لم\n_________\n١ - قَالَ ابْن حزم فِي الْفَصْل ٣/١٨٢ “وَيَكْفِي من هَذَا كُله اجْتِمَاع الْأمة على قَول مَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن”.\n٢ - سُورَة الْأَنْعَام آيَة رقم ١٢٥.\n٣ - سُورَة هود آيَة رقم ٣٤.\n٤ - سُورَة السَّجْدَة آيَة رقم ١٣.\n٥ - قَالَ ابْن قدامَة ﵀ فِي الْمُغنِي ٨/٧١٥ “وَجُمْلَة ذَلِك أَن الْحَالِف إِذا قَالَ مَا شَاءَ الله مَعَ يَمِينه فَهَذَا يُسمى اسْتثِْنَاء ... وَأجْمع الْعلمَاء على تَسْمِيَته اسْتثِْنَاء وَأَنه مَتى اسْتثْنى فِي يَمِينه لم يَحْنَث فِيهَا”.\nوَانْظُر الْفَصْل فِي الْملَل والأهواء والنحل ٣/١٩٠ والانتصار فِي الرَّد على الْقَدَرِيَّة الأشرار ١/٣٠٥ - ٣٠٦.\nوَقد اسْتدلَّ أهل الْعلم على ذَلِك بقول النَّبِي ﷺ: “من حلف فَقَالَ إِن شَاءَ الله لم يَحْنَث” رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ. انْظُر سنَنه مَعَ تحفة الأحوذي ٥/١٢٩ وَابْن ماجة ١/٦٨٠ وَهُوَ صَحِيح الْإِسْنَاد، انْظُر إرواء الغليل ٨/١٩٨.","vol":"1","page":384},{"text":"يشأه مَعَ أمره بِهِ١.\nوَأما الْإِرَادَة الدِّينِيَّة٢ فَهِيَ: بِمَعْنى الْمحبَّة والرضى.\nوَهِي مُلَازمَة لِلْأَمْرِ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ ٣.\nوَمِنْه قَول الْمُسلمين هَذَا يفعل شَيْئا لَا يُريدهُ الله إِذا كَانَ يفعل بعض الْفَوَاحِش، أَي أَنه لَا يُحِبهُ وَلَا يرضاه بل ينْهَى عَنهُ ويكرهه”٤.\nوَتكلم شيخ الْإِسْلَام عَن الْمسَائِل الَّتِي يَقع فِيهَا التَّعَارُض بَين النُّصُوص لتعارض الْمُقْتَضِي للحمد والذم من الصِّفَات الْقَائِمَة بذلك، وَلِهَذَا كَانَ هَذَا الْجِنْس مُوجبا للفرقة والفتنة٥ وَذكر مِنْهَا مَا جَاءَ فِي قَوْله:\n_________\n١ - وَذَلِكَ مثلا أَن الله أَمر بصيام رَمَضَان كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْه﴾ الْبَقَرَة ١٨٥ فَأمر الله بصيام رَمَضَان وَلَو قَالَ شخص وَالله لأصومن رَمَضَان إِن شَاءَ الله فَلم يصم فَإِنَّهُ لَا يَحْنَث بِالْإِجْمَاع مَعَ أَن الله أمره بصيامه لكنه لم يَشَأْ كونًا وَقدرا أَن يَصُوم فَلم يَحْنَث لِأَن الله لم يَشَأْ أَن يَصُوم، فَتبين بِهَذَا أَن الله أمره بالصيام وَلم يرد الصّيام مِنْهُ كونًا وَقدرا.\n٢ - هَذَا هُوَ الْمَعْنى الثَّانِي من مَعَاني الْإِرَادَة عِنْد أهل السّنة وَالْجَمَاعَة وَهِي إِرَادَة التشريع وَمعنى هَذِه الْإِرَادَة أَنه سُبْحَانَهُ يحب فعل مَا أَمر بِهِ ويرضاه وَيُحب ترك الْمنْهِي عَنهُ ويرضاه.\nانْظُر الموافقات ٣/٣٧١ و٣٧٣ وَشرح العقيدة الطحاوية ١/٧٩.\n٣ - سُورَة النِّسَاء آيَة رقم ٢٦.\n٤ - مَجْمُوع الْفَتَاوَى ٨/١٣١ وَانْظُر قَرِيبا مِمَّا ذكره فِي شرح العقيدة الطحاوية ١/٨٠ والموافقات ٣/٣٧٠ - ٣٧٣.\nوَقد قَالَ الشاطبي فِي الموافقات ٣/٣٧٣ “وَلأَجل عدم التنبه للْفرق بَين الإرادتين وَقع الْغَلَط فِي الْمَسْأَلَة فَرُبمَا نفى بعض النَّاس الْإِرَادَة عَن الْأَمر وَالنَّهْي مُطلقًا وَرُبمَا نفاها بَعضهم عَمَّا لم يُؤمر بِهِ مُطلقًا وأثبتها فِي الْأَمر مُطلقًا، وَمن عرف الْفرق بَين الْمَوْضِعَيْنِ لم يلتبس عَلَيْهِ شَيْء من ذَلِك”.\n٥ - مَجْمُوع الْفَتَاوَى ٢٢/١٢٩ - ١٣٠.","vol":"1","page":385},{"text":"“وَكَذَلِكَ مَسْأَلَة الْقدر الَّتِي هِيَ من جملَة فروع هَذَا الأَصْل فَإِنَّهُ اجْتمع فِي الْأَفْعَال الْوَاقِعَة الَّتِي نهى الله عَنْهَا: أَنَّهَا مُرَادة لَهُ لكَونهَا من الموجودات، وَأَنَّهَا غير محبوبة لَهُ بل ممقوتة مبغوضة [فَزَعَمت الْقَدَرِيَّة أَن الْأَمر مُسْتَلْزم للإرادة الَّتِي هِيَ محبته وَرضَاهُ فَيكون قد شَاءَ الْمَأْمُور بِهِ وَلم يكن، وَأَن الله سُبْحَانَهُ لم يَشَأْ المنهيات وَوَقع الْمنْهِي عَنهُ بِدُونِ مَشِيئَته] ١ فأثبتوا وجود الكائنات بِدُونِ مَشِيئَته، وَلِهَذَا لما قَالَ غيلَان القدري٢ لِرَبِيعَة بن أبي عبد الرَّحْمَن٣: يَا ربيعَة نشدتك الله أَتَرَى الله يحب أَن يعْصى؟\nفَقَالَ لَهُ ربيعَة: أفترى الله يعْصى قسرًا؟ ” فَكَأَنَّهُ ألقمه حجرا يَقُول لَهُ نزهته عَن محبَّة الْمعاصِي فسلبته الْإِرَادَة وَالْقُدْرَة وَجَعَلته مقهورًا مقسورًا٤.\nوَقَالَ من عَارض الْقَدَرِيَّة: بل كل مَا أَرَادَهُ الله فقد أحبه ورضيه، ولزمهم\n_________\n١ - مَا بَين القوسين زِيَادَة من الباحث أوجبهَا السِّيَاق إِذْ فِي الْكَلَام سقط ظَاهر يخل بِصِحَّة الْمَعْنى.\n٢ - هُوَ غيلَان بن مُسلم يُقَال لَهُ غيلَان بن أبي غيلَان، قدري، ضال، كَانَ من بلغاء الْكتاب وَكَانَ دَاعِيَة للقدر، دَعَا عَلَيْهِ عمر بن عبد الْعَزِيز فَقتل وصلب، وَكَانَ غير ثِقَة وَلَا مَأْمُون.\nأنظر تَرْجَمته فِي لِسَان الْمِيزَان ٤/٤٩٢ - ٤٩٣.\n٣ - هُوَ ربيعَة بن أبي عبد الرَّحْمَن فَرُّوخ، أَبُو عُثْمَان وَيُقَال أَبُو عبد الرَّحْمَن الْقرشِي التَّيْمِيّ مَوْلَاهُم، الْمَشْهُور بربيعة الرَّأْي، الإِمَام، مفتي الْمَدِينَة، وَكَانَ من أَئِمَّة الِاجْتِهَاد، وَكَانَ فَقِيها عَالما حَافِظًا للفقه والْحَدِيث توفّي بِالْمَدِينَةِ وَقيل بالأنبار سنة ١٣٦هـ فَقَالَ مَالك “ذهبت حلاوة الْفِقْه مُنْذُ مَاتَ ربيعَة بن أبي عبد الرَّحْمَن”.\nانْظُر تَرْجَمته فِي سير أَعْلَام النبلاء ٦/٨٩ - ٩٦.\n٤ - هَذَا فِي قَول الْقَدَرِيَّة وَمِنْهُم الْمُعْتَزلَة إِن الله لم يَشَأْ كفر الْكَافِر وَلَا فسق الْفَاسِق وَزَعَمُوا أَن الله شَاءَ الْإِيمَان من الْكَافِر لَكِن الْكَافِر شَاءَ الْكفْر.\nانْظُر الْفَصْل فِي الْملَل والأهواء والنحل ٣/١٨٠ وَشرح العقيدة الطحاوية ١/٣٢١.","vol":"1","page":386},{"text":"أَن يكون الْكفْر والفسوق والعصيان محبوبًا لله مرضيًا١.\nوَقَالُوا أَيْضا: يَأْمر بِمَا لَا يُرِيد وكل مَا أَمر بِهِ من الْحَسَنَات فَإِنَّهُ لم يردهُ، وَرُبمَا قَالُوا وَلم يُحِبهُ وَلم يرضه إِلَّا إِذا وجد، قَالُوا وَلَكِن أَمر بِهِ وَطَلَبه، فَقيل لَهُم هَل يكون طلب وَإِرَادَة واستدعاء بِلَا إِرَادَة وَلَا محبَّة وَلَا رضى؟ هَذَا جمع بَين النقيضين فتحيروا.\nفَأُولَئِك سلبوا الرب خلقه وَقدرته وإرادته الدِّينِيَّة الْعَامَّة وَهَؤُلَاء سلبوه محبته وَرضَاهُ وإرادته وَمَا تضمنه أمره وَنَهْيه من ذَلِك.\nفَكَمَا أَن الْأَوَّلين لم يثبتوا أَن الشَّخْص الْوَاحِد يكون مثابًا معاقبًا بل إِمَّا مثابًا وَإِمَّا معاقبًا٢.\nفَهَؤُلَاءِ لم يثبتوا أَن الْفِعْل الْوَاحِد يكون مرَادا من وَجه دون وَجه مرَادا غير مَحْبُوب بل إِمَّا مُرَاد مَحْبُوب وَإِمَّا غير مُرَاد وَلَا مَحْبُوب”٣.\n_________\n١ - قَالَت الجبرية الْكَوْن كُله بِقَضَاء الله وَقدره فَيكون محبوبًا مرضيًا.\nانْظُر شرح العقيدة الطحاوية ١/٣٢٤.\n٢ - سَيَأْتِي الْكَلَام عَن هَذَا فِي المبحث الثَّانِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى.\n٣ - مَجْمُوع الْفَتَاوَى ٢٢/١٣٠ - ١٣١ وَسَيَأْتِي مزِيد بَيَان لهَذَا الأَصْل فِي المبحث التَّالِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى.","vol":"1","page":387},{"text":"الْمطلب الثَّانِي:<span data-type=\"title\" id=toc-15> الْأَقْوَال فِي الْمَسْأَلَة:</span>\n“النزاع فِي مَسْأَلَة الْأَمر هَل هُوَ مُسْتَلْزم للإرادة أم لَا؟\n١ - الْقَدَرِيَّة٤ تزْعم أَنه مُسْتَلْزم للمشيئة فَيكون قد شَاءَ الْمَأْمُور بِهِ وَلم يكن٥.\n_________\n٤ - نسبه للقدرية الْهِنْدِيّ فِي الْفَائِق ٢/١٤ وَابْن النجار فِي شرح الْكَوْكَب ١/٣٢٢.\n٥ - وَمن الْقَدَرِيَّة الْقَائِلين بِهَذَا الْمُعْتَزلَة. انْظُر الْمُعْتَمد١/٤٣ وأراء الْمُعْتَزلَة الْأُصُولِيَّة ٢١١ والمحصول ١/١٩١ وَنِهَايَة السول ٢/٢٤٣ وَنِهَايَة الْوُصُول ٣/٨٢٤ وروضة النَّاظر ٢/٦٧.\nقَالَ الأسنوي فِي نِهَايَة السول ٢/٢٤٣: “وَعِنْدهم (الْمُعْتَزلَة) عينهَا (الْإِرَادَة) أَي لَا معنى لكَونه طَالبا إِلَّا كَونه مرِيدا والتزموا أَن الله تَعَالَى يُرِيد الشَّيْء وَلَا يَقع وَيَقَع وَهُوَ لَا يُريدهُ”\nوَقَالَ الشِّيرَازِيّ فِي شرح اللمع ١/١٩٣ “وبنوا ذَلِك على أصل لَهُم فِي الضَّلَالَة وَهُوَ أَن الله ﷾ لَا يَأْمر إِلَّا بِمَا يُرِيد وَلَا ينْهَى إِلَّا عَمَّا لَا يُرِيد، وَيكون مَا لَا يُرِيد”.","vol":"1","page":387},{"text":"٢ - والجهمية١ قَالُوا إِنَّه غير مُسْتَلْزم لشَيْء من الْإِرَادَة لَا لحبه لَهُ وَلَا رِضَاهُ بِهِ إِلَّا إِذا وَقع فَإِنَّهُ مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن.\nوَكَذَلِكَ عِنْدهم مَا أحبه ورضيه كَانَ وَمَا لم يُحِبهُ وَلم يرضه لم يكن وتأولوا قَوْله ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ ٢على أَن المُرَاد مِمَّن لم يَقع مِنْهُ الْكفْر، أَو لَا يرضاه دينا”٣، ٤.\n_________\n١ - نسبه للجهمية. ابْن النجار فِي شرح الْكَوْكَب ١/٣٢٢.\n٢ - سُورَة الزمر آيَة رقم ٧.\n٣ - يرى الأشاعرة أَن الْأَمر غير الْإِرَادَة وينفون الْإِرَادَة عَن الْأَمر بِإِطْلَاق فَيجوز أَن يَأْمر بالشَّيْء وَلَا يُريدهُ وَقد نفى كثير من الْأُصُولِيِّينَ من الأشاعرة وَغَيرهم استلزام الْأَمر للإرادة من غير تَفْصِيل.\nانْظُر نِهَايَة الْوُصُول ٣/٨٢٤ وقواطع الْأَدِلَّة ١/٩١ وَشرح الْكَوْكَب ٣/١٥ وَالْعدة لأبي يعلى ١/٢١٦والمستصفى ٣/١٢٧ وَشرح اللمع ١/١٩٣ وَنِهَايَة السول ٢/٢٤٣ وروضة النَّاظر ٢/٦٧ وَالْفَائِق ٢/١٣والوصول إِلَى الْأُصُول ١/١٣١ والمحصول ١/١٩١ والتحصيل من الْمَحْصُول ١/٢٦٤ وَشرح الْمِنْهَاج للأصفهاني ١/٣٠٦ وَجمع الْجَوَامِع مَعَ حَاشِيَة الْبنانِيّ ١/٣٧٠ ومختصر ابْن اللحام ٩٧.\nقَالَ ابْن برهَان فِي الْوُصُول إِلَى الْأُصُول ١/١٣١ - ١٣٢ فِي بَيَان أصل قَول الأشاعرة “هَذِه الْمَسْأَلَة تنبني على أصل، وَذَلِكَ الأَصْل أَن الله تَعَالَى أَمر الْكفَّار بِالْإِيمَان وَمَا أَرَادَ من بَعضهم الْإِيمَان إِذْ لَو أَرَادَ لحصل وكل مَا أَرَادَ الله تَعَالَى فَلَا بُد من حُصُوله”.\nوالجهمية والجبرية سووا بَين الْمَشِيئَة والإرادة وَبَين الْمحبَّة والرضى فَمَا شاءه قد أحبه ورضيه. انْظُر شرح العقيدة الطحاوية ١/٣٢٤ ومفتاح دَار السَّعَادَة ٢/٤٣.\n٤ - مَجْمُوع الْفَتَاوَى ٨/٤٧٦ - ٤٧٧.","vol":"1","page":388},{"text":"“وَأما أَئِمَّة أَصْحَاب مَالك١ وَالشَّافِعِيّ٢ وَأحمد٣ وَعَامة أَصْحَاب أبي حنيفَة٤ فَإِنَّهُم ... يَقُولُونَ بِمَا اتّفق عَلَيْهِ السّلف من أَنه سُبْحَانَهُ مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن ويثبتون الْفرق بَين مَشِيئَته وَبَين محبته وَرضَاهُ فَيَقُولُونَ:\nإِن الْكفْر والفسوق والعصيان وَإِن وَقع بمشيئته فَهُوَ لَا يُحِبهُ وَلَا يرضاه بل\n_________\n١ - هُوَ مَالك بن أنس الْحِمْيَرِي الأصبحي الْمدنِي، أَبُو عبد الله، ولد بِالْمَدِينَةِ سنة ٩٣هـ وَقيل ٩٤هـ وَقيل ٩٧هـ إِمَام دَار الْهِجْرَة، وَأحد الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة، طلب الْعلم وَهُوَ حدث، وتأهل للفتيا وعمره ٢١ سنة، قَالَ عَنهُ الشَّافِعِي: “إِذا ذكر الْعلمَاء فمالك النَّجْم” من مؤلفاته الْمُوَطَّأ ورسالة فِي الْقدر، توفّي بِالْمَدِينَةِ سنة ١٧٩هـ وَقيل ١٨٠هـ.\nانْظُر تَرْجَمته فِي سير أَعْلَام النبلاء ٨/٤٨ وشذرات الذَّهَب ٢/١٢.\n٢ - هُوَ مُحَمَّد بن إِدْرِيس بن الْعَبَّاس بن عُثْمَان بن شَافِع الْقرشِي المطلبي أَبُو عبد الله، ولد بغزة سنة ١٥٠هـ، وَنقل إِلَى مَكَّة بعد سنتَيْن من وِلَادَته، ارتحل فِي طلب الْعلم وَحمل الْمُوَطَّأ عَن مَالك، وَكَانَ أحد الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة، شَدِيد الْحِفْظ، مناقبه كَثِيرَة مَشْهُورَة، نزل مصر فِي آخر أمره، صنف التصانيف وَمِنْهَا أَحْكَام القرءان والرسالة توفّي بِمصْر سنة ٢٠٤هـ.\nانْظُر تَرْجَمته فِي سير أَعْلَام النبلاء ١٠/٥ وطبقات الشَّافِعِيَّة لِابْنِ هَدِيَّة الله ١٨٧\n٣ - هُوَ أَحْمد بن مُحَمَّد بن حَنْبَل الذهلي الشَّيْبَانِيّ، الْمروزِي، الْبَغْدَادِيّ أَبُو عبد الله ولد بمرو سنة ١٦٤هـ وَكَانَ مُحدثا فَقِيها عني بِالْحَدِيثِ وَطَلَبه، ورحل فِي طلب الحَدِيث، وَكَانَ أحد الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة، شَدِيد الْحِفْظ زاهدًا ورعًا امتحن فِي القَوْل بِخلق القرءان بِالْحَبْسِ وَالضَّرْب الشَّديد فَثَبت على قَول السّلف إِن القرءان كَلَام الله غير مَخْلُوق، من مؤلفاته الْمسند والناسخ والمنسوخ، توفّي بِبَغْدَاد سنة ٢٤١هـ.\nانْظُر تَرْجَمته فِي سير أَعْلَام النبلاء ١١/١٧٧ ووفيات الْأَعْيَان ١/٦٣.\n٤ - هُوَ النُّعْمَان بن ثَابت بن زوطي التَّمِيمِي مَوْلَاهُم، الْكُوفِي، أَبُو حنيفَة، ولد بِالْكُوفَةِ سنة ٨٠هـ على الصَّحِيح أحد الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة، عني بِطَلَب الْآثَار وارتحل فِي ذَلِك، وَكَانَ إِمَامًا فِي الْفِقْه والتدقيق فِي الرَّأْي قوي الْحجَّة، حبس وَضرب لامتناعه عَن الْقَضَاء، من مؤلفاته الْمسند، والمخارج فِي الْفِقْه، توفّي مسقيًا فِي السجْن بِبَغْدَاد سنة ١٥٠هـ.\nانْظُر تَرْجَمته فِي سير أَعْلَام النبلاء ٦/٣٩٠ وشذرات الذَّهَب ١/٢٢٧.","vol":"1","page":389},{"text":"بل يسخطه ويبغضه.\nوَيَقُولُونَ: إِرَادَة الله فِي كِتَابه نَوْعَانِ:\nنوع بِمَعْنى الْمَشِيئَة لما خلق كَقَوْلِه ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ ١.\nوَنَوع بِمَعْنى محبته وَرضَاهُ لما أَمر بِهِ وَإِن لم يخلقه كَقَوْلِه ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ٢ ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ٣ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ ٤٥.\n_________\n١ - سُورَة الْأَنْعَام آيَة رقم ١٢٥.\n٢ - سُورَة الْبَقَرَة آيَة رقم ١٨٥.\n٣ - سُورَة الْمَائِدَة آيَة رقم ٦.\n٤ - سُورَة النِّسَاء آيَة رقم ٢٦ - ٢٧.\n٥ - مَجْمُوع الْفَتَاوَى ٨/٤٧٦ وَانْظُر الموافقات٣/٣٦٩ - ٣٧١ وَشرح الْكَوْكَب ١/٣١٨ - ٣٢٢ وَشرح العقيدة الطحاوية ١/٧٩ - ٨٤ و٣٢٤ - ٣٢٧ والفصل فِي الْملَل والأهواء والنحل ٣/١٨٠ ومفتاح دَار السَّعَادَة ٢/٤٣.\nتلخص أَن للْعُلَمَاء فِي الْمَسْأَلَة ثَلَاثَة أَقْوَال:\nالقَوْل الأول: إِن الْأَمر مُسْتَلْزم للإرادة مُطلقًا، وَهَذَا قَول الْقَدَرِيَّة وَمِنْهُم الْمُعْتَزلَة.\nالقَوْل الثَّانِي: إِن الْأَمر غير مُسْتَلْزم للإرادة مُطلقًا، وَهَذَا قَول الْجَهْمِية والأشاعرة وَهُوَ الْمَشْهُور فِي كتب الْأُصُولِيِّينَ ويُنْسَب فِيهَا لِلْجُمْهُورِ.\nالقَوْل الثَّالِث: إِن الْأَمر مُسْتَلْزم للإرادة الشَّرْعِيَّة الدِّينِيَّة، وَغير مُسْتَلْزم للإرادة الكونية الْقَدَرِيَّة وَهَذَا هُوَ قَول السّلف.\nوَكتب الْأُصُول فِي الْغَالِب لَا تذكر إِلَّا الْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلين وَلَا تذكر القَوْل الثَّالِث فَتنبه لذَلِك رعاكَ الله.","vol":"1","page":390},{"text":"الْمطلب الثَّالِث:<span data-type=\"title\" id=toc-16> الِاخْتِيَار فِي الْمَسْأَلَة</span>١:\nإِن الله إِذا أَمر العَبْد بِشَيْء فقد أَرَادَهُ مِنْهُ إِرَادَة شَرْعِيَّة دينية وَإِن لم يردهُ مِنْهُ إِرَادَة قدرية كونية.\nفإثبات إِرَادَته فِي الْأَمر مُطلقًا خطأ ونفيها عَن الْأَمر مُطلقًا خطأ وَإِنَّمَا الصَّوَاب التَّفْصِيل:\nكَمَا جَاءَ فِي التَّنْزِيل ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ٢ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ ٣ ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ ٤.\nوَقَالَ ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ ٥ وَقَالَ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ ٦ وَقَالَ ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ ٧ وأمثال ذَلِك كثير”٨\nفِي فصل الْخطاب أَن الْأَمر لَيْسَ مستلزمًا لمشيئته أَن يخلق الربُّ الآمرُ\n_________\n١ - انْظُر الموافقات ٣/٣٦٩ - ٣٧١ وَشرح الْكَوْكَب ١/٣١٨ - ٣٢٢ وشفاء الغليل ٥٦٠ - ٥٦١ وَشرح العقيدة الطحاوية ١/٧٩ - ٨٤ وَالْبَحْر الْمُحِيط ٢/٣٥٠ ومذكرة الشَّيْخ الْأمين فِي أصُول الْفِقْه١٩٠.\n٢ - سُورَة الْبَقَرَة آيَة رقم ١٨٥.\n٣ - سُورَة النِّسَاء آيَة رقم ٢٨.\n٤ - سُورَة الْمَائِدَة آيَة رقم ٦.\nوَهَذِه الْآيَات الثَّلَاث فِي الْإِرَادَة الشَّرْعِيَّة الأمرية، وَهِي الَّتِي يستلزمها الْأَمر.\n٥ - سُورَة الْأَنْعَام آيَة رقم ١٢٥.\n٦ - سُورَة الْمَائِدَة آيَة رقم ٤١.\n٧ - سُورَة الْبَقَرَة آيَة رقم ٢٥٣.\nوَهَذِه الْآيَات الثَّلَاث فِي الْإِرَادَة الكونية الْقَدَرِيَّة، وَهِي الَّتِي لَا يستلزمها الْأَمر.\n٨ - مَجْمُوع الْفَتَاوَى ١١/٣٥٤ - ٣٥٥.","vol":"1","page":391},{"text":"الفعلَ المأمورَ بِهِ وَلَا إِرَادَة أَن يَفْعَله، بل قد يَأْمر بِمَا لَا يخلقه١ وَذَلِكَ مُسْتَلْزم لمحبة الرب وَرضَاهُ من العَبْد أَن يَفْعَله، بِمَعْنى أَنه إِذا فعل ذَلِك أحبه ورضيه وَهُوَ يُريدهُ مِنْهُ إِرَادَة الْآمِر من الْمَأْمُور بِمَا أَمر بِهِ لمصلحته٢.\nوَإِن لم يرد أَن يخلقه ويعينه عَلَيْهِ لما لَهُ فِي ترك ذَلِك من الْحِكْمَة فَإِن لَهُ حِكْمَة بَالِغَة فِيمَا خلقه وَفِيمَا لم يخلقه.\nوَفرق بَين أَن يُرِيد أَن يخلق هُوَ الْفِعْل وَيجْعَل غَيره فَاعِلا يحسن إِلَيْهِ ويتفضل عَلَيْهِ بالإعانة لَهُ على مصْلحَته، وَبَين أَن يَأْمر غَيره بِمَا يصلحه وَيبين لَهُ مَا يَنْفَعهُ إِذا فعله وَإِن كَانَ لَا يُرِيد هُوَ نَفسه أَن يُعينهُ لما فِي ترك إعانته من الْحِكْمَة لكَون الْإِعَانَة قد تَسْتَلْزِم مَا يُنَاقض حكمته”٣.\nفِي الْأَمر يتَضَمَّن طلبا٤ وَإِرَادَة للْمَأْمُور بِهِ وَإِن لم يكن ذَلِك إِرَادَة فعل\n_________\n١ - أَي أَن الْأَمر لَا يسْتَلْزم الْإِرَادَة الكونية الْقَدَرِيَّة.\n٢ - أَي أَن الْأَمر يسْتَلْزم الْإِرَادَة الشَّرْعِيَّة الأمرية.\n٣ - مَجْمُوع الْفَتَاوَى ٨/٤٧٧ - ٤٧٨.\nوَذكر ابْن أبي الْعِزّ كلَاما قَرِيبا من هَذَا حَيْثُ قَالَ فِي شرح العقيدة الطحاوية ١/٨٠ - ٨١: “الْفرق ثَابت بَين إِرَادَة المريد أَن يفعل وَبَين إِرَادَته من غَيره أَن يفعل فَإِذا أَرَادَ الْفَاعِل أَن يفعل فعلا فَهَذِهِ الْإِرَادَة الْمُتَعَلّقَة بِفِعْلِهِ وَإِذا أَرَادَ من غَيره أَن يفعل فعلا فَهَذِهِ الْإِرَادَة لفعل الْغَيْر، وكلا النَّوْعَيْنِ مَعْقُول للنَّاس.\nوَالْأَمر يسْتَلْزم الْإِرَادَة الثَّانِيَة دون الأولى، فَالله تَعَالَى إِذا أَمر الْعباد بِأَمْر فقد يُرِيد إِعَانَة الْمَأْمُور على مَا أَمر بِهِ وَقد لَا يُرِيد ذَلِك وَإِن كَانَ مرِيدا مِنْهُ فعله”.\n٤ - قَالَ شيخ الْإِسْلَام فِي مَجْمُوع الْفَتَاوَى ١٧/٦٣: “لَا بُد فِي الْأَمر من طلب واستدعاء واقتضاء سَوَاء قيل إِن هُنَاكَ إِرَادَة شَرْعِيَّة وَأَنه لَا إِرَادَة للرب مُتَعَلقَة بِأَفْعَال الْعباد سواهَا كَمَا تَقوله الْمُعْتَزلَة وَنَحْوهم من الْقَدَرِيَّة.\nأَو قيل: لَا إِرَادَة للرب إِلَّا الْإِرَادَة الخلقية الْقَدَرِيَّة الَّتِي يُقَال فِيهَا مَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن وَأَن إِرَادَته عين نفس محبته وَرضَاهُ مُتَعَلقَة بِكُل مَا يُوجد سَوَاء كَانَ إِيمَانًا أَو كفرا وَأَنه لَيْسَ للْعَبد قدرَة لَهَا أثر فِي وجود مقدوره، وَلَيْسَ فِي الْمَخْلُوقَات قوى وَأَسْبَاب يخلق بهَا وَلَا لله حِكْمَة يخلق وَيَأْمُر لأَجلهَا كَمَا يَقُول هَذَا وَمَا يُشبههُ جهم بن صَفْوَان رَأس الجبرية هُوَ وَمن وَافقه على ذَلِك أَو بعضه من طوائف أهل الْكَلَام وَبَعض متأخري الْفُقَهَاء وَغَيرهم المثبتين للقدر على هَذِه الطَّرِيقَة لَا على طَريقَة السّلف، كَأبي الْحسن وَغَيره فَإِن هَؤُلَاءِ ناقضوا الْقَدَرِيَّة الْمُعْتَزلَة مناقضة ألجأتهم إِلَى إِنْكَار حَقِيقَة الْأَمر وَالنَّهْي والوعد والوعيد، وَإِن كَانَ من يَقُول بِبَعْض ذَلِك يتناقض وَقد يثبت أحدهم من ذَلِك مَا لَا حَقِيقَة لَهُ فِي الْمَعْنى.\nوَأما السّلف وأئمة الْفُقَهَاء وَجُمْهُور الْمُسلمين فيثبتون الْخلق وَالْأَمر والإرادة الخلقية الْقَدَرِيَّة الشاملة لكل حَادث، والإرادة الأمرية الشَّرْعِيَّة المتناولة لكل مَا يُحِبهُ الله ويرضاه لِعِبَادِهِ”.","vol":"1","page":392},{"text":"لأمر وَالله تَعَالَى أَمر الْعباد بِمَا أَمرهم بِهِ، وَلَكِن أعَان أهل الطَّاعَة فَصَارَ مرِيدا لِأَن يخلق أفعالهم، وَلم يعن أهل الْمعْصِيَة فَلم يرد أَن يخلق أفعالهم فَهَذِهِ الْإِرَادَة الخلقية الْقَدَرِيَّة لَا تَسْتَلْزِم الْأَمر.\nأما الْإِرَادَة بِمَعْنى أَنه يحب فعل مَا أَمر بِهِ ويرضاه إِذا فعل، وَيُرِيد من الْمَأْمُور أَن يَفْعَله من حَيْثُ هُوَ مَأْمُور بِهِ فَهَذِهِ لابد مِنْهَا فِي الْأَمر.\nوَلِهَذَا أثبت الله هَذِه الْإِرَادَة فِي الْأَمر دون الأولى، وَلَكِن فِي النَّاس من غلط فنفى الْإِرَادَة مُطلقًا [وَمِنْهُم من أثبتها مُطلقًا] ١.\nوكلا الْفَرِيقَيْنِ لم يُمَيّز بَين الْإِرَادَة الخلقية والإرادة الأمرية والقرءان فرَّق بَين الإرادتين:\nفَقَالَ فِي الأولى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ ٢وَقَالَ نوح ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ ٣ وَقَالَ ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا\n_________\n١ - مَا بَين القوسين زِيَادَة من الباحث اقتضاها السِّيَاق.\n٢ - سُورَة الْأَنْعَام آيَة رقم ١٢٥.\n٣ - سُورَة هود آيَة رقم ٣٤.","vol":"1","page":393},{"text":"يُرِيدُ﴾ ١وَقَالَ ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلاّ بِاللَّهِ﴾ ٢\nوَلِهَذَا قَالَ الْمُسلمُونَ: مَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن.\nوَقَالَ فِي الثَّانِيَة ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ٣ وَقَالَ ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ ٤ وَقَالَ ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ ٥ وَقَالَ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا. يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ ٦٧.\nوَالسَّلَف وأئمة الْفُقَهَاء وَجُمْهُور الْمُسلمين يثبتون الْخلق وَالْأَمر والإرادة الخلقية الْقَدَرِيَّة الشاملة لكل حَادث، والإرادة الأمرية الشَّرْعِيَّة المتناولة لكل مَا يُحِبهُ الله ويرضاه لِعِبَادِهِ وَهُوَ مَا أمرت بِهِ الرُّسُل وَهُوَ مَا ينفع الْعباد ويصلحهم وَيكون لَهُ الْعَاقِبَة الحميدة النافعة فِي الْمعَاد الدافعة للْفَسَاد.\nفَهَذِهِ الْإِرَادَة الأمرية الشَّرْعِيَّة مُتَعَلقَة بإلهيَّته المتضمنة لربوبيته كَمَا أَن تِلْكَ الْإِرَادَة الخلقية الْقَدَرِيَّة مُتَعَلقَة بربوبيته”٨\n_________\n١ - سُورَة الْبَقَرَة آيَة رقم ٢٥٣.\n٢ - سُورَة الْكَهْف آيَة رقم ٣٩.\n٣ - سُورَة الْبَقَرَة آيَة رقم ١٨٥.\n٤ - سُورَة الْأَحْزَاب آيَة رقم ٣٣.\n٥ - سُورَة الْمَائِدَة آيَة رقم ٦.\n٦ - سُورَة النِّسَاء آيَة رقم ٢٦ - ٢٨.\n٧ - مَجْمُوع الْفَتَاوَى ١٧/٦٢ - ٦٣.\n٨ - مَجْمُوع الْفَتَاوَى ١٧/٦٤.","vol":"1","page":394},{"text":"وَمِمَّا سبق يَتَقَرَّر أَنه “يَنْبَغِي أَن يعرف أَن الْإِرَادَة فِي كتاب الله على نَوْعَيْنِ:\nأَحدهمَا: الْإِرَادَة الكونية، وَهِي الْإِرَادَة المستلزمة لوُقُوع المُرَاد الَّتِي يُقَال فِيهَا مَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن ...\nوَأما النَّوْع الثَّانِي: فَهُوَ الْإِرَادَة الدِّينِيَّة الشَّرْعِيَّة وَهِي محبَّة المُرَاد وَرضَاهُ ومحبة أَهله وَالرِّضَا عَنْهُم وجزاءهم بِالْحُسْنَى ... فَهَذِهِ الْإِرَادَة لَا تسلتزم وُقُوع المُرَاد إِلَّا أَن يتَعَلَّق بِهِ النَّوْع الأول من الْإِرَادَة.\nوَلِهَذَا كَانَت الْأَقْسَام أَرْبَعَة:\nأَحدهَا: مَا تعلّقت بِهِ الإرادتان وَهُوَ مَا وَقع فِي الْوُجُود من الْأَعْمَال الصَّالِحَة فَإِن الله أَرَادَهُ إِرَادَة دين وَشرع فَأمر بِهِ وأحبه ورضيه وأراده إِرَادَة كَون فَوَقع وَلَوْلَا ذَلِك لما كَانَ.\nوَالثَّانِي: مَا تعلّقت بِهِ الْإِرَادَة الدِّينِيَّة فَقَط، وَهُوَ مَا أَمر الله بِهِ من الْأَعْمَال الصَّالِحَة فعصى ذَلِك الْأَمر الْكفَّار والفجار، فَتلك كلهَا إِرَادَة دين وَهُوَ يُحِبهَا ويرضاها لَو وَقعت وَلَو لم تقع.\nوَالثَّالِث: مَا تعلّقت بِهِ الْإِرَادَة الكونية فَقَط وَهُوَ مَا قدره وشاءه من الْحَوَادِث الَّتِي لم يَأْمر بهَا كالمعاصي فَإِنَّهُ لم يَأْمر بهَا وَلم يرضها وَلم يُحِبهَا إِذْ هُوَ لَا يَأْمر بالفحشاء١ وَلَا يرضى لعباد الْكفْر٢، وَلَوْلَا مَشِيئَته وَقدرته وخلقه لَهَا لما كَانَت وَلما وجدت فَإِنَّهُ مَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن.\nوَالرَّابِع: مَا لم تتَعَلَّق بِهِ هَذِه الْإِرَادَة وَلَا هَذِه فَهَذَا مَا لم يكن من أَنْوَاع الْمعاصِي”٣\n_________\n١ - يَقُول الله ﷿ ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ الْأَعْرَاف ٢٨.\n٢ - يَقُول الله ﷿ ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ الزمر ٧.\n٣ - مَجْمُوع الْفَتَاوَى ٨/١٨٧ - ١٨٩.","vol":"1","page":395},{"text":"فَالله ﷾ “محبته وَرضَاهُ مُسْتَلْزم للإرادة الدِّينِيَّة وَالْأَمر الديني وَكَذَلِكَ بغضه وغضبه وَسخطه مُسْتَلْزم لعدم الْإِرَادَة الدِّينِيَّة فالمحبة وَالرِّضَا وَالْغَضَب والسخط لَيْسَ هُوَ مُجَرّد الْإِرَادَة هَذَا قَول جُمْهُور أهل السّنة.\nوَمن قَالَ هَذِه الْأُمُور بِمَعْنى الْإِرَادَة كَمَا يَقُوله كثير من الْقَدَرِيَّة وَكثير من أهل الْإِثْبَات فَإِنَّهُ يسْتَلْزم أحد الْأَمريْنِ:\nإِمَّا أَن الْكفْر والفسوق والمعاصي مِمَّا يكرهها دينا فقد كره كَونهَا وَأَنَّهَا وَاقعَة بِدُونِ مَشِيئَته وإرادته، وَهَذَا قَول الْقَدَرِيَّة.\nأَو يَقُول: إِنَّه لما كَانَ مرِيدا لَهَا شاءها فَهُوَ محب لَهَا راضٍ بهَا كَمَا تَقوله طَائِفَة من أهل الْإِثْبَات.\nوكلا الْقَوْلَيْنِ فِيهِ مَا فِيهِ فَإِن الله تَعَالَى يحب الْمُتَّقِينَ١ وَيُحب المقسطين٢ وَقد رَضِي عَن الْمُؤمنِينَ٣ وَيُحب مَا أَمر بِهِ أَمر إِيجَاب٤ أَو اسْتِحْبَاب٥، وَلَيْسَ هَذَا الْمَعْنى ثَابتا فِي الْكفَّار والفجار والظالمين وَلَا يرضى لِعِبَادِهِ الْكفْر وَلَا يحب كل مختال فخور٦.\n_________\n١ - يَقُول الله ﷿ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ التَّوْبَة ٤.\n٢ - يَقُول الله ﷿ ﴿إِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ الحجرات ٩.\n٣ - يَقُول الله ﷿ ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ الْفَتْح ١٨.\n٤ - الْإِيجَاب وُرُود خطاب الشَّرْع بِطَلَب فعل مَعَ جزم مقتضٍ للوعيد على التّرْك. انْظُر شرح الْكَوْكَب ١/٣٤٠.\n٥ - الِاسْتِحْبَاب هُوَ النّدب وَهُوَ وُرُود خطاب الشَّرْع بِطَلَب فعل لَيْسَ مَعَه جزم. انْظُر شرح الْكَوْكَب ١/٣٤٠ أَو هُوَ طلب لفعل غير كف ينتهض فعله خَاصَّة سَببا للثَّواب. انْظُر بَيَان الْمُخْتَصر ١/٣٣١.\n٦ - يَقُول الله ﷿ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ النِّسَاء ٣٦.","vol":"1","page":396},{"text":"وَمَعَ هَذَا فَمَا شَاءَ كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن ...\nفَإِن قيل تَقْسِيم الْإِرَادَة لَا يعرف فِي حَقنا بل إِن الْأَمر مِنْهُ بالشَّيْء إِمَّا أَن يُريدهُ أَو لَا يُريدهُ وَأما الْفرق بَين الْإِرَادَة والمحبة فقد يعرف فِي حَقنا.\nفَيُقَال: وَهَذَا هُوَ الْوَاجِب فَإِن الله تَعَالَى لَيْسَ كمثله شَيْء١، وَلَيْسَ أمره لنا كأمر الْوَاحِد منا لعَبْدِهِ وخدمه، وَذَلِكَ أَن الْوَاحِد منا إِذا أَمر عَبده فإمَّا أَن يَأْمُرهُ لِحَاجَتِهِ إِلَيْهِ أَو إِلَى الْمَأْمُور بِهِ أَو لِحَاجَتِهِ إِلَى الْأَمر فَقَط ... وَالله تَعَالَى لم يَأْمر عباده لِحَاجَتِهِ إِلَى أحد مِنْهُم وَلَا هُوَ مُحْتَاج إِلَى أَمرهم وَإِنَّمَا أمَرَهم إحسانًا مِنْهُ ونعمة أنعم بهَا عَلَيْهِم فَأَمرهمْ بِمَا فِيهِ صَلَاحهمْ ونهاهم عَمَّا فِيهِ فسادهم،\nوإرسال الرُّسُل وإنزال الْكتب من أعظم نعمه على خلقه كَمَا قَالَ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ٢ وَقَالَ تَعَالَى ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِم﴾ ٣ وَقَالَ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ. قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ ٤ فَمن أنعم الله عَلَيْهِ مَعَ الْأَمر بالامتثال فقد تمت النِّعْمَة فِي حَقه كَمَا قَالَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ ٥ وَهَؤُلَاء هم الْمُؤْمِنُونَ.\nوَمن لم ينعم عَلَيْهِ بالامتثال بل خذله حَتَّى كفر وَعصى فقد شقي لما بدل نعْمَة الله كفرا كَمَا قَالَ ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ ٦\n_________\n١ - يَقُول الله ﷿ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ الشورى ١١.\n٢ - سُورَة الْأَنْبِيَاء آيَة رقم ١٠٧.\n٣ - سُورَة آل عمرَان آيَة رقم ١٦٤.\n٤ - سُورَة يُونُس آيَة رقم ٥٧ - ٥٨.\n٥ - سُورَة الْمَائِدَة آيَة رقم ٣.\n٦ - سُورَة إِبْرَاهِيم آيَة رقم ٢٨.","vol":"1","page":397},{"text":"وَالْأَمر وَالنَّهْي الشرعيان لما كَانَا نعْمَة وَرَحْمَة عَامَّة لم يضر ذَلِك عدم انْتِفَاع بعض النَّاس بهما من الْكفَّار، كإنزال الْمَطَر وإنبات الرزق هُوَ نعْمَة عَامَّة وَإِن تضرر بهَا بعض النَّاس لحكمة أُخْرَى، كَذَلِك مَشِيئَته لما شاءه من الْمَخْلُوقَات وأعيانها وأفعالها لَا يُوجب أَن يحب كل شَيْء مِنْهَا فَإِذا أَمر العَبْد بِأَمْر فَذَاك إرشاد وَدلَالَة فَإِن فعل الْمَأْمُور بِهِ صَار محبوبًا لله وَإِلَّا لم يكن محبوبًا لَهُ وَإِن كَانَ مرَادا لَهُ، وإرادته لَهُ تكوينًا لِمَعْنى آخر فالتكوين غير التشريع١.\n_________\n١ - مَجْمُوع الْفَتَاوَى ١١/٣٥٥ - ٣٥٧\nويتلخص من هَذَا أَن القَوْل الصَّحِيح الْمُخْتَار الَّذِي لَا شكّ فِيهِ هُوَ مَا عَلَيْهِ سلف الْأمة وَجُمْهُور الْمُسلمين وَدلّ عَلَيْهِ كتاب الله تَعَالَى وَهُوَ التَّفْصِيل: -\nفَالْأَمْر مُسْتَلْزم للإرادة الشَّرْعِيَّة الأمرية وَهِي المعنية فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ .\nوَالْأَمر غير مُسْتَلْزم للإرادة الكونية الْقَدَرِيَّة وَهِي المعنية فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ .","vol":"1","page":398},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>بَاب: الْعَمَل الْوَاحِد هَل يجوز أَن يكون مَأْمُورا بِهِ مَنْهِيّا عَنهُ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>أصل الْمَسْأَلَة وَمَا تتفرع عَنهُ</span>\n...\nالمبحث الثَّانِي: الْعَمَل الْوَاحِد هَل يجوز أَن يكون مَأْمُورا بِهِ مَنْهِيّا عَنهُ؟\nوَفِيه ثَلَاثَة مطَالب:\nالْمطلب الأول: أصل الْمَسْأَلَة وَمَا تتفرع عَنهُ\nقَاعِدَة كَبِيرَة فِي أَن الشَّخْص الْوَاحِد١ أَو الْعَمَل الْوَاحِد يكون مَأْمُورا بِهِ من وَجه مَنْهِيّا عَنهُ من وَجه وَهَذَا هُوَ مَذْهَب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة٢.\n_________\n١ - الشَّخْص الْوَاحِد هُوَ المذنب من أهل الْملَّة الإسلامية وَمذهب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة أَن المذنب من أهل الْملَّة الإسلامية مُؤمن فَاسق نَاقص الْإِيمَان، وَقَالُوا الْإِيمَان اسْم معتقده وَإِقْرَاره وَعَمله الصَّالح، وَالْفِسْق اسْم عمله السَّيئ فَهُوَ محسن فِيمَا عمل من صَالح ومسيء فِيمَا عمل من سيئ، وَأهل الْكَبَائِر من أمة مُحَمَّد ﷺ لَا يخلدُونَ فِي النَّار إِذا مَاتُوا وهم موحدون.\nانْظُر الْفَصْل فِي الْملَل والأهواء والنحل ٣/٢٧٤ و٢٨٦ وَشرح العقيدة الطحاوية ٢/٤٤٢ والعقيدة الطحاوية مَعَ شرحها ٢/٥٢٤ ومسائل الْإِيمَان لأبي يعلى ٣١٦.\n٢ - قَالَ فِي القواطع ١/٢٤٦ - ٢٤٧ “يُقَال لَهُم: هَل تجوزون أَن يكون الْإِنْسَان فِي فعل وَاحِد مَأْمُورا من وَجه مَنْهِيّا من وَجه مُطيعًا من وَجه عَاصِيا من وَجه؟\nفَإِن قَالُوا: لَا\nقُلْنَا: الدَّلِيل على جَوَازه الْمَشْرُوع والمعقول: -\nأما الْمَشْرُوع فَإِن الْمَرِيض الَّذِي يستضر بِالصَّوْمِ إِذا صَامَ فَإِنَّهُ لم يخْتَلف أحد أَن صَوْمه يَقع وَهُوَ مَأْمُور بِالصَّوْمِ من وَجه، مَنْهِيّ عَنهُ من وَجه، وَلَوْلَا أَنه مَأْمُور من وَجه لم يتَصَوَّر وُقُوعه موقع الصَّوْم الْمَفْرُوض عَلَيْهِ، وَهُوَ مَنْهِيّ عَنهُ من وَجه وَهُوَ لتَضَمّنه إِضْرَارًا بِنَفسِهِ،\nوَأما الْمَعْقُول فَإِن السَّيِّد إِذا قَالَ لعَبْدِهِ احْمِلْ هَذِه الْخَشَبَة إِلَى مَوضِع كَذَا واسلك بهَا طَرِيق كَذَا، فَحمل الْخَشَبَة وسلك طَرِيقا غير الطَّرِيق الَّذِي قَالَ فَإِنَّهُ يكون مُطيعًا من وَجه عَاصِيا من وَجه، أَلا ترى أَنه يحسن أَن يَقُول العَبْد: - إِن كنت عصيتك فِي سلوك هَذَا الطَّرِيق فقد أطعتك فِي حمل هَذِه الْخَشَبَة إِلَى مَوضِع كَذَا”\nوَانْظُر شرح الْكَوْكَب ١/٣٨٩ والمستصفى ١/٢٥٤ وَنِهَايَة السول ٢/٣٠٢ والبرهان\n١ - /٢٠٣ وكشف الْأَسْرَار للْبُخَارِيّ ١/٥٦٧.","vol":"1","page":399},{"text":"خلافًا للخوارج والمعتزلة١، وَقد وافقهم طَائِفَة من أهل الْإِثْبَات متكلميهم وفقهائهم من أَصْحَابنَا٢ وَغَيرهم٣ فِي مَسْأَلَة الْعَمَل الْوَاحِد فِي أصُول الْفِقْه.\nفَقَالُوا: لَا يجوز أَن يكون مَأْمُورا بِهِ مَنْهِيّا عَنهُ٤.\nوَإِن كَانُوا مخالفين لَهُم فِي مَسْأَلَة الشَّخْص الْوَاحِد فِي أصُول الدّين٥ وَلَا\n_________\n١ - حَيْثُ يَقُول الْخَوَارِج إِن الْمُسلم يخرج من الْإِيمَان بارتكاب الْكَبِيرَة وَيدخل الْكفْر، وَيَقُول الْمُعْتَزلَة يخرج من الْإِيمَان وَلَا يدْخل الْكفْر وَهَذِه الْمنزلَة بَين المنزلتين، وَأوجب الْخَوَارِج والمعتزلة لَهُ الخلود فِي النَّار.\nانْظُر شرح العقيدة الطحاوية ٢/٤٣٤ و٥٢٤ ومسائل الْإِيمَان لأبي يعلى ٣٢٣ - ٣٢٥ وَشرح الْأُصُول الْخَمْسَة ١٣٩ - ١٤٠ وَالْإِيمَان لشيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية ٢٨٣ و٣٠٤.\n٢ - قَالَ الكلوذاني فِي التَّمْهِيد ١/٣٧٩: “وَتَحْقِيق هَذَا أَن الصَّلَاة فِي ملك الْغَيْر مَعْصِيّة قطعا، وَالصَّلَاة طَاعَة قطعا، فَكيف يكون الْفِعْل الْوَاحِد طَاعَة مَعْصِيّة؟ ويؤكد هَذَا أَن النَّهْي يَقْتَضِي إعدام الْفِعْل، وَالْأَمر يَقْتَضِي إيجاده فَكيف يتَصَوَّر كَون الْوَاحِد مَعْدُوما مَوْجُودا؟ ”\n٣ - قَالَ فِي الْمَحْصُول ١/٣٤٠ - ٣٤١: “الشَّيْء الْوَاحِد لَا يجوز أَن يكون مَأْمُورا بِهِ مَنْهِيّا عَنهُ مَعًا، وَالْفُقَهَاء قَالُوا يجوز ذَلِك إِذا كَانَ للشَّيْء وَجْهَان، لنا أَن الْمَأْمُور بِهِ هُوَ الَّذِي طلب تَحْصِيله من الْمُكَلف وَأَقل مراتبه رفع الْحَرج من الْفِعْل، والمنهي عَنهُ هُوَ الَّذِي لم يرفع الْحَرج عَن فعله، فالجمع بَينهمَا مُمْتَنع” وَانْظُر التَّحْصِيل من الْمَحْصُول ١/٣٣٥.\n٤ - انْظُر قواطع الْأَدِلَّة ١/٢٤٢ والبرهان لإِمَام الْحَرَمَيْنِ ١/٢٠٠.\n٥ - كَأبي يعلى حَيْثُ ذكر فِي كِتَابه مسَائِل الْإِيمَان ص٣١٦ أَن الْفَاسِق الملي مُؤمن بإيمانه فَاسق بكبيرته وَهَذِه مَسْأَلَة الشَّخْص الْوَاحِد، وَذكر فِي كِتَابه الْعدة ٢/٤٤١ أَن النَّهْي إِذا تعلق بِمَعْنى فِي غير الْمنْهِي عَنهُ يدل على الْفساد كَالصَّلَاةِ فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة، وَهَذِه مَسْأَلَة الْعَمَل الْوَاحِد.\nوَسبب مخالفتهم لَهُم فِي مَسْأَلَة الشَّخْص الْوَاحِد أَن قَول الْمُعْتَزلَة والخوارج فِي مَسْأَلَة الشَّخْص الْوَاحِد مَبْنِيّ على أَن الْإِيمَان شَيْء وَاحِد إِذا زَالَ بعضه زَالَ جَمِيعه وَأَنه لَا يزِيد وَلَا ينقص وَلَا يتفاضل، وَالْعُلَمَاء الَّذين أَشَارَ إِلَيْهِم شيخ الْإِسْلَام ﵀ هُنَا لَا يوافقونهم فِي هَذَا الأَصْل الْفَاسِد بل يرَوْنَ مَا دلّت عَلَيْهِ النُّصُوص وَأجْمع عَلَيْهِ السّلف من أَن الْإِيمَان يتفاضل وَقد يذهب بعضه وَيبقى بعضه.\nوَإِنَّمَا وافقوهم فِي مَسْأَلَة الْعَمَل الْوَاحِد لما ظنوه من تضارب بَين الطَّاعَة وَالْمَعْصِيَة وَالْأَمر وَالنَّهْي فخالفوهم فِي الأَصْل ووافقوهم فِي الْفَرْع.","vol":"1","page":400},{"text":"ريب أَن إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمد أَن هَذَا الْعَمَل لَا يَجْزِي١ وَهِي مَسْأَلَة الصَّلَاة فِي الأَرْض الْمَغْصُوبَة٢.\nوَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى يَجْزِي كَقَوْل أَكثر الْفُقَهَاء٣\nلَكِن من أَصْحَابنَا من جعلهَا عقلية وَرَأى أَنه٤ يمْتَنع ذَلِك عقلا وَهُوَ قَول\n_________\n١ - انْظُر الرِّوَايَة عَن الإِمَام أَحْمد فِي التَّمْهِيد ١/٣٦٩ وروضة الناضر ١/٢٠٩ وَهِي أشهر الرِّوَايَتَيْنِ، انْظُر شرح مُخْتَصر الرَّوْضَة ١/٣٦٢ - ٣٦٣ وَقد قَالَ بِهَذَا القَوْل الْمُعْتَزلَة إِلَّا النظام وَدَاوُد الظَّاهِرِيّ وَأهل الظَّاهِر\nانْظُر قواطع الْأَدِلَّة ١/٢٤٠ - ٢٤١ وَالْبَحْر الْمُحِيط ١/٢٦٣ وَانْظُر مَا سَيَأْتِي فِي الْأَقْوَال.\n٢ - انْظُر بَيَان الْمُخْتَصر ١/٣٧٨ وَقد سبقت الْإِشَارَة إِلَى سَبَب قَول من قَالَ من أهل السّنة وَالْجَمَاعَة بِعَدَمِ الْإِجْزَاء وَسبب قَول الْمُعْتَزلَة بِعَدَمِ الْإِجْزَاء وشتان بَين السببين.\n٣ - انْظُر الرِّوَايَة عَن أَحْمد فِي رَوْضَة النَّاظر ١/٢١٠ وَانْظُر قواطع الْأَدِلَّة ١/٢٤٠ والبرهان\n١ - /١٩٩ وَمَا سَيَأْتِي فِي الْأَقْوَال.\n٤ - فِي المطبوع “لَا يمْتَنع” وَيظْهر أَن “لَا” زَائِدَة كَمَا هُوَ ظَاهر من الْكَلَام على القَوْل الرَّابِع الْآتِي حَيْثُ نسب هُنَاكَ لِابْنِ الباقلاني وَابْن الْخَطِيب أَن الْعقل يمْنَع ذَلِك.","vol":"1","page":401},{"text":"أَكثر الْمُعْتَزلَة، وَكثير من الأشعرية، كَابْن الباقلاني١ وَابْن الْخَطِيب٢“٣.\n_________\n١ - هُوَ مُحَمَّد بن الطّيب بن مُحَمَّد الْبَصْرِيّ ثمَّ الْبَغْدَادِيّ، أَبُو بكر، الْمَعْرُوف بِالْقَاضِي الباقلاني ولد بِالْبَصْرَةِ سنة٣٣٨ هـ، انتصر لمَذْهَب الأشاعرة، وانتهت إِلَيْهِ رئاسة الْمَذْهَب الْمَالِكِي فِي وقته، لَهُ مصنفات مِنْهَا إعجاز القرءان وهداية المسترشدين فِي علم الْكَلَام توفّي بِبَغْدَاد سنة ٤٠٣هـ.\nانْظُر تَرْجَمته فِي سير أَعْلَام النبلاء ١٧/١٩٠ ومعجم المؤلفين ١٠/١٠٩.\n٢ - هُوَ مُحَمَّد بن عمر بن الْحُسَيْن التَّيْمِيّ الْبكْرِيّ، الشَّافِعِي، الرَّازِيّ، أَبُو عبد الله، فَخر الدّين وَيُقَال ابْن خطيب الرّيّ، أَصله من طبرستان وَولد بِالريِّ سنة ٥٤٤هـ وَقيل ٥٤٣هـ كَانَ مُفَسرًا متكلمًا أصوليًا ذَا احترام من الْمُلُوك يتوقد ذكاءً قَالَ الذَّهَبِيّ: “توفّي على طَريقَة حميدة” لَهُ مصنفات كَثِيرَة مِنْهَا التَّفْسِير الْكَبِير والمحصول توفّي بهراة سنة ٦٠٦هـ.\nانْظُر تَرْجَمته فِي سير أَعْلَام النبلاء ٢١/٥٠٠ والأعلام ٦/٣١٣.\n٣ - مَجْمُوع الْفَتَاوَى ١٩/٢٩٥ وَسَيَأْتِي تَوْثِيق ذَلِك عِنْد ذكر الْأَقْوَال.","vol":"1","page":402},{"text":"الْمطلب الثَّانِي:<span data-type=\"title\" id=toc-19> الْأَقْوَال فِي الْمَسْأَلَة:</span>\nالْكَلَام فِي مقامين:\nفِي الْإِمْكَان الْعقلِيّ.\nوَفِي الْإِجْزَاء٤ الشَّرْعِيّ.\nوَالنَّاس فِيهَا على أَرْبَعَة أَقْوَال: ٥\n١ - مِنْهُم من يَقُول: يمْتَنع عقلا وَيبْطل شرعا.٦\n_________\n٤ - سَيَأْتِي تَعْرِيفه إِن شَاءَ الله عِنْد كَلَام شيخ الْإِسْلَام على مَعْنَاهُ ص٤١٦.\n٥ - نقل هَذِه الْأَقْوَال عَن شيخ الْإِسْلَام الزَّرْكَشِيّ فِي الْبَحْر الْمُحِيط ١/٢٦٥.\n٦ - أَشَارَ إِلَى هَذَا الْغَزالِيّ فِي الْمُسْتَصْفى ١/٢٩٥ حَيْثُ قَالَ: “وَمن أبطل أَخذ من التضاد الَّذِي بَين الْقرْبَة وَالْمَعْصِيَة وَيَدعِي كَون ذَلِك محالًا بِدَلِيل الْعقل” وَنقل الزَّرْكَشِيّ عَنهُ فِي الْبَحْر الْمُحِيط ١/٢٦٥ أَنه قَالَ “وَمن أبطل أَخذه من التضاد الَّذِي بَين الْقرْبَة وَالْمَعْصِيَة وَيَدعِي استحالته عقلا”.","vol":"1","page":402},{"text":"وَهُوَ قَول طَائِفَة من متكلمي أَصْحَابنَا وفقهائهم.\n٢ - وَمِنْهُم من يَقُول: - يجوز عقلا لَكِن الْمَانِع سَمْعِي.\nوَهَذَا قد يَقُوله أَيْضا من لَا يرى الْإِجْزَاء من أَصْحَابنَا، وَمن وافقهم، وَهُوَ أشبه عِنْدِي بقول أَحْمد فَإِن أُصُوله تَقْتَضِي أَنه يجوز وُرُود التَّعَبُّد بذلك كُله، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يشبه أصُول السّنة وأئمة الْفِقْه١.\n٣ - وَمِنْهُم من يجوزه عقلا وسمعًا كأكثر الْفُقَهَاء٢.\n٤ - وَمِنْهُم من يمنعهُ عقلا لَكِن يَقُول ورد سمعا.\nوَهَذَا قَول ابْن الباقلاني وَأبي الْحسن٣ وَابْن الْخَطِيب\nزَعَمُوا أَن الْعقل يمْنَع كَون الْفِعْل الْوَاحِد مَأْمُورا بِهِ مَنْهِيّا عَنهُ، وَلَكِن لما\n_________\n١ - وَهُوَ قَول أَكثر أَصْحَاب أَحْمد والظاهرية والزيدية وَهُوَ رِوَايَة عَن مَالك وَوجه لأَصْحَاب الشَّافِعِي، انْظُر شرح الْكَوْكَب ١/٣٩١.\n٢ - وَهُوَ قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ وَرِوَايَة عَن أَحْمد اخْتَارَهَا بعض أَصْحَابه وَهُوَ مَذْهَب الْحَنَفِيَّة. انْظُر شرح الْكَوْكَب ١/٣٩٥ وتيسير التَّحْرِير ٢/٢١٩ وَالْعدة ٢/٤٤٢ وكشف الْأَسْرَار للْبُخَارِيّ ١/٥٦٦ والوصول إِلَى الْأُصُول ١/١٨٩ والبرهان ١/١٩٩ وبذل النّظر ١٥٠ - ١٥٦ وَجمع الْجَوَامِع مَعَ حَاشِيَة الْعَطَّار ١/٥٠١ وَبَيَان الْمُخْتَصر ١/٣٧٩ وَالْبَحْر الْمُحِيط ١/٢٦٢.\n٣ - هُوَ عَليّ بن أبي عَليّ بن مُحَمَّد بن سَالم التغلبي، الْآمِدِيّ، الْحَنْبَلِيّ، ثمَّ الشَّافِعِي، سيف الدّين، ولد سنة ٥٥١هـ بآمد ديار بكر وَكَانَ فَقِيها ً أصوليًا متكلمًا منطقيًا، أَقَامَ بِبَغْدَاد ثمَّ انْتقل إِلَى الشَّام ثمَّ إِلَى مصر من مصنفاته إحكام الْأَحْكَام توفّي بِدِمَشْق سنة ٦٣١ هـ وَدفن بجبل قاسيون.\nانْظُر تَرْجَمته فِي سير أَعْلَام النبلاء ١٢/٢١١ وطبقات الشَّافِعِيَّة للأسنوي ١/٧٣.","vol":"1","page":403},{"text":"دلّ السّمع إِمَّا الْإِجْمَاع١ أَو غَيره على عدم وجوب٢ الْقَضَاء٣ قَالُوا: حصل الْإِجْزَاء عِنْده لَا بِهِ٤\nوَهَذَا القَوْل عِنْدِي أفسد الْأَقْوَال”٥.٦\n_________\n١ - الْإِجْمَاع فِي اللُّغَة الِاتِّفَاق والإحكام والعزيمة على الشَّيْء وَأَن يجْتَمع الشَّيْء المتفرق جَمِيعًا. انْظُر الْقَامُوس الْمُحِيط ٣/١٥ وتهذيب الْأَسْمَاء واللغات ٣/٥٥\nوَفِي الِاصْطِلَاح: اتِّفَاق مجتهدي أمة مُحَمَّد ﷺ بعد وَفَاته فِي حَادِثَة على أَمر من الْأُمُور فِي عصر من الْأَعْصَار انْظُر الْبَحْر الْمُحِيط ٤/٤٣٦.\n٢ - الْوُجُوب فِي اللُّغَة اللُّزُوم والسقوط انْظُر الْقَامُوس الْمُحِيط ١/١٣٦ ومختار الصِّحَاح ٧٠٩.\nوَفِي الِاصْطِلَاح عُرِّف بِمَعْنى الْإِيجَاب الْمُتَقَدّم وَيُطلق تَارَة بِمَعْنى الثُّبُوت فِي الذِّمَّة بِمَعْنى لُزُوم الْإِتْيَان بِالْفِعْلِ وَهُوَ شَائِع فِي إِطْلَاق الْفُقَهَاء وَتارَة بِمَعْنى وجوب الْأَدَاء وَهُوَ اصْطِلَاح الْمُتَكَلِّمين. انْظُر الْبَحْر الْمُحِيط ١/١٧٩ - ١٨٠\n٣ - القضاءفي اللُّغَة إِكْمَال الشَّيْء وإتمامه. انْظُر لِسَان الْعَرَب ٥/٣٦٦٥ والمعجم الْوَسِيط ٢/٧٤٢ - ٧٤٣.\nوَفِي الِاصْطِلَاح إِيقَاع الْعِبَادَة بعد وَقتهَا الْمعِين لَهَا شرعا. انْظُر تقريب الْوُصُول ٢٣١.\n٤ - انْظُر الْمَحْصُول ١/٣٤٤ والإحكام للآمدي ١/١١٥ وَالتَّلْخِيص رِسَالَة جامعية ١/٤٢٠ وَشرح الْكَوْكَب ١/٣٩٣ والمستصفى ١/٢٥٣ - ٢٥٤ والوصول إِلَى الْأُصُول ١/١٨٩ و١٩٢ والبرهان ١/٢٠٠ وَشرح مُخْتَصر الرَّوْضَة ١/٣٦٣ وَبَيَان الْمُخْتَصر ١/٣٧٩ وَالْبَحْر الْمُحِيط ١/٢٦٢.\n٥ - قَالَ السَّمْعَانِيّ فِي القواطع ١/٢٤٩: “نقل بعض الْمُتَأَخِّرين من أَصْحَابنَا عَن القَاضِي أبي بكر الباقلاني كلَاما غير مَفْهُوم فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَهُوَ أَن صَلَاة الْإِنْسَان فِي الأَرْض الْمَغْصُوبَة لَا تقع مَأْمُورا بهَا وَلَكِن يسْقط الْأَمر بِالصَّلَاةِ عِنْدهَا كَمَا يسْقط الْأَمر بأعذار تطرأ من الْجُنُون وَغَيره، وَهَذَا هذيان فأعرضنا عَنهُ”. وَقَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَان ١/٢٠١: “وَهَذَا حائد عِنْدِي عَن التَّحْصِيل غير لَائِق بِمنْصب هَذَا الرجل الخطير”.\n٦ - مَجْمُوع الْفَتَاوَى ١٩/٢٩٥ - ٢٩٦.","vol":"1","page":404},{"text":"الْمطلب الثَّالِث:<span data-type=\"title\" id=toc-20> الِاخْتِيَار فِي الْمَسْأَلَة:</span>\nوَالصَّوَاب أَن ذَلِك مُمكن فِي الْعقل فَأَما الْوُقُوع السمعي فَيرجع فِيهِ إِلَى دَلِيله١ وَذَلِكَ أَن كَون الْفِعْل الْوَاحِد محبوبًا مَكْرُوها، مرضيًا مسخوطًا، مَأْمُورا بِهِ مَنْهِيّا عَنهُ، مقتضيًا للحمد وَالثَّوَاب والذم وَالْعِقَاب، لَيْسَ هُوَ من الصِّفَات اللَّازِمَة كالأسود والأبيض، والمتحرك والساكن، والحي وَالْمَيِّت وَإِن كَانَ فِي هَذِه الصِّفَات كَلَام أَيْضا وَإِنَّمَا هُوَ من الصِّفَات الَّتِي فِيهَا إِضَافَة متعدية مثل كَون الْفِعْل نَافِعًا وضارًا، ومحبوبًا ومكروهًا والنافع هُوَ الجالب للذة٢ والضار هُوَ الجالب للألم٣ وَكَذَلِكَ المحبوب هُوَ الَّذِي فِيهِ فَرح وَلَذَّة للمحب مثلا وَالْمَكْرُوه هُوَ الَّذِي فِيهِ ألم للكاره وَلِهَذَا كَانَ الْحسن والقبح الْعقلِيّ مَعْنَاهُ: الْمَنْفَعَة والمضرة٤ وَالْأَمر وَالنَّهْي يعودان إِلَى الْمَطْلُوب وَالْمَكْرُوه فَهَذِهِ صفة فِي الْفِعْل مُتَعَلقَة بالفاعل أَو غَيره وَهَذِه صفة فِي الْفِعْل مُتَعَلقَة بالآمر الناهي وَلِهَذَا قلت غير مرّة٥: إِن\n_________\n١ - هَذَا بَيَان للإمكان الْعقلِيّ، وَقد اسْتدلَّ الْجُمْهُور على الْإِمْكَان الْعقلِيّ بِأَن السَّيِّد إِذا قَالَ لعَبْدِهِ خطّ هَذَا الثَّوْب وَلَا تدخل هَذِه الدَّار، فخاط العَبْد الثَّوْب فِي الدَّار الْمنْهِي عَنْهَا، يقطع بِطَاعَتِهِ من جِهَة أَن خاط وبمعصيته من جِهَة أَنه خاط فِي الدَّار، فَيكون فعل الْخياطَة مَأْمُورا بِهِ مَنْهِيّا عَنهُ من جِهَتَيْنِ فَدلَّ ذَلِك على الْقطع بِجَوَاز ذَلِك عقلا.\nانْظُر بَيَان الْمُخْتَصر ١/٣٨٠.\n٢ - وَهِي الْمصلحَة. انْظُر مِفْتَاح دَار السَّعَادَة ٢/١٤ وقواعد الْأَحْكَام ١/١٢ والفوائد فِي اخْتِصَار الْمَقَاصِد ٣٥\n٣ - وَهِي الْمفْسدَة. انْظُر المراجع السَّابِقَة.\n٤ - قَالَ الْعِزّ بن عبد السَّلَام فِي الْفَوَائِد ٣٧: “ويعبر عَن الْمصَالح والمفاسد بالمحبوب وَالْمَكْرُوه، والحسنات والسيئات، وَالْعرْف والنكر، وَالْخَيْر وَالشَّر، والنفع والضر، وَالْحسن والقبيح”.\n٥ - وَمن ذَلِك قَوْله ﵀ فِي مَجْمُوع الْفَتَاوَى ٨/٤٣٤ - ٤٣٦: - “قد ثَبت بِالْخِطَابِ وَالْحكمَة الْحَاصِلَة من الشَّرَائِع ثَلَاثَة أَنْوَاع:\nأَحدهَا: أَن يكون الْفِعْل مُشْتَمِلًا على مصلحَة أَو مفْسدَة وَلَو لم يَرِد الشَّرْع بذلك كَمَا يعلم أَن الْعدْل مُشْتَمل عل مصلحَة الْعَالم، وَالظُّلم يشْتَمل على فسادهم فَهَذَا النَّوْع هُوَ حسن وقبيح. وَقد يعلم بِالْعقلِ وَالشَّرْع قبح ذَلِك لَا أَنه أثبت للْفِعْل صفة لم تكن، لَكِن لَا يلْزم من حُصُول هَذَا الْقبْح أَن يكون فَاعله معاقبًا فِي الْآخِرَة إِذا لم يَرِد شرع بذلك ...\nالنَّوْع الثَّانِي: أَن الشَّارِع إِذا أَمر بِشَيْء صَار حسنا وَإِذا نهى عَن شَيْء صَار قبيحًا واكتسب الْفِعْل صفة الْحسن والقبح بخطاب الشَّارِع.\nالنَّوْع الثَّالِث: أَن يَأْمر الشَّارِع بِشَيْء ليمتحن العَبْد هَل يطيعه أم يعصيه وَلَا يكون المُرَاد فعل الْمَأْمُور بِهِ ... فالحكمة منشؤها من نفس الْأَمر لَا من نفس الْمَأْمُور بِهِ ...\nوَأما الْحُكَمَاء وَالْجُمْهُور فأثبتوا الْأَقْسَام الثَّلَاثَة وَهُوَ الصَّوَاب” انْتهى.\nوسأبسط هَذِه الْمَسْأَلَة فِي بحث قادم إِن شَاءَ الله تَعَالَى.","vol":"1","page":405},{"text":"حسن الْفِعْل يحصل من نَفسه تَارَة وَمن الْآمِر تَارَة وَمن مجموعهما تَارَة.\nوالمعتزلة وَمن وافقهم من الْفُقَهَاء أَصْحَابنَا وَغَيرهم الَّذين يمْنَعُونَ النّسخ١ قبل التَّمَكُّن من الْفِعْل٢ لَا يثبتون إِلَّا الأول٣.\n_________\n١ - النّسخ فِي اللُّغَة الْإِزَالَة والتغيير وَالرَّفْع والإبطال وَإِقَامَة الشَّيْء مقَامه. انْظُر الْقَامُوس الْمُحِيط ١/٢٧١ومختارالصحاح ٦٥٦.\nوَفِي الِاصْطِلَاح: إِزَالَة الحكم الثَّابِت بشرع مُتَقَدم بشرع مُتَأَخّر عَنهُ على وَجه لولاه لَكَانَ ثَابتا” انْظُر الْحُدُود للباجي ٤٩ وَالْإِشَارَة إِلَى معرفَة الْأُصُول للباجي ١٧.\n٢ - وَهَذِه الْمَسْأَلَة من مسَائِل كَون الشَّيْء مَأْمُورا بِهِ من وَجه مَنْهِيّا عَنهُ من وَجه قَالَ ابْن قدامَة فِي الرَّوْضَة ١/٣٠٢ - ٣٠٣ “قَوْلهم إِنَّه يُفْضِي إِلَى أَن يكون الشَّيْء مَأْمُورا مَنْهِيّا، فَلَا يمْتَنع أَن يكون مَأْمُورا من وَجه مَنْهِيّا عَنهُ من وَجه”.\nوَهَذَا قَول أَكثر الْحَنَفِيَّة، وَأبي الْحسن التَّمِيمِي من الْحَنَابِلَة، والمعتزلة، وَقَالَ الكيا الطَّبَرِيّ إِنَّه قَول الْفُقَهَاء. انْظُر الْبَحْر الْمُحِيط ٤/٨٦ وروضة النَّاظر ١/٢٩٧ وَالْعدة ٣/٨٠٨ والتمهيد للكلوذاني ٢/٣٥٥.\n٣ - وَهُوَ حسن الْفِعْل من نَفسه. انْظُر شرح مُخْتَصر الرَّوْضَة ٢/٢٨٢ وَالْعدة ٣/٨١٢ وَالْبَحْر الْمُحِيط ١/١٤٦ وَشرح الْكَوْكَب ١/٣٠٦ - ٣٠٧ وَنِهَايَة الْوُصُول ٢/٧٠٥.","vol":"1","page":406},{"text":"والأشعرية وَمن وافقهم من الْفُقَهَاء أَصْحَابنَا وَغَيرهم الَّذين لَا يثبتون للْفِعْل صفة إِلَّا إِضَافَة لتَعلق الْخطاب بِهِ لَا يثبتون إِلَّا الثَّانِي١.\nوَالصَّوَاب إِثْبَات الْأَمريْنِ وَقدر زَائِد يحصل للْفِعْل من جنس تعلق الْخطاب غير تعلق الْخطاب وَيحصل للْفِعْل بعد الحكم.\nفالخطاب مظهر تَارَة ومؤثر تَارَة وجامع بَين الْأَمريْنِ تَارَة ...\nوَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك فَنحْن نعقل ونجد أَن الْفِعْل الْوَاحِد من الشَّخْص أَو من غَيره يجلب لَهُ مَنْفَعَة ومضرة مَعًا، وَالرجل يكون لَهُ عدوَّان يقتل أَحدهمَا صَاحبه فيسر من حَيْثُ عدم عَدو، ويساء من حَيْثُ غلب عَدو، وَيكون لَهُ صديقان يعْزل أَحدهمَا صَاحبه فيساء من حَيْثُ انعزال صديق، وَيسر من حَيْثُ تولى صديق.\nوَأكْثر أُمُور الدُّنْيَا من هَذَا فَإِن الْمصلحَة الْمَحْضَة نادرة٢.\n_________\n١ - وَهُوَ حسن الْفِعْل لوُرُود الْأَمر بِهِ أَي من الْآمِر انْظُر الْبَحْر الْمُحِيط ١/١٣٥ و١٤٥ و١٤٦ وَالتَّلْخِيص رِسَالَة جامعية ١/١٥٨ وَشرح الْكَوْكَب ١/٣٠٧.\n٢ - قَالَ الشاطبي فِي الموافقات ٢/٤٤: “الْمصَالح الدُّنْيَوِيَّة من حَيْثُ هِيَ مَوْجُودَة هُنَا لَا يتَخَلَّص كَونهَا مصَالح مَحْضَة، وأعني بالمصالح مَا يرجع إِلَى قيام حَيَاة الْإِنْسَان وَتَمام عيشه ونيله مَا تَقْتَضِيه أَوْصَافه الشهوانية والعقلية على الْإِطْلَاق حَتَّى يكون منعمًا على الْإِطْلَاق، وَهَذَا فِي مُجَرّد الاعتياد لَا يكون، لِأَن تِلْكَ الْمصَالح مشوبة بتكاليف ومشاق قَلَّتْ أَو كثرت تقترن بهَا أَو تسبقها أَو تلحقها كَالْأَكْلِ وَالشرب واللبس وَالسُّكْنَى وَالرُّكُوب وَالنِّكَاح وَغير ذَلِك، فَإِن هَذِه الْأُمُور لَا تنَال إِلَّا بكد وتعب”.\nوَقَالَ ابْن الْقيم فِي مِفْتَاح دَار السَّعَادَة ٢/١٦: - “وَلَا ريب عِنْد كل عَاقل أَن كَمَال الرَّاحَة بِحَسب التَّعَب وَكَمَال النَّعيم بِحَسب تحمل المشاق فِي طَرِيقه، وَإِنَّمَا تخلص الرَّاحَة واللذة وَالنَّعِيم فِي دَار السَّلَام فَأَما فِي هَذِه الدَّار فكلا وَلما”.\nوَقَالَ الْعِزّ بن عبد السَّلَام فِي قَوَاعِد الْأَحْكَام ١/١٢: - “الْمصَالح الْمَحْضَة قَليلَة وَكَذَلِكَ الْمَفَاسِد الْمَحْضَة وَالْأَكْثَر مِنْهَا اشْتَمَل على الْمصَالح والمفاسد”.\nوَقَالَ أَيْضا فِي قَوَاعِد الْأَحْكَام ١/١١٥ “وَاعْلَم أَن الْمصَالح الْخَالِصَة عزيزة الْوُجُود فَإِن المآكل والمشارب والملابس والمناكح والمراكب والمساكن لَا تحصل إِلَّا بنَصَب مقترن بهَا أَو سَابق أَو لَاحق، وَأَن السَّعْي فِي تَحْصِيل هَذِه الْأَشْيَاء كلهَا شاق على مُعظم الْخلق لَا ينَال إِلَّا بكد وتعب فَإِذا حصلت اقْترن بهَا من الْآفَات مَا ينكدها وينغصها”.","vol":"1","page":407},{"text":"فَأكْثر الْحَوَادِث فِيهَا مَا يسوء وَيسر فيشتمل الْفِعْل على مَا ينفع وَيُحب وَيُرَاد وَيطْلب وعَلى مَا يضر وَيبغض وَيكرهُ وَيدْفَع، وَكَذَلِكَ الْآمِر يَأْمر بتحصيل النافع وَينْهى عَن تَحْصِيل الضار، فيأمر بِالصَّلَاةِ الْمُشْتَملَة على الْمَنْفَعَة وَينْهى عَن الْغَصْب١ الْمُشْتَمل على مضرَّة.\nفَإِذا قَالُوا: الْمُمْتَنع أَن يَأْمُرهُ بِفعل وَاحِد من وَجه وَاحِد فَيَقُول: - صَلِّ هُنَا وَلَا تصلِّ هُنَا، فَإِن هَذَا جمع بَين النقيضين٢، وَالْجمع بَين النقيضين مُمْتَنع لِأَنَّهُ جمع بَين النَّفْي وَالْإِثْبَات.\nفقد يُقَال لَهُم: الْجمع بَين النقيضين مُمْتَنع فِي الْخَبَر فَإِذا قلت صلى زيد هُنَا، لم يصلِّ هُنَا، امْتنع ذَلِك.\nلِأَن الصَّلَاة هُنَا إِمَّا أَن تكون وَإِمَّا أَن لَا تكون وَكَونهَا هُوَ عينهَا وَمَا يتبعهُ من الصِّفَات اللَّازِمَة الَّتِي لَيْسَ فِيهَا نِسْبَة وَإِضَافَة وَتعلق فَأَما الْجمع بَينهمَا فِي الْإِرَادَة وَالْكَرَاهَة، والطلب وَالدَّفْع، والمحبة والبغضة، وَالْمَنْفَعَة والمضرة، فَهَذَا لَا يمْتَنع، فَإِن وجود الشَّيْء قد يكون مرَادا وَيكون عَدمه مرَادا أَيْضا إِذا كَانَ فِي\n_________\n١ - فِي المطبوع “الْغَضَب”.\n٢ - النقيضان هما اللَّذَان لَا يَجْتَمِعَانِ مَعًا وَلَا يرتفعان مَعًا، والتناقض نِسْبَة بَين معنى وَمعنى آخر من جِهَة عدم إِمْكَان اجْتِمَاعهمَا مَعًا وَعدم إِمْكَان ارتفاعهما مَعًا فِي شَيْء وَاحِد وزمان وَاحِد.\nانْظُر تقريب الْوُصُول ١١٢ وضوابط الْمعرفَة ٥٥.","vol":"1","page":408},{"text":"كل مِنْهُمَا مَنْفَعَة للمريد، وَيكون أَيْضا وجوده أَو عَدمه مَكْرُوها بِحَيْثُ يلتذ العَبْد ويتألم بِوُجُودِهِ وَعَدَمه كَمَا قيل:\nفاعجب لشَيْء على الْبغضَاء مَحْبُوب الشيب كره، وَكره أَن نفارقه\nفَهُوَ يكره الشيب ويبغضه لما فِيهِ من زَوَال الشَّبَاب النافع وَوُجُود الشيب الضار وَهُوَ يُحِبهُ أَيْضا وَيكرهُ عَدمه لما فِيهِ من وجود الْحَيَاة وَفِي عَدمه من الفناء.\nوَهَذَا حَال مَا اجْتمع فِيهِ مصلحَة ومفسدة من جَمِيع الْأُمُور.\nلَكِن١ التَّحْقِيق أَن الْفِعْل الْمعِين كَالصَّلَاةِ فِي الدَّار الْمعينَة لَا يُؤمر بِعَينهَا وَينْهى عَن عينهَا لِأَنَّهُ تَكْلِيف٢ مَا لَا يُطَاق٣، فَإِنَّهُ تَكْلِيف للْفَاعِل أَن يجمع بَين وجود الْفِعْل الْمعِين وَعَدَمه٤.\nوَإِنَّمَا يُؤمر بهَا من حَيْثُ هِيَ مُطلقَة وَينْهى عَن الْكَوْن فِي الْبقْعَة فَيكون مورد الْأَمر غير مورد النَّهْي٥ وَلَكِن تلازما فِي الْمعِين٦، وَالْعَبْد هُوَ الَّذِي جمع\n_________\n١ - بعد أَن انْتهى من بَيَان الْإِمْكَان الْعقلِيّ شرع فِي بَيَان حَقِيقَة الْوُرُود السمعي.\n٢ - التَّكْلِيف لُغَة الْأَمر بِمَا يشق. انْظُر لِسَان الْعَرَب ٥/٣٩١٧\nوَاصْطِلَاحا قيل إِلْزَام مُقْتَضى خطاب الشَّرْع، وَقيل الدُّعَاء إِلَى مَا فِيهِ كلفة وَقيل إِلْزَام مَا فِيهِ كلفة. انْظُر شرح مُخْتَصر الرَّوْضَة ١/١٧٩ والبرهان ١/٨٨.\n٣ - سَيَأْتِي بسط هَذِه الْمَسْأَلَة إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي بحث قادم.\n٤ - انْظُر شرح الْكَوْكَب ١/٣٩١ والمستصفى ١/٢٥٤ وَبَيَان الْمُخْتَصر ١/٣٧٨.\n٥ - النَّهْي فِي اللُّغَة الْكَفّ وَالْمَنْع. انْظُر لِسَان الْعَرَب ٦/٤٥٦٤ - ٤٥٦٥\nوَفِي الِاصْطِلَاح: القَوْل الدَّال بِالذَّاتِ على اقْتِضَاء كف عَن فعل لَا بقول كف وَنَحْوه وَزَاد بَعضهم على وَجه الْعُلُوّ وَزَاد بَعضهم على وَجه الاستعلاء.\nانْظُر مذكرة أبرز الْقَوَاعِد الْأُصُولِيَّة ١٩٢ مُكَرر وَنشر البنود ١/١٩٥ وَجمع الْجَوَامِع مَعَ حَاشِيَة الْعَطَّار ١/٤٩٦ وقواطع الْأَدِلَّة ١/٢٥١ وَالْبَحْر الْمُحِيط ٢/٤٢٦.\n٦ - قَالَ فِي القواطع ١/٢٤٥: “الصَّلَاة غير مَنْهِيّ عَنْهَا بِحكم جَوَازهَا، دَلِيله الصَّلَاة فِي ملكه وَإِنَّمَا قُلْنَا إِن الصَّلَاة غير مَنْهِيّ عَنْهَا لِأَن النَّهْي وَإِن ورد لكنه ينْصَرف إِلَى فعل الْغَصْب لَا إِلَى فعل الصَّلَاة، أَلا ترى أَن بعد الْخُرُوج من الصَّلَاة هُوَ فَاعل للغصب غير فَاعل للصَّلَاة، أَلا ترى أَنه لَو صلى فِي مَكَان من الدَّار لَا يخرج من أَن يكون غَاصبا لغير ذَلِك الْمَكَان من بقاع الدَّار”.","vol":"1","page":409},{"text":"ين الْمَأْمُور بِهِ والمنهي عَنهُ لَا أَن الشَّارِع أمره بِالْجمعِ بَينهمَا١ فَأمره بِصَلَاة مُطلقَة، وَنَهَاهُ عَن كَون مُطلق، وَأما الْمعِين فالشارع لَا يَأْمر بِهِ وَلَا ينْهَى عَنهُ كَمَا فِي سَائِر المعينات.\nوَهَذَا أصل مطرد فِي جَمِيع مَا أَمر الله بِهِ من المطلقات، بل فِي كل أَمر فَإِنَّهُ إِذا أَمر بِعِتْق رَقَبَة مُطلقَة كَقَوْلِه ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ ٢، أَو بإطعام سِتِّينَ مِسْكينا أَو صِيَام شَهْرَيْن مُتَتَابعين٣، أَو بِصَلَاة فِي مَكَان، أَو غير ذَلِك، فَإِن العَبْد لَا يُمكنهُ الِامْتِثَال إِلَّا بِإِعْتَاق رَقَبَة مُعينَة، وإطعام طَعَام معِين لمساكين مُعينين، وَصِيَام أَيَّام مُعينَة، وَصَلَاة مُعينَة فِي مَكَان معِين فالمعين فِي جَمِيع المأمورات الْمُطلقَة لَيْسَ مَأْمُورا بِعَيْنِه وَإِنَّمَا الْمَأْمُور بِهِ مُطلق، وَالْمُطلق يحصل بالمعين.\nفالمعين فِيهِ شَيْئَانِ:\nخُصُوص عينه، والحقيقة الْمُطلقَة.\nفالحقيقة الْمُطلقَة هِيَ الْوَاجِبَة، وَأما خُصُوص الْعين فَلَيْسَ وَاجِبا وَلَا مَأْمُورا\n_________\n١ - انْظُر تيسير التَّحْرِير ٢/٢١٩ وَشرح مُخْتَصر الرَّوْضَة ١/٣٦٧ وَالْبَحْر الْمُحِيط ١/٢٦٣.\n٢ - سُورَة المجادلة آيَة رقم ٣.\n٣ - قَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ. فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ المجادلة ٣ - ٤.","vol":"1","page":410},{"text":"بِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ أحد الْأَعْيَان الَّتِي يحصل بهَا الْمُطلق بِمَنْزِلَة الطَّرِيق إِلَى مَكَّة وَلَا قصد للْآمِر فِي خُصُوص التَّعْيِين١.\nوَهَذَا الْكَلَام مَذْكُور فِي مَسْأَلَة الْوَاجِب على التَّخْيِير وَالْوَاجِب الْمُطلق٢ وَالْوَاجِب الْمعِين وَالْفرق بَينهَا: أَن الْوَاجِب الْمُخَير٣ قد أَمر فِيهِ بِأحد أَشْيَاء محصورة وَالْمُطلق لم يُؤمر فِيهِ بِأحد أَشْيَاء محصورة وَإِنَّمَا أَمر بالمطلق وَلِهَذَا اخْتلف فِي الْوَاجِب الْمُخَير فِيهِ هَل الْوَاجِب هُوَ الْقدر الْمُشْتَرك، كالواجب الْمُطلق، أَو الْوَاجِب هُوَ الْمُشْتَرك والمميز أَيْضا على التَّخْيِير؟ ٤.\nفِيهِ وَجْهَان:\nوالمشترك هُوَ كَونه أَحدهَا٥.\n_________\n١ - فَمن ملك مائَة رَقَبَة مثلا فأيها أعتق يَقع من الْكَفَّارَة. انْظُر قواطع الْأَدِلَّة ١/١٧٦.\n٢ - الْوَاجِب الْمُطلق هُوَ مَا تعلق الْعقَاب بِتَرْكِهِ. انْظُر الْفَقِيه والمتفقه ١/١٩١ وَسَيَأْتِي تَعْرِيف لَهُ فِي الْحَاشِيَة رقم (٣) ص (٤١٢) .\n٣ - الْوَاجِب المخيرهو إِيجَاب شَيْء مُبْهَم من أَشْيَاء محصورة. انْظُر الْبَحْر الْمُحِيط ١/١٨٦.\n٤ - عِنْد أَكثر الْعلمَاء الْوَاجِب وَاحِد لَا بِعَيْنِه وَيتَعَيَّن بِفعل الْمُكَلف ومتعلق الْوُجُوب هُوَ الْقدر الْمُشْتَرك بَين الْخِصَال.\nانْظُر شرح الْكَوْكَب ١/٣٨٠ وَالْقَوَاعِد والفوائد الْأُصُولِيَّة ٦٥ والتبصرة ٧٠ وقواطع الْأَدِلَّة ١/١٧١ وموافقة صَحِيح الْمَنْقُول لصريح الْمَعْقُول ١/١٢٨\nوَقَالَت الْمُعْتَزلَة: تجب جَمِيع الْخِصَال وَيسْقط بِفعل وَاحِد مِنْهَا.\nانْظُر شرح الْكَوْكَب ١/٣٨٢ وَالْقَوَاعِد والفوائد الْأُصُولِيَّة ٦٥ والتبصرة ٧٠ وقواطع الْأَدِلَّة ١/١٧١ وموافقة صَحِيح الْمَنْقُول لصريح الْمَعْقُول ١/١٢٨.\n٥ - قَالَ شيخ الْإِسْلَام فِي مُوَافقَة صَحِيح الْمَنْقُول لصريح الْمَعْقُول ١/١٢٨: “وَحَقِيقَة الْأَمر أَن الْوَاجِب هُوَ الْقدر الْمُشْتَرك بَين الثَّلَاثَة وَهُوَ مُسَمّى أَحدهَا فَالْوَاجِب أحد الثَّلَاثَة، وَهَذَا مُتَعَيّن متميز مَعْرُوف للْمَأْمُور وَهَذَا الْمُسَمّى يُوجد فِي هَذَا الْمعِين وَهَذَا الْمعِين وَهَذَا الْمعِين فَلم يجب وَاحِد بِعَيْنِه غير معِين بل وَجب أحد المعينات والامتثال يحصل بِوَاحِد مِنْهَا وَإِن لم يُعينهُ ... إِذا كَانَ الْوَاجِب غير معِين بل هُوَ الْقدر الْمُشْتَرك لَا مُنَافَاة بَين الْإِيجَاب وَترك التَّعْيِين” وَانْظُر بَيَان الْمُخْتَصر ١/٣٥١.","vol":"1","page":411},{"text":"فعلى هَذَا مَا تميز بِهِ أَحدهَا عَن الآخر لَا يُثَاب عَلَيْهِ ثَوَاب الْوَاجِب١، بِخِلَاف مَا إِذا قيل المتميز وَاجِب على الْبَدَل أَيْضا٢.\nأما الْمُطلق فَلم يتَعَرَّض فِيهِ للأعيان المتميزة بِقصد لكنه من ضَرُورَة الْوَاقِع فَهُوَ من بَاب مَا لَا يتم الْوَاجِب إِلَّا بِهِ٣.\nوَهُوَ وَإِن قيل هُوَ وَاجِب فَهُوَ وَاجِب فِي الْفِعْل وَهُوَ مُخَيّر فِيهِ، فاختياره لإحدى الْعَينَيْنِ لَا يَجعله وَاجِبا عينا.\n_________\n١ - قَالَ فِي شرح الْكَوْكَب١/٣٨٣: “إِن كفَّر بهَا كلهَا أَو بِأَكْثَرَ من وَاحِد مرتبَة ... فَالْوَاجِب الأول ... إِجْمَاعًا لِأَنَّهُ الَّذِي أسقط الْفَرْض وَالَّذِي بعده لم يُصَادف وجوبا فِي الذِّمَّة وَإِن أخرج الْكل مَعًا ... فِي وَقت وَاحِد ... أثيب ثَوَاب وَاجِب على أَعْلَاهَا فَقَط”. وَانْظُر الْقَوَاعِد والفوائد الْأُصُولِيَّة ٦٧ وَنِهَايَة الْوُصُول ٢/٥٢٨ والتمهيد للأسنوي ٨١.\n٢ - نُقِل عَن بعض الْمُعْتَزلَة أَنه إِن فعل الْجَمِيع يُثَاب عَلَيْهَا ثَوَاب الْوَاجِب، لَكِن قيل إِن هَذَا مَذْهَب من لَا يعبأ بِهِ مِنْهُم، وَقد نقل بعض الْعلمَاء الِاتِّفَاق على أَنه لَا يُثَاب على الْجَمِيع ثَوَاب الْوَاجِب.\nانْظُر الْقَوَاعِد والفوائد الْأُصُولِيَّة ٦٦ وَنِهَايَة الْوُصُول ٢/٥٢٨ و٥٣٢.\n٣ - قَالَ شيخ الْإِسْلَام فِي مُوَافقَة صَحِيح الْمَنْقُول لصريح الْمَعْقُول ١/١٢٨: “الْوَاجِب الْمُطلق وَهُوَ الْأَمر بالماهية الْكُلية كالأمر بِإِعْتَاق رَقَبَة مُطلقَة، وَالْمُطلق لَا يُوجد إِلَّا معينا، لَكِن لَا يكون معينا فِي الْعلم وَالْقَصْد، فالآمر لم يقْصد وَاحِدًا بِعَيْنِه مَعَ علمه بِأَنَّهُ لَا يُوجد إِلَّا معينا وَأَن الْمُطلق الْكُلِّي وجوده عِنْد النَّاس فِي الأذهان لَا فِي الْأَعْيَان فَمَا هُوَ مُطلق كلي فِي أذهان النَّاس لَا يُوجد إِلَّا معينا مشخصًا مَخْصُوصًا متميزًا فِي الْأَعْيَان، وَإِنَّمَا سمي كليًا لكَونه فِي الذِّهْن كليًا وَأما الْخَارِج فَلَا يكون فِي الْخَارِج مَا هُوَ كلي أصلا”.\nوَسَيَأْتِي بسط مَسْأَلَة مَا لَا يتم الْوَاجِب إِلَّا بِهِ فِي بحث قادم إِن شَاءَ الله تَعَالَى.","vol":"1","page":412},{"text":"فَتبين بذلك أَن تعْيين عين الْفِعْل وَعين الْمَكَان لَيْسَ مَأْمُورا بِهِ، فَإِذا نهي عَن الْكَوْن فِيهِ لم يكن هَذَا الْمنْهِي عَنهُ قد أَمر بِهِ، إِذْ الْمَأْمُور بِهِ مُطلق وَهَذَا الْمعِين لَيْسَ من لَوَازِم الْمَأْمُور بِهِ، وَإِنَّمَا يحصل بِهِ الِامْتِثَال كَمَا يحصل بِغَيْرِهِ.\nفَإِن قيل: إِن لم يكن مَأْمُورا بِهِ فَلَا بُد أَن يُبَاح الِامْتِثَال بِهِ وَالْجمع بَين النَّهْي وَالْإِبَاحَة١ جمع بَين النقيضين.\nقيل: وَلَا يجب أَن يُبَاح الِامْتِثَال بِهِ بل يَكْفِي ألاّ ينْهَى عَن الِامْتِثَال بِهِ فَمَا بِهِ يُؤدى الْوَاجِب لَا يفْتَقر إِلَى إِيجَاب وَلَا إِلَى إِبَاحَة بل يَكْفِي أَلا يكون مَنْهِيّا عَن الِامْتِثَال بِهِ، فَإِذا نَهَاهُ عَن الِامْتِثَال بِهِ امْتنع أَن يكون الْمَأْمُور بِهِ دَاخِلا فِيهِ من غير مَعْصِيّة.\nفَهُنَا أَرْبَعَة أَقسَام:\n١ - أَن يكون مَا يمتثل وَاجِبا كإيجاب صِيَام شهر رَمَضَان بالإمساك فِيهِ عَن الْوَاجِب.\n٢ - وَأَن يكون مُبَاحا كخصال الْكَفَّارَة فَإِنَّهُ قد أُبِيح لَهُ نوع كل مِنْهَا كَمَا لَو قَالَ أطْعم زيدا أَو عمرا.\n٣ - وألاّ يكون مَنْهِيّا عَنهُ كالصيام الْمُطلق وَالْعِتْق الْمُطلق، فالمعين لَيْسَ مَنْهِيّا عَنهُ وَلَا مُبَاحا بخطاب بِعَيْنِه إِذْ لَا يحْتَاج إِلَى ذَلِك.\n٤ - وَالرَّابِع أَن يكون مَنْهِيّا عَنهُ كالأضاحي المعيبة وإعتاق الْكَافِر.\nفَإِذا صلّى فِي مَكَان مُبَاح كَانَ ممتثلًا لإتيانه بِالْوَاجِبِ بِمعين لَيْسَ مَنْهِيّا عَنهُ، وَإِذا صلى فِي الْمَغْصُوب فقد يُقَال: إِنَّمَا نهي عَن جنس الْكَوْن فِيهِ لَا عَن خُصُوص الصَّلَاة فِيهِ فقد أدّى الْوَاجِب بِمَا لم ينْه عَن الِامْتِثَال بِهِ لَكِن نهي عَن\n_________\n١ - الْإِبَاحَة هِيَ وُرُود خطاب الشَّرْع بالتخيير بَين الْفِعْل وَالتّرْك.\nانْظُر شرح الْكَوْكَب ١/٣٤٢.","vol":"1","page":413},{"text":"جنس فعله، فبه اجْتمع فِي الْفِعْل الْمعِين مَا أَمر بِهِ من الصَّلَاة الْمُطلقَة وَمَا نهي عَنهُ من الْكَوْن الْمُطلق فَهُوَ مُطِيع عاصٍ١.\nوَلَا نقُول: إِن الْفِعْل الْمعِين مَأْمُور بِهِ مَنْهِيّ عَنهُ لَكِن اجْتمع فِيهِ الْمَأْمُور بِهِ والمنهي عَنهُ كَمَا لَو صلى ملابسًا لمعصية من حمل مَغْصُوب.\nوَقد يُقَال٢: بل هُوَ مَنْهِيّ عَن الِامْتِثَال بِهِ كَمَا هُوَ مَنْهِيّ عَن الِامْتِثَال بِالصَّلَاةِ فِي الْمَكَان النَّجس وَالثَّوْب النَّجس، لِأَن الْمَكَان شَرط٣ فِي الصَّلَاة، وَالنَّهْي عَن الْجِنْس نهي عَن أَنْوَاعه فَيكون مَنْهِيّا عَن بعض هَذِه الصَّلَاة، بِخِلَاف الْمنْهِي عَنهُ إِذا كَانَ مُنْفَصِلا عَن أبعاضها كَالثَّوْبِ الْمَحْمُول فالحمل لَيْسَ من الصَّلَاة.\nفَهَذَا مَحل نظر الْفُقَهَاء وَهُوَ مَحل للِاجْتِهَاد٤.\n_________\n١ - انْظُر قواطع الْأَدِلَّة ١/٢٤٧ - ٢٤٨.\n٢ - حَاصله أَن النَّهْي رَاجع إِلَى شَرط مُعْتَبر فِي الصَّلَاة لِأَنَّهَا أَفعَال تفْتَقر إِلَى أكوان فَإِذا كَانَ الْكَوْن الَّذِي هُوَ شَرط مَنْهِيّا عَنهُ دلّ على الْفساد، كَمَا لَو صلى فِي ثوب نجس، لِأَن النَّهْي رَجَعَ إِلَى شَرط مُعْتَبر.\nانْظُر الْعدة ٢/٤٤٣.\n٣ - الشَّرْط: فِي اللُّغَة إِلْزَام الشَّيْء والتزامه والعلامة.\nانْظُر الْقَامُوس الْمُحِيط ٢/٣٦٨.\nوَفِي الِاصْطِلَاح مَا يلْزم من عَدمه عدم الحكم وَلَا يلْزم من وجوده وجود الحكم وَلَا عَدمه لذاته. انْظُر تقريب الْوُصُول ٢٤٦.\n٤ - الِاجْتِهَاد: فِي اللُّغَة افتعال من الجَهد بِمَعْنى الطَّاقَة وَالْمَشَقَّة وَمن الجُهد بِمَعْنى الطَّاقَة وَالِاجْتِهَاد بذل الوسع.\nانْظُر الْقَامُوس الْمُحِيط ١/٢٨٦ ولسان الْعَرَب ١/٧٠٨.\nوَفِي الِاصْطِلَاح: استفراغ الْجهد فِي دَرك الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة.\nانْظُر الْمِنْهَاج مَعَ نِهَايَة السول ٤/٥٢٤ والإبهاج ٣/٢٤٦.","vol":"1","page":414},{"text":"لَا أَن عين هَذِه الأكوان هِيَ مَأْمُور بهَا ومنهي عَنْهَا فَإِن هَذَا بَاطِل قطعا، بل عينهَا وَإِن كَانَت مَنْهِيّا عَنْهَا فَهِيَ مُشْتَمِلَة على الْمَأْمُور بِهِ وَلَيْسَ مَا اشْتَمَل على الْمَأْمُور بِهِ الْمُطلق يكون مَأْمُورا بِهِ.\nثمَّ يُقَال: وَلَو نهي عَن الِامْتِثَال على وَجه معِين مثل أَن يُقَال: - صلِّ وَلَا تصلِّ فِي هَذِه الْبقْعَة، وخِطْ هَذَا الثَّوْب وَلَا تخِطْه فِي هَذَا الْبَيْت، فَإِذا صلى فِيهِ وخاط فِيهِ فَلَا ريب أَنه لم يَأْتِ بالمأمور بِهِ كَمَا أَمر لَكِن هَل يُقَال: أَتَى بِبَعْض الْمَأْمُور بِهِ أَو بِأَصْلِهِ دون وَصفه؟ وَهُوَ مُطلق الصَّلَاة والخياطة دون وَصفه.\nأَو مَعَ مَنْهِيّ عَنهُ بِحَيْثُ يُثَاب على ذَلِك الْفِعْل وَإِن لم يسْقط الْوَاجِب أَو عُوقِبَ على الْمعْصِيَة وَقد تقدم القَوْل فِي ذَلِك وبينت أَن الْأَمر كَذَلِك وَهِي تشبه مَسْأَلَة صَوْم يَوْم الْعِيد وَنَحْوه مِمَّا يَقُول أَبُو حنيفَة فِيهِ بِعَدَمِ الْفساد١٢.\n_________\n١ - الْفساد فِي اللُّغَة ضد الصّلاح.\nانْظُر الْقَامُوس الْمُحِيط ١/٣٢٣.\nوَفِي الِاصْطِلَاح عِنْد الْجُمْهُور فِي الْعِبَادَات عدم سُقُوط الْقَضَاء بِالْفِعْلِ، وَفِي الْمُعَامَلَات تخلف الْأَحْكَام عَنْهَا وخروجها عَن كَونهَا أسبابًا مفيدة للْأَحْكَام\nوَعند الْحَنَفِيَّة الْفَاسِد مَا كَانَ مَشْرُوعا بِأَصْلِهِ غير مَشْرُوع بوصفه.\nانْظُر كشف الْأَسْرَار للْبُخَارِيّ ١/٥٣٠ وَشرح الْكَوْكَب ١/٤٦٥ - ٤٦٧.\n٢ - هَذِه مَسْأَلَة النَّهْي الْمُطلق عَن التَّصَرُّفَات الشَّرْعِيَّة، وَهُوَ عِنْد الْحَنَفِيَّة يَقْتَضِي قبحًا لِمَعْنى فِي غير الْمنْهِي عَنهُ لَكِن يكون مُتَّصِلا بِهِ حَتَّى يبْقى الْمنْهِي مَشْرُوعا وَلَا يدل النَّهْي على الْبطلَان كَصَوْم يَوْم الْعِيد حسن مَشْرُوع بِأَصْلِهِ وَهُوَ الْإِمْسَاك لله تَعَالَى فِي وقته فَيكون طَاعَة وقربة، وَهُوَ قَبِيح بوصفه وَهُوَ الْإِعْرَاض عَن الضِّيَافَة الْمَوْضُوعَة فِي هَذَا الْوَقْت بِالصَّوْمِ، فَلم تنْقَلب الطَّاعَة مَعْصِيّة بل هُوَ طَاعَة انْضَمَّ إِلَيْهَا وصف هُوَ مَعْصِيّة، وَلذَا ذكر بعض الْحَنَفِيَّة أَن صَوْم يَوْم الْعِيد مَكْرُوه.\nانْظُر أصُول الْبَزْدَوِيّ مَعَ كشف الْأَسْرَار ١/٥٥١ - ٥٦١ وكشف الْأَسْرَار للْبُخَارِيّ١/٥٢٦ - ٥٢٨ وكشف الْأَسْرَار للنسفي ١/١٤٥ - ١٤٨ وبدائع الصَّنَائِع ٢/٧٨ وَفتح الْقَدِير للكمال ابْن الْهمام ٢/٢٩٨ وَانْظُر الْمَسْأَلَة فِي الْمُسْتَصْفى ٣/٢٠٤ - ٢٠٧.","vol":"1","page":415},{"text":"وَأَن الْإِجْزَاء والإثابة يَجْتَمِعَانِ ويفترقان١، فالإجزاء بَرَاءَة الذِّمَّة من عُهْدَة الْأَمر وَهُوَ السَّلامَة من ذمّ الرب أَو عِقَابه٢ وَالثَّوَاب الْجَزَاء على الطَّاعَة٣ وَلَيْسَ الثَّوَاب من مقتضيات مُجَرّد الِامْتِثَال، بِخِلَاف الْإِجْزَاء فَإِن الْأَمر يَقْتَضِي إِجْزَاء الْمَأْمُور بِهِ٤.\nلَكِن هما مجتمعان فِي الشَّرْع إِذْ قد اسْتَقر فِيهِ أَن الْمُطِيع مثاب والعاصي معاقب.\nوَقد يفترقان فَيكون الْفِعْل مجزئًا لَا ثَوَاب فِيهِ إِذا قارنه من الْمعْصِيَة مَا يُقَابل الثَّوَاب كَمَا قيل “رب صَائِم حَظه من صِيَامه الْعَطش وَرب قَائِم حَظه من قِيَامه السهر”٥.\nفَإِن عمل الزُّور فِي الصّيام٦ أوجب إِثْمًا يُقَابل ثَوَاب الصَّوْم، وَقد اشْتَمَل\n_________\n١ - قَالَ الزَّرْكَشِيّ فِي الْبَحْر الْمُحِيط ١/٣١٨ “الصِّحَّة لَا تَسْتَلْزِم الثَّوَاب بل يكون الْفِعْل صَحِيحا وَلَا ثَوَاب فِيهِ”.\n٢ - انْظُر تَعْرِيفه فِي الْبَحْر الْمُحِيط٢/٤٠٧ و١/٣١٩ وَشرح الْكَوْكَب ١/٤٦٨ - ٤٦٩ ونثر الْوُرُود ١/٦٣ وَنِهَايَة السول ١/١٠٤.\n٣ - انْظُر تَعْرِيفه فِي التعريفات للجرجاني ٧٢ والتعريفات للبركتي ٢٤٤.\n٤ - هَذَا قَول عَامَّة الْفُقَهَاء والمتكلمين ومحققي الْأُصُولِيِّينَ.\nانْظُر التَّمْهِيد للكلوذاني ١/٣١٦ ومفتاح الْوُصُول للتلمساني ٣١ وَشرح مُخْتَصر الرَّوْضَة ٢/٣٩٩ وَالْبَحْر الْمُحِيط ٢/٤٠٦.\n٥ - هَذَا حَدِيث رَوَاهُ ابْن مَاجَه ١/٥٣٩ وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه ٣/٢٤٢ وبوّب لَهُ بقوله: بَاب نفي ثَوَاب الصَّوْم عَن الممسك عَن الطَّعَام وَالشرَاب مَعَ ارتكابه مَا زجر عَنهُ غير الْأكل وَالشرب” وَصَححهُ الألباني فِي صَحِيح التَّرْغِيب والترهيب ٤٥٣.\n٦ - هَذِه إِشَارَة للْحَدِيث الْوَارِد فِي ذَلِك وَهُوَ قَول النَّبِي ﷺ “من لم يدع قَول الزُّور وَالْعَمَل بِهِ فَلَيْسَ لله حَاجَة فِي أَن يدع طَعَامه وَشَرَابه” رَوَاهُ البُخَارِيّ. انْظُر صَحِيحه مَعَ فتح الْبَارِي ٤/٩٣.","vol":"1","page":416},{"text":"الصَّوْم على الِامْتِثَال الْمَأْمُور بِهِ وَالْعَمَل بالمنهي عَنهُ فبرئت الذِّمَّة للامتثال وَوَقع الحرمان للمعصية.\nوَقد يكون مثابًا عَلَيْهِ غير مجزئ إِذا فعله نَاقِصا عَن الشَّرَائِط والأركان١ فيثاب على مَا فعل وَلَا تبرا الذِّمَّة إلاّ بِفِعْلِهِ كَامِلا.\nوَهَذَا تَحْرِير جيد أَن فعل الْمَأْمُور بِهِ يُوجب الْبَرَاءَة فَإِن قارنه مَعْصِيّة بِقَدرِهِ تخل بِالْمَقْصُودِ قَابل الثَّوَاب.\nوَإِن نقص الْمَأْمُور بِهِ أثيب وَلم تحصل الْبَرَاءَة التَّامَّة فإمَّا أَن يُعَاد وَإِمَّا أَن يجْبر وَإِمَّا أَن يَأْثَم فَتدبر هَذَا الأَصْل فَإِن الْمَأْمُور بِهِ مثل المحبوب الْمَطْلُوب إِذا لم يحصل تَاما لم يكن الْمَأْمُور بَرِيئًا من الْعهْدَة.\nفنقصه إِمَّا أَن يجْبر بِجِنْسِهِ أَو بِبَدَل أَو بِإِعَادَة٢ الْفِعْل كَامِلا إِذا كَانَ مرتبطًا وَإِمَّا أَن يبْقى فِي الْعهْدَة كركوب الْمنْهِي عَنهُ.\nفَالْأول٣: مثل من أخرج الزَّكَاة نَاقِصا فَإِنَّهُ يخرج التَّمام.\n_________\n١ - الْأَركان جمع ركن وَهُوَ فِي اللُّغَة جَانب الشَّيْء الْأَقْوَى. انْظُر الْقَامُوس الْمُحِيط ٤/٢٢٩\nوَفِي الِاصْطِلَاح: مَا لَا وجود للشَّيْء إِلَّا بِهِ أَو مَا يقوم بِهِ الشَّيْء وَكَانَ دَاخِلا فِي ماهيته.\nانْظُر الكليات ٤٨١ والتعريفات ١١٢.\n٢ - الْإِعَادَة فِي اللُّغَة الإرجاع والتكرير. انْظُر الْقَامُوس الْمُحِيط ١/٣١٩\nوَفِي الِاصْطِلَاح: فعل مثل مَا مضى فَاسِدا كَانَ الْمَاضِي أَو صَحِيحا.\nوَقيل: فعل الْوَاجِب فِي الْوَقْت مَعَ نوع من الْخلَل ثمَّ فعله ثَانِيًا فِيهِ\nانْظُر الْبَحْر الْمُحِيط ١/٣٣٣ وَنِهَايَة الْوُصُول ٢/٥٦٦.\n٣ - أَي نقص الْمَأْمُور الَّذِي يجْبر بِجِنْسِهِ.","vol":"1","page":417},{"text":"وَالثَّانِي١: مثل من ترك وَاجِبَات الْحَج فَإِنَّهُ يجْبر بِالدَّمِ٢، وَمن ترك وَاجِبَات الصَّلَاة المجبورة بِالسُّجُود٣.\nوَالثَّالِث٤: مثل من ضحى بمعيبة٥ أَو أعتق معيبا٦ أَو صلى بِلَا طَهَارَة٧.\n_________\n١ - أَي نقص الْمَأْمُور الَّذِي يجْبر بِبَدَل.\n٢ - قَالَ شيخ الْإِسْلَام فِي شرح الْعُمْدَة ٢/٢٨٠: “ترك الْوَاجِب بِمَنْزِلَة فعل الْمَحْظُور فِي أَن كلا مِنْهُمَا ينقص النّسك وَأَنه يفْتَقر إِلَى جبران يكون خلفا عَنهُ”.\n٣ - قَالَ ابْن قدامَة فِي الْكَافِي ١/١٦٠: “بَاب سُجُود السَّهْو وَإِنَّمَا يشرع لجبر خلل الصَّلَاة”\nوَقَالَ أَيْضا فِي الْكَافِي ١/١٦٦: “تَرَكَ وَاجِبا غير ركن ... سَهوا سجد للسَّهْو قبل السَّلَام لما روى عبد الله بن مَالك بن بحينه قَالَ: صلى بِنَا النَّبِي ﷺ الظّهْر فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ فَلم يجلس فَقَامَ النَّاس مَعَه فَلَمَّا قضى الصَّلَاة وانتظر النَّاس تَسْلِيمه كبر فَسجدَ سَجْدَتَيْنِ قبل أَن يسلم” مُتَّفق عَلَيْهِ فَثَبت هَذَا بالْخبر وقسنا عَلَيْهِ سَائِر الْوَاجِبَات”\nوالْحَدِيث الْمَذْكُور فِي النَّص رَوَاهُ البُخَارِيّ انْظُر صَحِيحه مَعَ فتح الْبَارِي ٣/٧١ - ٧٢ وَمُسلم انْظُر صَحِيحه مَعَ شرح النَّوَوِيّ ٥/٥٩\nوَقَالَ الْحَافِظ فِي الْفَتْح ٣/٧١: “اخْتلف فِي حكمه فَقَالَ الشَّافِعِيَّة مسنون كُله وَعَن الْمَالِكِيَّة السُّجُود للنقص وَاجِب دون الزِّيَادَة وَعَن الْحَنَابِلَة التَّفْصِيل بَين الْوَاجِبَات غير الْأَركان فَيجب لتركها سَهوا، وَبَين السّنَن القولية فَلَا يجب، وَكَذَا يجب إِذا سَهَا بِزِيَادَة فعل أَو قَول يُبْطِلهَا عمده، وَعند الْحَنَفِيَّة وَاجِب كُله”.\n٤ - أَي نقص الْمَأْمُور الَّذِي يجْبر بِإِعَادَة الْفِعْل كَامِلا.\n٥ - قَالَ النَّوَوِيّ فِي الْمَجْمُوع ٧/٤٠٤: “أَجمعُوا على أَن العمياء لَا تُجزئ وَكَذَا العوراء الْبَين عورها والعرجاء الْبَين عرجها وَالْمَرِيض الْبَين مَرضهَا والعجفاء”.\n٦ - قَالَ النَّوَوِيّ فِي الْمَجْمُوع ٧/٤٠٣: “من أعتق عَن كَفَّارَة معيبا يعْتق ويثاب عَلَيْهِ وَإِن كَانَ لَا يُجزئ عَن الْكَفَّارَة”.\n٧ - قَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح صَحِيح مُسلم ٣/١٠٢: “أَجمعت الْأمة على أَن الطَّهَارَة شَرط فِي صِحَة الصَّلَاة”.","vol":"1","page":418},{"text":"وَالرَّابِع١: مثل من فَوت الْجُمُعَة وَالْجهَاد الْمُتَعَيّن٢.\nوَإِذا حصل مُقَارنًا لمحظور يضاد بعض أَجْزَائِهِ لم يكن قد حصل كَالْوَطْءِ فِي الْإِحْرَام فَإِنَّهُ يُفْسِدهُ٣.\nوَإِن لم يضاد بعض الْأَجْزَاء يكون قد اجْتمع الْمَأْمُور والمحظور كَفعل مَحْظُورَات الْإِحْرَام فِيهِ أَو فعل قَول الزُّور وَالْعَمَل بِهِ فِي الصّيام.\nفَهَذِهِ ثَلَاثَة أَقسَام فِي الْمَحْظُور كالمأمور:\nإِذْ الْمَأْمُور بِهِ إِذا تَركه يسْتَدرك تَارَة بالجبران والتكميل وَتارَة بِالْإِعَادَةِ، وَتارَة لَا يسْتَدرك والمحظور كالمأمور إِمَّا أَن يُوجب فَسَاده فَيكون فِيهِ الْإِعَادَة أَو لَا يسْتَدرك وَإِمَّا أَن يُوجب نَقصه مَعَ الْإِجْزَاء فَيجْبر أَو لَا يجْبر.\nوَإِمَّا أَن يُوجب إِثْمًا فِيهِ يُقَابل ثَوَابه.\nفَالْأول٤: كإفساد الْحَج٥.\n_________\n١ - أَي نقص الْمَأْمُور الَّذِي يبْقى فِي الْعهْدَة وَلَا يجْبر.\n٢ - قَالَ ابْن قدامَة فِي الْمُغنِي ٨/٣٤٦ - ٣٤٧: “وَيتَعَيَّن الْجِهَاد فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع:\nأَحدهَا: إِذا التقى الزحفان وتقابل الصفان حرم على من حضر الِانْصِرَاف وَتعين عَلَيْهِ الْمقَام.\nالثَّانِي: إِذا نزل الْكفَّار بِبَلَد تعين على أَهله قِتَالهمْ ودفعهم.\nالثَّالِث: إِذا اسْتنْفرَ الإِمَام قوما لَزِمَهُم النفير”.\n٣ - قَالَ ابْن قدامَة فِي الْمُغنِي ٣/٣٣٤: “أما فَسَاد الْحَج بِالْجِمَاعِ فِي الْفرج فَلَيْسَ فِيهِ اخْتِلَاف قَالَ ابْن الْمُنْذر: أجمع أهل الْعلم على أَن الْحَج لَا يفْسد بإتيان شَيْء فِي حَال الْإِحْرَام إِلَّا الْجِمَاع”.\n٤ - أَي الْمَحْظُور الَّذِي يُوجب الْفساد وَيكون فِيهِ الْإِعَادَة.\n٥ - قَالَ النَّوَوِيّ فِي الْمَجْمُوع ٧/٣٨٩ “يجب على مُفسد الْحَج أَو الْعمرَة الْقَضَاء بِلَا خلاف”.","vol":"1","page":419},{"text":"وَالثَّانِي١: كإفساد الْجُمُعَة.\nوَالثَّالِث٢ كَالْحَجِّ مَعَ محظوراته٣.\nوَالرَّابِع٤: كَالصَّلَاةِ مَعَ مُرُور الْمُصَلِّي٥ أَمَامه٦.\nوَالْخَامِس٧: كَالصَّوْمِ مَعَ قَول الزُّور وَالْعَمَل بِهِ٨\nفَهَذِهِ الْمسَائِل مَسْأَلَة الْفِعْل الْوَاحِد وَالْفَاعِل الْوَاحِد وَالْعين الْوَاحِدَة هَل يجْتَمع فِيهِ أَن يكون مَحْمُودًا مذمومًا، مرضيًا مسخوطًا، محبوبًا مبغضًا، مثابًا معاقبًا، متلذذًا متألمًا؟ يشبه بَعْضهَا بَعْضًا والاجتماع مُمكن من وَجْهَيْن، لَكِن من وَجه وَاحِد مُتَعَذر، وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ\n_________\n١ - أَي الْمَحْظُور الَّذِي يُوجب الْفساد وَلَا يسْتَدرك.\n٢ - أَي الْمَحْظُور الَّذِي يُوجب النَّقْص مَعَ الْإِجْزَاء وَيجْبر.\n٣ - قَالَ ابْن قدامَة فِي الْمُغنِي ٣/٤٩٢: “على الْمحرم فديَة إِذا حلق رَأسه وَلَا خلاف فِي ذَلِك قَالَ ابْن الْمُنْذر: أجمع أهل الْعلم على وجوب الْفِدْيَة على من حلق وَهُوَ محرم بِغَيْر عِلّة”\n٤ - أَي الْمَحْظُور الَّذِي يُوجب النَّقْص مَعَ الْإِجْزَاء وَلَا يجْبر.\n٥ - كَذَا فِي المطبوع ولعلها “مَعَ مُرُور أحد أَمَامه” أَو نَحْوهَا وَالله أعلم.\n٦ - قَالَ الصَّنْعَانِيّ فِي سبل السَّلَام ١/٢٢٨ “وَذهب الْجُمْهُور إِلَى أَنه لَا يقطعهَا شَيْء وتأولوا الحَدِيث بِأَن المُرَاد بِالْقطعِ نقص الْأجر لَا الْإِبْطَال، قَالُوا: - لشغل الْقلب بِهَذِهِ الْأَشْيَاء”.\nوَقَالَ فِي سبل السَّلَام ١/٢٣١ فِي مَسْأَلَة دفع الْمَار بَين الْمُصَلِّي وسترته: “وَقد اخْتلف فِي الْحِكْمَة الْمُقْتَضِيَة لِلْأَمْرِ بِالدفع فَقيل لدفع الْإِثْم عَن الْمَار، وَقيل لدفع الْخلَل الْوَاقِع بالمرور فِي الصَّلَاة، وَهَذَا هُوَ الْأَرْجَح لِأَن عناية الْمُصَلِّي بِصَلَاتِهِ أهم من دَفعه الْإِثْم عَن غَيره، قلت: - وَلَو قيل إِنَّه لَهما مَعًا لما بعد فَيكون لدفع الْإِثْم عَن الْمَار ... ولصيانة الصَّلَاة عَن النُّقْصَان من أجرهَا”.\n٧ - أَي الْمَحْظُور الَّذِي يُوجب إِثْمًا فِي الْعَمَل يُقَابل ثَوَابه.\n٨ - قد تقدم فِي ص ٤١٩.","vol":"1","page":420},{"text":"وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ ١“٢.\n_________\n١ - سُورَة الْبَقَرَة آيَة رقم ٢١٩.\nويقصد شيخ الْإِسْلَام من إِيرَاد هَذِه الْآيَة أَنه اجْتمع فيهمَا الْأَمْرَانِ من جِهَتَيْنِ:\nفَمن جهةٍ فيهمَا إِثْم كَبِير فِي الدّين.\nوَمن جِهَة أُخْرَى فيهمَا مَنَافِع للنَّاس من جِهَة الدُّنْيَا من حَيْثُ إِن فِي الْخمر لَذَّة الشدَّة المطربة وَكَذَا بيعهَا وَالِانْتِفَاع بِثمنِهَا، وَفِي الميسر مَا كَانَ يَأْخُذهُ بَعضهم فينفقه على نَفسه أَو عِيَاله، وَلَكِن هَذِه الْمصَالح لَا توازي الْمضرَّة والمفسدة الراجحة فيهمَا لتعلقها بِالْعقلِ وَالدّين وَلِهَذَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ وَلِهَذَا كَانَت هَذِه الْآيَة ممهدة لتَحْرِيم الْخمر على الْبَتَات.\nانْظُر تَفْسِير ابْن كثير ١/٢٥٦\n٢ - مَجْمُوع الْفَتَاوَى ١٩/٢٩٦ - ٣٠٥.","vol":"1","page":421},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>الخاتمة</span>\nبعد أَن استعرضنا كَلَام شيخ الْإِسْلَام وناصر السّنة المؤصل النفيس فِي مبحثي الْإِرَادَة فِي الْأَمر، وَالْعَمَل الْوَاحِد هَل يجوز أَن يكون مَأْمُورا بِهِ مَنْهِيّا عَنهُ؟ ألخص هُنَا أهم النقاط فِي هذَيْن المبحثين:\n١ - أَن مَبْحَث الْإِرَادَة فِي الْأَمر يرجع إِلَى مَسْأَلَة الْقدر وَمَسْأَلَة إِرَادَة الرب سُبْحَانَهُ المبحوثة فِي أصُول الدّين.\n٢ - أَن الْإِرَادَة عِنْد أهل السّنة وَالْجَمَاعَة على نَوْعَيْنِ:\nأ - الْإِرَادَة الكونية الْقَدَرِيَّة الخلقية الشاملة لجَمِيع الْحَوَادِث.\nب - الْإِرَادَة الدِّينِيَّة الشَّرْعِيَّة الأمرية وَهِي بِمَعْنى الْمحبَّة والرضى.\n٣ - أَنه لعدم معرفَة الْفرق بَين الإرادتين وَقع الْخَطَأ فِي مَسْأَلَة الْإِرَادَة فِي الْأَمر فِي أصُول الْفِقْه\n٤ - أَن الْأُصُولِيِّينَ يذكرُونَ فِي كتبهمْ أَن فِي الْمَسْأَلَة قَوْلَيْنِ: -\nالقَوْل الأول: الْأَمر مُسْتَلْزم للإرادة مُطلقًا وَهُوَ قَول الْقَدَرِيَّة وَمِنْهُم الْمُعْتَزلَة.\nالقَوْل الثَّانِي: الْأَمر غير مُسْتَلْزم للإرادة من غير تَفْصِيل وَهُوَ قَول الْجَهْمِية والأشاعرة وينسبه الأصوليون لِلْجُمْهُورِ.\n٥ - أَن فِي الْمَسْأَلَة قولا ثَالِثا لَا يذكر فِي كتب الْأُصُول غَالِبا وَهُوَ أَن الْأَمر مُسْتَلْزم للإرادة الشَّرْعِيَّة الدِّينِيَّة الأمرية، وَغير مُسْتَلْزم للإرادة الكونية، وَهَذَا هُوَ قَول السّلف وأئمة الْفِقْه.\n٦ - أَن القَوْل الصَّحِيح فِي الْمَسْأَلَة هُوَ القَوْل الثَّالِث قَول السّلف وأئمة الْفِقْه وَهُوَ الَّذِي دلّ عَلَيْهِ القرءان.\nيَقُول الله ﷿ ﴿يُرِيد الله بكم الْيُسْر وَلَا يُرِيد بكم الْعسر﴾ وَهَذِه الْإِرَادَة","vol":"1","page":422},{"text":"الشَّرْعِيَّة الأمرية، وَالْأَمر مُسْتَلْزم لهَذِهِ الْإِرَادَة.\nوَيَقُول الله ﷿ ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ وأجمعت الْأمة على قَول “مَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن” وَهَذِه الْإِرَادَة الكونية الْقَدَرِيَّة، وَالْأَمر غير مُسْتَلْزم لهَذِهِ الْإِرَادَة.\n٧ - أَن مَبْحَث الْعَمَل الْوَاحِد هَل يجوز أَن يكون مَأْمُورا بِهِ مَنْهِيّا عَنهُ؟ مُرْتَبِط بِمَسْأَلَة الشَّخْص الْوَاحِد فِي أصُول الدّين.\n٨ - أَن مَذْهَب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة أَن المذنب من أهل الْملَّة الإسلامية مُؤمن فَاسق نَاقص الْإِيمَان فَهُوَ مُطِيع عاصٍ، وَأهل الْكَبَائِر من أمة مُحَمَّد ﷺ لَا يخلدُونَ فِي النَّار إِذا مَاتُوا وهم موحدون.\n٩ - أَن مَذْهَب الْخَوَارِج أَن مرتكب الْكَبِيرَة يكفر بذلك وَيخرج من الْإِيمَان\n١٠ - أَن مَذْهَب الْمُعْتَزلَة أَن مرتكب الْكَبِيرَة من أهل مِلَّة الْإِسْلَام فِي الدُّنْيَا يخرج من الْإِيمَان وَلَا يدْخل فِي الْكفْر فَهُوَ فِي منزلَة بَين المنزلتين.\n١١ - أَن الْمُعْتَزلَة والخوارج اتَّفقُوا على أَن مرتكب الْكَبِيرَة مخلد فِي النَّار يَوْم الْقِيَامَة.\n١٢ - أَن بعض الْأُصُولِيِّينَ وافقوا الْمُعْتَزلَة فِي مَسْأَلَة الْعَمَل الْوَاحِد فِي أصُول الْفِقْه وَإِن كَانُوا مخالفين لَهُم فِي مَسْأَلَة الشَّخْص الْوَاحِد فِي أصُول الدّين.\n١٣ - أَن من الْأُصُولِيِّينَ من جعل مَبْحَث الْعَمَل الْوَاحِد هَل يكون مَأْمُورا بِهِ مَنْهِيّا عَنهُ؟ مبحثًا عقليًا وَقَالَ إِن ذَلِك يمْتَنع عقلا.\n١٤ - أَن للأصوليين فِي مَبْحَث الْعَمَل الْوَاحِد وَهِي مَسْأَلَة الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة أَرْبَعَة أَقْوَال:\nالقَوْل الأول: إِن ذَلِك مُمْتَنع عقلا وباطل شرعا.\nالقَوْل الثَّانِي: إِن ذَلِك جَائِز عقلا وباطل شرعا فالمانع سَمْعِي.\nالقَوْل الثَّالِث: إِن ذَلِك جَائِز عقلا وسمعًا، وَهُوَ قَول أَكثر الْفُقَهَاء.","vol":"1","page":423},{"text":"القَوْل الرَّابِع: إِن ذَلِك مُمْتَنع عقلا ووارد سمعا، وَهَذَا معنى قَوْلهم “حصل الْإِجْزَاء عِنْده لَا بِهِ” وَهَذَا قَول الباقلاني والرازي والآمدي وَهُوَ أفسد الْأَقْوَال عِنْد شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية.\n١٥ - أَن الصَّوَاب فِي هَذِه الْمَسْأَلَة أَن ذَلِك جَائِز عقلا.\n١٦ - أَن الْفِعْل الْمعِين كَالصَّلَاةِ فِي الدَّار الْمعينَة لَا يُؤمر بِعَينهَا وَينْهى عَن عينهَا لِأَنَّهُ تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق.\n١٧ - أَن الصَّلَاة قد يُؤمر بهَا مُطلقَة وَينْهى عَن الْكَوْن فِي الْبقْعَة الْمَغْصُوبَة فَيكون مورد الْأَمر غير مورد النَّهْي، وَيكون العَبْد هُوَ الَّذِي جمع بَين الْمَأْمُور بِهِ والمنهي عَنهُ إِذا صلى فِي أَرض مَغْصُوبَة، لَا أَن الشَّارِع أمره بِالْجمعِ بَينهمَا.\n١٨ - أَنه قد يُقَال فِيمَن صلى فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة: إِنَّه إِنَّمَا نهي عَن جنس الْكَوْن فِيهَا لَا عَن خُصُوص الصَّلَاة فِيهَا فقد أدّى الْوَاجِب بِمَا لم ينْه عَن الِامْتِثَال بِهِ لَكِن نهي عَن جنس فعله فبه اجْتمع فِي الْفِعْل الْمعِين مَا أَمر بِهِ من الصَّلَاة الْمُطلقَة وَمَا نهي عَنهُ من الْكَوْن الْمُطلق فَهُوَ مُطِيع عاصٍ.\n١٩ - وَأَنه قد يُقَال فِيمَن صلى فِي أَرض مَغْصُوبَة: إِنَّه مَنْهِيّ عَن الِامْتِثَال بهَا كَمَا هُوَ مَنْهِيّ عَن الِامْتِثَال بِالصَّلَاةِ بِالثَّوْبِ النَّجس لِأَن الْمَكَان شَرط فِي الصَّلَاة وَالنَّهْي عَن الْجِنْس نهي عَن أَنْوَاعه فَيكون مَنْهِيّا عَن بعض هَذِه الصَّلَاة.\n٢٠ - أَن فعل الْمَأْمُور بِهِ يُوجب الْبَرَاءَة وَقد تقارنه مَعْصِيّة بقدرة تخل بِالْمَقْصُودِ فتقابل الثَّوَاب.\n٢١ - أَن الْعَمَل الْوَاحِد يُمكن أَن يجْتَمع فِيهِ أَن يكون مَأْمُورا بِهِ مَنْهِيّا عَنهُ من وَجْهَيْن أما من وَجه وَاحِد فمتعذر.","vol":"1","page":424}]}